← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

من ثمرات المنتدى في هذه الزاوية يسر المنتدى الإسلامي أن يتواصل مع قرائه الكرام بإيقافهم على آخر الأنشطة والمستجدات والفعاليات التي تتم بفضل الله تعالى في مختلف مكاتبه المنتشرة في أفريقيا وآسيا، سائلين الله تعالى أن يخلص النيات، ومتمنين من أحبابنا الكرام أن يزودونا بملحوظاتهم واقتراحاتهم، وأن يقفوا معنا بدعائهم وعونهم. إسلام خمسين شخصاً: في محافظة نيانزا في جمهورية كينيا اعتنق ابن نائب الوزير السابق الإسلام في حين أن جميع أبناء أسرته وقريته يتيهون في متاهات الشرك والضلال ويتخبطون خبط عشواء في دياجير الكفر والإلحاد، وعند وفاته، حضر المسلمون لأداء ما وجب عليهم نحو أخيهم المسلم، وبعد الدفن قام أحد دعاة المنتدى الإسلامي بإلقاء كلمة قصيرة عن الإسلام ومزاياه، إلا أنه قبل أن تنتهي كلمته فوجئ بأصابع كثيرة ممتدة إلى السماء، فظن أنها لم ترفع إلا لمعارضته، ولكن بدا له ما لم يكن في الحسبان؛ حيث أن الذين رفعوا أصابعهم أعلنوا إسلامهم واحداً بعد الآخر، حتى بلغوا خمسين شخصاً، وأبدوا أسفهم على كل لحظة قضوها في غير دين الحق. إنها عبرة لمن يعتبر، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام. دورة للأئمة والدعاة: تم بحمد الله تعالى عقد دورة علمية مكثفة متخصصة للأئمة والدعاة في جيبوتي شارك فيها اثنان وأربعون إماماً وداعية، واستمرت لمدة أسبوعين. وكان لها أثر كبير جداً على المستوى الرسمي والشعبي. بناء مساجد، مسابقات قرآنية، حفر آبار: تم البدء في بناء أربعة مساجد في دولة كينيا، وتم كذلك حفر بئر جوفي في منطقة كاكيوني. وعقدت في دولة الصومال مسابقة في حفظ القرآن الكريم والأربعين حديثاً النووية وبلغ عدد المتسابقين ١٤٦ طالباً وطالبة. قرية بأكملها تُسلم: سيّر المنتدى قافلة دعوية إلى قرية غرب مدينة كانو في نيجيريا، وبفضل الله تعالى أسلم زعيم الوثنيين في تلك القرية، ثم تبعه أربعة وستون شخصاً في الحال، ثم تتابع إسلام أهل القرية حتى غدت شبه خالية من الوثنيين، وهذه نعمة عظيمة نرجو الله تعالى أن يوفق دعاة المنتدى لمتابعة هؤلاء وتعليمهم أصول الإسلام وشرائعه. ملتقيات ودورات دعوية: عُقِدَ ملتقى دعوي لمدة ثلاثة أيام في دولة مالي بعنوان: (المنهج العلمي لتأهيل الدعاة) يعنى برفع كفايات الدعاة العلمية والمنهجية. وفي دولة بنين عقدت دورة لأئمة المساجد شارك فيها اثنان وخمسون إماماً. وفي دولة توجو أقيمت دورة لأئمة المساجد شارك فيها ستون شخصاً لمدة أسبوع، كما أقيم ملتقى دعوي شارك فيه عشرون داعية. لقد كنت صفراً: في أمسية ثقافية عن: (واجبات الشباب المسلم) نظمها مكتب المنتدى الإسلامي في غانا للطلبة الجامعيين، وفي نهاية المحاضرة قام شاب يدرس الصيدلة وقد ظهرت عليه مظاهر التشبه بالغرب وقد بدا عليه التأثر، وارتسمت على قسمات وجهه مشاعر الغيرة، وبدأ يتحدث عن واقع الشباب المسلم في بلده وعن مدى غياب الفهم الصحيح لحقيقة الإسلام لديهم. واستطرد هذا الشاب في حديثه بعبارات قوية ونبرات حزينة نزلت على أسماع الحضور وكأنما هي سياط ساخنة، فألهبت مشاعرهم، وانتزع منهم عبارات التكبير مرات ومرات. فحمّل الدعاة المسؤوليةَ أمام الله، وطالبهم بالقيام بواجبهم تجاه دينهم، ولقد استوقف الحضور عبارة أطلقها هذا الشاب دوّى بها المكان حين قال: (أشعر أنني ولدت في هذه الدورة؛ ومن هذه اللحظة بدأت أفهم حقيقة الإسلام، أما ما مضى من حياتي في الإسلام فقد كان صفراً) . كم تشعرنا هذه الكلمات بعظم المسؤولية وحجم التقصير والإهمال لشريحة من أهم شرائح المجتمع ألا وهي فئة الشباب المثقف الذي وجد نفسه في بيئات تموج بها تيارات العلمنة تارة والتغريب تارة والخرافة تارة آخرى، حتى عُزلت عن دينها بل وأُشربت قلوبها وعقولها ولاءً وإعجاباً بأعدائها، وهي تجهل أبجديات دينها؛ ومصداق ذلك أن كثيراً من الشباب الذين شاركوا في تلك الدورة لم يكونوا يجيدون حتى فاتحة الكتاب! فكانت الدورة لهم سبيلاً للفهم والعمل، وطريقاً للعلم؛ إن شاء الله. إن هذا الأمر ليُبرِز مدى الحاجة للتركيز أكثر من ذي قبل على هذه الفئات التي تمتلك مقومات عديدة لنجاح الدعوة في أوساطها من حماس لدينها، واستعداد لتعلمه، والدفاع عنه، وإن التركيز على هذه الشريحة يعني صناعة دعاة يحملون الهمّ والحماس ينتشرون في مواقع عديدة وتخصصات مختلفة لم يستطع الدعاة في تلك البلدان الوصول إليها. فيا أيها الدعاة كفى تهميشاً وإغفالاً لهؤلاء! وحقاً إنه لموقف يبعث الأمل ... ويدفع للعمل! الكتاب الإسلامي في أوغندا: يُعنى المنتدى بنشر العلوم الإسلامية وتيسيرها بين أيدي الناس، وقد وزع مكتب أوغندا ما يزيد على مائة مكتبة طالب علم باللغة الإنجليزية والسواحلية، بالإضافة إلى أحد عشر مكتبة طالب علم باللغة العربية، بالإضافة إلى العديد من الكتب العلمية مثل: أعلام السنة المنشورة، وتفسير تيسير الكريم الرحمن للسعدي. مُصلّى في مدرسة تنصيرية سيّر مكتب أوغندا قافلتين دعويتين ممّا أدى إلى تنشيط المسلمين في القرى التي وصلت إليها، حتى إنهم أجبروا مدرسة أمبوما الكاثوليكية على الموافقة على إقامة الصلوات فيها، وتخصيص مكان لذلك. قوافل دعوية: حرصاً من المنتدى لنشر الإسلام والدعوة الصحيحة فقد سيّر بفضل الله تعالى عدداً من القوافل الدعوية التي تهدف إلى نشر الإسلام والعقيدة الصحيحة إلى القرى والأرياف النائية، ففي مالي سيرت خمس قوافل شملت خمس قرى، وفي جيبوتي سيرت ثلاث قوافل، وفي بنين ست قوافل. وكان لها ولله الحمد آثار عظيمة مباركة نسأل الله أن يكتب فيها الأجر. افتتاح مركزين تعليميين في بُرتنلي وقرضو: تم بحمد الله تعالى افتتاح مركزين تعليميين في شمال شرق الصومال، في مدينتي برتنلي وقرضو، وهما معهدان ثانويان شرعيان يعنيان بتعليم مختلف العلوم الشرعية والعربية، ويحتوي كل معهد على ثمانية فصول، يدرس في كل منهما (١٢٠) طالباً وطالبة.

стр. 2837

الورقة الأخيرة وقفة مع أزمة الثقة سالم فرح سعد إن كثيراً من أعمالنا وأقوالنا وجهودنا في حاجة إلى توثيق وتحقيق.. خاصة تلك التي تمثل فكراً ناضجاً، أو عملاً مثمراً لإقامة شرع الله في الأرض، ويكون ذلك بمراجعة دون تراجعٍ أو رجوع، وبمحاسبة دون تقريع وتوبيخ.. ومع طول الطريق، وعُمق الثقة، يقوم العمل، ويصحح المسار؛ وأزمات (الدعوة الإسلامية) لن تنتهي ما دام هناك خلل في الصف، وانعدام في الثقة، واستبدادٌ بالرأي. فإن أصل الفتن: الاستبداد وترك الشورى؛ وكل ذلك إفرازات عن (أحادية التفكير) و (انعدام الثقة) .. فلا بد من وقفة بل وقفات للنقد الذاتي الهادف الناصح البنّاء مع العمل الإسلامي المعاصر وأبنائه العاملين المجاهدين؛ إذ أخذوا على عاتقهم بناء الأمة، وإقامة الدين، طالبين من الله العون والمدد. وهذه الوقفة تبدأ بالنظر في صدقية أعمالنا، وجدية جهودنا، وثقة شخصيتنا؛ فالشخصية الإسلامية شخصية سوية قويمة لم تشوّه جِبِلّتها، ولم تمسخ فطرتها، وهي جديرة بأن تكسب ثقة الناس بها من خلال صدقها في التعامل، وإخلاصها في التأسيس والبناء.. وتلك حكمة قرآنية في ارتباط الإيمان بالعمل الصالح الذي يجعل صاحبه في أحسن تقويم، كما في قوله تعالى: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ] [التين: ٤ - ٦] . أما إذا انتكست فطرتها، وتشوّشت أفكارها، واستبدت برأيها، وكتمتْ الحق الذي يخالف أهواءَ الناس وحرصتْ على إبراز ما يوافقها ويؤيدها عندها يكون الإفساد أكثر من الإصلاح، والخطأ أكثر من الصواب. وعندها يكون الداعية المجاهد عوناً للباطل دون أن يدري، ثم بعد انكشاف الحقائق، واتضاح الأمور، يفقد أهل الحق صدقيتهم وثقة الناس بهم. ولا يعني الإلحاح على (عمق الثقة) وأنها أزمتنا الحاضرة أن نبالغ فيها ونتكلف في تحصيلها فنترك العمل أو نبطل شرعيته لفقدانها فلا بد من التوازن. ما من شك في أهمية هذا المطلب وفعاليته، لكن شرعية العمل وصحته شيء، والثقة والمعاملة شيء آخر. فإن من أشد فتن العلم والعمل: ذلك التسويغ الفاسد، والورع البارد، حيث يتعلل المرء بترك المأمور أو إتيان المفضول ويجد لذلك من تصيّدِ الرخص والأسانيد الواهية ما يقنع به نفسه، ويمنعه من بلوغ هدفه. وهذا فقه نبه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذ يقول: (ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة صار في الناس من يتعلل لترك ما وَجب عليه من ذلك بأن يطلب السلامة من الفتنة، كما قال تعالى في المنافقين: [وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا] [التوبة: ٤٩] [١] . فذكر هنا مظهراً من مظاهر التسويغ، وهو ترك الجهاد لطلب السلامة من الفتن، وقس على ذلك أموراً كثيرة وقضايا كبيرة في حقل العمل الإسلامي، تترك أو تبطل وتنقض بمعاذير واهية أو تسويغات ساذَجة. وأزمة الثقة لا تتجسد في كونها عائقاً عن العمل والالتقاء، وإنما في كونها خللاً ينبغي على الجميع العمل لسده، وعلاجه كي لا يتسع ويستفحل، ولا يتأتى ذلك إلا بسعة الأفق، ورحابة الصدر، فالفقه فقه العمل، والسير سير القلب.

стр. 2838

جمادى الأولى - ١٤١٩هـ سبتمبر - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2839

كلمة صغيرة أما لهذا الليل من آخِر ؟ ! إلى متى يستمر مسلسل القتل والتدمير في الجزائر؟ ! هذا هو السؤال الكبير الذي يردده أهل الجزائر، وجميع المتابعين والمراقبين لهذه المآسي الملأى بألوان صارخة من الظلم والقهر والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، والتي تتصدر الأخبار الجزائرية. تهدأ الأوضاع أياماً قليلة، وفجأة يضج الناس بالصياح والبكاء، وتتزلزل الأرض من تحت أقدامهم. وهاهو بكاء الثكالى ونحيب الأطفال وأنين الشيوخ، وأزيز الرصاص يطغى على كل شيء في أرض المليون شهيد! ست سنوات من الهلع والخوف.. ست سنوات من القلق والاضطراب، منذ أن أطلقت الطغمة العسكرية الحاكمة الرصاصة الأولى، ثم أتبعتها بوابل من القنابل والمتفجرات. ما الذي يجنيه العسكريون من ذلك كله..؟ ! أيريدون ترويض الشعب؛ ووأد البقية الباقية من العزة والكرامة في نفوسهم؟ ! أيريدون تشويه الحركة الإسلامية وتنفير الناس منها؟ ! لقد اتضحت الصورة وانكشفت الحقيقة، وسقطت الأقنعة المزيفة التي تتخفى وراءها القيادة العسكرية، وأسفرت عن وحشيتها وخيانتها؛ وقد أدرك المتابعون بمختلف اتجاهاتهم الفكرية أن الاستخبارات العسكرية وراء أكثر الأعمال وحشية في الجزائر، حتى إن الصحافة الغربية وهي المعروفة بتحيزها وانتقائيتها لم تطق صبراً، واعترفت بالحقيقة. وها هنا نقول للعسكريين في الجزائر: إن الإسلام هو قدر الله في الجزائر، وإن أطنابه ضاربة في أعماق الأرض، ولن تقوى وحشيتكم وجبروتكم على إبعاد الإسلام عن تلك الأرض الطيبة، وسوف تُخْفِق كل الدعوات التغريبية والقبلية.. ولن يبقى بإذن الله إلا كلمة التوحيد [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] .

стр. 2840

الافتتاحية المناهج بين التطوير والتدمير الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فالمناهج التعليمية في كل بلدان العالم يحرص المسؤولون المخلصون والتربويون الصادقون على أن تعكس الخصائص العقدية والثقافية والاجتماعية لكل بلد وتكون مرتبطة بالواقع المعاش لتسهم في نهضته وانطلاقته الحضارية. ومن هنا توضع هذه المهمة في أيد أمينة لتوصيل تلك الأهداف للأجيال: تتلقاها، وتؤمن بها، وتسير على ضوئها. إلا أنه منذ السيطرة العلمانية على الساحة التعليمية أخذت المناهج تسير نحو الصبغة اللادينية في موضوعاتها وطرق تناولها، ثم تحولت هذه المساعي إلى انحراف أعمق. وفي السنوات الأخيرة ظهر اتجاه مشبوه يريد العبث بالمناهج وبمنطلقاتها وبخاصة الشرعية منها بالتغيير والمسخ والخلط والمزج بدعاوى التطوير والتنوير! ! ومن هذا المنطلق لفت نظر كل مسلم متابع الحوارات الساخنة التي أثيرت حول قانون لتطوير التعليم الأزهري؛ حيث خرج كثير ممن تناولوا الموضوع عن الموضوعية، وتراشقوا بالاتهامات، حتى اعتبر فضيلة شيخ الأزهر، أن أصحاب الأصوات المخالفة يهاجمون الأزهر وقد وصفهم بأنهم مرتزقة وجبناء وتجار دين! كما وصف كل الأصوات التي تردد عبارة: (اختراق الأزهر فكرياً وتعليمياً) بالجهل والحماقة. وبعيداً عن دائرة التراشق المتبادل، وبعد أن هدأت حدة العاصفة، بإقرار القانون المذكور وحل مجلس إدارة جبهة علماء الأزهر التي كانت رأس الحربة في معارضة ذلك القانون.. نريد تقديم وجهة نظر حول هذا المشروع. ولكن قبل ذلك نود إيضاح أن الاهتمام بشأن الأزهر لا يقتصر على المصريين فقط، بل يجب أن يشمل كل مسلم يهتم بأمر المسلمين؛ ذلك أن أثر الأزهر يتعدى مصر إلى بقاع كثيرة من العالم الإسلامي؛ وذلك من خلال كونه: ١- مرجعية علمية ومصدراً للفتوى لملايين المسلمين على اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم وتوجهاتهم. ٢- لكونه مصدر إمداد أنحاء كثيرة من بلدان العالم الإسلامي بالدعاة والعلماء، حتى إن بعض البلاد تقوم الدعوة فيها على دعاة الأزهر المبتعثين، كما أن بعض الجامعات الإسلامية أُسست على علماء معظمهم أزهريون. ٣- وباعتباره جامعة إسلامية علمية لكثير من أبناء العالم الإسلامي، الذين يعودون إلى بلادهم باعتبارهم دعاة وعلماء أو حتى قادة وساسة! ! ٤- لأنه قدوة تحتذي به مؤسسات علمية أخرى. فإذا كان الأمر كذلك، فما أبعاد الأزمة الأخيرة؟ في مذكرة إيضاحية لمشروع القانون المقترح بعث بها فضيلة شيخ الأزهر إلى مجلس الشعب المصري أكد فيها على الحاجة الملحة للتطوير، قال: (لقد بات من الضروري تطويع التعليم الأزهري ليتلاءم مع متغيرات العصر، وليحقق الفرص المتكافئة للطالب الأزهري الذي يعاني من العبء الكبير الملقى على كاهله في المرحلة الثانوية الأزهرية التي يدرسها في أربع سنوات؛ في حين أن زميله بمدارس وزارة التربية والتعليم يدرسها في ثلاث سنوات فقط) . ومن ثم: اقترح مشروع القانون تخفيض سنوات الدراسة الثانوية إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى تقديم خطة دراسية لهذه المرحلة تتواءم وأهداف القانون المقترح. كما اقترح القانون إنشاء أقسام فنية تابعة للتعليم الأزهري (زراعي صناعي تجاري) . وفي ضوء ذلك نود تسجيل الملحوظات الآتية: أولاً: أن منهج الطالب الأزهري مزدحم ومرهق بالفعل، وهناك صعوبة ملموسة في استيعابه لكل هذا الكم من المعلومات الشرعية والمواد الأخرى، ولكن مقارنته بطالب مدارس التربية والتعليم في عدد السنوات الدراسية غير مفهوم؛ لأن المواد التي يدرسها هذا غير التي يدرسها ذاك من ناحية المادة العلمية وحجمها. ثانياً: أن حاجة عالم الدين إلى العلوم غير الشرعية (وإن كانت مشروعة) هي بمقدار ما يعينه على فهم الواقع المحيط به لتنزيل أحكام الشريعة على هذا الواقع، أو للدعوة إلى الله على بصيرة، فليس من المناسب عزله عن هذه العلوم، ولكن ليس من الحكمة إغراقه فيها، ومن أراد التوسع فيها فيمكنه الاستزادة من المراكز والمؤسسات الأخرى المتخصصة في هذه العلوم، أو بذل جهوده الفردية في ذلك. ثالثاً: أن من يقف ضد مبدأ التطوير فإنه يقف ضد الزمن، ولا نظن أن أحداً يرفض هذا المبدأ، ولكن ما هو التطوير المناسب الذي ينبغي إدخاله في هذه المؤسسة العلمية؟ رابعاً: يجرنا هذا إلى التذكير بالمهمة المناطة بالأزهر باعتباره مؤسسة تعليمية متخصصة في علوم الدين في المقام الأول، لا يشاركه في ريادة هذا التخصص أي مؤسسة أخرى في مصر، بينما ينافسه ويتفوق عليه في التخصصات العلمية الأخرى أكثر من جامعة ومركز للبحوث. وهنا نصل إلى النظر في محطات بارزة في المسيرة المعاصرة (لتطوير) الأزهر: في سنة ١٩١١م سنت الحكومة المصرية قانوناً ينظم الدراسة الأزهرية على ثلاث مراحل: (أولية، وثانوية، وعالمية) ، وفيه أصبح تدريس العلوم الحديثة المسماة بالعلوم العقلية إجبارياً بعد أن كان اختيارياً. في سنة ١٩٣٠م صدر قانون ينظم التعليم في الأزهر في ثلاث مراحل: (ابتدائية ومدتها أربع سنوات، وثانوية ومدتها خمس سنوات، وعليا ومدتها أربع سنوات) كما أنشئت كليات الأزهر الثلاث: (اللغة العربية، والشريعة، وأصول الدين) . في سنة ١٩٣٦م أدخل تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ومبادئ الفلسفة وتاريخها، ومادتي القانون الدولي والقانون المقارن لطلاب الشريعة، إلى جانب بعض المواد العلمية في المرحلة الثانوية. في العهد الناصري (سنة ١٩٦١م) صدر قانون تطوير الأزهر الشهير، الذي كان أهم ملامحه: إضافة مناهج وزارة التربية والتعليم إلى مناهج العلوم الشرعية المقررة على طلاب المراحل الأزهرية دون الجامعية، كما أنشئت كليات أزهرية للتجارة والإدارة والطب والهندسة والزراعة.. ولأجل استيعاب هذا التطور فقد خفضت المواد الشرعية بنسبة ٣٣%، كما تقلص مجموع سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية من تسع سنوات إلى ثمان، ثم إلى سبع، واختصرت المواد الشرعية مرات عديدة حتى عام ١٩٩٦م، بمجموع يدور حول ٦٠% للمرحلة الثانوية و٥٣% للمرحلة الإعدادية، بينما ظلت مناهج وزارة التربية والتعليم كما هي. وفي القانون الأخير محل النقاش تم تقليص عدد سنوات المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى ست سنوات، واختصار المواد الشرعية بنسب متفاوتة، مع الإبقاء على مواد التعليم العام كما هي أيضاً. ويبدو أن هذه المحطة ليست الأخيرة في مسيرة التطوير، التي نلاحظ عليها: أنه صاحبها مد علماني جارف تناسب حجمه مع حجم كل خطوة تطوير؛ فالمقصود هو عملية إفراغ ثم إحلال. وصاحبها أيضاً إلغاء أو تحجيم لمرجعيات علمية أخرى كهيئة كبار العلماء ولجان الفتوى بالأزهر. أن اتجاه التطوير كان نحو إيجاد أزمة تتمثل في صعوبة استيعاب الطالب لهذا الكم الكبير من العلوم الشرعية والمدنية، ثم حل هذه الأزمة بتخفيض المواد الشرعية وحدها والإبقاء على المواد الأخرى. فماذا لو استمرت مسيرة التطوير على هذا المنوال؟ سيؤول مصير التعليم الأزهري إلى مصير المحاكم الشرعية؛ حيث أنشئت في إحدى المراحل المحاكم المختلطة، ثم تحولت جميعها إلى المحاكم المدنية بكامل قوانينها الوضعية. سيخطو العلمانيون خطوة كبيرة على طريق تجفيف المنابع وهذا ما يبذلون له كل الجهود. سيفقد الناس على نطاق واسع معين مرجعيتهم العلمية، فمن أين سيخرج علماء الدين إن لم يخرجوا من مؤسسات علمية متخصصة؟ سيفتح المجال واسعاً لأنصاف العلماء والرؤوس الجهال الذين سوف يتبوؤون مكانة التحدث باسم الدين، وحينها يُطوّع الدين للمآرب والمصالح لا أن يكون هو المهيمن والموجه. ستُشجّع بلاد أخرى على المضي قدماً في مثل هذا الطريق باعتبار الأزهر نموذجاً يحتذى. هذا ما يلوح في الأفق؛ إذ إن هناك جهوداً على قدم وساق في أكثر من بلد مسلم لمحاولات التطوير المشبوهة تارة بتخفيض حصص المواد الشرعية؛ وتارة بحذف بعض المواضيع المعينة كالجهاد والولاء والبراء مثلاً، ثم دمج المواد ببعضها وتسميتها بمسميات جديدة. والذي يدعو إلى هذه الخطوات أناس تسنمو ذرى وزارات التربية والتعليم؛ وقد تشبعوا بالتوجهات الغربية وهم يعملون جاهدين لتطبيق الأفكار العلمانية بخطوات مدروسة وماكرة قد لا تلفت الانتباه إليها حتى يحققوا آمالهم في قطع صلة الأجيال المسلمة بعقيدتها وتاريخها وتراثها، تارة باسم التطبيع، وتارة باسم تطوير المناهج، وتارة بعقلية العسكر الأتراك الحاقدة على الإسلام. فمتى نعي ذلك المخطط الرهيب [١] ؟ إنها دعوة صادقة لمن يهمه الأمر قبل فوات الأوان!

стр. 2841

دراسات في الشريعة والعقيدة أصول التربية والتعليم كما رسمها القرآن د. أحمد بن شرشال إن صلاح الإنسان لا يستقيم إلا إذا صلح تعليمه؛ لأن التعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يريده المعلّم، ولا ينفع هذا التعليم إلا إذا رجعنا به إلى التعليم النبوي في شكله وموضوعه، وفي مادته وصورته، كما كان يتعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- من جبريل، وكما كان يعلم أصحابه ﵃ فقد صح عنه - ﷺ أنه قال: (إنما بعثت معلماً) . وإن مناهج الدراسة ومقرراتها في الجامعات قد نأت عن هذا وتضمنت مواد جافة مجردة من الحوافز التي تدفع الطالب للعمل بما علم، ولا تعطي الثمار المرجوة منها؛ فهي أشبه بالصنعة التي يتعلمها أي إنسان آخر. ثم هي إن لم تكن واضحة المعالم عند الطالب، ولا هي عند الأستاذ الذي تصدّر للتدريس، فلا تحدث في نفس الطالب انفعالاً لهذه المادة أو تلك، ولا تولّد في نفسه حرارة الإيمان، ولا تزوده بزاد التقوى، ولا تحدث في نفسه ذكراً، بخلاف ما إذا ربطنا صناعة التعليم ومناهجه بفعل النبي ﷺ ومنهجه وطريقته. وإذا أردنا أن نصحح اتجاه الأمة فلنبدأ بتصحيح المناهج التعليمية كما رسمها القرآن الكريم. ومن ثم كان من الواجب علينا قبل الإقدام على وضع نظم المناهج التعليمية أن نتلمس هدي النبي ﷺ ومنهجه في التربية والتعليم. إن صفة منهج النبي ﷺ في التعليم، قد رسم القرآن معالمها الكبرى، واستقل ببيانها، وفصّلتها السنة النبوية. قال تعالى في بيان صفة هذا المعلم ومنهجه في سورة البقرة: [كَمَا أََرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاًً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنََا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] [البقرة: ١٥١] . وقال في سورة آل عمران: [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] [آل عمران: ١٦٤] . ومثل هذه الآيةُ الثالثة في سورة الجمعة. فقد صرحت هذه الآيات بالمنهج العام لأصول التربية والتعليم الذي لا منهج سواه، والذي لا ينبغي أن يتغير أو يتبدل، وهو منهج أصيل يسعد الإنسان في دنياه وأخراه؛ لأن منزلَه هو الخالق لهذا الإنسان، العليم بطبيعة تكوينه، الخبير بدروب نفسه ومنحنياتها. وقد جاء هذا المنهج مطابقاً لدعوة إبراهيم ﵇ وقد حكى القرآن نص الدعوة فقال: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] [البقرة: ١٢٩] . ولقد حقق الله دعوة إبراهيم وإسماعيل ﵉ ووافقت قدر الله السابق، ولذلك قال: (أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى بي) [١] . ولقد بيّن القرآن أن هذا المنهج وما تضمنه من مواد لم يكن مقصوراً على الموجودين مع النبي ﷺ ، بل هو صالح لكل من يأتي بعد النبي- ﷺ من العرب والعجم، ولم يكن يومئذ قد ولد، فقال: [هُوَ الَذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] . [الجمعة: ٢، ٣] . والمراد بالآخرين منهم لما يلحقوا بهم: هم كل من يأتي بعد الصحابة رضي الله عنهم إلى يوم القيامة، فيعلمهم، ويعلم الآخرين الكتاب والحكمة، ويزكيهم ويزكي الآخرين. قال القرطبي: (لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمن كان كله مسنداً إلى أوله، فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه) [٢] . فمنهج التربية والتعليم في القرآن موصول ومتواصل لا انقطاع فيه، ولذلك جاء عقب نص دعوة إبراهيم أن من لم يقبل هذا المنهج وانحرف عنه يعد سفيهاً، فقال عزّ من قائل: [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] [البقرة: ١٣٠] أي امتهن نفسه واستخف بها وظلمها. وما أكثر السفهاء اليوم لتنكبهم عن هذا المنهج الرباني، ولن يكون أحدٌ داخلاً في دعوة إبراهيم وإسماعيل حتى يمتثل ويقبلَ هذا التعليم الجامع بكامل مفرداته؛ لأن القرآن سماه سفيهاً. إن الإنسان مهما كان مقامه عالياً ومنصبه سامياً لا يستغني عن التعليم؛ فهذا نبي الله داود ﵇ مع حصوله على الملك والنبوة لم يستغن عن تعليم الله إياه قال تعالى: [وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ] [البقرة: ٢٥١] . وهذا موسى يلتمس من العبد الصالح أن يرافقه ليتعلم الرشد قال تعالى: [قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلََى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً] [الكهف: ٦٦] . وكان ﷺ لا يعرف هذا الكتاب المنزل، ولم يكن يتلو أي كتاب قبله، ولم يكن يعرف الكتابة. قال تعالى: [مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشاءُ مِنْ عِبَادِنَا] [الشورى: ٥٢] . وقال: [وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ] [العنكبوت: ٤٨] ، وكان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً - ﷺ لا يقرأ ولا يكتب قال تعالى: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ] . [الأعراف: ١٥٧] . وقد علمه الله ما لم يعلم، وأنزل عليه الكتاب. قال تعالى: [وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ] [النساء: ١١٣] . وطلب منه المزيد [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] [طه: ١١٤] . وذكر بعض المفسرين أنه ﷺ ما أمر بطلب الزيادة من شيء سوى العلم، وكان يقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً) وكان يستعيذ من العلم الذي لا ينفع، وقد تضمن هذا المنهج أصول التعليم: التلاوة، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة، ثم التزكية، فهو منهج متكامل لكل ما يصلح الفرد والمجتمع من جميع الجوانب، ولا يحتاج إلى ما يكمله، وقد جاء ترتيبه في أسمى درجات البلاغة والحكمة؛ لأن أول تبليغه يكون بتلاوة القرآن، ثم بيان معانيه ثم تعليم الحكمة وبها تحصل التزكية. ونلاحظ أن جميع الآيات بدأت بذكر الأصل الأول وهو التلاوة؛ لأنها هي مفتاح كنوز القرآن، ولا عجب في ذلك؛ إذ كانت أول آية نزلت تأمره -صلى الله عليه وسلم- بالقراءة فقال سبحانه: [اقْراً بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَاً وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] [العلق: ١-٥] . أولاً: نبدأ بالمَعْلَم الأول بما بدأ الله به في جميع الآيات التي تقدمت، وهي تلاوة القرآن، ومعناها القراءة المتتابعة المرتلة التي يكون بعضها تلو بعض، وأول صفات هذا المَعْلَم: يتلو عليهم آياتك، أي يقرأ عليهم القرآن، وأصلها من الاتباع، ومنه قولهم: تلاه إذا تبعه، وهي ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام تأليف القرآن وترتيبه ومنه قوله تعالى: [وَالْقَمَرِ إذَا تَلاهَا] [الشمس: ٢] . وقد أمر هذا المعلم ﷺ أن يتلو القرآن على أصحابه كما قال تعالى: [وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ] [النمل: ٩١، ٩٢] . وقال: [قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ] [يونس: ١٦] . فكان ﷺ يعلم الصحابة القرآن كما جاء ذلك في قولهم: (كان يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن) [٣] . وِجيء بالمضارع في قوله: [يَتْلُو] للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر تلاوته، ولهذا جاء في وصف هذا القرآن: [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ] [الزمر: ٢٣] . من صفات هذا الكتاب أنه يثنّى ويكرر فقوله: [مثاني] بمعنى التكرار والإعادة، وقد كرر الله الأمر بالقراءة في سورة العلق فتُثنى وتكرر قراءته وأحكامه وحكمه وأخباره ... والمراد بالآيات جمع آية، وهي في اللغة العلامة آيات القرآن الكريم، فكان- ﷺ يتلوها ليحفظوا ألفاظها كما نزلت، ويتعبدوا الله بتلاوتها. وبعد أن أمره الله بالقراءة والتلاوة بيّن له صفة التلاوة؛ فعناية الله لنبيه - ﷺ لم تنقطع، بل قد رسم القرآن لنبيه كيفية القراءة، فقال: [فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) ] [طه: ١١٤] . وقال في بيان كيفية التلاوة: [لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإذَا قَرَاًنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) ] ... [القيامة: ١٦-١٩] . وقال: [سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى (٦) إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ] [الأعلى: ٦، ٧] . المعلّم الأول للنبي ﷺ هو جبريل؛ كما بيّنه القرآن، فقال: [إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى (٥) ] [النجم: ٤، ٥] . فقد كان ﷺ يبادر إلى أخذ الوحي، ويسابق الملك في قراءته قبل أن ينتهي جبريل المعلّم، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع وينصت حتى ينتهي جبريل من القراءة، فإذا انتهى أمره أن يتابع القراءة بالكيفية التي قرأ بها جبريل المعلم، ولذلك أقرأ أصحابه ﵃ بهذه الكيفية وأمرهم أن يقرأوا بها فقال: (اقرأوا كما علمتم) [٤] . قال الحافظ ابن كثير: (كان إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه) [٥] . فبين القرآن له كيفية التلقي فقال: [لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإذَا قَرَاًنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] [القيامة: ١٦-١٩] ، أي فإذا قرأه جبريل عليك وانتهى فاتبع قراءته؛ فالقرآن هنا مصدر بمعنى القراءة، ثم نهاه عن السرعة والعجلة في التلاوة، فقال: [فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) ] [طه: ١١٤] ، بل أنصت واستمع؛ فإذا فرغ جبريل المعلم من قراءته عليك؛ فاقرأه بعده. قال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: (كان ﷺ إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عُرِفَ في تحريكه شفتيه يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره فأنزل الله هذه الآية: [لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ] مخافة أن ينساه) . فيجب في طلب العلم التأني والتثبت في تلقي العلم، وألا يحمله الحرص على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه، فأمره الله بترك الاستعجال في تلاوة القرآن حتى ينتهي جبريل، ثم يقرأه بعد فراغه عليه [٦] . وقد وعده الله وطمأنه وأخبره بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها فقال: [سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى (٦) إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَمَا يَخْفَى] [الأعلى: ٦، ٧] ، وقال: [إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ] . ثم بيّن له القرآن أدب التلقي فقال: [وَإنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ] [النمل: ٦] . ومادة (تلقى) من اللقيا؛ فيها لقاء بين اثنين هما المتلقي بكسر القاف، والمتلقّى منه بفتح القاف، والمتلقي هنا هو الرسول ﷺ ، والمتلقى منه هو الله تعالى [٧] ، ولكن الواسطة جبريل المعلم؛ لأن الله قال: [وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ] [الشورى: ٥١] . وقال تعالى في بيان هذا المعلم: [إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى] [النجم: ٤-٦] . هكذا علمه الله كيف يتلقى الوحي: [وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً] [النساء: ١١٣] . ثم بعد ذلك لم يكله إلى نفسه وحفظه، بل أرسل إليه المعلم جبريل يعارضه القرآن ويدارسه في كلة ليلة من رمضان، وليس معنى ذلك أيضاً أن يتخلى عنه طيلة أشهر السنة إلا في رمضان؛ بل كان ينزل عليه في كل الأحوال كما قال تعالى: [وَلا يَاًتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً] [الفرقان: ٣٣] . ولذلك نزل عليه القرآن في الحضر والسفر والليل والنهار ... إلخ. وإنما المدارسة والعرض والسماع كان في رمضان من كل عام، وفي العام الذي قبض فيه عارضه بالقرآن مرتين. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة) [٨] . وفي حديث فاطمة عند البخاري في فضائل القرآن قال رسول الله: (إن جبريل يعارض بالقرآن في كل سنة وإنه عارضني العام مرتين) ، ومعنى هذا أن جبريل يعرض القرآن، والنبي ﷺ يسمع ومن ثم أمر بالإنصات والاستماع كما تقدم، ثم إن النبي ﷺ يعرض القرآن وجبريل يسمع؛ يدل على هذا رواية عن ابن عباس: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير، وأجود ما يكون في رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن) . هذه هي طريقة النبي ﷺ في تلقي القرآن، وتسمى: (العرض والسماع) . فعلينا أن نقتدي به وبفعله في قراءة القرآن، وقد وجه الله عباده إلى هذا الأدب بالاستماع والإنصات فقال: [وَإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] [الأعراف: ٢٠٤] ، وبين لهم شروط الانتفاع بالقرآن فقال: [إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] [ق: ٣٧] . فيحصل الانتفاع بالقرآن لمن كان له قلب حتى يعقل الكلام ويتدبره، ولمن وجه سمعه، وأصغى إلى ما يقال له، وهو حاضر القلب غير غائب، قال ابن قتيبة: (استمع كتاب الله، وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساه) [٩] . قال سفيان بن عيينة: (أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر) [١٠] . ومن منهج النبي ﷺ وطريقته في التلاوة أنه كان يرتل ترتيلاً امتثالاً لأمر الله: [وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] [المزمل: ٤] بعد أن نهاه عن العجلة أمره بترتيل القرآن كما أنزله الله مرتلاً، وأمره أن يقرأه على الناس مرتلاً؛ فالترتيل أمر ملحوظ في النزول كالقراءة نفسها، وقد بيّن ذلك القرآن نفسه فقال: [وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً] [الإسراء: ١٠٦] . ومعنى قوله: [وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً] أي ترسّل في تلاوته، وأحسِنْ تأليف حروفه بالتأني في قراءته، وتبيين حروفه وحركاته ليكون ذلك عوناً على فهم القرآن وتدبره، كما سيأتي. وأثر عن علي ﵁ أنه قال: (الترتيل هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف) [١١] . وقد امتثل النبي ﷺ لهذا الأمر، وقد كانت قراءته -صلى الله عليه وسلم- ترتيلاً؛ فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان - ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها) [١٢] . وعن أم سلمة ﵂ أنها سئلت عن قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- (فإذا هي تَنْعَتُ قراءة مفسرة حرفاً حرفاً) [١٣] . ومنها ما رواه البخاري في صحيحه: باب مدّ القراءة يصف فيها قراءة النبي- ﷺ ، فعن قتادة قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن قراءة النبي ﷺ فقال: (كان يمد صوته مدّاً) . ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس بن ما لك ﵁ أنه سئل: كيف كانت قراءة النبي؟ فقال: (كانت مدّاً) ثم قرأ: [بسم الله الرحمن الرحيم] يمد [بسم الله] ويمد بـ[الرحمن] ويمد بـ[الرحيم] . وقد أخذ عنه صفة التلاوة وكيفيتها أصحابه؛ فهذا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- كان يقرئ رجلاً، فقرأ الرجل: [إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ] [التوبة: ٦٠] مرسلة، فقال ابن مسعود: (ما هكذا أقرأنيها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال الرجل: (وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أقرأنيها: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) فمدّها) [١٤] . فهذا عبد الله بن مسعود الذي هو أشبه الناس سمتاً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنكر على الرجل أن يقرأ كلمة: (الفقراء) من غير مدّ، وبيّن للرجل أن النبي ﷺ ما قرأ بهذه الصفة التي قرأ بها الرجل، وبيّن عبد الله بن مسعود للرجل صفة قراءة النبي ﷺ للكلمة ومدّها، ولم يقرّه على ترك المدّ مع أن فعله وتركه سواء في عدم التأثير على دلالة الكلمة ومعناها، فدلّ على أن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول كما قال زيد بن ثابت. وقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن يقرأوا القرآن كما علّمهم. أخرج ابن جرير الطبري عن عبد الله بن مسعود قال: قال علي ﵄: (إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرأوا كما علمتم) [١٥] . فهذه النصوص المتوافرة في صفة قراءة النبي ﷺ دلت على أن قراءة القرآن بالكيفية التي قرأ بها النبي ﷺ توقيفية فلا يجوز العدول عنها ولا الإخلال بها. وإذا انتقلنا إلى باب الوقف والابتداء في قراءة النبي ﷺ نجد نصوصاً صريحة تبين عناية النبي ﷺ بالوقف واختياره لمواضع يحسن الوقف عليها والابتداء بما بعدها، وقد تعلم ذلك من جبريل المعلم. وقد وصفت أم سلمة ﵂ عناية النبي ﷺ بالوصل والوقف علمياً وعملياً. روي عنها أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ ، فإذا هي تنعت قراءة مفسرةً حرفاً حرفاً، وقالت: كان يقطع قراءته يقول: (الحمد لله رب العالمين) ثم يقف، (الرحمن الرحيم) ثم يقف، وكان يقرأ (مالك يوم الدين) . وفي لفظ لأبي داود: (كان يقطعُ قراءته آية آية) [١٦] . وقد أخذ هذه الصفة وهذه الكيفية في تلاوة القرآن الصحابة ﵃. يذكر ميمون بن مهران عن الصحابة أنهم كانوا يراعون في الوصل والوقف تمام المعنى فقال: (إني لأقشعر من قراءة أقوام يرى أحدهم حتماً عليه ألا يقصر عن العشر إنما كانت القراءة تقرأ القصص إن طالت أو قصرت) . وقال عبد الله بن أبي الهذيل: (إذا قرأ أحدهم الآية فلا يقطعها حتى يتمها) [١٧] . هذا هو معنى المعلم الأول في أصول التربية والتعليم كما رسمه القرآن في قوله: [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياته] [الجمعة: ٢] ، وهذا هو منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في صفة التلاوة وكيفيتها، فعلينا أن نقتدي به وبفعله.

стр. 2842

دراسات في الشريعة والعقيدة عيد الأسبوع.. يوم الجمعة خصائصه وفضائله وأحكامه وآدابه (١من٢) بقلم: عبد اللطيف بن محمد الحسن فضل الله ﵎ يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، ونوّه بأمره وعظم شأنه فقال : [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة: ٩] . وقال تعالى [وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ] [البروج: ٣] ، وفُسِّر الشاهد بيوم الجمعة [١] ، فكان إقسام الله به دليلاً على شرفه وفضله، وهذا أمر واضح. وقد شرعت صلاة الجمعة، واتّخِذَت لها آداب، وخصائص تزيد في جلالها، وصارت من أعلى الفرائض، وأعظم الشعائر. والرجل المشغول المكدود يحتاج إلى يوم يتفرغ فيه باله للعبادة والقربات، ويجلو فيه صدأ القلب الحاصل من الكد ومعاناة الحياة، فكانت هذه الصلاة من رحمة الله تعالى بهذه الأمة، وكانت الجمعة ميزان الأسبوع، فمن صح له يوم جمعته وسَلِمَ، سلمت له سائر جمعته [٢] . ولم يزل المسلمون يعظمون هذا اليوم، ويخصونه بمزيد من الاهتمام، حتى أولئك الذين لا يحافظون على الصلوات الأخرى تراهم يواظبون على صلاة الجمعة على الرغم من تفريطهم في غيرها. والحق أن صلاة الجمعة ذات أثر عظيم في حياة المسلمين، فالمنبر مصدر تعليم وتثقيف وإصلاح، واجتماع المسلمين منبع أخوة وتآلف. كما أن للجمعة والجماعة فضلاً في وحدة المسلمين في العبادات، وإحكام الدين من الانحراف وبقاء مظاهر الحياة الإسلامية، وحفظ المسلمين من الانسلاخ، ومزيد من الفرقة، كما في الأديان الأخرى [٣] . ولكنك ترى أن اهتمام المسلمين بهذه الشعيرة تضاءل، وصارت كغيرها من الشعائر تؤدى بصفة لا أثر لها في نفس صاحبها، خاصة مع تقصير كثير من الخطباء في أداء واجبهم. ولإحياء جذوة الاهتمام بهذه الفريضة العظيمة كانت هذه السطور، وهي متضمنة بعض خصائص الجمعة، وفضائلها، والوعيد في تركها، وما ينبغي للتهيؤ لها، وشروطها، وأحكامها، وآداب استماع خطبتها، أسأل الله أن ينفع بها؛ إنه سميع مجيب الدعاء [٤] . أولاً: سبب تسمية هذا اليوم بالجمعة، واختصاص الأمة به: كان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية يوم (العَروبة) بفتح العين، وسمي بالجمعة؛ لأن خلْق آدم جُمع فيه، لحديث سلمان مرفوعاً، وفيه: (يوم الجمعة به جمع أبوك أو أبوكم) [٥] . ولأن أهل المدينة اجتمعوا قبل هجرة النبي ﷺ ، وصلى بهم مصعب بن عمير، وسموها جمعة. وقد فرضت بمكة، ولم يتمكن النبي - ﷺ من فعلها، وقد هدى الله هذه الأمة لهذا اليوم. قال رسول الله: (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، ونحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضيّ لهم قبل الخلائق) [٦] . وهي من النعم التي يحسدنا عليها اليهود. ثانياً: من خصائص يوم الجمعة: ١- أنه يوم عيد متكرر: فيحرم صومه منفرداً؛ مخالفة لليهود، وليتقوى على الطاعات الخاصة به من صلاة ودعاء ونحوه. قال: (إن يوم الجمعة يوم عيد؛ فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده) [٧] . ٢- أنه يوم المزيد يتجلى الله فيه للمؤمنين في الجنة: كما في حديث أنس الطويل وفي آخره: (فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظراً إلى ربهم وكرامته ولذلك دعي يوم المزيد) [٨] . ٣- كراهية تخصيص ليلة الجمعة بالقيام: لحديث النبي: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي،....) [٩] الحديث، ومما يدل عليه الحديث بطلانُ ما يسمى: (صلاة الرغائب) وهي صلاة على صفة مخصوصة يجعلونها في أول ليلة جمعة من رجب. ٤- قراءة: [الّم (١) تَنزِيلُ] [السجدة: ١، ٢] و [هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ] [الإنسان: ١] في صلاة الفجر يوم الجمعة: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرؤها [١٠] ؛ ولعل ذلك لما اشتملت عليه من ذكر خلق آدم، وأحوال القيامة؛ لأن ذلك كان وسيقع يوم الجمعة، وليس المقصود السجدة التي فيها [١١] . ٥- فضل التبكير إلى الجمعة وغسل الجنابة يومها: قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) [١٢] فجعل التبكير إلى الصلاة مثل التقرب إلى الله بالأموال، فيكون المبكر مثل من يجمع بين عبادتين: بدنية ومالية، كما يحصل يوم الأضحى. والمراد بطي الصحف: طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة، دون غيرها من سماع الخطبة ... ونحوها. والراجح في الساعة الأولى أنها من أول النهار. والله أعلم [١٣] . ٦- فيه ساعة الإجابة: قال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه) ، وأشار بيده يقللها [١٤] . وهذه الساعة في قول أكثر السلف هي آخر ساعة بعد العصر، وعلى هذا تدل أكثر الأحاديث، ومنها حديث: (فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر) [١٥] . وجاء في حديث آخر عند مسلم [١٦] أنها: (ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة) ، وهذه ساعة أخرى ترجى فيها إجابة الدعاء. ٧- إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة: لحديث: (من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ، فقالوا: يا رسول الله كيف تعرض عليك صلاتنا، وقد أَرِمْت؟ يعني: قد بليت قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم) [١٧] فاجتمعت الصلاة على سيد الأنام، في خير الأيام؛ وهو الذي دل أمته على كل خير. ٨- فضل الأعمال الصالحة فيه: قال: (خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهد جنازة، وصام يوماً، وراح إلى الجمعة، وأعتق رقبة) [١٨] . والمراد: أن صيامه وافق يوم الجمعة بدون قصد. ٩- أنه يوم تقوم فيه الساعة: لحديث النبي: ( ... ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) [١٩] . ١٠- (من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقي فتنة القبر) [٢٠] . ١١- قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة، ويوم الجمعة: قال أبو سعيد رضي الله عنه: (من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له فيما بينه وبين البيت العتيق) [٢١] ، وهو في حكم المرفوع الذي قاله؛ لأن هذا لا يمكن أن يقال بالرأي. وأما قراءة سورة الدخان فلم يصح الحديث الوارد فيها [٢٢] . ١٢- جواز الصلاة نصف النهار يوم الجمعة، دون سائر الأيام: كما في أحاديث عدة: (ثم يصلي ما كتب له) [٢٣] . ثالثاً: فضائل يوم الجمعة وما جاء من الوعيد في تركها: ١- فضل المشي إلى الجمعة ومضاعفة أجره: قال: (من غسّل يوم الجمعة، واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها) [٢٤] . ٢- الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينها وزيادة ثلاثة أيام: قال: (من ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام) [٢٥] . ٣- وعيد من ترك الجمعات: قال: (لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين) [٢٦] . رابعاً: التهيؤ للجمعة والاهتمام بها: ويتمثل ذلك في أمور: ١- الاشتغال عن القيلولة والغداء بالتهيؤ والاستعداد للجمعة: كان الصحابة يتغدون، ويستريحون قبل الزوال كل يوم، إلا يوم الجمعة، فكانوا ينشغلون بالاستعداد للجمعة، والتبكير إليها، فلا يبقى لهم وقت يسع للقيلولة قبل صلاة الجمعة. (والقيلولة: الاستراحة وسط النهار، وإن لم يكن معها نوم) . قال سهل ﵁ ﵁: (ما كنا نقيل، ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) [٢٧] . ٢- الغسل: اختلف في حكمه بين الوجوب والاستحباب، فاستدل الموجبون: بقوله: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) [٢٨] ، وقوله: (إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل) [٢٩] . واستدل القائلون بالاستحباب بقوله: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) [٣٠] فينبغي الاغتسال إدراكاً للفضل، وخروجاً من الخلاف. ٣- استعمال السواك والطيب: قال: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ، وأن يمس طيباً إن وجد) [٣١] . قال الحافظ: قوله: (أن يستن) : أي يدلك أسنانه بالسواك. ٤- تخصيص لباس للجمعة: عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوب مهنته) . خامساً: شروط صلاة الجمعة: وهي نوعان: أ- شروط الوجوب: ١- الإسلام. ٢- والعقل: وهما شرطان في جميع الأحكام الشرعية، باتفاق الأمة، والأدلة عليها متوافرة. ٣- البلوغ: عن حفصة أن النبي ﷺ قال: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم) [٣٢] . ٤- الحرية. ٥- والذكورية. ٦- وعدم العذر: قال النبي: (الجمعة حق واجب على كل مسلم، في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض) [٣٣] . ٧- الإقامة: لحديث: (ليس على مسافر جمعة) [٣٤] وعلى هذا قول الأئمة الأربعة [٣٥] . ٨- أن لا يكون في الطريق مطر، ولا وحل: عن ابن عباس ﵁ أنه قال لمؤذن في يوم مطير: إذا قلت: (أشهد أن محمداً رسول الله) ، فلا تقل: (حي على الصلاة) ، قل: (صلوا في بيوتكم) ، فكأن الناس استنكروا! قال: (فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض) وبوّب البخاري: باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر [٣٦] . ٩- مسألة: اشتراط العدد: في المسألة خمسة عشر قولاً ذكرها ابن حجر في الفتح، وذكر أن القول باشتراط الكثير بغير قيد: هو أرجحها من حيث الدليل [٣٧] . واختار الشوكاني أنها تصح باثنين، كسائر الصلوات [٣٨] . ورجح بعض العلماء أنها تصح بثلاثة: الإمام واثنين معه، وتجب عليهم [٣٩] . ١٠- مسألة: اشتراط المدن لإقامة الجمعة: لا يشترط لإقامة الجمعة أن تكون في المدن دون غيرها، بل تقام في القرى أيضاً، قال ابن عباس: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ في مسجد عبد القيس، بجواثى من البحرين [٤٠] وجواثى: قرية، ولم يجمّعوا إلا بأمر رسول الله. وسيأتي دليل آخر في المسألة التالية. ومن الناس من وقع في الوسواس فتراه يصلي الظهر بعد الجمعة إذا كان في قرية، خوفاً من عدم صحة الجمعة، وهذه بدعة! ! وضابط القرية التي تقام فيها الجمعة: أن تكون مبنية بما جرت به العادة، وأن تكون مجتمعة البناء بما هو مألوف [٤١] . ١١- مسألة: اشتراط إذن السلطان: استنبط الزهري ﵀ من حديث: (كلكم راع) أن إذن السلطان لا يشترط [٤٢] وقال ابن قدامة: الصحيح أنه ليس بشرط، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور. ثم ذكر من الأدلة: صلاة علي زمن حصر عثمان، ولم يُنكر. وقول عثمان: (إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساؤوا فاجتنب إساءتهم) [٤٣] . ولأنها من فرائض الأعيان، ولأنها صلاة أشبهت الصلوات [٤٤] . ب- شروط الصحة: ١- تقدم الخطبة على الصلاة: لفعل النبي ﷺ ، وسيأتي الكلام عنها مفصلاً، في الحديث عن الخطبة. ٢- الوقت: عن أنس: أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس [٤٥] وهذا يدل على أن وقت الجمعة: عند زوال الشمس، أي: وقت صلاة الظهر، وعن سلمة قال: (كنا نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه) [٤٦] وهذا يدل على أنهم كانوا يصلونها في أول الوقت عند الزوال، بلا إبراد، بخلاف ما كانوا يفعلون في صلاة الظهر عند اشتداد الحر. وسئل جابر: متى كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة؟ قال: (كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها) زاد عبد الله في حديثه: (حين تزول الشمس، يعني: النواضح) [٤٧] ، وهذا دليل لمن يقول بصحة الجمعة قبل الزوال؛ فإن الخطبة والصلاة لو كانتا بعد الزوال لما أمكن بحال أن تكون إراحة النواضح عند الزوال، بل بعده بكثير [٤٨] . ٣- تحديد المكان الذي تؤتى منه الجمعة إذا كان الرجل في مكان لا تقام فيه الجمعة: جاء في خبر الأعمى: (هل تسمع النداء بالصلاة؟) فقال: نعم، قال: (أجب) فإذا كان هذا في مطلق الجماعة، فالقول به في خصوصية الجمعة أوْلى. وهذا الأمر في حق من كان في مكان لا تقام فيه الجمعة، أما من كان في بلد تقام فيه الجمعة فعليه الإجابة سمع النداء أم لم يسمع، لقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الجمعة: ٩]

