← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

صفر - ١٤١٩هـ يونيو - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2767

كلمة صغيرة احذروا ..! عجيب أمر أدعياء العلمانية ومدعي التنوير فهم يستخدمون كل مواهبهم في الإساءة لكل منتم للإسلام، ويعملون ليل نهار للتشكيك حتى في نواياهم وأنهم وراء كل فتنة في العالم؛ فتارة يلمزون بالأصولية، وتارة بـ (الإسلاموية) ، وتارة بجماعات الإسلام السياسي. وهذه النعرات ذات منشأ أجنبي يطلقها أعداء الإسلام ويتبناها هؤلاء الأذناب. صحيح أن هناك من ينتمي للإسلام ويحمل تصورات منحرفة ومنطلقات مشبوهة وقد يقوده اجتهاده وهو لا يملك حق الاجتهاد لأعمال متهورة وأفكار غير سديدة. لكن هذا الضعف ولله الحمد قليل إذا ما قيس بالغالب مما يقدمه الدعاة إلى الله على بصيرة من توعية وتوجيه وأعمال خيرية تنعكس إيجابياً على كثير من المجتمعات الإسلامية وأفرادها. إن المسلمين أفراداً وجماعات يعلمون حق العلم أن هؤلاء العلمانيين في ادعاءاتهم تلك كاذبون ومفترون، وهم يشعرون أنهم بما لديهم من إمكانات كبيرة أضعف أثراً وأقل تأثيراً لا سيما وقد عرفناهم بالحدب على أعداء الإسلام والمطالبة بالحرية الكاملة حتى في الاعتداء على الذات الإلهية والمعلوم من الدين بالضرورة، بينما يخنسون حيال القوانين الوضعية التي تجرّمهم بالاعتداء أمام أفراد أو هيئات مهما كان قدرها. فعلى الدعاة إلى الله التعاون على البر والتقوى والتسامي على الاتجاهات الحزبية العصبية، والترفع عن كل ما لا يليق؛ جمعاً للصف ودرءاً لسهام المغرضين والتزاماً بالإسلام قلباً وقالباً أمام أولئك الحاقدين علينا جميعاً فهم بإذن الله خائبون؛ لأن الله يدافع عن الذين آمنوا. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 2768

الافتتاحية الصحوة الإسلامية والحاجة إلى طور جديد الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فهناك أمور تجعل المرء على يقين بأن الصحوة الإسلامية المعاصرة قدر إلهي ماضٍ إلى منتهىً مرسوم: أولها: من الناحية الزمانية: حيث تفاعل وجود هذه الصحوة وانتشر في بدايات قرن هجري جديد هو القرن الخامس عشر، فكان ذلك إرهاصاً بحصول السَنَن المحتوم بتجديد الدين على رأس كل مئة عام، وثانيها: من الناحية المكانية؛ حيث غطت الصحوة معظم أراضي المسلمين بنسب متفاوتة مما أبعد احتمال الادعاء بأنها ظاهرة محدودة في رقعة محدودة. وثالثها: من الناحية الإنسانية، حيث كان الجمهور الأكبر من أبناء الصحوة من الطبقة التي تمثل نخبة المجتمعات وأواسطها من حيث الثقافات والأعمار والمستويات، حتى لا يقال إنها تمثل طبقة المعدمين الكادحين الناقمين، أو الأثرياء المتطلعين الطامحين. ورابعها: وهو أهمها أن هذه الصحوة جاءت على غير تدبير مسبق من البشر، فهي ليست من صنع شخصٍ بعينه، ولا هيئة ولا دولة ولا جماعة بعينها، إنما جاءت تعبيراً عن تحرك في الأمة بمجموعها لنصرة الدين، تحرك على مستوى الشعوب وليس على مستوى الدول أو الأنظمة. لقد انطلق أبناء هذه الصحوة للعمل لنصرة الدين، ولكن وسط ظروف غير طبيعية ولا سوية؛ ذلك لأن الأنظمة التي يفترض فيها أن تحتضن حركات الإصلاح النابعة من رعاياها خاصة في ظروف الأزمات تعامل معظمها مع الصحوة بطريقة فجة مريبة، فليتهم إذ غلّوا أيديهم عن مساعدتها تركوها وشأنها وكفوا أذاهم عنها، ولكن الحاصل مما يعلمه الجميع أن العراقيل وضعت، والمشاكل حشدت، والاتهامات جُهزت، والدسائس حيكت، بما لا يسمح أبداً لهذه الصحوة أن تستأنف سيرها الطبيعي في طريق الإصلاح. متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبني ثم غيرك يهدم ولهذا فكثيراً ما اعتور هذه المسيرة الإصلاحية كبوات ونكبات كادت أن تقضي عليها، بل قضت عليها بالفعل في بعض البلدان ... لكن سرعان ما كان نورها الذي يخبو في مكان يعود ليتوهج في مكان آخر، وذلك عبر ما يقرب من ربع قرن من الزمان. وإذا حاولنا اليوم، ونحن على مشارف انتهاء العقد الثاني من القرن الخامس عشر، أن نسترجع ما في الذاكرة لاستعراض مسيرة الصحوة فسوف نجد أنها مرت بمراحل عدة وأطوار بارزة. الطور الأول: بدأت فيه الصحوة بدوافع عاطفية روحية، حيث تحركت في بداياتها المبكرة بتلك الدوافع مستجيبة للحنين الفطري للدين؛ فقد أحست جماهير المسلمين بالحاجة للانتماء إلى شيء عظيم، بعد أن ملت من الانتماءات التافهة الممسوخة من قوميات ووطنيات وعنصريات، وبعد أن صدمتها أحداث جسام ترادفت في وقعها ووقوعها، لتوقظ الغفلات وتحرك الساكنات. لقد كانت ظاهرة الاندفاع العاطفي والحماسي هي المحرك الأساس لمسيرة الصحوة في تلك المرحلة دون اعتماد كبير على الأصول العلمية والتربوية التي توجه العاطفة، وتضبط الحماس. الطور الثاني: الصحوة العملية: وكانت استجابة بالأفعال والأعمال لنداء العواطف الجياشة لنصرة الدين، ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً لوجدنا أنه قد نشأت أنماط من العمل الإسلامي، اتجهت مباشرة إلى التجارب الميدانية، قبل أن تستكمل قسطاً وافياً من الدراسات التأصيلية المتعمقة والمتعلقة بالأطر الشرعية لهذا العمل أو ذاك، وبمعنى آخر: كانت (التجربة) هي المحك والمقياس لصواب العمل أو خطئه، ولذلك رأينا أن فصائل العمل الإسلامي المتنوعة في وجهاتها، نزلت إلى ساحات الممارسة العملية بشكل غير مرتب ولا محسوب، فهو لا يعتمد إلا على الاستحسان الذاتي في الغالب من كل إنسان لما يرى أنه يحقق ذاتيته ويلائم شخصيته ويشبع ميوله، فاتجه هذا إلى العمل السياسي، وذاك إلى العمل الاجتماعي، وآخر انحاز إلى العمل الجهادي، واختار آخر العمل الدعوي والعلمي. ولا نشك أن هذا الاندفاع (العملي) ، قد أثمر زخماً متنوعاً قوّى من عود الصحوة، واستلفت الأنظار إليها بشدة، ولكننا أيضاً لا نشك في أنه ولافتقاره إلى التأصيل (العلمي) قد خلّف نوعاً من الفوضى غير المحمودة التي أنشأت تناقضات واختلافات في الاجتهادات لم تلبث أن تحولت إلى نزاعات وفي بعض الأحيان إلى صراعات! إذ اجتمع كل فريق في الغالب حول عمل لا يرى نصرة الدين إلا فيه، ولا يرى في الناس خيراً إلا إذا اجتمعوا عليه ... ! الطور الثالث: الصحوة الدعوية: وهي مرحلة انطلقت فيها اتجاهات العمل إلى الدعوة لكسب الأنصار، وحشد أكبر شريحة من المتعاطفين مع الدين إليها؛ وفي تلك المرحلة كثرت المؤلفات والأطروحات المقروءة والمسموعة حتى صارت كثرة التآليف والتصانيف والمساجلات والتسجيلات (ظاهرة) لافتة، ودار تنافس محموم للانتقال بـ (العملي) إلى (العلمي) ولكن بعض هذا التنافس للأسف لم يكن بأسلوب علمي! لقد تميزت هذه المرحلة بمحاولة كل اتجاه للتأصيل لما يراه من عمل، وكان من الطبيعي أن تكثر الاجتهادات غير المبنية على أصول صحيحة في ظل ندرة القدرات العلمية المتخصصة، أو على الأقل في ظل ندرة تفرغها، فتكلم باسم العلم من يحسن ومن لا يحسن، وتكلم عن الدليل من لا يحسن فهم الدليل، بل بدرت بادرة جديدة لم تكن من قَبْلُ معهودة وهي (التأصيل للبدع) ، وكذلك تصويب الخطأ أو تسويغ الزلل بإضفاء صبغة علمية عليه، وظلت المطابع تلقي بالغث والسمين والصالح والطالح إلى جمهور المتعاطفين مع الصحوة، الذين تختلط على كثير منهم الأمور، حتى ليُظن أن كل بيضاء شحمة وكل سوداء فحمة. ولاحت لأعداء الإسلام فرصة تاريخية، ما كانوا ليضيعوا اغتنامها أو يفوِّتوا اهتبالها وهي: ضرب قلوب المسلمين بعضهم ببعض، ليكفوا بعد ذلك عن الحديث عن (الصحوة) ولينكفئوا بعدها في مزالق الكبوة. ولهذا نقول: إن الصحوة الإسلامية التي مرت بأطوارها: (العاطفية) و (العملية) و (الدعوية) تحتاج الآن وبإلحاح للانتقال إلى طور جديد: طور (الصحوة العلمية) : لقد كان الترتيب الأنسب، بل الأصوب للصحوة أن تبدأ بالعلم قبل العمل ... ولكن ظروف النشأة وظروف الإمكانات وظروف التحدي أيضاً، حالت دون ذلك، إضافة إلى أن هذه الصحوة كما سبق ذكره لم تكن من صنع شخص بعينه أو جهة أو هيئة أو جماعة بعينها حتى تُحكِم قيادها أو تضبط وجهتها، ولكنها سارت حسب أقدار العليم الحكيم الذي يقول: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ] [آل عمران: ١٧٩] . إننا لا نرى اليوم عذراً لرموز الصحوة وموجهيها في المشارق والمغارب أن يتخطوا العلم إلى العمل مرة أخرى، فكل عمل لا ينضبط على أساس متين من دلائل الدين، فهو في الحقيقة ضرب من اتباع الهوى، ونربأ بأنفسنا وإخواننا عن اتباع الهوى وهم يسعون إلى التمكين للدين والاستخلاف في الأرض. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر الناس بالتعلم قبل التصدي للعمل فيقول: (تعلموا قبل أن تسودوا) وذلك حتى لا يقودوا الناس بالأهواء. وعندما نقول بضرورة انتقال الصحوة إلى الطور العلمي، فليس معنى هذا أن نقلل من شأن ما بذل وما يبذل في خدمة العلم ... ولكن نقول: إنه لم يستثمر على المستوى العام، ولذلك؛ فهو لم يرقَ بعدُ إلى المستوى الذي يوصف معه بأنه صحوة علمية عامة. لسنا نطالب الناس جميعاً بأن يكونوا علماء أو طلاب علم، ولكن المطلوب على الأقل أن يعرف الناس قدر العلم وبركة الأثر، وتأثير الدليل عندما ننقاد له أثناء المسير. ولقد رأينا كيف شردت الأهواء بأصناف من أصحاب (العمل) ، عندما أطلقوه دون أن يربطوه بلجام الحكمة ووثاق العلم. إن أمامنا حقائق ماثلة تدعم الرأي القائل بأن الوقت قد حان لحركة إصلاح علمي تضبط السلوك وتقوّم المناهج وتوجه الأعمال، ومن تلك الحقائق: أولاً: أن الصحوة الإسلامية الآن أصبح لها من القدرات العلمية (علماء وطلاب علم) في كثير من البلدان؛ ما يكفي لأن تنطلق بهم إلى تلك النقلة المباركة، وهذا لم يكن متوافراً في بدايتها. ثانياً: أن كثيراً من أنماط العمل الإسلامي، قد استنفدت ما يكفي من (التجارب) التي ثبت أنها تحتاج إلى مراجعة سواء في الميدان السياسي أو الجهادي أو الدعوي. ثالثاً: أن هناك ظاهرة قد برزت بالفعل في الآونة الأخيرة في الساحة الإسلامية، وهي ظاهرة (وقفات المراجعة) .. ولا أقل من أن تكون (المراجعة العلمية) للمناهج، هي إحدى أهم هذه الوقفات. وأخيراً: ثبت أن الصحوة الإسلامية معرضة لعوامل القوة والضعف، والانتشار والانحسار والمد والجزر، ولهذا فلا بد من بذل أسباب الاستمرار لها وإبعاد العراقيل من طريقها، وذلك بأن يراعى أولاً بأول تصحيح مسارها في مسارها للتصحيح. فهل نطمع ولو من باب تحديث النفس بالغزو أن نرى للصحوة الإسلامية في العالم انطلاقة علمية تكسر قيود الجمود، وتحرر الآراء من الأهواء.. هل نطمع أن نرى للصحوة على مستوى العالم قيادتها العلمية الموثوقة، ومرجعياتها العلمية المخلصة.. التي تقودها إلى وحدة منهجية تجمع القلوب والصفوف ... ذلك أمل ... نرجو أن يتبعه عمل.. والله من وراء القصد،

стр. 2769

دراسات في الشريعة والعقيدة العبودية لله قواعد ومسائل د. عبد العزيز آل عبد اللطيف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. وبعد: فهذه جملة قواعد ومسائل مستفادة من كلام أهل العلم في موضوع العبودية لله- تعالى - فإن جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام - من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى عبادة الله - تعالى - وحده لا شريك له: [اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ] [الأعراف: ٥٩] كما أن الله قد جعل العبودية وصفاً لأكمل خلقه وأقربهم إليه وهم الأنبياء والملائكة فقال - سبحانه: [لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلَّهِ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعاً] [النساء: ١٧٢] . ووصف الله - تعالى - أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده منزلة - بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال - تعالى: [تَبَارَكَ الَذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] [الفرقان: ١] ، وقال - سبحانه: [سُبْحَانَ الَذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا الَذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] [الإسراء: ١] . وجعل النبي ﷺ إحسان العبودية أعلى مراتب الدين، وهو الإحسان، فقال في حديث جبريل - وقد سأله عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك) أخرجه مسلم [١] . يمكن أن نخلص - من خلال هذه المقدمة - إلى قاعدة، وهي: أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله - تعالى -، فأكرم ما يكون العبد عند الله - تعالى- عندما يكون أعظم عبادة وخضوعاً لله . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله - تعالى -، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته) [٢] . ويقول في موضع آخر: (والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه ... وخضوعاً له، كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتجْ إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره. فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم، كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم - ولو في شربة ماء - نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله ولا يُشرَك به شيء) [٣] . وها هنا قاعدة أخرى، وهي أن حاجة الإنسان وضرورته إلى عبادة الله - تعالى - فوق كل حاجة وضرورة. يقول ابن تيمية - في هذا الصدد: (اعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئاً، ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة. فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها، الله الذي لا إله إلا هو فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه. ولو حصل للعبد لذّات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ به غير منعم له ولا ملتذ به، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنه، ويضره ذلك. وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه ... ) [٤] . ويقول ابن القيم - مقرراً تلك الحاجة: (اعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم، والسجود والتقرب، أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة القلب روحه وقلبه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره.. ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها) [٥] . وأما عن تعريف العبادة، فالعبادة لغةً: من الذلّ، يقال: بعير معبّد، أي مذلل. وقد تنوّعت أقوال العلماء في تعريف العبادة: فقال ابن جرير: (معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة [٦] ، وفسّر ابن عباس ﵄ العبادة بالتوحيد [٧] . وقال القاضي أبو يعلى: (حقيقة العبادة هي الأفعال الواقعة لله على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد) [٨] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) [٩] . وفصّل ابن القيم التعريف السابق بقوله: (وبنى (إياك نعبد) على أربع قواعد: ... التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح. فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب (إياك نعبد) حقاً هم أصحابها، فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله - سبحانه - به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه والذبّ عنه وتبين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكر وتبليغ أوامره. وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، وغير ذلك من أعمال القلوب. وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك) [١٠] . وقال بعضهم: (العبادة ما أمر به شرعاً من غير اطِّراد عرفي ولا اقتضاء عقلي) [١١] . وبالنظر إلى هذه التعريفات المتعددة نرى أن الخلاف بينها يكاد أن يكون من خلاف التنوع؛ وذلك أن العبادة قائمة على أصلين كبيرين، وهما: غاية الخضوع وكماله، وغاية الحبّ وكماله. فعرّف ابن جرير وأبو يعلى العبادة بالخضوع - والسلف قد يعرِّفون الشيء ببعض أفراده - ومرادهم بالخضوع - ها هنا - ما كان مقترناً بالمحبة والتعظيم كما هو ظاهر عبارة أبي يعلى في قوله: (نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع) فنهاية الخضوع وكماله لا تتحقق إلا بالمحبة والتعظيم. وأما ابن تيمية وابن القيم فقد عرّفا العبادة بما يحبه الله ويرضاه باعتبار أن العبادة هي أعلى مراتب الحبّ.. ولذا يقول ابن تيمية: (فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها، وخَلقَ لأجلها، هي ما في عبادته وحده لا شريك له؛ إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل) [١٢] . وأما تعريف ابن عباس ﵄ للعبادة بالتوحيد، فهو اعتبار العبادة المقبولة، فلا تقبل العبادة عند الله - تعالى - إلا بتحقيق التوحيد، وأما العبادة من حيث هي فهي أعم من كونها توحيداً عاماً مطلقاً، فكل موحد عابد لله - تعالى -، وليس كل من عبد الله - تعالى - يكون موحداً [١٣] . وأما من عرّف العبادة بما أمر به شرعاً من غير اطِّراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، فهو باعتبار أن الشرع هو مورد العبادة وضابطها، فلا تخضع العبادة لاطراد العرف، بل قد تكون مضادة لعوائد وأعراف، كما أن العبادة لا تخضع لاقتضاء العقل واستحسانه؛ فمن العبادات الشرعية ما تكون محيّرة للعقول [*] . والله أعلم. ومن قواعد هذا الموضوع: أن الحبّ الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حبّ لا يكون عبادة؛ فالعبادة ما يجمع كمال الأمرين: كمال الحبّ وغايته، وكمال الذلّ وغايته. يقول ابن تيمية: (من خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحبّ شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحبّ الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله - تعالى -، بل يجب أن يكون الله أحبّ إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله) [١٤] . ويقول ابن القيّم: (والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع؛ فمن أحببته ولم تكن خاضعاً له، لم تكن عابداً له، ومن خضعت له بلا محبة، لم تكن عابداً له، حتى تكون محباً خاضعاً) [١٥] . ومن القواعد أيضاً: كل من استكبر عن عبادة الله - تعالى -، فلا بد أن يعبد غيره. يقرر ابن تيمية ذلك بقوله: (الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله، كان أعظم إشراكاً بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله - تعالى -، ازداد فقراً وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود) . فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه من إرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبداً لذلك المراد المحبوب: إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله) [١٦] . ويقول ﷺ في موضع آخر: (وهكذا أهل البدع لا تجد أحداً ترك بعض السنة التي يجب التصديق بها والعمل إلا وقع في بدعة، ولا تجد صاحب بدعة إلا ترك شيئاً من السنة، كما جاء في الحديث: (ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها) [١٧] رواه الإمام أحمد. وقد قال - تعالى: [فَنَسُوا حَظاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ] [المائدة: ١٤] ، فلما تركوا حظاً مما ذكروا به اعتاضوا بغيره، فوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وقال تعالى: [اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ] [الأعراف: ٣] فأمر باتباع ما أنزل، ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه، فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر. وكذلك من لم يفعل المأمور، فعل بعض المحظور، ومن فعل المحظور، لم يفعل جميع المأمور، فلا يمكن لإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ما حظر، ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر) [١٨] . ويقول ابن القيم ﵀: (كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده ولا بد، حتى في الأعمال، فمن رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضرّه ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك، وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو راغم، وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمة الخلق ولا بدّ، وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي، ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ الأفكار) [١٩] . ويؤكد العلاّمة عبد الرحمن السعدي هذه القاعدة قائلاً: (لما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكن الانتفاع به ولم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذلّ لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل) [٢٠] . ومن أجل مسائل هذا الموضوع: العبودية الباطنة والقيام بعبودية القلب؛ فإن أعمال القلب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت [٢١] . وقد غفل الكثير من المسلمين عن فقه هذه العبادات وتحقيقها، وكان لاشتغالهم بالرسوم والمظاهر، وتأثرهم بالنزعة الإرجائية الكلامية أبلغ الأثر في إهمال أعمال القلوب وعبوديتها، فما أكثر من استُعبد قلبه لغير الله - تعالى - من الشهوات والملذات، فطائفة أشربت حبّ المال، وطائفة صار همها وشغلها المنصب والوظيفة والرياسة، وطائفة ثالثة تعلقت قلوبها بالنساء، وطائفة أخرى صار مقصودها سفاسف الأمور من مطعوم أو ملبوس أو مركوب، أو (كرة) أو عبث ولهو، أو (فن) .... فعبد المال قد صار الدرهم والدينار هجيّراه؛ فهمّه ومقصوده المال، فلا يصبح ولا يمسي إلا وهمه المال، فمن أجله يوالي ويعادي، فإن أعطي رضي، وإن منع سخط. لقد تحدث علماء السلف ﵏ عن عبودية القلب، فكان حديثاً عن علم وبصيرة وذوق وتحقيق. ومن ذلك ما سطّره يراع شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: (إذا كان القلب - الذي هو ملك الجسم - رقيقاً مستعبداً، متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسْر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب. وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.. فمن استُعبد قلبه فصار عبداً لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس. فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس) أخرجه الشيخان. وهذا لعمر الله إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة، أو صبي؛ فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب) [٢٢] . ويقرر ابن القيم هذه العبودية بقوله: (الإنابة هي عكوف القلب على الله - ، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله، ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه: [مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ] [الأنبياء: ٥٢] فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف، فكان حظ قومه العكوف على التماثيل، وكان حظه العكوف على الربّ الجليل. والتماثيل جمع تمثال، وهي الصورالممثلة، فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه، وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام، ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهمهم وإراداتهم على تماثيلهم، فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفاً عليها فهو نظير عكوف الأصنام عليها، ولهذا سماه النبي ﷺ عبداً لها، ودعا عليه بالتعس والنكس، فقال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم. تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش [٢٣] ) [٢٤] . وبسط ابن القيم الحديث عن أرباب عبودية القلب وأحوالهم فكان مما قال: (وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرَت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحبّ، قد أنساهم حبّه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، فدنفوا بحبه عن حبّ من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه، والتوكل عليه والإنابة إليه، والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره، فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه، واجتمع همّه عليه متذكراً صفاته العلى وأسمائه الحسنى، مشاهداً له في أسمائه وصفاته، قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته، فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه، وأسجده بين يديه خاضعاً ذليلاً منكسراً من كل جهة من جهاته. فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدي ربه؟ قال: إي والله، بسجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة) [٢٥] . ويشير ابن رجب إلى عبودية القلب قائلاً: (إن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالاً، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيماً، وتوكلاً، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئاً وأطاعة، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقاً، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه) [٢٦] . ونختم هذه المسألة الجليلة بمثال عملي سطّره الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله ابن عمر ﵄ حيث باع حماراً له، فقيل له: لو أمسكته! فقال: لقد كان لنا موافقاً، ولكنه أذهب بشعبة من قلبي، فكرهت أن أشغل قلبي بشيء [٢٧] . فما أتم عبادة ابن عمر لله - تعالى -، وما أكمل توحيده وعكوف قلبه على الله فهو لما رأى التفاتاً تجاه هذا الحمار، بادر إلى بيعه والتخلص منه مع كونه موافقاً له.. فشتان بين هذا المقام الرفيع وبين من تفرّق قلبه في أودية الدنيا وملذاتها، فصارت جل شعب قلبه متعلقة بمال، أو امرأة، أو منصب ووظيفة، والله المستعان. ومن أجلِّ قواعد هذا الموضوع: أن عبودية الله - تعالى - ملائمة لحقيقة الإنسان وجِبِلّته، ومستوعبة لمقاصده وأعماله. وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ قوله: (أصدق الأسماء حارث وهمّام) [٢٨] فكل إنسان همام أي مريد ومفكر، وكل همام حارث أي صاحب عمل وكسب وسعي، وعبودية الله - تعالى - مناسبة للفطرة فتتسق وتتفق مع طبيعة الإنسان وحقيقته، وتستوعب كل نشاطه وحركته هماً وحرثاً [٢٩] . وقد أكّد ابن تيمية هذا المعنى في غير موضع؛ فكان مما قاله: (العبد مجبول على أن يقصد شيئاً ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده؛ وهذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان) . فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس، وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين: لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها، ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها، سواءاً كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا كان فقد يكون عاماً وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقاً، وسأل غير الله مطلقاً.. وقد يكون خاصاً في المسلمين مثل من غلب عليه حبّ المال، أو حبّ شخص، أو حب الرياسة حتى صار عبد ذلك [٣٠] . ونختم هذه المقالة بمسألة جليلة: وهي أن فقه أسماء الله - تعالى - وصفاته، والتعبّد لله بها من أعظم أسباب تحقيق عبودية الله - تعالى. يقول العز بن عبد السلام: (فهم معاني أسماء الله - تعالى - وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات) [٣١] . وعُنِيَ ابن القيم ﵀ بتقرير هذه المسألة في أكثر من كتاب، ومن ذلك قوله: (لكل صفة عبودية خاصةٌ هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني: من موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها؛ وهذا مُطّرِدٌ في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فعلم العبد بتفرد الربّ بالضر والنفع والعطاء والمنع، والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً، ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً، وعلمه بسمعه - تعالى - وبصره وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة، وأنه يعلم السرّ ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله.. ومعرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة ... فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات) [٣٢] . ويؤكد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذه المسألة بقوله: (وأما توحيد الصفات، فلا يستقيم توحيد الربوبية، ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات) [٣٣] . بل ويثبت الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن أصول العبادة الثلاثة: (الحب، والرجاء، والخوف) من ثمرات ولوازم التعبد بأسماء الله - تعالى - وصفاته، فيقول: (أركان الدين: الحب، والرجاء، والخوف؛ فالحب في الأولى: وهي (الحمد لله رب العالمين) ، والرجاء في الثانية: وهي (الرحمن الرحيم) ، والخوف في الثالثة: وهي (مالك يوم الدين) [٣٤] . نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا وسائر إخواننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

стр. 2770

دراسات في الشريعة والعقيدة التفسير بالرأي مفهومه.. حكمه.. أنواعه (١ من٢) مساعد الطيار مفهوم الرأي: الرأي: مصدر رأى رأياً. مهموز، ويُجمع على آراء وأرءاءٍ. والرأي: التفكّرُ في مبادئ الأمور، ونظر عواقبها، وعلم ما تؤول إليه من الخطأ والصواب [١] . والتفسير بالرأي: أن يُعْمِلَ المفسر عقله في فَهْمِ القرآن، والاستنباط منه، مستخدماً آلات الاجتهاد. ويَرِدُ للرأي مصطلحاتٌ مرادفةٌ في التفسير، وهي: التفسير العقلي، والتفسير الاجتهادي. ومصدر الرأيِ: العقلُ، ولذا جُعِلَ التفسيرُ العقليُ مرادفاً للتفسير بالرأي. والقول بالرأي: اجتهادٌ من القائل به، ولذا جُعِلَ التفسيرُ بالاجتهادِ مرادفاً للتفسير بالرأي. ونتيجة الرأي: استنباط حكم أو فائدةٍ، ولذا فإن استنباطات المفسرين من قَبِيلِ القول بالرأي. أَنْوَاعُ الرّأي، وموقف السلف منها: يحمل مصطلح (الرأي) حساسية خاصة، تجعل بعضهم يقف منه موقف المتردِّد؛ ذلك أنه ورد عن السلف، آثارٌ في ذمِّه. بَيْدَ أنّ المستقرئ ما ورد عنهم في هذا الباب (أي: الرأي) يجد إعمالاً منهم للرأي، فما موقف السلف في ذلك؟ لنعرض بعض أقوالهم في ذلك، ثمّ نتبيّن موقفهم منه. أقوالٌ في ذمِّ الرأي: ١- ورد عن فاروق الأمة عمر بن الخطاب ﵁ قوله: (اتقوا الرأي في دينكم) [٢] . وقال: (إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن. أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا برأيهم، فضلّوا وأضلوا) [٣] . ٢- وورد عن الحسن البصري (ت: ١١٠) قوله: (اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم ودينكم) [٤] . أقوالٌ في إعمالِ الرأي: ورد عن عمر بن الخطاب والحسن البصري - اللذين نقلت قولاً لهما بذمِّ الرأي ما يدلّ على إجازتهما إعمال الرأي، وهذه الأقوال: ١- أما ما ورد عن عمر فقوله لشريح - لما بعثه على قضاء الكوفة: (انظر ما تبين لك في كتاب الله؛ فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبيّن لك في كتاب الله، فاتبع فيه سنة رسول الله لله، وما لم يتبيّن لك فيه سنة، فاجتهد رأيك) [٥] . ٢- أمّا ما ورد عن الحسن، فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله: أريت ما يفتى به الناس، أشيءٌ سمعته أم برأيك؟ فقال الحسن: ما كل ما يفتى به الناس سمعناه، ولكنّ رَاًيَنا لهم خيرٌ من رأيهم لأنفسهم) [٦] . هذان عَلَمان من أعلام السلف ورد عنهما قولان مختلفان في الظاهر، غير أنك إذا تدبّرت قولهم، تبيّن لك أن الرأي عندهم نوعان: * رأي مذموم، وهو الذي وقع عليه نهيهم. * ورأي محمود، وهو الذي عليه عملهم. وإذا لم تَقُلْ بهذا أوقعت التناقض في أقوالهم، كما قال ابن عبد البَرِّ (ت: ٤٦٣هـ) - لما ذكر من حُفِظ عنه أنه قال وأفتى مجتهداً: (ومن أهل البصرة: الحسن وابن سيرين، وقد جاء - عنهما وعن الشعبي - ذمّ القياس، ومعناه عندنا قياسٌ على غيرِ أصلٍ؛ لئلا يتناقض ما جاء عنهم) [٧] . والقياس: نوع من الرأي؛ كما سيأتي. العلوم التي يدخلها الرأي: يدخل الرأي في كثير من العلوم الدينية، غير أنه يبرز في ثلاثة علوم، وهي: علم التوحيد، وعلم الفقه، وعلم التفسير. أما علم التوحيد، فيدخله الرأي المذموم، ويسمى الرأي فيه: (هوىً وبدعة) . ولذا تجد في كثير من كتب السلف مصطلح: (أهل الأهواء والبدع) ، وهم الذين قالوا برأيهم في ذات الله - سبحانه. وأما علم الفقه، فيدخله الرأيان: المحمود والمذموم، ويسمى الرأي فيه: (قياساً) ، كما يسمى رأياً، ولذا تجد بعض عباراتٍ للسلف تنهى عن القياس أو الرأي في فروع الأحكام، والمراد به القياس والرأي المذموم. وأما علم التفسير، فيدخله الرأيان: المحمود والمذموم، ويسمى فيه: (رأياً) ، ولم يرد له مرادفٌ عند السلف، وإنما ورد مؤخراً مصطلح: (التفسير العقلي) . وبهذا يظهر أن ما ورد من نهي السلف عن الرأي فإنه يلحق أهل الأهواء والبدع، وأهل القياس الفاسد، والرأي المذموم؛ إذ ليس كلّ قياسٍ أو رأيٍ فاسداً أو مذموماً. حُكْمُ القَوْلِ بالرّأي: سيكون الحديث في حكم الرأي المتعلق بالعلوم الشرعية عموماً - وإن كان يغلب عليه الرأي والقياس في الأحكام - وقد سبق أن الرأي نوعان: رأي مذموم، ورأي محمود. أولاً: الرّاًيُ المَذْمُومُ: ورد النهي عن هذا النوع في كتاب الله - تعالى - وسنة نبيِّه لله، كما ورد نهي السلف عنه. وحَدّ الرأي المذموم: أن يكون قولاً بغير علمٍ وهو نوعان: علم فاسد ينشأ عنه الهوى، أو علم غير تام وينشأ عنه الجهل، ويكون منشؤه الجهل أو الهوى. وهذا الحدّ مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله لله. أمّا من كتاب الله فما يلي: ١- قوله - تعالى: [قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٣٣] . ٢- وقوله - تعالى: [وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (١٦٨) إنَّمَا يَاًمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأََن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ١٦٨، ١٦٩] . ٣- وقوله - تعالى: [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً] [الإسراء: ٣٦] . في هذه الآيات نهي وتشنيع على القول على الله بغير علم؛ ففي الآية الأولى جعله من المحرّمات، وفي الآية الثانية جعله من اتباع خطوات الشيطان، وفي الآية الثالثة جعله منهياً عنه. وفي هذا كلِّه دليلٌ على عدم جواز القول على الله بغير علم. وأما في سنة الرسول: فإن من أصرح ما ورد فيها قوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، فيقبض العلم، حتى إذا لم يترك عالماً، اتخذ الناس رؤساء جُهّالاً، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، وترجم له بقوله: (بابُ ما يذكر من ذمِّ الرأي وتكلف القياس) [٨] . وأمّا ما ورد عن السلف، فمنها: ١- ما سبق ذكره عن عمر بن الخطاب ﵁ والحسن البصري ﵀ من نهيهما عن الرأي. ٢- عن مسروق (ت: ٦٣هـ) قال: (من يرغب برأيه عن أمر الله يضلّ) [٩] . ٣- وقال الزهري (ت: ١٢٤هـ) : (إياكم وأصحاب الرأي، أعيتهم الأحاديث أن يعوها) [١٠] . وممن نُقِل عنه ذم الرأي أو القياس ابن مسعود (ت: ٣٣هـ) من الصحابة، وابن سيرين (ت: ١١٠هـ) من تابعي الكوفة، وعامر الشعبي (ت: ١٠٤هـ) من تابعي الكوفة، وغيرهم [١١] . صور الرأي المذموم: ذكر العلماء صوراً للرأي المذموم، ويطغى على هذه الصّوَر الجانب الفقهي؛ لكثرة حاجة الناس له، حيث يتعلّق بحياتهم ومعاملاتهم. ومن هذه الصور ما يلي: ١- القياس على غير أصل [١٢] . ٢- قياس الفروع على الفروع [١٣] . ٣- الاشتغال بالمعضلات [١٤] . ٤- الحكم على ما لم يقع من النّوازل [١٥] . ٥- ترك النظر في السنن اقتصاراً على الرأي، والإكثار منه [١٦] . ٦- من عارض النصّ بالرأي، وتكلف لردِّ النص بالتأويل [١٧] . ٧- ضُروب البدع العقدية المخالفة للسنن [١٨] . هذه بعض الصور التي ذكرها العلماء في الرأي المذموم، وسيأتي صور أخرى تخصّ التفسير. ثانياً: الرأي المحمود: هذا النوع من الرأي هو الذي عَمِلَ به الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء الأمّة، وحدّه أن يكون مستنداً إلى علمٍ [١٩] ، وما كان كذلك فإنه خارج عن معنى الذمِّ الذي ذكره السلف في الرأي. ومن أدلة جواز إعمال الرأي المحمود ما يلي: ١- مفهوم الآيات السابقة والحديث المذكور في أدلة النهي عن الرأي المذموم؛ لأنها كلها تدل على أن القول بغير علم لا يجوز، ويفهم من ذلك أن القول بعلم يجوز. ٢- فعل السلف وأقوالهم، ومنها: أ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثرَ الناس على عبد الله (يعني: ابن مسعود) يسألونه، فقال: أيها الناس إنه قد أتى علينا زمان نقضي ولسنا هناك، فمن ابتلي بقضاءٍ بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله- ولم يَقُلْهُ نبيّه - فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه أمر لم يقض به الصالحون - وليس في كتاب الله، ولم يقل فيه نبيّه - فليجتهد رأيه، ولا يقول: أخاف وأرى، فإن الحلال بَيِّنٌ، والحرام بَيِّنٌ، وبَيْنَ ذلك أمورٌ مشتبهات، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم) [٢٠] . قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣هـ) معلقاً على هذا القول: (هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصولٍ يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها، ومن أشكل عليه شيءٌ لزمه الوقوف، ولم يَجُز له أن يُحيلَ على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصلٍ ولا هو في معنى أصلٍ. وهذا لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً؛ فتدبّره) [٢١] . ب - وعن الشعبي (ت: ١٠٤هـ) قال: لما بعث عمرُ شريحاً على قضاء الكوفة قال له: انظر ما تبيّن لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً، وما لم يتبيّن لك في كتاب الله فاتّبع فيه سنة رسول الله -، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك) [٢٢] . ج - وعن مسروق (ت: ٦٣هـ) قال: سألت أُبَيّ بن كعب عن شيءٍ؛ فقال: أكان هذا؟ قلت: لا. قال: فأجمّنا (أي: اتركنا أو أرحنا) حتى يكون؛ فإذا كان اجتهدنا لك ... رأينا) [٢٣] . الرّأيُ فِي التّفْسِير: اعلم أن ما سبق كان مقدمة للدخول في الموضوع الأساس، وهو التفسير بالرأي، وكان لا بدّ لهذا البحث من هذا المدخل، وإن كان الموضوع متشابكاً يصعب تفكيك بعضه عن بعض، ولذا سأحرص على عدم تكرار ما سبق، وسأكتفي بالإحالة عليه، إن احتاج الأمر إلى ذلك. وسأطرح في هذا ثلاثة موضوعات: الأول: موقف السلف من القول في التفسير. الثاني: أنواع الرأي في التفسير. الثالث: التفسير بين المأثور والرأي. وسيتخلّل هذه الموضوعات مسائل عِدّة؛ كشروط القول بالرأي، وأدلة جواز الرأي في التفسير، وصور الرأي المذموم.... إلخ، وإليك الآن تفصيل هذه الموضوعات: أولاً: موقف السلف من القول في التفسير: التفسير: بيان لمراد الله - سبحانه - بكلامه، ولما كان كذلك، فإن المتصدي للتفسير عرضة لأن يقول: معنى قول الله كذا. ثم قد يكون الأمر بخلاف ما قال. ولذا قال مسروق بن الأجدع (ت: ٦٣هـ) : (اتقوا التفسير؛ فإنما هو الرواية عن الله . وقد اتخذ هذا العلم طابعاً خاصاً من حيث توقِّي بعض السلف وتحرجهم من القول في التفسير، حتى كان بعضهم إذا سئل عن الحلال والحرام أفتى، فإذا سئل عن آية من كتاب الله سكت كأن لم يسمع. ومن هنا يمكن القول: إن السلف - من حيث التصدي للتفسير - فريقان: فريق تكلّم في التفسير واجتهد فيه رأيه، وفريق تورّع فقلّ أو نَدُرَ عنه القول في التفسير. وممن تكلم في التفسير ونُقِلَ رأيه فيه عمر بن الخطاب (ت: ٢٣هـ) وعلي بن أبي طالب (ت: ٤٠هـ) وابن مسعود (ت: ٣٣هـ) وابن عباس (ت: ٦٧هـ) وغيرهم من الصحابة. ومن التابعين وأتباعهم: مجاهد بن جبر (ت: ١٠٣هـ) وسعيد بن جبير (ت: ٩٥هـ) وعكرمة مولى ابن عباس (ت: ١٠٧هـ) والحسن البصري (ت:١١٠هـ) وقتادة (ت: ١١٧هـ) وأبو العالية (ت: ٩٣هـ) وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦هـ) وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦هـ) ومحمد ابن كعب القرظي (ت: ١١٧هـ) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: ١٨٢هـ) وعبد الملك بن جريج (ت: ١٥٠هـ) ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠هـ) ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠هـ) وإسماعيل السدي (ت: ١٢٧هـ) والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٥هـ) ويحيى بن سلام (ت: ٢٠٠هـ) ، وغيرهم. وأما من تورّع في التفسير فجمعٌ من التابعين [٢٤] من أهل المدينة والكوفة. أما أهل المدينة، فقال عنهم عبيد الله بن عمر: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليغلظون القول في التفسير؛ منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع [٢٥] . وقال يزيد بن أبي يزيد: (كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام - وكان أعلم الناس - فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع) [٢٦] . وقال هشام بن عروة بن الزبير: (ما سمعت أبي يتأوّل آية من كتاب الله قطّ) [٢٧] . وأمّا أهل الكوفة فقد أسند إبراهيم النخعي إليهم قَولَه: (كان أصحابنا - يعني: علماء الكوفة - يتّقون التفسير ويهابونه) [٢٨] . هذا.. ولقد سلك مسلك الحذر وبالغ فيه إمام اللغة الأصمعي (ت: ٢١٥هـ) ، حيث نقل عنه أنه كان يتوقّى تبيين معنى لفظة وردت في القرآن [٢٩] . فما ورد عن هؤلاء الكرام من التوقي في التفسير إنما كان تورّعاً منهم، وخشية ألاّ يصيبوا في القول. ثانياً: أنواع الرأي في التفسير: الرأي في التفسير نوعان: محمود، ومذموم. النوع الأول: الرأي المحمود. إنما يحمد الرأي إذا كان مستنداً إلى علم يقي صاحبه الوقوع في الخطأ. ويمكن استنباط أدلةٍ تدلّ على جواز القول بالرأي المحمود. ومن هذه الأدلّة ما يلي: ١- الآيات الآمرة بالتدبّر: وردت عدّة آيات تحثّ على التدبّر؛ كقوله - تعالى: [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: ٢٤] ، وقوله: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [ص: ٢٩] . وغيرها من الآيات. وفي حثِّ الله على التدبر ما يدلّ على أن علينا معرفة تأويل ما لم يُحجب عنا تأويله؛ لأنه محالٌ أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له: اعتبر بما لا فهم لك به [٣٠] . والتدبّر: التفكّر والتأمّل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلامٍ قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه، بحيث كلما ازداد المتدبِّر تدبّراً انكشف له معانٍ لم تكن له بادئ النظر [٣١] . والتدبّر: عملية عقلية يجريها المتدبر من أجل فهم معاني الخطاب القرآني ومراداته، ولا شك أن ما يظهر له من الفهم إنما هو اجتهاده الذي بلغه، ورأيه الذي وصل إليه. ٢- إقرارُ الرسول - اجتهادَ الصحابة في التفسير: لا يبعد أن يقال: إن تفسير القرآن بالرأي نشأ في عهد الرسول ﷺ ، وفي ذلك وقائع يمكن استنباط هذه المسألة منها، ومن هذه الوقائع ما يلي: أ - قال عمرو بن العاص: - بعثني رسول الله ﷺ عام ذات السّلاسِلِ، فاحتلمت في ليلة باردةٍ شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت به، ثمّ صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمت على رسول الله - ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُبٌ؟ قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أَهْلَكَ، وذكرتُ قول الله: [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] [النساء: ٢٩] فتيمّمْتُ، ثم صليت، فضحك - ولم يقل شيئاً) [٣٢] . في هذا الأثر ترى أن عَمْراً اجتهد رأيه في فهم هذه الآية، وطبّقها على نفسه، فصلى بالقوم بعد التيمم، وهو جنب، ولم ينكر عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الاجتهاد والرأي. ب - وفي حديث ابن مسعود، لما نزلت آية: [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ] [الأنعام: ٨٢] قلنا يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه، فقال: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح [يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣] ) [٣٣] ، ترى أن الصحابة فهموا الآية على العموم، وما كان ذلك إلا رأياً واجتهاداً منهم في الفهم، فلما استشكلوا ذلك سألوا رسول الله ﷺ ، فأرشدهم إلى المعنى المراد، ولم ينههم عن تفهّم القرآن والقول فيه بما فهموه. كما يدل على أنهم إذا لم يستشكلوا شيئاً لم يحتاجوا إلى سؤال الرسول. والله أعلم. ٣- دعاء الرسول ﷺ لابن عباس: دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس بقوله: (اللهم فقِّهه في الدين، وعلِّمه التأويل) وفي إحدى روايات البخاري: (اللهم علمه الكتاب) [٣٤] . والتأويل: التفسير، ولو كان المراد المسموع من التفسير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان لابن عباس مَزِيّةٌ بهذا الدعاء؛ لأنه يشاركه فيه غيره [٣٥] ، وهذا يدلّ على أن التأويل المراد: الفهم في القرآن [٣٦] ، وهذا الفهم إنما هو رأيٌ لصاحبه. ٤- عمل الصحابة: مما يدل على أن الصحابة قالوا بالرأي وعملوا به ما ورد عنهم من اختلافٍ في تفسير القرآن؛ إذ لو كان التفسير مسموعاً عن النبي - ﷺ لما وقع بينهم هذا الاختلاف. ومما ورد عنهم نصاً في ذلك قولُ صدِّيق الأمة أبي بكر ﵁ لما سئل عن الكلالة، قال: (أقول فيها برأيي؛ فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان) [٣٧] . وكذا ما ورد عن علي ﵁ لما سئل: هل عندكم عن رسول الله ﷺ شيءٌ سوى القرآن؟ قال: (لا، والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إلا أن يُعطِي الله عبداً فهماً في كتابه) [٣٨] . والفهم إما هو رأي يتولّد للمرء عند تفهّم القرآن؛ ولذا يختلف في معنى الآية فهم فلان عن غيره.

