التمام التمام..
سالم بن جروان الضوي
واجب على كل إنسان أن يسعى جاهداً لتكميل ما عنده من فضائل وخصال
حميدة، وواجب عليه كذلك أن يسعى جاهداً لعلاج على ما عنده من نقائص وعيوب
طيلة أيام عمره؛ فلا يمر يوم إلا وقد اكتسب فيه فضيلة، وتخلص في مقابل ذلك
من نقيصة، فلا يزال كذلك حتى يرحل عن هذه الدنيا وهو ماضٍ على هذا النهج.
قال إبراهيم الحربي: (لقد صحبت الإمام أحمد عشرين سنة.. فما لقيته في
يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس)
إنه عزم الرجال المؤمنين، ومضاؤهم وحرصهم على المراتب العالية
والمنازل الشريفة. لم يعرف الوقوف فضلاً عن التخلف ورجوع القهقرى.
إن الجنة منازل ودرجات، ولا ينال منازل الجنة العالية من كان مفرطاً
مخلطاً راضياً بالدون. لا ينال المنازل العالية في الجنة إلا من كان ذا همة عالية لا
يرضى بالدون، له من كل خير نصيب، وله في كل عبادة مضرب سهم، لا يدع
فضيلة إلا ويحرص على ضمها إلى ما عنده من فضائل، ولا نقيصة إلا ويسارع
في التخلص منها.
إنها لمصيبة عظيمة أيها الأخ الحبيب أن تمر عليك السنون وأنت لم تتغير
ولم تبرح مكانك. إيمانك هو هو، وعلمك هو هو، وأدبك هو هو، إذن ما الذي
استفدته من مرور الأيام وتعاقب الأعوام. وليكن شعارك المرفوع، وهاجسك الدائم: التمام التمام.
القلوب الحائرة
ماجد عائض النصَّار
القلوب الحائرة تلك القلوب التي تاهت عن طريق الحق وزاغت، فلم تعد تعلم
أين طريق الحق، وأصبح الحق لديها باطلاً والباطل حقاً.. وحارت القلوب،
فيمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً.. فانظر كيف
يقلّب الله القلوب كيف يشاء.. لذلك يقول ﵊ في دعائه: (اللهم
يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فإن القلب بين أصبعين من أصابع الله يقلّبه كيف يشاء.
قلوب حائرة وأعجب كيف تحار القلوب والله قد بيّن لها طريق الهداية
والراحة طريق الجنة يقول : [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون]
[الأنعام: ١٥٣] .
قلوب حائرة.. وجدت نفسها في زمن المادة بعيداً عن معنى الإيمان بالله..
في زمن الأفكار التي يروج لها بين أبناء المسلمين من علمانية إلى حداثية فقومية
فرأسمالية فديمقراطية فاشتراكية فإباحية تدعو إلى الرذيلة، وغيرها مما بليت به
الأمة الإسلامية من مبادئ وقيم بعيدة عن المنهج الرباني، تلقفتها قلوب حائرة..
فكل سلك طريقاً.. وهدفهم الوصول.. ولكن إلى أين؟ !
نهاية طريقهم حيرة، فلا هم كسبوا الدنيا وإن كسبوها، ولا هم نالوا الآخرة
إن كانوا عرفوها.. لأن صاحب القلب الحائر يكون قلبه فارغاً من كل شيء حتى
مفاتيح زوال الحيرة أعرض عنها! وإلا هل يعقل أن حائراً يُدل على الطريق
المستقيم ثم لا يسلكه؟ يرى الناس يروون ظمأهم خمس مرات في اليوم والليلة
يقفون بين يدي ربهم معلنين راحة نفوسهم.. ونجاتهم من الحيرة التي يغرق فيها
أصحاب القلوب الحائرة.
стр. 2907
قضايا ثقافية
التفكير العلمي والإبداعي..
حول التفكير: مقدمات عامة
(١/٣)
عبد الله بن عبد الرحمن البريدي
مدخل:
يجسد التفكير نعمة عظيمة وهبها الله تعالى للإنسان ليتعرف عليه ويعبده،
وليعمر الأرض ويقيم البناء الحضاري على هدي الرسالات النبوية. ولقد امتاز
الإنسان بها وتفرد عن بقية المخلوقات، وهي نعمة لا ينفك عنها إنسان عاقل، ولا
يتصور خلو الحياة الإنسانية منها لحظة من الزمن. ومن هنا تتجلى أهمية التفكير
في حياتنا الخاصة والعامة.. الدينية والدنيوية.. العلمية والعملية.. ومن هذه
الأهمية تنبثق ضرورة مراجعة أساليب التفكير السائدة، لتحديد ما إذا كانت قادرة
على تحقيق هدف العبودية الشاملة؛ أم أنها تحتاج إلى إعادة بناء وهيكلة؛ وذلك
بعد القيام بعملية هدم للأساليب المغلوطة، وفل للقيود الذهنية، وتكسير للحواجز
العقلية التي قد تعيق التفكير السليم والإنتاج الإبداعي.
والتفكير قضية معقدة من حيث ماهيتها، ومنهجيتها، وما يؤثر بها من الدوافع
النفسية الذاتية والعوامل البيئية الخارجية. إن التفكير في حقيقة الأمر ليس مجرد
منهجية جوفاء تهذر بها الألسنة، وتؤلف بها الكتب، وتنمق بها الدراسات، بل هو
ما يسترشد به الفكر، وما يضيء به العقل، وما تنجذب إليه النفس من خطوات
ذهنية، يحوطها انفعال صادق يروم العطاء والبذل، وتزحمها رؤى متناثرة،
استجلبها تعلّم فطن وتأمل حاذق.
وثمة أسئلة كثيرة تعوزها إجابات دقيقة، من خلالها يمكن تصحيح طرائق
التفكير واسترداد (العافية الذهنية) الكاملة، ومن ثم ترقية الأهداف ورفع الأداء،
كما أنها بدرجة ثانية تجسّد ما يحيط بعملية التفكير من تعقيد وإشكالية، وأهم هذه
الأسئلة ما يلي:
ما هو التفكير؟ وكيف يفكر الإنسان؟
هل ثمة عوامل تنضج التفكير وتخصبه، وأخرى تفسده وتسطحه؟
لماذا يبدو أحدنا مندفعاً في قضية دون أخرى؟ ! ! وفي وقت دون آخر؟ !
ما علاقة اللغة بالتفكير؟ وهل نستطيع أن نفكر بدون لغة معينة؟
ألا يمكن أن تمارس حواسنا خداعاً لنا في عملية الإدراك التي تسبق عملية
التفكير؟
هل تؤثر العوامل البيئية على التفكير إيجاباً أم سلباً؟
كيف يؤدي التفكير بالإنسان إلى النجاح بعد توفيق الله تعالى؟
أيمكن اكتساب التفكير العلمي بالتعلم والممارسة أم أنه فطري جِبِلّي؟
ما مدى انسجام التفكير السائد مع التفكير العلمي؟
لماذا لا نستفيد في بعض الأحيان عندما نفكر جماعياً؟ !
ما هو التفكير الإبداعي؟ وهل يمكن تحول الإنسان إلى مبدع؟ وكيف؟ !
بإيجاز مشوب بشيء من التفصيل، يحاول هذا الموضوع أن يتلمس إجابات
لما سبق، مصاغةً بقالب يرجى أن يكون واضحاً، ومدعمة بأمثلة تطبيقية.
قبل المضي قدماً:
أود لفت نظر القارئ الكريم قبل قراءة هذا الموضوع إلى ما يلي:
١- أن القراءة في موضوع كالتفكير يجب أن تتلبس بتركيز شديد.
٢- أهمية إعادة قراءة بعض أجزاء الموضوع التي يشعر القارئ بأهميتها،
أو على الأقل تلك التي طولب بإعادة قراءتها.
٣- ثبت علمياً أن التفكير لا يمكن أن يكتسب من خلال قراءة عجلى وتفاعل
بارد، بل لا بد من القراءة المتأنية والتفاعل الجاد مع التطبيقات المبثوثة في ثنايا
الموضوع، والتقيد الدقيق بخطواتها المحددة.
٤- أهمية الربط بين أجزاء الموضوع وحلقاته، وذلك بإعادة قراءة
الموضوعات السابقة التي تعتبر تمهيداً لموضوعات لاحقة.
٥- ضرورة الاعتقاد بأن التفكير السديد المنتج مهارة يكسبها التعلم وعادة
يصنعها التدرب..، والإيمان بخبر القرآن: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا
مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] .
الوحي يحث على التفكير:
ثمة نصوص قرآنية كثيرة تحث على التفكير والتفكر، وتعلي من شأن العقل
والعقلاء؛ فلقد وردت مادة (فكر) في القرآن الكريم (٢٠) مرة بصيغ مختلفة، منها:
قول الله تعالى: [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ]
[البقرة: ٢١٩] [أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم] [الروم: ٨] وقوله: [فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [الأعراف: ١٧٦] [١] .
كما جاء في الكتاب العزيز صيغ أخرى تؤكد على أهمية التفكير، كما في
قوله : [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ
لأُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٠) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلََى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] [ال عمران: ١٩٠، ١٩١] ، وقوله: [كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [البقرة: ٢٤٢] ، وقوله: [ ... انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ
الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] [الأنعام: ٦٥] ، وقوله: [يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ
الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] [البقرة: ٢٦٩] .
ماهية التفكير:
فكر في الأمر: أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى مجهول، وأفكر في الأمر: فكر فيه فهو مفكر، وفكّر في الأمر: مبالغة في فَكَرَ وهو أشيع
في الاستعمال من فَكَرَ، فالفكر: إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى المجهول.
والتفكير: إعمال العقل في مشكلة للتوصل إلى حلها، الفِكَر: جمع أفكار، وهي
تردد الخاطر بالتأمل والتدبر بطلب المعاني [٢] .
هذا في اللغة، أما في الاصطلاح فلعله من المناسب أن أتجاوز إشكالية
التعريف التي تحيط بهذا المصطلح إلى التعريف الذي أرتئيه للتفكير وهو:
«العملية الذهنية التي ينظم بها العقل خبرات ومعلومات الإنسان من أجل اتخاذ قرار معين إزاء مشكلة أو موضوع محدد» .
ومن التعريف السابق نخلص إلى أن التفكير يتطلب:
قالباً ينتظم خبرات ومعلومات الإنسان.
مخزناً يحتويها ويحتفظ بها لحين استدعائها.
بيئة نفسية معينة ومحيطاً اجتماعياً محدداً (التفكير لا يمكن أن يحدث في
فراغ وإنما في بيئة ما) .
ولذا كان من الواجب أن أعرض لعلاقة اللغة والذاكرة والحالة النفسية من جهة، والتفكير من جهة أخرى؛ ذلك أن اللغة هي القالب الذي يشكّل الخبرات
والمعلومات، والذاكرة هي ذلك المخزن الذي يحتويها، والحالة النفسية
(سيكيولوجية التفكير) هي الجو الذي يتنفس فيه التفكير.
ثراء لغتك سبب في عمق تفكيرك:
ثمة علاقة عضوية متينة بين اللغة والتفكير، فاللغة هي القالب الذي ينصبّ
فيه الفكر، والفكر هو المضمون الذي يحتويه ذلك القالب اللغوي. ويعبر البعض
عن هذه الوشيجة بالقول بأن اللغة والفكر يعتبران وجهين لعملة واحدة.
يتعذر التفكير التجريدي (الذي هو في المعنويات لا في المحسوسات) في حالة
انعدام اللغة ويتسطح بضعفها؛ ذلك أنها السبيل الأوحد لتحويل التفكير الحسي (في
المحسوسات) إلى تفكير تجريدي نافع. ويستلزم التفكير العميق ثراءً لغوياً وعمقاً
في فهم دلالات وإيحاءات الكلمات المكونة للبناء اللغوي، وفي هذا المعنى يقول د.
محمد الشنيطي: «وليس من شك في أننا حين نفكر لا سبيل لنا إلى التفكير إلا في
لغة، ولا حيلة لنا إلى ضبط هذا التفكير إلا إذا كان القالب اللغوي واضح المعالم لا
يفضي إلى غموض ولا يدعو إلى لبس، ولا ينم عن قلق واضطراب ينعكس بالتالي
على تفكيرنا» [٣] .
ولتأكيد هذه الأهمية المتناهية للثراء اللغوي، أشير إلى أن التفكير في أي
مشكلة إنما يعتمد على مجموعة محددة من الكلمات والمصطلحات، وبدهي أن من
كان فهمه أعمق لهذه الكلمات والمصطلحات فإن تفكيره سيكون أعمق وأنضج،
فهب أن مشكلة ما تعتمد على الكلمات التالية:
أناس حق واجب استطاعة كذب صدق حرية دقة ضوابط حوافز نجاح تحقق
ذات استشعار المسؤولية اجتهاد صواب خطأ استئناف العمل ثقافة أزمة إدارة.
ومن هنا فإن كل من يتفهم هذه الكلمات والمصطلحات، بجانب سيرورة
تفكيره وفق المنهج العلمي سيكون أحظى بالصواب وأظفر بالنجاح بعد توفيق الله
تعالى له من كل من تتمنع عليه هذه الكلمات، وتتشوه في عينيه هذه المصطلحات!
[يمكنك لاحقاً مراجعة معنى ما يلي: الصدق، تحقق الذات، الاستئناف] .
ولقد أثبتت بعض الدراسات قوة العلاقة بين اللغة والتفكير؛ حيث اكتشفت
دراسة متخصصة أن لغة قبيلة هوبي الهندية لا تحتوي على صيغة الماضي
والمستقبل، وإنما تحتوي فقط على صيغة الحاضر، ولذا فإن أفراد هذه القبيلة
يتكلمون كل شيء وكأنه يحدث الآن، مما أثّر على تفكيرهم! ! [٤] .
التفكير السليم وعاؤه ذاكرة جيدة:
سبق أن أسلفت أن التفكير عملية ذهنية ينظم بها العقل الخبرات والمعلومات
من أجل اتخاذ قرار معين، ومن هذا التعريف نخلص إلى أهمية الذاكرة لهذه العملية، ذلك أنها المخزن الذي يحوي تلك الخبرات والمعلومات التي يستخدمها العقل
الإنساني في التفكير، ومن هنا تبرز أهمية التعرض لآلية الذاكرة، وكيفية تفعيلها
بقدر معقول من التفصيل بحيث يسهم في تعميق التفكير وتسهيل مهامه وتسريع
عمله.
تنقسم الذاكرة إلى [٥] :
١- مخزن المعلومات الحسي: ولا تستطيع الذاكرة الاحتفاظ بالمعلومات في
هذا المخزن بما يتجاوز ثواني؛ فعند سيرك في شارع عام في سيارتك تلحظ لافتات
المحلات عن اليمين والشمال، وتجد أن تلك المعلومات لا تلبث أن تزول.
٢- الذاكرة قصيرة المدى: وهي التي تحتفظ لمدة ساعات بالمعلومات التي
يشعر الإنسان بأهمية تخزينها وبضرورة اصطحابها على الدوام؛ فأنت عندما تسأل
عن رقم هاتف لا تحتاج الاتصال به إلا مرة واحدة تجد أنك تردده في نفسك بضع
مرات لكي تتمكن من تخزينه في ذاكرتك القصيرة حتى تنهي الاتصال، ثم لا يلبث
هذا الرقم في تلك الذاكرة إلا لمدة تتناسب مع تقديرك لأهميته في المستقبل القريب.
٣- الذاكرة طويلة المدى: وهي التي تحفظ لمدة طويلة المعلومات التي يبذل
الانسان في سبيل تخزينها جهداً كبيراً ويمضي وقتاً طويلاً، ويعتقد بعض علماء
النفس أن تلك المعلومات يستديم وجودها في تلك الذاكرة؛ بمعنى أنها لا تزول
بمرور الوقت، والحقيقة أنه قد تزول وتتشوه بعض أجزائها، إلا أن الجزء الأكبر
يبقى على سبيل الدوام. ويجب التنبيه إلى أن عدم استرجاع معلومة من تلك
المعلومات في لحظة معينة لا يعني عدم وجودها، وإنما يعني فقط عدم مناسبة
طريقة الاسترجاع، ولوجود اضطرابات نفسية معينة.
وتمر آلية التذكر بالمراحل التالية:
١- استقبال المعلومة المراد تخزينها في أيٍ من أقسام الذاكرة وفق ما سبق
تفصيله، ويجب أن تتعود على التركيز عند استقبالك للمعلومات.
٢- ترميز تلك المعلومة وذلك بإعطائها رمزاً معيناً تستدعى من خلاله عند
الحاجة إليها، وتعتبر هذه المرحلة الأخطر والأهم؛ فكلما كان ترميزك للمعلومة
أدق وأوضح كلما استطعت أن تخزّن المعلومة لمدة أطول وتسترجعها بطريقة أسرع.
هل تتذكر من قتل الآخر ... قابيل أم هابيل؟ قد تتذكر بسرعة وقد لا تتذكر
بسرعة، بل قد لا تتذكر مطلقاً؟ ! لكن أرأيت لو أنك تعوّدت على ترميز معلوماتك
بصورة دقيقة، كأن تقول في نفسك عند سماعك أو قراءتك لهذه المعلومة لأول مرة
ومعرفتك بأن قابيل هو القاتل: قابيل هو القاتل.. ق ق (البدء بحرف القاف) ، هل
تعتقد انك ستنسى تلك المعلومة؟ ! وخذ مثالاً آخر.. عند استماعك للرقم الجديد
لهاتف صديقك حاول ترميزه بشكل منطقي، فبافتراض أن الرقم هو ١٥٤٥/٢٤٠.. سيبدو لك ذلك الرقم صعباً في البداية! لكن ماذا لو قلت ٢٤٠ ... قبل وفاة الإمام
أحمد ﵀ بسنة واحدة، ١٥٤٥ ... بينه وبين نهاية الحرب العالمية الثانية
٤٠٠ سنة! ! وكذلك بالنسبة للتواريخ، فإنك تستطيع أن تثبت تواريخ معينة في
كل قرن أو قرنين لتصبح كالأوتاد الذهنية التي تشد بها غيرها.
ومن طرق الترميز الجيدة استخدام الصور الذهنية، فمثلاً: هب أنك تريد
شراء قلم ودفتر من المكتبة، وخبز وقشطة ولعبة لطفلك الصغير من الدكان، فإنه
يمكنك حينئذ أن تتخيل نفسك أنه بعد تناولك للإفطار قمت بكتابة موضوع عن لعب
الأطفال! !
٣- تخزين المعلومات في خلايا الذاكرة التي يبلغ تعدادها ما يقارب ١٠
مليارات خلية، كل خلية تستوعب ١٠٠ ألف معلومة! ! كما دلت الدراسات
المعاصرة المتخصصة على أن الإنسان في المتوسط يخزّن ١٥ تريليون معلومة..
فما أعظم الخالق وما أجهلنا بقدراتنا! !
٤- استدعاء المعلومة المطلوبة من خلال رمزها.
وثمة نوعان للذاكرة هما:
١- الذاكرة الدورية: وهي التي تعتمد على الترداد والتكرار وهي مفيدة في
حفظ النصوص المختلفة.
٢- الذاكرة المنطقية: وهي التي تعتمد على الترتيب والربط المنطقيين، كما
في الأمثلة السابقة، ويجب أن تفعّل دور هذه الذاكرة بقدر استطاعتك.
وأخيراً لماذا ننسى؟
ثمة أسباب أربعة بل خمسة تؤدي إلى النسيان هي:
١- ضعف انطباع المعلومة (الصورة الذهنية) في الذاكرة لضعف التركيز!
٢- عدم تثبيت المعلومة بعد تخزينها إلا بعد وقت طويل.
٣- تداخل المعلومات بعضها على بعض.
٤- طرد المعلومات غير السارة (الكبح في علم النفس) !
٥- تجاهل ما أوصى به (وكيع) من ترك المعاصي! !
سيكيولوجية التفكير:
التفكير عملية ذهنية تتأثر بالعامل النفسي سلباً أو إيجاباً، وبمدى الاقتناع
بالقضية محل التفكير، فإذا ما تمتع الإنسان بصحة نفسية رائقة حال تفكيره في
قضية توافرت أسباب اقتناعه بها، فإنه يندفع للتفكير فيها بحماس وانفتاح بطريقة
قد توصل إلى الحل المناسب بعد توفيق الله تعالى له، في حين أنه قد يعجز ذلك
الإنسان عن مجرد إقناع نفسه بأهمية استمراره في التفكير في تلك القضية في حالة
اعتلاله نفسياً! ! ويمكن تسمية تلك الحالة بـ «الانغلاق الذهني النفسي» ، وربما
يجد أحياناً أن لا مفر من هجر التفكير حينذاك والانهماك في عمل آخر ريثما تعاوده
صحته النفسية! !
كيف نفكر؟
على الرغم من كون التفكير عمل لا ينفك عنه إنسان حي، إلا أنه حقيقة
معقدة من حيث تفاصيلها وخطواتها، ويتفق علماء الجهاز العصبي على أن الدماغ
الإنساني هو أعقد شيء في كون الله الواسع [٦] ، غير أن هذا لا يعني استحالة
الإحاطة العامة بمثل تلك التفاصيل والخطوات بعيداً عن تعقيدات بعض المناطقة،
وسفسطة جُل الفلاسفة التي يمكن تلخيصها بما يلي:
١- وجود مثير في قوالب مختلفة تنجذب إليه عقولنا من خلال حواسنا
(الانتباه) . والعوامل التي تؤثر على قوة ذلك الانتباه ما يلي:
عوامل داخلية: كالدوافع، والقيم، والميول.
عوامل خارجية: كطبيعة المثير وقوته وموضعه ومدى حداثته.
٢- ترجمة ذلك المثير في المخ بمساعدة الذاكرة والمخيلة إلى رموز يدركها
العقل (أشخاص، أشياء، معاني) (الإدراك) [٧] .
٣- إعمال العقل لتلك الرموز من أجل الوصول إلى نتيجة معينة.
ويمكن تقسيم العقل البشري في ضوء العملية الذهنية التي يقوم بها إلى: [٨]
أ - العقل الواعي (الوعي) : وعن طريقه يمكننا إدراك الأشياء والمعلومات،
وتخزينها وربط بعضها ببعض على نحو مفيد، واتخاذ القرار بالفعل أو عدمه.
ب - العقل الباطن (اللاوعي) : وهو الذي يتحكم بالوظائف التلقائية
(اللاإرادية) ، وتخزين الأحداث ودفع الإنسان لممارسة ما اعتاد عليه (العادات) .
وهناك تواصل بين الوعي واللاوعي وتكامل في الأدوار.
ومن الشرود ما قتل:
كثير من الناس يشكون من «الشرود الذهني» أثناء تفكيرهم، مع أنهم
يدّعون مجاهدة أنفسهم للظفر بنسبة من التركيز تمكنهم من إنهاء عملية التفكير
بسرعة قبل أن يفترس الشرود بنات أفكارهم! !
فما هو التركيز؟ وكيف نظفر به؟
لا يعني التركيز كما هو شائع أن يبقى العقل عاكفاً على قضية واحدة، أو
حول فكرة واحدة، أو في مكان واحد، وإنما يعني تناول مشكلة أو موضوع
باستمرار ووضعه نصب عيني الشخص حتى يتم التوصل إلى نتائج معينة.
ويرجع أغلب التشتت الذهني إلى عدم الاقتناع بأهمية ما نفكر به، أو إلى أن هناك
ما هو أهم منه [٩] .
والآن كيف السبيل إلى التركيز؟
إذا رغبت في اصطحاب التركيز دائماً فعليك:
١- أن تعتاد على التركيز؛ فالتركيز هو عادةٌ قبل أي شيء آخر، كما أن
الشرود عادةٌ! فجاهدْ نفسك وكن صارماً مع الأفكار التي تحاول أن تصدك عن
تفكيرك، وقم بقطع حبالها قبل أن تخنقه، ولا تكن عينك رقيباً يجوب أطراف
المكان ويتعاهد أجزاءه، ولا تكن أذنك جهاز ترصّد للأصوات المشتتة! ! .
٢- أن تقتنع بما تفكر به، ثم تختار الوقت المناسب للتفكير.
٣- أن ترخي ذهنك وبدنك. وبعضهم يقول بأن عدم الاسترخاء أفضل
للتركيز، وقد يكون الرأي الأرجح أن الناس يختلفون في ذلك، فاختر الأنسب
لك [١٠] .
وثمة طريقة قد تؤدي إلى التركيز خاصة عند من يعانون من نوبات التشتت
المزمنة، وهي الإمساك بقلم والاستعداد لتدوين أمالي العقل وتدفقات الفكر، وهي
طريقة مجربة استخدمها بعض النابهين، وأشادوا بجدواها وأبانوا عن طيب نتائجها، وقد يشعر من يمسك بقلمه لتدوين أفكاره في حالات خاصة بأنها تتدفق بقوة دافعة، وحينئذ قد يحسن إلقاء القلم والاسترسال في عملية التفكير، ريثما تخف درجة
التدفق، ومن ثم معاودة التدوين، فإن في وسعك أنت تجريبها [١١] !
