← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

تأصيلات دعوية الوحدة بين المسلمين ودورها في بناء الكيان الحضاري للأمة الإسلامية لؤي عباس الهزايمة إن موضوع الوحدة بين المسلمين، موضوع قديم حديث، ينبغي على الأمة ألا تمل طرحه لما له من أهمية في بناء حياتها وكيانها، وسأعرض للموضوع بشكل سريع دون الدخول في ثناياه وتفاصيله المترامية؛ فالموضوع يستقي أهميته من عدة جوانب: الجانب الأول: تركيز القرآن الكريم والسنة النبوية على هذه القضية، واعتبارها هدفاً وغاية من غايات هذا الدين وأصلاً من أصوله. والجانب الثاني: هو المنظور التاريخي، الذي يتمثل في بيان دور هذه الوحدة في بناء حضارة الإسلام المجيدة؛ فالحديث عن الوحدة حديث عن عوامل بناء دولة الإسلام في عهد الرسول ﷺ والتي تمثلت في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والتي شكلت بدورها حضارياً أرسى دعائم هذه الحضارة لقرون متتالية. أما الجانب الثالث: فهو منظور الواقع، الذي يتمثل في حاجة المسلمين في هذا الزمان إلى هذه الوحدة حتى يستعيدوا ريادتهم في قيادة الأمم، فالحديث عن الوحدة بأشكالها وألوانها هو حديث عن مستقبل الإسلام، وحديث عن الحضارة الإسلامية المقبلة؛ إذ لن يتسنى للمسلمين في زمننا هذا استعادة هويتهم وشهادتهم على الناس إلا بتوحدهم؛ لأن مخالفة هذا التيار تيار الوحدة إنما يعني التشرذم والتفكك ومن ثَمّ الانهيار الحضاري، والله يقول: [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ..] [النساء: ٢٩] ، والقتل هنا قد يراد به المعنى الحقيقي ويراد به المعنى المجازي الذي يعني التشرذم والتفكك المنافي للوحدة والذي يشكل معولاً من معاول انهيار الحضارة الإسلامية، وعقبة من عقبات المسيرة الحضارية. وإننا إذ نسعى إلى تحقيق الوحدة في واقع المجتمعات الإسلامية، نسعى إلى تحقيقها ضمن مفهومها الواسع والشامل، بكل أشكالها وألوانها، فنريد [١] : الوحدة الفكرية أو التصورية: وتعني اتفاق الأمة على الأسس المنهجية وعلى وحدة النظر في شؤون الكون والحياة للوصول إلى الحقائق. ونريد الوحدة الثقافية: والتي تعني اتفاق الأمة على الآليات التي يتم من خلالها إنجاز الأمور النظرية علمياً في أرض الواقع. ونريد الوحدة السياسية: والتي تعني وجود كيان سياسي واحد تتوجه إليه أنظار المسلمين كافة، والذي يشكل المرجعية لتمكين منهج الله في واقع الناس. ونريد الوحدة الوجدانية: والتي تمثل المشاركات العاطفية التي يحس بها المسلمون تجاه بعضهم، فيفرح المسلم لفرح إخوانه المسلمين، ويحزن لأحزانهم، ويتألم لآلامهم. بهذه الوحدة وبمفهومها الواسع، قام الكيان الحضاري للأمة الإسلامية في عهد النبي. ومما تجدر الإشارة إليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى رأسه الجهاد في سبيل الله والذي يمثل العامل الأكبر لصيانة هذا الكيان، ما كان لتقوم له قائمة لولا الوحدة، ولذا اعتبرها القرآن الكريم شرطاً من شروط القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يظهر ذلك من تقديم قوله تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ... ] [آل عمران: ١٠٣] ، على قوله تعالى: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [آل عمران: ١٠٤] . السبيل إلى الوحدة: لقد وجه الخطاب الإلهي أتباعه إلى سبيل الوحدة، فقال : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ... ] [آل عمران: ١٠٣] ، فالسبيل هو الاعتصام بحبل الله المتين، والتمركز حول العقيدة الإسلامية، واعتبار نصوص الوحيين هما المرجعية في تحديد الغايات، والمنطلق، والمسيرة (آليات العمل) ، للوصول إلى الأهداف المرسومة. وإن هذه الأمة لن تجتمع حتى تتوحد نظرتها العقدية، وفق فهم السلف الصالح، وتختط منهجاً يتفق ونهج النبي ﷺ ، مع مراعاة أوجه التغيير ومواكبة تطورات الزمان والمكان، يقول تعالى: [إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء: ٩٢] . وإننا بقدر ما نؤمن بحاجة الأمة إلى التغيير الفاعل في واقعها للخروج من أزمتها الراهنة، بقدر ما نؤمن بأن العامل الأمثل للتغيير هو (تغيير الذات) ، [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، ومن مقتضيات تغيير الذات: التعالي عن معاني الحقد والتحاسد والبغض والكره للمسلمين، وتخلية النفس من شوائب الازدراء والسخرية لأفراد المجتمع المسلم. وبالمقابل فإنه ينبغي تحلية النفس بالمعاني النبيلة، والمعاني السامية: بمعاني الحب والود والعطف والشعور بالرحمة والرأفة نحو المسلمين، وتبني قضاياهم وهمومهم، والسعي على ضعافهم ببذل المعروف والمال، والصبر على إيذائهم والدعاء وبذل النصيحة لهم، فإن هذا بمجموعه يولد مجتمعاً مترابطاً متماسكاً متآخياً، وهي الحالة التي أشار إليها النبي - ﷺ بحالة الجسد الواحد في قوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٢] . وحينما شرع الله الوحدة ودعا إليها، ووجه المسلمين نحوها، شرع ما يؤدي إلى تحقيق هذه الوحدة ويعين عليها، ويعمل على صيانتها، فشرع صلاة الجماعة التي يصلي فيها المسلمون ضمن حركات متناسقة تنساب كأنها أمواج البحر، لا يشوبها تضارب أو تضاد، وبألفاظ واحدة، خلف إمام واحد، متجهين إلى قبلة واحدة، يدعون إلها واحداً، وشرع الزكاة التي تمثل أكبر مظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام، والتي تظهر فيه معاني التراحم والتعاطف، وشرع الصيام الذي تظهر فيه معاني الشعور نحو الآخرين، والحج الذي يمثل بحق المؤتمر العالمي الإسلامي السنوي، الذي يظهر فيه المسلمون بمظهر واحد يلبون نداء رب واحد. الفرقة وأثرها في الانهيار الحضاري: إن للفرقة دوراً كبيراً في تعطيل مسيرة الأمة نحو غاياتها المثلى، وأهدافها النبيلة، لتحقيق كيانها الحضاري للقيام بأمر الله، وتبليغ دينه، وتنزيل منهجه في أرض الواقع لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة. فالفرقة تبدد الطاقات وتنأى بها عن استثمارها في مساربها الصحيحة، وتثني النفس عن عزيمتها وهمتها، وتجعل نظرة الأمة قاصرة، بعيدة عن التطلع نحو آفاقها ومراميها، منشغلة بوضعها الداخلي، دون الانتباه إلى ما يحوم حولها ويحاك ضدها من الدسائس والمؤامرات التي يقوم بها أعداء هذه الأمة، ومن هنا فقد حذر القرآن الكريم المسلمين من الفرقة؛ يقول تعالى: [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . وبما أن المثال الواقعي والمترجم عملياً في أرضية الواقع، هو أبلغ في التمثل والتأسي والاقتداء والاعتبار، ركز القرآن الكريم على هذا الجانب الذي يمثل الجانب القصصي والتاريخي من الكتاب العزيز، فضرب القرآن لنا أمثلة واقعية من واقع التاريخ الإنساني من واقع أهل الكتاب ليبين لنا دور الفرقة وخلخلة الصف في زوال الأمم وانهيارها وذهابها، يقول تعالى: [وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] [آل عمران: ١٠٥] ، ويقول: [إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام: ١٥٩] . وإن نظرة إلى واقع المجتمعات الغربية، بما فيها أمريكا وأوروبا، يرى الفاحص المدقق أنها مجتمعات آيلة إلى السقوط وفق هذه السنة الإلهية؛ فهي مجتمعات مريضة من داخلها وإن استحسن الناس ظاهرها، مجتمعات منهارة، متفككة، خربة، وخاصة على الصعيد الاجتماعي. وصدق الله القائل: [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] [الحشر: ١٤] . ولا شك أننا بحاجة إلى دراسات جادة تشخص لنا أسباب الفرقة وعوامل انهيار الوحدة، حتى يتسنى للعاملين في الحقل الإسلامي مواجهتها والتصدي لها وإيجاد الحلول المناسبة. إلا أنه يمكن الإشارة إلى أبرز هذه الأسباب؛ فمنها: ١- الخلل العقدي: الذي يعتبر أكبر العوامل في انهيار الوحدة بين المسلمين؛ لأن من مقتضيات وجود خلل في التصور، وجود خلل في السلوك واضطراب في وحدة الصف، وخذ مثلاً: هزيمة المسلمين وتفرقهم يوم حنين [٣] . ٢- الغزو الاستعماري: بأشكاله وألوانه، الذي عمل على تمزيق الأمة فكرياً وثقافياً وسياسياً وجغرافياً ... ومن العوامل أيضاً: العصبية والعنصرية، والأطماع الشخصية التي تولد الأحقاد والضغائن والسعي إلى تحقيق الذات ولو على حساب الآخرين، وهذه الأخيرة تمثل في الحقيقة انعكاساً للخلل العقدي والغزو الاستعماري. الاختلاف الفقهي هل ينافي الوحدة؟ إن الاختلاف الفقهي وتعدد الآراء ووجهات النظر ضمن إطار الدليل الشرعي وضمن ضوابط الشريعة، وفي إطار مسوغات وحجج مقبولة؛ لا يناقض الوحدة، ولا يعاديها؛ بل على العكس من ذلك؛ فإنه يساندها ويعاضدها ويقويها. وتعتبر هذه القضية ميزة تتحلى بها الأمة المحمدية؛ لأن الإسلام يمثل الدين الخاتم الصالح والمصلح لكل زمان ومكان، فجاءت نصوص الوحيين تحمل في طياتها إمكانية تعدد الأفهام لمراعاة التغير على مر العصور، ولمواكبة التطورات والتغيرات المستحدثة. فإن الاختلاف يصبح مذموماً، إذا كان بعيداً عن ضوابط الشرع، وبما يؤول إليه من التشرذم والتحزب والتناحر والتحاقد، وإن نظرة إلى واقع التاريخ الإسلامي، نجد أن هذا الاختلاف في مراحل معينة قد استنفد طاقات الأمة، وعطل مسيرتها الفكرية والثقافية والحضارية، وللأسف فإننا ما زلنا نعيش بهذه العقلية إلى الآن، وأعداء الإسلام والمسلمين قد توحد شملهم للنيل من هذه الأمة ومنهجها الرباني. ومما تجدر الإشارة إليه أن وجود تيارات إسلامية في الساحة الإسلامية، ليس من الاختلاف والفرقة المشار إليها في الحديث: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة..) [٤] ، بل هو من تعدد الآراء والاجتهاد وتنوع آليات العمل ووسائله مع الاتفاق على القواعد العامة والمبادئ الكلية، ما دامت تلك الاتجاهات في إطار الاختلاف التنوعي لا اختلاف التضاد. كما أن لحرية الرأي دوراً كبيراً في الوحدة الفكرية بين المسلمين؛ يقول الدكتور عبد المجيد النجار [٥] : (وقد جعل القرآن الكريم حرية الرأي بمعنى الصدع به وإفشائه بين الناس، أساساً من أسس الاجتماع في قيام الأمة، والحفاظ عليها، وتمكين وحدتها، وذلك في قوله تعالى: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] [آل عمران: ١٠٤، ١٠٥] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صميم حرية الرأي في تبليغه والاحتجاج له، وقد بين الرسول ﷺ أن تعطيل هذه الحرية أو الزهادة فيها يفضي إلى الانقطاع في وحدة الأمة، والانقطاع في صلة العباد بالله، فقال في ذلك: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحق أطراً؛ أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم) [٦] .

стр. 2872

تأملات دعوية معيار تصحيح الأخطاء عبد الله المسلم لا شك أن تصحيح الخطأ أمر يسعى إليه كل امرئ جاد في حياته حريص على تحقيق أهدافه، فضلاً عن المؤمنين الصادقين، الذين يرون الخطأ يأخذ مدى أبعد من مجرد لوم الضمير وعتاب النفس. لكن علاج الأخطاء أحياناً يوقع في خطأ آخر، ومن ثم فوقوع الخطأ ليس هو وحده المعيار الأوحد في تقبل مقولة من ينتقِد واعتباره أنه على الحق، والسعي لإثبات وقوع الخطأ ليس منجياً للمنتقَد ولا كافياً في سلامة موقف المنتقِد. وها هو النبي ﷺ ينكر على أصحابه في أكثر من موقف أسلوب تعاملهم مع الخطأ وعلاجهم له، ومن ذلك القصة المشهورة للرجل الذي بال في المسجد، وقصة معاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة، وقصة الشاب الذي جاء يستأذن بالزنا فهمّ به أصحاب النبي ﷺ ، وغيرها كثير. وحين نتحدث عن أخطاء إخواننا فإن دراسة الظروف والأجواء التي ولّدت الموقف الخاطئ أمرٌ له أهميته في إعطاء الخطأ حجمه الطبيعي والمعقول، إضافة إلى إدراك البيئة وطبيعة المجتمعات التي يعيشها إخواننا. ومن الأمور المهمة لتقويم أخطاء إخواننا أن نطبق المقياس والمعيار الشرعي في الحكم على الأعمال والمشروعات والبرامج؛ فمجرد كون الأمر لا يروق لنا، أو لم نألفه، أو لم يعجب فلاناً من الناس، أو حكم عليه بأنه غير مناسب.. مهما كان شأن هذا الشخص، كل ذلك ما لم يكن منطلقاً من جانب شرعي فلا يسوغ قبوله، فضلاً عن أن يكون سبباً في الحكم على إخواننا وإسقاطهم. وأحياناً في تقويمنا للأعمال والبرامج الدعوية نفترض الكمال في البشر، فنريد فقيهاً متمكناً، وأن يكون في الوقت نفسه سياسياً ماهراً، واقتصادياً بارعاً، ومفكراً يدرك القضايا الساخنة في عصره ويعيها، وقيادياً يجيد فن الإدارة وتوجيه الناس وتفعيل الطاقات، إلى غير ذلك مما يصعب أن يتحقق في جماعة فضلاً عن فرد. ولماذا لا نقبل في فرد من الأفراد أن يتميز في ميدان من الميادين ولو على حساب ثغرة أخرى يسدها غيره؟ وحين يُلْجِئُ إخوانَنا صراعُهم مع أعداء الله ﵎ إلى الوقوع في أخطاء وتجاوزات، فذلك وإن كان لا يسوغ منهم، ونبل مقصدهم لا يسوّغ لهم ذلك، إلا أن من يتحدث عنهم ينبغي أن يتحدث عن الجميع، ولا يسوغ له أن يشن حملة ظالمة على إخوانه، ويدع الظالم الأكبر الذي يتربص بأهل الإسلام الدوائر، فظلمه وجوره وخطؤه لا يقارن بخطأ الدعاة. بل الأدهى من ذلك أن يقف المنتقِد في صف واحد مع أعداء الله في مواجهة إخوانه ورفاق دربه، وأن يسوّغ للظالمين بطشهم وجورهم. فمتى ندرك حق إخواننا علينا؟ ومتى نعي مسؤوليتنا عن نصرتهم وموالاتهم والوقوف معهم في صف وخندق واحد؟ كل ذلك لا يعني ألا نتحدث عن الأخطاء وألا ننتقد؛ بل هذا من النصح الواجب للمؤمنين، لكن ينبغي أن يكون في إطار ما يحقق المصلحة، وألا يخل ذلك بواجب الولاء والنصرة للمؤمنين.

стр. 2873

ندوات ومحاضرات ندوة عن: هويتنا الإسلامية: بين التحديات والانطلاق (الحلقة الثالثة) إعداد: وائل عبد الغني تناول أصحاب الفضيلة ضيوف الندوة في الحلقة السابقة إيضاح قضية: إلى أي حد يستوعب المسلمون قضية الهوية؟ وكيف ينظر أعداؤنا إلى هويتنا الإسلامية؟ ثم بيان صور مختلفة لأساليب طمس هويتنا الإسلامية. وهذه الحلقة تتناول جوانب أخرى من الموضوع نترككم معها. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - * نريد أن نتتبع مسيرة التغريب في بلادنا منذ بداية الأزمة، وما العوامل التي أسهمت في نجاحه؟ أ/ جمال سلطان: نأخذ مثال مصر باعتباره مثالاً واضحاً وقوي الأثر؛ فقد نشط الإنجليز في الجانب التعليمي وترجمة القوانين حتى الفرنسية منها. أسسوا مؤسسات علمية منافسة للمؤسسات الشرعية الموجودة، كدار القضاء في مقابل الأزهر، والمحاكم المختلطة في مقابل المحاكم الشرعية، مع التضييق على المحاكم الشرعية، كما أقاموا المدارس الأجنبية كذلك في مواجهة المعاهد الأزهرية، ثم رُبط النظام التعليمي الجديد بالوظائف. ثم بدأ بتغذية بعض الحركات الجديدة وإنعاشها، كتبني بعض الشوام، عن طريق إعطائهم دورات في الفنون، وإرسالهم إلى مصر لإنشاء مؤسسات فنية تروّج لأفكار جديدة، ورؤى جديدة، لم يكن ينتبه إليها أبناء ذلك الجيل. وبدأ اللعب على النخب الموجودة والقيادات، وربط مصالحهم بالمصالح الإنجليزية، ثم تأسيس أحزاب على أسس علمانية. كما استفادوا من نشر الكتب في بث أفكارهم المنحرفة، لأمثال قاسم أمين الذي دافع عن الهوية والحضارة والحجاب والشريعة في أول أمره، ثم انقلب بعد خمس سنوات بزاوية (١٣٠) في كتابه (تحرير المرأة) ثم زادت الهوة فبلغ الانقلاب إلى (١٨٠) في كتابه: (المرأة الجديدة) ، وكذلك علي عبد الرازق. وهناك أسلوب أخطر رصده د. محمد حسين هيكل في كتابه: (ثورة الأدب) في فترة العشرينات، يقول: (إننا كنا نرى في الجامعة أناساً مستشرقين وغيرهم، يحتكّون بالطلبة ويقيمون صداقات مع بعض الطلبة النابغين، ويغلفون هذه الأنشطة بالبحث العلمي والأدبي) . يقول: (ولكني أزعم) والرجل كان رجل فكر وسياسة وأدب يقول: (ولكني أزعم أن هذه الأمور لم تكن متعلقة بالأدب، بقدر ما كانت متعلقة بأمور أخرى خطيرة) . والشاهد أن الاحتلال الإنجليزي قد نجح نجاحاً بالغ الخطورة في مسألة (التغريب) على حساب الهوية الإسلامية التي ضُيعت جوانب منها كثيرة، حتى وصل الأمر إلى درجة بالغة من الانهيار في فترة الخمسينات والستينات، قبل أن يتدارك الله بفضله ورحمته أمتنا بالصحوة الإسلامية، لتنتعش الهوية من جديد. لعلنا استطردنا في النموذج المصري؛ لأنه كان أسبق في التغريب، كما أنه كان أخطر؛ لما كانت تمثله مصر من كونها قبلة للكفاءات والطاقات الثقافية والفكرية في العالم الإسلامي، إلى جانب أنه كان يتم تصدير المشاريع الموجودة بها سواء الإسلامية أو التغريبية من خلالها، ولكنا نجد أن الأمور سارت بشكل متقارب في عدة مواضع، كما فعل الفرنسيون في تونس والجزائر، أما تركيا فقد بدأت هذه الأمور فيها منذ وقت مبكر عن مصر. الشيخ/ محمد بن إسماعيل: لديّ إضافة بالنسبة لتركيا وما صنعه أتاتورك لتغريب المجتمع هناك، وكيف أنه يتكرر بحذافيره في كثير من بلادنا اليوم، فالرجل قد ألغى الخلافة، وعطل الشريعة، وألغى نص الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، وألغى المحاكم الشرعية، والمدارس الدينية والأوقاف، وحوّل الأذان العربي إلى التركية، واستبدل الحروف العربية باللاتينية، وكان يقول: (لقد انتصرت على العدو، وفتحت البلاد، هل أستطيع أن أنتصر على الشعب؟) . وهو الذي قال: (كثيراً ما وددت لو كان في وسعي أن أقذف بجميع الأديان في البحر) ! ، وهو الذي استدعى وهو على فراش الموت السفير الإنكليزي (بيرس لورين) ، في قصر الرئاسة بإستانبول، وعرض عليه أن يخلفه في منصب الرئيس، ورفض السفير بلباقة! وبلغ الشغف بالتغريب إلى حد أن قال أغا أوغلي أحمد وهو أحد غلاة الكماليين: (إننا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الالتهابات التي في رئاتهم، والنجاسات التي في أمعائهم) . * نود الحديث عن أهم القنوات التي تُسلل من خلالها لتغريبنا. د/ جمال عبد الهادي: أخطر قنوات التغريب التي ركز عليها الاستعمار قناتا: (التعليم، والإعلام) ، وقد تكلم عن أثرهما (هاملتون جب) في حديثه عن تغيير الهوية الإسلامية، قال: (ومن ثمّ نستطيع أن نقول حسب سير الأمور: إن العالم الإسلامي سيصبح خلال فترة قصيرة لا دينياً في كل مظاهر حياته ما لم يطرأ على الأمور عوامل ليست في الحسبان فيتغير اتجاه التيار) . لذلك فإن النفوذ الغربي قد ركز في سبيل تفريق وحدتنا الإسلامية على التعليم كعامل هام في إدخال مفاهيم الكراهية للإسلام، والافتتان بالغرب من أجل خلخلة الانتماء، والتشويش عليه، ومن ثمّ القضاء عليه مع امتداد الأجيال، وقد جاء ذلك عن طريق الثقافة الغربية المبثوثة في مختلف العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على أساس أن هذه المفاهيم لها طابع نصراني. أما وسائل الإعلام فقد نجحت في تشكيل ثقافة الأمة، والتأثير عليها إلى حد بعيد جداً، وسر نجاحها أنها استطاعت أن تتخطى حاجز الأمية بالوسائل المرئية والمسموعة، بل والمقروءة أحياناً والتي أصبحت تُقرأ عبر التلفاز، وتكمن الخطورة في أنها أصبحت تملك المصداقية لدى رجل الشارع العادي الذي لا يجد أمامه خياراً آخر سوى تصديقها، أضف إلى ذلك مستوى التقدم المذهل في تقنيات الإرسال والاستقبال، وبرامج المعلومات، وتقنيات التأثير النفسي على الجماهير، من خلال الوسائل الإعلامية التي تحاول فرض الهيمنة الفكرية والثقافية عليها، تحت شعار: (ما أريكم إلا ما أرى) . * وماذا عن وسائل الإعلام ودورها في أزمة الهوية؟ أ/ جمال سلطان: يعد الإعلام من أخطر وسائل الاسترخاء، بل والتخدير في العصر الحديث، فخطر التليفزيون على سبيل المثال أعظم من أن يوصف، لذلك لما وصفه أحد الباحثين بأنه: (الأب الثالث) للطفل، رد عليه آخر قائلاً: (لا.. بل هو الأب الأول) . فالإعلام أصبح موجهاً ومربياً وبرامجه قائمة على دراسات نفسية واجتماعية عميقة لتحدث الأثر المطلوب. وأكبر مثال على ذلك هو كيفية تقديم الرئيس الأمريكي عند انتخابه: كم نسبة من يعرفونه من الشعب إلى من لا يعرفونه قبل الانتخاب؟ الواضح أن الجماهير لم تكن لتعرفه إلا عن طريق الشخصية الإعلامية الملمعة. وعليه فإن الذي يصنع آلة الإعلام هو الذي يصنع الرئيس الأمريكي، ويصنع قبل ذلك العقول والأذواق وأساليب التفكير. ولننظر إلى الصحف كيف تشكل الرأي العام، وهي مسألة في منتهى الخطورة، وتقف وراءها مؤسسات متخصصة كاملة. د/مصطفى حلمي: يرى (لاتوش) في كتابه: (تغريب العالم) أن أروع نجاحات التغريب يكمن في انتشار أدوات السلطة التي من أهمها الإعلام، ويستدل على ذلك بما رصده (كاستورياديس) بفطنة ثاقبة عن تقنيات السلطة، أي (تقنيات الخبل الجماعي) : (هناك مكبر صوت في كافة القرى يبث خطاب الزعيم، هناك تليفزيون يهتم بنفي الأخبار.. إلخ، وتنتشر هذه التقنيات بسرعة النار في الهشيم، وقد اجتاحت الأرض بأسرها، وسرعان ما انتشر في كل مكان أن أيّ أومباشي في أي بلد من بلدان العالم الثالث، يحسن استخدام سيارة الجيب، والرشاشات، والبشر، والتليفزيون، والخطب، وكلمات (الاشتراكية) ، و (الديمقراطية) ، و (الثورة) وكل هذا، قمنا نحن بمنحه لهم، وتلقينه إياهم بسخاء بالغ) ! ! . * كيف نجح الغرب عبر التعليم في طمس هويتنا من أجل تغريبنا؟ د/ جمال عبد الهادي: الغرب لم يعد يقنع في تغريب التعليم بما حققه، ولكنه ما زال يطمع في المزيد؛ لأن التعليم هدف استراتيجي بعيد المدى خطير الأثر. فبعدما نجح في تغريب النخبة عبر التعليم، إذا بنا نراه يطمح لتغريب المجتمع كله، عبر وضع المناهج الدراسية العامة! . فهل يعقل مع هذا أن نستجلب مستشارين من غير جلدتنا، ليضعوا لنا مناهجنا التربوية، وسياستنا التعليمية؟ ! .. هل يعقل أن نسلم كل عقول الأجيال القادمة إلى أناس لا يرقبون فينا إلاً ولا ذمة، ونسلّم لهم في كل ما يقولونه؛ ونطلق أيديهم للعب في المناهج التعليمية بدءاً من المناهج الدينية إلى العلوم الإنسانية والتطبيقية، وعلوم التقنيات الحديثة؟ وقد ظهر أخيراً إلى أي حد بلغ التآمر على هويتنا؛ فحذف كل ما يعمق الفهم الإسلامي ويقوي الانتماء، وكل ما يذكر بعدوان الغرب لنا أو حتى انتقاده، أو بعداوة اليهود والنصارى، ولو كانت نصوصاً من القرآن والسنة، بالإضافة إلى التسطيح المتعمد للعلوم الإنسانية والتجريبية؛ بحيث تصبح بلا دلالة ولا مضمون، فيقف الطالب عند الحد النظري منها دون أن يستفيد أي خبرة أو مهارة عملية. يضاف إلى ذلك علمنة المفاهيم، وتغريب التقاليد والعادات، وإشاعة المساوئ الأخلاقية من خلال نشر الصور العارية، والقصص المبتذلة الساقطة في مناهج اللغات الأجنبية، ومحاولة نشر الفاحشة عن طريق ما يسمونه بالثقافة الجنسية، التي بدأوا يقيمون لها دورات وندوات، تشمل في بعض الأحيان تلاميذ المرحلة الابتدائية! لنرى إلى أي حد تتأثر سياساتنا بمخططات أعدائنا. ونحن نسأل: ماذا يريد المسؤولون عن التعليم في بلادنا أن يُخرجوا لنا؟ ! هل سيخرّجون نموذجاً إسلامياً؟ أو حتى قومياً أو وطنياً؟ أو على أقل تقدير إنساناً لديه أي قيم؟ للأسف! ليس شيئاً من ذلك. وبدون أدنى تحقيق فإن الناظر فيما يجري، يرى مدى الخطر الداهم الذي يهدد هويتنا الإسلامية، بل وحتى الهويات البديلة المصطنعة من أجل مزاحمة الهوية الإسلامية. الشيخ/ محمد بن إسماعيل: إذا أحببنا أن نشبه تأثير التعليم الغربي اللا ديني، فيمكن اعتباره (كالحامض) الذي يذيب شخصية المسلم، وهذا ما عبر عنه المستشرق (جب) : (والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب؛ هو أن تتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي ... هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين، وقليل من الزعماء الدينيين) اهـ. إنه من غير المعقول ولا الجائز، أن تستورد أمة لها شخصيتها ورسالتها، ولها عقائدها ومناهج حياتها، ولها طبيعتها ونفسيتها، ولها تاريخها وماضيها أن تستورد نظاماً تعليمياً أجنبياً عنها، ثم تكل وظيفة التعليم والتربية، وتنشئة الأجيال، وصياغة العقول إلى أناس لا يؤمنون بهذه الأسس والقواعد، بل يناصبونها العداء! أمثلة ونماذج على تخريب التعليم: * هل يمكن ذكر نماذج واقعية من خلال ما يجري في مناهج التعليم من تزوير للهوية تحت مسمى التطوير؟ د/ جمال عبد الهادي: ألغي في مصر التاريخ الإسلامي من المرحلتين الابتدائية والثانوية لحساب تاريخ الفراعنة والغرب. فبينما كان التاريخ الفرعوني يدرس في (٧٥) صفحة، وفي المرحلة الإعدادية فقط، أصبح يدرس في المراحل الثلاث وفي (٣١٧) صفحة. هذا التوسع جاء على حساب التاريخ الإسلامي الذي كان يدرس في المراحل الثلاث في (٣٠٧) صفحة، ليختزل في مرحلة واحدة هي الإعدادية إلى (٣٢) صفحة! . وبينما نجد أن عصر النبوة كله يدرس في (١٠) صفحات نجد أن الملك (مينا) وحده يدرّس تاريخه في تسع صفحات، واختزل تاريخ خالد بن الوليد رضي الله عنه وفتوحاته في (٦) أسطر، في حين يدرس (نابليون) وحملته على مصر في (٣٤) صفحة. أما السيرة النبوية الشريفة فتبدو وكأنها تعرض سيرة شخص من عامة الناس، لا سيرة أعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو على أقل المفروض سيرة مصلح أو زعيم تقليدي؛ حيث حذفت مواطن العظمة ونماذج القدوة، فضلاً عن التشويه المتعمد لكثير من الوقائع التاريخية، مثل ما يثار من شبهات حول الخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله عليهم. أما الحضارة الإسلامية فقد طمست أهم معالمها؛ كالنظام السياسي والإداري والمالي، والقضائي، وشوهت فترات القوة فيها، فصوروا حياة الخلفاء فيها على أنها حياة لهو ومجون، ووصموا الحضارة بالعنصرية والطبقية، بل وحذفت أي جملة، أو كلمة تحيي روح الانتماء للإسلام والاعتزاز به. ومن جوانب المؤامرة كذلك: ما تم إخفاؤه من حقائق؛ مثل إخفاء حقيقة الحملات الصليبية، تحت مسوغات مادية أو مصالح غربية لإضعاف حس الولاء والبراء والحمية للإسلام. كذلك ما يتم في معالجة التاريخ الحديث لبلادنا على ضوء التاريخ الأوروبي الحديث، وبنظرة ومفاهيم غربية بحتة، لذا لم تبين لنا مثل هذه المعالجة مدى المصائب التي أضرت باقتصادنا وسلبت ثرواتنا وما زالت، وحرمتنا من إنتاج رغيف خبزنا، بل ومنعتنا من تطبيق شريعتنا، وذلك منذ بدء الاحتلال الأوروبي الصليبي وحتى اليوم. كما أخفت أن سياسة أوروبا الاستعمارية القديمة ما زالت مستمرة، وأن النظام الدولي الجديد ما هو إلا امتداد للنظام الاستعماري القديم، كما حذفت أي عبارة تشير إلى دور أمريكا وبريطانيا في غرس الكيان اليهودي في أرض فلسطين. وهكذا اقترنت الغزوة العسكرية والاقتصادية لديارنا بغزوة فكرية، تعزل الإسلام تماماً عن حركة التاريخ، ومعترك الحياة. فلا عجب إذا ما فرّغت كتب التاريخ والجغرافيا من مضمونها، وحُرم النشء المسلم من معرفة تاريخ أمته العربية الإسلامية وأدوار قوتها وضعفها، ومن هم أعداؤها في الماضي والحاضر، وما هي أهم واجباته لمواجهة مخططاتهم، وبخاصة مخطط تمزيق وحدة الأمة، وبعثرة جهودها وسلب خيراتها، ومحاولة تكبيلها للسيطرة عليها. تم إغفال إبراز فكرة التعاون والتكامل الإسلامي العربي (الوحدة الإسلامية) لحساب المشروعات الوافدة، كمشروع الشرق أوسطية، أو البحر متوسطية، لذلك تم حذف كل ما يشير إلى التضامن الإسلامي، أو الخلافة الإسلامية، أو الجامعة الإسلامية. الثقافة والهوية: * وماذا عن الاختراق الثقافي للعقل الإسلامي، وما مدى تأثير ذلك على الهوية؟ د/ جمال عبد الهادي: الاختراق الثقافي أصبح قضية تحدٍ خطيرة؛ لأن القضية دوّلت، ففي عام ١٩٨٧م أعلنت الأمم المتحدة؛ أن السنوات العشر القادمة ستكون للتنمية الثقافية. ومفهوم التنمية لديهم معروف لذي الفطن! ولكن بعد مضي السنوات العشر ما الذي جنيناه من جراء هذا الإعلان؟ لم تتحقق أي تنمية، بل على العكس من ذلك؛ إذ كان تحريفاً وتزييفاً وتضليلاً، ورغم توقيع غالب الدول على هذه الاتفاقية غير أن ما يمارس اليوم من هيمنة إعلامية وثقافية غربية، وبالذات الأمريكية منها، يمكن اعتباره حرباً عالمية ثقافية حقيقية تدعمها القوة المسلحة، مصحوبة بالاستخدام الواسع لوسائل الاستخبارات والتقنية الحديثة، فضلاً عن وسائل الردع والضغط الاقتصادي، لاستخدام قيم العدو، وهنا يكمن الخطر؛ ورغم هذا يسمونه (البديل الديموقراطي) . وتسعى الولايات المتحدة إلى فرض تصورها بالقوة، كما جاء ذلك في خطاب كلينتون؛ الذي ألقاه يوم تنصيبه رئيساً في ٢٠ يناير ١٩٩٣م: (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا) ! . لعبة الديمقراطية: * إذن فالبديل الديمقراطي ما هو إلا لعبة تغريبية، يُمارس من خلالها الخداع، والتسويق الثقافي لفلسفات جامدة. د/مصطفى حلمي: هناك الكثير من المصطلحات مثل: (الديموقراطية) ، و (التحرر) ، و (البحث الحر) ، وأمثالها، هذه الشعارات ارتبطت بالتغريب، وهي في حقيقتها شعارات خادعة تخفي الواقع المخالف لها تماماً، لذلك لا يسمح الغرب للقيم الحقيقية أن تنافس قيمه الزائفة، ويقولون بصراحة: (لن نسمح لهذه القيم أن تطبق، إنها مجرد شعارات) ، فهدفهم هو تغريب العالم ككل، ولو من أقصر طريق. يقول (لاتوش) : (إذا كان للحضارة أن تختزل إلى الشرطة والجيش، فإن العالمية متحققة إذن من الآن) فنحن نواجه اليوم (إمبريالية ثقافية غربية) وبالأخص (إنجلوساكسونية) ، أما دورنا فمجرد مستقبلين! فأين (الديمقراطية) المزعومة إذن؟ ! د/جمال عبد الهادي: اسمحوا لي بمداخلة بسيطة مع الدكتور مصطفى: هناك صورة من أخطر صور التغريب والتضليل، أحب أن ألقي عليها بعض الضوء، وهو ما يمارس لفرض منهج معيب في البحث تحت مسمى (العلم) ، بينما لا نجد هذا المنهج مطبقاً في بلاده، ولا بين أهله، وهذا يعني أنه منهج مصمم خصيصاً للمستعمرات، وبالذات لبلادنا الإسلامية للقضاء على كيانها، من أجل الحيلولة بين الأجيال الجديدة، وبين روافد هويتها الحقيقية. (فالأدب العربي) وفق هذا المنهج: أدبٌ منفصل، نشأ في العصر الحديث، وارتبط بالحملة الفرنسية، ومعنى هذا؛ أنه أدب منفصل تماماً عن الأدب العربي والإسلامي في عصوره الممتدة. و (الفكر العربي) : عبارة عن فكر نشأ في ظروف الاتصال بالغرب؛ وعليه فإنه لا يمتّ إلى المنهج الإسلامي ومصادره بأية صلة. و (دراسة التاريخ) تتم من أجل النقد (أو قل: الطعن) في رموز الإسلام، أو تهميشها، أو التعمية عليها، والمقابل هو إبراز النماذج الشعوبية والتآمرية المنحرفة، بدعوى الحياد في السرد التاريخي. والدافع الذي يفسر به التاريخ، ليس هو دافع العبودية، أو الصراع الأبدي بين الخير والشر، أو الحق والباطل، وإنما يفسر بالنفعية أو الذاتية. ولنا أن نتصور حجم المصيبة إذا نشأت عقول باحثينا، ومن يقرأون لهم على مثل هذا المنهج المضلل. ولا غرابة إذا رأينا من يطعن في الإسلام بحجة التطوير، أو في رموزه بحجة النقد، أو في تاريخه بدعوى الحياد، ولا عجب بعدها إذا ما نظروا إليه على أنه تخلف وغموض ووساوس، والله المستعان. مفهوم التنمية: * قضية التنمية، أو ما يعبر عنه بـ: (التنمية) اليوم، أو (الدول النامية) . ما صلة هذا اللفظ بحرب الهويات؟ د/ مصطفى: يمكن لنا أن نضع قذائف التغريب الثقافي في كفة، وما يجتاح (العالم الثالث) من حمّى الغزو الاقتصادي في كفة أخرى، لا لقوته التي تفوق الغزو الثقافي فحسب، ولكن لخفائه أيضاً وتسربه الخادع إلى العقول والنفوس؛ لأنه يتخفّى تحت عنوان باهر باسم (التنمية) . يقول د. جلال أمين: (إن هذا الغزو الغربي لاقتصاديات وثقافة بلاد العالم الثالث هو بالضبط ما يحدث منذ أن رفع شعار: تنمية هذه البلاد، وإطلاق اسم التنمية على هذا الغزو، وتسمية الدول الخاضعة له باسم (الدول النامية) ، هو مثال من أسوأ ما يمكن أن يقدّم من أمثلة على الاستعمال الفاسد للغة، وعلى تسمية الأشياء بغير أسمائها. ولكن أن نذهب إلى حد وصف تلك المجتمعات الرافضة، أو المقاومة لهذا الغزو، أو التي لا تخضع له بالسرعة الواجبة، بوصف (الدول المتخلفة) ، فهذا من قبيل عدم الاكتفاء بإيقاع الأذى، بل وإضافة الإهانة إليه) . أ/ جمال سلطان: تعتبر التنمية الاقتصادية جزءاً هاماً من البعد الحضاري الذي يشكل بعداً من أبعاد الهوية، هذا البعد في مجمله له أثر في غاية الخطورة على قضية الانتماء؛ لأن التغريب استطاع أن يكسب من خلاله أرضية واسعة في غزوه للهويات؛ لأنه يتعلق بالمناخ الفكري، والثقافي، والمعرفي، والقيمي، والسلوكي، والأخلاقي الذي يعيش فيه الإنسان، وفي هذا المجال يتلاعب التغريب عبر وسائله بشكل مباشر، لدرجة أنه يحدد الذوق الشخصي للإنسان، ويملك أن يقنعه بالمتناقضات في آن واحد. ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إدخال نمط الطعام الغربي لحياتنا، حتى أصبح الطعام بهذه الصورة ثقافة، ونستشعر ذلك في الاحتفال الضخم الذي أقامه الأمريكان لافتتاحهم أول فرع لـ (ماكدونالد) في القاهرة أو في روسيا، فالربح الماديّ باعتباره العامل الاقتصادي الأكبر لم يكن هو الدافع الوحيد لكل هذا الابتهاج، ولكن المسألة تتلخص في أنه بافتتاح (ماكدونالد) باعتباره واجهة تغريبية يمكن نشر مجموعة من التقاليد والسلوكيات الأمريكية، مما يمثل نوعاً من الغزو المستتر، ونموذجاً للحرب الطاحنة للنفاذ إلى العقول والقلوب، التي قد تصل في بعض الأحيان إلى التلويح باستخدام القوة، من أجل فرض قيم معينة. ومن نماذج هذا الصراع، ما يجري بين (الأمركة) و (الفرانكوفونية) ، على النفوذ والوجود الثقافي في القارة السوداء، والمستعمرات الفرنسية السابقة. * وهل من علاقة بين (التنمية) و (التنصير) على اعتبار أن (التنصير) هو أعلى غايات (التغريب) ؟ د / مصطفى حلمي: الغرب من حيث أنه يمثل وحدة تركيبية تتفاعل فيه مجموعة مؤثرات دينية، وأخلاقية، وعرقية، واقتصادية، والأقرب أنه كيان ثقافي، وظاهرة حضارية. لكن التنصير يبرز ممثلاً أحد مظاهر نشاطه التغريبي، وأبرز أشكاله البروتستانتي بزعامة الولايات المتحدة، والكاثوليكية بزعامة فرنسا، ويقدم تحت ستار (النشاط الإحساني) وفق تعبيرهم المتمثل في المساعدات والإعانات الخيرية والاجتماعية، أو تحت ستار (النشاط العقلاني) عبر المدارس التنصيرية والنشرات وجهود المستشرقين، وغالباً ما تقرن مشروعات التنمية بـ (تحت راية الصليب) ، ويزداد الأمر دهاءً في بعض الأحيان فيطلقون على التنصير نفسه وصف التنمية. * في أحيان كثيرة يبرز دور الشركات المتعددة الجنسيات فيما يطلق عليه (التنمية) ، هذه الشركات التي قد تفوق ميزانيتها ميزانيات بعض الدول. فما صلتها بخطط التغريب؟ د/ مصطفى حلمي: نعم، لقد أصبح لها دور خطير في توجيه سياسات الدول واقتصادياتها، وأنماط حياتها، فلم يعد الربح هو الهدف الوحيد، ولكن (السّلطة) أيضاً إلى جانب تبديل الوعي الثقافي، وهذا يعتبر نقضاً للميثاق الذي يقضي بأنه (لا يجوز من مثل هذه الشركات، التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد التي تعمل فيها) ، وقد بين لاتوش سذاجة من يثق في هذا الميثاق. * مظهر آخر لعله من أخطر مظاهر (التغريب) ، أو (التخريب) ، ما يسمى بـ (حوار الأديان) ، الذي صار الغرب يلعب من خلاله، على كثيرٍ ممن ينتسب إلى العلم والتوجيه الشرعي، ويلبّس به على عامة الشعوب. د/مصطفى حلمي: تكاثرت في الفترة الأخيرة الدعوة إلى الحوار بين الأديان، ولهذه الدعوات مغزاها ودلالاتها، وحصادها الخبيث الذي بدأنا نصطدم به في واقعنا. والمتابع للمؤتمرات التي تعقد تحت هذا المسمى، فإنه يدرك من مجرياتها مدى الغزو الفكري، والعقدي المقنع، الذي يُدس من خلال التشكيك والاتهام من جهة واحدة، ضد جهة واحدة، (الأديان الأخرى) ضد (الإسلام) . د/جمال عبد الهادي: لا يجوز بأي حال من الأحوال، أن تطرح مسائل العقيدة، والقيم، والأمور المعلومة من الدين بالضرورة للحوار، أو تكون موضوعاً للتفاوض؛ لأنها من النظام العام لهويتنا؛ بل هي النظام العام نفسه، الذي لا ينبغي لتعليم ولا لإعلام أن يخالفها، وإلا كان هادماً لهوية الأمة، معرضاً أمنها للخطر، ومستقبلها للضياع، وأما ما يجري في مثل تلك المؤتمرات بحجة مسايرة العصر، أو التفاعل مع الحضارات الأخرى، ففرية تحيل الأمة إلى (قرد) يقلد الآخرين، و (ببغاء) يردد ما يقال دون أن يعلم له معنى. وأما الاحتجاج بمصلحة الوطن فوهمٌ؛ لأنه لا قيمة للوطن إذا كان يسكنه شعب ضائع، مستعبد على أرضه، يعيش ليأكل، ويتمتع كما تتمتع الأنعام. ما الحل؟ * بعد أن تبين حجم التحدي وقدر المخاطر المحدقة بنا نريد أن نرسم خريطة تكون بمثابة ورقة عمل تجمع الجهود المتناثرة، وتحدد الأدوار التي يمكن تقديمها من أجل استعادة الهوية المضيعة. الشيخ/ محمد: ابتداءً، نحن لا نبتدع هوية مفقودة، ولكننا نريد استعادة الوعي بالهوية الموجودة التي صارت كأنها صفحة مكتوبة تراكمت عليها طبقات الأتربة، حتى صارت غير مقروءة؛ لأن أحداً لم يحاول قراءتها منذ زمن، فالواجب هو إزالة هذه الأتربة، واستحضار واجترار، وإحياء الأفكار والقيم التي يطلب الوعي بها من وراء حائط النسيان، وهذا الهدف لا يتم إلا بعد تحديد الوسائل، وتوظيف الطاقات المتاحة. وأهم هذه الوسائل: تدعيم دور الإعلام الإسلامي بكافة أشكاله ليؤدي دوره في: ١- إحياء حركة تجديد الدين بالمفهوم السلفي الواضح، لنعود إلى منابع الإسلام الصافية متمثلة في (منهاج النبوة) ، بعيداً عن مخلفات القرون. ٢- الدعوة إلى حتمية الحل الإسلامي لمعضلات واقعنا الأليم، وتحرير الهوية من كل مظاهر الخَوَر والتبعية، والقضاء على العقبات التي تحول دون تطبيق الإسلام كمنهج شامل للحياة. ٣- التصدي لمحاولات تذويب الهوية الإسلامية، وقطع صلة الأمة بدينها، والتي تجري اليوم على قدم وساق من خلال تخريب مناهج التعليم، وتشويه التاريخ الإسلامي، وإضعاف اللغة العربية، ومزاحمة القيم الإسلامية بقيم غربية، وغير ذلك من أنشطة (التبشير) العالماني والغزو الفكري، وتسميم الآبار الإسلامية، أو ما يُطِلق عليه الذين لا خلاق لهم عبارة: (تجفيف المنابع) بلا مواربة نسأل الله أن يجفف الدم في عروقهم، وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ويريح البلاد والعباد من شرورهم. د/جمال عبد الهادي: يمكن إضافة هذه النقاط إلى ما ذكره الشيخ محمد، وهي: ٤- بذل الجهد الشخصي في الدعوة إلى الله، ونشر الدين بين الناس؛ مثل إقامة حلقات تحفيظ القرآن ولو في البيوت: [ ... وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ] [يونس: ٨٧] ، وكذلك في الجامعات والمدارس والمساجد. ٥- فتح المدارس الإسلامية، وتشجيع القائمين عليها، وتحفيزهم، والإصرار على إنجاح هذه الفكرة من الجميع. ٦- تأسيس الجمعيات والمؤسسات الخيرية، التي تنشر الدين، وتحفّظ القرآن وتعلّم واللغة. ٧- تنبيه أولياء الأمور إلى خطورة المدارس الأجنبية على دين أولادهم وانتمائهم. ٨- إعداد خريطة إسلامية في مجالي التعليم والإعلام، ومن ذلك توجيه نظر المعلمين إلى خطورة المسؤولية الملقاة على عاتقهم؛ لأنه رغم كل ما يجري، يستطيع المعلم بفضل الله أن يربي النشء على التمسك بهويته الإسلامية، وكذلك الحرص على إيجاد منافذ إعلامية لمخاطبة الناس من خلال إعلام إسلامي بديل. ٩- الإشادة بالدعاة والعلماء، وتوجيههم إلى أهمية أن يكون الخطاب الدعوي متكاملاً، يركز في جوانب منه على مقومات الشخصية الإسلامية، وعرض الدين كنظام حياة متكامل، (كخلافة للإنسان في الأرض) . ١٠- فضح ما يجري في مجالي التعليم والإعلام، تحت مسمى التنوير لتخدير الأمة، ويدخل في ذلك؛ مقاطعة المجلات والصحف التي تحارب الهوية الإسلامية، وتشيع أنماطاً للحياة غير الإسلامية.

стр. 2874

في دائرة الضوء نحن والجمهور الأوروبي د. محمد يحيى تنشغل الأوساط الدينية والإعلامية الرسمية في العديد من البلدان العربية والإسلامية في الآونة الحالية بقضية عريضة متشعبة تُطرح تحت اسم عام هو: (الإسلام والغرب) وقد انشغلتُ بدوري في مقالات سابقة (ولاحقة بإذن الله) في متابعة جوانب من الطروحات المتصلة بهذه القضية والتعليق النقدي عليها. ومن هذه الجوانب ما يتصل بالجمهور الغربي (الأوروبي ثم الأمريكي) الذي يتوجه إليه المنشغلون بهذه القضية بالخطاب. وأذكر بادئ ذي بدء أن الخطاب أو الكلام الموجه من الجانب العربي الإسلامي إلى الجانب الغربي لا يصدر عن (جمهور) إسلامي ليوجه إلى الجمهور الغربي؛ فالمتحدثون والمنشغلون، بل والمندفعون والخائضون في هذا الهم، في الغالب ليسوا من قلب (الجمهور) الإسلامي بمعنى القطاع العريض والمثقف من أبناء الأمة. وإنما تتحرك فئات بحكم الوظيفة وفي إسارها ووفق التعليمات الصادرة إليها؛ ولهذا فإن الذي يتصدى لمخاطبة الجمهور الغربي مصاب منذ البداية بقصور خطير؛ وأخطر ما فيه هو خضوعه لتوجيهات وتعليمات قصيرة النظر وربما تكون مغرضة الهدف. كما أن هذا الطرف المخاطِب للجمهور الغربي يستبعد منذ البداية أن يكون هدف الخطاب أو الحوار كما قد يسمى أحياناً أو الاتصالات أو التفاعل: هو القيام بواجب الدعوة الإسلامية أو حتى التعريف بالإسلام وعقيدته؛ بل على العكس يحدد دور الخطاب وهدفه مسبقاً في غرض محدود الأفق هو ما يوصف عادة بتحسين صورة الإسلام لدى الجمهور الغربي، أو تصحيح هذه الصورة أو طرح ما يوصف بالمفاهيم الإسلامية الصحيحة في وجه مفاهيم أخرى يقال إن الإسلام المتطرف والمتعصب والإرهابي قد روّجها لدى ذلك الجمهور. إذن: نحن منذ بدء العلاقة مع الجمهور الغربي نجد فئة معينة تحتكر أو يحتكر لها حق الخطاب الموجه لهذا الجمهور؛ فضلاً عن حق إدارة ما يسمى بالعلاقة بين الإسلام والغرب، وهذه الفئة تعاني من قيود وأوجه قصور عديدة حتى إذا استبعدنا جانب سوء القصد والنية. وفضلاً عن أوجه القصور والعيوب هذه التي تنفي أن تكون هذه الفئة ممثلة للإسلام والمسلمين؛ فإن الهدف الموضوع لخطابها الموجه للجمهور الغربي هو هدف محدود ومغرض له طابع سياسي نفعي، ولا صلة له بدين الله أو عقيدة الإسلام وشريعته؛ ذلك أن هدف تحسين الصورة وتصحيح المفاهيم لا يقصد به كما يدل الواقع هذه الأشياء على محدوديتها، بل يرمي كما سبق لكاتب هذه السطور أن أشار مراراً إلى تقديم نسخة من الإسلام عُدلت وبُدلت (أو قل شُوهت وابتُسرت) حتى ترضي الجمهور الغربي المخاطَب بها، وتستجيب لما يحب هذا الجمهور نفسه أن يرى الإسلام عليه ديناً معلمَناً متغرباً يشبه ما آلت إليه المسيحية هناك؛ بل ويفتقر إلى الحيوية والفاعلية التي ما زالت الكنائس هنا تتسم بها. هذا عن القائمين بالخطاب؛ فماذا عن الجمهور الغربي المخاطَب؟ من الواضح أن الخطاب الصادر عن الجانب العربي الإسلامي الموصوف فيما سبق والداخل في إطار عملية التفاعل بين الإسلام والغرب لا يستهدف الجمهور الغربي العام كأفراد وجماعات عريضة قدر ما يوجه إلى قطاعات ومؤسسات بعينها فاعلة في المحيط الغربي ويرتجى نفعها وقوتها لصالح القائمين بالخطاب وللقوى السياسية الحاكمة والنخب العلمانية المؤثرة في البلدان الإسلامية. وهذه المؤسسات هي: المؤسسة السياسية في الحكم، والأحزاب الرئيسة، والبرلمان، والقوى السياسية الضاغطة، ثم المؤسسة الدينية في الكنائس الكبرى وتنظيماتها الكثيرة، ثم المؤسسة الإعلامية الأخطبوطية الواسعة الانتشار والبالغة النفوذ، ثم المؤسسة الأكاديمية وبالذات فرعها الاستشراقي، وأخيراً ما يمكن أن يسمى بالمؤسسة السياحية أو القطاع المشرف على ترويج وتوريد السياح للبلاد الإسلامية المعنية. والخطاب الموجه إلى كل مؤسسة على حدة وإليها جميعاً قد شكل بطريقة تستجيب كما قلنا لما تحب هذه المؤسسات أن يكون عليه الإسلام؛ وأيضاً بطريقة تستجلب رضا هذه المؤسسات (ومن ثَمّ مساعدتها ومعونتها الاقتصادية والإعلامية والسياسية وحتى الأمنية) للقائمين بالخطاب على الجانب الإسلامي ولمن يقف وراءهم من نخب حاكمة وعلمانية؛ فالخطاب الموجه للمؤسسة السياسية في الغرب يقول: إن الإسلام دين سلام ومحبة وتعاون مع غير المسلمين، وليس دين حرب أو عنف كما يتصور الغربيون على ضوء تجربتهم مع المسلمين (كما يزعم القائمون بالخطاب) . لكن هذا الطرح الجميل الوردي يخفي وراءه الرسالة الحقيقية التي يراد توصيلها للحصول على رضى تلك المؤسسة السياسية الغربية ألا وهي أن الإسلام ينبغي أن يكون دين خمول وسكون يستكين للضيم، ولا يحارب دفاعاً عن الحق والدين والعرض أو لدفع العدوان والكيد. ووصول هذه الرسالة يستجلب استمرار المعونات الاقتصادية التي أصبحت أنظمة معينة لا تستطيع الاستغناء عنها كما يستتبعه إسباغ الحماية والدعم الأمني والإعلامي للنخب العلمانية الحاكمة في وجه خصومها من الإسلاميين وحتى غير الإسلاميين. والخطاب الموجه للكنائس الغربية لا يدعو هذه الكنائس مثلاً إلى إيقاف أو حتى تخفيف حدة عمليات التنصير في الأوساط الإسلامية وغير الإسلامية الموجودة في بلدان إسلامية؛ بل يتركز هذا الخطاب في سذاجة ولا مبالاة معاً على القول بأن الإسلام يعترف بالأديان السابقة عليه؛ وكأن هذا الاعتراف يقصد به الصور الحالية للنصرانية واليهودية، أو كأنه يقر بعقائد التثليث وغيرها. ولا يهتم القائمون بهذا الخطاب بحقيقة أن هذه الأديان السابقة نفسها لا تعترف بالإسلام في أحسن الحالات إن لم تحاربه وتعاديه. والغريب أن دعاوى الاعتراف بالأديان السابقة هذه على فرط تهافتها وتخاذلها لا تؤدي إلى رد كريم من جانب الكنائس الغربية يتمثل في تخفيف غلوائها النصرانية على أقل الأحوال، وإنما على العكس من ذلك فإنها تستخدم هذه الدعاوى في تدعيم تحركات الكنائس التنصيرية في البلاد الإسلامية؛ حيث يقال للمسلمين في أفريقيا وآسيا وغيرها: إن كبار رجال الدين (الرسميين) في البلاد المعتبرة قلب العالم الإسلامي يعترفون بهذه الكنائس، ويزورونها هاشِّين باشِّين ويبجلون رجالاتها. أما للمؤسسة الأكاديمية الغربية فالخطاب لا يتضمن تصحيحاً لمفاهيم أو تحسيناً لصورة، بل يقدم لهم الإسلام بعد مروره في آلة طبع المفاهيم الغربية ليخرج صورة تحلو لهم. فالقرآن يوصف لهم بأنه كتاب مقدس يشبه الإنجيل، ويجوز عليه ما جاز على الإنجيل من تأويل ونسخ وتبديل وإسقاط، والأحاديث النبوية أو السنة ليست سوى موضوعات لتخدم أهدافاً سياسية وقبلية، أما الشريعة والفقه فليست هي الأخرى سوى قوانين وتعاليم وضعية ألفها الفقهاء والعلماء ويجوز بل يجب أن تتغير. ولما كانت هذه الصورة هي التي آل إليها حال النصرانية في الغرب منذ قرون عديدة؛ على يد حركات فكرية عديدة؛ فإن المؤسسة الأكاديمية هناك تعتقد أن كل الأديان وبالذات الإسلام يجب أن تؤول إلى هذا المصير. والمؤسسة الإعلامية الغربية التي تروِّج الأكاذيب المعروفة حول شهوانية وقسوة المسلمين وظلم المرأة والحجاب والمحرمات الإسلامية.. إلخ تقدم لها صورة (ليبرالية) عن الإسلام المتفتح الذي لا يمانع في اختلاط الرجال بالنساء، ولا يعبأ كثيراً بالرقص والغناء، ولا يعادي أنماط الحياة الغربية وأساليبها، بل يباركها ويحث عليها بدءاً من الفنون (الجميلة) وانتهاءاً بالفوائد المصرفية. وهذه الصورة ترضي الإعلام الغربي وتستجلب السياحة فيما يظن القائمون بالخطاب إلى هذه القطاعات من الجمهور الغربي. هذا هو حالنا مع الجمهور الغربي في إطار العلاقة مع الغرب التي فرضت موضوعاً ينشغل به البعض من فئة قليلة انخلعت من الانتماء للإسلام.