стр. 2771

تأصيلات دعوية سلوك الحكمة.. طريق الانتصار (١ من٢) عبد الحكيم بن محمد بلال لو أردنا أسلوباً دعوياً يشمل الأساليب الدعوية كلها، لم نجد إلا الحكمة. وتبدو أهمية هذا الموضوع في الأمور التالية: ١- أن الله تعالى حكيم، متصف بالحكمة، وهي منه بمعنى: علمه بالأشياء وإيجادها على غاية الإحكام. ٢- أن الله نسبها إلى نفسه، وجعل إيتاءها من عنده فقال: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ] ... [البقرة: ٢٦٩] . ٣- أن النبي ﷺ مُلئ قلبه بالحكمة كما في حادثة شق الصدر [١] ، وكانت مهمته تعليم الحكمة، فجاءت أعماله ملازمة للحكمة في أكمل صورها. ٤- أن الحكمة هي الفقه في الدين - كما فسرها كثير من السلف - والرسول- ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين) [٢] . ... ٥- أنها كلمة جامعة بين العلم والعمل. ٦- أن الله مدحها لاشتمالها على الخير الكثير، فقال: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] [البقرة: ٢٦٩] . وقد أمر بها مطلقاً من غير تقييدها بالحسن؛ لأنها حسنة بذاتها، فقال: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ] [النحل: ١٢٥] . ٧- أنها طريق من طرق الدعوة، وأسلوب يندرج تحته بقية الأساليب. ٨- أنها ضالة المؤمن، متى وجدها فهو أحق بها. ٩- أنها موضع تحاسد وغبطة، لاستحقاقها ذلك لشرفها ومكانتها، قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها) [٣] . ١٠- الفهم الخاطئ لمعنى الحكمة؛ حيث يفهمه البعض على أنه اللين والرفق دوماً، ويرى آخرون أن المداهنة والسكوت عن الحق حكمة، ويحسب آخرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قادحاً في الحكمة. ١١- كونها مدار نجاح الدعوات. والصحوة اليوم بأمس الحاجة إلى سلوك سبيل الحكمة، خاصة أن بعض المواقف والأعمال التي قامت بها بعض الجماعات الإسلامية، وبعض الدعاة الغيورين كانت تفتقر إلى الحكمة، كالدخول في معارك عسكرية مع الأنظمة، حتى وإن كانت كافرة، ومثل أسلوب الاغتيالات، أو إحراق أماكن الفساد في بلد لا يملك فيه المسلمون السلطة ... وكل ذلك ناشئ عن الجهل في فهم النصوص ودلالاتها، والخلط فيما تقتضي النصوص التفريق بينه. ١٢- وتظهر أهمية الحكمة أيضاً بمعرفة آثارها، التي منها: الوصول إلى الأهداف من أقرب طريق، وبأكثر النتائج، وأقل الخسائر. ومنها: تقريب القلوب من الدعوة والدعاة، وإزالة الشحناء والبغضاء. مفهوم الحكمة: تدور معاني الحكمة في اللغة حول المنع؛ (لأنها تمنع صاحبها من الوقوع فيما يذم فيه، أو ما قد يندم عليه، وتمنعه من اختيار المفضول دون الفاضل، أو المهم قبل الأهم) [٤] . وقد وردت في القرآن مقترنة بالكتاب ففسرت بالسنة، كما وردت مفردة ففسرها المفسرون بتفسيرين: الأول: النبوة، والثاني: العلم والإتقان، والتوفيق، والبصيرة، والعمل الصائب، ومنع الظلم، ووضع الشيء في موضعه، وكلها معان متقاربة. وقد وردت في السنة النبوية بنحو هذا المعنى [٥] . ويمكن تعريفها بتعريف جامع مانع، فيقال هي: (الإصابة في القول والعمل والاعتقاد، ووضع كل شيء في موضعه، بإحكام وإتقان) [٦] ، أو بتعبير آخر: (فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي) [٧] ، فهذا يشمل القول أيضاً؛ لأنه يعدّ فعلاً. والوجه الذي ينبغي: الطريقة التي يؤدى بها القول أو الفعل أياً كان، مع مراعاة اختلاف الزمان والمكان. فتبين أن الحكمة في الدعوة لا تقتصر على الكلام اللين أو الترغيب أو الحلم أو الرفق أو العفو ... بل هي إتقان الأمور وإحكامها بأن تنزل جميع الأمور منازلها، فتشمل جميع الأساليب الدعوية فيوضع القول الحكيم والتعليم والتربية في موضعه، وتوضع الموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، ومجادلة الظالم المعاند في موضعها، والزجر والقوة والغلظة والشدة والسيف في مواضعها، وهذا هو عين الحكمة، لموافقته لقوله - تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] ، وقوله: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ] [العنكبوت: ٤٦] ، وقوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] ... [التوبة: ٧٣] . كل ذلك مع الاستقامة على دين الله وحسن النية وسلامة القصد وصدق الرغبة فيما عند الله - تعالى -، وإلا كان كل ذلك نوعاً من النفاق. وهناك علاقة بين الحكمة والذكاء من حيث إنه مادة ووسيلة للتعرف على الحكمة، ولكن لا يلزم منه وجودها. وإذا عُرّف الذكاء بحسن التكيف والتلاؤم مع البيئة والأحوال والأحداث الطارئة، فإن هذا لا يصلح تفسيراً للحكمة كما ترى - وإن حاوله البعض؛ إذ يدخل فيه المنافق والمجرم [٨] . وما ظُلِمَتْ كلمة مثل الحكمة باسم الحكمة؛ فكم أساء فهمها الكثير، حتى من المنتسبين للعلم والدعوة، حتى صارت مركباً سهلاً لكل من صعب عليه التزام المنهج، أو لاحت أمامه المكاسب الدنيوية والمصالح الشخصية فصار شعاره الحكمة، ولكن بمفهوم آخر تماماً يدل عليه منهجه الذي جعله متمثلاً في اتباع اللين في كل أمر، ومجاراة الأمر الواقع، وربما التنازل عن المبادئ، والخجل من التزام الشرائع، والتشنيع على كل من يلتزمها ... والخطورة تكمن في محاولة هؤلاء المتخاذلين المنهزمين طمس معالم المنهج الصحيح، وإحلال منهجهم ذي الحكمة المترهلة العجينة المزيفة. خوارم الحكمة وموانعها: قد يصرف الداعية - أو تنحرف الدعوة - عن الحكمة بسبب أمور يغفل عنها الكثير، ومنها [٩] : ١- الهوى وعدم التجرد لله بالإخلاص، ولنبيه -صلى الله عليه وسلم- بالمتابعة: وهو سبب للضلال عن الحق والحكمة، قال - تعالى: [وَلا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] [ص: ٢٦] ؛ لأنه يعمي عن الحق، ويصم. ٢- الجهل: لأن الحكمة تحتاج إلى العلم. وقد بين - تعالى - أن سبب عدم توفيق الكفار للحق والحكمة هو الجهل فقال: [قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَاًمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ] [الزمر: ٦٤] . ٣- الأخذ بظواهر النصوص: كمنهج الظاهرية، فلم يوفقوا للحق في كثير من المسائل، وعدم الجمع بين الأدلة؛ فإن من لا يجمع بين الأدلة يقع في التناقضات التي تنافي الحكمة، فلا يوفق للحق في كثير من المسائل. ٤- الاستدلال بالأدلة في غير مواضعها: كمن يستدل بقوله - تعالى: [عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ] [المائدة: ١٠٥] على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنها تدل على عكس هذا كما يفهم من قوله: [إذَا اهْتَدَيْتُمْ] فإن الاهتداء لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكمن يستدل بقوله : [وَلا تُلْقُوا بِأََيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ] [البقرة: ١٩٥] على ترك الجهاد، مع أن تركه هو التهلكة، كما هو واضح من سبب نزول الآية. ٥- عدم فهم الدليل: فيخالف الحكمة في تطبيقه له وتصرفه على أساس الفهم الخاطئ. ٦- قلة التجربة: وهو سبب مخالفة كثير من الشباب للحكمة. ٧- الفردية: ولذا قال: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) [١٠] ، والحكمة تقتضي الجماعة والتعاون. ٨- عدم تحديد الأهداف: المؤدي إلى آنية التفكير وموسمية العمل والارتجال، وهو ناشئ عادة من النظرة السطحية للأمور، والوقوف عند ظواهر الأحداث، دون النظر في أسبابها، وآثارها، ونتائجها. ٩- تقديم الجزئيات على الكليات: وهو ناشئ من قصور العلم، وقصر النظر. وحاله كحال من رأى شوكة في يد جريح ينزف جرحه، فانشغل بإخراج الشوكة عن عَصْبِ الجرح ومعالجته. وقد استغل الأعداء هذه الثغرة، فأقاموا بعض شعائر الإسلام الجزئية وأشغلوا الناس بها، وهدموا أصوله وأركانه الكلية في غفلة من الناس. ١٠- العجلة، وعدم ضبط النفس. ١١- الخلط في المفاهيم: فإن الحكيم ينطلق من مفاهيم صحيحة، وقواعد ثابتة، مستمدة من الوحي، ومن صور الخلط في المفاهيم: أ - الخلط في مفهوم خوف الفتنة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية الفتنة! ! ب - الخلط بين الحزبية والانتماء: فحوربت الجماعة والوحدة والائتلاف باسم النهي عن الحزبية المقيتة والانتماء، مع أن من الانتماء ما هو محمود ومنه ما هو مذموم؛ فالانتماء لأهل السنة والجماعة مطلوب محمود، بخلاف تحزّب المسلمين بعضهم ضد بعض، فإنه مذموم. ج - الخلط بين الوسائل والغايات. د - الخلط بين الثوابت والمتغيرات. هـ - الظن بأن حب السلف والدفاع عن منهجهم يكفي عن فهمه وتطبيقه والتزامه. ومن الأمثلة أيضاً: الخلط بين الكرم وبين الإسراف، والخلط بين الرفق واللين وبين الضعف، والخلط بين المداراة وبين المداهنة، والخلط بين المصلحة وبين المفسدة، والخلط بين النصيحة وبين التشهير، والخلط بين الإسرار وبين السكوت عن الحق، والخلط بين الغيرة وبين الاندفاع غير المنضبط، والخلط بين العزة وبين التكبر، والخلط بين التواضع وبين الذل والخلط بين التأني وبين البرود والخمول والكسل، والخلط بين الشجاعة وبين التهور، والخلط بين خوف الفتنة وبين الجبن والخوف. وأول هذه الأمور كلها محمود ممدوح، وثانيها مذموم. ١٤- عدم إتقان قاعدة المصالح والمفاسد: وهذا يؤدي إلى تقديم جلب المصالح على دفع المفاسد، وإلى ارتكاب المفسدة الكبرى لدفع الصغرى، وجلب المصلحة الصغرى وترك الكبرى ... مع أن الواجب هو العكس تماماً. والحكيم من يعرف خير الخيرين، وشر الشرين. ١٥- الغفلة عن مكائد الأعداء: بسبب الجهل بفقه الواقع؛ إذ كيف يمكن للمرء أن يفعل ما ينبغي كما ينبغي، إذا كان لا يدرك ماذا ينبغي؟ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ١٦- الغلظة والعنف والطيش: لأن سرعة الغضب والانفعال من خوارم الحكمة، وإنما يترك الناس من جَانَبَ الحكمة. قال - تعالى: [وَلَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] [آل عمران: ١٥٩] . أركان الحكمة وأسباب اكتَسابها: الحكمة رتبة رفيعة، وليست متاحة لكل أحد، بل هي مع بذل الأسباب، وتوافر الأركان فضل من الله ونعمة، ولذا قال - تعالى: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] [البقرة: ٢٦٩] ، مما يوجب على طالبها أن يسألها من مالكها ، وعلى من حصلت له أن يستشعر محض فضل الله ومنته، مع سعيه في توفير أركانها، وبذل أسبابها التي تحصل بها، والتي منها: ١- التجرد والإخلاص والتقوى: قال - تعالى: [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ] [البقرة: ٢٨٢] . وإذا كان الهوى من موانع الحكمة، فإن التقوى والإخلاص أساسها، وما أوضح هذا المعنى في قوله - تعالى: [وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً] [الفرقان: ٧٤] ، فإنه لن يكون إماماً ذا اعتبار إلا إذا كان إماماً للمتقين، فهو متقٍ؛ لأن التقوى صفة للإمام قبل المأمومين. وتحصل التقوى بالعمل الصالح الناتج عن العلم النافع، وتثمر بالاستقامة والثبات عليها. ٢- العلم الشرعي: وقد قرن الله بين الحكم - وهي الحكمة - والعلم في عدة آيات، منها قوله: [وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً] [الأنبياء: ٧٤] . والمراد بالعلم: العلم بالله وأسمائه وصفاته، والعلم بأخباره، وأوامره المتعلقة بالقلوب والجوارح. ٣- الحِلم: وهو رجاحة العقل. والعقل: مكان الحكمة وبيتها. وبينهما اشتراك لفظي ومعنوي، ومما يدل على علاقته بها أن الله - تعالى - ذكر الحكمة، فقال: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] [البقرة: ٢٦٩] ، ثم ختم الآية بقوله: [وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ليبين أنه- تعالى وتقدس - لا يؤتي الحكمة إلا أهل العقول الوافية؛ فهم الذين يعرفون النافع فيعلمونه، والضار فيتركونه. ويراد بالحلم أيضاً: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وهو حالة متوسطة بين الغضب والبلادة، وهذه الحالة يقتضيها العقل السليم. ٤- الأناة: وهي لغةً: التثبت وعدم العجلة. وتعرف بأنها: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ. وهي: مظهر من مظاهر الصبر، وهي معينة على إحكام الأمور ووضعها في مواضعها. وليس للأناة مقادير زمنية ثابتة، ولكنها تختلف باختلاف حاجة الأشياء إلى مقدار السرعة الزمنية التي تحتاجها وتستدعيها النتائج المطلوبة. وقد أمر الله بالتثبت فقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فََتَبَيَّنُوا] [الحجرات: ٦] وفي قراءة [فتثبتوا] ، وذم العجلة والاستخفاف فقال: [وَإذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ] [النساء: ٨٣] ويستثنى ما كان الخير فيه واضحاً، قال - تعالى - ممتدحاً: [إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ] [الأنبياء: ٩٠] . ٥- التجربة والخبرة: والتجربة في الحياة رصيد ضخم تعادل أعلى الشهادات، فإذا أضيفت إلى العلم أصبحت أهم من الشهادات؛ لأن التجربة في الشهادة قاصرة. قال معاوية ﵁ (لا حكيم إلا ذو تجربة) [١١] . والتجارب تنمي المواهب والقدرات، وتزيد البصير بصراً، والحليم حلماً، وتجعل العاقل حكيماً، وقد تشجع الجبان، وتليِّن القاسي، وتسخِّي البخيل، وتقوِّي الضعيف ... والداعية إذا خالط الناس عرف حاجتهم، وركّز على ما ينفعهم، ووضع كل شيء في موضعه، وإذا أخطأ استفاد من خطئه، قال: (لا يُلْدَغُ المؤمن من جحر واحد مرتين) [١٢] . ولذا كان أكمل الناس تجربة وحكمة الأنبياء: رعوا الغنم، ثم جربوا الناس فازدادوا بهم خبرة، وعرفوا سنن قيادتهم، قال موسى ﵊ لنبينا محمد لله لله: (إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة في كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك) [١٣] . ٦- الاستشارة: وهي من عوامل تجنب الفردية القادحة في الحكمة، وقد وصف الله بها المؤمنين، فقال مثنياً عليهم: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] [الشورى: ٣٨] ، ولو استغنى عنها صاحب عقل لكان أغنى الناس عنها من كان يأتيه الوحي من السماء -، ومع ذلك يأمره ربه بمشاورة أصحابه؛ فيقول مبيناً أن الشورى هي مقتضى الحكمة: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] [آل عمران: ١٥٩] . وقد أوجب الله المشورة بين الوالدين، في قضية فطام الولد، وهي قضية تتطلب الحكمة لئلا يتضرر الولد بالفطام: [فَإنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا] . [البقرة: ٢٣٣] . ٧- بُعْدُ النظر وعلو الهمة وسمو الأهداف، وهو سبب عظيم للسداد في الرأي، والتوفيق للصواب؛ حيث إن الذي يعيش لقضية مصيرية يختلف عن إنسان يعيش على هامش الحياة؛ فإن الأول يربط كل حدث بالأهداف التي يسعى إليها، ويعالجه من خلال منظور معين، بخلاف الثاني. ٨- فقه السنن: وقد حث الله على النظر في السنن الكونية الشرعية، والتفكر في أحوال الماضين فقال: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا] [الحج: ٤٦] ، فقرن السير في الأرض - وهو إما حسي أو معنوي - بالعقل، وهو موطن الحكمة، ويحصل مثل هذا السير بالاطلاع على أحوال الماضين، وقراءة التاريخ لمعرفة تجارب الآخرين وإضافتها إلى التجربة الشخصية. ٩- المجاهدة: وهي الجهاد بعد الجهاد، وحمل النفس على تحقيق مراد الله - تعالى - مرة بعد أخرى، قال - تعالى: [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩] ، أي: لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، وهي عين الحكمة، وهذا وعد الله. ١٠- الدعاء والاستخارة: قال - تعالى: [وَإذَا سَأََلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قََرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذََا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ] [البقرة: ١٨٦] . والرشد: إصابة الحق وفعله، وهذا من معاني الحكمة. والاستخارة نوع من الدعاء، عندما يتحير المرء في أي الطرق يسلك، فإنه بالاستخارة يوفق للحكمة والصواب. ١١- السلوك الحكيم: وهو المظهر الدال على الخلق الباطن، ويمكن للداعية أن يحقق ذلك السلوك من خلال: أ - الاقتداء بالصادق الأمين، ذي الخلق العظيم، والذي بعث متمماً لمكارم الأخلاق. ب - اتباع أصول السلوك الحكيم، ومن أهم هذه الأصول تأثيراً في اكتساب الحكمة ما ورد مثلاً في قوله - تعالى: [إنَّ اللَّهَ يَاًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ] [النحل: ٩٠] [وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] [النساء: ٥٨] ، وما في معناها من النصوص. ومن الأصول المؤثرة جداً: الصبر: وهو ركن ركين للإمامة التي لا ينالها إلا ذو حكمة، قال - تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] . ومما يبين أثر الصبر في التوفيق للحكمة قوله - تعالى: [وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] [فصلت: ٣٤، ٣٥] فإن الإنسان إذا سلك منهجاً يجعل من عدوه حميماً وصديقاً، فإن ذلك دليل على الحكمة وحسن التصرف. الرفق ولين الجانب: قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) [١٤] ، وكان ﷺ يوصي صحابته بذلك وقد مدحه الله - تعالى - فقال: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ] [آل عمران: ١٥٩] ، والله رفيق يحب الرفق. والرفق واللين لا يضاد القوة، ولا يستلزم الضعف، وإنما يضاد العنف والفظاظة والغلظة، والجهاد مظهر من مظاهر القوة، ولا يضاد اللين والرفق، فلا منافاة بين اللين والرفق، وبين القوة. ١٢ - العمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص: وليس من الإخلاص أن يكون قصده بالعمل التحلي بالحكمة فحسب. ١٣ - الاستقامة: وهي كلمة جامعة تجمع الدين كله، قال الله - تعالى: [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ] (هود: ١١٢) ، وهي السداد، فإن لم يستطع فعليه بالمقاربة لها، وفي كلتا الحالتين عليه أن يستحضر فضل الله ورحمته. فالعمل وحده لا ينجي، قال: (قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله) ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) [١٥] . ومَنْ أخلص دعوته لله، وأحسن العمل، واعتز بدينه فهو مستقيم ولا أحد أحسن منه، قال - تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣] ، وإذا عرض له في دعوته شياطين الإنس دفعهم بالتي هي أحسن، واستعاذ بالله من شياطين الجن، قال - تعالى: [خُذِ العَفْوَ وَاًمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [الأعراف: ١٩٩، ٢٠٠] . فمن سلك هذه المسالك المستقيمة نال الحكمة والسداد - بإذن الله تعالى. ١٤- السياسة الدعوية الحكيمة: وطرقها كثيرة، ومنها: (أ) تحري أوقات الفراغ، والنشاط والحاجة عند المدعوين؛ حتى لا يملوا، ولئلا يفوتهم شيء من الخير. (ب) ترك الأمر الذي لا ضرر في تركه ولا إثم؛ اتقاء الفتنة. (ج) تأليف القلوب بالمال والجاه أحياناً، حسب الحاجة، فإن الداعية كالطبيب. (د) التأليف بالعفو في موضع الانتقام، والإحسان مكان الإساءة ... وكل خطأ بالخُلق المضاد له. (هـ) عدم مواجهة الداعية أحداً بعينه عندما يريد أن يؤدبه أو يزجره، ما دام يجد في الموعظة العامة كفاية. (و) إعطاء الوسائل صورة الغايات، بتبيين ثمرات أفعال الخير العظيمة، مثل: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) [١٦] وبتوضيح آثار أعمال الشر، وذلك بسد الذرائع الموصلة إليها، كتحريم مسبة آلهة المشركين إذا خشي سبهم لله - تعالى. (ز) أن يجيب على السؤال الخاص بجواب عام؛ بحيث يتناول السائل وغيره، ليكون الجواب قاعدة عامة بنفع كل من سمعه. كنحو ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مع عمرو بن العاص، لما أراد أن يشترط أن يُغْفَرَ له قبل أن يُسلِمَ، فقال له: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ... ) [١٧] . ١٥- فقه أركان الدعوة إلى الله: وهي من البصيرة اللازمة، وأركانها هي: أ - موضوع الدعوة: (ما يدعو إليه الداعية) ، وهو دين الإسلام بخصائصه العظيمة المميزة له عن سائر الأديان، من شموله وعمومه، ووسطيته، وجلبه للمصالح. ب - الداعي من حيث: * وظيفته، وهي الدعوة، والبلاغ، بصورة فردية وجماعية. * عدته وسلاحه من الفهم الدقيق، والإيمان العميق، والتعلق بالله في كل حال. * أخلاقه وصفاته التي لا تخفى. ج - المدعو، فالإسلام عام لكل البشرية، وبين الناس تفاوت عظيم في الأديان والأفكار والعقول والطباع والأحوال ... ، فلا بد من مراعاة كل ذلك، ويبدأ الطريق بإصلاح النفس، ثم الأهل، ثم المجتمع المسلم، ثم غير المسلمين. د- أساليب الدعوة ووسائل تبليغها: وأساليبها هي: ١- تشخيص الداء في المدعوين، وتحديد الدواء. ٢- إزالة الشبهات التي تمنع من الإحساس بالخطأ، ومعرفة الصواب. ٣- الترغيب، ثم الترهيب. ٤- تعهد المستجيبين بالتربية والتعليم. ٥- تقويم جميع هذه الأساليب على أسلوب الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، واستخدام القوة مع المعاندين. وأما وسائل الدعوة فعلى نوعين: ١- خارجية: كالحذر مع التوكل، والاستعانة بالله على كل خير، والالتزام بكل نظام مشروع فيه ترتيب لحياة الداعية. ٢- مباشرة: وهي بالقول بشتى صوره، والعمل، والسيرة الحسنة.

стр. 2772

تأملات دعوية لنحترم أوقات الآخرين عبد الله المسلم ندرك جميعاً أن من واجبات المرء أن يحافظ على وقته ويرعاه، وأن يحاسب نفسه على الأوقات التي أضاعها لا الأوقات التي اغتنمها. لكننا أحياناً في تعاملنا مع غيرنا خاصة من أهل العلم والدعوة الذين يقصدهم الناس ويزدحمون عند أبوابهم ربما أسأنا لأوقاتهم من حيث لا نشعر، وأحياناً يغيب عن أذهاننا أن من مسؤوليتنا المحافظة على أوقات الآخرين أو على الأقل احترامها. ومن صور تلك المحافظة: افتراض الخلاف حول تحديد الأولويات، فما نراه مهماً لدينا قد لا يكون كذلك لديهم، وحتى حين يبقى الخلاف قائماً فالقضية تتعلق بصاحب الوقت؛ فرأيه أوْلى أن يعتبر. وقد نرى أننا بحاجة إلى مساعدة شخصية من أمثال هؤلاء، كقراءة مسودة كتاب، أو مشروع عمل، أو تقديم استشارة في أمر ما، وهذا مطلب مشروع؛ لكنه حين يتجاوز دائرة الطلب إلى الإلحاح والإصرار فهو ينم عن صورة من صور الوصاية على أوقات الآخرين. وحين يعتذر لنا بالانشغال فتقديرنا لانشغاله وقبولنا لعذره يمثل صورة من صور احترام وقته، وكيف نلوم من اعتذر عن استقبالنا وهو حق شرعي له؛ وقد أدّبنا القرآن بهذا الأدب [وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ] [النور: ٢٨] والرجوع الأزكى ينبغي أن يصحب بالتقدير للاعتذار لا الانصراف بالسخط واللوم. روى ابن جرير بإسناده إلى قتادة قال: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط [وَإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] [النور: ٢٨] . وقد جاء تحديد ذلك بالثلاث في السّنّة النبوية، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) [١] . وتقدير الانشغال بأعمال خاصة بهم أنفسهم كالذكر والقراءة ونحو ذلك مظهر من مظاهر رعاية أوقاتهم، خلافاً لما يسلكه بعض الناس حين يقدم على من هو منشغل بذكر أو تلاوة فيقطع عليه ذلك لأمر لا يستحق. وقد نبه ابن القيم ﵀ إلى أن إيثار المرء الناس بوقته أمر يفسد عليه حاله فقال: (مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك، وتوجهك وجمعيتك على الله، فتكون قد آثرته بنصيبك من الله ما لا يستحق الإيثار، فيكون مثلك كمثل مسافر سائر في الطريق لقيه رجل فاستوقفه، وأخذ يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق، وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى الله تعالى؛ فإيثارهم عليه عين الغبن، وما أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره، وما أقل المؤثرين الله على غيره. وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضاً، مثل أن يؤثر بوقته، ويفرق قلبه في طلب خلقه، أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله؛ فيفرق قلبه عليه بعد جمعيته، ويشتت خاطره، فهذا أيضاً إيثار غير محمود. وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين عليك، على الفكر النافع، واشتغال القلب بالله، ونظائر ذلك لا تخفى، بل ذلك حال الخلق، والغالب عليهم. وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله فلا تؤثر به أحداً؛ فإن آثرت فإنما تؤثر الشيطان وأنت لا تعلم) [٢] . ومن مظاهر احترام أوقات الآخرين احترام مواعيدهم من حيث الانضباط فيها، والاعتذار عند حصول مانع مفاجئ. ومن الأدب مع أوقاتهم، أن يبادر المرء بالاستئذان متى ما انتهى من شغله وحاجته، أو شعر أنه قد أطال بما فيه الكفاية؛ إذ قد يجد الرجل حرجاً من أن يطلب من زائره الانصراف وهو ربما كان ينتظر انصرافه على أحر من الجمر. وقد يظن بعض الناس أن الإلحاح في الدعوة والمشاركة في المناسبات الخاصة أمر يعكس عظم قدر الشخص عنده، وقد لا يكون الأمر كذلك، بل يمثل إهداراً لوقت كان يمكن أن يستفيد منه فيما هو أوْلى. ويبقى الأمر بعد ذلك محتاجاً إلى الاتزان؛ فعلى الدعاة وأهل العلم أن يسعوا للإعطاء من أوقاتهم والاحتساب في ذلك، وعلى من يعاملهم أن يوازن بين استفادته من أوقاتهم، وبين إسهامه في المحافظة عليها.

стр. 2773

تأصيلات دعوية كيف نعالج الاختلاف ؟ مبارك عامر بقنه الاختلاف بين البشر ظاهرة طبيعية، وأمر فطري؛ وذلك لاختلاف عقولهم وأفهامهم وتعدد رغباتهم وأهوائهم مما يؤثر في تصورهم للأشياء، ومن ثَمّ حكمهم على الأمور. وبعض الاختلاف قد يكون سائغاً ومقبولاً؛ وذلك إذا كان الاختلاف في الأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص قطعي الدلالة والثبوت؛ فهذا لا ضير فيه إذا بذل الإنسان فيه وسعه وكان قصده الحق من غير تعصب ولا هوى متبع؛ فإنه يكون مأجوراً وإن أخطأ، وهذا الذي وقع بين الصحابة ﵃ وهو الذي يكثر وروده في كتب الفقه. وهذا النوع هو اختلاف تنوع لا يوجب شقاقاً أو نفرة. قال يحيى بن سعيد: (ما برح المستفتون يُستفتون، فيحل هذا، ويحرم هذا، فلا يرى المحرِّم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرِّم هلك لتحريمه) [١] . وأما الاختلاف في أصول الدين كالاختلاف في الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات أو في الرسل أو في القرآن، أو نحو ذلك من أصول الاعتقاد، فإنه لا يسيغ الاتفاق والاجتماع على ذلك؛ لأن في ذلك فساد الدين، ونصر الباطل، وتأييد أهل البدع على بدعتهم، بل يجب أن يكون موقفنا ممن خالف أمراً معلوماً من الدين بالضرورة الافتراق؛ لأن التعاون والتكاتف لا يكون على حساب الدين والقيم ومبدأ الإسلام. فإن الجماعة والوحدة المطلوبة هي ما وافقت الحق ولو كانت فئة قليلة. قال عمرو بن ميمون الأودي: (صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوماً من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة. قال: قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صلِّ الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا. قال: إن جمهور الجماعة: الذين فارقوا الجماعة؛ الجماعةُ ما وافق الحق، وإن كنت وحدك) [٢] . وتشتد حاجة الأمة في هذا العصر إلى الوحدة والترابط بالمفهوم الشامل، فالعالم اليوم يسعى إلى التضامن والتوحد من أجل السيطرة والبقاء، فنحن نعيش في عصر التكتل والجماعات؛ فلا بقاء للوحدة والانفراد. فلا بد أن يكون في حس الداعي إلى الله الدعوة إلى ائتلاف القلوب، ووحدة الصف، وجمع الكلمة على الحق، ونبذ الفرقة والشقاق: [وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] [المؤمنون: ٥٢] . فهذا هارون ﵇ عندما عبد بنو إسرائيل العجل نهاهم عن ذلك وحذرهم وقال لهم: [يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي] [طه: ٩٠] ، فلما رجع موسى ﵇ عاتب هارون ﵇ بسبب تأخره عنه؛ حيث لم يلحقه فيخبره بما حدث، فكان جواب هارون ﵇: [إنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي] [طه: ٩٤] ، فاعتذر بعدم اللحاق به بأنه خشي فرقة بني إسرائيل، فحرص على وحدة قومه واجتماعهم على ما فيهم من منكر عظيم إلى أن يرجع إليهم موسى ﵇ فيحكم بينهم. فالاختلاف والتفرق من أشد العوامل التي تنخر في جسد الأمة حتى تجعلها كالخشبة المسندة، تسقطها أدنى ريح، وتقلعها أهون عاصفة. فالاختلاف يسبب العداوة والبغضاء والتحزب والتقاتل؛ ولذلك جاء النهي عنه والتحذير منه في آيات وأحاديث كثيرة، كقوله - تعالى: [وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشرِكِينَ (٣١) مِنَ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] [الروم: ٣١-٣٢] وقوله - تعالى: [أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] [الشورى: ١٣] ، وقول النبي: (أيها الناس عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة. ثلاث مرات) [٣] . وقوله: (لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا، فهلكوا) [٤] . ومع هذا التحذير إلا أننا نجد أن الشارع الحكيم قد أخبر أن الاختلاف واقع في هذه الأمة قَدَراً وأنه لا مفر منه قال - تعالى: [وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] [هود: ١١٨- ١١٩] ففي رواية عن الحسن البصري أنه قال: (وللاختلاف خلقهم) [٥] . وفي الحديث: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) [٦] والجمع بين الأخبار التي وردت بأن الاختلاف واقع في هذه الأمة وبين النهي عن الاختلاف والتفرق، هو أن الاختلاف لا بد أن يقع على هذه الأمة ولكن ليس على جميعها، فالله عصم أمة محمد ﷺ من الضلال؛ فلا تزال طائفة من أمة محمد ﷺ على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك؛ ففي الأوامر الشرعية حث على الاعتصام بهذه الطائفة المنصورة التي تسترشد بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وإن خالف من خالف؛ ففي النهي عن الاختلاف تكثير لهذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها [٧] . وكذلك فيه أمر بالمعروف وإنكار على هذا الاختلاف والتفرق؛ فهو لا يعني الاستسلام للخلاف وعدم المحاولة في إزالة أسبابه، وقلع جذوره؛ لا، ليس هو كذلك؛ فنحن مطالبون شرعاً بالاعتصام والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف. فيجب أن نفرق بين الأمر الشرعي والأمر القدري. فعلينا أن نسلك الأسباب والآداب التي تمنع الاختلاف والتشتت؛ ومن هذه الأسباب: ١- الاعتصام بالكتاب والسنة: فأحكام الله ورسوله جاءت لتؤلف القلوب، وتوحد الصف [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [الأنعام: ١٥٣] . فالرجوع عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أنجع السبل في الوقاية من داء الاختلاف، كما قال الله - تعالى: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاًوِيلاً] [النساء: ٥٩] ونستضيء بفهم السلف الصالح لفهم نصوص الوحي حتى لا نضل وتموج بنا الأهواء، فلا تقدم الآراء والعقول على الوحي المطهر فتلوى أعناق النصوص وتُؤول لتوافق شهوة في النفس، فترد الأخبار الصحيحة ويصبح الدين لا مرجعية له إلا الآراء والعقول الفاسدة. وفي هؤلاء يقول عمر ﵁: (أصبح أهل الرأي أعداء السنة؛ أعيتهم أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم) [٨] . ٢- العلم والفهم بالمسألة المختلف فيها: فكثير ما تحدث الخلافات في القضايا بسبب عدم الإلمام بالمسألة من جميع جوانبها، فلو أحاط الشخص بالمسألة لوجد أن هناك متسعاً في الأمر. (فكثيراً ما يؤدي الاهتمام بناحية - أي ناحية - على حساب الفهم الكلي إلى الانحراف عن الطريق السوي، ولعل هذا من أكبر أسباب نشوء الفرق الإسلامية) [٩] . قال ابن تيمية: (أكثر ما يكون المنازعة في الشيء القليل قبل إحكامه وجمع حواشيه وأطرافه) [١٠] . قال الشاطبي: (الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العادة الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة، الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها) [١١] ، فقد يعتقد الإنسان في نفسه - بعد قراءته لبعض الكتب - أنه من أهل العلم والاجتهاد، فإذا به يتصدر، ويخالف العلماء ويقول برأيه، فيهدم من حيث لا يدري، ويضل الناس من حيث لا يشعر، فعن ابن عمرو ﵄ أن النبي لله قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [١٢] . قال بعض العلماء: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قِبَلِ علمائهم، وإنما يؤتون من قِبَلِ أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قِبَلِهِ [١٣] . ٣- التثبت والتبين: فكثير من الناس يحكمون على الآخرين من خلال ما يسمعونه عنهم من غير أن يكلفوا أنفسهم السؤال والتحري عن حقيقة ما سمعوا؛ قد يكون ما سمعوه هو من اختلاق بعض المغرضين القاصدين للفرقة والنزاع في الصف الإسلامي. والتثبت مما نسمع هو من منهج الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه -، فهذا سليمان ﵇ يقول للهدهد بعد أن أخبره الخبر: [سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكَاذِبِينَ] [النمل: ٢٧] وقد عاتب الله داود في ... حكمه للخصمين قبل أن يسمع ويتثبت من الآخر، قال النحاس: (ويقال إن خطيئة داود هي قوله: [لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ] [ص: ٢٤] لأنه قال ذلك قبل أن يتثبت) [١٤] والله - سبحانه - يقول: [إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فََتَبَيَّنُوا] [الحجرات: ٦] . ومن أصول التثبت في الأخبار هو النظر في عدالة المخبر، وضبطه لما ينقل، والتبين ممن أخذ المخبر؛ فقد يكون أخذه من كاذب، ثم النظر في هذا الخبر قبل الحكم على الأمر؛ فقد يحتمل أوجهاً متعددة فيحمل على أحسنها. ٤- الحوار في المختلف فيه: فطرح القضية للنقاش بأسلوب هادئ بعيد عن التجريح وتسفيه رأي الآخر، مع إتاحة الفرصة لتبادل الرأي، وسماع الطرف الآخر، خليق بأن يجعل هناك نوعاً من التقارب في وجهات النظر. ومما يؤسف له حقيقة أن كثيراً من المختلفين لا يجتمعون ولا يتحاورون فيما بينهم، وإن اجتمعوا للنقاش والتحاور فلا يحسنون آداب الحوار وعرض القضايا، مما يجعل كل طرف يتعصب لرأيه وإن ظهر له الحق خلاف ذلك. ولكي تتقبل الآراء يجب أن يكون الحوار بالحسنى، فإذا كان الله أمرنا أن نجادل أهل الكتاب بالحسنى، فإخواننا في العقيدة أوْلى بذلك منهم. ٥- حسن الظن بالطرف الآخر: فالشكوك والقدح في نيات الآخرين كفيلة بإيجاد جفوة وشقة بعيدة لا يمكن التلاقي فيها، فكل قول أو فعل يحمل على خلاف الظاهر المتبادر منه للذهن من دون قرينة تصرفه عن ظاهره فيه ظلم وتجنٍّ على الآخرين، ورحم الله الشافعي حيث قال: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) . فهكذا يجب أن نحمل آراء الآخرين على المحمل الحسن ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، عندها سنجد أن كثيراً من الاختلافات قد زالت. ٦- الإخلاص في تحري الحق: فالانتصار للذات، والتعصب للرأي، يؤدي إلى رفض الحق، ومخالفة وجهة النظر؛ فمن قصد الانتصار لنفسه وهواه فلا يوافق الآخرين في رأيهم وإن بدا له أنه صواب، ولا شك أن هذا خلاف منهج الصالحين؛ فهذا الشافعي يقول: (والله ما أبالي أن يظهر الحق على لساني أو على لسان خصمي) ؛ فالتجرد للحق، والإخلاص لله، يزيل عقبات الاختلاف؛ ولكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة النفس في ذلك، وإلزامها الحق بقوة. والله الموفق.

стр. 2774

البيان الأدبي حوارية ضياع دار حفيظ بن عجب آل حفيظ (١) في الليل وكلٌّ قد نامَا ... والظلمُ تمطّى جذلانا دخل المسكينُ لغُرفَته ... يبكي بالدمعةِ أحزانا يبكي بالحسرة آلاماً ... ويبثّ اللوعةَ أشْجَانا العبرةُ كادت تقتله ... والآهة ليست ترسله ... والشعر أبى أن يُسْعِفَه ... والظلم تمطّى جَذْلانا ... الصوتُ شديدٌ مُرتفعٌ ... قَدْ طَالَ وهزّ الجُدْرَانَا قد طالَ وأيقظ نائمةً ... بالنوم أزالتْ أحْزَانا (٢) ولدي يا ولدي يا ولدي ... ماذا يُشجِيكْ؟ قل لي يا ولدي حدثني ... ماذا يُبْكِيْكْ؟ لا تكْتُمْ عني يا ولدي ... إني أرضيكْ إني أرضيكَ أيا ولدي ... إني أرضيكْ (٣) يا أمي لا لا ترتاعي ... فالجرحُ عَمِيق وأنا بهمومي يا أمي ... قد صِرْتُ غَرِيقْ ... يا أمي نامي ودعيني ... وغداً سأفيقْ ... وسأرجعُ لصوابي يوماً ... يوماً سأفيقْ ... روحي ودعيني يا أمي ... إني سأفيقْ (٤) ... يا ولدي لنْ يهدأ بالي ... والهَمّ يُقَطِّع أوصَالي ... لا أهدأُ أبداً يا ولدي ... حتى أرْضِيكْ ... حتى أسْلِيكَ أيا ولدي ... حتى أُسْلِيكْ ... حدثني قلْ لي يا ولدي ... عَلِّي أُسْلِيكْ (٥) يا أمي قد ضاع بياني ... وتجمّد بالعيِّ لساني يا أمي لا أدري ماذا ... أحكي يا أمي من شاني يا أمي قد كانت داري ... فوق الجوزاءِ ولا أحسنْ قد كانت جنةَ آمالي ... قد كانت شمساً بل أحسنْ قد كان فِنَاها يا أمي ... يحوي الأمصار قد كان فسيحاً يا أمي ... قد كان ديَارْ ... قد كان يُحيطُ أيا أمي ... كل الآبارْ يا أمي قد كان مُرادي ... أنْ ينشأ فيها إخواني أن تنمو فيها أحلامي ... أن أُنْشِدَ فيها ألحاني يا أمي قد كان مُرَادي ... أنْ تبقى لي طولَ زماَني لكن يا أمي أحلامي ... قد ضاعت في ليلِ منامي ... أصبحت بيومٍ يا أمي ... فرأيت الدارْ قد صارت ناراً يا أمي ... قد صارت نارْ ورأيتُ عدوي في داري ... يتبخترُ في ثوبٍ ناري يا أمي قَتّل إخواني ... ورمى بالرّمْحِ فأرداني وتهكّم بي حين رآني ... وتهكّم بي حين رآني وعلاني يا أمي فَرِحاً ... وتباهى حين تَحدّاني ... وأتى بوثاقٍ يوثقني ... وأتى بوثاقْ ... صلبوني يا أمي حتى ... أصبحتُ مُعَاقْ ... وأروني يا أمي ... آهٍ ... ما ليس يُطاقْ ... جاؤوا بعروسي يا أمي ... من غير دِثَارْ ... من غير حجابٍ يا أمي ... من غير ستارْ ... تستصرخُ يا أمي باسمي ... وتقول العارْ ... العارُ أتانا أنقذنا ... هل تخشى العارْ؟! يا زوجي قد طار دِثَاري ... وتكشّف عنّي يا عاري يا عاري آهٍ يا عاري ... يا عاري آهٍ يا عاري فعلوا بعروسي.. وانفسي ... وبأختي ما أفنى حِسِّي واحتلوا يا أمي داري ... ورموني منها بإزاري يا أمي قد ضاعت داري ... وبكيتُ أنا ذكرى عاري يا عاري آهٍ يا عاري ... يا عاري آهٍ يا عاري (٦) ... ولدي فلْتصبْر ولْتبحثْ ... عن درب الدارْ ... وأعدّ سلاحك يسترجع ... هاتيك الدارْ ... وتقدّمْ يا ولدي هيّا ... لتَرُدّ الدارْ ... وتُزيلَ العار أيا ولدي ... وتُزيل العارْ

стр. 2775

نص شعري شمو خ محمد سعد دياب دَعْنا نُسَامرْ عطرها المَيّادا ... تلكَ الصحائفُ.. كمْ زَهَتْ أَمجادا تاريخُنا.. وتَتِيهُ ألفُ نُجَيْمَةٍ ... تَثِبُ الأَهِلّةُ.. تُمْطِرُ الإنشادا كانت سيوفُ الفَتْحِ يلمعُ حَدّها ... بَرَقتْ تُدَمْدِمُ ريحُها إرعادا تلك الجحافلُ ضاءتِ الدنيا بها ... حَفَرَتْ عزائمَها.. انبرتْ ميعادا ضربوا فِجَاجَ المستحيل جسارةً ... وَتَبَوّؤوا هَامَ الشموس مُرَادا وَشَمُوا على جفنِ السُهَا أَيامَهم ... إنّا نرى سَعْداً.. نرى المِقْدَادا كانت مَآقِي الدهرِ تَرْقُب خطوَهم ... سُحِرَتْ.. وبات كرَى العيونِ سُهَادا أرسوا هُدَى الرحمنِ فانجابَ الدّجَى ... واخْضَرّ صبحٌ.. دافِقاً إسعادا حملوا الرسالةَ وافتدوها مُقْلَةً ... وَنُهًى تَوَسّدَ نبضُها الأكبادا سَرَتِ المعارفُ.. أَتْرَعَتْ بِرُوَائها ... دنيا.. أنارَ عبيرُها الأَبعادا الذارياتُ حَمَلْنَ شُعْلَتها سَنًى ... ليفيتضَ في لُجَج الدّنا إرشادا تلكَ البيارقُ حينَ آخاها المُنَى ... صِدْقاً.. أفاءتْ كي تطيبَ حَصَادا قِمَمٌ تَجَذّرَ غرْسُها فتحدّرَتْ ... بَحْراً من النّعْمَى.. هَمَى جَوّادا سِفْرٌ من السِيَرِ الوريقةِ قد نَضَا ... كالدّرِّ في مَسْرَى الزمانِ.. وزادا ذَيّاكَ ميراثٌ نُبَاهي دَهْرَنا ... ب شموخِ هِ.. نعلو به أَنجادا الوارثون المجدَ نحنُ.. نقولُها ... تَدْوِي.. تَرُجّ السمعَ والآمادا سَنُعيدُ ما عَبَقَ القَصِيدُ بِذِكْرِهِ ... لن نرتَخِي هِمَماً.. نلوذَ رُقَادا نحنُ الذين سَنُسْرِجُ القنديلَ.. نَقْ ... دَحُ جَذْوَةً تَسْقِي رُباً وَوِهَادا هذا كتابُ الله نرفعُهُ هُدًى ... وَعْداً يَشِعّ بقلبِنا.. ورشادا تالله لا.. لا.. لن تَضِلّ دروبُنا ... تالله لا.. لا.. لنْ نَشِتّ فُرَادَى الله أكبرُ.. فلتكنْ راياتِنا ... وَحُدَاءَنا.. وسِرَاجَنا الوقّادا

стр. 2776

نص شعري زحام الأجسام محمد بن عبد الله المقرن هناك من يعيش وقد أفاد بحياته آلافاً من البشر.. وكم تزدحم الحياة بمن يعيش ليعيش.. وربما ليميت. سئمَ القَصيدُ وَجَفّت الأقلامُ ... ما عاد.. يجدي بالفصيح كلامُ ما عاد يُجْدي أن نريقَ دموعَنا ... أو أن تذيبَ قلوبَنا الآلامُ ما عاد يُجْدي أن نجمّعَ حسرةً ... وتبثها بجمودنا الأوهامُ نبني من الأقوال قصراً شامخاً ... والفعل دون الشامخات ركامُ!! نحكي الهوانَ على شواطئ لهونا ... وأمامنا يُتَقَاذفُ الإسلامُ إن لم نخضْ بَحْرَ الصراع فعيشنا ... في شاطئ الذلِّ السحيق حرامُ ما بالنا يا قومُ نرتع بالهوى ... وتصوغ قمةَ مجدنا الأحلامُ أرواحنا تهوي تخرّ صريعةً ... وعلى الحياة تطاول الأجسامُ!! إني لأصرخ بالحقيقة مُرْغماً ... ولكم أطالَ بِصَمْتي الإرغامُ!! الحرب في زمن العجائب أصبحت ... حرباً تقامُ وسَاحها الأفهامُ!! كم موفدٍ للغرب جاء لأمتي ... بحضارةٍ يصحو بها وينامُ قد جاء والإعجاب يملأ قلبه ... بل جاءَ يَملأ قلبَه الإجرامُ كمْ فكرة فاحت بها صحف الهوى ... ولكم بغت بسمومها أقلامُ زعموا الحضارة فصل دين إلهِنا ... عن منهج منه الحياة تقامُ تباً لهم.. تَباً لوحل عقولهم ... ضلوا الطريقَ فتاهتِ الأفهامُ سلْ في ديار العرْب باراتِ الهوى! ! ... سل ساهرات الرقص فيم تقامُ سلْ كيف تدعى للسفور نساؤنا ... وبأيِّ أثمان الهوان تسامُ سلْ غيرة (العملاء) أين حياؤهم؟ ! ... بشرٌ ولكنْ بالهتوى أغنامُ سلْ من يربي بالمعازف جيلَنا ... سلْ أيّ سمٍّ ينفثُ الإعلامُ كنا نرى سفكَ الدماءِ وعزّنا ... فإذا بذلٍّ تُسفك الأفهامُ قد كانت الأشلاءُ سُلّم أمةٍ ... يسمو على أعتابها الإسلامُ فإذا بحرب الفكر تطحن أمةً ... تحكي مصارعَ ذلِها الأيامُ يا معشر العملاء مثلي واقفٌ ... يحمي الحمى وبقبضتيه سهامُ كابوس صحوتنا يقضّ منامَكم ... ويَرُوع من طافت به الأحلامُ الدين أسمى من مبادئ لؤمكم ... كالشمس تنفذ والسماء غمامُ فليسمع الكون الفسيح بأسره ... كلماتنا.. ولتكتب الأيّامُ! ! إنْ ماتت الأرواح بالهمم استَوتْ ... في موتها وحياتها الأجسامُُ

стр. 2777

خاطرة سريعة نحو أدب هادف طاهر عبد الله الثقفي ها نحن الآن في العصر الحديث، عصر المدنية المغلقة على أبنائها، عصر الجمال الصناعي بشتى أصنافه، عصر الشعر المبتذل غالباً، والمتكلف أحياناً. وهذا هو واقعنا للأسف.... فماذا نفعل؟ إذا أردنا أن نزيح هذا الكابوس عن أفكارنا وأحاسيسنا فيجب علينا أن نبدأ بأنفسنا.. ثم بالجيل الصاعد من أبنائنا. إنّ تذوّق الأدب الراقي يصقل الموهبة، ويربي الذوق، وتشفّ له النفس وترقّ، ويتفتح الذهن على عالمٍ واسعٍ من الخيال. إنّ التذوق الأدبي من الدعائم الراسية لبناء الشخصية التي نبحث عنها ونسعى لإيجادها في مجتمعاتنا؛ فهو مصدر متميزٌ لإرساء القيم النبيلة في أعماق الشخصية بحكم طبيعته وارتباطه بها. وقد نعجز عن الإحاطة بما للأدب الراقي من مردودات للفرد والمجتمع. فلنا أسوة بعلمائنا ومفكرينا وعظماء تاريخنا الإسلامي؛ حيث كان الأدب من أساسات تعليمهم عبر حياتهم العلمية؛ ففسروا القرآن الكريم خير تفسير، وفهموا الأحاديث الشريفة أحسن فهم، وقدموا لنا العلم في أساليب رصينةٍ عميقةٍ جميلة. فلماذا نزهد اليوم في بناء الذوق الأدبي لدى هذه الأجيال المتطلعة للمستقبل ونحن بحاجةٍ إلى تلك الشخصية الإسلامية القوية؟ لماذا؛ ونحن نعلم ما بهذا الجيل من عوزٍ إلى القيم الإيجابية الصادقة؛ والفكر الواسع المتأمل، والعين الفاحصة المدققة؟ يجب ألا يُسمح للمتلاعبين بالأدب والمرتزقة والفوضويين أن يفسدوا ذوق هذا الجيل الذي نتطلع إليه بكل أمانينا ليحمل الهموم الإسلامية، ويعمل دائماً للخير والصلاح. إنّ الأدب الذي ندرّسه لأبنائنا ليس صافياً خالصاً، وإنما هو خليطٌ من تاريخ الأدب والتراجم والنقد والأدب، سواءً في التعليم العام أو الجامعات.. فإذا أردنا أن نصل إلى تذوقٍ أدبي يغوص في أعماق النص الأدبي ويكتشف جمالياته ويقدر ما فيه من درر وجواهر، فعلينا أن ندرّس الأدب على أنه علمٌ وفنٌ مستقلان عن التاريخ والتراجم والنقد الأدبي؛ فبعد اختيار ما رقى وطهر من النصوص الأدبية ندرس لغتها وبلاغتها، وفلسفة النص واختصاصاته كنصّ يحمل رسالةً يجب أن تُقرأ. فإن فعلنا فسوف نخرج بقرّاء وكتاب للأدب الجميل الهادف لنشر الوعي الإسلامي الصحيح. وإلا فإن الأدب سيبقى حبراً على ورق ... وسيفقد طاقاتٍ بشرية نحن بحاجة ماسةٍ إليها.