فيروسات يعتل بها تفكيرنا:
ثمة فيروسات خطيرة متناثرة في بيئتنا الثقافية بمنظوماتها المختلفة، أصابت
تفكيرنا بفقر الدم، وأذهاننا بالشلل، وعقولنا بالكساح، مما يظهر أهمية تفعيل جملة
من النصوص الشرعية في عقلنا الجمعي والفردي للاستشفاء والتداوي بها، والتي
من شأنها إجراء عملية (جراحة ذهنية) نتمكن بها من إزالة تلك الفيروسات وإزهاقها، كقوله تعالى في الحث على الثتبت والتحري: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فََتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ]
[الحجرات: ٦] ، وقوله: [إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً] [يونس: ٣٦] ،
وقوله جل وعز في الحث على العدل ومجافاة الهوى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا
قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِياً أَوْ
فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) ] [النساء: ١٣٥] ، وقوله تعالى في بيان سبب
المصائب: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ]
[الشورى: ٣٠] ، وقول النبي ﷺ في النهي عن الانتفاش
الكاذب: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قيل: إن الرجل
يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر
بطر الحق وغمط الناس» [١٢] .
ومع أهمية استحضار هذه النصوص وغيرها وتفعيلها في العقول، يجب
تعاهد تلك العقول بالتربية والإنضاج، والحزم في إزالة ما علق بها من تلك
الفيروسات لسبب أو لآخر، والجرأة في «الإنكار الذهني» على المعتلين
والمتلبسين بها، والديمومة في تذكير الغافلين أو المتغافلين! ! .
ومن أهم هذه الفيروسات ما يلي [١٣] :
١- التفكير القائم على أساس الهوى (اللاموضوعية) .
٢- التفكير القائم على مشاعر الكمال الزائف (الانتفاخ الذهني) .
٣- التفكير المستند على المواقف المسبقة (التحيز المسبق) .
٤- التفكير المبني على المشاعر وكأنها حقائق ثابتة (المراهقة الذهنية) .
٥- التفكير المبني على التمنيات وكأنها توقعات حقيقية (التوهم الذهني) .
٦- التفكير المتكئ على العادة (الجمود الذهني) .
٧- التفكير الذي يعتقد صاحبه دوماً أن جهة ما مسؤولة عن كل ما يحدث
(عقدة المؤامرة) .
٨- التفكير الذي يعتقد صاحبه أنه يستطيع دائماً أن يعرف ما يفكر فيه
الآخرون (الفراسة المتوهمة) .
٩- التعميم في التفكير من خلال رؤى محدودة غير كافية (الأرنبة الذهنية) .
١٠- التردد والبطء في التفكير (السلحفة الذهنية) .
١١- التردد والبطء في اجترار الأفكار (الاجترار الذهني) .
التفكير المعلّب:
أصحاب هذا اللون من التفكير هم أولئك الذي يستنتجون قواعد عامة من
حوادث شخصية، أو تجارب ناقصة، أو ملاحظات سطحية، فيخلصون منها إلى
تعميمات متسرعة، وأحكام جاهزة، وقوالب جامدة، وهم لا يعترفون بتغير
الظروف والملابسات، ... وترى الواحد منهم يسألك عن مسألة شائكة ويطالبك
بجواب يتلخص بنعم أو لا! ! ، وإذا خالفته قاطعك، وحسم القضية بقوله: «إن
المسألة كلها تتلخص في ... » ، ثم يصدر حكماً نهائياً ... وربما التفت إليك
مستطيلاً حديثك، مستغرباً عجزك عن حسم المسألة، ومستجدياً عينيك نظرة
إعجاب وإكبار على قدرته الفائقة على الحسم! ! .. إن نتائج تفكير أولئك أشبه ما
يكون بما نخرجه من جوف المعلبات التي نشتريها من الأسواق [١٤] ! !
تطبيقات عملية:
وقبل أن أعرض للمنهج العلمي في التفكير، ومن أجل استفادة تطبيقية أكيدة
من الموضوع، أرجو أن نفكر (فردياً وجماعياً) بشكل جاد ومكتوب ومتكامل في
إيجاد حل للمشاكل التالية:
التطبيق الأول: اكتشف الأستاذ أحمد مدير التسويق في شركة ناجحة أن ابنه
البالغ من العمر (١٦) سنة يتعاطى الدخان، وتفاجأ أحمد بمثل هذا الخبر، وبدأ
يتساءل.. حقاً إنها مشكلة خطيرة.. ولكن كيف؟ فأنا لا أتعاطاه ولا أحد إخوته!! ... ومضى في حيرته ... (مع العلم أن أحمد يمنح ابنه مصروفاً مدرسياً قدره
خمسة ريالات يومياً) .
التطبيق الثاني: أذهل الجميعَ ... الأستاذ حسن! كيف يطلب من مديره
الموافقة على انتقاله من القسم الذي خدم فيه طيلة ١٧ سنة، والذي أتقن جميع
الأعمال المتعلقة به لدرجة أصبح معها مرجعاً ومستشاراً!
حاول المدير ثنيه عن طلبه بحجة عدم وجود من يخلفه في قسمه، بالإضافة
إلى عدم إتقانه لأعمال القسم الآخر..
التطبيق الثالث: طلب المعلم من أحد تلاميذه الذي أخفق في الاختبار كشرط
لاجتياز المادة: أن يرسم خطين متساويين ويضع في طرفي الخط الأول رأس سهم، وفي طرفي الثاني مقلوب رأس سهم، وأعطاه مسطرة. فقام التلميذ برسم هذين
الخطين كما يلي:
<----------------> ... ... ... >-----------------<
... ... ... الأول ... ... ... ... الثاني
صعق المعلم! وصرخ في التلميذ: تستحق الرسوب بجدارة!
هل توافقه على ما ذهب إليه؟ وهب أنه يعنيك أمر ذلك التلميذ.. هل ثمة
مساعدة يمكنك تقديمها له؟ !
ملاحظة: ستتم مناقشة تلك التطبيقات في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
стр. 2908
مرصد الاحداث
لماذا المرصد..؟
في هذه الزاوية، تنقل (البيان) للقارئ، أخبار ما أهملته الأخبار، من
الأقوال والأحداث والمواقف.. ننقلها كما هي تقريباً من مصادرها دون تصرف إلا
في وضع العنوان الذي يعبر عن دلالة الخبر ... ... ... ...
- البيان-
وماذا عن حملات القرن العشرين؟ !
فوجئ المارة في منطقة رأس بيروت خلال عطلة الأسبوع بمجموعة من
الأجانب، يستوقفونهم ويقدمون اعتذاراتهم شفهياً وخطياً عن جرائم أجدادهم
الصليبيين الذين غزوا منطقة الشرق الأوسط قبل ٩٠٠ عام، وارتكبوا المجازر
بحق أهلها.
ومجموعة الأجانب هي الأولى من فريق (مسيرة المصالحة) الذي بدأ زيارة
إلى لبنان مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي تمتد إلى مارس (آذار) العام المقبل. أما
دافع هذه الرحلة إلى لبنان التي يقوم بها ناشطون من ٢٥ دولة في أوربا الغربية
وأمريكا وأستراليا وجنوب إفريقيا فهو (التكفير عن ذنب الصليبيين ومدّ يد
المصالحة للاعتذار عن الموت والدمار والاحتلال التي تسببت بها الحملات
الصليبية التي بدأت عام ١٠٩٥م على الشرق الأوسط، كما أوضح رئيس الفريق
(ماثيو هاند) ، في مؤتمر صحافي عقد في مقر نقابة الصحافة.
وأوضح هاند أن الخطوة الأولى في هذه المسيرة بدأت في فرنسا صيف
١٩٩٦م وتابعها من ألمانيا حوالي ١٠٠٠ شخص عام ١٩٩٧م معظمهم من سلالة
الصليبيين كما أورد هاند فبدأوا بزيارة تركيا حيث قدّموا إلى المسؤولين فيها
اعتذارهم عن جرائم أجدادهم.
ويفترض أن تقابل المجموعة المسؤولين السياسيين والرؤساء الدينيين إضافة
إلى أفراد من الشعب اللبناني على أن تنتهي الحملة في القدس في ذكرى مرور
٩٠٠ عام على دخول الصليبيين إلى هذه المدينة المقدسة عام ١٠٩٩م.
... ... ... ... ... ... [الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٢٥) ]
ولكن ... لا حياة لمن تنادي!
ذكرت صحيفة (الجارديان) البريطانية أمس أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون
علم من تقارير أجهزة المخابرات قبيل الهجوم على مصنع الدواء السوداني في
الخرطوم، أن المصنع لا ينتج غاز الأعصاب القاتل، وأنه غير مخصص
للأغراض العسكرية وعلى الرغم من ذلك أصدر أوامره بشن الهجوم عليه.
... ... ... ... ... ... ... [الخليج، عدد: (٧٠٣٦) ]
قرنق والتمويل.. الذاتي..!
نحن نمول أنفسنا من مصادرنا الداخلية، السكان يزرعون ويحصدون
ويبيعون للدول المجاورة، لدينا ثروة خشبية ضخمة، ولدينا الذهب الذي يستخرجه
السكان ونستخدمه في المقايضة، فلا مجلس الكنائس العالمي يمولنا، ولا منظمات
الدعوة الإسلامية تدعمنا، نحن بقينا نحارب على مدى ١٤ عاماً، وقد تكوّن لدينا
من الأسلحة أكثر مما نحتاج إليه، وفي واقع الأمر أن أول مساعدة عسكرية حصلت
عليها الحركة في عام ١٩٨٣ ١٩٨٤م كانت من بلدين عربيين لن أسميهما.
... ... ... ... ... ... [مجلة الوسط، عدد: (٣٤٤) ]
أنموذج من الضياع..
(ديبي بروفي) من منطقة ستريثام في جنوب لندن حانقة على الرجال، كل
الرجال، إلى حد أنها تعتزم الزواج من شجرة. وكانت ديبي قد أعلنت قبل ستة
أشهر عن خطبتها لشجرة في أحد المنتزهات الكبرى جنوبي العاصمة البريطانية،
وقالت إنها والشجرة قد ضاقتا ذرعاً بطول مدة الخطوبة، وأنهما تنتظران بفارغ
الصبر موعد الزفاف وبدء حياة زوجية مستقرة. لكن سبب التأخير هو أن ديبي
متدينة ولا تريد الزواج إلا في كنيسة، ولم تجد حتى الآن كنيسة توافق على عقد
قرانها بالشجرة. وذكرت أنها وقعت في حب الشجرة من أول نظرة، وأنها تحس
في داخلها أن الشجرة تبادلها الحب. ... ...
[الجديدة، عدد: (٦٣٦) ]
الجماهيرية (الإفريقية) الشعبية..
أطلق الرئيس الليبي معمر القذافي مبادرة لتشكيل تجمع إقليمي لبلدان الساحل
الإفريقي (مركزه في ليبيا ورئيسه القذافي) معلنا بدء مرحلة ثالثة للبحث عن
(المفتاح) الذي يقود إلى بوابة الوحدة وتكريساً لهذا الخيار الإفريقي الجديد سعى
الزعيم الليبي إلى إلغاء وزارة الوحدة. ...
[الحياة، عدد: (١٢٩٨٠) ]
عبرة.. لمن؟
التاريخ سيذكر أن الرئيس الأمريكي وقع ضحية لوينسكي التي أنقذت رئيس
الوزراء الإسرائيلي.
[عن صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٠٤) ]
عوداً حميداً! !
هناك دلائل على تحول مهم طرأ على موقف الفتيات الأمريكيات من العذرية، إذ بدأن يجاهرن بفخر بالتزامهن عدم ممارسة الجنس قبل إبرام عقد الزواج.
حوالي ٥٠% منهن يتجهن إلى المحافظة على عذرياتهن، كما جاء في أحدث
الاستطلاعات، وهذا ما جعل المراقبين يهتمون بهذه الظاهرة الجديدة، لا سيما أن
الفتاة الأمريكية كانت في الماضي موضع سخرية زميلاتها إن هي حافظت على
عذريتها. تقول الإحصاءات إن عدد المراهقات اللواتي وقعن تعهداً (بعدم ممارسة
الجنس قبل الزواج) جاوز المليون! منذ أن شنت حملة تحت الشعار (الحب الحقيقي
يستحق الانتظار) ... ... ... ... ...
[الحياة، عدد: (١٢٩٧٨) ]
أسلحة محرمة على من..؟ !
كشفت صحيفة (هيوستن كرونيكل) النقاب عن أن مصنعاً في ولاية لويزيانا
الأمريكية ينتج (غاز الخردل) السام الذي يعتبر أحد أكثر الأسلحة الكيماوية خطورة
في العالم؛ إذ يكفي سقوط نقطة واحدة منه على بشرة أي إنسان لتسبب وفاته خلال
دقيقة على أبعد تقدير، ويذكر أن معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية التي صدّقت عليها
الولايات المتحدة في العام الماضي تمنع الإنتاج المقصود لكل مشتقات الخردل،
وكشفت الصحيفة عن أن المصنع يستخدم أيضاً مركباً كيماوياً آخر يعرف باسم
(كلوريد الإثيلين) وهو سائل يهاجم الكبد والرئتين والكلى، ويمكن أن يسبب
السرطان أيضاً. ... ...
... [الشرق الأوسط، عدد: (٧٢١١) ]
(اسكت يا سكوت..) الوقت غير ملائم
اتهم كبير مفتشي الأمم المتحدة السابق (سكوت ريتر) الحكومتين الأمريكية
والبريطانية بالازدواجية، وقال أمام لجنتي مجلس الشيوخ للشؤون الخارجية
والقوات المسلحة: إن واشنطن لجمت (أونسكوم) بغرض ضغوط على أرفع
المستويات في الحكومة لتجنب مواجهة مفتوحة مع العراق في الوقت الحاضر.
... ... ... ... ... ... [الأنباء الكويتية، ٥/٩/١٩٩٨م]
стр. 2909
الورقة الأخيرة
تأملات في المسألة الكلنتونية
عبد العزيز عبد الله الحامد
إن إيقاف أكبر مسؤول في أعظم دولة للمساءلة في تهمة شخصية، يُعَدّ
(مفخرة) للشعب الأمريكي على شعوب العالم، أما أن تزداد شعبية هذا الرئيس
المتهم بعد تلك المساءلة، وبعد ثبوت التهمة عليه، فهذا يجعل من الأمريكيين
(مسخرة) أمام العالم!
إن ما دار ويدور في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب فضيحة (مونيكا
لوينسكي) يجعل المرء يقف مشدوهاً مدهوشاً أمام حقائق كثيرة ماثلة، تبعث على
التأملات التالية:
* قيم بلا قيمة: عندما يطالبنا علماء الاجتماع في الغرب، بأن نعترف بأن
(القيم) الحضارية للغرب هي النموذج الأمثل لسعادة الإنسان، فإنه يحق لنا أن
نطالبهم بالمعايير التي يزنون بها تلك القيم، بعد أن بدأت حقيقتها تظهر بغير خفاء، بعدما فضحتها تقارير (ستار) !
* حرية الفرد ... حرية الشعب: رأينا الحرية الشخصية (المطلقة) في
الغرب، تُطلق إلى حد التحول إلى حرية ملايين البشر في (التمتع) بهتك الأستار
وفضح الأسرار، فلأجل (حرية) الشعب الأمريكي في أن يعرف الحقائق (كاملة) ،
انطلقت جيوش التجسس والتحسس والتلصص لفضح (الرئيس) على الهواء، في
أعمدة الصحف وأروقة القضاء ... وارتفع كلنتون عالياً في فضاء الفضائح،
محمولاً على ساعد تمثال (الحرية) ... ليكون شعلة تحرق الحضارة الأنجلوسكسونية
الإباحية المادية.
* السقوط من القمة: البشرية لم تتعود من قبل سماع لقب (الرجل الأول في
العالم) ، ولكنها ألِفَت أن تسمع عن كلنتون هذا اللقب، ومع هذا، فلا يبالغ من قال
إن البشرية لم تسمع عن فضيحة (متلفزة) بهذه الضخامة والانتشار، وصدق رسول
الله ﷺ ، إذ يقول: (حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا
إلا وضعه) [١] .
* الستار الفاضح: إذا ساء حظ ابن آدم، ورفع عنه الستر الإلهي، فلا مفر
من شقائه، ولو كان أقوى وأقنى وأغنى البشر؛ فقد يجعل الله ضعفه في قوته،
ونقصانه في سلطانه. ومهانته في وجاهته ... ومن أراد الله هتك ستره؛ لم تُجِنّه
أستار الدنيا، ومن عجائب الأقدار، أن نسمع عن (فضيحة كبرى) عنوانها (ستار) !
* عندما تعمى البصيرة: قد نفهم أن الإنسان يصيبه عمى القلب، حتى
يصبح كفيفاً في بصيرته ولكن عمى البصيرة في أمة بأكملها حتى تفضل قيادة
العميان لها، فهذا أشبه بالاستدراج والإملاء ... فأين العقلاء في أمم تؤله العقل؟
* لا مسؤولية للمسؤول: وُضع كلنتون في أخطر مواقع المسؤولية الدولية،
ففي صلاحياته شن الحرب وفرض السلام في العالم، وتحت تصرفه التحكم في
الترسانات النووية المدمرة، والكيماوية والبيولوجية الرهيبة، ولكن رجلاً قال أطباء
النفس إنه (مريض) حتى إنه لا يستطيع التحكم في نزواته، كيف يمكن أن يتحكم
في أزارير الأجهزة الجبارة التي يمكن أن تؤدي إلى دمار شامل؟
* ديمقراطية الذئاب: أشاحت الديمقراطية (الأمريكية) بأستارها عن وجه
قبيح خلال تلك الأزمة، وأسفرت عن تصارع شرس بأساليب منحطة بين الحزبين
الديمقراطي والجمهوري، حتى برز مصطلح (حرب الفضائح) وأصبح التكالب
على السلطة هو سيد الموقف في غابة التهاوش والتناهش بين الذئاب.
* غانيات اليهود في بلاط السلاطين: من تأمل في حكاية (مونيكا) اليهودية،
يتأكد أنها لم تكن مجرد مغامرات لفتاة لعوب مع كهل مراهق، ولكنها قصة تلك
الغانيات اليهوديات التي تكررت عبر العصور داخل القصور للإيقاع بأشباه الرجال؛ فالبيت الأبيض الذي تلطخ بسموم تلك الأفعى الملساء، لم يشهد مجرد نزوات
عابرة لرغبات طائشة، ولكنه شهد خطوات مبرمجة، ومخططات مدونة ومحددة
باليوم والساعة واللحظة.. وقد شهد على هذا التدبير، حروف وكلمات (مونيكا) في
المذكرات.. أو قل (التقارير) التي قدمت لـ (ستار) .
* عقولهم في جيوبهم: الشعب الأمريكي لا يزال حسب استطلاعات الرأي
متمسكاً بزعامة كلنتون رغم كل ما جرى، لماذا؟ لأن الرجل حر في حياته
الشخصية هذا من ناحية، ثم إن الاقتصاد الأمريكي قد تحسن في أيامه، إذن
فلتخرب القلوب ما دامت الجيوب عامرة!
* إرهاصات السقوط: ليس الرئيس الأمريكي (كلنتون) هو أول الزعماء
تورطاً في الفضائح الأخلاقية، ولن يكون آخرهم، فقد يسقط أو لا يسقط، ولكننا
على يقين بأنه قد دشن مرحلة السقوط لحضارة المجتمع الأمريكي والأوروبي
(المتمدن) . وصدق رسول الله ﷺ فيما أنبأ من قوله: (وما
شاعت الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم
تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) [٢] .
فما أعظم الإسلام، وما أجدره بقيادة البشرية البائسة في عصر التشرد
الأخلاقي والتفرد الأمريكي ...
стр. 2910
شعبان - ١٤١٩هـ
ديسمبر - ١٩٩٨م
(السنة: ١٣)
стр. 2911
كلمة صغيرة
الإجرام المسكوت عنه
بينما كان المفتشون الأمريكان المستظلون بعلم الأمم المتحدة يقومون بالتنقيب
في كل أرجاء العراق على مدار الساعة لسنوات سبع بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل
العراقية، أو ما يمكن أن يدخل فيها، فاحت رائحة فضيحتين تكمل إحداهما
الأخرى. الأولى: تنسيق فرق التفتيش الوثيق مع المخابرات الإسرائيلية. والثانية: ... انكشاف حقيقة حمولة طائرة الشحن الإسرائيلية التي تحطمت في هولندا قبل ست
سنوات.
لقد كانت حمولة الطائرة أطناناً من المواد الكيميائية اللازمة لتصنيع غاز
الأعصاب المميت والمنقولة من أمريكا إلى (إسرائيل) عن طريق هولندا. وإذا كان
من المنطقي أن تخفي أمريكا و (إسرائيل) حقيقة الحمولة فإن ما يصعب فهمه هو
كيفية مشاركة الحكومة الهولندية التي أدى الحادث إلى خسائر فادحة في أرواح
مواطنيها وخداع الناس في منطقة الحادث الذين فهموا بعد انكشاف اللغز علة وجود
رجال إنقاذ غير هولنديين في مكان الحادث وانتشار مرض الاكتئاب في المنطقة.
إن انكشاف السر بعد ست سنوات يطرح السؤال الآتي: كم هي جرائم اليهود التي
تحتاج إلى فضح؟ وما هو دورنا في ذلك؟ وهل نترك الأمر فقط على كاهل
مجموعة من الأفراد القلائل في الغرب ممن يملكون الشجاعة لمواجهة سيطرة اليهود
شبه الكاملة على بلادهم؟
إن الجواب البدهي هو أن دعمهم ومشاركتهم بجدية في هذه المهمة ضروري
للتعجيل في ارتخاء قبضة اليهود ورفع مظلة الحماية العالمية عن الإجرام اليهودي.
стр. 2912
الافتتاحية
محنة كوسوفا مع الغرب ..
أنه الخصم والحكم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه،
وبعد:
لو كانت كفاءة الصرب في القتال الجاري مثل كفاءتهم في ارتكاب المجازر
ضد العزل من المدنيين سواءاً كانوا رجالاً أو نساءاً، صغاراً أو كباراً لما احتاج
الغرب للتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصالح الصربية في البوسنة، حتى ولو
كان لديهم القليل من الحنكة السياسية ولما وصلت الأمور لما وصلت إليه في كوسوفا.
لقد كانت أحداث البوسنة درساً وعاه الغرب جيداً؛ فقد هيأت الظروف
للصرب ابتلاع مناطق المسلمين في البوسنة، فمنع عن المسلمين السلاح، ولم
يسمح للدول الإسلامية في البداية أن تقوم بأي دور ولكن استمرار الحرب بالمجازر
الرهيبة التي ارتكبت في حقهم وتدمير مدنهم أوجد حالة شديدة من التعاطف الشعبي
معهم جاوز المسلمين إلى غيرهم، ونجحت مجموعات كبيرة من المسلمين في
التسلل إلى البوسنة والمشاركة الفعالة في مواجهة الصرب، بل وأسهمت حكومات
إسلامية بتسليح المسلمين؛ وهنا بدأ الميزان العسكري يتغير، وباتت هزيمة
الصرب قاب قوسين أو أدنى، وأصيبوا بحالة من الانهيار جعل أمريكا تسارع إلى
فرض ما يسمى بـ (اتفاقية دايتون) التي أقرت الصرب على المناطق التي احتلوها
في بداية الحرب، وفرضت على المسلمين كياناً مشتركاً مع الكروات، وبدأت في
محو الآثار السلبية للموقف الأوروبي فكان الهم الأول لأمريكا إخراج المجاهدين
العرب من البوسنة، بل الطلب الصريح من حكومة البوسنة بإبعاد الضباط
المسلمين الذين نجحوا في إقامة جسور تعاون مع بعض الدول الإسلامية. وتُطبخ
الآن على نار هادئة عملية تخفيف الوجود الإسلامي في البوسنة عن طريق تشجيع
هجرة المسلمين من جهة، وعدم السماح للاجئين بالعودة إلى مناطقهم السابقة.
إن الإخفاق الصربي في التعاطي مع أحداث البوسنة جعل أمريكا تتدخل منذ
البداية في كوسوفا لتفرض على الصرب العمل بصورة منطقية مع الوضع حتى لا
يخرج عن السيطرة.
