← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

تأملات دعوية حول المنهجية في الطلب عبد الله المسلم من أمارات النضج ودلائل الرسوخ لدى الصحوة اليوم الحديث عن المنهجية، وضرورة المراجعة المستمرة للواقع ونقد الذات. ومن الميادين التي طرح الحديث كثيراً فيها حول ذلك: المنهجية في طلب العلم. والحديث عن ذلك عَكَسه الواقع المتخبط في السلوك العلمي الذي أدى إلى استنزاف طاقات وقدرات فيما لا طائل من ورائه، وأدت ردود الفعل غير المتوازنة حول قضايا التمذهب والاتباع، أو القراءة المركّزة المنهجية والقراءة الموسوعية، أو كتب المتقدمين والمتأخرين، أدى الإفراط في ردود الفعل إلى مواقف لا تؤدي بالضرورة إلى البناء العلمي الصحيح. ومع التأييد لضرورة العناية بالمنهجية في طلب العلم، والنقد للأساليب المتخبطة التي تضيع الأوقات والأعمار دون بناء علمي، إلا أن ثمة قضايا تطرح باسم المنهجية بحاجة إلى مزيد مناقشة ومراجعة وتأمل، خاصة أن الحديث المفصّل عن تلك القضايا ليس منطلِقاً من نصوص شرعية صريحة، إنما هو نتاج تجربة بشرية متميزة لكنها لا ترقى لدرجة العصمة. ومن ذلك تحويل الوسائل إلى غايات: فالعلم مطلب شرعي وضرورة ملحة، لكن الطرق التي تؤدي إلى تحصيله ما لم تكن منصوصاً عليها بنص شرعي ليست بالضرورة قضايا مُسَلّمة في كل عصر وزمان ومكان، فضلاً عن أن تكون سُوراً يعني تَجَاوُزُه الخلل والانحراف. ومن يتأمل المسيرة العلمية على مدى تاريخ الأمة يرى أنها لم تتوقف عند وسيلة محددة؛ فكان العلم يُتلقى شفاهاً ويُحفظ في الصدور. والكتابةُ لم تكن أصلاً إنما هي استثناء، ثم انتشرت الكتابة، والتأليف، والتخصص فيه، والمتون، والشروح ... إلخ. وكان العلم إنما يتلقى في المساجد، ثم بدأت المدارس بالظهور وازداد انتشارها حتى صار لها مستويات وشروط وأنظمة محددة. وهكذا عرفت الأمة ألواناً من التطور والتغير في أساليب الطلب والتعلم، ولم تكن الأساليب يوماً ما حكراً على أسلوب أو طريقة محددة. فلتكن الوسيلة وسيلة والغاية غاية: وحين تبقى الوسيلة دون منزلة الغاية، فإن عُرْفَ أهل بلد أو قطر وطريقتهم في التعلم ولو سادت وورثتها الأجيال ليست هي المقياس والمعيار للتعلم، وليست هي المنطلق الوحيد للمنهجية؛ فالعلم أكبر من أن تحصره تجربة محدودة بحدود الزمان والمكان. واليوم ونحن نعيش متغيرات عدة في هذا العصر تتمثل في انتشار مستوى التعليم وتدني الأمية، وهذا التعليم اختصر خطوات عدة على المتعلمين: فهل نحن بحاجة إلى أن نبدأ بهؤلاء من الصفر، أو نلقنهم ما حفظوه في مراحل التعليم الأساسي، أم نبدأ من مرحلة لاحقة؟ والعصر الذي نعيشه اليوم عصر انفجار معرفي هائل، جعل من أسس التفكير الصحيح في قضايا العصر والتعامل معها إدراك قدر من العلوم والمعارف لم تكن ضرورية في وقت مضى، وأتاحت الوسائل الحديثة المعاصرة أساليب في البحث وحفظ المعلومات واسترجاعها، وطرقاً للطباعة، والاتصال السمعي والبصري الذي يتجاوز حدود المكان القريب، ويحوّل العالم إلى قرية واحدة، وهو عصر يفرض على الأمة تحديات حضارية جساماً إن هي أرادت أن يكون لها موطئ قدم في التاريخ المعاصر فضلاً عن أن تكون رائدة وسباقة وقائدة. إن ذلك كله لا يعني رفض المطالبة بالمنهجية، لكنه يطرح مطلباً ملحاً بضرورة التفكير من جديد في أساليب تلقّي العلم والتعلّم؛ ومراجعةُ الأساليب لا تعني الخلل في المنهج والانحراف عنه.

стр. 2802

حوار حوار مع: فضيلة د. علي السالوس أجراه: د. جلال الدين صالح ضيف مجلة البيان في هذا العدد هو فضيلة الشيخ (علي بن أحمد السالوس) وهو أستاذ جامعي بقسم الفقه وأصوله في كلية الشريعة بجامعة قطر، وهو خبير في الفقه والاقتصاد تميز وفقه الله بالإنتاج الغزير بما يزيد على خمسين كتاباً وبحثاً. ويمكن تقسيم أبحاثه إلى محاور ثلاثة: ١- ما يتعلق بالدراسات المقارنة بين الشيعة والسنة في الأصول والفروع، وهي دراسات علمية متميزة. ٢- الدراسات الفقهية والاقتصادية المعاصرة مثل: التضخم، والكساد، وبيع التقسيط، وتمويل البنوك، والاستثمار، وغيرها. مع دراسة في السنة وفقهها. ٣- المناقشة والردود العلمية مثل ردوده على مبيحي الفوائد البنكية، ومسألة زواج الأقارب، والتحذير من الفتوى بلا علم. وكتابات فضيلته تتسم بالدراسة العلمية والتوثيق، ويلمس فيها القارئ الإخلاص والصدق؛ هذا ما نحسبه، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً. ويسعدنا في هذا العدد الحوار مع فضيلته في مسائل شرعية واقتصادية مختلفة راجين أن يجد فيها القارئ بغيته، وأن يثيب الله الشيخ على جهوده العلمية والدعوية خير الجزاء. وإلى الحوار ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان- س: فضيلة الدكتور: لا شك في أن ثمة ضرورة دعت إلى إقامة البنك غير الربوي مقابل البنك الربوي؛ فهلاّ تكرمتم بإلقاء الضوء على الموجبات التي دعت إلى إنشاء البنوك الإسلامية؟ ج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... أولاً: علينا أن نعرِّف الفرق بين البنوك الربوية والبنوك الإسلامية لنعرف هل هناك ضرورة أم لا توجد ضرورة؟ وتعريف البنك الربوي في الاقتصاد: أنه المنشأة التي تتاجر في الديون (التعامل في الائتمان عن طريق الاقتراض والإقراض) فهي لا تتاجر في سلع، أو عقارات، أو منقولات، إنما في الديْن. ثم أصبح لها وظيفة ثانية، وهي إيجاد النقود أي أنها تقرض نقوداً لا تملكها ولا وجود لها. أما البنك الإسلامي، فإن مجمع البحوث الإسلامية انتهى في مؤتمره الثاني سنة ١٣٨٥هـ سنة ١٩٦٥م بإجماع كبار العلماء من ٣٥ دولة إسلامية، إلى أن فوائد البنوك هي من الربا المقطوع بتحريمه بنص الكتاب والسنة، ودُعي في هذا المؤتمر إلى إنشاء بديل إسلامي، وكيف يكون البديل إسلامياً؟ نظروا أولاً إلى العلاقة بين المودع في البنك وبين البنك، ثم العلاقة بين البنك ومن يأخذ من البنك؛ فالعلاقة بين المودع والبنك علاقة مقرض ومقترض: البنك يقترض، والمودع مقرض سواء أكان القرض (الحساب الجاري) بفوائد أو بدون فوائد، أو كان القرض وديعة لأجل، بفوائد، ثم العلاقة بين من يأخذ النقود من البنك وبين البنك علاقة مقرض بمقترض، فالبنك الذي كان مقترضاً أصبح مقرضاً. وقد رأى المجمع أن هذه العلاقة لا بد أن تتغير، فكيف تتغير؟ إن من الممكن للبنك أن يكون مضارباً بدلاً من أن يكون مقترضاً؛ فمن يودع المال في البنك الإسلامي يعتبر شريكاً للبنك في شركة مضاربة أو قِراض، والبنك يمثل عامل المضاربة والربح بالنسبة المتفق عليها. وإن إنشاء بنك إسلامي هنا معناه إخراج اقتصاد الإسلام من الواقع النظري الذي كان عملياً من قبل في مجالات كثيرة إلى الواقع العملي في حياتنا؛ هذا باختصار هو التطبيق العملي للشريعة الإسلامية في مجال معاملات البنوك. س: فضيلةَ الدكتور: يُتّهَمُ الاقتصاد الإسلامي بالجمود والعجز عن مواكبة التطور الاقتصادي العالمي فضلاً عن منافسته: فكيف يمكن تفنيد هذا الادعاء بشكل موجز؟ ج: هذا يدل على جهل من يزعم ذلك؛ لأنه لا يعرف الاقتصاد الإسلامي؛ وهذا ما أشرت إليه من قبل في المحاضرة التي ألقيتها بكندا؛ إذ بينت ماذا خسر العالم نتيجةً لعدم تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي؛ ومن غير المسلمين من بدأ يشعر بهذه الخسارة؛ وأذكر على سبيل المثال أن مديراً لبنك ربوي في (فرانكفورت) هو مستر (بتمن) كتب بحثاً رُشّح بسببه لنيل جائزة (نوبل) والبحث عنوانه: (كارثة الفوائد) بيّن فيه أن العالم مقبل على كارثة، فما الحل عند (بتمن) مدير هذا البنك؟ قال: الحل هو الآتي: عندنا رأس المال، والإنتاج، لا نحدد فائدة مقدماً، وما دام لا يجوز لنا أن نحدد فائدة أولاً، فماذا نفعل إذن؟ قال: المال هنا يشارك في الإنتاج؛ وعليه فإن الفائدة تحدد تبعاً للمشاركة في الإنتاج وزيادته، فإن زاد الإنتاج بمقدار ٢٠% فإن رأس المال يأخذ نصيبه من الزيادة، وبذلك يرجع ربح رأس المال للإنتاج؛ بحيث أن الفوائد لا تحدد سلفاً وإنما يكون مقدارها تبعاً للإنتاج الفعلي، فإذا زاد الإنتاج زاد نصيب رأس المال بسبب زيادة الإنتاج؛ هذا هو الحل عند (بتمن) الذي التقى به أحد الإخوة الدارسين للاقتصاد الإسلامي يرحمه الله وقال له: هذه النظرية ليست جديدة عندنا! قال: عندكم! أين؟ قال: عندنا نظام يسمى: المضاربة أو القِراض. وشرح له النظام الإسلامي فقال: أمّا الإسلام فلا نريد الإسلام! ! في كتاب (الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة) عندما ذكرت ملخصاً لهذا الكتاب، وبينت كارثة الفائدة الربوبية عقّبت عليه بعنوان آخر هو: (كارثة أكبر) الكارثة الأكبر أن شيخاً يقول: تحديد الفائدة واجب، واجب، واجب، قلت سبحان الله! من الذي فهم الإسلام: الخواجة (بتمن) أم الشيخ فلان؟ س: فضيلة الدكتور: ظهرت كتابات في بعض الصحف والمجلات، ومن بعض الكتّاب تتهم الرقابة الشرعية على البنوك الإسلامية بالانهزام أمام الإغراءات المالية، ومن ثَمّ الوقوع في تسويغ المخالفات الشرعية وتمريرها: فهل لكم أن تفيدونا عن الكيفية التي تقوم بها الرقابة الشرعية في سير المعاملات المصرفية؟ ج: الرقابة الشرعية في البنوك ليست سواء، فهناك هيئات رقابية شرعية تعمل بلا مقابل، وهي تشترط هذا، وهناك رقابة آراؤها ملزِمة للبنك كي لا يمكن للبنك أن يخالفها، وهناك رقابة شرعية تستشار فيما يعرض عليها. إذن الذي لم يُعرَض لم تستشر فيه، ثم حتى الذي عرض كان لمجرد الحصول على رأي استشاري؛ لكن البنوك جميعها تذكر هيئة الرقابة الشرعية! ! وهناك حالات لاستغلال أسماء هيئة الرقابة الشرعية (من بعض البنوك الربوية) . وتساهل بعض هيئات الرقابة الشرعية، وعدم علم بعضها، كل هذا أساء بلا شك؛ ولكن يبقى أن هناك هيئات للرقابة الشرعية تقوم بواجبها، وآراؤها ملزمة للبنوك الإسلامية، فعندما تقرر أنها راجعت أعمال البنك، وأنها متفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية عند ذلك تكون قراراتها وشهاداتها صحيحة. س: بالتأكيد أنّ بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية حالات من التعامل الاقتصادي تمليها حركة التجارة على المستوى الدولي والوطني: فكيف يمكن تحقيق الضوابط الشرعية بين مؤسستين كل منهما تنطلق من أسس متباينة؟ ج: البنوك الإسلامية تتعامل مع البنوك الربوية وهذا صحيح، وهذا مؤكد؛ وأي بنك إسلامي لا يتعامل مع البنوك الربوية لا بد أن يغلق أبوابه! ! لماذا؟ لأنه إذا أراد أن يفتح اعتماداً مستندياً لاستيراد سلعة من إنجلترا مثلاً فلا بد أن يكون له بنك مراسل في إنجلترا؛ وهذا البنك المراسل هو الذي يأخذ هذا الاعتماد فيتصل بالشركة المصدرة ويطلب منها التصدير ويتعهد لها بدفع الفوائد. والشركة لا تقبل أن يتعامل معها بنك إسلامي في دولة غير إنجلترا؛ إذن التعامل مع البنوك الربوية أمر لا بد منه إلى أن يأذن الله تعالى بتطبيق الإسلام في كل بلاد العالم، ولا بد أن يطبق إن شاء الله، وإلى أن يتم هذا فلا بد من التعامل مع البنوك الربوية. نعم إن المنهج مختلف، ولكن البنك الربوي يتعامل مع البنك الإسلامي على أنه وكيل بأجر، أو يتعامل مع البنك الإسلامي بأداء عمل معين بطريقة إسلامية ويأخذ أيضاً مقابلاً لهذا العمل. أما البنك الإسلامي فهو لا يتعامل مع البنك الربوي على أساس ودائع لأجل، بفوائد ربوية؛ لأن المنهج المتبع في البنك الإسلامي مختلف؛ إذ إنّ العمل متفق مع أحكام الشريعة الإسلامية. س: هناك من يقول إن البنوك الإسلامية أكثر تعرضاً لمخاطر الاستثمار من غيرها: فإلى أي حد تظن هذا القول مقبولاً؟ ج: البنوك الإسلامية ليست أكثر تعرضاً للمخاطر من غيرها؛ لأن البنوك الربوية أصلاً لا تستثمر، البنوك الإسلامية تتعرض لمخاطر الاستثمار، والبنوك الأخرى تتعرض لمخاطر الديون، فإن مئات البنوك الربوية أفلست؛ وبفضل الله تعالى لم يفلس أي بنك إسلامي، نعم هناك بنوك إسلامية تعرضت للإفلاس، لكنها بفضل الله تعالى قامت، إلا أن التعرض للمخاطر أمر قائم ولكنه لا يقارن بما تتعرض له البنوك الربوية، وهذا من طبيعة الاستثمار الإسلامي. س: يعاني العالم الإسلامي من التبعية الاقتصادية والديون المرهقة: فما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به البنوك الإسلامية لإزالة هذه التبعية وتحرير العالم الإسلامي من ديونه؟ ج: التبعية الاقتصادية، والتبعية السياسية، والتبعية الإعلامية، هذه التبعيات لا يمكن لدولة إسلامية أو جهة إسلامية أن تزيلها، وإنما سيكون هذا إن شاء الله تعالى يوماً ما، وقد بُشّرنا بهذا بطرق شتى، أما الآن فالتبعية قائمة، ودور البنوك الإسلامية يمكن أن يكون مخففاً من هذه التبعية، والأمر يتعلق برغبة الدول الإسلامية في عدم التبعية، وتطبيق الشرعية الإسلامية، ومتى رغبت يمكن ذلك. س: فوائد البنوك الربوية نراها تعود من جديد للإثارة بعد أن حسمها الشرع بالتحريم وأجمعت على ذلك المجامع الفقهية: فما هي الدوافع السياسية والاقتصادية الكامنة في نظركم وراء هذه الإثارة؟ ج: الإثارة كانت نتيجة للآتي: بعد نشأة البنوك الإسلامية ووجود شركات استثمار إسلامية بدأ الجهاز المصرفي في بعض البلاد يهتم بهذه الظاهرة، وكذلك من الناحية السياسية؛ فبعض الدول التي تدعي أنها إسلامية مصارفها ربوية فكيف يكون ذلك؟ إن هناك دوافع اقتصادية لحماية الجهاز المصرفي للدولة، ودوافع سياسية لإظهار الدولة بأنها مسلمة، أما من الناحية الاقتصادية العملية فإن البنوك الإسلامية بدت قادرة على أن تقوم بالأعمال المصرفية والخدمات التي تقوم بها البنوك الربوية بدون ربا، وأثبتت في هذا أنها تستطيع أن تشارك في تنمية المجتمع ونهضته اقتصادياً؛ لأنها تقوم بالمشاركة الفعلية في الإنتاج. والأمر محسومٌ قبل أن تنشأ البنوك الإسلامية، ففي المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية الذي شارك فيه كبار العلماء من ٣٥ دولة إسلامية في القاهرة صدر قرار بالإجماع أن الفوائد المصرفية هي من الربا المقطوع بتحريمه بنص الكتاب والسنة، أي إنه ليس مسألة اجتهادية، ثم إنّ مجمع الفقه ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، حذرا من تفشي المصارف الربوية ودعَوَا إلى تأييد البنوك الإسلامية، فكان لا بد من مخرج لحماية النظام المصرفي الربوي، ولدعم الدول التي تدعي أنها تطبق النظام الاقتصادي الإسلامي، وكان المخرج هو الفتوى بأن البنوك في جميع بقاع الأرض تستثمر بالطرق التي أحلها الله! ! س: من شُبَهِ الذين يقولون بإباحة الفوائد الربوية أن المودع ليس مقرضاً ولا يخطر ذلك بباله، وأن البنك ليس مقترضاً، ومن ثم فإن ما يعود عليه من البنك ليس من ربا النسيئة، فكيف يمكن الرد على هذه الشبهة مع بيان شيء من أوجه الشبه بين ربا هذه البنوك وربا الجاهلية؟ ج: التعامل مع البنوك يحكمه القانون الوضعي، ولذلك فإن القانون ينص على أن ودائع البنوك تعتبر قرضاً، وأن البنك ملتزم بأداء هذا القرض والفائدة، فإن القانون الوضعي ينص على هذا، أما كونه يخطر بباله أو لم يخطر بباله فإن هذا لا يؤثر في العقد. أما أوجه الشبه بين هذه وربا الجاهلية، فالواقع أن ربا الجاهلية مظلوم بالمقارنة مع ربا المصارف في أيامنا هذه؛ ولذلك بينت في أكثر من كتاب من كتبي أن فوائد البنوك أسوأ من ربا الجاهلية من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: ربا الجاهلية كان من الدنانير الذهبية، أو من الدراهم الفضية، فهي فعلياً سلعة، أماربا البنوك فمنه ما هو نقود حقيقة، ومنه ما هو نقود اختلاقاً، وهي بهذا نقود مصرفية لا وجود لها. الوجه الثاني: ربا الجاهلية كان لتجار دوليين يقترضون لتوسيع تجارتهم إلى الشام، واليمن، ولذلك كان المقترض تاجراً دولياً كبيراً، والمقرض قد يكون غنياً، وقد يكون فقيراً لا يملك إلا مئة درهم أقرضها بفائدة. الوجه الثالث: في الجاهلية كانت الفائدة تُدفع بعد الاستثمار، أما في ربا الجاهلية المعاصرة فالفائدة تحسب وتحسم أولاً، ولذلك فالفائدة التي تؤخذ في الودائع هي أكثر مما يذكر. س: تُطرح قضية (الموركج) كضرورة حيث يضطر الفرد المسلم في بلاد الغرب إلى اللجوء إليها لحل مشكلات السكن: فكيف ترون شرعية هذا الاضطرار؟ ج: هذا الموضوع عرض على مجمع علوم الفقه والبحوث الإسلامية، والسؤال جاءه من معهد الفكر الإسلامي بواشنطن. الضرورة تبيح المحظورات، ولكن الضرورة تقدر بقدرها، المسلم في حاجة إلى السكن، ولكن ليس من الضرورة أن يمتلك، فإذا وجد مسكناً بالإيجار فلا يجوز له أن يقترض بالربا لشراء مسكن؛ ومن هنا انتهى المجمع إلى عدم جواز الاقتراض من البنوك الربوية لشراء المسكن ما دام المسلم يجد مسكناً ولو بالإيجار. س: يلاحظ أن بعض البنوك لجأت في الآونة الأخيرة إلى تخصيص جناح للاستثمار الإسلامي فيها، جذباً لمال المستثمر المسلم: فما هو الموقف الشرعي المطلوب سلوكه معها؟ ج: نعم هذا ملاحظ، إنما أكثر من هذا، أن (سيتي بنك) وهو بنك في البحرين قد خصص فرعاً كاملاً وليس جزءاً منه للاستثمار الإسلامي، وهذه البنوك بالطبع، لم تفعل هذا حباً في الإسلام، أو رغبة في خدمة المسلم؛ وإنما لأنها أحست بأن الأموال تذهب إلى بنوك إسلامية، فلا بد أن تشارك في الاستفادة قبل أن تذهب الأموال منها؛ فقد أحست بهذا الخطر في أول نشأة اللواء الإسلامي، ثم بنك التنمية الإسلامي؛ إذ لاحظوا الإقبال الشديد؛ ومعنى هذا أن الأموال بدأت تُسحب من البنوك الربوية لتودع في بنوك إسلامية؛ فلا بد من التفكير في حل؛ فالهدف هنا ليس إسلامياً؛ لكن التطبيق هل هو إسلامي أم غير إسلامي؟ قد يكون إسلامياً، وقد يكون شعاراً مزيفاً، فعلى من يتعامل مع هذه البنوك أن يتأكد من سلامة التطبيق وأنه متفقٌ مع أحكام الشريعة الإسلامية. س: العالم الإسلامي غني بموارده الطبيعية: فكيف تنظرون إلى الصورة التي يتم بها استغلال هذه الموارد؟ وكيف ترون التعامل الاقتصادي بين دوله؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به البنوك الإسلامية لإيجاد حالة من التعاون الاقتصادي بين دول العالم الإسلامي؟ ج: هذا سؤال مثير للألم، فالدول الإسلامية عندها من الموارد ما يتيح لها الاكتفاء الذاتي وزيادة، بل إن أرض (العراق) كانت تغذي الدولة الإسلامية، وفي أيام سيدنا (يوسف) ﵇ كانت (مصر) تطعم من حولها، وأرض (السودان) يمكن أن تفي بحاجة كل البلاد العربية، ومع ذلك فإن كل البلاد تقريباً تستورد الطعام، ولا تملك طعامها ولا سلاحها، فهل هذه الدول عاجزة عن أن تستغل كل مواردها؟ هناك أشياء سياسية قد لا نستطيع الخوض فيها، ومن ذلك أنّ دولاً تُلزَم بألا تستغل أراضيها في الزراعة لتبقى مستوردة! لماذا؟ وهناك دول أخرى أرضها تكفي ليس لها فقط بل ولغيرها، ولكنها تستورد؛ كيلا يتوقف إنتاج القمح الأمريكي! إذن هناك مسائل سياسية، أو ضغوط على هذه الدولة وخضوع لغيرها. س: أنشئت بنوك إسلامية في بعض الدول الغربية ثم أغلق بعضها: فما السبب في نظركم؟ ج: السبب هو أن دولاً لا تريد الإسلام، أو أي شيء يتصل بالإسلام، وهذا واضح هنا في إنجلترا؛ فإن بنك البركة عندما أراد أن يفتح فرعاً له وضعوا أمامه شروطاً شديدة التعقيد، ونفذت كل شروطهم، وفي النهاية أغلق؛ لأن كل هذه الشروط تعجيزية، وما داموا يعجزون إذن يغلق، ولكنهم كانوا يريدون للإغلاق أن يكون بسبب العجز لا بقرار منهم، على أن هناك دولاً غير إسلامية بها بنوك إسلامية تزاول نشاطها ولا تتعرض لأي مضايقات مثل بنك التقوى في سويسرا؛ فإنه من أحسن البنوك الإسلامية إن لم يكن أحسنها على الإطلاق، وهو مقيد في جزر البهاما من أجل الضرائب ولكن نشاطه في سويسرا. س: تثار بعض الشبهات من بعض الناس حول المرابحة، فهل بالإمكان توضيح صورة المرابحة كما تجريها البنوك الإسلامية؟ ج: المرابحة كما تجريها البنوك الإسلامية لها جانب نظري، وجانب عملي. الجانب النظري أقره مجمع الفقه الإسلامي، وسبق من قبل أربعة عشر سنة أن قُرر هذا في المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية، أن بيع المرابحة يكون كما يلي: المصرف الإسلامي يبيع بعد أن يشتري السلعة ويتملكها ويمولها، ويقع عليه تبعات الإهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعد التسليم؛ هذه هي الشروط التي وضعها المؤتمر للمصارف الإسلامية، ثم بحثها مجمع الفقه الإسلامي وانتهى أيضاً إلى هذا القرار، وبُحث أيضاً في مؤتمرات عدة وانتهت إلى هذا القرار أيضاً، وبهذه الطريقة يكون بيع المرابحة بيعاً إسلامياً ١٠٠%. التطبيق العملي هذا يدعونا إلى أن ننظر إلى تطبيق كل بنك على حدة، أو كل شركة على حدة؛ فإن باع قبل أن يملك فالبيع باطل، وإن باع بفائدة قبل أن يملك فهو ربا. س: ختاماً: نسأل فضيلتكم هذا السؤال: إنشاء السوق الإسلامية المشتركة أمنية يحلم بها كل مسلم! فما هي الشروط اللازمة التي ترونها ضرورة لإنشاء مثل هذه السوق؟ ج: عندما تنشأ إن شاء الله سوف نتحدث عنها، فالمسألة ليست مسألة السوق الإسلامية المشتركة؛ بل الأمر يتعلق بالإسلام: فهل هناك اتجاه لتطبيق الإسلام، وهل هناك اتجاه لتعاون الدول الإسلامية، وهل نحن فعلاً جادون في إنشاء السوق الإسلامية المشتركة؟ من الناحية النظرية هذا ممكن، أما من الناحية العملية فلا ندري! ! وللأسف الشديد فإن السوق الأوروبية المشتركة، لا يجمع بين دولها شيء إلا المصلحة الاقتصادية، لا يجمعها دين، ولا لغة، ولا تاريخ، ولا أي شيء، ومع ذلك تنشئ سوقاً أوروبية مشتركة، أما الدول الإسلامية بتاريخها المشترك، ودينها العظيم، وعاداتها وتقاليدها ولغاتها في أكثر الدول مع ذلك كله لا تنشئ سوقاً إسلامية. إن الأمر يتعلق بتطبيق الإسلام أساساً، وبعدم تبعية الدول الإسلامية، فهل يُسمح للدول الإسلامية بعدم التبعية حتى لو أرادت؟

стр. 2803

نص شعري رسالة إلى مجلس الأمن ! ! جمال الحوشبي دَعْ عنك إن رُمتَ الشّرفْ ... دوراً لعبت بلا نَصَفْ [١] دع عنكَ إصدارَ الموا ... ثيقِ الكريهةِ كالجيفْ يا مجلساً قد خانَ حملَ ... عهودِ ميثتاق الشّرفْ كم تجمعُ الأطنانَ كي ... تُهدي البُغاةَ بلا كلفْ وتضِنّ بالنّزرِ القليلِ ... لمن يعاركه الأسفْ كم ذاقَ غدرَك مسلمٌ ... يلقى المذَلّةَ والشظفْ [٢] في البُسْنة الثكلى هنا ... كَ دماءُ شعبِ لم تَجِفْ وعلى ثرى الشيشانِ من ... كَ مواقفُ الغدرِ الدّنِفْ كشميرُ أنت عدوّها ... والدمعُ فيها لم يكِفْ في دولةِ الغصبِ التي ... تلقى المعَزّة والكَلَفْ [٣] آثارُ غدرِك كلّما ... هَدَرَ المُعربدُ أو عَصَفْ تنسى الدماءَ بأرضنا ... وبغيرها تبكي النّطَفْ كم من سياطِ الغدرِ في ... قاعاتِ خوفِك والحَسَفْ [٤] وبَدوْتَ مِنْ إثر المهانةِ ... تحتَ أقدامِ السّخَفْ يا مجلسَ الخوفِ الذي ... من جُرحِ أمّتِنا ارتَشَفْ دعْ عنكَ نظْم القولِ يا ... مَن حِبرُ مكرك لم يجفْ يا من يرومُ عداءَنا ... إنّا وربِك لم نَخَفْ لسنا الأذلاءَ الذي ... ن لهمْ عنِ العليا جَنَفْ [٥] لسنا كمن تُلْقي لهمْ ... في الجَهْرِ أطنانَ (العَلَفْ) فلنا على دربِ الكرامةِ ... من أرُومَتها [٦] سَلَفْ كم في جهود الأمن مِنْ ... خوفٍ على أهلِ الشَرَفْ فاسند حِياضَ الظلم في ... عصرِ التخاذلِ والتلف وامكُرْ فمكرُ الله كم ... أودى بمِثلِكَ في سَلَفْ

стр. 2804

الآمال القادمة عبد الله بن صالح الوشمي مثْلما يعشقُ المُجِدّ أَمَامَهْ ... ويناغي في رِقةٍ أَحْلامَهْ أعشق النفسَ حُرّةً تَتَلظّى ... وتبادي الظّلامَ بالابتسامهْ أعشق الخطّ بالدِّماءِ حُروفاً، ... كُلّ حبرٍ عدا الدِّماءِ جَهَامهْ [١] مثلما يسكب المحبّ دموعاً ... حامياتٍ، ونفسُه مستهامهْ أسكب الحزن، والدموع يتامى ... وبساح الردى نصبتُ خيامهْ من دمائي أخذتُ كلّ حروفي ... سوف تغدو للنصر أيّ عَلامهْ لا تلوموا (العرين) قد صار قفراً ... من سلاح، وكبّلوا ضرغامهْ غادر البيت، والعظام بقايا ... من صمود: إلى اللقا يا (أُمَامَهْ) يا لَحزني؛ والشيخ ضلّت خطاه ... قد مضى! هل ترون إلاّ عظامهْ شَيبَةٌ تُستباح من غير جُرْمٍ ... فعلامَ يذل؟ قولوا! علامهْ وتراهم يبغون منّا سلاماً ... وخنوعاً، كما تكون الحَمَامهْ ليت شعري تساؤلٌ مستميتٌ: ... أين سعدٌ؟ وأين منّا أسامهْ؟ يا لقبح الحياة إنْ جرّدتنا ... من جهادٍ ويا لها منْ سآمهْ أمتي إنّ في جهادك صوتاً ... عبقريّاً، وهاكِ وسَامهْ ودماء الشهيد فينا تروِّي ... شجرَ الحزن، والثمارُ شهامهْ نرقب البرق في السماء فنخفي ... فرحة؛ إنّ هذه لعلامهْ سوف تهمي الغيوث في كل صقعٍ ... سوف يجلو الضياء كل قتامهْ ونرى نجمنا وقد عاد بدراً ... ونرى الكون ناشراً أنغامهْ مُسْلمٌ يلبسُ الطموحَ رداءً ... أو تدق الحياةَ كفّ قيامهْ

стр. 2805

المسلمون والعالم حِلم العرب ... وأحلام اليهود (١من٢) إسر ائيل الكبرى.. هل انتهى الحُلم..؟ عبد العزيز كامل من الأمور التي تصدم النفوس ... وتستفز المشاعر ... بل وتثير الغيظ والغضب والسخرية معاً ... إننا عندما نستعرض بالذاكرة خريطة أحداث ما يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) .. نجد أن كل ما حققه اليهود من علو في الأرض وغلو في الإفساد.. كان مجرد أحلام تداعب خيالات أجيالهم السابقة، ومجرد رؤى دينية أو تاريخية تنسجها مصادرهم العتيقة، ثم طفقت هذه الأحلام تتحقق.. وراحت تلك الرؤى تتحول إلى واقع معاش، يذوقون حلاوته ونكابد مرارته! * قرن واحد من الزمان ... حشدت فيه أحلام مئات القرون على بوابة التحقيق والتطبيق..! * لقد كان بروز قيادة منهم قادرة على التنظير والتخطيط للمستقبل، في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد.. حلماً فتحقق! * وكان اتحاد جماعاتهم الخمسين المتفرقة على يد ذلك القائد حلماً ... فتحقق! * ثم كان قدومهم من أطراف الدنيا إلى الأرض المقدسة لضمان موطئ قدم فيها بعد أن كانت شبه خالية منهم عبر ألفي عام.. كان هذا حلماً.. فتحقق! * وكان قيام قوة عظمى بإعطائهم وعداً بوطن قومي في تلك الأرض، مع تهيئتها لهم وحمايتهم فيها حلماً.. فتحقق! * وكان إسقاط دولة الخلافة العثمانية المتصدية لمشروعهم حلماً فتحقق! * وتحويل مشروعهم بعد ذلك إلى دولة بشكل رسمي وبعد خمسين عاماً فقط من التخطيط لإنشائها.. كان حلماً فتحقق! * الانتقال إلى أحضان قوة أعظم والتفرد بموالاتها ورعايتها كان حلماً فتحقق! * تثبيت هذه الدولة المسخ لوجودها بانتصارها على مجموع جيوش أعدائها تحقق! * استيلاؤها على أراض أخرى وعلى رأسها القدس ... أمر قد تحقق! * عودتهم إلى أرض التيه والتوراة في سيناء، ثم تركهم لها منزوعة السلاح، لتظل مهددة بالاحتلال مرة أخرى.. كان حلماً فتحقق! * امتلاكهم ثم احتكارهم للقوة النووية في المنطقة ... كان حلماً.. فتحقق! * وكان إخراج أكبر دولة عربية من ساحة الصراع، وإلجاؤها إلى التخلي عن المواجهة في أوجها.. كان هذا حلماً فتحقق! * استكمال استدراج أكثر الدول الأخرى إلى ذلك المستنقع وإقناعها بأن العدو صار صديقاً ... كان حلماً فتحقق! * تحويل حروبها إلى جيرانها، وصراعاتها بين شعوبها.. أحلام بدأت تتحقق! * إسقاط آخر حصن في المواجهة (الرسمية) بتدجين منظمة التحرير الفلسطينية كان حلماً.. فتحقق! * إقناع تلك المنظمة بالانتقال من دور المقاومة لإسرائيل إلى المقاومة لأعداء إسرائيل.. كان حلماً فتحقق! وهكذا.... لماذا تؤول أحلام اليهود إلى الحقيقة، في حين أن أحلام العرب في الصراع لا تجاوز المجاز، ولا تخرج من فلك الألغاز؟ ! أحلام اليهود تتحقق؛ لأنهم عقدوا مع عقيدتهم الباطلة صلحاً، واستمدوا من شريعتهم المحرفة مشروعاً عملياً وبرنامجاً تنفيذياً ... وصادف هذا من بني جلدتنا اصطناعاً للعُقد مع العقيدة والإيمان، وشروعاً في إقصاء وإلغاء شريعة الإسلام..! فهل يقال بعد ذلك إن قوماً يحاربون بلا عقيدة يمكن أن يصمدوا أمام قوم يحاربون بعقيدة.. ولو كانت باطلة؟ ! ! إن هذه جريمة من أرادوا عن قصد وعمد تجريد الصراع مع اليهود من العقيدة. أحلام أخرى: هل انتهت أحلام اليهود عند الحد الذي ذكرناه؟ أم أن في جعبتهم مزيداً؟ .. إننا لا زلنا نسمع منهم ونرى فيهم ونقرأ عنهم روايات وطروحات وتنبؤات عن أحلام أخرى تسير على درب التنفيذ، ويمكن للمتابع أن يرصدها بسهولة، وعلى رأس تلك الأحلام التي لم يحققوها بعدُ: استكمال خريطة (إسرائيل الكبرى) فتلك إحدى أحلامهم الكبار التي حدثتهم بها كتبهم، ومنّاهم بها حاخاماتهم ... وخططت من أجلها زعاماتهم.. وتهيئ الأوضاع لتنفيذها حاميتهم ومدللتهم دولة الكبر والغرور.. الولايات المتحدة الأمريكية. هناك لا شك أحلام أخرى لها تعلق بذلك الحلم الكبير، مثل سعيهم لهدم المسجد الأقصى، واستعداداتهم لبناء هيكل سليمان مكانه، وذبح البقرة العاشرة على أعتابه، والتهيؤ بعد ذلك لاستقبال المخلّص المنتظر.. كلها أحلام بدأت تنتعش بقوة في السنوات والآونة الأخيرة [١] ! ولكن نتناول اليوم في هذا المقال حلمهم الخطير، الذي نغفل كثيراً أو نتغافل عنه، ونغلط كثيراً، أو نغالط فيه، وهو (حلم: إسرائيل الكبرى) . ولكي نعي أبعاد وخلفيات الحديث عن (إسرائيل الكبرى) لا بد لنا من استحضار حقائق دينية وتاريخية عن تلك البقعة وما حولها من الأراضي التي أرادوا التعمية على ما يراد لها عندما أطلقوا عليها تسمية: (الشرق الأوسط) ! فصارت في العالمين معضلة ومشكلة تستعصي على الحلول؛ فلماذا كان ذلك؟ لأنهم أرادوا لها حلاً واحداً ... هو المستمد من توراتهم المحرّفة.. ولهذا استمرت وستستمر (أزمة) الشرق الأوسط! حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. إن مما اختاره الله تعالى من الأرض بقعتين جعلهما مقدستين، وهما متجاورتان، وجعل لكل منهما خصوصية، ولكل منهما فضائل؛ فاختار أرض الشام، واختار أرض الجزيرة العربية [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ] [القصص: ٦٨] وفي قدسية أجزاء كل من الأرضين مراتب ودرجات، فإذا تخيلناهما دائرتين كبيرتين، فإن داخل كل دائرة منهما دوائر أصغر ولكنها أقدس، فالجزيرة العربية دائرة كبيرة من الأرض اختارها الله تعالى وخصها بفضائل فهي وطن الإسلام كما وصفها الشيخ رشيد رضا ويدل على خصوصيتها في ديننا أن الله تعالى اختارها مهداً لدعوة أفضل الأنبياء، ومهبطاً لأفضل الملائكة، وداراً لخير أجيال البشر بعد الأنبياء وهم الصحابة رضوان الله عليهم ويدل على خصوصيتها أيضاً أن الله تعالى أرادها خالصة بعد بعثة الرسول لله للتوحيد كما صح بذلك الحديث: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) [٢] ولهذا كان جهاد الرسول لله كله تقريباً لتخليصها من الوثنية الجاهلية، وقد أمر بتطهيرها من الشركيات والكفريات اليهودية والنصرانية، فقال لله: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً) [٣] . فجزيرة العرب دائرة كبرى، وداخلها دائرة أصغر، وهي أخص في الفضل وهي أرض الحجاز المشتملة على أرضَيِ الحرمين الشريفين، ومن فضلهما أنهما مأوى أهل الإيمان كلما اشتدت الفتن وتقارب الزمان قال لله: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) [٤] . وداخل أرض الحجاز دائرتان إحداهما المدينة، وهي حرم بحدودها فيما بين الحرتين، وداخل المدينة دائرة أصغر وأقدس، وهي أرض الحرم النبوي الشريف الذي تُضاعَف فيه الصلاة ويُؤم بالزيارة، وفيه يرقد خير من واراه الثرى لله. وداخل الحرم النبوي بقعة أصغر وأقدس وهي الروضة النبوية الشريفة التي قال عنها لله: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) [٥] . أما الدائرة الأخرى داخل أرض الحجاز فهي مكة المكرمة بحدودها المعروفة، وهي أحب البلاد إلى الله، وداخلها دائرة أصغر وهي (بكة) أي الأرض المحيطة بالكعبة، أرض الحرم التي قال الله تعالى فيها: [إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] [آل عمران: ٩٦] وداخل (بكة) دائرة أصغر وأقدس وهي الساحة المحيطة بالكعبة والمشتملة على مقام إبراهيم وحِجْر إسماعيل وبئر زمزم.. وفضائلها معروفة، وداخل تلك الدائرة دائرة أصغر ولكنها أقدس وهي الكعبة نفسها التي نقصدها في صلاتنا ودعائنا ومناسكنا، وأقدس ما فيها الحجر الأسود الذي نتقرب إلى الله بتقبيله واستلامه. ونأتي إلى الدائرة الكبرى الأخرى، وهي أرض الشام؛ إذ إننا نجد أن لها خصوصية وفضلاً بكمالها، فهي الأرض الموصوفة بالقدسية والبركة في كثير من آيات القرآن؛ قال تعالى عن إبراهيم ﵇: [وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ] [الأنبياء: ٧١] وقال عن موسى ﵇: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ] [المائدة: ٢١] [وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا] [الأعراف: ١٣٧] وقال عن سليمان: [وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا] [الأنبياء: ٨١] وداخل تلك الدائرة الكبيرة دائرتان: إحداهما سيناء، التي نزل فيها الوحي على موسى لله فأنزل عليه الشريعة، وأجرى على يديه المعجزات الكثيرة، تلك الأرض التي أقسم الله تعالى بها في قوله: [وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ] [التين: ١-٣] وداخلها دائرة أصغر وأقدس، وهي منطقة الطور، التي كلم الله تعالى موسى عند جبلها: [وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ] [الأعراف: ١٤٣] والدائرة الأخرى هي بيت المقدس التي اتخذها سليمان لله عاصمة لمملكته، وداخلها دائرة أصغر وهي المنطقة الواقعة داخل أسوار الأقصى، وهي التي أُسري بالرسول لله إليها ورَبَط البراق في سورها، وداخلها دائرة أصغر، وهي المنطقة التي عُرج بالنبي لله منها إلى السماء، وهي تستمد خصوصيتها من كونها الأرض التي يُعرج منها إلى السماء، وهي الصخرة المشرفة، ولها فضل بلا شك في تاريخ الأنبياء ولكن ليس في شريعتنا عبادة متعلقة بها. قد يقول قائل: ما علاقة هذا الكلام الأشبه بأبواب الفضائل، في موضوع سياسي يتناول السياسات اليهودية والعربية وربما العالمية المستقبلية؟ ! والجواب: أن هذا الكلام يتعلق بصلب الصراع ولبابه، ويمثل الخلفية الأصلية لفصوله وأبوابه؛ ذلك أن ما نقدسه نحن المسلمين في جزيرة العرب وحجازها ومسجديها ... يقدس اليهود مثله بتدرج قريب في بلاد الشام، فهم يشاركوننا في النظر إلى تلك الأرض وما فيها بعين التقديس والتكريم، غير أن منطلقاتهم غير منطلقاتنا، وتصوراتهم غير تصوراتنا، ومصادرهم غير مصادرنا؛ لأن عقائدهم غير عقائدنا. ولكن.. لا ينبغي أن ننسى أن اليهود أمة لها دين، وأن لها استمراراً في التاريخ بهذا الدين حتى آخر الزمان، فارتباط اليهود بديانتهم اليهودية مع تحريفها، وكذلك ارتباط النصارى بالديانة النصرانية، سيظل مقترناً ومتوازياً من الناحية الزمانية، مع ارتباط الأمة المسلمة بدين الإسلام القويم، لهذا كان الصراع فيما مضى دينياً عقائدياً، وسيستمر دينياً وعقائدياً؛ لأنهم سيظلون على دينهم وسنظل على ديننا، ولهذا أمرنا الله تعالى باستشعار هذا المعنى في كل صلاة فريضة أو نافلة، لنجدد البراءة منهم ومن أديانهم الباطلة، ونجدد المفاصلة العقائدية بيننا وبينهم، فنتلو في كل صلاة قول الله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] ٦ [صِرَاطَ الَّذِينَ أََنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ] [الفاتحة: ٦-٧] فالمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى؛ كما صح بذلك الحديث، وعلى هذا نجزم أن العلمانية عند اليهود وعند النصارى ظاهرة طارئة وجزئية وعارضة، وهي في طريقها إلى الأفول ليحل الدين مكانها ... تماماً كما يظهر الآن أن العلمانية في بلاد المسلمين ليست إلا ظاهرة طارئة وجزئية وعارضة، وهي أيضاً في طريقها إلى الاختفاء والأفول.. وعندها سيتجرد الصراع بشكله العقائدي، بين حق واضح يمثله المسلمون، وباطل صُراح يمثله اليهود والنصارى. لهذا أقول: لا ينبغي أن ننظر إلى الأمر نظرة جزئية؛ فالأرض بأكملها مقدسة عند اليهود، وهم يتحركون وفق تصور مسبق، وعقيدة واضحة في اعتبار تلك الأرض بكمالها ملكاً خاصاً بهم، كانوا قد أخرجوا منها، ثم عادوا إلى أجزاء منها، ولا يمكن أن يضيّعوا فرصة تمكّنهم من استكمال استرجاع بقية أجزائها، إنها أرض (إسرائيل الكبرى) التي تمثل الدائرة الكبرى التي أشرنا إليها. ولكن ما هي أبعاد تلك الدائرة الكبرى ... أهي بيت المقدس فقط ... أم هي أرض فلسطين فحسب؟ ... الجواب: لا هذه ولا تلك ... إنها شيء آخر أكبر عندهم بكثير مما نظن؛ فبهذا تحدثهم توراتهم وتلمودهم، ويحدد حاخاماتهم، ويخطط ساستهم، وينفذ جنودهم ... وبمثل هذا تتحول الأحلام عندهم إلى حقائق! إنهم ينسبون إلى التوراة المنزلة على موسى ﵇ هذا النص الموجه إلى إبراهيم ﵇ عندما قرر اعتزال أبيه وقومه: [اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك..] [٦] أما حدود هذه الأرض وفق توراتهم وكذلك وفق عقيدتهم فتدل عليها تلك النصوص: [وظهر الرب لأبرام] ٧ [، وقال: لنسلِكَ أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحاً للرب..] [٨] [.. في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلِكَ أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات] [٩] . وأما عن قيمه تلك الأرض وواجب اليهود تجاهها فذلك يحدده التلمود، الذي يفسرون به التوراة: [واجب كل يهودي أن يعيش في أرض إسرائيل، وهذا الواجب يعلو على أي التزام آخر] .. [أرض إسرائيل طاهرة، لا بد من دفن المتقين من بني إسرائيل فيها، وإن لم يتيسر ذلك يوضع مع الكفن شيء من التراب المجلوب منها] [.. الذي يتمشى أربعة أذرع في أرض إسرائيل على يقين أنه من أبناء الآخرة] [١٠] . وتفصل المصادر التفسيرية الحديثة أيضاً الكلام عن هذه النصوص التوراتية، يقول الدكتور بوست في قاموس (الكتاب المقدس) : (الأرض الموعود بها إبراهيم الموصوفة في كتابات موسى تمتد من جبل هور إلى مدخل حماة، ومن نهر مصر العريش إلى النهر الكبير نهر الفرات، وأكثر هذه الأراضي كانت تحت سلطة سليمان، فكان التخم الشمالي حينئذ سورية، والشرقي الفرات وبرية سورية، والجنوبي برية التيه وأدوم في سيناء، والغربي البحر المتوسط) [١١] . هذا من ناحية التنظير الاعتقادي والفكري، أما من حيث التنظيم العملي والحركي، فقد تلقّف رواد الحركة الصهيوينية الحديثة هذه المفاهيم، وكان على رأسهم الصحفي النمسوي، (تيودور هرتزل) الذي نذر نفسه لتحويلها من أحلام وآمال، إلى حقائق وأعمال. لقد كانت (إسرائيل الكبرى) هي أولى الآمال التي داعبت خيال هرتزل، واختمرت في ذهنه منذ الصبا، فقد حكى أنه رأى في حلمه أن مسيح اليهود المنتظر يحتضنه ويطوقه بذراعيه ويقول: (من أجل هذا الصبي كنت أصلي) ثم خاطبه قائلاً: (اذهب وأعلن لليهود بأني سوف آتي عما قريب) [١٢] . وقد كان تصوره للأرض التي ينبغي تهيئتها لمقدم هذا المسيح واضحاً منذ اليوم الأول لسعيه في تأسيسها، فهو يفترض أن الانطلاق سوف يكون من أي أرض يمكن الحصول عليها في فلسطين لتكون قاعدة يبدأ التوسع منها على مراحل في الزمن المتتابع، حتى يكتمل المشروع، قال في مذكراته: (إن القاعدة يجب أن تكون في فلسطين أو بالقرب منها.. إن علينا تشييد البنيان على أساس قوميتنا اليهودية، ولذلك لا بد من حصولنا على وسائل للجذب السياسي ... إنني لا أستطيع الإفصاح أكثر من هذا) [١٣] . فالقاعدة والمنطلق إذن (أرض فلسطين) أو (إسرائيل الصغرى) ولكن هل هذا منتهى الأحلام قبل مئة عام؟ ! لا؛ فإن المساحة التي لن يرضى اليهود بأقل منها هي المساحة المعروفة عندهم بـ (مملكة داود وسليمان) ! قال هرتزل: (إن الشعار الذي يجب أن نرفعه هو فلسطين داود وسليمان) . إنها ليست فلسطين التي نعرفها بحدوها المعاصرة، إنها أرض الشام كلها وما حولها أرض الميعاد.. أو (إسرائيل الكبرى) ! يقول هرتزل في مذكراته: (المساحة ... من نهر مصر إلى نهر الفرات، نريد فترة انتقالية في ظل مؤسساتنا الخاصة، وحاكماً يهودياً خلال هذه الفترة، بعد ذلك تنشأ علاقة كالتي تقوم الآن بين مصر والسلطان، وما أن يصبح السكان اليهود في منطقة ما، ثلثي مجموع سكانها حتى تصبح الإدارة اليهودية سارية المفعول على الصعيد السياسي، بينما تعتمد الحكومة المحلية دائماً (سلطات البلدياتى) على عدد الناخبين في المنطقة أو المحلة) [١٤] أقول: لا بد لنا من استرجاع المعاني العملية لتلك الكلمات التي قيلت قبل قرن كامل في ضوء ما طرأ وما يطرأ من أوضاع وترتيبات في المنطقة.. ماذا حدث في منطقتنا بعد قرن من هذه الكلمات التي سُطّرت في وقت لم يكن لليهود أي سطوة أو سلطة على أية رقعة من فلسطين وما حولها! ما هي يا ترى المرحلة الانتقالية؟ ما المقصود بحكم اليهود فيها؟ وما هي العلاقة التي أراد هرتزل أن تنشأ بعد ذلك بين الأقطار في المنطقة، والتي أعطى لها تشبيهاً بالعلاقة بين مصر وبين تركيا تحت حكم الباب العالي، إنها علاقة التابع بالمتبوع! أليس كذلك؟ ! . وما هي (سلطات) البلديات التي سيعتمد عليها؟ ! هذه الأحلام التي كان يحلم بها شاب في آخر الثلاثينيات من عمره منذ مئة عام ... من المسؤول عن تحقيقها أو تحقيق الكثير منها؟ .. لا بد أن نعترف أنه خلّف وراءه أجهزة فعالة، تحوّل الأحلام إلى حقائق. فأين العرب طيلة هذه المدة؟ بل أين كان المسلمون؟ ألم يكونوا يحلمون أيضاً؟ أم أن نومهم كان بلا أحلام؟ ! أم أنهم استبدلوا الحُلم بحِلم طويل طويل لكنه حِلم الضعفاء؟ لقد قامت الدولة بعد خمسين عاماً من تخطيط هرتزل في الموعد الذي حدده وذكره في مذكراته (ص٥٨١) . وبعد أن قامت بالفعل، بدا لليهود أن هناك من يريد مساومتهم على حدود تلك الدولة في المستقبل، حيث تشكلت في الأمم المتحدة عام ١٩٤٧م لجنة تحقيق دولية بشأن تلك القضية، فتقدم عضو الوكالة اليهودية: الحاخام (فيشمان) بخريطة توضح حدود الدولة اليهودية التي يرى اليهود أن لهم الحق الكامل في استردادها تنفيذاً لوعود التوراة ومشاريع هرتزل، ووقف فيشمان ليعرض حدود تلك الدولة التي تبدأ ( ... من مدينة الإسكندرية، محيطة بمنطقة الدلتا غرباً في مصر، ثم تمتد جنوباً مع مجرى نهر النيل، لتتجه شرقاً في خط مستقيم، قاطعة الجزيرة العربية، حتى محاذاة مصب نهر الفرات، ثم تصعد الحدود مع مجرى الفرات، حتى حدود تركيا لتصل إلى سورية، لتقفل الدائرة بعد ذلك بالحدود الشرقية للبحر الأبيض المتوسط) !! والآن ... وبعد خمسين عاماً أخرى من عرض (فيشمان) هل انتهى الحُلم؟ هل هذه مجرد أوهام وأحلام تسبح في الخيال كما يحلو لبعضنا أن يردد؟ ... أقول: لا، أبداً، لم ينته حلم اليهود في (إسرائيل الكبرى) ومَنْ شكّ في هذا، فليسأل العَلَمَ الإسرائيلي ذي الخطين الأزرقين اللذين يرمزان إلى نهري النيل والفرات! وليسأل النجمة السداسية المدّعاة بـ (نجمة داود) التي ترمز إلى حدود مملكة داود، والتي يتطابق مثلثاها للدلالة على تعاضد السلطة الدينية مع السلطة التنفيذية كما كان شأن الدولة في عهد داود وسليمان، وليسأل اللافتة المنصوبة على الكنيست الإسرائيلي متضمنة الوعد المذكور في التوراة، وليسأل بعد ذلك تلك العملة المعدنية الإسرائيلية التي يتعامل بها اليهود منذ أواخر العقد الماضي صغارآً وكباراً نساءً ورجالاً وأطفالآً، لتذكرهم كل يوم.. بل كل لحظة وهم يتعاملون بها بالحلم الباقي.. والذي لم يكتمل وهو: (إسرائيل الكبرى) حيث رسمت على العملة خريطة لتلك الأرض بحدودها من النيل إلى الفرات. فهل انتهى الحلم..؟ ! وللحديث بقية،،،