стр. 2843

دراسات تربوية الأخوة في الله بين الواقع والمثال طارق محمد العمودي إن أشد ما أخشاه أن نكون في زمن يَعِزّ فيه وجود أخٍ واحدٍ في الله يغنمه الواحد منا في زماننا هذا، فينعم برباط الأخوّة الصادقة التي ندر وجودها، وأُطلقت تساهلاً على مفاهيم دون مرتبتها بكثير. نعم، أقول ذلك خوفاً من وقوع ما قاله الصادق المصدوق: (قلّما يوجد في آخر الزمان درهم حلال، أو أخ يوثق به) [١] . خشيت ذلك مع أني أتمنى من صميم قلبي عدم وقوع ما في الحديث في زماننا، فنحرم بذلك نعمة الأخوة الصادقة التي لم يبق منها غير المعرفة السطحية المقتصرة على الابتسامة، والتلطف في أسلوب الكلام ولا تتعدى ذلك غالباً إن كثرت الملاقاة. ولقد قرأت كلاماً محزناً قاسياً ولكنها الحقيقة للإمام الواعظ ابن الجوزي (ت: سنة ٥٩٧ هـ) ﵀ يقول فيه [٢] : (جمهور الناس اليوم معارف، ويندر فيهم صديق في الظاهر، أما الأخوة والمصافاة فذاك شيء نسخ فلا يُطمَع فيه) ثم بيّن سبب نسخ وجود الأخوة والصفا لكون السلف كانت همتهم الآخرة وحدها فصفت نياتهم في الأخوّة والمخالطة فكانت ديناً لا دنيا. أما الآن فقد استولى حب الدنيا على القلوب إلا ما شاء الله. ... فانظر رحمك الله إلى مقولة هذا الإمام وهو في القرن السادس الهجري؛ حيث يرى بهذه النظرة معنى الأخوة في زمانه، فكيف في زماننا هذا؟ والأصل في كل زمان متأخر عن سابقه وقوع صفة الشرفية للسابق، واقتراب الفتن وأشراط الساعة، والرقة في الدين. ولكن لا يخلو الأمر من تنفيس، والخير في أمة نبينا ﷺ إلى يوم القيامة. ولعل من أسباب ضعف رباط الأخوة في الله غموض الرؤية لدى بعض الناس لمعانيها في زماننا. ولذا رأيت أن أسوق من أقوال وصور السلف حول هذا الموضوع ما تنحلّ به حبوة القارئ، ويسيل لعابه عجباً واندهاشاً من هؤلاء الرجال الكبار، لنرى البون الشاسع بين ما قد حققوه من معاني الأخوة الصادقة فيما بينهم، ونرى بالمقابل ما آلت إليه في زماننا، فنصلح الخلل، وإلا تحقق فينا الحديث الشريف السابق الذكر. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (إذا رزقكم الله مودة امرئ مسلم فتشبثوا بها) [٣] . وكان عمر بن الخطاب ﵁ يذكر الرجل من إخوانه في بعض الليل، فيقول: يا طولها من ليلة، فإذا صلى المكتوبة غدا إليه، فإذا التقيا عانقه [٤] . وكان ابن مسعود ﵁ إذا خرج إلى أصحابه قال: أنتم جلاء حزني [٥] . ولمّا أتى عمر الشام استقبله أبو عبيدة بن الجراح، وفاض إليه ألماً، فالتزمه عمر، وقبّل يده، وجعلا يبكيان [٦] . وقال ابن عباس ﵄: أَحبّ إخواني إليّ إذا رأيته قَبِلَني، وإذا غبت عنه عذرني [٧] . وكان الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ يُقبّل رأس أبي بكر [٨] . ورئي على علي بن أبي طالب ﵁ ثوب كأنه يُكثر لبسه، فقيل له فيه، فقال: (هذا كسانيه خليلي وصفيّي عمر بن الخطاب، إنّ عمر ناصح الله فنصحه الله) [٩] . ولقي الصحابي حكيم بن حزام عبدَ الله بن الزبير ﵄ بعدما قُتل الزبير فقال: كم ترك أخي من الدّيْن؟ قال: ألفي ألف. قال: عليّ منها ألف ألف [١٠] . ودخل رجل من أصحاب الحسن البصري عليه، فوجده نائماً على سريره، ووجد عند رأسه سلة فيها فاكهة، ففتحها، فجعل يأكل منها، فانتبه، فرأى الرجل يأكل، فقال: (رحمك الله، هذا والله فعل الأخيار) [١١] . وقال أبو خلدة: دخلنا على ابن سيرين أنا وعبد الله بن عون، فرحب بنا، وقال: (ما أدري كيف أتحفكم؟ كل رجل منكم في بيته خبز ولحم، ولكن سأطعمكم شيئاً لا أراه في بيوتكم. فجاء بشهدة، وكان يقطع بالسكين ويطعمنا) [١٢] . وقال محمد بن واسع: (لا خير في صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان إذا كانوا عبيد بطونهم؛ لأنهم إذا كانوا كذلك ثبّط بعضهم بعضاً عن الآخرة) [١٣] . وقال عثمان بن حكيم الأودي: (اصحب من فوقك، ودونك في الدنيا) [١٤] . وكان بلال بن سعد الأشعري يقول: (أخ لك كلما لقيك ذكّرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً) [١٥] . وكان المحدث القارئ طلحة بن مصرف إذا لقي مالك بن مغول يقول له: (لَلُقياك أحبّ إليّ من العسل) [١٦] . وقال ابن عيينة: سمعت مساور الورّاق يحلف بالله : ما كنت أقول لرجل إني أحبك في الله فأمنعه شيئاً من الدنيا [١٧] . وكان أبو جعفر محمد بن علي يقول لأصحابه: يُدخِل أحدكم يده في كُمِّ صاحبه ويأخذ ما يريد؟ قلنا: لا. قال: فلستم بإخوان كما تزعمون [١٨] . وأخيراً: فمن أمثلة أخوة زمن المتأخرين من علمائنا ما كان بين شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ المحدثين جمال الدين المزّي رحمهما الله، فقد تأثر الثاني بشخصية شيخ الإسلام التي كانت قد اكتملت، فأعجب به المزي الإعجاب كله، وترافق معه طيلة حياته. قال مؤرخ الإسلام الذهبي: (ترافق هو وابن تيمية كثيراً في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة..) [١٩] . ولقد أخلص (المزي) لرفيقه (ابن تيمية) الإخلاص كله، ولآرائه التجديدية، وجعله مثله الأعلى، ويظهر ذلك جلياً من خلال دفعه لثمن ذلك من الأذى الذي تعرض له عدة مرات من سجن وعدم تمكينه من التحديث، ووضع العراقيل عند توليه لرئاسة دار الحديث الأشرفية. ولما توفي شيخ الإسلام (ابن تيمية) مسجوناً بقلعة دمشق لم يسمح لأحد بالدخول أول الأمر إلا بخواص أصحابه منهم (المزي) وكان ممن ساعد في غسله. وبالجانب الآخر كان (ابن تيمية) كثير الاعتماد على (المزي) وعلمه ومعرفته؛ فحينما خرج من سجنه بـ (مصر) سنة ٧٠٩ هـ، وجلس في القاهرة ينشر علمه، واحتاج إلى بعض كتبه التي بالشام، كتب إلى أهله كتاباً يطلب جملة من كتبه، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك بـ (جمال الدين المزي) وسبب ذلك ما قاله ابن كثير: (فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريد من الكتب التي أشار إليها) [٢٠] . وحينما ولي (المزي) أكبر دار حديث بـ (دمشق) وهي الأشرفية سنة ٧١٨هـ، فرح (ابن تيمية) فرحاً عظيماً بذلك وقال: (لم يَلِ هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحق بشرط الواقف منه) . وكان شرط واقف الدار أن يُقَدّم من اجتمع فيه الرواية والدراية على من اجتمع فيه الرواية فقط، ففضله (ابن تيمية) بذلك على علماء عظام قد تولوا هذه الدار كـ (ابن الصلاح) ، و (أبي شامة) و (النووي) . وحصل أن أخرج (ابن تيمية) رفيقه (المزي) من السجن بنفسه. وبعدُ: فإن ما سقته من صور الأخوة في الله من حياة سلفنا لجديرة بالتأمل. ولعل من أسباب الفتور الحاصل بين شباب الصحوة ضعف رباط الأخوة الصادقة. فأين واقعنا الذي لا يخلو من المشاحنات والخلافات والبحث عن الزلات من واقع سلفنا الصالح ﵃: (هيا بنا نؤمن ساعة) ؟ ، و (هيا بنا نبك من خشية الله، فإن لم نجد بكاءً تباكينا علّ الله يرحمنا) . وأين الفائدة العلمية ومذاكرة العلم بيننا، مع وجود وسائل الاتصال الحديثة التي تسهّل وتحفز للحرص على لقاء الفائدة؟ نسأل الله صلاح الأحوال والقلوب للفوز بمرضاته إنه مجيب الدعاء.

стр. 2844

تأصيلات دعوية المفاهيم وأزمة تحديد المصطلحات في الفكر الإسلامي الحديث عبد العزيز التميمي يدور جدل طويل في العصر الحديث حول كثير من المفاهيم التي يكثر تداولها دون أن تأخذ حظها من التدقيق والتحديد ... هذه المفاهيم إما أن تكون مفاهيم شائعة الاستعمال في التراث التاريخي للأمة، ولكنه أعيد شحنها بمفاهيم جديدة بعيدة عن المعنى الذي وضعت له أصلاً، أو تكون مفاهيم دخلت في جسم الثقافة الإسلامية ضمن ما دخله من الوافد الحديث، أو مفاهيم استحدثت لمعالجة مستجدات فكرية، وهي غير ذات نسب بالثقافة الموروثة، ولا الثقافة الوافدة. في هذه المقالة نحاول إزاحة الغبار عن بعض هذه المفاهيم، وتحديد موقف علمي أقرب ما يكون للدقة المنهجية الممكنة من هذه المصطلحات.. وقبل الولوج في هذه المهمة البالغة الأهمية، لا بد من تحديد نظرية المعرفة الكامنة التي تتولد منها وترد إليها هذه المصطلحات والمفاهيم؛ إذ إن الاتفاق على نظرية سديدة في المعرفة خطوة لا مندوحة عنها للباحث عن الحقائق العلمية، الجاد في الوصول إليها، العازم على دفعها لنهاياتها المنطقية مهما كان الجهد المبذول في سبيلها، والوقت المصروف لاقتفاء أثرها. إن خفاء الحقائق العلمية، والتباس المفاهيم نابع من أحد عيبين خطيرين: أزمة في المعرفة، أو أزمة في الخلق.. ذلك أنه في بعض الحالات تتبين الحقيقة العلمية لكل ذي عينين، ولكن الإباء والاستكبار يكونان مانعاً أخلاقياً من اعتناقها.. [سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ... ] [الأعراف: ١٤٦] فهي ضلالة متعمدة وغيّ مقصود.. أما إن كان الالتباس ناتجاً من جانب معرفي علمي فأمره أيسر، وخطبه أهون؛ فما هو إلا أن تبين المسائل بحجمها حتى يهتدي الضال ويستقيم المعوج.. في نظرية المعرفة: إن لحقائق العلم، ومصادر المعرفة طرقاً محدودة، وسبلاً معدودة اختلف فيها الناس اختلافاً كثيراً عبر التاريخ.. كما اختلفوا في ترتيبها بعد عدّها وحصرها، وكان لذلك الاختلاف والتنويع أثر عميق في المذاهب والديانات والاعتقادات التي اعتنقها جماعات البشر قديماً وحديثاً ... والحديث في ذلك الاختلاف والاضطراب يطول جداً، ولذلك فلن أعرض له في هذه العجالة. وللمعرفة العلمية الصحيحة مصادر، منها: ١-الوحي: وهو أهم المصادر وأكثرها ثراء وغنى، وعظمة ... [الّر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ] [هود: ١] . ٢- الكون: الذي تقع عليه وسائل الحس المباشر من سمع أو بصر، أو غير المباشر بوسائل متعددة متنوعة، من أجهزة وآلات. ٣- العقل: بما فطر عليه من الاستدلال باللازم على الملزوم، والترتيب المنطقي للظواهر الحسية، ورفض التناقض واستحسان الحسن ... إلخ. ٤- التاريخ: باعتباره المخزون الأول للتجربة الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة، مع التحقق من صحة الوقائع والروايات بمناهجه الدقيقة التي يجيء في الذروة منها مناهج المحدثين المسلمين. وذلك إلى جانب روافد ثانوية أخرى: من إلهام وفراسة ورؤى منامية وحديث قلب ... إلخ. ولكل واحد من هذه المصادر نظام داخلي، وضوابط منهجية تقي من الزلل فيه أو الخطأ في استخدامه، ليس هذا موضع بسطها وبيانها ... المهم أن كل معلومة لا تعتمد على واحد أو أكثر من هذه المصادر فهي باطلة لا تستحق الاهتمام، وزخرف من القول لا يستحق الالتفات فإذا حصل الاتفاق على هذه المصادر، وتبلور بوضوح الموقف منها، فإن الاختلاف بعد ذلك في بقية المسائل خطب يسير، وشأن يسهل تجاوزه ... مفاهيم كثر حولها الاختلاف: كثيرة هي المفاهيم التي يتنازع حولها المتنازعون، ويختلف فيها المتحاورون ... فمن ذلك مثلاً: (أ) مفهوم الحاكمية وهو مفهوم بلوره المفكر الباكستاني المسلم أبو الأعلى المودودي، وتناوله في كتابات عدة، أشهرها كتابه: (المصطلحات الأربعة في القرآن) .. وعنه أخذ المفكر المصري المسلم سيّد قطب في عدد من كتاباته وخصوصاً كتابه: (معالم في الطريق) ، وكتابه: (في ظلال القرآن) ... ثم شاع بعد ذلك استخدام هذا المصطلح، واختلف الناس حوله بين مادح وقادح، وبين رافض وموافق ... وهذا المصطلح يتناول المشروعية الدينية للنظم المختلفة، وبيان أن ثمة نظاماً واحداً فقط يرضى عنه الله ورسوله والمؤمنون، ويخضع له المؤمنون، ذلك هو النظام الحاكم بالشريعة المفصلة المنزلة على رسول الله ﷺ ، وأن أي نظام يخالف شريعة ظاهرة متواترة مما أنزل الله على رسوله فليس له حق الطاعة والخضوع ... ويظهر من هذا العرض أن هذا المفهوم مبلور وواضح.. ورغم ذلك فقد ثار حوله جدل عريض قديماً وحديثاً ... ولا يزال الجدل سارياً حوله حتى الآن؛ ولو قال قائل: إنه يعتبر من أهم المفاهيم التي يثور حولها الجدل، لما كان غالطاً ... ! فمن أين أتى الغموض في هذا المفهوم؟ وما هو مصدر الالتباس فيه ... ؟ مصدره والله أعلم من اللوازم التي تلزم على هذا القول، ومن تنزيله الخاطئ على الواقع.. فما تزال للأسف الشديد جماعات كثيرة هنا وهناك تكفّر المسلمين، وتحمل السلاح عليهم موظفة هذا المفهوم بشكل خاطئ يعيد رؤية الخوارج التاريخية للمجتعات الإسلامية، ويكرر مآسيهم في إثارة الفتنة داخل الصف المسلم، بدل مواجهة العدو الخارجي والانخراط في الجهد البناء لإيقاظ المسلمين، وإعادة جذوة الحضارة فيهم ... إن هذا المفهوم لم يستخدم في الكتاب ولا في السنة، كما لم تتداوله كتابات السلف ﵃ وبذلك فلا يمكن ضبط معناه بشكل نهائي ... ولذلك فهو عرضة للتأويلات والتفسيرات الغالية، والخاطئة ومن الأفضل عند الجدال حوله، استخدام مفاهيم أكثر وضوحاً وضبطاً في نصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة، مثل مفهوم الكفر والإيمان والطاعة والمعصية ... إلخ. (ب) مفهوم الديموقراطيّة: وهو مفهوم حديث في إدارة الدولة، وفد على الفكر الإسلامي من الغرب.. وقد حاول بعض الملبّسين وضع الإسلاميين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما رفض، هذا المفهوم، أو قبوله على عجره وبجره ... فالقابل لهذا المفهوم كما يراه الملبّسون مستنير متطور متقدم ... والرافض له رجعي متخلف ديكتاتوري.. ولا منزلة بين هذين الأمرين ... إن مفهوم الديموقراطية يحمل مضمونين: أحدهما إجرائي عملي، والآخر نظري فلسفي.. أما الجانب الإجرائي التنظيمي، فهو من باب الخبرة البشرية التي لا يجد المسلم غضاضة في الاستفادة منها، كما يستفيد من سائر سبل تنظيم الحياة الأخرى كالجامعات والشركات ... إلخ، فالانتخابات والمجالس النيابية والمجالس البلدية ... إلخ، إنما هي رصيد تجربة اجتماعية لا بأس من استعمالها وتوظيفها. أما الفكر العقدي والفلسفة الأيديولوجية الكامنة خلف الديموقراطية، المتمثلة في إعطاء حق التشريع وإنشاء القوانين ووضع القيم الأخلاقية والاجتماعية لمثل هذه المجالس والدوائر، فهو مما لا ترضاه الشريعة ولا تقبله ولا تقره ... ومن هنا كان الالتباس والتعارض الظاهر بين مواقف الدعاة في مسألة الديموقراطية ... فبعضهم يدعو إليها ويبشر بها باعتبارها أفضل الضمانات للاستقرار السياسي والاجتماعي ... وآخرون يقفون على النقيض من ذلك؛ حيث يرى فيها كفراً بواحاً لا يجوز إقراره أو السكوت عليه، وإنما ينشأ الاختلاف المتضاد هذا من الاختلاف في تحديد المفهوم، وتعريف المصطلح، بل إن الكثيرين من الكتاب للأسف الشديد يميلون لتغيير الألفاظ بقصد التعمية، والإبعاد عن المقصود عن الهدف الحقيقي، كما قال رسول الله: (يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) [١] . فبدل الحديث عن العلمانية وحق ممثلي الشعب في وضع النظم والقوانين، يكون الحديث عن (المجتمع المدني) باعتباره نقيضاً للمجتمع (الكهنوتي) الذي يحكمه رجال الدين كما في الرؤية النصرانية لإدارة المجتمع ... والإسلام وهو يرفض الكهنوت، والعصمة لرجل أو طبقة أو فئة كالإكليروس فهو كذلك يرفض بلا هوادة الرؤية العلمانية للحياة والكون والإنسان والمجتمع، ويعتبرها بحق خطراً جارفاً يدمر البشرية، ويشوّه الفطرة الإنسانية، وينشئ حضارة الغاب التي يأكل فيها القوي الضعيف، ويدمّر المتسلط حضارة المقهور كما يجري عياناً الآن. (ج) مفهوم النهضة والتطور: هذان المفهومان: مفهوم الحرية، ومفهوم التقدم والتطور هما المفهومان الأكثر استعمالاً في الفكر الغربي الحديث ... وفي فكر نخب دول الأطراف، تلك النخب العميلة للفكر المستورد تردد عباراته، وتتبنى مقولاته تبنياً أعمى دون وعي ولا جدية في حفظ أمانة الثقافة والهوية لأمتهم التي ينتمون إليها، بل في خيانة صارخة لهذه الأمة وتاريخها دون أدنى خجل أو حياء ... ولو ألقيت نظرة فاحصة لمقولة التقدم والتطور التي ترددها هذه النخب وتدعو إليها بلا هوادة ولا كلل، وبحثنا بعمق في هذا السؤال الخطير: هل البشرية في العصر الحديث منذ الثورة الفرنسية خاصة تسير صعداً في سلم الحضارة وبناء المجتمع؟ أم تراها تهبط وتنحدر؟ أم هي تهبط وترتقي في آن ... ؟ ! أقول: إنه، وباستخدام مصادر المعرفة التي تحدثنا عنها فيما سبق، فإن للمرء رؤيتين: رؤية واقعية نابعة من شهادة الحس المنضبط، والعقل السويّ؛ تعترف بأن البشرية في مجال العلوم الطبيعية والتقنية لا تزال تثب صعداً من كشف لكشف، ومن إنجاز لآخر ... ولكن هل يكفي الفتح والانتصار في مجال العلوم لتحقيق سعادة الإنسان وازدهاره الأرضي....؟ ! تُرى هل زادت هذه الكشوف والاختراعات في عقلانية الإنسان وتوجهه للسلام الاجتماعي، وحل المشكلات على أساس العدالة والمساواة ... ! ؟ وهل خفّت الحروب، ووضعت أوزارها، واتجهت الإنسانية لما هو أجدى وأنفع..؟ ! لقد قامت بعد ثورة التنوير هذه أعتى الحروب والمجازر في التاريخ.. لقد اندلعت الحربان العالميتان اللتان لم يشهد لهما التاريخ مثيلاً، وزاد عدد ضحاياهما على الأربعين مليوناً ... كما برزت ظاهرة استرقاق العبيد في إفريقيا، واستعمار دول الأطرف التي قلّما نجا من نيرها بلد من البلدان، وإبادة الشعوب غير الأوروبية، كما جرى للهنود الحمر في أمريكا الشمالية. هذا فضلاً عن الهدر الهائل في الطاقة والتبذير الذي لا نظير له، وتدمير الغابات، وتلويث البيئة، وثقب طبقة الأوزون، وملايين العاطلين عن العمل، وتفشي الجريمة، وفقدان الأمن، والتمزق الأسري ... هذه حقيقة؛ فهل يملك مراقب له أدنى قدرة على النفوذ إلى أعماق الحقائق إلا أن يعترف أن الحضارة المعاصرة هي حضارة الأرض اليباب، والرجال الجُوف، كما يقول بحق الشاعر الأمريكي الإنجليزي (ت. إس. أليوت) . إن شواهد الحسّ والتاريخ والواقع العياني لتشهد بصحة النبوءة النبوية: (لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم..) [٢] . وقوله ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... ) [٣] . نعم ... إن شواهد التاريخ لتصدق الرؤية الدينية النبوية التي تقول بأن سيرة البشرية في انحطاط دائم مهما بلغت من التقدم في العلم الظاهري الذي لا ينجم عنه سلوك حضاري أو ممارسة جماعية راشدة.. فإذا التبست الرؤية على مُشاهِد غير متعمق في النصوص، ورأى أن مثل هذا الحديث يعارض أحاديث أخرى، من مثل قوله ﵊: (أمتي كالغيث لا يُدرى خير أوله أم آخره) [٤] ، أو قوله: (إن الله يبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) [٥] ، فنقول: إن الحديث الأول من تواضعه ﷺ وإخباته لربه؛ ذلك أنه في آخر هذه الأمة ينزل المسيح عيسى ابن مريم ﵇ كما تواترت بذلك الأحاديث فيكسر الصليب، ويقتل الخنزيز، ويضرب هذا الدين بجرانه في الأرض، وتلك فترة محدودة لا تلبث أن تزول وهي من إرهاصات قرب الساعة. أما أحاديث التجديد، فهي لا تعارض الخط البياني الهابط لمسيرة البشرية ... بل هي قفزات في خط هابط لا ترد الخط لقمته الأولى، وإنما تنهض به يسيراً ثم يعاود النزول ... إن هذه الكلمات لا يقصد بها البتة إشاعة روح اليأس والاستسلام ولكنها من باب بيان حقائق الأمور كما هي عليه، وكما أفادها شاهد الحس، وخبر الوحي قبله من السماء.. لقد قال رسول الله: (من قال هلك الناس؛ فهو أهلكَهم) أو (فهو أهلكُهم) بضم الكاف وفتحها.. نحن لا نحب أن تشيع بين الناس روح الاستسلام والتشاؤم، ولكن إدراك الأشياء في وضعها الصحيح تعين على مزيد من الواقعيّة والاتزان في تقديم الإسلام وعرضه للناس، وتخفف كثيراً من الشروط المثالية التي يطالب بها الدعاة أو كثير منهم؛ وهم في ذواتهم، وفي حياتهم اليومية عاجزون عن تطبيق جزء يسير منها، فضلاً عن أن يأتوا بها كلها.. إن الوعي العميق بالذات، وبالآخر، والبصيرة النافذة في واقع الناس، ومراد الله ﵎ منهم ... إن ذلك شرط أساس لأي دعوة ناضجة تأملُ في حدود الممكن أن تنقل الناس من حال أدنى إلى حال خير منه.. [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَاًمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ] [لقمان: ١٧] وفقنا الله لما يحب ويرضى.

стр. 2845

بأقلامهن يا نساء الدعاة احتسبن ..! فاطمة بنت عبد الله البطاح (وراء كل رجل عظيم امرأةِ) ! هذا المثل تختلف وجهات نظرنا حوله بين مؤيد ومعارض! لكني أحسب أننا جميعاً نتفق على أهمية المرأة في حياة زوجها. ونثق أن لها دوراً لو أدته فسوف تسير السفينة كما يريد ربانها! لذا نجد أن الرسول ﵊ أشار إلى أهمية المرأة في أكثر من موضع؛ حتى نبه الشاب المسلم إلى ضرورة البحث عن (ذات الدين) التي تخاف ربها في الزوج والبيت والولد! ! وأحسبكم لا تختلفون معي في أن (الداعية) هو أكثر الناس حاجة إلى وجود امرأة متميزة تسير خلفه، وتقر في بيته، وتساعده على أداء رسالته. أما لماذا؟ فلأسباب؛ من أهمها: ١- تميز الرجل الداعية عن غيره؛ إذ إنه ليس كغيره من الناس؛ فلا وقته كأوقاتهم، وليست همومه مثل همومهم. وبذلك تختلف أعماله وجهوده عن أعمالهم وجهودهم! فإذا كان الرجل أي رجل لا يحمل عادةْ إلا همومه الشخصية من مأكل ومشرب وبيت وأولاد! فإن الداعية لا تقف همومه عند حد البيت والولد؛ لكنها ترقى إلى درجة حمل همٌَ إصلاح الأمة بكاملها، وإخراجها من الواقع المنكوب الذي تعيشه. وإذا كان الرجل العادي ليس له إلا السعي في تحصيل رزقه وإسعاد أهله بتحقيق رغباتهم؛ فإن الداعية تكثر أعماله حتى يضيق وقته عنها؛ ولربما وجدته مع كثرتها وتشعبها يردد مع القائل قوله: تكاثرت الظباء على خٌراش ... فما يدري خراش ما يصيد! ! وعلى هذا؛ فإن لم تكن المرأة التي تقف خلف هذا الداعية تحفل بشيء من التميز في نظرتها للأمور وفي همها وهمتها! فلا شك أن سفينة الداعية سوف يصعب عليها مواصلة الإبحار، وربما كان الأمر إيذاناً بدق المسمار الأول في نعشها! ! تصوروا رجلاً داعية كلما عاد إلى بيته بعد جهدُ مضن وعمل قدمه للأمة يريد به وجه الله! وجد امرأة تعلن تبرمها وضيقها من الوقت الطويل الذي أمضته وحدها! أو تعيد على مسامعه قائمة الطلبات الملقاة على ظهره ولم يعبأ بها! وتصوروا امرأة تطيل النظر في وجه زوجها الداعية، وتندهش للأفكار التي يحملها في رأسه، أو لهذه الهمة التي جعلته يسعى لإصلاح أمور تخص عامة الناس ولا تعنيها! ! كأني أرى هذه المرأة وهي تٍثني زوجها عن عزمه، وتسحب شيئاً من رصيد غيرته على دينه وأمته، وتسعى جادة في إدخال اليأس إلى نفسه، ذاكرة له أموراً كثيرة يصعب تغييرها! ! ٢- كثرة الصعوبات والمخاطر التي تعترض درب الرجل الداعية، والسهام الدامية التي تٍصوَّب ناحيته؛ مما يجعل حاجته ماسة إلى وجود امرأة تتفهم متطلبات المرحلة التي يعيشها زوجها، أو يمر بها؛ فتصبر وتصابر، وتوقن أن زوجها لم يكن الوحيد الذي سار في هذا الدرب المزروع شوكاً وآلاماً؛ فالتاريخ يمتلئ بأسماء رجال كانت دماؤهم ثمناً لمبادئ سامية تبنوها وجاهدوا لأجل نشرها! ! وتوقن أيضاً بأن الأذى الذي سيحيق بزوجها لا يعني أنه خسر (المعركة) فلربما اختبأ النصر في ثوب الخسارة، ولربما تفاجأ الناس بأفكار ومبادئ من رؤوس أصحابها متجاوزة الحدود التي أدخلوا فيها لتنشر وتطبق، ويتناقلها الركبان!! أما إذا لم يكن في بيت الرجل الداعية (امرأة واعية) تؤمن بكل هذا، فإن بيته لا شك سيفقد استقراره العائلي؛ مما يؤثر على سلوكيات من فيه من أبناء وبنات. ٣- حاجة أبناء الرجل الداعية إلى أم مؤمنة متميزة تتحمل تبعات إصلاحهم وتربيتهم في ظل غياب أبيهم المحتمل والمتكرر! ! فإذا علمنا أن بعضاً من هؤلاء المجاهدين الدعاة قد رٍزقوا بأبناء لم يروهم؛ فإن هذا يزيد من يقيننا بحاجة الرجل الداعية إلى امرأة ليست كسائر النساء! ويزيد من حجم قناعتنا بأن زوجة الرجل الداعية بحاجة إلى تربية خاصة تؤهلها لتحمل ما قد يّجدٍَ في حياتها من عقبات ومسؤوليات جسام؛ لتكون بمثابة جبهة داخلية تدفع الزوج بصمودها وصبرها للثبات والاستمرار على موقفه وجهاده؛ وخاصة أننا نعيش في هذا العصر العجيب الذي عز فيه الثبات وكثر المتخاذلون والمتنازلون! ولا حول ولا قوة إلا بالله. أختاه! أيتها الأمل! اعلمي أن معاناتك وصبرك إنما هو استجابة لأمر الله تعالى بالصبر والمصابرة؛ وحري بمن يصبر على طريق الحق أن ينال الجزاء الأوفى من الله. أختاه الحبيبة: (١) اجعلي من خديجة ﵂ قدوة وأسوة؛ فقد كانت العضد الأقوى والساعد الأشد لزوجها نبينا ﵊ في رسالته؛ حيث نصرته وصدقته وزمَّلته وقالت له قولتها الشهيرة: (والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكّلَّ، وتٍكسب المعدوم ... ) [١] . (٢) سهام الليل أطلقيها في الأسحار، واسألي ربكٌ لزوجك ولكل دعاة الحق الثبات والعزة والتأييد والنصرة. سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمدِ وللأمد انقضاء! [٢] (٣) انشغلي بتربية أبنائك بأن تزوديهم بالعلم النافع والعمل الصالح الذي ينشئ التقوى، وازرعي في دواخلهم قناعة بأن المبادئ كلما كانت صحيحة كان ثمن نشرها أوًلى. (٤) ارفعي رأسك وافتخري! بأن زوجك من حملة الحق، وثقي بأن لواء الحق لا يسقط وإن سقط حامله! وأخيراً: أختاه قد تلقين ضيماً أو أذىْ ... فثقي بربكٌ واثبتي لعداكٌ فالابتلاء يزيد دينكٌ قوةْ ... والمؤمنات صبرنّ قبلٍ لذاك فلأمٌَ عمارُ وأمٌَ عمارةُ ... أسمى المواقف من ذوي الإشراكٌ!! [٣] ٌ ...

стр. 2846

تأملات دعوية السنن والاعتبار عبد الله المسلم لقد أحسن الله ﵎ كل شيء خلقه، وخلق هذا الكون وفق نظام وسنن مطردة، واطراد السنن في الحياة المادية ومعرفة الإنسان بها أعانه على الاستفادة كثيراً مما في هذا الكون من قوى مادية. وكما أن الله ﵎ جعل سنناً مادية تعين الإنسان على فهم أوجه الحياة المادية واستخراج قوانين ثابتة تشكل الأساس في فهم الظواهر المادية والانطلاق منها، فقد أودع الله ﵎ الكون سنناً تحكم حياة الناس والمجتمعات. إن ذكر قصص السابقين والأولين والأمر بالاعتبار والاتعاظ بها دليل واضح على أن هناك سنناً تحكم حياة الناس ومجتمعاتهم، وأن الأمة إذا سلكت ما سلكه الأولون آلت إلى ما آلوا إليه، فبعد أن ساق الله قصة بني النضير وما أصابهم أعقبها بقوله: [فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] [الحشر: ٢] . وأمر الله الناس بالسير في الأرض والاعتبار بما أصاب السابقين [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا] [محمد: ١٠] . والآيات في هذا المعنى كثيرة. وفي مقابل سير المعرضين والمكذبين يعرض ﵎ سير المؤمنين: [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ] [يونس: ٩٨] . وينكر القرآن على المؤمنين اعتقادهم أن بإمكانهم تحقيق النصر دون أن يصيبهم ما أصاب السابقين من قبلهم: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَاًتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَاًسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [البقرة: ٢١٤] . ويرشد النبي ﷺ أصحابه إلى ذلك فيقول: (لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله) . إن كثرة هذه النصوص لتعطي دلالة على أهمية هذه الحقيقة الغائبة اليوم عن كثير من المسلمين، وجدير بالدعاة إلى الله والذين يتخذون القرآن هدياً ومنهاجاً لهم أن يعنوا بهذه السنن؛ ومن أوجه العناية بها ما يأتي: ١-السعي للتعرف عليها، واستنباطها. ومن أعظم المصادر في ذلك كتاب الله فيما حكاه عن الأولين والسابقين، وما قصه النبي -صلى الله عليه وسلم- من قصص وأخبار السابقين. ومن المصادر المهمة دراسة التاريخ دراسة واعية، وقد أمر الله في كتابه بذلك في غير ما موطن: [أفلم يسيروا في الأرض] . [أوَلم يسيروا في الأرض] . [قل سيروا في الأرض] ويعقب ذلك بالأمر بالنظر والاعتبار. ٢- إعادة تقويم الدراسات الاجتماعية والإنسانية على ضوئها. ٣- إبراز هذه السنن أمام مجتمعات المسلمين، وتضمينها الخطاب الدعوي الموجه لهم. ٤- الانطلاق منها في رسم برامج التغيير والإصلاح، وأخذها بالاعتبار والسير وفقها؛ فالله قد شاء أن يكون نصر هذا الدين قائماً على بذل الجهد والسبب [فَإذَا لَقِيتُمُ الَذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإمَّا مَناً بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ] [محمد: ٤] .