إن التدخل الغربي الحاصل رغماً عن الصرب وحلفائهم الروس هو في النهاية
في صالح الصرب؛ حيث إن الغرب لم يعد قادراً على تكرار المخطط نفسه الذي
جرى تنفيذه في البوسنة؛ لأن الوضع أكثر تعقيداً في كوسوفا؛ ولأن الوجود
الصربي في الإقليم أقل من عشرة في المئة بينما الألبان المسلمون يمثلون ٩٠% من
السكان بالإضافة إلى أن الألبان موجودون في المنطقة المحيطة بالإقليم ولهم دولة.
لقد كانت كوسوفا هي الباب الذي ولج منه (سلوبودان ميلوسيفتش) إلى
الزعامة المطلقة للصرب؛ فبصفته رئيساً لجمهورية صربيا الداخلة ضمن جمهورية
يوغسلافيا الاتحادية السابقة فقد قام بزيارة جمهورية كوسوفا التي تتمتع بالحكم
الذاتي ضمن صربيا، وأعلن بمناسبة مرور ٦٠٠ سنة على هزيمة الصرب في
كوسوفا ضم كوسوفا إلى صربيا وطرح نفسه منقذاً لقومه ومحققاً لآمالهم في إقامة
صربيا الكبرى.
إن إلغاء ميلوسيفتش لقرار اتحادي والخوف من تسلط الصرب دفع رؤساء
الجمهوريات الأخرى إلى التعجيل بالانفصال عن الاتحاد مما أدى إلى دخول
المنطقة في دوامة من الحروب كان أشدها وآخرها حرب البوسنة منذ عام ١٩٨٩م.
وحتى انفجار الأوضاع في كوسوفا فإن السياسة الصربية في هذا الإقليم كانت تقوم
على محاولات عقيمة لإلغاء وجود ٩٠% من السكان المسلمين.
إن مأساة ألبان كوسوفا الأولى هي عدم اعترافهم بضم صربيا لهم، ومن ثمّ
إعلانهم عن تشكيل حكومة لهم لم تعترف بها بلغراد، بل ولم يكلف الصرب أنفسهم
حتى عناء إجراء حوار مع الألبان؛ حتى تحول خيار كثير من الألبان إلى الخيار
العسكري عوضاً عن الخيار السياسي وكذلك التوجه إلى خيار الاستقلال عوضاً عن
الحكم الذاتي، حتى إن السياسي المعتدل إبراهيم روجوفا يتحرج من الرضى في
الظروف الحالية بالحكم الذاتي.
إن قيام جيش تحرير كوسوفا بإعلان خيار العمل العسكري من أجل الاستقلال، وقلة نسبة الصرب في الإقليم دفع الصرب لإرسال أعداد كبيرة من الشرطة
والجيش الصربيين الذين قاموا بما يتقنونه من قتل المدنيين وإحراق البلدان والقرى
لإرغام الألبان على الهجرة، وكانت المفاجأة أن ٨٠% من المهجرين انتقلوا إلى
أماكن أخرى داخل الإقليم بالإضافة إلى أن الاستمرار بهذه السياسة سيؤدي إلى
انفجار الأوضاع في كل المنطقة.
إن التغاضي الغربي حيال كوسوفا بعد الاستفادة من دروس البوسنة يقوم على
المحاور الآتية:
١- إن كوسوفا الألبانية المسلمة التي أهداها الغرب لصربيا في بداية هذا
القرن يجب أن تبقى جزءاً من صربيا الكبرى.
٢- إن الظروف الحالية تقتضي تمتع الإقليم بالحكم الذاتي؛ ولهذا فقد تم
إطلاق يد الصرب مؤقتاً من أجل إضعاف جيش تحرير كوسوفا، ولهذا أيضاً قام
الجيش بتركيز العمليات على الحدود الألبانية مع الإشارة إلى احتمال انتشار قوات
أطلسية على الحدود.
٣- قيام الغرب بمنع تدخل أي دولة من العالم الإسلامي؛ ولهذا فقد سمعنا
عنتريات الأتراك العلمانيين في بداية الأزمة وتهديدهم بالتدخل ثم تحولت العنتريات
إلى سورية فيما بعد.
٤- الحرص على عدم بروز أي وجهة إسلامية للصراع في كوسوفا وحصره
في الجانب القومي؛ وهذا ما يردده قطاع كبير من الإعلام العربي بكل خبث أو
بلاهة.
٥- التضييق على النشاطات الإغاثية الإسلامية في المنطقة، ومطاردة بعض
الإسلاميين في ألبانيا خوفاً من بروز تيار جهادي يقلب الموازين.
٦- إن فرض الرؤية الغربية على الصرب يحتاج إلى حوار سياسي معهم
بالإضافة إلى التلويح باستعمال القوة بصورة استعراضية مع الحذر من إمكانية
استفادة الألبان منها؛ وكما يقول مسؤول أمريكي كبير: نحن لا نريد أن نصبح
سلاح جو للكوسوفيين!
٧- إن الغرب حريص على تهدئة الوضع مع عدم حصول الألبان على
الاستقلال، ولهذا فإن موافقة الألبان ليست ضرورية لحصول اتفاق مع الصرب؛
ومن الأمثلة الاتفاق على إرسال بعثة للتحقق من الانسحاب الصربي والعمل على
تثبيت الأوضاع مما يعني أن يحل حلف الأطلسي محل الصرب في مهمة حفظ
تبعية كوسوفا لصربيا.
٨- اللعب على التناقضات بين الألبان من السياسيين وجيش تحرير كوسوفا
فمن ناحية يتم الضغط على (روجوفا) للتفاوض مع الصرب مع إعطاء الضوء
الأخضر لحملة عسكرية عنيفة على جيش تحرير كوسوفا لإضعافه وإخراجه من
اللعبة.
وفي الختام فإن تهمة دعم الإرهاب جاهزة لأي دولة أو منظمة إغاثية أو
دعوية تقوم بأي حركة لم يأذن بها الغرب؛ حتى إن بعض الدول تتصنع عدم
المبالاة بما يجري خوفاً من هذه التهمة الجاهزة.
هذه عينة من مواقف الغرب مع المسلمين لمسناها، في فلسطين والبوسنة
وقبرص وغيرها وغيرها؛ فمتى نعي ذلك الواقع؟
ومتى نعد للأمر عدته؟
وكيف لا نكون كالجسد الواحد يشد بعضه بعضاً؟
والله سبحانه يقول: [إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] [الممتحنة: ٢] .
نسأل الله أن يرينا في أعدائنا يوماً أسود، وأن يجمع قلوبنا على الحق، وأن
يوفقنا للتعاون على البر والتقوى.
والله المستعان،،،
стр. 2913
دراسات في الشريعة والعقيدة
الظلم ...
حقيقته، والتحذير منه
(١ /٢)
عبد العزيز الجليل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا
محمد وآله وصحبه، وبعد: فإن الناظر اليوم في أكثر بلدان المسلمين وأحوالهم
ليحزنه ما ظهر في هذا الزمان من نبذ لشريعة الله وتحاكم إلى القوانين
الوضعية التي تقنن الظلم وتهدر قيمة الإنسان، وتحطم القيم والأخلاق وتجعل الناس
مستعبدين لحفنة من شياطين الإنس الذين كرهوا ما أنزل الله تعالى فظلموا وبغوا في
الأرض بغير الحق، وكثرت من جراء ذلك المظالم بين الناس؛ حيث لا رادع من
دين ولا سلطان، وبغى الناس بعضهم على بعض وامتلأت المحاكم ودور القضاء
من خصومات الناس ومظالمهم. ولم يقف هذا الداء العضال عند عامة المسلمين
وسلاطينهم فحسب، بل تعداهم إلى بعض أهل الخير والدعوة فيهم، فظهرت صور
من البغي والظلم بين بعض الدعاة والصّلاّح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم.
وفي هذه الدراسة إن شاء الله تعالى ذكرٌ لبعض صور الظلم الشائعة في هذا
الزمان؛ لعل في ذكرها نصيحة وعظة لنفسي وإخواني المسلمين.
وأبدأ الموضوع بمقدمة مهمة تتضمن تعريف الظلم وحقيقته وما ورد في ذمه
من بعض الآيات والأحاديث والآثار.
كما تتضمن بيان أقسام الظلم وما يتفرع عن كل قسم من بعض الصور
والمظاهر.
تعريف الظلم وحقيقته:
(الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه
المختص به إما بنقصان أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ومن هذا يقال:
ظلمت السقاءَ، إذا تناولته في غير وقته ويسمى ذلك اللبن ظليماً. وظلمت الأرض: حفرتها ولم تكن موضعاً للحفر، وتلك الأرض يقال لها: المظلومة، والتراب
الذي يخرج منها ظليم) [١] اهـ
وفي القاموس المحيط: (الظلم بالضم: وضع الشيء في غير موضعه) [٢] .
وفي ضوء هذه التعريفات يتبين لنا أن كل ذنب عُصي الله به سواء كان ذلك
الذنب شركاً بالله أو دون ذلك من سائر المعاصي ومظالم العباد، داخل في
مسمى الظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه الذي يرضاه الله مع
التفريق بين ظلم أكبر وظلم دون ظلم؛ كما سيتبين في المبحث الآتي إن شاء الله
تعالى.
والظلم مصدر ظَلَمَ، والذي يفهم من لفظ الظلم وجود ظالم صدر منه الظلم،
ومظلوم وقع عليه الظلم، فمن هو الظالم ومن هو المظلوم في ضوء الكتاب والسنة؟
إنه هذا الإنسان المسكين؛ فهو الظالم والمظلوم؛ حيث ظلم نفسه وأوبقها،
وظلم عباد الله فأساء إليهم وأساء إلى نفسه وظلمها بما يعرضها له من
العقوبات في الدنيا والآخرة. قال الله : [وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أََنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ] [البقرة: ٥٧] وقال سبحانه: [سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ الَذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ] [الأعراف: ١٧٧] وقال تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ
شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] [يونس: ٤٤] .
والآيات الواردة في ذم الظلم وأهله كثيرة جداً ومتنوعة، ويمكن تقسيمها إلى
المجموعات الآتية:
١- ما ورد في وصف الشرك والكفر بالظلم والمشركين والكافرين بالظالمين
ومنها قوله تعالى: [يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] [لقمان: ١٣]
وقوله تعالى: [وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ] . [البقرة: ٢٥٤]
٢- ما ورد في ذكر خيبة الظالمين ومقت الله لهم وعدم هدايتهم وتوفيقهم يقول
تعالى: [إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] [الأنعام: ٢١] [فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]
[المؤمنون: ٤١] .
٣- ما ورد في ذكر إهلاك الله تعالى للظالمين في الدنيا وما أعده لهم من
النكال والعذاب في الآخرة. يقول تعالى: [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ
ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] [هود: ١٠٢] وقوله تعالى: [وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا
عَذَابَ النَّارِ الَتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ] [سبأ: ٤٢] .
٤- ما ورد في وصف ما دون الشرك من المعاصي بالظلم سواء ما كان منها
بين العبد وربه أو ما كان ظلماً للعباد ومنها قوله تعالى: [وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُ] [الطلاق: ١] وقوله تعالى: [إنَّ الَذِينَ يَاًكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا
يَاًكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً] . [النساء: ١٠]
٥- ما ورد في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم، وأمره سبحانه بالعدل،
ومحبته للمقسطين يقول تعالى: [وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ] [غافر: ٣١] ، وقوله
تعالى [وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] [الحجرات: ٩] .
أما الأحاديث الواردة في ذم الظلم وسوء عاقبة الظالمين فكثيرة جداً أقتصر
منها هنا على بعض الأحاديث التي وردت في ذم الظلم وسوء عاقبة الظالمين بعامة. ويلاحظ أن معظم هذه الأحاديث كانت تتوجه إلى صورة واحدة من صور الظلم
ألا وهو ظلم العباد والاعتداء على حقوقهم.
ومن هذه الأحاديث العامة ما يلي:
الحديث الأول:
عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله -
ﷺ : قال الله ﵎: (يا عبادي إني حرمت الظلم على
نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا ... ) الحديث القدسي [٣] وكان
أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه.
الحديث الثاني:
عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ
قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [٤] .
الحديث الثالث:
عن أبي معبد مولى ابن عباس ﵄ أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- بعث معاذاً إلى اليمن فقال: ( ... واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين
الله حجاب) [٥] .
الحديث الرابع:
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ: [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] [هود: ١٠٢] [٦] .
وبعد هذه الأحاديث أذكر جملة من مواقف السلف رحمهم الله تعالى من الظلم،
وخوفهم الشديد من سوء عاقبته في الدنيا والآخرة:
* قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن أبي سَبْرة، عن عبد المجيد بن سُهيل،
عن عوف بن الحارث: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت:
قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك كله وحلّلك الله من ذلك، فقالت: سررتِني سرك الله. وأرسلت إلى
أم سلمة، فقالت: لها مثل ذلك [٧] .
* وعن أبي الدرداء قال: (إياك ودعوات المظلوم؛ فإنهن يصعدن إلى الله
كأنهن شرارات من نار) [٨] .
* وقال ميمون بن مهران: (الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء) [٩] .
* وقال الشافعي رحمه الله تعالى: (بئس الزاد إلى المعاد العدوان على
العباد) [١٠] .
أقسام الظلم:
يتفاوت الظلم من حيث شدته وعظمه وشناعته ومن حيث الجهة التي وقع
عليها، مع أن من صدر منه الظلم هو في حقيقته ما ظلم إلا نفسه؛ لأنه أوبق نفسه
بظلمه لها بالمعاصي ومظالم العباد.
وقد ورد عن النبي ﷺ حديث اختلف العلماء في صحته؛
فمنهم من ضعفه ومنهم من صححه، لكنه يُستأنس به في هذا المجال وبخاصة أنه
صحيح المعنى، وقد اعتمده كثير من السلف في ذكر أنواع الظلم وصوره. ونص
الحديث: عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (الظلم ثلاثة:
فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يتركه؛ فأما الظلم الذي لا يغفره الله
فالشرك، قال الله: (إن الشرك لظلم عظيم) ، وأما الظلم الذي يغفره فظلم العباد
أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم
بعضاً حتى يدير لبعضهم من بعض) [١١] .
وفي ضوء هذا الحديث وما ذكره العلماء حول أنواع الظلم فإنه يمكن تقسيم
الظلم إلى قسمين كبيرين يندرج تحتهما أنواع الظلم الثلاثة المذكورة في الحديث،
وهذان القسمان هما:
١- الظلم الأكبر: وهو ظلم العبد نفسه بالكفر والإشراك بالله .
٢- الظلم الأصغر: وهو ما دون الشرك، وهو نوعان:
(أ) ظلم النفس بالمعاصي فيما بينها وبين الله .
(ب) ظلم النفس بمظالم العباد والتعدي على حقوقهم.
والكلام الآن حول هذه الأنواع الثلاثة:
١- ظلم النفس بالظلم الأعظم؛ وهو الإشراك بالله .
٢- ظلم النفس بظلم العباد.
٣- ظلم النفس بالمعاصي فيما بينها وبين ربها [١٢] .
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
(والظلم عند الله يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله
منه شيئاً، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، وديوان لا يترك الله
تعالى منه شيئاً، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً؛ فإن الله تعالى يستوفيه كله،
وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه فإن هذا
الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً؛ فإنه يمحى بالتوبة والاستغفار والحسنات
الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك، بخلاف ديوان الشرك؛ فإنه لا يمحى إلا
بالتوحيد، وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها،
ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله حرّم الجنة على أهله، فلا
تدخل الجنةَ نفسٌ مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد؛ فإن التوحيد هو مفتاح بابها،
فمن لم يكن معه مفتاح لم يُفتح له بابها، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن
الفتح به) [١٣] .
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: [فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ
بِالأَمْنِ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ
وَهُم مُّهْتَدُونَ] [الأنعام: ٨١، ٨٢] .
(قال الله تعالى فاصلاً بين الفريقين: (الذين آمنوا ولم يلبسوا) أي: يخلطوا
(إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) الأمن من المخاوف، والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم.
فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً، لا بشرك، ولا بمعاصي، حصل لهم
الأمن التام، والهداية التامة، وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم
يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم
كمالها. ومفهوم الآية الكريمة: أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم
هداية، ولا أمن بل حظهم الضلال والشقاء) [١٤] .
والحاصل مما سبق أن من كان ظلمه من جنس الظلم الأعظم والذي هو
الشرك بالله والكفر به سبحانه ومات منه بلا توبة فقد خاب الخيبة الأبدية، وحرم مغفرة الله وجنته، ومأواه جهنم خالداً فيها وبئس مثوى الظالمين.
ومن كان ظلمه دون ذلك فإنه يسلم من الخلود في النار بما معه من الإيمان. ولكن
إن كان ظلمه هذا متعلقاً بحقوق العباد ومات دون أن يرد الحقوق إلى أهلها فإن
أمامه القصاص يوم القيامة بالحسنات والسيئات، وقد يتعرض بسبب ذلك للعذاب
والتطهير. وإن كان ظلمه لنفسه بمعاصي بينه وبين الله ومات منها بلا
توبة، فإن كانت من الصغائر فإنها تكفرها الصلاة والقيام والحج وغيرها، إذا
اجتنبت الكبائر وإن كانت من الكبائر فإن صاحبها تحت المشيئة إن شاء الله عاقبه
بها، وإن شاء عفا عنه بنحو الأسباب التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في
مجموع الفتاوى [١٥] ، ومن ذا الذي يقطع بمغفرة الله ؟ ومن ذا الذي
يطيق ولو لحظة واحدة في نار جهنم؟
وبعد هذه المقدمة عن الظلم وأقسامه نفصل القول إن شاء الله تعالى في ذكر
جملة من الصور المختلفة لكل قسم من أقسام الظلم، وبخاصة ما ظهر منها وشاع
في زماننا اليوم لعلنا نحذرها أو نتخلص منها إن وجدنا أنفسنا قد تلبسنا بها. وهذا
موضوع الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.
стр. 2914
قضايا ثقافية
التفكير العلمي والإبداعي..
كيف تكون علمي التفكير؟
(٢/٣)
عبد الله بن عبد الرحمن البريدي
التفكير نعمة ربانية اختص الله بها الإنسان، فإن كان تفكيره سليماً ومستقيماً
هداه إلى معرفة الله وعبادته على بصيرة. وفي الحلقة الأولى تناول الكاتب مقدمات
عامة تطرق فيها إلى ماهية التفكير، وكيف يفكر الإنسان، وآلية التفكير، وكيف
يعتل التفكير.
ويواصل الكاتب أبعاداً أخرى في صلب الموضوع.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
أهمية التفكير العلمي وخصائصه:
تكمن أهمية التفكير العلمي في نتائجه وثماره، وتتجلى في خصائصه وميزاته، وتنبثق من منهجه وآليته؛ فهو يؤدي إلى الوصول إلى الحل المناسب بعد توفيق
الله تعالى في الوقت الملائم وبتكلفة أقل. ويمتاز بأنه:
١- تفكير واضح المنهج، مترابط الخطوات.
٢- تفكير موضوعي.
٣- تفكير منطقي.
٤- تفكير هادف.
إنه باختصار تفكير واعٍ، منظّم، منطقي، واضح، إنه تفكير: ماذا؟ ..
ولماذا؟ ... وكيف؟
قد لا يدرك أهمية التفكير العلمي من لم يتفحص طريقته في التفكير، ومن لم
يعش ضمن منظومة اجتماعية يفكر أفرادها علمياً، كما قد لا يستشعر أهميته من لم
يتلبس بمنهجية التفكير العلمي يوماً من الدهر ولم يذق طيب ثمارها. وقد لا يقتنع
البعض إلا بالتطبيق والمثال؛ وهذا أمر طبيعي، مما يحتم مزج الطرح النظري
بالتطبيق.
منهج التفكير العلمي:
يتمخض عن التفكير إزاء مشكلة معينة أو مشروع معين قرار ما، بمعنى أن
المفكر في الأغلب عندما يكدّ ذهنه في التفكير فإنه لا يخلو من حالتين:
إما تفكير في مشكلة ماضية أو قمة أو متوقعة.
أو في مشروع معين.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه قد يفكر الإنسان في موضوعات جزئية كالتفكير
في العلاقة بين قضيتين، وهذا ما يخرج في نظر البعض عن الحالتين السابقتين،
وبالتأمل نجد أن مثل هذا التفكير عادة ما يكون حلقة في منظومة تفكير متكاملة إزاء
مشكلة أو مشروع معين، وإن لم يكن كذلك، فالمنهج العلمي يشدد على أهمية أن
يستحضر صاحب التفكير في مثل ذلك الموضوع الأهداف التي دفعته إلى التفكير،
مع إمكانية وضرورة الاستفادة من المنهج الخاص بالحالتين السابقتين.
ومن أجل وضوح أشد في المنهج، وثمرة أطيب في النتائج فإنه من المناسب
أن تفرد كل حالة بمنهج خاص، وفق ما يلي من تفصيل نظري وإيضاح تطبيقي: (أ) التفكير في حل مشكلة معينة:
دخلتُ ذات يوم المنزل بخطى استعجلها صوت والدتي: إخوتك جميعهم قد
ناموا! وماذا في ذلك؟ الصغار استيقظوا من النوم ليجدوا الباب مقفلاً ... والكبار
أصابتهم نومة أهل الكهف. بدأنا نصرخ جميعاً: قوموا.. انهضوا.. استيقظوا..
لا أحد يجيب غير الصغار وبصراخ يتزايد.. أصابتني رعشة أحسست معها بأنني
أفكر بطريقة بدائية! ! يممت وجهي شطر زاوية من الزوايا.. وأخذت أسائل نفسي..
ما المشكلة؟ وما أسبابها؟ وماذا أريد بالضبط؟ وكيف أصل إلى ما أريد؟
إذاً من المهم جداً ونحن نفكر أن ندرك كيف نفكر (ما وراء التفكير) ؟ !
المشكلة انحباس الصغار داخل الغرفة ... والسبب هو إغلاق الباب بالمفتاح
وعدم استيقاظ الكبار لفتحه.. وما أريده هو إخراج الصغار بسرعة لئلا يتأثروا
نفسياً.. فما هو الحل؟ !
إما كسر الباب.. أو إيصال صوتنا بطريقة توقظ الكبار.. كسر الباب يبدو
أنه مزعج ومكلف والحالة لا تستدعيه.. إذاً فالحل المناسب الثاني؛ ولكن كيف؟
الغرفة في الطابق العلوي ولكن نافذتها مفتوحة.. لماذا لا أسجل صوتي في شريط
كاسيت ثم أقوم بإنزال جهاز المسجل من أعلى المنزل إلى النافذة ... حل معقول!
نجحت الفكرة بإيقاظهم من جراء الصوت المتطاير من الجهاز..
قصة ليست من نسج الخيال، قصدت من إيرادها فهم خطوات التفكير العلمي
بعمق، والتأكيد على منطقيتها وسلامة نتائجها بعد توفيق الله تعالى، والإشارة إلى
أنه يمكن للواحد منا أن يفكر علمياً بسرعة جيدة متى عوّد نفسه على المنهج العلمي
وتمرّس عليه ...
إذاً فعند تفكيرك في مشكلة معينة يجب اتباع الآتي:
١- تحديد المشكلة بدقة وتعرية أسبابها (بماذا تفكر) .
٢- تحديد الهدف من حل المشكلة (لماذا تفكر) .
٣- تحديد البدائل (الحلول) الممكنة (كيف تصل لما تريد) .
٤- اختيار أفضل البدائل ومتابعة تنفيذه. (كيف تصل إلى ما تريد على
أفضل وجه) .
قبل المضي قدماً أرجو أن تعيد قراءة الخطوات السابقة مرة أخرى..
والآن من المناسب أن أتعرض لهذه الخطوات على نحو مفصّل كما يلي:
١- تحديد المشكلة بدقة وتعرية أسبابها:
(أ) تحديد المشكلة بدقة:
ما هي المشكلة؟ وكيف يُشعر بوجودها؟ ولماذا تُحدد؟ وكيف؟
بعبارة بليغة موجزة يعرّف د. سيد الهواري المشكلة بأنها: (انحراف الواقع
عما يجب) [١] ، وهذا التعريف إن إردنا أن يتضمن المشكلة الماضية والمتوقعة
إلى جانب المشكلة القائمة فيجب أن نقول:
المشكلة هي: (الانحراف عما يجب) .
ولا يمكن أن تشعر بوجود المشكلة إلا من خلال:
* معرفة واقع الحال.
* ومعرفة ما يجب أن يصير إليه ذلك الواقع.
فإذا كان هناك انحراف بين ما هو قائم واقعاً وبين ما كان يجب أن يقوم، فإنه
بإمكانك إدراك أن ثمة مشكلة معينة تحتاج إلى حل.
