← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عندما تكيل الصحف الغربية بصاعين ! أدى رئيس الوزراء التركي فريضة الحج العام المنصرم، وهو حدث كان ينبغي أن يكون عادياً جداً وأن يمر دون الوقوف عنده، ولكن الصحف الغربية التي عودتنا على الكيل بصاعين، فيما يخص الأمور الدينية، وعلى سلوك سبيل التهويل وتحميل تصرفات بعض الناس دلالات بعيدة لم يعجبها هذا الأمر، كما لم يعجب العلمانيين داخل تركيا، فمن جهة أشارت هذه الصحف إلى أن أوزال أول رئيس وزراء تركي بعد زوال الدولة العثمانية يؤدي فريضة الحج، ومن جهة تبدي أسفها لذلك العمل الذي " لابد أنه قد سبب آلاماً لروح كمال أتاتورك في قبره " كما عبرت عن ذلك بعض الصحف البريطانية. والغريب أن هذه الصحف لا تستغرب إذا قام أي زعيم غربي بأي عمل له دلالة دينية، بل تنوه بذلك وتشيد به، فقد أفردت كافة الصحف الغربية صفحات للصور والتعليقات التي رافقت زيارة تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا للاتحاد السوفييتي وأكثر تلك الاهتمامات انصرف إلى زيارتها للكنائس التي رفع عنها الحظر، وكذلك أحيط تعاطفها مع جماعة التضامن في بولندا بدعاية كبيرة، وكذلك حجها إلى قبر القس الذي قتلته الشرطة هناك لتعاطفه مع حركة التضامن، بل إنها استشارت بابا الفاتيكان قبل زيارتها لبولندا. هل للوقاحة حد عند هؤلاء الذين يسرهم أن يكون المسؤول المسلم لا دين له خشية أن يؤذي قيامه بشعائر دينيه روح طاغية في قبره، وما الذي يجعل لهؤلاء حقاً في إظهار عواطفهم الدينية، بينما يعتبر ذلك مستهجناً من مسؤول في بلد يدين أهله بالإسلام؟ أم أن للعلمانية في المجتمعات الإسلامية معاني أخرى؟ ! .

стр. 317

جمادى الآخرة - ١٤٠٩هـ فبراير - ١٩٨٩م (السنة: ٣)

стр. 318

الافتتاحية إلى أين يتجه التعليم ... ؟ إن مشكلة التعليم من القضايا التي تحتاج إلى مراجعة مستمرة، وتنبع أهميتها من الحاجة الملحة للعلم بمفهومه الواسع الشامل لبناء المجتمعات الحديثة، وإن الرواد في كل مجتمع هم رجال التربية والتعليم، فهم القادة الحقيقيون، بعيداً عن مظاهر البروز والادعاء، وهم الذين يقع عليهم العبء الأكبر في توجيه الأجيال وتسليحها بالأهداف الصحيحة، والوسائل الفعالة، وأي نجاح للمجتمع ينبغي أن يرجع في النهاية إليهم، كما أن أي إخفاق في مسيرة هذا المجتمع فمرده إلى قيادتهم، وإلى الخطأ في الأسس التي اختيروا بمقتضاها. نظرة عجلى: لو ألقينا نظرة سريعة على الأربعين عاماً الماضية من أجل تقويم الحركة العلمية والتعليمية في أوطاننا؛ فسوف نعثر على جانبين، لكل منهما أنصاره وحججه، أما سبب التحديد بهذه المدة فلأن هذه المدة هي التي أعقبت خروج الأجانب الناصبين من بلادنا على وجه التقريب، وأصبحنا مالكين زمام أنفسنا، ونقرر مصائرنا بعيداً عن الوصايا - وإن كانت هذه النقطة مجال جدل طويل ليس مكانه -. وأربعون عاماً فترة كافية ولا بأس فيها في حساب الأرباح والخسائر لأمة من الأمم، أو لمجتمع من المجتمعات. الجانب التفاؤلي: لقد خرج المستعمر الأجنبي وجميع أفراد الأمة يحدوهم الأمل، وتملؤهم الحماسة لبناء المستقبل، وكان عليهم أن يتلافوا التقصير الذي رزحت تحته أمتهم قروناً طويلة، وأن ينتشلوها مما صارت إليه من التخلف والتبعية المفروضة التي تضافرت على فرضها عوامل داخلية وخارجية، ولم يكن من حلٍ غير العلم، كماً ونوعاً. إن العدل يقتضينا أن نفرح ونبتهج عند مقارنتنا لحالنا الآن بحالنا عشية خروج الاستعمار فإن نسبة المتعلمين إلى مجموع السكان قد ارتفعت ارتفاعاً مطرداً، ولا تزال في ارتفاع، وقد تضاعفت إلى جانب ذلك عدد المدارس عشرات المرات، وإن مما يحسب لهذه الفترة هو إلزامية التعليم الابتدائي في أغلب البلاد العربية، وبعد أن كان التعليم الجامعي وقفاً على الفئات الميسورة والغنية صار كذلك حقا للفئات الفقيرة، واقتحم المتعلمون من هذه الفئات ما كان مقصوراً على غيرهم، وتبوؤوا أمكنة كانت بعيدة المنال، فأصبحت ممكنة بفضل التعليم. ويمكن تلخيص الجوانب الحسنة في مسيرة التعليم، والتي ينظر إليها المتفائلون بما يلي: أصبح التعليم ضرورة اجتماعية بعد أن كان ترفاً وميزة لفئة معينة. تحول المجتمع كله إلى مهتم بالتعليم، ومشارك في إنجازاته ودفع نهضته. بفضل التعليم ارتفع المستوى الاجتماعي لفئات وطبقات في المجتمع كانت تعيش معيشة هامشية. أزال التعليم كثيراً من الفوارق والأمراض الاجتماعية التي كانت ترجع بالسوء على بنية المجتمع. جعل جميع أفراد الأمة يشعرون بذواتهم، ويقدرون إمكاناتهم وحقيقتهم في الوجود، وعزز الثقة الجماعية بالنفس. هذه أمثلة للجوانب الإيجابية للنهضة التعليمية يمكن أن يضاف إليها كثير من النقاط الأخرى. الجانب التشاؤمي: على الرغم من الاعتراف بكل مزايا الفترة الماضية فيما يتعلق بالإنجازات التعليمية على المستوى الفردي والعام؛ إلا أنه يبقى الكثير الذي لابد من أن يطرح، ومن ذلك. لقد كان الاعتقاد أن تنمحي الأمية من المجتمعات العربية ولكن هذا لم يحدث. والأمر الطبيعي أن تكون البدايات بسيطة ومتواضعة، ثم تقوى وتشتد، ولكن المشاهد أن نوعية التعليم قبل أربعين سنة كانت أفضل مما هي عليه الآن - وهذه قضية لا يختلف عليها أحد - صحيح أن تقدماً حصل من الناحية العددية، ولكنه تقدم سطحي، وتمدد أفقي على حساب العمق والجودة. ومن السلبيات التي انحطت بالتعليم النظرة الخاطئة إليه، واعتباره وسيلة لرفع المستوى المادي، دون اعتباره غاية قائمة بنفسها. إذا أحب أحد أن يناقش التعليم على مستوى العالم العربي فإنه يلحظ شيئاً من التفاوت الذي أدى إلى خلل وعيب في البناء التعليمي، فبينما نجد بلاداً كانت فيها. النهضة التعليمية أسبق منها في غيرها؛ نجد أن هذه البلاد السابقة قد هبط مستوى التعليم فيها لأنها أصبحت معنية بسد النقص والحاجة عند غيرها من جهة، وكذلك فإن الحالة المادية أصبحت تتحكم بالمستوى التعليمي، فنظراً للضائقة المالية التي تعيشها هذه الدول فقد أصبح تخريج الخريجين عندها استثماراً (وهذا من حيث المبدأ لا غبار عليه ولا مانع منه بشرط مراعاة جودة الإنتاج) وترتب على ذلك أن انصرف المعنيون إلى تكثير عدد المتخرجين لتغطية الطلب في السوق، وكان ذلك على حساب النوعية المؤهلة تأهيلاً كافياً. اهتزاز قيمة المعلم الاجتماعية، وتقويمه تقويماً مادياً فقط، فبينما ارتفع المستوى المادي بتسارع شديد لكثير من أصحاب المهن والحرف اليدوية التي لا تتطلب إعداداً علمياً أو تثقيفياً، وأصبح هؤلاء ذوي امتيازات مادية لا تنكر ولا تحجب؛ ظل المستوى المادي للمعلم متخلفاً، والتحسينات التي تزاد عليه تحبو حبواً بالمقارنة مع ارتفاع مستويات المعيشة والغلاء التي تضرب المجتمعات عامة، ومجتمعاتنا العربية بصورة خاصة. وأصبحت مهنة التعليم من المهن المحتقرة في المجتمع، وهذه حقيقة لا يمكن أن تنكر، على الرغم من كل ما يقال من كلام إنشائي في مناسبات تكريم المعلم، بل إن هذا المدح غير العملي، والإشادة الباردة بالمعلم ودوره في المجتمع ليست إلا من قبيل معالجة خلل موجود في النظرة العامة السائدة تجاه مهنة التعليم، ولو سألت معلم أو مدرس سؤالا بسيطاً: هل يحب لولده أن يمتهن مهنة التعليم في مستقبل حياته؟ لكان الجواب بالقطع: لا. إن لهذا دلالة يجب أن يقف المرء عندها، وأن يحللها تحليلاً يقفه على أسبابها ودوافعها ونتائجها. وعندما يشعر المعلم أنه أصبح مهاناً لا من قبل الأغنياء والميسورين الذي جُلِبَ كي يعلم أولادهم فحسب! بل من قبل فئات أخرى متخلفة علماً وفكراً عنه، ولها نفس منبته، ومنحدرة من مستوى اجتماعي قريب من مستواه؛ عندما يعيش المعلم هذا الشعور، فهل يلام على قلة إخلاصه وموت طموحه نحو تقديم الأفضل؟ ! هذه لمحات حول قضية هبوط المستوى التعليمي في مدارسنا، وتظل هذه القضية طويلة ومتشعبة وبحاجة إلى بحث وتحليل، وحسبنا أننا أشرنا إشارة إلى ذلك، وأننا فتحنا الباب للقراء الكرام لتناول هذه المسألة المهمة بالتفصيل والتعليق. وإننا نرحب بالمساهمة في ذلك على صفحات مجلة (البيان) على أن تكون المعالجة عامة لا تخص بلداً دون بلد، ولا تتناول من الظواهر إلا ماله تعلق بالضعف العام الذي انحدر إليه المستوى التعليمي، وأسباب ذلك، ونسبة ارتباط كل منها بالمناهج، أو الخطط التعليمية، أو خطط إعداد المعلمين. وعلى الله قصد السبيل..

стр. 319

مجددون معاصرون حسن البنا رد على اعتراض اتصل بنا عدد من الأخوة الأفاضل وقالوا ماذا تقولون عن بعض هؤلاء العلماء المعاصرين الذين نعتموهم بالتجديد؟ ... ألا ترون أنهم من مدارس مختلفة لا يجمعها جامع، ولا يربط بينها رابط؟ ... هل تريدون إرضاء الناس كلهم مع أن إرضائهم غاية لا تدرك؟ ! غفر الله لهؤلاء الأخوة الكرام! المشكلة أنهم من طلاب العلم، وطالب العلم يحترم آراء الآخرين، ولا يتسرع في إصدار الأحكام أو التهم. وكما وعدنا القراء، سوف نمضي في الحديث عن كوكبة من العلماء المعاصرين الذين نفع الله بهم، وسنذكر الجوانب التجديدية لكل علم من الأعلام، وفى الحلقة الأخيرة نجيب على أسئلة الذين اتصلوا بنا والذين لم يتصلوا بنا، ونوضح انسجام ما نكتبه مع المنهج الذي التزمنا به في بداية هذا البحث. ومن حقنا على إخواننا أن يقرأوا ما نكتبه بإمعان وتجرد! ! فإن وافقونا فخير وبركة، وإن خالفونا فالمسألة من المسائل التي يجوز فيها الخلاف، نسأل الله أن يرزقنا وإخواننا الصبر والتجرد، إنه سميع مجيب. حسن البنا لن نتحدث حديثاً تقليدياً عن ولادة حسن البنا ﵀ وسيرة حياته، فالرجل ليس مجهولاً، وهناك عشرات الكتب التي كتبت عنه، ناهيكم عن كتبه التي لا تكاد تخلو منها مكتبة، وسوف نقسم الموضوع إلى دروس، محاولين الاختصار قدر الاستطاعة: الدرس الأول: ولد حسن البنا ﵀ عام ١٩٠٦، وأسس جماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٢٨، وقتله أعداء الله عام ١٩٤٩، وهكذا تكون سني عمره عندما أسس حركة الإخوان ٢٢ عاماً وعندما توفاه الله ٤٣ عاماً. وكان خلال هذه الفترة حديث الناس في مصر كلها، وفى البلدان العربية، بل وفي العالم كله. ولم يكن -رحمه الله- متفرغاً للعمل الإسلامي، فلقد كان مدرساً معظم النهار، وكان رب أسرة ينفق عليها، ويرعى شؤونها، وكان مؤسس جماعة إسلامية كبيرة تنتشر شُعبها ومراكزها في جميع أرجاء مصر. إذا نظرنا إلى سيرة البنا وهو طالب صغير في أوائل المرحلة الإعدادية نجد أنفسنا أمام طالب يختلف عن غيره من طلبة عصره، بل ومن طلبة هذا العصر ... ها هو يتحدث عن نفسه فيقول بأنه يقسم وقته (بين الدرس نهاراً، وتعلم صناعة الساعات التي أغرم بها بعد الانصراف من المدرسة إلي صلاة العشاء، ويستذكر الدروس بعد ذلك إلى النوم، ويحفظ حصته من القرآن الكريم بعد صلاة الصبح حتى يذهب إلى المدرسة) . [مذكرات الدعوة والداعية /١٢] . ننتقل من الحديث عن البنا وهو طالب في الإعدادية إلى الحديث عنه وهو قائد جماعة: يخطط لها يربى جمهور شبابها ... يحاضر هنا وهناك.. يؤسس الصحف والمجلات ويديرها.. وهو إلى جانب هذا وذاك مدرس في مدارس الدولة، وفى العطلة الصيفية هل كان يستجم مع عائلته في قرية هادئة ليس فيها صخب ولا ضوضاء؟ ! هل كان يغادر مصر للسياحة والمتعة المشروعة؟ ! إن حياة المجدد لا تعرف إيثار العافية والراحة، لاسيما وهو يشعر بأن لأهل الأرياف والمناطق النائية حقاً عليه وعلى إخوانه، فرحلة من رحلاته بدأت في ١١ ربيع الثاني وانتهت في ٩ جمادى الأولى من عام ١٣٥٢ زار خلالها: أبو صوير شرقية، الإسماعيلية، السويس، بور سعيد، الدقهلية بفروعها، طنطا، شبراخيت، المحمودية [بحيرة] ، دمنهور [بحيرة] ، شلنج [قليوبية] . [المذكرات/١١٥٤] . ويقول أحد مرافقيه: (كان يقطع الوجه القبلي كله بلداً بلداً، وقرية قرية في عشرين يوماً، في بعض الأحيان يصبح في بنى سويف، ويتغدى في ببا، ويمسي في الواسطي، ويبيت في الفيوم ... وهكذا كان ينام ساعة أو بعض ساعة، وفي الوقت الذي يضع فيه رأسه على الوسادة ينام ونحن نتحدث من حوله) . [الإخوان المسلمون والمجتمع المصري/١٤] . أليس في حياة هذا الرجل درس للكسالى الذين يقتلهم الفراغ ومع ذلك يتحدثون عن ضيق الوقت؟ ! أو ليس في حياة هذا الداعية المجدد عبرة للذين يتباكون على واقع المسلمين اليوم، ولا يقدمون للعمل الإسلامي إلا فضلات أوقاتهم؟ فالوظائف تستهلك معظم أوقاتهم، والزوجة تستهلك بقية الوقت وهى لا تفتأ تردد (خيركم خيركم لأهله) والمسكين يخلط بين فهم خاطئ للحديث وبين طاعة امرأة لا يرضيها في كثير من الحالات إلا أن تستحوذ عليه وتحول بينه وبين الناس الطيبين، وبينه وبين الدعوة والجهاد في سبيل الله. أرأيتم كيف يبارك الله بأوقات العلماء المخلصين، فأولاد حسن البنا فيما كتبوه قالوا: لقد بذل جهداً في تربيتنا، وكان يجلس معنا ويداعبنا، وشقيق البنا قال فيما كتبه: لقد كان أستاذي وأخي. ولم ينس فضله عليه في تربيته وإعداده، ومما يجدر ذكره أن حسن البنا كان النجل الأكبر لأبيه الشيخ عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي. الدرس الثاني: اتصل حسن البنا ﵀ بعلماء عصره وسمع منهم وناقشهم، وكان يعترف بفضلهم فيما كتبه من مذكرات. وعندما أعلن الطاغية أتاتورك عن هدم الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤، كان عمر البنا ١٨ سنة وكان في أوج عطائه، يتحدثون عن هذه المصيبة التي رزئ بها الإسلام والمسلمون، ويتنادون لعقد مؤتمرات وندوات - كعادتهم - يطالبون فيها بعودة الخلافة ... وكان رشيد رضا في مجلته - المنار - ينادي بالجماعة والعمل الجماعي، وأنه لا سبيل إلى مواجهة أعداء الإسلام إلا بوجود جماعة ... ومع ذلك بقيت أفكار رشيد رضا نظرية، ولم ينجح أو بالأحرى لم يسع إلى تأسيس هذه الجماعة. ومن جهة أخرى فقد رافق هدم الخلافة انتشار الفساد والنشاط الصليبي الهدام في مصر ... أشار البنا ﵀ في مواضع مختلفة في مذكراته إلى هذه الآفات) انظر إلى ما كتبه تحت عنوان: موجة الإلحاد والإباحية في مصر، ص ٤٩، وما كتبه عن التبشير، ص١٤٧ من مذكراته) . فكان الشيخ حسن البنا ﵀ كالليث الجريح لا يهداً ولا يستقر ... يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتصل بالعلماء ويكتب إلى المسؤولين ... أنظر إلى لقائه مع الشيخ يوسف الدجوي [علم من أعلام الصوفية وخصم من كبار خصوم الدعوة السلفية] ، تحدث ﵀ عن هذا اللقاء بأدب ولكنه أوضح مقصده، فصور لنا أن الشيخ كان يائساً: (وانتهى ذلك كله إلى أنه لا فائدة من كل الجهود ... وأوصاني أن أعمل بقدر الاستطاعة، وأدع النتائج لله، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) . ويصور لنا مشهداً آخر في هذه المقابلة يوم أن قدم الشيخ محمد سعد حلويات رمضان، وتعمد البنا أن يجلس إلى جانب الشيخ الدجوي، وأخذ الدجوي حلوى وقدمها إلى البنا ليأكلها فرفض الأخير تناولها وقال. (لو كانت رغبتي بهذه النقل وأمثاله لاستطعت أن أشتري بقرش وأظل في منزلي ولا أتكلف مشقة زيارتكم) وانطلق يتحدث عن الفساد والإلحاد وواجب العلماء. وإذا كان الشيخ الكبير الدجوي يائساً فالمجدد لا ييأس ولا يتراجع.. أنظر إليه يقول: (لم يعجبني طبعا هذا القول) .... وأمام إصرار البنا أمر الدجوي برفع الحلوى دون أن يتناولوا منها شيئا، واتفقوا على عقد اجتماع يضم نخبة من العلماء، وتم ذلك، وأسفرت هذه اللقاءات عن ظهور مجلة الفتح التي كان يرأس تحريرها محب الدين الخطيب. [المذكرات/١٥١] . كانت أجواء ومجالس أمثال هذا الشيخ لا تسمح لشاب صغير أن يخاطب الشيخ بهذا الأسلوب. قال البنا: (وكنت أتكلم في حماسة وتأثر وشدة، من قلب محترق مكلوم، فانبرى بعض العلماء الجالسين يرد علي في قسوة كذلك، ويتهمني بأنني أسأت إلى الشيخ وخاطبته بما لا يليق، وأسأت إلى العلماء والأزهر، وأسأت بذلك إلى الإسلام القوي العزيز، والإسلام لا يضعف أبداً والله تكفل بنصره) [المذكرات/٥٢] . وكان- ﵀ -يعلم أن هذه الجهود ستبقى ضعيفة جزئية لأسباب لا تغيب عن ذهن ألمعي مثله، وليس هذا الذي يتطلع إليه المجددون، إذن لابد من عمل جماعي شامل ... وعرف البنا العمل الجماعي مذ كان طالبا في الإعدادية، فلقد كان رئيس إدارة (جمعية الأخلاق الأدبية) وكان لهذه الجمعية نظام داخلي ... ثم أسس بعد حين (جمعية منع المحرمات) وكان مع زملائه يرسلون رسائل للعصاة والمقصرين يأمرونهم فيها بالمعروف وينهونهم عن المنكر، وكان عمره آنذاك ثلاثة عشر عاماً. وانتسب إلى الطريقة الحصافية، وكان عمره أربعة عشر عاما، وبايع شيخ الطريقة وأسس مع أحمد السكري (جمعية الحصافية الخيرية) ، وكانت مهمتها نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات، ثم تخلى عن الطريقة والجمعية عندما أدرك أن حاجة المسلمين أكبر من ذلك بكثير. وفى القاهرة - وكان عمره ستة عشر عاما - انتسب إلى (جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية) ، وإلى (جمعية الشبان المسلمين) . قال ﵀: (وأذكر أنني كتبت تواً إلى عبد الحميد بك سعيد معلناً اشتراكي بالجمعية، وواظبت على دفع الاشتراك ... ) . وكان الدافع إلى انتسابه إلى هذه الجمعيات كلها رغبته في الإصلاح، وشعوره بأهمية العمل في جماعة، ولعل هذه الجماعات كانت تتناسب مع وعيه في تلك المرحلة غير أنه يكتشف بعد قليل أن دورها جزئي محدود، وإذن لابد من جماعة تتسم بالشمولية، ولهذا أسس جماعة الإخوان المسلمين عام١٩٢٨، وحدد فقرات هذا المنهاج في النقاط التالية: ١-نريد أولاً الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وفي تصرفه. فهذا هو تكويننا الفردي. ٢- ونريد البيت المسلم ... ونحن لهذا نعنى بالمرأة، ونعنى بالطفولة. ٣- ونريد بعد ذلك الشعب المسلم في ذلك كله. ٤- ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب إلى المسجد ... ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية، ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام. ٥- ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي. ٦-ونريد بعد ذلك أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام حيناً من الدهر. ٧-ونريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم ... وأن نعمم بها آفاق الأرض، وأن نخضع لها كل جبار. ثم يقول: بأن ناساً سيقولون هذا خيال وأوهام. وذلك هو الوهن الذي قذف في قلوب هذه الأمة، فمكن لأعدائها فيها ... ثم قال: وإنما نعلن في وضوح وصراحة أن كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهاج ولا يعمل لتحقيقه لا حظ له في الإسلام [١] فليبحث له عن فكرة أخرى يدين بها ويعمل لها. وليس في الطريقة الحصافية في جمعية الشباب المسلمين أو في جمعية مكارم الأخلاق مثل هذه الأهداف التي رسمها البنا ﵀ لجماعته. الدرس الثالث: عندما قطع البنا مراحل مهمة في بناء جماعته، وعندما توسعت هذه الجماعة وعظم شأنها في مصر، وكثر أتباعها، كان لابد أن يضع لها منهجاً علمياً تتربى عليه، ولهذا فقد طلب من الشيخ (سيد سابق) - وكان من كبار العاملين في هذه الجماعة - أن يقوم بتأليف كتاب في الفقه، واتفق معه على سمات هذا الكتاب، فقام سيد سابق بتأليف كتاب (فقه السنة) ، وكتب الشيخ حسن البنا تقدمته، وأصبح مقرراً في منهج الجماعة. وكان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - كما عودنا - منصفا عندما عدَّ تأليف وتدريس هذا الكتاب مكرمة من مكارم البنا ﵀، لاسيما وقد جاء هذا الحدث في وقت كانت تهيمن الصوفية والمذهبية على أجواء العلماء والمعاهد والجماعات الإسلامية في مصر، ووجد هذا الكتاب والحمد لله رواجا واسعا وطبع طبعات كثيرة، وفى هذا دليل على أن المستقبل للسنة وليس للتقليد، وللتعصب المذهبي المذموم. وأراد ﵀ تربية أتباعه على التمسك بالكتاب والسنة، وحذرهم من البدع والجمود والخرافات، ومن تقديس أقوال الرجال وتقديمها على الكتاب والسنة، قال ﵀: (وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﷺ ، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص - فيما اختلف فيه - بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا) . [رسالة التعاليم] . ولاشك أن كلاً يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﷺ ، والبنا ﵀ بلباقته وحسن تعبيره، يصور لنا بشكل آخر تجربته مع الطرق وشيوخ الصوفية، ومن غير شك كان يحزن من شدة تقديس الأتباع والمريدين لشيوخهم، انظر إليه وهو يحدثنا عن أتباع الشيخ الدجوي كيف ردوا عليه بقسوة لأنه خاطب الشيخ بما لا يليق ... وبإساءته للشيخ أساء للعلماء والأزهر والإسلام ... والبنا أراد من الشيخ أن ينهض لمحاربة الفساد والإلحاد في مصر فكيف أساء للإسلام؟ ! . وهؤلاء تربوا على أن شيخهم لا يقول إلا الحق، وهو ظل الله في الأرض، وأوامره ونواهيه دين لا يجوز مخالفتها أو الخروج عليها! ! والبنا لا يريد هذه التربية المنحرفة. لا يريد أن يكون بين أتباعه كما كان الدجوي بين أتباعه، ولهذا علمهم وأكد في رسالة التعاليم بأنه ليس معصوماً، ويجب أن لا يقبلوا من كلامه إلا ما كان موافقاً للكتاب والسنة، ومن خالف ذلك فقد أساء للبنا ودعوته. الدرس الرابع: واجهته كما واجهت غيره من المجددين صعوبات كثيرة، وتحديات جمة، فما تراجع، ولا ضعف، ولا قبل الدنية في دينه ودعوته. - حاربه المستعمرون الإنجليز بوسائلهم المعروفة. - وحاربه فاروق وزبانيته، وهم الذين دبروا محاولة اغتياله. - وحاربه حزب الوفد بإمكاناتهم الضخمة، وشنوا عليه حملة إعلامية كاذبة ظالمة، وكانت صحفهم تخرج كل يوم وفيها تشهير هابط بحسن البنا وأهدافه ونواياه، والناس يتأثرون بالإعلام، وكان قادة حزب الوفد مزيجا من العلمانيين والأقباط. - وحاربته بقية الأحزاب الأخرى بوسائل لا تختلف عن الوسائل التي استخدمها حزب الوفد. - وحاربه شيوخ السلطة لأن أسيادهم - فاروق والوفد - حاربوا البنا، ولأن الناس التفوا حول البنا، وانفضوا من حولهم وتناقص عدد الذين يقبلون أيديهم. - وحاربه ضعاف النفوس من رفاق دربه الذين لم يجدوا عنده ما كانوا ينتظرون من أطماع، فتخلوا عنه، وانضموا إلى حزب الوفد، واستخدمهم الحزب في حملته الإعلامية الفاجرة ضد حسن البنا. وكان الرجل يتوقع مثل هذه المعوقات، وتنبأ بها منذ بداية الطريق، وكان قد وضع لها الحلول الناجعة ... ومن هنا نخرج بفائدتين: الأولى: هذه الأحزاب الجاهلية كالوفد والبعث وغيرهما ليس فيها خير ولا أمانة، وقادتهم يعلمون أن أهواءهم تتعارض مع تعاليم الإسلام وأهدافه، فقد يصدقون في تحالفهم مع الشيوعية والصليبية والاستعمار الغربي والباطنية أما مع الإسلام فيستحيل، والله حذرنا منهم بقوله: [ولا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ومَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ] [هود: ١١٣] وقال: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ...] [المجادلة: ٢٢] الثانية: يظن بعض السذج أو المهزومين أنه من الممكن أن تقوم دعوة لها أهداف نبيلة، وأن تتسع هذه الدعوة وتحقق أهدافها دون أن تواجهها تحديات وافتراءات وأباطيل، أو قد يتحدثون عن الصعوبات، لكن حديثهم يبقى نظرياً، فإذا أصبحت التحديات حقيقة، ضعفوا وارتبكوا واضطربوا، وفي حالة الاضطراب والضعف ينحون باللائمة على أفراد منهم لأنهم سبب هذا البلاء ... ليت هؤلاء يدرسون في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ سنن الله في ابتلاء الدعاة والجماعات الإسلامية... ليتهم يطيلون التأمل في قراءة وتدبر معاني قوله تعالى: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [البقرة: ٢١٤] . وقوله: [الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ * ولَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ] [العنكبوت: ١-٣] . لقد اشترى الإنكليز وفاروق والأحزاب ذمم بعض كبار الأدباء والمفكرين، وكتب أحدهم ذات مرة يقول بأن حسن البنا من أصول يهودية، ودليله على ذلك أنه يعمل في تصليح الساعات وهذه الصناعة يحتكرها اليهود ... ولسنا في صدد الرد على أقوال هذا المفتري، ولكن نشير إلى أن مثل هذا القول اتهم به الرافضة ومن يدور في فلكهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومن قبل اتهم المشركون والمنافقون واليهود رسول الله وأهل بيته وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمختلف الاتهامات الشنيعة الباطلة. وقصارى القول مضى خصوم البنا ... مضى فاروق وإذا ذُكِرْ تذكر انحرافاته وفساده، وسوء حاشيته ... ومضى الإنكليز وأعوان الإنكليز غير مأسوف عليهم ... ومضى قادة الأحزاب الجاهلية بأوزارهم، وبقى ذكر حسن البنا الطيب العطر ليس في مصر وحدها بل في العالم كله [فَأَمَّا الزَّبَدُ فيذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فيمْكُثُ] [الرعد/١٧] .

стр. 320

خواطر في الدعوة لا تقولوا الباطل محمد العبدة أخذ الله العهد على العلماء ومن يتصدى للدعوة أن لا يكتموا العلم، ويبينوه للناس، ولا يخشوا أحدا إلا الله، وقد كان شرار أهل الكتاب علماؤهم ورهبانهم بما يكتمون من البينات وبما يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، وفضل الله هذه الأمة فجعل علماءها خيارها، فأعطوا الكلمة حقها ورعوها حق رعايتها، والأمثلة في تاريخنا كثيرة، جاء في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أن أبا جعفر الأنباري قال له عندما امتحن ليقول بأقوال المعتزلة الباطلة: (يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، ولابد من الموت، فاتق الله ولا تجب فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله) [سير أعلام النبلاء ١١/٢] . وجاء أيضاً: قال المروذي: يا أستاذ إن الله قال [ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] ، قال: يا مروزي اخرج فانظر، فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقاً لا يحصيهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم المروذي: ماذا تعملون؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد ونكتبه، فدخل فأخبره، فقال: يا مروذي: أضلُّ هؤلاء كلهم. أراد هذا الإمام المبجل أن يضحي بنفسه ولا يفسد عقائد الناس لأنه متبع ومقتدى به، وبعض من يقتدي بهم اليوم من الدعاة، وفى غمرة فقدان الوعي الشامل والاجتهاد الدعوي الصائب يقعون في ما استطاع الإمام أحمد أن يبتعد عنه، سواء بتزكية من لا يستحق التزكية، أو بتبرير لأوضاع غير سليمة، فيتبعهم الناس ويؤملون الخير ويستبشرون، ولكن آمالهم تخيب بعدئذ. وإذا كنا نحن المسلمين مأمورين بقول الحق في تقويم الناس، وأن نعدل حتى في لحظات الغضب والشنآن؛ فهذا في معرض التقويم الشامل فنقول عن الشجاع شجاع ولو كان كافرا أو فاسقا، ونقول عن فلان أنه خدم بلاده وأفادها من ناحية دنيوية في معرض الاعتراف بالواقع، وهذا كله عندما تكون الصورة واضحة في أذهان الناس ولا نلبس عليهم أمور دينهم. ونحن نعلم أنه لا أحد يكره أمثال هؤلاء الدعاة على أقوال تحسب على الإسلام والمسلمين وهى ليست بذاك، وقد يظنون أن هذا فيه مصلحة للدين ولكن الحقيقة أن مفسدتها أكثر من مصلحتها. ولذلك نقول لهؤلاء مخلصين مشفقين: إذا كنتم لا تستطيعون قول الحق فلا تقولوا الباطل، وذاك أضعف الإيمان.

стр. 321

هجر المبتدع الشيخ بكر أبو زيد تكلم المؤلف في الحلقة السابقة عن مقاصد الإسلام في الهجر، وعن أهمية ذلك الهجر لردع المبتدع وإشعاره بانحرافه وابتعاده عن الطريق السوي، ثم تكلم عن أنواع الهجر فقسمها إلى ثلاثة أنواع، تكلم في الحلقة السابقة عن النوع الأول وهو هجر الترك، وفي هذه الحلقة يكمل أنواع الهجر. **** الثاني: الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي (الهجر لحق العبد) : وفيه جاءت أحاديث الهجر بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة ﵃، بأسانيد في الصحيحين وغيرها [١] ، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال، كما لم يرخص في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث. ومن الهجر هنا: هجر الوالد لولده، والزوج لزوجته، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا. عن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال) . وبعد أن بين الخطابي رحمه الله تعالى: أن ما وراء الثلاث على المنع قال: (فأما هجران الوالد ولده والزوج لزوجه، ومن كان في معناهما فلا يضيق أكثر من ثلاث، وقد هجر رسول الله ﷺ نساءه شهراً) . ا. هـ[٢] وهذا النوع من الهجر من مباحث الرقاق والآداب. النوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيزية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزيز [٣] . المبحث الثالث شروط الهجر: الهجر الشرعي للفجار من المبتدعين، والفساق (عبادة) ، والعبادة لابد من توفر ركنيها: الإخلاص، وهو ميزان الأعمال في باطنها. والمتابعة، وهو ميزان الأعمال في ظاهرها. فلابد من أن يكون الهجر: خالصاً صواباً، فالهجر لهوى النفس: ينقض الإخلاص، والهجر على خلاف الأمر: ينقض المتابعة. والله أعلم. المبحث الرابع صفات الهجر: [٤] الأصل في الهجر هو الإعراض بالكلية عن المبتدع والبراءة منه. ومن مفرداته: عدم مجالسته. الابتعاد عن مجاورته. ترك توقيره. ترك مكالمته. ترك السلام عليه. ترك التسمية له. عدم بسط الوجه له مع عدم هجر السلام والكلام. عدم سماع كلامه وقراءتهم. عدم مشاورتهم. وهكذا من الصفات التي يتأدى بها الزجر بالهجر، وتحصل مقاصد الشرع. المبحث الخامس منزلة الهجر من الاعتقاد: يؤصل علماء الإسلام (هجر المبتدع ديانة) تحت القاعدة العقدية الكبرى (قاعدة الولاء والبراء) [٥] . ومفهوم هذه القاعدة الشريفة لدى أهل السنة والجماعة هو: الحب والبغض في الله، فهم يوالون أولياء الرحمن، ويعادون أولياء الشيطان، وكلٍ بحسب ما فيه من الخير والشر. وفي حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره المرء أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه [٦] . وعن أبي إمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، فقد استكمل الإيمان» رواه أبو داود والضياء [٧] . يحيى بن معاذ: (حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء) [٨] . وهذه القاعدة من مسلمات الاعتقاد في الإسلام، لكثرة النصوص عليها من الكتاب والسنة والأثر [٩] . ومن أولى مقتضياتها - التي يثاب فاعلها ويعاقب تاركها - البراءة من أهل البدع والأهواء، ومعاداتهم، وزجرهم بالهجر ونحوه، على التأبيد حتى يفيئوا، وهذا موفور في عامة كتب اعتقاد أهل السنة والجماعة [١٠] . واكتفى بما أصله الإمام أبو إسماعيل الصابوني م سنة ٤٤٩هـ ﵀ تعالى إذ قال: (ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الديني، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان قَرّت بالآذان وقرت بالقلوب ضرّت وجرّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جَرَّت، وفيه أنزل الله قوله [وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ] . ثم ذكر علامات أهل البدع، وعلامات أهل السنة، ثم قال: (واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم والتقرب إلى الله بمجانبتهم ومهاجرتهم...) اهـ[١١] . والعقوبة بالهجر للمبتدع إحدى العقوبات الشرعية التي ينزلها أهل السنة بالمبتدعة، حسب البدع والأهواء التي يتلبسون، بها، ومنها ما تقدمت الإشارة إليه والله أعلم. المبحث السادس الأدلة من الكتاب والسنة على هجر المبتدع ديانة: هذا التأصيل العقدي: الزجر بالهجر للمبتدع ديانة، مستمد من دلائل: الكتاب، والسنة، والإجماع وإلى بيان بعض منها: أولا - الكتاب العزيز: ففيه آيات كثيرة في التأكيد على) الموالاة في الله، والمعاداة فيه، في سور: البقرة، وآل عمران، والأنعام، والنساء، والمجادلة وغيرها [١٢] . ونقتصر هنا على ذكر أربع آيات من سور: الأنعام، والنساء، وهود، والمجادلة، والتي نص العلماء في تفسيرها على عقوبة المبتدع بالهجر ودلالتها عليه، وذلك باعتبار عموم اللفظ في كل آية، وهذا هو المعتبر دون خصوص السبب، ففي عموم كل آية منها دليل على الهجر والإعراض والاجتناب، ... والمجالسة، لكل مبتدع محدث في الدين حتى يفيء، وعلى هذا تدل كلمة من تراه ... من المفسرين وغيرهم. وهذه من أجل الفوائد في تفسير النصوص من آية أو حديث، إذ يشمل تفسيرها الأمرين: الأول: ما هي نص فيه. الثاني: ما يؤخذ منه حكم له وإن لم يكن نصا فيه باعتبار العموم والاستنباط من كتاب الله تعالى وأسرار تنزيله، وكما في حديث الصحيفة المشهور. (أو فهماً يؤتيه الله رجلا في كتابه) . وهذه قاعدة شريفة فلا يفوتنك الوقوف عليها، وبخاصة لدى الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، وعنه بل بأبسط في كتاب (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) [١٣] . وإلى بيانها. ١-- ومنها قول الله تعالى في سورة الأنعام: ٦٨ [١٤] : [وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] وفي هذه الآية دلالة على تحريم مجالسة أهل البدع والأهواء وأهل الكبائر والمعاصي. قال القرطبي رحمه الله تعالى: (في هذه الآية رد من كتاب الله على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج، وأتباعهم لهم أن يخالطوا الفاسقين،. ويصوبوا آرائهم تقية، وذكر الفري عن أبي جعفر محمد بن علي رض الله عنه أنه قال: لا تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل. قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر مؤمنا كان أو كافرا، قال: وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو، وكنائسهم، والبيع ومجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم، ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم، ثم ذكر بعض الآثار عن السلف في هجر المبتدعة) اهـ[١٥] [١٦] . وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: (وفى هذه الآية موعظة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون. كلام الله، ويتلاعبون بكتاب وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون، به شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر. وقد شاهدنا من هذه المجالسة الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه، وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها: علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرمات، ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح، مكان فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه، فيعمل بذلك مدة عمره، ويلقى الله به معتقداً أنه من الحق، وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر) اهـ[١٧] - يتبع -