стр. 2847

ندوات ومحاضرات ندوة عن: هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق (الحلقة الثانية) إعداد وائل عبد الغني تعتبر الهوية عنصراً هاماً واستراتيجياً بالنسبة لأمن الأمم والدول، في إدارتها لصراعاتها مع أعدائها، والمطلع على خطط الدول، سواء الأمنية أو التنموية يلحظ أن قضية الهوية تحظى بعناية خاصة. فإلى أي حدٍّ يستوعب المسلمون هذه القضية؟ وكيف ينظر أعداؤنا إلى هويتنا من خلال هذا المنظور بالذات؟ * الشيخ/محمد بن إسماعيل: قضية الهوية قضية محورية أزعجت كل الناس إلا أصحابها، والمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين لمّا يقتنعوا بعدُ أن الأعداء من حولهم، على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم لا هدف لهم إلا استئصال شأفة الإسلام، وطمس الهوية الإسلامية، وصهرها في أتون الأممية وإزالتها من الوجود؛ لأنها لا غيرها تعتبر الخطر الماثل أمام القوى الراغبة في احتواء العالم الإسلامي، والسيطرة عليه سيطرة فعلية ودائمة، قال تعالى: [ ... وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا ... ] [البقرة: ٢١٧] . إن أيّ جماعة تفرّط في هويتها سيسهل في عالم تحكمه شريعة الغاب استقطابها والهيمنة عليها، وتذويب شخصيتها عن طريق تدمير البنية التحتية لهويتها العقائدية والثقافية التي تحفظ عليها سياج شخصيتها، فيتحول الإنسان إلى كائنٍ فارغٍ، مغسول المخ. أما هذه الأمة فلا عزة لها بدون هويتها [ ... وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ... ] [المنافقون: ٨] ، وحين تمسكنا بهويتنا سدنا العالم، وخافت بأسنا الأمم، حتى كانت كنائس أوربا لا تجرؤ على دق نواقيسها، حينما كانت السفن الإسلامية تعبر البحر المتوسط، وحين تخلينا عنها نزع الله من قلوب عدونا المهابة منا، وقذف في قلوبنا الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت. قال رسول الله: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) [١] . ومما يؤسف له أن أعداءنا يدركون جيداً أن (الهوية الإسلامية) أقوى وأخطر سلاح يجب نزعه من المسلمين، بإثارة النعرات القومية. في عام ١٩٦٧م ألقى (أبا إيبان) وزير خارجية الدولة اللقيطة محاضرة بجامعة (برنستون) الأمريكية قال فيها: (يحاول بعض الزعماء العرب أن يتعرف على نسبه الإسلامي بعد الهزيمة! وفي ذلك الخطر الحقيقي على إسرائيل، ولذا كان من أول واجباتنا أن نُبقي العرب على يقين راسخ بنسبهم القومي لا الإسلامي) !. هذا مع أن المجتمع اليهودي في فلسطين يتألف من مهاجرين من (١٠٢) دولة مختلفة، يتكلمون (٧٠) لغة مختلفة من شتات الأرض، جمعتهم عقيدتهم الواحدة رغم اختلاف اللغات والألوان والقوميات والعناصر والأوطان وهذا (أدولف كريمر) اليهودي يعلنها: (جنسيتنا هي دين آبائنا، ونحن لا نعترف بأية قومية أو جنسية أخرى) . وجاء في صحيفة (أحرونوت) اليهودية بتاريخ ١٨/٣/٧٨: (إن على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة هامةً هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا، في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عاماً، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش، لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا) ! وصدق رسول الله إذ يقول: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) وهذا ما يدركه أعداؤنا، ولذلك قال (أشعيا بومان) : (إن شيئاً من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام، ولهذا الخوف أسباب، منها: أن الإسلام منذ ظهر في مكة لم يضعف عددياً، بل إن أتباعه يزدادون باستمرار، ومن أعظم أسباب الخوف وأفظعها أن هذا الدين من أركانه الجهاد) . وقد رصد الأستاذ يوسف العظم سبباً من أعظم أسباب هزيمة ١٩٦٧م؛ فقال: (لقد سمعت وزير إعلام عربياً، إبّان حرب حزيران يقول: (دعونا من خالد بن الوليد وصلاح الدين، ولا تثيروها حرباً دينية) قال ذلك، وهو يعلق على ما يذيعه بعض الدعاة، من حث الجند على الثبات وتشجيع للمقاتلين على الجهاد والاستشهاد، فقلت لمن كان حولي: (منهزمون ورب الكعبة!) . للأسف أصبح عدونا يعي هذه الحقيقة أكثر منا. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: نعم، الأمر متجسد في حسهم، لدرجة أن (إسحاق نافون) رئيس كيانهم الأسبق، في خطابه بجامعة (بن جوريون) ، أمام السادات، في ٢٧/٥/١٩٧٩م، قال: (إن تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن الترتيبات العسكرية والسياسية) ، وجلّى الأمر أكثر، أمام قيادات الحزب الوطني بمصر في ٢٨/١٠/١٩٨٠م حين قال: (إن أي صياغة أدبية أو دينية تخالف التصورات الإسرائيلية تعد مساساً بالسلام الإسرائيلي) ! . نريد أن نرسم إطاراً نظرياً لحجم العداء الغربي للهوية الإسلامية، يعيننا على إدراك مكائده العملية. * د/مصطفى حلمي: قضية الهوية ظاهرة جداً في تفكير ساستهم ومنظريهم، والكلام فيها كثير، وكثيراً ما تعبر مواقفهم السياسية عن هذا المنطلق، لذلك هم يعتبرون أن أمامهم تحديات؛ لأنه ثبت لهم عبر مراكز بحوثهم ودراستهم وجامعاتهم ومستشرقيهم أن هذه الأمة عصية على الهزيمة إذا حافظت على شخصيتها الإسلامية، ومن ثَمّ فالطريق الوحيد للقضاء عليها؛ هو القضاء على تفرد شخصيتها؛ لذلك نجد أن الهدف الأساسي من النظام العالمي الجديد، وما يعرف بالعولمة وأمركة العالم، ومحاولة التمييع بين الأمم، نجده كله: القضاء على شخصية الأمة المتميزة من أجل تفتيتها والقضاء عليها. ورغم أنهم يعتبرون أن الهوية اليابانية قد تخطت مرحلة تحدي الوجود، على حد قول (لاتوش) في كتابه (تغريب العالم) : (يشكل النجاح الأكيد لليابان الذي خلص آسيا من أسطورة الرجل الأبيض، تحدياً رهيباً، لتفوق العرق الأبيض) ، رغم هذا التحدي نجدهم يغضّون الطرف عن اليابان؛ لأن أمامهم ما هو أخطر.. أمامهم الإسلام الذي يهددهم كعقيدة في منهجه وأصوله، وكنظام في فكرتي: الدعوة، والجهاد. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: من باب التمثيل على ما ذكر الدكتور مصطفى جزاه الله خيراً أذكر قول (نيكسون) في كتابه: (انتهز الفرصة) : (إننا لا نخشى الضربة النووية، ولكننا نخشى الإسلام والحرب العقائدية التي قد تقضي على الهوية الذاتية للغرب) ! إذن المسألة بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت، لذلك يقول في الكتاب نفسه: (إن العالم الإسلامي يشكل واحداً من أكبر التحديات لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية في القرن الحادي والعشرين) . وقال (إيوجين روستو (رئيس قسم التخطيط بوزارة الخارجية الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس (جونسون) لشؤون الشرق الأوسط حتى عام ١٩٦٧: (إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي: فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته، وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام، وإلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية؛ لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها) . وبهذا يتضح لمن لديه أدنى بصيرة أن هدف القوم الأكبر؛ هو طمس هويتنا باستبدالها بأخرى أياً كانت، سواء أكانت هوية تفتتنا كالهويات الوثنية أو القومية أو القطرية، أو كانت تميعنا وتذوبنا فيها كالعولمة؛ فالمهم عندهم محو الهوية الإسلامية المتميزة، ليحال بين الإسلام وبين الشعوب، في حاضرها ومستقبلها، ويصبح مثلنا كمثل الذي قيده عدوه، بعد أن جرده من سلاحه وانتزع أظفاره، وخلع أسنانه، ثم وضع الغل في عنقه، والقيد في معصمه، ومع هذا يطلب منه: شكر العدو على هذا الصنيع، والفخر بالغل، والتباهي بالقيد، والاعتزاز باستعباد ذلك السيد إيانا! هذا التصور ليس وساوس أو تهيؤات، ولكنه حقيقة تشهد لها شواهد، منها قول (كلينتون) : (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا) . قبل أن نتناول مظاهر الحرب على الهوية، نريد أن نعرف حكم الشرع في المساس بهذه الهوية. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: تشويه الهوية أو إضعافها عمل إجرامي تآمري يرقى بل ينحط إلى مستوى الخيانة العظمى لأمة التوحيد. قال الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الجامع الأزهر السابق رحمه الله تعالى: (إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى، وجناية عظمى) ، ولقد لعن رسول الله لله من غيّر منار الأرض، فكيف بمن يغير هوية أمة، ويُضلها عن طريق النجاة؟ ! في ضوء قوله تعالى: [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] [الأنعام: ٥٥] . نود أن نذكر -بشيء من التفصيل- مجالات وأساليب طمس الهوية الإسلامية. * الشيخ/محمد بن إسماعيل: أما عن الأساليب التي استعملت لطمس هويتنا فمنها: إضعاف العقيدة، وزعزعة الإيمان: لأن العقيدة هي خط الدفاع الأول، ومن وسائل ذلك: زرع الصراعات الفكرية التي تشوش الأفكار، وتشتت الأذهان عن طريق بعث الفلسفات المضادة للتوحيد، وإحياء التصوف الفلسفي، ونشر تراث الفرق الضالة كالباطنية والمعتزلة والرافضة، وإثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية الشريفة، وهز الثقة في السلف الصالح، والتركيز على عرض ما يناقض التوحيد بصورة تغري بالإلحاد، كنظرية (داروين) ، وتاريخ الأمم الوثنية كالفراعنة وغيرهم، دون أي نقد، لا: [لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] [الأنعام: ٥٥] ، ولكن لننبهر ونفخر بسبيل المجرمين. * د/مصطفى حلمي: يضاف إلى ما ذكره الشيخ محمد في هذا الباب: إنشاء وتغذية المذاهب والمبادئ الهدامة، التي تطعن من الخلف، كالماسونية، والبهائية، والقاديانية، وأمثالهم، واشتغال المسلمين بها لتفتنهم عن دينهم. * د/جمال عبد الهادي: ومن هذه الأساليب: محاولة تجفيف المنابع: عبر وسائل التسلية والإعلام، وتشويه صورة الإسلام ورموزه، وتقليص المقررات الشرعية والتاريخ واللغة العربية، باعتبارها روافد تغذي الهوية، وعن طريق حصار المسجد وتكميم أفواه الدعاة، وإغلاق الكتاتيب ومدارس المعلمين التي تخرّج المحفظين. * د/ مصطفى حلمي: إضافة لما ذكره الدكتور جمال حفظه الله في هذه النقطة، فإن سياسة تجفيف المنابع المراد منها إلغاء أي سلطة شرعية على المجتمع، وبأي صورة، سواء كانت في الصور التي ذكرها الدكتور، أو في إلغاء المحاكم الشرعية، أو في السيطرة على أوقاف المسلمين، أو في إنشاء مؤسسات معلمنة لتنافس البقية الباقية للمؤسسات الشرعية، كإنشاء كليات الحقوق لتزاحم كليات الشريعة. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: في الحقيقة أن من أخطر أساليب طمس الهوية ومسخها (تسميم الآبار المعرفية) التي تستقي منها الأجيال، أعني تخريب مناهج التعليم بكافة مراحله، وهذا ما يسمونه بكل صراحة: (تجفيف منابع الإسلام) ! ! هذه المؤامرة لم تبدأ اليوم، ولكن منذ أكثر من قرن، ولم تبدأ من الصفر، ولكنها تُستمد من معين المنطلقات التي صنعها الاستعمار والاستشراق والتبشير، ويكفي أن القس (دنلوب) تمكن في عشرين سنة من تخريب العقول والنفوس والضمائر والعواطف من خلال سياسته التعليمية، بصورة ما كانت تحلم بريطانيا بتحقيق ربعها لو جندت في سبيل ذلك مليون جندي بريطاني. وقد أنطق اللهُ (كرومَر) رائدَ التغريب في مصر بهذه الحقيقة، فقال: (إن الحقيقة أن الشباب المصري الذي قد دخل في طاحونة التعليم الغربي، ومر بعملية الطحن يفقد إسلاميته، وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها، إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية) . * د/ جمال عبد الهادي: من صور التجفيف التي آتت أكلها الخبيثة عزل المؤسسات الدينية عن أداء دورها أو التأثير في المجتمع وهو ما أفلح (دنلوب) في نيل نصيب منه، وتجري بقية فصول المؤامرة إلى اليوم، وهذه أعظم فرصة للاستعمار الثقافي ليقوم بدوره في الفكر والتشريع والحياة، والذي ينشأ عنه ضعف الوازع الديني رغم أنف كثير من الناس، بل إن كثيراً منهم قد لبس الإسلام كما يلبس الثوب مقلوباً. ولهذا كانت الجولة الحالية لصالح الاستعمار، لما جُنّب الإسلام قصداً عن المعركة، ولكن لم يكن بالدبابة والمدفع، ولا بالأسطول والطائرة، وإن كانت هذه الأسلحة قد وقفت تدعم سلاحاً أعمق جرحاً وأبلغ أثراً؛ الأستاذ الذي أفسد التفكير، والعلم الذي زرع الشك، والكتاب الذي أمرض اليقين، والصحيفة التي نشرت الرذيلة، والقلم الذي يزين الفاحشة، والفن الذي يشجع على الفجور، والمهازل التي قتلت الجد والرجولة، والمسكرات التي تذهب بكل شيء، والشهوات التي تخرم المروءة، والكماليات التي تشغل الكواهل، والأعراف التي تناقض فطرة الله، والمعاني الكافرة التي تطرد المعاني المؤمنة من القلوب، هذا هو حصاد تجفيف المنابع المرير، ولله المشتكى! * أ/جمال سلطان: ومن أساليب طمس الهوية أيضاً: إفساد اللغة العربية واللعب في مجال الثقافة: نشطت عملية الإفساد في اللغة العربية بصورة كبيرة مثلها مثل بقية الأبعاد منذ وقت مبكر. فنجد دور (طه حسين) في ذلك؛ إذ نحا منحى أستاذه (مرجليوث) في التشكيك في مصادر اللغة والقرآن، وأكمل معه الدور أحمد لطفي السيد، الذي سعى سعياً حثيثاً (لتمصير العربية) ، من أجل إزالة فكرة الولاء والبراء، مدعياً أن المصالح وحدها هي التي تربط بين الشعوب، لذلك استنكر تعاطف المصريين مع إخوانهم في ليبيا منذ الاحتلال الإيطالي، واعترض على دستور عبد الناصر الذي نص على أن مصر جزء من الأمة العربية، فأطلق شعار: (مصر للمصريين) ! . ومن هنا يظهر أن تدمير اللغة لا يعني سوى تحريف العقيدة، وقد قام بدور مشابه لهذا، (الموارنة) في لبنان، الذين أقاموا جمعيات أدبية وشعرية كانت تغذيها قوى مشبوهة لتدمير اللغة والأدب، على اعتبار أنهم مجموعة (الرابطة القلمية) ذات العلاقات الماسونية، والتي ضمت جبران ومخائيل نعيمة، وتعجب من تلميعهم رغم أن كل أعمالهم كانت للكيد للغة العربية، لصلتها القوية بالإسلام، فيقدمونهم لنا كمجموعة أدبية متميزة، مع أن لهم أقوالاً في منتهى الخطورة؛ منها على سبيل المثال: (نحن لن ننتمي إلى الشعب العربي، ولا إلى الجنس العربي نحن فينيقيون) . ونعجب من إبراز مثل هؤلاء على حساب النماذج الإسلامية الأصيلة، فندرس في الهند عن (طاغور) الهندوسي، ولا نعرف شيئاً عن (إقبال) المسلم، رغم أنه إلى جانب كونه مسلماً فإنه صاحب قضية، بل وصل اللعب في هذا المجال إلى حد من التسطيح والتحريف، لدرجة أنهم كانوا يدرسون لنا قصيدة لمطران بعنوان: (فتاة الجبل الأسود) ، وكان مطران يتغزل بفتاة صربية كافرة، ويتغنى ببسالتها في مقاومة (الغزو التركي العثماني) حسب قولهم أو (المسلمين) كما هو معلوم، ولأن الأمة قد مزقت وغيب وعيها، فلم يعد أحد يعرف ما الجبل الأسود أو البوسنة، أو أفغانستان أو غيرها؟ وأعود فأقول: إن هذا التدمير قد واكبه تدمير في جميع أبعاد الهوية، سواء في الشريعة أو الاجتماع أو الأخلاق أو السلوك، ولأن الهوية تكامل نفسي وفكري، فلذلك كان عليهم أن يلعبوا على كل الخيوط من أجل إفساد الهوية. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: أعظم دافع للتآمر على اللغة العربية هو شدة ارتباطها بالقرآن والإسلام، وأثرها في وحدة الأمة، وقد تم ذلك عبر محاور عدة منها: تشجيع اللهجات العامية، والمطالبة بكتابتها بالحروف اللاتينية، وتشجيع اللغات الأجنبية على حساب لغة القرآن الكريم، وتطعيم القواميس العربية بمفاهيم منحرفة كقاموس (المنجد) ، والطعن في كفاءة اللغة العربية وقدرتها على مواكبة التطور العلمي. وإذا كانت (الثقافة) هي مجموع القيم التي ارتضتها الجماعة لنفسها، لتميزها عن غيرها من الجماعات، فإن اللغة هي وعاء الثقافة، ومظهرها الخارجي الذي يميزها. إن لغتنا ليست لغة قومية، لكنها لغة دينية تجمع حولها المسلمين جميعاً عرباً وعجماً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) اهـ. وقال المرتضي: (من أبغض اللسان العربي أدّاه بغضه إلى بغض القرآن وسنة الرسول لله، وذلك كفر صراح، وهو الشقاء الباقي، نسأل الله العفو) اهـ. إن للغة دوراً خطيراً في توحيد الأمة، وهاك أمثلة توضح ذلك: الأول: (إيرلندا) التي رزحت تحت الاحتلال الإنكليزي منذ أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وذاقت منه الويلات، خصوصاً على يد (كرومويل) الذي أعمل السيف في رقاب الإيرلنديين، وشحن عشرين ألفاً من شبابهم وباعهم عبيداً في (أمريكا) ، ونفى أربعين ألفاً خارج البلاد، وتمكن من طمس هويتهم بمحو لغتهم الإيرلندية، وتذويبهم في المجتمع البريطاني. ولما حاول بعض الإيرلنديين الوطنيين بعث أمتهم من جديد أدركوا أن هذا لا يتم ما دامت لغتهم هي (الإنكليزية) ، وما دام شعبهم يجهل لغته التي تميز هويته، وتحقق وحدته. وأسعفهم القدر بمعلّم يتقن لغة الآباء والأجداد؛ دفعه شعوره بواجبه إلى وضع الكتب التي تقرب اللغة الإيرلندية إلى مواطنيه، فهبوا يساعدونه في مهمته حتى انبعثت من رقادها، وشاعت، وصارت (النواة) التي تجمع حولها الشعب، فنال استقلاله، واستعاد هويته، وكافأ الشعب ذلك المعلم بانتخابه أول رئيس لجمهورية (إيرلندا) المستقلة هو الرئيس (ديفاليرا) . الثاني: (ألمانيا) التي كانت مقاطعات متفرقة متنابذة، إلى أن هبّ (هَرْدِر) الأديب الألماني الشهير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ينادي بأن (اللغة) هي الأساس الذي يوحّد الشعوب، والنواة التي تؤلف بينها، فانطلق الأدباء يعكفون على تراثهم القديم أيام كانوا أمة واحدة، وقاموا بإنعاش تراثهم الأدبي، ونسجوا حوله قصصاً وبطولات خلبت ألباب الشباب، وتغنوا بجمال بلادهم، وأمجاد أسلافهم، فتجمعت عواطفهم على حب الوطن الكبير، وتطلعت نفوسهم إلى الانضواء تحت لواء (هوية ألمانية) واحدة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام (بسمارك) لتعبئة الشعور القومي، وتوحيد ألمانيا، وإقامة (الإمبراطورية الألمانية) التي كان (بسمارك) أول رئيس وزارة (مستشار) لها. الثالث: أعاد اليهود اللغة العبرية التي انقرضت من ألفي سنة وبعثوها من مرقدها، حتى صارت لغة العلم بالنسبة لهم، وألفوا بها أدباً نالوا به ما يسمى جائزة نوبل، لقد وحدت هذه اللغة لسان الشتات المتفرق بين (٧٠) لغة، وحولته إلى لسان واحد. ومن هنا يتضح أن إهمال العربية أو تهميشها أو ترقيعها يصب في خط واحد، هو: هدم الهوية الإسلامية! والعجب كل العجب من شماتة المستشرق الألماني (كاممفاير) إذ يقول: (إن تركيا منذ حين لم تعد بلداً إسلامياً) لماذا؟ (فالدين لا يدرس في مدارسها، وليس مسموحاً بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس، وإن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية، قد أصبحت الآن مستحيلة، بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية) . * د/مصطفى حلمي: * ومن أساليب طمس الهوية: تزييف التاريخ الإسلامي: والتشكيك في حوادثه، وإبراز النماذج المنحرفة، والحوادث المؤسفة، وتضخيمها؛ لتتشبع الأجيال الناشئة بكراهية الإسلام والنفور من تراثهم وتاريخهم. ومن هذا الباب السخرية من رموز الإسلام من أجل إضعاف التأثر بهم. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: من محاولات تزييف التاريخ الإسلامي؛ محاولة تفسيره تفسيراً قومياً كما يفعل البعثيون الذين يريدون أن يبتلعوا الإسلام في بطن قوميتهم حين يزعمون أن الإسلام مرحلة في تاريخ العروبة. أو تفسيره تفسيراً مادياً كما يفعل الماركسيون حيث يصورونه على أنه تاريخ صراع طبقي، أو صراع مصالح بين الأمراء والخلفاء والملوك. والهدف من وراء كل ذلك واضح، وهو الحيلولة بين الأمة وبين اتخاذ تاريخها الحقيقي منطلقاً للنهوض من كبوتها. أما المنهج الصحيح والواقعي فهو: فهم التاريخ البشري كله على أساس أنه تاريخ دين سماوي واحد؛ هو (الإسلام) ، من لدن آدم ﵇ إلى محمد لله وحتى يرث الأرض ومن عليها. ومن تزييف التاريخ أيضاً: طمس المعالم التاريخية، والحفريات التي تصحح تاريخ العقيدة، وتكشف أن التوحيد هو الأصل وأن الشرك طرأ عليه، وكذا الوثائق التي تثبت التحريف في كتب أهل الكتاب، والتي تدعم الإسلام وتؤيده. ويجدر بنا الإشارة إلى مؤامرة تزييف تاريخ (الإبراهيمية الحنيفية) التي هي جذر الإسلام، وذلك عن طريق نشر فكرة (السامية) التي تركز على القول، بأن هناك أصلاً واحداً مشتركاً بين العرب واليهود، هو (سام بن نوح) ، في حين أن القصد الحقيقي من ورائها هو التعمية على انتساب العرب إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وعزو تاريخ إسماعيل وذريته إلى مصدر غامض مجهول السند. وذلك بقصد صرف الأنظار عن هويتنا الحقيقية التي هي ملة إبراهيم عليه السلام التي أولاها القرآن الكريم أعظم الاهتمام ونسبنا إليها، وحثّنا على اتباعها وبرّأ إبراهيم ﵇ من كونه يهودياً أو نصرانياً أو مشركاً. ومن أساليب طمس الهوية كذلك: الحرب النفسية المدعمة بالأساليب التعسفية: لقمع وإنهاك رموز الإسلام والدعاة إلى الهوية الإسلامية، وتنحيتهم عن مواقع التأثير الإعلامي والتربوي، وتسليط الحملات التي تصفهم بالتطرف والإرهاب والأصولية، مع تركهم مكشوفين في العراء، عرضة لانتقاد وسخرية أعداء الهوية؛ كيلا يشكل الدين أي مرجعية معتبرة للأمة. ومنها: إشغال المسلمين بالشهوات ووسائل الترفيه التي تستهلك طاقات المسلمين وأوقاتهم، وتدفع المجتمع إلى السطحية في النظر إلى الحقائق، وذلك بزيادة معدلات تعرضه للإعلام الترفيهي، مع تقليل الزمن المتاح للتأمل والتفكر والتدبر في الأحداث اليومية، وبذا تعد وسائل الترفيه آلات الجراحة النفسية المطلوبة لاستبدال الهوية. * أ/جمال سلطان: إذا اعتبرنا وسائل الترفيه بمثابة آلات تخدير واسترخاء فمن المعلوم أنه في فترات الاسترخاء تضعف (المناعة الاجتماعية) بألوانها المختلفة، مما يعني اتساع دائرة نفاذ الغزو الخارجي والتأثير على الهوية. وبالتأمل في تاريخ الأندلس، وبالذات مرحلة السقوط، نجد أن الخطر ظهر منذ أن غزت مظاهر الترف المجتمع من قمته إلى قاعدته، والترف ناشئ عن الشعور بالاسترخاء وعدم وجود تحدّّ أو صراع؛ لأنه لا خوف من الصراع؛ إذ يستنفر الطاقات ويوقظها، كما قال تعالى معللاً أخذ المؤمنين الحذر: [ ... وَدَّ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ... ] [النساء: ١٠٢] ، والحذر واجب ومتأكد حتى في الصلاة. والجسم المستنفر يقظ قوي يصعب اختراقه، على عكس المسترخي والمستأنس الذي غابت عنده قضية الولاء والبراء، فبدأت اللوثات في المزاحمة. * د/مصطفى حلمي: من هذه الأساليب: اتباع سياسة التصفية العرقية والتهجير: وتعد الهند أنموذجاً لذلك، فبعد أن كانت قارة مسلمة، حولتها بريطانيا إلى مقاطعات، وفصلت بين المسلمين وإخوانهم بالهندوس.. ومكّنت الهندوس من الحكم برغم أنهم كانوا أقلية؛ وقد تم مثل هذا الأمر في أماكن عديدة أقربها ما حدث في البوسنة والهرسك. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: يضاف إلى ما ذكره الدكتور مصطفى حفظه الله ما جرى من طمس للمعالم التاريخية التي تؤكد الانتماء الإسلامي، كما فعل النصارى في الفردوس المفقود: (الأندلس) ، وكما فعل (أتاتورك) في تركيا؛ حينما حوّل مسجد (أيا صوفيا) إلى مُتْحَفٍ وبيت للأوثان، وطمس منه آيات القرآن والأحاديث، وأعاد كشف ما كان الفاتحون قد طمسوه من الصور التي زعمها النصارى للملائكة، وكذا صور من يسمونهم القديسين، والصلبان، والنقوش النصرانية. وكما فعلت الوحوش الصربية في البوسنة، حيث كانت تنتقي بعناية المواريث الرمزية والتاريخية الإسلامية لتقصفها وتدمرها، من أجل تجريد الذاكرة الجماعية لشعب البوسنة من رموز الهوية الإسلامية ومعالم حضارتها. وكما يفعل اليهود لعنهم الله في القدس وغيرها من مناطق فلسطين السليبة. * د/جمال عبد الهادي: ومنها: إفساد الأخلاق من خلال إشاعة الفاحشة: وتشجيع الشباب والفتيات عليها تحت مسمى التحرر وإباحة الاختلاط واللواط والشذوذ، وهو ما يسمونه (زواج الأفراد) ! ، ويعقد من أجل ذلك مؤتمرات رسمية دولية كمؤتمر السكان، ومؤتمر السكان والصحة الإنجابية، ومؤتمر المرأة. * أ/جمال سلطان: في هذا المجال يبرز دور الأفلام والمسرح المهرج، الذي لعب دوراً خطيراً في تشويه صورة النموذج الإسلامي وإفساد الأخلاق والسلوك، والتسويق للنموذج التغريبي بقيمه وعاداته وسلوكياته. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: ومن أخطر هذه الوسائل: استقطاب المرأة المسلمة، والتغرير بها: عن طريق دعاوى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، والترويج لفكرة (القومية النسائية) التي تربط المسلمة باليهودية، والنصرانية، وعابدة الأبقار والأوثان، والملحدة، كأن قضيتهن واحدة! ومعتقداتهن واحدة! ومطالبهن واحدة! ومعركتهن ضد (الرجل) واحدة أيضاً! ! * د/ مصطفى حلمي: ومن هذه الوسائل: إقامة دولة لليهود في قلب العالم الإسلامي: وتحويل اسم المنطقة إلى مسمى (الشرق الأوسط) لتذويب الوجود الإسلامي فيها. * الشيخ/ محمد بن إسماعيل: ومن هذه الوسائل: النشاط التنصيري: الذي يستغل الفقر والمرض، كما حدث ويحدث في إفريقيا وفي إندونيسيا، وكما كان يحدث في المدارس الأجنبية، من دعوة صريحة للتنصر، وإن كان تم تطوير أساليبهم الآن بحيث تكتفي بقطع صلة التلاميذ بالإسلام، وتذويب هويتهم الإسلامية وتحقيرها، وصبغهم بصبغة غربية، تمهيداً لاعتلائهم مراكز التأثير في المجتمع في المستقبل، وقد قال عميد المبشرين يوماً: (المبشر الأول هو المدرسة) . ومنها: استلاب الهوية الإسلامية وتشتيتها: عن طريق ضربها بهويات أخرى قومية أو وطنية، وكذلك تشجيع النزعات الطائفية والقبلية الاستقلالية، لتسخيرها لتكون عوامل إثارة وقلقلة لضرب وحدة المجتمع المسلم، وإثارة البلابل والفتن، وأوضح مثال حي اليوم: قضية البوليساريو في المغرب، والبربر في الجزائر. ومنها: تجهيل العلم: بحيث يفقد صلته بالخالق سبحانه ودلالته على توحيده، فإن العلم أقوى مؤيد لدعوة التوحيد ودين الفطرة، بما يكشف عنه من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، وفي سبيل ذلك يعمدون إلى تجاهل ذكر الله ونسبة الآيات الكونية إلى الطبيعة، ومحاولة عزو أحداث الكون إلى الظواهر الطبيعية دون ربطها بمشيئة الله وقدرته . ومن هذه الأساليب: تذويب الهوية الإسلامية في الثقافة الغربية: عن طريق اصطناع عملاء مأجورين، يبيعون كل شيء إرضاءً لساداتهم، فيمارسون جريمة محو ذاكرة الأمة، وارتباطها بتاريخها المجيد، الذي هو خميرة المستقبل، وتمجيد كل ما هو غربي، وتحقير كل ما هو إسلامي، ومزاحمة رموز الإسلام برموز ضلالات التنوير والحداثة والعصرانية، وعرض أنماط الحياة الاجتماعية في الغرب بكل مباذلها وسوءاتها بصورة جذابة ومغرية. * د/ مصطفى حلمي: ومن أكثر الوسائل تأثيراً: التغريب: و (التغريب) كما يعرّفه د. محمد محمد حسين ﵀: (هو طبع العرب والمسلمين أو غيرهم بطابع المدنية الغربية، وهذا الذي يسميه سماسرته (تطويراً) ، وهو ما يعنونه عندما يتكلمون عن بناء المجتمع من جديد، وهم ماضون في الهدم، لا يرضيهم إلا أن يأتوا على بنياننا من القواعد، ولكنهم سوف يعجزون عن البناء فيهدمون مجتمعاتنا ثم يتركونها وسط أنقاض النظام القديم في فوضى لا سكن فيها ولا قرار. وحتى نعلم كيف تتم عملية التغريب وفق تصور الغرب أنفسهم نقرأ كلاماً لـ (لاتوش) إذ يقول في كتابه: (تغريب العالم) : (ينطلق فيض ثقافي من بلدان المركز، ليجتاح الكرة الأرضية، يتدفق على شكل صور.. كلمات.. قيم أخلاقية.. قواعد قانونية.. مصطلحات سياسية.. معايير.. كفاءة، ينطلق كل ذلك، ليجتاح بلدان العالم الثالث من خلال وسائل الإعلام، المتمثل في إذاعات وتليفزيونات، وأفلام وكتب، وأسطوانات فيديو، وأطباق استقبال فضائية (دش) ، ينطلق عبر سوق المعلومات التي تحتكرها الوكالات العالمية الأربع: أسوشيتدبرس، ويوناتيدبرس (الولايات المتحدة) ، ورويتر (بريطانيا) ، وفرانس برس (فرنسا) ، وتسيطر الولايات المتحدة على ٦٥% من تدفق هذه المعلومات. هذا الفيض من المعلومات يشكل رغبات وحاجات المستهلكين، أو بتعبير آخر: (الأسرى السلبيين) : أشكال سلوكهم، عقلياتهم، مناهج تعليمهم، أنماط حياتهم) ، وبذلك تذوب الهويات الذاتية في هذا الخضم من الغزو؛ لأن مواد الغزو تصنع في معامل الغرب وفق معاييره ومواصفاته المعيبة. ومن هذا الكلام يتضح لنا أن التغريب، والاستعمار، والتنصير ما هي إلا ثلاثة أوجه لحقيقة واحدة، وأن الاستعمار بدأ يتشكل في أشكال جديدة.

стр. 2848

البيان الأدبي الانحراف الفكري لأصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ د. محمد بن عبد الله الشباني الكلمة تكون أداةً لزرع اليقين وتحقيق السمو النفسي والحفاظ على التماسك الفكري للأمة حتى يتحقق التغيير الذاتي، فيتحقق التغيير الكامل لواقع الأمة وفق المبدأ الذي أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى: -[إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] أو أداةً للهدم وزرع الشك والعبث بمرتكزات الأمة الفكرية؛ مما ينتج عنه فقدان القدرة على التحرر من عبودية الشيطان، وقيام مجتمع لا يعرف غاية لوجوده غير المتعة واللذة. من هذا المنطلق سيتم مناقشة ما تم نشره ضمن الملحق الخاص الذي نشرته جريدة الرياض بالتعاون مع اليونسكو بتاريخ ٩ رمضان ١٤١٨هـ الموافق ٧ يناير عام ١٩٩٨م للروائي نجيب محفوظ؛ فهذا الملحق الذي تقوم بنشره جريدة الرياض ضمن سلسلة من الملاحق يتم نشرها تحت عنوان: (كتاب في جريدة) تتولى ثلاث جهات إعداده وتمويله؛ وهذه الجهات هي: منظمة اليونسكو، وكتاب زايد العربي، ومؤسسة صخر. ويتم إصداره بالتعاون مع كبريات الصحف في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط. والهدف من ذلك كما أشير إليه في الصفحة الرابعة من الملحق هو الاندماج الثقافي، وتعميم القراءة والتواصل؛ من أجل مزيد من التلاحم وترسيخ وحدة اللغة والثقافة. ويتم توزيع هذا الملحق مجاناً عبر الصحف المشتركة في التوزيع. إن الغاية التي سعى إليها المنظمون لهذا الملحق الذي تُنفَق عليه أموال طائلة هي غاية طيبة إذا تم توجيهها نحو غرس الثقافة العربية ذات التجذر الإسلامي؛ أما إذا انحرفت عن هذا المسار فإن الأمر ينقلب إلى أن يصبح هذا الملحق أداة هدم للحصن الثقافي للأمة العربية، وزرع للفتنة، وتمزيق للنسيج الثقافي الذي يربط بين أبنائها؛ بحيث يتحول دور الكلمة التي سعى إليها المنظمون لهذا الكتاب إلى أداة لنشر سرطان العبث والتشكيك بمرتكزات الأمة الثقافية والعقائدية؛ بما يفضي إلى إيجاد الأجواء المناسبة لتمزيق وحدتها. إن كتاب أصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ هو الإصدار الثالث لهذه المنظومة من الملاحق تحت اسم: (كتاب في جريدة) وإن أهمية مناقشة ما ورد في أصداء السيرة الذاتية يعود إلى أن مؤلفه الروائي المشهور نجيب محفوظ قد منحه الله القدرة على استخدام اللغة بصور شتى؛ إلا أنه يستغل هذه المقدرة في تسريب أفكاره ذات البعد التخريبي لمرتكزات الأمة الاعتقادية بالشكل الذي يؤدي إلى تقبّل السم الزعاف من شاربيه بنفس رضية؛ ولو أدى ذلك إلى الموت المحقق؛ كما أن شهرته في عالم الأدب، والهالة التي صُنعت له، تدفع كثيراً من الناس إلى قراءة كتاباته وتقبّل ما فيها من انحراف؛ وهذا هو مكمن الخطر على الأمة. إن كتاب أصداء السيرة الذاتية يعكس المسيرة الفكرية لنجيب محفوظ وما استقرت عليه أفكاره في خريف عمره بعد أن آذنت شمس حياته بالمغيب. إن الدارس لهذه الأصداء من خلال كتابه هذا يتضح له عدة محاور ترتكز عليها آراؤه وأفكاره وما يدعو إليه، وتتمثل في المحاور التالية: أولاً: عبثية الحياة وأنه لا غاية من وجودها ولا معنى لها، والشك في وجود حياة أخرى بعد الموت، وأن ما يقال عن الحياة الأخرى ترهات غير مقبولة! ! هذا المفهوم الفلسفي العدمي مصادم مصادمة كلية للعقيدة الإسلامية. وهو يصرخ بهذا العبث الفكري بدون مواربة ولا تورية! يقول في صفحة ١٨ تحت عنوان: (فيلسوف صغير جداً) ما نصه: (يطاردني الشعور بالشيخوخة رغم إرادتي وبغير دعوة. لا أدري كيف أتناسى دنو النهاية وهيمنة الوداع. تحية للعمر الطويل الذي أمضيته في الأمان والغبطة، تحية لمتعة الحياة في بحر الحنان والنمو والمعرفة. الآن يؤذن الصوت الأبدي بالرحيل، ودع دنياك الجميلة واذهب إلى المجهول، وما المجهول يا قلبي إلا الفناء. دع عنك ترهات الانتقال إلى حياة أخرى، وكيف، ولماذا، وأي حكمة تبرز وجودها؟ أما المعقول حقاً فهو ما يحزن له قلبي. الوداع أيتها الحياة التي تلقيت منها كل معنى، ثم انقضت مخلفة تاريخاً خالياً من أي معنى) . إن هذا القول الذي ينشره نجيب محفوظ من خلال كتابه هذا ويريد من العرب الإيمان به يصادم بدهية من بدهيات عقيدة الأمة؛ فهو يزرع الشك والكفر، ويرغّب في نزع الإيمان؛ وينشر الفكر الإلحادي؛ فالحياة الآخرة عنده ما هي إلا ترهات، وأنه لا حكمة من وجود الحياة الأخرى؛ فهو بهذا لا يعدو أنه يكرر ما قاله الأقدمون من مثل أبيقور الذي قال: (إن الحياة مهزلة فيها من الخبل ما يستحيل معه أنه يكون قد أبدعها عقل إلهي) وأن الهدف من الحياة تحصيل اللذة والتعبير عن الألم كما يقول به محفوظ في كتابه هذا، ومثل ما قاله أحد فلاسفة العصر الحديث (شو بنهور) الذي صرح بأنه كان يفضل أن يترك في السكينة وسلام العدم من أن يوجد في هذه الحياة التي ليس لها أي مغزى أو معنى سوى ما بها من شقاء [١] . لقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الإلحاد في قوله تعالى: [وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] . [الأحقاف: ١٧] . وقوله تعالى: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ] [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] . أما ادعاء محفوظ بأنه لا توجد حكمة للخلق فقد رد القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى: [وَهُوَ الَذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (هود: ٧) وقوله تعالى: [إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢] ) [الإنسان: ٢] . وأن من مقتضى ذلك أن يكون هناك حياة أخرى ليتم التحقق من اجتياز هذا الابتلاء؛ ولهذا أوضح الله ذلك في قوله تعالى: [أُوْلَئِكَ الَذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِنِّ وَالإنسِ إنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ] [الأحقاف: ١٨-٢٠] ، وأن جحود الحياة الآخرة وعدم الإيمان بها يعود في نفس كل من لا يؤمن بها إلى ما ذكره الله سبحانه في قوله: [وَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُراباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] . [النمل: ٦٧-٦٨] . إن الحكمة من وجود الحياة الأخرى هو ما ذكره الله تعالى في قوله: [إنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ] [السجدة: ٢٥] . وقوله تعالى: [وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ] [ص: ٢٧-٢٨] . ثانياً: زعم أن الحياة مصادفة عمياء، وأن الإنسان ما هو إلا ابن المصادفة، وأنه لا هدف من خلق الإنسان ولا غاية في موته؛ حيث يصبح بعد موته كأنه لم يكن. ولقد أفصح عن ذلك فيما قاله في صفحة (٢٤) تحت عنوان لا تصدق ما نصه: (قال الشيخ عبد ربه التائه: جاءني رجل قال لي: لا تصدق؛ ما أنت إلا ابن الصدفة [٢] العمياء وصراع العناصر.. بلا هدف جئت، وبلا هدف تذهب؛ وكأنك لم تكن. فقلت له: سبق أن صدق أبوك ما لا يجب تصديقه فخسر الراحة والنعيم) ، والراحة والنعيم في فكر نجيب محفوظ حسب ما أشار إليه في مواقع كثيرة في كتابه: (أصداء السيرة الذاتية) هو الاستمتاع باللذة والمتعة الجنسية؛ فهو يقول في الصفحة نفسها موضحاً هذه الفكرة: (رأيت الشيخ عبد ربه التائه ماشياً في جنازة، ولعلمي بأنه لا يشيّع إلا الطيبين انضممت إلى صفه حتى صلينا عليه معاً، ثم سألت الشيخ عنه، فقال: رجل نبيل؛ وما أندر الرجال النبلاء ... أبى رغم طعونه في العمر أن يقلع عن الحب حتى هلك) . وهذا الحب الذي أشار إليه نجيب محفوظ يقصد به ما جاء في الصفحة ٥٢ تحت عنوان: (الفائز) : (قال الشيخ عبد ربه التائه: ذاع في الحارة أن المرأة الجميلة ستهب نفسها للفائز، وانهمك الشباب في السباق بلا هوادة، ومضى الفائز إلى المرأة، ثملاً بالسعادة، مترنحاً بالإرهاق، وعند قدميها تهاوى قريناً للوجد فريسة للثغب، وظل يرنو إليها في طمأنينة حتى لعب النعاس بأجفانه) وقد أفصح عن ذلك بشكل أكثر وضوحاً في صفحة ٢٧ بقوله: (لم يكن الشيخ عبد ربه التائه يخفي ولعه بالنساء ولذلك قال: الحب مفتاح أسرار الوجود!) وفي موضع آخر تحت خطبة الفجر صفحة ٢٩ يقول ما نصه: (قال الشيخ عبد ربه التائه لسمار الكهف: أسكت أنين الشكوى من الدنيا، لا تبحث عن حكمة وراء المحير من فعالها، وفر قواك لما ينفع، وارض بما قسم، وإذا راودك خاطر اكتئاب فعالجه بالحب والنغم) ! . ويحدد نجيب محفوظ سر الوجود بأنه الزمن؛ فهو القوة المسيطرة. يقول تحت عنوان: (الزمن) صفحة (٢٩) : (قال الشيخ عبد ربه التائه: يحق للزمن أن يتصور أنه أقوى من أي قوة مدمرة، ولكن يحقق أهدافه دون أن يسمع له صوت) إن ما يردده نجيب محفوظ حول الزمن ما هو إلا الفكر القديم المتجدد الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقَالُوا مَا هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ] [الجاثية: ٢٣، ٢٤] وقوله تعالى: [زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] [البقرة: ٢١٢] . ثالثاً: الصوفية الغارقة في الحلولية هي السمة البارزة التي يتصف بها فكره الديني التي يدعو إليها في كتابه: (أصداء السيرة الذاتية) وهذه الصوفية الحلولية مرتبطة بالمفهوم الوجودي الفلسفي، ونجد ذلك في أقوال عديدة أفصح عنها في كتابه هذا، ومن ذلك ما نصه: (قال الشيخ عبد ربه التائه: في الكون تسبح المشيئة، وفي المشيئة يسبح الكون) . وقوله: (قال الشيخ عبد ربه التائه: لولا همسات الأسرار الجميلة السابحة في الفضاء لانقضّت الشهب على الأرض بلا رحمة) ، وقوله: (أصابتني وعكة فزارني الشيخ عبد ربه التائه ورقاني، ودعا لي قائلاً: اللهم مُنّ عليه بحسن الختام؛ وهو العشق) . وقوله: (قال الشيخ عبد ربه التائه: كنا في الكهف نتناجى حين ارتفع صوت يقول: أنا الحب لولاي لجف الماء وفسد الهواء وتمطى الموت في كل ركن) . إن هذا الفكر الذي يدعو إليه نجيب محفوظ والذي تسهم اليونسكو وبعض الصحف العربية بنشره من خلال تقديمه للقارئ العربي من خلال هذا الكتاب بدعوى أنه فكر إبداعي إنما هو فكر تخريبي يجب أن تقف الأمة ممثلة في الجهات المختصة في مختلف أنحاء الوطن العربي لتقويمه؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

стр. 2849

البيان الأدبي مفاوضة علي محمد الغريب (صالة تتوسط ثلاث حجرات ومنافعها.. يرفع الستار فنجد أسرة أبي عطية المكونة من أبي عطية وأم عطية والابن عطية، قد جلسوا أمام التلفزيون، وقد انصرف انتباههم لما يعرض على الشاشة، نسمع لغطاً وأصواتاً متداخلة تنبعث من التلفزيون، ولكننا لا نستطيع تمييزها. الجميع آخذون أماكنهم، وبيد كل منهم مشروب ساخن.. يُسمع صوت شخير حاد.. الجميع يصغون للصوت، وينظر بعضهم لبعض) . أبو عطية: (ينظر إلى زوجته ويتساءل في دهشة) : أنت؟ ! أم عطية: (تهز رأسها بالنفي، وقد عقدت الدهشة لسانها) . أبو عطية: (لعطية) أنت؟ ! (عطية يهز رأسه نافياً) . أم عطية: (لأبي عطية) أنت؟ أبو عطية: كيف وأنا مستيقظ يا امرأة؟ أم عطية: ولماذا سألتني مع أنك تعلم أني مستيقظة؟ أبو عطية: زيادة في التأكد من الجائز أن تشخري وأنت مستيقظة.. من يدري.. ربما! أم عطية: أنا التي أشخر وأنا مستيقظة، أم أنك الذي تزعجنا بألحانك النشاز طوال اليوم؟ أبو عطية: (بغضب) أنا يا امرأة؟ أم عطية: (محتدة) نعم أنت. عطية: (يتدخل) يا جماعة.. يا أبي.. يا أمي.. اهدآ من فضلكما. أم عطية: ألم تسمع ما قاله أبوك؟ عطية: اهدئي يا أمي، فلا أنت التي تشخرين، ولا هو الذي يشخر. أبو عطية: إذاً أنت.. لماذا لم تقل ذلك من البداية يا قليل الأدب؟ ! عطية: لا أنا، ولا أنتما يا أبي. أبو عطية: لا بد أن أحدنا يشخر. عطية: قلت لا أحد منا، لسبب واضح وهو أننا مستيقظون، فلو أن أحدنا شخر لاكتشف الاثنان الآخران صوت شخيره، ثم.. أصغيا قليلاً.. هناك شخص رابع بالشقة يا جماعة. الاثنان: (مبهوتان) شخص رابع! عطية: نعم (يمد يده ويطفئ التلفزيون) استمعا جيداً (يصغيان للصوت) . أم عطية: بسم الله الرحمن الرحيم.. يمكن أن يكون جاناً؟ عطية: لا يا أمي إنه صوت إنسان.. ثم إنه ينبعث من ناحية حجرتَيِ النوم. أبو عطية: من حجرتَيِ النوم؟ أيهما؟ .. لعلها حجرتك يا عطية (يضحك) . عطية: من حجرتي؟ هذا احتمال ضعيف، لكنه على الأرجح ينبعث من حجرتكما. أبو عطية: وما يدريك يا ملك الفراسة؟ عطية: (يحرك يديه؛ وعيناه في حركة ذات معنى) لأن حجرتكما بها الخزانة و (الرزم) و.. و.. وصندوق المجوهرات يا أمي. أم عطية: (تصرخ) كله إلا المجوهرات. أبو عطية: تقصد أن هذا لص؟ عطية: بالضبط. أبو عطية: أعوذ بالله منك.. يا ابن أم عطية! أم عطية: ماذا تقصد يا رجل؟ أبو عطية: لا شيء.. لا شيء. أم عطية: (مرتبكة) إذاً تحركا.. ألستما رجلين.. أخرجا هذا اللص من بيتنا (تبكي) مجوهراتي.. يا ويلي! أبو عطية: لا تنوحي.. فأنت تريدين جنازة تشبعين فيها لطماً. أم عطية: لن أنوح ولكن تصرّف.. قم إلى هذا اللص وأخرجه من بيتنا. أبو عطية: ولِمَ أتحمل المخاطرة وحدي.. فربما كان مسلحاً.. لِمَ لا نحاول إخراجه جميعاً؟ عطية: (ينهض ويتجه نحو الحجرة) لا بد أن نتصرف ونعمل شيئاً يا أبي. أبو عطية: (خائفاً) ط ط طبعاً. (عطية ينظر من فرجة في باب الحجرة فيجد اللص نائماً على فراش أبيه وأمه، يشير لأبيه بيده وعيناه ما زالتا على الفرجة) . عطية: (ينادي في صوت خفيض) أبي تعال إنه نائم ومستغرق.. لا تخف. (أبو عطية يتقدم في خوف بينما أم عطية قابعة في مقعدها تضرب كفاً بكف وهي خائفة) . أبو عطية: (يحاول أن ينظر من الفرجة) دع.. دعني أنظر إليه. عطية: (يتنحى عن مكانه) لا تحدث صوتاً لئلا يصحو. أبو عطية: لا تخف (يضحك ضحكة مكتومة) صندوق مجوهرات أمك في حضنه (يشير بيده لأم عطية) تعالي لتري مجوهراتك في حضن اللص.. لقد قرر أن يأخذها. أم عطية: (تتقدم نحوهما وهي منزعجة) مجوهراتي.. أخذ مجوهراتي؟ ! أبو عطية: نعم تعالي وانظري بنفسك (يخلي لها المكان) . أم عطية: (تنظر من الفرجة) مجوهراتي! ! ربنا ينتقم من الظالم.. ولكن انظر إلى (الرزم) التي إلى جواره.. لقد فتح الخزانة واستولى على ما فيها. أبو عطية: (منزعجاً) لا لم يحصل إلا على مجوهراتك فقط. أم عطية: بل إنه فتح الخزانة وأخرج ما فيها.. امسح نظارتك لترى بنفسك. أبو عطية: (ينظر من فرجة الباب) صحيح.. آه ... يا لك من مجرم! أم عطية: وماذا سنفعل الآن؟ أبو عطية: لنفكر! عطية: (متحمساً) الأمر لا يحتاج إلى تفكير.. لا بد أن نقتحم عليه الحجرة، ثم نسترد مالنا ومجوهراتنا ونسلمه للشرطة. أبو عطية: وإذا استيقظ وقتلنا جميعاً؟ عطية: لن يستطيع؛ لأننا أصحاب الحق.. لو استيقظ من نومه ورآنا فجأة أمام عينيه لمات من الرعب. أبو عطية: أنت ما زلت صغيراً وطائشاً.. دعنا نفكر في حل أحسن من هذا الكلام الفارغ. أم عطية: اسمع كلام أبيك يا عطية. عطية: نحن أصحاب الحق. أبو عطية: لو نظرت من الفرجة جيداً، لرأيت أمارات الشر بادية على وجهه.. ثم انظر لهذا السكين الكبير الملقى إلى جواره (يشير بيده في خوف) لو استيقظ وأمسكها لقضى علينا. عطية: سأقتحم الحجرة، ولا عليكما (يهم بوضع يده على المزلاج فتمسكه أمه) . أم عطية: (في رجاء) أرجوك يا عطية.. اسمع كلام أبيك.. إنني أخشى عليك منه يا بني. عطية: (مغيظاً) يعني أن نقف نتفرج عليه وهو يغط في نومه في فراشنا وقد سرق مالنا؟ لا.. لا يمكن أبداً. أبو عطية: (يعنفه وهو خافض صوته) دعك من هذه العنتريات.. بلا خيبة.. دعنا نفكر في حل.. الوقت يمضي، واللص إذا أخذ كفايته من النوم استيقظ وقتلنا، ثم يأخذ مالنا ومجوهراتنا ويرحل (لأم عطية في نبرة ذات مغزى) مجوهراتنا.. هيه.. مجوهراتنا يا أم عطية.. أليس كذلك؟ أم عطية: (خائفة) بلى.. بلى يا أبا عطية مجوهراتنا جميعاً. أبو عطية: إذاً دعونا نفكر في حل (يتجه ناحية المقاعد ثم يجلس) . أم عطية: (تجذب عطية المتسمر في مكانه من يده) تعال.. تعال يا عطية (يجلسون جميعاً) . عطية: (يحمل ذقنه على راحتيه) هيه.. تفضلا.. هاتا ما عندكما من أفكار. أبو عطية: لا تجلس لنا هكذا كالقرد.. ولا تعقد الأمور.. استرخِِ، استرخِِ حتى نتوصل لحل. عطية: (يتصنع الاسترخاء ويرسم ابتسامة على وجهه) هأنذا قد استرخيت. أبو عطية: أحسنت.. لنفكر إذاً (لحظة صمت قصيرة) اسمعوا لقد وجدت مخرجاً من هذه الورطة. أم عطية: (متلهفة) خيراً يا أبا عطية.. قل ما هو بسرعة. أبو عطية: سنقوم بعمل معاهدة مع هذا اللص لنخرج من هذا المأزق بأقل الخسائر. عطية: (يضحك رغماً عنه) رائع.. ثم نسميها معاهدة (كامب) أبو عطية. أبو عطية: (يوبخه) تمزح.. تمزح يا فالح.. هل هذا وقته؟ أم عطية: أنت غلطان يا عطية.. اعتذر لأبيك. عطية: أنا آسف. أبو عطية: (يتابع) سنكتب لهذا اللص رسالة، نخبره أننا سنتنازل له عن جزء من مالنا مقابل السلام، وليكن هذا الجزء من المجوهرات مثلاً. أم عطية: ولِمَ لا يكون من النقود؟ أبو عطية: نحن نريد أن نحل الموقف بسلام، ثم لا فرق بين المجوهرات والنقود، ألم تعترفي منذ قليل أن المجوهرات مجوهراتنا جميعاً؟ أم عطية: بـ بـ بلى، ولكن هذا ظلم. أبو عطية: هذه هي الطريقة الوحيدة. أم عطية: ولِمَ لا تكون من النقود والمجوهرات معاً؟ أبو عطية: هذااقتراح وجيه (يسحب ورقة وقلماً من فوق المنضدة ويبدأ في كتابة الرسالة.. الجميع مشغولون بالرسالة.. يخرج اللص حاملاً المجوهرات والنقود ويمر بهم في طريقه للخروج فيلمحونه) . أبو عطية: (صائحاً) انتظر.. انتظر يا هذا.. لقد أوشكنا على الانتهاء من صياغة المعاهدة.. لا تتعجل يا رجل (يخرج اللص) . عطية: (في غيظ) قلت لكما لا بد من مواجهته (يخرج مندفعاً خلف اللص) . أبو عطية: أرأيت ما سيفعله ابنكِ بتهور.. اجلسي لنراجع نص الرسالة قبل أن يفر اللص. ستار،،،

стр. 2850

نص شعري الحليم حيران فيصل الحجي سَلِ الذين فهموا: ... أما لديكم حَكَمُ يحكمُ في أمر لديـ ... ـه المبصرون قد عَمُوا؟ قالوا: لدينا حَكَمٌ ... مدرب.. مُعَلّمُ إذا عرضت الأمرَ يأ ... تيك الجواب المُحْكَمُ يا سيدي يا حَكَمُ ... هذا سؤالي المُبْهَمُ: جاري (سعيدٌ) عالمٌ ... مطّلِعٌ.. مُخَضْرَمُ موسوعةٌ في كلّ فـ ... نّ.. بالعلوم مُغْرَمُ ... وعقلُهُ جوهرةٌ ... بل للذكاءِ منجمُ إبداعُهُ في كُتُبٍ ... بها يُضَاءُ المُعْتِمُ ... وفكرةٍ رائعةٍ ... تهفو إليها الأُمَمُ وإن أردتَ المرشدَ الـ ... واعي فذاكَ العَلَمُ كم عَلّمَ الأجيالَ.. كم ... من علمه قد غنموا.! ... علومُهُ كنوزُهُ ... لكنّ جاري مُعْدِمُ يعيش في ضيقٍ توا ... رَتْ في سواه النّعَمُ كأنما الأرزاقُ (صَيْدٌ) ... والتعيسُ (مُحْرِمُ) ... يسعى إليها جاهدا ... لكنها تنهزمُ ... لكنّ جاري (سالِماً) ... أحوالُهُ تبتسمُ كأنما الأرزاقُ حو ... ل بابه تختصمُ تسعى له.. وما سعى ... بل إنها تزدحمُ لأنه بـ (الكُرةِ) الشم ... اء صَبّ مُغْرَمُ أسطورة (النادي) وفي النـ ... ادي تشعّ الأنجُمُ تأتي (المباراةُ) فيأ ... تي للسخاءِ موسِمُ وإن يُحَقّقْ (هَدَفاً) ... تهطِلْ عليه النّعمُ ... سَيْلُ الهدايا دافقٌ ... كأنه عرمرمُ ... سيارةٌ جديدةٌ ... ومبلغٌ (مُحتَرمُ) كأنما (الشيكاتُ) مو ... ج حولَه يلتطِمُ أو أنها مِن حوله ... طَوْدٌ عَلا أو هَرَمُ و (سالمٌ) لدى (سعيـ ... ـدٍ) جاهلٌ لا يفهمُ لكنّ ذاك جائعٌ ... وإنّ هذا مُتْخَمُ وذاك ظمآن.. وذا ... تهمي عليه الدّيَمُ (الألْفُ) تأتيه ولا ... يأتي لذاكَ الدرهمُ فيا عزيزي الحَكَمُ ... عقلي غَزَتْهُ الظّلَمُ حيرانُ لا يدري فَقُلْ: ... كيف يكون الكَرَمُ؟ ما سِرّ هذا الحيفِ؟ ما ... تفسيرُهُ؟ ما الحِكَمُ؟ غمغمَ قاضينا وقد ... غامَتْ لديه القِيَمُ وصاح مِن أعماقهِ: ... يا ليت رأسي قَدَمُ

стр. 2851

هذا سؤالي .. وفاء بنت عبد الله قفا بأطلالِ عزيزٍ رَحَلْ ... قد فعل الدهر بها ما فَعَلْ وأسبلا الدمع وجودا به ... فإن المنى والليالي دُوَلْ فجابة السؤال الذي طالما ... أكسف بالي وبنفسي اعتملْ تريكما أن الذي رُمْتُهُ ... مما ظننتم أي وربي أجلّ هذا سؤالي صغتهُ من أسى ... وصاغ قلبي قطعة من كللْ: ما قلعة ينثال منها السنا ... تسكن بالعزة أعلى زحلْ قريبة مما يحب الهدى ... بعيدة عما يُثير الزَللْ غراء يجري الماء في روضها ... ماء التقى القراح منذ الأزلْ لكنها سرعان ما غرّها ... حبّ الدنا الجمّ وطول الأملْ وضعضعت أركانها غفلةٌ ... وأسلمتها في دروب الوَحَلْ؟! ما قلعة رجالها استأنسوا ... وأصحبوا همتهم ما سَفلْ ملأى بهم ساحُ الغناء الذي ... شبّ عليه طفلهم واكتهلْ والساح صفرٌ منهمُ في اللقا ... الخائفون من غرار الأمَلْ؟ ! ما قلعة نساؤها استرجلتْ ... ثم اشترت جرأتها بالخَجَلْ؟ ! فهندُها تُصغي لأبواق من ... يدرون بالتغريب كيف الحِيَلْ؟ ! ما قلعة أهدى لها خصمها ... سُمّاً زعافاً في كؤوس العسلْ وإبلها تاهت وما أوردَتْ ... وسَعْدُها رامَ الكرى فاشتملْ؟ ! ما قلعة عاشت بنور الهدى ... شكرى، وكانت مضرباً للمثَلْ؟ ! كانت وكانتْ.. إنها أمتي ... واحسرتاه من مراد الجُمَلْ ذي أمتي ما قلت أغلوطةً ... يعيا بها بين الورى من عقَلْ كلا، فقصدي مثل شمس الضحى ... بل إنه يا ويح نفسي أدلّ هذا سؤالي روضُهُ مُمْحلٌ ... وجرحهُ في خافقي ما اندملْ أُسْمعهُ في أملٍ أمتي ... ولا أبالي بدموع المقلْ لعلها تُرجع أمجادها ... فالروح في أحنائها لم تزلْ