ويمثل تحديد المشكلة بوابة العبور إلى جزيرة الحلول الملائمة، والقنطرة إلى
الوصفات الناجعة؛ إذ لا وصف للدواء إلا بعد تشخيص الداء؛ وهذا أمر بدهي لا
يعوزه برهان. لقد أجمع علماء الإدارة على أن من أهم أسباب نجاح الإدارة اليابانية
(أو التفكير الياباني) هو التركيز على تحديد المشكلة بدقة، وإمضاء وقت طويل
لتحقيق ذلك بعكس البعض؛ إذ يفترضون دوماً أن المشكلة واضحة لدرجة لا يجوز
معها أن يضيعوا شيئاً من الوقت في تحديدها! مع أنهم في حالات كثيرة يفكر كل
واحد منهم في مشكلة تختلف عن تلك التي يفكر فيها الآخر!
هل اعتاد الواحد منا أن يسأل من يفكر معه عن المشكلة: ما هي المشكلة التي
نفكر فيها؟
ولقد ثبت لديّ بالتجربة العملية أنّ من طالبتهم بالتفكير الجماعي في مشكلة
معينة لم يسأل أحدهم الآخر عما يفكرون فيه؛ مع أنه بسؤالي بعضهم تبين لي أن
البعض كان في الشمال والآخر في الجنوب! أو في الشمال الغربي!
وهنا نتلمس سبباً رئيساً من أسباب إخفاق التفكير الجماعي:
(يفكر بعضنا غرباً وبعضنا الآخر شرقاً!) .
ويجب في حالة التفكير الجماعي أن تكون القناعة بأهمية المشكلة متجانسة،
أو متقاربة، ولا بد أن يكون إلمام المشاركين في التفكير الجماعي بتفاصيل المشكلة
وأجزائها كذلك، كما أنه من البدهي تقارب مستوياتهم الفكرية والثقافية، وإلا فإنه
يجب أن يُصار إلى التفكير الفردي؛ إذ إنه حينذاك يصبح أكثر كفاءة وأعظم
جدوى [٢] .
من الأمور المُعِينة على تحديد المشكلة أن توجه مجموعة من الأسئلة لنفسك،
على أن تتناسب مع طبيعة المشكلة، فمثلاً:
ما هو الخلل؟ ما هو النقص؟ ما هو الانحراف؟ ما هو الخطأ؟
ما هو الشيء الذي وقع فيه الخلل؟ وكيف؟
وأين يوجد الخلل في الشيء نفسه؟
متى لوحظ الخلل أول وآخر مرة؟
هل الخلل في ازدياد أم في نقص؟ ماذا كان يجب أن يكون؟ وكيف كان؟
من هو المسؤول عن الخلل؟
هل أنا جزء من المشكلة أم من الحل؟ ؟ ! !
وعندما تتلمس المشكلة يجب أن تفرق بين:
١- المشكلة الظاهرية (العرضية) : وهي تلك التي تبدو في الوهلة الأولى
بأنها هي المشكلة التي يجب حلها، غير أنه بالتركيز والعمق يتبين لك زيفها
ويتعرى خداعها.
في التطبيق الأول: ما هي المشكلة ... أهي تعاطي الابن للدخان [٣] !
وفي التطبيق الثاني: ما هي المشكلة.. أهي خسارة ذلك الموظف [٤] الجاد في قسمه وعدم وجود من يخلفه فيه؟
وفي التطبيق الثالث: ما هي المشكلة.. أتراها إخفاق الطالب في جعل
الخطين متساويين [٥] !
٢- المشكلة الحقيقية: وهي ما يجب حلها والتركيز عليها، وهي قد لا تجود
بنفسها لمن أصيب بـ (العجلة الذهنية) وقد تحتاج لكي تكتشفها إلى ارتداء (نظارة
ذهنية ثاقبة) .
في التطبيق الأول: ألا توافق أن المشكلة أعمق من تعاطي الابن للدخان،
وأنها تتمثل بحدوث تغير فكري لدى ذلك الابن، تمخضت عنه رؤية القبيح حسناً؟
وفي التطبيق الثاني: ألا تعتقد أن المشكلة قد تكمن في معاملة مدير القسم
القاسية لذلك الموظف، أو لعدم وجود الحوافز في القسم كما هي في الأقسام الأخرى، أو غير ذلك من المشاكل التي توجد داخل القسم نفسه! !
وفي التطبيق الثالث: ... ألم تسأل نفسك بدءاً عن مدى وجود هذه المشكلة
أصلاً ... لو قمت بقياس الخطين لاكتشفت أنه ليس هناك مشكلة ... فالخطان
متساويان! ألا زلت توافق المعلم؟
ترى كم من المشاكل المتوهمة استهلكتنا فكرياً واستنزفتنا مادياً ونفسياً؟
حواسنا تمارس خداعاً:
إن التطبيق الثالث يبين لنا أن حواسنا قد تمارس خداعاً لنا؛ فكل من يرى
بعينه المجردة الخطين السابقين فإنه يعتقد أن الثاني أطول من الأول! وهذا ما يؤكد
على أهمية التفطن لمثل هذا الخداع من جهة، وعلى أهمية التأكد من مدى وجود
المشكلة التي تعتني بالتفكير في إيجاد حل لها.
حاول أن تقرأ الجملة التالية بصوت مسموع:
عند التفكير في مشكلة معينة يجب أن نتأكد
من من مدى وجودها فعلاً قبل المضي في إيجاد حلٍ لها.
هل لاحظت تكرار من؟ هل قرأت (من) من مدى..؟ أم أنك اكتفيت بمن
واحدة؟
من الطبيعي أن تكتفي بواحدة؛ ذلك أن رؤية عينك تتأثر بما تفكر به ...
فأنت لم تتعود على تكرار حرف الجر مثلاً ... و (لا وعيك) يوحي إلى عينك بعدم
إمكانية مثل ذلك التكرار..
وربما لا نستطيع أن نتغلب دائماً وبشكل تام على مثل هذا الخداع، غير أننا
نستطيع أن نقلل من تأثيره من خلال:
* الاعتماد على أكثر من حاسة؛ فمثلاً يمكننا استخدام العين لإبصار شيء
معين والأنف لشمه في آن..
* عدم الاعتماد على ما تمليه علينا حواسنا فقط، فمثلاً يمكننا القياس الكمي
للشيء ...
* جعل العقل مفتوحاً بحيث لا نستبعد شيئاً..
* التركيز الشديد ...
(ب) تحديد أسباب المشكلة:
وبعد تحديد المشكلة بدقة وصياغتها بعناية، يجب تحديد الأسباب التي أوجدتها؛ ويفضل تصنيف تلك الأسباب وتقسيمها وفق اعتبارات معينة مع ترتيبها وفق
اهميتها، فمن هذه التصنيفات ما يلي:
* أسباب رئيسة وأخرى فرعية.
* أسباب داخلية وأخرى خارجية.
* أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة.
* أسباب مادية وأخرى معنوية.
من الأخطاء الشائعة عند التفكير في الأسباب الاعتقاد بأن هناك سبباً واحداً
لكل مشكلة، في الوقت الذي يكون فيه هناك أكثر من سبب. فتجد بعض الناس
عندما يسألك عن مشكلة انحراف الأحداث مثلاً فإنه يقول لك: ما السبب في
انحراف الأحداث؟ وهو ينتظر منك أن توقفه على سبب واحد، ولذا تجده يتبرم إذا
فصّلت في الأسباب، وربما ينفجر إذا أوصلتها إلى أربعة أو خمسة، أو قمت
بتصنيفها! [٦] إن أولئك يوقفون مشاكل بحجم الفيل على رأس دبوس.. إن تلك
الظاهرة التي يمكن تسميتها بظاهرة (دبوس الفيل) تنتشر عادة في البيئات الثقافية
الضحلة، ذلك أن الضحالة؛ تحجب عن أصحابها بعض جوانب الموضوع وربما
أهم زوايا التفكير! ! وبهذه الظاهرة أضحت القضايا الكبيرة عند أولئك مجرد
(بالونات منتفخة) تفتقر فقط إلى ذلك (الدبوس) !
٢ - تحديد الهدف من حل المشكلة:
لماذا تفكر في تلك المشكلة دون غيرها؟
قد تقودك الإجابة أحياناً إلى الامتناع عن البدء أو الاستمرار في التفكير في
المشكلة عندما تشعر أن الأهداف التي يمكن تحقيقها بعد حل المشكلة لا تستحق ما
سيبذل في سبيلها من جهد وعطاء..، وتفيد هذه الخطوة إذا عزمت على البدء أو
الاستمرار في التفكير في مشكلة معينة:
* في إضاءة الطريق الذي يجب أن تسلكه لحل المشكلة.
* وفي المساعدة في تحديد كافة البدائل.
* وفي اختيار أفضل البدائل الممكنة؛ وذلك أنها تعد معياراً موضوعياً
للاختيار؛ فالبديل المناسب هو الذي يحقق الأهداف على أفضل وجه كمّاً وكيفاً.
ومن أجل اختيار موضوعي للبديل المناسب، يجب أن:
* ترتب الأهداف طبقاً لأهميتها.
* تعطي لكل هدف وزناً خاصاً (تقييم الأهداف) .
مثال: أحصِ أهدافك تكن موضوعياً أكثر!
بافتراض أن هناك ثلاثة أهداف وبديلين، وتوفرت المعلومات الآتية:
--------------
الهدف ... ... الوزن
--------------------
الأول ٥ نقاط
الثاني ٣ نقاط
الثالث نقطتان
البديل الأول يحقق الهدفين الثاني والثالث، في حين أن البديل الثاني يحقق
الهدفين الأول والثالث.
مجموع النقاط التي يحققها البديل الأول = ٣ + ٢ = ٥.
مجموع النقاط التي يحققها البديل الثاني = ٥ + ٢ = ٧.
البديل الذي يجب اختياره هو الثاني.
قد تقول إننا لا نستطيع دائماً أن نعطي أهدافنا أوزاناً معينة؛ وهذا صحيح،
ولكن لا أظنك تدّعي عدم استطاعتنا ترتيبها وفق أهميتها، وهذا قد يكفي كمعيار
للاختيار في مثل تلك الحالات.
٣ -تحديد البدائل الممكنة:
عند التفكير في البدائل الممكنة يجب اصطحاب الأهداف وتذكرها؛ لأن ذلك
مُعينٌ على توليد البدائل من جهة، وعلى استيعاب كافة البدائل الممكنة من جهة
أخرى.
اشتكى المستأجرون لصاحب العمارة بطء المصاعد في العمارة، وهددوا
بالخروج ما لم يتم استبدالها! خشي صاحب العمارة أن ينفذ المستأجرون تهديدهم
فيخسر ما يدفعونه من إيجارات مرتفعة، فكاد أن يتخذ قراراً بالاستبدال! فاقترح
البعض أن يخفض شيئاً من الإيجار نظير بطء المصاعد، وأشار عليه البعض
بتركيب مرايا في كل طابق عند كل مصعد! في حين بارك الأغلبية قرار الاستبدال
وشجعوه على الإسراع لئلا يخسر!
ما رأيك بهذه البدائل؟ قد يبدو لك أن بعضها غريب وساذج في آن.. أليس
كذلك؟
في هذه الخطوة يجب تسجيل كافة البدائل الممكنة التي تخطر على بالك،
حتى تلك التي قد تبدو لك معالم سذاجتها ومواطن سطحيتها ونقاط ضعفها! لماذا؟
* لأن هذه الخطوة تركز فقط على تسجيل كافة البدائل الممكنة.
* لأنك قد تكتشف أو يكتشف غيرك ممن يشاركك التفكير أن البديل الناضج
هو ذلك البديل الذي سبق اعتباره ساذجاً!
تعد تقنية (العاصفة الذهنية) من التقنيات الجيدة والطرق الناجحة والمجربة في
توليد البدائل. (سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى لاحقاً في الحلقة القادمة) .
٤ - اختيار أفضل البدائل ومتابعة تنفيذه:
يجب إخضاع البدائل التي تم تحديدها لدراسة علمية موضوعية يتمخض عنها
تحديد البديل المناسب، من خلال تحديد البديل الذي يحقق الأهداف على أفضل
وجه كمّاً وكيفاً. بمعنى أن هذه الخطوة تعادي نظرية: (أنا لا أرتاح نفسياً لهذا
البديل) واضطرابها! !
في الحالة السابقة اقتنع صاحب العمارة بضرورة عرض المشكلة على مكتب
استشاري، فقام المكتب بدراستها وأوصى بتركيب المرايا؛ لأن الدراسة أثبتت أن
المصاعد جيدة وليست بطيئة، وتوصلت إلى أن السبب في تبرم المستأجرين يعود
إلى عدم وجود ما ينشغلون به أثناء انتظارهم للمصعد، ومن هنا جاءت فكرة
تركيب المرايا لكي ينشغل كل واحد منهم بهندامه ريثما يأتيه (الفرج) ! !
أثبتت الدراسة أن بطء المصاعد ليس المشكلة الحقيقية.. إذاً ما هي تلك
المشكلة من وجهة نظرك؟ أرجو أن تكون قد أدركت قدر المبالغ التي وفرها ذلك
البديل (الساذَج!) على صاحب العمارة ترى كم من المبالغ والجهود ننفقها في
بدائل فاشلة؟
وكم من الأفكار العظيمة اعتبرناها ساذجة وفيها الدواء!
ويجب أن تتضمن هذه الخطوة متابعة تنفيذ البديل وذلك باستشراف المستقبل
وما ينطوي عليه من عقبات وصعوبات، تمهيداً لرسم البرنامج العملي اللازم
لتجاوزها وتلافيها.
(ب) التفكير في مشروع معين:
يقصد بالمشروع (عملٌ يراد القيام به لتحقيق أهداف معينة) . وقد يكون هذا
المشروع خاصاً أو عاماً، عملياً أو ذهنياً، دنيوياً أو دينياً.... أو خليطاً بين هذا
وذاك.
ما هي الخطوات التي تعتقد أنه يجب اتباعها عند التفكير في مشروع معين؟
حدثني أحد أولئك الذين يفكرون علمياً أنه كان جالساً في مجلس شرع أحد
الحاضرين فيه في عرض مشروع خيري، وقال ما مفاده:
أيها الإخوة ... تعلمون أهمية مثل هذا المشروع للفقراء والمحاويج وعظم
أجره عند الله تعالى، وهذا المشروع الخيري يتلخص في جمع تبرعات من
المحسنين لتوزيعها على هؤلاء الفقراء ... وقبل معرفة من سيشارك منكم في أعمال
المشروع أود أن أتيح الفرصة للإضافة والتعقيب!
تجاذب الحاضرون أطراف الكلام وتدافعوها حتى ظفر صاحبي بطرف،
فشكر المقدم واستحسن الفكرة واستجاد المشروع، غير أنه فاجأ الجميع بأن تحدث
عن:
أولاً: أهمية تحديد الأهداف لهذا المشروع بدقة:
فالأهداف قد تكون خيرية فقط، أو خيرية دعوية، أو خيرية اجتماعية ...
ثانياً: البدائل:
من جهة الزمن: يتم التوزيع مرة في السنة، مرتين، ثلاث..
ومن جهة النطاق الجغرافي للمشروع: يغطي المشروع حياً واحداً، اثنين،
ثلاثة ... كافة الأحياء في المدينة. ومن جهة طريقة التوزيع: توزيع نقدي، أو
عيني، أو نقدي عيني.
ومن جهة الإشراف الإداري ...
ومن جهة.... .
ثالثاً: يجب بعد تحديد البدائل والموازنة بينها، واختيار أفضلها في ضوء
الأهداف المحددة.
لم يحتج صاحبي إلى ساعات طويلة ولا إلى جهد كبير من أجل بلورة أفكاره
التي استجادها الحاضرون.. لماذا؟
لأنه عوّد نفسه على التفكير بطريقة علمية.
إذاً فالخطوات التي تتبع في حالة التفكير في مشروع معين هي ذاتها التي تتبع
في حالة التفكير في مشكلة معينة باستثناء الخطوة الأولى، وعليه تكون الخطوات
هي:
١- تحديد الأهداف التي يجب أن يحققها المشروع.
٢- تحديد البدائل الممكنة.
٣- اختيار أفضل البدائل ومتابعة تنفيذه.
وحيث إنه سبق تناول هذه الخطوات بتفصيل لا يسوّغ الإعادة، فإنني
سأعرض للنقاط التي لها تعلق أكبر في التفكير في مشروع معين عبر ما يلي:
كيف تحدد أهدافك؟
بدءاً يجب التأكيد على أن نقطة الانطلاق في التفكير في مشروع معين هي
الاقتناع بالأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال هذا المشروع.
وثمة اعتبارات علمية ينبغي مراعاتها عند تحديد الأهداف لمشروع معين،
يمكن تلخيصها فيما يلي [٧] :
١- أن تحدد الأهداف بدقة ووضوح؛ بحيث تُفهم من قِبَلِ الجميع فهماً واحداً.
٢- تناسق الأهداف وتكاملها وعدم تعارضها.
٣- واقعية الأهداف، وذلك بإمكانية تحقيقها، وهذه الواقعية على مستويين
هما:
(أ) على مستوى كل هدف على حدة، وذلك بكونه ممكن التحقق.
(ب) على مستوى الأهداف مجتمعة، وذلك بكونها ممكنة التحقق في وقت
واحد.
٤- صياغة الأهداف بشكل قابل للقياس من أجل تحديد نسبة النجاح في
تحقيقها، وذلك بربطها بأمر أو أكثر من الأمور التالية:
(١) الزمن: توزيع المواد العينية على الفقراء في بداية كل شهر.
(ب) الكمية: إعطاء كل فقير ثلاثة أكياس من الأرز.
(ج) التكلفة: يجب ألا تزيد قيمة المواد الموزعة على كل فقير عن مبلغ
٣٠٠٠ ريال.
٥- ترتيب الأهداف بحسب أهميتها.
٦- أن تكون الأهداف من نوع واحد، فإما أن تكون رئيسة (استراتيجية أو
نهائية) أو فرعية (تكتيكية أو مرحلية) ، وذلك أن النوع الأول يتضمن الثاني.
ومن الأمور التي تعين على صياغة الأهداف وتحقيقها ومتابعة ذلك التحقيق
أن تقسّم وتصنّف اعتماداً على أساس أو آخر، فمثلاّ يمكن تقسيمها:
* من حيث النوع: إلى أهداف رئيسة وأهداف مرحلية.
* من حيث الزمن: إلى أهداف طويلة الأجل (٥ -١٠سنوات) ومتوسطة
الأجل (١- ٥ سنوات) وقصيرة الأجل (أقل من سنة) .
أقدِم إلى حيث يحجم الآخرون! :
لا يكن إخفاق غيرك في تنفيذ مشروع تضافرت اسباب اقتناعك به صارفاً لك
عن محاولة إيجاد آلية تمكن من تنفيذه على نحو يوصلك إلى تحقيق أهدافك..
لتتصف بالشجاعة الذهنية ... فكم من المشاريع الرائعة حكم عليها البعض بالإخفاق
لأن عبقرياً أو (متعبقراً) أخفق في إنجاحها! !
فما لبثتْ أن انتشلها شجاع اقتنع بها ثم فكر.. ثم استشار.. ثم نفّذ.
ألا يمكنك أن تكون شجاعاً ولو مرة في حياتك؟ !
ولا إخالك إلا مفرقاً بين (الشجاعة الذهنية) و (التهور الذهني) ! !
تطبيقات عملية:
قبل التعرض لموضوع التفكير الإبداعي في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى
أرجو أن تفكر بشكل جاد ومتكامل ومكتوب في التطبيقات التي سأوردها لضمان
الاستفادة وترسيخ الفهم.
التطبيق الأول:
لاحظت إدارة شركة رائدة في الإنتاج الحيواني زيادة غير عادية في استهلاك
إطارات الشاحنات التي تستخدمها الشركة في تسويق منتجاتها، وبعد البحث
والتحري عن سبب مثل هذه الزيادة تبين للإدارة أن سائقي الشاحنات يقومون ببيع
الإطارات في السوق، ومن ثم استبدالها بأخرى جديدة والادعاء بأنها تلفت.
بافتراض أنك إداري فاعل في تلك الشركة. فكر في المشكلة السابقة إبداعياً
وحدد البديل الذي تراه مناسباً وكافياً لكي نخلع عليك لقب مبدع.
التطبيق الثاني: أمامك الشكل التالي:
٥ ٥ ٥
٥ ٥ ٥
٥ ٥ ٥
المطلوب أن توصل بين هذه الدوائر بخطوط، بالشروط الآتية:
أن يكون عدد الخطوط أربعة.
أن تكون مستقيمة.
ألا ترفع قلمك عن الورقة وألا تعيد الخط مرتين [٨] .
стр. 2915
بأقلامهن
دور المرأة المسلمة في مواجهة التغريب
رهام أديب الزعبي
تمر أمتنا الإسلامية في الوقت الحاضر بمرحلة في غاية الخطورة هي محاولة
إرساء التغريب في أرضها وإحكام الهيمنة عليها من قِبَلِ أعدائها. والتغريب هنا هو
تحويل الثقافة العربية والإسلامية من عقيدة وسلوك، وعادات وتقاليد إلى ثقافة
وعادات وتقاليد تابعة للغرب مخالفة تماماً لعقيدتنا وتراثنا الإسلامي، ومن ثم تصبح
الهيمنة على أمتنا والسيطرة عليها واحتواؤها سهلاً ميسوراً؛ بحيث تخضع خضوعاً
تاماً لما يريده الغرب، الذي يحاول جاهداً دون كلل أو ملل بث أفكاره وثقافته بكل
السبل التي يستطيع الدخول من خلالها.
وهذا التغريب قائم على أبحاث ودراسات حشدت لها كل الطاقات والإمكانات
لكي تطبق على المسلمين، منها ثقافية وفكرية، ومنها نظم سياسية واقتصادية بعيدة
كل البعد عن الإسلام وتشريعاته، مما يؤدي في النهاية بالمجتمع الإسلامي إلى أن
يتشبع بالفكر الغربي وثقافته وحضارته المعادية للإسلام، فيقضي على شخصية
المجتمع وولائه لدينه وأمته، ويصبح من السهل قيادته وتنفيذ كل ما يطلب منه.
والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أهمها ما يتعلق بشؤون المرأة.
ولما كان للمرأة المسلمة أهمية كبيرة في تربية الأجيال ولها تأثيرها المباشر
في تنشئتهم على الإسلام عقيدة وسلوكاً، فقد أعطى أعداء الإسلام أهمية قصوى
لمحاولة تغريبها والتركيز عليها؛ وذلك من خلال الدعوات البراقة الكاذبة التي
انخدع بها كثير من أبناء وبنات أمتنا ... تلك الدعوات المسماة بالتحرر وانتزاع
الحقوق، وطلب المساواة بينها وبين الرجل!
فإذا استجابت المرأة المسلمة لدعوتهم تلك فسيؤدي ذلك حتماً إلى إفسادها ثم
إلى فساد المجتمع وتدميره بأقصر الطرق وأسرعها؛ لما لها من تأثير فعال في ذلك، مما لا يستطيع أن ينكره عاقل.
ومن المؤسف حقاً أن نجد فئة من نسائنا قد انجذبت وانساقت لتلك الأباطيل،
فتبنت أفكارهم المضللة تلك، والدعوة لها، وعشن بتبعية كاملة لهم فكرياً
واجتماعياً وسلوكياً، مقلدات المرأة الأوربية تقليداً أعمى دون إدراك أو تفكير بحيث
ينطبق عليهن حديث رسول الله ﷺ : (لتتبعن سنن من كان
قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قيل:
يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) [١] .
ولقد غاب عن وعي أولئك النسوة أن الظروف الاجتماعية والقانونية
والتاريخية التي واجهت المرأة الأوربية مختلفة تماماً عمّا واجهته المرأة المسلمة؛
فالمرأة هناك تعيش مجتمعاً قائماً على قوانين من وضع البشر وليست شرائع ربانية؛ فكان هناك انتهاك وهضم لحقوق المرأة مما جعلها تثور وتتمرد لتحصل على
حقوقها.
أما المرأة المسلمة فقد أعطاها الإسلام حقوقها كاملة منذ أربعة عشر قرناً؛
فيحق لها أن تفخر وترفع رأسها عالياً بتلك الحقوق التي لم تحصل عليها كثير من
النساء في أكثر البلدان التي تدعي الحضارة والتقدم إلى الآن.
لقد كرم الإسلام المرأة أحسن تكريم، ورفع مكانتها ووضعها في المكان اللائق
بها، ولم يفرق بينها وبين الرجل، بل ساوى بينهما في الحقوق والواجبات،
والثواب والعقاب. ولا أدري والله ما هي الحقوق التي تطالب بها المرأة المسلمة؟
وقد أعطاها الإسلام كامل حقوقها الدنيوية والأخروية.. أما الدنيوية: فمنها حق
التعلم والعمل، وحق التملك والتصرف بملكها وتجارتها دون تدخل من زوج أو أب. كما أعطاها حق اختيار الزوج؛ وحق الخلع إذا لم توفق بزواجها. ومن حقها
أيضاً المحافظة على اسم عائلتها بعد الزواج؛ وذلك بعكس المرأة الأوربية التي
تحمل اسم عائلة زوجها بعد الزواج. وأيضاً أُعطيت المسلمة حق الإرث فهي ترث
وتورث، يقول تعالى: [لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ
نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً]
[النساء: ٧] .