стр. 322

نقد قراءة في فكر مالك بن نبي -٣ - محمد العبدة يرى مالك بن نبي أن من عوائق النهضة الحديثة الأمراض الاجتماعية والفكرية التي أصابت المسلمين نتيجة عهود الضعف والانحطاط، وقد ذكرنا في نهاية المقال السابق أمثلة على ذلك، ونتابع في هذا العدد بإذن الله آراء هذا المفكر في تشخيص الداء. طغيان عالم الأشخاص: عندما يتعلق الناس بالأشخاص أكثر من تعلقهم بالمبدأ أو الفكرة فإنهم يرون أن إنقاذهم من الحالة التي هم عليها بـ (البطل القادم) الذي ينتظرونه دون أن يقوموا بجهد يذكر. فالخلاص لا يتم بتجمع أناس على مبدأ يدافعون عنه، ويتفانون فيه، ويتقنون فن التعاون؛ بل بالرجل الذي يجمعهم ويوحدهم، وقد يطول انتظارهم وهم يمنون أنفسهم بالأماني، وهكذا نسمع الخطباء لا يفتأون يذكرون (أين صلاح الدين) أو (قم يا صلاح الدين) ، فهم يريدون (صلاحاً) آخر ينقذهم، ولاشك إن (إجلال رجل القدر) مثل إجلال (الشيء الوحيد) مرض منتشر في أرجاء العالم الإسلامي، وهو أحياناً السبب في إفلاس فادح لسياسات عديدة [١] وقد لا يكون هناك رجل القدر ولكن (رجل النحس) الذي نلقى عليه كل ضعفنا وفشلنا، وبدلاً من أن نتدبر الأحداث، ونبحث بطريقة أعمق عن الأسباب الحقيقية لفشلنا يمكن بكل سهولة أن نلصق التهمة بـ (رجل النحس) . فعندما وقع انفصال سورية عن مصر عام ١٩٦١ قالوا: إن السبب هو رجل النحس (حيدر الكزبري) ولكن من الواضح أن الانقلاب كان لابد واقعا في وجود الكزبري أو في غيابه، فجيم عوامل التشجيع على هذا الانفصال كانت متوفرة، سواء من الأخطاء التي وقعت أو من عدم توفر فكرة مضادة للانفصال [٢] . وقد تتجسد الأفكار بأشخاص ليسوا أهلا لحملها فتحسب كل أخطائهم وانحرافاتهم على المجتمع الإسلامي أو على الإسلام، وقد تتجسد بأشخاص يحملونها ولكن إذا ماتوا انتهت هذه الأفكار بموتهم، أو فتر حماس الأتباع، لقد مارس العالم الإسلامي، دور البطولة في كفاحه ضد الاستعمار عندما بزغ في سمائه أبطال مثل عبد الكريم الخطابي، وعمر المختار، وعز الدين القسام.. ولكن مشكلة المسلمين الأساسية لم تحل (لأن من طبيعة هذا الدور أنه لا يلتفت إلى حل المشاكل التي مهدت للاستعمار وتغلغله داخل البلاد) [٣] ولا يعني هذا إنكار دور هؤلاء الأبطال، أو التقليل من شأنهم، ولكنها العودة إلى الأصل وهو إنشاء تيار إسلامي قوي يتعلق بالمبدأ ويقوم بالجهد الجماعي، ولذلك جاءت الآية القرآنية حاسمة في هذا الموضوع، إن الواجب على المسلمين قيادة الدعوة وحمل الرسالة بعد وفاة الرسول ﷺ : [ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] [آل عمران: ١١٤٤] . يركز مالك بن نبي في أكثر كتبه على هذا المرض، ويطالب المسلمين، والشباب بشكل خاص، بأن يتحول للارتباط بالمنهج لا بشخص معين، لأن هذا الشخص مثل الرأس الذي يقود عربات القطار، فإذا انحرف انحرف القطار كله، وهذا الذي يثيره الأستاذ مالك صحيح بشكل عام ولكنه بالغ في تهميش دور الأشخاص مع أنهم هم الذين يحملون الفكرة ويجسدونها عملياً حتى يقتنع الناس بها، وكلامه فيه شيء من التجريد والمثالية، وهذا الإسلام، وهو حق صريح، إذا لم يحمله أشخاص يتمثلونه ويثرونه بين الناس فلا ينتشر إلا قليلاً. طغيان الأفكار: إذا كان هناك طغيان في عالم الأشياء وعالم الأشخاص، فقد يصل الأمر إلى طغيان في عالم الأفكار، فعندما يكون المجتمع في حالة مضطربة، فلا هر بداية دخول الحضارة، ولا هو خارج تماماً عن الحضارة، في هذه الحالة قد يفقد المتعلم تكيفه مع الوسط الاجتماعي، أو لا يستطيع أن يقوم بعمل مثمر يرضي ضميره، عندئذ يلجأ إلى البحث في الأفكار المجردة النظرية التي لا تأخذ طريقها إلى التطبيق، وبدل أن يتكلم عن معاناة الناس ومشاكلهم والتخطيط لمجتمع أفضل فهو يتكلم عن الماضي الذي ليس له صلة بالحاضر، أو يفتعل معارك وهمية ليكون هو أحد أبطالها، وتدفع المطابع كل يوم عشرات الكتب التي لا تمس الواقع المعاش بل هي هروب مفتعل من الواقع، وقد تطغى الأمور النظرية على مدرس في الجامعة فيتحدث عن تركيب الأدوية وعن النباتات ويجهد نفسه في وصف بعض النباتات بدلاً من أن يمد يده من النافذة ويقطف واحدة منها ليقدمها إلى الطلبة حية نابضة، ولكنه مع الأسف يبحث عنها في الكتاب، فهو كل شئ بالنسبة له [٤] . وتد بملغ الخلل في عالم الأفكار، إلى درجة أن يعرقل المبادرات والجهود، وهو ما يسميه مالك بن نبي (الأفكار الميتة) (فالبديهيات في التاريخ، كثيراً ما قامت بدور سلبي كعوامل تعطيل مثل بديهية: الأرض مسطحة، فإنها حالت دون اكتشاف أمريكا قروناً طويلة) [٥] ، والبوصلة التي ساعدت كولومبس على اكتشاف أمريكا هي من اختراع المسلمين! ، وقد كان من حكم الطب القديم أن الحرارة مثلاً دواؤها الرطوبة ولا بأس بهذه الحكمة ما لم تكن قيداً يقيد الفكر فلو استسلم الطب لحكمة كهذه مع صلاحيتها في بعض الظروف لما وجد (باستور) طريقاً لاكتشاف العلاج النافع لداء (الكلب) مثلاً [٦] . ولا شك أن هناك كثيراً من الأفكار خذلت أصحابها لأنها لا تحمل أصولاً صحيحة، فكم أهدر من الوقت في جدل ومناقشات، وكم سودت من صفحات مبنية على أحاديث موضوعة أو ضعيفة، وكم عاش المسلمون متأثرين بأفكار الصوفية التي تدعو إلى البطالة والزهد غير المشروع حيث كان مثلهم الأعلى (المجاذيب) . الحق والواجب: يميل الفرد بطبيعته إلى نيل حقه، وقد ينفر من القيام بواجبه، والأمة التي تصاب بمرض (السهولة) وعاشت قروناً من التخلف، فإن من أهون الأشياء عليها التي لا تكلفها كثيراً هو المطالبة بالحقوق، ونسيان الواجبات، فهي تشبه الكائن (الأميبى) المتبطل، حتى إذا رأى فريسة هينة ابرز إليها ما يشبه اليد ليقنصها، ثم يهضمها في هدوء وبقى هذا االكائن يأكل من حاجاته المتواضعة حتى إذا جاء الاستعمار لم يدع له شيئاً فتحرك ضميره (أي معدته) فمد يده إلى فريسة وهمية أطلق عليها لفظة (الحق) [٧] . وكان هذا منشأ سياسة الدجل التي مارسها من يتقن هذه الأدوار، وللمطالبة بالحقوق إغراء شديد فهي كالسم لا يجذب الذباب ويجتذب الانتفاعيين، بينما كلمة الواجب لا تجتذب غير (النافعين) [٨] ، وعندما يستغلها الزعماء المهرجون لتجميع الغوغاء من الشعب ويلعبون بمفتاح (الحقوق) فسيكون من الصعب أن يستخدموا مفتاح الواجبات وتتحول الأمة إلى استجداء حقوقها من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والرأي العام العالمي ولكن ما من مجيب، لأن هذه الأصنام ما نصبت إلا لتخدير الشعوب وتعليمها لغة الاستجداء. وعلى الصعيد السياسي فإن كلمة الواجب توحد وتؤلف بينما كلمة الحق تفرق وتمزق، وهكذا ما خرجت دولة من دول العالم الثالث من ربقة الاستعمار إلا وتناحرت أحزابها على المطالبة بحق اقتسام الغنيمة، بدلاً من أن يتكلموا عن الواجبات، وهذا ما حصل في الجزائر، واليمن الجنوبي، ونيجريا، والكونغو ... [٩] . ومن الأمثلة التي ترويها ذاكرة الأستاذ مالك بن نبي حول هذا الموضوع: (شاهدت خلال بعض المواقف السياسية في الجزائر جيلاً من السياسيين يقفون من قضية مهمة بالنسبة للشعب الجزائري وهي قضية الأمية، يقفون منها موقفاً جديراً بالملاحظة، فقد كتب هؤلاء السياسيون المقالات الطويلة لشرح هذا المرض الاجتماعي الخطير، موضحين نتائجه المنكرة في حياة الفرد، وهم في هذا كله يهاجمون الاستعمار في خطب ملتهبة بالحماس متقدة بالوطنية، وهكذا يستمرون في خطبهم ومقالاتهم حتى تتقطع أنفاسهم عن الكلام، وتمر الأعوام تلو الأعوام والمشكلة لا تجد في مجهوداتهم حلها، ذلك أنهم لم يدخلوا إلى المشكلة من طريق حلها، لقد أصدرت الحكومة الفرنسية عام ١٩٤٠ قوانين استثنائية قاسية حول تنظيم التعليم في مختلف مراحله بالنسبة للطائفة اليهودية (مسايرة لألمانية الهتلرية) وشعرت الطائفة بأن أطفالها قد أصبحوا مهددين بالأمية غير أنها لم تكتب مقالة واحدة تستنكر هذا الإجراء، ولم يلق واحد منها محاضرة عن هذا الأمر، وإنما اجتمعت النخبة فيها ودرست المشكلة لكي تحدد موقفها منها، وحددت موقفها بأن يتطوع كل ذي علم بقدر ما عنده من العلم، وهكذا أصبح كل بيت من بيوت المتعلمين مدرسة في ساعات معينة، ولا نستطيع أن نبرر هذا بتفوق اليهود المادي أو العلمي لأننا لا نستطيع أن نفترض أن الدكتور أو الصيدلي أو المحامى اليهودي أغزر علماً من زميله الجزائري، فالاختلاف هو في الموقف الاجتماعي إزاء مشكلة معينة) [١٠] . مثال آخر يتذكره ابن نبي وهو يحلل هذه المشكلة: (وبدلا من أن تكون البلاد (الجزائر) ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات فإنها أصبحت منذ سنة١٩٣٦ , سوقاً للانتخابات، وصارت كل منضدة في المقاهي منبرا تلقى منه الخطب الانتخابية، وهكذا تحول الشعب إلى جماعة من المستمعين يصفقون لكل خطيب، أو قطيع انتخابي يقاد إلى صناديق الاقتراع، وفى هذا اختلاس أي اختلاس للعقول التي أشرفت على قطف ثمار نهضتها) [١١] . وهذا المرض لا يزال مسيطراً على العقول، فكثيراً ما نسمع في قرية من القرى أو حي من الأحياء المطالبة بحقهم في فتح طريق أو تنظيف شارع أو فتح مدرسة، وكان بوسعهم أن يتعاونوا لإنجاز مثل هذا العمل. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الناس القيام بالواجب عندما أعطى الذي جاء يطلب صدقة حبلا وفأسا وأمره أن يحتطب ولا يتكفف أيدي الناس [١٢] . العقلية الذرية: يقصد بهذا المصطلح أن بعض الناس (ينظر إلى الأحداث والوقائع مجزأة منفصلة فردية، كأنما في مجموعها لا تكون حلقة من التاريخ وإنما كوماً من الأحداث) [١٣] . وهذه العقلية موجودة في أوساط المسلمين بسبب بعدهم عن (الفعل الحضاري) وبسبب التكوين الاجتماعي الذي ورثناه، ومن مظاهرها (أن جهودنا في كل مجال لا تتسمم بالجهد المتواصل ولكن بالمحاولات المتتابعة، فما أن يبدأ نشاط ما حتى يذهب فجأة كأنه وثبة برغوث أو كأنه مركب على صورة الخط المنقط الذي يمر من نقطة إلى أخرى دون أن يصور شيئاً، ولنعتبر على سبيل المثال كم منذ نهاية الحرب ظهرت مجلة في بلادنا ثم اختفت بنفس السرعة) [١٤] . ومن مظاهر هذه العقلية (العجز عن أن نعقد صلات بين الأفكار وعن أن نعطي لمناقشة مشكلة ما حركة متصلة مطردة لا يحجل فيها الفكر من نقطة إلى نقطة، بل يطرد دائماً من مقدمة إلى نتيجة) [١٥] (وإذا كان من الممكن تجزئة المشكلة لتجزئة حلولها (فكل الطرق تؤدي إلى روما) ولكن الطريق عبر المنهج هو أطول الطرق بلا شك، إن طريق الحضارة لا يمكن خطه بإقامة مدرسة هنا ومصنع هناك وسدٍّ هنالك، أو بوضع سلة معدنية في جانب هذا الشارع حيث لا أحد يفكر في إلقاء المهملات) [١٦] . ولو أننا تعودنا الربط والتعميم وتتبع الجزئيات من الكليات لما استغربنا تشابه المشكلات الخارجية التي يواجهها العالم الإسلامي، فالعالم الذي نواجهه (الاستعمار) لا تأتى فيه الأشياء عفواً وإنما كنتائج لخطط محكمة، فعندما تفشل بعثة علمية في بلاد الغرب أو أحد أفراد هذه البعثة نفاجأ: كيف حصل هذا؟ [١٧] . ولو تتبعنا بعض الظواهر المحيرة في العالم الإسلامي لوجدنا أن المحرك لها واحد، ولكن عقلية تجزئ الأشياء تجعلنا لا نشعر بالقاسم المشترك فيما بينها. إن هذا النزوع نحو تجزئة مشكلة الحياة إلى ذرة ذرة، وهذا العجز عن التعميم ليس من خواص الفكر المسلم كما يحاول أن يؤكده المستشرق الإنكليزي (جب) (بل هو طراز للعقل الإنساني بعامة عندما يقصر عن بلوغ درجة معينة من النضج، وإن التراث الثقافي الخطير الذي خلفته الحضارة الإسلامية يظل شاهدا على ما كان يتصف به الفكر الإسلامي في عصوره الذهبية بالإحساس (بالقانون) وهو يستلزم القدرة على التركيب، وأصول الفقه الإسلامي أكبر دليل على ذلك) [١٨] . التعالم والحرفية في الثقافة: عانت مجتمعاتنا في عصور الضعف مشكلة (الأمية) والجهل ولكنها عندما حاولت النهوض أصيبت بمرض مستعص وهو (التعالم) أو الحرفية في التعلم وحمل اللافتات العلمية (وإذا كنا ندرك بسهولة كيف نداوي المريض الأول، فإن مداواتنا للمريض الثاني لا سبيل إليها لأن عقل هذا المريض لم يقتن العلم ليصيّره ضميرا فعّالاً، بل ليجعله آلة للعيش، وسلماً يصعد به إلى (الوظيفة) ، وهكذا يصبح العلم عملة زائفة غير قابلة للصرف، وإن هذا النوع من الجهل لأدهى وأمر من الجهل المطلق، فالجاهل هنا لا يقوّم الأشياء بمعانيها، ولا يفهم الكلمات بمراميها، وإنما بحسب حروفها، وكلمة (لا) تساوي عنده (نعم) لو احتمل أن حروف الكلمتين متساوية. وكلام هذا المتعالم ليس (كتهتهة) الصبي فيها براءة وإنما (تهتهة) يتمثل فيها شيخوخة وداء عضال، فهو الصبي المزمن) [١٩] . لقد تحولت اللافتات العلمية زينة تتصدر المجالس، وألقاباً للتفاخر ذلك أن نزعة المديح والألقاب قد أسرتنا منذ عهود الانحطاط، فألقاب مؤلف أي كتاب لابد أن تملأ نصف الصفحة الأولى على الأقل، فهو العالم العلامة والحبر الفهامة ... ونظرة إلى الصحف الآن التي تعيش على المدح تكفى لنعلم كم نعيش تحت أسر الكلمات الطنانة التي ليس لها معنى، وإنما هو الغرام الأحمق بمجرد الكلام، (وفى هذا ضرر كبير على كيان الأمة لأنها تفقد حاسة تقدير الأمور على وجهها الصحيح) [٢٠] ، ويصبح المثل الأعلى من هو أقدر على الكلام ولو لم يكن له أي دور اجتماعي (وقضية الجهل لا تعالج بمجرد وضع البرامج التعليمية، بل يجب أن يكون أولاً عملية تصفية نفسية، وبكلمة واحدة أن يكون التعليم بناء الشخصية الجديدة) [٢١] . هذه نماذج لبعض الأمراض التي تعيق النهضة كما يراها مالك بن نبي، ولم نتعهد الاستقصاء، وقد يقال هنا: كيف لا يذكر أصل الداء وهو بعد الناس عن فهم العقيدة الإسلامية الصافية، عن فهم التوحيد كما جاءت به الرسل ﵈، وللجواب على هذا نقول: إن مالك بن نبي كمفكر يهتم بشؤون النهضة والإصلاح ويشخص الأمراض الاجتماعية التي أصابت العالم الإسلامي والتي تعيقه عن النهوض، فقد يكون المسلم صاحب فهم سليم ولكن فيه هذه الأمراض، فهو يعالج هنا كالطبيب المتخصص. ٢ -كان مالك بفطرته يعلم أن الرجوع إلى منهج خير القرون هو الصواب، ولذلك انتقد منهج المدرسة الإصلاحية في إحيائها (لعلم الكلام) يقول منتقداً الشيخ محمد عبده الذي (ظن كما ظن فيما بعد الدكتور محمد إقبال أن من الضروري إصلاح علم الكلام بوضع فلسفة جديدة حتى يمكن تغيير النفس، بيد أن كلمة (علم الكلام) ستصبح قدراً مسلطاً على حركة الإصلاح الذي حاد بها جزئيا عن الطريق) [٢٢] . (وعلم الكلام يمجد الجدال ويشوه المشكلة الإسلامية، ويفسد طبيعتها، حيث يغير المبدأ السلفي في عقول المصلحين أنفسهم) [٢٣] . ٣- إن مالكًا كغيره من المفكرين وكثير من المسلمين يظنون أن العقيدة هي الإيمان بالله ولا يفرقون بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فقد يؤمن الإنسان بوجود الله، ولكنه يعرض عن عبادته والخضوع لشرعه، والرسل دعت الأمم لعبادة الله وحده، يوضح تصوره هذا قوله: (والمسلم - حتى ما بعد الموحدين - لم يتخل مطلقا عن عقيدته، فلقد كان مؤمنا، ولكن عقيدته تجردت عن فاعليتها، وإن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله بقدر ما هي أن نشعره بوجوده ونملأ به نفسه) [٢٤] . إن ضعفه في العلوم الشرعية جعله لا يتبين أهمية فهم التوحيد فهما صحيحاً، وأن الخلط في هذا الموضوع هو أس البلاء.

стр. 323

تعقيب على مقال مدى تدخل الدولة في فرض الضرائب وتوظيف الأموال للشيخ عثمان جمعة ضميرية عبد العزيز بن حمد المحمد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فقد كتب الشيخ الفاضل: عثمان جمعة ضميرية مقالا في مجلة (البيان) (العدد الثالث عشر) بعنوان: (مدى تدخل الدولة في فرض الضرائب وتوظيف الأموال) ، وخلص إلى مشروعية فرض الضرائب بشروط ذكر بعضها. وقد كان لي بعض الملاحظات على ذلك المقال فأحببت أن أذكر شيئا منها، ولست متعرضا لتحرير القول في المسألة، فأدع ذلك لعلمائنا حفظهم الله. أولاً: الكلام الذي نقله الكاتب حفظه الله عن الغزالي والجويني والشاطبي مرتبط كله بالجهاد والاستعداد له وحفظ الأمن، وأين ذلك من الضرائب المتنوعة التي تفرض اليوم، ولا تستخدم في الضروريات فقط، بل تتعدى ذلك إلى ... الحاجيات والتحسينات، ومجالات الفساد المتنوعة. وإنما يصح الاستشهاد بكلام العلماء المذكورين ﵏ على الضرائب التي يحتاج إليها في القيام بالواجبات فقط. ثانياً: قال الشيخ - حفظه الله - ص ٤٧: (وممن (في الأصل: مم) عرض لهذه المسألة، وأيدها بالنصوص الشرعية والحجج القوية، الإمام ابن حزم في كتابه العظيم (المحلَّى) ..) . والواقع أن كلام ابن حزم ليس عن الضرائب وحكمها، وإنما هو عن إلزام الأغنياء بسد حاجات الفقراء، إذا لم تقم الزكوات بهم. وأما موقفه من الضرائب، فقد ذكره في كتابه (مراتب الإجماع) ، فقال، ص١٢١: (واتفقوا أن المراصد الموضوعة للمغارم على الطرق وعند أبواب المدن وما يؤخذ في الأسواق من المكوس على السلع المجلوبة من المارة والتجار ظلم عظيم وحرام وفسق، حاشا ما أخذ على حكم الزكاة وباسمها من المسلمين من حول إلى حول مما يتجرون به، وحاشا ما يؤخذ من أهل الحرب وأهل الذمة مما يتجرون به من عشر أو نصف عشر، فإنهم اختلفوا في كل ذلك، فمن موجب أخذ كل ذلك ومن مانع من أخذ شيء منه إلا ما كان في عهد صلح أهل الذمة مذكورا مشترطا عليهم فقط) . وهذا الذي اعتمده شيخ الإسلام كما سيأتي. ثالثاً: قال الشيخ - حفظه الله - ص ٤٤: (عرض فقهاء الشريعة الإسلامية توظيف الأموال على الأغنياء، عند الحاجة، وقرروا جواز ذلك ... ) . وقد يفهم من الإطلاق أن هذا قول العلماء كافة، وليس الأمر كذلك! وأول من عرف عنه القول بمشروعية توظيف الوظائف أبو المعالي الجويني، وهو يقول عن نفسه في (غياث الأمم) بتحقيق الديب، ص٢٦٦: (لست (أحاذر) إثبات حكم لم يدونه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء؛ فإن معظم مضمون هذا الكتاب لا يلغي مدونا في كتاب، ولا مضمنا لباب ... فليكن الكلام في الأموال وقد صفر بيت المال واقعة لا يعهد فيها ... للماضين مذهباً، ولا يحصل لهم مطلباً، ولنجر فيه على ما جرى عليه الأولون إذ دفعوا إلى وقائع لم يكونوا يألفوها، ولم ينقل لهم مذاهب، ولم يعرفوها) . وتبع الجويني على كلامه تلميذه الغزالي، ونقل الشاطبي كلام الأخير موافقا له كما وافقهم على ذلك علماء آخرون. وقد خالف في ذلك غيرهم مثل ابن حزم كما مرّ معنا، وابن تيميه كما سيأتي. ومما يوضح الخلاف في المسألة من قديم، ما ذكره التنبكتي في كتابه المطبوع بهامش (الديباج المذهب) في ترجمة الشاطبي صاحب (الاعتصام) ، إذ قال ص ٤٩: (وكان صاحب الترجمة ممن يرى جواز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم، لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، كما وقع للشيخ المالقي في كتاب الورع قال: توظيف الخراج على المسلمين من المصالح المرسلة ولاشك عندنا في جوازه وظهور مصلحته في بلاد الأندلس في زماننا الآن لكثرة الحاجة لما يأخذه العدو من المسلمين، سوى ما تحتاج إليه الناس، وضعف بيت المال الآن عنه، فهذا يقطع بجوازه الآن في الأندلس. وإنما النظر في القدر المحتاج إليه من ذلك، وذلك موكول إلى الإمام ... وكان خراج بناء السور في بعض مواضع الأندلس في زمانه موظفاً على أهل الموضع، فسئل عنه إمام الوقت في الفتيا بالأندلس الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب فأفتى أنه لا يجوز ولا يسوغ، وأفتى صاحب الترجمة بسوغه، مستنداً فيه إلى المصلحة المرسلة، معتمداً في ذلك إلى قيام المصلحة التي إن لم يقم بها الناس فيعطونها من عندهم ضاعت ... ووقع لابن الفراء في ذلك مع سلطان وقته وفقهائه كلام مشهور ... ) . وأما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قال (مختصر الفتاوى المصرية، ص ٤٥٥) : ( ... في أوائل الدولة السلجوقية أفتى طائفة من الحنفية والشافعية - إذا لم يكن في أموال بيت المال كفاية لرزق الجند الذين يحتاج إليهم في الجهاد - أن يوضع على المعاملات، وأنكر ذلك غير هؤلاء، وحكى أبو محمد بن حزم في كتاب الإجماع: إجماع العلماء على تحريم ذلك، وقد كان نور الدين محمود الشهيد بن زنكي قد أبطل جميع الوظائف المحدثة في الشام والجزيرة ومصر والحجاز، وكان أعرف الناس بالجهاد، وهو الذي أقام الإسلام بعد استيلاء الإفرنج والقرامطة على أكثر بلاد هـ) . وقال أيضاً في (الأموال المشتركة) (١) : (.. وأما من بعد الخلفاء الراشدين فلهم في تفاصيل قبض الأموال وصرفها طرق متنوعة: منها ما هو حق منصوص عليه موافق للكتاب والسنة، ومنها ما هو اجتهاد يسوغ بين العلماء إذا كان الإمام من أهل الاجتهاد وله علم، وقد يسقط الوجوب بأعذار ويباح المحظور بأسباب، وليس هذا موضع تفصيل ذلك، ومنها ما هو اجتهاد ولكن صدوره لعدوان من المجتهد أو تقصير منه شاب الرأي فيه الهوى، فاجتمعت فيه حسنة وسيئة، وهذا النوع كثير في الملوك وغيرهم جداً، ومنه ما هو معصية محضة لا شبهة فيه بترك واجب أو فعل محرم ... ولم أعلم أن في الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية وظفوا على الناس وظائف تؤخذ منهم غير الوظائف التي هي مشروعة في الأصل ... وكانت سير الملوك تختلف ... ومنهم من يقصد اتباع الشريعة وإسقاط ما يخالفها، كما فعل نور الدين لما أسقط الكلف السلطانية المخالفة للشريعة التي كانت تؤخذ بالشام ومصر والجزيرة، وكانت أموالا عظيمة جداً، وزاد الله البركات، وفتح البلاد، وقمع الأعداء بسبب ذلك، لما عدل وأحسن. ثم هذه الوظائف السلطانية التي ليس لها أصل في كتاب ولا سنة، ولا ذكرها أحد من أهل العلم المصنفين في الشريعة، ولا لها أصل في كتب الفقه من الحديث والرأي، هي حرام عند المسلمين، حتى عند من يأخذها، ويعرف حكم الله، وقد ذكر ابن حزم إجماع المسلمين على ذلك. ومع هذا، فبعض من وضع بعضها وضعه بتأويل واجتهاد علمي ديني، واتفق على ذلك أهل الفتوى والرأي من بعض علماء ذلك الوقت ووزرائه ... في نصف المائة الخامسة حدثت أمور منها بناء المدارس والخوانق ووقف الوقوف عليها، وصنف أبو المعالي الجويني كتاباً للنظام، ... سماه غياث الأمم ... وذكر فيه قاعدة في وضع الوظائف السلطانية عند الحاجة إليها للجهاد، فإن الجهاد بالنفوس والأموال واجب، بل هو من أعظم واجبات الدين، ولا يمكن حصول الجهاد إلا بالأموال التي تقام بها الجيوش، إذ أكثر الناس لو تركوا باختيارهم لما جاهدوا لا بأنفسهم ولا بأموالهم، وإن ترك. جمع الأموال وتحصيلها حتى يحدث فتق عظيم من عدو داخلي أو خارجي تفريط وتضييع، فالرأي أن تجمع الأموال، وترصد للحاجة، وطريق ذلك أن توظف وظائف راتبة لا يحصل بها ضرر، ويحصل بها المصلحة المطلوبة من إقامة الجهاد. والوظائف الراتبة لابد أن تكون على الأمور العادية، فتارة وظفوها على المعاوضات والأملاك، مثل أن يضعوا على البائع والمشتري في الدواب والحبوب والثمار وسائر الأطعمة والثياب مقداراً، إما على مقدار البيع وإما على مقدار الثمن، ويضعوا على الجعالات والإجارات، ويضعوا على العقارات من جنس الخراج الشرعي، فكان ما وضعوه تارة يشبه الزكاة المفروضة المشروعة، وتارة يشبه الخراج الشرعي، وتارة يشبه ما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحرب، وتارة يشبه المكس. ومنهم من يعتدي فيضع على أثمان الخمور ومهور البغايا ونحو ذلك، مما أصله محرم بإجماع المسلمين، ومنهم من يضع على أجور المغاني من الرجال والنساء ... حقيقة الأمر في ذلك أن هذا من القسم الثالث والرابع، فإن هذا إذا صدر باجتهاد فهو في الأصل مشوب بهوى ومقرون بتقصير أو عدوان، وإن التقصير أو العدوان صادر أيضاً من أكثر الرعية، فإن كثيرا منهم أو أكثرهم لو تركوا لما أدوا الواجبات التي عليهم من الزكوات الواجبة والنفقات الواجبة والجهاد الواجب بالأنفس والأموال، كما أنه صادر من كثير من الولاة أو أكثرهم، بما يقبضونه من الأموال بغير حق، ويصرفونه في غير مصرفه، ويتركون أيضاً ما يجب من الأمر والنهى، فجمع هذه الأموال وصرفها هي من مسائل الفتن ... ) . وقد أطلت النقل من (الأموال المشتركة) لأهمية الكلام، ولعدم توفر المصدر عند كثير من القراء فيما أظن. رابعاً: نقل الشيخ عثمان -حفظه الله -عن بعض العلماء تضعيف حديث فاطمة بنت قيس عن ابن ماجة، ولفظه: (ليس في المال حق سوى الزكاة) ، وسكت عن حديثها عند الترمذي بلفظ. (إن في المال حقاً سوى الزكاة) ، مع أن الإسناد واحد، وقد ضعفه العلماء للعلة ذاتها. وإنما اختلف العلماء في لفظ ابن ماجة: هل هو خطأ من بعض النساخ، أم هو هكذا؟ وانظر في ذلك: السنة للبيهقي (٤/٨٤) ، وتحفة الأشراف للمزي (١٢/ ٤٦٥) مع تعليق الحافظ في (النكت الظراف) (والأطراف بأوهام الأطراف) لولي الدين العراقي (ص ٢٣٠) ، وانظر كلامه أيضاً في (طرح التثريب) (٤/١١) ، (والتلخيص الحبير) لابن حجر (٢/٦٠) ، وحاشية تفسير الطبري لأحمد شاكر (٣/ ٣٤٤) ، وحاشية سنن ابن ماجة بتحقيق الأعظمي (١/ ٣٢٨) . خامساً: نقل الشيخ عثمان -حفظه الله - (ص ٤٩) عن الشيخ حسن البنا- ﵀ قوله: (ومن لطائف عمر رضى الله عنه أنه كان يفرض الضرائب الثقيلة على العنب، لأنها فاكهة الأغنياء في ذلك الوقت، والضريبة التي لا تذكر ... على التمر، لأنه طعام الفقراء، فكان أول من لاحظ هذا المعنى في الحكام والأمراء، ﵁ . وكيف يقبل مثل هذا في بحث علمي؟ ! فكان ينبغي معرفة سند الخبر وصحته قبل نقله. هذا ما تيسر التعقيب عليه، والموضوع بحاجة إلى بحث وتحرير، والله المستعان. وختاماً أسأل الله لي وللشيخ عثمان التوفيق والغفران، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ١- رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية، أخرجها الدكتور ضيف الله بن يحيى الزهراني، عام ١٤٠٦ هـ، اعتماداً على مخطوطة في مكتبة الأوقاف ببغداد، تحت رقم ١٣٧٥٤، لكثرة ما في طبعته من تصحيفات، فقد اعتمدت على صورة المخطوطة الملحق (بملاحظات على تحقيق كتاب الأموال المشتركة) لعبد العزيز ابن إبراهيم المرداس، نشر دار ابن القيم بالدمام (الأوراق: ٤ - ٦) .

стр. 324

فكر أضواء على مشاريع دراسة التراث والعقل العربي محمد بن حامد الأحمري بدأ غير المسلمين دراسة التراث الإسلامي منذ ما يزيد عن قرن ونصف وامتدت هذه الدراسات لتغطي مساحة واسعة في العلوم الإسلامية لا تدع شيئاً إلا كان لها فيه رأي. تلد الدراسة انطلقت من المنهج النقدي للفكر اليوناني وللكنيسة الأوربية. وتعاملت مع العلوم الإسلامية بالأسلوب نفسه. ونحن لا نطالب هؤلاء الدارسين بما يفوق طاقتهم وانغلاق ثقافتهم، والانغلاق المنهجي هو أبرز مقومات الفكر الغربي، إذ القاعدة عندهم أن فكر العالم وتاريخه هو تاريخ أوربا موسعاً وذلك ما تشهد به كل المدارس النقدية والمذهبية هناك، ولا يفسر هذا القول بأنهم جهلة بما عند غيرهم، هذا مالا نتحدث عنه هنا، إنما المراد أن كل علم أو ثقافة خضعت للأسلوب النقدي الأوربي المعد مسبقاً للأجواء الوثنية وعصور الظلام كما يسمونها سنضرب هنا مثالين سريعين لهذه القضية حتى يمكننا أن نتجاوز إلى ما نريد: ١- المستشرق فون كريمر عندما درس التاريخ الإسلامي كان يعيش فترة انتعاش القوميات الأوربية، ويشاهد القومية الألمانية في بنائها ومجابهتها للآخرين فتناول التاريخ الإسلامي، وفسره تفسيراً قومياً يناسب المسار الذي يعانيه الكاتب، وهكذا رأى أن دعوة الرسول ﷺ وقيام الدولة المسلمة إنما كان حاجة قومية عربية. ٢ -المثال الآخر الكاتب الفرنسى الماركسي مكسيم رودنسون وهو كاتب معاصر لم يزل يخبط ويخلط وتتبعه الإمعات في العالم الإسلامي يصدر كل يوم دراسة ماركسية للتاريخ الإسلامي، وهكذا تجد روح اليسار الفرنسي أو الأمريكي في دراسته العلوم الإسلامية. دراسة أحمد أمين: وعندما ندرس هذه الموجات في بلادنا الإسلامية تواجهنا دراسات حديثة للتراث الإسلامي كان أولها إنتاج أحمد أمين في مشروع واسع وجاد اهتم بالنواحي العقلية والثقافية لدى المسلمين، وهذا المشروع نشاً في أحضان المنهج الاستشراقي إذ اتفق ثلاثة من أساتذة كلية الآداب في القاهرة أحمد أمين وعبد الحميد العبادي وطه حسين على أن يقوم الأول بدراسة الحياة العقلية، وأن يدرس العبادي الحياة السياسية، وطه حسين الحياة الأدبية ومشروع أحمد أمين جزء من كتاب كبير يضم هذه الأقسام الثلاثة وقد قراً الثلاثة مشروع هذا العمل وأقروه. وأحمد أمين شيخ أزهري تمكن من علوم الشريعة واللغة العربية، ثم درس ودرّس في مدرسة القضاء الشرعي، واتصل بمديرها عاطف بك بركات، وكان صاحب تعليم أزهري وغربي في انجلترا، وأيضاً كان ملتزماً بتوجه عقلي صريح يقول أحمد أمين: (فقد كنت إلى هذا العهد أحكم العواطف لا العقل، لم ولا أسمح لنفسي بالجدل العقلي في مثل هذه الموضوعات فالدين فوق العقل، فإذا جاء فيه ما فوق العقل آمنا به، لأن علم الله فوق علمنا، والله أعلم بما يصلحنا ويغيرنا) (وعاطف بك بركات يأبى إلا تحكيم العقل والبحث عما لا نفهم حتى نفهم، وكان له غرام بالبحث وصبر على الجدل وكان من أثر هذا الجدل الديني أنى أعملت عقلي في تفاصيل الدين وجزئياته) ويقول في موضع آخر: (وقد أثر في أثراً كبيراً - يعني أستاذه عاطف - من ناحية تحكيم العقل في الدين) . هذه النظرة العقلية الغربية التي لم تكن محدودة عنده أفسدت عليه جوانب خطيرة في كتبه، إذ اضطر إلى مسايرة المعتزلة، وإلى الطعن في الحديث وكذا أفسد عليه تقديسه لمناهج المستشرقين وقد صرح بحبها واحترامها واستفادته منهج البحث منها، ولا يعيبه هنا أن استعار منهج البحث ولكن الذي حدث له هو نقل الأفكار والنظريات والبحث لها عن شواهد فيما يدرسه. ومن الغريب أنه وهو يدرس هذه القضايا يقول في فجر الإسلام: (مسلكنا في سائر ما يروى من الحوادث التاريخية وما يروى من أحاديث أن نمتحنها من ناحيتين: من ناحية السند، ومن ناحية المتن) وفى التطبيق يساوي بين ما يلي: كتب الحديث، وكتاب التسلية والكذب الواسع (الأغاني) وكتب المستشرقين حتى لا تكاد تخلص من (نولدكه) و (براون) و (دي ساسي) وغيرهم. خلاصة ما وقع لأحمد أمين التورط ما بين العقلانية الحديثة والاعتزال والمستشرقين وعدم التمييز في المصادر، وعلى الرغم من كل هذه العيوب فعمله لم يكن مسبوقاً بشيء يفيد منه ويجنبه تلك العيوب وهو خير من كثير ممن جاءوا بعده ودرسوا القضايا نفسها، ولا يفارقك الإحساس بوجود روحه الإسلامية وثقافته الشرعية فيما كتب مما يدعو للتعاطف والتقدير ولعله أحسن النية ولكنه كان ضحية لموجة التحديث والعقلنة وبداية المشاريع العلمانية التي لم يدرك أبعادها. أما المشاريع الأخرى في دراسة التراث فمن أهمها الدراسة الشيوعية والتي يعد أبرز أفرادها د. حسين مروة في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، والدكتور طيب تزيني، وقريباً من هذا مشروع محمد عابد الجابري في كتبه (تكوين العقل العربي) و (بنية العقل العربي) و (نحن والتراث) والذي لا يساير المنهج الماركسي تماماً في تقليديته ولكن يستفيد من اليسار الفرنسي ويراوغ مع عدم وضوح في مدرسته الفكرية وهو في النهاية تلميذ وفّي ومقلد لـ (ميشيل فوكوه) من رواد الفلسفة البنيوية الكبار. المدرسة الماركسية: المدرسة الماركسية في دراسة التراث هي أكثر إنتاجاً وأكثر تقليدية وجفافاً، كما إنها لا تقدم شيئاً يستحق الاهتمام أو الجدة، لم؟ لأن الماركسيين في العالم يعتقدون أن فلاسفتهم الأوائل قد قاموا بعملية التفكير والتقرير، وفرغوا منها فما على هؤلاء سوى البحث عن الشواهد والتطبيق، وكان أول روادهم بندلي جوزي في كتابه (من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام) والذي يشيد فيه بالإسماعيلية ومحافظتهم على مطلبهم الأكبر المثالي ومذهبهم الاشتراكي، ويتباكى جوزي على فقدان التعاليم الاشتراكية للقرامطة وعلى نسيانهم لها. ويدأب هؤلاء على الرفع من شأن المنحرفين والمنحلين والساقين بل والذين خانوا بلادهم وقومهم، فبندلي جوزي يمجد بابك الخرمي ويشيد باشتراكيته في الوقت الذي يذكر في معاهداته مع امبراطور الروم ضد المسلمين، ويتمنى لو قامت الدولة الشيوعية لبابك على أنقاض دولة المعتصم العباسي، ويصف هذا المضبوع أفكار بابك وطموحاته أنه لو نجح لأقام (دولة جديدة أساسها العدل والإخاء والمساواة) ، هكذا أي عدو للإسلام سيكون عندهم خيراً وأولى حتى لو دمر دمار الزنج وثورتهم. وثورة الزنج في رأي هؤلاء من أعظم الثورات في العالم: ثورة العمال والبروليتاريا، الثورة التي يشيب لهولها الولدان لما فعل الزنج من قتل لكل الناس للعلماء والأطفال والنساء واستباحة البصرة واستعباد أهلها هي عند أصحاب هذه الدراسات الماركسية قمة التقدمية والاشتراكية. اليسار الإسلامي: أما أعمال د. حسن حنفي وما يسمى باليسار الإسلامي فقد لخص في مقدمته لكتاب الحكومة الإسلامية نزعته الثورية على ما فيها من سخرية ونقد لمذهب أهل السنة، وهو في حماسته لقضايا المنهج الثوري ينسى مواقع الاتفاق والاختلاف مع هذه الفرق. وفى كتابه التراث والتجديد الذي يرى أنه أشبه بمقدمة ابن خلدون بالنسبة لكتابه تاريخ العرب والبربر ولكنه هذه المرة عن النهضة وليس عن الانهيار. نظرات الرجل النقدية وسخريته من الواقع والتراث تصل إلى حد غير مؤدب في كثير مما يتناول بالبحث وهو يرى نفسه ثائرا إسلاميا ولكن من منطلقات يدرك هو تماما أنها غير إسلامية، وإلا فما جدوى الاحتقار لما لدى المسلمين، وهل الاحتقار هو الحل؟ ومن يراجع بعض ما كتب يجد المنطلقات الطبقية فيما يكتب، وثوريته تجعله لا يتأدب أحياناً حتى مع لفظ الجلالة، كما أن الجوانب الإيمانية والروحية لا تكاد توجد في هذه المعالجة غير الإسلامية وبخاصة أن حنفي فيما يصرح ويكتب يرى أنه يحمل الحل الوحيد النادر! ولو تأمل بضاعته لعلم أنها غريبة كل الغرابة عن روح هذه الأمة.

стр. 325

الزيارة بين النساء على ضوء الكتاب والسنة -٢- خولة درويش استئذان الزوج في الخروج: إن الإسلام يأمر بالنظام في كل الحالات، في العادات والمعاملات، في السفر والحضر، فإذا خرج ثلاثة في سفر دعا إلى تأمير أحدهم، لذلك وتنظيماً للمجتمع فقد جعل قوامة الأسرة للرجل، فهو أقدر على القيام بهذا الاختصاص من المرأة، إذ جعل مجالها الطبيعي يتناسب مع فطرتها النفسية وتكوينها الجسمي، وهو إمداد المجتمع المسلم بالأجيال المؤمنة المهيأة لحمل رسالة هذا الدين. ولا أحد ينكر فضل الاختصاص من حيث قلة الجهد، وجودة المردود، سواء في النواحي المادية أو الإنسانية، هذه الرئاسة والقوامة تقتضي وجوب طاعة المرأة لزوجها، وقد جاء في الفتاوى لابن تيمية: (والمرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها أوجب، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال:) الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسك ومالك (. وفى الترمذي عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) أيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة (وقال الترمذي حديث حسن. وقد ورد أيضاً في المسند وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان عن ابن أبى أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي ﷺ ، فقال: ما هذا يا معاذ؛ قال: أتيت الشام فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ :) لا تفعلوا ذلك، فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. والذي نفسي محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهى على قتب لم تمنعه (. وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها، ونهاها أبواها عن طاعته في ذلك فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها. وإذا نهاها الزوج عما أمر الله أو أمرها بما نهى الله عنه لم يكن لها أن تطيعه في ذلك، فإن النبي ﷺ قال:) لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ( [١] . هذا، وطاعة الزوج ليست تسلطاً منه، ولا امتهاناً للمرأة، وانتقاصاً لشخصيتها، إنما هي من طاعة الله والقربات إليه التي تثاب عليها ويجب أن تعتز بها ... وهذا ما يميز المسلمة الواقفة عند حدود الله عن العابثة المتسيبة، التي لا أب يردها ولا زوج يمنعها، تخرج من البيت متى تشاء وحيث تشاء، فتزرع هذا الشر لتحصد الندامة فيما بعد بمشاكل لا تنتهي، واتهامات كثيرة، وواقع مرير، ونتائج وخيمة، ولا ينجي من ذلك إلا العودة إلى تحكيم شرع الله: [وَلَهُنَّ مِثْلُ الذِي عَلَيْهِنَّ بالْمَعْرُفِ ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ] [البقرة: ٢٢٨] ، وهذه الدرجة هي قوامة الأسرة. (ولا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، سواء كان ذلك لكونها مرضعاً أو لكونها قابلة أو غير ذلك من الصناعات، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله ومستحقة للعقوبة) [٢] . وهكذا فخروجها للعمل بغير إذن زوجها نشوز عن طاعة زوجها وعصيان لله ولرسوله فكيف إذا خرجت للتزاور أياً كان السبب؟ ! ! ولو كان ذلك لزيارة والديها المريضين. (للزوج منعها من الخروج من منزلها إلى مالها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها، أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما. قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها، إلا أن يأذن لها) [٣] . وحتى الخروج للعبادة تحتاج معه إلى إذنه) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد للعبادة فأذنوا لهن (. وعن ابن حبان من حديث زيد بن خالد:) لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (قال القسطلاني: أي إذا أمنت المفسدة منهن وعليهن، وذلك هو الأغلب في ذلك الزمان، بخلاف زماننا هذا الكثير الفساد والمفسدين وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر بلفظ:) لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن (، وحديث عائشة رضى الله عنها في منع النساء علقته على شرط لو رأى رسول الله ما أحدثته النساء. وفى رواية عند البخاري عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً:) إذا استأذنت امرأة أحدكم - أي أن تخرج إلى المسجد أو ما في معناه كشهود العيد وعيادة المريض - فلا يمنعها (. قال القسطلاني. وليس في الحديث التقييد بالمسجد، إنما هو مطلق يشمل مواضع العبادة وغيرها. ومقتضى الحديث: أن جواز خروج المرأة يحتاج إلى إذن الزوج) [٤] . أما قول القائل: إنهن لا يخرجن من بيوتهن مطلقا لقوله تعالى: [وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ] فليس بحجة له بدليل قوله تعالى بعدها: [ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] والمقصود به عند خروجهن. (ومعنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى هذا لو لم يرد دليل يخصص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة) [٥] . (وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقاً، وإنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن وهو المقر وما عداه استثناء طارئاً لا يثقلن فيه ولا يستقررن وإنما هي الحاجة وتقضى وبقدرها) [٦] . وقد عرف عن أمهات المؤمنين والصحابيات أنهن كن يخرجن في حوائجهن وللمشاركة في الغزو. (فكان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى) [٧] . وفيه خروج للنساء في الغزو والانتفاع بهن في السقي والمداواة لمحارمهن وأزواجهن وغيرهم مما لا يكون فيه مس بشرة إلا موضع الحاجة. وهذه أم عمارة تحدثنا حديثها يوم أحد: (خرجت أول النهار ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والريح والدولة للمسلمين، فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله ﷺ فجعلت أباشر القتال وأذب عن رسول الله ﷺ بالسيف وأرمى بالقوس حتى خلصت إليّ الجراحة. وعن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما التفت يوم أحد يميناً ولا شمالاً إلا ورأيتها تقاتل دوني) [٨] . وتستأذنه ﷺ أم سنان الأسلمية في الخروج إلى خيبر للسقيا ومداواة الجرحى فقال لها ﵊: «فإن لك صواحب قد أذنت لهن من قومك ومن غيرهم فكوني مع أم سلمة» [٩] . وفي خيبر أيضاً عن امرأة من بني غفار قالت: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال:) على بركة الله (فخرجنا معه) [١٠] . (حتى المقعدة فلها الخروج في حوائجها نهاراً، سواء كانت مطلقة، أو متوفى عنها، لما روى جابر قال: طُلقتْ خالتي ثلاثاً فخرجت تجذ نخلها فلقيها رجل فنهاها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال:) اخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه أو تفعلي خيرا (. وروى مجاهد قال:) استشهد رجال يوم أحد فجاءت نساؤهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن. يا رسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله ﷺ : تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها ( [١١] . ويدخل الرسول ﷺ على عائشة رضى الله عنها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال:) مه، عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا، فكان أحب الدين إليه مادام عليه صاحبه ( [١٢] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان. كما طلب من الشفاء - وهى من المهاجرات الأول وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن - قال لها ﷺ : «علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة» [١٣] . وكيف يكون تعليمها إلا بلقائها معها وخروجها إليها. فهذه كلها حالات تخرج فيها المرأة بمعرفة الرسول ﷺ وإقراره بخروجها أو أمره وإذنه الصريح به، فلو كان المقصود بالقرار في البيت عدم الخروج المطلق لنهى عن الخروج ولما أذن به. ثم إن الحبس الدائم للمرأة في البيت ما هو إلا عقوبة شرعية - كان قبل أن يشرع حد الزنا فنسخت هذه العقوبة بالحد الشرعي - أقول كان الحبس في البيوت للمرأة التي تأتي الفاحشة وذلك لقوله تعالى: [واللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً] [النساء: ١٥] . أما المرأة العفيفة الملتزمة بأحكام دينها، والتي تراقب الله تعالى في حركاتها وسكناتها فهي تقدر شرف مهمتها وعظم مسئوليتها: إنها إن قرت في بيتها فهي في عمل واعٍ يقظ، لا فراغ اللاهيات ولا تفاهة العابثات من ربات الفيديو والأزياء والسينما ... إنها تعد لأمتها الإسلامية أبطالها الذين يستعيدون مجدها فتربيهم على الاعتزاز بقيم الإسلام ليفدوه بأنفسهم إن واجههم الخصوم، ويعملون وسعهم لإعلاء كلمة الله. وإن أرادت الخروج من بيتها فلن يكون ذلك إلا إن كانت المصلحة الشرعية في الخروج راجحة عنها في البقاء. وإن خرجت: فبالحدود المشروعة وبالطريقة المشروعة، تستأذن الزوج المسلم ولا تخرج بغير إذنه، وإلا اعتبرت عاصية لمله ولرسوله، وبالمقابل فزوجها المسلم يرعى الله فيما ائتمنه، فيحرص على أن يبعدها عن الشبهات ومواطن الزلل. ويأخذ بيدها إلى كل خير، ليشاركها أجرها سواء كان زيارة أقاربها وصلتهم أو بر والديها، أو صلة أخواتها في الله، أو العلم المشروع. ثم إن الأصل أن ينبني البيت المسلم على المودة والرحمة، لا الغلظة والتسلط. فالزوج والزوجة كلاهما يحكم الشرع ويزن الأمور بمقياسه، فلا يتعسف الرجل في استعمال حقه الذي منحه الله إياه ويحفظ وصية الرسول ﷺ بالمرأة:) استوصوا بالنساء خيراً (وبالمقابل لا يجمح الهوى بالمرأة ولا تستكبر عن طاعة زوجها فتكون في عداد الناشزات. أما عند عدم الزوج لوفاته، أو لعدم زواج المرأة. فتستأذن أبويها وهذا من برهما وحسن صحبتهما فهما أحرص الناس على حسن سمعتها وجلب الخير لها.