стр. 2852

المسلمون والعالم من يطفئ الأمل ... في أفغانستان؟ ! د. طارق العولقي مدخل: الصراع الأفغاني الذي اندلع إبان القضاء على الحكم الشيوعي في أفغانستان، جعل المسلمين ينقسمون على أنفسهم في فهم أسباب النزاع أو في أهدافه، وقد قدمت تحليلات كثيرة ولكنها لم تضع يدها على الأسباب الحقيقية والكاملة للصراع، وبالنظر إلى أن فهم ما يدور الآن في أفغانستان، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتفصيلات النزاع الذي وقع بعد تحرير كابل، فإننا بحاجة إلى تحليل مترابط وواضح يجلّي لنا خلفيات تلك الفصول الأخيرة من القضية التي اجتمعت حولها قلوب المسلمين في العالم في يوم من الأيام بما لم يحدث مع أي قضية أخرى، ونريد أن نؤكد من البداية أن قضية الجهاد الأفغاني لم تنته بعد، والدروس المستفادة منها لا ينبغي أن تدفن تحت أكوام التجاهل والنسيان بمجرد مرور سحابات سود فوق سمائها مهما كانت داكنة؛ فآلاف الشهداء وملايين المهاجرين والمشردين، وبلايين الأموال التي أنفقت في صناعة الأحداث هناك، لا يمكن إهدارها وعدم اعتبارها لمجرد التعبير عن موقف (احتجاج) من المسلمين الصادقين. نعم إننا لا نسوّغ ولا يمكن أن نسوّغ الخطأ لأحد؛ فالخطأ مردود على أصحابه مهما كانوا، ولكننا أيضاً لا ينبغي أن نشطّب على التجربة بكاملها بسبب ما اعتور مسيرتها من خلل في بعض مراحلها، وأخطاء واضحة في نهاية مراحلها لا يمكن اعتبارها مجرد اجتهادات. ونحاول الآن أن نرجع بالقارئ إلى بعض النقاط المهمة التي ربما تكون قد نسيت في معمعة الأحداث وتداخلها مما أوجد نوعاً من الضبابية المتشائمة واليائسة من ترقب بصيص من الأمل لاستنقاذ ثمرات أو بعض ثمرات الجهاد الأفغاني الطويل. وإننا نذكر القارئ بتلك النقاط المهمة لكي نفهم معاً ما الذي حدث؟ وما الذي يمكن أن يحدث في أرض الأمل الذي يراد له أن يضيع إلى غير رجعة؟ أولاً: جذور النزاع الداخلي: من المعروف أن المجتمع الأفغاني مجتمع قبلي مختلف في أجناسه وأعراقه ولغاته ولهجاته، وهذا يكرس العصبية القبلية على شكل يجعل منها مقياساً لكل شيء في حياة الإنسان الأفغاني، ومعظم القبائل في أفغانستان تتحدث لغة (البوشتو) وهي لغة تنتشر في جنوب وجنوب شرق وغرب أفغانستان، والقبائل التي تنطق (البوشتو) كبيرة جداً إذا ما قورنت بقبائل الوسط والشمال، ولذلك فإن قبائل البوشتو ينظر أهلها إلى أهل الولايات الشمالية والوسطى على أنهم أغراب عن المجتمع الأفغاني؛ فمعظمهم نزحوا من بلاد طاجيكستان أو إيران أو تتراستان باحثين عن الرزق، متنقلين وراء فرص الحياة الأفضل، وهؤلاء يتحدثون اللغة الفارسية، ونظراً إلى أن هذه اللغة هي التي كتبت بها العلوم والثقافة لكون بلادها أكثر تقدماً علمياً وصناعياً، فإن هذا جعل من قبائل الناطقين بها من أهل الشمال أقرب إلى مراكز الثقافة والعلوم من سكان الأرض الأصليين البالغين نحو ٦٥% من إجمالي تعداد السكان الذين يحتلون نحو ٦٠%من أراضي أفغانستان. أما التعليم فنسبة المتعلمين من البوشتو (تعليماً دينياً ومدنياً) تبلغ ١٧% من مجموع المتعلمين، بينما تصل نسبة المتعلمين من الطاجيك إلى نحو ٨٠%. ويلاحظ أيضاً أن التوزيع المذهبي فيه اختلاف؛ فبينما تنتسب قبائل البوشتو إلى مذهب أهل السنة (على المذهب الحنفي) بنسبة ١٠٠% فإن نسبة أهل السنة من الطاجيك لا تزيد عن ٧٠% بينما ينتمي نحو ٣٠% منهم إلى المذهب الرافضي الاثني عشري، ويعطون ولاءهم لإيران. إن هذا الاختلاف في طبيعة التكوين القبلي، أوجد نظرة شبه عدائية بين أهل الشمال وأهل الجنوب؛ فالشماليون ينظرون إلى أهل الجنوب على أنهم (متخلفون) ليست لهم ثقافة ولا حضارة فليسوا، إلا مجرد قبائل من الرعاة. وبطبيعة الحال فإن الأوضاع المذكورة سهلت لأهل الشمال السيطرة على مجريات الحياة بما لا يسمح لقبائل البوشتو أن تزاحمهم عليه. أما ما يراه البوشتو ميزة لهم على الطاجيك فهو أنهم يمثلون الأكثرية العددية، وأصحاب المواطنة الأصلية، وعندما يتعالى عليهم الطاجيك بثقافتهم يقول لهم البوشتو: نحن الذين آويناكم من الظلم، وأنقذناكم من التشرد، فنحن أفغانستان، واللغة الأفغانية التي يتحدث بها شعبنا (البوشتو) نسبت إلينا. ثانياً: صراع القطبين على أرض أفغانستان: لقد ألقت هذه الخلفيات ظلالها على الأحداث في تاريخ أفغانستان المعاصر؛ ففي أواخر عهد الملك ظاهر شاه (الطاجيكي) كان الخطر الشيوعي قد لاحت بوادره في الشمال، وكان مدعوماً من الاتحاد السوفييتي (السابق) المتطلع إلى السيطرة على أفغانستان للتسرب منها إلى جنوب غرب آسيا والتوغل إلى أواسطها؛ حيث المياه الدافئة ومنابع النفط والدول الاستهلاكية. وبينما كان السوفييت يضعون أعينهم على تلك الأهداف وهم يدفعون بالعملاء الشيوعيين الأفغانيين، كان الأوزبك يرمقون تلك النوايا الشيوعية بعين الترقب والحذر، الذي ترجم بعد ذلك إلى جهود مركزة للانقضاض على هذا المخطط وإجهاضه. والحاصل أن حلبة الصراع الدولي قد نصبت في شكل حرب باردة بين السوفييت والأمريكان على أرض أفغانستان، ودار الصراع هناك على مرأى ومسمع من الأطراف الدولية والإسلامية والعربية حيث فضل الكثيرون التمتع بمشاهدة مباراة المصارعة بين القطبين الدوليين دون التورط في عنفها وتداعياتها. ولم تلبث تلك الحرب الباردة في الخارج أن تتحول إلى حرب ساخنة في الداخل، وذلك عندما خرج الملك (داوود) إلى وسائل الإعلام منتقداً بعض تعاليم الإسلام؛ حيث أعلن عن تأييده لسفور المرأة وانتقد ما أسماه (عهود الظلام) التي كانت تعيش فيها المرأة الأفغانية، معرّضاً بذلك بدين الإسلام نفسه، وسخر صراحة من الزي الإسلامي للمرأة، وسخر من اللحية والقلنسوة بأسلوب مستفز مستنداً إلى الدعم المفتوح من القوة الكبرى الثانية في العالم (الاتحاد السوفييتي) وزاد على ذلك أن أعلن أن النظام الذي ستتبناه الدولة طريقاً للحكم هو (الشيوعية) . وقد وقع هذا الكلام على جماهير العلماء والمثقفين الأفغان وقوع الصاعقة، وأيقنوا أن أفغانستان وقعت فريسة في مخالب الدب الأحمر بالفعل، ولم يبق إلا أن يفتح فمه لابتلاعها وهضمها، وعندها لم يتردد علماء الدين في اتخاذ القرارات في أصعب الأوقات.. لقد أعلنوا الجهاد. ثالثاً: موقف الغرب من الصراع: كانت دول الغرب وعلى رأسها أمريكا أول من قرر التصدي للمد الشيوعي في أفغانستان؛ لأن مصالحهم كانت تفرض عليهم ذلك، فالتقت بذلك إرادة الشعب الأفغاني الرافض لسيطرة الإلحاد مع إرادة الدول الغربية الرافضة لمخطط الهيمنة الماركسية على الدول المجاورة، ولكن عكّر على هذا الاشتراك في الإرادة والهدف أن الغرب الصليبي الحانق على السوفييت كان حاقداً على الإسلام أيضاً؛ فهو لا يريد أن يقال في يوم من الأيام إن الإسلام جدير بمواجهة الخطر الماركسي على العالم، فإن هذا القول قد يأتي عليهم بخطر أكبر من الخطر الماركسي ذاته! ! لهذا قرر الغرب أن يخوض صراعاً مشتركاً مع الطرفين معاً: (الماركسية والإسلام) ثم يتفرغ بعد ذلك للخطر الأكبر: (الخطر الأصولي) ! ! ولهذا فإن الغرب ألقى بثقله خلف الجهاد الأفغاني داعماً ومؤيداً، لا حباً للأفغان أو الإسلام ولكن حرصاً على إسقاط المعسكر الشيوعي المناوئ عبر حروب لا تكلف الغرب خسائر جسيمة. رابعاً: طبيعية القبائل وطبيعة الأرض: لقد أثرت طبيعة القبائل وطبيعة الأرض في طبيعة الحرب التي اندلعت فوق ربوع أفغانستان؛ فالأراضي هناك ذات طبيعة جبلية، وكان لذلك أثره الواضح في رسم معالم الصراع هناك؛ حيث تنتشر الجبال الشاهقة التي من أشهرها (الهندكوش) وسلسلة جبال (الهملايا) من الجهة الشرقية، وهي امتداد لجبال (الهملايا) مع الحدود الصينية والكشميرية؛ هذه الطبيعة الجبلية الرهيبة جعلت للقبائل نفوذاً كبيراً على الأرض. وطبيعة المعركة أيضاً فرضت على القبائل التدخل المباشر في القتال دفاعاً عن الإسلام الذي يرتبط بوجدان الإنسان الأفغاني العادي، أو على الأقل حمية للأرض والدم والعرض والقبيلة والشرف. وكان تدخل بعض القبائل في بعض الأحيان تدفع إليه عوامل مادية نفعية وأحياناً انتهازية. مما جعل مشاركتها في الجهاد عبئاً عليه؛ لأن تلك القبائل كانت تدخل معترك الجهاد دون أدنى إدراك لمعانيه وفقهه وروحه، وفي أحيان أخرى كانت الأعراف القبلية تفرض على أفراد القبيلة أن يدخلوا الجهاد احتراماً لقرار قائد القبيلة؛ فعندما يقرر الزعيم انحياز قبيلته للقتال في معركة ما، فلا يستطيع أحد أفرادها أن يعارض ذلك، ولهذا فإن شريحة لا يستهان بها من المقاتلين كانوا يقاتلون طاعة للقبيلة وإذعاناً لرغبتها وتنفيذاً لأوامرها، وهذا كان يحصل من التعارض بين مصلحة القبيلة وقراراتها وبين المصلحة العامة للجهاد التي كانت تحتم النزول على رأي قيادة موحدة تقود ذلك كله. إذن؛ لم يكن بوسع قادة الجهاد من زعماء الأحزاب والفصائل الجهادية أن يلزموا قادة القبائل في كل الأحيان بخط الجهاد، ولم يكن بوسعهم أيضاً أن يستبعدوهم من المشاركة في الجهاد أو يمنعوهم من القتال معهم في المعركة المصيرية التي تحتاج إلى كل جهد وكل مشاركة، ولم يكن ثمة وقت لتعليم تلك القبائل فقه الجهاد وروحه؛ فالأحداث كانت تتسارع بما لا يدع فرصة لالتقاط الأنفاس أو الوقوف مع النفس للتأمل والنظر والتنظير. خامساً: تطور الجهاد ... إخفاق القيادة: عندما بدأ الجهاد كان القادة الملمّون بالعلم الشرعي (المولويون) كثيرين نسبياً، ومع استمرار المعارك، استشهد العشرات منهم، ولم يبق من العناصر الجهادية المنضبطة بأصول الشرع إلا القليل، وبرز منهم خمسة وهم: (سياف، ويونس خالص، ورباني، وحقاني، وجميل الرحمن) على تفاوت بينهم رسوخاً في العلم والمنهج أما القادة الميدانيون فكانوا رجالاً مجاهدين غير علماء، ولا شك أنهم قدموا الكثير الكثير، وكانوا السواعد القوية للقادة المولويين، ومن هؤلاء القادة الميدانيين: (أحمد شاه مسعود) من قادة رباني (الجمعية الإسلامية) و (توربلية) و (سازنور) من قادة سياف (الاتحاد الإسلامي) وخالد الشهيد من قادة حكمتيار (الحزب الإسلامي) . هؤلاء القادة وغيرهم، قام كثير منهم بعمليات كبيرة وقدموا تضحيات عظيمة، وكان لهيب المعركة يغيبهم في أتونه الرهيب حتى إن منهم من لا يستطيع حلق رأسه لعدة أشهر أو يغير ملابسه لعدة أسابيع، أو يتناول طعاماً عادياً لعدة أيام؛ كل ذلك في مراحل الجهاد الأولى، ولكن الأحوال بعد ذلك بدأت تتغير، وهذا الزخم الروحي الجهادي بدأت تطغى عليه عوامل الانشغال، خاصة بعد أن كبر حجم المنظمات المجاهدة وكثر أتباعها، وتفرعت مكاتبها في العواصم المختلفة حتى صارت كالسفارات، وقد فرض تعاظم حجم المنظمات عليها أن تنشئ لها فرقاً من العاملين في الأنظمة المالية والإدارية والإعلامية والصحية، وكذلك ما كان بمثابة نواة لأجهزة اتصال ومخابرات. لقد غدا كل تنظيم بمثابة دويلة صغيرة لها ما للدولة من مقومات، وهذا كله أوجد الحاجة للوفاء بالتزامات مالية كبيرة كانت تصل مع بعض الأحزاب إلى أكثر من ٢٥٠ مليون دولار في السنة، هذا بخلاف تكلفة شراء الأسلحة أو تصنيعها والإنفاق على المجاهدين وذويهم، وأدى كل هذا إلى تعاظم المسؤولية الملقاة على عاتق القادة الأفغانيين الكبار. سادساً: نشوء الفجوة بين القمة والقاعدة: لقد أدى ذلك التطور في حركة الجهاد الأفغاني إلى نشوء فجوة قادت إلى جفوة بين قادة الجهاد وشريحة العوام من الشعب الأفغاني، أولئك الذين هاجروا أو هُجّروا إلى باكستان، ولم يعد القادة قادرين على متابعة شؤون هذه الجماهير مع متابعتهم لشؤون المقاتلين على ساحة الجهاد، والمثال الواضح على ذلك كان في قطاع التعليم والثقافة؛ حيث شمل فقر الإمكانيات ما يزيد عن ٩٠% من الشعب الأفغاني المهاجر وأعجزهم عن أن يوفروا لأبنائهم قدراً من التعليم أو الثقافة فترة الحرب، وقد تزامن هذا مع تزايد تدفق الأموال على الجهاد والمجاهدين، فبدأت جموع الشعب المهاجر تنظر إلى المنظمات الجهادية على أنهم مرتزقة يتكسبون من الحرب ويتاجرون بآلام الشعب، وعليه فإنهم لا يريدون نهاية لتلك الحرب، واستولت على بعضهم ظنون بأن كل قائد يتصرف كرئيس دولة، ويفعل ما يشاء في ميزانيات ضخمة تخص تنظيمه. وظلت مشاعر السخط هذه شبه مدفونه إلى أن حركتها الأحداث بعد ذلك عندما دُكت المدن وصُبت النيران على رؤوس المواطنين بعد التحرير بسبب خلافات بين أولئك القادة. أضف إلى ذلك أن مشاعر العداوة القبلية ظلت تحرك الضغائن وتزيد من غلوائها. سابعاً: سُنّة التدافع تتجسد في أفغانستان: لقد كان من تدبير الله أن يقف الغرب مع الجهاد الأفغاني وقوفاً مصلحياً فضلاً عن دعم دول عربية وإسلامية، في البداية فزاد التعاطف الجماهيري الهائل وراء جهاد الأفغان، وكان ذلك يصب في النهاية في اتجاه الانتقام الإلهي من إمبراطورية الإلحاد. وانتهت الحرب بانتصار الأفغان، وأعقب ذلك تفكك الاتحاد السوفييتي، وبدا للدول الغربية أن الجهاد الأفغاني كان له دور هام في هذه النهاية التعسة لعملاق الطغيان الإلحادي؛ فالشيوعية كُسرت في أفغانستان، وبدأت تنحسر في أنحاء أخرى من العالم، وأصبحت كل المؤشرات تدل على مستقبل واعد للمد الإسلامي يحل محل المد الشيوعي، وهنا صمم الغرب على أن يتحول الصراع في أفغانستان من معركة لإخراج الشيوعية إلى معركة لإحراج الإسلام وزلزلة أركانه والحيلولة دون تمكينه على أرضها. لقد كبر على الأوربيين والأمريكان أن يقال: إن الإسلام أسقط القوة الإلحادية الكبرى في العالم، فقرروا أن يدبروا فصولاً أخرى بطريقة أخرى في المعركة ... لقد قادوا حرباً مع المجاهدين عن طريق دعم القوى المناوئة لهم، وبعد عامين أدركوا أن القضاء على قوة الجهاد مستحيلة، فزجوا بالأمم المتحدة لكي توجد حلاً في أفغانستان لا يتعارض مع رغبات الغرب، وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك (ديكويلار) أن لديه حلاً يتمثل في تنصيب مجلس حكم لأفغانستان، يتشكل من أربعة عشر رجلاً، والعجيب أن هذا المجلس المقترح يتكون من أعضاء يحملون الجنسية الأمريكية! ممن لم يكن لهم طيلة سنوات الحرب أي اهتمام بالجهاد وهمومه؛ وبذلك ظهر للجميع أن أمريكا تريد حكومة أفغانية في مظهرها، أمريكية في توجهها. وبدا الضغط على المجاهدين حتى يسلموا رقابهم لهذا الحل المفجع، وكان من الطبيعي أن يرفض قادة الجهاد هذا الحل، وأن يرفضوا التوقيع على أي من بنوده، بل إنهم أعلنوا أنهم سيرحبون بأعضاء الحكومة الجديدة على طريقتهم الخاصة، وذلك برصهم جميعاً في صف واحد ثم رشهم بالرصاص ليتم بعد ذلك دفنهم في أربعة عشر قبراً متجاورة. ولكن الضغوط مورست تجاه هذا الموقف الصلب للقادة، حتى تُفَلّ حدته وتلين شدته؛ فأمريكا استغلت الموقف الباكستاني الموالي لها، وطلبت من الحكومة الباكستانية الضغط على بعض المنظمات الجهادية المرتبطة بها، وضغطت عليها أيضاً بطريق غير مباشر، وبالفعل أقدمت بعض المنظمات على التوقيع على الاتفاقية في باكستان، وبدأ التوقيع من (سميع الله) قائد الجماعة السلفية الأفغانية خليفة الشيخ جميل الرحمن، وأعقبه في التوقيع رباني، ثم حكمتيار، وكان هؤلاء القادة يستجيبون تحت الضغط على التوقيع، ويظهرون للناس يقينهم بأن الاتفاقية فاشلة وغير قابلة للتنفيذ عملياً لأسباب عديدة منها تغير الأوضاع في البلاد بعد سنوات الحرب الطويلة، ثم طبيعة الشعب الأفغاني الرافضة تقليدياً لكل وضع يفرض عليه قسراً، وأظهرت الأحداث شدة ما وقع من ضغوط على القادة حتى تسلسلوا في الاستدراج للتوقيع، ثم وقعوا جميعاً باستثناء قائد واحد أصر على رفض الاتفاقية شكلاً ومضموناً وهو الشيخ عبد رب الرسول سياف. انتقلت الدول الغربية من خلال الأمم المتحدة إلى خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق فبدأت الترتيبات لنقل أعضاء الحكومة المفروضة لتتسلم مقاليد الحكم، وتسارعت الخطوات لتنفيذ بنود الاتفاقية الموقع عليها من جل القادة قبل أن يبدؤوا في التفكير في وضع بدائل أو حلول أخرى تخرجهم من المأزق الذي وصلوا إليه. وأدرك المجاهدون أن الغرب جادّ في إخضاع أفغانستان لسيطرة أمريكا النصرانية بعد أن استنقذها الله بالجهاد من الحكم الشيوعي السوفييتي، وهنا اتخذ القادة السياسيون والعسكريون والقادة الدينيون أيضاً قراراً استراتيجياً موحداً بدخول كابل لقطع الطريق على أمريكا قبل أن تجني هي ثمار سنوات من الجهاد المر الذي ذهب بما يقرب من مليوني شهيد، فضلاً عن آلاف المشردين والمهجرين والمتضررين بشتى أنواع الضرر. ثامناً: السقوط.. مع سقوط كابل: لم تكن هناك وسيلة لدخول كابل إلا عن طريق مدينة جلال أباد؛ فجبال أفغانستان الشاهقة لم تكن تسمح بدخول المدينة بسهولة من أي مكان آخر. وبعد دراسة معطيات الواقع وضعت خطة الهجوم لفتح كابل؛ بحيث يهاجم حكمتيار من الجهة الجنوبية الشرقية، وقوات مولوي حقاني وسياف ويونس خالص من الجنوب الغربي، وقوات رباني بقيادة أحمد شاه مسعود من الشمال، (الشمال الشرقي لكابل) وكانت الجبهة في شمال كابل عبارة عن بعض قوات للجيش الحكومي الشيوعي تغلب عليها ميليشيات عبد الرشيد دوستم، وهو من مرتزقة الحرب، وقد حالف الشيوعيين طيلة سنوات القتال، وهو من الطاجيك، ويتخذ من مزار شريف عاصمة ولاية بدخشان مركزاً له في شمال أفغانستان؛ فقواته كانت تسيطر على شريان الشمال وهو الطريق الواصل بين الاتحاد السوفييتي وأفغانستان وباكستان، وقد هيأ له هذا الوضع نفوذاً كبيراً وقوة لا يستهان بها في إدارة المعركة حيث طريق السلاح والعتاد والمؤن. لقد حدث أن تحالف أحمد شاه مسعود مع دوستم ضد الشيوعيين، وسلمه الأخير مناطق مهمة، وساعده في دخول كابل من جهة الشمال، وكان حكمتيار يحارب في ذلك الوقت في جبهات الجنوب في معارك شرسة، حيث دارت رحى قتال رهيب استشهد فيه أكثر من عشرة آلاف مقاتل قاتلوا ببسالة نادرة لفتح جلال أباد طمعاً في الوصول منها إلى كابل من الجنوب. فلما تم لأحمد شاه مسعود دخول كابل من الشمال بعد تحالفه مع دوستم، أُسقط في يد حكمتيار، وهاله أن تكون كل التضحية منه ومن حزبه، وكل الثمرة لمسعود وحزبه، لقد وقعت كابل في يد مسعود غنيمة باردة بينما كانت الجبهات الأخرى مشتعلة في الجنوب والشرق والغرب، وقد سقطت بالفعل مدن من أجل تحرير كابل في تلك الجبهات مثل (جرديز) ولكنها كانت تبعد كثيراً عن كابل، وكذلك سقطت جلال أباد التي استمات الشيوعيون في الدفاع عنها حتى بعد سقوط كابل بيومين. لقد كان سبق أحمد شاه مسعود إلى العاصمة يعني سبقه إلى السيطرة على كل مرافق ومؤسسات الدولة كالمطار والطائرات والوزارات والمباني الحكومية والمدارس والمستشفيات والمصانع ووسائل المواصلات والجسور ومحطات الطاقة ومخازن الأسلحة؛ وبعد أن وضع يده عليها بالفعل كان حكمتيار لا يزال يقاتل في الجنوب، وتفنى قواته في أتون معركة من أشرس المعارك في تاريخ الجهاد، خاضها حكمتيار بإصرار لقطف الثمرة الأخيرة وفق الخطة الموضوعة. وباختصار: يمكن القول إن حكمتيار دفع الفاتورة كاملة واستلم مسعود السلعة كاملة، وقد كان هذا كافياً لأن يثير الشيطان بينهما الضغائن، ولكن ما زاد الطين بلة أن مسعود عقد اتفاقية مع دوستم أفاض فيها عليه من التكريم والمكافأة ما أطار لب حكمتيار؛ فقد كان من بنود الاتفاق بين أحمد شاه مسعود وعبد الرشيد دوستم أن يضمن مسعود لدوستم السيطرة على الشمال، وأن يشارك في الحكم، وأن يستلم حقيبة رئاسة الوزراء، وأن ينصب بعض رجاله في مواقع حساسة في الدولة. ولكل هذا لم يستطع حكمتيار أن يقاوم إرادة التمرد على هذه النتيجة المحبطة لآماله، وأصر على إسقاط التحالف بين مسعود ودوستم بأي وسيلة ممكنة ولو أدى ذلك إلى استخدام القوة. وفي الحقيقة أن القادة الآخرين كانوا غير راضين عن سياسة مسعود مع دوستم ولكنهم آثروا التريث حتى تستبين الأمور، وحتى لا تضيع ثمرة النصر. أما حكمتيار فقد ذهب بعيداً في التحرش بمسعود وحلفائه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث اعتبر نفسه شريكاً رئيساً في النصر، وقد علل ذلك بأنه كان بوسعه أن ينسحب من المواجهة بعد دخول أحمد شاه مسعود لكابل ويترك الفرصة للقوات الشيوعية أن تدخلها من الجنوب فتستردها من يد مسعود ودوستم فينقلب الأمر، أما وقد انصرف عن ذلك تنفيذاً للخطة المتفق عليها، فإن هذا يعد مؤازرة منه لمسعود، ومشاركة حقيقية في النصر الذي لم يحظ منه بأي ثمرة. ولهذا لم يجد أي غضاضة في أن يطالب بوزارات ومؤسسات في الدولة، منها حقيبة وزارة الدفاع؛ ولكن مسعود عارض مطالب حكمتيار ولم ير له ما يراه لنفسه، وخاصة حقه في وزارة الدفاع، ثم إنه خشي إن إجابه إلى مطالبه أن يفقد تأييد حلفائه الآخرين من الفصائل الشيعية التي تحالف مسعود معها أيضاً، والتي كانت تضمر وتظهر كل العداء لحكمتيار، ومن جهة أخرى كان مسعود يواجه ضغوطاً كبيرة من شريكه في اقتحام كابل (دوستم) . تاسعاً: الفرصة السانحة لأعداء الجهاد: في هذه الأجواء الملبدة والنفوس المعبأة وجد الغرب أن الفرصة مهيأة للقيام بدور آخر؛ فبدأت أمريكا تلعب بورقة دوستم الطاجيكي المرتزق، وبدأت بالفعل اللقاءات تتم على مستوى عال بين دوستم ومسؤولين أمريكيين على الحدود الطاجيكية، وقد أدت تلك اللقاءات إلى دفع دوستم ميلشياته للتحرش بقوات حكمتيار، مما تطور إلى مناوشات ثم اشتباكات ثم معارك كبيرة بين الشيوعي المرتزق، وبين واحد من قادة الجهاد الرئيسيين، واستغلت آلة الإعلام الغربية المسيطرة هذه المعارك، وضخمت من تأثيرها لتحوّل دمعة الفرح الباردة بالنصر، إلى دموع حارة ساخنة وساخطة على ما آل إليه الأمر بين رفاق السلاح بالأمس القريب؛ حيث تحولوا بسرعة إلى فرق تتصارع على السلطة والسيطرة. لقد وقفت الشعوب الإسلامية التي تعاطفت مع الجهاد وساندته بصدق طوال مسيرته، وقفت تراقب الأحداث بحسرة وفجيعة، وظل الناس مشدوهين وهم يشاهدون على الشاشات وابل الصواريخ وهي تنفجر على رؤوس المدنيين في المدن المحررة، ودندنت الإذاعات الدولية حول التبشير بحرب أهلية شاملة في أفغانستان، وظلت الأجهزة العالمية المغرضة في البلاد العربية تطنطن حول المعاني التي يريد الغرب الحاقد بثها عن ما يسمى بـ (الأصولية الإسلامية) . لقد نجحت الفتنة في تلويث سمعة الجهاد، ونجح (المجاهدون) في إعطاء المسوغات الكافية لأعداء الإسلام للطعن فيه من خلال سلوكهم الذي لم ينضبط للأسف بضوابط الدين الحنيف الذي قاموا من أجله.. ففي غمرة الاختلاف والفتنة تجاهل المقاتلون جهود الوساطة والصلح، وتناسوا الهدف الذي قاتلوا من أجله، وغضوا الطرف عن شماته الأعداء في كل الأرجاء، وجرحوا الأمة في مشاعرها بل أدموا قلوبها حسرة على نصر طال انتظاره ثم عجل بانكساره. حركة طلاب العلم: في تلك الأجواء.. تكونت.. ثم تجمعت.. ثم تحركت.. ثم خرجت حركة طلاب العلم (الطالبان) .. فمن هم الطالبان؟ ومن الذي حركهم؟ وما هي أسباب نجاحهم الساحق على ساحة النزاع في مراحله المتأخرة؟ وما هو التقويم المبدئي لمسيرتهم منذ بدأوا؟ هذا ما سنتعرض إليه.. إن شاء الله في لقاء قادم. والله المستعان.

стр. 2853

المسلمون والعالم أثر المراكز الفكرية على السياسة الخارجية الأمريكية د. باسم خفاجي تعكس هذه الدراسة أهمية الدور الذي تلعبه المراكز الفكرية في صياغة وتوجيه السياسة الخارجية في الإدارة الأمريكية، كما يظهر من بحث هذا الموضوع أن اللوبي اليهودي قد نجح في توفير عدد من المؤسسات الفكرية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط. وتزود هذه المراكز السياسيين في واشنطن بالبحوث والدراسات في كافة أمور السياسة الخارجية دون منافسة تذكر في ذلك من قبل المؤسسات الفكرية الإسلامية التي تعد على أصابع اليد الواحدة، وتفتقر إلى القدرات المالية والبشرية التي تسمح بالمنافسة الحقيقية في مجال الأفكار والرؤى، ولذلك لا بد للإسلاميين من السعي الجاد نحو تكوين العديد من المراكز الفكرية القادرة على مواجهة سيل البحوث والدراسات المعادية للإسلام والتي تعج بها ساحة السياسة الخارجية الأمريكية، وعندها فقط يمكننا أن نحاول إعادة التوازن إلى الرؤى الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط، والله غالب على أمره ولو كره المشركون. أثر المراكز الفكرية: تتأثر القيادات السياسية في العالم بما يقدم لها من دراسات وأبحاث سياسية وفكرية، ومن المفيد دراسة العلاقة بين القيادات السياسية وبين الجهات التي تتولى تقديم النصح لها لمعرفة كيف يصنع القرار السياسي في دولة ما [١] ، وقد انتشرت مراكز الأبحاث الفكرية والسياسية في الولايات المتحدة بشكل كبير منذ بداية السبعينات من القرن الميلادي الحالي، وظهر تأثير هذه المراكز في صناعة القرار الخاص بالسياسة الخارجية الأمريكية بشكل واضح وملموس في السنوات الأخيرة. ويبلغ عدد المؤسسات الفكرية في الولايات المتحدة الأمريكية حسب آخر الإحصاءات ما يزيد على ١٢٠٠ مركز ومؤسسة، وأغلب المراكز الفكرية في أمريكا هي مؤسسات غير ربحية تضم مجموعة متخصصة من الأكاديميين والسياسيين الذين يشتركون في الاهتمام بمجموعة من المواقف والقضايا السياسية العامة، ويعملون بشكل منظم من أجل التعريف بهذه القضايا، وزيادة الوعي بجوانبها المتعددة، وفيما عدا ذلك القاسم المشترك، فإن الكثير من الأكاديميين قد وجدوا صعوبة في وضع تعريف محدد للمراكز الفكرية في أمريكا، بل إن بعض الباحثين يرى عدم إمكانية وجود تعريف واحد يجمع ويشرح دور وأهداف كل هذه المؤسسات. ويقسم الباحثون المراكز الفكرية في أمريكا إلى ثلاثة أنواع: جامعات بلا طلاب (أي مؤسسات تقدم الأبحاث الأكاديمية المتخصصة في القضايا السياسية) ونشأت هذه النوعية في بدايات هذا القرن ومنها (مجلس العلاقات الخارجية) الذي تطور ليصبح أبرز المراكز الرسمية المتخصصة في العلاقات الخارجية وتصدر عنه دورية مشهورة هي (شؤون خارجية) وهو يهتم بدراسة المشكلات التي تقابل المجتمع الأمريكي داخلياًً وخارجياًً وتقديم الحلول لها، ومؤسسات استشارية (وهي المراكز التي تقدم حلولاً علمية وخطوات تنفيذية واستثمارات متخصصة للتعامل مع المشكلات السياسية التي تعرض للإدارة الأمريكية) ، ونشأت بعد الحرب العالمية الثانية. مراكز ضغط سياسية (وهي المراكز الفكرية التي تستخدم الدراسات والبحوث والوسائل الأخرى كطرق ضغط مباشر على الإدارة الأمريكية للتأثير على صناعة القرار السياسي فيها) . وحدثت هذه المراكز في السنوات الأخيرة. ويجمع أكثر الباحثين على أن السنوات الأخيرة قد شهدت تنامياً كبيراً في النوع الثالث من المراكز الفكرية التي تعمل كمؤسسات ضغط سياسية في مقابل تناقص عدد المراكز الفكرية المتخصصة في البحث العلمي والأكاديمي. وقد أبدت هذه المؤسسات الجديدة رغبة واضحة في ممارسة الضغط السياسي للوصول إلى تغيير توجهات السياسة الأمريكية بما يخدم أهداف هذه المؤسسات. ولعل من أبرز هذه المؤسسات الفكرية التي دعمت هذه الاتجاه الجديد هي مؤسسة التراث Heritage Foundation التي ارتبطت بالتيار المحافظ في عهد الرئيس الأمريكي ريجان [٢] . كما ظهر في الوقت نفسه مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، Center for Strategic and International Studies الذي ضم بين أعضائه نخبة من الشخصيات السياسية البارزة من بينها زبيجنيو بريجنسكي، وهنري كيسنجر، وهارولد براون، ولعل من أبرز المراكز الفكرية من هذا النوع الثالث (مؤسسات الضغط السياسي الفكرية) الخاصة بالشرق الأوسط: معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، Washington Inslitule For Near East Policy الذي أنشئ في عام ١٩٨٥م ليتبنى الدفاع عن المصالح السياسية الإسرائيلية ودفع قضايا واهتمامات إسرائيل في الإدارة الأمريكية، كما ظهر في السنوات الأخيرة أيضاً (المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي) Jewish Institute for National Security Affairs الذي يعمل كغطاء للدعاية لإسرائيل في المجالات العسكرية والاستشارات الأمنية. العلاقة بين المراكز الفكرية والإدارات الأمريكية: يذكر بريجنسكي في مذكراته أن أغلب مناصب الشؤون الخارجية في الإدارة الأمريكية في عهد كارتر كانت من نصيب خبراء المراكز الفكرية، فمن بين الشخصيات المعروفة في مركز (الثلاثي الجانبي الفكري) Trilateral Commissioners التي تولت مناصب سياسية هامة في عصر كارتر كان هناك سيروس فانس وزير الخارجية، وأندرو يانج سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وزيبيجنيو بريجنسكي مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي. كما عمل ما يزيد عن ٥٥ خبيراً من مجلس العلاقات الخارجية Council on Forergn Affairs في إدارة كارتر، وكان من بينهم فيليب حبيب مساعد وزير الخارجية، وستانزفيلد تيرنر مدير وكالة المخابرات المركزية. أما في عهد ريجان فقد عمل أكثر من ٢٠٠ خبير من خبراء المراكز الفكرية الأمريكية في الإدارات المختلفة للحكومة الأمريكية، كان من بينهم أكثر من ٥٥ خبيراً من معهد هوفر Hoover Institute و ٣٦ من مؤسسة التراث، و٣٤ من المعهد الأمريكي للاستثمار Amcrican Enterprise Institute و٣٢ من لجنة الأخطار الحالية Comnritiee On the Prescnt Danger و ١٨ من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية Center for Strategic and International Studies [٣] . أما في عهد كلينتون فقد استمرت الاستفادة من خبراء المراكز الفكرية في عدد من الوزارات والمناصب العليا في الإدارة الأمريكية، ولكن اختلف هذا المعهد عن سابقيه بظهور الذراع الفكري الإسرائيلي في واشنطن، وهو معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، Washington Institute for Near East Policy كقوة مؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية، وقامت إدارة كلينتون باختيار مدير المعهد السابق مارتن إنديك ليشغل منصب مدير شؤون الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي، ولكي يتولى تمثيل وجهة النظر الأمريكية في مباحثات السلام، وصياغة سياسات الشرق الأوسط. تمويل المؤسسات الفكرية: تتميز المؤسسات الفكرية الأمريكية بميزانياتها الضخمة مقارنة بالمراكز الفكرية في باقي أنحاء العالم. ويذكر أحد السياسيين الأمريكيين السابقين أن إجمالي الميزانية السنوية لأكبر عشر مراكز فكرية في أمريكا تتجاوز ٥٠٠ مليون دولار. ويتم تمويل معظم هذه المؤسسات من الهبات والمنح التي تقدم للمراكز سواء من أفراد أو مؤسسات خيرية أو الحكومة الأمريكية التي تتعاقد مع المراكز الفكرية للقيام بأبحاث معينة مقابل مبالغ مالية محددة. أثر المراكز الفكرية على السياسة الخارجية: ينقل الأستاذ أحمد منصور في كتابه: (أضواء على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط) رأي الدكتور روبرت كرين مستشار الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في أثر المراكز الفكرية على السياسة الخارجية الأمريكية فيقول: تلعب هذه المراكز دوراً هاماً في الانتخابات الرئاسية فضلاً عن انتخابات مجلس الشيوخ والنواب، إلا أن دورها في الانتخابات الرئاسية أخطر، ولا يستطيع رئيس أمريكي الآن أو مستقبلاً الوصول إلى مقعد الرئاسة دون مساعدة هذه المراكز التي كان لها دور بارز وملحوظ في وصول الرئيس كلينتون إلى السلطة رغم تفوق الرئيس السابق بوش عليه من ناحية الخبرة والتاريخ السياسي [٤] . وتتعدد الوسائل التي تستخدمها المراكز الفكرية في التأثير على مجريات السياسة الخارجية الأمريكية، وتختلف هذه الوسائل من مركز فكري لآخر، كما أنها تتغير تبعاً لطبيعة القضية المطروحة، وملاءمة أسلوب بعينه للتعامل معها، وكذلك نوعية المخاطب والرغبة المطلوبة في التأثير. وفيما يلي سرد لنماذج من أبرز الوسائل التي تتبعها المؤسسات الفكرية للتأثير على صناعة قرارات السياسة الخارجية الأمريكية: مساعدة المرشحين في الانتخابات: تقوم كثير من المراكز الفكرية بتقديم أفكارها إلى المرشحين للمقاعد النيابية وكذلك لمناصب الإدارة الحكومية في محاولات مبكرة لاجتذاب مساندة المرشحين في حال فوزهم في الانتخابات أو الترشيحات للمناصب الحكومية. ولاستخدام هذه الوسيلة الفعالة فإن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى Washington Institute for Near East Policy، يقوم كل أربع سنوات بإعداد ورشة عمل يشارك فيها عدد كبير من السياسيين والأكاديميين لوضع مشروع (التصور العام لسياسة الحكومة المقبلة تجاه الشرق الأوسط) . وتعد هذه الدراسة بشكل عملي ومنظم، وتقدم إلى الإدارة الجديدة للبيت الأبيض مرفقة بتزكيات الشخصيات السياسية الكبرى في أمريكا مما يعطي هذه الدراسة قيمة سياسية كبيرة. وتمثل هذه الدراسة في حقيقتها ورقة ضغط مباشرة على الإدارة الجديدة لاتباع سياسة محددة تجاه الشرق الأوسط تصب في الغالب في كل ما من شأنه خدمة المصالح الإسرائيلية في المنطقة، وقد قدمت أحدث دراسة من هذا النوع في بداية ١٩٥٧م، بعنوان: (العمل لبناء السلام والأمن في الشرق الأوسط: التصور الأمريكي) ، وأرفقت بتزكيات وثناء أكثر من ٤٠ شخصية سياسية من أعضاء ورشة العمل. وتركز الدراسة على ثلاثة محاور رئيسة هي: الخليج العربي، والعلاقات العربية الإسرائيلية، واتفاقات التعاون الثنائي مع الشركاء في المنطقة. نشر الدراسات والأبحاث: تهتم معظم المراكز الفكرية الأمريكية بنشر أبحاث دورية مختصرة حول أهم القضايا المطروحة على قائمة اهتمام كل مركز، وإتاحة هذه الدراسات وإيصالها إلى صناع القرار السياسي في أمريكا. ويؤكد الباحث الأمريكي هوارد ويراردا في كتابه حول السياسة الخارجية [٥] هذه النقطة قائلاً: (تتحرك الحكومة الأمريكية عن طريق الرسائل والخطابات المكتبية، وإذا كان المسؤول في أي من وزارة الخارجية أو الدفاع أو المخابرات المركزية أو مجلس الأمن القومي مطلعاً على دراستك أو بحثك، وهذه الدراسة مفتوحة أمامه وهو يعد خطاباً لمديره أو حتى للرئيس الأمريكي، فإن لديك فرصة ضخمة للتأثير عليه وهو يكتب هذا الخطاب بأن يقبس بعض أفكارك أو تحليلاتك. وفي المقابل إذا لم تكن دراستك على مكتبه، أو الأسوأ من ذلك إذا كنت لا تعرف هذا الشخص ولا تراسله بدراساتك وأبحاثك، فلا توجد أي فرصة للتأثير عليه، إنها معادلة بسيطة وواضحة) . والمتابع للمؤسسات الفكرية في أمريكا يجد عشرات الدراسات والأبحاث التي تصدر كل شهر، وترسل مجاناً إلى مكاتب الساسة وصناع القرار من أجل تحقيق هذا الهدف السابق، وهو الوصول إلى احتمالية التأثير على القرار الصادر عن هذا السياسي. ويروي أحد المقربين من الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان أن الرئيس قام بإعطاء نسخة من دراسة أعدتها مؤسسة التراث حول (خطة إقامة حكومة محافظة) إلى كل عضو من أعضاء إدارته، وطلب منهم قراءتها [٦] ، ويرى أحد الباحثين لتلك الفترة أن ٦٠% من هذا التقرير قد تم تنفيذه خلال فترتي رئاسة الرئيس ريجان [٧] . ويقوم معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، Washington Institute for Near East Policy بإصدار عدد من الدراسات الدورية التي تتراوح بين ٥٠ ١٠٠ صفحة، حول القضايا الهامة المتعلقة بالشرق الأوسط، وترسل هذه الدراسات إلى أعضاء الكونجرس، وكذلك إلى الإدارات والوزارات المهتمة بهذه القضايا. كما يقوم المركز بإصدار أكثر من ٤٠ شريطاً سمعياً كل عام تتضمن تسجيل المحاضرات والندوات التي يعقدها المعهد. دعوة إلى صانعي القرار إلى المؤتمرات والملتقيات: تركز بعض المراكز الفكرية على هذه الطريقة كوسيلة أساسية في التأثير على مجرى السياسة الخارجية الأمريكية، فقد قامت مؤسسة التراث في عام ١٩٩٣م وحده بعقد ١٢٥ محاضرة ولقاء حضرها أكثر من عشرة آلاف شخص، إضافة إلى نقل كثير من هذه المحاضرات على الهواء مباشرة في إحدى القنوات التلفزيونية المتخصصة في البث الإخباري (C-Span) [٨] . أما معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، Washington Institute for Near East Policy فإنه يعقد سنوياً ما يزيد على أربعين لقاء ومحاضرة، أي بمعدل يقارب محاضرة أو لقاء أسبوعياً. ويركز المعهد في هذه اللقاءات على دعوة المسؤولين في الإدارة الأمريكية، والسفراء الأجانب، وممثلي المؤسسات الصحفية، والأكاديميين، بهدف تشكيل قناعات متقاربة حول الشرق الأوسط، ويقوم المعهد بدعوة شخصيات عالمية بارزة للحديث في هذه اللقاءات، ويجمع بينها جميعاً قاسم واحد مشترك وهو الاهتمام بمصالح إسرائيل بصورة مباشرة. أو غير مباشرة، ومن أبرز من دعي للحديث في هذه اللقاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي، ورئيس تركيا، إضافة إلى مسؤولي البيت الأبيض، والخارجية الأمريكية. وإضافة إلى ذلك يعقد المعهد مؤتمرين كبيرين كل عام، يعقد الأول منهما في الربيع من كل عام ويخصص لدراسة التحديات التي تواجه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وكان من أبرز المتحدثين في هذه المؤتمرات نائب الرئيس الأمريكي آل جور، ووزير الخارجية السابق وارن كريستوفر. أما لقاء الخريف فيعقد في أحد المنتجعات، ويدعى له القيادات السياسية الأمريكية والأجنبية في حوارات غير رسمية ومحادثات خاصة تهدف إلى تقوية الارتباط بسياسة المعهد وتوجيهاته. تزويد وسائل الإعلام بخبراء في قضايا الساعة: تدعو كثير من المراكز الفكرية الباحثين فيها إلى الكتابة في الصحف والمجلات والدوريات السياسية والعامة، وتقوم هذه المراكز بإرسال البحوث المختصرة، وأوراق العمل إلى الصحف الكبرى لعرضها للنشر في هذه الصحف مما يكسب المراكز الفكرية شعبية لدى عامة الناس. ويقوم معهد هوفر Hoover Institute المعروف بعلاقاته القوية مع الرئيس السابق ريجان باستغلال هذه الوسيلة بشكل مكثف للغاية. ويروي جلين كامبل أن معهد هوفر كان يسعى دائماً إلى إرسال مقال واحد على الأقل من كتابات الباحثين بالمعهد يومياً طوال العام إلى الصحف والمجلات الأمريكية، وغالباً ما يتم نشر هذا المقال في عشرات الصحف اليومية، ونشر في أحد الأعوام السابقة أكثر من ٣٥٠ مقالاً من المعهد، ويعلق على ذلك قائلاً: (إن وسائل الإعلام تتعطش للأفكار الجديدة، ونحن نساهم في سد هذا الاحتياج) [٩] . أما مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية والاستراتيجية Center for Strategic and International Studies، فله السبق في هذا المجال دون منازع. فقد أجرى الباحثون في المعهد في عامين أكثر من ١٢٠٠ حوار تلفزيوني، و١٠٠٠ لقاء إذاعي، و٢٥٠٠ خبر بالصحف، وكتبوا ما يزيد على ٢٥٠٠ مقال للصحف والمجلات الأمريكية [١٠] . وبالطريقة نفسها يقوم معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى Washington Institute for Near East Policy بنشر مقالات في الصحف والمجلات الأمريكية بصورة دورية، فقد نشرت صحيفة الرول ستريت جورنال اليومية مؤخراً أحد المقالات لإحدى الباحثات في المعهد وهي إمي ماركوس حول الصراع بين عرفات وحسين حول القدس [١١] ، وكالمتوقع فقد ركزت الباحثة على الجوانب السلبية في هذه العلاقة، مع التأكيد على أن قضية القدس محلية داخلية خاصة بدولة إسرائيل. فتح قنوات الاتصال مع الإدارة الأمريكية: يتم فتح قنوات الاتصال مع المؤسسات السياسية الأمريكية عن طريق إقامة دورات تدريبية للسياسيين في مجالات السياسة الدولية والعلاقات الدولية، وعن طريق تعيين موظفين سابقين في الإدارات الأمريكية في هذه المراكز، وكذلك تقديم استشارات عاجلة ومختصرة للمسؤولين السياسيين حول القضايا التي تطرأ على الساحة، وأخيراً دعوة العاملين في الإدارات الحكومية إلى زيارات دورية إلى هذه المراكز للتعرف على القائمين عليها. ونجد مثلاً أن المعهد الأمريكي للاستثمار قد قدم فرصة عمل وبحث متميزة للرئيس فورد بعد أن ترك الرئاسة، وكذلك لديك تشيني وزير الدفاع السابق. أما مركز الدراسات الاستراتيجة والدولية فقد قدم فرص عمل متميزة لكل من بريجنسكي وهنري كيسنجر. وقدم معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى Washington Institute for Near East Policy، عضوية مجلس الأمناء لكل من جورج شولتز، وإليكسندر هيج، ووارن كريستوفر، وكلهم من وزراء الخارجية الأمريكية السابقين. وكما يشرح جورج شولتز، فإن وجود السياسيين السابقين في مناصب أي مركز فكري يفتح أمام هذا المركز فرصاً متعددة للتأثير [١٢] . أما المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي Jawish Institute for National Secuirty Affairs، المعروف بعلاقته القوية بالمؤسسة العسكرية الأمريكية، وارتباطه المباشر أيضاً باللوبي الصهيوني، فيقوم بتنطيم رحلات لمجموعات من الضباط الأمريكيين لزيارة إسرائيل لتوطيد العلاقات مع الجيش الإسرائيلي، كما يقوم بإعداد زيارات لطلاب الكليات العسكرية للتدريب الصيفي في وحدات الجيش الإسرائيلي [١٣] . التطوع للعمل والإدلاء بالشهادات في لجان العمل السياسي: تهتم كثير من المؤسسات الفكرية الأمريكية بتقديم الباحثين فيها كخبراء في الموضوعات المطروحة على الساحة، وتسعى إلى أن توجه لهم الدعوات للإدلاء بآرائهم في القضايا المختلفة على لجان العمل وجلسات الاستماع والبحث في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكي. ويكفي أنه في عام واحد فقط قام أكثر من ١٧٦ باحثاً من ٢١ مركزاً فكرياً بالإدلاء بشهاداتهم أو تقديم رؤيتهم رسمياً إلى لجان الكونجرس الأمريكية [١٤] . وقد قام خبراء من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى Washington Institute for Near East Policy، بالإدلاء بشهاداتهم في العديد من القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط في السنوات الأخيرة بصفة خبراء وأكاديميين، فقام المدير العام للمعهد روبرت ستالوف بالإدلاء برأيه أمام لجنة العلاقات الدولية بدعوة من مجلس النواب الأمريكي في إبريل ١٩٩٧م حول (السياسة الأمريكية تجاه مصر) ، ولا شك أن الخلفية الشخصية له بصفته يهودياً، والصفة الرسمية له كرئيس للذراع الفكري الإسرائيلي في واشنطن قد لعبا دوراً هاماً في الرأي الذي قدمه أثناء شهادته. وكانت الشهادة مليئة بالهجوم على مصر وموقفها من التطبيع السياسي مع إسرائيل، وأهمية المد الإسلامي في مصر، وضرورة التعاون الأمني على أعلى مستوى في ذلك، وطالب أن تتوقف مصر عن أية تهديدات لإسرائيل! تأثير المراكز الفكرية على الرأي العام: للمراكز الفكرية الأمريكية آثار مباشرة على الإعلام الغربي، ومن ثَمّ على الرأي العام الأمريكي، وقد رصد أكثر من باحث أكاديمي كيف أن المراكز الفكرية تنجح في كثير من الأحيان في تغيير الرأي العام الأمريكي تجاه قضية معينة عن طريق مجموعة خطوات إعلامية مدروسة بعناية لتحقيق هدف محدد، وهو تغيير قناعات ومواقف الرأي العام لتبني وجهة نظر المركز الفكري والجهات التي تموله. ويذكر تشارلز وليام ماينز، محرر دورية (السياسة الخارجية) Foreign Policy كيف يتم تغيير الرأي العام الأمريكي بطريقة منظمة تبدو عفوية، فيقول: تبدأ العملية بمقال في أحد الدوريات السياسية المتخصصة يكتبه باحث أكاديمي متميز ومعروف، ويُقدّم هذا الباحث في المجلة أو الدورية على أنه (خبير أو عالم) مما يوحي بالتوازن والاعتدال في الطرح، ولا يذكر عادة أن هذا الباحث موظف يعمل براتب في أحد المراكز الفكرية معروفة التوجه! يلي ذلك تولي عدد من المطبوعات الأخرى الموالية لنفس الاتجاه الثناء على المقال الذي نشر في الدورية، وإبراز الأفكار الهامة في هذا المقال، والتأكيد عليها مرة أخرى، ثم يُعقد بعد ذلك عادة مؤتمر عام، يدعى إليه متحدثون يمثلون نفس وجهة النظر، ويتم اختيارهم بعناية للتعبير عن نفس الفكرة، وحشد الآراء حولها، ويدعى إلى مثل هذه المؤتمرات مجموعة من الصحفيين المختارين بعناية لإبراز هذا الحدث في المجلات والصحف التي يمثلونها، مما يضفي هالة جديدة من الاهتمام حول المؤتمر وموضوعه، والأفكار التي يراد نشرها، وبالطبع يكون مفهوماً للجميع بشكل لا يقبل الشك، أن الجوائز الصحفية، والدعوات للحديث في المحافل العامة، ووسائل الإعلام، والجوائز التقديرية، كل ذلك سيكون من نصيب أولئك أولئك فقط الذين يدافعون عن الفكرة ويدعون إليها في كل مكان. وهكذا وبهذه المهارة المنظمة، تصبح الفكرة داخلة ضمن التيار العام للأفكار المقبولة للرأي العام الأمريكي، وبذلك تؤثر بطريق غير مباشر على القناعات السياسية للإدارة الأمريكية [١٥] . ومن المفارقات التي تلفت النظر أن نجد أن بعض المؤسسات الفكرية تدعم برامج وثائقية وتلفزيونية؛ لأنها تخدم وجهة نظرها، وتعبر عنها؛ ومثال واضح على ذلك هو ستيف إيمرسون صاحب البرنامج التلفزيوني الشهير (جهاد في أمريكا) . وقد سبب هذا البرنامج ضجة ضخمة في الولايات المتحدة ومعظم أنحاء العالم الغربي لهجومه الشديد غير المستند على أي أدلة مادية على الإسلام والمسلمين في أمريكا، واتهامهم بأنهم أكبر الأخطار الداخلية في القارة، وأنهم يهددون الأمن الداخلي للولايات المتحدة. وذكر ستيف إيمرسون لجريدة واشنطن بوست أنه تلقى مبلغ ٠٠٠ر٣٢٥ دولار أمريكي من مؤسسة برادلي Bradley Foundation لإتمام هذا البرنامج، ويبقى أن نعرف أن دانيال بايبس، مدير معهد الدراسات الخارجية في فيلادلفيا Foreign Policy Research Institute، كان هو المسؤول عن توزيع وإنفاق هذه المنحة على البرنامج كما ذكر ذلك روبرت كابلان في مقدمة كتابه (العربي) الذي دعم أيضاً من نفس المؤسسة، وتولى أيضاً دانيال بايبس متابعة إنفاق المنحة المخصصة لذلك الكتاب [١٦] . المراكز الفكرية العربية والإسلامية في أمريكا: رغم أن الساحة الفكرية الأمريكية تزخر بالمراكز الفكرية التي تمثل كافة التوجهات الفكرية، إلا أن التواجد الإسلامي في هذا المجال لا يزال محدوداً للغاية؛ وقد يرجع ذلك إلى عدد من الأسباب من بينهما قلة الموارد المالية التي تخصصها المؤسسات الإسلامية للأنشطة الفكرية بوجه عام، وكذلك قلة القدرات الفكرية المتميزة القادرة على الخطاب الفكري القوي باللغة الإنجليزية، إضافة إلى الإحساس السائد لدى الجالية الإسلامية في أمريكا بعدم جدوى مثل هذه الجهود الفكرية خاصة مع الأجواء العدائية للإسلام والمسلمين التي يبثها الإعلام الغربي بصورة يومية، وتلقى نوعاً من الاستجابة من الرأي العام، وصناع القرار. وقد ساهمت هذه العوامل مجتمعة في تأخر الاهتمام بمثل هذه المشروعات، وإن كانت السنوات الأخيرة قد شهدت تزايد الاهتمام الإسلامي في أمريكا بالنزول إلى الساحة الفكرية، والسعي إلى التأثير على صناعة القرار السياسي الأمريكي، ورغم ذلك تبقى المؤسسات القكرية الإسلامية والعربية في أمريكا قليلة للغاية، وفيما يلي أهم هذه المراكز الفكرية الإسلامية في القارة: مؤسسة: الأمريكيون المسلمون: American Muslim Foundation وهي مؤسسة غير ربحية في واشنطن العاصمة، وتهتم بالسعي إلى زيادة الوعي والفهم للثقافة والقيم والتاريخ الإسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية، ويرأس المؤسسة الأستاذ عبد الرحمن العمودي المدير التنفيذي السابق لمجلس: الأمريكيون المسلمون American Muslim Council، والمؤسسة لا تزال في بداية نشأتها، ولم تقدم حتى الآن أنشطة لمعرفة أثرها على الساحة الفكرية. المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث (يسر) : United Association for Studies and Research (UASR) وهي مؤسسة فكرية بحثية تتخصص في دراسة أسباب الصراع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتغيرات السياسية التي تؤثر على مستقبل السكان الأصليين للمنطقة، وعلاقة المنطقة بدول العالم المتقدم، ويرأس المؤسسة الدكتور أحمد يوسف، الذي عرف بالعديد من الكتابات المتميزة في كثير من صحف ومجلات العالم الإسلامي، ومركز المؤسسة يقع في إحدى ضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن، ويعمل في المركز عدد من الباحثين المتفرغين، وللمركز أرشيف متميز في قضايا الصحوة الإسلامية. وينشر المركز دراسات دورية حول قضايا الشرق الأوسط وخصوصاً ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية، ويعقد كذلك لقاءاً شهرياً يدعى إليه سياسيون وأكاديميون بارزون، كما تصدر عن المركز دورية متخصصة في قضايا العالم الإسلامي وعلاقته بالغرب بعنوان: (شؤون الشرق الأوسط) ويعتبر المركز من أنشط المراكز الفكرية الإسلامية في أمريكا، وإن كان تأثيره لا يزال ضعيفاً لقلة الإمكانات المادية مقارنة بالمراكز الفكرية الأخرى في العاصمة. مركز دراسات الإسلام والعالم World & Islam Studies Enterprise (Wise) وهو مؤسسة فكرية أنشئت عام ١٩٩٠م في ولاية فلوريدا، والمركز عرف بإقامة الندوات ونشر الدراسات، وإصدار دورية متميزة تسمى: (قراءات سياسية) وتوقفت عن الصدور في نهاية ١٩٩٥م. وقد تقلص نشاط المركز للغاية بعد أن اتهمته الصحف الأمريكية وتبعتها الإدارة الأمريكية بعلاقته بتنظيم الجهاد الفلسطيني، وخاصة بعد تولي رمضان عبد الله شلح الذي كان أحد المحررين في الدورية مسؤولية تنظيم الجهاد بعد اغتيال فتحي الشقاقي، وقد أدى ذلك إلى مهاجمة المخابرات الأمريكية للمركز وإيقاف العاملين فيه رهن التحقيق.

