← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

متابعات تعقيب على محاورة الأخ د. محمد عبد الله الشباني بقلم: أ. د. يوسف القرضاوي وصلنا تعقيب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي على مقال: (وقفات متأنية مع آراء فضيلة د. القرضاوي حول العلاقة مع أهل الكتاب) للدكتور محمد الشباني، وقد أسعدنا تواصل فضيلته مع المجلة، ويسرنا أن ننشر تعقيبه بتمامه، وإن كنا نختلف معه في مسائل ذكرناها تعليقاً، ومع ذلك نرحب بكل نقد بناء جاد. وفّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. أطلعني بعض الإخوة الأفاضل على عدد من مجلة (البيان) التي تصدر في لندن (العدد ١١٢ أبريل مايو ١٩٩٧م) وفيها حوار أو مناقشة لبعض ما لخصه أحد الإخوة بمجلة (المجتمع) الكويتية من تعقيب لي على محاضرة الأستاذ الدكتور رجاء جارودي، حينما دعي إلى جامعة قطر بالدوحة. وكان كاتب المقال هو الدكتور محمد عبد الله الشباني، تحت عنوان: وقفات متأنية مع آراء فضيلة د. القرضاوي في العلاقة مع أهل الكتاب. وأنا شاكر للأخ الدكتور د. الشباني حسن أدبه في تناول الموضوع، وأقدِّر له غيرته واجتهاده، وإن كنت أخالفه فيما انتهى إليه من آراء تخص موقفي. التوحيد والأخلاق: أولاً: أخذ عليّ الأخ الشباني قولي: إن رسالة الإسلام رسالة أخلاقية في الدرجة الأولى، وكأنه فهم من هذه الجملة أني أعتبر (التوحيد) في الدرجة الثانية أو الثالثة، وطفق يذكر الأدلة على أهمية التوحيد، كأني أنكر ذلك أو أجهله. والحق أني أعتبر (التوحيد) كما يعتبره كل مسلم أساس الدين، بل أساس الديانات السماوية كلها، ولكني أيضاً اعتبره من جملة الأخلاق؛ لأنه من (العدل) الذي يعطي كل ذي حق حقه، ولا حق لأحد أن يعبد غير الله تعالى الرب الخالق المعلم للإنسان. ولا غرو أَنِ اعتبر القرآن الشرك من (الظلم) بل هو ظلم عظيم، كما جاء في القرآن على لسان لقمان؛ إذ قال لابنه وهو يعظه: -صلى الله عليه وسلم-[يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣] . وقد صحح الرسول الكريم ﷺ للصحابة فهمهم للآية الكريمة من سورة الأنعام: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨٢] حين قالوا: وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ فقال: ليس كما فهمتم، إنه الشرك. ألم تقرؤوا قول العبد الصالح: [إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [١] . ونجد القرآن الكريم يعتبر الإيمان والشعائر العبادية وعمل الصالحات، وفعل الخيرات والجهاد في سبيل الله ونحوها من جملة الأخلاق المحمودة، ويصف أهلها من المؤمنين والأبرار والمتقين بصفات أخلاقية مثل (الصدق) وهو فضيلة أخلاقية بلا ريب. يقول تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] [الحجرات: ١٥] . وقال : [لَيْسَ البِرَّ أََن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقََابِ وَأََقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البََاًسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَاًسِ أُوْلَئِكَ الَذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ] [البقرة: ١٧٧] . ومن هنا أثنى الله على أولي العزم من الرسل فوصفم بصفات أخلاقية، كما قال عن نوح: [إنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً] [الإسراء: ٣] . وقال عن إبراهيم الخليل: [وَإبْرَاهِيمَ الَذِي وَفَّى] [النجم: ٣٧] . وخاطب خاتم رسله محمداً بقوله: [وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: ٤] . ولا غرو أن قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [٢] . ولقد ذكر الإمام ابن القيم في (مدارج السالكين) ما نقله الكتاني عمن قبله أنهم قالوا: التصوف هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف [٣] وعلق على ذلك ابن القيم بقوله: (بل الدين كله هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق، فقد زاد عليك في الدين) [٤] . وقد عرّف بعضهم التصوف فقال: هو الصدق مع الحق، والخُلُقُ مع الخَلْق. ولا يخفى أن الصدق خلق أيضاً، فقد أصبح التصوف كله خلقاً. بل هذا هو الدين كله: أن تكون مع الله بالصدق، ومع الناس بحسن الخُلُق. أو أن تكون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مع الله بالتقوى، ومع الناس بالإحسان، كما يشير إليه قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ مَعَ الَذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون] [النحل: ١٢٨] . وفي ضوء هذه المفاهيم الإسلامية الصحيحة يجب أن يُفهم معنى قولي: إن الإسلام رسالة أخلاقية في الدرجة الأولى، فأنا أُدخِل في هذا المفهوم: العقائد والعبادات وعمل الصالحات والدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله. وقديماً قال علماؤنا: لا مشاحّة في الاصطلاح. معركتنا مع اليهود: ثانياً: علق الأخ الشباني على قولي: إن معركتنا مع اليهود ليست من أجل العقيدة، بل من أجل الأرض التي اغتصبوها، والحرمات التي انتهكوها، والدماء التي سفكوها. وقال: إنها تحتمل معنى صحيحاً لا غبار عليه، وهو أن صراعنا مع اليهود في هذه المرحلة من أجل أرض فلسطين. وإذا كان هذا المعنى الصحيح محتملاً، فلماذا نفترض المعنى الآخر؟ والذي جعلني أقول هذا القول: أن اليهود يشيعون في أنحاء العالم أنهم جنس مضطهد مجني عليه، مظلوم من الناس كافة، وأن اضطهاده إنما هو من أجل عقيدته وعنصره، أي لأنهم يهود، ولأنهم ساميون. ولذا نراهم يتاجرون بمعاداة السامية. ونحن نريد أن نقول لهم: إننا لم نحاربكم من أجل عقيدتكم اليهودية، ولا عنصريتكم السامية [٥] ، فنحن المسلمين نعتبركم أهل كتاب، حتى إن القرآن أباح مؤاكلتكم ومصاهرتكم، ونحن العربَ ساميون مثلكم، فأنتم أبناء عمومتنا. وبذلك نبطل الدعوى التي يتشدقون بها ويستدرّون بها عطف الأمم كافة عليهم. على أني إذا قلت: إن المعركة من أجل الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، فهذا لا ينفي الطابع الديني عن المعركة؛ لأنها معركة (في سبيل الله) يقيناً، معركة دفاع عن الحق والأرض والعرض والشرف والدين، وكل المقدسات. وكل معركة يخوضها المسلم دفاعاً عن أرضه وحرماته هي معركة دينية؛ لأنها في سبيل الله لا في سبيل الطاغوت، وقد قال تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ] [النساء: ٧٦] . فكيف إذا كانت الأرض التي يدافع عنها المسلم تتميز بأنها أولى القبلتين، وبها ثالث المسجدين المعظمين، وهي أرض الإسراء والمعراج، وأرض النبوات والبركات، وأرض الرباط والجهاد؟ أجل، إنها معركة تحرير القدس وإنقاذ الأقصى؟ ! ولا يُتصور من مثلي أن ينفي الطابع الديني عن المعركة بيننا وبين اليهود، وأنا أنادي في كتبي وفي محاضراتي وفي فتاواي وخطبي منذ سنين طويلة بفرضية الجهاد من أجل فلسطين، وضرورة (إسلامية) المعركة، وأننا لم نُهزم إلا أننا دخلناها عرباً ولم ندخلها مسلمين. ويمكن أن يراجع من يشاء كتبي: درس النكبة الثانية، الحلول المستوردة، أولويات الحركة الإسلامية وغيرها، وكذلك فتاويّ حول الصلح مع إسرائيل، وعن زيارة القدس والصلاة في الأقصى في ظل الاحتلال، والمشاركة في انتخابات الكنيست، وردودي على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وغيرها، ليعرف منه حقيقة موقفي من إسلامية المعركة مع الصهيونية الباغية المغتصبة. هل هناك أصول مشتركة بيننا وبين أهل الكتاب؟ ثالثاً: أثار الأخ الشباني زوبعة حول ما نقل عني أني قلت معقباً على موقف جارودي ما معناه: لا مانع من وقوف أتباع الديانات السماوية في خندق واحد، أي في مواجهة الإلحاد والإباحية، وقد يختلفون في بعض الأمور، ولكن بينهم من الأصول المشتركة ما يجمعهم ضد الذين ينادون بوحدانية الدولار، ووحدانية السوق، ويعتبرون أنه (لا إله إلا المادة) . أنكر الأخ الكاتب هذا القول، وزعم أنه يناقض أصول الإسلام وحقائق التوحيد.. وقال: ليس بيننا وبين اليهود والنصارى أي أصول مشتركة، فهم مشركون كفرة، وقد حكم الله عليهم بالكفر.. إلخ ولو كان ما قاله الكاتب صحيحاً، لم يكن هناك معنى ولا مبرر لأن يميزهم الإسلام عن غيرهم من سائر الكفار، ويعتبرهم (أهل كتاب) وأهل دين سماوي ويناديهم: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ] [آل عمران: ٦٤] وأن يقول القرآن فيهم: [وَطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ... ] [المائدة: ٥] فأباح مؤاكلتهم ومصاهرتهم، والمصاهرة أحد الرابطين الأساسين بين البشر [وَهُوَ الَذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً] [الفرقان: ٥٤] . فكيف أجاز للمسلم أن تكون شريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده من أهل الكتاب؟ ومن لوازم ذلك: أن يكون أبو زوجته الكتابية وأمها جدين لأولاده، وإخوانها أخوالهم، وأخواتها خالاتهم، ولهؤلاء جميعاً وأولادهم حقوق الأرحام وذوي القربى؟ ولا ريب أنهم كفار؛ لأنهم لم يؤمنوا برسالة محمد ﷺ ، ولكنهم غير (المشركين) أو (الذين أشركوا) [٦] فهم صنف آخر يذكر معطوفاً عليهم في القرآن، والعطف يقتضي المغايرة، كما في قوله تعالى: [مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ] [البقرة: ١٠٥] وقوله: [لَمْ يَكُنِ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حََتَّى تَاًتِيَهُمُ البَيِّنَةُ] [البينة: ١] ، [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا] [البينة: ٦] ، [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ] [الحج: ١٧] . فدلّت هذه الآيات الكريمة على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى غير المشركين الذين ذكرهم القرآن، ويقصد بهم عباد الأوثان، كما كان عليه مشركو العرب. ولو لم يكن هناك أصول مشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب ما أجاز للمسلمين أن يصاهروهم، ولحرم ذلك عليهم كما حرم مصاهرة المشركين، حيث قال: [وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ] [البقرة: ٢٢١] . والواقع أنه توجد أصول مشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب في الجملة [٧] ، منها: الإيمان بالله، والإيمان بوجوب التعبد له، والإيمان بالنبوة والوحي، والإيمان بالآخرة، والإيمان بالقيم الأخلاقية. ومن ثم يمكن أن يقف هؤلاء مع المسلمين في خندق واحد، لمقاومة النزعات الإلحادية، ودعوات الانحلال والإباحية، والوقوف في وجه المظالم والاعتداءات البشرية. وهذا ما جعل الأزهر ورابطة العالم الإسلامي والفاتيكان يقفون في صف واحد في مؤتمر السكان الذي انعقد بالقاهرة في صيف سنة ١٩٩٤م ضد دعاة الإجهاض والإباحية الجنسية. وهو ما جعل الكثيرين يرحبون بالحوار الإسلامي المسيحي [٨] ، كما فعل ذلك وفد رابطة العالم الإسلامي برئاسة أمينها العام الشيخ محمد علي الحركان، وعدد من الأساتذة الكبار، حيث ذهبوا إلى الفاتيكان، وحاوروا كبار أساقفته، ووصلوا إلى نتائج مهمة سجلوها في كتاب نشرته الرابطة. وكذلك قام حوار في ليبيا شارك فيه عدد من الشيوخ والمفكرين المسلمين، وقُدِّمت فيه بحوث من كلا الطرفين في أربعة موضوعات محددة، وانتهوا إلى توصيات مشتركة، أعتقد أنها نافعة. ولو كان أهل الكتاب كالمشركين الأقحاح سواء بسواء كما يقول الأخ المعقب لما حزن المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ في مكة حين انتصر الفرس وهم مجوس يعبدون النار ويقولون بإلهين اثنين على الروم، وهم نصارى أهل كتاب، على عكس ما كان عليه المشركون من أهل مكة، الذين فرحوا بانتصار الفرس على الروم، معتبرين أن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى المسلمين من المجوس. وقد نزل في ذلك قرآن يتلى يبشر المسلمين بأن هذه الغلبة للفرس لن تدوم، وأن اتجاه الريح سيتغير لصالح الروم في بضع سنين، وقال تعالى: [الّم) (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ] ٤ [بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ] [الروم: ١ - ٥] . إن القرآن الكريم أمرنا ألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وأن نركز على القواسم المشتركة بيننا وبينهم، لا على نقاط التمايز والاختلاف، يقول تعالى: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] [العنكبوت: ٤٦] . وما أحوج الدعاة اليوم إلى هذا الأدب القرآني في عصر تقارب فيه العالم حتى أصبح قرية كبرى كما قال بعض الأدباء، وأنا أقول: إنه أصبح قرية صغرى، نتيجة ثورة الاتصالات، ورسالة الدعاة اليوم يجب أن تركز على تبليغ دعوة الإسلام إلى العالم بلغاته المختلفة عبر الإذاعات الموجهة، والأقمار الصناعية، والرسائل المكتوبة، وترجمة معاني القرآن إلى الألسنة المختلفة، وهذا هو الجهاد الأول اليوم، وهذا كله قد أخفق فيه المسلمون إخفاقاً بيناً، ولكنهم نجحوا في استفزاز الآخرين وإيغار صدورهم، وتخويفهم من ظهور الإسلام، الذي لن يعاملهم إلا بسل السيف على رقاب الجميع، وإعلان الحرب على البشرية كلها [٩] . أسأل الله أن يرزقنا فقه الدعوة، وفقه الفتوى، حتى نفرق بين الثوابت والمتغيرات، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال وغيرها، فالدعوة وأساليبها أوْلى بالتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 2732

منتدى القراء تأمل في مقولة لابن تيمية بقلم: أم طلحة بنت عبد الغفور (جنتي في صدري.. إن رحت فهي معي لا تفارقني: إن حبسي خلوة.. وقتلي شهادة.. وإخراجي من بلدي سياحة) . هذا ما قاله ابن تيمية في أصعب لحظات حياته عندما دخل سجن القلعة حيث توفي هناك.. موقف عصبي ومشهد تتحرك فيه المشاعر.. يضيق الصدر وتبدأ نجمة الأمل بالأفول.. ويصبح الطائر المغرد مكسور الجناح غضيض الطرف، يشدو بصوته الحزين.. وابن تيمية ينظر إليها وكأنها سياحة.. وخلوة.. بمعنى راحة نفسية.. أنعم بها من مقولة.. هذا هو موقف المسلم: صلب شديد.. قوي أريب.. متأمل في سيرة الأنبياء والسلف الصالح.. ليجد النماذج الحية في الصبر والتسلي عن المصائب.. تتوالى النكبات تلو النكبات والمصائب تلو المصائب.. وكأنه لم يحدث شيء ... يرسم ابتسامة رضى على شفتيه. هذا هو منهج الأنبياء ومنهج السلف.. محمد ﵇ ربى أصحابه على ذلك؛ نراه وقد خرج من الطائف إلى مكة وقلّ الناصر والمعين.. لا أهل ولا عشيرة ولا أقربين.. تغير وجه الأرض، وتنكر له العالم.. عندما قال: لا لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده.. وموسى وعيسى ويوسف وأيوب وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام.. تعامل فذ وحنكة في التصرف.. جعلهم جباهاً شامخة صامدة تواجه كل الصعاب.. إن تخطي المصائب الدنيوية يورث قوة إرادية وعزيمة وحنكة.. ولذة في العبادة.. فالمرء بحاجة إلى تفكير بعين الفاحص المتأمل حتى يحيا مع الله دون عوائق ومشاق.

стр. 2733

منتدى القراء هل من أولي بقية ؟ ! بقلم: عماد الدين سعد العسقلاني يقول الله تعالى: [فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ] [هود: ١١٦] . كلمات قليلة العدد عظيمة المعنى قد نمر عليها مر الكرام فلا تلفت لنا نظراً ولا تحرك لنا فكراً، وفي هذه الكلمات لا أريد شرح الآية ولكن لفت النظر إلى قوله تعالى: [أُوْلُوا بَقِيَّةٍ] فما أهمية تلك الكلمات؟ ! في هذه الآية ينبئنا الله عن سبب رئيس من أسباب هلاك القرون والأمم من قبلنا، ولكن نلاحظ أنه سبحانه لم يقل إن هلاكهم بسبب فسادهم وإن كان سبباً ولكن ركز على جانب آخر وصفة أخرى، عدمها فيهم أدى إلى عدمهم، وفناؤها فيهم أدى إلى فنائهم. ما هذه الصفة؟ وما هذا الجانب؟ إنها عدم وجود فئة تنهى عن الفساد في الأرض. ليس المطلوب أن تكون الأمة بأكملها أمة قائمة بأوامر الله دون نقص، فالنقص من صفات البشر الملازمة لهم، وليس المطلوب أيضاً أن تكون من الأمة فئة صالحة تتعبد لله وتقدسه سبحانه بغض النظر عما يفعله الآخرون. لا.. ليس هذا المطلوب لتنجو الأمة من عذاب شامل يصيب الصالح والطالح، وإنما كل ما هو مطلوب للنجاة أن تبقى فئة تنهى عن الفساد، تأمر بالمعروف عندما ينكره الناس، وتنهى عن المنكر عندما يتعارف عليه الناس، تدعو أمتها وقومها إلى طاعة ملك الملوك، رب الأرباب، الذي خلقهم فعصوه، وأنعم عليهم فكفروه، وأمهلهم فنسوه، تدعو قومها ولسان حالها يقول: [وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إلَى النَّارِ] (غافر: ٤١) . نعم لأن الأمة لن تسمح لهذه الفئة الباقية على أمر الله أن تأمر وتنهى وتدعو للنجاة، بل ستعتبرها فئة مزعجة تنغص عليها حياتها ومتعتها وما تعارفت عليه الأمة من فساد.

стр. 2734

منتدى القراء صبراً يا دعاة.. إن نصر الله قريب بقلم: حسين إدريس حامد عن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا ربك؟ قال: فجلس وكان متكئاً على برد له في ظل الكعبة، وقال: (كان ممن قبلكم يؤتى بالرجل، فيحفر له ويدفن إلى قامته، ويشق بمنشار الحديد فلقتين، ويمشط ما بين لحمه وعظمه وعصبه بأمشاط الحديد، ولا يثنيه ذلك عن دينه شيئاً، والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) [١] . لنا في رسول الله أسوة حسنة؛ فهو الصابر المثابر المستهين بعنت المشركين، يمشي في بطحاء مكة واثقاً بأن الإسلام دين الله الذي ارتضاه لعباده وأنه سينتشر ويعم أرجاء المعمورة رضي الناس أم سخطوا. لم يأبه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقسوة قريش وأذاها، واستمر في دعوته مبيناً أنه رسول رب العالمين، ورسالته للناس أجمعين، وانطلقت الدعوة إلى الله تشق طريقها رغم الصعاب والعقابيل التي يضعها المشركون ليحولوا بين الناس وبين نور الهدى، [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] . أيها الدعاة: إن رسالة الإسلام لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، ومن يعترضها فإنما يعترض قضاء الله وقدره، وقد تكفل المولى من فوق سبع سماوات بحمايتها وكتب على نفسه نصر عباده الصالحين، وجعلهم المستخلفين في الأرض [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] [الأنبياء: ١٠٥] .

стр. 2735

منتدى القراء الغضب بقلم: أحمد بن سعد الصاعدي إن الغضب شعلة من نار تلظى تطلع على الأفئدة تحرق الوقار والسكينة وحسن السمت. فهو جدير بهدم البناء الخلقي؛ لأنه مدعاة إلى المقت والخذلان وصفة ذميمة تعافها النفوس، وتشمئز منها القلوب، وتُمَزِّق التعاون والتآلف، وتنحدر بصاحبها إلى الهاوية؛ لأن الغضب طبع ذميم يشوبه الكبر والغطرسة والعجب والغرور؛ فما إن يتمكن في القلب حتى يجعله كالرميم؛ لأنه محرق للفؤاد، ومشتتٌ للذهن، ومنغصٌ للحياة، ومدمرٌ للأسر، وقاطع للأرحام، ومفرق للجماعات، ومزهق للأرواح، ومظهر للأفعال بدون ترتيب ونظام وتفكير وبناء للألفاظ؛ فهو جالبٌ للخصوم، ومضيع للحقوق، وساكبٌ للأحقاد في قلوب العباد. فحري بكل مسلم ومسلمة أن يكون بعيداً عن أسبابه؛ لكي ينجو من الانحطاط الخلقي الذي يمارسه الغاضب من سوء في المقال، وخبث في الأفعال بدون تمعنٍ في عاقبة الخذلان. وما هذا كله إلا لأن الغاضب لنفسه يقدم العاطفة على العقل في أقواله وأفعاله؛ فهو يتصرف بعاطفته لا بعقله، ولو علم حقيقة ما يغضب من أجله لعد نفسه من المجانين؛ لأنه بعيد عن واقع ما يغضب من أجله. والمتأمل في كثير ممن يمارسون سرعة الغضب وانفعاله لديهم يرى أنهم يندمون على فعلهم في حال غضبهم، فهم في تعاسة في حال فعلهم، وحسرة على ما صدر منهم بعد زوال الغضب. فهم في شقاق وشقاء وظلام؛ لأنهم يفعلون ما لا يريدون، ويبغضون ما يصنعون، ويطلبون السلامة بما لا يقدرون إلا بتوفيق الحي القيوم.

стр. 2736

منتدى القراء تعاملنا مع الحقائق بقلم: سالم بن جروان الضوي يقع الناس في تعاملهم مع الحقائق في أخطاء كثيرة، وتناقضات مثيرة. والمفترض في العاقل أن يتعامل مع الحقائق التي تيقنها بما يناسبها ويلائمها. والحقائق التي أعنيها هنا هي الحقائق الشرعية التي دل الكتاب والسنة على أنها حقائق. وقصدت الحقائق الشرعية بالحديث لسببين: ١- لأنها حقائق يقينية؛ فإن كل مسلم يؤمن إيماناً كاملاً ويوقن يقيناً تاماً بالحقائق التي دل الكتاب والسنة عليها. ٢- لأن أمر غيرها يسير بالنسبة إليها، فإن غاية الضرر الحاصل نتيجة التناقض في الحقائق التجارية مثلاً هو أن يخسر الإنسان المال، وخسارة المال أمر هين فإنه يمكن تعويضه. أما الحقائق الشرعية فإن أمرها صعب وخطير؛ لأنه قد يترتب على التناقض فيها والتعامل معها بما لا يناسبها دخول النار. وها أنا ذا أسوق بعض الأمثلة لبعض الحقائق الشرعية لنرى كيف يتعامل الناس معها: من الحقائق الشرعية التي دل عليها الكتاب والسنة هي حقيقة الموت قال تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ] [آل عمران: ١٨٥] وقال: [إنَّكَ مَيِّتٌ وَإنَّهُم مَّيِّتُونَ] [الزمر: ٣٠] . أيضاً لم يتعامل الناس مع هذه الحقيقة تعاملاً يناسبها خصوصاً أن هناك حقيقة أخرى تقول: [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراً يَرَهُ] [الزلزلة: ٧، ٨] . حتى إن الناس كأنهم بهذه الحقيقة يكذبون، وينظرون إليها بمنظار خاطئ هو أن فلاناً كبير السن فالموت منه قريب، وفلاناً صغير السن فالموت منه بعيد. والموت لا ينظر في أخذه للناس بهذا المنظار، ولكنه يتعامل معهم بحقيقة [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاًخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ] [الأعراف: ٣٤] كباراً كانوا أم صغاراً. ولهذا قال بعضهم مبيناً خطأ هذه النظرة: ولا تقل الصبا فيه امتهال ... وأبصر كم صبياً قد دفنا وتعجّب آخر من تعامل الناس مع هذه الحقيقة فقال: ولم أرَ مثل الموت حقاً كأنه ... إذا ما تخطته الأمانيّ باطل

стр. 2737

منتدى القراء المؤمن مرآة أخيه بقلم: عبد العزيز بن مشاري الصعب المسلم في هذا الزمن وخاصة الملتزم والمحافظ على إسلامه والداعية إليه بحاجة إلى من يواسيه ويشاركه همّ الدعوة إلى الله، ومن يوجهه ويأخذ بيده وينصح له وينقده نقداً بناءً يهدف إلى تقويمه لا إلى تثبيطه والتشهير به، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: (المؤمن مرآة المؤمن) . [صححه الألباني.. صحيح الجامع، ٦٦٥٦] وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀: فإنّ المؤمن للمؤمن كاليدين؛ تُغَسِّل إحداهما الأخرى. وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة؛ لكن ذلك يُوجب من النظافة، والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين) . وهذه النصيحة مما يتعبد لله بإسدائها للمنصوح له، كما قال ابن تيمية رحمه الله: وأعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه. بل إنها تعتبر من الصدقة كما في الحديث الصحيح عن أبي ذر ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: (وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) ، وقال ابن تيمية ﵀: ما تصدق رجل بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها جماعة، فيتفرقون وقد نفعهم الله بها. ونعمت الهدية كلمة من الخير يسمعها الرجل ثم يهديها إلى أخ له.

стр. 2738

منتدى القراء خلق مكروه بقلم: ماهر بن يوسف شحاده مكارم الأخلاق وحسن الخلق هما الدعائم الكريمة والركائز المتينة في الأدب الإسلامي، فالمسلم الحق الملتزم بدين الله وأوامره لا يحمل في قلبه حقداً لأحد ولا بغضاً ولا نفوراً منه، بل تجد قلبه مفعماً بحب الناس؛ لأن المؤمن الصادق يألف ويُؤْلف. أما الصنف الآخر من الناس فهو الذي تعوّد أن يدس أنفه في كل شيء سواءً كان يعنيه أو لا يعنيه يضيع وقته في تتبع ما يجري بين الناس، يدخل طرفاً ثالثاً بين المتحدثين، يفتي في أمورهم بما ليس له به علم أو خبر. يحثنا الدين الإسلامي الحنيف أن نترك ما لا يعنينا، ونحفظ ألسنتنا من لغو الحديث؛ لأن كل إنسان محاسب على ما يصدر عنه من قول. يقول تعالى: [مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] [ق: ١٨] وفي توجيه نبوي كريم يقول المصطفى ﵇ عما يجب على المسلم أن يفعله إذا أطلت الفتن بوجهها: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) .

стр. 2739

الورقة الأخيرة الأنوثة الفكرية ؟ بقلم: محمد المغيري السلوك ترجمة للفكر، وكلما كان الفكر أصيلاً، خالصاً من الشوائب، نقياً من العوالق، واضحاً في الرؤية، متجذراً في المنهج كلما أنتج ذلك سلوكاً رشيداً، وأثمر تعاملاً سديداً. وصاحب الفكرة، ومعتنق المبدأ لا يرضى أن يلحق بفكرته أذى، أو أن يشوب مبدأه عالقة من نقص أو خلل. وهذا ما ينبغي أن يكون، وهو ما كان ولا يزال عند أصحاب العقول الرشيدة، والمبادئ الناصعة المستنيرة، والقيم المضيئة عند أتباع الحق وأنصار السنة المستمسكين بها في سرّائهم وضرّائهم. وعندما تنخرم هذه القيمة قيمة توافق الفكر والسلوك وتظهر أعراض التصادم بينهما، وتبرز نتوء التناقض المريب، ويغدو الفكر سلعة في المزاد، ولباساً يُلبس ويُخلع تبعاً للحاجة إليه فإن حامله داخل في زمرة المصابين بمرض (الأنوثة الفكرية) . والمصابون بهذا المرض تعرفهم أحياناً بسيماهم، وتعرفهم كثيراً في لحن القول: [مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلَى هَؤُلاءِ وَلا إلَى هَؤُلاءِ] [النساء: ١٤٣] هم فئام كثيرة في مجتمعاتنا الإسلامية، مشكلتهم الكبرى أنهم محسوبون على المتدينين؟ ! ، ومصيبتهم أنهم طوعاً أو كُرها ينسبون إلى الصالحين؟ ! إما بماضيهم، أو بهيئاتهم، أو بألسنتهم، أو بمسمى وظائفهم، أو ببعض ذلك، أو جميعه. وهم ليسوا سواء؛ بل هم مراتب ومنازل، أدناهم من: [فَإذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ] [العنكبوت: ١٠] وأقصاهم وأشدهم وطأة من إذا: [لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ] [البقرة: ١٤] . فكم يجني هؤلاء بعلم أو بجهل أو بمماحكة على الدعوة وأهلها؟ ! رضي الله عنك يا عمر.. يستحلف حذيفة ﵁: هل عَدّهُ رسول الله ﷺ من المنافقين..؟ وهو عمر! لو تدبر مرضى الأنوثة الفكرية هذا الموقف.. وتأملوا ما فيه من الخشية والرهبة والمحاسبة لهانت عليهم الدنيا بمناصبها.. ودراهمها.. وكل حطامها. ولكن أكثر الناس لا يعقلون. اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك.. وأفقرهم إليك.. ولا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحداً سواك.

стр. 2740

المحرم - ١٤١٩هـ مايو - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2741

كلمة صغيرة هذه عدالة الغرب ! ! مرت في الأيام الأخيرة وتحت سمع وبصر العالم كله حادثتان خطيرتان؛ ومع أهميتهما وعلاقتهما بحرية الفكر وحقوق الإنسان اللتين طالما جعجع الغربيون حيالهما ودعوا إلى احترامهما ومؤاخذة بعض البلدن التي قد يحدث فيها شيء من عدم احترامهما، إلى حد أنه تم وصم بعض البلدان بالإرهاب وتشجيعه ومقاطعتها، بل وحصارها. بينما سكت الغرب نفسه وصمت صمت القبور حيال هاتين الحادثتين وهما: ١- محاكمة المفكر المعروف (رجاء جارودي) بتهمة تجاوز بعض القوانين الفرنسية التي تحمي (اليهود) من أي تهجم عليهم أو كشف لأباطيلهم وأدين الرجل وحكم عليه بدفع (٢٠. ٠٠٠) دولار جزاءً لجرمه المزعوم؛ ولطالما استفاد الصهاينة من الملايين زوراً! ! ٢- حل حزب الرفاه الإسلامي في تركيا، ذلك الحزب الذي نال ما لم ينله أي حزب تركي آخر من شعبية جعلته الأول في آخر انتخابات رسمية وبكل غطرسة (العسكر) الأتراك وعنجهيتهم يدان الحزب المسالم ويلغى من الحياة السياسية بجرة قلم، ويحرم رموزه من حقهم المدني لخمس سنوات لا لشيء إلا لأنهم أعلنوا انتماءهم الإسلامي؛ وهذا يهدد الهيمنة العلمانية التي ابتلي ذلك البلد. كان موقف الغرب وهو يحتج على ما حصل باستحياء وبهدوء حتى ليكاد يقال إنهم متواطئون فيما حصل. نحن لا نطالب بعدالة الغرب؛ لأننا نعرف أن عدالتهم لبني جنسهم وملتهم ولتحقيق مصالحهم ومصالح أتباعهم؛ ولا مانع من خرق تلك الدعاوى المكرورة ما دام أن الضحايا هم أهل الإسلام والمنتمون له. فيا لله للإسلام، ويا لله للمسلمين.

стр. 2742

الافتتاحية بعد التطوير الجديد البيان على العهد كما عرفتموها الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فانطلاقاً من مسؤوليتنا في أداء رسالتا الدعوية والإعلامية ما زلنا نواصل هذا الدور؛ فيما قد مناه ونقدمه من دراسات وأبحاث ومقالات نتوخى فيها الفائدة للجميع وبهذا العدد تدخل به المجلة السنة الثالثة عشر، فنحمد الله ونشكره على ما يسره لنا من عون وتوفيق ونسأله جل وعلا السداد في القول والعمل. ومن تحصيل الحاصل تأكيد ما يعانيه العالم الإسلامي من حرب ضروس من أعدائه الأصليين ممن كفروا به، ومن أعدائه في الداخل من المنتسبين له الذين هم من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألستنا، لكنهم يعملون بكل وسائلهم الخسيسة وكيدهم ومكرهم المتمثل في النقد الظالم والتحليل الكاذب والكاريكاتير المسف محاولين إطفاء جذوة هذا الدين في نفوس أبنائه والمنتمين له، بقصد الهدم والتضليل بغزو العقول وتغريب الأفكار ليتسنى لهم تحقيق أهدافهم الدنيئة ومقاصدهم المشبوهة ليصلوا إلى تشكيك الناس بعامة والأجيال بصفة خاصة بعالمية الإسلام وكونه المهيمن على الشرائع كلها، ولكن الله مخيب آمالهم ومبطل كيدهم و [إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ] [يونس: ٨١] . وعلى المنتسبين لهذا الدين والمؤمنين برسالته للناس كافة أن يكونوا على مستوى التحدي لمقاومة تلك الاتجاهات الظالمة وكشف أولئك الذين يحاربون دين الله بوسائلهم المعروفة التي يدّعون عن طريقها أنهم أصحاب فكر ودعاة تنوير، وقد يتبن لنا أنهم مغرضون ومضللون ويكفي لكشف دعاواهم معرفة مواقفهم المتشنجة من الإسلام باعتباره منهج حياة متكامل لا سيما ونحن اليوم نعيش عصر الإعلام حتى يكاد أن يصبح العالم قرية كونية تقوم فيها كل الاتجاهات العقدية والفكرية ببث رسائلها ومنطلقاتها بكل الوسائل المتاحة، بينما بعض الدعاة مشغول بعضهم ببعض مشككون حتى في النوايا! فهل يصح أن يكون دعاة الإسلام على هذه الصورة؟ وكيف تصبح أمة الدعوة أقل الناس اهتماماً بالوسائل الإعلامية وأفقرهم معرفة بأصولها الفنية حتى غُزِينا في عقر دورنا، وصرنا مستهلكين وغير مبدعين إلى حد أن جُلّ وسائل إعلامنا في كثير من البلدان تنقل عن أعدائنا كثيراً مما يبثونه من زبالات الأفكار؛ وهذا وبلا شك له آثاره الكبرى في جعل أجيالنا مقلدة ومستلبة الفكر وممسوخة العقول؛ وفي هذا ما فيه من الإفساد والتدمير لكل المتلقين لذلك الإعلام بكافة وسائله. وهذا مما جعلنا لم نصل بعد في اهتماماتنا الإعلامية للمستوى المطلوب بما يتفق ورسالة ديننا الحنيف في البلاغ والدعوة حتى إن جل الإعلاميين الإسلاميين سواء في أقسام الإعلام بالجامعات أو العاملين في بعض الوسائل الإعلامية منظِّرون أكثر من أن يكونوا فاعلين ومؤثرين في مجتمعاتهم، وقلّ أن نجد لهم عملاً إعلامياً متميزاً؛ وهذا له أسباب سبق أن تناولناها أكثر من مرة. فما أحرانا بأن نكون يداً واحدة على من سوانا وألا ينشغل بعضنا ببعض بالنقد الجارح والتصنيف الظالم والاشتغال بتوافه الأمور ناسين أو متناسين رسالتنا الكبرى في التوعية والتوجيه [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . ونحن في مجلة (البيان) مع إسهامنا بجهد المقل في هذا المجال ونحن ولله الحمد منذ العدد الأول الصادر في عام ١٤٠٦هـ نؤكد وما زلنا ندعو إلى العمل الإعلامي المتكامل في مجال تبليغ رسالة الإسلام داعين إلى معالم مهمة في الطريق لأداء هذه الرسالة منطلقين من أسس ثابتة من أهمها: ١- عقيدتنا التي ندين لله بها هي عقيدة أهل الحديث المأخوذة من الوحيين. ٢- الأخذ بفهم سلفنا الصالح وتربيتهم بإحسان: نذكِّر بمنهجهم، ونأخذ بأصولهم بعيداً عن النزعات الحزبية والمنطلقات الطائفية والإقليمية. ٣- البحث عن الوسائل الصحيحة التي تخدم عملنا وتصل منهجنا بأساليب تعتمد العمق في التحليل والوضوح في الرؤية. ونؤمن بأن (البيان) هي مجلة كل مسلم مهما كان لونه وجنسه وموقعه، ولا ندعي أنها صوت المسلمين الوحيد، ولا نزدري الأصوات الأخرى في الساحة الدعوية؛ مع البعد عن التورط في أيِّ حوارات عقيمة أو مهاترات رخيصة، وفي الوقت نفسه لا نضيق بأي عمل إسلامي صادق أو جهد مشكور. ولا شك أن العمل الإسلامي لكي يؤدي رسالته ويوثر التأثير الإيجابي المطلوب في إصلاح الأفراد والمجتمعات يلزمه زيادة على المنطلقات آنفة الذكر أن يواكب المستجدات في عالم الاتصال، وأن يأخذ بكل السبل المتاحة لأداء دوره بشكل مقبول. ومن هذا المنطلق عملت (أسرة التحرير) في (البيان) باذلة كل ما في مستطاعها للاستفادة من المختصين في المجال الإعلامي لإدخال التطوير الذي ترونه على صفحات هذا العدد، والذي حرصنا فيه أن يكون متناسباً ونهج المجلة مع الحرص على مسائل مهمة رأينا أهميتها لتواكب هذه الخطوة ومنها: ١- استكتاب الأقلام المشهود لها بالخيرية والسابقة في الدعوة؛ ومن نافلة القول أن نذكِّر قراءنا الكرام بأن المجلة حينما تفسح صفحاتها لمقالة جيدة أو مفيدة أو دراسة ما؛ فإن هذا لا يعني بالضرورة تزكية مطلقة لكاتبها في كل الأحوال؛ فإنه ليس من مهام هذه المجلة أن تتحسس عن جوانب شخصيات كُتّابها؛ ولكنها تهتم في الأساس بسلامة ما ينشر على قرائها وعدم مخالفته للمنطلقات المعتبرة. ٢- الالتزام بالوسطية والبعد عن الغلو لقوله تعالى: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] [البقرة: ١٤٣] . ٣- الأخذ بالدليل الشرعي فيما نقدمه بعيداً عن انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. إن صلتنا مع قرائنا ولا سيما العلماء منهم والدعاة والمفكرون والكتاب المتعاونون هذه الصلة قائمة ومستمرة، وسبق أن وضعنا استبياناً بشأن ما يراه القارئ الكريم من إيجابيات وسلبيات ومقترحات للنهوض بهذه المجلة وجاءت الإجابات من كافة أنحاء العالم الذي تصله (البيان) ومما زاد في فرحتنا وأثلج صدورنا أن رأينا توالي وجهات النظر من القراء والقارئات، وسرّنا موقف قطاع كبير منهم يُؤْثِرُ البيان لتميزها في المنهج وتنوعها في الطرح ومتابعتها لأحوال المسلمين؛ وكانت الاقتراحات كثيرة جداً، منها: الاستمرار في التنوع الثقافي القائم، وأهمية الاستفادة من مشاركة العلماء والدعاة والمفكرين المعروفين على الساحة الإسلامية بالكتابة من قبلهم وإجراء الحوارات معهم. أهمية تحسين الإخراج الفني للمجلة والاستفادة من الرؤى الفنية للمختصين ليجتمع كمال الشكل مع المضمون معاً. أهمية إعطاء الأسرة بعامة والمرأة بخاصة مجالاً ودوراً أكبر، واهتماماً أعمق عن طريق استكتاب الأقلام المختصة من الجنسين. الدعوة لإعادة (البيان الصغير) لدوره الإيجابي في تربية النشء. أهمية وضع مسابقة بهدف التوعية أولاً، وربط القارئ بالمجلة في الوقت نفسه ثانياً. أهمية إطلاع القراء على ما ينشر خارج العالم الإسلامي من مقالات وأبحاث مترجمة ليطلع القارئ على ما يتناوله الإعلام الأجنبي في مواقفه من الإسلام والمسلمين وكشفها. زيادة الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي وبخاصة الساخنة منها، وتسليط الأضواء عليها بما يوضح حقائقها وخفاياها. وهناك اقتراحات قد لا تتناسب واهتمام المجلة مثل الدعوة لوضع (كاريكاتير) و (صفحة للتعارف) و (الجديد في الطب والعلوم) .. ونحن مع احتفائنا بآراء الإخوة القراء قد وضعنا مرئياتهم نصب أعيننا، وأخذنا بما تيسر منها، ونعمل على الاستفادة منها مستقبلاً؛ ونعتقد أن التواصل مع القارئ الكريم هدف كبير لكل مطبوعة وبهذا التفاعل يكون الرقي والتطور نحو الأحسن والأفضل بإذن الله. هذا هو العدد التطويري بين أيديكم بعد أن بذلنا فيه جهدنا، وما زلنا نواصل الإلحاح على كثير من الكتاب والعلماء والدعاة للمشاركة بالرأي والكتابة والتوجيه؛ وأملنا كبير بتواصلهم إن شاء الله وسيرى القارئ الكريم في الأعداد القادمة المزيد من الاستطلاعات والحوارات والندوات والمتابعات بما نعتقد أنه نقلة نوعية لقارئ المجلة نحو مزيد من التوعية والتوجيه؛ ونحن على أمل بتواصل الجميع لما فيه الخير والفائدة.