стр. 2806

المسلمون والعالم كوسوفا.. المأزق د. يوسف الصغير كثير من السياسيين لديهم القدرة على تغيير جلودهم؛ فهم قادرون على لبس جلود الحملان واستبدالها بسرعة بجلود الثعالب أو الذئاب، فمثلاً السياسي الأمريكي حمل وديع في ما يسمّى؛ (إسرائيل) وثعلب في سوريا، وذئب في العراق، وقل مثل هذا في مواطن كثيرة؛ فإن الدول الغربية التي تدعي الحرية وحماية حقوق الإنسان ترفع شعار تحرير المرأة ومحاربة الرق بينما شعوب كثيرة في العالم وخاصة الإسلامية استُعبدت نتيجة مؤتمر لم تحضره، أو رسالة شخصية لم تطلع عليها؛ فالحمل الوديع (بلفور) ينظر هو وصاحبة جلالته بعين العطف لإقامة وطن قومي لليهود في ويلز! لا آسف بل في بلاد بعيدة اسمها: (فلسطين) ولتنفيذ هذه الجريمة كان الإنجليز يضطرون إلى لبس الجلود الثلاثة كلها لمدة ثلاثين سنة متصلة؛ فالذين يساعدون في بناء مجتمع يهودي في فلسطين من العدم هم الذين ينكّلون بالفلسطينيين وهم ايضاً الذين يقنعون العرب بحرصهم على حل القضية بصورة عادلة! هذه المسرحية تتكرر كلما كان هناك طرف مسلم، ومأساة الألبان المتجددة مثال جديد شاهد على ذلك. الألبان في التاريخ: كانت القبائل الإيليرية هم أول من سكن مناطق البلقان، وقبل حوالي ألفي سنة احتل الرومان هذه المنطقة، وفي القرن الثاني الميلادي أخذت النصرانية تنتشر في أرض الإيليريه، وفي غضون القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) أخذت قبائل صقلبية (السلوفان والصرب والكروات والبشناق) تغزو مناطق إيليريه حتى قضت على الإيليريين إلا في المناطق الجنوبية الغربية؛ حيث ينحدر منهم اليوم الألبان. إن كلمة (ألبان) مشتقة من كلمة (ألبانو) وهو اسم لقبيلة من قبائل الإيليريه القديمة غلب اسمها على جميع القبائل الإيليرية، وأول من أطلق على الإيلير اسم الألبان هم البيزنطيون قرابة عام ١٠١٨م. واللغة الألبانية قديمة وتختلف عن لغة الشعوب الأوربية المجاورة، ونتيجة لوقوع الألبان بين الكنيستين الشرقية (الأرثوذكسية) والغربية (الكاثوليكية) فقد انقسم الألبان المعتنقون للمسيحية إلى: كاثوليك، وأرثوذكس وهم الأغلب. كانت بلاد الألبان قبل وصول العثمانيين واقعة في منطقة الصراع بين البيزنطيين والصرب والبلغار؛ مما أدى إلى احتلال الصرب للمناطق الشمالية، وانقسمت البلاد إلى إمارات كثيرة. لقد بدأ العثمانيون في دخول الجانب الأوربي من مضيق الدردنيل حوالي عام ١٣٥٠م واستمرت الفتوح العثمانية حتى تحالف الأوربيون بقيادة الصرب للوقوف في وجههم، ووقعت معركة كوسوفا المشهورة عام ١٣٨٩م التي قتل فيها السلطان مراد الأول ﵀ وملك الصرب وبعد هذه المعركة تم على مراحل فتح مناطق البلقان؛ وبانتصار العثمانيين في كوسوفا بدأ الإسلام ينتشر بسرعة بين الألبان حتى أصبح دين غالبيتهم. لقد دخل الألبان في نسيج الدولة العثماني ووصلو إلى أعلى المراتب في السياسة والجيش؛ فمثلاً كان هناك أكثر من ٤٠ من الصدور العظام (رئيس الوزراء) من أصل ألباني، أما وجودهم في الجيش العثماني فقد كان بارزاً وكان يطلق عليهم الأرناؤوط. لقد انقسمت مناطق الفتح العثماني إلى قسمين أساسين: مناطق انتشر فيها الإسلام ولكن لم يغلب على السكان مثل صربيا واليونان وبلغاريا، وأخرى غلب الإسلام على أهلها مثل بلاد البشناق (البوسنة) وألبانيا. وطوال قرون عديدة كان الصراع في هذه المناطق على أشده فقد كانت الممالك الأوربية تقوم بغزو هذه المناطق وإثارة أهلها النصارى، بينما المناطق التي أسلمت كان لها دور كبير في صد هذه الهجمات وإخماد الثورات. لكن مع ضعف الدولة العثمانية استقلت صربيا عام ١٨٣٠م، واحتلت النمسا البوسنة والهرسك عام ١٨٧٨م، وبقيت المناطق الألبانية تابعة للدولة العثمانية حتى عام ١٩١٢م؛ حيث انسحبت منها بعد حرب البلقان. وحتى نتصور مدى التأثير الإسلامي في المنطقة فإن من المهم أن نعرف أن الحكم العثماني تراوح بين ٤٠ سنة في كرواتيا وفديفودينا، وحوالي ٣٨٠ سنة في صربيا (كانت عاصمتها بلغراد يقطنها مئة الف نسمة عام ١٦٠٠م ثلاثة أرباعهم مسلمون، وبها ٢٧٠ مسجداً لم يبق منها اليوم إلا مسجد واحد) و٤٥٠ سنة في بلاد البوسنة في كوسوفا و ٥٤٧ سنة في مقدونيا. وكان لتسامح العثمانيين مع النصارى دور كبير في استمرار وجودهم في هذه المناطق؛ بينما كانت سياسة التصفية هي المعتمدة من قِبَلِ النصارى عند سيطرتهم على أي منطقة مما أدى إلى تضاؤل عدد المسلمين في بعض المناطق وانعدامهم في البعض الآخر، ولم يبق لهم وجود قوي إلا في المناطق التي اعتنقت الإسلام بشكل جماعي ومنها مناطق الألبان. السلخ والتقسيم: لقد كانت الثورات النصرانية التي تنجح ضد الدولة العثمانية تنتهي بالتسليم الأوربي لهذه الشعوب المكافحة بالحق في تقرير مصيرها وإنشاء كياناتها المستقلة بل والإشادة بصبرها وصمودها ضد الطغيان، وأما الشعوب العربية والإسلامية فإذا قامت بثورة فإنها يُلبس لها ابتداءً جلد الثعلب: تشجع على التمرد بقصد إضعاف الدولة وتفتيتها، ولكن في النهاية تسرق منها حقوقها بل ويصبح وجودها مجتمعة مشكلة يجب حلها؛ ففي الثورة المسماة: (العربية الكبرى) تم إغراء الشريف حسين بالثورة من أجل إقامة دولة العرب المستقلة، وفي النهاية مات الشريف حسين حسيراً في المنفى بعد تقاسم ما كان يحلم أنه سيكون دولته؛ بل وإقامة دولة اليهود على جزء منها. أما الألبان فكذلك أسهموا في التخلص من الحكم الذاتي تحت سلطة الدولة العثمانية ثم فوجئوا بتقسيم بلادهم بين الدول النصرانية، وما بقي لهم هو جزء صغير يدين بوجوده لاختلاف الأسياد ليس إلا. لقد بدأ الألبان التمرد على الدولة منذ ١٩١٠م وكانت صربيا تتحين الفرصة لالتهام كوسوفا لأهميتها المعنوية والاقتصادية؛ فعلى الرغم من أن وجودهم السابق فيها كان بوصفهم محتلين حيث إن الغالبية العظمى من السكان هم من الألبان؛ فإن حصول معركة كوسوفا فيها عام ١٣٨٩م كانت بداية النهاية للمملكة الصربية حيث سقطت بلغراد عام ١٤٥٢م، ولهذا فإنها تعني الكثير في محاولة تحقيق أحلام تكوين صربيا الكبرى، وكان التمرد الألباني فرصة سرعان ما استغلتها؛ حيث تحالفت دول البلقان الأرثوذكسية (صربيا والجبل الأسود وبلغاريا واليونان) من أجل تصفية الوجود العثماني، وكان الألبان ضحية هذه الحرب حيث دغدغت فيهم أحلام الاستقلال، وأثيرت فيهم القومية الألبانية فشاركوا في الحرب على أمل الاستقلال، وقد حصل خروج القوات العثمانية وكما هي العادة عقد المنتصرون مؤتمر تقاسُم الأسلاب والغنائم (لندن ١٩١٢/١٩١٣) وكان موضوع تقاسم الأراضي الألبانية وتوزيعها هو الأصل، ولكن النمسا التي كانت تحتل كرواتيا والبوسنة ولم يكن لها حظ في القسمة اعترضت على التقسيم حسداً لعدوتها صربيا وتم الوصول إلى حل وسط برعاية الإنجليز؛ ألا وهو تقاسم الجزء الأكبر من الأراضي الألبانية (٤١ ألف كيلومتر مربع) وكانت كوسوفا هي جائزة صربيا مع ترضية النمسا والألبان بإقامة كيان ألباني على جزء صغير من ألبانيا (٢٨٧٤٨ كيلومتر مربع) مع فرض حاكم أجنبي هو (ويلهلم ويد) الذي بقي سبعة اشهر ثم اضطر للمغادرة. كوسوفا تحت الحكم الصربي: لقد بدأ الصرب منذ اليوم الأول لاحتلالهم كوسوفا بعمليات الإبادة والإبعاد، وقد زادت بوقوع الحرب العالمية الأولى وتحوّل المنطقة إلى ساحة معركة بين الصرب من جهة والنمسا وبلغاريا من جهة أخرى. وبعد الحرب وهزيمة النمسا تمت مكافأة صربيا بإقامة المملكة اليوغسلافية (السلاف الجنوبيين) التي تضم صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنة والهرسك وكوسوفا، واستمرت هذه الدولة حتى احتلال يوغسلافيا من قِبَلِ الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية وقيام الجمهورية اليوغسلافية الاتحادية، وقد تعرض الألبان إلى كثير من الممارسات في مختلف العهود، وفيما يلي بعض الأمثلة: مقتل حوالي ١٥٠ ألف ألباني، وتهجير عدد غير معروف (أثناء حرب البلقان) محاولة تغيير عقائد الألبان إلى الأرثوذكسية، وتحويل أسماء بعض القرى والمدن إلى اللغة السلافية. مصادرة أراضي الألبان ومنحها للمستعمرين الصرب وكانت كل عائلة صربية وافدة تُمنح من ٨-٧٢ هكتاراً. في ١١ يونيو ١٩٣٨م وقّعت مملكة يوغسلافيا مع تركيا الكمالية اتفاقية تنص على تهجير ٤٠٠ ألف أسرة ألبانية إلى تركيا خلال الثمانية أعوام التالية. وبالطبع لم تنفذ هذه الاتفاقية لقيام الحرب ولكن توقيعها يدل على سياسة التصفية المنتهجة مع ملاحظة أن ٤٠٠ ألف أسرة يعني تقريباً ٥، ١ مليون نسمة على أقل تقدير. أثناء الحرب العالمية الثانية ووقوع يوغوسلافيا تحت الاحتلال الألماني، أنشئت القيادة العليا لجيش التحرير الوطني لكوسوفا، وقد منحت امتيازات القيادات المماثلة نفسها في صربيا وكرواتيا وسلوفينيا. وقد عقد مؤتمر لمجلس التحرير الوطني لكوسوفا في بوبان في ٣١ ديسمبر ١٩٤٣م حيث تبنى بالإجماع القرار التالي: (إن للشعب الألباني الحق في الحكم الذاتي ولو أدى ذلك إلى الانفصال) . ولم يعجب ذلك الحزب الشيوعي اليوغسلافي، واضطربت الأوضاع، وتم تصفية كثير من الألبان؛ حيث قتل في المعارك مع قوات الشيوعيين أكثر من ٤٧ ألف ألباني، وفي يونيو ١٩٤٥م تم إلغاء مقررات مؤتمر بوبان، واحتلت صربيا كوسوفا من جديد حيث نص دستور يوغسلافيا الجديد (١٩٤٦م) على تبعية كوسوفا لصربيا باعتبارها إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي، وقد ألغي الحكم الذاتي عام ١٩٦٣م. بعد الحرب بدأت مرحلة جديدة حيث وقعت الحكومة اليوغسلافية الشيوعية عام ١٩٥٣م اتفاقية جديدة مع تركيا من أجل تهجير الألبان على غرار اتفاقية ١٩٣٨م. وقد قامت السلطات الشيوعية بحملة تصفية ذهب ضحيتها الآلاف من الألبان، وقد هاجر حوالي ٥٠٠ ألف الباني في الفترة من ١٩٤٥١٩٦٠م إلى تركيا ومختلف بلدان العالم. وقد تنامى الضغط الشعبي للتحرر من السيطرة الصربية، ووافقت هوىً من تيتو عندما أراد تقليص النفوذ الصربي؛ فتم إصدار قانون مستقل لمنطقة كوسوفا، وفي دستور ١٩٧٤م أصبحت كوسوفا إقليماً من الأقاليم الأساس المكوّنة للاتحاد اليوغسلافي بإمكانها تنظيم القوات المسلحة للدفاع عن الإقليم والاستقلال المالي والقضائي. وبعد هلاك تيتو عام ١٩٨١م قامت مظاهرات للمطالبة بإعلان كوسوفا جمهورية اتحادية خوفاً من ضياع الحكم الذاتي وقد قامت الحكومة الاتحادية بقمع المظاهرات بضغط من الصرب الذين استغلوا هذه التطورات لإثارة المشاعر القومية والدينية لدى الصرب؛ حيث برزت من جديد قداسة كوسوفا، ولعب على هذا الوتر النجم الصاعد في ذلك الوقت سلوبودان ميلوسيفتش حتى وصل بفضلها إلى السلطة في صربيا عام ١٩٨٧م ليعد الصرب باستعادة كوسوفا وتكوين صربيا الكبرى. بدأت عملية تأليب الرأي العام وتصوير أن صربيا تدافع عن أوربا ضد الإسلام الذي يمثله الأتراك الجدد (الألبان) وأصدرت رابطة الكتاب في صربيا عام ١٩٨٩م مجلداً بعنوان كوسوفا (١٣٨٩ ١٩٨٩م) ثم قام ميلوسيفتش بإلغاء الحكم الذاتي، وقام بزيارة كوسوفا للاحتفال بمرور ستة قرون على معركة كوسوفا حيث قال: (معركة كوسوفا بدأت قبل ستة قرون وانتهت اليوم، ونحن مستعدون أن نضحي بثلاثمائة ألف مقاتل صربي لاستئصال الإسلام من سراييفوا إلى مكة) ! كانت حادثة ضم كوسوفا هي القشة التي قصمت ظهر البعير حيث بعدها بدأت الجمهوريات بالانفصال عن يوغسلافيا خوفاً من مصير كوسوفا. أثناء حرب البوسنة وما بعدها قام الصرب وكأنهم في سباق مع الزمن بتصرفات غير متزنة تدل على استعجالهم عملية هضم كوسوفا بالرغم من أن نسبة الألبان حوالي ٩٠% بينما تبلغ نسبة الصرب حوالي ٥% أما البقية فهم أتراك وبشناق وقوميات أخرى، وعلى سبيل المثال: ١- قام الصرب بتصفية المصانع والمؤسسات الألبانية وضمها لمثيلاتها الصربية بدعوى عدم اقتصاديتها، كما تم الاستيلاء على بعض المؤسسات بدعوى الخصخصة، وقد أدى ذلك إلى طرد أكثر من ١٥٠ ألف عامل من مؤسساتهم كما تم طرد الأطباء والممرضين الألبان مما رفع كثيراً من البطالة وحرم الألبان من الخدمات الصحية؛ نظراً لعدم الثقة بالصرب، مع ثبوت قيام الصرب بتسميم حوالي ٧٠٠٠ طالب في كوسوفا في مارس ١٩٩٠م كما تم الإعلان عن قانون جديد يقضي بأن جميع المديرين الألبان سيتم الاستغناء عنهم وإحلال الصرب محلهم. ٢- إلغاء حق التعليم باللغة الألبانية، وفرض المناهج الصربية: كما أوقف البث الإذاعي والتلفزيوني باللغة الألبانية، واستولت السلطات على كافة المؤسسات الثقافية في الإقليم. ٣- تشجيع الاستيطان الصربي عن طريق تأمين الوظائف والرواتب العليا مع الوحدات السكنية مع خطة إعلامية لطمأنة الصرب إلى الوضع الأمني في الإقليم. وقد تم توطين المهجرين الصرب من كرايينا والذين طردهم الكروات إلى كوسوفا. ٤- مضايقة المسلمين حيث تم الإكثار من نقاط التفتيش في تقاطعات الطرق؛ حيث يتعرض الألبان للتفتيش الدقيق والمضايقة، مع الإكثار من عمليات الدهم والتفتيش؛ حيث يتعرض الأهالي للإهانة وتخريب الأثاث ونهب الأشياء الثمينة. ٥- قيام القوات الصربية في الآونة الأخيرة ببناء الاستحكامات العسكرية حول المدن؛ وهذه خطوة خطرة سبق أن أقدمت عليها هذه القوات في البوسنة حيث تمت مهاجمة المدن وحصارها ودكها بالمدفعية؛ وسراييفو خير شاهد؛ فنسأل الله أن يلطف بالمسلمين، وأن ينصرهم على عدوهم. ٦- توزيع كميات كبيرة من السلاح على السكان الصرب في الإقليم مما زاد من التوتر، حيث بدأوا يتحركون في الشوارع وهم يحملون السلاح في مظاهر تشبه ما يحدث من المستوطنين اليهود في الضفة الغربية. ردود الفعل الألبانية: لقد كان رد الفعل الأولي على خطوة إلغاء الحكم الذاتي، هو اجتماع البرلمان وإعلانه التمسك بالحكم الذاتي وقد تم إجراء انتخابات جرى فيها ترشيح إبراهيم روجوفا (رئيس حزب الرابطة الديمقراطية الكوسوفي) رئيساً لكوسوفا، وتم تشكيل حكومة في المنفى عام ١٩٩٢م ولم يعترف بها سوى ألبانيا، وفي ٢٢ مارس من هذا العام أجريت انتخابات عامة لم تعترف بها بلغراد، وفاز بها روجوفا الذي يتبنى النهج السلمي الرافض للعنف من أجل حل الأزمة. وكانت الحكومة الصربية ترفض التفاوض حول إمكانية إعادة الحكم الذاتي مما أدى إلى رفع مستوى المطالبة إلى الاستقلال بل وحق تقرير المصير لللألبان الموجودين في مقدونيا وصربيا والجبل الأسود، بالإضافة إلى ظهور عامل جديد وهو جيش التحرير الكوسوفي فما هو هذا الجيش؟ جيش التحرير الكوسوفي: لقد أعلن هذا الجيش عن نفسه في إبريل ١٩٩٣م لأول مرة ثم توالت العمليات حتى أضطر الجيش والشرطة الصربية إلى شن حملات عسكرية كبيرة يتم فيها محاصرة القرى وقصفها ثم اقتحامها، والقيام بعمليات إعدام عشوائية مما زاد من النقمة وبدأ التلويح بالتدخلات الدولية من وزير خارجية بريطانيا إلى المبعوث الأمريكي الخاص حيث إن تطور الأحداث يؤذن بتفاقم الوضع بشدة. وقد قامت أمريكا بالضغط على الحكومة الاشتراكية في ألبانيا حتى أعلنت أنها غير معنية بالاتحاد مع كوسوفا؛ ومع هذا فإن التعاطف الألباني واضح حيث إن انتشار السلاح في ألبانيا سهل نقله إلى كوسوفا، وقد قام الجيش الصربي بمحاولة سد الحدود مع ألبانيا، والعمليات في تصاعد حتى وصلت إلى حد قيام الألبان بإسقاط طائرة ميغ صربية مما يعني تطوراً نوعياً في وسائل الحرب. المأزق الصربي: إن تعامل الصرب مع الألبان فيه كثير من عدم الاتزان فإذا علمنا أن عدد سكان صربيا هو ٩ ملايين وكوسوفا ٥، ٢ مليون فإن محاولة إلغاء وجود هذا العدد من الألبان وشطب حقوقهم مع المحافظة على الاستقرار مهمة مستحيلة؛ ومن الواضح أن أسلوب تعامل الشرطة والجيش الصربي سيؤدي إلى انفجار شامل فإليكم هذا المثال البسيط: على أثر ذلك قتل اثنان من رجال الشرطة الصرب فقامت الشرطة الخاصة (ساج) فوراً باعتقال أول عشرة ألبان صادفوهم وتم إعدامهم (الوطن١/٥/٩٨) . إن تصرفات الصرب السياسية والأمنية جعلت شعبية جيش التحرير الكوسوفي ترتفع بسرعة كبيرة وبعد أن كانت العمليات محدودة وكان هناك تشكيك بأن المخابرات الصربية وراء إقامة هذا الجيش لعرقلة العملية السياسية؛ فإن تطورات الأحداث واتساع العمليات بصورة كبيرة جعل شعبيته كبيرة جداً بين الألبان وخاصة الشباب. ومهما يكن فإن المشكلة الآن أن التنسيق بل والود مفقود بين السياسيين الألبان وجيش التحرير؛ حتى إن جيش التحرير هدد بإعدام روجوفا إذا فرط في الحقوق الألبانية، وحزب روجوفا يطلب تدخل أمريكا أو الحلف الأطلسي من أجل خلط الأوراق، وهذه أوضاع لا تسر ولا تعين على حل الأزمة وتحقيق الأهداف بأقل الأخطار الممكنة؛ فمن الواضح أن وجود جيش التحرير ضروري لدفع الصرب للتنازل. ولكن في المقابل فإن سياسة كل شيء أو لا شيء لا يحقق مصالح الشعوب دائماً؛ فأحياناً يكون الوضع غير ملائم للحصول على كل الحقوق. إنه ليس في مصلحة الألبان ظهور الشقاق على طريقة الحل في أول الطريق؛ حيث إنه من الواضح أنهم يحتاجون إلى كل هذه الطرق؛ فوجود شخصيات سياسية تنادي بالحصول على الحقوق بالتفاوض لا يعني عدم الحاجة إلى جناح عسكري قوي يضغط على الجهة الأخرى من أجل التنازل؛ وبالعكس فإن القوى المسلحة لا تستغني عن واجهة سياسية من أجل الوصول إلى أقصى ما يمكن تحقيقه؛ فالواجهة السياسية المجردة عديمة الجدوى في واقع يقدس القوة؛ والقوة المجردة معرضة للنجاح التام أو الإخفاق الشامل، ولهذا فإن التكامل ضروري بينهما؛ وفي هذا العصر برزت منظمات أخذت بهذا النهج المبتكر؛ فالجيش الجمهوري الأيرلندي يتكون من جناحين هما الجناح السياسي والجناح العسكري، وبالمثل قامت حماس على هذا الخيار؛ حيث إن هناك جناحاً سياسياً واجتماعياً في مقابل جناح عسكري فعال؛ فالذي نأمله ألا يترك الألبان الفرصة للمتربصين بهم لحرف المعركة وخلط الأوراق؛ فإنه يجب ألا ينسوا أن ضم كوسوفا لصربيا تم بمباركة الدول الكبرى وحتى أمريكا التي ترى في صربيا الحليف الوحيد الباقي للروس في أوروبا فإنها تفضل حل الحكم الذاتي على بروز دولة جديدة تؤثر على التوازنات الموجودة.

стр. 2807

مقالات معربة حقيقة التفاوت لماذا يجب على (إسرائيل) أن تمتلك أسلحة نووية؟ لويس رينيه بيريز أستاذ العلوم السياسية جامعة بوردو أمريكا الناشر: دورية براون جورنال تعريب المجموعة الإعلامية الدولي (الولايات المتحدة) - خاص بمجلة البيان - (يلحظ القارئ الكريم أن هيئة الترجمة والإعداد قد أبقت على كثير من الاصطلاحات والتعبيرات التي استخدمها كاتب المقال، كاستخدام كلمة (العدو) للدلالة على البلدان الإسلامية، واستخدام كلمة (القدس) للتعبير عن (عاصمة الدولة اليهودية) حيث يعتبر الكاتب كما ذكر في مقاله أن جعل (القدس) موضع تفاوض على الطاولة الدبلوماسية هي (فكرة سخيفة) إلى غير ذلك من الاستخدامات والصياغات التي تتلاعب بالحقائق لقلبها تمهيداً لتثبيتها حسب سياسة (الأمر الواقع) تلك التي يتقن اليهود استخدامها) . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - المجموعة الإعلامية - رغم أن من الصعب تخيل الأسلحة النووية عدا كونها أدوات تدمير سيئة، إلا أن هناك حالات يكون فيها امتلاك دولة ما لهذه الأسلحة حامياً لها من حرب فاجعة أو حتى من خطر الإبادة، ويتبع ذلك أنه ليس ضرورياً أن تكون جميع الدول التي تنتمي إلى النادي النووي مصدر تهديد؛ وإسرائيل هي حالة خاصة دفاعية متميزة لا يمكن الاستغناء عنها للسلام والأمن العالميين. وإسرائيل هي حالة خاصة في هذا المجال؛ إذ إن نزع قدراتها النووية التي لم يُكشف عنها حتى الآن نتيجة ضغوط خارجية سوف يجعل الدولة اليهودية عرضة للهجمات الساحقة والتي تعجز العبارات عن وصفها من قبل دول معادية معينة. لقد قدّم الدكتور عبد المنعم سعيد علي مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة وجهة نظر عربية مصرية فيما يتعلق بـ (القنابل النووية الإسرائيلية) غير المعلن عنها في مقال له في عدد صيف خريف ١٩٩٦م من مجلة براون للشؤون الدولية تحت عنوان: (في ظل القنابل النووية الإسرائيلية: إدراك التهديد المصري) ، ويعترف المقال بإصرار دولته على الضغط على إسرائيل من أجل التوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية؛ إلا أنه يبدو أنه نسي أن إسرائيل تصيغ سياساتها الاستراتيجية ضمن مجرى الأحداث ولا يتم خلق هذه السياسات في فراغ جيوسياسي، إنه من السخف القول إن قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨م (شكّل تهديداً أمنياً رئيساً لمصر) حتى اليوم وفي وجود سلام رسمي بين مصر وإسرائيل، فإن الطرف المصري ضَمِنَ إبقاء هذا السلام عن طريق تسلح مصري مستعد! . ويخشى د. عبد المنعم سعيد من أن مصر مهددة من قِبَلِ إسرائيل؛ وذلك لأن الدولة اليهودية تستمر في المحافظة على جناح يميني أصولي متعصب؛ إلا أن الواقع يشهد أن حكومة نتنياهو رفضت إلغاء التنازلات المذلة لإسرائيل بشكل كبير والمنصوص عليها في اتفاقيات أوسلو. وعلى الصعيد الآخر فإن القوى الأصولية الإسلامية المتعصبة الحقيقية بإمكانها قلب حكومة مبارك في أي لحظة وإنهاء معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وشن حرب عدوانية! ويمكن للقارئ غير المطّلع أن يصل من خلال مقال عبد المنعم سعيد إلى استنتاج مفاده أن تاريخ النزاع في الشرق الأوسط بعد ١٩٤٨م يعود للعدوانية الإسرائيلية المستمرة، في حين أن الرئيس عبد الناصر في ذلك الوقت طلب انسحاب الأمم المتحدة من سيناء تمهيداً للهجوم على إسرائيل، فضلاً عن احتشاد الجنود والدبابات المصرية على الحدود، وصيحات راديو صوت العرب، وتصريحات حافظ الأسد بأن القوات العربية جاهزة لاقتلاع إسرائيل، ومع ذلك فإن الدكتور عبد المنعم سعيد يصر على أن لجوء إسرائيل لضربة وقائية دفاعاً عن النفس عام ١٩٦٧م كان عملاً عدوانياً، ولا شك أنه لا توجد دولة في الشرق الأوسط معرضة لحرب فاجعة كإسرائيل، ولذلك فحرمان إسرائيل من أسلحتها النووية، يجعلها غير قادرة على تجاوز حرب أخرى. إن إسرائيل تمتلك بالفعل تفوقاً نووياً في المنطقة، إلا أن هذا الوضع لا يضمن على الإطلاق قوة متفوقة، وشاهد ذلك هو عجز إحدى القوى النووية الرئيسة وهي الولايات المتحدة عن تحقيق التفوق ضد خصم من العالم الثالث وهو فييتنام الشمالية: إن معضلة وجود إسرائيل عندما يتم النظر إلى صفاتها الرئيسة هي ما يلي: إن إسرائيل دولة صغيرة محاطة بدول معادية أكبر حجماً تزداد في التسلح وهي تسعى للأمن من خلال إيجاد وسائل ردع معقولة، إن على القدس أن تخطط مرة أخرى لأشكال مختلفة من التفوق العسكري الوقائي. إن الخيارات الأمنية الإسرائيلية يمكن لها أن تتحسن في حال وجود آمال حقيقية لما يسمى: (عملية السلام) لكن أيّاً من هذه الآمال ليس معقولاً في الوقت الراهن، واتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير تبقى مضرة بالاحتياجات الأمنية لإسرائيل. وإذا تساءلنا عن أنظمة الدفاع النشط كنظام آرو (السهم) المضاد للصواريخ الباليستية الذي يشير إليه عبد المنعم سعيد: ألا يمكن لإسرائيل أن تتخلى عن متطلباتها العسكرية الوقائية إذا تمكنت من نشر أنظمة دفاعية فعالة؟ إن العديد من المشكلات تبرز في هذا المجال، أولها: أن نشر نظام السهم الدفاعي الإسرائيلي يحتاج لأربع أو خمس سنوات. ثانيها أن رأساً واحداً نووياً أو آخر غير تقليدي لا يتم اعتراضه بإمكانه إحداث دمار لا يمكن احتماله. إن الأنظمة الدفاعية النشطة تتطلب قدرات قريبة من الكمال ولا يمكن تحقيق ذلك على أرض الواقع. كيف يقترح عبد المنعم سعيد أن إسرائيل بإمكانها التعويض عن خسارتها للعمق الاستراتيجي إذا أدت هذه الخسارة لقيام دولة فلسطينية؟ وهو ما يظهر أكيداً الآن؛ فإن انتصار أعداء إسرائيل سيتم تقويته من قبل التصور العربي والإيراني، وعند أخذ هذا التصور في الاعتبار فقد يصبح من الضروري على إسرائيل أن تخرج قنابلها من (المخازن) لتحسين قدرة الردع، أو قد تظهر رغبة متزايدة في البدء بضربات أولى ضد أهداف ثقيلة للعدو (!) ولا شك أن بعض الدول العربية أو إيران ستقوم بالرد مما سيدفع للتوجه نحو الخيار النووي بشكل علني، والقيام بالهجمات الأولى الوقائية، وعليه فإن نتائج مسار أوسلو وهو ما يسمى: (عملية السلام) سوف يؤدي بالتأكيد إلى زيادة اعتماد إسرائيل على الأسلحة النووية. إن المشكلة لا تتمثل في أسلحة إسرائيل النووية، ولكن المشكلة الحقيقية هي ذلك الجوار السيئ المسمى بالشرق الأوسط (!) وهي الالتزام العربي / الإيراني باستئصال (السرطان اليهودي) . إن على الحكومة في القدس أن تدرك أن مسيرة السلام هي مجرد طريقة مؤقتة للعدو، وحيلة مدبرة بشكل جيد من أجل التخلص من إسرائيل. إن الأسلحة النووية الإسرائيلية ضرورية لنجاة إسرائيل وكذلك لضمان الاستقرار في المنطقة؛ فبدون وجود الأسلحة النووية فإنه حين تقوم القدس بشن ضربات أولى وقائية غير نووية ضد أهداف عسكرية قد تهدد بالقضاء على إسرائيل ستتسبب هذه الضربات الوقائية في بداية حرب واسعة، ولهذا السبب فإن أسلحة إسرائيل النووية ستكون عائقاً أمام الاستخدام الفعلي لهذه الأسلحة وإشعال حرب نووية إقليمية. ولا يتفق عبد المنعم سعيد بالطبع مع ذلك، فهو يجادل أنه نتيجة للقدرة النووية الإسرائيلية فإن على مصر البقاء معتمدة كلياً على النوايا الحسنة لإسرائيل، ولكن لماذا؟ هل تسمح الأسلحة الإسرائيلية للقدس أن تطلب تنازلات سياسية أو عسكرية من القاهرة؟ إن الإجابة بالطبع: لا، وهل يتوقع أن تقوم إسرائيل بهجوم نووي من دون أي سبب أو أن تقوم إسرائيل بالتهديد بالبدء بحرب نووية؟ إن عبد المنعم سعيد يتجاهل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية المصرية والعربية التي بإمكانها أن تشكل عاملاً محبطاً فعالاً لأي رد إسرائيلي نووي، ولذلك فرغم أن هناك احتكاراً نووياً إسرائيلياً (وهو احتكار مؤقت بشكل عارض) إلا أن هذا الردع النووي يزداد عرضة لعدم الفعالية. إن عبد المنعم سعيد يضع اللوم في الانتشار المتوقع للأسلحة النووية على ضحاياها المحتملين، إن إسرائيل دولة لم تصدر أبداً تهديدات بالإبادة، ولم تطلق هجمات صاروخية ضد تجمعات مدنية مثلما فعلت بعض الدول المجاورة! ويدعي عبد المنعم سعيد أن إسرائيل قامت فعلياً بنشر بعض أسلحتها النووية في أوقات الطوارئ القومية الخطرة، ورغم أنه ليس بإمكاني معرفة مدى صحة هذا الادعاء وليس بإمكان البروفيسور عبد المنعم سعيد كذلك؛ فإن كل ما على العرب القيام به من أجل تجنب استخدام إسرائيل للأسلحة النووية هو تجنب الاعتداء بالأسلحة الكيماوية أو الهجمات التقليدية الشديدة ضد الدولة اليهودية. وأخيراً نجد أن عبد المنعم سعيد يخطّئ إسرائيل (لرفضها المستمر منح الفلسطينيين كيان دولتهم) وللإصرار العنيد على (احتلال الأراضي العربية بما فيها القدس) إنه من السخرية أن يُظن أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد منحت الشرعية لفكرة اعتبار يهودا والسامرة [١] (أراضي عربية محتلة) أو سمحت بالفكرة السخيفة: أن القدس موضع تفاوض على الطاولة الدبلوماسية، وبدلاً من الإصرار على عدم وضع القدس وهو إصرار ضروري للخلاص الوطني موضع تفاوض فإن الحكومات الإسرائيلية قد استسلمت بشكل متواصل للمطالب العربية التي ستؤدي إلى فناء إسرائيل. إن لدى إسرائيل الكثير مما تخشاه، وعلى القدس أن تدرك أن تحويل يهودا والسامرة إلى فلسطين لن يجلب الاستقرار للمنطقة بل سيوفر الوسائل والحوافز لتدمير الدولة اليهودية نهائياً. إن حرمان إسرائيل من هوامش إقليمية أمنية يجعلها عرضة وبشكل جدي لهزيمة كاملة. إن مسألة الدولة الفلسطينية قد يكون لها توابع وجودية لدولة إسرائيل؛ إذ إنه في اللحظة التي يتم فيها قبول فلسطين؛ فإن هذا الكيان الذي يشبه لبنان قد ينتهي بهرمجدّون [٢] ؛ وهو تحوّل ليس في صالح الإسرائيليين والعرب على السواء في منطقة قابلة للانفجار بشكل دائم. محاولة فهم الجدال: لماذا تحتاج إسرائيل من وجهة نظر متعقلة للأسلحة النووية؟ نقدم فيما يلي الإجابة: تحتاج إسرائيل للأسلحة النووية لأجل الأمور الآتية: ١- ردع هجمات تقليدية واسعة من قبل الدول المعادية. ٢- ردع جميع درجات الهجمات غير التقليدية (بيولوجية، كيماوية، ونووية) . ٣- استباق الهجمات النووية المعادية. ٤- دعم ضربات أولى وقائية تقليدية ضد الأسلحة النووية لدى العدو؛ إذ يمكن التهديد باستخدام الأسلحة النووية رداً على انتقام محتمل. ٥- دعم ضربات أولى وقائية تقليدية ضد الأسلحة غير النووية لدى العدو؛ إذ يمكن التهديد باستخدام الأسلحة النووية ضد أي رد محتمل. ٦- خوض حرب نووية، ورغم أن هذا السيناريو غير ضروري، إلا أنه يجب أخذه بكل جدية من المخططين وصانعي القرار الإسرائيليين. ٧- ممارسة (خيار شمشون) [٣] . وبالرغم من النتائج الفاجعة إلا أن إسرائيل تدرك أنه من الأفضل (الموت مع الفلسطينيين) بدلاً من الموت وحدها؛ غير أن إسرائيل وهي تلجأ للأسلحة النووية على أنها حل أخير لن تختار (الانتحار) أو تقوم بالانتحار بالضرورة. خيارات الردع: إن فعالية الأسلحة النووية في تلبية هذه الاحتياجات الأمنية لإسرائيل محدودة وذات إشكالية عظيمة. إنه ليس بإمكان إسرائيل الاعتماد بشكل معقول على الردع النووي من أجل الخلاص. إن على إسرائيل أن تقنع المهاجمين المحتملين بأنها محافظة على الرغبة والقدرة في الانتقام باستخدام الأسلحة النووية. وعندما لا تكون الدول المعادية مقتنعة بأحد أو كلا هذين العنصرين الضروريين للردع النووي، فإن تلك الدولة قد تختار القيام بالضربة الأولى. إن أي دراسة للردع النووي الإسرائيلي ستبقي ناقصة من دون التطرق إلى موضوع (الكشف) عن هذه الأسلحة. فعلينا أن ندرك أن الكشف عن هذه الأسلحة يهدف إلى رفع مستوى إدراك العدو بالقدرات النووية الإسرائيلية أو الرغبة الإسرائيلية في استخدام هذه الأسلحة. إن الفوائد العملية للكشف عن الأسلحة النووية تنبع من التدفق المتعمد للمعلومات حول الانتشار والتضاعف، وتقوية وسرعة وسرية أنظمة هذه الأسلحة وبعض خواصها التقنية؛ مما سيخدم هدف إزالة الشكوك لدى أعداء إسرائيل، والتي إذا لم يتم تحديها، فإنها قد تضعضع الردع النووي الإسرائيلي. إن تحريك القنبلة من مخازن إسرائيل سيزيل شكوك العدو حول رغبة القدس في تنفيذ تهديداتها الانتقامية. إن الكشف عن طبيعة الرد الإسرائيلي بشكل عام وغير مفصل قد يساهم في الردع النووي الإسرائيلي إلى المدى الذي يوضح فيه الرد الإسرائيلي الاستراتيجي أشكالاً مختلفة ومتدرجة من الثأر. إنه بغير هذا الكشف فإن الأعداء سيبقون يخمنون ماهية الردود الإسرائيلية المحتملة، وهي حالة من الشك التي قد تخدم الأمن الإسرائيلي لمدة أطول إلا أنها قد تخفق بشكل كامل في وقت آخر. وفي كل الأحوال: فإن الأسلحة النووية هي عمل سيئ جوهرياً. إلا أن إسرائيل لا تعيش في عالم مثالي؛ وذلك لأسباب ليست من صنعها؛ ولذلك فإن عليها الاستمرار في الاعتماد على هذه الأسلحة من أجل تحقيق خيارات ردع ضرورية، ومن أجل تحقيق خيارات وقائية، ومن أجل تحقيق خيارات الحرب النووية وحتى من أجل تحقيق خيار شمشون؛ وهذا يعني أنه ليس بإمكان إسرائيل أن تتفاوض حول أسلحتها النووية على شكل اتفاقات دولية خصوصاً في خضم ما يسمى (عملية السلام) وما يرافقها من قيام دولة فلسطينية. وطالما أن إسرائيل مجبرة على التحمل في ظل مخاطر تهدد وجودها، فإن على الأعداء الإقليميين للدولة اليهودية أن يتحملوا وجود القنابل النووية الإسرائيلية.

стр. 2808

قضايا ثقافية أسطورة شادي عبد السلام [*] اتجاهه الفني ونزعته الفرعونية د. أحمد إبراهيم خضر شادي عبد السلام، أحد فناني السينما، يطلقون عليه (المفكر وشهيد الفن) [١] ، وهو مخرج سينمائي مغمور ذو شهرة محدودة لا يعرفه عامة الناس، لكن رجال السينما والفن ينظرون إليه على أنه عبقري وأسطورة، قالوا عنه ما نصه: (أي عظمة وأي شموخ، وأي تراجيديا لعبقري مصري أفلتناه من أيدينا، نحن أنفسنا الذين نحمل وزر دمه المسفوح على كواهلنا جميعاً) [٢] . تركزت الأضواء على شادي عبد السلام بعد أن كتبت عنه الصحف الفرنسية ومنحه الغرب عدة جوائز أهمها جائزة (جورة سادول) عام ١٩٧٠م عن فيلمه (المومياء) ومنحته بريطانيا، وإيطاليا، وأسبانيا عدة جوائز أيضاً، كما منحه المركز (الكاثوليكي المصري) جائزة شرف عن مجمل أفلامه عام ١٩٧٥م [٣] . لماذا شادي بعد هلاكه؟ ورغم أنه مات منذ عشر سنوات إلا أن الأضواء عادت تتركز عليه الآن وتضعه جنباً إلى جنب مع الرموز التي أخذت على عاتقها مهمة تهميش الإسلام وتخريبه من داخله. كان الهدف العام لبعض المثقفين العرب وعلى الأصح (العلمانيون منهم) ترك مهمة مكافحة الإسلام على حد قول المستشرق الألماني (ألكسندر فورس) لما يسمونهم بممثلي الإسلام المستنير وعلى أرض الإسلام ذاته من جانب إسلاميين عقلانيين، على أساس أن الهجوم على الإسلام من مواقع غير إسلامية سيقوّي جانب ما يسمونهم بالإسلاميين الراديكاليين ويكسبهم أرضاً جديدة [٤] . لكنّ تبني العلمانيين العرب لشادي عبد السلام في هذا الوقت بالذات أضاف بعداً ليس بالجديد في مواجهة الإسلام، ولكنه محاولة لبعث الحياة في قلب ميت، إنه في نظرهم فنان مبدع يدرك أن قيمة الوجود إنما تكمن في الصراع ضد المألوف [٥] قضى حياته متبتلاً في محراب الفراعنة؛ فاستغلوه ليطعنوا الإسلام عبر دعوته إلى إحياء الفرعونية، واتسقت محاولتهم هذه مع الخط الجديد الذي يواجهون به المد الإسلامي المتنامي المتمثل في إعادة طبع ونشر كل فكر وكل قضية وكل رواية وكل كتاب له موقف ضد الإسلام، فطبعوا ذلك كله بالملايين وباعوها بسعر زهيد جعلوه في متناول رجل الشارع، وقد أصدروا حتى الآن ثمانية عشر مليون نسخة في تسع سلاسل بالإضافة إلى الكتب والمجلات الأخرى. مثقف لا يعرف الثقافة! ! كان شادي عبد السلام يكتب أفلامه باللغة الإنجليزية؛ وكانت قراءته باللغة العربية محدودة للغاية ولهذا قيل عنه: (إنه من المثقفين العرب الذين لا يعرفون الثقافة العربية! !) [٦] . وصفه أحد محبيه بقوله: (إنه ارستقراطي التفكير، إنساني النزعة، يضيق بالإيديولوجيات الجاهزة وفكرة النظم الشمولية، ثقافته وتكوينه أوروبي رغم جذوره المصرية ... علماني، راديكالي النزعة) [٧] . تبناه المخرجون الأجانب وعلى رأسهم الإيطالي المعروف (روبرتو روسلليني) ، وأعجب به سينمائيون أجانب مثل (جون راسل تيلور ودافيدروبنسون) . كان يلتقي بالمخرجين العالميين في القاهرة متيحاً لنفسه ولتلامذته فرصة النقاش الشخصي والاحتكاك المباشر بل والتسكع معهم في أزقة الحسين، وأحياناً في الملاهي الليلية الرخيصة بنص عبارة (محمد كامل القليوبي) [٨] ، قال شادي عبد السلام يوماً لأحد الصحفيين: (هل أقول لك سراً.. هل تعلم أنني صممت أول بدلة رقص لتحية كاريوكا، هذه السمراء الجميلة، أحس فيها بأصالة تمتد إلى قرون الماضي وزهوه) [٩] ، هذا هو شادي عبد السلام: الفن والحرية عنده قرينان لا ينفصلان وينادي دائماً بأنه لا مساومة في الفن) [١٠] . صِلاته بالغربيين! وصفه أحد تلاميذه بأنه (ودود عطوف رقيق المشاعر وحنون) حتى إنه بلغ به الأمر أن تبنى أخاً أصغر لأحد أصدقائه المقربين آنذاك وألحقه بإحدى المدارس الخاصة الأجنبية (الجزويت) على ما أعتقد أو ربما (الفرير) ! ! [١١] . كان هذا الفنان العبقري كما وصفوه يضع على رفوف مكتبه لوحة أصلية للمستشرق الإنجليزي (دافيد بروتس) في إطار رقيق مذهّب، وفي رف آخر كان يضع (أيقونة خشبية عن صلب المسيح!) . وصف أحد أصدقائه ختام ليلة احتفالهم بعيد ميلاده قائلاً: (وتنتهي بما يفضله: بالسماع إلى موسيقى فاجنر (ترسيتان أند إيزولدا) ، فيسبح على المكان أنغام تنساب إلى الوجدان والجميع صامت، ويحول (شادي) هذه الأسطوانة الكربونية إلى مسرح حي بشرحه وتعليقاته) [١٢] . لم يشغل الإسلام حيزاً واضحاً في عقل (شادي عبد السلام) ووجدانه بقدر ما كان يشغله الأوروبيون والفراعنة، وقديماً قال العلماء: (قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده.. فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع) [١٣] . لهذا احتُفيَ به! أهّلت كل هذه المواصفات (شادي عبد السلام) ليحتل موقع الصدارة مع (طه حسين) ، و (نصر حامد أبو زيد) في عدد خاص من ستمائة وأربع وخمسين صفحة خصص له وحده أكثر من نصفها أخرجته شلة من المثقفين العرب: جنود الخط الأول في المواجهة للدفاع عن (العقلانية) ،المتسلحين بما يطلقون عليه: (الفكر الحر والمتقدم) من أجل صياغة مشروع ثقافي وفكري مستنير! [١٤] ضد الذين يتخرّصون بتسميتهم بدعاة الجمود الذين يريدون الإبقاء على موروثاتهم دون تغيير، والذين يقدمون القرابين للسلف الصالح [١٥] ، المتعلقين على الذات [١٦] المنادين بالعودة إلى ماض وهمي [١٧] ، على حد قولهم. لم يكن الأمر بالنسبة لـ (شادي عبد السلام) مجرد فن؛ فقد كان يحمل عبر أعماله الفنية موقفاً اجتماعياً وفكرياً محدداً [١٨] ، وهو الدعوة إلى إحياء الفرعونية، قال عنه أحد تلاميذه: (علّمنا شادي أول ما علّمنا هو أن نحيا الحضارة المصرية القديمة، وأننا امتداد لها نحملها في داخلنا ... عاش فعلاً بيننا كأحد الفراعنة العظام ولم يتخل لحظة في حياته عن هذا الاعتقاد) [١٩] . الفرعونية بين القبول والرفض: أعادت هذه الحفنة من المثقفين العرب فكرة إحياء الفرعونية لمواجهة الإسلام من على نعش (شادي عبد السلام) واستماتوا في بيان عدم التعارض بينهما [٢٠] رغم أنهم يعلمون تماماً أن المسؤولين عن السينما المصرية رفضوا الموافقة على سيناريو فيلمه الشهير (المومياء) لأنه مضاد آنذاك لدعوة الدولة للقومية العربية [٢١] فما بال الأمر بالنسبة للإسلام؟ اعتقد (عاشق الفرعونية) أن قيام نهضة حقيقية لمصر الحديثة في كل دروب الحياة تتعذر ما لم يُعِدِ المصريون اكتشاف وتقييم واستلهام تراثهم القديم [٢٢] هذا التراث ليس هو الإسلام بالطبع وإنما هو تراث الفراعنة، لهذا فإنه يرفض نعوت الجاهلية والوثنية المنسوبة إلى هذا التراث، بل يرى في هذا التراث بأبعاده الدينية والأخلاقية والفلسفية فكراً راقياً ومصدراً روحياً لرقي مدني شامل، مؤمناً تماماً بمقولة عالم المصريات الأمريكي (بريستيد) بأن هذا التراث يمثّل فجر ضمير البشرية [٢٣] . لهذا نرفض الفرعونية: ولا يغيب عن ذهن (شادي عبد السلام) ودعاة الفرعونية أن تأصيل النهضة والرقي يمكن أن يكون إسلامياً؛ فهم يتابعون ما يسمونه (بمنطق السلفيين في النهضة) فيرفضون ما يسمونه (بتقليد المظاهر والقشور كما في اللغة والزي والشكليات والطقوس) وينادون بمنطق تعمق فهم الفرعونية الذي يفجّر في نظرهم طاقات خلاّقة تسهم في خلق مجتمع أكثر استنارة وذوقاً واعتداداً بالنفس [٢٤] . ويعرف دعاة الفرعونية موقف الإسلام من (بعض) أفرع الفن وتحريمه لها، ويرون أن هذا التحريم قد عرقل تطور الفنون في مصر، وأدى إلى وجود مجتمع فقير حضارياً وإنسانياً لا يقدّر العمل المبدع بسبب افتقاره إلى الروح الفنية، وعلاج ذلك عندهم لا يكون إلا بإحياء الوعي الفني لمصر الفرعونية والإحساس بالجمال عند المصريين القدماء وفوق ذلك كله (محو هذا التحريم) حتى تتحرر العقول وتبحث بحرية في التراث الفلسفي والأدبي والأسطوري الفرعوني [٢٥] . الفنان إذن لا يعود إلى الماضي في عمل فني مجرد باعتراف نقاد السينما لمجرد العودة إلى الماضي وإنما ليعبر عن وجهة نظره في الحاضر والمستقبل [٢٦] . نشأة شادي ومدرسته الفكرية: تربى (شادي عبد السلام) في كلية فيكتوريا بالإسكندرية [٢٧] ودرس في إنجلترا وكانت ثقافته أوروبية وتكوينه أوروبياً؛ فكيف ربط ذلك بماضيه الذي يعتز به ويريد أن يعود إليه ممثلاً الفرعونية؟ فلسف (مريدي النحاس) حل هذا التناقض بقوله: (إن شادي يعتقد أن إعادة الاتصال بمصر القديمة يمكّننا في الوقت نفسه من مدّ جسر يربطنا بالحضارة المعاصرة التي بدأت أوروبية وأضحت عالمية، وإن جذور الحضارة الأوروبية الحديثة لا تعود إلى اليونان وروما القديمة إنما إلى حوض البحر المتوسط الذي لعبت مصر دوراً كبيراً في صياغة ملامحه الفكرية والعلمية والدينية ... إن إحياء الوعي بالتراث القديم يزيد من حجم الأرضية المشتركة بيننا وبين الغرب ... إن من ساهم في إرساء حجر الأساس له أولوية المشاركة في الحوار العالمي كشريك كامل الحقوق وليس مجرد المراقبة والاستحسان أحياناً والنفور أغلب الأحيان) [٢٨] . وانطلاقاً من هذه النقطة بالذات استغل (مريدي النحاس) شادي عبد السلام إلى أبعد الحدود ليقودنا به إلى منعطفات خطرة من شأنها أن تُقصي الإسلام تماماً عن حياة الناس، وتدمّر عقيدة الإسلام شكلاً وموضوعاً. ركز (النحاس) على أن أوروبا لم تنهض إلا بعد أن عادت إلى التراث اليوناني والروماني واستلهمته في تطوير أنماط جديدة من الفكر والفلسفة والعلوم والفنون والسياسة، وأراد منا أن نستلهم من الفرعونية ما يزوّدنا بما يسميه بالقوالب والإيحاءات أو معالم الطريق! القصد الحقيقي للنحاس أن يقول لنا: إن أوروبا قد اختصرت الطريق علينا باستيعابها تراث اليونان والرومان الذي يمثل الأرضية المشتركة بيننا وبين الغرب؛ لأن مصر قد شاركت فيه تحت بوتقة حضارة البحر المتوسط، وإن علينا أن نأخذ هذه الإنجازات كفراعنة وليس كمسلمين. وهذه الإنجازات المدمرة لعقيدة المسلمين يمكن تحديدها على النحو التالي: ١- الأخذ بالنزعة الإنسانية على النسق الروماني: بمعنى أن يصبح الإنسان هو مقياس الأشياء جميعاً مع التركيز على حياته في هذه الدنيا وعدم إعطاء القيم الدينية المكانة العليا، وأن يسعى الإنسان إلى سعادة نفسه دون ضمان أو دعامة من الله جلّ وعلا أو الاعتقاد في جنات مقيمة، مع تغيير مفهوم (الألوهية) الذي يعرفه الناس إلى مفهوم اجتماعي كالقول بأن (الله) هو المُثُل العليا، أو أنه الذات الشاملة في كل منا، أو أنه إرادتنا الخيّرة، ثم تغيير مفهوم (الدين) بحيث يصبح مسألة اتجاه أو موقف لا مضمون؛ فيكون الدين على سبيل المثال أي دعوة منظمة تنظيماً اجتماعياً تنجح في كسب ولاء الناس وعواطفهم ... إلخ [٢٩] . ٢- عدم الانشغال بالأمور الدينية والانشغال أساساً بالأمور الدنيوية التي تدور في فلكها حياة الإنسان. ٣- إطلاق الحرية لازدهار الفنون دون اعتداد بقيود أو محرمات. ٤- تقوية المنهج العقلاني الذي يرون فيه الإصلاح الجذري للدين. ٥- العمل على إيجاد دين (متنوّر) يرتكز على اعتبار الأديان غير المنزَلة أدياناً إلهية، ونفي احتكار الدين المنزّل للحقيقة والفضيلة، وترك الباب مفتوحاً للاجتهاد البشري في المسائل الدينية. ٦- إخضاع الكتب المقدسة للتمحيص المنطقي لاكتشاف التناقضات الظاهرة فيها والابتعاد عن التفسير الحرفي للكتب المنزلة، والاتجاه إلى التفسير الرمزي لمتضمناتها. ٧- تحويل الدين إلى دين يرتبط بالضمير الفردي والعلاقة المباشرة بين الفرد وربه من غير ارتباط له بشؤون الحياة والمجتمع [٣٠] . دعوات مشبوهة لترسيخ ذلك المنهج! ثم يدعو (النحاس) إلى ثلاث خطوات عملية من شأنها تكملة ما يسميه: (مشوار شادي عبد السلام) بحثاً عن الأصول وهي: ١- تخصيص كلية أو أكاديمية لدراسة الفكر الفرعوني ترتبط بالمجتمع المصري ارتباطاً وثيقاً، وتكون على اتصال بأقسام ومعاهد المصريات بالخارج. ٢- إدخال الفنون والمعتقدات والأساطير والعادات والحكم الفرعونية والأدب المصري القديم في مناهج التعليم. ٣- إدخال الفكر الفرعوني بشكل أو بآخر في برامج أجهزة الإعلام ليس على أساس أنه مجرد تاريخ وإنما كفكر يرتبط بالأوضاع الحاضرة. وعلى أكتاف (شادي عبد السلام) يحمل (النحاس) نزعة طائفية تزيل الاختلافات بين الإسلام والمسيحية فيدعو إلى ما يسميه باكتشاف الأصول المشتركة بين الأديان السماوية والطقوس والمعتقدات المصرية القديمة؛ حيث يرى في الأخيرة منبعاً للفكر الديني كله للشرق والغرب معاً وهو ما يطلق عليه: عملية (توسيع أفق الفكر الديني) [٣١] والخاسر الوحيد في هذه العملية هو الإسلام. أي توحيد جاء به أخناتون؟ ! استوحى (النحاس) هذه الفكرة من حلم (شادي عبد السلام) الذي لم يتحقق وهو إنتاج فيلم عن (أخناتون) أحد ملوك الفراعنة القدماء والمعروف بدعوته إلى التوحيد!! اعتقد (شادي عبد السلام) أن دعوة أخناتون إلى التوحيد تعني أن هناك قاسما مشتركاً بين المعتقدات المصرية القديمة والديانات السماوية؛ فاستنتج أن الوحي الإلهي لم يقاطع القدماء؛ وأنه كان ينزل عليهم كما كان ينزل على رسل الله؛ ومن ثم فإنه ليس من حق أصحاب الديانات السماوية أن يعتقدوا أنهم أصحاب الحقيقة المقدسة دون غيرهم [٣٢] . يفهم نقاد السينما تماماً أنه لا ارتباط بين توحيد أخناتون والتوحيد في الإسلام؛ إذ إن أخناتون منع تعدد الآلهة وتجسيد الإله، ولكنه حصره في عبادة قرص الشمس المجرد واعتبر نفسه ابن الإله وتجسيد الإله الواحد [٣٣] ، وإذا صدق هؤلاء النقاد في قولهم: إن (شادي عبد السلام) (المسلم ديناً) كان يدرك الفرق بين توحيد أخناتون والتوحيد في الإسلام [٣٤] فَلِمَ كان يصرّ على إنتاج فيلم عن أخناتون؟ ولِمَ امتلأت معظم سيناريوهات أفلامه بعبارات الشرك والوثنية على لسان أبطاله من الفراعنة، وهذه نماذج لها على سبيل التمثيل لا الحصر: (أيتها الآلهة أقبلي واحميه داخل أحشائي إيزيس تخاطب آلهة الشمس في السماء الطفل المبجل بين الآلهة إنك في حماية الابن الأول الذي في السماء الذي آل إليه نظام الأرض قبل أن تكون هناك أرض أنا حور الإله العظيم رب السماء.. إله هذه البلاد، واستحوذ على ملك الأرضين هكذا يأمر الفرعون الرب العظيم ابن الشمس إله الوجهين حاكم التيجان الخالد المخلد) [٣٥] . هذا هو (شادي عبد السلام) العبقري الأسطورة! ! الفرعوني النزعة الأوروبي التفكير، ذو الفكر الديني المشوّش، باسمه تحرك الطائفيون لإرساء القواعد التي من شأنها أن تزاحم الإسلام على مستوى التعليم والإعلام والفكر، وباسمه أيضاً ألقى نفر من المثقفين العرب حجراً قديماً يرمون به الإسلام، وليضيفوا إلى قائمة أسمائهم المعروفة اسماً مغموراً صقلوه وأظهروه على السطح حتى يكون سنداً لهم في محاربتهم لما يسمونه (بالأنا الغازي) بحثاً عن حلم اسمه (النهضة المفقودة) [٣٦] .