стр. 2854

المسلمون والعالم " الفرنكوفونية " كما هي الميلاد والنشأة والسياسة سيدي غالي لو المقدمة: الفرنكوفونية: اسم يطلق على تنظيم سياسي تشترك فيه عدة دول ناطقة بالفرنسية ألفت بينها هذه الرابطة لتحقيق مصالح مشتركة؛ وهي تنظيم يقابل منظمة الكومنولث البريطاني، إلا أنها أشد خطورة منها؛ حيث إن الفرنكوفونية تضرب جذورها في أعماق طبيعة الاستعمار الفرنسي، قبل أن تستنزف الثروات والخيرات ويَهلك الحرث والنسل فيجعل أعزة القوم أذلة. الميلاد والنشأة: لقد مهدت لميلاد منظمة (الفرنكوفونية) عوامل متعددة؛ ففي أواخر الستينات، وخاصة بعد إعادة انتخاب (الجنرال ديجول) رئيساً لفرنسا للفترة الثانية في ٥/١٢/ ١٩٦٦م بعد أن كانت حركات التحرر والاستقلال تتقوى من مختلف الدول التي كانت تخضع للاستعمار الفرنسي في آسيا وإفريقيا. ومن ثم ركز (ديجول) سياسة فرنسا على المحاور الآتية: ١- تثبيت الاقتصاد الفرنسي. ٢- التقارب مع ألمانيا للتخلص من النفوذ الأمريكي. ٣- إبعاد بريطانيا من السوق الأوروبية المشتركة. ٤- دخول فرنسا ميدان الإنتاج الذري. فلا غرابة إذن أن يختفي المستعمر الفرنسي خلف الستار بعد استقلالات الستينات ليحرك بأصابعه من خلف الكواليس أناساً قد أحكم صبغتهم، يتشدقون بقيم الاستعمار الجديد وثقافته، ويتعهدون بنبذ الثقافات الوطنية والقيم الدينية الأصيلة وراء الظهور فكانت (الفرنكوفونية) وسيلة من وسائل الاستعمار الجديد اتخذتها فرنسا للضغط على مجموعة من الدول النامية وتوجيه سياستها. وكانت فرنسا تتظاهر بالانعزال عن فكرة تأسيس منظمة (الفرنكوفونية) في أوائل انبثاق الفكرة سنة ١٩٦٠م لعاملين رئيسين: الأول: شعورها بالعار من جراء الجرائم البشعة التي ارتكبتها ضد الشعوب في عهد الاستعمار. والثاني: تخوفها من أن تتهم بمحاولة استخدام اللغة الفرنسية كأداة جديدة للإمبريالية والسيطرة على الدول التي فقدتها منذ عهد قريب. فمن المعلوم تاريخياً أن الدول التي تعتبر مهد اللغة الفرنسية ومنبعها الأصيل مثل فرنسا وبلجيكا وكيبيك ليست هي التي دعت علناً إلى تأسيس منظمة الفرنكوفونية، ولكنها كانت تحرك الحبال من خلف الستار. وقد برز من بين المتشدقين بالفرنكوفونية كل من (ليوبولود سيدار سنغور) من السنغال و (هماني ديوري) من النيجر و (الحبيب بورقيبة) من تونس و (شارل حلو) من لبنان و (نورو دوم سيهانوك) من كامبودجيا. ولقد لقيت دعوة هؤلاء في بداية أمرها مقاومة عنيفة من قبل قادة التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا، الذين كانوا يصفون دعاة الفرنكوفونية بالخونة، مما أخر تنظيم الحركة رسمياً وهيكلتها حتى عام ١٩٧٠م حيث أنشئ أول فرع من فروعها المتخصصة وهو A. C. C. T. (وكالة التعاون الثقافي والتقني) . في (نيامي) عاصمة النيجر. وكان بعض رؤساء الدول ينتمون إلى فكرة (الفرنكوفونية) بالاسم فقط دون الاندماج الحقيقي فيها، خلافاً لرئيس كيبيك الذي كان يصرح بالانتماء إليها كما كان يسعى جاداً لتحقيقها. وتستطيع كيبيك أن تنحو هذا النحو وتقف ذلك الموقف آنذاك؛ لكونها منطقة ناطقة بالفرنسية باعتبارها لغة أصلية لها من جهة، ولكونها محتضنة من قِبَلِ كندا التي لم يسبق لها احتلال بلد إفريقي من جهة ثانية، وهو الأمر الذي يبعد عنها أصابع الاتهام، ولذا لما نجحت فكرة الفرنكوفونية، وتم تأسيس وكالة التعاون الثقافي والتقني A. C. C. T. كان أول من اختير لرئاستها هو الزعيم الكيبكي الكندي جان مارك ليجي Jean Marc Leger أما اليوم فقد أصبحت الفرنكوفونية حقيقة ملموسة، وصارت تلعب دوراً بارزاً في توجيه سياسة فرنسا وعلاقاتها بالدول الأعضاء في هذه المنظمة البالغ عددها الآن ٤٩ دولة. وتتخذ هذه المنظمة من جامعة ليوبولد سيدار سينغور بالإسكندرية جمهورية مصر العربية مقراً لها. السياسة العامة للفرنكوفونية: تشمل السياسة العامة لمنظمة الفرنكوفونية ما يلي: ١- ربط الدول الأعضاء في المنظمة بفرنسا سياسياً وثقافياً وفكرياً واقتصادياً. وتعتمد معظم الدول الإفريقية المنضمة إلى (الفرنكوفونية) على الفرنك الإفريقي المرتبط بالفرنك الفرنسي في الأسواق المالية. وقد قامت فرنسا بتعويم عملة الفرنك الإفريقي سنة ١٩٩٤م مما سبب تزعزعاً اقتصادياً خطيراً لعديد من الدول الإفريقية. ٢- التأثير على دول المجموعة الفرنكوفونية لاتخاذ مواقف مماثلة تجاه القضايا والقرارات الدولية والإقليمية وخاصة القضايا والقرارات التي تمس مصالح فرنسا. ٣- إيجاد فرص غير متكافئة للتبادل التجاري بين فرنسا والدول الأعضاء في المنظمة، والعمل على كسر الحواجز أمام الصادرات الفرنسية إلى الدول الفرنكوفونية. ٤- تقديم المساعدة للدول الأعضاء في مختلف المجالات، وخاصة في مجال الثقافة والإعلام والتطوير التكنولوجي وتعليم اللغات والزراعة وحماية البيئة.. وتعتاد فرنسا أن تعلن خلال مؤتمرات الفرنكوفونية عن تنازلها عن ديونها المترتبة على عدد من الدول الأعضاء في هذه المنظمة. دور فرنسا ومآثر ميتران: لم تقم فرنسا بدور هام داخل الفرنكوفونية إلا في عهد الرئيس السابق: فرانسوا ميتران الذي انتخب رئيساً للجمهورية الفرنسية سنة ١٩٨١م؛ وذلك أن فرنسا كانت تنتظر لحظة انتهاء تلامذتها الأبرار من إعداد اللبنات الصلبة ووضع الأسس المتينة لهذا الصرح العلماني العملاق قبل أن تقوم هي بدور المهندس الماهر الذي يتولى تشكيله وتنظيمه داخلياً وخارجياً. ففي عهد ميتران تم تأسيس قمة رؤساء الدول الفرنكوفونية التي تعقد كل سنتين، ومؤتمر الوزراء الذي يعقد كل سنة. كما تم تأسيس فروع ووكالات متخصصة تابعة لمنظمة الفرنكوفونية مثل صندوق حماية البيئة، والمنظمة الزراعية لمساعدة دول الصحراء، والقناة الدولية TV٥ للبث التلفزيوني المباشر، وبنك المعلومات الفرنكوفونية، والمجلس الدائم للفرنكوفونية ... ، كما تم إنشاء لجان خاصة لمتابعة قرارات مؤتمرات الفرنكوفونية، ووضع لوائح تصنف الأعضاء حسب الدرجات والمراتب، وتحدد السلطات والمسؤوليات داخل هذه المنظمة. كما عقدت منظمة الفرنكوفونية في عهد الرئيس ميتران خمسة مؤتمرات: ١٩٨٦م في فرساي، ١٩٨٧م في كيبيك، ١٩٨٩م في دكار، ١٩٩١ في باريس، ١٩٩٣م في موريس. وبلغت جملة الديون التي تنازلت عنها فرنسا في عهد ميتران لصالح الدول الأعضاء في الفرنكوفونية (١٦) مليار فرنك فرنسي شملت خمساً وثلاثين دولة، بالإضافة إلى المساعدات المادية والفنية. المؤتمرات والقرارات: مؤتمرات الفرنكوفونية لقاءات دورية تعقد في إحدى الدول الأعضاء في المنظمة بإشراف من فرنسا. وتتمخض هذه المؤتمرات عن قرارات وتوصيات تُتّخذُ لها لجان خاصة لمتابعتها وتنفيذها. وقد عقدت (الفرنكوفونية) حتى الآن سبعة مؤتمرات على مستوى رؤساء الدول والحكومات، وفيما يلي سرد تاريخي موجز لتلك المؤتمرات: ١- مؤتمر فرساي (١٩٨٦م) : انعقد المؤتمر الأول للفرنكوفونية في مدينة فرساي بفرنسا في الفترة من ١٧ حتى ١٩ فبراير ١٩٨٦م بحضور ٤٢ دولة، ومن أهم القرارات التي تمخض عنها هذا المؤتمر ما يلي: ١- تأسيس وكالة دولية للتصوير التلفزيوني. وقد عرفت هذه الوكالة بعد إنجازها بقناة TV٥ التي تغطي مناطق إفريقيا السوداء وجنوب أمريكا حيث توجد شعوب تتكلم الفرنسية. ٢- إقامة معرض دولي للكتاب الفرنسي كل سنتين في العاصمة الفرنسية باريس. ٣- تنظيم جائزة باسم الفرنكوفونية. ٤- تأسيس وكالة زراعية لمساعدة دول الصحراء. ٢- مؤتمر كيبيك (١٩٨٧م) : عقد المؤتمر الثاني للفرنكوفونية في (كيبيك) في الفترة من ٢ حتى ٤ سبتمبر ١٩٨٧م. وقد شاركت في هذه القمة ٤١ دولة، و١٦ منها على مستوى الرؤساء و١٠ دول على مستوى رؤساء وزراء، و١٥ دولة على مستوى مندوبي حكومات. وفي هذه القمة تم اتخاذ خمسة قرارات للتعاون في مجال الزراعة والطاقة والثقافة واللغات والاتصال والتكوين التكنولوجي. كما قررت كندا في هذه القمة إعفاء ديونها المترتبة على سبع دول إفريقية في جنوب الصحراء والبالغ قدرها (٢٤٦) مليون دولار أمريكي، وقد شملت كلاً من السنغال وكوت ديوار وغابون وزائير ومدغشقر والكونغو والكاميرون، على الرغم من عدم انضمام الكاميرون إلى منظمة الفرنكوفونية في ذلك الوقت. ٣- مؤتمر دكار (١٩٨٩م) : عقدت القمة الفرنكوفونية الثالثة في العاصمة السنغالية دكار في الفترة من ٢٤ حتى ٢٦ مايو ١٩٨٩م بحضور ٤١ دولة، ١٧ منها على مستوى الرؤساء، و٩ على مستوى رؤساء وزراء، و١٥ على مستوى مندوبي حكومات. وقد حضر الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران هذه القمة، وأعلن فيها عن إعفاء فرنسا ديونها المستحقة على خمس وثلاثين دولة إفريقية، وهي ما يعادل ستة عشر مليار فرنك فرنسي، ومن أهم نتائج هذه القمة ما يلي: ١- تأسيس صندوق الفرنكوفونية للبيئة. ٢- وضع فكرة تأسيس المنظمة الزراعية لدول الصحراء موضع التنفيذ. ٣- ابتداء بث القناة الدولية TV٥ القناة الفرنسية C. F. I في إفريقيا. ٤- إنشاء بنك المعلومات الفرنكوفونية. ٥- إعلان فرنسا عن تقديم المساعدة للدول الفرنكوفونية بقيمة (٢٣٧) مليون فرنك فرنسي في السنة. ٦- توقيع كندا على وثيقة لتقديم المساعدة للدول الفرنكوفونية بقيمة (٢٨٠) مليون فرنك فرنسي خلال سنتين ونصف. ٤- مؤتمر باريس (١٩٩١م) : عُقدت القمة الفرنكوفونية الرابعة في العاصمة الفرنسية في الفترة ما بين ١٩ حتى ٢١ نوفمبر ١٩٩١م، بحضور ٤٥ دولة، ٢١ منها على مستوى رؤساء الدول، و١٣ على مستوى رؤساء وزراء، و١١ دولة على مستوى وفود حكومات. وقد تميزت هذه القمة عن سابقاتها بالتركيز على إعادة هيكلة منظمة الفرنكوفونية وتنظيمها داخلياً. ومن أهم نتائجها ما يلي: ١- اعتبار القمة الفرنكوفونية التي تعقد كل سنتين أعلى سلطة في المنظمة، ويليها مؤتمر الوزراء الذي يعقد كل سنة. ٢- تأسيس (المجلس الدائم للفرنكوفونية) .. C. P. F. ويضم هذا المجلس ممثلين لرؤساء الدول الأعضاء في المنظمة، ويجتمع مرتين في السنة لمتابعة ومراقبة تنفيذ القرارات الصادرة عن مؤتمر الفرنكوفونية. ٣- اعتبار (وكالة التعاون الثقافي والتقني) A. C. C. T. الجهة الفنية المختصة بتقديم المساعدات في إطار الفرنكوفونية. ٤- تأسيس هيئة قانونية تختص بالشؤون المالية القانونية للفرنكوفونية، وتزويد الدول الأعضاء فيها باللوائح والدراسات القانونية وخاصة في مجال القضاء ونظام الأسرة، مما يمكن الدول الفرنكوفونية من الاعتماد على نصوص قانونية موحدة، وقد جاء هذا الاقتراح من كندا. ٥- إعلان كندا عن تزويد الدول الفرنكوفونية بمنح دراسية باسم الفرنكوفونية تقدر بخمسين مليون فرنك فرنسي سنوياً وتستمر لمدة خمس سنوات؛ وذلك لإتاحة الفرصة لثلاثمائة وخمسين طالباً ينتمون إلى الدول الفرنكوفونية لمواصلة الدراسة في الجامعات الكندية. ٥- مؤتمر موريس (١٩٩٣م) : عقدت القمة الفرنكوفونية الخامسة في موريس في الفترة من ١٦ حتى ١٨ أكتوبر ١٩٩٣م بحضور ٤٧ دولة، ١٩ منها حضرت المؤتمر على مستوى الرؤساء، و١٣ على مستوى الوزراء، و١٥ على مستوى وفود حكومات. وهي آخر قمة فرنكوفونية حضرها الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، كما مهدت هذه القمة لفكرة تخفيض عملة الفرنك الإفريقي. ومن بين التوصيات الصادرة عنها ما يلي: ١- حث الدول الإفريقية على تطبيق الديمقراطية ونظام التعددية الحزبية تأكيداً لقرارات (بول) الفرنسية. ٢- العمل على إقرار السلم في العالم. ٣- العمل على تجسيد التعاون بين الدول الفرنكوفونية. ٤- تخويل (المجلس الدائم للفرنكوفونية) . C. P. F سلطة خاصة لرسم سياسة الفرنكوفونية في العالم. ٦- مؤتمر كوتونو (١٩٩٥م) : أما القمة السادسة للفرنكوفونية فقد عُقدت في عاصمة جمهورية بنين (كوتونو (في شهر ديسمبر ١٩٩٥م، وهي أول قمة فرنكوفونية حضرها الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك بوصفه رئيساً للجمهورية الفرنسية، حيث كان يحضر المؤتمرات الفرنكوفونية السابقة بصفته رئيساً للمنظمة العالمية لرؤساء بلديات الدول الفرنكوفونية (A. I. M. L. F.) . وقد قررت هذه القمة اعتماد المشروع الذي قدمه المجلس الدائم للفرنكوفونية بخصوص سياسة هذه المنظمة طبقاً للتوصيات الصادرة عن مؤتمر موريس سنة ١٩٩٣م، كما قررت اختيار أمين عام للفرنكوفونية في دورتها السابعة التي ستعقد في فييتنام. ٧- مؤتمر هانوي (١٩٩٧م) : عقدت القمة السابقة للفرنكوفونية في (هانوي) بفييتنام سنة ١٩٩٧م. وفي هذه القمة ظهرت الفرنكوفونية في وجه جديد؛ حيث تم اختيار أول أمين عام لها وهو الدكتور بطرس بطرس غالي على حساب بقية المرشحين الأفارقة وغير الأفارقة بقرار من فرنسا. ولم يأت اختيار بطرس غالي أمينا عاماً للفرنكوفونية عفوياً؛ فهو من أشد الناس ولاء للعلمانية والتغريب، وقد جربه الغرب (النصراني والعلماني) فترة توليه منصب الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، وكانت فترة حالكة ترجمت فيها أمم الغرب فعلياً عداوتها للإسلام وأهله، كما أن فرنسا قد ثأرت من الولايات المتحدة بنصب بطرس غالي على رأس الفرنكوفونية بعد الضغوط الأمريكية التي أدت إلى تنحيته عن منصب الأمين العام للأمم المتحدة. وبناء على السلطات المخولة للدكتور بطرس غالي بصفته أميناً عاماً للفرنكوفونية فقد أصبح المتكلم الرسمي باسم هذه المنظمة وممثلها الشرعي لدى الهيئات والمحافل الدولية، وصار يوقع على جميع الاتفاقيات المبرمة بين وكالة التعاون الثقافي والتقني (A. C. C. T) الجهات الأخرى، كما يشرف على نشاطات هذه الوكالة بالتعاون مع مفوّض رسمي من قبل المجلس الوزاري للفرنكوفونية (C. M. E.) . مخاطر الفرنكوفونية: تكمن في منظمة الفرنكوفونية مخاطر جسيمة على العالم الإسلامي، وتتمثل في الأمور التالية: ١- سعيها لإحلال القوانين المستمدة من الفكر العلماني محل القوانين المحلية في الدول الأعضاء التي معظمها دول إسلامية ذات صلة بتعاليم الإسلام؛ فقد تضمنت التوصيات الصادرة عن القمة الفرنكوفونية الرابعة ضرورة تأسيس هيئة قانونية تزود الدول الفرنكوفونية بلوائح ودراسات قانونية في مجال القضاء ونظام الأسرة لتمكين هذه الدول من الاعتماد على نصوص قانونية علمانية موحدة! ٢- نشر اللغة الفرنسية مع محاربة اللغات المحلية وخاصة العربية الفصحى في الدول الأعضاء في الفرنكوفونية. ويقام في باريس كل سنتين معرض دولي للكتاب الفرنسي، كما تنظم جائزة عالمية باسم الفرنكوفونية. ٣- ممارسة الغزو الفكري وعملية غسل المخ من خلال إنشاء جامعة فرنكوفونية عالمية عبر الفضاء. ٤- خلخلة القيم الدينية والأخلاقية في البيئات الإسلامية وتوجيهها نحو الحياة الاجتماعية الغربية الفاسدة من خلال البث التلفزيوني المباشر عبر قناة TV٥ وقناة C. F. I. ٥- تشتيت شمل المسلمين، وبث الخلافات بين الدول الإسلامية بسبب موالاة بعضها لمعسكر الفرنكوفونية ضد البعض الآخر الموالي لمعسكر الكومنولث البريطاني، مما يحول دون تحقيق وحدة حقيقية بين هذه الدول. وخير شاهد على ذلك ما تعانيه منظمة الوحدة الإفريقية في داخلها من صراع حاد بين هذين المعسكرين.

стр. 2855

مرصد الأحداث لماذا المرصد ... ؟ في هذه الزاوية، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من ... الأقوال والأحداث والمواقف.. ننقلها كما هي من مصادرها دون تصرف إلا في وضع العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... والدعوة مفتوحة لقرائنا الكرام أن يرسلوا إليناما يرون أنه جدير بلفت اهتمام المسلم لما خلف الخبر، على أن يرسل لنا أصل الخبر ومصدره مع التعليق والاسم. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - جهاد المسلمين في الفلبين ما زال مستمراً بينما كانت الحكومة الفلبينية الصليبية مشغولة في الاحتفالات بمناسبة تنصيب الرئيس الجديد جوزف ايسترادا وتوليه زمام الحكم في غرة شهر يوليو الجاري في هذه البلاد التي تفتخر دائماً بأنها الدولة المسيحية الكاثوليكية الوحيدة في الشرق الأقصى، قامت القوات المسلحة الفلبينية بهجوم مكثف على مواقع المجاهدين في حدود المناطق الإسلامية المحررة ابتداء من مساء يوم الأحد الرابع من شهر ربيع الأول (٢٨ يونيو ١٩٩٨م) واستمرت المعركة إلى اليوم التالي، وتصاعدت في يوم الثلاثاء السادس من ربيع الأول (٣٠ يونيو ١٩٩٨م) وفي هذا اليوم بالذات أدى رئيس العدو الجديد جوزف استرادا حلف اليمين حيث يبدأ توليه لمهام رئاسة الفلبين في اليوم التالي (يوم الأربعاء غرة شهر يوليو) وإضافة إلى ما ذكر: فإن هناك مواجهات مسلحة أخرى بين المجاهدين والقوات المسلحة الصليبية في أماكن متفرقة في منطقة مورو. وعلم من مصدر موثوق أن عدداً من رجال العدو قتلوا وأصيب بعضهم ودمرت بعض مدافعهم ومراكزهم في مرتفعات منطقة بيناباي؛ وأما المجاهدون فقد أصيب بعضهم بجروح خفيفة. أما في بلدية بيجكاويان في محافظة كوتباتو الشمالية فقد دارت معركة بين فصيلة من فصائل المجاهدين في هذه المنطقة يوم السبت (١٠ ربيع الأول ٤ يوليو (ومجموعة من الجنود الصليبيين وقتل خلال المعركة جنديان صليبيان، وأصيب ثلاثة منهم، واستولى المجاهدون على أسلحة القتيلين والجرحى، وأما المجاهدون فقد استشهد أحدهم كما استشهدت زوجته التي كانت تنقل الطعام والماء إلى المجاهدين أثناء المعركة. [لجنة الإعلام الخارجي لجبهة تحرير مورو الإسلامية ١١/٣/١٤١٩هـ] لا لتحويل قبر الشعراوي لمزار اعترض عدد من علماء الأزهر في مصر على بعض الممارسات التي حدثت حول قبر الشخ محمد متولي الشعراوي؛ حيث أخذت أعدادٌ من أهل القرى المجاورة لقريته في التوافد على القبر حاملين معهم أوراقاً ورسائل موجهة إلى الشيخ رحمه الله قاموا بإلقائها داخل المقبرة، وقام بعضهم بذبح الذبائح على سبيل النذر؛ وذلك وسط تكهنات بتحويل القبر إلى مزار كبير بعد أن أعلنت المشيخة العامة للطرق الصوفية في نعيها للشيخ أنه أحد أولياء الله الصالحين وأصحاب الكرامات الكبيرة وأنه لا يقل شأناً عن الأقطاب الكبار في تاريخ الصوفية، وقد طالب بعض زوار القبر بالاحتفال بمولد الشعراوي في منتصف إبريل من كل عام وقال فضيلة الدكتور حمدي البربري أستاذ الشريعة في جامعة الأزهر: إن هذه السلوكيات التي ترتكبها العامة تسيء للشيخ الشعراوي ويجب التصدي لها بحزم؛ لأنها تتعارض مع صريح السنة النبوية؛ فالشيخ الشعراوي رغم فضله وعلمه الذي أفاد به الناس إلا أنه أفضى إلى ما قدم ولم يعد يملك لأحد نفعاً ولا ضراً، وقال: إن الإسلام ينهى عن اتخاذ القبور مساجد. ... ... ... ... ... ... ... ... ... [المسلمون، العدد (٧٠١) ] أدعياء التنوير والرأي الآخر قال الناقد المعروف د. عبد الحميد إبراهيم في لقاء معه: (يجب أن ننتبه إلى بعض الحقائق، منها: أنه إذا كان هناك إرهاب قد يكون سافراً أحياناً فإن هناك إرهاباً مستتراً أشد خطورة؛ لأنه يرتدي أقنعة الثقافة، ويتم تصدير بذور هذا الإرهاب عن طريق حاملي ألوية هذه الأفكار من الكتاب العرب. وأضاف قائلاً: وتسود في أوساط المثقفين الآن دعاوى تحت شعارات التنوير وهي حق يراد به باطل لكن تنويرهم لا يحتمل رأياً يناقشهم. ... ... ... ... ... ... ... [الأنباء، العدد: (٧٩٦٥) ] أحلام بكداشية المدعوة (وصال بكداش) زوجة الأمين العام السابق للحزب الشيوعي السوري (خالد بكداش) وأمينة الحزب الحالية قالت: (إن الأحزاب الشيوعية كانت موجودة قبل الاتحاد السوفييتي.. وإن العدالة الاجتماعية هاجس دائم للمفكرين والساسة الذين ناضلوا وضحوا من أجلها تحت أسماء مختلفة! ! وقالت: إن الشعب الروسي سينهض مجدداً من بين الركام وسيستعيد سيادته وكرامته بعد أن وجهت ضربة كبرى للشيوعية في روسيا. وقالت عن فشل الأنظمة البديلة عن الشيوعية: (إن ذلك ليس دليلاً على فشل الاشتراكية بل على فشل الأنظمة البديلة) . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... [الخليج، العدد: (٦٩١٧) ] تحالف أحفاد القردة وأحفاد الدببة استقبل سيرجي شيباشين وزير الداخلية الروسي الجنرال إيهود فيلك قائد جهاز الشرطة الإسرائيلية، وقالت المصادر الروسية إن الموضوع الرئيس لمباحثاته مع ضيفه الإسرائيلي تتركز حول المشاكل المتعلقة بمناهضة التطرف الإسلامي، وقال الجنرال الإسرائيلي إن بلاده تمتلك خبرة طويلة في مكافحة ما أسماه (التطرف الإرهابي) . ... ... ... ... ... ... ... [الشرق الأوسط، العدد (٧١٦١) ] نائمة (نامية) حتى الموت تقدر ديون العالم الثالث بحدود [١. ٢٥ تريليون جنيه استرليني] ، وحسب التصنيف الدولي، هناك ١٥٠ دولة تعد في لائحة الدول النامية، منها ٥٢ دولة لم تستطع تسديد ديونها، أي ما قيمته ٢٣٣ بليون جنيه، لكن ما لا يعلمه أحد هو أن كل جنيه تقدمه المنظمات والدول كمساعدات إنسانية تدفع مقابله الدول النامية تسعة جنيهات لقاء الديون. ... ... ... ... ... [مجلة المشاهد السياسي، العدد: (١٢٢) ] السجل الأسود لحقوق الإنسان بتركيا رئيس الجمعية التركية لحقوق الإنسان (أكين بروال) الذي أصيب بجروح خطيرة في محاولة لاغتياله وصف سجل حقوق الإنسان في بلاده بأنه أسود وأن أكثر من ثلاثين ألف كردي قتلوا حتى الآن، وتم تدمير ثلاثة آلاف قرية، وأجبر ٥، ٣ مليون كردي على الفرار من تركية. وقال: إنه يوجد في تركية ١٥٢ قانوناً و١١ قراراً من المحكمة و٣٧٠ بنداً في النظام القضائي تمنع جميعها من حرية التعبير وحرية الصحافة. وقدحكمت السلطة على المذكور بالسجن لمدة سنة.. ... ... ... ... ... [الشرق الأوسط، العدد (٧١٧٥) ] المصارف الإسلامية تزدهر رغم المؤامرات بلغت قيمة صناعة المصارف الإسلامية ١٥٠ بليون دولار، وهي تنمو بمعدل ١٠% سنوياً. جاء ذلك في حديث لرئيس مجلس إدارة شركة المستثمر الدولي الأستاذ (عدنان البحر) وقال: إن الصناعة المصرفية الإسلامية أقدر من غيرها على النمو والاستمرار في ظل المنافسة الدولية. ... ... ... ... ... ... ... [الخليج، العدد: (١٢٩٠٧) ] تعريب أم تغريب في مقال: (الجزائر والبحث عن الهوية الثقافية) قال الكاتب رغيد الصلح: التعريب في نظر الكثيرين مشروع يحظى بتأييد أكثرية الجزائريين، ومن هنا فإنه ليس من حق المطالبين بإعطاء جماعة أقلية جزائرية حقوقها المشروعة أن تطالب بحرمان الأكثرية من هذه الحقوق ... إلا إذا كان معارضو التعريب يريدون فرض رأيهم بالقوة على أكثرية الجزائريين بينما هم يدعون إلى احترام حقوق الأقلية منهم. ... ... ... ... ... ... ... [الحياة، العدد: (٢٩١٨) ] اللوبي الصهيوني يحكم أمريكا حقق (اللوبي الإسرائيلي) انتصاراً مهماً حين أقر الكونجرس اتفاقاً جديداً للمساعدات الأمريكية لإسرائيل، يحرم الرؤساء الأمريكيين من حقهم في تعليق تلك المساعدات أو اقتطاع أي جزء منها، وينص الاتفاق الجديد على زيادة حجم المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل مع الإبقاء على المساعدات الاقتصادية والمالية الأخرى على حالها، وبمقتضى هذا الاتفاق سترتفع المساعدات العسكرية بمعدل ٦٠ مليون دولار كل سنة من حجمها الحالي ١٨٠٠ مليون دولار حتى تصل إلى ٤، ٢ مليار دولار في السنة بحلول العام ٢٠٠٨م. ... ... ... ... ... ... [مجلة الوسط، العدد (٣٣٨) ] كلما أوقدوا ناراً كشفت الصحف الإسرائيلية النقاب عن تقارير في شعبة الاستخبارات العسكرية تتضمن تقديرات حول عام ١٩٩٩م تفيد بأنه في حالة تعطل العملية السلمية سوف تنشب صدامات مسلحة بين إسرائيل والعرب، وليس فقط مع الفلسطينيين، وجاء في التقديرات أن مجموعات في اليمين الإسرائيلي اليهودي تقوم بتجميع الأسلحة والذخيرة وترتبط في تنظيمات داخلية محكمة، تعد للقيام باعتداءت مسلحة على الفلسطينيين وربما مقاومة مسلحة لأية محاولة انسحاب من الأراضي الفلسطينية أو السورية المحتلة. ... ... ... ... ... [الشرق الأوسط، العدد (٧١٦٥) ] الرقيق الأبيض في أوروبا ذكرت دراسة أعدتها الجمعية الألبانية (مفيد النساء) ونشرت نتائجها في مؤتمر عقد في تيرانا ومنها أن أكثر من ١٤٠٠٠ ألبانية يمارسن البغاء في عدد من الدول الأوروبية. ونقلت عن مسؤولة في الشرطة الألبانية أن ما بين ٣٠ ٤٠% منهن خطفن من ألبانيا وأجبرن على ممارسة البغاء في الخارج، وأن ٤٠% منهن قاصرات. وقد أحصت الجمعية ما بين ٨ ٩ آلاف مومس ألبانية في إيطاليا بينهن ٢٥٠٠ قاصر، وأكثر من ٥٠٠٠ في اليونان بينهن ٧٠٠٠ قاصر و٢٥٠ في النمسا وأكثر من ١٥٠ في فرنسا. وأضافت الدراسة أن معظم أولئك المومسات يخضعن لشبكات من (القوادين) الذين يستغلونهن ولا يترددون في قتلهن إذا لجأن للشرطة. ... ... ... ... ... ... ... [الجزيرة، العدد (٩٤٢٥) ]

стр. 2856

قضايا ثقافية تقويم العلوم الاجتماعية المعاصرة والأسلوب الإسلامي البديل د. محمد منظور عالم [وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ولا تَنسَ نّصِيبكَ مِنَ الدُّنْيَا وأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّه إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرْضِ إنَّ اللَّه لا يُحِبُّ المفْسِدِين] [القصص: ٧٧] . في وقت يمر فيه العالم بمرحلة حرجة من التغيير الاقتصادي، والنمو السكاني، والصراعات المسلحة وموازنة القوى والأمن الوطني (في إطار تقليدي من التفكير) وعدم الاستقرار ... من جهة، والنمو التحوّلي السريع والتدهور البيئي، والطفرات التقنية العالية، وارتفاع في درجة الحرارة العالمية من جهة أخرى، أضف إلى ذلك أن القرن العشرين يودِّعنا ونحن نستقبل الآن القرن الحادي والعشرين؛ حيث تتوقع البشرية أن تعيش تغيرات هائلة في التقنية وتحوّل أعداد كبيرة من اللاجئين الاقتصاديين من المناطق الفقيرة في العالم إلى المناطق الغنية؛ فالعالم في مفترق طرق حيث يمكن أن تسيطر الفوضى وتنفصم عرى الأخوة ولا يسود العدل في المجتمع. إذن: فإن عبء التحديات والمسؤوليات يقع على كاهل العلماء الاجتماعيين عموماً والمسلمين منهم على وجه أخص؛ وحتى نتمكن من الاستيعاب الجيد للوضع فإننا نعرضه في ثلاثة أقسام: نستعرض في القسم الأول تقويماً من منظور تاريخي، وفي القسم الثاني: نتناول بعض المتغيرات التي يحتمل أن تحدث في المستقبل، أمّا في المرحلة الأخيرة: فإننا نحاول تقديم بعض البدائل. مما لا شك فيه اليوم: أن العلوم الحديثة جزء لا يتجزأ من الحضارة الأوروبية (والطريقة الغربية في الحياة) ، وهي تعكس أخطاءها وكذلك فضائلها [راريت ١٩٧٥، ص ٣٧٥] ، إن أي معالجة للطريقة في العلوم كما يقول (جوذ قلترنغ) (١٩٧٧م) (دون الرجوع للهيكل الاجتماعي الذي يشكل الأساس، إنما هو خطأ وديكتاتورية..) (ص ١١٣) . وقد أصاب (بيرقن) (١٩٨٠م) حين قال: لقد فقد العلم سلطته السابقة كمصدر مسيطر على الحقيقة، وينعكس هذا التغيير على التحليل الذي يوضح العلم كشكل ثقافي محسوس وقيمة ناقلة؛ وعلى الرغم من وجود قناعة بأهمية الأسلوب العلمي إلا أن هناك خداعاً عاماً من حيث الطريقة التي استخدم بها هذا الأسلوب العلمي وعدم القناعة بأنه هو العلاج لأمراض الإنسانية. إننا إذا أجرينا تحليلاً دقيقاً لمفهوم الطرق (العلمية) في إطار الإنسانية فربما نصل مباشرة إلى (التجريبية المنطقية والإيجابية) كما أن التعريف القياسي للطريقة العلمية التقليدية توضح أسسها الإيجابية التجريبية، والطريقة العلمية كما يعرفها (ثيرودورسان) هي: (بناء جسم من المعرفة العلمية من خلال الملاحظة والتجربة والعموميات والتحقق) . ودون الدخول إلى تفاصيل الانحيازات وتحديد (الطريقة العلمية) (التجريبية المنطقية) و (الإيجابية) فيمكن أن يقال: إنها تتجاهل وتقصي نهائياً جميع المصادر الأخرى للحصول على المعرفة وامتلاكها، وبالأخص الوحي. وهكذا يبدو أن هناك اتفاقاً عاماً اليوم على أن ظهور ذلك التقليد المنحاز من الإيجابية والتجريبية بتركيزها ذي العقلية الأحادية على تجربة الحس الإنساني، كان هو الثمرة المرّة لذلك الصراع بين الكنيسة والعلم أثناء ما يسمى بعصر النهضة وحركة التنوير الفلسفية، وفيما صمّم العلماء على الانعتاق من سلطة الكنيسة مهما كلف الأمر فقد كان يبدو أنهم قرروا (إلقاء الجنين الوليد مع ماء الغسيل) [ليفي ١٩٧٥، ٢٦١، تاولمن ١٩٧٥، ٣٧٨، إبراهيم رجب ١٩٩٣] . وكان من المؤسف أن العلماء الاجتماعيين أيضاً تبنوا ما يعرف بـ (الطريقة العلمية) عند دراستهم للإنسانية ويكفي أن نورد ما يلي: (تعد أساليب العلوم الطبيعية الوسائل الوحيدة الدقيقة للحصول على المعرفة؛ لذا ينبغي أن تقتصر العلوم الاجتماعية على استخدام هذه الأساليب وتقتدي بالعلوم الطبيعية) [ثيودورسون ١٩٦٩، ٣٠٦] . لا أحد ينكر الأثر العميق للأسلوب (العلمي) على العلوم الاجتماعية، وقد استخدمت (أساليب البحث وتعميماته مما يعكس الادعاءات المتكررة نفسها وادعاءات نظرية المعرفة [فورد ١٩٨٤] كل هذا قد جرى دون توجيه نقد حقيقي؛ فقد اختلف موضوع مسألة العلوم الاجتماعية بطريقة متميزة جداً عن العلوم الطبيعية) [ويكي ١٩٨٧، ٢٢٢] وقد كانت التأثيرات موهنة للغاية. ولسنا بحاجة إلى الاستمرار في توثيق إخفاق العلوم السلوكية والاجتماعية في فهم الإنسانية وتقويم سلوكياتها؛ لأن ذلك موثق جيداً ومعروف، وهناك نقد يوجه الآن نحو الربط بين هذه لإخفاقات؛ وفائدة تلك النظرة العتيقة للعالم والعلوم التي لا تزال تهيمن على العلوم الاجتماعية [إبراهيم رجب ١٩٩٨: ٤٨١] وقد قال (هوارد) في ذكاء لماح: (إذا امتلك الإنسان خصائص تختلف عن خصائص موضوع المسألة التي تدرس بواسطة العلوم الأخرى فعندها ربما تكون العلوم الملائمة بحاجة لأن تكون مختلفة إلى حد ما عن العلوم الموجودة الآن) [١٩٨٥: ٢٥٩- ٢٦٠] . ومن المفيد أن نذكر هنا أن الطفرة في الفيزياء وعلوم الأعصاب وعلم الكونيات وعلم النفس تؤثر في نشاط علماء الاجتماع أيضاً؛ وذلك في تغيير نموذجهم نحو ثقافتنا ومعرفتنا، يقول (كابري) (١٩٨٢) : لقد تسببت التغييرات المثيرة في المفاهيم والآراء التي حدثت في الفيزياء وفي نظرياتنا المعاصرة للمادة، في إحداث تغيير ملحوظ في رؤيتنا العالمية من الميكانيكية إلى رؤية روحانية وبيئية، وبقدر كبير من التبصر نحو طبيعة المادة وعلاقتها بالعقل الإنساني.. وقد أجابتنا رؤية العالم بالفيزياء الحديثة التي تتناقض مع مجتمعنا الحاضر. وسوف تكون هناك حاجة لشكل اجتماعي واقتصادي يختلف جوهرياً: ثورة ثقافية بالمعنى الحقيقي للكلمة [الصفحات ١٧- ١٨] . لا يسعنا المكان ولا الزمان للاستمرار في مدح التقدم المدهش الذي يحدث في مجال الفيزياء وغيرها من العلوم، فنحن نحتاج هنا لأن نتوقف لحظة لتلخيص التحليلات السابقة؛ فمن الواضح أننا نلج إلى عصر ما بعد الإيجابية في العلوم الاجتماعية، وإن النموذج الجديد يضع اعتباراً للدور المهم الذي تلعبه الظواهر الإدراكية وغيرها من الوعي الداخلي في تحديد السلوك الإنساني؛ وبهذا نجد أن: (التجريبية في مكانها الصحيح؛ بمعنى أنها واحدة من أساليب كثيرة للمعرفة) [ويك ١٩٨٧، ٢٢٣] . إننا على قناعة بأن العوامل الروحية والبصيرة الدينية فوق كل ذلك ولها موقع مهم تستحقه في المؤسسة العلمية، وسوف نتناول ذلك في القسم الأخير. نحن لا نهدف إلى الخوض في تفاصيل النمو السكاني والتطور التقني المتسارع، والطفرة في وسائل الاتصالات وفي الأموال، وظهور المؤسسات متعددة الجنسيات، والصراعات العسكرية وعدم الأمان، والتطور المذهل في التقنية الحيوية وفي تقنيات الإنسان الآلي، والطفرة الصناعية الحديثة والمخاطر التي تهدد البيئة الطبيعية، والتهديد الكبير غير العسكري للسلامة ولشعوب هذا الكوكب، ولكننا على كل حال قد نشير إلى بعض التغييرات في مجال الانفجار الديموغرافي والتطور التكنولوجي والطفرة المالية وظهور المؤسسات متعددة الجنسيات وغيرها في مقابل العدالة الإنسانية والاستقرار. هناك جدل حول مسألة زيادة السكان وتبديد الموارد بالمعدل نفسه حول العالم. ويختلف الناس بأعراقهم ومجموعاتهم في أساليب الحياة؛ وذلك كله مجتمعاً يتسبب في مسألة شائكة ذات صلة بالسياسة العالمية والمحلية والنسيج الاجتماعي وسياسات الغذاء والطاقة والهجرة. ودون الدخول في تفصيلات ما سبق فلننظر إلى الحقيقة المؤلمة وهي: أنه بحلول عام ٢٠٢٥م وعام٢٠٥٠م ربما يصل تعداد سكان العالم إلى ٨. ٥ أو ٩. ٥ بليون نسمة على التوالي وهو أمر مرعب من منظور تاريخي، فقبل عام ١٩٢٥م كان تعداد سكان العالم بليونين؛ ولكنه تضاعف عام ١٩٧٥م إلى ٤ بلايين، وفي عام ١٩٩٠م وصل التعداد إلى ٥. ٣ بلايين نسمة [الإيكونمست ٢٠/١/١٩٩٠م، ص ٩٠] . وعلى الرغم من انخفاض النمو السكاني في البلدان النامية وركوده وانخفاضه الحاد في بعض البلدان المتقدمة إلا أن عدد السكان الهائل سوف يتزايد على ظهر هذا الكوكب. ويرى معهد (مالثوزيان) للاقتصاديين والديموغرافيين أن (العبء الذي سوف يقع على هذه المدن والتي تفتقر أصلاً إلى الإسكان الملائم (أو أنه غير متوفر أصلاً) وإلى التصريف الصحي، والنقل، وتوزيع الغذاء، ونظم الاتصالات إذا تضاعف عدد السكان مرتين أو ثلاثاً ... فكيف يمكن توفير الغذاء للسكان خاصة في أوقات المجاعات؟ وماذا يحدث لتلك العلاقات الحساسة وغير الواضحة بين المدن والبلدان؟ وحتى إذا توفر الغذاء: فهل يمكن توفير الصحة والتعليم لهذه البلايين من الشباب وبعد ذلك توفير الوظائف بمعدل يمنع البطالة وعدم الاستقرار الاجتماعي؟ [كنيدي ١٩٩٣م، ص ٢٧] . وإذا أخذنا مصطلحات الاقتصاد الضخم مع القيم والمبادئ الاجتماعية الغربية فإننا سوف نواجه مشكلة حقيقية لأولئك الذين تعدّت أعمارهم الخامسة والسبعين، فإن (معدل استغلال الكبار) سوف يتسبب في معاملة غير إنسانية نظراً للاعتبارات الاقتصادية التي تدعو إلى توظيف أفضل للموارد في الصناعة والتصنيع. وربما يتفاقم الوضع بزيادة الاتصالات وبوجود المؤسسات متعددة الجنسيات، إننا نعلم أن منتجي التقنية والذين يتحكمون فيها هي المؤسسات متعددة الجنسيات التي تتزايد أحجامها واتصالاتها العالمية؛ ناهيك عن وضع الحلول للفجوة بين عالم يملك وآخر لا يملك، وربما تتسبب الهياكل المتغيرة للتجارة الدولية والاستثمار في تفاقمها [كنيدي، ص ٤٩] . ونحن جميعاً نعرف أن تطور الاقتصاد العالمي كان دائماً في مصلحة الاقتصاد الصناعي المتقدم وليس مصلحة البلدان النامية؛ ونتيجة لذلك وبعد حوالي خمسين سنة من النمو الاقتصادي العالمي الذي ليس له مثيل: يستقبل العالم القرن الحادي والعشرين بأكثر من بليون شخص يعيشون في حالة الفقر وهو رقم مخيف؛ خاصة إذا اتضح أن هذا البليون يكابد ليبقى على قيد الحياة بأقل من (٣٧٠) دولاراً في السنة. إن هذا السعي نحو الرخاء العالمي قد حدث في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه الشركات الكبيرة ذات الجنسيات المتعددة وتفاعل معها وهي التي لا صلة لها بمصالح أو قيم بلدانها الأصلية، وحيث إنها تتنافس مع غريماتها المماثلة لها في الحصول على النصيب الأوفر من السوق العالمية؛ فقد ابتدعوا استراتيجية لتوجيه الاستثمار والإنتاج من مكان إلى مكان آخر في العالم؛ وقد ساعدها على ذلك تلك الطفرة الهائلة في وسائل الاتصال والتقنيات المالية التي وفرت سوقاً عالمية للبضائع والخدمات [ب. كنيدي، ص ٤٩] . إن التحرر المالي لم يكتف بتوسيع التجارة العالمية بل فتح أيضاً مجالاً للاستثمار المباشر في التصنيع والخدمات من خلال التخصص في عملة معينة أو في أدوات مالية أخرى، إن هذا الاندفاع في تدفق رؤوس الأموال العالمية يقود إلى ظهور شيئين: إعادة ترتيب الأسواق المالية العالمية، وطفرات هائلة في الاتصالات العالمية نتيجة للتقنيات، وبدون الزيادة الهائلة في طاقات الكمبيوتر وبرامجه، والأقمار الصناعية والبصريات العصبية والكابلات والناقلات الإلكترونية عالية السرعة والأسواق العالمية؛ فلم يكن من الممكن أن تعمل في وحدة اقتصادية واحدة، كما أن المعلومات والسياسة والأفكار والتقدم الهائل الثقافي وتوجهات الاستهلاك لم يكن من الممكن توفيرها فوراً لما يزيد على ٢٠٠. ٠٠٠ مؤشر متصلة كلها بنظام الاتصال العالمي، وكل هذا حسب بعض آراء العلماء ربما يكون فقط المرحلة الأولى. ولا تكتفي المؤسسات متعددة الجنسيات بتمتعها بالمعايير الاقتصادية؛ ولكن مؤسيسها أيضاً يضعون الحماية لأنفسهم من التقلبات غير المتوقعة للعملات، ومختلف أشكال النمو الاقتصادي والتدخلات السياسية، ولن يهمهم أي نوع من الركود الاقتصادي أو تراجع معدلاته، والشركة التي ترغب الاستثمار في بضائع محظورة ببعض البيروقراطيات (خاصة في الصناعات البيوكيميائية) تستطيع أن تحوّل صناعتها إلى جزء آخر من العالم لا توجد فيه مثل هذه القوانين، والمؤسسة متعددة الجنسيات التي تقلق من الرقابة التطوعية التي تفرضها الحكومات لحماية الشركات المحلية من المنافسة المفتوحة تستطيع دوماً أن تدور حول تلك الموانع وأن تضع مشروعات داخل تلك المنطقة المحمية، وعندما يجدون ثغرة في المعوقات التي يضعها المخططون فإنهم في الأغلب يجدون فرصاً طيبة للربح، على الأقل في السنوات الأولى للسوق التي استطاعوا دخولها حديثاً [ب. كنيدي، ص ٥١] . لقد اشتهرت العالمية كثيراً ولكنها في الحقيقة ذات آثار عكسية على المصلحة الوطنية والسوق المحلية وعمل العمال والمحليات التي تنكمش فيها العمالة الماهرة. ومن الواضح أن الطفرة في علم التقنية الحيوية تتضمن احتمالاً لإعادة توزيع أماكن إنتاج المحاصيل الزراعية (أو بدائلها) خارج العالم النامي؛ مما يتسبب في تدهور الموقف التجاري والدخول في ديون، والاعتماد بشكل عام على الأقطار الغنية، وهكذا فإن من غير الواضح مدى استطاعة المجتمعات العالمية على معالجة النتائج الاقتصادية والاجتماعية ذات الحجم الكبير عندما تتحول إلى الزراعة بالتقنية الحيوية وكذلك معالجة الأغذية) [ص، ٨١] . ولنوجز هذا القسم في أن الانفجار الديموغرافي مع التطور السريع في التقنية في مجالات الاتصالات والمؤسسات المالية والمستوى الراقي للتقنية في مجال الزراعة من خلال التقنية الحيوية واستخدام الآلات سوف يتسبب في مشكلة خطيرة لبقاء الجنس البشري. إن البطالة والوظائف والنسيج الأخلاقي مسؤوليتنا؛ وواجبنا أن نتناول هذه القضايا بالمناقشة والبحث حتى نجد لها الحلول.