стр. 2778

البيان الأدبي لست أهذي ولكن شادي السيد أحمد استيقظت - كالعادة - قبل أذان الفجر بساعة، على الأذان الأول، الذي يُوقظ الناس لإدراك صلاة الليل، وكذلك للسحور لمن أراد الصوم. اكتظ المسجد الجامع في الحيّ الذي أسكن فيه بالمصلين قبل الأذان بدقائق، وبعد نصف ساعة أقيمت الصلاة، وصلّى الإمام صلاة طويلة؛ كما كان يفعل النبيّ- ﷺ ، فاستغرقت حوالي خمس وعشرين دقيقة. مرّت ساعة كاملة بعد انقضاء الصلاة، وما زال المسجد ممتلئاً بالمصلين؛ الذين انهمك كل واحد منهم في قراءة أذكار الصباح. في تمام السادسة عمّ النشاط المدينة بأكملها؛ الجميع يتجهون إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم..، وبدأت المحال التجارية في فتح أبوابها. وصلتُ في تمام السادسة والربع إلى (مركز تلفاز العالم الإسلامي) (I. W. T. C) حيث مقرّ عملي، وفي السادسة والنصف كنت خلف مكتبي في قسم (الإعداد والإشراف) في الطابق الثامن والثلاثين. انهمكتُ في إعداد تقرير دوري؛ لإرساله إلى مراكز تلفاز العالم الإسلامي في ثلاثين دولة في العالم، ومراجعة بعض الأوراق، حتى إنني لم أشعر بأحد الموظفين في قسم (المتابعة والتطوير) حينما دخل عليّ لأعتمد برامج (مركز تلفاز العالم الإسلامي) ليوم غد - بإذن الله تعالى - وجاءت البرامج المقترحة على النحو الآتي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مركز تلفاز العالم الإسلامي (المركز الرئيس بواشنطن) قسم الإعداد والإشراف * الموضوع: مواد وبرامج يوم الخميس: ١٥/٣/١٤٢٨هـ (حسب تقويم أم القرى) . الفترة الأولى: ٣.٤٥صباحاً: تلاوة قرآنية بصوت الشيخ/ محمود خليل الحصري ... (الحزب السادس) . ٤.١٥: نقل أذان وصلاة الفجر على الهواء مباشرة من بيت الله الحرام بمكة المكرمة. ٤.٥٥: أذكار الصباح. ٥.١٠: تلاوة قرآنية بصوت الشيخ/ علي بن عبد الرحمن الحذيفي (الحزب الثلاثون) . ٦.٠٠: برامج المرأة (الأخت المسلمة هذا الصباح) . ٧.٠٠: برامج المرأة: فتاوى نسائية. ٨.٠٠: نشرة أخبار العالم الإسلامي. ٨.٣٠: برامج الأطفال (براعم الإيمان) . ٩.٣٠: برامج الأطفال (ناشئ في رحاب القرآن) . ١٠.٠٠: برنامج (تلاوة وتفسير) . ١١.٠٠: برنامج (العلم والإيمان) . ١١.٣٠: من نوادر العرب. ١٢.٠٠: موجز الأنباء. ١٢.١٠: أناشيد إسلامية للأطفال. ١.٠٠: نقل أذان وصلاة الظهر على الهواء مباشرة من المسجد الأقصى بفلسطين. ١.٠٠: حتى ٤.٠٠ راحة. الفترة الثانية: ٤.٠٠: تلاوة قرآنية بصوت القارئ / عبد الباسط عبد الصمد (الحزب التاسع) . ٤.٣٥: نقل أذان وصلاة العصر على الهواء مباشرة من جامع الأزهر بالقاهرة. ٥.٠٠: نور على الدرب. ٦.٠٠: البرامج التعليمية (مقرر التوحيد للثانوية العامة في الوطن الإسلامي) . ٧.٠٠: الصحة العامة (الهدي النبويّ في الطعام والشراب) . ٧.١٥: نقل أذان وصلاة المغرب على الهواء مباشرة من المسجد النبوي الشريف بالمدينة النبوية. ٧.٤٥: تلاوة قرآنية بصوت الشيخ / سعود بن إبراهيم الشريم (الحزب٥٥) . ٨.٠٠: أخبار العالم الإسلامي. ٨.٤٥: نقل أذان وصلاة العشاء على الهواء مباشرة من بيت الله الحرام بمكة المكرمة. ٩.٢٠: برنامج: صحابي جليل. ٩.٣٠: ألعاب ترفيهية. ٩.٤٠: تلاوة قرآنية بصوت الشيخ / محمد صديق المنشاوي (الحزب ٢٢) . ١٠.٠٠: الختام. *صورة لمركز المعلومات. *صورة لقسم التنفيذ. *صورة لفروع المركز الرئيس في: مكة المكرمة - القاهرة - دبي - دمشق- الرباط - الكويت - بغداد - نواكشوط - كابول - مانيلا - لندن - فيينا - إسلام أباد - طوكيو - أروى - ستوكهولم - روسيا - ميلانو - باريس - بازل. *صورة لصُحف العالم الإسلامي. *صورة لمركز القمر الفضائي الإسلامي. يعتمد مدير قسم الإعداد والإشراف بعد اعتماد مواد وبرامج الغد، توجهتُ لقسم (التصوير الخارجي) لمتابعة تغطية مؤتمر علماء الإسلام المنعقد في القدس بدولة فلسطين المحرّرة. عدتُ إلى بيتي منهكاً بعد يوم حافل بالأحداث في العمل، وأويتُ إلى فراشي في العاشرة والنصف، بعد أن تأكدت من نوم الأولاد في غرفهم. استسلمتُ للنوم دون أدنى مقاومة، وبعد فترة من الوقت - لا أعرف مقدارها- قمتُ فزعاً على استغاثة امرأة، وأصوات رجال يضحكون بشدة، على أنغام موسيقى صاخبة! ! قفزتُ من فراشي محاولاً معرفة مصدر هذه الأصوات، وأنا أُكبِّر وأُهلِّل، وقد تحفّزتْ عضلاتُ جسمي، وتصببتُ عرقاً! ! وقفتُ حينما سمعتُ صوتَ زوجتي تخبرني أن هذه الأصوات التي سمعتها صادرة من تلفاز الجيران! ! نظرتُ إلى الساعة في ذهول، وقد تجاوزت عقاربها الثالثة صباحاً! صِحتُ وقلتُ: كيف يحدث هذا؟ ! وقد اعتمدتُ اليوم برامج مركز تلفاز العالم الإسلامي! ! لا بد أن أعداء الإسلام قد احتلوا مركـ.. .. ..!! وجدتُني أقف فجأة عن الكلام، ... وأنا أحكّ رأسي كمن ينفض عن نفسه النعاس! هَرَعَتْ إليّ زوجتي، وهي تتحسس رأسي، وتهتف في جزع: هل أصابتك الحمى يا زوجي؟ ! ! لقد كنتَ تهذي بكلام عجيب! ! هدّأتُ من روعها، وقلت: لها: لا عليك..؛ لست أهذي.. لقد كان مجرد حُلم! ! حُلم جميل ... مشهد العمر الذي طوّح به ما يعرضه التلفاز في هذه الساعة المتأخرة! ! !

стр. 2779

المسلمون والعالم الإعلام الغربي وتشويه حقائق الصراع د.باسم خفاجي مقدمة: لا جدال في أن من يملك الإعلام في هذا الزمان يملك زمام الشعوب؛ ففي عالم تحوّل إلى قرية صغيرة تطورت فيه وسائل الإعلام والاتصالات، وغزت فيه عالمنا الإسلامي الأفكار والقيم الواردة من كل أنحاء العالم ... وأصبح من المهم بل من الضروري البحث في أثر هذا الإعلام على حسم الصراعات والخلافات الفكرية وغير ذلك، في هذه القرية العالمية. وقد أدى تطور وسائل الإعلام وتضخم الآلة الإعلامية الغربية إلى ظهور خطرها على الهويات الدينية والعرقية لكثير من شعوب العالم؛ ففي عالم تزيد عدد اللغات فيه عن ٦٠٠٠ لغة، وتتنوع وتتباين فيه القيم الحضارية والدينية، يمثل الإعلام الغربي أكثر من ٩٠% من حركة الإعلام المتدفق بين أرجاء العالم [١] . ولا شك أن لهذا آثاراً سلبية على محاولات الحفاظ على الهوية الدينية، والوقاية من الأمراض الأخلاقية الغربية التي تتسرب إلى الشعوب من خلال تدفق المعلومات. والإعلام الغربي يؤثر أيضاً بصورة فعالة على كثير من القيادات السياسية في العالم، مما دعا الأمين العام السابق للأمم المتحدة للقول بأن (وكالة الأنباء التلفزيونية - هي العضو رقم (٦) في مجلس الأمن) . ولكن المعلوم أن هذا الإعلام لا يعبِّر عن المعاناة الحقيقية للبشر. إن المتتبع للإعلام الغربي وطرق صياغته وأساليب إيصاله إلى المواطن يرى الكثير من التجاوزات في المصداقية والحيدة. وكثرت في الآونة الأخيرة الدلائل على المحاولات المتعمدة لإعادة صياغة المواقف السياسية وتفسيرها وتشويهها بما يخدم أهداف الغرب ومن يدور في فلكه. ومن هنا تأتي أهمية تتبع الآثار التي تنتج عن تشويه الإعلام الغربي لحقائق الصراع في كثير من بقاع العالم. والحديث في هذا المجال لا بد أن يتطرق إلى المنطلقات الشرعية في فهم حقائق الصراع العالمي، والحديث عمن يملك الإعلام الغربي، والآثار المنظورة والمحسوسة للإعلام على الرأي العام للشعوب. كما أنه من الضروري التطرق إلى بعض أمثلة تشويه الحقائق وتغييرها من قبل الإعلام الغربي، والبحث عن المستفيد من وراء ذلك، وأخيراً ما هو دور الإعلام الإسلامي في مقاومة هذا التشويه لحقائق الصراعات القائمة في العالم؟ تحذير قر آني: لقد فضح القرآن الكريم لنا أساليب وسائل الإعلام الكافرة عبر التاريخ في حرب الإسلام وأهله، التي تنوعت صورها ووسائلها وجمع بينها جميعاً رابط الكيد والعداء للإسلام، والكذب والخداع وتشويه الحقائق. ولنتأمل قول الله - تعالى: [وَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] [فصلت: ٢٦] وكذلك قوله: [وَمِنَ الَذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاًتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ] [المائدة: ٤١] ، وكذلك قوله - جل شأنه: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ] [آل عمران: ٧١] . كما أن الاستهزاء بالإسلام والمسلمين، والسخرية منهم، وإشاعة الأخبار السيئة عنهم ليس بالأمر المستغرب أو الجديد في ساحة الصراع بين حزب الرحمن وحزب الشيطان منذ بدايات هذا الصراع. وقد أصبحت وسائل الإعلام الغربية من أهم وسائل إدارة هذا الصراع وتأجيج ناره في العقود الأخيرة. وقد حذر الله - ﵎ الأمة المجاهدة من هذه الوسائل الشيطانية في أكثر من موضع في الكتاب العزيز. ومن ذلك: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَاًلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] [آل عمران: ١١٨] ، [زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا] [البقرة: ٢١٢] ، [وَإذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ] [النساء: ٨٣] . هل تثق الشعوب الغربية في إعلامها؟ في دراسة أعدها كل من (أندرو كوت) و (روبرت توث) حول ثقة المواطن الأمريكي في مصداقية الإعلام الغربي، ونُشرت في دورية (الصحافة والسياسة) الصادرة عن جامعة هارفارد، وجد أن المجتمع الأمريكي قد انخفضت ثقته بالإعلام الغربي بصورة واضحة في السنوات الأخيرة، ودلت الدراسة على أن الغالبية من الشعب الأمريكي التي كانت تثق في مصداقية وسائل الإعلام الغربية قد تحولت إلى أقلية خلال عشر السنوات الماضية. فبينما اعتقد ٣٣% من الشعب الأمريكي في عام ١٩٨٥م أن الإعلام بصورة عامة يفتقد المصداقية، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى ٤٤% في عام ١٩٩٢م، وبلغت في نهاية عام ١٩٩٧م حوالي ٥٣%، كما أظهرت الدراسة نفسها أن أكثر من ٦٠% من الشعب الأمريكي يعتقد أن الإعلام يركز على الجوانب السلبية أكثر من اللازم [٢] . كما بينت الدراسة أن أهم أسباب عدم المصداقية يرجع إلى (عدم الحيدة) من جانب الإعلام الغربي عند طرح القضايا وتحليلها. وعدم الحيدة يرجع إلى عدد من الأسباب التي من أهمها وأبرزها: ملكية اليهود لوسائل الإعلام وتأثيرهم المباشر على هذا الإعلام بشكل لافت للنظر. من يملك الإعلام الغربي؟ تجمع معظم الإحصاءات أن المواطن الأمريكي يتابع ما يحدث في بلده وفي باقي أنحاء العالم من خلال نشرات الأخبار التلفزيونية التي تشكل أهم مصدر إخباري لنسبة ٨٥% من الشعب الأمريكي. وهناك أربع شبكات تلفزيونية تشكل في مجموعها أكثر من ٩٥% من الأخبار المحلية والعالمية التي تجمع وتصور وتبث للمواطن الأمريكي. وهذه الشبكات هي: سي. إن. إن (CNN) وتملكها شركة تايم - وارنر التي يرأسها جيرالد ليفين (يهودي) ، وشبكة إي. بي. سي (ABC) وتملكها شركة والت ديزني التي يرأسها مايكل إيزنار (يهودي) ، وشبكة سي. بي. إس. (CBS) وتملكها شركة وستنجهاوس ويرأس الشبكة إيريك وابر (يهودي) ، وشبكة إن. بي. سي. (NBC) وتملكها جنرال إليكتريك ويرأس قطاع الأخبار فيها أندرو لاك (يهودي) . ومن المفاجئ بلا شك أن نجد أن كل هذه الشبكات تدار حالياً من قبل اليهود. وهذا يعني أن ١٠٠% من القرار الخاص بالأخبار تبث من أكبر أربع شبكات تلفزيونية أمريكية تتحكم في ٩٥% من الأخبار في أمريكا، ولها تأثير بالغ؛ لأنها تشكل مصدراً رئيساً للأخبار التي يتلقاها ٨٥% من الشعب الأمريكي هي لليهود. فهل يعقل أن تكون هذه مصادفة! أما الصحافة اليومية فقد نجح اليهود في السيطرة عليها بل وامتلاك أكبر ثلاث مؤسسات صحفية أمريكية مؤثرة. وهذه الصحف هي: (نيويورك تايمز) التي تعتبر الصحيفة الموجهة لنبض المجتمع الأمريكي والمعبرة عن ثقافته، ويتولى رئاستها ويشغل منصب الناشر لها في الوقت الحالي أرثر أوكس سالزبرج (يهودي) . وإضافة إلى الصحيفة اليومية الهامة، فإن مؤسسة نيويورك تايمز تمتلك أيضاً ٣٦ صحيفة يومية أخرى و١٢ مجلة هامة، و٣ شركات لطباعة الكتب، وتتولى نيويورك تايمز تزويد ما يزيد عن ٥٠٠ صحيفة يومية بالأخبار. والصحيفة الثانية هي (واشنطن بوست) وهي الجريدة السياسية الأولى في أمريكا، ويقرؤها معظم صانعي القرار ابتداءً من البيت الأبيض، وحتى ممثلي الولايات في الكونجرس الأمريكي. وقد اشترى إيجين ماير (يهودي) هذه الصحيفة عام ١٩٣٣ ولا تزال مملوكة لعائلته، وتملك الحصة الكبرى فيها إحدى حفيدات إيجين وهي كاثرين ماير (يهودية) . أما صحيفة (وول ستريت جورنال) وهي صحيفة المال والتجارة، والتي يقرؤها السياسيون ورؤساء الشركات والمستثمرون وأصحاب الأموال في أمريكا وكثير من بقاع العالم، وتعتبر أكثر الصحف الأمريكية انتشاراً؛ حيث يطبع منها ما يزيد على ٢. ١ مليون نسخة يومياً فهي مملوكة لشركة داو جونز التي يرأسها بيتر كان (يهودي) . وتصدر المؤسسة ٢٤ صحيفة يومية وأسبوعية أخرى. أما المجلات الأسبوعية فنجد أن أهمها على الساحة السياسية مملوك تماماً لليهود. وهذه المجلات هي: مجلة التايم (٤.١ مليون نسخة أسبوعياً) وتملكها تايم وارنر التي يرأسها جيرالد ليفين (يهودي) ، ومجلة نيوزويك (٢.٣ مليون نسخة) وهي مملوكة للواشنطن بوست التي ترأسها كاثرين ماير (يهودية) وأخيراً مجلة يو إس نيوز (٢.٣ مليون نسخة) ويملك أغلب أسهمها ويرأسها مارتينمر زوكرمان (يهودي) . ... أما من ناحية دور النشر فيوجد في أمريكا مئات دور النشر في المجالات الثقافية والعلمية المختلفة؛ ولكننا نجد عند البحث عن أكبر هذه الدور أنها مملوكة وتدار أيضاً من قِبَلِ اليهود؛ فمؤسسة تايم بوكس مملوكة لشركة تايم - وارنر التي ذكرنا سابقاً أن رئيسها هو جيرالد ليفين (يهودي) ، ومؤسسة راندم هاوس يملكها نيوهاوس صامويل (يهودي) . ومؤسسة سايمون أند شوستر مملوكة لشركة بارامونت التي يرأسها مارتين دايفز (يهودي) . وأخيراً شركة وسترن التي يرأسها ريشارد برنستاين (يهودي) . ولذلك فليس من المستغرب أن نشاهد هذا التواطؤ الإعلامي على تشويه حقائق الصراع في كل مناطق العالم الإسلامي، وطرحها بصورة تخدم التوجهات الغربية واليهودية. تشويه الواقع: لماذا؟ في كتاب بعنوان: (الإعلام الأمريكي والشرق الأوسط: الصورة والانطباع) يذكر مؤلف الكتاب سببين للتشويه المتكرر في الإعلام الغربي لصورة الإسلام والمسلمين: السبب الأول في نظر الكاتب: هو أن طبيعة الشرق الأوسط والإسلام غير مفهومة بشكل صحيح لمن ينقلونها إلى الإعلام الغربي من مراسلين ومحررين غربيين. والسبب الثاني: هو أن هذه الوسائل الإعلامية تنقل رسالتها من خلال منطلقات علمانية غربية؛ وهذه ليست بالضرورة أفضل وسيلة لنقل المعلومات عن العالم الإسلامي. ورغم أن الكاتب قد يكون مصيباً في ذكر هاتين النقطتين كسببين لتفسير هذا التشويه، إلا أن هذه الأسباب ليست هي الأسباب الأكثر أهمية. كما أن هذه الأسباب تنطبق أيضاً على إسرائيل مثلاً؛ ومع ذلك فلا نجد أي تشويه متعمد أو غير ذلك فيما يتعلق بمواقفها. ومن خلال دراسة سابقة حول الهيمنة الصهيونية على الإعلام الغربي [٣] لوحظ أن السيطرة الصهيونية على معظم وسائل الإعلام الغربي هي السبب الرئيس في هذا التشويه المتعمد والمتكرر لكثير من حقائق الصراعات في العالم بالشكل الذي يخدم مصالح هذه الفئة - ويغلب على كافة المصالح الأخرى - ومن بينها المصالح الأمريكية ذاتها. كما أن هناك أسباباً أخرى ساهمت بصورة أساسية في تكوين الانطباع السلبي العام عن الإسلام والمسلمين في القارة الأمريكية مما سهل بلا شك تقبّل ما يقدمه الإعلام من صور سيئة عن المسلمين؛ ومن ذلك أن كثيراً من المستعمرين الأوائل للقارة الأمريكية القادمين من أوروبا كانوا يعقدون الكثير من الشبه بين واقعهم من ناحية فرارهم من الاضطهاد الكنسي في أوروبا، وبين تاريخ بني إسرائيل وفرارهم بدينهم. وفي بداية هذا القرن، رأى الأمريكيون أن اليهود في فلسطين يقومون بنفس العمل الذي قام به أجدادهم عندما قدموا إلى أمريكا. ولذلك فكما رأى الأجداد الأوائل أن هذه البلاد غير مأهولة إلا بالرعاع من الهنود الحمر الذين كان لهم أحد خيارين: إما التنصر وخدمة الرجل الأبيض، أو القتل، فإن الحكومة الأمريكية قد تعاملت مع بداية إسرائيل وعلاقتها بالفلسطينيين بنفس المنطق والتصور. وأخيراً فإن المبشرين من القارة الأمريكية قد انطلقوا في القرن الماضي في حملات متوالية لتنصير المسلمين في الشرق الأوسط وفي فلسطين خاصة، وفوجئ هؤلاء المنصرون بصعوبة تنصير المسلمين بل حتى بصعوبة تحويل نصارى العرب إلى البروتستانتية. وأدى ذلك إلى كتابة عدد من الكتب عن تجاربهم السلبية. وامتلأت تلك الكتب بالأوصاف السيئة عن جمود العرب وتخلفهم، وعدم قبولهم للهداية التي جاؤوا بها [٤] . وكان لهذه الأسباب مجتمعة أثر كبير في قناعات كثير من القائمين على أوجه التأثير الإعلامي في القارة الأمريكية، ولذلك لا يستغرب انصياعهم واستجابتهم للتشويه المتعمد من قبل اليهود الذين سعوا منذ نشأة الإعلام الغربي لتوجيهه ضد الإسلام والمسلمين. وسائل التشويه إخفاء الحقائق: المتتبع للإعلام الغربي يلحظ عدم الحيدة بشكل واضح عندما يتعرض الأمر لاهتمامات إسرائيل؛ فلا يتم الإعلان عن الجرائم التي ترتكب يومياً في فلسطين على يد المتطرفين اليهود، بينما تبرز العمليات الاستشهادية وتستغل أبشع استغلال. وهناك تصوير الغزو لجنوب لبنان على أنه عمل تحريري ودفاعي، بينما يمثل الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال الروسي بأنه تطرف وأصولية. وعلى صعيد آخر نلاحظ في الفترة الأخيرة الحملة التي يتبناها الإعلام الفرنسي ويتبعه في ذلك العلمانيون والتنويريون في مصر للاحتفال بمرور ٢٠٠ عام على الحملة الفرنسية على مصر، وإبراز الحملة كنقلة حضارية للشعب المصري، وتعمد إخفاء أنها كانت استعماراً واحتلالاً انتُهكت فيه حرمة المقدسات الدينية، وعُبِثَ فيه بالأزهر الشريف، وقُتِلَ آلاف المسلمين من أبناء مصر دفاعاً عن دينهم ووطنهم. ويذكر الكاتب الأمريكي (بالتز) أن الإعلام الأمريكي قد ضلل الشعب الأمريكي وقيادته بشكل واضح خلال الفترة التي سبقت انهيار إمبراطورية الشاه في إيران [٥] . ومن ذلك أن معارضة حكم الشاه كانت تصور دائماً على أنها مقاومة من أقلية دينية متطرفة. ولم تجرؤ وسائل الإعلام الغربية على وصفه بالدكتاتورية حتى نهاية حكمه، وكان معارضوه يوصفون دائماً بعدم التنظيم، وكان المراسلون يكررون دائماً صعوبة الانقلاب على الشاه، وأنه أمر غير محتمل. كما يبدو واضحاً للمتابع حرص الإعلام على إخفاء بعض الوقائع التاريخية التي لا تخدم اهتمامات الإعلام الغربي الحالية. فرغم كثرة استشهاد وسائل الإعلام الغربية في المناسبات القومية وغيرها بأقوال مؤسسي الولايات المتحدة، وتقديمها للشعب الأمريكي على أنها من الحِكَمِ والمآثر للأجداد الذين قامت على أكتافهم الحضارة والتفوق الأمريكي، إلا أننا نجد تعتيماً تاماً لمواقف هؤلاء الزعماء من الوجود اليهودي في القارة. وقد قرأت مؤخراً أحد خطابات الرئيس الأمريكي السابق (بنجامين فرانكلين) في عام ١٧٧٩م محذراً أول مجلس تأسيسي للولايات المتحدة من خطر اليهود قائلاً: (لا تظنوا أن أمريكا قد نجت من الأخطار لمجرد أنها نالت استقلالها، فهي ما زالت مهددة بخطر جسيم وهو تكاثر اليهود في بلادنا.. إن هؤلاء اليهود هم أبالسة وخفافيش ليل.. اطردوا هذه الفئة الفاجرة من بلادنا قبل فوات الأوان.. أيها السادة: ثقوا أنكم إذا لم تتخذوا هذا القرار فوراً، فإن الأجيال القادمة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود) . الكذب المتعمد: يروي دافيد بن جوريون - وهو الرئيس الإسرائيلي الأسبق - في مذكراته أنه اتفق مع جمال عبد الناصر خلال الحملة على الإخوان المسلمين أن تقوم الإذاعة الإسرائيلية بالدفاع عن الإخوان والهجوم على عبد الناصر للإيحاء بوجود صلة بين الإخوان واليهود، ولإعطاء الفرصة لعبد الناصر باتهام الإخوان بالعمالة لليهود والتعاون معهم. وقد ذكر هذه الواقعة أيضاً رئيس الوزراء الأردني السابق سعد جمعة في كتابه: (أبناء الأفاعي) نقلاً عن مايلز كوبلاند صاحب كتاب: (لعبة الأمم) . كما تعمد هذا الإعلام اليهودي نقل قصص الفساد الإداري في الدولة العثمانية في بداية القرن للتعجيل بسقوطها، وإبراز حوادث الانحلال والاستبداد من خلال الحملة الشعواء التي شنها الإعلام الغربي على الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد، ووصفه بلقب (السلطان الأحمر) عقب رفضه بيع فلسطين للوفد الصهيوني الذي أراد انتزاع ذلك الاعتراف منه. وتلا ذلك إبراز الخلافة العثمانية بصورة (الرجل المريض) وإثارة التيارات القومية التركية للانقضاض على الخلافة وتقويض أركانها. ولعل أحد شواهد أثر هذا الكذب الإعلامي هو ما نقلته صحيفة الصنداي تايمز في أحد أعداد عام ١٩٨١م عن الصحفية الأمريكية اليهودية: (سارة ايهرمان) أن مؤسسة الضغط اليهودية إيباك قد تمكنت باستخدام الوسائل الإعلامية من تغيير الرأي العام الأمريكي خلال ٤٨ ساعة فقط عقب قصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي. وتدعي الصحيفة بكل فخر نجاح الضغط الإعلامي في تحويل الرأي العام الأمريكي من الموقف الغاضب جداً ضد إسرائيل إلى تقبل وجهة النظر اليهودية، بل والقناعة بأن ضرب المفاعل كان عملاً شجاعاً من أجل سلام العالم [٦] . وقد استخدمت وسائل إعلامية أخرى مؤثرة لنقل الكذب والحقد على الإسلام والعرب في العالم الغربي؛ ومن ذلك استخدام الأفلام السينمائية التي تؤثر على قناعات عامة الشعوب الغربية. فمثلاً تظهر جولدا مائير في صورة المرأة الرحيمة في أحد الأفلام الغربية التي تصور قصة حياتها، فعندما تسألها طفلة أمريكية: (متى يتحقق السلام بينكم وبين العرب؟) ترد الممثلة التي تؤدي دورها في إنسانية ورحمة: (عندما يفوق حب العرب لأولادهم على بغضهم لليهود سيتحقق السلام بيننا) [٧] . وفي المقابل يظهر العربي المسلم في معظم الأفلام الأمريكية الحديثة بصورة الغوغائي الدموي الحاقد على الغرب، والذي لا يعرف للإنسانية أو الرحمة معنى. وقد تنبه الكثير من المؤسسات الصحفية المحايدة منذ زمن طويل إلى السيطرة الرهيبة لليهود على صناعة الأفلام الغربية، فذكرت مجلة نصرانية تسمى: (الأخبار المسيحية الحرة) في عام ١٩٣٨م تحذيراً لهذه الظاهرة قائلة: (إن صناعة السينما في أمريكا يهودية بأكملها، ويتحكم اليهود فيها دون منازعة، ويطردون كل من لا ينتمي إليها، وجميع العاملين فيها هم إما من اليهود، أو من صنائعهم، ولقد أصبحت هوليوود بسببهم (سدوم) العصر الحديث، حيث تنحر الفضيلة، وتنشر الرذيلة، وتسترخص الأعراض ... أوقفوا هذه الصناعة المجرمة؛ لأنها أضحت أعظم سلاح يمتلكه اليهود لنشر دعايتهم المضللة المفسدة) . وكتب كثير من الكتاب المعاصرين عن سيطرة اليهود على صناعة السينما والتلفزيون وأثر ذلك على صورة العرب في أذهان الشعب الأمريكي؛ ومن ذلك كتاب صدر في العام الماضي لكاتب اسمه جولدبرج بعنوان (قوة اليهود) ، أفرد فيه فصلاً كاملاً للحديث عن تغلغل اليهود في صناعة السينما الأمريكية. كما كتب (روبرت شارج) في بحث له عن تأثير الإعلام الغربي على صورة الشخصية العربية في نفوس الأطفال الأمريكيين. وركز في دراسته على بعض البرامج الأمريكية المشهورة التي تنتجها مؤسسة (والت ديزني) التي يمتلكها اليهود. ومن ذلك قصة علاء الدين الذي يظهر فيها كشخصية عربية تتحول تدريجياً إلى النمط الغربي، وتحظى بحب كل من يتعامل معها في مقابل شخصية عربية أخرى هي (جعفر) تمثل جانب الشر وتبقى محتفظة بالمظهر العربي، وكذلك بكراهية كل من يتعامل معها. ويركز الباحث على الأثر النفسي لمثل هذا الفيلم على قناعات الأطفال في المجتمع الأمريكي تجاه الشرق الأوسط؛ خاصة أن الفيلم تجاوزت مبيعاته ١٠ ملايين نسخة. السخرية والتهكم: نشرت إحدى الصحف البريطانية الشعبية مؤخراً رسماً كاريكاتوريا على الصفحة الأولى يبرز صورة الشيخ عمر عبد الرحمن بجوار صورة الطفلة البريطانية التي قتلت في حادث الأقصر مؤخراً، وقد كتب تحت الكاريكاتور تعليق حاد وهو: (من أجل هذا الشيطان قتلت هذه البريئة) ويروي الأستاذ زياد أبو غنيمة في كتابه: (السيطرة الصهيونية) على وسائل الإعلام العالمية) أنه رأى إعلاناً في إحدى القنوات التلفزيونية الأمريكية عام ١٩٧٥م عن أحد أنواع المنظفات الذي يبدأ بصوت المعلن قائلاً: (إن هذا الصابون ينظف أي شيء.. حتى العربي) ثم يظهر شخص في زي عربي متسخ وتحاول إحدى الفتيات تنظيفه بالمنظف الجديد وينتهي الإعلان بقول الفتاة: (لقد بذلنا كل ما في وسعنا) ويظهر المعلن مرة أخرى ليقول: إن تقارير المختبرات أثبتت أن عدم نظافة العربي لا يرجع إلى عدم وجود المنظفات، ولكن (لأن العربي لا يمكن أن يصبح نظيفاً أبداً) [٨] . وفي إعلان آخر عن وسيلة لحماية النساء من المعتدين تسير فتاة باطمئنان ثم يفاجئها رجل يرتدي الزي العربي ليهجم عليها بخنجر في يديه، فتستخدم الفتاة مادة مخدرة ترشها في وجهه ليسقط مغشياً عليه، ولا تنسى الفتاة قبل أن تمضي أن تبصق على العربي. تعميق الإحساس بالكراهية: لقد أجاد الإعلام الغربي في تعميق إحساس الكراهية لدى الشعوب الغربية تجاه الإسلام والمسلمين على مدى العشرين سنة الماضية، وكان لأحداثٍ مثل المظاهرات التي أعقبت صدور كتاب: (آيات شيطانية) وعمت أنحاء أوروبا أثر كبير في استغلال صور انفعال المسلمين لما في هذا الكتاب من إهانة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجاته والصحابة لتصوير المسلمين أنهم جهلاء ولا يتمتعون بروح السماحة والنقاش الحر، وهي أمور يعتبرها الغربي من المسلّمات والبدهيات خاصة في المجتمعات الغربية التي غُيِّبَ فيها الدين بصورة تامة عن الحياة اليومية للشعوب، وشاهد المتفرجون على شاشات التلفزيون الفرنسي صورة المظاهرة التي قام بها ٥٠٠ شاب مسلم في باريس مطالبين بالاقتصاص من كاتب ذلك الكتاب، وأعيدت المشاهد الانفعالية لهذه المظاهرة مرات عديدة خلال الأيام التالية، وعبرت عن ذلك جريدة النيويورك تايمز في عدد ٥ مارس ١٩٨٩م قائلة: (لقد ظهر هؤلاء المتظاهرون فجأة في المجتمع كطابور خامس للتطرف الإسلامي في فرنسا التي كانت تحتفل بمرور القرن الثاني على ثورتها ضد الدين) وخرجت إحدى اليمينيات في ذلك الوقت لتقول: (إن الإسلام دين قائم على عدم التسامح) . وذكر (روبرت فيسك) في مقال له صدر في جريدة الإندبندنت البريطانية في يوم ٣/١٢/١٩٩٧م حول الإعلام الغربي وتعامله مع قضايا المسلمين أن هناك تعمداً مستمراً للإساءة للدين الإسلامي بكل الطرق الإعلامية الممكنة من قِبَلِ الصحافة والإعلام الغربي. وذكر في مقاله مثالين على ذلك وهما: وصف مجلة (باري ماتش) الفرنسية لحادثة الأقصر بأنها من فعل (مجانين الله) ، وكذلك غلاف مجلة التايم الأمريكية عقب تفجير برج التجارة العالمي في نيويورك، والذي خرج بعنوان (الإرهاب الإسلامي) . وفي المقابل فعندما قام الصرب بكل أنواع التنكيل والتعذيب للمسلمين في البوسنة والهرسك، كان ذلك ينقل في الإعلام الفرنسي على أنه صراع عرقي وليس ديني. ولم يحدث أن أشير إلى جرائم الصرب على أنها جرائم (لنصارى أوروبا) ، ولكنها صورت في معظم وسائل الإعلام الغربية على أنها صراعات من أجل الهيمنة على الأرض أو الحدود الجغرافية. وتلقفت كثير من وسائل الإعلام العربية هذا الموقف نفسه وبدأت في إعادة بثه في وسائل الإعلام العربية. التعتيم والمحاصرة: رغم أن الدراسات الإحصائية قد أثبتت أن أكثر من ٥٠% من حملة شهادات الدكتوراه في المجالات الهندسية في القارة الأمريكية هم من أبناء العالم الإسلامي، وكثير من العلماء البارزين في شتى فروع العلوم الطبيعية والتقنية في الجامعات الأمريكية هم من المسلمين، إلا أن الإعلام الغربي يصر على تصوير هذه النجاحات على أنها نجاحات فردية، بينما تبرز نجاحات اليهود المماثلة على أنها تفوّق عرقي وأنها تؤكد تميّز وذكاء الشعب اليهودي بأكمله. وقد صدر مؤخراً في أمريكا كتاب بعنوان: (بين اليهود والسود) يعقد سلسلة من المقارنات بين السود واليهود في أمريكا، ويؤكد صاحب الكتاب في أكثر من موضع أنه رغم أن كل من اليهود والسود في أمريكا يمثلان أقلية عرقية، إلا أن هناك فرقاً شاسعاً بين تأثير كل منهما على الحضارة الغربية. ويتفنن الكاتب في ذكر مناقب الأقلية اليهودية والذكاء الفطري لها، والإنجازات العلمية والحضارية لأبنائها، بينما يهوِّن من الناحية الأخرى من شأن السود ويلتمس لهم الأعذار، ويقدم بطريقة ماهرة وماكرة صورة سلبية وقاتمة لهذه الأقلية. وحيث إن الإسلام هو الدين الأسرع انتشاراً بين طوائف السود في القارة الأمريكية، فلا يخفى على القارئ الربط الذي سيعقده الأمريكي العادي عند قراءة مثل هذا الكتاب. نماذج تاريخية: الصراع العربي الإسرائيلي في مجلة التايم: في دراسة متخحصة عن القضية الفلسطينية والإعلام الأمريكي، قام (ر. س. زهارنة) بدراسة إعلامية تعقّب فيها كيف تعاملت أشهر المجلات الأمريكية والعالمية - مجلة التايم - مع القضية الفلسطينية منذ بداية الكيان اليهودي في فلسطين (١٩٤٨م) . ولاحظ الباحث أن التايم قد بدأت منذ عام ١٩٤٦ ١٩٤٩م في تغيير كلمة (الفسلطينيون) إلى كلمات أخرى من مثل (سكان فلسطين) و (عرب فلسطين) وذلك لإخفاء الهوية الحقيقية للسكان الأصليين في المنطقة. ثم تغيرت هذه المصطلحات خلال الفترة من ١٩٥٠م إلى نهاية الستينيات إلى: (العرب غير الأردنيين) و (العرب الإسرائيليين) و (الأردنيين) ، وصاحَبَ ذلك تطور آخر وهو التركيز على خصوصية العلاقة بين أمريكا وإسرائيل لدرجة أن مجلة التايم قامت بنقل الموضوعات الخاصة بقضية إسرائيل من صفحات القضايا الدولية في المجلة إلى الصفحات المحلية. واستمر هذا التغيير منذ ذلك الحين. أما من ناحية اللقاءات الصحفية فقد كان أغلبها يتم مع مسؤولين أمريكيين أو إسرائيليين مما جعل الطرح الصحفي دائماً متحيزاً للجانب الإسرائيلي من النزاع، وكان لتصوير الفلسطينيين أنهم من العرب أثر إعلامي قوي في أمريكا بين مختلف فئات الشعب الأمريكي لاستغلال الكراهية المترسخة نحو العرب من جراء سنوات من الإعلام السلبي، إضافة إلى تصوير إسرائيل كياناً صغيراً في مقابل عدو ضخم هم العرب، بدلاً من التركيز على المجازر الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. كما قامت التايم بعدد من التحقيقات الإنسانية مع العائلات اليهودية المهاجرة إلى أرض الميعاد، وركزت هذه التحقيقات على جوانب التضحية والمعاناة والمشقة. ومثال ذلك تحقيق أجري في عدد ٧/٢/١٩٤٩م مع عائلة يهودية مهاجرة. كما استخدمت المقارنات الإعلامية لإضفاء البريق على اليهودي والضعف والمهانة على العربي. ففي عدد ٢٦/٤/١٩٤٨م كان عنوان أحد المقالات: (اليهود يحتفلون بأسبوع من النصر، والعرب قد أصابهم الضعف والضياع) ، وفي عدد ١٧/٥/ ١٩٤٨م: (اليهود ينتظرون انتهاء الانتداب البريطاني في ثقة تامة، والعرب الفلسطينيون في انهيار نفسي تام) . عقب ذلك وخلال الفترة من ١٩٥٠م - ١٩٦٧م انتقل تركيز مجلة التايم إلى الحديث عن شؤون إسرائيل، وإبرازها قوة دولية مؤثرة، بينما كثر الحديث عن ضعف أبناء فلسطين وتشردهم في البلاد العربية والغربية وعدم وجود قيادة لهم، وكانت صور الملاجئ تؤكد هذا الانطباع في نفس القارئ، كما استمرت المجلة في امتهان الشخصية العربية وتصويرها بشكل مخز ومقزز، فمثلاً كان الملك عبد الله ملك الأردن يوصف بأنه (الرجل الصغير) ذو (الابتسامة البلهاء) و (الغارق في مغامرات الصراعات العربية) [٩] . أما في الفترة من ١٩٦٧م - ١٩٨٧م فقد اختلفت الصورة تدريجاً، فمع إنشاء منظمة التحرير عند بداية العمليات الفدائية، بدأ التركيز على صورة الفلسطيني الإرهابي، وانتقلت الصورة الماثلة في أعين الغربيين عن الفلسطيني الذي كان ينظر إليه على أنه مشرد لا حول له ولا قوة، إلى الإرهابي خاطف الطائرات وقاتل الأطفال والنساء بلا رحمة ولا شفقة. وانتقلت مجلة التايم مرة أخرى إلى نوع جديد من التصوير السلبي للفلسطينيين لتصفهم بأنهم (متوحشون) ، (إرهابيون بلا رحمة) و (غير منطقيين) [١٠] . ولذلك كان هناك نوع من التأييد عند احتلال إسرائيل لجنوب لبنان فيما صُوِّر أنه محاولة للقضاء على الإرهاب الفلسطيني الذي يهدد العالم بأسره، ولكن تبع ذلك مذابح صبرا وشاتيلا فعادت مرة أخرى صورة الفلسطيني المشرد المغلوب على أمره تحتل عناوين التايم وكأنما كان ذلك لامتصاص غضبة العرب والمسلمين تجاه تلك المذابح الرهيبة. أما في الفترة التي بدأت منذ عام ١٩٨٨م فقد ظهر تغير في النظرة تجاه القضية الفلسطينية وذلك عقب الانتفاضة التي قدمت الشعب الفلسطيني للعالم كشعب أعزل يقاتل بالحجر وحشية الجندي اليهودي المدجج بالسلاح. وهنا بدأ الإعلام الغربي في إعادة رسم وتقديم منظمة التحرير كشريك مقبول للسلام، وبدأت عمليات تجميل صورة قيادات المنظمة التي كانت حتى عهد قريب توصف بأنها منظمة إرهابية، ويرجع كثير من الباحثين هذا التغيير في السياسة الإعلامية التي تحركها اهتمامات اللوبي اليهودي في أمريكا إلى الحاجة التي ظهرت لاستبدال قيادة الشعب الفلسطيني واللحاق بها قبل أن تقع في أيدي الإسلاميين الذين ظهرت مصداقيتهم للشعب خلال أحداث الانتفاضة، وفجأة تتحول مجلة التايم إلى دور المدافع عن ياسر عرفات عندما رفض جورج شولتز وزير الخارجية آنذاك منحه تأشيرة دخول أمريكا لإلقاء خطاب في الأمم المتحدة. وتعقِّب التايم على ذلك في عدد ٥/١٢/١٩٨٨م قائلة: (جهد فردي لمنع رئيس المنظمة من التحدث أمام الأمم المتحدة) . وصُوِّر عرفات عقب ذلك أنه (النجم الصاعد الذي يتحدى صلف الحكومة الأمريكية) [١١] والملاحظ هنا أن المنظمة لم يتم الاعتراف بها من قبل الإعلام الأمريكي كممثل للشعب الفلسطيني عندما نالت المنظمة الاعتراف الدولي في عام ١٩٧٤م، ولكن تم ذلك بعد أكثر من ١٩ عاماً؛ إذ تطابقت سياسة المنظمة مع سياسة قادة إسرائيل عام ١٩٩٣م. ولأول مرة تبدأ مجلة التايم في إظهار الجانب الإنساني في شخصية عرفات بوصفه (محباً للأطفال) و (الرجل المسن) في عدد ١٣/٩/١٩٩٣م، كما اختفى الحديث عن العداء، وبدأ ذكر عبارات الحوار والنقاش و (الخروج من دوامة الصدامات التاريخية) و (البناء المشترك لأرض الميعاد) و (الحياة جنباً إلى جنب) . دور الإعلام الإسلامي: لا شك أن الإعلام الغربي قد نجح طوال القرون الماضية في صياغة عقول وتصورات الكثير من الغربيين بل والشرقيين أيضاً حول قضايا وصراعات العالم. ونحن في حاجة ماسة إلى الأخذ بزمام المبادرة في توعية الأمة بمثل هذه المكائد. ولا بد من إدراك حقيقة أن الوقاية خير من العلاج، وأن وجود الجهاز الإعلامي الإسلامي القادر على التعامل مع هذه المكائد وصدها يجب أن يكون في دائرة اهتمام المخلصين من الأمة، ولا بد للإعلام الإسلامي أن يتمتع بالجرأة والمصداقية والعزم الصادق في التصدي لمحاولات تغييب وتحريف هذا الدين، ولا بد من مشاركة المهتمين من غير المسلمين في هذه القضية ودفع عجلتها إلى الإمام. لقد عقد في العام الماضي المؤتمر الدولي الأول حول الجوانب الأخلاقية والقانونية والمجتمعية للمعلومات الرقمية في مونت كارلو. وركز عدد من المندوبين في هذا المؤتمر على أهمية الحفاظ على حيدة المعلومات والمصداقية في نقلها وتوزيعها. وعبر المدير العام لمنظمة اليونسكو عن قضية هامة وهي ضرورة تحقيق ديمقراطية المعلومات. وأكد على أهمية تأمين المعلومات والاتصالات للجميع؛ لأن مجتمع المعلومات ليس جمعية سرية أو نادياً خاصاً وإنما هو أمر يهم كافة المجتمعات والثقافات. وأنهى حديثه بالتأكيد على أن أخلاقية المعلومات تتحقق بديمقراطية المعلومات [١٢] ، ولذلك ينبغي لنا أن نبذل قصارى الجهد في إيقاف محاولات التشويه المتعمدة لديننا وواقعنا وقيمنا الحضارية المستمدة من الدين الإسلامي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 2780