стр. 2809

قضايا ثقافية نزار الذي شغل الناس حياً وميتاً أضواء على حياته وأقواله وأشعاره إبراهيم بن محمد الحقيل نبذة عن حياته ولد نزار قباني في دمشق عام ١٩٢٣م في بيت موفور الرزق؛ حيث كان والده تاجراً كبيراً، وكان له عم شاعر ومؤلف وممثل ومسرحي هو أبو خليل القباني، وكان لحياة الترف التي عاشها واتصاله بعمه تأثيراً في حياته الشعرية. نشأ نشأة عادية؛ إلا أنه كان مشغوفاً بالرسم منذ صغره، وبعد إنهائه دراسته الثانوية، اشتغل بدراسة الحقوق التي أنهاها عام ١٩٤٥م، ثم التحق بوزارة الخارجية السورية واشتغل في السلك الدبلوماسي، ثم ترك ذلك أو أُبعد عنه، فهاجر إلى لبنان وأسس فيها داراً للنشر، وأقام فيها، ثم كان هلاكه في لندن عن خمس وسبعين سنة [١] . حياته الشعرية: ألف كتاباً ذكر فيه سيرته الذاتية وكثيراً من آرائه وأفكاره أسماه: (قصتي مع الشعر) وكان ظاهراً فيه غروره وإعجابه بنفسه وكثرة إطرائها إلى حدٍ مخجل عند العقلاء، وسيأتي من ذلك مقتطفات للدلالة على بعض النقاط المذكورة في بعض مباحث هذه الدراسة المختصرة. ويرى كثير من النقاد أنه تميز في بداية حياته الشعرية بهجر المدرسة الكلاسيكية في الشهر العربي، ونحا نحواً جديداً في التعبير عن عواطفه الهائجة، وكرس شعره في المرأة والجنس في الوقت الذي كان العرب يعيشون حالة استنفار ضد الاحتلال الإسرائيلي، ثم بدأ يصحو من سكرة اللهو والجنس الشعري في حرب السويس (١٩٥٦م) واكتملت صحوته عقب نكسة (١٩٦٧م) [٢] . بيد أن صحوته لم تكن صحوة إسلامية، وإنما كانت ثورية قومية جاهلية على طريق معظم الساسة والقادة العرب ذاتها آنذاك. ويرى بعض النقاد أنه ما نحا هذا النحو القومي في شعره إلا لأن جماهيره عزفت عن شعره الماجن اللاهي العابث؛ في الوقت الذي كانت الأمة العربية تتكالب عليها القوى المعادية، فاتخذ خطاً قومياً حتى يواكب ما فرضته القومية آنذاك، وحتى ترضى جماهيره وتعود إلى شعره. ويؤيد هذه الرؤية ما يلاحظه المتتبع لأحاديث نزار ومقالاته ومقابلاته من غروره واستعلائه وإعجابه بنفسه، وبحثه عن الشهرة والأضواء أينما كانت وبأي أسلوب كان؛ بدليل عودته إلى شعر المرأة والجنس بعد أفول نجم الحديث عن النكسة، والتغني بالقومية. وغروره وإعجابه بنفسه لا يخفيه بل يظهره، ويجعل ولادته ربيعاً على الأرض العربية التي ظلت بعيدة عن الإبداع حتى رُزقت نزاراً كما هو ظاهر في قوله: (يوم ولدت.. كانت الأرض في حالة ولادة، وكان الربيع يستعد ليفتح حقائبه الخضراء، الأرض وأمي حملتا في وقت واحد، ووضعتا في وقت واحد) . ومن أقواله التي تبين غروره وإعجابه بنفسه: (نصف مجدي محفور على منبر (الوست هول والشابل) الجامعة الأمريكية في بيروت، والنصف الآخر معلق على أشجار النخيل في بغداد، ومنقوش على مياه النيلين الأبيض والأزرق في الخرطوم) . بل يعترف صراحة أنه ما سلك هذه الطريق القذرة في الشعر إلا من أجل الشهرة وإرضاء الناس على حساب الدين والقيم؛ حينما يقول: (شعر الحب الذي أصبح جواز سفري إلى الناس لم يكن في الحقيقة إلا واحداً من مجموعة جوازات استعملتها) . فالغزل الجنسي قبل النكسة كان جوازاً، ثم الشعر القومي في أثناء النكسة جاء جوازاٌ آخر؛ حيث لم يعد الجواز الأول يحقق الشهرة والأضواء يومها، ثم العودة إلى الجواز الأول بعد أن فقد الثاني بريقه بذهاب زمن القومية وحلول زمن السلام البارد ثم الدافئ ثم التطبيع. ويزيد من تأكيد هذه الحقيقة مقولته المشهورة: (دعوني أعترف لكم أنني بالرغم من شهرتي شاعر حب فإنني نادراً ما وقعت في الحب) [٣] . نزار في الميزان: لا يشك كل مطلع على شعره ونثره في زندقته وإلحاده، حيث تعدى على الذات الإلهية، واستهتر بالشرائع السماوية، وجعل رضى حبيبته موصلاً له إلى مقام الربوبية أو الرسالة، وتقريره أن الحياة مجرد لهو وعبث ومجون، هدف الإنسان فيها تحصيل الشهوات والملذات، مع ثورة عنيفة ومستمرة في شعره ونثره على الدين والأخلاق والمبادئ والقيم. وفي الحقيقة فإنه كان يمثل مرحلة متقدمة في إطار الشعوبية الذي بناه الغزو الفكري في أدبنا العربي بالنرجسية والكشف والإباحية، والخروج عن أصالة مفهوم الشعر في الأدب العربي. يقول أحد الباحثين: لا سبيل إلى فهم شعر نزار قباني دون الاستعانة بنظريات علم النفس الحديث، وبالذات نظرية (فرويد) عن الغريزة الجنسية ومراحل نموها وانحرافاتها المختلفة، وليس هذا بالأمر الغريب فقد اتفقوا على تلقيبه بشاعر المرأة؛ وأغلب شعره يدور حول المرأة، يتحدث بلسانها: يقدسها ويهجوها ... وأغلب شعره يدور حول دائرة مغلقة قلما يخرج منها وهي دائرة الغزل الجنسي المسرف في الواقعية والشوق إلى مفاتن الجسد ووصف العاهرات والماجنات والمتهالكات [٤] . وكان نزار مغرماً بل مصراً على أن شعره كله وطني إلا أن بعض الباحثين [٥] فند هذا الزعم؛ حيث أحصى قصائده في دواوينه الستة الأولى التي تبلغ مائة وتسعين قصيدة منها مائة وخمس وخمسون قصيدة في المرأة، وليس منها وطنية إلا إحدى وعشرين قصيدة. ولست أود الإطالة في هذه المقدمة؛ حيث سأترك القارئ يطلع على شيء من شعره ونثره من مقولاته حتى تتبين له حقيقة هذا الرجل التي زوّرها الإعلام العربي حينما دلّس على الناس في رفع شأنه وتعظيمه، ويمكن تقسيم انحرافاته إلى ما يلي: أولاً: اعتداؤه على مقام الربوبية: ١- قال في مقالة له بعنوان: هل يمكن استنساخ المتنبي: ( ... ومعناه أن العلماء بدأوا بتحدي السماء ... ومعنى هذا أيضاً أن الإنسان لم يعد له رب يؤمن به، يركع في محرابه ويصلي له ويطلب رضاه وغفرانه.. لأن المختبرات أخذت مكان الرب..) [٦] . ٢- ومما قاله في قصيدة له: (متمردان على السماء.. على قميص المنعم صنمان إني أعبد الأصنام رغم تأثمي) [٧] . ٣- وفي رسالة حب كتبها قال: (يحدث شيء غير عادي.. في تقاليد السماء ... يصبح الملائكة أحراراً في ممارسة الحب ... ويتزوج الله حبيبته) [٨] . تعالى الله عن قوله علواً كبيراً. ٤ - وقال أيضاً في إحدى قصائده: (ملك أنا ... لو تصبحين حبيبتي لا تخجلي مني ... فهذي فرصتي أغزو الشموس مراكباً وخيولا لأكون رباً، أو أكون رسولا) [٩] ولقد قال فرعون قبله: [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] [النازعات: ٢٤] وقال: [مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي] [القصص: ٣٨] وفرعون أخزاه الله قالها وهو في غمرة الملك والسلطان؛ وأما نزار فقالها وهو في مستنقع الانحلال والرذيلة؛ فهو من فراعنة هذا الزمان في التعدي على مقام الربوبية، تعالى الله عن أقواله وأقوال الظالمين علواً كبيراً. ثانياً: ثورته على كل ما هو شرعي: فنزار لا يفتأ يثور على الدين والشريعة، والقيم والمبادئ، والسلوك والأخلاق، ولا يأنف من التصريح بذلك حينما يقول: (أنا ضد الشرعية بكل صورها) ، ويقول أيضاً: (أنا بطبيعة تركيبي ضد الشرعية) وأشعاره تدل على ذلك؛ حيث لم يترك خلقاً قويماً إلا ثار عليه في سكرة شعره الجنسي [١٠] وينقم على المجتمعات العربية عدم قبولها ثورته وهزله واستخفافه بالدين والقيم حينما يقول: (شعراء الغزل الحسي في أوروبا وكتاب الروايات المسرحية لا يخوضون حرباً صليبية مع مجتمعهم كما يخوضها الكتاب العرب) [١١] . ثالثاً: موقفه من اللغة العربية: يعتبر نزار من الشعوبيين الذين يكرهون اللغة العربية وفنونها؛ حيث يسميها: اللغة المتعجرفة، وهو يرى أنه أسدى معروفاً للعرب بخلطه اللفظ العربي بغيره من الأعجمي والعامي؛ زاعماً أنه اخترع لغة جديدة للأمة العربية [١٢] . وتشتد نقمته على المجامع اللغوية التي لا تجيز التخبط في المصطلحات المحدثة وإدخالها في اللغة العربية حيث يقول: (كانت اللغة أملاكاً خصوصية، اللغويون جمعية منتفعين، وكانت الفتوى بشرعية كلمة أو تعريب مصطلح علمي أو تقني تستغرق المجامع اللغوية سنوات من التنجيم والاستخارات، والألوف من كؤوس الشاي ومحلول البابونج) [١٣] . رابعاً: انهزاميته أمام الغربيين وانحلالهم: كثيرون أولئك العرب الذين انهزموا أمام حضارة الغرب منذ عهد رفاعة الطهطاوي وإلى يومنا، ولكن كثيراً منهم كان انهزامهم أمام مظاهر الحضارة من حيث التفوق الصناعي والتقني والنظام الإداري وثورة المعلومات وسرعة الاتصالات، ومن المنهزمين من كان انهزامهم أمام الانحلال الأخلاقي والتفسخ والعري، وما نزار إلا من هذا الصنف، ولا أدل على ذلك من تحسره على شعبه العربي المنغلق حسب زعمه حينما يقول: (لو كنت أستطيع أن أستورد شعباً عربياً آخر تكون له ثقافة برجسون وبروست وأندريه مالرو لفعلت، لكن الشعب العربي هو قدري لأنني ورثته كما هو) [١٤] . وهذا الانبهار والتأثر واضح في شعره ونثره حتى أداه إلى استخدام رموز شعائرهم وأساطيرهم؛ كاستخدامه ألفاظاً كالصليب والكنيسة في تعابيره وتشبيهاته ومن ذلك: ١- (صليب المتاعب نحمله على أكتافنا) [١٥] . ٢- هذا الحب بيني وبين الجمهور صار صليباً ثقيلاً على كتفي) [١٥] . ٣- (حين أفكر في جراح أبي خليل، وفي الصليب الذي حمله على كتفيه) [١٥] . ٤- (تهرأ كل ما فيه كباب كنيسة نخر) [١٦] . ٥- (لم أسرق نار السماء كبرومثيوس) مستوحياً تلك الأسطورة الإغريقية [١٥] . خامساً: إسهامه الكبير في هدم الأسرة وإشاعة الفاحشة: فلقد كرس حياته وشعره لهذا الغرض، وأكثر دواوينه إنما هي في وصف جسد المرأة والدوران حول الجنس بل والغوص في تفصيلاته، فهو في شعره شهواني موغل، والشهوة يكاد يعبدها. والجنس ملازم له يدور في خياله حتى في حديثه عن الأمور العادية من السفر والكتابة لا تفارقه الصورة الجنسية أبداً، ومن ذلك قوله: كل فنادق العالم التي دخلتها حملت معي دمشق، ونمتُ معها على سرير واحد) ويقول: (أحياناً أشعر أن الورقة مستعدة فأمارس الحب معها بنجاح، وأحياناً كثيرة أشعر أن الورقة لا تريد فألبس ثيابي وأنصرف) [١٧] . وقد مضى سابقاً مقولته أنه نادراً ما وقع في الحب! ويكفي في ذلك مقولته الكفرية: (لو كنت حاكماً لألغيت مؤسسة الزواج وختمت أبوابها بالشمع الأحمر) وقوله: (العري أكثر حشمة من التستر) [١٨] . فتأمل إلى أي حد يبلغ استخفافه بشرع الله؛ فهو يريد إلغاءه لتكون الفوضى الجنسية بديلاً لذلك. ويقدم كتابه: (يوميات امرأة لا مبالية) إلى طالبات الجامعة الأمريكية ويقول فيه: إنه كتابكن كتاب كل امرأة حكم عليها هذا الشرق الغبي الجاهل بالإعدام، ونفذ حكمه فيها قبل أن تفتح فمها، ولأن هذا الشرق غبي وجاهل ومعقد يضطر رجل مثلي أن يلبس ثياب امرأة ويستعير كحلها وأساورها ليكتب عنها، أليس من مفارقات القدر أن أصرخ أنا بلسان النساء ولا تستطيع النساء أن يصرخن بأصواتهن الطبيعية [١٩] . وهذا النص يكشف لك حقده على الدين وعلى المجتمعات الشرقية؛ لأنها تدين بالإسلام، ويصفها بالغباء والجهل والتعقيد! وكذب في زعمه أنه يدافع عن المرأة؛ لأن حقيقته أنه يدافع عن الفوضى الجنسية؛ إذ ينفي عن عالمه الشعري كل امرأة تجاوزت الأربعين، أو كانت لا تتمتع بذلك الجمال المثالي والمطلق! وهو من أكثر الشعراء الذين أساؤوا إلى المرأة وامتهنوها بتعرية جسدهاوتشريحها على قارعة الطريق: وفي رثائه لزوجه بلقيس وأم أولاده صوّرها لنا أنها امرأة تافهة مع أنه قبل ذلك وصفها بأنها معبودة ورسولة، ولم يكتب شيئاً عن أدبها أو فكرها أو خلقها أو ثقافتها؛ لأنه يختزل المرأة في وصف الجسد فقط، على نحو عنيف من الإيغال في مفاهيم الاشتهاء والافتتان؛ إذ لا يرى في المرأة إلا الجنس، ويعتبر الجنس هو الحياة كلها [٢٠] . ولذلك فهو يلعن المرأة المحتشمة ويثور عليها، ويرفض الالتزام بمجتمعه وقيمه، ولم يكتب عن المرأة كأم أو أخت أو زوجة، بل جل كتاباته تدور حول العشيقات والخليلات. ولا يتحدث عن المرأة بقدر ما يتحدث عن جسدها؛ إنه لا ينظر إليها إلا بوصفها دمية ومتعة، ولا يعرض العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة إلا من زاوية الجنس. ورغم إساءته للمرأة ومصادرة عقلها وفكرها وثقافتها وأخلاقها وعطائها للمجتمع وإلغاء كل ذلك في شعره فإن له جمهوراً من النساء يعتبرنه الشاعر المعبر الراقي، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ضحالة فكر هؤلاء النسوة وانحلالهن إلى درجة يجعلن الحياة كلها جنساً وشهوة على الطريقة النزارية [٢١] . سادساً: جمهوره المراهقون، ويدعمه المنافقون: لا يمتري عاقل أن اللاهثين وراء شعره شهوانيون، يعانون فترات المراهقة المبكرة والمتأخرة، وما دام شعره متردداً بين الكأس والجنس؛ فمن البدهي أن يكون جمهوره من المراهقين والشهوانيين؛ لأن شعره غذاؤهم. وأرجو ألا يستعجل في الغضب بعض جمهوره والمعجبين به من هذه المقدمة المعقولة؛ لأن شاعرهم ينص على ذلك بقلمه حينما يقول: (قصيدة (نهداك) كانت الشرارة الأولى التي أطلقتني، والمفتاح إلى شهرتي، الطلبة العراقيون كانوا يسكرون عليها على ضفاف دجلة، واللبنانيون كانوا يمزمزونها على موائد العرق في زحلة، لقد كان الطلاب خلال تاريخي الشعري كله جنودي وكتائبي وراياتي، فبهم شددت أزري؛ وبهم أسرجت خيولي، وبهم أكملت فتوحاتي) [٢٢] . والواقع أن نزار قباني ما هو إلا نبت أجنبي مسموم يحاول أن يطرح من خلال شعره عن المرأة مجموعة من المفاهيم الفاسدة والمنحلة التي يطمع النفوذ الغربي أن تصبح من المسلّمات عند الشباب المسلم. ويساور الشك كل متأمل في هذه الحملة الدعائية التي صاحبت هلاكه رثاءً ومدحاً وشعراً ونثراً، هل كانت لأسلوبه فقط؟ أم لمضامين شعره ومعانيها الثورية التي هي في غاية الاستخفاف بمقام الربوبية والنيل من الشريعة، والانحراف في الشهوانية، والتعلق بالغرب إلى حد الهيام، وهل هناك نفاق يراد له أن يظهر ويشيع حينما يخفي حقيقة هذا الزنديق عن الناس، ويشاع بينهم المدح والرثاء مكان الذم والتحذير؛ فأين هي الموضوعية؟ ! وأين أمانة الكلمة؟ !

стр. 2810

منتدى القراء انغلاقية بعض المتدينين نحو مجتمعهم أسامة عبد الرؤوف الجامع من المعروف أن لشخصية الشاب المتدين المستقيم خصائص تختلف عن بقية شخصيات شباب المجتمع؛ فهو يضبط نفسه بسمت وسلوك ينتج عنهما نوع من مظاهر التحفظ تجاه زملائه وأقرانه، سواء أكان ذلك في الشارع أو العمل أو مقاعد الدراسة؛ ومن ثمّ فلا بد أن تكون هناك بعض الموازنة في هذا الأمر؛ فهناك فرق بين أن تكون شخصية المسلم مستقلة تؤثر ولا تتأثر إلا بمن يوافقها دون ذوبان أو مداهنة مع المجتمع المحيط، وبين أن تكون هذه الشخصية متحفظة لدرجة التقوقع وعدم الاختلاط بالمجتمع إلا مع مثيلاتها، ولعل السبب يعود برأيي إلى الراحة التي يجدها الشاب الملتزم مع أمثاله ونفوره التام أو تحفظه على الأقل تجاه بقية شباب مجتمعه؛ مما يسبب نظرة مستغربة من قِبَلِ المجتمع قد تفسر بل فسرت بطريقة خاطئة. ونجد هذه الفكرة منطبعة في عقول بعض شرائح المجتمع وخاصة الشباب منهم، وهي أن الشاب المتدين منغلق على نفسه لا تراه إلا مع من هم مثله ولا يحتك بالآخرين، ورغم أن الشاب الملتزم قد يعذر في مثل هذا التصرف إلا أن هذا ليس هو الأصل؛ إذ إن عليه أن يراعي عدة أمور، منها: أن الخير الذي هو فيه ليس لذاته فقط بل عليه أن يبلّغه غيره أياً كان؛ وقول النبي لله: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) قول حق؛ لكن يجب ألاّ يُفهم خطأً؛ وهذا الفرق في أن الشاب الملتزم عليه أن يكون داعية حَذِقاً يشق طريقه نحو كسب قلوب من حوله دون تقديم أي تنازلات؛ فالمعاملة فن، والكلمة ليست سهماً لكنها تخرق القلب؛ فالعلاقات الاجتماعية مهمة ليست لذاتها؛ ولكن لتحقيق أهداف سامية؛ فالمسألة تحتاج إلى صبر وتحمّل؛ وقد قال نبينا لله: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) رواه ابن ماجه، وهكذا يكون الداعية الحقيقي.

стр. 2811

منتدى القراء نحن والسفينة شعر: عمار عبد الحق البُذَيجي أُمرنا بالنذارة بعد نوحٍ ... فأنشأنا بصحوتنا سفينهْ دعونا الناس للتوحيد دهراً ... وحذّرنا من الصفة المُشينهْ [١] ولكن أغلقوا الأسماع عنّا ... وأبدوا ضدنا عُقَداً دفينهْ وأنذرناهُمُ الطوفان لكنْ ... أَبَوْا إلا الهلاكَ مع المدينهْ وقلّدَهم لنا أهلٌ وظنّوا ... بأنْ تُنْجِيهموا القممُ الحصينهْ فلما أقبل الطوفان قُلنا ... دنا الإهلاك للزُمر المَدِينهْ فلما أن قطعنا بعض شوط ... إذا بالبعض يَخْرقُ في السفينهْ نهرناهم عن التخريب لَكنْ ... أجابوا أن فِعْلَتهُمْ حَسِينَهْ فماذا يَنْظِمُ الإنسان فيهمْ ... إذا كانت نصائِحُنَا مُهِينهْ [٢] فللهِ الشكاية في حبيبٍ ... يرى طُرقَ السلامة ضِدّ دينهْ حذرك يا شبابَ الجيلِ سعياً ... إلى تمزيق وحدتنا الرّصِنَهْ فإن خالفتموا أمري ونصحي ... فلا يؤسفكموا غرقُ السفينَهْ

стр. 2812

منتدى القراء أفي غير العقيدة ... يا نخبة ! علي حسن آل محمد تمر الأمه بأزمة ثقافية لا ينكرها إلا مكابر؛ ولعل هذه الأزمة ليست وليدة هذا العصر وإنما هي نتاج قرون اجتمعت فيه الأزمات وتتالت على الأمة حتى آل أمرها إلى ما آل إليه من تخلف؛ حتى صارت كل فئات المجتمع الإسلامي المعاصر تدرك هذا الحال تقريباً، وصار مآلهم التخبط في غالبهم للبحث عن مخرج، وفي هذا المجال حدّث عما ظهر من صور الانحراف من تبعية وغيرها ولا حرج. وهذه الحالة هي التي وقع فيها من يدّعون أنهم (مثقفو النخبة) فبدل أن ترتقي أمتهم بهم انحطوا بها؛ فقد أدرك هؤلاء ورأوا بأم أعينهم مدى التقدم الذي حققه الغرب، وعلموا أنهم بحاجة لأن يرتقوا بأمتهم وكيف يتسنى لمن لم يرتقِ بنفسه أن يستدل على طريق الرقي الحضاري لأمته؟ ! (إن مجالات الثقافة تسعى دائماً من خلال أطر الثبات والتغير والتقليد والتجديد والانفتاح والانغلاق لتحقيق التوازن الذاتي كي تتمكن من القيام بوظائفها والمحافظة على زخمها) [١] (لذلك فإن انحباس أي مجال أو نسق من مجالات الثقافة أو تعرضه للعطب يجعله يجدد ذاته من داخل الثقافة أو خارجها بأي شكل يتناسب أو لا يتناسب مع المزاج العام للثقافة. وإليك مثالاً يوضح ما سبق ويبينه: (الأمريكان لا يجدون أنفسهم محتاجين إلى الثقافة الخارجية لأي شعب سواهم في مجالات الفنون وأفكار الإنتاج؛ لأن بلادهم لا تعاني من أزمة في هذه القضايا؛ لكنهم في مجالات العقائد حيث العدمية والحاجة الماسة إلى صلابة اليقين نجد انتشاراً واسعاً للمذاهب والعقائد الدينية التي لا تعدو أن تكون ضروباً من الخرافة والشعوذة في كثير منها، وهذا على العكس تماماً من حالنا؛ فالمسلم لا يجد نفسه بحاجة إلى البحث عما يشفي ويشبع حاجاته الروحية أو يحقق صلابة اليقين لديه) [٢] . والملاحظ أن هذا النفر من بني قومنا قد فهموا المسألة خطأً؛ فبدل أن يقدموا للأمة صور التقدم الحضاري ويبقوا على معتقدهم نجدهم يحاولون زحزحة الأمة عن عنصر ثبات لها لا تحتاج لتجديده وتغييره وهو الدين، وتركوا ما نحن في حاجة إليه، ألا وهو التطور التقني والمعلوماتي المذهل الذي وصل إليه الغرب. فدعوتنا إلى تلك العقول التي لم تحسن الاستفادة من غيرها أن تجعل لعبثها حداً، وأن ينبذوا ما هم عليه من إصرار على رفع الحراب في وجه الكتاب، وأن يحترموا للأمة عقيدتها؛ فإن أرادوا التجديد والتغيير ففي غير عقيدة الأمة، وعندها يجدون مستمعاً مطيعاً؛ وليعلموا أن الله ناصرٌ دينه، والعاقبه للمتقين ولو كره المجرمون.

стр. 2813

منتدى القراء ديننا باقٍ عبد الله بن سعد الغانم سفينة الإيمان تسير بنا في بحر الحياة المتلاطمة الأمواج، برعاية الله، يقودها العلماء العاملون، والدعاة الباذلون، والرجال المخلصون؛ إنهم قباطنتها الذين يسيرون بها إلى بر الأمان ورضا الرحمن وجنة الرضوان.. فنِعم أولئك الأفذاذ، ونعم من ساندهم، وسار على دربهم واقتفى أثرهم، ولله درهم! ما أطيب نفوسهم، وما أزكاها! وما أنقى سرائرهم، لقد باعوا أنفسهم لله بمقابل نفيس وثمن غالٍ ألا وهو الجنة التي إذا ذكرت طارت القلوب شوقاً إليها، ورنت النفوس للحصول عليها. غير أن هذه السفينة يعتورها كثير من العقبات وجملة من الأزمات التي تقف في طريقها ... فتن وشهوات يصدرها لنا أعداؤنا من يهود ونصارى وأذنابهم؛ ليصدونا عن ديننا، ويقضوا على عقيدتنا.. والذين ما برحوا يخططون ليل نهار للقضاء ذلك؟ وهو دين الله الذي تكفل سبحانه بحفظه ما دامت السموات والأرض؛ كما قال سبحانه: [يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَاًبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] [التوبة: ٣٢] ونقول لهؤلاء الأعداء: موتوا بغيظكم؛ فدين الله باقٍ رغماً عن أنوفكم. وليهنأ المؤمنون بذلك وليفاخروا به، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

стр. 2814

منتدى القراء كل من عليها فان مازن بن محفوظ قاضي عجبت لمن يزعم بأن الدنيا باقية، وعجبت لمن يزعم بأن الأشياء لا تفنى، وعجبت لمن يزعم بأنه مخلد! ألم ينظروا إلى مَنْ حولهم: هل بقي شيء على حاله؟ أم أن الأيام طمست ما قبلها بأمر ربها. ألم يفقدوا يوماً شخصاً عزيزاً عليهم قد فارق الدنيا للقاء الآخرة؟ ألم يسمعوا بموت الجبابرة والعظماء؟ ألم يسمعوا بموت الأغنياء وذوي الجاه؟ ألم يسمعوا بموت ذوي السلطة والنفوذ؟ ألم يسألوا أنفسهم: لِمَ لم يمنع هؤلاء الموت عنهم أو يؤخروه؟ ؟ قال تعالى: [فَإذَا جََاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاًخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ] [الأعراف: ٣٤] ليعلموا إذاً أن كل شيء هالك إلا وجهه سبحانه قال تعالى: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإكْرَامِ] [الرحمن: ٢٦، ٢٧] . فالموت حق وهو كأس سنشربه جميعنا لا محالة؛ فلقد مات القريب والصديق، والجار والرفيق؛ ليكون ذلك برهاناً قاطعاً على أن الدور سيمر علينا. قال تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ] [آل عمران: ١٨٥] .

стр. 2815

المسابقة يعتبر إنشاء زاوية للمسابقات في مجلة البيان أحد مطالب القراء البارزة في نتائج الاستبانة التي كانت المجلة قد طرحتها على جمهورها منذ فترة، فكانت استجابة (البيان) لهذا المطلب بإنشاء هذه الزاوية. ولكن لأن المسابقات (بيانية) فقد خرجت تحمل روح (البيان) .. جادة وهادفة، جادة لأنها جاءت في صورة تنافس في كتابة مقالات وبحوث متنوعة تطرح المجلة موضوعاتها، وهادفة لأنها تعمل على إكساب المتسابقين معلومات مهمة من خلال بحثهم، كما تعمل على تنمية ملكات البحث ومحاولة الارتقاء بأسلوب التعبير من خلال الدربة على الكتابة. وفي (مسابقة البيان) يطرح موضوع أو موضوعات المسابقة في أحد الموضوعات التي تحددها المجلة، وقد تكون بحوثاً أو دراسات، أو قراءة في كتاب أو رسالة جامعية، أو ترجمة لمقال أو دراسة عن لغة أجنبية. وإضافة إلى فرصة نشر المشاركات الفائزة المتميزة على صفحات (البيان) أو في (كتاب المنتدى) تمنح جوائز مالية للفائزين الثلاثة في كل مسابقة. شروط المسابقة ١- لا تقل المشاركة عن ٣٥ صفحة ولا تزيد عن ٥٠ صفحة (حجم ٤) في أحد الموضوعات المبينة فيما بعد. ٢- يمكن للمتسابق أن يشترك في أكثر من موضوع. ٣- تكتب المشاركات بخط واضح، وعلى وجه واحد من الورقة. ٤- يوثق البحث علمياً، وذلك بذكر مصادر المعلومات وعزو النقول إلى مراجعها، وذكر أسماء السور والآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث. ٥- المجلة غير ملزمة برد البحوث الواردة إليها سواء أفازت في المسابقة أو لم تفز. ٦- ترسل المشاركات خلال ثلاثة أشهر من الإعلان عنها كحد أقصى. الجوائز تقدم جائزة لكل من الفائزين الثلاثة الأُول في كل موضوع، وذلك على الوجه الآتي: (١) الفائز الأول: ١٥٠٠ دولار. (ب) الفائز الثاني: ١٠٠٠دولار. (ج) الفائز الثالث: ٥٠٠ دولار. وهناك جوائز تشجيعة أخرى. والبيان إذ أنشأت هذه الزاوية بناءً على طلب قرائها يسرها أن تطّلع على آرائهم ومقترحاتهم في هذا الخصوص، وتتمنى لجميع قرائها جهداً نافعاً وحظاً موفوراً. موضوعات المسابقة * الموضوع الأول: وسائل الدعوة إلى الله تعالى كثيرة ومتنوعة، وهي بلا شك تحتاج للعمل بها إلى ضوابط شرعية تضيء مسيرتها.. ويوجد في الساحة الإسلامية من يرى أن هذه الوسائل توقيفية يجب النص على كل منها، وما لم يرد فيه نص شرعي على استعماله في الدعوة فهو مرفوض، بينما يرى فريق آخر أن هذه الوسائل اجتهادية قابلة للتجديد والإضافة؛ حسب اختلاف الأزمان والأحوال. المطلوب: تحرير هذه المسألة وتحقيقها، مع ذكر الضوابط المطلوبة في وسائل الدعوة، وإيراد نماذج مناسبة من هذه الوسائل وأثرها في الدعوة إلى الله تعالى. * الموضوع الثاني: يعتبر الاهتمام بتنشئة الأطفال من أهم ركائز نهضة أي أمة، وقد قدمت الحضارة الإسلامية في هذا المضمار ملامح متميزة، غير أن التأثر بعوامل الضعف في العصور المتأخرة انعكس على المفاهيم والأساليب التي يربى على أساسها الأبناء. المطلوب: رصد هدي الإسلام في تنشئة الأطفال، وبحث ظواهر التأثر في هذا المجال بالغرب (سلباً أو إيجاباً) ، مع بيان الدور المكمل للأسرة من الفئات والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، ثم شرح كيفية بناء علاقة متزنة ومثمرة بين الأجيال المختلفة. * الموضوع الثالث: نشأت البنوك الإسلامية بديلاً عن المصارف التي تقوم بمعاملات تخالف الشريعة الإسلامية، إلا أنه قد أثير اللغط مؤخراً حول دور هذه البنوك، ومدى الاختلاف بينها وبين المصارف الأخرى. المطلوب: تناول نشأة البنوك الإسلامية وأسبابها، وتطور هذه البنوك وتعددها، والفروق بينها وبين غيرها، وموضحاً موقعها في المنظومة المالية العالمية وأشكال الاستثمار الجديدة التي قدمتها، والمشكلات العملية والعلمية التي تواجهها، مع وضع تصور لحلول هذه المشكلات.

стр. 2816

مرصد الأحداث لماذا المرصد..؟ في هذه الزاوية، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من الأقوال والأحداث والمواقف.. ننقلها كما هي من مصادرها دون تصرف إلا في وضع العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... والدعوة مفتوحة لقرائنا الكرام أن يرسلوا إليناما يرون أنه جدير بلفت اهتمام المسلم لما خلف الخبر، على أن يرسل لنا أصل الخبر ومصدره مع التعليق والاسم. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان- الاحتفال.. والعمى الغربي بمناسبة احتفال الكيان الصهيوني بمرور خمسين عاماً على احتلال أرض فلسطين، شارك بعض الزعماء بالتهنئة وإعلان مواصلة الدعم الأعمى. ١- طالما أن هناك شمساً تشرق في العالم فإن أمريكا ملتزمة بأمن (إسرائيل) . ... [الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، جريدة الخليج، عدد: (٦٩٣٤) ] ٢- إن الولايات المتحدة معجبة بـ (إسرائيل) لما واجهته من صعوبات، ولما ... أنجزته. إننا فخورون بالروابط القوية التي أقمناها مع (إسرائيل) على أساس قيمنا ... ومثلنا المشتركة، هذه العلاقة الفريدة سوف تصمد كما صمدت (إسرائيل) . ... ... ... ... [بيل كلينتون، جريدة الأنباء، عدد: (٧٨٨٥) ] ٣- نحن نقف معكم ونؤيد حلمكم، ومن رماد المحرقة النازية نهضت عنقاء دولة (إسرائيل) ، وبينما تواجه (إسرائيل) أعوامها الخمسين التالية تتمخض هذه الأوقات العصيبة عن حقائق معينة، أهمها حقيقة أنه بينما تسعى (إسرائيل) لتحقيق قدرها، فإن الولايات المتحدة لن تدعها أبداً تقف وحيدة، في (إسرائيل) يرى الأمريكيون انعكاساً لتراثنا نحن ولنضالنا من أجل الحرية والحق في العيش في سلام مع الأمن. ... ... [نائب الرئيس الأمريكي، آل جور المصدر السابق] ٤- إن تأسيس دولة (إسرائيل) هو واحد من أبرز الأحداث وأكثرها إعجازاً في عصرنا، ومنعطفاً في تاريخ يمتد أربعة آلاف سنة أو أكثر لشعب استثنائي، إنني صديق حميم لإسرائيل والشعب اليهودي. [رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، جريدة الحياة، عدد: (٢٨٤٢) ] ٥- إن كرواتيا الحديثة التي تستند إلى حبها للحرية ومعاداتها للفاشية تدين بأشد التعابير، الحقد العنصري، وكره الأجانب ومعاداة السامية، وأعرب عن أسفي العميق وإدانتي المطلقة لعمليات الاضطهاد وللعذابات وللمأساة التي فرضها نظام الأوستاشي على يهود كرواتيا. [وزير الخارجية الكرواتي، جريدة الخليج، عدد: (٦٩٣٢) ] أريحا المستريحة! تستعد مدينة أريحا لاستضافة مشروع سياحي كبير تشارك فيه السلطة الفلسطينية، ويضم المشروع ملاعب جولف وكازينو ومرافق سياحية تتكلف ٥٠ مليون دولار، وتتطلع إدارة المشروع إلى اجتذاب الأعداد الكبيرة من المولعين بألعاب القمار! ! خصوصاً بعد أن حظرت تركيا ألعاب القمار، وكذا تحظر (إسرائيل) ألعاب القمار! ! وأعتبر أن هذا المشروع لن يثير مشكلة في صفوف المجتمع الفلسطيني المحافظ، مع العلم بأن الفلسطينيين ينفقون سنوياً ١٠٠ مليون دولار على ألعاب اليانصيب (الإسرائيلية) المنتشرة في الضفة وقطاع غزة. [المستشارالاقتصادي لياسرعرفات، خالد إسلام، جريدة الأنباء، عدد: (٧٨٨٣) ] صراع حتى الموت تستعد وزارة التربية والتعليم التركية لتعيين ٤٣ ألف مدير جديد للمدارس بعد التخلص من المديرين الذين أثبتت تحقيقات المفتشين انتماءاتهم وميولهم الأصولية. ... ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١٢٠) ] وضوح غامض! سأقولها بوضوح ... لكي تبقى دولة إسرائيل، نحن بحاجة إلى دولة فلسطينية، علينا بالاستقامة والجهر بالحقيقة. ... ... [شمعون بيريز، جريدة الحياة، عدد: (١٢٨٥٤) ] القسطنطينية الثانية ... والله لتفتحن إن تركيا ستكون دولة مواجهة لكل الحركات المتطرفة التي تستهدف الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط الممتد بالمفهوم الأمريكي من المغرب العربي غرباً، حتى تركمنستان شرقاً؛ لأن تركيا ترغب في أن تكون دولة السلام، والقيّمة على السلام في المنطقة وجزءاً من الغرب الديمقراطي. [زبيجنيو بريجنيسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، جريدة الشرق الأوسط عدد (٧٠٩٨) ] القدس الفلسطينية ... بعد التعديل! ؟ أعلن التليفزيون (الإسرائيلي) أن الفلسطينيين يبنون مقر برلمانهم في محلة أبو ديس بالقرب من القدس الشرقية، ونفى مسؤول فلسطيني (رفض الكشف عن هويته! !) هذا، وقال: إنه ضرب من السخافة، وكانت صحيفة (هآرتس) اليهودية قد أعلنت أن ياسر عرفات وافق على أن تكون أبو ديس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية، وهذا هو ما تم الاتفاق عليه في العام ١٩٩٦م بين (أبو مازن) و (يوسي بايلين) . ... ... ... ... ... ... [جريدة الأنباء، عدد: (٧٩٠٦) ] هذه الكنائس غير كافية: (كنيسة لكل بروتوستانتي) طالب المجتمعون في مؤتمر الخرطوم عاصمة السودان، إخوانهم النصارى للدعاء والمساعدة لزرع ٢٥ ألف كنيسة جديدة في السودان للبروتستانت، وقد نظم المؤتمر منظمة إرساليات الفجر، كما طالب المؤتمر القادة النصارى للتعاون فيما بينهم ونبذ الخلافات، وذكر المؤتمرون أنه لا يعقل أن يوجد في العاصمة الخرطوم ذات العشرة ملايين نسمة سوى ١٧١ كنسية فقط! ! ... ... ... [مجلة الكوثر: لجنة مسلمي إفريقيا، عدد: (١٨) ] ترويكا إسلام! ! ضد الإسلام إن أوزبكستان وروسيا وطاجيكستان اتفقت على تشكيل حلف ثلاثي يهدف إلى مواجهة خطر الأصولية والسلفية المحدق بنا من الجنوب، إن أمثال هؤلاء يجب أن يتلقوا الرصاص في رؤوسهم، إذا اقتضت الضرورة فأنا مستعد لإطلاق النار عليهم بنفسي. [الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، جريدة الحياة، عدد: (١٢٨٤٤، ١٢٨٥٠) ] أدوات النفي.. لم تعد نافية! ١- إن الزيارة التي قام بها مسؤولون عسكريون أمريكيون لا تعني بأي وجه من الوجوه منح قواعد عسكرية للولايات المتحدة، إن فكرة إقامة القواعد العسكرية في أراض أجنبية أمور تجاوزتها الأحداث، وعصر القواعد انتهى بلا رجعة. [عبد الكريم الإرياني، رئيس الوزراء اليمني، جريدة الخليج، عدد: (٦٩٢٢) ] ٢- قال مسؤول يمني إن الولايات المتحدة أعفت اليمن من ديون قيمتها ١٧ مليون دولار، وقال: إن الإدارة الأمريكية وعدت بإعفاء اليمن من كل ديونه المستحقة لها، إذا نجحت في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بحلول عام ٢٠٠٠. ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١١٣) ] أبي العزيز! ! قام رئيس حزب الفضيلة التركي الإسلامي، رجائي قوطان بوضع إكليلٍ من الزهور على قبر كمال أتاتورك وكتب في دفتر الزيارات الخاصة بالقبر عبارة: إن حزب الفضيلة هو حزب سياسي جديد يا أبي، أيها العزيز أتاتورك. [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١١٧٠) ] للمسلمين فقط أجاز مجلس النواب الأمريكي بأغلبية ساحقة تشريعاً يقضي بفرض عقوبات على الدول التي تمارس ما أسماه التشريع بالاضطهاد الديني أو تغض الطرف عنه. ... ... ... ... ... ... [جريدة الخليج، عدد: (٦٩٣٦) ] علاقة تجارية فقط! أعرب رئيس غرفة التجارة في إسرائيل عن الأمل ألا تؤثر التغيرات السياسية في إندونسيا على المبادلات التجارية بين البلدين، وكانت المبادلات التجارية بين البلدين قد تضاعفت أربع مرات خلال عام واحد، وكانت في حدود ٤، ٧ مليون دولار عام ١٩٩٦م، ارتفعت عام ١٩٩٧م ٣، ٢٩ مليون دولار، وكانت قد بدأت الاتصالات غير الرسمية بين البلدين بعد توقيع اتفاق أوسلوا عام ١٩٩٣م. ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١١٦) ] نعِمّا هي المؤهلات! ! إن الجنرال ويرانتو قائد الجيش الإندونيسي هو الرجل الوحيد المناسب لقيادة البلاد، فهو مسلم من منطقة جاوا الوسطى؛ سجله العسكري حافل بالمنجزات، مقتنع بضرورة التغيير ولو في حذر، مثقف، يرسم، يعزف الموسيقى، ويرأس المنتخب الوطني للعبة بريدج (القمار) . ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٢٨٤١) ] تعاون هند وصهيون أكدت مصادر مسؤولة باكستانية أن ست طائرات حربية إسرائيلية تربض على أهبة الاستعداد في إحدى القواعد الجوية الهندية، وهذه الطائرات محملة بالصواريخ بهدف توجيهها صوب المنشآت النووية الباكستانية. ... ... ... ... ... [جريدة الرياض، عدد: (١٠٩٣٢) ] الخارج.. مفقود بلغ حجم الاستثمارات العربية في خارج البلاد العربية ٨٠٠ مليار دولار أمريكي، بينما لا تتجاوز ديون البلاد العربية مجتمعة غير ١٧٠ مليار دولار أمريكي [جريدة العربي القاهرية نقلا عن مجلة الشراع عدد: (٨٢٨) ] كنائس عسكرية ذكر التقرير الذي أعدته حركة (الحملة ضد تجارة الأسلحة) أن ١٥ كاتدرائية أنجليكانية وواحدة كاثوليكية تمتلك أسهماً وحصصاً تقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية في شركات لصنع الأسلحة، وذكر التقرير أن أموال التبرعات والهبات التي تمنح لمجالس الكنائس والكاتدرائيات يتم استثمارها في شركات بريطانية تعمل في مجال صناعة الدبابات والصواريخ والطائرات الحربية، وبلغت قيمة الاستثمارات حوالي ثلاثين مليون جنيه إسترليني. ... ... ... ... ... ... [مجلة المجلة، عدد: (٩٤٧) ] قساوسة قتلة! ! قدمت جماعة: (إفريقيا رايتس، التي تعنى بحقوق الإنسان) معلومات مفصلة في خطاب لبابا الفاتيكان عن أن أساقفة وقساوسة وراهبات شاركوا في المذابح الجماعية التي وقعت في رواندا منذ أربعة أعوام، وكانت محكمة رواندية قد حكمت بالإعدام على اثنين من القساوسة لدعوتهم ألفين من المواطنين التوتسي إلى دخول إحدى الكنائس ومن ثم سحقتهم الجرافات حتى الموت. [جريدة الخليج: عدد: (٦٩٣٥) ] ما غرّك بربك الكريم اليوم أصيح بالموت فأقول: الموت نائم، لعن الله من أيقظه! ! ها نحن نرى أننا لم نكد نودع عبد الغني أبو العينين حتى جاءنا نعي نزار قباني، ثم لم تكد تمر أيام على رحيل نزار حتى تبعه غالي شكري، أريد أن أقول: إنه قد آن لنا أن نخرج من هذا الموت الذي يفتك بنا لأننا ساكتون عنه، مستسلمون له، إنه وهم وخديعة، حلم أسود ارتمينا في أحضانه بعد أن سقطت أحلامنا الوردية، فانتقلنا من وهم إلى وهم ومن نقيض إلى نقيض. [الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي، جريدة الأهرام عدد: (٤٠٧٠٠) ، وجريدة الخليج، عدد: (٦٩٣٥) ] ولكن ... من المستفيد منها؟ ! ذكرت صحيفة (نيويورك تايمز) أن الولايات المتحدة وبريطانيا بدأتا عملية سرية لإزالة مواد نووية من جورجيا بمنطقة القوقاز، ويورانيوم مخصب، (وقود نووي) وكانت هذه المواد مثار قلق عميق لمسؤولين أمريكيين يخشون سقوطها في أيدي عصابات شيشانية أو إيران، أو أي دولة نووية أخرى. ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٢٨٣٢) ] قوات.. هتك الأعراض! كشفت أجهزة المخابرات الأسبانية تورط قوات حفظ السلام التابعة لحلف شمال الأطلسي في إجبار قاصرات من البوسنة على ممارسة البغاء مع الجنود الدوليين في سراييفو، وهذه الشبكة يديرها جنود إيطاليون، وبدأت هذه الشبكة العمل عام ١٩٩٦م بعد شهور من مساهمة الجيش الإيطالي في المحافظة على اتفاق دايتون للسلام. ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط: عدد (٧١١٧) ] لا لدولة أصولية صرح الرئيس الإندونيسي الجديد، بحر الدين حبيبي أن بلاده لا تعتزم إقامة دولة إسلامية أصولية في إطار إصلاحاتها السياسية المقترحة، وكان ذلك إجابة على تساؤل من النائب الأمريكي كريس سميث، أثناء اجتماعه مع الرئيس الإندونيسي، وقال سميث: أكد لنا الرئيس أن أيديولوجية إندونيسيا تستبعد إقامة دولة أصولية، وأن شعار إندونيسيا سيكون التسامح، وسيكون للناس حرية ممارسة عقائدهم واحترام الأديان الأخرى، آمل والحكومة الأمريكية ألا تصبح إندونيسيا أصولية. ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط: عدد (٧١٢١) ]

стр. 2817

الورقة الأخيرة هموم إندونيسية أحمد العامر تعاني أكثر بلاد العالم الإسلامي من الحكومات الفاشلة التي أذاقت شعوبها سوء العذاب بسياساتها الخرقاء وسقوطها في فلك الاتجاهات الحزبية المشبوهة، وإندونيسيا بلد مسلم كبير.. واحد من تلك البلدان.. إذ لم تجد طعم الحكم الصالح الرشيد منذ خرجت من أتون الاستعمار الهولندي الذي صنع كعادة المستعمرين أذناباً له يمثلونه ويعملون وفق نهجه.. فقد عاشت إندونيسيا محنتها منذ (أحمد سوكارنو) الذي ابتدع فلسفة (البانجاسيلا) [*] التي جمعت نتفاً من الأديان السماوية والمذاهب الوضعية وألزم الجميع بالولاء لها وهمش الإسلاميين وناصب الإسلام العداء وفتح المجال للنصارى ليعملوا على قدم وساق حتى خططوا في برامجهم لتنصير (إندونيسيا) بكاملها عام ٢٠٠٠، وسقط سوكارنو نتيجية سياساته وغطرسته وذهب لمزبلة التاريخ. وحكم الجنرال سوهارتو البلد من بعده لمدة ٣٢ عاماً بالحديد والنار بعد انقلاب عسكري؛ ومع ما اتسم به حكمه من هدوء، ثم انتعاش اقتصادي نسبي حتى عُدّت إندونيسيا من النمور الآسيوية؛ إلا أنه أُسقط أيضاً؛ فلماذا أسقط الرئيس بعد تلك الفترة الطويلة لا سيما بعد فبركة ترشيحه بالأكثرية؟ والمتابعون للأحداث يرجعون ذلك لعدة أسباب، منها: ١- الدكتاتورية التي حكم بها سوهارتو البلاد وهمّش بها المعارضة حتى لم يعد لها أي تأثير ضد انحرافات حكوماته. ٢- الخلل الاقتصادي الذي عاشته البلاد، ثم الانهيار فيما بعد مما انعكس سلباً على معيشة المواطنين بينما المقربون يعيشون في بحبوحة من العيش. ٣- الانتفاضة الشعبية بل الفوضى التي ضربت أطنابها في البلاد مما أدى إلى مهاجمة المتاجر والمعارض، وانتشار التخريب الذي انفلت معه زمام الأمن بشكل فوضوي تم على أثره احتلال البرلمان من قِبَلِ الطلاب والمعارضين. ٤- مطالبة حلفائه المقربين ولا سيما أمريكا باستقالته حفاظاً على وحدة البلاد وإبقاءً على تاريخه بل حفظاً على ماء وجهه. ٥- إصراره على البقاء بدعوى أن استقالته لن تحل الأوضاع، ومع تأييد الجيش له إلا أنه لم يبق طويلاً بعدما ساءت الأحوال واضطر الأجانب لإجلاء رعاياهم، مما جعل الاستقالة أمراً لا مفر منه، ومع ذلك وبعد تنازله الذي لم يسمّه استقالة وإنما سماه (تنحياً) ولعله كان يفكر بالعودة بعدما تهدأ الأوضاع لكن إجراءات نقل السلطة تمت لنائبه يوسف حبيبي، وجرت محاولة فاشلة للانقلاب ولكنها أجهضت في حينه، ولم يحصل التفاؤل بخلفه؛ لكونه أحد تلاميذ مدرسة سوهارتو؛ وبالفعل ما زالت المظاهرات تطالب بتنحية البديل. والسؤال هنا: إلى متى ستظل شعوب العالم الإسلامي رهينة قيادات مفروضة؟ فيوسف حبيبي كان شريكاً لسوهارتو ومسؤولاً عن قسط كبير من سياساته ولكنه الآن اكتشف تلك الأخطاء فجأة فراح يحاول الظهور بدعوى الإصلاح بالدعوة للتقشف وإبعاد الأقارب؛ والأمر ما زال غير واضح والأيام حبلى بكل عجبيب، لكن مثل ذلك الدكتاتور (سوهارتو) الذي أخضع شعبه لحياة المذلة عاش فيها جل شعبه عيشة الكفاف، بل عاش كثير منهم تحت حزام الفقر؛ هل يُترك ليتمتع بالأموال التي نهبها والخراب الذي خلفه؟ أم يحاكم ويطالب بما نهبه قضائياً ليكون ذلك عبرة له وردعاً لأمثاله والعجيب أن ثروة سوهارتو تبلغ أربعين مليار دولار وهي قيمة ديون إندونيسيا نفسها ولعل الأيام القادمة ستفصح عن نوايا الرئيس الجديد تجاه شعبه. نسأل الله أن يلطف بهذا البلد المسلم، وأن يعينه على اجتياز محنته، وأن يلهم مسؤوليه طريق السداد وسلوك النهج الأمثل بما يليق بأكبر بلاد المسلمين عدداً وحتى لا تكون حقل تجارب بائرة لزعماء بائرين.

стр. 2818

ربيع الآخر - ١٤١٩هـ أغسطس - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2819

كلمة صغيرة الإسلام أكبر نبهت مشكورة صحيفة (الخليج الإماراتية) [١] لحملة مشبوهة غامضة تتبناها جهة مجهولة ضد الإسلام والمسلمين من خلال شبكة (أمريكا أون لاين) بترويج عملية التحريف في سور للقرآن الكريم والحديث. بإضافة ترجمات وتفاسير مزورة ومغرضة لأربع سور مخترعة بعناوين: (الإيمان) و (التجسد) و (الوصاية) و (المسلمون) زعموا أن مرجعها صحيح البخاري وكتب التفسير، ووضعوا لها رواة مزيفين على نسق رواة الحديث؛ للتغرير بالمسلمين غير الناطقين بالعربية مدّعين أنهم يرجعون لموقع إسلامي معروف؛ وثبت كذبهم في دعواهم. ودعت الصحيفة إلى حملة احتجاج ضد ذلك الموقع المشبوه. ونعتقد أن الهجوم على الإسلام قديماً وحديثاً مستمر من قِبَلِ أعدائه بالكذب والزور والافتراء وما ضره شيئاً؛ لأنه من عند الله تعالى الذي تكفل بحفظه.. وإن كانت مصادر هذه الدعاوى واضحة من لفظي: (الوصاية والتجسد) فهما مفهومان لهما مرجعيتهما المعروفة لكل متابع؛ وجهود أعدائنا في التحريف والتزييف لا تخفى ولن تنطلي على المسلمين إن شاء الله؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل استُغِلّ (الإنترنت) استغلالاً دعوياً للتعريف بالإسلام من قِبَلِ الجهات الدعوية الإسلامية بالمنطلق الشرعي القائم على الكتاب والسنة وفهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ لأن الملاحظ أن التوجهات التنصيرية والملل والنحل المنحرفة قائمة على قدم وساق بالتبشير بمناهجها من خلال هذه الأداة الإعلامية الجديدة الخطيرة؛ بينما بعضنا مشغولون بنهش أعراض إخوانهم، والإساءة إليهم، على حين أن أعداء الإسلام بمنجاة منهم. مع العلم أن الشركة المذكورة ألغت الموقع المشار له كما نشر مؤخراً. فمتى نعي واجباتنا، ونتقي الله في آرائنا؟ والله المستعان.

стр. 2820

الافتتاحية ماذا يفعل أعدائي بي ؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد: فإن الصراع بين الحق والباطل من سنن الله في الكون، وإذا كان المتبادر إلى الذهن أن مفهوم الصراع مقتصر على مواجهة مسلحة بين فئتين يحسم فيها الأمر سريعاً ويتبين المنتصر من المهزوم؛ فإن الحقيقة أن المواجهة الأشد هي التي يحتار فيها القوي في كيفية التعامل مع الضعيف الذي لا يحمل إلا سلاحاً واحداً هو سلاح العقيدة والثبات على المبدأ مع الاستعداد للتضحية. لقد مر العالم الإسلامي بنماذج كثيرة انتصر فيها الضعيف الأعزل؛ فبعد استقرار الدولة الإسلامية وغلبتها، واتصال المسلمين بالثقافات الأخرى قامت محاولات لوضع الإسلام في أطر غريبة عليه؛ فمنهم من حاول أن يعبر عن الإسلام بعقلية حكماء الهند وكُهّانها، ومنهم من حاول تبني اتجاهات النصرانية ورهبانها؛ فظهرت طوائف الصوفية المختلفة، والباطنية، ومنهم من اتجه إلى الفلسفة اليونانية، فظهر المعتزلة الذين حاولوا أن يؤطّروا الإسلام بالنهج العقلاني البحت والأطر الغريبة، وأصبح فيها العقل والمنطق هو المرجع الأساسي في الفهم، والأخطر من ذلك أنهم نجحوا في إقناع الدولة بتبني هذا المذهب الفاسد كما حصل بتبني الخليفة المأمون النهج المعتزلي بل وإجبار الناس عليه. ولفسادهم العقدي والسياسي فإننا نجد أنهم اختزلوا الإسلام في مسألة عقلية واحدة ابتدعوها هم لم يسبقهم إليها أحد من المسلمين، وجعلوا هذه المسألة ألا وهي خلق القرآن مقياساً لحسن إسلام المرء من عدمه؛ فمن لم يتابعهم عليها فليس جديراً بقضاء ولا تدريس ولا إمامة ولا ... ولما خضع مجمل أهل العلم خوفاً أو طمعاً أخذوا البقية الباقية بالشدة والعنت، وممن ثبت وجاهد ذلك التوجه الإمام أحمد بن حنبل ﵀ الذي رفض باطلهم ولم يدخل معهم في مساجلات عقيمة، بل وضع يده على الداء وواجههم بقول واحد جامع مانع ألا وهو: (هاتوا آية أو حديثاً) لأنه يعلم أنهم أُتوا من خلل في مصدر التلقي عندهم، وهنا مصدر الانحراف، وصبر سنين على الضرب والسجن، ومنعه من التدريس. وفي النهاية ذهبوا إلى مزبلة التاريخ وبقي ذكر الإمام أنموذجاً للصبر والثبات على البلاء الحق. لقد فهم ﵀ أن الدولة العباسية مجرد حاضن لهذا المذهب المنحرف، ولذا لم يتعرض لها؛ فلم يتكلم عن المأمون ولا عن المعتصم على الرغم من أذاهم الشخصي له، بل ركّز على المعتزلة وهدم مذهبهم؛ ونجح في ذلك حتى إنه ابتُلي في آخر حياته بإقبال الدولة عليه لما عادت واحتضنت مذهب أهل السنة من جديد. لقد مثّل الإمام أحمد معضلة كبيرة للمعتزلة؛ فلم ينفع معه الوعد ولا الوعيد؛ وتعذيبهم له سبّب لهم مشكلة، كما أنشأ سجنه لهم معضلة فأطلقوه خوفاً من موته في السجن، فعاش سنين يحمل معه يداً معيبة شاهداً على ظلمهم ورمزاً لطغيانهم منعوه من التدريس بعد أن أصبح رمزاً، وأخيراً قام بالتدريس والفتيا بعد أن أصبح إماماً ولم يُتوف ﵀ إلا وقد فقد المعتزلة السلطة والاحترام، وبدأ عصر جديد في حاضرة الخلافة ألا وهو عصر الحنابلة أو على الأصح عصر أهل الحديث، وتحقق ما كان يكرره وهو قوله: (بيننا وبينهم الجنائز) . أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد عاش حياته كلها جهاداً بالكلمة لأمته التي أصابها بعض الانحراف، وبالسيف لأعدائها، وابتُلي حتى قال كلمته المشهورة: (ما يفعل أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري؛ مهما رحلت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) . نعم لقد مات في سجن دمشق، وبقي ذكره يعطر الآفاق عالماً وإماماً يشار له بالبنان ويترضى عنه كل من قرأ آثاره العلمية الجليلة؛ فأين الذين كانوا أقوى منه وسجنوه! لقد اندرسوا، وبقي ذكره وعلمه ومنهجه على مر العصور، نعم لقد كان معضلة لأعدائه. سيد قطب ﵀ وإن اختلفنا معه في بعض المآخذ [١] إلا أنه كان معضلة لأعدائه؛ ففي حريته كان يعمل بلا كلل في سبيل ما يرى أنه الحق، ولمّا غُيّبَ في السجن أكبّ على التدبر في حال الأمة، وأخرج لها كتابه القيم: (في ظلال القرآن) ، لقد رفض المناصب العالية، وسيق إلى الإعدام وهو يبتسم ... لقد كان يرجو ما عند الله من جهة، ومن جهة أخرى يرجو أن يكون موته بهذه الصورة معضلة لأعدائه؛ لأن كلماته ستبقى هامدة لا روح فيها حتى يرويها بدمه؛ وهذا ما حصل، ومن كان يعرف سيداً لو لم يبتلَ؛ لكن إذا أراد الله نشر فضيلة أتاح لها لسان حسود. وإذا انتقلنا إلى عصرنا الحاضر فإننا نجد أن هناك أمثلة يحق أن نسميها: (معضلة لأعداء الله) . فمثلاً الشيخ أحمد ياسين حفظه الله رجل فريد في هذا الزمان؛ فإنه مشلول لا يتحرك منه سوى رأسه حتى إن كأس الماء يوضع في فيه؛ لأنه لا يستطيع أن يشرب بنفسه؛ ومع ذلك فقد استعمل ما أبقى الله له، فعمل ودرّس، وأدار حركة ناشئة في ظروف عصيبة، وكوّن أول الخلايا الجهادية، فقام اليهود بسجنه وهو المشلول المعاق، وبقي في السجن عشر سنوات، وهو يمثل إحراجاً وإزعاجاً لهم، وكان مطلب إخراجه مع كل عملية لكتائب عز الدين القسام، وقد رفض عروضاً عديدة للخروج من السجن مع الإبعاد، وأصر على العودة إلى وطنه، وتم له ذلك أخيراً، وعاد إلى غزة بعد أن أصبحت حماس رقماً صعباً. ولما خرج الشيخ للعلاج قام بالرغم من حالته الصحية بجولة واسعة لقي فيها كل ترحيب في كل البلاد التي زارها، وكان التعاطف الشعبي ملفتاً لأنظار الجميع، ولكن الأغرب هو ذلك الترحيب الرسمي في مختلف البلاد؛ حيث إن الحكومات وجدت في الزيارة فرصة للتعبير عن عدم رضاها عما يسمى بالعملية السلمية، وفرض إسرائيل من قِبَلِ أمريكا زعيمة لدول المنطقة، واتجهت للتعامل مع حماس؛ لأنها تمثل الجهة الوحيدة الفاعلة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. والذي نراه أن أهم ما في هذه المرحلة هو أن قضية فلسطين عادت قضية إسلامية، حيث حرص الأعداء على إضعاف ذلك البعد العقدي الخطير؛ فبعد التركيز على البعد العربي اختزل إلى بعد فلسطيني، ثم أخيراً إلى عرفاتي؛ حيث انتهى الأمر إلى الاعتراف بحق اليهود في فلسطين! من الواضح أن الشيخ نجح في أن يكون معضلة لليهود وأتباعهم؛ فتركُهُ حراً أو سجنه أو خروجه كلها معضلات، بل هناك تردد في السماح لعودته بعد جولته لكن الله يدافع عن الذين آمنوا. وبالفعل سمح له بالدخول إلى غزة فيما بعد؛ مع إيذاء واستفزازات صهيونية كالعادة. أما حماس فهي معضلة للأعداء وستبقى معضلة بشرط الثبات على التركيز على الهدف الأساسي وهو: اليهود؛ واليهود داخل فلسطين فقط، وعدم الانجرار إلى استفزازات السلطة من أجل الدخول في صراعات معها مما يحولها عن الهدف، وللحيلولة دون إعطاء السلطة مسوغات التصفية الشاملة، مما يدمر الطرفين معاً؛ وهذا غاية ما يتمنى اليهود الذين نرجو أن يصدق فيهم حَدْس الشيخ بأنهم لن يحتفلوا بمرور مئة سنة على إنشاء دولتهم؛ ونرجو أن يكون ذلك أقل؛ وما ذلك على الله بعزيز، والله غالب على أمره.