стр. 2743

دراسات في الشريعة والعقيدة وجوب التثبت في نقل السنة بقلم: جلال راغون الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. أما بعد: فمن البدهيات الشرعية أن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. ومن المقرر عند العلماء المحققين أنه لا يجوز الاستدلال بالحديث في أي مجال من المجالات إلا إذا كان مقبولاً عند المحدثين. والملاحظ في عصرنا هذا قلة العناية بهذا الجانب بحيث تجد الكثيرين ينقلون الحديث، ويستدلون به دون معرفة بمرتبته. وبهذا فقد يساهمون في نشر الكذب على رسول الله ﷺ إذا كان الحديث موضوعاً؛ وهم لا يدرون ذلك. ونظراً لخطورة هذا المسلك أحببت أن أذكِّر بضرورة التثبت في نقل السنة انطلاقاً من قوله: (من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) . تخريج الحديث: ورد هذا الحديث عن ثلاثة من الصحابة ﵃ حسب ما وقفت عليه: سمرة ابن جندب، والمغيرة بن شعبة، وعلي بن أبي طالب. أما حديث سمرة بن جندب: فقد رواه عنه التابعي الجليل عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى الكوفي، وهو ثقة وقد أخرج له الجماعة [١] . ورواه عنه الحكم بن عتبة، أبو محمد الكوفي، وهو تابعي ثقة ثَبْتٌ؛ إلا أنه ربما دلس. وقد أخرج له الجماعة [٢] . ورواه عنه أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج، أبو بسطام الواسطي ثم البصري؛ وقد خرج له الجماعة أيضاً [٣] . وقد ورد عنه هذا الحديث من طرق، منها: ١- رواية وكيع بن الجراح، أبو سفيان الكوفي، وهو ثقة حافظ أخرج له الجماعة [٤] . ورواية وكيع أخرجها أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف في كتاب الأدب: ما ذكر من علامة النفاق [٥] . ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة أخرجه كل من مسلم في مقدمة صحيح [٦] وابن ماجه في مقدمة السنن [٧] . وأبو بكر بن أبي شيبة إمام من أئمة الحديث أخرج له الجماعة ما عدا الترمذي [٨] فهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين، وعنعنة الحكم بن عتيبة لا تضر؛ لأنه قليل التدليس [٩] وروى عنه شعبة وهو أعلم الناس وأحفظهم لحديث الحكم [١٠] . ٢- رواية أبي داود الطيالسي صاحب المسند، فقد رواه عن شعبة في المسند [١١] . ٣- رواية محمد بن جعفر، أبو عبد الله البصري المعروف بِغُنْدَر [١٢] ثقة مجمع عليه [١٣] وروايته أخرجها ابن ماجه [١٤] من طريق أبي بكر محمد بن بشار البصري المعروف ببُنْدار [١٥] وهو ثقة مجمع عليه [١٦] . ... ٤- رواية الحسن بن موسى الأشيب: أبو علي البغدادي وهو ثقة مجمع عليه [١٧] . وروايته أخرجها ابن ماجه [١٨] من طريق أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن نمير الكوفي، ثقة مجمع عليه [١٩] . ... ... فحديث سمرة بن جندب حديث صحيح أخرجه أبو داود الطيالسي في المسند، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، ومسلم في مقدمة صحيحه، وابن ماجه في سننه. وأخرجه أيضاً الإمام أحمد في المسند [٢٠] وابن حبان في صحيحه [٢١] وابن عبد البر في مقدمة التمهيد [٢٢] والطحاوي في مشكل الآثار [٢٣] . وأما حديث المغيرة بن شعبة: فقد رواه عنه أبو نصر ميمون بن أبي شبيب الكوفي. وهو صدوق كثير الإرسال. وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في مقدمة صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة [٢٤] . ورواه عنه أبو يحيى حبيب بن أبي ثابت الكوفي. تابعي أيضاً وهو ثقة كثير الإرسال والتدليس. أخرج له الجماعة [٢٥] . ورواه عنه كل من شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري أبو عبد الله الكوفي أمير المؤمنين في الحديث مجمع عليه [٢٦] . وقد أخرج الإمام مسلم في مقدمة صحيحه [٢٧] روايتهما معاً من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع بن الجراح عنهما. وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين ما عدا ميمون بن أبي شبيب فإنه صدوق كما تقدم. ولم يصرح حبيب بن أبي ثابت بالسماع في رواية مسلم، وورد التخريج بذلك في رواية أبي داود الطيالسي في المسند [٢٨] . وأخرج رواية سفيان فقط من طريق وكيع بن الجراح الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه [٢٩] . ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة أخرجه ابن ماجه في سننه [٣٠] . وأخرج رواية سفيان فقط الإمام الترمذي في جامعه [٣١] من طريق بندار [٣٢] ... عن عبد الرحمن ابن مهدي الإمام الحافظ المجمع عليه [٣٣] ، عن سفيان الثوري به. فحديث المغيرة بن شعبة حديث حسن أخرجه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، والترمذي وابن ماجه في سننهما، وأبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، وكذا الإمام الطحاوي في مشكل الآثار [٣٤] . وأما حديث علي بن أبي طالب: فقد رواه عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى الذي رواه أيضاً عن سمرة كما تقدم. ورواه عنه الحكم بن عتيبة الذي تقدم في حديث سمرة. ورواه عنه كل من الأعمش ومحمد بن أبي ليلى. أما الأعمش فهو الحافظ أبو محمد سليمان بن مهران الكوفي، وهو ثقة مدلس، وقد أخرج له الجماعة [٣٥] . وروايته عن الحكم بن عتيبة ضعيفة كثيرة الأوهام كما ذكر ذلك الإمام علي بن المديني [٣٦] . ورواية الأعمش أخرجها ابن ماجه في سننه [٣٧] من طريق عثمان بن أبي شيبة [٣٨] أبو الحسن الكوفي وهو ثقة حافظ أخرج له الجماعة ما عدا الترمذي، وهو صاحب المسند والتفسير وأخو الحافظ أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة [٣٩] . عن محمد بن فضيل [٤٠] أبي عبد الرحمن الكوفي صاحب التصانيف وهو مجمع عليه، عن الأعمش به. ومن طريق عثمان بن أبي شيبة به، أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند. وقد صحح هذا الإسناد كل من الشيخ أحمد شاكر [٤١] ﵀ والشيخ شعيب الأرناؤوط [٤٢] حفظه الله وهذا تساهل منهما؛ فإن هذا الإسناد له ثلاث علل: الأولى: عنعنة الأعمش وهو مدلس. الثانية: ضعف رواية الأعمش عن الحكم. الثالثة: مخالفة الأعمش لشعبة. فالأعمش رواه عن الحكم عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب، فجعله من مسند علي. وخالفه شعبة فرواه عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب، فجعله من مسند سمرة. وشعبة كما ذكر العلماء أثبت في الحكم من الأعمش [٤٣] وبذلك تقدم رواية شعبة عن الأعمش. وقد ذكر الإمام الترمذي في جامعه [٤٤] أن رواية شعبة أصح عند المحدثين من رواية الأعمش. وأما محمد بن أبي ليلى فهو أبو عبد الرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، وهو صدوق سيئ الحفظ جداً، وقد أخرج له الأربعة [٤٥] . وروايته عن الحكم بن عتيبة أخرجها ابن ماجه في سننه [٤٦] من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن هاشم، أبي الحسن الكوفي وهو صدوق يتشيع، وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم، والأربعة [٤٧] عنه، به. وهذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن أبي ليلى. ومتابعة محمد بن أبي ليلى للأعمش قد ترفع روايتهما إلى مرتبة الحسن لغيره ولكنها شاذة لمخالفتها لرواية شعبة وهي أصح. وخلاصة القول: أن هذا الحديث ثبت عن سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة ولم يثبت عن علي بن أبي طالب. وقد كان الإمام مسلم ﵀ دقيقاً؛ حيث أخرج في مقدمة صحيحه حديث سمرة والمغيرة ولم يخرج حديث علي. والله تعالى أعلم. فقه الحديث: لكي نبين المقصود من هذا الحديث النبوي وما يستفاد منه، فلا بد من الإشارة إلى ما يتعلق بأهم ألفاظه من حيث الرواية واللغة. ففي معظم طرق هذا الحديث ورد بلفظ: (من حدث عني بحديث) . وفي رواية أحمد عن سمرة، ورواية أبي داود الطيالسي عن سمرة وعن المغيرة (من روى عني حديثاً) والمعنى واحد، والمقصود: من نسب حديثاً إلى رسول الله - ﷺ ونقله عنه بأي وجه من الأوجه. وقوله: (يرى) يحتمل أن يكون بضم الياء، ويحتمل أن يكون بفتحها. ولم أقف على ضبط هذه الكلمة من حيث الرواية حسب ما وقفت عليه من طرق هذا الحديث. وقد ذكر الإمام النووي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم [٤٨] أنه ضبطها بضم الياء وهو المشهور كما قال. فإذا كانت بضم الياء فمعناها يَظُن. وفعل رأى إذا أريد به الظن فمضارعه يكون ملازماً للمجهول. فلم يأت مضارع رأى بمعنى الظن إلا مجهولاً [٤٩] أقول مثلاً: أُرَى زيداً عالماً أي أظنه عالماً. وإذا كانت بفتح الياء فمعناها علم. فالرؤية القلبية معناها العلم حقيقة وقد تطلق على الظن مجازاً. وقد جمع الله بين المعنيين في قوله تعالى: [إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَرَاهُ قَرِيباً] [المعارج: ٦-٧] أي يظنونه ونعلمه [٥٠] . وساذكر فيما بعد ما يستفاد من الحديث في كلتا الحالتين. وقوله: (فهو أحد الكاذبين) يحتمل أن يكون بكسر الباء وفتح النون على الجمع، ويحتمل أن يكون بفتح الباء وكسر النون على التثنية. والطرق التي وقفت عليها لم يرد فيها تحديد ذلك رواية. وقد ذكر الإمام النووي [٥١] أنه ضبطه بكسر الباء وفتح النون على الجمع، وقال بأن هذا هو المشهور. ونقل عن القاضي عياض قوله: (الرواية فيه عندنا: الكاذبين، على الجمع) [٥٢] . وذكر النووي أيضاً [٥٣] أن الإمام أبا نعيم الأصبهاني رواه في مستخرجه على صحيح مسلم عن حديث سمرة بصيغة التثنية واحتج به على أن الراوي له يشارك البادئ بهذا الكذب. ورواه أبو نعيم أيضاً من رواية المغيرة بالتثنية أو الجمع على الشك [٥٤] . والمعنى متقارب ففي حالة التثنية فالمقصود أن الراوي يشارك الكاذب في كذبه. وفي حالة الجمع فالمقصود أن الراوي أحد الكاذبين. وفي رواية أبي داود الطيالسي عن سمرة وكذا المغيرة بن شعبة ورد الحديث بلفظ (الكذابين) بصيغة المبالغة وهي أبلغ في الزجر. بعد هذا البيان أذكر ما يستفاد من الحديث في ضوء ما تقدم ذكره. فالكلمة المحورية في هذا الحديث هي قوله: (يرى) : فإذا كانت بفتح الياء بمعنى يعلم فإن من ينسب حديثاً إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يعلم أنه كذب ولا يبين ذلك فهو أحد الكاذبين على رسول الله ﷺ . وقد أجمع العلماء على أنه لا تحل رواية الحديث الموضوع إلا مع بيان وضعه. قال الحافظ ابن حجر: (واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيانه لقوله: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) [٥٥] والكذب على رسول الله ﷺ من الكبائر؛ للحديث المتواتر: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) [٥٦] وبالغ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين فكفر متعمد الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-[٥٧] وتبعه على ذلك طائفة من العلماء منهم الإمام ناصر الدين بن المنير من أئمة المالكية [٥٨] . أما إذا كانت بضم الراء بمعنى يظن، فأصل الظن الشك مع ميل إلى أحد معتقديه [٥٩] والظن شرعاً نوعان [٦٠] : محمود: وهو الذي يستند إلى دليل. وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن كالقياس وخبر الواحد. ومذموم: وهو الذي لا يستند إلى دليل وإنما هو مجرد أوهام. وهذا المقصود في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] [الحجرات: ١٢] واعتبره النبي ﷺ أكذب الحديث؛ فقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) [٦١] قال القاضي عياض معلقاً على هذا الحديث: (وهذا الحديث حمله المحققون على ظن مجرد عن الدليل ليس مبنياً على أصل ولا تحقيق نظر) [٦٢] . إذا علمنا هذا فإن من ينقل حديثاً عن رسول الله ﷺ وينسبه إليه وهو يظن أنه كذب فإن كان هذا الظن يستند إلى دليل فيجب عليه أن يبين ذلك، وإلا كان مساهماً في نشر الكذب على رسول الله ﷺ . أما إذا كان هذا الظن لا يستند إلى دليل؛ ففي هذه الحالة لا يحل له أن ينسب حديثاً إلى رسول الله ﷺ وهو لا يعلم مرتبته؛ إذ قد يكون موضوعاً وهو لا يعلم. وقد ترجم ابن حبان لهذا الحديث بقوله: فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى وهو غير عالم بصحته [٦٣] . فتبين لنا أن هذا الحديث النبوي الشريف يحذرنا من نسبة الحديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون تثبت؛ إذ إن من يفعل ذلك فقد يكون من الكاذبين على رسول الله ﷺ وهو لا يشعر. فالواجب على المؤمن أن يتثبت في نقل السنة النبوية. ولنا في الصحابة ﵃ الأسوة الحسنة. فهم أول من تثبّت في نقل السنة وقبولها. والأمثلة على ذلك كثيرة [٦٤] أقتصر على مثال واحد وهو الآتي: أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت. فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) . فقال: والله لتقيمن عليه بينة. أمنكم أحد سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال أُبَيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك. هذا لفظ البخاري [٦٥] . وورد هذا الحديث من رواية أبي موسى الأشعري أخرجها مسلم وغيره؛ ومما جاء فيها قول عمر: (سبحان الله! إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت) [٦٦] . ومما جاء في رواية مالك في الموطأ من حديث أبي موسى قول عمر له: (أما إني لم أتهمك؛ ولكني خشيت أن يتقوّل الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) [٦٧] فهذا مظهر من مظاهر تثبت الصحابة في قبول السنة. وعلى هذا النهج سار التابعون وأتباعهم مما أسهم في ظهور علم يعتبر مفخرة للأمة الإسلامية ألا وهو علم أصول الحديث الذي يهتم بالأساس بنقد متن وإسناد الحديث لمعرفة ما ثبت منه مما لم يثبت. فهو بحق ميزان السنة النبوية. ولكي نتثبت في نقل السنة يتعين علينا دراسة هذا العلم وإتقانه وتطبيقه. بل ما أحوجنا إلى هذا العلم لنقد الأخبار بصفة عامة، وبذلك نجنب أنفسنا مزالق متعددة. وخير ما أختتم به هذه الدراسة المتواضعة نص هام للحافظ ابن حجر له صلة بموضوعنا؛ حيث قال ﵀ [٦٨] : (سبيل من أراد أن يحتج بحديث من السنن أو بحديث من المسانيد واحد؛ إذ جميع ذلك لم يشترط من جمعه الصحة ولا الحسن خاصة. فهذا المحتج إن كان متأهلاً لمعرفة الصحيح من غيره فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال إسناده وحال رواته. كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المسانيد حتى يحيط علماً بذلك. وإن كان غير متأهل لدرك ذلك فسبيله أن ينظر في الحديث إن كان خرج في الصحيحين، أو صرح أحد من الأئمة بصحته، فله أن يقلد في ذلك. وإن لم يجد أحداً صححه ولا حسنه فما له أن يقدم على الاحتجاج به فيكون كحاطب ليل؛ فلعله يحتج بالباطل وهو لا يشعر) . فالتزام هذا السبيل خطوة للتثبت في نقل السنة. وفقنا الله لتحقيق ذلك وللعمل بسنة رسوله ﷺ . آمين والحمد لله رب العالمين.

стр. 2744

دراسات في الشريعة والعقيدة صلة علم التفسير بالعلوم الأخرى (٢ من٢) بقلم: ميمون بن عبد السلام باريش بين الكاتب في مقالة في العدد الماضي أهمية ترتيب العلوم وصلة علم التفسير بالعلوم الإنسانية، ووضح تعريف علم التفسير، ثم أخذ يبين منابع علم التفسير، فذكر منها: علم اللغة، وعلم النحو، وعلم الصرف، وعلم الاشتقاق، وعلوم البلاغة. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة توضيح صلة علم التفسير بعلوم أخرى. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان- علم القراءات: وهو علم يعتمده المفسر لمعرفة كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، ويترتب على ذلك ترجيح بعض المعاني القرآنية المحتملة على بعض، وهذا ما يساعد أيضاً على ترجيح بعض الأحكام الفقهية على بعض؛ إذ كلما تعددت القراءات، كلما تنوعت المعاني واختلفت الأحكام؛ فمثلاً من قرأ قوله تعالى: [..أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ ... ] [النساء: ٤٣] . فسر الآية بأنه تعالى يريد باللمس الجماع؛ ومن قرأ بقراءة: [أَوْ لمَسْتُمُ النِّسَاءَ] . فسرها بأنه تعالى أراد مجرد الجس باليد؛ ولكل من المعنيين حكمه الخاص. علم أسباب النزول: وهو علم لا بد منه للوقوف على المعنى الدقيق لآيات الذكر الحكيم؛ إذ الجهل بأسباب النزول يوقع في اللبس والإبهام، وقد روي أن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب استحلا الخمر محتجين بظاهر قوله تعالى: [لَيْسَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا] [المائدة: ٩٣] . حتى علما سبب نزول هذه الآية، وأنها نزلت جواباً على سؤال بعضهم لرسول الله- ﷺ ؛ إذ لما نزلت آية تحريم الخمر، قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم. وقد أخبرنا الله تعالى أنها رجس؟ فأنزل الله تعالى: [لَيْسَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا ... ] الآية [١] . وللإشارة، فإن العلم بسبب النزول يورث العالم به الفهم السديد لمدلول الآية؛ وذلك باستحضاره للإطار العام الذي نزلت فيه، بما في ذلك الحالات النفسية للمخاطبين إبان النزول سواء تعلق الأمر بالسلم أو الحرب، والأمن أو الخوف، وسعة الرزق أو الجوع، والنصر أو الهزيمة، والبداوة أو التحضر، والقوة أو الضعف ... وما إلى ذلك من الحالات التي ترفع اللبس عما أبهم من القرآن الكريم، وكل ما من شأنه أن يؤهل المفسر لأن (يكشف من صور التلاؤم بين النص القرآني والبيئة التي نزلت فيها: البشرية والزمانية والحالات النفسية والفكرية والفردية والجماعية ما لا يمكن استيفاؤه بنظرات عامات وعناصر محددات) [٢] . ويدخل في ذلك أيضاً معرفة قصص الأنبياء، وأحوال الأمم السالفة وما سادها من جحود وطغيان وتنكر ونكبات.. كل ذلك يعد مفتاحاً ضرورياً لفهم النص القرآني فهما سديداً يتلاءم مع مقامه المقدس، ولا بد في ذلك كله من مراعاة قاعدة: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) [٣] . علم الحديث رواية ودراية: قال تعالى: [وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [النحل: ٤٤] [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [النحل: ٦٤] . فهذان النصان القرآنيان صريحان في اعتبار السنة النبوية الشريفة من المصادر التي يستمد منها المفسر مادته في تفسير الذكر الحكيم. وهذا ما يستوجب ضرورة استقراء الأحاديث المتعلقة بهذا الشأن، والنظر في متونها نظر تفقه وتدبر لاستخلاص ما كان منها مناسباً لتفسير آية من الآيات. ولا يكفي للمفسر أن يكون ملماً بمظان الحديث النبوي الشريف، مطلعاً على الأبواب الحديثية الخاصة بالتفسير، ... بل لا بد له أكثر من ذلك أن يكون ممارساً للصناعة الحديثية متقناً بها دراية أيضاً، حتى يتسنى له عرض الروايات المفسرة للقرآن على منهج النقد الحديثي، لا سيما وأن أغلب ما يروى في التفسير لا يعدو أن يكون ضعيفاً أو موضوعاً. ولقد أشار الإمام أحمد إلى هذه الحقيقة حيث قال: (ثلاث كتب لا أصل لها: المغازي، والملاحم، والتفسير) [٤] ، بمعنى أن الغالب من هذه الكتب ليس لها أسانيد صحاح متصلة. وقد ذكر جلال الدين السيوطي أن أغلب الروايات في التفسير ضعيفة وأن (الذي صح من ذلك قليل جداً بل أصل المرفوع منه في غالب القلة) [٥] . ... ولهذا لا بد للمفسر من علم واسع في مصطلح الحديث لتمييز الروايات الصحيحة من السقيمة عن طريق دراسة المتن والسند معاً دراسة نقدية علمية. وهذا الزاد المصطلحي لا يخص الأحاديث المرفوعة فحسب، بل يحتاج إليه المفسر في التعامل مع مرويات الصحابة للتمييز فيها بين ما كان موقوفاً على الصحابي مما استنبطه بمحض اجتهاده، وما كان موقوفاً عليه لكنه في حكم المرفوع مما لا مجال للرأي فيه ... وكل ذلك يجعل عملية تفسير القرآن الكريم بالسنة النبوية الشريفة أو بأقوال الصحابة رضوان الله عليهم عملية تجمع بين الصحة والصواب. علم أصول الدين: وهو علم لا محيد للمفسر عنه، لا سيما وأن القرآن الكريم في جانب واسع منه قد عالج مسائل عقدية عدة بعضها يتعلق بالألوهية وبعضها بالنبوات وبعضها الآخر بالمعاد والوعد والوعيد وذكر الصراط المستقيم.. وغير ذلك من المسائل العقدية التي تدخل في اختصاص علم الكلام، وإلا فكيف يتسنى للمفسر أن يستدل عقلياً في معرض تفسيره لآية مكية على ذات الحق تبارك وتعالى وصفاته وأفعاله، وعلى ما يجوز وما يجب وما يستحيل في حقه ؟ وكيف يتسنى له أن يحارب عقائد الشرك والجحود ومجادلة أصحابها لرد ضلالاتهم وبدعهم ودحض شبههم إذا لم يكن عالماً بطرق الحجاج والبرهان العقلي. علم أصول الفقه: وهو أيضاً مما يحتاج إليه المفسر لتفسير كتاب الله عز وجل، إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام واستنباطها، ومن قواعده ما يدرك به حدود الأشياء، والصيغ القرآنية إنشائية كانت أو خبرية، وبه تعرف صيغ الأمر والنهي والمجمل والمبين والعموم والخصوص والمطلق والمقيد والمحكم والمتشابه، وهو بهذا يساعد على (ضبط قوانين الاستدلال بالآيات والأخبار على أحكام الشريعة) [٦] . علم الفقه: وهو علم لا بد منه لتفسير كتاب الله بحيث إن في القرآن الكريم آيات خاصة بالسياسة المالية وما يدخل فيها من بيوع ومداينات وربويات ومواريث، وغنائم وصدقات.. وآيات خاصة بالمناكحات وما يتعلق بها من نكاح وطلاق ورجعة وعدة وخلع وصداق وإيلاء وظهار ولعان والديات والقصاص.. وفيه غير ما ذكر من الآيات المتعلقة بالعبادات أو بالمعاملات، وسواء أكانت مجملة أم مفصلة، فهي تحتاج في تفسيرها إلى عدة فقهية كافية، أصولاً وفروعاً ... وعن أهمية هذا العلم، وعلاقته بكتاب الله ، يبين الغزالي أن إدراك الكثير من الآيات القرآنية لا يحصل إلا لمن جال وصال في كتب الأحكام الشرعية المندرجة تحت علم الفقه وعنه يقول: (علم الحدود الموضوعة للاختصاص بالأموال والنساء للاستعانة على البقاء في النفس والنسل، وهذا العلم يتولاه الفقهاء، ويشرح الاختصاصات المالية بمحل الحداثة أعني: النساء رُبْع النكاح، ويشرح الزجر عن مفسدات هذه الاختصاصات ربع الجنايات، وهذا العلم تعم إليه الحاجة لتعلقه بصلاح الدنيا أولاً ثم بصلاح الآخرة، ولهذا تميز صاحب هذا العلم بمزيد الاشتهار والتوقير وتقديمه على غيره من الوعاظ والقصاص والمتكلمين) [٧] . العلوم المستحدثة: ويقصد بها كل العلوم التي أفرزها التطور الحضاري، سواء في العالم الإسلامي أو في العوالم الأخرى، ومنها الطب والرياضيات والطبيعيات وعلم الفلك وعلم التشريح وعلم الأجنة والعلوم الكيميائية والفزيائية وعلم النفس، وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والعلوم الاقتصادية ... وغيرها من العلوم المستحدثة. وللأستاذ سيد قطب ﵀ كلام نفيس في نقد التفسير العلمي لآيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله ﵀ في تفسير قوله تعالى [يَسْأََلُونَكَ عَنِ الأََهِلَّةِ] [البقرة: ١٨٩] ، (وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن، الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها.. كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه! إن القرآن كتاب كامل في موضوعه، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها.. إن كل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة تحتوي أولاً على خطأ منهجي أساسي كما أنها تنطوي على معان ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم: الأولى: الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه.. والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي.. والثالثة: هي التأويل المستمر مع التمحل والتكلف لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر ... وكل أولئك لا يتفق وجلال القرآن ... ولكن هذا لا يعني ألا ننفع بما يكشفه العلم من نظريات ومن حقائق عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن ... ) [٨] . وأما هذه، فقد اختلف علماء الإسلام في إمكانية الاستعانة بها لتفسير كتاب الله . فانطلاقاً من مبدأ (أمية الشريعة) ، ذهب الإمام الشاطبي إلى رفض المذهب القائل بتوظيف العلوم المستحدثة في التفسير حيث قال: (ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها وهم العرب ينبني عليه قواعد: منها أن كثيراً من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين والمتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرفناه على ما تقدم لم يصح، وإلا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعي سوى ما تقدم ( ... ) ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا) [٩] وهذا نفسه ما قال به بعض العلماء من السلف والخلف [١٠] . وإذا كان الإمام الشاطبي ومن نحا نحوه قد مثلوا الاتجاه الرافض لتفسير القرآن الكريم اعتماداً على ما توصلت إليه العلوم من نتائج وحقائق، فإن ثلة من العلماء قد مثلوا الاتجاه المعاكس، ويأتي في مقدمتهم الغزالي الذي دعا دعوته الشهيرة إلى توظيف الحقائق العلمية لفهم خطاب الله ، وذلك من منطلق موافقة صحيح المعقول لصريح المنقول؛ ومن منطلق أن (القرآن هو البحر المحيط، ومنه يتشعب علم الأولين والآخرين، كما يتشعب عن سواحل البحر المحيط أنهارها وجداولها) [١١] . وهو بهذا يؤكد أن أسرار الكثير من الآيات القرآنية لا يحيط بها إلا من أحاط بالعلوم الحقة؛ إذ بعد أن ذكر جملة من العلوم مما كان سائداً في عصره، أو مما اندثر، أو مما هو محتمل الحدوث، قال: (ثم هذه العلوم ما عددناها وما لم نعدها ليست أوائلها خارجة عن القرآن؛ فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد، فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلاً الشفاء والمرض، كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: [وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] [الشعراء: ٨٠] . وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله؛ إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه. ومن أفعاله ﵎ تقرير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: [الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ] [الرحمن: ٥] ، وقال: [وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] [يونس: ٥] ؛ وقال: [وَخَسَفَ القَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ] [القيامة: ٨، ٩] ، وقال: [يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ] [فاطر: ١٣] ؛ وقال: [وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] [يس: ٣٨] . ولا يعرف حقيقة سر الشمس والقمر بحسبان وخسوفهما وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض. ولا يعرف كمال معنى قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الإنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ (٦) الَذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ] [الانفطار: ٦، ٨] إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهراً وباطناً، وعدد أنواعها وحكمتها ومنافعها ( ... ) ولو ذهبت أفصِّل ما تدل عليه آيات القرآن من تفاصيل الأفعال لطال) [١٢] . وللإشارة فإن ما ذهب إليه الغزالي من الاستعانة بنتائج العلوم لفهم الآيات القرآنية ذات الصبغة العلمية، قد وجد من يؤكده ويشهد بصحته؛ إذ قال به علماء جهابذة كبار يشهد لهم بالرسوخ في العلم وعلو الكعب فيه، فهذا جلال الدين السيوطي يقول: (وأنا أقول قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء، أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا في القرآن الكريم ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات وملكوت السماوات والأرض وما في الأفق الأعلى وما تحت الثرى إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات) [١٣] . انطلاقاً مما سبق ننتهي إلى القول: إن الدعوة إلى توظيف نتائج العلوم لتفسير القرآن الكريم هي دعوة نابعة من القرآن نفسه، من حيث إنه قد تحدث في معرض الاستدلال على وجود الله وقدرته وعلمه.. عن مختلف مظاهر الكون سواء المتعلقة بالآفاق أم المتعلقة بالأنفس، والتي يجملها قوله تعالى: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [فصلت: ٥٣] ، ولو جمعت أنواع العلوم الإنسانية كلها ما خرجت في معانيها من قوله تعالى: [فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ] [١٤] . إن الدعوة إلى توظيف الحقائق العلمية لتدبر كتاب الله؛ لا تعني أبداً أن القرآن الكريم قد حوى جميع جزئيات علم من العلوم، بل إنه تضمن أصول هذه العلوم وكلياتها، وترك أمر الجزئيات للعقول. لهذا نجد الغزالي يختم حديثه بقوله: (فتفكر في القرآن والتمس غرائبه لتصادف فيه مجامع علم الأولين والآخرين، وجملة أوائله، وإنما التفكر فيه للتوصل من جملته إلى تفصيله، وهو البحر الذي لا شاطئ له) [١٥] . إن الدعوة إلى توظيف العلوم في التفسير لا تعني أبداً أن القرآن الكريم كتاب علم تجريبي، بل تعني منطقياً أنه كتاب دعوة العباد إلى عبادة رب العباد عن علم وتبصر، (لأن الأصل في القرآن أنه كتاب هداية وتشريع لا كتاب علم وتشريح، وهذا لا يمنع أنه قد جاء في القرآن الكريم طائفة من الآيات الكريمة التي تعرضت لموضوعات علمية تحدثت عنها حديث التعميم والإجمال لا حديث التفصيل والتحليل) [١٦] . إن المطلوب توظيفه من نتائج العلوم في التفسير: الحقائق العلمية الثابتة المؤكدة، لا الاحتمالات الظنية الراجحة أو المرجوحة، المصطلح عليها بالنظريات أو الفرضيات [١٧] . وختاماً أقول: إن علم التفسير يحتاج ليتقوى وليؤدي وظيفته التبليغية لا سيما في العصر الراهن، عصر العلم والتكنولوجيا المتطورة، وعصر المذاهب الهدامة إلى مختلف العلوم سواء أكانت من العلوم التراثية أم من العلوم المستحدثة، فهو في حاجة إليها بقدر حاجته إلى الوحي، وهذا لا ينفي القصور عن هذه العلوم؛ إذ هي بدورها في حاجة إلى علم التفسير للاستئناس به إثر البتّ في القضايا الكونية والإنسانية، أو في تقعيد بعض القواعد العقلية.

стр. 2745

فتاوى أعلام الموقعين تعارض المصالح والمفاسد شيخ الإسلام: أحمد بن تيمية تعارض المصالح والمفاسد من المسائل المشكلة في هذا العصر، والتي تحتاج إلى تحرير وتحقيق، وقد عُني شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الباب في مواضع متعددة من كتبه، وذكر ﵀ أنه كلما ازداد النقص في اتباع الأدلة الشرعية كلما ازدادت مسائل التعارض بين المصالح والمفاسد، مما يؤول إلى الفتن بين المسلمين [١] . وفي هذا العدد نورد جواباً لابن تيمية ﵀ عن سؤال مهم في هذا الباب وما تضمنه من تحرير متين، وتحقيق دقيق: السؤال: عن رجل متول ولايات، ومقطع إقطاعات، وعليها من الكُلَف السلطانية ما جرت به العادة، وهو يختار أن يسقط الظلم كله، ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه، وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره وولى غيره، فإن الظلم لا يترك منه شيئاً؛ بل ربما يزداد، وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه فيسقط النصف، والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه. فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها. وهو عاجز عن ذلك. لايمكنه ردها. فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه؟ وقد عرفت نيته، واجتهاده، وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه، أم عليه أن يرفع يده عن هذه الولاية والإقطاع، وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم، بل يبقى ويزداد، فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل؟ أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم: فهل يطالب على ذلك؟ أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله، أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادة. وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به، ورفع ما رفعه من الظلم: فهل الأوْلى له أن يوافق الرعية؟ أم يرفع يده، والرعية تكره ذلك لعلمها أن الظلم يبقى ويزداد برفع يده؟ فأجاب: ﵀: الحمد لله. نعم إذا كان مجتهداً في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه، وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره، كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع، ولا إثم عليه في ذلك، بل بقاؤه على ذلك أفضل مِنْ تَرْكِهِ إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك عليه واجباً إذا لم يقم به غيره قادراً عليه. فنشر العدل بحسب الإمكان، ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض على الكفاية يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه، ولا يطالب والحالة هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم. وما يقرره الملوك من الوظائف التي لا يمكنه رفعها لا يطلب بها، وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالاً لا يمكن دفعها إلا بإقرار بعض تلك الوظائف، وإذا لم يدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات والولاية لمن يقرر الظلم أو يزيده ولا يخففه كان أخذ تلك الوظائف ودفعها إليهم خيراً للمسلمين من إقرارها كلها، ومن صرف هذه إلى العدل والإحسان فهو أقرب من غيره، ومن تناوله من هذا شيء أبعد عن العدل والإحسان من غيره، والمقطع الذي يفعل هذا الخير يرفع عن المسلمين ما أمكنه من الظلم، ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما يطلب منهم، فما لا يمكنه رفعه هو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم، يثاب، ولا إثم عليه فيما يأخذه على ما ذكره، ولا ضمان عليه فيما أخذه، ولا إثم عليه في الدنيا والآخرة إذا كان مجتهداً في العدل والإحسان بحسب الإمكان. وهذا كوصي اليتيم وناظر الوقف والعامل في المضاربة والشريك، وغير هؤلاء ممن يتصرف لغيره بحكم الولاية أو الوكالة إذا كان لا يمكنه فعل مصلحتهم إلا بأداء بعضه من أموالهم للقادر الظالم: فإنه محسن في ذلك غير مسيء، وذلك مثل ما يعطي هؤلاء المكّاسين وغيرهم في الطرقات، والأشوال، والأموال التي ائتمنوا؛ كما يعطونه من الوظائف المرتبة على العقار، والوظائف المرتبة على ما يباع ويشترى؛ فإن كل من تصرف لغيره أو لنفسه في هذه الأوقات من هذه البلاد ونحوها فلا بد أن يؤدي هذه الوظائف، فلو كان ذلك لا يجوز لأحد أن يتصرف لغيره لزم من ذلك فساد العباد وفوات مصالحهم. والذي ينهى عن ذلك لئلا يقع ظلم قليل لو قَبِلَ الناس منه تضاعف الظلم والفساد عليهم، فهو بمنزلة من كانوا في طريق وخرج عليهم قطاع الطرق، فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة: لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئاً من الأموال التي معكم للناس، فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي ينهى عن دفعه، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير، وسلبوا مع ذلك، فهذا مما لا يشير به عاقل، فضلاً أن تأتي به الشرائع، فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. فهذا المتولي المُقطَع الذي يدفع بما يوجد من الوظائف، ويصرف إلى من نسبه مستقراً على ولايته وإقطاعه ظلماً وشراً كثيراً عن المسلمين أعظم من ذلك، ولا يمكنه دفعه إلا بذلك، إذا رفع يده تولى من يقره ولا ينقص منه شيئاً، هو مثاب على ذلك، ولا إثم عليه في ذلك ولا ضمان في الدنيا والآخرة. وهذا بمنزلة وصي اليتيم، وناظر الوقف الذي لا يمكنه إقامة مصلحتهم إلا بدفع ما يوصل من المظالم السلطانية، إذا رفع يده تولى من يجور ويريد الظلم، فولايته جائزة، ولا إثم علهي فيما يدفعه؛ بل قد تجب عليه هذه الولاية. وكذلك الجندي المُقْطَع الذي يخفف الوظائف عن بلاده، ولا يمكنه دفعها كلها؛ لأنه يُطلب منه خيل وسلاح ونفقة لا يمكنه إقامتها إلا بأن يأخذ بعض تلك الوظائف، وهذا مع هذا ينفع المسلمين في الجهاد، فإذا قيل له: لا يحل لك أن تأخذ شيئاً من هذا؛ بل ارفع يدك عن هذا الإقطاع، فتركه وأخذه من يريد الظلم، ولا ينفع المسلمين: كان هذا القائل مخطئاً جاهلاً بحقائق الدين؛ بل بقاء الجند من الترك والعرب الذين هم خير من غيرهم، وأنفع للمسلمين، وأقرب للعدل على إقطاعهم، مع تخفيف الظلم بحسب الإمكان، خير للمسلمين من أن يأخذ تلك الإقطاعات من هو أقل نفعاً وأكثر ظلماً. والمجتهد من هؤلاء المقطعين كلهم في العدل والإحسان بحسب الإمكان يجزيه الله على ما فعل من الخير، ولا يعاقبه على ما عجز عنه، ولا يؤاخذه بما يأخذ ويصرف إذا لم يكن إلا ذلك: كان ترك ذلك يوجب شراً أعظم منه. والله أعلم) [٢] .

стр. 2746

دراسات تربوية معالم في المنهج التربوي النبوي بقلم: محمد عبد الله الدويش تكامل الشخصية النبوية لنبينا محمد جعلت منه الحاكم والقائد والزوج والمعلم والداعية والمربي. وما تتبع قارئ للقرآن الكريم والسيرة النبوية إلا وجد فيهما عناصر التفوق ووسائل النجاح من خلال الكثير من المواقف التربوية الراقية التي هي قدوة حسنة لكل راغب في الوصول إلى الحق. وعن طريق هذا المنهج ينشأ الإنسان الصالح ومن ثم المجتمع الإسلامي الكريم. ولقد استقرأ الكاتب نماذج وصوراً من المنهج التربوي النبوي، وقربها للقارئ الكريم تذكيراً وترغيباً في هذا المنهج المتكامل الذي أرسل الله به نبيه للناس كافة [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] [الأنبياء: ١٠٧] . وكم نحن بحاجة للوقوف أمام هذه المعالم النبوية وتمثلها في حياتنا وسلوكنا؛ إذ هي السر في تميز الرعيل الأول ﵃ أجمعين. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان- ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ١- الصبر وطول النفس: يسهل على الإنسان أن يتعامل مع الآلة الصماء، ويستطيع الباحث أن يصبر ويكافح في دراسة هذه الظاهرة المادية أو تلك، لكن التعامل مع الإنسان له شأن آخر وبعد آخر، ذلك أن الناس بشر لا يحكم تصرفاتهم ومواقفهم قانون مطرد؛ فتراه تارة هنا وتارة هناك، تارة يرضى وتارة يسخط. ولهذا أجمع المختصون بأن الظاهرة الإنسانية ظاهرة معقدة، وأن البحث فيها تكتنفه صعوبات عدة؛ فكيف بالتعامل المباشر مع الإنسان والسعي لتقويمه وتوجيه سلوكه؟ ومن يتأمل سيرة النبي ﷺ يرى كيف صبر وعانى حتى ربى هذا الجيل المبارك، وكم فترة من الزمن قضاها؟ وكم هي المواقف التي واجهها؟ ومع ذلك صبر واحتسب، وكان طويل النفس بعيد النظر. إن البشر مهما علا شأنهم فلن يصلوا إلى درجة العصمة، وهل هناك من هو أعلى شأناً من أصحاب النبي ﷺ إلا الأنبياء، فها هم يتنزل فيهم في بدر: [لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [الأنفال: ٦٨] وفي أحد: [مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ] [آل عمران: ١٥٢] وفي حنين: [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] [التوبة: ٢٥] . وحين قسم غنائم حنين وجد بعض أصحابه في نفوسهم ما وجدوا. وكان يخطب فجاءت عير فتبعها الناس فنزل فيهم قرآن يتلى. ومع ذلك يبقى هذا الجيل وهذا المجتمع هو القمة، وهو المثل الأعلى للناس في هذه الدنيا، ولن تكون هذه المواقف سبباً للحط من شأنهم ومكانتهم رضوان الله عليهم. فكيف بمن دونهم؟ ! بل لا يسوغ أن يقارن بهم. إن ذلك يفرض على المربي أن يكون طويل النفس صابراً عالي الهمة متفائلاً. ٢- الخطاب الخاص: وكما كان يوجه الخطاب لعامة أصحابه، فقد كان يعتني بالخطاب الخاص لفئات خاصة من أصحابه. فقد كان من هديه حين يصلي العيد أن يتجه إلى النساء ويخطب فيهن، كما روى ذلك ابن عباس ﵄ قال خرج النبي ﷺ يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد، ثم مال على النساء ومعه بلال فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن، فجعلت المرأة تلقي القُلْب والخُرْص [١] . بل تجاوز الأمر مجرد استثمار اللقاءات العابرة؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النساء قلن لرسول الله ﷺ : غلبنا عليك الرجال؛ فاجعل لنا يوماً من نفسك. فواعدهن يوماً، فلقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان مما قال: (ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار) . فقالت امرأة: واثنين فقال: (واثنين) [٢] . وقد يكون الخصوص لقوم أو فئة دون غيرهم، كما فعل في غزوة حنين حين دعا الأنصار، وأكد ألا يأتي غيرهم. وكما بايع بعض أصحابه على ألا يسألوا الناس شيئاً. ٣- المشاركة العملية: اعتاد بعض المربين أن يكون دورهم قاصراً على إعطاء الأوامر ومراقبة التنفيذ، وهو مسلك مخالف لمنهج المربي الأول، الذي كان يعيش مع أصحابه ويشاركهم أعمالهم وهمومهم. فشاركهم في بناء المسجد: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم النبي- ﷺ المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة ... وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخرة؛ فاغفر للأنصار والمهاجرة) [٣] . وشاركهم في حفر الخندق: فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق، وهو يحفر ونحن ننقل التراب ويمر بنا فقال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة) [٤] . وكان يشاركهم في الفزع للصوت: فعن أنس ﵁ قال: كان النبي- ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي ﷺ وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عري وفي عنقه السيف وهو يقول: (لم تراعوا لم تراعوا) ثم قال: (وجدناه بحراً، أو قال: إنه لبحر) [٥] . وأما مشاركته لهم في الجهاد: فقد خرج في (١٩) غزوة [٦] ، بل قال عن نفسه: (ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية) [٧] . وهي مشاركة لا تلغي دورهم وتحولهم إلى مجرد آلات صماء، بل هي تدفع للتوازن بين هذا وبين تعويدهم على العمل والمشاركة. إن مجرد إصدار الأوامر والتوجيه أمر يجيده الجميع، لكن الدخول مع الناس في الميدان ومشاركتهم يرفع قيمة المربي لديهم ويعلي شأنه ويشعرون أنه واحد منهم، وذلك أيضاً يدفعهم لمزيد من البذل والهمة والحماس عكس أولئك الذين يدعون للعمل ويربيهم بعيدٌ عنهم، وقد عبر عن هذا المعنى ذاك الحداء الذي كان يردده أصحاب النبي ﷺ : لئن قعدنا والنبي ﷺ يعمل لذاك منا العمل المضلل ثم إنه يشيع روح الود والإخاء، ويسهم في بناء علاقة إنسانية وطيدة بين المربي ومن يربيهم. ٤- التربية بالأحداث: من السهل أن نحدث الناس كثيراً عن معاني عدة، وأن ننظر لجوانب متعددة، لكن ذلك وإن أتّر فإن أثره يبقى باهتاً محدوداً. أما النبي ﷺ فمع توجيهه لأصحابه في كل موطن، إلا أن تربيته كانت تتم من خلال الأحداث، فكان يضع الناس في الموقع والميدان ويأتي التوجيه حينها. يشكو إليه الحالَ أبو بكر ﵁ وهما في الغار، فيقول: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) . ويسأله رجل في الميدان والمعركة: أرأيت إن قتلت؟ فيجيبه إجابة تصل إلى شغاف قلبه فيتقدم حتى يستشهد؛ فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: (في الجنة [فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) ] ٨ [. ويوصي علياً ﵁ بالدعوة ويذكِّره بفضلها وذلك؟ حين بعثه داعياً إلى الله مجاهداً في سبيله. عن سهيل بن سعد ﵁ قال: قال النبي - ﷺ يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح على يديه يحب الله ورسوله ﷺ ويحبه الله ورسوله) فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجوه، فقال: (أين علي؟) فقيل يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) ] ٩ [. أترى أن تلك التوجيهات لو تلقاها أصحابها وهم جالسون قاعدون في بيوتهم ستترك أثرها؟ إن مثل هذه التربية هي التي خرّجت الجيل الجاد العملي، الذي لم يتربّ على مجرد التوجيه الجاف البارد، إنما كان يعيش العلم والعمل معاً. ٥- الاختيار والاصطفاء: إن التربية كما أنها موجهة لكل أفراد الأمة أجمع مهما كان شأنهم، والدين خطاب للجميع صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً. إلا أن الدعوة تحتاج لمن يحملها ولمن يقوم بأعبائها، إنها تحتاج لفئة خاصة تُختار بعناية وتُربى بعناية. لذا كان هذا الأمر بارزاً في سيرة النبي ﷺ وتربيته لأصحابه؛ فثمة مواقف عدة في السيرة يتكرر فيها ذكر كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسهم أبو بكر وعمر؛ مما يوحي أن هؤلاء كانوا يتلقون إعداداً وتربية أخص من غيرهم. عن ابن عباس ﵄ قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره؛ إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: (كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر) فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما؛ فالتفتّ فإذا هو علي بن أبي طالب] ١٠ [. ومنها قصة أبي هريرة حين كان بواب النبي ﷺ ، فاستأذن أبو بكر، فقال: (ائذن له وبشره بالجنة) ، ثم استأذن عمر، ثم عثمان] ١١ [. وما رواه أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صعد أُحُداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: (اثبت أُحُد؛ فإنما عليك نبي ﷺ ، وصدِّيق، وشهيدان) ] ١٢ [. ومثله ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله ﷺ : (اهدأ؛ فما عليك إلا نبي، أو صدِّيق، أو شهيد) ] ١٣ [. ويحكي لنا أحد أصحاب النبي ﷺ عن توجيه خاص بهم، حين بايعهم على أمر لم يعتد أن يبايع عليه سائر الناس. عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسعة، أو ثمانية، أو سبعة، فقال: (ألا تبايعون رسول الله؟) وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله ﷺ ، ثم قال: (ألا تبايعون رسول الله؟) فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: (ألا تبايعون رسول الله؟) قال: فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله؛ فعلامَ نبايعك؟ قال: (على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا، وأسرّ كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئاً) فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم؛ فما يسأل أحداً يناوله إياه] ١٤ [. وهذا الأمر لم يكن عاماً لأصحابه رضوان الله عليهم، بل خاصاً بهؤلاء، فقد كان بعض أصحاب النبي ﷺ يسألونه ويعطيهم، ولم يكن يمنعهم أو ينهاهم عن السؤال. ومن ذلك أنه كان لا يأذن بالسؤال لخاصة أصحابه كما يأذن لغيرهم، كما روى نواس بن سمعان ﵁ قال أقمت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء، قال: فسألته عن البر والإثم، فقال رسول الله ﷺ : (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) ] ١٥ [. ٦- التدرج: إن الجوانب التي تتطلب التربية والإصلاح في النفس البشرية من الاتساع والتعدد والتنوع ما يجعل تحصيلها في وقت وجهد أمر عسير ومتعذر. لذا فإن التدرج كان معلماً مهماً من معالم التربية النبوية، فخوطب الناس ابتداء بالاعتقاد والتوحيد، ثم أمروا بالفرائض، ثم سائر الأوامر. وفي الجهاد أمروا بكف اليد، ثم بقتال من قاتلهم، ثم بقتال من يلونهم من الكفار، ثم بقتال الناس كافة. ومثل ذلك التدرج في تحريم الخمر، وإباحة نكاح المتعة ثم تحريمها، وهكذا. لكن يبقى جانب مهم مع الإيمان بمبدأ التدرج، ألا وهو أن ما نص الشرع على تحريمه لا يجوز أن نبيحه للناس، وما نص على وجوبه لا يجوز أن نسقطه عن الناس. ٧- تربية القادة لا العبيد: ثمة سؤال يفرض نفسه ويقفز إلى أذهاننا: هل نحن نعنى بتعليم الناس وتهيئتهم ليكونوا أهل علم يستنبطون، ويبدعون ويبتكرون؟ أم أننا نربيهم على تلقي أقوال أساتذتهم بالتسليم دون مراجعة، وربما دون فهم لمضمون القول؟ هل نرى أن من أهدافنا في التعليم أن نربي ملكة التفكير والإبداع لدى طلابنا، وأن نعوِّدهم على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، وعلى الجمع بين ما يبدو متعارضاً؟ وهل من أهدافنا تربيتهم على تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع التي يرونها؟ إن المتأمل في واقع التعليم الذي نقدمه لأبنائنا ليلحظ أننا كثيراً ما نستطرد في السرد العلمي المجرد، ونشعر بارتياح أكثر حين نقدم للطالب كماً هائلاً من المعلومات، وهو الآخر لِمَا غرسنا لديه يقيس مدى النجاح والإنجاز بقدر ما يسطره مما يسمعه من أستاذه، والتقويم والامتحان إنما هو على أساس ما حفظه الطالب من معلومات، واستطاع استدعاء ذلك وتذكره. وشيء من ذلك حق ولا شك؛ لكن توجيه الجهد لهذا النوع وهذا النمط من التعليم لا يعدو أن يخرج جيلاً يحفظ المسائل والمعارف ثم ينساها بعد ذلك أو يكون ظلاً لأستاذه وشيخه. ولأن تُعَلِّمَ الجائع صيد السمك خيرٌ من أن تعطيه ألف سمكة. وقد مثل ذلك في الأعمال الدعوية التي نقوم بها؛ فهل نحن نربي الناس على أن يكونوا عاملين مبدعين مشاركين، أم نربيهم على مجرد الاتباع والتقليد لما عليه كبراؤهم؟ أما النبي ﷺ فكانت تربيته لأصحابه لوناً آخر؛ ففي تربيته العلمية لهم خرّج علماء وفقهاء، ولم يكن يقتصر على مجرد إعطاء معلومات مجردة. وكشف الواقع آثار هذه التربية النبوية، ففي ميدان العلم واجهت أصحابه قضايا طارئة مستجدة؛ لكنهم لم يقفوا أمامها حيارى، فاستثمروا نتاج التربية العلمية التي تلقوها، ولذا اجتهدوا في اتخاذ السجون، وجمع القرآن، وجلد الشارب، والخراج وغيرها. وفي ميدان الجهاد وإدارة الدولة والدعوة قضوا في شهور على المرتدين بعد أن حسموا الموقف الشرعي من قضية الردة، ثم اتسعت الدولة ووطئت أقدام أصحاب النبي ﷺ بلاد المشرق حتى وصلوا أذربيجان وما وراء النهر، وبلاد المغرد حتى وصلوا غرب أفريقيا، ودفن منهم من دفن تحت أسوار القسطنطينية. ولو تربى أولئك على غير هذه التربية لما صنعوا ما صنعوا. فأين المربون اليوم الذين يترك أحدهم الفراغ حين يمضي؟ أين هم من هذه التربية النبوية؟ ٨- التوجيه الفردي والجماعي: لقد كان يجمع بين التربية والتوجيه الفردي من خلال الخطاب الشخصي المباشر، وبين التربية والتوجيه الجماعي. قال ابن مسعود ﵁: (علمني رسول الله التشهد كفي بين كفيه) ] ١٦ [. ومن ذلك ما ورد عن غير واحد من أصحابه: أوصاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ومن ذلك حديث معاذ ﵁ كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار فقال: (يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟) ] ١٧ [. وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ زوّجه أبوه امرأة فكان يتعاهدها، فتقول له: نِعْمَ الرجل لم يكشف لنا كنفاً ولم يطأ لنا فراشاً تشير إلى اعتزاله فاشتكاه إلى النبي ﷺ ، فدعاه فكان معه الحوار الطويل حول الصيام وختم القرآن وقيام الليل. وقد كان هذا الحوار والتوجيه له شخصياً، بينما نجد أنه في مواقف أخر يوجه توجيهاً عاماً، كما في خطبه ولقاءاته وتوجيهاته لعامة أصحابه؛ وهي أشهر من أن تورد وتحصر. وها هنا مأخذ مهم في قصة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ إذ إن النبي ﷺ دعاه وناقشه منفرداً به، بينما نجده في موقف آخر شبيه بهذا الموقف يعالج الأمر أمام الناس؛ فحين سأل طائفةٌ عن عبادته وتقالّوها وقالوا ما قالوا صعد المنبر وخطب في الأمر. عن أنس ﵁ أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش؛ فحمد الله وأثنى عليه فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني) ] ١٨ [. ومثل ذلك في قصة الذي قال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن الأتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي- ﷺ على المنبر قال سفيان أيضاً فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك، وهذا لي؛ فهلاّ جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده! لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته: إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر) ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه: (ألا هل بلغت) ثلاثاً] ١٩ [. إذن فهناك جوانب يمكن أن تطرح وتناقش بصورة فردية، ولا يسوغ أن تطرح بصفة عامة، ولو مع عدم الإشارة إلى صاحبها؛ لأنها ربما كانت مشكلات فردية لا تعني غير صاحبها، بل قد يكون ضرر إشاعتها أكثر من نفعه. وهناك جوانب يجب أن تطرح بوضوح وبصورة عامة وتعالج وتناقش أمام الجميع. والمربي الناجح هو الذي يضع كل شيء موضعه. ٩- التعويد على المشاركة والعمل: اعتاد كثير من ناشئة المسلمين اليوم أن يُكفى كل شيء، فهو في المنزل يقدم له الطعام والشراب، ويتولى أهله تنظيم غرفته وغسل ملابسه، فساهم ذلك في توليد جيل كسول لا يعرف العمل والمسؤولية. وفي المدرسة وميادين التعليم اعتاد التلاميذ الكسل الفكري، وصار دورهم مجرد تلقي المعلومات جاهزة دون أي جهد، وحتى حين يطلب منهم بحث أو مقالة فلا بد أن تحدد لهم المراجع، وبأرقام الصفحات، وقل مثل ذلك في كثير من المحاضن التربوية. إننا حين نريد تخريج الجيل الجاد فلابد من تعويده من البداية على المشاركة وتحمل المسؤولية: في المنزل بأن يتولى شؤونه الخاصة، وفي المدرسة بأن يبذل جهداً في التعلم. وعلى القائمين اليوم على المحاضن التربوية أن يأخذوا بأيدي تلامذتهم، وأن يسعوا إلى أن يتجاوزوا في برامجهم التي يقدمونها القوالب الجاهزة، وأن يدركوا أن من حسن تربية الناشئة أن يمارسوا المسؤولية، وألا يبقوا أكلاّء على غيرهم في كل شيء، فينبغي أن يكون لهم دور ورأي في البرامج التي يتلقونها. وحين نعود لسيرة المربي الأول فإننا نرى نماذج من رعاية هذا الجانب؛ فهو يعلم الناس أن يتحملوا المسؤولية أجمع تجاه مجتمعهم، فليست المسؤولية لفرد أو فردين؛ فعن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأساً، فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه، فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي، ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) ] ٢٠ [. ومن ذلك أيضاً استشارته لأصحابه في كثير من المواطن، بل لا تكاد تخلو غزوة أو موقف مشهور في السيرة من ذلك، وفي الاستشارة تعويد وتربية لهم، وفيها غرس للثقة، وفيها إشعار لهم بالمسؤولية، ولو عاش أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على خلاف ذلك، أتراهم كانوا سيقفون المواقف المشهودة في حرب أهل الردة وفتوحات فارس والروم؟ وعلى المستوى الفردي كان النبي ﷺ يولي أصحابه المهام، من قيادة للجيش وإمارة ودعوة وقضاء وتعليم، فأرسل رسله للملوك، وبعث معاذاً إلى اليمن، وأمّر أبا بكر على الحج، بل كان يؤمِّر الشباب مع وجود غيرهم، فأمّر أسامة على سرية إلى الحرقات من جهينة] ٢١ [، ثم أمّره على جيش يغزو الروم] ٢٢ [، وولى عثمان بن أبي العاص إمامة قومه] ٢٣ [ ... وهكذا فالسيرة تزخر بهذه المواقف. فما أجدر الدعاة والمربين اليوم أن يسيروا على المنهج نفسه ليخرج لنا بإذن الله جيل جاد يحمل المسؤولية ويعطيها قدرها.