المسلمون والعالم افتراس النمور الآسيوية عامر عبد المنعم ما زالت الأسواق النقدية والبورصات في دول جنوب شرق آسيا، التي أطلق عليها (النمور الآسيوية) غارقة في أمواج متلاحقة من الصدمات والانهيارات؛ إذ تراجعت معدلات النمو التي أذهلت العالم خلال السنوات الأخيرة، بمعدل غير مسبوق، لتفقد هذه الدول نسبة كبيرة من إجمالي ثرواتها تتراوح بين ٤٠% إلى ٦٠% في غضون الأشهر القليلة الماضية. تسببت الأزمة في شيوع موجة من القلق والهلع في كل أنحاء العالم خشية انتقال عدوى الانهيارات الاقتصادية إلى الولايات المتحدة وأوروبا وباقي الدول. فقد انخفضت أسعار العملات في تايلاند وكوريا الجنوبية وأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والفلبين في مقابل الدولار الأمريكي بنسب كبيرة، وتأثرت اليابان والصين بشكل نسبي. كانت قمة التدهور في تايلاند التي بدأت منها شرارة التقلبات حيث قررت مع تفاقم الأزمة تصفية ٥٦ بنكاً من بين ٥٨ مؤسسة مالية نتيجة تراكم الديون عليها وعجزها عن تسديد المستحقات للمقرضين من البنوك والشركات الأمريكية. لا أحد يدري إلى أي مدى ستصل الأزمة؛ فمن الواضح حتى الآن أنها بلا قاع.. فلا توجد دراسات ومعلومات مؤكدة عن زمن احتواء هذه الأزمة ومتى يتوقف هذا التردي؟ ! والحكومات نفسها - خاصة في الغرب - لا تعرف حدود انتشار هذه الانهيارات واحتمالات وصولها إلى كبريات الأسواق الصاعدة في الصين وروسيا؛ فصناع السياسة في كل أنحاء العالم يتخوفون من هذه الأزمة لسرعة انتشارها وكأنها مرض معدٍ يسقط بسببه المزيد من الضحايا يومياً. السؤال الذي يتردد في كل مكان هو: لماذا حدثت هذه الانهيارات؟ وما الحقيقة وراء هذه الأزمة الخطيرة التي أكلت حصاد السنين في أيام؟ لا يمكن الحديث عن سبب واحد، وإنما العديد من الأسباب، كما أن الأسباب قد تختلف من دولة إلى أخرى، ومع هذا فإن هناك بعض الأسباب الظاهرة التي كانت وراء نسبة كبيرة من الانهيارات. ١- قروض الربا: في مقدمة هذه الأسباب: القروض الربوية التي قدمتها المؤسسات المالية الأمريكية للبنوك والشركات في هذه البلدان بدون ضمانات، وإغراقها في هذا المستنقع لربط اقتصاديات هذه البلدان بعجلة الاقتصاد الأمريكي، وفتح أسواقها للمنتجات الأمريكية.. وقد نجحت الولايات المتحدة فعلاً في تحقيق أهدافها خلال السنوات الماضية؛ إذ استطاعت أن تفتح أسواق هذه البلدان أمام السلع والمنتجات والخدمات الأمريكية من خلال شبكة المستوردين ورجال الأعمال الذين ارتبطوا بالمصالح الأمريكية. وتشير الإحصاءات إلى أن ٤٠% من إجمالي الصادرات الأمريكية توجهت إلى بلدان جنوب شرق آسيا. بدأ التأثير المدمر للقروض الأمريكية في تايلاند في البداية مشعلاً الأزمة في دول الجوار، فقد أغرقت تايلاند نفسها وسقطت في هذا المستنقع منذ عام ١٩٩٤م عندما فتحت حكومتها الباب على مصراعيه للمقرضين بالدولار، الذين ضخوا ٥٠ مليار دولار في هذا البلد على مدى السنوات الثلاث التالية، فكانت النتيجة تخمة من الاقتراض؛ حيث كانت الشركات المالية - البنوك - الـ ٩١ فيها تأخذ الدولار وتعطي مقابله العملة التايلاندية (البات) مشعلة بذلك حمى من الإنفاق والبناء حتى أصبح أفق بانكوك الآن مسدوداً بناطحات سحاب لم تكتمل ومباني مكاتب شبه خاوية، مما ترتب عليه إفلاس هذه البنوك لتتقلص من ٩١ إلى ٥٨ بنكاً ثم إلى بنكين اثنين بعد صدمة الانهيارات التي ضربت عصب الاقتصاد. وصاحبَ ذلك سَحْبُ الشركات الأمريكية والمستثمرين الأمريكيين كلّ أرصدتهم من تايلاند، هرباً من الخسائر؛ فساهموا في الانهيار الكامل للاقتصاد وزادوا الأمر سوءاً. ونظراً للارتباط الوثيق بين دول جنوب شرق آسيا فإن سقوط تايلاند كان سبباً في تتابع بقية الدول في الهبوط بسرعة الصاروخ في هذه الدوامة؛ حيث دب الذعر بين المستثمرين ووسط الأسواق الاقتصادية المجاورة فانهارت هي الأخرى. ٢- الإنفاق الاستهلاكي: هناك بُعْدٌ آخر في أزمة تايلاند أسهم في سرعة الانهيار وهو الإنفاق الاستهلاكي السفيه والبذخ؛ فمن الغريب أن هذا البلد الصغير كان قبل يونيو ١٩٩٧ م ثاني أكبر سوق لسيارات المرسيدس في العالم. والواقع أن تايلاند مثل سائر دول جنوب شرق آسيا كانت تعيش رغد الحياة في ظل الاقتراض الذي جعل الملايين من أبناء الطبقة المتوسطة يشعرون زوراً بأنهم أثرياء، وعاشوا نمط حياة الأثرياء الحقيقيين؛ لكن بعد أن بدأ السوق ينهار فقدَ أبناء الطبقة المتوسطة وظائفهم، وصودرت مرهوناتهم وسياراتهم الفارهة، واضطروا إلى إلغاء رحلاتهم إلى أوروبا وأمريكا، وإلى إخراج أبنائهم من المدارس الخاصة. وكما يقول رئيس البنك الزراعي التايلاندي لـ (نيوزويك) : إن أبناء أقوى العائلات نفوذاً وأكثرها ثروة شاهدوا ثرواتهم تنكمش بنسبة ٦٠%، ومن اقترض قروضاً كبيرة بضمان ممتلكاته شهد هذه الممتلكات تتبدد تماماً، ولم يعد العالم الذي تعوّدوا عليه موجوداً، ولا يعرف الكثيرون منهم كيف سيخرجون من هذه الوهدة. والذين صعدوا مع موجة الازدهار لم يكادوا يستمتعون بالثراء الذي حط عليهم؛ فسياراتهم لم تزل تبدو جديدة في مرائبها، ومنازلهم ما زالت تفوح منها رائحة الطلاء وهم الآن يفقدون كل شيء. ٣- ماليزيا واليهود: وإذا كانت القروض الربوية والإنفاق السفيه هما القاسم المشترك في الانهيارات الاقتصادية في دول جنوب شرق آسيا فإن هناك سبباً آخر لا يقل خطورة، ظهر بوضوح في اهتزاز الاقتصاد الماليزي، وهو الدور اليهودي بالمضاربة في البورصة والأسواق المالية. فقد استطاع رجل الأعمال اليهودي (جورج سوروس) توجيه ضربة موجعة للاقتصاد الماليزي من خلال سحب الدولار من الأسواق مما تسبب في انهيار العملة الماليزية، وإثارة الذعر داخل البورصة، وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج. يعد (جورج سوروس) من أشهر رجال المال اليهود المتخصصين في المضاربات فهو أمريكي من أصل مجري، وله تاريخ طويل في المضاربات؛ إذ راهن في عام ١٩٩٢م على تراجع الجنيه الإسترليني فاقترض الكثير منه لأجلٍ قصير وحوّله إلى ماركات ألمانية وتحقق ما راهن عليه، وفقد الجنيه الإسترليني ما يزيد على ١٢% من قيمته، وكان الفرق ربحاً صافياً لـ (سوروس) يعادل المليار دولار. وقد اتهم رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد صراحة (جورج سوروس) بدوره في الانهيار الذي أصاب البورصة الماليزية، وأشار إلى مؤامرة يهودية لتدمير اقتصاد ذلك البلد المسلم. وقد أدت تصريحات مهاتير إلى تصاعد هجوم المنظمات اليهودية الأمريكية ضد الحكم الماليزي مما ساهم في قيام شركات أمريكية عديدة بتحويل رؤوس أموالها إلى خارج ماليزيا لتزيد من قوة الصدمة. ما سبق لا يعني تراجع أهمية الأسباب الأخرى للانهيار في ماليزيا مثل الاستغراق في الإنفاق الاستهلاكي والبذخ؛ فقد صاحب تزايد معدلات النمو وارتفاع الدخول شيوع القيم الاستهلاكية؛ وهو ما دعا الحكومة الماليزية إلى توجيه النصائح للمواطنين من خلال التلفزيون مراراً بعدم شراء سلع الرفاهية المستوردة، وبعدم السفر إلى الخارج للحفاظ على العملة الأجنبية، وامتلأت الصحف بنصائح عن أماكن السياحة الداخلية التي يمكن الاستعاضة بها عن الرحلات المكلفة إلى أوروبا وأمريكا. محاولات احتواء الأزمة: نتيجة للارتباط الوثيق بين أسواق المال في آسيا وأسواق أمريكا اللاتينية والارتباط بين الاقتصاد الأمريكي بالاقتصاد الياباني فقد سعت دول العالم لاحتواء الأزمة. وسعى صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى لتقديم مساعداتها وخبراتها لحكومات الدول الآسيوية لوقف الانهيارات ثم إصلاح ما تم من خسائر. في هذا الإطار وقّع صندوق النقد الدولي العديد من الاتفاقيات مع دول الأزمة تم بمقتضاها تقديم ٤٧ مليار دولار إلى تايلاند، و٤٠ مليار دولار إلى أندونيسيا، و٥٧ مليار إلى كوريا. وقادت اليابان الحملة الدولية لإنقاذ الاقتصاد التايلاندي وباقي الدول على اعتبار أن تايلاند وجاراتها شريك اقتصادي كبير الأهمية. فعلى سبيل المثال فإن تايلاند هي سادس أهم سوق مستوردة للسلع اليابانية، كما أنها من أهم الأسواق الآسيوية المستقبلة للاستثمارات اليابانية. كذلك فإن اليابان تعد بالمقابل أهم شريك تجاري واستثماري واقتصادي عموماً لتايلاند، وتعتبر النموذج الاقتصادي الذي تسترشد به تايلاند في تجربتها التنموية القائمة على الاقتصاد الحر، وعلى الاندماج في الاقتصاد الدولي، وعلى التصنيع من أجل التصدير كمحفز للنمو. وقد بذلت اليابان إلى جانب تايلاند مساعي حثيثة لتأمين المساعدات لتايلاند من صندوق النقد الدولي ومن دول تكتل مجموعة (الأسيان) . وحرص اليابان على إنقاذ أزمة (الأسيان) لا يقل عن حرص الولايات المتحدة على حماية الاقتصاد الياباني من أي انهيارات؛ وذلك لأن أي اهتزاز في اليابان يصاحبه بنفس القدر اهتزاز في أسواق المال الأمريكية. فالبنوك اليابانية تعد أكبر مشترٍ لسندات الخزانة الأمريكية، فهي تمتلك حوالي ٣٧٠ مليار دولار من هذه السندات، وفي حال أي انهيار فإن البنوك اليابانية ستضطر إلى بيع هذه السندات والتخلص منها؛ وهذا معناه دمار مؤكد للاقتصاد الأمريكي. ومن جهتها - وخوفاً من حدوث أي خطر مستقبلي - أرسلت الولايات المتحدة مبعوثين من وزارة الخزانة الأمريكية إلى اليابان للتأكد من عدم تفكير اليابان في تسييل هذه السندات في حالة حصول أي هزة، وتقديم الوعود بوقوف الحكومة الأمريكية إلى جانب اليابان. وهذا القلق هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى السماح لصندوق النقد الذي يخضع للنفوذ الأمريكي بتقديم أكبر كم من القروض لدول الأزمة لم يحدث أن قُدِّم مثلها من قبل لأي دولة في العالم وبهذه السرعة. تأثر دول الغرب بالأزمة: هناك توقعان رئيسان حول احتمال تسرب هذه الأزمة من آسيا إلى باقي أنحاء العالم: الأول: عن طريق التجارة، والثاني: عن طريق القطاع المالي الذي يشمل البورصات، وفي كلا المجالين كان الاتجاه خلال العشرين عاماً الماضية يميل إلى مزيد من التحرر الاقتصادي ورفع الحواجز وحرية تدفق المنتجات والخدمات من دولة إلى أخرى وهو ما يطلق عليه مجازاً: (العولمة) مما جعل الاقتصاد العالمي أشبه بحلقات شديدة الالتصاق بعضها ببعض أكثر من أي وقت مضى. وبينما كان فيما مضى من الممكن أن تفرض كل دولة سلسلة من الإجراءات والاحتياطات لحماية سوقها المحلية إلا أن منظمة التجارة العالمية - ومقرها في جنيف - أصبح من حقها الإصرار على أن تفرض على كل الدول إعطاء الشركات الأجنبية حرية التنافس في أسواقها. وفي القطاع المالي نجد أن شركات الصرافة الأجنبية تتبادل يومياً مبالغ وهمية داخل الأسواق المحلية. فمثلاً يبلغ حجم ما تتداوله هذه الشركات في بريطانيا تريليون دولار. وإذا أخذنا بريطانيا كمثال على مدى تأثر دولة أوروبية بما يحدث في آسيا فسنرى أنها تأثرت بشكل كبير بما جرى هناك رغم آلاف الأميال والبحار التي تفصل بينها وبين أرض الأزمة. فعندما انهارت مؤخراً مؤسسة (ياماتشي) في اليابان فقد ٣٢٠ شخصاً وظائفهم في لندن، ممن كانوا يعملون لدى فرع الشركة هناك، ومن الممكن أن يكون هذا الفقدان المحدود للوظائف بداية لفقدان عدد أكبر من الأشخاص لوظائفهم. من جهة أخرى فإن بريطانيا تُعَدّ من أكبر الدول التجارية في العالم، ودخل صادراتها يعادل ثلث الدخل الكلي لباقي مجالات الاقتصاد والخدمات، و ٩% من صادراتها يذهب إلى اليابان وباقي دول آسيا، والآن تعاني هذه الدول من كساد اقتصادي بسبب إجراءات التقشف المجبرة على اتباعها والمفروضة عليها من قِبَلِ صندوق النقد الدولي كوسيلة للخروج من الأزمة مما قلل بالفعل من الطلبات الآسيوية على المنتجات البريطانية ... وهكذا. ويمكن القول إن الدرس المستفاد من أزمة البلدان الآسيوية هو إخفاق وصفة النظام الاقتصادي العالمي في تحقيق الرخاء للشعوب؛ فقد دمرت القروض الربوية اقتصاديات النمور، وابتلع الإنفاق الاستهلاكي السفيه في أيام الثروة جهود أعوام طويلة. لقد ثبت أن سياسة فتح الأبواب وتطبيق سياسات العولمة وإزالة الضوابط وتحرير السوق جعل للمضاربين والمتآمرين القدرة على توجيه ضربات عميقة للاقتصاديات الوطنية في لحظات.

стр. 2781

المسلمون والعالم الحرب بوسائل السلام شذرات من ملف السلام بين مصر والعدو الصهيوني كمال السعيد حبيب هناك حقيقة يجب أن نعيَها تماماً هي أن الحرب لا تقتصر فقط على صِدَامِ الجيوش في ساحات المعارك؛ ولكنها تمتد إلى مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، وإذا كان (كلاو زفتر) العسكري الألماني الشهير قال: (الحرب هي السياسة بوسائل أخرى) فإنه يمكننا القول أيضاً: (إن السياسة هي الحرب أيضاً بوسائل السلم) لذا فإن العلاقات بين الدول حتى تلك التي تنتمي إلى معسكر واحد لا تعرف انتفاء الصراع بينها ويطلق عليه في هذه الحالة: (الصراع التعاوني) . وفي العالم المعاصر تبدو وسائل السلم في الصراع أشد فتكاً وخطراً؛ وتكفي الإشارة فقط إلى ما حدث من انهيار في بورصات آسيا وأسواقها؛ حيث يبدو هذا الانهيار من ناحية نتائجه أشد خطراً من الحرب. وفي العلاقة بين مصر و (إسرائيل) عقب توقيع اتفاقية السلام بين البلدين لم تنته حالة الحرب والصراع؛ لكنها اتخذت أشكالاً أخرى في مجالات الاقتصاد والثقافة والأخلاق والاجتماع. وفي الواقع فإن أوهام السلام في بداياته قد أحاطت بعقول صُنّاع القرار في مصر، فجعلتهم يراهنون على أن تكون لدى الساسة اليهود مثل ما لديهم من رغبة في السلام متناسين (الطبيعة الخاصة لليهود) التي أبانها القرآن الكريم في غير موضعٍ، لكن الواقع الحي والخبرة اليومية العملية المستمرة على مدى ثمانية عشر عاماً في التعامل مع اليهود ردّت هؤلاء الساسة إلى جادة الحق فاستيقظوا من غفوتهم ويمّموا وجوههم شطر إخوانهم في العالم العربي والإسلامي لبناء علاقات اقتصادية وسياسية حقيقية معهم. زيف السلام مع اليهود: ذكرت إحصائية رسمية أنه بعد مرور ما يقرب من عشرين عاماً على توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية بلغت الاحتجاجات الرسمية لـ (إسرائيل) ضد مصر ما يقرب من (٣٧٥٠) احتجاجاً مقابل (١٩٤٠) احتجاجاً مصرياً وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الديبلوماسية العالمية. وتؤكد أرقام الاحتجاجات المتبادلة بين البلدين أن السلام بينهما هو (سلام للحرب والصراع) فإذا عدنا إلى تفاصيل ملف هذه العلاقة تأكد لدينا زيف السلام مع الصهاينة؛ ففي المجال الاقتصادي تشير التقديرات إلى أن حجم الاستثمار اليهودي في مصر بلغ ٧١٣ مليون دولار تنحصر بشكل أساس في مجال الزراعة والبترول والنسيج. ففي مجال الزراعة يدفع الكيان الصهيوني (عشرة ملايين دولار) لتمويل نفقات عمل خبرائه الزراعيين بمنطقة النوبارية ووادي النطرون وسيناء والإسكندرية؛ وذلك تحت مسمى: (استغلال الأراضي المصرية حقولَ تجارب لأصناف البذور (الإسرائيلية) الجديدة) ويدفع هذا الكيان أيضاً (عشرين مليون دولار) بداية من عام ١٩٨٥ بدعوى تدريب الخبراء المصريين في (إسرائيل) . وتشير التقديرات أن عدد الخريجين المصريين الذين درسوا في (إسرائيل) بدءاً من عام ١٩٩٤م بلغوا (١٧٠٠ متدرباً) ، ويستثمر الكيان الصهيوني في مجال توريد الفاكهة لمصر ما يقدّر (بعشرين مليون دولار) ضمن الـ ٧٥ مليون دولار وهي حجم التبادل التجاري بين البلدين عام ١٩٩٦م. أخطار جلبها الصهاينة: وبالعودة إلى الممارسة العملية في هذا المجال تبين أن (إسرائيل) تقوم بإغراق الأسواق المصرية بسلع منتهية الصلاحية وملوثة بالإشعاعات؛ ولذا فإن وزير التجارة والتموين المصري أصدر قراراً بضرورة الفحص الدقيق والشامل لكل السلع (الإسرائيلية) الموجودة بالأسواق، وأثبت الفحص المبدئي أن ٥٠% من السلع (الإسرائيلية) بالسوق المصرية مهرّبة وأغلبها موجودة بالمناطق الشعبية، وحدثت حالات تسمم نتيجة لتناول هذه السلع، وتمزج (إسرائيل) مواد مشعة بالأدوية التي تصدِّرها إلى مصر بحيث تقضي على الذين يستخدمونها بعد سنوات قليلة؛ لأنها ليست سريعة المفعول؛ وتؤكد آراء الخبراء أن التعاون مع اليهود في مجال الإنتاج الزراعي والفني والهندسة الوراثية له آثار سلبية واضحة فيما يتعلق بنوعية المنتجات وقيمتها الغذائية وكذلك على النواحي الصحية؛ بالإضافة إلى انخفاض إنتاجية الفدان ونقل الفيروسات والطفيليات إلى النباتات الأخرى. وتعد السلع اليهودية سلعاً منافسة للمنتجات الوطنية وهو ما يؤثر على قدرتها التنافسية لصالح المنتجات الصهيونية، وما ذكر عن وجود ٥٠ مليون دولار فائض في الميزان التجاري بين البلدين لصالح مصر لا يعود إلى أن مصر تصدِّر لإسرائيل أكثر من استيرادها منها؛ وإنما يرجع ذلك إلى أن البترول المصري يمثل ٩٠% من قيمة الصادرات المصرية إلى الكيان الصهيوني. وفي مجال البترول رصدت شركة (مرحاف) ٥٠٠ مليون دولار للاستثمار في مصر، وتبني إسرائيل آمالاً كباراً على مشروع الغاز المصري وتوصيله إليها؛ لأنه سيوفر لها ٢٠٠ مليون دولار سنوياً، وفي مجال الكمبيوتر تستثمر (١٠ مليون دولار) حيث توجد عمالة مصرية رخيصة (يصل أجر العامل الإسرائيلي عشرة أضعاف أجر العامل المصري) . وفي تصريح لوزير الطاقة المصري (حمدي البنبي) قال بأن الغاز الطبيعي لن يمد إلى (إسرائيل) وأنه سمع عن المشروع من الصحف؛ لأن التصدير إلى (إسرائيل) لا يمثل سوى نسبة ضئيلة غير اقتصادية. وفي مجال برامج الأطفال نجد برنامج (الباور رينجرز) الذي كان يعرض في التلفزيون المصري في شهر رمضان عقب الإفطار العام الماضي، وهو برنامج تملكه شركة (حاييم صابان) اليهودي المصري الأصل وهو يستثمر في هذا المجال (٧٠ مليون دولار) . وقد توقف هذا العام ولم نعد نرى الانتشار الوبائي لإعلانات (الباور رينجرز) التي طالت كل شيء بدءاً من الأحذية والحقائب حتى الملابس. وفي مجال النسيج ترصد (إسرائيل) مئات الملايين من الدولارات لضرب الصناعة المصرية العتيقة في أسواق الداخل والخارج، وشركة (كفرون) هي أشهر الشركات التي كانت تعمل من الباطن في مجال صناعة المنسوجات وكان يعمل بها الجاسوس الدرزي الإسرائيلي (عزام متعب عزام) والجاسوس المصري (عماد الدين إسماعيل) . وفي مجال المعلومات تستثمر شركة (ماج) الصهيونية في مصر مبلغ مليون دولار حيث كانت تعمل في جمع المعلومات الاقتصادية عن الشركات المصرية، وتقوم ببيعها؛ وهذا النشاط يمثل الدرجة الأولى من درجات سلم التجسس الصناعي المعلن. وفي مجال الأدوية تم اكتشاف شركة يهودية تعمل تحت غطاء هولندي تمتلك شركة للخامات الدوائية بمنطقة (إنشاص) الحسّاسة بمبلغ ١٠ مليون دولار، أما التجارة اليهودية المهرّبة وغير الشرعية إلى مصر فتبلغ ٤٠ مليون دولار. خطر تهافت الشباب المصري عليهم: وفي ظل عملية السلام سافر كثير من الشباب المصري إلى (إسرائيل) ، وتشير التقديرات إلى أنهم بلغوا (١٥ ألفاً) في العام، وكان يتم تجنيد كثير من هؤلاء من قِبَلِ الموساد وهو ما أدى إلى مطالبة لجنة القوى العاملة في البرلمان المصري بوضع ضوابط على سفر المصريين للعمل في (إسرائيل) وهي التوصية الأولى من نوعها في هذا المجال، وأعيد شرط الإذن الأمني لمن يريد السفر إلى هناك. وتشير التقديرات إلى أن الذين سافروا إلى (إسرائيل) من المصريين عام ١٩٩٧م لم يزيدوا على (١٣) ثلاثة عشر شخصاً. وبعد الحكم على (الجاسوس الإسرائيلي) (عزام عزام) بالسجن (١٥ عاماً) بدأت الشرطة الصهيونية في القبض العشوائي على المصريين هناك لكي تبادل بهم الجاسوس؛ وكانت هذه فكرة (إرييل شارون) وزير البنية التحتية الصهيوني. وبلغت وقاحة السفير الصهيوني في مصر (زيفي ميزائيل) إلى نقد الصحافة المصرية ومهاجمتها في لقائه بجمعية المراسلين الأجانب؛ لأنها على حد زعمه تسيء للعلاقة بين البلدين، رغم أنه لا يجوز لأحد أن يتدخل في عمل الصحافة باعتبارها سلطة حرة، كما اعترض على هيئة المساحة المصرية؛ لأنها رفعت عنوان السفارة الصهيونية والمركز الأكاديمي الصهيوني من خريطة السياحة المصرية. ماذا فعلوا بالأسرى المصريين؟ ! ويمثل ملف (الأسرى المصريين) أحد الملفات التي تكشف عن الوجه الصهيوني القبيح، وقد كشف عن هذا الملف الصهيوني (أرييه بيرو) نائب (رافائيل إيتان) رئيس الأركان الصهيوني السابق الذي كان يقود الكتيبة ٩٠؛ حيث اعترف بقتل (٤٩) مصرياً من العسكريين و (٣٠٠) من عمال إحدى الشركات البترولية، وتشير المعلومات إلى أن المقابر الجماعية للأسرى المصريين تبلغ (١١) مقبرة، منها مقبرة (وادي ميدان الجماعية) و (وادي العريش الجوية) ، وكان اليهود يبيعون أعضاء الأسرى المصريين قطع غيار، كما كان الطلبة في كليات الطب الإسرائيلية يستخدمون أجسادهم في مختبرات التجارب! وأخيراً وليس آخراً: وآخر النقاط المتوترة في العلاقات بين البلدين هي محاولة ابتزاز السفير المصري (محمد بسيوني) عن طريق فضيحة أخلاقية، وقد عاد فعلاً إلى مصر ولم يرجع بعدُ إلى هناك، وقبل ذلك تعرضت سيارته للتفتيش خلافاً للتقاليد الديبلوماسية، كما هاجم السفارة المصرية في (تل أبيب) متطرفون يهود حيث فتشوا طروداً بها، وبلغت وقاحة (نتنياهو) اعتبار ما حدث مجرد (مداعبات) للسفير؛ وهنا رد عليه الرئيس المصري وقال: إن ذلك استفزاز لكبرياء مصر، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة! هذه بعض الشذرات من ملف السلام مع العدو الصهيوني، وهو ملف متخم بالعداء والكراهية والتخريب إنه سلام الحرب والردع كما يشير (نتنياهو) وكان لا بد لمصر أن تستيقظ على أن (اليهود) لا عهد لهم ولا ذمة، وتراجع سياستها داخلياً وخارجياً. يقظة مصر: رفضت مصر عدم الذهاب إلى (مؤتمر الدوحة الاقتصادي) رغم التهديدات الأمريكية، وكانت حجتها أنه لا يمكن التقدم في مجال (التعاون الاقتصادي الإقليمي) بينما عملية السلام تنتكس ويتلاعب بها اليهود؛ ومعنى ذلك هو مكافأة المجرمين المعتدين. ويعد عدم ذهاب مصر إلى مؤتمر (الدوحة) إعلاناً لنهاية أطروحة (الشرق أوسطية) التي طرحها (شيمون بيريز) كإطار اقتصادي تكون (إسرائيل) فيه مركز التفاعلات الاقتصادية في العالم العربي. وعلى المستوى العربي سياسياً بدأت مصر تراجع سياستها تجاه (السودان) واستقبل الرئيس المصري (الزبير صالح) نائب الرئيس السوداني قبل مقتله في حادثة سقوط طائرة مروحية، وبدأ تنشيط العلاقات ثانية بين البلدين في مجالات الملاحة النهرية وإعادة ممتلكات المصريين في السودان، واستقبلت مصر المتمرد (جون جارانج) لتفهمه أن مصر لا يمكنها أن تقبل تهديد وحدة السودان، ورفضت مصر قرار العقوبات الأمريكي على السودان، كما أعلنت رفضها (لجولة أولبرايت) الأخيرة في إفريقيا، هذه الجولة التي استقبلت فيها المعارضة السودانية وأعلنت العزم على إسقاط نظام الخرطوم، وقالت مصر: (إن السودان ليست قاعدة للإرهاب، وإنه لا يشكل خطراً على جيرانه) وهناك إعداد لزيارة البشير لمصر، وتسعى مصر لتحقيق مصالحة داخلية بين المعارضة السودانية والنظام. وأصبح للسودان الآن في مصر سفير، وسيذهب سفير مصري إلى السودان بعد قطيعة دامت عامين. ورفضت مصر توجيه ضربة عسكرية للعراق، كما تسعى لرفع المعاناة عن شعبه، وهي حريصة على وحدته باعتباره في التحليل النهائي جزءاً من تحقيق التوازن شرق العالم العربي. وعلى مستوى التعاون الاقتصادي العربي تدعو مصر إلى اعتبار السوق العربية المشتركة خياراً استراتيجياً لا يمكن التفريط فيه، وسيبدأ العمل في مناطق التجارة الحرة هذا العام، وهو ما يعني رفض مصر للمشاريع البديلة للنظام العربي. كما تتجه مصر شرقاً (مجموعة الـ ١٥) لمحاولة تخفيف قيود علاقاتها بأمريكا. مبادرة مطلوبة: المشاريع الصهيونية تجاه المنطقة لا تستبعد الحرب حتى مع العرب الذين دخلوا معها في اتفاقية شراكة استراتيجية مثل (الأردن) ، ولا تزال إسرائيل ترى مصر عدوها الرئيس، كما لا يزال الجيش المصري يرى (إسرائيل) عدواً له. وفي الواقع فإن (اليهود) هم (الابتلاء) الذي تختبر به الأمة الإسلامية؛ لذا فإن التدافع معها لا محيص عنه وفقاً لما نطلق عليه: (الأمم المتدافعة) في مقابل (الأمم المتحدة) . وصراعنا - نحن المسلمين - مع اليهود هو صراع وجود لا صراع حدود، وهو صراع عَقَدي ديني؛ وفي السّنّة: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) ، والصهاينة كلما بنوا مستوطنة أحاطوها بالغرقد التين الشوكي. وحيث إن المعركة مع اليهود هي معركة عقدية دينية فعلى مصر أن تستكمل حلقة الاستعداد للمواجهة القادمة وتصلح ما بينها وبين الحركة الإسلامية فتخفف القيود عن حركتهم، ولا تسمع لوساوس اليهود. فاليهود يرون أن عدوهم الأساسي هو الحركة الإسلامية؛ لذا فإنهم يغرون النظام ضدهم حتى يستفيدوا هم؛ وبعد كشف خفاء الوجه الصهيوني القبيح فإن الخطوة القادمة تفرض المصالحة مع الحركة الإسلامية حتى يمكن الاستعداد للمواجهة الحتمية مع اليهود التي لا نملك لها دفعاً.

стр. 2782

المسلمون والعالم دلالات جولة كلينتون في أفريقيا د. جلال الدين محمد صالح مئات الآلاف من مواطني القارة الأفريقية في الدول التي زارها الرئيس الأمريكي (كلينتون) اصطفوا في حشود ضخمة لاستقباله، وتسابقوا إلى مصافحته، والاستماع إلى خطابه ناسين أن هذه الزيارة لم تشد رحالها لتعبر عن الحزن الأمريكي بمعاناة أبناء القارة السوداء، وما يعتصرهم من آلام الفقر المدقع، ومآسي الاقتتال بكل ما ينجم عنه من تشرد أسري، وحرمان اقتصادي، ودمار عمراني؛ بالرغم مما رافق هذه الزيارة من ضجة إعلامية صوّرتها وكأنها رحلة رخاء وسخاء اقتصادي سترفع عن أفريقيا إصرها والأغلال التي عليها من النزاعات العرقية والقبلية، كما أنها لم تكن رسالة وفاء صادق مهداة من البيت الأبيض للنهوض بالقارة نحو الرقي الاجتماعي والاستقرار السياسي، فضلاً على أنها جاءت في وقت أشد ما تكون فيه أفريقيا حاجة إلى حل معضلاتها الأمنية، وتعقيداتها الاقتصادية التي أورثتها الفقر وأثقلت كاهلها لعهود طويلة، وإنما كل ما توحي به من دلالات سياسية لا يتجاوز حدود تأكيد الهيمنة الأمريكية عالمياً، والبرهنة على تفردها بالفريسة وقدرتها على صياغتها صياغة جديدة تمليها مصالحها وتتماشى مع متطلباتها السياسية دونما إعطاء أي اعتبار لآلام هذه القارة الحزينة وآمالها، تبرز أمارات هذه الرؤية بشكل جلي في الخطاب الذي ألقاه كلينتون على الغانيّين قائلاً فيه: (آن الأوان لوضع أفريقيا جديدة على خريطتنا) [١] وهذه الخريطة الجديدة لأفريقيا لا يتورع الأمريكان من تشكيلها ولو بإثارة القلاقل بين الأفارقة وتجويعهم مهما كانت نتائج ذلك، وهذا ما يمكن أن نلمسه في التصريحات التي توجهت بها (ألبرايت) وزيرة الخارجية الأمريكية إلى دول من شرق القارة محرضة إياها على الإطاحة بالنظام الحاكم في السودان باعتبار أنه شب عن الطوق ورفض الانصياع. ويتجلى ذلك أيضاً في المساعدات العسكرية التي تقدمها أمريكا إلى هذه الدول بذريعة أنها تواجه الخطر الأصولي، إضافة إلى الحصار الاقتصادي المضروب على السودان تجويعاً حتى يلين ويستكين، وتحفيزاً لجون قرنق على مواصلة العصيان والتمرد، وإبطالاً لمحادثات السلام التي تجريها الحكومة. ومن الخطأ الفاضح أن ننظر إلى هذه الزيارة بمنظار يفصلها عن مقاصدها البعيدة والمشبوهة؛ ليس فقط فيما يخص العلاقة بالسودان؛ وإنما أيضاً مع كل من يحاول من الأفارقة الإفلات من سياسات الاحتواء والتوظيف التي تنتهجها أمريكا في علاقاتها السياسية الراهنة. ولقد اصطفى (كلينتون) للقائه عدداً من رؤساء شرق أفريقيا مستثنياً السودان وجيبوتي بالرغم من أنهما من دول (الإيقاد) ومن الأطراف التي يهمها أمن المنطقة واستقرارها، وليس من مغزى سياسي لهذا الانتقاء والتجاهل إلا لأن السودان وجيبوتي يمثلان امتداداً عربياً وإسلامياً في القارة الأفريقية بينما البقية المختارة تحمل موقفاً رافضاً وكارهاً في معظمها للوجود العربي والإسلامي، ولا تبدي في غالبها أيضاً أي تحفظ عما تريده وتخطط له أمريكا، وقد شملت أجندة النقاش معها حرب الجنوب. وغير متوقع بداهة من أمريكا وهي التي وضعت السودان على قائمة الإرهاب أن تطرح من الحلول ما يؤدي إلى إخماد شرارة هذه الحرب بالوسائل السلمية من خلال دعم مبادرة حكومة السودان التي تجاوبت معها بعض فصائل الجنوب التي رأت فيها حلاً عادلاً يرقى إلى درجة تقرير المصير، وإنما ستؤجج روح العناد والتصلب في مواجهة كل الحلول الحادبة على مصلحة المجتمع السوداني ما دامت لا تجد فيها ما يمكنها من تنفيذ سياساتها المعروفة مما يفقد المنطقة استقرارها، ويجعل من أبنائها وقوداً يحترق بين أثافي القدر الأمريكي الذي لا يتوقف عن الغليان أبداً إلا بعد إحراق مصالح الآخرين لحساب مصلحته، وهي مصالح لا تأخذ بعين الاعتبار والاهتمام إلا استراتيجيات ومصالح الكيان الصهيوني في فلسطين، وعلى عتباتها جرت مجازر رواندا بين الهوتو. والتوتسي، وارتضت أن تتفرج صامتة، وكان بإمكانها أن تحُول دون حدوثها أو التخفيف منها؛ لأن تلك المجازر ذات مردود إيجابي لا يجني ثمارها الاقتصادية والسياسية إلا هي؛ ولا بأس بعد ذلك من أن يقوم بل كلينتون بجولة يعزي فيها الضحايا ويوهمهم بحسن نوايا حكومته تجاههم. وهذه النزعة الاستعلائية نفسها هي التي تعتمدها أمريكا اليوم في تعاملها مع الملف السوداني والصومالي الذي أوكلت مهمة البحث في شؤونه إلى هذه الدول ذاتها التي تؤلبها بين الحين والآخر على الزحف نحو الخرطوم بعد أن جربت هي الخوض فيه عسكرياً، وآثرت الانسحاب بعدما أصابها من جرح وقرح مهين. وآثرت تنفيذ سياساتها فيه عبر حلفائها. وعلى ضوء تلك السياسات تجري الترتيبات في الصومال، وتصر على احتكار الملف الصومالي، وحصره قدر الإمكان في أيد أمينة ووفية من دول القرن الأفريقي تجد في إضعاف الصومال وتفتيته إلى دويلات قبلية متنازعة إنجازاً ضرورياً لغرض هيمنتها الإقليمية التي تنسجم وتتناغم تماماً مع سياستها المعروفة، ولعل التحرك المصري الأخير سواء في الإطار السوداني، أو الصومالي جاء نابعاً من وعي وإدراك أهداف هذه السياسة وأبعادها الخطيرة، ولم تكن تصريحات القيادة المصرية التي تناقلتها وكالات الأنباء مؤخراً، واتهمت فيها دولاً بمحاولة عزلها عن شؤون الصومال إلا تأكيداً لرفض كل سياسات التقسيم التي تحاك لحل الأزمة الصومالية. والإدارة الأمريكية بسياساتها هذه لا تعمل أبداً لاستقرار الأحوال الأمنية في أفريقيا، ولا تحمل أجندتها توسيع نطاق الديمقراطية فيها كما تدعي، ومن السذاجة أن نتصور ذلك؛ ونحن نراها تتحالف مع أنظمة بطشية غير ديمقراطية؛ وماذا يمكن أن يعني هذا سوى أن الديمقراطية التي تلوِّح بها إنما هي للتسلط على من لا ينضوي تحت لوائها، وهذا هو سر التحالف مع نظام ديكتاتوري غير ديمقراطي في إريتريا يسوغ تدخلاته العسكرية والسياسية في السودان بإعادة الديمقراطية فيه! ولا غرابة في هذا؛ فإن (جين كير كبارتريك) سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة في عهد (ريجان) تقول: (إن إجبار حلفاء أمريكا على تبني الديمقراطية بين عشية وضحاها، أدى إلى جعل دولتين حليفتين في ذلك الوقت هما: إيران ونيكاراجوا دولتين معاديتين تحكمهما أنظمة دكتاتورية متطرفة.. وأكدت أنه ينبغي علينا عدم تشجيع الديمقراطية في وقت تكون فيه الحكومة المؤيدة من قِبَلِنا تصارع أعداءها من أجل البقاء) [٢] . والنظام في إريتريا حسب التحليل الأمريكي يواجه مداً أصولياً وافداً من السودان؛ ومن مصلحة السياسة الأمريكية خنق الديمقراطية ودفنها في إريتريا بحجة أن تشجيعها وفرضها على النظام الحاكم في أسمرا سيعزز من موقف ما يسمونه بالأصولية في المنطقة، هذا في حين أن إدارة (كلينتون) استخدمت القوة لإعادة الرئيس الهاييتي بذريعة أنه منتخب ديمقراطياً، وحالت دون انقلاب عسكري في غواتيمالا، فما لهذه الازدواجية من تفسير سوى أن الديمقراطية يمكن مقايضتها بمنافع أخرى، ويؤكد هذا التفسير ما أورده (روبرت كاغان) صاحب كتاب (القوة الأمريكية ونيكاراجوا) عن (توماس كارويترس) من أن (الإدارة الأمريكية خجلت وتجنبت الضغط بشدة من أجل الإصلاح الديمقراطي في نيجيريا التي يوجد بها بترول، والتزمت الصمت حيال التوجه نحو الحكم الأوتوقراطي الاستبدادي في كازاخستان مصدر البترول ... ورغم أن الإدارة كانت ترغب في تطبيق عقوبات ضد بلد صغير وقليل الأهمية كبورما وذلك لقمعها الحركة الديمقراطية.. إلا أن اهتمامها بالتصرفات الاستبدادية للأنظمة الحاكمة في كل من الصين وإندونيسيا قد تراجع أمام طمع الشركات الأمريكية في الأسواق البكر) . ويضيف (روبرت) قائلاً: والجميع يتفق على أنه من الخطر دعم الديمقراطية بجميع صورها في العالم الإسلامي إلا بشكل جزئي في تركيا! ! .. أما بالنسبة للشعوب الإفريقية فإذا قررت الدول هناك إجراء انتخابات فهذا من دواعي السرور، أما إذا تم إلغاؤها، أو بدؤوا في ذبح بعضهم البعض فيمكننا أن نرقد هانئين؛ لأننا نعرف أن هؤلاء لم يكونوا جاهزين للانتخابات ابتداءً) [٣] . فأي انفراج وتطور تُحمل عليه إذن زيارة (كلينتون) لأفريقيا؟ والسياسةُ الأمريكية تنطلق في نظرتها للشعوب من هذه الزاوية المجحفة، وتتعامل لمجرد تكريس نفوذها مع أنظمة قمعية تسلطية تهين شعوبها، وتنتهك حقوق الإنسان والمواطنة، وتتلقى من العون الأمريكي ما يقوِّي وجودها، ويطيل أمدها في مواجهة إرادة شعوبها المتطلعة إلى التنمية وسيادة نظام سياسي تصان في ظله كرامة المواطن، ولا يؤمم حقه في التعبير السياسي. ليس من مصلحة أفريقيا أن تنقاد لأمريكا وتستسلم لهيمنتها؛ وقد فطنت بعض القيادات الأفريقية إلى خطورة هذه الهيمنة على مستقبل القارة، وحذرت من الانسياق خلفها وطالبت الأمريكان بترك أفريقيا وشؤونها حيث انتقد (نلسون مانديلا) أطروحات (كلينتون) التي رأى فيها تجاوزات تربط مصالح القارة الأفريقية بمؤخرة قطار المصالح الأمريكية، كما أنه ليس من القراءة الواعية أن ننظر إلى جولة كلينتون هذه أكثر من كونها تعزيزاً للمصالح الأمريكية مقابل المصالح الفرنسية، ولا يمكن أن تمثل هذه الجولة في تحليل الفرنسيين إلا عاملاً من عوامل النشاط الأمريكي الذي بات يشكل مصدر قلق مؤرق بالنسبة لهم؛ لما يرون فيه بوضوح من محاولات إقصائهم عن مواطن نفوذهم، أو مزاحمتهم فيها على الأقل، ولكن إذا كان من حق كل الأمم والشعوب الحفاظ على مصالحهم الحيوية والبحث عما يقوي نفوذهم فأين الأنظمة العربية من كل ما يجري حولها؟ ولماذا تتعامل مع هذه الأحداث بمنتهى البرود، وكأنها لا تمس مصالحها؟ حقاً لو كان العرب يدركون أهمية العمق الأفريقي لاستراتيجياتهم الأمنية في صراعهم مع اليهود لما تركوا الوضع الصومالي يتردى إلى هذه المأساة المؤلمة. ومن السخرية أن ينأى العرب عن حل قضايا الصومال والسودان ويتركوها تتفاقم ليجد فيها الآخرون مجال عبث ولعب، ومن السخرية أن ينظر العرب إلى حلفائهم وامتداد حضارتهم في القارة الأفريقية نظرة اللامبالاة؛ صحيح أنهم يعيشون وضعاً استثنائياً يعكس ضعفهم وتشرذمهم؛ ولكن ومهما كان هذا الوضع فلا يعفيهم من تحمل مسؤولياتهم، والتحرك لقطع الطريق على الطفيليات الصهيونية التي تنشط ضد المصالح العربية والإسلامية في القارة الأفريقية؛ وإلا فإنهم سيجدون أنفسهم وقد تجردوا من كل مواقع التأثير والتغيير على الشعوب الأفريقية؛ وليس هذا فقط؛ وإنما أيضاً مهددة في قلب دارها وعمق عواصمها في أعز ما تملك من زرع وضرع، ونبع نفطي، ومائي؛ فهل من يقظة بعد غفلة، وعودة بعد غيبة، وحركة بعد جمود؟ ! ذلك ما نأمله ونرجوه. والله فوق كيد الكائدين.