стр. 326

أدب وتاريخ دفاع عن اللغة العربية منصور الأحمد (يعلم كل من له إلمام بأسرار العربية أن الأسلوب المصطلح عليه في ترتيب معاجمها لا يناسب حتى ولا الكثيرين ممن نالوا قسطاً وافراً من الإحاطة بقواعد الصرف وأحكامه، ليتمكن من رد الكلمة إلى أصلها المجرد، توصلاً إلى الاهتداء إلى مكانها من القاموس، على أن الاشتقاق وما يلحق أبنية الكلم من عوارض الإدغام والإدغام الإعلال، وغير ذلك لمن أشد الأمور تعقيداً في اللغة العربية) [١] . هذه (الكلمة) التي قدمناها تصلح نموذجاً لدعاوى كثيرة، تصدر عن أناس متعددي المشارب، مختلفي النوايا، لكن يجمعهم هدف واحد، هو تزهيد الناس بالعربية، وتنفيرهم منها، ويتذرعون إلى ذلك بما يشبه الحجج، ويلبس ثوب الدليل، ولكن إذا تفحصته لم تجده من الحجج ومن الأدلة في شيء. وسوف نناقش الدعوى المتقدمة، ليتبين لنا ما تنطوي عليه: هل هو من المسلمات الثابتة، أم أنه ذريعة إلى أمر آخر هو الصد عن تعلم هذه اللغة ببث الكراهية لها في النفوس، والتنفير عنها بكل وسيلة؟ ! فيما يتصل بالقضية الأولى، هل صحيح الادعاء أن البحث في المعاجم العربية صعب إلى هذه الدرجة - حتى على الكثير ممن نالوا قسطا وافرا من الإحاطة بقواعد الصرف وأحكامه؟ - وهل هناك (معاناة حقيقية) يعاني منها المدرسون والطلبة في هذا المجال؟ إن الأمر انتهى بطرق ترتيب المعاجم إلى طريقتين رئيسيتين: أولاهما: طريقة الصحاح، والقاموس المحيط، ولسان العرب، وهى الطريقة المعروفة بطريقة (الباب والفصل) والتي رتبت فيها الكلمات في باب الحرف الأخير من جذورها، ثم رتبت ترتيبا هجائيا داخل الباب بعد ذلك، ف (بدأ) و (نشأ) توجدان في باب الهمزة، الأولى في فصل الباء، والثانية في فصل النون. الثانية: الطريقة الهجائية المألوفة الآن في كافة معاجم اللغات الأخرى، وهى أيضاً معروفة في بعض المعاجم العربية غير الحديثة: كأساس البلاغة، والمصباح المنير، وهى: وضع الكلمة في باب الحرف الأول من جذورها، مع مراعاة الترتيب الهجائي أيضاً في الحرف الثاني والثالث وهكذا. فالكلمتان السابقتان (بدأ) و (نشأ) توجد الأولى في باب الباء، والثانية في باب النون. ومع هذا فقد صدرت طبعات للقاموس وللسان، رتبت المواد فيها هذا الترتيب الأخير، وهناك أخذ ورد في فائدة ذلك، ولعل ترتيبها بهذه الصورة جاء خروجاً من كثير من التقولات التي تقال عن صعوبة الطريقة السابقة. وهذه الصعوبة المزعومة في ترتيب المعاجم العربية لا تعدو ما يماثلها من الصعوبات التي يواجهها الباحث في معاجم اللغات الأخرى. ولدى التجربة ظهر أن طريقة البحث في هذه المعاجم المتهجم عليها بالحق والباطل سهلة حتى على من لم (ينل قسطا وافرا من الإحاطة بقواعد الصرف وأحكامه) ! ولو صرف أي طالب متوسط ساعة من وقته (بجد وحرص) لتعلم أساس طريقة البحث والتدرب عليها لكان ذلك كافيا. (وهذا الأمر لا علاقة له بما هو كائن الآن من وجود كثير من الخريجين، ممن لا يرهقون أنفسهم للتفرغ لهذا الأمر ولو ساعة من زمن، ثم يستغربون - ويستغرب الناس منهم - حيرتهم أمام النظر في معجم من معاجم العربية، وبدل إلقاء اللوم على كسلهم وتفريطهم يلقونه على هذه المعاجم الصعبة المرتقى، المعقدة التركيب! فهذه النتيجة المؤسفة مركبة من عدة مقدمات أفضت إليها، وتحتاج إلى معالجة على حدة) . إن كان شأن المعاجم العربية ليس بالتعقيد الذي انتهت الكلمة السابقة إليه؛ وأن كثيرا مما يشاع حولها هو تضخم وتهويل؛ إذاً، فما الأثر الذي تبقيه هذه الكلمة ومثيلاتها في نفوس أكثر قرائها؟ إنه أثر غير محمود النتيجة، فهو تزهيد وتثبيط، تزهيد لأبناء العربية بلغتهم؛ وتثبيط للهمم حتى تقعد عن التعرض لتعلم ما ينفع في بناء الشخصية، والارتفاع بها. والأفكار أوعية مفتوحة إذا أنفت أن تمتلئ بشيء ينبذه المجتمع، وتُنْشَر سموم الدعاية ضده؛ فلا بد من أن تفتش عن بديل تملأ به الفراغ، وتتطلع إلى محلٍ تُحِلُّه المنطقة المهيأة المفرّغة، وليس المحتل هنا غير اللهجات العامية، أو اللغات الأجنبية وما يلحقها من تمكن وغلبة لما تمثله من عقائد، وما تجلبه من أفكار. أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادفَ قلباً خالياً، فَتمَكَّنا! والآن فلننظر في بناء هذه الكلمة ذاته لنرى نصيبها من الصواب أو الحقيقة. ١- (ليعلم كل من له إلمام بأسرار العربية) عبارة يبدو ظاهرها لا غبار عليه، ولكن أعد قراءتها كلمة كلمة لتعلم أن منطوقها يخالف ما يريد صاحبها، فهو يريد أن يثبت بدهية وهي أن كل دارس للعربية يعلم ما سيشير إليه، ولكن الأسرار لا تلم بها إلماماً، بل تُسْتبْطَنُ استبطاناً، وتعالج علاجاً مضنياً حتى تكتشف، وعلى هذا فإن العارفين بأسرار العربية ليسوا مجمعين على ما سينتهي إليه صاحب الدعوى، وهذا نقض للتعميم الفضفاض: يعلم كل من له إلمام ... ٢- ( ... أن الأسلوب المصطلح عليه في ترتيب معاجمها ... ) وهذا أيضاً تعميم يضيف إلى برودته جهلاً غليظاً، فالمعاجم العربية ليس لها أسلوب واحد في ترتيبها، بل لها طرق متعددة، وأساليب متنوعة. فأي أسلوب منها يعني؟ ! ٣- ( ... لا يناسب حتى ولا الكثيرين ممن نالوا قسطاً وافراً من قواعد الصرف وأحكامه ... ) . لو أنه قال مثلاً: لا يناسب من لم ينل قسطاً وافراً من قواعد الصرف وأحكامه؛ لكان في الجملة الروح، ولكن جنوحه إلى تضخيم ما لا يحتاج إلى تضخيم أبى عليه إلا أن يطلقها هكذا مرة واحدة أن هذه المعاجم ليس فيها خير ألبته، لا للمبتدئين فقط بل للعلماء أيضاً وهي ليس إلا ركاماً يكد الأذهان ويضيع الأعمار! (وقِفْ عند هذه الكلمات قسطاً - وافرا - الإحاطة -فهي كافية أن تلقى في نفسك الرعب، وتبعث الرهبة من مكامنها) ! ٤ - ثم اقرأ معي تتمة الكلمة على مهل، ألا توحي إليك - وقد فرغت منها - بوصف مهمة اكتشاف القارة القطبية، كُلِفَ بها شخص غير مُدَرَّب، ولا فائدة من تدريبه، وليس هذا فحسب، بل هو - أيضاً - مجرد من أسباب مقاومة الصقيع، على علة مستكنة في جسمه؟ ! كأنه يقول لمن يهم بتعلم شيء من هذه اللغة: مالك ولهذا العناء المعنّى، ولماذا تضيع الوقت فيما لا طائل تحته، ولا ثمرة له، مالك ولمعاجم العربية ونحوها وصرفها، لماذا تفر من السهل الميسر، إلى الحرج والتعقيد؟ ! وهكذا تبنى جدران سميكة من الوهم والتضليل بين هذه اللغة وبين أبنائها. وسرّح النظر في واقعنا الثقافي مشرقاً ومغرباً، وردده فيه صعوداً ونزولاً ترى أن مثل هذا التقبيح القولي لكل ما يتعلق بلغتنا العربية، والحط من شأنها قد انضاف إليه - واأسفاه - تقبيح عملي مجسم ومصور، والحال ناطقة به ى وشاهدة عليه، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال. ووالله، إن السكوت على هجران هذه اللغة، وعدم الغضب لها حين تُرمى بالنقائص، وتُتَقَصَّدُ بالحيف ليعادل انتهاك الحرمات، وضياع المقدسات، إن لم يكن أكبر.

стр. 327

أدب وتاريخ رؤية إسلامية في المجيز والمجاز [ ١] د. مصطفى السيد يتحتم علينا - بسبب من انتمائنا الإسلامي، وهويتنا الإيمانية - أن نستحضر قيم الإسلام ومقوماته في قراءة أي عمل أدبي، بل في شؤون الحياة كلها وشجونها جميعها (لأن الإسلام يتغلغل في حياة أفراده فإن مسألة التزامه في الأدب يجب أن تكون محل تقدير) كما يقول أحد النقاد [٢] . وإبراز هذه الهوية ليس بدعاً، أو على الأقل ينبغي ألا يكون كذلك في دوائر أنصار الأدب الحديث ومحاربيه، فهذا شيخ التحديث، وملهم الشعر العربي الحديث رؤيته وشكله وتشكيله - ت. س. إليوت - يعلن صراحة أنه (أنكلو كاثوليكي في الدين وكلاسيكي في الأدب، وملكي في السياسة) [٣] ولو تجرأ مثقف ورفع عقيدته بمثل هذه المقولة عن معتقداته الإسلامية والأدبية والسياسية أمام دعاة الأدب التقدمي لانهالت عليه النقود المتهكمة من كل وجه. وهذا يوسف الخال النصراني ديانةً، السوري بلداً، اللبناني مهجراً، والذي يعد قنطرة مهمة بين إليوت، وحوارييه في العالم العربي، كان يركز على بعث المفرد التوراتي والإنجيلي، واستثمار نصوصهما في التعبير الرمزي. والدكتور عبد الواحد لؤلؤة يخبرنا أن (الكتاب المقدس كان العمود الفقري للآداب الأوربية في شتى عصورها) [٤] . وحضور الإسلام حَكَمَاً لا يعني استبعاد الفائدة من إبداعات الآخرين وتجاربهم الوجدانية الناضجة في كل مجال، فالشيطان بما يتمتع به من مكانة سيئة، وحضور بغيض قد يقول الصدق ويتلفظ بالحق كما قال الرسول ﷺ لأبى هريرة عن الشيطان: (صدقك وهو كذوب) [٥] . وعمالقة الأدب الحديث الذين يتوجس أكثرهم خيفة من الإسلام، هل وجدوا في الأنظمة (التقدمية) الأمان على أنفسهم والضمان لفكرهم؟ أم كانت النظرة الغربية المحضة للإسلام، والتجربة الإسلامية المشوهة في كثير من الأمكنة؛ كانتا وراء توجسهم وبالتالي وراء اختيارهم لنماذج لا تحسب على الإسلام إلا اعتسافاً وقسراً كما فعل صلاح عبد الصبور، عندما اختار الحلاج ليعرض من خلاله مأساة الثقافة والمثقفين وحرية الكلمة، وكيف دفع الحسين بن منصور الحلاج رأسه ثمنا لفكره [٦] وللكلمة التي آمن بها مُدينا (عبد الصبور) العلماء والقضاة الذين ساهموا ويساهمون في اغتيال (نبتة الحرية وشجرة العبقرية المتمثلة بالحلاج وبالحلاليج المعاصرين. والمطّلع العادي غير المتخصص على العصر العباسي يجد أن هموم الثقافة وشجون الواقع والمستقبل وهمومه والعلاقة الأبية مع السلطة كان يمثلها الإمام أحمد- ﵀ الذي لم يحل سجنه وجلده بينه وبين كلمة الحق، بل إن الموت نفسه كان احتمالا قائما وقريبا. إن تلك الوقفة العالية في سماء التاريخ التي وقفها الإمام أحمد - لا قتل الحلاج -هي التي كشفت للدولة العباسية عزلتها على الصعيد العلمي والشعبي. فلقد روى الذهبي أن عالما ممن كان له في العطاء سهم، خيرته الدولة بين أن يناقض الإمام أحمد ويحتفظ بعطائه أو يستمر في تأييده لموقف الإمام أحمد فيخسر عطاءه، فاختار الثانية، فعلمت العامة التي لم تكد تفهم الموضوع الذي كان محل خلاف، فعاد الرجل إلى بيته الذي يضم بين جدرانه ثلاثين نفسا يعولهم هذا العالم فاستقبلوه بالتلوم فرد عليهم: إن الله لن يضيعنا، فلم تغب الشمس إلا وصاحب حانوت يقرع باب هذا العالم ثم يبادره قائلاً: ثبّتك الله كما ثبتَّ الإسلام! ! كم كان يعطيك هؤلاء؟ يقصد عطاءه من الدولة، فقال: كذا، فقال صاحبة الحانوت: خذ هذا المبلغ المساوي له ولك مثله كل شهر. هل كان عبد الصبور مهتما بالحلاج لما يمثله من رمز ثقافي رافض؛ إذا كان كذلك فالإمام أحمد أولى بذلك، ولكن رُفِضَ رَفْضُ الإمام أحمد لأنه كان ملتزما بحدود النص الإسلامي في أدب العلاقة مع السلطة التي هي رمز الأمة، فقد كانت سياط المعتصم تلهب ظهره وهو يقول له يا أمير المؤمنين! ! ! لماذا؟ لأن الخلاف مع السلطة لا يعني إسقاطها، ولأن الإمام أحمد كان على وعى تام بالنتائج الخطيرة للحركات التي أرادت إسقاط السلطة ابتداء بحركات الخوارج والشيعة وانتهاء بحركة الفقهاء-مع ابن الأشعث - كان مزيداً من الضحايا وتعميقاً للخلافات وإجهاضاً للطاقات العامة ومنبعاً لأحزاب جديدة. أم لعل سر اهتمام صلاح بالحلاج لصوفيته التي ينظر إليها كحركة احتجاج داخلية تغطي أسئلتها وتساؤلاتها بالرمز، ولربما كان الترميز المعاصر والغموض والإبهام في الشعر والقصة موصولاً بالرمز الصوفي شكلا ومضمونا، ولعل ذلك يكشف سر الاهتمام بالشعر الصوفي من قبل المدرسة الحديثة في الأدب. ولئن كان فوز نجيب محفوظ (ممثل الرمزية [٧] في الجناح الآخر للأدب) بجائزة نوبل موضوع هذا المقال فإني أقول ابتداءً. إن الرجل بكل المقاييس الفنية قد بات شيخ الرواية العربية كماً وكيفاً، وهذه حقيقة أكبر من أن يماري فيها جَدِلٌ أو متعنِّت. فقد توصل إلى إبداع نماذجه الخاصة، وهذا إنجاز ضخم في عالم القصة والمقصود بالنماذج بعض شخصيات رواياته (الذين هم في حقيقتهم مجرد أفراد حين نرجع إلى سيرهم، ولكن البشرية حين تأملت ذاتها فيهم، رفعتهم من مستوى الفردية إلى مستوى النموذج) [٨] ومثل ذلك من القرآن - فرعون - وقارون وأيوب ﵇. فالأول لأش اسم شخص بعينه ورمز ونموذج لكل طغيان سياسي، والثاني رمز لكل طغيان مادي [٩] ، والثالث نموذج للصبر والمصابرة. ولكن نماذج محفوظ كانت محدودة مكاناً ومكانة وموقعاً سياسياً، أما المكان فهو حي (الجمالية) الشعبي بالقاهرة الذي ظل محفوظ مسكوناً بأجوائه نفسياً وتاريخياً معلناً أن (هذا الحي هو مصر) [١٠] وهو عندما ينتقل منه ينتقل جسداً وتبقى (الجمالية) مضموناً أو ينتقل إلى معادل له (كزقاق المدق) الذي هو أيضاً رمز لمصر كلها) [١١] . ولنا أن نتساءل كيف تختزل مدينة كالقاهرة، أو كيف تختصر أمة كمصر وتتوحد خصائصها بحي (الجمالية) أو (زقاق المدق) ؟ . مصر بتراثها وثرائها الفكري وعطائها المتدفق في كل العصور والدهور تضؤل لتتمثل في حي شعبي يقول محفوظ عن خصائص الطبقات الشعبية فيه (يلعب الجنس في حياتها أدوارا رهيبة في سقوط الكثيرين وفي سلوكهم، وحيث أكثر الناس يتمسكون بالشعارات الدينية، وحيث كثير من الانتهازيين الذين يستطيعون ببساطة اللعب بالعقول الغبية) [١٢] . لِمَ هذا الجمع بين المتمسكين بالشعارات الدينية وبين الجنس ذي الأدوار الرهيبة في السقوط؟ لم الزج باسم الدين في هذا التشكيل المتنافر؟ أما المكانة فهل هذه النماذج المنحرفة هي المثل الاجتماعي الوحيد الموجود في هذا الحي؟ وهل تقلص الخير إلى الحد الذي يخيل فيه القارئ (نجيب) تفرد النموذج الساقط وانفراده واستئثاره بالساحة؟ وهل مسؤولية الكاتب فقط تشريح النموذج وتقبيحه حتى تتحدد مواقف القراء من هذه الحشرات البشرية؟ إن ذلك إنجاز مهم ولا شك، ولكنه ليس كافياً، فالقرآن ذكر خيانة امرأتي نوح ولوط ثم أعقبهما مباشرة بنموذج مضيء - امرأة فرعون - ولعله سلك هذا المسلك (والله أعلم) حتى لا تفتقد المرأة صورتها الطيبة بسبب هاتين المرأتين المترديتين بما أغضب الله ورسوليه، وربما كان في استقدام نموذج امرأة فرعون من بيئة تجاوزت في فسادها حي (الجمالية) -كانت امرأة فرعون تحت رجل يقول (أنا ربكم الأعلى) - ربما كان في ذلك إشارة واضحة إلى أن الزهور قد تتفتح في أسوأ الأمكنة مناخاً وبيئةً. ولما كان فرعون يتهدد ويتوعد ويطلب ألا يحال بينه وبين موسى [ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى] [غافر: ٢٦] ، وكان الجمهور غارقاً في التصفيق رغبة أو رهبة لهذا البهلوان، كان القرآن يسمعنا صوت احتجاج متعقل يجبه هذا الطوفان بقوة هادئة أو بهدوء قوي! وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: [وقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ] [غافر:٢٨-٣٤] ... ألم يكن في (حي الجمالية) رجل رشيد؛ أم أن الكاتب لم يشأ أن يوجد هذا الرجل؟ في رواية (السكرية) يقول محفوظ على لسان سوسن حمّاد: (المقالة صريحة ومباشرة، ولذلك فهي خطيرة، أما القصة فذات حيل لا حصر لها، إنها فن ماكر) [١٣] . يقول الأستاذ إبراهيم عامر في عدد الهلال الخاص عن نجيب محفوظ ١٩٧٠ معلقاً على ذلك: (هذه العبارة تبدو لي وكأنها الدستور الذي التزم به نجيب محفوظ منذ بدأ يكتب) . هل تخفّى (نجيب) من خلال قصصه بأبطاله أو من وراء أبطاله ليعرض شكوكه أو أزمته الإيمانية، لا أزمة هؤلاء الأبطال؟ إن أبطال القص ليسوا إلا وجوها مختلفة للكاتب، وبينهم وبينه مشاعر متبادلة، وتطورهم أو انحدارهم في عالم الفن القصصي ذو صلة قوية بوجودهم في عالم الواقع أحيانا كثيرة؛ كان نجيب محفوظ يكتب في (المجلة الجديدة) ١٩٣٤-١٩٣٨ التي كان يصدرها سلامة موسى مقالة عن (الله) وصفت بأنها جريئة عدد يناير ١٩٣٦ ثم يقول في عدد مارس ١٩٣٦ بعد عرضه (لفكرة الله في الفلسفة) : (والآن فلنسأل أنفسنا هذا السؤال: ما الذي تتركه في النفس جميع هذه الآراء من الأثر؟ إن البراهين العقلية تمهيد حسن، ولفت قيّم، ولكنها لا تبلغ بالإنسان درجة الاعتقاد الحقيقي... وإني أجد نفسي بعد الاطلاع عليها حيث كانت من القلق والاضطراب) [١٤] . ويقول أحد كبار النقاد: (تحضرني لنجيب محفوظ هنا مجموعته القصصية (دنيا الله) وفيها شجب أسلوبه التقليدي في القص، وتخطى حدود المظهر من الوجود إلى مطلق الوجود، ولقد اصطنع العبث أو اللامعقول أحيانا ولجاً إلى الرمز في أثناء مناقشته لقضيتي الحياة والإيمان، ونلحظ بسهولة أنه وهو يطلب منا أن نتجاهل الموت لعشوائيته [١٥] ينادي بعفوية العقيدة، ولكنه يلح على الإحساس بالغربة والضياع. أتراه فقد الإيمان؟ لماذا يبدو وكأنه يرفض السعادة ويأبى أن يرسم طريق النجاة؟ . (نستطيع أن نقول إن نجيب محفوظ الذي سلّم بمقدرات الدين في أكثر أعماله، وقف إزاءها هذه المجموعة - أي دنيا الله - وقفة المواجه المتحدي، أو وقفة المتسائل المشدوه، ولنقل وقفة المحيَّر أمام أخطر المشكلات) [١٦] . أما محدودية نماذج محفوظ في الموقع السياسي فأضرب لذلك مثلاً بقصته (ميرامار) والتي جعل فيها (زهرة) البطلة رمزاً للثورة المصرية (٢٣يوليو) كما يرى كثير من دارسي هذه القصة. وبقية الأبطال رمز لمواقف القوى القائمة في الساحة من الثورة، (عامر وجدي) صحفي قديم شارك في كفاح الشعب، (حسني علام الماجن، منصور باهي) التقدمي فكراً الخ ... هل هؤلاء فعلاً وغيرهم الذين في القصة هم وحدهم الذين كانت لهم آراء ورؤية وموقف من ثورة يوليو؟ ألم تكن قوى أخرى وقفت مستندة إلى عقيدتها الإسلامية تحاور ثم تناوئ هذه الثورة [١٧] . وقصة (السراب) التي ولد فيها البطل من رحم الدراسات النفسية الغربية - لا من البيئة المصرية - وذلك ليكون للعرب نموذج كأوديب وهاملت والاخوة كارامازوف، ولو كانت الحقائق الاجتماعية العربية لا تسعف الكاتب، فهل يعقل أن يظل الطفل (كامل رؤية لاظ) طفلاً في تعلقه بأمه يكبر فيه كل شيء (إلا هو) (يستحم معها فتضعه في الطست عاريا وتجلس أمامه متجردة، وكان لا يطيق فراقها، وكانت هي كذلك لا تطيقه (أي الفراق) كانت قد حشدت كل أمومتها من أجله بعد أن استرد زوجها الطفلين الآخرين وفضلاً عن هذا كان بين الطفل وأمه تشابه كبير، فقد كان وجهه نسخة من وجهها، وقد اعتاد أن ينام في سرير أمه حتى بلغ السادسة والعشرين من العمر، وحين أنبه جَدُّه على ذلك ابتاع سريراً آخر ولكنه وضعه في حجرة أمه) [١٨] . والكلمة الأخيرة في (المجيز) أي مانح الجائزة، فمن المعلوم أن قمة أعمال محفوظ الأدبية كانت قد تحددت وظهرت قيمتها وتم نضجها قبل منح الجائزة بسنوات وما أضيف أخيراً لم يعط الكاتب وقصصه مزايا تنتزع الجائزة. ولكن المزايا جاءت من خارج النص الأدبي ومن خلف سور القص، من عالم السياسة عندما أضفى محفوظ على أدبه (طابع الإنسانية) وذلك (بضرورة العلاقة مع إسرائيل، والصلح مع اليهود والتفاهم مع الصهيونية لعيش مشترك في فلسطين ومصر ولبنان) . في كلمة مختصرة للناقد جهاد فاضل في مجلة الحوادث ١٩٨٧/١١/١٣ بعنوان سقوط جائزة أم سقوط حضارة؛ أنقل بعض ما جاء في هذه الكلمة الرائعة وإن كانت جديرة كلها أن تنقل: (إذا كان القانون يقول: الأصل براءة كل إنسان حتى يثبت العكس فالأصل في جائزة نوبل أنها متهمة حتى يثبت العكس، ذلك أن الواقع يثبت أن وراء منح هذه الجائزة الأدبية الهامة، مقاصد غير بريئة فهي لا تعطى كل سنة ومنذ سنوات بعيدة إلا لكاتب يهودي، أو لكاتب منشق أو لمولى من موالي الغرب، ولو كان كاتبا من الدرجة الثالثة ولو كان في العالم عشرات الكبار الأصلاء والمستحقين. في أدق تعريف لجائزة نوبل، يمكن القول أنها جائزة النظام العام الغربي الأدبي والفكري والسياسي، وليست شيئاً آخر، جائزة النظام العام للغرب لا جائزة الأدب والقيم الأدبية والإنسانية الرفيعة، وتاريخها ناطق أنها لا تمنح إلا من زاوية خدمة أهداف الغرب العليا، أداة من أدواته تماماً كالبندقية والمدفع والرادار وما إلى ذلك. ويفضل (في المنهج) المنشق على أيدلوجية الشرق والمبهور بالغرب وثقافته وحضارته) . (وعندما يدعى هذا المنشق في الأسباب الموجبة لمنحه الجائزة ثائراً عربيا أو إسلامياً في حين أنه ثائر على العروبة والإسلام) . (بدأت جائزة نوبل عندما أراد عالم سويدي اسمه نوبل -التكفير عن ذنب ألحقه بالإنسانية هو اختراعه للديناميت ولكن اللجنة القائمة على الجائزة كثيرا ما تعطيها للتفجير لا للتكفير، وبذلك تراعي الاختراع الأصلي أكثر مما تراعي رغبة التوبة عند مؤسسها. *** [اجعل بينك وبين صنم الإفرنج بونا شاسعاً.. فعهده وميثاقه لا يساويان حبة شعير.. خذ النظرة من عين الفاروق.. وضع القدم الجريء في العالم الجديد..] محمد إقبال

стр. 328

أدب وتاريخ معالم من تاريخ الخلفاء الراشدين -٢ - محمد بن صامل السلمي ٣- سيادة العدل والمساواة بمفهومها الإسلامي الصحيح: وذلك أن التفاضل بين البشر قوامه الميزان الذي قرره الله في كتابه. قال تعالى: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات/١٣] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى» [١] . والأدلة الواقعية والتاريخية على سيادة هذا المبدأ في عصر الخلفاء الراشدين أكثر من أن تحصى، فهذا الخليفة الأول أبي بكر الصديق يطلب في أول خطبة له من الرعية أن تقوّم ما ترى فيه من خطاً أو اعوجاج [٢] . وهذا عمر بن الخطاب يتقاضى وهو خليفة مع أبي بن كعب الأنصاري عند قاض المدينة في عهده زيد بن ثابت، فيأتي عمر وأبي ابن كعب إلى مجلس القضاء، ويقول زيد لعمر: لو طلبتني يا أمير المؤمنين لأحضر عندك. فيرد عليه عمر: مقرراً قاعدة مهمة من قواعد التقاضي وهي قاعدة المساواة: في بيته يؤتى الحكم. ثم يحاول زيد-من باب الإكرام للخليفة-أن يدني مجلس عمر، فيأبى عمر إلا أن يجلس مع خصمه على قدم المساواة ويقول لزيد: هذا أول الجور منك. وبعد أن يدلى كل من الخصمين بحجته، يحكم زيد باليمين على عمر ثم يطلب من أبى بن كعب أن يعفى أمير المؤمنين من اليمين لكن عمر أصر على تنفيذ ذلك، فيحلف كما حكم القاضي، وبعد أن استحق الأرض المتنازع عليها قضاء وهبها عمر لأبي بن كعب [٣] . ومرة جاء رجل من المسلمين فقال لعمر: اتق الله، فقال أحد الحاضرين: أتقول ذلك لأمير المؤمنين، فرد عليه عمر بقوله: دعه يقلها فلا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم [٤] . ومن مظاهر المساواة والعدل توزيع الفيء وأخماس الغنائم على كافة المسلمين فإن عمر ﵁ لما دون ديوان العطاء جعل لكل مسلم حق في ذلك العطاء حتى المواليد، فبمجرد ولادة طفل لأحد المسلمين يسجل أسمه في الديوان ويفرض له عطاؤه وكان عمر يقول: لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه دون أن يسعى لطلبه [٥] . ويقول أيضاً: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد، ووالله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال نصيب، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله [٦] . وقد واسى ﵁ الناس بنفسه في عام الرمادة فامتنع عن أكل اللحم والسمن حتى توفر ذلك لعامة الناس ومضت أزمة المجاعة وجاءهم الفرج من الله. يقول أنس ﵁: غلا الطعام بالمدينة فجعل عمر. رضى الله عنه يأكل الشعير وجعل بطنه يصوّت فضرب بيده على بطنه وقال: والله مما هو إلا ما ترى حتى يوسع الله على المسلمين [٧] . وعن طاووس قال: جدب على عهد عمر فما أكل سمناً ولاسمينا حتى أخصب الناس [٨] . ٤ - سيادة مبدأ الشورى قاعدة للتعامل بين الحاكم والمحكوم: مبدأ الشورى من المبادئ الإسلامية الهامة التي توفر الأمن والطمأنينة للأفراد والاستقرار السياسي للدولة، ويؤدي إلى إشاعةء المحبة وبث روح التعاون والتناصح بين الحاكم والرعية، وهو ضروري حتى لا ينفرد الحاكم بالأمر والرأي الذي قد لا يكون صواباً فإن رأي الجماعة خير من رأي الواحد لأنه يأتي بعد نظر ودراسة وتفكر في الأمر وعواقبه. ومن ثم تضمن الأمة أكبر قدر من إصابة الحق، قال ابن عطية: الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب [٩] . وقد قال تعالى مثنياً على المؤمنين ومعدداً بعض صفاتهم: [والَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] [الشورى/٣٨] . قال القرطبي عند تفسير هذه الآية: كان الأنصار قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملوا عليه فمدحهم الله به. ونقل عن الحسن البصري أنه قال: انهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون فمدحوا باتفاق كلمتهم [١٠] . وقال تعالى مخاطبا رسول الله ﷺ : [فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ في الأَمْرِ] [آل عمران: ١٥٩] . أخرج ابن أبى حاتم بسند حسن -كما قال الحافظ في الفتح [١١] عن الحسن قال: قد علم أنه ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده. فالشورى مشاركة في المسئولية وضمانة من الانحراف ولهذا بوب البخاري ﵀ في صحيحه بهاتين الآيتين باباً في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة [١٢] . وهذا فقه عميق ونظر دقيق من البخاري ﵀ لأهمية الشورى وكون العمل بها اعتصام بالكتاب والسنة وبعد عن الانحراف والبدعة، مما أحوج دعاة الإسلام اليوم إلى تدبره وتفهمه لتسلم دعوتهم من القرارات العشوائية، والاتجاهات الفردية. وقد وردت الآثار عن الأئمة في مدح الشورى وبيان فضائلها. قال الحسن البصري: ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم، وفي لفظ: إلا عزم الله لهم بالرشد أو بالذي ينفع [١٣] . وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط! ! إذا حزبني أمر شاورت قومي فعملت الذي يرون فإن أصبت فهم المصيبون وان أخطأت فهم المخطئون [١٤] . وقال البخاري: كان الأئمة بعد النبي ﷺ (يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره) [١٥] . وقال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، ومسار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هدوا [١٦] . ولقد كانت سيرة رسول ﷺ وخلافة الخلفاء الراشدين من بعده تطبيق واقعي لمبدأ الشورى، فرسول الله ﷺ الذي يأتيه الوحي من الله يسدده يصفه أبو هريرة ﵁ بقوله. ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ [١٧] . وقد شاور رسول الله ﷺ أصحابه في الأمور العامة كما في القتال يوم بدر، وفي أسرى بدر وفى أحد والخندق والحديبية بل حتى في الأمور الخاصة، كما في قصة حادثة الإفك. أما الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم جميعاً فقد وقعت منهم في خلافتهم أمور كثيرة توضح التزامهم بهذا المنهج الشوري منها: تشاورهم في اختيار الخليفة، ومنها استشارة أبى بكر رض الله عنه في قتال أهل الردة، وقد أخرج البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر رض الله عنه إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضى به قض بينهم وإن علمه من سنة رسول الله ﷺ قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلمائهم واستشارهم. وإن عمر كان يفعل ذلك [١٨] . وقد كان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شباناً [١٩] . وقد شاور عمر الصحابة في الصحابة في إملاص المرأة [٢٠] ، وأيضاً في قتال الفرس [٢١] ، وفى دخول الشام لما وقع الطاعون بها [٢٢] . وقد ترك عمر الخلافة من بعده شورى. وشاور عثمان رضى الله عنه الصحابة أول خلافته فيما يفعل بعبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان ظناً منه أن له في قتل أبيه مدخلاً [٢٣] .. وشاور الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد، قال علي بن أي طالب: (ما فعل عثمان الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا) [٢٤] ... فهذه الوقائع من تاريخ الخلفاء الراشدين توضح بما لا مزيد عليه التزامهم بمنهج الشورى في كافة الأعمال المحتاجة إلى ذلك مثل بعث الجيوش واختيار القادة وحكام الأقاليم والولايات والاجتهاد في الأحكام الشرعية التي لا نص فيها بخصوصها. وقد كانت الشورى طريقاً ومنهجاً في اختيار الخلفاء الأربعة للإمامة العظمى، وإن اختلفت صور المشاورة، وقد قال عمر رض الله عنه: من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي يبايعه [٢٥] . مما يدل على التزام الشورى في البيعة والخلافة. ٥- قيام الجهاد والعلاقات الدولية في عهدهم على مقتضى الشرعية: من المعلوم أن الدولة الإسلامية دولة متميزة في منهجها وتصورها وسياستها لأنها تأخذ أحكامها ونظمها من النصوص الشرعية في الكتاب والسنة ولذا فإن علاقتها مع غير المسلمين محكومة بتلك النصوص والأحكام. ولقد أقام الخلفاء الراشدون علاقاتهم مع غير المسلمين على موجب تلك الأحكام. فالأرض إما. ١- دار إسلام: وتطبق فيها أحكام الشريعة على كافة المقيمين فيها سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، لأن غير المسلم لابد أن يدفع الجزية للأحكام الإسلامية التي شرعها الله في حق أهل الذمة، وللشروط التي وضعها الخلفاء، وهى مفصلة في كتب الفقه ومنها أن يلتزموا بآداب المسلمين الظاهرة ولا يرفعوا صليبا ولا يشربوا خمرا ولا يؤذوا مسلما ولا يبنوا كنيسة ولا يدعوا أحدا إلى دينهم ولا يرفعوا دورهم فوق دور المسلمين، ولا يحتفلوا بأعيادهم ظاهراً ولا ينشروا شيئاً من كتبهم بين المسلمين [٢٦] . ب - أو دار كفر، وتنقسم هذه الدار إلى قسمين: دار صلح وعهد، ودار حرب. فأهل الصلح والعهد يوفى لهم بعهدهم إذا حصل منهم الوفاء، والعهد والصلح لا يكون مستمراً إلى الأبد بل لابد من توقيته بأجل، ومن العلماء من جعل أطول مدة للعهد والصلح عشر سنين أخذاً من أطول مدة صالح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في صلح الحديبية [٢٧] . أما أهل الحرب فلا علاقة بينهم وبين المسلمين إلا السيف والقتال والأخذ بكل طريق ومرصد -إذا أقيمت عليهم الحجة وكان بالمسلمين قوة واستطاعة- لإرغامهم على الخضوع لله ولدينه وليكون الدين كله لله، قال تعالى: [فَإذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإن تَابُوا وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [التوبة /٥] . وقد طبق الخلفاء الراشدون هذه الأحكام بأعلى وأتم ما يكون التطبيق وكسرت في عهدهم أكبر دولتين في العالم في ذلك الزمن الدولة الفارسية والدولة الرومانية وأورث الله المسلمين أرضهم وأموالهم وأنفقت كنوزهما في سبيل الله وخضعت أراضيهم لحكم المسلمين وأصبحت دار إسلام، ومن لم يسلم من أهل تلك المناطق طبقت عليه أحكام أهل الذمة وأخذت منه الجزية مقرونة بالذل والصغار كما أمر الله تعالى: [قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] . كما ضربوا العشور على تجار غير المسلمين إذا مروا بأرض الإسلام أما المسلمون فلا يؤخذ منهم عشور ولا ضرائب وإنما تؤخذ منهم الزكاة المفروضة، ووضع الخلفاء الراشدون الخراج على الأرض حسب التفصيلات المقررة في مواطنها. أما جزيرة العرب فقد أخرجوا منها اليهود والنصارى ولم يبق فيها إلا مسلماً تنفيذاً لأمر رسول الله ﷺ ووصيته في آخر حياته حيث قال: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً» [٢٨] ، وقوله: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب [٢٩] . ٦- الحماس في نشر الإسلام: وظيفة الدولة الإسلامية هي نشر الدين حتى يعبد الله وحده، ولهذا عرف ابن خلدون الخلافة بقوله: هي نيابة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا [٣٠] . والدولة تنفذ هذه الوظيفة بالجهاد وفتح البلدان وبالدعوة والتعليم لأوامر الدين ونواهيه وكافة أحكامه الشرعية. فحركة الجهاد والفتح العسكري لا بد أن يصحبها ويتبعها الدعاة والمعلمون ليفقهوا الناس في دينهم وهذا التلازم بين الفتح العسكري والتعليم أمر ضروري لابد منه لاستقرار الدعوة والدولة ولابد من ملاحظة التوازن المطلوب في هذا الجانب، فبقدر التوسع في الأرض يكون التوسع في الدعوة والتعليم حتى لا يختل ميزان التربية وتحدث الخلخلة في الصف الإسلامي وتتوسع الفجوة بين الفاتحين وسكان الأراضي المفتوحة مما يتسبب في حدوث ظواهر سلبية تؤثر في تماسك الصف الإسلامي ووحدته السياسية والفكرية. وقد بذل الخلفاء الراشدون ما استطاعوا في سبيل حدوث هذا التوازن بين حركة التوسع الأفقي في فتح البلدان وبين التوسع الرأسي في تعليم الناس وتفقيههم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولكن رغم وجود البذل والحماس في ميدان التقليم والتربية على تعاليم هذا الدين إلا أن الملاحظ أن التوسع في الأرض كان سريعا وواسعا فقد فتحت العراق وما وراءها والشام ومصر في سنوات قليلة معدودة فلم يكن في مقدرة الطاقة البشرية في ميدان التربية والتعليم استيعاب الأعداد الهائلة من سكان تلك المناطق وتعليمها كما لم يكن الزمن كافيا لرسوخ التعاليم الإسلامية في نفوس كثير منهم مما ساعد مع غيره من العوامل فيما بعد على وجود خلخلة فكرية وظواهر سلبية دخيلة على النهج الإسلامي مما سبب ظهور الفرق والأهواء المتشعبة. وبعد فهذه جملة من أهم المعالم البارزة في تاريخ الخلافة الراشدة أردنا بالتنبيه إليها توجيه أنظار دعاة الإسلام إلى الاستفادة من هذا التاريخ المشرق والسير على منوالهم فإنهم القوم بهم يقتدى وبهديهم وسنتهم يسلك ويتبع، والله الموفق والهادي.