стр. 2875

مقالات مُعَربة إيهود أو لمرت: [*] (أنا أكثر اليهود حظاً في الكون) لقاء صحفي مع عمدة القدس ترجمة: د. باسم خفاجي س: هل للديانات التوحيدية الرئيسة في نظرك مطالب دينية فيما يتعلق بالقدس؟ أي الإسلام، والنصرانية، واليهودية؟ أولمرت: لا، فهناك اختلاف بينها؛ إذ لا توجد مقارنة بين مركزية القدس في الديانة اليهودية من ناحية وبين وضعها في الديانة المسيحية والإسلامية من ناحية أخرى، إن الإسلام لم يعتبر القدس أبداً أهم مدينة؛ فالقدس حسب التقاليد الإسلامية هي فقط ثالث أهم مدينة، ومركز الإسلام هو مكة. وعندما يصلي المسلمون فإنهم يتجهون بوجوههم نحو مكة، وبالمناسبة فإنهم عندما يقفون في المسجد الأقصى فإنهم يديرون ظهورهم لجبل الهيكل. إضافة لذلك فإنه لم تكن القدس عبر تاريخها الطويل أبداً ولأي لحظة عاصمة لأي كيان عربي أو مسلم [!] ، لقد كانت الرملة (وهي بلدة صغيرة تقع على بعد٤٠ كيلو متراً شمال القدس) عاصمة لذلك الكيان لفترة ما خلال بداية الحكم الإسلامي للقدس، وذلك من أجل عدم جعل القدس بالذات العاصمة حتى لا تزاحم مكانة مكة، أما النصارى، فإن أهم وأقدس مكان لهم في القدس هي كنيسة القيامة والتي يعتقد أنها مكان دفن المسيح وطريق الآلام الذي سار فيه المسيح. إن القدس بلا شك مكان مهم (للمسيحية) ، أما بالنسبة لنا نحن اليهود فإن القدس هي كل شيء؛ فهي مركز التاريخ اليهودي، ومركز الحياة اليهودية، ومركز الديانة اليهودية. إن القدس تمثل أطهر تعبير لكل ما صلى اليهود من أجله وحلموا به وصرخوا من أجله وماتوا من أجله خلال الألفي عام التي تلت تدمير الهيكل الثاني، كان على كل يهودي ملتزم خلال الألفي عام تلك أن يصلي ثلاث مرات في اليوم، على الأقل، ويذكر القدس في كل صلاة وهو يتوقع أن يرجعنا الإله بفضله إلى القدس يوماً ما. س: هل يجب أن تترجم المطالب الدينية إلى حقوق سياسية وإقليمية؟ أولمرت: بالتأكيد، فالحقوق السياسية لا تنبع من فراغ، والأمر بسيط؛ فهذه الحقوق تتبع إطاراً ذا أبعاد تاريخية ودينية وسياسية، فما هو بعد ذلك كله أساس الادعاءات الفلسطينية حول كون القدس عاصمتهم؟ إن هذه الادعاءات يجب أن يكون لها جذور في التاريخ حتى يكون لها أساس، ثم انظر إلى التفاصيل بعد ذلك؛ فما هو التاريخ الفعلي للشعب الفلسطيني في القدس؟ س: ماذا عن حقوق السكان المسلمين الذين يقطنون القدس اليوم؟ أولمرت: إن ٢٨% من سكان القدس اليوم هم فلسطينيون، وأنا لا أنكر هذه الحقيقة، وفي نفس الوقت فإن القدس ليست أول مدينة تحتوي على أقلية قومية، ولا توجد أي مدينة تحتوي على أقليات من هذا النوع وتم تقسيمها بحدود عرقية، إن ذلك لم يحدث أبداً، والقدس لن تكون أول مدينة تقسم بهذا الشكل. س: هل يمكن القول إن كلاً من اليهود والمسلمين يسعى لكسب الدعم النصراني لموقفهم؟ بكلمات أخرى: هل يكون النصارى هم العامل الحاسم؟ أولمرت: إن هذا أحد الطرق لتفسير ذلك، إلا أنه ليس أدقها حيث إننا لن نسمح لأي كائن من كان بأن يحدد هذا الصراع. وهذا الصراع في الواقع قد تم تحديده بالفعل منذ ثلاثة آلاف سنة. إن القدس ليست حقيقة نحاول خلقها الآن، إن القدس كانت وهي الآن وستظل عاصمتنا للأبد، ولن يقوم النصارى أو غيرهم بتحديد نتيجة هذه المعركة لنا بشكل مفتعل أو فني. نحن من سنحدد نتيجة هذا الصراع، ولدينا المثابرة، والعزيمة وقوة الإرادة والقوة النابعة من الالتزام، والآن فمن الصحيح القول إن المجتمع النصراني هو الأقوى سياسياً في العالم، ونتيجة لذلك يسعى طرفا المعركة لكسب هذا المجتمع في صالحهما، ولا يقتصر ذلك على القدس فقط بل وعلى النزاع العربي الإسرائيلي، إننا نرغب أن تكون الدول المأهولة بالنصارى كالأوروبيين والأمريكان داعمة لنا، وإنني أعتقد أنها كذلك لدرجة كبيرة، إلا أنني أكرر مرة أخرى أن ذلك لا يعني أنهم يقررون من الذي سينتصر في القدس. س: هل أنت قلق من أن تتحول القدس اليهودية إلى مدينة الحاريدين (Haredi) وبمعنى أصح أن تصبح القدس مكاناً يهيمن عليه التقليديون المتطرفون؟ أولمرت: إنني لست قلقاً. نعم! الحاريديون لهم معدل ولادة مؤثر إلا أن ما لا يدركه الناس هو أن الحاريديين لهم أعلى معدل هجرة من القدس، والسبب لذلك اقتصادي، حيث إن أثمان الإسكان في القدس مرتفعة جداً والحاريديون هم الأقل قدرة مالية؛ ولذلك يبحثون عن السكن خارج المدينة، ولهذا السبب ذاته فإن بلدات كبيتار، وكريات سيفر، وما تينونياهو تطورت، بالإضافة للمناطق السكنية للحاريديين في بلدات بيت شمس، وكريات غات وأشدود، لقد تطورت هذه بشكل سريع على مدى السنوات الثلاث الماضية. س: ماذا عن التطلعات الاقتصادية للقدس وهي إحدى أفقر المدن الإسرائيلية؟ أولمرت: إننا نحاول تحسينها من خلال القيام يجهود منسقة بين البلدية والحكومة الوطنية، إن الالتزام بتقوية القدس ليس مجرد مصلحة محلية أو أمل أي رئيس لبلدية القدس يريد أن ينجح في عمله، بل إنها أولوية إسرائيلية على أعلى المستويات، (إن ضمان تقوية القدس يجعل الناس يرغبون السكن هنا؛ وانتقال الأعمال إلى هنا يعني إعطاء هؤلاء الناس الحوافز الصحيحة، وإنني أعتقد أنه بإمكاننا ذلك وسنقوم بذلك في النهاية، إن الحكومة الوطنية وحدها تمتلك المعدات والوسائل لتحقيق تغيير كهذا، فبإمكانها على سبيل المثال أن تقرر أن كل مهاجر جديد لإسرائيل سيحصل على منحة إضافية في حال قرر السكن في القدس بدلاً من أي مكان آخر في إسرائيل، وعندما يحصل ذلك سترى كيف سيفضل المهاجرون السكن في القدس، وبنفس المنوال في حال حصلت كل من المحطات التصنيعية على منحة إضافية إذا قررت العمل في القدس فإنك سترى المزيد من ذلك في المدينة؛ إن الموضوع متعلق بالأولويات الوطنية. س: وهل سيقدم المهاجرون والمصانع بالرغم من المشاكل العالقة في القدس وبالرغم من الصراع الذي يأخذ مكانه الآن حول مستقبل المدينة؟ أولمرت: أجل؛ وذلك لأنه في النهاية لا يوجد اختلاف سياسي رئيس بين القدس وتل أبيب. إن القدس تعاني من التفجيرات الانتحارية وكذلك تل أبيب، وبشكل عام فإن أي شخص مستاء من الوضع في القدس وقد يكون له الحق في ذلك سيجد أن المشاكل ليست مقتصرة على تلك المدينة فقط، ومن ناحية أخرى فإن مزايا العيش في القدس الطقس الرائع والهواء الرائع والدمج الجميل بين القديم والحديث وديناميكية مجتمع القدس، والتطوير في الاقتصاد والصناعة في القدس هي حوافز كبرى للناس ليأتوا ويسكنوا هنا. س: لو قبلنا أن العرب واليهود لهم حق العيش حيثما يرغبون، فهل ستقوم باحترام تقليد الأحياء المنفصلة كما هو الآن؟ أم ستفضل رؤية هذه مفككة؟ أولمرت: ليس بإمكاني أن أقول لك إن حلمي هو أن أجد المزيد من العرب يعيشون في القدس، إنني آمل أن لا يكون هناك المزيد من العرب يعيشون في القدس؛ وذلك لأن الاختلافات القومية لها أثر على نمط الحياة والمناخ والعلاقات بين مختلف السكان. لدينا ما يكفي من المشاكل في القدس، إن أولئك القاطنين في القدس لديهم الحق في حياة متساوية، وليس لدينا القدرة والسلطة لطردهم؛ إلا أنني لا أبحث عن حلول من شأنها أن تجلب المزيد من العرب للمدينة. لا، أنا لا أحبذ ذلك. س: لنفترض أن هناك عدداً معيناً من العرب في القدس، هل يجب أن يعيش هؤلاء مع اليهود جنباً إلى جنب دون زيادة أو نقص في هذا العدد؟ أولمرت: ذلك ليس على قمة أولوياتي، وهو شيء لا أخشى منه. س: إلا أنه يبدو أن العرب لا يريدون التكامل، وهم يفضلون مدارس منفصلة وأماكن منفصلة للعيش؟ أولمرت: ذلك مرة أخرى ليس على قمة أولوياتي، وأنا لا أخشى حدوث ذلك، وفي حالة حدوثه فليكن الأمر كذلك. س: ما هي أولى أولوياتك إذن؟ أولمرت: القيام باستثمارات رئيسية في مناطق ذات أهمية لمستقبل القدس، هذا هو السبب الذي جعلني أفضل بناء المجمع السكني في حارهوما (جبل أبو غنيم) . س: ولماذا هذا المشروع على هذه الدرجة من الأهمية؟ أولمرت: إنه مشروع استراتيجي سيوفر ٧٠٠٠ وحدة سكنية إضافية للقدس، مما يجعله مدينة صغيرة بحد ذاته. وذلك من أجل تخفيف المشاكل السكنية في المدينة. إن الآلاف من الأطفال يعيشون الآن في المدينة من دون سكن ملائم بإمكان آبائهم شراؤه، وهناك مصلحة حقيقية كما ترى في البناء في حارهوما، إضافة لذلك فإن المشروع يقع في موقع استراتيجي سيؤثر في مستقبل القدس. س: بأثر رجعي، هل تم التعامل مع قرار البناء السابق بشكل سليم؟ أولمرت: بالتأكيد، لم يكن هناك أي طريق آخر لبناء حارهوما، وأنا سعيد جداً لبنائنا حارهوما، وإنني أعدك أننا سنستمر في بناء حارهوما، إن المشروع لم يتم تجميده. س: لقد نقلت صحيفة مصرية تصريحاً لك ذكرت فيه أن إطالة فترة محادثات مسيرة السلام يخدم المصالح الإسرائيلية؛ لأنه يسمح للإسرائيليين (بإنهاء مشاريع البناء الاستيطانية) هل هذا ما تشعر به بالفعل؟ أولمرت: لا أذكر أنني قلت شيئاً من هذا القبيل؛ إلا أننا لا نحتاج إلى أي عذر لاستمرار البناء في أي مكان نرى ضرورة البناء فيه، ربما قلت: إن العرب قد يعتقدون أنهم يعاقبون إسرائيل من خلال تعليق المحادثات ليكتشفوا في النهاية أنهم يعاقبون أنفسهم بالفعل، إنني لا أتذكر أنني تفوهت بما ذكرته؛ ولكن كما تعرف فإن الصحافة العربية لا تحتاج لأي حقائق من أجل بناء جدالهم، إنه بإمكانهم بكل سهولة خلق الحقائق التي تناسبهم. س: هل ستقوم بفتح نفق (ألهسمونيان) (تحت المسجد الأقصى) بطريقة مختلفة عن السنة الماضية لو أتيح لك أن تقوم بذلك مرة أخرى؟ أولمرت: لا، بل يجب ألا يتغير أي شيء قمنا به، باستثناء أنه في المرة القادمة على رئيس الوزراء أن يتأكد من كون الجيش متأهباً لمنع ردود الفعل التي سببت العنف قبل عام، فلو كان الجيش جاهزاً وفي مواقعه السليمة لما حدث هناك عنف ضد أناس أبرياء كما حصل بالفعل. س: لقد ذكر صائب عريقات أحد كبار معاوني عرفات حول حادثة النفق (أن الحكومات الإسرائيلية كلما وجدت نفسها تواجه أزمات داخلية سواء نتيجة الفساد، أو انتهاك الثقة أو الرشوة فإنها تحاول صرف الانتباه، إن هذا ما حدث مع أيهود أولمرت عندما تم اتهامه بالرشوة، لم يكن أمامه خيار آخر سوى فتح نفق القدس من أجل صرف الأنظار عمّا كان يجري في المحاكم) هل لك تعليق على ذلك؟ أولمرت: في الواقع هذا لا يستحق أي تعليق، لقد اتهمت بترتيب حفلة من أجل الحصول على تبرعات غير قانونية، وقد تم تبرئتي بشكل قطعي ودون أي التباس في محكمة تل أبيب، قبل عدة أسابيع، ولذلك فإنني نظيف من أي أثر لأي نشاط إجرامي. إن هذا النقاش يجسد التفكير العربي، وهو حالة واضحة للإسقاط الذهني، حيث يصمونني بالطريقة نفسها التي يعالج بها عرفات ومساعدوه مشاكلهم. س: لقد ذكرت فور انتخابك رئيساً للبلدية أنك تفضل التفاوض على وضع القدس الآن قبل الغد، بمعنى أنك تريد القفز لمفاوضات الوضع النهائي، فهل لا زلت تشعر بالشيء نفسه؟ أولمرت: أجل، إلا أن ذلك متأخر الآن، لقد طرحت ذلك قبل ثلاث سنوات، عندما كنا لا نزال في المراحل البدائية لتطبيق أوسلو، لقد كان تسويغي لذلك بسيطاً وهو أنه إذا تركنا قضية القدس للنهاية فقد نجد أنفسنا ندعو المجتمع الدولي ليضغط علينا من أجل تقديم التنازلات في القدس. وكما حدث فإننا الآن على مشارف المرحلة النهائية من المسار التفاوضي، وعليه فليس هناك الكثير مما يمكن لإسرائيل القيام به الآن؛ فالمدينة سيتم التفاوض حولها الآن على أي حال. س: ما هو الحل طويل الأمد الذي تفضله لحل الخلاف حول القدس؟ أولمرت: لقد تم تفصيل الحل قبل ثلاثة آلاف سنة، القدس مدينة واحدة، مدينة موحدة وعاصمة لإسرائيل، لقد حسم الأمر، فأي حل آخر يمكن أن يكون غير هذا؟ س: هل تشتمل هذه الرؤيا على نوع من الحكم الذاتي لعرب القدس؟ أولمرت: حكم ذاتي؟ لا، حرية؟ نعم. س: ماذا عن أي تدابير خاصة أو حقوق طائفية للقاطنين العرب؟ أولمرت: لا شيء يتعدى الحرية الشخصية، هم مخولون بممارسة جميع حقوق المواطنين الأحرار في مجتمع ديمواقراطي. سيكون لهم حقوق فردية تماماً كما يمتلك كل يهودي حقوقاً فردية، لن يمتلك العرب أو اليهود أي حقوق طائفية خاصة في القدس. س: لقد توصل يوسي بيلين وأبو مازن لاتفاقية من ثلاثة عناصر؛ حيث سيقوم الفلسطينيون ببناء مركز حكومة في قضاء أبو ديس ويطلقون عليه (القدس) وستكون القدس الغربية لإسرائيل، أما القدس الشرقية فستبقى موضع النزاع في الوقت الراهن مع بقائها تحت السيطرة الإسرائيلية؛ أما جبل الهيكل فإنه سيبقى تحت السيطرة العربية. ماذا تعتبر هذه الاتفاقية؟ أولمرت: إنها خطة غبية ومتهورة وغير مسؤولة، إنها تتحدث عن وضع أجزاء من القدس تحت السيادة الكاملة للفلسطينيين بما فيها بعض الأماكن المسيحية المقدسة. هل لك أن تتخيل قيام اليهود بمنح المسلمين الحقوق فوق كنيسة القيامة وهي أقدس مكان للنصارى في القدس؟ وأي مسلمين؟ منظمة التحرير الفلسطينية؟ يا للغباء! س: وماذا عن فكرة كون أبو ديس العاصمة الفلسطينية. وأي قيمة لتلك الفكرة؟ أولمرت: إنها سخيفة، إن أولئك الذي يتحدثون عن تلك الخطة يعتقدون أن العرب سيقبلون بحل يبقيهم خارج القدس الفعلية، لو كان العرب جاهزين لذلك فإن السؤال سيكون مختلفاً جداً إلا أنني أشك بذلك جداً. س: هل تقول إن أبو ديس تشبه الحملة القديمة التي تقول بأن (الأردن هو فلسطين) أي منح الفلسطينيين شيئاً لا يرغبونه بالذات على أمل إزاحة عبئهم عن إسرائيل؟ أولمرت: أجل، ربما يأخذون ما قدم لهم، إلا أن ذلك لن يقنعهم لفترة طويلة. س: هل من العدل القول إن السياسة الأمريكية الرسمية تجاه القدس مجمدة زمنياً؟ بمعنى أنها لا زالت تدعو لتدويل المدينة وترفض الاعتراف بالسيطرة الإسرائيلية على الجزء الشرقي منها ولا زالت تحتفظ بالسفارة في تل أبيب؟ أولمرت: للأسف فإن السياسة الأمريكية الرسمية لم تتحرك بأي تطورات فعلية ولا بالنظرة التي يبديها معظم الشعب الأمريكي. س: ولِمَ لا؟ أولمرت: إن هذا شيء ربما بإمكان الأمريكان تفسيره أفضل مني. إنه بإمكاني فقط ملاحظة أنه إذا كان الكونغرس يعكس فعلياً التوجهات الشعبية الأمريكية، ... ويفترض فيه هذا؛ لأن مجلس النواب ينتخب كل سنتين، فليس بإمكان أحد أن يتجاهل حقيقة أن الغالبية العظمى من رجال الكونغرس (والشيوخ) قد صوّتوا لصالح الاعتراف بالقدس العاصمة الموحدة وغير المقسمة لدولة إسرائيل؛ وبالإضافة إلى ذلك فقد طالبوا بنقل السفارة الأمريكية للقدس. س: وهل تتصرف إدارة كلينتون وفق القانون فيما يتعلق بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؟ أولمرت: حسب الجدول الزمني في القانون؛ فإن الإدارة لا زال لديها بعض الوقت، حتى عام ١٩٩٩م، لتقوم بنقل السفارة، ولا استشعر أن الإدارة تقوم بجهود كبيرة في ذلك، إنني آمل استمرار تزايد الضغط حتى تصبح السفارة الأمريكية بالفعل في القدس بحلول عام ١٩٩٩م. س: لقد قال أحمد الطيبي مستشار عرفات حول إسرائيل (أنا لا أعرف ما الذي يحرك أيهود أولمرت) إن هذا الموضوع يستحق بحثاً جدياً؛ فهل لك أن ترد على ذلك؟ أولمرت: لماذا لا يقوم الطيبي باستغلال وقته ويُجري أبحاثاً حول هذا الموضوع ينصح فيها عرفات بدلاً من هدر طاقته كعميل أجنبي، إن دوافعي بسيطة وهي حماية وحدة القدس، هذا هو طموحي وتطلعي وحلمي. س: هل تستمتع بوظيفتك؟ أولمرت: إنني أعتبر نفسي ربما أكثر يهودي تميزاً في الكون؛ وذلك نتيجة المصادفة التاريخية التي منحتني القوة لقيادة هذه المدينة في هذا الوقت من تاريخها، ماذا يمكن أن يكون أكثر إثارة وأكثر سحراً وأكثر أهمية وأكثر مسؤولية من أن تكون قائداً للمدينة التي صلى من أجلها كل يهودي على مدى الألفي سنة الماضية؟ س: ماذا يعني كونك عمدة لبلدية القدس؟ أولمرت: دعني أخبرك بقصة قد تعطيك فكرة عن ذلك. لقد وصلت إلى نيويورك قبل أيام قليلة على متن الطيران الفرنسي بعد تغيير الطائرات في باريس، وعند وصولي جاءني أحد موظفي شركة الطيران وكنت مع زوجتي عندما كنا نهم بمغادرة الطائرة وسألني: (هل أنت السيد أو لمرت؟) أجبته (نعم) فقال: إذن لديّ بعض الأخبار السيئة لك، لقد خفق قلبي؛ حيث كان هناك تفجيران انتحاريان رئيسيان في الشهرين السابقين وخفت على الفور من أخبار انفجار آخر، أو أي نوع من الكوارث في المدينة، فسألته بقلق: (ما الأمر؟) فأجاب: إن حقائبك لم تلحق الطائرة في باريس، ولن تصل لهنا قبل الغد. عندها بدأت أضحك بارتياح، ونظرت إليّ امرأة تعمل في شركة الطيران معتقدة أنني مجنون. إن هذا ما يعنيه أن تكون عمدة لبلدية القدس. إنها ليست بالوظيفة المريحة.

стр. 2876

من ثمرات المنتدى في هذه الزاوية يسر المنتدى الإسلامي أن يتواصل مع قرائه الكرام بإيقافهم على آخر الأنشطة والمستجدات والفعاليات التي تتم بفضل الله تعالى في مختلف مكاتبه المنتشرة في أفريقيا وآسيا، سائلين الله تعالى أن يخلص النيات، ومتمنين من أحبابنا الكرام أن يزودونا بملحوظاتهم واقتراحاتهم، وأن يقفوا معنا بدعائهم وعونهم. صحوة بعد ثمانين عاماً من البدعة: لقد وُفق ذلك الشيخ الهرم للاشتراك في دورة للأئمة نظمها المنتدى الإسلامي في دولة التوجو، وكان يؤم الناس لثمانية عقود، ولم يكن تلقى تعليماً جامعياً، بل درس على مشائخ محليين، وورث الكثير من البدع والمخالفات السائدة في بيئته لقلة العلماء في زمانه. وعندما أراد الله هدايته وفقه للاشتراك في دورة للأئمة، وبعد أن عرف الكثير فيها أدرك ما هو عليه من البدع والمخالفات، وفي نهاية الدورة قام ليبدي انطباعاته، وقال أمام المشاركين إنه يعلن توبته من هذه اللحظة ويبرأ إلى الله من ثمانين سنة من البدع والأخطاء التي كان يمارسها ويعلمها للناس، ولم يتمالك ذلك الشيخ المسن نفسه فأطلق لعينيه العنان فدمعتا فبكى وأبكى الحاضرين، فكان ذلك موقفاً لا يوصف في شدة تأثيره، ولم يكتف بذلك بل عاد وجدد توبته أمام الناس في مسجده ليبرئ ذمته ويبرئ دين الله مما كان يعلم الناس خلال هذا العمر الطويل.. فالحمد لله الذي وفق لمثل هذا، ونسأله أن يبارك في الجهود المخلصة. كتب بنجلادش ثلاث قوافل دعوية شملت ثلاث قرى في شهر صفر ١٤١٩هـ. * وفي شهر ربيع الثاني سير مكتب بنين ست قوافل دعوية شملت ستاً وثلاثين قرية، أسلم فيها ولله الحمد (١٥) شخصاً. * كما سير مكتب توجو سبع قوافل دعوية شملت (٦٣) قرية. * وقام مكتب المنتدى الإسلامي بأكرا عاصمة غانا بتسيير قافلة دعوية موجهة إلى المسلمين الذين يعيشون في القرى النائية، ويجهلون أمور دينهم، وكانت القافلة في رحلة إلى المنطقة الغربية من البلاد خلال الفترة ٢٩/٣ ١٣/٣/١٤١٩هـ، وشارك فيها ثلاثة من دعاة مكتب غانا، وقاموا بزيارة تسع قرى في المنطقة المذكورة، شرحوا لهم خلالها أركان الإسلام، وشكرهم أهالي تلك القرى على ما قدموه من دعوة وتعليم، وطالبوا بالمزيد، نسأل الله تعالى أن يتقبل ذلك، ويوفق المكتب لتسيير مزيد من القوافل الدعوية. وقد ألقيت من خلال هذه القوافل الدروس العلمية والمحاضرات واللقاءات الاجتماعية والشبابية. دورة إدارية لمديري ومدرسي المعاهد الإسلامية * أقام مكتب أوغندا ضمن دوراته التأهيلية دورة في العلوم الإدارية والتربوية لمديري ومدرسي المعاهد الإسلامية في مختلف أنحاء الدولة. مركز إسلامي في مدينة كوتونو يقام الآن في كتونو عاصمة بنين مركز إسلامي تابع للمنتدى الإسلامي يتوقع افتتاحه خلال الأشهر القريبة إن شاء الله ويحتوي المركز على مسجد جامع يستوعب ٥٠٠ مصلّ، بالإضافة إلى مصلى للنساء، ومكاتب إدارية للمركز ومكتبة عامة وفصول دراسية. مخيمات طلابية أقام مكتب بنين في بداية ربيع الثاني ١٤١٩هـ مخيماً لطلبة جامعة بنين الحكومية استمر لمدة خمسة أيام وشارك فيه ٨٥ طالباً. كما أقام مكتب توجو مخيماً لطلبة الجامعة استمر لمدة ثمانية أيام وشارك فيه ١٢٠ طالباً. وتهدف هذه المخيمات إلى تربية الطلاب وتعليمهم العلوم الإسلامية. الدروس العلمية لمكاتب المنتدى تولي مكاتب المنتدى الإسلامي النشاط العلمي اهتماماً كبيراً، يتجلى ذلك في الدروس العلمية التي بلغت (١٦١٣) درساً أسبوعياً على نطاق أحد عشر دولة في مختلف العلوم الشرعية ففي العقيدة (٣٧١) درساً، وفي الحديث وعلومه (٤٥٢) درساً وفي التفسير (٢٣٠) درساً، وفي الفقه وأصوله (٢١٦) درساً، وفي السيرة والتاريخ الإسلامي (١٠٤) دروسٍ، وفي الآداب والمواعظ (١٠٧) دروسٍ، وفي التجويد (٥١) درساً، وفي علوم اللغة العربية (٧٤) درساًٍ، وفي الفرائض (٨) دروسٍ. هذا فضلاً عن المحاضرات والندوات واللقاءات الثقافية الدورية. دورات للأئمة والدعاة نظم قسم الإشراف التعليمي بمكتب غانا الدورة التمهيدية الثانية لمعلمي ... المدارس الإسلامية بغانا، أكرا في الفترة من ٦- ١٣/٤/١٤١٩ هـ الموافق: ... ٢٩/٧ /١٩٩٨م - ٥/٨/١٩٩٨م، وقد شملت برامج الدورة الجوانب الفنية ... التربوية بالإضافة إلى العديد من المحاضرات والندوات العامة في شتى الجوانب الإسلامية، وكان عدد المشاركين (٥٠) مدرساً. علماً بأن هذه هي الدورة التمهيدية الثانية بالنسبة لمعلمي العاصمة، وسوف تعقبها دورات تكميلية أخرى بإذن الله. * أقام مكتب أوغندا الدورة الشرعية الثانية لتأهيل الدعاة في بداية شهر ربيع الأول ١٤١٩هـ شارك فيها (٣٩) داعية واستمرت لمدة عشرين يوماً. * كما أقام مكتب تشاد دورة شرعية في الفترة نفسها استمرت لمدة سبعة أيام ١١ - ١٧/٣/١٤١٩هـ شارك فيها (٤٥) داعية. * وفي جمهورية توجو أقام المكتب دورة علمية للدعاة استمرت (١٩) يوماً شارك فيها (٦٥) داعية. * في دولة بنجلادش أقيمت دورة شرعية للأئمة والدعاة شارك فيها (٨٤) من الأئمة والدعاة لمدة ٩ أيام من ١٣- ٢١/٣/١٤١٩هـ. * في نيجيريا أقيمت دورة شرعية للأئمة ومحفظي القرآن الكريم بلغ عدد المشاركين فيها (٣٠) مشاركاً وكانت دورة مكثفة استمرت مدة (٤٥) يوماً من ٨/١ إلى ٢٤/٢/١٤١٩هـ. * وفي أثيوبيا أقيمت دورة تدريبية للأئمة والدعاة لمدة (١٠) أيام من ٢١- ٣٠/ ٢/١٤١٩هـ. بلغ عدد المشاركين فيها (٦٠) ما بين إمام ومعلم وداعية. وتهدف هذه الدورات إلى رفع كفاءة الدعاة العملية والدعوية.

стр. 2877

نص شعري إن وعد الله حق .. عبد العزيز الشهري فِراقُكَ يا زمَانَ الرّغْدِ حَقّ ... أَتحسَبُ أنّ كلّ الدّهْرِ طَلْقُ فلا تَغْرُرْكَ ضَاحكَةُ الليَالي ... كَذلِكَ أَولُ الطّوفَانِ وَدْقُ غَداً نَصْحُو ... ولكِنْ لَسْتُ أدْرِي ... بذكْرَى؛ أمْ بفاجعةٍ تَحِقّ يَثُوبُ الوَعْيُ في صَخَبِ المآسِي ... وَيَنْضُجُ مِنْ لَهِيبِ الشّمْسِ عِذقُ مَصَائِبُ أمّتِي اقْتَسَمتْ فُؤادِي ... تَرَى شِقّاً هُنَا؛ وَهُناكَ شِقّ تَنَوّعتِ الجرَاحُ فلا تَلُمْنِي ... إذا لَمْ يَبْقَ في جَنْبَيّ خَفْقُ هُنَالكَ في حَمَاةَ تَلُوحُ ذِكْرَى ... فَتَكْتُمُ حَرّ عَبْرَتِها دِمَشْقُ وبالفُسْطَاطِ للإصْلاحِ كَيْدٌ ... يُحَاكُ؛ وفِي بِلادِ التّركِ خَنْقُ وفِي أَرْضِ الجَزَائِر ألْفُ جُرْحٍ ... يَسِيحُ، وفي رُبَى كَشْمِيرَ سَحْقُ رُبَى الإسْلام مُثْخْنةٌ أراهَا ... تُشِيرُ، فلَمْ يَعُدْ للثّغْر نُطْقُ ضَنَنّا بِالدمُوع فليت شِعْري ... أَنبْذُلُ بَعْدَ ذلك مَا يَشِقّ؟ ! هُرِعْنَا للسّلام فَهَل تَدلّى ... لنا مِنْ غَرْقَد الأنجاسِ عِذْقُ؟ ! وَلَمْ أرَ مِثلَ قومِي.. غَيْر غَيم ... بِلا غيْثٍ لَهَ رَعْدٌ وبَرْقُ كَمِ امْتَشَقُوا حُساماً من كَلامٍ ... وَهَل غيْرُ الكَلامِ يُجِيدُ شَرْقُ مَكَارمُ في بلاد العُرْبِ عُقّتْ ... وَمَا قَدْ كُنْتُ أحْسَبُها تُعَقّ تُغَرْبِلُنَا الكُرُوبُ فَكُلّ يَوْمٍ ... نَرَى ذِمماً تُبَاعُ وتُسْتَرَقّ فَكَمْ مِنْ مَعْشرٍ في الحقِ كَانُوا ... صِلاباً، ثُمّ في الأحْدَاثِ رَقّوا فَمَا من بُقْعةٍ إلا وفيهَا ... أَخَاديدٌ لِصَحْوتِنَا تُشَقّ أَمامَكَ إنْ أَبيْتَ سُجونُ قَهْرٍ ... وَإنْ لَمْ تستجبْ ... فَهُنَاك شَنْقُ وَمَا لَكَ فِي الكَرامَةِ أيّ حَظٍّ ... وَمَا لَكَ فِي رَغيْدِ العَيْشِ حَقّ إلهي غَيْرَ بَابِك لا أَدُقّ ... وَدَرْباً.. غَيْرَ دَرْبِكَ لا أَشُقّ فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ هُدًى وَهَبْ لي ... فُؤَاداً فِي الهَزاهِز لا يَرِقّ يُسَائِلُني بَنُو قَوْمي حَيَارَى: ... أبَيْنَكَ يَا فَتى والمَوْتِ عِشْقُ؟ ! أَنَا يَا قَوْمِ إنْ لَمْ تَعْرِفُوني ... فَتىً صَلْبُ العَقِيدَةِ لا أَرِقّ سَلُوا الجَوْزاءَ عَنّي والثريّا ... فبينِي والعُلا نَسَبٌ وعِرْقُ لَكَمْ عَانيتُ من نَفْسِي فَصَدْرِي ... يَكادُ لفَرْطِ هِمّتها يُشَقّ! ! وَمَا طَعْمُ الحَيَاةِ وقَدْ تَبَدّى ... لِرُوحِي مِنْ وَرَاءِ المَوْت أُفْقُ إذا مَا الرّوحُ بالفِرْدَوْسِ هَامَتْ ... يَهُونُ عَلى الفتَى ألمٌ وَسَحْقُ؟ ! فَليْسَ يَرُوعُنِي فِي الحقِ سَيْفٌ ... وَلَيْسَ يُزِيغُنِي ذَهَبٌ وَعِلْقُ أَقُولُ الحَقّ لا أخْشى وَإنّي ... لأُبصِرُ خَلْفَه عُنُقِي تُدَقّ! ! وَلستُ بِجَازِعٍ مَا دَامَ قَلبي ... يُرَدّدُ: إِنّ وَعْدَ اللهِ حَقّ

стр. 2878

المسلمون والعالم طالبان.. وقدر أفغانستان (١ /٣) طالبان.. والمهام الجسام عبد العزيز كامل ما إن ظهرت حركة طلاب العلم.. أو (طالبان) في أفغانستان، حتى حامت حولها الشكوك، وتجمعت فوقها سحب كثيفة من علامات الاستفهام والاستهجان والتعجب والترقب..! ذلك أن تلك الحركة ظهرت في جو أزمة مؤصد الأبواب، قادت إليها أجواء مسممة، بأهواء متبعة وشح مطاع. ومما زاد من اللغط المثار حول الحركة؛ أنها أظهرت بمجرد بروزها تبني مشروعات كبرى، كانت تبدو خيالية، أو قل خرافية في ذلك الوقت، كدعواها أنها تهدف إلى توحيد أراضي أفغانستان كلها تحت قيادة واحدة، وستنشئ حكومة إسلامية تطبق الشريعة بحذافيرها، وأظهرت كذلك أنها تنوي إقصاء كل القوى التي شاركت في فتنة الحرب الأهلية، إضافة إلى نيتها في إعادة بسط الأمن، وإعادة الحياة الطبيعية، وقمع الفساد والجريمة التي استشرت في البلاد في ظل غياب سلطة حقيقية طيلة سنوات عديدة.. لقد استخف الجميع في الداخل والخارج بتلك الحركة في مبدأ أمرها، ولم تكن نظرة الاستخفاف بأولئك الطلاب مقصورة على قادة الفصائل الأفغانية المتصارعة، بل تعدتها إلى نظرة عامة خارج أفغانستان؛ حيث جوبهت تلك الحركة بالتجهم والتجاهل أحياناً، وبالشك والتشكيك أحياناً أخرى، ولم يكن ذلك من جماهير عوام المسلمين فقط، بل كان موقف الكثير أو الأكثرية من الإسلاميين العاملين، حتى كادت حركة (طالبان) أن تكون الحركة الإسلامية الوحيدة التي لم يكلف الناس أنفسهم بشيء من الموضوعية في النظر إليها أو الحكم عليها، وكأن الناس قد أصيبوا بحالة من الكسل الفكري، بعدما أرهقتهم الأحداث المتسارعة في العالم المتصارع حولهم، وبعدما كَدّت أذهانهم التحليلات المتناقضة لما يدور في العالم من أحداث يُنسي بعضها بعضاً، ويرقق بعضها بعضاً، فكان من نتيجة هذا كله أن أكثر الناس نفضوا أيديهم وعقولهم أيضاً من المشاركة، مجرد المشاركة في الاهتمام ولو وجدانياً بما يدور في أفغانستان، بل ما يدور في أنحاء العالم الإسلامي، وكان هذا انعكاساً لحالة من الفتور العام. لكن أفغانستان بالذات، يمكن التماس العذر للناس في الانفضاض من حول رموزها القيادية، بعدما صدموا الأمة في مشاعرها برفع السلاح في وجوه بعضهم البعض بعد انتهاء الحرب مع الشيوعيين، وتلك قصة لن نقف عندها هاهنا؛ لأنها باتت معلومة مفهومة. لكن ما يمكن أن يكون عذراً لعوام الناس، قد لا يصلح عذراً لخواصهم، فمتابعة أحوال المسلمين في أفغانستان وغيرها، من الهموم التي لا يسع المسلم الحريص إهمالها، لهذا أقول: إن ما يحدث في أفغانستان، كان ولا يزال بسلبياته وإيجابياته شأناً من شؤون الأمة الإسلامية، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. ونحن المسلمين لنا موازيننا المستقلة والعادلة التي نضبط بها الأشياء ونقيس بها الأمور؛ فالموازين التي قادت الأمة أول مرة للوقوف بكل ثقلها خلف الجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين هي نفسها الموازين التي دفعتها بعد ذلك لإدانة خروج قادة الجهاد أو بعضهم عن خط الجهاد وخُلُق الجهاد، وتلك الموازين هي بعينها التي كان ينبغي لنا أن نتحرى وفق معاييرها الحكم على المستجدات الأخيرة عبر سنوات أربع من ظهور حركة طلاب العلم على الساحة الأفغانية. ونحن ننطلق في نظرتنا وتقويمنا لهذه الحركة من أمرين: الأول: الموازين الشرعية في الحكم على الأشياء من حيث كونها حقاً أو باطلاً. الثاني: المعطيات المتوافرة، والمعلومات المتاحة لما يدور من أحداث، مع تحليله بحياد وموضوعية قدر الإمكان. ومع استصحاب هذين الأمرين، سنحاول إلقاء الضوء على حركة (طالبان) دون أدنى خضوع للمؤثرات الإعلامية الغربية وتوابعها العربية؛ حيث لا يُعرف عن أرباب هذا الإعلام حرصٌ على الحق أو العدل إلا ما أُشرب من هواهم. طالبان وظروف النشأة: هم مجموعات من الشباب من طلاب العلم الشرعي الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني ضد الشيوعيين، ثم عادوا بعد انتهاء الحرب إلى التفرغ للعلم والدراسة، ثم كان أن اندلع الصراع بين قادة الفصائل الأفغانية كما هو معروف بعد الاستيلاء على العاصمة الأفغانية كابول وتحريرها من الحكم الشيوعي. وتسبب هذا الصراع في خراب كبير وفوضى شاملة، سقط خلالها ما لا يقل عن ثلاثين ألف قتيل [١] ، ونحو مئة ألف جريح، بخلاف من شُرّدوا وهُجّروا. ولم تنجح كل الجهود والوساطات في الوصول إلى نهاية لهذا الصراع، ولم تفلح أيضاً الصيغ المقترحة لتقاسم السلطة بين الرفقاء الذين غدوا فرقاء؛ حيث حلت الأثرة محل الإيثار، وأثبتت الأيام أن قوة المؤثرات القبلية والمذهبية، كان لها دفع أكبر من قوة دفع الجهود الإصلاحية، ولهذا أجهضت محاولات الصلح. وبدا شبح التقسيم يهدد أفغانستان، بعد أن سكنتها أشباح أخرى تمثلها الحرب الأهلية والمجاعات والأزمات والمؤامرات الداخلية والخارجية، بل إن خطراً آخر برز في الآفاق ظل يتهدد أفغانستان، هو عودة السيطرة الأجنبية في أثواب جديدة، بل لم يعد مستبعداً أن تعود الشيوعية نفسها بعد أن استعاد أذنابها عافيتهم، بعدما أنعشتهم روائح الدخان والنار والدمار! ومن رحم الأزمة وعنفوانها ولدت الحركة فخطفت الأضواء وغيّرت ... ... الأجواء ... ولدت حركة الطلاب لتكون صرخة ميلادها احتجاجاً تاماً على ما وصلت إليه الأمور. جاء الوليد ليقول لكل من ساهموا في إخراجه وميلاده العسير: أن كفوا.. قفوا ... انتهوا..! واندفع طلبة العلوم الإسلامية في مدينة قندهار إلى إعلان مقاومة الفساد والشيوعيين والأحزاب معاً في ربيع الثاني عام ١٤١٥هـ. وكان أول بروز إعلامي لحركة الطلبة في منتصف شهر نوفمبر من عام ١٩٩٤م في مدينة (قندهار) العاصمة الملكية القديمة، تلك المدينة التي تفلّتَ زمامها ليصير إلى أيدي السرّاق والفساق وقطاع الطرق أثناء الحرب الأهلية، وحدث أن تربصت تلك العصابات بقوافل إغاثية قادمة من باكستان ومكونة من ٢٠ شاحنة،وعدا قطاع الطرق عليها، فاعتبر الطلاب في المدينة هذا ضرباً من البغي والإفساد الذي لا يمكن السكوت عليه، فتصدى جمع منهم لاستنقاذ هذه القافلة من أيديهم. وبالفعل نجحوا في تخليصها منهم، ولقد أكسبت هذه الحادثة طلبة العلم مصداقية عند الناس من مدينة (قندهار) فالتف حولهم متعاطفون كُثر، وأصبح لهم نفوذ ظل يتنامى ويتعاظم في الولاية، وتطلع الطلاب إلى استثمار هذا القبول وهذه القوة الناشئة بعد تنظيمها في إصلاح ما يمكن إصلاحه في الوسط المحيط بهم. وواصل الطلاب وأتباعهم عملية التصدي لأعمال الفساد والإفساد في أنحاء الولاية. وكانت (قندهار) التي يبلغ سكانها ٣٠٠ ألف نسمة، نقطة البدء وقاعدة الانطلاق. لقد بسط الطلاب بعد أن أصبحوا حركة منظمة سيطرتهم على الولاية حتى استتب لهم الأمر فيها في ظل فراغ إداري في بلاد مترامية الأطراف لا تحكمها حكومة موحدة ولا قوية. وكغيرها من ولايات أفغانستان التي تقاسمتها الفصائل والقبائل والأحزاب؛ خضعت قندهار لإدارة هؤلاء الطلبة المنتمين في معظمهم إلى قبائل البوشتون، وولوا فيما بينهم واحداً منهم وهو الملا محمد عمر الذي كان ممن شاركوا في الجهاد عملياً، بقرينة شاهدة على ذلك، وهي فقده لإحدى عينيه في الجهاد، وكان قد عاد كأقرانه إلى طلب العلم بعد انتهاء موجبات الجهاد، فلما كوّن الطلاب حركتهم ورأّسوه عليهم، تشكل بعد ذلك مجلس شورى يضم ثمانية أفراد. ويبرز هنا سؤال: هل كان قادة المجاهدين القدامى على معرفة بالأفراد البارزين في حركة (طالبان) أم أن هؤلاء كما يشاع نكرات مجهولون لا يعرف لهم أصل ولا انتماء؟ الحقيقة أن كثيراً من قادة المجاهدين المعروفين، قد أثنوا في مبدأ الأمر على قادة الحركة باعتبار أشخاصهم، بل قد راهن الكثير منهم على أن يضموهم إلى صفوفهم، أو أن يستفيدوا منهم على الأقل. فحكمتيار الذي يشاركهم في الانتماء القبلي حاول استمالتهم مظهراً الود لهم، ولكنهم لم يشاركوه تلك المشاعر، بل رأوا فيه مسؤولاً أساسياً عن الدمار الذي حاق بأفغانستان بعد الحرب! أما أحمد شاه مسعود، فقد كف عنهم في البداية متعمداً لا حباً فيهم بل بغضاً في حكمتيار، ولعلهم يشاركونه في التخلص منه. وأما الشيخ سياف وهو من أصدق القادة لهجة فيما نظن فقد أثنى عليهم أشخاصاً لا حركة، وقد سئل عن (طالبان) في حديث صحفي أجرته معه جريدة الحياه (٧/٢/١٤١٧هـ) : فقال (قادتها معروفون لدينا) وقصارى ما أخذه عليهم عدم استقلالية قرارهم، ولكنه قال أيضاً لمجلة الإصلاح عندما سألته عنهم: (هم أحبابنا، ولا زالوا على صلة بنا، وبعضهم في المواقع المرموقة في قيادة الطالبان يصارحوننا، بأنهم لا يعرفون ماذا سيفعلون) (الإصلاح:١٥/٢/١٤١٧هـ) . ولكن الشيخ سياف كان يشارك القادة الآخرين نظرة الاستهانة بقدرات تلك الحركة في بدايتها، حتى إنه عندما سئل في المجلة نفسها عن مدى تهديد طالبان للعاصمة قبل دخولها قال: (أعتقد أنهم ليسوا على مستوى الاستيلاء على العاصمة) . ... أما رباني: فكان على معرفة جيدة بقادة (الطالبان) وقد صرح بذلك في بداية الأمر فقال: (تعاونا مع طالبان منذ البداية وقدمنا لهم كل الدعم، غير أن هذا التنظيم تخلى عن مبادئه الأصلية) وعن طريق يونس خالص، وعن طريق محمد نبي محمدي الذي كان نائباً له قبل دخول طالبان إلى كابول كان رباني يتابع شأن طالبان، وقد حاول محمد نبي أن يقنع رباني بالاستفادة من هؤلاء الشباب، واختلف معه بشأنهم وهما لا يزالان في السلطة وحاول أن يثنيه عن عزمه على التصدي لهم، وظهر هذا الاختلاف في العلن، حتى إن محمد نبي هاجم رباني بعد ذلك متهماً إياه بـ (افتعال القتال ضد حركة طالبان لإيجاد مسوّغ يتيح لقواته إدخال البلاد في دوامة جديدة) ثم عبر محمدي عن رأيه الصريح فيمن يسعى للسيطرة لمجرد السيطرة، هل هم طلبة العلم، أم المعادون لهم فقال: (إن رباني وحكمتيار هما المتحاربان اللذان يحبان الكراسي، وسيظلان يتحاربان من أجلها) (الحياة ١٦/ ١٠/١٤١٥هـ) . أما يونس خالص فكان منذ البداية متعاطفاً مع حركة الطلبة، بل إنه شاركهم عملياً في مساعيهم لتوحيد البلاد تحت حكومة واحدة، وخاصة عندما طلبت منه حركة طالبان أن يتولى تأمين العاصمة كابول، عندما حشدوا أكثر قواتهم صوب مزار الشريف في المحاولة الأولى لفتحها. فالحاصل هنا أن الزعماء البارزين في حركة طالبان كانوا معروفين لدى الزعماء البارزين من قادة المجاهدين القدامى، وهذا مهم في نفي صفة النكارة عنهم، والتي يتعلق بها منتقدوهم ليصفوهم بعد ذلك بما هو أسوأ كوصفهم بأنهم عملاء لباكستان وأمريكا.. أو من الشيوعيين القدامى، أو أصحاب توجهات علمانية مخفية.. إلخ! ! مسيرة الحركة في توحيد أفغانستان: كان لقادة حركة الطلاب نظرة ثابتة فيما يتعلق بعلاج مشكلة الصراعات في أفغانستان، وتتلخص نظرتهم في الحل: في ضرورة تخليص البلاد من القوى والعناصر المتسببة في استمرار الشقاق؛ إذن لا بد من توحيد ولايات أفغانستان من أقصاها إلى أقصاها تحت قيادة موحدة لا عنصرية ولا قبلية ولا مذهبية، وقد تبلورت هذه النظرة وتحولت إلى هدف ثابت بعد النجاحات التي أحرزتها الحركة بإخضاعها ولايات عديدة لسيطرتها بعد قندهار، وقد لمسوا من جموع الشعب الأفغاني ترحيباً بهذا التوجه؛ فالناس قد سئموا من الخلافات والعداوات والمواجهات التي لا يدفع ثمنها الباهظ إلا البسطاء والفقراء من أرزاقهم ودمائهم وأرواحهم. ورأى هؤلاء البسطاء في حركة الطلاب أملاً يلوح في الأفق، فانحازوا إلى صفهم، وكان أهالي كل ولاية يحدثون غيرهم عن أحوال ولايتهم بعد مجيء الطالبان؛ حيث عم الأمن، وعادت التجارة، وانعدمت القلاقل والفتن التي كانت تحدثها العصابات المسلحة في كل مدينة، وكان شباب الطلاب عندما يقدُمون إلى ولاية من الولايات يُقدّمون بين أيديهم وفوداً من علماء الدين، ليطلبوا من زعماء القبائل النزول لحكم طالبان، حتى لا تزهق الأرواح أو تزداد الفتن، ثم يعقب تلك الوفود، قدوم الجنود، رافعين المصاحف بأيمانهم والسلاح بشمائلهم، فكان الصلحاء من الناس تتعلق قلوبهم بالمصاحف رغبة، أما غير الصلحاء فكانت ترتعد فرائصهم من السلاح رهبة. وتتالت فتوحات حركة الطلاب، حتى دانت لهم المدن والولايات وسيطروا خلال عام واحد على ما يقرب من ثلث أراضي أفغانستان! كل هذا، والقادة الكبار يرون فيهم حركة طارئة، ونبتة طرية، يدفعها حماس فوار لن يلبث أن يفتر، وتجربة قليلة قصيرة لن تلبث أن تخفق.. وكل الأطراف سائرة فيما هي ماضية فيه غير عابئة بهذه (السحابة) المارة، حتى الأمم المتحدة، ظلت ماضية في خططها لتسويات تمكّن للقوى الغربية في أفغانستان، عن طريق عناصر من غير الفصائل، والفصائل بدورها ظلت ماضية فيما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية، تتناوب التحالفات والتعاهدات.. وتتقلب في الولاءات والعداوات. وفي سبتمبر من عام ١٩٩٥م انتهت الحرب الأهلية، بين حكمتيار ورباني، تلك الحرب التي كانت عجباً في انتهائها، كما كانت عجباً في ابتدائها؛ حيث عاد المصطرعون من حيث بدأوا، فقد تصالح حكمتيار بعد خراب الديار مع أحمد شاه مسعود (القائد العسكري لرباني) وعلل حكمتيار قبوله للصلح بقوله: (في الواقع لقد بدأوا يقدمون لنا يقصد رباني وحكومته تنازلات أكثر مما كنا نطالبهم به أثناء وجودنا في جهارسياب) ! ولكن تنازلات رباني لم تكن هي في الحقيقة السبب في المصالحة والتحالف فيما يظهر، بل كانت منازلات (الطالبان) هي السبب والمحرك الرئيسي لهذا الانقلاب المفاجئ؛ فحكمتيار الذي كان يمطر كابول بوابلات النيران، ولم يستطع أحد صده ولا رده أخرجته حركة قوات طالبان من معاقله في جنوب كابول، حيث كان يتمركز في (جهارسياب) . وغدت قوات الطلبة رقماً صعباً يتهدد كل القوى الرئيسة في أفغانستان؛ فبعدما طرد حكمتيار من (جهارسياب) تحركت قوات طالبان إلى أكبر المدن الواقعة تحت سيطرة رباني بعد كابول وهي مدينة (جلال أباد) فأسقطتها بعد قتال خفيف مع القوات الحكومية في (٢٥/٤/ ١٤١٧هـ الموافق ٩/٩/١٩٩٦م) أما العميل العنيد (دوستم) فقد تعجل تسوية الخلاف مع الحكومة الائتلافية الجديدة لينسق معها في مواجهة (طالبان) وكان قد تم إشراك دوستم في منصبين وزاريين في حكومة حكمتيار. ولكن طالبان لم تترك لغرمائها فرصة لالتقاط الأنفاس؛ فحكمتيار واصلت طالبان مطاردته في معقله الجديد في (ساروبي) وبالفعل تم لطالبان السيطرة على معقله الثاني، وظلت قوات طالبان تتعقب المدن التي كان يسيطر عليها رباني، حتى لم يعد يسيطر، قبل فتح كابول إلا على خمس ولايات من أصل ثلاث وثلاثين ولاية. ثم انتقلت قوات طالبان إلى مدينة (كونار) بعد أن استدعى (سميع الله) أمير الجماعة السلفية طلاب جماعته من باكستان لقتال (الطالبان) وتم لقوات طالبان دخول مدينة (كونار) وأخرجوا منها سميع الله الذي كان وزيراً أيضاً في وزارة حكمتيار. فتح كابول: ظلت الولايات الكبرى تتساقط الواحدة تلو الأخرى في أيدي مقاتلي (الطالبان) ولكن العاصمة كانت لا تزال في أيدي التحالف الحكومي بزعامة رباني، إلا أن عين الحركة كانت على العاصمة وهي تزحف من حولها في كل جانب، وظلت الأطراف كلها تراهن على الاحتفاظ بالعاصمة، بكل ما يعنيه ذلك من التمتع بمركز القوة الأكبر في البلاد، ولكن قوات الطلبة، استجمعت قواها، وحفزت عزائمها، ثم توجهت بكثافة كبرى نحو العاصمة في ١٤/٥/١٤١٧هـ الموافق ٢٧/٩/١٩٩٦م وتمكنت من دخولها في ذلك اليوم دون مقاومة كبيرة! ماذا يعني فتح كابول؟ كان يعني أن أكثر من ثلثي البلاد قد خضعت لحكومة واحدة هي حكومة طالبان وأنها أصبحت تقود البلاد من العاصمة نفسها، وفتح كابول كان يعني أيضاً أن القوى الكبرى في أفغانستان من زعماء الأحزاب، لم يعودوا مؤهلين في نظر الشعب لحماية البلاد، بعد أن فروا من العاصمة دون مقاومة وكان يعني أيضاً الانتهاء عملياً من الحكومة القائمة؛ حيث أطلق عليها من ذلك اليوم: - (حكومة رباني المخلوعة) ، وكان فتح كابول يعني أيضاً نهاية أطماع الأمم المتحدة في إيجاد واقع جديد في أفغانستان يخدم الأطراف التي تحرك الأمم المتحدة. وبعد سقوط حكومة رباني [٢] : بدأ السعي لإنشاء تحالف عسكري للمعارضة! وبالفعل تشكل ما أطلق عليه (الجبهة الوطنية الموحدة) من قوات رباني مع بقايا قوات حكمتيار، مع من تحالف معهما من الشيوعيين والشيعة. وتم توقيع اتفاق التحالف في ٢٦/٥/١٤١٧هـ الموافق ٩/١٠/١٩٩٦م. وأعلنت كل من روسيا والهند وإيران دعم هذا التحالف المناهض لحكومة طالبان! وبعد توقيع التحالف الجماعي المذكور، تم توقيع تحالف ثنائي آخر في (٣٠/ ٥/١٤١٧هـ الموافق ١٣/١٠/١٩٩٦م) ، بين أحمد شاه مسعود وعبد الرشيد دوستم، في مدينة جيحان شمال ممر (سالانج) وقد حضره وللأسف القنصل الروسي في مزار الشريف ولكن هذا التحالف سُددت له ضربه قوية، باستيلاء طالبان على قاعدة باجرام الجوية في شمال كابول في (٥/٩/١٤١٧هـ الموافق ١٤/١/١٩٧٧م) . وجرت بعد ذلك محاولات كثيرة لإبرام صلح بين حكومة طالبان ومعارضيها يسمح لرموز المعارضة بالعودة إلى كابول بعد أن تنسحب منها طالبان، ولكن حكومة الطلاب رفضت رفضاً حازماً أن يشارك أحد من العناصر السابقة في السلطة. وهنا أعلنت فصائل المعارضة أن كابول لا بد أن تُسترد بالقوة! ولكن.. أي قوة؟ ! ألم تكن كابول في أيدي قوات رباني ومسعود وحكمتيار؟ ! فتركوها دون قتال وفضلوا الفرار؟ ! فلماذا القوة الآن؟ ! المشكلة أن القادة تعللوا وقتها بأنهم آثروا حقن الدماء! ! أي دماء؟ إن ثلاثين ألفاً أو أكثر قتلوا أثناء الحرب الأهلية من سكان كابول وحدها؛ فأين كان حقن الدماء؟ ولمزيد من حقن الدماء قررت موسكو في ٢٢/٤/ ١٩٩٧م أن تزود أحمد شاه مسعود بـ ١٢ طائرة مقاتلة من طراز سوخوي وميج ٢١، ولمزيد من حقن الدماء تحالف حكمتيار بعد مسعود مع دوستم الدموي؛ وكريم خليلي الرافضي، واستجمعوا قواهم جميعاً لخوض المعركة الكبرى انطلاقاً من معقل الأوزبكي الشيوعي (دوستم) من مزار الشريف! ! فما هي قصة المزار الشريف؟ هي المدينة التي يعتقد الأفغان أن قبر علي ﵁ موجود فيها، وقد اتخذها (دوستم) معقلاً له، إضافة إلى سيطرته على المحافظات الشمالية المحاذية لحدود أوزبكستان. ويزيد عدد سكان مدينة المزار الشريف عن سكان كابول نفسها بأربعة أضعاف، وميليشيات دوستم كانت قوية جداً وجيدة التسليح، وهي أقرب لجيش نظامي يضم أكثر من خمسين ألف مقاتل، وتضاعفت قوتهم بعد تشكيل تحالف المعارضة مع مسعود وحكمتيار وحزب الوحدة الشيعي، ومما زاد من أهمية هذه المنطقة أنها غنية بالثروات الطبيعية من البترول والغاز الذي لم يستغل بعدُ. وكان دوستم يتلقى الدعم المباشر من روسيا؛ حيث كانت تعتبره سداً منيعاً لحدود طاجيكستان الملاصقة لها. كان دوستم قد أُعطي وزارتين في حكومة رباني، ومع ذلك ظل ساخطاً ورفض الاعتراف بها. ورغم كل أسباب القوة الحقيقية والوهمية، فإن طالبان لم تُخْفِ عزمها على إخراجه من مزار الشريف، ولم تفلح محاولات تركيا لإنشاء تحالف بين طالبان ودوستم ضد بقية الفصائل. وكان قادة طالبان يقولون ببساطة: لا فرق بين دوستم ونجيب الله، ولو ظفرنا به لألحقناه بمصير نجيب الله، الذي أعدم في اليوم الأول من دخول كابول. وظلت محاولات طالبان موجهة نحو معقل دوستم، حتى لاحت فرصة اعتبرها قادة الحركة حقيقية ونادرة لحرصهم على عدم إراقة الدماء وهي انشقاق أحد قادة دوستم الرئيسيين وهو (عبد المالك بهلوان) وقد أغرى (طالبان) بتسهيل دخول المدينة مقابل مكاسب متفق عليها، وبالفعل حشدت (طالبان) قواتها لهذه الغنيمة السهلة، حتى إنهم لم يحرصوا على التزود بالأسلحة الثقيلة للاقتحام، وبالفعل استولت قواتهم على المدينة في ٢٤ /٥/١٩٩٧م الموافق ١٦/١/١٩١٨هـ، وولت قوات دوستم الأدبار بعد ارتباك عظيم دب في صفوفها، وفر دوستم نفسه إلى تركيا، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ سرعان ما غيّر (بهلوان) ولاءه ونكث بعهده، ومن غير الواضح، ما إذا كان قد فوجئ بطلب قوات طالبان من جنوده أن يسلموا أسلحتهم، أو أنه كان ناوياً الغدر منذ البداية للإيقاع بقوات الحركة في فخ كبير؟ الحاصل: أن قوات (بهلوان) رفضت نزع سلاحها، وأشعلت الحرائق في المدينة، ودخلت في معركة كبيرة مع قوات طالبان غير المستعدة لها مما اضطر طالبان لأن تنسحب من المدينة انسحاباً تكتيكياً، بعد أن دخلت قوات أحمد شاه مسعود المعركة ضدهم أيضاً، ووقع ما لا يقل عن عشرة آلاف من قوات طالبان في الأسر، وقتل منهم الكثير، وأسر عدد من قادتهم ووزرائهم، وعاد دوستم من تركيا ليعيد تنظيم قواته مرة أخرى! درس لا ينسى: انت مأساة مزار شريف درساً تعلمت منه القيادة الطالبانية ألا تتساهل في أي تحالفات تدخلها، وأن تستبعد بشكل نهائي الاتكاء على قدرات الغير، وبرغم الهزيمة، فقد ظل هدف استرداد المدينة شاخصاً أمام أعين القادة، ولكنهم اعتمدوا مبدأ التريث والصبر لعل حرارة الأحداث تنضج ظروفاً تهيئ للعودة، خاصة وأن جنود دوستم (المرتزقة) قد بدأوا يتململون بسبب تدهور الأحوال المادية عنده بما لا يمكنه من دفع رواتبهم. الفتح الأخير: حدث ما توقعه قادة الطالبان، واشتعلت الانقسامات داخل صفوف قوات دوستم من جهة، وبين صفوف حركة الوحدة الشيعية من جهة أخرى، وبين بعض قيادات التحالف المناهض لطالبان من جهة ثالثة، ولم تضيّع حكومة طالبان الفرصة، فحشدت قواتها لاقتحام آخر العقبات الكبرى في سبيل توحيد أفغانستان، وبالفعل تمكن المقاتلون من دخول المدينة في (١٦/٤/١٤١٩هـ) (٩/٨/١٩٩٨م) دون مقاومة تذكر، وأصبحت طالبان بذلك تحكم سيطرتها على ٨٥% من الأراضي الأفغانية، ثم استأنفت السعي لضم البقايا المتبقية من الأراضي الواقعة تحت سيطرة مسعود ورباني، بعد أن دحر دوستم بشكل نهائي عندما تمت سيطرة الحركة على مطار مزار الشريف. وبعد يومين من الاستيلاء على المطار، استولى مقاتلو طالبان على مدينة (نهرين) المقر القيادي لأحمد شاه مسعود، وتقدموا منها إلى مدينة (بولي خمري) عاصمة ولاية (بغلان) ، وسيطروا عليها، وهي بلدة استراتيجية تقع على ممر سالانج الرابط بين العاصمة كابول ومدينة مزار الشريف. وسيطروا أيضا على مدينة (حيراتان) على الحدود بين أفغانستان وأوزبكستان، وأسروا فلول قوات دوستم الفارين إليها. ثم بدأت الحركة في (٢٠/٤/١٤١٩هـ) (١٤/٨/١٩٩٨م) هجومها على معقل الشيعة الرئيسي في وسط أفغانستان، وبدأوا في حصار مدينتهم (باميان) وبعد ذلك بيومين سيطرت حركة طالبان على مدينة (أيبك) عاصمة مقاطعة سامنغان في الشمال، وهي من بقايا المقاطعات التي كانت تابعة لدوستم ورباني، وقد سيطرت الحركة بعد فتح تلك المدينة على مخازن أسلحة ثقيلة تابعة لعبد الرشيد دوستم، تحوي صواريخ سكود (١) وسكود (ب) التي يبلغ مداها ١٨٠ و٢٧٠ كم على التوالي، ويبلغ عدد هذه الصواريخ ١١٠، وأكثرها صالح للاستعمال، وعثرت قوات طالبان أيضاً على أربع منصات متحركة لإطلاق هذه الصواريخ التي كانت القوات الروسية قد أحضرتها معها إلى أفغانستان في أواسط الثمانينات إبان الاحتلال السوفييتي، ثم سلمتها إلى الحكومة الشيوعية، وبدورها عمدت تلك الحكومة إلى نشر الصواريخ في مدينة مزار الشريف. لقد أتمت حركة الطلاب بعد تلك الانتصارات السيطرة على ٩٠% من أراضي أفغانستان، فأطارت بذلك عقول زعماء الدول المجاورة، وبدا أن الصراع سيأخذ بعداً آخر، وسيتحول إلى صراع بين دول بعد أن كان صراعاً بين حركات وأحزاب، فقادة طهران خرجوا عن سكوتهم الظاهري المصطنع بل خرجوا عن حدود اللياقة والدبلوماسية، بعد أن أسرت قوات طالبان عدداً من خبرائهم العسكريين في مدينة مزار شريف، إضافة إلى عدد من الدبلوماسيين الذين اتهمت إيران حكومة طالبان باحتجازهم، ووصفتهم بسبب ذلك بـ (الحقراء) و (الجهلة) و (اللاعبين بالنار) واعتبر وزير الخارجية الإيراني هذا الفعل (مخالفة لكل الأعراف والقوانين التي اصطلح عليها المجتمع الدولي والشرعية الدولية، وقال إنها تحرم وتجرم احتجاز الدبلوماسيين كرهائن) . ونسي وزير الخارجية الإيراني أنه كان في يوم من الأيام ممن شاركوا في احتجاز (الدبلوماسيين) الأمريكيين في مبنى السفارة الأمريكية بعد نجاح ثورتهم عام ١٩٧٩م. أما روسيا، فقد أصيبت زعامتها المتهالكة بذعر واضطراب من انتصارات الطالبان، ودعا الرئيس الروسي (بوريس يلتسين) في (١٥/٨/١٩٩٨م) إلى إقامة حاجز يمنع تقدم طالبان نحو آسيا الوسطى، وقال إنه تحدث إلى نظرائه رؤساء طاجيكستان وأوزبكستان مؤكداً ضرورة وضع حاجز على الحدود الجنوبية لجمهوريات آسيا الوسطى، أو الجمهوريات الإسلامية التي كان الاتحاد السوفييتي البائد قد اغتصبها وضمها إلى اتحاد الإلحاد الذي هوى.. وباد. واليوم تنقلب المعادلة، وتصرخ روسيا التي تحشد خمسة وعشرين ألفاً من جنودها على الحدود الطاجيكية مع أفغانستان تصرخ من اقتراب خطر المد الإسلامي إلى البلاد المجاورة لها ... وتعود أفغانستان إلى واجهة الأحداث العالمية مرة أخرى.. بعد طول انشغال. وإلى بقية في عدد قادم إن شاء الله،،،

стр. 2879

المسلمون والعالم علماء العراق والدولة العلمانية سليمان الظفيري تمهيد: بعد رحيل العثمانيين عن العراق وسقوطه في قبضة الاستعمار البريطاني شهد تكوين حكومة هشة على رأسها فيصل بن الحسين [١٨٨٣-١٩٣٣] ليكون ملكاً شكلياً على عرش العراق، وموظفاً في الحكومة البريطانية حقيقة، وقد نودي به ملكاً على العراق في ٣٢ آب ١٩٢١م، واستمر حكم اسرته وأبنائه إلى سنة ١٩٥٨م؛ حيث قامت مجزرة الهاشميين. ثم جاء العهد الجمهوري واستمر إلى الآن؛ وقد تميز هذا العهد بالانقلابات العسكرية والمجازر الدموية الرهيبة، وتخريب الأخلاق، ومحاربة الإسلام، والتآمر عليه، وقتل علمائه، وجعل الدين في زوايا ضيقة من الحياة. وهذه الفترة الطويلة التي تشمل حكم الهاشميين تحت الحراب الإنجليزية، وكذلك العهد الجمهوري بعهوده الثلاثة [القاسمي، العارفي، والتكريتي] هي مقصدي بالدولة العلمانية، وهي علمانية بكل ما تحمله الكلمة من حرب للإسلام وتحجيم لدوره؛ كما سنرى. منزلة علماء العراق قبل العهد العلماني: كان العلماء على العهد العثماني الإسلامي محل احترام الوالي ومساعديه، وكانوا محل المشورة والنصرة والتأييد؛ فالشيخ عبد الله السويدي (١٦٩٣ -٧٦١م) وهو جد الأسرة السويدية في العراق استدعاه الوالي العثماني للمناظرة الشهيرة التي رغب بها دولة الوالي مع علماء شاه إيران وهي التي دارت في مسائل بين السنة والشيعة، دان في نهايتها كبيرُ علماء الشيعة للسويدي ﵀ [١] . وقد كان العلامة محمد فيضي الزهاوي (١٧٩٧- ١٨٩٠) والعلامة أبو الثناء الآلوسي (١٢١٧- ١٢٧٠م) من المقدمين عند ولاة العراق العثمانيين وهم أهل الفتيا، والقضاء، وشيوخ العلماء في ذلك الوقت، ولهم مكانة واحترام الدولة والعامة، وقد كانت العناية بالعلماء الوافدين لنشر العلم في العراق جارية وقائمة؛ فالشيخ غلام رسول الهندي (١٩١٢م) أعطي مكانة مرموقة واستمر على ذلك حتى وفاته، بل كان المتطوعون لخدمته كثراً؛ لأنه غريب لا أهل له والعلاّمة الشيخ محمود شكري الآلوسي (١٨٥٧- ١٩٤٢م) كان رسول السلطان العثماني إلى الملك عبد العزيز آل سعود خلال الحرب الأولى، والسلطان العثماني جعل بلاطه وإكرامه لمن قدم عليه من علماء العراق وغيرهم. ولكن لما سيطر العلمانيون على أرض الرافدين قربوا المتهمين في دينهم والمنحرفين، قربوا الصوفي وقربوا المبتذل؛ حتى كان وزير الأوقاف على عهد فيصل أول رجل تخرج ابنته وتجالس الرجال وتدرس في كلية الحقوق وهي صبيحة الشيخ داود (١٩١٢- ١٩٧٥م) ، وقد كانت فخرية سعيد زوجة جعفر العسكري المربي للملك غازي نجل الملك فيصل تدخل لندن سافرة من غير حجاب، كاسية عارية. وكان يحظى كل من الشاعر الضال جميل صدقي الزهاوي، والشاعر العلماني محمد مهدي الجواهري بقدر عالٍ من الاحترام والتبجيل؛ بخلاف علماء السّنّة الذين أسيئت معاملتهم، ولم يتبوأ أحد منهم الوزارة في حين تولى الوزارة من الشيعة الشيخ محمد الصدر (١٨٨٣-١٩٦٥م) ورستم حيدر وهو من شيعة لبنان، وتولى رئاسة مجلس النواب الشيخ محمد رضا الشبيبي (١٨٨٩-١٩٦٥م) . كان المخطط محبوكاً بقصد إبعاد علماء السنة من الوظائف الكبيرة، وحصرهم في وظائف الأوقاف. وقد بلغ الاستهتار درجة عالية في العهد الهاشمي بالعلماء وتهميش دورهم؛ فكم من المرات تم إغلاق جمعية الأخوة الإسلامية وسحب امتياز مجلتها وكان صاحب الامتياز محمد محمود الصواف ﵀. أما في العهد الجمهوري فقد نال العلماء السجن والتعذيب والإعدام، فالعلاّمة أمجد الزهاوي (١٨٨٢ ١٩٦٧م) سجنه عبد الكريم قاسم، ثم بعد ذلك ترك العراق مع الشيخ الصواف، وهكذا العلامة فؤاد الآلوسي (١٣٢١ـ ١٣٨٤هـ) سجنه قاسم الذي قام بحل الحزب الإسلامي وإلغائه، وإلغاء صحيفة الحياد، وصحيفة الحزب، وكذلك صحيفة السجل للأستاذ طه الفياض رحمه الله تعالى. وفي العهد البعثي قُتل من أعلام الحركة الإسلامية: الشيخ عبد العزيز البدري (١٩٣٠- ١٩٦٩م) والأستاذان العسكريان: محمد فرج الجاسم، وعبد الخالق السيد عثمان، والمشايخ: محمود أبو سعدة، والشيخ تلعة، وغيرهم؛ هذا غير الذين تركوا العراق وفروا مستوطنين بلاداً أخرى، وتركوا بلادهم كالشيخ محمد محمود الصواف يرحمه الله. تجميد الأوقاف الإسلامية وتحجيم المدارس الإسلامية: أما الأوقاف الإسلامية فقد كانت تشمل عدداً كبيراً جداً من البنايات، والبساتين، والدكاكين، فالأوقاف الكيلانية أوكلت إلى آل النقيب، وهي ضخمة جداً وآل النقيب مشهورون أيام الهاشميين بالقرب منهم، ولا يعرف أن أحداً منهم من العلماء بل كان منهم شيخ الصوفية. وكانت الدولة العثمانية تحرص على أن لا تكون الأوقاف وزارة يرتقي إليها أحدٌ من غير أهل السنة؛ فيذهب شرط الواقف؛ لكن العهد العلماني غيّر إدارة الأوقاف إلى وزارة قامت بتضييع الأوقاف والإشراف على تبديد أموالها وإضاعة شرط الواقف. كانت هذه الأوقاف مصدر تمويل المدارس الإسلامية والقائمين عليها من العلماء وغيرهم، الأمر الذي أغنى علماءنا وجعلهم بعيدين عن الحاجة إلى غيرهم. والقادة العلمانيون إدراكاً منهم لأهمية هذه المؤسسة ودورها في تعزيز الإسلام وعلمائه بأرض العراق قاموا أولاً بتبديد هذه الأوقاف، ثم قاموا بتحجيم المدارس، ثم كانت الخطوة الثالثة القيام بإلغائها، ومثلاً على ذلك: مدرسة الشيخ عبد العزيز ابن سالم السامرائي (١٩١٧- ١٩٧٣م) في الفلوجة التي ما زالوا بها حتى أضعفوها وحاصروها، ثم ألغيت بعد موته رحمه الله تعالى وأكثر علماء المنطقة الغربية من الجيل الحاضر والجيل الماضي هم خريجو هذه المدرسة. والحلقة العلمية للعلاّمة الشيخ عبد الكريم المدرس ما زالوا خلفها حتى تهدمت وانفلّ أركانها؛ وحدثني العالم الفاضل الشيخ الأديب مصعب العزاوي رحمه الله تعالى قال: كنت أدرس فيها فكانوا يأتون بطلاب الأدب يجلسونهم معنا لكي يروا المقارنة بين التعليم القديم، والتعليم الجامعي الحديث، قال: فكان هؤلاء الجامعيون يأتون بالأمثلة على القواعد من الكتاب المقرر عندهم ولا يبرحونه أبداً، أما طلابنا فكانوا يمطرونهم بالأمثلة الكثيرة من القرآن الكريم والحديث والشعر، وكان أساتذتهم يتعجبون من كفاءة طلابنا العالية ومستوى طلابهم المتدني. وهذا المعهد العلمي في سامراء الذي تخرج فيه كبار مشايخ سامراء من الأساتذة أصبح أثراً بعد عين، وقل مثل ذلك في المعهد الإسلامي في سيو أبكار، والمعهد الإسلامي في حلبجة، والمعهد الإسلامي في البصرة. وأكبر خراب حلّ بدور العلم هو إغلاق مدرسة النجاة في الزبير التي أسسها العلاّمة المجاهد محمد الأمين الشنقيطي (١٢٩٣- ١٣٣٢هـ) في مدينة الزبير وكانت هذه المدرسة محضن الكثير من أعلام الخليج والجزيرة العربية ولا سيما الكويت؛ لقد أغلقوها بعد موت الشيخ فصارت أطلالاً باكية. ثم قف واسأل الحيدر خانة عن مدرسة العلاّمة الإمام محمود شكري الآلوسي وما فُعِلَ بتلك المدرسة؛ ولقد خلفه في هذا المسجد العظيم شيخ مشبوه كان يغش في الامتحان في كلية الشريعة. واسأل أيضاً بدموع باكية أطلال مدرسة جامع مرجال حيث مكان العلاّمة الإمام نعمان خير الدين الآلوسي؛ حيث كانت مدرسته العلمية؛ لقد خربوها كلها وصرفوا الناس عنها، فقلّ العلماء وكثر الجهل، وألزموا العلماء زيادة في الإذلال بالخدمة العسكرية لا ليجاهدوا عدواً ولكن لينالوا من كرامتهم ويحطوا من منزلتهم ويعطلوا دورهم في التعليم والإرشاد. لقد تخرج من هذه المدارس أعلام العراق الكبار من العلماء والأدباء وأهل الفضل بل حتى بعض العلمانيين فقد أخذ كامل الجادرجي (١٨٩٧-١٩٦٧م) علوم العربية وآدابها من الشيخ العلاّمة علي علاء الدين الآلوسي، والشاعر معروف الرصافي (١٨٧٥-١٩٤٥م) تخرج من بين يدي العلامة محمود شكري الآلوسي. رجال اليهود والنصارى وقربهم من صناعة القرار: على طول هذه الفترة للدولة العلمانية نهج العلمانيون طريقاً واحداً تمثل في إبعاد العلماء وتقريب من عداهم؛ حتى اليهود والنصارى؛ حيث حصلوا على ترخيص بإنشاء مدرسة الاليانس الخاصة، وكان رجال الحكم يرسلون أولادهم إليها، بل كان الملك فيصل الأول وجعفر باشا العسكري ممن يزورون هذه المدرسة ويحضرون مناسباتها ومن رجال اليهود العراقيين الذين برزت أسماؤهم: (ساسون عقيل) فقد قربه الحكام آنذاك إليهم حتى صار وزيراً للمالية، ومن رجال الخارجية المشهورين (مير البصري) وهو ما زال حياً يقيم في لندن يكتب كتباً كثيرة في تراجم رجال العراق مع نبز أعيان السنة. ومن النصارى أبرزوا القس انستاس الكرملي (١٨٦٦-١٩٤٧م) وكان هذا القس من العملاء المخلصين للإنجليز وقد أرسلوه بذهب ومال إلى العلاّمة محمود شكري الآلوسي لإقناعه بوظيفة الإفتاء أو القضاء في دولة الإنجليز فرفض الشيخ الذهب والوظيفة، بل ورفض مقابلة الملك فيصل الأول إلا بعد إلحاح شديد. وهذا القس له جهود ونشاطات في التاريخ، وعلم اللغة والأدب العربي، وبصماته النصرانية واضحه في آثاره. وقد أتيح للنصارى فتح المدارس التنصيرية، وبناء الكنائس، وتعمير مقابرهم، وفتحت لهم الأبواب إلى الوظائف الكبيرة والوصول إلى الوزارات، وليس (طارق حنا عزيز) نائب رئيس الوزراء العراقي الحالي المثال الوحيد، بل السفارات، وموقع التأثير الاقتصادي كانت لهم، وما زالت تحت سلطانهم! نسأل الله أن ينقذ العراق وأهله من ظلم وجبروت البعث وأزلامه.