стр. 2747

مراجعات في السيرة والتاريخ الثبات على المبدأ ورفض المساومة عليه بقلم: د. محمد أمحزون إن من أهم سمات التربية في المرحلة المكية الثبات على المبدأ، والصلابة في الحق، وعدم التنازل، ورفض أي شكل من أشكال المفاوضات وأنصاف الحلول في قضايا الدعوة. لقد ظل رسول الله ﷺ صامداً أمام الإغراءات والعروض ولم ينثن أو يتراجع أمام التحديات وأساليب التهديد والترهيب التي مارسها إزاءه المشركون؛ فلم يساوم قط في دينه، وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة، وهو محاصر بدعوته، وأصحابه القلائل يُتَخَطّفُون ويُؤْذَوْنَ في الله أشد الإيذاء، وهم صابرون محتسبون. وقد اتخذت مساومة المشركين له في دعوته صوراً شتى، من المساومة على الدعوة كلها بأساليب التهديد والترغيب كما جاء في كتب الحديث والسيرة إلى المساومة على جانب منها للالتقاء معه في منتصف الطريق، كما قال تعالى: [وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ] [القلم: ٩] . أسلوب المشركين في المساومة على الدعوة بالترهيب: لجأ المشركون في بادئ الأمر إلى أسلوب التهديد لثني صاحب الدعوة عن المضي في طريقه المرسوم. ومن ذلك ما روي عن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال: يا عقيل! انطلق فائتني بمحمد، فاستخرجته من كنس، أو قال خنس يقول: بيت صغير فجاء به في الظهيرة في شدة الحر. فلما أتاهم قال: إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلّق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: (ترون هذه الشمس) ، قالوا: نعم، قال: (فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منه بشعلة) ، وفي رواية: (والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحد من هذه الشمس شعلة من نار) فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط؛ فارجعوا راشدين) [١] . وصورة أخرى كانت في إذاية قومه له بعد إذ أعياهم أمره، نقلها عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وهو شاهد عيان، قال: (حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط؛ سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا. لقد صرنا على أمر عظيم؛ أو كما قالوا. قال: فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرّ بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مرّ بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: (تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) ، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع ... قال: فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم منه، حتى إذا بدأكم بما تكرهوه تركتموه؛ فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا كما كان يبلغهم عنه من عيب آلهته ودينهم قال: فيقول رسول الله - ﷺ : (نعم، أنا الذي أقول ذلك) ، قال: فلقد رأيت رجلاً منهم بجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق ﵁ دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ! ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه) [٢] . وقوله: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً بلغت منه، يعني ما رآه هو، وليس ما رأى غيره؛ حيث أوذي رسول الله ﷺ بأكثر من ذلك، كما سبق ذكره. أسلوب المشركين في المزاوجة بين الترهيب والترغيب: وصورة أخرى للمساومة تجلت في التلميح بالتهديد والإغراء في آن واحد، وذلك بتوعده، ثم إغرائه وعرض المناصب والمال والنساء عليه، فأبى عليهم. فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (اجتمعت قريش للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوماً، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ما يرد عليه، قالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: أما والله ما رأينا سخطة أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتّتّ أمرنا، ... وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، ما ينظر إلى مثل منيحة الحبلة بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل! إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشراً، (وفي رواية ابن إسحاق: يا ابن أخي! إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تريد شرفاً سوّدناك علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا) . فقال رسول الله ﷺ : (أفرغت) ؟ قال: نعم. قال فقال رسول الله ﷺ : [حم، تنزيل من الرحمن الرحيم] حتى بلغ [فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود] فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا قال: (لا) [٣] . استدراج صاحب الدعوة إلى أنصاف الحلول للتنازل عن بعض دعوته: وحاول المشركون فتنة النبي ﷺ عن دينه ودعوته في صور أخرى منها: استدراجه بإظهار الوفاق والاستجابة لما يدعوهم إليه إن هو مس آلهتهم ولمّ بها [٤] ، وفي رواية أخرى: طلبوا منه الإنظار لمدة سنة حتى يهدي لآلهتهم ثم يسلموا بعد ذلك [٥] . فهمّ رسول الله ﷺ أن يقاربهم ويدانيهم في بعض ذلك، لكن الله امتن عليه وعصمه من كيدهم، وثبته على ما أوحي إليه، ووقاه الركون إليهم، ولو قليلاً، ووقاه عاقبة هذا الركون، وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين والنصير، في قوله تعالى: [وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) ٧٤) إذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً] [الإسراء: ٧٣ ٧٥] . قال ابن عباس ﵄: (كان رسول الله معصوماً، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في أحكام الله تعالى وشرائعه [٦] . وصورة أخرى للمساومة فيما رواه الإمام الطبري بسنده إلى سعيد بن مينا مولى البحتري قال: (لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد! هلمّ فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يديك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله : [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ] [الكافرون: ١] حتى انقضت السورة) [٧] . إن ما يستنتج من هذه الأساليب الماكرة المتنوعة أن محاولات الحكام أو الملأ مع أصحاب الدعوات لا تكاد تهدأ أو تفتر؛ إذ يحاولون ترهيبهم وتهديدهم لينصرفوا عن دعوتهم بالكلية، وإذا لم يفلحوا في هذا الجانب حاولوا إغراءهم بشتى الوسائل لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها وليرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها؛ فيطلبون منهم تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق؛ لأن الحكام يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في جزء فقدوا مقاومتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة سينتهي إلى تسليم الصفقة كلها. وجدير بالإشارة أن التسليم في جانب من جوانب الدعوة ولو ضئيلاً لكسب الحكام إلى صفها هو هزيمة نفسية بالاعتماد على أصحاب السلطات في نصرة الدعوة؛ والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون في نصرة الحق [٨] . إن المفاصلة التي أمر بها الله جلّ ذكره رسوله ضرورية اليوم للدعاة. إنه ليس هناك ترقيع مناهج، ولا أنصاف حلول، ولا التقاء في منتصف الطريق مع أعداء الدين من الكفار والمنافقين والمرتدين؛ إنما هي الدعوة إلى التوحيد الخالص، إلى تطبيق الإسلام وشريعته في كل نواحي الحياة، وإلا فهي البراءة الكاملة، والمفاصلة التامة، والحسم الصريح: [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] [الكافرون: ٦] .

стр. 2748

تأملات دعوية الحزبية وصفات الحزبيين بقلم: د. إبراهيم بن محمد عباس لقد انتشر مؤخراً الحديث عن (الحزبية) وحظي هذا المصطلح بمساحة واسعة من ساحة الحوار والمناظرة، ومجالس الدروس العلمية والمحاضرة، ولم يفقد نصيبه كحديث مقروء لمن لم يدركوا السماع، سواء في بعض الصحف أو المصنفات الحديثة وبالأخص مصنفات (الردود) ، حتى أصبحت (الحزبية) تهمة جاهزة تسدد لكل من لا يُرغب فيه من الدعاة. ومن الغريب أن يلقى هذا الموضوع رواجاً غير عادي في صفوف بعض الدعاة وطلبة العلم حتى أشغلهم عن كثير من مهمات الأمور وواجبات الدعوة إلى الله، وزُيِّن لبعضهم أن الانشغال بمن يسمونهم بالحزبيين على خلل واضح في تعريف الحزبيين عندهم أهمّ من تعليم الناس أمور دينهم والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكشف مخططات أعداء الدين كاليهود والنصارى والمنافقين وأصحاب البدع الشركية المنتشرين في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وطغى آخرون فوسعوا دائرة الحزبيين حتى شملت كل مسلم يسعى لدعوة أو خير أو إصلاح بين الناس حتى انتهى بهم الأمر إلى السؤال عن كل من تحدثه نفسه بالقيام بأي عمل من أعمال البر التي يتعدى نفعها للمسلمين: هل هو حزبي أو غير حزبي؟ ليتحدد الموقف منه ومن مساعدته في هذا العمل أو ذاك، أو للتشكيك فيه وفي نواياه؛ فلعله حزبي! أو لتصنيفه في القائمة الجائرة، بغضِّ النظر عن الأسس المعتمدة في مثل هذا التصنيف وعن عدالة قائله، وهل كان بالظن أم باليقين، وبغض النظر عن نوعية العمل التطوعي الذي يقوم به أو حتى يفكر في القيام به. ومع هذا فلا شك أن الحزبية داء عضال وسُمّ زعاف يسري في جسم الأمة فيضعفه أو يقتله، وهي من أهم أسباب الفرقة في المجتمعات المتماسكة، وهي صفة ممقوتة لا يرضاها إلا ذوو النفوس الضعيفة يسدون من خلالها عجزهم وقلة حيلتهم، ويشبعون نزعة الغرور والأنانية في نفوسهم، فيحقرون غيرهم ويسخرون منهم وإن كانوا أجلّ منهم قدراً وأكثر نفعاً. أما شيمة ذوي النفوس الكبيرة والقلوب المستنيرة والهمم العالية فهي البحث عن الحق دون حزبية أو تعصب. ومتى اخترق هذا الداء الحزبية أسوار الدعوة المباركة وسرى بين أركانها وانتشر في أوساط أصحابها فإن النتيجة حينئذٍ ضعف وفرقة، وخواء وهزيمة، وجبن وخور أمام الباطل ودعاته والشيطان وحزبه؛ لأن الحزبية التي ينشأ عنها تقليد أعمى وتبعية سلبية وهوى متبع تخل بالإخلاص وتقيد الانطلاق الصحيح وتقضي على كثير من روافد الخير والنماء التي تصب في نهر الدعوة المتدفق الفياض. وتحصر الجهود في إطار ضيق وتقضي على مبادئ قيمة في غاية الأهمية، فتنكمش دائرة البر والإحسان، وينزوي محيط التعاون على البر والتقوى فينمو ويترعرع كل ما هو عكس ذلك في ظل هذه التصورات الخاطئة. ومما هو مشاهد اليوم في صفوف بعض الجماعات الإسلامية، في مناهجها، وفي سلوك بعض أفرادها أعراض كثيرة وعلامات مرضية خطيرة تدل كلها على ذلك الوباء الذي أضعف العمل الدعوي والتربوي مما أدى إلى ضياع جهود كبيرة دون استثمار صحيح، في وقت أشد ما تكون فيه الدعوة الإسلامية بحاجة إلى الجهود المتضافرة والقلوب المجتمعة تحت ظلال الحق والمنهج المستقيم. لقد كان هذا الداء بادياً للعيان، فهب المخلصون ينقدون وينصحون، ما بين عالم مجتهد وطالب علم باحث، وكانوا بين مقل ومكثر، ومخطئ ومصيب، وكل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ . ولقد كانت ردة الفعل عند بعض الناس كبيرة جداً، فأخذت حيزاً أكبر مما تستحق، فزيد في حجم الأخطاء، وتكلف البعض في تتبعها واستقصائها بما يشبه التجسس وتتبع عورات المسلمين، حتى خرج الأمر من حد التغيير إلى التعيير، ومن حد النصيحة إلى حد الفضيحة والتشهير، ونتج عن ذلك عداء شديد، وكثر اللغط والتشويش، وظهر تيار جديد مضاد للحزبية والحزبيين وكان له بريق ولمعان، يتكئ على هذا الجدار تارة وعلى الآخر تارة أخرى، فانضم تحت لوائه شتات من الناس، منهم صادق غيور، وجاهل مقلد، ومنافق ماكر يريد أن يتخذ من ذلك سلماً يصعد به على أكتاف الصادقين الناصحين ليتربع على كرسي الشهرة وليصد به عن سبيل الله وعن الدعوة الطيبة والعلم النافع، كل ذلك تحت مظلة النصح والنصيحة والخوف على مستقبل الدعوة، وبدعوى أن هذه الوسائل أو تلك تؤدي إلى الحزبية والانقسام وتشتيت الأمة وتضليل الناس، حتى انقسمت صفوف الدعاة بهذا الأسلوب الماكر إلى اتجاهين متضادين متنافرين [كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] [الروم: ٣٢] إلا من عصمه الله من الفتنة فعرف أن الحق قد يكون مع هذا بعضه ومع هذا بعضه، وأن كل الناس لا يسلمون من الخطأ، وأن الخطأ مردود على صاحبه، وأن الشخص لا يُؤاخذ بجريرة غيره، وأن الاختلاف في بعض المسائل، في فهمها أو في تطبيقها لا يوجب عداءً ولا كراهية، ولا يلزم منه قطع المؤاخاة ولا ترك النصرة، وأنه ليس من مسؤولية الدعاة تصنيف الأعيان وسوء الظن بهم والطعن في نياتهم، فهو بهذا لا يتعصب لطائفة على طائفة لوقوع هذه في أخطاء قد سلّم الله منها الأخرى، فقد يكون للطائفة الأخرى أخطاء لم يفطن لها، ولم يوفق لإدراكها، وحسبه أن يقف من هذا الأمر موقفاً مشابهاً لموقف شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية ﵀ إذ يقول: (على أن عادتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه ونلقى الله به ولا قوة إلا بالله) اهـ[١] . ومن هذا المنطلق أحببت أن أسهم بهذه المقالة في بيان صفات الحزبية، حتى لا يغتر بعض من يكيل الذم والعتب للحزبيين ليل نهار وقد غرق في صفاتهم إلى شحمة أذنيه دون علم، ونعوذ بالله من الجهل المركب. والحزبية التي نعنيها هنا ليست مجرد التسمية أو الانتساب لحزب معين أو جماعة معينة، فإن الله قد سمّى أولياءه حزباً، فقال عز من قائل: [أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] [المجادلة: ٢٢] . فأثبت الاسم والمسمى؛ إذ إن الانتساب إلى حزب يدعو إلى الخير بما يوافق شرع الله وسنة نبيه، أو طائفة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وفق الضوابط الشرعية يعدّ مطلباً شرعياً وباباً عظيماً من أبواب التعاون على البر والتقوى يتألف من خلاله كيان أمة وصفها الله جل ذكره بالفلاح: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [آل عمران: ١٠٤] . أما الحزبية المذمومة الممقوتة فهي التعصب لرأس الحزب أو لنظام الحزب ومنهجه دون اعتبار لموافقته للشرع من عدمه، وهذا إنما يعرف بصفات معينة ينبغي التنبيه عليها حتى لا يقع المسلم فريسة للحزبية من حيث لا يدري، ومن أهم هذه الصفات: ١- تعظيم الأشخاص فوق القدر اللازم لهم حتى يصل هذا التعظيم والتقدير في بعض الأحيان إلى حد العصمة. وهذا خطر عظيم قد أخرج بعض الطوائف من دائرة أهل السنة والجماعة وأبعدهم عن منهجها المستقيم، وفي مقدمتهم غلاة الرافضة الذين ادعوا العصمة لأئمتهم، وأهم الأسباب التي تؤدي إلى هذا الأمر المبالغة في حب بعض أهل الخير وأصحاب الفضل إلى قدر يخرج عن الحد الواجب لهم، واتخاذ هذا الأمر أصلاً مهماً من أسس التربية التي يتربى عليها الأفراد، حيث يتردد اسم داعية أو عالم أو شيخ معين في كل حديث وفي كل غدوة وروحة، وتذكر مآثره بمناسبة وبغير مناسبة، وتحفظ أقواله بالنص، إضافة إلى أن يبالغ في فضائله ومحاسنه ومواقفه إلى القدر الذي يخرج بهذا التقدير والتكريم عن الحد المشروع؛ وبذلك تعتبر كل أقواله صحيحة، وكل مواقفه صائبة وسديدة، ولهذا تسوّغ أخطاؤه وتؤوّل هفواته، وتُلتمس له المعاذير حتى فيما لا عذر له فيه، سواء كان هذا التسويغ بالمقاييس العقلية وهوالغالب، أو باستخدام التسويغ الشرعي المبني على ليّ أعناق النصوص أحياناً؛ وهو أدهى وأمر. ولهذا فقد يؤدي ذلكم المسلك المتعسف إلى آثار بالغة الخطورة، كتقديس آراء أولئك الرجال وتقديم أقوالهم على النصوص الشرعية: إما جهلاً بهذه النصوص لعدم العناية الكافية بالعلوم الشرعية، وإما عن هوى تفسر به النصوص تفسيراً خاطئاً يوافق مرادهم، وبهذا نجد أن معيار الحق عند هؤلاء هو أقوال الأشخاص. والحق أن يُنقد الرجال بالحق. إن هذه الصفة تؤدي إلى عطب كبير وخلل جلي في أساس التربية ودعائمها؛ حيث يتربى الأشخاص على التسليم المطلق عند سماع القول الصادر من (فلان) ممن تردد اسمه وفضائله مرات ومرات في صواني أذنيه دون مناقشة أو نقد أو طلب للدليل على هذا القول أو ذاك، خوفاً من أن يعترض فلا يبقى له قبول أو تُساء به الظنون. وهذا التعصب والتحزب ليس شرطاً أن يكون لطائفة، فقد يكون لشيخ معين، وقد يكون لطريقة معينة، ولكن الجامع في كل أن تصل الموالاة والمعاداة في هذا الشأن إلى الحد الذي يصنف فيه الناس إلى قسمين: معنا أو ضدنا. فهؤلاء إن لم تحضر دروسهم، وتستشر قادتهم، وتسمع لرموزهم وتقرأ في مصنفاتهم، وتوالي من يوالون، وتعادي من يعادون فلست منهم، وأولئك كذلك. ولا غرابة في مثل هذا التصور أن تحرم حتى من حقوق المسلم على المسلم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ٢- ضيق الأفق، وأحادية النظرة وعدم احترام الرأي الآخر ولو كان سائغاً. وهذا ينتج غالباً عن التربية القاصرة التي يتربى عليها الفرد من خلال التلقي عن شخص معين من الناس والحجر عليه من أن يستفيد من الآخرين ويحاورهم ويتدارس معهم، أو يتبادل معهم الأفكار في أي شأن من شؤون الحياة، ومثله الاقتصار على كتب معينة أو شرائط محدودة لأسماء محصورة، فينشأ المتربي بعقلية جامدة محاصرة، ذات إطار ضيق ومجال محدود ينظر للآخرين ومناهجهم وأطروحاتهم من خلاله ويفسر أقوالهم وآراءهم بما يتوفر لديه من مقدمات سابقة عنهم، دون النظر في النص ذاته. وهذا النمط من التفكير على ما فيه من إجحاف بحق الآخرين فإنه وإن صح لهم في بعض الأحيان وفي بعض الأمور إلا أن ضيق النظرة يجعل الحكم على كثير من المسائل والمواقف قاصراً أو مشلولاً، وخصوصاً تلك التي يحتاج الحكم فيها إلى متابعات وشواهد وقرائن قوية يترجح من خلالها أحد الأمرين المحتملين، أو تلك التي يتوقف على الحكم فيها تبني موقف معين عام قد يضر بالمصلحة العامة إذا كان الحكم غير مدروس دراسة وافية فيها تجرد وإخلاص.. ولذلك تراهم يفكرون في بعض الأمور بواسطة العدسة المصغرة، ومن خلال الواقع القريب المحيط بهم أو بطائفتهم، ثم يقدمون هذا التفكير أو ذاك كنتائج مسلّم بها وبصحتها وفعاليتها، وينسون أن ما يطرحون في الساحة قد يقع في مرأى أو مسمع القريب والبعيد والبر والفاجر، فلا يحسبون لذلك حساباً. والبصيرة تجعل الطرح المؤصل القوي قابلاً للتعامل معه هنا وهناك واليوم وغداً طالماً كانت ظروف وملابسات الرأي المطروح واحدة أو متشابهة. ولذلك نجد شواهد كثيرة في تاريخ السلف الصالح ﵃ لكثير من المشكلات التي تعيشها الأمة اليوم، وحلولاً مناسبة حتى على هذا المدى الزمني البعيد، ومن هنا نحن في حاجة إلى إعادة دراسة تاريخنا دراسة متأنية بتأمل واعتبار. وأعود فأقول: إن اتساع الأفق لا يعطي رحابة في التفكير والتصور وحسب، بل يؤدي إلى مرونة منضبطة في النتائج تلتئم معها كثير من المفاهيم المتشابهة، وتتقارب من خلالها الآراء المتنافرة وتجتمع الكلمة، شريطة أن يتم كل ذلك داخل إطار المنهج المحدد بالكتاب العظيم والسنة المشرفة والإجماع المعتبر والقياس الصحيح. أما ذلك النوع من التربية الذي يؤدي إلى الحَجْر الفكري، فإنه يتمخض غالباً عن إمّعيّة ممقوتة وذوبان للشخصية؛ وبذلك ينشأ البنيان ضعيفاً، إذا اعتمد كلية على مثل هذه البنيات الهشة. ٣- صعوبة الاعتراف بالخطأ وصعوبة الرجوع عنه؛ فترى ذلك عند من يدافع عن خطئه أو أخطاء حزبه حتى ولو تبينت له الحقيقة؛ لأن الرجوع إلى الحق يعتبر عنده سبباً يهز ثقة الناس فيه وفي حزبه، وينسى هذا وأمثاله أن أي شخص مهما يكن مستواه العلمي أو الفكري ضئيلاً أو محدوداً فإنه يستطيع أن يدافع عن خطئه، وليس ذلك بمنقبة، ولكن المحمدة التي ترفع قدر الإنسان في أعين الآخرين وتحفظ له احترامه عندهم وتسمو بها نفسه وتتهذب بها أخلاقه هي اعترافه بخطئه ورجوعه عنه، وبعض الناس للأسف الشديد قد يعترف بخطئه، ومع ذلك فإنه يصر عليه ولا يتراجع عنه. وبعض آخر يهون عليه أن يعترف بخطئه، ولكن إن أخطأ شيخه الذي يتحزب له فإنه ينافح عن هذا الخطأ بكل ما يستطيع حتى وإن كان واضحاً لا ينكره الشيخ نفسه، وهذا من عجائب ما تبتلى به بعض النفوس. ٤- العُجب والاعتزاز بالنفس، وفي المقابل الازدراء والتحقير للآخرين ولآرائهم بحق وبغير حق؛ إذ المعيار هو موافقتهم فحسب، وهذه أعظم الآفات التي تنشأ عن قلة الورع غالباً وعن الجهل وقلة المعرفة أحياناً، ومن هذا الباب تجد أن كل فكرة أو عمل من أعمال البر تلقى رواجاً وقبولاً بين الناس ينسبها الحزبيون إليهم، وأنها من نتائجهم وآثارهم ومن بنات أفكارهم؛ فهم أول من أنشأ هذا العمل أو ذاك، وأول من نبّه إلى ذلك الخطر، وأول من سبق الناس إلى الفضل، وقد يكون ذلك وقد لا يكون، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا. ولم يقتصر هذا الأسلوب على مجال معين من مجالات العمل، بل حتى الأشخاص والمصنفات ينسبونها إليهم متى وافقتهم، ويتبرؤون منها إن لم تتفق معهم. وإذا ترك الحبل على الغارب خصوصاً في ميدان الفكر، ظن صاحب كل فكرة بأن هذا هو ما توصل إليه بحثه واجتهاده، وأصبحت الأمور فوضى لا مثيل لها، أما إلزام الآخرين بهذه الاجتهادات الشخصية والرؤى الفردية كما هو الحال عند بعض الحزبيين فهو يؤدي إلى فساد عظيم وخلل يستعصي علاجه؛ إذ إن الاجتهاد دون إخلاص ودون التقيد بالضوابط الشرعية مهلكة للمرء ومفسدة لسلوكه. إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده وينشأ غالباً عن شدة العجب والغرور الحطّ من قدر الآخرين واحتقار آرائهم وكأن موافقة الصواب وقفٌ عليهم، فكل طريقة غير طريقتهم باطلة، وكل فكرة لا تولد في منابعهم فعقيمة، وكل خطة لا تترعرع في أحضانهم لا تعرف النجاح، وليت الأمر يقف بهؤلاء عند هذا الحد بل تراهم يتلمسون للأبرياء الأخطاء والنقائص، ويطرحون عليهم رداء الجهل والسذاجة، ويرمونهم بشتى التهم، وليس وراء ذلك إلا خلافات ربما تكون يسيرة جداً أحياناً. والخلاف عند أصحاب العقول السليمة والقلوب المؤمنة لا ينبغي أن يثير مثل هذه الأحقاد فيفسد الود ويضعف البناء، ويفتح الثغرات لكل من هب ودب أن يطعن في الدعاة. ٥- ظلم الآخرين: والظلم ظلمات يوم القيامة، فمرتعه وخيم ونهايته مرة وآثاره سيئة، أما حين يقع هذا الظلم على إخوة في الدرب ينشدون الحق، ويتلمسون طرق البر فإنه يكون أشد تأثيراً وأمرّ كيداً: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند ويتفاوت الحزبيون درجاتٍ في هذا المسلك إلا أنه قد لا يسلم أصحاب الحزبية من بعض مظاهر هذا البلاء وآثاره القبيحة ونتائجه المستقذرة مثل الكيل بمكيالين؛ فالذي هو معهم أو على أقل تقدير: يوافقهم في مواقفهم وآرائهم له اعتبار ومكانة ووزن معين عندهم. والآخر له حساب آخر، وقد يصل الأمر إلى أبعد من هذا حينما يشتغل الحزبيون بإظهار مثالب الآخرين وتتبع عوراتهم والفرح بأخطائهم ونشرها بين الناس وإذاعتها بين الخاصة والعامة، وعدم السعي لسترها أو تبيين الحق لأصحابها وأداء النصح لهم بالأساليب المشروعة. ٦- تقديم المصلحة الذاتية وجعلها هي الأساس ولو خالفت المصلحة الشرعية. وهذه سمة من سمات الحزبية الممقوتة نابعة عن الهوى وعدم الانقياد الخالص التسليم المطلق لأوامر الشرع المطهر. والذي ينبغي للمسلم هو تقديم ما يستوجبه النص الشرعي حتى ولو لم تظهر له الحكمة أو المصلحة في ذلك، فقد يكون هذا بسبب قصور منه في العلم والمعرفة وقد يكون قصوراً في الحكمة والبصيرة؛ إذ إنه قد ينظر إلى المصلحة القريبة العاجلة ويغفل عن مصلحة أهم منها وأعظم [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ٣٦] . وقد ينظر إلى المصلحة المؤقتة ويغفل عن مصلحة كبرى عامة أومستديمة.. وقد لا يدركون تلك المصالح المهمة؛ لأنهم لا يعرفونها بسبب التقوقع الحاصل لهم من الدوران في فلك واحد. وعدم احتكاكهم بمخالفيهم، أو فتح باب الحوار الهادئ معهم؛ وبذلك يحرمون من سماع أقوال الآخرين ومعرفة ما عندهم من الأدلة والفوائد.

стр. 2749

تأملات دعوية أدومه وإن قل أيضاً عبد الله المسلم حين يتمثل الدعاة إلى الله ﵎ معنى المداومة في دعوتهم، فإنه يؤمل من هذا أن يولد نتائج عدة، منها: ١- حصول التأسي بالنبي ﷺ ؛ وهذا عبادة بحد ذاته يؤجر عليه المسلم، ويحصل به بركة متابعة النبي ﷺ . ٢- أن العمل قد أعد له إعداداً جيداً، وأخذ نصيبه من الدراسة والمراجعة، ولم يكن نتاج فكرة طائشة أو خاطرة لم تأخذ حقها من التفكير. ٣- المداومة تعني التخصص الذي ينشأ عنه سد للثغرات التي قد لا تجد لها مكاناً بين الأفكار الطارئة، وينشأ عنه التوزيع المعتدل للطاقات دون أن تسهم التفاعلات الفكرية والثقافية في تفتيتها أو تركزها في ميدان دون آخر؛ ذلك أن الحديث عن نجاح ميدان أو تجربة دعوية، أو الحديث عن أهمية ميدان ومجال مهمل، أو عن خطورة تحد يواجه الأمة والدعوة، ربما أسهم ذلك كله في توجه غير معتدل للطاقات نحو هذا الميدان مما ينشأ عنه إخلاء ثغور ومواقع لم تجد من يجيد الاستنفار لها. ٤- المداومة تعني عمق القناعة بالعمل، وأنه لم يكن ناشئاً نتيجة ظرف معين أو خاطر سريع، وهو يعني أن تكون ردة الفعل تجاه الأحداث متزنة؛ إذ طالما أسهم الانسياق وراء حدث أو ظاهرة مفاجئة في ردة فعل تولد تطرفاً وغلوّاً في الاتجاه المقابل. ٥- المداومة على العمل تقضي على ظاهرة استعجال قطف الثمرة والإجهاض الفكري للمشروعات والبرامج الدعوية والتغيرية، وتلك إنما تنشأ عند أولئك الذين لم يستقر لهم قرار في ميدان دعوي، أو لم يحققوا مبدأ المداومة في الدعوة. ٦- المداومة تعني انضباط أهداف العمل؛ إذ هي نتاج تفكير هادئ، وممارسة وتجارب طويلة، وعمل متخصص، وليست مجرد حماسة أو ردة فعل تجاه انحراف أو موقف معين. ٧- المداومة تعني التدرج في العمل، والسير فيه بخطوات هادئة ثابتة متزنة، تنظر إلى المستقبل بعين واسعة، وأفق رحب. أما أولئك الذين تحركهم العواطف فلا يجيدون العمل المتدرج الهادئ، بل حين يقتنعون بأهميته وضرورته فلن يطيقوا الاستمرار فيه. ٨- المداومة تعني صعوبة وصول الوصوليين، أو حُدثاء العهد بالاهتمامات الدعوية إلى مراكز الريادة والقيادة في العمل الإسلامي الذي أصبح يملك قدراً من الاستمرار وثبات الأهداف، ويفرض على الطارئين أن ينموا بصورة طبيعية في ميدان العمل، وإلا فلن يجدوا لهم مكاناً رحباً. ولقد أسهم هذا الجانب في تصدّر بعض من ليس أهلاً للتصدر في ساحة العمل الإسلامي ولدى جماهير الصحوة، سواء أكان حسن النية والطوية لكنه لم تنضج خبرته وتجربته الدعوية، أو كان سيئ النية. والعناية بمبدأ المداومة في العمل الدعوي وأهميته لا يعني: أ - احتقار البرامج الطارئة والابتكارات السريعة، التي ربما استفادت منها الدعوة دفعة جديدة، وفُتِحت فيها آفاق لم تكن قبل كذلك. وكما أن العابد لربه الذي له هدي راتب من العمل حين تتاح له فرصة للخير وتتجه نفسه نحو باب من أبواب العبادة فإنه يستثمر ذلك، فكذلك الداعي إلى الله ﵎، ينبغي ألا تحول عنايته بالعمل الدائم دون اغتنام الفرص، لكنْ هناك فرق بين أن يكون ذلك هو الأصل وهو المسير للعمل، وبين أن يكون ميداناً يستثمر حين يتاح. ب - الجمود في الأعمال الدعوية والبرامج والوسائل؛ إذ التجديد والتطوير لا يعني إلغاء الأصل، كما أن الاستمرار والمداومة لا تعني المحافظة على الرسوم وتحوّل الوسائل إلى غايات. ج - عدم التكيف مع الظروف والتعامل معها؛ إذ هي تفرض نوعاً من المراجعة لأهداف العمل وبرامجه، بما يضمن لها استمرار البقاء والتأثير. د - ترك توظيف الطاقات الأقل جدية والتي لا تجيد العمل الدائم، والبرامج بعيدة المدى، بل على الدعاة إلى الله أن يعنوا بتوظيف كل طاقة خيرة، وألا يحتقروا جهداً أو فرداً يمكن أن يقدم عملاً مثمراً، لكن يبقى أولئك في موقعهم الطبيعي، ولا يتحول هذا إلى قاعدة ينطلق منها الجميع.

стр. 2750

نص شعري مَعْذرةً.. هِندُ شعر: طاهر العتباني ما زلتِ تنسربين في أبياتي ... وتحاولينَ اللغوَ في كلماتي ما زلتِ تتهمين كل قصائدي ... أنْ لستُ في عينيكِ أُبصر ذاتي أنا يا التي كانت تزلزلني هَوىً ... وأصبّ في خلجاتها خلجاتي ما عدت أحفل بالعيون وسِحْرها ... وأواصل العبراتِ بالعبراتِ أنا يا التي كانت على أهدابها ... رفّت طيور العشق في لوحاتي ما عادَ يغريني هفيف جدائلٍ ... ما عُدْتُ أعشق أجمل الملكاتِ أنا يا التي أحرقت فيها أَحْرفي ... وَرَجَعْتُ مشنوقاً إلى كلماتي قد صِرْتُ أنظر في ربوع ديارنا ... وأعتود مَخْنوقاً من المأساةِ يا هِنْدُ يا عَهْدَ التغزل والهوى ... ومراتع الآمالِ والشهواتِ إني صَحَوْتُ من الجنون وقد غدا ... شعري يضيق بهذه الصبواتِ يا هِنْد ... لو تدرينَ ما يعتادني ... إذ أُبصر الأعداءَ في ربواتي يا هند ... لو تدرينَ ما يجتاحني ... والقدس يهتف في حطامِ مَواتي يا هِنْدُ ... لو تدرينَ ما بجوانحي ... مِنْ عَسْفِ هذا اليأسِ والظلماتِ لعلمتِ أني إذ نسيتُ مشاعري ... وتركتُ ما سطرتُ من نغماتِ ما كُنْتُ أصطنع الجفاءَ وإنما ... قلبي أسيرٌ في الضياع الآتي هذى (سراييفو) تصيحُ ولا يدٌ ... تمتدّ، أو صَوْتٌ يجيب شَكاتي قد صارت النكباتُ إن هي طوّقَتْ ... يتسابق الشعراءُ في النكباتِ وتضافُ للمأساة بَعْضُ قصائد ... وتسوّدُ الصفحاتُ بالصفحاتِ حتى إذا سَكَتَ الكلامُ وأقفلتْ ... قصص البطولةِ أُهْدِرَتْ كلماتي يا هِنْدُ ... أول طعنةٍ نالتْ دمي ... ورأيت هَتْكَ العرضِ في أخواتي يا هند.. كَيْفَ أهيمُ في غزلية ... واليأسُ يَصْلبُ أمتي وثباتي وأرى على الأفق الجريح حمامةً ... قد حُوصِرَتْ بالريحِ والطعناتِ يا هِندُ ... لا أبغيكِ بعض قصيدة ... لا، إنني أبغيكِ أُمّ أباةِ يا هِنْدُ ... لا أبغيك قصة لَيْلة ... حمراءَ ... لا أبغيكِ بعضَ فُتاتِ يا هِنْد ... لا أبغيكِ إلا مَوْطناً ... حراً يرفرفُ في حروف لُغاتي يا هِنْدُ ... إن أصبحتِ في كلماتهم ... عطراً يفوحُ بحمأةِ الطرقاتِ أوْ أَصْبَحَتْ عيناكِ بين حروفهم ... جدلاً يُضيع العمرَ في الغفلاتِ أوْ أَصْبَحَتْ شفتاكِ في أعراسهم ... مجنونةً شبقيّة الهمساتِ فأنا أريدكِ في جبين طهارتي ... نُوراً أصون حياته بحياتي مَهْلاً رِفاق الشِعْر إن جوادكم ... ما زال يضرب في السرابِ العاتي ما زال رغم ضياع وَجهي في الدجى ... مترنّحاً في غمرة السكراتِ من ألفِ عامٍ، والقصائد ترتوي ... من كأسها الشبقية الرشفاتِ من ألفِ عامٍ، والكلام على فمي ... يصحو على الطعناتِ بالطعناتِ مِنْ ألفِ عامٍ، والمآذن شجوها ... ينسابُ مَذْبوحاً بسيف عداتي والمسْجِدُ الأقصى، وهِنْدُ وأمها ... عربيّةً ذُبِحَتْ على العتباتِ مهلاً رفاق الشعر إن قضيّتي ... مسكونةٌ بالنارِ واللفحاتِ والشعر ليس غوايةً في قِصّة ... تجتاحها الجمراتُ بالجمراتِ الشعر هِنْدٌ حين يحمي وَجْهها ... حرفٌ أبيّ الخطو والوثباتِ الشعر هِنْدٌ حين يحميها دمٌ ... ينسابُ في الأضلاع كالعزماتِ الشعر هِنْدٌ حين يقفز من دمي ... لحنُ وسَيفٌ واثق الضرباتِ ليعيد هِنْداً من إسار ضياعها ... ويعيدها عُذْريّةَ القسماتِ ويردّ عنها صَوْلة الذئب الذي ... يلهو بها في أَسْوأ القتلاتِ يا هِنْد مَعْذرةً لأني شاعِرٌ ... لا أشتري الصفقاتِ بالكلماتِ يا هِنْد معذرةً لأني شاعِرٌ ... لا أعْرِفُ التزييفَ في لوْحاتي هذا دمي فوق الموائدِ كيف بي ... أَنْسى دِمائي ... أزدري مأساتي هذه بلادي كيف أَنْسى وَجْهها؟ ... وأَهيمُ في أسطورةِ اللذّاتِ؟ هذي جراحي كيف أَنْسى وَهْجَهها ... وأُضيعُ عُمْري في هوى الشهواتِ فأراكِ كأساً أو ضلالة تائه ... وأظل أَحْيا في خداعِ الذاتِ هذى حروفي ... كيف أخنق دَمْعها ... وأنا الذي قد أَيْنَعَتْ زهراتي هذي طريقي ... كيف أترك رَهْجها ... وأبيعُ خيلَ الفتح والصَهَواتِ يا هِنْدُ مْعِذرةً حياتي بِعْتُها ... لله أَبْغي الفَوْزَ بالجَنّاتِ