стр. 2821

إشراقات قرآنية وخلق كل شيء فقدره تقديراً عبد العزيز مصطفى لا شك أن المعرفة بالله تورث المحبة والخشية واليقين؛ فكلما كان العبد بالله أعرف، كلما كان له أخوف، وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: [إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ] (فاطر: ٢٨) وقد كان رسول الله لله أعلم الناس وأعرفهم، ولهذا فإنه كان أخشى الناس لله تعالى قال لله: (أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية) [١] . ونحن مدعوون إلى أن نزيد معرفتنا بالله، لتزداد خشيتنا له فتخشع قلوبنا له [أَلَمْ يَاًنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ] [الحديد: ١٦] . ولهذه االمعرفة بالله سبل لا يُتوصل إليها بدونها، يقول ابن القيم ﵀: (الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته عن طريقين: أحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها. فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة..) [٢] . ومن القرآن العظيم نلتمس الطريقين، فهو يفتح القلوب للنظر إلى مفعولات الله، ويفتق الأذهان والعقول إذا تفكرنا وتدبرنا في آياته. إن النظر في مفعولات الله تفكّر، وقد دُعينا إلى التفكر [أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمَّى] [الروم: ٨] . وإن من أعظم ما يعيننا على النظر في مفعولات الله: التأمل في تقديره في خلقه، فهو القائل سبحانه: [وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً] [الفرقان: ٢] . فلله تعالى في كل شيء من خلقه قدْر وتقدير، وهذا التقدير معناه إعطاء كل شيء مقداراً وكمّاً محدداً على سبيل الحكمة، والتقدير أيضاً: إعطاء الشيء القدرة؛ فتقدير الله الأشياء على وجهين: أحدهما: بإعطاء القدرة، والثاني: بجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة [٣] . ونحن إذا تأملنا حديث القرآن عن التقدير، لوجدنا هذا التقدير بادياً في معالم الخلق كلها؛ فالتقدير بادٍ في خلق السماوات، وباد في خلق الأرض وفي خلق الإنسان على الأرض وفي رزقه وفي حياته وفي مماته. وسنرى الآن أن القرآن قد حوى في إيجاز وإعجاز الحديث على هذه المعالم فأشار إليها كلها، ولفت نظر الإنسان للتفكر في تقدير الله تعالى فيها بكلياتها وجزئياتها. التقدير في السموات: إن أعظم ما يظهر لنا من المخلوقات السماوية في عالم الشهادة، وأكبر ما له تعلق بحياتنا منها، هذان النيّران العظيمان: الشمس والقمر، ولا شك أن السماوات مملوءة بملايين المخلوقات غيرها من النجوم والكواكب، وأيضاً الملائكة التي خلقت لسكنى السماء، ولكن يبقى النيّران الشمس والقمر من أهم مخلوقات السماء التي تتعلق بهما حياة الإنسان على الأرض، فلننظر إلى حديث القرآن عن تقدير هذين المخلوقين العظيمين، يقول الله تعالى: [هُوَ الَذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] [يونس: ٥] . فالآية تشير هنا إلى تقدير له تأثير مباشر على حياة الإنسان، [وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ] أي قدر سيره في منازل [لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] يعني حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي، وقد خُص القمر في هذا السياق بالتقدير؛ لسرعته ولأن دوراته وتحركاته لها تعلق أكثر بأحكام الشرع، والمخاطبون هنا خطاباً أولياً هم أهل الإيمان بهذا الشرع [لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] قال الألوسي رحمه الله: (وتخصيصه بهذا التقدير لسرعة سيره بالنسبة للشمس، ولأن منازله معلومة محسوسة، ولكونه عمدة في تواريخ العرب، ولأن أحكام الشرع منوطة به في الأكثر) [٤] وقد أشار القرآن إلى لون آخر من التقدير المتعلق بالقمر في قوله تعالى: [وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ] [يس: ٣٩] فالعباد يرون القمر في منازله المقدرة تلك: يولد هلالاً، ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدراً، ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالاً مقوساً.. كالعرجون القديم. ولكم نتحير عندما نرفع أعيننا إلى السماء، ونشاهد الأجرام والكواكب والنجوم التي لا حصر لها. إن هذه الكرات السماوية التي لا تزال معلقة في الفضاء منذ قرون لا نعرف عدتها؛ تدور في الفضاء الفسيح السحيق على نظام معين معلوم، والقمر واحد من تلك الأجرام السماوية، وحركته تلك المشاهدة، ترشدنا إلى أن نتذكر أن كل أجرام السماء لها أفلاكها التي تَسبْح وتُسبّح فيها باسم الخالق العظيم [وَإن مِّن شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] [الإسراء: ٤٤] . أما الشمس فلها تقديرها الذي أشار إليه القرآن بقوله: [وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] [يس: ٣٨] . فهي تشرق وتغرب منذ أن خلق الله الدنيا شاهدة على انتظام ناموس الكون وفق قدرة الله؛ فإذا قدر الله لهذا الناموس أن يختل اختل ناموس الشمس بأمر الله، وكان اختلاله أعظم آية على بدء الخلل العام في نظام الكون إيذاناً بانتهاء الدنيا.. إن هذا يحدث عندما تشرق الشمس من مغربها، فعندها تترادف الأشراط الكبرى المؤذنة بنهاية العالم. أما قبل هذا.. فالشمس تجري والقمر يدور في منازله، وهكذا كل أجرام السماء وفق نظام دقيق وتقدير محكم [لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] [يس: ٤٠] فلكل نجم أو كوكب فلك أو مدار لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه، والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة لكنها مقدرة وأكبر دليل على أنها مقدرة بدقة بالغة أنها لا تتصادم ولا تضطرب ولا تتناثر قبل الموعد المقرر لها. إن المسافة بين أرضنا هذه وبين الشمس كما يقول علماء الفلك تقدر بنحو ثلاثة وتسعين مليوناً من الأميال، والقمر يبعد عن الأرض بنحو أربعين ومائتي ألف من الأميال، وهذه المسافات على بعدها ليست شيئاً يذكر حين تقاس إلى ما بين مجموعتنا الشمسية وأقرب نجم من نجوم السماء الأخرى إلينا. وتلك المسافات المقدرة في أبعادها السحيقة لبعضها تأثير على مظاهر هامة في حياتنا على الأرض؛ فالقمر مثلاً هو أقرب جيراننا في الفضاء، وهذا القرب يؤثر على البحار يومياً في حركة الأمواج والمد والجزر. والمسافة الفاصلة بين الأرض والقمر مناسبة تماماً ومقدرة لصالح أهل الأرض، ولو نقص هذا الفاصل إلى خمسين ألفاً من الأميال لحدث طوفان شديد في البحار تغطي أمواجه أكثر مناطق الأرض المأهولة فيغرق كل شيء، كما أن المسافة بيننا وبين الشمس لو اقتربت أكثر هي عليه الآن لاحترقت الأرض وما عليها [٥] . التقدير في الأرض: قال تعالى: [قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ] (فصلت: ٩-١٠) إن التقدير في الأرض لا يمكن أن يستوعبه بجوانبه تفكير البشر، فكل شيء فيها مقدر، لقد قدرت في جرمها، وفي وزنها وفي شكلها، وفي قربها أو بعدها عن غيرها، وقدر رسوها بالجبال، وقدرت الحواجز فيها بالبحار والأنهار، وقدرت البركة فيها على قدر أرزاق ساكنيها [وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا] فالبركة في كل عناصرها، فعناصر من الهواء كونت الماء، وبالماء مع الهواء مع الرياح والشمس تكونت التربة الصالحة للزراعة، ووضعت البركات بقدر في الماء والشمس والرياح، فتكونت الأمطار التي هي أصل الماء العذب كله من أنهار ظاهرة وأنهار باطنة تظهر في شكل ينابيع وعيون وآبار. وكل هذا من البركة التي تأسست عليها بركة أعظم وألصق بحياة الإنسان، وهي البركة في الأقوات. كيف قدرت الأقوات؟ لقد تضافرت في ذلك عوامل عدة. لننظر مثلاً في دور الهواء في توفير الغذاء ... الهواء كما نعلم ركب من عدد من العناصر، وهي (أكسجين ... ثاني أكسيد الكربون ... نتروجين) إننا نستمد أنفاسنا من الهواء من أكسجينه ويستمد النبات نموه من الهواء من كربونه ونحن نأكل النبات، ونأكل الحيوان الذي يأكل النبات، ومن كليهما تبنى أجسامنا. بقي من غازات الهواء: النيتروجين أو الأزوت فهذا لتخفيف أثر الأكسجين حتى لا نحترق بأنفاسنا، أما بخار الماء فهذا لترطيب الهواء، وتبقى طائفة من غازات أخرى قليلة في نسبها، ولكن لها تأثيرها) [٦] إن الأقوات المقدرة في الأرض والتي أشارت إليها الآية أوسع مفهوماً مما يؤكل في بطون البشر فهي أقوات في الأرض [وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا] فهي للإنسان والحيوان، وللطير وللهوام وللنبات وللكائنات الأولية، بل وللكائنات الغيبية كالجن ودوابها، وكل الأقوات مركبة من العناصر الأصلية التي تحتويها الأرض في جوفها أو جوها سواء، فيمتد الأمر إلى ما هو فوق الغذاء، فيشمل أيضاً الدواء والكساء، فكل هذا من بين عناصر الأرض المودعة فيها والمقدرة، وكل هذا يشير إلى شيء من البركة والتقدير لعلنا نتفكر. والأرض في ضخامتها لا تساوي ذرة من هذا الكون العظيم، ولو أن حجمها كان أقل أو أكثر مما هي عليه الآن لاستحالت الحياة فوقها؛ لأن هذا التغيير في حجمها سيؤثر في مقدار الجاذبية الحالية لها، مما يؤثر في تماسك الماء والهواء من حولها، أما إذا زاد حجمها كثيراً عما هو عليه الآن لتضاعفت الجاذبية، ومن ثم سينكمش الغلاف الجوي ويزداد الضغط الجوي وسيؤدي ذلك إلى استحالة نشأة الأجسام الحية أو استمرارها. إن الأرض تتم دورة واحدة حول محورها كل أربع وعشرين ساعة ومعنى ذلك أنها تسير حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة، فإذا افترضنا أن هذه السرعة انخفضت إلى مائتي ميل في الساعة لطالت أوقات ليلنا ونهارنا عشر مرات بالنسبة إلى ما هي عليه الآن، ويترتب على ذلك أن تحرق الشمس لاستمرار حرارتها كل شيء فوق الأرض [٧] ، وما بقي بعد ذلك ستقضي عليه البرودة الشديدة في الليل؛ فسبحان من خلقها، فسواها فقدر ها تقديراً. التقدير في خلق الإنسان: الإنسان هو أكرم مخلوق على الأرض كما قال الله: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ] [الإسراء: ٧٠] وكرامة الإنسان تبدو في خلقته وفي تقدير الله له، فالتقدير ملازم لحياة هذا المخلوق حتى قبل أن يكون شيئاً مذكوراً، ألم يكن هذا الإنسان في مبدأ خلقه نطفة؟ ! نعم نطفة ومع هذا خلقه منها فقدره، ولكن هذا الإنسان للأسف ينسى خلقه وينسى تقديره فيكفر بربه [قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ] (عبس: ١٧-١٩) . قال صاحب الظلال: (من هذا الشيء الذي لا قيمة له، ومن هذا الأصل الذي لا قوام له! ولكن خالقه هو الذي قدره: من تقدير الصنع وإحكامه، وقدّره: من منحه قدراً وقيمة فجعله خلقاً سوياً، وجعله خلقاً كريماً، وارتفع به من ذلك الأصل المتواضع.. إلى المقام الرفيع الذي تسخر فيه الأرض وما عليها) [٨] . ورحلة الإنسان إلى هذا المقام تمر عبر مراحل من التقدير الإلهي اللطيف الذي به يرعاه بقدرته. قال تعالى: [أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (٢١) إلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ] [المرسلات: ٢٠ - ٢٣] . فمع نشأته الجنينية ورحلته العجائبية، يتنقل هذا المخلوق المكرم من طور إلى طور: ماء مهين تكتنفه رعاية في قرار مكين إلى قدر معلوم.. ثم يخرج إلى الدنيا فيعطى قدراً وقدرة بهما، فتمضي الحياة إلى أجل مرسوم. كل هذا وفق تقدير ذي القدرة المطلقة [فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ] . ولنقف لحظات مع بعض جوانب القدرة في خلق الإنسان لنرى كيف خلقه الله فقدره، ثم السبيل يسره، ونختار على ذلك مثالاً واحداً هو الجهاز العصبي في الإنسان. يقول وحيد الدين خان: (إننا نتحير إذا رأينا النظام المعقد لأسلاك التليفون، ونتحير إذا وجدنا أن مكالمة من لندن إلى ملبورن بأستراليا تتم في بضع ثوان، فإذا كان تعقيد نظام أسلاك التليفون يوقعنا في هذه الحيرة، فما بالنا بنظامنا العصبي، وهو أوسع من هذا النظام وأشد تعقيداً؟ ! إن ملايين الأخبار تجري على أسلاك نظامنا العصبي، الذي خلقه الله، من جانب إلى آخر ليل ونهار، وهذه الأخبار هي التي توجه القلب في تدفقها وفي وحركتها، وتتحكم في حركات الأعضاء المختلفة، ولو لم يكن هذا النظام موجوداً في أجسامنا لصارت الأجسام تلفيقاً لأشياء مبعثرة تسلك كل منها مسلكها الخاص. ومركز هذا النظام للاتصالات مخ الإنسان، وفي هذا المخ يوجد ألف مليون خلية عصبية، ومن كل هذه الخلايا تخرج أسلاك تنتشر في سائر الجسم، وتسمى هذه الأسلاك (الأنسجة العصبية) وفي هذه الأنسجة يجري نظام استقبال وإرسال للأخبار، بسرعة سبعين ميلاً في الساعة، وبوساطة هذه الأنسجة نتذوق، ونسمع، ونرى ونباشر سائر أعمالنا، بل إن هناك ثلاثة آلاف من الشعيرات المتذوقة، ولكل منها سلك عصبي خاص متصل بالمخ، وبوساطة هذه الشعيرات نحس بالمذاقات المختلفة. وتوجد في الأذن عشرة آلاف خلية سمعية، ومن خلال نظام معقد يسري من هذه الخلايا يسمع مخنا، وفي كل عين مائة وثلاثون مليون من الخلايا الملتقطة للضوء، وتقوم بمهمة إرسال المجموعات التصويرية إلى المخ، فإذا قربنا إلى الجلد شيئا حاراً، فإن ثلاثين ألفاً من الخلايا الملتقطة للحرارة تحس بهذه العملية وترسلها فوراً إلى المخ.. وإذا قربنا إلى الجلد شيئاً بارداً فإن ربع مليون من الخلايا التي تلتقط الأشياء الباردة تحس به وعندئذ يمتلئ المخ بأثرها ويرتعد الجسم، وتتسع الشرايين الجلدية فيسرع مزيد من الدم إليها ويزودها بالحرارة، وإذا أحست هذه الخلايا بحرارة شديدة، فإن مخابرات الحرارة توصلها إلى الدماغ، وحينئذ تفرز ثلاثة ملايين من الغدد العرقية تلقائياً عرقاً بارداً إلى خارج الجسم لتخفيف الحرارة) [٩] . التقدير في رزق الإنسان: يشير القرآن إلى التقدير العجيب في الأرزاق التي يبسطها الله أو يقبضها بحكمة ولطف؛ فأرزاق البشر مقدرة في كمها وكيفها ونوعها وحجمها كما قال سبحانه: [وَإن مِّن شَيْءٍ إلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ] [الحجر: ٢١] والله تعالى أنزل للبشر بمجموعهم رزقاً معلوماً في هذه الدنيا، وأنزل لكل طائفة أو جيل أو شعب منهم رزقه المقدور، ولكل فرد من هؤلاء رزقه المكتوب مع أجله، وهو لن يموت حتى يستوفيه كما قال الرسول ﵊: (إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها) [١٠] . وتقدير أرزاق البشر يسير وفق مشيئة الله القدرية لكل مخلوق، وما من واحد منهم يقدر على شيء أو يملك شيئاً على الحقيقة؛ فخزائن الرزق عند الله مصادرها ومواردها وإنما يجريها على أهلها بحسب ما قدر من أسباب مقترنة بها [وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ] فهذا إنسان تصلح له سعة الرزق في أول العمر، وهذا إنسان يؤجل اتساع رزقه إلى نهاية العمر، وثالث يوسع عليه في العمر كله، وآخر يضيق عليه في العمر كله؛ وكل هذا على حسب ما هو مكتوب عند الله من المصائر والنهايات. إن الله تعالى قادر على أن يجعل كل من على الأرض أغنياء، ومع قدرته على ذلك فإنه لم يقدره لأسباب كثيرة، لعل منها: أنه سبحانه لا يريد لهذه الدنيا الدنية أن تتحول إلى جنة غنية ثرية؛ فالجنة لها وقتها ولها أهلها. ثم إن معادن البشر في الغالب يطغيها الغنى، وهذا الطغيان يمكن أن يعطل انتظام الحياة على هذه الأرض، ولهذا قال تعالى: [وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ] [الشورى: ٢٧] فما ينزل من الرزق، إنما ينزل بتقدير محسوب لتستمر الحياة، وليتم أيضاً الابتلاء فيها. وحتى الماء الذي هو عصب هذه الحياة، ينزل بتقدير محسوب كما قال سبحانه: [وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ] [المؤمنون: ١٨] ينزل الماء من السماء بتقدير وحكمة، فلا هو كثير كثرة تفسد على أهل الأرض معيشتهم، ولا هو قليل قلة تسبب الجدب والمحل، ولا يأتي في غير أوانه فيذهب بلا فائدة، إنه يخزن في طبقات الأرض بتقدير الله، وإذا شاء أذهبه فيغور في طبقاتها البعيدة، بكسر أو شق في الطبقات الصخرية التي استقر عليها فحفظته، أو بغير هذه الأسباب؛ فالذي أمسكه بقدر قادر على إذهابه، وبقدر أيضاً [وَإنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ] . التقدير في حياة الإنسان: يقول الله تعالى: [اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ] [الرعد: ٨] . قال الألوسي: بمقدار: أي بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه، فإن كل حادث من الأعراض والجواهر له في كل مرتبة من مراتب التكوين وميادينها وقت معين وحال مخصوص لا يكاد يجاوزه) [١١] . إن كل شيء في هذه الدنيا خُلق وسُخّر من أجل الإنسان، قال سبحانه: [وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] [الجاثية: ١٣] فجميع الأشياء مخلوقة من أجله، وكلها مقدرة فكل ما يظهر لنا من مخلوقات في السماء، يقترن بقاؤه ونظامه ببقاء الإنسان، والأرض وما فيها وما عليها يقترن بقاؤها ببقاء الإنسان، ولهذا فعندما يأتي أوان انتهاء الحياة الإنسانية، تنتهي كل هذه المخلوقات في الأرض وأيضاً في السماوات. قال تعالى: [إذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (١) وَإذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (٢) وَإذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ] [الانفطار: ١، ٥] وهذه النهاية أيضاً لا بد أن تلفت نظر الإنسان إلى أن الله تعالى ما كان ليخلقه ويسويه، فيعدله ويهديه ويخلق كل هذا من أجله لكي يمضي سويعات العمر في العصيان والغرور، ولهذا قال سبحانه بعد تلك الآيات: -[يَا أَيُّهَا الإنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ (٦) الَذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) ] [الانفطار: ٦ - ٨] . وغرور الإنسان لا تقل حدته إلا بالتفكر.. التفكر في خلق الله في تقديره وفي تسويته لخلقه وفي هدايته لهم؛ فهذا التفكير يدعونا إلى أن نقدره سبحانه حق قدره، وأن نسبح بحمده كما أمرنا [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١) الَذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى] [الأعلى: ١ - ٣] . وأخيراً: التقدير في موت الإنسان: فإذا كانت حياة الإنسان كلها تسير وفق سنن التقدير، فكذلك الموت. يقول تعالى: [نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ] [الواقعة: ٦٠] أي جعلناه مقدراً بآجال معلومة وأعمار منها طويل، ومنها قصير ومتوسط؛ فالله تعالى يعلم المدة التي تصلح لحياة كل مخلوق حي على حسب علمه السابق بمصيره في الآخرة، فيطيل عمر هذا في الطاعة، وينقص من عمر هذا حتى لا يزيد في المعصية، ويملي لهذا حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ويمهل ذاك حتى يتوب أو ينوب، هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأمم والأجيال أيضاً؛ فإن لها آجالها كذلك [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جََاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاًخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ] [الأعراف: ٣٤] . فسبحان خالق الإنسان، وسبحان خالق الأكوان، سبحان خالق الحياة، وسبحان خالق الموت الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً.

стр. 2822

دراسات في الشريعة والعقيدة من القواعد الفقهية الكبرى (الضرر يزال) فواز أبو راحيك الضرر يزال: هذه القاعدة تعتبر من القواعد الكبرى التي يعتمد عليها الفقهاء في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث والمسائل المستجدة، وأغلب كتب القواعد الفقهية عبرت عنها بقول: (الضرر يزال) ، وعبر عنها الشيخ عبد الرحمن السعدي، والدكتور البورنو، والأستاذ الزرقاء [١] بـ (لا ضرر ولا ضرار) وهو ما جعله الآخرون أصلاً لها. أصل القاعدة: أصلها قوله لله: (لا ضرر ولا ضرار) وهو حديث أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلاً. وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي، والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم [٢] . معنى الحديث: الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً. الضرار: مقابلة الضرر بالضرر. والحديث يفيد تحريم الضرر بشتى أنواعه؛ لأنه نوع من أنواع الظلم؛ ويشمل ذلك دفعه قبل وقوعه بالطرق الممكنة، ورفعه قبل وقوعه بالتدابير والإجراءات اللازمة. ولا يجوز أيضاً مقابلة الضرر بالضرر؛ لأنه توسيع لدائرة الضرر؛ فالإضرار لا يُلجأ إليه إلا لضرورة، ويستثنى من ذلك ما خُصّ بدليل وكان عقوبة شرعية مثل الحدود والعقوبات الأخرى كالقصاص. شرح القاعدة: هذه القاعدة من أركان الشريعة، وتشهد لها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة وهي أساس لمنع الفعل الضار وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، وهي أيضاً سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد؛ وهي عدة الفقهاء وعمدتهم وميزانهم في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث [٣] . ونص هذه القاعدة ينفي الضرر فيوجب منعه مطلقاً، ويشمل ذلك الضرر العام والضرر الخاص، ويشمل أيضاً دفع الضرر قبل وقوعه، بطرق الوقاية الممكنة، كما يشمل أيضاً دفعه قبل وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تكراره؛ ومن ثَمّ فإن إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة وإن ترتب عليها ضرر بهم؛ لأن فيها عدلاً ودفعاً لضرر أعم وأعظم. ما يبنى عليها من أبواب الفقه: يبني الفقهاء على هذه القاعدة كثيراً من أبواب الفقه، منها: الرد بالعيب، وجميع أنواع الخيارات من اختلاف الوصف المشروط والتعزير وإفلاس المشتري والحجر بأنواعه، والشفعة؛ لأنها شرعت لدفع ضرر القسمة، والقصاص والحدود والكفارات، وضمان المتلف والقسمة، ونصب الأئمة والقضاة، ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة، وفسخ النكاح بالعيوب أو الإفساد أو غير ذلك [٤] . المقصود بالضرار: نفي فكرة الثأر المحض لمجرد الانتقام الذي يزيد الضرر ويوسع دائرته؛ فالإضرار ولو كان على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً؛ وإنما يُلجأ إليه اضطراراً عندما لا يكون غيره من طرق التلافي؛ والقمع أنفع وأفضل منه. فمن أتلف مال غيره مثلاً لا يجوز أن يُقابل بإتلاف ماله؛ لأن ذلك توسيع للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلِف قيمة ما أتلف، فإن فيه نفعاً بتعويض الضرر، وتحويل الضرر نفسه إلى حساب المعتدي، وذلك بخلاف الجناية على النفس أو البدن مما شرع فيه القصاص؛ فمن قتل يقتل، ومن قطع يقطع؛ لأن هذه الجنايات لا يقطعها إلا عقوبة من جنسها [٥] . من أحكام هذه القاعدة: ١- لو انتهت مدة إجارة الأرض الزراعية قبل أن يُستَحصَد الزرع فإن الأرض تبقى في يد المستأجر بأجر المثل حتى يستحصد منعاً لضرر المستأجر بقلع الزرع قبل أوانه. ٢- لو باع شيئاً مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلاً، وغاب المشتري قبل نقد الثمن وقبض المبيع وخيف فساده، فللبائع أن يفسخ البيع ويبيع غيره دفعاً للضرر. ٣- يجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين بطريق قضائي دفعاً لشرهم؛ لأنهم قد يحتاطون ويتحفظون، فقد يملأون الدنيا فساداً وإضراراً ولا يمكن إثبات شيء عليهم بطريق قضائي [٦] . قواعد تتعلق بهذه القاعدة: يتفرع عن هذه القاعدة ويندرج تحتها ويتعلق بها قواعد، منها: ١-الضرورات تبيح المحظورات: هذه القاعدة مستفادة من استثناء القرآن الكريم في حالات الاضطرار الطارئة في ظروف استثنائية بقوله تعالى: [إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ] [الأنعام: ١١٩] بعد ذكر طائفة من المحرمات، لذا جاز للطبيب الكشف على عورات الأشخاص إذا توقفت عليها مداواتهم، وجاز أكل الميتة عند المخمصة، وإساغة اللقمة بالخمر عند الغصة، والتلفّظ بكلمة الكفر للإكراه، وكذا إتلاف المال وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله بشرط عدم نقصان الضرورة في نظر الشرع عن المحظور الذي اقتضت إباحته كما اشترط الشافعية وغيرهم [٧] فلو كان الميت نبياً فلا يحل أكله للمضطر؛ لأن حرمته أعظم في نظر الشرع من مهجة المضطر؛ وكذا لو دفن الميت بلا تكفين فلا ينبش منه؛ لأن مفسدة هتك حرمته أشد من عدم تكفينه الذي قام التراب بالستر مقامه. ٢- الضرورات تقدر بقدرها: هذه القاعدة تعتبر قيداً لسابقتها؛ فالاضطرار إنما يبيح من المحظورات مقدار ما يدفع الخطر؛ فلا يجوز الاسترسال؛ ومتى زال الخطر عاد الحظر؛ فالطبيب يكشف من العورة لمداواتها بالقدر الذي يحتاج إليه كشفه فقط، والمرأة لا يجوز أن يطلع على عورتها للتطبيب أو التوليد رجل إذا وجدت امرأة تحسن ذلك؛ لأن اطلاع الجنس على جنسه أخف محظوراً، وتقبل شهادة النساء في المجالات التي لا يمكن اطلاع الرجال عليها؛ وذلك بسبب الضرورة، ولكن لا تقبل شهادة النساء فقط دون أن يكون معهن أحد من الرجال في المحال التي يمكن اطلاع الرجال عليها؛ لأن ما جاز للضرورة يُقدّر بقدرها [٨] . ٣- الضرر لا يزال بمثله (أو بالضرر) : هذه القاعدة تعتبر قيداً لقاعدة: (الضرر يزال) التي أوجبت إزالة الضرر قبل وقوعه ودفعه بعد وقوعه؛ فإزالة الضرر لا يجوز أن تكون بإحداث ضرر مثله؛ لأن هذا ليس إزالة؛ ومن باب أوْلى أن لا يزال الضرر بضرر أعظم منه؛ فالشرط أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير، فإن أمكن وإلا فبأخف منه. وعلى ذلك لا يجوز لإنسان محتاج إلى دفع الهلاك عن نفسه جوعاً أن يأخذ مال محتاج مثله، كما لا يجوز لمن أُكره على القتل أن يقتل إذا كان المراد قتله مسلماً بغير وجه حق. * وإذا ظهر في المبيع عيب قديم وحدث عند المشتري عيب جديد امتنع رد المبيع بالعيب القديم لتضرر البائع بالعيب القديم إلا أن يرضى [٩] . ٤- الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. ٥- اختيار أهون الشرين أو أخف الضررين. ٦- إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما [١٠] . هذه القواعد الثلاث ممتدة المعنى؛ أي أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الأخف ولا يرتكب الأشد. والأصل في هذه القواعد قولهم: (إن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفتا يختر أهونهما؛ لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة) [١١] . فلو كان برجل جرح لو سجد سال دمه فإنه يومئ ويصلي قاعداً؛ لأن ترك السجود مع المحدث أهون من ترك الصلاة مع المحدث، وترك السجود هنا أيضاً يدفع عن الجريح ضرر خروج الدم ونزفه، وكذا لو أن مصلياً لو صلى قائماً فإنه ينكشف من عورته ما يمنع جواز الصلاة، ولو صلى قاعداً فلا ينكشف منه شيء فإنه يصلي قاعداً؛ لأن ترك القيام أهون. ولو ابتلعت دجاجة شخصٍ لؤلؤة ثمينة لغيره؛ فلصاحب اللؤلؤة أن يمتلك الدجاجة بقيمتها ليذبحها، وكذا جاز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين إذا كانت ترجى حياته. ٧- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: هذه القاعدة مبنية على المقاصد الشرعية في مصالح العباد؛ واستخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص؛ فالشرع جاء ليحفظ على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم؛ فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن؛ تأييداً للمقاصد الشرعية بدفع الضرر الأعم بارتكاب الأخص؛ ولهذه الحكمة شرعت الحدود وشرع القصاص. ومن فروع هذه القاعدة: جواز رمي كفار تترسوا بالأسرى من المسلمين أو صبيانهم أو نسائهم لدفع ضرر زحفهم عن العموم [١٢] . وجاز حجر المغنّي الماجن صيانة لدين الناس، والحجر على الطبيب الجاهل حرصاً على أرواحهم، وعلى المكاري [١٣] المفلس حرصاً على أموالهم وأوقاتهم، وكذا جاز التسعير على الباعة دفعاً لضررهم عن العامة أو بيع أموال المحتكرين المحتكَرة وإن أضرهم ذلك دفعاً لضرر الاحتكار عن العامة. ٨- درء المفاسد أوْلى من جلب المنافع [١٤] : فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قُدّمَ رفع المفسدة؛ لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، والمراد بدرء المفاسد ورفعها وإزالتها لما يترتب على المفاسد من ضرر جسيم ينافي حكمة الشارع في النهي. ودليل هذه القاعدة قوله لله: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم) [١٥] . ومن أمثلة هذه القاعدة: منع التجارة في المحرمات من خمر ومخدرات وخنزير، ولو أن فيها أرباحاً ومنافع اقتصادية. منع مالك الدار من فتح نافذة تطل على مقر نساء جاره؛ ولو كان فيها منفعته. منع الجار من التصرف في ملكه تصرفاً يضر بجيرانه؛ كاتخاذ معصرة أو فرن يؤذي الجيران بالرائحة أو الدخان. ومثل هذه القاعدة قولهم: (إذا تعارض المانع والمقتضي يُقدّم المانع، إلا إذا كان المقتضي أعظم) والمراد بالمقتضي هنا: الأمر الطالب للفعل؛ فوجود المانع يمنع من الفعل غالباً. وقولهم أيضاً: (إذا اجتمع الحلال والحرام أو المبيح والمحرم غلب الحرام) . ٩- الحاجة تنزل منزلة الضرورة (عامة أو خاصة) [١٦] : ومن هذا القبيل جوزت الإمارة على خلاف القياس؛ لأن المعقود عليه وهو المنفعة معدوم؛ والقياس البطلان؛ ومنه تجويز السّلَم على خلاف القياس؛ لكونه بيع معدوم دفعاً لحاجة المفاليس، ومنه جواز الاستصناع، والدخول إلى الحمام بأجرة مع جهالة مكثه فيه وجهالة ما يستعمل من الماء. ومنه أيضاً تجويز بيع الوفاء لمّا كثرت الديون على أهالي بخارى ومست الحاجة إلى ذلك مع أن بيع الوفاء [١٧] غير جائز أصلاً. شرح القاعدة: الضرورة أشد درجة ودافعاً من الحاجة. الضرورة: ما يترتب على عصيانها خطر كما في الإكراه الملجئ، وخشية الهلاك جوعاً. الحاجة: ما يترتب على عدم الاستجابة إليها عسر ومشقة وصعوبة. والمراد بكونها عامة: أن يكون الاحتياح شاملاً جميع الأمة. والمراد بكونها خاصة: أن يكون الاحتياج لطائفة منهم كأهل بلد أو حرفة، وليس المراد بخصوصها كونها فردية. وعلى هذا يكون معنى القاعدة: أن التسهيلات التشريعية الاستثنائية لا تقتصر على حالات الضرورات الملجئة، بل حاجات الجماعة مما دون الضرورة توجب التسهيلات الاستثنائية أيضاً [١٨] . الخاتمة: لقد حرص الإسلام على رفع الضرر عن العبد بعد وقوعه، كما حرص على دفعه قبل وقوعه بشتى الوسائل والأساليب الناجعة والإجراءات والتدابير الرادعة؛ مما يحقق للعبد المصلحة، ويدفع عنه المفسدة وفقاً لنظرية المصالح والمفاسد التي تقتضيها المقاصد الشرعية لحفظ نفس العبد ودينه وعرضه وعقله وماله. ومن هنا نجد أن قاعدة: (الضرر يزال) هي قاعدة هامة جداً لتحقيق المقاصد الشرعية؛ حيث تقتضي تحقيق المصلحة ودفع المفسدة وهي ما تقتضيها قواعدها الفرعية التي تبين معنى الضرر وكيف تكون إزالته؟ وتبين حالات الضرورة ومتى يفعل العبد المحظور من أجلها؟ كما أن قاعدة درء المفاسد أوْلى من جلب المنافع التي بينت لنا أن الإنسان لا يجوز له أن يلحق الضرر بغيره مقابل انتفاعه هو بحقه؛ وهذا ما اصطلح عليه شراح القانون الحديث اليوم بنظرية (التعسف في استخدام الحق) والتي بينت المسموح والممنوع في استخدام الحق. ومن هنا نلحظ أن هذه القواعد توفر للعبد الراحة، وتبين له ما يجب عليه فعله وما لا يجب متى كان هذا الفعل يلحق الضرر بالآخرين، وإن كان حقاً خالصاً له؛ فهذه القواعد تنظم شؤون العباد وتضع الأسس المثلى والضوابط الجيدة لتعامل بعضهم مع بعض. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 2823

دراسات تربوية الشباب المراهق في الإسلام (٢ من٢) محمد حامد الناصر حدد الكاتب في الحلقة الماضية معنى المراهقة ومرحلتها السنية، ثم تحدث عن أهمية هذه المرحلة، وكيفية التعامل الصحيح مع الشباب في هذا السن، ومنها: تربية انفعالات المراهق وترويضها، ومراعاة حاجاته الأساسية. ويواصل الكاتب إيضاح جوانب أخرى في هذه الحلقة. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - شباب السلف الصالح قدوة مثلى: إن هذا السن هو سن الطاقات المتفجرة، سن الإبداع البناء، ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في مختلف ميادين الدعوة والتضحية والعلم والجهاد، ولمّا يبلغوا سن العشرين، بل كان بعضهم لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره. كانوا فتياناً بعمر الورود عندما تحملوا العذاب والاضطهاد في سبيل عقيدتهم في جنبات مكة المكرمة. منهم مصعب بن عمير، والزبير بن العوام، وطلحة الخير، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب ﵃ جميعاً، فقد تحملوا الجوع والعطش، وهم محاصرون في شِعب أبي طالب، حتى جهدوا، فكانوا يأكلون ورق الشجر ولم يتجاوزوا سن الخامسة عشرة من أعمارهم. أما آل ياسر، وبلال بن رباح، وخباب بن الأرت، فقد لاقوا من العذاب ألواناً، وهم صابرون لا يغير ذلك من دينهم شيئاً. فهذه تطبيقات واقعية، تدحض أقوال الزاعمين: (أن فترة المراهقة فترة أزمات، وصراعات) وتؤكد أن التربية المتوازنة تحت مظلة العقيدة قد حوّلت صغار الشباب أولئك إلى مجاهدين بررة، بل إلى قادة للجيوش الإسلامية، تنشر التوحيد في ربوع الأرض [١] . كان صغار الشباب في فجر الدعوة يتسابقون إلى ساحات الجهاد كما يتسابق شباب اليوم إلى ساحات الملاعب، وأماكن اللهو والترفيه. وهل سمعت أخي الكريم! بشباب يبكون لأنهم رُدّوا عن ساحات المعارك، ولمّا يبلغوا الحلم بعدُ؟ ! وهل تُغلب أمة هذا شأن صغارها، فما بالك بكبارها؟ ! أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع كان معاذ بن الحارث ومعوذ أخوه، وهما ابنا عفراء، شابين من شباب الأنصار، شهدا معركة بدر الكبرى. قال الشابان لابن عوف ﵁ قبل بدء المعركة: يا عم أتعرف أبا جهل؟ قد بلغنا أنه يؤذي رسول الله؛ فدلهما عليه، وعندما حمي الوطيس، شد الشابان على عدو الله، فوقع صريعاً، وأجهز عليه بعد ذلك عبد الله بن مسعود ﵁. شابان في سن المراهقة، لا يقبل طموحهما أقل من قائد معسكر الشرك وصنديدهم آنذاك. أما الذين ردهم رسول الله ﷺ لصغر سنهم في معركة أحد فكثير، منهم: عبد الله بن عمر ﵄ رُدّ في أحد، وفي غزوة الخندق أجازه رسول الله ﷺ وقد بلغ الخامسة عشرة [٢] . وقد رد رسول الله ﷺ يومئذ: أسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وأجازهم كلهم يوم الخندق. وممن رُدّ يومئذ: سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة، فقيل: يا رسول الله إن رافعاً رامٍ؛ فأجازه، وقيل: يا رسول الله إن سمرة يصرع رافعاً؛ فأجازه [٣] . قصص البطولة عند أبناء هذه المرحلة لا تنتهي.. فعمير بن أبي وقاص أخي سعد، ومن تلك الروائع المأثورة عنه ما يروي سعد أن أخاه عميراً كان يتوارى قبل أن يعرضهم رسول الله ﷺ للخروج إلى بدر: فقلتُ: ما لك يا أخي؟ فقال: أخاف أن يراني رسول الله ﷺ ، فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة. وبالفعل رده رسول الله ﷺ ، فبكى عمير، فأجازه رسول الله. قال سعد: كنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة، قتله عمرو بن ود، وكان هذا من صناديد قريش [٤] . ماذا يقول شباب اليوم أمام هؤلاء الصبيان وقد كانوا في سن المرحلة ... المتوسطة في هذه الأيام؟ ! ماذا يقولون؟ وها هو حنظلة ﵁، يخرج ليلة زفافه تاركاً عروسه ليلبي منادي الجهاد، وعندما استشهد في معركة أحد، أخبر رسول الله - ﷺ بقوله: (إن صاحبكم يعني حنظلة لتغسله الملائكة، فاسألوا أهله ما شأنه؟ (فسئلت صاحبته عنه، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة. قال ابن إسحق: فقال رسول الله: (لذلك غسلته الملائكة) [٥] . هذه هي تربية رسول الله ﷺ لأصحابه، وهذا ما ينبغي أن نسعى إلى تحقيقه تربيةً واقتداءً.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ظهرت كفاءات قيادية نادرة، سيّروا الجيوش المجاهدة، ومن هؤلاء علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، ومن سار على نهجهم كمحمد بن القاسم الثقفي. فكان علي ﵁ بطلاً مغواراً، وكان اللواء بيده في كثير من المشاهد والغزوات، ودفع الرسول لله إليه الراية يوم بدر وهو ابن عشرين سنة وكان حامل الراية يوم خيبر. أما أسامة بن زيد ﵄، فقد كان أحد القادة الفتيان، توفي رسول الله ﷺ ولأسامة عشرون سنة، وقيل ثمانية عشر عاماً، وكان قد أمّره رسول الله ﷺ على جيش عظيم فتوفي رسول الله - ﷺ ، فأنفذه أبو بكر ﵁، لمحاربة الروم في الشام، وكان عمر بن الخطاب يجله ويكرمه، وكان لم يلق أسامة قط إلا قال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله، توفي رسول الله ﷺ وأنت عليّ أمير. قال عروة بن الزبير: فلما بلغ الجيش الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسترتهم حتى أغاروا وأصابوا حامية العدو [٦] . ومن القادة الشباب محمد بن القاسم الثقفي، ولاّه الحجاج فتح السند (باكستان الآن) فهدم صنم الهنود، وقتل ملكهم، ورجع بجيشه بغنائم عظيمة. قال أحد معاصريه فيه: ساس الرجال لسبع عشرة حجة ... ولداته عن ذاك في أشغال أخي الشاب: إن أمتك في انتظارك، حتى تقيل عثرتها وتعيد أمجادها.. قد أعدّوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل [٧] وقد نبغ شباب الرعيل الأول في العلوم المختلفة: فنبغوا وكانوا قمماً عالية في كل شيء، ويأتي على رأس هؤلاء الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. قال عنه ابن مسعود ﵁: (نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس) كان أصحابه يسمونه الحَبْر، كان يطلب حديث رسول الله ﷺ وعمره حين وفاة الرسول ﷺ ثلاثة عشر عاماً، يقول رضي الله عنه: (إن كان ليبلغني الحديث عن رجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، يسفي الريح عليّ من التراب، فيخرج فيراني، فيقول: (يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلاّ أرسلت إليّ فآتيك؟ (فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك. فأسأله الحديث..) فكان عَلَماً في التفسير والقرآن وعلومه، والحديث وعلوم الشعر واللغة [٨] . وزيد بن ثابت الأنصاري، كان عمره حين قدم الرسول - صلى الله عليه ... وسلم - المدينة إحدى عشرة سنة، جمع القرآن زمن أبي بكر كما ثبت في الصحيح. ومن فتيان الصحابة وعلمائهم: عمرو بن حزم الخزرجي، استعمله رسول الله ﷺ وهو ابن سبع عشرة سنة، على أهل نجران ليفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن. وربيعة الرأي صار محدّث المدينة وفقيهها وإمامها رغم حداثة سنه؛ كان مجلسه يضم مالك بن أنس (صاحب المذهب المعروف) وأبا حنيفة النعمان وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد [٩] . والإمام أحمد ﵀ كان قد برع في طلب الحديث وعمره ست عشرة سنة، نشأ يتيماً وعنيت به أمه. واشتهر علمه في الآفاق، وقيل: إنه طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وأنه حج وعمره عشرون سنة ماشياً، ليس معه إلا جراب فيه كتبه، كان يضعه فوق لَبِنَةٍ، ويضع رأسه عليه [١٠] . ومن علماء هذه الأمة الإمام البخاري، ربته أمه ثم قرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة، وصنف في قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وهو ابن ثماني عشرة، وصنف كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله لله في الليالي المقمرة (هدي الساري مقدمة فتح الباري) . أدبهم مع شيوخهم: تلقى الإمام أحمد بعض العلم والسنن عن الإمام الشافعي خلال إقامته بالعراق، وانتقل إلى مصر وتوفي فيها. كان الإمام أحمد يقول: (ما بتّ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له) ولما سأله ابنه عبد الله: أي رجل كان الشافعي؟ قال: (يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، هل لهذين من خَلَفٍ؟ أو عنهما من عِوض؟) [١١] . وعندما علم سفيان الثوري بقدوم الإمام الأوزاعي إلى مكة للحج خرج منها سفيان يستقبل ضيفها، حتى لقيه بذي طوى، وأخذ بخطام بعيره يقوده قائلاً: الطريقَ للشيخ ... هكذا كان طلب العلم عند شباب هذه الأمة، علماً وأدباً وخشوعاً لله. بقدر الجد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي تروم العز ثم تنام ليلاً ... يغوص البحر من طلب اللآلي هؤلاء هم قدوتك أخي الشاب، أبناء الرعيل الأول؛ وليسوا شباب الفن والطرب وأجيال الهزائم! هذه نماذج نضعها بين يديك ولك فيها قدوة حسنة تنسج على منوالها بإذن الله، عسى أن تكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وفقنا الله وإياك إلى ما يحبه ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2824

تأصيلات دعوية بين إدارة الوقت وإدارة الذات خالد أبو الفتوح روي عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: (يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك) .. وهذا (البعض) يتبعض أيضاً إلى ساعات ودقائق وثوانٍ.. كلما ذهبت دقيقة أو ثانية ذهب بعضك؛ فالوقت هو الحياة، وهذا معنى مشترك يعرفه الناس جميعاً، ولكن الإسلام زاد على ذلك المعنى حين جعل الوقت بمثابة رأس مال يحاسب عليه الإنسان؛ حيث قال رسول الله ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه ... ) [١] وتزداد المحاسبة حين يزداد رأس المال؛ قال (تعالى) : [أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ] (فاطر: ٣٧) ، وقال المصطفى ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ أخّرَ أجله حتى بَلّغَه ستين سنة) [٢] . ولكن الوقت يزيد عن المال؛ فالمال يُدخر ويُقايض وقد يُعوّض إذا أُهدر، ولكن الوقت لا سبيل لادخاره أو مقايضته أو استرجاعه، إضافة إلى ذلك: فإن الوقت هو المورد الوحيد الذي نُرغم على صرفه سواءً أأردنا أم لم نرد! لذا: فالإسلام يحثّ المسلم على الاستفادة القصوى من الوقت حتى في أشد الظروف صعوبة؛ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل) [٣] . كانت هذه نبذة عن قيمة الوقت، فماذا عن قيمته في حياة مسلمي زماننا؟ .. يبدو أنه المورد الأكثر تبديداً في ثرواتهم، وإذا وقع هذا التبديد في أرصدة الدعاة والمصلحين تعدى الضرر إلى فئات كثيرة، ولكننا إذا نظرنا إلى الممسكين بطرف الحضارة اليوم رأينا أنهم يستثمرون أوقاتهم في الشر والخير بدقة محسوبة، فما هو السبب في هذا التباين؟ إنه ليس راجعاً إلى فروق عنصرية أو صفات جسمانية أو ذهنية موروثة، بل لأن الغرب استطاع أن يضع وينفذ نظاماً تربوياً يبث في أبنائه من خلاله ضمن ما يبث مبادئ إدارية فعالة، قام عليها نظام حياتي تُمَارس فيه أسس إدارية سليمة، بل أصبحت هذه الأسس والمبادئ علوماً قائمة بذاتها لها فروع وفنون تسمى (علوم الإدارة) ، ويبرز من هذه العلوم فرع يسمى (إدارة الوقت) [٤] . وقفة مع الذات: عزيزي القارئ..! حتى لا نبدد وقتك ونحن نتحدث عن الوقت وأهميته: تمهل قليلاً وتأمل هذه الأسئلة، ثم أجب عليها بصدق واصفاً حالك: هل تردد كثيراً: (ليس لديّ وقت لإنجاز ما أود القيام به) ؟ هل تتأخر دائماً عن مواعيدك؟ وهل تأخذ المهمات التي تقوم بها وقتاً أكبر مما تحدده لها؟ هل تتضارب مواعيدك مع بعضها؟ هل تقدم تنفيذ العمل الذي تحبه أو الأكثر إلحاحاً على العمل الأهم؟ هل تفاجئك الأزمات، وبعدها تتصرف وتتخذ الإجراءات حسبما يتفق لك وتسمح به الظروف، وليس بما تخطط له؟ إذا كانت إجاباتك على كل ما سبق بـ (لا) فأنت لست بحاجة إلى إكمال قراءة هذا المقال، أنت بالتأكيد أحد شخصين: إما إنك منظم جداً تعرف كيف تستثمر وقتك جيداً، وإما إنك صاحب أهداف متدنية ولا تجد ما تشغل فراغك به، فإذا كنت كذلك فابحث لنفسك عن هدف يملأ عليك حياتك. أما إذا كانت إجاباتك بـ (نعم) حتى ولو على تساؤل واحد منها، فأهلاً بك ضيفاً في مصحة (إدارة الوقت) .. ولكن قبل أن ندخل سوياً هذه المصحة، هل تعترف فعلاً أنك مريض وبحاجة إلى علاج؟ .. إن اعتراف المرء بأن العيب في ذاته هو أول خطوة على الطريق الصحيح.. لعلك ما زلت غير مقتنع، ولعلك كنت تنتظر من هذا المقال أن يرشدك إلى أدوات خارج ذاتك لإدارة وقتك.. إذا كان الأمر كذلك فانتبه إلى أن أهم الممتلكات (الذي يسمى بالوقت) يوزع بالتساوي على كل البشر بغض النظر عن المرحلة السنية أو الموقع الوظيفي أو المكان الجغرافي أو الاعتقاد الديني، فكل شخص لديه (٧) أيام في الأسبوع، و (٢٤) ساعة في اليوم ... حتى من يحركون (النظام العالمي الجديد أو القديم) .. لا يملكون إلا ما تملكه أنت من الوقت.. قد تقول: إن تحت أيديهم إمكانات هائلة.. نعم، ولكنك أيضاً لا تدير النظام العالمي، وليس لديك أهدافهم ولا طموحاتهم.. نحن نتحدث عن إدارتك لبيتك أو لعملك أنت، نتحدث عن هدفك أنت وطموحاتك أنت.. إذن: هل الوقت هو المشكلة أم إننا نحن المشكلة؟ .... إن أكثر الأشياء فائدة والتي يمكن أن تقوم بها عندما تسيء التصرف في وقتك هي أن تعترف بذلك، فما دمت مستمراً في الإنكار أو التسويغ فلن تحل المشكلة.. فإذا أدركت ذلك ورغبت أن تنتزع وقتاً لك: فإنه ينبغي أن تكون راغباً في ذلك فعلاً.. فهل أنت راغب؟ نحن الآن نتحدث إلى صنف من الجادين في حياتهم المخلصين في أعمالهم، كثير منهم يسهر على إنجاز عمله ويتفانى في ذلك، ولكنه لا يحسن استثمار وقته، ولا يدرك أنه بقدر من المعرفة والممارسة يمكنه أن يحقق نتائج أفضل مثل غيره أو أكثر منهم، ليس بالضرورة أن يكون مديراً أو موظفاً في منشأة، فقد يكون قائماً على رأس عمل دعوي، أو طالب علم لا يستطيع السيطرة على وقته، أو حتى ربة بيت في منزلها.. مرضهم واحد، وأيضاً قواعد علاجهم واحدة.. فالمهام الكثيرة المتنوعة غير المتجانسة يصلح لها جميعاً أسس إدارة الوقت ومبادئه؛ لأن العملية الإدارية كلها عملية نمطية وإن كان أسلوب ممارستها يختلف باختلاف الهدف والموقف.. ولأنك لا تستطيع السيطرة على مقدار الوقت ذاته فأنت في حاجة إلى إدارة ذاتك من خلال السيطرة على استخدام الوقت. فما هي الخطوات التي تقود إلى هذه السيطرة؟ سنحاول في هذا المقال استخدام العملية الإدارية في إدارة الوقت واستثماره؛ لذا: فقبل أن تشرع في اتخاذ الخطوة الأولى لا بد أن يكون حاضراً في ذهنك أن العملية الإدارية تتكون من مهام: التخطيط، والتنظيم، والتنفيذ، والرقابة، وهي مهام يخدم بعضها بعضاً ... التخطيط مدخل إدارة الوقت: فإذا تم ذلك فاعلم أن الخطوة الأولى في العملية الإدارية هي أن تسترخي! .. نعم تسترخي، وتنظر إلى الخلف لتخطط للسير إلى الأمام، أي أن تمارس (التخطيط) ، خذ وقتاً كافياً للتخطيط ولا تترك الأزمات تضطرك للتصرف غير المحسوب أو العشوائي، فبرغم أن التخطيط يأخذ وقتاً طويلاً أول الأمر، إلا إن ذلك الوقت يعوض حين يثمر نتائج أفضل، فالمشكلة واضحة المعالم تصبح نصف محلولة.. وعلى ذلك: يجب أن تخصص بعض الوقت للتفكير والتأمل والتخطيط بأسلوب مبدع، وهو ما يسمى بـ (الساعة الهادئة) ، وهو وقت هادئ خالٍ من المقاطعات والشواغل والمنغصات، يقع في أوج نشاطك وقمة منحنى صفائك الذهني، فإذا لم تتوفر لك هذه العوامل حيث توجد فلا تتردد في البحث عن ركن هادئ آخر تمارس فيه هذا التفكير الهادئ، فإذا لم تجد فابحث في مكان آخر. ولكن احذر أن يكون التخطيط في (الساعة الهادئة) أحد وسائل الهروب من مهمة غير سارة أو معقدة.. فماذا ستفعل في هذا الوقت طال أم قصر؟ .. ستشخّص مرضك.. ولأجل أن يكون التشخيص دقيقاً فقد تحتاج إلى بعض التحاليل! وبما أنك تنظر إلى الخلف لتخطط للسير إلى الأمام فالتحاليل ستشمل هذا الخلف (الماضي) ... وأيضاً ذلك الأمام (المستقبل) ، والمختبر الذي ستضع فيه الماضي (المستمر معك) ... يسمى: (جداول تحليل الوقت) ، بينما تسمى جداول تركيب المستقبل (الذي تأمله) : (جداول تنظيم الوقت) . جداول تحليل الوقت: فعادة استخدام (جداول تحليل الوقت) تهدف إلى أن تعلم كيف تتحكم في وقتك، بما يعني أن تغير بعضاً من عاداتك في تمضيته، ولكنك لن تستطيع تغيير عادات وقتك حتى تعرف أولاً ما هي هذه العادات؟ .. كيف يمضي الوقت؟ .. وفي ذلك يُقترح: * الاحتفاظ بسجل تبين فيه كيف تمضي أسبوعاً أو أسبوعين أو أكثر.. * سَجّل كل ما تقوم به عند القيام به حتى لا تنسى أي شيء. * وسجل أيضاً السبب الدقيق للنشاط وعلاقته بتحقيق هدفك. * احذر أن تنشغل بحساب مقدار الدقائق التي قضيتها وتفقد الهدف الأساس لتحليل الوقت؛ فقد تقوم من خلال محاولة حسابك للوقت الضائع بإضاعة وقت آخر بدون مسوّغ. * وفي نهاية كل أسبوع لخّص ما قمت به وتأكد من النسبة المئوية لكل نشاط. * ثم قيّم أهمية هذه النشاطات أو تكرارها.. هذا التحليل يمكّنك من رؤية عاداتك السيئة في استخدام الوقت، ومن ثم: القضاء على تلك العادات في المستقبل.. وسيعطيك تلخيص هذه الجداول فكرة جيدة عما إذا كنت فعلاً متحكماً في وقتك أو أن وقتك تتحكم فيه مؤثرات خارجية، كما يجب أن تخرج من هذه الجداول بفكرة واضحة عن: مضيعات الوقت لديك، سلبيات أسلوبك في التعامل مع الأمور، نقاط الضعف والقوة الشخصية عندك.. وغير ذلك من النتائج المحددة.. هل انتهيت من التخطيط؟ .. لم تنته بعد؛ فالتخطيط عملية مستمرة ومتصلة.. تستطيع القول: إنك انتهيت من تحليل (الماضي) .. عليك الآن أن تخطط للمستقبل.. لتصحيح (ماضيك المستمر) ولتنفيذ أعمالك. أهداف × أولويات: لماذا نهتم بتحديد الأهداف والأولويات؟ .. لأنه عندما تكون أهدافنا واضحة أمامنا على الورق فإن ذلك يساعدنا على تذكرها دائماً، إضافة إلى أننا نستطيع الحكم عليها دائماً من حيث كونها ما زالت أهدافاً أو أنها بحاجة إلى تحديث، فإذا طرأت أولوية أخرى أكثر منها أهمية، فإنه يمكن إحلالها في ترتيب متقدم مما نود إنجازه، ثم نعود إلى الأولوية السابقة، وبدون تحديد الأولويات والأهداف نقع في (مصيدة النشاط) ، وهو التورط في النشاط ذاته دون رؤية السبب الذي من ورائه نقوم بالنشاط، فيصبح النشاط هدفاً مزيفاً، ويصبح غاية في حد ذاته، أي يصبح النشاط مجرد انشغال (بذل عرق) ، وهو بخلاف (الشغل) ، وحتى الشغل ينبغي أن نفرق فيه بين (الكفاءة) و (الفاعلية) ، فالكفاءة تعني: مجرد القيام بالعمل وتحقيق النتائج المطلوبة، بينما تعني الفاعلية: تحقيق النتائج المطلوبة من أول مرة، ومن خلال القيام بالعمل الصحيح، حسب التسلسل الصحيح في أهميتها، في الوقت المناسب، وبأدنى تكلفة، فعندما تكون نشيطاً وكفءاً في مهمة خاطئة، أو في مهمة صحيحة في الوقت الخطأ، فإنك تعتبر غير فعال حتماً.. إذن: حدد أهدافك أولاً.. الأهداف طويلة الأمد والأهداف قصيرة الأمد، ضَعْ قائمة لكل نوع، فعندما تكون أفكارك وأعمالك منظمة ستكون منتبهاً إلى أن أهدافك اليومية (قصيرة الأمد) تساهم بشكل مباشر في تحقيق الأهداف الطويلة الأمد، لذلك: عليك أن تدرّب نفسك على العمل وفي ذهنك في الوقت نفسه صورة من أعمال الأسبوع القادم أو الشهر أو السنة، ولا يتم ذلك إلا بأن تكتب أهدافك: للعمل، وللمهنة، وللحياة الشخصية، وحتى للأمور المالية.. ولا بد أن تكون هذه الأهداف: * محددة وواضحة. * واقعية وممكنة التنفيذ. * ذات قيمة حقيقية. * يمكن قياسها وتقييمها. رتّب هذه الأهداف في صورة أولويّات، ثم قسّم أولوياتك في برنامج عملك اليومي إلى قوائم: أعمال يجب القيام بها (ضرورية وملحة) ، وأعمال ينبغي القيام بها (ضرورية وغير ملحة) ، وأخرى (يمكن القيام بها) .. مرة أخرى تطرق (جداول الوقت) الباب علينا، وذلك لإعداد جدول الأهداف، وذلك قبل يوم العمل. ... وهذا الجدول سوف يمكنك من وضع جدول تنظيم الوقت، حيث سيتم فيه تصنيف أولويات الأعمال حسب (أهميتها) و (إلحاحها) (ليس كل مُلحّ يكون بالضرورة مهماً) ، وإمكانية (تفويضها إلى غيرك) .. ومن الواضح أن أكثر الأعمال أولوية هي تلك التي لا يمكن تكليف غيرك بها، والملحة، وفي الوقت نفسه: على درجة عالية من الأهمية.. بعد أن حددت الأولويات خصص الوقت حسب هذه الأولويات، وعليه: حدد مواعيد للإنجاز؛ فعندما تحدد لنفسك مواعيد للإنجاز فإنك تمارس على نفسك نوعاً من الضغط، وبعض الضغط يحدث دافعاً لديك، بينما زيادة الضغط عند عدم تنظيم الوقت تضعفك.. وعند تخصيصك للأوقات حسب الأولويات ينبغي أن تكون مرناً، فالذي يخطط لملء كل دقيقة من يوم العمل سيجد أنه غير قادر على اتباع الجدول بسبب عدم المرونة فيه، وعلى هذا: يمكن أن نتوقع أن نصف الوقت سيمضي في معالجة الأزمات والطوارئ وضغوط العمل، لذا: ينبغي أن ندرك أن ٥٠% من يوم العمل يمكن جدولته بأعمال مختارة للإنجاز خلال نصف اليوم، وفي الوقت نفسه تستحق هذه الأعمال إنجازها، كما عليك أن تحتفظ ببعض المهام البسيطة في متناول يدك لإنجازها في الوقت المعطل أو غير المستثمر، فيمكنك قراءة جريدة أو كتاب وأنت في انتظار دورك عند طبيب أو وأنت راكب في وسيلة المواصلات، أو التعرف على بعض الزملاء أو الاستماع إلى المذياع وأنت تتناول الطعام، وإذا كنت مديراً أو مشرفاً فيمكنك قراءة البريد أو إجراء مكالمة هاتفية بينما تكون منتظراً لتقرير من مرؤوسيك مثلاً.. فمثل هذه الأشياء لا تتطلب فترات محددة من الوقت.. وذلك للاستفادة من كامل الوقت من ناحية، ومن ناحية أخرى حتى لا تكتسب عادات سيئة في تمديد العمل والإبطاء فيه لملء الوقت المتاح.. تذكر دائماً: (يتمدد العمل ليشغل حيز الوقت المتاح له) وهذا ما يسمى بقانون (باركينسون) . ... يكفي ما سبق على التخطيط؛ إذ إننا لن نقضي عمرنا تخطيطاً؛ فالتخطيط ليس هدفاً في ذاته، بل هو الخطوة الأولى في الإدارة، ولكن نذكرك بأن عليك أن تسأل نفسك وأنت تخطط: هل سلوكك مثمر أم غير مثمر؟ متى ستقوم بالعمل؟ كم من الوقت ستصرف حتى تقوم بالعمل؟ مع من تقوم بالعمل؟ أين وصلت حتى الآن؟ .. من التخطيط إلى التنظيم: ليس الأمر الذي نعنيه هنا متعلقاً بالترتيب؛ فهذا الترتيب نظري افتراضي، وإنما تتم الأمور معاً، ولا متعلقاً بالكمال، ولكننا نريد إبراز مجموعة من الأدوات والأساليب والطرق التي تساعدنا على الوصول إلى ما نريد.. وحتى تكون الأمور واضحة فإن للتنظيم ثلاثة مجالات رئيسة: إدارة الناس، وإدارة الأوراق، وإدارة الوقت بمعنى التحكم فيه واستثماره وتجنب مضيعاته. أولاً: إدارة الناس: التفويض.. التفويض: في إدارة الناس سنتحدث عن التفويض، باعتباره أحد العوامل المهمة لاستثمار الوقت. كم مرة رددت: (في الوقت الذي أشرح له فيه ما هو مطلوب منه أكون قد أنهيت العمل وحدي بأعلى جودة وفي نصف الوقت) ؟ .. إن هذا المنطق البراق يعتبر من أكثر الخدع التي يقع فيها كثير منا، فتفويض بعض الصلاحيات والسلطات لآخرين يمكنهم إنجاز أعمال مطلوبة منك يعتبر على المدى البعيد استثماراً لأوقات الآخرين لصالحك، لتتولى أنت القيام بالأعمال التي لا يمكن تفويضها لغيرك. ولكن ينبغي أن تلاحظ أن التفويض لكي لا يكون مهدراً للوقت (عندما يعاد العمل مرة أخرى) لا بد أن يراعى فيه: * أن يكون قائماً على أسلوب إداري قائم على تنظيم علاقة تتسم بروح الثقة القائمة على التساؤل والتعاون والصراحة، حتى تتكون أرضية مشتركة بين المتعاونين يمكن تنسيق العمل على أساسها. * أن تكون الصلاحيات والسلطات واضحة، وكذا: الزمن المتاح لاستخدام هذه الصلاحيات. * أن يتم تحديد الأعمال التي سوف تستخدم فيها هذه الصلاحيات بدقة، والنتائج المستهدفة منها. * اختيار الشخص المناسب الذي سيتم تفويضه، والتأكد من أنه أفضل من يصلح لذلك. * أن تكون المسؤولية ودرجة المساءلة عند التفويض واضحة للجميع. ننتقل الآن إلى الجانب الثاني من عملية التنظيم وهو: ثانياً: إدارة الأوراق: في نبذة يسيرة حيث لا يتسع المقام للتفصيل نستطيع القول: إن المقصود بإدارة الأوراق هنا ليس تقسيمها حسب موضوعاتها، بل المقصود إدارتها حسب حركتها بما يوفر الوقت؛ فالمشكلة الحقيقية في التعامل مع الأوراق ليس في ترتيبها ولكن في اتخاذ القرار بشأنها، فمكتبك يجب أن يكون محطة مؤقتة مختصرة تقف فيها الأوراق قليلاً حتى تحدد اتجاه كل منها سواء إلى آخرين أو إلى الملفات أو سلة المهملات ... ثالثاً: من التنظيم: إدارة الوقت.. ونقصد هنا إبراز الوسائل الفعالة لاستثمار الوقت، وأيضاً: معرفة (مضيّعات الوقت) ومعرفة أساليب التنظيم التي تحد من هذه المضيّعات. من مبادئ توفير الوقت: وقبل أن ندخل في (مضيعات الوقت) بتفصيل أكثر هاك بعض العوامل التي قد تساعد على استثمار أكبر للوقت: * من العوامل المساعدة على تنظيم الشخص لنفسه: كتابة المعلومات المراد تذكرها على ورق عند ورودها مباشرة، ثم وضع هذه الورقة في مكان تكون متأكداً من وقوع البصر عليه.. * ومن موفرات الوقت: اعتماد مبدأ التجاهل المتعمد والإهمال المقصود؛ فبعض المشكلات عندما تترك وحدها فإنها تختفي كليّاً لعدم أهميتها. * ومنها: تقسيم النشاطات المتشابهة إلى مجموعات؛ لأنها تتطلب لإنجازها بيئة وموارد مماثلة، إضافة إلى الحضور الذهني والتهيؤ النفسي. * ومنها: دمج بعض المهام المسجلة في جدول الأولويات، أو دمج بعض خطوات إحدى المهام، وكذلك إسقاط المهام التي لا علاقة لها بك أو بالمحيط الذي تعمل فيه ولا مكان لها في جدول أعمالك. * ومنها: عدم ترك المهام غير منتهية؛ فالتنقل من مشكلة لأخرى سوف يدمر فيما بعد قدرتك على التركيز على أي شيء لأكثر من بضع دقائق في المرة الأولى. * ومنها: الإقلال من الأعمال (الروتينية) ، وهي الأعمال اليومية ذات الطبيعة النمطية والتي تشكل قيمة يسيرة لتحقيق الأهداف العامة. * ومنها: استغلال الأجهزة والمعدات الحديثة لتفويض الأعمال المناسبة إليها، كأجهزة التصوير والهاتف المصور (الفاكس) والحاسب الآلي (الكمبيوتر) ... * ومنها: أن تتعلم في الاتصالات الشفاهية (هاتف أو مقابلات) كيف تقطع المحادثات أو النقاش بأسلوب لبق وواضح عندما تعتقد أن الموضوع قد تم تغطيته تماماً. * ومنها: إتقان قول (لا) عندما ترى أن الاستجابة معناها ضياع الوقت وإفساد سلم أولوياتك، فالخجل والمجاملات قد يضران بك وبالآخرين كثيراً. من التوفير: عدم التبديد: قبل أن ندخل في بعض تفاصيل مضيعات الوقت (المعوقات) نذكرك بأن العامل المهم في وقوع كثير من مضيعات الوقت حتى الخارجية منها يكون نمط إدارتك لذاتك؛ ولذلك فإن عليك أن تتذكر (جدول تحليل الوقت) الذي كنت رصدت فيه سلوكك (الماضي) وحللته.. لا بد أنك وجدت بعض المضيعات التي تشغل حيزاً كبيراً من وقتك (البريد الجرائد الهاتف عدم التفويض الاجتماعات الزائرين التأجيل ... (.. عليك أن تختار بعضاً منها (خمسة مضيعات أو ستة) وترتبها حسب أولوياتها، ثم تتعامل معها واحداً واحداً؛ لأن محاولة تغيير العادات السيئة مرة واحدة يمكن أن يؤدي إلى الإحباط والفشل، كما ينبغي أن تكون غاياتك عند معالجة هذه المضيعات واضحة ومحددة ويمكن قياسها، حتى تستطيع أن ترى مدى تقدمك في تحقيقها. وبدورنا نختار هنا مضيعاً شائعاً ونتحدث عنه بشيء من التفصيل، وهو: الهاتف. الهاتف: يعتبر الهاتف في الأساس إحدى وسائل توفير الوقت، لكن إساءة استخدامه قد تجعله من مضيعات الوقت، ولتفادي ذلك: * عليك أن تنظر إلى الهاتف بوصفه آلة لتوصيل الرسائل فقط. * ولهذا: أوقف المكالمة مباشرة عند انتهاء هذا الهدف. * الاختصار في المكالمة يمكن تسهيله بأن تخطط للمكالمة والحوار من قبل، وذلك بكتابة الموضوعات التي تود التحدث فيها وتضعها أمامك، كما عليك إجراء المكالمات المتشابهة والتي تحتاج إلى إعداد متقارب وجو نفسي واحد ... عليك إجراء هذه المكالمات متتابعة، وذلك في حالة طلبك لآخرين. * ويمكنك تحديد وقت معين تستقبل فيه مكالمات الآخرين، إلا إذا كانت المكالمة ذات أهمية فلا بد من استقبالها حال ورودها. * والوقت المناسب للرد على مكالمات الآخرين هو في فترات انخفاض إنتاجيتك، فلا تستخدم الهاتف في فترات صفائك وارتفاع إنتاجيتك. أما فترات الصباح الباكر عندما يبدأ الناس أعمالهم فتتميز بأنها أفضل وقت لالتقاط الخط من أول محاولة. * كما ينبغي أن تلاحظ فترات وجود الشخص المطلوب. * وعندما تكون المناقشة مثيرة للأعصاب، وعندما يوجد خطر تحطيم العلاقات الجيدة مع الآخرين.. فلا بد أن تفكر أكثر من مرة قبل استخدام الهاتف؛ فالحوار الهاتفي السيئ يمكن أن يكلفك ساعات من الوقت الضائع فيما بعد لمعالجة سوء الفهم الذي حصل. التنفيذ لب العمل: هناك بعض المبادئ والإجراءات التي تتصف بالصفة التنفيذية المحضة والتي تساعد أيضاً على استثمار الوقت بشكل جيد، وهي تقوم على أن نأخذ بعنان المبادرة بأنفسنا، فكلما قلّت إدارتنا للوقت وسمحنا للآخرين بتحديد ما نقوم به من عمل: عملنا أكثر وأنتجنا أقل.. وللسيطرة على إدارتك للعمل لا بد من استحضار برنامج العمل اليومي، وذلك: * بصنع قائمة بالأشياء التي يجب القيام بها. * ولا تنس أن يكون عملك مجزأً بين إنجاز عمل اليوم والتفكير في أعمال الغد ونشاطاته. * حدد ساعات اليوم التي تكون فيها في أوج طاقتك، وهي تختلف من شخص إلى آخر.. * ضع أكثر النشاطات أهمية وأكثرها صعوبة والأعمال التي تتطلب تركيزاً كبيراً في ساعات صفائك الذهني، والتي تكون فيها في أوج نشاطك. * حاول أن تجمع الأعمال المتشابهة بعضها مع بعض في هذه القائمة. * وعند إنجاز عملٍ ما من القائمة عليك شطبه منها، وهذا في حد ذاته يعتبر حافزاً لك على مواصلة العمل، ولكن احذر أن يتسرب إليك إحساس خادع بالرضا من شطب الأشياء من قائمة المهام، خاصة إن كان معظمها ذا أولية منخفضة.. * وفي نهاية اليوم احصر المهام المتبقية ولا تحتفظ بها في القائمة نفسها، بل حوّلها إلى قائمة اليوم التالي، إلا إذا كنت فوّضت بعضاً منها إلى آخرين أو أسقطتها لعدم أهميتها.. * وأثناء العمل: كن متأكداً بأنك تركز على تنفيذ العمل الصحيح بشكل صحيح في الوقت الصحيح. وأثناء التنفيذ: * ابدأ يومك بطلبات تطلبها من الآخرين؛ فبينما تقوم أنت بعمل أشياء أخرى سيعمل الآخرون في الوقت نفسه على إنجاز الأعمال التي طلبتها منهم، وإذا تعذر وجود وقت للقيام بكل المهام فاعمل على إنجاز المهام الكبرى والمهمة أولاً، ذلك من معاني: (اعمل بذكاء لا بجهد أكثر) . * وعندما يكون الموضوع لا يزال جديداً أمامك فلا تتردد في أخذ موقف حياله؛ لأن هذا يوفر عليك مشقة إعادة تذكر الموقف مرة أخرى. * لا تضيّع وقتك في القيام بالمهام المستحيلة. * وفي الوقت نفسه: حاول أن تكون لك قدرة على التنفيذ الفوري، وإذا لم يكن للمهمة حل مباشر فعليك أن تستمر في القيام بعمل شيء آخر. * تذكر أن المهام البسيطة التي لا ترتبط بوقت محدد والتي كنت وضعتها في جدول أعمالك هي لمثل هذه الأوقات. * لا تستهن بإنجاز أعمال الأهداف القصيرة الأمد المصاحبة للأهداف الطويلة الأمد، فإننا إذا لم نقم بتحقيق الأهداف القصيرة الأمد فلن ترى الأهداف الطويلة الأمد الحياة أبداً. * لا بأس بأن تقدم عقارب ساعتك بضع دقائق إلى الأمام؛ فالأشخاص الذين يهتمون بالإنجاز يفعلون ذلك غالباً؛ لأن ذلك يوجد إحساساً بالعجلة الزائدة.. * لكن لا تكن مهتمّاً بشكل زائد بمسألة إنهاء العمل بسرعة؛ فالنتائج غير المتقنة تعني أنك ستضطر إلى إعادة القيام بالعمل، مما يعني ضياع وقت آخر. * وجّه نظرك دائماً نحو النتائج بدلاً من القلق حول الإجراءات.. كثيراً ما ننشغل بالوسائل وتغيب عن أعيننا الغاية.. وأثناء اهتمامك بالنتائج تجنب الوقوع في (شلل الكمال) ؛ فبعض الأعمال ينبغي أن تنجز بأسرع ما يمكن، وحينها: عليك أن تدرك أن هناك تضحية متبادلة بين الفاعلية والكمال. عينك على المراقبة: وننتقل الآن إلى الجزء الأخير في دائرة إدارة الوقت، وهو المراقبة، والمقصود بالمراقبة: مراقبة العمل وليس التجسس على القائمين بالعمل أو (الوقوف على رؤوسهم) أثناء عملهم وإحصاء الدقائق عليهم بحجة المحافظة على الوقت؛ فالهدف من المراقبة هو: (المراجعة والنقد المؤدي إلى التصحيح) ، مراجعة للعمل ذاته من حيث خطته أو إجراءات تنظيمه أو خطوات تنفيذه، ومراجعة للقائمين بالعمل لبيان جوانب القصور فيهم وما يحتاجونه من تعديل لسلوك أو اكتساب لعلم أو تنمية لخبرة بما يوفر أوقاتهم؛ فتكرار الخطأ مرة بعد مرة يعد من أكثر العوامل التي تضيع الوقت. وعليك مراقبة مدى التقدم في إنجاز العمل، وذلك حتى لا تعود إلى ممارسة عاداتك السيئة السابقة، وحتى تجري إصلاحات وتعديلات على خطتك، وذلك من خلال مقارنة الأداء الفعلي بالخطة وبالجدول، بما يفيد معرفة العائد الحقيقي، وبما يسمح بتعديل التخطيط أو التنظيم أو التنفيذ كلها أو بعضها لتتلاءم مع الهدف ومع الظروف التي تواجهها. وذلك يقودنا إلى (مبدأ إعادة التحليل) ؛ إذ ينبغي إعادة تحليل استخدام الوقت على الأقل مرة كل ستة أشهر لتفادي العودة للعادات السيئة في إدارة الوقت عند الإحساس بصعوبة تنفيذ الخطة اليومية السابقة. وفي الختام: فإن الأشخاص الفعالين لم يولدوا هكذا بالفطرة، بل هم مصنوعون، فإذا كانت الخطوات والإجراءات المذكورة سابقاً قد كثرت عليك وطالت فلا تستصعبها، ولا تتردد في تعديل الاقتراحات السابقة لتناسب حقيقة وضعك في العمل وفي الحياة؛ فالهدف ليس استخدام اقتراح معين لإدارة الوقت، بل إحراز تقدم وإنجاز، أيّاً كان اختيارك للأفكار التي تناسب أسلوبك وتفيدك كثيراً، والنقطة المهمة والمحورية التي يجب أن تتذكرها هي استمرار الوعي بالكفاءة من خلال الوعي بأهمية الوقت؛ فذلك أكثر أهمية من مجرد الانصياع وتطبيق كل المبادئ التي يمكن وصفها. وتذكر أيضاً أنك لا تستطيع إرضاء كل شخص، وأن الطريقة التي ستستثمر بها وقتك قد تزعج آخرين، وقد لا يعاونونك عليها. وانتبه إلى أنك من السهل أن تجعل نفسك متحمساً أكثر من اللازم بالنسبة لإدارة الوقت؛ فقد تكون تلك الظروف ناجحة معك تماماً، إلا إنها تتصف أيضاً بأنها فردية الطابع والكفاءة لا جماعية الكفاءة، وهي لا تشجع على العمل الجماعي ... وعلى ذلك: فكل موقف يجب أن يكون مختلفاً بناءً على عوامل عديدة، مثل: نوع المحيط الذي تعمل فيه، وطبيعة العمل، وكمية الأعمال، والمهام المنوطة بالفرد، وحاجات الشخص المتعاون معك، وشخصية القائم على العمل.