وأما حقوقها ومساواتها مع الرجل في الأجر فقد بينه قوله تعالى: [فَاسْتَجَابَ
لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى] [آل عمران: ١٩٥] .
وقوله تعالى: [إنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ والْقَانِتَاتِ
وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ
كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] [الأحزاب: ٣٥] . وبعد ذلك:
ماذا تريد المرأة أكثر من هذا؟
وهنا سؤال يطرح نفسه: ما هو المطلوب من المرأة المسلمة أن تفعله؟
المرأة المسلمة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى أن تكون سلاحاً في وجه
أعدائها؛ وذلك من خلال رفضها لكل الدعوات الكاذبة والخادعة التي ظاهرها
الرحمة وباطنها العذاب، متمثلة قوله تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا
تَعْبُدُونَ] [الكافرون: ١، ٢] .
فعلى المرأة المسلمة أن تقف سداً منيعاً إلى جانب الرجل المسلم في وجه ما
يخطط للأمة الإسلامية من خلالها، فلا تكون عوناً لأعدائها وأعداء أمتها؛ بل يجب
عليها أن تعي وتدرك ما يدور حولها من خطط لإبعادها عن دينها ورسالتها في هذه
الحياة وتهميش دورها في بناء مجتمعها الإسلامي، وإشغالها بتوافه الأمور،
وإضاعة وقتها في تتبع ما تبثه الفضائيات، وما تنشره المجلات الهابطة من
عروض للأزياء وآخر الموديلات من مكياج وعطورات، ومتابعة أخبار الفنانين
والفنانات!
إنه من المؤلم حقاً أن نرى إلحاح الإعلام المرئي والمقروء على جعل تلك
الشخصيات الفنية قدوة لأخواتنا وبناتنا المراهقات.. وما كثرة استضافتهن على
شاشات التلفزيون وصورهن على أغلفة المجلات وداخلها، غير تأكيد على ذلك؛
وكأن الدنيا قد خلت إلا من هؤلاء!
إن أكثر ما يغيظ الغرب هو تمسك هذه الأمة بدينها؛ فدعوتهم إلى تحرر
المرأة المسلمة والمتمثل عندهم بخلعها الحجاب واختلاطها بالرجال حتى يعم الفساد
في المجتمع الإسلامي ما هو إلا دليلاً كبيراً على ما يكنه الغرب لنا من عداء؛ فلن
يهنأ لهم بال ولا يستقر لهم حال حتى نترك ديننا ونعيش بتبعية كاملة لهم منفذين
رغباتهم وأمانيهم التي لا تنتهي إلا باتباع ملتهم كما أخبرنا به بقوله: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] .
فالواجب على المرأة المسلمة أن تعود إلى إسلامها وتتمسك به بكل قوة،
وتعيش تعاليمه كلها منهجاً وسلوكاً، وتطبقها على نفسها أولاً ثم على من هم تحت
رعايتها. فلا بد أن تعلم المرأة المسلمة قبل كل شيء أن الإسلام كلّ لا يتجزأ؛
عقيدة، وعبادة، ومنهج حياة؛ فإذا أرادت أن تأخذ منه ما يطابق هواها وتترك ما
يغايره فإن هذا ينقض العقيدة وسلامتها. يقول تعالى: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ
إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ٣٦] .
لذلك يجب عليها أن تلتزم التزاماً كاملاً بما أمرها الشرع من حقوق وواجبات،
والبعد عن كل ما نهاها عنه قبل أن يستشري الداء ويزيد البلاء، فيعمنا الله بعقابه
في الدنيا من قبل أن نلقاه. كما قال تعالى: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَذِينَ ظَلَمُوا
مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] [الأنفال: ٢٥] .
ومن الواجب على المرأة المسلمة أيضاً أن تعمل على تثقيف نفسها والتسلح
بالعلم الشرعي، وذلك من خلال حضورها لبعض الدروس الشرعية المتاحة في
مجتمعها، وسماعها للأشرطة المأمونة المتوفرة في السوق، وكذلك تلاوتها للقرآن
وتدبر آياته وحفظ ما تيسر منه، وخصوصاً آيات الأحكام، وكذلك الآيات الكونية،
والاطلاع على كتب التفسير والسيرة حتى يساعدها ذلك على أداء مهمتها في الدعوة
لهذا الدين العظيم، ذلك الدين الذي جعلنا خير أمة؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى
عن المنكر كما قال تعالى: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [آل عمران: ١١٠] فإن وجدت في نفسها الكفاءة والقدرة
للدعوة لهذا الدين العظيم في محيط مجتمعها فينبغي ألا تدخر جهداً في ذلك؛ فهذا
واجب عليها. فإن لم تستطع فبإمكانها الدعوة بين أقربائها وجيرانها، فإن لم تستطع
فيكفيها أن تنشئ أبناءها على العقيدة السمحة، وتربيهم التربية الصالحة، وتبث في
نفوسهم حب هذا الدين والولاء له والبراء من أعدائه، وأن تشرح لهم معنى قوله
تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..] [المجادلة: ٢٢] لأننا اليوم في أمسّ الحاجة لكي يعلم أبناؤنا ما يخططه لنا الغرب
الصليبي واليهود الحاقدون ومن شايعهم في محاولتهم الخبيثة لتذويب شخصية شبابنا
المسلم في بوتقة الانحراف، وإبعادهم عن هويتهم الإسلامية الصحيحة؛ ففي هذه
الظروف التي نراها الآن وتعيشها الأمة الإسلامية وقد تداعت عليها الأمم كما
تداعت الأكلة على قصعتها، نرى أمتنا وقد هانت على أعدائها وتكالبوا عليها
لتضليل أبنائها ونهب ثرواتها وخيراتها.. فهم كما نرى يصطنعون الأحداث في
بلادنا ويضعون لها الحلول.. يخططون وينفذون ما يريدون؛ ففي مثل هذه
الظروف يجب أن تتكاتف الأيدي جميعاً.
فلتكن المرأة المسلمة عوناً للرجل تسانده وتشجعه بالدعوة لهذا الدين والذود
عنه، فلا تضيع وقتها فيما لا يعود عليها ولا على أمتها بالخير؛ فالعمر هو الوقت، والمسلم سوف يسأل عن عمره فيما أفناه، يقول النبي ﷺ :
(لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن
شبابه فيما أبلاه، وعن رزقه من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل
به) [٢] .
فعلى المرأة المسلمة الحذر كل الحذر من أن تقع في شراك أدعياء تحرير
المرأة؛ فإنهم يهدفون من وراء ذلك الطعم اصطيادها وتحللها من دينها وقيمها
وأخلاقها؛ وحينها تكون ذيلاً لهم وتابعة ذليلة لمناهجهم.
إن الأمر جد خطير؛ فلا بد من تعبئة كل القدرات وتهيئتها وتضافر الجهود
وبذل الطاقات من أجل صحوة دينية نسائية صادقة هادفة تقوم على أسس هذا الدين
ومبادئه؛ فقد آن الأوان لكي نرد لهذا الدين عزته، وللمؤمنين كرامتهم؛ فنحن أحق
بأنفسنا من التبعية للأجنبي الغريب، بل نحن أحق بقيادة هذا العالم؛ لأن ديننا
صالح لكل زمان ومكان، وهو ينشر العدل والأمن والسلام بين البشر وميزانه:
[إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] [الحجرات: ١٣] و (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) .
فلله العزة ولرسوله والمؤمنين ... ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.
стр. 2916
حوار
حوار مع فضيلة الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
التحرير
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، عالم جليل أفنى ما مضى من حياته
في العلم والتعليم والإفتاء ... ، اشتهر بتواضعه، وسعة صدره، وصبره، كما
عُرف باجتهاده وعلو همته، حتى صار له في الأسبوع: اثنا عشر درساً منها ما
يمتد لثلاث ساعات، ويجلس لبذل العلم كل يوم بين العصر والمغرب، هذا
بالإضافة إلى عمله (عضو الإفتاء) في دار الإفتاء بالرياض، وذلك إلى قبل أشهر
يسيرة؛ حيث أحيل للتقاعد حفظه الله، ومتعه بالصحة والعمل الصالح الذي يرضي
الله.
وقد كان لنا معه هذا اللقاء المبارك؛ حيث اقتطعنا جزءاً من وقته الثمين،
فتفضّل بالإجابة على أسئلة (البيان) وإنا لنرجو أن يجزيه الله عن الجميع خير
الجزاء، وأن يوفقه لأداء رسالته في العلم والتعليم والتوجيه، وأن يختم له بصالح
الأعمال. وإلى الحوار مع فضيلة الشيخ حفظه الله.
١-هل لفضيلتكم أن تحدثنا باختصار عن طلبكم للعلم.. كيف كان؟ وعلى يد
مَنْ مِنَ العلماء تلقيتم العلم؟
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه.
وبعد: فإن الله سبحانه له الحمد والفضل والمن والثناء الحسن، فهو الذي
يوفق من يشاء ويهدي من يشاء فضلاً منه وكرماً، ويضل من يشاء عدلاً منه
وحكمة، ولا يظلم ربك أحداً.
أقول: إنني معترف بالنقص والقصور، وقلة التحصيل، وضعف المعلومات، وكثرة النسيان، وضياع الكثير من العمر في غير فائدة؛ فعندما أقرأ في تراجم
بعض العلماء كالشافعي وأحمد وابن راهويه، والبخاري، وابن معين ونحوهم،
أعرف الفرق الكبير، والنقص الجلي في نفسي، وأن لا نسبة إلى أحدهم ولو من
بعيد، وكذا عندما أقرأ في مؤلفات بعض العلماء الربانيين، كابن قدامة، وابن
تيمية، وابن القيم، وأمثالهم ممن فتح الله عليهم، وألهمهم العلم والفهم، والإدراك
والذكاء والفطنة، أرى ما منحهم الله ووفقهم له مما لا أصِلُ إلى عُشر معشاره، ولا
أحلم بإدراك معلوماتهم، ولو بعد التأمل والتفكر، وهكذا عندما نسمع سيرة إمام
الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبنيه وتلامذته، ومن تبعهم، ونقرأ في
رسائلهم ومسائلهم، نرى ما وهبهم الله تعالى، وما منحهم من العلم النافع، والفهم
الثاقب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
نشأة الشيخ:
ثم أقول إنني نشأت في قرية (الرين) التابعة للقويعية، وفي كل صيف غالباً
أكون في قرية (محيرقة) من قرى (القويعية) فابتدأت بتعلم القرآن والهجاء من
والدي ﵀، ومن إمام جامع محيرقة العم سعد بن عبد الله بن جبرين رحمه
الله، وذلك في سنة تسع وخمسين من القرن الرابع عشر الهجري، وفتر العزم عن
الحفظ؛ حيث لم يكن من يتابع معي، فلم أكمل حفظ القرآن إلا في سنة ثمان
وستين، وقد قرأت قبل ذلك على والدي ﵀ في النحو والفرائض والحديث،
وبعض الكتب المطولة، فبعد إكمال حفظ القرآن ابتدأت في القراءة على فضيلة
قاضي الرين، الشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري، وشهرته (أبو حبيب) ،
وواصلت القراءة عليه في المتون والشروح في التوحيد والعقيدة والحديث والفقه
والتفسير، وحصل بذلك خير كثير، ثم في عام أربع وسبعين انتقلنا إلى الرياض؛
حيث فتح معهد إمام الدعوة العلمي، وانتظمت فيه، وكانت قراءتنا في الصباح
على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، وفي أثناء النهار
على غيره من المشايخ كإسماعيل الأنصاري، وحماد الأنصاري، وعبد العزيز بن
رشيد، ومحمد المهيزع وغيرهم رحمهم الله تعالى، ونقرأ في المساء على سماحة
الشيخ عبد العزيز بن باز بعد العصر وبعد المغرب، وأنهيت الدراسة النظامية في
عام ١٣٨٢هـ، ومنحت الشهادة العالية من المعهد، وتعادل الجامعة، وفي عام
١٣٨٨هـ انتظمت في المعهد العالي للقضاء حتى عام ١٣٩٠هـ، حيث منحت
شهادة الماجستير، بعد أن قدمت رسالة في أخبار الآحاد وهي مطبوعة، وفي عام
١٤٠٧هـ حصلت على الدكتوراه؛ حيث قمت بتحقيق شرح الزركشي على
مختصر الخرقي الذي طبع بعد ذلك بتحقيقنا في سبعة مجلدات. والله الموفق.
٢- لو أردنا المقارنة بين ذلك الوقت، وبين اليوم؛ من حيث إقبال الشباب
على العلم، فهل نجد فوارق بارزة بين المرحلتين، وهل كانت تتوسطهما مرحلة
أخرى تتميز عنهما؟
لا شك أن هناك فوارق كبيرة لها تأثيرها في كل من المرحلتين، ولكل منهما
ميزة ظاهرة، فقبل خمسين عاماً كان في هذه المملكة قلة في العلماء الربانيين
البارزين، سيما في القرى والبلاد النائية؛ وذلك لأن طلاب العلم أفراد وأعداد
قليلون وتغلب العامية على الأكثر؛ وذلك لأنهم عاشوا في فقر وفاقة، وشظف عيش، وقلة في الإمكانيات؛ فالمواطنون يهمهم الحصول على لقمة العيش، فالبوادي
الرحل يتبعون مواضع القطر لمواشيهم التي بها معاشهم ومعاش عوائلهم، فهم
أميون، لا يقرؤون ولا يكتبون، وأكثرهم جهلاء، قد لا يحسنون قراءة الفاتحة،
ولا صفة الطهارة والصلاة، إلا ما شاء الله، وأهل القرى منشغلون بتحصيل
الرزق والقوت، إما في حرث وغرس فيعملون طوال الوقت في السقي والحرث،
والأبر والغرس والإصلاح، وإنما يتفرغون لأداء الفرائض جماعة، وسماع ما يقرأ
في الصلاة، ولا يجدون غالباً من يلقنهم تعاليم الدين، وآخرون أهل صناعة من
الصناعات اليدوية، كحدادة ونجارة، وخرازة ودباغة، وحياكة ونحوها مما
يتحصلون منه على القوت الضروري، كغذاء أو كسوة وسكن يكنهم عن الحر والقر، وآخرون منشغلون في التجارة التي تتوقف على الرحلات، والأسفار الطويلة،
حيث تستغرق الأشهر، يقطعون فيها المفازات والصحاري، مما لا يتفرغون معه
لتعلم أو تفقه في الدين، وإنما يتلقون من آبائهم العلوم الضرورية في العبادات قولاً
أو فعلاً، ومع هذه الأحوال فإن هناك من اهتموا بالطلب والتعلم، فتجشموا
الصعاب، وقطعوا المراحل البعيدة، وتغربوا عن الأوطان؛ ولازموا العلماء في
المدن أو في بعض القرى، على ملء بطونهم، وكسوة ظهورهم، وأكبوا على
التلقي، واهتموا بالحفظ والفهم، واستهموا على الوقت، وأقبلوا بكلياتهم على التعلم، فوفقهم الله وسدد خطاهم، وأعطاهم ما تمنوا رغم قلة الإمكانيات، وبُعد المسافات، وكثرة المعوّقات، ولكنهم صبروا على المشقة، وركبوا الصعوبات، حتى مكنهم
الله وأعطاهم ما تمنوا، ولكنهم قلة قليلة يتواجدون في المدن، وحول حملة العلم،
وأكابر العلماء الذين أنزل الله في علمهم البركة، واهتموا بتعليم العقائد والعبادات
والأحكام، وبارك الله في سعيهم، وذلك لحسن النيات والمقاصد؛ حيث لا يريدون
عَرَضَ الدنيا، وإنما قصدوا الاستفادة وحمل العلم، والتفقه في الدين، ولا شك أن
هذا الجهد الذي يبذلونه، وهذه المشقة التي يتجشمونها، قليلة بالنسبة إلى ما نسمع
ونقرأ عن جهود سلفنا الصالح، وعلماء صدر هذه الأمة، في القرون المفضلة،
ومن سار على نهجهم، الذين يتغربون عن أهليهم عدة سنوات، للتعلم والاستفادة،
ويسافر أحدهم للتحمل والأخذ عن المشايخ الأكابر الشهر والأشهر، ويسهرون
الليالي في طلب المعاني، مما كان سبباً في بقاء علومهم، والانتفاع بآثارهم،
والبركة في مؤلفاتهم، وبقاء لسان صدق لهم فيمن بعدهم، فرحمهم الله وأكرم
مثواهم.
٣- تتباين وجهات النظر في الأسلوب الأمثل والطريقة الأكمل لطلب العلم؛
من الاكتفاء بمجالسة العلماء، أو إدامة القراءة، أو حفظ المتون، أو الدراسات
المنهجية في الجامعات.. نود تجلية الأمر للإخوة القراء من خلال خبرتكم الطويلة
في التعليم؟
لا شك في اختلاف الرغبات، والتباين الكبير في طرق التحصيل عند طلاب
العلم، والذي أراه أن لكل طالب التمشي على ما يميل إليه ويتأثر به، ويرى فيه
الفائدة وإدراك المعلومات، ومع ذلك فإن مجالس العلماء، وحضور الحلقات،
وإدامة الملازمة للدروس اليومية أو الأسبوعية التي تقام في المساجد ونحوها، مفيدة
ونافعة، ولها تأثير كبير في تحمل العلم، وتجديد المعلومات، وما ذاك إلا أن الدافع
إليها غالباً هو الاستفادة؛ حيث يتوافد الطلاب إلى تلك الحلقات، ويأتون من أماكن
بعيدة أو قريبة، وتراهم خاشعين منصتين، وكل منهم غالباً يحمل معه كتاباً يتابع
فيه المدرس، أو دفتراً لتعليق الفوائد، وكتابة المعلومات؛ بحيث يرجع الطالب
بحصيلة علمية نافعة، تبقى معه طوال حياته، ومع ذلك فإن المطالعة وإدامة قراءة
الكتب العلمية مفيدة جداً، لكن لا بد قبل ذلك من معرفة المقدمات، والأساليب
والاصطلاحات للمؤلفين، ولا بد من معرفة اللغة الفصحى، وما يتصل بها من
النحو والصرف والبيان، حتى تتم الاستفادة منها؛ حيث إن الكثير من الطلاب
يصدهم عن القراءة في الكتب جهلهم بالمصطلحات، وقصورهم في المعلومات
اللغوية، حتى فضّل الكثير ما كتبه المتأخرون، وأكبوا على القراءة للمعاصرين،
وإن لم نعرف الصوارف عن مؤلفات الأقدمين. ثم نقول: إن حفظ المتون
والمختصرات، واستظهار الأحاديث، والقواعد، والأركان والواجبات، له الأثر
الكبير في بقاء المعلومات، فلقد كان مشايخنا الأكابر يذكرون عن نشاطهم وتسابقهم
إلى الحفظ، ويحثون تلامذتهم على ذلك، حتى رأينا منهم العجب في استحضار
النصوص والأدلة عند الحاجة إليها، وكانوا يلزمون من أراد الالتحاق بالتعلم أولاً:
بحفظ القرآن الكريم، وثانياً: أثناء الاستعداد بحفظ المختصرات في النحو
والفرائض، والأحاديث في الأحكام، والتوحيد والعقائد والفقه، والتفسير، أما في
هذه الأزمنة فقد لاحظنا فتوراً ظاهراً في الحفظ والاهتمام بالمتون، وإنما يكتفون
بالفهم وإدراك المعاني من المتون، أو من الشروح، أو من التقارير والتعليقات،
وذلك قد يكفي لمن حصل له الفهم التام، ورزق حفظاً دائماً. فأما الدراسات
المنهجية فقد أصبحت من الضروريات؛ بحيث لا يخل بها إلا القليل، بل يلتزم
الأكثرون بها، رجالاً ونساءً، انتظاماً وانتساباً، والغالب أن القصد منها هو
الحصول على المؤهل الذي يمنح لهم بعد الانتهاء من كل مرحلة، ولا شك أن
الالتزام بذلك مع المواصلة إلى نهاية المرحلة الجامعية مما يفيد كثيراً؛ حيث إن
الطفل يبدأ من مبادئ العلوم، ثم يترقى إلى ما بعد ذلك سنة بعد سنة، ومرحلة بعد
مرحلة، فمتى كان قصده الاستفادة، وتحصيل المعلومات النافعة، فإنه سيحصل
من ذلك على قسط كبير، يبقى معه أثر طوال حياته، ولكن لا بد مع ذلك وبعده من
مواصلة التعلم، وبذل الجهد في التحصيل، فإن العلم كثير، وطالب العلم لا يكتفي
بما حصل عليه، كما في الحديث: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) . وكان العلماء يوصون تلاميذهم بالاستمرار في الطلب، ويقول أحدهم: (اطلب
العلم من المهد إلى اللحد) ، ويقولون: (مع المحبرة إلى المقبرة) فعلى المسلم الجد
في الطلب بما يقدر عليه، وما يراه نافعاً في حقه. والله أعلم.
٤- لا يخفاكم واقع مناهج التعليم في جل بلاد العالم الإسلامي.. مما جعل
بعضهم يرغب عن التعليم النظامي جملة: ما الموقف الصحيح تجاه هذا المنهج:
ألا ترى فضيلتكم أن لذلك سلبيات لا سيما مع قلة العلماء العدول فضلاً عن حاجة
الأمة لتعليم ناشئتها مختلف العلوم والفنون؟
لا شك في صلاح النية، وحسن الأهداف عند تقرير المناهج التعليمية، في
أغلب البلاد الإسلامية، ثم مع مرور الزمان، نشأ من يريد في الظاهر قصداً حسناً، والله أعلم بما يضمره، فاقترح تغيير المناهج القديمة، أو الاقتضاب من بعضها،
وإضافة علوم أو مواد ثانوية، وفرض دراستها، مع قلة الحاجة إليها، أو عدم
أهميتها، أو اختصاصها ببعض الأفراد، فكان ذلك سبباً في عزوف كثير عن
التعليم النظامي، إما لصعوبته، أو لنفرة بعض النفوس عنه، أو لقة الفائدة التي
تعود إلى ذلك الطالب، وميل نفسه إلى علوم وأعمال أخرى، وكان الأوْلى أن
يجعل لهؤلاء مدارس خصوصية، يقرر فيها دراسة العلوم الدنيوية الضرورية، مع
المواد الشرعية، ويعفى من ينتظم فيها عن علم الجبر والهندسة، واللغات،
والفيزياء وشبهها، ثم إن هذه العلوم لا شك في أهميتها، ومسيس الحاجة إليها،
ولكن ذلك في حق من يرغبها، ويجد من نفسه ميلاً إلى التعلم والعمل بها، ثم إن
طالب العلم في المدارس والمعاهد العلمية والجامعات الإسلامية وغيرها، يجب عليه
حسن النية في دراسته لتلك المواد، فيقصد أولاً: حمل العلم النافع، ليفوق الجاهل
به، فقد قال تعالى: [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ]
[الزمر: ٩] ، أي لا سواء بين العالم بالفن والجاهل به، ويقصد ثانياً: نفع نفسه ونفع الأمة، سواء في أمر الدين أو أمر الدنيا؛ حيث تمس الحاجة إلى تعلم هذه الفنون، ويستفيد حاملها، ويعلّم غيره، ويغني نفسه، ويكتفي بصناعته أو حرفته، ويقصد.
ثالثاً: فيما يتعلق بالعلوم الشرعية فضل حاملها، كقول النبي -صلى الله عليه
وسلم-: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهّل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن
الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له كل
شيء حتى الحيتان في البحر، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر
على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا
درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) . ويقصد رابعاً: العمل على
بصيرة؛ فإن من شرط قبول العمل موافقته لما ورد به الشرع، فمن عمل على
جهل فعمله مردود، وخصوصاً إذا تمكن من التعلم فأعرض عنه، ولا شك في خطأ
الذين عزفوا عن التعليم النظامي، لأي سبب عرض لهم، ولذلك نراهم أصبحوا
عالة على أهليهم، قد عطلوا أنفسهم، وصاروا كلاً وثقلاً على أولياء أمورهم، وقد
روي عن بعض السلف ﵏ أنه قال: الناس ثلاثة أقسام: عالم رباني،
ومتعلم على سبيل النجاة، وسائر الناس همج رعاع لا خير فيهم، يغلون الأسعار،
ويضيقون الديار، ثم إنهم بعد أن أفاقوا من سكرتهم، وانتبهوا من رقدتهم، أسفوا
أشد الأسف على ما ضاع من أوقاتهم، ولكن ذلك بعد أن تفارط الأمر، وفات
الأوان. والله المستعان.