стр. 2880

المسلمون والعالم الجذور الفكرية للتدخلات الأمريكية المسلحة في العالم حسن أبو حلو في إبريل عام ١٩١٤م خاطب الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت الكونجرس من أجل إقرار استخدام القوات المسلحة الأمريكية ضد المكسيك؛ وذلك لأن المكسيكيين لم يقوموا بتحية العلم الأمريكي! ! [١] . هكذا بكل بساطة حشدت الولايات المتحدة جيوشها وهاجمت دولة ذات سيادة من أجل أن بعض المواطنين من دولة أخرى تجرأوا وتمادوا ولم يرفعوا أيديهم إجلالاً وتحية لعلم الولايات المتحدة. والآن بعد أكثر من ثمانين عاماً انبرت الولايات المتحدة وجيّشت قوتها البحرية والجوية والبرية، واستنفرت الدول للإجهاز على البقية الباقية من قوة العراق، ولإجهاض احتمالات استعادة قوته في المستقبل. وتسابق المحللون بمنطقتنا في تحليل الدوافع الأمريكية لهذا الغزو، وتضاربت الآراء واختلفت التسويغات، وكثرت التنبؤات: هل هناك ضربة متوقعة؟ أم لا، وغير ذلك من التكهنات المتناقضة التي تعكس خللاً ما في منهجية التفكير وطرائق التحليل؛ مغفلين الظروف التاريخية التي صاحبت التدخلات الأمريكية العسكرية في العالم؛ لذلك حاولنا البحث عن هذه الدوافع والأهداف من البداية الأولى منذ تأسيس أمريكا؛ متتبعين بإيجاز قدر الإمكان البواعث التي دفعت الزعماء الأمريكيين الأوائل أو ما يصطلح عليه: (الآباء المؤسسون) إلى الاندفاع خارج أمريكا، وبسط النفوذ العسكري في العالم. إن تاريخ أمريكا يحفل طوال مائتي سنة بأمثلة كثيرة من استخدام القوة العسكرية من أجل التدخل في شؤون الأمم الأخرى. ومصطلح التدخل في الفكر السياسي يتضمن: التهديد بالقوة أو استخدامها، وتدبير المؤامرات للإطاحة بالحكومات القائمة وتغيير الأنظمة السياسية، والحصار الاقتصادي، والمقاطعة السياسية وغير السياسية، وسنحاول في هذا المقال أن نحلل بطريقة موجزة تطور الاستراتيجية التوسعية للولايات المتحدة وفق مبادئ وأسس لا زالت حتى الآن تتحكم لدى صانعي القرار في أمريكا. وقليل من تدبر الأحداث الحالية يدل على صحة هذا الاتجاه. ١- مبدأ: القوة العسكرية هي الفيصل النهائي: أي أن الوسيلة الأساسية والنهائية لتسوية مشكلات السياسة الخارجية المتنازع عليها هي الحرب. وقد قال ألكسندر هاملتون: (إن الناس طموحون، حقودون، مهابون) [٢] وفي معرض تفسيره لأسباب حتمية الحروب في حياة الجنس البشري يقول: (إن التطلع إلى استمرار التوافق بين عدد من الدول المستقلة ذات السيادة والمنفصلة بعضها عن بعض معناه التغاضي عن المسار المطرد للأحداث الإنسانية والعمل على تحدي الخبرة المتراكمة للأجيال) [٣] . وبعد أن قام هاملتون بتلخيص تلك الخبرة ابتداء من أثينا في عصر بركليز إلى انجلترا وفرنسا في أيامه أطلق على الذين يعتقدون أن من الممكن تحقيق سلام دائم بين الأمم صفة المثاليين وهو يعتبر (ما يشبه البدهي في السياسة أن المجاورة أو قرب الموقع هو الذي يشكل الأعداء الطبيعيين للأمم) [٢] . وقال (هنري ويجر هالك) ، وهو واحد من المنظرين العسكريين الأمريكيين الأوائل في بعض جداله مع أنصار نزعة المسالمة الأمريكيين الذين أكدوا أن الحروب كافة تمضي ضد إرادة الله: (ولكن الكتاب المقدس لم يحظر الحرب في أي من مواضعه، إننا نجد الحرب في العهد القديم، بل نجد حروب الفتح مأموراً بها، وعلى الرغم من أن الحرب كانت مشتعلة النيران في العالم أيام المسيح وحوارييه، إلا أنهم لم يقولوا كلمة واحدة عن أنها غير مشروعة أو غير أخلاقية) [٣] . يقول ألكسندر هاملتون: (إن القوة المسلحة هي التي تستطيع أن تملي شروط العلاقة بين العالم القديم والجديد) [٢] . ولكن الأمريكيين في بعض الأحيان يلجأون إلى عدم استخدام ألفاظ الحرب مباشرة، ويخترعون مصطلحات متنوعة لتشويه جوهر الأشياء وإحاطتها بالتعمية محاولين التنكر في الإعلان عن الهدف الحقيقي؛ فهناك على سبيل المثال مصطلح: (المجمع السلمي) الذي شاع استعماله في الإشارة إلى القوات المسلحة الأمريكية؛ فبالإضافة إلى جورج واشنطن دافع قادة كثيرون غيره وبخاصة ألكسندر هاملتون دفاعاً قوياً عن فكرة الاحتفاظ (بمجمع سلمي) قادر على التأثير، ويعتبر المؤرخون العسكريون الأمريكيون المعاصرون هاملتون فيلسوفاً عسكرياً من أصحاب النزعة الواقعية ومناصراً ثابت العقيدة لموقف التأهب القتالي الهجومي. ٢- مبدأ: المصلحة الذاتية المستنيرة: وهذا المبدأ يعتبر مسلّمة رئيسة للاستراتيجية العسكرية الأمريكية؛ فهو المفتاح والعامل المحرر لنشاط أمريكا على الساحة العالمية؛ وهو يمثل النظرة للسياسة الخارجية الأمريكية من منظور المدى الطويل. وعلى وجه التحديد؛ لقد كانت درجة الأفضلية الممنوحة لانتصار استراتيجي طويل المدى بالنسبة إلى ميزة عابرة مرحلية هي التي اتخذت مقياساً للاستنارة والمصلحة القومية؛ فإذا تشبث قادة دولة بمكاسب قليلة الأهمية وفورية متغاضين عن المصالح الأكثر جوهرية التي يمكن تحقيقها بواسطة التضحية بمكسب مرحلي فإن معنى ذلك أنهم (ليسوا مستنيرين) بما فيه الكفاية، وأن معرفتهم ضئيلة بالأهداف العظمى للطبقة الحاكمة في السياسة الخارجية، وهم لهذا يُخفقون في تطبيق مبدأ (المصلحة المستنيرة) وحينما تترجم مسلّمة (المصلحة الخاصة المستنيرة) في السياسة الخارجية إلى لغة الاستراتيجية فإنها تعني الاحتفاظ بحرية المناورة للولايات المتحدة في أي ظرف من الظروف. ويقول جورج واشنطن مطوراً مفهوم حرية المناورة: (لماذا نترك أرضنا لكي نقف على أرض أجنبية؟ لماذا نعرقل سلامنا ورخاءنا بحبائل ومعاداة مصالح أوروبا ومنافساتها في مصالحها وأمزجتها وأهوائها إذا جعلنا مصيرنا ملتحماً بأي جزء من أوروبا؟ إن سياستنا الحقة هي أن نوجه سفينتنا بعيداً عن التحالفات الدائمة مع أي جزء من العالم الأجنبي) [٤] . ويمضي قائلاً: (إنه يجب اعتبار أي تحالف مع دولة أجنبية مؤقتاً، أي لا تلتزم به الولايات المتحدة إلا إذا كان هذا التحالف مفيداً لتنمية مصالحها، ولكن بمجرد أن يصير هذا التحالف عبئاً على الولايات المتحدة ويزج بها في غمار الصراع من أجل المصالح الأجنبية فإن من الواجب تصفيته وإحلال تحالف آخر مكانه إذا كان ذلك ضرورياً؛ حتى ولو كان ذلك مع عدو الأمس إذا دعت الحاجة إليه للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة الخاصة) [٥] . لذلك نجد أن الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى تتبع في سياستها البعد عن التدخلات العسكرية؛ فهي سياسة تجميع القوى وحشدها قبل أن تزج بها في ساحة الصراع العالمي. ٣-مبدأ (القدر المرموق) : أو المصير الذي سبق به القضاء، أو قضاء الله السابق. في هذا المبدأ تتجلى العقيدة الدينية النصرانية في السياسة الأمريكية؛ حيث تصور النموذج الأمريكي على أنه رسالة إلهية إلى العالمين. لقد كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة شديدي التدين، وقد وجدوا بالإضافة إلى تسويغ أفعالهم باعتبارات العقل والضرورة الاقتصادية.. إلخ. أن من الواجب التصديق على أن كل ما أنجزته الثورة الأمريكية من جانب سلطة إلهية غير أرضية هي إرادة الخالق، وكل ذلك أدى إلى ولادة مبدأ (القدر المرموق) . وبما أن الجمهورية الأمريكية أي النظام الأمريكي وفقاً لتعاليم (الآباء المؤسسين) أفضل ما تم إيجاده قبل هذه الجمهورية أو النظام؛ فلا بد أن تكون في رأي هؤلاء الآباء نموذجاً ومثالاً لسائر الجنس البشري، نموذجاً على جميع الأمم أن تقتدي به. وقد أدت مُسَلّمة الأيديولوجيين الأمريكيين عن الطابع الشامل لتجربة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى ميلاد فكرة الرسالة الأمريكية، رسالة تعليم الأمم الأخرى أن تألف طريقة الحياة الأمريكية، وحثها بكل الوسائل على أن تنتهج مساراً يحاكي الديموقراطية الأمريكية، وأن هذا النظام هو الأفضل ليس للأمريكيين وحدهم ولكن لجميع الأمم، وأن الذي يعترض على هذا جاهل وضال، وأنه يجب نشر هذه الفضائل بواسطة القدرة أو قوة السلاح. ويقول العالم السياسي الأمريكي المعروف (هانزجيه مورجنتاو) ساخراً: (لقد كان لهذا المفهوم أثر على أمريكا، فسار التوسع الأمريكي يضم الأراضي خارج حدود القارة عند نهاية القرن يداً بيد مع نزعة توسعية قوية واثقة بنفسها لنشر المبادئ الأمريكية وطرائق الممارسة الحكومية الأمريكية) [٦] . ويؤكد مورجنتاو بناء على ذلك: (وهنا يمتزج المفهوم التنصيري عن العلاقة بين وضعنا الداخلي وبين سياستنا الخارجية ليشكلا شيئاً ثالثاً هو الحملات الصليبية؛ فنحن باعتبارنا (مبشرين) برسالة التجربة الأمريكية كنا نقدم مساعدتنا للآخرين وهم أحرار في قبولها أو رفضها، أما نحن باعتبارنا فرساناً طيبين فسنفرضها فرضاً على بقية العالم بالنار والسيف إذا كان ذلك ضرورياً، وستكون الحدود العقلية لهذه الحملة الصليبية هي حدود القوة الأمريكية؛ فإن حدودها الممكنة ستكون حدود الكرة الأرضية، لقد تحول النموذج الأمريكي إلى صيغة فكرية للخلاص الشامل ستلتزم بها الأمم ذات التفكير الصحيح طوعاً. أما الأمم الأخرى فيجب أن تخضع لها كرهاً) [٦] . ومن الحقائق الفعلية كما يسلم مورجنتاو (أن فكرة الرسالة الأمريكية إلى شعوب العالم الأقل حظاً، هي بكل تأكيد أيديولوجية سياسية أي هي إضفاء طابع عقلاني وتسويغي على السياسات التي تجري ممارستها لأسباب أخرى هي أسباب أنانية في المحل الأول) [٦] . ويقول المؤرخ الأمريكي البارز (جوليوس وبرات) بمزيد من التخصيص: إن (القَدَر المرموق) أصبح تسويغاً لأي استيلاء على أرض إضافية يكون لدى الولايات المتحدة النية والقدرة على أخذها) [٧] . ٤- مبدأ: الحرب العادلة: هذا المبدأ نشأ عن مفهوم إشباع حاجات الشعوب الأخرى من خلال جذبها إلى طريقة الحياة الأمريكية بقوة السلاح؛ فوفقاً لنظرية الرسالة الأمريكية يتم القيام بهذه الأفعال لا لأي غرض آخر سوى تحرير هذه الشعوب. لذلك فأي حرب على وجه الإطلاق تخوضها الولايات المتحدة هي من وجهة النظر الأمريكية حرب تحرير؛ ولذلك فهي حرب عادلة. يقول البروفيسور (روبرت تكر) من جامعة جون هوبكنز: (يمكن اعتبار أي استعمال للعنف وأي وحشية حرباً عادلة) . ٥- مبدأ (مونرو) : في عام ١٨٢٣م في رسالة الرئيس مونرو إلى الكونجرس قال: (إنه من الآن فصاعداً فإن بلاد القارة الأمريكية لا يمكن اعتبارها موضوعاً للاستعمار من جانب أي دولة أوروبية، ومن حقنا ألا ننظر إلى أي تدخل يستهدف إخضاعها أو التحكم بأي طريقة أخرى في مصيرها من جانب أي دولة أوروبية إلا في ضوء أنه انعكاس لنوايا غير ودية تجاه الولايات المتحدة) [٨] . كان هذا المبدأ أول بداية حقيقية عملية لتدخل أمريكا في العالم، وإن اقتصر على قارتي أمريكا أو نصف الكرة الغربي فإنه طبق المبادئ السابقة باعتبارها نتيجة لها، وأظهر السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة عندما تنظر إلى أي جزء من العالم وكأنها منطقة نفوذ لها. ٦- خطاب (مسيرة الراية) : في ١٦ سبتمبر ١٨٩٨م أُلقي خطاب ممتلئ بالحماسة في مدينة (أنديانا بوليس) دفاعاً عن السياسة الجديدة للولايات المتحدة، وقد عرف هذا الخطاب في التاريخ الأمريكي باسم: (مسيرة الراية) وكان مُعد هذا الخطاب هو (ألبرت بفريدج) الذي كان مرشحاً لمجلس الشيوخ في انتخابات ذلك العام؛ وكان يعتمد على تأييد الدوائر الصناعية والمالية ذات النفوذ وقد أعلن (أن مسألة التوسع الاقتصادي أكبر من أن تكون مسألة حزبية؛ إنها مسألة أمريكية: هل سيواصل الشعب الأمريكي زحفه نحو السيادة التجارية على العالم؟ هل سنحتل أسواقاً جديدة لما ينتجه مزارعونا وما تصنعه مصانعنا وما يبيعه تجارنا؟ إننا اليوم ننتج أكثر مما نستطيع استهلاكه، ونصنع أكثر مما نستطيع استعماله؛ لذلك يجب أن نجد أسواقاً جديدة لمنتجاتنا) [٩] . لقد كان مستقبل السياسة الاقتصادية الأمريكية حيوياً بالنسبة إلى دائرة رجال الأعمال، وفي الشهر نفسه في ذلك العام ظهر في المجلة الأمريكية الشمالية مقال بقلم (تشارلس كونانت) في مجلة نيويورك للتجارة عنوانه: (الأساس الاقتصادي) جاء فيه: (إن الميل الذي لا تمكن مقاومته إلى التوسع الذي يؤدي بالشجرة النامية إلى أن تفجر أي حاجز، هو الميل الذي ساق القوط والوندال والساكسون في موجات متعاقبة لا يمكن مقاومتها للتغلب على أقاليم روما المتدهورة. هذا الميل يبدو الآن فعالاً مرة ثانية؛ ولذلك فلا بد من منافذ جديدة لرأس المال الأمريكي، ولفرص جديدة للمشروع الأمريكي. إن قانون المحافظة على النفس وكذلك قانون البقاء للأصلح يدفعان شعبنا في طريق هو بلا جدال تحوّل عن سياسة الماضي، ولكنه طريق لا يحيد عن أن ترسم حدوده شروط الحاضر ومتطلباته) [١٠] . وكانت هذه هي طريقة التفكير في الولايات المتحدة الكامنة خلف المنافسة على فتح البلاد التي لاحظها إنجلز عام ١٨٨٤م بوصفها سمة مميزة مهمة للسياسات الخارجية للدول الكبرى. ٧- استنتاج روزفلت: في عام ١٩٠٤م أثرى تيودور روزفلت نظرية العلاقة بين الدول الأمريكية بتفسيره الخاص لمذهب مونرو، وقد عرف هذا التفسير في التاريخ باسم: - (استنتاج روزفلت) أعلن فيه: (إن تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لأمريكا اللاتينية سيعتبر أمراً مسوغاً قانونياً إذا وجدت هذه البلاد نفسها عاجزة عن القيام بحل مشكلاتها الداخلية، أو إذا قامت من جانبها بأفعال قد تؤدي إلى تدخل الدول الأوروبية في شؤون بلدان في القارة الأمريكية، وأن أي بلد يحسن شعبه السلوك يستطيع أن يعتمد على صداقتنا المخلصة القوية، فإذا أظهرت إحدى الأمم أنها تعرف كيف تسلك بكفاءة ولياقة معقولتين في المسائل الاجتماعية والسياسية، وإذا حافظت على النظام وأدت التزاماتها فهي ليست بحاجة إلى أن تخشى تدخلاً من الولايات المتحدة. أما ارتكاب الأخطاء على نحو متكرر أو حدوث عجز ينجم عنه تحلل لروابط المجتمع المتحضر فقد يتطلب في أمريكا كما يتطلب في أي مكان آخر تدخلاً في النهاية تقوم به أمة متحضرة، كما يتطلب في نصف الكرة الغربي تمسك الولايات المتحدة مهما يكن ذلك على كره منها بأن تلعب دور قوة شرطة عالمية في الحالات الصارخة من ارتكاب الخطأ أو العجز) [١١] . هذا الاستنتاج الخطير يؤكد أن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي لها الحق المطلق في تحديد شرعية أية أفعال معينة تصدر عن بلاد تكون الولايات المتحدة لها مصلحة فيها! ! لقد كتب تيودور روزفلت في الثلاثين من عمره مؤلفاً تاريخياً عنوانه: (الفوز بالغرب) بسط فيه آراءه (عن الحاجة إلى أن تغزو الشعوب الأكثر تحضراً وتقدماً الشعوب البدائية، وأن أخلاقاً منحرفة غبية هي وحدها التي تدين سيطرة الأمريكيين على الغرب) [١٢] . وفي يونيو ١٨٩٧م حينما كان ما يزال مساعداً لوزير الأسطول تكلم أمام المتخرجين من الكلية البحرية مدافعاً عن سياسة خارجية عدوانية قائلاً: (إن أخطر مزاج نفسي على الأمة هو مزاج مسرف في النزعة السلمية لا المزاج المولع بالحرب، إن جميع الأجناس السائدة كانت أجناساً محاربة) [١٢] . ولقد شرح روزفلت سياسة إدارته في الحكم قائلاً: (لا نستطيع أن نجلس قابعين داخل نطاق حدودنا ونصرح بأننا جماعة من الباعة الجائلين الميسورين لا يأبهون بأي شيء يحدث وراء هذه الحدود. يجب علينا أن نصمد في الصراع من أجل السيادة البحرية والتجارية، ويجب أن نبني صرح قوتنا خارج حدودنا ... ويجب أن نستولي على أفضل المواقع التي ستمكننا من أن يكون لنا القول الفصل في تقرير مصير محيطات الشرق والغرب) [١٣] . هذه هي المبادئ التي تحكمت في فكرة النخبة السياسية الأمريكية ولا زالت تتحكم فيها وإن تغيرت الاستراتيجيات وتبدلت الخطط؛ فالمراقب لجميع تدخلات أمريكا العسكرية في العالم يلاحظ أثر هذه الأفكار وما تحمله من غرور وعنجهية واستعلاء على الأمم الأخرى، وفي الوقت نفسه القدرة على المناورة، وتحيّن الفرصة المناسبة، والوقوف عند المصلحة البعيدة المدى، ويفسر لنا ذلك كثيراً من المواقف التي تقفها أمريكا الآن في خضم الصراع في المنطقة.

стр. 2881

مرصد الأحداث لماذ االمرصد..؟ في هذه الزاوية، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من الأقوال والأحداث والمواقف.. ننقلها كما هي تقريباً من مصادرها دون تصرف إلا في وضع العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... ... ... -البيان- في الفلبين معارك عسكرية وسياسية أيضاً بين لحظة وأخرى تتجدد المعارك بين جنود الإيمان وجنود الكفر في منطقة مورو، وبينما كانت الإدارة الفلبينية الجديدة تعلن وتؤكد قرارها لمواصلة المفاوضات بينها وبين جبهة تحرير مورو الإسلامية تقوم قواتها المسلحة بهجوم مكثف على مواقع المجاهدين في حدود المناطق المحررة، وأثناء هذه العمليات العسكرية الوحشية بعث رئيس الفلبين الجديد أحد وزرائه وأمين سره الذي يقال إنه أقرب رفاقه في الحكم إليه إلى قاعدة أبي بكر الصديق أكبر قواعد جبهة مورو الإسلامية لتسليم رسالته يداً بيد إلى أمير المجاهدين ورئيس جبهة تحرير مورو الإسلامية الشيخ سلامات هاشم. وأهم ما ورد في الرسالة تفاؤل الرئيس الجديد بإمكانية إيجاد جسر تواصل بين الشعبين (الفلبيني والمورو المسلم) الذي يمهد الطريق لحياة أفضل للجميع. ... ... ... [بيان لجنة الإعلام الخارجي لجبهة مورو الإسلامية] متدينون في أحضان الجيش! ! كشفت مصادر إسرائيلية أن جمعية استيطانية يهودية أنشأت كليات تدريب عسكرية لأتباعها من الشباب اليهودي المتدينين، وقال مدير كبرى هذه الكليات (أفرايم أورين) إن وزارة الدفاع الإسرائيلية تقدم الدعم المالي لهذه الكليات من خلال الوحدة القتالية الشبابية الخاصة في الجيش، وأوضح أن الكليات تضم ما يزيد عن ٧٠٠ تلميذ بعضهم وصل إلى مستوى عالٍ من التدريب القتالي وأضاف: (إن الجيش يحبنا كثيراً) . ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٢٩٢٦) ] ... ... ... ... الباطن والظاهر استوردت الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة كميات متزايدة من النفط العراقي، وكان العراق في (إبريل) الماضي أحد أكبر عشرة موردين للنفط الأجنبي إلى الولايات المتحدة، وذكر محللون أنه ليس من الواضح ما إذا كان العراق يحاول عامداً زيادة صادراته النفطية إلى الولايات المتحدة لغاية سياسية أم أن الأمر يرجع إلى عوامل السوق وحدها؟ غير أنه لوحظ أن العراق خفض بدرجة كبيرة أسعار نفطه للمشترين الأمريكيين على مدى العام الماضي. ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٢٩٠) ] صوت شجاع من تونس أعتقد أن علينا أن لا نقبل الرضوخ لأي قوى عالمية تدعي الزعامة الدولية وتحاول فرض إرادتها على الآخرين، وعلينا أن نعمل معاً على التعامل بندّية، وأن نفرض احترامنا على جميع القوى الكبرى. ولا بد لنا أن نتذكر أننا نملك ٧٠ % من احتياطي الطاقة في العالم، ونملك موقعاً متميزاً وإمكانات هائلة؛ لكن هذا لا يجب أن يخفي عنا سلبياتنا ووجود ضعاف ومغامرين في صفوفنا.. وبالمناسبة أنا أدعو إلى عدم استعمال تعابير (أصوليين) و (إرهابيين) لأنها ترجمة خاطئة ومشوهة وغريبة عن فكرنا العربي. [محمد المصمودي وزيرخارجية تونس الأسبق، الخليج، العدد: ٧٠١٨) ] بدون عنوان دعا تسعون عضواً في الكونجرس الأمريكي الرئيس كلينتون إلى اتخاذ جميع التدابير المناسبة من أجل ترسيخ علاقات التعاون بين الولايات المتحدة والمغرب، وجاء في الرسالة التي وجهت لذلك: في عام ١٧٧٧م كان المغرب أول من اعترف بالولايات المتحدة كدولة مستقلة، وما زال يروج لمصالحنا الأمنية والاقتصادية، ولعب المغرب دوراً مهماً في تشجيع إقامة السلام بين إسرائيل والدول العربية، كما تمثل المملكة المغربية حاجزاً أمام التطرف الذي تشهده المنطقة. ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧١٨٨) ] تكسير أسنان سياسي قالت طالبان إنها ستسحق إيران إذا نفذت تهديداتها باللجوء لعمل عسكري لتحرير مواطنيها الذين تحتجزهم. وقال الملا محمد حسن في مؤتمر صحفي بكابول: إذا أرادت إيران اللجوء لعمل عسكري فإن الأفغان سيحطمون أسنان طهران في فمها وأضاف: إننا نحذر إيران ألا تقوم بإشعال فتيل الحرب وإذا فعلت فإنها ستحترق بنيرانيها. ... ... ... [الرياض، عدد: (١١٠١٤) ] أربعة.. صابرون أفادت صحيفة محلية تصدر في مدينة حيفا أن أربعة شبان من المناطق المحتلة ضربوا عشرة جنود (إسرائيليين) ضرباً مبرحاً، مضيفة أن الشرطة (الإسرائيلية) سعت إلى عدم نشر أي معلومات عن القضية باعتبارها (عاراً قومياً) ! ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٢٩٣٣) ] مجموعة الاستئصال! أشار مصدر فرنسي مختص في شؤون البلقان في باريس أن (مجموعة الاتصال) الغربية حول (يوغوسلافيا السابقة) أعطت الرئيس اليوغسلافي الضوء الأخضر لتحطيم البنية الأساسية لجيش تحرير كوسوفا، وتضم (مجموعة الاتصال) كلاً من الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وأضاف المصدر أن السيناريو الحالي الذي يعني إضعاف الجيش يسير وفقاً للتصور الأمريكي للحل في الإقليم. [جريدة الاتحاد الإماراتية، العدد: (٨٤٦١) ] أمريكا في نظر مفكر قبطي فكرة هيمنة (المسيحية) على العالم والشعار الذي يستخدم الآن يدور حول ضرورة أن يكون العالم (مسيحياً) ولكن المسيحية في العالم لا تقودها أوروبا الآن لأنها خرجت من (المسيحية) .. وأصبحت أمريكا ترى نفسها أنها (المبشر) بـ (المسيحية) في العالم وتود أن يكون لها الريادة في هذا الشأن وهذا التيار يعادي الإسلام ويعتبره العدو الأول بعد سقوط العدو الأول (الشيوعية) . ... ... [من لقاء مع د. رفيق حبيب. الأنباء، العدد: (٧٩٩٢) ] الكيل بمكيالين منطقان متقاربان يقدمان نموذجاً فجاً عن كيفية تعاطي أمريكا مع نفسها ومع العالم خصوصاً العالم الثالث ففي فضيحة (مونيكا يت) التي لم تنته فصولها بعد عمدت أمريكا إلى التعاطي معها كدولة حضارية ديمقراطية فشكلت لجاناً للتحقيق حتى في أدق التفاصيل، وفي الجانب الآخر من القضية الذي قدمته أمريكا وجرت فصوله بالغارات على السودان وأفغانستان كان مناقضاً للدرس الداخلي؛ إذ ظهرت أمريكا دولة متغطرسة لا تعير القانون الدولي أدنى اهتمام، وتستند في أقوالها وأفعالها على القوى السافرة التي تملكها في أحكامها وحساباتها الخاصة ... ... ... ... ... ... ... ... [الخليج، العدد: (٧٠٣٣) ] والإسلام خير.. لو كانوا يفقهون طالب عدد من النساء اللاتي ينتمين إلى طوائف الروم والسريان والكاثوليك والبروتستانت في مصر بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والتي تعطي الحق للمرأة في حضانة أطفالها الذكور إلى سن العاشرة والبنات إلى الثانية عشرة مع حق الطفل في إقامة دعوى خصومة يطلب فيها استمرار حضانته مع أمه حتى سن الخامسة عشرة والبنت حتى تتزوج. ... [روز اليوسف، العدد: (٣٦٥٩) ] ... ... كوفي.. مع الكوفة أو ضدها..؟ ! العراق كان حتى الأزمة الأخيرة يتعاون بشكل جيد مع فريق الأمم المتحدة المكلف بالتأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، خاصة البيولوجية والكيماوية ولكن الأزمة الجديدة التي جعلت الولايات المتحدة تجدد تهديداتها بعمل عسكري لا تتعلق بدخول مواقع وإنما بالحصول على وثائق وأشياء أخرى من العراق. [كوفي أنان، معلقاً على الأزمة الأخيرة بين العراق وأمريكا،الخليج، العدد: (٧٠٢٣) ] يخربون بيوتهم بأيديهم قالت مجلة (برايفت آي) البريطانية إن مسؤولاً كبيراً في الاستخبارات البريطانية (إم آي هـ) كتب مذكرة بعد الهجوم على السفارة الإسرائيلية في يوليو ١٩٩٤م قال فيها إنه يعتقد أن الإسرائيليين أنفسهم قاموا بالتفجير بهدف إحراج الحكومة البريطانية ودفعها إلى تقوية إجراءات حماية المباني والشخصيات الإسرائيلية في لندن، وكانت هناك شكوك منذ البداية عن تورط إسرائيل لكن المراقبين اعتبروا أن الدافع هو إلقاء المسؤولية على الإرهاب الفلسطيني وليس مجرد الحصول على إجراءات حماية أفضل. ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٢٩٣٨) ]

стр. 2882

قضايا ثقافية تقويم العلوم الاجتماعية المعاصرة والأسلوب الإسلامي البديل (٢/٢) د. محمد منظور عالم في الحلقة الأولى تحدث الكاتب عن أن العالم في مفترق طرق؛ حيث يمكن أن تسيطر الفوضى وتنفصم عرى الأخوة ولا يسود العدل المجتمع، وبيّن أن عبء التحديات والمسؤوليات يقع على كاهل العلماء الاجتماعيين عموماً والمسلمين منهم على وجه أخص. وقد أوجز القسم الأول بقوله: إن الانفجار السكاني مع التطور السريع في التقنية في مجال الاتصالات والمؤسسات المالية والمستوى الراقي للتقنية في مجال الزراعة من خلال التقنية الحيوية واستخدام الآلات سوف يتسبب في مشكلة خطيرة لبقاء الجنس البشري، وواجبنا أن نتناول هذه القضايا بالمناقشة والبحث حتى نجد لها الحلول. إن الإسلام هو دين السلام والتقدم والرخاء، إنه دين ومرشد للناس جميعاً؛ وله أسلوبه المتميز في البحث عن الحقيقة. فالحق في المبادئ العامة للإسلام هو الحكم بين الناس، ولا مجال في الإسلام للحواجز الاصطناعية في الفصل، إنه يدمج بين الناس، ولذا فإن الإنسان في النموذج الجديد هو تركيبة من: الوجوه المادية الملموسة التجريبية (الجسم) والوجوه الروحية غير التجريبية (الروح) . والسلوك البشري هو نتيجة تفاعل ديناميكي بين هذه القوى، وبذلك لا يمكن اعتبار الإنسان أحد تروس عجلة التنمية أو التقليل من شأنه ليصبح واحداً من هذه المكونات فقط. إن النموذج الجديد يحدد دوراً ديناميكياً ليلعبه في خدمة الإنسانية؛ وذلك بتفعيل العوامل الروحية في تحديد السلوك البشري. إذن: يمكن أن نخلص إلى أنه بالنموذج الجديد، أو في الإسلام، ليس هناك (علم) في السلوك البشري يستبعد الوجوه الروحية للبشر، إن علاقة البشر بالخالق هي أقوى وأهم مؤثر في حياة الإنسان. كيف يستطيع علماء الاجتماع تحقيق نظرة فاحصة إلى صنع الإنسان (غير المرئي) وإلى ديناميكيات التفاعلات بين مكونات (غير المرئيات) إلا من خلال الوحي الإلهي [القرآن والحديث الثابت، إبراهيم رجب ١٩٩٣، ص ٤٨٨] ، بيد أن السؤال الأهم هو: كيف لنا أن ندرس الوجه غير التجريبي لوجودنا؟ من الواضح أن الظواهر الروحية تعلو على التجارب الحسية وهي فوق المكان والزمان، فالسبب وحده لا يستطيع أن يدرك كنهه؛ لذا علينا أن ندخل الوحي في نظرية المعرفة وكذلك في طريقتنا وأسلوبنا، ويمكن أن يتم ذلك ببناء نظرية بواسطة دمج طريقة النموذج التقليدي المعروف والنموذج الجديد. يقول (تيرنر) (١٩٧٨م) : (إن هدف العلوم هو تطوير النظرية) (ص٢٤) كما أن (دوز) يذكر أن (النظرية هي المفتاح الأخير للنشاط العلمي والرفض النهائي إذا ظهرت نظرية أفضل) [١٩٨٤م، ص ٤٦٨] . ودون الدخول في تفاصيل الكثير مما كُتِبَ حول موضوع بناء النظرية والمصادر المتعددة للمعرفة التي تنمي الإدراك يكفينا أن نورد ما قاله (ويلبر) (١٩٩٠م) : (إن الصراع بين العلم والدين هو وقد كان دوماً صراع بين المظهر العلمي الزائف للدين والمظهر الديني الزائف للعلم، وإذا ظل العلم علماً والدين ديناً فليس هناك احتمال للصراع، أو أن أي صراع قد يحدث يمكن أن يظهر ليقلل من خطأ الفئة) (ص ٣٥) . إذن فإن الاستراتيجية الأساسية لدمج الإدراك الديني في تطوير نظريات العلوم الاجتماعية دون فقدان صلاحيتها الخارجية، سوف يتضمن ما يلي: [رجب، الصفحات ٤٩٠ -٤٩١] : ١- إطارات نظرية للطبيعة البشرية، وموقع الإنسانية من الكون، والترتيبات الاجتماعية، وأسباب المشكلات الفردية والاجتماعية. ويستنبط ذلك من الدين أي القرآن والحديث المثبت مع تفسير ذوي الشأن. ٢- سوف تتولد الافتراضات من هذه الإطارات النظرية لاختيارها على الواقع الكلي الذي يشتمل على العالم التجريبي والوجوه غير التجريبية. ٣- إذا أثبتت الافتراضات المستنبطة من الإطارات النظرية التي تولدت من المصادر الدينية فإن هذا يعني: أ- نجاحنا في إحداث حقائق صالحة. ب- ثقتنا في الإطار النظري الذي يستنبط من المصادر الدينية سوف تتزايد. ٤- إذا رفضت الافتراضات فإن هذا يعني: أ- أن طرقنا البحثية وإجراءاتنا ليست على المستوى المطلوب. ب- أن فهمنا أو تفسيرنا للوحي غير صحيح ويحتاج إلى إعادة صياغة. ٥- نحن لا نتوقع حدوث تعارض بين القرآن والحديث المثبت، أو بين هذا التفسير من جهة والحقائق الثابتة من جهة أخرى؛ لأن الله هو مصدر الوحي وهو خالق الكون. وتعتمد الاستراتيجية المقترحة على الافتراضات التالية: ١- إذا كان تفسيرنا للقرآن وفهمنا للحديث المثبت صحيحاً فيمكننا عمل إطار نظري يلبي احتياجات الاختبار الدقيق والقوي في (الواقع الكلي) . ٢- استنباط مثل هذا الإطار النظري من المصادر القرآنية والحديث يضمن إدراكاً قيماً بدرجة عالية من الثقة والتأكد عند مقارنتها بمجرد الحدس والتخمين؛ إضافة إلى أن فيها نوعاً من الاقتصاد إذا وضعنا في اعتبارنا الجهود التي تبذل في البحث. ٣- إذا لم تصمد الافتراضات المستنبطة من هذه الإطارات أمام البحث في (الواقع الكلي) فمن الحكمة تكرار فحص إجراءاتنا البحثية قبل القفز إلى نتائج الإطار النظري. ويعرف العاملون في مجال الأبحاث ذلك الكم الهائل من وجوه النقد التي يمكن أن توجّه إلى إجرءاتنا البحثية. إن اختبار الافتراضات التي تستنبط من هذه الإطارات النظرية يملي علينا ابتكار أساليب وتقنيات قادرة على لمس (الواقع الكلي) . ويخبرنا (سيبورين) (١٩٨٥م، ٢١٢) حول الرغبة في الحصول على طرق أفضل لفهم الموضوعية ووعي الفرد، وكذلك كيفية الوصل بين الأشخاص في كامل إنسانيتهم بما في ذلك الأبعاد الأخلاقية والدينية. وقبل الختام يجدر أن نخصص بعض الصفحات لبعض القضايا المهمة التي يمكن أن تُسمى تحديات تواجه علماء الاجتماع المسلمين: ١- نحن جميعاً نعلم أن حجر الزاوية في صرح الإيمان (الإسلامي) هو القناعة بأن الإسلام هو آخر الديانات ويصلح لحياة البشرية في جميع الظروف، غير أن عقول المسلمين عموماً والمسلمين في (الهند) بخاصة أخفقوا في تشكيل نموذج بديل لبيئة اجتماعية ثقافية مختلفة بالكامل وظروف مختلفة إذا ما قورنت بالنموذج الكلاسيكي. ٢- ويشير القرآن بوضوح تام إلى أن هناك صلة مباشرة بين الإنكار والذنب والجهل، ورغم ذلك ساد ولفترة طويلة من الزمن إهمال لأهم جزء من القوة الديناميكية للإسلام ألا وهي المعرفة؛ إذ تراجعت حتى وصلت مرحلة فرض الكفاية، ونتيجة لذلك يُصنّف مجتمع المسلمين بأنه أكثر المجتمعات تخلفاً في التعليم وفي معرفة القراءة والكتابة، وينطبق هذا على النوعين من التعليم الديني والدنيوي [عابدين، ١٩٩٣م، ص ٢٣٠] . ٣- ولا شك في أن الإسلام هو طريقة منزلة من السماء للحياة، ورسالته هي لجميع الجنس البشري، ويمتلك حلولاً لجميع مشكلات البشر، وهذه الرسالة في ذاتها تدعو إلى الارتقاء بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي للظروف المعاصرة، والنظر في الوجوه التاريخية للماضي. ويعني ذلك أنه ينبغي على المسلمين عموماً وعلماء الاجتماع منهم بخاصة الارتقاء إلى مستوى التحدي، والقيام بدراسة مبادئ السلوك وقواعده خاصة في البيئة التعددية. ٤- في الطريقة الإسلامية لا تكون الدعوة كالوصايا العشر، فهي في جوهرها وظيفة إنسانية يؤديها الإنسان وسط البشر [عابدين، ١٩٩٣م، ص ٢٣٣] ، ولكن للأسف فمن الناحية الأخلاقية والروحية وليس فقط من الناحية الاجتماعية والسياسية فإن المسلمين لا يمثلون قدوة يحتذيها بقية البشر، وفي هذه الناحية فإن للأقليات الإسلامية دوراً أكبر لتقوم به ومسؤولية تتحملها وأن تواجه التحديات؛ فهم يتعاملون أكثر مع غير المسلمين، ويتصلون بهم؛ حيث إنهم يعيشون معهم جنباً إلى جنب، وعلى علماء الاجتماع المسلمين أن يقتربوا أكثر ليباشروا هذا الدور حتى يُخرِجوا الجنس البشري من جميع أنواع الاستعباد والإهانة إلى مستوى العزّة والكرامة. ٥- وهناك قضايا كثيرة مثل تعليم المرأة ووضعها الشرعي ومشاركتها في الحياة الاجتماعية هذا من جهة، والتفاهم المشترك بعد التمدين بين الأمم وغير ذلك، مما يستحق عنايتنا حتى نعطي الإرشاد والتوجيه. إذاً: فإن الحاجة إلى عالم الاجتماع المسلم ينبغي أن تزداد قوة ويجب إدراكها، وعليهم أن يعيدوا النظر في قوانينهم وأساليبهم من خلال الاستفادة من الوحي الإلهي. أضف إلى ذلك أن علماء الاجتماع المسلمين بحاجة لأن يرتقوا بعلمهم وفهمهم لما يسمى بالعلوم الدينية، وأن يزيلوا الحواجز الاصطناعية التي ناقشناها سابقاً. وفي الختام نرجو أن نعلن بوضوح تام أن هدف علماء الاجتماع المسلمين بعد إبراز النموذج الجديد هو: أ - خدمة الإنسانية: إنها مسؤوليتنا وواجبنا نحن علماء الاجتماع أن نضع تصورات للسبل والوسائل، وأن نقوم بوضع تصاميم لدراساتنا وأبحاثنا حتى تساعدنا على إزالة الفوارق في جميع الوجوه الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير مناخ من المساواة والأخوة التي تسمى الينابيع الرئيسة للتوحيد أو الإسلام. ب - تأسيس العدالة في جميع مناحي الحياة، وهنا أيضاً يتعاظم دور علماء الاجتماع بوصفهم سفراء للإسلام وخبراء في ما نعاصر من مجالات للدراسة. وأخيراً وليس آخراً ... ج - توفير الاستقرار في المجتمع؛ لأن عدم الاستقرار يقود إلى الصراعات والفوضى والكراهية، وهو ينحرف بالقدرات الإيجابية ويجعل من الجنس البشري حيوانياً غير إنساني وعدوانياً. وعلى عالم الاجتماع المسلم أن يقوم بدور متميز في تغيير الحال وفي تأسيس الاستقرار في المجتمع. ويقول الحق ﵎: [فَإمَّا يَاًتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى] [طه: ١٢٣، ١٢٤] . إذا كان الدين ديناً حقاً والعلم حقائق صادقة فلا مجال للصراع بينهما أهمية الاستقرار في المجتمعات أن نقيضها يقود للفوضى والكراهية والصراعات على الحقيقة، وينعكس هذا التغيير على التحليل الذي يوضح العلم كشكل ثقافي محسوس وقيمة ناقل.

стр. 2883

دراسات إعلامية الاتصال ودوره في النمو الثقافي (١ /٢) أحمد حسن محمد تعتبر قضية الاتصال محوراً أساسياً تدور حوله علل كثير من مظاهر الحياة الإنسانية؛ فإن الله سبحانه يوم خلق آدم ﵇ إنما كان ذلك لحكمة ربانية ولرسالة سامية تقام على أرض الله سبحانه ومنها إقامة حق الله بإحياء سننه، وعمارة الدنيا بعبادته سبحانه ومن ثم يقام المجتمع القادر على استخدام مخلوقات الله في الكون كله عن وعي وإدراك سليم بما يحقق المنافع ويدرأ المفاسد، وصدق الله العظيم: [هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ] [هود: ٦١] . وما كان لمثل هذه المهمة أن تتحقق دون تلاحم الناس وتعارفهم واتفاقهم، أي اتصال بعضهم ببعض بما تحمل هذه الفطرة، فطرة الاتصال: من مواقف اتفاق ومواقف اختلاف، مواقف تعاون ومواقف منافسة ... بل إن قيم الإنسانية ومثلها العليا ونشأة الآمال والتطلعات وكافة الرغبات البشرية تنبع من هذا التلاحم، وتتبادل الأخذ والعطاء، فتقام الحضارات، وتنشأ الثقافات سواء في المجال المادي والإنشائي، أو المجال الفكري والثقافي. وعلى ذلك فإن الاتصال البشري كان وما زال وسيلة أساسية ودافعاً لاستمرار الحياة ودفع النشاط الاجتماعي وإحداث التغييرات الثقافية والاجتماعية. بل يدفع النشاط الاجتماعي والتعبير عن الحضارة؛ حيث ينتقل بالأفراد والشعوب من التعبير الغريزي إلى الإلهام بما ينشئ اتفاقاً عامّاً بين الأفكار، ويؤكد الشعور بأن الناس يعيشون مع بعضهم البعض من خلال تبادل الرسائل وترجمة الفكر إلى عمل، تعبيراً عن العواطف والحاجات ابتداء من أبسط المهام التي تكفل بناء الإنسان حتى أسمى مظاهر الإبداع أو أشد مظاهر التدبير) [١] . الأقمار الصناعية وأهميتها الاتصالية: نظراً لأهمية الوظيفة التي تقوم بها هذه الأقمار الصناعية يجدر بنا الإشارة إلى هذه الأهمية وما تقوم به من دور فعال في العملية الاتصالية [٢] ؛ إذ نشأت فكرة هذه الأقمار خلال عام ١٩٤٥م لتحقيق الاتصال عبر الفضاء، وساعدت على ذلك الحرب الباردة التي تسببت في انتشار الصواريخ العابرة للقارات، ولم يتم استخدام الأقمار الصناعية في مجال الاتصال إلا في عام ١٩٥٨م بإطلاق الصاروخ أطلس ثم القمر الصناعي إكو (١) Echo (١) ١٩٦٠م. وتوالت أنواع جديدة من الأقمار زودت بأجهزة استقبال وتسجيل لإعادة البث حتى استطاعت هذه الأقمار نقل المكالمات الهاتفية، وبرامج التلفاز والفاكس، والمعلومات العلمية والصور، بعد إدخال العديد من التقنيات المتطورة إليها فاستخدمت في نقل الأحداث والأنشطة المختلفة. حتى ظهر ما يسمى بالقمر التجاري عام ١٩٦٥م الذي عرف باسم (طائر الصباح) وبواسطته أمكن لأوروبا أن ترى وتسمع بابا الكنيسة الكاثوليكية بولس السادس وهو يلقي خطابه في الأمم المتحدة في سبتمبر ١٩٦٥م. وفي أغسطس عام ١٩٦٤م وقّعت ٤٧ دولة مواثيق لإرساء نظام عالمي للاتصال عبر الفضاء؛ حتى كان عام ١٩٧٤م حيث تم توقيع ميثاق الأقمار الصناعية الذي وافقت فيه الدول السبع والأربعون على طبيعة هذه الأقمار التجارية. ومن الطريف أن هذه الأقمار كان لها دور في بعض المواقف الاجتماعية؛ حيث تم التعرف على مجرم خطير بعدما وجه التلفاز الكندي أوصافه عن طريق (قمر الصباح) بل استخدمت في المزاد العلني الذي أجري عام ١٩٧٥ واستطاع أحد الأفراد أن يشتري صورة المستر ونستون تشرشل المعروضة في صالة عرض بلندن عن طريق الدائرة المغلقة بينما هو لم يبارح مكانه في نيوريوك. كما تمكن أطباء في جنيف من متابعة إحدى عمليات القلب الدقيقة التي أجريت في هيوستون بولاية تكساس الأمريكية. هذا عدا نقل العديد من المؤتمرات العلمية والدورات الرياضية والأنشطة المختلفة. الأقمار الصناعية والاتصال الدولي: مع تطور تقنيات الاتصال كما سبق الإشارة إليه أصبحت دول العالم تتنافس في الحصول على شبكات ونظم اتصال متقدمة، وظهرت النظم الإقليمية مثل شبكة تلفزيون أوروبا الغربية، وشبكة أوروبا الشرقية، ودول الشمال وآسيا وأفريقيا، ثم الشبكة العربية حتى أمكن الوصول إلى صورة للاتصال العالمي المنظم فظهرت الشبكة العالمية لتحقيق بث مباشر على المستوى العالمي لبرامج تشترك فيها خدمات كثيرة، ونجحت أول محاولة من هذا النوع يوم ٢٧ أغسطس ١٩٥٠م؛ حيث أمكن بث العديد من البرامج الرياضية والأحداث العالمية.. ومن أبرز البرامج التي تم إنتاجها عالمياً آنذاك برنامج عالمنا Our Warled الذي تم بثه على مستوى الكرة الأرضية وذلك يوم ٢٥ يونيو ١٩٦٧م. والذي يهمنا هنا مضمون هذا البرنامج لما له من أثر ثقافي تنموي؛ حيث تبادل عرضاً لأطفال حديثي الولادة في اليابان وكندا والدانمارك والمكسيك لمدة ساعتين تقريباً تضمن مشاهد لعلماء داخل معاملهم بحثاً عن الطعام اللازم وتوفير السكن في عدد من بلدان العالم؛ ولقاءات القمة من أجل الموقف العالمي. وكان هذا البرنامج يهدف إلى معرفة ما إذا كان بالإمكان مساعدة كل فرد في العالم أن يتعرف على جاره وأن يفهمه بصورة أفضل لتحقيق أخوة المجتمع، عارضاً لمشاكل العالم الرئيسة من حيث كثافة السكان، ومشكلة الجوع، والإسكان، وتوقعات الحضارة في مستقبل العالم. وبعد أربع سنوات أي حوالي عام ١٩٧١م تم بث برنامج أطفال العالم Les enfants du wardl وكان معلق البرنامج يدير الحوار من مقر الأمم المتحدة في نيويورك ومعه أطفال يمثلون العالم، واستطاعت حوالي ٤٥ دولة في العالم متابعة هذا البرنامج من خلال ٢٢ محطة أرضية وأربعة أقمار صناعية، وقد استغرق إعداد هذا البرنامج حوالي ستة شهور [٣] . ومما هو جدير بالذكر أنه على الرغم من هذا الإنجاز التقني المهم فإن بعض الصعوبات تعترض العملية الاتصالية من خلال هذه النظم نذكر منها بإيجاز: ١- مشكلة الاختلاف في التوقيت بما يجعل عدد الساعات التي يمكن أن ينجح فيها بث برنامج عالمي عدداً محدوداً؛ حيث لا توجد وحدة عالمية للتوقيت؛ بمعنى أن العالم يستحيل أن يكون جميعاً في وقت الصباح مثلاً أو المساء، وعليه فإن ما تبثه اتصالات أوروبا مساء لا يراه مشاهد أمريكا إلا ظهر اليوم التالي، بينما يراه مشاهد شرق آسيا صباح اليوم الثالث وهكذا. ٢- مشكلة اللغة؛ إذ يؤثر عامل اللغة في نوعية البرامج ومدى صلاحيتها للبث المباشر. ٣- اختلاف الأنظمة المستخدمة في البث والاستقبال وإن كانت المحاولات الآن تبذل نحو التغلب على مثل هذه المشكلة. إيجابيات وسائل الاتصال الإلكترونية: أ - إن النجاح الذي حدث في تحقيق تواصل آلي بين أجزاء العالم ألغى عنصر الزمن وعنصر المكان؛ فلم يعد البعد المكاني حائلاً دون الاتصال بين المجتمعات ووصول الحدث مرئياً ومسموعاً لأي مكان في العالم بل كافة المعلومات والمعارف؛ مما جعل هذا كله شريكاً متساوياً في الحصول على المعرفة والثقافة، وأصبحت الرسالة المرسلة يتم استقبالها والتعامل معها والحصول على رجع الصدى من المتلقي في الوقت نفسه وذلك باستخدام الفاكس والتلكس.. ولعل ما يشاهده المسلمون ويعايشونه خلال موسم الحج يعد دليلاً ساطعاً على هذه المشاركة القادرة على تحقيق تواصل مؤثر. وانعكس هذا النشاط على كافة مظاهر الحياة، واستفادت منه الوسائل التقليدية في تطوير برامجها ومضامينها كالصحافة مثلاً التي استخدمت القنوات الفضائية في طباعة إصداراتها ونشرها في أسرع وقت ممكن لجميع أنحاء العالم [٤] . ب - القدرة على تخزين المعلومات وحفظها باستخدام الحاسب الإلكتروني الذي يقدم إمكانات هائلة لحفظ المعلومات واستخدامها في الوقت المطلوب بما يسمى الحاجة الآلية للمعلومات Lufarmaties. ومنذ اختراع الحاسب الرقمي فإن معظم الأنشطة الإنسانية ارتبطت وتأثرت بالتعامل معه مباشرة مما أنتج ما يسمى بـ (الانفجار المعلوماتي) فأضاف بعداً جديداً وأهمية عالمية أكبر لقدرة الإنسان على التعامل مع المعلومات واستخدامها في النشاط العلمي أفادت منه الدول النامية بشكل خاص حيث ظهرت بنوك المعلومات التي تساعد على تقديم المعلومات والانتفاع بها على نطاق عالمي؛ حيث وجدت شبكات متخصصة في الزراعة (اجريس) وشبكات للمعلومات النووية (ينس) وشبكات خاصة بالتنمية (دفسيس) وأخرى خاصة بسياسات العلم والتكنولوجيا (سبانتز) [٥] . ومما لا شك فيه أن القدرة على معالجة هذه الكميات المتاحة من المعلومات ستؤدي إلى تغيير نوعي في عملية الاتصال ذاتها؛ وبذلك ستظهر لها بل وظهرت فعلاً آثار اجتماعية وسياسية يمكن أن تحطم أو تلغي أنماطاً قائمة للمعلومات مما سيجعل الناس يعيدون النظر في قدرة وسائل الإعلام التقليدية.. ولعل الأزمة التي تواجه كثيراً من الصحف مثلاً في بعض البلدان إنما كانت وليدة انصراف الناس إلى الوسائل الحديثة والحصول على المعلومات من مخزونها في البنك (بنك المعلومات) كما أن احتكار الإذاعات سيقل تدريجياً لشيوع وسيلة الحصول على المعلومة بالطرق الحديثة. وهكذا سيظل ارتباط تاريخ الحضارة بتاريخ الاتصال ابتداء بالكلمة واللغة مروراً بالكتابة والطباعة والراديو حتى عصرنا الحاضر عصر الانفجار المعلوماتي تحكي قصة الإنسان وتحدد المراحل المستجدة في تطوره والفرص الجديدة المتاحة [٦] .

стр. 2884

المنتدى وقل اعملوا ! علي حسن العتيق شكلت الحضارة الإسلامية قفزة في السلوكيات والمبادئ وأسلوب الحياة وأسلوب المعيشة التي تعيشها متفردة عن الأمم الأخرى تميزاً وغنى.. كانت بحق حضارة متميزة قبل أن تعرف البشرية حضارات العالم الجديد التي تحيط بنا الآن فارضة نفسها إلى درجة المحاولة الجادة بلا هوادة أن تطمس في تيارها الجارف كل ملمح لغيرها وبالذات الهوية الإسلامية التي كانت قروناً خلت هوية العالم! إنه لغني عن القول أنه ما من سبب للقوة التي كانت تحياها الأمة سوى السير على منهج الله القويم الذي يصنع الشخصية المتكاملة الرصينة؛ فلقد عدّت إظهار الكبرياء أمام العدو مطلباً مهماً، في حين أنها أي الكبرياء محرمة بين المسلمين؛ فالله تعالى يريد فينا القوة؛ وما كان الضعف ولا الضعيف مهاباً أبداً ولن يكون، ويعلمنا أن الضعف علة وداء تأتي من أحد سببين: الرزق، والأجل. فأما الرزق فالقرآن يقرر أنه بيد الله وحده ولا يملك أحد سواه أن يمنعه أو يزيده أو ينقصه قال تعالى: [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] [الذاريات: ٢٢، ٢٣] وكذا الأجل: [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً] [آل عمران: ١٤٥] . والرزق مكتوب ومحدد قد جفت صحفه، وكذا الأجل لا يطيله جبن ولا ينقصه جهاد، والحياة حلوة، والنفس تواقة إلى الخلود، ولذا نجد الإسلام يربي فينا التطلع إلى أعظم خلود وأدوم نعيم.. إلى الشهادة التي لا يعد فيها المسلم ميتاً إلى حين يبعث فقد قال تعالى: [وَلا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] . [آل عمران: ١٦٩] إنه منطق القوة الحقة.. ولذلك أمرهم بإعداد القوة وأسبابها: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] [الأنفال: ٦٠] لقد فهم المسلمون الأولون القرآن الكريم الفهم المطلوب؛ ذلك الفهم الذي منحهم القوة في كل وقت وعلى أي حال، ذلك الفهم جعل بعض الصحابة رضوان الله عليهم وهم قلة مستضعفون لا يملكون اللجوء إلى المدينة؛ وفق شروط (صلح الحديبية) . إنهم أسارى في مكة تحت القهر والعنت، لا يستطيعون الفرار ولا القرار براحة، جعلتهم هذه التربية القرآنية أقوياء؛ فـ (أبو بصير) وحده يفعل الأفاعيل بقريش. فلماذا تعجز أمتنا بما لديها من قدرات وثروات عن اقتلاع العدو الجاثم على صدرها؟

стр. 2885

يا قدس شعر: خليفة بن عربي يا قدس يا محبوبتي ها قد أتيتُ من الركامْ ... ها قد أتيت أفُلّ أشرعتي وأقتات الظلامْ ... ها قد أتيت حدائيَ الآهات من شعب يضامْ ... من رعشة الليل البهيم ونبض جرح لا ينامْ ... * * * لا تسألي يا قدسيَ العذراء عنّي من أنا ... أنا شاعر أبني القوافي من نحيبك والوَنَى ... في كلّ قافية أنين، نزفةٌ من جرحنا ... في كلّ حرف زفرة هوجاء من آهاتنا ... * * * في ذا العراء وحيدةً تركوكـ في ثوب الهمومْـ ... وجدائل الأحزان مسبلة يجلّلها الوجومْ ... لا الشمس تشرق في ربوعك ليس تسقيك الغيومْ ... تبكي البدور وترسل الشكوى وتنتحب النّجومـ ... وعيونك الخجلى صحارى قطرها سيل السّجومـ ... * * * وهناك في ذاك الطريق وفوق تلك الرابيهْ ... أمّ يبلل دمعُها الهطّالُ أرضاً غاليهْ ... شيخ ضعيف ضمّ مصحفه بأيد واهيهْ ... شعب جريح صابر يصلى سياطاً قاسيهْ ... * * * يا قدس صبراً إننا آتون كالسّيل العَرِمْ ... نحن الّذين نصوغ نصراً من بُنيّاتِ الألمْ ... بالله بالقرآن نقشع عن نواحيك الظّلمْ ... بالسيف بالإيمان لا بالإرتهان أو السّلمْ ... وعدٌ ونبذل في سبيل الوعد أشلاءً ودمْ ...

стр. 2886

الورقة الأخيرة إحياء مقبور الأدب العلماني خالد أبو الفتوح كان أدب العلمانيين (اليساريين على وجه الخصوص) يعاني دوماً بأنه (أدب نخبة) ، نخبة أدبية منفصلة عن القاعدة الشعبية العريضة، تماماً مثل النخب السياسية التي تمثل هذا التوجه، ولم يُحدِث هذا الأدب تأثيره على القاعدة الشعبية إلا عن طريق تحويله إلى أعمال فنية (تمثيلية أو غنائية) وهو المجال الذي يسيطر عليه ويوجهه أصحاب هذه التوجهات، بينما ظلت محاولاتهم في تشكيل العقل الثقافي الراسخ محدودة الأثر رغم جهود فرضها على قطاعات كبيرة من الأمة، بما فيها بعض الأعمال الأدبية والثقافية في مناهج التعليم العام، وإعادة طبع بعض هذه الأعمال لطرحها في الأسواق على نطاق واسع وبتكاليف زهيدة عسى أن يكون لهم موضع قدم في العقل العربي. ولكننا رأينا مؤخراً تدخلاً دولياً في العقل العربي لتكثيف جهود إحياء مقبور الأدب العربي العلماني (الإنساني!) وحشد الإمكانات الهائلة لذلك الهدف، وذلك من خلال (ابتكار أدوات جديدة لنقل روائع الإبداع والفن وإيصالها إلى أكبر رقعة من الناس) على حد تعبير (فديريكو مايور) المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) التي تبنت (أكبر مشروع عربي مشترك يهدف إلى إيصال الكتاب العربي مجاناً إلى قارئه أينما كان في الوطن العربي وخارجه) ، وهو المشروع الذي خرج باسم (كتاب في جريدة) ، والهدف منه يوضحه شوقي عبد الأمير المشرف العام على هذا المشروع؛ حيث يقول: (ولأن (كتاب في جريدة) بحكم المساحة الشعبية الهائلة التي يحتلها والتي تتسع رقعتها إلى الملايين يُخرج الأدب من دائرة (القراء) التقليدية إلى دائرة (القارئين) ! الأرحب حضوراً ومدى؛ فهو بهذا يحدث اختراقاً لحواجز ثقافية اجتماعية اقتصادية متراكمة منذ أزمان، ليقيم علاقات جديدة في منطقة قصوى تقع بين الأدب والفن وبين مستهلكيه من أبناء لغته وثقافته) . ولأن منظمة (اليونسكو) لا تعمل لوجه الله وإن كانت تدعي أنها تعمل لوجه (الإنسانية) فقد اختارت (من أجل مزيد من التلاحم وترسيخ وحدة اللغة والثقافة) نحو خمسة وعشرين كتاباً لأعمال أدبية سبق نشرها لتقدمها مجاناً إلى ملايين القراء العرب خلال سنتين عبر أكبر الصحف العربية، وإليك بعضاً من أصحاب هذه الأعمال حتى تعرف الثقافة المقصودة بالإلحاح والإغراء: المتنبي (مختارات) سعد الله ونوس نجيب محفوظ بدر شاكر السياب الجاحظ (مختارات) صلاح عبد الصبور غسان كنفاني أمل دنقل قصص المرأة العربية (مختارات) غالب طعمة فرمان قيصر بايّاخو (شاعر إسباني) يوسف إدريس زيد مطيع دماج غالب هلسا توفيق الحكيم حنا مينة عبد المجيد بن جلون محمد خضير الطيب صالح إلياس خوري الطاهر وطار محمود المسعدي ... فهي أعمال موجهة مختارة لكتّاب أصحاب توجه فكري واضح ومعلوم.. وليس هذا بمستغرب؛ حيث لا بد أن القائمين على اختيار الأعمال سينتقون ما يتوافق مع قناعاتهم، ولتعرف هذه القناعات نذكر قائمة (الهيئة الاستشارية) كما جاؤوا في (كتاب في جريدة) ومنهم: أدونيس محمود درويش جابر عصفور عبد العزيز المقالح يمني العيد ناصر الظاهري أحلام مستغانمي توفيق بكار بدر عبد الملك. فمن الذي وضع هؤلاء أو أولئك أوصياء على وعي الأمة؟ ! ومن الذي أعطى لليونسكو سلطة تشكيل العقل العربي (أو الإنساني) ؟ !

стр. 2887

رجب - ١٤١٩هـ نوفمبر - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)

стр. 2888

كلمة صغيرة بين الذلة والاستعلاء درجت الإدارة الأمريكية على النظر إلى العالم الإسلامي بكل صلف واستكبار، وأصبحت لا تبالي على الإطلاق بمواقف وحقوق الدول والشعوب الإسلامية، وتمادت في الآونة الأخيرة إلى حد بعيد، مستهينة بما يسمى بالأعراف الدولية والقواعد الدبلوماسية، فهي تنظر إلى المنطقة الإسلامية على أنها مجرد منطقة نفوذ استهلاكية، ليس من حقها النظر إلى مصالحها، أو التمسك بحقوقها، أو الاعتزاز بهويتها الفكرية والثقافية: والدولة التي تملك القوة هي التي تعلِّم الناس المثل والقيم، كما أن الدولة التي تملك الإعلام هي التي تعطي دروساً في السلوك والآداب، وأما الضعفاء فلا يحق لهم إلا الخضوع والاستسلام، وفتح قلوبهم وجيوبهم بكل ولاء وعبودية. بهذه الفوقية والصفاقة تتعامل أمريكا مع القضايا الإسلامية خصوصياً، ولشدة غرورها نسيت أن الأمة الحية الكريمة - حتى وإن كانت مستضعفة في يوم من الأيام - لن تذعن دوماً للاستبداد، بل إن ذلك الغرور والتعنت قد يكون سبباً من أسباب حيويتها، وقد يستثيرها للتغيير، ويجعلها تتململ وتنتفض، وتسعى جاهدة لاستعادة عزتها وكرامتها. نعم قد لا تقوى على المواجهة في مرحلة من المراحل، ولكنها في الوقت نفسه لن ترضى الدنية في دينها، ولن تبقى مكتوفة اليدين كالعاجز الذليل الذي ينظر إلى جلاده باستجداء واستعطاف..! !