стр. 2825

فتاوى أعلام الموقعين الأسباب والأعمال التي يضاعف بها الثواب العلامة: عبد الرحمن السعدي التزود بالطاعات والاستكثار من الصالحات غاية ومطلب لكل مؤمن، ولقد سُئل الشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي [١] ﵀ عن أسباب مضاعفة ثواب الأعمال الصالحة، فأجاب ﵀ بجواب نفيس؛ حيث ذكر أسباباً متنوعة لمضاعفة ثوابها، مستدلاً بنصوص الوحيين ومراعياً مقاصد الشريعة ومصالحها [٢] . قال ﵀: (الجواب؛ وبالله التوفيق: أما مضاعفة العمل بالحسنة إلى عشر أمثالها، فهذا لا بد منه في كل عمل صالح، كما قال تعالى: -[مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] [الأنعام: ١٦٠] وأما المضاعفة بزيادة عن ذلك، وهي مراد السائل، فلها أسباب: إما متعلقة بالعامل، أو بالعمل نفسه، أو بزمانه، أو بمكانه، وآثاره. فمن أهم أسباب المضاعفة أن يحقق [٣] العبد في عمله الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول؛ فالعمل إذا كان من الأعمال المشروعة، وقصد العبد به رضى ربه وثوابه، وحقق هذا القصد بأن يجعله هو الداعي له إلى العمل، وهو الغاية لعمله، بأن يكون عمله صادراً عن إيمان بالله ورسوله، وأن يكون الداعي له لأجل أمر الشارع، وأن يكون القصد منه وجه الله ورضاه، كما ورد هذا المعنى في عدة آيات وأحاديث، كقوله تعالى: [إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ] [المائدة: ٢٧] أي: المتقين الله في عملهم بتحقيق الإخلاص والمتابعة، وكما في قوله لله: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) [٤] . وغيرها من النصوص. والقليل من العمل مع الإخلاص الكامل يرجح بالكثير الذي لم يصل إلى مرتبته في قوة الإخلاص، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة تتفاضل عند الله بتفاضل ما يقوم بالقلوب من الإيمان والإخلاص؛ ويدخل في الأعمال الصالحة التي تتفاضل بتفاضل الإخلاص ترك ما تشتهيه النفوس من الشهوات المحرمة إذا تركها خالصاً من قلبه، ولم يكن لتركها من الدواعي غير الإخلاص وقصة أصحاب الغار [٥] شاهد بذلك. ومن أسباب المضاعفة وهو أصل وأساس لما تقدم: صحة العقيدة، وقوة الإيمان بالله وصفاته، وقوة إرادة العبد، ورغبته في الخير؛ فإن أهل السنة والجماعة المحضة، وأهل العلم الكامل المفصل بأسماء الله وصفاته، وقوة لقاء الله، تضاعف أعمالهم مضاعفة كبيرة لا يحصل مثلها، ولا قريب منها لمن لم يشاركوهم في هذا الإيمان والعقيدة. ولهذا كان السلف يقولون: أهل السنة إن قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم، وأهل البدع إن كثرت أعمالهم، قعدت بهم عقائدهم، ووجه الاعتبار أن أهل السنة مهتدون، وأهل البدع ضالون. ومعلوم الفرق بين من يمشي على الصراط المستقيم، وبين من هو منحرف عنه إلى طرق الجحيم، وغايته أن يكون ضالاً متأولاً. ومن أسباب مضاعفة العمل: أن يكون من الأعمال التي نفعُها للإسلام والمسلمين له وقعٌ وأثرٌ وغَناء، ونفع كبير، وذلك كالجهاد في سبيل الله: الجهاد البدني، والمالي، والقولي، ومجادلة المنحرفين؛ كما ذكر الله نفقة المجاهدين ومضاعفتها بسبعمائة ضعف. ومن أعظم الجهاد: سلوك طرق التعلّم والتعليم؛ فإن الاشتغال بذلك لمن صحت نيته لا يوزنه عمل من الأعمال، لما فيه من إحياء العلم والدين، وإرشاد الجاهلين، والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، والخير الكثير الذي لا يستغني العباد عنه؛ فمن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل له به طريقاً إلى الجنة، ومن ذلك المشاريع الخيرية التي فيها إعانة للمسلمين على أمور دينهم ودنياهم التي يستمر نفعها ويتسلسل إحسانها، كما ورد في (الصحيح) : (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له) [٦] . ومن الأعمال المضاعفة: العمل الذي إذا قام به العبد، شاركه فيه غيره، فهذا أيضاً يضاعف بحسب من شاركه، ومن كان هو سبب قيام إخوانه المسلمين بذلك العمل؛ فهذا بلا ريب يزيد أضعافاً مضاعفة على عملٍ إذا عمله العبد لم يشاركه فيه أحد، بل هو من الأعمال القاصرة على عاملها، ولهذا فضّل الفقهاء الأعمال المتعدية للغير على الأعمال القاصرة. ومن الأعمال المضاعفة إذا كان العمل له وقع عظيم، ونفع كبير، كما إذا كان فيه إنجاء من مهلكة وإزالة ضرر المتضررين، وكشف الكرب عن المكروبين. فكم من عمل من هذا النوع يكون أكبر سبب لنجاة العبد من العقاب، وفوزه بجزيل الثواب، حتى البهائم إذا أزيل ما يضرها كان الأجر عظيماً؛ وقصة المرأة البغي التي سقت الكلب الذي كاد يموت من العطش، فغُفر لها بغيها، شاهدة بذلك [٧] . ومن أسباب المضاعفة: أن يكون العبد حسن الإسلام، حسن الطريقة، تاركاً للذنوب، غير مُصِرّ على شيء منها، فإن أعمال هذا مضاعفة كما ورد بذلك الحديث الصحيح: (إذا أحسن أحدكم إسلامه؛ فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ... ) الحديث [٨] . ومن أسبابها رفعة العامل عند الله، ومقامه العالي في الإسلام، فإن الله تعالى شكور حليم، لهذا كان أجر نساء النبي لله مضاعفاً. قال تعالى: [وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ] [الأحزاب: ٣١] ، وكذلك العالم الرباني، وهو العالم العامل المعلّم تكون مضاعفة أعماله بحسب مقامه عند الله، كما أن أمثال هؤلاء إذا وقع منهم الذنب، كان أعظم من غيرهم، لما يجب عليهم من زيادة التحرز، ولما يجب عليهم من زيادة الشكر لله على ما خصهم به من النعم. ومن الأسباب: الصدقةُ من الكسب الطيب، كما وردت بذلك النصوص. ومنها شرفُ الزمان، كرمضان وعشر ذي الحجة ونحوها، وشرف المكان كالعبادة في المساجد الثلاثة، والعبادة في الأوقات التي حث الشارع على قصدها، كالصلاة في آخر الليل، وصيام الأيام الفاضلة ونحوها، وهذا راجع إلى تحقيق المتابعة للرسول المكمل لله مع الإخلاص للأعمال المنمّي لثوابها عند الله. ومن أسباب المضاعفة: القيامُ بالأعمال الصالحة عند المعارضات النفسية، والمعارضات الخارجية؛ فكلما كانت المعارضات أقوى والدواعي للترك أكثر، كان العمل أكمل، وأكثر مضاعفة. وأمثلة هذا كثيرة جداً، ولكن هذا ضابطها. ومن أهم ما يضاعف فيه العمل: الاجتهاد في تحقيق مقام الإحسان والمراقبة، وحضور القلب في العمل، فكلما كانت هذه الأمور أقوى، كان الثواب أكثر، ولهذا ورد في الحديث: (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها) فالصلاة ونحوها وإن كانت تجزئ إذا أتى بصورتها الظاهرة، وواجباتها الظاهرة والباطنة، إلا أن كمال القبول، وكمال الثواب، وزيادة الحسنات، ورفعة الدرجات، وتكفير السيئات، وزيادة نور الإيمان بحسب حضور القلب في العبادة [٩] . ولهذا كان من أسباب مضاعفة العمل حصولُ أثره الحسن في نفع العبد، وزيادة إيمانه، ورقّة قلبه، وطمأنينته، وحصول المعاني المحمودة للقلب من آثار العمل؛ فإن الأعمال كلما كملت، كانت آثارها في القلوب أحسن الآثار، وبالله التوفيق. ومن لطائف المضاعفة أن إسرار العمل قد يكون سبباً لمضاعفة الثواب، فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.. ومنهم: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) [١٠] كما أن إعلانها قد يكون سبباً للمضاعفة كالأعمال التي تحصل فيها الأسوة والاقتداء، وهذا مما يدخل في القاعدة المشهورة: قد يعرض للعمل المفضول من المصالح ما يصيّره أفضل من غيره. ومما هو كالمتفق عليه بين العلماء الربانيين أن الاتصاف في كل الأوقات بقوة الإخلاص لله، ومحبة الخير للمسلمين مع اللهج بذكر الله لا يلحقها شيء من الأعمال، وأهلها سابقون: لكلّ فضيلةٌ وأجرٌ وثوابٌ، وغيرها من الأعمال تبع لها؛ فأهل الإخلاص والإحسان والذكر هم السابقون السابقون المقربون في جنات النعيم.

стр. 2826

تأملات دعوية حديث حول الشهرة والمشاهير عبد الله المسلم يعتني الناس كثيراً بالمشاهير، ويحرصون على اللقاء بهم والسماع منهم، بل وربما رؤيتهم، ويعتنون كثيراً بمقولاتهم، وربما يصدرون عن رأيهم؛ ومن الشواهد على ذلك استخدام أصحاب الإعلان التجاري أسماء بعض رموز الرياضة والفن في ترويج سلعهم ومنتوجاتهم. وهذه القضية تعني العاملين في الميدان الدعوي بدرجة كبيرة، وجدير بهم أن يدرسوها ويعتنوا بها. وأول سؤال يفرض نفسه: متى تكون الشهرة معبرة عن الواقع تعبيراً صادقاً؟ وإلى أي حد يستحق هؤلاء المشاهير ما حصلوا عليه من مكانة ومنزلة؟ إن التعرف على العوامل التي أدت إلى الشهرة يسهم في الإجابة على قدر كبير من هذا السؤال؛ فثمة عوامل صادقة تعطي الشخص مكانته ومنزلته التي يستحقها، وعوامل أخرى خلاف ذلك، تؤدي إلى اتساع مساحة الشهرة أكثر مما ينبغي. فأحياناً تكون الشهرة وليدة موقف أو مواقف رفعت اسم صاحبها، وأعطته من الهالة فوق ما هو له. وقد يتحدث شخص حديثاً مسموعاً أو مكتوباً في موضوعات لها أهمية وحيوية لدى الناس، وتلامس واقعهم، ويجتهد في ترتيب عناصره وأفكاره فيقع حديثه موقعاً من الناس، فيعلو شأنه، ويرتفع صيته، مع أن ما قدمه خال من الدراسة الواعية العميقة، ولا يعدو أن يكون حسن ترتيب وعرض لآراء شخصية، وإجادة في طرق قضايا لها شأنها عند المتلقين. وقد يكون ذا صوت جَهْوَري مؤثر، وأسلوب بليغ أخاذ، أو قلم سيّال فيعجب الناس بما قدمه ويظنون به ما ليس أهلاً له. وأحياناً يسهم الناس في إلحاق الشهرة بشخص ما من خلال الاجتماع حوله وسؤاله والحديث إليه، وإبراز نتاجه. وأحياناً يستمد شهرته من وظيفته الشرعية، أو توليه لإمامة مسجد أو جامع له مكانته. إن بروز هذه العوامل غير الكافية في صنع الشهرة وتأثيرها على الناس يكون نتاج أسباب عدة منها: ١- ضعف مستوى الوعي لدى المجتمعات وسطحيتها في التفكير والحكم على الظواهر. ٢- عدم وجود معايير واضحة للتقييم لدى الناس، ومن ثم فقد ترى أن من يكتسب الشهرة في الخطابة والوعظ يستفتيه الناس في قضايا من دقائق مسائل العلم، وقد يكون قليل الورع فيقتحم المشكلات، ويدرك المرء الأسى حين يرى فئات من جيل الصحوة يتداولون قول واعظ أو متحدث بارع، أو غير هؤلاء في قضية حاسمة من قضايا الدعوة أو مشكلة من مشكلات الأمة. بل حتى أهل العلم الذين لهم باعهم في الميدان العلمي ومكانتهم التي لا تنكر قد لا يجيدون إصدار حكم في قضية من مشكلات الأمة أو همّ من هموم الدعوة والتربية لا يعانونه، وليس هذا من نقص مكانتهم أو منزلتهم أو الحط منها، أَوَليس أهل القضاء أحياناً يحيلون الأمر على مختص يصدرون عن رأيه؟ بل وأهل الإفتاء حين يناقشون قضية طبية أو اقتصادية يستعينون بمن يعيها أكثر منهم؟ ٣- وقد تكون الشهرة نتاج فراغ الساحة وخلوها من الشخصيات المؤهلة؛ فيصادف من يتصدى قلباً خالياً ومكانة فارغة. ٤- وقد يسهم الدعاة في تكريس هذه القضية فيصرون على التعامل مع المشاهير، فيؤصلون هذا المشرب لدى الناس، ويحرمونهم من طاقات لم تجد من عوامل الشهرة ما يبرزها لدى الناس.

стр. 2827

قراءة في كتاب كيف يُنَصَّر المسلمون..؟ عرض لكتاب (الدليل الشخصي للحوار مع المسلمين) [*] إعداد وتقديم: أبو إسلام أحمد عبد الله (الدليل الشخصي للحوار مع المسلمين) واحد من مئات الأدلة التي تتسابق الكنائس الغربية والشرقية إلى إصدارها وتوزيعها لدعم حركة التنصير العالمية، وتطوير أدائها، ورفع مستوى أدواتها، وترشيد جهودها، وتنمية قدرات أفرادها. ويحتل الحوار الكنسي مع المسلمين مساحة كبيرة من هذا الاهتمام إلى الحد الذي اقتضت معه الممارسة، إنشاء عشرات المراكز الدولية المتخصصة في إعداد القادة والمتدربين من القُسُس والرهبان من كل الملل النصرانية التي تتجاوز ٣٠٠٠ كنيسة طائفية. أما الدليل الذي سوف نتناوله بالعرض، فقد كان في البدء مشروعاً علمياً تقدم به الباحث (راي ريجستر) تحت إشراف الدكتور (جورج برازويل) لنيل درجة الدكتوراه اللاهوتية بمعاونة مباشرة من المؤتمر الإنجيلي الدائم بشمال أمريكا الذي تأسس عام ١٩٧٨م. وقد تناولت الرسالة في أبوابها الستة على الترتيب: ١- تاريخ مختصر عن الإسلام (ص٧) . ٢- الحوار منهجاً للاقتراب من المسلمين (ص١١) . ٣- الخطوط العامة للحوار مع المسلمين (ص٣٣) . ٤- أسئلة وبيانات في الحوار مع المسلمين (ص٣٠) . ٥- الخطوط الرئيسة للحوار مع المسلمين (ص٦٣) . ٦- اقتراحات بما يجب عمله تجاه الذين يقررون تغيير عقيدتهم من المسلمين إلى النصرانية أو من النصرانية إلى الإسلام (ص٦٦) . وأشار الباحث في مقدمة رسالته، إلى أن إعداده لهذه الأبواب التي أوجزها في تسعين صفحة، قد استغرقت منه اثني عشر عاماً أمضاها في العمل التنصيري بين المسلمين في أرض فلسطين المحتلة، بصفته ممثلاً معتمداً (من السلطات الصهيونية) لمجلس البعثات الأجنبية المعمدانية في المنطقة، مما أتاح له التجول بين بيروت والقاهرة وطهران ثم العودة بعد كل جولة إلى مقره الأصلي في فلسطين. كما أشار الباحث المنصر إلى أنه أخضع (دليله) هذا باعتباره مشروعاً في التخطيط للتنصير للتجربة الميدانية؛ حيث التقى على مدى ستة أشهر متواصلة بأكثر من مائتي مسلم عربي في شمال وجنوب ولاية كارولينا الأمريكية، لكن اثني عشر مسلماً منهم فقط هم الذين قبلوا التعاون والحوار معه، لذا فهو يؤكد على صعوبة تحقيق أي مكاسب فعالة مع المسلمين على المستوى الفردي الذي أعد من أجله رسالته العلمية! معلقاً الأمل على إمكانية تحقيق المكاسب فيما لو امتدت إجازته لمدة ستة أشهر أخرى. حدد الباحث في رحلته بين المسلمين، أن طرق الاتصال بهم كانت مقتصرة على المنظمات والمعسكرات الطلابية، ونادي العرب ... ؛ حيث استجاب إلى زيارة منزله عدد محدود من بين الاثني عشر الذين قبلوا الحوار معه والذين كانوا من المصريين واللبنانيين والعديد من الفلسطينيين الذين نزح آباؤهم إلى أمريكا منذ عام ١٩٤٨م؛ حيث أثبت الدليل قيمته حسب تعبير الباحث في تمكن عدد من المتدربين من الاقتراب من المسلمين، وهو ما كان بمثابة حلم وأمل في الماضي. أهداف الدليل: يصف الدكتور (جورج برازويل) المشرف على الرسالة، أهداف الدليل، فيقول في مقدمته: إن هذا الكتاب يمدنا بفرصة كبيرة لفهم عقيدة الإسلام، ونفسية الذين ينفذون تعاليمه، وذلك لإيجاد سبيلٍ سهلٍ للاتصال الفعال معهم. أما الباحث المنصّر، فيقرر في مقدمته (أن المسلم، هو ذلك الإنسان الذي يستسلم ويركع أمام إرادة الله، متبعاً بهذه العقيدة، دين النبي العربي محمد! (لله) وهم سواء أكانوا عرباً أو فُرساً أو من الباكستان أو إندونيسيا أو أفريقيا أو أتراكاً، فهم مسلمون في عقيدتهم وثقافتهم وحياتهم الخاصة جداً) . ثم يستطرد قائلاً: (لكن لسوء الحظ، فإن للإسلام وجهة نظر سلبية ومدمرة تجاه النصرانية، تجعل المسلم مقاوماً بفطرته لكتابنا المقدس! الذي نفهمه، ورافضاً لموت عيسى ﵇ على الصليب، وهذا هو أكبر حاجز مانع لفهم المسلمين للعقيدة النصرانية، ولذا فإن هدف الدليل، هو المساعدة في تجاوز الفرد النصراني لهذا العائق من خلال الحوار الذي هو محاولة لإقامة جسر من الود يسد الفجوة التي امتدت بين المسلمين والنصارى لقرون طويلة. ومن أهداف الدليل أيضاً: أن يقاسم المسلمون النصارى عقيدتهم في عمق الإيمان بيسوع المسيح الذي تجسد الله فيه حسب زعمه من خلال الروح القدس، كي يحمل على كتفيه خطايا البشر! وإن غاية الحوار النصراني مع المسلمين، أن يؤمن المسلمون ويعتقدوا بأن صلاحهم لن يكون بغير الإيمان بقدرة يسوع الرب على تكفير خطاياهم من خلال الصليب! إنها وسيلة لتحقيق المصالحة التي أطلق عليها القس المنصّر (رويل هاو) اسم: (معجزة الحوار) في كتابه الشهير الذي حمل الاسم نفسه. ويختم الباحث مقدمته فيقول: (لن يتنازل المسلم عن معتقداته إلا إذا حاولنا أن نسمعه رغبتنا في أن يشاركنا معتقداتنا بطريقة يجب أن يفهمها هو ويقر بها) . خطورة دليل الحوار مع المسلمين: ونقفز إلى موضوع مقالنا مباشرة تحت عنوان: (الحوار باعتباره منهجاً للاقتراب من المسلمين) (ص١١) حيث يتناول الباحث مجموعة من التعريفات لكلمة الحوار، ثم يحدد القاعدة اللاهوتية لهذا الحوار، منبهاً إلى ضرورة الحذر الشديد من أن يقدم النصراني في حواره مع المسلم أي تنازلات، مشيراً إلى أهم الثغرات التي يمكن أن يسقط النصراني المحاور في شراكها هي دعوى تجسد المسيح، ودعوى الصلب، ودعوى بنوة عيسى؛ ولذا ينقسم الدليل إلى قسمين رئيسين: أولاً: إرشادات للمُحاوِر النصراني: (الإنسان المسلم من اليسير جداً معرفته وفهمه) هكذا يقول الباحث المنصّر، ثم يستطرد قائلاً: (المسلم في لقائه يكون ودوداً واجتماعياً، خاصة بالنسبة للغرباء، وبخاصة إذا كان لقاؤه خارج بلده، أي في دولة أجنبية بالنسبة له. فالمسلم بطبعه يحتاج إلى رفيق، ولا يستغني عن صديق، ولذا فليس هناك أي صعوبة للدخول معه في حوار، وإذا وثق بك مرة، فربما تجده أكثر الناس تعبيراً عن نفسه من أي جنس إنساني آخر، ولسهولة التفاهم معه، فبإمكانك اكتشاف كل ملامح الشرق (الإسلامي) الأخلاقية، وإذا ما استمر الحوار فإن الجدل سوف يبقى ساخناً وليس بالضرورة أن يلتزم هذا الجدل بالمنطق، ولذا فإن التزامك أنت بالصبر والتحمل هو من الفضائل التي يجب أن تتحلى بها في هذا الحوار. ثانياً: استعراض الأسئلة التي يمكن أن تكون مثار نقاش، وأسلوب الحوار حولها: (اقترابك بالحوار الروحي، ومحاولة إقناع المسلم بأنه في حالة جوع روحي وخواء كبير في القلب، سوف يحدد لك موقع الفرد وتطلعاته الروحية) . وحول هذه العبارة الموجزة، دار الباحث المنصر كثيراً في ضوء إرشاداته للنصراني الذي يحاور المسلم، لكنه ظل أبداً لا ينصح بأخذ الضوء الأخضر، أو الظن ببساطة العقل المسلم أو إهمال وجدانياته، فيصف واقع المسلمين في عين كل نصراني محاور أنه سوف يجد نفسه أمام تيارين متناقضين من المسلمين: التيار الأول: ربما يكون مخلصاً لدينه، يؤدي الصلوات الخمس، يصوم رمضان، يحفظ أجزاء من القرآن. التيار الثاني: ربما يكون على النقيض تماماً؛ حيث يكون المسلم مادياً علمانياً يشعر أن الدين ليس صالحاً ولا مكان له في الحياة المعاصرة. فأي التيارين يكون مهيأ للحوار؟ وما المحكّ الذي يبدأ منه المحاور النصراني مغامرته؟ يجيب الباحث المنصّر: إن المسلمين على كل مستوياتهم وتياراتهم سواء، من حيث ارتباطهم بالعقيدة الإسلامية، فأي من التيارين سوف يبدي دفاعآً قوياً عن الإسلام باعتباره منهج حياة وسلوك اجتماعي. حتى لو كان المحاوَر مادياً ولا يمارس الشعائر الإسلامية في حياته اليومية؟ نعم، وربما يكون هذا الشخص نفسه، أكثر بيانآً وأفصح تعبيراً عن عظمة الإسلام وتطوره وتقدمه على عقيدة النصارى في ضوء ما يراه في الولايات المتحدة والأماكن الأخرى من فساد وانحرافات، وعليك بالاعتراف بأن آلاف النصارى لا يعيشون عقيدتهم ولا يتبنون قيمها، ولا يحترمون مظاهرها، ولا يمارسونها على الوجه الصحيح. فإذا ما اعترفت له بذلك؛ وهو الأصوب؛ فسوف ينهي هجومه عليك ودفاعه عن الإسلام، وإن من المسلمين آلافاً في مثل حال هؤلاء النصارى وتلك هي الجولة الثانية التي يمكن أن تكسبها مع المسلم) . استيعاب المسلم والتعلم منه: واضح مما فات، أن الباحث المنصّر، يلعب على وتر العواطف الجياشة لدى المسلم والفطرة الصادقة التي تكمن داخله؛ ولهذا فهو يلفت نظر المحاور إلى نقطة فهم محورية في كل صفحات دليله الذي بين أيدينا، التي يلخصها بقوله: على كل الأحوال، إذا ما هاجمت عقيدته (أي المسلم) فإنه من المقبول أن ينتقم منك بالمسلك نفسه، فدع الحوار يكون دائماً مقاسمة فيما يكون ذا معنى بالنسبة لحياتكما، واقبل كل الأشياء الإيجابية في الإسلام، وأَكْثِرْ من عقد المقارنات بين كل ما هو جيد في عقيدتك ويتفق مع عقيدته، فهماً وسلوكآً، فإن ذلك سوف يقودك إلى اكتشاف ما هو المربح والمفيد في عقيدتكما، ومع التمرس فسوف تتضح نقط الخلاف أمامك فتلمسها برفق) . ثم يحذر الباحث القس كل محاور نصراني من أن يلمز محمداً (لله) ولذلك فإن ردود الفعل لأي نزاعات قد تثيرها في حوارك مع المسلم سوف تفسد الحوار؛ لأن قرآن محمد! (لله) يشترك مع عقيدتنا حول ميلاد المسيح من عذراء، وحول معجزاته الكبرى، وحول صعوده إلى السماء، فابتعد بنفسك عن مواطن الخلاف) . ثم يحدد الباحث القس، للمُحاوِر النصراني ثلاثة أشياء تحكم الحوار مع المسلم: أولاً: أن المسلم يعتقد بأن اليهود والنصارى قد حرّفوا التوراة والإنجيل لإخفاء النبوءة بمجيء محمد (لله) . ثانياً: يفترض المسلم أن النصارى يؤمنون بآلهة ثلاث، ويعلمهم القرآن بأن النصارى يعتقدون التثليث المركّب من: الله، ومريم، ويسوع. ثالثاً: يعتقد المسلم أن المسيح لم يمت على الصليب، لكن شبهه هو الذي صُلب. ثم يضيف محوراً رابعآً لا أدري لماذا لم يضمه إلى المحاور الثلاثة السابقة، وهو: نظرة المسلم لمعتقد الخطيئة والخلاص، الذي يعتقده النصارى، ويرفضه المسلمون إجمالاً وتفصيلاً، فيقول الباحث القس: (إن هناك اضطراباً وغموضاً كبيرين عند المسلمين حول الخطيئة والخلاص، ففي حين أننا نحن (النصارى) نعتقد بأن كل الناس مذنبون، وأن المسيح وحده هو صاحب القوة الذي يتحمل كل الآثام عن كل المذنبين؛ فهو قد حقق الخلاص، بموهبة الله ومحبته ورحمته، وليس بعمل الإنسان وقدرته. بينما المذنب المسلم بين نوعين من الذنوب لا انفلات له من أحدهما: الكبائر أو الصغائر، ولا يسعى المسلم إلى مغفرة ذنوبه إلا بالعمل الصالح والتوبة؛ والدعاة المسلمون يؤكدون على عمل توازن بين قسوة القرآن حسب تعبير القس النصراني وبين رحمة الله الواسعة التي وعدهم بها القرآن في العفو عن المذنبين إلا في استثناء واحد وهو الشرك بالله) . ويتساءل المنصر عن موقف المحاور النصراني من كل ذلك، وهو السؤال الذي يطرحه، ثم يجيب عنه بأن هذه ليست هي الخلافات كلها، بل سوف تتولد خلافات كثيرة مع استمرار الحوار، وعلى المحاور أن يتعامل معها برفق وصبر واهتمام؛ لأن في ذلك كله تحصيلاً واكتشافاً لكل جوانب الشخصية المسلمة واستبياناً لكل أركان معتقدها. والاستماع إليه طويلاً يحقق مكسبين: أولهما: التعلم منه ومما يقوله من آيات القرآن ومن استدلالاته عن النبي محمد (لله) ، وبهذا يتمكن المحاور من الإلمام بكل حجج المسلم التي يمكن أن يحاجّه بها. ثانيهما: أن الاستماع إلى المسلم يمثل إسهاماً ضخماً وركيزة في الإبقاء على الحوار، وبذلك ستكون مالكاً لزمام القسمة المشتركة بينكما، وسوف يكون مذاقك الشخصي للحوار أكثر فعالية من أي جدل، وبقدر فهمك للإنجيل يمكن أن تقدم له الحقيقة التي تتمسك بها) ! خطوة مهمة في الحوار: إن موقف المسلم في كل معتقداته نحو عقيدة النصارى، وارتباطه التام بثوابت الإيمان التوحيدي، حتى عند غير الملتزمين منهم، يؤرق الباحث المنصّر عند مواجهته لاعتراضات كثيرة عند مناقشة رسالته وعند تطبيقها، وخوفاً وخشيةً من انزلاق المُحاوِر النصراني في شباك المتحاور المسلم، حيث إن الأخير حسب تعبير الباحث النصراني على قناعة شديدة بأن النصراني مخدوع من خلال أوهام ترتدي ثوب الدين، وسوف يحاول المسلم في الغالب أن يقود النصراني إلى حقائق الإسلام، وهو معذور في ذلك؛ لأن قضايا الخلاف عنده من الصعب تحريكها أو تعديلها إلا من خلال كلمات معينة يجب أن يستعملها المحاور النصراني في حواره دون أن تثير حساسية لدى المسلم، مثل ألفاظ: الإيمان، والبرهان، والشاهد، والكسب الروحي. فإذا ما وافق المسلم على الاستماع لمثل هذه الألفاظ ولم تثر لديه نوازع الرفض، فإن هذا النوع هو من الاقتراب الذي يُرغَم عليه النصراني وهو غير محب له، فإن قرار المسلم بالإيمان ربما لا يعني أكثر من أسلوب مهذب لترضية المحاور النصراني بدلاً من الإزعاج؛ لصعوبة معرفة المحاور النصراني لمضمون الإيمان الذي يفهمه المسلم، وعما إذا كان هو الإيمان المقصود في النصرانية، أو ذلك المقصود في الإسلام؟ ولذلك يرى الباحث المنصّر أن على المحاور النصراني أن يحاول معرفة البواعث التي أقر المسلم على ضوئها بالإيمان: هل هو مخلص وصادق؟ هل هو يناور ويحاور؟ هل يرغب في كسب مالي؟ هل يرغب في زوجة نصرانية غير زوجته المسلمة؟ (إن المسلمين في الشرق (الإسلامي) يحتاجون إلى عمق لفهمهم أكثر من غيرهم، وتحوّلهم ليس بالأمر السهل؛ لأن لديهم من أسباب القبول ومسوّغاته، مثل ما لديهم من أسباب الرفض ومسوّغاته، إلا أن قمة النجاح تتمثل في أن يقبل سماع كلمات مثل: الخطيئة، الخلاص، الصليب، ابن الله، الثالوث المقدس، الروح القدس، بفهم غير الذي عليه المسلم، وإلا فسوف يتخذ من النصراني موقفاً عدائياً يسقط كل الخطوات السابقة، ويهزم كل الفروض الموضوعة، وبذلك يقطع حبل الحوار والاقتراب) . ولم يغفل الباحث المنصّر عن أن مناقشة الإنجيل مع المسلم تحتاج إلى قدر كبير من الذكاء والكياسة، فيوصي المحاور (باستبعاد النصوص الإنجيلية التي يمكن أن يقبلها المسلم بمفهوم غير مفهومها، أو التي يستنبط منها دلالات مخالفة لدلالاتها عند النصارى، أو تلك التي تناقض آيات وردت في القرآن، وإلا انهالت عليه الشواهد والبراهين القرآنية التي تقود إلى طريق مسدود) . ثم يستطرد قائلاً: (وحتى يتفادى المُحاوِر النصراني هذا الطريق فلا بد أن يجرب مع المسلم قدرآً كافياً من الصداقة الحميمة، وأن يريه من حياته الأخلاقية والروحية والاتساق مع الاعتراف الإنجيلي؛ لأن المسلم سوف يكون حساساً في حبه، ودقيقاً في ملاحظة القيم الحياتية التي يمنحها يسوع الرب حسب تعبير الباحث القس للمحاور النصراني، فيوصيه بأن يعطي دائماً العظمة لله إذا ما أبدى المسلم إعجاباً بهذه الحياة ونظمها وسوف يحترمها) . المحاذير والمخاطر: وتحت سطوة الخوف والهلع من سقوط المُحاوِر النصراني في شباك المتحاور المسلم، يُنبّه الباحث المنصّر إلى خمسة عشر خطراً، يحذّر منها المُحاوِر النصراني، ويبدؤها بالقدرات العقلية، وينهيها بالوعد والوعيد، ونلخصها على لسانه فيما يلي: * الحوار مع المسلم سوف يتحدى ذكاءك وروحك. * وسوف يسبب إعادة التفكير في الأساس حول اعتقادك بالمسيح. * ما يملكه المسلم من ثوابت عقدية يمكن أن يكون تحدياً حقيقياً. * للإسلام قوة جذابة تتجلى لكل المخلوقات البشرية. * أركان الإسلام تبدو مناسبة ومعقولة، وربما تكون مدمرة لك. * إن روح المسلم مفطورة ضد (حب الله الذي تجسد في المسيح) نظراً لإنكار المسلم للصلب أساساً. * يجب أن تتجنب أي ملاحظة ولو دقيقة حول محمد والقرآن. * إذا هاجم النصرانية فسوف تهدم الغرض من الحوار إن أبديت اعتراضاً. * إن تاريخ العلاقة بين المسلمين والنصارى مليء بالجدل والغضب والدمار والحروب، ولن ينسى المسلم كل ذلك بسهولة. * ضع في اعتبارك أن أغلب المسلمين قادمون من بلاد أخرى مما يجعل الاتصال محدوداً بل وممنوعاً أحياناً. * للمسلمين عاداتهم وتقاليدهم التي ترتبط بالعقيدة؛ فاحذر أن تتجاوزها، مثل اختلاطك بنساء بيته أو مصافحتهن لك، أو جلوسك معهن. * إن المسلمين الأرثوذكس (يقصد الملتزمين بعقيدة السلف) متشددون حول التسيب في علاقة المرأة بالرجل، فلقاء الخطيب بخطيبته ممنوع، والنظر إلى عيون المرأة إثارة وفتنة، ولا حق لزوجتك أن تجلس مع واحد منهم؛ وهم على العموم يرفضون الحرية بين الجنسين كما هي في الغرب. * يمكن أن تصبح هدفاً للسخرية والاحتقار بالنسبة للمسلم عندما يعود إلى وطنه ويحكي لأصحابه عن تجربته معك. * اعرفْ أن هناك خطراً يهدد طرفي الحوار الذي تمثّل أحد طرفيه، وهو الخطر العظيم الذي يقبل فيه أحدكما (التحول) عن عقيدته إلى عقيدة الآخر، فاعلم أن لهذا تبعات غير محمودة لك وهي بالنسبة للمسلم التهديد بالقتل. الدفاعات والتحصينات: بعد أن عدّد الباحث المنصّر كل هذه المحاذير والأخطار، فقد أجمل الدفاعات والتحصينات التي يجب أن يتسلح بها النصراني المُحاوِر حتى لا يقع في شراك المحاذير والمخاطر ونوردها أيضاً على لسانه فيما يلي: تذكر دوماً حاجتك إلى الاستمرار في حياة مخلصة دائمة. لا تغفل عن الصلاة من أجل دعم عضوية غير النصارى. قوة الصلاة وروح القدس تثري فهمك للكتاب المقدس. لا تدع مجالاً لمشاعر الإحباط والصعوبات التي تواجهها. وطد علاقتك بالله من خلال (يسوع الرب) ! اسمع للمسلم بصبر ولا تنفعل، وساعده على سحب استنتاجاته وما يفهمه حول عقيدتك. المسلم مذنب! ! فصلّ من أجله. لا تحاول أن تدخل نفسك في معتقداته حتى لا تدخل دائرته. دراسة المسلم للكتاب المقدس تشكل أقوى تأثير لقبوله الإيمان النصراني، ودراستك للكتاب المقدس تكون أوْلى وأهم. من المهم أن تتعلم وتقبل الأشكال الاجتماعية للمسلم. النصارى العاملون في بلاد المسلمين ينسبون قدرآً كبيرآً من نجاح مهمة الحوار إلى السلوك القويم والأخلاق الراقية. النتائج في الغالب تعتمد على قدر إيمانك، فتذكر واطلب العون الدائم من (يسوع الرب) ! المسلم العربي، وعلى وجه الخصوص وهو في بلاد أجنبية يكون أكثر ارتباطاً بعقيدته، وأشد تعاطفاً مع أرضه التي تركها. المسلم يعتز كثيراً بدينه وبنفسه وبآرائه وبأمته، والثناء عليه يختصر لك الطريق كثيراً، فأكثر من المجاملات والهدايا. المضمون المتوقع للحوار: أفرد الباحث المنصّر باباً مستقلاً لاستعراض أهم الأسئلة التي يمكن أن يطرحها المسلم على النصراني المُحاوِر، وكتب لكل سؤال إجابة، كما طرح عدداً من الأسئلة التي يجب أن يوجهها المحاور النصراني للمسلم حتى يحاصره ويمتلك زمام المبادرة. ثم يشير الباحث المنصّر إلى أن (الأسئلة التي يوجهها أي مسلم، قد تعلمها المسلمون جميعآً منذ كانوا أطفالاً صغاراً بالمدرسة، كما تعلموا في الوقت ذاته الإجابات التي قدمها النصارى أو التي يمكن أن يقدموها، ولذلك فهم مهيؤون للرد، وأكثر قدرة على التشكيك في عقيدة النصرانية) . وهذه الأسئلة وتلك، ليست بالطبع هي كل شيء إنما هي فقط (دليل) للموضوعات التي سوف يدور حولها الحوار، كما لا يصح أن يلتزم المحاور بالترتيب الذي ورد في الدليل، إنما يكون ذلك تبعآً لمداخل الحوار والمستوى المعرفي للمسلم. هكذا يعمل القوم لنشر ديانتهم الباطلة بالأساليب المدروسة التي يقتنصون عن طريقها الجُهّال والفارغين بزخرف القول غروراً؛ فكم نحن بأمسّ الحاجة لمعرفة ديننا حق المعرفة، ومعرفة زيف ما يمكرون به لتجنبه والحذر منه؛ حتى لا نقع في مخططاتهم الشريرة التي يعملون جاهدين لنشرها بكل الوسائل.