٥- يشكو كثير من طلاب العلم المواظبين على حِلَقِ العلم من طول مدة إنهاء
كتاب من الكتب، التي قد تمتد لسنوات.. فما تعليقكم؟
هذا مشاهد ملحوظ، ولكنه ليس مطرداً في جميع طلبة العلم الذين يرغبون في
المواصلة والاستمرار في الطلب، ولا تكل جهودهم، ولا تضعف هممهم، فنوصي
طالب العلم، أن تكون همته عالية، وأن لا يعتريه سآمة ولا ملل، وأن يتذكر
أحوال السلف وعلماء صدر هذه الأمة، وما بذلوه من الجهد، والتعب والنصب في
طلب العلم، وقد ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه ﵀ أنه قال: (أول سنة خرجت
في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف
فرسخ، ولما زاد على ألف فرسخ تركت الحساب. وذكر أنه سار ماشياً من الكوفة
إلى بغداد مرات عديدة، ومن مكة إلى المدينة مراراً، ومن البحر من قرب مدينة
صلا إلى مصر ماشياً، ومن مصر إلى الرملة، ومن الرملة إلى بيت المقدس،
ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن
دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى إنطاكية، ومن إنطاكية إلى طرسوس، ثم من
طرسوس إلى حمص، ومن حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، وقبل ذلك
من واسط إلى النيل ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشياً في سفره الأول، وسنه
عشرون عاماً، وقد نقل عن غيره أكثر من ذلك. وبالجملة نوصي طالب العلم
بالمواصلة، ولو طالت المدة، سواء في الدراسة النظامية، أو في الحلقات العلمية،
ونوصي المشايخ أن يتنزلوا على رغبات جمهور الطلبة، في تعليمهم ما يساعدهم
على حمل العلم، من المختصرات المفيدة، حتى لا يملوا، فمن رغب في
المطولات، واستمر على المواصلة فهو أوْلى، حتى يتزود من المعلومات المفيدة.
والله أعلم.
٦- ما يزال الشباب يتوافدون بحمد الله على دروس العلم، لكن الملاحظ
سرعة تبدل بعض الطلبة بحيث لا يستمر بعضهم إلا أشهراً، وقد يكون ممن ابتدأ
قراءة كتاب على بعض أهل العلم ... ويخشى بعض المحبين من خطورة الأمر..
فما رأي فضيلتكم في العلاج الأمثل لحث الطلبة على مواصلة العلم وتلقيه عن
العلماء المشهود لهم؟
نوصي طالب العلم أن لا يعتريه ملل، ولا يثنيه كسل؛ فإن العلم كثير،
والعمر قصير، وذلك أن الطالب للعلم همته رفيعة، فهو لا يشبع من التعلم، ولا
ينثني عن المواصلة، ولقد كان الكثير من العلماء الأكابر يقرؤون ويستفيدون، حتى
من تلامذتهم، ولا يحتقر أحدهم من دونه أن يتلقى منه فائدة، وكان التلاميذ
يلازمون مشايخهم، ويتكرر أحدهم على مجالس العلم، إما للتذكر أو للتزود، حتى
ولو كان عالماً بما يقول شيخه، وذكروا أن من آداب التلاميذ أن يظهروا لمشايخهم
الشكر، والدعاء لهم، حتى لو كانت المسألة معلومة عندهم، فإذا سمع الفائدة أظهر
لشيخه أنها جديدة، وأعلن بشكره عليها، ولو كانت معلومة له من قبل، واستشهد
بعض المشايخ بقول الشاعر:
إذا أفادك إنسان بفائدة ... من العلوم فلازمْ شكره أبدا
وقل: فلان جزاه الله صالحة ... أفادنيها، وألقِ الكِبَْر والحسدا
وعلى المدرس أن يحث الطلبة على المواصلة والاجتهاد، والحرص على
إكمال الدراسة، سواء كانت نظامية أو علمية، وأن يتصور فائدة المواصلة
والمتابعة، وما يترتب على الانقطاع من ضياع المعلومات، وذهاب ما بذله من
الجهد، وليعلم أن العلم لا يحصل لمتكبر، أو متوان، أو مستحْيٍ، وأن العلم
بالتعلم، وبالحفظ والإتقان والفهم والإدراك.
٧- لعل من أسباب ضعف الاستمرار: سوء اختيار الطالب للدرس الذي
يحضره، أو الكتاب الذي يدرسه؛ لكونه لا يناسب مستواه العلمي، ألا ترون أن
هناك حاجة إلى جعل الطلبة على مستويات اثنين أو ثلاثة مثلاً ينظر في إلزام
الطالب الراغب في الالتحاق بما يناسب مستواه؟
قد عرف أن طلبة العلم يتفاوتون في المستويات، وهكذا في الرغبات، ولذلك
يكثر تواجدهم في بعض الفنون دون بعض، وعند بعض المشايخ دون البعض،
وقد يكون السبب قلة الرغبة من بعضهم في إحدى المواد؛ حيث إن منهم من لا
يرى الاشتغال بالفقه الذي يغلب عليه أنه اجتهاد من الفقهاء، والكثير منه لا دليل
عليه، وبعكس هؤلاء آخرون رأوا أهميته؛ لأنه يتعلق بواقع الحياة، ويحتاج إليه
الفرد والمجتمع، ولا بد من الفتوى به عند وقوع حادثة، فهو من العلوم الضرورية
في كل زمان ومكان، ولهذا كثرت فيه المؤلفات من العلماء الذين رزقهم الله العلم
والفهم بالوقائع، وتطبيق النصوص على الحوادث، ثم إن من الطلاب من يفضل
نوعاً من العلوم الفقهية، كقسم العبادات، ويحب تكرارها في عدة كتب، ولا
يرغب في قسم المعاملات وما بعده، وبعكسه آخرون يفضلون الاجتهاد في فهم
المعاملات، لمسيس الحاجة إليها، فعلى هذا لا مانع أن يقسم المدرس الوقت بين
الطلاب؛ فمن رغب في النحو واللغة والصرف والبلاغة والبيان جعل لهم وقتاً،
واختار مادة أو مختصراً يناسبهم جميعاً، ومن رغب في الحديث حدد لهم درساً في
يوم أو أيام، ومن رغب البدء من أول العلوم ابتدأ بالتوحيد والعقيدة التي تناسب
المبتدئين، ومن رغب في الفقه من أوله أو من وسطه أعطاهم رغبتهم، ولعله بذلك
يفيد المستفيدين، ويحصل كل منهم على ما تميل إليه نفسه. والله الموفق.
٨- تلقى فتاواكم بحمد الله ارتياحاً عاماً، يعزى فيما نحسب بعد توفيق الله
تعالى لحسن فهمكم روح الشريعة ومراعاة مقاصدها، واعتبار المصالح والمفاسد..
هل من توجيه لطلبة العلم في هذا الصدد؟
أعترف على نفسي بالقصور والنقص، وكثرة الخطأ، وأسأل الله العفو
والغفران، وستر العيوب والنقائص؛ حيث إني أكتب أجوبة الأسئلة التي ترفع إليّ
بدون مراجعة، أو بحث في أقوال العلماء غالباً، نظراً إلى كثرة الأعمال، وعجلة
السائل، والارتباط بالمواعيد والدروس، وأعتمد فيما أكتب على معلومات قديمة
علقت بالذهن وقت الطلب والتلقي عن المشايخ، أو تجددت وقت التدريس الرسمي
الذي كنت أستعد له وأراجع وأحضّر قبل الإلقاء، أو حصلت من الممارسة وتكرر
المرور، ومن المطالعات والدروس الجديدة التي أقوم بإلقائها في المساجد. فأما
القابلية لها عند العامة أو التلاميذ فلعل ذلك لحسن الظن، ولما يتلقونه من الدروس
التي يتقبلونها، واثقين بصحتها ومع ذلك فإني أقول: ما كان فيها من صواب فمن
الله تعالى وهو الذي وفّق له وهدى، وما كان من خطأ أو زلل فمني ومن الشيطان،
وأستغفر الله مما وقع مني. وأقول: على طلاب العلم أن لا يعتمدوا على فتوى
تخالف الدليل أو الحق والصواب، فإن على الحق نوراً، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، فلا بد من مراجعة الكتب والمؤلفات، وتطبيق الفتاوى
الاجتهادية لي ولغيري على كلام العلماء، فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، والله أعلم.
٩- (لحوم العلماء مسمومة) ؛ فما واجب أهل العلم وطلبته في حماية
أعراضهم؟
اشتهرت هذه العبارة بين الأمة، وهي تفيد معرفتهم بفضل العلماء، ومكانتهم
في المجتمعات، ومنزلتهم بين الأمة، ولعل من أسباب تكرار هذه الكلمة ما وقع فيه
البعض من الطلبة أو العامة، أو المنتسبين إلى العلم، من كثرة القدح والعيب
والتنقص والاغتياب لبعض علماء الأمة، وأكابر الدعاة والمعلمين، وقد يكون
الحامل لهؤلاء الحسد الذي يكثر بين حملة العلم، وقد ذكر ابن عبد البر ﵀
في (جامع بيان العلم وفضله) باباً كبيراً في طعن العلماء بعضهم في بعض، قال:
والصحيح أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته
بالعلم، لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها
جرحته، ... والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور المسلمين إماماً في الدين،
قول أحد من الطاعنين، أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم كلام كثير
في حالة الغضب، ومنه ما حمل على الحسد، كما قال ابن عباس: (استمعوا علم
العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايراً من
التيوس في زُرُبِها) . وفي قول له: (خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول
الفقهاء بعضهم على بعض؛ فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة) . ثم نُقِل عن
أبي حازم عن أبيه أنه قال في أهل زمانه: فصار الرجل يعيب مَنْ فوقَه ابتغاء أن
ينقطع عنه، حتى يرى الناس أنه ليس بحاجة إليه، ولا يذاكر من هو مثله،
ويزهو على من هو دونه، فهلك الناس ... إلخ. وقد ذكر أمثلة من طعن بعض
العلماء في بعض نظماً ونثراً، وقد اشتهر طعن الإمام مالك وهشام بن عروة في
محمد بن إسحاق، وبالعكس، ولم يكن ذلك موجباً لرد روايتهم، وهكذا طعن ابن
حجر في العيني، والعيني في ابن حجر، وكذا ما حصل بين السيوطي والسخاوي؛ وذلك لأن الحامل على ذلك المنافسة والحسد، وحب الظهور، وإذا كان ذلك ليس
من أخلاق العلماء المتواضعين، فعلى هذا لا يجوز سماع الطعن في العلماء
المشهورين، ولا يلتفت إلى من أخذ ينقّب عن مثالبهم، ويتتبع أخطاءهم، فيجعل
من الحبة قبة، ويتغافل عن فضائلهم وآثارهم، وعلومهم الجمة التي نفع الله بها،
والله عند لسان كل قائل وقلبه.
١٠- ما أهم ما يميز العالم من الخُلق، مما يمنحه قبول الناس له؟ وما
جوابكم على من يخلط بين الهيبة والتعالي؟
لقد كتب العلماء في أخلاق العالم وأكثروا، سيما إذا تولى عملاً ذا أهمية
كالقضاء والتعليم ونحو ذلك، ونحيل القارئ على كتاب: (تذكرة السامع والمتكلم،
في آداب العالم والمتعلم) ، لابن جماعة ﵀ ولا شك أن العالم له مكانته بين
الناس، وأن عليه أن يتواضع لمن سأل، ويصغي لمن يستفيد منه، ويلين جانبه،
ويظهر للطلاب الفرح والاستبشار، ويلقاهم بصدر رحب، ووجه منبسط، ويفرح
بتوافدهم وكثرتهم عنده، ويسره أن يستفاد منه، وعليه أن يبدأ بطلب القراءة عليه، ويعرض على التلاميذ أن يجلس لهم في مادة كذا وكذا، أو يسألهم عن رغبتهم،
ويجيب مطلبهم، وأن يلتمس ما يميلون إليه من البسط أو الاختصار، ومع ذلك فلا
يضع نفسه موضع الذل والاستضعاف والهوان، بل يترفع عن مجالس السفه واللهو
واللعب، وإضاعة الوقت، مما يسقط مكانته، ويضع قدره عند تلاميذه، وأن لا
يشمخ بأنفه، ويتكبر على بني جنسه، مما يعيبه به العلماء والتلاميذ، ولكن بين
ذلك، فيكون ليناً بلا ضعف، قوياً من غير عنف، حليماً ذا أناة، كما ذكروا ذلك
في القاضي.
١١- من المشتغلين بالعلم من يرى ضرورة احتجابه عن مخالطة العامة؛
لأجل توفير الجهد والوقت؛ فما مدى توافق ذلك مع الهدي النبوي؟ وهل القاعدة
في هذا الأمر مطّردة، أم يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة؟
وما ضوابط المخالطة المناسبة لأهل العلم وطلابه؟
قد علم أن لحامل العلم مكانته ومنزلته التي فضله الله بها على غيره، ومتى
خالط السفهاء وعوام الناس، واندمج معهم، لقي إهانة وذلاً واحتقاراً، وسمع من
سخيف القول، ومستهجن الكلام، ما يترفع عنه حملة العلم الذين قال الله عنهم:
[يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] [المجادلة: ١١] ولقد صور ذلك الشيخ أبو الحسن الجرجاني ﵀ بقوله:
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
ولم أتبذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظّما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
وأقول أيضاً: إن الاحتجاب العام عن الجميع غير لائق؛ فإن الناس بحاجة
إلى مجالسة أهل العلم، والتلقي عنهم، والبحث معهم عن المعضلات وما يشكل
عليهم، فلهذا متى ابتعد العالم عن العامة حتى عن الطلاب عيب عليه هذا الابتعاد،
ومتى اختلط بالعامة وغوغاء الناس ومن لا يعرف مكانته عيب ذلك عليه، فلا بد
أن يحفظ نفسه ووقته للاستفادة والقراءة والمذاكرة، ولا بد أن يتبسط ويفتح صدراً
رحباً لمن زاره أو استزاره لتحصل الاستفادة من معلوماته، ويتجدد ما في ذاكرته
من معلومات ومفاهيم، وينفق مما أعطاه الله، ولا شك أن الناس يختلفون، وبينهم
تباين كبير في الآراء والأعمال؛ فمن كان ميله إلى المذاكرة والكتابة والتأليف آثر
ذلك على التعليم والتدريس، وساغ له أن يتفرغ للقراءة والبحث والكتابة ونحو ذلك، ولكن لا ينبغي له أن يحتجب دائماً، بل عليه أن يفسح المجال لبعض الزوار
والمستفيدين. وأما من آثر التعليم والإفتاء والتدريس، فإنه يحب الانبساط
والاختلاط، ويرغب الاندماج مع الناس، ولكن عليه أن يرفع نفسه عن مواقف
الذل والهوان.
стр. 2917
تأملات دعوية
لا تهملوا الموعظة
عبد الله المسلم
إن النفوس تصيبها القسوة والغفلة، وتبتعد القلوب عن الله وتتعلق بالدنيا وما
فيها، ويلابس الناس الذنب والمعصية، فيحتاجون للتذكير والوعظ.
ومن يتأمل سنة النبي ﷺ يرى أنه كان يُعنى بالموعظة،
وكان كثيراً ما يذكّر أصحابه ويرقق قلوبهم، ولم تكن الموعظة خاصة بحديثي العهد
بالإسلام والتوبة، ولا بالمقصرين المخلطين، إنما كانت هدياً راتباً له يتخوّل بها
أصحابه.
عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع؛ فأوصنا) [١] .
ويصف حنظلة الأسيدي: وكان من كتاب رسول الله ﷺ
يصف مجالسه فيقول: (لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت:
نافق حنظلة. قال: سبحان الله: ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله -
ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رَاًيَ عين، فإذا خرجنا من
عند رسول الله عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً، قال أبو بكر:
فوالله إنّا لنلقَى مثل هذا ... ) [٢] .
وحين دَفَنَ النبي ﷺ أحدَ أصحابه جلس على القبر وهو
لم يُلحد بعد، فوعظ أصحابه موعظة بليغة، وذكر لهم ما يلقاه العبد بعد موته من
أحوال البرزخ وأهواله [٣] .
وفي خطبه الجمعة كان يُعنى بهذا الأمر؛ فعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان
قالت: ما حفظت (ق) إلا مِن فِي رسول الله ﷺ يخطب بها كل
جمعة، قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحداً [٤] .
وقد أخبر ﵎ عن عباده المتقين وأنهم بحاجة إلى تعاهد النفوس
ورعايتها، فقال: [وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا
أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا
فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [آل عمران: ١٣٣-١٣٥] .
بل أخبر عن نفسه فقال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم
مائة مرة) [٥] .
فإذا كانت هكذا نفوس المتقين الذين بلغوا الرتب العالية والمنازل الرفيعة،
فكيف بمن هم دون ذلك بكثير؟ كيف بنا اليوم ونحن نعيش عالماً مليئاً بالفساد
والمنكرات، ونلابس ونواقع كثيراً منها صباح مساء، ناهيك عن الاستغراق في
فضول المباحات والوقوع في المشتبهات، وهذه دائرة ربما لم نفكر فيها لأنّا لم
نتجاوز ما قبلها.
فلئن كان الرعيل الأول وخير القرون يتعاهدهم نبيهم بالوعظ والتذكير،
ويتخوّلهم بها، ويسمعون منه كل جمعة ذلك، فكيف بجيلنا نحن؟
بل وكيف نتصور بعد ذلك أن المواعظ إنما هي لفئات خاصة من حديثي العهد
بالاستقامة والتوبة، في حين نظن أن الدعاة ومن قطعوا شوطاً في الطريق، في
غنى عن ذلك كله، وهم بحاجة للحديث عن القضايا الفكرية والدعوية والمسائل
الساخنة؟ !
стр. 2918
ملفات
(القبور والأضرحة دراسة وتقويم)
انتشار القبور والأضرحة وعوامل استمرارها
(٢/٢)
عاصفة الأوهام (عوامل الاستمرار)
خالد محمد حامد
لا تحمل الخرافة في ذاتها قوة الدفع اللازمة لاستمرار ترويجها لدى المصابين
بها؛ فهي لا تصمد أمام الحقائق العقلية والشرعية في حلبة صراع الأفكار، ومع
ذلك فقد استمر داء تقديس القبور والأضرحة، بل انتشر واستفحل حتى إنه يذكر
عن عدد الذين يحضرون مولد البدوي أو الدسوقي في مصر مثلاً أنهم: يقدرون
بالملايين من البشر [١] ، فما هي العوامل التي ساعدت على هذا الانتشار
والاستمرار؟
إن المتأمل في شأن القبورية يستطيع القول: إنه لم يكن السبب في هذا
الانتشار عاملاً واحداً، بل هناك عدة عوامل متشابكة عملت جميعها على ذلك
الانتشار والاستمرار، نذكر منها: العوامل الدينية، والنفسية، والاجتماعية،
والاقتصادية، والسياسية.. وإليك بيان بعض هذه العوامل:
العوامل الدينية:
فـ (فلسفة القبورية) تعد من أهم عوامل استفحال داء تقديس القبور
والأضرحة، وأعني بذلك: مع تقديم مسوّغات لهذه الممارسات، ووجود الفراغ
(التوحيدي) لدى القبوريين مع بقاء الدافع الفطري في (التأله) لدى البشر عموماً،
كما أن القبوريين توهموا سهولة الدخول تحت طقوس القبور والأضرحة مقابل
تخليهم عما عدوه صعوبة تكاليف التوحيد الخالص، فكانوا كما قال فيهم ابن قيم
الجوزية نقلاً عن أبي الوفاء بن عقيل رحمهما الله: (لما صعبت التكاليف على
الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم،
فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم ... ) [٢] ، فإذا أضفنا إلى ذلك:
ترويج مشايخ القبورية لشبهات ساقطة على أنها أدلة شرعية وحقائق دينية تسمح
بهذه الطقوس لازداد تأثير هذا العامل في ترسيخ فتنة القبورية، لذلك فإننا نلمح أن
انتشار هذا الداء يتناسب عكسيّاً مع تصاعد أمرين:
الأمر الأول: محاولة القضاء على الدين عموماً والعمل على قتل فطرة
الإيمان بالغيبيات في القلوب، الأمر الذي يصرف هذه الفطرة إلى نوع آخر من
الإيمان بنوع تأليه للمادة والعقل بدلاً من الغيب والخرافة، وهذا ما ظهر واضحاً
عقب الانقلاب العلماني على الخلافة العثمانية، (ويذكر رشيد رضا لعباد القبور ما
فعله ملاحدة الأتراك عندما استلموا الحكم، فقد حارب هؤلاء البدع والخرافات
وعبادة القبور، وقاموا بنبش قبور بعض الأولياء، وعرضوا أمام الناس رميم
عظامهم وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم وعن مراقدهم، بله أن يجلبوا النفع أو
يدفعوا الضر عن الناس) [٣] .
الأمر الثاني: ملء الفراغ التوحيدي الذي شغلته الخرافة عندما تألهت القلوب
للأضرحة والقبور وساكنيها، كما يقول ابن قيم الجوزية ﵀: (من غَمَرَ قلبه
بمحبة الله تعالى وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، أغناه ذلك عن
محبة غيره وخشيته والتوكل عليه) [٤] ، لذا: رأينا أن انتشار هذا الداء تناقص
نسبياً في الأماكن والأوقات التي نمت فيها الصحوة الإسلامية المباركة، التي أخذت
على عاتقها الدعوة إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك كبيره وصغيره، والرد
على شبهات أهل الزيغ، وهنا يبرز الدور الخطير سلباً وإيجاباً الذي يمكن أن يقوم
به العلماء والدعاة، فعلى الرغم من جهود مشكورة لكثير من العلماء والدعاة الذين
بينوا للناس حقيقة التوحيد وحذروهم من الوقوع في الشرك إلا أن القبوريين خادعوا
أنفسهم ووجدوا ملاذاً لهم في بعض من ينسب إلى العلم والدين فأبوا إلا أن يُصغوا
آذانهم ويفتحوا مغاليق قلوبهم لكل من ساهم بقول أو فعل في التلبيس على الناس
وفتنتهم عن دينهم الحق.
وإليك إيضاحاً لبعض مواقف هؤلاء الداعين بأقوالهم أو أفعالهم إلى القبورية:
فحضور هؤلاء المشائخ لهذه الأماكن وعدم إنكارهم لما يحدث فيها، بل
مشاركتهم في طقوسها في أحيان كثيرة.. فتنَ كثيراً من الدهماء. فمما يذكره
الجبرتي بعد وصف المنكرات التي تحدث في أحد الموالد (مولد العفيفي) :
(.. ويجتمع لذلك أيضاً الفقهاء والعلماء ... ويقتدي بهم الأكابر من الأمراء والتجار والعامة من غير إنكار، بل ويعتقدون أن ذلك قربة وعبادة، ولو لم يكن كذلك لأنكره العلماء ... فضلاً عن كونهم يفعلونه..) [٥] .
ويقول محمد أحمد درنيقة: (وهذه الأمور كانت تجري في بيت الله ويراها
ويسمعها العلماء الذين لا يفعلون شيئاً للتخلص من هذه الانحرافات، لا، بل ...
ذهب بعض العلماء إلى تهنئة هذه الفئة بهذا الموسم الشريف والدعاء لهم بأن يطول
بهم العمر لإحياء مثله أعواماً عديدة. يرى رشيد رضا أن هذا السكوت من قِبَل
العلماء قد أوقع في ذهن العامة أن هذه الأعمال وأضرابها من مهمات الدين) [٦] .
ومن المواقف المعاصرة العديدة في ذلك: أنه (قد زعم الخليفة الحالي للسيد
البدوي في مولد عام ١٩٩١م: (أن السيد البدوي موجود معك أينما كنت، ولو
استعنت به في شدتك وقلت: يا بدوي مدد، لأعانك وأغاثك) ! قال ذلك أمام
الجموع المحتشدة بسرادق وزارة الأوقاف في القاهرة أمام العلماء والوزراء، وقد
تناقلته الإذاعات وشاشات التلفاز) [٧] .
ليس هذا فحسب، بل تؤلف الكتب في الدعوة إلى ذلك، ويتواطأ (العلماء) في
إقرارها، فقد ذكر رشيد رضا أن أحد (المنسوبين للعلم) ألّف كتاباً يدعو فيه إلى ذلك
التوجه (المنافي للحنيفية) ، (وواطأه على ضلاله وإضلاله (٦٣) عالماً أزهرياً كما
ادعى، وذكر أسماءهم وإمضاءات أكثرهم بخطوطهم، وبنى على هذا أنه انعقد
الإجماع؛ لأن سائر علماء الأزهر يوافقونهم فيه، وأنه يجب على جميع المسلمين
اعتقاده والعمل به..) [٨] ..