стр. 2889

الافتتاحية دروس في الصراع مع يهود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فلم يَجْنِ الفلسطينيون من مسار السلام بعد خمس سنوات من اتفاق (أوسلو) غير قبض الريح؛ وهذا نتيجة طبيعية لاتفاقيات السلام؛ إذ يصر العدو على الحصول على الأمن والسلام معاً ويرفض قيام الدولة الفلسطينية. وهذا ليس رأي الإسلاميين وحدهم، بل هو ما توصل إليه كل مراقب محايد لعملية السلام منذ بدايتها؛ فهذا الصحفي الشهير (روبرت فسك) في تحليل له بعنوان: (السلام يقتل حقوق الإنسان) [١] يقول: (لم يعد هناك إدانة للسلام بين (إسرائيل) و (منظمة التحرير) أكثر من التقرير الذي نشرته منظمة العدل الدولية قبل أيام والذي تضمن العديد من الأمثلة والشواهد على ما يرتكبه (الإسرائيليون) والفلسطينيون من أعمال التعذيب والموت والحجز والاعتقال العشوائي واحتجاز بدون محاكمة وإجراء محاكمات غير عادلة ... ) . كم نحن بحاجة ماسة للوقوف بموضوعية لنعرف حقيقة الصراع مع العدو وكيف نتعامل معه بعيداً عن فلسفات أدعياء السلام وتنظيرات كثير من المنهزمين من مثقفي أمتنا الذين ما زالوا يحلمون بسلام قادم مع العدو وأنه أمر لا مفر منه وبخاصة أنه قد مرت خمسة عقود على دخول اليهود إلى فلسطين، ودخل العرب في حروب عدة مع اليهود، ثم رضوا بعد ذلك بـ (السلام) ، والجلوس على موائد المفاوضات، ونعتقد بأن هذه الحقبة التاريخية المديدة في عمر الأمة جديرة بالدراسة والبحث والتقويم، ومعرفة المكاسب والخسائر التي حصلت عليها الأمة مما يعين في رؤية الواقع، واستشراف المستقبل. وها نحن نحاول الوقوف على بعض الدروس والعبر: أولاً: إنّ الأمة التي تنطلق من خلفيات وقواعد عقدية أياً كانت هذه العقائد أقدر على الثبات والمواجهة، وهذا هو الذي تميزت به الدولة اليهودية؛ إذ إنها انطلقت في بنائها من التعاليم التوراتية، التي أصبحت هي الأصل في كل مواقفها السياسية والعسكرية، بينما مع الأسف الشديد تنكّر العرب لعقيدتهم الإسلامية وخلفيتهم الحضارية، ورفعوا شعار القومية تارة، والوطنية تارة ثانية، والبعثية تارة ثالثة ... ونخرت هذه الشعارات النفعية في جسد الأمة نخراً شديداً، حتى أصابها التشتت والتمزق، ولم تعد قادرة على انتزاع أيسر حقوقها وأوضحها؛ فالإحباطات المتراكمة تسيطر عليها من كل جهة. ولمّا رجع بعض الناس إلى هويتهم الأصيلة، وتعالت في صفوفهم آيات الأنفال وآل عمران، وارتفعت ألوية التوحيد، جُنّ جنون اليهود، واضطربت عقولهم، وأخذوا يبطشون بكل قسوة وجبروت، لعلهم يئدون هذا الوليد في مهده، ويخنقون صوته، لكنهم لم يجدوا إليه سبيلاً.. عندها جاؤوا بمهزلة السلام التي يراد منها قطع الطريق على هذه الوجوه الكريمة المتوضئة، وإعادة تلميع تلك القيادات المهترئة التي أفلست وانكشفت وجوهها المظلمة..! إنّ الأحداث المتتالية علمتنا أن اليهود لا يمكن مواجهتهم إلا بسلاح العقيدة، وأن الرجال الصادقين المخلصين هم وحدهم القادرون على الثبات وإن أصابهم ما أصابهم من شدة وقتل، ولا يمكن ترويضهم أو تذليلهم؛ فهم حريصون على الشهادة أكثر من حرص غيرهم على الدنيا. ثانياً: نتج من تلك الخلفية العقدية عند اليهود جديتهم في تحقيق مطالبهم، التي أرخصوا في سبيلها كل نفيس، وشحذوا كل طاقاتهم السياسية والعسكرية والبشرية لتحقيق ذلك. وها هو ذا قائلهم يقول: (أدركت أنه لا يكفي لشعب ضعيف أن يثور كي ينال عدلاً لمطالبه، أما مبدأ (نكون أو لا نكون) فعلى كل أمة أن تعمل به، وتقرر مصيرها بطرقها الخاصة، وعلى اليهود ألا يعتمدوا على أحد من أجل تقرير مصيرهم) . لقد عرف اليهود أن دولتهم: (لن تدوم بالتصفيق ولا بالدموع ولا بالخطابات أو بالتصريحات!) ، ولهذا صَدَقوا في بنائها وحمايتها. بينما كشفت لنا الأيام تلك المسرحية العبثية التي أدار فصولها بكل صفاقة وخيانة أدعياء العروبة والوطنية، ودهاقنة الديموقراطية والحرية، الذين إذا أعيتهم الحيلة لم يجدوا بداً من الشجب والاستنكار بصوت يمتلئ شجاعة وبسالة (!) ، ولكنه بلا صدق أو إرادة (! !) . إن ما دُعي بالنخب السياسية العربية أضحت عاجزة عن الخروج بهذه الأمة من المأزق الذي تعيشه، وأصبحت الأمة تائهة تتردى في مستنقعات الهزيمة، وتتجرع كؤوس المهانة والذل والخزي؛ ولن تخرج من هذا النفق المظلم إلا بالعودة الصادقة الجادة إلى دين الله تعالى، وأما ما يسمى بالشرعية الدولية فلن تصنع شيئاً، وكذا الجري اللاهث وراء ما يسمى بـ (راعي السلام) لن يجر إلا مزيداً من الخزي والعار، ومزيداً من الذلة والصغار. ثالثاً: إن الأمة العربية في الوقت الراهن غير مهيأة على الإطلاق للمواجهة العسكرية مع اليهود؛ فقد استهلكت قدراتها وإمكاناتها في التغريب والعلمنة، وأصبحت أكثر الجموع أقرب إلى اللهو والعبث منها إلى الجد والعمل. وهذا يستدعي بلا شك أن تستنفر كافة الإمكانات الإسلامية لانتزاع جذور التغريب والإفساد في العالم الإسلامي، والعمل على بناء الرجال المخلصين القادرين على تحمل المسؤولية؛ وهذا عمل في غاية الصعوبة والمشقة، وهو كذلك عمل طويل جداً، ولكنه هو السبيل الوحيد لاستعادة الهوية الإسلامية، ولعله من أولى الأشياء دخولاً في إعداد العدة الواجبة شرعاً في قوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] [الأنفال: ٦٠] . إن إعادة بناء الأمة وتجديد طاقاتها وإحياء رجالها وصناعتهم من جديد هو التحدي الأكبر الذي يواجه العمل الإسلامي المعاصر، وهو العدة الحقيقية لمواجهة الطغيان اليهودي والغربي. رابعاً: إن قضية القدس قضية عقدية لا تقبل المساومة أو المداهنة السياسية. وإن كان بعض النفعيين أرادوا أن يجعلوا الصراع مع اليهود صراعاً قومياً، فإن قضية القدس تنسف ذلك كله وتعيد إلى الأذهان تلك الخلفية الدينية لذلك البيت المبارك. إن الغباء كل الغباء أن تُهَمّشَ قضية القدس، أو توضع في القائمة الشكلية للمفاوضات، وإذا رضي بذلك فئة وضيعة ممّن لا يعيرون البعد الديني أدنى اهتمام، فإن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لن يرضوا بذلك، وإن عجزوا في الوقت الراهن لأي سبب كان عن التصرف الإيجابي الفاعل لإنقاذ القدس، فإن هذه القضية سوف تبقى القضية الكبرى في حاضرهم ومستقبلهم. وقضية فلسطين ليست خاصة بالفلسطينيين فقط وإن كانوا هم أوْلى الناس بها ولكنها القضية الكبرى للأمة الإسلامية بعامة، ولهذا فإن أي مؤامرة على مقدسات المسلمين لن تنتهي بسلام، بل سوف تستحث الشعوب الإسلامية إلى الرجوع إلى دينها، وستحيي فيهم روح الجهاد والغيرة على المقدسات المنتهكة. خامساً: مع تزايد الإخفاقات المتتالية للسلطة الفلسطينية ازدادت شعبية الاتجاهات الإسلامية وعلى رأسها منظمة حماس، وهذه نعمة من الله تعالى حقها الشكر والرعاية، والإخوة في حماس يدركون حجم المؤامرة، وهذا يتطلب رؤية أكثر عمقاً للمستقبل ترسم فيها الخطط والبرامج بشمولية ودقة. إنّ ردود الأفعال العاطفية مهمة جداً، ولكنها تبقى محدودة الأثر، قليلة التأثير، بينما يكون التخطيط العملي بعيد المدى، عميق الأثر، قوي التأثير. والمطلوب من رجالات الحركة الإسلامية في فلسطين أن يكونوا على مستوى الحدث والطموح والتحدي، وأن يعيدوا بناء البيت من الداخل بناء متماسكاً يتلاءم مع المهمة العظيمة التي يواجهونها. ولن يقف العالم متفرجاً على نجاحات الحركة الإسلامية، بل سوف تُسَخّر كافة الإمكانات والاستخبارات السياسية والعسكرية لتفتيتها وتمزيق أركانها.. فهل ينجح الإسلاميون في هذا مواجهة التحدي الصعب؟ والذي نجزم به أنهم سينجحون بالتأكيد ما داموا معتصمين بحبل الله المتين، موفين بقواعد النصر الشرعية، مدركين لضرورة التراص والتآلف، فقد قال الله تعالى: [وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا..] [العنكبوت: ٦٩] . ومن واجب المسلمين عموماً أن يقفوا بجانب إخوانهم، ولا ينظروا إلى حماس على أنها خاصة بالمنتمين لها فحسب، بل على أنها منظمة لكل المسلمين الصادقين، ومن حقها علينا أن نقف بجوارها قلباً وقالباً، معنوياً ومادياً، ومن حقنا عليها أن تسمع إلى نصح الناصحين وآرائهم، وأن تقدر ذلك، وصحيح أنهم أعرف بأحوالهم وأقدر على معرفة واقعهم، ولكن ربما يرى غيرهم رأياً أبعد عن التأثر بالضغوط اليومية والشخصية. وبالجملة فإن الحوار الصادق المخلص من أعظم وسائل النصر بإذن الله تعالى.

стр. 2890

دراسات في الشريعة والعقيدة مسائل وأحكام في ذبائح أهل الكتاب د. أحمد أمحرزي علوي شكلت فتوى أبي بكر بن العربي المعافري الفقيه المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في حكم جواز أكل ذبائح أهل الكتاب على أي صفة ذكيت مرجعاً لبعض الفقهاء قديماً وحديثاً، في الترويج لإباحة طعام أهل الكتاب، والدعوة إلى أكل ذبائحهم، في كل حال وأنه ليس في ذلك حرج ولو من غير ضرورة لقوله تعالى: [وَطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ] [المائدة: ٥] ، ونظراً لما تنطوي عليه هذه الفتوى من مآخذ ولما يترتب عليها من عواقب، وأيضاً لما يتضمنه كلام ابن العربي من تناقض فقد آثرت أن أبين وجه الحق في ذلك حتى يتضح المراد وتنكشف الغشاوة، وذلك من خلال الأمور التالية: أولاً: حكم ذبائح أهل الكتاب: أجمع الفقهاء في الجملة على إباحة ذبائح أهل الكتاب لقوله تعالى: [الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ] [المائدة: ٥] [١] ، والجائز هو ما يعتقدونه في شريعتهم حلالاً لهم، إلا ما حُرّم علينا كلحم الميته والخنزير والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وغيرها، ولو لم يُعلم أنهم سموا الله تعالى. قال الإمام النووي: (ذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله تعالى عليه أم لا؛ لظاهر القرآن العزيز؛ هذا مذهبنا ومذهب الجمهور) [٢] ، وكره مالك والشافعي وأحمد في رواية، ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم؛ لما فيها من تعظيم شركهم، ولأن الذابح قصد بقلبه الذبح لغير الله تعالى مع تركه التسمية، قال النووي: (فإن ذبحوا لكنائسهم فقد كرهه ميمون بن مهران وحماد والنخعي ومالك والليث وأبو حنيفة وإسحاق وأحمد وجمهور العلماء، ومذهبنا تحريمه) [٣] . كما أجمعوا أيضاً على أن ذبائحهم لا تحل إلا إذا ذكيت بالطريقة التي تتم بها الذكاة عند المسلمين، وكره مالك أكل ذبائحهم ولو استوفت جميع الشروط؛ ففي المدونة: (قلت: هل كان يكره مالك ذبائح اليهود والنصارى من أهل الحرب؟ قال: أهل الحرب والذين عندنا أهل الذمة من النصارى واليهود عند مالك سواء في ذبائحهم، وهو يكره ذبائحهم كلها من غير أن يحرمها، ويكره اشتراء اللحم من مجازرهم ولا يراه محرماً) [٤] . ثانياً: حكم أكل ما ذبحوه من كل ذي ظفر: حرم الله على أهل الكتاب كل ذي ظفر، قال تعالى: [وَعَلَى الَذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ] [الأنعام: ١٤٦] . والمراد به ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط وما يصيد بظفره من سباع الطير والكلاب [٥] . واختلف فقهاء المالكية فيما لو ذبح أهل الكتاب كل ذي ظفر، فأجاز أكله ابن وهب وجمهور العلماء. وقال أصبغ وأشهب وابن القاسم وابن حبيب: ما كان محرماً في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله؛ لأنهم يدينون بتحريمها [٦] ، واختاره ابن العربي فقال: (والصحيح تحريمه؛ لأن ذبحه منهم ليس بذكاة) [٧] . والصحيح الذي عليه جمهور العلماء جواز أكله إلا ما ثبت تحريمه في شريعتنا [٨] . الأمر الثالث: حكم أكل ما حرم على أهل الكتاب: اختلف الفقهاء في ما لو ذبح أهل الكتاب ما أحل الله لهم في التوراة وتركوا ما حرم عليهم مثل شحومهما إلا ما حملت ظهورهما، هل يحل لنا أم لا؟ قال مالك في رواية: هي محرمة [٩] ، وقال ابن القاسم: أكرهه؛ واختاره ابن الجلاب [١٠] ، وروي عن مالك أنها حلال، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وعامة أهل العلم [١١] . واختاره ابن العربي فقال: (والصحيح أكلها؛ لأن الله رفع التحريم بالإسلام ولا يضر اعتقادهم عند ذكاتها بأنها محرمة، فإنه اعتقاد فاسد) [١٢] . قال القرطبي: (ويدل على صحته ما رواه الشيخان عن عبد الله بن مغفل قال: كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه فالتفتّ فإذا النبي ﷺ ، فاستحييت منه [١٣] . ولفظ البخاري، ولفظ مسلم: قال عبد الله بن مغفل: أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، وقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، قال: فالتفتّ فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مبتسماً [١٤] ، قال علماؤنا: تبسمه ﵇ إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به ولم يأمره بطرحه ولا نهاه. وعلى جواز الأكل مذهب أبي حنيفة والشافعي وعامة العلماء؛ غير أن مالكاً كرهه للخلاف فيه، وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك؛ ومتمسكهم أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها عند الذكاة فكانت محرمة كالدم، والحديث حجة عليهم) [١٥] . رابعاً: فتوى ابن العربي والرد عليها: تقدم إجماع العلماء على أن ذبائح أهل الكتاب لا تحل إلا إذا ذكيت بالطريقة التي تتم بها الذكاة عند المسلمين، وذلك بقطع الودجين والحلقوم والمريء. واضطرب كلام ابن العربي في هذه المسألة، فذكر في موضع من الأحكام الكبرى أن الجائز هو ما يعتقدونه في شريعتهم حلالاً لهم إلا ما حُرّم علينا كالخنزير، وكانت ذكاته مقبولة عند المسلمين، فقال: (فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: أن هذه ميتة وهي حرام بالنص؛ وإن أكلوها فلا نأكل نحن، كالخنزير؛ فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا) [١٦] ، فوافق بهذا جمهور أهل العلم. واختار في موضع آخر أكلها كيفما كانت تذكيتها فقال: (وقوله تعالى: [أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم..] [المائدة: ٤] إلى قوله: [أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... وَطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ] [المائدة: ٥] . دليل قاطع على أن الصيد وطعام أهل ... الكتاب من الطيبات التي أباحها الله وهو الحلال المطلق، وإنما كرره سبحانه ليرفع الشكوك ويزيل الاعتراضات، ولكن الخواطر الفاسدة هو التي توجب الاعتراضات وتخرج إلى تطويل القول. ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها هل يؤكل معه أو تؤخذ طعاماً منه؟ فقلت: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عنده، ولكن الله أباح طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا وفي ديننا إلا ما كذبهم الله سبحانه فيه) [١٧] . وقد لاحظ البعض على هذا الكلام ما يلي: ١- أن قوله في الموضع الأول: (فإن قيل فما أكلوه على غير وجه ... ) غير موجود في الأحكام الصغرى له، ولا في غيرها من كتبه، وغير موجود في إحدى النسخ الخمس المخطوطة لأحكام القرآن الكبرى كما نبه على ذلك محمد علي البجاوي ومحمد عبد القادر عطا، مما جعل البعض يعتبر الكلام مدسوساً عليه. ٢- إن هذا الكلام جاء عرضاً؛ إذ إن الحديث قبله وبعده وارد عن التسمية لا عن التذكية. ٣- إن القرطبي وهو الذي نقل كلام ابن العربي في تفسيره لم يشر إلى هذه الفتوى أصلاً. ٤- إن الشيخ صالح العود في كتابه: (أحكام الذكاة في الإسلام) نفى أن يكون ابن العربي أفتى بجواز أكل الدجاج المفتول العنق، واعتبر ذلك مدسوساً عليه، لكن وجود ذلك في كتبه وكتب من نقلوا عنه يرده. والذي يتضح من خلال مطالعاتي لكتب ابن العربي المخطوط منها والمطبوع، واستقرائي لآرائه الفقهية أن كل ذلك من كلامه ولا وجه لنفيه عنه أو نفي اضطرابه فيه كما سيتضح، والذي يقرر ذلك أن عدداً من المالكية نقلوا كلامه واستشكل عليهم، وحاول أبو عبد الله الحفار المالكي حل هذا الإشكال، فقال: (ولا إشكال فيها عند التأمل؛ لأن الله تعالى أباح لنا أكل طعامهم الذي يستحلونه في دينهم على الوجه الذي أبيح لهم من ذكاة فيما شرعت لهم فيه الذكاة على الوجه الذي شرعت، ولا يشترط أن تكون ذكاتهم موافقة لذكاتنا في ذلك الحيوان المذكى) [١٨] . ولم يقدم ابن الحفار كابن العربي دليلاً على كلامه واكتفى بقوله: (قد يكون شرع في غير ملتنا سل عنق الحيوان، على وجه الذكاة، فإذا اجتزأ الكتابي بذلك أكلنا طعامه كما أذن لنا ربنا سبحانه ولا يلزمنا أن نبحث عن شريعتهم في ذلك) [١٩] . وإلى هذا الكلام أيضاً مال الونشريسي في المعيار، والزياتي والوزاني في النوازل الصغرى. وأفتى به الشيخ محمد عبده ورشيد رضا، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيح حسنين محمد مخلوف، والشيخ محمد بيرم، والشيخ عبد الله بن زيد بن محمود وغيرهم [٢٠] . آراء العلماء المعاصرين في المسألة: يقول الشيخ محمد عبده: (وأما الذبائح فالذي أراه أن يأخذ المسلمون في تلك الأطراف بنص كتاب الله تعالى في قوله: [وَطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ] [المائدة: ٥] . وأن يعوّلوا على ما قاله أبو بكر بن العربي المالكي من أن المدار على أن يكون ما يذبح مأكول أهل الكتاب قسيسهم وعامتهم، ويعد طعاماً لهم كافة) [٢١] وقال الشيخ رشيد رضا بعد أن نقل أقوال المفسرين في جواز أكل ذبائح أهل الكتاب: (فعلم من هذه النقول أن ذبائح أهل الكتاب حلال عند جماهير المسلمين، وإن لم يكن ذبحها على الطريقة الإسلامية، بل وإن كانت على خلاف الطريقة الإسلامية عملاً بمطلق الآية الكريمة التي هي آخر ما ورد في الأكل نزولاً) [٢٢] . وقال الشيخ يوسف القرضاوي بعد أن نقل كلام ابن العربي: (وعلى ضوء ما ذكرنا نعرف الحكم في اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب كالدجاج ولحوم البقر المحفوظة، مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه؛ فما داموا يعتبرون هذا حلالاً مذكى فهو حل لنا وفق عموم الآية) [٢٣] . غير أن كثيراً من شيوخ المالكية وقفوا في وجه هذه الفتوى لابن العربي حتى قال البسطامي: (ليت قوله لم يخرج للوجود ولا سُطّر في كتب الإسلام) [٢٤] . وقال ابن سراج: (إن ما وقع لا بن العربي هفوة) [٢٥] . واعتبروا فتواه هذه شذوذاً، قال الشيخ الطاهر بن عاشور: وقول ابن العربي شذوذ [٢٦] . وردوا على استدلاله بأن أحبارهم يصدقون في قولهم أن ذلك من طعامهم بأن أهل الكتاب لا يُصدّقون ولا يُكذّبون كما ورد في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم) [٢٧] . قال ابن حجر: (لم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بخلافه؛ نبه على ذلك الشافعي ﵀ [٢٨] ، وقد أجمع العلماء على أن شرع من قبلنا لا يجوز العمل به إذا كان شرعنا مخالفاً له [٢٩] ؛ وبهذا يتضح أن دعوى ابن العربي أن كل ما يراه أهل الكتاب في دينهم فهو حلال لنا إلا ما كذبهم الله فيه، معارضة للنصوص والإجماع الدال دلالة قطعية على تحريم العمل بما يرونه في دينهم إذا كان مخالفاً لشريعتنا، وعلى فرض تصديقهم، فلا وجه لتصديقهم في أن المنخنقة ومسلولة العنق والموقوذة المضروبة في الرأس بشاقور مثلاً حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم، وما فرق به من أن الله قد كذبهم في الخمر والخنزير دون المضروبة بشاقور مثلاً وما ذكر معه لا يصح؛ لأنه إن عني أن الله كذبهم في أخبارهم بحلّيتها، فليس في القرآن ولا في الأحاديث شيء من ذلك، وإن عني أن الله كذبهم بقوله: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ] [المائدة: ٣] ، فهذه مصادرة؛ لأن الله قد كذبهم فيما زُعِمَ أنهم يصدقون فيه؛ لأنها إما منخنقة أو موقوذة، وقد ذكر الله حرمة كل واحدة منهما في الآية نفسها [٣٠] . وقد اعترف بهذا ابن العربي فقال في الأحكام: (وأما قولهم: إن الله حرم غير ذلك كالمنخنقة وأخواتها فإن ذلك داخل في الميتة؛ وشرح ما يستدرك ذكاته مما تفوت ذكاته لئلا يُشْكل أمرها ويُمزَج الحلال بالحرام في حكمها) [٣١] . فإذا كانت المنخنقة ميتة باعترافه فكيف لا تكون الدجاجة المفتولة العنق ميتة؟ وفتل العنق والخنق شقيقان؛ لأن معناهما واحد عقلاً وحساً ومشاهدة، وهذا أيضاً بإقرار ابن العربي نفسه حيث قال: (المنخنقة هي التي تخنق بحبل بقصد أو غير قصد أو غير حبل) [٣٢] . فاتضح مما تقدم تناقض ابن العربي [٣٣] وغرابة فتواه، ولذلك لم يذكرها القرطبي في تفسيره وهو ممن نقل جُلّ كلام ابن العربي، ولم يقل بها أحد من العلماء قبله [٣٤] ، ولا وجه لما قاله الشيخ رشيد رضا من أن جواز أكلها مذهب جماهير المسلمين، ولا لما قاله الشيخ القرضاوي مِنْ أنه مذهب فقهاء المالكية، بل صرحوا بعكس ما قاله تماماً، يقول الباجي: (وإذا علمت أن مَنْ دينه النصرانية ممن يستبيح الميتة فلا تأكل من ذبيحته إلا ما شاهدت ذبيحته؛ ووجه ذلك أنه إنما يستباح من ذبيحته ما وقع على وجه الصحة، والمسلم أصح ذبيحة وهذا حكمه، فإذا علم أنه ربما قتل الحيوان على الوجه الذي لا يبيج أكله وجب الامتناع من أكل ما مات على يده من الحيوان إلا أن يعلم أن ذكاته وجدت منه على وجه الصحة) [٣٥] . وقد ساق ابن العربي في المسالك هذا الكلام نفسه وأقره [٣٦] ، ونص في موضع آخر على أن من شرط الذابح غير المسلم أن يكون كتابياً، وأن يكون عارفاً بالذبح وشروطه؛ لأنه إن لم يكن عارفاً بالذبح آلمَ الحيوان وحرم الأكل منه [٣٧] . زبدة القول: والخلاصة: أن ذبيحة الكتابي لا يحل منها إلا ما كان بذكاة صحيحة معتبرة شرعاً، وأن ما كان منه بفتل العنق أو الصدمة الكهربائية أو ضرب الرأس وغيره فهو ميتة لا يحل أكله بوجه من الوجوه، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا ينبغي للمسلم أن يتخذ أهل الكتاب ذباحين؛ لأن في ذلك موالاة لهم كما نبه على ذلك ابن عبد البر وغيره [٣٨] . وقد كان الباجي دقيقاً في كلامه حين اشترط في الإباحة (مشاهدة ذبح الكتابي) وهو توجيه دقيق؛ إذ كثيراً ما تكون ذبائحهم على غير الوجه المشروع فيختمون عليها خاصة في زماننا هذا بختم يوهم أنها ذبحت على الطريقة الإسلامية لكي يروج شراؤها في صفوف المسلمين. وقد انطلت هذه الحيلة الماكرة على كثير من المسلمين مع قيام الأدلة على أن ذلك مجرد خداع لابتزاز الأموال، بل ويقصد بذلك أحياناً الاستخفاف بعقول المسلمين؛ فقد ذكرت مجلة الاقتصاد الإسلامي وجريدة الشرق الأوسط منذ مدة، أن بلاد غير المسلمين لا تقوم بعملية الذبح الشرعي بل تقدم لحوماً توصف بأنها ميتة أو منخنقة أو موقوذة ... وليس ببعيد عنا ما سمعناه عن صفقات الدجاج المستورد الذي وصل إلى أبو ظبي ودبي ووجدت رقبته كاملة وسليمة دون أي أثر للذبح رغم كتابة العبارة التقليدية عليها أنها ذبحت حسب الشريعة الإسلامية، بل وبلغ الاستخفاف بعقول المسلمين أن وجد مكتوباً على صناديق السمك المستورد أنه ذبح حسب الشريعة الإسلامية [٣٩] .

стр. 2891

فتاوى أعلام الموقعين فتوى في الحذر من كتاب إحكام التقرير في أحكام التكفير من المعلوم أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الإيمان بين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة، وقد حذّر سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى من غلو الخوارج ومن سلك سبيلهم الذين يُكفّرون بمطلق المعاصي، كما حذّروا من تفريط المرجئة؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وكان ردّ السلف الصالح على تلك الطوائف بعلم وعدل، وحجة وبرهان، فلم يواجهوا البدعة بالبدعة، بل واجهوا البدعة بالسنة. وقد ظهر في زماننا من أصابته لوثة الخوارج الغلاة، فانبرى بعض المنتسبين إلى السنة للرد عليهم بنَفَس إرجائي، فلا أظهروا السنة، ولا أماتوا البدعة.. ونسوق في هذا العدد فتيا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في التحذير من كتاب معاصر ذي نزعة إرجائية غالية. نسأل الله تعالى أن يهدينا وسائر إخواننا لما اختلف فيه من الحق بإذنه. ... ... - البيان - فتوى رقم (٢٠٢١٢) وتاريخ ٧/٢/١٤١٩هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ... وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي إبراهيم الحمداني، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٩٤٢) وتاريخ ١/٢/١٤١٩هـ وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصه: سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.. سلمه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: يا سماحة الشيخ نحن في هذه البلاد المملكة العربية السعودية في نعم عظيمة ومن أعظمها نعمة التوحيد. وفي مسألة التكفير نرفض مذهب الخوارج ومذهب المرجئة، وقد وقع في يدي هذه الأيام كتاب باسم: (إحكام التقرير في أحكام التكفير) بقلم مراد شكري (الأردني الجنسية) ، وقد علمت أنه ليس من العلماء، وليست دراسته في علوم الشريعة، وقد نشر فيه مذهب غلاة المرجئة الباطل، وهو أنه لا كفر إلا كفر التكذيب فقط، وهو فيما نعلم خلاف الصواب وخلاف الدليل الذي عليه أهل السنة والجماعة، والذي نشره أئمة الدعوة في هذه البلاد المباركة، وكما قرر أهل العلم في (الكفر) أنه يكون بالقول وبالفعل وبالاعتقاد وبالشك. نأمل إيضاح الحق حتى لا يغتر أحد بهذا الكتاب الذي أصبح ينادي بمضمونه (الجماعة المنتسبون للسلفية في الأردن) [*] ، والله يتولاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد دراسة اللجنة العلمية للاستفتاء أجابت بأنه بعد الاطلاع على الكتاب المذكور، وجد أنه متضمن لما ذكر من تقرير مذهب المرجئة ونشره، من أنه لا كفر إلا كفر الجحود والتكذيب، وإظهار هذا المذهب المردي باسم السنة والدليل، وأنه قول علماء السلف، وكل هذا جهل بالحق، وتلبيس وتضليل لعقول الناشئة بأنه قول سلف الأمة والمحققين من علمائها، وإنما هو مذهب المرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، والإيمان عندهم هو التصديق بالقلب، والكفر هو التكذيب فقط، وهذا غلو في التفريط، ويقابله مذهب الخوارج الباطل الذي هو غلو في الإفراط في التكفير، وكلاهما مذهبان باطلان مرديان من مذاهب الضلال، ويترتب عليهما من اللوازم الباطلة ما هو معلوم، وقد هدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الحق والمذهب الصدق، والاعتقاد الوسط بين الإفراط والتفريط من حرمة عرض المسلم، وحرمة دينه، وأنه لا يجوز تكفيره إلا بحق قام الدليل عليه، وأن الكفر يكون بالقول والفعل والترك والاعتقاد والشك كما قامت على ذلك الدلائل من الكتاب والسنة. لما تقدم فإن هذا الكتاب لا يجوز نشره ولا طبعه، ولا نسبة ما فيه من الباطل إلى الدليل من الكتاب والسنة، ولا أنه مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى كاتبه وناشره إعلان التوبة إلى الله؛ فإن التوبة تغفر الحوبة. وعلى من لم ترسخ قدمه في العلم الشرعي أن لا يخوض في مثل هذه المسائل حتى لا يحصل من الضرر وإفساد العقائد أضعاف ما كان يؤمله من النفع والإصلاح. وبالله التوفيق.. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم..

стр. 2892

دراسات تربوية بعضهم أولياء بعض عبد الملك بن محمد القاسم تميز عصرنا الحاضر بارتفاع أصوات المنافقين والمنافقات في أنحاء العالم الإسلامي، فأُفردت لهم الصفحات، ودُعوا إلى التحدث في المنتديات، واحتفلت بهم التجمعات، وسيطروا على كثير من وسائل الإعلام كما يلاحظه القاصي والداني لفشو الأمر وظهوره. وحالُ المنافقين ليست بجديدة على أمة الإسلام.. فهم أعداء ألِدّاء لهذا الدين منذ بعثة محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم يكيدون ويدبرون ويخططون وينفذون، وقد وصفهم الله في سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن، وسميت سورة كاملة باسم المنافقين، وأفاضت السنة النبوية المطهرة في ذلك الأمر العظيم وتوضيحه وجلائه. ولأن الصراع بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة؛ فإننا لا نزال نرى الصفات نفسها تتوارثها الأجيال المنافقة زمناً بعد زمن حتى وقتنا الحاضر. يقول الله عن صفة من صفاتهم: [وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ] [المنافقون: ٤] . فما أكثر المستمعين لحديثهم المنصتين لهرائهم المتابعين لإنتاجهم وهم يلبّسون على الناس ويدّعون فيهم الإصلاح والفلاح كما كان فرعون يقول لقومه عن موسى نبي الله ﵊: [إنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] [غافر: ٢٦] . ومن العجب أن يتولى نفر من المنافقين والمنافقات، إفساد الأمة ومسخها عن دينها ودعوتها إلى التحرر والإباحية والرذيلة، ومن تأمل في التاريخ القريب مثلاً أدرك أن (هدى شعراوي) و (قاسم أمين) ، وحثالة لا يزيدون عن المائة قوّضوا أركان الفضيلة مما أدى إلى نزع الحجاب عن وجه المسلمات، وأوردوا قومهم موارد الهلاك وما ترتب على ذلك من شيوع قله الحياء والتهاون بالحشمة والفضيلة؛ حتى ظهرت المرأة متبرجة في الشارع والمكتب والمسرح، بل صارت شبه عارية على شواطئ البحر؛ وقد كان لا يُرى لأمها وجدتها ظفر أو خصلة شعر حتى جاء هؤلاء فأسقطوا الحجاب شيئاً فشيئاً! ! وهكذا هم المنافقون في كل أمة وفي كل قطر يتحينون الفرص، ويقطعون الطريق [وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ] [ص: ٦] . ها هم يسيرون متكاتفين متماسكين يتواصون بالباطل ولهم جَلَد وصبر عجيب [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَاًمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ] [التوبة: ٦٧] . والعجب ليس من حرص هؤلاء وجدهم واجتهادهم لهدم صروح العفة والفضيلة؛ بل ومحاولة تقويض ركائز الدين بعامة، إنما العجب كيف يرضى بذلك عقلاء القوم وكبارهم، وكيف تترك سموم هؤلاء تنتشر في الفضاء وتنفذ إلى القلوب؟ وكثيرٌ اليوم من أشرف الناس ينادون بالقضاء على تلوث البيئة وحصار البعوض وإزالة النفايات.. ولا نجد لهؤلاء القوم وعقلائهم كلمة في إسكات أهل الباطل من المنافقين والمنافقات ممن يحفل بهم جل إعلام العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً حتى طفح الكيل وبلغ السيل الزبى ... والعجب موصول أن نرى لَبِنات هذا البناء الديني والاجتماعي تتساقط واحدة تلو الأخرى ونحن ننتظر المزيد! إن الأمر ليس خوفاً على هذا الدين فحسب؛ فالله ناصره حتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله، ولكنه خوف على أبنائا ونسائنا وشبابنا من أن يأخذهم الطوفان ويجرفهم التيار والمؤمل فيهم أن يكونوا أهل عفة وحياء ومرتع فضيلة ومأوى كل خير. وإن أردت أن تلقي نظرة فاحصة على كتاباتهم وكثرة إنشائهم وتسويد أوراقهم، فهي من النطيحة والمتردية فكراً وأسلوباً؛ فأكثر أفكارهم (بهيمية) وجل كتاباتهم سوقية، حتى إنك تخشى أن يقرأها صغارك لركاكة ألفاظها وتفاهة معانيها.. ثم ترى للواحد منهم عدداً من المقابلات في شهر واحد.. وهم في أكثر المطبوعات يتكررون حتى لا يحرم أحد من شرهم.. ثم ترى أحدهم إذا أتته الأسئلة مشرّقة صرفها نحو المغرب جهلاً وغباءً، وهو مع ذلك يمدح ثلة من أتباعه ويطلق عليهم صفات تنوء بحملها الجبال، ولو لم تعرف حقيقة أذنابهم من الممدوحين لقلت: مرحى لأمة منهم هؤلاء؛ لما يلقى عليهم من صنوف المديح والبهرج الكاذب. وآخر منهم يفتعل الغضب والخلاف مع صاحبه وهو في ثنايا كلماته الواهية يشيد به ويروّج لآثاره وكتاباته ومؤلفاته.. وإن تطفلت وقلت: لا أدع هذه الثروات تفوتني، لَهَالَكَ اسم هذه المؤلفات وعددها وتناثُر حروفها وفحش غلافها وتهالك مادتها.. وإن يممت نحو العلماء الحقيقيين ممن رفعت بهم الأمة رأساً، ولهم قدم صدق وجهاد في الأمة لوجدت عشرات المجلدات: السطر الواحد منها يعجز أن يأتي ببعضه أمثال أولئك القوم؛ ولكنْ بتآمر عجيب وخطط ماكرة أُخمد ذكرهم وطُويت سيرتهم وأُخفي أثرهم، وسُميت أوراقهم الذهبية ومؤلفاتهم العظيمة: (كتباً صفراء) استهتاراً واستهزاءً بهم، وتنفيراً وتحقيراً لشأنهم. وتأمل حال المنافقين والمنافقات؛ فهم أولياء بعضهم لبعض، قد ملؤوا الساحة ضجيجاً وعفناً في الصحف وعلى الشاشات المرئية وفي بث الإذاعات. إننا نجد غزواً عجيباً لا تسلم منه خيمة ولا بيت، ولا امرأة ولا رجل، ولا طفل ولا شيخ، وتتقزز نفسك وأنت ترى تلك الكتابات والصور التي يطل عليك من خلالها شؤم المعصية؛ فهي كغثاء السيل، وحاطب الليل يتبرأ منهم بل هو خير منهم صفاتٍ. وحتى يكتمل الحديث وتتضح الصورة لبعض القرّاء أُورد بعضاً من صفات المنافقين حتى يكون على بينة من أمره ولا يسلك مسلكاً خطيراً، وطريقاً وعراً، وهو تصنيف الناس بالظن والحدس والتوقع، بل أمامه ركائز يعتمد عليها ومنائر يسير على هداها، وليعرف المنافق برأسه وعينه متثبتاً متيقناً هم العدو؛ فاحذرهم: الأولى: الكسل في العبادة قال تعالى: [وَإذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى] [النساء: ١٤٢] . الثانية: قلة ذكرهم الله قال تعالى: [وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً] ... [النساء: ١٤٢] الثالثة: لمز المطوعين من المؤمنين والصالحين والنيل منهم: [الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ] [التوبة: ٧٩] . الرابعة: الاستهزاء بالقرآن والسنة. يقول الله تعالى: [قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ] [التوبة: ٦٥، ٦٦] . الخامسة: الوقوع في أعراض الصالحين غيبة وحقداً. يقول الله تعالى عنهم: [فَإذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخَيْرِ] [الأحزاب: ١٩] [الأحزاب: ١٩] . السادسة: التخلف عن صلاة الجماعة؛ قال ابن مسعود: (وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) رواه مسلم. السابعة: مخالفة الظاهر للباطن. وهذه المسألة تدور عليها جميع المسائل. يقول الله تعالى: [إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ] [المنافقون: ١] فما أكثر ترديدهم دعوى الحدب على صلاح هذا الدين وشريعته والحرص على هذا المجتمع؛ وما إن ترى أفعالهم حتى تتمثل لك تلك الآية تفضح خبيئة نفوسهم وبواطن قلوبهم. الثامنة: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. يقول الله تعالى: [يَاًمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ] [التوبة: ٦٧] . وتأمل آراءهم حول الحجاب والتحرر وعمل المرأة وغيرها ترى الضلال المبين والدعاية للمبطلين. التاسعة: عدم الفقه في الدين؛ فتجد الكثير يملك معلومات عجيبة وتفصيلات دقيقة وجزئيات صغيرة في أمور الدنيا دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، ولكن إذا سئل عن المسح على الخفين سكت! ! يقول الله عنهم: [هُمُ الَذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ] [المنافقون: ٧] . هذه تسع من ثلاثين أو تزيد من صفاتهم، ولكن حسبك من العقد ما أحاط بالعنق.. وبواحدة من هذه تعرف من يبارز الحرب والعداء لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولعظم الأمر وخطورته، ولأنهم بؤرة فساد وموطن سوء جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار وهم أشد عذاباً من الكفار: [إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً] [النساء: ١٤٥] . وقد قال بعض السلف: لو كان للمنافقين أذناب لما استطعنا السير في الشوارع والطرقات من كثرتها! ! وفي أمة الإسلام اليوم أكثر من ذلك، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 2893

دراسات إعلامية الاتصال ودوره في النمو الثقافي (٢ /٢) أحمد حسن محمد تناول الكاتب في الحلقة الماضية أهمية (الاتصال) في حياة الإنسان، ثم تطرق لتاريخ الأقمار الصناعية وأهميتها الاتصالية، ودورها في الاتصال الدولي، والصعوبات التي تواجهها، ثم تطرق لوسائل الاتصال الإلكترونية وإيجابياتها.. وفي هذه الحلقة يستكمل الكاتب جوانب أخرى من الموضوع. الاتصال والمستقبل: على الرغم من التطور الكبير في وسائل الاتصال الذي أعطى مضامين ووظائف جديدة لعملية الاتصال مما نتج عنه آثار ملموسة في المجتمع البشري وقضايا التنمية بكل فروعها وتخصصاتها؛ فإن الواقع الملموس يدل على مستقبل متجدد تنمو فيه عملية الاتصال بصورة أسرع وبطرق أكثر فاعلية؛ وستتعدى عملية الاتصال الدور الفردي في الإرسال أي المرسل الفرد لتصبح وسائل جديدة للتفاكر والمشاركة والأخذ والعطاء، أي تتحول وسائل الاتصال إلى مجالات حية يتعايش فيها الأفراد والجماعات حول عمل مشترك، أو مشروع جامع؛ ومؤشر ذلك في هذا الاختراع الحديث (إنترنيت) الذي يتيح اتصالاً مزدوجاً لا بين فرد وفرد فقط بل بين فرد وجماعات، وبين جماعات وجماعات، أي يصبح جامعة أو منتدياً يلتقي فيه الناس يسمعون ويشاهد بعضهم بعضاً.. كإجراء عملية جراحية يمكن أن تكون محاضرة لطلاب الطب في أكثر من بلد وأكثر من قطر يشاهدون ويسألون ويجدون الإجابة، بل ويتعاملون مع المعلومة الجاهزة في الوقت الذي يريدون. ومما لا شك فيه أن انتشاراً أفضل لثقافات وحضارات ستحقق من خلال هذه الوسائل بل ومعالم جديدة لمجتمعات إنسانية ستظهر نتيجة هذا النوع من الاتصال. وحتى تتوفر للباحثين الآثار المترتبة على هذا الاختراع الجديد نرى الاكتفاء بالإشارة إليه في هذه العجالة استكمالاً للموضوع. فاعلية الاتصال والنمو الثقافي: ولم تعد هذه الوسائل الاتصالية قاصرة على نقل الحدث أو المعلومات، ولا حتى القيام بتفسيرها فحسب، ولكنها تقوم بصنع الحدث نفسه وصياغة القرار الذي يتعلق بالحدث المعني بما يحمله من قيم وأفكار ومبادئ لها قدرة على الثقافة بمعناها العام (القيم والمواهب والاتجاهات وأنماط السلوك) . إن ما توفر للإنسان اليوم من تقنيات حديثة أسهم بصورة فاعلة في ترسيخ القيم أو زلزلتها مما ساعد في بناء الإنسان أو هدمه. صحيح أن هذه التقنيات أدت دوراً بارزاً في تقرير التفاهم والتقارب بين الشعوب، ولكنها أيضاً أسهمت في تشويه كثير من الحقائق حول الآخرين بالتعتيم المتعمد على قضاياهم، وتزييف الواقع وفق الأهداف والأطماع التي يملكها صاحب الرسالة ... [١] . لقد أثر الاتصال في احتكار العملية التعليمية والثقافية، بل أصبح وسيلة هامة في نشرها بعد استخدام التقنيات الحديثة التي أتاحت الكثير من فرص الحصول على الأخبار ورؤية البرامج الإعلامية المختلفة، ومعايشة الأحداث المحلية، والعالمية والاطلاع على المتغيرات الثقافية والسياسية والاقتصادية وآثارها على المجتمعات المختلفة التي كانت محكومة بقوة وسائل اتصالية تقليدية، حتى كانت القنوات الفضائية وتقنيات النقل وأساليب النشر مما جعل المجتمع البشري معرضاً للمشاهدة والاستماع، بل والتحرك إلى مكان الحدث محلياً وعالمياً بصورة سريعة لم تكن ميسرة من قبل [٢] . وهنا قد يقال بأن مثل هذا الجمهور هو من الصفوة القادرة على امتلاك التقنيات الحديثة أو استخدام وسائل النقل السريعة؛ غير أنه يمكن القول أيضاً بأن أمثال هؤلاء أنفسهم يعتبرون وسائل اتصالية بما يحملونه إلى مجتمعاتهم من مؤثرات ثقافية وحضارية، ومثال على ذلك طلاب البعثات الخارجية إذ لا يعودون من دراساتهم وبعثاتهم بالتخصصات العلمية وحدها بل يعودون بعادات وتقاليد جديدة قد يجد الكثير منها قبولاً في مجتمعاتهم الأم. الثقافة والمجتمع: تعتبر الثقافة هي الصورة الحية للأمة التي تحدد ملامح شخصيتها وتعمل على ضبط اتجاهات سيرها بل وترسم أهدافها.. وتصدر معالم الثقافة عن ما يسود الأمة من عقائد ومبادئ ونظم؛ بجانب سيرتها التاريخية ورصيدها المعرفي. وتظل الثقافة القائمة على هذه الأسس مسايرة للأمة في سيرتها مع حركة الحياة. وتعتبر القيم السائدة في المجتمع هي محور الثقافة التي تميز هذا المجتمع أو ذاك، ويوم أن تتمزق هذه القيم أو تضيع في متاهات التغيير والاستلاب الثقافي؛ فإن المجتمع آنذاك يعاني مأساة حقيقية لشعوره بالتمزق وفقدان الهوية، ومن ثم استسلامه لتيارات غريبة عن أصالته مما يؤدي إلى شعور بالسلبية والضياع وتشتت الانتماء. إن تأكيد الأصالة وتحصين الهوية الثقافية والمحافظة على الذاتية الثقافية للمجتمع المسلم تعتبر أمراً ضرورياً ومتطلباً أساسياً من قادة الفكر والإعلام والتعليم في الدول النامية على وجه الخصوص، أو على الأقل بالنسبة للدول التي تمتلك قيماً ومثلاً خاصة قائمة على مفاهيم عقدية راسخة؛ إذ يتطلب المحافظة عليها وتأكيد فاعليتها في عملية التكوين الذاتي لتحول دون الاجتياح الإعلامي الثقافي الذي يهدد بقاء هذا المجتمع [٣] . وهنا يعرض لنا تساؤل أساسي: هل للاتصال وحده القدرة المطلوبة على التأثير؟ صحيح أن لوسائل الاتصال تأثيراً ملموساً على ثقافة الأمم والشعوب، غير أن هذا التأثير قد يقل إلى درجة كبيرة إذا ما ووجه بعوامل أساسية تحد من قدرته ونجاحه في تحقيق المضامين التي سعى إليها من خلال عملية الاتصال، ومن هذه العوامل ما نراه ممثلاً بصورة واضحة في مجتمعاتنا الإسلامية نموذجاً للمجتمعات التي قد لا يسهل على وسائل الاتصال وحدها أن تحدث فيها التغيير الكلي الشامل ونذكر منها: أولاً: قادة الرأي والتوجيه في المجتمع لهم أثرهم في العملية الاتصالية نجاحاً أو إخفاقاً؛ ولا سيما إذا كانوا ممن يتمتعون برصيد أدبي أو مكانة فكرية وعقدية. ولقد ظلت أوروبا نفسها حبيسة الفكر الكنسي قروناً طويلة ترفض أي جديد مهما كان مقنعاً، وترد علم العلماء؛ لأن رجال الكنيسة لم يقبلوه. وفي المجتمع القروي مثلاً في كثير من البلاد العربية والإسلامية ما زالت سلطة القبيلة والأب أو الجد الأكبر تتحكم في كثير من الأمور الاجتماعية للأبناء سواء من حيث الزواج أو الطلاق، أو حتى اختيار صيغة التعليم والعمل ... وتزداد أهمية قادة الرأي إيجابياً إذا ما كانوا على بينة واضحة، ويملكون وسائل الإقناع المبرهنة بالعقل والعلم والحجة وفق أسس وأفكار متفق عليها في المجتمع مع اشتهارهم بالالتزام والصلاح والقبول؛ وهذا ما يجب أن يكون عليه علماء الإسلام بما يعطيهم قدرة القيادة الناصحة ضد تيارات الإفساد والتبديل السلبي لما عليه المسلمون الصالحون. ثانياً: قدرة وسائل الاتصال في المجتمع المستهدف حيث إن هذه الوسائل إنما تعمل في صراع؛ وكلما توفرت القدرة للوسيلة الاتصالية في التأثير أمكن لها إلغاء تأثير غيرها على المجتمع.. ومما لا شك فيه أن الوسائل الاتصالية المحلية أقدر على التعامل مع المجتمع الذي تنطلق منه؛ لقدرتها على استيعاب احتياجاته ومتطلباته وفهم جذور الثقافة والفكر في هذا المجتمع الذي تنطلق منه؛ فإذا ما توفرت لها عناصر القوة والتقنية الفاعلة والانتشار والتقبل من جمهور المستقبلين أمكن لها احتلال الأولوية في عقولهم وأفكارهم؛ مما يصعب معه غزو وسائل أخرى بأفكار مغايرة؛ ولعل هذا الأمر دعا كثيراً من الدول النامية إلى أن تتنبه إلى وسائلها الاتصالية وفي مقدمتها وسائل الإعلام. ولتأخذ أولوية في برامج التنمية المحلية بل وتسارع الكثير منها للاستقلال بأنظمة خاصة تعطيها فضل السبق في البث، ليس على المستوى المحلي فقط بل على المستوى الدولي؛ وهذا ما يفسر انتشار القنوات الدولية في كثير من الدول النامية رغم ما تعانيه بعضها من مشاكل اقتصادية حادة! ثالثاً: المستوى التعليمي والثقافي في المجتمع بما يتيح للأفراد قدرة الانتقاء أمام هذا الكم الهائل من المعلومات والأفكار والثقافات التي تحملها وسائل الاتصال على اختلاف أنواعها، سواء أكانت على مستوى التخاطب المباشر أو الانتقال أو الإرسال الإعلامي مما جعل الجمهور المستقبِل هدفاً للعديد من الاتجاهات التي صنعتها خبرات وقدرات علمية متخصصة؛ حيث لم يعد الاتصال اليومي أمراً تلقائياً ولا عشوائياً بل قضية تخدمها عقول وأجهزة وقدرات عالية الثقافة متقدمة في مهاراتها وتخصصاتها؛ وعلى ذلك فإنه لا بد أن يقابلها جمهور على قدر من الفهم والإدراك للتعامل مع هذه الرسائل، ويملك أداة التمييز والتحري عن كل رسالة: ماذا يريد؟ ومن يريد؟ ولماذا؟ وبماذا يريد؟ وبذلك يستطيع تصنيفها وفق أسس فكرية ثقافية، فيأخذ منها على بينة، ويترك ما يتركه على بينة، وصدق الله العظيم: [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [الزمر: ٩] . والعالم الإسلامي الذي يقع معظمه ضمن دائرة البلدان النامية، بل معظمها ضمن البلدان الفقيرة؛ كان أكثر استهدافاً من غيره من قِبَلِ دول الغرب خاصة التي تسوّدت عالم الاتصال تقنياً وعلمياً وإبداعياً ... وليس من العسير على من يتابع الأحداث العالمية أن يلمس المواجهة الشرسة بين الغرب بكل اتجاهاته الثقافية والسياسية للمجتمع الإسلامي في أي بقعة من هذا العالم المعاصر، ولعل هذه المواجهة كانت نتيجة لما يظنه الغرب من خطر الإسلام على كياناته وأطماعه في السيادة على دول العالم، ولما أصبح يسمى بالنظام الحديث أو الجديد الذي تنفرد به إلى حد ما الولايات المتحدة الأمريكية بعد زوال منافستها الأساسية دولة الاتحاد السوفييتي.. لقد أصبحت عملية الاتصال بالنسبة للعالم الإسلامي وفق الحسابات المشاهدة تمثل جانباً سلبياً خطيراً لكيان هذه الأمة ونموها الثقافي من خلال المشاهد الآتية: ١- إغراق العالم الإسلامي بتدفق مركّز من المعلومات والأفكار الغربية، وإخضاع مؤسسات التوجيه والتثقيف والإعلام للنموذج الغربي مما يشكّل استعماراً من نوع جديد بدلاً من الاستعمار العسكري الذي عانته أمم المسلمين سنوات عديدة.. نتج عنه اختلال توازن في التبادل الإعلامي والثقافي كان الخاسر فيه هو عالم المسلمين. ٢- ضرب حصار شديد حول العالم الإسلامي بما يحول بينه وبين الانعتاق من سيطرة التدفق الغازي؛ إذ تم إغلاق كثير من منافذ الاتصال سواء ما كان منها اتصالاً حركياً كحصار الطيران، أو حصاراً اقتصادياً مثل سلاح المقاطعة المعلنة وغير المعلنة، أو قيود السفر والتعسف في منح تأشيرات الدخول للبلدان الغربية، أو ما كان حصاراً إعلامياً يظل فيه العالم الإسلامي عالة على ما يجود به الغرب من معلومات أو ثقافات؛ في حين يتم التعتيم الشديد على كل حدث داخل العالم الإسلامي، ولا ينشر إلا ما يمثل جانباً سلبياً في حياة هذه الشعوب المغلوبة.. بل أعطى الغرب نفسه حق تفسير الأحداث من وجهة نظر بعيدة عن الحياد، وأصبغ عليها مسميات لها دلالتها السلبية على كل نشاط إسلامي بما في ذلك مفهوم الشريعة الإسلامية. ٣- استجابة كثير من قيادات العالم الإسلامي لوسائل الضغط الغربي، وتأثر بعضهم بمضامين الرسالة الصادرة عن بلاد الغرب ودول الاستعمار الحديث؛ مما كان له أثره الواضح على ما يصدر من قيود على حرية المواطنين في هذه البلاد الإسلامية بحجة ما يشيعه الغرب عن الإرهاب والأصولية والتطرف الذي لا يصدر في نظرهم إلا عن مسلم؛ بينما لا يُذكر شيء عن إرهاب إسرائيل وقتلهم وتشريدهم علناً جموع الشعب الفلسطيني، ولا عن عصابات المافيا أو جيش إيرلندا وما يقومون به من قتل وسلب وتدمير، أو حتى عن مجازر الصرب لأبناء وبنات وأطفال المسلمين في البوسنة. الاتصال والتنمية الثقافية: لقد اتجهت حركة النمو الثقافي في كثير من بلاد المسلمين نحو النموذج الغربي نتيجة هذا الانفلات عن قيم وعناصر البناء الإسلامي للفكر والتعامل الحضاري؛ مما أوجد صداماً حقيقياً بين ثقافة غربية تحملها وسائل اتصال متطورة يحملها فكر قادر على التعامل مع ما يريده، فضلاً عن صدامه بالإسلام، وبين أصالة إسلامية لم تجد من يدرك قيمها ومثلها العليا إما جهلاً أو حقداً عليها ... ولما كان الإسلام بطبيعته لا يعمل في فراغ بل يعمل من خلال نفس إنسانية تدرك معاني العبودية لربها، وتميز بين خيرها وشرها؛ وصدق الله العظيم: [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] [الشمس: ٧ - ١٠] . لذلك فإن ابتعاد المسلمين عن هذه الفاعلية في كثير من ممارساتهم الاجتماعية والثقافية أوجد هذا الخلل والاضطراب في المجتمع الإسلامي؛ حيث ظهرت العنصريات وتعددت اللهجات، واختلفت الجماعات حول الفروع دون الأصول، وظهرت مدارس فكرية أقرب إلى الصراع منها إلى الالتقاء والتفاهم تغذي بعضها أحياناً مصادر معادية للدين الإسلامي؛ فانحرفت بذلك قدرة الاتصال، وكادت أن تختفي لغة التفاهم مما أضعف معه مسيرة التنمية الثقافية المرجوة؛ لضعف وسائل الاتصال البشري بل والتقني والحركي من مواصلات وهاتف. وظلت المعلومات المثمرة حبيسة مصادرها يصعب الانتفاع بها داخل المجتمع المسلم؛ فضلاً عن الانتفاع بها خارج المجتمع المسلم.. وفي أحسن الحالات تظهر فاعلية إيجابية بين الصفوة من الناس؛ بينما عامة المجتمع انشغلوا في تحصيل القوت اليومي ومصارعة مطالب الحياة وتأمين مستوى معيشي مقبول! وحتى تستقيم مسيرة التنمية الثقافية في البلاد الإسلامية وفق قواعد الإيمان وهدي هذا الدين؛ فإنه لا بد من انعتاق وسائل الاتصال وتحريرها من السيطرة الغربية على المسلمين، وذلك وفق مسارين متوازيين: المسار الأول: إعادة بناء الاتصال ووسائله في العالم الإسلامي بما يجعله عاملاً فاعلاً في تنمية ثقافية ومعرفية واعية قائمة على هدي الكتاب والسنة ومستجيباً لحاجة المجتمع المسلم الحقيقية؛ سواء في المجال الإعلامي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ليقود في النهاية إلى التوافق ووحدة التوجه لدول العالم الإسلامي وشعوبه، ومن ثَمّ القيام بواجب دعوة كل شعوب العالم إلى هذا الدين وفق النموذج الأمثل الذي تصل إليه مجتمعات المسلمين باعتبارها الناتج الأفضل للثقافة الواعية الهادية. أما المسار الثاني: فيتطلب التصدي لتدفق وسائل الاتصال الأجنبية بما يساعد على تنقية مضامينها، فيؤخذ الصالح منها ويرد الضار؛ وفق مقاييس شرع الله وتطلعات الصالحين في المجتمع. والأمر يتطلب في كلا المسارين الأخذ بأحدث النظم الاتصالية ما أمكن، مع استثمار العلاقات الإنسانية التي دعا إليها الإسلام لتكون أساساً للتعامل والتخطيط والتأصيل لعمليات الاتصال في كل وسائلها وأجهزتها. إن للاتصال بمعناه الواسع الشامل وظيفته الملموسة الظاهرة في التنمية الثقافية، وصناعة الفكر، وتحديد اتجاهات الأفراد والجماعات إذا ما استطاع تخطي حواجز الثقافات المحلية للمجتمع المستهدف؛ وقد استفاد الغرب من تقنيات الاتصال الحديثة على حساب التخلف التقني الذي يعانيه عالم المسلمين؛ فكان تأثيره واضحاً في تغريب الأمة وتهديد العديد من تراثها العقدي والفكري.. ولولا طبيعة هذا الدين التي تميزه بالثبات والأصالة والرسوخ والشمول فضلاً عن حفظ الله لها.. لوصلت الأمة الإسلامية المعاصرة إلى مرحلة الفناء لا قدر الله. ولكنه الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محفوظ بحفظ الله، ثابت مصدره الثقافي والعلمي؛ وصدق الله العظيم: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] . ولم يعد أمام المجتمع المسلم في عالمنا الإسلامي المعاصر إلا العودة إلى هذا الدين ومصادره الأساسية من الكتاب والسنة بما يقوده إلى نمو ثقافي يضمن خير الدنيا وخير الآخرة.

стр. 2894

تأملات دعوية هل نستفيد من التجربة الإيرانية ؟ عبد الله المسلم كان من خاتمة أحداث القرن الهجري الماضي قيام الثورة الإيرانية ونجاحها في إقامة دولة باسم الإسلام تسعى إلى تطبيقه، وكان لهذا الحدث صيته وأثره على مستوى العالم أجمع. ومما لا شك فيه أننا نختلف تماماً مع النموذج والتجربة الإيرانية، ونرى أن الرافضة لا يمكن أن يمثلوا الإسلام أو يقيموا دولة تتحدث باسمه، وتاريخ الإسلام مليء بالصفحات السوداء التي سطرها هؤلاء في العداء لأهل ألسنة والتعاون مع أعداء الإسلام، ونرى أيضاً أن ما يتحدث عنه الرافضة في إطار تصدير الثورة أو نشر الإسلام إنما هو مصطلح جديد لنشر عقيدة الرفض والطعن في عقيدة الإسلام. لكن مع براءتنا منهم واقتناعنا بعدم إمكان الالتقاء معهم في منتصف الطريق؛ فما مدى استفادتنا من دراسة تجربتهم؟ لقد رسم هؤلاء برنامجاً ضخماً في الدعوة لنشر مذهبهم وطريقتهم، واستطاعوا الوصول إلى ميادين جديدة ومناطق شتى فما السر وراء نجاحهم في ذلك؟ لقد واجهوا تحدياً جديداً في صياغة المناهج التربوية والتعليمية؟ فهل بقي هؤلاء على الإرث العلماني السابق؟ أم استطاعوا رسم خطوات علمية لمنهج تربوي تعليمي جديد؟ وما الصعوبات والعقبات التي واجهتهم في ذلك؟ وكيف تعاملوا معها؟ وكيف صاغوا مؤسسات وبرامج إعلام ما بعد الثورة؟ وكيف سدوا الفراغ الهائل بعد النظام البائد؟ ومؤسسات الدولة كيف بنيت؟ وكيف تمت أسلمتها وتحويلها إلى مؤسسات تدعم الفكر والتوجه الرافضي؟ ولماذا نرى سفراء تلك الدولة ومؤسساتها الإعلامية - ظاهرياً على الأقل - واجهة تمثل المذهب، ونساءهم يتميزن عن بقية المسلمات الدبلوماسيات بالعناية بالحجاب والالتزام به؟ وكيف استطاع هؤلاء بناء المجتمع الحديث على أسس جديدة وقد ورثوا مجتمعاً مليئاً بالتفسخ والانحلال والبعد عن أخلاق الإسلام وشرائعه؟ وكيف استطاع هؤلاء صياغة خطاب يقوم على أساس ديني ليخاطب المرأة المعاصرة والشاب والفتاة في وسط الزخم الإعلامي المادي؟ وكيف تعاملوا مع النظام الاقتصادي القائم في مؤسسات الدولة، وقطاعات المجتمع الاقتصادية الخاصة؟ وهل نجحوا في تخليصها من الربا والفساد والمعاملات المحرمة في مذهبهم علي الأقل؟ وهل نجح هؤلاء في الحد من المظاهر المخالفة للشرع بإيجاد نظام للحسبة أم لا؟ والأمر باختصار: أن هؤلاء ورثوا تركة المجتمع العلماني الفاسد ومؤسساته وصبغوه بالصبغة الدينية، فهل لذلك رصيد؟ أم أنه مجرد طلاء خارجي؟ وما الصعوبات والعقبات التي واجهتهم وما مظاهر الاخفاق لديهم؟ إننا نفتقر لمعلومات كثيرة عن هذه التجربة، ودراستها - أياً كان موقعها من النجاح والإخفاق - أمر كفيل بأن يختصر لنا خطوات كثيرة. ولن ننجح في الاستفادة من هذه التجربة إلا إذا استطعنا إلغاء الربط بين دراسة تجربتهم والاستفادة من درسهم وبين الرفض لبدعتهم وإنكارها والبراءة منها. لقد أمرنا القرآن الكريم بأن نأخذ الدرس من سَيِر الآخرين ونعتبر بما هم عليه وما يبذلون من جهد [ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ كَمَا تَاًلَمُونَ] [النساء: ١٠٤] . وقال معاذ -رضى الله عنه-: (خذ الحق أنَّى جاءك؛ فإن على الحق نوراً) . رواه الحاكم في المستدرك ٥١٣/٤. وقال شيخ الإسلام: (.. فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني - فضلاً عن الرافضي - قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق) . (منهاج السنة ٣٤٢/٢) .