стр. 2751

ملفات أمواج الردة وصخرة الإيمان الردة مفهومها وأسبابها في العقيدة والشريعة بقلم: د. عبد العزيز آل عبد اللطيف هناك ظاهرة، تتكرر كل حين، في شكل موجات عاتية من الهجوم على ثوابت هذه الأمة وعقائدها ومناهجها، وهي موجات وهجمات تتحد في غاياتها، وإن كانت تختلف في أساليبها وفي أدواتها ورموزها ... وهذا الملف، يعالج أخطر وأسوأ مظاهر هذا الهجوم على الدين، وهو ما يجري على ألسنة أدعياء الثقافة والعلم والأدب،...... ما هي حقيقتهم ... ما هي أقوالهم ... ما هو حكم الشريعة في أمثالهم ... ثم ... موقف القوانين الوضعية من الردة.. وهل كانت سبباً في الترويح لدعاوى الردة في بلاد المسلمين؟ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله تعالى أتم هذا الدين وجعل شريعة الإسلام أكمل الشرائع وأحسنها، وقد جاء هذا الدين شاملاً لجميع جوانب الحياة البشرية، ولذا أوجب الله تعالى على عباده الالتزام بجميع أحكام الإسلام فقال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً] [البقرة: ٢٠٨] ، كما جاء هذا الدين موافقاً للفطرة السوية الصحيحة، فقال تعالى: [فِطْرَتَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] [الروم: ٣٠] . فإذا كان الشخص مسلماً لله تعالى، والتزم بدين الله تعالى، فأبى إلا أن ينسلخ من الهدى، ويتلبس بالضلال، فيمرق من الحق والنور إلى الباطل والظلمات، فهذا مرتد عن دين الإسلام، ناقض لعقد الإيمان، مصادم لما عليه هذا الكون الفسيح من سماء وأرض ونبات وحيوان من الاستسلام لله تعالى والخضوع له، كما قال سبحانه: [وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] [آل عمران: ٨٣] . وإذا كانت قوانين البشر مع ما فيها من القصور والتناقض والاضطراب توجب مخالفتها عند أصحابها الجزاءات والعقوبات؛ فكيف بمناقضة شرع الله تعالى، ... والانسلاخ من حكمه وهو أفضل الأحكام على الإطلاق؟ لقد شرع الله تعالى إقامة الحدود، ومنها: حد الردة تحقيقاً لأهم مقاصد الشريعة وهو حفظ الدين، وهو سبحانه الحكيم في شرعه، الرحيم بعباده، العليم بما يصلح أحوال خلقه في معاشهم ومعادهم. وفي الآونة الأخيرة تطاول شرذمة من السفهاء على هذه الشريعة، فوصفوا الأحكام الشرعية المترتبة على المرتد بأنها استبداد وقسوة ومناقضة للحرية الفكرية ... فقام من يرد ذلك الإفك بضعف وتأوّل متكلف وانهزامية ظاهرة (فلا الإسلامَ نصروا ولا (السفهاء) كسروا) . ولذا سنعرض في هذه المقالة لمعنى الردة وشيء من أحكامها وتطبيقاتها، وأسباب الوقوع فيها. إذا رجعنا إلى كتب الفقه، فإننا نجد أن الفقهاء في كل مذهب من المذاهب الأربعة يعقدون باباً مستقلاً للمرتد وأحكامه، ونورد فيما يلي أمثلة لتعريفاتهم للردة، أعاذنا الله منها. ففي بدائع الصنائع للكاساني الحنفي (ت٥٨٧هـ) : (أما ركن الردة فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد وجود الإيمان؛ إذ الردة عبارة عن الرجوع عن الإيمان) [٧/١٣٤] . ويقول (الصاوي) المالكي (ت ١٢٤١هـ) في الشرح الصغير: (الردة كفر مسلم ... بصريح من القول، أو قول يقتضي الكفر، أو فعل يتضمن الكفر) [٦/١٤٤] . وجاء في مغني المحتاج للشربيني الشافعي (ت: ٩٧٧هـ) : (الردة هي قطع الإسلام بينة، أو فعل سواءً قاله استهزاء، أو عناداً، أو اعتقاداً) [٤/١٣٣] . ويقول البهوتي الحنبلي في كشاف القناع: (المرتد شرعاً الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً أو اعتقاداً، أو شكاً، أو فعلاً) [٦/١٣٦] . وبنظرة في هذه التعريفات نجد أن الردة رجوع عن الإيمان، فهي رجوع باعتبار المعنى اللغوي؛ فالمرتد هو الراجع، ومن قوله تعالى: [وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] [المائدة: ٢١] . والردة رجوع عن الإيمان باعتبار المعنى الشرعي؛ فالشرع يخصص اللغة ويقيّدها، كما أن الردة هي قطع الإسلام؛ لأن الإسلام عقد وميثاق، وحبل الله المتين، فإذا ارتد الشخص فقد نقض العقد وقطع هذا الحبل. والردة، كما ذكر البهوتي قد تكون نطقاً، أو اعتقاداً، أو شكاً، أو فعلاً، لكن يسوغ أن ندرج الشك ضمن الاعتقاد باعتبار أن الشك يكون في عمل القلب المتعلق بالاعتقاد. ويمكن أن نخلص إلى أن الردة هي الرجوع عن الإسلام إما باعتقاد أو قول أو فعل، ولا يخفى أن هذا التعريف يقابل تعريف الإيمان بأنه: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح، وإذا قلنا: إن الإيمان قول وعمل كما في عبارات متقدمي أئمة السلف أي قول القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فإن الردة أيضاً قول وعمل، فقد تكون الردة قولاً قلبياً كتكذيب الله تعالى في خبره، أو اعتقاد أن خالقاً مع االله ، وقد تكون عملاً قلبياً كبغض الله تعالى أو رسوله - ﷺ ، أو الاتباع والاستكبار عن اتباع الرسول، وقد تكون الردة قولاً باللسان كسبِّ الله تعالى أو رسوله ﷺ ، أو الاستهزاء بدين الله تعالى، وقد تقع الردة بعمل ظاهر من أعمال الجوارح كالسجود للصنم، أو إهانة المصحف. فإذا تقرر مفهوم الردة، فإن من تلبّس بشيء من تلك (النواقض) يكون مرتداً عن دين الإسلام، فيقتل بسيف الشرع؛ فالمبيح لدمه هو الكفر بعد الإيمان، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا المقام: (فإنه لو لم يقتل ذلك [المرتد] لكان الداخل في الدين يخرج منه؛ فقتله حفظ لأهل الدين وللدين؛ فإن ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه) [الفتاوى ٢٠/١٠٢] . كما يقتل المرتد، فإنه لا يغسّل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، بل يكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين كما هو مبسوط في موضعه [١] . ومما يدل على مشروعية قتل المرتد ما أخرجه البخاري ﵀ أن علي بن أبي طالب ﵁ أُتى بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم لنهي رسول الله ﷺ : (لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : من بدّل دينه فاقتلوه) . والمراد من قول: (بدّل، دينه) أي بدل الإسلام بدين غيره؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله تعالى: [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ] [آل عمران: ٨٥] [٢] . وقد التزم الصحابة ﵃ بهذا الحكم، فعندما زار معاذ بن جبل أخاه أبا موسى الأشعري ﵄، وكانا أميرين في اليمن، فإذا رجل موثق، فقال معاذ: ما هذا؟ قال أبو موسى: كان يهودياً، فأسلم ثم تهوّد، ثم قال: اجلس، فقال معاذ: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله (ثلاث مرات) ، فأمر به فقتل [٣] . وقد قام خلفاء وملوك الإسلام وفي عصور مختلفة بإقامة حكم الله تعالى في المرتدين تأسياً برسول الله ﷺ ؛ فلا يخفى موقف الصديق ﵁ تجاه المرتدين وقتاله لهم، وسار على ذلك بقية الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. واشتهر المهدي الخليفة العباسي بمتابعة الزنادقة المرتدين، حيث عيّن رجلاً يتولى أمور الزنادقة. يقول ابن كثير في حوادث سنة ١٦٧هـ: (وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبراً بين يديه) [٤] . ... ويعدّ الحلاّج من أشهر الزنادقة الذين تمّ قتلهم بسيف الشرع دون استتابة، يقول القاضي عياض: (وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول، وقوله: (أنا الحق) مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته) [٥] . وقد بسط الحافظ ابن كثير الحديث عن أحوال الحلاج وصفة مقتله، فكان مما قال: (قُدِّم (الحلاج) فضُرِبَ ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وحز رأسه، وأحرقت جثته، وألقى رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف في تلك النواحي) [٦] . من أهم أخبار المرتدين وأكثرها عبرة ما سجله الحافط ابن كثير في حوادث ٧٢٦هـ حيث (ضربت عنق ناصر بن الشرف أبي الفضل الهيثي على كفره واستهانته بآيات الله وصحبته الزنادقة. قال البرازلي: وربما زاد هذا المذكور المضروب العنق عليهم بالكفر والتلاعب بدين الإسلام والاستهانة بالنبوة والقرآن. وحضر قتله العلماء والأكابر وأعيان الدولة، قال: (وكان هذا الرجل قد حفظ التنبيه، وكان يقرأ في الختم بصوت حسن، وعنده نباهة وفهم، ثم إنه انسلخ من ذلك جميعه، وكان قتله عزاً للإسلام، وذلاً للزنادقة وأهل البدع، قال ابن كثير: وقد شهدتُ قتله، وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية حاضراً يومئذ، وقد أتاه وقرّعه على ما كان يصدر عنه قبل قتله، ثم ضربت عنقه وأنا شاهد ذلك) [٧] . ... ومما يجدر ذكره في هذه المقالة أن الردة التي جاهر بها بعض زنادقة هذا العصر ك (رشدي) ، و (نسرين) ، و (نصر أبو زيد) ، و (البغدادي) ، وأضرابهم أشنع من ردة أسلافهم ك (الحلاج) ، و (الهيثي) ، والله المستعان. وبالجملة فردة هؤلاء الزنادقة في القديم والحديث ليست مجرد ردة فحسب، بل ضموا إلى هذه الردة المحاربة لله تعالى ورسوله ﷺ ، والإفراط في العداوة، والمبالغة في الطعن في دين الله تعالى، وصاحب هذه الردة المغلظة لا يسقط عنه القتل وإن تاب بعد القدرة عليه. كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: (إن الردة على قسمين: ردة مجردة، وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها، وكلتاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها؛ والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعمّ القسمين، بل إنما تدل على القسم الأول (الردة المجردة) ، كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الثاني (الردة المغلظة) وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع بسقوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاق؛ والذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرّق بين أنواع المرتدين ... ) [٨] . وأما أسباب الوقوع في الردة فثمة أسباب متعددة لذلك منها: الجهل بدين الله تعالى، وضعف التمسك بالمعتقد الصحيح عند الكثير من المسلمين، مما أوقفهم بسبب جهلهم وضعف تمسكهم في جملة من المكفرات، فعلى الدعاة والعلماء أن يجتهدوا في إظهار العلم الشرعي وتبليغ دين الله تعالى، عبر برامج مرتبة، فيرغب أهل الإسلام بالمعتقد الصحيح علماً وعملاً، ويحذرون من الردة وأنواعها، عن طرق حِلَقِ التعليم، والخطب، والمؤلفات، والأشرطة، ونحوها، فيعنى بالتوحيد تقريراً والتزاماً، كما يعنى بالتحذير من مظاهر الردة في الزمن المعاصر، ومن ذلك أن تُدرّس رسالة (نواقض الإسلام) للشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ﵀ فهي رسالة مع كونها في غاية الإيجاز إلا أنها بينت أهم النواقض وأشملها، وأكثرها وقوعاً وانتشاراً [٩] . وأن يبيّن للناس الأحكام الشرعية المترتبة على المرتد من: القتل، وعدم الصلاة عليه، وحل ماله، وأن تذكر أخبار المرتدين وأحوالهم وما نالوه في الدنيا من العقوبات والمثلات، وما أعدّ لهم من العذاب المقيم في الدار الآخرة. وأن يراعى أثناء التحذير من الردة وأنواعها عوارض الأهلية عند الحكم على الأشخاص كالجهل والتأويل والخطأ والإكراه ونحوه، فربما وقع البعض في غلو وإفراط بمجرد علمهم بجملة من أنواع الردة، فيحكمون بذلك على أشخاص بأعيانهم دون التفات إلى اجتماع الشروط وانتفاء الموانع. ومن أسباب الوقوع في الردة: ظهور الإرجاء في هذه الأوقات.. فالإرجاء في مسألة الإيمان يقرر عبر مؤسسات تعليمية شرعية منتشرة في بلاد المسلمين، حيث تتبنى هذه المؤسسات المذهب الأشعري والماتريدي ذي النزعة الإرجائية الغالية، كما ساعد على ظهور الإرجاء بعض المنهزمين إزاء واقعنا الحاضر المليء بالانحرافات التي تناقض العقيدة السلفية، فقاموا (يبررون) ، و (يسوغون) ذلك الانحراف بأنواع من التأويلات المتكلفة. كما أن الغلو في التكفير والنزعة الخارجية في هذا العصر كان سبباً مساعداً في ظهور الإرجاء كنتيجة عكسية، فجاء ذلك الإرجاء رد فعل لهذا الغلو. فإذا كان الإيمان عند طوائف من المرجئة هو التصديق فحسب، ففي المقابل سيكون الكفر أو الردة هو التكذيب فقط عند قوم آخرين، فلا يكون الشخص مرتداً عن دين الله تعالى إلا إذا كان مكذباً جاحداً! فلا يكون الشخص عند هؤلاء المرجئة مرتداً بمجرد استهزائه بالله تعالى أو رسوله ﷺ أو دينه، كما لا يكون الشخص عندهم مرتداً بمجرد سجوده للصنم أو إهانة المصحف! ! . فالردة عندهم مجرد اعتقاد، فلا تقع الردة بقول أو عمل! وسبب ثالث وهو تنحية شرع الله في كثير من بلاد المسلمين، فلا يخفى أن وجود الولاية الشرعية سبب في حفظ الدين، فحيث تقام الحدود ومنها حد الردة فلن يتطاول زنديق مارق على دين الله تعالى، لكن (من أمن العقوبة أساء الأدب) ، والله حسبنا ونعم الوكيل، ورحم الله ابن العربي عندما وصف كفر غلاة الشيعة بأنه (كفر بارد لا تسخنه إلا حرارة السيف) [١٠] . وإليك أخي القارئ واقعة تاريخية توضح المراد كما دوّنها القاضي عياض في كتابه: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) بقوله: (وقد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بـ (ابن أخي عَجَب) ، وكان خرج يوماً، فأخذه المطر، فقال: بدأ الخرّاز يرش جلوده. وكان بعض الفقهاء بها (أي بقرطبة) : (أبو زيد) ، و (عبد الأعلى بن وهب) ، و (ابن عيسى) ، قد توقفوا عن سفك دمه، وأشاروا إلى أنه عبث من القول يكفي فيه الأدب، وأفتى بمثله القاضي حينئذ (موسى بن زياد) ، فقال (ابن حبيب) : دمه في عنقي، أيشتمُ رباً عبدناه، ولا ننصر له؟ إنا إذاً لعبيد سوء، وما نحن له بعابدين، وبكى، ورفع المجلس إلى الأمير بها (عبد الرحمن بن الحكم) الأموي (ت ٢٨٢هـ) . وكانت عجَب عمة هذا المطلوب من حظاياه (أي من أحب الزوجات لعبد الرحمن بن الحكم) ، وأُعلم باختلاف الفقهاء، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول (ابن حبيب وصاحبه) ، وأمر بقتله، فقُتل وصُلب بحضرة الفقيهين: (ابن حبيب وأصبغ) ، وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة، ووبّخ بقية الفقهاء وسبّهم) [١١] . ولنا وقفة يسيرة مع هذه القصة فإن ابن أخي (عجب) تلفّظ بعبارة تقتضي استخفافاً بالربّ ﷻ ، وقد لا تكون صريحة في ذلك، والرجل لم يجاهر بهذه العبارة عبر إعلام مقروء أو منطوق أو نظم أو منثور، ومع ذلك فهذه العبارة في غاية النشاز والاشمئزاز في المجتمع الإسلامي آنذاك، فلم يقبلها بالكلية، بل ونفر منها تماماً، حتى بلغت أهل العلم في قرطبة فاجتمعوا لها فحكموا على صاحبها. وأخيراً: تتجلى روعة الموقف عندما يمضي (عبد الرحمن بن الحكم الأموي) حكم القتل على ابن أخي زوجته (عجب) وهي أحب زوجاته إليه، ولا يكتفي بذلك بل ويعزل القاضي متهماً له بالمداهنة، ويعاتب بقية الفقهاء. فانظر رعاك الله إلى أثر الولاية الشرعية في تحقيق حفظ الدين وإقامة حكم الله تعالى على من تطاول على دين الله تعالى. وأما السبب الرابع في ظهور الردة، فإن الفوضى الفكرية التي يعيشها العالم المعاصر، والاضطراب الهائل في المفاهيم، والتناقض المكشوف في المعتقدات والمبادئ كان سبباً في الإخلال بالثوابت والتمرد على الدين والأخلاق. لقد وجد الانسلاخ من الدين في العالم الغربي، والخروج عما استقر في الفطر السليمة والعقول الصحيحة، وأجلب أعداء الله تعالى بخيلهم ورجلهم، وسعوا إلى بث هذا الانحراف في بلاد المسلمين، وجاء أقوام من هذه الأمة يتتبعون مسلك أولئك المنتكسين حذو القذة بالقذة. فلا عجب أن تظهر الحداثة مثلاً في بلاد المسلمين، بعد أن ظهرت في العالم الغربي، والتي تنادي برفض ما هو قديم وثابت، بما في ذلك المعتقدات والأخلاق وتغيير المسلّمات والحقائق الثابتة، وضرورة التحول والتطور من الأفكار القديمة إلى مواقف مستنيرة. ثم (تؤصل) هذه الردة، وتقصّد، وتنشر في الآفاق عبر ملاحق أدبية، ومجلات متخصصة، ومن خلال محاضرات وندوات ومهرجانات. وأخيراً: فإن تقصير بعض علماء أهل السنة ودعاتهم تجاه هذا الانحراف الخطير الردة كان سبباً مساعداً في ظهوره واستفحاله، فلو أن علماء أهل السنة ودعاتهم قاموا بواجب التبليغ لدين الله تعالى، وإظهار عقيدة التوحيد، والتحذير من الردة وأنواعها ووسائلها لما كان لمظاهر الكفر أن تنتشر كما هي عليه الآن. إن الناظر إلى إخواننا من أهل السنة يرى تواكلاً وكسلاً، وتحميلاً للتبعات والمسؤوليات على الآخرين، وتلاوماً فيما بينهم، ألا فليجتهد الجميع في الحرص على ما ينفع، وأن نسعى في تبليغ ديننا والتحذير مما يضاده ويناقضه (ورحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين) [١٢] .

стр. 2752

ملفات أمواج الردة وصخرة الإيمان أقلام الردة ... أما آن لها أن تنكسر ؟ بقلم: عبد العزيز مصطفى في العصور الحديثة، كان الغزو النابليوني لمصر، بداية لتغيرات عميقة في المنطقة، هذا الغزو العسكري الذي كانت تؤزه دوافع الاستيلاء والاستعلاء معاً: الاستيلاء على الخيرات والمقدرات، والاستعلاء بفرض الصبغة الأوروبية الفرنسية خاصة نموذجاً بديلاً في الثقافة والحضارة، حيث لا يتم ذلك إلا بإحلال تقاليد وقوانين، بل وعقائد أجنبية غربية محل الإسلامية منها. وقد قطع الفرنسيون في سبيل الوصول لتلك الغاية أشواطاً طويلة، واستأنف الإنجليز بعدهم المسيرة المشؤومة، بعد فرض سيطرتهم على مصر والعراق وأطراف الجزيرة وبقاعاً أخرى في العالم الإسلامي. وعبر صراعات طويلة استتب الأمر أخيراً للهيمنة الغربية. وللحقيقة ... فإنه مما يسجل لأمة الإسلام أنها لم تستسلم لهذا الطغيان الغربي بإطلاق، فقد قامت حركات إصلاحية مضادة، متأثرة بدعوات كلٍ من الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، والصنعاني والشوكاني في اليمن، ثم الشيخ رشيد رضا في مصر وقد تركت تلك الدعوات الإصلاحية أثراً عميقاً على الوعي الإسلامي، ظل يتفاعل حتى بعد سيطرة النمط الغربي الذي فرّخ في بلاد المسلمين أجيالاً مشوهة في الفكر والعقيدة، ما لبثت أن دُفعت إلى مكان الصدارة والتوجيه لجماهير مشوشة. لقد نظر البعض إلى الغزو الأوروبي على أنه بداية للتحديث في المنطقة العربية والإسلامية، وكان ممن ركزوا على هذا وحاولوا تسويغ هذا الغزو؛ نصارى العرب مثل (ألبرت حوراني) الذي أرخ للحداثة بالغزو النابليوني [١] . لكن نصارى العرب، لم يكونوا مؤهلين بعد للقيام بدور أكبر، فكان لا بد من تجنيد دعاة يتكلمون بلسان الغرب، ويلبسون مسوح الشرق! ظهر تغريبيون كثيرون في ثوب إصلاحيين، من أمثال رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ورفيق العظم، وغيرهم.. وكان هؤلاء بمثابة قنطرة عبر من فوقها حصان طروادة الكبير، الذي امتلأ عن آخره بأصناف وأشكال من عصابة المثقفين الكبار ... لم تكن الخطورة من هؤلاء كامنة فقط في تمييع شخصية الأمة والقضاء على تميزها القيمي وطابعها السلوكي، وإنما تعدت ذلك إلى ما هو أخطر ... تعدته إلى تفردها العقائدي القويم الذي حازت به ما حُرِمت منه قطعان الأمم ... فعقائد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر، كانت الموضوع الرئيس المستهدف، ومع هذا فإننا عندما نراجع قوائم المتهمين بالإجرام في حق الأمة المسلمة؛ نجد أنهم تقاسموا فيما بينهم وظائف التخريب باسم الثقافة تارة والأدب تارة والفن والإبداع والتحديث تارات أخرى، لكن تبقى الخطورة الأكبر في الفئة التي ندبت نفسها لإفساد العقائد في أكبر شريحة مستطاعة من (الجماهير) ، وخطورة هؤلاء تكمن في أنهم ركزوا على الأساس الذي إذا أصابه الخلل، فإن البنيان كله يتداعى معه ويسقط. ولم تكن أدوات الهدم التي تزودوا بها مجرد مِعْول ومسحاة وقدّوم، لكنها قلم وفرشاة وشاشات وقانون..! هذه تهدم، وذاك القانون يحمي ولا يجرم! والمجال هنا بطبيعة الحال لا يتسع لتعقب جهود المفسدين في مجالات الثقافة والأدب والفن والتعليم، ولكننا نركز على ذلك الصنف الذي استهدف العقائد دون أن يمتنع من المشاركة في ألوان الإفساد الأخرى ... ، وسنتخطى أيضاً من كانت آثاره الفكرية مما يحتمل التأويلات والتفسيرات، لنشير إلى الذين أسفروا بوضوح مفضوح عن كوامن قلوبهم ... ونبدأ بمن أطلق عليهم لأهداف لا تخفى: (جيل الرواد) أولئك الآباء الروحيون لأجيال تالية من (القواد) الذين مارسوا القوادة الفكرية لحساب أصحاب المطامع الأجنبية. من هؤلاء (الرواد) وفي مقدمتهم (طه حسين) ، ذلك الكاتب الذي أُطلق لقلمه العنان، وأُعطيت له الوصاية للتحدث باسم الأدب العربي، فانطلق مدفوعاً بالغرور والاستعلاء، يشوه وجه المنهج الإسلامي بإثارة الشبهات، وإذاعة أدب المجون، وإشاعة النقائص، في الوقت الذي عمل فيه على إبراز (الكمالات) في الفكر الوثني اليوناني القديم، والفكر الإلحادي الغربي الحديث، خاصة في جوانبه المادية والإباحية. وفي سبيل ذلك كان أول من نقل سموم (مرجليوت) في الشعر الجاهلي، و (جولد سيهر) في العقيدة والشريعة، و (دور كايم) في التاريخ.. فأثبت في كل هذا أنه جمع بين نقيضين في آن، وهما الأمانة والخيانة: فكان أميناً وفياً لأساتذته المستشرقين من النصارى واليهود، خائناً لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين ... وهذه بعض آرائه ومعتقداته المبثوثة في كتبه ومقالاته: الدين خرج من الأرض ولم ينزل من السماء. الإسلام بقي على هامش حياة المسلمين الأولى. القرآن قابل للنقد باعتباره كتاباً أدبياً. السيرة النبوية فيها أساطير، وهي قابلة لإلصاق أساطير أخرى بها. تعقب أخبار الزناة والفساق والفجرة ... أدب رفيع ... القرن الثاني للهجرة (عصر التابعين وتابعيهم) كان عصر شك وفسوق. الحضارة الغربية يجب أن تؤخذ بخيرها وشرها وحلوها ومرها. وجود إبراهيم وإسماعيل ﵉ أمر مشكوك فيه، ولو ذكروا في التوراة والإنجيل والقرآن.. فلسنا ملزمين بتصديق أي منها! الفتح الإسلامي لمصر، كان استعماراً كاستعمار الرومان والفرس والإنجلي [٢] . ... وهناك رأي شائع وانتشر يقول إن طه حسين قد تنصر بالفعل في فرنسا [٣] . ونأتي إلى رمز ثانٍ من (جيل الرواد) وهوالأديب المشهور عربياً وعالمياً ... نجيب محفوظ، الحائز على جائز نوبل العالمية في (الأدب) ! إن انحرافات نجيب محفوظ الاعتقادية أكثر من أن تحصر، وهو يتخفى وراء الرواية الأدبية، ليلقي السهم تلو السهم مستهدفاً قلب العقيدة، وهو الإيمان بالله تعالى هذا الإله الذي رمز له (نجيب) بأشخاص جعل منهم مثاراً للسخرية والتندر، ومبعثاً للهزء والكره ... ففي روايته الشهيرة (أولاد حارتنا) التي اعتبرها أحب أعماله إليه، والتي من أجلها كافأه اليهود بجائزة (نوبل) رمز إلى الإله سبحانه بشخص سماه (الجبلاوي) وأعطاه في الرواية دور رجل متسلط على أهل حارة، وله أعوانه الذين يسيطر بهم على سكان الحارة، وهؤلاء الأعوان هم الأنبياء الذين رمز لكل واحد منهم باسم وشخص! وله رواية باسم (الطريق) رمز فيها إلى الله تعالى برجل اسمه (سيد الرحيمي) متطاولاً على الذات الإلهية ولا شك أن عقائد الإيمان لا تساوي شيئاً عند نجيب محفوظ، يدل على ذلك أن له رواية بعنوان (الثلاثية) صرّح فيها بأنه عبّر عن آرائه الشخصية من خلال أحد أبطال القصة وهو (كمال عبد الجواد) ، حيث أورد على لسانه كثيراً من قناعاته، ووصفه في القصة بقوله: (كان كأنما يود أن ينعي إلى الناس عقيدته، لقد ثبتت عقيدته طوال عامين أمام عواصف الشك التي أرسلها (المعري) و (الخيّام) حتى هوت عليها قبضة العلم الحديدية، فكانت القاضية) ثم قال على لسانه: (على أنني لست كافراً ... لا زلت أؤمن بالله، أما الدين ... إن الدين ذهب.. كما ذهب رأس الحسين) ! ! فهو هنا يفصح عن زندقة ظاهرة، عندما يزعم أن الإنسان يمكن أن يظل مؤمناً بالله دون أن يؤمن بأي دين! ! فطريقته المفضلة في بث عقائده الباطلة، أن يوردها على ألسنة أبطال رواياته وهذا ما حصل منه أيضاً في رواية له باسم (الحرافيش) ساق فيها على لسان (عاشور الناجي) كل ما أراد من فلسفات وآراء منحرفة، وعندما يواجه نجيب بجرائمه الفكرية الكفرية، يردد هذه العبارة (لا يوجد فهم نهائي للعمل الأدبي) ! إنها إذن باطنية جديدة تتدثر بالأدب، وغواية تتستر بفن الرواية! ونترك صاحب النجابة المزيفة (محفوظ) إلى صاحب الحكمة المدعاة (توفيق) صاحب القلم الساخر واللسان اللاذع، إنه الرجل الذي أفنى عمره وهو ينحت بقلمه شروخاً عميقة في أسس البنيان العقائدي للأمة، وانحرافات (توفيق الحكيم) خليط رديء من الزندقة والخرافة، والمجون، والإلحاد الذي يصل إلى حد الجنون، والمثال الذي سأذكره يدل على كل هذا. للأديب المشهور قصة بعنوان (الشهيد) أتدري أيها القارئ من هو الشهيد؟! ... اسمع لقصته ... وسبح بحمد ربك الحليم على ظلم العباد، (أراد ( ... ) أن يتوب، فذهب إلى شيخ الأزهر، وطلب منه أن يساعده على التوبة، فسخر منه شيخ الأزهر وقال له: إن بقاءك على الكفر ضروري لبقاء الإسلام ... لكن (....) لم يستسلم لرفض شيخ الأزهر، فصعد إلى السماء وطلب من جبريل التوسط عند ربه لقبول توبته، فرده جبريل بجواب آخر وحجج أخرى، فحواها أن بقاءك على الكفر لابد منه؛ لأنه لا معنى للفضيلة بغير وجود الرذيلة، ولا للأبيض بغير الأسود، ولا للنور بغير الظلام بل ولا للخير بغير الشر ... فهنا ضجر (....) وقال: هل تظل النقمة لاحقة بي، واللعنة لاصقة باسمي على الرغم مما يسكن قلبي من حسن النية ونبل الطوية؟ فأجيب: نعم يجب أن تظل هكذا إلى آخر الزمان) . أرأيت أيها القارئ مَنْ هو حَسَن النية ونبيل الطوية و (الشهيد) في رأي (الحكيم) ؟ ! ... إنه (إبليس) ، نعم إبليس، فهو يراه مظلوماً (فمن ظلمه؟) وقد سُدت أبواب التوبة في وجهه مع رغبته فيها، ولهذا اعتبره شهيداً! يختم توفيق لا وفقه الله روايته بعبارة قال فيها يصف حال إبليس بعد أن أغلق باب التوبة في وجهه: (بكى إبليس.... وترك السماء مذعناً، وهبط إلى الأرض مستسلماً، ولكن زفرة انطلقت من صدره وهو يخترق الفضاء، رددت صداها النجوم والأجرام في عين الوقت ... كأنها اجتمعت كلها لتلفظ تلك الصرخة الدامية ... إني شهيد ... إني شهيد) ! إن هذا الكفر المنشور على الناس، لم يجد سطراً يجرمه في الشريعة الإنجلو فرنسية التي تطبق قسراً في بلاد المسلمين، فإلى الله المشتكى! وعلى خطا توفيق الضالة، سار كاتب آخر هو (صادق جلال العظم) ، حيث اعتبر في مقالة نشرت بمجلة (حوار) اللبنانية [العدد الثاني السنة الرابعة] أن إبليس أول الموحدين! ! لماذا؟؟ لأنه كما قال أبى أن يسجد لغير الله! ! فعندما أمره الله أن يسجد لآدم رفض هذا الشرك (الذي وقعت فيه الملائكة طبعاً حسب زعمه) . إن هؤلاء لا يؤمنون بأية قيمة أو مبدأ.. وحتى إبليس الذي يدافعون عنه، هم لايؤمنون بوجوده! يقول صادق العظم هذا: (لا أريد أن أتكلم عن إبليس باعتباره كائناً موجوداً حقيقياً، وإنما أريد دراسة شخصيته باعتبارها شخصية خيالية أبدعتها مكة الإنسان الخرافية) ! لا شك أن هذا الفكر المتعفن، قد ترسب في مستنقع آسن يصلح لأن تتربى فيه أشكال وأنواع من الكائنات أوالكوائن الصارخة في شذوذها وانحرافها، وبالفعل فقد تخرجت أجيال تلو أجيال على تلك الشاكلة، لا تحسن إلا الإساءة، الإساءة إلى الحق وإلى الحقيقة.. إلى العقيدة وإلى الشريعة ولئن كان أمثال طه ونجيب والحكيم قد حاولوا التستر خلف معان باطنية ماكرة وإن كانت مفضوحة فإن الأجيال التي تسلمت رايات الضلالة بعدهم، تبجحت بظاهرية كفرية وقحة، لا تستحيي من سب الإله علانية وعلى الملأ المسموع والمقروء والمشاهد. وسنضرب أمثلة من أقوالهم، تدل على أن أمواج الفتن التي يركبون متونها؛ لا تزال تضرب بعنف مجنون صخرة العقيدة والإيمان في أكثر بلاد المسلمين، عرباً وعجماً، فلنستعرض نماذج منهم في البلاد المختلفة: * من سوريا: ومثل السوء المضروب من هناك (أدونيس) .. أو (علي أحمد سعيد) سابقاً، ذاك القزم المتعملق.. ماذا كان وأين أصبح؟ كان على النحلة النصيرية المارقة، ثم تاب إلى إبليس منها، والتحق بالشيوعية، وتسمى بأحد أصنام القنيقيين (أدونيس) وانضم في مقتبل عمره إلى الحزب القومي السوري وتأثر برئيس الحزب النصراني (أنطوان سعادة) ثم مال إلى اليهودية بعد عمالة طويلة للماسونية ... [ظلمات بعضها فوق بعض] ... ومع كل هذا تتسابق الصحافة ودور النشر ووسائل الإعلام في عرض كفرياته التي يتفاخر بها على الشيطان. إن دينه الآن: الإلحاد المطلق! نقول: هو حر في اختيار ما يشاء من أودية الهلاك، ولكن الأمر المستغرب والسؤال المحير هو: لماذا الإصرار على رفع كل وضيع، وتشريف كل رقيع في الصحافة والإعلام، في أكثر بلاد المسلمين؟ ! يقول (أدونيس) في ديوان له صدر عام ١٩٦١م: (لا الله أختار ... ولا الشيطان.. كلاهما جدار، كلاهما يغلق لي عيني، هل أبدِّل الجدار بالجدار) ! تعالى الله عما يقول هذا الظالم علواً كبيراً.. ويقول في كتابه (زمن الشعر) ص ١٥٦: (من أعقد مشاكلنا مشكلة (الله) وما يتصل بها مباشرة في الطبيعة وما بعدها) ويقول في ديوان: (أغاني مهيار) ص ٤٩ (اعبر اعبر.. فوق الله والشيطان) ! أما كتابه (مقدمة للشعر العربي) فيقول فيه في ص ١٣١: (الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية، منفصلة عن الإنسان، لكن التصوف على مذهب الحلاج طبعاً ذوّب ثبات الألوهية.. أزال الحاجز بينه وبين الإنسان، وبهذا المعنى قتله أي الله وأعطى للإنسان طاقاته) ! ويقول ذلك الصنم في مجموعته الشعرية (٣/ ١٥٠) : (يا أرضننا يا زوجة الإله والطغاة) .. ويقول فيها (٣/٢١٧- ٢١٨) : ... (الله يحل في كل شيء! خلق الضد ليدل على المضدود، حل في آدم وفي إبليس) ! ! ويقول فيها (١/١٢١) : (أشعلنا الشمع وصلينا ... وتمنينا.. فرأينا الله بلا ميعاد) ! ويقول في تلك المجموعة أيضاً (١/٣٠٤) : نمضي ولا نصغي لذاك الإله، تقنا إلى رب جديد سواه) ! ! ! سبحان الحليم الصبور، على كل شيطان كفور. * ومن العراق: الشاعر العراقي الشهير (عبد الوهاب البياتي) ... يقول في ديوانه (كلمات لا تموت) ص ٥٢٦: (الله في مدينتي يبيعه اليهود ... الله في مدينتي مشرد طريد) ويقول: (في الأصقاع الوثنية، حيث الموسيقى والثورة والحب وحيث الله.... فسيبقى صوتي قنديلاً في باب الله) . ويقول هذا الجهول الكفور (٢/٥٦٢) لا تسافري.. لأن الله - منذ رحلت - دخل في نوبة بكاء عصيبة وأضرب عن الطعام!! ويمعن في كفره وشططه فيقول: (٣/٦٣٧) (والله مات..وعادت الأنصاب) ويعلن هذا الكفر بلا مداراة ولا حياء فيقول: يثير حزيران جنوني ونقمتي..فأغتال أوثاني وأبكي وأكفر ". ويعبر بلسان فصيح عن قيمه وقيمة الكون عنده، فيقول مسارعاً في الكفر: " يسقط: الشمس والنجوم والجبال والوديان والنهار والبحار والشيطان والله والإنسان....!!! سبحان الله ... أهذا إنسان؟! أهذا حيوان ... أم شيطان ... ؟! إن إبليس اللعين لم يسب الإله، وإنما أقسم بعزته..إن الشيطان الرجيم يقول: [إني أخاف الله] [الأنفال: ٤٨] !! [*] إننا نحار في تصنيف هذا النوع من المخلوقات التي على شاكلة نزار! * ومن اليمن: يقول شاعرها، الشهير أيضاً (عبد العزيز المقالح) في قصيدة له نشرتها مجلة العربي الكويتية: (صار الله رماداً، حتماً رعباً في كف الجلادين، حقلاً ينبت سبحات وعمائم، بين الرب الأغنية والرب القادم من هوليود) . * ومن فلسطين: نسمع من هذه البلاد المبتلاة عن رجال ونساء جعلوا من سب الإله مادة أدبية تغذي روح (الكفاح) وتدفع إلى (المقاومة) .. مقاومة من؟ اليهود؟ ! ... أُشهد الله أنهم أكفر من اليهود يقول محمد درويش في قصيدته (الموت في الغابة) : نامي فعين الله نائمة عنا وأسراب الشحارير ويقول: معين أو (لعين) بسيسو في قصيدته (إلى سائحة) : (وآخر ديك قد صاح ذبحناه ... لم يبق سوى الله.. يعدو كغزال أخضر تتبعه كل كلاب الصيد ... ويتبعه الكذب على فرس شهباء سنطارده.. سنصيد له الله) ! ! ويقول في قصيدة (عيون مليكة المراكشية) : (والله كان يلعب الشطرنج كل ليلة مع الملائكة) ! ! سبحان القدوس ... سبحان القدوس سبحانك لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. واستمع أيها القارئ للشاعرة الفلسطينية (فدوى طوقان) في قصيدتها (مرثاة إلى نمر) تقول: (وأنت يا من قيل عنه إنه هناك حانٍ لطيف بالعباد ... أين أنت لا أراك ... دعني أراك.. كي أقول إنه هناك) أما (سميح قاسم) فيقول: في قصيدته (أبطال الرواية) : (والله نحن نشاؤه بغرورنا شيئاً له قسماتنا الشوهاء ترسمه أنانياتنا) ! ... * أما في مصر، فحدث ولا حرج، فلقد ورّث (جيل الرواد) فيها أولاداً وأحفاداً، ولا ندري عن أيهم نتحدث، هل نتحدث عن الهالك (فرج فودة) الذي هاجم في كتاباته الإسلام صراحة وقال إنه يصلح عقيدة في القلب ولا يصلح نظاماً للحياة؟ أم نتحدث عن المرتد بحكم القانون فضلاً عن الشريعة (نصر أبو زيد) الذي اعتبر القرآن نصاً بشرياً لا قدسية له، والذي صرح بقناعته بأن العقيدة مؤسسة على الأساطير الشائعة، وأن الشريعة صاغت نفسها مع حركة التاريخ، والذي نادى بتحويل (الإلهيات) إلى إنسانيات، نصرٌ هذا الذي يتباكى عليه أمثاله من الحاقدين على الإسلام قال في كتابه (نقد الخطاب الديني) : (ما زال الخطاب الديني يتمسك بوجود القرآن في اللوح المحفوظ، اعتماداً على فهم حرفي للنص، وما زال يتمسك بصورة الإله الملك بعرشه وكرسيه وصولجانه ومملكته وجنوده الملائكة، وما زال يتمسك بالدرجة ذاتها من الحرفية عن الشياطين والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال، والأخطر من ذلك تمسكه بصور العقاب والثواب وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط.. إلى آخر ذلك كله من تصورات أسطورية) ! ! فماذا أبقى الأستاذ الجامعي للدين، وهو الذي أمضى سنوات عديدة يدرس للأجيال ... حتى اكتشف أمره.. فجأة! هل نتحدث بعد ذلك عن (حسن حنفي) الذي ينكر وجود الجنة والنار ووجود إبليس، والذي يقول في كتابه (من العقيدة إلى الثورة) : إن الله هو الإنسان الكامل! ! أم نتحدث عن شيخ الضلالة (خليل عبد الكريم) صاحب كتاب (شدو الربابة في أحوال الصحابة) الذي أطلق فيه لساناً سليطاً وفاجراً على شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- وآصحابه الكرام، واصفاً إياهم بكل معيبة ومنقصة، إنه أراد حسب زعمه أن يكشف حقيقتهم أمام الناس، فألف ونشر ووزع ما تقيأه في كتبه المطبوعة، لقد صور الصحابة على أنهم كانوا يمثلون مجتمعاً متحللاً مشغولاً بالرذائل والهوس الجنسي! قال: وبئس ما قال: (ولم تكن التجاوزات مقصورة على مشاهير الصحابة ممن ذكرنا بعضهم على سبيل المثال، بل تعدتهم إلى صحابيات معروفات) ويتحدث هذا الأفاك عن النبي ﷺ بكل فظاظة وقلة أدب، فلا يذكره إلا باسمه المجرد (محمد) ! ، يقول في كتابه السيئ (مجتمع يثرب) ص ٥٤: (ونظراً لأن التقاء الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر طقس يومي من الطقوس الاجتماعية المعتادة في مجتمع يثرب، فقد اضطر محمد دفعاً للحرج أن يبيح لهم أن يسيروا في المسجد وهم جنب) ! ! والذي يظهر لنا أن الباطنية الرافضية، تتحالف الآن مع أمثال خليل عبد الكريم لبناء برج جديد للشيطان في مصر، يهدم الإسلام من خلال هدم رموزه وأعلامه، وعلى رأسهم الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا كانت هذه أحوال من صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعاينوا المعجزات وعاصروا الوحي، فأي خير يبقى في هذه الأمة!! ويدل على ذلك أيضاً أن شخصاً آخر من خطباء الفتنة يدعى: (حسن شحاتة) احترف سب كبار الصحابة من فوق المنبر، ووصف في إحدى أشرطته المتداولة في مصر: أخيراً ... عثمان ﵁ بأنه (بواب..) وقال عن عمر (قواد) واتهم عائشة في عرضها كل هذا بألفاظ بذيئة سوقية لا بد لنا بعد استعراض ما ذكر من وقفات: أولاً: هذا الكم المزعج والمقزز من النقولات الكفرية، إنما هو للرموز البارزة جداً، وإلا فإن استقصاء ما يبث وما ينشر لـ (الأجيال الصاعدة) التي تتلمذت على أيدي هؤلاء، لا يمكن حصرها. ثانياً: هذه الألفاظ المنقولة لهؤلاء، لا تعني بالضرورة أن كل إنتاجهم الفكري يحوي مثل هذه الجرأة والصراحة في الكفر.. ولكن يبقى أنها تشير بوضوح إلى الخلفية العقدية والسلوكية التي يكتبون بوحي منها. ثالثاً: قد يقول قائل: إن هذه الفئة من الأدباء والشعراء والروائيين والمفكرين، لا تخاطب إلا فئة محدودة من الناس، وتأثيرهم بالتالي سيكون محدوداً.. أقول: إن هذه الشريحة التي يخاطبها هؤلاء، أكبر مما نتصور، فقصائد الشعر، قد ترددها الملايين في شكل أغنية بعد تلحينها، ورواية الأدب، قد تشاهدها الجماهير في مسرحية بعد تمثيلها ... وقصة الكاتب قد تتعايش معها الجموع الغفيرة أمام الشاشات في شكل أفلام بعد إخراجها ... ثم إن كثيراً من هؤلاء المفسدين يتربعون على قمم الأهرامات الإعلامية، ويتتبع الناس كلماتهم وأعمدتهم في الدوريات التي تقذف المطابع بالملايين منها يومياً وأسبوعياً وشهرياً. رابعاً: لا نظن أن الظواهر الشاذة جداً في المجتمعات الإسلامية مثل ظاهرة الغلو في التكفير، أو ظاهرة الغلو في الكفر التي تفتك بالشباب، لا نظنها إلا نتيجة مباشرة لاستمرار ذاك التيار الفاسد، فالذين يغالون في التكفير، قد أصابهم هؤلاء بصدمة أفقدتهم الصواب، حتى لم يصدقوا أن مجتمعاً ينشر فيه مثل هذا الكفر. يمكن أن يكون مسلماً وكذلك فإن ظواهر الغلو في الكفر من الشباب، كظاهرة (عبدة الشيطان) التي برزت في مصر ولبنان مؤخراً، ليست إلا تعبيراً عن التمرد العملي المطلق في موازاة ومحاذاة التمرد الفكري المطلق. خامساً: إذا كان هذا التيار الإلحادي لا يزال مستمراً حتى بعد سقوط الشيوعية والماركسية فإن مسؤولية المواجهة لا بد أن تستمر وتتضاعف، ولكن على عاتق من؟ إنها بطبيعة الحال موزعة ومتنوعة، ولكنها تتركز بشكل خاص على من استرعاهم الله أمور المسلمين، فعليهم تقع بالأساس المسؤولية أمام الله تعالى وأمام الناس. وأخيراً: همسة حارة وصادقة في أذن الذين نذروا أنفسهم لتعقب سقطات الدعاة وطلاب العلم.. أقول لهم.. أما يستحق أعداء عقيدتنا وعقيدتكم هؤلاء، أن تفرغوا لهم جزءاً من أوقاتكم الثمينة لكشفهم والتحذير منهم، أم لا زلتم مصرِّين على أن خطر بعض الدعاة على الإسلام أشد من هؤلاء الأعداء، وأشد من خطر اليهود والنصارى؟ ! نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمراً رشيداً يعز فيه أهل الإيمان، وبذل فيه أهل الكفر والعصيان.