стр. 329

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته السلام في أفغانستان خطط ومكائد حينما حصل الانقلاب الشيوعي في أفغانستان على محمد داود لم يدر بخلد الشيوعيين السوفييت، ولا عملائهم الشيوعيين الأفغان أن حرباً - كالحرب التي حدثت في أفغانستان - ستحدث، ولم يقدروا أن الشيوعية، بما لها من جبروت، سوف يهزمها شعب فقير وشبه منعزل. ولذلك، وبعد أن تأكد للسوفييت عقم محاولاتهم في إخضاع هذا الشعب! وفي تسليط شرذمة من عملائهم لإذلاله وكسر شوكته! لم يبق من الحكمة إلا أن يفكروا بطريق غير الطريق العسكري يحققون به ما عجزت الآلة العسكرية عنه، وضمن هذا الإطار ينبغي أن تفهم التحركات الأخيرة للحكومة السوفييتية، وتأتي الخطوة الأخيرة للسوفييت في سياق إطار عام من الانفراج الدولي بين القوى الكبرى، ومن محاولات ترميم النظام الشيوعي في داخل الدول التي تتبناه، بعد أن وصلت حالات جموده ونفور الناس منه إلى منتهاها. وكانت مبادرة غورباتشيف التي اقترحها في خطابه في الأمم المتحدة في ٧/١٢/١٩٨٨ تتضمن النقاط التالية: وقف إطلاق النار ابتداءً من ١/١/١٩٨٩م. بقاء الأطراف المتحاربة في الأماكن التي تسيطر عليها. وقف إمداد السلاح لأي من الأطراف منذ ١/١/١٩٨٩م. تأليف حكومة ذات قاعدة عريضة، حسب قرار الأمم المتحدة. إرسال قوة من الأمم المتحدة إلى كابل وبعض المراكز الاستراتيجية. عقد مؤتمر بواسطة الأمم المتحدة في فترة قريبة حول حياد أفغانستان ونزع السلاح فيها. تساهم روسيا في تضميد جراح الحرب مع الأمم المتحدة والدول الأخرى. إنشاء قوة سلام دولية تكونها الأمم المتحدة من أجل إعادة بناء أفغانستان. ومن محاولة البحث عن الأسباب والأهداف وراء هذه المبادرة، فإن الدارس يخرج بالنتائج التالية: ١- حفظ ماء الوجه، والتغطية على الهزيمة الفعلية، حيث إن السوفييت فشلوا في تحقيق ما يريدون، والآن يعرضون خطة انسحاب تحت مظلة الأمم المتحدة. ٢ -إن التركيز على حياد أفغانستان ونزع السلاح منها، يعني أن السوفييت لا يطمئنون إلى الشعب الأفغاني وبخاصة بعد معرفتهم بمدى جنايتهم عليه. ٣- محاولة تمرير العناصر الشيوعية خلال حكومة ذات قاعدة عريضة تضمهم وتضم غيرهم، بعد فشلهم في إقامة حكومة شيوعية خالصة، وفى هذا اعتراف بالفشل من جهة، ومحاولة التزام بأضعف الإيمان بعملائهم وعدم التخلي عنهم. نقاط الالتقاء والافتراق في الموقف السوفييتي والأمريكي: إن الموقف الأمريكي يتلخص بأن يجلو السوفييت عن أفغانستان وأن تسقط الحكومة الموالية للسوفييت، وأن تقوم حكومة لا أثر للنفوذ الشيوعي فيها، ولا بأس أن تكون موالية لهم. والأمريكان والروس متفقون على عدم تشجيع قيام حكومة إسلامية، فليس من مصلحتهم جميعاً أن يكون وجه هذه الدولة إسلامياً واضحاً: تشريعاً، وتوجهاً، وإذا كان بإمكان روسيا - باعتبارها قوة كبرى مجاورة لأفغانستان - أن تضغط من أجل ذلك؛ فإن أمريكا لها وسائلها أيضاً حيث يمكنها أن تضغط إما بشكل مباشر عن طريق قطع إمدادات الأسلحة، وإما بطريق غير مباشر عن طريق الطلب من إحدى وكيلاتها في المنطقة للضغط على المجاهدين. موقف باكستان وإيران: لابد من الحديث عن موقف كل من باكستان وإيران باعتبارهما جارتين لأفغانستان، وموقفهما يفهم على ضوء الانفراج بين السوفييت والأمريكان، ثم على ضوء التغيرات الأخيرة في كل من الدولتين. فباكستان بوتو غير باكستان ضياء الحق، وبوتو - التي لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد اتفاقات وتطمينات، وتطابق في بعض وجهات النظر بينها وبين أمريكا - لا تستطيع إلا أن تنفذ ما تتطابق فيه النظرتان، وأهمه كبح المطالبة بحكم إسلامي صحيح في أفغانستان، وتلتقي في ذلك مع إيران، حيث إن وحدة الأصل الذي ينحدر منه حكام طهران وحاكمة باكستان الآن يساعد على ذلك. فإيران التي تقدم نفسها للمسلمين - دون حق - كناطق رسمي باسمهم في العالم تعلم جيداً أن قيام حكم إسلامي للمجاهدين في أفغانستان يخالف في أصوله وفروعه أسلوبها؛ أمر لا يسرها، بل هو من قبيل المضاربة والمنافسة التي. لا ترتضيها. موقف المجاهدين: إن موقف المجاهدين في هذه الفترة يتمتع ببعض النقاط القوية، ومن ذلك أن السوفييت تجاوزوا الحكم الشيوعي في أفغانستان واتصلوا بهم مباشرة، وكذلك اعتراف السوفييت بسيطرة المجاهدين على مواقعهم، وإظهارهم أنهم ماضون في استكمال، انسحابهم. كما أن إصرارهم - أي المجاهدين - على مخاطبة روسيا بصوت واحد له دلالة طيبة، وقد لخص موقف المجاهدين قلب الدين حكمت يار في مؤتمر صحفي عقده في بيشاور بتاريخ ١٠ /١٢/ ١٩٨٨م نقتطف منه بعض الفقرات: وقف إطلاق النار المقترح: إن قضية وقف إطلاق النار في منظورنا قضية غير معقولة وغير عملية ما لم يتم استئصال الأسباب التي كانت، وراء نشوب القتال في أفغانستان بادئ ذي بدء والتي لا تزال قائمة، وفي مقدمتها عدم انسحاب القوات الروسية التام من أفغانستان، وعدم سقوط النظام الشيوعي الألعوبة، الملطخة يداه بدماء مئات الألوف من الأبرياء من أبناء الشعب، وإن أي اتفاق على غير هذا الأساس سيكون خداعاً للشعب. نزع السلاح: لن نرضى بتاتاً باقتراح نزع السلاح في أفغانستان تحت أي ظرف من الظروف، حتى في المرحلة التي ستعقب النصر. إن دولة كأفغانستان مجاورة لدولة توسعية كروسيا لا يمكن لها المحافظة على استقلالها السياسي عن طريق الاحتفاظ بجيش محدود الحجم، أو بشعب منزوع السلاح. قوات حفظ السلام: إننا نعتبر إرسال أي قوات أجنبية إلى أفغانستان تحت أي اسم كان أو أية ذريعة كانت اعتداء خارجياً، وإننا سنجابه هذا الأمر بكل ما أوتينا من قوة. كما أنه سيكون بمقدور أمتنا في مرحلة ما بعد الانسحاب الروسي وضع حلول كفيلة لتسوية مشاكلها وبدون الحاجة إلى عون من أي قوى خارجية. وبالجملة فإننا نكرر مرة أترى أن الحل الوحيد للمشكلة الأفغانية هو الانسحاب غير المشروط للقوات الروسية، وسقوط نظام نجيب الله، وضمان حق تقرير المصير للشعب الأفغاني. ومن جهة أخرى نقلت وكالة أنباء البنيان التابعة للمجاهدين في ٧/١٢/١٩٨٨م رفض الشيخ سياف وعدم اعتقاده بجدوى التفاوض مع الروس قبل إتمام انسحاب قواتهم بالكامل من أفغانستان. المحاذير: إن ما يجب أن يتنبه إليه المجاهدون هو أن روسيا التي فشلت في إملاء رغباتها عن طريق القتال قد تنجح عن طريق التفاوض والمناورات، وروسيا ماضية في خططها الخبيثة فهي تحرص على شق المجاهدين، وعلى مخاطبة كل فريق على حدة، فقد اتصلت بالملك السابق وله أنصاره وعملاؤه، وكذلك حرصت ش أن تتصل بإيران ومن يلوذ بها من أنصارها وعملائها، قبل أن تلتقي مع قيادة المجاهدين في باكستان. وروسيا تحرص كل الحرص على اللعب على التناقضات، وتكبير الصغير من الخلافات الفرعية، كما أنها تحرص على أن ينضم إليها في عدائها وخصومتها للمجاهدين وما يمثلون؛ لا أمريكا وممثلوها، وإيران وبطائنها؛ بل أناس وفرقاء من المجاهدين أنفسهم، فهل يمكنها قادة المجاهدين من ذلك؛ نسأل الله أن يدفع البلاء. بعد فراغنا من كتابة التعليق السابق عن آخر أخبار القضية الأفغانية! وصلنا هذا التقرير الذي نضعه بنصه ولا يختلف في فحواه عما أشرنا إليه. يحول حكام إيران اهتمامهم من حرب الخليج، إلى مرحلة حاسمة من صراع القوى في أفغانستان، ومن المرجح أن يشاركوا في مباحثات الصفقة الأخيرة التي سيتمخض عنها نشوء حكومة ائتلافية يستبعد الشيوعيون منها، وقد يشكل ائتلاف كهذا أفضل حل للسوفييت -الذين باتوا على استعداد للتخلص من نظام نجيب الله - يحفظ لهم ماء الوجه، ويرضي باكستان، حسب معلومات نشرة (Foreign Report) [١] بهذه التحركات السرية الأخيرة. ولكل من إيران وباكستان -كما للاتحاد السوفييتي - مصلحة قوية في إقامة حكومة مستقرة، وغير معادية في أفغانستان. وتشترك إيران مع أفغانستان في حدود دولية مفتوحة، وزعماء إيران الدينيون تواقون لرؤية رفاقهم الشيعة - الذين لا يشكلون سوى نسبة ضئيلة من الشعب الأفغاني السني - يظفرون بنصيب اكبر من صفقة قادمة. وتتخذ ثمانية أحزاب شيعية أفغانية من إيران قاعدة لها، وتعد (حركة إسلامي) التي يقودها شيخ محسني - من قندهار - أكبر تلك الأحزاب، وتريد إيران أن يلعب محسني دوراً رئيسياً في أي تسوية في أفغانستان. وقد يكون لأربعة أحزاب صغيرة أخرى تحظى بدعم إيران وتنشط في الأماكن النائية دوراً في تسوية مقبلة، وعلى أية حال فإن تلك الأحزاب تبدي منذ وقت طويل رغبتها في إنشاء قاعدة سياسية بدلاً من مقاتلة الروس، كما أن إيران تتودد منذ مدة إلى البروفسور برهان الدين رباني أهم زعماء الأفغان الذين يتخذون من بيشاور في باكستان قاعدة لهم، وكان رباني قد مكث في زيارته الأخيرة لطهران أطول من الفترة المقررة للزيارة، كما أنه استقبل من قبل الرئيس على خامنئي استقبال رؤساء الدول، ويتزعم رباني حزب (الجمعية الإسلامية) وهى أكبر الجماعات في إقليم هرات والإقليم الشمالي، كما أن لديها أكبر عدد من المقاتلين في ساحات القتال، وسيكون رباني في أي ائتلاف يخلف نجيب الله. وقالت مصادرنا إن رباني - خلال زيارته لطهران - وعد الشيعة الأفغان باحترام مطالبهم الهادفة إلى الحصول على تمثيل عادل ومشاركة في السلطة في ائتلاف مقبل [٢] ، كما علمت مصادرنا أن (فورنتسوف) نائب وزير الخارجية السوفييتي وسفير بلاده لدى أفغانستان يشدد على ائتلاف بين الأحزاب السنية والشيعة، ويريد الروس ضم الحزب الشيوعي إلى هذا الائتلاف، ولكنهم يعلمون جيدا برفض المجاهدين لذلك، ولذلك فإن فورنتسوف ينأى بنفسه عن نجيب الله. وإن رئيسة وزراء باكستان الجديدة والضعيفة يهمها التوصل إلى حل يشجع عودة ملايين اللاجئين الأفغان إلى بلادهم في أسرع وقت، الأمر الذي لن يكون إلا بوجود حكومة ائتلافية مستقرة وغير شيوعية في كابل. ولكن يا ترى من سيكون في ذلك الائتلاف؟ والجواب: يبدو أن أغلب الجماعات السنية والشيعية ستدعى إلى ذلك باستثناء الحزب الإسلامي الذي يرأسه قلب الدين حكمت يار - والذي يعد من قبل منتقديه متطرفاً وقاسياً ومتعطشاً إلى السلطة (! !) [٣]-. والقادة العسكريون الذين يدعمون المجاهدين يرون في وجوده حجر عثرة يمكن أن يخرب هذه الفرصة السانحة لالتقاء هذه الجماعات مع بعضها. وقد التقى المبعوث الروسي فورنتسوف وآخرون بالملك المخلوع ظاهر شاه الذي يعيش في روما منذ خلعه عام ١٩٧٣م والذي يمكن أن يلعب دوراً من حيث إمكانية اجتماع هذه الجماعات عليه باعتباره شخصية غير سياسية [٤] ، ولكنه من الضعف والجبن بحيث لا يمكنه اقتناص الفرصة. إن ائتلافاً يستبعد الشيوعية وحكمت يار، ويضم غالبية الأطراف السنية والشيعية، قد يكون أفضل فرصة لأفغانستان لتجنب ما هو أسوأ، المتمثل بتقسيم البلاد - بمزيد من سفك الدماء - إلى إقطاعيات متناحرة.

стр. 330

شئون العالم الإسلامي ومشكلاته أخبار الجهاد الأفغاني حصار المجاهدين يصيب كابل بالشلل إبراهيم الدهيمان ذكرت صحيفة التايمز اللندنية بتاريخ ٨ ٢/١٢/١٩٨٨ م إن إمكانية بقاء النظام الشيوعي في كابل في مرحلة ما بعد إكمال الانسحاب السوفييتي مقرون بمقدرته على مقاومة الحصار الاقتصادي الفعال الذي يفرضه المجاهدون على العاصمة كابل. وتتضح قبضة المجاهدين على العاصمة كابل ذات الطقس الشديد البرودة في أوضح صورها حيث تقف قوافل من السيارات التي قد تزيد كل قافلة منها على ٢٠٠ سيارة، أمام محطات الوقود. كذلك يتحدث سكان كابل عن نقص شديد في المواد الغذائية الأساسية كالخبر، وعن ارتفاع ملحوظ في أسعار السكر والشاي والخضروات. ويرجع السبب الرئيسي وراء تلك الأزمات إلى الحصار الذي يضربه المجاهدون على الطرق الحيوية. * * * وجاء في العدد التاسع والأربعين من مجلة الجهاد الصادرة عن المجاهدين أن المجاهدين مازالوا يتقدمون في فتح المواقع، وقد تمكنوا أخيرا من فتح (طورخم) الممر الشهير والشريان الحيوي الواصل بين أفغانستان وباكستان، واستولوا على نقطة التفتيش المهمة في هذا الممر وقد هرب إليهم (١٨٥) جندي أفغاني بعد هذا الفتح. ويحاول المجاهدون الآن مهاجمة منطقة (سمرخيل) المهمة، وأما في المناطق الأخرى فالوضع جيد بشكل عام بسبب ضعف الحكومة وانسحاب القوات الروسية.

стр. 331

شئون العالم الإسلامي ومشكلاته تركستان المنسية عن الاندبندنت ٢٠/١٠/١٩٨٨ قبل أسابيع معدودة من الآن خرج مئات من الطلاب التركستانيين المسلمين (الأويغور) [١] في جامعة مدينة أورومجي في مظاهرة في شوارع المدينة وهم يلوحون بلافتات ويطلقون شعارات ضد خصمهم التقليدي: المستوطنين الصينيين وذلك احتجاجاً على إعلان ظهر في أحد أروقة الجامعة يدعو إلى اتخاذ رجال الأويغور عبيداً ونسائهم جواري. وقالت سيدة تركستانية: (إننا في منظور الصينيين دائما قوم غير متحضرين ولا نعرف النظافة) وعلق مسؤول صيني على الأحداث فقال: (إن هناك نفراً قليلاً ممن يتآمر بالخفاء ضد وحدة الوطن الأم، وأضاف. إن أولئك هم خونة ومن حثالة الناس ولا يمكن التسامح معهم) ، وكانت آخر جولات المصادمات بين المسلمين والصينيين قد حدثت قبل سبع سنوات عندما خرج المسلمون في انتفاضة عارمة في مدينة كاشغر [٢] مستخدمين أسلحة نارية استولوا عليها من إحدى ترسانات السلاح الحكومية، وقد استدعى جيش التحرير الشعبي لسحق الانتفاضة مما أدى إلى سقوط المئات من القتلى في صفوف المسلمين. وتخشى الحكومة الصينية من أن تكون أحداث كهذه امتداداً طبيعياً لما يحدث في الجمهوريات المسلمة في الاتحاد السوفييتي المجاور، هذا بالإضافة إلى المشاعر الأخوية التي يكنها مسلمو تركستان - الذين يستقلون بلغتهم ودينهم وتاريخهم - لمسلمي الاتحاد السوفييتي مما يجعل أمر ولائهم السياسي لبكين مدار شكوك لدى الحكومة الصينية. وكان الشيوعيون الصينيون قد قضوا على آخر محاولة تحررية قام بها مسلمو تركستان في عام ١٩٣٢ م واستمرت خمسة أعوام اضطر الصينيون حينها للاستعانة بالآلاف من القوات الروسية التي مكنتهم من سحق التمرد. ثم تعرضت البلاد إلى محنة أخرى إبان ما يسمى بالثورة الثقافية التي قادها (ماوتسي تونغ) هُدّمت وأغلقت خلالها المئات من المساجد، في حين قضت المزارع التعاونية على أسباب عيش الرعاة القرويين والتجار والمزارعين. هذا وقد عمدت الحكومة الصينية إلى توطين أعداد كبيرة من الصينيين في إقليم تركستان وذلك لموازنة كفة السكان هناك. ففي الوقت الذي لم تكن فيه نسبة الصينيين تتجاوز الـ ١٠ % من مجموع السكان البالغ أربعة ملايين في عام ١٩٤٩م باتوا اليوم يشكلون ما يربو على ٤٦% من مجموع سكان الإقليم البالغ (١٤) مليون. وبعد ما يزيد على نصف قرن من الحكم الشيوعي مازال التركستانيون يعيشون في عزلة اجتماعية شبه تامة عن الصينيين، بل إنه من النادر تحدثهم باللغة الصينية، أما الطلاب الجامعيون فيرفضون بشدة سياسة الدولة الهادفة إلى مزج الطلاب المنحدرين من عرقيات مختلفة في الوحدات السكنية الجامعية. ويحبذ مسلمو تركستان هذا النوع من الانفصال العرقي وذلك لأنه الأسلوب الوحيد الذي يتمكنون من خلاله المحافظة على هويتهم الإسلامية، في حين أن أكثر ما يثير حفيظتهم هو ما يلحظونه من عدم مساواة في توزيع قرص العمل لاسيما في المراكز الرسمية المهمة، حيث يشغل الصينيون معظم الوظائف الإدارية العليا والحساسة.

стр. 332

شئون العالم الإسلامي ومشكلاته المسلمون في فطاني إبراهيم الدهيمان تقع فطاني في شبه جزيرة الملايو جنوب شرق آسيا، وهى إحدى ولايات مملكة فطاني ... وتقع بين خطى عرض ٥ - ٨ شمال خط الاستواء، أما الأمطار فإنها مستمرة طوال العام.. وتغطهي الخضرة معظم أراضيها ... وأنهارها تجري طوال العام. وتعتبر منطقة فطاني غنية من الناحية الزراعية والمعدنية ... ولكن مع الأسف إن هذا الغنى يذهب إلى مملكة تايلاند ... وأهم منتجاتها الأرز حيث تحتل تايلاند بما فيها فطاني المركز السادس في العالم في إنتاج الأرز [١] . وصول الإسلام إلى فطاني: لا يُعرف بالضبط متى وصل الإسلام فطاني ولكن بدايته كانت عن طريق التجار العرب الذين وصلوها من الهند وسومطرة إضافة إلى التجار العرب الذين حملوا معهم الإسلام إذ أسسوا أول محطة لهم في كانتون في الصين حين كان طريق سفرهم إلى الصين عن طريق فطاني. وتروي الأخبار الفطانية وكتب التاريخ أنه في حوالي عام ٧٥١ هـ أسلم ملك فطاني وتبعه أفراد أسرته ووزرائه ثم الشعب. أما عدد السكان فآخر إحصائية في منطقة فطاني تذكر أنهم ثلاثة ملايين نسمة نسبة المسلمين فيها ٨٠%، أما اللغة الرسمية فهي اللغة الملاوية وتكتب بالأحرف العربية وفيها كثير من الكلمات العربية، بل وصل الأمر ببعض الفطانيين إلى اعتقادهم أن الدعاء لا يصح إلا بالعربية بل يستجاب، أما تايلاند فتصر على أن اللغة الرسمية هي اللغة التايلاندية، ويصر الفطانيون على التمسك بلغتهم وهى جزء من كيانهم رغم محاربة تايلاند لها. أقسام فطاني: تنقسم فطاني إلى ٤ مقاطعات هي. فطاني: أصغر المقاطعات وعاصمتها فطاني وهى أكبر مرفأ بحري وجوي في البلاد. بنغازا (نارايتواس) : تقع على ساحل بحر الصين الجنوبي ومركزها بنغازا. ساتول (ساتون) : تشمل ولاية ساتول وجزءاً من مقاطعة سونكلا، وتتبعها عدة جزر، وهى أكبر المقاطعات وأوسعها. جالا (يالا) : منطقة داخلية. الاستعمار لفطاني: استولى التايلانديون على فطاني عام ١٢٠١ هـ/١٧٨٦ م حيث هاجموها عدة مرات بعد فشل عدة محاولات وأخيراً استولوا عليها وقسموها إلى ولايات لإضعافها (فرق تسد) وبدأت ثورات الفطانيين تترى. أمثلة لمحاربة تايلاند للإسلام في فطاني: سنلخص بعض ما تفعله مملكة تايلاند لمحاربة الإسلام في فطاني: ١ - وافق وزير التعليم التايلاندي على لبس الطالبات الحجاب في المدارس إلا أن البوذيين حرضوا الطلاب والطالبات البوذيين على القيام بمظاهرات واحتجاجات سحب الوزير على أثرها قراره وقامت مظاهرات فعلاً مما اضطرهم إلى إغلاق الكلية في محافظة (جالا) وكان ذلك ومع الأسف بتحريض من المسئولين البوذيين. وتبلغ نسبة المسلمين في ولاية (جالا) ٨٥% أكبر نسبة في ولايات فطاني الأربع، أما النظام المتبع الآن فهو منع الزي الإسلامي في المدارس والكليات، ومن تلبس اللباس الإسلامي مهددة بالطرد من الجامعة. ومن وسائل طمس الإسلام في فطاني: ١ - تعقيم المسلمات. ٢- تصوير ورسم الرسول -محمد ﷺ في المدارس. ٣- وضع تماثيل بوذا في المدارس. ٤- تغيير الأسماء الإسلامية إلى بوذية. ٥- إقامة المعابد وسط قرى المسلمين. ٦- اغتصاب أراضى المسلمين وتوزيعها على البوذيين. ومع كل هذا الضغط مازال المسلمون متمسكين بدينهم ولله الحمد، ولن ينسى التاريخ مأساة شهر ذي الحجة عام ١٣٩٥هـ الموافق ١٩٧٥ م عندما قامت السلطات التايلاندية بذبح ٥ مسلمين في سابيوري الأمر الذي تسبب في المظاهرات في جامع فطاني، واستمرت قرابة شهرين استشهد فيها ١٦ مسلما من المدرسين والطلبة. ٢- وفي ٢٦/١٢/١٩٨٧م قام تايلانديون من رجال الأمن وعددهم ٣٠ بهجوم على إحدى قرى فطاني، وقاموا بجمع الفلاحين المسلمين وضربوهم وعذبوا أربعة منهم ثم رموهم بالرصاص ودفنوهم في مقبرة واحدة بدون صلاة. ٣ - يتعرض المسلمون الآن في فطاني لأنواع من المآسي والفتن من إبادة وقتل جماعي، إضافة إلى إبادة الوجود الثقافي والاجتماعي لهم. ٤- تقوم السلطات هناك بنشر الفساد وترويج المخدرات بين السكان وكذلك سرقة المواشي والممتلكات وهتك الأعراض. انطباعات عامة عن فطاني: لقد وفقني الله لزيارة هذا البلد (فطاني) الذي يقع في وسط دولة كافرة لا تأبه بالإسلام ولا تعترف به، وهى تايلاند، وقد شاهدت بنفسي ما يعانيه أبناء فطاني المسلمون من مضايقات كثيرة من قبل الحكومة لا لسبب إلا أنهم قالوا ربنا الله، ولكن ومما يثلج الصدر هذه الصحوة العارمة التي بدأت في صفوف الشباب والشابات والإقبال الكبير على هذا الدين القويم من الجميع إلا أن تايلاند تخوفت من ذلك، وأصبحت تصدر الإحصائيات بين كل فترة وأخرى وتبين بهذه الإحصائيات زورا أن الغالبية من أبناء فطاني ليسوا مسلمين، بل وصل الأمر بحكومة تايلاند أن بدأت تهجر أعداداً كبيرة من البوذيين من مناطقهم في تايلاند وتسكنهم في مناطق المسلمين في فطاني بالقوة لتبقى النسبة في صالحهم. وتقوم المدرسة الرحمانية في فطاني بجهود كبيرة لخدمة المسلمين في هذه البلاد، ويشرف عليها أخوة نذروا أنفسهم لخدمة هذا الدين، وهم ولله الحمد مؤهلون من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وتشرف على تدريس الشباب والفتيات وكذلك الكبار. وكانت زيارتنا لهذا البلد في رمضان حيث وجدنا سنة الاعتكاف في معظم مساجدهم بل منهم التجار الذين تركوا تجارتهم واعتكفوا بالمساجد، إلا أن الخطر هناك يكمن في نشاط بعض الفرق المنحرفة عن الإسلام. وإننا نهيب بالمسلمين ممن يهتمون بشؤون الأقليات الإسلامية أن يتداركوا إخوانهم هناك بتقديم الكتب المبسطة والمترجمة والتي تساعدهم على الفهم الصحيح للإسلام.

стр. 333

الحضارة المعاصرة.. الوجه الآخر [ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً] [ ... والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ ! والدنيا مظلمة ملعونة، إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة] . ابن تيمية قصة تتكرر في مدن الغرب وربما في لندن أكثر من غيرها ننقلها بقلم كاتبتها (آن دي كوري) لتصور لنا بعض ما يعاني الغرب عندما ابتعد كثيراً عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها. إن مثل قصة الشابة لورين بانس التي اغتيلت ببشاعة هذا الأسبوع أصبح - ويا للعار - أمراً مألوفاً، فلم تكد تمضي بضع دقائق على مغادرتها للقطار حتى سقطت ميتة بفعل فاعل هاجمها بعنف وخنقها. بماذا عسانا نواجه بناتنا وأبنائنا يا ترى؟ ! إن أقل ما يشعر به الرجل عندما يعتدي على امرأة تخصه، في هذه الأيام هو الشعور بالعجز التام والنقمة والذنب. إننا في رأيي بحاجة ماسة إلى أمرين اثنين: أولاً: لابد من تغيير جذري في مواقفنا فليس علينا فقط أن نعترف بوجود أماكن وأوقات خطيرة - هذا فضلا عن البشر - بل علينا -أعني سكان لندن - أن نقر بحقيقة (مرة) وهى أننا نعيش في غابة يسودها قانون الغاب، ويأكل القوي فيها الضعيف. ولهذا فعلينا مثل سائر مخلوقات الغابة أن نتأقلم مع هذا الواقع ... بالطريقة التي تتكيف بها الحيوانات الضعيفة مع الأخطار المحدقة بها من قبل الحيوانات الأكثر قوة - هذه الحيوانات التي تدفعها شراستها إلى مطاردة فريستها والتربص بها والانقضاض دون نجاح مراراً عديدة، حتى تفوز في آخر المطاف بالضربة القاضية. ثانياً: لابد أن نسعى لإحياء الهمم بإيقاظ الشعور الفطري لدى الرجل بضرورة حماية المرأة. في وقت مضى كانت التقاليد تجبر الرجل على أن يصطحب المرأة - ذاهبة أو آيبة - بل كان المضيفون عند نهاية الحفل لا يتركون امرأة منفردة تغادر بيتهم دون رفيق، إذ كانوا يحرصون على إيصالها إلى بيتها إما بصحبتهم أو على الأقل في سيارة أجرة فإن تعذر ذلك فإنهم يصرون على بقائها عندهم تبيت ليلتها بخفارتهم. كانت القاعدة هي أن حماية المرأة واجب ومسؤولية كل رجل. إنه اعتراف بالحقيقة البيولوجية البسيطة وهى أن النساء أضعف بنية من الرجال، ثم إن الذكور من الأولاد إذا تربوا على تفهم ضعف أخواتهم وهشاشة معدنهن فسوف يتكون لديهم شعور فطري بالمسؤولية تجاه تأمين كل النساء. التعليق: في هذه القصة وأمثالها حقيقة مرة بالنسبة لدعاة ما يسمى بتحرر المرأة، ولكنها حقيقة معروفة ومحسوبة في نظر الإسلام الذي أكرم المرأة، واعتبرها مخلوقاً مكرماً يحتاج ابتداءً إلى رعاية وصيانة، فشرع من أجل ذلك التشريعات التي تحمى المرأة وتصون كرامتها. وها هي كاتبة غير مسلمة تعترف وبملء فيها بـ (ضعف المرأة الجسمي وهشاشة معدنها) وليس في هذا تنقص منها، كما أن الإسلام في نظرته للمرأة لا ينتقص من قدرها، ولا يتنكر لدورها، وإن المفهوم المعوج للحرية الذي تفهمه النساء العربيات ومن يقلدهن سينزع الحصانة التي كانت تتمتع فيها المرأة في المجتمع، وإذا نزعت الحصانة فمن الصعب أن تعود في ظل الظروف الاجتماعية الدينية والأخلاقية التي نزعت فيها. وليس غير الشرع الإسلامي ضمانة للمرأة تجد في ظلها كرامتها، وتحقق من خلالها ذاتها [إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى] رقم قياسي جديد في جرائم القتل وصل عدد الذين سقطوا ضحية عمليات الإجرام في نيويورك مع نهاية عام ١٩٨٨ م إلى (١٨٤٩) قتيلاً، بما في ذلك ثمانية قتلى عشية أعياد الميلاد، وستة آخرون في اليوم التالي بينما سجل أعلى رقم قياسي في عام ١٩٨١ وكان (١٨٤١) قتيلاً. وبهذا يكون عام ١٩٨٨ م هو الأعنف الذي تمر به مدينة نيويورك من حيث الجرائم، ويعزو المسؤولون في المدينة هذا الارتفاع في عمليات القتل إلى تفشي تعاطى المخدرات بأنواعها. أي بمعدل خمسة قتلى في اليوم الواحد

стр. 334

الحضارة المعاصرة..الوجه الآخر عبادة الشيطان في ألمانيا مجلة نيوزويك - عدد ٥١ ١٩/١٢/١٩٨٨ لا يعلم رجال الشرطة حتى الآن ما الذي حدث في مصنع المنسوجات المهجور في بلدة (كتويغ) في ألمانيا الغربية قبل ليال من عيد (هلوين) وأسفر عن موت المغني (غوردون بروير) ذي الستة عشر ربيعاً، ويقول المحامون إن زميل (غوردون) في المدرسة (أوي) وتِرْبُهُ قد اعترف بقتله وأدخل مستشفى الأمراض النفسية للعلاج، حيث أفاد (أوي) أن (غوردون) أخذه للمصنع المهجور ليريه (شيئاً ما) ! رافضاً الإفصاح عنه للشرطة، أما زملاؤه في المدرسة فقد قالوا للمحققين إن المصنع المهجور كان المكان الذي اتخذوه ليعبدوا فيه الشيطان! ! وتعتبر ألمانيا الغربية منذ فترة مركزاً رئيسياً لانتشار المفاهيم الدينية المتنوعة، قد أظهر إحصاء رسمي لطلبة الثانوية في (ميونيج) في بداية هذه السنة أن عشرين في المائة من الطلبة قد اشتركوا في جلسات روحية أو جلسات لتحضير الأرواح، إلا أن الديانة الجديدة التي تكتسح البلاد كلها مخيفة فعلاً.. إنها عبادة الشيطان! ! حيث اعترف أربعة في المائة من طلبة الثانوية في الإحصاء المذكور بالاشتراك ولو لمرة واحدة على الأقل في شعائر القداس الشرير، ويقول الراهب البروتستنتي (فريدريك ويلهالم هاك) مؤلف عدة كتب عن هذه الديانات السرية. إن عدد الذين يدينون بشكل نشط بهذه الديانة الشيطانية في ألمانية الغربية وحدها يبلغ عشرة آلاف شخص، إلا أنه يصر على أن الشباب يتخذ طقوس هذه الديانة كوسيلة رخيصة للتسلية وتمضية الوقت، حيث إنها لا تكلف الشباب شيئا بالمقارنة بوسائل التسلية الأخرى، مثل الذهاب للسينما (سعر التذكرة ستة دولارات) أو حضور حفلة رقص ديسكو (سعر التذكرة عشرون دولارا) . ولكن مسؤولين آخرين لا يشاركون القس نظرته حيث يؤكد أحد المسؤولين عن مؤسسة اجتماعية هدفها متابعة مثل هذه النشاطات: إن هذه النشاطات منتشرة وقوية بشكل أكبر بكثير من مجرد كونها وسيلة لتمضية الوقت لدى الشباب، بل إن نشاطها يصل إلى الأطفال في المدارس، حيث طلب المساعدة منهم مدرسون في مدارس ابتدائية بخصوص أطفال (دون سن العاشرة ... ) كما استشيرت المؤسسة في حالات تتعلق بأعضاء نشطين ومتحمسين لهذه الديانة (الشيطانية) بقوة ولا تتجاوز أعمارهم ثلاث عشرة سنة. ويتحدث أخصائيو المصحات النفسية عن قصص مخيفة عن تأثير هذه النشاطات والجلسات السرية على نفسيات الشباب الذي يخضع للإيحاءات. ويقول أحدهم أنه عالج ثلاثة مراهقين من هوس يتعلق بالأرواح، كان أخرهم فتاة عمرها خمس عشرة سنة كانت مقتنعة أنها حامل من الشيطان وأنه سيكون لهذا الحمل أو الجنين دور خاص في المستقبل ... كانت مقتنعة بذلك رغم أنها في الحقيقة لم تكن حاملا على الإطلاق، ويضيف بأنه قد تمكن من علاجها إلا أنه غير متفائل لأنها عادت إلى نفس زملائها السابقين، ويخشى أن يؤدي اشتراكها مرة أخرى في مثل تلك الجلسات السرية إلى عودة المرض النفسي إليها. وقد أصبحت هذه النشاطات تثير الإزعاج لدرجة أن أولياء الأمور في إحدى القرى حاولوا منذ أسبوعين منع أحد عروض الألعاب السحرية في إحدى المدارس الابتدائية، وعندما لم يستطيعوا منع العرض منعوا أطفالهم وعددهم أربعين من حضوره في المدرسة خوفا أن يكون حضور أطفالهم لعرض مثل هذا هو الخطوة الأولى على الطريق لينضموا إلى الديانة (الشيطانية) في المستقبل.

стр. 335

قديم جديد أرحام تتعاطف للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ﵀ طالما نعينا على المسلمين خصوصاً، وعلى الشرقيين عموماً، هذا التقاطع الذي شتت شملهم، وفرق جامعتهم، وصيرهم لقمة سائغة للمستعمرين؛ وطالما شرحنا للمسلمين أسرار التواصل والتراحم والتقارب الكامنة في دينهم، وأقمنا لهم الأدلة، وضربنا لهم الأمثال، وسقنا المثُلات، وجلونا العبر، وكانت نذر الشر تتوالى، فيمارون بها، وصيحات الضحايا منهم تتعالى، فيصمون عنها والزمن سائر، والفلك دائر، وهم في غفلة ساهون. دعوناهم إلى الجامعة الواسعة التي لا تضيق بنزيل، وهى جامعة الإسلام، إلى الروحانية الخالصة التي لا تشاب بدخيل، وهي روحانية الشرق، وحذرناهم من هذه الأفاحيص الضيقة، والوطنيات المحدودة، التي هي منبع شقائهم، ومبعث بلائهم، وبينا لهم أنها دسيسة استعمارية، زينها لهم سماسرة الغرب، وعلماؤه وأدلاؤه؛ وغايتهم منها التفريق، ثم التمزيق، ثم القضم، ثم الهضم، وأن الاستعمار -بهذه الدسيسة وأشباهها- يفسد فطرة الله فيهم، وينقض دين الله عندهم؛ ففطرة الله تلهم نصر الأخ لأخيه، وحماية الجار لجاره؛ ودين الله يوجب حقوق الأخوة، ويدعو إلى إيثار الجار والإحسان إليه؛ وهو بهذا يعمم التناصر ويقيم في الأرض شرعة التعاون، فما من جار إلا له جار، والناس كلهم متجاورون، جوار الدار للدار، فجوار القرية للقرية، فجوار المدينة للمدينة، فجوار الوطن للوطن؛ فإذا أخذوا بهذه الشرعة وأقاموا حدودها عم التناصر والتعاون، وسدت المنافذ على المغيرين، وعلى المفسدين في الأرض ولكن الاستعمار - بهذه الدسيسة - بدل شرعة الله بشرعة الشيطان، فهو يقول لك: أقصر اهتمامك على دارك، ولا تلتفت إلى دار جارك، ويوسوس للجار بمثل ذلك حتى إذا أطاعاه خرب الدارين، واستعبد الجارين. ومازال الاستعمار يروض المسلمين والشرقيين على قبول هذه الدسيسة، ثم على استحسانها، ثم على الأخذ بها، حتى تقطعوا في الأرض أمماً ليس منهم الصالحون ... ثم تقطعت الأمم جماعات، وكلما آنس منهم مخيلة انتباه غرهم بما يغر به الشيطان: بشجرة الخلد وملك لا يبلى، وجرهم بما ينجر به الصبيان: ألفاظ فارغة وأسماء وألقاب، وعروش من أعواد، في سيل واد؛ حتى ابتلع ممالكهم، واحتجن أموالهم، وتركهم مثلاً في الآخرين؛ واعتبر ذلك بهذا الاستعمار الجاثم في شمال أفريقيا [١] ، وعد بذاكرتك إلى مبدأ أمره، وكيف أكل العنقود حبة حبة، متمهلاً مطاولاً، يرقب الخلس، ويدرع الغلس؛ وكيف أطعمته غفلتنا الكراع، أطمعته في الذراع، حتى استوعب الجسد كله أكلاً؛ وكيف كان يعتدي على الجزء، فيقابله الكل بالهزء؛ اعتبر ذلك ترَأننا ما أخذنا بغتة، ولا سلبنا هذا الملك الضخم فلتة؛ وإنما هي آثار تلك الدسيسة فينا، استبدلنا التناحر بالتناصر، والتعاوي بالتعاون؛ ثم نزلنا دركة.، فأصبحنا وإن الأخ ليقتل أخاه في سبيل قاتلهما معاً، ولو اتعظ الأخير منا بالأول لما مد الاستعمار هذا المد، ولما بلغ فينا إلى هذا الحد.

стр. 336

الصفحة الأخيرة مزيداً من هذه الخطوات بدأ بعض المسلمين في بريطانيا يشعرون بالخطر الناجم عن ترك فلذات أكبادهم يتعلمون في المدارس الإنكليزية، ويتربون على أيدي معلمين ومعلمات أتقنوا فن استهواء الطفل الصغير والتغرير به بأساليب هادئة ماكرة، فالدروس أكثرها قصص وألعاب ورياضة وبرامج تلفاز، والطفل المسكين يردد ما تقوله له المعلمة، فيتعلم أغاني أعياد الميلاد و (بابا نويل) . وفى هذه الأجواء فإن الآباء والأمهات المسلمين - وأكثرهم غير متعلمين - يشعرون بالفرح والبهجة لأن ولدهم أصبح يتكلم الإنكليزية كأهلها، وفى العادة فإن الخيرين منهم لا يتنبهون للخطر إلا بعد فوات الأوان، وبعضهم يحاول ترميم ما أفسده بإرسال ولده إلى المسجد في عطلة نهاية الأسبوع، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وبقيت المشكلة: كيف ننشئ مدارس خاصة لأولاد المسلمين، تزودهم بقدرٍ كافٍ من المعلومات والمعارف الإسلامية التي تحفظهم وتعصمهم من الذوبان، وهو تحدٍ يجابه المسلمين، خاصة وأن من ينفق الأموال في وجوه الخير يحب إنفاقها في المساجد، وهو في غفلة عن المدارس وخطورتها وأهميتها لإنقاذ الأجيال الشابة، وبدأت تظهر بدايات تدعو إلى التفاؤل، وإن كانت صغيرة الحجم ككل بداية، فظهرت مدرسة الهجرة في برمنجهام، ومدرسة زكريا الثانوية للبنات في مدينة (باتلي) وقد سبق الأخ يوسف إسلام بإنشاء المدرسة الابتدائية الإسلامية في لندن. ولعل هذا يكون أول الغيث في تشييد المدارس، وتشمير المسلمين عن ساعد الجد من أجل فهم واقع العصر، والنظر إلى -المستقبل، لا إلى الساعة الراهنة فقط.