стр. 2828

نص شعري أبا جهل ! شعر: مروان كُجُك أَبَا جَهْلٍ تَقَمّصتَ الطّغَاةَ ... وَأَفْسَدْتَ المَنَابِتَ وَالنّبَاتَا وَصِرْتَ إلَهَ أَقْوَامٍ تَنَادَوْا ... إلَى اللّذّاتِ فَانْفَتّوا انْفِتَاتَا نَسُوا أَنّ الّذِي يُنْشِي وَيُعْطِي ... هُوَ الْبَارِي الّذِي خَلَقَ الْحَيَاةَ فَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ زَيْفاً هَزِيلاً ... وَصَارَ نَهَارُهُمْ نَوْماً سُبَاتَا وَلَمْ تُفْلِحْ يَدُ النّطّاسِ فِيهِمْ ... فَقَدْ عَافُوا الدّوَاءَ وَمَا أَقَاتَا وَهَامُوا فِي دُجَى الأَوْهَامِ حَتّى ... غَدَوْا للذّلّ تَحْسَبُهُمْ مَوَاتَا لَهُمْ سَمْعٌ وَلَكِنْ غَيْرُ مُجْدٍ ... وَأَفْهَامٌ تَرَى الإسْلامَ مَاتَا أَضَاعُوا مَجْدَهُمْ فِي كُلّ صِقْعٍ ... وَقَدْ ظُلِمُوا وَمَا رَفَعُوا شَكَاةَ وَكَانَ جُدُودُنَا أَبْنَاءَ جِدّ ... إذَا هَجَمَ الرّدى هَبّوا حُمَاةَ أَبَا جَهْلٍ رُوَيْدَكَ بَعْضَ حِلْمٍ ... تَذَكّرْ يَوْمَ خَاطَبْتَ الدّعَاةَ: رَقَيتُمْ مرتَقًى صَعْباً، وَصِرْتُمْ ... جُمُوعاً بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ شَتَاتَا أَبَا جَهْلٍ فَلا تَفْرَحْ بِنَصرٍ ... وَلا يَغْرُرْكَ أَنّ اللّيْثَ بَاتَا فَإنّ الْفَجْرَ يُوقِظُ كُلّ حُرّ ... وَيمحَقُ كُلّ طَاغِيَةٍ بَتَاتَا سَنَنْهَضُ يَا خَسِيّ الْقَصْدِ مَهْمَا ... تَمَادَى الزَيْفُ حِقْداً وَاسْتَمَاتَا وَمَهْمَا سَادَ بَاطِلُكُمْ وَطَابَتْ ... لَكُمْ دُنْيَا وَرُسّمْتُم ذَوَاتَا فَإنّ نِهَايَةَ الطّغْيَانِ حَتْمٌ ... بِأمْرِ اللهِ صُبحاً أَوْ بَيَاتَا

стр. 2829

نص شعري يا سبيل المجد شعر: مشبب بن أحمد القحطاني يا سليلَ المجدِ ماذا غيّرَكْ؟ ... أنتَ للمجدِ وهذا المجدُ لكْ كيف تغفو يا فتى التّوْحيدِ هل ... هَيّأَ الأعداءُ في الدّرْبِ الشّرَكْ؟ كانتِ الدّنْيا ظلاماً دامِساً ... بِئْستِ الدّنيا وبئسَ المُعْتَرَكْ بين مَوْؤُودٍ ومفتونٍ، وفي ... راحةِ الظّلْمِ زِمامٌ لا يُفَكْ أمةٌ تاهتْ على غيرِ هُدىً ... بينَ تَضْليلٍ وإرهابٍ وشَكْ فانبرى للحقّ نورٌ ساطعٌ ... أَنْزلَ القُرآنَ للدّنْيا مَلَكْ أَسْفَر الصّبْحُ وعادتْ مَكةٌ ... مَنْبَعَ النورِ وإشْعاعَ الفَلَكْ بعدها قامت جُيُوشٌ همّها ... نُصْرةُ الحقّ تدكّ الظّلْم دَكّ وأَرى اليومَ حِمى الحقّ غدا ... مسْرحَ العابثِ حِلاّ مُنْتَهَكْ يا سليلَ المجدِ هَلاّ قُلتَ لي: ... أيّ ذنبٍ بالمخازي ضَيّعَكْ؟ أيّهَا السادِرُ في لَذّاتِه ... هل ترى عيشَ المعاصي أَعجَبَكْ؟ أُمّتي قد علّقتْ فيكَ المُنَى ... فاستَفِقْ وانْهَضْ وغادِرْ مَضْجَعَكْ؟ عُدْ إلى الرّحمن في طُهْرٍ تَجِدْ ... مَرْكَبَ النّصْرِ إلى العليا مَعَكْ وَتَرَ الأَبْطالَ آسادَ الشّرى ... تَشْتَهِي يومَ الفِدا أن تَتْبَعَكْ نَسْأَلُ اللهَ صَلاحاً عاجِلاً ... إنّما الغَافِلُ في البَلْوى هَلَكْ قَدْ كفانا ما مضى مِنْ بُؤْسِنا ... رَبّنا اكْشِفْ مَا بِنَا فَالأَمْرُ لَكْ

стр. 2830

ندوات ومحاضرات ندوة عن: هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق (الحلقة الأولى) إعداد: وائل عبد الغني ضيوف الندوة: الدكتور/ مصطفى حلمي أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة. الدكتور/ جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى سابقاً. الدكتور الشيخ/ محمد بن إسماعيل المقدم الداعية المعروف وأخصائي الصحة النفسية وخريج كلية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف. الأستاذ/جمال سلطان - الكاتب الإسلامي المعروف ورئيس تحرير دورية (المنار الجديد) . نرى أن أفضل ترحيب بضيوفنا الكرام، أن ننزل عليهم ضيوفاً، ليُثروا قراءنا في قضية من أخطر قضايا العصر؛ ألا وهي (الهويّة) .. أهمية الموضوع.. * في البداية نريد أن نحدد الهدف من الندوة لنصطحبه خلال تشعب الحديث بنا. * د/جمال عبد الهادي: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد.. فأرى أن الهدف هو: تذكير الأمة المسلمة بمقومات هويتها، وتبصيرها بالأخطار التي تحدق بها، وأنه لا مخرج للأمة من محنتها المعاصرة إلا باستعادتها لهذه الهوية؛ لأنها المخرج الوحيد لمواجهة التحديات المعاصرة، حتى تعود الأمة لأداء دورها، باعتبارها الأمة الشاهدة التي حملها الله تعالى مسؤولية البلاغ وإقامة حياتها وحياة الإنسانية على مقتضى منهاج الله. وإذا اعتبرنا أن الهوية هي التي تحدد الأهداف والواجبات والتقاليد والأعراف للفرد والمجتمع، فإن الحفاظ عليها يصبح ضرورة وجود وأداء رسالة. من أجل هذا كان لا بد من طرح هذه القضية. معنى الهوية: * جرت عادة الربانيين أنهم إذا تحدثوا عن قضية ربطوا فيها بين الواقع المشهود والحق المنشود حتى يكون الواقع حقاً والحق واقعاً، والحق صنو الحقيقة؛ فما حقيقة الهوية؟ نريد من ضيوفنا الكرام أن يوضحوا لنا معنى الهوية توضيحاً شافياً. * الشيخ محمد بن إسماعيل: الهويّة: (هي حقيقة الشيء، أو الشخص، التي تميزه عن غيره، فهي ماهيته، وما يوصف ويعرف به، من صفات عقلية، وجسمية، وخلقية، ونفسية) ، كما في حديث أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ قالت: (كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله لله المدينة، ونزل قباء، غدا عليه أبي وعمي مُغلّسين، فلما يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالّين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي: (أهو هو؟) ، قال: (نعم والله) ، قال عمي: (أتعرفته وتثبته؟) ، قال: (نعم!) ، قال: (فما في نفسك منه؟) ، أجاب: (عداوته، والله ما بقيتُ!) [١] ، وفي قوله: (أهو هو؟) إشارة إلى هوية النبي لله وأنه الموصوف في التوراة. إذن فالهوية هي: (المفهوم الذي يكوّنه الفرد عن فكره وسلوكه اللذين يصدران عنه، من حيث مرجعهما الاعتقادي والاجتماعي) وبهذه الهوية يتميز الفرد ويكون له طابعه الخاص، فهي بعبارة أخرى: (تعريف الإنسان نفسه فكراً وثقافةً وأسلوب حياة) . كأن يقول مثلاً: (أنا مسلم) . أو يزيد: (منهجي الإسلام) أو يزيد الأمر دقة فيقول: (أنا مؤمن ملتزم بالإسلام من أهل السنة والجماعة) . * د/ مصطفى حلمي: بنظرة مجردة فإن مقومات الشخصية التي تميزها عن غيرها، هي المفردات التي تتحكم في تشكيل تلك الشخصية، ومنها المتكرر في جميع الهويات، ومنها غير المتكرر. ولعل القدر المشترك يتمثل في: العقيدة التي ينطلق منها الفرد بغض النظر عن صحتها، ويقابلها في النظريات الوضعية الفكر الفلسفي. القيم العالية المطلقة التي يؤمن بها المجتمع؛ التي تتمثل في أهداف الإنسان في الحياة ونظرته للوجود، والأخلاقيات، والسلوكيات؛ وعلى ضوء ذلك نرى تميز الهوية الإسلامية في مقوماتها من حيث الشكل والمضمون. * وحتى يتبلور مفهوم الهوية أكثر؛ فإننا نريد أن نتعرف على أهم مقومات الهوية التي تتشكل من خلالها. * أ/جمال سلطان: هوية أي أمة عبارة عن تراكم المعارف والثقافات، والتجارب والصراعات، والأفكار والمؤلفات والكتابات، كل هذا المزيج يشكل المرجعية الأساسية لهويات الشعوب. بخلاف هويتنا التي تتميز بمرجعيتها الربانية الثابتة الصحيحة، والمحفوظة أبداً، والتي تتمثل في الوحي بمصدريه، وبهذا تميزت الأمة عن سائر الشعوب والأمم. ومن حيث العموم فإنها تتكون من مجموعة من الدوائر المتداخلة، والتي يؤثر فيها اعتبارات متعددة، لعل أبرزها الجغرافيا والتاريخ والدين، هذه المؤثرات الثلاث، هي أبرز ما يؤثر في الإنسان وينشط من خلاله إنسانياً، إلى جانب المجال الحضاري ببعديه التاريخي والثقافي، وتراكماته، والتي ورثتها الأجيال عن الأجيال وجعلت هناك صبغة لهذه الشخصية. * الشيخ/محمد بن إسماعيل: أهم أركان الهوية: العقيدة، ثم التاريخ، واللغة، وإذا ركزنا الحديث على الهوية الإسلامية فسوف نجد أنها مستوفية لكل مقومات الهوية الذاتية المستقلة، بحيث تستغني تماماً عن أي (لقاح) أجنبي عنها. فهي هوية خصبة تنبثق عن عقيدة صحيحة، وأصول ثابتة رصينة، تجمع وتوحد تحت لوائها جميع المنتسبين إليها، وتملك رصيداً تاريخياً عملاقاً لا تملكه أمة من الأمم، وتتكلم لغة عربية واحدة، وتشغل بقعة جغرافية متصلة ومتشابكة وممتدة، وتحيا لهدف واحد؛ هو إعلاء كلمة الله، وتعبيد العباد لربهم، وتحريرهم من عبودية الأنداد. * من خلال كلامنا عن المقومات، يلح علينا أمر يحتاج أن نستفصل عنه لأهميته؛ ألا وهو جوانب تميز الهوية الإسلامية عن سائر الهويات. * د/مصطفى حلمي: عنصر مهم تتميز به هويتنا الإسلامية، هو نظرتها للإنسان باعتبار أن الفرد هو عنصر البناء الأخطر والأهم في أي حضارة. فبينما نجد أن (أرسطو (في منطقه اليوناني يعرفه بأنه: (حيوان ناطق) ، هذا التعريف قد بنيت عليه أكثر النظريات التي تناولت الجوانب الإنسانية، والذي قامت عليه الحضارة اليونانية قديماً والغربية حديثاً. وخلافاً لهؤلاء، نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد وفق في تعريفه للإنسان بأنه: (حي حساس متحرك بالإرادة) ، أثناء معركته لحماية الأمة الإسلامية من الغزو الثقافي اليوناني. وقد وقف اليوم الموقف نفسه علي عزت بيجوفيتش الذي استمد تعريفه للإنسان من عقيدته، لمواجهة الغزو الثقافي المعاصر، الذي عانى منه المسلمون في الغرب أشد المعاناة، في دول البلقان في ظل النظام الشيوعي. يقول بيجوفيتش: (إن الإنسان بصفة أساسية هو عنصر روحي، وليس عنصراً بيولوجياً أو اجتماعياً، ولا يمكن أن يوجد إلا بفعل الخلق الإلهي) ، معترضاً على (دارون) ، و (دي لامارك) ، اللذين اعتبرا الإنسان ليس أكثر من (حيوان ذكيّ) ، وبهذا التعريف نقف على مفرق طريق بين هوية كل من الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: إضافة إلى ما ذكره الأستاذ الدكتور مصطفى جزاه الله خيراً يمكن أن نجمل السمات المميزة لهويتنا في عدة نقاط: ١- فهي في المقام الأول: انتماء للعقيدة يُترجَم إلى مظاهر دالة على الولاء لها، والالتزام بمقتضياتها. والعقيدة الإسلامية التوحيدية هي أهم الثوابت في هوية المسلم وشخصيته. ٢- هذه الهوية.. أشرف وأعلى وأسمى هوية يمكن أن يتصف بها إنسان؛ فقد استجمعت غايات الشرف، فهي انتماء إلى أكمل دين، وأشرف كتاب.. نزل على أشرف رسول.. إلى أشرف أمة.. بأشرف لغة.. بسفارة أشرف الملائكة.. في أشرف بقاع الأرض.. في أشرف شهور السنة ... في أشرف لياليه، وهي ليلة القدر.. بأشرف شريعة وأقوم هدي. ٣- وقد امتدح القرآن الكريم هذه الهوية وأثنى عليها باعتبارات، منها: أنها أحسن قولاً، وأحسن عملاً، وأحسن قضيةً، وأحسن نسبة، قال تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] (فصلت: ٣٣) . وهي الهوية الكاملة المرضية من الله تعالى: [ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ... ] [المائدة: ٣] . وهي صبغة الله، قال : [صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ] [البقرة: ١٣٨] . ومن خصائصها الوسطية في كل شيء كما في قوله: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... ] [البقرة: ١٤٣] . والانتساب إليها انتساب إلى خير أمة، كما قال تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ] [آل عمران: ١١٠] ؛ ولذلك كان بعض المجاهدين الفلسطينيين يواجه (كاهانا) ، ويرد عليه مصححاً مزاعمه: (نحن شعب الله المختار) . إن الهوية الإسلامية انتماء إلى الله وإلى رسول الله لله، وإلى عباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين، من كانوا، ومتى كانوا، وأين كانوا؛ قال تعالى: [إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ] [المائدة: ٥٥، ٥٦] . وقال سبحانه: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ... ] [التوبة: ٧١] . وكل مسلم في صلاته يقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) . يقول الشاعر: ومما زادني شرفاً وفخراً ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبيا ٤- إن الانضواء تحت هذه الهوية والاندماج فيها، ليس اختيارياً ولا مستحباً، ولكنه فرض متعين على كل بني آدم المكلفين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال : [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] [الأعراف: ١٥٨] . وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) [٢] . ولذلك كلّف الله تعالى هذه الأمة، بدعوة جميع البشر إلى الهوية الإسلامية، وهي في هذه الوظيفة المقدسة نائبة عن رسول الله لله. ٥- إنها هوية تستوعب كل مظاهر الشخصية، وتحدد لصاحبها بكل دقة ووضوح، هدفه ووظيفته وغاياته في الحياة: [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ] [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣] . ٦- إنها مصدر العزة والكرامة للمتمسكين بها، كما قال تعالى: [لَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [الأنبياء: ١٠] . وقال تعالى: [ ... وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ] [المنافقون: ٨] . وهذا ما استشعره عمر ﵁ حين قال: (إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العزّ في غيره أذلنا الله) . ٧- وهي هوية متميزة عما عداها: [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] [الكافرون: ٦] ، ... ولكي يبقى هذا التميز ثابتاً في كل حين، أوجب الله علينا أن ندعوه في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة على الأقل أن يهدينا الصراط المستقيم، المغاير بالضرورة لمنهج الآخرين: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أََنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ] [الفاتحة: ٦، ٧] . وقد حسم النبي لله ذلك بقوله: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا) [٣] ، وقد عرف اليهود ذلك، وشعروا أنه لله كان يتحرى أن يخالفهم في كل شؤونهم الخاصة بهم، حتى قال قائلهم: (ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه) [٤] ولهذا قال لله: (من تشبه بقوم فهو منهم) [٥] وقد صح كثير من الأحاديث التي تفصّل هذه المخالفة وتحض عليها، في كثير من أبواب الدين. * أ/جمال سلطان: إضافة بسيطة إلى ما ذكر في هذا الجانب.. وهي أن: من السمات التي تميزت بها الهوية الإسلامية لفظ (الأمة) الذي يطلق على جميع المنضوين تحتها، هذا اللفظ بما يحويه من دلالات وإيحاءات لم تعرفه لغة من لغات الأرض قاطبة سوى لغة هذه الأمة. * مع هذا التميز الذي ترسخه الهوية نجد ظاهرة عكسية داخل المجتمع الواحد؛ هي ظاهرة (الاغتراب) التي تهدد الهوية من الخلف. كيف نفهم هذه الظاهرة في إطار ها الصحيح؟ وماذا عن مخاطرها؟ * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: كلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع، كلما تعمق إحساسه بالانتماء لذلك المجتمع واعتزازه به وانتصاره له. أما إذا تصادمتا فهنا تقع أزمة الاغتراب التي أشار إليها رسول الله لله حين قال: (طوبى للغرباء) ، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: (ناس صالحون في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم) . ولأن الانتماء الوجداني والانتساب إلى (الهوية) ينبع عن إرادة النفس، فهي قابلة له، راضية عنه، معتزة به، فإن هذا الانتماء هو الزمام الذي يملك النفس، ويحدد أهداف صاحب الهوية، ويرتب أولياته في الحياة، فتنصبغ النفس به، وتندمج فيه، وتنتصر له، وتوالي وتعادي فيه، مع رفض الانتساب إلى أي هوية مضادة أو مزاحمة، أي أن هذا التفاعل النفسي ينتج عنه بناء حواجز نفسية بين الشخص وبين من يخالفونه الهوية؛ ومن هنا تنشأ الأزمة. * أ/جمال سلطان: الأقليات غالباً ما تعيش حالة من القلق والنفور، بالنسبة للجماعة؛ لشعورها بالاغتراب، وأنها خارج كيان الجماعة، ولهذا الأمر تداعياته، التي من أخطرها، توجه الأقلية نحو الخارج، وشعورها بالتقارب النفسي مع أعداء الأغلبية، ... والتحالف معهم ضد مصالح الأغلبية، كما فعل الموارنة في لبنان الذين تحالفوا مع الغرب ضد المسلمين، وكما فعل الأرمن الذين تحالفوا مع روسيا ضد المسلمين، ويهود الدونمة في تركيا الذين تحالفوا مع الغرب لإسقاط الخلافة. والخطر الآن يتجسد في أن بعضاً من هذه الأقليات بدأت تنتعش لتعارض المصالح العامة داخل بعض نظم الحكم القائمة. * إشكالية أخرى تواجهنا عند تحديد المفهوم الدقيق للهوية الإسلامية؛ ألا وهي: طبيعة العلاقة بين الهوية الإسلامية وبين الهوية الوطنية أو القومية. هل هي علاقة التعارض أم التكامل؟ * د/جمال عبد الهادي: يمكن تقسيم دوائر الهويات إلى ثلاث دوائر متباينة أحياناً، ومتداخلة أحياناً أخرى، وهي: الانتماء الجغرافي، والانتماء العرقي، والانتماء الديني. والانتماءان الأولان هما المذكوران في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [الحجرات: ١٣] .، والإسلام بهذا أقرّ بهما دون أن يكون لأحدهما استعلاءٌ عنصري، وذلك كله منصهر داخل الرابطة العقدية (رابطة الإسلام) الذي صنع للأمة أسلوب حياتها ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ لذلك فإن من أبرز ما يميز هويتنا أن مرجعياتها لا تفرق بين الأجناس أو الأعراق، وهذا يعكس قوة الوحدة السياسية المبنية على أساس عقدي واحد هو الإسلام. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: الهوية الإسلامية لا تعارض الشعور الفطري بحب الوطن الذي ينتمي إليه المسلم، ولا الحرص على خير هذا الوطن، بل المسلمون الصادقون هم أصدق الناس وطنية؛ لأنهم يريدون لوطنهم سعادة الدنيا والآخرة بتطبيق الإسلام، وتبني عقيدته، وإنقاذ مواطنيهم من النار، وحمايتهم من التبعية لأعدائهم الذين لا يألونهم خبالاً، وقد تجلى هذا المفهوم واضحاً في قصة مؤمن آل فرعون في سورة غافر، ويتجلى في عصرنا في مواقف وجهاد وصمود رموز الدعوة الإسلامية في كافة وطننا الإسلامي. أما الوطن الحقيقي الخالد، الذي لا يبغي أهله عنه حولاً فهو الجنة؛ حيث أقام أبوانا في الابتداء، ونحن في الدنيا منفيون عن هذا الوطن، ساعون في العودة إليه. والمنهج الإسلامي هو الخريطة التي ترسم لنا طريق العودة إلى ذلك الوطن. كما أعرب عن ذلك الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: فحيّ على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المخيّمُ ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلمُ؟ لا كما قال من سفه نفسه: وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي أما في الدنيا.. فأحب الأوطان إلى قلب المؤمن: (مكة المكرمة) ، و (المدينة النبوية) ، و (بيت المقدس) ، وقد بيّن النبي لله أن محبته مكة المكرمة مبنية على أنها (أحب بلاد الله إلى الله) . فمحبتنا لهذه البقاع التي شرفها الله وباركها وأحبها فوق محبتنا لمسقط الرأس، ومحضن الطفولة، ومرتع الشباب. أما ما عدا هذه البلاد المقدسة، فإن الإسلام هو وطننا وأهلنا وعشيرتنا، وحيثما كانت شريعة الإسلام حاكمة وكلمة الله ظاهرة.. فثم وطننا الحبيب الذي نفديه بالنفس والنفيس، ونذود عنه بالدم والولد والمال: ولست أدري سوى الإسلام لي وطناً ... الشام فيه ووادي النيل سيان وحيثما ذكر اسم الله في بلد ... عددت أرجاءه من لب أوطاني أما (الوطنية) بمفهومها المعروف اليوم، المحصور في قطعة أرض رسم حدودها أعداؤنا، أو الارتباط بعرق أو لون أو جنس، فهذا مفهوم دخيل لم يعرفه السلف ولا الخلف، وإنما طرأ علينا ضمن ركام المفاهيم المخربة التي زرعها الاستعمار وأذنابه لمزاحمة الانتماء الإسلامي، وتوهين الهوية المسلمة التي أذابت قوميات الأمم التي فتحتها في قومية واحدة هي: (القومية الإسلامية) ، ودمجتها في أمة التوحيد. ولخطر هذه القضية أسوق شهادة (شاهدين من أهلها: أولهما: المؤرخ اليهودي (برنارد لويس) الذي قال: (كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي، وكيف انتصر النبي وصحبه، وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية لعرب الجاهلية، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى، ولكنها ليست ضد اللات والعزى وبقية آلهة الجاهليين، بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام؛ اسمها: الدولة، والعنصر، والقومية، وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف الأصنام، فإدخال هرطقة القومية العلمانية، أو عبادة الذات الجماعية؛ كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط، ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكراً وإعلاناً..اهـ ويقرر حقيقة ناصعة فيقول: (فالليبرالية، والفاشية، والوطنية، والقومية، والشيوعية، والاشتراكية، كلها أوروبية الأصل مهما أقلمها وعدّلها أتباعها في الشرق الأوسط، والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب المنطقة، وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة، وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هزمت حتى الآن، غير أنها لم تقل بعدُ كلمتها الأخيرة) . أما الشاهد الثاني فهو وزير المستعمرات الإنكليزي (أورمسبي جو) الذي يقول في وثيقة تاريخية: (إننا في السودان ونيجيريا ومصر ودول إسلامية أخرى، شجعنا وكنا على صواب نمو القوميات المحلية، فهي أقل خطراً من الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي) اهـ * يقال: إن أزمة الهوية أزمة عالمية. فإلى أي مدى بلغت؟ .. ومتى بدأت إسلامياً؟ وما هي أجلى مظاهرها؟ * أ/ جمال سلطان: أزمة الهوية أزمة عالمية، ففرنسا مثلاً ترى أن الأمركة خطر داهم يهدد أمنها القومي، والفرنسيون في فزع شديد من هذا الخطر الداهم.. هذا رغم أن كلا الطرفين تشملهما قاعدة التجانس الديني والحضاري والسلوكي والقيمي؛ إلا أن هذا لم يمنع فرنسا من استشعار الخطر من الأمركة. إذن فنحن من باب أوْلى ينبغي أن نكون أشد فزعاً من غيرنا. وبالمناسبة فإن فرنسا من أكثر الدول الغربية خوفاً على هويتها، ومن بين مخاوفها الشديدة الغزو الثقافي الإسلامي؛ لذلك حظرت دخول عدد كبير من الكتب الإسلامية إلى أراضيها، كما حظرت امتلاك الدش في بعض ضواحي باريس ذات الوجود الإسلامي والعربي، لتمنع الجاليات الإسلامية والعربية من استقبال البث العربي، والذي يوجد قدراً من الحاجز النفسي والثقافي الذي يحول دون ذوبان الجاليات في المجتمع هناك، هذا رغم ما وصل إليه الإعلام العربي من إسفاف! وفي أماكن أخرى من العالم يحذر الباحثون من خطر الأزمة التي تعانيها الهوية في بلادهم، كما في الصين واليابان وفي كثير من البلدان الإفريقية. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: لعلنا نذكر الصراع السياسي الذي احتدم في كندا حول مقاطعة (كويبك) بين المتحدثين بالإنكليزية، وبين المتحدثين بالفرنسية الذين يريدون الاستقلال بهذه المقاطعة. ونذكر أيضاً أن فرنسا رفضت التوقيع على الجزء الثقافي من اتفاقية (الجات) ، والذي يضمن للمواد الثقافية الأمريكية، أن تباع بفرنسا بمعدلات اعتبرها الفرنسيون تهديداً صارخاً لهويتهم القومية، وطالبوا بتخفيض هذه المعدلات. ومتى بدأت الأزمة إسلامياً؟ * د/جمال عبد الهادي: في الواقع أن الأمر سار في خط تاريخي، في محاولات لإفساد الهوية الإسلامية، كمدخل لتنحية الأمة عن مركز القيادة. أما محاولات الإفساد فقد بدأت منذ فتنة السبئية منذ عهد عثمان بن عفان ﵁ وكيف أن عبد الله بن سبأ بدأ يدس دسائسه التي تبلورت وتطورت في شكل عقيدة باطنية. أما الانحراف عن الهوية فيمكن توقيت بدايته بترجمة الفلسفة اليونانية على عهد المأمون، وما ترتب على ذلك من ظهور كثير من الفرق كالمعتزلة والجهمية، وفرق من الباطنية كإخوان الصفا، وما ترتب على ذلك من فساد في العقائد، وظهور علمي الكلام والمنطق، حتى أصبحا هما القالب الذي تُقدّم فيه العقائد الإسلامية إلى اليوم. أما بداية الأزمة الفعلية حديثاً.. فقد كانت مع الاحتلال الفرنسي لمصر وحملة نابليون. وقد كان من أسباب هذه الغزوة ما رصده لويس التاسع، عندما وقع أسيراً بدار ابن لقمان، بالمنصورة؛ إذ أدرك بعد التمحيص والتدقيق أن سبب إخفاق الغزو الصليبي للعالم الإسلامي إنما يرجع إلى عدة أمور كان أبرزها: احتفاظ العالم الإسلامي بهويته الإسلامية، وما ترتب على ذلك من وحدته، وإحياء فريضة الجهاد والتصدي للغزو، وتوصل (لويس التاسع) إلى أن الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، لن تنجح إلا إذا واكبها غزوة فكرية تستهدف إفساد العقائد والأخلاق، من خلال إفساد برامج التعليم لإفساد الدين واللغة، والعبث بالتاريخ، وإفساد المرأة لتحطيم بناء المجتمع! * د/مصطفى حلمي: كما ذكر الدكتور جمال جزاه الله خيراً فإن الأزمة بدأت مع دخول نابليون بمدفعه ومطبعته إلى مصر، وتحويلها من مركز بث إسلامي إلى منطقة متفرنجة، وبهذا بدأت عملية من الغزو المنظم المدروس الذي يمهد لإخفاء الهوية تدريجياً، أي أن الهوية أصبحت على خريطة الأهداف. لكن الفرنسيين سرعان ما خرجوا ليكمل الإنجليز الدور، وينجح القس (دنلوب) في قلب ميزان التعليم وإقامته على الفصل بين الدين والحياة، لتتخرج أجيال متغربة من المثقفين بينها وبين هويتها حواجز نفسية! ويشبه ما جرى في مصر، ما فعلته فرنسا في الجزائر، وجاءت أمريكا بعد ذلك لتكمل مسار الأزمة بمنظومتها الخداعة. وإذا اختصرنا فيمكن القول: إن الأزمة الحديثة بدأت بالاستعمار الغربي الحديث للبلاد الإسلامية لا سيما الإنجليزي والفرنسي منه. كانت الأزمة إلى حد الاحتلال الإنجليزي لمصر تعتبر إقليمية، ولكن نقطة التحول أو الانقلاب القوي في خط الهوية تمثلت في إسقاط الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك؛ لأن الخلافة كانت تعبر عن رابطة قائمة على الإسلام تظلل الجميع، وكانوا يحسبون لها كل حساب.. فنجد إنجلترا تتوسل إلى الخليفة العثماني بكل السبل حتى لا يعلن الجهاد عليها في الهند، لذعرها من فكرة الجهاد، وهذه نقطة ينبغي أن تُجَلّى جيداً أمام الأجيال، نظراً لما يجري من تشويه صورة الخلافة العثمانية من خلال التعليم؛ لأن من يعود إلى المراجع الموثقة يرى حجم الزيف الذي يقدم لنا. والأمر العجيب أن اليهود كانوا يدركون قيمة الخلافة العثمانية أكثر منا، فقد قرأت في بروتوكولاتهم عبارة تقول: (الوصول إلى القدس لا بد أن يمر بالقسطنطينية) ! ! وفعلوها.. وكانت ضربة في سويداء القلب! ! . * أ/جمال سلطان: أريد أن أركز في الكلام السابق على بعض التطورات التي لم تسبق بمثلها من قبل: فحملة نابليون جاءت معها بمطبعة! ! وكان أول بيان وزعه نابليون يخاطب فيه المصريين يقول إنه يحترم النبي ﷺ ، وإنه يحب الكعبة، وإنه جاء ليحررهم من ظلم المماليك! كما جاء معه بمجموعة من الساقطين (فنانين رسامين راقصات!) وهذا الأسلوب يعد نمطاً جديداً ظهر به الاستعمار إلى جانب القهر العسكري، لإعادة تشكيل الشخصية المسلمة؛ لأن هذه هي التي تنهي المقاومة من أساسها، ولكن نابليون خاب ظنه وأخفقت حملته. لكن الخط سار في انحدار بمجيء محمد علي، الذي أكمل الدور بإرسال البعثات إلى فرنسا وإيطاليا، ولكن يمكن اعتبار هذا الخط يمثل خطراً على الهوية دون أن يحطمها. ومع دخول الإنجليز بدأ التغريب الحقيقي والعميق؛ حيث استفادوا من التجارب السابقة، ومن خبراتهم الواسعة، وبدأوا يعملون بتخطيط طويل المدى، وليس عملاً أرعن كما فعل الفرنسيون. * د/مصطفى حلمي: أود أن أورد إضافة قصيرة إلى هذا الكلام القيم، وهو أن حملة نابليون جمعت بين هدفين للحملة: استعمار الأرض الذي يمثله المدفع، واستعمار العقل أو بتعبير يناسب موضوعنا: تغييب الهوية أو تدميرها والذي قامت به المطبعة، لإزالة النخوة، ولتسهيل سياسة الأمة وفق ما يريد لها المستعمر. * هل يمكن لنا أن نبرز بعض مظاهر هذه الأزمة التي من خلالها نتبين حجمها؟ * الشيخ/محمد بن إسماعيل: إن نظرةً إلى الحيز الإعلامي الذي شغله موت (أميرة ويلز) في كل أرجاء العالم المنتسب إلى الهوية الإسلامية، وما صاحبه من الطقوس الكنسية التي اقتحمت معظم البيوت، وبين الحيز الذي شغله موت الشيخ محمود محمد شاكر ﵀ في الفترة نفسها، تشرح لنا إلى أى مدى بلغت أزمة الهوية في عصرنا. ومع هذا فإن مظاهر الأزمة متكاثرة، ويمكنك أن تراها في: الشباب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه، وفي سيارته.. وفي الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم.. وفي المسلمين الذي يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية بغير عذر ملجئ ثم يفتخرون (بالفوز) بجنسية البلاد الكافرة.. وفي المذيع المسلم أسير (الحظ الزائل) ، الذي يعمل بوقاً ينفخ فيه (العدو الصائل) ؛ من أعداء دينه وهويته، من أجل حفنة دولارات أو جنيهات! .. وفي الجاسوس والعميل الذي يخون أمته، ويبيع وطنه، ويفشي أسراره.. وفي أستاذ الجامعة الذي يسبّح بحمد الغرب صباح مساء.. وفي مدعي الإسلام الذي يقبل الانتظام في جيوش الدول الكافرة المحاربة لأمة الإسلام.. وفي كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته، فيرى بعيون الآخرين، ويسمع بآذانهم، ويسحق ذاته ليكون جزءاً من أولئك الآخرين، والعجيب أنه يعود مذموماً مخذولاً من هؤلاء جميعاً، فيتحقق فيه قول القائل: باء بالسّخطتين فلا عشيرته رضيت ... عنه ولا أرضى عنه العدا * د/جمال عبد الهادي: الأزمة بلغت إلى حد أن الأمة أصبحت تستورد قيمها من غيرها لتبني حضارتها، ولا شك أن هذه أعظم مخادعة للذات؛ لأنها تبني بيتها على جرف هار! إن من يتصور أن في اتباع قيم الآخرين ومنهاج حياتهم الوجاء والوقاية من بطش أمم شاء الله لها العلو في الأرض زمناً، والإفساد فيها إلى حين لَهُوَ واهمٌ؛ لأن صِدام الحضارات والأديان والثقافات أصبح حقيقة واقعة، ومعلوم من التاريخ والواقع بالضرورة، والله يقول: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ] [البقرة: ١٢٠] . * إذن فإن في اتباع قيمهم إسقاطاً لمقاومة غزوهم لنا. * د/مصطفى حلمي: نعم.. لأننا إذا ما قارنا بين ماضي الأمة وحاضرها في مقاومة الغازي، فسيظهر أثر الهوية في أن الأمة عندما قامت تحت راية التوحيد، نجحت في الحفاظ على كيانها، ويوم أن رفعت شعارات أخرى لا تعبر عنها، ظهر الفشل والعمالة والتآمر. ولنأخذ على سبيل المثال: مصر، فنجد أن الشعب في ثورة ١٩١٩م لم يرفع شعاراً غير الإسلام، لذلك كان الصراع متجسداً في النفوس، على أنه صراع بين الحق والباطل، وكانت القيادة وقتها متمثلة في الأزهر الذي نجح في إجلاء الفرنسيين، ولكن بعد أن بدأت الولاءات القومية والوطنية تزاحم الهوية المسلمة، ظهرت الأزمة في مواجهة المستعمر. وعلى وجه العموم فالناظر في تاريخ مصر، أو المغرب، أو الجزائر، أو الهند يرى كيف تدهور الحال على يد العسكر في ظل القوميات المختلفة، بعدما انسلخت الأمة من دينها تحت مظلة القومية، ومن هنا نجح المستعمر في زرع (إسرائيل) التي ترفع شعارها العقدي، وتحاربنا من منطلق دينها، بينما يُتهم من يستحضر البعد الديني في الصراع بالرجعية، ويُحجر على من يرفع راية الإسلام! * الشيخ /محمد بن إسماعيل: الأزمة بلغت إلى حد أن يضغط علينا قتلة الأنبياء ومحرفو الكلم عن مواضعه، أن نفعل مثلهم، ونمارس هواية (التحريف) التي طالما تلطخوا بها، فقد كان من محاور اتفاقية (كامب ديفيد) : (ضرورة إزالة المفاهيم السلبية تجاه إسرائيل في الإسلام) . في تاريخ ١٩/٢/١٩٨٠ عقدت ندوة في جامعة (تل أبيب) حول (دعم علاقة السلام بين مصر و (إسرائيل (أثار اليهود فيها موضوع ما ورد في القرآن من اتهامات ضد اليهود، وتناقلت هذا مطبوعات أخرى بمصر، فقام د. مصطفى خليل ليطمئن اليهود بقوله: (إننا في مصر، نفرق بين الدين والقومية، ولا نقبل أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة على معتقداتنا الدينية) فرد عليه (ديفيد فيثال) قائلاً: (إنكم أيها المصريون أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة، ولكننا في إسرائيل نرفض أن نقول: إن اليهودية مجرد دين فقط) . لذلك نجد مواقف اليهود كلها صادرة عن هويتهم أو قل عن دينهم، ومن أعظم الشواهد على ذلك؛ أنه عندما أراد العدو الصهيوني إقامة سفارة له في القاهرة، أصر على أن يكون موقعها على الجهة الغربية من النيل احتراماً لعقيدتهم في: أن حدود إسرائيل الكبرى تنتهي عند الجهة الشرقية منه. وهو ما يعبر عنه علم دولتهم الذي يحوي خطين أزرقين يرمزان للنيل والفرات، بينهما منطقة السيادة عليها نجمة داود.

стр. 2831

المسلمون والعالم الحرب الأرترية الإثيوبية من أين وإلى أين؟ د.جلال الدين صالح على نحو لم يكن في الحسبان عند كثير من المهتمين بشؤون القرن الأفريقي تفجرت حرب شاملة وساحقة بين حليفي الولايات المتحدة (إرتريا وإثيوبيا) بسبب خلافات حدودية ألجأت إثيوبيا إلى اتهام إرتريا باختراق معالم حدودها، والتوسع داخل أراضيها، وطالبتها بالانسحاب الفوري دون شرط مسبق وهو الأمر الذي رفضته إرتريا معيدة التهمة ذاتها إلى إثيوبيا، ومؤكدة بأن خرائط الحدود المرسومة والموروثة عن المستعمر الإيطالي تفند الادعاء الإثيوبي، وتدعم حق الإرتريين بالأرض المتنازع عليها، ولم تمض أيام على بروز هذا الخلاف حتى فوجئ العالم بالاقتتال الدائر بين الدولتين الحليفتين في وقت كانتا تعملان فيه جنباً إلى جنب وبدعم من أمريكا وتحريض منها على تصعيد الأزمة السودانية وتعقيدها من خلال دعم المعارضة المتمركزة في كل من بلديهما، وانطلاقا من هذا الهدف ورد اسماهما ضمن زعماء الدول الأفريقية التي حظيت بلقاء كلينتون في (عنتيبي بأوغندا) في جولته الأفريقية التي شملت غانا، والسنغال. وبدا الرئيس الإرتري (إسياس أفورقي) أكثر حماساً واندفاعاً من نظيره الإثيوبي للعب دور إقليمي أكثر انسجاماً مع رغبات أمريكا؛ فماذا وراء هذه الحرب؟ وهل هي حقاً حصاد خلاف حدودي أم أنها مجرد أعراض ظاهرية لأدواء أدق وأعمق تلاحقت حتى تفاقمت واشتعلت؟ للإجابة على هذه الاستفسارات لا بد أولاً من إلقاء الضوء على سير العلاقات بين النظامين من قبل وصول كل منهما إلى عاصمة بلده إثر سقوط النظام الماركسي عام ١٩٩٢م في إثيوبيا بعد أن أخفق في حل المشكلة الإرترية التي كان من مضاعفاتها تصاعد النضال الثوري واندلاع ثورات عديدة منها (الجبهة الشعبية لتحرير تقراي) التي أنشئت في ١٨ فبراير ١٩٧٥م بزعامة ملس زناوي وآخر من أبناء تقراي الإقليم الإثيوبي المجاور وإرتريا شمالاً والواقع بين فكي الحرب القائمة. بداية العلاقة: وقد بدأت الصلات تتوثق بين جبهة (ملس زناوي) وجبهة (إسياس أفورقي) الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا في الأدغال، وقمم الجبال وتوالت خطاها وتطورت إلى حد بناء تحالف قوي يحشد كل طاقاته العسكرية ليس لإسقاط (منجستو) وانتزاع الحكم منه وإنما أيضاً لتصفية كل الخصوم المحليين من المنظمات الثورية الوطنية التي يرى فيها كل منهما الخطر على مستقبله السياسي، وبموجب ذلك أعلنَا معاً حرباً على (جبهة تحرير إرتريا) أكبر تنظيم منافس لـ (إسياس أفورقي) وأول من فجر الكفاح المسلح عام ١٩٦١م بدعم من المسلمين، وتمكنَا من إجلائه إلى الحدود السودانية عام ١٩٨١م وتشتيت قيادته اليسارية (تجمع حزب العمل الماركسي) والانفراد معاً بالهيمنة الكاملة على الساحة العسكرية والذي أدى بدوره إلى استقرار التقراويين على (بادي وشرورا) وهي مناطق النزاع المتقاتل عليها ليقوموا بحماية ظهر حليفهم (إسياس أفورقي) من أي هجوم مضاد قد يشنه عليه خصومه الإرتريون، كما أن إسياس، لم يبرم معهم ما يؤكد لهم أنهم مجرد ضيوف على هذه الأرض، وأنها إرترية بحتة، وبقاؤهم فيها مرهون بأسبابه ومقتضياته مما جعلهم ينظرون إليها كجزء من مناطقهم، ويعمقون فيها وجودهم؛ حتى زحف الحليفان معاً كل باتجاه حاضرة بلده ليتربع على الحكم بمباركة من أمريكا حاملاً معه تطلعاته السياسية واتفاقاته السرية سواء مع الأمريكان أو الطرف الآخر ليقلب صفحة جديدة على ضوء تعاليم لقاء لندن الذي تم عام ١٩٩٢م برعاية هيرمان كوهين مسؤول دائرة القرن الأفريقي في وزارة الخارجية الأمريكية وقتها، ولا أحد من الشعب الإرتري والإثيوبي يعرف عن هذه الاتفاقيات السرية سوى (ملس وأسياس) والأقربين إليهما، وكل ما يردد حولها ما هو إلا مجرد تكهنات واستنتاجات جعلت بعض الإرتريين يعتقد أنها خطوط ترسم ملامح دولة (أكوم الكبرى) المكونة من إقليم تقراي و (إرتريا) ومما عزز هذا الاستنتاج والتخوف منه عند المسلمين الإرتريين بالذات ذلك التصريح الذي أدلى به (أسياس أفورقي) ونشرته جريدة الحياة في ٢٥/٤/١٩٩٢م والذي قال فيه: (إن حكومته تسعى مع الحكومة الانتقالية في أديس أبابا إلى اندماج تتوحد فيه السياسة الاقتصادية والتجارية والنظام المالي بين البلدين مؤكداً (أن الكونفدرالية مع إثيوبيا أحد الصيغ المطروحة للاندماج مع هذا البلد) وقائلاً: (لماذا نستبعد الكونفدرالية إذا كانت لمصلحة البلدين ونفذت استناداً إلى رغبه شعبيهما من خلال المؤسسات الديمقراطية) وحيث إن هذه الكونفدرالية لم تكن مطروحة من قِبَلِ الشعب الإرتري أبداً فليس لها من دون الأمريكان طارح، وقد ظل هنا التخوف عند غالب المسلمين الإرتريين يمثل أحد أهم معايير التحليل السياسي لتطورات الأحداث التي لعب النظامان دوراً أساسياً في تأجيجها لا سيما النزاع مع السودان بصفة خاصة، الذي من المتوقع أن يخف سلطانه عليهم الآن بعد اندلاع هذه الحرب؛ ليس لأنه كان مجرد هاجس متوهم كشف واقع الحرب بين الحليفين زيفه وإنما لترديه وسقوطه قبل الوصول إلى المآرب والغايات، وأياً كان الأمر فإن الرئيس الإرتري ظل يشيد بعلاقة بلاده مع إثيوبيا ويقدمها للشعب الإرتري والعالم كأروع مثل يحتذى به في التعبير عن القيم الإنسانية والترفع على أحقاد حرب الثلاثين عاماً بعد أن وقع معها معاهدات أمنية واقتصادية واصفآً لها كما جاء في مجلة (الأمانة) لسان حزبه الحاكم عدد يونيو ١٩٩٦م بقوله: (المعاهدات الإرترية الإثيوبية هي من أجل الاستقرار والفائدة المعنوية للتعاون العسكري المشترك للبلدين، وليست لها أية مطامع، أو برامج خفية) وعلى نقيض من هذه النظرة يرى كثير من المحللين السياسيين في المنطقة أن هذه المعاهدات الأمنية والعسكرية كان المقصود منها بالدرجة الأولى على الصعيد المحلي تقوية نفوذ قومية التجرنية وتكريس سلطانها في كل من إثيوبيا مقابل الأرموا أكبر القوميات الأثيوبية، والأمهرا، وفي إرتريا مقابل المسلمين باعتبار انحدار الرئيسين المتحالفين منها، وباعتبارها ذات عدد قليل يوحدها اللغة والثقافة والمعتقد الديني وتبقى دون حد التأثير في صياغة وجهة البلدين من دون تحالف شطريها في كل من إثيوبيا وإرتريا. أما على الصعيد الأقليمي فكان مقابل السودان، والصومال، وجيبوتي، واليمن، وسائر البلدان العربية المطلة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ ومما يقوي هذه الرؤيا أن الرئيس الإرتري في الوقت الذي ضيق فيه الخناق على المسلمين وثقافتهم داخلياً اندفع بشره وحماس منقطع النظير إلى التصادم مع اليمن والسودان، والتحرش بهما على وجه جعل منه لغزاً محيراً في المنطقة تتضارب فيه وجهات نظر المحللين حتى خسر كل جيرانه بما فيهم إثيوبيا التي يخوض اليوم حرباً عسكرية ضدها من بعد أن شتم مصر بالتسول على الأسواق الأمريكية، واتهم جيبوتي بتلقي الرشاوي من اليمنيين وطعن الخاصرة من الخلف متوعداً إياها على ما كسبت يمينها من جرم الخيانة والغدر حيث قال بالحرف الواحد في مجلة الأمانه العدد المذكور نفسه: (لم يكن يجب على حكومة جيبوتي أن تدخل في مثل هذا الوحل.. إن ذلك جرم.. إنه جرم بيّن وضار بمساعي بناء علاقة جوار حسنة. إن استغلال انشغال إرتريا بالنزاع مع اليمن، ومحاولة إثارة نزاع مفتعل بهدف تحقيق مكاسب في (زحمة المولد) مسألة غير سهلة، وقد لا يكون الجيبوتيون قد أدركوا ألم الطعنة الغادرة التي أصابونا بها، وقد يأتون بمختلف المسوغات والأعذار، ولكننا لن نترك هذه المسألة تمر مرور الكرام، ولن نتهاون في التعامل معها، وستجد الحل في وقتها المناسب) أي الاقتصاص منها فهو أمر مفروغ منه وكل ما في الأمر أن الوقت لم يحن بعد. كذلك فإن (ملس زناوي) زحف بدباباته إلى الصومال للعبث فيه وضرب أوكار ما أسماه بالأصولية مدعوماً بقوات إرترية. من التحالف إلى التقاتل: ولكن ها هي رياح الأحداث تهب من حيث لا تشتهي السفن، وتأتي على عكس المراد لتعصف بالحلف الثنائي القومي ولترجمه بغارات جوية وهجمات أرضية تستخدم فيها شتى أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة بعد قرار برلماني من الحكومة الإثيوبية ينذر الإرتريين بأمرين أحلاهما مر: الانسحاب، أو الحرب، دون جدوى كل الوساطات التي قادتها أمريكا، ورواندا ورئيس منظمة (إيقاد) (حسن جوليد) رئيس جيبوتي، ولم يجد رئيس الوزراء الإثيوبي (ملس زناوي) في نفسه حرجاً من أن يتهم حليفه (أسياس أفورقي) بحمل أفكار توسعية والتطلع إلى دور يجعل منه إمبراطور القرن الأفريقي، وهو الأمر الذي نفاه (أفورقي) في المقابلة الهاتفية التي أجراها معه تلفزيون الـ ... مساء الأحد ٧/٦/١٩٩٨م كما أن سكرتير حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكم في إرتريا، الأمين محمد سعيد نعت قيادات التغراي الحاكمة في أديس أبابا والتي تحالف معها بالأمس لتضرب قوى إرترية منافسة في مقابلة له نشرتها الشرق الأوسط في ٢/٦/١٩٩٨م بأنها (لم تستطع حتى الآن أن تتخلص من أطماع بعض إقطاعيي مقاطعة (تقراي) الذين كانوا ينادون ومنذ القرن الثامن عشر بالاستيلاء على أراضي وجزر، وبحر إرتريا) وهذه الاتهامات المتبادلة بين الحليفين المتقاتلين من الممكن أن تكون وليدة الإحساس بخيبة الأمل بسبب سعي كل طرف منهما للفوز بأكبر قدر ممكن من النفوذ والهيمنة، وفرض السيادة على الآخر مما نمى بينهما روح التنافر والتباعد بعد التآلف والتحالف، ويظهر أن إفرازات هذه الخيبة ظلت تتراكم وتتكدس منذ أمدٍ بعيد حتى طفت على السطح بوجهها الدموي؛ إذ هجر الإثيوبيون ميناء عصب الإرتري، وآثروا استخدام ميناء جيبوتي عوضاً عنه، وحجروا التعامل مع العملة الإرترية (تقفه) في أسواقهم المحلية، وطالبوا بتسديد كل الفواتير بالعملة الصعبة مما أرهق كاهل التاجر الإرتري الذي يستورد بعضاً من بضائعه من أديس أبابا بالعملة الإثيوبية (بر) وهذا بدوره انعكس على الحالة المعيشية للمواطن الإرتري؛ فقد ارتفعت الأسعار، واختفى من الأسواق (الطافُ) أفضل مأكول زراعي عند سكان الهضبة الإرترية الذي يستجلب من إثيوبيا، ويشبه (الدخن) في حجمه. وتوحي التعزيزات العسكرية وإعلان التعبئة العامة من الجانبين بطول أمد الحرب؛ فالرئيس الإرتري (إسياس أفورقي) عندما سئل في مقابلة الـ ... تلك عما ينبغي اتخاذه من قبله لإيقاف الحرب بأن هذا من مسؤولية النظام الإثيوبي الذي أعلنها بقرار برلماني، وكذلك فإن كلاً من الرئيسين تغيب عن مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية الذي انعقد في (واغا دوغو (ببوركينا فاسو، وهذا التغيب يكشف عزم كل منهما على عدم ملاقاة الآخر والتباحث معه وجهاً لوجه بالرغم من تصريحاتهما الداعية إلى الحل السلمي عبر طرف ثالث، وتؤكد إثيوبيا ثقتها في قدرتها العسكرية على حسم الصراع لصالحها، ولا يشك المحللون العسكريون أيضاً في تفوق إثيوبيا العسكري جواً وبراً من حيث أفراد القوات المسلحة بالإضافة إلى التعداد السكاني، إلا أنهم من جانب آخر لا يهمشون ما أحرزته القوات الإرترية من خبرة قتالية عالية اكتسبتها من حرب التحرير الطويلة التي دامت ثلاثين عاماً إلى جانب الترسانة العسكرية التي ورثتها عن نظام منجستو أقوى جيش في القرن الأفريقي وقتها. وفي نظري إذا كان هناك مخاوف تقلل من فرص انتصار الجيش الأرتري وتفوقه، وتجعل ذلك أمراً مشكوكاً فيه فإنها قد تكمن في الاعتقالات التي طالت بعض قيادات الجيش وزجت بهم في السجون لما أبدوه من مواقف رأى فيها (أسياس أفورقي) نوعاً من التطاول على مقامه. وفي احتكار (أسياس) لصناعة القرار وتفرده به فإن القرار الإرتري لا يسلك المسالك ذاتها التي ينبثق منها القرار الإثيوبي من برلمان وغيره، وإنما هي إرادة (إسياس) تعلو ولا يعلى عليها، وإن نوقشت فعلى خوف واستحياء، وكل هذا لا محالة أن من شأنه أن يصيب التلاحم الداخلي بشيء من الوهن، ويغذي روح التذمر، وما يقال من أن الإرتريين ما زالوا مفعمين بتعاظم الثقة القتالية في أنفسهم، والاعتزاز بكيانهم الوطني الناشئ بالرغم من كونه صحيحاً، إلا أنه يجب أن لا يحملنا على تجاهل هذا العنصر ذاته في الإثيوبيين أنفسهم؛ ولا سيما أن نخبة التقراي الحاكمة لا بد أن تثبت ولاءها للوطن وتبرئ ذمتها مما رميت به، من ضعف واهتزاز الشخصية أمام شخصية الرئيس الارتري (أسياس أفورقي) والتواطؤ معه على تمزيق إثيوبيا وتقطيع وحدتها، وفي سبيل كسب التأييد الإقليمي نشطت دبلوماسية كل من البلدين في التحرك الخارجي بشرح وجهة نظر بلادها؛ ولهذا الغرض أوفد الرئيس الإرتري وفداً عالي المستوى إلى الدول العربية يقوده الرجل الثاني في الدولة (محمود شريفو (لكن ما يثير الغرابة إن كان في الأمر ثمة غرابة أن سفير إرتريا بكينيا صرح خلال جولة الوفد الإرتري في العواصم العربية حسبما نشرت جريدة القدس في ٢/٦/١٩٩٨م أن إرتريا قادرة على إلحاق الهزيمة بالجيش الإثيوبي مهما كان تسليحه وكثرته؛ فقد انهزم العرب على كثرتهم أمام إسرائيل بقلة عددها، والجدير بالذكر أن دبلوماسياً غربياً أفاد كما نشرت ذلك الحياة في ١٢/٦/١٩٩٨م بأن (الذين التقوا الرئيس الإرتري أخيرآً شعروا بأنه لا يخفي بأن لديه القدرات على بناء مشروع (إسرائيل ثانية) في القرن الأفريقي) . ومهما كانت طموحات النظام الإرتري فإن مثل هذه التصريحات بالتأكيد لا تتورط فيها الدبلوماسية الحكيمة في هذا الظرف مهما كان اغترارها بإسرائيل كبيراً، وازدراؤها العرب شديداً، ولكن هذه هي العقلية الحاكمة في إرتريا التي لا تتردد في انتهاز كل سانحة للتعبير عن اعتزازها بالدولة العبرية وجعلها مثال الصمود والتحدي، والتقليل من شأن العرب، وجعلهم مضرب المثل في الفرار والانهزام حتى في أشد أوقاتها احتياجاً إلى عونهم السياسي والمالي. الموقف الأوروبي والأمريكي: أما الموقف الأوروبي والأمريكي من هذا النزاع فلم تتحدد معالمه حتى الآن بشكل جلي وقاطع؛ وكل ما هو بادٍ لم يتجاوز نطاق البيانات الداعية إلى ضبط النفس، وقد أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً ندد فيه بالحرب، وعقب المهلة المحددة من الإثيوبيين لاستئناف القصف الجوي سارعت الدول الأوروبية التي لها رعايا في إرتريا إلى إجلاء رعاياها ونقلهم إلى أوطانهم، وهذا الموقف البارد كما يبدو لي مثار كثير من التساؤل؛ فإن الأمريكان بنفوذهم القوي على النظامين يملكون قدرة الضغط عليهما معاً، أو إرغام أحدهما على الانقياد لتعليمات البيت الأبيض، ولكن المعلن من الدور الأمريكي اقتصر على المكالمات الهاتفية التي أجراها كلينتون مع زعامة البلدين، وعلى المساعي التي قامت بها (سوزان رايس) مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، وأخيراً الوفد المصغر الذي شارك فيه (ديفد دان) المسؤول عن أفريقيا في وزارة الخارجية الأمريكية، و (روبرت هوديك) عضو مجلس الأمن القومي. وقال الرئيس الإرتري معلقاً على المبادرة الأمريكية كما نشرت الحياة في ١٢/٦/١٩٩٨م: (إن الأمريكيين يؤمنون بالترتيبات السريعة، إن هذا الأمر لا يصلح، إنها ليست ثقافتنا) . ويرى البعض في هذا النزاع إخفاق السياسة الأمريكية في المنطقة وعجزها عن قراءة نقاط الضعف في علاقة النظامين اللذين جعلت منهما حليفاً مشاغباً للضغط على السودان، وتنفيذ سياساتها في منطقة القرن الأفريقي، بينما لا يستبعد آخرون من أن يكون كل ذلك من صنع أمريكا ذاتها حتى توجِد لنفسها مسوغاً للتدخل العسكري بحجة الفصل بين الدولتين وإيقاف الاقتتال بينهما. وتذكر بعض التحليلات أن رئيس الوزراء الإثيوبي (ملس زناوي) فاجأ الأمريكان بموقف صلب لم يكن متوقعاً منه في تحليلهم، وإذا كان هذا صحيحاً فإنه يعني أن النظرة الأمريكية المقارنة بين قوة شخصية كل من (ملس) و (إسياس) كانت قد وضعت (أفورقي) في مرتبة متقدمة على (زناوي) وقد تكون هذه النظرة نابعة من إملاءات اللوبي الصهيوني الذي كسب (إسياس) وجعل منه مدخل ولاء إلى المؤسسات الأمريكية مستغلاً فقدان (إثيوبيا) نفوذها على البحر الأحمر باستقلال إرتريا وهو نفوذ يحسب له اليهود حسابه المعتبر، ويمنحونه الصدارة في وضع استراتيجياتهم العسكرية، والأمنية، والاقتصادية، فهل هذا يعني انحيازاً أمريكياً نحو إرتريا؟ ذلك ما يرجحه بعض المحللين بحجة أن (دولة صغيرة وفقيرة مثل إرتريا يكفيها إنذار أمريكي بسحب قواتها وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل١٢ أيار (مايو) والدخول في مفاوضات مع إثيوبيا وهو ما لم يحدث) [١] وهذا التحليل مهما كان منطوياً على شيء من الحقيقة فإن الأمر في نظري أعمق منه بكثير، ولا أتصور جنوح الأمريكان إلى إرتريا وترجيح كفتها على إثيوبيا بهذه السهولة لاعتبارات كثيرة أهمها مكانة إثيوبيا النصرانية في تصور الغرب بصفة عامة، ونظرتهم إليها منذ اتصالهم بالعالم الإسلامي كجزيرة نصرانية مطوقة بطوق إسلامي. وإضعافها في صراعها مع إرتريا يعني أحد أمرين: أولاً: تقوية إرتريا التي ينظر إليها الغرب كدولة في الأصل ذات انتماء إسلامي وتطلع عربي وإن كان رئيسها نصرانياً. ثانياً: إن انهزام إثيوبيا، وكسر شوكتها سوف يحفز سكانها المسلمين من الأرومو ذات الأغلبية البشرية، والقالا، والصوماليين على العصيان والخروج مما يؤدي إلى انهيارها الشامل على النمط الذي انهار به الصومال؛ وهو ما لا يرضاه لها الغرب؛ ومن هنا فإني أعتقد أنه إذا كان للغرب موقف ترجيح فإنه إلى إثيوبيا أقرب منه إلى إرتريا؛ ويمكن أن نستشف هذا من التصريح الذي أدلى به مصدر دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى في حفل أقامه على شرف المراسلين الغربيين والأجانب في مبنى السفارة الأمريكية في إثيوبيا ونشرته الحياة في ١٢/٦/١٩٩٨م حيث حمّل ذلك المصدر إرتريا عرقلة الجهود الأمريكية، قائلاً: إن أسمرة أعطت موافقتها على الاقتراحات الأمريكية في بداية حزيران يونيو الجاري ثم غيرت موقفها منها. وتحدث هذا الدبلوماسي طبقاً لإفادة الحياة عن صعوبة التعاون مع الجانب الإرتري في التعامل مع الاقتراحات الأمريكية، وأوضح أن (ما يتم الاتفاق عليه في الجولة الأولى يتم نسفه في الجولة الثانية) بينما وصف الموقف الإثيوبي بأنه متعاون ومتفهم للاقتراحات الأمريكية وأكد (أن إثيوبيا نفذت ما تم الاتفاق عليه مع واشنطن) . أثر الحرب على الدولتين وخصومهما: وكشأن كل الصراعات الدموية لا بد أن تترك هذه الحرب من ورائها جراحات عميقة وتنبش خصومات دفينة، إلى جانب ما تجلبه من إهلاك البنية التحتية وتدمير المنشآت الاقتصادية والعمرانية؛ وإرتريا الدولة الحديثة الناشئة أشد حاجة من غيرها إلى السلم والاستقرار لبناء هياكلها وتأسيس ذاتها ولا سيما بعد تلك المرارة التي ذاقتها خلال حرب التحرير، وخلفت من الآثار ما يجعلها سباقة إلى المسالمة لا المصادمة، ولكن ها هي كل يوم في شقاق مع جيرانها: اصطدمت مع السودان، ثم فتحت جبهة مع اليمن وأخيراً مع إثيوبيا، وفي كل ذلك تبدو الدولة المظلومة المعتدى عليها، وأياً كان الأمر فإنها المتضرر الخاسر، ويكفي أن الإنذار الإثيوبي بإجلاء الرعايا الأجانب من العاصمة أسمرة خلال ثلاث عشرة ساعة قد أحرجها سياسياً، وفرض عليها حصاراً شاملاً في حيث أنها ليست من القوة في المستوى الذي يؤهلها لتوجيه الإنذار نفسه إلى العاصمة الإثيوبية (أديس أبابا) بالرغم من تهديدات (إسياس) . أما إثيوبيا فإذا ما خسرت الحرب فإن وحدتها ستعلق على حافة الخطر، أو على الأقل ستفقد نخبة (التقراي) الحاكمة سلطانها، وتتحمل كل ما ستتعرض له إثيوبيا من عواقب ضارة، وستكون عرضة للنقد والإدانة من سائر الاتجاهات السياسية الإثيوبية لا سيما (الأمهرا) الذين يضمرون لها الكراهية الحادة، ويحملونها كل أوزار انفصال إرتريا، وظهورها كدولة مستقلة. وعلى كل فإن ضعف كل من النظامين وسقوطه هو ضعف الآخر وسقوطه؛ لكون كل منهما مرهوناً بالآخر، ومعتمداً عليه في حماية نفسه. من جهة أخرى وعلى الصعيد الإقليمي جاءت الحرب في وقت يعاني فيه السودان والصومال من تدخلات دول الجوار الثلاث: إرتريا، إثيوبيا، أوغندا؛ واندلاعها يعني بالنسبة لهما (إحراز كسب من غير فأس) فقد سحب الإرتريون قواتهم التي كانت ترابط على الحدود الشرقية السودانية، ونقلوا معظمها إن لم يكن كلها إلى جبهة (التقراي) حيث النزاع المسلح، علاوة على أن السلاح الأمريكي الذي زودت به الولايات المتحدة حلفاءها المتحاربين لدعم المعارضة السودانية وقلب نظام الخرطوم وجه وبكل ضراوة إلى تدمير قدرات الحليفين العسكرية والاقتصادية، وهكذا بالنسبة للصومال الممزقة الذي استثمرت فيه إثيوبيا أوضاعه المتردية ... لصالح سياساتها الإقليمية، بعد أن أسكتت المعارضة الأرمية في الداخل، وشلت ذراعها العسكرية بضربات موجعة وقوية مستعينة بقوات إرترية، حيث اضطرت هي أيضاً إلى نقل قواتها المرابطة فيه إلى حدودها الساخنه مع إرتريا ضمن الحشود التي يقوم بها كل من الطرفين. وبالقدر الذي تمثله هذه الحرب من مكسب أمني للحكومة السودانية ترى فيها المعارضة طالعاً سيئاً جاء ليعصف بكل الآمال التي ظلت تعلقها على تحالف النظامين الإرتري والإثيوبي ضد السودان، وستحرمها من اهتمامها بها بشكل كامل وكاف. وإذا كان هذا هو الشعور المتوقع من المعارضة السودانية فعلى النقيض منه شعور المعارضة الإرترية التي ظلت تستبعد حدوث هذا الفصام، بل وتذهب بعلاقة البلدين إلى حد بناء الدولة المتحدة ذات الثقل السياسي والاقتصادي في المنطقة، ولا أعتقد أنها على قدر من البناء العسكري الذي يمكنها من استغلال هذا الحدث على الوجه الذي يقوي ظهرها، ويجعل منها رقماً صعب التجاوز على المدى القريب أو البعيد.