стр. 2857

منتدى القراء غداً سنكون كما نحب جمال الدين عبد الرحيم سَلِمْتَ وإن شابه اليومُ أمسا ... ونِلْتَ السعادة جسماً ونفسا وما بي غرورٌ ولكنّ عصري ... بشيرٌ بنصرٍ قريبٍ ومرسَى وقد آنَ أن نرتوي باليقين ... نعيدُ لإسلامنا الحرِّ قوسَا ونطردُ عنا خُنُوعَ الليالي ... ونبعثُ في الناس روحاً وبأسا ونسقي العِدا من صنوف المنايا ... ونهرِ الهزيمةِ كأساً فكأسا (كنانتنا أتخمت بالسهام) ... وبأس المهيمن أقوى وأقسى ويلتئم الشملُ شملُ الأباة ... وكيدُ الطغاة لنا كان درسا ويجمعنا عند داعي الجهاد ... ضمير يحرك قلباً ورأسا ونقتلعُ الشوكَ شوكَ الطغاةِ ... وحبُ الفضائل يصبحُ غَرسا وبين جوانِحنا معجزاتٌ ... ودمعٌ غزيرٌ إذا الليل أمسى وسوف نجدد عهد التآخي ... وتصبح أيامُنا الدهرَ عُرسا ونصبح للحق جنداً وأهلاً ... بتمكين ربي فنُبعثُ شمسا وننعمُ بالخير دوماً لأنّا ... نسيرُ مع الحق معنىً وحِسّا

стр. 2858

منتدى القراء إنما تؤخذ الدنيا غلابا عبد الرحمن التركي الحق والقوة هما السبيل للحصول على الحقوق، والضعيف ولو كان صاحب حق فإنه يبقى ضعيفاً وربما أخذ حقه. ومما يذكر على سبيل التندر المثل المعروف: (أوسعتُهم سباً وساروا بالإبل) ذلك المثل الذي يحكي مهزلة الأعرابي الذي بعثته أمه ليرعى الإبل فأخذها العدو فوقف يسب ويشتم اللصوص حتى تعب لسانه وذهبوا بالإبل؛ وهو عين ما حصل لفلسطين حينما سرقها يهود بمعاونة إخوانهم النصارى. إن الذين ملأوا الدنيا شجباً وهجاءاً لليهود ثم ناموا، بينما اليهود استقروا في فلسطين، أدخلونا في مأساة يا لها من مأساة؛ فماذا ينفعنا أن تمدحنا جرائد العالم بأننا طيبون ومهذبون بينما يهود يرتعون في مسرى الرسول ﷺ . إن المسجد الأقصى وفلسطين حق صريح للمسلمين؛ لأنها أرض إسلامية ولا ينبغي أن نتنازل عن شبر منها لمخلوق؛ لأن في ذلك تنازلاً عن حقنا وشرفنا؛ وما كان دين الإسلام أبداً دين ذلة وخنوع. فإلى متى نقبل بتعالي يهود وتسلطهم على مقدراتنا؟ وحتى متى نرضى بالذل؟

стр. 2859

عفوًا أستاذي ساير هليل المسباح عذرًا أيها الأستاذ الفاضل، فما كانت الكتابة يومًا سبيلي في التعبير، ولم ألجأ إليها إلا بعد أن سدت أمام طرق هي أولى وبالبيان أحرى. طالما نظرت إليك بعين الإكبار والاقتداء، فلا تجعلني أنظر إليك بعين ملؤها الإهمال والازدراء، ولا يكن قبولي لك القبول المبطن بالرفض. أيها الأستاذ: لست ناكرًأ جميلك يوم دللتني على طريق الخير وقدتني إلى درب الهداية، فأشرقت أركان قلبي، وابتهجت كل ذرة في كياني، أشكر لك ذلك وأرجو لك الخير في صلواتي ودعواتي. فقد قمت بدورك فأحسنت العمل حين انتشلتني من طرق الضلال في وقت لم أجد توجيهًا لا من قريب بعيد، فجئت أنت في وقت تاه وانجرف كثير ن زملائي وأقراني مع تيار الحرية الضالة، والركض خلف الشهوات المؤقتة، ولا زلت أذكر تلك الأوقات التي كنت فيها تأخذني من يدي ناصحًا، وتطوف بي بعيدًأ عن الناس وانحرافاتهم بينما كان زملائي ييممون الطرف يحثون الخطى نحو ملهى أو مسرح. هم القليل مثلي الذين سعدوا بأستاذ مثلك عرف الحق فدل عليه، وعلم الباطل فحذر منه، وأخرج فتية مؤمنين يكملون الدرب، ويحملون مشعل الهداية، غير أني اليوم أيها الأستاذ لم أعد ذلك التلميذ المراهق، ولا ذاك الصبي الطائش الذي تخاف عليه خوف الأمس، إني زوج وأب ورب عمل، فلا تلمني إذا خالفت لك رأيًا، ولا تغضب مني إذا لم أوافقك في كثير مما تفعل، فأنت قد اخترت طريقك في العمل فدع لي طرقًا أخرى لعلي أن أكون فيها أجدى وأنفع. أيها المربون الفضلاء: أقولها بكل صراحة: أرفض الوصايا حتى لا أكون نسخة منك؛ إني لا أخالفكم في الهدف إن لم يكن في طريقي إثم ولا خطأ، والجنة واحدة والأبواب ثمانية، أو لم تقل لي يا أستاذي الفاضل: لكل زمن دولة ورجال؛ فاجعلني من رجال هذا الزمن، وأنا تارك لك ما مضى، ولست بمزاحمك فيه وأرجو أن يكون كلانا على خير.

стр. 2860

منتدى القراء يا خير جيل (أبيات في مدح الصحابة ﵃ محمد الحوفي يا خير جيل على الأرض التي بسطت ... ما سار مثلٌ لكم في البر والبحَرِ يا خير جيل لكم فضل وسابقةٌ ... كالنجم يعلو وباقي الناس في الحُفَرِ فرسان حربٍ إذا ما الحرب قد حميت ... رهبان ليلٍ إذا ما جُلْتَ في السّحَرِ صدقتم الله حقاً حيث صدقكم ... من فوق سبعٍ ويكفي ذاك من فِخَرِ يا خير جيل صحبتم خير من وطئت ... أقدامه الأرض في حلٍ وفي سَفَرِ إن القلوب لها شغلٌ ومشغلة ... بجنةِ الخلد لا بالبهم والبقرِ هم الذين لشرع الله قد حملوا ... هم الهداةُ بآي اللهِ والسورِ

стр. 2861

منتدى القراء بُشرى سبيكة سلمان آل خليفة هذه كلمات من القلب كتبتها تحية لإحدى البنات عندما أتمت بفضل الله حجابها: وأوصيتها بتقوى الله في السر والعلن، والدعاء فإنه سلاح المؤمن، وبالتزود بالعلم الشرعي وسير الصحابة.. والتمسك بتلاوة القرآن الكريم؛ فإنه العروة الوثقى المنجية في خضم الحياة المليئة بالفتن.. فأهلاً يا أخية! سيري على درب الهدى بسلامٍ ... وبنور هادي الخلق للإيمانِ بشرى تُزف لمسمعي يا طيبها ... من لحظةٍ غابت بها أحزاني بشرى بأخت تنضوي للوائها ... وتعود عودة مؤمن ندمانِ بشرى تُزف لمسمعي أهلاً بها ... كوميض نور في دجى الحيرانِ يا مرحباً بطوالع الخير الذي ... يبني لنا مجداً على الأركان بك يا سليلةَ خولةٍ وسميةٍ ... نرقى العُلا ونَجِدّ في البنيانِ فاسقي شباب الله ديناً ناصعاً ... برئت معالمه من البهتانِ كوني له صدراً يَدُرّ عقيدةً ... للروح تقوية وللأبدانِ تهبين للإسلام جيلاً صامداً ... يجلو الظلام بهمة وتفاني ولنا بعزمك يا ابنة الإسلام ... آمال تمزق كل ذاك الفاني وتعود أمتنا تقود بعزةٍ ... وبسنة المبعوث من عدنانِ بمشاعل التنزيل تحدو عالماً ... تاهت لديه معالم الفرقانِ

стр. 2862

منتدى القراء الحَوَل الفكري في تقويم الرجال وعواقبه محمد نجيب لطفي من الإشكاليات الفكرية المعاصرة إشكالية الحَوَل الفكري في تقويم الرجال، وما يترتب عليها من آثار سيئة وعواقب وخيمة. والناظر في أحوال المسلمين في هذا العصر يرى عجباً في هذا الصدد؛ فعند القوم يستوي الواعظ قليل العلم البعيد عن التأصيل الشرعي مع عالم شرعي تبحّر في علوم الشريعة وبلغ فيها مبلغاً، وكذلك يستوي الأديب صاحب الإنتاج الأدبي الضحل مع المفسر البارع والأصولي المحقق والمحدث الحجة. بل ربما تنفرج زاوية الحول الفكري فيصبح الواعظ قليل العلم أعظم عند القوم من العالم الشرعي المتبحر في علوم الشريعة، ويصبح كذلك الأديب الضحل أسمى من المفسر البارع والأصولي المحقق والمحدث الحجة. ويستوي كذلك المعتزلي صاحب العقيدة الكلامية الأشعرية مع السلفي المنتمي إلى عقيدة السلف عقيدة أهل السنة والجماعة. ويستوي المتمذهب المتعصب مع من يأخذ بالدليل ويجله وييمم شطره. بل ربما يستوي الصوفي القبوري مع صاحب عقيدة خالية من الشرك بكل صوره وألوانه. وهناك الكثير من هذا، وعواقب ذلك وخيمة جداً، منها على سبيل المثال: ١- عدم وضوح صورة الأنموذج الأمثل الذي يجب أن يكون محل القدوة والأسوة بالنسبة لسائر المسلمين. ٢- الظلم البين الواقع على العلماء الربانيين حيث يُهضمون ويُنتقص قدرهم وتُضيّع حقوقهم وكذلك حرمان الناس من علمهم وورعهم. ٣- ظهور جيل مشوش الفكر مفتقد الثقة. ولذا يجب أن يكون الأمر كما يلي: ١- تقويم الرجال كما ينبغي دونما حرج، ولعل في علم الجرح والتعديل وكتب الرجال خير دليل على ذلك. ٢- إعطاء كل ذي حق حقه، وعدم تلميع الأشخاص، وعدم الانبهار كذلك بهم كما يحدث كثيراً. ٣- إبراز منهاج السلف، وتقويم الأمور كلها وفق ما يقتضيه ويلزمه. ونأمل أن تعتدل الموازين قريباً في هذا الأمر الخطير جداً. [وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ] [الأحزاب: ٤]

стр. 2863

منتدى القراء سلام الله أبعثه إليكم عبد الله سعد الغانم سلام الله أبعثه إليكم ... فأنتم إخوتي خير الصحاب نؤمل فيكم أملاً كبيراً ... فسيروا في الطريق بلا هياب كتاب الله دستورٌ عظيمٌ ... به نهدي إلى سبل الصواب به الآدابُ والأخلاقُ طراً ... وتمجيدٌ لخالقنا المهاب تحلوا بالفضائل واستقيموا ... وإن كان التفرنج كالعُباب وكونوا قدوة في الخير تعلوا ... على الأقران بل كل الشباب وجدّوا في طريق العلم حتى ... تنالوه وتحظوا بالثواب شباب الدين أمتكم تنادي ... فلبوا ذا النداء بلا ارتياب حماكم ربي الرحمن دوماً ... من الأشرار بل كل الذئاب

стр. 2864

الورقة الأخيرة هواة التقويم ... وهواة جمع الطوابع عبد العزيز السعدي تكثر سهام الانتقاد والتأنيب من الباحثين والتربويين تجاه العديد من الاهتمامات الوضيعة من جهة، وتجاه أصحابها ومحترفيها على مختلف ميولهم وأعمارهم من جهة أخرى، كهواية جمع الطوابع، وتربية الكلاب، والمراسلة، وغيرها من تلك الهوايات والاهتمامات التي تشترك في غير ما هدف مع ضيق النظر وسطحية التفكير. وهذه الاهتمامات بطبيعة الحال لا تحتاج إلى شاهد من غير أهلها يشهد عليها بالسفافة والتفاهة.. بل كفى بها شهيداً على حالها، والحق كل الحق مع من تعرض لها في نقده وبين تفاهة مقاصدها، بالإضافة إلى وضوح أن احترافها والانكباب عليها عديم الجدوى؛ فهذه الهوايات لا تنفع ولا تفيد الأمة بشيء.. ولا تتكفل بتوجيه طاقات أبنائها توجيهاً صحيحاً نافعاً يكفل العطاء والنتاج المنتظر، إنما هي قتل للإبداع، وبعثرة للجهود، وكبكبة لقوالب التفكير، ودناءة ووضاعة في اتجاهات النظر لدى أبناء الأمة. ومما يجدر النظر إليه أن هناك هوايات أخرى وأؤكد على أنها هوايات لا تتعدى ذلك المسمى بأي حال من الأحوال قد بدأت بالانتشار والذيوع بين عدد من الشباب الذين يظهر عليهم طابع الخير والاستقامة، وأصبحت تشغل مجالسهم وأوقاتهم كثيراً، وتدير دفة الحديث بين أفرادهم على مستويات مختلفة.. وهي في الحقيقة لا تختلف كثيراً في منطلقاتها وأهدافها وركائزها عن هواية جمع الطوابع والمراسلة. ولتلمح أخي القارئ عنوان المقالة مرة أخرى! نعم.. لعلّي لا أبالغ حين أصفها بأنها هواية ... وكم من هواية قد جرّت إلى غواية.. وكم من هادٍ احترف هوايته فأصبح غاوياً لا هادياً.. ومن هذه الهوايات المفخخة التي لا تكلف صاحبها جهداً إلا تقليب اللسان في حنكه: هواية التقويم ... تقويم الأشخاص والعلماء والمناهج وكل ما من شأنه أن يُقَوّم. لا جدال أبداً على أن التقويم رادف مهم.. بل وسندٌ رئيس لتسير عجلة الصحوة على بصيرة في الوجه المطلوب وعلى المسار الصحيح ... ولكن أي تقويم نعني؟ وأي تقييم نريد؟ إنه التقويم العلمي المنضبط المدروس ... لا تقويم الهواية.. وهذا النوع من التقويم أعني المنضبط يعتمد على ضوابط كثيرة ليس مجال عرضها مثل هذا المقال، بل ولا ينبغي أن يعرضها من هو مثلي، قال الإمام الذهبي: الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامّ المعرفة تام الورع، (ميزان الاعتدال ٣ /٤٦) وإن كان من أهمها الإخلاص لله في النقد والتقويم، ومن ثم وجود عدة النقد عند المقوّم، ووجود مسوغ التقويم، بل وصياغته بعبارات منضبطه لا تزيد شيئاً في حق المقوّم أو تنقصه.. إلى غيرها من الضوابط التي لا تجد رائحتها في تقويم الهواية فضلاً على أن تلاحظ أسسها وركائزها فيه. إنه حين تنعدم تلك الضوابط عند المقوّم فإنه يتحول إلى هاوٍ.. وأي هاوٍ ... يكيل المدح لفلان بمكاييله، ويكيل الذم لفلان بمكاييله، ويطري فلاناً وينتقد فلاناً.. وربما لا يكون ذلك المقوم الهاوي قد بلغ قيد أنملة من فضل فلان المقوّم، فليته قد جمع الطوابع أو انشغل بتربية الطيور فأراحنا وأراح نفسه من ذلك العناء. مهلاً هواة التقويم وغواته؛ فأنتم لستم ببعيدين عمن جمع الطوابع إن لم تكونوا أهدر منهم للوقت! فمن جمع الطوابع فإنما وزره على نفسه ... وأنتم قد انتقلت آثار أوزاركم إلى غيركم ممن جرحت كبرياءَه وعطاءَه وطهارتَه ألسنتُكم ... [وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (١) الَذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإذَا كَالُوهُمْ أَو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ] [المطففين: ١-٦] .

стр. 2865

جمادى الآخرة - ١٤١٩هـ أكتوبر - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2866

كلمة صغيرة المعارضة للمعارضة في دول العالم الذي يعدونه متحضراً يوجد ما يسمى بالمعارضة التي عادة ما تحمل تصورات ومنطلقات تتباين مع الحزب الحاكم لكنها تعمل في نسق ديمقراطي لخدمة البلاد وعمل كل ما من شأنه توجيه الحزب الحاكم لما يعود على بلادها بالنفع والفائدة. وربما يستفيد الحزب الحاكم من طروحات المعارضة لتصحيح الأوضاع وتصويب الآراء، وعادة ما تكون العلاقة سائرة على وتيرة متناغمة وفي إطار الصالح العام. لكن المعارضة فيما يسمى بالعالم الثالث أو على الأخص عالمنا العربي والإسلامي نجدها أوطأ ما تكون في أساليب عملها الذي لا تتورع معه عن أن تورط من يعارضون في كثير من المشكلات، وربما وضعت يدها مع العدو الخارجي الذي قد يخالفها في المبادئ والمنطلقات، وربما صارت (طابوراً خامساً) يعمل للتفجير والتدمير. ونجد المعارضة في السودان تمثل هذا التوجه بكل عمالته ووقاحته إلى حد أنها حاربت بلادها ووضعت يدها بيد عدو صليبي معروف بعداوته للأمة ولدينها ولمبادئها؛ وها هم بكل صفاقة يؤيدون العملية الأمريكية الظالمة بضرب مصنع الشفاء للأدوية بدعاوى لا يؤيدها أي دليل، بل إن كل الشواهد تدل على كذب الأمريكيين بأن المصنع مخصص لصنع أسلحة كيمياوية، بل بدأت الحقائق تظهر أن هناك غربيين شاركوا في تأسيس ذلك المصنع ومنهم أمريكي وبريطاني أنكرا التهمة التي بموجبها ضُرب المصنع. ولكن حينما نعرف من هي المعارضة السودانية في رموزها من عُبّاد السلطة ومصاصي دماء الشعب السوداني ونعرف مواقفهم العلمانية من الإسلام وصلاتهم المشبوهة مع أعدائه لا نستغرب أن يكونوا بتلك العقليات التي تضحي في سبيل الحكم بكل المبادئ والقيم. وقريباً من موقف المعارضة السودانية كان هناك موقف مشابه ولكنه أغرب وهو موقف المعارضة الأفغانية، لكونه موقفاً يصدر من مجاهدين سابقين، فهل لأجل (بغض الطالبان) يُتغاضى عن جرائم الأمريكان؟ !

стр. 2867

الافتتاحية حرب القرن القادم .. وراء افتعال علاقة بين الإسلام والإرهاب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فمنذ سنوات قلائل، والدعوات والصيحات تخرج من الغرب مبشرة بصراع قادم لا محالة ... وظلت التصريحات تتناثر هنا وهناك محذرة من (الأصولية الإسلامية) باعتبارها العدو الأول للحضارة الغربية بعد زوال الشيوعية. وجرى في الوقت ذاته ربط مريب بين ثلاث مفردات، لتصبح ذات مدلول واحد في النهاية وهي: (الإسلام الأصولية الإرهاب) وليتم التسلسل التلقائي بينها وتتعود عليه الأفهام والأسماع؛ فالتمسك بالإسلام: يعني الأصولية، والأصولية: تعني الإرهاب! ولسنا في حاجة الآن لاستعراض الدلائل على هذا الربط المتعمد؛ لأنها أكثر من أن تحصى. وعلى إيقاع دوران الآلة الإعلامية الغربية لإتقان تلك المعزوفة؛ كانت آلات الإعلام العربي تكرر الأنشودة السمجة ببلاهة وبلادة حيناً، وبخبث ومكر أحياناً.. وظلت النغمة النشاز تتعالى شيئاً فشيئاً، حتى عدنا لا نسمع لهؤلاء حديثاً عن الإسلام إلا قليلاً ولكن نسمع عن الأصولية الإسلامية.. ومع الوقت قلّ الحديث عن الأصولية ليحل محلها: الإرهاب؛ لتكون تلك الكلمة هي المرادف المباشر لـ (الإسلام) ! حتى إذا كاد (المصطلح) أن يستقر، بدأنا نسمع عن السعي لخطوات عملية للاستعداد لدخول الصراع القادم ... مع الإسلام؟ ! لا لا ... مع الإرهاب! وأصبح كل عدو لدود يقول: نحن لا نحارب الإسلام، بل نحارب الأصولية.. لا بل نحارب الإرهاب. وعلى هذا الزعم بدأت الحرب بصورة إقليمية في أكثر بلاد المسلمين ضد الإسلاميين باسم محاربة الإرهاب، والأمثلة على ذلك ماثلة أمامنا من كل مكان، ولا تحتاج إلى برهان. ثم بُدئ في إعطاء تلك الحرب بُعداً دولياً، وتعالت صيحات متشنجة هنا وهناك بضرورة عقد المؤتمرات الدولية لمكافحة الإرهاب بصورة جماعية! ثم بلغت الأمور ذروتها عندما انطلقت من الولايات المتحدة الأمريكية الدعوة الصريحة إلى خوض (حرب عالمية) تقودها أمريكا (ضد الإسلام) عفواً ضد الإرهاب! ! لقد انتهز الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حوادث تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا ليدشن مرحلة البدء بتلك الحرب، فقبل أن تنتهي التحقيقات في حوادث التفجير، وقبل أن تثبت أي جهة دولية أو غير دولية التهمة ضد أحد بدأ بتوجيه ضربات جوية ضد أهداف في السودان وأفغانستان. ولكم كانت عجيبة غريبة ومريبة تلك التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته بُعيد توجيه تلك الضربات. قال كلينتون: (لقد بدأنا حربنا ضد الإرهاب.. وعلينا الاستعداد لحرب طويلة) ! في حين زادت في الصراحة والوقاحة وزيرة خارجيته اليهودية (مادلين أولبرايت) فقالت: (على الأمريكيين أن يعدوا أنفسهم للحرب ضد الإرهاب.. إنها حرب القرن القادم) ! بينما تحدث وزير الدفاع عن حرب تشبه الحرب العالمية الأولى والثانية. والظاهر أن الصراع الذي بشر به (هنجتون) في كتابه (صراع الحضارات) والسيناريو الذي وضع خطوطه (واينبرجر) في كتابه: (الحرب القادمة) والظروف المواتية التي تحدث عنها نيكسون في كتابه (عام ١٩٩٩ نصر بلا حرب) و (اغتنموا الفرصة) والنهاية المزعومة التي نظّر لها (فوكوياما) في كتابه: (نهاية التاريخ) يبدو أن تلك الاحتفالية الألفية، قد قص شريط افتتاحها الرئيس المراهق (كلينتون) ! فما هي ملامح تلك الحرب المرتقبة، أو التي أعلنت بالفعل؟ يمكننا من خلال أولى جولاتها في السودان وأفغانستان أن نلمح أبرز معالم تلك الحرب فيما يلي: * إنها ستكون صليبية عالمية، بأسلحة غربية وتوجيهات يهودية. * أن العدو الوحيد فيها هم: الإسلاميون باعتبارهم عدو الغرب الباقي الذي لم يركع. * أن تلك الحرب لن تقيم وزناً لما يسمى بـ (الشرعية الدولية) إلا إذا خدمت أهداف تلك الحرب المعدة سلفاً. * أنها ستكون حرباً ذرائعية، تتصيد الفرص وتصطنعها إن لم تجدها. * أن تأييد العالم أو تنديده سيستويان، ولن يقيم الأمريكان وزناً لمعارض أياً كان. * أنها ستدوس على سيادة الدول وحريتها في أراضيها، إذا ما تعارضت مع خطوات هذه الحرب. * أنها ستعتمد أسلوب الغدر والمباغتة حتى لا تترك أحداً في مأمن.. أما عن هدف تلك الحرب والاستمرار فيها، فالواضح أنها ترمي إلى إبقاء المسلمين في ذيل الأمم، ومؤخرة الركب، وتجريدهم من أي قدرة على المبادرة أو المبادأة. سواء أكانت على مستوى مجموع دولهم أو بعضها أو حتى على مستوى التجمعات التي تتطلع إلى الخروج من الأزمة المصيرية التي تعيشها أمتنا الإسلامية.. إن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين لا يخفون إصرارهم العنيد على فرض الحصار الحضاري على أمة الإسلام، بمنعها من كل أسباب التقدم، وشغلها بمشكلاتها الداخلية والخارجية، لتنعم دولة اليهود بعد ذلك بالاستقرار والقوة والعلو. نعم: يجب ألا نتجاهل الرمز الذي تشير إليه كلمات (مادلين) و (كوهين) اليهوديين في الإلحاح على إعطاء الحرب بُعداً كونياً وزمنياً أبعد مما يتصور.. فنحن نعتقد جازمين أن وقود تلك الحرب المعلنة يُستمد من حقد اليهود.. وليست أحقادهم القديمة وتصريحاتهم العدائية بأفصح ولا أصرح من تصريحاتهم التحريضية الجديدة. ففي عام ١٩٩٣م قال (حاييم هيرتزوج) الرئيس الإسرائيلي السابق أثناء زيارة قام بها لبريطانيا: (إن الأصولية الإسلامية هي الخطر الأكبر على العالم الحر) وأعاد التحريض بأسلوب آخر زعيم آخر، هو الهالك (رابين) فقد قال في مؤتمر لاتحاد المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة (إيباك) في إبريل ١٩٩٣م (إننا نريد التأكد من أن الرئيس كلينتون وفريقه يدركان تماماً خطر (الأصولية الإسلامية) والدور الإسرائيلي الحاسم في محاربتها) واستطرد قائلاً: (إن مقاومتنا ضد الإرهابيين المسلمين القتلة مقصود منها أيضاً إيقاظ العالم الذي يرقد في سبات عميق على حقيقة أن هذا خطر جاد وحقيقي يهدد السلام العالمي، والآن نقف نحن الإسرائيليين في خط النار الأول ضد الإسلام الأصولي، ونحن نطالب كل الدول وكل الشعوب أن يكرسوا انتباههم إلى الخطر الضخم الكامن في الأصولية الإسلامية) . ولما جاءت الأغلبية اليهودية إلى (الكونجرس الأمريكي) بدأت تترجم هذه الصيحات التحذيرية إلى سياسات عملية، حتى إن رئيس مجلس النواب الأمريكي (بنوت جنجريتش) ترأس جلسة للمجلس عرض فيها برنامجاً شاملاً للسياسة المقترحة لمواجهة الأصولية الإسلامية في العالم، وضمت الجلسة التي عقدت في واشنطن ما يزيد على ٤٠٠ من كبار الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية، وقدم خطة من أربعة بنود تهدف إلى كسر شوكة الإسلاميين في العالم، وقال (جينجرتش) في هذا المؤتمر بالحرف الواحد: (الأصولية تعني إعلان الحرب علينا وعلى الحضارة الغربية، فيجب التعامل معها من واقع الحرب المعلنة) . أما نحن فعلى يقين قبل هذه التصريحات وبعدها أن اليهود والنصارى مجتمعين لم يكونوا يوماً إلا أعداء للإسلام نفسه، دون وصف الأصولية والإرهاب، لأنهم كما قال الله يتمنون أن يرونا كفاراً ولو كنا مسالمين مهادنين: [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً] [النساء: ٨٩] وهم سيناصبوننا ذلك العداء إلى حد القتال [وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] وقال تعالى: [إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] [الممتحنة: ٢] ولن يرضوا عنا مهما أظهرنا لهم من رغبة في الود والحب وحسن الجوار إلا إذا كنا على ديانتهم الباطلة [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] . وإن الذي أخبرنا عن ذلك كله سبحانه هو الذي أكد أن النصر حليفنا عليهم إن اعتصمنا به والتجأنا إليه: [وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِياً وَلا نَصِيراً] [الفتح: ٢٢] . فاللهم كن للمسلمين جميعاً ولياً ونصيراً،،،

стр. 2868

دراسات في الشريعة والعقيدة عيد الأسبوع.. يوم الجمعة خصائصه وفضائله وأحكامه وآدابه (٢/٢) بقلم: عبد اللطيف بن محمد الحسن تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن فضل يوم الجمعة وسبب تسميته واختصاص الأمة به، وخصائص هذا اليوم، وما جاء من الوعيد في ترك صلاة الجمعة وعن أهمية التهيؤ لها والاهتمام بها. ثم عرج على ذكر شروط صلاة الجمعة وقسمها إلى نوعين: شروط الوجوب، وشروط الصحة. ويتابع في هذا العدد حديثه عن أحكام الصلاة والخطبة وآداب الخطيب، وآداب الجلوس في المسجد يوم الجمعة. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - سادساً: من أحكام صلاة الجمعة: ١- حكمها: هي فرض عين على الرجال، وهذا أمر ظاهر. تقدم من النصوص ما يدل عليه. ٢- حكم صلاة الجمعة إذا اجتمع يوم الجمعة ويوم العيد: عن رسول الله - ﷺ أنه قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون) [١] . وهذا ظاهره أن الجمعة تعد رخصة بعد صلاة العيد، فمن شاء شهدها، ومن شاء صلى الظهر أربعاً، سواء في ذلك الإمام أو غيره لشمول النص لذلك. والأوْلى والله أعلم أن يصليهما جميعاً تحرياً للفضيلة، وطلباً للأجر. ٣- إدراك الجمعة: عن ابن عمر قال: قال رسول الله: (من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة) [٢] . وهذا يدل على أن الجمعة تصح بإدراك ركعة؛ ومفهومه: إذا لم يدرك ركعة فإنه لم يدرك الجمعة، فيتمها ظهراً أربع ركعات [٣] . واشترط بعض الفقهاء لصحة الجمعة إدراك شيء من الخطبة، وقالوا: فإنْ لم يدرك شيئاً منها صلى أربعاً. ٤- استحباب قراءة سورة الجمعة والمنافقون في صلاة الجمعة، أو الأعلى والغاشية، أو الجمعة والغاشية: جاء كل ذلك في صحيح مسلم [٤] . قال ابن القيم: (ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين، فإنه خلاف السنة) [٥] . ٥- صلاة النفل قبل صلاة الجمعة: لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة راتبة للجمعة، ولكن إذا دخل المصلي المسجد، سُنّ له أن يصلي تحية المسجد ركعتين، ثم يصلي ما كتب له كما ورد في الأحاديث، قال ابن القيم: (فإن النبي ﷺ كان يخرج من بيته فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبي ﷺ في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين، فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلهم، فركعوا ركعتين، فهو أجهل الناس بالسنة) [٦] . ٦- السنة بعد الجمعة: قال: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) [٧] . وعن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. أخرجاه [٨] . وللجمع بين الحديثين ذهب بعض العلماء إلى أنه: إن صلى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين [٩] وذهب آخرون إلى أن الركعتين خاص به ﷺ ، والمشروع في حق أمته أربع ركعات. ٧- المستحب أن يفصل بين الفريضة والسنة بالتحول من مكانه، أو بالكلام: فقد قال معاوية ﵁ لرجل رآه صلى السنة بعد الجمعة بلا فصل: (لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصِلْها بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) [١٠] . والأوْلى أن يتحول إلى بيته. ٨- استحباب القيلولة بعد الجمعة: حث النبي ﷺ على القيلولة فقال: (قيلوا؛ فإن الشياطين لا تقيل) [١١] وحدد وقتها في يوم الجمعة بعد الصلاة؛ لحديث أنس قال: (كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة) [١٢] . سابعاً: أحكام الخطبة: ١- الأذان عند جلوس الإمام على المنبر للخطبة: عن السائب بن يزيد قال: (كان النداء يوم الجمعة، أوله إذا جلس الإمام على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأبي بكر وعمر، ﵄، قال: فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء) [١٣] . وعلى الإمام أن يجيب وهو على المنبر إذا سمع النداء كما في البخاري [١٤] . ٢- حمد الله في الخطبة والثناء عليه والإتيان بخطبة الحاجة: عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: (الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً) [١٥] . ٣- الشهادة في الخطبة: قال رسول الله: (الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء) [١٦] . ٤- يخطب خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلوس: روى البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يخطب قائماً، ثم يقوم كما تفعلون الآن) [١٧] . ٥- موعظة الناس وتذكيرهم: عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم- خطبتان يجلس بينهما: يقرأ القرآن ويذكّر الناس [١٨] . وقوله: (يذكر الناس) فيه دليل على جواز الخطبة بلغة غير العربية، لكن لا بد له من قراءة الآيات والأحاديث بالعربية كما لا يخفى، ثم يترجم معانيها بلغة المخاطبين. وإذا فهم المقصود من الخطبة عُلم أن النبي ﷺ لم تكن خطبته مجرد كلام لا حياة فيه ولا روح، ولا رسالة ولا توجيه، بل كانت متصلة بالحياة، وبالواقع كل الاتصال [١٩] ، وقد كانت خطبه تملأ القلوب إيماناً وتوحيداً، لا كخطب غيره التي قد لا يحصل منها إلا النوح على الحياة، فتخلو من ذكر ما يعرّف بالله ويذكّر بأيامه، ويبعث النفوس على محبته، والشوق إلى لقائه. ٦- استحباب قصر الخطبة: قال رسول الله: (إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً) [٢٠] . فإقصار الخطبة سنة، وهو التوسط، وعلامة لفقه الرجل، لكونه مطلعاً على جوامع الألفاظ، فيعبر باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة، وكذلك كانت خطب النبي ﷺ واقعية بليغة مؤثرة، لكنها لم تكن طويلة مملة. والمقصود بإطالة الصلاة أن تكون بحيث لا تشق على المؤمنين، فتكون طويلة نسبة للخطبة. وإطالة الصلاة تنبيه إلى المقصود والأهم من الاجتماع وهو الصلاة. ٧- قراءة شيء من القرآن في الخطبة: عن يعلى بن أمية أنه سمع النبي - ﷺ يقرأ على المنبر: [وَنَادَوْا يَا مَالِكُ] [٢١] [الزخرف: ٧٧] . وهذا الحديث وغيره يدل على أنه ﷺ كان يقرأ آياً من القرآن بدون ملازمة لسورة أو آية في خطبة الجمعة. ٨- استحباب قراءة سورة (ق) : لحديث أم هاشم بنت حارثة بن النعمان قالت: (.. وما أخذت [ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ] [ق: ١] إلا عن لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس) [٢٢] . قال العلماء: وسبب اختياره هذه السورة لما اشتملت عليه من ذكر البعث والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة. وقد كان ذلك لقوم يفهمون معانيها، ويدركون أسرارها، فيتأثرون بها أعظم التأثر، ويتعظون بها أجلّ الاتعاظ، أما قراءتها عند قوم لا يفهمون معانيها، ولا يدركون مغازيها، فلا ينبغي إلا مع الشرح والبيان، حتى يتحقق المقصود. ٩- مشروعية الدعاء في الخطبة: لحديث الأعرابي الذي شكى الجدب لرسول الله ﷺ وهو يخطب فدعا، فمُطروا حتى الجمعة الأخرى، فشكا أعرابي في الجمعة التالية كثرة المطر، فقال -صلى الله عليه وسلم- وهو يخطب: (اللهم حوالينا ولا علينا) ورفع يديه فدعا [٢٣] . وأيضاً فهي ساعة يجاب فيها الدعاء. ١٠- المستحب أن تكون الخطبة حسب مقتضى الحال: وهو أمر تضافرت عليه الدلائل من أحوال خطب النبي؛ ومن أمثلته حديث أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب بهيئة بذة، فقال له رسول الله: (أصليت؟) قال: لا، قال: (صل ركعتين) ، وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثياباً، فأعطاه منها ثوبين. ١١- جواز أن يتكلم الإمام في غير موضوع الخطبة عند الحاجة: كان النبي- ﷺ ربما رأى رجلاً في الشمس، فأمر بتحوّله إلى الظل، أو رأى رجلاً ترك السنة فأمره بها، كما في تحية المسجد، أو رأى مرتكِباً منهياً فنهاه؛ كمن تخطى رقاب الناس. ثامناً: آداب الخطيب: ١- أن يسلم على المأمومين إذا صعد المنبر ويُقبل عليهم بوجهه: عن عطاء أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: السلام عليكم. وهذا مرسل صحيح [٢٤] . ٢- أن يجلس على المنبر بعد صعوده قبل الخطبة: عن محمد بن عمر بن علي أن النبي ﷺ كان يوم الجمعة إذا استوى على المنبر يجلس، فإذا جلس أذن المؤذن، فإذا سكتوا قام يخطب، فإذا فرغ من الخطبة الأولى جلس، ثم قام فخطب الخطبة الآخرة [٢٥] . ٣- أن يخطب على المنبر: أخرج البخاري [٢٦] عن جابر قال: (كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ ، فلما وُضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العِشار؛ حنيناً إلى رسول الله ﷺ الذي تركه، وقد كان يخطب عليه، وحنيناً لما كان يسمع الذكر) حتى نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- فوضع يده عليه وقد صنع المنبرَ امرأةٌ، كما في حديث سهل، وفيه: (فاحتمله النبي ﷺ فوضعه حيث ترون) [٢٧] . ٤- أن يخطب قائماً: أخرج ابن ماجه بسنده: سئل عبد الله: أكان النبي - ﷺ يخطب قائماً أو قاعداً، قال: أوَ ما تقرأ: [وَتَرَكُوكَ قَائِماً] [الجمعة: ١١] [٢٨] . ويدل على هذا أيضاً حديث كعب بن عجرة في مسلم [٢٩] . ٥- أن يتكئ على عصا أو قوس: دل عليه حديث الحكم بن حَزَن الكَلَفي [٣٠] . والحكمة: الاشتغال عن العبث، وقيل: أربط للجأش. ٦- أن يرفع الصوت ويبجل شأن الخطبة: عن جابر قال: كان رسول الله - ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم، ومسّاكم، ويقول: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ... ) [٣١] . ٧- كراهة رفع اليدين وتحريكهما، وجواز الإشارة بأصبع أو أصبعين حال الخطبة: أخرج مسلم [٣٢] عن حصين عن عمارة بن رويبة قال: رأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله - ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا [اي: يشير بها] ، وأشار بأصبعه المسبحة. واختلف الرواة عن حصين؛ فقال بعضهم: رافعاً يديه يدعو، وبعضهم لم يذكر الدعاء؛ لذا اختلف العلماء في فهم الحديث على قولين: ١- ففهم البيهقي والشوكاني المعنى الأول: وهو ذكر الدعاء، وقالوا: ليس من السنة رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة. ٢- وفهم الطيبي المعنى الثاني، وذكر أن المقصود بالنهي رفع اليدين أثناء الكلام حال الخطبة كما هو دأب الوعاظ والقصاص. ٨- أن ينهى عن المنكر إذا رآه وهو يخطب: وهذه المسألة تقدم لها شواهد وأدلة كثيرة. تاسعاً: آداب الجلوس في المسجد يوم الجمعة: ١- أن يصلي ركعتين تحية المسجد قبل الجلوس؛ للأمر العام، ولقوله: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما) [٣٣] . ٢- أن يجلس حيث وجد المكان: قال: (لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا) [٣٤] . ٣- ألاّ يتخطى رقاب الناس ولا يفرق بينهم: قال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي: (اجلس فقد آذيت) [٣٥] . ويستثنى من ذلك: الإمام إذا لم يجد طريقاً، ومن رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي على خلاف ويتأكد التخطي إذا ترك الناس الصفوف الأولى وجلسوا في آخر المسجد، قال الحسن: (تخطوا رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد؛ فإنه لا حرمة لهم) ويستثنى أيضاً: من جلس في مكان ثم خرج لحاجة، ثم عاد إلى مكانه [٣٦] . ٤- أن ينصت إذا بدأ الإمام يخطب: قال: (إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغيت) [٣٧] . وقال: (من مس الحصى فقد لغا) [٣٨] . ... ٥- يجوز أن يشير إذا احتاج إلى الكلام: روى ابن خزيمة في صحي [٣٩] عن أنس قال: دخل رجل المسجد، ورسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن اسكت، فسأله ثلاث مرات، كل ذلك يشيرون إليه أن اسكت ... الحديث [٤٠] . ٦- أن يدنو من الإمام: وهو أمر قلّ الحريصون عليه، وغفل الكثير عما ورد فيه من ترغيب، بل عن قوله: (احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يُؤخّر في الجنة وإن دخلها) [٤١] . ٧- أن يجتنب اللغو: قال: (يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو بلغو، وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله يقول: [مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] [الأنعام: ١٦٠] [٤٢] . ٨- أن لا يحتبي: عن أنس أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة، والإمام يخطب [٤٣] . والاحتباء: أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع ظهره، ويشده عليهما، وقد يكون باليدين عوضاً عن الثوب، وهو يجلب النوم، ويعرِّض لانتقاض الطهارة، ومثله الاستناد إلى الجدار ونحوه وقد يكون أشد منه في جلب النوم. ٩- أن يستقبل الإمام: عن عدي بن ثابت عن أبيه قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم [٤٤] . ١٠- أن لا يتحلق قبل الجمعة: لأن النبي ﷺ نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تُنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة [٤٥] . وهذا يدل على كراهة ذلك [٤٦] ؛ لأنه ربما قطع الصفوف، مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتبكير والتراص في الصفوف الأول فالأول. ١١- أن يتحول من مكانه إذا نعس: لحديث: (إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحول عن مجلسه ذلك) [٤٧] . ١٢- مسألة: حكم الكلام بعد نزول الإمام من المنبر وقبل الصلاة: والأوْلى أن لا يتكلم إلا لحاجة؛ لأحاديث منها حديث سلمان بلفظ: (وينصت حتى يقضي صلاته) [٤٨] . عاشراً: كيفية الاستفادة من خطبة الجمعة: إن خطبة الجمعة وسيلة متاحة للدعاة، ليخاطبوا بها جميع المسلمين بمختلف طبقاتهم، واتجاهاتهم، وقد شرع الله لهذه الوسيلة ما يعين على الاستفادة منها، من أمر المسلمين جميعاً من الذكور بالسعي للصلاة، والإنصات للخطيب. وهي وسيلة متاحة في كل أسبوع، فيستمع المسلم في العام الواحد إلى (٥٢) خطبة؛ ومع إقبال الناس على صلاة الجمعة، فإنهم يتأثرون إذا وجدوا خطيباً جيداً. وهذا مما يوجب على الدعاة وخاصة الخطباء أن يراجعوا أساليبهم في مخاطبة الناس، وينظروا دائماً في إصلاح أخطائها [٤٩] .

стр. 2869

دراسات في الشريعة والعقيدة أصول التربية والتعليم كما رسمها القرآن.. (٢ /٢) د. أحمد بن شرشال دعا الكاتب في الحلقة الأولى إلى ربط التعليم ومناهجه بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنهجه وطريقته، ووضح المنهج النبوي في التعليم على ضوء ما ورد في القرآن الكريم من آيات مستخرجاً منها أصولاً مهمة، وذكر منها (تلاوة القرآن) وبين كيفيتها المأثورة وأَخْذَ الصحابة بها، داعياً للاقتداء بها. ثم يواصل بيان بقية الأصول فيما يلي: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - الأصل الثاني من أصول التربية والتعليم الذي تضمنه هذا المنهج: تعليم الكتاب، وهو المنصوص عليه في قوله تعالى: [وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ] [الجمعة: ٢] ، عطفاً على قوله: [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ] [الجمعة: ٢] ، عطف جملة على جملة. ومما لا شك فيه ولا خلاف عند المسلمين أن القرآن الكريم تضمن علوماً ومعارف يعجز البشر عن الإتيان بها، وتضمن حِكَماً وأحكاماً وأسراراً بها يحقق الإنسان سعادته في الدنيا والآخرة، ولا سبيل إلى معرفة هذه العلوم وهذا التشريع، وهذه الهدايات والوقوف عليها والعمل بها إلا بفهم القرآن وتفسيره وتدبره؛ لأن مَلَكَةَ الفهم دخلها الفساد فصار الناس لا يفهمون القرآن ولا يفقهون ما فيه، وبدون فهم للقرآن وتفسيره لا يمكن الوصول إلى كنوزه مهما ردّدنا تلاوته وأقمنا حروفه. قال الحافظ السيوطي: (ونحن محتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر؛ لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم؛ فنحن أشد الناس احتياجاً إلى التفسير) [١] . فقد كان الصحابة ﵃ يحتاجون إلى تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أثر عنه أنه فسّر لهم قوله : [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨٢] . روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: (وأينا لم يظلم نفسه؟ وشق ذلك عليهم فقال: (إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم) إنما هو الشرك) [٢] . من صفات هذا المعلم أنه يتلو عليهم القرآن، ويعلمهم معاني الكتاب وما خفي وأشكل عليهم، فكان الصحابة ﵃ يرجعون إليه عند الحاجة. وتعليم الكتاب يكون ببيان ما خفي من معانيه وحقائقه، وما اشتمل عليه من أحكام وحِكَم ومواعظ وآداب وأخلاق. وبالجملة: هو بيان المقاصد التي من أجلها نزل القرآن. وتعليم الكتاب غير تلاوته؛ لأن تلاوته تكون بقصد حفظ الألفاظ، وتعليم الكتاب يكون بقصد حفظ المعاني والأحكام والحكم التي اشتمل عليها وفهمها، وهو تفسير القرآن. ومن مهمة الرسول ﷺ ووظيفته البلاغ والبيان؛ وكل منهما يتضمن الآخر، قال تعالى: [بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأََنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ] [النحل: ٤٤] . وقال: [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ] [النور: ٥٤] ، وهذا يتضمن بلاغ المعنى، وأنه في أعلى درجات البيان. قال ابن تيمية: (إن الصحابة ﵃ نقلوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة) ، وقال: (وأخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه) [٣] . فالرسول المعلم ﷺ بيّن لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، فبلّغهم معانيه كما بلّغهم ألفاظه، ولا يحصل البيان والبلاغ المقصود إلا ببيان لفظه ومعناه؛ فنقل معاني القرآن عنه ﷺ كنقل ألفاظه سواء. وعلى هذه الطريقة سار الصحابة ﵃. قال ابن القيم: (ولم يكن للصحابة كتاب يدرسونه وكلام محفوظ يتفقهون فيه إلا القرآن وما سمعوه من نبيهم، ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك) [٤] . وهكذا تلقى السلف الصالح هذا القرآن لفظاً ومعنى؛ إحكاماً للفظ وإتقاناً للمعنى، وكانوا ينكرون على من انصرف عن فهم القرآن. روى ابن جرير الطبري عن سعيد بن جبير قال: (من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى) وفي بعض الروايات: (كالأعرابي يهذ الشعر هذّاً) [٥] . وذكر الحافظ ابن كثير وابن القيم أن عدم فهم القرآن والتفقه فيه وتدبره نوع من أنواع هجر القرآن [٦] ؛ فالقرآن الكريم لم ينزل لمجرد التلاوة اللفظية، بل نزل من أجل هذا، ومن أجل ما هو أعم وأكمل، وهو فهم معانيه والتذكر بما فيه، والعمل به. إن تلاوة القرآن تعني شيئاً آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، إنها تعني تلاوته بفهم وتدبر ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذاك وسلوك. وأقول: إن انفصال المواد الدراسية على إطلاقه ليس من طبيعة هذا الدين، ولا من شأن عمل السلف الصالح؛ فإنهم كانوا يأخذون بالقرآن كلاً لا يتجزأ، ولا بد من ربط كل هذه العلوم، وهذه المواد الدراسية بالقرآن الكريم. والذي يحقق هذه الغاية هو تفسير القرآن والتفقه فيه دون سواه؛ فهو وحده الكفيل بتحقيق شمولية التربية والتعليم من جميع النواحي، فيجب علينا أن نستغني بمعاني القرآن وأحكامه وحكمه عن غيره من كلام الناس. وهذا الفضيل بن عياض يصحح للطلاب توجههم في طلب العلم، فقد ذكر الإمام القرطبي أن الفضيل بن عياض قال لقوم قصدوه ليأخذوا عنه العلم: (لو طلبتم كتاب الله لوجدتم فيه شفاء لما تريدون) فقالوا: قد تعلمنا القرآن، فقال: (إن في تعلمكم القرآن شغلاً لأعماركم وأعمار أولادكم) فقالوا: كيف يا أبا علي؟ قال: (لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه، ومحكمه، ومتشابهه، وناسخه من منسوخه، فإذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة) [٧] . والمراد بالإعراب في كلام الفضيل البيان والتفسير. إذن: كيف نستغني عن كتب الناس وعن مادة الفقه والحديث والعقيدة، كما نص غير واحد من العلماء. الأمر في غاية السهولة. أقول: إن جميع علوم الشرع قد استقل ببيانها القرآن، وقد أدرك هذا المعنى الإمام القرطبي ﵀ فقال في مقدمته: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري، واستفرغ فيه قوتي) [٨] . ومن أهم العلوم التي يتعلمها الطالب في تفسير القرآن هو علم التوحيد، وقد أخذ حيزاً كبيراً من كتاب الله تعالى قال ابن القيم: (وغالب سور القرآن متضمنة لأنواع التوحيد، بل كل سورة في القرآن؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادة الله وحده، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته؛ فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته) . وقال حافظ الحكمي: (والقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير هذين التوحيدين) [٩] . وقال ابن ابي العز شارح متن الطحاوي: (فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) [١٠] . وإذا كان القرآن كله في تقرير التوحيد بأصنافه وأنواعه، وإكرام الله لأهله، وبيان خطر الشرك وذم أهله، فإن تفسير القرآن والتفقه فيه هو الذي يغطي هذا المجال الواسع؛ وبغير التفسير يبقى المجال ناقصاً؛ فالذي يأخذ أحكام العقيدة من القرآن بانتقاء وفصل كل ما يتعلق بالتوحيد لا يستطيع ذلك، وإذا اقتصر على بعض منها فهذا فيه قصور ونقص؛ لأنه لم يستوعب كل الآيات، بل إن كان هناك بعض الآيات متعلقة ببعض الآحكام وفي ضمنها ما يتعلق بالعقيدة، فثبت أن فهم القرآن والتفقه فيه أكمل وأجمع لجميع العلوم. ومن العلوم التي يتعلمها الطالب في تفسير القرآن الحديث النبوي الشريف، فإنه المبيّن لمراد الله من الآية، ويشهد بما شهد به القرآن. قال الواحدي: (لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها) . وقال ابن دقيق العيد: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن) [١١] . قال ابن حزم في كتاب الأحكام وهو يتحدث عن السلف الصالح كيف كانوا يتعلمون الدين: (كان أهل هذه القرون الفاضلة المحمودة يطلبون حديث النبي - ﷺ والفقه والقرآن الكريم) [١٢] . ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلى الأحاديث النبوية التي تبين معنى الآية، فالأحاديث الصحيحة المروية في أسباب نزول القرآن وبيان المراد منه، تشهد باتفاق القرآن والحديث؛ فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن وتكشف معانيها كشفاً مفصلاً، وتقرب المراد وتدفع عن الآيات الاحتمالات، وتفسر المجمل منه وتبينه وتوضحه، وخير من يمثل هذا الاتجاه في ذكر الأحاديث بعد الآيات من المفسرين الحافظ ابن كثير في تفسيره، بل التفسير الصحيح المقدم على غيره هو ما صح عن النبي ﷺ ، وحينئذ فإن الحديث يندرج في علم التفسير لحاجته إلى البيان. ومما يتعلمه الطالب في علم التفسير علم الفقه، وإني أرى عرض مادة الفقه بالطريقة المستقلة عن القرآن؛ لأنها تؤدي الغرض المطلوب؛ حيث يؤدي أستاذ المادة عرضه بذكر المسألة والتعريف بها، ثم بأقوال العلماء فيها، ثم بإيراد الدليل من القرآن أو السنة أو هما معاً، فيقول: دليل هذه المسألة كذا، ودليل هذا القول كذا، ودليل تلك كذا، ويسرد الدليل؛ هذا إذا كان يذكر الدليل وهو أحسن أحواله. فالطالب هنا لا يعرف القرآن إلا دليلاً، ولا يفهم معنى هذا الدليل. وقد كنا نعاني الشيء الكثير من ذلك عندما كنا طلاباً حتى إننا لم نستطع إيجاد علاقة بين الدليل والمدلول عليه لجهلنا بمعنى الدليل وهو الآية القرآنية. فالطالب يحتاج إلى استخراج هذه العقيدة وهذا الفقه من هذه الآية، وهذا الدليل ببيانها وشرحها، وأسباب نزولها، وأفهام العلماء فيها واستنباط الفقه منها، وحينئذ يؤول الفقه والعقيدة بهذه الطريقة إلى تفسير وفهم للقرآن وربط للطالب به. هذه هي الطريقة المثلى التي أراها تحقق الغاية المرجوة إن شاء الله. وقد أثر عن بعض المفسرين القول بأن قوله تعالى: [وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ] يعني الكتابة، مصدر كتب كتاباً وكتابة، فذكر القرطبي عن ابن عباس: [الْكِتَابَ] الخط بالقلم؛ لأن الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط [١٣] . والتفسير الأول أعني يعلمهم معاني القرآن هو المشهور في تفسير هذه الآية وعليه الجمهور، بل إن جل المفسرين لم يذكروا إلا القول الأول، ولا يعني ذلك التهوين من شأن الكتابة والخط، فلقد نوّه الله بشأن الخط والكتابة فقال: [اقْرَاً وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] [العلق: ١-٥] . التعليم بالقلم كالتعليم الذهني نعمة عظيمة على عباده؛ إذ به تخلد العلوم، ويصل الخلف بالسلف، وتضبط الأحكام والعلوم والمعارف [١٤] . وكان له ﷺ كُتّاب يكتبون بين يديه الوحي، وقد أخبر تعالى عن فضله ورحمته أن علّم الإنسان البيانين: البيان النطقي، والبيان الخطي. قال القرطبي: (القلم نعمة من الله، عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش، فدلّ على كمال كرمه بأن علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبّه على فضائل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو. وما دُوّنت العلوم، ولا قُيّدت الحكم، ولا ضُبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا) [١٥] . الأصل الثالث من هذا المنهج: تعليم الحكمة. أي أن من صفات هذا المعلّم أنه يعلمهم الكتاب ويعلمهم الحكمة، وقد بين القرآن أن الله أنزلها وأنها تتلى فقال: [وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ] [النساء: ١١٣] ، وقال: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِِّنَ الكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يََعِظُكُم بِهِ] [البقرة: ٢٣١] وقال: [وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ] [الأحزاب: ٣٤] . ففي هذه الآيات بيان لهذا المعلم وأنه يعلمهم الكتاب ويعلمهم الحكمة، وأن الله أنزل عليه الحكمة كما أنزل عليه القرآن وهي السنة كما قال غير واحد من السلف، فنوّع المتلو إلى نوعين: آيات وهي القرآن، وحكمة وهي السنة؛ وبها تتبين مقاصد الكتاب وأسراره وحكمه وأحكامه. وقد تطلق الحكمة على امتثال الأوامر واجتناب النواهي وهي العمل بما جاء في القرآن أمراً ونهياً كما جاء ذلك في قوله تعالى: [ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ] [الإسراء: ٣٩] ، واسم الإشارة يعود إلى ما تقدم ذكره من التكاليف الشرعية التي لا يتطرق إليها النسخ، والتي تبلغ خمسة وعشرين تكليفاً بدءاً من قوله تعالى: [لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً] [الإسراء: ٢٢] . وختمها بقوله: [وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً] [الإسراء: ٣٩] . وفسرها الحافظ ابن كثير بالسنة وعزا ذلك إلى غير واحد من السلف، وهو ما أخذ عن الرسول ﷺ سوى القرآن: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) ومصداق ذلك في كتابه الكريم: [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى] [النجم: ٣٥] . ونزع ابن عباس في تفسيره للحكمة إلى المعرفة بالقرآن وفقه ما فيه من العلوم، وهو من أوسع التفسيرات فيما أعلم. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] [البقرة: ٢٦٩] . قال: (المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله) وفي رواية عنه: (التفسير والتفقه في القرآن) [١٦] . وتعني من بين ما تعنيه الفقه والفهم في القرآن ويدل له قوله: [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ] [لقمان: ١٢] ، وقوله: [وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ] [ص: ٢٠] . قال مجاهد في هذه الآية: (يعني الفهم والعقل والفطنة) [١٧] . وقد خص الله سليمان بالفهم فقال: [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً] [الأنبياء: ٧٩] . وكل ذلك لا ينافي من فسر الحكمة بالسنة؛ لأن بها يحصل العلم، فهي المفسرة والمبينة للقرآن الكريم؛ فالأحاديث الصحيحة تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفاً مفصلاً، وتقرب المراد، وتدفع عن الآيات الاحتمالات، وتفسر المجمل منه وتبينه وتوضحه، وبكل هذا يحصل الفهم والفقه. قال القرطبي: (فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة؛ وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه) [١٨] ، ومن ثم اشتركت الحكمة في نسق تعليم الكتاب: -[وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] [الجمعة: ٢] فتلاوة للآيات، وتعليم للكتاب، وتعليم للسنة. الأصل الرابع: مما تضمنه هذا المنهج: التزكية، ومن صفات هذا المعلم - ﷺ أنه: [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ] [الجمعة: ٢] ، تلاوة للآيات وتعليم للكتاب والحكمة، وتزكية بمعنى التطهير والتنقية من السوء والقبائح والمنكرات، وهي ثمرة لتطبيق المنهج السابق، وهي ثمرة لتلاوة القرآن، وثمرة لفقه القرآن والتفقه فيه، وثمرة لفهم السنة، وهي العمل بما علم من التلاوة والكتاب والسنة. التزكية: تطهير الإنسان ظاهراً وباطناً من دنس الذنوب والمعاصي والآثام، ومن أعظمها التطهير من أرجاس الشرك، وهي العمل بالعلم، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي. قال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى] [الأعلى:١٤، ١٥] . وقال جل وعلا: [قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] [الشمس: ٩، ١٠] . فقد فاز بكل مرغوب وظفر بكل محبوب من زكى نفسه وهذّبها ونمّاها بالعلم، وزكاها بالتلاوة وفقه القرآن والسنة والعمل بذلك. ومادة التفعّل للتكلف وبذل الجهد، أي بذل جهده في تطهير نفسه بالأعمال الصالحة [١٩] . وهكذا كان ﷺ يزكي أصحابه، فيتلقون منه خمس آيات أو عشر آيات ويتعلمون منه صفة أدائها وقراءتها، ويتعلمون ما فيها من العلم والعمل به. قال أبو عبد الرحمن السلمي أحد أكابر التابعين الذين أخذوا القرآن ومعانيه عن مثل عبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وتلك الطبقة: (حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من أصحاب النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ فتعلمنا القرآن والعمل) [٢٠] . فكانوا لا يجاوزوهن حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، فقد روى الطبري عن عبد الله بن مسعود قال: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن) [٢١] . فالعمل بالقرآن هو الذي يحقق التزكية قال تعالى: [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ] [الأنعام: ١٥٥] . روى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: (واللهِ ما تدبره من حفظ حروفه وأضاع حدوده؛ حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ولا يُرى للقرآن عليه في خلق ولا عمل) [٢٢] . وقد أُثر عن بعض السلف في معنى: [يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ] [البقرة: ١٢١] يتبعون القرآن ويعملون به، قال عبد الله بن مسعود: (والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله) [٢٣] . ولذلك لما سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: كان خلقه القرآن. قال الحافظ ابن كثير مبيناً هذا الخلق: (ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجية له وخلقاً تطبّعه وترك طبعه الجِبِلّي؛ فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه) [٢٤] . ولما بين الله هذا المنهج ورسمه في كتابه، وبين أن من صفات هذا المعلم الذي بعث في الأميين أن يزكيهم ويطهرهم من أدران الشرك والذنوب والآثام عقّب على ذلك بمثال من يحفظ هذا المنهج ولا يعمل به لا يحصل له التطهير والتزكية فقال: [مَثَلُ الَذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [الجمعة: ٥] . وكل من علم ولم يعمل بعلمه، فهذا مثله، وهذه صفته، وهذه حاله، وبئس المثل. وكل من رغب عن هذا المنهج بطريقته التي بيّناها يُعد سفيهاً، ولذلك عقّب على ذكره بقوله: [وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ] [البقرة:١٣٠] ومن معاني الملة اللغوية: الطريقة. هذا هو المنهج التعليمي كما رسمه القرآن الكريم وبينته السنة لبناء الإنسان المستقيم ذي الشخصية المتزنة المعتدلة. وكل منهج مخالف لما سطّره القرآن يعد شذوذاً عن الجادة يؤدي إلى انحراف في السلوك. وأخيراً أقول: فليزن طلاب علم هذا الزمن تعليمهم بهذا المنهج الذي رسمه القرآن الكريم، ولينظروا أين مكانهم من فهم القرآن، وما هو حظهم من هدايته؟