стр. 337

شعبان - ١٤٠٩هـ مارس - ١٩٨٩م (السنة: ٣)

стр. 338

الإفتتاحية معركة وهمية كنا نود أن لا نتعرض لهذا الموضوع، لاعتقادنا بأنه لا يستحق أن يتخذ منه المسلمون جبهة جديدة يفتحونها على أنفسهم، ولكن لأن هذه القضية بما -وصلت إليه- تصلح للاعتبار؛ فقد أصبح لابد أن نقول فيها كلمة. وقبل كل شيء نقدم مختصراً لهذه المشكلة التي تتلخص بأن كتاباً ألفه مرتد عن الإسلام من أصل هندي، باحتٌ عن الشهرة، درس في مدرسة تبشيرية قبل مجيئه إلى بريطانيا، التي أكمل تعليمه فيها، واستوطنها. والكتاب هجوم مقذع على الإسلام، وشريعته، ونبيه ﷺ ، وصحابته الكرام، وقذف مر لأمهات المؤمنين بأسلوب سوقي وضيع، بل هو في مجمله سخرية شديدة بكل ما تعارف عليه البشر من معان سامية، وشخصيات قدوة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يتهجم فيها هذا الكاتب المأفون على الإسلام، بل سبقت له مناسبات قبلها، ولعل الغربيين فطنوا إلى أهمية أن يهاجم الإسلام ويشهِّر به شخص كان في الأصل مسلماً؛ فاحتضنوه، وشجعوه عن طريق أجهزة الإعلام من صحافة وإذاعة ودور نشر، وعن طريق منحه جوائز لترويج كتبه، وتسابقت كثير من الصحف تفسح له صفحاتها، وتنقل فقرات من كتابه، وتقدم عرضاً له، وهذا عمل مألوف في كل عمل له رأي سلبي حول الإسلام، أو ما يتعلق به. وقد تنبه بعض المسلمين في بريطانيا لما في هذا الكتاب من أكاذيب حول نبي الإسلام، ومن قصد سيء لهذا الكاتب ولناشر كتابه من أجل النيل من الإسلام، وتجديد تصويره بأبشع الصور عن طريق أرخص السباب والشتائم المقذعة التي لا يقدم عليها إلا شخص يستهين بكل مبادئ البحث العلمي والموضوعية، فاعتبروا أن هذا العمل يستحق الشجب، واستعملوا أغلب الطرق القانونية المعروفة في الدول (الديموقراطية) للاحتجاج على نشر هذا التشويه المتعمد لكل ما يعتز به المسلمون. وقد كان الأمر يسير سيراً طبيعياً، ولا يثير أية ردود فعل، إلى أن قام المسلمون بمظاهرة في مدينة (برادفورد) في شمال إنكلترا، عبروا فيها عن شجبهم للكتاب بالقيام بعمل رمزي فأحرقوا نسخة من الكتاب، وعلى أثر ذلك ثار بركان الغضب المكتوم عند غير المسلمين، فشجبوا تصرف المسلمين هذا، وليس هذا فحسب؛ بل بدأت الصحافة بطرفيها: (الرصين والوضيع) حملة لا مثيل لها في الهجوم على الإسلام، والسخرية من المسلمين، ولم يبق في جعبتها نعت من نعوت التخلف والتعصب إلا وألصقته بالمسلمين وفكرهم، ودولهم، وتاريخهم، وعاداتهم، وكل شيء يتعلق بهم. واعتبرت الصحافة ما قام به المسلمون للفت النظر إلى مشاعرهم ومدى إحساسهم بالألم اعتداءً على حرية الفكر، وعداءً للديموقراطية وحقوق الإنسان، وتهديداً للمجتمعات التي يعيشون فيها، بل وسخَّرت أقلاماً كثيرة، لتحصر الاعتراض على ما جاء في الكتاب في مجموعة من المسلمين محبة للفوضى متعطشة للتخريب، منغلقة الفكر، ولكي تكسو دعواها هذه برداء يشبه الحقيقة؛ كانت تلجأ إلى بعض الشخصيات (المارقة) ذات الأصول الإسلامية، ممن لا يختلف عن (رشدي) إلا بارتدائهم ثوب البحث العلمي والأكاديمية، فتستكتبهم، أو تجرى معهم المقابلات التي يسفهون فيها آراء المسلمين، ويسخرون من طريقة تناولهم للأمور ... وهكذا. وفي الوقت الذي كانت فيه الصحافة تصول وتجول منفردة بعرض وجهة نظرها؛ كانت وجهات نظر المسلمين تُتَجاهل، ويُسخر منها بتحامل شديد، وبعد عن الموضوعية والحياد. وبعد أخذ ورد ومحاولات كثيرة قام بها المسلمون للتعبير عن غضبهم، وتجاهل الصحافة؛ وتجاهل المسؤولين؛ بل وتحدٍ من الكاتب والناشر؛ دخل على الخط عنصر آخر في المواجهة، فبينما كانت الدول بعيدة تقريباً عن مجرى الصراع؛ إذا بنا فجأة نجد أن هناك من تقدم ليخطف الراية، ويقود المواجهة! . ونحن نرى أن هذا الاختطاف للراية ليس من البطولة في شيء ذلك لأنه لا تكافؤ بين الخاطف والمخطوف منه، فالخاطف دولة، والمخطوف منه منظمات وأصوات لا تتبناها دول، هذا من حيث الشكل الخارجي، أما إذا لجأنا الى التفسير الباطني للأحداث (وأظن أنه لا تثريب علينا في ذلك، إذا أخذنا بمبدأ المعاملة بالمثل) فإننا يمكن أن نلمح أشياء كثيرة لا يجهلها إلا المصاب بعمى الألوان، فتحويل الحملة لتأخذ هذا النطاق العالمي يخفي وراءه مقاصد كثيرة، ويهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية، فيبعد أنظاراً عن مشاكل، ويصبوا إلى استعادة ثقة أصبحت مهزوزة، وليس هدفنا هنا الاسترسال في رسم الصورة لما وراء الأكمة. المهم أن الغرب حول المعركة في الاتجاه الذي يريده، وقادها بمقدرة فائقة بأجهزة إعلامه المتنوعة، ولم يبقها محصورة في نطاق الموضوع المتنازع عليه؛ بل اتخذ من هذا الموضوع وسيلة يخرج بها كل الكراهية والأحكام المسبقة التي يكنها للإسلام والمسلمين جميعاً دون تفريق، وهو إن أشار إليهم أحياناً بإشارة يُشَمُّ منها تعاطف ما، فهو لا يعدو تعاطفه مع جنس من المخلوقات يخشى عليها من الانقراض، فيؤدي انقراضها إلى نقص في امتيازات الرجل الغربي (المتحضر) ، ماذا نقول؟ ! ... بل إن تجاوب هذا الرجل الغربي (المتحضر) ، القاسي القلب، المملوء جلده بالغرور والأثرة والغطرسة مع آلام الحيوانات أضعافَ أضعافِ تجاوبه مع آلام البشر إذا كانوا مسلمين لو بالوراثة، دع عنك ما إذا كانوا مسلمين بالممارسة. هل هناك دروس يمكن استخلاصها من هذا (المهرجان) التشهيري بالإسلام وحضارته، وبالمسلمين ودينهم؟ ما أجدر المسلمين أن يوظفوا مثل هذه التجارب من أجل أن تكون لهم مواقف مبدئية لا تتأثر بالعواطف، ولا تقوم على ردود الأفعال. أول فائدة يمكن استخلاصها هي أن هذه الديموقراطية التي يتغنى بها الكثير هنا وهناك لا تقوم على أساس صحيح، حتى لو حاول أنصارها أن يقنعونا بعكس ذلك، بل حتى الأساس المفترض للمساواة بين البشر غير موجود فيها، والصحيح أنها فلسفة مفصلة لنوع معين من البشر وهو النوع الذي يعتقد أنه أرقى من غيره عرقاً وأصلاً وفكراً وحضارةً، ديموقراطية متناقضة مبنية على الكذب والادعاء والبعد عن الإنصاف، فهي في الوقت الذي تتهم المسلمين بأنهم يريدون أن يفرضوا أعرافهم وأفكارهم على غيرهم؛ تقوم هي بالفعل والقول في فرض أعراف الإنسان الغربي وتقاليده وإفرازات حضارته في جميع أنحاء الأرض، حتى إذا أحد تململ أو قال: لا؛ سلطت عليه آلتها الإعلامية وضغوطها السياسية، و (رمته بدائها وانسلت) . والفائدة الثانية أن الأفعال المنبعثة عن الهيجان وغليان الدم في مواجهة مثل هذه الأحداث قد تؤدي إلى عكس المقصود، فدماء المسلمين أغلى من أن تراق من أجل أهداف وهمية، والقتلى والجرحى الذين سقطوا في (معركة الأشباح) هذه؛ أولى لهم أن كانوا سقطوا في مواجهة أعداء محددين أمامهم أو على أرضهم؛ لا أن يسقطوا بعيداً بآلاف الأميال عن مخبأ مارق خسيس تحتضنه الديموقراطية الغربية الوثنية. رب قائل يقول: أين الغضب لحرمات الله التي انتهكت؟ ألم يكن رسول الله ﷺ يغضب لحرمات الله حتى لا يقوم لغضبه شيء؟ والجواب: نعم كان رسول الله ﷺ يغضب غضباً منتجاً، لا غضباً عقيماً. وحق لنا أن نغضب، وحق لنا أن نمتلئ غيظاً، ولكنه الغضب الذي يتجه إلى الهدف؛ لا الغضب الذي يكون صرخة في واد، الغضب الذي يبتعد عن الاستعراض والتهويش، فيكون نفعه أكثر من ضرره. الفائدة الثالثة: أن يوفر المسلمون جهودهم لما ينفع ويؤدي إلى صلاح حالهم، وأن لا ينخدعوا بأساليب الديموقراطية الغربية وضمانها لحرية القول والتعبير والاحتجاج، فهذه الحرية سلاح ذو حدين، أضعفهما الحد الذي يستعمله المسلمون الذين يعيشون في ظل هذه الديموقراطية، وأشرسهما وأشدهما نكاية الذي تستعمله هذه الديموقراطية وعُبَّادُها ضد من يقف في وجه اعتدائهم ووقاحتهم. الفائدة الرابعة: أن حقوق المواطنة سراب خادع مادام الإنسان حريصاً على أن يبدو مسلماً قولاً وسلوكاً، والجمع بين هذه الحقوق؛ وبين أن يكون المسلم مسلماً؛ كالجمع بين الماء والنار، وتستوي في هذه النتيجة كل الديموقراطيات: شرقية وغربية، كما تستوي في النظر إلى المسلم نظرة الاشتباه والترقب والحذر كل العلمانيات: المسيحية والممسوخة. وأخيراً فإن من أساليب أعداء الإسلام استغلال بعض الظواهر التي تثير المسلمين، فينفخون فيها، ويصطنعون منها معارك، فيجهزون الساحة، ويحشدون النظارة، ويغرق الفريقان غير المتكافئين في حمى التشجيع، ولا يعودان يميزان أماماً من وراء؛ ولا يميناً من يسار؛ ولا فوقاً من تحت، وهي معارك حتى لو انتصر فيها المسلمون، فانتصارهم ليس إلا (فقْعة في قاع!) [١] ، وقد يكتشفون أو لا يكتشفون أن المستفيد الحقيقي من هذه المعارك ليس المنتصر، بل الذي أقامها وحشد لها، وهم في الحالة الراهنة الغربيون ومن يشاركهم العداء للإسلام وأهله في كل مكان، وما استفادوا هو أنهم أظهروا المسلمين بالصورة التي يريدون، وروجوا ما شاؤوا من الأفكار، وسوّقوا انتاجهم الرخيص بثمن غالٍ، واستفرغوا طاقات كثيرة للمسلمين في محاربة طواحين الهواء. ألا من وقفة أمام تعريف الحكمة وتحديدها؟ ! . الحكمة التي قال الله تعالى فيها: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ، ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً، ومَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [البقرة: ٢٦٩] .

стр. 339

مجددون معاصرون حسن البنا -٢ - الدرس الخامس: كان من لا يعرف حسن البنا تشده إليه طريقته المهذبة الرقيقة في التعامل مع الناس ... كتب عنه عدد كبير من المفكرين العلمانيين أو العصاة، فشهدوا بحسن أخلاقه وأدبه وتواضعه رغم اختلافهم معه في الأفكار والتصورات، ولكنهم أنصفوا الرجل. يقول إحسان عبد القدوس في روز اليوسف ١٢ سبتمبر / ١٩٤٥ ولا يخفى على أحد طبيعة هذه المجلة واتجاه أصحابها: (لو زرت حسن البنا لاستقبلك بابتسامة واسعة، وآية من آيات القرآن الكريم، يعقبها بيتان من الشعر، يختمها بضحكة كلها بشر وحياة. والرجل ليس فيه شيء غير عادي، ولو قابلته في الطريق لما استرعى نظرك، اللهم إلا بنحافة جسمه ولحيته السوداء التي تتلاءم كثيراً مع زيه الإفرنجي وطربوشه الأحمر الغامق..) ، ثم تحدث عن لباقته وقدرته على الإقناع، ورزانة أسلوبه. ويقول الأديب الكبير أحمد حسن الزيات: (وجدت فيه ما لم أجد في قبيله، أو أهل جيله: من إيمان بالله راسخ رسوخ ... الحق، لا يزعزعه غرور العلم، ولا شرود الفكر، وفقه في الدين صاف صفاء المزن، لا يكدره ضلال العقل، ولا فساد النقل، وقوة في البيان مشرقة إشراق الوحي لا تحبسها عقدة اللسان، ولا ظلمة الحس، إلى حديث يتصل بالقلوب، ومحاضرة تمتزج بالأرواح، وجاذبية تدعوك إلى أن تحبه، وشخصية تحملك على أن تذعن! !) .. ثم قال الزيات: «والفطرة التي فطر عليها حسن البنا والحقبة التي ظهر فيها حسن البنا تشهدان بأنه المصلح الذي اصطنعه الله لهذا الفساد الذي صنعه الناس» عن كتاب [حسن البنا، الداعية الإمام والمجدد الشهيد، أنور الجندي، ص ٢٦٨] . يقول الشيخ محمد الغزالي في قمة خلافه مع الإخوان وبعد أن تخلى عنهم: «شهدت رجلاً كان يهاجم الأستاذ البنا ﵀ في الهيئة التأسيسية مهاجمة عنيفة، ويخاطبه بما لا يليق من الألفاظ. فلما ثار عليه الإخوان غضب الإمام الشهيد وثار في وجه الغاضبين، حتى لقد أخرج بعضهم، ثم أقبل مبتسماً على هذا المهاجم المتجني، وقال له: قل ما شئت وانقدني كما ترى، فلن تُقاطع بعد ذلك، ولعلي أجد في قولك ما أصلح به خطأ أو أقوم به معوجاً، [من معالم الحق ٢٥٧، دار الكتب الحديثة] . أشار الأستاذ البنا في مذكراته إلى سبب من الأسباب التي دعت جماعة شباب محمد إلى التخلي عن الإخوان فقال: » وكان هذا الشعور نواة لتفسيرات لاحقة [يقصد تملق أحد الإخوان للنواب وقادة الأحزاب في حفل عام] لتصرفات كثيرة مشابهة، وما زال يتضخم حتى صار أساس فتنة ذهبت بمجموعة من خيار الإخوان، وحالت بينهم وبين العمل في هذا الميدان « [المذكرات ٢٥٢] . والشاهد هنا أنه رغم وقوع خلاف بينه وبينهم، ورغم انفصالهم عن الإخوان وقيامهم بتأسيس جماعة جديدة أسموها (شباب محمد) ، فلقد وصفهم البنا بأنهم من خيار الإخوان، وحاشاه أن ينشر عنهم الأراجيف، ويتهمهم بما هم منه برءاء، ويؤلب الأجواء ضدهم، ويسخر عشرات الآلاف من إخوانه ليقوموا بتشويه سمعتهم أمام الناس ... ليس هذا من خلق البنا، وهو الذي يقرأ في كتاب الله قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [المائدة: ٨] . فهم عنده من خيار الإخوان وإن وقعت الخصومة بينه وبينهم ... ما أشد حاجة الدعاة والجماعات اليوم إلى مثل هذه الأخلاق الرائعة، وما أشد حاجتهم إلى التأسي برسول الله ﷺ الذي وصفته عائشة ﵂ بقولها: » كان خلقه القرآن «. الدرس السادس: نجح البنا في تحويل الأفكار والأماني إلى واقع ملموس. فإذا تحدث عن الزكاة مثلاً لم يقف عند حد الوعظ، والتذكير، وترغيب الناس وترهيبهم بل تراه يأمر بتنظيم لجنة مهمتها جمع الزكاة من الملتزمين في الجماعة وغيرهم من عامة المسلمين، ثم يقومون بتوزيعها حسب الطرق الشرعية المعروفة. وكذلك يفعل في مختلف جوانب البر والخدمات الاجتماعية، فيقدم المساعدات للعاطلين عن العمل، والمرضى، وغيرهم من المنكوبين والمحتاجين، وكان لقسم البر والخدمات شعب في مختلف أنحاء مصر، وعندما كان يدرب إخوانه على عمل خيري، كان يقول لهم: هذا أفضل من عشرات الدروس في الوعظ. وخطط ﵀ لتكون الجماعة غير محتاجة إلى عون أية جهة حكومية، أو غير حكومية، فأسس الشركات الاقتصادية وكان من أشهرها: شركة المعاملات الإسلامية، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة المطبعة الإسلامية والجريدة اليومية، وشركة التجارة والأشغال الهندسية بالإسكندرية، وشركة الإعلانات العربية، فضلاً عن تأسيس المستشفيات المجانية [انظر الإخوان المسلمون والمجتمع المصري ص: ١٣١] . ومما لاشك فيه أن هذه الشركات أرهبت فاروق، والأحزاب، والإنكليز، وأشعرتهم أن هذه الجماعة ليست مجموعة من [الدراويش] ،، وإنما هي واقع ضخم لم تعرفه منذ عدة قرون. الدرس السابع: كان الرجل جاداً عندما نادى بتحرير مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي من نير الاستعمار الدخيل، والمجدد لا يعرف الهزل في قضايا دينه وأمته ... لقد أخذ البنا يخطط من أجل طرد الإنجليز من مصر، ومن أجل طرد اليهود من فلسطين، وشكل ﵀ تنظيماً عسكرياً، وأخذ يبتاع الأسلحة، ومصر كانت مخزن أسلحة، لاسيما أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. قال ﵀ في خطاب جامع ألقاه في المؤتمر الدوري الخامس: (في الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحياً بالإيمان والعقيدة وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني أن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله ... ) . انظر إلى قوله: [فإني فاعل إن شاء الله] ، وبدأ التنفيذ العملي عندما أمر إخوانه في مصر وسورية والأردن دخول حرب فلسطين، وأبلت هذه القوات بلاء حسناً، وكان اليهود يهابون المعارك التي يواجهون بها كتائب الإخوان كما شهد رئيس أركان الجيش المصري في المحكمة وهو ليس منهم وليس من مؤيديهم، إنه رجل دولة وقد صحا ضميره فأدلى بهذه الشهادة ... وسقط على أرض فلسطين المباركة عدد غير قليل من هؤلاء الشهداء الأبرار، واستماتوا في الدفاع عن الأقصى في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب الشيوعية العربية تعلن تأييدها لما أسمته حق إقامة دولة لليهود في فلسطين وكان دعاة العلمانية من الأحزاب التي لبست لبوس القومية العربية لا تختلف مواقفهم عن مواقف الشيوعيين كثيراً، ومن يستقرئ التاريخ يجد وثائق لا تحصى تدمغ أصدقاء (اللنبي) و (لورنس) و (غلوب) .. فهل تصحو ضمائر زعماء قادة منظمة التحرير فيعترفون بحقائق التاريخ الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار؟! - ألا يعرف هؤلاء أن جيش عمر بن الخطاب هو الذي فتح فلسطين وطهر الأقصى من دنس الرومان الصليبيين؟ ! . - ألا يعرفون أن جيش صلاح الدين الأيوبي هو الذي فتح فلسطين وجعل منها مقبرة للغزاة الصليبيين؟ ! . - هل نسي أو تناسى هؤلاء أن جند عز الدين القسام، والحاج أمين وعبد القادر الحسيني، وجند الإخوان المسلمين من مصر وسورية والأردن وغيرها من البلدان العربية، وجند الإسلام من تركيا ويوغسلافيا والهند وغيرها من البلدان التي يكثر فيها المسلمون ... هؤلاء جميعاً هم الذين استماتوا في الدفاع عن فلسطين عام ١٩٣٦ وعام ١٩٤٨م. - أخبرونا من الذين يواجهون اليهود في فلسطين المحتلة منذ أكثر من عام؟!.. إن الذين يريدون فرض جورج وكابوتشي والشيوعيين علينا لا يريدون خيراً لفلسطين، والتاريخ لا يرحم! ! . كانت سجون مصر تنتظر الإخوان المسلمين، بعد عودتهم من حرب فلسطين، ولكن الذين لم يدخلوا السجن وهم قلة أخذوا يستعدون لمعركة أخرى ... وانتظروا أول فرصة سانحة، أي بعد خروج مجموعات من الإخوان من السجن، فبدأوا معركة قنال السويس ضد الإنكليز، وشارك في هذه المعارك بعض الضباط من الطيبين وغيرهم، فشعر المستعمر بأنه من الصعب جداً استمرار احتلاله لمصر لأنهم أصبحوا هدفاً لضربات الإخوان القوية في كل مكان من مصر، وكان من أبرز أبطالهم الشيخ محمد الفرغلي، والأستاذ يوسف طلعت، اللذين أعدمهما نظام جمال عبد الناصر لأنه يعلم أنهما سيقاومان كل انحراف وكل فساد ... وجملة القول: هذا جانب تجديدى من تجديد حسن البنا، وهذه صفحات مشرقة من تاريخ هذا الرجل في الجهاد. الدرس الثامن: كان البنا دائم التجديد، فلقد بدأ بداية متواضعة، ثم أخذ يطور جماعته، ويطور مخططاته ... وكما قلنا فيما مضى كان من هذا التجديد المستمر في عمله: إنشاء الصحف، والشركات، ومراكز البر والخدمات، ونظام الأسر، والنظام الخاص ... وكان ﵀ يعلم أنه قد انضم إلى الجماعة في مختلف فتراتها عناصر غير متجردة، وكانت تريد من وراء ذلك مكاسب ومغانم، وأن من هؤلاء من توصل إلى مراكز قيادية في الجماعة ... انظر إليه وهو يقول: » في هذا اليوم تحدث إلي ... و ... بخصوص نظام مجلس الإدارة، إن هؤلاء الناس لم يفهموا بعد دعوة الإخوان المسلمين، وقليلون هم أولئك الذين يستطيعون النهوض بأعباء إدارتها، وتنفيذ منهجها الواسع، إنني أتمنى أن يكون إلى جانبي رجال يفهمون ويديرون فأسلم إليهم هذا العمل وأرتاح بهم قليلاً وأطمئن إلى مقدرتهم، ولكن أين هم؟ إن الكثيرين لا يفهمون من مجلس الإدارة إلا كلمة العضوية، فهم يتنافسون على حيازتها، وتقع بها بينهم العداوة والبغضاء. سيتبع التغيير المنتظر ضجات هي كالسراب يلوح ثم يزول بمجرد الوصول إليه. فاللهم إن كنت تعلم حسن القصد وخلوص النية فوفق، وإن كان غير ذلك فاسلك بنا سبيل عبادك المخلصين، آمين، [المذكرات ١٣٣] . وكتب قبل صفحتين يقول: «على أن ملخص خطراتي أن فرعي جمعية الإخوان بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيراً، لأنها أنشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي، وبجهود الإخوان الحقيقيين الذين يرون لي معهم شركة في التهذيب والتعليم، وهم قليل. ونفس فرع الإسماعيلية ستحدث فيه تعديلات كثيرة، ولكنه سيسير سيراً نافعاً إن شاء الله ... إنه لله ... قائد موهوب ولكنه منصرف بهذه القيادة وهذه المواهب إلى السفاسف مسرف في وقته لا يقدر له قيمة، قلبه مملوء بأوهام لا حقيقة لها، ومنصرف إلى ناحية لا تثمر إلا العناء، فالاعتماد عليه ضرب من المخاطرة العقيمة. والأخ الشيخ.. له أساليبه الخاصة به. وهو ينظر إلي كأخ زميل فلا يصغي لآرائي إلا قليلاً، ومن هذه الناحية يكون توحيد الفكرة ضرباً من التعسر؛ فالاعتماد عليه مخاطرة كذلك» [المذكرات ١٣١] . وفي هذه الأسطر القليلة نقرأ عبارات تحتاج إلى دراسة واسعة لأهميتها، والبحث لا يتسع لذلك ولكن نشير إليها: - يتمنى أن يكون الى جانبه من عشرات الآلاف رجال قلائل يفهمون دعوته. انظر إليه وهو يتساءل: ولكن أين هم؟ ! . - يعرب عن حزنه وألمه من هؤلاء الذين يتنافسون على عضوية مجلس الإدارة، ومن أجلها يتخاصمون. - يؤكد أنه سوف يجري تغييراً وسوف ينشأ عن هذا التغيير ضجة. - الاعتماد على غير المخلصين ضرب من المخاطرة العقيمة. فمن هؤلاء الذين يقصدهم؟ ! ... هل هم الذين تخلوا عنه وانضموا إلى حزب الوفد؟ ! . أم هم الذين تآمروا فيما بعد مع عبد الناصر وأمثاله ضد إخوانهم؟ ! . أم هم صنف ثالث استمروا في الجماعة وفقدوا رجلاً كالبنا يفهمهم على حقيقتهم؟ ! . وفيما كتبه البنا ﵀ موقف مهم من الصوفية وطرقهم وانحرافاتهم. قال ﵀: «حضر إلى الإسماعيلية ... من القصاصين وهو يدعو إلى الطريقة وله أفكار خاصة تنافي آمالي الإسلامية. وأنا إنما وقفت نفسي لدعوة أرى أنها خير السبل للإصلاح الإسلامي، وأمثال هؤلاء يريدون تحويلها وتشكيلها بشكل دعواتهم وذلك ما لا أريد.. لقد آن الأوان الذي أعتزل به عن كل هذه الدعاوى المشتبهة. وأكشف فيه عن الغاية للإصلاح الإسلامي الذي يتلخص في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وتطهير العقول من هذه الخرافات والأوهام، وإرجاع الناس إلى هدي الإسلام الحنيف» [المذكرات ١٣٢] . فعلى الذين يتحدثون عن صوفية حسن البنا في صغره أن يتدبروا قوله هذا، ويضعوا خطوطاً تحت قوله عن الصوفية: [تنافي آمالي الإسلامية] . وقوله: [لقد آن الأوان الذي أعتزل به عن كل هذه الدعاوى المشتبهة] . وتأكيده بأن دعوته تقوم على الكتاب والسنة وتطهير العقول من هذه الخرافات والأوهام ... وهكذا كان البنا ﵀ دائم التجديد يكره الجمود والتقليد، كما كان يسير بدعوته من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ويخطط لهذه المراحل، ويعرف الموضع الذي يضع فيه قدمه ... وكان يسمع النقد ويصغي لكل ناصح، ويسارع إلى الاعتراف بخطئه، ويمد يده لكل داعية للإسلام داخل مصر وخارجها. ولقد أقلقت هذه الظاهرة أعداء الإسلام من المستعمرين وأعوان فاروق، وعلموا أن مركز القوة في الجماعة هو مؤسسها ومرشدها، فدبروا محاولة اغتياله، ومن الغرائب والغرائب كثيرة أن يكون حماة الأمن هم أنفسهم قطاع طرق، وجناة وقتلة ... وفرح أعداء الإسلام داخل مصر وخارجها عندما علموا بنبأ قتله. رحم الله البنا رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.

стр. 340

من مشكاة النبوة حديث الفطرة محمد سليمان نص الحديث: في الصحيحين، واللفظ للبخارى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ] [الروم: ٣٠] ، قالوا يا رسول الله: أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» . ما هي الفطرة: الفطرة هنا هي الإسلام، فكل مولود يولد مسلماً كما جاء في الصحيح من رواية الأعمش (على الملة) [١] ، وكما ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل سلطاناً ... ، وفي رواية حنفاء مسلمين، والحنيف في لغة العرب المستقيم المخلص. وكذلك حديث (خمس على الفطرة..) (أي فطرة الإسلام، وقوله سبحانه: [الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] فهذا يعم جميع الناس كما أن إضافة الفطرة إليه سبحانه هي إضافة تشريف ومدح كقوله: ناقة الله، أو قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن خالد ابن الوليد (سيف الله) والذي يمدح هو الإسلام. ومن معاني الفطرة ذلك الإقرار بالرب نتيجة الميثاق الذي أخذه من ذرية آدم. قال تعالى: [وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى] [الأعراف: ١٧٢] . فهذا يعني أن الخلق مجبولون على المعرفة بالله، فهو شيء يجدونه في أنفسهم لا يستطيعون له دفعاً، وإذا أصابتهم ضراء، دعوا الله ورفعوا إليه أكفهم. فمن أين جاءهم هذا التوجه إلى الخالق وأنه هو الذي يستطيع رفع الضر، إنها الفطرة المركوزة فيهم، ولولا أن في النفس قابلية لمعرفة الله ومحبته والذل له لما استطاع التعليم والتذكير أن يؤثر فيها، فقوة المحبة لا تأتي من الخارج، وإنما هي شيء في الداخل. ولما دعا الرسل أقوامهم إلى عبادة الله دعوهم إلى من يعرفونه ولم ينكر دعوتهم أحد ويقول: وما رب العالمين؟ وأما إنكار فرعون فهو إنكار العارف كما قال تعالى: [وجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُواً] [النمل: ١٤] وكما قال له موسى ﵇: [لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ بَصَائِرَ] [الإسراء: ١٠٢] . ويرشدنا الرسول ﷺ إلى أن تغيير هذه الفطرة يقع بتأثير الوالدين أو تأثير البيئة. ولذلك شبه المولود بالبهيمة الجمعاء التي تولد سليمة مجتمعة الخلق لا تغيير فيها ولا تشويه، ولكن الناس يغيرون خلقها بعدئذ فيشقون آذانها أو غير ذلك، فالفطرة لو تركت دون تأثير خارجي، سواء من الوالدين أو غيرهم، وأزيحت عنها العوائق من الشبهات والشهوات فهي مقتضية بذاتها لدين الإسلام. قال ابن عبد البر: وقد سئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة أيجزئ الصبي عنه أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم لأنه ولد على الفطرة. وقول الإمام أحمد في سبي أهل الحرب أنهم مسلمون إذا كانوا صغاراً وسبوا ولم يكن معهم الأبوين. وليس معنى أنه يولد مسلماً أنه يعلم الصلاة والصيام وأمور الإسلام، بل هذه يتعلمها بعدئذ، قال تعالى: [واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً] [النحل: ٧٨] ، ولكن معناه أنه لو ترك عن التأثير لكان مسلماً واتجه إلى الله، ثم يأت دور التعليم والإرشاد وإقامة الحجة، وإقامة العذر ببعثة الرسل التي تكمل الفطرة، فلابد من نور النبوة مع الفطرة السليمة. كما أن الفطر تختلف فبعضها يحتاج إلى تعليم أكثر وتحضيض وتذكير، ولكن القابلية موجودة. الكفر طارئ: إذا كانت الفطرة تقتضي الإسلام، فهذا يعني طروء الكفر وأنه ليس هو الأصل في النفس البشرية، وقوله تعالى: [لا تَبْدِيلَ لِخَلْق ِاللهِ] أي لا تبديل لدين الله. وهو معنى [كان كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ... ] الآية. أخرج ابن كثير في تفسير هذه الآية قوله قتادة: [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً] ، قال: كانوا على الهدى جميعاً ثم اختلفوا [٢] . وأما ما جاء في سورة الكهف في قصة موسى ﵇ والرجل الصالح الذي قتل الغلام، فلا يعني هذا أن كفر هذا الغلام كان موجوداً حين الولادة، لذلك جاء في الحديث الصحيح:» أن الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، ولو بلغ لأرهق أبويه طغياناً وكفراً «فقوله: طبع أي طبع في الكتاب، أى قُدّر وقضي فهو مولود على الفطرة السليمة ولكن يتغير بعدئذ فيكفر، كما أن البهيمة التي ولدت جمعاء وقد سبق في علمه سبحانه أنها تجدع كتب أنها مجدوعة، بجدع يحدث لها بعد الولادة. وقد قتل الصحابة في سرية من السرايا أولاد المشركين فأنكر عليهم رسول الله ﷺ ذلك، فقالوا: أليسوا أولاد المشركين، فقال: أليس خياركم أولاد المشركين؟ ثم قام فيهم خطيباً فقال:» ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه «، فهذا يبين أن الكفر طرأ بعد ذلك. كما أن قوله ﷺ في هذا الحديث: فأبواه يهودانه ... فلا يعني أن نفس الأبوين خلقا تهوده وتنصره، بل هو تهود وتنصر باختياره ولكن الأبوين كانا سبباً في ذلك بالتعلم والتلقين والتربية، وهو بقدر الله أيضاً. شبهات وردها: ١- قد يقال أن الفطرة هنا معناها السلامة وذلك بأن يكون قلبه صفحة بيضاء قابلاً للإيمان أو قابلاً للكفر، أو كاللوح الذي يقبل أي كتابة. وهذا القول قول فاسد لأن الذي يكون قابلاً للمدح والذم لا يستحق مدحاً كقوله تعالى: [فِطْرَتَ اللهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] وكان ينبغي أن يقال: فأبواه يهودانه أو ينصرانه ... أو يسلّمانه، وعلى هذا الفرض فلا يكون في القلب سلامة ولا عطب، ولا استقامة ولا زيع، كالورق قبل أن يكتب فيه القرآن، أو يكتب فيه كفر بالله، أو كالتراب قبل أن يبني مسجداً أو كنيسة فهذا لا يستحق مدحاً ولا ذماً. وأهل البدع يقولون: لم يولد أحد على الإسلام، ولا جعل الله أحداً مسلماً ولا كافراً، ولكن الله أعطاهما قدرة تصلح للإيمان والكفر. فهذا أحدث لنفسه الكفر وهذا أحدث لنفسه الإسلام، وأن الله لم يختص المؤمن بتوفيق الهداية، وهذا مخالف للحديث ومخالف لعقيدة أهل السنة. ٢- وقد يقال: إن الفطرة السليمة لو تركت لاختارت المعرفة بدل الإنكار، والإيمان على الكفر، كما أن في الجسم السليم قوة يحب بها الأغذية النافعة، فهذا إن كان يعني أنه لابد من تعلم بواسطة الأدلة، وأنه إن لم توجد هذه الأدلة فإن الفطرة لا تستطيع الإيمان. فالرد عليه أن الفطرة مُدحت لذاتها وأنها إذا سلمت من الشبهات والشهوات فهي تقر بالخلق، وإن كان مقصوده أن في الفطرة قوة تغلب الدين الحق على غيره ولكنها بحاجة إلى التنبيه والتذكير فهذا صحيح مع العلم أن المعرفة وحدها لا تكفي، بل لابد من عبادة الله بالمحبة له والذل له. ٣- عندما نقول أن أولاد الكفار على الفطرة فهذا لا ينافي أن يكونوا تبعاً لآبائهم في أحكام الدنيا، مثل حضانة آبائهم لهم وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، فالرسول ﷺ إنما أراد الإخبار بالحقيقة التي خلقوا عليها ولم يرد به الإخبار بأحكام الدنيا، فقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن في الباطن ويكتم إيمانه والمسلمون لا يعلمون حاله، فهو عندهم كافر في ظاهر الأمر فلو فتحوا هذه البلاد جهاداً في سبيل الله فربما قتلوه على أساس أنه مشرك، والطفل يولد على الفطرة، ولكنه لو أسر مع والديه الكافرين فسيبقى معهم. نزعة التدين وأصالتها: ما إن أطل القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديان حتى امتلأت أوربا غروراً بالعلم المادي الذي اخترعته وانتفش الكفر وعبد هذا الصنم الجديد من دون الله، وقالوا ان العلم ينافي التدين، واستثمر الماكرون هذه المقولة لإبعاد الدين عن الحياة، ثم ظهرت بعدئذ الدراسات الاجتماعية وتوسعت وتعمقت في موضوع طبائع الشعوب وعاداتها، وظهر علم مقارنة الأديان وتبين أن نزعة التدين لا يخلو منها شعب في القديم والحديث، وعند أشد القبائل وحشية وتأخراً، وعند أشد الأمم تمدناً، ورقياً مادياً. يقول معجم (لاروس للقرن العشرين) : (إن الاهتمام بالمعنى الإلهي هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية، والغريزة الدينية لا تختفي بل لا تضعف ولا تذبل إلا في فترات الإسراف في الحضارة، وعند عدد قليل جداً من الأفراد) [٣] . ويقول شاشاوان: (مهما يكن تقدمنا العجيب في العصر الحاضر، فإن عقلنا في أوقات السكون والهدوء (عظاماً كنا أو متواضعين، خياراً كنا أو أشراراً) يعود عقلنا الى التأمل في هذه المسائل الأزلية: لم، وكيف كان وجودنا ووجود هذا العالم؟) [٤] . ويقول الشيخ محمد عبد الله دراز ﵀:» ما هذه إذاً تلك القوة التي لا تزيدها المقاومة إلا عنفاً واشتعالاً أليست هي قوة الفطرة التي تورق وتثمر كلما عاودها الربيع فبلّل ثراها وسقى أصولها؟ بلى! وإن هذا قد تكفي منه قطرة، وربما يتبلور في نظرة، فما هي إلا طرفة من تأمل الفكر أو لحظة من يقظة الوجدان، أو أزمة من صدمات العزم فإذا أنت مع عالم الغيب الذي منه خرجت أو في عالم الغيب الذي إليه تصير « [٥] . وقد عبّر ديكارت في تأملاته عن هذه الفطرة: (إن مفتاح هذه العقيدة (وجود الله) موجود في نفسه، (في نفس الإنسان) كلما شعر بالفرق بين الشك واليقين أو بين الجهل والعلم، وكلما قرأ في لوحة نقصه عنوان (الكمال) الذي ليس له، فالكمال هو أسبق في العقل من فكرة (النقص) فإن من لا يعرف الشيء لا يتفقده ولا يحس بحرمانه حين يفقده، إذ كيف أعرف أنني ناقص لو لم تكن عندى فكرة كائن أكمل مني أجعله مقياساً، أعرف به مواضع نقصي، فالرغبة في الكمال وحدها دليل أسبقية وجود هدفها في التصور العقلي وليست هذه الفكرة اختراعاً وفرضاً خيالياً بل هي ضرورة تفرض نفسها على عقلي، فلا بد أن تكون ذات خارجية هي مادة الكمال المطلق ومصدره وهي المثل الأعلى) [٦] . دروس في الدعوة: هذا الحديث النبوي أصل من أصول الدعوة الى الله، فعندما نخاطب الناس بأن معبودهم هو الله وليس أحداً غيره فإنما نخاطب شيئاً مركوزاً في النفس الإنسانية وإذا أزيح ما علق بها من شوائب الشبهات والشهوات رجعت إلى فطرة سليمة. والذين يتعبون أنفسهم كثيراً في إثبات وجود الله وأنه هو الخالق لهذا الكون، ويثبتون ذلك بالأدلة العلمية أو المنطقية، إلى هؤلاء نقول: هونوا على أنفسكم فليست المشكلة بيننا وبين الناس أنهم ملحدون لا يؤمنون بوجود الله بل المشكلة الحقيقية هي أنهم لا يريدون الخضوع بالعبادة لهذا الإله فهم متبعون لشهوتهم وعاداتهم أو لكبريائهم وتجبرهم في الأرض أو أن الشبهات التي سمعوها عن الإسلام تبعدهم عن الاستجابة، والذين يظهرون الشك أصلاً والإلحاد بوجود الله هم فئة قليلة على مدار التاريخ والشيوعية المعاصرة والتي هي أزمة من أزمات الحضارة الغربية لم تستطع الاستمرار في معقلها لأنها تصادم الفطرة، وهاهي تتنازل عن مبادئها سنة بعد سنة ولم يستطع إرهاب السنوات السابقة أن يقتلع جذور التدين عند الشعوب التي أخضعها الروس لحكمهم. وحتى إذا أردنا إقناع هذا الشيوعي الملحد بوجود الله بأدلة علمية ومنطقية، فهل نضحي بالمنهج في سبيل هذه القضية وتتحول الكتابة والدروس والمحاضرات لإثبات وجود الله بينما كان الأصل هو إزالة ماران على قلوب الناس من زيغ وتذكيرهم بالله الذي يعرفونه وأنه هو الذي يستحق الطاعة والمحبة والعبادة، وكل خضوع لغيره فإنما هو الدمار ولا نريد أن نعلمه شيئاً هو يملكه، ولكن يجب أن نعلمه الإيمان الذي يتحول إلى طاقة إيجابية. والرسل دعت الأمم إلى عبادة الله الذي يعرفونه ولذلك قالوا لهم: [أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] فهذه بديهية لا أحد يشك فيها. إن الحديث عن آيات الله في الآفاق والأنفس حديث مهم، والقرآن دعا إلى التفكر في خلق الله وأمره، مما يدعو إلى زيادة الإيمان واكتشاف سنن الله في خلقه وسنن الله في التغيير وقد يأتي بعض الناس إلى الإسلام عن هذا الطريق، ولكن هذا كله وسيلة إلى الغاية الأساسية، وهي خضوع الناس لشرع الله وأن تكون عبادتهم خالصة له. والأولى أن تتجه الدعوة إلى المسلمين الذين هم في بعد عن الدين الذي أنزله الله وفي جهل بحدود وشرائع الإسلام، وذلك قبل أن تتجه إلى فئة قليلة من الملحدين المستهزئين الذين يشغلون المسلمين بجدل عقيم وغالبهم لا يقصدون الوصول إلى الحق، والرسول ﷺ هو سيد الدعاة وهو الذي يجب أن نقتبس من نور نبوته.