стр. 2753

ملفات أمواج الردة وصخرة الإيمان القوانين الوضعية هل لها دور في انتشار الردة ؟ بقلم: د. علي مقبول تمهيد: يُعرّف القانون الجنائي الوضعي بأنه: (مجموعة القواعد التي تنظم سلطة الدولة في توقيع العقاب على المجرمين، وهو يشمل قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية أو قانون الإجراءات الجنائية، ولكل من هذين تقنينٌ مستقل) [١] . والقانون الجنائي الإسلامي كان ولا يزال يتعرض لهجوم شديد من قِبَلِ أعداء الإسلام؛ لأنه وللأسف الشديد لا يُدْرَس ولا يطبق منه في البلاد الإسلامية إلا الجزء الخاص بالأحوال الشخصية، وما عدا ذلك فهو مهمل إهمالاً يكاد يكون تامّاً. وقد أدى هذا الإهمال إلى نتيجة لا بد منها وهي أن المجتمعات الإسلامية أصبحت تجهل أحكام هذا القسم جهلاً فاضحاً؛ بدليل أننا لم نسمع أنه قد أقيم حد الردة، أو الرجم، أو نحو ذلك في هذه البلدان. وكذلك رأينا كيف تعرض القانون الجنائي الإسلامي للتغيير، وكانت بدايةُ ذلك على أيدي حكام الدولة التركية، فكان القانون الجنائي التركي أول قانون اقتُبس من القوانين الفرنسية. ثم بعد ذلك صدر قانون العقوبات المصري في مصر سنة ١٨٧٥م، وطبق في المحاكم المختلطة ثم المحاكم الأهلية سنة ١٨٨٣م، وقد استمده واضعوه من القانون الفرنسي. وقد استحدث القانون الجنائي المصري عقوبات وإجراءات للتحقيق غريبة عن البلاد، وأدى تطبيقه إلى شيء من الاضطراب، وازدادت الجرائم عقب تطبيقه زيادة لفتت الأنظار. وقد لاحق رجال القانونِ قانونَ العقوبات بالتعديل والتبديل، ولكن لم يُجْدِ ذلك شيئاً فقد استمر تكاثر الجريمة وانتشارها؛ ففي سنة ١٩٠٤م، صدر تقنين جديد لقانون العقوبات، ولقانون تحقيق الجنايات، وقد أخذه واضعوه من القانون الفرنسي والإيطالي والبلجيكي والإنجليزي والهندي والسوداني، وغُيِّرَ هذا القانون في سنة ١٩٣٧م، ولم يفد كل هذا، ولو أنصف القوم لأقاموا شريعة الله تعالى وعند ذلك سيرون كيف يعالج الجريمة ويقضي عليها [٢] . وبعد هذا التمهيد لنا أن نتساءل: ما هو حكم المرتد في القوانين الوضعية؟ جرت القوانين الوضعية مجتمعة على إغفال النص على عقوبة المرتد؛ والسبب في إغفال ذلك من وجهة نظري ما يلي: أولاً: الأخذ بمبدأ حرية العقيدة. ثانياً: الأخذ بمبدأ القاعدة القانونية المشهورة: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون) . ثالثاً: التوقيع على مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (مواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان) . رابعاً: موقف واضعي القوانين الوضعية من الدين. وسوف أتناول دراسة هذه الأسباب بشيء من الإيجاز، ثم أبين موقف الشريعة الإسلامية من ذلك. أولاً: مبدأ حرية العقيدة والديانة: يقصد بمبدأ حرية العقيدة والديانة: حرية الفرد في أن يعتنق الدين أو المبدأ الذي يريده، وحريته في أن يمارس شعائر ذلك الدين سواء في الخفاء أو العلانية، وحريته في أن لا يعتقد في أي دين، وحريته في أن لا يُفرض عليه دين معين، أو أن يُجبر على مباشرة المظاهر الخارجية أو الاشتراك في الطقوس المختلفة للدين، وحريته في تغيير دينه أو عقيدته، كل ذلك في حدود النظام والآداب [٣] . ... وقد تناول دستور مصر الصادر سنة ١٩٢٣م هذه الحرية كغيره من الدساتير، فنصت المادة (١٢) على أن (حرية الاعتقاد مطلقة) كما نصت المادة (١٣) على أن: (تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية في الديار المصرية، على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب [٤] . ومما سبق يتضح لنا: أن مجلس الدولة المصري حرص على حماية حرية العقيدة، إلا أنه قرن ذلك بضرورة خضوعها للعادات المرعية، وأن تجد حدها في عدم الإخلال بالنظام العام أو منافاة حرمة الآداب؛ دون إشارة إلى عقائد الإسلام بوجه خاص. وقد أوضحت لنا محكمة القضاء الإداري (المصري) أن حرية العقيدة وإن كفلها الدستور وفرض على الدولة توفير حمايتها لكل فرد، إلا أنها ليست مطلقة من كل قيد، بل يجب أن تخضع للعادات المرعية، وأن تجد حدها عند عدم الإخلال بالنظام العام أو منافاة حرمة الآداب، فلا يسرف فيها إلى حد المغالاة والتطرف، ولا يتخذ منها وسيلة للطعن في عقيدة أخرى، بما يثير النفوس ويُحفظ الصدور، ولا يُتذرع بها للخروج على المألوف من الأسس الدنيوية والأوضاع الشرعية القائمة، ولا تُستغل بها عواطف البسطاء من الناس باسم الدين لبلبلة أفكارهم وزعزعة عقائدهم [٥] . ولكن التطبيق العملي لذلك المبدأ القانوني فتح أبواباً من الفوضى العقائدية ... ثانياً: عدم وجود نص على عقوبة المرتد (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) . استُمدت معظم الدساتير العربية من الدستور المصري، ولهذا أكدت جميع تلك الدساتير على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات [٦] ومبدأ قضائية العقوبة كضمان للحريات الفردية من تعسف السلطة أو تجاوزاتها، ومن ذلك ما نصت عليه المادة (٦٦) من الدستور المصري على أن [٧] : (العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون) [٨] . فالدساتير العربية قد نصت على هذا المبدأ، وقد أكد هذا المبدأ أيضاً التشريعات العقابية العربية، ومن بينها على سبيل المثال: قانون العقوبات الاتحادي رقم (٣) لسنة ١٩٧٨م لدولة الإمارات العربية المتحدة المادة (١، ٤) ، قانون الجزاء الكويتي المادة (١) ، قانون عقوبات قطر المادة (٢) . وكلها تؤكد على أن العقاب على الجنايات والجنح والمخالفات وفق القانون المعمول به وقت ارتكابها. ويعد مبدأ الشرعية الجنائية دستور قانون العقوبات، ويقصد به: التغيير عن القاعدة الجنائية الشهيرة القائلة بأنه: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص في القانون) [٩] . والهدف من هذه القاعدة: هو حماية الفرد من خطر التجريم والعقاب بغير الأداة التشريعية وهو القانون. فاختصاص السلطة التشريعية وحدها بتحديد الأفعال التي تعد جرائم وبيان أركانها، وتحديد العقوبات المقررة لها سواء من حيث نوعها أم مقدارها، يعد من أهم الضمانات الأساسية لحماية الحرية الفردية [١٠] . وخلاصة القول: أن مبدأ الشرعية يلزم المحاكم بأن لا تحاكم أي إنسان إلا بموجب القواعد المفروضة على جميع المتقاضين هذا أولاً. وثانياً: يحظر قانون العقوبات القياس خشية امتداد النص الجنائي إلى أفعال لم يحرمها المشرع ولم يقرر لها عقاباً؛ فالقياس يفتح الباب على مصراعيه لتحكم القضاة في أحكامهم مما يؤدي إلى إهدار وانتهاك مساواة المواطنين أمام القانون الجنائي [١١] . ثالثاً: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [١٢] : أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام ١٩٤٨م على المساواة القانونية بصفة عامة، فنص في مادته الأولى على أنه: (يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء) . ويدين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التمييز بجميع أشكاله في التمتع بجميع الحقوق والحريات، وذلك فيما سطره في المادة الثانية من أنه: (لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع. ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً أو غير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر ... ) . وكذلك نصت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان [١٣] صراحة على حظر جميع أنواع التمييز بين الأفراد، حيث ذكرت المادة (١٤) من هذه الاتفاقية على أنه: (يكفل التمتع بالحقوق والحريات المقررة في هذه المعاهدة دون تمييز أياً كان أساسه: كالجنس، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو العقيدة، أو الرأي السياسي، أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الانتماء إلى أقلية قومية، أو الثروة، أو الميلاد، أو أي وضع آخر) . وقد يقول قائل: وما دخل هذه الاتفاقيات وحكم المرتد؟ خاصة وأن هذه الاتفاقات ليس لها قوة ملزمة بالنسبة للدول؟ فمن غير المقبول أن يكون لسلطة الجمعية العامة للأمم المتحدة فرض قواعد ملزمة على دول الأعضاء؛ لذا فإن هذه الإعلانات تأخذ في حقيقة الأمر شكل التوصيات؛ أي أنها إعلانات نوايا مجردة تماماً من كل قيمة قانونية إلزامية [١٤] . والجواب: أولاً: أن هناك من رجال القانون العام العرب [١٥] من يرى أن للقواعد التي تتضمنها إعلانات الحقوق قيمة قانونية تعادل القيمة القانونية للنصوص الدستورية؛ ومن ثم فإن قوتها تعلو القوانين العادية وتكون واجبة الاحترام من السلطة التشريعية. ثانياً: أن الدول الإسلامية وللأسف الشديد مع ضعفها سياسياً تحسب لهذه القضايا ألف حساب؛ حيث أنها تراعي الديمقراطية الغربية والنمط الغربي، وتخاف من الضغوط الغربية عليها؛ ولذلك نسمع ونشاهد أنه عندما يحكم على أحد المجرمين بالإعدام في البلدان الإسلامية فإن الدنيا تقوم ولا تقعد، وقد يباد شعب من المسلمين بأكمله ولا يتحرك هذا الضمير الغربي المدافع عن حقوق الإنسان؛ والواقع المعاصر أكبر شاهد على ما نقول! ثالثاً: تختلف القوانين الوضعية عن الشريعة الإسلامية في أنها لا تعاقب على تغيير الدين بالذات، ولكنها تأخذ بنظرية الشريعة وتطبقها على من يخرج على النظام الذي تقوم عليه الجماعة؛ فالدولة الشيوعية تعاقب من رعاياها من يترك المذهب الشيوعي وينادي بالديمقراطية أو الفاشية، والدولة الفاشية تعاقب من يخرج على الفاشية وينادى بالشيوعية أو الديمقراطية، والدول الديمقراطية تحارب الشيوعية والفاشية وتعتبرها جريمة؛ فالخروج على المذهب الذي يقوم عليه النظام الاجتماعي في دائرة القانون يقابل الخروج على الدين الإسلامي الذي يقوم عليه نظام الجماعة في الشريعة الإسلامية. والخلاف بين الشريعة والقوانين في هذه المسألة خلاف في تطبيق المبدأ وليس خلافاً على ذات المبدأ؛ فالشريعة الإسلامية تجعل الإسلام أساس النظام الاجتماعي، فكان من الطبيعي أن تعاقب على الردة لتحمي النظام الاجتماعي. والقوانين الوضعية لا تجعل الدين أساساً للنظام الاجتماعي، وإنما تجعل أساسه أحد المذاهب الاجتماعية. فكان من الطبيعي أن لا تحرم تغيير الدين وأن تهتم بتحريم كل مذهب اجتماعي مخالف للمذهب الذي أسس عليه نظام الجماعة [١٦] . ومما سبق يتبين لنا: أن القوانين الوضعية أغفلت النص على عقوبة المرتد، ولم يكن هذا الموضوع ليشغل بال واضعي القانون؛ وذلك لأن رجال القانون يعتبرون حد الردة وحشية وهمجية ولا يتناسب مع القرن العشرين الذي نعيش فيه! وإن تعجب فعجبٌ أنّ رجال القانون قد وضعوا عقوبة شديدة جداً قد تصل إلى حد الإعدام لما يسمونه بالخيانة العظمى على ما سيأتي تفصيله وهي تتمثل في إفشاء أسرار الدولة الخارجية والداخلية، أو التعرض لشخص رئيس الدولة، ومن خلال النصوص التي ذكروها يتضح جلياً أن خيانة الدين والردة عنه مسألة فيها نظر؛ أما خيانة الوطن فهي مسألة ذات خطر؛ ولعلِّي عزيزي القارئ أبين لك بعض النصوص القانونية التي توضح ذلك. تعريف الخيانة العظمى: يطلق رجال القانون اصطلاح الخيانة على عدد من الاعتداءات الخطيرة الواقعة على أمن الدولة الخارجي، وهي جميعها جنائية الوصف، وتنم عن فصم روابط الولاء الذي يشعر به المواطن نحو وطنه وأمته ودولته، وعن استهدافه في خدمة الدولة الأجنبية وتعهده مصالحها على حساب مصلحة دولته التي ينتمي إليها [١٧] . إذن فيعتبر خيانة عظمى: كل جريمة تمس سلامة الدولة أو أمنها الخارجي أو الداخلي أو نظام الحكم الجمهوري. عقوبة الخيانة العظمى: يكون معاقباً عليها في القوانين بعقوبات الإعدام، أوالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، أو الاعتقال المؤبد أو المؤقت [١٨] . مع العلم أن مخالفة الأحكام الأساسية التي يقوم عليها الدستور لا تنضوي تحت مدلول (الخيانة العظمى) وإنما جعل المشرع الوضعي هذه المخالفة (مخالفة الخيانة العظمى) جريمة مستقلة وعاقب عليها بعقوبة خاصة [١٩] . وكما تلاحظ فإن المشرِّع الوضعي أورد نصاً خاصاً ومستقلاً لجريمة الخيانة العظمى لخطورة هذه المسألة في نظره [٢٠] مع أنه لم يورد نصاً خاصاً أو عاماً عن أحكام الردة؛ لأن هذه مسألة تدخل في نطاق الحرية العقدية والدينية. فإلى الله المشتكى من هوان الدين على أبنائه. وأذكر من باب الفائدة أن بعض القوانين الوضعية تفرق بين الخيانة العظمى وخيانة الوطن، أما الأولى: فتشمل أكثر الجرائم المخلة بأمن الدولة الداخلي كالجنايات الواقعة على الدستور وغيرها، وأما الثانية: أي خيانة الوطن فتقع على أمن الدولة الخارجي، وهي إما أن تكون خيانة عسكرية وتتناول جميع أنواع الخدمات التي يقدمها الفاعل إلى العدو في خلال الحرب، كما تتناول شتى ألوان الدسائس التي يستعملها لدن دولة أجنبية لدفعها إلى مباشرة الاعتداء على الوطن أو لتوفير الوسائل اللازمة لذلك. وإما أن تكون خيانة سياسية أو دبلوماسية وتتناول جميع الأفعال التي تؤول إلى إفشاء أسرار الدولة أو الإضرار بمركزها السياسي. وقد تقع أفعال الخيانة السياسية زمن السلم وزمن الحرب على السواء. ويُجمع شراح الأنظمة، في هذه الحال، على صعوبة التفريق بين أفعال هذه الخيانة وأفعال التجسس [٢١] . وفي نهاية المطاف وقبل أن أبين موقف الشريعة الإسلامية من هذا الموضوع الخطير أرد على شبهتين أساسيتين هما: أ - أن عقوبة المرتد تَدَخّل في حرية العقيدة ومُصَادَرَةٌ لها، وإكراه على تبديل الدين، وإجبار الإنسان على اعتناق ما لا يريده ولا يرغب فيه. وهذه الشبهة مردودة؛ لأنها تنطلق من الجهل بطبيعة هذه العقوبة، والجهل بمعنى الردة، ومعنى الإكراه على اعتناق العقيدة. وبيان ذلك: أن الردة كما هو معروف رجوع عن الإسلام، والمرتد هو الراجع عن الإسلام. فنحن إذن إزاء مسلم ارتكب جريمة معينة هي الردة، ولسنا أمام يهودي أو نصراني نريد أن نكرهه على تبديل دينه وحمله على اعتناق الإسلام. ومبدأ أن لا إكراه في الدين مبدأ مقرر في الشريعة الإسلامية بنص القرآن ولا يجوز المساس به، بدليل واضح بسيط أن الإسلام شَرَعَ الجزية وعقد الذمة؛ وهذا يعني إبقاء غير المسلم على دينه وتركه وما يدين به. فلو كان الإكراه على تبديل الدين واعتناق الإسلام بالجبر والإكراه مشروعاً لما شَرَعَ الإسلام عقد الذمة. ولكن قد يقال: فلماذا، إذن، نعاقب المرتد؟ ألا يعني هذا إكراهه على الاستمرار على دين الإسلام وقد أصبح لا يرضاه؟ ! والجواب: أن المسلم بإسلامه التزم أحكام الإسلام وعقيدته، والإخلال بالالتزام لا يجوز، ويعاقب المخل بالتزامه بالعقوبة المناسبة، فعقوبة المرتد إذن وجبت لإخلال المسلم بالتزامه. وبالإضافة إلى هذا الإخلال فإن المرتد بردته يرتكب جملة جرائم أخرى، وهذه الجرائم نتيجة حتمية لردته، وبيان هذه المسألة: أن المرتد لا بد أن يعلن ردته بشكل من أشكال الإعلان؛ لأنه لو كتمها ولم يعلنها لما عرفنا به ولبقي من المنافقين، فإعلانه للردة جريمة أخرى؛ لأن فيها استخفافاً بعقيدة الأمة ونظامها الذي ارتكز على الإسلام، كما أن في ردته تشجيعاً للمنافقين لمتابعته في ردته وإظهار نفاقهم، وتشكيكاً لضعاف العقيدة بعقيدتهم، وهذا كله يؤدي إلى اضطراب في المجتمع واهتزاز في نظامه القائم على الإسلام واستخفاف به؛ وهذه أمور جسيمة يجب منعها عن المجتمع الإسلامي بمعاقبة المرتد. وجعلت عقوبة المرتد القتل؛ لأن جريمته خطيرة؛ ولأن إخلاله بالتزامه إخلال خطير جداً، ويجب أن لا نستغرب ذلك؛ فرب إخلال بالالتزام يترتب عليه قتل المخل مثلما تقدم في عقوبة الخيانة العظمى بهذا، كما لو تعاقد شخص مع الدولة لتز ويد الجيش بالأرزاق، فإذا تعمد هذا المتعاقد عدم التزويد بالأرزاق، والجيش في حاجة إليها، كما لو كان في حالة حرب، مع قدرة المتعاقد على الإيفاء بالتزامه؛ فإن عقوبته قد تصل إلى الإعدام [٢٢] . وأخيراً: فإن الشريعة الإسلامية، مع خطورة جرم المرتد أوجبت إمهاله ثلاثة أيام فإذا رجع عن ردته سقط عنه العقاب، فهل بعد هذا الذي قلناه تبقى لأحد حجة للقول بأن في عقوبة المرتد تدخلاً في حرية العقيدة واكراهاً على تبديل واعتناق الإسلام؟ ! ! ب - أن في عقوبة المرتد مخالفة للنص الدستوري الذي ينص على أن: (حرية الاعتقاد مطلقة) [٢٣] . وهذه الشبهة أيضاً مردودة؛ لأن الدستور في جميع الدول الإسلامية ينص على: (أن الإسلام دين الدولة) [٢٤] . واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع. كما تنص قوانين العقوبات الحالية على أن لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء [٢٥] . وإذا كان الدستور يقضي باتخاذ الشريعة الإسلامية مصدراً رئيساً [*] ، للتشريع فإنه يترتب على ذلك أنه لا يجوز لتشريع وضعي لاحق لصدور الدستور، أو حتى كان سابقاً عليه أن يخالف حكماً قطعياً من أحكام الشريعة الإسلامية وإلا كان التشريع مشوباً بعيب مخالفة الدستور. والكلام السابق هو كلام رجال القانون، حيث بينوا أن أي حكم أو تشريع وضعي لاحق لصدور الدستور يعتبر مخالفاً للنصوص الدستورية الأعلى منه قوة وهو ما يطلق عليه عيب مخالفة الدستور [٢٦] . موقف الشريعة الإسلامية من الردة: إن الردة تعتبر من الجرائم ذات الخطورة البالغة على المجتمع والدولة والأمة الإسلامية؛ والحس الإسلامي يرفض أن يكون هناك تساهل فيها؛ وقد شرع الإسلام القتل لجرائم أخف ضرراً؛ حيث أمر بقتل الزاني المحصن بأسلوب رادع زاجر؛ لما يترتب على فعله من نشر الفحشاء بين المسلمين، وأمر بالقصاص حفظاً لأمن الجماعة، فلا يعقل أن تكون معالجة جريمة الردة، وعقاب مرتكبها، أخف ضرراً مما سبق؛ لأنه يترتب على الردة انهيار أركان المجتمع بمجمله دون ذلك. والحق أن المرتد إذا ثبتت ردته، وانطبقت عليه الشروط وانتفت الموانع فإنه يجب على الدولة الإسلامية قتله إذا لم يتب لما ثبت في ذلك من السنة وإجماع أهل العلم [٢٧] . وكذلك فإن من أهم مقاصد الشريعة: حفظ الدين من أعدائه أو من أدعيائه؛ وهو في هذه الحالة لا يكون مناقضاً لمبادئه؛ وإنما مؤكداً لها وحامياً في الوقت نفسه.

стр. 2754

المسلمون والعالم تقسيم العراق.. الضَرَرُ والضَرُورة ! بقلم: عبد العزيز كامل لا أظنها مصادفة أن يكون اسم (كعكة العيد) ، من بين الأسماء التي أطلقت في الغرب على عملية (رعد الصحراء) التي أرجئت، فهذا الوصف (كعكة العيد) مملوء بالإيحاءات والمعاني الواضحة، فالعراق بما فيه من ثروات وثورات، وما يعيشه من آمال وآلام.. أُدخل المطبخ الغربي المتطور جيداً، لتصنع منه كعكة كبيرة، يتولى صدام إشعال النار لإنضاجها للأكلين.. (كعكة العيد) ! ! ولكن أي عيد؟ ! هل هو عيد خمسينية (إسرائيل) التي لا تزال تضع فوق منصة الكنيست عبارة التوراة المحرفة (لنسلك أُعطى هذه الأرض، من النيل للفرات) ؟ ! أم هو عيد مئوية (بازل) والمؤتمر الأول لحكماء صهيون بزعامة (هرتزل) الذي اعتبر نصف العراق ضمن أرض الدولة اليهودية المستقبلية (إسرائيل الكبرى) ؟ ! أم هو عيد الألفين الثانية عند النصارى الذين يؤمنون بحديث الإنجيل المحرف عن معركة (الهرمجدون) التي تمهد لعودة المسيح، تلك الحرب التي ستكون ضد قوى الشر من بلاد (آشور) ومن يتحالف معها؟ ! على أية حال، لا يبعد وصف الكعكة كثيراً عن وصف (القصعة) فكلاهما تتداعى عليه الأكلة.. أكلة الحقوق.. أكلة السحت.. بل أكلة لحوم البشر..! فالقصعة التي أخبر الرسول عنها في الخبر الصحيح [١] ، لا نشك أن العراق وغير العراق تمثل تريدها ولحمها الذي تتناهشه الذئاب البشرية. فالعراق/ الكعكة.. أو العراق/ القصعة، يبدو أنه اليوم علي أعتاب عهد لم يعهده من قبل، ومرحلة جديدة كنا نقرأ عنها ولا نتصور تسارع الأحداث للوصول إليها بهذه الدرجة، وهي مرحلة التفتيت والتقسيم، التي تناثرت الأخبار عن المخططات الموضوعة لها، لا فيما يتعلق بالعراق فحسب، بل فيما يختص ببلاد أخرى في المنطقة كمصر والسودان ولبنان واليمن وغيرها بحيث تتحول إلى دويلات بدلاً من دول، على أسس طائفية أو عرقية أو قبلية. لتبقى دولة اليهود سيدة المنطقة، وصاحبة الذراع الطولي فيها، وسط كيانات ممزقة، متصارعة، متناقضة، مشغولها بنفسها ومنكفئة على ذاتها. وفيما يتعلق بالعراق أيضاً، هناك خطة، كان قد وضعها قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً الصهيوني المخضرم (هنري كيسنجر) وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، وهي عبارة عن إطار استراتيجي عام، يتم بمقتضاه إبقاء الأوضاع ملتهبة بالاختلافات والتناقضات في المناطق المحيطة بإسرائيل، لتطل في مأمن من وجود كيان مستقر وقوي، أو قابل لأن يكون قوياً ومستقراً وفيما يخص العراق تقضي الخطة بترتيب ظروف سياسية وعسكرية كفيلة بإضعاف وحدته، ثم إقامة دولة جديدة في منطقة الخليج، تمتد على أكثر من ٨٠ بالمئة من أراضي الجنوب العراقي، إلى جانب منطقة الأحواز التي تقع غرب إيران، وتحاذي مناطق جنوب العراق، ومن شأن دولة كهذه، أن تحظى بأكثر من ٦٠ بالمئة من الثروة النفطية الموجودة في كل من إيران والعراق، إلى جانب تمتعها بثروة كبيرة، وبقطعة زراعية مناسبة، هذا عدا التجانس الحاصل بين سكانها الذين ينتمي معظمهم إلى الطائفة الشيعية المنحدرة من أصول عربية وتهدف واشنطن من وراء تنفيذ هذا المخطط، أن تجني فوائد استراتيجية كبيرة على النحو التالي: ١- اقتطاع جزء كبير من القدرات النفطية والبشرية والمائية والزراعية في كل من العراق وإيران، مما يقلل من حضورهما الإقليمي، ومن المخاطر التي يشكلها كل من البلدين على جيرانها في الحال أو المآل. ٢- إكمال دائرة السيطرة الأمريكية على معظم منابع النفط في منطقة الخليج بعد أن تكون هذه الدولة قد اقتطعت أكثر من ٦٠ بالمئة من الإمكانات النفطية لكل من العراق وإيران. ٣- ستكون هذه الدولة حال قيامها بمثابة شريط حدودي يفصل إيران والعراق عن جيرانهما من الدول الخليجية التي عانت لفترة طويلة من المخاطر المحتملة لهذين الجارين. ٤- يمكن لهذه الدولة أن تمثل عامل استقطاب لأبناء الطائفة الشيعية من البلدين (العراق وإيران) يساعد على وضع هذه الطائفة ضمن سياق معيشي اجتماعي ذي طبيعة ثرية مترفة، تلتهي بها عن ميولها (الثورية) لتتلائم بعد ذلك للمساهمة في خدمة المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج. قد يقال: إن هذه الخطة الموضوعة منذ ربع قرن، قد تكون التغيرات في المنطقة الآن لا تساعدها على التنفيذ، أقول: قد يكون هذا، ولكن الخطة تدلل على حال على أن تقسيم العراق وغيره هدف قديم للقوى الغربية التي قسمت بالفعل العالم العربي والإسلامي، وفرقت بين شعوبه بحدود وسدود جغرافية وسياسية، الغريب زن دولة (الأحواز) الرافضية هذه، لم يواريها النسيان كما يُظن، بل لا يزال التهامس بها يتردد في أروقة الغرب، فقد نقلت جريدة السياسة الكويتية في عددها الصادر في ٢٣/٥/١٤١٧ عن مصادر أردنية، أن هذه الدولة ربما ترى النور في غضون سنوات قليلة على حسب ما يتردد في أوساط الإدارة الأمريكية التي تؤكد المصادر أنها رصدت لتنفيذ المخطط مبلغ ثلاثين بليون دولار! واللافت للنظر، أن الأزمة الأخيرة، بما فيها من أحداث متتابعة، شهدت رواجاً لما يعرف بخيار (الحل الشيعي) ومؤداه: إقامة كيان شيعي في جنوب العراق، بتفاهم أو بدون تفاهم مع إيران، وبالرغم من أن مجرد الحديث عن هذا الخيار، يسيل لعاب روافض العراق، إلا أنهم من باب التقية السياسية يظهرون معارضهم لهذا الحل [٢] ، ويعتبرون الحديث عن تقسيم العراق من اختراعات صدام حسين ليثير مخاوف دول الجوار إذا ذهب هو.. كما صرح بذلك (محمد بحر العلوم) الأمين العام لمركز أهل البيت بلندن، و (سامي العسكري) عضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية الشيعي في العراق، و (أكرم حكيم) عضو الشورى المركزية للمجلس الأعلى (للثورة) الإسلامية في العراق ... ولا ندري ... إذا كان هذا التقسيم مجرد وهم كما يقولون، فلماذا (الثورة) ومجلسها الأعلى؟ ! [٣] الظاهر أنهم يعارضون التقسيم لو صدقوا من باب عدم الاكتفاء بالجزء عن الكل، وهذا يزكرنا بموقف شيطان الجنوب في السودان (جون جارانج) الذي أطلق على ثورته (حركة تحرير السودان) وليس جنوب السودان فقط! ويذكر أيضاً بتصريحات (شنودة) بابا الأقباط في مصر الذي تعجب عندما سئل عن رغبة الأقباط في الاستقلال (بجنوب مصر) فقال: (كيف نكتفي بالجزء عن الكل..؟ إن مصر ... كلها وطن الأقباط، فكلنا أقباط، غير أن منا مسلمون ومنا مسيحيون) ! ! إن الخطر الشيعي إذا بسط يديه على العراق، فإنه سوف يكون ظهيراً لا قدر الله لحركة مد شيعي رافضي في المنطقة، تمتد من طهران إلى المنامة! ولا يقال هنا إن العداء بين أمريكا وإيران يحول دون حصول ذلك، فأمريكا إن كانت تعادي إيران سياسياً الآن، فإنها لا تعادي كل الروافض فالضرورة تحتم عليها أن تصادقهم [٤] ثم متى كان الروافض على مر التاريخ أعداء للنصارى أو غيرهم من أعداء الأمة؟ من شك في هذا فليسأل التاريخ عن تواطؤ الرافضة مع قادة الحملات الصليبية وعن تواطئهم مع التتار لاجتياح بغداد عاصمة الخلافة العباسية يضاف إلى هذا أن شيعة العراق يرون أنفسهم شيئاً آخر غير شيعة إيران، بل هم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم فوق شيعة إيران، فهم أصل الشجرة التي تفرعت جذورها باطنياً حول العراق، فأنبتت وأثمرت في إيران وعلى ضفاف الخليج. يقول (ليث كبة) مدير العلاقات العامة في مؤسسة الخوئي الخيرية بلندن (الزعامة الدينية في العراق وفي النجف هي الأقدم والأعرق تاريخياً، فالعراق هو أرض الأئمة، وهو الثابت في تاريخ التشيع منذ كانت الكوفة عاصمة الخلافة وإلى يومنا هذا، بينما قبلت إيران التشيع قبل خمسة قرون، وعمر مدرسة (قم) المقدسة، هو قصير بالقياسي إلى مدرسة (النجف) لهذا فإن شيعة العراق يعتبرون العراق كله وطنهم من الفاو إلى زاخوا) ! [الشرق الأوسط، ١٤/٢/١٩٩٨م] . وماذا عن الأكراد؟ الظاهر أن الضرورة الأمريكية تقضي بأن يعطى الأكراد قطعة من القصعة العراقية، فالزعامة العلمانية الكريمة أطماعها القديمة في القسمة، وقد دأب الحزب الديمقراطي المكردستاني بزعامة (مسعود البرزاني) بالمطالبة بحكم ذاتي للأكراد وقاتل الحزب عبر سنوات طويلة للوصول لهذا الغرض، أما الحزب الآخر، وهو الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني، فقد جعل قضيته التي يناضل من أجلها: حق تقرير المصير للشعب الكردي، ويقترح الحزب إدارة (كونفدرالية) بين الحزبين الرئيسيين لأكراد العراق، ويعتبر هذا حلاً وقتياً آنياً، فما هو الحل الدائم؟ إن الحزبيين العلمانيين ينتظران ما ستسفر عنه المواجهة بين أمريكا والعراق، فإذا أسفرت عن سقوط النظام أو ضعفه جداً، فسيفرضان سيطرتهما كقوتين أو كقوة واحدة فاعلة تمتلك أرضاً وشعباً وقيادة. وقد شهدت الأونة الأخيرة انفراجاً في العلاقات بين الخصمين اللدودين في قيادة الحزبين.. فهل تسمح الظروف واقعياً لإقامة كيان كردي مستقل في شمال العراق؟ أم أنها أوهام أيضاً ... ؟ نحن نجزم بأن القسمة الكردية (العلمانية) من الكعكة العراقية، حاصلة الآن واقعياً، وإن لم تعلن رسمياً، ففي شمال العراق سلطة منفصلة عن السلطة المركزية في بغداد، وإن لم ترفع علماً أو تختر نشيداً أو ترسِّم حدوداً. وسُنّة العراق ... من لهم؟ الثلث المتبقي من العراق في الوسط، من نصيب أهل السنة ومن أضاحيك الزمان؛ أن صداماً هو المسؤول (طائفياً) عن أهل السنة وهو المرشح فيما يبدو لأن يظل جاثماً على صدورهم إذا اقتطع الشمال للأكراد والجنوب للشيعة، فصدام ليس على قائمة الأهداف في (رعد الصحراء) فالوصول إليه شخصياً يكاد يكون مستحيلاً على حسب مزاعم الأمريكيين والبريطانيين، ولهذا فمن المظنون فيه أو المقطوع به، أنهم يريدونه مسؤولاً عن القطاع السني في عراق ما بعد التقسيم، ليظل كنُصب تذكاري، يذكر العرب بمفاخر القومية العربية البائدة ... تعلوه راية (أم المعارك) الممزقة، وتعزف من حوله أنشودة الحماس الأجوف ... أمجاد يا عرب أمجاد! إن التسارع المحموم نحو تقسيم العراق، يخدم مجموعة متباينة من الأكلة، بالوكالة أو بالأصالة، وعلى رأس المستفيدين من القسمة الضيزى ... الدولة اليهودية (إسرائيل) .. ثم الإمبراطورية الصليبية (أمريكا) .. ثم -وكالعادة.. تتقاسم بقية الضباع بقايا ما تتركه السباع. ولا ينبغي أن ننسى أن العراق - الذي يبدو الآن ضعيفاً وفقيراً - لا يزال غنياً بثرواته الجالبة للأطماع، فآبار النفط لم تنضب، ومجاري الأنهار لم تجف، والمساحات الزراعية لا تزال حية. ومما يثير العجب أن الكل يقر في الظاهر بأن تقسيم العراق ضرر فادح ... ولكن كل فريق بعد ذلك يتصرف فعلياً على أن التقسيم ضرورة لا مفر منها ... بدءاًً من صدام الذي يفضل التنازل عن وحدة العراق على التنازل عن الكرسي [٥] ، ومروراً بفصائل المعارضة الانتهازية التي ترى في التقسيم فرصتها لإثبات الذات وإحراز المكتسبات، وانتهاء بأمريكا التي تريد أن تدخل القرن الجدد بخارطة تضمن مصالحها لأجيال قادمة [٦] ، لكن هناك طرفاً واحداً يرى في التقسيم ضرورة خالصة، لا ضرر فيها، وهم اليهود! والظاهر أنهم لا يرونه ضرورة فقط، بل ضرورة عاجلة، فقد أدلى (بنيامين نتنياهو) بتصريح في أخر أيام عام ١٩٩٧ قالى فيه: (كل المؤشرات المتوافرة تحت أيدينا تؤكد أن بغداد في حالة استكانة وضعف عسكري تام) (الشرق الأوسط، ٢٦/١١/١٩٩٧م) وبعد هذا الكلام الواضح عن قدرات العراق في نظر تقارير المخابرات الإسرائيلية, لم تمض أسابيع حتى ملأ اليهود (الإسرئيليون والأمريكان) الدنيا صراخاً عن قوة العراق المرعبة، وتكاثرت التصريحات على ألسنة المسؤولين والأمريكيين الكبار - وأكثرهم يهود - وفي افتتاحيات أكثر الصحف الأمريكية - وأكثرها يهودية -، تعبر عن تخوف عظيم من الخطر العراقي الذي أصبح يتهدد كل الجيران، خاصة الجار السابع (إسرائيل) وتحدث المحذرون عن خطر حقيقي يهدد اليابسة والماء والهواء معا إذا استعمل العراق ما بحوزته من أسلحة! ولم تكن هذه التحذيرات مجرد فرقعات إعلامية لصحافيين هواة أو محترفين، بل جاءت على ألسنة مسؤولين يفترض أن يكونوا محترمين؛ فوزير الدفاع في أكبر دولة في العالم (وليم كوهين) لوَّح وقتها أمام الملايين من المشاهدين الأمريكيين بكيس من السكر وقال لهم: (إن عبوة بهذه الحجم من الجراثيم التي يملكها العراق تكفي لإبادة كل سكان مدينة بحجم نيويورك) ! ثم خرج بعدها وزير الدفاع البريطاني (جورج روبتسون) أمام الكاميرات وفي يده زجاجة مياه صحية، وقال للمشاهدين البريطانيين المذهولين: (إن عبوة مثل هذه الزجاجة من غاز (في - إكس) التي يملكها العراق، تكفي لإبادة كل سكان مدينة لندن) ! ! وأيضا تبرع رئيس فريق الأمم المتحدة لنزع أسلحة العراق (ريتشارد بتلر) وذكر مدينة ثالثة هي (تل أبيب) وقال: (إن بقدرة صدام أن يبيد بلحظات كل سكان تل أبيب) ثم ظلت العجوز اليهودية (أولبرايت) وزيرة الخارجية الأمريكية تنفخ في جمر التحريض، لتشتعل نار الحرب! ونجح هؤلاء بتلك التصريحات النارية في إلهاب مشاعر السخط لدى قطاعات عريضة من شعوب الغرب - الساخط أصلاً - ودقت طبول الحرب عالية ... واستمرت الحشود العسكرية متزايدة متوالية. وصدرت التوجيهات للرعايا الغربيين بمغادرة مواقع الأحداث المتوقعة.. ووزعت كمامات الوقاية من الغازات ... إيقاف اللعبة: بعد كل هذا النفير وشد الأعصاب ... فوجئت أمريكا ومعها بريطانيا ... بأن حلفاءهما الدوليين - الفاهمين للعبة - غير موافقين على هذا الإجراء العسكري الذي يستهدف في النهاية الاستحواذ على الغنيمة كلها، ففرنسا وجدت نفسها مرة أخرى في موقف ضعف مع بريطانيا التي ظلت منافساً رئيساً لها طوال القرن الماضي وشطرا من هذا القرن، كانت دائما تتصرف بمنطق الأنانية واستباق الوصول للغنيمة، لقد أقصت فرنسا عن مصر والسودان، وعرقلت تغلغلها في منطقة الخليج، وأحبطت مساعيها في الاستقرار في بلاد المغرب العربي، واليوم تزاحم بريطانيا على اكتساب موطن قدم في صنع سياسة الهيمنة الدولية في النظام الدولي الجديد بقيادة أمريكا ... وقد بلغ التقارب البريطاني الأمريكي حداً أفزع فرنسا، عندما أطلق (توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني الوعيد للعراق من داخل غرفة عمليات الحرب العالمية الثانية في البيت الأبيض، وكلينتون واقف بجواره ... كان لابد لفرنسا أن تعمل لإحباط مساعي بريطانيا في تقاسم أمريكا مغانم هذه الحرب المبيتة بليل، وهي لم تنس بَعْدُ أنها خرجت بخفي حنين من حرب الخليج التي شاركت فيها، حيث لم تفز المؤسسات الصناعية الفرنسية إلا بفتات العقود والصفقات التي حصدت الولايات المتحدة القسط الأكبر منها بالاشتراك مع بريطانيا، ولهذا رفعت سلاح (الدبلوماسية) وأصرت على تفعيله وتدويله، وشاركتها روسيا في رفع هذا السلاح، فالروس يشاركون الفرنسين في إحباطاتهم؛ لأن العراق كان صديقاً للسوفييت في الماضي وتتمنى روسيا أن يكون العراق سوقاً للروس في المستقبل، ولهذا تواصل روسيا دعمها للعراق سراً وعلناً، كما حدث عام ١٩٩٥م عندما باعت للعراق بشكل غير مشروع أجهزة يمكن استعمالها في تصنيع الأسلحة البيولوجية. وروسيا التي لا تزال تلعق جراح السقوط المدوي للقطب الثاني، لا تريد للقطبية الفردية لأمريكا أن تظل مهيمنة على العالم - خاصة - المناطق الغنية، وهي تبحث عن شركاء في هذا المطلب، وترى أن لدى الصين وإيران تضامنا مع رؤيتها المستقبلية. يقول (أرييل كوهين) المحلل الأمريكي: (إن الهدف النهائي لروسيا في الآونة الأخيرة، إقامة تحالف روسي صيني إيراني جديد لتحدى الولايات المتحدة بدءاً من الخليج حتى مضايق تايوان) . موقف ألمانيا: وفي حين تخرج فرنسا وروسيا عن الفلك السياسي الغربي فيما يتعلق بالعراق، نرى دولاً أخرى تدخل فيه مثل ألمانيا، التي اتخذت موقفاً مفاجئاً بوقوفها بقوة أمام الحسم العسكري مخالفة بذلك موقفها التقليدي المتجانس مع فرنسا ... فلماذا تتخذ ألمانيا هذا الموقف؟ إنها تريد أن ترد لها أمريكا الجميل بأن تقبل بعد ذلك طلبها المُلِح بالحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن، ومن ناحية أخرى فهى لا تزال تحمل (عقدة الذنب) تجاه اليهود بسبب مواقف هتلر منهم، وهي تريد أن تثبت لهم أنها سوف تتوب توبة عملية بالمشاركة في تنفيذ واحدة من أكبر مخططاتهم في المنطقة! وتركيا أيضاً: أما تركيا (العلمانية) ، فأطماعها في العراق لا تخفى، فهى بين آن وآخر تنادي باستعادة ولاية (الموصل) العراقية التي تعتبرها أرضاً تركية اقتطعت لصالح العراق، وقد غزت شمال العراق عدة مرات بذريعة ملاحقة حزب العمال الكردستاني، وحاولت في كل مرة الاحتفاظ بوجود عسكري لها في العراق لإقامة شريط حدودي بزعم ضمان أمنها، وقد نجحت تركيا في مطلبها بفضل الحصار الأمريكي، فأصبح لها ما يشبه الوجود الدائم في شمال العراق، وهي عندما تحشد هذه القوات هناك، منتهكة القانون الدولي؛ فإنها تستعد بذلك لملء الفراغ الذي سيحدث في الشمال إذ ادخلت الخطة فصولها النهائية، فهي تعلن أنها لن تسمح لإيران أو حزب العمال الكردستاني بملء هذا الفراغ. إن تركيا المتحالفة الآن استراتيجياً مع دولة اليهود ... لن تتأخر في وضع إمكاناتها تحت تصرف اليهود، عندما يحين أوان تقسيم الكعكة. وهكذا يتضح أن المواقف المتعارضة والمتناقضة للقوى الدولية الفاعلة فيما يتعلق بأحداث العراق، تعكس تصارعها في التسابق لتحصيل مصالحها بكل جشع وأنانية.. وقد أفضت هذه الأحوال بأمريكا وبريطانيا ومن تحالف معهما، إلى أن وجدوا أنفسهم يواجهون وضعاً دولياً مربكاً؛ فأمريكا التي ضربت العراق في حرب الخليج الثانية وسط تصفيق دولي ومباركة من (الشرعية الدولية) ، ألجأها منافسوها هذه المرة إلى وضع رأت فيه أنها تتحرك خارج ما يسمى بـ (الشرعية الدولية) فكان لابد أن تبحث عن فرصة أخرى لضربة أخرى باسم تلك الشرعية الدولية ... لهذا كان الاتفاق، وكان (أنان) ، وكانت العودة للتفتيش عن أسلحة العراق مرة أخرى ... ريثما يجد المفتشون كيساً من السكر، أو زجاجة من الماء تحتوي على المواد التي تهدد بفناء واشنطن ولندن وتل أبيب! فالاتفاق - في رأيي - هو المفتاح السري الذي يمكن لأمريكا أن تعيد به فتح باب الترحيب الدولي بإنهاء العراق. فهذا الاتفاق قد رُبط مصيره بشيء واحد، هو احترام صدام لبنوده حرفاً حرفاً ... حتى لو استُفز ... حتى لو استُدرج ... حتى لو اثير! ! ومعنى هذا أن الحرب - تحت مظلة الشرعية الدولية - متوقفة على مجرد استفزاز أو استدراج أو إثارة من أمريكا لصدام! ! ! فهل هناك من يسبق أمريكا وعملاءها في الاستفزاز والاستدراج والإثارة؟ أم أن هناك من هو أقل صبراً من صدام في الاستجابة الحمقاء للاستفزازات والاستدراجات ... ؟ لقد بدأت أمريكا مبكراً في هذا الاستفزاز عملياً بأن تم تنصيب (سكوت ريتر) رئيساً لفريق التفتيش بعد الاتفاق الجديد ... و (سكوت) هذا، كان قد اتهم في العراق بأنه جاسوس.. فهل تراهن أمريكا على عدم سكوت صدام على (سكوت) رئيس الفريق الدولي؟ ! إن الحشود المجتمعة في الخليج تتحرق شوقاً لجولة جديدة يقود إليها صدام.. فهي لم تأت لنزهة بحرية أو برية أو جوية ... ولكنها جاءت لتسوية نهائية للمسألة العراقية على الطريقة اليهودية، فاللهم رحماك ... ولك الله يا شعب العراق.