стр. 2783

مرصد الأحداث لماذا المرصد..؟ في هذه الزاوية، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من الأقوال والأحداث والمواقف.. ننقلها كما هي من مصادرها دون تصرف إلا في وضع العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... والدعوة مفتوحة لقرائنا الكرام أن يرسلوا إليناما يرون أنه جدير بلفت اهتمام المسلم لما خلف الخبر، على أن يرسل لنا أصل الخبر ومصدره مع التعليق والاسم. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - أدونيس.. واعظاً! هل يُدرك (الناطقون باسم الأمة) أنهم، يقطعون الجذع الذي يتمكسون به، والذي يحول بينهم وبين الهاوية؟ ذلك أن الموقف هذا يؤدي إذا استمر وساد إلى قتل الطاقة الإبداعية، لا في الأمة وحدها، بل في لغتها أيضا، ولماذا ينسى هؤلاء أن يهجموا على الكتب العربية القديمة ويطالبوا بمنعها أو حرقها؟ وهل يقرؤون حقاً هذه الآية القرآنية الكريمة: [وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا] [التحريم: ١٢] أو هذه الآية: [فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا] [التحريم: ١٢] ؟ أو هذه الآية: [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] ؟ ولماذا لا يقتدون بالكتاب العزيز نفسه، فقد أثبت بين دفتيه كلام إبليس ذاته، ولعلهم يعرفون ما كلام إبليس! مجرد تساؤلات. [أدونيس معقباً على استجواب الإسلاميين لوزير الإعلام الكويتي حول الكتب التي تسيء للعقيدة جريدة الحياة عدد: (١٢٧٩٩) ] وواعظ آخر! ! إنني أضم صوتي إلى الشيخ خليل عبد الكريم، وأطلب من مكفرينا الرسميين، أن يتفضلوا فيقبلوا مناظرتنا فيما يحاكموننا بشأنه، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فلن نسمح من جانبنا باستمراره قبل أن يضيع الوطن كله، ونلحق بالأمم الغوابر، أو قبل أن نتحول إلى حديقة حيوان مفتوحة لكائنات عجزت عن التكيف مع المتغيرات، قبل أن تتحول الجماهير إلى فئران تجارب للأطعمة والأدوية بعد أن فقد العالم الأمل في صلاح أمرها ولحاقها بركب الإنسانية الحرة، ولكن والله لن نهاجر وسنظل هنا في حلقوم المكفرين نكنس الجهل والتخلف من حياتنا، ومن موقعنا هنا يمكن إن شئنا مخاطبة العالم، وأن نقيم الدنيا ولا نقعدها إلا على رؤوسهم الخاوية إلا من جهل مركب وتعصب مقيت وعنصرية مفضوحة وسادية علنية ودموية تليق بمراحل ما قبل الإنسانية. [د. سيد القمني معقباً على منع الأزهر لكتب خليل عبد الكريم بعدما مُنعت كتبه هو أيضاً جريدة الدستور القاهرية عدد: (١١٦) ] وهل ترضى اليهود عن النصارى؟ ! أ- قد عانى الشعب اليهودي الكثير على مراحل مختلفة، وفي مناطق متنوعة، إلا أن المحرقة كانت أبشع معاناته، إن الطريقة غير الإنسانية التي استخدمت لاضطهاد اليهود وتعذيبهم خلال هذا القرن تعجز الكلمات عن وصف بشاعتها، كل ذلك حصل لكونهم فقط يهوداً. إننا نأسف بشدة للأخطاء والهفوات التي قام بها أبناء وبنات الكنيسة. ... [من وثيقة الفاتيكان في شأن المحرقة اليهودية] ب- كنت أود لو أن الفاتيكان اعترفت بأن اللاسامية المسيحية أدت إلى المحرقة، وكنت أرغب أيضاً في أن تدلي بموقفها من الشبكات الملحقة بالكنيسة التي أتاحت للمجرمين النازيين الهرب بعد الحرب العالمية الثانية. [افراييم زوروف، مدير مركز فيزنتال للأبحاث حول النازية جريدة الحياة عدد: (١٢٧٩٧) ] ولن ترضى عنا النصارى الأوربيون يقبلون اليهود الآن مساوين لهم، مع كل الحقوق السياسية والدينية للأوروبيين، في حين لم يحقق المسلمون هذا التقدم، وإذا كان بإمكان الأوروبيين أن يتعلموا قبول اليهود واليهودية، أوَ ليس من الممكن بالنسبة لهم أن يتسامحوا تجاه الإسلام والمسلمين؟ ! وهل نحن بحاجة إلى هولوكوست حتى يحدث هذا التغيير؟ يجب أن يتجاوز الأوروبيون نظرتهم للمسلمين (كعدو معاد للمسيحية) من أجل تفادي اصطدام الحضارات. ... ... ... [مهاتير محمد جريدة الخليج عدد: (٦٨٨٤) ] أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً! ! أحسست أن ما تبقى من قلبي المعطوب سقط اليوم، وأشعر بشيء من (عبثية الحياة) فما جدوى الشعر، ما دام الشاعر فانياً (أكرر شعوري بعبثية ما حدث) ، وأحتاج إلى وقت كبير لأتوازن. قلت لأحد الأصدقاء: أرجو أن لا يموت نزار؛ لأنني غير جاهز لاستقبال الخبر. [محمود درويش معلقاً على وفاة نزار قباني، جريدة الحياة عدد: (١٢٨٤١) ] خرافة روزاليوسف! ! لا شيء موجود اسمه الغزو الثقافي، وإن مسألة الغزو الثقافي هذه، ما هي إلا وهم كبير لا يزال يعيش في أذهان البعض من مخلفات الحرب الباردة، وليس صحيحاً أن غزواً ثقافياً أعده الأعداء ليصدِّروه لنا ويدمروا مجتمعنا وقيمنا الراسخة، إن هذا المنطق (منطق خرافات) لا يتعامل مع عقول ناضجة بالقدر الكافي. ... ... ... ... ... [مجلة روز اليوسف عدد: (٣٦٣٦) ] معبد أبرهة جديد.. في اليمن وافقت الحكومة اليمنية على بناء مركز كاثوليكي في صنعاء، وكان الناطق باسم الفاتيكان قد زار اليمن لبحث هذا المشروع، ويوجد في اليمن ثلاثة آلاف كاثوليكي (جميعهم من الأجانب) يرعاهم أربعة كهنة و٢٦ راهبة. ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة عدد: (١٢٨٠٨) ] أحرام على بلابلنا (الثأر) ! إن الهجمات التي يشنها الإسلاميون هي رد مشروع على ما يقوم به الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وإن المسألة لم تعد مجرد مشروعية تلك الهجمات أم عدم مشروعيتها؛ فالجيش الإسرائيلي يقتل نساء، وأطفالاً أبرياء، والمهاجمون يقتلون مدنيين أبرياء أيضاً، فلماذا يُعطى الجيش الإسرائيلي الحق في ذلك ويُحرم الفلسطينيون منه؟ [صبري عكرمة، مفتي القدس جريدة الأنباء، عدد: (٧٨٤٥) ] أفلح إن صدق إن أي مستوطن يدخل المناطق الفلسطينية ويعتدي على الفلسطينيين لن يغادرها حياً، واجبنا أن نحمي شعبنا ونصون أمن وكرامة كل فلسطيني في مناطق السيادة! [جبريل الرجوب، رئيس الأمن الوقائي في الضفة الغربية بعد مصرع ثلاثة فلسطينيين في ترقويما على يد يهود الشرق الأوسط عدد: (٧٠٤٩) ] صدق أو لا تصدق! أبدت جامعات أسترالية استعدادها لقبول الطالبات التركيات اللواتي منعن من حق التعليم في بلادهن بسبب ارتداء الحجاب، وقالت إنها سترحب بكل طالبة تركية تعرضت لمثل هذه المعاملة دون النظر إلى ما ترتديه. ... ... ... ... ... ... [جريدة الخليج عدد: (٦٨٧٩) ] أشد الناس عداوة: أكد استطلاع للرأي أن ثلاثة من كل أربعة إسرائيليين يؤيدون اغتيال قادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقال ٧٦% ممن شملهم الاستطلاع إنه يجب قتل مسؤولي حماس الذين تلطخت أيديهم بدم يهودي، وجرى هذا الاستفتاء بعد مقتل محيي الدين الشريف. ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧٠٦٧) ] يا حسرة على الرفاق تصاعدت الخلافات في الحزب الشيوعي الأردني إثر اتهام أمينه العام السابق الدكتور يعقوب زيادين قيادات في الحزب بتلقي (المنح المالية الضخمة) من الاستخبارات الأمريكية! ! وأكد زيادين أن تلقي قيادات شيوعية معونات أمريكية رسمية حقيقة موضوعية وأن لديه معلومات ووثائق تؤكد تلقي بعض القيادات معونات كانت إحدى دفعاتها أكثر من ٦٠ ألف دولار. ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة: عدد: (١٢٨١٧) ] صراحة.. وحقد! ! إن المرء عندما ينظر إلى حالات العنف الحديثة بين العالم الإسلامي والعالم غير المسلم، فإن العالم غير المسلم هو الذي اتخذ الجانب العدواني ضد المسلمين وليس العكس، وهذا لا يعني أن العالم الإسلامي أفضل، إنه ببساطة أضعف وسيبقى كذلك. [ميدل إيست جورنال، عن دورية قراءات عدد: (محرم/صفر ٤١٩هـ) ] مملكة السلام الدافئ ذكرت ليا رابين أرملة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين أن ملك الأردن حسين وزوجته نور تبرعا بمبلغ قيمته خمسون ألف دولار لمركز إسحاق رابين للسلام في العيد السبعين لميلاد ليا. [جريدة الأنباء: عدد: (٧٨٦٢) ] ضد من هذه القوة؟ أكدت صحيفة (ميلليت) التركية أنه توجد في قاعدة أنجرليك الجوية ١٥ قنبلة نووية أمريكية، ونسبت الصحيفة إلى مصادر دفاعية أمريكية أن القنابل الموجودة في أنجرليك من طراز (بي ٦١) يمكن قذفها من الطائرات، وأن قدرة الواحدة منها تعادل تسعة أضعاف قدرة القنبلة التي أسقطت على هيروشيما. ... ... ... ... [جريدة الأنباء: عدد: (٧٨٦٦) ] أنصار.. من؟ ! في هجوم متشنج من أحد أعضاء (حزب الأمة السوداني) المسمون بالأنصار قال: إن النظام الحالي قد مُكِّن له في الأرض، ولن يعترف بأي رأي آخر وإنه لن يسلم السلطة إلا لعيسى ابن مريم، النظام يدعي أنه يدافع عن الإسلام، وأن حزبه هو حزب الله، وكل الذين يعارضونه إنما يعارضون شرع الله، وهذا زعم باطل، إننا نعتقد أن الخطر على الإسلام هو وجود هذا النظام. [عبد المحمود أبو أمين أمين عام هيئة شؤون الأنصار لحزب الأمة السوداني جريدة الخليج عدد: (٦٨٧٣) ]

стр. 2784

في دائرة الضوء صراع الحضارات مرة أخرى د. محمد يحيى على الرغم من تعرض العديد من الكتاب لمقولة الأستاذ الجامعي: (صمويل هنتنجتون) التي عرفت باسم صراع أو صِدام الحضارات (نسبة إلى مقالته عام ١٩٩٢م ثم كتابه الموسع حول الموضوع وتحت الاسم نفسه عام ١٩٩٦م) إلا أن هذه المقولة - وإن بدت سطحية الطابع - تحتوي على أعماق وأبعاد وجوانب كثيرة تتجلى كلما تعرض لها المرء بالبحث أو التأمل، وقد حاولت في مقال بل مقالات سابقة أن أجلي بعض هذه الجوانب وتركت أخرى لعلِّي أعالجها فيما بعد. ومن الجوانب التي ما زالت بحاجة إلى المزيد من الإيضاح في هذه المقولة هو دورها ووضعها داخل سياق الفكر الغربي والأوضاع المعاصرة هناك، وهو ما ألقيت عليه بعض الضوء في المقال السابق، وأرجو أن أسلط المزيد الآن. تبدو مقولة صِدام الحضارات للنظر - من زاوية - وكأنها محاولة واسعة النطاق لجمع شتات الصف الغربي ورسم هويته بحدة ووضوح شديد؛ ذلك لأن الصف الغربي الذي كان موحداً في القرون الوسطى بل وقبلها تحت راية الإمبراطورية الرومانية ثم المسيحية (ولا أقصد بالوحدة هنا السياسية أو السياسية وحدها) هذا الصف قد تناثر شظايا وشُعباً حتى العصر الحديث عصر الاستقطابات السياسية والانقسامات الأيديولوجية والتناثر الاجتماعي. وصحيح أن محاولات الوحدة على كل المستويات كثرت وتعددت حتى جاء عهد التكنولوجيا الحديثة وثورة الاتصالات مع سقوط المعسكر الشيوعي والتي بدت كلها عوامل تشجع على الوحدة؛ إلا أن الوحدة بالمفهوم الحضاري الوجودي الأوسع كوحدة عقيدة وهوية ومصلحة مشتركة كبرى ظلت مع ذلك مفتقدة. ومن هنا تأتي أهمية المقولة. إن دعوة (هنتنجتون) تحاول أن ترسم صورة قد لا تكون مكتملة في الوقت الراهن لحضارة اسمها: (الحضارة الغربية) ، وهي وإن سكتت عن مكونات وأسس هذه الحضارة، وانشغلت برسم ملامح صورة العدو (الآخر الحضاري) التفصيلية إلا أنها مع ذلك تفصح عند استنطاقها عن هذه المكونات والأسس وتقدم لنا العجب؛ فالحضارة الغربية المتطورة تجمع أقطاباً وأطرافاً كانت حتى الماضي القريب جداً من الأضداد المتصارعة. فهذه روسيا (الاتحاد السوفييتي السابق) ومعها بلدان أوروبا الشرقية (المعسكر الاشتراكي أو الكتلة الشرقية سابقاً) تصبح من مكونات ولبنات الحضارة الغربية حتى وإن كانت حتى القريب العدو الأول للغرب الذي يعني الكتلة الرأسمالية الليبرالية المنضوية تحت لواء حلف الأطلسي. وهنا نجد أن مفهوم الغرب قد اتسع ليشمل (الشرق) لكنه شرق مسيحي أبيض (وإن كان أرثوذكسي المذهب) . ومفهوم الحضارة الغربية المطروح في مقولة (هنتنجتون) يجمع بين أوروبا وأمريكا ويبقي ما كان من توتر وما هو كائن من تضارب في المصالح الاقتصادية. بل إنه داخل الكتلة الغربية الأوروبية ذاتها يجمع ما بين الكتل المصلحية الثقافية المتضاربة من بريطانية وفرنسية وألمانية وشمال أوروبية وجنوب أوروبية. ولا يكتفي مفهوم الغرب الجديد في التوسع شرقاً حتى حدود الصين واليابان ووسط آسيا (حيث امتداد روسيا) بل إنه يضرب إلى الجنوب الأمريكي حتى القارة الجنوبية المتجمدة حيث يتضمن الأمريكتين: الوسطى، والجنوبية. وهناك أيضاً تسود المسيحية الكاثوليكية التي مقرها في روما، ويسود العنصر الأبيض حتى وإن وجدت الأعراق والعناصر الأخرى بكثافة عددية أكبر: من زنوج ومخلطين في البرازيل، أو هنود في البلدان الأخرى. لكن ارتباط هذه القارة بالتاريخ الأوروبي، والمنحى العام للحضارة الغربية قد ترسخ منذ (اكتشافها) (حسب الزعم الغربي) في القرن الخامس عشر الميلادي، ويعاد اكتشاف هذا الإقليم الآن بثرواته وإمكاناته الهائلة ليُدرج في صف الحضارة الغربية بعد أن كانت بعض تصنيفات الفكر اليساري الغربي تضعه في خانة (العالم الثالث) ثم (الجنوب) في مواجهة (العالم الأول) أو (الشمال) وهو (الغرب) . وبالطبع فإن أستراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق، وإلى الشرق حتى من الخصم الجديد للحضارة الغربية (الإسلام والصين الناهضة أو الكتلة البوذية ... إلخ) تقع هي الأخرى ضمن صف الحضارة الغربية الذي تنشئه مقولة صِدام الحضارات. إذن: نجد أن طرح التصور للحضارة الغربية عند (هنتنجتون) يتضمن ما يمكن تسميته بإعادة تأسيس وإنشاء صف الحضارة الغربية بشكل يختلف جذرياً عما اعتاد عليه الفكر السياسي والثقافي والفكري حتى عهود بالغة القرب. فالغرب كما قلنا كان يقتصر على مجموعة بلدان غرب أوروبا (جغرافياً) بالإضافة طبعاً إلى كتلة القارة الأمريكية الشمالية، لكن المفهوم الجديد يوسع المدى الجغرافي للغرب كثيراً إلى حد ينعدم معه معنى (الغرب) ذاته مع الامتداد العميق إلى أقصى الشرق من ناحية وأقصى الجنوب من الناحية الأخرى، ثم محاولة التوغل في الوسط من خلال الطرح المكمل لمفهوم الغرب وهو طرح الحضارة المتوسطية التي يفترض أن تضم بلدان حوض شرق البحر المتوسط ومعظمها إسلامية. وهذا الطرح جاء من بلدان أوروبا الغربية والجنوبية وهو إن حاول التظاهر بخلق أو إحياء كيان حضاري متميز (البحر متوسطي) إلا أنه في الحقيقة لا يكاد يخفي أنه أداة لاستيعاب وضم الدول الإسلامية الكبرى المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط وإلحاقها بالحضارة الغربية (المسيحية - الوثنية) وإدراجها كعناصر داخل هذه الحضارة بعد تجريدها من خصوصياتها الحضارية وتمييع هويتها العقدية. وهكذا يتسع مفهوم الحضارة الغربية الجديد ليشمل نطاقاً جغرافياً هائلاً بل - وهو الأهم - ليشمل ويبتلع نطاقات ثقافية كانت بشكل ما خارجة عن نطاق الثقافة الغربية كروسيا وأمريكا الجنوبية. وينقلب هذا التوسع الجغرافي عدوانياً عندما يتحرك ليهاجم قلب العالم الإسلامي من خلال طرح مفهوم الحضارة المتوسطية وهو في جوهره مجرد مفهوم وسيط يمهد لإلحاق الحضارة الإسلامية أو بلدانها المركزية بالحضارة الغربية ومجال النفوذ الغربي بعد فصلها أولاً عن الوسط الإسلامي وضمها إلى ذلك الكائن المصطنع (البحر متوسطي) الذي لن يلبث أن يكشف عن وجهه الحقيقي فإذا هو غربي بحت بعد أن يكون فات أوان العودة إلى الهوية الإسلامية بالنسبة للبلاد الإسلامية التي تكون انضوت تحت لوائه. ويتجلى هذا التوسع الجغرافي الشرس والشاسع لمفهوم الغرب في التصور الجديد من بعض التصورات التي ينقصها الوضوح في مقولة (هنتنجتون) أو التي يسكت عنها؛ فما هو وضع الهند أو إفريقيا في خارطة الصراع الحضاري الذي يتنبأ به الكاتب الأمريكي للقرن الحادي والعشرين الميلادي؟ لقد تعرضت في مقالتي السابقة لوضع الهند وخلصت إلى أن (هنتنجتون) لا يصنفها في خانة أعداء الغرب رغم أنها كالصين (وأكثر من العالم الإسلامي) تمتلك القوة النووية حسب أرجح التصورات، وفوقها إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة حالية ومتوقعة، كما خلصتُ إلى أن عدم وضع الهند في خانة العدو الحضاري المحتمل يعني أنها واقعة في خانة الأصدقاء أو الحلفاء المحتملين للحضارة الغربية حتى وإن لم توضع صراحة في الصف الغربي. ولا يُنسى أن الجذور الأولى للحضارة واللغات الأوروبية تستمد نفسها من الماضي الآري السنسكريتي في الهند؛ فضلاً عن أن المنطق الاستراتيجي السليم يحتم وضع الهند في الصف الغربي في مواجهة الحضارتين الإسلامية غرباً وجنوباً، والصينية شرقاً. تتبقى إذن قارة إفريقيا؛ ووضعها - من هذه الناحية - غامض؛ فهي غير مذكورة في الصف الغربي إضافة إلى أن ضعفها الحالي والمتواتر يجعل من غير المحتمل وضعها كالهند في خانة الحلفاء المستقبليين. لكن الواقع يقول إن عملية (هندسة سياسية) ضخمة تجري الآن لإلحاق سائر إفريقيا في إقليم ما يعرف بـ (جنوب الصحراء) إلى الصف الغربي. وإلا فلماذا عودة جنوب إفريقيا كالابن الضال إلى صف السياسات الدولية من منظور غربي؟ ولماذا عملية التغييرات حتى في قلب ووسط إفريقيا ثم في الاتجاهات الأربعة من ذلك القلب لرسم خريطة سياسية جديدة من إمبراطوريات لا تتميز بشيء قدر تميزها بالعداء للإسلام، والولاء السياسي والاقتصادي لأمريكا، والانتماء الديني إلى المذاهب المسيحية الغربية وبعدها الثقافة المتأوربة؟ إن المسرح السياسي العام يعد الآن في وسط وأطراف إفريقيا لتأكيد الضم والإلحاق بالغرب على أصعدة تمتد من الاقتصادي إلى الثقافي والديني في مواجهة الشمال والشرق الإفريقي المسلم. ومن ثم نرى أن الحضارة الغربية التي سوف تواجه العدو الإسلامي في المستقبل القريب حسب مقولة (هنتنجتون) هي صف أوسع وأكبر وأخطر بكثير من ذلك التصور الذي ساد حتى عهد قريب حول (الغرب) وليست القضية مجرد توسع جغرافي مهما كان مداه وخطورته، بل إن هذا التوسع عدواني في المقام الأول أي إنه مستمر وزاحف ينتهج سياسات الضم والإلحاق والإدراج، وترتيب الحلفاء والأصدقاء، وتحييد القوى التي قد تنضم إلى العدو؛ فهو صف يتبع أساليب عسكرية واضحة في التفكير والنهج. والأخطر من ذلك كله أن هذا الصف الغربي في شكله الجديد الذي تؤسسه وتنشئه مقولة صراع الحضارات يقوم على أساس ظن البعض أنه قد مات في الغرب إلى الأبد؛ وأعني به الأساس العقدي وبالتحديد: الديني المسيحي؛ فبعد قرون من سيادة نهج التفكير العلماني، وبعد أن بشّر الفكر الغربي في طرحه البراجماتي والليبرالي بنهاية الأيديولوجيا أو نهاية سيطرة المفاهيم العقائدية على توجيه الأمور في عصر العلم وثورة التكنولوجيا، كان من المظنون أن أي طرح يقيم الحضارة والثقافة والهوية على أسس دينية عقائدية قد مضى وقته إلى غير عودة في الغرب؛ لكن ها هو البروفيسور الأمريكي يبشر بحضارة غربية تقيم هويتها على أساس مواجهة خصم ديني (الإسلام) وهذا لا يكون إلا إذا كانت تلك الحضارة نفسها تقوم على أساس ديني أو هي شديدة الوعي والحساسية بدور الدين ووضعه كمقوِّم للحضارة والهوية والكيان. وعند هذه النقطة بالذات ينهار منطق الردود التي جاءت من العالم الإسلامي على مقولة صِدام الحضارات. لقد تناولت من قبل بعض سمات الردود القادمة من بلدان إسلامية على هذه المقولة، لكن السمة الكبرى فيها هي أنها صدرت عن أصوات ودوائر ذات توجه علماني متغرب؛ فضلاً عن أنه واقع تحت سيطرة التوجيه المباشر للدوائر السياسية الحاكمة وهذا طبيعي؛ لأن الواقع في بلداننا الإسلامية يبين أن هذا التيار العلماني المتغرب قد أعطيت له في الآونة الأخيرة السيطرة على منابر الفكر والثقافة والإعلام والتعليم والعمل الاجتماعي في إطار الحملة الجارفة على الحركات الإسلامية بل والإسلام ذاته؛ ولذلك جاء تعامل هذا الصوت العلماني مع مقولة صدام الحضارات غريباً ولافتاً للنظر رغم صدوره عن أشخاص وأجهزة في بلدان إسلامية حسب التاريخ وحسب الأغلبية، وينبغي التركيز على هذه الحقيقة لغرابتها؛ فالرد الظاهر في العالم الإسلامي على مقولة (هنتنجتون) لم يجئ من أصوات إسلامية فكرية صادقة (وهو قد جاء ولكن تعرض للتعتيم) لكنه جاء من ذلك التيار العلماني المتغرب المسيطر بقوة الغير. لذلك تراوح الرد بين اتهامات سخيفة لـ (صمويل هنتنجتون) بأنه (أصولي) (ولولا بقية من حياء لقالوا أصولي إسلامي!) وبين مقولات مضادة تروّج لفكرة أن العلاقة الأساسية التي يدعو لها الإسلام (تذكّر أن هذا الطرح صادر عن علمانيين!) هي علاقة التفاعل والتعاون والتبادل بين الحضارات. والمشكلة أو الأزمة التي وقع فيها الصوت العلماني المتغرب في البلدان الإسلامية في تعامله مع مقولة صراع الحضارات أنه لم يعد يتوقع أو يفهم أن يؤسس أحد فكرة أو طرحاً على قواعد الدين والعقيدة! إن هذا الصوت كان تلميذاً نجيباً ومطيعاً استوعب دروس علمانية الغرب التاريخية حتى النخاع، ونبذ الإسلام وراء ظهره نهائياً. وهذا الصوت لم يعد يستطيع أن يفهم أو يتعامل مع أي طرح يصدر عن الدين والعقيدة إلا بالرفض أو عدم التصور. ولذلك فعندما فوجئ هذا الصوت أو التيار بالعلمانية تسقط في الغرب، والمسيحية تنهض عند كثير من الفلاسفة وأصحاب المذاهب هناك (وهنتنجتون بالمناسبة هو مجرد صوت صغير غير ذي أهمية في سياق هذه العودة للمسيحية في تصور الأمور) أُسقِط في يديه ولم يعد يعرف كيف يتصرف أو يرد. لم يستطع هذا التيار أن ينادي بنهضة أو إحياء إسلامي، ولم يستطع أن ينادي بتأسيس وحدة حضارية إسلامية شاملة لتواجه الطرح الحضاري الغربي المؤسس على المسيحية الناهضة أو الأصولية! وباختصار: لم يستطع الصوت العلماني - في تعامله مع مقولة صراع الحضارات - أن يدعو إلى رد إسلامي أو مواجهة إسلامية؛ لأنه نبذ الإسلام وتخلى عنه؛ فكان الرد الوحيد هو هيستيريا اتهام (هنتنجتون) بالأصولية تماماً كهيستيريا اتهام المسلمين بالأصولية والتطرف! ولم تتوقف المشكلة والمأزق عند هذا الحد؛ فالصوت العلماني المسيطر في التعامل القادم من البلدان الإسلامية مع مقولة صراع الحضارات قد أُشرِبَ الحضارة الغربية وثقافتها وفكرها؛ بحيث لم يعد يتصور أو يفهم أنه توجد حضارات أخرى وثقافات وعقائد غيرها. ومرة أخرى كان هذا هو الدرس الذي تلقاه ذلك الصوت من معلميه الغربيين واتبعه بنجابة التلميذ المطيع. ولهذا فعندما جاءت مقولة (هنتنجتون) تتحدث مذعورة عن خطر الثقافات والعقائد الأخرى على الغرب وقع الصوت العلماني في البلاد الإسلامية في حيرة مضاعفة: كيف يكون هناك خطر وقد تعلمنا أن كل الثقافات الأخرى غابرة، وأن حضارة الغرب وحدها هي القادمة وهي المنتصرة وهي الوحيدة؟ لقد رأى (هنتنجتون) أن هناك صحوة إسلامية تتحول إلى نهضة حضارية تنافس وتجبّ حضارة أمته الغربية. أما العلمانيون الذين يحملون أسماء إسلامية فلم يروا في هذه الصحوة إلا (ردة) (حسب تعبيرهم) إلى عهود الظلام والرجعية.. إلخ، وردة عن النور الذي جاء من الغرب؛ ولهذا السبب لم يستطع الصوت العلماني أن يرد على مقولة صراع الحضارات بالدعوة إلى دعم الحضارة الإسلامية بكل الأساليب وعلى كل الأصعدة لتتصدى لهجمة الحضارة الغربية الشرسة المتوسعة، والتي تناصب الآخرين العداء، وتتخذ منهم أعداء حسب طرح (هنتنجتون) . على ضوء تغرب الصوت العلماني حتى النخاع لم يكن الرد المتوقع إلا أن يكون الدعوة إلى الحوار والتعاون والتفاعل والمشاركة مع الغرب مع إلصاق هذا المدخل بالإسلام. أوَليس الإسلام دين المحبة والسلام؟ لكن هؤلاء العلمانيين لم يكونوا يهتمون بالإسلام بأدنى قدر في هذا الطرح يوازي اهتمامهم بنفي أي احتمال للصراع مع الغرب سواء أكان ذلك سياسياً أو اقتصادياً أو حضارياً؛ إذ كيف يقبلون بوجود أي صراع مع الغرب مهما كان مسوّغاً بدوافع الدفاع عن الذات والهوية الإسلامية؛ بينما كل انتمائهم هم، وهويتهم هم، وذاتيتهم هم: غربية الطابع؟ لقد عمي الصوت العلماني عن الصورة الجديدة والتشكيل الجديد لمفهوم الغرب كما تجلى في مقولة صراع الحضارات. لم ير الصوت العلماني أية غرابة في أن تتوسع الحضارة الغربية وتتقوى أو أن تعادي الإسلام؛ فهم من أبناء هذه الحضارة الغربية بالروح وإن لم يكن بالجسد. لكنهم وجدوا الغرابة كل الغرابة في أن تخاف الحضارة الغربية من الإسلام، وتخشى النزال معه، وتحشد لذلك عدتها؛ فطفقوا وباسم الإسلام (!) ينادون بني جلدتهم المسلمين بأنه يجب أن لا يكون صراع مع الغرب بل إخاء وسلم ومحبة وتذلل وأخذ؛ حتى ولو أشهر الغرب سيوف التنصير والاستغلال الاقتصادي، وأعلن الحرب على الإسلام والمسلمين! إن الرد القادم من بلدان إسلامية عديدة، والذي جرى إبرازه بحيث يتصور المرء أنه هو الرد (الإسلامي) على مقولة صراع الحضارات جاء في الحقيقة وفي معظمه من الأصوات العلمانية المسيطرة والموجودة حتى داخل المؤسسات الدينية الشهيرة بل وعلى رأسها في أحيان؛ ولذلك تخبط هذا الرد بين اتهامات مضحكة لهنتنجتون بالأصولية الفكرية أو الردة عن العلمانية! (وكأنها دين منزل عند هؤلاء الذين لا يقبلون الأديان) وبين اتهامات أخرى بأنه يذكي نيران العداوة والإحن؛ وكأنه ليس مجرد ممثل ومعبر عن حضارته المتوسعة الشرسة في طرحها المعاصر الذي هيمنت عليه المسيحية كعقيدة ودين تؤسس عليه الدول والسياسات والمواقف ويكون قاعدتها المتينة. الرد (الإسلامي) على (هنتنجتون) كان في الحقيقة رداً علمانياً متغرباً يهاجم الباحث الأمريكي؛ لأنه بطرحه الواضح المباشر لمفهوم الصراع الحضاري والثقافي والديني أعطى الإسلاميين وفكرهم دفعة ومسوِّغاً وحجة كان العلمانيون في البلدان الإسلامية يجتهدون لدفعها وإخفائها. إن العلمانيين في البلدان الإسلامية يبشرون بانتهاء عهد العقائد والديانات وحلول عهد العالمية والكوكبية (وهي ليست سوى هيمنة الحضارة الغربية بعد أن وُصِفت (بالعالمية) المطلقة) لكن ظهور مقولة صراع الحضارات وانتشارها بالشكل الإعلامي الواسع وذيوعها بين الجماهير العريضة أربك هذا الطرح العلماني بين ظهرانينا، وأظهر على العلن ما كان العلمانيون يبذلون ما في وسعهم لإخفائه بفضل سيطرتهم على منابر الإعلام والثقافة ألا وهو أن عهد الفكر العلماني قد ولى في الغرب نفسه، وحل محله عهد من بروز الأديان والعقائد كأسس للحضارة والثقافة عند الغرب، كما أن الحضارة الغربية التي طُرحت على الناس كحضارة عالمية وحيدة تجبّ كل الحضارات والعقائد بحكم أنها ذروة خط التقدم الإنساني قد ظهرت الآن ومن خلال مقولة صِدَام الحضارات على أنها ليست هي المطلقة بحكم أنها قمة التقدم البشري؛ بل إنها مجرد حضارة وعقيدة من بين حضارات وعقائد أخرى، وأنها ليست المطلقة بل تسعى إلى فرض نفسها بالقوة وتخاف من حضارة الإسلام وتسعى للكيد لها. كل هذه الحقائق فضحتها أطروحات (هنتنجتون) ولذلك جاء الرد العلماني عليه ليس من الغرب - حيث انهارت العلمانية - وإنما - وللغرابة - من العالم الإسلامي حيث تحتكر العلمانية دون حق منابر الفعل والفكر والتأثير؛ وجاء هذا الرد غريباً من حيث أنه يتمسح بالإسلام (حقاً أو باطلاً) ويدعو المسلمين إلى عدم النهوض للتحدي الذي تطرحه مقولة (هنتنجتون) بل على العكس إلى الخضوع لهذا التحدي والاستسلام له تحت زعم أن الإسلام باعتباره ديناً للمحبة والسلام لا ينبغي له أن ينهض للصراع والتنافس والجهاد حتى في وجه من يرفعون شعار النزال!

стр. 2785

بأقلامهن كتاب الله يا أختاه نجوى الدمياطي إلى أختي المسلمة أهدي هذه الكلمات: اعلمي أن دوام الصلة بكتاب الله تلاوة وتدبراً وعملاً، يعمق الإيمان ويوقظ التقوى. فالقرآن هو البيئة الصالحة لإنبات أنضر النبات.. نبات الإيمان، وإخراج أطيب الثمار.. ثمار العمل والوعي والجهاد. وتيقني أن مدرسة القرآن هي السبيل الأوحد إلى تربية الجيل المسلم، وإحياء الأمة الفاضلة. أختاه.. تعلمين أنه في مكة، وحين كانت الدعوة الإسلامية تعيش فترة الاتصال بين السماء والأرض عبر وحي الله الذي فتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً وقلوباً غلفاً.. كان القرآن ينقل خطى الإنسان الجاهلي في جزيرة العرب من (حضيض) واقعه، إلى (قمة) مستقبله السامق.. ويتخطى به (ظلمات الجاهلية) إلى (نور الإسلام) .. ليُخرج منه ومن غيره [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] [آل عمران: ١١٠] . أختاه.. إن هذا القرآن الذي أخرج بهديه [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] لم يجئ لفترة من الزمان أو لجيل من الناس، وإنما جاء ليعمل في كل جيل وفي كل بيئة.. ولذلك فالقرآن هو القادر اليوم على نقل خطى البشرية من واقعها الأليم إلى أملها المنشود. أختاه.. إنه (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) كما قال مالك بن أنس ﵁ ولقد صلح أولها بالقرآن.. ولذلك فلن يصلح آخرها إلا به.. فالقرآن غنى كامل في كل شيء.. في كل زمان ومكان، وفي كل جيل وقوم كما أخبر سبحانه قائلاً: [إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] [الإسراء: ٩] ، فالقرآن [يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض.. و [يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة.. و [يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] في علاقات الناس بعضهم ببعض أفراداً وأزواجاً، وحكومات وشعوباً، ودولاً وأجناساً، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي أو بالهوى، ولا تميل مع المودة والشنآن، ولا يصرفها المصالح والأغراض [١] . أختاه.. لقد أقسم الله فقال: -[وَالْعَصْرِ (١) إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] [العصر: ١ - ٣] فتأكدي أن كل أحد خاسر إلا من آمن وعمل صالحاً، وكمّل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه.. ولذلك فإنه حقيق بكل عاقل أن ينفق ساعات عمره فيما يخلصه من الخسران المبين، (وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره واستخراج كنوزه وآثار دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمة عليه؛ فإنه الكفيل بمصالح العباد، في المعاش والمعاد، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد) [٢] . ولا شك يا أختاه أن كتاب الله الذي هذا شأنه، وتلك هي آثاره في النفس والمجتمع جدير بأن يتلوه الإنسان آناء الليل وآناء النهار؛ فذلك السبيل إلى الفوز في الدنيا والآخرة كما أخبر سبحانه: [إنَّ الَذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ] [فاطر: ٢٩، ٣٠] . وكما أخبر رسول الله: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو [٣] . وقال: (الماهر بالقرآن مع السَفَرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) [٤] . أختاه.. إن القرآن هو مأدبة الله كما أخبر بذلك الصادق المصدوق لله، فأقبلي على مأدبة الله، واحرصي أن تكون لك في هذه المأدبة صواحب.. صحبة طاهرة ملتزمة بالدين، مخلصة لله، بعيدة عن البدع والمعاصي، حريصة على أمر الآخرة.. فهذه الصحبة الطاهرة تزيد من حرصك وتُقَوّي من أزرك، وتحقق فيك قول رسول الله لله: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه) ، وقوله لله: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) [٥] . ... فما الذي هو أجمل من أن تنزل عليك السكينة أختاه وتحفك الملائكة، وتغشاك الرحمة.. وما أعظم من أن يذكرك الله فيمن عنده؟ ! عن أسيد بن حضير أنه بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس فسكت، فسكنت، فقرأ، فجالت الفرس فسكت، فسكنت، ثم قرأ.. فجالت الفرس، فانصرف وكان ابنه يحيى قريباً منها، وأشفق أن تصيبه، فلما اجترّه (أي جر أسيد ابنه يحيى من ذلك المكان) رفع رأسه إلى السماء فإذا هو بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى يراها.. فلما أصبح حدّث النبيّ ﷺ فقال: (اقرأ يا ابن حضير.. اقرأ يا ابن حضير.. وتدري ما ذلك؟) قال: لا، قال لله: (تلك الملائكة دنت لصوتك، لو قرأتَ لأصبحتْ ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم) [٦] . أختاه.. إن الحياة في ظلال القرآن نعمة.. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.. ومن عاش مع القرآن شعر بالتكريم الإلهي العلوي الجليل، فعاش هادئ النفس، مطمئن السريرة، قرير العين [٧] تغشاه السكينة التي ما تنزل في قلب عبد إلا أكسبته الوقار والطمأنينة (وأنطقت لسانه بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الفحش واللغو والهجر، وكل باطل.. قال ابن عباس ﵁ : (كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه) .. بل (كثيراً ما ينطق صاحب السكينة بكلام لم يكن على فكرة منه، ولا روية ولا هبة ويستغربه هو من نفسه، كما يستغرب السامع له، وربما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه) [٨] . وهكذا هو القرآن يا أختاه به تطمئن القلوب بالإيمان واليقين، فكيف تكون قراءتك له؟ أختاه.. إن قراءتك للقرآن لا بد أن تكون وفق أمر رسول الله: (زينوا القرآن بأصواتكم) [٩] . فتحسين الصوت بالقرآن والتخشع فيه أمر يحبه رسول الله؛ فقد قال لأبي موسى: (يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة) فرد أبو موسى قائلاً: والله لو علمتُ أنك تسمع قراءتي لحبّرتها لك تحبيراً) . ولا شك أن رد أبي موسى يدل على جواز تحسين الصوت بالقرآن، وقد كان أبو موسى قد أُعطيَ صوتاً حسناً، كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود) . وإذن يا أختاه فتحسين الصوت بالقرآن مطلوب شرعاً، ولكن هذا لا يعني أن يشغلك ذلك عن تدبر معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، بل لا بد من الصبر على تدبر القرآن آية آية، وترك النص القرآني يحدثنا عن الموضوع الذي يتناوله والحقائق التي يقررها.. والنظر في كلام الله سبحانه نظرة قلب يشعر معانيه، وعقل جمع الفكر لفهم آياته.. وتَدَبّر خطاب الملك الذي (لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته، وهو عالم بما في نفوس عباده، مطلع على أسرارهم وعلانيتهم، منفرد بتدبير مملكته، يسمع ويرى ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويخلق ويرزق ويحيي ويميت، لا تتحرك من ذرة إلا بإذنه ولا تسقط من ورقة إلا يعلمها ... فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً رحيماً جواداً هذا شأنه، فكيف لا تحبه وتتنافس في القرب منه، وتنفق أنفاسها في التودد إليه، ويكون أحب إليها من كل ما سواه، ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه) [١٠] . وفي ظل هذه اللذة الروحية في الأنس بالله وبالقرآن، أود أن أذكرك يا أختاه بمسؤوليتك عن أولادك وعن بيتك.. فلا بد أن تعلّمي أطفالك قراءة القرآن، وتُقَوّي صلتهم به، ذلك أن الطفل يقبل من أمه ويفهم منها ما لا يقبله ولا يفهمه من غيرها. فإذا كان طفلك في سن يعقل فيها ويميز فعلميه قليلاً قليلاً بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه.. وأمّا إذا كان لا يعقل ما يقال له فقد (استحب بعض السلف أن يترك الصبيّ في ابتداء عمره قليلاً للعب، ثم توفر همته على القراءة لئلا يُلْزَم أولاً بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب) [١١] . وأمّا بيتك أختاه فاجعليه بيتاً يعمره القرآن؛ وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: (إن البيت ليتسع على أهله وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويكثر خيره أن يقرأ فيه القرآن، وإن البيت ليضيق على أهله وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين، ويقل خيره أن لا يُقرأ فيه القرآن) [١٢] .. واحذري أختاه الذين يهجرون القرآن، فلا (يفتحون له أسماعهم، ولا يتدبرونه ليدركوا الحق من خلاله، ويجدوا الهدى على نوره.. ويهجرونه فلا يجعلونه دستور حياتهم، وهو الذي جاء ليكون منهاج حياة يقود البشرية إلى أقوم طريق) [١٣] . احذري يا أختاه كل هؤلاء الذين هجروا القرآن.. واجعلي في سمعك دائماً شكوى رسول الله ﷺ لربه: [يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً] [الفرقان: ٣٠] واعلمي أختاه أنه وإن كانت الآية نزلت في شأن المشركين الذين إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعونه (فهذا من هجرانه) ، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو من هجرانه) [١٤] .. وكذلك من هجرانه (هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه) [١٥] . فدعكِ أختاه من كل هجر للقرآن.. واجعلي لنفسك وِرداً خاصاً تحافظين عليه مهما كانت مشاغلك.. تقرئينه، وتنزلين نفسك على أمر الله في القرآن، ولا تنزلي القرآن على هوى نفسك، واعلمي أختاه أن هذه هي السبيل للانتفاع بالقرآن. أختاه.. اقرئي.. ورتلي.. وليكن منك على ذكر قول النبي: (يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ وارقَ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه) [١٦] ، وقوله: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) [١٧] . هذه وصيتي إليك، وهذه فوائدها؛ فاغتنميها. وفقني الله وإياك إلى خيرَيِ الدارين.

стр. 2786

المنتدى مساحة للشيطان حمد بن إبراهيم إن للشيطان نصيباً في كل إنسان بدءاً بالعالم ومروراً بالعابد وعوامّ المسلمين وفساقهم، وانتهاءاً برؤوس الكفر والإلحاد؛ فترى الشيطان في جانب العالم العامل يناور من بعيد يهش ويبش، ويعسّ ويدس، فمن الوسوسة والخواطر واستغلال السوانح والسوامح حينما يكون الحديد حامياً، إلى التحريك والتوجيه والتزيين والتلوين؛ فإذا تمكن من إلقاء الوساوس قام بتزيين الباطل وتحريك الدوافع الكامنة في التركيبة النفسية للإنسان شيئاً فشيئاً وخطوة فخطوة حتى ينكِّسه على رأسه، ويرده على عقبيه، ويركسه في الفتنة، وكلّما قلّ وضحل نصيب المسلم من العلم والعمل صار للشيطان منه نصيب الأسد، وهكذا حتى يستحوذ عليه كلياً، وهكذا خطوات الشيطان: من الوسوسة إلى اللعب والتلاعب، ومن عبادة الله إلى عبادة الشيطان، ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار [لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً] [النساء: ١١٨] ، [وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاًً بَعِيداً] [النساء: ٦٠] ، [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإنَّهُ يَاًمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ] . [النور: ٢١] . أعاذنا الله وحمانا ورحمنا ووقانا من شر الشيطان وشركه، ومن شرور أنفسنا (اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين) .

стр. 2787

منتدى القراء كنز من وهم علي محمد الغامدي منذ كنا صبية وبذور الصمت في أفواهنا وكبرنا ... فإذا أفواهنا مهجورة لم يعد يسكنها إلا الوجوم يوم كنا صبية.. كنت طفلا هامتي شامخة وحروفي غابة يقطنها ورد وشوك كل أشواك حروفي حينما أرمي بها ... لم تكن تدمي فمي لم تكن مأسورة في قيد خوفي وإذا راودني حلمٌ شهيٌ صاغه ورد حروفي لوحة فاتنة وبدت زاهية فيها حروفي * * * كنت طفلا ذات يوم خطفوني ... ومضوا بي. في طريقي واديان: في فم الأول نخلهْ ... لم أجد فيه لسانْ فسألت الحارس الواقف في حلق الطريق: أنتَ ... ما هذا المكان؟ لم يجبني ... ومضوا بي أسدل الكون جفونهْ سجد الليل ... وغطاني جبينه أنزلوني دهست رجلي لسانا لامست كفي لسانا أيها الوادي العجيب! أي أسرار هنا مخبوءة؟ لم يجبني ... ومضوا بي. في فم الآخر نخلهْ ولسانْ وعلى أطرافه شبه ضياء وسألت الحارس الواقف في حلق الطريق: أنت ... ما هذا المكان؟ أخرج الحارس من فيه لساناً وعلى رأس اللسان عُلّقت بعض حروف وبدت واضحة تلك الحروف إن تكن تملك حرفاً من لجين فلزوم الصمت كنز من ذهب ومضوا بي وبدا الوادي مضيئاً وبه يصطف أشباه الرجال كلهم يفتح فاه وعلى كل لسان ... عُلّقت تلك الحروف أنْزَلوني ... تركوني حائراً سألتني جدتي ضاحكة ... أفهمت؟ ثم لمّا لم أجب ... خبّرتني أن صمتي كلما كان طويلاً كان هذا من علامات الأدب منذ كنا صبية ... علموني كلهم عشق الذهب إن يكن صوتي لجيناً ... فسكوتي من ذهب حَذّرُوني أن صوتي إن بدت أطرافه إن يكن حظي سعيداً ... فجزائي بين خنق وعتاب خدعوني ... حيث فتّشت عن الكنز.. حروفي لم أجد إلا ركاماً من تراب

стр. 2788

منتدى القراء القناعة محمد عبد السلام الباشا إنّ السعادةَ حاضٌ مَنْ عاشَ في ... أيامِها وبدا بها فَلَها وَصَلْ أما الشقيّ فَمَنْ يُمنِي نفسَه ... سَعْداً بأيامٍ تلي ولها اشتغلْ نحيا حياةً الخائفين مِنَ الذي ... يأتي، وهلْ ندري متى يأتى الأجلْ؟! عشْ في الحياة كزائرٍ ما همّهُ ... في عيشِه إلاّ صَلاحٌ في العملْ كُنْ في الحياةِ كريمَ قومٍ واغتنمْ ... ما خابَ مَنْ بحياتِهِ تَرَكَ الجَدَلْ كُنْ صابراً بلْ كُنْ جريئاً لا تبا ... لي ظُلمَ قوم والسعيدُ مَنِ اعتدلْ قد قَسّمَ الأرزاقَ ربّ عادلٌ ... كُنْ في الهُدى عَلَماً وحاذرْ مِنْ فَشَلْ مَنْ زادَ في شغلٍ لَهُ وَبِهِ اعتنى ... يا ليتَهُ مِنْ قَبْلِ شُغْلٍ قدْ سَألْ اللهُ باركَ سعيَنا يا قومَنا ... لا بُدّ مِنْ بَذْل الجهودِ على مَهلْ والسعيُ في الإنسانِ محضُ عبادةٍ ... حاذرْ بهذا مِنْ وُقوعٍ في الزّللْ إنّ القناعةَ في الحياةِ سعادةٌ ... شكواكَ لنْ تُجدي ولن يجدي المللْ واعلمْ بأنّ حياتَنا تمضي ولن ... نبقى بها؛ ولكل إنسان أجلْ

стр. 2789

منتدى القراء المسلمون المنسيون.. الأقليات المسلمة عبد الله السبيعي قال الله تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] . [آل عمران: ١١٠] . إن لنا إخوة في العقيدة في بلاد إسلامية شتى نسيناهم أو تناسيناهم في أوقات هم بأمسِّ الحاجة إلينا، فكما قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) فإن علينا دوراً كبيراً في الوقوف بجانبهم ومؤازرتهم بكل ما نملك: بالمال، والدعاء، والنفس؛ وهذا لا شك من الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الحق؛ إذ هم يعانون من الاضطهاد والتشرد والجوع والحاجة والعوز؛ وهم بلا شك في محنة وابتلاء؛ فهل نحن معشرَ من يعيش في رغد من العيش نعرف عن أحوال إخواننا المسلمين هؤلاء وعما يعانونه من آلام وآمال فنحس بهم إحساساً إيجابياً؟ ففي إفريقيا منهم من يواجه التنصير بأعتى أسلحته وأقواها حتى يصدهم عن دينهم الحق دين الفطرة السليمة، وفي بلاد أخرى قد لا يجدون نسخاً من القرآن الكريم، وفي غيرها يواجهون المذابح والمشانق والمطاردة والسجون. لماذا؟ لأنهم قالوا: ربنا الله. وفي فلسطين يحتل الأعداء عليهم من الله ما يستحقون يحتلون الأرض المقدسة ويقتلون الأبرياء والعزل من السلاح. وهؤلاء الأعداء هوايتهم لعق الدماء. وهل تعرفون (أوجادين) التي هي جزء من الصومال؟ ومأساة المسلمين فيها؟ وماذا عن المسلمين في آسيا الهند و (كشمير) الجريحة منذ زمان طويل أخت فلسطين. و (جبهة مورو) التي تمثل المسلمين في الفلبين وتركستان، والصين الشعبية، وماذا عن إقليم فطاني المسلم، والمسلمون في بورما وغيرها وما يعانيه إخواننا المستضعفون أولئك من ضعف الإمكانات؟ فلم يُلتفت إليهم في تلك البلدان، بل هم على الهامش؛ فلا تقام لهم الدور الخاصة بالرعاية، أو المستشفيات والمدارس، ولا يسمح لهم بممارسة عباداتهم وأعمالهم؛ وحالة المسلمين بحاجة كبيرة إلى إعادة النظر فيها، وفي مساعدة البلاد الإسلامية لها وما تبعثه من دعاة ناصحين ومعلمين يسدّون الحاجة فيُعلّمون الأقليات المسلمة العقيدة الصحيحة السليمة؛ بالإضافة إلى توجيههم وإرشادهم وحثهم على توحيد صفوفهم في مواجهة الأعداء في تلك البلاد التي تحاربهم وتفتنهم عن دينهم والعياذ بالله. إضافة إلى وجوب دعم هذه الأقليات المسلمة إسلامياً ودولياً وإقليمياً ومحلياً واجتماعياً؛ وكل ذلك مطلوب منا جميعاً، فنحن إخوانهم في العقيدة والدين.