стр. 341

التعليم: الواقع والطموح [*] جاسر عبد الله الجاسر تمهيد: عندما نقول بأن فلاناً متعلم فهذا يعني أنه يملك استعداداً أولياً لأن يكون مثقفاً وهو بالضرورة على درجة من الوعي مرتبط بمستواه التعليمي، وبالتالي فهو إنسان إيجابي ومثمر لأنه قادر على توظيف المعطيات الأولية بشكل بنّاء ولخير الصالح العام. كل هذه أشياء يفترض توافرها في الشخص المتعلم لأن التعليم يهدف للتغيير الإيجابي وبصورة أشمل فهو يهدف لتهيئة الإنسان فكرياً أي أن يتعلم الإنسان كيف يفكر بشكل منهجي. من ذلك نجد أن التعليم يتعامل مع عقل الإنسان باعتباره عدة عوامل مترابطة، بحيث تكون الذاكرة مدخلاً أولياً لحفظ وتخزين لأساسيات الضرورية للتفكير ثم يهدأ بعد ذلك إكمال البناء الفكري عن طريق الملاحظة والربط والاستنتاج والمقارنة. ولكن التعليم العربي ينطلق من اتجاه معاكس تماماً فهو يتعامل مع الذاكرة فقط باعتبارها إمكانية إيجابية وحيدة في ذهن الإنسان، ولذلك كان الحفظ الكامل لأرتال من المعلومات المعلبة هو هدف التعليم العربي، وكلما كان الطالب أكثر استعداداً للحفظ كان في نظر المشرفين أكثر ذكاءً وألمعية، من هنا ابتدأ الخطأ. خطوة أولى: يقول العرب (العلم في الصغير كالنقش في الحجر) وهذا المثل يوضح بأبرز صورة نمطية التفكير التعليمي لدينا، فالعلم يقصد به الحفظ، ومنذ ذلك الحين، والمتعلمون سامحهم الله يحشون رؤوس صغارنا بكم هائل من المعلومات المتناثرة فيصبحون كالببغاوات، وما إن يسأل أحدهم عن معلومة ما حتى ينطلق سارداً إياها لا يغادر صغيرة أو كبيرة، ويفرح الأهل بذلك أشد الفرح، بينما الطفل المسكين لا يفهم شيئاً مما قال. يجمع علماء النفس التربوي على أن ذكاء الطفل حتى الثامنة تقريباً هو ذكاء حركي وليس تجريدي، بمعنى أن الطفل يعرف الأشياء من خلال احتكاكه المباشر بها، ولذلك ركز التربويون على استخدام اللعب كمدخل تعليمي للأطفال في هذه السن، بينها يصر التربويون العرب على أن يحبسوا الطفل في قاعة خاصة لمدة تزيد عن خمس ساعات، وهو يجتر المعلومة تلو المعلومة، ورأسه الصغير يكاد ينفجر ضيقاً وقرفاً وخوفاً، فما أن يطلقوا سراحه حتى ينطلق لممارسة أنواع سطحية ساذجة من اللعب العابث الذي لا ينمي موهبة ولا يرسخ سلوكاً ولا يثمر إلا ضياعاً وجهلاً لا يفوقه إلا جهل المدرسة. خطوة ثانية: يجمع التربويون على ضرورة أن يكون معلم الطفل متخصصاً في هذا المجال، دارساً لنفسية الطفل، مدركاً للفروقات الفردية، والأهم من ذلك كله أن يكون مخلصاً في عمله متحمساً له، مؤمناً بأنه يؤدى عملاً جليلاً، وواجباً خطيراً. ولكن وزارات التربية العربية لا تؤمن بشيء من هذا، وهي ترى بأن الطفل يستطيع تعليمه من يعرف مبادئ القراءة والكتابة، ولذلك توكل عملية تعليمه لأقل مدرسيها كفاءة ومستوى وربما أقل مدرسيها اهتماماً بالطفل، فيكون الطفل ضحية من ناحيتين. والخطورة تكمن في أن مرحلة التعليم الأولية تشكل التكوين الفكرى الأساسي للطفل، بحيث تصبح المراحل اللاحقة مجرد إبراز الجوانب الخفية في هذا التكوين. فإذا لم يكن المعلم مدركاً لهذا الجانب، ولم تكن المناهج قادرة على ربط الطفل بعقيدته بشكل صحيح ومدروس فإن النتيجة النهائية ستكون الفشل لأننا أخطأنا في تحديد نقطة البداية وبالتالي فإننا كلما تقدمنا خطوة، سنوغل في الخطأ أكثر وهكذا فإننا لن نصل أبداً. خطوة ثالثة: يعاني معظم الطلبة العرب من عدم التوافق الدراسي، وهذا يعني بأنهم يشعرون بأن الدراسة عبء مرهق يفرحون سريعاً بالتخلص منه، وهم يقضون نصف دراستهم في التحسر على إجازات انتهت ونصفها الآخر في انتظار إجازات قادمة، وهذا يعني منطقياً أن استيعابهم محدود وتركيزهم شبه معدوم، ولذلك تتبخر معلوماتهم بعد الامتحانات مباشرة، فينسون كل ماله علاقة بالدراسة وهكذا ينتهي كل شيء، وهذا يعني وجود خلل خطير في المناهج وفي طريقة التدريس إذ أنه من المفروض أن يحب الطالب المدرسة، وأن يستمتع بالدراسة كما يستمتع بأية هواية أخرى يحبها ويقضي ساعات طويلة في ممارستها. ومن نتائج عدم التوافق الدراسي ضعف المستوى العلمي حتى على مستوى خريجي الجامعات، ومما يؤكد انعدام فاعلية التعليم لدينا هو اقتران هذا الضعف العلمي بضعف سلوكي وأخلاقي، وهذا يعني أن ما يقارب ستة عشر عاماً من التعليم لم تجد فتيلاً، وهر أمر يستحيل قبوله من الناحية المنطقية، فالله سبحانه وتعالى ميز الإنسان بالعقل وجعله حجة عليه وحثه على التفكير والتأمل والتدبر، فإذا كان الأمر كذلك فإن التعليم العربي يخدر العقل باستمرار، ولو ترك الإنسان على فطرته دون تعليم لوجدنا فيه خيراً كثيراً، لأن العقل البشري بطبيعته تركيبي فهو يبحث ويسأل ويقارن ويحلل ولا يمكن أن يتخلى عن هذا الدور ما لم يكن يعاني من عجز خَلْقي أو تثبيط موجه. خاتمة: يبدو لي أن علينا أن نعيد حساباتنا بخصوص التعليم وأن نستفيد من الناحية الهيكلية من تجارب الآخرين بدلاً من أن نظل نتخبط في محاولات الصح والخطأ. وللخروج من هذا المأزق الحرج يجب على العالم العربي أن يكون على قدر من الشجاعة والمسئولية وأن يعترف بأخطائه في هذا المجال، ومن ثم تبدأ إعادة البناء بشكل كامل وصحيح: ١- الاهتمام بالطفل تربوياً وسلوكياً ونفسياً واجتماعياً، فهم نواة المستقبل ومسئولية الأمة حتى ينضجوا. ٢- الاهتمام الجدي والمدروس بتعليم الطفل وتعديل المناهج لتكون ملائمة لعقلية الطفل. ٣- إعادة وضع المناهج التعليمية، بحيث تكون حافزاً على التفكير وليست مجرد معلومات جاهزة تؤخذ كما هي. ٤- تقليل عدد الطلاب في الفصول. ٥- التركيز على جلسات الحوار والمناقشة الودية بين الأستاذ وتلاميذه. ٦- تشجيع الابتكارات. ٧- قيام علاقة ودية بين الأستاذ وطلابه. ٨- الابتعاد عن التلقين في كافة مراحل التعليم. ٩- التركيز على بناء الشخصية وتدعيم استقلالية الطالب. ١٠- الاهتمام بالبحوث التربوية والإكثار منها. ١١- وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. ١٢- مراعاة أن تكون المناهج تساعد في صقل شخصية الفرد المسلم وأن تعمق ارتباطه بعقيلته بشكل واعٍ وصحيح. ١٣- عدم التسرع في النواحي التربوية فالخطأ فيها قد يقضي على أجيال كاملة. ١٤- تأهيل المشرفين والترحيب بالمخلصين والمتحمسين لأنهم هم الذين يدفعون بصدق حركة التعليم للأمم. ١٥- العمل على تحسين المكانة الاجتماعية للمعلمين وليس هذا الأمر بعسير.

стр. 342

خواطر في الدعوة أين دور العمل ؟ مرت بالمسلمين فترات ضعف فيها العلم، وخاض الناس في أمور العقيدة أو الحدث أو الفقه أو الدعوة دون دليل صحيح معتبر، وتكلموا في أخطر قضايا المسلمين بكلام إنشائي مرصوف، واستشهدوا بالأحاديث الضعيفة والموضوعة أحياناً، وُيتنبه لهذا النقص والخلل، ويبدأ التركيز على المصادر الإسلامية الأساسية والنهل من ينبوعها واعتبار الصحة والدليل، وتوثيق النصوص، حتى يقوم البناء على أساس متين، وهذا شيء لا غبار عليه بل هو مطلوب وضروري، ولكن كثيراً من الناس لا يستطيعون الاستمرار على طريق الاعتدال والوسطية فيغالون أو يقصرون في أي أمر يعرض عليهم، فإذا رزقوا العالم الفطن ردهم إلى الطريق السوي. فالعلم لابد منه ولا يقوم بنيان على الجهل، ولكن أن يتحول كل الشباب المسلم المخلص إلى مفتين، ونرى الطبيب والمهندس ومدرس العلوم أو الرياضيات أو مدرس الأدب واللغة لا يتعمقون في دراساتهم ولا ينفعون المسلمين باختصاصهم، إلا في العموميات، وتجد في مكتبة الطبيب كل كتب التراث، ولا تجد المصادر الأساسية في مهنته، فهذا وضع غير طبيعي وخلل في فهم الأمور. فهناك علماء متخصصون يستطيع هذا الأخ سؤالهم إذا استغلق عليه أمر أو أعيته مسألة. هكذا كان عمر -رضي الله- عنه يفعل إذا طرأت عليه مسألة جديدة، يجمع الصحابة ويشاورهم ولا يتهيأ مسبقاً بحفظ المتون وافتراض المشكلات والحلول. وهذا إمام دار الهجرة مالك بن أنس يقول: أدركت هذا البلد (المدينة) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء، فما اتفقوا عليه أنفذوه، وأنتم تكثرون من المسائل وقد كرهها رسول الله - ﷺ . وكبار الصحابة لم يكونوا من مكثري الروايات فقد روى أبو عبيدة ابن الجراح أربعة عشر حديثاً، وسلمان الفارسي ستين حديثاً، ومعاذ ابن جبل مئة وسبعة وخمسين حديثاً، وغالبهم لا يروي إلا مئتين حديث أو ثلاث مئة حديث، وفي الصحيحين والسنن الثلاث والموطأ ثمانية وستين حديثاً في الحث على الجهاد. (العواصم والقواصم ٢/ ٤٨٨) . والصحابة ﵃ والتابعون كانت عنايتهم بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيام الليل، وتفقد مصالح المسلمين، ولا شك أن ذلك بعد تحصيل العلم الذي لابد منه، ولم يطلب القرآن العلم الزائد على الكفاية كما طلب وحث على العمل ومدح الخاشعين في الصلاة المعرضين عن اللغو والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. وإذا كان هذا منهج السلف وهم متفرغون للعلم بما فتح الله عليهم من الدنيا، فكيف بنا الآن ونحن نساس بغيرنا، ويقرر أمرنا غيرنا، ونحتاج لأعداء الإسلام في كل صغيرة وكبيرة من أمور دنيانا، والمهام الملقاة على عاتقنا كثيرة وحال المسلمين العلمية الآن أفضل مما كانت عليه قبل قرن؛ فلم يبق إلا المزيد من العمل والتطبيق. ولا يخطرن ببال أحد أننا نقلل من أهمية العلم الشرعي أو نضعف من شأنه، ولكننا ندعو إلى العمل بعد العلم، كما لا يعني هذا أن نحجر على أحد في طلب العلم الشرعي والتزود منه، بل لابد منه وخاصة لمن يتصدى للدعوة إلى الله والذي يجمع بين تخصصه والعلم فهذا خير على خير، ولكن الغالب أنه لا يستطيع التمكن من الاثنين، فهذا ننصحه بالتزود من العلم المطلوب لمثل حاله وأن يفيد المسلمين في اختصاصه ونحن نعلم أن هناك علوماً شرعية لابد منها لكل مسلم خاصة المتعلمين منهم حتى يدعو إلى الله على بصيرة، ولا بد من اتقانها، بعضها مجملاً، وبعضها تفصيلاً، وما خفي عنه فشفاء العّي السؤال.

стр. 343

دراسات منهجية في النظر والاستدلال أهمية أصول المعرفة في الإسلام - ١ - د. عابد السفياني الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن لكل قوم نظرية معرفية يتخذونها طريقاً للوصول إلى ما يجب عليهم اعتقاده والعمل به، سواء أدركوها إدراكاً كاملاً وكتبوها ونشروها للناس، أم احتسبُت في أذهانهم وتصرفوا بموجبها، ولنضرب بعض الأمثلة التي تبين المقصود: إن من أصول (العلمانية) [١] أن الحياة العامة في الدولة والمجتمع لاتحكم بأحكام الشريعة الإسلامية، وإنما تحكم بأي نظام آخر من الشرائع التي يضعها الإنسان بنفسه، وترتب عندهم على تقديم (القوانين الوضعية) على (الشريعة الإسلامية) أن اعتقدوا أن الحكم بما أنزل الله فيما يخص هذه الأمور ليس واجباً، وزينوا عقيدتهم المنحرفة بثلاث شبه: الأولى: أن الدين الواجب التزامه إنما هو النطق بالشهادتين وأداء الشعائر، وهذا مخصوص بقيد آخر معروف في القوانين الوضعية ألا وهو: جعل هذا الإلزام على الاختيار إن صح التعبير ومعنى ذلك أن من أراد أن يلتزم بذلك فله ما أراد، ومن لم يرد فلا حرج عليه، فإن (القانون) لا يعاقب على جريمة الردة، فآل الأمر في النهاية إلى أن الدين الواجب التزامه هو ما اختاره الإنسان من الملل المتعددة، حتى وإن كان كفراً بعد إسلام، وليس عليه من شرط إلا الالتزام بالقانون الوضعي الذي تعمل به الدولة التي يعيش فيها. فإن كان من أهل الإسلام فحكمه في القانون الوضعي أن يتصرف في أموره الخاصة حسب أحكام دينه أي الشريعة الإسلامية، أما في الأمور العامة فلا يحق له الخروج عن أحكام القانون الوضعي المعمول به في الدولة التي يعيش فيها. ... الثانية: يسلم بعض (العلمانيين) محافظة على شعور المسلمين بأن ما ورد في الشريعة الإسلامية ملزم جملةً وتفصيلاً للدولة والمجتمع إلا أنهم ينكصون على أعقابهم فيقولون: إن ما ورد فيها حق وصدق وملزم، ويجب التحاكم إليه، ولكن ليس ملزماً لنا وإنما هو ملزم لمن نزل عليهم القرآن أول مرة، أما أوضاعنا المعاصرة فتحكم بمطلق المصلحة، وليس منها بالطبع شيء من أحكام الشريعة، اللهم إلا ما سبقت الإشارة إليه وهي الأحكام الخاصة، أو ما تسمى في مصطلح القانون الوضعي (الأحوال الشخصية) . الثالثة: يعتقد بعض العلمانيين إمكان تغيير الشريعة الإسلامية وتطويرها لتصبح في نهاية الأمر هي (القوانين الوضعية) ويزعمون أن ذلك ممكن جداً، لأن أحكام القانون تسعون في المئة منها موافقة للشريعة الإسلامية، ويمكن تطويع ما بقي بعد ذلك. وهذه الشبه أثارها الاستشراق أولاً، ثم وزعها في العالم الإسلامي، وتلقفها (العلمانيون) فيه، وخدعوا بها كثيراً من المسلمين، وتبناها كتاب كثيرون في الدراسات الإسلامية [٢] ، وهذه الشبه كما ترى انتجت ذلك الأصل الفاسد، وأصبح طريقاً غير موثوق به، لأنه استبعد الشريعة الإسلامية، ورفض حاكميتها في المرحلة الحالية التي تعيشها البشرية، وهذا قدر مشترك بين العلمانيين في أوربا والعلمانيين في العالم الإسلامي، ويتفاوتون بعد ذلك في أمور أخرى، ونستطيع أن نكشف عن هذا القدر المشترك، ونتبينه إذا تابعنا سوياً بعض جوانب الشريعة الإسلامية وموقف العلمانيين منها: أولاً النظام الجنائي: ويشمل الحدود والقصاص والتعازير ... فإن موقف العلمانيين -التزاماً بأصلهم في المعرفة- أن لا يُسمع في هذا من الشريعة الإسلامية شيء، فضلاً عن أن يعمل به، فالأمور العامة -كما يقول أصلهم في المعرفة- يحكمها كل نظام بشرط أن لا يكون إسلامياً، ولا بأس على الدول العلمانية أن تحتكم إلى القانون الفرنسي أو الألماني أو الإيطالي أو البريطاني أو الأمريكي ... ولا بأس في الاختلاف في عملية الاختيار في مثل هذا مادام أن العلمانيين متفقون على إبعاد الشريعة الإسلامية عن هذا الجانب، ولكل دولة بعد ذلك أن تختار أيضاً من دركات الانحراف عن الفطرة السوية ما تريد [٣] . ثانياً النظام الاقتصادي: ومعلوم موقف (القوانين الوضعية) من الربا فإنها اجتمعت على تحليله ونشره بكل طريق، ويحسن بنا أن نربط بين العلمانيين في أوربا والعلمانيين في العالم الإسلامي، فنقول: إن الربا كان محرماً في الدين النصراني، وقد تحايل اليهود على تحليله ونشره بين النصارى رغبة منهم في إبعاد النصارى عن بعض ما كانوا مستمسكين به من شرائع سماوية. ولقد ثبت في الشريعة الإسلامية أن (الربا) كان محرماً على أتباع الأنبياء - ﵈ ومنهم أتباع عيسى ﵇، فالحرمة إذاً ثابتة للربا في جميع الشرائع التي أرسل بها رسله جميعاً، ولكن (العلمانيين) في كل مكان رفضوا الاحتكام إلى هذه الشرائع [٤] ، وإن مما ساعد على تحليل الربا ونشره في أوربا موقف الكنيسة المنحرف عن الدين، وعدم وجود (البديل) الذي يمكن أن تسير الحياة العلمية على أساسه. أما في العالم الإسلامي فإن البديل هو منهج الاقتصاد الإسلامي، وهو موجود فعلاً، بل هو الأصل التي كانت تحتكم إليه المجتمعات الإسلامية طيلة أربعة عشر قرناً، ولكن اجتماع العلمانيين في كل مكان على نصرة (القوانين الوضعية) ، وعلى تصدير أصلهم في المعرفة وتعاونهم على ذلك جعل هذه الشعارات تستقر في العالم الإسلامي ومنها: (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) ، ولا دين في السياسة ولا سياسة في الدين [٥] . ومقتضى هذا الأصل المعرفي المنحرف أن الأحكام في الأمور العامة هي شريعة قيصر أي القوانين الوضعية، وليست هي الشريعة الإسلامية، هذا هو أصل العلمانيين الذي يسعون إلى التمكين له قولاً وعملاً. ثالثاً النظام الأخلاقي: إن ثورة العلمانيين في أوربا وفي العالم الإسلامي على النظام الأخلاقي متشابهة جداً. فلقد قال العلمانيون في أوربا ما للأخلاق والدين، ونادوا بإخراج المرأة عارية الساقين، حاسرة الرأس، وأن تتخذ الأصدقاء، وترقص في المسارح، وإذا قلت لهم إن الدين لا يقبل ذلك، قالوا: أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أصل معرفي يتحجون به عند الخصومة والنزاع. وكذلك العلمانيون في العالم الإسلامي ما زالوا ينادون بذلك، ولا عليهم من النتائج الخطيرة التي تترتب على ذلك، من فساد فطرة المرأة، وضياع بيتها، وأطفالها، وتدمير مجتمعها بإفساد النوع الإنساني، كل ذلك لا يهمهم، المهم أن تخرج المرأة بدعوى الاستفادة من طاقات المجتمع، وهم أول من يعلم أن المجتمع قد ازدحم بكثير من الشباب الذين لا يجدون عملاً، ونرى كثيراً من المصلحين يسعون لاستثمار طاقات الشباب المعطلة والاستفادة من أوقاتهم المهدرة، وتارة يُوفقون في ذلك، وتارة لا تسعفهم الفرصة لتحقيق هذه الأهداف النبيلة التي يستفد منها الشباب والمجتمع في آن واحد، أما الذين شُغلوا بقضية المرأة، فهم لا يتعاطفون مع هؤلاء المصلحين، وحرصهم على الاستفادة من طاقات المرأة أكثر من حرصهم على الاستفادة من طاقات الشباب، وهم أول من يعلم أن الشباب هم الذين يتضررون من البطالة، ويتضرر معهم المجتمع، أما المرأة فإن المجتمع إذا كان سوياً ومحافظاً على فطرته الإنسانية من وجود زواج، وأسر، وأبناء، فإن المرأة هي قاعدة البناء فيه، ولا نتصور أن تقع في البطالة، ولا يمكن أن نقحمها في تلك الأعمال التي أقحمها فيها (العلمانيون) في أوربا فأفسدوا البيت والشارع معًا، ... وهكذا يريد إخوانهم في العالم الإسلامي، أن يسلكوا طريقهم، ويبنوا على أصلهم الفاسد ويدلِّسوا على الناس بأنهم لا يعارضون الدين، ومن المعلوم أن هؤلاء الذين أصروا على إخراج المرأة قد فشلت تجربتهم، ومازال حكماء أوربا يشكون من فساد هذه التجربة [٦] ، ولكن العلمانيين في العالم الإسلامي مازالوا حريصين على بقاء هذه التجربة الفاشلة وانتشارها، ويصرون على إبعاد (حكم الشريعة الإسلامية) عنها. وينبغي للبصير أن يتأمل في مواقف المخالفين من قضية المرأة ومن النظام الاقتصادي والنظام الجنائي، لتنكشف له حقيقة مهمة طالما أراد كثير من المخالفين إخفائها والتستر عليها. إن (العلمانيين) في العالم الإسلامي، كما هو معلوم لا يقولون إن محمداً - ﷺ ليس بنبي ولا رسول، ولا يقولون إن القرآن ليس هو كتاب الله، ولا ينكرون اليوم الآخر، ولا يرفضون النطق بالشهادتين، ومنهم من يصلي ويصوم ويحج ... وإذا أردت أن تتحقق من الخلاف بيننا وبينهم فارجع إلى ذلك الأصل المعرفي الذي سبقت الإشارة إليه ينكشف الأمر لك بجلاء، فتجده أنه خلاف على قبول حاكمية الشريعة الإسلامية في الأمور العامة في الدولة والمجتمع، واتفاق نسبي في قبول ما جاءت به في الأمور الخاصة (الأحوال الشخصية) ، والصلاة والصيام والحج. وإذا قيل لهم: كيف جعلتموها مصدراً في هذه الأمور دون تلك، ولماذا لا يكون أصلكم في المعرفة هو قبول ما جاءت به جملة وتفصيلاً، أليس الذي جاء بها محمد ﵊، والذي أرسله بها هو الله خالق السموات والأرض، قالوا: بلى! ! وإذا قلت لهم من هو الحكم العدل، ومن هو العليم الخبير، ومن هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله؟ فسيقولون: الله، فقل أفلا تقبلون حكمه في (النظام الجنائي) ، وفي النظام الاقتصادي، وفي النظام الأخلاقي....، فأنى تؤفكون. [أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ] [٧] .

стр. 344

نقد قراءة في فكر مالك بن نبي -٤ - محمد العبدة كان تشخيص أمراض العالم الإسلامي عند مالك بن نبي مقدمة للبحث عن العلاج، أو للبحث عن أسس النهضة، وكيف تبدأ؟ ومن أين تبدأ؟ إن بلداً مثل اليابان بدأ نهضته في منتصف القرن التاسع عشر [١] وهي نفس الفترة التي بدأ الحديث فيها عن النهضة في العالم الإسلامي، فلماذا كان هذا البطء في (الإقلاع) ؟ . السبب برأى مالك بن نبي هو عدم وجود منهج واضح للإصلاح ولا نظرية محددة للأهداف والوسائل وتخطيط للمراحل. (فإذا حللت جهود المصلح الإسلامي وجدنا فيها حسن النية، ولكنا لانجد فيها رائحة منهج) [٢] (وليس هناك تحليل منهجي للمرض وليس إلا أن عرف المريض مرضه فاشتد في الجري نحو الصيدلي -أي صيدلي- يأخذ من آلاف الزجاجات ليواجه آلاف الآلام) [٣] (وواقعنا الآن إما فكرة لا تتحقق أو عمل لا يتصل بجهد فكري) [٤] . لا شك أن هذا الكلام حول (المنهج) صحيح ودقيق، فليس هناك دراسات عميقة وتحليلية لأمراض المسلمين، وما هي الحلول والمقترحات وما هو المهم والأهم، وكل الدراسات تأخذ جانباً من الجوانب تركز عليه والحل الأحادي هو الغالب، وأعمال كثير من المؤلفين كانت تبريراً ودفاعاً أمام الهجوم الغربي الاستشراقي على الإسلام [٥] ، وليست أعمالاً فيها تخطيط للحاضر والمستقبل، غابت المؤتمرات التي تخرج بنتائج فعلية واقعية وكثرت تلك التي توصي بوصايا لا تخرج عن دائرة الورق التي كتبت عليه. والذين كتبوا في أوائل النهضة كتابات جيدة مثل الشيخ رشيد رضا لم يستفد منها كثيراً ولم تنقح ويؤخذ الايجابي منها، ويبنى عليه، وكذلك الذين جاءوا من بعده لم يكن هناك خطة علمية لدراسة أقوالهم وآرائهم، وكأنما كل من يأتي يريد البدء من الصفر، بل نستطيع القول: إن كثيراً من الأخطاء التي وقعت سواء في مجال الدعوة أو غيرها انما كانت بسبب غياب المنهج أو عدم الالتزام بمنهج. وإذا كنا لا نملك الوضوح من الناحية النظرية فضلاً عن وجود منهج تطبيقي عملي فهذا لا يعني عدم وجود المنهج، فالقرآن الكريم والسنة أوجدا المناخ المناسب لأن يستنبط العلماء منهج أهل السنة في النظر والاستدلال وطرق الحياة التي يريدها القرآن [٦] ، فعندما يقول سبحانه: [ولاتَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] نجد الصحابة يفهمون هذا التوجيه ويلتزمون به، فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لا يعلم معنى كلمة [وَاباً] من آية [وفَاكِهَةً وأَباً] فلا يتكلف الجواب ولا يحاول التعالم، بل يرى أنه من التكلف معرفة كل شيء، وأبو بكر ﵁ يقوم بعمل علمي طبقاً لمنهج، عندما أعطى تعليمات مشددة لزيد بن ثابت، الذي كلفه بجمع القرآن، وكذلك عثمان بن عفان يشكل لجنة لجمع الناس على مصحف واحد [٧] . وفهم الكتاب والسنة هو الذي جعل الإمام مالك والأوزاعي وأمثالهما يكرهون الجدل والخصومات في الدين ويركزون على العمل، وقد وضح هذا المنهج بشكل نظري في كتابات ابن تيمية وخاصة كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) وكان بالإمكان بناء نهضة علمية عملية لو أخذ المسلمون بهذا المنهج، ولكنهم مع الأسف غرقوا في الجدل وعلم الكلام فأبعدوا عن مجالات القيادة. والجدل أسهل من البحث والاستقراء والخروج بنتائج في شتى مجالات العلوم. وإذا كان للمنهج هذه الأهمية (فإن نجاحه مرتبط بتناول المشكلة من جانبيها معاً (الاستعمار والقابلية للاستعمار) ، فإذا نظرنا إلى جانب دون الآخر فقد غامرنا برؤية مشكلة مزيفة) [٨] . لذلك وقبل أن ننتقل إلى موضوع (إقلاع) العالم الإسلامي باتجاه بناء حضارة لابد أن نعرض وجهة نظر مالك بن نبي في الاستعمار الذي هو الجانب الخارجي من المشكلة، أو الجانب السلبي لنكون على وعي تام بما يدبر لإعاقة النهضة الإسلامية. الاستعمار والصراع الفكري: إن عرض مشكلة الاستعمار يبدو أكثر أهمية إذا علمنا أنه ركز هجومه على العالم الإسلامي، بينما كان أقل شراسة ولؤماً مع الشعوب الأخرى، وحاول إجهاض أي عمل إسلامي مثمر، واستخدم أخبث الوسائل ومنها الوسائل الفكرية. ومالك بن نبي وإن كان ممن لا يعلقون أخطاء وتقصير المسلمين على شجب (الاستعمار) وحده بل يهتم بالعوامل الداخلية، ويرى أنها الأساس في البحث والتحليل، إلا أنه خبير بخفايا هذا الاستعمار ومواقفه من قضايا المسلمين، لذلك جاءت ملاحظاته وتعليقاته على هذا الجانب فيها عمق ومعاناة، فقد قرأ الكثير وعانى الكثير من استعمار فرنسا للجزائر، وهو يرى أننا إذا أردنا أن نتقصى الحركة الاستعمارية من أصولها فلا بد أن ننظر إليها كعلماء اجتماع لا كرجال سياسة [٩] ، فظاهرة الاستعمار من طبيعة الرجل الأوربي، فكلما وقع اتصال بين الأوربي وغير الأوربي خارج إطار أوربا فهناك (موقف استعماري) [١٠] بينما نجد في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية أن رحلات ابن بطوطة وأبو الفداء والمسعودي لم تثر شهيتهم للاستعمار. ورحلات مثل هذه تثير شهية الأوربي، إن تحليل (منوني) الكاتب المتخصص بنفسية الاستعمار، يقول: «إن الأوربي يحب عالم دون بشر» ولو قال منوني إن الأوربي يحب عالم دون شهود على جريمته لكان هوالصواب [١١] . وحتى بعض الأفراد الغربيين الذين يشاركون في المعركة ضد الاستعمار إنما يشاركون مادامت في النطاق السياسي، وسرعان ما ينعزل عنها حينما تأخذ طابع الصراع الفكري، فالرجل المستعمَر لا يحق له الدخول في الميدان الفكري « [١٢] . وفي ميدان الصراع الفكرى وخاصة مع الشباب المسلم الذي يدرس في الغرب نرى الاستعمار يستخدم بخبث منطق الفعالية وخلاصته: (بما أننا نحن المسيطرون ونحن الأقوى إذن فأفكارنا صحيحة) . (ويعتبر هذا اللبس المفروش في أعماق نفسية هذا الشباب هو النواة التي تدور حولها جميع دسائس الصراع الفكرى ومناوراته) [١٢] . وقد يرفع الاستعمار أمام أعين المستعمرين شعاراً صحيحاً وهو يعلم أن المستعمرَ سيرفضه لأن الذي رفعه عدو، وبهذا يكون قد صرفه عن عمل إيجابي قد يفكر فيه في المستقبل. يروي مالك بن نبي تجربة من تجاربه فيقول:» انعقد في باريس مؤتمر العمال الجزائريين بأوربا، وبهذه المناسبة تقرر من لدن المشرفين على المؤتمر توزيع كتيب لصاحب هذا العرض تناول فيه مشكلة من مشاكلنا اليوم، ولكن أصحاب الاختصاص في الصراع الفكري لم يفتهم أن يسدوا الطريق على الأفكار المعروضة، ولذا وجهت الدعوة إلى السيدة الألمانية التي كتبت (شمس الله تشرق على الغرب) وفيه مدح وتمجيد للحضارة الإسلامية، وتقدمت السيدة وقدمت كتابها للمؤتمر، فانتقل على الفور بروحه من مجال المشكلات إلى أبهة وأمجاد الماضي الخلاب « [١٣] . ومن وسائله الماكرة، التي لا يزال يتقن استعمالها رميه للمسلم بشتى الاتهامات، بل يحاول الإيحاء بأن المسلم منبوذ القرن العشرين، وفي هذه الحالة يصبح سلوك المسلم ردود أفعال، وترفع عنده توتر طاقات الدفاع حتى يكون في حالة توتر شاذة، ويعيش إما مُتهِماً أو مُتَهماً، وفي هذه الظروف فإن مختبرات الاستعمار تصرف كل إمكانيات المسلم إلى معارك وهمية، يُسمع فيها قعقعة السلاح ودوي الحرب ولكنها معارك مع أشباح، والمسلم يظن أنه انتصر ويرتاح نفسياً، والتاريخ الإسلامي الحديث لا يخلو من هذه المعارك الوهمية كتلك التي خاضها الأفغاني ومحمد عبده ضد أرنست رينان وجبرايل هنوتو، والمشكلة ليست في الدفاع عن الإسلام ولكن في تعليم المسلمين كيفية الدفاع عن أنفسهم [١٤] . لقد تدخل الاستعمار في كل شيء حتى لا يترك فرصة لأي بعث إسلامي، فكانت الإدارة الفرنسية في الجزائر هي التي تعين المفتي والإمام لا طبقاً لمشيئة جماعة المسلمين بل تبعاً لهوى المستعمرين، وبذلك تجمع في يدها أنفذ وسائل الإفساد، فاختيار رجل يؤم الناس في المسجد لا يكون بناء على تميزه بضمير حي أو علم بأصول العقيدة، بل يراعى في ذلك ما يقدمه للإدارة من خدمات، حتى كأنه (جاويش) صلاة، ولا شك أن هذا التحكم في شعائر الدين مما يقض مضاجع أصحاب العقائد من المؤمنين لما يرون من أحداث غاية في الفساد: إمام جاسوس، ومفت فاسد، وقاض مرتش، وغاية الاستعمار أن يجعل من الإسلام صورة عجيبة، وبذلك يكدس العقبات والعوائق على طريق النهضة الإسلامية) [١٥] . دور الاستشراق: كان للمستشرقين دور بارز في محاولة تشويه وتزييف التاريخ الإسلامي والطعن في الإسلام نفسه، ولكن مالك بن نبي يركز على ناحية معينة في إنتاجهم كان لها أثر نفسي سيء في أذهان المسلمين. فبعض المستشرقين خلطوا في كلامهم بين المدح للإسلام وبين وضع السم في الدسم، هذا المدح جعل بعض المسلمين يستسلمون لنزعة الفخر والعيش مخدرين على أمجاد الماضي، وكل من أراد الدفاع عن الإسلام استشهد بكلام لأحد المستشرقين، (وهكذا يتبين لنا أن الإنتاج ... الاستشراقي بكلا نوعيه (المادحون والمفندون) كان شراً على المجتمع ... الإسلامي) [١٦] (وعندما يعلن الاستشراق أنه لا نصيب للعرب في تشييد صرح العلوم، ربما يؤدى بنا هذا الموقف المتطرف إلى تلافيه بسطحية نشاهد أثرها في إنتاج بعض المفسرين مثل طنطاوي جوهري) [١٧] وهو التفسير الذي حول القرآن إلى مادة للعلوم، والقرآن يوجد المناخ العقلي والنفسي للروح العلمية وليس هو كتاب جغرافيا أو فلك أو أحياء.. وأخيراً لابد أن نعلم أن المكر السيء يحيط بأهله (فالاستعمار الذي يهلك المستعمَرين مادياً يهلك أصحابه أخلاقياً، وذلك ما يشهد به تاريخ أسبانيا منذ اكتشاف أمريكا) [١٨] (إن الأمم الاستعمارية على الرغم من إدراكها لأخطار الاستعمار، تعمى عن هذه الأخطار كأن هنالك قدراً محتوماً يقضي على يقظتها ووعيها) [١٩] . ويجب أن نعلم أيضاً أنه رغم كل هذه العوائق، استطاع المسلم التفلت من الأنشوطة التي أراد الاستعمار عقدها حول عنقه، فما زالت فطرته وإسلامه يعطيانه القوة والدافع لتلمس الطريق الصحيح. ما هي نقطة البدء؟ ... الإقلاع: الإيمان العميق بالمبدأ الذي يعتنقه المسلم هو نقطة البدء، هذا الإيمان الذي يعطيه قوة فوق قوته، واحتمالاً فوق احتماله، فيتغلب على المصاعب التي تعترضه، ويتحول هذا الإيمان إلى عاطفة قوية جارفة (فالروح وحدها هي التي تتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير الجاذبية الأرضية) [٢٠] (فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل، ويفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان، فالإيمان هو المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية [٢١] والمسلم الذي يصل إلى درجة (التوتر الروحي) يشعر بالسعادة الغامرة عندما يبني أول مسجد في المدينة ويحمل (لَبنِتَيْن) بدلاً عن واحدة) وفي هذه الحالة الروحية صبر بلال ﵁ ولم تستطع قوة في الأرض أن تخفض إصبعه وهو يقول: (أحد، أحد) [٢٢] . هذا الإيمان يصنع المعجزات، عندما تختفي الأنانيات ويشترك الجميع عن طواعية في بناء حضارة، وفي المجتمع الإسلامي الأول كان المنافقون وحدهم يتخلفون عن أي عمل فيه تعب أو نصب، وكل الكتب والمحاضرات والخطب لا تكفي لإنشاء أمة لا ترتفع إيمانياً وأخلاقياً إلى درجة عالية، كما جاء في الحديث عن جندب بن عبد الله قال:» تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً « [٢٣] . والقرآن الكريم وضع ضمير المسلم بين حدين هما: الوعد والوعيد، ومعنى ذلك أنه قد وضعه في أنسب الظروف وهذان الحدان ينطبقان على مفهوم الآيتين الكريمتين: أ-[فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ] . ب-[إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ] . وبين هذين الحدين تقف القوة الروحية متناسبة مع الجهد الفعال الذي يبذله مجتمع طبقاً لأوامر رسالة [٢٤] . يقول الدكتور (الكسس كاريل) معبراً عن هذه الحقيقة: (فالأمل والإيمان والحمية تؤثر في الجسم تأثير البخار في العجلة المحركة) [٢٥] (وإذا نجحت إحدى الأفكار في تغيير سلوك البشر فذلك لأنها تنطوي على عناصر عاطفية إلى جانب العناصر المنطقية، إن الإيمان هو الذي يدفع الإنسان إلى العمل وليس العقل، والذكاء يكتفي بإنارة الطريق ولكنه لا يدفعنا إلى الأمام) [٢٦] . هذه الطاقة الإيمانية جعلت الفرد المسلم في عصر النبوة يقسم ثروته مع أخيه الذي هاجر إليه، فالمؤاخاة التي تمت بين المهاجرين والأنصار هي أول عمل تاريخي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده، ولولا قوة شبكة العلاقات الاجتماعية لما استطاع المجتمع الإسلامي الإقلاع باتجاه حضارة، وفي حالة تمزق هذه العلاقات قد توجد العوالم الثلاثة (الأفكار، والأشخاص، والأشياء) ولكنها لا تغني شيئاً، وقد يكون هناك مسلمون متحمسون وهناك أفكار ولكن الشبكة ليست قوية. إن قصة المؤاخاة ليست خيالية، ولا هي أقرب للخيال، فالإسلام دين واقعي، وليس صعباً أن يحقق المسلمون شيئاً من هذه (المؤاخاة) ، والآن توجد (إخوة إسلامية) خطابية وعظية ولكن لا يوجد (مؤاخاة) عملية فعلية، من هنا المنطلق، ... ومن هنا البداية. (يتبع)

стр. 345

الزيارة بين النساء على ضوء الكتاب والسنة - ٣ - خولة درويش إن المؤمنة حيثما جالست غيرها تحرص على أن لا تقذف بكلامها دون تمحيص، فهي تسعى لتكون أقوالها فضلاً عن أفعالها في ميزان حسناتها. لذا تتواصى مع أخواتها المؤمنات بكل ما فيه خير وصلاح، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وإن لمست نفوراً وشقاقاً بين البعض منهن فهي تعمل على إصلاح ذات البين، وإطفاء نار العداوة، تتمثل قوله تعالى: [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ] [النساء ١١٤] . المتأمل في هذه الآية يجد أن غالبية النجوى لا خير فيها إلا هذه الثلاث: ١- الأمر بالصدقة. ٢- الأمر بالمعروف، ونجمعهما تحت عنوان الدلالة على الخير. ٣- الإصلاح بين الناس. ومن تكلم بها أو بأحدها فهو في قربة إلى الله تعالى، بل وكلامه من أفضل الذكر فقد قال ابن تيمية ﵀: «إن كل ما تكلم به اللسان، وتصوره القلب، مما يقرب إلى الله، من تعلم علم، وتعليمه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، فهو من ذكر الله ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع، بعد أداء الفرائض، أو جلس مجلساً يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقهاً فهذا أيضاً من أفضل ذكر الله» [١] . ١- الدلالة على الخير: فإذا رزقك الله فهماً وعلماً، أو قوة وعافية؛ فاستخدميها لمعاونة المسلمين وتسهيل حاجاتهم، سواء بعملها بيدك؛ أو بتعليمها غيرك، فما ذلك إلا زكاة الصحة التي حباك الله إياها. (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) [٢] . إن كثيراً من بلادنا المسلمة مليئة بالأزمات الاقتصادية بسبب القحط أو الحروب. وتنشط المؤسسات التبشيرية والشيوعية للاستفادة من تقصيرنا جميعاً، فتستغل آلام المكلومين لتقدم لهم الغذاء واللباس والدواء طعماً لجذبهم به لمصيدتها، وتعمل جاهدة بكل الوسائل لجلبهم لساحتها، بتربية أبنائهم أو تعليمهم أو تطبيبهم.. فهلا استفدنا من زياراتنا ووقتنا الضائع؟ ! فتدارسنا أحوال أمتنا، وعلمنا بعضنا أن نخيط الثياب التي تستر عورات أخواتنا المسلمات المحتاجات. ولنصنع من الطعام ما يمكن أن يرسل لهن. ولنثبت أننا المسلمات اللاتي يهمهن أمر الأمة المسلمة. لا الدمى المتحركة التي تُزين لتلهي من حولها وتبعد عن جادة الصواب.. فهل النصرانيات أقدر منا؟ ؟ أم أنهن أكثر تضحية وإيماناً؟ نحن حفيدات عائشة وخديجة وأسماء، أو لسنا أجدر أن نضحي من أجل حقنا الأكيد أكثر من تضحيتهن من أجل باطلهن؟ . ويتامى المسلمين؟ ! من ينجينا من الإثم إذ يُحملون إلى البلاد الشيوعية أو النصرانية ليربوهم على دينهم؟ . ماذا نقول غداً لرب العالمين إن سألنا عنهم وعن تفريطنا وتقصيرنا في حقهم؟ أفلا يجدر بنا أن نتكفلهم؟ وماذا لو ضمت الأسرة إليها فرداً أو اثنين لتنشئتهم (لا تبنيهم فهو محرم) وتربيتهم؟ . أو إن عملت الجمعيات الخيرية المسلمة لرعايتهم، وساهمت المرأة المسلمة بما تستطيع، سواء بالمادة أو بالجهد الذي تقدر عليه، من عمل يدوي أو تعليمي أو توجيهي؟ ! قد يقال: إن هذه أعمال ضخمة لا تقدر عليها جهود فردية قليلة المورد. [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد ١١] فهذه الفكرة إن اقتنعت وإياي بها وأقنعت في زيارتك صديقتك المؤمنة وجارتك المسلمة لابد وأن نحقق خيراً كثيراً للمسلمين، ونكون قد ساهمنا معاً في النهضة الإسلامية. ولاشك أن ذلك مطلب شرعي بدلاً من أن تظل المسلمة مجال تنافس الدول لتلهيها عن رسالتها بمستحضرات التجميل، وأدوات الترهل والترفيه. وبذلك نكون قد ارتقينا بزياراتنا عن اللغو إلى التناصح لما فيه خيرنا وخير المسلمين، وفي عملك ذلك أجر الصدقة. عن أبي هريرة ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيله. قال: قلت: ثم أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها ثمناً عند أهلها وأكثرها نفعاً. قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق» [٣] . فلك في معاونتك لأختك المسلمة أياً كانت تلك المعاونة الثواب الجزيل فعملك من أفضل القربات. فإن كانت مريضة أعجزها المرض عن أداء مهمتها تساعدينها في تعليم أولادها الصغار، أو عمل طعام لهم، أو ترتيب بيتها وتنسيقه بدل أن تكون زيارتها للكلام والتسلية فحسب. وإن كانت نفساء أمضها ألم الولادة: تقومين على رعايتها ورعاية وليدها. فهذا أجر قد ساقه الله إليك، ولا يقدر عليه غيرك، وإن كانت جاهلة بفنون المنزل، أو حتى في التعامل الاجتماعى تعلمينها وتنصحينها فالدين النصيحة، ولك في كل ذلك أجر الصدقة، ولنذكر معاً حديث الرسول ﷺ : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» [٤] . فلنكن في حاجة أخواتنا المسلمات، والله معنا في قضاء حاجاتنا وتفريج كرباتنا. وأينا تستغني عن غيرها؟ ! وإن استغنت الواحدة عن غيرها بأعمالها، فلابد أن تحتاج إلى التناصح والمشاورة معهن. فما أجدرنا نحن المسلمات الحريصات على حسن تنشئة أبنائنا ونراقب الله في تربيتهم ما أجدرنا أن نستفيد من فترة زياراتنا للتناصح في تربيتهم، وحل مشكلاتهم ليحل العمل والتوجيه محل الشكوى والأسى الذي لا يصحح خطأ ولا يغير واقعاً. فإن أقلقنا أن نجد بعضاً من أبناء المسلمين يفوتهم الفكر الديني الواعي، أو لا يلتزم آخرون بالتعاليم الشرعية، أو لا يجيد الكثير منهم التعامل مع الآخرين ... فعلينا نحن المسلمات أن نسعى إلى تصحيح هذا الواقع المرير بكل ما نستطيع وبصبر وجلد. ذلك أن التربية ليست أن تلقي الكلمة والتوجيه على أبنائنا ثم ننتظر الاستجابة، فالمغريات كثيرة لا تنتهي ... والتربية طويلة وشاقة تبدأ من نعومة أظفارهم. فلابد من الرعاية الدؤوب لهم دون ملل. نتابعهم باستمرار في جدهم وهزلهم، لعبهم ومذاكرتهم. وبعد أن نعمل جهدنا لنكون القدوة الحسنة لهم في كل خلق فاضل كريم، نتناصح مع أخواتنا المؤمنات في حسن اختيار القصص المفيدة التي تثقف الطفل وتعده لحياته المستقبلة، وتربي وجدانه فيعرف كيف يعطي كل ذي حق حقه. ونبعده عن القصص الخرافية والبوليسية وكذلك عن البرامج الإعلامية التي لا تليق، ونسعى بالتشاور مع بعضنا لنحيط أبناءنا بالصحبة الطيبة التي تعينهم على الخير. فالشر كالداء المعدي، سرعان ما ينتشر بالمخالطة. فنبعدهم عنه لنحفظ عليهم دينهم وخلقهم. وهكذا نشحذ هممنا لتكون زياراتنا هادفة لما يرضي الله وينفع المسلمين. عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً جاء إلى رسول الله - ﷺ فقال: يا رسول الله. أي الناس أحب إلى الله؟ قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على قلب مسلم) . فلنحرص على نفع المسلمات وإدخال المسرة على قلوبهن، ولا نبخل بنعمة حبانا الله إياها أن نخدم بها مسلمة فنفرج بها كربتها ونعمل ما فيه مصلحتها، وندعوها إلى اتباع الخير الذي نريده لأنفسنا، قال تعالى: [والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [التوبة ٧١] . ولا تقول المسلمة: ما لي وللناس، فإني أدعهم وشأنهم ولا أتدخل في خصوصياتهم، نعم ذلك في أمور الدنيا المباحة التي يستوي فيها عملها وتركها «فمن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه» أما ما فيه خطر محقق وحتى لو كان ذلك في أمور الدنيا، فالواجب النصح فالدين النصيحة. إن المؤمنة عليها مهمة النصح والدعوة إلى دينها على قدر ما تستطيع، ومن روائع ما روته لنا السيرة، قصة الصحابية الجليلة أم سليم. (كانت أم سليم أم أنس بن مالك من السابقات للإسلام من الأنصار خطبها أبو طلحة قبل أن يسلم وبعد وفاة زوجها فقالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده نبت من الأرض، قال: بلى. قالت: فلا تستحي أن تعبد شجرة؟ ! إن أسلمت فإني لا أريد صداقاً غيره. قال: حتى أنظر في أمري. فذهب ثم جاء. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالت: يا أنس زوج أبا طلحة. فزوجها) [٥] . إنه مهر كريم لامرأة داعية كريمة، دعته إلى عبادة الله وحده، والبعد عن الشرك به، فشرح الله صدره وآمن فأكرِم به من مهر. وما هلك بنو إسرائيل إلا لتركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: [كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] أما اعتزال الناس اعتقاداً بعدم صلاحهم، فهو كما يقال: آخر الدواء الكي ذلك أننا (حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحاً أو أطيب منهم قلباً، أو أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً لا نكون قد صنعنا شيئاً كبيراً. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة. إن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع. إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العالية، ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس، ونثني على رذائلهم أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقاً. إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يطلبه هذا التوفيق من جهد هو العظمة الحقيقية) [٦] . وهكذا ... فبعد أن تتعهد المسلمة نفسها بالإصلاح فتلتزم السنة وتعض عليها بالنواجذ، تساهم بالدعوة إلى الخير بين النساء. وهذا واجب ديني تأثم إن قصرت به، مهما كان مستواها الثقافي، فتعمل بقدر طاقاتها وإمكانياتها، تأمر بالمعروف بلفظ لين وقول لطيف، والله تعالى يقول لرسوله ﷺ [ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] [آل عمران ١٥٩] ، ترفق بمن حولها، توقر الكبيرة وترحم الصغيرة، ولا تنسى أنها صاحبة هدف جليل تسعى لتحقيقه بأسلوب يرضي الله تعالى ويؤدي للنتيجة التي ترجوها. فكما يسعى أصحاب الأهداف الدنيوية لتحقيق أهدافهم، فيتحسسون مداخل نفوس من يتعاملون معهم، ليعرفوا كيف الوصول لغايتهم، يجب أن نكون نحن المسلمات أكثر اهتماماً بمعرفة من ندعوهن لتكون دعوتنا كما أراد الله تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل١٢٥] . ٢- الإصلاح بين المؤمنات: كما نجعل من زياراتنا مجالاً خصباً للإصلاح بين الناس، فإن عمل الشيطان على إثارة العداوة بين المسلمات نزيلها بالإصلاح بينهن، فإن إزالة الخصام دليل سمو النفس التي تعمل على إشاعة المودة بين الآخرين، ليحل الوفاق محل الشقاق، والصلة مكان القطيعة، لذا كانت درجة من يصلح بين الناس أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة التطوع لا الواجبة. عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إلا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» . ويروى عن النبي - ﷺ أنه قال: هي الحالقة: لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين «. ذلك أن الإفساد بين الآخرين يؤدي إلى القطيعة التي حرمها الشرع كما جاء في الحديث الشريف:» لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام « [٧] . وقال ﷺ منفراً من الشحناء والقطيعة ومبيناً سخط الله تعالى على المتقاطعين حتى يصطلحا:» تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا ثلاثاً « [٨] . فإن حصلت جفوة بين المسلمات نسارع إلى الإصلاح بينهن للتغاضي عن هفوة المخطئة، فإذا بالعيش صافياً بعد كدر، والوداد عاد بعد الجفاء. والواجب أن تقبل عذر من تعتذر، لا أن تشيح بوجهها بعيداً عن أختها، إصراراً على مواصلة القطيعة، وعدم قبول العذر: إذ من شرار الناس من لا يقبل عثرة، ولا يقبل معذرة كما بين الرسول ﷺ : عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : » ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله، قال: إن شراركم الذي ينزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده. أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله. قال: من يبغض الناس ويبغضونه، قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله. قال: الذين لا يقبلون عثرة ولا يقبلون معذرة ولا يغتفرون ذنباً، قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله: قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره « [٩] .