стр. 2895

ندوات ومحاضرات ندوة عن: (هويتنا الإسلامية) بين التحديات والانطلاق (الحلقة الأخيرة) إعداد: وائل عبد الغني بعد استعراض ماهية (الهوية) وأهميتها تناول ضيوف الندوة الكرام نظرة أعداء الأمة إلى هويتنا وأساليبهم في محو الهوية الإسلامية لاستبدال التغريب بها، فكان من هذه الأساليب: التعليم، والإعلام، وخدعة الديمقراطية والتحرر، والتدخل بذريعة التنمية، وحوار الأديان.. ثم طرحت على مائدة النقاش بعض النقاط التي تمثل إطاراً للخروج من هذا المأزق.. وفي الحلقة الأخيرة هذه يستكمل الضيوف ما تبقى من جوانب الموضوع. ... ... ... - البيان - * كان لا بد لنا من التفصيل فيما سبق من النقاط تفسيراً يجلي خطرها وأثرها. ولما تشعّب بنا الحديث نريد أن نخلص إلى نتائج مجملة. نريد من والدنا الدكتور مصطفى جزاه الله خيراً، أن يلخص لنا أهم النتائج والتحديات. د/ مصطفى: بعد اجتياح العالم الإسلامي من قِبَلِ الاستعمار العسكري، نجد أن الغرب الظافر لم يضيّع وقته؛ بل أسرع في اهتبال كارثة إلغاء الخلافة على يد أتاتورك اليهودي الدونمي، وجهّز جيوش الغزو الثقافي بطريقة تفوق نجاحه في الغزو العسكري؛ إذ استغل تفوقه العلمي والتكنولوجي، وامتلاكه لزمام السلطة بحكم احتلاله العسكري وتجنيده لضعاف النفوس، والمنافقين، وأتباع كل ناعق؛ لكي يسرع الخطا بالمجتمعات الإسلامية، للسير وفق فلسفته وقيمه وعاداته، وليسلبها هويتها الخاصة التي تكمن فيها عناصر المقاومة. كذلك استفاد من صدمة الهزيمة النفسية للأمة، فاستغلها، مستفيداً من تحليل ابن خلدون لهذه الحالة التي أفرد لها فصلاً خاصاً بمقدمته بعنوان: (أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب، في شعاره، وزيّه، ونحلته، وسائر أحواله) . وقد تعددت مسالك الغزو الثقافي وتفنن خبراء الاستعمار في تنويع أدواته، ومن واجبنا الاعتراف بأنه نجح في قطف ثمار ما غرسه بأناة وصبر طوال عشرات السنين؛ ونكتفي باستعراض أهم (قذائف) الغزو الثقافي: أمسك الاستعمار بنظام التعليم لتخريج أجيال ضعيفة العقيدة ومفتونة بحضارة الغرب وفلسفته، وهو ما أفصح عنه المستشرق الإنجليزي (جب) : (إن الهدف الرئيسي من التعليم المدني (بعد عزل التعليم الديني) ، هو صبغ حياة المسلمين الفكرية، والاجتماعية، والأخلاقية بصبغة مسيحية غربية) . وعمّق الغرب الخلافات بين الأمة، بإحياء حضارات ما قبل الإسلام (فرعونية، وآشورية، وبربرية، وفينيقية) ، مع إظهار أي دعوة إلى التمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر! وأبعد الشريعة الإسلامية، وأجبر المجتمعات على تطبيق القوانين الوضعية الغربية، وهي قوانين تخالف أخلاق المسلمين وأعرافهم الاجتماعية، فضلاً عن مخالفتها لدينهم وشريعتهم. وحارب اللغة العربية الفصحى؛ مشجعاً اللهجات العامية؛ لتفقد الأمة صلتها بالقرآن الكريم، ويزداد تمزقها. وكانت هناك أيضاً حروب علمية وفكرية، شنها المستشرقون على المسلمين، وتظهر على أيديهم، وأيدي تلامذتهم والمعجبين بأفكارهم المروّجين لمفترياتهم، فضلاً عن ترويج المذاهب الفلسفية، التي ارتبطت باليهودية أمثال (الماركسية) و (الوجودية) وآراء (فرويد) في علم النفس، وبعض آراء (دوركايم) في علم ... الاجتماع. وحدّث ولا حرج عن نشر الخمور، والمخدرات، ودور البغاء، والقمار، والأفلام الجنسية الفاضحة، وكل ما من شأنه إفساد الأخلاق، وإشاعة التفسخ والانحلال، كمعاول هدم في كيان المجتمعات الإسلامية. وما زلنا نعاني من وسائل الإعلام التي بدأت بطريقة متواضعة باصطناع الجرائد والمجلات التي تخدم المستعمر، وتهيئ الأذهان لقبوله والرضا بحكمه، ثم تطورت هذا التطور المذهل الذي أصبح يغزونا في عقر دارنا، بالقنوات الفضائية التي لا يكاد يصدّها حاجز، حتى وصل الحال إلى ما نحن فيه! قراءة مستقبلية: * هل ستعود إلى المسلمين هويتهم التي هي مناط عزّهم ومجدهم؟ الشيخ/ محمد بن إسماعيل: نعم، كما وعدنا الله ورسوله ﷺ ، قال تعالى: [هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] [التوبة: ٣٣] ، وقال رسول الله: ( ... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) [١] ، وقد بيّن الله هوية الذين سيسلطهم على اليهود، إن عادوا إلى الإفساد في الأرض: [بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَاًسٍ شَدِيدٍ] [الإسراء: ٥] ، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن (الهوية الإسلامية) ستكون هي هوية الذين يقاتلون اليهود، حتى إن الحجر والشجر ليقول: (يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله) [٢] الحديث، فالإسلام وعبادة الله وحده هو مفتاح النصر والتمكين. أما شعارات الدجاجلة الذين بدلوا نعمة الله كفراً، والذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، فهؤلاء ستجرفهم سنة الله: [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] [الرعد: ١٧] ، فما هؤلاء الضالون المضلون، من دعاة التغريب والقومية والعلمانية.. إلخ سوى (فقاقيع) ، سنحت لها الفرصة لتطفو على السطح، ثم تتلاشى كأن لم تكن، وسينتصر الإسلام رغم أنف الجميع. إن العالم الإسلامي هو الآن الأجدر بالوصاية على المجتمع البشري، بعد انسحاب الأديان الأخرى من معترك الحياة، وبعد انهيار الشيوعية الملحدة، وإفلاس الغرب المادي من القيم الروحية السامية. قصّ الأستاذ يوسف العظم؛ أن وزير الحرب اليهودي (موشي دايان) ، لقي في إحدى جولاته شاباً مؤمناً في مجموعة من الشباب، في حيٍ من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم بخبث يهودي غادر، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال له: (أنتم أعداء أمتنا، تحتلون أرضنا، وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم، لا بد آتٍ بإذن الله، لتتحقق نبوءة الرسول: (لتقاتلن اليهود، أنتم شرقي النهر، وهم غَربِيّه) ، فابتسم (دايان) الماكر وقال: (حقاً! سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلاً.. ولكن متى؟) ، واستطرد اليهودي الخبيث قائلاً: (إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قيمه الحضارية.. وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه، عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل) . * استعادة هوية الأمة فرض مؤكد على الأمة كلها، ولا شك أن المسؤولية تتأكد في شأن من حمّلهم الله هذه الأمانة. فمن هم أصحاب هذه المسؤولية؟ د/ جمال عبد الهادي: المسؤول عن إيجاد الشخصية ذات الهوية الإسلامية والحفاظ عليها من التيارات الهدامة هم أولياء الأمور، وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة عقدية؛ فإن الأمة لا بد أن تُربى على الإسلام، وإليه يُدعى الناس، وأولياء الأمور هؤلاء كلٌ بحسبه وحسب ما ولاه الله، ابتداءً من الحاكم، وانتهاءً بالأب في بيته، والمدرس في مدرسته، وعلى ذلك فإننا بحاجة لأن نستنفر طاقات الأمة لحماية هذه الهوية. * بعد أن تشعب بنا الحديث في جوانب عدة، نحتاج لأن نجمل التحديات في طريق صعودنا نحو قمتنا الشماء (الهوية الإسلامية) ؟ د/ جمال: يمكن أن نجمل أكبر التحديات التي تواجه الهوية في ثلاثة تحديات عظمى هي: ١- التحدي المنبعث من واقع المسلمين المتمثل في الانحراف العقدي والسلوكي، والجمود الفقهي، والإفساد الفكري. ٢- التحدي المنبعث من داخل المجتمع الإسلامي نتيجة الاحتلال، ويتمثل في الشعوبية ونفوذ التبشير، ومناهج التربية والتعليم التي أخرجت الإسلام من قلب وعقل المسلم، وفتحت أمامه طريقاً لترسخ مكانه الأوهام والأهواء، عن طريق ربائب الغرب وصنائعه في بلادنا. ٣- التحدي الخارجي، ويتمثل في الغرب ومناهجه ودعوته، ومِن ورائه الاستشراق والتغريب ليملأ الفراغ الذي تركته مخططات الاستعمار، في تفريغ التربية والتعليم من مضمونيهما، وتسطيح الأفكار والحقائق العلمية والتربوية في عالمنا الإسلامي، وقد تظاهرت الحركات الاستشراقية والتبشيرية على هذا العمل. وفي رأيي أننا لو حسمنا التحدي الأكبر وهو الأول، نكون بذلك قد حسمنا قدراً كبيراً من المشكلة؛ لأن عداوة الغرب متحققة ومستمرة بنص القرآن: [..وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا ... ] [البقرة: ٢١٧] واستطاعتهم مرهونة بشرط؛ هو ضعفنا نحن، ولأن سنة الله الماضية أن أعداءنا لا يتمكنون منا إلا بضعف منا أو تقصير: [ ... وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] [آل عمران: ١٢٠] . لذا علينا أن نعالج المستوى الداخلي، ونعطيه أولوية، دون إغفال علاج باقي التحديات. د/مصطفى حلمي: القضية ليست في الهوية، ولكنها في الأمة الإسلامية نفسها؛ لأن منظري الغرب عامة، والأمريكيين على وجه الخصوص، يعلمون أن الإسلام هو (البديل الحضاري) القوي، الذي يمكنه دون غيره أن يملأ الفراغ الذي تعانيه الحضارة الغربية اليوم، بخلاف الأطروحة الصينية أو اليابانية، التي لا تقدم نموذجاً متكاملاً للحضارة. هذه الحقيقة ملموسة رغم أنها تغيب عن كثير منّا، وقد اعترف بها غير واحد من باحثيهم، على سبيل المثال: (هانتنجتون) ، و (أرنولد توينبي) الذي توقع قدوم الإسلام، لعمق شعوره بأزمة الحضارة الغربية؛ حيث قال: (هناك مناسبتان تاريخيتان، أثبت الإسلام فيهما، أنه يستطيع أن يقود العالم: الأولى: على أيام النبي ﷺ والخلافة الراشدة، والثانية: في الحروب الصليبية، عندما قام صلاح الدين بقيادة الأمة على أساس الإسلام) ، وله نبوءة مستقبلية إذا حدث تغيرٌ على المسرح العالمي، فيقول: (سيعود الإسلام ليؤدي دوره من جديد، وأرجو ألا أرى ذلك اليوم) لذلك لا نعجب من إعلان حلف شمال الأطلسي: أن الخطر القادم هو الإسلام، ومن هنا يتضح أن الأمة مستهدفة لذاتها ولدينها. أ/جمال سلطان: الأمة الإسلامية هي التي تمتلك البديل الحضاري المتكامل والمتميز: ذات عقيدة صحيحة متوافقة مع الفطرة والكون.. كتاب محفوظ، وهي خصيصة لا مثيل لها عبر الزمان والمكان، وهي بالغة الأهمية، لدينا عمق حضاري بصورة مدهشة، والعجيب أن الأوربيين يدركون أكثر منا قدرالإمكانيات الحضارية للتراث الإسلامي! د/جمال عبد الهادي: بالنسبة للحضارة فأرى أن (الحضارة الإسلامية) هي التي يمكن أن نطلق عليها مصطلح: (الحضارة) ، بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح؛ لأن الحضارة الغربية لا تُعتبر كذلك، وإنما نطلق عليها هذا اللفظ تجوّزاً؛ لما لديها من تقدم صناعي وتقني حديث، وإلا فإن مفهوم الحضارة يرمي إلى ما هو أبعد من التقدم التقني، يرمي إلى القيم التي تحكم الإنسان. وإذا ما نظرنا إلى المشروع الغربي، وما ينبني عليه من تصوره لـ (حقائق الكون) ، و (الحياة) ، و (نظرته إلى الغير) ، بل وإلى (تعريفه لنفسه) وما يتفرع عن هذا التصور من قيم وأخلاق، فلا يمكن بحال أن نعتبر هذا المسخ الإنساني حضارة، وهم هناك يدركون مدى ما هم فيه من أزمة. أ/جمال سلطان: الجانب الحضاري له أهمية خاصة ومؤكدة في الحفاظ على الهوية؛ لأن العدو استطاع من خلال غزوه الحضاري لبلادنا أن يوجد نخبة ذات تبعية أمكن عن طريقها تعبيد النفوس لكل ما يقول، ابتداءً بالدين، وانتهاءً بمظهر اللباس وأسلوب الطعام والشراب، بعد أن نجح في تأهيله نفسياً في أن يتقبل منه كل ما يقول. ومن التجارب الواقعية البارزة في الدلالة على أهمية الجانب الحضاري لتنشيط هويتنا والانتماء إليها، ما حدث في البوسنة والهرسك والشيشان في فترة الحرب؛ إذ كان أفضل أسلوب يعمق الانتماء، هو إحياء الشعور بالانتماء الحضاري لأمة الإسلام، وكان هذا مدخلاً جيداً لتصحيح العقيدة والسلوك والعبادات، لذلك فإن أهمية هذا الجانب تزداد الحاجة إليه بإلحاح في أطراف الجسد الإسلامي؛ لأنها أكثر تعرضاً للغزو. وعليه فنقول: إذا كانت قضية مرجعية الكتاب والسنة تحظى بأولوية في الخطاب الدعوي في بلادنا العربية الإسلامية؛ كمصر أو اليمن أو الأردن مثلاً، فإن الجانب الحضاري لا بد أن يطرح بإلحاح على قائمة الخطاب الدعوي في أطراف الجسد الإسلامي. * يدعي البعض أن جميع موروثاتنا الثقافية تعد جزءاً من هويتنا، وفي هذا الادعاء مغالطة مقصودة في بعض الأحيان، ومغبشٌ بها على البعض في أحيان كثيرة. نرجو بيان ذلك من جهة الثقافة والتاريخ. أ/ جمال: مخطئ من يقرن بين إعادة نشر تراثنا الإسلامي الأصيل، وبين إعادة نشر الكتابات المنحرفة في التراث، من أجل إحيائها من جديد، على اعتبار أنها جزء من تراثنا، وجزء من هويتنا. لأن هذه الكتابات جهد بشري، والجهد البشري فيه المنحرف والقويم، والمنحرف لا يعوّل عليه ولا يملك قداسة، بل هو مهدرٌ؛ لأنه مخالف لمرجعيتنا ومقاييسنا الثابتة، ونحن بحمد الله نملك وحدنا ثوابتنا القياسية التي يمكن من خلالها التفريق بين الأمور، التي تتمثل في أصول شريعتنا، والتي إن عزلناها فإن الأمور تبدو كلها نسبية. أما التاريخ باعتباره أيضاً من مقومات هويتنا فهو مصبوغ بالكتاب والسنة، وكذا الثقافة والمعرفة، وهذا لا يعني عدم الاستفادة من باقي الثقافات؛ إذ يمكننا وفق أصولنا أن نستفيد منها بما لا يتعارض مع شرعنا؛ لأننا إذا كررنا فقلنا: إن خبرات الشعوب وتراثها هي المرجعية للهويات؛ ففي الحالة الإسلامية يمكن أن نعتبر أن هذه الخبرات مؤسسة على الكتاب والسنة هي مرجعيتنا في الهوية. * ويدعي البعض أيضاً أن الحضارة الإسلامية حضارة متجمدة؛ لأنها مقيدة بالنصوص. ولا شك أن هذه شبهة مدحوضة لكن الأمر يحتاج إلى تفصيل. أ/ جمال سلطان: نتيجة لأن التغريب قد حوّل الثقافة العربية إلى نوع من التقليد والمحاكاة، والترويج للتيارات الوافدة، فلا عجب أن تظهر مثل هذه الدعاوى، وأن يُسوّق لها تسويقاً فذّاً، ولكن الحقيقة على خلاف ذلك، فحضارتنا ثرة معطاء، تتميز بما رموها به، من وجود مرجعية ثابتة متمثلة في الوحي، وهذه المرجعية تصنع جوانب الحضارة كلها دون استثناء، وتطلق الطاقات، وتشجع على الإبداع، في حدود صلاح الناس على الأرض، فنجد على سبيل المثال أن الفن الإسلامي قد أبدع في الزخرفة التي تعتمد على المنحنيات وتتحاشى الأشكال المستقيمة للبعد عن الأشكال الموحية بالصلبان، كما ابتعدت عن رسم ذوات الأرواح. والمتأمل في تاريخ الحضارة الإسلامية، يرى كيف أن الشريعة أوجدت الإبداع والإضافة والتطوير حتى قدّمت لنا بديلاً مبهراً للأوروبيين الذين يعانون من الفراغ الشديد، والذين يصورون لنا مثلاً بعض الوثنيات الإفريقية أو الهندية على أنها فن وحضارة، وهم يدركون جيداً أن الإسلام وأمته هما اللذان يشكلان بديلاً حضارياً يمكن أن يجتذب ويحتوي القطاع الأوسع من البشر؛ لأنه أقرب إلى الفطرة والعقل والإدراك، إلى جانب القوة الضخمة التي يتيحها له الميراث الحضاري. د/جمال عبد الهادي: لماذا يريدون لنا أن نُقصي الدين عن كل شيء؟ إن مسألة الدين قد أصبحت مسألة جوهرية للغاية في تشكيل وصياغة هويات الشعوب اليوم، وهذا ما يعترف به الغرب نفسه، والقضية تاريخية قديمة، ولكن الغرب لم يدركها في وقت كما أدركها اليوم، يقول (هنري بيرانجيه) : (إن مسألة الدين أهم ما يشغل العالم المتدين اليوم؛ لأن مستقبل الأمم المتحضرة يتوقف على حلها) ، ولكن الواضح أن الذي أصبح يواجه الحل الإسلامي اليوم ليسوا هم وحدهم، وإنما أناس من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؛ سواء في تركيا أو في الجزائر أو في غيرهما. د/مصطفى حلمي: يخشى الغرب مما يسميه الحركات الأصولية، التي تمثل بعثاً جديداً للهوية الإسلامية؛ إذ إنها في حالة صعود مقلق بالنسبة لهم؛ بل يعترفون أن الجماهير العربية التي أثرت فيها الحركات الإسلامية الشائعة اليوم، كانت ناصرية أو بعثية منذ عشرين سنة، وتخلت عن هويتها المصطنعة من التراث والحداثة بعد أن شعرت بضعفها، وعادت إلى هويتها الأصيلة من جديد. وهذا يمثل خيبة أمل غربية من جراء نجاح هذه الحركات في إفساد جهد السنين من محاولات التغريب الكامل للمجتمعات المسلمة، وهذا لا يعني أننا متملكون من الأمر، أو أننا لا نواجه أخطاراً جساماً، فالأخطار ما زالت محدقة ذات أفنان، ونحن أقدر على تجاوزها بعون الله بشرط التمسك بهويتنا، كما قال تعالى: [ ... وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] [آل عمران: ١٢٠] . نقاط على الطريق.. * هذا يجعلنا نعود إلى قضية البعث الإسلامي الحضاري الجديد والحديث عنه. د/مصطفى حلمي: من أعجب ما قرأت في قضية الحضارات وبعثها تقسيم المؤرخ (أرنولد توينبي) الحضارات إلى حضارات (متحجرة) كاليهودية، و (نائمة) كالحضارة الإسلامية، ويقول: (لا بد للنائم أن يستيقظ) ولعل من المبشرات قيام إسرائيل؛ لأن قيام الحضارات يخضع لفكرة (التحدي والاستجابة) لأن الحضارة تقوم عندما توجد ظروف صعبة جداً في مجتمع ما فيتحدى تلك الظروف لتقوم الحضارة وتنجح وتتغلب على المعوقات. وهذا ما توصل إليه (توينبي) الذي حذر من قيام إسرائيل في وسط العالم الإسلامي، لا لحبه الإسلام، ولكن لخوفه من وجود خطر يوقظ (المارد النائم) ، بناءً على القانون الذي فسّر به قيام الحضارات، أي: (التحدي والاستجابة) ، أو بتعبير الشيخ (أبي الحسن الندوي) : (حركة المد والجذر الحضاري) ، خلافاً للغرب الذي يرى أن الحضارة تسير في خط مستقيم منطلق دون تعثر، وأن آخر مراحله هي النظام العالمي الجديد، أو ما يعرف بالعولمة. ولا شك أن انتشار الإسلام وتمدده داخل ديارهم، ودخول عدد من الصفوة من أمثال (هوفمان) و (محمد أسد) ، يدل على قدرة الإسلام على الانتشار حتى في ظل الصعاب، والمستحضر لكمّ المؤامرات والمخططات التي مورست، وتمارس ضد المسلمين ودينهم، لا يشك لحظة بمقاييس البشر في زوال الإسلام، ولكن تلك طبيعة العقل الغربي الملحد الذي انزعج بشدة عندما استيقظت الأمة من جديد. * نعود لقضية التعليم والإعلام لنرسم دورها في العلاج. د/جمال عبد الهادي: الهدف من التعليم والإعلام في الإسلام هو: تربية الشعوب وتثقيفها على أساس العقيدة والقيم التي تعتقدها، ونقل المعارف العلمية مجردة غير مشوبة بقيم الآخرين وأساليب حياتهم؛ لأن الله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً، لذلك فإن المهمة الكبرى للتعليم والإعلام؛ هي (البناء) لا (الهدم) ، وتهذيب السلوك وليس إثارة الغرائز، أو مجاراة العادات والميول الفاسدة للناس وإن كانوا أغلبية. إن منظومة التعليم والإعلام لا بد أن تكون منظومة قوية مؤثرة، وإلا فإن الناس سوف ينفضّون عنها؛ لأن هناك من الوسائل البديلة عنهما في الوقت الحاضر ما لا تعجز عن ابتكاره القرائح. وقد يدفع الفضول معظم الناس إلى متابعة الغث مما يعرض عليه، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى الحق أو يثوبوا إلى رشدهم؛ لأن الحق باقٍ لا يبطله شيء. * قضية الهدي الظاهر باعتباره معبّراً عن العقيدة ومظهراً للانتماء، تحتاج إلى عناية خاصة من القائمين على أمر هذا الدين، والحريصين على الهوية الإسلامية، ولا شك أن قضية التغريب والحرب على الهوية الإسلامية قد صاحبتها دعوة إلى تقسيم الدين إلى مظهر وجوهر، بحيث يتخلى الناس عن المظهر بحجة أن الجوهر كافٍ، ولا شك أن هذه الدعوى لها مخاطرها. الشيخ /محمد بن إسماعيل: هذه الدعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها العذاب، وقد انطلت على كثير من السذج حتى صاروا يروّجون لها دون أن يدركوا أنها قناع نفاقي قبيح، وأنها من لحن قول العلمانيين الذين يتخذونها قنطرة يمرقون عليها من الالتزام بشرائع الإسلام دون أن يُخدَش انتماؤهم إليه. وإذا كانت القضية تتوقف عند حَسَني النية من المسلمين المخلصين عند نبذ ما أسموه: (قشراً) للتركيز على ما دعوه: (لبّا) ، ولكنها عند المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإسلام من جذورها مدخل لنبذ اللّب والقشر معاً، تماماً كما يرفعون شعار الاهتمام بـ (روح النصوص) وعدم الجمود عند منطوقها. ومع أن هذا كلام طيب إذا تعاطاه العلماء وطبقه الأسوياء؛ إلا أنه خطير إذا تبناه أصحاب العاهات الفكرية والنفسية والمشوهون عقدياً؛ إذ يكون مقصودهم حينئذ هو إزهاق روح النص بل اطّراح منطوقه ومفهومه، أو توظيفه بعد تحريفه عن مواضعه لخدمة أهدافهم الخبيثة. إنهم يريدونه ديناً ممسوخاً كدين الكنيسة العاجزة المعزولة عن الحياة الذي يسمح لأتباعه بكل شيء مقابل أن يسمحوا له بالبقاء على هامش الحياة. ولقد لفتنا سلفنا الصالح إلى أهمية التمايز الحضاري بالمحافظة على (قشرة) معينة تفترق بها أمتنا عن سائر الأمم، وهذه القشرة التي تحمي الهوية الإسلامية المتميزة هي ما أسماه علماؤنا ﵏ ب: (الهدي الظاهر) ، وأفاضوا في بيان خطر ذوبان الشخصية المسلمة وتميعها. فالقضية إذن قضية مبدأ وليست مجرد شكل ومظهر؛ فنحن كما نخاطب الكافرين: (لكم دينكم ولنا دين) نقول لهم أيضاً: (لكم قشرتكم ولنا قشرتنا) ، ولأننا بشر مأنوسون ولسنا أرواحاً لطيفة، فإن ذلك يقتضي أن يكون لنا مظهرٌ ماديٌ محسوس، هذا المظهر شديد الارتباط بالجوهر، وقد جعلت الشريعة الحنيفية تميز الأمة المسلمة في مظهرها عمن عداها من الأمم مقصداً أساسياً لها؛ بل إن أهل كل ملة ودين يحرصون على مظهرهم باعتباره معبّراً عن خصائص هويتهم، وآية ذلك أنك ترى أتباع العقائد والديانات يجتهدون في التميز والاختصاص بهوية تميزهم عن غيرهم، وتترجم عن أفكارهم، وترمز إلى عقيدتهم. وهذا أوضح ما يكون في عامة اليهود الذين يتميزون بصرامة بطاقيتهم، ولحاهم، وأزيائهم التقليدية، وفي المتدينين من النصارى الذين يعلقون الصليب، وفي السيخ والبوذيين وغيرهم. أليس هذا كله تميزاً صادراً عن عقيدة ومعبراً عن الاعتزاز بالهوية؟ ! وإذا كانت هذه المظاهر هي صبغة الشيطان، فكيف لا نتمسك نحن بصبغة الرحمن التي حبانا الله [صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أََحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ] [البقرة: ١٣٨] . لماذا تقدس الحرية الدينية لكل من هب ودب، وفي نفس الوقت تشن (الحروب الاستراتيجية) على المظاهر الإسلامية كاللحية والحجاب، حتى إنه لتعقد من أجلها برلمانات، وتصدر قرارات، وتثور أزمات، وتجيّش الجيوش، وترابط القوات، هذا ونحن أصحاب الدار. كل دارٍ أحق بالأهل إلا ... في رديء من المذاهب رجس أحرام على بلابله الدوح ... حلال للطير من كل جنس أفكل هذا من أجل ما أسموه (قشوراً) لا! بل هم يدركون ما لهذه المظاهر من دلالة حضارية عميقة، ويدركون أنها رمز يتحدى محاولات التذويب والتمييع، ويصفع مؤامرة استلاب الهوية كمقدمة للإذلال والاستعباد. إن من يتخلى عن (القشرة الإسلامية) سيتغطى ولا بد بقشرة دخيلة مغايرة لها، فلا بد لكل (لب) من (قشر) يصونه ويحميه، والسؤال الآن: لماذا يرفضون (قشرة الإسلام) ويرحبون بقشرة غيره؟ فيأكلون بالشمال، ويحلقون اللحى، ويُلبسون النساءَ أزياء من لا خلاق لهن، ويلبسون القبعة، ويدخنون (البايب) و (السيجار) ؟ ! إن تقسيم الدين إلى قشر ولب غير مستساغ، بل هو محدَث ودخيل على الفهم الصحيح للكتاب والسنة، ولم يعرفه سلفنا الصالح الذين كل الخير في اتباعهم واقتفاء آثارهم، فضلاً عن أنه يؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير، ويورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة التي يعتبرونها قشوراً، فتخلو قلوبهم من أضعف الإيمان، ألا وهو: الإنكار القلبي. * في الختام.. نرجو أن نكون قد وُفّقنا لا نقول: في معالجة القضية، ولكن في طرحها والإشارة إلى أبرز نقاطها؛ لأن القضية ما زالت تحتاج إلى تفعيل على كافة المستويات، من رسم أدوار.. وبذل جهود.. وفضح مؤامرات.. وتصدّ لمكائد ومخططات. جزى الله مشائخنا وأساتذتنا الذين شاركونا في الندوة خير الجزاء.. وأثابهم على جهدهم هذا أضعافاً مضاعفة في الدنيا والآخرة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،،

стр. 2896

ملفات (القبور والأضرحة دراسة وتقويم) فاتحة الملف حمَّى الخرافة يعد هذا العصر عصر التقنية والانفجار العلمي والمعرفي؛ فقد تقدمت فيه العلوم والصناعات تقدماً مذهلاً، وأصبحت الدول الصناعية تتبارى في الاختراع والابتكار.. ومع ذلك كله فهذا العصر نفسه لم يخل من الخرافة والدجل، كما انتشر فيه الإلحاد والضلال انتشاراَ واسعاً؛ فالشرك بشتى صوره يضرب بأطنابه في أنحاء المعمورة؛ حيث تسيطر البوذية على عقول الناس في اليابان والصين وكوريا، والهندوسية وجدت لها في القارة الهندية مرعى خصيباً، بينما تستوطن الديانات الوثنية أدغال أفريقيا وأمريكا الوسطى واللاتينية منذ زمن بعيد، وفي أمريكا وأوروبا عادت المعتقدات الشركية الصريحة كعبادة الشيطان ونحوها، لتنتشر من جديد، إضافة إلى رواج الكهانة والسحر والشعوذة بين أبناء الحضارة المادية المعاصرة بصورة لافتة للأنظار وهذا ليس بغريب؛ لأن الدين النصراني نفسه لم يسلم من المعتقدات الوثنية عندما انحرف به أتباعه عن الدين الصحيح؛ حيث أصبحت الكنيسة رمزاً من رموز الشرك والخرافة.. هذا فضلاً عن الإلحاد المطلق الذي يسيطر عملياً على العقل الغربي المعاصر. ومع الأسف الشديد فإن بعض العقائد الوثنية والخرافية تسللت إلى فئام من أمة الإسلام؛ فانتشرت بينهم البدع والضلالات، وشابتهم شوائب - الجهالة، حتى قدسوا القبور والأضرحة، وتعلقوا بالموتى، ولجؤوا إلى السحرة والعرافين.. كل ذلك في غفلة من بعض العلماء وعجز من بعض الدعاة، نسأل الله السلامة. ولأننا نرى أن هذا الداء هو أحد الأدواء الخطيرة التي أصابت الأمة، والتي يجب أن يوليها الدعاة والمصلحون أولى اهتمامهم، ولأن توحيد العبادة لله - تعالى- وحده لا شريك من أولى أولويات الدين، فيسرنا في هذا العدد من البيان والعدد الذي يليه - إن شاء الله تعالى - أن ننشر ملفاً خاصاً عن (القبور والأضرحة - دراسة وتقويم) .. نرجو أن يجد فيه القارئ الكريم مادة علمية جادة تعين على معالجة هذه الظاهرة بنهج علمي وبموضوعية. والله من وراء القصد،،

стр. 2897

ملفات (القبور والأضرحة دراسة وتقويم) انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها (١/٢) فسطاط الخرافة.. الجذور والواقع خالد محمد حامد تقديس القبور والأضرحة) مفهوم لم يعرفه الإسلام ولو في إشارة يسيرة، بل جاءت نصوصه الثابتة بالنهي الصريح عن كل ذريعة تفضي إلى ذلك المفهوم الذي يمثل خطوة أولى على طريق الانحراف نحو الشرك؛ فمن الأقوال القاطعة لرسول الله ﷺ بما لا يدع مجالاً لتوهم نسخ أو تخصيص أو تقييد ما جاء عنه: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) [١] ، وعنه: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [٢] .. هذا في قبره الشريف وفي كل قبر، وعن علي ﵁ أنه قال لأبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله: أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته) [٣] ، ونهى رسول الله ﷺ أن (يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) وفي زيادة صحيحة لأبي داود: (أو أن يكتب عليه) [٤] .. ولعن (المتخذين عليها [أي القبور] المساجد والسُرج) [٥] . من النور إلى الظلمات: وعلى ذلك سار سلفنا الصالح من صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان (ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام، لا في الحجاز، ولا اليمن، ولا الشام، ولا العراق، ولا مصر، ولا خراسان، ولا المغرب، ولم يكن قد أحدث مشهد، لا على قبر نبي، ولا صاحب، ولا أحد من أهل البيت، ولا صالح أصلاً، بل عامة هذه المشاهد محدَثة بعد ذلك، وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرقت الأمة، وكثر فيهم الزنادقة الملبّسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المئة الثالثة؛ فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القدّاحية في أرض المغرب، ثم جاؤوا بعد ذلك إلى أرض مصر) [٦] . (ولم يكن في العصور المفضلة (مشاهد) على القبور، وإنما كثر بعد ذلك في دولة بني بويه لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك. ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم، فبنوا المشاهد المكذوبة كمشهد علي ﵁ وأمثاله ... ) [٧] . ( ... وفي دولتهم أُظهر المشهد المنسوب إلى علي ﵁ بناحية النجف، وإلا فقبل ذلك لم يكن أحد يقول: إن قبر علي هناك، وإنما دفن علي - ﵁ بقصر الإمارة بالكوفة) [٨] . فعندما بدأت المحدَثات تدب في حياة المسلمين، كان منها ذلك الأمر الجلل (فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك، ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد ... ورووا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب، حتى صنف كبيرهم (ابن النعمان) كتاباً في (مناسك حج المشاهد) وكذبوا فيه على النبي - ﷺ وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه، وغيروا ملته، وابتدعوا الشرك المنافي للتوحيد، فصاروا جامعين بين الشرك والكذب) [٩] . الرواد الأوائل: وعلى ذلك يتضح أن الذين بذروا بذورَ شرك القبور كانوا رافضة، وهذا ما تؤكده لنا عالمة الآثار الدكتورة سعاد ماهر فهمي عندما تسرد أوائل الأضرحة ذات القباب، فتقول: (.. ويليها من حيث التاريخ: ضريح إسماعيل الساماني [١٠] المبني سنة ٢٩٦ هـ في مدينة بخارى، ثم ضريح الإمام علي ﵁ في النجف الذي بناه الحمدانيون سنة ٣١٧ هـ، ثم ضريح محمد بن موسى في مدينة قم بإيران سنة ٣٦٦ هـ، ثم ضريح (السبع بنات) في الفسطاط سنة ٤٠٠هـ، وقد احتفظت لنا جبّانة أسوان بمجموعة كبيرة من الأضرحة ذات القباب التي يرجع تاريخ معظمها إلى العصر الفاطمي في القرن الخامس الهجري) [١١] . فبدايات تعظيم القبور واتخاذها مشاهد وأضرحة ارتبطت تاريخياً بأسماء: القرامطة، وبني بويه، والفاطميين (العبيديين) ، والسامانيين، والحمدانيين ... وجميعهم روافض وإن تفاوتوا في درجة الغلو [١٢] . على أن الدكتورة سعاد ماهر تذكر لنا (أن أقدم ضريح في الإسلام أقيمت عليه قبة يرجع إلى القرن الثالث الهجري، وقد عُرف هذا الضريح باسم (قبة الصليبية) ، ويوجد في مدينة سامرّا بالعراق على الضفة الغربية لنهر دجلة إلى الجنوب من قصر العاشق ... ، ويقول الطبري: إن أم الخليفة العباسي استأذنت في بناء ضريح منفصل لولدها فأذن لها؛ إذ كانت العادة قبل ذلك أن يدفن الخليفة في قصره، فأقامت قبة الصليبية في شهر ربيع الثاني سنة ٢٨٤هـ، وقد ضم الضريح إلى جانب المنتصر الخليفة المعتز والمهتدي، وتعتبر قبة الصليبية [١٣] أول قبة في الإسلام) [١٤] . ولكن الدكتورة سعاد تذكر لنا الأضرحة (ذات القباب) فقط، ولا ندري هل كانت قبل قبة الصليبية أضرحة أخرى ليست ذات قباب أم لا؟ تعانق الجبت مع الطاغوت: على أن الذي يعنينا في هذا المقام هو أن (تقديس القبور والأضرحة) أمر حادث في الإسلام، وإحداثه لم يرتبط بأهل التقوى والعلم، بل ارتبط بأصحاب الدعوات الهدامة وأهل السلطان، وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل ذلك في قوله تعالى عن أصحاب الكهف: [قَالَ الَذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً] [الكهف: ٢١] فالذين أرادوا اتخاذ مسجد على قبور الفتية هم أهل الغلبة. ولعلنا نلمح أن في ذلك جنساً من اتباع سَنَن من كانوا قبلنا في تعانق الجبت مع الطاغوت عند حدوث الانحراف العقدي، وذلك كما في قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ..] [النساء: ٥١] ؛ حيث يتآزر دعاة الأوهام والخرافة مع أصحاب الطاعة والتشريع من دون الله، ويتبادلون الأدوار أحياناً، فتجد الكهان والمنجمين والسحرة يطلبون الطاعة ممن يؤمن بخرافاتهم ويحلون له الحرام، ويُحرمون عليه الحلال، كما أنهم يمدون أصحاب السلطان والطاعة بالشرعية التي هم في حاجة إليها، وتجد أصحاب السلطان ممن يُطاعون في معصية الله يستشيرون الخرافيين ويقربونهم ويفسحون المجال للترويج لبدعهم بين الناس.. ولا شك أن لكل ذلك أثراً في الواقع. دينهم وديدنهم: كما أن مكانة القبور والأضرحة (المقدسة) ! غير قابلة للمساومة في دين الرافضة؛ فطائفة البهرة الإسماعيلية (من غلاة الرافضة) ذات نشاط واسع في عمارة وتجديد المساجد ذات الأضرحة بحجة الاهتمام بالعمارة الإسلامية، وبخاصة في مصر ... والقبر الأول الذي يحظى بحج الجماهير في دمشق وهو القبر المنسوب إلى السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب ﵄ ما زال مكتوباً عليه إلى الآن: قام بعمارة البناية الضخمة عليه والمسجد حولها والقبة المزخرفة: محمد بن حسين نظام وأولاده من طائفة الشيعة [١٥] . وأيضاً فإن أصحاب الأضرحة الكبرى ممن ينسب إلى التصوف هم في الحقيقة من غلاة الشيعة الباطنية؛ حيث (من العراق انطلق أحد أتباع الرفاعي إلى مصر، وهو (أبو الفتح الواسطي) (جد إبراهيم الدسوقي) لنشر دعوتهم الباطنية بها، وقد كان ذلك في العهد الأيوبي، وبعد موت الواسطي جاء (البدوي) ليخلفه في دعوته تلك، وقد توزع هؤلاء الدعاة في مصر، فكان (الدسوقي) بدسوق و (أبو الحسن الشاذلي) بالإسكندرية، و (أبو الفتح الواسطي) ما بين القاهرة وطنطا والإسكندرية، ولما مات الواسطي حل محله البدوي بطنطا، وجميعهم من فلول العبيديين الذين طردهم صلاح الدين الأيوبي من مصر، ثم حاولوا العودة تحت ستار التصوف والزهد ... كما أن كلاّ من ابن بشيش وابن عربي قد تتلمذا على يد (أبي مدين) بالمغرب) [١٦] . (وفي أواخر عهدهم أنشأ الفاطميون المشهد الحسيني عام ٥٥٠هـ عندما شعروا بأن سلطتهم قد ضعفت ليجذبوا إليهم المصريين، وعهدوا إلى ابن مرزوق القرشي (٥٦٤هـ (تربية مريدي الصوفية، فانتظم أتباعه في طوائف وطرق لنشر الدعوة الشيعية؛ إلا أن هذه التنظيمات انهارت بانهيار الدولة الفاطمية وتحول المشهد الحسيني إلى ضريح صوفي) [١٧] . والحاصل: أن تقديس القبور وزيارة المشاهد تقليد شيعي في نشأته، فالشيعة هم أول من بنى المشاهد على القبور؛ حيث تتبعوا أو زعموا قبور من مات قديماً ممن يعظمونهم من آل البيت، وراحوا يبنون على قبورهم ويجعلونها مشاهد ومزارات، ثم جاء الصوفية فنسجوا على هذا المنوال، فجعلوا أهم مشاعرهم هو زيارة القبور وبناء الأضرحة والطواف بها والتبرك بأحجارها، والاستغاثة بالأموات [١٨] . الحاجة أمّ الاختراع: وأصبح تقديس القبور والأضرحة لازماً من لوازم الطرق الصوفية؛ بحيث لا يتصور أحد وجود طريقة صوفية من غير ضريح أو أكثر تقدسه.. ومع تمكن الداء من جسد الأمة ظهرت (الحاجة) إلى تعدد الأضرحة والمزارات لتلبي رغبات من صرعتهم الأوهام، وضاق بالقبوريين أن يتحروا ثبوت قبور الأولياء المشهورين لدى جمهورهم، ولأن الحاجة أُمّ الاختراع كما يقال فقد وجدوا لهذه الأزمة بعض المخارج والحيل: - فظهر ما يسمى بأضرحة الرؤيا، تقول الدكتورة سعاد ماهر: (ظهر في العصور الوسطى وخاصة في أوقات المحن والحروب التي لا تجد فيها الشعوب من تلوذ به غير الواحد القهار أن يتلمسوا أضرحة آل البيت والأولياء للزيارة والبركة والدعاء ليكشف الله عنهم السوء ويرفع البلاء، ومن ثم: ظهر ما يعرف بأضرحة الرؤيا، فإذا رأى ولي من أولياء الله الصالحين في منامه رؤيا مؤداها أن يقيم مسجداً أو ضريحاً لأحد من أهل البيت أو الولي المسمى في الرؤيا فكان عليه أن يقيم الضريح أو المسجد باسمه) [١٩] . وتلك كانت الدعوى نفسها التي أقيمت عليها (مزارات الشهداء) عند النصارى (وكان ذلك إبان القرن الخامس الميلادي؛ حيث أصبح لكل قرية مزار لشهيد يحوي عظاماً لبعض الموتى المجهولين، أخرجت من القبور، ومنحت كل التبجيل والاحترام، دون أدنى دليل يثبت أنها على الأقل بقايا مسيحيين، ويُخلع على هذه الرفات أسماء وألقاب لائقة، وفي حالات كثيرة كان المرجع الوحيد في هذا الشأن (حلم) أو (رؤيا) لكاهن أو راهب) [٢٠] . وعلى ذلك لا يلزم أن يكون الولي المقام الضريح باسمه ثبت وجوده في ذلك المكان، بل لا يلزم أن يكون وطئت قدمه أرض تلك البلاد أصلاً، ومن هنا ظهرت أضرحة مزعومة ومكذوبة في طول البلاد وعرضها، وتعددت الأضرحة للولي الواحد في أكثر من قُطْر، ولتسويغ ذلك الخطل نسجوا خرافة واضحة الزور والبهتان، فقالوا: إن الأرض لأجسام الأولياء كالماء للسمك، فيظهرون بأماكن متعددة ويزار كل مكان قيل عنه إنه فيه نبي كريم أو ولي عظيم [٢١] . - ومن الحيل الرائجة لإقامة ضريح أو مشهد: نسج الكرامات حول الشخص المزعوم بأنه ولي، أو حول المكان المزعوم بأنه مكان قبر ولي. فمما ينسج حول الأشخاص: ما حدث مع (الشيخ) صالح أبي حديد الذي كان وبعض صحبه من قطاع الطريق، وحين كشف أمره هرب ولجأ إلى بيت مغنية مشهورة، فأخفته وادعت أنه مجنون ووضعت في رجليه قيداً من حديد، وقد اعتقل لسانه من شدة الخوف، ثم أشاعت هي والمجتمعون من حوله أن له كرامات وإخباراً بالمغيبات، فأقبل عليه الناس بالهدايا والنذور حتى ذاع صيته، وزاره الخديوي إسماعيل واستبشر به وبنى له قبراً بقبة عالية بعد وفاته ووقف عليه الأرض وغيرها [٢٢] . ومن ذلك: مسجد في حلب يعرف بمسجد العريان، يعتقده أهل المحلة الموجود بها، ويقولون: إنه عرف بالعريان؛ لأنه في أكثر أوقاته يتجرد من ثيابه، ويدّعون أن ذلك لغلبة الحال عليه [٢٣] . الواقع الأليم.. شبكة أضرحة: ولغفلة جموع كثيرة من الأمة عن حقيقة دينها فقد أنبتت هذه الجذور شبكة واسعة من القبور والأضرحة (المقدسة) عمت معظم أنحاء العالم الإسلامي، بل إن بعض الباحثين يقدر عدد الأضرحة في القطر الذي يعيش فيه بما لا يقل عن عدد المدن والقرى في هذا القطر، حيث يقول: (وأضرحة الأولياء التي تنتشر في مدن مصر ونحو ستة آلاف قرية: هي مراكز لإقامة الموالد للمريدين والمحبين، ويمكننا القول: إنه من الصعب أن نجد يوماً على مدار السنة ليس فيه احتفال بمولد ولي في مكان ما بمصر) [٢٤] ، بل أصبحت القرى التي تخلو من الأضرحة مثار تندر وتهكم سدنة الأضرحة، فقد ذكر الدكتور زكريا سليمان بيومي أن من القرى التي تخلو من أضرحة الأولياء: (بِيّ العرب) و (أبو سنيطة) و (ميت عفيف) وهي جميعاً مركز الباجور منوفية، وأطلق المشايخ أمثلة شعبية على بخل هذه القرى وخلوها من البركة ما زالت سارية بين الناس حتى الآن! [٢٥] . ولكي ندرك حجم المأساة أكثر سنورد بعض ما تيسر من نماذج توضح حجم انتشار هذه الأضرحة في بعض بقاع العالم الإسلامي، وبالطبع، فليس من بلد به ضريح إلا وله مريدون ممن يعتقدون فيه.. فمن بين ألوف الأضرحة المنسوبة إلى الأنبياء والصحابة والأولياء في العالم الإسلامي يشتهر في مصر من بين أكثر من ستة آلاف ضريح (على تقدير من أشرنا إليهم (أكثر من ألف ضريح [٢٦] ، (ويذكر صاحب الخطط التوفيقية علي باشا مبارك أن الموجود في زمنه في القاهرة وحدها مئتان وأربعة وتسعون ضريحاً) [٢٧] ، أما خارج القاهرة فيوجد (على سبيل المثال في مركز فوّة.. (٨١) ضريحاً، وفي مركز طلخا (٥٤) ، وفي مركز دسوق (٨٤) ، وفي مركز تلا (١٣٣) ، وهي الأضرحة التابعة للمجلس الصوفي الأعلى، بخلاف الأضرحة التابعة للأوقاف أو غير المقيدة بالمجلس الصوفي) [٢٨] كما يوجد في أسوان أحد المشاهد يسمى مشهد (السبعة وسبعين ولياّ) [٢٩] . وتنقسم الأضرحة إلى كبرى وصغرى، وكلما فخم البناء واتسع وذاع صيت صاحبه زاد اعتباره وكثر زواره. فمن الأضرحة الكبرى في القاهرة: ضريح الحسين، وضريح السيدة زينب، وضريح السيدة عائشة، وضريح السيدة سكينة، وضريح السيدة نفيسة، وضريح الإمام الشافعي، وضريح الليث ابن سعد ... وخارج القاهرة تشتهر أضرحة: البدوي بطنطا، وإبراهيم الدسوقي بدسوق، وأبي العباس المرسي بالإسكندرية، وأبي الدرداء بها أيضاً، وأبي الحسن الشاذلي بقرية حميثرة بمحافظة البحر الأحمر، وأحمد رضوان بقرية البغدادي بالقرب من الأقصر، وأبي الحجاج الأقصري بالأقصر أيضاً، وعبد الرحيم القنائي بقنا ... أما في الشام فقد أحصى عبد الرحمن بك سامي سنة (١٨٩٠م) في دمشق وحدها ١٩٤ضريحاً ومزاراً، بينما عد نعمان قسطالي المشهور منها ٤٤ ضريحاً، وذكر أنه منسوب للصحابة أكثر من سبعة وعشرين قبراً، لكل واحد منها قبة ويزار ويتبرك به. وفي الآستانة عاصمة السلطنة العثمانية كان يوجد ٤٨١ جامعاً يكاد لا يخلو جامع فيها من ضريح، أشهرها الجامع الذي بني على القبر المنسوب إلى أبي أيوب الأنصاري في الآستانة (القسطنطينية) . وفي الهند يوجد أكثر من مئة وخمسين ضريحاً مشهوراً يؤمها الآلاف من الناس. وفي بغداد كان يوجد أكثر من مئة وخمسين جامعاً في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وقلّ أن يخلو جامع منها من ضريح، وفي الموصل يوجد أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً كلها داخل جوامع، وهذا كله بخلاف الأضرحة الموجودة في المساجد والأضرحة المفردة [٣٠] . وفي معظم مناطق أوزبكستان كثير من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة والمشائخ ورجال العلم والأولياء، وأصبحت هذه القبور مزارات يفد إليها مريدوها جماعات وأفراداً، يدعون ويبكون، ومن أهم تلك المزارات ضريح قثم بن العباس ابن عم الرسول ﷺ في سمرقند، وضريح الإمام البخاري في قرية خرتنك [٣١] . بين الحقيقة والوهم: وإذا كان ذكر أسماء الأضرحة المشهورة في العالم الإسلامي قد يشق على المتابع فسنذكر هنا طرفاً من الأضرحة المكذوبة والمشكوك في نسبتها: فضريح الحسين بالقاهرة (كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم، الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم) [٣٢] ، (فإنه معلوم باتفاق الناس: أن هذا المشهد بني عام بضع وأربعين وخمسمئة، وأنه نقل من مشهد بعسقلان، وأن ذلك المشهد بعسقلان كان قد أحدث بعد التسعين والأربعمئة.. فمن المعلوم أن قول القائل: إن ذلك الذي بعسقلان هو مبني على رأس الحسين ﵁ قول بلا حجة أصلاً..) [٣٣] . وقد ورد عن المشائخ: ابن دقيق العيد وابن خلف الدمياطي وابن القسطلاني والقرطبي صاحب التفسير وعبد العزيز الديريني إنكارهم أمر هذا المشهد، بل ذكر عن ابن القسطلاني أن هذا المشهد مبني على قبر نصراني [٣٤] . وإضافة إلى مشهدي عسقلان والقاهرة هناك ضريح آخر في سفح جبل الجوشن غربي حلب ينسب إلى رأس الحسين ﵁ أيضاً، وهو من أضرحة الرؤيا، وكذلك توجد أربعة مواضع أخرى يقال إن بها رأس الحسين: في دمشق، والحنانة بين النجف والكوفة، وبالمدينة عند قبر أمه فاطمة ﵂، وفي النجف بجوار القبر المنسوب إلى أبيه ﵁، وفي كربلاء حيث يقال: إنه أعيد إلى جسده [٣٥] . ورغم أن المحققين يقولون إن السيدة زينب بنت علي ﵄ ماتت بالمدينة ودفنت بالبقيع، إلا أن القبر المنسوب إليها والذي أقامه الشيعة في دمشق هو (القبر الأول الذي يحظى بحج الجماهير إليه ... ) [٣٦] . ولا يقل عنه جماهيرية ذلك الضريح المنسوب إليها في القاهرة، والذي لم يكن له وجود ولا ذكر في عصور التاريخ الإسلامي إلى ما قبل محمد علي باشا بسنوات معدودة كما يذكر أحمد زكي باشا [٣٧] ، ويقول علي مبارك في الخطط التوفيقية: (لم أرَ في كتب التاريخ أن السيدة زينب بنت علي ﵄ جاءت إلى مصر في الحياة أو بعد الممات) [٣٨] . وأهل الإسكندرية بمصر يعتقدون اعتقاداً جازماً بأن أبا الدرداء مدفون في الضريح المنسوب إليه في مدينتهم، ومن المقطوع به عند أهل العلم أنه لم يدفن في تلك المدينة [٣٩] . ومن أضرحة الرؤيا: مشهد السيدة رقية بنت الرسول ﷺ بالقاهرة، أقامته زوجة الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، وذلك بلا خلاف [٤٠] ، ومنها كذلك: ضريح السيدة سكينة بنت الحسين ابن علي ﵃ [٤١] ، ويذكر المقريزي في خططه (٢/٤٥) جملة من الأضرحة المزعومة، منها: (قبر في زقاق المزار تزعم العامة ومن لا علم عنده أنه قبر يحيى بن عقب، وأنه كان مؤدباً للحسين بن علي بن أبي طالب، وهو كذب مختلق وإفك مفترى، كقولهم في القبر الذي بحارة برجوان إنه قبر جعفر الصادق، وفي القبر الآخر إنه قبر أبي تراب النخشبي ... إلى غير ذلك من أكاذيبهم) [٤٢] . ومن أشهر الأضرحة أيضاً: ضريح الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالنجف بالعراق، وقد مرّ بنا سابقاً كلام ابن تيمية ﵀ من أنه قبر مكذوب، وأن علياً ﵁ دفن بقصر الإمارة بالكوفة [٤٣] . وفي البصرة عدد من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة منها: قبر عبد الرحمن بن عوف رغم أنه مات بالمدينة ودفن بالبقيع [٤٤] . وفي بلدة الرها من أعمال حلب ضريح يقال إنه لجابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ مع أن جابراً توفي في المدينة [٤٥] . وفي مدينة نصيبين بالشام (حالياً بجنوب تركيا) قبة يزعمون أنها لسلمان الفارسي، مع أنه ﵁ مدفون في المدائن [٤٦] . ويضيف ابن تيمية ﵀: (وكذلك بدمشق بالجانب الشرقي مشهد يقال: إنه قبر أُبَيّ بن كعب، وقد اتفق أهل العلم على أن أبيّاً لم يقدم دمشق، وإنما مات بالمدينة، فكان بعض الناس يقول: إنه قبر نصراني، وهذا غير مستبعد ... فلا يستبعد أنهم [اي: النصارى] ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه) [٤٧] .. وما لم يستبعده ﵀ حدث مثله في العصر الحاضر (ففي الجزائر كان الشعب هناك يؤم ضريحاً في بعض المناطق الشرقية ويتبرك بأعتابه، ثم اكتُشف أن هذا القبر كان لراهب مسيحي، ولم يصدق الناس ذلك حتى عثروا على الصليب في القبر) [٤٨] . وفي دمشق أيضاً: قبور منسوبة إلى أمهات المؤمنين: عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة رضوان الله عليهن مع أنهن مدفونات بالمدينة المنورة، وفيها كذلك قبر لأسماء بنت أبي بكر ﵄ مع أنها ماتت في مكة بعد مقتل ولدها عبد الله بن الزبير بأيام قليلة [٤٩] . وينسب الناس في الشام قبراً إلى (أم كلثوم) و (رقية) بنتي رسول الله (وقد اتفق الناس على أنهما ماتتا في حياة النبي ﷺ بالمدينة المنورة تحت عثمان، وهذا إنما هو بسبب اشتراك الأسماء؛ لعل شخصاً يسمى باسم من ذكر توفي ودفن في موضع من المواضع المذكورة، فظن الجهال أنه أحد من الصحابة) [٥٠] ، (ومنها (قبر خالد) بحمص، يقال: إنه قبر خالد بن يزيد بن معاوية ... ، ولكن لما اشتهر أنه خالد، والمشهور عند العامة خالد بن الوليد: ظنوا أنه خالد بن الوليد، وقد اختلف في ذلك: هل هو قبره أو قبر خالد بن يزيد) [٥١] . ولعل لهذا السبب أيضاً وجد ضريح (سيدي خالد بن الوليد) بكفر الحما مركز أشمون منوفية بمصر، وضريح (الشيخ عمار بن ياسر) بناحية بني صالح تبع مركز الفشن [٥٢] . انفراط العقد: وفي دمشق كذلك ضريح يدعي الناس أنه لرأس يحيى بن زكريا ﵉ يقع في قلب المسجد الأموي، وله قبة وشباك، وله نصيبه من التمسح والدعاء، وبجانب المسجد الأموي قبر القائد صلاح الدين الأيوبي، وإلى جانبه في القبة قبر عماد الدين زنكي، وقبور أخرى تزار ويتوسل بها ... وفيها قبور أخرى كثيرة كقبر زيد بن ثابت، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، والراجح أنه قبر معاوية بن يزيد بن معاوية، أما قبر معاوية الصحابي فقيل إنه بحائط دمشق الذي يقال إنه قبر هود ﵇، وفي دمشق أيضاً قبور كثير من التابعين والقواد العظماء، ومعظم ما يقال عن هذه القبور تخرصات وتكهنات معظمها من وضع الشيعة والصوفية، وإلا فليس هناك دليل مادي يثبت قبر كل فرد بعينه [٥٣] . وإضافة إلى ضريح دمشق المنسوب ليحيى بن زكريا ﵉ فإن له مزاراً آخر في صيدا جنوب لبنان في قمة جبل يشرف على البلد والبحر، وله أيضاً مقام ثالث في الجامع الأموي بحلب؛ حيث توجد حجرة تعرف بـ (الحضرة النبوية) يقال إن بها رأس يحيى بن زكريا ﵉ في صندوق جرن، وقيل إن بها عضواً من أعضاء نبي الله زكريا ﵇ في صندوق مرمر [٥٤] . وفي حلب أيضاً: (مسجد يعرف بمسجد النبي، منسوب إلى نبي يدعى كالب بن يوفنا من سبط يهوذا) [٥٥] . ونحو الجنوب إلى معان بشرقي الأردن يوجد مزار النبي هارون، ولا يوجد عند أهل هذه الناحية مقام أشد إكراماً ولا أوفر آياتٍ منه! ، كما يوجد في شرقي الأردن أيضاً مقام النبي هوشع (يوشع) على قمة جبل بالقرب من السلط، وهو مبني بحجارة قديمة يرتئي الباحثون أن أكثرها يرتقي إلى عهد الصليبيين! ، كما يوجد في غربي الكرك مزار النبي نوح، وفي بادية البلقاء وموآب يوجد مقام (الخضر الأخضر) [٥٦] . كما يوجد ضريح آخر للخضر ﵇ في مغارة بمعرة النعمان بشمال سورية بالشام، ويوجد بها كذلك ضريح آخر ليوشع ﵇، وفي معرة النعمان أيضاً يوجد ضريح شيث ﵇، مع أن هناك جامعاً كبيراً في الموصل يسمى بجامع النبي شيث داخله ضريح يعتقد الناس أنه مدفون فيه، ولم يكن هذا القبر معروفاً قبل القرن الحادي عشر للهجرة، حيث رأى أحد ولاة الموصل في ذلك القرن مناماً يدل على موضع القبر، فبنى الضريح [٥٧] . ومن المقابر المكذوبة باتفاق أهل العلم القبر المنسوب إلى هود ﵇ بجامع دمشق، فإن هوداً لم يجئ إلى الشام [٥٨] . وهناك قبر منسوب إليه في حضرموت، وفي حضرموت أيضاً قبر يزعم الناس أنه لصالح ﵇، رغم أنه مات بالحجاز، وله أيضاً ﵇ قبر في يافا بفلسطين، التي بها كذلك مزار لأيوب ﵇ [٥٩] . ويونس ﵇ له ضريح في بلدة حلحول بفلسطين، وضريح آخر بقرية نينوى قرب الموصل بالعراق، وثالث في غار بضيعة قرب نابلس بفلسطين، وكلها يُدّعى أن فيها قبره ﵇ [٦٠] ، وفي نابلس أيضاً ضريح الأسباط إخوة يوسف ﵇، وله ﵇ قبر في مسجد الخليل بمدينة الخليل بفلسطين، وفي المسجد نفسه ضريح إبراهيم ﵇، وكذا: أضرحة تنسب إلى إسحاق ويعقوب ﵉ [٦١] . ورغم وجود مزار لداود ﵇ في قضاء كلّز من أعمال حلب بسورية، إلا أن له مزاراً آخر في جنوب غرب صيدا بلبنان، التي في جانبها الشرقي مزار شمعون يزعم الناس أنه من أنبياء بني إسرائيل، وله نفسه مزار آخر في قضاء كلّز أيضاً، وفي صيدا أيضاً مزار (صيدون) يزعم الناس أيضاً أنه من أنبياء بني إسرائيل [٦٢] . وذكر الفيروزآبادي في تعريفه لبلدة قرب نابلس تسمى (عَوْرَتا) : (قيل بها قبر سبعين نبياً، منهم: عزير، ويوشع) [٦٣] . وبعد هذا السرد إليك ما قاله شيخ الإسلام ﵀ في نسبة قبور الأنبياء، فقد حكى عن طائفة من العلماء (منهم عبد العزيز الكناني: كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء، لا يصح شيء منها إلا قبر النبي ﷺ ، وقد أثبت غيره أيضاً قبر الخليل ﵇ [٦٤] [، ويقول أيضاً: (وأما قبور الأنبياء: فالذي اتفق عليه العلماء هو قبر النبي ﷺ ، فإن قبره منقول بالتواتر، وكذلك قبر صاحبيه، وأما قبر الخليل فأكثر الناس على أن هذا المكان المعروف هو قبره ... ولكن ليس في معرفة قبور الأنبياء بأعيانها فائدة شرعية، وليس حفظ ذلك من الدين) ] ٦٥ [. وماذا بعد؟ ولم يقف الأمر عند حد نسبة القبور زوراً إلى شخصيات لها نصيبها من الحب والاحترام لدى الناس، بل وصل الادعاء إلى اختلاق بعض هذه الشخصيات من الوهم والعدم ونسبة الأضرحة إليها، فمن ذلك: قبر في طريق بلدة (طورخال) بتركيا لصحابي أسموه (كيسك باش! (، وفي معرة النعمان ضريح لرجل يدعى (عطا الله) يزعمون أنه صحابي أيضاً] ٦٦ [. وذكر المقريزي أن في القاهرة قبراً على يسرة من خرج من باب الحديد ظاهر زويلة، يزعمون أنه لصحابي يدعى: زارع النوى!] ٦٧ [. وفي مدينة الشهداء بمصر ضريح داخل مسجد منسوب إلى (شبل) بن الفضل بن العباس عم الرسول ﷺ ، رغم أن المصادر العلمية تتفق على أن الفضل بن العباس ﵁ لم ينجب إلا بنتاً واحدة اسمها (أم كلثوم) ] ٦٨ [. وأخيراً: فإننا ربما لا ننتهي إذا حاولنا استقصاء حقيقة القبور والأضرحة المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، والتي على فرض ثبوت صحة نسبتها فإن إقامة المساجد عليها وممارسة الأفعال التي اعتاد الناس على القيام بها حولها.. ليس من دين الله في شيء، بل يقع معظمه في دائرة المحرمات بدرجاته المختلفة، ومنها ما قد يصل إلى حد الشرك المخرج من الملة. ولكن إذا ثبت أن ديننا ينهى عن تلك الأفعال، وثبت أن سوس الجهل والأوهام يرتع ناخراً في فسطاط الخرافة، فما الذي يدفع مرتادي الأضرحة والمعتقدين فيها إلى ولوج هذا الكيان والتمسك به؟ !