стр. 2755

المسلمون والعالم السؤال المهم: ماذا بعد عرفات ؟ بقلم: عبد الملك محمود ذكرت بعض المصادر الإخبارية أن ياسر عرفات قد انهار أثناء اجتماع لوزراء خارجية الدول العربية بالقاهرة في شهر سبتمبر الماضي، ثم أغمي عليه أثناء اجتماع للمجلس التشريعي الفلسطيني في شهر أكتوبر ونقل إلى المستشفى. ويقول بعض من قابلوا عرفات خلال الآونة الأخيرة إنه يعاني أحياناً من صعوبة في الحديث، وأن هناك ارتعاشاً لا إرادياً في شفته السفلى ويده وقدمه اليسريين، كما يقال إن ذاكرته بدأت تضعف. وأشارت تقارير صادرة عن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن عرفات يعاني حالياً من مرض (باركنسون) ويتلقى علاجاً لأعراض الرعشة وتصلب العضلات. وقد أكد طبيب عرفات الخاص د. أشرف الكرد المتخصص في طب الأعصاب بعض هذه الأعراض، وإن كان قد أكد على عدم خطورة الأمر. كثر ذلك الكلام مؤخراً عن متاعب عرفات الصحية، مما فتح باباً للتكهنات حول مستقبل السلطة وعملية السلام برمتها. أما عرفات فإنه يبدي انزعاجه وقلقه بخصوص كثرة الحديث عن صحته، ولربما كان هذا أحد دوافعه للقيام بسفرات ورحلات مكوكية قياسية لم يبلغها أي زعيم آخر، فخلال أسابيع متتالية يذهب إلى عواصم كثيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا ليبرهن على سلامة صحته وقوته طبقاً للجملة المشهورة التي يستشهد بها كثيراً: (يا جبل ما يهزك ريح) ولكن رغم هذا لا يمكن إخفاء حقيقة أن صحته ليست على ما يرام. ومع هذا فإننا نقول إن الأمر ليس غريباً، فالرجل يبلغ من العمر ٦٨ عاماً (ونظام حياته السابق المجهد يقوم على العمل لمدة لا تقل عن ١٦ ساعة يومياً، ولكن السؤال الأهم هو: ماذا بعد عرفات؟ وهل ستنتهي عملية السلام؟ ومن هو الشخص أو الكيان البديل؟ الشارع الفلسطيني لا يتحدث عن الرجل المريض بقدر ما يتحدث عن السلطة المريضة، فكل شخص تقابله يحدثك عن المحسوبية والرشوة والسرقات وأكل المال بدون حق، وما تقرير المجلس التشريعي التابع للسلطة نفسها الشامل عن هذا الأمر عنا ببعيد؛ حيث كشفت التحقيقات عن أرقام مفزعة من السرقات وأكوام من الاختلاسات الكبرى وفضائح عدد من الوزراء ممن كان وراء هذه السرقات، مما ألجأ عدداً كبيراً من الوزراء والمسؤولين إلى تقديم استقالاتهم خوفاً من الفضيحة، ولكن عرفات أجّل قبول هذه الاستقالة ووعد أكثر من مرة بإجراء تعديل وزاري وكانت آخر هذه الوعود قبيل نهاية العام المنصرم. وكان المجلس التشريعي قد طالب في بيانه قبل نحو ٤ أشهر بحل مجلس الوزراء والانصياع لمتطلبات التطهير الإداري، ولكن أنى هذا وحاميها هو حراميها؟ طالب الناس بالإصلاح والتغيير والمحاسبة حتى نفد صبرهم، ولم يتم أي شيء في هذا الخصوص، ولم يطالب بهذا الإسلاميون فقط أو المعارضون لعملية السلام بل حتى بعض الرموز من داخل السلطة أو ممن عمل معها طالبوا بذلك، فحيدر عبد الشافي الذي أحرز أعلى نسبة في أصوات الناخبين في المجلس التشريعي تحدث في كثير من المقابلات الصحفية التي أجريت معه وفي مقالاته وفي كتاب استقالته من المجلس التشريعي وفي محاضراته عن العفن داخل السلطة وعن الديكتاتورية العرفاتية. وفي محاضرة للدكتور زياد أبو عمرو أمام مئات الحاضرين ذكر بعض صور السلطة الهزيلة وهي: لنا سلطة رئيسها بحاجة إلى تصريح إسرائيلي ليطير من مكان إلى آخر، لنا قوة أمن مبعثرة وأشبه ما تكون بالمليليشيات، لنا عَلَم ولا نملك السيادة، لنا مجلس تشريعي تذهب توصياته وقراراته أدراج الرياح [الوطن العربي، ٥/١٢/١٩٩٧م] . هذا جانب من صورة السلطة في وضعها الحالي، ولم يذكر الرجل صوراً قاتمة أخرى يراها المراقب الإسلامي مثل: المسلسل العدائي لكل ما هو إسلامي بدءاً من محاربة الرموز الإسلامية والسجن والتعذيب، مروراً بشن حملة إفساد للشعب وبث الفجور. خليفة عرفات: على صدى الكلام عن صحة عرفات ومن سيخلفه، فقد شحذ البعض هممهم استعداداً لخلافة عرفات بمجرد سماع الأنباء عن مرض عرفات وتدهور صحته، ولكن هل هناك شخصية معينة مؤهلة لنفس دور عرفات؟ من صفات عرفات الزئبقية التي يتميز بها قدرته الفائقة على إمساك العصا من الوسط، ودفع كل الأطراف في الساحة إلى الصراع في جميع الساحات بل والاشتباك إذا لزم الأمر باستثناء ساحة واحدة هي التزاحم على مركزية القيادة باعتباره خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه. لقد تناحر مسؤولو السلطة حول كعكة المال وحصة كل منهم من أموال الدول المانحة كل بحسب استطاعته حتى جاءت النتيجة وبسرعة مذهلة لتكشف عن حجم غريب من السرقات، كما أنهم توزعوا الكراسي داخل المجلس الوطني والوزارات المختلفة ولكن كل هذا الاختلاف حتى بين الفصائل المختلفة رافقه إجماع على زعامة عرفات وعدم المساس بها. ولذلك يمكن القول بأن الصراع على التركة ستكون بعد ذهاب عرفات لا قبل ذلك، فالمتربصون جميعاً يجمعون على قيادة عرفات وزعامته. والحقيقة الظاهرة لنا أنه لا يوجد من قيادات السلطة كافة من يستطيع أن يملأ هذا الفراغ ويقوم بالأدوار نفسها. وقد تداول المراقبون عدة أسماء مرشحة لخلافته مثل محمود عباس، وفاروق قدومي، أو بعض العسكريين مثل جبريل الرجوب ... ولعل أبرز الشخصيات المرشحة والأوفر حظاً لخلافة عرفات هو محمود عباس (أبو مازن) أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح؛ فالرجل سياسي ممن أسهم بصورة كبيرة في السعي للحلول السلمية مع (إسرائيل) وهو مفصل أميركياً، وربما يقوم حلف بينه وبين بعض العسكريين على تقاسم السلطة بحيث لا يفقدون امتيازاتهم ويعملون في الوقت نفسه على الوقوف ضد التيار الإسلامي. ولكن بدلاً من الخوض في هذه التخمينات، دعونا نلقي نظرة إلى وضع السلطة الفلسطينية والحال التي وصلت إليها، وخططها التفاوضية مقارنة مع التخطيط الإسرائيلي. تدهور شعبية عرفات وسلطته: المراقب للوضع الفلسطيني، يلاحظ افتقاد عرفات للشعبية؛ فمسيرة السلام وأحلامها تعثرت، وسياسة الاستيطان الإسرائيلية على أشدها والوضع الاقتصادي للناس في تدهور. أما عن السلطة فقد أقام عرفات سلطته على المحسوبيات وعلى نظام متعفن انتقل بين العواصم العربية وكان يعاني من ألوان من السوء والفساد أصلاً. وقد جمع عرفات إلى هذا ديكتاتوريته المعروفة، وعمل على بناء أجهزة عسكرية مختلفة ليضمن بقاء السلطة بيده ووضع على رأس هذه الأجهزة أشخاصاً من الموالين له ممن يأتمرون بأمره ومن أبرزهم شقيقه د. موسى عرفات رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الفلسطينية. ويطلق الناس كثيراً من النكات عن ميليشيات السلطة المنتشرة على طريقة: (حارة كل مين إيدو إلو) . لقد كان من أوائل إنجازات عرفات بناء ٣٠ مركزاً للتوقيف والاعتقال، و١٧ سجناً مع أكثر من ٤٠ ألفاً من شرطته التي دخلت في حرب مع الشعب الفلسطيني. وحوّل عرفات الأجزاء الصغيرة من فلسطين الواقعة تحت سيطرته إلى جحيم لا يطاق، وكم كان مؤلماً ذلك التقرير الذي أعده الصحافي الإنجليزي المخضرم (باتريك سيل) عن ممارسات سلطة عرفات القمعية ونشره في صحيفة الإندبندنت قبل أشهر بعنوان: (عار في غزة) . صور الفساد والطريق المسدود الذي وصلت إليه السلطة أدى إلى حالة من الإحباط لدى الناس؛ فالأوضاع الاقتصادية على سبيل المثال بلغت غاية في السوء، ولعل الدول المانحة والمتصدقة تضخ بعض الأموال كمسكنات للوضع حتى لا ينفجر، ولكن الناس يعانون ويشعرون بالإحباط للنتائج الحالية. ذكر رئيس البنك الدولي كمال درويش في مؤتمر الدوحة المنعقد قبل أيام: (أن متوسط دخل الفرد الفلسطيني في مناطق السلطة الوطنية انخفض بنسبة ٣٠% عما كان عليه عام ١٩٩٣م) (العالم اليوم، ٢٩/١١/١٩٩٧م) ، -لا يعني هذا أن الوضع عام ١٩٩٣م كان ممتازاً-. ولا شك أن السلطة فقدت كثيراً من بريقها، فقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، وتبين للناس أن المستقبل الوردي وسنغافورة الشرق الأوسط ما كان إلا عَقّاراً للتخدير. السلطة والوضع الداخلي: هناك مجموعة من المشكلات الكبيرة داخل السلطة، ومن أواخرها تلك الحاصلة بين تنظيم حركة فتح وبين الأمن الوقائي بقيادة جبريل الرجوب، أحد الشخصيات القوية التي رشحها بعض المراقبين لخلافة عرفات، فكلٌ من الطرفين يحاول الإيقاع بالآخر وعزله وإضعافه. ويطالب بعض أعضاء اللجنة المركزية لفتح مثل: صخر حبش، وزكي عباس، بإبعاد الرجوب، ويتهمونه بالتواطؤ مع (إسرائيل) (خصوصاً بعد الكشف عن تسليمه لعضوين من خلية سرية لحماس في قرية صوريف) . من جهة أخرى فإن هناك عدة دلائل تبين انخفاض الشعبية التي كانت تتمتع بها المنظمة؛ فالانتخابات في الجامعات والنقابات تبين ارتفاع الرصيد الشعبي للإسلاميين على حساب المنظمة. وعلى سبيل المثال فإن احتفالات الذكرى التاسعة لإعلان الاستقلال الفلسطيني خيم عليها جو من الكآبة الكامنة في الأعماق، ففي أوسع ساحات التجمع لم يتجمع سوى بضع مئات معظهم من صغار السن الذين جذبتهم الأضواء والزينات وصوت المرفقعات؛ بينما لزم الكبار البيوت يجترون خيبة الأمل، رغم أن السلطة حرصت على إقامة الاحتفالات ووضعت لها برامجاً لتغطي كافة المناطق. ومن الأمور المضحكة أن يذكر عرفات أنه سيعلن قيام الدولة الفلسطينية بعد عامين مع العلم أنه تم الإعلان عن هذه الدولة قبل ذلك، فما هو الجديد؟ الوضع على صعيد المفاوضات: ها قد انقضت أربعة أعوام على اتفاق أوسلو فما هي نتيجة هذه الاتفاقيات؟ إنه وضع عجيب: أراضٍ محاصرة فلا الغزاوي يستطيع أن يذهب إلى الضفة، ولا الضفاوي بقادر على الذهاب إلى غزة إلا بتصريح وربما لا يستطيع الحصول عليه إن نسبة المساحة المتاحة للفلسطينيين الآن من مساحة الضفة الغربية لا تتجاوز ٣%، وغاية العروض الإسرائيلية المقدمة ستحصر الفلسطينيين في مساحة من ٦ إلى ٨% من الأرض، وقد كانت (معركة السلام) (!) في الأيام الأخيرة تدور حول النسبة الممنوحة لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية وهل هي أقل من ٩% كما يطرح اليهود، أو هي من رقمين كما تصر الولايات المتحدة (!) والرقمين تعني نسبة لا تتجاوز ١١%. فما الجدوى من المفاوضات والعملية المسمّاة بالسلمية برمتها إن كانت النتيجة سجناً هذه هي مساحته؟ لقد ضاعت الأرض وتوقفت الانتفاضة ولم يتحقق السلام، وابتُلعت القدس وبقي اللاجئون مشردون في أصقاع الدنيا وزادت الأحوال سوءاً، فهل هذه النتيجة التي يحلم بها الناس بعد سنوات؟ ! يجمع المراقبون على أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، على سبيل المثال في ندوة مستقبل الوطن العربي التي عقدت في (أبو ظبي) على مدى ثلاثة أيام في بداية شهر نوفمبر الماضي والتي شارك فيها نحو ١٥٠ من الشخصيات السياسية البارزة من العالم العربي وغيره في هذه الندوة أجمع المشاركون على أن المفاوضات المتوقفة فعلى جميع المسارات وصلت حداً خطيراً. ففيما يؤكد عصمت عبد المجيد الأمين العام للجامعة العربية أن (إسرائيل) تريد سلاماً أعرج يحقق مطالبها الأمنية دون أي اعتبارات أخرى، فإن فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير يؤكد أن السلام يُحتضَر وربما يكون قد مات بالفعل. وفي حين كانت لهجة ريتشارد ميرفي أقل تشاؤماً فإنه مع هذا يؤكد أن الوضع خطير جداً في الشرق الأوسط، بينما بلغ تشاؤم حيدر عبد الشافي حداً بعيداً. ويشير محمد حسنين هيكل الكاتب المصري المعروف أيضاً إلى أن عرفات يؤدي في مسيرته السلمية دوراً محدداً ثم ينتهي، فهو يقوم بما لا يستطيع غيره القيام به، فيشق طريق التسوية ثم يخلي الساحة لسواه بعد أن تكون قد أرهقته، بل أنهته سياسياً نتائج فعلته. ويكون دوره كما أسر عرفات لهيكل نفسه بقوله: إنني أشعر بما يريدونه مني ... إنهم يريدون أن ألعب دور ذكر النحل: يقوم بتلقيح الملكة ... ثم يموت. (الرأي العام، ٢٠/١٢/١٩٩٧م) . إن نتنياهو يضع العراقيل يومياً في وجه المفاوضات التي لا تناسب اليهود، ونتنياهو هذا اعتبر اتفاقات أوسلو خطراً على (إسرائيل) ، كما اعتبر عملية السلام ككل (ضارة) بالدولة اليهودية. بينما عرفات لا يعرف عقلية مؤلف كتاب (مكان تحت الشمس) أعني (نتنياهو) لهذا فهو لا يستطيع أن يزاحمه في مكان لائق تحت الشمس. الدور الأمريكي: تحاول الولايات المتحدة بين آونة وأخرى أن تضخ الدماء في عروق المفاوضات حرصاً على سلامة (إسرائيل) وأمنها، ولكن ما من سبيل؛ فإسرائيل تريد الحلول التي تراها مناسبة ولا تُفرض عليها فرضاً. والحقائق التاريخية تؤكد أن الدور الأمريكي في المنطقة دور ملطخ منذ بدايته، كله ظلم وصلف ودعم لدولة اليهود، ومع هذا فلا زال البعض يعلق آمالاً عريضة على دور راعي السلام. هل نحن بحاجة إلى بيان الدور الأمريكي معنا؟ الأدوار الأميركية المشينة معنا لها تاريخ طويل، فما بالك الآن وقد أصبحت الإدارة الأمريكية غابة من اليهود، والبيت الأبيض يعج بالشخصيات الصهيونية في كل دائرة وبأيديهم أهم الوزارات كالخارجية والدفاع وأهم المناصب كمجلس الأمن القومي. لقد زارت (مادلين أولبرايت) المنطقة فماذا حققت زيارتها؟ لقد طلبت أولبرايت من (إسرائيل) وقف عمليات الاستيطان (!) ، وجاء على لسان (ناطق إسرائيلي) رسمي أن وقف الاستيطان يعني وقف الحياة، ولا نسمح لأحد أن يطلب منا الموت. ومنذ وصولها إلى إسرائيل حيث جرت العادة في الرحلات المكوكية الأمريكية أن تكون إسرائيل هي أول محطة وآخر محطة كذلك أعلنت أولبرايت الانحياز الكامل لوجهة النظر الإسرائيلية، وشنت حرباً صارخة على الإرهابيين (أي الإسلاميين) ودعت عرفات لمواجهة حماس والجهاد معاً. لم يكن هناك فارق بين ما يطرحه نتنياهو وما تطرحه الإدارة الأمريكية، فقد كان التركيز الأول والأخير على قضايا الأمن. كما عبرت الزيارة من جهة عن رفض للمطالب الفلسطينية في قيام الدولة وتجميد الاستيطان، وكانت اللغة صريحة في هذا الشأن. وتركت الزيارة (إسرائيل) قوةً تتحدى الجميع، وقادرة على إعلان حرب على سورية، وإذا حدث ذلك فإن واشنطن لن تكون بعيدة عن تأييد هذه الخطوة. ومجمل القول أن الولايات المتحدة و (إسرائيل) تريدان من عرفات أن يقوم بدور (أنطوان لحد) في جنوب لبنان، وكل الاتفاقات القديمة والجديدة تصب في هذه الزاوية وهي التشديد على التصدي للإسلاميين في فلسطين. وفي هذا الإطار فإن المستجدات الأخيرة مثل استقالة وزير الخارجية الإسرائيلي دافيد ليفي في ٤/١/١٩٩٨م التي ستزيد من صعوبات مسيرة السلام المزعومة؛ لأنه من أبرز رموزها في حكومة نتياهو. من جهة أخرى فإن نتياهو وجه إلى السلطة الفلسطينية ضربة مذهلة (على حد رأي حماس) من خلال تصريحاته يوم ١٩/١٢/١٩٩٧م أي بعد يومين من لقاء نتياهو بأولبرايت التي زعم فيها أن الضفة الغربية تشكل جزءاً من إسرائيل. فماذا كانت ردة فعل عرفات؟ وفيما يصرح عرفات أثناء زيارته للوكسمبورغ: ب (أن هذه التصريحات تشكل انتهاكاً خطيراً لاتفاقيات السلام المبرمة في واشنطن) يستمر نتياهو وكافة المسؤولين اليهود في تعجرفهم وعدم مبالاتهم بكل الاتفاقات. إن هذه هي عقيدة حزب ليكود والعمل وكل اليهود وهي استراتيجيات وقناعات يهودية، وليست رد فعل على عمليات عسكرية، واليهود لم ولن يرضوا عن عملية السلام إلا بمقدار ما تقوم السلطة بتحقيقه نيابة عنهم بقمع الشعب المسلم في فلسطين وفتح الأبواب لهم ليكونوا معبراً إلى العواصم العربية والإسلامية، فهل يفهم هذا عرفات؟ وآخر تصريحات نتنياهو وعشية وصول دينيس روس منسق عملية السلام الأمريكي قوله بأنه لن يقبل أي ضغط على حكومته. [وكالات الأنباء،٥/١/ ١٩٩٨م] . تخطيط يهودي.. وتخبط فلسطيني: في مقابل التخبط الحاصل في السلطة الفسلطينية والضعف العام في الأنظمة المجاورة، نلمح على الطرف الآخر التخطيط اليهودي، والحديث عنه حديث طويل ذو شجون، ولكن هناك بعض الإشارات المهمة؛ فلقد مضى مئة عام على مؤتمر بال بسويسرا وفي الخمسين الأولى منها يعتبر اليهود أن التركيز هو على إقامة الدولة، أما الخمسون الثانية فهي مرحلة إقامة إسرائيل الكبرى. ويتحدث علماء إسرائيل وأحبارها عن بناء الهيكل حتى عام ٢٠٠٠م وأنهم إن لم يتموا بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى فسيكونون مقصرين حسب زعمهم في تنفيذ أوامر الرب. كما لا يغفل التخطيط اليهودي مسألة احتمال اندلاع حرب مع العرب حين تسنح الفرصة، وهناك عدة دلائل على هذا الأمر. ولا شك أن هناك خططاً إسرائيلية كثيرة نجحت، فقد تم نجاح إيقاف الانتفاضة، وتم إيقاع الفلسطينيين في فخ الحكم الذاتي ولعبة المفاوضات وغير ذلك. هل من عودة إلى الانتفاضة؟ كانت الانتفاضة التي بدأت عام ١٩٨٧م ملحمة سطر فيها الفلسطينيون شباناً وأطفالاً ورجالاً ونساءاً صوراً شامخة من البطولات علمت اليهود دروساً ودروساً، وبلغ عدد من قتل فيها أكثر من ١٢٠٠ من الفلسطينيين غير آلاف المصابين والمعاقين. وكان النتيجة أن شجعت الانتفاضة على الجلوس على مائدة المفاوضات مع عرفات ومنظمة التحرير، وساعد اليهود على زرع كيان جديد من أبناء جلدتنا لسحق المجاهدين وقمعهم وتوفير جهد ودماء اليهود. قال يوسي بيلين عضو البرلمان الإسرائيلي عن حزب العمل الذي كان من أوائل المفاوضين مع منظمة التحرير: (الدرس المستفاد من الانتفاضة أنه في غياب عملية السلام، البديل الوحيد هو العنف) . (رويتر، ٤/١٢/١٩٩٧م) . لكن هل هناك أمل في أن تعود الانتفاضة من جديد؟ تدل المؤشرات وتقارير كثير من المراقبين على استبعاد هذا الخيار حالياً، ولكن هل ستبقى الأوضاع على ما هي عليه؟ لا يمكن أن يبقى الناس مكتوفي الأيدي وهم يعانون من شتى ألوان الظلم، لا نريد أن تكون نظرتنا للأمر سوداوية، لكن الأوضاع الحالية في أكثر بلاد المسلمين وليس فقط في فلسطين لا تدل على أن الوضع سيتغير سريعاً. ولكننا متفائلون بالمستقبل إن شاء الله، وقد علمتنا أمة محمد على امتداد العصور أنها أمة حية لا تموت. الإسلام هو البديل: في الآونة الأخيرة ارتفع رصيد حركة حماس وشعبيتها بصورة كبيرة لم تخطط حماس لها، خصوصاً بعد محاولة اغتيال (خالد مشعل) رئيس المكتب السياسي لحماس في عمان، وما أعقب ذلك من إطلاق الشيخ أحمد ياسين. من ناحية أخرى فإن ممارسات السلطة وتكشّف فضائحها المالية وأنواع الفساد الأخرى، والوضع العام المزري أدى ذلك كله إلى وجود فجوة بين السلطة وبين الناس، وهناك حالة من الفراغ، تصب في خانة الإسلاميين. ولا شك أن التيار الإسلامي هو الغالب على الساحة، ولكنه مع شعبيته وقوته يصعب أن يكون البديل السياسي القوي في الأوضاع الحالية. فالوضع في داخل فلسطين شديد الصعوبة ولا يمكن أن تسمح (إسرائيل) ولا الولايات المتحدة بل ولا الدول الأخرى بقيام كيان إسلامي في فلسطين. الإسلاميون والدور المطلوب؟ لسنا في مقام من يوجه ويصحح ويعلم بقدر ما يذكر وينصح، وإنما بضع همسات لعلها تساهم في الوصول إلى أهدافنا التي نصبو إليها. إن هذا التخطيط اليهودي والصليبي الحاقد يتطلب من المسلمين أموراً مهمة وعلى رأسها: ١- الحرص على بقاء (إسلامية) المعركة: لقد حرص اليهود منذ عشرات السنين على إقصاء البعد الإسلامي عن قضية فلسطين، فقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية [١] مقالاً جاء فيه (إن على وسائل إعلامنا ألا تنسى حقيقة مهمة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، وهي أننا قد نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا (!) في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال الثلاثين عاماً، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، لذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل وبأي أسلوب) . هذا الخوف والهلع كان يسيطر من قبل على زعيم اليهود ورئيس وزرائهم الأول دافيد ابن غوريون الذي قال (إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد) . وانظروا إلى صورة من المخططات اليهودية في محاولات اقتلاع الإسلام من النفوس. لقد اعتمدت إسرائيل سياسة تجفيف المنابع الإسلامية مقلدة في ذلك بعض الأنظمة، وعلمت السلطة الفلسطينية بقوة في هذا الاتجاه، وقد أخذت هذه السياسة صوراً كثيرة في وسائل التعليم وإمامة المساجد وإلغاء الجمعيات الخيرية. فقام اليهود بتأميم المساجد الواقعة تحت السيطرة اليهودية في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م، ويشرف على ذلك يهودي عراقي في وزارة الأديان يسمى (موسى بن حاييم) حيث لا يتم تعيين أي إمام قبل أن يجري مقابلة مع (موسى حاييم) الذي يتقن العربية، ويحذر أي إمام من تبني مواقف وأفكار لا توافق عليها إسرائيل. كما حُرِمَ المسلمون من أي وسيلة إعلامية فاعلة في الأراضي التي يسيطر عليها اليهود. ٢- سلامة الإعداد والتخطيط: لا ينبغي للجزئيات والتفاصيل أن تستغرقنا فننسى هذه الأهداف البعيدة، وعلينا أن نخطط بصورة جيدة؛ فالعدو لا ينام وقد غلب علينا في حياتنا ومواقفنا العشوائية ورفع الشعارات المدوية والعواطف المتأججة وردود الأفعال، بينما الأعداء يخططون ويكفينا مثلاً مؤتمر بال بسويسرا. ٣- إعطاء التربية اهتماماً أكبر: على الإسلاميين خصوصاً حماس أن يحملوا على عاتقهم مسؤولية إذكاء جذوة الإسلام في النفوس والدفاع عن الإسلام وتربية الشعب عليه، وفي المرحلة الحالية قد لا يكون الخيار العسكري هو ما نستطيعه، إذن فلا بد أن نربي الناس على معاني الجهاد وسلامة المنهج وعندما يأذن الله فسنحرر فلسطين وغيرها من رجس يهود والأذناب، وهذا الأمر يعتبر في أعلى قائمة الأولويات. ٤- عدم الخوف من أعداء الله، وقد أعطت حماس الأمة دروساً في هذا الباب في قهر العدو وكسر حاجز الخوف النفسي، حتى أظهر الله ضعف اليهود في مواطن كثيرة، وما محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس) الأخ خالد عبد الرحيم مشعل التي نفذها رجال الموساد الإسرائيلي عنا ببعيد، فقد فضحت هذه المحاولة أسطورة قوة الموساد التي توحي للناس بشكل أو بآخر بأنها قادرة على كل شيء. نعم نجح الأعداء في إسكات الانتفاضة، ثم لجأوا إلى محاولات إخماد جذوة الحمية والحماس في النفوس ودعمتهم السلطة في هذا الأمر. وهذا يتطلب إبقاء جذوة الحماس وروح الغيرة والجهاد في النفوس حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ٥- إحياء رسالة المسجد لمقاومة التيارات المنحرفة الجارفة إعلامياً وثقافياً وأخلاقياً. ٦- توحيد الصفوف والبعد عن الشقاق، وإحياء أدب الخلاف كما كان بين السلف. وكم نتمنى أن تتوحد الجهود الموجودة على منهج سليم مع العلم أن الكثيرين يراهنون على انشقاق حماس ويتمنون أن يدب الشقاق بين أبنائها. ٧- علينا أن نزرع الثقة والأمل في نفوس شعوبنا بأن المستقبل للإسلام بإذن الله، ونبين ذلك بالأدلة الشرعية حتى لا تيأس الأمة. إننا نعاني الآن من الضعف والفرقة والعدو يملك ميزان القوة العسكرية حالياً ولكنها فترة وجيزة ومحنة سنتجاوزها ثم تتغير الأحوال بإذن الله. ونود أن نشير إلى أنه قد صدر عن بعض الإسلاميين تصريحات غير منضبطة إسلامياً، ونحن نقدر عاطفتهم الإسلامية وغيرتهم والجهود التي قاموا بها ولكن لا بد من الانضباط، ومن هذه الأمور مواقف البعض من السلطة. أو قول بعضهم نحن مستعدون للعيش مع اليهود أحسن عيشة في أخوة (!) وتعاون وتعايش بشرط ألا يلتهموا حقوقنا. يا إخوتاه.. لا شك أن الطريق طويل ولا بد فيه من الفتن والصبر عليها، إنه طريق طويل وصعب نعم ولكنه هو الطريق الوحيد المستقيم. والله سبحانه لا يسألنا عن النتائج وإنما علينا أن نعمل ونغرس حتى لو كان هذا للجيل القادم وجنده القادمين بإذن الله. [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وسْعَهَا] [البقرة: ٢٨٦] ، [وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ] [التوبة: ١٠٥] .

стр. 2756

مقالات مُعرَّبة محور جديد.. بروز الوفاق التركي الإسرائيلي بقلم: دانيال بايس عن ذي ناشيونيال إنترست (الاهتمام القومي) ، خاص بمجلة البيان (بالاتفاق مع المجموعة الإعلامية الدولية الولايات المتحدة) . في (سنكان) وهي إحدى ضواحي العاصمة التركية أنقرة رعى مجلس البلدة مهرجاناً من أجل تخليد ذكرى (يوم القدس) وحوت منصة المهرجان صورة كبيرة لفتحي الشقاقي، واندفع السياسيون والنشطاء بالإضافة لضيف شرف المهرجان وهو السفير الإيراني في تركيا في إلقاء كلماتهم المتوقعة والتي تُلاقي استقبالاً حسناً، وهذا المهرجان عادة ما يجذب القليل من الاهتمام ضمن المسار العادي للأحداث، إلا أن الأمور لم تمض في مسارها المعتاد في تركيا في فبراير المنصرم، ففي اليوم التالي للمهرجان صرح أحد المسؤولين العسكريين رفيعي المستوى لأحد مراسلي صحيفة (الحرية) قائلاً (لقد تابعت الاجتماع في سنكان، ولقد ذعرت مما شاهدته) ، وفي اليوم التالي أرسل الجيش تشكيلة من العربات العسكرية في أرجاء البلدة، ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، حيث اعتقل وزير الداخلية عمدة البلدة وطرده من منصبه. وتم إخبار السفير الإيراني أن (إسرائيل صديقتنا، ولا يمكنك التحدث عنها بهذا الشكل) . وتم طرده فعلياً من تركيا مما دفع طهران لطرد السفير التركي رداً على ذلك. إن هذا مذهل بحد ذاته، فهل يعقل احتلال بلدة لأنها احتفل بيوم القدس؟ وهل يعقل اعتقال عمدة وطرده من وظيفته لتصريحاته المعادية لإسرائيل؟ وكيف يمكن أن يكون هناك شجار دبلوماسي حول عداء سفير للصهيونية؟ كل هذا لا يمكنه أن يحدث في الشرق الأوسط في أي مكان عدا تركيا. وهي البلد المسلم الوحيد الذي يحتوي على مؤسسة قوية ترفض وبشكل تام العداء لإسرائيل بل وتدعم نواة صلبة من المشاعر المتعاطفة مع إسرائيل. إن الأحداث في سنكان تشير إلى تطور استراتيجي شديد الأهمية وهو قوة الاصطفاف التركي الإسرائيلي وما يوحي ذلك من إمكانية تغيير الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، وإعادة صياغة التحالفات الأمريكية هناك وتضاؤل عزلة إسرائيل الإقليمية. مراحل الصعود والهبوط: تعود العلاقات بين تركيا وإسرائيل إلى مايو ١٩٤٩م، بعد أقل من عام على قيام إسرائيل؛ وذلك عندما اعترفت أنقرة بالدولة اليهودية. وفي الواقع فإن العلاقة التركية الإسرائيلية في تلك الفترة كانت رمزية رغم مخاوف جعلتها ذات محتوى، إلا أنه لم يكن لديها الكثير من ذلك. وتضاءلت العلاقات بعد حرب ١٩٧٣م عندما رضخت تركيا لسلام النفط العربي وأبعدت نفسها عن إسرائيل. ولقد حسنت تركيا وإسرائيل من تعاونهما الاستخباري وبشكل هادئ بعد اجتياح إسرائيل للبنان عام ١٩٨٢م إلا أن العلاقات الرسمية والعامة بقيت باردة. ولقد أسعد مسار أوسلو الذي بدأ صيف ١٩٩٣م أنقرة كثيراً؛ حيث كان رد فعل تركيا على (المصافحة) بأن أرسلت أخيراً سفيراً إلى إسرائيل. وبعد ذلك مباشرة قام وزير الخارجية التركي بزيارة غير مسبوقة لإسرائيل؛ حيث وقعت الدولتان خلال السنة التالية على ثلاث اتفاقيات وتبع ذلك المزيد من الزيارات رفيعة المستوى. وفي فبراير عام ١٩٩٦م أقامت إسرائيل أول اتصال عسكري لها بدولة ذات أغلبية مسلمة عندما وقعت على اتفاقية تدريب عسكري تسمح من خلالها لسلاح الطيران الإسرائيلي بالتحليق في الأجواء التركية. وفي المحصلة فإن الطرفين وقعا على ثلاثة عشر اتفاقية. ثم جاءت أحداث يوليو ١٩٩٦م، وجلبت معها احتمالية ضربة قاتلة لهذه العلاقة المزدهرة وذلك عندما أصبح نجم الدين أربكان رئيس وزراء تركيا وهو الأصولي المسلم الذي ينظر إلى إسرائيل بنفس المنظور الذي ينظر به القادة الإيرانيون، ويتكلم عن إسرائيل كونها (العدو الأبدي) وهو يحذر من (إسرائيل كبرى) تمتد من النيل إلى الفرات ويلقي باللوم على (مؤامرة صهيونية) فيما يتعلق بمشاكل تركيا الاقتصادية. وفي الوقت الذي تسلم أربكان منصبه، فإن التعليقات الإخبارية بدأت تتنبأ بأنه سوف يقوم بإلغاء الاتفاقيات التركية الإسرائيلية الحديثة. ولو كانت تركيا كبقية دول الشرق الأوسط فإنه كان بإمكانه أن يحقق وعوده بلا شك. فمن بإمكانه بعد هذا كله، أن يساند الروابط مع الدولة اليهودية في مواجهة رئيس وزراء مصمم على انهائها؟ رجال اتاتورك؟ إلا أن تركيا مختلفة، والميراث العلماني لكمال اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية هو إبرز عناصرها. ولقد تمكن اتاتورك في فترة بسيطة هي خمسة عشر عاماً (١٩٢٣ ١٩٣٨م) من تقوية نظام من الأفكار المتحدثة التي ليس لها نظير في العالم المسلم حتى اليوم، ولقد تراجعت تركيا ككل عن الميراث الأتاتوركي بشكل كبير خلال العقود الستة الماضية، إلا أن مؤسسة واحدة لم تتغير. فالهيئة العسكرية المؤلفة من خمسة وثلاثين ألف ضابط عسكري لا تزال تحافظ على هذا الميراث كوديعة مقدسة. لذلك لم يكن من الغريب عندما وصل أربكان وحزب الرفاه للحكم في يوليو عام ١٩٩٦م أن العساكر الأتراك اختاروا أن يجعلوا إسرائيل إحدى النقاط المركزية في خلافهم الواسع مع الأصوليين. ولم يصروا فقط على المحافظة على هذه العلاقات بل على تقويتها كذلك. لقد حصل الجيش على هذا الحق؛ لأن الدستور منحه دوراً سياسياً، ويفسر ذلك سيفيك بير المتحدث الدؤوب والذي يشغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان: (إننا نتصرف وفق الدستور التركي بشكل صارم. حيث يشير البند الثاني أننا دولة علمانية، ويشير البند الرابع أن هذا النص لا يمكن تغييره، ولقد أعطانا البرلمان مسؤولية حماية الأراضي التركية وحماية الجمهورية التركية. في الولايات المتحدة وبريطانيا ليس من مهمة الجيش الدفاع عن النظام السياسي، أما في تركيا فإن هذه المهمة معطاة لنا من قبل القانون. وتشير الأدلة إلى أن أربكان أرغم على الاستقالة في ١٨ يونيو، وهو حدث يشار إليه داخل تركيا غالباً (لي أنه انقلاب) هادئ أو (صامت) . توسيع العلاقات: ونظراً للدور الذي يلعبه الجيش التركي في السياسة، فإن العلاقات العسكرية برزت في لب العلاقات التركية الإسرائيلية الجديدة. واتسعت هذه العلاقات بشكل ملحوظ منذ أحداث سنكان. ولقد سافر رئيس هيئة الأركان في الجيش التركي إسماعيل حقي كاراداي إلى إسرائيل في نهاية فبراير ١٩٩٧م، في أول زيارة لمسؤول عسكري تركي رفيع المستوى. ثم زار وزير الدفاع التركي ترهان تايان إسرائيل بعد ذلك، وبحلول الجزء الأول من ١٩٩٧م، فإن جميع الضباط الكبار لكلا الطرفين قد التقوا ببعضهم البعض. وعلى مستوى أدنى، يجري هناك حوار استراتيجي بشكل سنوي تقريباً، وفي يونيو الماضي بدأت السفن التركية بزيارة الموانئ الإسرائيلية، والنتائج الكاملة لهذه التبادلات المكثفة ورفيعة المستوى ليست علنية بالطبع. إلا أن الإعلانات الرسمية والمتحدثون المساعدون يشيرون إلى أن هذه النتائج تشمل خمسة جوانب رئيسة. أولاً: مجال تحديث الأسلحة. حيث تقوم شركات التصنيع الجوي الإسرائيلية بتحديث أربعة وخمسين طائرة فانتوم تركية من طراز (٤) ، وهي قاذفة من فترة حرب فييتنام. وهذا أكبر جزء من العديد من الاتفاقات التي أبرمت بين شركات الدفاع التركية والإسرائيلية وهو بقيمة ٦٣٢. ٥ مليون دولار. حيث أن طائرة (فانتوم ٢٠٠٠) سوف تمتلك قوة ضاربة محسنة وكذلك مجالاً أكبر للمناورة بالإضافة إلى أساليب رؤية والكترونيات أفضل. وتسعى إسرائيل كذلك لتحديث الدبابات التركية البالية (م ٦٠) الأمريكية الصنع. ثانياً: شراء المعدات. بعض الأسلحة (مثل صواريخ بوبا ١) يتم الحصول عليها من خلال تحديثات الفانتوم ويتم شراؤها بشكل منفصل. وبالإضافة لذلك فقد عبرت تركيات عن اهتمامها بالصاروخ الدفاعي (السهم) وبأنظمة الإنذار المبكر لطائرات الفانتوم، وبنظام رادار من أجل الكشف عن الألغام البلاستيكية والتقليدية. بالإضافة إلى أسيجة رادارات من أجل إغلاق الحدود التركية مع سوريا والعراق (لمنع تسلل حزب العمال) . وتأمل إسرائيل أن تزود تركيا بألف دبابة ميركافا مارك (٣) ، وهي الدبابات الرئيسة للجيش الإسرائيلي، بتكلفة ٥ بليون دولار. ثالثاً: الإنتاج المشترك؛ حيث اتفق الطرفان على استثمار ١٥٠ مليون دولار من أجل إنتاج المئات من صواريخ بوبا (٢) والحديث جار حول مشروع إنتاج صواريخ (دالية) بعيدة المدى. رابعاً: التدريب. حيث يتعلم الطيارون الأتراك والأطقم حول الحرب الالكترونية في إسرائيل بينما يحصل الطيارون الإسرائيليون على منفذ للامتدادات الشاسعة في الأناضول من أجل التدريب على الطيران بعيد المدى فوق الأراضي الجبلية (وهو يختلف جداً عن الطيران فوق الماء ويخدم كاستعداد محتمل لمهمات ضد إيران) . وفي خطوة مثيرة أعلنت كل من أنقرة والقدس عن خططها لتدريبات بحرية ثلاثية مع الولايات المتحدة ولمدة خمسة أيام. أطلق عليها اسم (الحدود المعتمدة) ، وكان من المفروض أن يتم إجراؤها في أواسط نوفمبر ١٩٩٧م، ولقد كان أمر إقامة هذه التدريبات مثيراً ومفاجئاً للعديد من الدول في المنطقة لدرجة أنه تم تأجيل إقامتها مرتين، ومن غير الواضح من هو الطرف الذي طالب بالتأجيل وما الأسباب وراء ذلك؟ خامساً: التشارك الاستخباري. حسب تقرير صحفي تركي (وتم إنكاره من قبل وزير الدفاع التركي) فإنه عندما أفلست ألمانيا الشرقية فإن الأسلحة السوفيتية الصنع تم تحويلها لجمهورية ألمانيا الفيدرالية، والتي بدورها زودت إسرائيل بثلاث طائرات ميغ ٢٩. حيث شاركت إسرائيل المعلومات التقنية حول الميغ ٢٩ (وهي أحدث طائرة حربية تمتلكها سوريا) مع الأتراك. ويسود الاعتقاد أن الإسرائيليين يستغلون طيرانهم في الأناضول قريباً من سوريا والعراق وإيران؛ وذلك من أجل جمع المعلومات حول هذه الدول المعادية. وبالإضافة للجانب العسكري المكثف، فإن للعلاقات التركية الإسرائيلية أبعاداً أخرى، ولكن ليس بنفس الديناميكية والتفصيل، وتشمل ما يلي: التجارة: حيث يتم التوقيع على اتفاق لمنطقة تجارة حرة تركية إسرائيلية في مارس ١٩٩٦م. حيث يتوقع أن تساهم في ارتفاع التجارة إلى أربعة أضعاف ما هي عليه خلال ثلاث سنوات من ٤٥٠ مليون إلى٢ بليون دولار. النقل: يقال إن الطرفين قد وقعا على اتفاقية للنقل الأرضي والتي ستكون موضع تنفيذ فقط بعد (تطبيع) العلاقات في المنطقة، أي بعد حدوث تغير في سوريا وهي الجسر الأرضي بين البلدين يسمح بالتجارة عبر أراضيها. وحتى بدون النقل الأرضي فإنه ليس هناك نقص في النقل بين البلدين؛ حيث زار تركيا في السنة الماضية حوالي ٤٠٠ ألف إسرائيلي (ما يعادل ٨% من السكان) وأنفقوا ما يعادل ثلاثة بلايين دولار. (وبشكل آخر مثير، فإن الخطوط الجوية التركية هي ثاني أكبر ناقل من تل أبيب وإليها، بعد شركة الطيران الإسرائيلية العال) . المياه: حيث تتركز الاقتراحات التركية حول (أنانبيب السلام) والأفكار الإسرائيلية حول (قناة السلام) حول نقل المياه العذبة من تركيا إلى إسرائيل. ولم تثمر أي من هذه الخطط وذلك لرفض السلطات السورية مرور هذه المياه من أراضيها. ويجري الآن النقاش حول أساليب أخرى لنقل المياه بالرغم من ضخامة تكاليفها. الديانة: حيث أعلن مفتي أستنبول في أول زيارة لوفد ديني تركي لإسرائيل في إبريل ١٩٩٧م أنه (ليس هناك اعتراض إسلامي ديني على وجود دولة ... إسرائيلية) وهو ليس بالتصريح التقليدي لرجال الدين. وتبدو الدولتان غير متأكدتين حول الكيفية التي يجب بها تصوير هذا التعاون المتزايد. فأحياناً نجد التشديد على المحتوى السلمي وفي أحيان أخرى نجد التلويح بالجانب الحاد لهذا التعاون. ويناقض القادة الأتراك والإسرائيليون أنفسهم فيما يتعلق بسوريا؛ حيث يصرون أحياناً أن تعاونهما ليس موجهاً ضد طرف ثالث. لماذا التغيير؟ ليس هنالك أي تغيير جوهري فيما يتعلق بالحوافز الإسرائيلية الرئيسة حيث سعت إسرائيل منذ أيام دافيد بن غوريون إلى علاقات أفضل مع تركيا كإسفين يتم من خلاله كسر أطواق عداء الدول المجاورة الناطقة بالعربية، ويبقى السؤال المطروح: لماذا يسعى الأتراك وهم يتعاملون مع مد ديني يجتاح العالم المسلم قاطبة إلى علاقات وثيقة كهذه مع إسرائيل؟ وتنقسم الإجابة على هذا السؤال إلى قسمين يدعم كل منهما الآخر وهو الميل العام والاحتياجات العملية. فبالنسبة للجزء الأول، فإن الأتراك يستذكرون العلاقات السابقة مع اليهود بشكل أفضل من العلاقات مع العرب. حيث صرح وزير الدفاع التركي على سبيل المثال (أنه لم يكن لدينا أي مشاكل مع إسرائيل والأمة اليهودية عبر التاريخ) وهو شيء لا يمكنه وهو غير قادر على قوله بإمانة فيما يتعلق بالعرب. وتشترك تركيا وإسرائيل فيما يطلق عليه المحلل الآن ماكومشكي (شعوراً مشتركاً بالاختلاف عن الأنظمة الديموقراطية العربية التي تهيمن على المنطقة) . أضف إلى ذلك أن المؤسسة العسكرية التركية ودولة إسرائيل تشتركان في مقدمة سياسية فريدة كونهما أقوى مؤسستين معاديتين للأصولية في المنطقة. ولدى تركيا كذلك مشاكل إقليمية لم تحل بعدُ مع دولتين عربيتين مجاورتين وكلاهما عدو قديم لإسرائيل؛ ففي حالة العراق فإن تركيا لم تتخل عن مطالبها القديمة لمنطقة الموصل. حيث أعاد الرئيس ديميريل هذه المطالب إلى الحياة مرة أخرى في مايو ١٩٩٥م عندما أعلن أن (الحدود خاطئة) وقال بأن (هذا الأمر يجب تصحيحه) . وتبقى المشكلة الرئيسة هي سوريا، حيث ما زالت الحكومة السورية تطالب وبإصرار بمقاطعة تركية كاملة وهي (حاتاي) كملك لها. وتظهر الخرائط الرسمية السورية حاتاي كجزء من سوريا. إلا أن المشاكل مع سوريا تتعدى النزاع حول الأراضي. حيث تطالب دمشق بحصص أكبر للمياه المتدفقة من الفرات واعترضت بشدة على المشاريع المائية التركية التي تنقص مع حصة سوريا في هذه المياه. ولتركيا كذلك مصالح مشتركة مع إسرائيل. حيث أن قبرص اليونانية لا تزال تمثل مشكلة بالنسبة لأنقرة فهي أيضاً كذلك موضع قلق للقدس نظراً لتواجد العديد من المجموعات الفلسطينية هناك. وبالنسبة لإيران فإنه منذ الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩م فقد سعى النظام الإيراني لتدمير إسرائيل ولقيام جمهورية تركية إسلامية في آن واحد، وتكتسب تركيا قوة من خلال عملها مع إسرائيل كونها مجاورة لثلاث دول عدوانية. ولو أن حافظ الأسد ابتدأ العدوان ضد تركيا فإن عليه أن يقلق من إسرائيل التي تلاحقه من ناحية الجنوب. ولتركيا كذلك مصالح من وراء ذلك في مواجهة اليونان؛ حيث عبّر أحد المحللين الصحفيين عن ذلك بقوله أن الروابط مع إسرائيل قد أبطلت مفعول بعض الأوراق الرابحة التي حاولت الحكومة اليونانية لعبها ضد أنقرة) . وتكسب إسرائيل كذلك في أوقات الحرب من غير اشتراك تركي مباشر كما يوضح مايكل ايزنستادت: (بإمكان الجيش التركي أن يحشد قواته على الحدود مع سوريا. وهذا سيؤدي إلى تقييد الاحتياط الاستراتيجي السوري وبإمكان تركيا أن تسمح للطائرات الإسرائيلية المعطوبة بالهبوط في القواعد التركية وتقوم بتحرير المعلومات الواردة من الطيران الاستطلاعي. وهذا سيدفع سوريا إلى إعادة صياغة أنظمة الدفاع الجوية. وفي البحر، فإن بإمكان تركيا أن تسمح لإسرائيل بالعمل من خلال القاعدة البحرية في الأسكندورنة أو في المناطق المحظورة في المياه التركية قريباً من سوريا مما يدفع بسوريا لتوزيع أسطولها) . وهذه الشراكة التركية الإسرائيلية الجديدة مناسبة على المستوى الدولي كذلك. حيث تسعى تركيا إلى مصدر يمكن الاعتماد عليه فيما يتعلق بالمعدات العسكرية ذات التقنية العالية. وبالنسبة للأتراك وهم غريبون نسبياً في واشنطون فإن لديهم الآن حليفاً ذا اتصال ويتوقعون منه الكثير؛ حيث صرح أحد المحللين الأتراك قائلاً: (العديد من الأتراك يؤمنون أن عربون الصداقة مع إسرائيل يعني الحصول على الدعم الأمريكي) . الردود: في الوقت الذي يؤكد فيه كبار الزوار على أن تركيا وإسرائيل هما (الدولتان الديموقراطيتان الوحيدتان في المنطقة) فإن العلاقة بينهما لا يمكن اعتبارها خياراً ديموقراطياً. ويشير بعض الإسرائيليين إلى أن القوات المسلحة التركية هي التي أصرت على كثرة الاتفاقات مع إسرائيل وليس الحكومة. ويقدر المحللون الأتراك والإسرائيليون الاحتمالات المهمة لهذه العلاقة الجديدة. حيث يكتب الصحافي التركي اللامع سامي كوهين قائلاً: (إن هذا التحالف الغني قد غير من ميزان القوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط الغني بالنفط) . ويصف صبري سيلري وهو محلل سياسي هذه العلاقة بأنها (أهم علاقة عسكرية) في الشرق الأوسط. أما وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه أرينز فيراها بأنها (تغيير مهم في جيوبوليتكية الشرق الأوسط) ويصفق معظم الغربيين بصراحة لهذه التطورات؛ حيث وصفتها النيويورك تايمز بأنها (أقوى صداقة عسكرية في الشرق الأوسط) . أما نشرة (defes news) فتصفها بأنها (حركة رائعة ترفع الأمن التركي والإسرائيلي لدرجة لا يمكن عملياً التعرض لها) . ولقد دعمت إدارة كلينتون بصلابة حليفيها الرئيسين في الشرق الأوسط وهما يشكلان هذه الشراكة وينبغي الإشارة بذلك. حيث صرح مسؤول وزارة الخارجية في تصريح غير مألوف في رعونته (أن من الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة أن تقوم تركيا وإسرائيل بتحسين تعاونهما العسكري وعلاقاتهما السياسية. وإذا لم يعجب ذلك بعض الدول العربية فإن ذلك أمر حلف. (إلا أن الإزدهار في العلاقات التركية الإسرائيلية قد أصاب العديد من الخصوم الإقليميين بفجع شديد. حيث اتهم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع تركيا وإسرائيل بتشكيل (تحالف عسكري) . أما وكالة الأنباء الليبية فقد عبرت عن قلقها إزاء (حلف عسكري مشبوه) يهدف لسرقة (النفط والمصادر المائية) . أما الإيرانيون فحددوا مخاوفهم بقدرة الإسرائيليين الآن على استهداف منشآتهم النووية. أما حزب العمال الكردستاني فقد صور باستهزاء رئيس هيئة الأركان التركية على أنه (خادم مدني لإسرائيل) . إن الرباط التركي الإسرائيلي في حال استمراره في مساره الحالي سوف يؤدي إلى تغيير الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط. والسؤال هو هل سيؤدي لاستقرار أم بلبلة في المنطقة؟ مبدئياً، هذا التحالف قد يؤدي لمزيد من المشاكل، وكمثال للعنف الذي قد يسفر عن ذلك قام فلسطينيون بإلقاء زجاجة مولوتوف في الحديقة الأمامية للقنصلية التركية في القدس الشرقية في أوائل مايو، ثم قاموا بإلقاء سائل سريع الاشتعال على سيارة القنصل التركي. وتشير تقارير الأنباء أن بشار ابن حافظ الأسد قد اجتمع بزعيم حزب الله حسن نصر الله (واتفق الاثنان على مهاجمة أهداف تركية) وتم فتح الحدود العراقية السورية وهي التي كانت مغلقة لمدة سبعة عشر عاماً نتيجة اعتراف أسدي حزب البعث حافظ الأسد وصدام حسين أنهما يواجهان تحالفاً مهدداً مشتركاً. أما على المدى البعيد، فإن الروابط التركية الإسرائيلية القوية ستؤدي إلى استقرار المنطقة من خلال قيامها لردع كردع عسكري مهول ضد أي عدو محتمل، ومن المحتمل أن ثمار ذلك قد بدأت بالظهور حيث تشير تقارير الصحافة العربية إلى أن سوريا قررت عدم الدخول في تحالف استراتيجي مع إيران خوفاً من أن (يؤدي ذلك لزيادة التنسيق ما بين أنقرة وتل أبيب ضد دمشق) مما يؤدي إلى مزيد من العزلة. وتوفر المشاركة التركية الإسرائيلية العديد من الميزات لشراكة إقليمية مكونة من حلفاء ديموقراطيين وذات توجه أمريكي؛ وذلك خلافاً للحكام الأوتوقراطيين الذين اعتمدت عليهم واشنطن لخمسة عقود كما هو الحال في أوروبا. وفي حال تم تنمية هذا التحالف بحذر، فقد، ينضم إليه الأردن كذلك بالإضافة لبعض الدول لاحقاً. والنتيجة النهائية هي الهدف الذي استقصي تحقيقه من بين الأهداف إلا وهو: شرق أوسط مسالم.