стр. 2832

المسلمون والعالم حزب المؤتمر إلى أين يقود اليمن ؟ أيمن بن سعيد بعد انتخابات إبريل ١٩٩٧م تفرد حزب المؤتمر الشعبي العام في قيادته لليمن؛ وفي هذه المقالة سنحاول التأمل في مسيرة هذا الحزب، وذكر أبرز توجهاته الداخلية والخارجية في قيادة البلد. وحتى يتضح لقارئنا الأمر فلا بد من ذكر نبذة عن تاريخ المؤتمر منذ قيامه إلى اليوم. يمكن تقسيم المراحل التي مر بها حزب المؤتمر إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى: منذ تأسيسه عام ١٩٨٢م في ما كان يعرف باليمن الشمالي وكان مظلة سياسية تضم كافة القوى الاجتماعية والسياسية إلى قيام الوحدة عام ١٩٩٠م. ولقد كان للإسلاميين داخل المؤتمر حضور قوي منذ التأسيس نتيجة خروجهم منتصرين في المعركة ضد الحزب الاشتراكي حاكم ما كان يعرف باليمن الجنوبي. ولذا كان لعلماء اليمن ودعاته فعالية واضحة في صياغة مشروع الميثاق الوطني، وهو النظام الأساس للمؤتمر الشعبي العام؛ حيث ألغي الدستور الاشتراكي العلماني. المرحلة الثانية: منذ قيام الوحدة إلى نهاية حرب عام ١٩٩٠م وقد شهدت هذه المرحلة التي أبيحت فيها التعددية الحزبية دستورياً خروج عامة الإسلاميين وكثير من العلمانيين من مظلة المؤتمر، وأنشؤوا أحزاباً كثيرة، ولم يبق في المؤتمر إلا متنفذو العلمانيين في السلطة، وقلة من ذوي الصلات القوية بقيادة المؤتمر من الإسلاميين. وقد شهدت هذه المرحلة معركة الدستور الشهيرة بين الإسلاميين من جهة، وبين حزبي المؤتمر والاشتراكي من جهة أخرى، ولقد أدار الإسلاميون المعركة باقتدار، واستطاعوا أن يعطوا الصراع بعداً عقدياً لدى عامة الشعب، وكان شعارهم المرفوع: (نعم للوحدة، لا للدستور) واقياً لهم بتوفيق الله من إلصاق تهمة عداء الوحدة والعمالة لجهات أخرى، التي سعى لها حزبا المؤتمر والاشتراكي ومناصروهم من الأحزاب العلمانية والبدعية كثيراً. المرحلة الثالثة: منذ هزيمة الحزب الاشتراكي في حرب ١٩٩٤م على يد تحالف الإسلاميين والمؤتمر وخروجه من الحكم، وهروب الصف الأول من قياداته خارج البلد، إلى انتهاء انتخابات عام١٩٩٧م. وفي بداية هذه المرحلة لم يكن بوسع قيادة المؤتمر وعلمانييه أن يقلبوا ظهر المجنّ بصورة مباشرة وعلنية للإسلاميين من الناحية الأدبية أمام الشعب؛ إذ هم شركاء فاعلون في صناعة النصر، ومن الناحية الواقعية؛ إذ إن كثيراً من الإسلاميين ما يزالون يشعرون بنشوة النصر، ولديهم الاستعداد لمجابهة من يحاربهم عموماً، فكيف إذا كان ينازعهم في قضيتهم الإسلامية التي هي أهم قضاياهم؟ ولكن ويا للأسف فإن فرح الإسلاميين بسقوط الاشتراكي ألهى بعضهم عن استشراف المستقبل ووضع الخطط والسياسات اللازمة لذلك، كما ألهى بعضهم عن تحقيق المزيد من المكتسبات الإسلامية الجديدة التي كان بإمكانهم تحقيقها في ذلك الوقت مثل: طرح مشروعات إسلامية كبيرة وتدعيمها، وتعميق التوجه الإسلامي القوي لدى العامة بالتعليم والتربية الشرعية، وإزالة ما يستطاع من منكرات شرعية، والسعي إلى إزالة رموز التوجه العلماني من مواقع التأثير والنفوذ، والعمل على إلغاء القوانين المتخذة سابقاً، والمعادية للتوجه الإسلامي في اليمن مثل قانون إلغاء المعاهد العلمية مع وقف السريان من الرئيس اليمني. وقد أخذ المؤتمر في هذه المرحلة يرص الصفوف ويعيد هيكلة الحزب ليستفيد من كافة قيادات الحزب الاشتراكي وعناصره التي تسابقت إليه، وقيادات الأحزاب الأخرى وعناصرها المحسوبة عليه. وعليه فقد صار حزب المؤتمر في هذه المرحلة قبلة جمهور العلمانيين وسائر النفعيين، والذين لم يعد لهم عدو يواجه أطروحاتهم ويهدد نفوذهم ومصالحهم إلا الإسلاميون؛ ولذا فقد أخذت عمليات تشويه الإسلاميين وإلصاق النقائص بهم تتزايد، وأخذوا يعدون العدة للانتخابات منذ فترة مبكرة فقاموا بتجنيد كافة قوى الدولة البشرية والمادية والإعلامية وإمكاناتها لتحقيق ثلاثة أمور: الأول: الحصول على أغلبية مريحة في مجلس النواب تجاوز الثلثين. الثاني: عدم تجاوز الإسلاميين نسبتهم في مجلس النواب السابق، أي ٢٠% تقريباً. الثالث: الحيلولة دون فوز بعض الشخصيات الإسلامية والدعوية غير المرغوب استمرارها في مجلس النواب، وقد تحقق لهم ما أرادوا. المرحلة الرابعة: منذ انتهاء انتخابات إبريل ١٩٩٧م إلى اليوم. وهذه المرحلة هي التي خرج فيها الإسلاميون من السلطة مع أنه كانت توضع العراقيل تلو العراقيل للحيلولة دون نجاح وزراء حزب الإصلاح في أداء مهامهم. وبخروج حزب الإصلاح من السلطة بمباركة خارجية انفردت قيادة حزب المؤتمر وعلمانيوه بإدارة البلد، ودخلوا في مواجهة علنية مع الإسلاميين، وقامت قيادته بخطوات كثيرة سواء في مجابهة الصحوة ودعاتها، أو في تنفيذ مخططات وتطبيق سياسات من المتوقع أن يكون لها أثر كبير في تحديد هوية البلد ومستقبله. أبرز ملامح السياسة التي تنفذها قيادات المؤتمر في اليمن: توالت المخططات التي أخذ حزب المؤتمر في تنفيذها في اليمن في شتى الجوانب، وألخص ذلك من خلال الجوانب التالية: أولاً: الجانب السياسي: أدركت القيادة اليمنية خطأ موقفها في أزمة الخليج، والآثار السيئة التي نتجت عن ذلك الموقف، سواء كان ذلك بعودة مئات الألوف من المغتربين، أو بتوقف تدفق المساعدات الضخمة من دول الخليج على شكل هبات أو قروض ميسرة، أو بشعور بعزلة في المحيط الإقليمي. ولذا عملت لمعالجة ذلك الوضع على تقوية الصلة بالدول الكبرى عبر الاستجابة لمطالبها وتقديم التسهيلات لها، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لتقوم تلك الدول بدورها بالمساعدة على تحسين مستوى العلاقة بين اليمن ومحيطها الإقليمي. وقد قطعت اليمن في ظل حكومة المؤتمر شوطاً كبيراً في هذا المضمار كان من جوانبه المعلنة حضور مؤتمر الدوحة الاقتصادي، وإجراء مناورات عسكرية في البحر الأحمر بين سلاح البحرية اليمني، وفرقة من سلاح البحرية الأمريكي، وتسليم إدارة المنطقة الحرة في عدن لشركات بريطانية، وما تردده بعض أحزاب المعارضة والصحف اليمنية من السماح بإقامة قواعد عسكرية أمريكية في جزيرة سوقطرة وأن توقيع الاتفاق أصبح في المرحلة النهائية، وهذا ما نفته الحكومة اليمنية وذكرت أنه لا يعدو كونه مجرد زيارات لمسؤولين أمريكيين للجزيرة! بالإضافة إلى تسليم كثير من المواقع الهامة في الدولة لشخصيات محل رضى لدى صناع القرار في عواصم تلك الدول، وقبول إشاراتهم فيما يتعلق بجوانب التعددية السياسية ومكافحة الإرهاب. كما سعت اليمن للخروج من العزلة الإقليمية في ظل حكومة المؤتمر إلى الدخول في عدد من التجمعات الدولية والإقليمية كرابطة دول الكومنولث، والدول المطلة على المحيط الهندي وغيرها. ثانياً: الجانب الاقتصادي والإداري: قام حزب المؤتمر برفع شعار إصلاح الأوضاع الاقتصادية والإدارية ومحاربة الفساد، وتبنى قبل الانتخابات الأخيرة وبعدها القبول بشروط البنك وصندوق النقد الدوليين لإصلاح الأوضاع الاقتصادية. والحديث في هذا الجانب يطول، ولذا فسأختصره في النقاط التالية: ١- يسلم الجميع بحاجة اليمن إلى إجراء إصلاحات اقتصادية وإدارية عميقة نتيجة تضخم حجم الفساد في هذين المجالين، لكن الملحوظ على الإصلاحات التي تبنّى تطبيقاتها حزب المؤتمر أنها ليست يمنية المنشأ فلم تأتِ عن طريق المخلصين من الخبراء اليمنيين وغيرهم ممن يراعي قيم الشعب وأصوله العقدية، ويأخذ بعين الاعتبار في إصلاحاته ضرورة التخفيف من المعاناة الاقتصادية الكبيرة للشعب، وتحسين مستوى معيشته، ولذا فقد تم إغراق الشارع اليمني بالربا عن طريق رفع سعر الفائدة، وطرح أذونات الخزانة، كما تم تتالي تنفيذ الجرعات الاقتصادية التي زادت معدلات الفقر في الشارع اليمني وأحدثت نتائج سيئة كثيرة مثل: اختلال في الأمن نتيجة تكاثر موجات السرقة وعصابات الاختلاس، وتفشي الرشوة في أجهزة الدولة حتى وصلت إلى حد المشكلة، وما ينتج عن ذلك من إضاعة الحقوق وتوقف النمو والاستثمار، وتفشي ظاهرة الكسب غير المشروع كالغصب وبيع المخدرات وغيرها من الأمور الأسرع في الحصول على المال، وتفشي ظاهرة الفساد الخلقي من أجل توفير الاحتياجات الضرورية وغيرها. ٢- أن الإصلاح الاقتصادي سبق الإصلاح الإداري، وكان نتيجة ذلك أنه لم يتم مراعاة الأمانة والكفاءة في القيادات التي ستقوم بتحويل ذلك الشعار إلى أرض الواقع لاعتبارات حزبية وقبلية ومصالح شخصية غالباً. كما لم يتم إصلاح أوضاع القضاء وما فيه من الفساد، وتفعيل دور الرقابة حتى يتم من خلال ذلك التعرف على المفسدين وإدانتهم مما يعني أن مفسد الأمس الذي امتلك نفوذه السلطوي والاجتماعي وحصل على المال عبر بوابة الفساد هو مصلح اليوم! وهذا يعني أن المبالغ التي يتم توفيرها عن طريق الجرعات الاقتصادية التي يكتوي بنارها عموم الشعب والمساعدات والقروض التي تؤخذ لدعم جهود الإصلاح وعملية التنمية، سيقضى عليها من قِبَلِ تلك الشخصيات المتنفذة ذاتها في آن واحد، وتكون نتيجتها فقط زيادة حجم الديون، وتشويه صورة البلد أمام الجهات الداعمة، وزيادة أوضاع الطبقة الاجتماعية سوءاً وهي المتضررة من عملية التقشف الاقتصادي وهم عامة الشعب، وحصول إحباط لدى كثير من الراغبين بإحداث إصلاح وتنمية حقيقيين من كافة القوى السياسية والاجتماعية. كما يعني أيضاً أمن المفسدين من أن يلحقهم أدنى محاسبة، وخصوصاً إذا علمنا أن الحرب الضروس التي يقيمونها لتنحية كل نزيه ساع للإصلاح يعمل على تحقيق ذلك. ولقد أدت تلك الأمور إلى توقف الكثير من عمليات الاستثمار والتنمية، وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج نتيجة خوف أصحابها وقلقهم على أموالهم، وزيادة كبيرة في معدلات البطالة في أوساط الشعب. ٣- لم يقم حزب المؤتمر عبر سياساته الاقتصادية بتأهيل العمالة عبر إقامة المعاهد المهنية والتقنية، وتشجيع فعلي لأصحاب رؤوس الأموال على إقامة مؤسسات وشركات استثمارية قوية في مجالات الزراعة والصيد والصناعة والخدمات العامة وغيرها من الأمور التي تُوجِد بنية تحتية قوية وتساهم في التقليل من معدلات البطالة المرتفعة، بل قام بمحاولة امتصاص السيولة من عامة الشعب عبر طرح أذونات الخزانة ذات سعر الفائدة العالية وجعلها في البنوك، وفي النهاية فإن تلك السيولة في ظل الفساد الإداري والضعف الرقابي تزيد الطين بلة. ٤- تبنى حزب المؤتمر عملية تخصيص المؤسسات العامة ذات الكلفة العالية بدعوى التخفيف من حجم مصروفات الدولة، لكن لم يتم بيعها عن طريق طرحها في مزاد علني بحيث يحصل عليها من هو الأقدر على القيام بها ودفع ثمنها، ولكن جلها بيع بأسعار بخسة قد لا تسلم في نهاية الأمر لخزينة الدولة لبعض ذوي النفوذ ووكلائهم، أو لشركات أجنبية في وجودها مصلحة لبعض القوم. ثالثاً: الجانب الاجتماعي: أحسب أن تغيير هوية أبناء المجتمع اليمني وتقاليدهم الإسلامية الأصيلة، وقصر اهتماماتهم، وجعلها تدور حول كيفية توفير القوت الضروري، وتحقيق الشباب لشهواتهم الجسدية همّ كبير من هموم علمانيي المؤتمر وأصحاب الشهوات فيه، وهناك دلائل وسلوكيات كثيرة تؤكد ذلك، منها: ١- استدراج كثير من العامة إلى معاداة الدعوة الإسلامية؛ فتحتَ مسمى المجابهة الحزبية للإصلاح تم العمل على إسقاط هيبة ومكانة العلماء والدعاة وطلبة العلم من نفوس العامة، والقيام بتجريء بعض السفهاء عليهم لغمزهم وإيذائهم، سواء أكان هؤلاء السفهاء من المنتمين لبعض البيوتات ذات المكانة الاجتماعية، أم من عامة الشعب. بل إن عملية التسفيه تلك تتجاوز في أحيان كثيرة الأشخاص إلى ما يحملونه ويدعون إليه من مبادئ وقيم نسأل الله السلامة. ولا شك أن مثل تلك أعمال ستزرع الفتنة وتولد الكراهية بين هؤلاء السفهاء ومن خلفهم من العلمانيين ذوي النفوذ من جهة، وبين غيرهم من علماء اليمن ودعاته وعامة الشعب من جهة أخرى، وهو مما ينذر في بلد كاليمن فيه ما يزيد على خمسين مليون قطعة سلاح بتهديد السلم الاجتماعي ما لم يعمل عقلاء القوم على تلافيه. ٢- يستهدف علمانيو المؤتمر المرأة اليمنية بشكل واضح، ويحرصون عبر وسائل كثيرة على إخراجها من منزلها واختلاطها بغير بنات جنسها تحت مسمى إعطائها حقها في الوظيفة والعمل، وتحت مسمى ممارستها لحقوقها الدستورية في الترشيح والتصويت، وعبر تشجيع بعض المستغربات والعلمانيات على قيادة القطاع النسائي، وتقديمهن في وسائل الإعلام على أنهن طليعة نساء اليمن وعبر تشجيع الرياضة النسائية التي قدم لها الدعم الكبير من جهات غربية، وتم مشاركة اليمن في الدورة الرياضة في طهران، وما لم يعطِ الإسلاميون هذا الأمر حقه من الاهتمام، ويقوموا بقطع الطريق على القوم فإنهم سيندمون في وقت قد يكون قريباً لا قدر الله ولكن لن يجدي فيه الندم. ٣- يدير علمانيو المؤتمر وذوو الشهوات فيه جل مؤسسات الإعلام الرسمية والحزبية ووسائل الترفيه والرياضة والفنون، ويمارسون من خلالها أعمالاً بشعة بحق مجتمعهم تصب جميعها في مجرى إلهاء شباب اليمن عن أن يحمل رسالة أو هماً، وتعمل على أن تقدم له قدوات سافلة في ميزان الشرع والعقل وتقاليد المجتمع، وفي أحيان كثيرة تكون غير مسلمة وتدعوه إلى الاقتداء بها والسير حذوها. ٤- استهدفت حكومة المؤتمر إسلامية التعليم في اليمن، وعملت على إضعافه في هذا الجانب بشكل واضح، فمن إقصاء الإسلاميين عن مواقع النفوذ داخل وزارة التربية وإداراتها العامة، إلى تعديل المناهج وخصوصاً مواد التربية الإسلامية والاجتماعية، إلى إقصاء مدراء ومدرسي المدارس ذوي التوجهات الإسلامية أو التضييق عليهم والعمل على عدم أدائهم لمهامهم الإدارية والتربوية. هذا بالنسبة للتعليم العام. أما المعاهد العلمية ومدارس التحفيظ فاستهدافها خاصة واضح، ولذلك صور كثيرة منها: محاولة إلغائها بالكلية، ومنها دمج ميزانياتها بميزانية التعليم العام، ومنها محاولة الإلغاء الجزئي لبعضها بحيث يتم تحويل بعضها إلى مدارس عامة، ومنها إيكال إدارتها والتدريس فيها إلى بعض الأشخاص غير المؤهلين أخلاقياً وتعليمياً بغرض التشويه، ولدفع أولياء الأمور إلى المطالبة بتغييرها إلى مدارس عامة، ومنها استغلال الأخطاء التي تقع من بعض إدارات بعض المعاهد ومدرسيها وطلابها بحيث يتم نشر تلك الأخطاء وتعميمها بغرض التشويه والإساءة إلى سمعة المعاهد عموماً، وفي بعض المعاهد التي لا يجدي معها ذلك يتم تسليم رواتب إداراتها ومدرسيها إلى بعض قيادات المؤتمر في منطقة المعهد ليؤذوهم في أقواتهم وأرزاق أبنائهم، إلى غير ذلك من الأمور التي لو تمت كما يريد لها القوم لكانت كفيلة بإفراغ العملية التعليمية والتربوية في اليمن برمتها ومنعها أن تغرس قيمة أو تسعى لتحقيق غاية إسلامية. ٥- استهدفت حكومة المؤتمر العمل الخيري والاجتماعي الذي تقوم به الجمعيات الخيرية الإسلامية في اليمن التي تسعى إلى مساعدة الشعب في محنته التي يمر بها. وعملت على تضييق الخناق على أنشطتها عن طريق أسلوب رتيب تسير فيه معاملاتها داخل أجهزة الدولة والتي لا تكلل بالنجاح إلا بعد مضي أوقات طويلة وتقديم رشاوى كبيرة، وعن طريق محاولة التدخل في توجيه وتسيير أنشطتها بإيكال الإشراف عليها إلى قيادات المؤتمر في المحافظات. ٦- تقوم حكومة المؤتمر بتشجيع قدوم الأجانب إليها للسياحة، وخصوصاً الأوروبيين والآسيويين تحت ذرائع اقتصادية، وتقوم بتوفير كافة التسهيلات اللازمة لذلك بما فيها توفير متطلبات السياح غير المشروعة في أكثر المناطق التي يتوافدون إليها. ولهذه الأمور مجتمعة وغيرها أصبح المرء ينظر إلى العبث والفراغ الذي يعاني منه الشباب، بل وكثير من كبار السن ذكوراً وإناثاً، ويشاهد ارتفاع معدلات الجريمة الخلقية، وانتشار الخمور والمخدرات نسأل الله السلامة حتى إنها في بعض المناطق صارت تمثل ظاهرة إن لم تصل إلى حد المشكلة، ويبدو أن إهمال الأجهزة مواجهة هذه الظواهر إحدى وسائل حزب المؤتمر في مواجهة انتشار الصحوة الإسلامية، وهو ما صرح به أحد المسؤولين الأمنيين في إحدى المحافظات. رابعاً: الجانب الأمني: المتحدثون عن الأمن في اليمن يقعون بين إفراط وتفريط؛ فطائفة تضخم بعض حوادث الخلل الأمني، وتجعل منها الأصل، وطائفة تلغي وجود بوادر وإرهاصات خلل قد يؤدي في النهاية لا سمح الله إلى انفراط العقد ووصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه في بلدان أخرى كالجزائر أو الصومال. ويمكن القول حقيقة إن الأوضاع الأمنية في اليمن مستتبة، ولكن هناك بوادر خلل أمني عمل حزب المؤتمر من خلال سياساته التي يقوم بها على تشجيعه وتغذيته؛ إذ إن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا بإيمان عميق بالله والدار الآخرة يردع المرء في قرارة نفسه عن الوقوع في الخطيئة والخلل، والمؤتمر بمجابهته الدعوة الإسلامية وأبنائها، وتشجيعه انتشار الانحراف، وتعلق الشعب بالشهوات والملهيات، وسعيه لأن لا يحمل الشباب هموم أمتهم ورسالة ربهم التي يجب أن يبلغوها قد ساعد على عدم تعميق الإيمان في النفوس، وبذلك يكون قد زرع بأعماله تلك بذرة الخلل الأمني ورعاها. كما أنه بحمايته لكثير من المفسدين وتمكينه لهم من تولي زمام الأمر، وإصرار قيادته على عدم الإصلاح الإداري في الدولة وإعادة النظر في شؤون الرقابة والقضاء، وإقصائه للأيدي النزيهة عن توجيه الشعب والقيام بخدمته في كافة مناحي الحياة قد أوجد نواة القلق الأمني ونماها، ولن يتعمق الأمن في اليمن بدون تجذر الإيمان بالله واليوم الآخر، وإيكال الأمر إلى من هو قوي أمين. خامساً: الجانب الدعوي: بعد انتخابات إبريل ١٩٩٧م، وانفراد حزب المؤتمر بقيادة البلد، دخلت الدعوة الإسلامية في اليمن المرحلة التي دخلتها الدعوة الإسلامية في كثير من الدول، وهي مرحلة الإيذاء للدعاة، والسعي القوي لتجفيف المنابع، والانتقال من مرحلة الانتشار إلى مرحلة الدفاع، وحماية الأنفس والمكتسبات. والدعوة الإسلامية في اليمن كما هي في كل مكان مستهدفة من أعدائها في الداخل والخارج، ولذا نجد بأن أمانة المؤتمر والكثرة الكاثرة من قيادييه الذين يقعون على سلم السلطة يقومون بمهمة الكيد للدعوة وأبنائها ومكتسباتها إرضاء لكثير من القوى الدولية المتربصة بالإسلام ودعاته، وتمهيداً لتحقيق مآربهم وأطماعهم الذاتية، التي لن يقف حجر عثرة أمام نَيْلها إلا علماء الإسلام ودعاته الغيورون لتحقيق ذلك الهدف، بسلوك سبل وطرق مختلفة، منها: ١- إبعاد أبناء الدعوة الإسلامية والمتعاطفين معهم من عامة الشعب عن تولي زمام وزارات الأوقاف والإرشاد والتربية والعدل؛ فكيف بوزارات الإعلام والثقافة والرياضة والشباب والسياحة، وغيرها من وزارات التوجيه والتأثير على الرأي العام. ٢- إفساح المجال أمام المبتدعة من صوفية ورافضة وباطنية للعمل من خلال المؤسسات الرسمية كوزارات الأوقاف والإرشاد والعدل، والجامعات والكليات الأهلية والمعاهد العليا ومراكز البحوث ووسائل الإعلام المختلفة والتعليم الأهلي العام بكافة مستوياته. وما لم ينتبه أبناء الدعوة الإسلامية وكافة أهل السنة لخطورة الأمر، ويقوموا بإعطائه ما يستحق من اهتمام، وما يليق به من جهد ومال فإن اليقظة البدعية في اليمن، وهي التي تملك أرضاً وقوة وتاريخآً وحماية ستجتاح كثيراً من المواقع، وعلى وجه الخصوص حين تصب جهودها في خدمة علمانيي المؤتمر الذين لن يبخلوا عليها بحماية أو جهد أو حتى مال. ومن دلائل التنسيق بين الفئتين أن قيادة المؤتمر قد اتخذت رموز المبتدعة من صوفية ورافضة واجهات إسلامية لها في كثير من المواقع والمناطق لتجابه بهم جهود علماء الصحوة ودعاتها حين يحتاج الأمر إلى رفع راية إسلامية أمام عامة الشعب. ٣- منع بعض الدعاة من الانتقال للدعوة خارج مساجدهم ومدارسهم بعد أحداث التفجيرات الأخيرة، التي أرجعت بعض القيادات الأمنية تهمة الضلوع بها لجهات خارجية، والبدء في تحجيم حرية الكلمة والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضعف شديد من الدعاة في القيام به، ومنع القيام بممارسة بعض الأنشطة الدعوية في بعض المواقع. ٤- اشتراء ذمم بعض العلماء والدعاة وأبناء الصحوة وإغراؤهم بالأموال والمناصب ليتحول كثير منهم أداة طيعة بيد القوم لضرب إخوانهم الدعاة. وحين لا يجدي الإغراء يمارس التهديد والإيذاء، ويتم تسليط الآخرين عليهم من مشايخ قبائل وسفهاء وأجهزة أمنية. ٥- إنشاء دائرة الدعوة والإرشاد داخل حزب المؤتمر، والسعي إلى استقطاب بعض المشايخ والدعاة وأئمة المساجد ليمثلوا قاعدة إسلامية للمؤتمر في أوساط الشعب، وليتم تحسين أعمال المؤتمر وتسويغ مواقفه إسلامياً. ٦- المساعدة على زرع وتجذير الخلاف بين الفصائل الدعوية، والقيام بتسليط بعضها على بعض من أجل زوال الثقة بينهم، وعدم اجتماع كلمتهم على مواقف موحدة، فكيف بالوحدة؟ والملاحظ أن المستهدف من علمانيي المؤتمر وقيادته اليوم بالدرجة الأولى هو حزب الإصلاح والعلماء والدعاة المنضوون تحته، ولذا نجد أن التضييق عليهم أشد، والمحنة إليهم أقرب، والسعي إلى تجفيف منابعهم أسرع، لكونهم الأوسع انتشاراً والأكثر نفوذاً وفاعلية، وفي المقابل نجد إعطاء المجال لأفراد من السلفيين للعمل، والقيام بدعم أنشطتهم معنوياً، والثناء عليهم وعرض تقديم الخدمات والحماية والتمكين لهم. وفي ظني أن الدعاة ما لم يتقوا الله فيجتمعوا على كلمة سواء فإن الفتن ستتوالى عليهم واحدة تلو أخرى، وستقول كل فئة يوم يحل البلاء بها: أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض؛ إذ المستهدف من القوم الإسلام ذاته، لا فئة من علمائه ودعاته فحسب. ٧- اختراق طوائف الدعاة وغرس بعض منسوبي الأجهزة في صفوفهم للرصد أولاً، ولزعزعة ثقة الداعية بأخيه في الطائفة نفسها ثانياً، ولإحلال الخوف وبث الذعر في نفوس الدعاة ثالثاً، وللقيام بأعمال يستنكرها المجتمع يتم إلصاقها بالدعاة وطلبة العلم رابعآً. وفي ظني أن أول الخاسرين من جراء هذه الأعمال الشنيعة، والسياسات السيئة، والسلوكيات غير المقبولة هي زعامة المؤتمر نفسه؛ إذ هي بإقرارها لذلك تعمل على تهديد السلم الاجتماعي والاستقرار الذي تنعم به البلاد نسبياً، كما أنها بذلك تفقد ورقة كانت تقارع بها أعداءها أزمة بعد أخرى وأحداث ١٩٧٩م، و١٩٩٤م خير شاهد، وإن تراءى لها أن الأمر قد سلم لها فغير صحيح؛ إذ الأحداث في المنطقة تتوالى، والأيام حبلى بكل جديد. أسباب ساعدت المؤتمر على تطبيق سياساته: هناك العديد من الأسباب التي ساعدت المؤتمر على تطبيق سياساته، أذكر منها: ١- نسيان الكثيرين للآخرة وركونهم إلى الدنيا، وما ينتج عن ذلك من كثرة الذنوب والمعاصي وتفشي المنكرات، والابتعاد عن دين الله إذ ما نزل بلاء إلا بذنب، ولارفع إلا بتوبة. ٢- تفرق الدعاة والمصلحين، وفساد ذات بينهم حتى صار بأسهم بينهم شديداً، وصارت هموم كثير منهم وجهودهم مقتصرة على كيفية القضاء على جهود الدعاة الآخرين ومنافحتهم والوقيعة بهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٣- عدم تصدي الدعاة للمنكرات العامة بشكل جاد وقوي، وترك القيام بتحذير العامة منها وبيان خطرها الدنيوي والأخروي على الأفراد والمجتمعات بالصورة المطلوبة. ٤- ضعف توعية الجماهير ودعوتهم، وعدم تفرغ طائفة من أهل العلم والدعوة لتعليمهم أمور دينهم بتفصيل وعمق، وحثهم على الاستمساك بالدين في كافة مناحي حياتهم الفردية والاجتماعية. والاكتفاء بالطرح السطحي لأحكام الإسلام، وفي معظم الأحيان يتم الاكتفاء بالتغني بأمجاد الأسلاف، وإيراد النصوص والمآثر الشرعية الواردة في فضل اليمن وأهلها والتي من الواجب أن تكون دافعة إلى التعلم والعمل بالدين؛ لا أن تكون معطلة عن ذلك، ومقعدة لكثير عن القيام بالمحاسبة والتصحيح وفق النصوص الشرعية. ٥- عدم تمايز بعض من الدعاة عن حزب المؤتمر وقيامهم بإضفاء الشرعية الإسلامية عليه وترديد أن الاختلاف معه اختلاف برامج لا مناهج، مع أنه لا يرفع شعار الإسلامية إلا في نطاق ضيق جداً، وفي أوقات الأزمات والمحن، والحقيقة أن اختلاف الدعاة مع حزب المؤتمر في المناهج والبرامج لا في البرامج فحسب. وقد يكون عذر طائفة من الدعاة القول بأن تمايز الصفوف مع المؤتمر سيؤجج الصراع، وهو كذلك؛ ولسنا ندعو إلى ذلك إلا أنه ينبغي إدراك أن الظروف بالنسبة للإسلاميين تسير من سيئ إلى أسوأ، وأن ما لم يُقَل اليوم فالظاهر أنه لن يقال الغد، مع أن تأخير البيان في هذا الجانب بالذات لا يجوز؛ إذ الشعب مستهدف من الصراع بين قوى الخير والشر، ولا بد من بيان جوهر الخلاف وحقيقته للشعب حتى يحذر وينجو؛ وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ لأن نتيجة ذلك ازدياد الداخلين في ركب الظلام وموجه يوماً بعد آخر. ٦- تضخيم بعض كبار الدعاة لحجم التعديلات الدستورية، وهي مع أهميتها إلا أن الواجب إدراك أنها بقيت في الإطار النظري، ولم يتم تحويل خطط البلاد وسياساتها الداخلية والخارجية المطبقة لتتوافق مع تلك التعديلات، بل إن المتأمل لا يشاهد فروقاً واقعية بين فترة ما قبل التعديلات، وما بعدها، بل يرى أن الأمور متجهة نحو الأسوأ فترة بعد أخرى. فكيف يليق ببعض الدعاة عفا الله عنهم الزعم بزوال الأحزاب العلمانية بمجرد ذلك التعديل، والقول بأن الواقع صار إسلامياً ولم يبق إلا أخطاء في الممارسة والتطبيق؟ ! ٧- قوة المؤتمر وتلقيه دعماً خارجياً تنظيمياً ومالياً، وامتلاكه كافة قدرات الدولة البشرية والمالية والإعلامية وجعلها تحت سيطرته، واستغلاله كل ذلك في تحقيق أهدافه وتطبيق سياساته. وأخيراً: فإن الأمور في اليمن في ظل حكومة المؤتمر تتردى، والأحوال تتبدل من سيئ إلى أسوأ، وقد تصل الحال إلى حد المأساة إن تمادت قيادة الحزب وعلمانيوه في غيهم، ولا عاصم من ذلك إلا عودة الشعب الصادقة إلى الله، واجتماع كلمة الدعاة ومواقفهم، وقيامهم بقدر استطاعتهم وفق ضوابط الشرع وقواعده بما أوجب الله عليهم القيام به من إصلاح ومعالجة. نسأل الله أن يلهم اليمنيين رشدهم، وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه، والله من وراء القصد.

стр. 2833

المسلمون والعالم حِلم العرب.. وأحلام اليهود (٢من٢) إسرائيل الكبرى.. من يسابق من؟ عبد العزيز كامل هناك اتفاق بين الساسة المتنفذين في الدولة العبرية على أن العمل لاستكمال (مشروع إسرائيل الكبرى) هدف كبير واعد، ولكنه بعيد آجل، ولا بد من الوصول إليه عبر مراحل في الزمان والمكان. غير أن هناك مفهومين سائدين ومختلفين في الوسيلة التي يمكن من خلالها الوصول إلى تنفيذ هذا المشروع، وأحد هذين المفهومين يتبناه الصقور وتمثلهم (كتلة الليكود) التي تضم بعض الأحزاب اليمينية والدينية، والآخر يتبناه (الحمائم) ويمثلهم (حزب العمل) الذي يضم يساريين وليبراليين. وبأدنى قدر من الفهم يستطيع المراقب لسياسات الاتجاهين أن يدرك أنهما يتبادلان الأدوار على حسب ما تقتضيه المرحلة في كل ظرف. لكن الحزبين في النهاية يعملان لأهداف مشتركة وإن اختلفت الوسائل. أما المفهوم الأول: وهو الذي تتبناه كتلة الليكود في عملها لصالح ذلك المشروع، فيعتمد على المفهوم (الهرتزلي) في ذلك؛ حيث قال هرتزل للمستشار ... الألماني (هوهنكر) حين سأله عن الأرض التي يريد: (سنطلب ما نحتاجه، وتزداد المساحة المطلوبة مع ازدياد السكان) [١] وهذا يعني أن باب التوسع مفتوح ... ... دائماً ... وقد سار (بن جوريون) أول رئيس لدولة اليهود على الخط نفسه، وعبر عن ذلك بقوله: (حدودنا حيث يصل جنودنا) [٢] . فالقوة وسياسة الأمر الواقع هي السبيل الأوحد للوصول إلى الهدف.. في نظر بن جوريون! وقد كان هذا الرجل يشخص ببصره نحو (إسرائيل الكبرى) .. في مبدأ إنشاء الدولة على أرض محدودة عام ١٩٤٨م يقول: (إن الصهيونية حققت هدفها في الرابع عشر من مايو ١٩٤٨م ببناء دولة يهودية أكبر مما كان متفقاً عليه في مشروعات التقسيم وبفضل قوات (الهاجاناه) . وليست هذه نهاية كفاحنا، بل إننا اليوم قد بدأنا، وعلينا أن نمضي لتحقيق قيام الدولة التي جاهدنا في سبيلها من النيل إلى الفرات) ! [٣] وسار على الدرب نفسه (ليفي إشكول) فخاض حرب عام ١٩٦٧م لقضم أكبر قطعة من أرض (إسرائيل الكبرى) وقد بدأ يكثف حديثه علناً عن هذا المشروع منذ شهر أكتوبر عام ١٩٦٧م، ويشاركه فيه دايان وآلون وكبار الحاخامين وزعماء الأحزاب. والمرأة التي كانت تفخر بأن يقال لها: (أنت أقوى رجل في إسرائيل) (جولدا مائير) كانت تؤمن بالأسلوب نفسه فيما يتعلق بالعمل لصالح (إسرائيل الكبرى) وقد قالت في خطاب لها: (إن إسرائيل يجب أن تكون دولة وقوة عظمى في الشرق الأوسط، لها حق التصرف كما تريد) [٤] وجاء بعدها مناحم بيجن فكان صريحاً فصيحاً في التعبير عن النوايا اليهودية تجاه أرض إسرائيل (الكاملة) . يقول بيجن في كتابه (الثورة) : (منذ أيام التوراة، وأرض إسرائيل تعتبر أرض الأمم لأنبياء إسرائيل، وقد سُميت هذه الأرض فيما بعد (فلسطين) ، وكانت تشمل دوماً ضفتي نهر الأردن ولبنان الجنوبي وجنوبي غرب سورية.. إن تقسيم الوطن عملية غير مشروعة، وإن تواقيع الأفراد والمؤسسات على اتفاقية التقسيم باطلة من أساسها، وسوف تعود أرض إسرائيل إلى شعب إسرائيل بتمامها إلى الأبد) [٥] وقد أشار محمد كامل وزير الخارجية المصري الأسبق في كتابه: (السلام الضائع في كامب ديفيد) إلى أن برنامج حزب (حيروت) ضمن كتلة الليكود، بزعامة بيجن كان يقوم على أساس السعي لإقامة إسرائيل الكبرى [٦] . أما شامير، زعيم الليكود بعد بيجن، فكان أصرح وأفصح الزعماء في الإعلان عن قيمة مشروع (إسرائيل الكبرى) في الفكر والوجدان اليهودي. قال ذات مرة وهو يخاطب أحد الصحفيين: (إن (إسرائيل الكبرى) هي عقيدتي وحلمي شخصياً، وبدون هذا الكيان لن تكتمل الهجرة، ولا الصعود إلى أرض الميعاد) [٧] . وقد فاز في الانتخابات الإسرائيلية لمنصب رئاسة الوزراء بسبب برنامجه الهادف إلى السعي من أجل إسرائيل الكبرى. وجاء اليهودي الليكودي الجَلْد (نتنياهو) ليمثل مرحلة ساخنة على طريق السعي اليهودي المسعور نحو (إسرائيل الكبرى) . لقد ولد نتنياهو ونشأ في بيئة تغلب عليها أفكار حزب (حيروت) العقل الأيدولوجي لتكتل ليكود، ولذا فمن البدهي أن يكون تأييده لمبادئ الحزب جزءاً من طبيعته ونشأته وتفكيره، وتلك المبادئ يأتي على رأسها حقهم المزعوم في (إسرائيل الكبرى) . وقد انتخب نتنياهو عام ١٩٩٦م تأييداً لبرنامجه الانتخابي القائم على عدم التنازل عن شبر من أرض إسرائيل المستعادة، وهو بالطبع يطمع في ترشيح نفسه لرئاسة ثانية في انتخابات عام ٢٠٠٠م، وهو أيضاً لن يستطيع أن يقدم نفسه للناخبين مرة ثانية إلا وهو في موقع المحافظ على وعوده الانتخابية للمرة الأولى ومنها عدم التنازل عن الأرض والسيادة، لا في جنوب لبنان ولا في الضفة ولا القطاع ولا في الجولان، والتحالف القائم الآن بين الأحزاب اليمينية اختار له اسم هو: (أرض إسرائيل) . المفهوم الثاني: ويرتكز على فهم خاص لدى بعض ساسة اليهود، مؤداه أن الشعب اليهودي لن يستطيع أن يسيطر على ما حوله من الشعوب إلا بالدهاء والحيلة والقوة بأشكالها المختلفة، بحيث تعوض هذه القوة الكيفية، الضعف الكمي عندهم، وفي هذا يقول بن جوريون مخاطباً الشعب اليهودي: (لقد ذكر أنبياؤنا منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة أنكم أقل الشعوب جميعاً، ولذلك يجب على شعب إسرائيل أن يكون شعب قدرات وتفوق، بحيث يستطيع أن يقف أمام شعوب أكبر منه) [٨] . ... وحزب العمل كان ولا يزال يتبنى هذا المفهوم، ولعل من أبرز المتحمسين لهذا المسلك، حمامة السلام المفترسة (شمعون بيريز) تلك الشخصية الأفعى، التي تصدت دائماً لمشروعات امتصاص دماء الشعوب المحيطة وابتزازها. إما بالترغيب، عن طريق مشروعات السلام الوهمي، أو بالترهيب عن طريق الترسانة النووية التي يُعد مهندسها وأبوها الروحي. ما مفهوم شمعون بيريز لمشروع إسرائيل الكبرى؟ لقد كان شمعون بيريز ينادي دائماً بـ (إسرائيل العظمى) أولاً، قبل إسرائيل الكبرى، بمعنى أن تستكمل الدولة اليهودية أسباب القوة لتصبح قوة عظمى، ثم تستكمل بعد ذلك المساحة لتكون أرضاً كبرى. وهو يسير على محورين للتوصل إلى تلك الغاية، أولهما: السعي لزيادة قوة الدولة اليهودية دون أدنى خضوع لعقبات أو عراقيل تفرضها الأوضاع أو الأعراف الدولية، والثاني: العمل على توهين وإضعاف قوة البلاد العربية المجاورة بكل وسيلة ممكنة، واستغلال أسباب قوتها ومصادر مواردها لغير صالح شعوبها. وقد برهن عملياً على هذين المسلكين، فهو في نظر اليهود (بطل) القوة النووية الإسرائيلية وراعي مسيرتها منذ البداية حتى النهاية. وهو من جهة أخرى عرّاب عمليات السلام مع العرب في مرحلة ما بعد كامب ديفيد، وهو واسطة الوصول للمأمول عبر (القنوات السرية) في أوسلو الأولى والثانية ووادي عربة. وعندما أعلن عن خططه لعمليات السلام في عام ١٩٩١م برز حرصه كأي زعيم صهيوني على قضية أمن اليهود وتحصينهم ضد الأخطار العسكرية وكذلك الأخطار الاقتصادية التي ليست بأقل في نظره من الأخطار العسكرية. أما الأخطار العسكرية فقد كفاهم إياها بمنجزاته النووية، وأما الأخطار الاقتصادية، فقد اختار لمواجهتها طروحاته شرق الأوسطية؛ حيث دعا إلى مشروع يهدف إلى جعل الدولة العبرية جزءاً من نسيج المنطقة المحيطة بها، بحيث تتمدد في جسدها سرطانياً لتقتلها ببطء وترث تركتها بأمان! اعتبر (شمعون بيريز) أن مشروع (الشرق أوسطية) يمكن أن يقوم على تكامل الطاقات: المياه التركية والسورية والعراقية ... الأيدي العاملة المصرية والفلسطينية ... الأسواق والثروة النفطية الخليجية مع الخبرة والذكاء و (الألمعية) الإسرائيلية لإنشاء الشرق الأوسط الجديد..! لماذا الشرق الأوسط؟ ! وهل الشرق الأوسط إلا تسمية أخرى حداثية لـ (أرض الميعاد) وما حولها؟ لقد اعتبر بيريز أن أنهار المنطقة الرئيسية: (النيل، والفرات، والأردن، ودجلة) بحاجة إلى مشروع (إقليمي) لتنظيمها وتحقيق الاستفادة منها، وكذلك الثروات الأخرى بما فيها (السياحة) ، سواء كانت سياحة دينية أو مدنية. ولا شك أن إسرائيل الطامعة في الإشراف على تلك المشروعات الشمعونية الإقليمية كانت تتطلع إلى عقد معاهدات صلح مع كل جيرانها العرب تتمكن خلالها من تحقيق مآربها في أن تصبح جزءاً من نسيج المنطقة، أو بالأحرى تصبح المنطقة جزءاً من نسيجها وساحة لتحقيق أهدافها، وفي مقابل هذا ... أو لتحقيق هذا؛ لا ضير على إسرائيل على حد تعبير بيريز أن تترك للعرب (بعض) الأراضي مقابل سلام قد يعده البعض تنازلاً عن الحق التاريخي والديني في أرض إسرائيل، وهو من وجهة نظره قيام بواجب تاريخي تجاه مصلحة إسرائيل! فما هو هذا الواجب؟ يقول: (إنها بذلك تكون قد أدت واجبها تاريخياً بحماية طابعها الخاص من الإفساد والتشويه) ويقصد طبعاً الوضع الناجم عن وجود الفلسطينيين بين الإسرائيليين ضمن كيان واحد؟ وبعد أن يتم (تطهير) الجسم الإسرائيلي من العناصر غير الإسرائيلية وتضع إسرائيل يدها على المواقع المهمة في الضفة الغربية المنزوعة السلاح، وتعقد الصلح مع الجيران، بعدها تدخل في علاقات أعمق مع الدول المحيطة، وعندما تحقق إسرائيل هذا المشروع المتعدد والمتداخل الحلقات؛ فإنها تكون قد وضعت رجلها حقاً في رأي شمعون بيريز على طريق (إسرائيل الكبرى) . ويتساءل بيريز: (ماذا ينفع إسرائيل في هذه المرحلة لو ضمت الأراضي الواسعة وخسرت بالمقابل يهوديتها وخصائصها؟ وماذا يضيرها لو أنها تخلت عن مساحات صغيرة من الأرض (وهي تحت سلطانها الفعلي) لقاء تحولها من كيان محاصر ومعزول إلى قوة إقليمية عملاقة؟) ويخلص بيريز إلى تلخيص رؤية حزب العمل فيما يتعلق بـ (العمل) لصالح إسرائيل الكبرى فيقول: (إن إسرائيل تواجه خياراً حاداً بين أن تكون (إسرائيل الكبرى) اعتماداً على عدد العرب الذين تحكمهم، أو تكون (إسرائيل الكبرى) اعتماداً على حجم واتساع السوق الواقعة تحت تصرفها) . ويهاجم بيريز مفهوم حزب الليكود القائم على اعتبار ضم الأراضي هدفاً في حد ذاته، فيقول: (إسرائيل الكبرى بمفهوم ليكود ستضم الفلسطينيين والعرب، فيمثلون جسمها، وتظل حبلى بالمشاكل والاضطرابات، وتبقى عرضة للمجابهات المسلحة مع الجيران والتوتر في علاقاتها الاقتصادية المتقلبة، والانخفاض في عدد المهاجرين إليها) . إنه بهذا الكلام لا يتخلى عن (إسرائيل الكبرى) كهدف، ولكنه ينتقد أسلوباً ومفهوماً مغايراً في تحقيق هذا الهدف، إنه لا يريد حكم الفلسطينيين والعرب، ولكنه يريد التحكم فيهم والسيطرة عليهم. عبر (الشرق أوسطية) التي ستوضع كما قال تحت إمرة إسرائيل ورهن تصرفها باعتبارها الكيان الأكثر تطوراً.. فطريق حزب العمل إلى (إسرائيل الكبرى) يمر عبر الدبلوماسية واللياقة التي تستند إلى التهديد الدائم بالرعب النووي الرابض في صحراء النقب! ولهذا كان بيريز في آخر فترات توليه المسؤولية وزيراً للخارجية في وزارة رابين الهالك؛ كان لا يكف عن استشراف إمكانات تحقيق حلمه لحكم العرب عن طريق تقمص شخصية (التاجر اليهودي الجشع) بدلاً من (اليهودي الإرهابي الدموي) . فكان يتنقل بين العواصم العربية داعياً للسلام، من الرباط إلى مسقط! إن الفارق بين المفهومين في نهاية المطاف أعني مفهوم حزب الليكود وحزب العمل هو بين زعامة أكولة عجولة نهمة، تريد أن تأكل العرب بيديها وأسنانها وأرجلها أيضاً، وبين زعامة تتعالى في أناقة أَنِفَةٍ فلا تحب أن تأكل العرب إلا بالشوكة والسكين! إن هناك إذن سباقاً محموماً بين اليهود واليهود، للوصول إلى غرض مشترك مقصود، بالحرب لا بأس، فحزب العمل مستعد لخوضها إذا كان ذلك ما تقتضيه المرحلة، وبالسلام أيضاً لا بأس، فحزب الليكود مستعد للاشتراك فيها إذا كان في السلام خدمة للمرحلة. ونحن لا ننسى أن رئيس الأركان في حرب عام ١٩٦٧م كان هو (رمز السلام) في نظر العرب إسحاق رابين، بينما تم التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد (للسلام) في عهد الليكودي المخضرم مناحيم بيجن، وجاء من الليكود أيضاً (شامير) راوي الأساطير في مباحثات مدريد (للسلام) ! نعم ... السلام، فالسلام في مفهوم اليهود هو مرحلة الإعداد لمزيد من الحروب. وإذا كان لا بد من سلام حقيقي فهو لليهود؛ فحسب قول مناحيم بيجن: (لن يكون سلام لشعب إسرائيل ولأرض إسرائيل حتى ولا للعرب، ما دمنا لم نحرر وطننا بأجمعه بعد، حتى لو وقّعنا معاهدات صلح) [٩] . وتأمل أيها القارئ في تلك التوصية التي صدرت منذ أكثر من أربعة عقود عن أحد مؤتمرات اليهود تحت عنوان: (الحاخام (جوهاشيم برنز) يشرح وثائق المخطط الأخير) .. جاء فيها: (التخطيط المتفق عليه سهل في مظهره وفي تنفيذه، ولا يعرض من يعملون لتحقيقه إلى أي نوع من الخطر، وكل ما في الأمر يتلخص في كتمان القصد من الدعوة لهذا المخطط حتى لا يكتشفه أحد، ولقد أطلق على هذا المخطط اسم: (مخطط السلام) . والعمل على تحقيقه لا يتطلب منا سوى الإلحاح والمثابرة على الدعوة للمحافظة على السلام، والقصد منه ذو شقين: أحدهما: الحصول على الوقت اللازم لنا ولحلفائنا لكي نتمكن من تسليح جيوشنا وتقوية أجهزتنا الحربية؛ لأننا في هذا الوقت لم نستكمل العدة لخوض حرب عالمية ثالثة تكفل لنا النصر. وأما الشق الأخر: فهو سباق التسلح السائد الآن لدى الدول المعادية لنا ولحلفائنا، وإرغام الدول على تدمير أسلحتها الذرية وتخفيض جيوشها، وقتل الروح العسكرية في الأوساط الشعبية، ودفع الجماهير إلى غير الجندية وتنفيرهم منها، بينما سنثابر نحن وحلفاؤنا على التسلح إلى أبعد مدى مستطاع. ولكي نتوصل إلى تحقيق هذه الأهداف، عليكم العمل دون هوادة على دعوة الناس إلى مناصرة السلام، وتسفيه كل منهاج أو رأي يدعو إلى التسلح، والهجوم على كل من يناصر الجندية، وإثارة الإنكار على كل مشروع دفاعي، وتحريض الناس على الامتناع عن الإسهام في الأغراض العسكرية، والتنديد بما ينفق في أمور الحرب. أيها الإخوة ... ربما استغرب أحدكم انقلابنا المفاجئ وسأل عن الأسباب التي دفعتنا إلى أن نكون دعاة سلم بعد أن كنا دعاة حروب وثورات، واعلموا إذن أن الأسباب التي حملتنا في الماضي على إشعال نار الثورة الفرنسية ثم الثورة الروسية، ولافتعال الحربين العالميتين، هي نفسها تدفعنا اليوم إلى الدعوة إلى السلام لأول مرة في التاريخ، وما هذه الأسباب بخافية عليكم، فهي ما تعرفونه من أهدافنا الخاصة التي يتطلب تحقيقها تجريد خصومنا من أسلحتهم ريثما نتمكن من التسلح والتأهب لجولاتنا القادمة. وعندما نتيقن من نجاح مخططاتنا هذه؛ ستكون ساعة الصفر قد أزفت، فتزحف جيوشنا إلى الميادين المعينة لها، وتقضي سريعاً على مقاومة أعدائنا التي ستكون حتماً هزيلة، ونزيل الدول المنهارة عن طريقنا، ثم نعلن للعالم انتصارنا، ونفرض سيادتنا تحت ظل دولتنا الموحدة وعلمها ذي النجمة المقدسة) [١٠] . ولقد تهافت العرب على هذا السلام المبيت بليل، تهافت الفراش على النور المنبعث من النار، وهرولت وفودهم في دهاليز وسراديب المفاوضات السرية والعلنية، لتقامر بمستقبل الأمة، وتجعله رهينة اتفاقات (رسمية) (دولية) ملزمة، لا تُلزم جيلنا فحسب، بل تُلزم وتُخضع أجيالاً قادمة.. عجباً لشأن ذلك المفاوض العربي (العلماني) وهو يسارع الخطا في طريق الظلمات.. ما أغفله وما أجهله وما أعرض قفاه وهو يطاوع اليهود ناقضي العهد وناكثي الوعود، ألم يسمع لقول الله عنهم [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ] [البقرة: ١٠٠] . فإلى متى هذا الحِلْم الطويل يا بني إسماعيل، على ذاك الحُلم الكبير لبني إسرائيل..؟ ! وهل سنظل في الحلم حالمين حتى نكون رعايا في (إسرائيل الكبرى) ؟ !