стр. 2898

ملفات (القبور والأضرحة دراسة وتقويم) انحرافات القبوريين ... الداء الدواء (١/٢) د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فلا يخفى أن الغلو في القبور بشتى صوره وأنواعه قد عمّ وطم في غالب البلاد، وتلبس بهذه المظاهر الشركية وطرائقها الكثير من الناس، وصارت هذه القبور مزارات و (مشاعر) يقصدها الناس، ويشدون إليها الرحال من سائر الأمصار؛ وسدنة هذه الأضرحة وعلماء الضلالة يزيّنون الشرك للعامة بشتى أنواع الدعاوى والشبهات، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله تعالى. إن على المنتسبين للعلم والدعوة واجباً كبيراً تجاه هذا التيار الوثني، وفي هذا المقالة نورد بعض المسالك الرئيسة التي تسهم في حل وعلاج انحرافات القبوريين وشبهاتهم. أ- المسلك الدعوي: ويتمثل هذا المسلك من خلال٠ عدة أمور: ١- أن يُعنى العلماء والدعاة بتقرير التوحيد في تلك المجتمعات المولعة بتعظيم القبور والغلو فيها، وأن يجتهدوا في تجلية مفهوم التوحيد من خلال القصص القرآني وضرب الأمثال وضرورة تعلق القلب بالله ، وأن الله هو المتفرد بالنفع والضر والخلق والتدبير، ومن ثَمّ فهو المألوه المعبود الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وخشية ورجاءاً. وأن يضمّن هذا التقرير بيان عجز المخلوقين وضعفهم، وأنهم لا يملكون لأنفسهم فضلاً عن غيرهم نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وأن يسعى إلى تحبيب هذا التوحيد إلى الناس من خلال الحديث عن فضائل التوحيد وبيان ثمراته وآثاره، وأخبار الأنبياء ﵈ والصالحين الذين حققوا التوحيد، كما ينبغي الاهتمام بإظهار أثر التوحيد على الحياة العامة. ٢- أن تربى الأمة عموماً وهذه المجتمعات المعظمة للقبور خصوصاً على أهمية التسليم لنصوص الكتاب والسنة والتحاكم إليها وانشراح الصدر لها. يقول سبحانه: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . وإذا كان طواغيت هذا العصر يفرضون على الناس احترام الشرعية الدولية والإذعان والتسليم لقرارات الأمم المتحدة؛ فإن علينا معشرَ الدعاة إلى الله أن ندعو المسلمين إلى ما أوجبه الله عليهم من التسليم والانقياد لنصوص الوحيين وعدم معارضتها بأي نوع من المعارضات سواءً أكان تقليداً، أو معقولاً، أو ذوقاً، أو سياسة أو غيره؛ فالإيمان مبني على التسليم لله تعالى والإذعان لشرعه [١] . يقول أبو الزناد ﵀: (إن السنن لا تخاصم ولا ينبغي لها أن تتبع بالرأي، ولو فعل الناس ذلك لم يمضِ يوم إلا انتقلوا من دين إلى دين، ولكنه ينبغي للسنن أن تُلزَم ويُتمسك بها على ما وافق الرأي أو خالفه) [٢] . ٣- أن يدعى الناس إلى الالتزام بالشرع والعمل بالسنة؛ فإن إظهار السنن والتمسك بها يستلزم زوال البدع واندثارها، وكذا العكس فإنه ما ظهرت بدعة إلا رفع مثلها من السنة، والنفوس إن لم تشتغل بسنة وتوحيد؛ فإنها ستشتغل ببدعة وشرك؛ فالنفوس خلقت لتعمل لا لتترك [٣] . وقد تتثاقل النفوس تجاه الالتزام بالأحكام الشرعية، وتنشط تجاه ما أحدثته من بدع ومحدثات، ومن ثم يتعين على دعاة الإصلاح أن يأخذوا على أيدي هؤلاء ويذكّروهم بفضل التمسك بالشرائع، وأن هذه الشرائع غذاء وروح، وقرة عين وسرور قلب [٤] . يقول أبو الوفاء ابن عقيل متحدثاً عن تلك النفوس المتثاقلة تجاه الشرائع: (لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع، مثل: تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه، ومن: إيقاد النيران، وتقبيلها، وخطاب الموتى بالألواح، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا ... ) [٥] . ٤- دعوة المخاطبين إلى تدبر آيات القرآن الحكيم، وحثهم على التأمل والتفكر في معاني القرآن، كما قال سبحانه: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ] [ص: ٢٩] . وقال : [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً] . [النساء: ٨٢] . وإن من أعظم أسباب الضلال واستفحال الشرك: الإعراض عن تدبر آيات القرآن، والاقتصار على مجرد قراءته دون فهم أو فقه. فإذا نظرنا مثلاً إلى مسألة إفراد الله بالدعاء والاستغاثة، فإنها من أوضح الواضحات في كتاب الله، فقد تحدث عنها القرآن في ثلاثمائة موضع [٦] ، ومع ذلك فما أكثر الذين يتلون هذه الآيات بألسنتهم وينقضونها بأفعالهم وأحوالهم. يقول العلاّمة حسين بن مهدي النعمي ﵀ (ت/١١٨٧هـ) متحدثاً عن ضلال القبوريين: (لا جرم لما كان ملاك أمر الجميع وحاصل مبلغهم وغايتهم هو التلاوة دون الفقه والتدبر والاتباع، خفي عليهم ذلك، وعموا وصموا عنه، وأنّى لهم ذلك؟ وقد منعهم سادتهم وكبراؤهم من أهليهم، وممن يقوم عليهم ويسوسهم، وقالوا: كتاب الله حجر محجور، لا يستفاد منه، ولا يقتبس من أنواره، ولا ينال ما فيه من العلم والدين.. فلعمر الله للخير أضاعوا، وللشر أذاعوا، وإلا فلولا ذلك لكانت هذه المسألة [إفراد الله بالدعاء] من أظهر الظواهر، لما أن العناية في كتاب الله بشأنها أتم وأكمل، والقصد إليها بالتكرير والتقرير والبيان في كتاب الله أكثر وأشمل) [٧] . ويقول الشيخ العلاّمة عبد الرحمن بن حسن ﵀ في هذا المقام: (فمن تدبر عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه، والوعيد على فعله، والثواب على تركه، وقد هلك من هلك بإعراضه عن القرآن وجهله بما أمر الله به ونهى عنه) [٨] . وعلينا أن نتواصى بتطهير القلوب وتزكيتها لكي يحصل الانتفاع بمواعظ القرآن وأحكامه. يقول ابن القيم عند قوله: [لا يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّرُونَ] [الواقعة: ٧٩] . (دلّت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوّث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي) [٩] . ٥- مخاطبة عقولهم، ودعوتهم إلى التفكير والتأمل؛ فإن الولوع في تقديس الأضرحة والغلو فيها لا يظهر إلا عند أقوام ألغوا عقولهم، وعطلوا تفكيرهم، وأشربوا حبّ التقليد ومحاكاة الآباء دون حجة أو برهان. وقد عني القرآن بمخاطبة ذوي الألباب وأثنى عليهم، وحضّ على التفكر والنظر في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، كما تضمن القرآن أدلة عقلية وحججاً برهانية في تقرير التوحيد والنبوة والمعاد. ومن ذلك قوله تعالى: [قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ] [سبأ: ٢٢، ٢٣] يقول ابن القيم عند هذه الآية الكريمة: (فتأمل كيف أخذتْ هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه؛ فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه وإلا فلو لم يرجُ منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكاً للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكاً لمالكها، أو ظهيراً أو وزيراً ومعاوناً له، أو وجيهاً ذا حرمة، وقد يشفع عنده؛ فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت، انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له، فيقول المشرك: قد تكون ظهيراً ووزيراً ومعاوناً، فقال: (وما له منهم من ظهير) ، فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه) [١٠] . ومن الأجوبة العقلية في الرد على دعوى القبوريين في أنهم ينتفعون بهذه الأضرحة ما ذكره شيخ الإسلام بقوله: (عامة المذكور من المنافع كذب؛ فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر، ويدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات، فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير فيستجاب للواحد بعد الواحد، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء أوقات الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلاتهم وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا من جنس ابتهال المقابريين لم تكن تسقط لهم دعوة إلا لمانع، بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون إذا فعله المخلصون، لم يُرَد المخلصون إلا نادراً، ولم يُستجب للمقابريين إلا نادراً، والمخلصون كما قال النبي: (ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ول قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها. قالوا: يا رسول الله! إذن نكثر. قال: الله أكثر) [١١] فهم في دعائهم لا يزالون بخير. وأما المقبريون فإنهم إذا استجيب لهم نادراً، فإن أحدهم يضعف توحيده، ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون) [١٢] . ٦- من الجوانب الدعوية المهمة أن نميّز بين مراتب الشر والانحراف؛ فالغلو في القبور والافتتان بها له مراتب متعددة ومتفاوتة، فمنها ما يكون شركاً بالله تعالى في توحيد العبادة كالاستغاثة بأرباب القبور، ومنها ما يكون أشنع من ذلك كأن يستغيث بالأموات معتقداً فيهم الضر والنفع والتصرف في الكون، ومن الغلو في القبور ما يكون محرماً ووسيلة إلى الشرك كالصلاة عند القبور وتحري الدعاء عندها. ويخطئ بعض الدعاة فلا يفرقون بين هذه المراتب من جهة الحكم عليها، كما قد يخطئون فلا يميّزون من جهة ترتيبها وأولويتها في الإنكار، والمتعيّن أن تميّز هذه الانحرافات وفق ما جاءت به الأدلة الشرعية، وكما نهتم بآكد الأمور تقريراً ونقدمها، فكذا علينا أن نُعنى بأشنعها تحذيراً ... فيحذّر ابتداء من الشرك في الربوبية؛ فالشرك في الإلهية، ثم ينظر إلى وسائل الشرك وذرائعه فما كان أشدها حرمة وأعظمها وسيلة للشرك فيشتغل بمنعها، ثم ينتقل إلى ما دونها. يقول شيخ الإسلام في هذه المسألة: (والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإن من لم يعرف الواقع في الخلق، والواجب في الدين، لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم يعرف ذلك كان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح) [١٣] . ٧- من الوسائل الوقائية النافعة تجاه هذا الانحراف: العمل بقاعدة سدّ الذرائع؛ فكل ما كان وسيلة أو ذريعة تؤول إلى الشرك فينبغي التحذير منها ومنعها حماية لجناب التوحيد؛ فالتهاون في هذه الوسائل يفضي إلى الوقوع في الشرك بالله عز وجل والخروج عن الملة، فمثلاً الصلاة عند القبور والبناء عليها أمور حرمها الشارع؛ لأنها طريق ووسيلة تفضي إلى الشرك بالله تعالى، وقد أشار العلامة الشوكاني ﵀ إلى أن البناء على القبور سبب رئيس في عبادة القبور فقال: (فلا شك ولا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور ووضع الستور عليها وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسن؛ فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور الستور الرائعة، والسرج المتلألئة، وقد سطعتْ حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشدّ وسائله إلى ضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلاً قليلاً، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، فيصير في عداد المشركين) [١٤] . ب- المسلك العلمي: وهذا المسلك يقوم به أهل العلم وطلابه تجاه دعاوى القبوريين وشبهاتهم، وسنعرض لجملة من الأجوبة العلمية على النحو الآتي: ١- إذا كان أهل السنة ينطلقون من منهج متين أصيل في التلقي والاستدلال، فإن القبوريين يعوّلون في تلقيهم واستدلالهم على المنامات والأحاديث المكذوبة والحكايات المزعومة. فيحتجون بأحلام شيطانية على تجويز شركهم وكفرهم بالله تعالى، ومن ذلك أن أبا المواهب الشاذلي يقول: (رأيت رسول الله ﷺ ، قال لي: إذا كانت لك حاجة وأردت قضاءها فأنذر لنفيسة الطاهرة ولو فلساً؛ فإن حاجتك تقضى) [١٥] . فهذا حلم شيطاني، ودعوة صريحة للشرك بالله ، ونقض التوحيد، وتنقّص لمقام سيد المرسلين ﷺ الذي مكث ثلاثاً وعشرين عاماً يدعو إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، ويسد كل طريق يفضي إلى الشرك. وعلى كلّ؛ فالمنامات لا يمكن ضبطها، وصاحبها ليس نبياً معصوماً، ومن ثم فلا يعتمد عليها؛ فكيف إذا كانت حلماً شيطانياً وخالف الأحكام الشرعية، بل وخالفت الأصل الأصيل وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؟ يقول شيخ الإسلام: (وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رُئِيَ في المنام هناك؛ ورؤية النبي ﷺ أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تقصد البقعة لأجلها، وتتخذ مصلى بإجماع المسلمين، وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب) [١٦] . ويحتجون بأحاديث مكذوبة مثل: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور) . (فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ ، بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة) [١٧] . وأشار ابن القيم ﵀ إلى أن هذا الحديث من الأحاديث المختلَقة التي وضعها أشباه عبّاد الأصنام من المقابرية على رسول الله [١٨] . كما يعتمدون على حكايات في تجويز الغلو في القبور والاستغاثة بها، وأن الدعاء عندها هو الترياق المجرّب.. وغالب هذه الحكايات من اختلاق الدجّالين الأفاكين الذين لا يهمهم إلا أكل أموال الناس بالباطل والصدّ عن دين الله تعالى [١٩] . وقد أشار ابن تيمية إلى أن هذه الحكايات (إما كذب، أو غلط، أو ليس حجة) [٢٠] ، كما ذكر أن إجابة الدعاء، قد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمراً قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى [٢١] . وقد تكون تلك الحكايات صحيحة، ولكنها من الشيطان، فإنه قد يتراءى لبعضهم في صورة من يعتقد فيه، ويتسمى باسمه، وقد تقضي الشياطين بعض حوائج من استغاث بالأموات.. يقول ابن تيمية: (وهكذا كثير من أهل البدع والضلال والشرك المنتسبين إلى هذه الأمة؛ فإن أحدهم يدعو ويستغيث بشيخه الذي يعظمه وهو ميت.. ويرى ذلك الشخص قد أتاه في الهواء ودفع عنه بعض ما يكره، أو كلّمه ببعض ما سأله عنه.. وهو لا يعرف أن تلك شياطين تصوّرت على صورته لتضله، وتضل أتباعه، فتحسّن لهم الإشراك بالله ودعاء غير الله) [٢٢] . فيتعين على أهل العلم كشف عوار مسلك القبوريين وبيان تهافته، وفساد التعويل على المنامات والأحلام، والأحاديث الموضوعة، والحكايات المزعومة، مع تقرير المنهج الصحيح في التلقي والاستدلال كالاعتماد على الكتاب والسنة الصحيحة، واعتبار فهم السلف الصالح ونحو ذلك. ٢- ومن الأجوبة المجملة المحكمة ما ذكره إمام الدعوة ﵀ في الرد على شبهات القبوريين بقوله: (جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: [هُوَ الَذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاًوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ] [آل عمران: ٧] . وقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) أخرجه البخاري ومسلم. مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي- ﷺ يُستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى هذا الكلام الذي ذكره فجاوِبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء، مع قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهذا أمر محكم بيّن لا يقدر أحد أن يغير معناه. وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام النبي ﷺ ، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخالف كلام الله ، وهذا جواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله فلا تستهن به) [٢٣] . فهذا جواب سديد وحجة ظاهرة تجاه كل شبهة. وقد ساق المؤلف جواباً في توضيح هذا الجواب، فإقرار مشركي العرب بتوحيد الربوبية وأن كفرهم بسبب اتخاذهم وسائط بينهم وبين الله تعالى، يسألونهم ويدعونهم يُعَدّ أمراً محكماً ظاهراً لا اشتباه فيه ولا التباس، وأما احتجاج المبتدع لباطله ببعض النصوص الشرعية فهو أمر مشتبه ومشكل لا يُعلم معناه بالنسبة لذلك الموحد ولا يترك المحكم الواضح ويتبع المتشابه إلا أهل الزيغ؛ مع يقيننا أن أدلة الحق لا تتناقض سمعية كانت أو عقلية؛ فالنصوص الشرعية يصدّق بعضها بعضاً، فما كان متشابهاً فيردّ إلى ما كان محكماً، بل نجزم أن أهل البدع لا يكادون يحتجون بحجة سمعية ولا عقلية إلا وهي عند التأمل حجة عليهم لا لهم [٢٤] . وهؤلاء القبوريون من أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، ليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر حتى يكون هواه تحت حكمه، بل نظر مَنْ حكم بالهوى، ثم أتى بالدليل كالشاهد له [٢٥] . وشبهاتهم التي احتجوا بها إن صحت من المتشابهات التي يتعين ردّها إلى المحكمات من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء والاستغاثة وسائر أنواع العبادة والنهي عن الشرك وذرائعه. ٣- وإذا انتقلنا إلى الجواب عن شبهاتهم، فنقول ابتداءً: لا يوجد لدى القبوريين دليل صحيح صريح في تجويز استغاثتهم بالقبور، وما قد يصح من شبهاتهم إنما قد يُستدل بها عند البعض على جواز التوسل إلى الله تعالى بالذوات، فلا تدل على جواز الاستغاثة بالقبور. والتوسل إلى الله تعالى بالذوات بدعة محدثة، بينما الاستغاثة بالقبور كفر وردة، فالفرق بينهما ظاهر. يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب موضحاً الفرق بين التوسل والاستغاثة: (وبينهما فرق عظيم أبعد مما بين المشرق والمغرب.. فالعامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين كقول أحدهم: أتوسل إليك بنبيك، أو بملائكتك، أو بالصالحين، أو بحق فلان وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، ولا يسألونها وينادونها؛ فإن المستغيث بالشيء طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعو ولا يطلب منه، ولا يسأل وإنما يطلب به، وكل أحد يفرّق بين المدعو به وبين المدعو والمستغاث، ولا يعرف في لغة أحد من بني آدم أن من قال: أتوسل إليك برسولك أو أتوجه إليك برسولك؛ فقد استغاث به حقيقة، فإنهم يعلمون أن المستغاث به مسؤول مدعو، فيفرّقون بين المسؤول وبين المسؤول به) [٢٦] . ومع ذلك فالتوسل إلى الله تعالى بالذوات أو الجاه قد صار ذريعة إلى دعاء القبور والتعلق بها، وما قد يُستدل به على التوسل إلى الله بالذوات أو الجاه، فإما أن يكون صريحاً لكنه لا يصح ولا يثبت، وما قد يكون صحيحاً فلا يدل على مرادهم، وإنما يدل على التوسل المشروع كالتوسل بأسماء الله وصفاته والعمل الصالح كما بسط في موضعه [٢٧] . وأمر آخر وهو أن القبوريين قد لبّسوا على العوام وأشباههم بهذه الألفاظ المجملة المشتركة، فصاروا يطلقون لفظ (التوسل) مثلاً على الاستغاثة بالقبور ودعائها، فيظن البعض أن مرادهم التوسل إلى الله بالذات أو الجاه.. فيقع اللبس والإشكال. والتحقيق أن هذه الألفاظ المجملة يتعين تفصليها وبيانها، وقد بيّن أهل العلم ما يحمله لفظ (التوسل) من الإجمال والاشتراك، ومن ذلك ما قاله الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: (إن لفظ التوسل صار مشتركاً، فعبّاد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله ودعائه رغباً ورهباً، والذبح والنذر والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق. وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة، فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد ﷺ ، وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة.. ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر (الهيثمي [] ٢٨ [. ومن شبهات القبوريين قولهم: إن مشركي العرب لم يكونوا يعترفون بالربوبية لله تعالى ونحن نعترف بأن الله تعالى هو الرب المدبّر الخالق. فالجواب عن هذه الشبهة: أن مشركي العرب مقرون بتوحيد الربوبية، فلم ينازعوا فيه، بل إن هذا التوحيد لم ينازع في أصله أحد من بني آدم] ٢٩ [، والدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ واستحل دماءهم كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق المدبّر لقوله سبحانه:] قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [ ] يونس: ٣١ [. قال قتادة ﵀: (إنك لست تلقى أحداً منهم إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه وهو مشرك في عبادته) ] ٣٠ [. وقال ابن جرير ﵀ عند قوله تعالى:] فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [ ] يونس: ٣١ [: (أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئاً ولا يملك لكم ضراً ولا نفعاً) ] ٣١ [. فالإقرار بربوبية الله تعالى لا يتحقق به التوحيد المطلوب، فمشركو العرب مقرون بتوحيد الربوبية، ومن ذلك قاتلهم رسول الله ﷺ ، واستحل دماءهم حتى يفردوا الله بجميع أنواع العبادة. ومن شبهاتهم: دعواهم أن الآيات القرآنية نزلت فيمن يعبد الأصنام والأحجار.. فلا تشملهم. وجوابها: أن الشرك بالله أن يجعل لله نداً في العبادة سواءً كان صنماً أو حجراً أو نبياً أو ولياً. ومما قاله العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀ جواباً عن هذه الشبهة: (الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئاً يختص به سبحانه سواءً أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية كالصنم والوثن أو أطلق عليه اسماً آخر كالولي والقبر والمشهد) ] ٣٢ [. وإن أراد القبوريون بمقولتهم: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، بأنه لا يجوز تنزيل هذه الآيات على من عمل عملهم؛ فهذا من أعظم الضلال. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن هذه المقولة: (فهذا ترس قد أعدّه الجهال الضلاّل لردّ كلام، إذا قال لهم أحد: قال الله كذا، قالوا: نزلت في اليهود، نزلت في النصارى، نزلت في فلان ... وجواب هذه الشبهة (الفاسدة) أن يقال: معلوم أن القرآن نزل بأسباب، فإن كان لا يُستدل به إلا في تلك الأسباب بطل استدلاله، وهذا خروج من الدين، وما زال العلماء من عصر الصحابة فمن بعدهم يستدلون بالآيات التي نزلت في اليهود وغيرهم على من يعمل بها) ] ٣٣ [. ومن شبهاتهم: أن سؤالهم أرباب القبور من أجل طلب الشفاعة، فهؤلاء الموتى شفعاء بينهم وبين الله تعالى. والجواب: أن الله قد سمى اتخاذ الشفعاء شركاً، فقال سبحانه:] وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ ] يونس: ١٨ [. وأمر آخر أن الشفاعة كلها لله تعالى كما قال سبحانه:] قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً [] الزمر: ٤٤ [، وقال :] وَلا يَمْلِكُ الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ [] الزخرف: ٨٦ [. يقول ابن تيمية: (فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكاً لها، بل هذا ممتنع، كما يمتنع أن يكون خالقاً ورباً. قال سبحانه:] وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [] سبأ: ٢٣ [فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقاً يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك) ] ٣٤ [. وجواب ثالث: أن الله تعالى أعطى الأنبياء والأولياء الشفاعة، لكن نهانا عن سؤالهم ودعائهم، فقال سبحانه:] وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإن فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ [] يونس: ١٠٦ [، والشفاعة نوع من الدعاء] ٣٥ [، ولا يكون الدعاء إلا لله تعالى وحده. كما أن إعطاء الله الأنبياء والأولياء الشفاعة ليس تمليكاً مطلقاً، بل هو تمليك معلّق على الإذن والرضا، وسيد الشفعاء ﷺ لا يشفع حتى يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفّع) ] ٣٦ [. والحديث عن شبهات القبوريين والرد عليها طويل جداً، وإنما ذكرنا بعضاً منها، وقد صُنفت مصنفات نافعة تتضمن الرد على شبهات القبوريين، مثل قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، والرد على البكري والرد على الأخنائي كلها لشيخ الإسلام ابن تيمية، وإغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، لابن القيم، والصارم المنكي في الرد على السبكي، لابن عبد الهادي، وكشف الشبهات، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد للصنعاني، والنبذة الشرعية النفيسة في الرد على القبوريين لحمد بن معمر، والدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، لمحمد ابن علي الشوكاني، وصيانة الإنسان عن وسوسة دحلان لمحمد بشير السهسواني، وتطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران، لأحمد بن حجر آل بوطامي، وتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، لمحمد ناصر الدين الألباني، والدعاء ومنزلته في العقيدة الإسلامية لجيلاني بن خضر العروسي، وغيرها كثير. يتبع في العدد القادم إن شاء الله،،،

стр. 2899

ملفات (القبور والأضرحة دراسة وتقويم) سيف السياسة.. بين نصرة الحق.. ومظاهرة الباطل عبد العزيز مصطفى عبادة الأضرحة والقبور شرك لا شك فيه، ومنكر عقدي تتضاءل بجانبه ومقارنة به المنكرات العملية الأخرى؛ فهو المنكر الذي ينبغي ألا تلين لأهل التوحيد قناة في إنكاره بالقلب واللسان واليد ... والمنكر الذي لا يسع العامة السكوت عليه، ولا الخاصة التغافل عنه ... فهو يزداد ويقوى بضعف الإنكار وقلته، ويمحق ويضعف بقوة الإنكار وشدته.. وواجب الإنكار هذا؛ ليس مفروضاً على الأفراد فقط، ولا هو مسؤولية الحكومات فحسب، بل هو واجب مشترك على كلٍ بحسبه، وكل بمقدار استطاعته ووسعه. والذي لا شك فيه أن قدرات الحكومات والدول على إنكار مثل هذه المنكرات لو حصل فإنه يكون أوقع للأثر المطلوب وأقطع لدابر الفتنة، وأمنع لذرائع الشرك، وهذا ما تعلمناه من قول عثمان ﵁: (إن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن) ... وهذا تعلمناه أيضاً من درس التاريخ الذي يُجمل لنا بمجموع قصصه حقيقة مؤداها: أن الحق لا ينتصر لمجرد أنه حق، بل لا بد من قوة تسنده وفئة تعاضده وأنصار يقومون به. ولهذا لمّا شرع الله تعالى الجهاد قال: [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ] [محمد: ٤] ، ولهذا أيضاً شرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعله عنواناً لخيرية الأمة المسلمة المنتصرة للحق.. [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [آل عمران: ١١٠] ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن، وظيفة أمة، ومسؤولية أفراد ودولة، بل هو ألصق بالدولة في بعض الأحيان من الأفراد. فهذه الفريضة أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء من وظيفة الدولة في الإسلام، فهي ليست مجرد جهود شخصية من بعض المتطوعين أصحاب النوايا الحسنة، وليست أصواتاً تعلو فوق المنابر تخاطب البناء التحتى للمجتمع الذي لا يملك حولاً ولا قوة حيال المنكرات والمفاسد المدخولة ... لا، ليس الأمر كذلك، ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركن من أركان خطة الدولة في الإسلام، وهو الشعيرة التي تمثل الأرضية التي تنطلق منها السياسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية وغيرها. ومعلوم أن هناك منكرات لا تكفي لها جهود الأفراد، ولا هبّات المجموعات، وإن كان ذلك مطلوباً بل لا بد فيها من سلطة تملك، وقوة تتحرك، ودولة تتصرف؛ فتغيير مثل هذه المنكرات والتمكين للمعروف الذي يناقضها، هو أحد أغراض الولاية العامة، بل هو أهمها. فالحكام إنما ينصّبون في الإسلام لولاية الأمر، وهو الدين. والدين لا يقوم إلا بالأمر به والنهي عن ضده، يقول ابن تيمية ﵀ (.. وولي الأمر إنما ينصّب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يمكّن من المنكر، كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالاً يجاهد به في سبيل الله، فقاتل به المسلمين) [١] . لا بد إذن من سلطة تنصر الحق وتقمع المنكر، وهذا ما دل عليه القرآن أيضاً، في قول الله تعالى: [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاًسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ] [الحديد: ٢٥] (فالكتاب والميزان هما ما نُقل صدقاً، وما شُرع عدلاً لإقامة الناس على شريعة الحق اتباعاً للرسل، فمن أبى جعل الحديد رادعاً لكل معاند بعد قيام الحجة) [٢] . وإذا كان لا بد من إنكار المنكر والأمر بالمعروف، فإن أنكر المنكرات هو الشرك، كما أن أعرف المعروفات هو التوحيد، ولذلك كانت دعوة الأنبياء جميعاً في جوهرها أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك ... فقد قاوموا الشرك بكل صوره بكل ما آتاهم الله من قوة في العلم والبيان والنطق واللسان والسيف والسنان. وعندما نستعرض أخبار هؤلاء الأنبياء في تعاملهم مع واقع المنكرات العظيمة الموجودة في عصورهم، نرى حقيقة ماثلة، تستلفت الانتباه، وهي: أن جهودهم في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، كانت تحتاج دائماً إلى نصرة، وأحياناً إلى سُلطة، فبعض هؤلاء الأنبياء كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بمفرده، أو مع فئة قليلة معه، كنوح وإبراهيم وهود وصالح، ومنهم من صارت له قوة وشوكة، وأنصار وسلطة، كيوسف وموسى وداود وسليمان ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين فهل كانت دعوة الحق قبل التمكين كحالها بعد التمكين؟ وفي المقابل: هل كان المنكر المنتصر بالقوة والمستعلن بالسلطان، كالمنكر المخبوء في أوكاره، والمتخفي بأفكاره؟ ! .. لا يستوون.. فإذا جئنا إلى رسالة النبي الخاتم محمد ﷺ ، نراه يبطل الشرك منذ مبدأ بعثته، ويسفّه أحلام المشركين، ويحقّر آلهتهم، لكنه لم يُعطَ في البداية إذناً بالتغيير، ولم يؤيّد في مكة قبل الهجرة بالسلطان، ولهذا كان يأتي الكعبة عابداً ناسكاً ... لا يستطيع أن يمس أصنام المشركين المحيطة بالكعبة، وفي سائر البلد الحرام، بل في سائر الجزيرة. ولكن ... ماذا كان الأمر عندما مكّن الله له، وجعل له السلطان على أهل مكة بعد الفتح ... ؟ إنه لم يتأخر عن تغيير المنكر الأكبر في مكة؛ فلم يكد ينتهي من صلاة الظهر يوم الفتح، إلا وهو يصدر الأمر بأن تكسّر الأصنام وتحرّق، وكان يشارك بيده الشريفة في ذلك.. لقد كان بمكة يومها من الأصنام ما يبلغ ثلاثمائة وستين صنماً، منها أصنام حجرية وأوثان شجرية، ولم تشرق الشمس بعدها على صنم يُعبد في مكة ما دام للحق فيها سلطان. ولقد استؤنفت المسيرة بعد ذلك في حرب الشرك والوثنية في كل الجزيرة العربية، حتى لا يبقى فيها دينان ... وعندما بعث الرسول ﷺ معاذاً إلى اليمن كي يلي أمر أهلها؛ قال له: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها) [٣] . لقد كانت مظاهر الشرك والوثنية مقموعة ممنوعة في أرض الإسلام طيلة عهود الخير وقرون التفضيل، في عصور الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهكذا ظل الأمر في كل عهد كان لأهل الحق فيه صولة ودولة. فالحق يظهر دائماً بظهور أهله ... ويخفى ويضعف بخفتهم وضعتهم.. نحن في حاجة إلى أن نتجول في مسارب التاريخ ومدارات الزمن، لنستيقن من هذا السَنَن، فلو ألقينا نظرة على سيرة المصلحين من أتباع الأنبياء، لوجدنا في قصصهم عظة كما أن في سير النبيين عبرة. أمامنا نموذجان لدعوات رامت الإصلاح واستهدفت إقامة شعائر الدين، وجعلت التمكين للتوحيد غايتها ورايتها. النموذج الأول: هو دعوة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀. النموذج الثاني: هو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. أما دعوة ابن تيمية، فكما نعلم أنها جاءت في ظروف تاريخية حرجة، جابه سلطان الإسلام فيها أعظم الأخطار؛ فالمغول من بعد الصليبيين؛ واجهت الأمة بهم فتناً دهماء بكماء صماء، وقد ولد ابن تيمية ﵀ في أيام حكم المماليك الذين كانت دولتهم تضم ما يمثل في عصرنا مصر وسورية ولبنان وفلسطين، وكانوا قوة لا يستهان بها في ذلك الوقت بالرغم من الضعف العام الذي انتاب بقية أجزاء العالم الإسلامي. وكان ابن تيمية مدركاً لطبيعة عصره، متفهماً لحقيقة الصراع، وكان على يقين بحاجة الأمة في مصر والشام إلى ولاية شرعية عامة، تقف وراءها لمواجهة الفتن، ولم يكن أمامه من يصلح لتمثيل تلك الولاية إلا المماليك، فقد رأى فيهم قوة للدين بالرغم من مثالبهم المتعددة، فأعطاهم تأييده المشروط وهو: الطاعة في المعروف. لقد استطاع هؤلاء المماليك أن يؤسسوا حكماً مستقلاً، فكانوا بذلك أملاً في الخروج من المحنة، ورأى ابن تيمية المصلحة في شد أزرهم وتقويم اعوجاجهم وتقويم الأمة بهم حتى تتعافى أمام الصعاب. والمتأمل في سيرته ﵀ يرى أنه كان يستمد من تلك السلطة العون بعد الله في إنكار المنكرات، ومواجهة أصحاب البدع والمحدثات، الذين زادوا الأمة ببدعهم وهناً على وهن. وبالنظر إلى عداوته الشديدة لهؤلاء المبتدعة وأمثالهم من الأحمدية والكسروانية والحشاشين، فقد (سعى جاهداً لإزالتهم من الوجود، وحث السلطة على إبادتهم قدر الإمكان) [٤] . وقد أعلن حرباً لا تعرف الهوادة ضد فكر الصوفية الغلاة، وخاصة (ابن عربي) الملحد، فلم يدخر وسعاً في تفنيد آرائه ونقض أفكاره، وكذلك إقناع الحكام بوضع حد لسريان خدعه وبدعه وضلالاته التي كانت تسري في العامة سريان النار في الهشيم. لقد رأى ابن تيمية أن أوضاع المسلمين تسير نحو الأسوأ إذا تُرِكَ أمثال هؤلاء الذين يوجهون الأمة نحو الشعوذة والسحر والخرافة ... بما ينتهي بهم إلى ضروب من البدع الاعتقادية الشركية ... ولم يشأ أن يقصر جهده على مقاومة العدو الخارجي، بل كان على يقين أن عدو الداخل من المنافقين، هو السند والمعين لعدو الخارج [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ] [المنافقون: ٤] . لقد رأى غلاةَ الصوفية يستغلون ضعف العلم والإيمان في طبقات من الناس فيغرونهم بأفكار عن وحدة الوجود ووحدة الشهود، وكرامات الأولياء ومنازل الأقطاب وقداسة الأضرحة والأعتاب.. فتصدى لهم وكان لهم بالمرصاد في دمشق ومصر. وقد كان من حسن حظ المسلمين في ذلك العصر، أن بعض الولاة بالرغم من مثالب كثيرة عندهم كانوا يكنون للعلماء احتراماً، ويمكنون لهم في دعوتهم، ويرون لهم حقاً في توجيه مسار الأمة. وكان ابن تيمية بدوره يعطي لهم ما أرادوا من الطاعة في غير معصية، ويستعين بهم بعد الله في إنكار المنكرات وإظهار الشعائر وإقامة الدين. وكان يقول في ذلك: (يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها) [٥] . وكان يستصحب هذا المفهوم النظري في تطبيقه العملي، ففي عام خمس وسبعمائة خرج ابن تيمية مع طائفة من جيش المسلمين في صحبة نائب السلطنة، فساروا في بلاد تسيطر عليها طائفة غالية من الروافض، فغزوهم وانتصروا عليهم بإذن الله، وهلك كثير من فرقتهم الضالة وعاد نائب السلطنة إلى دمشق وفي صحبته ابن تيمية وجنود الجيش [٦] . وكان قد قام قبل ذلك بأمر من قبيل إنكار المنكر باليد، فذهب إلى مسجد يسمى (التاريخ) وعمد هو وأصحابه إلى صخرة مجاورة للمسجد على ضفاف نهر، كان الجهال يزورونها ويفعلون عندها الأفاعيل الشركية، فاصطحب معه حجّارين، وتعاون هو وأصحابه معهم في تحطيمها وتقطيعها. قال ابن كثير: (فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيماً، وبهذا وأمثاله حسده الأعداء، وأبرزوا له العداوة) [٧] . والنموذج الثاني الذي سنعرض له، هو نموذج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد كانت الفترة التي عاصرها (مطلع القرن الثاني عشر الهجري) فترة انتكاس في الفطر، وارتكاس في العقائد؛ ذلك أن مظاهر الشرك الجلي قد ظهرت في مواطن كثيرة من بلاد الإسلام، وتمثل هذا الشرك في تحول فئام من الناس إلى عبادة الأولياء والصالحين أمواتاً وأحياءً؛ فكل ما يجب أن يصرف لله تعالى من العبادات القلبية والعملية، كان يصرفها أولئك للمقبورين بزعم أنهم كانوا صالحين، فاستغاثوا بهم في النوازل ونذروا وطافوا وتمسحوا بآثارهم ومدافنهم، بل تعدى الأمر إلى الشرك بالجمادات كالأحجار والأشجار. وقد كان في بلاد نجد من تلك الانحرافات ما قض مضجع الشيخ وأنقض ظهره، فلم ير لنفسه عذراً في السكوت على هذا الشر المنتشر في الآفاق. ففي (الجبيلة) كان الناس يقصدون قبر (زيد بن الخطاب) ﵁ ويدعونه لتفريج الكرب وكشف النوب، فعكف الناس على عبادتها، وصارت لعبادة تلك المقابر أعظم المنزلة في صدور الناس رغباً ورهباً، وكان في أسفل الدرعية غار كبير يزعم الجهال أن الله تعالى شقه في جبل لإنقاذ امرأة من بعض الفسقة الذين أرادوها بسوء، فكان الجهلة يرسلون إلى الغار وهو أحجار اللحم والخبز وصنوف الهدايا. وفي شعيب (غبيرة) كان الناس يأتون من المنكر ما لا يعهد مثله عند قبور الصالحين. وخاصة عند القبر الذي يزعمون أن فيه (ضرار بن الأزور) وكانت طوائف من الخلق تأتي إلى شجرة (الطرفية) فيتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا رزقوا ولداً لعله يسلم من الموت! هذا في بلاد نجد، أما في بلاد الحجاز، فلم يكن الأمر بأقل سوءاً من هذا؛ ففي مكة كانت تعلو الاستغاثات والأدعية عند قبر (أبي طالب) وقبر (المحجوب) وكان تعظيم هذين القبرين يفوق تعظيم الكعبة عند كثير من الجهال؛ حتى إن السارق أو المعتدي أو الغاصب إذا لجأ إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحد بما يكره، أما إن تعلق بالكعبة فإنه يسحب فيها بالأذيال؛ تفريطاً منهم بحقها. وكذلك كانت ترتكب الشنائع الاعتقادية والأخلاقية عند قبر (ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين) ﵂ في (سَرِف) وكذلك عند قبر أم المؤمنين (خديجة) ﵂ في (المعلاّة) . وفي الطائف كان قبر عبد الله بن عباس ﵄ يُتخذ مزاراً يقف أمامه المكروبون مستغيثين، والخائفون متضرعين، وأصحاب الحاجة والمسألة داعين مسترزقين. أما في المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فقد خالف الناس سنته، واتخذوا قبره عيداً، وهو الذي برئ من ذلك وقال (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) [٨] . ولكن تلك المظاهر الوثنية التي حذر الرسول ﷺ منها تسللت إلى جزيرة الإسلام، وأبت إلا أن تشوه نقاء التوحيد فيها، وحق على بعض أهلها قول الرسول: (لا تقوم الساعة حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) [٩] . فتعددت البقاع التي يعصى فيها الله بتلك الموبقات. فإلى جانب ما ذكرنا كانت ذرائع الشرك تقام على نطاق كبير في الأماكن المحيطة بالمدينة، وفي المزارات التي تكثر فيها مقابر الصحابة، في قباء والبقيع وغيرها. أما في جدة، فقد بلغ الضلال والفحش غايته عند القبر المزعوم أنه لحواء ﵍ فكانت تجبى إليه الأموال كل عام، ويأكل السدنة عنده أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله [١٠] . وإذا كانت هذه بعض مظاهر الانحراف داخل الجزيرة العربية مهد الإسلام فما بالنا بما كان خارجها من الانحرافات؟ ! المقصود هنا أن مظاهر الانحراف في العقيدة عمت تلك الجزيرة إلا من رحم الله. ولكن لطف الله استنقذ الناس من هذه الوهدة بمحمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد قام بوجه الفتنة كأمة وحده، ونافح ودافع عن عقيدة التوحيد الخالص لينقيها ويصفيها من شوائب الشرك وأدران الوثنية. ونتساءل هنا: أكان بوسع الشيخ أن يصمد أمام طوفان الانحرافات بمجرد كلمات وعظية أو خطب منبرية ونصائح وقتية فحسب؟ ! الجواب الذي لا شك فيه أن لا! ... إن محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد سار وفق سيرة رسول الله محمد ابن عبد الله ﷺ عندما قام يطلب النصير لدعوته: (من يحميني حتى أبلغ دعوة ربي) [١١] . وهذا ما سارت عليه كل الدعوات الإصلاحية في تاريخ أمة الإسلام بعد ذلك. كان مبدأ تحرك الشيخ لمحاربة مظاهر الشرك عندما عرض على رئيس بلدة العيينة (عثمان بن حمد بن معمر) الدعوة، فاستجاب لها واتبعه عليها وناصره فيها، وألزم الخاصة والعامة أن يستجيبوا إليها. عند ذلك لم يجد الشيخ مناصاً من التحرك العملي بهؤلاء الأنصار لتغيير المنكرات الشركية، وبدأ بالعيينة نفسها، لقد انطلق مع نفر من الأتباع المخلصين فخلصوا العيينة مما كان فيها وحولها من القباب والمشاهد والمساجد المبنية على قبور الأولياء والصالحين، وكذلك قطعوا الأشجار التي كان الناس يعظمونها ويتبركون بها. وكان الشيخ هو الذي تولى بنفسه هدم القبة المقامة فوق قبر زيد بن الخطاب، وسوّاها بالأرض امتثالاً للأمر النبوي لمعاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن. ولقد كان لهذه الأعمال الإصلاحية وقع الصاعقة على المنتفعين بالانحراف في البلدان المجاورة، وخاصة أصحاب السلطان منهم، فلقد خافوا من تلك الدعوة وتأهبوا لمواجهتها، ولكن الشيخ لم يأبه بهم، وظل على سيرته في الدعوة العلمية والعملية، إلى أن انتكس والي العيينة بعدما هدده والي الأحساء، وطلب منه التخلي عن الشيخ.. هنا وجد الشيخ أن دعوة مثل دعوته لا يمكن لها أن تقبع داخل أسوار بلدة بعينها، لا العيينة ولا غيرها، فترك العيينة، وانتقل إلى (الدرعية) فوجد من واليها (محمد بن سعود) التأييد والنصرة، مما شجعه على المضي في دعوته.. وهنا أمر لا بد من التنبيه عليه، وهو أن الشيخ ﵀ وجد أن للقبورية الوثنية أنصاراً يدافعون عنها، ويتشبثون بها، ويظهرون كامل الاستعداد للذود عنها بالدم والروح بعد المال والجاه! ظهر له ذلك من موقف جمهرة الكبراء في البلدان المحيطة الذين بادروا دعوته بالعداء حتى قبل أن يسمعوها أو يفهموها! وهنا لم يعد الأمر متعلقاً بمظاهر من الانحراف تحتاج إلى محتسبين من الآمرين الناهين فقط، بل رأى هذا الانحراف واقعاً مستقراً، تقوم عليه مصالح، وتؤسس عليه زعامات ورئاسات تقاوم وتساوم عليه، بل تجاهد وتكابد من أجله.. فلم يكن بُد والحالة هذه من أن يواجه العناد بالجهاد، ولهذا انتقل الشيخ من مرحلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مرحلة الجهاد ... ! . أجل.... (لقد بقي ﵀ يدعو إلى سبيل ربه بالحجة الواضحة وبالموعظة الحسنة، فلم يبادر أحداً بالتكفير، ولم يبدأ أحداً بالعدوان؛ بل توقف عن كل ذلك ورعاً منه وأملاً في أن يهدي الله الضالين، إلى أن نهضوا عليه جميعهم بالعدوان وصاحوا في جميع البلاد بتكفيره هو وجماعته، وأباحوا دماءهم، ولم يُثبتوا دعواهم الباطلة بالحجة من كتاب الله أو سنة رسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكتفوا بما ارتكبوه بحقه من الزور والبهتان، وما اتبعوه من وسائل لإجلائه وجماعته عن البلاد، ومطاردتهم بالتعذيب والاضطهاد، أجل، لم يأمر ﵀ بسفك دم ولا قتال على أكثر أهل الضلال والأهواء، حتى بدأوه بالقتل والتكفير، فأمر الشيخ حينئذٍ بالجهاد، وحض أتباعه عليه فامتثلوا الأمر) [١٢] . لقد ظلت دعوة الشيخ ثابتة على هذه الخُطا ... تأمر بالمعروف وتمكّن له، وتنهى عن المنكر وتتمكن منه وتقضي عليه ... ففتح الله له ولأتباعه كثيراً من البلاد، ودان له ساكنوها من العباد، ذلك في حياته ومن بعد وفاته. وفي مقابل كل ما ذكرنا من الدلالات والشواهد على أن القوة السياسية لها أبلغ الأثر في إخماد الباطل ومنكراته العملية، نذكر بلمحات تدل على العكس، وهو أن القوة السياسية عندما تزيغ بها الأهواء، وتتفرق بها السبل عن الكلمة السواء ... فإنها تنزل بكل ثقلها في خندق الباطل، لتساهم معه في تسديد سهام الشك والإيهام.. ورماح الشر والشرك والحرام على قلوب العوام ... ! وفي تاريخ أمتنا من الشواهد على ذلك الكثير والكثير ... سنتجاوز تلك الدول التي قامت أصلاً على البدع والخرافات، وغرستها غرساً في أرض الإسلام، كالدولة العبيدية الرافضية (الفاطمية) وممالك الفرق الباطنية الأخرى كالقرامطة والإسماعيلية والحشاشين والبويهيين وغيرها مع خطورتها وعظيم ضلالها وانحرافها. ولهذا سنقفز فوق معابر التاريخ إلى العصور الحديثة ... العصور التي يفترض أنها تناوئ الهرطقة، وتناقض الشعوذة.. وتحارب الدجل. هل نأت الثقافات عن الخرافات؟ ... هل تخلت السياسات في هذا العصر عن نصر الخزعبلات أو الاستنصار بها؟ للأسف ... إننا سنسمع من التاريخ الحديث حديثاً، لا يختلف عما أخبرنا به التاريخ القديم ... فالحِلْفُ غير المقدس بين الخرافة والسياسة لا يزال قائماً ... فكلاهما يخدم الآخر ويقايض به.. إننا سنبدأ بمرحلة متقدمة نسبياً في التاريخ المعاصر، وهي مرحلة الدولة العثمانية، خاصة بعد أن أصابتها أدواء الأمم، لقد زاد توغل واتساع الطرق الصوفية في تلك الدولة في مراحل انحدارها، مما كان له أثره الضار على شرائح كبيرة من المجتمعات الإسلامية التابعة لها في مصر والشام وبلاد المغرب والحجاز والعراق وغيرها، وزاد الطين بلة أن السلاطين العثمانيين كانوا يتخذون من مشايخ الطرق خاصة الطريقة النقشبندية مرجعية دينية، فظلت للصوفية هيمنتها وسيطرتها على العامة من الناس، وظلت للخرافة والبدع بذلك تأثيراتها عليهم. استمر هذا حتى بعد سقوط الدولة العثمانية، حيث احتضنت سلطات الاحتلال الأجنبي الطرق الصوفية في البلاد التي بسطت سلطانها عليها. وعمل بعض أولئك على رد الجميل للمحتلين، فكانوا يضفون الشرعية على وجودهم ويسوّغون للناس بقاءهم، ووصل الأمر إلى أن بعض مشايخ الصوفية في مصر، قاموا بجمع توقيعات أثناء ثورة ١٩١٩م تطالب ببقاء الإنجليز في مصر! وكان من هؤلاء شيخ الطريقة (السمانية) : محمد إبراهيم الجمل. لقد أدرك الإنجليز أن الطرق الصوفية تلعب دوراً مهماً من خلال مزاولة أنشطتها بين الطبقة العامة من الشعب، فالصوفية بدعوتها الظاهرية إلى الزهد وترك مباهج الحياة والانصراف عن الدنيا، يمكن أن تضفي الصبغة الدينية على موقف الخنوع والخضوع للمحتل الأجنبي بخلفيات قدرية اتكالية استسلامية، ولهذا حرصت سلطات الاحتلال في مصر وغيرها على إطلاق يد الطرق الصوفية في ممارسة أنشطتها، وقد ساعد على ذلك سيطرة سلطات الاحتلال على وزارة الداخلية مما مكنها من السيطرة على تلك الطرق ومعرفة تحركاتها وأساليبها وتوجيهها إلى الوجهة التي تضمن للمحتل خدمات أكثر. سنأخذ من مصر مثالاً على العلاقة بين السياسة والخرافة، وسنرى أنه كان في مصر كما في بلاد كثيرة غيرها ذلك الحلف غير المقدس بين هاتين القوتين. لقد كانت الصوفية في عهد الملكية المصرية، تضفي طابعاً دينياً على المناسبات المتعلقة بالحكام، حتى تلك المناسبات الخاصة منها؛ فكان مشايخ الطرق يعدون العدة مثلاً للاحتفال بعيد ميلاد الملك، الذي يبدأ من صلاة الفجر بالمواكب التي تجوب الشوارع بالرايات والشارات، وكانت المشيخة العامة تصدر منشوراً عاماً يوزع على الطرق في هذه المناسبة، وتتصل بمأموري المراكز لحماية تلك المواكب، وكانوا كذلك يحرصون على إحياء الذكريات الحزينة لوفاة من يموت من الأسرة الملكية، كذكرى اليوم السابع ويوم الأربعين، والذكرى السنوية الأولى والثانية والثالثة ... إلخ. وكانت بعض الطرق الصوفية بدورها تتلقى المكافأة على تلك المداهنة إلى حد يوصلها إلى المنزلة والقربى بل تتعداها أحياناً إلى السطوة والسيطرة على ساحة التوجيه. ماذا كان يعني هذا النفوذ لهذه الطريقة أو تلك في أوساط المسؤولين السياسيين؟! إنه يعني ضمن ما يعني أن تبسط الحماية (الرسمية) على تلك الطرق ورموزها وأفرادها وأملاكها ومصالحها ... وأهم من هذا وذاك ... تؤمن لها طرق الانتشار الآمن في أوساط العامة.. والخاصة أيضاً! وهذه الحماية الرسمية لأرباب الصوفية؛ أحد الأسباب الرئيسة في انتشار الفكر الصوفي وتغلغله في بلد كمصر في ذلك الوقت.. لا نستطيع أن نجزم بقناعة السياسيين الدينية بهذه الطرق في كل حال، ولكننا نجزم بأنهم كانوا يستفيدون منهم غاية الاستفادة، وفي أدق وأخطر المسائل المتعلقة بالسياسات العليا أحياناً. ومن الأمثلة الصارخة على هذا، أن الملك فؤاد عندما تطلع إلى تولي منصب (الخلافة) في أعقاب إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا، صدّر لهذه المهمة الشيخ (محمد ماضي أبو العزايم) أحد مشايخ الطرق المشهورين في مصر في ذلك الوقت.. ولكن جهود الملك لإعلان نفسه خليفة لم تكلل بالنجاح بعد ذلك، لأسباب كثيرة منها تخلي أبي العزايم نفسه عن هذه الدعوة لصالح الملك فؤاد، وانتهى الأمر بوفاة الملك دون أن يحقق هذا الأمل. وجاء بعد فؤاد ابنه فاروق، وظلت آمال أبيه تداعبه، ومن أجل ذلك سعى لدى نقيب الأشراف في مصر في ذلك الوقت (علي أحمد البيلاوي) كي يبحث له عن أية وسيلة للربط بين أسرة محمد علي (الألبانية) التي جاء منها فؤاد وفاروق وبين النسب النبوي الشريف! ! وبالفعل شكل نقيب الأشراف هذه اللجنة وكان صوفياً وجعل تلك اللجنة تحت إشرافه، وفي عضويتها جمع من مشايخ الطرق وبعض الأزهريين والشخصيات العامة وكان الهدف المعلن من تشكيل اللجنة إثبات نسب الأسرة المالكة بالنسب النبوي الشريف. لم تكن الحكومات فقط هي التي تستعمل الصوفية مستغلة لها في كل أغراضها، بل كذلك كانت الأحزاب السياسية المعارضة، حتى ذوات الصبغة ا?علمانية الفجة منها. فحزب الوفد العريق في علمانيته، كان يعتمد على بعض الطرق الصوفية لحشد التأييد الشعبي له، وكان من هذه الطرق (الطريقة البغدادية) وشيخها (سيد عفيفي البغدادي) واستتل أيضاً الطريقة العفيفية وشيخها: (عبد العزيز عفيفي) وهذه الطريقة تولى مشيختها بعد وفاة شيخها أحد أعضاء حزب الوفد وهو (أحمد الساكت) ، وقد بذل زعيم الوفد (مصطفى النحاس) جهوداً لترشيح عضو الوفد (أحمد الصاوي) شيخاً لمشايخ الطرق الصوفية بمصر! ولما انتهى العهد الملكي في مصر، كان لضباط الثورة مواقف خاصة بهم لضمان ولاء الطرق الصوفية لهم ... لقد كانت الثورة تنظر نظرة عدائية لأي نشاط إسلامي حر، باستثناء الطرق الصوفية؛ حيث اعتبرتها أداة لفريق الثورة الذي كان يستهدف فرض الاشتراكية الإلحادية لا في مصر وحدها، بل في المحيط العربي كله. وأصبح للطرق الصوفية مجلة تصدر عن مجلسهم الأعلى، وكانت شبه ناطقة باسم الحكومة، ومسوّغة لكل إجراءاتها الثورية الاشتراكية. لقد وجد كثير من الناس في الطرق الصوفية سبيلاً إلى ممارسة التدين بطريقة مأمونة تحت المظلة الحكومية، فانتعش الوجود الصوفي الطرقي في تلك الحقبة، بكل ما يعنيه وما يترتب عليه من انتشار الخرافة والدجل والبدعة التي لا يؤمن بها الثوريون أصلاً ولا بغيرها من قيم الدين الصحيحة، ولكنهم وجدوا في الصوفية ضالتهم لإفراغ الإسلام من محتواه الإصلاحي الحقيقي، وليصنعوا منه خادماً لأصول الاشتراكية الثورية. لقد اتسع انتشار الصوفية في بدايات عهد الثورة، حتى إن المجلس الصوفي الأعلى لم يكن بمستطاعه وحده أن يشرف على أنشطة الصوفية، فدفعت السلطة بحزبها السياسي الوحيد في ذلك الوقت وهو (الاتحاد الاشتراكي) لكي يستغل احتفالات ونشاطات الصوفية ليوزع المنشورات ويطلق الشعارات وربما الشائعات للدعاية للنظام. وظلت السلطة مستمرة في دفع عجلة الصوفية للأمام على حساب الاتجاهات الدعوية الأخرى، حتى إنها صدّرت رجلاً من رجالها وهو (أحمد رضوان) وأقحمته لرئاسة مشيخة الطريقة (الخلوتية) التي كان تدعيم الحكومة لها أكثر من غيرها. ولما توفي الشيخ الحكومي سنة ١٩٦٧م، بُني له ضريح، ونُسجت حوله الأساطير، وأسندت إليه الكرامات، والخواراق والمعجزات، التي ربما لم يُسمع عنها لغيره، وربما لم يعلم هو عنها شيئاً طيلة حياته. وقد استمر الدعم الحكومي للطرقية بعد عهد عبد الناصر، حتى أصبحت الطرق الصوفية التي تقرب من الخمسين طريقة، هي النشاط الديني الوحيد التابع لرئاسة الجمهورية رأساً، وله ميزانيته الخاصة في الدولة. وإمعانا في تسويغ الصوفية وتلميع رموزها، تم تعيين استاذ جامعي في منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية وهو (أبو الوفا التفتازاني) واعتبرت الصوفية هذا تكريماً زائداً لهم وعدّوه رداً كافياً على خصومهم الذين يتهمون الطرقية باللاعصرية والجهل مقارنة بالجماعات الإسلامية الأخرى ... وهكذا أخذت الخرافة والدجل والشعوذة باسم الدين طابعاً (أكاديمياً) وإلى الله المشتكى! ! .

стр. 2900

ملفات (القبور والأضرحة دراسة وتقويم) دوافع تقديس القبور والأضرحة وآثارها (١/٢) قبس من الظلمات (ما وراء الطقوس) خالد أبو الفتوح ليس من الطبيعي أن يتوجه إنسان إلى حجر أو شجر أو قبر أو أي مخلوق آخر بأشكال التقديس والتقرب، ولذا: فإن الصورة الساذجة المباشرة لهذه الأعمال لا يتصور أنها تنطلي من أول وهلة وبصورتها الساذجة على المخلوق المكرم بعقله، المميز بفطرته؛ إذ لا بد من وجود حجج وحيثيات تزين هذا الانحراف وتسوغه له، أي: لا بد من وجود (فلسفة) لهذا الأمر حتى ولو لم تظهر مصاحبة له، فهي في كثير من الأحيان تظهر في صورة أشبه ما تكون بالاتجاه النفسي [١] لدى المبتلين بهذا الداء، وهنا تكمن الصعوبة في هذا الجانب من البحث؛ لأننا نريد دخول منطقة (اللاوعي) عند القبوريين للخروج بالوعي الكامن الذي يحركهم ويدفعهم إلى هذه الأفعال التي من المفترض ألا يقبلها عقل راشد، ولا تستسيغها فطرة سليمة، ولا تسمح بها شريعة منزلة.. فكيف فعلها هؤلاء؟ بل كيف تمسكوا بها ودافعوا عنها؟ عودة إلى الوراء: الأمر يستدعي منا أن نعود إلى الوراء لننظر: كيف كان يُدعى الناس من خلال (الحكمة والفلسفة) إلى الانحراف العقدي؟ في البدء كان التوحيد، ولم يكن شرك على وجه الأرض، وكان في الناس بعض المميزين بصلاحهم المبرزين بعبادتهم، ثم طالت فترة الناس عن نور الوحي فقلّ فيهم عدد هؤلاء المميزين، ولكن يبقى الناس مجلين هؤلاء الصالحين، متمسكين بشعاع التقوى والعبادة يريدون عدم الانسلاخ منه، وهنا يبرز الشيطان مزيناً بداية خط الانحراف: (لو صوّرتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم) ، و (أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه به) ، فقط اتخاذ (الرمز) ؛ للتذكرة بالعبادة والصلاح..! ، فصوروا، ثم ماتوا.. فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: (إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها) فعبدوها.. إنه (التقليد) .. فباتخاذ (الرمز) واحترامه وتعظيمه، ثم بـ (التقليد) الذي قاد إلى التقديس حدث أول شرك، وهذا ما حدث في قوم نوح ﵇ [٢] . فكيف كانت (فلسفة) الشرك في قوم إبراهيم ﵇؟ ! نشأت عبادة الكواكب عندهم من التعلق بالملائكة، واعتقاد أنهم (وسطاء) بين الله وخلقه، وأنهم موكول إليهم تصريف هذا العالم، ثم اعتقدوا أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى الله تعالى، وزعموا أنها أحياء ناطقة مدبرة للعالم، وأنها بالنسبة للملائكة كالجسد للروح، فهي الهياكل، والملائكة الأرواح، وأنها متصفة بصفات مخصوصة، ولوجود هذه الصفات استحقت أن تكون آلهة تعبد.. فكانوا يتقربون إلى الهياكل تقرباً إلى الروحانيات، ويتقربون إلى الروحانيات تقرباً إلى الباري تعالى، وهؤلاء يسمون (أصحاب الهياكل) . ولما كانت هذه الكواكب يختفي أكثرها في النهار وفي بعض الليل لما يعرض في الجو من الغيوم والضباب ونحو ذلك رأوا أن ينصبوا لهذه الكواكب أصناماً وتماثيل على هيئة الكواكب السبعة (الشمس، والقمر، والزهرة، والمشتري، وعطارد، والمريخ، وزحل) حينما تصدر أفعالها عنها كما يزعمون، كل تمثال يقابل هيكلاً ... واعتقدوا أن التقرب إلى هذه الأصنام هو (الوسيلة) إلى الهياكل التي هي وسيلة إلى الروحانيات، التي هي وسيلة إلى الله تعالى.. وهؤلاء يسمون (أصحاب الأشخاص) [٣] . مرة أخرى: إنه (الرمز) ، ولكن يظهر هنا جليّاً دور قدسية (الأرواح) التي نسبوها إلى الملائكة، وعقيدة (الواسطة) و (الوسيلة) . ويعيد إبراهيم ﵇ إرساء عقيدة التوحيد صافية نقية، وينشر إسماعيل ﵇ ملة أبيه إبراهيم بين العرب، ويظل أبناؤه على ذلك التوحيد، معظّمين أول بيت وضع للناس الذي جدده خليل الله مع ابنه إسماعيل.. إلى أن بعدت الفترة بين العرب ونور النبوة، ثم اندرس كثير من آثار العلم، فقلّت حصانتهم ضد الانحراف، وأصبحت الفرصة مواتية للتحريف، وهنا برز عمرو بن لحيّ الخزاعي آتياً بالأصنام إلى مكة، فنصبها وأمر الناس بعبادتها وتعظيمها [٤] ، فعبدوها، ولكنهم لم يعبدوها لمجرد كونها حجارة أو أخشاباً، بل عبدوها (معتقدين أنها منازل الأرواح كما بيّن الإخباريون) [٥] .. مرة أخرى: إنه (الرمز) ... و (الأرواح) .. ثم: بسبب (التقليد) وبسبب ضعف تمثل تعاليم الملة الحنيفية في نفوس الناس بل ربما كانت تفاصيل هذه التعاليم قد ضاعت استمرت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها عقوداً متتابعة [٦] ، ووصل الولع بـ (تقديس الرمز) إلى هاوية سحيقة، حيث روى أبو الرجاء العطاردي: (كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو أخير (!) ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طفنا به..) [٧] .. ومع ذلك قالوا: [مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى] [الزمر: ٣] ، وقالوا أيضاً: [هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّه] [يونس: ١٨] ... إنها: (الواسطة) و (الوسيلة) . ونفترض هنا سؤالاً مهماً: لو كان عمرو بن لحي خرج في صحابة رسول الله ﷺ يدعوهم إلى عبادة الأوثان تقرباً إلى الرحمن، أكان يجد من يتبعه منهم؟ بداهة: لا، وإذا كان الأمر كذلك: فلماذا لم يرفض العرب ما جاء به عمرو من تحريف دين إبراهيم وعبادة الأصنام من أول وهلة؟ .. يوضح الإجابة على مثل ذلك كلام لابن القيم ﵀ حيث يقول: (قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع ... وسر ذلك: أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء ولا فهم لحديثه، كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته ... ) [٨] . لم يكن عمرو بن لحيّ أول من ألقى إلى العرب مفهوم تقديس الرمز وإن كان هو أول من جسده في صورة أوثان وأصنام، لقد كان العرب بسبب ضعف آثار علم النبوة الذي أشرنا إليه، وبذريعة (تقديس الرمز) وصلوا إلى ما يمكن أن نطلق عليه: (حالة القابلية للشرك) ، فلقد ذكر ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) وابن إسحاق في سيرته (أنهم كانوا لا يظعن من مكة ظاعن إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم؛ تعظيماً للحرم وصبابة به، فحيثما حل وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة؛ تيمناً منهم بها، وصبابة بالحرم، وحباّ له) [٩] . فتقديس (الرمز) ذريعة إلى الشرك، (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيراً من الأمم: إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب، ونحو ذلك، فلأن يُشْرَك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه.. أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد أقواماً كثيرين يتضرعون عندها، ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد، بل ولا في السّحَر..) [١٠] . حقيقة القبورية: وهنا نأتي إلى القبوريين: كيف تبدأ علاقتهم بالقبر أو الضريح؟ وكيف تنتهي بهم إلى الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك حسب تعبير ابن تيمية رحمه الله؟ .. تبدأ العلاقة بتقديس (الرمز) .. رمز الصلاح والتقوى والمنزلة الرفيعة عند الله، ومن ثم: تستحب زيارة تلك البقاع، ليس لتذكر الموت والآخرة، بل لتذكر (الرمز) والاعتبار به، ولأن هذه الأماكن (مباركة) ، ولأن الملائكة و (الأرواح) تنتشر حولها كما يزعمون، فإن دعاء الله يحسن عندها، فهو أرجح منه في البيت والمسجد وأوقات السّحَر، كما أن البركة (تفيض) على كل شيء حول القبر، فمن أراد التزود منها فليلمس، ويقبّل، ويتمسح، فإذا تقرر ذلك هبط إلى دركة تالية: من دعاء الله عنده إلى الدعاء به والإقسام على الله به، أي: اتخاذه (واسطة) و (وسيلة) للاستشفاع به عند الله؛ فصاحب الضريح طاهر مكرم مقرب له جاه عند الله، بينما صاحب الذنب أو الحاجة يتلطخ في أوحال خطيئته، غير مؤهل لدعاء الله، فإذا تقرر ذلك هبط إلى دركة أخرى: فما دام هذا المقبور مكرماً فليس بممتنع أن يعطيه الله القدرة على التصرف في بعض الأمور التي لا يقدر عليها طالب الحاجة، فيُدعى صاحب القبر، يُرجى ويُخشى، يستغاث به، ويطلب المدد منه، ولِمَ لا؟ ! ؛ فهو صاحب (السر) الذي توجل منه النفوس، وترتجف له القلوب، وتتحير فيه العقول! ، فإذا تقرر ذلك هبط دركة ليست أخيرة، حيث (يتخذ قبره وثناً، يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله، واستلامه، والحج إليه، والذبح عنده، ثم ينقله [الشيطان] درجة أخرى: إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم ... ) [١١] . هذا هو الواقع: ليست المسألة مظاهر وطقوساً مجردة، بل هي أعمال جوارح، نتجت عن أعمال قلوب، تحركها تصورات واعتقادات رسخت في النفوس وتخللتها وذابت فيها إلى الحد الذي لم تعد فيه بارزة منفصلة عن تلك المظاهر والطقوس.. هذا هو التصور المقنع لما يعمله أي إنسان عاقل؛ ف (مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة. فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها) [١٢] . فالحقيقة أن: (من يدعو الأموات ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، لا يصدر منه ذلك إلا عن اعتقاد كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم، هذا إن أراد من الميت الذي يعتقده ما كان تطلبه الجاهلية من أصنامها من تقربهم إلى الله، فلا فرق بين الأمرين. وإن أراد استقلال من يدعوه من الأموات بأن يطلبه ما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية ... ) [١٣] . فالمسألة في حقيقتها: تقديس (الرمز) واتخاذه (واسطة) أو (وسيلة) لقضاء الحاجات وللشفاعة عند الله.. هكذا هي في أدبيات القبوريين: (جاء في الرسالة (٤٢) من رسائل إخوان الصفا [١٤] (٤/٢١) قولهم: من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين والتعظيم لهم ومساجدهم ... فإن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلا اتباع آثارهم والعمل بوصاياهم والتعلق بسننهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار، وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيلهم المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم وتعرف أحوالهم من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك، طلباً للقربة إلى الله والزلفى لديه ... ) [١٥] ..، ومما نقله الشيخ محمد رشيد رضا عن كتاب لأحد دعاة القبور: (وكل ما في الأمر أنه [اي: المتوسّل بغير الله] يرى نفسه ملطخاً بقاذورات المعاصي، أبعدته الغفلات عنه [اي: عن الله] أيما إبعاد، فيفهم من هذا أنه جدير بالحرمان من تحقيق مطالبه وقضاء حاجاته، وله الحق في هذا الفهم ... ) [١٦] . وهكذا هي في مكنون تراثهم الشعبي؛ فإذا استطلعنا الأمثال الشعبية المصرية كنموذج لهذا التراث في العالم الإسلامي نجد منه قولهم: (من زار الاعتاب ما خاب) أي: من زار الأضرحة والأعتاب (المقدسة) قضيت حاجته ونال مراده، (فالاعتقاد الشعبي في الأولياء يتلخص في أن الله قد منح بعض عباده المقربين (امتيازات) لا حدود لها.. يكوّنون حول الرسول ديواناً سماوياً ينشر قدرته) [١٧] . ونجد في هذا التراث أيضاً: (يوضع سره في أضعف خلقه) ، والمفهوم من كلمة (سره) أنها القدرة المستندة إلى أسباب غيبية ومحيرة، وأضعف خلقه مقصود بهم: المجانين والمجاذيب والأطفال ... ولعل من دقيق فقه الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في دين الله، وإحاطة فقهه بواقع الناس وحالهم.. ما جاء في معرض تعريفه للألوهية والإله؛ حيث قال: (فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا: السر، والولاية. والإله معناه: الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه: الفقير، والشيخ، وتسميه العامة: السيد، وأشباه هذا، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلجأ إليهم، ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله) [١٨] ، ويقول أيضاً: ( ... هذا الذي يسميه المشركون في زماننا: الاعتقاد، هو الشرك الذي نزل فيه القرآن..) [١٩] . وكذلك هي في واقعهم؛ يقول أحدهم: (إن الوهابيين يقولون: إن أولياء الله لا يستطيعون دفع الذباب عن قبورهم، ولكنهم لا يعلمون أن لهم قدرة أن يقلبوا العالم كله، ولكنهم لا يتوجهون إلى ذلك) ، ونقلوا عن محمد الحنفي أنه قال في مرض موته: (من كانت له حاجة فليأت إلى قبري، ويطلب حاجته أقضها له) [٢٠] ، (فالاعتقاد السائد: أن البركة إنما تسري من الولي إلى الضريح إلى المناديل والملابس التي مسحت بها، والأغرب من ذلك: ما يحدث عند تغيير كسوة الضريح وعمامة الولي الخاصة، هنا يسعى الجميع للحصول على قطع من هذه الكسوة أو العمامة مع استعدادهم لسداد أي مبلغ يطلب منهم ... ) [٢١] . وذكر المؤرخ الحضرمي صلاح البكري: أن بعض المرضى يأكلون من تراب بعض تلك القبور طلباً للشفاء [٢٢] ، وتقول إحدى الفرق في قبر شيخها: (إن قبره ومزاره دار الشفاء للمرضى، وأنه حلاّل المشاكل، ومسهّل الأمور، وقاضي الحاجات) و (إن المرضى كانوا يستشفون من عيسى، ولكن أحمد رضا يحيي الأموات!) [٢٣] . والمسألة في حقيقتها: اعتقاد في تأثير (الأرواح) ؛ (فإنهم قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى وتفيض على روحه الخيرات؛ فإذا علق الزائر روحه به وأدناه منه: فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوهما على الجسم المقابل له) [٢٤] . ويقول الشيخ أخلاق حسين القاسمي، أحد أبناء طائفة الديوبندية الصوفية: (إن أرواح المؤمنين وخاصة أرواح الأولياء والصالحين قادرة على التصرف في هذا الكون بعد مفارقة الأجساد ... ) [٢٥] . وهذا ما يشهد به واقعهم: فأعراب شرق الأردن يسمّون المقام ولياً؛ لأن أرواح الصالحين تقطن في ذلك البناء، بل يزعمون (أن أرواح الأولياء تسكن في القبور حيث يرقد جثمانها، وهي كالبشر في جميع احتياجاتهم من أكل وشرب، فيدّعون أن الرياح والثلوج تؤثر بهم، والجوع يفنيهم) [٢٦] . وينقل الشيخ محمد رشيد رضا عن أحد دعاة القبورية قوله: (إن الدعاء والاستغاثة بالموتى وبالأحياء من هؤلاء الأحباب سواء؛ لأن الموتى منهم أحياء في قبورهم يفعلون أفعال الأحياء فيها وفي خارجها) [٢٧] ، ويقول آخر: (إن تصرف الأولياء يزداد بعد وفاتهم) [٢٨] . فالقبوريون (أمام قبر الولي يركعون ويبكون ويتوسلون إليه، معتقدين أن الولي ينظر إليهم ويراهم، وأن روحه الطاهرة تحوم حولهم) [٢٩] . ومما يؤكد اعتقاد القبوريين في تأثير أرواح (الأولياء) بالتصرف أن كثيراً من هؤلاء المقبورين كانوا في معظم حياتهم (غير فعالين) في الخوارق، ووجد القبوريون فيهم ذلك بعد مماتهم؛ فالشيخ عبد الله في معان بالأردن عاش بالصلاح والتقوى وكان خطيباً ينذر القوم بالوعد والوعيد، فلم يجد في عشيرته من يعي كلامه ويحفظه، فلما استوفى أيامه أظهر الله كراماته بشفاء كثير على ما زعموا [٣٠] ... بل وصل الأمر إلى حد (أن الأكراد عظموا شريفاً صالحاً مر عليهم في سفره، ولحبهم فيه أرادوا قتله ليبنوا عليه قبة يتوسلون بها) [٣١] . وهكذا هي في التراث الشعبي، فمن الأمثال الشعبية المصرية: (بعد ما راح المقبرة بقى سكّره) أي: أصبح مرغوباً فيه مثل السكر.. فما الفرق بين الحياة والممات إلا في انفصال (الروح) عن الجسد؟ ! . والمسألة في حقيقتها: تعلق القلوب بالضريح وصاحبه والتوجه إليه بمشاعر الإجلال والمهابة.. هكذا يشهد حالهم: (فإن عباد القبور يعطونها من التعظيم والاحترام والخشوع ورقّة القلب والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه) [٣٢] . ولعل السبب في ذلك أن (غرّهم الشيطان، فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيماً، وأشد فيهم غلوّاً، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد) [٣٣] . وهذا ما يقرره أحد مشائخ القبوريين، الذي يقول: (إن صاحب هذا القبر شيخنا محمد إلياس يوزع النور الذي ينزل من السماء في قبره بين مريديه حسب قوة الارتباط والتعلق به) [٣٤] . فكلما توغل القبوري في غيّه كلما حرص على إبراز قوة الارتباط والتعلق بالضريح وشدة تعظيمه وغلوه فيه، وفي ذلك قال ابن الرومي في (شرح المختار) : (قد قرر الشيطان في عقول الجهال أن الإقسام على الله بالولي والدعاء به أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك) [٣٥] ، وعلى ذلك (فقد يقسم الأعرابي بالله دفعات متوالية على أنه يخشى أن يذكر اسم (شعيب) بالكذب مرة واحدة؛ لأنه (مظهر الأسرار وموضح الخفيّات ( [٣٦] ، وعندما سئل أحد التجار: لماذا يقسم بصندوق ضريح القرية، ولا يقسم بالله عندما يحاسب زبائنه؟ أجاب: (إنهم هنا لا يرضون بقسم الله، ولا يرضون إلا بقسم صندوق نذور الضريح أو سور الضريح لسيدنا فلان) [٣٧] .. فهل هذا إلا للتعظيم والإجلال والرهبة وتعلق القلب بالضريح وصاحبه؟ وأحوالهم في ذلك عديدة: فمقام (النبي هارون) بالأردن: (يهجع الزائر (المؤمن) تحت ظله فيشعر بما لا يوصف من المسرة والحبور) ، وتزور المرأة العاقر مقام (النبي يوشع) (حافية خاشعة، وتجثو أمام الضريح وتقبله بدموع وتضرع.. ومنهن من يرقدن الليالي الطويلة بين أسواره بالصوم والصلاة ثم يغادرنه وفي أنفسهنّ الآمال والمسرات) [٣٨] .. ويلخص هذا التعلق أبو الثناء الآلوسي عندما يصف موقفاً مر به في إحدى زياراته للأضرحة والمزارات، فيقول: (حتى أتينا قرية يقال لها (قارحين) وهناك قبر عليه قبة ثلجية قد زرناه فلم نحس منه (بروحانية ( [٣٩] .. ويقول البريلوي أحمد رضا المسمي نفسه بعبد المصطفى: (إنني لم أستعن في حياتي بأحد ولم أستغث بغير الشيخ عبد القادر، وكلما أستغيث أستغيث به، ومرة حاولت أن أستغيث وأستعين بولي آخر، وعندما أردت النطق باسمه للاستغاثة والاستعانة ما نطقت إلا بـ (يا غَوْثاه) ، فإن لساني يأبى أن ينطق الاستعانة بغيره) [٤٠] .. وهذا الموقف النفسي يرصده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما يتحدث عن تفرق القبوريين حسب تمسك كل منهم بالضريح الذي تتوق نفسه إليه، فيقول: (ولهذا كان المتخذون القبور مساجد لما كان فيهم من الشرك ما فيهم قد فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فتجد كل قوم يعظمون متبوعهم أو نبيهم، ويقولون: الدعاء عند قبره يستجاب، وقلوبهم معلقة به دون غيره من قبور الأنبياء والصالحين وإن كان أفضل منه، كما أن عباد الكواكب والأصنام كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، فهو يعبد ما يألهه وإن كان غيره أفضل منه) [٤١] . وهكذا هي في تراثهم الشعبي، فيقول المثل الشعبي: (الشيخ البعيد سره باتع) ، أي: صاحب الضريح البعيد سره مؤكد مقطوع به، والبعد: مسألة نسبية، فالبعيد بالنسبة إلى هؤلاء قريب لغيرهم، والقريب إليهم الذي لا يرغبونه بعيد عن غيرهم، فما الذي يجعل الضريح البعيد مرغوباً أكثر من غيره؟ .. إنه شوق القلب وحنينه الذي يساعد البعد في تولده، وهذا ما يعبرون عنه في مثل آخر يقول: (ابعد حبة (بعض الشيء) تزيد محبة) .. فتعلق القلب رغبة ورهبة ومحبة تجعل (آمال وآلام الزائرين لا تمضي إلى أي ضريح بالمصادفة، ولكن شهرة الولي واختصاصه بالشفاعة، والبعد المكاني، لهم تأثير كبير في قصد الزيارة؛ فالضريح الذي نتكبد إليه مشاق السفر يصبح أكثر جذباً ورهبة من ذلك الضريح القريب المتاح زيارته في أي وقت) [٤٢] . وتبقى التساؤلات: - ما الذي يدفعهم للاعتقاد في الأضرحة أنها قوة قاهرة وسلطة نافذة وإن اعتبروها (واسطة) و (وسيلة) ؟ - وما الذي يدفعهم لإسناد ذلك إلى الأرواح، أو بتعبير أدق إلى سرّ غيبي محيّر؟ - وما الذي يدفعهم إلى التوجه بمشاعر قلوبهم نحوها لجلب رضاها أو دفع مضرتها، أو للتمتع بالمسرة والحبور في أنفسهم؟ - لماذا تحولت العلاقة بالرمز من ذكرى واحترام إلى تقديس واعتقاد إلى تعلق وانجذاب؟ إن الذي حملهم على كل ذلك وحمل غيرهم على نظيره هو إشباع (التأله) لدى قلوبهم المحرومة من التأله للإله الحق؛ وهذا ما يقرره الإمام ابن تيمية ﵀ حين يقول: (ومن لم يكن محبّاً مخلصاً لله، عبداً له، قد صار قلبه معبّداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين ... وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه؛ فالقلب إن لم يكن حنيفاً مقبلاً على الله معرضاً عما سواه، كان مشركاً) [٤٣] . ويقرر ذلك أيضاً تلميذه الإمام ابن القيم ﵀، حين يقول: (العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة) [٤٤] . وهذا ما تقرره أيضاً الدراسات الإنسانية الحديثة، فقد (أيدت دراسات الأنثربولوجيا [علم الإنسان] وعلم الأديان أن الحاجة إلى الدين موجودة عند جميع الناس في كل العصور وفي جميع المجتمعات، فالإنسان منذ القدم وهو يبحث عن إله يعبده، ويتوسل إليه، يعتقد أنه قوي مسيطر على الكون، خالق كل شيء، حي لا يموت) [٤٥] ، (هذه الفطرة حقيقة أجمع عليها الباحثون في تاريخ الأمم والأديان والحضارات، فقد وجدوا الإنسان منذ أقدم العصور يتدين ويتعبد ويؤمن بإله، حتى قال أحد كبار المؤرخين: لقد وُجدت في التاريخ مدن بلا قصور، ولا مصانع، ولا حصون، ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد) [٤٦] . وهذه الغريزة هي التي أضفت على (الرمز) حتى عند أهل الإلحاد أشكال المهابة و (القداسة) ، ف (في ظل نظام كالنظام الشيوعي الذي لا مكان للدين في فكره العلمي، اصطبغ الإيمان بالمادية الديالكتيكية بصبغة الحماس الديني، واتخذت الاجتماعات والاستعراضات سمة الاحتفالات والمواكب الدينية، وأحيط واضعو النظرية ومؤسسو الدولة بهالة دونها هالة القديسين والرسل؛ فهم يوصفون بالخالدين، أو بالشمس التي لا تغرب، وها هي تماثيلهم الضخمة وصورهم وقد حلت مكان التماثيل الدينية والأيقونات تطل على الجماهير في الساحات وكافة المباني العامة، وعلى الأفراد في مساكنهم الخاصة، وها هي قبورهم وقد تحولت إلى مزارات مقدسة تحج إليها الملايين، وتصطف الصفوف خارجها لساعات من أجل إلقاء نظرة، أما كتبهم فهي بمثابة الكتب المقدسة، من قبيل التجديف أن ينسب إلى فكرة فيها الخطأ، بل ويبيت البعض ليلهم (كالحرس الأحمر في الصين) وهي إلى جوارهم أو تحت وسائدهم حتى تصرف الشرور عنهم!) [٤٧] . ويؤيد القول بأن دافع إشباع التأله هو الذي يحرك القبوريين عدة أمور، منها: أولاً: إن بعض طقوس القبوريين تعتبر امتداداً لعادات وثنية كانت سائدة في أجدادهم قبل الإسلام، (وأول هذه العادات: تقديس الأولياء، تلك العادة التي لقيت رواجاً سريعاً وعميقاً في نفوس المصريين لارتباطها بطبيعتهم منذ فجر التاريخ، ففكرة تشييد المساجد الجميلة فوق أجساد الموتى وتقديسهم تتصل بجذور الفكر الديني المصري منذ العصر الفرعوني، ولا سند لها في القرآن والسنة..) [٤٨] . وعلى ذلك نرى أن الطقوس التي كانت تقام داخل معبد الأقصر للإله (آمون) في عصر الفراعنة هي الطقوس ذاتها التي تتبع في مولد (أبي الحجاج الأقصري) والذي يقع ضريحه داخل معبد الأقصر نفسه، وأهم ظاهرة في هذا المولد: تلك المراكب التي يجرها جموع المريدين وسط صيحات التكبير والتهليل، مما يلقي بظلاله على ما كان يحدث في المهرجانات الدينية في عصور الفراعنة؛ حيث كان لمعظم الآلهة عدد من القوارب التي تلعب دوراً رئيساً في طقوس الاحتفالات الدينية، وإلى الآن يستمر هذا التقليد في مولد (أبي الحجاج الأقصري) ، على الرغم من تأكيد أهالي الأقصر على أن هذه القوارب مرتبطة بمجيء أبي الحجاج من مكة، أو بحجه إليها، كما يتماثل أيضاً في مولد (عبد الرحيم القنائي) الذي أقيم قبره على طلل معبد إله من آلهة قدماء المصريين [٤٩] .. ولعل منشأ كل ذلك عائد إلى التقديس الخاطئ للرموز الإسلامية إضافة إلى القياس الفاسد على من كانوا يعظمونهم في جاهليتهم، فقد يبدأ الأمر بالرغبة في تعظيم الرمز الإسلامي والزعم بأن الأولياء ليسوا بأقل من الذين كانوا يعظمونهم في جاهليتهم، فيعظمونهم بمثل ما كانوا يمارسونه مع معبوداتهم الوثنية. ومن أمثلة ذلك أيضاً: ضريح الشيخ (هلال) المقام على قبر مزعوم قرب دمشق، حيث كان القدماء يعبدون (القمر) .. وكذلك: فإن عبادة الأشجار معروفة في الوثنيات القديمة و (الحديثة) ، وقد ظهر التأثر بهذا الانحراف الوثني عند القبوريين إما في صورة شجرة قائمة إلى جوار الضريح، وإما بزعم أن روح الولي المقبور تسكن فيها، وكثيراً ما يحظر قطع الأشجار المحيطة بقبر الولي [٥٠] . ثانياً: إن بعض هذه الطقوس تعتبر طقوساً مشتركة بين القبوريين وأصحاب الديانات الأخرى، يقول الشيخ محمد رشيد رضا معقباً على ما ادعاه أحد مشايخ القبورية في تسويغ اتخاذ القبور والأضرحة واسطة للشفاعة: (هذا عين ما كان يحتج به المشركون الأولون وحكاه الله تعالى عنهم ... وهو ما يفعله بعض النصارى عند قبور القديسين) ، ويقول أيضاً: (ولا تظنوا أن الهندوس ليس عندهم كهنة يتأولون لهم بدعهم الوثنية كما تأول هذا العالم الأزهري ... واحتج لهم بأنهم كأنجاس الهند المنبوذين، ليس لأحدهم أن يتقرب إلى الله تعالى بنفسه، بل لا بد له من أحد هؤلاء المعتقدين ليقربه إليه زلفى) [٥١] ، ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي: (وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم؛ فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومدّ يد الطلب والضراعة إليهم، كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم..) [٥٢] ، ويذكر الشيخ محمد رشيد رضا صورة من هذا التشابه، فيقول: (في بنارس [في الهند] قبر أبي البشر آدم ﵇ وقبر زوجه وقبر أمه! (ويقال: إنهم يعبرون بأمه عن الطبيعة) وقبور قضاته، وهي تحت قباب مصفحة بالذهب كقبة أمير المؤمنين علي في النجف وقباب غيره ... وجميع هذه القبور تعبد بالطواف حولها والتمسح بها وتلاوة الأدعية والأوراد عندها كغيرها من تماثيل معبوداتهم، مع الخشوع وبذل الأموال والنذور لها ولسدنتها وكهنتها، فلا يحسبن الجاهل بالتاريخ وبعقائد الملل والنحل أو التعبدات فيها أن علماء وثنيي الهند يعتقدون أن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها، وأنهم ليس لهم فلسفة في عبادتها) [٥٣] . ومن الطرائف ذات المغزى في هذا المعنى أن شريف مكة (الشريف عون) عندما استجاب للشيخ أحمد بن عيسى في هدم جميع القباب بالحجاز، اعترض القناصل الأجانب في جدة على هدم قبر حواء، بحجة أن حواء أم لجميع الناس وليست أمّاً للمسلمين فقط [٥٤] . فحقيقة الأمر: أن ما يفعله القبوريون عند القبر والضريح هو بعينه الذي تفعله الجاهلية الوثنية (وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني) [٥٥] . ثالثاً: إن الاهتمام بالقبور والتوجه إليها تجاوز حواجز الملل والمذهبيات والفرق ليشكل طقساً مشتركاً من طقوس التدين (الباطل) يجتمع عليه القبوريون مع إخوانهم في التأله للمقبورين؛ ففي كثير من الأحيان يمارس القبوريون هذه الطقوس بالاشتراك مع غيرهم ممن أشرنا إليهم. ولأن النصارى يعيشون بين المسلمين أكثر من غيرهم من أهل الديانات الأخرى فقد ظهر هذا الاشتراك جليّاً منذ القِدَم، فقد ثبت أن منشأ الأضرحة الموهومة والمكذوبة كان واحداً عند النصارى والقبوريين، وهو (أضرحة الرؤيا) ، إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل أخذ شكل الاشتراك العملي في ممارسة الطقوس والعبادات؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر أن كثيراً (من جهال المسلمين ينذرون للمواضع التي يعظمها النصارى، كما قد صار كثير من جهالهم يزورون كنائس النصارى ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم) [٥٦] . وكثير من (موالد) النصارى ليست مقصورة عليهم، بل يشارك فيها كثير من جهلة المسلمين (وهذا أمر ليس بمستغرب، فهم يذهبون أيضاً لبعض القساوسة ليخلصوهم من الأرواح الشريرة! .. وكما تتردد بعض القبطيات على أضرحة الأولياء؛ لتحقيق أمنية بالحمل، وتنذر نذراً إن تحققت أمنيتها..) [٥٧] ، وأيضاً فإن بعض النصارى يشارك جهلة المسلمين في الاعتقاد في ضريح الشيخ أبي الحجاج الأقصري [٥٨] . ومثل ما توضع الرسائل في أضرحة الأولياء وخاصة ضريح الإمام الشافعي توجد أوراق وأقلام على قبر البابا كيرلس السادس وغيره، لمن يرغب في تحقيق أمنية أو رجاء منه، ويوضع في مدخل الكنيسة أو الدير صندوق للنذور، كذلك توهب الأضاحي التي تذبح هناك [٥٩] . والأهالي على اختلاف مللهم ومذاهبهم وطبقاتهم يزورون مقام (النبي يوشع) في أكبر الأعياد الإسلامية وأيام المصائب والنكبات [٦٠] . ويحكي الأستاذ عبد المنعم الجداوي عن تجربة شخصية له كيف أن إحدى قريباته عندما مرضت أصر أهلها على الطواف بها على بعض الأضرحة والكنائس أيضاً [٦١] . فما الذي جعل هؤلاء يشاركون أولئك إلا أنهم جميعاً وجدوا في القيام بتلك المظاهر إشباعاً لدافع واحد يجمعهم هو: التدين، أو (التأله) ؟ رابعاً: من أوضح الأمور التي تدل على أن الدافع لدى القبوريين هو إشباع التأله في قلوبهم: تعلقهم بمشخصات لا علاقة لها بالأولياء مطلقاً، بل هي أنصاب وأوثان صريحة، يصرفون إليها مشاعر المحبة والخوف والرهبة والرجاء.. فإضافة إلى ما زعمه القبوريون من القبور المكذوبة على أصحابها، والقبور المنسوبة إلى صحابة وأولياء مزعومين ليس لهم وجود في السيرة والتاريخ.. هناك القبور الموهومة التي ليس بها أي دفين، فلقد (وُجِدت بعض الأضرحة الوهمية التي لا يوجد بها جثمان لأحد المشايخ، بل عبارة عن هيكل أو كوم من الطوب تحت قبة توارث الناس الاعتقاد فيها، وتفيد محافظ المجلس الصوفي عن حالة كهذه.. واتضح أنه ليس هناك شيخ، بل هناك كوم تراب يدعونه الناس سيدي فرج) [٦٢] . ولأن أمر هذه القبور المكذوبة والموهومة أصبح شائعاً، ولأن الأمر ليس في حقيقته إلا إشباع التأله في القلوب، فقد قرروا ذلك في صراحة، فقال أحدهم: (ولا يحتاج أن يطلب دليل وسند لصحة نسبة هذه الآثار إلى أصحابها، ويكفي أن تكون نسبتها مشهورة بين الناس) [٦٣] ، وقال الآخر: (وعلى كل حال: فلا بأس من زيارته [أي: القبر] على من توهم من وجوده) [٦٤] ، فالمهم أنه (يجب علينا التسليم في ذلك كله، واعتقاد تعظيم القبور المذكورة بما يعد تعظيماً، وبكل ما يليق من الاحترام، ولو على تقدير توهم الصحبة ... ) (١٠) ، ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى أَضْرَحة (دواب الأولياء) ، ففي اللاذقية بسورية حضرة يقال إنها مدفن الفرس التي كان يركبها الولي المغربي، لا تزال حتى اليوم تزار وتبخر [٦٥] ، فالقبوريون عباد كل ضريح حتى لو ثبت عدم صحة نسبة الضريح إلى صاحبه أو كان الضريح لدابة أو ثبت عدم وجود قبر أصلاً. وما دام الأمر كذلك، فما الفرق بين كوم تراب وحجارة أو أخشاب أو نحاس ... أو أي شيء من المخلوقات؟ .. لا فرق.. المهم وجود (السر) والتوجه إلى صاحبه! .. وهذا ما أوقع القبوريين في وثنية صريحة لا خفاء فيها ولا مواربة. ففي الهند (يأخذون قليلاً من التراب من مكان ما، ويعطونه حكم نعش الإمام الحسين، ويضعونه على مكان مرتفع كصُفّة وغيرها، ثم يقدمون له كل يوم أنواعاً من الشراب والحلاوة، والزهور والعطور وغيرها، ولا يسمحون لأحد أن يمر بتلك الصفة متنعلاً، ويسجدون لذلك التراب الذي أعطوه حكم قداسة جنازة الحسين، ويطلبون منه المال والأولاد ... ) [٦٦] . ولقد شاهد الشيخ محمد رشيد رضا بعض الرجال والنساء من العامة في مسجد (الحسين) بالقاهرة (يطوفون بعمود من الرخام، ويتمسحون به التماساً للبركة وتقرباً إلى (السيد البدوي) ! معتقدين بأنه يجلس بجانب هذا العمود عند زيارة جده الحسين، ومنهم من يزعم أن روح السيد ترفرف دائماً هناك..) [٦٧] ، وفي نابلس بفلسطين عمود حجري كان مقدساً قبل الإسلام فوجد من يطلق عليه بعد انحراف الناس عن دينهم الحق: قبر الشيخ العمود [٦٨] . وفي أوزبكستان أوقع الفراغ الروحي الذي خلفته الشيوعية الناس هناك في التعلق بأي شيء (مقدس) ، وهذا ما دعاهم إلى ترتيب عملية سطو منظمة للظفر بقطعة من كسوة الكعبة، ومن ثم: جلبوها إلى بلادهم ووضعوها في إطار زجاجي علق في فناء المسجد؛ ليأتي الناس للتمسح والتبرك بها، كما يتبركون ويتمسحون هناك أيضاً بصورة الكعبة! [٦٩] . بل ويتزاحم الناس في مولد البدوي بمصر (حول حمار يأتي به دراويش الطريقة الشناوية إلى قبر السيد، فيتسابقون لنزع شعرات من جسمه يصنعون منها الأحجبة، وهذا بالضبط ما كان قدماء المصريين يفعلونه بهذا الحيوان!) [٧٠] .. إلى غير ذلك من مظاهر لا يقبلها عقل رشيد ولا دين صحيح. هذا ما تيسر ذكره حسب المصادر المتاحة لي، وهي تعتبر عينة عشوائية لما يحدثه القبوريون في معظم أنحاء العالم الإسلامي.. فما الذي دعاهم إلى هذا الاعتقاد وتقديم هذه القرابين والطقوس غير إغواء الشيطان لهم بالتأله لغير الله؟ .. وإلى أي مدى تأخذ الخرافة والوهم والدجل من يريدون أن يضيئوا حياتهم بقبس من الظلمات؟