стр. 2757

مرصد الأحداث لماذا المرصد..؟ في هذه الزاوية الجديدة، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من الأقوال والأحداث والمواقف ... ننقلها كما هي من مصادرها دون تصرف إلا في العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... والدعوة مفتوحة لقرائنا الكرام أن يرسلوا إلينا بما يرون أنه جدير بلفت اهتمام المسلم، على أن يرسل لنا أصل الخبر ومصدره مع التعليق والاسم والعنوان. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان- صدام قوة خارقة! أستبعد احتمال إطاحة صدام حسين بسهولة، إن مثل هذه العملية تتطلب وجوداً عسكرياً أمريكياً برياً على الأرض في العراق في حدود نصف مليون جندي!! ولكن.. هل الكونجرس مستعد لإرسال هذه القوات؟ ... ... ... [مادلين أولبرايت، جريدة الحياة عدد ١٢٧٦٣] مازال اليسار يحلم رغم الصورة القاتمة للكرة الأرضية في ظل سيادة الرأسمالية المتوحشة، فما زلنا نمتلك القدرة على التفاؤل والأمل، ليس لأن اليسار هو التطلع إلى غد أفضل، وهو القدرة على الحلم والإصرار على تحقيقه، ولكن لأننا نلمح في وسط هذا الظلام بصيصاً من النور يأتي من هنا وهناك. ... ... ... ... ... ... ... ... [مجلة اليسار عدد ٩٥] كوسوفو.. إلى المحرقة أ - مع بداية المواجهات الشديدة ومقتل العشرات من مسلمي كوسوفو على يد القوات الصربية رفع الاتحاد الأوروبي حظر السفر عن خمسة من الزعماء الصرب المتشددين إلى دول الاتحاد. ب - أعربت دول الاتحاد الأوروبي عن قلقها إزاء التطورات، وأصدرت الولايات المتحدة بياناً حول المواجهات خلا من انتقاد السلطات الصربية. ج - إن زعيم صرب البوسنة السابق (رادوفان كاراجيتش) وقائده العسكري (راتكو ملاديتش) كانا رمزاً لكفاح التحرير العادل للشعب الصربي، ولن نتدخل في تسليمهما إلى محكمة لاهاي؛ لأنهما أحرار في تقرير مصيرهما بنفسيهما. [بيليانا بلافيتيش رئيسة صرب البوسنة، جريدة الحياة عدد ١٢٧٨٣) ] وأنعم به من سلام! في أكبر سابقة في العلاقات الدبلوماسية بين مختلف دول العالم سجلت إحصاءات الاحتجاجات الرسمية الإسرائيلية ضد مصر منذ إقامة علاقات دبلوماسية معها في عام ١٩٧٨م حتى الآن الرقم القياسي في تاريخ الدبلوماسية العالمية، حيث سجلت إدارة الوثائق بالخارجية الإسرائيلية حتى منتصف فبراير ١٩٩٨م أكثر من ٥ آلاف احتجاج إسرائيلي ضد السلطات المصرية، وتقدمت مصر بنحو ١٩٤٠ احتجاجاً ضد الممارسات والأنشطة السياسية والأمنية ضد المصالح وكبار الشخصيات المصرية منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية معها حتى الآن. [جريدة الوطن الكويتية عدد ٧٩١٥] كوبنهاجن.. مُسعر حرب في ذكراه الأولى أ - إذا كان لتحالف كوبنهاجن من إنجاز فإنه لا يتعدى إشعال الحرب الأهلية بين المثقفين العرب، وأسوأ ما فيه، هو أن العناصر التي تزعمت الدعوة إليه، كانت في السابق من أبرز عناصر الجبهة الداعية لاستخدام سلاح وقف التطبيع كسلاح تفاوضي في ظل الصراع العربي الإسرائيلي، فجأة.. ومن دون سابق إنذار انتقلت هذه المجموعة إلى الجبهة الأخرى. ... ... ... ... ... [صلاح عيسى، معارض لتحالف كوبنهاجن] ب - إن الذي يتصور أن الخلاف في الرأي يمكن أن يصل إلى حد الحرب الأهلية يكون متخلفاً وغير قادر على الاختلاف، ولا يستحق البقاء. [لطفي الخولي أحد مؤسسي التحالف، جريدة الحياة عدد ١٢٧٨١] الحصاد الاجتماعي للعلمانية عدد المواطنين العرب الذين يعيشون تحت خط الفقر يراوح بين ٦٥ مليوناً، و٧٣ مليون نسمة، و١٠ ملايين لا يجدون الغذاء الكافي، و٦٠ مليون أمي. [تقرير مؤتمر العمل العربي جريدة الحياة عدد ١٢٧٨٢] فواتير الرضى.. والسخط لمن؟ أ - إن على اليابانيين أن يفعلوا شيئاً لإنقاذ اقتصاد آسيا، وليس الولايات المتحدة، إن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تستمر كقائد وحيد للتجارة العالمية يقدم العون للدول الأخرى، ولا أحد لديه إناء لا ينفد من الذهب. ... ... ... ... ... [وزير التجارة الأمريكي وليام ديلي] ب - إن الولايات المتحدة ستفرج عن مساعدات للكيان الصربي قيمتها ٦٥ مليون دولار. [مادلين أولبرايت،جريدة الخليج الإماراتية عدد ٦٨٥٣] المرتدون.. لا بواكي لهم! ! إن تكفير الكتّاب، والدعوة إلى حرقهم، وحرق كتبهم وجرجرتهم إلى المحاكم، والتحريض على قتلهم، وتطليق زوجاتهم، أصبحت مهام (مقدسة) لمشايخ (مباحث) الإيمان التي تحظى بجرأة في ذبح المطبوعات لا تحظى بها أجهزة الذبح الرسمية، إنها تفرض القهر، فمن سوى الله يلهمنا الصبر! ! إن الصراع لن يتوقف بين الكاتب والرقابة، بين النور والعتمة، بين الإبداع والفاشية، بين اللحم والسكين، ومهما كانت شراسة الصراع، فإن البقاء في النهاية للأصل، للأمل، للحرية. [عادل حمودة، مجلة روز اليوسف عدد ٣٦٣٤] دولة عرفاتية.. ورقية من كل قلبي أريد قيام الدولة الفلسطينية، لكني لا أضحك على نفسي وأقيم دولة على الورق لا كيان لها، دولة محاصرة تحت الاحتلال بحددوها المغلقة وجيش أجنبي يحتلها ولنفرض أن الدولة قامت واعترف بها العالم، فما هي تلك الدولة التي تخضع في كل صغيرة وكبيرة لإمرة السلطات الإسرائيلية؟ الدولة الفلسطينية يجب أن تقوم على أرض فلسطينية حرة لا سيطرة لغيرنا عليها، وهنا فقط سأشارك بكل قواي في بناء هذه الدولة، لكن لن أشارك في بناء دولة ممسوخة تخدم الاحتلال.. هذه ليست دولة. ... ... [الشيخ: أحمد ياسين، جريدة الحياة، عدد، ١٢٧٨٦]

стр. 2758

قضايا ثقافية توسيع قاعدة الفهم بقلم: د. عبد الكريم بكار لم تكن الحاجة ماسّة إلى الفهم العميق في يوم من الأيام كما هي اليوم؛ فالمعلومات متوفرة إلى حد التخمة، وصار الفارق الواضح بين إنسان وآخر يتمثل في مقدرته على الفهم، والاستفادة من تلك المعلومات على نحو حسن. وهذا لن يتم إلا من خلال امتلاك مركّب عقلي جديد، ذي بنية متميزة. ومهمة التربية أن تساهم في تكوين تلك البنية وصقلها. وسنذكر هنا بعض المسائل ذات العلاقة بذلك: أ - إن أول عمل علينا أن نقوم به هو أن نقلع الأشواك من الأرض الطيبة التي نريد أن نزرعها. كثيراً ما نعمد إلى محاولة تلقين الطلاب بعض المبادئ المنطقية، أو نشرح لهم بعض أساليب التفكير؛ وعند النظر في مدى التأثير الذي يتركه ذلك في تصحيح تصوراتهم نجد أنه محدود جداً. وقد رأينا كثيراً ممن يدرِّس علم (المنطق) وكثيراً ممن درسه، ورأينا أن تفكيرهم يفتقر إلى بعض البدهيات التي يحتاجها التفكير القويم! ولذا فإن من الصحيح أن يركز المربي في البداية على إلقاء الأضواء الكاشفة على الأفكار والرواسب السابقة، والمفاهيم والعادات العقلية والنفسية التي تحول دون الرؤية الصحيحة [١] ، مثل التعصب والمبالغة والرؤية النصفية، والميل إلى التبسيط، والانغلاق، والخضوع للمقولات الشائعة، والتعامل مع الواقع على أنه كتلة صلدة ... وأعتقد أن أثر الأسرة في هذا لن يكون كبيراً؛ حيث إن هذه المسائل أعقد من أن ينتبه إليها الأشخاص العاديون؛ وإنما المعوّل في ذلك على الوسائل الإعلامية والمناهج المدرسية والمجالس والندوات الفكرية. ب - إن تقدم العالم كان في الأغلب عن طريق (الأزمات) وإن القفزات العلمية والإبداعية جاءت في الأغلب من خلال الاصطدام بمشكلات كبيرة ومحيرة. الذين استطاعوا تجاوز العقبات، والإتيان بالمبهر العظيم، ليسوا أولئك الذين ... استسلموا للمقولات والمفاهيم السائدة في الساحة العلمية، ولا أولئك الذين يتبرمون بالنتائج التي خالفت توقعاتهم، وفروض بحوثهم؛ وإنما أولئك الذين يملكون العقل المنظم الذي يهش ويبش في وجه المسائل المحيرة والمعضلات الغامضة، ويمنحها الرعاية والملاطفة؛ حتى يجد مخرجاً أو برهاناً يثبتها على محك التجربة والاختبار [٢] . إن كثيراً من أفكارنا لن يبلغ حده الكافي من التبلور والنضج إلا إذا اغتبطنا بالحقائق التي لا تتطابق مع ملاحظاتنا وفروضنا الأولية؛ حيث من خلالها نستطيع إدخال تعديلات على أفكارنا، ونجعلها أكثر ملاءمة للتقدم، وأقرب إلى الدقة والصواب. نحن بشر وتحليلاتنا وملاحظاتنا، ستظل قابلة للتشذيب والتطوير، ويجب أن نعلِّم أطفالنا وطلابنا هذه الحقيقة، ونُريهم من خلال الوقائع والمواقف التطبيقاتِ التي تجعلها تتغلغل في (اللاشعور) منهم. ج - قالوا قديماً: نصف عالم أضر على الأمة من جاهل. وهذا من الحكم الرائعة؛ لأن الجاهل يملك بعض الأخلاقيات، مثل التواضع وحب المعرفة، والقدرة على الاستماع دون مقاطعة. أما نصف العالم، فإن لديه قدرة على تكرار الألفاظ، وطرح الفروض المبتذلة والدارجة، وعنده حظ من الغرور والتعالم؛ ولذا فإنه يسدل حجباً سميكة على عقله، فلا يتقبل الأفكار الجديدة، ولا يملك من الحماسة ما يكفي لتطوير مفهوماته وطروحاته. إن توسيع قاعدة الفهم، يتطلب منا أن نؤكد دون ملل على ضرورة وضع معارفنا وأفكارنا في موضعها الصحيح من جسم المعرفة البشرية المنظمة، والسائدة اليوم، وأن ننظر بجدية إلى خطورة ما نجهله حول كل قضية من القضايا المعاصرة. وأرى في هذا السياق أن قدر العالم وفضله لا ينبعان من كثرة ما يعرف، وإنما من حدسه بما لا يعرفه وتقديره له، وأخذه بعين الاعتبار عند إصداره الأحكام. إن صاحب الفهم الصحيح، يحاول دائماً أن يجعل أفكاره متساوقة مع حجم البراهين المتوفرة لديه، فعلى مقدار صلابة المعلومات والبراهين تكون صلابة الأفكار ودرجة الوثوق بها. وإذا نظرنا في واقع عالم الأفكار لدى كثيرين منا، وجدنا أن درجة الوثوق واليقين كثيراً ما تكون متقدمة على ما هو متوفر لديهم من أدلة وبراهين ومعلومات؛ مما يجعلهم في حالة دائمة من الاضطراب والتشوش، ومما يجعل خيبة الأمل حليفة لهم! د - حتى تتسع قاعدة الفهم لدى الناشئة، فلا بد من إكسابهم (المرونة) الفكرية، وسرعة استيعاب المتغيرات الهائلة التي تجتاح العالم. إن شاب الغد يحتاج إلى أن يكون مستعداً للتنقل الجغرافي من أجل طلب الرزق، فمنطق العصر هو (الترحال) بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. ويجب أن يكون أيضاً مستعداً لتغيير اختصاصه ومهنته بحسب ما يتوفر من فرص العمل. وبحاجة إلى تغيير مفاهيمه عن أشياء كثيرة محيطة به [٣] . وهذا كله يحتاج من الشاب أن يمتلك المرونة الفكرية والنفسية. لعل مما يساعده على اكتساب هذه المرونة أن ينظر إلى أن الاستجابة للتغيير ليست عبئاً خالصاً؛ فهي بما تتطلبه من التكيف، تخلص الإنسان من الملل والسأم، وتخلصه من كثير من الواقع السيئ الذي يعيشه؛ فالتغيير حين يقوده مسلم، يكون بإذن الله نحو الأحسن والأفضل. مما يسهم في تكوين المرونة الذهنية لدى الأطفال، جعلهم يدركون جملة الفروق والاختلاف بين بني البشر، وأنه لا يمكن جعلهم نسخاً مكررة بعضهم عن بعض في كل أمر؛ بل إن الله جل وعلا خلقهم مختلفين ليكمل بعضهم بعضاً على جميع المستويات: [وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً] [الزخرف: ٣٢] . ففي الاختلاف ثراء وتنوع وإخصاب وتعاون، وهو عامل أساسي في توازن الحياة العامة. إن فهم الناس العميق للحياة، بكل ما فيها من تعقيدات وتشابكات بهدي من المنهج الرباني، وبتبصير من الخبرة، سوف يخفف إلى حد بعيد من الشعور بالألم، ومن التلاوم، وسوف يجعل أحلامهم ممكنة، وخيالهم معقولاً بعقال ما يمكن توقعه؛ أي سيكونون أقرب إلى الحكمة. وكما كان يقول (نيتشة) : (إن النمو في الحكمة يقاس بدقة بانخفاض المرارة) [٤] . ولا ينبغي أن نهمل في هذا الصدد مساهمة معرفة حدود (الجائز والممنوع) في مسألة المرونة؛ فحين يتضح للمرء بجلاء ما هو جائز، ويتميز عما هو محظور وممنوع، فإنه يقبل بجرأة كل الأشياء التي تدخل في حيز المباح، مهما كانت صورها وأشكالها، ومهما كانت غريبة وغير مألوفة. ومشكلة معظم الشعوب المتخلفة خلو خبرتها ووعيها من الجذور الفاصلة بين الجائز والممنوع على المستوى القانوني على الأقل؛ حيث إن لديها إلى جوار كل قانون مكتوب قانوناً غير مكتوب؛ مما جعل لدى الناس أنواعاً من الخوف غير المسوّغ، وأحدث حالة من الإحجام المبهم، كما أنه تسبب في تورط بعض الناس في أمور، كانوا يظنون أنها من قبيل المباح: وهذا هو السر الأكبر القابع خلف سلبية الإنسان لدينا! مما ينمي خبرة التفريق بين الجائزات والممنوعات، أن نستمع بأذن صاغية، وبعقل مفتوح لكل ما يُطرح من أفكار، وأن نتقبله على أنه اجتهاد، ما لم يصادم إجماعاً أو نصاً قطعياً؛ فالأفكار لا تنضج، ولا تتبلور ما لم تلكها ألسنة المناظرة. من خلال الحوار والنقاش والمفاتحة، ومن خلال الوقوف على الأهواء والأخطاء، بنصر طريقنا إلى المنظور الكلي الذي هو الحقيقة. ولا ريب بعد هذا وذاك في أن سعة الفهم، لا تؤدي إلى الاتفاق في الآراء، لكنها تمنح الأساس للاختلاف، أي تجعل الاختلاف مؤصلاً واضحاً، وتجعل ما يتم من اتفاق متيناً؛ لأنه يقوم على قواعد فكرية ومنهجية صحيحة. ونستفيد من ذلك التسامح والتعاطف المتبادل في حالة الاختلاف، والتعاون والمشاركة في حالة الاتفاق. إن الإنسان كائن قابل للتعلم، بل إن الإنسانية كلها، تظل تتعلم باستمرار، وإذا تملكتنا هذه الفكرة، فسوف نعرف كيف نكتسب المرونة، وكيف نستخدمها في تحسين نوعية الحياة. هـ إن الهدف الأساسي من كل ما نتلقاه من تعليم وتدريب، ليس أن نتمكن من سرد المعلومات عن ظهر قلب، ولكن أن نحاول ترشيد أحكامنا العقلية، التي نستند إليها في كل القرارات التي نتخذها في جميع مجالات الحياة. وهذا يعني أن على التربية والتعليم استهداف تكوين (العقل المثقف) وهو ذلك الذي اجتاز عدداً كبيراً من حالات التدرب على التفكير المستقيم، والذي يستطيع استخلاص نموذج خاص وملامح محددة من خلال استعراض عدد كبير من وجهات النظر المختلفة في المسألة الواحدة. وهذا يعني الاطلاع على مقولات كثيرة في الموضوع الواحد، وتدريب الذهن على الاستفادة من تلك الموضوعات في بلورة رؤية خاصة متماسكة [٥] . كان أفلاطون يرى أن من الضروري أن يكون للعقل نوع من الاستقلال النسبي عن الوسط الذي يعيش فيه [٦] . وهذه الوضعية في تصوري مما يجب أن تشملها جهود توسعة قاعدة الفهم، وتربية العقل المثقف؛ إذ إن توحد عقول الناشئة مع الأوساط والبيئات التي يعيشون فيها، سيؤدي بهم إلى أن يصبحوا (إمّعات) لا يحسنون سوى التقليد، لكن حين يشجعون على إبداء وجهات نظر مغايرة لما هو سائد، فإنه سيتكون لديهم عقل ناقد، وسيكون ذلك مصدراً لتجديد متوازن. إن تثقيف العقل وتدريبه على إصدار الأحكام، يشبه تقوية العضلات، حيث يمكن بعد تقويتها أن نستفيد منها في أي عمل يتطلب القيام به استعمالها. إنه يمكن تنمية (العقل المثقف) بطرق عديدة، منها تهذيب قوى الملاحظة المميزة، وتقوية ملكة المنطق ليتمكن الفرد من تتبع الحجة نقطة بعد أخرى، وبالعمل على إنضاج القدرة على المقارنة. إن بإمكان الدراسات اللغوية والعلوم الطبيعية أن تنمي عادات الملاحظة الدقيقة، وإن الرياضيات هي المدرب التقليدي لملكات التفكير. أما التاريخ والدراسات الأدبية، فهي تسهم في تنمية القدرة على الحكم [٧] .

стр. 2759

في دائرة الضوء صراع الحضارات أم هيمنة الحضارة الغربية ؟ بقلم: د. محمد يحيى اتسع نطاق الجدل في الآونة الأخيرة حول المقولة التي عرفت باسم: (صراع الحضارات) والتي ولدت من خلال دراسة لأستاذ جامعي أمريكي هو (صمويل هنتنجتون) سعى فيها من وجهة نظره إلى تحليل الوضع العالمي تحليلاً استراتيجياً مستقبلياً على ضوء التغيرات في السنوات الماضية فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية أو الشيوعية، وهي نفس المتغيرات التي ألهمت زميل له هو (فرانيس فوكرياما) بتكوين مقولة حول (نهاية التاريخ) كان لها هي الأخرى نصيب في إثارة الجدل والنقاش. وقد انطلق (هنتنجتون) من واقع زوال القطب الشيوعي في الحضارة الغربية إلى طرح افتراضات حول المسار الذي سوف تأخذه السياسة الدولية مع الدخول في القرن الميلادي الواحد والعشرين، وانتهى إلى أن الحضارة الغربية (التي رأى أنها تشمل الشعوب البيضاء أو ذات الأصل القوقازي، والمسيحية الديانة، والأوروبية الفكر والثقافة) سوف تواجه بخصم عنيد محتمل في المستقبل القريب يطرح تحديه على خلفية حضارية ثقافية تتحرك أمامها التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والعسكرية وهذا الخصم هو بالمقام الأول الحضارة الإسلامية ثم الحضارة الآسيوية الشرقية أو الكتلة البوذية. وذهب (هنتنجتون) أو مفسروه إلى أن التنافس والصراع سوف يكون طابع العلاقة بين الحضارات المذكورة ليس فقط حول النفوذ السياسي والاقتصادي بل أيضاً حول وبسبب الثقافة والقيم الحضارية والاجتماعية والعقائد الدينية والمذاهب الفكرية. وقد أثارت هذه المقولة فور ذيوعها ردود فعل عديدة كان أغلبها على الجانب الصحفي السطحي المتسم بالعصبية. وكان أول وأبرز ردود الفعل هذه، وهو ما سبق لكاتب هذه السطور أن تعرض له، أن صدرت بيانات وتصريحات ودفاع من جانب رموز إسلامية رسمية في بلدان معينة تنفي أن يكون الإسلام يسعى للمواجهة والصراع، وتؤكد أنه يريد التعاون والمشاركة مع الغرب، وراحت هذه الأصوات تعيد تكرار المقولات المألوفة التي نسمعها كلما اتهم الغرب الإسلام بالتعصب أو التطرف أو الإرهاب من أن الإسلام دين تسامح ومحبة واحترام واعتراف بالآخرين. ورأى كاتب هذا المقال أن رد الفعل هذا كان المقصود بدايةً عن الترويج الإعلامي الغربي لمقولة (هنتنجتون) . حيث بدا أن الدوائر السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة بالذات أرادت أن تخرج من الدول الإسلامية ولا سيما الواقعة تحت نفوذها بتطمينات حول نوايا المؤسسات والتوجهات الإسلامية نحو الغرب بعد أن كثر الحديث حول ما يوصف بخطر التوسع الأصولي الإسلامي. أي أن الهدف من الترويج الدعائي للمقولة على نطاق شعبي كان حثّاً على رد فعل دفاعي اعتذاري من الجانب الإسلامي ينكر فيه هذا الجانب أية نوايا عدوانية ضد الغرب، ثم يلتزم علناً وأمام العالم بالموقف الفكري والعملي الذي يريده الغرب من المسلمين ألا وهو موقف الانضمام إلى توجهات الغرب وعلمنة الفكر والعقيدة الإسلامية وتغريبها إلى الحد الذي تصبح فيه مماثلة لما عند الغرب من عقائد، كما تصبح فيه مألوفة مأمونة الجانب لدى الجمهور الغربي. إذن كان الترويج الواسع لمقولة صراع الحضارات على المستوى الإعلامي مدبراً ليقوم الجانب الإسلامي برد فعل يخدم الغرب. لكن هذا الرأي على وجاهته لم يمس المقولة نفسها قدر ما لمس أحد الجوانب السياقية في ترويجها الإعلامي. ومقولة (هنتنجتون) تحفل بالجوانب التي تثير الفكر، ولعل أول هذه الجوانب هو سبب اختراع أو تصور خصم مستقبلي للحضارة الغربية بعد زوال الخصم السوفييتي ولكن مع الفارق؛ لأن الخصم الشيوعي كان خصماً من داخل الحضارة ذاتها؛ بينما الخصوم المطروحون هم من خارج تلك الحضارة؛ إلا إذا فسرنا الحضارة الصينية واليابانية على أنها متأثرة فكرياً وثقافياً بالغرب سواء في شيوعية الصين، أو في انغماس اليابان في التكنولوجيا المادية ذات الأصول الغربية. إن هذه الرغبة في خلق أو تصور الخصوم قد تبدو غير مفهومة إلا إذا تصوّرنا وجود نية عدوانية دفينة لدى دوائر أمريكية سياسية وفكرية تريد التعبير عنها من خلال اختلاق الأعداء لإعلان الحرب عليهم والتنفيس عن هذه الرغبات العدائية. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة فإذا أردنا أن نكسب طرح (هنتنجتون) مصداقية فكرية أكبر لجاز لنا القول إن اختراع وتصور الأعداء والخصوم المستقبليين بعد زوال خصوم الماضي يدل على رغبة عارمة لإثبات الذات والهوية، ولا يتأتى هذا إلا بمثول منافس وخصم عنيد أمام هذه الذات والهوية تثبت وجودها وجدارتها في الوقوف أمامه والتسابق والتنافس ثم الصراع معه، ولعل (هنتنجتون) هنا يعيد بوعي أو بدون وعي مقولات (هيجل) المشهورة في الفكر الغربي حول الذات والآخر وإثبات الذات لوجودها فقط من خلال الصراع مع الآخر. وهناك جانب ثقافي عملي آخر لعملية اختراع الخصوم أو الأعداء وهو محاولة بث الحيوية والنشاط واستنهاض الهمة في الحضارة الغربية بالتحذير من وجود أعداء خطرين على الأفق والتلويح بهم؛ ذلك أنه قد ساد الإحساس في العقود الأخيرة وبالذات في دوائر السياسة والأكاديمية الأمريكية اليمينية المحافظة بأن الحضارة والثقافة الغربية تتعرض للانهيار والتدهور والتآكل من الداخل لا سيما على المستويات الأخلاقية والإنتاجية (بل لقد اتخذ انهيار الكتلة الشرقية نفسه على أنه من علامات هذا الانهيار) ، وإزاء هذا التصور المقلق بوجود تدهور ذاتي داخلي في هذه الحضارة كان رد الفعل الطبيعي بالنسبة للدوائر المدافعة عنها هو اختلاق عدد خطير وتحد كبير يقف خارج هذه الحضارة والتلويح بهذا الخطر والعدو كوسيلة لحث واستشارة طاقات الفعل والاستجابة والنهضة الثقافية عند أبناء الحضارة الغربية ليتجاوزوا الضعف والتآكل. يمكن القول من هذه الزاوية: إن مقولة صراع الحضارات لها جانب قد نسميه بالسياقي، ونعني به: أن لها دوافعها وبواعثها في إطار السياسات والأوضاع الثقافية في الغرب وبالتحديد لدى دوائر أمريكية ذات نفوذ تريد الحفاظ على الهوية الحضارية الغربية وتجديد حيويتها وقدراتها النزالية التنافسية بطرح خصوم المستقبل الألداء، وإفهام أبناء الحضارة أنه إذا كان العدو السوفييتي وكتلته قد زالا فإن هناك على الأفق من الخصوم الأشد (وهم على المستوى الحضاري ذاته) الذين ينبغي الحذر منهم، والاستعداد لدفع كيدهم، والتقوي والنهضة لاحتمالات المنافسة والصراع معهم. ولكن إثبات الذات والهوية في وجه تحدي الآخر قد لا يكفي هو الآخر لتفسير مقولات (هنتنجتون) واستقصاء جوانبها وأبعادها لا سيما أن الآخر المطلوب التحذير منه ليس كله وهماً مختلقاً بل له صفات تستحق التأمل فيها. إن قائمة أعداء وخصوم متنافس الغرب تستحق الدراسة. وأول ما يلفت النظر في هذه القائمة أنها ليست على مستوى واحد من الطرح فهي تجمع بين خصوم واقعيين فعليين قائمين (الحضارة الآسيوية الناهضة أو البوذية أو الصينية اليابانية) وخصوم محتملين ليسوا سوى إمكانية قد تتحقق أو لا تتحق (الخصم الإسلامي) كما تخلو منها أسماء حضارات وثقافات قائمة ذات قوة نووية مؤكدة وقوة اقتصادية ذات إمكانات قوية (الهند، إسرائيل، البرازيل، جنوب أفريقيا وكتلة الدول الموالية) ، فلماذا نجد في مقولة صراع الحضارات قوى قائمة ومؤكدة قد وضعت بجانب قوى محتملة على قائمة الخصوم؟ ثم لماذا تخلو القائمة من قوى أخرى مؤكدة؟ قد يقال في تفسير هذا الأمر الأخير أن تلك القوى المحذوفة لا تمثل خطراً على الحضارة الغربية في المستقبل حتى لو تسلحت بالأسلحة الذرية وملكت زمام القوى الاقتصادية الكبيرة، فالعلاقة مع إسرائيل اليهودية أوضح من كل بيان؛ والبدهي أن أمريكا تعتبر هذا الكيان امتداداً لها وسط الساحة العربية الإسلامية؛ فإسرائيل قوة مضافة لصالح الحضارة الغربية حتى ولو كانت يهودية الدين سامية الأصل عبرانية اللغة شرق أوسطية الموقع، فهي بمثابة الطليعة الزاحفة للجيش أو الحصن المتقدم. أما البرازيل فربما يقال إنها بنت الغرب بدينها الكاثوليكي ولغتها البرتغالية وتلاحمها الاقتصادي العضوي مع قارتها التي تعتبر من لواحق الغرب. ولا ننسى أن مقولة (هنتنجتون) تقيم أساسها على أطروحات العرق والأصول الأوروبية، وينطبق الشيء نفسه على جنوب أفريقيا حتى على الرغم من الكلام الكثير الذي قيل حول إنهاء نظام سيطرة الأقلية البيضاء؛ لكن البلاد تبقى مرتبطة بالحضارة الغربية على مستويات أعمق من العرق هي اللغة والمسيحية والاقتصاد. لكن الهند الهندوكية الآسيوية تبقى هي اللغز في الاستبعاد من قائمة الخصوم. فلماذا استبعدت الهند وهي دولة نووية التسلح فيما يقول الغرب نفسه، وهم كذلك يقولون لنا إنها قوة اقتصادية ناهضة تشبه في عدد سكانها وطبيعة نشاطاتها الاقتصادية (بل تفوق) ما تسمى باقتصاديات النمور الآسيوية؟ لماذا استبعدت الهند ووضعت الصين واليابان وقوى آسيوية أخرى على قائمة خصوم الغرب المحتمل أن يتصارعوا معه؟ هل ذلك لأن قوة الهند الذرية والاقتصادية هي قوة مكرسة علناً ضد المسلمين حول الهند في بنجلاديش وباكستان وشمالها في وسط آسيا بل وإلى إيران والخليج أو نزولاً إلى ماليزيا وإندونيسيا؟ وإذا كانت الهند مستبعدة من قائمة خصوم الغرب في القرن القادم برغم أنها ليست قوة غربية وبرغم إمكاناتها العسكرية والاقتصادية الهائلة فقط لأنها قوة ستنهض بدور المواجهة للإسلام حولها؛ فماذا يدلنا ذلك عن مقولة صراع الحضارات؟ إن الدلالة الواضحة هي أن تلك المقولة لا تنبني فقط على مبدأ الدفاع عن الحضارة الغربية والانتصار لإثبات ذاتها وهويتها بل إنها تقوم أيضاً على منطلق ديني معاد للإسلام يقبل بأن يتحد الغرب الأبيض المسيحي الأوروبي الثقافة مع حضارة سمراء هندوكية شرقية آسيوية ولا يتخذ منها خصماً محتملاً رغم إمكاناتها القوية الواضحة؛ لا لشيء إلا لأن هذه الحضارة أو الثقافة قد حددت بالفعل استراتيجياتها للمواجهة؛ بحيث تتصادم لا مع الغرب (أمريكا أو روسيا أو أوروبا) بل مع الكتلة الإسلامية المجاورة لها بل وقد تتصادم كذلك مع الكتلة الصينية التي يخشاها الغرب وكان قد سبق لهم صدام من قبل. وإذا عدنا إلى قائمة الخصوم كما تحددها مقولة صراع الحضارات فسوف يستوقفنا المزج كما قلنا بين القوى الموجودة بالفعل والقوى الموجودة فقط بالاحتمال النظري غير المؤكد؛ مع إعطاء الأولوية في الخطورة ودرجة التحذير لهذه القوى الأخيرة، ونعني بها الإسلام. فالتركيز يجري على الخطر المحتمل من جانب الحضارة أو التيارات الإسلامية قبل أي شيء آخر؛ رغم أن هذه التيارات تعاني من ضعف شديد أو على الأقل تعاني من هجمة شرسة ليس فقط من جانب الغرب بل من جانب أنصار وعملاء الغرب داخل الدول الإسلامية نفسها سواء أكان هؤلاء من التيارات العلمانية المتغربة أو من الدوائر الحاكمة. وهنا يثور التساؤل: لماذا يوضع الإسلام الجريح كدول وتيارات موضع الخطر الأسمى وهو مجرد احتمال قوة؟ بينما لا تذكر القوى الفعلية المؤكدة التي يعاني منها الغرب بالفعل الآن إلا في المرتبة الأخيرة، وربما على سبيل العرض أو لإعطاء الانطباع بأن الإسلام لا يستهدف وحده؟ إن وجود إجابة على هذا السؤال من الأهمية بمكان، إذا كان الأمر قضية تحذير حقيقي من خصوم سوف يجري معهم الصراع في السنوات القادمة كما يقال؛ فلماذا لا يتصدر القائمة الخصوم والمنافسون القائمون فعلاً ويتصدرها خصوم محتملون بدرجة ضعيفة؟ إن الشكوى الآن في الغرب هي من المنافسة الاقتصادية الطاحنة من جانب الصين واليابان وسائر الاقتصاديات الآسيوية الناهضة مما يهدد حقيقة وفعلاً ربحية الصناعة والتجارة الغربية ويهدر قدرتها على المنافسة، بل إن الشكوى كانت وما زالت قائمة من التنافس الاقتصادي الشديد داخل الكتلة الغربية ذاتها (ألمانيا في مواجهة دول أوروبا الغربية وأوروبا الغربية، في مواجهة أمريكا ... إلخ) فلماذا والحالة هكذا ينحّى هؤلاء الخصوم القائمون الفعليون ويصدّر الإسلام للعداوة وهم لم ينافس ويصارع الغرب بعدُ بدرجة تمثل أي تهديد؟ وربما يقال إن هؤلاء الخصوم اقتصاديون أساساً في تهديدهم بينما تهديد الإسلام المحتمل أو منافسته هي على المستوى الثقافي الحضاري أو العقائدي الأوسع وهو ما يهم الغرب في الجوهر على الرغم من إعلاء شأن المادة والنقد والاقتصاد في الحضارة الغربية. وأياً كانت الحال فإن وضع الإسلام بالذات منفرداً على أول قائمة الحضارات التي سيجري الصراع معها من جانب الغرب في المستقبل القريب على الرغم من وجود خصوم يفترض أنهم أجدر منه بتلك المكانة لذو دلالة. يدل هذا الوضع المنفرد على أن تصور الغرب للصراع القادم يراه عقائدياً في جوهره وليس كما يذهب العلمانيون في الأقطار العربية الإسلامية اقتصادياً مادياً وإن كان بالطبع ينطوي على هذا الجانب. كما يدل أيضاً على أن الإسلام كدين وعقيدة مستهدف بذاته وليس أيضاً كما يذهب العلمانيون وكارهو الإسلام في بلادنا إلى أنه قد استهدف بالعداوة من الغرب بسبب تصرفات من يسمون بالمتطرفين أو الأصوليين أو الإرهابيين على الجانب الإسلامي. لقد أصبح من المقررات الثابتة في هذه الأيام أن نسمع ونقرأ تصريحات لمسؤولين كبار ورموز دينية تبرئ الغرب من تهمة العداء للإسلام واستهدافه وترمي باللوم على المسلمين الذين أتوا في زعم هذه التصريحات من الأفعال المتطرفة والمشوِّهة لصورة الإسلام ما جعل الغرب يخشى الإسلام ويعاديه، لكن هذه المزاعم تفضحها وتنقضها مقولة صراع الحضارات، فمهما بلغت شراسة ما تسمى بأفعال التطرف (ونلاحظ أن معظمها ينصبّ على داخل المجتمعات الإسلامية ذاتها وليس على الغرب مباشرة) فإنها لا تسوِّغ أن يطرح أستاذ جامعي بحثاً علمياً يفترض فيه الموضوعية يضع الإسلام على رأس قائمة الأخطار المهددة للحضارة الغربية، ويسقط أو يقلل من الأخطار القائمة بالفعل من ثقافات وأيديولوجيات ودول وأنظمة قوية وقائمة. لا يمكن لأعمال التطرف وحتى الإرهاب أن تسوِّغ هذا الطرح كما يتبجح العلمانيون الذين يهتمون بالدفاع عن الغرب وتسويغ توجهاته أكثر بكثير مما يهتمون بالإسلام كما يدعون وإلا، فقد بدر من الصين مثلاً من الأعمال العدائية للأمريكان مثلاً في الماضي القريب ما كان يدعو إلى اتخاذها العدو الأول في الحاضر والآتي ومع ذلك تجد من يسوِّغون الصداقة والتعاون معها. إن مقولة (هنتنجتون) حول صراع الحضارات آتت بنتيجة ربما لم تكن متوقعة منها وهي أنها أسقطت ودحضت أحد أهم طروحات اللادينيين في البلاد العربية في الوقت الراهن وهو أن المسلمين مسؤولون بسلوكياتهم عن إساءة صورة الإسلام في الغرب مما دفع الغربيين إلى اتجاه العداوة، ذلك أن طرح (هنتنجتون) عن الجوانب العميقة والجوهرية في علاقات الحضارات ولا يتوقف عند أعمال عنف أو تطرف هنا أو هناك على زعم صحتها، وهو إذ يتحرك على هذا المستوى الأعمق يصدق مع النفس (أي مع الذات الحضارية الغربية) ويرى أن الإسلام سوف يكون هو الخصم الأكبر للغرب وليس أي من الحضارات الأخرى. صحيح أن (هنتنجتون) يتحدث كسائر الصحف الغربية عن الإرهاب والأصولية والتشدد الإسلامي لكن كل هذه الدعاوى تبدو فجة وواهية بل وكاذبة إذا ما وضعت بجانب الحقيقة التي يدركها الجميع وهي أن الإسلام كقوة دولية فاعلة ومؤثرة ليس موجوداً الآن بالحجم الذي يسوِّغ كل هذا التهويل؛ لذلك تبقى الحقيقة أو الاستنتاج المنطقي بأن استهداف الإسلام بتسميته الخصم الحضاري للغرب لا ينطلق إلا من دافع العداء الصرف لهذا الدين والعقيدة. وهناك الدوافع التي ألمحت إليها من قبل باستنهاض همم الغربيين وحشد قواهم وتوجيهها ناحية العدو الخارجي وليس الداخلي مع إيجاد فرصة للذات الحضارية الغربية لكي تتحدد وتتجدد في مواجهة الآخر. وفوق هذه الدوافع نجد أن أطروحة (هنتنجتون) ترمي إلى مساعدة الدوائر الحاكمة في الغرب على تحديد استراتيجية للمستقبل بوضع العدو المحتمل أمام أنظارهم. وإذا تتبعنا مسار السياسات الغربية ولا سيما الأمريكية في الأعوام الأخيرة لوجدنا أن هذه الأطروحة قد أصبحت بالفعل تمثل النور الهادي والمرشد للتحركات الغربية عن عداء وملاحقة للإسلام ومن تحريض للأنظمة والدوائر التابعة على مواصلة هذه الملاحقة والاضطهاد للحركات الإسلامية. وهكذا تتحول الأطروحة النظرية إلي واقع عملي منظور. وما تزال مقولة صراع الحضارات تجلِّي لنا من الجوانب الكاشفة الشيء الكثير الذي ينتظر البحث في مقال قادم بإذن الله.

стр. 2760

منتدى القراء دعوة النساء هند القحطاني مما لا يخفى على المراقب لأوضاع الدعوة الإسلامية ونشاطاتها في المجال النسوي أن هناك ثمة أخطاء وسلبيات لا بد من إلقاء الضوء عليها في محاولة للنهوض لأداء دورها الفاعل في المجتمع. وتجنباً للإطالة فإنه يمكن أن ألخص ما أريده فيما يلي: ١- غياب الترتيب والتنظيم في النشاطات الدعوية والاعتماد على: *الارتجالية في العمل. *عدم الاستفادة من الخبرات القديمة. * قلة محاولة التطوير لما هو أحسن. ٢- مركزية القرار عند من يتخذ القرار، وعدم استعمال مبدأ الشورى وغياب مفهوم التفويض مما يؤدي إلى: ضياع طاقة الممسكين بزمام الأمور في أعمال قد يستطيع أي فرد آخر أقل منهم قدرة أن يقوم بها. تربية الأفراد على التبعية وعدم تأهيلهم للإمساك بالزمام فيما بعد. وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة.. أن معاشر الفتيات لا يربين! وليس هناك خطة لتربيتهن تربية جادة لاستغلال طاقاتهن في إطار إمكانياتهن وداخل حدودهن. وواقع الفتيات أن كل من تلتزم منهن بالطريق الصحيح تصبح كنباتات البر كلاً ينمو على حدة، كلاً له غذاؤه وكلاً له مساءه، وكلاً له طريقته. ٣- غياب القدوات الحية التي تقوم بدور المغناطيس الذي يجذب كل من حوله؛ وذلك أن كل فكرة أو عقيدة لا بد لها من شخص يؤمن بها ويجعلها أسلوباً لحياته؛ فتتطلع أنظار الناس إليه وتتعلق به وبما يملك؛ لأنه يعيشها واقعاً حياً يراه الناس، وليست كلمات مجردة في خطب قد تكون مؤثرة ولكن ينتهي دورها عند غياب صوتها وهذا الغياب الذي طبع النشاطات بطابع الفوضى حيث لا توجد محاولة للانتقاء. ٤- ذوبان الأهداف العامة وعدم وجود إجابة محددة لسؤال مطروح: ماذا نريد؟ وكيف سنحققه؟ ٥- الاختلاف حول تطبيقات مفهوم قوله تعالى [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ] [الأحزاب: ٣٣] مما يجعل نشاطاتنا تقع ما بين مؤيد ومعارض بلا نقاط التقاء.. حيث يلتزم الفريق الأول بمفهوم الآية النصي، ويلتزم الفريق الثاني بقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد. ويقال إن المرأة نصف المجتمع بل كما تشير الإحصائيات الحديثة والدلائل النبوية أنها أكثر من ذلك. فهل نحسن الاستفادة من هذا النصف؟ !

стр. 2761

منتدى القراء أمة المشركين سعد الزهراني إن محاولات الكفار والعلمانيين للنيل من الإسلام وأهله ليس بغريب ولا بجديد من عدو متربض سواء كان في قدم الزمان أو حاضره؛ فالأعداء هم الأعداء، ولن ننتظر يوماً من عدو قوي مستكبر أن يدافع عن عقيدتنا ومقدساتنا وحقوقنا، هذا لن يكون أبداً إلا إذا كنا أمة هابطة لا نعي ولا نفهم وليس لنا عبرة في تاريخ الأمم ومما قصه الله علينا في كتابه الكريم، يقول تعالى: [إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] [الممتحنة: ٢] . ولكن ماذا عن أحوالنا معاشر المسلمين؟ هل نحن أهلٌ لحمل هذه الرسالة الخالدة التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال؟ هل نحن جادون بالتمسك بتعاليم ديننا الحنيف أفراداً وجماعات وحكومات؟ هل استجبنا لنداء الله ورسوله ﷺ ، يقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ] [الأنفال: ٢٤] . فهل آن الأوان لكل مسلم أن يستجيب لله ولرسوله ﷺ اعتقاداً وتطبيقاً قولاً وعملاً ونسير كما سار عليه سلفنا الصالح أخوة متناصحين يوالي بعضنا بعضاً متعاونين على البر والتقوى، ومنتهين عما نهانا الله عنه ورسوله ﷺ .

стр. 2762

منتدى القراء توجيهات للداعية عمر بجاد العصيمي ١- استثمار مسؤولية الدعوة وحمل همّ تبليغ الدعوة إلى الناس فتكون شغلك الشاغل وعملك الدائم. ٢- العمل في الدعوة على أكمل مناهجها وأشرف طرقها والاتصال بالعلماء الربانيين والدعاة وسؤالهم فيما يعسر عليك. ٣- العمل بما يقوله العلماء العاملون. ٤- السير في الدعوة بمناهج صحيحة والاستنارة بكتاب الله الكريم وسنة نبيه المصطفى الأمين. ٥- على الداعية أن يكون قريباً من الناس يتألفهم ويتودد إليهم بالأخلاق الحميدة والخصال الكريمة. ٦- الصبر على تبليغ الدعوة والعمل بلا يأس ولا منّة. ٧- إحسان الظن بالله، وأن تعظم أملك في الله؛ فقد تكون وحدك ولكن الله يبارك بعملك وجهدك. ٨- احتساب الأجر عند الله، وأن يكون همك الآخرة؛ فالعبرة مقام العبد عند الله وليس عند الناس. ٩- عليك بالأخلاق اللطيفة ولين الجانب والرفق. وآخر داعونا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على صفوة عباده المرسلين.

стр. 2763

منتدى القراء من أدبِ الصغار أسامة عبد الرؤوف الجامع بينما كنت ماشياً بين أزقة المدينة وشوارعها رغبت في شرب الماء؛ فبحثت هنا وهناك علِّي أجد ماء سبيل أرتوي منه، فأقبلت على أحدها فوجدت أنه قد سبقني غلام بشرب الماء، فانتظرت دوري فما كان منه لما رآني إلا أن ملأ الكوب ماءً وقدمه لي وقال: تفضل. حاولت أن أرده إلا أنه ألح بكل أدب فلما فرغت، شرب هو الماء بدوره وقد سمّى بالله، ثم حمده، ثم انصرف، تأملت في تصرف هذا الغلام وعجبت من أدبه وسمته، وقلت في نفسي: إن سلوكاً مثل هذا لا يمكن أن يأتي إلامن بيئته الطيبة وتأديب أبويه له، كيف لا، وهو في سن تكثر فيه الاهتمامات التافهة والتصرفات الطائشة. وكنت سألت ذات مرة بعض الشباب المراهق عن اهتماماتهم فقال أحدهم: إني أتمنى أن أركب سيارة بورش السباقية، وقال آخر: إني أتمنى أن أجمع أكبر قدر من الطوابع القديمة من مختلفة أنحاء العالم، وكذلك صور الفراشات الملونة. ثم توجهت بالسؤال إلى نمط من الشباب الصغار من ذوي التربية الناضجة فقال أحدهم: إني أتمنى أن أكمل حفظ القرآن الكريم كاملاً لأرضي ربي، وقال آخر: إن مشكلتي هي أني لا أقوم لصلاة الفجر فأتمنى من الله أن يعينني عليها، وآخر اهتماماته في القراءة، وآخر اهتماماته في علوم الفلك، عجباً والله! أليس السن واحداً؟ أليس مشربهم واحداً ومأكلهم واحداً؟ بلى! ولكن تأديبهم وتوجيههم ليس بواحد، فرق بين أب يحكي لأبنائه قصص السيرة النبوية وقصص السلف الصالح في جلسة عائلية رائعة، وبين أب يحكي لأبنائه آخر أخبار الفن والفنانين والرياضة والرياضيين، ما أجمل أن يسير الأب مع ابنه جنباً إلى جنب إلى المسجد وقد حان وقت الصلاة، فالأب ينصح ابنه، والابن يوقظ أباه لصلاة الفجر! إنها صورة مشرقة تشترى بماء الذهب، لكنها لا تأتي من فراغ. قالوا قديماً: وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوّده أبوه فمتى يصحو بعض الآباء من غفلتهم، وإلى متى يتركون أبناءهم هملاً هكذا؟ بل لعلك تجد أباً يحرص على مستوى ابنه الدراسي حرصاً شديداً لكنه لا يعير أدنى اهتمام لمستوى ابنه الإيماني والأخلاقي وكأن الدراسة أهم، أمّا الدين والخلق فهما أمران جانبيان، وليصاحب الابن من شاء فالمهم ألا يتأثر دراسياً! منطق عجيب يتحلى به بعض الآباء، ولن يصحو مثل هؤلاء إلا عندما يكبر أبناؤهم ويقطفون ثمرة تربيتهم، وكيف لا يظهر العقوق؟ فمن ضعف دينه فليس للحياء والأدب مكان في قلبه.

стр. 2764

منتدى القراء فراسة محدث طارق محمد العمودي ذكر الحافظ المزِّي في تهذيبه [١] عن شيخ أهل الحديث في عصره الإمام محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي أنه قال: (من أراد العلم والفقه بغير أدب، فقد اقتحم على أنْ يكذِبَ على الله ورسوله) . لقد استوقفتني كثيراً عبارة هذا الإمام الحافظ الثقة ذي الرحلة الواسعة في طلب العلم. فهو يفصح ﵀ بأنّ طلب العلم إنْ كان غير مقرونٍ بالآداب السامية، والأخلاق الفاضلة، فهو وبال على صاحبه. فكيف يؤخذ العلم ويكون له تأثيره على طالبه ممن ليس هو في مصاف أهل القدوة؛ فكم من امرئ أصبح له قدْرٌ لدى عامة الناس من خلال سمته وأسلوب معاملته الحسنة مع الناس. وهل العلم أصلاً إلا قناة من قنوات غرس الأخلاق الحسنة لدى من يطلبه وينمّيه له؟ ويدخل في عبارة هذا الإمام أدب طالب العلم مع شيخه وأقرانه في الطلب. وأذكر في هذا الصدد ما حكاه الإمام ابن الجوزي [٢] يصف بعض شيوخه ممن طلبوا العلم بالأدب فتأثر بهم فقال: (ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه، فكنت وأنا صغير السن حينئذ يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد [٣] . وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل ... ) . وانظر إلى طلبة اليوم، فقسم منهم يأتي لا للاستفادة والعلم وطلب المزيد، وإنما للمناقشة العقيمة مع شيخ المادة، أو لتصيد عيوب الشيخ العلمية، وقسم آخر ما أن ينتهي وقت المحاضرة، إلا وقد هرول مسرعاً خارج القاعة كأنه يهرب من قفص أسد، سابقاً شيخه في الخروج، رافعاً صوته باللغو. فأيّ أدب هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأين نحن من قول الحسن البصري (كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده) [٤] . فنسأل الله تعالى أن يرزقنا أدباً مقروناً بالعلم النافع إنه مجيب الدعاء.