стр. 2790

منتدى القراء ماذا عساي أن أفعل ؟ فاتن الصويلح نسمع الكثير من القصص المفجعة ولا نملك حلاً.. نبكي نتألم ندعو على الظالمين؛ وسرعان ما تنسينا زخارف الدنيا وشهواتها ويظل السؤال المحير.. نعم أنا أحمل هماً في قلبي؛ عرفت هذا الهم يوم أن علمتُ أنهم مسلمون، يوم أن تصورت أن تلك الأم التي فقدت وليدها هي أنا أو تلك المرأة التي انتهك عرضها وسلب حياؤها كأنها أنا أو أمي أو أختي أو ابنتي، أو تلك المرأة التي دمرت أرضها وشرد أبناؤها وقتل أهلها وعذبوا هل لي وأنا مسلمة مثلها أن أحتمل، وهل البسمة ستعود طريقها لترتسم على شفتيّ بعد ضياع دامٍ، وأين المسلمون وهم يسمعون صيحات المستغيثين؟ وكم من أخ سمع أو رأى إخوانه وإذا به يبث نداءهم ويبحث بين الزحام عن مغيث ومساعد فإذا الكل نائم.. ويتردد السؤال لديّ: ماذا عساي أن أفعل؟ ؟

стр. 2791

منتدى القراء معاذ الله شعر: غازي المهر معاذ الله من تيهٍ ... عن الرحمن يلهينا ومن لهو وشيطانٍ ... فقد تغري مآقينا ومن دنيا وما فيها ... فقد تغري مآقينا فتغوي القلب والعقلا ... بسحر بات يشقينا معاذ الله من صاحٍ ... لدنيا الفسق يطغينا

стр. 2792

الورقة الأخيرة الفصام النكد حسن قطامش ظاهرة جديدة بدأت تسترعي انتباه الكثيرين، وهي في مجملها ظاهرة غير صحية، وفي إغفالها وعدم الالتفات إليها وإلى تداعياتها المستقبلية خطر حقيقي على الصحوة وتحدٍّ جديد يواجهها من داخلها! ! وهذه الظاهرة تتضح بجلاء في أولئك النخبة من الشباب المثقف، أصحاب العقول الواعية حقيقة لا انتحالاً، وهم أصحاب اطلاع كبير على مجريات الأمور السياسية والثقافية والأدبية والاقتصادية، وكل هذه مؤهلات في ذاتها تحتاج إليها الصحوة، وتحتاج إلى عطاءاتها في تلك المجالات. فأين تكمن المشكلة إذن؟ إن المشكلة التي تواجه هذه النخب وتوجهها هي (الأنفة الفكرية) التي تأخذ بزمام عقولهم، فالكمّ المعرفي للثقافات العصرية التي حصلوا عليها ومعايشتهم لها فترات مختلفة، جعلت بينهم وبين إخوانهم من أصحاب العلوم الشرعية نوعاً من النفرة النفسية؛ إذ قد اختلفت الاهتمامات والتصورات، وضُرب سياج نوعي على الأشخاص الذين تربطهم بهم علاقة، إما حميمة، وإما عادية. إن من الأسباب الرئيسة في نشوء تلك الطائفة هو ذلك (التمرد الفكري) ، والذي يَعْتَوِرُ كثيراً من الشباب في بداية الطلب مع اختلاطهم بمذاهب فكرية وتربوية مختلفة، مما يجعل المقارنة عندهم تجري بصورة منتظمة كلما التقوا بفكر ما فتتشكل بعد ذلك قناعة غير مستقرة لا علمياً ولا عملياً، وهذه القناعة من حيث كونها ارتكزت على تصور علمي واضح، فهذا غير موجود، ومن حيث تداعياتها العملية، فغير ممكن أن تترجم إلى عمل صريح يطرحون به القوم والمنهج وراءهم وإن كان ذلك يحدث أحياناً فيظلون كالمعلقة؛ فهم من حيث الظاهر، مرتبطون بفكر ومنهج، ومن حيث الانتساب الحقيقي ليس عليه دليل واضح بيّن إلا في المناسبات العامة أو المشاركات التي لا تكلفهم التنازل عن قناعتهم السابقة. ولكن هذه الفئة لا تتحمل مسؤولية نشوئها وظهورها بمفردها؛ فإن طبيعة النفس أن تميل إلى من يشاركها اهتماماتها وأفكارها. إن من الغبن ترك أولئك النفر من الشباب الفذ من أصحاب العقول الناضجة دون متابعة حقيقية وارتباط وثيق حتى يستوي العود على سوقه ويشتد، ويجب عدم الاغترار بكون ذلك الشاب قد أصبح (أستاذاً) أو (دكتوراً) . وكذلك فإن السكوت عن الشطحات الفكرية والعملية التي تصدر من بعضهم يعتبر إقراراً بصحتها مع خطورة نتائجها. ونحن لا نطالب هؤلاء (الأساتذة) بأن يصبحوا (مشايخ) ومع أننا نكبر دورهم وما يقدمونه، ولكن.. لا بد من وجود خط يقف عليه أولئك يعصمهم من الزلل، ولا بد من قدرٍ من الرجوع (للشيوخ) للاستشارة فيما يريدون أن يقدموه لدين الله، حتى يستقيم عملهم باكتمال صورته والأهم من ذلك مراجعة القناعات السابقة، والتنازل ولو قليلاً عن هذه الكبرياء في التصورات التي تبلورت في وقت ما، وفي ظروف ما، حتى لا نكون ممن زُيِّنَ له سوء عمله ويحسب أنه على خير، ولا نحسبهم إن شاء الله إلا راجعين إلى الحق حين يظهر لهم. وما سبق ما هو إلا ملحوظات لظاهرة اجتمع على إثبات وجودها نفر غير قليل، ولذلك كان لا بد من النصح والبيان.

стр. 2793

ربيع الأول - ١٤١٩هـ يوليو - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2794

كلمة صغيرة يا حماس لا ينكر أحد أن لمنظمة حماس الإسلامية مواقف صلبة في التعامل مع الصهاينة أذاقتهم فيها الويل والثبور وعظائم الأمور بما شفى معه صدور المؤمنين مما جعل هذه المنظمة غير مرغوب فيها حتى من قِبَل (سلطة الحكم الذاتي) وهذا واضح في المواقف الأخيرة التي اتخذتها هذه السلطة. ولما كان الشيخ أحمد ياسين من أهم رموز حماس فقد كان لزياراته الأخيرة أكبر الصدى لدى جميع المتعاطفين في تأكيد أن الجهاد هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وأن مهازل السلام محكوم عليها بالإخفاق؛ والمستفيد الأول منها هو العدو، ولكننا كنا ننتظر من الشيخ أن يكون لزياراته دلالات أعمق في الاهتمام بالشأن الإسلامي كله. وما كنا نود من فضيلته أن يجري اتصالات مع إيران، أما وقد تمت هذه الزيارة فإنا كنا نتمنى أن الشيخ قد تحدث عن واقع إخواننا أهل السنة هناك ومعاناتهم الشديدة من النظام والمتمثلة في مصادرة أبسط حقوقهم حتى إنهم لا يتساوون بالأديان والملل الكافرة في هذه البلاد؛ ولكن شيئاً من ذلك لم نسمع أن الشيخ قد أثاره. إننا في النهاية نشد على (أيدي الحماسيين) ولكننا أيضاً ندعوهم إلى الاهتمام ببناء الإنسان الفلسطيني عقدياً وفكرياً على منهج أهل السنة من سلفنا الصالح بعد معاناة طويلة قضاها مع الأحزاب العلمانية التي لم يجد منها سوى حصاد الهشيم وقبض الريح؛ فالعدو لا يخيفه شيء أكثر من بناء المجاهد المسلم؛ ولذا يعمل اليهود على إفساده وتدميره حتى لا يتحقق الوعد النبوي الذي يعرفونه ويزرعون لأجله (شجر الغرقد) ولكن (الله غالب على أمره) .

стр. 2795

الافتتاحية في ساحة الصراع العالمي.. نكون أو لا نكون الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ... وبعد: فما الذي يدفع دولة غارقة في بحر الأزمات الداخلية والتحديات الدولية أن تنتزع لقمة الخبز من فم ملايين الجائعين المشردين في شوارعها كي تنفقها على سلسلة من التفجيرات النووية؟ ؟ خصوصاً أن هذه التفجيرات تهدد بتطبيق عقوبات اقتصادية يلوّح بها (نادي الأقوياء) لكل من تُسوّل له نفسه من الدول (القاصرة) التي لا بد من تطبيق (الحجر) النووي عليها؛ لأنها لا تمتلك (الرقي) الحضاري الكافي الذي يسمح لها بامتلاك قنابل الدمار الهائلة، التي يطبق قانون امتلاكها كما تطبق القوانين العشائرية والقبلية البائدة ... ! ! ما الذي يدفع الهند إلى (إعلان) انضمامها إلى نادي الذرة وهي التي أجرت تفجيرات سابقة قبل أكثر من عقدين ... ! ؟ وما الذي يدفع باكستان إلى الرد النووي على جارتها المتحرشة بها منذ أن وجدت وبرزت للوجود ... الدوافع إلى ذلك متعددة، كما أفتى بذلك جهابذة التحليل الاستراتيجي شرقاً وغرباً ... ، هذه هي الأعلى صوتاً وجلبة وضجيجاً ... وعجرفة! ! قيل إن الهند تريد أن تعيد إلى شعوبها شيئاً من الفخر، وهي أمة مكونة من آلاف المجموعات الصغيرة، ودولة تضرب جذورها في التاريخ، وتشعر بأنها قد أهينت وهُمّشت من قِبَلِ القوى الكبرى التي لا تزال تنظر إلى الهند من خلال صورة هندي جائع بائس فقير يثير العطف والشفقة أكثر مما يثير الإعجاب بحضارته وبلاده الشاسعة ذات الموقع الاستراتيجي! ! وقيل إن الهند تعيش في حي آسيوي مكتظ بالتحديات ومليء بالجيران المثيرين للشغب.. فالصين جارتها الشمالية لا تخفي تطلعاتها إلى السيطرة والتهديد للجار الهندي، وروسيا بجمهورياتها المضطربة تطل بوجهها الشاحب المفزع وقد تناثرت على قسماته آثار الأنياب والصواريخ الذرية، وباكستان الجار المقلق لا زال ينظر إلى الهند نظرة الند للند ولا زال يحاول أن يصارع للحصول على وضع أفضل في كشمير المثيرة للجدل! ! وقيل إن الحزب الهندوسي الحاكم في نيودلهي قد رأى العالم ينظر لوصول حكومة العقائد الضيقة في فلسطين وهي لا تبالي بكل قرارات الأمم المتحدة ومندوبي واشنطن المتعجرفين في العادة وتحولهم إلى عرائس هزيلة في مسرح عبثي مثير للدهشة دونما عقاب، لا سيما أن هذه الدولة تمارس لغة القوة وتفرض شروطها في ظل الحملة الظالمة على المسلمين في كل صقع وموقع؛ فتكرس لأول مرة في التاريخ المعاصر مفهوم الاختطاف السياسي للقرار في معاقل صنع القرار الأمريكي والأوروبي! .. هذا التطرف الهندوسي يمكن أن يكون مقبولاً دولياً لأنه يجابه عدواً مسلماً بالدرجة الأولى هو شعب باكستان إذ سمح هذا التطرف لعصابات هدم المساجد وهتك الأعراض في المدن الهندية أن تصل إلى السلطة، وأن تنتهز الفرصة لإجراء هذه التجارب.. وقد أكّد الرد الهزيل من المجتمع الدولي على تجارب الهند الثقة في النفس لدى الهنود.. وقيل إن الهند أرادت بهذا التحرك إغلاق الملف الكشميري إلى الأبد؛ وذلك بتحريك قواتها شمالاً مع بداية الصيف وزوال الثلوج لاحتلال الإقليم بالكامل خصوصاً أن التحركات الهندية العسكرية أصبحت مكشوفة للعالم ومرصودة من خلال الأقمار الصناعية لحظة بلحظة! وقيل الكثير غير هذا ... ، وإذا كانت كل هذه التحليلات صحيحة ومؤثرة وواضحة فلا بد من القول إن القيادة الهندوسية المتطرفة أدركت أن العصر الآن هو عصر القوة، وأن الأمم كالأفراد والجماعات، تضع نفسها حيث تريد، فإن أرادت أن يُنظر لها باحترام فعليها بأخذ أسباب ذلك، وإن أرادت أن تكون ظلاً تافهاً للمنتصر فما عليها سوى أن تعيش في المستنقع العالمي الآسن، المليء بالطحالب!! أخفقت الأمم المتحدة، وأخفق النظام العالمي القديم والجديد في أن يجرد العالم من التهديد النووي وقيادة البشرية نحو عالم أكثر أمناً.. وسيُخفق طالما أن الغرب بقيادة أمريكا اليوم ينظر إلى العالم نظرة (هندوسية) طبقية: طبقة البراهما التي تمتلك المال والسلطة والنفوذ والإثراء وأسلحة الموت.. ويمثلها دول أوربا وأمريكا ممثلين للصليبية المتغطرسة.. وعالم المنبوذين الذين هم مادة بقاء البراهمة؛ حيث يُسخّرون لخدمة السادة، وثراء السادة، ونفوذ السادة، دون أن يكون لهم حق استخدام (سكاكين) المطبخ) للدفاع عن أنفسهم بحجة حفظ النظام والأمن وعدم تعكير صفو مباريات نهاية الأسبوع! ! إنها لغة الغاب هي التي تجعل الكيان الصهيوني يمارس كل ألوان الطيش والكبر والاستهتار بكل العالم دون عقاب أو لفت نظر، ولغة القوة هي التي جعلت الغرب يحترم الصين ويدخلها في (نادي الفيتو (وهي الدولة التي يصاب الغرب بالصمم عند الحديث عن الديمقراطية فيها. أو حين تسحق ثوار الحرية أمام عدسات المصورين الغربيين، ثم لا يجد الرئيس الأمريكي حرجاً من زيارتها وإتمام مزيد من الصفقات والعقود والاتفاقيات مع هذا العملاق المخيف، الذي تحميه قوة عسكرية ونووية يحسب لها الغرب ألف حساب، ويذبح الديموقراطية ويقدمها قرباناً في حفلة الغابة التي تتكرر بأسماء وطقوس مختلفة! باكستان في الجانب الآخر تستحق أن يقال عنها ككيان ما قيل عن جارتها البادئة بالمبارزة النووية..، باكستان لا تحكمها (عصابة) هدمت معبداً هندوسياً أو أحرقت ممتلكات السيخ في البنجاب كما فعل الحزب الحاكم في نيودلهي بمسلمي بومباي قبل سنوات، ولم تقدم حكومتها على تغيير اسم شارع واحد لأنه يذكّرها بالاستعمار الهندوسي لأرض المسلمين في باكستان، وهي الحجة نفسها التي دافع من خلالها مفكرون غربيون عن الحزب الهندوسي الحاكم عندما قامت كوادره ورموزه بتغيير اسم أكبر مدينة هندية (بومباي) وأسموها (مومباي) بحجة أن الاسم الأصلي يذكّر بالعرب والمسلمين وفترة حكمهم لهذا الجزء من العالم ... ! ما قد يقال عن باكستان وحكوماتها منذ الاستقلال هو أنها كانت تراهن على أمريكا ودعمها لها، وكانت النتائج: ثلاث هزائم مع الهند، وإحجاماً عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة العتيقة المطالبة باستفتاء شعبي في كشمير يحدد مستقبلها، هذا إذا تناسينا الإهانات المزرية المتمثلة بقانون الكونجرس الأمريكي الذي يحرم باكستان من امتلاك أسلحة تقليدية متطورة دفعت باكستان قيمتها، ما لم تستسلم وتعلن توبتها من الإثم النووي الذي يتهددها من كل جانب ... الحكومة الباكستانية الحالية تعرضت لكل أنواع الضغوط الدولية والإقليمية ... ضغط هائل ومخزون من التهديد والابتزاز إذا أقدمت على تطوير مقدراتها النووية..، فبينما كان كل الفرح والغبطة الممزوجة بالفخر والتحدي في نيودلهي، كان كل التهديد والضغط على الجانب الأضعف في إسلام أباد، وهي صورة أخرى لازدواج المعايير و (الحَوَل) المزمن الذي أصيبت به الولايات المتحدة وحليفاتها! إذا كان للهند من دافع كي تجد لنفسها فخراً وطنياً وموطئاً للقدم في نادي الكبار، فباكستان قد أصيبت في سويداء كبريائها وأهينت أكبر إهانة حين هدد المتعصبون الهندوس بتدمير منشآتها النووية، ولا يكون هذا هاجس الفخر، بل هاجس الوجود وإثباته بالنسبة لباكستان! وإذا كان للهند ميول للزعامة والسيطرة وتقسيم المنطقة وفق تصورات هندوسية ضيقة، فباكستان تعيش هاجس التحديات على حدودها في كشمير وإيران وأفغانستان فضلاً عن الجار الهندي الذي لا يعرف للجيرة أي حق، والذي يحمل ملفاً أسود في التآمر على باكستان منذ الاستقلال وحتى الحروب المتتالية معها ودوره الفاضح في تقسيم الوجود الإسلامي في القارة الهندية إلى دولتين هما باكستان وبنغلاديش. باكستان في نظر الحكم الهندوسي المضطرب في تصوراته لا تتعدى كونها ولاية هندية لا بد من إعادتها إلى بيت الطاعة الهندوسي، وهي لو لم تقم بتفجيرها النووي؛ لما اعترف العالم لها بحقها في الوجود ولأصبحت كشمير أخرى، لا تثير لدى النظام العالمي القائم وسدنته سوى الازدراء ... ، إذن كانت القضية بالنسبة لباكستان تتمحور في هامش ضيق: وجود أو عدم! لقد جاء التفجير النووي الباكستاني ليعطي الإجابة المنطقية لشعب يعيش هاجس الوجود أو العدم، وقال الشارع الباكستاني كلمته: نعم للوجود الحر ولامتلاك القرار الحر ... لكن التحدي الذي يقف أمام باكستان هو: كيف يكون هذا الوجود قوياً ومتناغماً مع الفكرة الأساسية التي قامت عليها البلاد، أي تكريس الوجود الإسلامي في جنوب آسيا.. لقد وصفت قنبلة باكستان وحدها بأنها قنبلة عقدية، وقيل عنها إنها قنبلة إسلامية! ! أما قنابل أمريكا الصليبية وأوروبا النصرانية و (إسرائيل) اليهودية والهند الهندوسية، فقد جردت من الديانة وأصبحت قومية، وهذا بحد ذاته يكشف بوضوح حجم التحدي الذي يواجه باكستان خصوصاً مع تأكيد مصادر متعددة لدور إسرائيلي في الاستفزاز الهندي، بل إن الهند قامت بتفجيرات نووية لحساب تل أبيب كما نشر فيما بعد. إن العالم الإسلامي الذي أُجبرت دوله على التوقيع على اتفاقية الحد من الأسلحة النووية مطالب بأن يعيد حساباته خصوصاً مع تكشير الصهاينة عن أنيابهم والكشف عن امتلاكهم لمئات من القنابل النووية. ولا بد أن تختار هذه الأمم والشعوب على ضوء معطيات الحاضر بين أن تكون أو لا تكون.. أن تكون أمماً تحترم نفسها وتمتلك القدرة على ردع العدوان المتزايد؛ أو أن تكتفي بأن تكون عرضة للابتزاز والعدوان، كما حصل ويحصل، وهو خيار لا مجال فيه للتفكير أو التردد.. حين تكون هناك إرادة واعية! ! وحين يتم رفض أسلوب (الحَجْر) على الدول (القاصرة) .. وهو بالضبط أحد أبرز عناوين نظامهم العالمي المزود بالأنياب والأظافر النووية.

стр. 2796

دراسات في الشريعة والعقيدة قواعد العلاقات الدولية بين المسلمين وغير المسلمين عثمان جمعة ضميرية بعث الله تعالى رسوله محمداً لله برسالة خاتمة تهدف إلى ردِّ البشرية كلها إلى الله تعالى والخضوع لدينه؛ ليكون ذلك سبيلاً إلى تحريرها حرية حقيقية كاملة، عندما تتحرر من كل عبودية لغير الله تعالى. فانقسم الناس عندئذ قسمين: منهم من فتح قلبه وعقله للهداية والنور، فآمن بالرسول لله وصدّق بما جاء به من عند الله تعالى، ومنهم من أغلق قلبه وعقله وجعل على بصره غشاوة، فكفر وكذّب؛ فكانوا بذلك فريقين اثنين: [فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ] [الأعراف: ٣٠] . [ذَلِكَ بِأَنَّ الَذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا البَاطِلَ وَأَنَّ الَذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ] [محمد: ٣] . وعندما كتب الله تعالى النصر لنبيه ﷺ ، وأظهر دينه على الدين كلِّه [١] ، وضرب الإسلام بِجِرانه [٢] ، أصبح للمسلمين دولة تضم جميع المؤمنين بالله تعالى الموحِّدين له، ترفرف عليها راية التوحيد، وتقيم الحقّ والعدل بين الناس، وتدعو إلى الإنصاف والقسط. لم يكن من أهدافها العلوّ في الأرض ولا مجرد بسط السيطرة والنفوذ، ولا إكراه الناس على الدين، فتركتهم وما يختارون، عندما يخضعون لسلطان الإسلام وسيادة أحكامه، بعد أن أزاحت العقبات من طريق الدعوة الإسلامية، وخلّت بينها وبين الناس ليختاروا عندما يكون لهم الاختيار عن طواعية وإرادة. وأقام الإسلام قواعد العلاقات الدولية بين الناس على افتراض أنهم إمّا مؤمنون، وإما معاهَدون، وإما لا عهد لهم [٣] . وفي هذا يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا: مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه) [٤] ، وفي هذا يقول ابن قيم الجوزية ﵀: (فاستقرّ أمر الكفار معه ﷺ بعد نزول سورة (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهلِ عهد، وأهل ذمة. ثمّ آلت حالُ أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين له، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمنٌ به، ومُسالمٌ له آمن، وخائف محارب) [٥] . أ - أما المسلمون المؤمنون: فهم المعترفون بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمصدقون بكل ما أخبر به؛ وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم، وحدد سماتهم فقال: [الّم) (١) ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [البقرة: ١-٥] . وقال : [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ] [البقرة: ٢٨٥] . وقال تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] [الأنفال: ٢-٤] . وهذا الإيمان يترتب عليه كما سبق عصمة الدم والمال والعرض، ويجعل المؤمنين سواسية في الحقوق والواجبات، فقد قال رسول الله: (من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا) [٦] . وينبغي أن يُلاحظ هنا أن الإسلام يُعتبر في آنٍ واحد عقيدةً وجنسية، فالمسلمون أينما كانوا إخوة في العقيدة والجنسية، غير أن أحكام الإسلام الدنيوية لا نفاذ لها في غير دار الإسلام، ولهذا اختلفت أحكام الدارين: دار الإسلام، ودار الحرب، من هذه الناحية كما هو موضّح في أبواب متعددة من كتب الفقه كالنكاح والطلاق والوصية والإرث والسّيَر [٧] ، وأما الأحكام الدينية من حيث أجزيتها الأخروية فالمسلم خاضع لها حيثما حل، ومسؤول عنها أمام من لا تخفى عليه خافية [٨] . وبما أن الإسلام لا يعترف بفكرة الجنسيات أو غيرها من أسباب التمييز بين الناس [٩] ، فإن جميع المسلمين يُعْتبرون متساوين في نظر الشريعة؛ إذ تجري عليهم أحكامها، مهما كان جنسهم أو لونهم أو عنصرهم، وأينما كانت إقامتهم؛ فالعصبية الدينية هي التابعية الأصلية التي تعطي صفة المواطنة الكاملة في دار الإسلام. الانتماء الديني: فإذا أقام المسلم في دار الإسلام وجب عليه اتباع أحكام الشرع الإسلامي في جميع الأمور، فيلتزم بما توجبه من التزامات، ويتمتع بما تعطيه من حقوق، حسب شروطها الشرعية من دون تقييد ولا تخصيص. وفي هذه الحالة يرادف قانونُ المسلم الشخصي القانونَ الإقليمي أو المحلي لدار الإسلام. فعليه: إذا عقد المسلم في دار الإسلام عقداً مع مسلم آخر أو ذميّ أو مستأمن، فتطبق عليه الأحكام الشرعية وحدها. هذا مع الإشارة إلى أنه توجد أحكام خاصة تتعلق بإسقاط المسلم من حق المنعة الشرعية أو العصمة بسبب الردة عن الإسلام، أو بسبب البغي والعصيان، أو بسبب ارتكاب جريمة تحل دم صاحبها [١٠] . فالمسلمون في دار الإسلام أمة واحدة، تربط بينهم العقيدة والإيمان مهما اختلفت أقطارهم وتناءت بلادهم وتنوعت لغاتهم وأجناسهم، فهم إخوة في الإيمان لا تفرقهم الأوطان ولا العصبيات ولا المذاهب؛ لأن القاعدة التي ينطلق منها الإسلام في بناء المجتمع وإقامة الدولة الإسلامية، وفي تمتع المسلم بالجنسية أو التابعية الإسلامية هي علاقة العقيدة مع علاقة القيادة الإسلامية، أي: الإيمان وسكنى دار الإسلام أو الانتقال إليها [١١] ، وليست علاقة الأرض، ولا علاقة الدم، ولا علاقة الجنس، ولا علاقة التاريخ أو اللغة أو الاقتصاد، وليست هي مجرد القرابة أو الوطنية أو القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية.. ولذلك يقول الإمام السرخسي: (إن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون) [١٢] . ولهذا فإن المسلم من أيّ بلدٍ إسلامي ليس أجنبياً في أي بلدٍ آخر؛ لأن مدلول الأجنبي في الدولة الإسلامية أمسى مرادفاً لغير المسلم، أما المسلم فهو مواطن له جميع حقوق المواطنين، وتصان هذه الحقوق كلها بغاية الصيانة في نفسه وأهله وماله وعرضه، وعليه كذلك جميع الواجبات المفروضة على المواطن أينما وجد، من التعاون والتعاضد والتكافل والنصرة، لقوله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم) [١٣] . ولذلك قال الإمام محمد بن الحسن: (وإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الذراري والنساء والأموال، ثمّ علم بهم جماعة المسلمين، ولهم عليهم قدرة، فالواجب عليهم أن يتبعوهم ما داموا في دار الإسلام، لا يسعهم إلا ذلك؛ لأنهم إنما يتمكنون من المقام في دار الإسلام بالتناصر. وفي ترك التناصر ظهورُ العدو عليهم، فلا يحلّ لهم ذلك. فإن دخلوا بهم دار الحرب نُظِرَ: فإن كان الذي في أيديهم ذراري المسلمين، فالواجب عليهم أن يتبعوهم إذا كان غالب رأيهم أنهم يقوَوْن على استنقاذ الذراري من أيديهم إذا أدركوهم ما لم يدخلوا حصونهم، فأما إذا دخلوا حصونهم، فإن أتاهم المسلمون حتى يقاتلوهم لاستنقاذ الذراري فذلك فضلٌ أخذوا به، وإن تركوهم رَجَوْتُ أن يكونوا في سعة من ذلك) [١٤] . وقد تواردت النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية تدعو إلى وحدة الأمة المسلمة أو دار الإسلام، وتنهى عن التفرق والتنازع، فقال الله تعالى: [وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] [المؤمنون: ٥٢] . وقال : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] . وقال: [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] . وقال رسول الله: (مَثَلُ المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كَمَثَل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمّى والسّهر) [١٥] . وقال: (من أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يريد أن يشقّ عصاكم ويفرِّق جماعتكم فاقتلوه) [١٦] . وقرّر النبي ﷺ هذا الأصل العظيم في أول ميثاق لدولة الإسلام في المدينة بعد الهجرة، وجعله واقعاً عمليّاً (بين المؤمنين ومَنْ تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ... أنهم أمة واحدة دون الناس، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كلِّ من بغى منهم، وأن ذمة المؤمنين واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس) [١٧] . ولا أحد يجادل، بعد الوقوف على هذه النصوص الصريحة وأمثالها، في أن المسلمين يجب أن يكونوا دائماً أمة واحدة تتمثل كذلك في دولة واحدة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً بل إن كيانهم وبقاءهم متوقف على هذه الوحدة. ويترتب أيضاً على هذه الوحدة لدار الإسلام: أنه لا يجوز أن يكون بين بعض المسلمين تحالف يقصي الآخرين ويجعلهم في مرتبة أقلّ، وكفى بعقد الإسلام حلفاً، فقد بيّن النبي ﷺ ذلك وأقرّ ما تمّ من أحلاف في الجاهلية مما كان راجعاً إلى التعاون على البر والتقوى وأصبح في خدمة مبادئ الدعوة الإسلامية ودعم كيانها، ونهى عن كل حلف يكون مفرِّقاً لوحدة المسلمين ومبنياً على عصبيات بغيضة، فقال: (لا حلف في الإسلام، وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدّة) [١٨] . وبذلك يحدد الإسلام أصول العلاقات بين المسلمين جماعاتٍ وأفراداً، فتقوم هذه العلاقات على عقد الإسلام الذي يجعل المسلم ملتزماً بأحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه في كافة معاملاته، وينبثق عن هذا عصمة الدم والنفس والمال والعرض، والمساواة بين المسلمين والتضامن فيما بينهم، والنيابة المتبادلة التي تنشئ الترابط بينهم [١٩] . والمسلمون هم المواطنون الأصليون في هذه الدولة الإسلامية، وهم الذين يستمتعون بكافة الحقوق السياسية أو العامة والخاصة فيها [٢٠] . ب - أما المسالمون الآمنون، فهم الأجانب غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام أو الدولة الإسلامية إقامة دائمة أو مؤقتة، على أساس عقد الذمة أو عقد الأمان ويدخل فيهم أهل الموادعة وهم من أهل الحرب والكفر؛ وقد ذكر هذا الإمام محمد في شرح السّير [٢١] . وأفردت لهم الشريعة الإسلامية معاملة خاصة لا يمكن إدراك مستواها الأخلاقي السّامي إلا عند موازنتها بمعاملة الأجانب في مختلف النظم التي سبقت دعوة الإسلام التي بعث الله تعالى بها نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم-، أو النظم التي عاصرتها، أو تلك التي جاءت تالية لها [٢٢] . وغير المسلمين هؤلاء أصناف متنوعة من حيث علاقتهم بالمسلمين، ولذلك يقول ابن قيم الجوزية: (الكفار: إما أهل حرب، وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف باباً، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة. ولفظ (الذمة والعهد) يتناول هؤلاء كلهم في الأصل. وكذلك لفظ (الصلح) ؛ فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد ... وهكذا لفظ (الصلح) عامّ في كل صلح، وهو يتناول صلح المسلمين بعضهم مع بعض، وصلحهم مع الكفار. ولكن صار (أهل الذمة) في اصطلاح كثير من الفقهاء عبارة عمن يؤدي الجزية. وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف (أهل الهدنة) فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكفّ عن محاربة المسلمين. وهؤلاء يسمّوْن (أهل العقد) و (أهل الصلح) و (أهل الذمة) . وأما المستأمَن: فهو الذي يقدُم بلاد المسلمين من غير استيطان لها؛ وهؤلاء أربعة أقسام: رُسُلٌ، وتجار، ومستجيرون حتى يُعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالِبو حاجة من زيارة أو غيرها. وحكم هؤلاء ألا يهجّروا ولا يُقَتّلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم: الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه أُلحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه. فإذا وصل مأمنه عاد حربياً كما كان) [٢٣] . ج - أما الحربيون أو المحاربون، فهم القسم الثاني من الكفار والمشركين الذين سبقت الإشارة إليهم بأنهم الخائفون المحاربون للنبي [٢٤] ، وهم أهل إحدى المنزلتين من النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين؛ كانوا: مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه) [٢٥] . وقد ألمحنا آنفاً إلى هذا الصنف الأخير من أهل العهد في الفقرة السابقة. أما الحربيون فهم الأعداء من سكان دار الحرب أو بلاد الكفر الذين لا يدينون بالإسلام، ويحاربون المسلمين، أو ينتسبون إلى قوم محاربين لهم حقيقة وواقعاً أو حكماً وتوقعاً. وبعبارة أخرى: هم غير المسلمين الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين ولا عهدهم. وهم أصناف: الكفار الذين يقاتلون المسلمين بالفعل ويكيدون لهم، والكفتار الذين أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله، بأن ضيّقوا على المسلمين وحاصروهم اقتصادياً أو فتنوهم عن دينهم أو ظاهروا أعداء الإسلام على المسلمين، والكفار الذين ليس لهم عهد مع المسلمين ولم يحاربوا المسلمين ولم يظاهروا عليهم، فهؤلاء كلهم يسمون في الاصطلاح الفقهي: أهل الحرب أو الحربيين. ولا يشترط أن تكون الحرب قائمة فعلاً، وإن كانوا من الناحية التاريخية الواقعية قد ناصبوا الدولة المسلمة العداء والخصام والحرب [٢٦] . والحربيون غير معصومين؛ فدماؤهم وأموالهم مباحة للمسلمين، ما لم يكن بينهم وبين دار الإسلام عهد أو هدنة؛ لأن العصمة في الشريعة الإسلامية لا تكون إلا بأحد شيئين: بالإيمان، أو الأمان. وليس للحربيين إذا لم يكن لهم عهد أو أمان أن يدخلوا دار الإسلام ولا أن يقيموا فيها، فإذا دخلها أحدهم فهو مباح الدم والمال، ويجوز قتله ومصادرة ماله، كما يجوز أسره والعفو عنه [٢٧] . ولذلك قال ابن المرتضى: (ودار الحرب دار إباحة، يملك كلّ فيها ما ثبتت يده عليه، ولا قصاص فيها ولا أرش؛ إذ دماؤهم هدر، ويملك بعضهم بعضاً ومالَه بالقهر؛ إذ رقابهم معرضة للاسترقاق وأموالهم للأخذ) [٢٨] . ومما سبق نخلص إلى أنه أصبح يقيم على أرض الدولة الإسلامية مسلمون وغير مسلمين من الذميين والمستأمنين؛ والذمي يختلف عن المستأمَن، فالأول من أهل دار الإسلام ويلتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات [٢٩] . وأما المستأمن فهو ليس من أهل دار الإسلام، ولم يلتزم شيئاً من أحكام الإسلام، وإنما دخل دار الإسلام ليقضي حاجة له ثم يرجع إلى داره أو دولته. ولكل منهم أحكام فقهية تخصه.

стр. 2797

دراسات في العقيدة والشريعة منهجية في تقرير التوحيد عثمان على حسن الإقرار بوجود الخالق أمر فطري، تشهد له الفطرة السليمة والعقل الصحيح الصريح، ولا يستطيع أحد إنكاره على سبيل الجزم واليقين، وإنما قد يغالط فيه على سبيل العناد والمكابرة، كما قال تعالى في فرعون وقومه: [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواً] [النمل: ١٤] . وذلك أن الكون بأشيائه وأحيائه يشهد بهذه الحقيقة وينطق بها، بل وجود هذا المُنكِر شاهد بوجود الخالق سبحانه كما قال تعالى: [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ] [الطور: ٣٥] ، فالمنكِر إما أن يستدل على دعواه بأنه خُلِقَ من غير خالق، أو أنه قد أوجد نفسه وخلقها، وكلاهما أمر في غاية البطلان عقلاً وحسّاً؛ لأن وجوده يدل على أنه وُجِدَ بعد أن لم يكن، وخروجه من العدم إلى الوجود يتوقف على خالق مُوجِد يكون وراء هذه الحقيقة؛ هذا أمر لا يقوى إنسان على إنكاره إلا على سبيل العناد، والاحتمال الثاني: أن يكون هو الذي أوجد نفسه، وهذا ظاهر البطلان؛ لأنه يستلزم أن يكون الشيء خالقاً ومخلوقاً في الوقت نفسه؛ فهو حتى يوجد نفسه ويخلقها ينبغي له أن يكون موجوداً، وحتى يكون كذلك فلا بد له من موجد، وهذا يستلزم الدور [١] وهو باطل. فتبين عقلاً وحسّاً أن الكون لا بد له من خالق، وهذا من الأمور الضرورية الفطرية التي توجد في نفس كل إنسان وعقله؛ بل حتى الطفل الصغير قبل سن تمييزه: إذا ضُرِبَ من خلفه التفت باحثاً عن ضاربه؛ لعلمه أن هذه الضربة لا بد لها من ضارب فاعل. فإذا تبين ذلك وظهر بأدلته الفطرية والعقلية والحسية، بقي أن نعرف أن الخالق لا بد أن يكون واحداً في ذاته؛ إذ إن دقة الصنع، وانتظام أمر الخلق والكون في أموره الكلية والجزئية الدقيقة ينطق بهذه الحقيقة الكبرى؛ لأن تعدد الخالقين باعث على التناقض والاضطراب والتنازع كما قال تعالى: [مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ] [المؤمنون: ٩١] . فبعد أن عرفنا وجود الخالق ووحدانيته في ذاته، بقي أن نعرف أن الخالق لا بد أن يتصف بصفات يُعرف بها، وتميّزه عن خلقه، وهي في حقه على جهة الكمال، بحيث لا يشترك مع خلقه في شيء من هذه الصفات. وهذه الصفات الإلهية تجعل الإنسان صاحب تصوّر صحيح ودقيق عن الخالق، بحيث يعرف ربه وخالقه المعرفة الصحيحة، وأن أصدق مصدر لهذه المعرفة هو الخالق نفسه، ولهذا ينبغي التقيد بما وصف الرب به نفسه من الصفات، وسمى نفسه من الأسماء، فإذا تم ذلك كان الإنسان صاحب معرفة صحيحة ودقيقة بالخالق؛ وعليه كانت معاملته للخالق على الوجه الصحيح المطلوب. وصفات الخالق تؤكد على معاني العظمة والكبرياء؛ فهو الخالق لا خالق سواه، وهو رب العالم كله: علوه وسفله، وهو الحي الدائم الباقي، على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وهو المحيي المميت، المعز المذل، الرافع الخافض، القابض الباسط. ومن صفاته أنه يحب ويبغض، ويرضى ويغضب: يحب الخير والعدل، ويرضى عن أهلهما، ويبغض الشر والظلم، ويغضب على أهلهما. فإذا تبين ذلك وعرفنا ربنا الذي أوجدنا من العدم، ودبّر أمرنا كله، وقدّره على أحسن التقدير: وجب شكره على هذه النعم؛ وشكرُ المحسن أمر مستقر في بداهة العقول، ومحبّبٌ إلى الفطر السليمة، وشكرُ الخالق إنما يكون باتباع أوامره، وطاعة أحكامه، التي فيها انتظام الحياة الاجتماعية، وتصحيح الحياة الأخلاقية، بعد أن ضمن الرب انتظام الحياة الكونية، فيكون الكون كله بأحيائه وأشيائه مطيعاً للرب الخالق. ولما لم يكن في وسع الناس مخاطبة الرب في الحياة الدنيا أرسل لهم من أنفسهم رسلاً في كل زمان ومكان، يعرِّفون الناس بربهم، وبما يحبه ويرضاه من الأعمال والأقوال والأخلاق، وهو دين الله وشرعه، ولهذا كانت الرسل هي مصدر المعرفة بالرب وشرعه ودينه.