стр. 346

منبر الشباب الشريعة الإسلامية لا الأعراف الجاهلية بقلم: عبد الله سعيد بالحداد كان للعرب في الجاهلية الأولى عادات وتقاليد منها ما هو حسن كالشجاعة والإقدام ومساعدة المحتاج وإغاثة اللهفان، ومهنها ما هو سيء كوأد البنات وشرب الخمر. وحينما جاء الإسلام أبقى حسنها وألغى سيئها، فما كان من العرب، أمام أحكام الإسلام إلا أن قالوا سمعنا وأطعنها. ومما يلفت النظر أن المسلمين وكأنهم بدأوا يعودون لوضع العرب قبل الإسلام من حيث إعطاء عادات وتقاليد الآباء والأجداد تقديساً واحتراماً أكثر من أحكام الشريعة. وفي هذه العجالة سنتطرق إلى بعض العادات والتقاليد المخالفة للشريعة ولكن أغلب المسلمين يمارسونها لا لشيء إلا أن آباءهم وأجدادهم كانوا يمارسونها. ففي الخِطْبَة مثلاً، نجد أن الخاطب حينما يود أن يرى خطيبته في بيت أهلها يقوم الأهل بمنعه بحجة أن هذا مخالف للعادات ويعرضهم لألسنة الناس الحداد، مع أنه بإمكان الخاطب مشاهدة خطيبته خارج البيت ولكن في البيت ممنوع. وحينما نعود إلى الشرع ونستنطق حكمه في هذا، نجد أنه يجوز أن يرى الخاطب خطيبته كاشفة الوجه واليدين وأن يتحدث معها بوجود محرم معهما. وأيضاً كذلك في المهور، نجد عند ضعاف العقول من الناس أن شرف وكرامة الفتاة يكون في مهرها وعلاقته مع المهر علاقة طردية، فنجد بعض الآباء يغالون في مهور بناتهم لتوهمهم بأن هذا يزيد من رفعة ومكانة البنت، في حين أن الشرع أوجب مهر الفتاة واعتبره ركناً من أركان الزواج لكنه حفز وشجع على أن يكون المهر بسيطاً لكي لا يكون عقبة في طريق الزواج. وهناك أيضاً في حفلات الزفاف نجد عادة دخول العريس في ليلة زفافه مع عروسه في أبهى زينة لها أمام جمهور مختلط من الرجال والنساء، وهي عادة دخيلة على المجتمع الإسلامي، فقد قدمت إلينا عن طريق الغرب حينما أخذنا شرور الحضارة الغربية دون خيرها، ناهيك أيضاً عن الإسراف والتبذير الذي يحدث في تلك الحفلات. وحينما نعود بالأمر الى الشرع نجد أنه يحرم اختلاط الرجال بالنساء دفعاً لفتن كثيرة. وأيضاً عادة دخول الزوجة على إخوان وأقارب وأصدقاء الزوج (هذا إن لم تكن الزوجة مكرهة على ذلك) بحجة أنهم مأمونوا الجانب. وحين تحاول أن تنصح الزوج وتبين له الخطأ الذي هو فيه يجيبك: ماذا يحدث لو أنها جلست مع أولاد عمومتي نصف ساعة، لن تنشق الأرض ولن تخر الجبال هداً، أتريد أن يقولوا عني أنني لا أستأمنهم على عرض؟ ! ماذا سيكون موقفي حينها، يا أخي لقد وجدت آبائي هكذا وأنا أظن أنني سليم معافى. وكأن لسان حال هذا الرجل يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. وهل أهلك عم رسول الله ﷺ أبا طالب إلا خوفه من مقولة الناس بأن ابن عبد المطلب صبأ وترك دين آبائه وأجداده. ولكننا حينما نعود إلى الشرع لنأخذ منه القول الفصل نجد أنه يحرم جلوس المرأة مع الأجنبي حتى لو كان معها محرم، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة فقد روى عنه أنه قال: (إياكم والدخول على النساء فقال رجل يا رسول الله: أفرأيت الحمو (أي أقارب الزوج) قال: الحمو الموت) رواه الشيخان. وهكذا نجد أن رسول الله ﷺ قد قرن الحمو بالموت لما يجب أن يحتاط منه أكثر من الأجنبي. فعلى المسلم أن يرجع في كل صغيرة وكبيرة إلى شرع الله وأن يزن عادات وتقاليد الآباء والأجداد بميزان الإسلام لا العكس، فالإسلام لم يترك شيئاً إلا وقد بينه ووضحه فقال عز من قائل: [ولَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ومَا يَكْفُرُ بِهَا إلاَّ الفَاسِقُونَ] [البقرة: ٩٩] . وقال تعالى: [قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ] [المائدة: ١٦] . وإذا ما حكم الشرع بحكم غير ما تهوى الأنفس ومخالف للعادات فعليه أن يرضخ للحكم وأن يقول: سمعنا وأطعنا، لا أن يقول: بل نتبع ما ألقينا عليه آباءنا، واقرأ معي قول الله تعالى: [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمرهم] [الأحزاب: ٣٦] . واعلم يا أخي أن أتباع الشرع المخالف لهوى الناس قد يغضبهم في بادئ الأمر، ولكن يجب أن لا يغيب عن ذهنك حديث رسول الهدى: «من التمس رضا الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه، فيا أخي هل بعد هذا الحديث اختيار؟ .

стр. 347

العالم الإسلامي بانتظار الأولي بقية بقلم: أحمد زيدان تعيش الأمة الإسلامية في حالة ضعف لا تحسد عليها، وكي تنهض من الوهدة التي سقطت فيها لابد لها من جماعة تأخذ بأيديها إلى برّ الأمان وشطآن الاستقرار، وتأخذ على عاتقها مهمة التغيير الحضاري، والقفزات النوعية بخصوص ذلك، ونقل هذا إلى حيز التنفيذ، وقد أرشدنا الله تعالى إلى هذا الطريق بقوله: [فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ واتَّبَعَ الَذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وكَانُوا مُجْرِمِينَ] [هود: ١١٣] . يصفهم الإمام القرطبي بقوله: «أصحاب طاعة ودين وعقل وتمييز» ، [تفسير القرطبي ٩/١١٣] . ويقول ابن قتيبة: «المعنى: فهلا كان من القرون ممن كان قبلكم أولو بقية، والبعض قال أولو تمييز» ، [زاد المسير في علم التفسير ٤/١٧٠] . ويقول الإمام الطبرى: «ذو بقية من الفهم والعقل يعتبرون مواعظ الله ويتدبرون حججه فيعرفون مالهم في الإيمان وعليهم في الكفر به» [تفسير الطبري ١٢/ ١٣٨] . ونخلص من هذه الأقوال إلى ضرورة توفر ميزات معينة في هذه الجماعة وذلك من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مع إدراك كامل للواقع البشري الذي تحياه الأمة، والتمييز بين ما يصلح وما يضر، لابد لهذه الجماعة من التعرف على سنن الله وتوظيفها لعمارة الأرض على مقتضى القرآن والسنة بالإضافة لمهمة تبصير الأمة بمكامن القوة وأماكن الخطر حتى تعرف الأمة من أين تؤتى. وكما يقولون الرائد لا يكذب أهله. فكل جماعة إنسانية ترنو إلى تسجيل قفزات نوعية في الإقلاع الحضاري لابد لها من صفوة رائدة تتصف بصفات معينة تخولها لهذه المكانة. يقول المؤرخ أرنولد توينبي: «إنه لابد لكل جماعة إنسانية من صفوة قائدة لكي تتقدم وتتحسن أحوالها ولايتم تقدم إذا عدمتها الجماعة، فكأنها خميرة التقدم والنهوض» . ويقول: «إن مصير الجماعة كلها مرتبط دائماً بهذه الصفوة، وأحوالها فإذا ظلت على هذه الحال من القلق والسعي والإحساس بمسؤولياتها عند الجماعة تكّون حولهم جماعة من الناس يسيرون في الطريق بعدهم وأطردت مسيرة الجماعة وطال عمر صلاحها» . كما أكد الأستاذ سيد قطب في كتابه القيم «معالم في الطريق» ، على ضرورة نهوض طليعة مؤمنة تنقذ الأمة. وتأتي ضرورة وجود هذه العصبة من كون الله يحفظ بهم الأمه من غوائل الدهر وعاديات الزمن، فهم وحدهم القادرون على إدراك الخطر الحضاري أو السوس الذي ينخر ببطء في المجتمع، كما أنهم هم القادرون على تلمس القفز الحضاري وطرقه ووسائل تنميته وتشجيعه. يقول الأستاذ رشيد رضا: «جاءت هذه الآية بعد بيان إهلاك الأمم بظلمهم وإفسادهم في الأرض للإعلام بأنه لو كان فيهم جماعات وأحزاب أولو بقية من الأحلام والفضائل والقوة في الحق ينهونهم عن ذلك لما فشا فيهم، وأفسدهم، وإذن لما هلكوا، فإن الصالحين المصلحين في الأرض هم الذين يحفظ الله بهم الأمم من الهلاك ما داموا يطاعون فيها بحسب سنة الله، كما أن الأطباء هم الذين يحفظ الله بهم الأمم من فشو الأمراض والأوبئة فيها مادامت الجماهير تطيعهم فيما يأمرون به من أسباب الوقاية قبل حدوث المرض» [المنار: ١٢/٢٤٤] . ولم ينفع العالم الإسلامي هذا الغثاء كله الذي يملكونه ليدفعهم إلى مصاف الأمم الحضارية والمدنية. فالصوفيون الخرافيون المنتشرون في أكثر بلاد المسلمين إن لم أقل في كلها لم يكن لهم أي تغيير حضاري يذكر أو يسجل بل يقفون عقبة كأداء في كثير من البلدان في وجه الحركة الإسلامية الحقيقية التي تنشد التغيير الحضاري، وأسجل مثال الصوفية هنا نتيجة كثرتهم الكاثرة التي لم تؤثر في مجرى إعمار أرض المسلمين على مقتضى الشريعة الغّراء. بينما قام أفراد معدودون أمثال ابن باديس والبنا والدهلوي والمودودي بأعمال إسلامية مازالت بصماتها وتأثيراتها حتى الآن. ولقد كتب الله تعالى في (الزبور) ، أنه لن يسلم حكمه لشخصيات مهزوزة لا تأخذ الكتاب بقوة ولا تثبت وجودها في عالم تصارع الأفكار والمبادئ عندما قال: [ولَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] [الأنبياء: ١٠٥] . إن أفراداً قدموا خدمات لأممهم أكثر من ملايين الأفراد، لأنهم أدركوا عظم الخطر الذي يتهدد بلادهم وحجم المسؤولية الملقاة عليهم، وهذا لا ينافي ما ذكرناه من ضرورة العمل الجماعي الذي يحقق نتائج أفضل، فالعالم الذري اليهودى (اينشتاين) قدم لبني جلدته خدمات كبيرة في فرض وجودهم السياسي وإقامة دولتهم على تراب أرض فلسطين المغتصبة، وكذلك (الأغاخان) الذي جعل من طائفته الإسماعيلية الباطنية جماعة قوية يحسب لها حسابها وإن تشييد جامعة الإسماعيلية في مدينة (كراتشي) الباكستانية، لخير شاهد على ذلك، كما أن نفوذه الاقتصادي في باكستان أمر خطير جداً. ويزخر التاريخ الإسلامي بشخصيات تركت آثارها على الواقع الفكري الإسلامي والواقع العلمي حتى هذا اليوم، وأكبر مثال على ذلك هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي مازالت الحركات الإسلامية تستشهد وتقتبس من أقواله أثناء تنظيراتها الفكرية والحركية، وهذا مصداق قوله ﷺ : «يبعث الله على كل رأس مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» [رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني] . والخطوة الأولى في هذا المضمار هو أن تأخذ جماعة رائدة مسلمة على نفسها هذا العهد وتعمل من أجله ليل نهار، ولا تتعجل في عملية التجميع والتكديس، ولنا في سيرة رسول الله ﷺ أسوة حسنة عندما قدم عليه وهو في طريق هجرته بعض الأعراب يريدون إشهار إسلامهم والهجرة إليه، نظر إليهم رسول الله ﷺ وكأنه تفرّس فيهم وعرف عدم صلاحيتهم لأن يكونوا معه في دار الهجرة في هذه المرحلة الحساسة من إقامة دولة الإسلام فقبل إسلامهم وأمرهم بالعودة إلى بلادهم، وعدم الهجرة، ذلك أن بعض الأفراد قد يكونون عقبة في تقدم العصبة المؤمنة (الأولو بقية) الذين يريدون التقدم النوعي المتميز وبمقدار ما تكون الدفعة الحضارية والزخم الروحي للانطلاقة الأولى لهذه العصبة قوية بمقدار ما تطول فترتها أكثر وأكثر. ولابد لهذه الفئة من شحذ فعاليتها، ودراسة الواقع المحيط بها والحضارات التي تعاقبت على الأمم حتى تنتفع بهذه الدروس ولا تضيف درساً مكرراً إلى الإنسانية، فهل تنهض هذه الفئة المخلصة التي يتحرق العالم الإسلامي لرؤيتها، هذا ما نرجو وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 348

أدب وتاريخ علة اهتمام الأمم بلغاتها حبيب أبو قيس إن وجود أمة قائمة ذات شخصية متميزة وكيان مستغل، وذات تقاليد وأعراف وطبائع نفسية وسلوكية مرتبط تمام الارتباط ببقاء لغة هذه الأمة، بل مرتهن بحياة هذه اللغة أو موتها ومحاذٍ لمستويات ازدهارها وضعفها. إن الأمة عندما تفقد لغتها الأصلية وتهيمن عليها لغة أخرى غير لغتها فإن ما يحدث هو أن نجد بعد فترة من الفترات أمة أخرى لها كيانها وخصائصها التي تختلف عن تلك الأمة الأولى، فكلاهما أمتان مختلفتان وإن كانوا في الأصل نفس الأمة السابقة في الموطن الجغرافي والسلالة البشرية، وينطبق هذا إلى حد كبير على أفراد الجيل الذين يطرأ عليهم هذا التغير اللغوي ويعيشون في عصرين مختلفي اللغة، فهؤلاء وإن كانوا جيلاً واحداً، إلا أنهم يصح القول عنهم: إنهم كانوا في اللغة الأولى أناساً مختلفين عما هم عليه الآن من غير نسيان لما للبيئة الأولى ولغتها على وضعهم الجديد من تأثير على أيّ مستوى يكون. إن اللغة ذات دلالة وسمة للأمة الناطقة بها، بل: (إن لغة الأمة دليل نفسيتها وصور عقليتها، بل هي أسارير الوجه في كيانها الاجتماعي الحاضر، وفي تطورها التاريخي الغابر، لأن وراء كل لفظة في المعجم معنى شعرت به الأمة شعوراً عاماً، دعاها إلى الإعراب عنه بلفظ خاص، فوقع ذلك اللفظ في نفوس جمهورها موقع الرضى، وكان بذلك من أهل الحياة، وما معجم اللغة إلا مجموعة من المعاني التي احتاجت الأمة إلى التعبير عنها، فاختارت لكل معنى لفظاً يدل على الجهة التي نظرت الأمة منها إلى ذلك المعنى عندما سمته باللفظ الذي اصطلحت عليه، فلغة الأمة تتضمن تاريخ أساليب التفكير عندها من أبسط حالاته إلى أرقاها، يعلم ذلك البصير في أبنية اللغة وتلازمها ومن له ذوق دقيق في ترتيب تسلسلها الاشتقاقي) [١] . وتزداد أهمية اللغة وضوحاً عندما نتكلم عن ما يعرف بصراع اللغات. الصراع اللغوي: لا يعني هذا المقال بالحديث المباشر عن صراع اللغات أو أسبابه أو نتائجه، وحسبنا هنا أن هذا الصراع قائم، وله وجود في لغات الأمم ذات الاحتكاك الكثير والمباشر بأمة أو ذات لغات أخرى. وتزداد فاعلية هذا الصراع وحدّته عندما تكون أمة من الأمم لها أطماع في أمة أخرى. ولا ريب أن الصراع اللغوي ينشأ من تجاور أو معايشة لغتين واحتكاكهما ببعضهما، وسواء أكانت اللغتان لأمتين مختلفتين أو أمة واحدة، ومعنى هذا أن الشعوب ذات اللغة الواحدة ولكنها تتخذ لغة أخرى في بعض شئونها الحيوية كتدريس بعض العلوم وبخاصة العلمية التطبيقية كالطب والهندسة وما إليهما في المعاهد أو الجامعات كشأن بعض البلاد العربية مثلاً، فهذه الشعوب قد فرضت على نفسها صراعاً لغوياً كان بإمكانها دفعه لو استخدمت لغتها الأصلية في هذه المعاهد أو تلك المصالح الحيوية. ولقد عرف الناس مغبة من أخذ العلم بغير لغة أمته من قديم، وشاعت في الناس حكمة يرددونها: إن التعليم باللغات الأخرى ينقل بعض الأفراد إلى العلم، ولكن التعليم باللغة الوطنية ينقل كل العلم إلى الأمة. وتقع في شراك الصراع اللغوي أيضاً بعض الشعوب التي تفتح الباب لاستقدام أناس لا يتكلمون لغة من يستقدمونهم ليباشروا كثيراً من الأعمال الحيوية التي تقف على إحيائها شركات أو مؤسسات تستخدم أعداداً غفيرة من البشر، فهذه الأفواج البشرية ستفرض صراعاً لغوياً مع لغة من وفدوا إليهم. ولا ريب أن نزوح العناصر الأجنبية إلى بلد ما -مع هيمنتهم لإدارة مصلحا هذا البلد مثلاً- مما يحدث هذا الصراع اللغوي كما هو مقرر عند علماء اللغة [٢] ، ولعل الأمة التي استخدمت هذه العناصر التي لا تتكلم لغتها تنجو من الصراع اللغوي لو استقدمت أناساً يتكلمون بلسانها ولا غرو أن الأمم التي توقع نفسها في مثل هذا الصراع اللغوى تعرض نفسها لداء خفي وتقع في خطأ يدل على قصر النظر. الصراع اللغوي ليس بالأمر اليسر، بل له أبعاده وخطورته العميقة، ولا يشعر بحقيقة هذه الخطورة عامة الناس، بل ولا كثير من المثقفين، وإنما يفهم ذلك اللغويون الذين يعون ذلك جيداً، ولذلك فلا غرابة لما نسمعه من أن أبا الأسود الدؤلي هاله ما رأى من ظهور اللحن في زمانه، لقد شعر جيداً بالأمر فعدّه من الأهوال، وهو كما رأى ﵀، حتى أخذ يناشد الولاة ويستحثهم إلى وضع ما يدفع به ذلك الداء النازل بهم [٣] . إن الصراع اللغوي يحتاج إلى عشرات بل مئات من السنين حتى يتضح أثره وتتجلى خطورته، إن هذا الصراع هو صراع بقاء ومحاولة هيمنة لإحدى هاتين اللغتين على الأخرى، وهذه أمثلة يتجلى بها للقارئ آثار الصراع اللغوي ونتائجه الخطيرة الأثر في حياة الشعوب [٤] . لقد نتج عن غزو الرومان لوسط أوربا وشرقها وجنوبها أن تغلبت لغتهم اللاتينية على اللغات الأصلية لفرنسا وأسبانيا وايطاليا وغيرها، ذلك مع قلة الرومان المغيرين على هذه البلاد بالنسبة لسكانها، وفي العصر الحديث عندما انتشر الغزو الأوربي لأطراف الأرض كوّنت دول أوربا كتلاً بشرية في مناطق هجرتها، وكثُر أفرادها مع قوة سيطرتها كان من ذلك أن نجم عن استعمار الانجليز لأمريكا الشمالية واستراليا وبعض نواح في جنوب أفريقيا انتشار اللغة الإنجليزية في هذه الأرجاء الواسعة. ونجم عن استعمار الأسبان في أمريكا الجنوبية أن كانت الأسبانية لغة معظم دول أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية وغيرها. وإذا كان هذا الصراع السابق مرتبطاً بالصراع السياسي، وكانت ظروفه تختلف عن صراع آخر أقل جرأة ووسائل كتغلب اللغة العربية بفضل انتشار الإسلام على كثير من لغات الشعوب الآسيوية وعلى لغة الأقباط ولغة البربر في أفريقيا؛ فإن هذا لا ينكر خطورة الصراع اللغوي الذي قد تحدثه عوامل أخرى غير سياسية أو حربية. وإنما قلت عن تغلب العربية: إنه أقل جرأة ووسائل، لأن المسلمين لم يفرضوا لغتهم ويتشددوا في ذلك في البلاد التي فتحوها، ولم يكن لهم من الوسائل العسكرية أو العلمية الحديثة ليستخدموا كل ذلك في نشر لغتهم كما حدث في الاستعمار في العصر الحديث، ولا ننسى أن العربية لما كانت لغة الدين كان ذلك دافعاً روحياً للشعوب الداخلة في الإسلام أن ترغب في هذه اللغة وتقبل عليها وتنشرها في بلادها. والذي ينتج من غلبة لغة على لغة وحلولها محلها أن تذوب شخصية الأمة صاحبة اللغة المغلوبة تدريجياً في الأمة الغالبة، وتصبح بعد أن كانت لها مقوماتها وخصائصها وهي على لغتها الأصلية، تصبح مندمجة في أمة أخرى، وقد فقدت ما كانت تحمله في ذاكرتها من الأفكار والمعتقدات وسائر المعاني المختلفة عما كانت تراها وتفهمها، وتراها بعد ذلك بمنظار فكر اللغة الأخرى الذي لابد أن يغاير فكر اللغة الأولى في كثير من المعاني والتصورات. ويأتي بعد هذه النتيجة أيضاً أن تُقطع الأمة التي استبدلت لغتها عن تراثها وأصلها، فتنشأ أجيال هذه الأمة المقطوعة فاقدة الهوية، لا تراث ولا انتماء، وهذا مما ييسر احتواء هذه الأجيال وإذلالها والتحكم في توجيهها. إن الجيوش العسكرية التي تتخذها الأمم لنشر سيطرتها وبسط سلطانها تسبقها جيوش لغوية، تحمل هذه الجيوش لغة الأمة الغازية وتبشر بأفكارها وتذيع مبادئها وترسم شخصيتها، ولقد كانت هذه الجيوش اللغوية عظيمة الأثر في بث فكرها والدعوة إليه بين القوم الذين وفدت إليهم، فقبل أن تجيء الجيوش العسكرية استطاعت جيوش اللغة الأجنبية أن تهيء لها أتباعاً وأنصاراً يحملون فكرها ويدافعون عنه ويدعون إليه فوق فخرهم بهذه اللغة وميلهم إلى أهلها. إن الحديث بلغة قوم يفضي إلى الميل إليهم والتعايش معهم -إن لم يكن هناك حصانة فكرية لمن يتحدث بها- ويقوى هذا الميل عندما تكون هذه اللغة لأمة أرقى وأقوى من لغة من يعيش معهم من أهل لغته. إن أصدق ما أدلل به على هذا الأمر ما كان من أمر الاستعمار الأوربي الحديث لكثير من أجزاء العالم وبخاصة العالم العربي، والذي سبق إليه بغزو جيوشه اللغوية في القرن السابع عشر والثامن عشر الميلاديين [٥] . لقد تركزت هذه الجيوش في المناطق الخصبة لنموها من حيث سعة الانتشار والأبعاد السياسية، أتت جيوش اللغة إلى مصر والشام على وجه الخصوص في شكل إرساليات علمية، اتخذت صوراً كثيرة منها المدارس والمعاهد، ومنها الكنائس والأديرة والمصحات وغيرها. لم تأت جحافل فرنسا وبريطانيا العسكرية إلا وللغة الفرنسية والإنجليزية في مصر والشام شأن لا يمكن تجاهله، يتحدث بها كثير من الناس، ولها مناطق ومصالح لا يمكن العيش فيها إلا بلسانها، ولقد طغى الأمر في بعض الفترات حتى كان من أفراد الأمة ومثقفيها من يستنكف عن الحديث بلغة بلاده أو التعامل بلهجة أهله، وينظر إلى لغته وثقافة أمته بازدراء كبير، وسمع من مثقفي الأمة العربية وعقلائها من صاح ورفع عقيرته في وجه هذه الظاهرة المزرية [٦] . وأصبح من أفراد الأمة من يباهي بالثقافة الفرنسية لأنه يجيد لغتها، وآخرون ينافحون عن الإنجليزية لأنهم يلوكونها وقد تعلّموا شيئاً من ثقافتها، غدا كل منهم كأنما هو فرنسي أو إنجليزى وطبعوا حياتهم -في جوانبها المختلفة- بطابع الحياة الإنجليزية أو الفرنسية، ولا شك أن ذلك يفصح للناس عن أثر اللغة البعيد الذي قد لا يظن بعضنا أنه يصل إلى نحو من هذا السلوك في حياة الإنسان. ضرورة زيادة الاهتمام باللغة: تأتي هذه الزيادة في أهمية اللغة العربية لارتباط هذا اللسان العربي بملة الحنيفية دين الإسلام، ولا غرو فقد كانت خاتمة رسالات السماء إلى الأرض تفصح بلسان عربي مبين، وقد كانت هذه الرسالة هي الدين الذي أراد الله سبحانه ظهوره وهيمنته في الأرض على سائر الملل والأديان الأخرى، بل حذّر الله البشرية من العبودية بسواه [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] فكان -كما هو معلوم- أن نزل القرآن بلغة العرب وبعث الله خاتم رسله وهو عربي الجنس واللسان، وأوحى إليه من وحيه ما هو مماثل للقرآن من السنّة، وكان من ذلك الأصلان العظيمان لهذا الدين، أعني القرآن الكريم والسنة النبوية، وكلاهما بلسان العرب ولغتهم، فكان من ذلك الأصل والمرجع والقاعدة التي يُعَوَّل عليها في فهم هذا الدين في أصوله وأحكامه، وعلم أسراره وجزئياته، وبخاصة عندما تضطرب المفاهيم وتقع الخلافات في شيء مما يتعلق بعلوم هذا الدين وأحكامه، فالأصل موجود ولا مجال لبقاء النزاع، [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ ... ] ولا مراء أن بقاء هذا الدين متوقف على بقاء حياة هذين المصدرين الأساسيين، وذهابه حاصل بفقدهما، ومن هنا يمكن القول: أ- إنّ أي محاولة للقضاء على اللغة العربية أو النيل منها، على أيّ وجه من أوجه النيل المتعددة، سواء ما استتر تحت وجه الإصلاح، أو تظاهر بادعاء التطوير، أو التفجير اللغوي، أو الدعوة إلى العامية كما حدث في عصرنا الحاضر أو غير ذلك، كل ذلك سيصل في آخر الأمر إلى مس هذين المصدرين، ومن ثمّ القضاء عليهما أو مسخهما وتحريفهما عن الحقيقة التي جاءا عليها، وهذا هو القضاء المبرم والهدم الحقيقي لإزالة هذا الدين من الوجود والتخطيط لاقتلاع جذوره أو قلب حقائقه. ب- إنّ معرفة حقيقة هذا الدين والإلمام بأصوله وفروعه والوقوف على أحكامه لاتكون دقيقة وصائبة إلا بالوقوف على أصول هذا الدين في لغتها الأصلية، والتي جاء بها النبي الأمين ﷺ فكما هو معلوم لأهل اللغة أن الترجمة لأي عمل إبداعي وحتى غير الإبداعي تنقص وتعجز كثيراً عن الوفاء الكامل بما يحمله الأصل من دقة في أفكاره وأساليبه وإيماءاته، فكذلك الحالة هنا، مع العلم أن القرآن لم يترجم إلا معانيه كما يرى ذلك علماء الإسلام، ولا يغيب عن البال أن هذين المصدرين في الذروة العليا من الفصاحة والبيان، وقمة الإبداع اللغوي. ومن هنا، من هذا الإبداع اللغوي العظيم لهذين المصدرين يتضح لنا القصور العظيم في أي ترجمة لمعانيهما أو لهما إلى لغات أخرى عن الوفاء بدلالات لغتهما العربية، وذلك، بلا ريب مدعاة إلى تحريف هذين الأصلين أو الوقوع في ذلك على أقل تقدير، وتحريف الترجمة والفهم هنا هو تحريف لحكم شرعي أو استنباط فقهي، مما قد لا يكون هو الحكم الشرعي الصائب، أو ما جاءت به الشريعة المطهرة، وهذا كله من نتائج الترجمة المباشرة لأي من هذين المصدرين. أما اعتماد هذه الترجمة لهذين الأصلين عند وجودها لتقوم مقام أصلهما ومن ثم الركون إليها في استنباط أحكام الشرع والاجتهاد في استخراج الأحكام، فهنا تكون النتائج أشد خطراً وأبعد كثيراً عن مراد الشارع وما جاء به الدين، وبذا يظهر لنا جلياً ما ذهب إليه علماء الأمة الإسلامية ﵏ من سداد الرأي وصائب الحكمة عندما وضعوا شرط الإلمام الواسع والفهم الدقيق للغة العربية من ضمن الشروط التي لابد من توفرها في المجتهد، والذي قد بلغ درجة عالية في علوم الشريعة وفهم دقائقها وجزئياتها، حتى يستخرج للمسائل التي لم يقف على جواب لها ما يهديه اجتهاده إليه [٧] . ولا يذهب الفهم بالقارئ هنا إلى أن المقصود رفض الترجمة أو جهل قدرها وفائدتها، وما تدعو إليه الضرورة منها، أو أن الإسلام لا يُقبل ممن لا ينطق اللسان العربي، فهذا لا يعتقده مسلم، ولكن ما أريده هو التذكير ببعض مزالق الترجمة، وعمق الطعنة التي تصيب الأمة ودينها من جراء ذلك. وثمة أمر آخر لا يمكن تجاهله حول أهمية اللغة العربية وهو أن تكون العربية لغة الثقافة الدينية للأمة الإسلامية، فهي بذلك اللسان الذي يصح اجتماعهم عليه، بعدما اجتمعوا على دين واحد، ولا غرو أن ذيوع اللغة العربية في الأمة الإسلامية كبير ويبشر بالمزيد، بل إنه كان لسان كثير من الأمم الإسلامية قبل أن تحيق بها مؤامرات أعداء الإسلام، والتي فرقت بين هذه الأمم في اللغة والثقافة حتى تصل إلى تفريق دين هذه الأمم، ومتى تحقق انتشار اللسان العربي بدرجة أكبر في الأمة الإسلامية كان من أعظم العناصر وآكد الدعائم التي تحيا بها الوحدة الإسلامية وتزدهر، وتتذلل في سبيلها كثير من العقبات والعراقيل التي منيت بها الأمة الإسلامية.

стр. 349

الجهاد الأفغاني أسطورة الإباء والفداء شعر: محمد أمين أبو بكر زَحَفَ الأُباةُ إلى الوغى فاستأصلوا ... ظُلَمَ العدوِّ وأحرقوا الطغيانا ومواكبُ الأبطالِ في تلك الذُّرا ... فاضت فِداءً يلهبَ الميدانا خاضوا غمار الموت في وهج الجحي ... م فمزقوا في الساحة الأوثانا هذي الهدايةُ في شِعاب جبالِهم ... إخضوضَرت وأضاءت الأزمانا حملوا لواء الله وانطلقوا به ... نحو الجهاد فزلزلوا الكفرانا جازوا براكينا تزمجر في الوغى ... كانت لهم يوم اللقا ألحانا حتى ثوى (لينين) في ظُلَمِ الخنا ... يتجرع الآلام والخذلانا ومضى (لكارل) الكفر يشكو عنده ... بعد اللقاء مخازياً وهوانا من بعدما نفروا يكل ذئابهم ... عَلَّ الذئاب تمزق القرآنا وجحافل الطغيان في تلك الربا ... بلظى القنابل تلهم الأفنانا والسادرون على وسائد نومهم ... عشقوا حكايات الهوان زمانا حتى غدت دور النيام مقابراً ... منكوبةً وثيابهم أكفانا ضاعوا وطير الذلِّ في حلق فوقهم ... أكل النؤوم وأغضب اليقظانا لكن آساد الهداية فجروا ... لهب الجهاد فجددوا الإيمانا أبطالها بين الصلابة والتقى ... شبوا اللهيب وأضحكوا البركانا قرعوا طبول الحق في درب الهدى ... فوق الجبال فروّعوا القرصانا أحيوا ببذلهم مسيرة فاتح [*] ... دفن المجوس وكفَّن الطغيانا قحمت أسود الله تحت لوائه ... سود المخاطر تنصر الفرقانا لم تنحن الهاماتُ فوق هضابهم ... رغم اشتداد الحادثات زمانا فالزهرة البيضاء أضحت خنجراً ... يُصلي الغزاة مذلة وهوانا والقمة الشماءُ عادت قلعهً ... تردي الحقودَ وتقذف النيرانا والوردة الحمراءُ في وديانهم ... قذفت جحيماً يصهر الذؤبانا أما البراعم في رباها إنها ... أضحت قنابلَ تملأ الميدانا لن يستمر الكفُر رغم عناده ... في دار قومٍ بايعوا الرحمانا وهم - وقد رفعوا لواء محمدٍ - ... كتبوا سطوراً تذهل الأكوانا

стр. 350

من أصنام الحداثة يوسف الخال د. وليد الطويرقي ولد يوسف الخال في طرابلس عام ١٩١٧، وتخرج كل من الجامعة الأمريكية في بيروت عام ١٩٤٤، وسافر إلى الولايات المتحدة، حيث عمل في الأمم المتحدة، وعاد إلى لبنان ليعمل في الجامعة الأميركية، وأسس مجلة (شعر) عام ١٩٥٧ هو وشرذمة من أصحابه، وفي عام ١٩٦٧ انشئت دار النهار للنشر فانضم إليها مديراً للتحرير. من مؤلفاته: - ديوان الحرية ١٩٤٥. - مسرحية هيروديا. - ديوان البئر المهجور ١٩٥٨. - قصائد في الأربعين ١٩٦٠. - الحداثة في الشعر ١٩٧٨. - علامات الأزمنة. موقف يوسف الخال من اللغة العربية: يدعو يوسف الخال إلى اعتماد لغة الكلام (العامية) لغة أدبية لأنها لغة عربية متطورة من اللهجات (الجاهلية) التي رافقت الفتح العربي، وفي طليعتها لهجة قريش، التي جعلها القرآن لغة الفتح، ونموذجاً للغة العربية. [أسئلة الشعر / ٤٩] . ويدافع عن رأيه هذا بأسلوب لا يخلو من مزايدة وذر للرماد في العيون، فيقول إن عدم الأخذ بلغة الكلام هو (من وحي المستعمرين وإسرائيل في الطليعة فهم يشجعون على التعلق بالفصحى لتعميق الازدواجية في الفكر العربي من جهة، ولإبقاء العربي مشروطاً إلى حقائق ضبابية لا صلة لها بواقعه، من جهة أخرى) [١] [أسئلة الشعر / ١٥٠] . ولسنا بصدد الرد على هذه الحجج الباطلة، بل القصد هو عرض أفكار هذا (المبشر) وإلا فأبلغ رد عملي عليه هو اعترافه نفسه بفشل مشروعه في مجلة (شعر) حيث علل توقفها باصطدامها بجدار اللغة [جريدة الرياض، مقال لجهاد فاضل، بتاريخ ٣٠/١١/١٤٠٧] . ومما يدل على سوء دخيلته، وبعده عن حقيقة ما يتباكى عليه من حرص على نهضة العرب وتقدمهم أنه كان يدعو لتأجيل كل نضال ضد إسرائيل حتى يغير العرب لغتهم من فصحى إلى محلية، فقد كتب في أواخر أيامه: (اللغة أكبر مشكلة بيواجهوها العرب، هي أكبر من مشكلة إسرائيل، لأن مشكلة إسرائيل مربوطة بمشكلة اللغة، ومن دون حل مشكلة اللغة باعتماد المحلية ما بيتحرر العقل العربي، وما بيتقدم الإنسان العربي، حتى يتغلب على مشكلة إسرائيل) (كذا) [النهار العربي والدولي ٢٥ / ١ / ١٩٨١] . وعبارة (التغلب على مشكلة إسرائيل) حمّالة أوجه وهي مشكلة وملبسة، شأن أسلوب المبشرين الثقيل الخبيث، فمعناها غير معنى (التغلب على إسرائيل) فالتغلب على المشكلة يكون إما بتجاهلها، وإما بالتعايش معها، وإما بالمصالحة مع الطرف الآخر، فأي المعاني يريده يوسف الخال. موقف يوسف الخال من التراث العربي: إن موقف يوسف الخال من التراث العربي يوضحه صديقه أدونيس في كتابه (قصائد مختارة ص ٢٤٠) فيقول: (التراث العربي عنده هو التراث الإنساني كله ... إنه التراث الذي تكوّن على الأرض منذ القدم وتفاعل عبر المتوسط مع التراثات التي تشكل بجملتها الحضارة الحديثة ... وإن كان يوسف الخال يصدر في شعره عن المسيحية العربية أو الوثنية العربية أكثر مما يصدر عن الإسلامية العربية فلا يعني ذلك أن شعره غير عربي) . وهذا يوضح أن موقفه من التراث العربي موقف انتقائي ليس بمعنى انتقاء النافع الذي أجمع الناس على نفعه، ورفض الباطل الذي ثبت بطلانه، بل انتقاء ما يوافق أفكاره ولو خالف أفكار الأغلبية، وهو يوضح ذلك فيقول: (فأنا معني جداً بتراثي العربي، الذي لا تراث لي سواه، وإنما أريد أن أغنيه وأعززه وأنقده وأفرزه، وأرفض ما أرفض منه، وأقبل ما أقبل، وذلك لجعله أساساً حديثاً صالحاً لبناء حياة أفضل لنا ولأولادنا) [أسئلة الشعر / ١٥٠] . وعلى هذا فهو مع -اعتقاده بنفسه أنه فوق التراث برمته، يحكم عليه كما يشاء، ويشرف عليه بنظرته المملوءة بالغرور والعجرفة والادعاء، ويعطي نفسه الحق في رفض أي شيء وإثبات أي شيء؛ فيبرز فكر الشذاذ من الذين يسميهم فلاسفة ومفكرين، ويتجاهل فكر غيرهم الذي لا يتفق مع عقيدته النصرانية- يخلط خلطاً شنيعاً ومقصوداً في تحديده لمعنى التراث، كي يستبعد أي أثر ذي قيمة للإسلام في هذا التراث عن طريق إبراز بقايا الوثنية العربية والمسيحية العربية والمؤثرات الآتية عبر المتوسط! ! . اعتزازه بنصرانيته: يصرح يوسف الخال بأنه سعيد أن يلقى وجه خالقه وفي يده اليمنى شعرية غيرت إلى الأفضل مسيرة الشعر العربي؛ وفي اليد اليسرى ترجمة عربية حديثة للكتاب المقدس أتاحت للألوف المؤلفة من قرائه أن يخترقوا قدر الإمكان في المرحلة الراهنة جسد اللغة العربية القديمة الميت (كذا) إلى روح مضمونه الحي. ويقول أيضاً: (إنني كشاعر مسيحي، والمسيحية جزء من تراثي، إن لم تكن في جوهره وصميمه، والمسيحية مرتبطة ارتباطاً كيانياً عميقاً مع التراث الذي سبق التاريخ العربي في هذه البقعة من الأرض) [أسئلة الشعر / ١٥٠] . إن عبارته السابقة حول (اختراق جسد اللغة العربية الميت) ، تشرح نظرته إلى التراث العربي، وتوضح بجلاء أن ما يعده تراثاً هو كل شيء مخالف لعقيدة الإسلام سواء أكان أفكاراً منحرفة كانت تبرز بين الفينة والفينة عند بعض الفلاسفة أو المتصوفة، أو ما كان إشارة بعيدة أو قريبة إلى الفكر النصراني، فاللغة العربية كائن ميت، فإذا كتب بها شيء من أفكار ابن سينا والسهروردي أو الكتاب المقدس تحولت إلى جسد حي! . على أننا لا نلوم يوسف الخال هنا على مسيحيته وحبه لها، ولكننا ننعى عليه هو وأنصاره حقدهم على ثقافة غيرهم وعيبهم لها، وضيق صدورهم إذا رأوا أثراً إسلامياً -ولو باهتاً- في آثار غيرهم، فينقضُّون عليه بالشتم والقذف بالرجعية والتخلف والتعصب، ما الذي يجعل الإسلام والتمسك به تخلفاً ورجعية، بينما الاعتزاز بالتوراة والإنجيل والأساطير اليونانية تقدماً وتحضراً وحداثة! ! . وكذلك ننبه إلى اعتزاز أهل الباطل بباطلهم دون حياء ولا خجل، بينما نرى كثيراً من مدعي الحداثة يخجلون من ذكر دينهم وكتابهم [وإذَا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ] . (يتبع)