стр. 2765

الورقة الأخيرة من لهؤلاء ..! ؟ بقلم: أحمد بن عبد الرحمن الصويان كان يأتي إلى المسجد الوحيد في المدينة من مكان بعيد جداً لأداء صلاة الفجر، وعلى الرغم من الخطورة الأمنية التي تمنع كثيراً من الناس من الحركة في هذه الساعة المبكرة من اليوم، إلا أنه كان حريصاً أشد الحرص على ذلك، وسمعته يقول: منذ أن قرأت قول النبي ﷺ : (بشّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) ، وأنا حريص على أن أكون من أهل هذا الحديث إن شاء الله. سألته: ما الذي دعاك إلى الإسلام..! ؟ فقال: ولدت في جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي لأب مسلم وأم نصرانية، كنت أرى أبي يؤذن في البيت ويصلي، ولكني ما كنت أعرف ماذا يفعل، فقد توفي وعمري سبع سنين، كل الذي أدريه أنه أسرّ إليّ في مرض وفاته قائلاً: (أنت مسلم، يا ولدي.. إياك أن تذهب إلى الكنيسة مع أمك.. أنت مسلم، أليس كذلك؟ !) ثم فارق الحياة.. نسيت وصية أبي.. أو قل: لم أكن أفهمها. وذهبت إلى الكنيسة، فقد كانت أمي كاثوليكية متدينة، وما كنت أقتنع بكثير مما أسمعه أو أراه.. فلما كبرت كنت أتفلت من قيود الكنيسة، واشتغلت بالتجارة، فانفتحت عليّ الدنيا، فازدادت غفلتي وبعدي عن التفكير بجميع الأديان. حتى جاء اليوم الذي سافرت فيه إلى جزيرة (جاميكا) لغرض التجارة، كنت أسير في أحد شوارع العاصمة، وفجأة.. سمعت صوتاً رخيماً متخشعاً ينادي بالأذان، ما كنت أعرف ماذا يقول، ولكني تذكرت أذان والدي، تذكرته وهو يشدني على صدره، والدموع تملأ عينيه، ويقول لي: (أنت مسلم.. أليس كذلك؟!) وكأنه يستعطفني أو يستجديني، أحسست برعدة شديدة تسري في جسدي، لا أدري لماذا اقترن عندي الإسلام بالأذان، فما كنت أعرف عنهما شيئاً. وأخذت أرتجف، حتى انفجرت بالبكاء.. مشاعر كثيرة اختلطت في ذهني، وكأني وجدت شيئاً عزيزاً على نفسي طالما افتقدته. بكيت، وما كنت أبالي بنظرات المارة.. ذهبت أبحث عن مصدر الصوت، حتى دلوني على المسجد، فوجدت المؤذن رجلاً كبيراً أميّاً لا يعرف شيئاً كثيراً عن الإسلام، فعاجلته بالسؤال بعد السؤال، لكنه لم يشف غليلي، وإنما دلني على مكتبة المسجد، فما وجدت شيئاً أقرؤه إلا ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية. فأخذت أقرأ بنهم شديد، حتى وقفت على قول الله تعالى: [لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [المائدة: ٧٣] ، فأحسست بهزة عنيفة أيقظتني من سبات عميق، وما بتّ تلك الليلة إلا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ . تأملت هذه القصة، ثم رجعت إلى نفسي، وقلت: كم هم أولئك الحيارى الذين يتخبطون في ظلمات الجاهلية شرقاً وغرباً، بل وفي ديار الإسلام، ومنهم من كانت أمهاتهم غير مسلمات ومع ذلك لم نحسن عرض الإسلام لهم بصفائه ونقائه ومحاسنه العظيمة. على الرغم من التقنيات الهائلة التي تميز بها هذا العصر، حتى إن (القرآن العظيم) لم يتيسر لنا ترجمة معانيه ترجمة سليمة خالية من الأخطاء المنهجية واللغوية إلى اللغات الحية فضلاً عن اللغات الأخرى. إنّ البشرية.. كل البشرية متعطشة إلى هذا القرآن العظيم لينقذها من حيرتها وتخبطها، وإنّه أمانة عظيمة، فهل نعي هذا..؟ !

стр. 2766

صفر - ١٤١٩هـ يونيو - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2767

كلمة صغيرة احذروا ..! عجيب أمر أدعياء العلمانية ومدعي التنوير فهم يستخدمون كل مواهبهم في الإساءة لكل منتم للإسلام، ويعملون ليل نهار للتشكيك حتى في نواياهم وأنهم وراء كل فتنة في العالم؛ فتارة يلمزون بالأصولية، وتارة بـ (الإسلاموية) ، وتارة بجماعات الإسلام السياسي. وهذه النعرات ذات منشأ أجنبي يطلقها أعداء الإسلام ويتبناها هؤلاء الأذناب. صحيح أن هناك من ينتمي للإسلام ويحمل تصورات منحرفة ومنطلقات مشبوهة وقد يقوده اجتهاده وهو لا يملك حق الاجتهاد لأعمال متهورة وأفكار غير سديدة. لكن هذا الضعف ولله الحمد قليل إذا ما قيس بالغالب مما يقدمه الدعاة إلى الله على بصيرة من توعية وتوجيه وأعمال خيرية تنعكس إيجابياً على كثير من المجتمعات الإسلامية وأفرادها. إن المسلمين أفراداً وجماعات يعلمون حق العلم أن هؤلاء العلمانيين في ادعاءاتهم تلك كاذبون ومفترون، وهم يشعرون أنهم بما لديهم من إمكانات كبيرة أضعف أثراً وأقل تأثيراً لا سيما وقد عرفناهم بالحدب على أعداء الإسلام والمطالبة بالحرية الكاملة حتى في الاعتداء على الذات الإلهية والمعلوم من الدين بالضرورة، بينما يخنسون حيال القوانين الوضعية التي تجرّمهم بالاعتداء أمام أفراد أو هيئات مهما كان قدرها. فعلى الدعاة إلى الله التعاون على البر والتقوى والتسامي على الاتجاهات الحزبية العصبية، والترفع عن كل ما لا يليق؛ جمعاً للصف ودرءاً لسهام المغرضين والتزاماً بالإسلام قلباً وقالباً أمام أولئك الحاقدين علينا جميعاً فهم بإذن الله خائبون؛ لأن الله يدافع عن الذين آمنوا. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2768

الافتتاحية الصحوة الإسلامية والحاجة إلى طور جديد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فهناك أمور تجعل المرء على يقين بأن الصحوة الإسلامية المعاصرة قدر إلهي ماضٍ إلى منتهىً مرسوم: أولها: من الناحية الزمانية: حيث تفاعل وجود هذه الصحوة وانتشر في بدايات قرن هجري جديد هو القرن الخامس عشر، فكان ذلك إرهاصاً بحصول السَنَن المحتوم بتجديد الدين على رأس كل مئة عام، وثانيها: من الناحية المكانية؛ حيث غطت الصحوة معظم أراضي المسلمين بنسب متفاوتة مما أبعد احتمال الادعاء بأنها ظاهرة محدودة في رقعة محدودة. وثالثها: من الناحية الإنسانية، حيث كان الجمهور الأكبر من أبناء الصحوة من الطبقة التي تمثل نخبة المجتمعات وأواسطها من حيث الثقافات والأعمار والمستويات، حتى لا يقال إنها تمثل طبقة المعدمين الكادحين الناقمين، أو الأثرياء المتطلعين الطامحين. ورابعها: وهو أهمها أن هذه الصحوة جاءت على غير تدبير مسبق من البشر، فهي ليست من صنع شخصٍ بعينه، ولا هيئة ولا دولة ولا جماعة بعينها، إنما جاءت تعبيراً عن تحرك في الأمة بمجموعها لنصرة الدين، تحرك على مستوى الشعوب وليس على مستوى الدول أو الأنظمة. لقد انطلق أبناء هذه الصحوة للعمل لنصرة الدين، ولكن وسط ظروف غير طبيعية ولا سوية؛ ذلك لأن الأنظمة التي يفترض فيها أن تحتضن حركات الإصلاح النابعة من رعاياها خاصة في ظروف الأزمات تعامل معظمها مع الصحوة بطريقة فجة مريبة، فليتهم إذ غلّوا أيديهم عن مساعدتها تركوها وشأنها وكفوا أذاهم عنها، ولكن الحاصل مما يعلمه الجميع أن العراقيل وضعت، والمشاكل حشدت، والاتهامات جُهزت، والدسائس حيكت، بما لا يسمح أبداً لهذه الصحوة أن تستأنف سيرها الطبيعي في طريق الإصلاح. متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبني ثم غيرك يهدم ولهذا فكثيراً ما اعتور هذه المسيرة الإصلاحية كبوات ونكبات كادت أن تقضي عليها، بل قضت عليها بالفعل في بعض البلدان ... لكن سرعان ما كان نورها الذي يخبو في مكان يعود ليتوهج في مكان آخر، وذلك عبر ما يقرب من ربع قرن من الزمان. وإذا حاولنا اليوم، ونحن على مشارف انتهاء العقد الثاني من القرن الخامس عشر، أن نسترجع ما في الذاكرة لاستعراض مسيرة الصحوة فسوف نجد أنها مرت بمراحل عدة وأطوار بارزة. الطور الأول: بدأت فيه الصحوة بدوافع عاطفية روحية، حيث تحركت في بداياتها المبكرة بتلك الدوافع مستجيبة للحنين الفطري للدين؛ فقد أحست جماهير المسلمين بالحاجة للانتماء إلى شيء عظيم، بعد أن ملت من الانتماءات التافهة الممسوخة من قوميات ووطنيات وعنصريات، وبعد أن صدمتها أحداث جسام ترادفت في وقعها ووقوعها، لتوقظ الغفلات وتحرك الساكنات. لقد كانت ظاهرة الاندفاع العاطفي والحماسي هي المحرك الأساس لمسيرة الصحوة في تلك المرحلة دون اعتماد كبير على الأصول العلمية والتربوية التي توجه العاطفة، وتضبط الحماس. الطور الثاني: الصحوة العملية: وكانت استجابة بالأفعال والأعمال لنداء العواطف الجياشة لنصرة الدين، ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً لوجدنا أنه قد نشأت أنماط من العمل الإسلامي، اتجهت مباشرة إلى التجارب الميدانية، قبل أن تستكمل قسطاً وافياً من الدراسات التأصيلية المتعمقة والمتعلقة بالأطر الشرعية لهذا العمل أو ذاك، وبمعنى آخر: كانت (التجربة) هي المحك والمقياس لصواب العمل أو خطئه، ولذلك رأينا أن فصائل العمل الإسلامي المتنوعة في وجهاتها، نزلت إلى ساحات الممارسة العملية بشكل غير مرتب ولا محسوب، فهو لا يعتمد إلا على الاستحسان الذاتي في الغالب من كل إنسان لما يرى أنه يحقق ذاتيته ويلائم شخصيته ويشبع ميوله، فاتجه هذا إلى العمل السياسي، وذاك إلى العمل الاجتماعي، وآخر انحاز إلى العمل الجهادي، واختار آخر العمل الدعوي والعلمي. ولا نشك أن هذا الاندفاع (العملي) ، قد أثمر زخماً متنوعاً قوّى من عود الصحوة، واستلفت الأنظار إليها بشدة، ولكننا أيضاً لا نشك في أنه ولافتقاره إلى التأصيل (العلمي) قد خلّف نوعاً من الفوضى غير المحمودة التي أنشأت تناقضات واختلافات في الاجتهادات لم تلبث أن تحولت إلى نزاعات وفي بعض الأحيان إلى صراعات! إذ اجتمع كل فريق في الغالب حول عمل لا يرى نصرة الدين إلا فيه، ولا يرى في الناس خيراً إلا إذا اجتمعوا عليه ... ! الطور الثالث: الصحوة الدعوية: وهي مرحلة انطلقت فيها اتجاهات العمل إلى الدعوة لكسب الأنصار، وحشد أكبر شريحة من المتعاطفين مع الدين إليها؛ وفي تلك المرحلة كثرت المؤلفات والأطروحات المقروءة والمسموعة حتى صارت كثرة التآليف والتصانيف والمساجلات والتسجيلات (ظاهرة) لافتة، ودار تنافس محموم للانتقال بـ (العملي) إلى (العلمي) ولكن بعض هذا التنافس للأسف لم يكن بأسلوب علمي! لقد تميزت هذه المرحلة بمحاولة كل اتجاه للتأصيل لما يراه من عمل، وكان من الطبيعي أن تكثر الاجتهادات غير المبنية على أصول صحيحة في ظل ندرة القدرات العلمية المتخصصة، أو على الأقل في ظل ندرة تفرغها، فتكلم باسم العلم من يحسن ومن لا يحسن، وتكلم عن الدليل من لا يحسن فهم الدليل، بل بدرت بادرة جديدة لم تكن من قَبْلُ معهودة وهي (التأصيل للبدع) ، وكذلك تصويب الخطأ أو تسويغ الزلل بإضفاء صبغة علمية عليه، وظلت المطابع تلقي بالغث والسمين والصالح والطالح إلى جمهور المتعاطفين مع الصحوة، الذين تختلط على كثير منهم الأمور، حتى ليُظن أن كل بيضاء شحمة وكل سوداء فحمة. ولاحت لأعداء الإسلام فرصة تاريخية، ما كانوا ليضيعوا اغتنامها أو يفوِّتوا اهتبالها وهي: ضرب قلوب المسلمين بعضهم ببعض، ليكفوا بعد ذلك عن الحديث عن (الصحوة) ولينكفئوا بعدها في مزالق الكبوة. ولهذا نقول: إن الصحوة الإسلامية التي مرت بأطوارها: (العاطفية) و (العملية) و (الدعوية) تحتاج الآن وبإلحاح للانتقال إلى طور جديد: طور (الصحوة العلمية) : لقد كان الترتيب الأنسب، بل الأصوب للصحوة أن تبدأ بالعلم قبل العمل ... ولكن ظروف النشأة وظروف الإمكانات وظروف التحدي أيضاً، حالت دون ذلك، إضافة إلى أن هذه الصحوة كما سبق ذكره لم تكن من صنع شخص بعينه أو جهة أو هيئة أو جماعة بعينها حتى تُحكِم قيادها أو تضبط وجهتها، ولكنها سارت حسب أقدار العليم الحكيم الذي يقول: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ] [آل عمران: ١٧٩] . إننا لا نرى اليوم عذراً لرموز الصحوة وموجهيها في المشارق والمغارب أن يتخطوا العلم إلى العمل مرة أخرى، فكل عمل لا ينضبط على أساس متين من دلائل الدين، فهو في الحقيقة ضرب من اتباع الهوى، ونربأ بأنفسنا وإخواننا عن اتباع الهوى وهم يسعون إلى التمكين للدين والاستخلاف في الأرض. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر الناس بالتعلم قبل التصدي للعمل فيقول: (تعلموا قبل أن تسودوا) وذلك حتى لا يقودوا الناس بالأهواء. وعندما نقول بضرورة انتقال الصحوة إلى الطور العلمي، فليس معنى هذا أن نقلل من شأن ما بذل وما يبذل في خدمة العلم ... ولكن نقول: إنه لم يستثمر على المستوى العام، ولذلك؛ فهو لم يرقَ بعدُ إلى المستوى الذي يوصف معه بأنه صحوة علمية عامة. لسنا نطالب الناس جميعاً بأن يكونوا علماء أو طلاب علم، ولكن المطلوب على الأقل أن يعرف الناس قدر العلم وبركة الأثر، وتأثير الدليل عندما ننقاد له أثناء المسير. ولقد رأينا كيف شردت الأهواء بأصناف من أصحاب (العمل) ، عندما أطلقوه دون أن يربطوه بلجام الحكمة ووثاق العلم. إن أمامنا حقائق ماثلة تدعم الرأي القائل بأن الوقت قد حان لحركة إصلاح علمي تضبط السلوك وتقوّم المناهج وتوجه الأعمال، ومن تلك الحقائق: أولاً: أن الصحوة الإسلامية الآن أصبح لها من القدرات العلمية (علماء وطلاب علم) في كثير من البلدان؛ ما يكفي لأن تنطلق بهم إلى تلك النقلة المباركة، وهذا لم يكن متوافراً في بدايتها. ثانياً: أن كثيراً من أنماط العمل الإسلامي، قد استنفدت ما يكفي من (التجارب) التي ثبت أنها تحتاج إلى مراجعة سواء في الميدان السياسي أو الجهادي أو الدعوي. ثالثاً: أن هناك ظاهرة قد برزت بالفعل في الآونة الأخيرة في الساحة الإسلامية، وهي ظاهرة (وقفات المراجعة) .. ولا أقل من أن تكون (المراجعة العلمية) للمناهج، هي إحدى أهم هذه الوقفات. وأخيراً: ثبت أن الصحوة الإسلامية معرضة لعوامل القوة والضعف، والانتشار والانحسار والمد والجزر، ولهذا فلا بد من بذل أسباب الاستمرار لها وإبعاد العراقيل من طريقها، وذلك بأن يراعى أولاً بأول تصحيح مسارها في مسارها للتصحيح. فهل نطمع ولو من باب تحديث النفس بالغزو أن نرى للصحوة الإسلامية في العالم انطلاقة علمية تكسر قيود الجمود، وتحرر الآراء من الأهواء.. هل نطمع أن نرى للصحوة على مستوى العالم قيادتها العلمية الموثوقة، ومرجعياتها العلمية المخلصة.. التي تقودها إلى وحدة منهجية تجمع القلوب والصفوف ... ذلك أمل ... نرجو أن يتبعه عمل.. والله من وراء القصد،

стр. 2769

دراسات في الشريعة والعقيدة العبودية لله قواعد ومسائل د. عبد العزيز آل عبد اللطيف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. وبعد: فهذه جملة قواعد ومسائل مستفادة من كلام أهل العلم في موضوع العبودية لله- تعالى - فإن جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام - من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى عبادة الله - تعالى - وحده لا شريك له: [اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [الأعراف: ٥٩] كما أن الله قد جعل العبودية وصفاً لأكمل خلقه وأقربهم إليه وهم الأنبياء والملائكة فقال - سبحانه: [لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلَّهِ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعاً] [النساء: ١٧٢] . ووصف الله - تعالى - أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة - بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال - تعالى: [تَبَارَكَ الَذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] [الفرقان: ١] ، وقال - سبحانه: [سُبْحَانَ الَذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا الَذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] [الإسراء: ١] . وجعل النبي ﷺ إحسان العبودية أعلى مراتب الدين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل - وقد سأله عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أخرجه مسلم [١] . يمكن أن نخلص - من خلال هذه المقدمة - إلى قاعدة، وهي: أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله - تعالى -، فأكرم ما يكون العبد عند الله - تعالى- عندما يكون أعظم عبادة وخضوعاً لله . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله - تعالى -، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته) [٢] . ويقول في موضع آخر: (والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه ... وخضوعاً له، كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتجْ إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره. فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله ولا يُشرَك به شيء) [٣] . وها هنا قاعدة أخرى، وهي أن حاجة الإنسان وضرورته إلى عبادة الله - تعالى - فوق كل حاجة وضرورة. يقول ابن تيمية - في هذا الصدد: (اعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئاً، ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة. فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها، الله الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه. ولو حصل للعبد لذّات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ به غير منعم له ولا ملتذ به، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنه، ويضره ذلك. وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه ... ) [٤] . ويقول ابن القيم - مقرراً تلك الحاجة: (اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره.. ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها) [٥] . وأما عن تعريف العبادة، فالعبادة لغةً: من الذلّ، يقال: بعير معبّد، أي مذلل. وقد تنوّعت أقوال العلماء في تعريف العبادة: فقال ابن جرير: (معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة [٦] ، وفسّر ابن عباس ﵄ العبادة بالتوحيد [٧] . وقال القاضي أبو يعلى: (حقيقة العبادة هي الأفعال الواقعة لله على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد) [٨] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) [٩] . وفصّل ابن القيم التعريف السابق بقوله: (وبنى (إياك نعبد) على أربع قواعد: ... التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح. فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب (إياك نعبد) حقاً هم أصحابها، فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله - سبحانه - به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه والذبّ عنه وتبين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكر وتبليغ أوامره. وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، وغير ذلك من أعمال القلوب. وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك) [١٠] . وقال بعضهم: (العبادة ما أمر به شرعاً من غير اطِّراد عرفي ولا اقتضاء عقلي) [١١] . وبالنظر إلى هذه التعريفات المتعددة نرى أن الخلاف بينها يكاد أن يكون من خلاف التنوع؛ وذلك أن العبادة قائمة على أصلين كبيرين، وهما: غاية الخضوع وكماله، وغاية الحبّ وكماله. فعرّف ابن جرير وأبو يعلى العبادة بالخضوع - والسلف قد يعرِّفون الشيء ببعض أفراده - ومرادهم بالخضوع - ها هنا - ما كان مقترناً بالمحبة والتعظيم كما هو ظاهر عبارة أبي يعلى في قوله: (نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع) فنهاية الخضوع وكماله لا تتحقق إلا بالمحبة والتعظيم. وأما ابن تيمية وابن القيم فقد عرّفا العبادة بما يحبه الله ويرضاه باعتبار أن العبادة هي أعلى مراتب الحبّ.. ولذا يقول ابن تيمية: (فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها، وخَلقَ لأجلها، هي ما في عبادته وحده لا شريك له؛ إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل) [١٢] . وأما تعريف ابن عباس ﵄ للعبادة بالتوحيد، فهو اعتبار العبادة المقبولة، فلا تقبل العبادة عند الله - تعالى - إلا بتحقيق التوحيد، وأما العبادة من حيث هي فهي أعم من كونها توحيداً عاماً مطلقاً، فكل موحد عابد لله - تعالى -، وليس كل من عبد الله - تعالى - يكون موحداً [١٣] . وأما من عرّف العبادة بما أمر به شرعاً من غير اطِّراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، فهو باعتبار أن الشرع هو مورد العبادة وضابطها، فلا تخضع العبادة لاطراد العرف، بل قد تكون مضادة لعوائد وأعراف، كما أن العبادة لا تخضع لاقتضاء العقل واستحسانه؛ فمن العبادات الشرعية ما تكون محيّرة للعقول [*] . والله أعلم. ومن قواعد هذا الموضوع: أن الحبّ الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حبّ لا يكون عبادة؛ فالعبادة ما يجمع كمال الأمرين: كمال الحبّ وغايته، وكمال الذلّ وغايته. يقول ابن تيمية: (من خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحبّ شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحبّ الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله - تعالى -، بل يجب أن يكون الله أحبّ إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله) [١٤] . ويقول ابن القيّم: (والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع؛ فمن أحببته ولم تكن خاضعاً له، لم تكن عابداً له، ومن خضعت له بلا محبة، لم تكن عابداً له، حتى تكون محباً خاضعاً) [١٥] . ومن القواعد أيضاً: كل من استكبر عن عبادة الله - تعالى -، فلا بد أن يعبد غيره. يقرر ابن تيمية ذلك بقوله: (الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله، كان أعظم إشراكاً بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله - تعالى -، ازداد فقراً وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود) . فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه من إرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبداً لذلك المراد المحبوب: إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله) [١٦] . ويقول ﷺ في موضع آخر: (وهكذا أهل البدع لا تجد أحداً ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئاً من السنة، كما جاء في الحديث: (ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها) [١٧] رواه الإمام أحمد. وقد قال - تعالى: [فَنَسُوا حَظاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ] [المائدة: ١٤] ، فلما تركوا حظاً مما ذكروا به اعتاضوا بغيره، فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى: [اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ] [الأعراف: ٣] فأمر باتباع ما أنزل، ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر. وكذلك من لم يفعل المأمور، فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور، لم يفعل جميع المأمور، فلا يمكن لإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ما حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر) [١٨] . ويقول ابن القيم ﵀: (كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد، حتى في الأعمال، فمن رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضرّه ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك، وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم، وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بدّ، وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي، ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار) [١٩] . ويؤكد العلاّمة عبد الرحمن السعدي هذه القاعدة قائلاً: (لما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن الانتفاع به ولم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذلّ لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل) [٢٠] . ومن أجل مسائل هذا الموضوع: العبودية الباطنة والقيام بعبودية القلب؛ فإن أعمال القلب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت [٢١] . وقد غفل الكثير من المسلمين عن فقه هذه العبادات وتحقيقها، وكان لاشتغالهم بالرسوم والمظاهر، وتأثرهم بالنزعة الإرجائية الكلامية أبلغ الأثر في إهمال أعمال القلوب وعبوديتها، فما أكثر من استُعبد قلبه لغير الله - تعالى - من الشهوات والملذات، فطائفة أشربت حبّ المال، وطائفة صار همها وشغلها المنصب والوظيفة والرياسة، وطائفة ثالثة تعلقت قلوبها بالنساء، وطائفة أخرى صار مقصودها سفاسف الأمور من مطعوم أو ملبوس أو مركوب، أو (كرة) أو عبث ولهو، أو (فن) .... فعبد المال قد صار الدرهم والدينار هجيّراه؛ فهمّه ومقصوده المال، فلا يصبح ولا يمسي إلا وهمه المال، فمن أجله يوالي ويعادي، فإن أعطي رضي، وإن منع سخط. لقد تحدث علماء السلف ﵏ عن عبودية القلب، فكان حديثاً عن علم وبصيرة وذوق وتحقيق. ومن ذلك ما سطّره يراع شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: (إذا كان القلب - الذي هو ملك الجسم - رقيقاً مستعبداً، متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسْر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب. وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.. فمن استُعبد قلبه فصار عبداً لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس. فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس) أخرجه الشيخان. وهذا لعمر الله إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة، أو صبي؛ فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب) [٢٢] . ويقرر ابن القيم هذه العبودية بقوله: (الإنابة هي عكوف القلب على الله - ، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله، ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه: [مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ] [الأنبياء: ٥٢] فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف، فكان حظ قومه العكوف على التماثيل، وكان حظه العكوف على الربّ الجليل. والتماثيل جمع تمثال، وهي الصورالممثلة، فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه، وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام، ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهمهم وإراداتهم على تماثيلهم، فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفاً عليها فهو نظير عكوف الأصنام عليها، ولهذا سماه النبي ﷺ عبداً لها، ودعا عليه بالتعس والنكس، فقال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم. تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش [٢٣] ) [٢٤] . وبسط ابن القيم الحديث عن أرباب عبودية القلب وأحوالهم فكان مما قال: (وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرَت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحبّ، قد أنساهم حبّه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، فدنفوا بحبه عن حبّ من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه، والتوكل عليه والإنابة إليه، والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره، فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه، واجتمع همّه عليه متذكراً صفاته العلى وأسمائه الحسنى، مشاهداً له في أسمائه وصفاته، قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته، فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه، وأسجده بين يديه خاضعاً ذليلاً منكسراً من كل جهة من جهاته. فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدي ربه؟ قال: إي والله، بسجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة) [٢٥] . ويشير ابن رجب إلى عبودية القلب قائلاً: (إن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالاً، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيماً، وتوكلاً، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئاً وأطاعة، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقاً، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه) [٢٦] . ونختم هذه المسألة الجليلة بمثال عملي سطّره الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله ابن عمر ﵄ حيث باع حماراً له، فقيل له: لو أمسكته! فقال: لقد كان لنا موافقاً، ولكنه أذهب بشعبة من قلبي، فكرهت أن أشغل قلبي بشيء [٢٧] . فما أتم عبادة ابن عمر لله - تعالى -، وما أكمل توحيده وعكوف قلبه على الله فهو لما رأى التفاتاً تجاه هذا الحمار، بادر إلى بيعه والتخلص منه مع كونه موافقاً له.. فشتان بين هذا المقام الرفيع وبين من تفرّق قلبه في أودية الدنيا وملذاتها، فصارت جل شعب قلبه متعلقة بمال، أو امرأة، أو منصب ووظيفة، والله المستعان. ومن أجلِّ قواعد هذا الموضوع: أن عبودية الله - تعالى - ملائمة لحقيقة الإنسان وجِبِلّته، ومستوعبة لمقاصده وأعماله. وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ قوله: (أصدق الأسماء حارث وهمّام) [٢٨] فكل إنسان همام أي مريد ومفكر، وكل همام حارث أي صاحب عمل وكسب وسعي، وعبودية الله - تعالى - مناسبة للفطرة فتتسق وتتفق مع طبيعة الإنسان وحقيقته، وتستوعب كل نشاطه وحركته هماً وحرثاً [٢٩] . وقد أكّد ابن تيمية هذا المعنى في غير موضع؛ فكان مما قاله: (العبد مجبول على أن يقصد شيئاً ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده؛ وهذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان) . فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس، وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين: لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها، ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها، سواءاً كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا كان فقد يكون عاماً وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقاً، وسأل غير الله مطلقاً.. وقد يكون خاصاً في المسلمين مثل من غلب عليه حبّ المال، أو حبّ شخص، أو حب الرياسة حتى صار عبد ذلك [٣٠] . ونختم هذه المقالة بمسألة جليلة: وهي أن فقه أسماء الله - تعالى - وصفاته، والتعبّد لله بها من أعظم أسباب تحقيق عبودية الله - تعالى. يقول العز بن عبد السلام: (فهم معاني أسماء الله - تعالى - وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات) [٣١] . وعُنِيَ ابن القيم ﵀ بتقرير هذه المسألة في أكثر من كتاب، ومن ذلك قوله: (لكل صفة عبودية خاصةٌ هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني: من موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها؛ وهذا مُطّرِدٌ في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فعلم العبد بتفرد الربّ بالضر والنفع والعطاء والمنع، والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً، ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً، وعلمه بسمعه - تعالى - وبصره وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة، وأنه يعلم السرّ ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله.. ومعرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة ... فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات) [٣٢] . ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذه المسألة بقوله: (وأما توحيد الصفات، فلا يستقيم توحيد الربوبية، ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات) [٣٣] . بل ويثبت الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن أصول العبادة الثلاثة: (الحب، والرجاء، والخوف) من ثمرات ولوازم التعبد بأسماء الله - تعالى - وصفاته، فيقول: (أركان الدين: الحب، والرجاء، والخوف؛ فالحب في الأولى: وهي (الحمد لله رب العالمين) ، والرجاء في الثانية: وهي (الرحمن الرحيم) ، والخوف في الثالثة: وهي (مالك يوم الدين) [٣٤] . نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا وسائر إخواننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

стр. 2770

دراسات في الشريعة والعقيدة التفسير بالرأي مفهومه.. حكمه.. أنواعه (١ من٢) مساعد الطيار مفهوم الرأي: الرأي: مصدر رأى رأياً. مهموز، ويُجمع على آراء وأرءاءٍ. والرأي: التفكّرُ في مبادئ الأمور، ونظر عواقبها، وعلم ما تؤول إليه من الخطأ والصواب [١] . والتفسير بالرأي: أن يُعْمِلَ المفسر عقله في فَهْمِ القرآن، والاستنباط منه، مستخدماً آلات الاجتهاد. ويَرِدُ للرأي مصطلحاتٌ مرادفةٌ في التفسير، وهي: التفسير العقلي، والتفسير الاجتهادي. ومصدر الرأيِ: العقلُ، ولذا جُعِلَ التفسيرُ العقليُ مرادفاً للتفسير بالرأي. والقول بالرأي: اجتهادٌ من القائل به، ولذا جُعِلَ التفسيرُ بالاجتهادِ مرادفاً للتفسير بالرأي. ونتيجة الرأي: استنباط حكم أو فائدةٍ، ولذا فإن استنباطات المفسرين من قَبِيلِ القول بالرأي. أَنْوَاعُ الرّأي، وموقف السلف منها: يحمل مصطلح (الرأي) حساسية خاصة، تجعل بعضهم يقف منه موقف المتردِّد؛ ذلك أنه ورد عن السلف، آثارٌ في ذمِّه. بَيْدَ أنّ المستقرئ ما ورد عنهم في هذا الباب (أي: الرأي) يجد إعمالاً منهم للرأي، فما موقف السلف في ذلك؟ لنعرض بعض أقوالهم في ذلك، ثمّ نتبيّن موقفهم منه. أقوالٌ في ذمِّ الرأي: ١- ورد عن فاروق الأمة عمر بن الخطاب ﵁ قوله: (اتقوا الرأي في دينكم) [٢] . وقال: (إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن. أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا برأيهم، فضلّوا وأضلوا) [٣] . ٢- وورد عن الحسن البصري (ت: ١١٠) قوله: (اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم ودينكم) [٤] . أقوالٌ في إعمالِ الرأي: ورد عن عمر بن الخطاب والحسن البصري - اللذين نقلت قولاً لهما بذمِّ الرأي ما يدلّ على إجازتهما إعمال الرأي، وهذه الأقوال: ١- أما ما ورد عن عمر فقوله لشريح - لما بعثه على قضاء الكوفة: (انظر ما تبين لك في كتاب الله؛ فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبيّن لك في كتاب الله، فاتبع فيه سنة رسول الله لله، وما لم يتبيّن لك فيه سنة، فاجتهد رأيك) [٥] . ٢- أمّا ما ورد عن الحسن، فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله: أريت ما يفتى به الناس، أشيءٌ سمعته أم برأيك؟ فقال الحسن: ما كل ما يفتى به الناس سمعناه، ولكنّ رَاًيَنا لهم خيرٌ من رأيهم لأنفسهم) [٦] . هذان عَلَمان من أعلام السلف ورد عنهما قولان مختلفان في الظاهر، غير أنك إذا تدبّرت قولهم، تبيّن لك أن الرأي عندهم نوعان: * رأي مذموم، وهو الذي وقع عليه نهيهم. * ورأي محمود، وهو الذي عليه عملهم. وإذا لم تَقُلْ بهذا أوقعت التناقض في أقوالهم، كما قال ابن عبد البَرِّ (ت: ٤٦٣هـ) - لما ذكر من حُفِظ عنه أنه قال وأفتى مجتهداً: (ومن أهل البصرة: الحسن وابن سيرين، وقد جاء - عنهما وعن الشعبي - ذمّ القياس، ومعناه عندنا قياسٌ على غيرِ أصلٍ؛ لئلا يتناقض ما جاء عنهم) [٧] . والقياس: نوع من الرأي؛ كما سيأتي. العلوم التي يدخلها الرأي: يدخل الرأي في كثير من العلوم الدينية، غير أنه يبرز في ثلاثة علوم، وهي: علم التوحيد، وعلم الفقه، وعلم التفسير. أما علم التوحيد، فيدخله الرأي المذموم، ويسمى الرأي فيه: (هوىً وبدعة) . ولذا تجد في كثير من كتب السلف مصطلح: (أهل الأهواء والبدع) ، وهم الذين قالوا برأيهم في ذات الله - سبحانه. وأما علم الفقه، فيدخله الرأيان: المحمود والمذموم، ويسمى الرأي فيه: (قياساً) ، كما يسمى رأياً، ولذا تجد بعض عباراتٍ للسلف تنهى عن القياس أو الرأي في فروع الأحكام، والمراد به القياس والرأي المذموم. وأما علم التفسير، فيدخله الرأيان: المحمود والمذموم، ويسمى فيه: (رأياً) ، ولم يرد له مرادفٌ عند السلف، وإنما ورد مؤخراً مصطلح: (التفسير العقلي) . وبهذا يظهر أن ما ورد من نهي السلف عن الرأي فإنه يلحق أهل الأهواء والبدع، وأهل القياس الفاسد، والرأي المذموم؛ إذ ليس كلّ قياسٍ أو رأيٍ فاسداً أو مذموماً. حُكْمُ القَوْلِ بالرّأي: سيكون الحديث في حكم الرأي المتعلق بالعلوم الشرعية عموماً - وإن كان يغلب عليه الرأي والقياس في الأحكام - وقد سبق أن الرأي نوعان: رأي مذموم، ورأي محمود. أولاً: الرّاًيُ المَذْمُومُ: ورد النهي عن هذا النوع في كتاب الله - تعالى - وسنة نبيِّه لله، كما ورد نهي السلف عنه. وحَدّ الرأي المذموم: أن يكون قولاً بغير علمٍ وهو نوعان: علم فاسد ينشأ عنه الهوى، أو علم غير تام وينشأ عنه الجهل، ويكون منشؤه الجهل أو الهوى. وهذا الحدّ مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله لله. أمّا من كتاب الله فما يلي: ١- قوله - تعالى: [قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٣٣] . ٢- وقوله - تعالى: [وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (١٦٨) إنَّمَا يَاًمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأََن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ١٦٨، ١٦٩] . ٣- وقوله - تعالى: [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً] [الإسراء: ٣٦] . في هذه الآيات نهي وتشنيع على القول على الله بغير علم؛ ففي الآية الأولى جعله من المحرّمات، وفي الآية الثانية جعله من اتباع خطوات الشيطان، وفي الآية الثالثة جعله منهياً عنه. وفي هذا كلِّه دليلٌ على عدم جواز القول على الله بغير علم. وأما في سنة الرسول: فإن من أصرح ما ورد فيها قوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، فيقبض العلم، حتى إذا لم يترك عالماً، اتخذ الناس رؤساء جُهّالاً، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، وترجم له بقوله: (بابُ ما يذكر من ذمِّ الرأي وتكلف القياس) [٨] . وأمّا ما ورد عن السلف، فمنها: ١- ما سبق ذكره عن عمر بن الخطاب ﵁ والحسن البصري ﵀ من نهيهما عن الرأي. ٢- عن مسروق (ت: ٦٣هـ) قال: (من يرغب برأيه عن أمر الله يضلّ) [٩] . ٣- وقال الزهري (ت: ١٢٤هـ) : (إياكم وأصحاب الرأي، أعيتهم الأحاديث أن يعوها) [١٠] . وممن نُقِل عنه ذم الرأي أو القياس ابن مسعود (ت: ٣٣هـ) من الصحابة، وابن سيرين (ت: ١١٠هـ) من تابعي الكوفة، وعامر الشعبي (ت: ١٠٤هـ) من تابعي الكوفة، وغيرهم [١١] . صور الرأي المذموم: ذكر العلماء صوراً للرأي المذموم، ويطغى على هذه الصّوَر الجانب الفقهي؛ لكثرة حاجة الناس له، حيث يتعلّق بحياتهم ومعاملاتهم. ومن هذه الصور ما يلي: ١- القياس على غير أصل [١٢] . ٢- قياس الفروع على الفروع [١٣] . ٣- الاشتغال بالمعضلات [١٤] . ٤- الحكم على ما لم يقع من النّوازل [١٥] . ٥- ترك النظر في السنن اقتصاراً على الرأي، والإكثار منه [١٦] . ٦- من عارض النصّ بالرأي، وتكلف لردِّ النص بالتأويل [١٧] . ٧- ضُروب البدع العقدية المخالفة للسنن [١٨] . هذه بعض الصور التي ذكرها العلماء في الرأي المذموم، وسيأتي صور أخرى تخصّ التفسير. ثانياً: الرأي المحمود: هذا النوع من الرأي هو الذي عَمِلَ به الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء الأمّة، وحدّه أن يكون مستنداً إلى علمٍ [١٩] ، وما كان كذلك فإنه خارج عن معنى الذمِّ الذي ذكره السلف في الرأي. ومن أدلة جواز إعمال الرأي المحمود ما يلي: ١- مفهوم الآيات السابقة والحديث المذكور في أدلة النهي عن الرأي المذموم؛ لأنها كلها تدل على أن القول بغير علم لا يجوز، ويفهم من ذلك أن القول بعلم يجوز. ٢- فعل السلف وأقوالهم، ومنها: أ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثرَ الناس على عبد الله (يعني: ابن مسعود) يسألونه، فقال: أيها الناس إنه قد أتى علينا زمان نقضي ولسنا هناك، فمن ابتلي بقضاءٍ بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله- ولم يَقُلْهُ نبيّه - فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه أمر لم يقض به الصالحون - وليس في كتاب الله، ولم يقل فيه نبيّه - فليجتهد رأيه، ولا يقول: أخاف وأرى، فإن الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ، وبَيْنَ ذلك أمورٌ مشتبهات، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم) [٢٠] . قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣هـ) معلقاً على هذا القول: (هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصولٍ يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها، ومن أشكل عليه شيءٌ لزمه الوقوف، ولم يَجُز له أن يُحيلَ على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصلٍ ولا هو في معنى أصلٍ. وهذا لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً؛ فتدبّره) [٢١] . ب - وعن الشعبي (ت: ١٠٤هـ) قال: لما بعث عمرُ شريحاً على قضاء الكوفة قال له: انظر ما تبيّن لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبيّن لك في كتاب الله فاتّبع فيه سنة رسول الله -، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك) [٢٢] . ج - وعن مسروق (ت: ٦٣هـ) قال: سألت أُبَيّ بن كعب عن شيءٍ؛ فقال: أكان هذا؟ قلت: لا. قال: فأجمّنا (أي: اتركنا أو أرحنا) حتى يكون؛ فإذا كان اجتهدنا لك ... رأينا) [٢٣] . الرّأيُ فِي التّفْسِير: اعلم أن ما سبق كان مقدمة للدخول في الموضوع الأساس، وهو التفسير بالرأي، وكان لا بدّ لهذا البحث من هذا المدخل، وإن كان الموضوع متشابكاً يصعب تفكيك بعضه عن بعض، ولذا سأحرص على عدم تكرار ما سبق، وسأكتفي بالإحالة عليه، إن احتاج الأمر إلى ذلك. وسأطرح في هذا ثلاثة موضوعات: الأول: موقف السلف من القول في التفسير. الثاني: أنواع الرأي في التفسير. الثالث: التفسير بين المأثور والرأي. وسيتخلّل هذه الموضوعات مسائل عِدّة؛ كشروط القول بالرأي، وأدلة جواز الرأي في التفسير، وصور الرأي المذموم.... إلخ، وإليك الآن تفصيل هذه الموضوعات: أولاً: موقف السلف من القول في التفسير: التفسير: بيان لمراد الله - سبحانه - بكلامه، ولما كان كذلك، فإن المتصدي للتفسير عرضة لأن يقول: معنى قول الله كذا. ثم قد يكون الأمر بخلاف ما قال. ولذا قال مسروق بن الأجدع (ت: ٦٣هـ) : (اتقوا التفسير؛ فإنما هو الرواية عن الله . وقد اتخذ هذا العلم طابعاً خاصاً من حيث توقِّي بعض السلف وتحرجهم من القول في التفسير، حتى كان بعضهم إذا سئل عن الحلال والحرام أفتى، فإذا سئل عن آية من كتاب الله سكت كأن لم يسمع. ومن هنا يمكن القول: إن السلف - من حيث التصدي للتفسير - فريقان: فريق تكلّم في التفسير واجتهد فيه رأيه، وفريق تورّع فقلّ أو نَدُرَ عنه القول في التفسير. وممن تكلم في التفسير ونُقِلَ رأيه فيه عمر بن الخطاب (ت: ٢٣هـ) وعلي بن أبي طالب (ت: ٤٠هـ) وابن مسعود (ت: ٣٣هـ) وابن عباس (ت: ٦٧هـ) وغيرهم من الصحابة. ومن التابعين وأتباعهم: مجاهد بن جبر (ت: ١٠٣هـ) وسعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ) وعكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٧هـ) والحسن البصري (ت:١١٠هـ) وقتادة (ت: ١١٧هـ) وأبو العالية (ت: ٩٣هـ) وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ) وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦هـ) ومحمد ابن كعب القرظي (ت: ١١٧هـ) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢هـ) وعبد الملك بن جريج (ت: ١٥٠هـ) ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠هـ) ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠هـ) وإسماعيل السدي (ت: ١٢٧هـ) والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٥هـ) ويحيى بن سلام (ت: ٢٠٠هـ) ، وغيرهم. وأما من تورّع في التفسير فجمعٌ من التابعين [٢٤] من أهل المدينة والكوفة. أما أهل المدينة، فقال عنهم عبيد الله بن عمر: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليغلظون القول في التفسير؛ منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع [٢٥] . وقال يزيد بن أبي يزيد: (كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام - وكان أعلم الناس - فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع) [٢٦] . وقال هشام بن عروة بن الزبير: (ما سمعت أبي يتأوّل آية من كتاب الله قطّ) [٢٧] . وأمّا أهل الكوفة فقد أسند إبراهيم النخعي إليهم قَولَه: (كان أصحابنا - يعني: علماء الكوفة - يتّقون التفسير ويهابونه) [٢٨] . هذا.. ولقد سلك مسلك الحذر وبالغ فيه إمام اللغة الأصمعي (ت: ٢١٥هـ) ، حيث نقل عنه أنه كان يتوقّى تبيين معنى لفظة وردت في القرآن [٢٩] . فما ورد عن هؤلاء الكرام من التوقي في التفسير إنما كان تورّعاً منهم، وخشية ألاّ يصيبوا في القول. ثانياً: أنواع الرأي في التفسير: الرأي في التفسير نوعان: محمود، ومذموم. النوع الأول: الرأي المحمود. إنما يحمد الرأي إذا كان مستنداً إلى علم يقي صاحبه الوقوع في الخطأ. ويمكن استنباط أدلةٍ تدلّ على جواز القول بالرأي المحمود. ومن هذه الأدلّة ما يلي: ١- الآيات الآمرة بالتدبّر: وردت عدّة آيات تحثّ على التدبّر؛ كقوله - تعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] ، وقوله: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [ص: ٢٩] . وغيرها من الآيات. وفي حثِّ الله على التدبر ما يدلّ على أن علينا معرفة تأويل ما لم يُحجب عنا تأويله؛ لأنه محالٌ أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له: اعتبر بما لا فهم لك به [٣٠] . والتدبّر: التفكّر والتأمّل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلامٍ قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه، بحيث كلما ازداد المتدبِّر تدبّراً انكشف له معانٍ لم تكن له بادئ النظر [٣١] . والتدبّر: عملية عقلية يجريها المتدبر من أجل فهم معاني الخطاب القرآني ومراداته، ولا شك أن ما يظهر له من الفهم إنما هو اجتهاده الذي بلغه، ورأيه الذي وصل إليه. ٢- إقرارُ الرسول - اجتهادَ الصحابة في التفسير: لا يبعد أن يقال: إن تفسير القرآن بالرأي نشأ في عهد الرسول ﷺ ، وفي ذلك وقائع يمكن استنباط هذه المسألة منها، ومن هذه الوقائع ما يلي: أ - قال عمرو بن العاص: - بعثني رسول الله ﷺ عام ذات السّلاسِلِ، فاحتلمت في ليلة باردةٍ شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت به، ثمّ صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله - ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُبٌ؟ قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أَهْلَكَ، وذكرتُ قول الله: [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] [النساء: ٢٩] فتيمّمْتُ، ثم صليت، فضحك - ولم يقل شيئاً) [٣٢] . في هذا الأثر ترى أن عَمْراً اجتهد رأيه في فهم هذه الآية، وطبّقها على نفسه، فصلى بالقوم بعد التيمم، وهو جنب، ولم ينكر عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الاجتهاد والرأي. ب - وفي حديث ابن مسعود، لما نزلت آية: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] [الأنعام: ٨٢] قلنا يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه، فقال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح [يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣] ) [٣٣] ، ترى أن الصحابة فهموا الآية على العموم، وما كان ذلك إلا رأياً واجتهاداً منهم في الفهم، فلما استشكلوا ذلك سألوا رسول الله ﷺ ، فأرشدهم إلى المعنى المراد، ولم ينههم عن تفهّم القرآن والقول فيه بما فهموه. كما يدل على أنهم إذا لم يستشكلوا شيئاً لم يحتاجوا إلى سؤال الرسول. والله أعلم. ٣- دعاء الرسول ﷺ لابن عباس: دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس بقوله: (اللهم فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل) وفي إحدى روايات البخاري: (اللهم علمه الكتاب) [٣٤] . والتأويل: التفسير، ولو كان المراد المسموع من التفسير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان لابن عباس مَزِيّةٌ بهذا الدعاء؛ لأنه يشاركه فيه غيره [٣٥] ، وهذا يدلّ على أن التأويل المراد: الفهم في القرآن [٣٦] ، وهذا الفهم إنما هو رأيٌ لصاحبه. ٤- عمل الصحابة: مما يدل على أن الصحابة قالوا بالرأي وعملوا به ما ورد عنهم من اختلافٍ في تفسير القرآن؛ إذ لو كان التفسير مسموعاً عن النبي - ﷺ لما وقع بينهم هذا الاختلاف. ومما ورد عنهم نصاً في ذلك قولُ صدِّيق الأمة أبي بكر ﵁ لما سئل عن الكلالة، قال: (أقول فيها برأيي؛ فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان) [٣٧] . وكذا ما ورد عن علي ﵁ لما سئل: هل عندكم عن رسول الله ﷺ شيءٌ سوى القرآن؟ قال: (لا، والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إلا أن يُعطِي الله عبداً فهماً في كتابه) [٣٨] . والفهم إما هو رأي يتولّد للمرء عند تفهّم القرآن؛ ولذا يختلف في معنى الآية فهم فلان عن غيره.
следующие страницы →