стр. 2798

دراسات في الشريعة والعقيدة التفسير بالرأي مفهومه.. حكمه.. أنواعه (٢ من٢) مساعد الطيار تناول الكاتب في الحلقة الماضية إيضاح مفهوم الرأي، وأنواعه، وموقف السلف منه، حيث تراوح هذا الموقف بين ذمه وإعماله، ثم أوضح العلوم التي يدخلها الرأي، وحكم القول بالرأي، الذي شمل: الرأي المذموم والرأي المحمود.. وأخيراً عرض الكاتب: الرأي في التفسير، فتناول فيه: موقف السلف منه، وأنواع الرأي في التفسير، ويستكمل بيان هذه النقطة ونقاط أخرى في هذه الحلقة. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - شروط الرأي المحمود في التفسير: متى يكون الرأي محموداً؟ سبق في بيان حدِّ الرأي المحمود أنه ما كان قولاً مستنداً إلى علمٍ؛ فإن كان كذلك فهو رأيٌ جائز، وما خرج عن ذلك فهو مذموم. ولكن.. هل لهذا العلم حدّ يُعْرَفُ به، بحيث يمكن تمييزه والتعويل عليه في الحكم على أيِّ رأيٍ في التفسير؟ لقد اجتهد بعض المتأخرين في بيان جملة العلوم التي يحتاجها من يفسر برأيه حتى يخرج عن كونه رأياً مذموماً. فالراغب الأصفهاني (ت: القرن الخامس) جعلها عشرة علوم، وهي: علم اللغة، والاشتقاق، والنحو، والقراءات، والسّيَر، والحديث، وأصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة [١] . وجعلها شمس الدين الأصفهاني (ت: ٧٤٩) خمسة عشر علماً، وهي: علم اللغة، والاشتقاق، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، والقراءات، وأسباب النزول، والآثار والأخبار، والسنن، وأصول الفقه، والفقه والأخلاق، والنظر والكلام، والموهبة [٢] . وقد ذكر الأصفهانيان أن من تكاملت فيه هذه العلوم خرج عن كونه مفسراً للقرآن برأيه (أي: المذموم) . وقد نبّه الراغب على أن (من نقص عن بعض ما ليس بواجبٍ معرفته في تفسير القرآن، وأحسّ من نفسه في ذلك بنقصه، واستعان بأربابه، واقتبس منهم، واستضاء بأقوالهم، لم يكن - إن شاء الله - من المفسرين برأيهم) [٣] . (أي: المذموم) . وفيما يظهر - والله أعلم - أن في ذكر هذه العلوم تكثّّراً لا دليل عليه، مع ما على بعضها من ملاحظة؛ كعلم الكلام. إن تكامل هذه العلوم أشبه بأن يكون شرطاً في المجتهد المطلق لا في المفسر؛ إذ متى يبلغ مفسر تكامل هذه العلوم فيه؟ ولو طُبق هذا الرأي في العلوم المذكورة لخرج كثير من المفسرين من زمرة العالمين بالتفسير، ولذا تحرّز الراغب بذكر حال من نقص علمه ببعض هذه العلوم، وبهذا يكون ما ذكره بياناً لكمال الأدوات التي يحسن بالمفسر أن يتقنها، وإن لم يحصل له ذلك فإنه يعمد إلى النقل فيما لا يتفق له. ويظهر أن أغلب المفسرين على هذا السبيل، ولذا ترى الواحد منهم يُبرِز في تفسيره العلم الذي له به عناية؛ فإن كان فقيهاً - كالقرطبي، برز عنده تفسير آيات الأحكام. وإن كان نحوياً - كأبي حيان - برز عنده علم النحو في تفسيره للقرآن. وإن كان بلاغياً أديباً - كالزمخشري - برز عنده علم البلاغة في تفسيره للقرآن، ... وهكذا. هذا.. ويمكن القول بأن النظر في هذا الموضوع يلزم منه معرفة ما يمكن إعمال الرأي فيه، مما لا يمكن، ثم تحديد مفهوم التفسير لمعرفة العلوم التي يحتاجها المفسر برأيه. أما التفسير فنوعان: ما جهته النقل، وما جهته الاستدلال. والأول: لا مجال للرأي فيه، والثاني: هو مجال الرأي. ومن التفسير الذي جهته النقل: أسباب النزول، وقصص الآي، والمغيبات، ويدخل فيه كلّ ما لا يتطرّق إليه الاحتمال؛ كأن يكون للفظ معنى واحدٌ في لغة العرب. وأما التفسير من جهة الاستدلال فكل ما تطرّق إليه الاحتمال؛ لأن توجيه الخطاب إلى أحد المحتملات دون غيره إنما هو برأيٍ من المفسر، وبهذا برز الاختلاف في التفسير. وأما مفهوم التفسير؛ فهو بيان المراد من كلام الله سبحانه وما يمكن أن يحصل به البيان فهو تفسيرٌ. وبهذا يظهر أن كثيراً من العلوم التي ذكرها الأصفهانيان لا يلزمان في التفسير إلا بقدر ما يحصل به البيان، وما عدا ذلك فهو توسّع في التفسير، بل قد يكون في بعض الأحيان به خروجٌ عن معنى التفسير، كما حصل للرازي (ت: ٦٠٤) في تفسيره، ولابن عرفه (ت: ٨٠٣) في إملاءاته في التفسير. ثم اعلم أن هذه التوسعات إنما حصلت بعد جيل الصحابة والتابعين - في الغالب - وإنما كان ذلك بظهور أقسام العلوم - من نحوٍ وفقه وتوحيد وغيرها - وتَشَكّلها؛ مما كان له أكبر الأثر في توسيع دائرة التفسير، حتى صار كل عالمٍ بفنٍّ- إذا شارك في كتابة علم التفسير - يصبغ تفسيره بفنِّه الذي برّز فيه. ويمكن تقسيم العلوم التي يحتاجها من فسر برأيه إلى نظرين: الأول: نظرٌ في علوم الآية: ويكون ذلك بالنظر إلى ما في الآية من علوم؛ كالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والخاص والعام، ومفردات اللغة، وأساليبها، وهكذا. وإنما يقال ذلك؛ لأنه ليس في كل آية ما يلزم منها بحث هذه العلوم؛ إذ قد توجد في آية، وتتخلّف عن آيات. * وإذا أمعنت النظر وجدت أن علم اللغة هو من أهم العلوم التي يجب على المفسر معرفتها، ذلك أنه لا تخلو آية من مبحثٍ لغوي. ومن الآثار التي وردت عن السلف في بيان أهمية اللغة، ما يلي: ١- عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره) [٤] . ٢- وروي عن مجاهد (ت: ١٠٤) أنه قال: (لا يحل لأحدٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب) [٥] . ٣- وعن يحيى بن سليمان قال: سمعت مالك بن أنس (ت: ١٧٩) يقول: (لا أوتى برجلٍ يفسر كتاب الله غير عالم بلغات العرب إلا جعلته نكالاً) [٦] . ولو قرأت في تفسير السلف لوجدت أثر اللغة في التفسير عندهم، ومن أوضح ذلك استشهادهم بأشعار العرب: ومن أمثلة أهمية معرفة اللغة لمن فسر برأيه ما يلي: أ - في تفسير قوله - تعالى: [وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ] [التوبة: ٤٧] قال الأزهري (ت: ٣٧) : (قول الليث: الوضع: سيرٌ دونٌ. ليس بصحيح. والوضع: هو العَدْوُ. واعتبر الليث اللفظ ولم يعرف كلام العرب فيه) [٧] . ب - قال الأزهري (ت: ٣٧٠) : ( ... عن أبي حاتم (ت: ٢٥٥) في قوله: [فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ] [الأنبياء: ٨٧] أي: لن نضيِّق عليه. قال - أي: أبو حاتم: ولم يدر الأخفش ما معنى [نَقْدِرَ] ، وذهب إلى موضع القُدرة، إلى معنى: فظنّ أن يفوتنا، ولم يعلم كلام العرب حتى قال: إن بعض المفسرين قال: أراد الاستفهام: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟ ولو علم أن معنى نقدر: نضيِّق، لم يَخْبِط هذا الخبط، ولم يكن عالماً بكلام العرب، وكان عالماً بقياس النحو) [٨] . * ومن العلوم التي يلزم معرفتها الناسخ والمنسوخ وما شابهه من المباحث؛ كالمطلق والمقيد، والخاص والعام، ومعرفتها لازمة للمفسر بلا شك، ومن الآثار التي يمكن الاعتماد عليها في ذلك ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي قال: (انتهى علي بن أبي طالب ﵁ إلى رجل يقصّ [٩] ، فقال: أعلمتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكتَ وأهلكتَ) [١٠] . وقد استدل مَنْ كتب في علم الناسخ والمنسوخ في القرآن بهذا الأثر لبيان أهمية هذا العلم. وإذا كان علي ﵁ قد اعترض على القاصِّ؛ فالمفسر من باب أوْلى ينبغي أن ينبّه إلى ذلك، لما في جهل هذا العلم من أثر في عدم فهم التفسير. * ومن العلوم سبب النزول وقصص الآي؛ ذلك أن معرفة سبب النزول وقصص الآي يفيد في معرفة تفسير الآية. ومن الأمثلة التي تدل على أهمية معرفة هذا الجانب، وأن عدم معرفته يوقع في الخطأ، ما وقع لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت: ٢١٠) في تفسير قوله تعالى: [وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ] [الأنفال: ١١] حيث قال: (مجازه: يفرغ عليهم الصبر، وينزِّلُه عليهم، فيثبتون لعدوهم) [١١] . وسبب النزول يدلّ على خطأ أبي عبيدة في تفسيره هذا، فلما لم يعرف السبب نحى في تفسيره هذا المنحى اللغوي الذي لا تدلّ عليه الآية بسببها. والتثبيت المذكور في الآية حقيقي، وهو أن أقدام المسلمين لا تسوخ في الرمل لما نزل عليه المطر، وبهذا جاء التفسير عن الصحابة الذين شاهدوا النزول، وعن التابعين الذين نقلوا عنهم [١٢] . * ومنها معرفة السنة النبوية، ويكون ذلك بالرجوع إلى صريح التفسير عن النبي ﷺ ، كما يكون بالرجوع إلى أقواله وأفعاله التي لها أكبر الأثر في فهم القرآن. ومما يمكن التمثيل به من استعانة المفسر بالسنة النبوية، ما رواه الطبري عن ابن عباس ﵄ قال: (ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي: إن الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنى، أدركه ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر ... ) [١٣] . ثم إن عدم معرفة السنة التي تفسر القرآن قد تجعل المفسر يجنح إلى مصدر آخر؛ فيفسر به لعدم ورود هذا التفسير النبوي إليه. ومما يمكن أن يُمثّل به هنا ما روي عن السلف في تفسير قوله - تعالى: [يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ] [القلم: ٤٢] فقد فسّر جمع من السلف الساق بالمعنى اللغوي، أي: عن أمر شديد [١٤] ، ومنهم: ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة [١٥] . وقد ورد في حديث أبي سعيد ﵁ أنه قال: (سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسُمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً) [١٦] . وهذا الحديث يفسِّرُ الساق الذي جاء في الآية نكرةً لم يُضَفْ، ويبيِّن أن المراد بالساق ساق ربنا . ولو لم يَرِدْ هذا الحديثُ لاعتُمِدَ قول ابن عباس وتلاميذه في تفسير الساق، والله أعلم. وبعد.. فهذه بعض العلوم التي إن جهل المفسر بها فإنه يقع في التأويل الخطأ، ولا يحالفه الصواب في معنى الآية [١٧] . الثاني: نَظَرٌ في طبقة المفسر: المفسرون الذين يجب الرجوع إلى أقوالهم، والأخذ بها، وعدم الخروج عنها هم الصحابة والتابعون وأتباعهم. فما جاء عنهم فإنه لازم لمن بعدهم من حيث الجملة ولا يجوز مخالفتهم. وكان عدم الاعتماد على تفسيرهم من أهم أسباب بروز الرأي المذموم، كما يشير إليه شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨) بقوله: (وأما النوع الثاني من سببي الخلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حَدَثَتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يُذكر فيها كلام هؤلاء صرفاً لا يكاد يوجد فيها شيءٌ من هاتين الجهتين) [١٨] . ولما كان لهؤلاء السلف من تقدّمٍ في العلم شهد لهم به كل من جاء بعدهم من العلماء؛ فإن الاعتماد على أقوالهم مدعاة للخروج عن الرأي المذموم، ولذا جعل ابن جرير من شروط المفسر أن لا يكون تأويله وتفسيره خارجاً عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة والخلف من التابعين وعلماء الأمة [١٩] . ويجب التنبه إلى أن كل من رجع إلى أقوالهم وتخيّر منها، فإنه قائل بالرأي؛ لأن تخيره معتمد على عقله كما فصل ابن جرير الطبري في تفسيره. النوع الثاني: الرأي المذموم وصوره في التفسير: الرأي المذموم في التفسير هو القول في القرآن بغير علم، سواءً أكان عن جهلٍ أو قصورٍ في العلم أم كان عن هوى يدفع صاحبه إلى مخالفة الحق، وقد سبق بيان ذلك مع أدلة النهي عنه. ومن صور الرأي المذموم ما يلي: ١- تفسير ما لا يعلمه إلا الله: وهو أحد أوجه التفسير التي أوردها ابن عباس، ويشتمل على أمرين: أحدهما: تكييف المغيبات التي استأثر الله بعلمها؛ كتكييف صفاته سبحانه، أو غيرها من المغيبات. ثانيها: تحديد زمن المغيبات التي ورد ذِكْرُ خروجها؛ كزمن خروج الدابة، أو نزول عيسى، أو غير ذلك. فهذه الأشياء لا سبيل للبشر إلى معرفتها؛ فمن زعم أنه قادرٌ على ذلك فقد أعظم الفرية على الله. ٢- من ناقض التفسير المنقول أو أعرض عنه: يشمل التفسير المنقول: كل ما نُقل عن الرسول ﷺ أو أصحابه أو التابعين وأتباعهم، فمن أقدم على التفسير دون الرجوع إلى التفسير المنقول فإنه سيقع في الرأي المذموم؛ لأن جُزءاً من التفسير لا يمكن معرفته إلا عن طريق النقل عنهم؛ كأسباب النزول، وقصص الآي، وناسخها ... وغيرها. ٣- من فسر بمجرد اللغة دون النظر في المصادر الأخرى: إن التسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وغيرها؛ مُوقِعٌ في الخطأ، فمن لم يُحكّم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من قال برأيه المذموم [٢٠] . واعتماد اللغة فقط دون غيرها من المصادر، هو أحد أسباب الخطأ الذي يقع في التفسير، كما حكى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [٢١] . ٤- أن يكون له رأي فيتأول القرآن على وفق رأيه [٢٢] : ويكثر هذا عند أهل الأهواء والبدع، حيث أنهم يعتقدون الرأي، ثم يبحثون عن دليله، وقد يحرّفون الكلم عن مواضعه ليوافق آراءهم، ولو لم يكن لهؤلاء هذا الاعتقاد والرأي لما فسر القرآن بهذه التفسيرات المنحرفة. ويقع خطأ أولئك على أقسام: الأول: الخطأ في الدليل والمدلول: وذلك أن المفسر يستدل لرأيه بدليل، ويكون رأيه الذي استدل له باطلٌ فيستلزم بطلان دلالة الدليل على المستدل له. ومثال ذلك أن المعتزلة اعتقدوا أن الله سبحانه لا يُرى في الآخرة، وهذا باطل، ثم استدلوا لهذا بقوله تعالى: [لَن تَرَانِي] [الأعراف: ١٤٣] فجعلوا [لَن] لتأبيد النفي، وهذا غير صحيح في هذا الموضع. ومثاله كذلك استدلال بعض المتصوفة على جواز الرقص وهو حرام بقوله تعالى: [ارْكُضْ بِرِجْلِكَ] [ص: ٤٢] [٢٣] . فالرّقص حرام، والآية لا تدل عليه لا من قريب ولا من بعيد. الثاني: الخطأ في الاستدلال لا في المدلول: وفي هذا يكون المدلول بذاته صحيحاً، ولكن حَمْل الآية عليه لا يصح. ومثاله ما فسر به بعضهم قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ] [البقرة: ٢٤٩] . حيث قال: (هذه الآية مَثَلٌ ضربه الله للدنيا، فشبهها الله بالنهر، والشارب منه بالمائل إليها المستكثر منها، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة) [٢٤] . فهذا الكلام من حيث هو في ذاته مجرداً عن الآية كلام صحيح، ولكنّ جَعْلَهُ تفسيراً للآية خطأٌ ظاهرٌ، ولذا قال القرطبي (ت: ٦٧١) معلقاً على هذا القول: (ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل، والخروج عن الظاهر، ولكن معناه صحيح من غير هذا) [٢٥] . وبعد.. فهذه بعض صور التفسير بالرأي المذموم. والله أعلم. التفسير بين الأثر والرأي: لقد ظهر من خلال الأمثلة الدالة على جواز الرأي أن الرأي قد برز في عصر الرسول ﷺ ، وإن كان قليلاً، ثم اتسع وانتشر أكثر في عهد الصحابة ومَنْ بعدهم. كما ظهر أن مِن الصحابة والتابعين وأتباعهم مَنْ فسروا القرآن برأيهم، فهل نُسمِّي ما ورد عنهم تفسيراً بالمأثور، وما ورد عن غيرهم تفسيراً بالرأي؟ إن تقسيم التفسير على هذا النحو فيه قصورٌ ظاهرٌ [٢٦] ، وذلك لأمرين: الأول: أن أغلب من قسّم هذا التقسيم جعل حكم المأثور وجوب الأخذ به على إطلاقه، مع أن بعضهم يحكي خلاف العلماء في قبول أقوال التابعين، كما ينسى حكم ما اختلفوا فيه: كيف يجب الأخذ به مع وجود الاختلاف بينهم؟ الثاني: أن في ذلك تناسياً للجهد التفسيري الذي قام به السلف، وتجاهلاً لرأيهم في التفسير الذي يُعَدّون أول من بذره وأنتجه. إن هؤلاء السلف قالوا في القرآن بآرائهم، كما قال المتأخرون بآرائهم، ولكن شتان بين الرأيين؛ فرأي السلف هو المقدّم بلا إشكال. إن المقابلة بين التفسير بالمأثور (على أنه تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين) والتفسير بالرأي (على أنه ما عدا ذلك) خطأ محضٌ لا دليل عليه من قول السلف أو من العقل. إن تسمية تفسير السلف تفسيراً بالمأثور باعتبار أن طريق الوصول إليه هو الأثر تسميةٌ لا غبار عليها، وهو بهذا لا يقابل التفسير بالرأي، بل التفسير بالرأي ممتزج فيه؛ لأن من تفسيرهم ما هو نقلٌ لا يصح تركه أو إنكاره؛ كأسباب النزول، ومنه ما هو استدلال وقولٌ بالرأي، وكلا هذين عنهما؛ إنما طريقنا إليه هو الأثر. كتب التفسير بين الرأي والأثر: بناءً على ما وقع من مقابلة التفسير المأثور بالتفسير بالرأي، وقع تقسيم التفاسير إلى تفاسير بالمأثور وتفاسير بالرأي، وقد نشأ بسبب ذلك قصورٌ آخر، وذلك في أمرين: الأول: أنه قَلّ أن تترك التفاسير المعتبرة أقوال السلف، بل تحرص على حكايتها، ومع ذلك تجد أن بعض هذه التفاسير حُكِمَ عليه بأنه من التفسير بالمأثور والآخر من التفسير بالرأي [٢٧] . والصواب أن يقال: إن المفسر الفلاني مكثر من الرواية عن السلف مكثر من الاعتماد على أقوالهم، والآخر مقلّ من الرواية عنهم أو الاعتماد عليهم. الثاني: أن من حُكِمَ على تفسيره بأنه من التفسير بالمأثور قد حِيفَ عليه وتُنُوسي جهده الخاص في الموازنة والترجيح بين الأقوال التي يذكرها عن السلف، وأشهر مثالٍ لذلك إمام المفسرين ابن جرير الطبري، حيث يعدّه من يقابل بين التفاسير بالمأثور والتفسير بالرأي من المفسرين بالأثر، وهذا فيه حكم قاصرٌ على تفسير الإمام ابن جرير، وتعامٍ أو تجاهلٌ لأقواله الترجيحية المنثورة في كتابه. هل التفسير منسوب إليه أم إلى من يذكرهم من المفسرين؟ ! فإذا كان تفسيره هو؛ فأين أقواله وترجيحاته في التفسير؟ ! أليست رأياً له؟ أليست تملأ ثنايا كتابه الكبير؟ ! بل أليست من أعظم ما يميّز تفسيره بعد نقولاته عن السلف؟ ! إن تفسير ابن جرير من أكبر كتب التفسير بالرأي، غير أنه رأي محمود؛ لاعتماده على تفسير السلف وعدم خروجه عن أقوالهم، مع اعتماده على المصادر الأخرى في التفسير. كما أن تفسيره من أكبر مصادر التفسير المأثور عن السلف، وفَرْقٌ بين أن نقول: فيه تفسير مأثور، أو أن نقول: هو تفسير بالمأثور؛ لأن هذه العبارة تدل على أنه لا يذكر غير المأثور عن السلف، وتفسير ابن جرير بخلاف ذلك؛ إذ هو مع ذكر أقوالهم يرجِّح ويعلِّل لترجيحه، ويعتمد على مصادر التفسير في الترجيح. ولكي يَبِين لك الفرق في هذه المسألة: وازن بين تفسيره وتفسير عَصْرِيّهِ ابنِ أبي حاتم (ت: ٣٢٧) الذي لا يزيد على ذكر أقوال السلف، وإن اختلفت أقوالهم فلا يرجح ولا يعلق عليها، أليس بين العالمين فرق؟ وأخيراً.. هذه بعض قضايا في التفسير بالرأي، والموضوع يحتاج إلى بحث أعمق وأطول، والله الموفق.

стр. 2799

دراسات تربوية الشباب المراهق في الإسلام (١ من٢) محمد حامد الناصر المراهقة هي مرحلة الشباب المتدفق، مرحلة عنفوان شباب المستقبل، وهي مرحلة التطورات السريعة، تطرأ على كيان المراهق كله جسمياً ونفسياً وجنسياً.. وما المراهقة إلا مرحلة من مراحل العمر المختلفة، لها خصائصها ومميزاتها ومشكلاتها، شأن كل مرحلة كالطفولة أو الكهولة؛ ولذلك لا بد من التعامل مع هذه المرحلة على أسس علمية مدروسة، بعيداً عن التخبط والارتجال؛ ذلك أن الشباب أمل الأمة، ومعقد آمالها، هم وقود الحرب والجهاد، وعماد السلم والبناء إذا أحسنّا إعدادهم منذ وقت مبكر من العمر. ولكن أيّ شباب نريد؟ ! نريد شباباً تقياً ورعاً مجاهداً، يعتز بهويته وانتمائه إلى دينه، وتراث أمته، وأن يكون معتزاً بأبطال الإسلام، وأعلامه العظام على مر العصور. نريد شباباً قدوته فتيان الرعيل الأول الذين نشروا هذا الدين، وكانوا نجوماً مضيئة في دياجير الظلام. نريدهم كما وصفهم الشاعر بقوله: شبابٌ ذللوا سبل المعالي ... وما عرفوا سوى الإسلام دينا إذا شهدوا الوغى كانوا كماة ... يدكون المعاقل والحصونا وإن جن الظلام فلا تراهم ... من الإشفاق إلا ساجدينا نريد لشبابنا أن يتجهوا صوب المعالي، وأن يسلكوا سبل الرشاد وأن يديروا ظهورهم لهذا السيل الغازي من أفكار الحضارة الوافدة.. معنى المراهقة: فما المقصود بالمراهقة؟ وما أبرز خصائصها؟ وكيف نتعامل مع الشباب المراهق؟ الحقيقة أن هنالك رأيين مختلفين، ونظريتين متباعدتين: ١- معنى شائع عند علماء الغرب تأثر به بعض كتاب العرب. ٢- ومعنى علمي يقول به المشتغلون بعلم النفس من المسلمين ومن المعتدلين الغربيين. الرأي الأول: يقول به علماء غربيون يرى أن المراهقة فترة من القلق والاضطراب، والصراع، يمتد من قُبَيْلِ البلوغ وحتى العشرين من العمر، ويرون أنها فترة حتمية يمر بها كل إنسان، وأنها عاصفة تهز كيان المراهق كله. وأول من قال بذلك: (ستانللي هول) إذ يرى أن المراهقة هي مرحلة عواصف وتوتر وشدة، تكتنفها أزمات نفسية، وتسودها المعاناة والإحباط، والقلق والمشكلات. ويشبه بعضهم حياة المراهق بحلم طويل في ليل مظلم، تتخلله أضواء ساطعة تخطف البصر أكثر مما تضيء الطريق، فيشعر المراهق بالضياع ثم يجد نفسه عند النضج [١] . إن هذا المفهوم للمراهقة، مأخوذ من دراسات غربية أجريت على مجتمعات أوروبا وأمريكا، ثم عممت نتائجها على الآخرين، وكأن المجتمع الغربي عيّنة صحيحة تمثل الإنسان السوي. ويرى هؤلاء المربون، أنه لا بد من التغاضي عن هفوات المراهقين؛ ريثما يجتازون هذه المرحلة؛ لأن المراهق عندهم مريض، ولا حرج على المريض. وعلى ذلك فإن الشاب هنالك لا يحاسب قانونياً خلال هذه المرحلة، أي حتى يبلغ سن العشرين، أو الثامنة عشرة على أبعد تقدير. ويدحض هذا الرأي ما أثبته علم النفس لدى العلماء المسلمين، وحتى المعتدلين من الغربيين أنفسهم. بل يدحضه سن التكليف الشرعي عند المسلمين وهو سن البلوغ. ويسفّه ذلك الرأيَ أيضاً ما قام به فتيان الدعوة الإسلامية من جهاد وبطولات وتضحيات، فلم يحسوا بمعاناة وتوتر كما يزعم علماء الغرب. وقد جاء في الحديث الشريف: (رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم) [٢] . وإن الفتى إذا استكمل خمس عشرة سنة يصبح مكلفاً، وإن لم يحتلم، فتجري عليه الأحكام من وجوب العبادة وغيرها. روى نافع عن ابن عمر قوله: (عرضني رسول الله لله يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) [٣] . فهذا هو السن الذي يجعل صاحبه من المقاتلين، ويجري عليه حكم الرجال في أحكام القتال وغيرها. الرأي الثاني: وهو المعنى العلمي عند المشتغلين بعلم النفس من علماء المسلمين، فيعني أن المراهقة، هي فترة تغيرات شاملة وسريعة، في نواحي النفس والجسد، والعقل والروح لدى الشاب المراهق، وهي فترة نمو سريع في هذه الجوانب كلها، حتى قيل: (إن المراهقة فترة انقلاب كامل) [٤] . إنها مجموعة من التغيرات التي تحدث في نمو الفرد الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي.. وفيها يحدث كثير من التغيرات التي تطرأ على وظائف الغدد الجنسية، والعقلية، والجسمية. إنها ولادة جديدة لشخصية المراهق، حيث تظهر وظائف جديدة، بطريقة فجائية فتسيطر على سلوك الشاب. فالمراهقة تعتبر مرحلة انتقال من الطفولة إلى الرشد، وذلك يعني أن القلق والاضطراب ليسا حتميين. (والنمو الجنسي في المراهقة، قد لا يؤدي بالضرورة إلى أزمات، ولكن النظم الاجتماعية الحديثة، هي المسؤولة عن أزمة المراهقة) كطول فترة التعليم، وتأخير الزواج ... إلخ) [٥] . ولذلك فإن الأحكام الشرعية لا تعترف بفترة انتقالية بين الطفولة والرشد، كما يسن في القوانين الوضعية التي لا تعتبر الإنسان رجلاً يطبق عليه القانون قبل الثامنة عشرة من عمره. ولا يجوز أبداً تسويغ الانحراف، والتغاضي عن إهمال التكاليف، وإنما تعني أن فترة المراهقة مرحلة من العمر لها خصائصها التي تميزها جسمياً وجنسياً وانفعالياً، شأنها شأن كل مرحلة من مراحل العمر [٦] . كيف نتعامل مع الشباب المراهق: للمراهقة سماتها ومطالبها، وإذا لم تُلَبّ هذه المطالب، فقد يقع المراهق في اضطرابات مؤلمة، أو يلجأ إلى وسائل غير سوية. ولذلك فواجب المربي الحكيم أباً كان أو أماً أو مدرساً أن يتفهم حاجات المراهق، ويوجهه نحو أفضل الوسائل لتلبية هذه الحاجات. علينا أن نزوده بخبرات ملائمة، ليتخلص من التردد، ويبتعد عن المكابرة والعناد، ويتعود على احترام رأي الآخرين. ولعل أبرز مهمات المربي تتلخص فيما يأتي: ١- تربية انفعالات المراهق وترويضها. ٢- مراعاة حاجاته الأساسية. ٣- معالجة أبرز مشكلاته. إن مهمة المربي تتمثل في تهذيب انفعالات المراهق، فلا تتركه في حيرة من أمره، بل نشيع في نفسه الطمأنينة، وحب الآخرين وتجاوز مصلحة الذات، نوجهه نحو حقيقة أن الناس في الإسلام يلتقون على العقيدة في الله، فلا تكون ذواتهم بارزة، ولا متحفزة لاقتناص المصلحة من الآخرين، وإنما يكون الجانب البارز هو الحب في الله، والمؤمن يتعامل تعاملاً سوياً مع الآخرين ويستطيع التلاحم معهم في يسر [٧] . إن حب الذات من أقوى انفعالات هذه المرحلة، ولذلك تأتي أهمية التوجيه المنظم من الأسرة والمدرسة، حتى يتمكن الشاب من حسن التكيف مع بيئته، وإذا تهيأ المربي الصالح الذي يساعده على الفهم الصحيح لذاته بأسلوب تربوي لا يشعر معه بالتدخل المباشر في شؤونه الخاصة، فإن ذلك سيساعده على تخطي هذه المرحلة في أمان كما يجتنب مخاطرها النفسية كالقلق واليأس أو الحب المفرط للذات، والغرور والكبر [٨] . كما أن على المربي أن يراعي حاجات المراهق الأساسية: ومن أبرز هذه الحاجات.. الحاجة إلى الاستقلال، فهو يبحث عن فطامه عن الإشراف الأسري، وأن يصبج موجهاً لذاته. ومن ذلك حاجته إلى احترام الآخرين، وإشعاره بمكانته؛ فهو يريد أن يكون هامّاً، وله موقعه وسط الجماعة. وقد ربى رسول الله ﷺ أصحابه على ذلك وتعامل مع صغار أصحابه بهذه الروح، كان يجتمع مع أصحابه سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان عمره آنذاك ست عشرة سنة، وجمع الأسرى من بني قريظة في دار أسامة بن زيد، وكان أسامة آنذاك فتى صغيراً [٩] . ومن حاجات المراهق الأساسية أنه يهتم بالبحث عن الحق والدين، والمثل العليا، فلا بد أن يراعي المربي في توجيهاته هذه الناحية، كما أن من حاجاته الأساسية حاجته الجنسية، التي تظهر بقوة خلال هذه الفترة، وتحصين الشباب بالدين ووازع التقوى من غض البصر والبعد عن المثيرات هو خير علاج؛ إذ يسمو المراهق بغرائزه وانفعالاته ويضبطها بضوابط الشرع. ينبغي على المدرسين والآباء، ألا يفرطوا في بسط حمايتهم على المراهقين وألا يلجأوا إلى التعنيف على التافه من المخالفات، بل ينبغي أن يمدح التلميذ أمام زملائه، وقد أظهرت الدراسات الميدانية أن المدح أفضل من الذم في دفع الطلاب إلى التعلم [١٠] . ومن أبرز الطرق النافعة لإشباع الحاجة النفسية لدى المراهق: تشجيعه على أن يعبر عن حاجاته وألا يعمد إلى تخبئتها. صرف الطاقة النفسية في وجهات اجتماعية مرغوبة: كأن يشجعه لجلسات حفظ القرآن في المساجد، وخروجه مع مجموعات المراكز الصيفية المأمونة في المدارس والجامعات، على أن يكون الموجهون فيها من ذوي الخلق والدين. تدريب المراهق على قمع بعض الرغبات، دون تخويفه ولا العطف الزائد عليه حتى لا يتحول العطف إلى تدليل.. وإشغاله بهوايات فنية يتقنها، على أن تكون مباحة [١١] . نعلّمه أن الحياة ليست كلها مباهج ومسرات، وعليه أن يتعود الصبر واحتمال المكاره، فيحس بقيمته ويرتقي بمركزه الاجتماعي.. ونربيه على تحمل شظف العيش فلا نترفه في تلبية طلباته جميعاً، حسنها وسيئها، فينشأ وقد عرف الجهد والعمل [١٢] .

стр. 2800

تأصيلات دعوية سلوك الحكمة طريق الانتصار (٢ من٢) عبد الحكيم بن محمد بلال بعد ذكر أهمية الحكمة وضح الكاتب في الحلقة الماضية مفهومها، ثم أبان موانعها وأركانها وأسباب اكتسابها.. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة بيان جوانب أخرى للموضوع. ... ... ... ... ... ... ... - البيان- مواقف الحكمة: أ - الحكمة في القرآن: قصّ الله علينا في كتابه قصصاً تمثلت فيها جوانب عظيمة من الحكمة، يظهر بعضها لكل قارئ، ويظهر البعض الآخر بالتأمل العميق، ومن تلك القصص: -قصة أصحاب الكهف: وقد تمثلت الحكمة في اهتدائهم إلى دين الله، وترك تقليد قومهم في الكفر، وفي اعتزالهم لقومهم حين أيقنوا بعدم انتفاعهم بالنصح، وفي صمودهم على الحق في مواجهة الباطل، وفي عزلتهم الثانية في الكهف وهي عزلة سرية للتعبد، وفي حنكتهم في قضاء حوائجهم من المدينة. -قصة سليمان وملكة سبأ: وتظهر الحكمة في عناية سليمان ﵇ برعيته، وتفقده لأحوالهم، وعدم تعجّله بالحكم بغياب الهدهد، ولما تيقن غيابه تهدده بالعقوبة الشديدة إلا إذا أتاه بحجةٍ تبرئه، وتبين سبب غيابه؛ كما تظهر الحكمة في تثبته من كلام الهدهد، والتأكد من صدقه، ثم في أسلوب رسالته [إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَاًتُونِي مُسْلِمِينَ] [النمل: ٣٠، ٣١] ، ثم تبدو حكمة المرأة في تعاملها مع الرسالة، فتستشير قومها، ولا تغتر بكلامهم وقوّتها، بل ترسل بهدية تكشف لها حقيقة عدوها، ولكن حكمة سليمان أيضاً تمنعه من الاستدراج، فيستخف بتلك الهدية، وتبدو حكمته في إظهار القوة في وقتها للحاجة إليها، فيرسل إليها الرسالة الثانية المختلفة تماماً عن الأولى: [أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَاًتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ] [النمل: ٣٦، ٣٧] وتظهر حكمتها ثانية في استجابتها المباشرة لدعوة سليمان، وهو قرار يعجز عنه الرجال بسبب الهوى والتعصب والتقليد. أما غاية الحكمة: فاعتراف سليمان بفضل ربه عليه، ومجانبته للعُجب والغرور، فإنه لما تحقق له نعمة إسلامها قال: [هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ... ] [النمل: ٤٠] ، فما أحوج الدعاة إلى تأمل هذه القصة طويلاً. - قصة لقمان وابنه: ومن مظاهر حكمته مما حكاه الله في سورة لقمان: حسن أسلوبه في مخاطبته لابنه: [يا بني] ليبين أن مبعث الموعظة الشفقة، كما تظهر في جمعه في وعظه بين الأصول والفروع، والأقوال والأفعال والاعتقاد، والأمر والنهي، كل ذلك في عبارة قصيرة جميلة، بعيدة عن التكلف؛ فيخرج الداعية من قصته العظيمة بدروس أهمها: حسن الأسلوب واختيار أحسن الكلمات للوصول إلى قلب المدعوين، والإيجاز والشمول، والتركيز على الأصول من التوحيد وغيره، مع عدم الإخلال بالفروع، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة عظيمة، يُخشى على صاحبها من المزالق، ولا خلاص منها إلا بالصبر، والتواضع، والتزام الوسطية في الأمور كلها. ب - الحكمة النبوية: أما رسول الله؛ فقد كانت الحكمة تجري على لسانه كالماء الزلال، وأفعاله - ﷺ كلها هي عين الحكمة، ويكفي ذكر إشارات لبعضها، لتنبئ عن البعض الآخر، ومن ذلك: ١- حكمته في تعامله مع أصحابه، ومراعاته لأحوالهم، وهذا أشهر من أن يذكر له أمثلة. ٢- إجابته للسائلين بإجابات يظهر أنها مختلفة متعارضة أحياناً بينما هي من اختلاف التنوع، لمراعاة حال السائلين؛ لاختلاف قدراتهم وإمكاناتهم، ولو أن الدعاة استطاعوا أن يكلفوا كل إنسان بما يحسنه من فروض الكفايات، ويبتعد عما لا يستطيع لحققت الأمة اكتفاء ذاتياً في أغلب مجالاتها. ٣- موقفه من الشاب الذي جاء يستأذنه بالزنا، فلم يعنفه، بل ناقشه، ثم دعا له، فانصرف بحال غير التي أتى بها. ٤- موقفه يوم الحديبية حين رفض سهيل بن عمرو أن يكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) ، وقال للكاتب: اكتب: (باسمك اللهم، هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) ، فلم يقف النبي -صلى الله عليه وسلم- عند هذه المسألة ما دام في الصلح خير لمصلحة المسلمين، رغم رفض المسلمين لذلك. ولا يعني هذا أن يكون التنازل في كل موقف، كما يتوهمه بعض من غلب على مواقفهم الانهزاميةُ، ويحتجون بصلح الحديبية، بل هناك أمور وقضايا لا يُقبل التنازل فيها أبداً؛ فقد رفض ﷺ طلب وفد ثقيف أن يترك لهم اللات شهراً واحداً، وأبو بكر رفض إقرار المرتدين على ترك الزكاة، وقاتلهم عليها. ٥- علاج مشكلة المنافقين: وقد اتسم علاجها بعدة سمات من أبرزها: - طول صبره عليهم، من الهجرة حتى قبيل وفاته. - التفصيل في التحذير منهم وتكثيف الحديث في تلك القضية وفق نهج القرآن، حيث لا يقاربها قضية أخرى إلا قضية الشرك والمشركين وأهل الكتاب. - الحرص على وحدة الصف، مع عدم السكوت على الباطل، وقد تحقق الأمران. - سيره على هدي القرآن في التركيز على الصفات، وعدم ذكر الأفراد، مما أدى إلى قتل المنافقين معنوياً، دون قتل أحد منهم حسياً. والدعوة اليوم بأمسّ الحاجة إلى دراسة منهج مواجهة حركة النفاق في الصدر الأول، حيث يمكن من خلال ذلك معرفة وسائل كشفهم، ورسم منهج شرعي في مواجهتهم، وشل فاعليتهم، ثم القضاء عليهم دون إحداث فتنة داخل الصف المسلم، ولا يتحقق ذلك إلا بالحكمة. ٦- كما تتجلى حكمة الرسول ﷺ في مواقف لا حصر لها، من بداية دعوته في المرحلة السرية والجهرية، وفي تعامله ومواقفه مع صناديد قريش، وفي خروجه للطائف، وعودته منها، وفي مواقفه بعد هجرته مما اتسم بالإصلاح والتأسيس: من بناء المسجد، والمؤاخاة، والمعاهدة مع اليهود، وفي مواقفه في غزواته كلها، وفي المواقف الفردية مع سائر الناس ... ويظهر كل ذلك لمن تأمل سيرته. ج - الحكمة في حياة سلف الأمة وخير القرون: للصحابة ﵃ حكمة عظيمة، ظهرت في اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وخلافتهم له، وكذا لتابعيهم وتابعي تابعيهم ومن ذلك: - موقف أبي بكر ﵁ عقب وفاة النبي ﷺ ، لما أنكر عمر هذه الوفاة وكذلك بعض الصحابة، واشتد الأمر عليهم، فكان لحكمة أبي بكر ﵁ أعظم الأثر في تثبيت الناس على الإسلام، وتوضيح الحق لهم في ذلك. كما ظهرت حكمته في إنفاذ جيش أسامة الذي عقد لواءه النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته، ورغم مخالفة الصحابة للصديق، لشدة الأحوال، امتثالاً لأمر النبي ﷺ ، وبالرغم من صغر سن أسامة فقد رفض استبداله بقائد آخر، وسيّر الجيش كاملاً، فلم يترك منه أحداً، إلا أنه استأذن أسامة في إبقاء عمر؛ فأذن له. - حكمة عمر في إظهار إسلامه، مما كف شيئاً من الأذى عن المسلمين، ومكنهم من الصلاة في المسجد الحرام. كما كان من أعظم مواقفه الحكيمة: تثبيت الناس على بيعة أبي بكر ﵁، حتى اجتمعت كلمة المسلمين عليه. - ولعثمان ﵁ مواقف حكيمة في إنفاق الأموال الكثيرة، ولا يُنسى موقفه الحكيم في جمع الأمة على مصحف واحد، حسماً للخلاف. - ولا تخفى مواقف علي ﵁ في الشجاعة الحكيمة في بدر والخندق وخيبر وغيرها. - ولمصعب بن عمير ﵁ حكمة عظيمة في دعوته في المدينة، كما ظهرت في دعوته لسيدَي الأوس: أسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ رضي الله عنهما. - وما أعظم وأحكم موقف الحسن ﵁ لما تنازل عن الخلافة لمعاوية ﵁ حقناً لدماء المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، وما به علة ولا ذلة ولا قلة، فتحقق فيه قوله: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) [١] . ولعامة الصحابة مواقف حكيمة أكثر من أن تذكر في مثل هذا المقام. - وقد نصح سعيدُ بن المسيب الحجاجَ أن يحسن صلاته، وأغلظ له بالقول، وشدد عليه، فما زال يحسن صلاته، فكانت الحكمة في هذا الموقف استخدام الشدة مع هذا الشديد. - وقد تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة فأصلح نفسه أولاً، ثم أهله ثانياً، ثم أصلح أوضاع بني أمية ورد المظالم ثالثاً، ثم أصلح أوضاع الولاة، ووضع الجزية عمن أسلم، وأحيا في نفوس الناس خوف الله ومراقبته، وفقّه الناس في دين الله، وأرسل الدعاة إلى الله لنشر الإسلام ... وكلها مواقف تنطق بالحكمة. - ومن الحكمة أسلوب رد الإمام مالك على الرجل الذي سأله عن كيفية الاستواء، فأجابه بجواب كان قاعدة من قواعد أهل السنة، ثم أخرجه من مجلسه حسماً للبدعة. - وموقف الإمام أحمد في محنة خلق القرآن، وثباته على كلمة الحق، وتحمله الأذى في سبيلها خشية انطماس معالم الحق، مما يُسجّل في المواقف الحكيمة. مظاهر أسلوب الحكمة: تتعدد مظاهر الحكمة؛ نظراً لكونها السداد في القول والفعل، ويمكن ذكر شيء من مظاهرها فيما يتصل بالدعوة في الجوانب التالية [٢] ؛ لتكون مرجعاً للداعية يقيس بها حكمته في دعوته، ويسدد طريقته: أولاً: في جانب المناهج الدعوية: ومن ذلك: أ - ترتيب الأولويات، وتقديم الأهم على المهم، كتقديم العقائد على غيرها من العبادات والأخلاق، وتقديم الفروض على النوافل، والمصالح العامة على الخاصة عند التعارض، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح، والتضحية بالمصلحة الصغرى لكسب مصلحةٍ أكبر منها ... ويدل على هذا: الواقع العملي للدعوة الإسلامية في عهدها الأول، وأيضاً حديث معاذ عندما أرسله الرسول - ﷺ إلى اليمن، وكيف علمه أن يبدأ بالإيمان، ثم الصلاة، ثم الزكاة [٣] . ب - التدرج في تطبيق الأولويات، ولا سيما في معالجة الأشخاص والأوضاع العامة، كما كان شأن تنزل القرآن، وكما فعل عمر بن عبد العزيز في خلافته. ج - مناسبة المنهج الدعوي للأحوال والأعمار والمستويات، فليس من الحكمة المساواة بين حالة القوة والضعف، وبين حالة السلام والحرب، ولا بين حالة عموم البلوى بالشيء وغيرها، ولا بين الرجل والمرأة، والصغير والكبير ... ولنتأمل كيف ترك النبي ﷺ هدم الكعبة، وجعل لها بابين خشية الفتنة؛ لقرب عهد الناس بالإسلام [٤] . ثانياً: في جانب الأساليب: ومن الحكمة فيه: أ - اختيار المنهج المناسب لتطبيقه في الموقف المناسب والحالة المناسبة، فما يصلح لمعالجة موقف لا يصلح لكل موقف؛ فالأسلوب العاطفي للموقف العاطفي، والحسي للتجريبي، والعقلي للموقف الجدلي ... وهكذا تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الشاب الذي جاء يستأذن في الزنى، حيث لمس منه ضعفاً، وخيراً، ولولا ذلك لزنى دون استئذان. ب - اختيار الشكل المناسب من أشكال وأساليب المنهج المختار، فما يقال في الفرح غير ما يقال في الترح، ومن غلب عليه الخوف استُخدم معه الترغيب، ومن غلب عليه طول الأمل والاتكال على الرجاء استُخدم معه الترهيب ... ولذا اختلف أسلوبه - مع الأعرابي الذي جاء سائلاً عن الفرائض فأجابه بها، فلما قال: هل عليّ غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تَطّوّع) [٥] ، اختلف أسلوبه في ذلك عن أسلوبه مع الصحابة الفقراء الذين أحزنهم سبْق الأغنياء لهم بفعل الخير، فزادهم من سبل الخير، حيث جاؤوا مستزيدين [٦] . ج - اعتماد التدرج في الاحتساب، وهو: التعريف بالخير والشر، ثم الوعظ، ثم التعنيف، ثم استخدام اليد، ثم التهديد ثم الضرب. د - البحث عن الدوافع والأسباب لملاحظتها في أسلوب المعالجة، فمعالجة الجاهل تختلف عن معالجة العدو، وأسلوب معالجة الضعيف المقصّر غير أسلوب معالجة المعاند المتعصب. وهذا يقتضي مراعاة أمور منها: ١- حسن الظن بالمسلم، والحذر من العدو. ٢- إخفاء التشخيص في نفس الداعية، والتخطيط للمعالجة، دون المواجهة به. ٣- اختيار الأسلوب المناسب للمعالجة. هـ - مراعاة اختلاف الظروف والأحوال الدعوية الفردية والجماعية. ثالثاً: في جانب الوسائل الدعوية: أ - في الوسائل المعنوية، وهي الأخلاق الكريمة. وذلك من خلال: ١- اهتمام الداعية بها، ومجاهدة النفس عليها. ٢- اختيار الخُلُق المناسب للموقف المناسب، قال تعالى: [أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] [الفتح: ٢٩] . ب - في الوسائل المادية. وذلك من خلال: ١- استعمال الداعية كل وسيلة مباحة متيسرة متوفرة في عصره، أياً كان مصدرها وصانعها. ٢- اجتناب كل وسيلة محرمة أو مكروهة؛ لأن الغاية الحميدة لا تسوّغ كل وسيلة، فيقتصر على المباح. ٣- تصفية الوسائل التي اختلط فيها الحلال بالحرام؛ بتجريدها من الحرام، كما فعل النبي ﷺ في وسيلة (النذير العريان) حيث قال: (أنا النذير العريان) [٧] معبراً عن خطر الأمر الذي جاء به، ولكنه لم يتجرد من ثيابه كما يفعل النذير من المشركين. ٤- الترخص باستعمال الوسيلة المختلف في حكمها في حالة الضرورة أو الحاجة الملحة، والتورّع عن استخدامها حال الرخاء. ٥- الترقي بالوسيلة الدعوية، لتكون مكافئة للدعوة، ومتفوقة على وسائل العدو. أمور يتعاظم فيها مراعاة الحكمة: هي أمور يتساهل فيها الكثير مع أنها أوْلى من غيرها في التزام الحكمة؛ لأهميتها، ولما يترتب على ترك الحكمة فيها من آثار سلبية، ومن تلك الأمور: ١- معاملة الوالدين والأولاد والزوجة والأهل والأرحام. ٢- التعامل مع المجتمع، المشتمل على التناقضات. ٣- الموقف من أهل البدع؛ فالناس فيهم بين غالٍ فيهم، يبالغ في إحسان الظن بهم، وبين جافٍ ينكر حسناتهم. ٤- إنكار المنكرات. ٥- إشاعة بعض الأخبار والمفاهيم. ولقلة الموفقين للحكمة أمر الله برد هذه الأخبار المشكلة إلى الرسول ﷺ في حياته ثم العاملين بسنته، ليعرفوا حقيقتها، وأهدافها، وكيفية التعامل معها. ٦- النقد وبيان الأخطاء: فطائفة همهم تصيّد الأخطاء، وآخرون اعتبروا النصيحة فضيحة. وختاماً: فلا شك في أن حاجة الأمة للحكمة والرأي السديد أشد من حاجتها إلى القوة الاقتصادية أو العسكرية؛ لأن فَقْدَ الحكمة يضيّع القوة الموجودة، فكيف يجلب قوةً مفقودة؟ ! وإذا صعب وجود الحكمة في شخص فإن وجودها في أفراد يكمل بعضهم بعضاً أسهل وأيسر، وهو أمر يحتم التعاون على البر والتقوى والاعتصام بحبل الله، والاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله.

стр. 2801

تأملات دعوية حول المنهجية في الطلب عبد الله المسلم من أمارات النضج ودلائل الرسوخ لدى الصحوة اليوم الحديث عن المنهجية، وضرورة المراجعة المستمرة للواقع ونقد الذات. ومن الميادين التي طرح الحديث كثيراً فيها حول ذلك: المنهجية في طلب العلم. والحديث عن ذلك عَكَسه الواقع المتخبط في السلوك العلمي الذي أدى إلى استنزاف طاقات وقدرات فيما لا طائل من ورائه، وأدت ردود الفعل غير المتوازنة حول قضايا التمذهب والاتباع، أو القراءة المركّزة المنهجية والقراءة الموسوعية، أو كتب المتقدمين والمتأخرين، أدى الإفراط في ردود الفعل إلى مواقف لا تؤدي بالضرورة إلى البناء العلمي الصحيح. ومع التأييد لضرورة العناية بالمنهجية في طلب العلم، والنقد للأساليب المتخبطة التي تضيع الأوقات والأعمار دون بناء علمي، إلا أن ثمة قضايا تطرح باسم المنهجية بحاجة إلى مزيد مناقشة ومراجعة وتأمل، خاصة أن الحديث المفصّل عن تلك القضايا ليس منطلِقاً من نصوص شرعية صريحة، إنما هو نتاج تجربة بشرية متميزة لكنها لا ترقى لدرجة العصمة. ومن ذلك تحويل الوسائل إلى غايات: فالعلم مطلب شرعي وضرورة ملحة، لكن الطرق التي تؤدي إلى تحصيله ما لم تكن منصوصاً عليها بنص شرعي ليست بالضرورة قضايا مُسَلّمة في كل عصر وزمان ومكان، فضلاً عن أن تكون سُوراً يعني تَجَاوُزُه الخلل والانحراف. ومن يتأمل المسيرة العلمية على مدى تاريخ الأمة يرى أنها لم تتوقف عند وسيلة محددة؛ فكان العلم يُتلقى شفاهاً ويُحفظ في الصدور. والكتابةُ لم تكن أصلاً إنما هي استثناء، ثم انتشرت الكتابة، والتأليف، والتخصص فيه، والمتون، والشروح ... إلخ. وكان العلم إنما يتلقى في المساجد، ثم بدأت المدارس بالظهور وازداد انتشارها حتى صار لها مستويات وشروط وأنظمة محددة. وهكذا عرفت الأمة ألواناً من التطور والتغير في أساليب الطلب والتعلم، ولم تكن الأساليب يوماً ما حكراً على أسلوب أو طريقة محددة. فلتكن الوسيلة وسيلة والغاية غاية: وحين تبقى الوسيلة دون منزلة الغاية، فإن عُرْفَ أهل بلد أو قطر وطريقتهم في التعلم ولو سادت وورثتها الأجيال ليست هي المقياس والمعيار للتعلم، وليست هي المنطلق الوحيد للمنهجية؛ فالعلم أكبر من أن تحصره تجربة محدودة بحدود الزمان والمكان. واليوم ونحن نعيش متغيرات عدة في هذا العصر تتمثل في انتشار مستوى التعليم وتدني الأمية، وهذا التعليم اختصر خطوات عدة على المتعلمين: فهل نحن بحاجة إلى أن نبدأ بهؤلاء من الصفر، أو نلقنهم ما حفظوه في مراحل التعليم الأساسي، أم نبدأ من مرحلة لاحقة؟ والعصر الذي نعيشه اليوم عصر انفجار معرفي هائل، جعل من أسس التفكير الصحيح في قضايا العصر والتعامل معها إدراك قدر من العلوم والمعارف لم تكن ضرورية في وقت مضى، وأتاحت الوسائل الحديثة المعاصرة أساليب في البحث وحفظ المعلومات واسترجاعها، وطرقاً للطباعة، والاتصال السمعي والبصري الذي يتجاوز حدود المكان القريب، ويحوّل العالم إلى قرية واحدة، وهو عصر يفرض على الأمة تحديات حضارية جساماً إن هي أرادت أن يكون لها موطئ قدم في التاريخ المعاصر فضلاً عن أن تكون رائدة وسباقة وقائدة. إن ذلك كله لا يعني رفض المطالبة بالمنهجية، لكنه يطرح مطلباً ملحاً بضرورة التفكير من جديد في أساليب تلقّي العلم والتعلّم؛ ومراجعةُ الأساليب لا تعني الخلل في المنهج والانحراف عنه.