стр. 2901

ملفات (القبور والأضرحة دراسة وتقويم) دمعة على الإسلام مصطفى لطفي المنفلوطي [١] كتب إليّ أحدُ علماء الهند كتاباً يقولُ فيه إنه اطلع على مؤلف ظهر حديثاً بلغة (التاميل) ، وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مدراس، موضوعه: تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني، وذكرُ مناقبه وكراماته، فرأى فيه من الصفات والألقاب التي وصف بها الكاتب السيد عبد القادر ولقّبه بها صفات وألقاباً هي بمقام الألوهية أليق منها بمقام النبوة، فضلاً عن مقام الولاية كقوله: (سيد السموات والأرض) و (النفّاع الضرّار) و (المتصرّف في الأكوان) و (المطلع على أسرار الخليقة) و (محيي الموتى) و (مبرئ الأعمى والأبرص والأكمه) و (أمره من أمر الله) و (ماحي الذنوب) و (دافع البلاء) و (الرافع الواضع) و (صاحب الشريعة) و (صاحب الوجود التام) إلى كثير من أمثال هذه النعوت والألقاب [٢] ! ويقول الكاتب: إنه رأى في ذلك الكتاب فصلاً يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن يتكيّف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني يقول فيه: (أول ما يجب على الزائر أن يتوضأ وضوءاً سابغاً، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجّه إلى تلك الكعبة المشرفة، وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول: (يا صاحب الثقلين، أغثني وأمدّني بقضاء حاجتي وتفريج كربتي. أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجة عبد القادر) . (يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر الجيلاني، عبدك ومريدك مظلوم عاجز محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة) . ويقول الكاتب أيضاً: إن في بلدة (ناقور) في الهند قبراً يسمى (شاه الحميد) وهو أحد أولاد السيد عبد القادر كما يزعمون وأن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودَهم بين يدي الله، وأن في كل بلدة من بلدان الهنود وقراها مزاراً يمثل مزار السيد عبد القادر، فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد، والملجأ الذي يلجأون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من الأموال على خدمته وسدانته، وفي موالده وحضراته ما لو أنفق على فقراء الأرض لصاروا أغنياء. هذا ما كتبه إليّ ذلك الكاتب؛ ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أُبصرُ مما حولي شيئاً حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام نكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها! أيّ عين يجمل بها أن تستبقي في محاجرها قطرةً واحدةً من الدمع، فلا تريقُها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن، منظر أولئك المسلمين، وهم ركّع سجّدٌ على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خيرٌ من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته! أي قلبٍ يستطيعُ أن يستقرّ بين جنبي صاحبه ساعة واحدة، فلا يطير جزعاً حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكاً بالله؛ وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة، وكثرة المعبودات! لِمَ ينقُمُ المسلمون التثليث من المسيحيين؟ لِمَ يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟ وعلامَ يحاربونهم؟ وفيم يقاتلونهم وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟ يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبعده عن العقل، فيتأولون فيه، ويقولون إن الثلاثة في حكم الواحد. أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة، أكثرها جذوع أشجار، وجثث أموات، وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون! كثيراً ما يضمر الإنسان في نفسه أمراً، وهو لا يشعر به، وكثيراً ما تشتمل نفسُه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها. ولا أرى مثلاً لذلك أقرب من المسلمين الذين يلتجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود، فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب، قالوا: إنا لا نعبدهم، وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم يشعرون أن العبادة ما هم فيه، وأن أكبر مظهر لألوهية الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين، يلتمسون إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون. جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رِقّ العبودية، فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل. وقد ترك الإسلامُ بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة، وإباء وغَيْرة، يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده: قف مكانك، ولا تغلُ في تقدير مقدار نفسك، فإنما أنت عبد مخلوق لا رب معبود، واعلم أنه لا إله إلا الله. هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد. أما اليوم وقد داخلَ عقيدتَهم ما داخلَها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى، فقد ذلت رقابهم وخفقت رؤوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حميتهم، فرضوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا، فوجد أعداؤهم السبيل إليهم، فغلبوهم على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم، وأموالهم، ومواطنهم، وديارهم، فأصبحوا من الخاسرين. واللهِ، لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها، إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها، وانصباب ماء النهر في منبعه، أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده، ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقولون للثاني: (أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات) . إن الله أغيرُ على نفسه من أن يسعدَ أقواماً يزدرونه، ويحتقرونه، ويتخذونه وراءهم ظهرياً؛ فإذا نزلت بهم جائحة، أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه. بمن أستغيث؟ وبمن أستنجد؟ ومن الذي أدعوه لهذه الملمة الفادحة؟ أأدعو علماء مصر وهم الذين يتهافتون على (يوم الكنسة) [٣] تهافُتَ الذباب على الشراب؟ أم علماء الآستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني [٤] فيلسوف الإسلام ليحيوا أبا الهدى الصيّادي شيخ الطريقة الرفاعية؟ أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام؟ أم علماء الهند وبينهم أمثال مؤلف هذا الكتاب؟ يا قادة الأمة ورؤساءها! عَذَرْنا العامة في إشراكها، وفساد عقائدها، وقلنا: إن العامي أقصر نظراً، وأضعف بصيرة من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب، والتماثيل، والأضرحة والقبور؛ فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرأون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قوله تعالى: [قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ] [النمل: ٦٥] . وقوله مخاطباً نبيه: [قُل لاَّ أََمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَراً] [الأعراف: ١٨٨] . وقوله: [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ] [الأنفال: ١٧] ؟ إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: (كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف) فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون قبراً، أو يتوسلون بضريح؟ وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي ﷺ أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته، يسأله قضاء حاجة، أو تفريج هم؟ وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟ وهل تعلمون أن النبي ﷺ حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل، نهى عنها عبثاً ولعباً، أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟ وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟ واللهِ، ما جهلتم شيئاً من هذا ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب.

стр. 2902

المسلمون والعالم طالبان.. وقدر أفغانستان (٢/٣) طالبان.. ما يُراد لها.. وما يُراد منها عبد العزيز كامل بانتهاء الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب في أوائل التسعينيات، خفت حدة التدخلات المباشرة لتوسيع مناطق النفوذ في العالم الثالث؛ حيث لم تعد هناك حاجة لتلك المنافسة بعد تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالجلوس على كرسي القطبية الواحدة. وترتب على هذا تعاظم دور القوى الإقليمية، وحلت تلك القوى محل القطبين الدوليين أو أحدهما في التنافس والصراع، وعلى هذا فإن هناك قضايا عديدة بردت دولياَ بانتهاء الحرب الباردة، وانحلت تلقائياً بزوال المنافسة بين القطبين كما حدث في كمبوديا ونيكاراجوا وموزمبيق وأنجولا وجنوب إفريقياً بينما حلت السخونة إقليمياً في أماكن أخرى للسبب نفسه وهو انتهاء الحرب الباردة؛ حيث تفجر بانهيار المعسكر الشرقي الشيوعي الصراع بين روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفييتي وبين أقاليم عديدة مثلما حدث في الشيشان وتتارستان وغيرهما، وتفجر صراع آخر بعد انهيار الاتحاد اليوغسلافي، فاشتعلت بسبب ذلك منطقة البلقان بالأزمات والأحداث في البوسنة وألبانيا وكوسوفا والجبل الأسود. ويدخل ضمن التنافس على الزعامة الإقليمية بعد غياب المنافسة القطبية ذلك التسارع المحموم للأحداث في جنوب آسيا، وخاصة بين الهند وباكستان، وكذلك بين دول جنوب شرق آسيا والصين من جهة، وبين كل من الهند وإيران وباكستان من جهة أخرى على مناطق آسيا الوسطى؛ حيث الجمهوريات الإسلامية التي ولدت مرة أخرى بموت الاتحاد السوفييتي، تلك الجمهوريات التي تتطلع الأطماع إلى حقولها الغنية بالبترول والغاز وإلى أسواقها القابلة للزيادة والنمو. أما عن موقع أفغانستان من كل هذا، فهي أحد المعابر التي تمر من فوقها تلك المطامع، ولا يمكن لأي طرف من المتنافسين أن يتجاهل أهمية أفغانستان في الوصول لما يريد. وعلى الرغم من أن الصراع يبدو إقليمياً بحتاً بين باكستان من جهة والهند وإيران من جهة أخرى فوق أرض أفغانستان إلا أن أطرافاً دولية تقف أيضاً خلف هذا التنافس. فللولايات المتحدة تطلعاتها وأطماعها في آسيا الوسطى، وروسيا تحاول الحد من تفرد الولايات المتحدة بتركة الاتحاد السوفييتي السابق.. وجاء موقع أفغانستان في وسط حلبة المصارعة الدولية الجديدة، ليجدد مرة أخرى نزاعاً سياسياً واقتصادياً بين أطراف خارجية على أرضها، وهو نزاع قد تراه الأعين للوهلة الأولى نزاعاً داخلياً فقط. لعل ما تقدم ذكره يفسر بعض الخلفيات التي تدفع الأطراف الدولية والإقليمية للتدخل في الشأن الأفغاني، ولعل الأمر يتضح أكثر عندما نستعرض مواقف تلك الأطراف من أحداث السنوات الأخيرة، وبالذات منذ برزت حركة طالبان وتمكنت من إتمام السيطرة شبه الكاملة على ربوع أفغانستان. أولاً: باكستان: بدا دور باكستان غامضاً في إنشاء ودعم حركة (الطالبان) ولا يزال هذا الموقف يكتنفه بعض الغموض، ولكن هناك حقائق يمكن أن تجلّي الكثير من غموض الموقف الباكستاني في علاقته بأفغانستان بوجه عام وحركة الطلاب بوجه خاص، ومن تلك الحقائق ما يلي: ١- لإسلام أباد مطلب ملحّ في إحلال سلام واستقرار في أفغانستان، تعلم أنه سينعكس إيجاباً على الاستقرار في باكستان؛ فأفغانستان بلد مجاور لها، وكل دولة تتطلع إلى الاستقرار على حدودها، والسياسيون في إسلام أباد لا يخفون أنهم يحملون همّاً كبيراً لما دار ويدور في أفغانستان بعد انتهاء الحرب مع الشيوعية، تلك الحرب التي حولتها إلى ترسانة ضخمة للأسلحة من كل نوع، بدءاً من المسدسات وانتهاء بالطائرات والصواريخ؛ وهي أسلحة ظلت منتشرة في أنحاء أفغانستان في أيدي أطراف مختلفة، بدأت تتصارع فيما بينها كما هو معروف، ولم يكن بمقدور أحد تلك الأطراف السيطرة على الآخرين، ومن ثم السيطرة على السلاح المنتشر في طول البلاد وعرضها، ومعلوم ما يمكن أن يثيره هذا الوضع من توترات وتقلبات ومشاكل أمنية وسياسية وعسكرية لباكستان المجاورة وقد عبر وزير الداخلية الباكستاني السابق عن هذه الهموم الباكستانية بقوله: (تعرفون أننا نتعامل مع آثار الحرب الأفغانية الطويلة، إن في أفغانستان أسلحة بقيمة ٣٠ مليار دولار، بينها عشرة مليارات دفعها الغرب، والآن يجب تنظيف البلد من كل هذا) (الوطن الكويتية ٩/٣/١٩٩٥م) إذن فباكستان تحمل هماً له ما يسوّغه، وبقدر عِظم هذا الهم، كانت همة باكستان متوافرة على الوقوف مع أي جهة يمكن أن تضع حداً للفوضى في أفغانستان، وكان بروز حركة طالبان أملاً ولو كان بعيداً للوصول إلى حل لتلك المشكلة، ولكن هذا الأمل ظل يتعاظم مع الإيقاع المتسارع للانتصارات التي ظلت (طالبان) تحرزها بلا توقف على أطراف النزاع الداخلي، وزاد من التفاؤل الباكستاني، نجاح طالبان الكبير في نزع السلاح من القبائل والعصابات والميليشيات المسلحة في كل منطقة تقع تحت أيديها دون مشاكل كبيرة. ٢- يحدو باكستان الأمل في أنه إذا ما ساد السلام في أفغانستان، فسوف يمكنها ذلك من الاستفادة من مد خطوط أنابيب الغاز من الحقول الضخمة فيما بين تركمانستان والمحيط الهندي، وهذه الخطوط لا بد أن تمر عبر أفغانستان. وتحلم باكستان أيضاً بفتح طريق للتجارة يصل بين باكستان وأسواق آسيا الوسطى، وهذا الطريق لا بد أن يمر أيضاً بأفغانستان، ولا شك أن استمرار الحرب الأهلية في كابول وما حولها، سيحبط تلك الآمال ويعرقل الجهود المبذولة لتحقيقها. ومع اقتناع باكستان بالأهمية القصوى لمثل تلك المشاريع بالنسبة لها ولأفغانستان أيضاً، إلا أنها وجدت من يتحدى آمالها ويتوعدها بالإخفاق، وعلى رأس هؤلاء أحمد شاه مسعود الذي أقسم في تصريح علني بأن مشروع خط الأنابيب الذي تتطلع إليه باكستان لن يرى النور! ٣- من المعروف أن باكستان دولة تحكمها دائماً المؤسسة العسكرية، وأن جهاز الاستخبارات الباكستاني هو الجهاز المتحكم في تحديد وتوجيه السياسة الخارجية للدولة، وما مناصب الوزراء ورؤساء الوزارات إلا أدوات تنفيذية فقط. ويتردد أنه كان هناك التقاء في المصالح بين هذا الجهاز الذي بلغ قوته في عهد ضياء الحق، وبين جماعة (علماء الإسلام) ويُلحظ أن هذه الجماعة كان لها إشراف مباشر على تعليم الطلاب الأفغان في معاهدها العلمية الباكستانية وهي التي دفعت بالكثير منهم منذ أيام الجهاد لتلقي التدريب العسكري، وقد كانت السياسة الباكستانية عبر العهود تتوافق بشكل تقليدي وتتلاقى مع الأغلبية (البشتونية) في أفغانستان، وحركة طالبان هي في أغلبيتها بشتونية، ولهذا فإن الحكومة الباكستانية التي كانت تدعم الحزب الإسلامي (البشتوني) بزعامة حكمتيار، لم تعد ترى فيه ما يحقق سياستها، فسحبت تأييدها له، وأعطته لحركة الطالبان، ولكن ليس معنى ذلك أن يقال: إن طالبان صنيعة باكستانية؛ فالتحالفات لا تعني التبعية في كل حال، وإلا لكانت الأحزاب الأفغانية السابقة كلها بل باكستان نفسها صنيعة أمريكية غربية؛ لأنها تلقت دعماً غير محدود من الأمريكان والغرب طوال سنوات الجهاد ضد الشيوعيين! ومن العجيب أن البعض يحلو له أن يردد أن حركة طالبان أنشأتها (بنازير بوتو) ! ! وأنها أرادت بذلك أن تضرب الأحزاب المجاهدة، وهؤلاء يتجاهلون الموقف الباكستاني الداعم دائماً للبشتون قبل أن تجيء بوتو للحكم؛ هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى يتجاهلون موقف بنازير المعلن في ازدرائها لحركة طالبان! فكيف لبنازير ذات الأصول الشيعية ثم التوجهات العلمانية، أن تدعم تمكين حركة سنية للوصول إلى الحكم في بلد مجاور؟ لقد كانت تلك المرأة تُظهر دائماً وعلناً كراهيتها لحركة طلاب الشريعة، وقد سئلت وهي لا تزال في السلطة عما يشاع عن دعم حكومتها لحركة طالبان فقالت: (طالبان تبقي النساء وراء أربعة أبواب مقفلة؛ فكيف يمكن لزعيمة مثلي أن تساعدهم في الاستيلاء على السلطة؟) (المشاهد السياسي ٨/٤/١٩٩٥م) وقد قال متحدث باسمها للصحفيين: (لنتحدث بصراحة: إن أسوأ نتيجة لنا هنا في باكستان هي أن تحقق حركة طالبان انتصاراً في كابول وأضاف: ليس هناك باكستاني عصري يمكن أن يرحب بحكومة في كابول تسجن النساء وتمنع الفتيات من الذهاب إلى المدرسة، وتنفذ عمليات إعدام عامة ينقلها التليفزيون) ولعل هذا كان من بين أسباب تفاقم الخلاف بين بنازير وبين مؤسسة الرئاسة، حتى انتهى الأمر إلى إقصائها. فالحاصل هنا، أن باكستان يمكن أن تكون قد قدمت دعماً قوياً لطالبان، لكننا على قناعة بأنها لم تصنعها؛ فلطالبان تحالفاتها، ولكن أيضاً لها خصوصيتها. ثانياً: الولايات المتحدة الأمريكية: التقت مصلحة الولايات الأمريكية مع مصلحة باكستان في ضرورة وجود سلطة موحدة في أفغانستان تنشد الاستقرار، ولو كانت هذه السلطة هي حركة طالبان؛ فالحكومة الموحدة يمكن التعامل معها ورسم السياسات بناء على مواقفها، بخلاف المواقف المتعارضة لأحزاب متصارعة. والولايات المتحدة أصبح لها مصالح في أفغانستان لا يمكن الوصول إليها إلا بعد استقرار الأوضاع فيها. فمن المعلوم أن لأمريكا سياسة معلنه تجاه إيران، تقضي بعزلها عن الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ولهذا أقلقها أن يكون لإيران نفوذ في أفغانستان؛ لأن هذا النفوذ سوف يكون مدخلاً لنفوذ أعمق في جمهوريات آسيا الوسطى. وازداد قلق الولايات المتحدة من التقارب الإيراني الروسي الذي أصبح يهدد كل خططها في آسيا الوسطى؛ وقد تحول هذا القلق إلى خطر حقيقي عندما اختارت الحكومة السابقة لبرهان الدين رباني الميل لجهة التعاون مع كل من إيران وروسيا ضد باكستان؛ ولكل هذا قررت أمريكا أن تعود إلى أفغانستان لقطع الخطوط على روسيا وإيران، ولم يكن أمامها لتحقيق هذا الهدف إلا باكستان، ولم يكن أمام باكستان إلا طالبان، وهكذا تتلاقى المصالح وتتوافق الأهداف، وتتم سنة دفع الناس بعضهم ببعض. ولكن كلاً من باكستان وأمريكا، وجدتا في طالبان شريكاً مشاكساً، لا يُسلس قياده بسهولة، فقلة التجربة التي يأخذها الكثيرون على قيادات طالبان تجعلهم يقفون بصلابة مع قناعات ومبادئ ربما تسبب إحراجاً لمن يريد التحالف معهم. فطالبان على ما يبدو تجاري الدولتين، وتريد أن تستفيد منهما دون أن تعطيهما كل ما أرادتا، وخاصة مع الولايات المتحدة، ومما يدل على إخفاق واشنطن في احتواء (طالبان) أنها بذلت مساعي مبكرة ومطولة لإقناع قادتها بقبول عودة الملك السابق (ظاهر شاه) إلا أن هؤلاء القادة رفضوا ذلك في النهاية بصراحة وشدة. وقد أظهرت أحداث الغارتين الأمريكيتين على أفغانستان والسودان، أن النظام الجديد في أفغانستان لم يكن تحت السيطرة الأمريكية، ولكن الأمريكيين الذين يتخذون من (المصالح) دينآً وديدناً، يغلّبون في النهاية حكم المصلحة على حكم المبادئ أياً كانت، ولن تقف دعاوى دعم الإرهاب أو انتهاك حقوق الإنسان حائلاً دون توصل الأمريكيين إلى ما يريدون من المصالح. لقد صارت أفغانستان حلقة بالغة الأهمية في الاستراتيجية الأمريكية للتغلغل في آسيا الوسطى التي يعتبرها الأمريكان أرضاً بكراً غنية بالثروات، وخاصة النفط والغاز، ولا يخفى أن الولايات المتحدة تسعى لإيجاد بدائل أو على الأقل مصادر إضافية للطاقة المستمدة من الخليج، وقد شرعت أمريكا بالفعل في اتخاذ خطوات عملية للسبق إلى هناك، وأبرمت شركة (أنوكال) الأمريكية اتفاقاً مع حكومة تركمانستان (رابع منتج للغاز الطبيعي في العالم) لبناء خط أنابيب لنقل الغاز من تركمانستان إلى الساحل الباكستاني على المحيط الهندي، باستثمارات تزيد على ٣ مليارات دولار، وتنافس شركة (برايوس) الأرجنتينية شركة (أنوكال) الأمريكية على هذا المشروع، ويقول القائمون على الشركة الأرجنتينية: إن إقامة خط الأنابيب يمكن أن يعود على أفغانستان بما يقرب من ٣٠٠ مليون دولار. وقال مسؤول في الحكومة الأمريكية: (أوضحنا للأفغان بأن خط الأنابيب يمكن أن يدر على الشعب الأفغاني دخلاً يعينه على إعادة إعمار بلاده) (الرأي العام ١٦/١٢/ ١٩٩٧م) . ويمر الخط المزمع إنشاؤه عبر مناطق خاضعة تماماً لسيطرة طالبان في غرب أفغانستان؛ وجنوبها، ويفترض أن يكون ذلك الخط هو الأول في سلسلة من خطوط أنابيب نقل الغاز والبترول من حقول آسيا الوسطى عبر طرق بعيدة عن روسيا؛ وهو توجه يبدو أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيقه بكل السبل، لفك أي ارتباط لدول آسيا الوسطى بروسيا ورابطة الكومنولث عموماً، وكذلك حرمان إيران من مجرد التفكير في إمكانية نقل بترول وغاز آسيا الوسطى عبرها إلى الأسواق العالمية، وهذا يمكن أن يفسر لنا الموقف الأمريكي الحازم من إيران عندما حشدت قواتها على حدود أفغانستان، فقد حذرتها تحذيراً شديد اللهجة من أي نوايا عسكرية لغزو أفغانستان، هذا بالرغم من أن الغارة الأمريكية على أفغانستان لم يكن بينها وبين ذلك التحذير الأمريكي إلا نحو أسبوعين فقط، مما يدل على أن الولايات المتحدة تريد أن تفرض وصاية من نوعٍ ما على أفغانستان. على أي حال، فإنه إضافة إلى المصالح الاقتصادية لأمريكا في أفغانستان، فيمكن رصد أهداف ثلاثة أخرى تقف وراء التمرير الأمريكي لتمكين حركة طالبان في أفغانستان، وهذه الأهداف هي: ١- الإمساك بورقة ضغط دائمة ومستقبلية ضد روسيا، وإيجاد مصدر إزعاج لها على حدودها الجنوبية؛ فروسيا التي أركعها يلتسين لأمريكا والغرب، لا تزال تمثل هاجساً للغربيين، فلا أحد يضمن استمرارها في حالة الخضوع والخنوع هذه، خاصة وأن هناك تيارات سياسية قوية تدعو إلى العودة إلى الشيوعية. ٢- استخدام الحكومة الأفغانية الجديدة لإثارة إزعاج آخر لإيران، استغلالاً للتناقضات والاختلافات المذهبية والمصلحية والعرقية بين أفغانستان وإيران، وإبقاءً على قنابل موقوتة على الحدود قابلة للانفجار في أي لحظة يريدها المستعمر العالمي الجديد المتربع على قمة النظام الدولي الجديد. ٣- استغلال (طالبان) في إبراز النموذج الإسلامي السياسي إعلامياً على وجه مشوّه، وتقديمه على أنه الوجه الآخر للمشروع التغييري الإسلامي الذي يمثل السّنّة، في مقابل المشروع الإيراني الذي يمثل الشيعة. ولهذا فإن أمريكا تريد أن تستغل طالبان دون أن تمكنها من أي نجاح، ولو كان هذا النجاح هو الاعتراف بها كحكومة نجحت في توحيد البلاد حسبما تريد أمريكا. قال (كارل أندرفورت) مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون جنوب آسيا في حديث لصحيفة الحياة (١٧/١/١٩٩٨م) : (إن واشنطن لن تعترف بحكومة طالبان، حتى لو بسطت سيطرتها على كامل أفغانستان) ! ! ولا ندري.. ما هي الصيغة التي تريد أن تتعامل بها أمريكا مع الحكم الجديد في أفغانستان وهي محتاجة إليه ... هل تريد أن تتعامل معه على أنه مجرد (عصابة) تتفاوض معها وتتقاسم معها الصفقات.. هل تريد أن تستنفد منها أغراضها ثم تقلب لها الطاولة على طريقة الكاوبُوي الأمريكي؟ ! الظاهر أن الأمريكيين قد بلغوا في بغضهم للإسلام حداً جعلهم يحارون في الاختيار بين الفعل ونقيضه؛ فهم يؤيدون الطالبان لمصالحهم، ولكنهم لا يطيقون أفغانستان تُحكم بالإسلام، لقد بدت تلك البغضاء من أفواههم على لسان (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية الأمريكية في تصريح أدلت به في منتصف نوفمبر ١٩٩٧م فقالت: (حركة طالبان موضع للازدراء، بسبب ممارساتها في مجال حقوق الإنسان ومعاملة المرأة) ! ثالثاً: روسيا: القلق الروسي من سيطرة طالبان على أفغانستان ليس له حدود، ويرجع هذا القلق إلى تخوّف روسيا من محاولة الحكومة الأفغانية الجديدة مدّ نفوذها إلى طاجيكستان التي يحكمها نظام موال لموسكو، والتي يقوم الجنود الروس بدوريات مستمرة لحماية حدودها مع أفغانستان، وكان مستشار الأمن القومي الروسي السابق الجنرال (ألكسندر ليبيد) قد أعلن أن بلاده ستظل تساند حكومة رباني المخلوعة، وبعد استيلاء طالبان على كابول دعا الرئيس الروسي (يلتسن) إلى عقد قمة طارئة لرؤساء جمهوريات آسيا الوسطى، وبالفعل عقدت القمة في (ألما آتا) عاصمة قزخستان السابقة، وطرح رئيسها (نور سلطان باييف) مبادرة لإعادة الاستقرار إلى أفغانستان عن طريق دعم الفئات المتنازعة المعارضة لطالبان! لكن تظل روسيا من أكثر البلاد قلقاً من انتصارات طالبان في أفغانستان؛ فهي تعتبر تلك الانتصارات مداً (أصولياً) على حدودها الجنوبية، خاصة وأن هناك في الجمهوريات المحيطة بروسيا حالات من الحماس الديني المشابه لحماس (طالبان) وتخشى أن يتحول يوماً إلى جهاد، بل إن يلتسن عبر عن مخاوفه من أن يكون ما يحدث في أفغانستان دافعاً لتحركات (أصولية) داخل الحدود الروسية نفسها، وذكر أن الجبهة الطاجيكية تمثل الحدود الوطنية لروسيا بسبب استمرار التهديدات من قبل المقاتلين الإسلاميين. (التايمز ٨/١٠/١٩٩٦م) وتصل التوجسات الروسية من التغيرات في أفغانستان إلى حد الندم على ترك النظام الشيوعي السابق وحده ليواجه مصيره المحتوم، وقد عبر عن ذلك (أرتيوم بورفيك) الذي كان من أشهر المراسلين الروس في حرب أفغانستان بقوله: (لقد ارتكبنا خطأ كبيراً لانسحابنا من أفغانستان، وها نحن الآن نواجه بعدد من الدول ذات النهج الأصولي على مقربة من حدودنا، وأصبحت تشكل خطورة على روسيا نفسها. (التايمز: ٨/١٠/١٩٩٦م) رابعاً: إيران: لم يحدث في تاريخ ثورة الروافض أن فضحت نواياهم الباطنية الحاقدة بمثل ما حدث في الآونة الأخيرة، عندما صعّدت إيران وتيرة العداء لحكومة أفغانستان الجديدة؛ فإيران تحب أن تكون الحكومة في أفغانستان على الدوام حكومة ضعيفة يمكن السيطرة عليها، أو النفاذ من خلالها إلى خدمة مآربها ومخططاتها. لقد استنفدت إيران جهودها لفرض الوصاية على الجهاد الأفغاني أيام الحرب مع الشيوعيين، ولما لم تفلح في هذا أرادت أن تضمن لعملائها وجوداً بارزاً في حكومات ما بعد الحرب، فلما لم تفلح أرادت أن تبقي لها مراكز قوية تعمل لحسابها داخل أفغانستان، فلما رأت من حركة طالبان صداً لتسللها ورداً لأطماعها.. جاهرت بالعداء، وأمدت أعداء الحركة الناشئة بكل الأسباب المعينة على مواجهتها وإسقاطها، وقد ضاعف من ثوران أحقاد إيران أن حركة طالبان أفسدت عليها كل مخططاتها التآمرية في أفغانستان؛ سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو مذهبية، مما دعاها إلى تبني كل جهد معارض لهذا العدو الجديد (طالبان) . لقد لعبت إيران الدور الأخطر في إقامة التحالف المناهض لحكومة طالبان، وهي التي شجعت كلاً من دوستم وأحمد شاه مسعود على توحيد صفوفهما لتشكيل مجموعة (الدفاع) عن أفغانستان (ضد من؟) ولم تكتف حكومة (الثورة الإسلامية) في طهران بذلك، بل نسقت جهودها مع الهند وروسيا وأوزبكستان لإجهاض المشروع الهادف إلى توحيد أفغانستان، زاعمة أن قيام حكومة طالبان في أفغانستان ستمثل نموذجاً يشوه صورة الإسلام في العالم! ! وكأن الناس في هذا العالم قد تلقوا بالقبول نموذجها (الحضاري) القائم على بث الفتن هنا وهناك. ولكن إيران المتواطئة مع الهندوس والروس ضد جيران مسلمين، لم يشف غليلها كل هذا، فاستغلت أحداث (مزار الشريف) لتتخذ منها ذريعة للكشف عن أنياب البغي والعدوان، فإيران التي ظلت تندد بالتدخل الباكستاني في أفغانستان، كان لها في مزار الشريف وجود ظاهر مفضوح، طالما ظلت تخفيه وتنكره، وجاء فتح مزار الشريف ضربة عنيفة لإيران، حيث كانت تدفع بالمساعدات لمعارضي طالبان عن طريق مطار مزار شريف، ثم جاءت الضربة الأعنف بفتح (باميان) معقل حزب الوحدة الشيعي في أفغانستان، لقد استغلت طهران واقعة قتل تسعة إيرانيين في مزار الشريف [١] فقامت بأكبر تظاهرة عسكرية على حدودها الشرقية منذ قيام الثورة عام ١٩٧٩م بل قبل قيام تلك الثورة، فبعد مناورة استعراضية للإرهاب، حشدت إيران نحو مئتي ألف من جنودها على الحدود الأفغانية، وهو إجراء لا يتناسب مطلقاً مع مشكلة لها ألف حل وحل بالطرق الدبلوماسية، التي يمكن أن تكون إيران استفادتها من قضية احتجاز الرهائن الدبلوماسيين الأمريكيين لمدة ٤٤٤ يوماً إبان قيام ثورتها. إن كل هذا الثوران والفوران الإيراني، لم نره، ولم نر عشر معشاره، أيام كانت أفغانستان خاضعة لحكومة إلحادية تحارب الإسلام علناً؛ فإيران (الثورة) لم تثر على الوجود الشيوعي، ولم تنظر إلى الاتحاد السوفييتي أو الاتحاد الروسي من بعده على أنه شيطان أكبر ولا أصغر، ولكن ثورة (المستضعفين) تستأسد اليوم على (إمارة) ناشئة لا يزال العالم يضن عليها بوصف (حكومة) بل لا زالت تسمى حركة! إن إيران قد تُدفع تحت وطأة غشم القوة وغبش الرؤية إلى التورط في أفغانستان إما بالتدخل المباشر وإما بالقصف الجوي على الطريقة الأمريكية، ولكن هذا إن حدث، فسوف يكون نوعاً من الانتحار؛ وقد تدق الثورة (الشيعية) في نعشها مسماراً كذاك الذي دقته الثورة (الشيوعية) ليضم رفاتهما معاً في إحدى جبانات التاريخ. ومن يدري؟ ألم يكن سقوط الدولة (الصفوية) الشيعية عام ١١٤٨هـ /١٧٣٥م على أيدي الأفغان؟ وربما تخدم إيران حركة الطالبان من حيث تريد الإضرار بها، فإن شدة التحديات غالباً ما تقوي عود الحركات، وتجمع حولها الشعوب، حتى لو لم يكن لها ذلك القبول الشعبي الواسع. والثورة الإيرانية نفسها هي مثال بارز على ذلك، فقد عركتها وقوّتها تحديات ومغامرات صدام حسين عندما بادرها بالحرب بعد قيامها. إن المرء وهو يطالع التحديات الجسيمة التي تواجه تلك الحركة الإسلامية الجديدة في أفغانستان، يضع يده على قلبه خوفاً من توريطها في مواجهات أكبر من حجمها، فيتكرر بذلك إخفاق آخر لا قدر الله في مسيرة التطلع إلى الخلاص، ولا يسع المراقب المسلم وهو يرى شجاعة يخالطها صدق ودين لدى شباب (طالبان) إلا أن يدعو الله تعالى أن يقيلهم عثرات الطريق، ويقيهم وعثاءه وعناءه؛ فإن ما قطعته طالبان من شوط لتوحيد أراضي أفغانستان، لا يزال وراءه أشواط وأشواط لتوحيد صفوف الأفغان بمختلف أعراقهم ومذاهبهم تحت راية التوحيد الخالص، وعليهم أن يستفيدوا من أخطاء الأحزاب السابقة التي لم تعط لسلامة العقيدة وبنائها وتصحيحها حظاً وافياً من جهودها في الداخل وتحالفاتها في الخارج، وعلى طالبان أيضاً أن تحذر من تجذر الصراع على أسس قبلية، مما يطيل أمد النزاع دون طائل، خاصة في ظل التدخلات الخارجية، ويُطلب من طالبان ألا تستدرج إلى صِدام مدمر مع إيران؛ فالضرورة تحتم عليها أن تتعامل مع الوجود الشيعي في أفغانستان بحكمة، حرصاً على حقن الدماء في غير ما قضية، فمن حق الشعب الأفغاني الذي جاهد طويلاً أن يذوق طعم الاستقرار، وينعم بثمرة الانتصار.. ولن يكون هذا إلا بإقامة الدين الذي جاهد الشعب الأفغاني من أجله، بعيداً عن الأهواء القبلية، والمذاهب البدعية: [الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] [الحج: ٤١] . وإلى بقية في لقاء قادم إن شاء الله،،،

стр. 2903

المسلمون والعالم حرب المياه القادمة حوض النيل أنموذجاً حسن الرشيدي باتت موارد المياه في الشرق الأوسط من بين التحديات المتعددة التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها في ظل المتغيرات الدولية المعاصرة، ليس فقط لكون حدود الموارد لا تتفق مع الحدود السياسية بل وأيضاً من تفاقم المنافسة في حالة تنازع المصالح التي أصبحت وشيكة. ومع كثرة البحوث والدراسات التي تناولت هذه المشكلة؛ فإن سلاح الماء لم ينل حظاً وافراً من اهتمام الباحثين باعتباره سلاحاً سياسياً يستخدم أداةً للتكافل والاستفادة المشتركة أو أداة للخلاف وإثارة الصراعات. وقد اخترت (الصراع على مياه النيل) أنموذجاً لتجدده في الآونة الأخيرة وندرة البحوث المتعمقة في هذا الجانب. الميزان المائي لدول الحوض: باستعراض طبيعة المشكلة التي سماها بعض الباحثين بالميزان المائي نجد أنهم يعنون به: الموارد المتاحة حالياً والموارد المطلوبة والقابلة للاستثمار والاحتياجات الحالية والمستقبلية على ضوء التزايد السكاني والاتجاهات التنموية القائمة والمتوقعة مستقبلاً. وفي الواقع أنه من الصعب القياس بميزان حساس للمياه في الشرق الأوسط، لاعتبارات عديدة، بعضها فنية وأخرى سياسية. أما الفنية فهي صعوبة حصر الموارد المائية (السطحية والجوفية والمحلاة) الواردة من وإلى أي من دول الشرق الأوسط، خاصة أن المياه تتعرض في دورة جريانها إلى عوامل التبخر والنتح، وأحياناً أخرى الهدر وقت الاستعمال أو إعادة الاستعمال. فرغم الاهتمام الملحوظ في الفترة الأخيرة بموارد المياه وما يمكن أن تحدثه من أزمات في العلاقات بين دول الشرق الأوسط، وما تجلبه من كوارث على المستوى القطري؛ إلا أن الاهتمام بحصر تلك الموارد حصراً دقيقاً لا زال مبدئياً ويعاني من غياب الدقة المطلوبة، بل إنه يعاني في حالات أخرى من قلة المعلومات أو عدم توافرها أصلاً، وهذا ينقلنا إلى الصعوبات السياسية المتمثلة في منهجية خبراء شؤون المياه في تناول الأرقام المتعلقة بموارد المياه وهي التي غالباً ما تكون لخدمة أغراضهم أو بالأحرى مصالح دولهم، ولذلك قد لا يرون غضاضة في كشف عجز أو فائض أو توضيح هبوط أو صعود نصيب الفرد من المياه في دولة ما بما يخدم أغراضهم؛ الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تضارب الأرقام من خبير لآخر، ومع ذلك؛ ورغم تلك الصعوبات الجمة، فإننا لم نجد بداً من اقتحام تلك الأسلاك الشائكة في محاولة للتوصل إلى الرقم الأقرب إلى الصحة بشأن تحديد درجة التوازن المائي في المنطقة وهو الرقم الذي يشكل في الغالب إما القاسم المشترك بين عدد من الخبراء الثقاة في هذا المجال، أو رقماً مستقى من وثيقة أصلية لا يختلف عليها اثنان. يبلغ الحجم المتوسط السنوي للأمطار على حوض النيل حوالي ٩٠٠ مليار م٣ سنوياً [١] يمثل السريان السطحي منه ١٣٧ مليار م٣، بينما إيراد النيل طبقاً لآخر التقديرات لا يتجاوز ٨٤ مليار م٣، يأتي ٧٢ مليار م٣، أي ٨٧% من مياه النيل من النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة (تانا) في أثيوبيا، بينما يأتي ١٣% من منطقة البحيرات العظمى أي حوالي ١٢ مليار م٣. ويبلغ تعداد السكان بحوض النيل ما يقرب من مائتي مليون نسمة، وتبلغ احتياجاتهم المثلى نحو ١٧٠ مليار م٣، سنوياً من المياه، ويمكن المزج بين مياه النهر والآبار والأمطار لتحقيق اكتفاء ذاتي من المياه دون أي مشاكل. واذا انتقلنا إلى مصر الدولة الأكبر والأكثر اعتماداً على مياه النيل، فالأمطار شبه معدومة، والمياه الجوفية غير متجددة، ومن هنا فإن مياه النيل تمثل حوالي ٩٧% من موارد مصر المائية، وتبلغ حصة مصر ٥، ٥٥ مليار م٣، وعدد سكانها ٦٠ مليون نسمة، طبقاً لتقديرات ١٩٩٦م، والأرض المزروعة ٣. ٦ مليون فدان، وهذا القدر من المياه لا يكفي لاحتياجات السكان مما يضطر المصريين لإعادة استخدام المياه لمرة ثانية بالرغم من انخفاض نوعيتها وتأثيرها المستمر على خصوبة الأرض الزراعية وعلى معدلات الإنتاج. وفي عام ٢٠٠٠م سيصل عدد السكان إلى نحو ٧٠ مليون نسمة، ولكي تحافظ مصر على نصيب الفرد من المياه فإنها ستكون في حاجة إلى نحو ٧٧ مليارم٣، بعجز ٢٢ مليار م٣. أما السودان فتختلف التقديرات بشأن المساحة المزروعة من ١. ١ إلى ٣. ١ مليون هكتار، في حين تتراوح تقديرات المياه المستخدمة ما بين ١٢ إلى ١٧ مليون هكتار [٢] وتدعو الخطة الوطنية السودانية إلى استصلاح ما يقرب من ٤. ٢ مليون هكتار جديدة من الأرض الزراعية وهي تتطلب ١٥ مليار م٣ إضافية من المياه. ولكن وسط وجنوب السودان لا يُحتاج كثيراً إلى المياه من نهر النيل؛ فمعدل مياه الأمطار يصل إلى ١٥٠٠ ملم على الأغلب في العام. والجدير بالذكر أن السودان حالياً يستغل فقط ٥، ١٣ مليار م٣، من حصته في مياه النيل البالغة ٥، ١٨ مليار م٣. وإثيوبيا توصف بأنها نافورة أفريقيا حيث ينبع من مرتفعاتها أحد عشر نهراً تتدفق عبر حدودها إلى الصومال والسودان وتصب هذه الأنهار ١٠٠ مليار م٣، من الماء إلى جيران إثيوبيا والنيل الأزرق أكثر هذه الأنهار. وتتميز أنهار إثيوبيا التي تجري صوب الغرب بانحدارها الشاهق؛ فالنيل الأزرق ينحدر ١٧٨٦ متراً عن مجراه الذي يبلغ ٩٠٠ كم، وهذا الانحدار الشاهق لتلك الأنهار يجعل من إثيوبيا بلداً ضعيفاً جغرافياً في التحكم في جريان النهر. البعد السياسي للمشكلة: يمكن وصف حالة نهر النيل بأنها حالة مساومة وتهديد؛ فدائماً تستخدم ورقة المياه من جانب أثيوبيا أو الدول الكبرى للضغظ على مصر والسودان لتليين مواقفهما السياسية إزاء مشكلة ما. فعلى سبيل المثال وفي الماضي البعيد كثيراً ما كان الأحباش يلوّحون به من إبادة مسلمي الحبشة وتحويل مجرى النيل عن مصر حتى يموت أهلها جوعاً، وقد كان حكام الحبشة يسوّغون مواقفهم تلك بأنها نوع من الانتقام إزاء ما يزعمونه بسوء معاملة الأقباط المصريين وقياداتهم الدينية [٣] . كذلك لعبت القوى الكبرى من قديم الزمن دورها في هذا المضمار، ولم يتردد البرتغاليون في الاتصال بملك الحبشة لإقناعه بشق مجرى يمتد من منابع النيل الأزرق الذي هو الرافد الرئيسي لنهر النيل حتى البحر الأحمر؛ وذلك لحرمان مصر من المياه وجعلها من الواحات المفقودة [٤] . واتخذ الاستعمار البريطاني من مياه النيل أداة للضغط والمساومة والانتقام ضد مصر والسودان وقد قال أحد الباحثين الإنجليز ويدعى (تشيرول) (كانت خطط تخزين مياه النيل الأزرق والأبيض في السودان توضع تحت تصرف وإشراف اللورد كتشنر شخصياً، وكان يوجه اليها كل اهتمامه، لا لأنها ستفتح إمكانيات لا حدّ لها تقريباً من الماء لمصر والسودان، ولكنها ستكون ورقة سياسية تُحَل بها أي مسألة سياسية تثار في هذا البلد) [٥] . إن الدارس لجغرافية نهر النيل وطبوغرافيته يلاحظ الأمرين التاليين: الأول: أن هذا النهر قد سيطر سيطرة كاملة على اقتصاد وحياة الدول الواقعة على حوضه وخاصة مصر ثم السودان؛ حيث أصبحت قوة مصر السياسية تتناسب طردياً مع كمية المياه المتاحة لها، حتى إن دخلها القومي يساوي تقريباً دخلها المائي. الثاني: الدولة الأولى المستفيدة من هذا النهر وهي مصر لا يوجد على إقليمها أي منابعه، مما جعلها دائماً في علاقة خاصة مع باقي الدول الأخرى التي توجد بها هذه المنابع، وهذه العلاقة فيها من مظاهر الضعف أكثر مما فيها من مظاهر القوة؛ حيث إنها حتمت على مصر انتهاج سياسة مرنة وتهادنية نوعاً ما إزاء الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية في المنطقة. مستوى الصراع القائم بين دول الحوض: ونرصد هذه الدرجة من خلال بعدين: الخلافات المصرية السودانية. الخلافات مع دول أعالي النيل. أولاً: الخلافات المصرية السودانية: السودان ومصر هما في الأصل دولة واحدة، ولكن التدخلات الأجنبية وإبعاد الإسلام عن حياة الصفوة في الدولتين تسببا في انفصالهما. وفي عام ١٩٢٩م توصلت بريطانيا ومصر إلى اتفاق أخذ شكل مذكرات تبادلية بين رئيس الوزراء المصري والمندوب السياسي البريطاني، وتُعد بريطانيا في هذه الاتفاقية نائبة عن السودان وكينيا وأوغندا وتنزانيا، ولقد نصت الاتفاقية بوضوح على عدم قيام أعمال ري، أو توليد طاقة هيدروكهربائية على النيل أو فروعه، أو على البحيرات التي تنبع منها سواء في السودان أو في البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية من شأنها إنقاص مقدار المياه الذي يصل إلى مصر، كما ينص أيضاً على حق مصر في مراقبة مجرى النيل من المنبع إلى المصب. ومن الواضح أن الاتفاقية كانت اتفاقية سياسية قصد بها استخدام مياه النيل من جانب بريطانيا للانتقام من السودان بسبب مقتل السير (لي ستاك) سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام. لذلك كان من الطبيعي أن تُواجَه هذه الاتفاقية بانتقادات عديدة من الجانب السوداني، تصاعدت حدتها بعد نيله استقلاله عام ١٩٥٥م، فقد اعتبرها السودان جزءاً من تسوية سياسية مع طرف أجنبي وفي غياب القيادة السودانية وبغير إرادتها، وعلى ذلك فهي من طرف واحد لا بين طرفين، فضلاً عن أنها تعطي مصر حق النقض (الفيتو) بل والسيادة الهيدرولوجية المطلقة في كل حوض النيل وعلى كل مشاريعه المائية. وبذلك امتنع السودان عن الموافقة على قيام مصر ببناء السد العالي في بادئ الأمر مما أدى بالفعل إلى تأخير بنائه بعض الوقت. وفي عام ١٩٥٨م زادت الأزمة بين البلدين حيث أعلنت السودان من جانب واحد عن نيتها في بناء سد الروصيرص لأعمال التوسع في مشروع الجزيرة بالرغم من اعتراضات مصر على المشروع [٦] . ومع مجيء الفريق عبود بانقلابه في السودان تحسنت العلاقات بين البلدين، وأدى هذا إلى التوصل إلى اتفاق عام ١٩٥٩م، ألغى حق مصر في أعمال الرقابة على المشروعات التي تقام على النيل، وتم الاتفاق على بناء خزان الروصيرص في السودان مقابل بناء السد العالي في مصر، وتم الاتفاق على توزيع حصص المياه: ٤٨ مليار م٣، لمصر، و٤ مليار م٣، للسودان. فضلاً عن ريع السد العالي بمعدل ٥، ١٤مليار م٣، للسودان، و ٥، ٧ مليار م٣، لمصر. وفي التوتر الأخير الحادث في العلاقة بين مصر وحكومة البشير في السودان، أثيرت مسائل توزيع حصص المياه؛ ولكن سرعان ما هدأت هذه المسائل عند بدء عودة العلاقات لطبيعتها. ثانياً: - الخلافات مع دول أعالي النيل: - يسود التفكير لدى دول منابع النيل وبخاصة أثيوبياً فيما تعتبره حقها في استغلال مياه النيل وفقاً لاحتياجاتها التنموية، وترى أن على دول المصب مواءمة احتياجاتها مع ما يتبقى من استخدام دول المنابع. من هذا المنطلق فقد تقدمت إثيوبيا رسمياً بمطالبها إلى مؤتمر الأمم المتحدة للدول النامية عام ١٩٨١م حيث أعلنت رغبتها في استصلاح ٢٢٧ ألف فدان في حوض النيل الأزرق وأكدت أنه نظراً لعدم وجود اتفاقيات بينها وبين الدول النيلية الأخرى فإنها تحتفظ بحقها الكامل في تنفيذ مشروعاتها مستقلة [٧] . وقد قامت بالفعل مع بداية عام ١٩٨٤م بتنفيذ مشروع سد (فيشا) ، أحد روافد النيل الأزرق بتمويل من بنك التنمية الإفريقي وهو مشروع يؤثر على حصة مصر من مياه النيل بحوالي ٥، ٠ مليار م٣، كما تقوم أثيوبيا بدراسة ثلاثة مشروعات أخرى. إن تلك المشروعات سوف تؤثر على مصر بمقدار ٧ مليار م٣ سنوياً [٨] . إن حجج دول أعالي النيل وعلى رأسها إثيوبيا في إقامة هذه المشروعات تتلخص في الآتي: ١- تترسخ عند حكام الحبشة منذ القدم فكرة مؤداها القدرة على تحويل مياه النيل عن مصر رداً على سعي مصر للسيطرة والهيمنة. هذه الرؤية الإثيوبية فضلاً عن اختلاف توجهات النظم في كل من أثيوبياً ومصر والسودان، دفعت العلاقات في هذه الفترة (أواخر السبعينات) إلى التوتر فقد أعلن السادات في ١٦/١٢/١٩٧٩م في حديثه لمجلة أكتوبر عن نيته في توجيه قدر من مياه النيل إلى القدس (إسرائيل) مما أثار إثيوبيا بمذكرة قدمتها لمنظمة الوحدة الإفريقية في مايو ١٩٨٠م وهددت بإجراء تغييرات في مجرى النهر بالقوة العسكرية إن اقتضى الأمر ذلك مما حدا بوزير خارجية مصر آنذاك إلى أن يصرح في مجلس الشعب المصري: (إن مصر ستمضي إلى خوض الحرب من أجل تأمين استراتيجيتها) . وفي مؤتمر مركز الدراسات الإفريقية والشرقية في جامعة لندن عن مياه النيل (٢ - ٣ مايو ١٩٩٠م) أوضح خبير المياه الإثيوبي (د. زيودي أباتي) مدير عام هيئة تنمية الوديان في إثيوبيا ومندوبها في المؤتمر: أن مصر والسودان قد اقتسمتا مياه النيل دون التشاور مع دول أعالي النيل أو مجرد إخطارها، وبالرغم من تعرض إثيوبيا لموجات من الجفاف فهي لا تستغل سوى ٦، ٠ مليار م٣، من مياه النيل بينما بقية دول أعالي النيل لا تستخدم سوى ٥، ٠ مليار م٣، وهذه الدول في حاجة إلى مزيد من المياه للأمن الغذائي وري الأرض. ولا تزيد حجج بقية دول أعالي النيل مثل كينيا وتنزانيا وأوغندة عن لب القضية وهي أن هذه الدول لم يستشرها أحد في اتفاقيه توزيع المياه، ولم يكن لها ترضية ما سواء بالمياه أو غيرها بالرغم من حالة الجفاف واحتياجاتها الشديدة للمياه في مشاريعها الزراعية الطموحة، وأن الاتفاقيات الموقعة وقعت أيام الاستعمار وهي لم تكن طرفاً أصيلاً فيها. والجدول (١) يوضح استخدامات بعض دول حوض النيل عام ١٩٨٠م ومطالبها المتوقعة عام ٢٠٠٠م. أما الطرف المصري والسوداني فيرى أن الاحتياجات المائية لدول أعالي النيل المعلنة مبالغ فيها، وأنها لا تقوم على أساس سليم، وهذه الدول مطالبة بأن تدرس مطالبها من مياه النيل على أسس علمية سليمة، فليس من المعقول أن تكون كمية المياه التي تطالب بها لعام ٢٠٠٠م عشرة أضعاف الكميات التي تستخدمها عام ١٩٨٠م؟ والرؤية المصرية تعتمد تقليدياً على نظرية الحقوق المكتسبة والتاريخية والقائمة على الممارسة الظاهرة للحقوق المصرية بشكل مستمر ومؤكد، وقد استمر الموقف السلبي طوال فترة زمنية كبيرة من قِبَلِ دول أعالي النيل كقرينة على حقوق مصر. كما أنها تعتمد على ثلاث اتفاقيات وقعت مع ملك الحبشة في الماضي وهي: ١- البروتوكول الأنجلو إيطالي في ١٥ إبريل عام ١٨٩١م. ٢- المعاهدة المبرمة بين بريطانيا وإثيوبيا في ١٥ مايو ١٩٠٢م. وتبنى النظرية المصرية على أن منظمة الوحدة الإفريقية قد أقرت مبدأً عرفياً ينص على أن الحدود والاتفاقيات التي تم توريثها من الاستعمار تظل كما هي تجنباً لإثارة النزاعات والحروب بين دول القارة. وهذا المبدأ أقرته إثيوبيا نفسها في نزاعها الحدودي مع الصومال. -------------------------------------- --- الدولة ... الاستخدامات ١٩٨٠ ... ... مطالب سنة ٢٠٠٠ ... مليار م٣ سنوياً ... ... ... مليار م٣ سنوياً -------------------------------------- --- تنزانيا ... ... ٣٤, ... ... ... ... ... ٣.٣٤ أوغندا ... ... ١٤ , ... ... ... ... ... ٤٢,٣ كينيا ... ... ٢٦, ... ... ... ... ... ٣٥,١ رواندا ... ... ١٣, ... ... ... ... ... ٥٣, بوروندي ... ٠١, ... ... ... ... ... ١٦, -------------------------------------- --- الجملة ٨٨ , ... ... ... ... ٨٠ , ٨ ------------------------------------------ (١) المصدر: رئاسة الجمهورية، المجالس القومية المتخصصة، تقرير في شأن حقوق مصر الطبيعية والتاريخية وما يرتبط بها من اتفاقيات، القاهرة، يناير ١٩٩٢م، ص١٢. الدور اليهودي في الصراع على مياه النيل: هناك مظهران لهذا الدور: دور مباشر، وآخر خفي. * الدور المباشر: تعد محاولة الحركة الصهيونية للاستفادة من مياه النيل قديمة قدم التفكير الاستيطاني في الوطن العربي، وظهرت الفكرة بشكل واضح في مطلع القرن الحالي عندما تقدم الصحفي اليهودي تيودور هرتزل مؤسس الحركة عام ١٩٠٣م إلى الحكومة البريطانية بفكرة توطين اليهود في سيناء واستغلال ما فيها من مياه جوفية وكذلك الاستفادة من بعض مياه النيل، وقد وافق البريطانيون مبدئياً على هذه الفكرة على أن يتم تنفيذها في سرية تامة [٩] . ولقد رفضت الحكومتان المصرية والبريطانية مشروع هرتزل الخاص بتوطين اليهود في سيناء ومدهم بمياه النيل لأسباب سياسية تتعلق بالظروف الدولية والاقتصادية في ذلك الوقت. وفي الوقت الراهن يمكن القول إن هناك أربعة مشاريع أساسية يتطلع إليها اليهود بهدف استغلال مياه النيل: ١- مشروع استغلال الآبار الجوفية: - قامت (إسرائيل) بحصر آبار جوفية بالقرب من الحدود المصرية، وترى أن بإمكانها استغلال انحدار الطبقة التي يوجد فيها المخزون المائي صوب اتجاه صحراء النقب. وقد كشفت ندوة المهندسين المصريين أن (إسرائيل) تقوم بسرقة المياه الجوفية من سيناء وعلى عمق ٨٠٠ متر من سطح الأرض، وكشف تقرير أعدته لجنة الشؤون العربية بمجلس الشعب المصري في يوليو ١٩٩١م أن (إسرائيل) تعمدت خلال السنوات الماضية سرقة المياه الجوفية في سيناء عن طريق حفر آبار إرتوازية قادرة؛ وذلك باستخدام آليات حديثة على سحب المياه المصرية. ٢- مشروع اليشع كالي: - في عام ١٩٧٤م طرح اليشع كالي وهو مهندس (إسرائيلي) تخطيطاً لمشروع يقضي بنقل مياه النيل إلى (إسرائيل) ، ونشر المشروع تحت عنوان: (مياه السلام) والذي يتلخص في توسيع ترعة الإسماعيلية لزيادة تدفق المياه فيها، وتنقل هذه المياه عن طريق سحارة أسفل قناة السويس، وقد كتبت صحيفة معاريف في سبتمبر ١٩٧٨ تقريراً بأن هذا المشروع ليس طائشاً؛ لأن الظروف الآن أصبحت مهياة بعد اتفاقيات السلام لتنفيذ المشروع. ٣- مشروع (يؤر) : قدم الخبير الإسرائيلي شاؤول أولوزوروف النائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيلية مشروعاً للسادات خلال مباحثات كامب ديفيد يهدف إلى نقل مياه النيل إلى (إسرائيل) عبر شق ست قنوات تحت مياه قناة السويس وبإمكان هذا المشروع نقل ١ مليار م٣، لري صحراء النقب منها ١٥٠ مليون م٣، لقطاع غزة. ويرى الخبراء اليهود أن وصول المياه إلى غزة يبقي أهلها رهينة المشروع لدى (إسرائيل) فتتهيب مصر من قطع المياه عنهم. ٤- مشروع ترعة السلام [١٠] : - هو مشروع اقترحه السادات في حيفا عام ١٩٧٩م، وقالت مجلة أكتوبر المصرية: (إن الرئيس السادات التفت إلى المختصين وطلب منهم عمل دراسة عملية كاملة لتوصيل مياه نهر النيل إلى مدينة القدس لتكون في متناول المترددين على المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وحائط المبكى) . وإزاء ردود الفعل على هذه التصريحات سواء من أثيوبيا أو المعارضة المصرية ألقى مصطفى خليل رئيس الوزراء المصري بياناً أنكر فيه هذا الموضوع قائلاً: (عندما يكلم السادات الرأي العام يقول: أنا مستعد أعمل كذا فهو يعني إظهار النية الحسنة ولا يعني أن هناك مشروعاً قد وضع وأخذ طريقه للتنفيذ) ! ! * الدور الخفي: تطمع (إسرائيل) في أن يكون لها بصورة غير مباشرة اليد الطولى في التأثير على حصة مياه النيل الواردة لمصر وبدرجة أقل السودان؛ وذلك كورقة ضغط على مصر للتسليم في النهاية بما تطلبه (إسرائيل) . يقول محمد سيد أحمد: (إن للخبراء الإسرائيليين لغة في مخاطبة السلطات الإثيوبية تتلخص في ادعاء خبيث هو أن حصص المياه التي تقررت لبلدان حوض النيل ليست عادلة؛ وذلك أنها تقررت في وقت سابق على استقلالهم، وأن (إسرائيل) كفيلة أن تقدم لهذه الدول التقنية التي تملكها من ترويض مجرى النيل وتوجيهه وفقاً لمصالحها) . من أجل ذلك تتوارد الأنباء والأخبار عن مساعدات (إسرائيلية) لإثيوبيا لإقامة السدود وغيرها من المنشآت التي تمكنها من السيطرة والتحكم في مياه النهر. ولقد دأبت العواصم المعنية بدءاً من أديس أبابا مروراً بالقاهرة وانتهاء بتل أبيب على نفي هذه الأنباء. -------------------------------------------------------- الموضوع ... ... ... ... التكرار ... ... النسبة المئوية ------ -- ---------------------------------------------- مشاركة (إسرائيل) في مساعدة إثيوبيا في إنشاء السدود. ... ٢٥ ... ... ... ٦٧.٥% عدم مشاركتها ... ... ... ١٢ ... ... ... ٣٢.٥% ----------------------------------------------------- المجموع ... ... ... ٢٧ ... ... ... ١٠٠% -------------------------------------------- [جدول (٢) ] لذلك نورد بعض الجداول التي تعنينا على تتبع هذه القضية: جدول (٢) يبين مضمون ما أوردته وسائل الإعلام العربية والعالمية حول السدود الإثيوبية على النيل الأزرق في الفترة من أول نوفمبر ١٩٨٩م حتى منتصف فبراير ١٩٩٠م. من هنا يتضح أن الاحتمال الأرجح هو تورط (إسرائيل) بالمشاركة في مساعدة إثيوبيا في إنشاء السدود على النيل الأزرق. مستقبل الصراع على مياه النيل: - والمتتبع لتوقيت ظهور الخلافات وإبرازها يرى ذلك؛ وليس أدل على ذلك مما يحدث بين مصر والسودان بين آن وآخر، وأيضاً ما حدث بين مصر وإثيوبيا في أواخر السبعينات حينما وصل إلى سدة الحكم في إثيوبيا نظام عسكري ماركسي التوجه يرتبط بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع الاتحاد السوفييتي السابق في الوقت الذي كانت فيه القيادة السياسية المصرية ترتبط بعلاقات سياسية وثيقة مع الولايات المتحدة، وعليه اندلعت الخلافات السياسية بين الجانبين، وسرعان ما انعكست على قضية المياه. وحتى الخلاف الأخير عندما أعلنت إثيوبيا عن إقامة سد على النيل الأزرق بتمويل من صندوق النقد الدولي جاء هذا مع لعب مصر دوراً رئيساً في المصالحة الصومالية واستضافتها لأطراف النزاع في القاهرة؛ الأمر الذي شعرت معه إثيوبيا بأن مصر تحاول أن تنال من دورها الإقليمي في القرن الإفريقي. وكان هذا أيضاً متقاطعاً مع محاولة مصر الخروج من دائرة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط واعتراضها على المحاولة الأمريكية الأخيرة لضرب العراق، فأرادت أمريكا اللعب بورقة المياه عبر بوابة صندوق النقد الدولي (الممول له حقيقة أمريكا) وفتح الاعتمادات اللازمة لتمويل سد إثيوبيا مما أثر بالفعل على الموقف المصري الذي بدا متراجعاً عن موقفه السابق مع العراق.