стр. 351

حقيقة دعوة ابن تومرت د. حمد بن صالح السحيباني تمهيد: مني العالم الإسلامي منذ عصر صدر الإسلام حتى عصرنا الحاضر بظهور العديد من الدعوات والدول التي لبست ثوب الإسلام، واتخذته شعاراً ظاهراً لتحقيق مطامح ومطامع خفية تهدف إلى النيل من الإسلام وحرب المسلمين بشعار الاسلام واسمه، وما دعوات الرافضة، والقرامطة، والعبيديين، والموحدين إلا ضرباً لتلك الدعوات والدول على مدار التاريخ الإسلامي. وإذا كانت الدعوات والدول الثلاث الأولى قد كتب عنها كثير من المؤرخين والكتاب المحدثين، فأبانوا حقائقها، وكشفوا للناس زيفها وبطلانها؛ فإن دعوة الموحدين -التي أسسها ابن تومرت- كان نصيبها من الدراسات قليل [١] ، ولهذا خفي على كثير من المسلمين حقيقتها، لاسيما وقد سماها مؤسسها بدعوة الموحدين، فظنوا بها خيراً، ونسبوها إلى الصلاح والاستقامة [٢] ، علماً بأنها كانت خلاف ذلك كما يوحي بهذا تراثها الفكري وتاريخ مؤسسها وداعيها الأول محمد بن تومرت ، وهذا ما دفعني إلى دراسة هذه الدعوة والتعرف على أسسها العقدية لبيان حقيقتها وكشف زيفها، معتمداً في ذلك بعد الله على أقوال ابن تومرت وأفعاله، وما دونه لنا المؤرخون المعاصرون لتلك الدعوة، حيث إن مؤلفات ابن تومرت وتلاميذه من أمثال البيدق، وابن القطان، وابن صاحب الصلاة موجودة بين أيدينا، إضافة إلى أن الفترة التي ظهرت فيها دعوة الموحدين حظيت بوجود العديد من المؤرخين الذين عاصروا تلك الدعوة أو عاشوا قريباً منها، فكتبوا عنها، وهم شهود عيان لما كتبوا من أمثال المراكشي وابن خلدون، وابن أبي زرع، وغيرهم. وسأنهج في دراستي لدعوة الموحدين أن أقوم أولاً بتتبع نشأة تلك الدعوة وبيان المراحل والأطوار التي مرت بها، وموقف الناس منها، ثم أخلص بعد ذلك إلى بيان أهم الأسس العقدية التي قامت عليها، ومدى قربها أو بعدها من الأسس الإسلامية الصحيحة. الاتجاه الفكري للدول الإسلامية التي قامت في شمال بلاد المغرب: لعل من المناسب بادئ ذي بدء أن نبين الاتجاه الفكري للدول الإسلامية التي ظهرت في بلاد المغرب الإسلامي -الشمال الأفريقي- منذ القرن الثاني وحتى القرن الخامس لنعرف مكان دولة الموحدين بينها، والأرضية التي ظهرت فيها تلك الدعوة وأصبح لها كيان سياسي يحميها، ذلك أنه بعد أن ضعفت قبضة الخلافة الإسلامية بالمشرق على الشمال الأفريقي ظهر هناك العديد من الدول الإسلامية التي أعلن بعضها استقلالها عنها، بينما بقي البعض منها موالياً لها ولاًء صورياً، وقد تباينت اتجاهات ومشارب تلك الدول حيث انقسمت إلى أربعة اتجاهات رئيسة هي: ١- الاتجاه السني ويمثله دولتا الأغالبة والمرابطين، والدولة الزيرية الصنهاجية في آخر عمرها. ٢- الاتجاه الخارجي ويمثله دولتا الرستميين والمدراريين [٣] . ٣- الاتجاه الرافضي، ويمثله دولة العبيديين. ٤- الاتجاه الاعتزالي ويمثله دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى. وبالإضافة إلى هذه الاتجاهات الرئيسة فقد كان هناك اتجاه خامس هو اتجاه دولة الموحدين والذي كان يجمع بين هذه الاتجاهات وغيرها من الاتجاهات الفكرية الأخرى، إذ أن محمد بن تومرت مؤسس هذه الدولة استقى من جميع هذه المشارب بل زاد عليها ما يرى أنه يخدم ميوله وأهدافه، ولهذا جاءت الأسس الفكرية لهذه الدولة خليطاً مضطرباً كما سنرى. الأسس الفكرية لدعوة ابن تومرت: لما كانت الأسس الفكرية -العقدية- لكل دولة أو جماعة أو فرد هي الموجه الحقيقي لحركاتها وسكناتها فإن دراسة تلك الأسس مطلب ملح قبل دراسة تاريخ الدولة أو الجماعة أو الأفراد. ودولة الموحدين أول من وضع أسسها الفكرية هو محمد بن عبد الله ابن تومرت الصنهاجي، ولد في الثلث الأخير من القرن الخامس الهجري ببلاد المغرب الأقصى، وقد اختلف المؤرخون في تحديد سنة مولده [٤] . ادعى ابن تومرت النسب القرشي، وأنه من سلالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد أقر بعض المؤرخين هذا الادعاء [٥] ، لكن طائفة أخرى من المؤرخين أنكرت هذا الادعاء وقالت إن ابن تومرت دعيّ فيه فهو من هرغة إحدى قبائل المصامدة البربرية حيث عرف بمحمد بن تومرت الهرغي [٦] كما قال بهذا الرأي من الكتاب المحدثين محمد عبد الله عنان ﵀، إذ يرى أن هذا الادعاء ما هو إلا نحلة باطلة وثوب مستعار قصد من ورائها ابن تومرت أن يدعم بها صفة المهدي التي انتحلها أيضاً شعاراً لإمامته ورياسته [٧] . ولا يشك المتتبع لتاريخ ابن تومرت في كذبه بهذا الادعاء وأنه إنما قال به ليتخذه جسراً يصل عن طريقه لأغراضه وطموحاته، ويتأكد هذا إذا علمنا أن معظم المؤرخين الذين أثبتوا له هذا النسب إنما هم من تلاميذه، أو من مؤرخي الدولة الموحدية الذين سجلوا تاريخها بوحي من سلاطينها وأمرائها، وبتأثير من نزعتهم العقدية الباطلة. حفظ ابن تومرت القرآن الكريم ودرس بعض العلوم الإسلامية في بلاد المغرب في صباه، ثم ارتحل سنة ٥٠١ هـ إلى الأندلس، ثم إلى بلاد المشرق حيث تنقل بين عواصمه الثلاث (بغداد) و (مكة) و (القاهرة) [٨] ، وقد أفاد من هذه الرحلة علماً غزيراً لاسيما في العلوم العقلية واللسانية [٩] ، حيث أعانه على ذلك ذكاؤه المفرط ومثابرته وهمته العالية [١٠] . بداية ظهور ابن تومرت: كان وضع معظم بلدان العالم الإسلامي في مطلع القرن السادس الهجرى مضطرباً فالخلافة العباسية بالمشرق قد دب فيها الضعف، كما أن دولة العبيديين بمصر قد كرهها الناس بسبب غلو حكامها وأعمالهم العدائية ضد الإسلام والمسلمين ، أما بلاد المغرب والأندلس فتخضع لحكم دولة المرابطين، وكانت قبضتها قوية واتجاهها اتجاه سني حيث كان يتولى أمرها آنذاك السلطان علي بن يوسف بن تاشفين (٥٠٠ - ٥٣٧ هـ) وكان سلفياً ورعاً مجاهداً وهذا ما جعل الطريق صعباً أمام ابن تومرت الذي بدأ ظهوره في بلاد المرابطين، ولهذا جاءت سهامه مسلطة ضد هذه الدولة وسلطانها، فبعد أن وصل إلى المغرب سنة ٥٠٥هـ بدأ يدعو الناس إليه [١١] ، ولما كانت دعوته تقوم على أسس عقدية يشوبها كثير من الغبش والانحراف فإنه لم يجرؤ في بادئ الأمر على إظهارها للناس صراحة، ولهذا انتحل صفه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يذكر البيذق [١٢]-أحد تلاميذ ابن تومرت- أنه نهج هذا الأسلوب في بادئ الأمر، وأنه كان إذا خشي بطشاً خلط في كلامه حتى ينسب إلى الجنون [١٣] ، وهذا منهج كثير من الفرق الباطنية حيث يلجأون إلى العبارات الموهية حتى لا تنكشف عقائدهم. ظل ابن تومرت مدة عشر سنوات (٥٠٥ - ٥١٥ هـ) ينتقل بين أقاليم ومدن المغرب الأقصى لعرض دعوته على الناس ونشر أفكاره بينهم فكثر أنصاره ومؤيدوه وذاع صيته بينهم وتعارف الناس به [١٤] ، فأضحى خطره يهدد كيان دولة المرابطين، حينئذ استدعاه السلطان علي بن يوسف وسأله: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فأجابه ابن تومرت في قوة بأنه يطلب الآخرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن هذه مسؤولية الحاكم قبل غيره، ويذكر بعض المؤرخين أن السلطان علي بن يوسف حين سمع ذلك أطرق برأسه إلى الأرض ملياً ثم أمر الفقهاء بمناظرته واختباره [١٥] ، فلما ناظروه تبين لهم حقيقة ما يحمله ابن تومرت من آراء ومعتقدات تخالف طريقة أهل السنة والجماعة، فأوصوا السلطان بسجنه سداً للذريعة ودرءاً للفتنة، لكن أحد المرابطين شفع فيه فأمر السلطان بإخراجه من مراكش ولم يسجنه [١٦] . أدرك ابن تومرت بعد ذلك المخاطر التي تهدده من قبل المرابطين، لاسيما أن دعوته قد وصلت إلى مرحلة الظهور والجهر بالأهداف، فقرر الانتقال الى بلاد السوس مسقط رأسه حيث نزل على قومه وقبيلته مصمودة سنة٥١٥ هـ وذلك لضمان الحماية اللازمة لدعوته [١٧] . وفي بلاد السوس أسس ابن تومرت مسجداً يجتمع به مع تلاميذه وزعماء قبيلته حيث التف حوله الكثير من المؤيدين والأنصار فاختار منهم نخبة لتكون قاعدة لدعوته حيث شرع بتدريسهم على شكل حلقات ودروس منظمة ومن خلال تلك الدروس بث أفكاره بين تلاميذه، وأخذ يعدهم إعداداً خاصاً، فألف لهم كتاباً سماه كتاب التوحيد بلسانهم البربري قسمه إلى سبعة أحزاب عدد أيام الأسبوع، وأمرهم بقراءة حزب واحد منه في كل يوم بعد صلاة الصبح [١٨] ، ويحتوي هذا الكتاب على معظم أفكار ابن تومرت والأسس العقدية لدعوته، ولهذا يذكر ابن أبي زرع أن ابن تومرت قال لتلاميذه: من لا يحفظ هذا (التوحيد) فليس بمؤمن وإنما هو كافر لا تجوز إمامته ولا تؤكل ذبيحته فصار هذا التوحيد عند المصامدة كالقرآن العزيز " [١٩] . وهكذا كفّر ابن تومرت من لا يتعلم مبادئ دعوته ويعمل بها ولاشك أن هذا الشطط والمغالاة جعلت الكثير من اتباعه ينصرفون عن الأسس الإسلامية الصحيحة إلى ما يقول به ويدعو إليه فغالوا في تعظيمه لدرجة العبودية -والعياذ بالله-. لما شعر ابن تومرت بقبول دعوته في أوساط الهرغيين رأي توسيع إطارها المكاني فاختار جماعة من أصحابه أرسلهم إلى القبائل القريبة من بلاد السوس لاستمالة تلك القبائل للدعوة الموحدية [٢٠] ، وبعد أن اطمأن إلى قوة دعوته وإلى تمكنه من قلوب أصحابه أخذ يشوقهم إلى (المهدي المنتظر) " ... فلما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه وقال أنا محمد بن عبد الله ... ورفع نسبه إلى النبي ﷺ وصرح بدعوى العصمة لنفسه وأنه المهدي وبسط يده فبايعوه.. ثم صنف لهم تصانيف في العلم منها كتاب سماه (أعز ما يطلب) .. " [٢١] . كانت هذه هي خطوات ابن تومرت في تمهيد الطريق وجهوده في تأسيس قواعد البناء قبل أن يدعو إلى مبايعته بالإمامة ويعلن قيام الدولة الموحدية، وقد أعان ابن تومرت على اجتذاب المؤيدين في بلاد السوس ما كان يتمتع به أهلها من سذاجة وجهالة وادعاءه النسب القرشي فضلاً عما يتمتع به ابن تومرت من ذكاء وعلم وقدرة على التأثير والتنظيم [٢٢] . مبايعة ابن تومرت بالإمامة: لما اطمئن ابن تومرت إلى قاعدته وحسن ولائهم له دعا الناس إلى مبايعته حيث يذكر ابن القطان أنه قام خطيباً فيهم ومما جاء في خطبته: " ... الحمد لله الفعال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا مرد لأمره ولا معقب لحكمه، وصلى الله على سيدنا محمد المبشر بالمهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً، يبعثه الله إذا نسخ الحق بالباطل، وأزيل العدل بالجور، مكانه بالمغرب الأقصى واسمه اسم النبي، ونسبه نسب النبي.. " [٢٣] . وبعد هذه الخطبة قام الناس فبايعوه بالإمامة وكان ذلك في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ٥١٥هـ[٢٤] . وهكذا نرى كيف أن ابن تومرت لم يجرؤ على إعلان ذلك الشطط في دعوته إلا بعد أن وثق من ولاء عامة الناس له، وفي هذا يقول ابن خلدون: «ولما كملت بيعته لقبوه بالمهدي وكان لقبه قبلها الإمام» [٢٥] . وقد جاءت مبايعة ابن تومرت إماماً للموحدين قرب مراكش دون تصد ومقاومة من قبل المرابطين أصحاب السلطة الشرعية هناك، بل ودون إحساسهم بالخطر الداهم قرب عاصمتهم شاهداً على ضعف دولة المرابطين وقتذاك، وعلى النجاح الكبير الذي حققه ابن تومرت لدعوته الناشئة. أمضى ابن تومرت السنوات الثلاث التالية لسنة مبايعته في جهد متواصل وعمل دؤوب لدعوته حيث خاطب القبائل القريبة منه يدعوهم إلى الدخول في طاعته، ونبذ طاعة المرابطين، فاستجاب له بعض القبائل [٢٦] ، ولكي يوفر مزيداً من الأمن لدولته ودعوته غادر جبل ايجليز في بلاد السوس سنة ٥١٨ هـ إلى قرية تينملل ببلاد هرغة [٢٧] ، وقد جاء اختياره لها بسبب حصانتها لوقوعها على ربوة عالية في سفح جبل درن، ولا يمكن الوصول إليها الا من طريق واحد لا يتسع لغير فارس واحد، ويصف ابن القطان منعة تينملل بقوله: " يسد خللها أقل عصبة من الناس " [٢٨] . ويبدو أيضاً أن ابن تومرت أراد من ذهابه إلى تينملل الابتعاد عن زعماء قبيلته ليتوقى مغبة تدخلهم في شئون دولته الناشئة لا سيما وهو في مرحلة وضع الأسس الأولى لها. أصبحت تينملل عاصمة لدولة الموحدين الناشئة حيث قسّم ابن تومرت أراضيها وديارها على أصحابه الموحدين ليسكنوا فيها، كما بنى مسجداً وداراً له بينهم [٢٩] ، وفي تينملل وضعت أسس دولة الموحدين ومنها انطلقت جيوشهم، كما وزع ابن تومرت مسئوليات الدولة ووظائفها على أصحابه الموحدين حسب ولائهم لطاعته [٣٠] ، ويذكر المراكشي أن ابن تومرت بعد أن كثر لديه المؤيدون والأنصار سماهم بالمؤمنين وقال لهم: " ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة المعنيون بقوله ﵊: " لا تزال [*] طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله " وأنتم الذين يفتح الله بكم فارس والروم، ويقتل الدجال، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى بن مريم، ولا يزال الأمر فيكم إلى قيامة الساعة ... فزادت فتنة القوم به وأظهروا له شدة الطاعة " [٣١] ! ! . هكذا تجرأ ابن تومرت على الله ورسوله فحرف الأحاديث الصحيحة وأقحم دلالتها ليضل الناس فيلتفوا حوله، وقد خفيت هذه الأباطيل على قومه في بادئ الأمر فأقبلوا على دعوته وتفانوا في خدمتها لاعتقادهم بأنه هو المهدي، حتى قال قائلهم حينا وقف على قبر ابن تومرت بعد مماته: سلام على قبر الإمام المجدد ... ومحيي علوم الدين بعد مماتها أتتنا به البشرى بأن يملأ الدنا ... سلالة خير العالمين محمد ومظهر أسرار الكتاب المسدد ... بقسط وعدل في الأنام مخلد [٣٢] هكذا أصبحت بلاد السوس بالمغرب الأقصى تغلي حماساً وولاءً لدعوة ابن تومرت لكنه توفي قبل أن يُحكم البناء ويُوسع إطار دعوته، فقد وافاه الأجل في شهر رمضان ٥٢٤ هـ وكانت مدة حكمه حوالي تسع سنوات [٣٣] ، وقد ترك حرباً مشتعلة بين أتباعه والمرابطين وكل من خالف دعوة الموحدين في أرض المغرب الأقصى، كما خلف أتباعاً مؤمنين بدعوته محاربين لأجلها.

стр. 352

شؤون العالم الإسلامي ومشكلاته انتصار الجهاد الأفغاني الآمال والعقبات ما من حدث هام على مدى الأعوام العشر الماضية هيمن على مشاعر المسلمين في أنحاء العالم وأذكى هممهم وردّ لهم الثقة في أنفسهم وأحسهم بعزة الإسلام كما فعل جهاد المسلمين الأفغان، وما من نبأ في عصرنا الحديث أدخل الغبطة إلى قلوب المسلمين، وشفى صدورهم كما فعل نبأ سحب الروس لقواتهم من أراضي أفغانستان المسلمة وهي تجر وراءها ذيول الخيبة والذل مقرّة بإخفاقها التام حتى في تحقيق جزء من الأهداف التي من أجلها دنست أراضي افغانستان، وتبددت في ذلك أحلام الامبراطورية الروسية في جعل ذلك البلد المسلم جرماً جديداً يدور في فلكها - على أقل تقدير - إن لم نقل ابتلاعه كلياً وضمه تحت رايتها الحمراء إلى جانب الجمهوريات المسلمة الآسيوية الكثيرة المنسية والقابعة تحت نير الشيوعية. وبدخوله عامه العاشر، يكون الجهاد الأفغاني قد قطع شوطاً بعيداً في طريق الوصول إلى أهدافه النهائية -بإذن الله-، بل لعل الفترة المتبقية لفتح باقي المدن المحاصرة، ومنها العاصمة كابول واقتلاع النظام الشيوعي العميل لم تعد تمثل سوى جزء يسير من مدة عقْدٍ من الزمان من القتال الضاري المتواصل. فالمجاهدون متفائلون في تخليص البلاد من دنس الشيوعية وإقامة دولة إسلامية -إن شاء الله-. إلا أنه ليظهر لمن أمعن النظر جيداً في مجريات الأمور على الساحة هناك أعداء الجهاد الكثر على اختلاف مللهم وعقائدهم ممن لا تكمن مصالحهم في وجود حكومة إسلامية سنية قوية في كابل سوف لن يدعوا الطريق مفروشاً بالزهور والرياحين للمجاهدين وقادتهم وهم يخوضون غمار المراحل الحاسمة من قتالهم المرير، بل ولا حتى في المرحلة التي ستشهد قيام دولتهم -بإذن الله-، لاسيما إذا ما أعدنا إلى الأذهان تآزر وتكاتف تلك القوى على مر السنوات العشر المنصرمة. وتبادلها الخبرات والتجارب المختلفة في كل ما من شأنه إضعاف المجاهدين والحد من انتصاراتهم. ومكامن الخطر التي هددت وتهدد الجهاد لم تكن خافية يوماً ما على من دقق النظر في أحوال ذلك البلد وما جاوره من شعوب مختلفة، فأفغانستان دولة محاطة بدول يجمعها قاسم مشترك ألا وهو محاربة الإسلام والإبقاء على المسلمين في حالة ضعف وتفرق، كما أنه ليس في مصلحة أية دولة من هذه الدول قيام دولة إسلامية حقة من شأنها إيجاد موطئ قدم للمسلمين في ذلك البقعة من العالم. ولقد سبق لنا الحديث عن خطورة الدور الذي بالإمكان أن تلعبه تلك الدول في تحديد الصورة النهائية للجهاد، وذلك في أعداد سابقة من البيان (١) ، وكنا قد شددنا القول على الدور الخطير الذي تضطلع به إيران الخميني للحيلولة دون انفراد المسلمين السنة في دولة مستقلة لهم. ولقد وجدنا من الأهمية بمكان إيراد بعض مما كنا قد حذرنا إخواننا المجاهدين منه في الماضي لكي يتسنى للقارئ المقارنة بين ما جاء في تلك المحاذير وبين ما آلت وتؤول إليه مجريات الأمور وتطورات الأحداث هناك، لعل ذلك يكون درساً لأصحاب الهمم العالية والنوايا الطيبة من أبناء هذه الأمة، لاسيما الشباب منهم على وجه الخصوص، لطرح الانقياد وراء العواطف والانفعالات جانباً ونهج طريق الدراسة والتحليل العميقين وعدم التهوين من شأن العثرات والهفوات، ومحاولة الاستفادة من أخطاء الآخرين، ومما جاء في " رسالة مفتوحة للمجاهدين الأفغان "، في العدد الأول: " ومن هؤلاء المكذبين الذين نحذر إخواننا المجاهدين من شرورهم ومكائدهم : ١- المنافقون. ٢- الباطنيون. لا تنتظروا خيراً أو تعلقوا آمالاً على جند عبد الله بن سبأ اليهودي، إنهم عون للطغاة المتجبرين، وعيون للغزاة المستعمرين، قلبوا صفحات من تاريخهم الأسود ترون فيه العجب العجاب من موالاة أعداء الله من التتار واليهود والصليبيين وعداوتهم لأولياء الله بدءاً بأم المؤمنين عائشة ﵂، ومروراً بالشيخين أبي بكر وعمر، وانتهاءاً بسائر الصحابة ﵃ أجمعين-، اسألوا إخوانكم الذين اكتووا بنيرانهم وشرورهم في بعض بلدان العالم الإسلامي، ولا تصدقوا أقوالهم ووعودهم فمن صفاتهم الغدر والكذب، ولن يتورع هؤلاء الباطنيون عن التعاون مع الشيوعيين، كما أنهم لن يقصروا في استغلال إخوانكم وبذل المحاولات من أجل زعزعة إيمانهم وتشكيكهم بأصول دينهم ". وفي موضوع " جهاد المسلمين الأفغان يمر بأخطر مراحله "، الذي نشر على صفحات العدد السادس، جاء تحت فقرة " أين مواطن الخلل " ما يلي: ١- الباطنيون الرافضة: " لا تظنوا أن اشتراكهم (الرافضة) معكم في مجلس الشورى ومجلس الوزراء سوف يساعد على وجود هدنة بينكم وبينهم، إنهم إن قبلوا بهذا الاشتراك فسيكون - أي الاشتراك بحد ذاته - ميداناً جديداً من ميادين صراعهم معكم، فأنتم في نظرهم كفار ناصبة، وليس بينهم من يعتقد بأننا مسلمون عصاة على الأقل، وسوف يتعاونون مع السوفييت والأميركان واليهود ضدكم.. وسوف يجعلون من أفغانستان " لبناناً " آخر بل أشد من لبنان ... فخذوا حذركم يا إخوة، وصراعكم مع هؤلاء الغلاة لن يكون أقل من صراعكم المرير مع الشيوعيين.. واعلموا حق العلم أنهم لم ولن يقبلوا أن يقوم للمسلمين السنة دولة في أفغانستان، ولا نشك أنكم سوف تخوضون معركة معهم، وسوف يفرضون عليكم هذه المعركة فرضاً، والله أعلم، وسوف يجدون من يتعاون معهم من ضعاف النفوس وطلاب الزعامات وبعض أصحاب الاتجاهات الباطنية فانظروا ما تفعلون ". وهاهو عام ونصف العام يمضي على كتابة تلك السطور وإيران وعملاؤها والآخرون مشمرون عن ساعد الجد لضمان إقحام أنفسهم في المعادلة النهائية في أفغانستان، فإيران التي تتكلم اليوم باسم المسلمين في أنحاء العالم، حتى ليظن الأوربي في بلاد الغرب أن الخميني لدى المسلمين هو بمثابة البابا لدى النصارى، إيران هذه لا يروق لها زوال منصبها هذا، كما أن مجاورتها لدولة إسلامية سنية يعني بالضرورة فضحها على الملأ وكشف أساليبها في تضليل أبناء الشعوب الإسلامية لا سيما الشباب منهم، هذا إلى جانب كون أي حكومة سنية في كابل ستكون عمقاً لأهل السنة المقهورين في إيران، وقل مثل ذلك بالنسبة لروسيا الجاثمة على صدور الجمهوريات الآسيوية المسلمة حيث بخارى وسمرقند وطاشقند موطن كبار أئمة هذه الأمة. إن فرائص قياصرة الكرملن في موسكو لترتعد لسماع كلمة جهاد أو حكومة إسلامية في أفغانستان لا لشيء سوى ليقينهم بأن تحقق ذلك سيعني انفلات قبضتهم الحديدية عن تلك الشعوب المسلمة، أما في الهند فيراقب الوثنيون هناك بقلق بالغ تطورات الأحداث في أفغانستان لصالح المجاهدين وما سيجره ذلك عليهم من متاعب من قبل المسلمين الهنود البالغ عددهم (١٥٠) مليون والذين يتوقون إلى ذلك اليوم الذي تقوم فيه دولة الإسلام في تلك البقاع لتخفف عليهم - إن لم نقل تنقذهم مستقبلاً - من هيمنة السيخ والهندوس. أما باكستان فشأنها لم يعد ذاك الذي كان عليه إبّان حكم ضياء الحق، فعلى الرغم من أن الحكومة الجديدة هناك لم يبدر منها بعد وبشكل واضح ما يعوق مسيرة الجهاد في أفغانستان - وذلك راجع إلى حد كبير إلى النفوذ القوي الذي مازال يحتفظ به كبار ضباط الجيش الذين كان قد عينهم ضياء الحق -إلا أن معرفة الخلفية الفكرية والثقافية التي تنحدر منها رموز القيادة والشعارات والمبادئ التي أطلقتها وتطلقها قبل وبعد استلامها السلطة، كافية لتحديد الصورة التي سيرتسم بها موقفها المستقبلي إزاء مسألة قيام دولة إسلامية في أفغانستان، فإننا إذا قلنا أنها سوف لن تلتزم موقفاً عدائياً صريحاً من النظام الجديد فإننا في الوقت ذاته نقول وبلغة الجزم إنها لن تكون من المتحمسين لقيامه، ولا حتى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، أياً كان ثوبها، أما علاقات باكستان الإقليمية الجديدة مع الهند وإيران وتوافق وجهات نظرها معهما فهي مما لا يُبشر بخير، وهي دليل آخر على ما نقوله، فما إن استلمت بي نظير دفة الحكم حتى انقلبت كل العقبات التي كانت تعوق قيام علاقات أفضل مع الهند إلى مصالح مشتركة، وتحوّل الجمود الذي كان يسود علاقات البلدين إلى دفء. إن محور موسكو كابل طهران نيودلهي يحيط بأفغانستان إحاطة السوار بالمعصم، فهؤلاء جميعاً على يقين مما قد يفجره هذا الجهاد من طاقات كامنة لدى شعوب المنطقة المسلمة وهم على دراية مطلقة من أن انتصار المجاهدين الأفغان إنما هو انتصار لكل المسلمين، وأنه انتصار عالمي وليس محلياً، وأنه صراع عقائدي يبن حق وباطل. وهذا الذي قلناه في الماضي ونكرره اليوم ليس ضرباً من الخيال أو رجماً بالغيب، فالتنسيق بين أجهزة مخابرات تلك الدول لتحقيق كل ما من شأنه عرقلة الجهاد على مدى أعوامه العشر لم يعد مسألة تحتاج إلى برهان، فكم من مؤامرة انكشفت كانت تستهدف طعن الجهاد وقادته من الوراء حاكتها أيادي المجرمين في تلك الدول، وما حادث تحطم طائرة ضياء الحق عنا ببعيد. أما في الفترة الراهنة، فإن الدور الذي تمارسه إيران وتهدف من خلاله إلى كسب موطئ قدم لها في حكومة المجاهدين عن طريق أتباعها بات أوضح من أن يحتاج إلى دليل، فقد أسفرت طهران هذه المرة عن وجهها الحقيقي ولم تعد تجديها كما يبدو أساليبها الخفية، ووصل تدخلها المباشر في شؤون المجاهدين إلى درجة محاولة فرضها لعدد مقاعد مجلس الشورى، التي يجب أن يحصل عليها الشيعة - والذين لم يكن لهم دور يذكر في الجهاد - وزعمها أنهم يمثلون ثلث مجموع السكان ، والأكثر من ذلك وقوف سفيرها لدى إسلام آباد يتهدد ويتوعد قادة المجاهدين إن هم لم يمنحوا الشيعة (١٢٠) مقعداً. وفيما يلي نورد جانباً من تهديدات السفير الإيراني الموجهة للشيخ سياف كما ذكرتها نشرة (لهيب المعركة) الصادرة في بيشاور نقلاً عن وكالة البنيان الصادرة بتاريخ ١٣ / ٢ / ١٩٨٨: " «هدد سفير ايران لدى إسلام آباد بأن الحكومة الإيرانية سوف لن تعترف بحكومة المجاهدين إذا لم يحصل الشيعة على (١٢٠) مقعداً في مجلس الشورى فرد عليه الشيخ سياف - المتحدث الرسمي لائتلاف المجاهدين -: إن أردتم مالاً حتى تعترفوا بحكومتنا فسنحاول أن نوفر لكم ذلك لتعترفوا بنا أما إذا أردتم قطعة من أرض أفغانستان لتعترفوا بنا فلن نعطيكم هذه الفرصة، وأنتم تعرفوننا جيداً. ثم قال السفير: إذا لم تنصفوا الشيعة مع السنة في الشورى فسنقوم بأعمال تخريبية داخل أفغانستان، فرد الشيخ سياف: إننا لن نعطي الشيعة في إيران أكثر مما قررناه وذلك ليس بضغط من أحد علينا، وهذا القرار حقنا وبرضانا، فقد قررنا ما رأيناه حق ولا دخل لكم بذلك، وتابع رده قائلاً: ثم إنكم لماذا تتدخلون هكذا وليس ذلك من حقكم، ولماذا تتكلم بهذه الحدة معنا وأنتم تعرفون من نحن، وكرر الشيخ سياف تحذيره للسفير الإيراني بأن لا يعاود التدخل في شؤون المجاهدين الداخلية» . وهكذا تثبت الأيام ما كنا قد ذكرناه من أنّ إيران وأتباعها -سيراً على خطى ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي - لن يتورعوا في رفع السلاح ومقاتلة المجاهدين وها هو سفيرهم ينطق بذلك وما ذاك على سجلهم تجاه المسلمين بغريب. أما موقف الحكومة الإيرانية الرسمي تجاه الوضع في أفغانستان فيتلخص في: - وجوب الاعتراف رسمياً بأن الشيعة يشكلون نسبة ٣٠% من مجموع السكان. - جود احتلال الشيعة لما لا يقل عن ٢٥% من المناصب الوزارية. - إعطاء الشيعة حكم ذاتي كامل في الأقاليم التي يشكلون أغلبية فيها. - منح علماء الشيعة حق النقض بشأن القرارات التي تتعلق بهم. إن إيران تجاهر بأعلى صوتها لوقوفها وراء شيعة أفغانستان الذين لا يتجاوزن نسبة ١٠% من مجموع السكان، أما السنة في إيران - الذي يجاوزون ضعف نسبة الشيعة الأفغان - فما من صوت لا في داخل إيران ولا خارجها ينبئنا بأحوالهم ولا بأخبار تمثيلهم بالبرلمان الإيراني. إنه كلما خطى المجاهدون خطوة جديدة باتجاه قطف ثمار تضحياتهم، ازدادت مكائد الأعداء واشتد غيظهم ومكرهم، فما أحوج المجاهدين إلى الحذر واليقظة أكثر من أي وقت مضى لما يحيط بهم من مؤامرات وأشراك، ليست هذه الأيام القلائل المتبقية -بإذن الله- أهون على سلامة الجهاد وقطف ثماره مما مضى فكل متربص بهم الدوائر وكلهم يغيظه ظهورهم. إننا لعلى ثقة أن المجاهدين الذين استطاعوا الاستقلال بقرارهم على مدى الأعوام العشر الماضية أن يفوتوا الفرصة على أعدائهم وعلى كل من تسوّل له نفسه التدخل في شؤونهم وإملاء رغباته عليهم، وما ذاك إلا من خلال نبذ الخلاف والاتحاد والتآزر ضد عدوهم، وما النصر إلا من عند الله. اللهم انصر المجاهدين على أعدائك أعداء الدين. ١- العددان الأول والسادس.

стр. 353

الانتفاضة من وجهة نظر العدو عندما انطلق الشعب الفلسطيني الأعزل في انتفاضته في مواجهة عساكر اليهود المدججين بالسلاح، طلع قادة اليهود بتهديدهم ووعيدهم من أنهم سيضربون هذه المرة يبد من حديد، وسيسحقون الانتفاضة ويستأصلونها من جذورها وأنهم على يقين من أن " أعمال الشغب " غير المجدية هذه سوف لن تلبث أن تنطفئ في غضون أيام معدودة، كما توجه الزعماء اليهود بالنصيحة إلى الفلسطينيين من أجل وقف أعمالهم تلك التي لن تحقق لهم أي هدف مهما صغر، وأن هذه الانتفاضة من المستحيل أن تؤثر في إسرائيل وقوتها. وبعد انقضاء ما يزيد على ستة عشر شهراً على تلك التصريحات والتهديدات ، فإن الانتفاضة مازالت مستمرة وبنفس الاندفاعة الأولى إن لم تكن أشد، على الرغم من كثرة الضحايا الذين سقطوا بالرصاص اليهودي، وبالرغم من كل المآسي التي لحقت بالشعب الفلسطيني طوال تلك الفترة فما زال ذلك الشعب بكل فئاته، شبابه وشيوخه ونسائه وأطفاله، واقفاً راسخ القدمين، يداً واحدة يرجم اليهود غير آبه بعددهم ولا عدتهم. ولنا - في هذا المقام - أن نلقي نظرة مماثلة على الطرف الآخر من معادلة الانتفاضة هذه حتى نرى الصورة الواضحة لما يجري على أرض فلسطين. وإلى القارئ الكريم طرفاً من تصريحات أولئك القادة والضباط والمفكرين والعساكر، ولكن بعد مرور ستة عشر شهراً من عمر الانتفاضة، اقتطفناها من بعض الصحف والمجلات العالمية، ونتبعها بتعليقات موجزة لمراسلي هذه الصحف ممن وقفوا على جانب من الأحداث هناك: " إننا في مقاومتنا للانتفاضة نعمل على تآكل طاقات الجيش البدنية والفكرية ". يوش ساريد، عضو في الكنيست - مجلة التايم ٣٠/١/١٩٨٩ " إنه من غير الممكن القضاء على الانتفاضة، ذلك أنها تعبر في جوهرها عن كفاح أمة ". دان شومرون، رئيس الأركان الإسرائيلي - الإيكونومست ٢٨/١/١٩٨٩ " إن بمقدرة دولة إسرائيل التغلب على خمسة جيوش عربية، إلا أنه ليس بمقدورها التغلب على الانتفاضة ". موشي قعوز، بروفيسور في الجامعة العبرية -التايمز ١/٢/١٩٨٩ " إن العنف الذي نستخدمه ضد الأهالي يُذكي لدى الفلسطينيين روح الإحساس بالقومية، ويقوي من شأن العرب، في حين أن إسرائيل آخذة بالضعف ". جنود إسرائيليون - الإيكونومست ٢٨/١/١٩٨٩ " إنها (الانتفاضة) تمزقنا إرباً وتقوي العرب، الحل السياسي هو المخرج الوحيد الذي ينقذنا من هذه المهانة ". جنود إسرائيليون - مجلة التايم ٣٠/١/١٩٨٩ " إنني كإنسان أشعر بالإنهاك بسبب الانتفاضة، إنها تحطمني ". جندي إسرائيلي - مجلة التايم ٣٠/١/١٩٨٩ " ما من شيء قد التهم قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية - منذ غزو لبنان - مثلما فعلت الأشهر الأربعة عشر الماضية من القتال المر ضد الأطفال وحجارتهم ". " في العام الماضي صدرت توجيهات إلى الجنود: بضرب المتظاهرين. إسقاط الحجارة عليهم من طائرات مروحية. ضربهم بالقنابل المسيلة للدموع. ضربهم بالأعيرة المطاطية والبلاستيكية. إلا أنه ما من واحد من تلك الأساليب أدى مفعوله في إيقاف الانتفاضة، حتى إن بعضاً من أعضاء حزب (ليكود) أخذوا يشككون في جدية أية إجراءات جديدة ". " إن الجيش لا يواجه هزيمة عسكرية، بل هزيمة معنوية ". ماك جيري-مجلة التايم " لاخلاف في مدى الإحساس بالقلق والاحباط المتزايدين اللذين تواجههما إسرائيل في مواجهتها للانتفاضة ". " يبدو أن الآمال في وضع نهاية للانتفاضة في أوساط الجيش قد انهارت ". مراسل الايكونومست

стр. 354

الجزائر.. سقوط الاشتراكية صوّت الشعب الجزائرى يوم ٢٣/٢/١٩٨٩ على دستور جديد للبلاد، وكان أهم ما في هذا الدستور إسقاط لفظة " الاشتراكية " التي كانت مفروضة فرضاً، كما كفل الدستور الجديد -في ما كفل - حرية الرأي وحرية المراسلات والاتصالات الخاصة بكل أشكالها، وكذلك كفل حرمة المساكن وعدم انتهاكها أو تفتيشها إلا بأمر قضائي مكتوب. ولاشك أن ذلك مما يفرح به المسلمون في كل مكان، ولكن العبرة ليست في النصوص المكتوبة؛ وإنما العبرة في التطبيق العملي لهذه النصوص، فكم من الدساتير من يشيد بالحرية ويعتبرها أساس حق المواطن، ولكن ذلك لا يعدو أن يكون حبراً على ورق. ومن أجل انتهاك الحريات، والتسلط على رقاب الناس لا يعدم المتسلطون وسيلة ينفذون بها ذلك تحت أنواع كثرة من التسويفات والذرائع، ويضربون بالدساتير وموادها عرض الحائط. والمشكلة مشكلة أخلاقية في الأساس، بل مشكلة خراب عقائدي وفراغ مبدئي . وما لم يصلح هذا الخراب، ويسد هذا الفراغ بعقيدة صالحة فإنه لا الدساتير المكتوبة ولا الإجماع عليها يحل المشكلة. فمن الذي يضمن أن لا يتحول الفساد الذي كان يقترف في ظل النظام الاشتراكي إلى فساد يمارس في ظل نظام يتجه إلى الرأسمالية؟ فالفساد هو الفساد مهما تستر، وبأي لون ظهر، ومشكلة المفسدين أنهم أينما تميلهم الريح يميلوا، وبما أن هذه الفترة فترة إفلاس للاشتراكية: الحقيقة والمستوردة المزورة؛ فإنه من المرجح أن ينقلب هؤلاء الذين كانوا بالأمس يسبحون بها بكرة وعشياً إلى لعانين لها كاشفين لسوءاتها. وإذا أردنا دليلاً على ذلك فما حدث في مصر في عهديها الاشتراكي والانفتاحي يشكل النموذج. إن المخرج الحقيقي من هذا العناء المتعدد الجوانب الذي تعانيه هذه الشعوب هو أن تستمد حكوماتها شرعيتها من عقيدتها ودينها، وتقتبس ضمانات العدالة فيها من مبادئها وتراثها، فإن المنطق الصحيح، والتجربة العملية أثبتت أن هذه الشعوب لن تحترم شيئاً يأتيها من شرق أو غرب، ولن تدين بالولاء لأساليب مستوردة يفرضها عليها أذناب الاستعمار وخدم أعداء الإسلام. والولاء الذي نقصد ليس الخضوع الذليل لجبروت التسلط، فهذا ولاء كاذب غير مضمون العواقب، ولكن الولاء النابع من القلب الذي ينتج عنه التوافق المنتج، والتطور المبدع بين الشعب والسلطة.

стр. 355

القراء من غرائب الصحافة العربية عبد الحميد سعيد بينما كنت أتصفح بعض المجلات العربية إذ شد انتباهي ظاهرة غريبة أحسبها جديرة بالوقوف قليلاً، ذلك هو الأسلوب ونمط الحوار الذي يسلكه مندوبو تلك المجلات في لقاءاتهم ومقابلاتهم الصحفية مع الشخصيات المختلفة. إن القارئ ليلمس ذلك البون الشاسع بين مقابلة وأخرى - على صفحات المجلة الواحدة - من جهة طبيعة الأسئلة التي تغيرها المجلة وكيفية طرحها بل وحتى المستوى الخلقي الذي يظهر به مدير المقابلة. ففي الوقت الذي تحاور فيه المجلة شخصية إسلامية - على وجه الخصوص - تجد الصحفي يتفنن في صياغة حواره وبالشكل الذي يسيء إلى تلك الشخصية كما أنه لا يألو جهداً لإثارة كل ما من شأنه الانتقاص من ضيف المقابلة، وليس ذلك نابعاً في ظني من موقف تقفه هذه المجلات تجاه رجال الدين بشكل عام، بسبب النهج العلماني الذي تسير عليه مثلاً، فإنك تجد وجه المجلة الآخر مشرقاً وهو يحاور شخصية دينية مثل البابا شنودة الذي ينال أسمى الألقاب خلال المقابلة وينُعت بأحسن النعوت التي تبرز على أنه رجل الدين المثالي، وهو كذلك بالنسبة لهم. إننا ندعو الصحافة العربية ألا تكيل بمكيالين ولا تزن بميزانين.
следующие страницы →