стр. 2834

مرصد الأحداث لماذا المرصد..؟ في هذه الزاوية، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من الأقوال والأحداث والمواقف.. ننقلها كما هي من مصادرها دون تصرف إلا في وضع العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... والدعوة مفتوحة لقرائنا الكرام أن يرسلوا إلينا ما يرون أنه جدير بلفت اهتمام المسلم لما خلف الخبر، على أن يرسل لنا أصل الخبر ومصدره مع التعليق والاسم. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - آمنا بالله وكفرنا بالحداثة إن من يحصر الحداثة، في الشعر يفكر بطريقة غير حداثية، ويفصل بين الحداثة والتحديث؛ لأن الحداثة معناها: أن تؤمن بالمجتمع المدني، وبحرية العقل التي يجب أن تنطلق بلا حدود، وأن تؤمن بأهمية وضع الأشياء موضع المساءلة، وأن تؤمن بنسبية الأشياء، وأن لا توجد مطلقات ينبغي أن يستسلم لها الإنسان، وأن تؤمن بالمتغير الذي يحرك الحياة ويجددها، وأن تتخلى عن التقاليد الجامدة المتحجرة، وتنتسب إلى تقاليد متجددة تتوثب العافية، هذه هي الحداثة. [د. جابر عصفور، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة بمصر جريدة ... الخليج، عدد: (٦٩٥٤) ] بئست المرضعة! ليس من المبالغة القول إن حزب البعث، هو الحزب الأم الذي أنجب معظم الأحزاب القومية، والقسم الأكبر من السياسيين والمثقفين المشارقة وبعض المغاربة أيضاً على مختلف توجهاتهم العقائدية والسياسية القائمة الآن. ... ... ... ... ... ... ... [مجلة اليسار، عدد: (٩٩) ] ولا عزاء للطغاة إن موبوتو وسوهارتو وماركوس خدموا المصالح الأمريكية خلال فترة الحرب الباردة وأخلصوا في محاربة الشيوعية والشيوعيين، ولكن الشيوعية ... انتهت. [د. لاري ناكش الخبير الأمريكي في جنوب شرق آسيا، مجلة المجلة، عدد: (٩٥٤) ] ثم تكون عليهم حسرة! : ١- يقوم المليونير اليهودي الأمريكي آرفينغ موسكوفيتش ممول الجمعيات الاستيطانية الناشطة في احتلال وتهويد العقارات العربية في القدس الشرقية حالياً بتمويل أنشطة حركة يمينية جديدة تشكلت في (إسرائيل) مؤخراً بهدف إفشال ومنع تنفيذ الانسحاب العسكري من الضفة الغربية. ... ... ... ... ... [جريدة الخليج، عدد: (١٩٦٦) ] ٢- رجل الأعمال الملياردير البريطاني تايني رولاند الذي كان له دور مشبوه على المسرح السوداني فيما يتعلق بتهريب اليهود الفلاشا، يقوم الآن بتمويل خطة تقسيم جنوب السودان. ... ... ... ... ... ... [روزاليوسف، عدد: (٣٦٤٩) ] نخشى عليكم العناية المركزة لا شك أن العلاقات مع أمريكا ستحظى بعناية خاصة، فنحن ننظر إلى العلاقات مع أمريكا من زوايا مختلفة أساسها المصلحة الوطنية لليمن، وإزاء ما تلعبه أمريكا من أدوار فإننا نريد أن يكون لنا وجود على خارطة العالم، فاليمن له قضاياه الحيوية ولا يريد أن يعزل نفسه، وسوف يقاوم من يحاول أن يعزله. [عبد القادر باجمال نائب رئيس الوزراء اليمني، جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١٤٣) ] حُماتُها ... مجرموها: أقال المجلس التنفيذي للمجلس الشعبي لولاية غليزان بغرب الجزائر رئيسي بلديتي غليزان وجديوية المتهمين بارتكاب مجازر في الولاية، وأفادت مصادر محلية أن الإقالة تأتي استجابة لمطالب العديد من سكان الولاية لتورطهما في عمليات قتل خارج نطاق القانون. ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٢٨٨٥) ] النووي.. والنوايا الطيبة كشف الأستاذ الجامعي الإسرائيلي: (إسرائيل شاحاك) في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان: (الأسرار العلنية) ، كشف النقاب عن أن إسرائيل تمتلك من ستين إلى ثمانين رأساً نووياً موجهة إلى كل العواصم العربية وإلى منشآت باكستانية نووية وبعض المواقع في الجمهوريات السوفياتية السابقة. ... ... ... ... [جريدة الوطن الكويتية، عدد: (٧٩٦٩) ] قبل أن يُهدم الأقصى ذكر المتحدث باسم الشرطة (الإسرائيلية) أن نحو ثلاثين مستعمراً يهودياً من المتطرفين والمتدينين بدأوا عمليات تنقيب عن الآثار قرب المسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة من القدس الشرقية المحتلة، وينفذ المستعمرون من جمعية (عطيرت كوهانيم) الدينية المتشددة عمليات التنقيب وتمويلها بموجب اتفاق مع دائرة الآثار الإسرائيلية. ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١٣٢) ] الأيام بيننا! إن تأييدي لأن تكون القدس عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة يقوم على أساس قانون أمريكي أقره الكونجرس ووقعه كلينتون وتنتقل بموجبه السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس العام المقبل، القدس هي عاصمة إسرائيل، لا أعرف أحداً يظن أنها ستتوقف عن كونها عاصمة لإسرائيل، وأعتقد أنه حتى عرفات لا يظن أنها ستتوقف عن كونها عاصمة لإسرائيل. [نيوت جنجريتش، رئيس مجلس النواب الأمريكي، جريدة الأنباء، عدد: (٧٩١٢) ] كنز الوهم النازي عرضت المصارف التجارية الثلاثة الأكبر في سويسرا ٦٠٠ مليون دولار تعويضات من أجل التوصل إلى (تسوية عالمية) لمطالب اليهود ضحايا المحرقة النازية، لكن الناطق باسم المنظمة اليهودية العالمية للتعويضات في إسرائيل، رفض على الفور هذا العرض، وقالت المصارف: إن التعويضات التي اقترحتها تتضمن ٧٠ مليون دولار دفعت فعلاً إلى صندوق لمساعدة الناجين من المحرقة النازية. ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٢٨٩١) ] جماعة كوبنهاجن: تمويل أمريكي إسرائيلي بعد تأسيس (جمعية القاهرة للسلام) التي أقامها أنصار التطبيع مع القوى الصهيونية، وبعد توزيع المناصب والمزايا، تنوي جماعة كوبنهاجن إنشاء مركز بحوث تحت اسم: مركز الدراسات الإسرائيلية، بتمويل أمريكي (إسرائيلي) ضخم قدره ٤٠ مليون دولار. ... ... ... ... [جريدة الشعب القاهرية، عدد: (١٢٥٥) ] الفاتيكان والأزهر يحاربان الإرهاب..! ! شكل الفاتيكان والأزهر لأول مرة في التاريخ لجنة مختلطة إسلامية مسيحية، لمحاربة التعصب الديني والإرهاب، وتعهد الطرفان بأن يكافحا معاً التعصب باعتباره تعبيراً لرفض الآخر ومصدراً للحقد والعنف والإرهاب، كما تعهد بالسهر على أن تلعب الأديان دورها في المجتمعات الإنسانية لإرساء الأخوة والتضامن والتعاون والعدل والسلام. ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١٢٢) ] دعوة بابوية لمصالحة يهود وجه يوحنا بولس الثاني نداء إلى مسيحيي أوروبا للتصالح مع اليهود، وقال في خطابه: إن على هذه القارة ألا تنسى الفصول المظلمة للنازية، معتبراً أنها قوة قد تعود إذا ابتعدنا عن شرعة الله. ... ... ... ... ... ... [جريدة الأنباء، عدد: (٧٩٣٦) ] حتى أنتِ يا قيرغيزستان! أصدر رئيس جمهورية قيرغيزستان: (عسكر أكايف) توجيهات إلى دوائر الأمن بالتصدي لنشاط جميع المنظمات الدينية التي يزعم أنها متطرفة، وقد تم القبض على جماعة من الأجانب يقومون بانتقاء الشباب بحجة إرسالهم لدراسة العلوم الشرعية في الدول الإسلامية، بزعم أنه توجد معسكرات خاصة لتدريبهم على القيام بعمليات عسكرية للاستيلاء على السلطة لاحقاً. ... ... ... ... ... [جريدة المسلمون، عدد: (٦٩٤) ] من وراء الستار؟ إن الولايات المتحدة أول من زود إيران أيام حكم الشاه بمفاعل نووي قادر على تخصيب اليورانيوم بنسبة كبيرة، وإن واشنطن قامت بإعداد خبراء إيرانيين في الحقل النووي بصورة رفيعة المستوى. [جيورجي كاؤورف، الخبير في وزارة الطاقة النووية الروسية، جريدة الأنباء، عدد: (٧٩٢٢) ]

стр. 2835

في دائرة الضوء الغرب والقنبلة النووية الإسلامية د. باسم خفاجي - إسلام المرابط (إن التسلح النووي لـ (إسلام أباد) هو سلاح الدمار الشامل الأول من نوعه في العالم الإسلامي.. إن الدين والمجموعة الحاكمة التي تعتبر الأشد تطرفاً، والتي تمثل أكبر تهديد غير متوقع للعالم الغربي من ناحية العقلية والتصرفات، قد وضعت يدها على وسيلة تأثير مهمة للغاية) . [جابور زورد صحيفة مجرية] (إذا استخدمنا القوة العسكرية.. فلا بأس بذلك.. لأننا أمريكا! نحن أمة لا يستغني عنها العالم.. هاماتنا عالية.. ونتطلع إلى المستقبل) [مادلين أولبرايت] هكذا كتب العالم عن القنبلة الباكستانية، وهكذا عبرت أولبرايت عن سبب اهتمام الغرب بنزع السلاح النووي من العالم، وإبقائه في يد أمريكا. هكذا قدم الإعلام الغربي ووزيرة الخارجية الأمريكية المسوغ القانوني للعبة المعايير المزدوجة. هكذا قدمت أولبرايت الصلف الأمريكي في أقسى وأشد الصور نفاقاً. ولقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن العالم قد يشهد تحولاً حاداً في موازين القوى العسكرية، وخاصة فيما يتعلق بميزان التسلح النووي. فقد كان للتفجيرات النووية التي أجرتها كل من باكستان والهند خلال الفترة الماضية أثر كبير على النظرة العالمية للتفوق النووي للغرب، ومدى إمكانية منافسة دول العالم الثالث في هذا الشأن. ويبدو أن دراسات الخبراء والأكاديميين فضلاً عن توقعات وتحليلات الإعلاميين، كثيراً ما تصطدم بتسارع الأحداث وانفجارها على أرض الواقع، وعند رصد تاريخ الشعوب والأمم، وبعد قراءة ما (سقط عمداً) ، يتضح لنا أن (للعقائد الدينية) و (النزعات العرقية) (والدوافع المصلحية) النصيب الأكبر في توجيه سياسات الدول، وتشكيل ثقافات الشعوب وقناعاتها مهما استترت تلك السياسات والثقافات خلف الشعارات البراقة، أو تقنعت بالمدنية وتقبل (الآخر) ، بل حتى إن ذهبت أبعد من ذلك فارتدت لباس النصح والتهاون والتكامل! تاريخ الصراع: تتسم المنطقة الواقعة في أدنى الوسط الآسيوي التي تتقاسمها الصين والهند وباكستان بالتوتر والأجواء المشحونة، وليس ذلك مستغرباً؛ فقد نشبت بين الهند والصين حرب في عام ١٩٦٢م، كما دخلت الهند في ثلاث حروب مع باكستان كان أولها عام ١٩٤٨م عقب استقلال البلدين عن بريطانيا، وثانيهما في عام ١٩٦٥م، وثالثهما عام ١٩٧١م وهي الحرب التي أسفرت عن نشأة بنجلادش بدلاً عما كان يُعرف بباكستان الشرقية، وقد لعبت مشكلة احتلال الهند لكشمير دوراً رئيساً في الصراع بين الهند وباكستان. هذه الأجواء المشحونة كانت أسباباً رئيسة في سعي الدول الثلاث لزيادة وتطوير ترسانتها من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية. أما الصين فإضافة إلى اهتمامها بزيادة ممتلكاتها من الأسلحة التقليدية وتطويرها للأسلحة المتقدمة كالصواريخ ذات الكفاءة العالية، امتلكت السلاح النووي في وقت مبكر، وحصلت على مقعدٍ دائم في مجلس الأمن الدولي. باكستان والقنبلة الإسلامية: في وسط منطقة متوترة توجد بها قوى عسكرية ونووية وسكانية كبيرة، لم يكن أمام باكستان خيار غير تطوير ترسانتها من الأسلحة التقليدية، ومحاولة امتلاك القوة النووية لتوفيرمناخ من (الردع النووي) في المنطقة، خاصة مع العداء الواضح بينها وبين الهند. استقلت باكستان عن بريطانيا عام ١٩٤٧م، ولم يكن لديها جيش معتبر أو صناعة عسكرية قوية، مما حدا بها إضافة إلى العديد من الظروف الأخرى إلى التركيز على بناء قدراتها العسكرية وتطويرها، وكان لاعتماد باكستان الكبير على ذاتها في هذا المجال الأثر الواضح في الخبرة والتقدم العسكري الذي ظهرت به في العقود الأخيرة. وفي باكستان خمسة عشر مجمعاً للصناعات الحربية أنشأتها باكستان بعيداً عن المناطق الحدودية تحسباً للطوارئ. وفي مجال الصواريخ أيضاً أعلنت باكستان وقبل شهر تقريباً من التجارب النووية الهندية الأخيرة عن نجاح تجربة صاروخ (غوري) الذي يصل مداه إلى ١٥٠٠كم تقريباً ويمكنه أن يحمل رأساً حربياً بزنة ٧٠٠ كجم. وأخيراً وبعد سنوات من التوقعات والشك والترقب حول قدرات باكستان النووية، ردت باكستان بعد سبعة عشر يوماً على التجارب النووية الهندية في مايو الماضي بتفجيرات نووية مماثلة. ولعل مما يجدر ذكره في هذا المقام أن اختيار أسماء بعض الصواريخ الهندية والباكستانية له دلالاته التاريخية؛ فالصاروخ الباكستاني الجديد غوري المشار إليه سابقاً هو نسبة إلى السلطان شهاب الدين الغوري الذي هزم الراج برثيفي (سمي به صاروخ هندي) ، وأقام دولته الإسلامية شمال بلاد الهند في القرن الثاني عشر الميلادي. وإذا وضعنا في اعتبارنا كذلك الحروب الثلاث التي قامت بين الهند وباكستان من قبل، فإن كل هذه الأمور تجعل الجانب الديني أمراً لا يمكن تهميشه أو التغاضي عنه في الصراع كما يحاول البعض أن يفعل. أمريكا والغرب وردود الفعل: تركزت ردود الفعل الأمريكية والأوروبية الرسمية في مجموعة من المواقف التي يمكن إجمالها في النقاط التالية: ١- معارضة زيادة أعضاء النادي النووي: لقد أعلنت أمريكا أنها ستعارض اشتراك أي من الهند أو باكستان في النادي النووي بحجة أنه قد قُرّرَ عام ١٩٦٤م مَنْ هي الدول النووية، ولذلك فلا يمكن تغيير ذلك الآن! ومن الغريب أن أمريكا تعلن أن قوة أية دولة ومكانتها في التاريخ لا تتحدد بمدى امتلاكها للسلاح النووي، وقد وجه هذا الخطاب مؤخراً إلى كل من باكستان والهند، ولكن أمريكا في المقابل تعلن بكل قوة أنها سوف تقف ضد رغبة أي دولة من هذه الدول في الانضمام إلى النادي النووي، فإذا كان هذا النادي لا يمثل أي تميز أو يرمز إلى أية قوة تاريخية، فلماذا تستميت أمريكا في تحجيم من يتأهل للمشاركة فيه؟ ! لقد أعلن أكثر من مسؤول أمريكي أن أمريكا سوف تطالب كلاً من الهند والباكستان بالتوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، في الوقت الذي يرفض فيه الكونجرس الأمريكي التصديق على المعاهدة نفسها حتى الآن. ٢- منع تكرار مثال باكستان والهند: أعلن نائب وزير الخارجية الأمريكي في لقائه بالصحفيين في صباح يوم ٢٨ مايو ١٩٩٨م، أن الإدارة الأمريكية منزعجة للغاية من تفجيرات الهند وباكستان؛ لأنهما سيقدمان نموذجاً سيئاً على حد تعبيره لباقي الدول التي تفكر في اقتناء السلاح النووي [١] . إن من مصلحة الغرب وأمريكا خاصة ألا توجد أية أخطار نووية في القرن القادم. ورغم ذلك فلم تعلن أمريكا التي تمتلك آلاف الرؤوس النووية نيتها في التخلص النهائي منها، ولكنها تكتفي بمطالبة العالم بعدم اقتنائها! ٣- التركيز على آثار التسلح النووي الباكستاني: رغم أن الهند هي التي بدأت التفجيرات، إلا أن التحليلات السياسية لهذا الحدث قد تناولت الباكستان بشكل أكبر بكثير من تناولها للتفجير الهندي. وقد أكد ذلك نائب وزير الخارجية الأمريكي في لقائه بالصحفيين الأمريكيين يوم ٢٨ مايو ١٩٩٨م عندما سئل عن سبب التحامل على باكستان رغم أنها لم تكن هي التي بدأت هذه الأزمة، رد قائلاً ومتجاهلاً للموضوع: (ليس من المفيد الآن أن نبحث من هو صاحب الخطيئة الأولى، وسنسمع من الكثير من الهند وخارجها تكهنات عديدة حول هذا الموضوع) . ٤- الخداع الإعلامي: برز الخداع الإعلامي الغربي بصورة مزعجة وغير عادلة تجاه الباكستان والعالم الإسلامي بشكل عام؛ ولعل أبرز دليل على ذلك هو اللقطات المتكررة التي أعادت بثها القناة الأخبارية الأمريكية قبل التفجيرات الباكستانية لرئيس وزراء الباكستان وهو في زيارة لمحطة راديو باكستان، وقد ظهر رئيس الوزراء وهو يتفقد الأجهزة والمعدات الخاصة بالبث الإذاعي. وبدلاً من أن يذاع الخبر الخاص بزيارة محطة الإذاعة، فقد قامت القناة بوضع صور تلك الزيارة كخلفية لخبرها حول استعدادات باكستان للتفجير النووي، فيما ظهر للمشاهد وكأن نواز شريف في زيارة لمقر العمليات الخاصة بهذا التفجير. وساهم ذلك بلا شك في الإحساس بالرعب من الخطر الإسلامي القادم، مما دعا أحد المسؤولين في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى اتهام القناة التلفزيونية بالتحايل؛ لأنه قد ظن شخصياً أن صور الزيارة هي لمركز التفجير وليس لمحطة إذاعية. لقد أخفى الإعلام الغربي كذلك حقيقة أن أمريكا قد زودت الهند بأكثر من ٦٠٠ رطل من البلوتونيوم الذي ادعت الهند في البداية أنه سيُستخدم للأغراض السلمية. لقد قامت كندا ببناء المفاعل النووي الهندي الذي بدأ في العمل في عام ١٩٦٠م. وقامت أمريكا بتزويد المفاعل بأكثر من ٢١ طناً من الماء الثقيل اللازم لتشغيل المفاعل. ولم يذكر الإعلام الغربي أياً من هذه الحقائق ضمن منظومة متكاملة من التعتيم الإعلامي حول هذا الأمر. تخوف الغرب من القنبلة الإسلامية: ذكرت إحدى الصحف المجرية المحافظة (نابي ماجيار ورزاج) في صفحتها الأولى تعليقاً على خطر القنبلة النووية الإسلامية أن (الحقيقة أن مساحة إسرائيل صغيرة للغاية، والتركز السكاني فيها كبير جداً لدرجة أن سلاحاً نووياً واحداً يهاجمها من أي ناحية يمكن أن يؤدي إلى تغييرات ضخمة في خريطة الشرق الأوسط) [٢] . أما عن الخطر الذي يمثله هذا التفجير على العالم الغربي، فقد ذكرت الجريدة ما نصه: (إن التسلح النووي لإسلام أباد هو سلاح الدمار الشامل الأول من نوعه في يد العالم الإسلامي.. إن الدين والمجموعة الحاكمة التي تعتبر الأشد تطرفاً والتي تمثل أكبر تهديد غير متوقع للعالم الغربي من ناحية العقلية والتصرفات، قد وضعت يدها على وسيلة تأثير مهمة للغاية) . أما جريدة (دير ستاندرد) النمساوية المستقلة، فقد كتبت في مقال بعنوان: (القنبلة الإسلامية) يوم ٢٩مايو ١٩٩٨م أن العالم لم يشارك أمريكا في توقيع العقوبات الاقتصادية على الهند، أما اليوم فإن باكستان سوف ينظر لها بشكل آخر؛ لأن قنبلتها (إسلامية) . أما الصحف الإسرائيلية فقد تصدرت الحملة ضد القنبلة الإسلامية. وظهرت الصحف المعارضة هناك في حملة شديدة على سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي التي ربطت بين تفجيرات الهند، وبين إسرائيل مما سيقدم الغطاء الشرعي للدول العربية والإسلامية المحيطة بإسرائيل للحصول على السلام النووي أيضاً. ولذلك خرجت صحيفة معاريف لتعلق على تفجير الباكستان قائلة: (إن علاقة باكستان وإيران تضاعف من قلقنا بشأن (القنبلة الإسلامية الأولى) . وإذا كان هناك من أسباب مقنعة للتعجيل بعملية السلام، فلا شك أن هذا السبب هو أكثرها جاذبية) . لقد سئل السناتور أكرم زكي، رئيس الوفد البرلماني الباكستاني الذي زار أمريكا مؤخراً لشرح وجهة نظر الباكستان في التجارب النووية الأخيرة عن (القنبلة الإسلامية) فعلق قائلاً (إن القنابل لا دين لها، ولم يتعود العالم أن ينسب للقنابل إلى أي دين حتى الآن، فلماذا تسمى قنبلة باكستان (إسلامية) . لقد لمس أكرم زكي بانتقادٍ لطيفٍ هذه الازدواجية العجيبة في الإعلام الغربي فيما يتعلق بالإسلام والعالم الإسلامي. فلماذا لا يتحدث العالم الآن عن (القنبلة الهندوسية) ، ولماذا لا نتحدث عن (القنبلة اليهودية) ، ولماذا لا نسمع عن آلاف (القنابل النصرانية) ، والتي يكفيها فخراً بل وضاعة أن واحدة منها قد ألقيت على مدينة يابانية فأبادتها. إنه التاريخ الذي يحاول الغرب أن يعيد كتابته. وإذا كان الغرب يخشى من القنابل ذات الأديان، فلماذا لا نراه يتقدم الجميع في القضاء على هذا الخطر الذي يتهدد البشرية بدلاً من الإبقاء المستميت على التقدم في هذا المجال، ومنع العالم من اقتناء الأدوات نفسها التي بدأت تنتسب إلى الأديان مؤخراً. وفي لقاء على الهواء مباشرة مع أحد أساتذة جامعة ويسكنسون، وهو الدكتور ميلهولين، ورداً على سؤال حول الخطر النووي الذي يتهدد أمريكا، ذكر الدكتور ميلهولين أنه (في حال امتلاك إيران أو العراق للسلاح النووي، فسوف يستخدمونه ضد المدن الأمريكية! وأنا أعتقد أن هذه الدول ستكون مستعدة لاستخدام الجماعات الإرهابية إذا لزم الأمر لتحقيق ذلك) [٣] . لقد أعلن السيناتور الأمريكي دانيال موينهان أن (العالم على وشك الدخول في حرب نووية بسبب التفجيرات النووية في باكستان والهند) . وذكر السيناتور الذي كان سفيراً سابقاً لأمريكا في الهند (نحن الآن نواجه قنبلة نووية إسلامية ... وهذه القنبلة يمكن أن توضع الآن على رأس صاروخ يمكن أن يعني فناء إسرائيل. إن كل ما كنا نتخوف منه من قبل حول السلاح النووي قد أصبح واقعاً أخيراً) [٤] . أما هانتجتون صاحب كتاب (صراع الحضارات) فقد أعلن مؤخراً أن صراع الحضارات قد بدأ يتحول إلى صراع نووي. وأعلن كذلك أن الصراع بين الهند وباكستان ليس صراعاً سياسياً، وإنما هو صراع بين الهندوسية والإسلام. حقائق أظهرتها الأزمة الأخيرة: * المعايير المزدوجة: لقد كانت أمريكا وراء كل المحاولات التي جرت في السنوات الأخيرة لتقليل أو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك تبقى أمريكا صاحبة أكبر ترسانة من الأسلحة النووية. وهي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت الأسلحة النووية لضرب المدنيين في أكبر كارثة نووية عرفها العالم حتى اليوم، فضلا عن الازدواجية في التعامل. فبينما تعلن في الأيام الأخيرة عن المقاطعات الاقتصادية المتتالية على باكستان والهند مثلاً لمحاولاتهما الحصول على السلاح النووي، نجد أن (إسرائيل) تحصل بصفة مستمرة وحتى الآن على كافة أنواع المساعدة التقنية والعلمية في برنامجها النووي. لقد تسابقت الصحف الغربية في الأيام الأخيرة على تناول الخطر القادم فيما إذا امتلكت أية دولة عربية أو شرق أوسطية السلاح النووي، وخطورة ذلك على أمن العالم، ولكننا لم نسمع أحداً يتحدث عن خطورة امتلاك إسرائيل لعشرات الرؤوس النووية التي تهدد العالم الإسلامي بأكمله! فهل يلام العرب أو المسلمون إذا أرادوا أن يدفعوا عن أنفسهم بمثل السلاح الذي يمتلكه عدوهم؟ لقد كتبت جريدة (جانج) الباكستانية في افتتاحيتها يوم ١٣ مايو: (إن أمريكا مهتمة فقط بمنع السلاح النووي عن العالم الإسلامي، لأنها لا تستطيع قبول فكرة وجود دولة إسلامية تقتني التقنية النووية. ولذلك فإن الدول الإسلامية هي التي تتعرض فقط للمقاطعات الاقتصادية الحادة) [٥] . إن هذه الازدواجية تعني للعالم أن الواقع والأفضل (أن تفعل كما تفعل أمريكا.. لا كما تقول) . إن أمريكا قد أجرت أكثر من ألف تفجير نووي خلال السنوات الماضية، وتمتلك ما يزيد عن ٠٠٠ر١٠ رأس نووي. فكيف يمكن لها أن تطالب العالم بإيقاف التجارب النووية فقط لأن أمريكا لم تعد تشعر بحاجة لإجراء المزيد منها؟ ! * لفت أنظار العالم: أبرزت الأحداث النووية الأخيرة في شبه القارة الهندية كثيراً من القضايا التي لم تكن معروفة بشكل واضح على الساحة الدولية، ومن ذلك أن أمريكا قد تسلمت مبلغ ٦٠٠ مليون دولار من باكستان لتزويدها بـ ٤٠ طائرة مقاتلة من طراز ١٦، ورغم أن المبلغ قد تسلمته الإدارة الأمريكية بالكامل، فهي ترفض حالياً تسليم الطائرات، أو إعادة المال، كما أظهرت الأحداث مدى التعاون الوثيق بين الهند وإسرائيل في مجالات التسلح النووي. وفي مقال نشرته جريدة (الأخبار) الباكستانية التي تمثل خط الوسط، كتب عادل نجم الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في جامعة بوسطن بأمريكا قائلاً: (إن العالم قد بدأ أخيراً يهتم بنا، ويعاملنا باحترام؛ وإذا لم يكن هناك من فائدة من التفجير النووي إلا ذلك لكفى) . * تعاون باكستان مع القوى العالمية: تعاونت باكستان مع الصين وفرنسا وروسيا وعقدت اتفاقات دفاع مع إيران والصين، وتثير العديد من التقارير إلى أن الصين قد ساعدت باكستان في بعض الجوانب في برنامجها النووي، وتحاول باكستان بذلك تكوين جبهة تقف بجوارها في مواجهة الهند، حيث تساور باكستان الشكوك في تطلع الهند إلى فرض هيمنتها على المنطقة والوصول إلى ثروات الجمهوريات المستقلة عن روسيا؛ فضلاً عن تطلع الهند لإنهاء قضية كشمير بالكيفية التي تريد، إلا أن موقع الباكستان يفسد على الهند كل ذلك. والقيادات الباكستانية المتعاقبة تدرك خطورة التهديدات الهندية ، مما حدا بعلي بوتو رئيس وزراء باكستان قبل أكثر من عشرين عاماً أن يصرح بأن بلاده مستعدة لأكل الحشائش إذا اقتضى الأمر في سبيل نجاح برنامجها النووي. * التعاون الهندي الإسرائيلي: أشار العديد من التقارير والدراسات إلى ضلوع (إسرائيل) بوضوح في تطوير البرنامج النووي الهندي، ولا تخفى الزيارات المتبادلة بينهما على أعلى المستويات . وتجدر الإشارة إلى حديث الحاخام اليهودي الهالك مائير كاهانا في عام ١٩٨٧م حول (ضربة استباقية) تخطط لها الهند وإسرائيل ضد مفاعل كاهوتا الباكستاني. لقد كانت (إسرائيل) من الدول القليلة في العالم، والتي لم تعترض على التفجيرات النووية في الهند. وذكرت صحيفة هآرتز أن وزير الخارجية الإسرائيلي قد رفض طلباً من أمريكا بأن تقوم (إسرائيل) بشجب ما فعلته الهند والمشاركة في المقاطعة الاقتصادية التي دعا إليها الرئيس الأمريكي [٦] . ولقد زار المسؤول الهندي عن البرنامج النووي إسرائيل أكثر من مرة عامي ١٩٩٦م، ١٩٩٧م، وفي مقال نشر في صحيفة واشنطن تايمز، ذكر الدكتور براهما شيلني وهو باحث في شؤون الأمن القومي في معهد الدراسات السياسية في نيودلهي أنه قد قام بزيارة إسرائيل عقب تفجيرات الهند مباشرة، والتقى هناك بالمسؤولين الصحفيين الإسرائيليين، وأعرب لهم أن التعاون بين إسرائيل والهند وثيق وخاصة في مجالات التقنية العسكرية. * حمى المقاطعة وعدم جدواها: ذكر نائب وزير الخارجية الأمريكي في لقاء صحفي مؤخراً أن أمريكا ستسعى إلى استخدام المقاطعة الاقتصادية كوسيلة فعالة لمنع الدول الأخرى من التفكير في إجراء التجارب النووية. فما كان من أحد الصحفيين الأمريكيين إلا أن سأله: (كيف تعتقد أن ذلك سيكون فعلاً، وقد أعلنت كل من الباكستان والهند أنهما كانتا على إدراك تام بأن أمريكا سوف توقع عليهما هذه المقاطعات، ومع ذلك لم يمنعهما هذا من إجراء التجارب؟) وتجاهل نائب الوزير الرد على ذلك السؤال المحرج. ويبقى الأمر واضحاً، وهو أن الشرطي الأمريكي قد فقد هيبته أمام المجتمع الدولي) فإذا كانت دولة فقيرة وضعيفة اقتصادياً كالباكستان تتجاهل هذه المقاطعة في سبيل تعزيز أمنها القومي، فإن كثيراً من دول العالم في وضع أفضل من الباكستان لتحدي مثل هذه القرارات الاقتصادية التي بدأت تفقد جدواها. لقد استخدمت أمريكا المقاطعات الاقتصادية أكثر من ١٢٠ مرة خلال الثمانين عاماً الماضية، إلا أن أكثر من نصف هذه الحالات قد حدث خلال إدارة الرئيس كلينتون! إن المقاطعة الأمريكية تشمل حالياً أكثر من ٧٠ دولة من دول العالم، وتمس حياة أكثر من ٦٧% من البشر على وجه الأرض. فهل هناك جدوى ملموسة لمثل هذه المقاطعات التي أوشكت أن تشمل العالم كله؟ لقد ذكر توماس أومستاد في مقاله الأخير: (إدمان المقاطعة) أن المقاطعات الاقتصادية قد سببت خسائر ضخمة للصناعات الأمريكية وكلفت الاقتصاد الأمريكي ما يزيد عن ١٥ ١٩ مليار دولار في عام ١٩٩٥ وحده؛ إضافة إلى خسارة أكثر من ٢٦٠ ألف وظيفة عمل. * تبعية مؤسسات الاقتصاد العالمي للغرب: أظهرت الأزمات الأخيرة في آسيا مدى تلاعب أمريكا بالمؤسسات الاقتصادية العالمية، واستخدامها كوسائل ضغط تحقيق المآرب الأمريكية والمصالح الخاصة للولايات المتحدة. وقد أعلن مايك ماكري المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض أن أمريكا ستمارس ضغوطها على كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمنعهما من إقراض كل من باكستان والهند أية أموال في الفترة القادمة. وذكر للصحفيين: (لقد رأيتم في حالة البنك الدولي مع الهند، فقد كان لدينا تأثير كبير على قرارات البنك الدولي، أما في حالة باكستان فما علينا إلا أن ننتظر) [٧] . * إخفاق الشرطي الأمريكي: لقد أثبتت الأزمة الأخيرة إخفاق أمريكا في القيام بدور فعال كشرطي للعالم؛ فقد أظهرت الأزمة إخفاق الإدارة الأمريكية مرة أخرى في التأثير على باكستان ومنعها من الرد على الهند بإجراء تفجيرات نووية أيضاً. وقد علق على ذلك المتحدث الرسمي للبيت الأبيض قائلاً: إن الأحداث الأخيرة قد وضحت أن (أمريكارغم ثرائها وقوتها لا تستطيع أن تتحكم في الأحداث في المناطق المختلفة للعالم) . كما كان لإخفاق الإدارة الأمريكية في الحصول على التأييد الدولي اللازم لفرض المقاطعات الاقتصادية أثر كبير على بروز هذا الإخفاق على ساحة المجتمع الدولي. لقد كتب الدبلوماسي الهندي م. ن. باخ في افتتاحية جريدة (الرواد) الهندية التي تعبر عن خط الوسط يوم ٣ يونيو ١٩٩٨م قائلاً: (الهند لا تخشى من اليابان وأوروبا؛ فإن سياساتهم تجاه قضايا الدفاع معتدلة وغير عدوانية، وروسيا هي صديقتنا، أما أمريكا فهي لا تعدو أن تكون سمكة أخرى في حوض الأسماك! .. لقد أثبتت الأحداث لنا المرة تلو الأخرى أن أمريكا لا ترغب في رؤية الهند قوية) وإذا أصر كلينتون على أن يعزل الهند؛ فنحن قادرون بقوة على القيام بثورة صناعية وتقنية ضد ذلك) [٨] . لقد عجزت المخابرات الأمريكية عن اكتشاف استعدادات باكستان لتجربة الصاروخ بعيد المدى (غوري) ، التي أجريت في بداية إبريل ١٩٩٨م، كما عجزت المخابرات عن ملاحظة استعدادات الهند للتفجيرات النووية التي فاجأت الحكومة الأمريكية، ووضعت المخابرات الأمريكية في موقف حرج للغاية. وقد انتشرت النكات اللاذعة على وكالة المخابرات المركزية في كافة البرامج الفكاهية في القنوات التلفزيونية الأمريكية في الفترة الأخيرة، مما يساهم في إضعاف الهيبة الأمريكية في العالم. * التغيرات في موازين القوى الدولية: كتبت جريدة (نيزافيز مايا جازيت) الروسية المعروفة بتوجهاتها المعتدلة في افتتاحية عددها الصادر في ٣٠ مايو ١٩٩٨م: (إن تصرفات الباكستان الأخيرة قد أظهرت مدى ضعف تأثير أمريكا على أحداث جنوب آسيا. وعلى النقيض من ذلك ، فقد ظهرت الصين قوة مؤثرة. إن الباكستان تعتبر الصين صديقة، وربما الصديقة الوحيدة بين دول عالم اليوم) [٩] . أما ورنر آدم من صحيفة (فرانكفورتر) اليمينية في ألمانيا، فقد صدّر افتتاحية عدد ١ يونيو ١٩٩٨م، بمقال بعنوان: (العجز الأمريكي) ، وفيه ذكر أن أمريكا قد عجزت عن الحصول على الدعم الكافي من روسيا لممارسة الضغط على الهند والباكستان، وأن عجز أمريكا يعني بالضرورة عجز الأمم المتحدة عن القيام بأي دور فاعل في هذه الأزمات) [١٠] . أمريكا ومصالحها الخاصة: إن تمسك أمريكا بالماضي في محاولة ضمان السيطرة على انتشار الأسلحة النووية قد يخدم المصالح الأمريكية بصورة مؤقتة، ولكن العالم يكتشف في كل يوم أن أمريكا تسعى لخدمة مصالحها على حساب المجتمع الدولي؛ وسيأتي قريباً اليوم الذي تصبح هذه الحقيقة جلية بدرجة كافية لوقوف العالم ضد كل من يسعى لتقديم مصلحة دولة بعينها مهما عظمت على مصالح كافة ساكني الأرض. لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن دولاً كفرنسا، والصين، قد تحدثت علانية عن عدم موافقتها على اللحاق بالركب الأمريكي، وتلبية رغباته الملحة. وسوف يظهر ذلك بصورة أكثر وضوحاً مع الأزمات القادمة. ومن ناحية أخرى، فإن أمريكا لا تعير العالم أي اهتمام عندما يختص الأمر بمصالحها الخاصة. فرغم أن كل أصابع الاتهام الدولية قد أشارت إلى الصين بتهمة معاونة باكستان في برنامجها النووي، فإن ذلك لم يمنع كلينتون من أن يطلب من الكونجرس في تلك الفترة نفسها معاملة الصين على أنها (دولة ذات تفضيل خاص) من قبل الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالتعاملات التجارية، في الوقت الذي تهدد فيه الإدارة الأمريكية بتوقيع أشد العقوبات الاقتصادية على باكستان! وقد علقت على ذلك الوكالة الفرنسية للأنباء بأن ذلك يمثل صورة من صور النفاق الأمريكي الممجوج. وفي جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس يوم ٣ يونيو ١٩٩٨م ، تحدث كارل إندرفارث، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون جنوب آسيا، معبراً عن أهمية المصالح الأمريكية قائلاً: (لن نسمح للهند أو باكستان بالمطالبة بالدخول في النادي النووي.. وسنبذل قصارى جهدنا في ظل القانون لتقليل الأثر السلبي لقرارات المقاطعة على الشركات الأمريكية المتعاملة مع الهند وباكستان) [١١] . استقراء المستقبل: إن كثيراً من دول العالم تسعى لاستثمار فكرة القنبلة النووية الإسلامية لمصالحها الخاصة. وقد تبدو العبارة لأول وهلة براقة وممتعة في أن يكون للمسلمين (قنبلتهم النووية) . ولكن العالم الإسلامي لا بد أن يحذر من المحاولات المتكررة لأعداء الإسلام لزرع الخوف في العالم من الإسلام والمسلمين، وتصوير اقتنائهم لمثل هذا السلاح، بأنه انتحار للعالم. لقد كتب هيرنامي كاركار في أحد مقالات جريدة (الرواد) الهندية حول هذه الفكرة قائلاً: (إن الهند دولة علمانية ديمقراطية تؤمن بالعصرنة والمساواة بين الجنسين، وهذه الأمور هي ضد التطرف الإسلامي. إن الهند تعتبر الآن العقبة الأولى أمام المد الإسلامي، وإذا نجحوا في القضاء عليها، فإن باقي دول العالم ستتعرض للخطر نفسه بما فيها الولايات المتحدة.. إنهم سيستخدمون الإرهاب.. وهذا سوف يؤثر بالتأكيد على مستوى الرفاهية التي تحياها أمريكا في الوقت الحالي.. ولعل ذلك يشعر أمريكا بأهمية وجود الهند القوية القادرة على الدفاع عن نفسها، وسوف يكون ذلك في مصلحة الغرب، وقد يرى أن من مصلحته أن يدعم التسلح النووي الهندي بدلاً من الوقوف في مواجهته) ! . وأخيراً فلم تكن تلك اللمحات السريعة عن الأسلحة النووية ومشكلة الهند وباكستان قصداً لذاتها، ولكنها صورة من صور الأوضاع العالمية والإقليمية التي يكون اسم السلام طرفاً فيها؛ فكلما هدأت العواصف قليلاً، ومالت الشعوب المسلمة بخاصة إلى تصديق أو هكذا أريد لها أن العالم يشهد مرحلة جديدة من (الحضارة) و (المدنية) تحكمها قائمة طويلة من القواعد و (المسلّمات) أمثال: (حقوق الإنسان) (حقوق الشعوب في تقرير المصير) (عدم التدخل في الشؤون الداخلية) (المصالح المشتركة) (السلام العادل والشامل) (الأمن والسلام العالمي) (المجتمع والأسرة الدولية) (منع انتشار الأسلحة النووية) وغير ذلك من الشعارات، كلما حسبت الشعوب أن تلك الأمور قد أصبحت أبجديات يجب الانطلاق منها، ووسائل لا يصح العمل إلا من خلالها، وغايات وأهدافاً يتحتم الانتهاء إليها، وكلما مالت إلى تصديق ذلك، تجددت الأحداث ووقع (ما لم يكن في الحسبان!) ، وإذا الأسئلة تمثل أمام تلك الشعوب من جديد: أهكذا وبسرعة تُنسى الأبجديات، وتُعطل الوسائل، وتُهمش الغايات والأهداف؟ ولا زال البعض يركض وراء القوم أو يتظاهر بذلك في دعواه لمحاولة إعادة الحقوق إلى أصحابها وتطبيق (القرارات الدولية) . فعندما تمس القضايا (العالمية) و (الإقليمية) و (الداخلية) من يحملون اسم الإسلام أو رسمه من قريب أو بعيد فعندئذٍ تتجلى (ازدواجية المعايير) وتسفر الصليبية عن وجهها الفاضح في عداء الإسلام، وإذا تلك القائمة الطويلة من الشعارات تُنَحّى جانباً وتخرج قائمة جديدة من التجاهل وغض الطرف، والحث على الاستعجال في الإجهاز على الضحية قبل أن تلتقط أنفاسها أو يُسمع صياحها، فإن حدث (لسوء الطالع!) وسمع المعترضون والمتسائلون فلا تزال هناك مهلة لشغلهم بمزيد من التنديد والوعيد بمعاقبة الفاعل.

стр. 2836

من ثمرات المنتدى في هذه الزاوية يسر المنتدى الإسلامي أن يتواصل مع قرائه الكرام بإيقافهم على آخر الأنشطة والمستجدات والفعاليات التي تتم بفضل الله تعالى في مختلف مكاتبه المنتشرة في أفريقيا وآسيا، سائلين الله تعالى أن يخلص النيات، ومتمنين من أحبابنا الكرام أن يزودونا بملحوظاتهم واقتراحاتهم، وأن يقفوا معنا بدعائهم وعونهم. إسلام خمسين شخصاً: في محافظة نيانزا في جمهورية كينيا اعتنق ابن نائب الوزير السابق الإسلام في حين أن جميع أبناء أسرته وقريته يتيهون في متاهات الشرك والضلال ويتخبطون خبط عشواء في دياجير الكفر والإلحاد، وعند وفاته، حضر المسلمون لأداء ما وجب عليهم نحو أخيهم المسلم، وبعد الدفن قام أحد دعاة المنتدى الإسلامي بإلقاء كلمة قصيرة عن الإسلام ومزاياه، إلا أنه قبل أن تنتهي كلمته فوجئ بأصابع كثيرة ممتدة إلى السماء، فظن أنها لم ترفع إلا لمعارضته، ولكن بدا له ما لم يكن في الحسبان؛ حيث أن الذين رفعوا أصابعهم أعلنوا إسلامهم واحداً بعد الآخر، حتى بلغوا خمسين شخصاً، وأبدوا أسفهم على كل لحظة قضوها في غير دين الحق. إنها عبرة لمن يعتبر، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام. دورة للأئمة والدعاة: تم بحمد الله تعالى عقد دورة علمية مكثفة متخصصة للأئمة والدعاة في جيبوتي شارك فيها اثنان وأربعون إماماً وداعية، واستمرت لمدة أسبوعين. وكان لها أثر كبير جداً على المستوى الرسمي والشعبي. بناء مساجد، مسابقات قرآنية، حفر آبار: تم البدء في بناء أربعة مساجد في دولة كينيا، وتم كذلك حفر بئر جوفي في منطقة كاكيوني. وعقدت في دولة الصومال مسابقة في حفظ القرآن الكريم والأربعين حديثاً النووية وبلغ عدد المتسابقين ١٤٦ طالباً وطالبة. قرية بأكملها تُسلم: سيّر المنتدى قافلة دعوية إلى قرية غرب مدينة كانو في نيجيريا، وبفضل الله تعالى أسلم زعيم الوثنيين في تلك القرية، ثم تبعه أربعة وستون شخصاً في الحال، ثم تتابع إسلام أهل القرية حتى غدت شبه خالية من الوثنيين، وهذه نعمة عظيمة نرجو الله تعالى أن يوفق دعاة المنتدى لمتابعة هؤلاء وتعليمهم أصول الإسلام وشرائعه. ملتقيات ودورات دعوية: عُقِدَ ملتقى دعوي لمدة ثلاثة أيام في دولة مالي بعنوان: (المنهج العلمي لتأهيل الدعاة) يعنى برفع كفايات الدعاة العلمية والمنهجية. وفي دولة بنين عقدت دورة لأئمة المساجد شارك فيها اثنان وخمسون إماماً. وفي دولة توجو أقيمت دورة لأئمة المساجد شارك فيها ستون شخصاً لمدة أسبوع، كما أقيم ملتقى دعوي شارك فيه عشرون داعية. لقد كنت صفراً: في أمسية ثقافية عن: (واجبات الشباب المسلم) نظمها مكتب المنتدى الإسلامي في غانا للطلبة الجامعيين، وفي نهاية المحاضرة قام شاب يدرس الصيدلة وقد ظهرت عليه مظاهر التشبه بالغرب وقد بدا عليه التأثر، وارتسمت على قسمات وجهه مشاعر الغيرة، وبدأ يتحدث عن واقع الشباب المسلم في بلده وعن مدى غياب الفهم الصحيح لحقيقة الإسلام لديهم. واستطرد هذا الشاب في حديثه بعبارات قوية ونبرات حزينة نزلت على أسماع الحضور وكأنما هي سياط ساخنة، فألهبت مشاعرهم، وانتزع منهم عبارات التكبير مرات ومرات. فحمّل الدعاة المسؤوليةَ أمام الله، وطالبهم بالقيام بواجبهم تجاه دينهم، ولقد استوقف الحضور عبارة أطلقها هذا الشاب دوّى بها المكان حين قال: (أشعر أنني ولدت في هذه الدورة؛ ومن هذه اللحظة بدأت أفهم حقيقة الإسلام، أما ما مضى من حياتي في الإسلام فقد كان صفراً) . كم تشعرنا هذه الكلمات بعظم المسؤولية وحجم التقصير والإهمال لشريحة من أهم شرائح المجتمع ألا وهي فئة الشباب المثقف الذي وجد نفسه في بيئات تموج بها تيارات العلمنة تارة والتغريب تارة والخرافة تارة آخرى، حتى عُزلت عن دينها بل وأُشربت قلوبها وعقولها ولاءً وإعجاباً بأعدائها، وهي تجهل أبجديات دينها؛ ومصداق ذلك أن كثيراً من الشباب الذين شاركوا في تلك الدورة لم يكونوا يجيدون حتى فاتحة الكتاب! فكانت الدورة لهم سبيلاً للفهم والعمل، وطريقاً للعلم؛ إن شاء الله. إن هذا الأمر ليُبرِز مدى الحاجة للتركيز أكثر من ذي قبل على هذه الفئات التي تمتلك مقومات عديدة لنجاح الدعوة في أوساطها من حماس لدينها، واستعداد لتعلمه، والدفاع عنه، وإن التركيز على هذه الشريحة يعني صناعة دعاة يحملون الهمّ والحماس ينتشرون في مواقع عديدة وتخصصات مختلفة لم يستطع الدعاة في تلك البلدان الوصول إليها. فيا أيها الدعاة كفى تهميشاً وإغفالاً لهؤلاء! وحقاً إنه لموقف يبعث الأمل ... ويدفع للعمل! الكتاب الإسلامي في أوغندا: يُعنى المنتدى بنشر العلوم الإسلامية وتيسيرها بين أيدي الناس، وقد وزع مكتب أوغندا ما يزيد على مائة مكتبة طالب علم باللغة الإنجليزية والسواحلية، بالإضافة إلى أحد عشر مكتبة طالب علم باللغة العربية، بالإضافة إلى العديد من الكتب العلمية مثل: أعلام السنة المنشورة، وتفسير تيسير الكريم الرحمن للسعدي. مُصلّى في مدرسة تنصيرية سيّر مكتب أوغندا قافلتين دعويتين ممّا أدى إلى تنشيط المسلمين في القرى التي وصلت إليها، حتى إنهم أجبروا مدرسة أمبوما الكاثوليكية على الموافقة على إقامة الصلوات فيها، وتخصيص مكان لذلك. قوافل دعوية: حرصاً من المنتدى لنشر الإسلام والدعوة الصحيحة فقد سيّر بفضل الله تعالى عدداً من القوافل الدعوية التي تهدف إلى نشر الإسلام والعقيدة الصحيحة إلى القرى والأرياف النائية، ففي مالي سيرت خمس قوافل شملت خمس قرى، وفي جيبوتي سيرت ثلاث قوافل، وفي بنين ست قوافل. وكان لها ولله الحمد آثار عظيمة مباركة نسأل الله أن يكتب فيها الأجر. افتتاح مركزين تعليميين في بُرتنلي وقرضو: تم بحمد الله تعالى افتتاح مركزين تعليميين في شمال شرق الصومال، في مدينتي برتنلي وقرضو، وهما معهدان ثانويان شرعيان يعنيان بتعليم مختلف العلوم الشرعية والعربية، ويحتوي كل معهد على ثمانية فصول، يدرس في كل منهما (١٢٠) طالباً وطالبة.

стр. 2837

الورقة الأخيرة وقفة مع أزمة الثقة سالم فرح سعد إن كثيراً من أعمالنا وأقوالنا وجهودنا في حاجة إلى توثيق وتحقيق.. خاصة تلك التي تمثل فكراً ناضجاً، أو عملاً مثمراً لإقامة شرع الله في الأرض، ويكون ذلك بمراجعة دون تراجعٍ أو رجوع، وبمحاسبة دون تقريع وتوبيخ.. ومع طول الطريق، وعُمق الثقة، يقوم العمل، ويصحح المسار؛ وأزمات (الدعوة الإسلامية) لن تنتهي ما دام هناك خلل في الصف، وانعدام في الثقة، واستبدادٌ بالرأي. فإن أصل الفتن: الاستبداد وترك الشورى؛ وكل ذلك إفرازات عن (أحادية التفكير) و (انعدام الثقة) .. فلا بد من وقفة بل وقفات للنقد الذاتي الهادف الناصح البنّاء مع العمل الإسلامي المعاصر وأبنائه العاملين المجاهدين؛ إذ أخذوا على عاتقهم بناء الأمة، وإقامة الدين، طالبين من الله العون والمدد. وهذه الوقفة تبدأ بالنظر في صدقية أعمالنا، وجدية جهودنا، وثقة شخصيتنا؛ فالشخصية الإسلامية شخصية سوية قويمة لم تشوّه جِبِلّتها، ولم تمسخ فطرتها، وهي جديرة بأن تكسب ثقة الناس بها من خلال صدقها في التعامل، وإخلاصها في التأسيس والبناء.. وتلك حكمة قرآنية في ارتباط الإيمان بالعمل الصالح الذي يجعل صاحبه في أحسن تقويم، كما في قوله تعالى: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ] [التين: ٤ - ٦] . أما إذا انتكست فطرتها، وتشوّشت أفكارها، واستبدت برأيها، وكتمتْ الحق الذي يخالف أهواءَ الناس وحرصتْ على إبراز ما يوافقها ويؤيدها عندها يكون الإفساد أكثر من الإصلاح، والخطأ أكثر من الصواب. وعندها يكون الداعية المجاهد عوناً للباطل دون أن يدري، ثم بعد انكشاف الحقائق، واتضاح الأمور، يفقد أهل الحق صدقيتهم وثقة الناس بهم. ولا يعني الإلحاح على (عمق الثقة) وأنها أزمتنا الحاضرة أن نبالغ فيها ونتكلف في تحصيلها فنترك العمل أو نبطل شرعيته لفقدانها فلا بد من التوازن. ما من شك في أهمية هذا المطلب وفعاليته، لكن شرعية العمل وصحته شيء، والثقة والمعاملة شيء آخر. فإن من أشد فتن العلم والعمل: ذلك التسويغ الفاسد، والورع البارد، حيث يتعلل المرء بترك المأمور أو إتيان المفضول ويجد لذلك من تصيّدِ الرخص والأسانيد الواهية ما يقنع به نفسه، ويمنعه من بلوغ هدفه. وهذا فقه نبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذ يقول: (ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وَجب عليه من ذلك بأن يطلب السلامة من الفتنة، كما قال تعالى في المنافقين: [وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا] [التوبة: ٤٩] [١] . فذكر هنا مظهراً من مظاهر التسويغ، وهو ترك الجهاد لطلب السلامة من الفتن، وقس على ذلك أموراً كثيرة وقضايا كبيرة في حقل العمل الإسلامي، تترك أو تبطل وتنقض بمعاذير واهية أو تسويغات ساذَجة. وأزمة الثقة لا تتجسد في كونها عائقاً عن العمل والالتقاء، وإنما في كونها خللاً ينبغي على الجميع العمل لسده، وعلاجه كي لا يتسع ويستفحل، ولا يتأتى ذلك إلا بسعة الأفق، ورحابة الصدر، فالفقه فقه العمل، والسير سير القلب.

стр. 2838

جمادى الأولى - ١٤١٩هـ سبتمبر - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2839

كلمة صغيرة أما لهذا الليل من آخِر ؟ ! إلى متى يستمر مسلسل القتل والتدمير في الجزائر؟ ! هذا هو السؤال الكبير الذي يردده أهل الجزائر، وجميع المتابعين والمراقبين لهذه المآسي الملأى بألوان صارخة من الظلم والقهر والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، والتي تتصدر الأخبار الجزائرية. تهدأ الأوضاع أياماً قليلة، وفجأة يضج الناس بالصياح والبكاء، وتتزلزل الأرض من تحت أقدامهم. وهاهو بكاء الثكالى ونحيب الأطفال وأنين الشيوخ، وأزيز الرصاص يطغى على كل شيء في أرض المليون شهيد! ست سنوات من الهلع والخوف.. ست سنوات من القلق والاضطراب، منذ أن أطلقت الطغمة العسكرية الحاكمة الرصاصة الأولى، ثم أتبعتها بوابل من القنابل والمتفجرات. ما الذي يجنيه العسكريون من ذلك كله..؟ ! أيريدون ترويض الشعب؛ ووأد البقية الباقية من العزة والكرامة في نفوسهم؟ ! أيريدون تشويه الحركة الإسلامية وتنفير الناس منها؟ ! لقد اتضحت الصورة وانكشفت الحقيقة، وسقطت الأقنعة المزيفة التي تتخفى وراءها القيادة العسكرية، وأسفرت عن وحشيتها وخيانتها؛ وقد أدرك المتابعون بمختلف اتجاهاتهم الفكرية أن الاستخبارات العسكرية وراء أكثر الأعمال وحشية في الجزائر، حتى إن الصحافة الغربية وهي المعروفة بتحيزها وانتقائيتها لم تطق صبراً، واعترفت بالحقيقة. وها هنا نقول للعسكريين في الجزائر: إن الإسلام هو قدر الله في الجزائر، وإن أطنابه ضاربة في أعماق الأرض، ولن تقوى وحشيتكم وجبروتكم على إبعاد الإسلام عن تلك الأرض الطيبة، وسوف تُخْفِق كل الدعوات التغريبية والقبلية.. ولن يبقى بإذن الله إلا كلمة التوحيد [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] .

стр. 2840

الافتتاحية المناهج بين التطوير والتدمير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فالمناهج التعليمية في كل بلدان العالم يحرص المسؤولون المخلصون والتربويون الصادقون على أن تعكس الخصائص العقدية والثقافية والاجتماعية لكل بلد وتكون مرتبطة بالواقع المعاش لتسهم في نهضته وانطلاقته الحضارية. ومن هنا توضع هذه المهمة في أيد أمينة لتوصيل تلك الأهداف للأجيال: تتلقاها، وتؤمن بها، وتسير على ضوئها. إلا أنه منذ السيطرة العلمانية على الساحة التعليمية أخذت المناهج تسير نحو الصبغة اللادينية في موضوعاتها وطرق تناولها، ثم تحولت هذه المساعي إلى انحراف أعمق. وفي السنوات الأخيرة ظهر اتجاه مشبوه يريد العبث بالمناهج وبمنطلقاتها وبخاصة الشرعية منها بالتغيير والمسخ والخلط والمزج بدعاوى التطوير والتنوير! ! ومن هذا المنطلق لفت نظر كل مسلم متابع الحوارات الساخنة التي أثيرت حول قانون لتطوير التعليم الأزهري؛ حيث خرج كثير ممن تناولوا الموضوع عن الموضوعية، وتراشقوا بالاتهامات، حتى اعتبر فضيلة شيخ الأزهر، أن أصحاب الأصوات المخالفة يهاجمون الأزهر وقد وصفهم بأنهم مرتزقة وجبناء وتجار دين! كما وصف كل الأصوات التي تردد عبارة: (اختراق الأزهر فكرياً وتعليمياً) بالجهل والحماقة. وبعيداً عن دائرة التراشق المتبادل، وبعد أن هدأت حدة العاصفة، بإقرار القانون المذكور وحل مجلس إدارة جبهة علماء الأزهر التي كانت رأس الحربة في معارضة ذلك القانون.. نريد تقديم وجهة نظر حول هذا المشروع. ولكن قبل ذلك نود إيضاح أن الاهتمام بشأن الأزهر لا يقتصر على المصريين فقط، بل يجب أن يشمل كل مسلم يهتم بأمر المسلمين؛ ذلك أن أثر الأزهر يتعدى مصر إلى بقاع كثيرة من العالم الإسلامي؛ وذلك من خلال كونه: ١- مرجعية علمية ومصدراً للفتوى لملايين المسلمين على اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم وتوجهاتهم. ٢- لكونه مصدر إمداد أنحاء كثيرة من بلدان العالم الإسلامي بالدعاة والعلماء، حتى إن بعض البلاد تقوم الدعوة فيها على دعاة الأزهر المبتعثين، كما أن بعض الجامعات الإسلامية أُسست على علماء معظمهم أزهريون. ٣- وباعتباره جامعة إسلامية علمية لكثير من أبناء العالم الإسلامي، الذين يعودون إلى بلادهم باعتبارهم دعاة وعلماء أو حتى قادة وساسة! ! ٤- لأنه قدوة تحتذي به مؤسسات علمية أخرى. فإذا كان الأمر كذلك، فما أبعاد الأزمة الأخيرة؟ في مذكرة إيضاحية لمشروع القانون المقترح بعث بها فضيلة شيخ الأزهر إلى مجلس الشعب المصري أكد فيها على الحاجة الملحة للتطوير، قال: (لقد بات من الضروري تطويع التعليم الأزهري ليتلاءم مع متغيرات العصر، وليحقق الفرص المتكافئة للطالب الأزهري الذي يعاني من العبء الكبير الملقى على كاهله في المرحلة الثانوية الأزهرية التي يدرسها في أربع سنوات؛ في حين أن زميله بمدارس وزارة التربية والتعليم يدرسها في ثلاث سنوات فقط) . ومن ثم: اقترح مشروع القانون تخفيض سنوات الدراسة الثانوية إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى تقديم خطة دراسية لهذه المرحلة تتواءم وأهداف القانون المقترح. كما اقترح القانون إنشاء أقسام فنية تابعة للتعليم الأزهري (زراعي صناعي تجاري) . وفي ضوء ذلك نود تسجيل الملحوظات الآتية: أولاً: أن منهج الطالب الأزهري مزدحم ومرهق بالفعل، وهناك صعوبة ملموسة في استيعابه لكل هذا الكم من المعلومات الشرعية والمواد الأخرى، ولكن مقارنته بطالب مدارس التربية والتعليم في عدد السنوات الدراسية غير مفهوم؛ لأن المواد التي يدرسها هذا غير التي يدرسها ذاك من ناحية المادة العلمية وحجمها. ثانياً: أن حاجة عالم الدين إلى العلوم غير الشرعية (وإن كانت مشروعة) هي بمقدار ما يعينه على فهم الواقع المحيط به لتنزيل أحكام الشريعة على هذا الواقع، أو للدعوة إلى الله على بصيرة، فليس من المناسب عزله عن هذه العلوم، ولكن ليس من الحكمة إغراقه فيها، ومن أراد التوسع فيها فيمكنه الاستزادة من المراكز والمؤسسات الأخرى المتخصصة في هذه العلوم، أو بذل جهوده الفردية في ذلك. ثالثاً: أن من يقف ضد مبدأ التطوير فإنه يقف ضد الزمن، ولا نظن أن أحداً يرفض هذا المبدأ، ولكن ما هو التطوير المناسب الذي ينبغي إدخاله في هذه المؤسسة العلمية؟ رابعاً: يجرنا هذا إلى التذكير بالمهمة المناطة بالأزهر باعتباره مؤسسة تعليمية متخصصة في علوم الدين في المقام الأول، لا يشاركه في ريادة هذا التخصص أي مؤسسة أخرى في مصر، بينما ينافسه ويتفوق عليه في التخصصات العلمية الأخرى أكثر من جامعة ومركز للبحوث. وهنا نصل إلى النظر في محطات بارزة في المسيرة المعاصرة (لتطوير) الأزهر: في سنة ١٩١١م سنت الحكومة المصرية قانوناً ينظم الدراسة الأزهرية على ثلاث مراحل: (أولية، وثانوية، وعالمية) ، وفيه أصبح تدريس العلوم الحديثة المسماة بالعلوم العقلية إجبارياً بعد أن كان اختيارياً. في سنة ١٩٣٠م صدر قانون ينظم التعليم في الأزهر في ثلاث مراحل: (ابتدائية ومدتها أربع سنوات، وثانوية ومدتها خمس سنوات، وعليا ومدتها أربع سنوات) كما أنشئت كليات الأزهر الثلاث: (اللغة العربية، والشريعة، وأصول الدين) . في سنة ١٩٣٦م أدخل تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومبادئ الفلسفة وتاريخها، ومادتي القانون الدولي والقانون المقارن لطلاب الشريعة، إلى جانب بعض المواد العلمية في المرحلة الثانوية. في العهد الناصري (سنة ١٩٦١م) صدر قانون تطوير الأزهر الشهير، الذي كان أهم ملامحه: إضافة مناهج وزارة التربية والتعليم إلى مناهج العلوم الشرعية المقررة على طلاب المراحل الأزهرية دون الجامعية، كما أنشئت كليات أزهرية للتجارة والإدارة والطب والهندسة والزراعة.. ولأجل استيعاب هذا التطور فقد خفضت المواد الشرعية بنسبة ٣٣%، كما تقلص مجموع سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية من تسع سنوات إلى ثمان، ثم إلى سبع، واختصرت المواد الشرعية مرات عديدة حتى عام ١٩٩٦م، بمجموع يدور حول ٦٠% للمرحلة الثانوية و٥٣% للمرحلة الإعدادية، بينما ظلت مناهج وزارة التربية والتعليم كما هي. وفي القانون الأخير محل النقاش تم تقليص عدد سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى ست سنوات، واختصار المواد الشرعية بنسب متفاوتة، مع الإبقاء على مواد التعليم العام كما هي أيضاً. ويبدو أن هذه المحطة ليست الأخيرة في مسيرة التطوير، التي نلاحظ عليها: أنه صاحبها مد علماني جارف تناسب حجمه مع حجم كل خطوة تطوير؛ فالمقصود هو عملية إفراغ ثم إحلال. وصاحبها أيضاً إلغاء أو تحجيم لمرجعيات علمية أخرى كهيئة كبار العلماء ولجان الفتوى بالأزهر. أن اتجاه التطوير كان نحو إيجاد أزمة تتمثل في صعوبة استيعاب الطالب لهذا الكم الكبير من العلوم الشرعية والمدنية، ثم حل هذه الأزمة بتخفيض المواد الشرعية وحدها والإبقاء على المواد الأخرى. فماذا لو استمرت مسيرة التطوير على هذا المنوال؟ سيؤول مصير التعليم الأزهري إلى مصير المحاكم الشرعية؛ حيث أنشئت في إحدى المراحل المحاكم المختلطة، ثم تحولت جميعها إلى المحاكم المدنية بكامل قوانينها الوضعية. سيخطو العلمانيون خطوة كبيرة على طريق تجفيف المنابع وهذا ما يبذلون له كل الجهود. سيفقد الناس على نطاق واسع معين مرجعيتهم العلمية، فمن أين سيخرج علماء الدين إن لم يخرجوا من مؤسسات علمية متخصصة؟ سيفتح المجال واسعاً لأنصاف العلماء والرؤوس الجهال الذين سوف يتبوؤون مكانة التحدث باسم الدين، وحينها يُطوّع الدين للمآرب والمصالح لا أن يكون هو المهيمن والموجه. ستُشجّع بلاد أخرى على المضي قدماً في مثل هذا الطريق باعتبار الأزهر نموذجاً يحتذى. هذا ما يلوح في الأفق؛ إذ إن هناك جهوداً على قدم وساق في أكثر من بلد مسلم لمحاولات التطوير المشبوهة تارة بتخفيض حصص المواد الشرعية؛ وتارة بحذف بعض المواضيع المعينة كالجهاد والولاء والبراء مثلاً، ثم دمج المواد ببعضها وتسميتها بمسميات جديدة. والذي يدعو إلى هذه الخطوات أناس تسنمو ذرى وزارات التربية والتعليم؛ وقد تشبعوا بالتوجهات الغربية وهم يعملون جاهدين لتطبيق الأفكار العلمانية بخطوات مدروسة وماكرة قد لا تلفت الانتباه إليها حتى يحققوا آمالهم في قطع صلة الأجيال المسلمة بعقيدتها وتاريخها وتراثها، تارة باسم التطبيع، وتارة باسم تطوير المناهج، وتارة بعقلية العسكر الأتراك الحاقدة على الإسلام. فمتى نعي ذلك المخطط الرهيب [١] ؟ إنها دعوة صادقة لمن يهمه الأمر قبل فوات الأوان!
следующие страницы →