стр. 2904

مقالات مُعَربة سحب من الشك شهادة أمريكية على الإرهاب الأمريكي ترجمه واختصره: د. يوسف الصغير على الرغم من الطابع الاستعراضي لضرب أمريكا للسودان وأفغانستان، مع عدم معرفه الذين قاموا بتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام على وجه التحديد؛ فإن المشكلات الشخصية دفعت إلى الاستعجال برد فعل غير مدروس، ومع ذلك كان هناك شبه إجماع سياسي وإعلامي في أمريكا انطوى على التهليل والتطبيل لهذه العملية في شبه تظاهرة يغلب عليها العنصر اليهودي، ومن الاستثناءات الموضوعية القليلة المقال الافتتاحي لصحيفة Investor's Business Daily المنشور يوم الثلاثاء ١ سبتمبر ١٩٩٨م، والذي نحاول فيما يلي أن نقدم ترجمة أمينة لأجزاء منه وبما يسمح به حجم الزاوية جاء في المقال: (لقد أخذنا كلمة الرئيس كلينتون أن ضرب السودان وأفغانستان كان ضرورياً، وأن قواتنا قد عاقبت الناس الحقيقيين، لكن يجب أن نعرف بصورة أفضل أن قصته الأصلية في ٢٠ أغسطس، بعد ثلاثة أيام من نصف الاعتراف بالكذب حول (مونيكا لوينسكي) ، أمر كلينتون قواتنا بإطلاق حوالي ٢٠ من قذائف (توماهوك) على مصنع في السودان وهي دولة مسلمة ليس بيننا وبينها حتى الآن أي نزاع ذي شأن. كلينتون أمر أيضاً باستخدام ٦٠ صاروخاً أو حولها من (التوماهوك) أطلقت على ستة من المعسكرات حول خوست، بأفغانستان. ولتسويغ الضربة فإن البيت الأبيض ادعى شبهة وجود غاز أعصاب واجتماع إرهابيين دوليين. منذ أكثر من أحد عشر يوماً حتى الآن، والتقارير الإخبارية توضح كذب العديد من البيانات التي أطلقت بواسطة كلينتون وموظفيه لتسويغ الضربتين. وكلما أصبحت التسويغات غير فعالة أضيفت حجج جديدة، مما زاد الشكوك أن الضربات أمر بها لتحويل الانتباه عن مشكلاته الشخصية ليس إلا. المصنع المحمي بقوة: هكذا وصفت الإدارة المصنع المضروب بأنه مصنع للكيماويات ذات العلاقة بالأسلحة، بعد ساعات من تدمير القذائف الأمريكية له. لكن المهندس البريطاني (توم كارنافين) الذي عمل في المصنع من عام ١٩٩٢م إلى ١٩٩٦م أخبر نيويورك تايمز أنه ليس هناك مطلقاً احتياطات أمنية على المصنع؛ حيث تستطيع أن تتمشى في أي مكان تريده ولا أحد يحاول أن يمنعك. مجمع صناعات عسكرية: بعد يوم من الضربة صرح رسميو كلينتون أن المصنع كان مملوكاً للسودان باعتباره جزءاً من مجمع صناعات عسكرية. لكن الصحف وجدت أن المالك الكامل هو مصرفي عربي له مكاتب في لندن! ليس له إنتاج تجاري: ادعت الإدارة مبكراً أن المصنع لم يكن ينتج أدوية (نحن لا نملك أي أدلة ولم نر أي إنتاج تجاري تم بيعه) قال ذلك مصدر رسمي للصحفيين. لكن الأمر ليس كذلك؛ فقد كان من الواضح تماماً أن المصنع يمد الدولة بأقراص لملاريا الأولاد وبالعقاقير البيطرية. وفي الحقيقة فإنه يموّن تقريباً نصف حاجة السودان من العقاقير، بل ولديه عقد مع الأمم المتحدة. المراسلون الصحفيون الذين تجولوا في المنطقة بعد الضربة شاهدوا بين الحطام منتجات لها علاقة بالعقاقير، والصور التلفزيونية أوضحت أكواباً من زجاجات الدواء. رسميو كلينتون يسلمون الآن بأن للمصنع استعمالات تجارية إلا أنهم قالوا أنها يمكن أن تنتج كلاً من الأدوية ومكونات لأسلحة كيميائية! دليل مادي: لأيام عديدة بعد الضربة، رفضت الإدارة الأمريكية الحديث عن أدلتها بالتفصيل؛ غير أنها كانت أدلة قوية ومقنعة لا تُدحض، لكن الصحافة تبحث عن التفاصيل، وبعد ثلاثة أيام من الضربة فإن مستشار الأمن القومي (سندي بيرقر) ذهب إلى (سي إن إن) ليؤكد على أن المصنع كان ينتج المواد الأساسية لغاز الأعصاب القاتل. وأضاف: نحن نملك الدليل المادي! ولما سأله (دولف بلتزر) مراسل (سي إن إن) : هل ستسرب الأدلة للجمهور؟ أجاب بيرقر: لا، إنها معلومات سرية. وفي اليوم التالي أخبر اثنان من موظفي الإدارة (نيويورك تايمز) أن الولايات المتحدة حصلت سراً على عينة من التربة من الموقع قبل الضربة، قالت المصادر المجهولة: إنها تحتوي على مواد كيميائية تستعمل في إنتاج غاز الأعصاب، ولكنهم لم يعطوا اسم المادة. وتحت مزيد من الضغط لإعطاء مزيد من التفاصيل قال الموظفون في اليوم التالي: إن المادة هي حمض يسمى (EMPTA) . لقد ادعوا أنها ليس لها استعمال إلا في صنع الأسلحة الكيميائية. لكن هذا الادعاء فيه مشكلتان رئيستان: الأولى: أن هذه المادة (EMPTA) لا توجد في قائمة المواد الكيميائية الممنوعة طبقاً للمعاهدة الدولية للحد من الأسلحة الكيميائية. وقول منظمة منع الأسلحة الكيميائية: إن (EMPTA) يمكن استخدامها (لأغراض تجارية) قول صحيح؛ لأن المصنع ينتج مضادات الفطريات. وأيضاً ذكرت (نيويورك تايمز) أن التركيب الكيميائي لـ (EMPTA'S) مشابه جداً لمبيدات الحشرات ومبيدات الحشائش الضارة التي تباع تجارياً مثل قاتل الأعشاب الضارة (راوند أب) ؛ ولأن الحكومة كما أعلنت أخذت عينة من تربة واحدة فقط فإنه يمكن الخطأ في الفحص. وحتى لو كانت العينة (EMPTA) فإنها لا تثبت أن المصنع ينتجها، ومن الممكن أن الحمض خُزّن هناك أو تسرب أثناء النقل. إن مصنع الأسلحة الكيميائية يحتاج إلى مفاعلات مبطنة بالزجاج، وأنابيب خاصة تتحمل التآكل الناتج من المواد الكيميائية عالية السّمّية، كذلك يحتاج إلى مساحة كبيرة لهذه الأجهزه وأيضاً لتخزين المواد الكيميائية، وكل هذا غير موجود كما هي إفادة كل من العاملين السابقين والمراسلين الصحفيين الذين شاهدوا حطام المصنع. ومن أجل تقليل الخسائر بين العاملين فإن البيت الأبيض يقول إنه اختار ضرب المصنع بعد أن أغلق أبوابه (أي بعد نهاية الدوام) . المراسلون المحليون قالوا إن عشرة أشخاص قد جرحوا، منهم أربعة جراحهم خطيرة، وأن شخصاً وأحداً قد قتل. لكن مصنع (شركة الشفاء للصناعات الدوائية) موجود وسط مدينة الخرطوم فلو كانت الإدارة الأمريكية واثقة أن المصنع ينتج مواد كيميائية مميتة مما يحمل خطورة انتشار أبخرة في الهواء لقتل المئات أو الآلاف من السودانيين ولأظهرت الضربة ذلك؛ وهذا لم يحدث! ملاحظة أخرى غريبة: بعد الهجوم أوضحت الصور التلفزيونية أن رجال الإطفاء السودانيين كانوا يكافحون النيران داخل المصنع بدون ملابس واقية، ومن المؤكد أنه في حال وجود مواد كيميائية مميتة فإن هؤلاء سيقضى عليهم بواسطة الأبخرة، فقطرة واحدة فقط من (VX) عند استنشاقها تقتل البالغ في دقائق. وأبرز دعاوى كلينتون أهمية لتدمير المصنع هو ادعاء علاقة لـ (بن لادن) به وهذه غير موجودة. في يوم الضربة، قال وزير الدفاع (وليام كوهين) : إن المذكور له بعض المصلحة الاقتصادية في المصنع. وبيرقر وافق وزير الدفاع فقال: نحن نعرف أن بن لادن كان مساهماً أساسياً، إلا أن الصحافة لم تجد صلة تمويلية؛ فمالك المصنع لم يتعامل مطلقاً مع بن لادن. أيضاً فإن بن لادن لم يُقِم في السودان منذ ١٩٩٥م. وبعد كل هذا فإن أحد المسؤولين المجهولين يسلم الآن بأن الصلة غير واضحه تماماً، وأحدهم قال: إنها غامضة. وعندما نمت الشكوك حول علاقة بن لادن فإن قصة جديدة برزت لتسويغ الضربة وهي ادعاء أن للعراق دوراً في المصنع. حتى لو كان هذا صحيحاً فإنه ليس هو القضية. لقد قال كلينتون إن الضربة كانت رداً على ضرب السفارات في أفريقياً، وأن بن لادن خلف التفجيرات؛ وأنه يمول مصنع الأسلحة الكيميائية في السودان. إن الفكرة هي عقاب بن لادن وليس العراق. أفغانستان: المبالغة في تدمير البنية التحتية للإرهاب: في اليوم التالي لإمطار أفغانستان بالقذائف الأمريكية، ادعى الرسميون أنهم دمروا أو ألحقوا أضراراً بكثير من المباني التي توصف بأنها قواعد للإرهابيين. لقد ثبت أن مركز قيادة بن لادن لم يكن أكثر من أكواخ طينية وخيام متناثرة في الجبال؛ حيث أختبأ فيها المجاهدون أيام حرب السوفييت. قال الرسميون: إنهم دمروا البنية التحتية لاتصالاته؛ ولكن التقارير الصحفية توضح أن المذكور يستعمل التليفونات الخلوية المرتبطة بالأقمار الصناعية، وليس له أنظمة مركزية يمكن ضربها بالقذائف. بعد ثمان وأربعين ساعة كاملة من الضربة، فإن البيت الأبيض قال إنه لم يستطع الحصول على صور من الأقمار الصناعية. لماذا؟ السحب تحجب المنطقة عن الفضاء الخارجي: في اليوم الثالث قال الناطق (مايل ماكيري) : إن الصور أوضحت أن القذائف أصابت أهدافها، ولكن السحب لا تزال تمنع أي استعراض كامل للتدمير! ونتيجة لعدم الرضا عن التفصيلات السطحية فإن مراسلين مشتركين من الصحف ووكالة رويتر رحلوا إلى الموقع قرب (خوست) حيث شاهدوا مجموعة من حفر القنابل، ولكن لا يوجد أنقاض كثيرة مما ادّعِيَ بأنه البنية التحتية. محادثات الإرهابيين: لقد قال كلينتون: (إن هناك اجتماعاً لقادة الإرهاب في المعسكر عجل بالغارات، وأن التقارير الأولية أوصلت عدد الإرهابيين إلى ٦٠٠ إرهابي، وأن قذائفنا التي ذكرت الإدارة أنها ضربت أثناء الليل وأصابت (الثكنات) قتلت منهم ما يقارب ٢١ إرهابياً. وكوهين يقول إنه ليس من الواضح إن كان الاجتماع قد عقد في الحقيقة، وبعض الأنباء تقول إن معظم المعسكرات كانت فارغة. هل حققت الضربات أهدافها؟ بيرقر قال: إن معسكرات الإرهابيين أصبحت غير فعالة ووزيرة الخارجية (مادلين أولبرايت) قالت: إننا قمنا بصدمة مؤثرة على المعسكرات الإرهابية الأساسية. بالإضافة إلى مغالاتهم حول التدمير فإنهم قد أهملوا حقيقة أن هناك آخرين يستخدمون المعسكرات. وهناك رسميون باكستانيون قالوا إنهم يستخدمون اثنين من المعسكرات الأربعة التي ضربت بالقذائف لتدريب باكستانيين وكشميريين للحرب ضد الهند في كشمير، وفي الحقيقة فإن هناك ١٥ باكستانياً بين القتلى. معسكر آخر كان يستعمل من قِبَل عرب من بلدان مختلفة، ومعسكر واحد فقط كان يستخدم من قِبَل جماعة بن لادن. مزيد من الأسئلة: السودان وبلدان أخرى منها الكويت دعت أمريكا لتوضيح الحجة الداعية لضرب المصنع السوداني. فلماذا حتى الآن ترفض الإدارة الإجابة؟ ولماذا أيضاً لم تدع الأمم المتحدة لتقوم بالتحقيق؟ إدارة كلينتون تمانع في نشر تفاصيل المعلومات الاستخباراتية للجمهور من أجل تسويغ ضربتها العسكرية وذلك في تعارض صارخ مع نهج الإدارات الأمريكية السابقة. فإدارة ريجان ذهبت بعيداً في نشر حل الشفرة الدبلوماسية الليبية من أجل دعم ضرب طرابلس. كما أوضحوا كثيراً في الصور لشرح غزو (قرينادا) التي تشبه الأفلام الكرتونية. وإدارة بوش أوضحت دوافعها ضد دكتاتور (بنما) المتعامل بالمخدرات؛ فلماذا تكون هذه الإدارة سرية جداً؟ في الحقيقة، وضّحت التقارير أن كلينتون شخص اختار الضربة واحتفظ بالقرار سراً، أطلع عليه قليلاً من المستشارين ولم يستشر أحداً من الحلفاء؛ حتى إن أناساً في مكتب كوهين لم يُخبَروا بالأمر؛ فإن كان هذا الفعل العسكري هو من كلينتون على ضوء مشكلاته الشخصية؛ فإن هذا تفكير مروّع! ! نحن قد وقفنا للحكم على ما قد يبدو لنا تصرفات غير عادلة حيث صدرت أوامر عدوانية بواسطة رئيس محاصر.. إننا نُقِرّ أننا لسنا أفضل من الإرهابيين. اهـ أجمع عدد من الفنيين الأجانب الذين عملوا بالمصنع على خلوه من المواد الكيماوية المشبوهة؛ وهذا ما يعلل رفض أمريكا للتحقيق حول المصنع حتى لا يظهر كذبها للجميع شاهد المراسلون الأجانب آثار العدوان في أفغانستان ووجدوا حفراً لكن لم يجدوا ما ادعي أنه البنى التحتية للإرهاب.

стр. 2905

منتدى القراء ألبسوها الأكفان ..! عباس شعيب حسن موسى ألبسوها الأكفان والتزموا ... هجرها فاعتراهم الندمُ جعلوها مع الرفاةِ ولمْ ... يحصدوا جنيها ويغتنموا هي زاد لذي النهى ... ولها العز فيه والكرمُ ما ارتقى للسمو مبتسل ... دونها، واستقلت القَدَمُ هي رمز الحياة في غدِنا ... هي بدر تحيطه النجُمُ هي نبض الأبي في زمنٍ ... ساد فيه الهوانُ والسَقمُ هي رسم الحروف في كلمي ... هي شعر يخطه القلمُ سلمونا الأُلى أزِمّتها ... وقضوا نحبهم فيا لهمُ ناح شعري على الفراق كما ... ناح قلبي وناحت القيمُ يسألون اللئام عن ألمي ... ولِمَ الأنّ بل لِمَ السأمُ؟ فأشاح الهوان حربته ... قائلاً: قد ماتتِ الهِممُ!

стр. 2906

التمام التمام.. سالم بن جروان الضوي واجب على كل إنسان أن يسعى جاهداً لتكميل ما عنده من فضائل وخصال حميدة، وواجب عليه كذلك أن يسعى جاهداً لعلاج على ما عنده من نقائص وعيوب طيلة أيام عمره؛ فلا يمر يوم إلا وقد اكتسب فيه فضيلة، وتخلص في مقابل ذلك من نقيصة، فلا يزال كذلك حتى يرحل عن هذه الدنيا وهو ماضٍ على هذا النهج. قال إبراهيم الحربي: (لقد صحبت الإمام أحمد عشرين سنة.. فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس) إنه عزم الرجال المؤمنين، ومضاؤهم وحرصهم على المراتب العالية والمنازل الشريفة. لم يعرف الوقوف فضلاً عن التخلف ورجوع القهقرى. إن الجنة منازل ودرجات، ولا ينال منازل الجنة العالية من كان مفرطاً مخلطاً راضياً بالدون. لا ينال المنازل العالية في الجنة إلا من كان ذا همة عالية لا يرضى بالدون، له من كل خير نصيب، وله في كل عبادة مضرب سهم، لا يدع فضيلة إلا ويحرص على ضمها إلى ما عنده من فضائل، ولا نقيصة إلا ويسارع في التخلص منها. إنها لمصيبة عظيمة أيها الأخ الحبيب أن تمر عليك السنون وأنت لم تتغير ولم تبرح مكانك. إيمانك هو هو، وعلمك هو هو، وأدبك هو هو، إذن ما الذي استفدته من مرور الأيام وتعاقب الأعوام. وليكن شعارك المرفوع، وهاجسك الدائم: التمام التمام. القلوب الحائرة ماجد عائض النصَّار القلوب الحائرة تلك القلوب التي تاهت عن طريق الحق وزاغت، فلم تعد تعلم أين طريق الحق، وأصبح الحق لديها باطلاً والباطل حقاً.. وحارت القلوب، فيمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً.. فانظر كيف يقلّب الله القلوب كيف يشاء.. لذلك يقول ﵊ في دعائه: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فإن القلب بين أصبعين من أصابع الله يقلّبه كيف يشاء. قلوب حائرة وأعجب كيف تحار القلوب والله قد بيّن لها طريق الهداية والراحة طريق الجنة يقول : [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون] [الأنعام: ١٥٣] . قلوب حائرة.. وجدت نفسها في زمن المادة بعيداً عن معنى الإيمان بالله.. في زمن الأفكار التي يروج لها بين أبناء المسلمين من علمانية إلى حداثية فقومية فرأسمالية فديمقراطية فاشتراكية فإباحية تدعو إلى الرذيلة، وغيرها مما بليت به الأمة الإسلامية من مبادئ وقيم بعيدة عن المنهج الرباني، تلقفتها قلوب حائرة.. فكل سلك طريقاً.. وهدفهم الوصول.. ولكن إلى أين؟ ! نهاية طريقهم حيرة، فلا هم كسبوا الدنيا وإن كسبوها، ولا هم نالوا الآخرة إن كانوا عرفوها.. لأن صاحب القلب الحائر يكون قلبه فارغاً من كل شيء حتى مفاتيح زوال الحيرة أعرض عنها! وإلا هل يعقل أن حائراً يُدل على الطريق المستقيم ثم لا يسلكه؟ يرى الناس يروون ظمأهم خمس مرات في اليوم والليلة يقفون بين يدي ربهم معلنين راحة نفوسهم.. ونجاتهم من الحيرة التي يغرق فيها أصحاب القلوب الحائرة.

стр. 2907

قضايا ثقافية التفكير العلمي والإبداعي.. حول التفكير: مقدمات عامة (١/٣) عبد الله بن عبد الرحمن البريدي مدخل: يجسد التفكير نعمة عظيمة وهبها الله تعالى للإنسان ليتعرف عليه ويعبده، وليعمر الأرض ويقيم البناء الحضاري على هدي الرسالات النبوية. ولقد امتاز الإنسان بها وتفرد عن بقية المخلوقات، وهي نعمة لا ينفك عنها إنسان عاقل، ولا يتصور خلو الحياة الإنسانية منها لحظة من الزمن. ومن هنا تتجلى أهمية التفكير في حياتنا الخاصة والعامة.. الدينية والدنيوية.. العلمية والعملية.. ومن هذه الأهمية تنبثق ضرورة مراجعة أساليب التفكير السائدة، لتحديد ما إذا كانت قادرة على تحقيق هدف العبودية الشاملة؛ أم أنها تحتاج إلى إعادة بناء وهيكلة؛ وذلك بعد القيام بعملية هدم للأساليب المغلوطة، وفل للقيود الذهنية، وتكسير للحواجز العقلية التي قد تعيق التفكير السليم والإنتاج الإبداعي. والتفكير قضية معقدة من حيث ماهيتها، ومنهجيتها، وما يؤثر بها من الدوافع النفسية الذاتية والعوامل البيئية الخارجية. إن التفكير في حقيقة الأمر ليس مجرد منهجية جوفاء تهذر بها الألسنة، وتؤلف بها الكتب، وتنمق بها الدراسات، بل هو ما يسترشد به الفكر، وما يضيء به العقل، وما تنجذب إليه النفس من خطوات ذهنية، يحوطها انفعال صادق يروم العطاء والبذل، وتزحمها رؤى متناثرة، استجلبها تعلّم فطن وتأمل حاذق. وثمة أسئلة كثيرة تعوزها إجابات دقيقة، من خلالها يمكن تصحيح طرائق التفكير واسترداد (العافية الذهنية) الكاملة، ومن ثم ترقية الأهداف ورفع الأداء، كما أنها بدرجة ثانية تجسّد ما يحيط بعملية التفكير من تعقيد وإشكالية، وأهم هذه الأسئلة ما يلي: ما هو التفكير؟ وكيف يفكر الإنسان؟ هل ثمة عوامل تنضج التفكير وتخصبه، وأخرى تفسده وتسطحه؟ لماذا يبدو أحدنا مندفعاً في قضية دون أخرى؟ ! ! وفي وقت دون آخر؟ ! ما علاقة اللغة بالتفكير؟ وهل نستطيع أن نفكر بدون لغة معينة؟ ألا يمكن أن تمارس حواسنا خداعاً لنا في عملية الإدراك التي تسبق عملية التفكير؟ هل تؤثر العوامل البيئية على التفكير إيجاباً أم سلباً؟ كيف يؤدي التفكير بالإنسان إلى النجاح بعد توفيق الله تعالى؟ أيمكن اكتساب التفكير العلمي بالتعلم والممارسة أم أنه فطري جِبِلّي؟ ما مدى انسجام التفكير السائد مع التفكير العلمي؟ لماذا لا نستفيد في بعض الأحيان عندما نفكر جماعياً؟ ! ما هو التفكير الإبداعي؟ وهل يمكن تحول الإنسان إلى مبدع؟ وكيف؟ ! بإيجاز مشوب بشيء من التفصيل، يحاول هذا الموضوع أن يتلمس إجابات لما سبق، مصاغةً بقالب يرجى أن يكون واضحاً، ومدعمة بأمثلة تطبيقية. قبل المضي قدماً: أود لفت نظر القارئ الكريم قبل قراءة هذا الموضوع إلى ما يلي: ١- أن القراءة في موضوع كالتفكير يجب أن تتلبس بتركيز شديد. ٢- أهمية إعادة قراءة بعض أجزاء الموضوع التي يشعر القارئ بأهميتها، أو على الأقل تلك التي طولب بإعادة قراءتها. ٣- ثبت علمياً أن التفكير لا يمكن أن يكتسب من خلال قراءة عجلى وتفاعل بارد، بل لا بد من القراءة المتأنية والتفاعل الجاد مع التطبيقات المبثوثة في ثنايا الموضوع، والتقيد الدقيق بخطواتها المحددة. ٤- أهمية الربط بين أجزاء الموضوع وحلقاته، وذلك بإعادة قراءة الموضوعات السابقة التي تعتبر تمهيداً لموضوعات لاحقة. ٥- ضرورة الاعتقاد بأن التفكير السديد المنتج مهارة يكسبها التعلم وعادة يصنعها التدرب..، والإيمان بخبر القرآن: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] . الوحي يحث على التفكير: ثمة نصوص قرآنية كثيرة تحث على التفكير والتفكر، وتعلي من شأن العقل والعقلاء؛ فلقد وردت مادة (فكر) في القرآن الكريم (٢٠) مرة بصيغ مختلفة، منها: قول الله تعالى: [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ] [البقرة: ٢١٩] [أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم] [الروم: ٨] وقوله: [فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [الأعراف: ١٧٦] [١] . كما جاء في الكتاب العزيز صيغ أخرى تؤكد على أهمية التفكير، كما في قوله : [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٠) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلََى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] [ال عمران: ١٩٠، ١٩١] ، وقوله: [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [البقرة: ٢٤٢] ، وقوله: [ ... انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] [الأنعام: ٦٥] ، وقوله: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [البقرة: ٢٦٩] . ماهية التفكير: فكر في الأمر: أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى مجهول، وأفكر في الأمر: فكر فيه فهو مفكر، وفكّر في الأمر: مبالغة في فَكَرَ وهو أشيع في الاستعمال من فَكَرَ، فالفكر: إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى المجهول. والتفكير: إعمال العقل في مشكلة للتوصل إلى حلها، الفِكَر: جمع أفكار، وهي تردد الخاطر بالتأمل والتدبر بطلب المعاني [٢] . هذا في اللغة، أما في الاصطلاح فلعله من المناسب أن أتجاوز إشكالية التعريف التي تحيط بهذا المصطلح إلى التعريف الذي أرتئيه للتفكير وهو: «العملية الذهنية التي ينظم بها العقل خبرات ومعلومات الإنسان من أجل اتخاذ قرار معين إزاء مشكلة أو موضوع محدد» . ومن التعريف السابق نخلص إلى أن التفكير يتطلب: قالباً ينتظم خبرات ومعلومات الإنسان. مخزناً يحتويها ويحتفظ بها لحين استدعائها. بيئة نفسية معينة ومحيطاً اجتماعياً محدداً (التفكير لا يمكن أن يحدث في فراغ وإنما في بيئة ما) . ولذا كان من الواجب أن أعرض لعلاقة اللغة والذاكرة والحالة النفسية من جهة، والتفكير من جهة أخرى؛ ذلك أن اللغة هي القالب الذي يشكّل الخبرات والمعلومات، والذاكرة هي ذلك المخزن الذي يحتويها، والحالة النفسية (سيكيولوجية التفكير) هي الجو الذي يتنفس فيه التفكير. ثراء لغتك سبب في عمق تفكيرك: ثمة علاقة عضوية متينة بين اللغة والتفكير، فاللغة هي القالب الذي ينصبّ فيه الفكر، والفكر هو المضمون الذي يحتويه ذلك القالب اللغوي. ويعبر البعض عن هذه الوشيجة بالقول بأن اللغة والفكر يعتبران وجهين لعملة واحدة. يتعذر التفكير التجريدي (الذي هو في المعنويات لا في المحسوسات) في حالة انعدام اللغة ويتسطح بضعفها؛ ذلك أنها السبيل الأوحد لتحويل التفكير الحسي (في المحسوسات) إلى تفكير تجريدي نافع. ويستلزم التفكير العميق ثراءً لغوياً وعمقاً في فهم دلالات وإيحاءات الكلمات المكونة للبناء اللغوي، وفي هذا المعنى يقول د. محمد الشنيطي: «وليس من شك في أننا حين نفكر لا سبيل لنا إلى التفكير إلا في لغة، ولا حيلة لنا إلى ضبط هذا التفكير إلا إذا كان القالب اللغوي واضح المعالم لا يفضي إلى غموض ولا يدعو إلى لبس، ولا ينم عن قلق واضطراب ينعكس بالتالي على تفكيرنا» [٣] . ولتأكيد هذه الأهمية المتناهية للثراء اللغوي، أشير إلى أن التفكير في أي مشكلة إنما يعتمد على مجموعة محددة من الكلمات والمصطلحات، وبدهي أن من كان فهمه أعمق لهذه الكلمات والمصطلحات فإن تفكيره سيكون أعمق وأنضج، فهب أن مشكلة ما تعتمد على الكلمات التالية: أناس حق واجب استطاعة كذب صدق حرية دقة ضوابط حوافز نجاح تحقق ذات استشعار المسؤولية اجتهاد صواب خطأ استئناف العمل ثقافة أزمة إدارة. ومن هنا فإن كل من يتفهم هذه الكلمات والمصطلحات، بجانب سيرورة تفكيره وفق المنهج العلمي سيكون أحظى بالصواب وأظفر بالنجاح بعد توفيق الله تعالى له من كل من تتمنع عليه هذه الكلمات، وتتشوه في عينيه هذه المصطلحات! [يمكنك لاحقاً مراجعة معنى ما يلي: الصدق، تحقق الذات، الاستئناف] . ولقد أثبتت بعض الدراسات قوة العلاقة بين اللغة والتفكير؛ حيث اكتشفت دراسة متخصصة أن لغة قبيلة هوبي الهندية لا تحتوي على صيغة الماضي والمستقبل، وإنما تحتوي فقط على صيغة الحاضر، ولذا فإن أفراد هذه القبيلة يتكلمون كل شيء وكأنه يحدث الآن، مما أثّر على تفكيرهم! ! [٤] . التفكير السليم وعاؤه ذاكرة جيدة: سبق أن أسلفت أن التفكير عملية ذهنية ينظم بها العقل الخبرات والمعلومات من أجل اتخاذ قرار معين، ومن هذا التعريف نخلص إلى أهمية الذاكرة لهذه العملية، ذلك أنها المخزن الذي يحوي تلك الخبرات والمعلومات التي يستخدمها العقل الإنساني في التفكير، ومن هنا تبرز أهمية التعرض لآلية الذاكرة، وكيفية تفعيلها بقدر معقول من التفصيل بحيث يسهم في تعميق التفكير وتسهيل مهامه وتسريع عمله. تنقسم الذاكرة إلى [٥] : ١- مخزن المعلومات الحسي: ولا تستطيع الذاكرة الاحتفاظ بالمعلومات في هذا المخزن بما يتجاوز ثواني؛ فعند سيرك في شارع عام في سيارتك تلحظ لافتات المحلات عن اليمين والشمال، وتجد أن تلك المعلومات لا تلبث أن تزول. ٢- الذاكرة قصيرة المدى: وهي التي تحتفظ لمدة ساعات بالمعلومات التي يشعر الإنسان بأهمية تخزينها وبضرورة اصطحابها على الدوام؛ فأنت عندما تسأل عن رقم هاتف لا تحتاج الاتصال به إلا مرة واحدة تجد أنك تردده في نفسك بضع مرات لكي تتمكن من تخزينه في ذاكرتك القصيرة حتى تنهي الاتصال، ثم لا يلبث هذا الرقم في تلك الذاكرة إلا لمدة تتناسب مع تقديرك لأهميته في المستقبل القريب. ٣- الذاكرة طويلة المدى: وهي التي تحفظ لمدة طويلة المعلومات التي يبذل الانسان في سبيل تخزينها جهداً كبيراً ويمضي وقتاً طويلاً، ويعتقد بعض علماء النفس أن تلك المعلومات يستديم وجودها في تلك الذاكرة؛ بمعنى أنها لا تزول بمرور الوقت، والحقيقة أنه قد تزول وتتشوه بعض أجزائها، إلا أن الجزء الأكبر يبقى على سبيل الدوام. ويجب التنبيه إلى أن عدم استرجاع معلومة من تلك المعلومات في لحظة معينة لا يعني عدم وجودها، وإنما يعني فقط عدم مناسبة طريقة الاسترجاع، ولوجود اضطرابات نفسية معينة. وتمر آلية التذكر بالمراحل التالية: ١- استقبال المعلومة المراد تخزينها في أيٍ من أقسام الذاكرة وفق ما سبق تفصيله، ويجب أن تتعود على التركيز عند استقبالك للمعلومات. ٢- ترميز تلك المعلومة وذلك بإعطائها رمزاً معيناً تستدعى من خلاله عند الحاجة إليها، وتعتبر هذه المرحلة الأخطر والأهم؛ فكلما كان ترميزك للمعلومة أدق وأوضح كلما استطعت أن تخزّن المعلومة لمدة أطول وتسترجعها بطريقة أسرع. هل تتذكر من قتل الآخر ... قابيل أم هابيل؟ قد تتذكر بسرعة وقد لا تتذكر بسرعة، بل قد لا تتذكر مطلقاً؟ ! لكن أرأيت لو أنك تعوّدت على ترميز معلوماتك بصورة دقيقة، كأن تقول في نفسك عند سماعك أو قراءتك لهذه المعلومة لأول مرة ومعرفتك بأن قابيل هو القاتل: قابيل هو القاتل.. ق ق (البدء بحرف القاف) ، هل تعتقد انك ستنسى تلك المعلومة؟ ! وخذ مثالاً آخر.. عند استماعك للرقم الجديد لهاتف صديقك حاول ترميزه بشكل منطقي، فبافتراض أن الرقم هو ١٥٤٥/٢٤٠.. سيبدو لك ذلك الرقم صعباً في البداية! لكن ماذا لو قلت ٢٤٠ ... قبل وفاة الإمام أحمد ﵀ بسنة واحدة، ١٥٤٥ ... بينه وبين نهاية الحرب العالمية الثانية ٤٠٠ سنة! ! وكذلك بالنسبة للتواريخ، فإنك تستطيع أن تثبت تواريخ معينة في كل قرن أو قرنين لتصبح كالأوتاد الذهنية التي تشد بها غيرها. ومن طرق الترميز الجيدة استخدام الصور الذهنية، فمثلاً: هب أنك تريد شراء قلم ودفتر من المكتبة، وخبز وقشطة ولعبة لطفلك الصغير من الدكان، فإنه يمكنك حينئذ أن تتخيل نفسك أنه بعد تناولك للإفطار قمت بكتابة موضوع عن لعب الأطفال! ! ٣- تخزين المعلومات في خلايا الذاكرة التي يبلغ تعدادها ما يقارب ١٠ مليارات خلية، كل خلية تستوعب ١٠٠ ألف معلومة! ! كما دلت الدراسات المعاصرة المتخصصة على أن الإنسان في المتوسط يخزّن ١٥ تريليون معلومة.. فما أعظم الخالق وما أجهلنا بقدراتنا! ! ٤- استدعاء المعلومة المطلوبة من خلال رمزها. وثمة نوعان للذاكرة هما: ١- الذاكرة الدورية: وهي التي تعتمد على الترداد والتكرار وهي مفيدة في حفظ النصوص المختلفة. ٢- الذاكرة المنطقية: وهي التي تعتمد على الترتيب والربط المنطقيين، كما في الأمثلة السابقة، ويجب أن تفعّل دور هذه الذاكرة بقدر استطاعتك. وأخيراً لماذا ننسى؟ ثمة أسباب أربعة بل خمسة تؤدي إلى النسيان هي: ١- ضعف انطباع المعلومة (الصورة الذهنية) في الذاكرة لضعف التركيز! ٢- عدم تثبيت المعلومة بعد تخزينها إلا بعد وقت طويل. ٣- تداخل المعلومات بعضها على بعض. ٤- طرد المعلومات غير السارة (الكبح في علم النفس) ! ٥- تجاهل ما أوصى به (وكيع) من ترك المعاصي! ! سيكيولوجية التفكير: التفكير عملية ذهنية تتأثر بالعامل النفسي سلباً أو إيجاباً، وبمدى الاقتناع بالقضية محل التفكير، فإذا ما تمتع الإنسان بصحة نفسية رائقة حال تفكيره في قضية توافرت أسباب اقتناعه بها، فإنه يندفع للتفكير فيها بحماس وانفتاح بطريقة قد توصل إلى الحل المناسب بعد توفيق الله تعالى له، في حين أنه قد يعجز ذلك الإنسان عن مجرد إقناع نفسه بأهمية استمراره في التفكير في تلك القضية في حالة اعتلاله نفسياً! ! ويمكن تسمية تلك الحالة بـ «الانغلاق الذهني النفسي» ، وربما يجد أحياناً أن لا مفر من هجر التفكير حينذاك والانهماك في عمل آخر ريثما تعاوده صحته النفسية! ! كيف نفكر؟ على الرغم من كون التفكير عمل لا ينفك عنه إنسان حي، إلا أنه حقيقة معقدة من حيث تفاصيلها وخطواتها، ويتفق علماء الجهاز العصبي على أن الدماغ الإنساني هو أعقد شيء في كون الله الواسع [٦] ، غير أن هذا لا يعني استحالة الإحاطة العامة بمثل تلك التفاصيل والخطوات بعيداً عن تعقيدات بعض المناطقة، وسفسطة جُل الفلاسفة التي يمكن تلخيصها بما يلي: ١- وجود مثير في قوالب مختلفة تنجذب إليه عقولنا من خلال حواسنا (الانتباه) . والعوامل التي تؤثر على قوة ذلك الانتباه ما يلي: عوامل داخلية: كالدوافع، والقيم، والميول. عوامل خارجية: كطبيعة المثير وقوته وموضعه ومدى حداثته. ٢- ترجمة ذلك المثير في المخ بمساعدة الذاكرة والمخيلة إلى رموز يدركها العقل (أشخاص، أشياء، معاني) (الإدراك) [٧] . ٣- إعمال العقل لتلك الرموز من أجل الوصول إلى نتيجة معينة. ويمكن تقسيم العقل البشري في ضوء العملية الذهنية التي يقوم بها إلى: [٨] أ - العقل الواعي (الوعي) : وعن طريقه يمكننا إدراك الأشياء والمعلومات، وتخزينها وربط بعضها ببعض على نحو مفيد، واتخاذ القرار بالفعل أو عدمه. ب - العقل الباطن (اللاوعي) : وهو الذي يتحكم بالوظائف التلقائية (اللاإرادية) ، وتخزين الأحداث ودفع الإنسان لممارسة ما اعتاد عليه (العادات) . وهناك تواصل بين الوعي واللاوعي وتكامل في الأدوار. ومن الشرود ما قتل: كثير من الناس يشكون من «الشرود الذهني» أثناء تفكيرهم، مع أنهم يدّعون مجاهدة أنفسهم للظفر بنسبة من التركيز تمكنهم من إنهاء عملية التفكير بسرعة قبل أن يفترس الشرود بنات أفكارهم! ! فما هو التركيز؟ وكيف نظفر به؟ لا يعني التركيز كما هو شائع أن يبقى العقل عاكفاً على قضية واحدة، أو حول فكرة واحدة، أو في مكان واحد، وإنما يعني تناول مشكلة أو موضوع باستمرار ووضعه نصب عيني الشخص حتى يتم التوصل إلى نتائج معينة. ويرجع أغلب التشتت الذهني إلى عدم الاقتناع بأهمية ما نفكر به، أو إلى أن هناك ما هو أهم منه [٩] . والآن كيف السبيل إلى التركيز؟ إذا رغبت في اصطحاب التركيز دائماً فعليك: ١- أن تعتاد على التركيز؛ فالتركيز هو عادةٌ قبل أي شيء آخر، كما أن الشرود عادةٌ! فجاهدْ نفسك وكن صارماً مع الأفكار التي تحاول أن تصدك عن تفكيرك، وقم بقطع حبالها قبل أن تخنقه، ولا تكن عينك رقيباً يجوب أطراف المكان ويتعاهد أجزاءه، ولا تكن أذنك جهاز ترصّد للأصوات المشتتة! ! . ٢- أن تقتنع بما تفكر به، ثم تختار الوقت المناسب للتفكير. ٣- أن ترخي ذهنك وبدنك. وبعضهم يقول بأن عدم الاسترخاء أفضل للتركيز، وقد يكون الرأي الأرجح أن الناس يختلفون في ذلك، فاختر الأنسب لك [١٠] . وثمة طريقة قد تؤدي إلى التركيز خاصة عند من يعانون من نوبات التشتت المزمنة، وهي الإمساك بقلم والاستعداد لتدوين أمالي العقل وتدفقات الفكر، وهي طريقة مجربة استخدمها بعض النابهين، وأشادوا بجدواها وأبانوا عن طيب نتائجها، وقد يشعر من يمسك بقلمه لتدوين أفكاره في حالات خاصة بأنها تتدفق بقوة دافعة، وحينئذ قد يحسن إلقاء القلم والاسترسال في عملية التفكير، ريثما تخف درجة التدفق، ومن ثم معاودة التدوين، فإن في وسعك أنت تجريبها [١١] ! فيروسات يعتل بها تفكيرنا: ثمة فيروسات خطيرة متناثرة في بيئتنا الثقافية بمنظوماتها المختلفة، أصابت تفكيرنا بفقر الدم، وأذهاننا بالشلل، وعقولنا بالكساح، مما يظهر أهمية تفعيل جملة من النصوص الشرعية في عقلنا الجمعي والفردي للاستشفاء والتداوي بها، والتي من شأنها إجراء عملية (جراحة ذهنية) نتمكن بها من إزالة تلك الفيروسات وإزهاقها، كقوله تعالى في الحث على الثتبت والتحري: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فََتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] [الحجرات: ٦] ، وقوله: [إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً] [يونس: ٣٦] ، وقوله جل وعز في الحث على العدل ومجافاة الهوى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِياً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) ] [النساء: ١٣٥] ، وقوله تعالى في بيان سبب المصائب: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [الشورى: ٣٠] ، وقول النبي ﷺ في النهي عن الانتفاش الكاذب: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس» [١٢] . ومع أهمية استحضار هذه النصوص وغيرها وتفعيلها في العقول، يجب تعاهد تلك العقول بالتربية والإنضاج، والحزم في إزالة ما علق بها من تلك الفيروسات لسبب أو لآخر، والجرأة في «الإنكار الذهني» على المعتلين والمتلبسين بها، والديمومة في تذكير الغافلين أو المتغافلين! ! . ومن أهم هذه الفيروسات ما يلي [١٣] : ١- التفكير القائم على أساس الهوى (اللاموضوعية) . ٢- التفكير القائم على مشاعر الكمال الزائف (الانتفاخ الذهني) . ٣- التفكير المستند على المواقف المسبقة (التحيز المسبق) . ٤- التفكير المبني على المشاعر وكأنها حقائق ثابتة (المراهقة الذهنية) . ٥- التفكير المبني على التمنيات وكأنها توقعات حقيقية (التوهم الذهني) . ٦- التفكير المتكئ على العادة (الجمود الذهني) . ٧- التفكير الذي يعتقد صاحبه دوماً أن جهة ما مسؤولة عن كل ما يحدث (عقدة المؤامرة) . ٨- التفكير الذي يعتقد صاحبه أنه يستطيع دائماً أن يعرف ما يفكر فيه الآخرون (الفراسة المتوهمة) . ٩- التعميم في التفكير من خلال رؤى محدودة غير كافية (الأرنبة الذهنية) . ١٠- التردد والبطء في التفكير (السلحفة الذهنية) . ١١- التردد والبطء في اجترار الأفكار (الاجترار الذهني) . التفكير المعلّب: أصحاب هذا اللون من التفكير هم أولئك الذي يستنتجون قواعد عامة من حوادث شخصية، أو تجارب ناقصة، أو ملاحظات سطحية، فيخلصون منها إلى تعميمات متسرعة، وأحكام جاهزة، وقوالب جامدة، وهم لا يعترفون بتغير الظروف والملابسات، ... وترى الواحد منهم يسألك عن مسألة شائكة ويطالبك بجواب يتلخص بنعم أو لا! ! ، وإذا خالفته قاطعك، وحسم القضية بقوله: «إن المسألة كلها تتلخص في ... » ، ثم يصدر حكماً نهائياً ... وربما التفت إليك مستطيلاً حديثك، مستغرباً عجزك عن حسم المسألة، ومستجدياً عينيك نظرة إعجاب وإكبار على قدرته الفائقة على الحسم! ! .. إن نتائج تفكير أولئك أشبه ما يكون بما نخرجه من جوف المعلبات التي نشتريها من الأسواق [١٤] ! ! تطبيقات عملية: وقبل أن أعرض للمنهج العلمي في التفكير، ومن أجل استفادة تطبيقية أكيدة من الموضوع، أرجو أن نفكر (فردياً وجماعياً) بشكل جاد ومكتوب ومتكامل في إيجاد حل للمشاكل التالية: التطبيق الأول: اكتشف الأستاذ أحمد مدير التسويق في شركة ناجحة أن ابنه البالغ من العمر (١٦) سنة يتعاطى الدخان، وتفاجأ أحمد بمثل هذا الخبر، وبدأ يتساءل.. حقاً إنها مشكلة خطيرة.. ولكن كيف؟ فأنا لا أتعاطاه ولا أحد إخوته!! ... ومضى في حيرته ... (مع العلم أن أحمد يمنح ابنه مصروفاً مدرسياً قدره خمسة ريالات يومياً) . التطبيق الثاني: أذهل الجميعَ ... الأستاذ حسن! كيف يطلب من مديره الموافقة على انتقاله من القسم الذي خدم فيه طيلة ١٧ سنة، والذي أتقن جميع الأعمال المتعلقة به لدرجة أصبح معها مرجعاً ومستشاراً! حاول المدير ثنيه عن طلبه بحجة عدم وجود من يخلفه في قسمه، بالإضافة إلى عدم إتقانه لأعمال القسم الآخر.. التطبيق الثالث: طلب المعلم من أحد تلاميذه الذي أخفق في الاختبار كشرط لاجتياز المادة: أن يرسم خطين متساويين ويضع في طرفي الخط الأول رأس سهم، وفي طرفي الثاني مقلوب رأس سهم، وأعطاه مسطرة. فقام التلميذ برسم هذين الخطين كما يلي: <----------------> ... ... ... >-----------------< ... ... ... الأول ... ... ... ... الثاني صعق المعلم! وصرخ في التلميذ: تستحق الرسوب بجدارة! هل توافقه على ما ذهب إليه؟ وهب أنه يعنيك أمر ذلك التلميذ.. هل ثمة مساعدة يمكنك تقديمها له؟ ! ملاحظة: ستتم مناقشة تلك التطبيقات في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

стр. 2908

مرصد الاحداث لماذا المرصد..؟ في هذه الزاوية، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من الأقوال والأحداث والمواقف.. ننقلها كما هي تقريباً من مصادرها دون تصرف إلا في وضع العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... ... ... ... - البيان- وماذا عن حملات القرن العشرين؟ ! فوجئ المارة في منطقة رأس بيروت خلال عطلة الأسبوع بمجموعة من الأجانب، يستوقفونهم ويقدمون اعتذاراتهم شفهياً وخطياً عن جرائم أجدادهم الصليبيين الذين غزوا منطقة الشرق الأوسط قبل ٩٠٠ عام، وارتكبوا المجازر بحق أهلها. ومجموعة الأجانب هي الأولى من فريق (مسيرة المصالحة) الذي بدأ زيارة إلى لبنان مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي تمتد إلى مارس (آذار) العام المقبل. أما دافع هذه الرحلة إلى لبنان التي يقوم بها ناشطون من ٢٥ دولة في أوربا الغربية وأمريكا وأستراليا وجنوب إفريقيا فهو (التكفير عن ذنب الصليبيين ومدّ يد المصالحة للاعتذار عن الموت والدمار والاحتلال التي تسببت بها الحملات الصليبية التي بدأت عام ١٠٩٥م على الشرق الأوسط، كما أوضح رئيس الفريق (ماثيو هاند) ، في مؤتمر صحافي عقد في مقر نقابة الصحافة. وأوضح هاند أن الخطوة الأولى في هذه المسيرة بدأت في فرنسا صيف ١٩٩٦م وتابعها من ألمانيا حوالي ١٠٠٠ شخص عام ١٩٩٧م معظمهم من سلالة الصليبيين كما أورد هاند فبدأوا بزيارة تركيا حيث قدّموا إلى المسؤولين فيها اعتذارهم عن جرائم أجدادهم. ويفترض أن تقابل المجموعة المسؤولين السياسيين والرؤساء الدينيين إضافة إلى أفراد من الشعب اللبناني على أن تنتهي الحملة في القدس في ذكرى مرور ٩٠٠ عام على دخول الصليبيين إلى هذه المدينة المقدسة عام ١٠٩٩م. ... ... ... ... ... ... [الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٢٥) ] ولكن ... لا حياة لمن تنادي! ذكرت صحيفة (الجارديان) البريطانية أمس أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون علم من تقارير أجهزة المخابرات قبيل الهجوم على مصنع الدواء السوداني في الخرطوم، أن المصنع لا ينتج غاز الأعصاب القاتل، وأنه غير مخصص للأغراض العسكرية وعلى الرغم من ذلك أصدر أوامره بشن الهجوم عليه. ... ... ... ... ... ... ... [الخليج، عدد: (٧٠٣٦) ] قرنق والتمويل.. الذاتي..! نحن نمول أنفسنا من مصادرنا الداخلية، السكان يزرعون ويحصدون ويبيعون للدول المجاورة، لدينا ثروة خشبية ضخمة، ولدينا الذهب الذي يستخرجه السكان ونستخدمه في المقايضة، فلا مجلس الكنائس العالمي يمولنا، ولا منظمات الدعوة الإسلامية تدعمنا، نحن بقينا نحارب على مدى ١٤ عاماً، وقد تكوّن لدينا من الأسلحة أكثر مما نحتاج إليه، وفي واقع الأمر أن أول مساعدة عسكرية حصلت عليها الحركة في عام ١٩٨٣ ١٩٨٤م كانت من بلدين عربيين لن أسميهما. ... ... ... ... ... ... [مجلة الوسط، عدد: (٣٤٤) ] أنموذج من الضياع.. (ديبي بروفي) من منطقة ستريثام في جنوب لندن حانقة على الرجال، كل الرجال، إلى حد أنها تعتزم الزواج من شجرة. وكانت ديبي قد أعلنت قبل ستة أشهر عن خطبتها لشجرة في أحد المنتزهات الكبرى جنوبي العاصمة البريطانية، وقالت إنها والشجرة قد ضاقتا ذرعاً بطول مدة الخطوبة، وأنهما تنتظران بفارغ الصبر موعد الزفاف وبدء حياة زوجية مستقرة. لكن سبب التأخير هو أن ديبي متدينة ولا تريد الزواج إلا في كنيسة، ولم تجد حتى الآن كنيسة توافق على عقد قرانها بالشجرة. وذكرت أنها وقعت في حب الشجرة من أول نظرة، وأنها تحس في داخلها أن الشجرة تبادلها الحب. ... ... [الجديدة، عدد: (٦٣٦) ] الجماهيرية (الإفريقية) الشعبية.. أطلق الرئيس الليبي معمر القذافي مبادرة لتشكيل تجمع إقليمي لبلدان الساحل الإفريقي (مركزه في ليبيا ورئيسه القذافي) معلنا بدء مرحلة ثالثة للبحث عن (المفتاح) الذي يقود إلى بوابة الوحدة وتكريساً لهذا الخيار الإفريقي الجديد سعى الزعيم الليبي إلى إلغاء وزارة الوحدة. ... [الحياة، عدد: (١٢٩٨٠) ] عبرة.. لمن؟ التاريخ سيذكر أن الرئيس الأمريكي وقع ضحية لوينسكي التي أنقذت رئيس الوزراء الإسرائيلي. [عن صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٠٤) ] عوداً حميداً! ! هناك دلائل على تحول مهم طرأ على موقف الفتيات الأمريكيات من العذرية، إذ بدأن يجاهرن بفخر بالتزامهن عدم ممارسة الجنس قبل إبرام عقد الزواج. حوالي ٥٠% منهن يتجهن إلى المحافظة على عذرياتهن، كما جاء في أحدث الاستطلاعات، وهذا ما جعل المراقبين يهتمون بهذه الظاهرة الجديدة، لا سيما أن الفتاة الأمريكية كانت في الماضي موضع سخرية زميلاتها إن هي حافظت على عذريتها. تقول الإحصاءات إن عدد المراهقات اللواتي وقعن تعهداً (بعدم ممارسة الجنس قبل الزواج) جاوز المليون! منذ أن شنت حملة تحت الشعار (الحب الحقيقي يستحق الانتظار) ... ... ... ... ... [الحياة، عدد: (١٢٩٧٨) ] أسلحة محرمة على من..؟ ! كشفت صحيفة (هيوستن كرونيكل) النقاب عن أن مصنعاً في ولاية لويزيانا الأمريكية ينتج (غاز الخردل) السام الذي يعتبر أحد أكثر الأسلحة الكيماوية خطورة في العالم؛ إذ يكفي سقوط نقطة واحدة منه على بشرة أي إنسان لتسبب وفاته خلال دقيقة على أبعد تقدير، ويذكر أن معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية التي صدّقت عليها الولايات المتحدة في العام الماضي تمنع الإنتاج المقصود لكل مشتقات الخردل، وكشفت الصحيفة عن أن المصنع يستخدم أيضاً مركباً كيماوياً آخر يعرف باسم (كلوريد الإثيلين) وهو سائل يهاجم الكبد والرئتين والكلى، ويمكن أن يسبب السرطان أيضاً. ... ... ... [الشرق الأوسط، عدد: (٧٢١١) ] (اسكت يا سكوت..) الوقت غير ملائم اتهم كبير مفتشي الأمم المتحدة السابق (سكوت ريتر) الحكومتين الأمريكية والبريطانية بالازدواجية، وقال أمام لجنتي مجلس الشيوخ للشؤون الخارجية والقوات المسلحة: إن واشنطن لجمت (أونسكوم) بغرض ضغوط على أرفع المستويات في الحكومة لتجنب مواجهة مفتوحة مع العراق في الوقت الحاضر. ... ... ... ... ... ... [الأنباء الكويتية، ٥/٩/١٩٩٨م]

стр. 2909

الورقة الأخيرة تأملات في المسألة الكلنتونية عبد العزيز عبد الله الحامد إن إيقاف أكبر مسؤول في أعظم دولة للمساءلة في تهمة شخصية، يُعَدّ (مفخرة) للشعب الأمريكي على شعوب العالم، أما أن تزداد شعبية هذا الرئيس المتهم بعد تلك المساءلة، وبعد ثبوت التهمة عليه، فهذا يجعل من الأمريكيين (مسخرة) أمام العالم! إن ما دار ويدور في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب فضيحة (مونيكا لوينسكي) يجعل المرء يقف مشدوهاً مدهوشاً أمام حقائق كثيرة ماثلة، تبعث على التأملات التالية: * قيم بلا قيمة: عندما يطالبنا علماء الاجتماع في الغرب، بأن نعترف بأن (القيم) الحضارية للغرب هي النموذج الأمثل لسعادة الإنسان، فإنه يحق لنا أن نطالبهم بالمعايير التي يزنون بها تلك القيم، بعد أن بدأت حقيقتها تظهر بغير خفاء، بعدما فضحتها تقارير (ستار) ! * حرية الفرد ... حرية الشعب: رأينا الحرية الشخصية (المطلقة) في الغرب، تُطلق إلى حد التحول إلى حرية ملايين البشر في (التمتع) بهتك الأستار وفضح الأسرار، فلأجل (حرية) الشعب الأمريكي في أن يعرف الحقائق (كاملة) ، انطلقت جيوش التجسس والتحسس والتلصص لفضح (الرئيس) على الهواء، في أعمدة الصحف وأروقة القضاء ... وارتفع كلنتون عالياً في فضاء الفضائح، محمولاً على ساعد تمثال (الحرية) ... ليكون شعلة تحرق الحضارة الأنجلوسكسونية الإباحية المادية. * السقوط من القمة: البشرية لم تتعود من قبل سماع لقب (الرجل الأول في العالم) ، ولكنها ألِفَت أن تسمع عن كلنتون هذا اللقب، ومع هذا، فلا يبالغ من قال إن البشرية لم تسمع عن فضيحة (متلفزة) بهذه الضخامة والانتشار، وصدق رسول الله ﷺ ، إذ يقول: (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه) [١] . * الستار الفاضح: إذا ساء حظ ابن آدم، ورفع عنه الستر الإلهي، فلا مفر من شقائه، ولو كان أقوى وأقنى وأغنى البشر؛ فقد يجعل الله ضعفه في قوته، ونقصانه في سلطانه. ومهانته في وجاهته ... ومن أراد الله هتك ستره؛ لم تُجِنّه أستار الدنيا، ومن عجائب الأقدار، أن نسمع عن (فضيحة كبرى) عنوانها (ستار) ! * عندما تعمى البصيرة: قد نفهم أن الإنسان يصيبه عمى القلب، حتى يصبح كفيفاً في بصيرته ولكن عمى البصيرة في أمة بأكملها حتى تفضل قيادة العميان لها، فهذا أشبه بالاستدراج والإملاء ... فأين العقلاء في أمم تؤله العقل؟ * لا مسؤولية للمسؤول: وُضع كلنتون في أخطر مواقع المسؤولية الدولية، ففي صلاحياته شن الحرب وفرض السلام في العالم، وتحت تصرفه التحكم في الترسانات النووية المدمرة، والكيماوية والبيولوجية الرهيبة، ولكن رجلاً قال أطباء النفس إنه (مريض) حتى إنه لا يستطيع التحكم في نزواته، كيف يمكن أن يتحكم في أزارير الأجهزة الجبارة التي يمكن أن تؤدي إلى دمار شامل؟ * ديمقراطية الذئاب: أشاحت الديمقراطية (الأمريكية) بأستارها عن وجه قبيح خلال تلك الأزمة، وأسفرت عن تصارع شرس بأساليب منحطة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، حتى برز مصطلح (حرب الفضائح) وأصبح التكالب على السلطة هو سيد الموقف في غابة التهاوش والتناهش بين الذئاب. * غانيات اليهود في بلاط السلاطين: من تأمل في حكاية (مونيكا) اليهودية، يتأكد أنها لم تكن مجرد مغامرات لفتاة لعوب مع كهل مراهق، ولكنها قصة تلك الغانيات اليهوديات التي تكررت عبر العصور داخل القصور للإيقاع بأشباه الرجال؛ فالبيت الأبيض الذي تلطخ بسموم تلك الأفعى الملساء، لم يشهد مجرد نزوات عابرة لرغبات طائشة، ولكنه شهد خطوات مبرمجة، ومخططات مدونة ومحددة باليوم والساعة واللحظة.. وقد شهد على هذا التدبير، حروف وكلمات (مونيكا) في المذكرات.. أو قل (التقارير) التي قدمت لـ (ستار) . * عقولهم في جيوبهم: الشعب الأمريكي لا يزال حسب استطلاعات الرأي متمسكاً بزعامة كلنتون رغم كل ما جرى، لماذا؟ لأن الرجل حر في حياته الشخصية هذا من ناحية، ثم إن الاقتصاد الأمريكي قد تحسن في أيامه، إذن فلتخرب القلوب ما دامت الجيوب عامرة! * إرهاصات السقوط: ليس الرئيس الأمريكي (كلنتون) هو أول الزعماء تورطاً في الفضائح الأخلاقية، ولن يكون آخرهم، فقد يسقط أو لا يسقط، ولكننا على يقين بأنه قد دشن مرحلة السقوط لحضارة المجتمع الأمريكي والأوروبي (المتمدن) . وصدق رسول الله ﷺ فيما أنبأ من قوله: (وما شاعت الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) [٢] . فما أعظم الإسلام، وما أجدره بقيادة البشرية البائسة في عصر التشرد الأخلاقي والتفرد الأمريكي ...

стр. 2910

شعبان - ١٤١٩هـ ديسمبر - ١٩٩٨م (السنة: ١٣)
следующие страницы →