والأمر تجاوز التنظير والتسويغ ليصل إلى الممارسة الفعلية كما يقوم بها أي
خرافي، فهذا (أحد المشايخ الكبار في عهد إسماعيل باشا كتب شكوى ضده وأرسلها
بالبريد إلى طنطا، ومنها إلى قبر السيد البدوي، حيث تقوم محكمته داخل قبره!) [٩] ، (ولما وقع صراع بين الأحناف والشوافع حول مشيخة الأزهر بسبب تعيين
أحد مشايخ الأحناف شيخاً للأزهر، هرع الشوافع بقيادة الشيخ محمد بن الجوهري
الشافعي إلى ضريح الإمام الشافعي، ولم يزالوا فيه حتى نقضوا ما أبرمه العلماء
والأمراء وردوا المشيخة إلى الشافعية!) [١٠] .
وانظر إلى إنكارهم.. لأي شيء وقع؟ ! : (فعندما صودر أولاد سعد الخادم
وهم سدنة ضريح السيد البدوي هاج العلماء في الأزهر وامتنعوا عن التدريس إنكاراً
لمن قام بمصادرته، ولم يعودوا إلا بعد أن طيبت خواطرهم ووعدوا بتلبية
رغبتهم) [١١] .
ثم انظر إلى إقرارهم.. على أي شيء وقع؟ : (ذكر الشيخ رشيد رضا أنه
كان مرة في قبة الإمام الشافعي، وكان ثَمّ جماعة من أكابر علماء الأزهر وأشهرهم، فأذن المؤذن العصر مستدبراً القبلة، فقال لهم: لِمَ لم يستقبل هذا المؤذن القبلة كما
هي السنة؟ فقال أحدهم: إنه يستقبل ضريح الإمام! .. وذكر أيضاً أنهم لا ينكرون
على من يستقبل قبر الإمام في صلاته) [١٢] .
ثم هم لا يسكتون على من يقوم بواجب إنكار المنكر حقيقة، بل ينكرون على
من ينكر المنكر الشركي، (كما حدث حين اعترض الواعظ الرومي (التركي) في
سنة ١٧١١م ... وأبدى رأيه في اعتباره زيارة الأضرحة وإيقاد الشموع والقناديل
على قبور الأولياء وتقبيل أعتابهم من قبيل الكفر، بل وطالب بهدم الأضرحة
والتكايا، فثار عليه مشايخ الأزهر الصوفية وأصدروا فتوى بكرامات الأولياء
وتوسطوا لدى الحاكم السياسي حتى نفاه) [١٣] .
فما الذي يحمل هؤلاء (العلماء) على تلك الممارسات؟
يحملهم على ذلك ما يحمل غيرهم من دهماء القبوريين:
فهم يرون أن ذلك من شعائر الدين، حتى إن أحد علماء الأزهر كتب مقالاً
يقول فيه لمنكر وجود السيدة زينب في هذا القبر ووجود رأس الحسين في القبر
المنسوب إليه: (إنك (جئت تفجأ المسلمين في اعتقاداتهم المقدسة النبوية، فإنك
تريد أن تطيّر البقية من دينهم ( [١٤] .
وهم يعتقدون في القبور والأضرحة وأصحابها الضر والنفع، تماماً مثلما يعتقد
الدهماء والعامة من القبوريين، (ويبين رشيد رضا أن الذي دفع العلماء إلى
السكوت عن هذه الأمور خوفهم من الوقوع في قضية إنكار الكرامات أو الاعتراض
على الأولياء الذي يخشى معه أن يلحقوا بهم الأذى والضرر) [١٥] ، وليس أدل
على ذلك من أنه (في أيام حكم السلطان المملوكي جقمق قيل لأحد العلماء أن يفتي
بإبطال مولد البدوي لما يحدث فيه من زنا وفسق ولواط وتجارة مخدرات، وما
يشيعه الصوفية من أن البدوي سيشفع لزوار مولده، فأبى هذا العالم أن يفتي، قائلاً
ما معناه: إن البدوي ذو بطش شديد) [١٦] ..
فإذا كان هذا هو حال شريحة من العلماء المقتدى بهم، فماذا يُنتظر من العامة
والدهماء؟ .. إن الذي يعرض منهم عن السماع للعلماء الربانيين ويتخذ مثل هؤلاء
قدوة وأسوة فلا بد أن يتخبط من مس الخرافة والأوهام.
العوامل النفسية:
يرتبط بما سبق بعض الأسباب النفسية التي تعمل على انتشار تقديس القبور
والأضرحة واستمراره، حيث يمثل (الخوف) منها الذي نتج عن الاعتقاد فيها
حاجزاً لمنع هدم الأسطورة التي قامت عليها، وكذلك تمثل (المسرة والحبور)
الناتجين عن الاعتقاد فيها أيضاً أحد المرغبات في استمرار هذا الكيان.
وهذا ما يذكره الأستاذ عبد المنعم الجداوي عن تجربته القبورية.. (شيء آخر
أشعل في فؤادي لهباً يأكل طمأنينتي في بطء.. أن الدكتور [الذي يدعوه إلى الكفر
بهذه الطقوس الوثنية] يضعني في مواجهة صريحة ضد أصحاب الأضرحة الأولياء، والخطباء على المنابر صباح مساء يعلنونها صريحة: إن الذي يؤذي ولياً فهو في
حرب مع الله .. وأنا لا أريد أن أدخل في حرب ضد أصحاب القبور
والأضرحة؛ لأنني أعوذ بالله من أن أدخل في حرب معه ﷻ [١٧] .
وعن أحد أسباب عشقهم يقول: ( ... لأني أحب أشعارهم، وأحب موسيقاهم
وألحانهم التي هي مزيج من التراث الشعبي، وخليط من ألحان قديمة متنوعة ... أو
ناي مصري حزين ينفرد بالأنين مع بعض أشعارهم التي تتحدث عن لقاء الحبيب
بمحبوبه ... وكل حجتي التي أبسطها في معارضة (الدكتور) أنه وأمثاله من الذين
يدعون إلى (التوحيد) لا يريدون للدين روحاً، وإنما يجردونه من الخيال!) [١٨] .. ولعل ذلك الخيال الذي كان يريد للدين أن يسبح فيه هو ما عبّر عنه بقوله:
(أحياناً أخترع لهم كرامات، أو أتصورها، أو أتخيلها..) [١٩] .
وهنا تلعب الإشاعات ونسج الأكاذيب دوراً مهماً في بناء العامل النفسي؛
فالصوفية دأبوا على تحذير الناس من غضب (الأولياء) ، (وقد صاغوا هذه الأفكار
المخيفة في صورة حكايات مرعبة حول رجال لهم سمعتهم العلمية ومكانتهم الفقهية
اعترضوا على الصوفية فأذاقهم طواغيتهم من العذاب الأليم ألواناً) [٢٠] .. وليس
هذا الإرهاب النفسي مع العلماء والفقهاء فقط، (فمع أن الحكام من المماليك كانوا
يسيرون في ترهات أباطيل الصوفية ويقيمون لهم الخوانق والرباطات والزوايا، فلم
تخل قصص التخويف من تخويفهم، وأطلقوا على البدوي لقب: العطاب) [٢١] ..
فإذا كان هذا الحال هو ما يشاع بين العلماء والحكام فما بالنا بما يروج بين دهماء
الناس ويؤثر على نفسيتهم المستسلمة لهذا الداء؟ .. لننظر إلى بعض الصور:
فأهالي الإسكندرية بمصر يتحدثون بكثرة عن الكرامات التي تحدث لضريح أبي
الدرداء، (ويذكرون على سبيل المثال ما حدث عندما أرادت بلدية الإسكندرية سنة
١٩٤٧م نقل الضريح إلى مكان آخر ... وبدأت فعلاً في تنفيذ المشروع، ولكن
واحداً من العمال الذين يعملون في نقل الضريح توقفت يداه وأصيب بالشلل! ،
فامتنع باقي العمال عن العمل ... واضطرت البلدية أن ترضخ لاعتقاد العامة وأبقت
الضريح كما هو [٢٢] ) .
ومما رصده الشيخ رشيد رضا بخصوص هذه الظاهرة أنه (شاع لدى العامة
أن من تعوّد على حضور هذه الموالد أو على إنفاق شيء فيها، ثم امتنع عن قيامه
بعادته تلك: لا بد أن يصاب بنكبة أو مصيبة..) [٢٣] .
فماذا لو تم بالفعل إبطال أحد الموالد؟ ! .. (حدث أن السلطان جقمق أبطل
مولد البدوي لما فيه من الوثنيات الموبقات والفواحش بين الرجال والنساء، وحدث
لبعض المقيمين بإبطال هذا المولد ابتلاء لهم ... فمنهم من عزل من منصبه، ومنهم
من أمر السلطان بنفيه، ومنهم من وضع في السجن، فأشاع الصوفية أن كل ذلك
من عمل البدوي؛ لأنه غضبان عليهم) [٢٤] فآلة الحرب النفسية الصوفية تعمل
على كل حال.
وهناك بعد آخر في العامل النفسي، وهو أن أضرحة الأولياء تمثل للعامة
تعويضاً وهميّاً لانتصارها أوقات الاستبداد والتسلط السياسي؛ (فالإنسان المقهور
يكون بحاجة إلى قوة تحميه تجسدت في الأولياء، فهم المحامون والملاذ؛ ويتضح
هذا جليّاً في كرامات الأولياء؛ فهي تشكل النقيض تماماً لوضعية الإنسان المقهور،
وحيث ترسم صورة الإنسان المتفوق ضد الإنسان المهان واقعيّاً، وتجسد أماني
المغلوبين في الخلاص من خلال وجود نموذج الولي صاحب الخوارق الذي يفلت
من قيود الزمان والمكان، ولذا: نرى أن الجماهير المقهورة تتجمع حول أضرحة
الأولياء كما يتجمع أعضاء حزب معين حول شخص زعيمهم) [٢٥] .
النساء والعامل النفسي في استفحال داء القبور والأضرحة:
لوحظ من خلال متابعة الواقع وتتبع الوقائع أن للنساء دوراً ملحوظاً في
ترويج تقديس القبور والأضرحة والمزارات، نشأةً وارتياداً:
فأم الخليفة العباسي المنتصر هي أول من أنشأ قبة في الإسلام كما مر ذكره
في حلقة سابقة، ويذكر أن الخيزرانة أم هارون الرشيد هي أول من كسا الحجرة
النبوية الشريفة، وصارت من بعدها سنة الملوك والسلاطين [٢٦] ، ويذكر أيضاً
أنها أول من حوّل البيت الذي ولد فيه الرسول إلى مسجد [٢٧] ، كما قامت والدة
السلطان العثماني عبد العزيز بترميم قبب مسجد الزبير بن العوام بالبصرة
وتكبيره [٢٨] .
ويسجل الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي الملقب عند الحنفية بالإمام
الرباني ومجدد الألف الثاني ظاهرة كثرة ارتياد النساء للقبور والأضرحة في الهند
فيقول: (وأكثر النساء مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل
فيهن، يطلبن دفع البلية من هذه الأسماء الخالية عن المسميات، ومفتونات بأداء
مراسم الشرك وأهل الشرك، خصوصاً وقت عروض مرض الجدري ... بحيث لا
تكاد توجد امرأة خالية من دقائق هذا الشرك.. إلا من عصمها الله تعالى..) [٢٩] .
كما لوحظ أيضاً تخصيص بعض الأضرحة والمزارات بالنساء، كمزار
(بنات العين) بالأردن الذي يعرف بـ (المستشفى النسائي) ، وضريح الشيخة مريم
التي (اشتهرت ببركتها في الشفاء من العقم) ، وضريح الشيخة صباح بطنطا التي
اشتهرت بالبركة ذاتها! [٣٠] ... إلى غير ذلك من الأضرحة والمزارات الخاصة
بالنساء، بينما لم يبلغ علمنا اهتمام الرجال بتخصيص أضرحة تقتصر عليهم
وحدهم أو يزعمون أن لها ميزات تخصهم دون غيرهم.
ولعل ذلك راجع إلى طبيعة نفسية النساء التي تغلب عليها العاطفة والانبهار
بالمظاهر، كما يتعاظم فيهن الإحساس الفطري بالضعف البشري وحاجتهن إلى قوة
خفية تجبر هذا الضعف، ولعل لهذا السبب أيضاً جاء في السنة النبوية تخصيص
النساء بالزجر الشديد عن أن يكن زوارات للقبور، فعن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ (لعن زوارات القبور) [٣١] ، وورد فيهن كذلك أنهن أكثر
أتباع الدجال ( ... فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى
حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه) [٣٢] .
العوامل الاجتماعية:
حيث تمثل المسايرة الاجتماعية والمجاملات دوراً مهماً في انتشار هذا الداء
وعدم الانخلاع عنه، وهذا ما يسجله الأستاذ عبد المنعم الجداوي في تجربته أثناء
خروجه من الاعتقادات القبورية، وذلك عندما وجد نفسه في صراع بين ما اعتقده
من خطأ هذه الاعتقادات الباطلة وما يمليه عليه الواجب الاجتماعي من ضرورة
مجاملة ابنة خالته وأسرتها، بمشاركته لهم في الوفاء بنذر تقديم (القربان) إلى السيد
البدوي؛ حتى يعيش ابنهم الوحيد كما يعتقدون [٣٣] .
ويدخل في هذه العوامل أيضاً: صفة الهيبة والوجاهة الاجتماعية التي يخلعها
تقديس القبور والأضرحة على سدنتها وخدمها والقائمين عليها، مما يصعب معه إلا
على من رحم الله الاعتراف بخطأ الاعتقادات والممارسات التي تقام وتنسج حول
هذه الأضرحة؛ الأمر الذي يعني تخليهم عن هذه المكانة التي أكسبتها لهم الأضرحة
والقبور، فلقد (كان سادن الضريح سيداً مطاعاً وشخصاً مهاباً، يستمد طاعته
وهيبته من الضريح الذي يقوم على سدانته ... وكانت سدانة الأضرحة وظيفة
متوارثة يرثها الأبناء عن الآباء، وتنتقل في عقبهم وذراريهم، ولا ينزعها منهم إلا
ظالم كما يزعمون، ولم تكن لتنزع من أسرة إلا ليعهد بها إلى أسرة أخرى) [٣٤] .
ويدخل في هذه العوامل كذلك: التفاخر بين أهل القرى والمدن والمحلات بهذه
القبور والأضرحة؛ حيث يعتبر المعتقدون فيها أن وجود ضريح وخاصة إذا كان
من ذوي الشهرة والمكانة من دواعي فخرهم بين أهل البلاد الأخرى، يقول الغزي
بعد أن ذكر الخلاف في دفين الجامع الأموي بحلب: (وعلى كل حال فليس يخلو
الجامع من أثر شريف نبوي جدير أن تفتخر حلب بوجوده) [٣٥] .. ومن هذا
الوجه أيضاً: الاهتمام بالأضرحة باعتبارها آثاراً وتراثاً تاريخياً ينبغي عدم تضييعه، فالدكتورة سعاد ماهر ترثي وتأسف لحال ضريح (ذي النون المصري) ، حيث
تقول: (والضريح في مكان مهجور خرب وبحالة سيئة للغاية، ومكانه بجوار
مسجد سيدي عقبة بن عامر بجبانة الإمام الليث، وإني أناشد وزارة الأوقاف أن
تعيد بناء ضريح أول صوفي في مصر الإسلامية، بل ومن أبرز متصوفي الرعيل
الأول في العالم الإسلامي كله) [٣٦] .
فكيف بعد هذا كله يستمعون لمن يقول لهم: إن بقاء هذا الكيان عار على
عقيدتهم ودينهم وعقولهم؟
العوامل الاقتصادية:
ونستطيع أن نطلق عليها: المنافع المادية، وهذه المنافع ظهرت مصاحبة لهذا
الداء، فمنذ القدم استعمل الشيعة القبور والأضرحة والعتبات المقدسة وسيلة للتكسب
والعيش، مثل الفاتحة والقصاص، وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد والقبور [٣٧] ،
وعندما راجت هذه التجارة وازدهرت ظهر من يبتكر للناس أصنافاً من هذه
الأضرحة لزيادة دخله، وهذا ما يذكره ابن تيمية ﵀، حيث يقول: (..
حدثني بعض أصحابنا أنه ظهر بشاطئ الفرات رجلان، وكان أحدهما قد اتخذ قبراً
تجبى إليه أموال ممن يزوره وينذر له من الضلال، فعمد الآخر إلى قبر، وزعم
أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف، وجعل فيه من أنواع الطيب ما
ظهرت له رائحة عظيمة) [٣٨] ، واستمرت هذه البضاعة رائجة عند أهل الوهم
والدجل حتى أضحى استمرار تقديس القبور والأضرحة ضماناً لاستمرار تدفق مورد
رزق مهم لكثير من فئات المنتفعين بترويج هذا الداء.
ويقف على رأس هؤلاء المنتفعين: سدنة الأضرحة وخدمها والقائمون عليها،
فقد مثّلت هذه الأضرحة مراكز حضرية جذابة، مما دعا الأهالي إلى (بناء مساكن
حول الأضرحة، وأصبحت الأضرحة بذلك وسط المدن والقرى توحي للسكان
باستمرار هذه العادات.
ومن أهم العادات التي تبعت هذه العادة: تقديم النذور والصدقات، وهو أمر
أثّر في مزيد من الإقبال على العمل في هذه الأضرحة.. [٣٩] ، فصناديق النذور
شكّلت وعاءً استثمارياً مهماً لمروجي الخرافة، و (مما يوضح أهمية هذا المورد
بالنسبة للمجلس الصوفي وكافة الطرق التابعة له أيضا: الموقف الشديد الذي وقفوه
ضد المفتي حين أصدر فتوى شرعية ببطلان النذور شرعاً، واعتبار الباب الثالث
من لائحة الطرق الصوفية الذي يقر ويبيح هذه النذور مخالفاً للشرع والدين ...
وهذا الأمر يدعو البعض لتفسيره بأنه دفاع عن مصالح طبقية أكثر من كونه دفاعاً
عن مبادئ شرعية. ومن الموارد المهمة أيضاً: الصدقات التي كان يمنحها
أصحاب الجاه والقادرون سواء أكان عطاؤها سراً أم جهراً، وسواء أكانت عينية أم
نقدية..) [٤٠] .
ليس ذلك فحسب، بل يضاف إلى ذلك: الموارد الرسمية كالأوقاف التي
كانت توقف على هذه الأضرحة وخدامها وسدنتها، والإعانات المالية والعينية التي
تصرف لهم من وزارتي الأوقاف والشؤون الاجتماعية [٤١] ، وهكذا صار لهذه
الأضرحة (ألوف من السدنة يعيشون في رغد وثراء من ورائها، وكانوا يتوارثون
هذه الوظائف ... ويكفي أن تعلم أن ما كان يصل إلى ضريح الجيلاني في السنة من
أموال الزائرين، يفوق ما كانت تنفقه الدولة العثمانية على الحرمين الشريفين في
السنة الواحدة أضعافاً مضاعفة) [٤٢] .
والأمر لا يقتصر فقط على الأوقاف والصدقات والنذور التي يدفعها المعتقدون
في الأضرحة لدفع الضرر عن أنفسهم أو لشكر نعمة، والتي تمثل المصدر الرئيس
لهذا الدخل، بل يتعداه إلى كل الطرق الموصلة إلى المال بما فيها الاحتيال على
السذج المعتقدين في هذه الأضرحة، فعند تغيير كسوة الضريح وعمامة الولي
يمزقون الكسوة والعمامة القديمتين إلى قصاصات صغيرة، وهنا (تظهر العملية
التجارية غير الرسمية التي يقوم بها خدم المسجد، فيبيعون هذه القصاصات نظير
مبالغ كبيرة) [٤٣] ، وبالطبع يتم ذلك وسط تهافت هؤلاء المعتقدين في الأضرحة
للحصول على أي بركة من (ريحة) الولي.. وربما لأجل مثل هذه النشاطات
وغيرها ذكر الجبرتي عن سدنة الأضرحة أنهم أغنى الناس! [٤٤] .
ويتحدث الدكتور زكريا سليمان بيومي عن أهمية فئة خدام الأضرحة
باعتبارها مركز ثقل دعائي واقتصادي للطرق الصوفية فيقول: ( ... فئة خدام
الأضرحة، التي تشكل أكبر فئة من حيث العدد والأهمية الاجتماعية والاقتصادية
بالنسبة للطرق الصوفية، فهم بمثابة مراكز متناثرة في كل مصر لنثر أساليب هذه
الطرق والدعوة لها، ويروجون للاعتقاد في الأولياء بكل مراتبهم، ويكثرون من
ذكر كراماتهم وخوارقهم، مدفوعين إلى ذلك بدافع الانتماء للطرق من خلال عملهم، وبدافع أساسي وهو أن هذه الأضرحة تمثل مصدر معيشتهم ... وكانت هذه
الأضرحة تستوعب عدداً كبيراً من الخدم، فمن الممكن أن نجد أسرة كاملة تخدم في
ضريح واحد، ولم تكن هذه الوظيفة مقصورة على الفقراء والمحتاجين، بل كانت
لما تدره من دخل كبير مغرية لفئات متعددة؛ فنجد مشايخ طرق كبيرة يسعون لهذه
الوظيفة، بل ويفضلونها أحياناً على مشيخة الطرق..) [٤٥] .
فكيف يهدمون بأيديهم الكيان الذي يغلون من وراء إقامته مصدر دخلهم ورغد
عيشهم؟ لا بد أنهم سينافحون بكل ما يملكون لاستمرار هذا الكيان، إلا من رحمه
الله ولفظ من قلبه حب الدنيا وشهواتها.
ومن المنتفعين باستمرار وجود كيان الأضرحة والقبور: (آلاف من الفقراء
الذين يتعيشون بجوار الأضرحة ويستفيدون من الموالد، وهذا أمر واضح عياناً
بياناً، لاحظه الباحث في كل الأضرحة التي زارها، وخاصة الحسين والسيدة
زينب..) [٤٦] ، ولقد كان الفلاحون يحرصون على المشاركة في الولائم التي
تقام حول الضريح، حيث (يقصدون بها استجلاب البركة) [٤٧] .. كما أن هناك
مئات الأسر التي تتعيش على استمرار الأضرحة من خلال المقاهي والمطاعم
والفنادق وغيرها من الخدمات المنتشرة حول كل ضريح، إضافة إلى السيارات
ووسائل المواصلات التي تغدو وتروح على حساب الزوار [٤٨] .
ومن الموارد المهمة التي ارتبطت بتقديس القبور والأضرحة: ما يجري في
الاحتفالات والموالد التي تقام لهذه الأضرحة التي (اعتبرها رجال الصوفية مواسم
للإرشاد وتعليم الآداب الاجتماعية والدينية، وكمدارس شعبية للوعظ والإرشاد
الديني..) [٤٩] ، ولكنها تحولت إلى بؤر متحركة لنشر المفاسد والانحرافات،
وقد تعددت هذه الموالد وكثرت حتى إنها لم تكن تقام أحياناً (بمناسبة تاريخ وفاة
صاحب الضريح أو مولده، وكان يصادف أحياناً أن تقام في مواسم الحصاد ...
ونادراً ما كان يحدث مولد لشيخين في ليلة واحدة إلا إذا كانت المسافة بينهما بعيدة
حيث كان مشايخ الطرق يحرصون على ترتيب هذه الموالد بحيث يتمكنون من
الانتقال بينها..) [٥٠] ، وقد كانت ليالي الموالد تصل في بعض الأحيان إلى
شهرين ونصف [٥١] ، يصاحبها نشاط وافر لفئام من المنشدين والمداحين
والمشببين الذين يحيون هذه الموالد بشتى أنواع الاحتفالات، ومنها ما يطلقون عليه: (الذكر) ، (وقد اعتاد من يحضر (الذكر) أو يمارسه أو يشاهده خصوصاً في
السرادقات المقامة أمام المسجد من أن يقوم بدفع (النقوط) ، وهي المبالغ التي تدفع
للمنشد لتشجيعه على حسن الأداء، وهي في هذه المناسبة تعتبر تحية لولي الله نفسه، حيث يعتقد بأن هذه النقوط هدية ترد إلى مقدمها من جانب الولي صاحب المولد،
سوف يردها في شكل آخر، فينعم عليه بكثير من الهبات التي تتمثل في زيادة
الدخل ووفرة المحصول وسداد الديون ... ) [٥٢] ، أما النشاطات الأخرى: فـ
(يبدو الجامع كتلة من الأنوار المبهرة، وتنتشر السرادقات حوله في ساحته وفي
المنطقة المحيطة به، وتظل المطاعم والمقاهي تستقبل روادها طوال (٢٤) ساعة،
ومع غروب الشمس ليس هناك موطئ لقدم، ضجيج الميكروفونات يتصاعد من
جميع السرادقات ... روائح البخور والعطارة والشواء تتضوع في الأجواء، شوادر
الحمص والحلوى بأنواعهتا تشارك بالإعلان عن بضاعتها في الضجيج العام، باعة
الشاي على الأرصفة، وباعة المسابح والطراطير الملونة ولعب الأطفال..) [٥٣] .. فهي أنشطة حياتية متكاملة، وهذا ما أكده علي مبارك باشا، فيقول:
(وفي هذه الموالد ما لا يخفى على أحد من المزايا والمنافع، كمنفعة من يكترى منهم
الدواب أو المراكب أو سكة الحديد للمضي إليه والانصراف عنه، ومنفعة من يكون
فيه من الفراشين والطباخين وغيرهم من أرباب الحرف والصناع وأصحاب الدور
التي تكترى والأشياء التي تشترى، ثم ما يكون فيه من سعة التجارة، فإنا نرى
كثيراً من التجار في طنطا وغيرها من سائر مدن مصر يعلقون أداء ديونهم وقضاء
بعض شؤونهم على هذا المولد..) [٥٤] .