стр. 2802

حوار حوار مع: فضيلة د. علي السالوس أجراه: د. جلال الدين صالح ضيف مجلة البيان في هذا العدد هو فضيلة الشيخ (علي بن أحمد السالوس) وهو أستاذ جامعي بقسم الفقه وأصوله في كلية الشريعة بجامعة قطر، وهو خبير في الفقه والاقتصاد تميز وفقه الله بالإنتاج الغزير بما يزيد على خمسين كتاباً وبحثاً. ويمكن تقسيم أبحاثه إلى محاور ثلاثة: ١- ما يتعلق بالدراسات المقارنة بين الشيعة والسنة في الأصول والفروع، وهي دراسات علمية متميزة. ٢- الدراسات الفقهية والاقتصادية المعاصرة مثل: التضخم، والكساد، وبيع التقسيط، وتمويل البنوك، والاستثمار، وغيرها. مع دراسة في السنة وفقهها. ٣- المناقشة والردود العلمية مثل ردوده على مبيحي الفوائد البنكية، ومسألة زواج الأقارب، والتحذير من الفتوى بلا علم. وكتابات فضيلته تتسم بالدراسة العلمية والتوثيق، ويلمس فيها القارئ الإخلاص والصدق؛ هذا ما نحسبه، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً. ويسعدنا في هذا العدد الحوار مع فضيلته في مسائل شرعية واقتصادية مختلفة راجين أن يجد فيها القارئ بغيته، وأن يثيب الله الشيخ على جهوده العلمية والدعوية خير الجزاء. وإلى الحوار ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان- س: فضيلة الدكتور: لا شك في أن ثمة ضرورة دعت إلى إقامة البنك غير الربوي مقابل البنك الربوي؛ فهلاّ تكرمتم بإلقاء الضوء على الموجبات التي دعت إلى إنشاء البنوك الإسلامية؟ ج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... أولاً: علينا أن نعرِّف الفرق بين البنوك الربوية والبنوك الإسلامية لنعرف هل هناك ضرورة أم لا توجد ضرورة؟ وتعريف البنك الربوي في الاقتصاد: أنه المنشأة التي تتاجر في الديون (التعامل في الائتمان عن طريق الاقتراض والإقراض) فهي لا تتاجر في سلع، أو عقارات، أو منقولات، إنما في الديْن. ثم أصبح لها وظيفة ثانية، وهي إيجاد النقود أي أنها تقرض نقوداً لا تملكها ولا وجود لها. أما البنك الإسلامي، فإن مجمع البحوث الإسلامية انتهى في مؤتمره الثاني سنة ١٣٨٥هـ سنة ١٩٦٥م بإجماع كبار العلماء من ٣٥ دولة إسلامية، إلى أن فوائد البنوك هي من الربا المقطوع بتحريمه بنص الكتاب والسنة، ودُعي في هذا المؤتمر إلى إنشاء بديل إسلامي، وكيف يكون البديل إسلامياً؟ نظروا أولاً إلى العلاقة بين المودع في البنك وبين البنك، ثم العلاقة بين البنك ومن يأخذ من البنك؛ فالعلاقة بين المودع والبنك علاقة مقرض ومقترض: البنك يقترض، والمودع مقرض سواء أكان القرض (الحساب الجاري) بفوائد أو بدون فوائد، أو كان القرض وديعة لأجل، بفوائد، ثم العلاقة بين من يأخذ النقود من البنك وبين البنك علاقة مقرض بمقترض، فالبنك الذي كان مقترضاً أصبح مقرضاً. وقد رأى المجمع أن هذه العلاقة لا بد أن تتغير، فكيف تتغير؟ إن من الممكن للبنك أن يكون مضارباً بدلاً من أن يكون مقترضاً؛ فمن يودع المال في البنك الإسلامي يعتبر شريكاً للبنك في شركة مضاربة أو قِراض، والبنك يمثل عامل المضاربة والربح بالنسبة المتفق عليها. وإن إنشاء بنك إسلامي هنا معناه إخراج اقتصاد الإسلام من الواقع النظري الذي كان عملياً من قبل في مجالات كثيرة إلى الواقع العملي في حياتنا؛ هذا باختصار هو التطبيق العملي للشريعة الإسلامية في مجال معاملات البنوك. س: فضيلةَ الدكتور: يُتّهَمُ الاقتصاد الإسلامي بالجمود والعجز عن مواكبة التطور الاقتصادي العالمي فضلاً عن منافسته: فكيف يمكن تفنيد هذا الادعاء بشكل موجز؟ ج: هذا يدل على جهل من يزعم ذلك؛ لأنه لا يعرف الاقتصاد الإسلامي؛ وهذا ما أشرت إليه من قبل في المحاضرة التي ألقيتها بكندا؛ إذ بينت ماذا خسر العالم نتيجةً لعدم تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي؛ ومن غير المسلمين من بدأ يشعر بهذه الخسارة؛ وأذكر على سبيل المثال أن مديراً لبنك ربوي في (فرانكفورت) هو مستر (بتمن) كتب بحثاً رُشّح بسببه لنيل جائزة (نوبل) والبحث عنوانه: (كارثة الفوائد) بيّن فيه أن العالم مقبل على كارثة، فما الحل عند (بتمن) مدير هذا البنك؟ قال: الحل هو الآتي: عندنا رأس المال، والإنتاج، لا نحدد فائدة مقدماً، وما دام لا يجوز لنا أن نحدد فائدة أولاً، فماذا نفعل إذن؟ قال: المال هنا يشارك في الإنتاج؛ وعليه فإن الفائدة تحدد تبعاً للمشاركة في الإنتاج وزيادته، فإن زاد الإنتاج بمقدار ٢٠% فإن رأس المال يأخذ نصيبه من الزيادة، وبذلك يرجع ربح رأس المال للإنتاج؛ بحيث أن الفوائد لا تحدد سلفاً وإنما يكون مقدارها تبعاً للإنتاج الفعلي، فإذا زاد الإنتاج زاد نصيب رأس المال بسبب زيادة الإنتاج؛ هذا هو الحل عند (بتمن) الذي التقى به أحد الإخوة الدارسين للاقتصاد الإسلامي يرحمه الله وقال له: هذه النظرية ليست جديدة عندنا! قال: عندكم! أين؟ قال: عندنا نظام يسمى: المضاربة أو القِراض. وشرح له النظام الإسلامي فقال: أمّا الإسلام فلا نريد الإسلام! ! في كتاب (الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة) عندما ذكرت ملخصاً لهذا الكتاب، وبينت كارثة الفائدة الربوبية عقّبت عليه بعنوان آخر هو: (كارثة أكبر) الكارثة الأكبر أن شيخاً يقول: تحديد الفائدة واجب، واجب، واجب، قلت سبحان الله! من الذي فهم الإسلام: الخواجة (بتمن) أم الشيخ فلان؟ س: فضيلة الدكتور: ظهرت كتابات في بعض الصحف والمجلات، ومن بعض الكتّاب تتهم الرقابة الشرعية على البنوك الإسلامية بالانهزام أمام الإغراءات المالية، ومن ثَمّ الوقوع في تسويغ المخالفات الشرعية وتمريرها: فهل لكم أن تفيدونا عن الكيفية التي تقوم بها الرقابة الشرعية في سير المعاملات المصرفية؟ ج: الرقابة الشرعية في البنوك ليست سواء، فهناك هيئات رقابية شرعية تعمل بلا مقابل، وهي تشترط هذا، وهناك رقابة آراؤها ملزِمة للبنك كي لا يمكن للبنك أن يخالفها، وهناك رقابة شرعية تستشار فيما يعرض عليها. إذن الذي لم يُعرَض لم تستشر فيه، ثم حتى الذي عرض كان لمجرد الحصول على رأي استشاري؛ لكن البنوك جميعها تذكر هيئة الرقابة الشرعية! ! وهناك حالات لاستغلال أسماء هيئة الرقابة الشرعية (من بعض البنوك الربوية) . وتساهل بعض هيئات الرقابة الشرعية، وعدم علم بعضها، كل هذا أساء بلا شك؛ ولكن يبقى أن هناك هيئات للرقابة الشرعية تقوم بواجبها، وآراؤها ملزمة للبنوك الإسلامية، فعندما تقرر أنها راجعت أعمال البنك، وأنها متفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية عند ذلك تكون قراراتها وشهاداتها صحيحة. س: بالتأكيد أنّ بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية حالات من التعامل الاقتصادي تمليها حركة التجارة على المستوى الدولي والوطني: فكيف يمكن تحقيق الضوابط الشرعية بين مؤسستين كل منهما تنطلق من أسس متباينة؟ ج: البنوك الإسلامية تتعامل مع البنوك الربوية وهذا صحيح، وهذا مؤكد؛ وأي بنك إسلامي لا يتعامل مع البنوك الربوية لا بد أن يغلق أبوابه! ! لماذا؟ لأنه إذا أراد أن يفتح اعتماداً مستندياً لاستيراد سلعة من إنجلترا مثلاً فلا بد أن يكون له بنك مراسل في إنجلترا؛ وهذا البنك المراسل هو الذي يأخذ هذا الاعتماد فيتصل بالشركة المصدرة ويطلب منها التصدير ويتعهد لها بدفع الفوائد. والشركة لا تقبل أن يتعامل معها بنك إسلامي في دولة غير إنجلترا؛ إذن التعامل مع البنوك الربوية أمر لا بد منه إلى أن يأذن الله تعالى بتطبيق الإسلام في كل بلاد العالم، ولا بد أن يطبق إن شاء الله، وإلى أن يتم هذا فلا بد من التعامل مع البنوك الربوية. نعم إن المنهج مختلف، ولكن البنك الربوي يتعامل مع البنك الإسلامي على أنه وكيل بأجر، أو يتعامل مع البنك الإسلامي بأداء عمل معين بطريقة إسلامية ويأخذ أيضاً مقابلاً لهذا العمل. أما البنك الإسلامي فهو لا يتعامل مع البنك الربوي على أساس ودائع لأجل، بفوائد ربوية؛ لأن المنهج المتبع في البنك الإسلامي مختلف؛ إذ إنّ العمل متفق مع أحكام الشريعة الإسلامية. س: هناك من يقول إن البنوك الإسلامية أكثر تعرضاً لمخاطر الاستثمار من غيرها: فإلى أي حد تظن هذا القول مقبولاً؟ ج: البنوك الإسلامية ليست أكثر تعرضاً للمخاطر من غيرها؛ لأن البنوك الربوية أصلاً لا تستثمر، البنوك الإسلامية تتعرض لمخاطر الاستثمار، والبنوك الأخرى تتعرض لمخاطر الديون، فإن مئات البنوك الربوية أفلست؛ وبفضل الله تعالى لم يفلس أي بنك إسلامي، نعم هناك بنوك إسلامية تعرضت للإفلاس، لكنها بفضل الله تعالى قامت، إلا أن التعرض للمخاطر أمر قائم ولكنه لا يقارن بما تتعرض له البنوك الربوية، وهذا من طبيعة الاستثمار الإسلامي. س: يعاني العالم الإسلامي من التبعية الاقتصادية والديون المرهقة: فما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به البنوك الإسلامية لإزالة هذه التبعية وتحرير العالم الإسلامي من ديونه؟ ج: التبعية الاقتصادية، والتبعية السياسية، والتبعية الإعلامية، هذه التبعيات لا يمكن لدولة إسلامية أو جهة إسلامية أن تزيلها، وإنما سيكون هذا إن شاء الله تعالى يوماً ما، وقد بُشّرنا بهذا بطرق شتى، أما الآن فالتبعية قائمة، ودور البنوك الإسلامية يمكن أن يكون مخففاً من هذه التبعية، والأمر يتعلق برغبة الدول الإسلامية في عدم التبعية، وتطبيق الشرعية الإسلامية، ومتى رغبت يمكن ذلك. س: فوائد البنوك الربوية نراها تعود من جديد للإثارة بعد أن حسمها الشرع بالتحريم وأجمعت على ذلك المجامع الفقهية: فما هي الدوافع السياسية والاقتصادية الكامنة في نظركم وراء هذه الإثارة؟ ج: الإثارة كانت نتيجة للآتي: بعد نشأة البنوك الإسلامية ووجود شركات استثمار إسلامية بدأ الجهاز المصرفي في بعض البلاد يهتم بهذه الظاهرة، وكذلك من الناحية السياسية؛ فبعض الدول التي تدعي أنها إسلامية مصارفها ربوية فكيف يكون ذلك؟ إن هناك دوافع اقتصادية لحماية الجهاز المصرفي للدولة، ودوافع سياسية لإظهار الدولة بأنها مسلمة، أما من الناحية الاقتصادية العملية فإن البنوك الإسلامية بدت قادرة على أن تقوم بالأعمال المصرفية والخدمات التي تقوم بها البنوك الربوية بدون ربا، وأثبتت في هذا أنها تستطيع أن تشارك في تنمية المجتمع ونهضته اقتصادياً؛ لأنها تقوم بالمشاركة الفعلية في الإنتاج. والأمر محسومٌ قبل أن تنشأ البنوك الإسلامية، ففي المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية الذي شارك فيه كبار العلماء من ٣٥ دولة إسلامية في القاهرة صدر قرار بالإجماع أن الفوائد المصرفية هي من الربا المقطوع بتحريمه بنص الكتاب والسنة، أي إنه ليس مسألة اجتهادية، ثم إنّ مجمع الفقه ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، حذرا من تفشي المصارف الربوية ودعَوَا إلى تأييد البنوك الإسلامية، فكان لا بد من مخرج لحماية النظام المصرفي الربوي، ولدعم الدول التي تدعي أنها تطبق النظام الاقتصادي الإسلامي، وكان المخرج هو الفتوى بأن البنوك في جميع بقاع الأرض تستثمر بالطرق التي أحلها الله! ! س: من شُبَهِ الذين يقولون بإباحة الفوائد الربوية أن المودع ليس مقرضاً ولا يخطر ذلك بباله، وأن البنك ليس مقترضاً، ومن ثم فإن ما يعود عليه من البنك ليس من ربا النسيئة، فكيف يمكن الرد على هذه الشبهة مع بيان شيء من أوجه الشبه بين ربا هذه البنوك وربا الجاهلية؟ ج: التعامل مع البنوك يحكمه القانون الوضعي، ولذلك فإن القانون ينص على أن ودائع البنوك تعتبر قرضاً، وأن البنك ملتزم بأداء هذا القرض والفائدة، فإن القانون الوضعي ينص على هذا، أما كونه يخطر بباله أو لم يخطر بباله فإن هذا لا يؤثر في العقد. أما أوجه الشبه بين هذه وربا الجاهلية، فالواقع أن ربا الجاهلية مظلوم بالمقارنة مع ربا المصارف في أيامنا هذه؛ ولذلك بينت في أكثر من كتاب من كتبي أن فوائد البنوك أسوأ من ربا الجاهلية من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: ربا الجاهلية كان من الدنانير الذهبية، أو من الدراهم الفضية، فهي فعلياً سلعة، أماربا البنوك فمنه ما هو نقود حقيقة، ومنه ما هو نقود اختلاقاً، وهي بهذا نقود مصرفية لا وجود لها. الوجه الثاني: ربا الجاهلية كان لتجار دوليين يقترضون لتوسيع تجارتهم إلى الشام، واليمن، ولذلك كان المقترض تاجراً دولياً كبيراً، والمقرض قد يكون غنياً، وقد يكون فقيراً لا يملك إلا مئة درهم أقرضها بفائدة. الوجه الثالث: في الجاهلية كانت الفائدة تُدفع بعد الاستثمار، أما في ربا الجاهلية المعاصرة فالفائدة تحسب وتحسم أولاً، ولذلك فالفائدة التي تؤخذ في الودائع هي أكثر مما يذكر. س: تُطرح قضية (الموركج) كضرورة حيث يضطر الفرد المسلم في بلاد الغرب إلى اللجوء إليها لحل مشكلات السكن: فكيف ترون شرعية هذا الاضطرار؟ ج: هذا الموضوع عرض على مجمع علوم الفقه والبحوث الإسلامية، والسؤال جاءه من معهد الفكر الإسلامي بواشنطن. الضرورة تبيح المحظورات، ولكن الضرورة تقدر بقدرها، المسلم في حاجة إلى السكن، ولكن ليس من الضرورة أن يمتلك، فإذا وجد مسكناً بالإيجار فلا يجوز له أن يقترض بالربا لشراء مسكن؛ ومن هنا انتهى المجمع إلى عدم جواز الاقتراض من البنوك الربوية لشراء المسكن ما دام المسلم يجد مسكناً ولو بالإيجار. س: يلاحظ أن بعض البنوك لجأت في الآونة الأخيرة إلى تخصيص جناح للاستثمار الإسلامي فيها، جذباً لمال المستثمر المسلم: فما هو الموقف الشرعي المطلوب سلوكه معها؟ ج: نعم هذا ملاحظ، إنما أكثر من هذا، أن (سيتي بنك) وهو بنك في البحرين قد خصص فرعاً كاملاً وليس جزءاً منه للاستثمار الإسلامي، وهذه البنوك بالطبع، لم تفعل هذا حباً في الإسلام، أو رغبة في خدمة المسلم؛ وإنما لأنها أحست بأن الأموال تذهب إلى بنوك إسلامية، فلا بد أن تشارك في الاستفادة قبل أن تذهب الأموال منها؛ فقد أحست بهذا الخطر في أول نشأة اللواء الإسلامي، ثم بنك التنمية الإسلامي؛ إذ لاحظوا الإقبال الشديد؛ ومعنى هذا أن الأموال بدأت تُسحب من البنوك الربوية لتودع في بنوك إسلامية؛ فلا بد من التفكير في حل؛ فالهدف هنا ليس إسلامياً؛ لكن التطبيق هل هو إسلامي أم غير إسلامي؟ قد يكون إسلامياً، وقد يكون شعاراً مزيفاً، فعلى من يتعامل مع هذه البنوك أن يتأكد من سلامة التطبيق وأنه متفقٌ مع أحكام الشريعة الإسلامية. س: العالم الإسلامي غني بموارده الطبيعية: فكيف تنظرون إلى الصورة التي يتم بها استغلال هذه الموارد؟ وكيف ترون التعامل الاقتصادي بين دوله؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به البنوك الإسلامية لإيجاد حالة من التعاون الاقتصادي بين دول العالم الإسلامي؟ ج: هذا سؤال مثير للألم، فالدول الإسلامية عندها من الموارد ما يتيح لها الاكتفاء الذاتي وزيادة، بل إن أرض (العراق) كانت تغذي الدولة الإسلامية، وفي أيام سيدنا (يوسف) ﵇ كانت (مصر) تطعم من حولها، وأرض (السودان) يمكن أن تفي بحاجة كل البلاد العربية، ومع ذلك فإن كل البلاد تقريباً تستورد الطعام، ولا تملك طعامها ولا سلاحها، فهل هذه الدول عاجزة عن أن تستغل كل مواردها؟ هناك أشياء سياسية قد لا نستطيع الخوض فيها، ومن ذلك أنّ دولاً تُلزَم بألا تستغل أراضيها في الزراعة لتبقى مستوردة! لماذا؟ وهناك دول أخرى أرضها تكفي ليس لها فقط بل ولغيرها، ولكنها تستورد؛ كيلا يتوقف إنتاج القمح الأمريكي! إذن هناك مسائل سياسية، أو ضغوط على هذه الدولة وخضوع لغيرها. س: أنشئت بنوك إسلامية في بعض الدول الغربية ثم أغلق بعضها: فما السبب في نظركم؟ ج: السبب هو أن دولاً لا تريد الإسلام، أو أي شيء يتصل بالإسلام، وهذا واضح هنا في إنجلترا؛ فإن بنك البركة عندما أراد أن يفتح فرعاً له وضعوا أمامه شروطاً شديدة التعقيد، ونفذت كل شروطهم، وفي النهاية أغلق؛ لأن كل هذه الشروط تعجيزية، وما داموا يعجزون إذن يغلق، ولكنهم كانوا يريدون للإغلاق أن يكون بسبب العجز لا بقرار منهم، على أن هناك دولاً غير إسلامية بها بنوك إسلامية تزاول نشاطها ولا تتعرض لأي مضايقات مثل بنك التقوى في سويسرا؛ فإنه من أحسن البنوك الإسلامية إن لم يكن أحسنها على الإطلاق، وهو مقيد في جزر البهاما من أجل الضرائب ولكن نشاطه في سويسرا. س: تثار بعض الشبهات من بعض الناس حول المرابحة، فهل بالإمكان توضيح صورة المرابحة كما تجريها البنوك الإسلامية؟ ج: المرابحة كما تجريها البنوك الإسلامية لها جانب نظري، وجانب عملي. الجانب النظري أقره مجمع الفقه الإسلامي، وسبق من قبل أربعة عشر سنة أن قُرر هذا في المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية، أن بيع المرابحة يكون كما يلي: المصرف الإسلامي يبيع بعد أن يشتري السلعة ويتملكها ويمولها، ويقع عليه تبعات الإهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعد التسليم؛ هذه هي الشروط التي وضعها المؤتمر للمصارف الإسلامية، ثم بحثها مجمع الفقه الإسلامي وانتهى أيضاً إلى هذا القرار، وبُحث أيضاً في مؤتمرات عدة وانتهت إلى هذا القرار أيضاً، وبهذه الطريقة يكون بيع المرابحة بيعاً إسلامياً ١٠٠%. التطبيق العملي هذا يدعونا إلى أن ننظر إلى تطبيق كل بنك على حدة، أو كل شركة على حدة؛ فإن باع قبل أن يملك فالبيع باطل، وإن باع بفائدة قبل أن يملك فهو ربا. س: ختاماً: نسأل فضيلتكم هذا السؤال: إنشاء السوق الإسلامية المشتركة أمنية يحلم بها كل مسلم! فما هي الشروط اللازمة التي ترونها ضرورة لإنشاء مثل هذه السوق؟ ج: عندما تنشأ إن شاء الله سوف نتحدث عنها، فالمسألة ليست مسألة السوق الإسلامية المشتركة؛ بل الأمر يتعلق بالإسلام: فهل هناك اتجاه لتطبيق الإسلام، وهل هناك اتجاه لتعاون الدول الإسلامية، وهل نحن فعلاً جادون في إنشاء السوق الإسلامية المشتركة؟ من الناحية النظرية هذا ممكن، أما من الناحية العملية فلا ندري! ! وللأسف الشديد فإن السوق الأوروبية المشتركة، لا يجمع بين دولها شيء إلا المصلحة الاقتصادية، لا يجمعها دين، ولا لغة، ولا تاريخ، ولا أي شيء، ومع ذلك تنشئ سوقاً أوروبية مشتركة، أما الدول الإسلامية بتاريخها المشترك، ودينها العظيم، وعاداتها وتقاليدها ولغاتها في أكثر الدول مع ذلك كله لا تنشئ سوقاً إسلامية. إن الأمر يتعلق بتطبيق الإسلام أساساً، وبعدم تبعية الدول الإسلامية، فهل يُسمح للدول الإسلامية بعدم التبعية حتى لو أرادت؟

стр. 2803

نص شعري رسالة إلى مجلس الأمن ! ! جمال الحوشبي دَعْ عنك إن رُمتَ الشّرفْ ... دوراً لعبت بلا نَصَفْ [١] دع عنكَ إصدارَ الموا ... ثيقِ الكريهةِ كالجيفْ يا مجلساً قد خانَ حملَ ... عهودِ ميثتاق الشّرفْ كم تجمعُ الأطنانَ كي ... تُهدي البُغاةَ بلا كلفْ وتضِنّ بالنّزرِ القليلِ ... لمن يعاركه الأسفْ كم ذاقَ غدرَك مسلمٌ ... يلقى المذَلّةَ والشظفْ [٢] في البُسْنة الثكلى هنا ... كَ دماءُ شعبِ لم تَجِفْ وعلى ثرى الشيشانِ من ... كَ مواقفُ الغدرِ الدّنِفْ كشميرُ أنت عدوّها ... والدمعُ فيها لم يكِفْ في دولةِ الغصبِ التي ... تلقى المعَزّة والكَلَفْ [٣] آثارُ غدرِك كلّما ... هَدَرَ المُعربدُ أو عَصَفْ تنسى الدماءَ بأرضنا ... وبغيرها تبكي النّطَفْ كم من سياطِ الغدرِ في ... قاعاتِ خوفِك والحَسَفْ [٤] وبَدوْتَ مِنْ إثر المهانةِ ... تحتَ أقدامِ السّخَفْ يا مجلسَ الخوفِ الذي ... من جُرحِ أمّتِنا ارتَشَفْ دعْ عنكَ نظْم القولِ يا ... مَن حِبرُ مكرك لم يجفْ يا من يرومُ عداءَنا ... إنّا وربِك لم نَخَفْ لسنا الأذلاءَ الذي ... ن لهمْ عنِ العليا جَنَفْ [٥] لسنا كمن تُلْقي لهمْ ... في الجَهْرِ أطنانَ (العَلَفْ) فلنا على دربِ الكرامةِ ... من أرُومَتها [٦] سَلَفْ كم في جهود الأمن مِنْ ... خوفٍ على أهلِ الشَرَفْ فاسند حِياضَ الظلم في ... عصرِ التخاذلِ والتلف وامكُرْ فمكرُ الله كم ... أودى بمِثلِكَ في سَلَفْ

стр. 2804

الآمال القادمة عبد الله بن صالح الوشمي مثْلما يعشقُ المُجِدّ أَمَامَهْ ... ويناغي في رِقةٍ أَحْلامَهْ أعشق النفسَ حُرّةً تَتَلظّى ... وتبادي الظّلامَ بالابتسامهْ أعشق الخطّ بالدِّماءِ حُروفاً، ... كُلّ حبرٍ عدا الدِّماءِ جَهَامهْ [١] مثلما يسكب المحبّ دموعاً ... حامياتٍ، ونفسُه مستهامهْ أسكب الحزن، والدموع يتامى ... وبساح الردى نصبتُ خيامهْ من دمائي أخذتُ كلّ حروفي ... سوف تغدو للنصر أيّ عَلامهْ لا تلوموا (العرين) قد صار قفراً ... من سلاح، وكبّلوا ضرغامهْ غادر البيت، والعظام بقايا ... من صمود: إلى اللقا يا (أُمَامَهْ) يا لَحزني؛ والشيخ ضلّت خطاه ... قد مضى! هل ترون إلاّ عظامهْ شَيبَةٌ تُستباح من غير جُرْمٍ ... فعلامَ يذل؟ قولوا! علامهْ وتراهم يبغون منّا سلاماً ... وخنوعاً، كما تكون الحَمَامهْ ليت شعري تساؤلٌ مستميتٌ: ... أين سعدٌ؟ وأين منّا أسامهْ؟ يا لقبح الحياة إنْ جرّدتنا ... من جهادٍ ويا لها منْ سآمهْ أمتي إنّ في جهادك صوتاً ... عبقريّاً، وهاكِ وسَامهْ ودماء الشهيد فينا تروِّي ... شجرَ الحزن، والثمارُ شهامهْ نرقب البرق في السماء فنخفي ... فرحة؛ إنّ هذه لعلامهْ سوف تهمي الغيوث في كل صقعٍ ... سوف يجلو الضياء كل قتامهْ ونرى نجمنا وقد عاد بدراً ... ونرى الكون ناشراً أنغامهْ مُسْلمٌ يلبسُ الطموحَ رداءً ... أو تدق الحياةَ كفّ قيامهْ

стр. 2805

المسلمون والعالم حِلم العرب ... وأحلام اليهود (١من٢) إسر ائيل الكبرى.. هل انتهى الحُلم..؟ عبد العزيز كامل من الأمور التي تصدم النفوس ... وتستفز المشاعر ... بل وتثير الغيظ والغضب والسخرية معاً ... إننا عندما نستعرض بالذاكرة خريطة أحداث ما يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) .. نجد أن كل ما حققه اليهود من علو في الأرض وغلو في الإفساد.. كان مجرد أحلام تداعب خيالات أجيالهم السابقة، ومجرد رؤى دينية أو تاريخية تنسجها مصادرهم العتيقة، ثم طفقت هذه الأحلام تتحقق.. وراحت تلك الرؤى تتحول إلى واقع معاش، يذوقون حلاوته ونكابد مرارته! * قرن واحد من الزمان ... حشدت فيه أحلام مئات القرون على بوابة التحقيق والتطبيق..! * لقد كان بروز قيادة منهم قادرة على التنظير والتخطيط للمستقبل، في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد.. حلماً فتحقق! * وكان اتحاد جماعاتهم الخمسين المتفرقة على يد ذلك القائد حلماً ... فتحقق! * ثم كان قدومهم من أطراف الدنيا إلى الأرض المقدسة لضمان موطئ قدم فيها بعد أن كانت شبه خالية منهم عبر ألفي عام.. كان هذا حلماً.. فتحقق! * وكان قيام قوة عظمى بإعطائهم وعداً بوطن قومي في تلك الأرض، مع تهيئتها لهم وحمايتهم فيها حلماً.. فتحقق! * وكان إسقاط دولة الخلافة العثمانية المتصدية لمشروعهم حلماً فتحقق! * وتحويل مشروعهم بعد ذلك إلى دولة بشكل رسمي وبعد خمسين عاماً فقط من التخطيط لإنشائها.. كان حلماً فتحقق! * الانتقال إلى أحضان قوة أعظم والتفرد بموالاتها ورعايتها كان حلماً فتحقق! * تثبيت هذه الدولة المسخ لوجودها بانتصارها على مجموع جيوش أعدائها تحقق! * استيلاؤها على أراض أخرى وعلى رأسها القدس ... أمر قد تحقق! * عودتهم إلى أرض التيه والتوراة في سيناء، ثم تركهم لها منزوعة السلاح، لتظل مهددة بالاحتلال مرة أخرى.. كان حلماً فتحقق! * امتلاكهم ثم احتكارهم للقوة النووية في المنطقة ... كان حلماً.. فتحقق! * وكان إخراج أكبر دولة عربية من ساحة الصراع، وإلجاؤها إلى التخلي عن المواجهة في أوجها.. كان هذا حلماً فتحقق! * استكمال استدراج أكثر الدول الأخرى إلى ذلك المستنقع وإقناعها بأن العدو صار صديقاً ... كان حلماً فتحقق! * تحويل حروبها إلى جيرانها، وصراعاتها بين شعوبها.. أحلام بدأت تتحقق! * إسقاط آخر حصن في المواجهة (الرسمية) بتدجين منظمة التحرير الفلسطينية كان حلماً.. فتحقق! * إقناع تلك المنظمة بالانتقال من دور المقاومة لإسرائيل إلى المقاومة لأعداء إسرائيل.. كان حلماً فتحقق! وهكذا.... لماذا تؤول أحلام اليهود إلى الحقيقة، في حين أن أحلام العرب في الصراع لا تجاوز المجاز، ولا تخرج من فلك الألغاز؟ ! أحلام اليهود تتحقق؛ لأنهم عقدوا مع عقيدتهم الباطلة صلحاً، واستمدوا من شريعتهم المحرفة مشروعاً عملياً وبرنامجاً تنفيذياً ... وصادف هذا من بني جلدتنا اصطناعاً للعُقد مع العقيدة والإيمان، وشروعاً في إقصاء وإلغاء شريعة الإسلام..! فهل يقال بعد ذلك إن قوماً يحاربون بلا عقيدة يمكن أن يصمدوا أمام قوم يحاربون بعقيدة.. ولو كانت باطلة؟ ! ! إن هذه جريمة من أرادوا عن قصد وعمد تجريد الصراع مع اليهود من العقيدة. أحلام أخرى: هل انتهت أحلام اليهود عند الحد الذي ذكرناه؟ أم أن في جعبتهم مزيداً؟ .. إننا لا زلنا نسمع منهم ونرى فيهم ونقرأ عنهم روايات وطروحات وتنبؤات عن أحلام أخرى تسير على درب التنفيذ، ويمكن للمتابع أن يرصدها بسهولة، وعلى رأس تلك الأحلام التي لم يحققوها بعدُ: استكمال خريطة (إسرائيل الكبرى) فتلك إحدى أحلامهم الكبار التي حدثتهم بها كتبهم، ومنّاهم بها حاخاماتهم ... وخططت من أجلها زعاماتهم.. وتهيئ الأوضاع لتنفيذها حاميتهم ومدللتهم دولة الكبر والغرور.. الولايات المتحدة الأمريكية. هناك لا شك أحلام أخرى لها تعلق بذلك الحلم الكبير، مثل سعيهم لهدم المسجد الأقصى، واستعداداتهم لبناء هيكل سليمان مكانه، وذبح البقرة العاشرة على أعتابه، والتهيؤ بعد ذلك لاستقبال المخلّص المنتظر.. كلها أحلام بدأت تنتعش بقوة في السنوات والآونة الأخيرة [١] ! ولكن نتناول اليوم في هذا المقال حلمهم الخطير، الذي نغفل كثيراً أو نتغافل عنه، ونغلط كثيراً، أو نغالط فيه، وهو (حلم: إسرائيل الكبرى) . ولكي نعي أبعاد وخلفيات الحديث عن (إسرائيل الكبرى) لا بد لنا من استحضار حقائق دينية وتاريخية عن تلك البقعة وما حولها من الأراضي التي أرادوا التعمية على ما يراد لها عندما أطلقوا عليها تسمية: (الشرق الأوسط) ! فصارت في العالمين معضلة ومشكلة تستعصي على الحلول؛ فلماذا كان ذلك؟ لأنهم أرادوا لها حلاً واحداً ... هو المستمد من توراتهم المحرّفة.. ولهذا استمرت وستستمر (أزمة) الشرق الأوسط! حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. إن مما اختاره الله تعالى من الأرض بقعتين جعلهما مقدستين، وهما متجاورتان، وجعل لكل منهما خصوصية، ولكل منهما فضائل؛ فاختار أرض الشام، واختار أرض الجزيرة العربية [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ] [القصص: ٦٨] وفي قدسية أجزاء كل من الأرضين مراتب ودرجات، فإذا تخيلناهما دائرتين كبيرتين، فإن داخل كل دائرة منهما دوائر أصغر ولكنها أقدس، فالجزيرة العربية دائرة كبيرة من الأرض اختارها الله تعالى وخصها بفضائل فهي وطن الإسلام كما وصفها الشيخ رشيد رضا ويدل على خصوصيتها في ديننا أن الله تعالى اختارها مهداً لدعوة أفضل الأنبياء، ومهبطاً لأفضل الملائكة، وداراً لخير أجيال البشر بعد الأنبياء وهم الصحابة رضوان الله عليهم ويدل على خصوصيتها أيضاً أن الله تعالى أرادها خالصة بعد بعثة الرسول لله للتوحيد كما صح بذلك الحديث: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) [٢] ولهذا كان جهاد الرسول لله كله تقريباً لتخليصها من الوثنية الجاهلية، وقد أمر بتطهيرها من الشركيات والكفريات اليهودية والنصرانية، فقال لله: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً) [٣] . فجزيرة العرب دائرة كبرى، وداخلها دائرة أصغر، وهي أخص في الفضل وهي أرض الحجاز المشتملة على أرضَيِ الحرمين الشريفين، ومن فضلهما أنهما مأوى أهل الإيمان كلما اشتدت الفتن وتقارب الزمان قال لله: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) [٤] . وداخل أرض الحجاز دائرتان إحداهما المدينة، وهي حرم بحدودها فيما بين الحرتين، وداخل المدينة دائرة أصغر وأقدس، وهي أرض الحرم النبوي الشريف الذي تُضاعَف فيه الصلاة ويُؤم بالزيارة، وفيه يرقد خير من واراه الثرى لله. وداخل الحرم النبوي بقعة أصغر وأقدس وهي الروضة النبوية الشريفة التي قال عنها لله: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) [٥] . أما الدائرة الأخرى داخل أرض الحجاز فهي مكة المكرمة بحدودها المعروفة، وهي أحب البلاد إلى الله، وداخلها دائرة أصغر وهي (بكة) أي الأرض المحيطة بالكعبة، أرض الحرم التي قال الله تعالى فيها: [إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] [آل عمران: ٩٦] وداخل (بكة) دائرة أصغر وأقدس وهي الساحة المحيطة بالكعبة والمشتملة على مقام إبراهيم وحِجْر إسماعيل وبئر زمزم.. وفضائلها معروفة، وداخل تلك الدائرة دائرة أصغر ولكنها أقدس وهي الكعبة نفسها التي نقصدها في صلاتنا ودعائنا ومناسكنا، وأقدس ما فيها الحجر الأسود الذي نتقرب إلى الله بتقبيله واستلامه. ونأتي إلى الدائرة الكبرى الأخرى، وهي أرض الشام؛ إذ إننا نجد أن لها خصوصية وفضلاً بكمالها، فهي الأرض الموصوفة بالقدسية والبركة في كثير من آيات القرآن؛ قال تعالى عن إبراهيم ﵇: [وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] [الأنبياء: ٧١] وقال عن موسى ﵇: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ] [المائدة: ٢١] [وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا] [الأعراف: ١٣٧] وقال عن سليمان: [وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا] [الأنبياء: ٨١] وداخل تلك الدائرة الكبيرة دائرتان: إحداهما سيناء، التي نزل فيها الوحي على موسى لله فأنزل عليه الشريعة، وأجرى على يديه المعجزات الكثيرة، تلك الأرض التي أقسم الله تعالى بها في قوله: [وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ] [التين: ١-٣] وداخلها دائرة أصغر وأقدس، وهي منطقة الطور، التي كلم الله تعالى موسى عند جبلها: [وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ] [الأعراف: ١٤٣] والدائرة الأخرى هي بيت المقدس التي اتخذها سليمان لله عاصمة لمملكته، وداخلها دائرة أصغر وهي المنطقة الواقعة داخل أسوار الأقصى، وهي التي أُسري بالرسول لله إليها ورَبَط البراق في سورها، وداخلها دائرة أصغر، وهي المنطقة التي عُرج بالنبي لله منها إلى السماء، وهي تستمد خصوصيتها من كونها الأرض التي يُعرج منها إلى السماء، وهي الصخرة المشرفة، ولها فضل بلا شك في تاريخ الأنبياء ولكن ليس في شريعتنا عبادة متعلقة بها. قد يقول قائل: ما علاقة هذا الكلام الأشبه بأبواب الفضائل، في موضوع سياسي يتناول السياسات اليهودية والعربية وربما العالمية المستقبلية؟ ! والجواب: أن هذا الكلام يتعلق بصلب الصراع ولبابه، ويمثل الخلفية الأصلية لفصوله وأبوابه؛ ذلك أن ما نقدسه نحن المسلمين في جزيرة العرب وحجازها ومسجديها ... يقدس اليهود مثله بتدرج قريب في بلاد الشام، فهم يشاركوننا في النظر إلى تلك الأرض وما فيها بعين التقديس والتكريم، غير أن منطلقاتهم غير منطلقاتنا، وتصوراتهم غير تصوراتنا، ومصادرهم غير مصادرنا؛ لأن عقائدهم غير عقائدنا. ولكن.. لا ينبغي أن ننسى أن اليهود أمة لها دين، وأن لها استمراراً في التاريخ بهذا الدين حتى آخر الزمان، فارتباط اليهود بديانتهم اليهودية مع تحريفها، وكذلك ارتباط النصارى بالديانة النصرانية، سيظل مقترناً ومتوازياً من الناحية الزمانية، مع ارتباط الأمة المسلمة بدين الإسلام القويم، لهذا كان الصراع فيما مضى دينياً عقائدياً، وسيستمر دينياً وعقائدياً؛ لأنهم سيظلون على دينهم وسنظل على ديننا، ولهذا أمرنا الله تعالى باستشعار هذا المعنى في كل صلاة فريضة أو نافلة، لنجدد البراءة منهم ومن أديانهم الباطلة، ونجدد المفاصلة العقائدية بيننا وبينهم، فنتلو في كل صلاة قول الله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] ٦ [صِرَاطَ الَّذِينَ أََنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ] [الفاتحة: ٦-٧] فالمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى؛ كما صح بذلك الحديث، وعلى هذا نجزم أن العلمانية عند اليهود وعند النصارى ظاهرة طارئة وجزئية وعارضة، وهي في طريقها إلى الأفول ليحل الدين مكانها ... تماماً كما يظهر الآن أن العلمانية في بلاد المسلمين ليست إلا ظاهرة طارئة وجزئية وعارضة، وهي أيضاً في طريقها إلى الاختفاء والأفول.. وعندها سيتجرد الصراع بشكله العقائدي، بين حق واضح يمثله المسلمون، وباطل صُراح يمثله اليهود والنصارى. لهذا أقول: لا ينبغي أن ننظر إلى الأمر نظرة جزئية؛ فالأرض بأكملها مقدسة عند اليهود، وهم يتحركون وفق تصور مسبق، وعقيدة واضحة في اعتبار تلك الأرض بكمالها ملكاً خاصاً بهم، كانوا قد أخرجوا منها، ثم عادوا إلى أجزاء منها، ولا يمكن أن يضيّعوا فرصة تمكّنهم من استكمال استرجاع بقية أجزائها، إنها أرض (إسرائيل الكبرى) التي تمثل الدائرة الكبرى التي أشرنا إليها. ولكن ما هي أبعاد تلك الدائرة الكبرى ... أهي بيت المقدس فقط ... أم هي أرض فلسطين فحسب؟ ... الجواب: لا هذه ولا تلك ... إنها شيء آخر أكبر عندهم بكثير مما نظن؛ فبهذا تحدثهم توراتهم وتلمودهم، ويحدد حاخاماتهم، ويخطط ساستهم، وينفذ جنودهم ... وبمثل هذا تتحول الأحلام عندهم إلى حقائق! إنهم ينسبون إلى التوراة المنزلة على موسى ﵇ هذا النص الموجه إلى إبراهيم ﵇ عندما قرر اعتزال أبيه وقومه: [اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك..] [٦] أما حدود هذه الأرض وفق توراتهم وكذلك وفق عقيدتهم فتدل عليها تلك النصوص: [وظهر الرب لأبرام] ٧ [، وقال: لنسلِكَ أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحاً للرب..] [٨] [.. في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلِكَ أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات] [٩] . وأما عن قيمه تلك الأرض وواجب اليهود تجاهها فذلك يحدده التلمود، الذي يفسرون به التوراة: [واجب كل يهودي أن يعيش في أرض إسرائيل، وهذا الواجب يعلو على أي التزام آخر] .. [أرض إسرائيل طاهرة، لا بد من دفن المتقين من بني إسرائيل فيها، وإن لم يتيسر ذلك يوضع مع الكفن شيء من التراب المجلوب منها] [.. الذي يتمشى أربعة أذرع في أرض إسرائيل على يقين أنه من أبناء الآخرة] [١٠] . وتفصل المصادر التفسيرية الحديثة أيضاً الكلام عن هذه النصوص التوراتية، يقول الدكتور بوست في قاموس (الكتاب المقدس) : (الأرض الموعود بها إبراهيم الموصوفة في كتابات موسى تمتد من جبل هور إلى مدخل حماة، ومن نهر مصر العريش إلى النهر الكبير نهر الفرات، وأكثر هذه الأراضي كانت تحت سلطة سليمان، فكان التخم الشمالي حينئذ سورية، والشرقي الفرات وبرية سورية، والجنوبي برية التيه وأدوم في سيناء، والغربي البحر المتوسط) [١١] . هذا من ناحية التنظير الاعتقادي والفكري، أما من حيث التنظيم العملي والحركي، فقد تلقّف رواد الحركة الصهيوينية الحديثة هذه المفاهيم، وكان على رأسهم الصحفي النمسوي، (تيودور هرتزل) الذي نذر نفسه لتحويلها من أحلام وآمال، إلى حقائق وأعمال. لقد كانت (إسرائيل الكبرى) هي أولى الآمال التي داعبت خيال هرتزل، واختمرت في ذهنه منذ الصبا، فقد حكى أنه رأى في حلمه أن مسيح اليهود المنتظر يحتضنه ويطوقه بذراعيه ويقول: (من أجل هذا الصبي كنت أصلي) ثم خاطبه قائلاً: (اذهب وأعلن لليهود بأني سوف آتي عما قريب) [١٢] . وقد كان تصوره للأرض التي ينبغي تهيئتها لمقدم هذا المسيح واضحاً منذ اليوم الأول لسعيه في تأسيسها، فهو يفترض أن الانطلاق سوف يكون من أي أرض يمكن الحصول عليها في فلسطين لتكون قاعدة يبدأ التوسع منها على مراحل في الزمن المتتابع، حتى يكتمل المشروع، قال في مذكراته: (إن القاعدة يجب أن تكون في فلسطين أو بالقرب منها.. إن علينا تشييد البنيان على أساس قوميتنا اليهودية، ولذلك لا بد من حصولنا على وسائل للجذب السياسي ... إنني لا أستطيع الإفصاح أكثر من هذا) [١٣] . فالقاعدة والمنطلق إذن (أرض فلسطين) أو (إسرائيل الصغرى) ولكن هل هذا منتهى الأحلام قبل مئة عام؟ ! لا؛ فإن المساحة التي لن يرضى اليهود بأقل منها هي المساحة المعروفة عندهم بـ (مملكة داود وسليمان) ! قال هرتزل: (إن الشعار الذي يجب أن نرفعه هو فلسطين داود وسليمان) . إنها ليست فلسطين التي نعرفها بحدوها المعاصرة، إنها أرض الشام كلها وما حولها أرض الميعاد.. أو (إسرائيل الكبرى) ! يقول هرتزل في مذكراته: (المساحة ... من نهر مصر إلى نهر الفرات، نريد فترة انتقالية في ظل مؤسساتنا الخاصة، وحاكماً يهودياً خلال هذه الفترة، بعد ذلك تنشأ علاقة كالتي تقوم الآن بين مصر والسلطان، وما أن يصبح السكان اليهود في منطقة ما، ثلثي مجموع سكانها حتى تصبح الإدارة اليهودية سارية المفعول على الصعيد السياسي، بينما تعتمد الحكومة المحلية دائماً (سلطات البلدياتى) على عدد الناخبين في المنطقة أو المحلة) [١٤] أقول: لا بد لنا من استرجاع المعاني العملية لتلك الكلمات التي قيلت قبل قرن كامل في ضوء ما طرأ وما يطرأ من أوضاع وترتيبات في المنطقة.. ماذا حدث في منطقتنا بعد قرن من هذه الكلمات التي سُطّرت في وقت لم يكن لليهود أي سطوة أو سلطة على أية رقعة من فلسطين وما حولها! ما هي يا ترى المرحلة الانتقالية؟ ما المقصود بحكم اليهود فيها؟ وما هي العلاقة التي أراد هرتزل أن تنشأ بعد ذلك بين الأقطار في المنطقة، والتي أعطى لها تشبيهاً بالعلاقة بين مصر وبين تركيا تحت حكم الباب العالي، إنها علاقة التابع بالمتبوع! أليس كذلك؟ ! . وما هي (سلطات) البلديات التي سيعتمد عليها؟ ! هذه الأحلام التي كان يحلم بها شاب في آخر الثلاثينيات من عمره منذ مئة عام ... من المسؤول عن تحقيقها أو تحقيق الكثير منها؟ .. لا بد أن نعترف أنه خلّف وراءه أجهزة فعالة، تحوّل الأحلام إلى حقائق. فأين العرب طيلة هذه المدة؟ بل أين كان المسلمون؟ ألم يكونوا يحلمون أيضاً؟ أم أن نومهم كان بلا أحلام؟ ! أم أنهم استبدلوا الحُلم بحِلم طويل طويل لكنه حِلم الضعفاء؟ لقد قامت الدولة بعد خمسين عاماً من تخطيط هرتزل في الموعد الذي حدده وذكره في مذكراته (ص٥٨١) . وبعد أن قامت بالفعل، بدا لليهود أن هناك من يريد مساومتهم على حدود تلك الدولة في المستقبل، حيث تشكلت في الأمم المتحدة عام ١٩٤٧م لجنة تحقيق دولية بشأن تلك القضية، فتقدم عضو الوكالة اليهودية: الحاخام (فيشمان) بخريطة توضح حدود الدولة اليهودية التي يرى اليهود أن لهم الحق الكامل في استردادها تنفيذاً لوعود التوراة ومشاريع هرتزل، ووقف فيشمان ليعرض حدود تلك الدولة التي تبدأ ( ... من مدينة الإسكندرية، محيطة بمنطقة الدلتا غرباً في مصر، ثم تمتد جنوباً مع مجرى نهر النيل، لتتجه شرقاً في خط مستقيم، قاطعة الجزيرة العربية، حتى محاذاة مصب نهر الفرات، ثم تصعد الحدود مع مجرى الفرات، حتى حدود تركيا لتصل إلى سورية، لتقفل الدائرة بعد ذلك بالحدود الشرقية للبحر الأبيض المتوسط) !! والآن ... وبعد خمسين عاماً أخرى من عرض (فيشمان) هل انتهى الحُلم؟ هل هذه مجرد أوهام وأحلام تسبح في الخيال كما يحلو لبعضنا أن يردد؟ ... أقول: لا، أبداً، لم ينته حلم اليهود في (إسرائيل الكبرى) ومَنْ شكّ في هذا، فليسأل العَلَمَ الإسرائيلي ذي الخطين الأزرقين اللذين يرمزان إلى نهري النيل والفرات! وليسأل النجمة السداسية المدّعاة بـ (نجمة داود) التي ترمز إلى حدود مملكة داود، والتي يتطابق مثلثاها للدلالة على تعاضد السلطة الدينية مع السلطة التنفيذية كما كان شأن الدولة في عهد داود وسليمان، وليسأل اللافتة المنصوبة على الكنيست الإسرائيلي متضمنة الوعد المذكور في التوراة، وليسأل بعد ذلك تلك العملة المعدنية الإسرائيلية التي يتعامل بها اليهود منذ أواخر العقد الماضي صغارآً وكباراً نساءً ورجالاً وأطفالآً، لتذكرهم كل يوم.. بل كل لحظة وهم يتعاملون بها بالحلم الباقي.. والذي لم يكتمل وهو: (إسرائيل الكبرى) حيث رسمت على العملة خريطة لتلك الأرض بحدودها من النيل إلى الفرات. فهل انتهى الحلم..؟ ! وللحديث بقية،،،
следующие страницы →