стр. 2870

دراسات تربوية المبادرات الذاتية وتنميتها محمد بن سعد الخالدي تحتاج الأمة فيما تحتاج إلى أشخاص يحملون زمام المبادرة بأنفسهم غير منتظرين أن يسلك الطريق سواهم.. وذلك في كل مجال من شأنه رفعة الأمة وعزتها وإخراجها من هذا النفق المظلم الذي تسير فيه.. وهؤلاء المبادرون قلة قليلة وعملة نادرة في مجموع الأمة.. لذا رأيت أن من واجبي أن أبادر بالحديث عن الموضوع علّه أن يحرك أنفساً ساكنة.. وهمماً متقاعسة.. وفي بداية الحديث عن المبادرة يحسن إيضاح المعنى اللغوي لها؛ إذ هي مأخوذة من: بدر إلى الشيء، إذا أسرع وبادر إليه أيضاً، وتبادر القوم تسارعوا، وابتدروا السلاح تسارعوا إلى أخذه. وسمي البدر بدراً لمبادرته الشمس بالطلوع في ليلته كأنه يعجلها المغيب، وقيل: سمي به لتمامه. وفي القاموس: (بادَرَهُ: مُبادَرَةً وبِداراً، وابْتَدَرَهُ، وبَدَرَ غيرَهُ إليه، عاجَلَهُ. وبَدَرَهُ الاًمْرُ، وإليه: عَجِلَ إليه) [١] . كون المبادرة تجديداً: لا شك أن المبادرات فردية كانت أو جماعية تحمل في ذاتها نوعاً من التجديد؛ إذ هي إحياء لأمر اندرس أو لم يكن قد قام أصلاً. ولذا فإن الحديث عن التجديد وأهميته قد ينساق في بعض صوره هاهنا. ما هي المبادرة المنشودة؟ إننا في حديثنا عن المبادرة هنا إنما نعني: أن يسابق المرء إلى الأمور التي تبدو له فائدتها دون انتظار تقدم الآخرين وإقدامهم، فيأخذ الزمام ويُقْدِم على الأمر بعد دراسة وتخطيط، فإن نجح المبادر في مسيره.. فهو مأجور من طريقين: طريق الاجتهاد، وطريق الإصابة؛ إذ هو مجتهد مصيب، وإن أخطأ ولم يصب فهو مأجور كذلك له أجر الاجتهاد ولو لم ينل أجر الإصابة. أدلة مشروعية المبادرة والحث عليها: أتت النصوص الشرعية كتاباً وسنة بالحث على المسابقة على أعمال الخير والتنافس فيها والمسابقة إليها، وهذا النوع من المبادرة هو ما لا ينتظر المرء غيره في الإقدام على الطاعة، بل يتقدم هو لذلك جاعلاً نفسه قدوة للناس وإماماً، والله تعالى يقول على لسان نبيه إبراهيم الخليل: -[وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً] [الفرقان: ٧٤] أي: قدوة يحتذى بفعاله. والمسلم يسأل الله تعالى أن يكون مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر.. وطبيعة المفتاح أنه أول الداخلين، مما يعني كون الداعي مبادراً للعمل سابقاً إليه. وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة الرجلين المبادرين اللذين قال الله فيهما: [وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى] [القصص: ٢٠] قال الوزير ابن هبيرة: (تأملت ذكر أقصى المدينة؛ فإذا الرجلان جاءا من بُعدٍ في الأمر بالمعروف ولم يتقاعدا لبعد الطريق) . وأما مبادرات الرسول ﷺ فالحديث عنها طويل جداً، غير أنني أشير إلى القصة الشهيرة التي تروي لنا أنه (فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قِبَلَ الصوت فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس وهو يقول: (لم تراعوا، لم تراعوا) وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف) [٢] . فدل الحديث على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبق إلى استطلاع الأمر. وقد أثنى النبي ﷺ على ذلك الصحابي الذي بادر بالصدقة كما في حديث المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعّر وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالاً، فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب فقال: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ] [النساء: ١] إلى آخر الآية [إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] والآية في الحشر: [اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ] [الحشر: ١٨] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) . وفي الحديث تصريح بأجر المبادر للخير، وكونه ينال أجره وأجر كل من سلك طريقه واقتفى أثره الذي بادر إليه، وهذا من أعظم الدواعي للمبادرة للخير؛ إذ يستشعر المبادر أن أجور السائرين من بعده على هذا الطريق ستكون في موازين أعماله. وفي الحث على المبادرة تساق قصة ذي الجوشن الضبابي حينما دعاه الرسول ﷺ بعد معركة بدر للدخول في الإسلام قائلاً له: (هل لك إلى أن تكون من أوائل هذا الأمر؟ قال: لا، قال: فما يمنعك منه؟ قال: رأيت قومك كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، فأنظر: فإن ظهرت عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك) فكان ذو الجوشن يتوجع على تركه الإسلام حين دعاه رسول الله؛ إذ قد ترك المبادرة إلى الإسلام وإلا لكان من أوائل الداخلين إليه فكان على ذلك نادماً. والحث على المبادرة بالعمل واردة في حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ قال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) [٣] وكذا حديثه أن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة) . ومن أعظم ما يوقظ الهمة إلى المبادرة للخير وما يحث عليها ما ذكره الله في كتابه من أحوال الكافرين في مبادراتهم الدنيئة في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والكيد الكبير، والمكر الكُبّار.. كما في قوله تعالى: [وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ] [ص: ٦] ، وقوله تعالى: [وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ] [المائدة: ٦٢] فالمؤمنون أوْلى بالمسارعة في الخير والبر. ومن المبادرات الجريئة ما صنعه البراء بن مالك في قصة الحائط الشهيرة، يوم أن قعد على ترس وقال: (ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم) فألقوه ثم أدركوه بعدُ وقد قتل منهم عشرة، وجُرح يومئذ بضعاً وثمانين جراحة [٤] . أهمية المبادرات: تعد المبادرة الفردية سفينة النجاة في حالة انحطاط الأمة، وتربيتُها لدى الناس جزء من المنهجية الصحيحة في بناء الإيجابية، وتعني المبادرة رفع أفراد من الأمة إلى مستواها وسقف حيويتها واندفاعهم نحو ما يتمنى الناس حصوله، لكنهم يفقدون العزم والإرادة للبدء به، وقد علمتنا التجربة أن معظم الناس يحبون الخير ويقدرون فاعليه، وهم على استعداد للمشاركة في مشاريعه؛ لكن المشكلة الكبرى هي أن المستعدين فيهم لخطو الخطوة الأولى ووضع أول لبنة قلة قليلة، وهذه القلة هي ملح المجتمع وبركته، إنهم أناس يحبون الخير ويثقون في أنفسهم ويحبون خدمة الآخرين، وهم إلى ذلك مستعدون لتحمل نتائج مبادراتهم وما قد تجره إليهم من مشكلات ومتاعب. (كثير من الناس يملك الاستعداد للقيام ببعض الأدوار التي تملى عليه وفق خطوات محددة، لكنه يقف عند هذا الحد، ويطرح التساؤل في كل مناسبة وكل حين: ماذا يعمل؟ وما واجبه؟ ويعتذر عن القيام بأي دور بأنه لم يتلق توجيهاً وتكليفاً.. ولذا فإن من ثمار التربية الجادة: (المبادرة الذاتية) . إن من نتائج التربية السلبية السائدة في مجتمعاتنا: الاتكالية وانعدام المبادرة، وحتى العاملون للإسلام أصاب بعضَهم ما أصابه، فأصبح ينتظر الأمر، ولا يعمل إلا من خلال توجيه محدد، فتعطلت طاقات فعّالة في الأمة، وصارت الصحوة تفكر من خلال عقول محددة، وكم هي الأفكار والأعمال والجهود التي لم تتجاوز نطاق تفكير صاحبها، والسبب أنه لم يعتد على المبادرة ولم يربّ عليها. وإن التربية الجادة تنتج فيما تنتج تنمية المبادرة الذاتية، فيعمل صاحبها ابتداءً دون انتظار التكليف أو التوجيه، ويرى أن جدية الهدف وصدق العمل يتطلب منه ألا تكون الاستشارة والاستفادة من آراء الآخرين حاجزاً وهمياً وعائقاً دون أي عمل، فينطلق ويعمل ويبادر ويفكر محيطاً ذلك كله بأسوار الاستشارة جاعلاً إياه في دائرة الانضباط والالتزام) [٥] . إن علينا أن نعترف أن حرصنا على أن يكون كل شيء وفق نظام محدد، واحتياطاتنا الشديدة لكل شيء، والتعليم التلقيني، والحرص على أن يكون لكل شيء نموذج سالف إن ذلك كله أدى إلى خشية المسلم من أن يكون في الطليعة وصار الواحد منا يقول في داخله: (ليبدأ غيري) و (علينا أن ننتظر النتائج) ، وهذا أدى إلى المؤاخذة الشديدة لكل من يبادر إلى خير ثم يُخفق فيه، أو تكون عواقبه على غير ما يريد، مع أن هذا المبادر لو لم يكن له سوى فضل الانتصاب بين الأموات لكفى! إن الصمود والاستمرار وعدم الخوف من الإخفاق عمد أساسية في خلق الإيجابية، وعبادات الإسلام وتكاليفه تصب جميعهاً في تنمية إرادة الصمود؛ حيث يظل المسلم يلاحق هدفاً واحداً طول حياته بفعل الخيرات وترك المنكرات، هذا الهدف هو نيل رضوان الله تعالى والفوز بالجنة. إن ما نراه من نجاحات في عالم الواقع ليس وليد المحاولة الأولى؛ بل إن هناك مئات بل ألوف التجارب المخفقة التي سبقت النجاح الكبير؛ ومما يُذكر أن (أديسون) واجه في بحثه الدؤوب عن (سلك الملف) المناسب لصناعة المصباح الكهربائي ثلاثة آلاف حالة إخفاق، وهي بالطبع ثلاثة آلاف عقبة مؤقتة، قبل أن يتوصل للمادة المناسبة بعد ثلاثة آلاف محاولة. ويمكن لأي رجل عادي أن يعترف بالهزيمة إن كان لا يتمتع بخاصية الصبر والإصرار على الظفر غير المحدود! إن علينا أن نشجع من غير ملل كل أولئك الذين يصرون على عملية المحاولة والخطأ، أولئك الذين يملكون الإرادة الحديدية للاستمرار في طريق البناء والإصلاح والخير إلى آخره.. مهما كانت التكاليف [٦] . نماذج واقعية لمبادرات ذاتية في الزمن المعاصر: أشرت في البداية إلى أن المبادرين في هذه الأمة صاروا أقل من القليل.. ولذا فإن نماذج المبادرة التي يمكن أن توصف بالنجاح المميز.. ليست بالكثيرة، وهذا بلا شك ثمرة لقلة المبادرات أصلاً.. ولعل من النماذج المتميزة في هذا الزمان: المبادرة بإنشاء مجلة إسلامية نسائية تسد فراغاً مهماً في حياة المسلمة، وتقف أمام هذا الزخم الضخم من الإعلام المضل الموجه للمرأة المسلمة.. ومنذ بدايات الصحوة الإسلامية وهذه الثغرة لم تسد.. وأهل الإصلاح يتمنون من زمن بعيد أن توجد تلك المجلة الناضجة.. غير ان ذلك لم يجاوز الأمنيات إلى حيز الواقع إلا قبل سنيات محدودة.. فكانت هذه المبادرة فتحاً.. فتتابعت المجلات ذات التوجه الإسلامي والموجهة للمرأة في الصدور.. والسبب الذي أخرها إلى هذه الفترة هو ضعف روح المبادرة. والأمر نفسه يقال في مجلة الأطفال.. حيث لم تكن في الساحة مجلات تتبنى المنهج الإسلامي إلا قبل فترة يسيرة.. وكم من الأحلام والأفكار والمقترحات ما يدور في خلد الكثيرين.. غير أن القليل من يقول: أنا لها.. وما تزال قطاعات أخرى من الأمة في حاجة إلى حديث خاص بها.. وطرح موجه نحوها بشتى الوسائل الممكنة.. غير أن الإقدام على ذلك.. لم يحصل بانتظار من يخرق السكون. ويمكن أن يقال الأمر نفسه في نماذج أخرى من المبادرات الناجحة كالمبادرة بإنشاء متاجر الفيديو الإسلامي.. والمبادرة بإنشاء مكاتب دعوة الجاليات المسلمة وغير المسلمة، والمبادرة بإنشاء المبرات الخيرية والجمعيات الإغاثية التطوعية، والمبادرة بإنشاء مواقع للدعوة للإسلام على شبكة الإنترنت.. إلى غير ذلك من المبادرات الفردية والمؤسسية.. على نطاق الأمة ككل أو على النطاقات المحلية والإقليمية والأسرية. مقترحات لتنمية روح المبادرة: ١- تحلي المربين والأساتذة ورجال الأمة ودعاتها بروح المبادرة وكونهم قدوات عملية صالحة ونماذج تحتذى في هذا المجال. ٢- حث المربي لمن دونه على المسابقة لأوجه الخير والمبادرة إليها دون انتظار الآخرين. ٣- إشعار المتربين بأن إنقاذ الأمة من واقعها واجب الجميع، وهو مسؤولية مشتركة، وأن على كل فرد من أفرادها أن يسعى بحسب ما أوتي نحو الإصلاح.. ٤- تشجيع المبادرين، والثناء عليهم، وإظهار صنيعهم، وجعل مبادراتهم سبباً في حث الآخرين على الاقتداء بهم. ٥- تقبّل الأخطاء الواقعة من المبادرين واحتوائها، ومحاولة التخفيف من آثارها، وعدم تعنيف فاعليها، وبيان صحة الدافع لذلك العمل بغض النظر عن تحقيق النتيجة من عدمه. ٦- أهمية عدم تضخيم العوائق أمام المبادرة ومحاولة التغلب عليها، وعدم الوقوف عندها طويلاً. ٧- عقد الجلسات والندوات لبحث سبل إحياء روح المبادرة ومجالاتها. نصائح لمريد المبادرة: ١- الثقة بالله والتوكل عليه، وإخلاص النية قبل البدء في أي أمر من الأمور. ٢- دراسة المشروع المقدم عليه قبل البدء فيه، ودراسة جوانبه حتى لا تذهب الجهود سدى. ٣- الثقة بالنفس والتخلص من الهزيمة النفسية وترك الخوف من الإخفاق الذي طالما قصم مشاريع وقوض من عزائم. ٤- سمو الأهداف وعلو الهمة مما يجعل المبادرة تحقق أفضل النتائج، وأن لا يكون المبادر قصير النظر ممن لا يجاوز نظره قدميه بل يحاول إنجاح المبادرة، وتوسيع فاعليتها، وبثها بين الآخرين. ٥- التربية الجادة التي من ثمارها كما سبق أن يشعر المرء بالمسؤولية الملقاة على عاتقه مما يجعل المرء مبادراً بطبيعته. ٦- الجرأة المنضبطة، والإقدام المدروس؛ حيث إن الخوف سبب رئيس للإخفاق، غير أن التهور سبب آخر كذلك، ونحن بحاجة إلى جرأة وشجاعة مضبوطة بزمام العقل والدراسة والتأمل العميق، مع العلم والمعرفة لحدود الإمكانات والمواهب والعمل بموجبها. ٧- التضحية بالمصالح الذاتية لمصلحة الأمة؛ فالمبادرة قد تجر على صاحبها مادياً أو معنوياً؛ ما تجر، ومع ذلك فاستشعاره للأجر والمثوبة يدفعه للتضحية. ٨- أن تعلم أيها الأخ الكريم أن المشكلة ليست في أن تخطئ؛ وإنما المشكلة أن لا تعمل، وأما من يعمل ويبادر فإنه سوف يخطئ بلا شك ولكنه خطأ في سلسلة من الإصابات والنجاحات، والمحاولةُ والتكرارُ سبيل للنجاح والتميز. واجب المصلحين: ولا بد للمصلحين من تشجيع المبادرة الفردية لدى المسلم، ومكافأة الذين يطلقون أكبر عدد ممكن من المبادرات الجديدة [٧] ، وأن يحرصوا على أن يكون اللوم على من بادر وعمل ثم وقع في الخطأ أقل من اللوم على من لم يبادر أصلاً. وفي الختام: أرجو أن أكون قد وُفّقْت في إثارة شيء من الاهتمام وإلقاء الضوء على هذا الموضوع المهم، آملاً أن تكون المبادرة بإثارة الموضوع على صفحات هذه المجلة دافعاً للمربين والدعاة إلى إثراء الموضوع بمقالات أكثر عمقاً وموضوعية، وعذري هاهنا أنني مبادر.. ومن شأن المبادر أن يكون على عمله آثار الجدة والحداثة مما يجعل المطاعن عليه أكثر.. وحسبي أنني لفتّ النظر إلى الموضوع، سائلاً الله تعالى أن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، والله من وراء القصد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2871

تأصيلات دعوية الوحدة بين المسلمين ودورها في بناء الكيان الحضاري للأمة الإسلامية لؤي عباس الهزايمة إن موضوع الوحدة بين المسلمين، موضوع قديم حديث، ينبغي على الأمة ألا تمل طرحه لما له من أهمية في بناء حياتها وكيانها، وسأعرض للموضوع بشكل سريع دون الدخول في ثناياه وتفاصيله المترامية؛ فالموضوع يستقي أهميته من عدة جوانب: الجانب الأول: تركيز القرآن الكريم والسنة النبوية على هذه القضية، واعتبارها هدفاً وغاية من غايات هذا الدين وأصلاً من أصوله. والجانب الثاني: هو المنظور التاريخي، الذي يتمثل في بيان دور هذه الوحدة في بناء حضارة الإسلام المجيدة؛ فالحديث عن الوحدة حديث عن عوامل بناء دولة الإسلام في عهد الرسول ﷺ والتي تمثلت في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والتي شكلت بدورها حضارياً أرسى دعائم هذه الحضارة لقرون متتالية. أما الجانب الثالث: فهو منظور الواقع، الذي يتمثل في حاجة المسلمين في هذا الزمان إلى هذه الوحدة حتى يستعيدوا ريادتهم في قيادة الأمم، فالحديث عن الوحدة بأشكالها وألوانها هو حديث عن مستقبل الإسلام، وحديث عن الحضارة الإسلامية المقبلة؛ إذ لن يتسنى للمسلمين في زمننا هذا استعادة هويتهم وشهادتهم على الناس إلا بتوحدهم؛ لأن مخالفة هذا التيار تيار الوحدة إنما يعني التشرذم والتفكك ومن ثَمّ الانهيار الحضاري، والله يقول: [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ..] [النساء: ٢٩] ، والقتل هنا قد يراد به المعنى الحقيقي ويراد به المعنى المجازي الذي يعني التشرذم والتفكك المنافي للوحدة والذي يشكل معولاً من معاول انهيار الحضارة الإسلامية، وعقبة من عقبات المسيرة الحضارية. وإننا إذ نسعى إلى تحقيق الوحدة في واقع المجتمعات الإسلامية، نسعى إلى تحقيقها ضمن مفهومها الواسع والشامل، بكل أشكالها وألوانها، فنريد [١] : الوحدة الفكرية أو التصورية: وتعني اتفاق الأمة على الأسس المنهجية وعلى وحدة النظر في شؤون الكون والحياة للوصول إلى الحقائق. ونريد الوحدة الثقافية: والتي تعني اتفاق الأمة على الآليات التي يتم من خلالها إنجاز الأمور النظرية علمياً في أرض الواقع. ونريد الوحدة السياسية: والتي تعني وجود كيان سياسي واحد تتوجه إليه أنظار المسلمين كافة، والذي يشكل المرجعية لتمكين منهج الله في واقع الناس. ونريد الوحدة الوجدانية: والتي تمثل المشاركات العاطفية التي يحس بها المسلمون تجاه بعضهم، فيفرح المسلم لفرح إخوانه المسلمين، ويحزن لأحزانهم، ويتألم لآلامهم. بهذه الوحدة وبمفهومها الواسع، قام الكيان الحضاري للأمة الإسلامية في عهد النبي. ومما تجدر الإشارة إليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى رأسه الجهاد في سبيل الله والذي يمثل العامل الأكبر لصيانة هذا الكيان، ما كان لتقوم له قائمة لولا الوحدة، ولذا اعتبرها القرآن الكريم شرطاً من شروط القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يظهر ذلك من تقديم قوله تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ... ] [آل عمران: ١٠٣] ، على قوله تعالى: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [آل عمران: ١٠٤] . السبيل إلى الوحدة: لقد وجه الخطاب الإلهي أتباعه إلى سبيل الوحدة، فقال : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ... ] [آل عمران: ١٠٣] ، فالسبيل هو الاعتصام بحبل الله المتين، والتمركز حول العقيدة الإسلامية، واعتبار نصوص الوحيين هما المرجعية في تحديد الغايات، والمنطلق، والمسيرة (آليات العمل) ، للوصول إلى الأهداف المرسومة. وإن هذه الأمة لن تجتمع حتى تتوحد نظرتها العقدية، وفق فهم السلف الصالح، وتختط منهجاً يتفق ونهج النبي ﷺ ، مع مراعاة أوجه التغيير ومواكبة تطورات الزمان والمكان، يقول تعالى: [إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء: ٩٢] . وإننا بقدر ما نؤمن بحاجة الأمة إلى التغيير الفاعل في واقعها للخروج من أزمتها الراهنة، بقدر ما نؤمن بأن العامل الأمثل للتغيير هو (تغيير الذات) ، [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، ومن مقتضيات تغيير الذات: التعالي عن معاني الحقد والتحاسد والبغض والكره للمسلمين، وتخلية النفس من شوائب الازدراء والسخرية لأفراد المجتمع المسلم. وبالمقابل فإنه ينبغي تحلية النفس بالمعاني النبيلة، والمعاني السامية: بمعاني الحب والود والعطف والشعور بالرحمة والرأفة نحو المسلمين، وتبني قضاياهم وهمومهم، والسعي على ضعافهم ببذل المعروف والمال، والصبر على إيذائهم والدعاء وبذل النصيحة لهم، فإن هذا بمجموعه يولد مجتمعاً مترابطاً متماسكاً متآخياً، وهي الحالة التي أشار إليها النبي - ﷺ بحالة الجسد الواحد في قوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٢] . وحينما شرع الله الوحدة ودعا إليها، ووجه المسلمين نحوها، شرع ما يؤدي إلى تحقيق هذه الوحدة ويعين عليها، ويعمل على صيانتها، فشرع صلاة الجماعة التي يصلي فيها المسلمون ضمن حركات متناسقة تنساب كأنها أمواج البحر، لا يشوبها تضارب أو تضاد، وبألفاظ واحدة، خلف إمام واحد، متجهين إلى قبلة واحدة، يدعون إلها واحداً، وشرع الزكاة التي تمثل أكبر مظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام، والتي تظهر فيه معاني التراحم والتعاطف، وشرع الصيام الذي تظهر فيه معاني الشعور نحو الآخرين، والحج الذي يمثل بحق المؤتمر العالمي الإسلامي السنوي، الذي يظهر فيه المسلمون بمظهر واحد يلبون نداء رب واحد. الفرقة وأثرها في الانهيار الحضاري: إن للفرقة دوراً كبيراً في تعطيل مسيرة الأمة نحو غاياتها المثلى، وأهدافها النبيلة، لتحقيق كيانها الحضاري للقيام بأمر الله، وتبليغ دينه، وتنزيل منهجه في أرض الواقع لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة. فالفرقة تبدد الطاقات وتنأى بها عن استثمارها في مساربها الصحيحة، وتثني النفس عن عزيمتها وهمتها، وتجعل نظرة الأمة قاصرة، بعيدة عن التطلع نحو آفاقها ومراميها، منشغلة بوضعها الداخلي، دون الانتباه إلى ما يحوم حولها ويحاك ضدها من الدسائس والمؤامرات التي يقوم بها أعداء هذه الأمة، ومن هنا فقد حذر القرآن الكريم المسلمين من الفرقة؛ يقول تعالى: [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . وبما أن المثال الواقعي والمترجم عملياً في أرضية الواقع، هو أبلغ في التمثل والتأسي والاقتداء والاعتبار، ركز القرآن الكريم على هذا الجانب الذي يمثل الجانب القصصي والتاريخي من الكتاب العزيز، فضرب القرآن لنا أمثلة واقعية من واقع التاريخ الإنساني من واقع أهل الكتاب ليبين لنا دور الفرقة وخلخلة الصف في زوال الأمم وانهيارها وذهابها، يقول تعالى: [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] [آل عمران: ١٠٥] ، ويقول: [إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام: ١٥٩] . وإن نظرة إلى واقع المجتمعات الغربية، بما فيها أمريكا وأوروبا، يرى الفاحص المدقق أنها مجتمعات آيلة إلى السقوط وفق هذه السنة الإلهية؛ فهي مجتمعات مريضة من داخلها وإن استحسن الناس ظاهرها، مجتمعات منهارة، متفككة، خربة، وخاصة على الصعيد الاجتماعي. وصدق الله القائل: [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] [الحشر: ١٤] . ولا شك أننا بحاجة إلى دراسات جادة تشخص لنا أسباب الفرقة وعوامل انهيار الوحدة، حتى يتسنى للعاملين في الحقل الإسلامي مواجهتها والتصدي لها وإيجاد الحلول المناسبة. إلا أنه يمكن الإشارة إلى أبرز هذه الأسباب؛ فمنها: ١- الخلل العقدي: الذي يعتبر أكبر العوامل في انهيار الوحدة بين المسلمين؛ لأن من مقتضيات وجود خلل في التصور، وجود خلل في السلوك واضطراب في وحدة الصف، وخذ مثلاً: هزيمة المسلمين وتفرقهم يوم حنين [٣] . ٢- الغزو الاستعماري: بأشكاله وألوانه، الذي عمل على تمزيق الأمة فكرياً وثقافياً وسياسياً وجغرافياً ... ومن العوامل أيضاً: العصبية والعنصرية، والأطماع الشخصية التي تولد الأحقاد والضغائن والسعي إلى تحقيق الذات ولو على حساب الآخرين، وهذه الأخيرة تمثل في الحقيقة انعكاساً للخلل العقدي والغزو الاستعماري. الاختلاف الفقهي هل ينافي الوحدة؟ إن الاختلاف الفقهي وتعدد الآراء ووجهات النظر ضمن إطار الدليل الشرعي وضمن ضوابط الشريعة، وفي إطار مسوغات وحجج مقبولة؛ لا يناقض الوحدة، ولا يعاديها؛ بل على العكس من ذلك؛ فإنه يساندها ويعاضدها ويقويها. وتعتبر هذه القضية ميزة تتحلى بها الأمة المحمدية؛ لأن الإسلام يمثل الدين الخاتم الصالح والمصلح لكل زمان ومكان، فجاءت نصوص الوحيين تحمل في طياتها إمكانية تعدد الأفهام لمراعاة التغير على مر العصور، ولمواكبة التطورات والتغيرات المستحدثة. فإن الاختلاف يصبح مذموماً، إذا كان بعيداً عن ضوابط الشرع، وبما يؤول إليه من التشرذم والتحزب والتناحر والتحاقد، وإن نظرة إلى واقع التاريخ الإسلامي، نجد أن هذا الاختلاف في مراحل معينة قد استنفد طاقات الأمة، وعطل مسيرتها الفكرية والثقافية والحضارية، وللأسف فإننا ما زلنا نعيش بهذه العقلية إلى الآن، وأعداء الإسلام والمسلمين قد توحد شملهم للنيل من هذه الأمة ومنهجها الرباني. ومما تجدر الإشارة إليه أن وجود تيارات إسلامية في الساحة الإسلامية، ليس من الاختلاف والفرقة المشار إليها في الحديث: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة..) [٤] ، بل هو من تعدد الآراء والاجتهاد وتنوع آليات العمل ووسائله مع الاتفاق على القواعد العامة والمبادئ الكلية، ما دامت تلك الاتجاهات في إطار الاختلاف التنوعي لا اختلاف التضاد. كما أن لحرية الرأي دوراً كبيراً في الوحدة الفكرية بين المسلمين؛ يقول الدكتور عبد المجيد النجار [٥] : (وقد جعل القرآن الكريم حرية الرأي بمعنى الصدع به وإفشائه بين الناس، أساساً من أسس الاجتماع في قيام الأمة، والحفاظ عليها، وتمكين وحدتها، وذلك في قوله تعالى: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] [آل عمران: ١٠٤، ١٠٥] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صميم حرية الرأي في تبليغه والاحتجاج له، وقد بين الرسول ﷺ أن تعطيل هذه الحرية أو الزهادة فيها يفضي إلى الانقطاع في وحدة الأمة، والانقطاع في صلة العباد بالله، فقال في ذلك: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحق أطراً؛ أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم) [٦] .

стр. 2872

تأملات دعوية معيار تصحيح الأخطاء عبد الله المسلم لا شك أن تصحيح الخطأ أمر يسعى إليه كل امرئ جاد في حياته حريص على تحقيق أهدافه، فضلاً عن المؤمنين الصادقين، الذين يرون الخطأ يأخذ مدى أبعد من مجرد لوم الضمير وعتاب النفس. لكن علاج الأخطاء أحياناً يوقع في خطأ آخر، ومن ثم فوقوع الخطأ ليس هو وحده المعيار الأوحد في تقبل مقولة من ينتقِد واعتباره أنه على الحق، والسعي لإثبات وقوع الخطأ ليس منجياً للمنتقَد ولا كافياً في سلامة موقف المنتقِد. وها هو النبي ﷺ ينكر على أصحابه في أكثر من موقف أسلوب تعاملهم مع الخطأ وعلاجهم له، ومن ذلك القصة المشهورة للرجل الذي بال في المسجد، وقصة معاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة، وقصة الشاب الذي جاء يستأذن بالزنا فهمّ به أصحاب النبي ﷺ ، وغيرها كثير. وحين نتحدث عن أخطاء إخواننا فإن دراسة الظروف والأجواء التي ولّدت الموقف الخاطئ أمرٌ له أهميته في إعطاء الخطأ حجمه الطبيعي والمعقول، إضافة إلى إدراك البيئة وطبيعة المجتمعات التي يعيشها إخواننا. ومن الأمور المهمة لتقويم أخطاء إخواننا أن نطبق المقياس والمعيار الشرعي في الحكم على الأعمال والمشروعات والبرامج؛ فمجرد كون الأمر لا يروق لنا، أو لم نألفه، أو لم يعجب فلاناً من الناس، أو حكم عليه بأنه غير مناسب.. مهما كان شأن هذا الشخص، كل ذلك ما لم يكن منطلقاً من جانب شرعي فلا يسوغ قبوله، فضلاً عن أن يكون سبباً في الحكم على إخواننا وإسقاطهم. وأحياناً في تقويمنا للأعمال والبرامج الدعوية نفترض الكمال في البشر، فنريد فقيهاً متمكناً، وأن يكون في الوقت نفسه سياسياً ماهراً، واقتصادياً بارعاً، ومفكراً يدرك القضايا الساخنة في عصره ويعيها، وقيادياً يجيد فن الإدارة وتوجيه الناس وتفعيل الطاقات، إلى غير ذلك مما يصعب أن يتحقق في جماعة فضلاً عن فرد. ولماذا لا نقبل في فرد من الأفراد أن يتميز في ميدان من الميادين ولو على حساب ثغرة أخرى يسدها غيره؟ وحين يُلْجِئُ إخوانَنا صراعُهم مع أعداء الله ﵎ إلى الوقوع في أخطاء وتجاوزات، فذلك وإن كان لا يسوغ منهم، ونبل مقصدهم لا يسوّغ لهم ذلك، إلا أن من يتحدث عنهم ينبغي أن يتحدث عن الجميع، ولا يسوغ له أن يشن حملة ظالمة على إخوانه، ويدع الظالم الأكبر الذي يتربص بأهل الإسلام الدوائر، فظلمه وجوره وخطؤه لا يقارن بخطأ الدعاة. بل الأدهى من ذلك أن يقف المنتقِد في صف واحد مع أعداء الله في مواجهة إخوانه ورفاق دربه، وأن يسوّغ للظالمين بطشهم وجورهم. فمتى ندرك حق إخواننا علينا؟ ومتى نعي مسؤوليتنا عن نصرتهم وموالاتهم والوقوف معهم في صف وخندق واحد؟ كل ذلك لا يعني ألا نتحدث عن الأخطاء وألا ننتقد؛ بل هذا من النصح الواجب للمؤمنين، لكن ينبغي أن يكون في إطار ما يحقق المصلحة، وألا يخل ذلك بواجب الولاء والنصرة للمؤمنين.

стр. 2873

ندوات ومحاضرات ندوة عن: هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق (الحلقة الثالثة) إعداد: وائل عبد الغني تناول أصحاب الفضيلة ضيوف الندوة في الحلقة السابقة إيضاح قضية: إلى أي حد يستوعب المسلمون قضية الهوية؟ وكيف ينظر أعداؤنا إلى هويتنا الإسلامية؟ ثم بيان صور مختلفة لأساليب طمس هويتنا الإسلامية. وهذه الحلقة تتناول جوانب أخرى من الموضوع نترككم معها. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - * نريد أن نتتبع مسيرة التغريب في بلادنا منذ بداية الأزمة، وما العوامل التي أسهمت في نجاحه؟ أ/ جمال سلطان: نأخذ مثال مصر باعتباره مثالاً واضحاً وقوي الأثر؛ فقد نشط الإنجليز في الجانب التعليمي وترجمة القوانين حتى الفرنسية منها. أسسوا مؤسسات علمية منافسة للمؤسسات الشرعية الموجودة، كدار القضاء في مقابل الأزهر، والمحاكم المختلطة في مقابل المحاكم الشرعية، مع التضييق على المحاكم الشرعية، كما أقاموا المدارس الأجنبية كذلك في مواجهة المعاهد الأزهرية، ثم رُبط النظام التعليمي الجديد بالوظائف. ثم بدأ بتغذية بعض الحركات الجديدة وإنعاشها، كتبني بعض الشوام، عن طريق إعطائهم دورات في الفنون، وإرسالهم إلى مصر لإنشاء مؤسسات فنية تروّج لأفكار جديدة، ورؤى جديدة، لم يكن ينتبه إليها أبناء ذلك الجيل. وبدأ اللعب على النخب الموجودة والقيادات، وربط مصالحهم بالمصالح الإنجليزية، ثم تأسيس أحزاب على أسس علمانية. كما استفادوا من نشر الكتب في بث أفكارهم المنحرفة، لأمثال قاسم أمين الذي دافع عن الهوية والحضارة والحجاب والشريعة في أول أمره، ثم انقلب بعد خمس سنوات بزاوية (١٣٠) في كتابه (تحرير المرأة) ثم زادت الهوة فبلغ الانقلاب إلى (١٨٠) في كتابه: (المرأة الجديدة) ، وكذلك علي عبد الرازق. وهناك أسلوب أخطر رصده د. محمد حسين هيكل في كتابه: (ثورة الأدب) في فترة العشرينات، يقول: (إننا كنا نرى في الجامعة أناساً مستشرقين وغيرهم، يحتكّون بالطلبة ويقيمون صداقات مع بعض الطلبة النابغين، ويغلفون هذه الأنشطة بالبحث العلمي والأدبي) . يقول: (ولكني أزعم) والرجل كان رجل فكر وسياسة وأدب يقول: (ولكني أزعم أن هذه الأمور لم تكن متعلقة بالأدب، بقدر ما كانت متعلقة بأمور أخرى خطيرة) . والشاهد أن الاحتلال الإنجليزي قد نجح نجاحاً بالغ الخطورة في مسألة (التغريب) على حساب الهوية الإسلامية التي ضُيعت جوانب منها كثيرة، حتى وصل الأمر إلى درجة بالغة من الانهيار في فترة الخمسينات والستينات، قبل أن يتدارك الله بفضله ورحمته أمتنا بالصحوة الإسلامية، لتنتعش الهوية من جديد. لعلنا استطردنا في النموذج المصري؛ لأنه كان أسبق في التغريب، كما أنه كان أخطر؛ لما كانت تمثله مصر من كونها قبلة للكفاءات والطاقات الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي، إلى جانب أنه كان يتم تصدير المشاريع الموجودة بها سواء الإسلامية أو التغريبية من خلالها، ولكنا نجد أن الأمور سارت بشكل متقارب في عدة مواضع، كما فعل الفرنسيون في تونس والجزائر، أما تركيا فقد بدأت هذه الأمور فيها منذ وقت مبكر عن مصر. الشيخ/ محمد بن إسماعيل: لديّ إضافة بالنسبة لتركيا وما صنعه أتاتورك لتغريب المجتمع هناك، وكيف أنه يتكرر بحذافيره في كثير من بلادنا اليوم، فالرجل قد ألغى الخلافة، وعطل الشريعة، وألغى نص الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، وألغى المحاكم الشرعية، والمدارس الدينية والأوقاف، وحوّل الأذان العربي إلى التركية، واستبدل الحروف العربية باللاتينية، وكان يقول: (لقد انتصرت على العدو، وفتحت البلاد، هل أستطيع أن أنتصر على الشعب؟) . وهو الذي قال: (كثيراً ما وددت لو كان في وسعي أن أقذف بجميع الأديان في البحر) ! ، وهو الذي استدعى وهو على فراش الموت السفير الإنكليزي (بيرس لورين) ، في قصر الرئاسة بإستانبول، وعرض عليه أن يخلفه في منصب الرئيس، ورفض السفير بلباقة! وبلغ الشغف بالتغريب إلى حد أن قال أغا أوغلي أحمد وهو أحد غلاة الكماليين: (إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم) . * نود الحديث عن أهم القنوات التي تُسلل من خلالها لتغريبنا. د/ جمال عبد الهادي: أخطر قنوات التغريب التي ركز عليها الاستعمار قناتا: (التعليم، والإعلام) ، وقد تكلم عن أثرهما (هاملتون جب) في حديثه عن تغيير الهوية الإسلامية، قال: (ومن ثمّ نستطيع أن نقول حسب سير الأمور: إن العالم الإسلامي سيصبح خلال فترة قصيرة لا دينياً في كل مظاهر حياته ما لم يطرأ على الأمور عوامل ليست في الحسبان فيتغير اتجاه التيار) . لذلك فإن النفوذ الغربي قد ركز في سبيل تفريق وحدتنا الإسلامية على التعليم كعامل هام في إدخال مفاهيم الكراهية للإسلام، والافتتان بالغرب من أجل خلخلة الانتماء، والتشويش عليه، ومن ثمّ القضاء عليه مع امتداد الأجيال، وقد جاء ذلك عن طريق الثقافة الغربية المبثوثة في مختلف العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على أساس أن هذه المفاهيم لها طابع نصراني. أما وسائل الإعلام فقد نجحت في تشكيل ثقافة الأمة، والتأثير عليها إلى حد بعيد جداً، وسر نجاحها أنها استطاعت أن تتخطى حاجز الأمية بالوسائل المرئية والمسموعة، بل والمقروءة أحياناً والتي أصبحت تُقرأ عبر التلفاز، وتكمن الخطورة في أنها أصبحت تملك المصداقية لدى رجل الشارع العادي الذي لا يجد أمامه خياراً آخر سوى تصديقها، أضف إلى ذلك مستوى التقدم المذهل في تقنيات الإرسال والاستقبال، وبرامج المعلومات، وتقنيات التأثير النفسي على الجماهير، من خلال الوسائل الإعلامية التي تحاول فرض الهيمنة الفكرية والثقافية عليها، تحت شعار: (ما أريكم إلا ما أرى) . * وماذا عن وسائل الإعلام ودورها في أزمة الهوية؟ أ/ جمال سلطان: يعد الإعلام من أخطر وسائل الاسترخاء، بل والتخدير في العصر الحديث، فخطر التليفزيون على سبيل المثال أعظم من أن يوصف، لذلك لما وصفه أحد الباحثين بأنه: (الأب الثالث) للطفل، رد عليه آخر قائلاً: (لا.. بل هو الأب الأول) . فالإعلام أصبح موجهاً ومربياً وبرامجه قائمة على دراسات نفسية واجتماعية عميقة لتحدث الأثر المطلوب. وأكبر مثال على ذلك هو كيفية تقديم الرئيس الأمريكي عند انتخابه: كم نسبة من يعرفونه من الشعب إلى من لا يعرفونه قبل الانتخاب؟ الواضح أن الجماهير لم تكن لتعرفه إلا عن طريق الشخصية الإعلامية الملمعة. وعليه فإن الذي يصنع آلة الإعلام هو الذي يصنع الرئيس الأمريكي، ويصنع قبل ذلك العقول والأذواق وأساليب التفكير. ولننظر إلى الصحف كيف تشكل الرأي العام، وهي مسألة في منتهى الخطورة، وتقف وراءها مؤسسات متخصصة كاملة. د/مصطفى حلمي: يرى (لاتوش) في كتابه: (تغريب العالم) أن أروع نجاحات التغريب يكمن في انتشار أدوات السلطة التي من أهمها الإعلام، ويستدل على ذلك بما رصده (كاستورياديس) بفطنة ثاقبة عن تقنيات السلطة، أي (تقنيات الخبل الجماعي) : (هناك مكبر صوت في كافة القرى يبث خطاب الزعيم، هناك تليفزيون يهتم بنفي الأخبار.. إلخ، وتنتشر هذه التقنيات بسرعة النار في الهشيم، وقد اجتاحت الأرض بأسرها، وسرعان ما انتشر في كل مكان أن أيّ أومباشي في أي بلد من بلدان العالم الثالث، يحسن استخدام سيارة الجيب، والرشاشات، والبشر، والتليفزيون، والخطب، وكلمات (الاشتراكية) ، و (الديمقراطية) ، و (الثورة) وكل هذا، قمنا نحن بمنحه لهم، وتلقينه إياهم بسخاء بالغ) ! ! . * كيف نجح الغرب عبر التعليم في طمس هويتنا من أجل تغريبنا؟ د/ جمال عبد الهادي: الغرب لم يعد يقنع في تغريب التعليم بما حققه، ولكنه ما زال يطمع في المزيد؛ لأن التعليم هدف استراتيجي بعيد المدى خطير الأثر. فبعدما نجح في تغريب النخبة عبر التعليم، إذا بنا نراه يطمح لتغريب المجتمع كله، عبر وضع المناهج الدراسية العامة! . فهل يعقل مع هذا أن نستجلب مستشارين من غير جلدتنا، ليضعوا لنا مناهجنا التربوية، وسياستنا التعليمية؟ ! .. هل يعقل أن نسلم كل عقول الأجيال القادمة إلى أناس لا يرقبون فينا إلاً ولا ذمة، ونسلّم لهم في كل ما يقولونه؛ ونطلق أيديهم للعب في المناهج التعليمية بدءاً من المناهج الدينية إلى العلوم الإنسانية والتطبيقية، وعلوم التقنيات الحديثة؟ وقد ظهر أخيراً إلى أي حد بلغ التآمر على هويتنا؛ فحذف كل ما يعمق الفهم الإسلامي ويقوي الانتماء، وكل ما يذكر بعدوان الغرب لنا أو حتى انتقاده، أو بعداوة اليهود والنصارى، ولو كانت نصوصاً من القرآن والسنة، بالإضافة إلى التسطيح المتعمد للعلوم الإنسانية والتجريبية؛ بحيث تصبح بلا دلالة ولا مضمون، فيقف الطالب عند الحد النظري منها دون أن يستفيد أي خبرة أو مهارة عملية. يضاف إلى ذلك علمنة المفاهيم، وتغريب التقاليد والعادات، وإشاعة المساوئ الأخلاقية من خلال نشر الصور العارية، والقصص المبتذلة الساقطة في مناهج اللغات الأجنبية، ومحاولة نشر الفاحشة عن طريق ما يسمونه بالثقافة الجنسية، التي بدأوا يقيمون لها دورات وندوات، تشمل في بعض الأحيان تلاميذ المرحلة الابتدائية! لنرى إلى أي حد تتأثر سياساتنا بمخططات أعدائنا. ونحن نسأل: ماذا يريد المسؤولون عن التعليم في بلادنا أن يُخرجوا لنا؟ ! هل سيخرّجون نموذجاً إسلامياً؟ أو حتى قومياً أو وطنياً؟ أو على أقل تقدير إنساناً لديه أي قيم؟ للأسف! ليس شيئاً من ذلك. وبدون أدنى تحقيق فإن الناظر فيما يجري، يرى مدى الخطر الداهم الذي يهدد هويتنا الإسلامية، بل وحتى الهويات البديلة المصطنعة من أجل مزاحمة الهوية الإسلامية. الشيخ/ محمد بن إسماعيل: إذا أحببنا أن نشبه تأثير التعليم الغربي اللا ديني، فيمكن اعتباره (كالحامض) الذي يذيب شخصية المسلم، وهذا ما عبر عنه المستشرق (جب) : (والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب؛ هو أن تتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي ... هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين، وقليل من الزعماء الدينيين) اهـ. إنه من غير المعقول ولا الجائز، أن تستورد أمة لها شخصيتها ورسالتها، ولها عقائدها ومناهج حياتها، ولها طبيعتها ونفسيتها، ولها تاريخها وماضيها أن تستورد نظاماً تعليمياً أجنبياً عنها، ثم تكل وظيفة التعليم والتربية، وتنشئة الأجيال، وصياغة العقول إلى أناس لا يؤمنون بهذه الأسس والقواعد، بل يناصبونها العداء! أمثلة ونماذج على تخريب التعليم: * هل يمكن ذكر نماذج واقعية من خلال ما يجري في مناهج التعليم من تزوير للهوية تحت مسمى التطوير؟ د/ جمال عبد الهادي: ألغي في مصر التاريخ الإسلامي من المرحلتين الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب. فبينما كان التاريخ الفرعوني يدرس في (٧٥) صفحة، وفي المرحلة الإعدادية فقط، أصبح يدرس في المراحل الثلاث وفي (٣١٧) صفحة. هذا التوسع جاء على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يدرس في المراحل الثلاث في (٣٠٧) صفحة، ليختزل في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى (٣٢) صفحة! . وبينما نجد أن عصر النبوة كله يدرس في (١٠) صفحات نجد أن الملك (مينا) وحده يدرّس تاريخه في تسع صفحات، واختزل تاريخ خالد بن الوليد رضي الله عنه وفتوحاته في (٦) أسطر، في حين يدرس (نابليون) وحملته على مصر في (٣٤) صفحة. أما السيرة النبوية الشريفة فتبدو وكأنها تعرض سيرة شخص من عامة الناس، لا سيرة أعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو على أقل المفروض سيرة مصلح أو زعيم تقليدي؛ حيث حذفت مواطن العظمة ونماذج القدوة، فضلاً عن التشويه المتعمد لكثير من الوقائع التاريخية، مثل ما يثار من شبهات حول الخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله عليهم. أما الحضارة الإسلامية فقد طمست أهم معالمها؛ كالنظام السياسي والإداري والمالي، والقضائي، وشوهت فترات القوة فيها، فصوروا حياة الخلفاء فيها على أنها حياة لهو ومجون، ووصموا الحضارة بالعنصرية والطبقية، بل وحذفت أي جملة، أو كلمة تحيي روح الانتماء للإسلام والاعتزاز به. ومن جوانب المؤامرة كذلك: ما تم إخفاؤه من حقائق؛ مثل إخفاء حقيقة الحملات الصليبية، تحت مسوغات مادية أو مصالح غربية لإضعاف حس الولاء والبراء والحمية للإسلام. كذلك ما يتم في معالجة التاريخ الحديث لبلادنا على ضوء التاريخ الأوروبي الحديث، وبنظرة ومفاهيم غربية بحتة، لذا لم تبين لنا مثل هذه المعالجة مدى المصائب التي أضرت باقتصادنا وسلبت ثرواتنا وما زالت، وحرمتنا من إنتاج رغيف خبزنا، بل ومنعتنا من تطبيق شريعتنا، وذلك منذ بدء الاحتلال الأوروبي الصليبي وحتى اليوم. كما أخفت أن سياسة أوروبا الاستعمارية القديمة ما زالت مستمرة، وأن النظام الدولي الجديد ما هو إلا امتداد للنظام الاستعماري القديم، كما حذفت أي عبارة تشير إلى دور أمريكا وبريطانيا في غرس الكيان اليهودي في أرض فلسطين. وهكذا اقترنت الغزوة العسكرية والاقتصادية لديارنا بغزوة فكرية، تعزل الإسلام تماماً عن حركة التاريخ، ومعترك الحياة. فلا عجب إذا ما فرّغت كتب التاريخ والجغرافيا من مضمونها، وحُرم النشء المسلم من معرفة تاريخ أمته العربية الإسلامية وأدوار قوتها وضعفها، ومن هم أعداؤها في الماضي والحاضر، وما هي أهم واجباته لمواجهة مخططاتهم، وبخاصة مخطط تمزيق وحدة الأمة، وبعثرة جهودها وسلب خيراتها، ومحاولة تكبيلها للسيطرة عليها. تم إغفال إبراز فكرة التعاون والتكامل الإسلامي العربي (الوحدة الإسلامية) لحساب المشروعات الوافدة، كمشروع الشرق أوسطية، أو البحر متوسطية، لذلك تم حذف كل ما يشير إلى التضامن الإسلامي، أو الخلافة الإسلامية، أو الجامعة الإسلامية. الثقافة والهوية: * وماذا عن الاختراق الثقافي للعقل الإسلامي، وما مدى تأثير ذلك على الهوية؟ د/ جمال عبد الهادي: الاختراق الثقافي أصبح قضية تحدٍ خطيرة؛ لأن القضية دوّلت، ففي عام ١٩٨٧م أعلنت الأمم المتحدة؛ أن السنوات العشر القادمة ستكون للتنمية الثقافية. ومفهوم التنمية لديهم معروف لذي الفطن! ولكن بعد مضي السنوات العشر ما الذي جنيناه من جراء هذا الإعلان؟ لم تتحقق أي تنمية، بل على العكس من ذلك؛ إذ كان تحريفاً وتزييفاً وتضليلاً، ورغم توقيع غالب الدول على هذه الاتفاقية غير أن ما يمارس اليوم من هيمنة إعلامية وثقافية غربية، وبالذات الأمريكية منها، يمكن اعتباره حرباً عالمية ثقافية حقيقية تدعمها القوة المسلحة، مصحوبة بالاستخدام الواسع لوسائل الاستخبارات والتقنية الحديثة، فضلاً عن وسائل الردع والضغط الاقتصادي، لاستخدام قيم العدو، وهنا يكمن الخطر؛ ورغم هذا يسمونه (البديل الديموقراطي) . وتسعى الولايات المتحدة إلى فرض تصورها بالقوة، كما جاء ذلك في خطاب كلينتون؛ الذي ألقاه يوم تنصيبه رئيساً في ٢٠ يناير ١٩٩٣م: (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا) ! . لعبة الديمقراطية: * إذن فالبديل الديمقراطي ما هو إلا لعبة تغريبية، يُمارس من خلالها الخداع، والتسويق الثقافي لفلسفات جامدة. د/مصطفى حلمي: هناك الكثير من المصطلحات مثل: (الديموقراطية) ، و (التحرر) ، و (البحث الحر) ، وأمثالها، هذه الشعارات ارتبطت بالتغريب، وهي في حقيقتها شعارات خادعة تخفي الواقع المخالف لها تماماً، لذلك لا يسمح الغرب للقيم الحقيقية أن تنافس قيمه الزائفة، ويقولون بصراحة: (لن نسمح لهذه القيم أن تطبق، إنها مجرد شعارات) ، فهدفهم هو تغريب العالم ككل، ولو من أقصر طريق. يقول (لاتوش) : (إذا كان للحضارة أن تختزل إلى الشرطة والجيش، فإن العالمية متحققة إذن من الآن) فنحن نواجه اليوم (إمبريالية ثقافية غربية) وبالأخص (إنجلوساكسونية) ، أما دورنا فمجرد مستقبلين! فأين (الديمقراطية) المزعومة إذن؟ ! د/جمال عبد الهادي: اسمحوا لي بمداخلة بسيطة مع الدكتور مصطفى: هناك صورة من أخطر صور التغريب والتضليل، أحب أن ألقي عليها بعض الضوء، وهو ما يمارس لفرض منهج معيب في البحث تحت مسمى (العلم) ، بينما لا نجد هذا المنهج مطبقاً في بلاده، ولا بين أهله، وهذا يعني أنه منهج مصمم خصيصاً للمستعمرات، وبالذات لبلادنا الإسلامية للقضاء على كيانها، من أجل الحيلولة بين الأجيال الجديدة، وبين روافد هويتها الحقيقية. (فالأدب العربي) وفق هذا المنهج: أدبٌ منفصل، نشأ في العصر الحديث، وارتبط بالحملة الفرنسية، ومعنى هذا؛ أنه أدب منفصل تماماً عن الأدب العربي والإسلامي في عصوره الممتدة. و (الفكر العربي) : عبارة عن فكر نشأ في ظروف الاتصال بالغرب؛ وعليه فإنه لا يمتّ إلى المنهج الإسلامي ومصادره بأية صلة. و (دراسة التاريخ) تتم من أجل النقد (أو قل: الطعن) في رموز الإسلام، أو تهميشها، أو التعمية عليها، والمقابل هو إبراز النماذج الشعوبية والتآمرية المنحرفة، بدعوى الحياد في السرد التاريخي. والدافع الذي يفسر به التاريخ، ليس هو دافع العبودية، أو الصراع الأبدي بين الخير والشر، أو الحق والباطل، وإنما يفسر بالنفعية أو الذاتية. ولنا أن نتصور حجم المصيبة إذا نشأت عقول باحثينا، ومن يقرأون لهم على مثل هذا المنهج المضلل. ولا غرابة إذا رأينا من يطعن في الإسلام بحجة التطوير، أو في رموزه بحجة النقد، أو في تاريخه بدعوى الحياد، ولا عجب بعدها إذا ما نظروا إليه على أنه تخلف وغموض ووساوس، والله المستعان. مفهوم التنمية: * قضية التنمية، أو ما يعبر عنه بـ: (التنمية) اليوم، أو (الدول النامية) . ما صلة هذا اللفظ بحرب الهويات؟ د/ مصطفى: يمكن لنا أن نضع قذائف التغريب الثقافي في كفة، وما يجتاح (العالم الثالث) من حمّى الغزو الاقتصادي في كفة أخرى، لا لقوته التي تفوق الغزو الثقافي فحسب، ولكن لخفائه أيضاً وتسربه الخادع إلى العقول والنفوس؛ لأنه يتخفّى تحت عنوان باهر باسم (التنمية) . يقول د. جلال أمين: (إن هذا الغزو الغربي لاقتصاديات وثقافة بلاد العالم الثالث هو بالضبط ما يحدث منذ أن رفع شعار: تنمية هذه البلاد، وإطلاق اسم التنمية على هذا الغزو، وتسمية الدول الخاضعة له باسم (الدول النامية) ، هو مثال من أسوأ ما يمكن أن يقدّم من أمثلة على الاستعمال الفاسد للغة، وعلى تسمية الأشياء بغير أسمائها. ولكن أن نذهب إلى حد وصف تلك المجتمعات الرافضة، أو المقاومة لهذا الغزو، أو التي لا تخضع له بالسرعة الواجبة، بوصف (الدول المتخلفة) ، فهذا من قبيل عدم الاكتفاء بإيقاع الأذى، بل وإضافة الإهانة إليه) . أ/ جمال سلطان: تعتبر التنمية الاقتصادية جزءاً هاماً من البعد الحضاري الذي يشكل بعداً من أبعاد الهوية، هذا البعد في مجمله له أثر في غاية الخطورة على قضية الانتماء؛ لأن التغريب استطاع أن يكسب من خلاله أرضية واسعة في غزوه للهويات؛ لأنه يتعلق بالمناخ الفكري، والثقافي، والمعرفي، والقيمي، والسلوكي، والأخلاقي الذي يعيش فيه الإنسان، وفي هذا المجال يتلاعب التغريب عبر وسائله بشكل مباشر، لدرجة أنه يحدد الذوق الشخصي للإنسان، ويملك أن يقنعه بالمتناقضات في آن واحد. ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إدخال نمط الطعام الغربي لحياتنا، حتى أصبح الطعام بهذه الصورة ثقافة، ونستشعر ذلك في الاحتفال الضخم الذي أقامه الأمريكان لافتتاحهم أول فرع لـ (ماكدونالد) في القاهرة أو في روسيا، فالربح الماديّ باعتباره العامل الاقتصادي الأكبر لم يكن هو الدافع الوحيد لكل هذا الابتهاج، ولكن المسألة تتلخص في أنه بافتتاح (ماكدونالد) باعتباره واجهة تغريبية يمكن نشر مجموعة من التقاليد والسلوكيات الأمريكية، مما يمثل نوعاً من الغزو المستتر، ونموذجاً للحرب الطاحنة للنفاذ إلى العقول والقلوب، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى التلويح باستخدام القوة، من أجل فرض قيم معينة. ومن نماذج هذا الصراع، ما يجري بين (الأمركة) و (الفرانكوفونية) ، على النفوذ والوجود الثقافي في القارة السوداء، والمستعمرات الفرنسية السابقة. * وهل من علاقة بين (التنمية) و (التنصير) على اعتبار أن (التنصير) هو أعلى غايات (التغريب) ؟ د / مصطفى حلمي: الغرب من حيث أنه يمثل وحدة تركيبية تتفاعل فيه مجموعة مؤثرات دينية، وأخلاقية، وعرقية، واقتصادية، والأقرب أنه كيان ثقافي، وظاهرة حضارية. لكن التنصير يبرز ممثلاً أحد مظاهر نشاطه التغريبي، وأبرز أشكاله البروتستانتي بزعامة الولايات المتحدة، والكاثوليكية بزعامة فرنسا، ويقدم تحت ستار (النشاط الإحساني) وفق تعبيرهم المتمثل في المساعدات والإعانات الخيرية والاجتماعية، أو تحت ستار (النشاط العقلاني) عبر المدارس التنصيرية والنشرات وجهود المستشرقين، وغالباً ما تقرن مشروعات التنمية بـ (تحت راية الصليب) ، ويزداد الأمر دهاءً في بعض الأحيان فيطلقون على التنصير نفسه وصف التنمية. * في أحيان كثيرة يبرز دور الشركات المتعددة الجنسيات فيما يطلق عليه (التنمية) ، هذه الشركات التي قد تفوق ميزانيتها ميزانيات بعض الدول. فما صلتها بخطط التغريب؟ د/ مصطفى حلمي: نعم، لقد أصبح لها دور خطير في توجيه سياسات الدول واقتصادياتها، وأنماط حياتها، فلم يعد الربح هو الهدف الوحيد، ولكن (السّلطة) أيضاً إلى جانب تبديل الوعي الثقافي، وهذا يعتبر نقضاً للميثاق الذي يقضي بأنه (لا يجوز من مثل هذه الشركات، التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد التي تعمل فيها) ، وقد بين لاتوش سذاجة من يثق في هذا الميثاق. * مظهر آخر لعله من أخطر مظاهر (التغريب) ، أو (التخريب) ، ما يسمى بـ (حوار الأديان) ، الذي صار الغرب يلعب من خلاله، على كثيرٍ ممن ينتسب إلى العلم والتوجيه الشرعي، ويلبّس به على عامة الشعوب. د/مصطفى حلمي: تكاثرت في الفترة الأخيرة الدعوة إلى الحوار بين الأديان، ولهذه الدعوات مغزاها ودلالاتها، وحصادها الخبيث الذي بدأنا نصطدم به في واقعنا. والمتابع للمؤتمرات التي تعقد تحت هذا المسمى، فإنه يدرك من مجرياتها مدى الغزو الفكري، والعقدي المقنع، الذي يُدس من خلال التشكيك والاتهام من جهة واحدة، ضد جهة واحدة، (الأديان الأخرى) ضد (الإسلام) . د/جمال عبد الهادي: لا يجوز بأي حال من الأحوال، أن تطرح مسائل العقيدة، والقيم، والأمور المعلومة من الدين بالضرورة للحوار، أو تكون موضوعاً للتفاوض؛ لأنها من النظام العام لهويتنا؛ بل هي النظام العام نفسه، الذي لا ينبغي لتعليم ولا لإعلام أن يخالفها، وإلا كان هادماً لهوية الأمة، معرضاً أمنها للخطر، ومستقبلها للضياع، وأما ما يجري في مثل تلك المؤتمرات بحجة مسايرة العصر، أو التفاعل مع الحضارات الأخرى، ففرية تحيل الأمة إلى (قرد) يقلد الآخرين، و (ببغاء) يردد ما يقال دون أن يعلم له معنى. وأما الاحتجاج بمصلحة الوطن فوهمٌ؛ لأنه لا قيمة للوطن إذا كان يسكنه شعب ضائع، مستعبد على أرضه، يعيش ليأكل، ويتمتع كما تتمتع الأنعام. ما الحل؟ * بعد أن تبين حجم التحدي وقدر المخاطر المحدقة بنا نريد أن نرسم خريطة تكون بمثابة ورقة عمل تجمع الجهود المتناثرة، وتحدد الأدوار التي يمكن تقديمها من أجل استعادة الهوية المضيعة. الشيخ/ محمد: ابتداءً، نحن لا نبتدع هوية مفقودة، ولكننا نريد استعادة الوعي بالهوية الموجودة التي صارت كأنها صفحة مكتوبة تراكمت عليها طبقات الأتربة، حتى صارت غير مقروءة؛ لأن أحداً لم يحاول قراءتها منذ زمن، فالواجب هو إزالة هذه الأتربة، واستحضار واجترار، وإحياء الأفكار والقيم التي يطلب الوعي بها من وراء حائط النسيان، وهذا الهدف لا يتم إلا بعد تحديد الوسائل، وتوظيف الطاقات المتاحة. وأهم هذه الوسائل: تدعيم دور الإعلام الإسلامي بكافة أشكاله ليؤدي دوره في: ١- إحياء حركة تجديد الدين بالمفهوم السلفي الواضح، لنعود إلى منابع الإسلام الصافية متمثلة في (منهاج النبوة) ، بعيداً عن مخلفات القرون. ٢- الدعوة إلى حتمية الحل الإسلامي لمعضلات واقعنا الأليم، وتحرير الهوية من كل مظاهر الخَوَر والتبعية، والقضاء على العقبات التي تحول دون تطبيق الإسلام كمنهج شامل للحياة. ٣- التصدي لمحاولات تذويب الهوية الإسلامية، وقطع صلة الأمة بدينها، والتي تجري اليوم على قدم وساق من خلال تخريب مناهج التعليم، وتشويه التاريخ الإسلامي، وإضعاف اللغة العربية، ومزاحمة القيم الإسلامية بقيم غربية، وغير ذلك من أنشطة (التبشير) العالماني والغزو الفكري، وتسميم الآبار الإسلامية، أو ما يُطِلق عليه الذين لا خلاق لهم عبارة: (تجفيف المنابع) بلا مواربة نسأل الله أن يجفف الدم في عروقهم، وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويريح البلاد والعباد من شرورهم. د/جمال عبد الهادي: يمكن إضافة هذه النقاط إلى ما ذكره الشيخ محمد، وهي: ٤- بذل الجهد الشخصي في الدعوة إلى الله، ونشر الدين بين الناس؛ مثل إقامة حلقات تحفيظ القرآن ولو في البيوت: [ ... وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ] [يونس: ٨٧] ، وكذلك في الجامعات والمدارس والمساجد. ٥- فتح المدارس الإسلامية، وتشجيع القائمين عليها، وتحفيزهم، والإصرار على إنجاح هذه الفكرة من الجميع. ٦- تأسيس الجمعيات والمؤسسات الخيرية، التي تنشر الدين، وتحفّظ القرآن وتعلّم واللغة. ٧- تنبيه أولياء الأمور إلى خطورة المدارس الأجنبية على دين أولادهم وانتمائهم. ٨- إعداد خريطة إسلامية في مجالي التعليم والإعلام، ومن ذلك توجيه نظر المعلمين إلى خطورة المسؤولية الملقاة على عاتقهم؛ لأنه رغم كل ما يجري، يستطيع المعلم بفضل الله أن يربي النشء على التمسك بهويته الإسلامية، وكذلك الحرص على إيجاد منافذ إعلامية لمخاطبة الناس من خلال إعلام إسلامي بديل. ٩- الإشادة بالدعاة والعلماء، وتوجيههم إلى أهمية أن يكون الخطاب الدعوي متكاملاً، يركز في جوانب منه على مقومات الشخصية الإسلامية، وعرض الدين كنظام حياة متكامل، (كخلافة للإنسان في الأرض) . ١٠- فضح ما يجري في مجالي التعليم والإعلام، تحت مسمى التنوير لتخدير الأمة، ويدخل في ذلك؛ مقاطعة المجلات والصحف التي تحارب الهوية الإسلامية، وتشيع أنماطاً للحياة غير الإسلامية.

стр. 2874

في دائرة الضوء نحن والجمهور الأوروبي د. محمد يحيى تنشغل الأوساط الدينية والإعلامية الرسمية في العديد من البلدان العربية والإسلامية في الآونة الحالية بقضية عريضة متشعبة تُطرح تحت اسم عام هو: (الإسلام والغرب) وقد انشغلتُ بدوري في مقالات سابقة (ولاحقة بإذن الله) في متابعة جوانب من الطروحات المتصلة بهذه القضية والتعليق النقدي عليها. ومن هذه الجوانب ما يتصل بالجمهور الغربي (الأوروبي ثم الأمريكي) الذي يتوجه إليه المنشغلون بهذه القضية بالخطاب. وأذكر بادئ ذي بدء أن الخطاب أو الكلام الموجه من الجانب العربي الإسلامي إلى الجانب الغربي لا يصدر عن (جمهور) إسلامي ليوجه إلى الجمهور الغربي؛ فالمتحدثون والمنشغلون، بل والمندفعون والخائضون في هذا الهم، في الغالب ليسوا من قلب (الجمهور) الإسلامي بمعنى القطاع العريض والمثقف من أبناء الأمة. وإنما تتحرك فئات بحكم الوظيفة وفي إسارها ووفق التعليمات الصادرة إليها؛ ولهذا فإن الذي يتصدى لمخاطبة الجمهور الغربي مصاب منذ البداية بقصور خطير؛ وأخطر ما فيه هو خضوعه لتوجيهات وتعليمات قصيرة النظر وربما تكون مغرضة الهدف. كما أن هذا الطرف المخاطِب للجمهور الغربي يستبعد منذ البداية أن يكون هدف الخطاب أو الحوار كما قد يسمى أحياناً أو الاتصالات أو التفاعل: هو القيام بواجب الدعوة الإسلامية أو حتى التعريف بالإسلام وعقيدته؛ بل على العكس يحدد دور الخطاب وهدفه مسبقاً في غرض محدود الأفق هو ما يوصف عادة بتحسين صورة الإسلام لدى الجمهور الغربي، أو تصحيح هذه الصورة أو طرح ما يوصف بالمفاهيم الإسلامية الصحيحة في وجه مفاهيم أخرى يقال إن الإسلام المتطرف والمتعصب والإرهابي قد روّجها لدى ذلك الجمهور. إذن: نحن منذ بدء العلاقة مع الجمهور الغربي نجد فئة معينة تحتكر أو يحتكر لها حق الخطاب الموجه لهذا الجمهور؛ فضلاً عن حق إدارة ما يسمى بالعلاقة بين الإسلام والغرب، وهذه الفئة تعاني من قيود وأوجه قصور عديدة حتى إذا استبعدنا جانب سوء القصد والنية. وفضلاً عن أوجه القصور والعيوب هذه التي تنفي أن تكون هذه الفئة ممثلة للإسلام والمسلمين؛ فإن الهدف الموضوع لخطابها الموجه للجمهور الغربي هو هدف محدود ومغرض له طابع سياسي نفعي، ولا صلة له بدين الله أو عقيدة الإسلام وشريعته؛ ذلك أن هدف تحسين الصورة وتصحيح المفاهيم لا يقصد به كما يدل الواقع هذه الأشياء على محدوديتها، بل يرمي كما سبق لكاتب هذه السطور أن أشار مراراً إلى تقديم نسخة من الإسلام عُدلت وبُدلت (أو قل شُوهت وابتُسرت) حتى ترضي الجمهور الغربي المخاطَب بها، وتستجيب لما يحب هذا الجمهور نفسه أن يرى الإسلام عليه ديناً معلمَناً متغرباً يشبه ما آلت إليه المسيحية هناك؛ بل ويفتقر إلى الحيوية والفاعلية التي ما زالت الكنائس هنا تتسم بها. هذا عن القائمين بالخطاب؛ فماذا عن الجمهور الغربي المخاطَب؟ من الواضح أن الخطاب الصادر عن الجانب العربي الإسلامي الموصوف فيما سبق والداخل في إطار عملية التفاعل بين الإسلام والغرب لا يستهدف الجمهور الغربي العام كأفراد وجماعات عريضة قدر ما يوجه إلى قطاعات ومؤسسات بعينها فاعلة في المحيط الغربي ويرتجى نفعها وقوتها لصالح القائمين بالخطاب وللقوى السياسية الحاكمة والنخب العلمانية المؤثرة في البلدان الإسلامية. وهذه المؤسسات هي: المؤسسة السياسية في الحكم، والأحزاب الرئيسة، والبرلمان، والقوى السياسية الضاغطة، ثم المؤسسة الدينية في الكنائس الكبرى وتنظيماتها الكثيرة، ثم المؤسسة الإعلامية الأخطبوطية الواسعة الانتشار والبالغة النفوذ، ثم المؤسسة الأكاديمية وبالذات فرعها الاستشراقي، وأخيراً ما يمكن أن يسمى بالمؤسسة السياحية أو القطاع المشرف على ترويج وتوريد السياح للبلاد الإسلامية المعنية. والخطاب الموجه إلى كل مؤسسة على حدة وإليها جميعاً قد شكل بطريقة تستجيب كما قلنا لما تحب هذه المؤسسات أن يكون عليه الإسلام؛ وأيضاً بطريقة تستجلب رضا هذه المؤسسات (ومن ثَمّ مساعدتها ومعونتها الاقتصادية والإعلامية والسياسية وحتى الأمنية) للقائمين بالخطاب على الجانب الإسلامي ولمن يقف وراءهم من نخب حاكمة وعلمانية؛ فالخطاب الموجه للمؤسسة السياسية في الغرب يقول: إن الإسلام دين سلام ومحبة وتعاون مع غير المسلمين، وليس دين حرب أو عنف كما يتصور الغربيون على ضوء تجربتهم مع المسلمين (كما يزعم القائمون بالخطاب) . لكن هذا الطرح الجميل الوردي يخفي وراءه الرسالة الحقيقية التي يراد توصيلها للحصول على رضى تلك المؤسسة السياسية الغربية ألا وهي أن الإسلام ينبغي أن يكون دين خمول وسكون يستكين للضيم، ولا يحارب دفاعاً عن الحق والدين والعرض أو لدفع العدوان والكيد. ووصول هذه الرسالة يستجلب استمرار المعونات الاقتصادية التي أصبحت أنظمة معينة لا تستطيع الاستغناء عنها كما يستتبعه إسباغ الحماية والدعم الأمني والإعلامي للنخب العلمانية الحاكمة في وجه خصومها من الإسلاميين وحتى غير الإسلاميين. والخطاب الموجه للكنائس الغربية لا يدعو هذه الكنائس مثلاً إلى إيقاف أو حتى تخفيف حدة عمليات التنصير في الأوساط الإسلامية وغير الإسلامية الموجودة في بلدان إسلامية؛ بل يتركز هذا الخطاب في سذاجة ولا مبالاة معاً على القول بأن الإسلام يعترف بالأديان السابقة عليه؛ وكأن هذا الاعتراف يقصد به الصور الحالية للنصرانية واليهودية، أو كأنه يقر بعقائد التثليث وغيرها. ولا يهتم القائمون بهذا الخطاب بحقيقة أن هذه الأديان السابقة نفسها لا تعترف بالإسلام في أحسن الحالات إن لم تحاربه وتعاديه. والغريب أن دعاوى الاعتراف بالأديان السابقة هذه على فرط تهافتها وتخاذلها لا تؤدي إلى رد كريم من جانب الكنائس الغربية يتمثل في تخفيف غلوائها النصرانية على أقل الأحوال، وإنما على العكس من ذلك فإنها تستخدم هذه الدعاوى في تدعيم تحركات الكنائس التنصيرية في البلاد الإسلامية؛ حيث يقال للمسلمين في أفريقيا وآسيا وغيرها: إن كبار رجال الدين (الرسميين) في البلاد المعتبرة قلب العالم الإسلامي يعترفون بهذه الكنائس، ويزورونها هاشِّين باشِّين ويبجلون رجالاتها. أما للمؤسسة الأكاديمية الغربية فالخطاب لا يتضمن تصحيحاً لمفاهيم أو تحسيناً لصورة، بل يقدم لهم الإسلام بعد مروره في آلة طبع المفاهيم الغربية ليخرج صورة تحلو لهم. فالقرآن يوصف لهم بأنه كتاب مقدس يشبه الإنجيل، ويجوز عليه ما جاز على الإنجيل من تأويل ونسخ وتبديل وإسقاط، والأحاديث النبوية أو السنة ليست سوى موضوعات لتخدم أهدافاً سياسية وقبلية، أما الشريعة والفقه فليست هي الأخرى سوى قوانين وتعاليم وضعية ألفها الفقهاء والعلماء ويجوز بل يجب أن تتغير. ولما كانت هذه الصورة هي التي آل إليها حال النصرانية في الغرب منذ قرون عديدة؛ على يد حركات فكرية عديدة؛ فإن المؤسسة الأكاديمية هناك تعتقد أن كل الأديان وبالذات الإسلام يجب أن تؤول إلى هذا المصير. والمؤسسة الإعلامية الغربية التي تروِّج الأكاذيب المعروفة حول شهوانية وقسوة المسلمين وظلم المرأة والحجاب والمحرمات الإسلامية.. إلخ تقدم لها صورة (ليبرالية) عن الإسلام المتفتح الذي لا يمانع في اختلاط الرجال بالنساء، ولا يعبأ كثيراً بالرقص والغناء، ولا يعادي أنماط الحياة الغربية وأساليبها، بل يباركها ويحث عليها بدءاً من الفنون (الجميلة) وانتهاءاً بالفوائد المصرفية. وهذه الصورة ترضي الإعلام الغربي وتستجلب السياحة فيما يظن القائمون بالخطاب إلى هذه القطاعات من الجمهور الغربي. هذا هو حالنا مع الجمهور الغربي في إطار العلاقة مع الغرب التي فرضت موضوعاً ينشغل به البعض من فئة قليلة انخلعت من الانتماء للإسلام.

стр. 2875

مقالات مُعَربة إيهود أو لمرت: [*] (أنا أكثر اليهود حظاً في الكون) لقاء صحفي مع عمدة القدس ترجمة: د. باسم خفاجي س: هل للديانات التوحيدية الرئيسة في نظرك مطالب دينية فيما يتعلق بالقدس؟ أي الإسلام، والنصرانية، واليهودية؟ أولمرت: لا، فهناك اختلاف بينها؛ إذ لا توجد مقارنة بين مركزية القدس في الديانة اليهودية من ناحية وبين وضعها في الديانة المسيحية والإسلامية من ناحية أخرى، إن الإسلام لم يعتبر القدس أبداً أهم مدينة؛ فالقدس حسب التقاليد الإسلامية هي فقط ثالث أهم مدينة، ومركز الإسلام هو مكة. وعندما يصلي المسلمون فإنهم يتجهون بوجوههم نحو مكة، وبالمناسبة فإنهم عندما يقفون في المسجد الأقصى فإنهم يديرون ظهورهم لجبل الهيكل. إضافة لذلك فإنه لم تكن القدس عبر تاريخها الطويل أبداً ولأي لحظة عاصمة لأي كيان عربي أو مسلم [!] ، لقد كانت الرملة (وهي بلدة صغيرة تقع على بعد٤٠ كيلو متراً شمال القدس) عاصمة لذلك الكيان لفترة ما خلال بداية الحكم الإسلامي للقدس، وذلك من أجل عدم جعل القدس بالذات العاصمة حتى لا تزاحم مكانة مكة، أما النصارى، فإن أهم وأقدس مكان لهم في القدس هي كنيسة القيامة والتي يعتقد أنها مكان دفن المسيح وطريق الآلام الذي سار فيه المسيح. إن القدس بلا شك مكان مهم (للمسيحية) ، أما بالنسبة لنا نحن اليهود فإن القدس هي كل شيء؛ فهي مركز التاريخ اليهودي، ومركز الحياة اليهودية، ومركز الديانة اليهودية. إن القدس تمثل أطهر تعبير لكل ما صلى اليهود من أجله وحلموا به وصرخوا من أجله وماتوا من أجله خلال الألفي عام التي تلت تدمير الهيكل الثاني، كان على كل يهودي ملتزم خلال الألفي عام تلك أن يصلي ثلاث مرات في اليوم، على الأقل، ويذكر القدس في كل صلاة وهو يتوقع أن يرجعنا الإله بفضله إلى القدس يوماً ما. س: هل يجب أن تترجم المطالب الدينية إلى حقوق سياسية وإقليمية؟ أولمرت: بالتأكيد، فالحقوق السياسية لا تنبع من فراغ، والأمر بسيط؛ فهذه الحقوق تتبع إطاراً ذا أبعاد تاريخية ودينية وسياسية، فما هو بعد ذلك كله أساس الادعاءات الفلسطينية حول كون القدس عاصمتهم؟ إن هذه الادعاءات يجب أن يكون لها جذور في التاريخ حتى يكون لها أساس، ثم انظر إلى التفاصيل بعد ذلك؛ فما هو التاريخ الفعلي للشعب الفلسطيني في القدس؟ س: ماذا عن حقوق السكان المسلمين الذين يقطنون القدس اليوم؟ أولمرت: إن ٢٨% من سكان القدس اليوم هم فلسطينيون، وأنا لا أنكر هذه الحقيقة، وفي نفس الوقت فإن القدس ليست أول مدينة تحتوي على أقلية قومية، ولا توجد أي مدينة تحتوي على أقليات من هذا النوع وتم تقسيمها بحدود عرقية، إن ذلك لم يحدث أبداً، والقدس لن تكون أول مدينة تقسم بهذا الشكل. س: هل يمكن القول إن كلاً من اليهود والمسلمين يسعى لكسب الدعم النصراني لموقفهم؟ بكلمات أخرى: هل يكون النصارى هم العامل الحاسم؟ أولمرت: إن هذا أحد الطرق لتفسير ذلك، إلا أنه ليس أدقها حيث إننا لن نسمح لأي كائن من كان بأن يحدد هذا الصراع. وهذا الصراع في الواقع قد تم تحديده بالفعل منذ ثلاثة آلاف سنة. إن القدس ليست حقيقة نحاول خلقها الآن، إن القدس كانت وهي الآن وستظل عاصمتنا للأبد، ولن يقوم النصارى أو غيرهم بتحديد نتيجة هذه المعركة لنا بشكل مفتعل أو فني. نحن من سنحدد نتيجة هذا الصراع، ولدينا المثابرة، والعزيمة وقوة الإرادة والقوة النابعة من الالتزام، والآن فمن الصحيح القول إن المجتمع النصراني هو الأقوى سياسياً في العالم، ونتيجة لذلك يسعى طرفا المعركة لكسب هذا المجتمع في صالحهما، ولا يقتصر ذلك على القدس فقط بل وعلى النزاع العربي الإسرائيلي، إننا نرغب أن تكون الدول المأهولة بالنصارى كالأوروبيين والأمريكان داعمة لنا، وإنني أعتقد أنها كذلك لدرجة كبيرة، إلا أنني أكرر مرة أخرى أن ذلك لا يعني أنهم يقررون من الذي سينتصر في القدس. س: هل أنت قلق من أن تتحول القدس اليهودية إلى مدينة الحاريدين (Haredi) وبمعنى أصح أن تصبح القدس مكاناً يهيمن عليه التقليديون المتطرفون؟ أولمرت: إنني لست قلقاً. نعم! الحاريديون لهم معدل ولادة مؤثر إلا أن ما لا يدركه الناس هو أن الحاريديين لهم أعلى معدل هجرة من القدس، والسبب لذلك اقتصادي، حيث إن أثمان الإسكان في القدس مرتفعة جداً والحاريديون هم الأقل قدرة مالية؛ ولذلك يبحثون عن السكن خارج المدينة، ولهذا السبب ذاته فإن بلدات كبيتار، وكريات سيفر، وما تينونياهو تطورت، بالإضافة للمناطق السكنية للحاريديين في بلدات بيت شمس، وكريات غات وأشدود، لقد تطورت هذه بشكل سريع على مدى السنوات الثلاث الماضية. س: ماذا عن التطلعات الاقتصادية للقدس وهي إحدى أفقر المدن الإسرائيلية؟ أولمرت: إننا نحاول تحسينها من خلال القيام يجهود منسقة بين البلدية والحكومة الوطنية، إن الالتزام بتقوية القدس ليس مجرد مصلحة محلية أو أمل أي رئيس لبلدية القدس يريد أن ينجح في عمله، بل إنها أولوية إسرائيلية على أعلى المستويات، (إن ضمان تقوية القدس يجعل الناس يرغبون السكن هنا؛ وانتقال الأعمال إلى هنا يعني إعطاء هؤلاء الناس الحوافز الصحيحة، وإنني أعتقد أنه بإمكاننا ذلك وسنقوم بذلك في النهاية، إن الحكومة الوطنية وحدها تمتلك المعدات والوسائل لتحقيق تغيير كهذا، فبإمكانها على سبيل المثال أن تقرر أن كل مهاجر جديد لإسرائيل سيحصل على منحة إضافية في حال قرر السكن في القدس بدلاً من أي مكان آخر في إسرائيل، وعندما يحصل ذلك سترى كيف سيفضل المهاجرون السكن في القدس، وبنفس المنوال في حال حصلت كل من المحطات التصنيعية على منحة إضافية إذا قررت العمل في القدس فإنك سترى المزيد من ذلك في المدينة؛ إن الموضوع متعلق بالأولويات الوطنية. س: وهل سيقدم المهاجرون والمصانع بالرغم من المشاكل العالقة في القدس وبالرغم من الصراع الذي يأخذ مكانه الآن حول مستقبل المدينة؟ أولمرت: أجل؛ وذلك لأنه في النهاية لا يوجد اختلاف سياسي رئيس بين القدس وتل أبيب. إن القدس تعاني من التفجيرات الانتحارية وكذلك تل أبيب، وبشكل عام فإن أي شخص مستاء من الوضع في القدس وقد يكون له الحق في ذلك سيجد أن المشاكل ليست مقتصرة على تلك المدينة فقط، ومن ناحية أخرى فإن مزايا العيش في القدس الطقس الرائع والهواء الرائع والدمج الجميل بين القديم والحديث وديناميكية مجتمع القدس، والتطوير في الاقتصاد والصناعة في القدس هي حوافز كبرى للناس ليأتوا ويسكنوا هنا. س: لو قبلنا أن العرب واليهود لهم حق العيش حيثما يرغبون، فهل ستقوم باحترام تقليد الأحياء المنفصلة كما هو الآن؟ أم ستفضل رؤية هذه مفككة؟ أولمرت: ليس بإمكاني أن أقول لك إن حلمي هو أن أجد المزيد من العرب يعيشون في القدس، إنني آمل أن لا يكون هناك المزيد من العرب يعيشون في القدس؛ وذلك لأن الاختلافات القومية لها أثر على نمط الحياة والمناخ والعلاقات بين مختلف السكان. لدينا ما يكفي من المشاكل في القدس، إن أولئك القاطنين في القدس لديهم الحق في حياة متساوية، وليس لدينا القدرة والسلطة لطردهم؛ إلا أنني لا أبحث عن حلول من شأنها أن تجلب المزيد من العرب للمدينة. لا، أنا لا أحبذ ذلك. س: لنفترض أن هناك عدداً معيناً من العرب في القدس، هل يجب أن يعيش هؤلاء مع اليهود جنباً إلى جنب دون زيادة أو نقص في هذا العدد؟ أولمرت: ذلك ليس على قمة أولوياتي، وهو شيء لا أخشى منه. س: إلا أنه يبدو أن العرب لا يريدون التكامل، وهم يفضلون مدارس منفصلة وأماكن منفصلة للعيش؟ أولمرت: ذلك مرة أخرى ليس على قمة أولوياتي، وأنا لا أخشى حدوث ذلك، وفي حالة حدوثه فليكن الأمر كذلك. س: ما هي أولى أولوياتك إذن؟ أولمرت: القيام باستثمارات رئيسية في مناطق ذات أهمية لمستقبل القدس، هذا هو السبب الذي جعلني أفضل بناء المجمع السكني في حارهوما (جبل أبو غنيم) . س: ولماذا هذا المشروع على هذه الدرجة من الأهمية؟ أولمرت: إنه مشروع استراتيجي سيوفر ٧٠٠٠ وحدة سكنية إضافية للقدس، مما يجعله مدينة صغيرة بحد ذاته. وذلك من أجل تخفيف المشاكل السكنية في المدينة. إن الآلاف من الأطفال يعيشون الآن في المدينة من دون سكن ملائم بإمكان آبائهم شراؤه، وهناك مصلحة حقيقية كما ترى في البناء في حارهوما، إضافة لذلك فإن المشروع يقع في موقع استراتيجي سيؤثر في مستقبل القدس. س: بأثر رجعي، هل تم التعامل مع قرار البناء السابق بشكل سليم؟ أولمرت: بالتأكيد، لم يكن هناك أي طريق آخر لبناء حارهوما، وأنا سعيد جداً لبنائنا حارهوما، وإنني أعدك أننا سنستمر في بناء حارهوما، إن المشروع لم يتم تجميده. س: لقد نقلت صحيفة مصرية تصريحاً لك ذكرت فيه أن إطالة فترة محادثات مسيرة السلام يخدم المصالح الإسرائيلية؛ لأنه يسمح للإسرائيليين (بإنهاء مشاريع البناء الاستيطانية) هل هذا ما تشعر به بالفعل؟ أولمرت: لا أذكر أنني قلت شيئاً من هذا القبيل؛ إلا أننا لا نحتاج إلى أي عذر لاستمرار البناء في أي مكان نرى ضرورة البناء فيه، ربما قلت: إن العرب قد يعتقدون أنهم يعاقبون إسرائيل من خلال تعليق المحادثات ليكتشفوا في النهاية أنهم يعاقبون أنفسهم بالفعل، إنني لا أتذكر أنني تفوهت بما ذكرته؛ ولكن كما تعرف فإن الصحافة العربية لا تحتاج لأي حقائق من أجل بناء جدالهم، إنه بإمكانهم بكل سهولة خلق الحقائق التي تناسبهم. س: هل ستقوم بفتح نفق (ألهسمونيان) (تحت المسجد الأقصى) بطريقة مختلفة عن السنة الماضية لو أتيح لك أن تقوم بذلك مرة أخرى؟ أولمرت: لا، بل يجب ألا يتغير أي شيء قمنا به، باستثناء أنه في المرة القادمة على رئيس الوزراء أن يتأكد من كون الجيش متأهباً لمنع ردود الفعل التي سببت العنف قبل عام، فلو كان الجيش جاهزاً وفي مواقعه السليمة لما حدث هناك عنف ضد أناس أبرياء كما حصل بالفعل. س: لقد ذكر صائب عريقات أحد كبار معاوني عرفات حول حادثة النفق (أن الحكومات الإسرائيلية كلما وجدت نفسها تواجه أزمات داخلية سواء نتيجة الفساد، أو انتهاك الثقة أو الرشوة فإنها تحاول صرف الانتباه، إن هذا ما حدث مع أيهود أولمرت عندما تم اتهامه بالرشوة، لم يكن أمامه خيار آخر سوى فتح نفق القدس من أجل صرف الأنظار عمّا كان يجري في المحاكم) هل لك تعليق على ذلك؟ أولمرت: في الواقع هذا لا يستحق أي تعليق، لقد اتهمت بترتيب حفلة من أجل الحصول على تبرعات غير قانونية، وقد تم تبرئتي بشكل قطعي ودون أي التباس في محكمة تل أبيب، قبل عدة أسابيع، ولذلك فإنني نظيف من أي أثر لأي نشاط إجرامي. إن هذا النقاش يجسد التفكير العربي، وهو حالة واضحة للإسقاط الذهني، حيث يصمونني بالطريقة نفسها التي يعالج بها عرفات ومساعدوه مشاكلهم. س: لقد ذكرت فور انتخابك رئيساً للبلدية أنك تفضل التفاوض على وضع القدس الآن قبل الغد، بمعنى أنك تريد القفز لمفاوضات الوضع النهائي، فهل لا زلت تشعر بالشيء نفسه؟ أولمرت: أجل، إلا أن ذلك متأخر الآن، لقد طرحت ذلك قبل ثلاث سنوات، عندما كنا لا نزال في المراحل البدائية لتطبيق أوسلو، لقد كان تسويغي لذلك بسيطاً وهو أنه إذا تركنا قضية القدس للنهاية فقد نجد أنفسنا ندعو المجتمع الدولي ليضغط علينا من أجل تقديم التنازلات في القدس. وكما حدث فإننا الآن على مشارف المرحلة النهائية من المسار التفاوضي، وعليه فليس هناك الكثير مما يمكن لإسرائيل القيام به الآن؛ فالمدينة سيتم التفاوض حولها الآن على أي حال. س: ما هو الحل طويل الأمد الذي تفضله لحل الخلاف حول القدس؟ أولمرت: لقد تم تفصيل الحل قبل ثلاثة آلاف سنة، القدس مدينة واحدة، مدينة موحدة وعاصمة لإسرائيل، لقد حسم الأمر، فأي حل آخر يمكن أن يكون غير هذا؟ س: هل تشتمل هذه الرؤيا على نوع من الحكم الذاتي لعرب القدس؟ أولمرت: حكم ذاتي؟ لا، حرية؟ نعم. س: ماذا عن أي تدابير خاصة أو حقوق طائفية للقاطنين العرب؟ أولمرت: لا شيء يتعدى الحرية الشخصية، هم مخولون بممارسة جميع حقوق المواطنين الأحرار في مجتمع ديمواقراطي. سيكون لهم حقوق فردية تماماً كما يمتلك كل يهودي حقوقاً فردية، لن يمتلك العرب أو اليهود أي حقوق طائفية خاصة في القدس. س: لقد توصل يوسي بيلين وأبو مازن لاتفاقية من ثلاثة عناصر؛ حيث سيقوم الفلسطينيون ببناء مركز حكومة في قضاء أبو ديس ويطلقون عليه (القدس) وستكون القدس الغربية لإسرائيل، أما القدس الشرقية فستبقى موضع النزاع في الوقت الراهن مع بقائها تحت السيطرة الإسرائيلية؛ أما جبل الهيكل فإنه سيبقى تحت السيطرة العربية. ماذا تعتبر هذه الاتفاقية؟ أولمرت: إنها خطة غبية ومتهورة وغير مسؤولة، إنها تتحدث عن وضع أجزاء من القدس تحت السيادة الكاملة للفلسطينيين بما فيها بعض الأماكن المسيحية المقدسة. هل لك أن تتخيل قيام اليهود بمنح المسلمين الحقوق فوق كنيسة القيامة وهي أقدس مكان للنصارى في القدس؟ وأي مسلمين؟ منظمة التحرير الفلسطينية؟ يا للغباء! س: وماذا عن فكرة كون أبو ديس العاصمة الفلسطينية. وأي قيمة لتلك الفكرة؟ أولمرت: إنها سخيفة، إن أولئك الذي يتحدثون عن تلك الخطة يعتقدون أن العرب سيقبلون بحل يبقيهم خارج القدس الفعلية، لو كان العرب جاهزين لذلك فإن السؤال سيكون مختلفاً جداً إلا أنني أشك بذلك جداً. س: هل تقول إن أبو ديس تشبه الحملة القديمة التي تقول بأن (الأردن هو فلسطين) أي منح الفلسطينيين شيئاً لا يرغبونه بالذات على أمل إزاحة عبئهم عن إسرائيل؟ أولمرت: أجل، ربما يأخذون ما قدم لهم، إلا أن ذلك لن يقنعهم لفترة طويلة. س: هل من العدل القول إن السياسة الأمريكية الرسمية تجاه القدس مجمدة زمنياً؟ بمعنى أنها لا زالت تدعو لتدويل المدينة وترفض الاعتراف بالسيطرة الإسرائيلية على الجزء الشرقي منها ولا زالت تحتفظ بالسفارة في تل أبيب؟ أولمرت: للأسف فإن السياسة الأمريكية الرسمية لم تتحرك بأي تطورات فعلية ولا بالنظرة التي يبديها معظم الشعب الأمريكي. س: ولِمَ لا؟ أولمرت: إن هذا شيء ربما بإمكان الأمريكان تفسيره أفضل مني. إنه بإمكاني فقط ملاحظة أنه إذا كان الكونغرس يعكس فعلياً التوجهات الشعبية الأمريكية، ... ويفترض فيه هذا؛ لأن مجلس النواب ينتخب كل سنتين، فليس بإمكان أحد أن يتجاهل حقيقة أن الغالبية العظمى من رجال الكونغرس (والشيوخ) قد صوّتوا لصالح الاعتراف بالقدس العاصمة الموحدة وغير المقسمة لدولة إسرائيل؛ وبالإضافة إلى ذلك فقد طالبوا بنقل السفارة الأمريكية للقدس. س: وهل تتصرف إدارة كلينتون وفق القانون فيما يتعلق بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؟ أولمرت: حسب الجدول الزمني في القانون؛ فإن الإدارة لا زال لديها بعض الوقت، حتى عام ١٩٩٩م، لتقوم بنقل السفارة، ولا استشعر أن الإدارة تقوم بجهود كبيرة في ذلك، إنني آمل استمرار تزايد الضغط حتى تصبح السفارة الأمريكية بالفعل في القدس بحلول عام ١٩٩٩م. س: لقد قال أحمد الطيبي مستشار عرفات حول إسرائيل (أنا لا أعرف ما الذي يحرك أيهود أولمرت) إن هذا الموضوع يستحق بحثاً جدياً؛ فهل لك أن ترد على ذلك؟ أولمرت: لماذا لا يقوم الطيبي باستغلال وقته ويُجري أبحاثاً حول هذا الموضوع ينصح فيها عرفات بدلاً من هدر طاقته كعميل أجنبي، إن دوافعي بسيطة وهي حماية وحدة القدس، هذا هو طموحي وتطلعي وحلمي. س: هل تستمتع بوظيفتك؟ أولمرت: إنني أعتبر نفسي ربما أكثر يهودي تميزاً في الكون؛ وذلك نتيجة المصادفة التاريخية التي منحتني القوة لقيادة هذه المدينة في هذا الوقت من تاريخها، ماذا يمكن أن يكون أكثر إثارة وأكثر سحراً وأكثر أهمية وأكثر مسؤولية من أن تكون قائداً للمدينة التي صلى من أجلها كل يهودي على مدى الألفي سنة الماضية؟ س: ماذا يعني كونك عمدة لبلدية القدس؟ أولمرت: دعني أخبرك بقصة قد تعطيك فكرة عن ذلك. لقد وصلت إلى نيويورك قبل أيام قليلة على متن الطيران الفرنسي بعد تغيير الطائرات في باريس، وعند وصولي جاءني أحد موظفي شركة الطيران وكنت مع زوجتي عندما كنا نهم بمغادرة الطائرة وسألني: (هل أنت السيد أو لمرت؟) أجبته (نعم) فقال: إذن لديّ بعض الأخبار السيئة لك، لقد خفق قلبي؛ حيث كان هناك تفجيران انتحاريان رئيسيان في الشهرين السابقين وخفت على الفور من أخبار انفجار آخر، أو أي نوع من الكوارث في المدينة، فسألته بقلق: (ما الأمر؟) فأجاب: إن حقائبك لم تلحق الطائرة في باريس، ولن تصل لهنا قبل الغد. عندها بدأت أضحك بارتياح، ونظرت إليّ امرأة تعمل في شركة الطيران معتقدة أنني مجنون. إن هذا ما يعنيه أن تكون عمدة لبلدية القدس. إنها ليست بالوظيفة المريحة.
следующие страницы →