وبالطبع: فخلف كل نشاط جمهور من المنتفعين الذين يحرصون على
استمرار هذه الموالد التي تقام حول الأضرحة ضماناً لتدفق مورد رزقهم.
وأخيراً: فإن من العوامل الاقتصادية لاستمرار تقديس القبور والأضرحة:
اهتمام بعض الدول بهذه الأضرحة باعتبار ما تدره الأنشطة المرتبطة بها وحصيلة
صناديق نذورها والأوقاف التي توقف عليها ... أحد الموارد الاقتصادية للدولة التي
بها مثل هذه الأضرحة.
стр. 2919
ملفات
(القبور والأضرحة دراسة وتقويم)
انحرافات القبوريين الداء والدواء
(٢ /٢)
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
في عرضه لسبل معالجة انحرافات القبوريين تطرق الكاتب في الحلقة السابقة
إلى المسلك الدعوي، وأوضح فيه ضرورة أن يُعنى العلماء بتقرير التوحيد وتربية
الأمة على الانقياد للشرع انقياداً والتزاماً، ومخاطبة عقول الناس لبيان تهافت
اعتقادات القبورية، ثم شرع في إيضاح المسلك الثاني، وهو: المسلك العلمي الذي
بين فيه ضرورة إيضاح قواعد الاستدالال عند أهل السنة وأهل البدع، والتنبيه
على أن أدلة اعتقاد أهل السنة هي غالباً من المحكمات بخلاف أهل البدع، ثم بين
تهافت استدلالات القبوريين على انحرافاتهم، ويواصل في هذه الحلقة مقارعة ما
تبقى من دعاويهم، وبيان جوانب أخرى في الموضوع.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
٤- ومن دعاويهم العريضة: احتجاجهم بأن الكثير من المسلمين في القديم
والحديث يبنون على القبور، ويتخذون المشاهد والقباب، ويتحرون الدعاء عندها.
والجواب عن هذه الدعوى من وجوه:
أحدها: أن أكثر هذه المشاهد مكذوبة لا تصح نسبتها إلى أصحابها، وكما
يقول شيخ الإسلام: (وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال إنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح؛ فإن أهل المعرفة يقولون
إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة، وقبر أبيّ بن كعب
الذي في دمشق، اتفق العلماء على أنه كذب) [١] .
ويقول في موضع آخر: (عامة أمر هذه القبور والمشاهد مضطرب مختلق،
لا يكاد يوقف منه على العلم إلا في القليل منها بعد بحث شديد؛ وهذا لأن معرفتها
وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام.. بل قد نهى النبي -صلى الله عليه
وسلم- عما يفعله المبتدعون عندها..) [٢] .
ثانياً: إن البناء على القبور وتحري الدعاء عندها ونحو ذلك من البدع المنكرة
التي حذّر منها الشارع أيما تحذير، كما في قوله ﷺ : (لعن الله
اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذّر ما صنعوا) متفق عليه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (قد كان من قبور أصحاب رسول بالأمصار
عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغاثوا عند قبر
صاحب قط، ولا استسقوا عند قبره ولا به، ولا استنصروا عنده ولا به. ومن
المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا
يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً، بل كانوا ينهون عن ذلك
من كان يفعله من جُهّالهم) [٣] .
ويقول ابن القيم مبيّناً أن صنيع القبوريين مفارق لما كان عليه سلف الأمة:
(هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم [أي: السلف
الصالح] بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة
قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلاً أن يصلّوا عندها، أو يسألوا الله
بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف واحد في
ذلك ... ) [٤] .
يقول العلامة الصنعاني جواباً عن هذه الشبهة: (إن أردت الإنصاف وتركت
متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلاً
بعد جيل وقبيلاً بعد قبيل؛ فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى
في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ينشأ الواحد
فيهم فيجد أهل بلدته يلقنونه: أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له،
ويرحلون إلى محل قبره ... فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا
يسمعون من أحد عليهم من نكير ... ولا يخفى على أحد يعرف بارقة من علم
الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم على وقوع المنكر ليس دليلاً على جواز ذلك
المنكر) [٥] .
ويقول العلامة الشوكاني: (اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم
وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء
عليها من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول ﷺ
لفاعلها، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين) [٦] .
ثالثاً: أن سكوت العلماء عن هذه المظاهر الشركية والبدعية عند المشاهد
والقبور لا يعني الرضا والإقرار، فقد يتعذر عليهم الإنكار باليد وباللسان، ولم يبق
لهم إلا الإنكار بالقلب، لا سيما وهذه المشاهد والقباب قد بناها حكام وسلاطين؛ كما
يقول الصنعاني: (فما كل سكوت رضى؛ فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف
والسنان، ودماء العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلامه،
فكيف يقوى فرد من الأفراد على دفعه عما أراد. فإن هذه القباب والمشاهد أعظم
ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، وغالب
بل كل من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة إما على قريب لهم، أو
على من يحسنون الظن فيه ... ) [٧] .
ومن هذا القبيل ما يحتج به القبوريون بأن قبر النبي ﷺ
قد ضُمّن المسجد النبوي دون نكير، ولو كان ذلك حراماً لم يدفن فيه، كما يحتجون
بوجود القبة على قبره ﵌.
والجواب: أن النبي ﷺ دفن في حجرة عائشة رضي الله
عنها شرقي المسجد، فلم يدفن في المسجد، والأنبياء يدفنون حيث يموتون كما
جاءت بذلك الأحاديث.
كما أن الصحابة ﵃ دفنوه في حجرة عائشة كي لا يتمكن أحد
بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً؛ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: قال
رسول ﷺ في مرضه الذي مات فيه: (لعن الله اليهود
والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: فلولا ذلك أُبرِزَ قبره غير أنه خشي
أن يتخذ مسجداً) أخرجه البخاري ومسلم.
وأمر آخر وهو أن الحجرة النبوية إنما أُدخلت في المسجد في خلافة الوليد بن
عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة [٨] ؛ حيث أمر الوليد بن
عبد الملك سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجر أزواج النبي -صلى
الله عليه وسلم- إليه على سبيل التوسعة، فأدخل فيه الحجرةَ النبويةَ حجرةَ عائشة،
فصار القبر بذلك في المسجد [٩] .
فلا يصح الاحتجاج بما وقع بعد الصحابة؛ لأنه مخالف للأحاديث الثابتة وما
فهمه سلف الأمة، وقد أخطأ الوليد في إدخاله الحجرة النبوية ضمن المسجد، وكان
باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة النبوية [١٠] .
وأما دعوى عدم الإنكار فهذه دعوى بلا دليل، وعدم العلم ليس علماً بالعدم،
وسكوت العلماء لا يعني الرضا والإقرار؛ كما سبق الإشارة إليه آنفاً؛ لا سيما وأن
الذي أدخل القبر النبوي ضمن المسجد خليفة ذو شوكة وسلطان وهو الوليد بن عبد
الملك وكذا الذي اتخذ القبة هو السلطان قلاوون.
ومع ذلك فإن المعوّل عليه هو الدليل والبرهان وليس واقع الناس وحالهم.
والله المستعان.
ومما يبين تهافت هذه الدعوى: ما نقل عن علماء أنكروا هذا الصنيع وحذّروا
منه.
فيحكى عن سعيد بن المسيب ﵀: أنه أنكر إدخال حجرة عائشة في
المسجد، كأنه خشي أن يتخذ مسجداً [١١] .
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى إنكار هذه القبة؛ حيث قال: (ثم بعد ذلك
بسنين متعددة بنيت القبة على السقف، وأنكره من كرهه) [١٢] .
يقول العلاّمة حسين بن مهدي النعمي في الرد على هذه الدعوى: (قوله [أي
المخالف] : ومن المعلوم أنه ﷺ له قبة، وأولياء المدينة وأولياء
سائر البلدان.
أقول: الأمر كذلك؛ فكان ماذا؟ بعد أن حذر ﷺ وأنذر
وبرأ جانبه المقدس الأطهر ﷺ ، فصنعتم له ما نهى عنه، أفلا
كان هذا كافياً لكم عن أن تجعلوا أيضاً مخالفتكم عن أمره حجة عليه وتقدماً بين يديه! فهل أشار بشيء من هذا أو رضيه أو لم ينه عنه؟) [١٣] .
وقال العلاّمة الصنعاني في الجواب عن هذه الشبهة: (فإن قلت: هذا قبر
رسول الله قد عمرت عليه قبة عظيمة، أنفقت فيها الأموال. قلت: هذا جهل عظيم
بحقيقة الحال: فإن هذه القبة ليس بناؤها منه، ولا من الصحابة، ولا من تابعيهم،
ولا تابعي التابعين، ولا من علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على
قبره ﷺ ، من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو
قلاوون الصالحي المعروف بالملك المنصور في سنة ٦٧٨هـ، ذكره في تحقيق
النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة، فهذه أمور دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخر
الأول) [١٤] .
ويُذكر أن الإخوان ﵏ قد هموا في زمن الملك عبد العزيز بن
عبد الرحمن آل سعود ﵀ عند دخولهم المدينة المنورة أن يزيلوا هذه القبة، ولكنهم خشوا من قيام فتنة أعظم من إزالة القبة [١٥] .
ج - المسلك الاحتسابي: وهذا مسلك يقوم به أصحاب الحسبة، الآمرون
بالمعروف والناهون عن المنكر، لاسيما أصحاب النفوذ والسلطة والشوكة.
ويتمثل هذا المسلك في أمرين:
أحدهما: أن يسعى إلى هدم هذه القباب ونقضها وإزالتها، امتثالاً للوصية
النبوية واتباعاً لسلف الأمة.
فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: (ألا أبعثك على ما
بعثني عليه رسول؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) .
أخرجه مسلم.
ولما ذكر ابن القيم هدم مسجد الضرار وتحريقه، قال: ففي هذا دليل على
هدم ما هو أعظم فساداً منه، كالمساجد المبنية على القبور، فإن حكم الإسلام فيها
أن تهدّم كلها حتى تسوّى بالأرض، وهي أوْلى بالهدم من مسجد الضرار، وكذلك
القباب التي على القبور، يجب أن تهدم كلها؛ لأنها أسست على معصية الرسول؛
لأنه قد نهى عن البناء على القبور.. فبناءٌ أسس على معصيته ومخالفته بناء غير
محترم) [١٦] .
ومن الأمثلة على هذا المسلك الاحتسابي ما فعله الحارث بن مسكين ﵀
(ت ٢٥٠هـ) عندما هدم مسجداً كان قد بني بين القبور [١٧] .
قال ابن كثير في حوادث سنة ٢٣٦هـ: (فيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن
علي بن أبي طالب، وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس: من وجد
هنا بعد ثلاثة أيام ذهبنا به إلى المطبق (السجن [] ١٨ [.
وقال أبو شامة (ت ٦٦٥هـ) : (ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق
الجبينأني أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح
أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدّب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية
كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذّر عليها نكاح أو ولد قالت:
امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فإنا في السحر ذات
ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذّن الصبح
عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتُها لك فلا ترفع لها رأساً، قال: (فما رُفِعَ لها رأس
إلى الآن) ] ١٩ [.
وذكر ابن غنام في تاريخه ما فعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مع
عثمان بن معمر من هدم القباب وأبنية القبور فقال: (فخرج الشيخ محمد بن الوهاب
ومعه عثمان بن معمر وكثير من جماعتهم إلى الأماكن التي فيها الأشجار التي
يعظمها عامة الناس والقباب وأبنية القبور، فقطعوا الأشجار وهدموا المشاهد
والقبور، وعدلوها على السنة، وكان الشيخ هو الذي هدم قبة زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه) ] ٢٠ [.
ومما يجدر التنبيه عليه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد سلك هذا المسلك
الاحتسابي العملي لما كان عنده من شوكة وقوة، ولكنه كان في أول أمره قد سلك
مسلك الدعوة برفق ولين كما قال تلميذه وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن
محمد بن عبد الوهاب ﵏: (كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه
الله في ابتداء دعوته، فإذا سمعهم يدعون زيد ابن الخطاب ﵁ قال:
(الله خير من زيد) تمريناً لهم على نفي الشرك بلين الكلام، نظراً إلى المصلحة
وعدم النفرة) ] ٢١ [.
ويذكر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ما فعلوه أثناء دخولهم مكة
شرّفها الله سنة ١٢١٨هـ فكان مما قاله: (فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يُعبد
بالتعظيم والاعتقاد فيه، ورجاء النفع، ودفع الضر بسببه مع جميع البناء على
القبور وغيرها، حتى لم يبق في البقعة المطهرة طاغوت يُعبد؛ فالحمد لله على
ذلك) ] ٢٢ [.
ومما سطره المؤرخ ابن بشر عن بعض الأعمال التي قام بها الأمير سعود بن
عبد العزيز ﵀ ما يلي:
ففي حوادث سنة ١٢١٦هـ حين توجه سعود بالجيوش إلى كربلاء، فهدم
القبة الموضوعة على قبر الحسين) ] ٢٣ [.
ويقول أيضاً: (وفي حوادث سنة ١٢١٧هـ حين دخل سعود مكة وطاف
وسعى، فرّق جيوشه يهدمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشركية،
وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها، وأعلاها، ووسطها، وبيوتها) .
فأقام فيها أكثر من عشرين يوماً، ولبث المسلمون في تلك القباب بضعة عشر
يوماً يهدمون، يباكرون إلى هدمها كل يوم، وللواحد الأحد يتقربون، حتى لم يبق
في مكة شيء من تلك المشاهد والقباب إلا أعدموها، وجعلوها تراباً) ] ٢٤ [.
وفي سنة ١٣٤٣هـ قام أتباع الدعوة السلفية بهدم القباب والأبنية على القبور
بمكة، مثل القبة المبنية على قبر أم المؤمنين خديجة ﵂.
وقام الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في جنوب الجزيرة العربية بهدم قبة في
الساحل بمشاركة بعض زملائه، وبقايا قبة على قبر الشريف حمود المكرمي في
سامطة] ٢٥ [.
ويقول الشيخ الألباني: (ومن تلك الأشجار شجرة كنت رأيتها من عشر سنين
شرقي مقبرة شهداء أحد، خارج سورها، وعليها خرق كثيرة، ثم رأيتها سنة
١٣٧١هـ قد استأصلت من أصلها، والحمد لله، وحمى المسلمين من شر غيرها
من الشجر وغيره من الطواغيت التي تعبد من دون الله تعالى) ] ٢٦ [.
الأمر الثاني: أن يسعى إلى فضح وكشف مكائد أرباب القبور وسدنتها،
وبيان حقيقة هؤلاء الدجالين الملبسين، وما هم عليه من الفجور والولوغ في
الفواحش، وأكل أموال الناس بالباطل، وأنهم خونة وعملاء للاستعمار وأذنابه.
وقد كشف أهل العلم حقائق مخزية وأحوالاً فاضحة لأولئك السدنة المضلين
وأتباعهم، وما يرتكبونه من انخلاع عن شرائع الله تعالى، وولع بالفجور
والقاذورات.
يقول العلاّمة النعمي حاكياً بعض أوضاعهم: (ومن ذلك أن رجلاً سأل من فيه
مسكة عقل، فقال: كيف رأيتَ الجمع لزيارة الشيخ؟ فأجابه: لم أرَ أكثر منه إلا
في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الأيام
فريضة.
فقال السائل: قد تحمّلها عنهم الشيخ.
قلت] النعمي [: وباب (قد تحمّل عنهم الشيخ) مصراعاه ما بين بصرى وعدن، قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد
والمشهد) ] ٢٧ [.
ومما سوّده المؤرخ الجبرتي في شأن مشهد عبد الوهاب العفيفي (ت ١١٧٢هـ)
وما يحصل عنده من أنواع الفسوق والفجور ما يلي: (ثم إنهم ابتدعوا له موسماً
وعيداً في كل سنة يدعون إليه الناس من البلاد، فينصبون خياماً كثيرة ومطابخ
وقهاوي، ويجتمع العالم الأكبر من أخلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحي
الأرياف وأرباب الملاهي والبغايا، فيملؤون الصحراء، فيطؤون القبور ويوقدون
عليها النيران، ويصبون عليها القاذورات ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون
ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلاً ونهاراً، ويستمر ذلك نحو
عشرة أيام أو أكثر) ] ٢٨ [.
وتحدث الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن مفاسد
عُبّاد القبور، فكان مما قاله: (ومنها: ما يقع ويجري في هذه الاجتماعات من
الفجور والفواحش، وترك الصلوات وفعل الخلاعات التي هي في الحقيقة خلع
لربقة الدين والتكليف، ومشابهة لما يقع في أعياد النصارى والصابئة والإفرنج
ببلاد فرنسا وغيرها من الفجور والطبول والزمور والخمور) ] ٢٩ [.
ويصف الشيخ عبد الرحمن الوكيل أحوال عبّاد القبور من الصوفية وغيرهم
ويشير إلى جملة من صور الكفر والفجور في تلك المشاهد والموالد، فيقول: (وسلِ
الآمّين تلك الموالد عن عربدة الشيطان في باحاتها، وعن الإثم المهتوك في حاناتها، وعن حمم الشهوات التي تتفجر تحت سود ليلاتها.. فما ينقضي في مصر أسبوع
إلا وتحشد الصوفية أساطير شركها، وعبّاد أوثانها عند مقبرة يسبّحون بحمد جيفتها، ويسجدون أذلاء لرمتها، ويقترفون خطايا المجوسية في حمأتها، ويحتسون آثام
الخمر و (الحشيش) ، والأجساد التي طرحها الإثم على الإثم فجوراً ومعصية،
ويسمونها موالد، أو مواسم عبر وذكريات خوالد ... ) ] ٣٠ [.
وسرد الكاتب أحمد منصور أقوال المؤرخين في الانحلال الخلقي عند مشهد
الإنبابي.. وأن فيه من الفساد ما لا يوصف، حتى إن الناس وجدوا حول هذا
المشهد أكثر من ألف جرة خمر فارغة، وأما ما حكي من الزنا واللواط فكثير لا
يحصى.. حتى أرسل الله تعالى عليهم ريحاً في تلك الليلة كادت تقتلع الأرض بمن
عليها ... ] ٣١ [.
وأمعن عبّاد القبور في أكل أموال الناس بالباطل، وارتكبوا أنواع الأكاذيب
والدجل في سبيل نهب أموال العامة وممتلكاتهم.
وقد حكى العلامة الشوكاني هذه الحالة فقال: (وربما يقف جماعة من
المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم
النذور، ويستدروا منهم الأرزاق ويقنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما
يعود عليهم وعلى من يعولون ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً ... ) ] ٣٢ [.
وصندوق النذور عند ضريح البدوي في مصر يستقطع من الدهماء ملايين
الجنيهات، وللحكومة ٣٩% من هذه الأموال! ! وسائر الأموال لسدنة الضريح
والعاملين عليه! ! وحسبك أن تعلم أن ما يناله خادم الضريح من هذه الأموال أكثر
مما يناله كبار الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات ... ومع ذلك لم يقف طمع
أولئك السدنة وشرههم عند هذا الحد، بل ويعمدون إلى التلاعب والتزوير في هذا
الصندوق من أجل مزيد من الأموال] ٣٣ [.
وأما الحديث عن خيانتهم وعمالتهم للاستعمار، فنكتفي بهذا المثال وهو أن
فرنسياً أسلم وتنسّك وصار إماماً لمسجد كبير في القيروان بتونس، فلما اقترب
الجنود الفرنسيون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن يستشير
لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل الضريح ثم خرج مهولاً لهم بما
سينالهم من المصائب، وقال لهم بأن الشيخ ينصحكم بالتسليم، فاتبع أولئك البسطاء
قوله واستسلموا لعدوهم] ٣٤ [.
стр. 2920
ملفات
(القبور والأضرحة دراسة وتقويم)
دوافع تقديس القبور والأضرحة وآثارها
(٢/٢)
أفيون الشعوب الإسلامية
(النتائج والآثار)
خالد أبو الفتوح
عندما أطلق (ماركس) عبارته الشهيرة (الدين أفيون الشعوب) لاقت رواجاً
بين كثير من الشعوب الأوروبية؛ حيث كانت تتلطخ في أوحال النصرانية المحرفة
المشبعة بالوثنية الرومانية والفلسفة الإغريقية التي آلت إلى طغيان كنسي شامل
سيطر على عقول الناس وأرواحهم وأموالهم ونظم حياتهم، صاحبه فساد خلقي
واسع لرجال الكنيسة واستعباد لأتباعهم وصل إلى حد توزيع قسائم حجوزات في
الجنة (صكوك غفران) مقابل أموال يدفعها الراغبون، مستغلين في ذلك شيوع
الخرافة والدجل بين هذه الشعوب.
وجدت مقولة (ماركس) رواجاً بين هذه الشعوب التي أرادت أن تنعتق من
طاغوت الكنيسة، فكفرت بما ينبغي الكفر به، ولكنها - بدلاً من الإيمان الصحيح
بالله - انتقلت إلى عبادة طاغوت جديد قديم شعاره: تقديس المادة والعقل.
وما كان للإسلام أن تطوله هذه الشطحات أو تلك الخزعبلات، فهو من جهة
يعلي قيمة التفكر والتدبر ويراعي الحاجات الطبيعية التي غرزها الله في بني
الإنسان والتي تمثل عوامل الدفع للاستخلاف في الأرض وعمارتها، ومن جهة
أخرى: فإن العروة الوثقى في دين الله تعني بكل وضوح: الإيمان بالله والدخول
في عبوديته وحده لا شريك له، وذلك لا يتم إلا بالخروج من عبادة كل مخلوق أو
الخضوع له، حياً كان أو ميتاً، تقياً كان أو فاجراً، عظيماً أو حقيراً، غنياً أو
فقيراً.. [فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ
لَهَا واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [البقرة: ٢٥٦] : (جئنا لنخرج من شاء الله من العباد من
عبادة العباد (كل العباد) إلى عبادة رب العباد) .
وعلى الرغم من وضوح هذه القيم في النصوص الشرعية وممارسات الرعيل
الأول وأتباعهم، إلا أنه في غفلة من أهل الإسلام تسلل رويداً رويداً انحراف
عقدي وشذوذ فكري أخذ ينخر في جسد الأمة، فعشش في عقول كثير من أبنائها
وتربع على قلوبهم حتى أفرخ وثنية سافرة حيناً ومستترة أحياناً.. أعني بذلك: داء
تقديس القبور والأضرحة والمزارات! ، ذلك الداء الذي فعل في أمة الإسلام - أو
كاد - ما فعلته خرافات الكنيسة وطغيانها بأمة النصارى.. أفيون اجتماعي مدمر
للشعوب تماثل آثاره أفيون المخدرات المدمر للأفراد مع تغييبهم وتخديرهم - إن لم
تزد عليها -..
فما هو حصاد السنين من نتائج وآثار تقديس القبور والأضرحة؟
أصل الانحرافات وأخطرها:
من الصعب على الباحث أن يحصر آثار تقديس القبور والأضرحة، ولكن
هناك آثاراً يمكن إبرازها، لخطورتها، ولكونها تعتبر أمهات لانحرافات أخرى
نتجت عن هذا الداء، ويقف على رأس هذه الآثار: أظلم الظلم: الشرك بالله -
تعالى -، فالراصد لأحوال القبوريين يلحظ بوضوح انتشار الشرك بينهم بجميع
أنواعه وصوره ودرجاته.. شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، وشرك في
الأسماء والصفات.. شرك أكبر، وشرك أصغر ... وما أدراك ما يحدثه الشرك من
آثار نفسية واجتماعية على الفرد والمجتمع!
فمن شرك الربوبية ظهر واضحاً اعتقاد القبوريين في الأضرحة وأصحابها:
أنهم يسمعون ويبصرون ويجيبون من يتوجه إليهم، وأنهم يعلمون الغيب الذي لا
يعلمه إلا الله، وأن لهم قدرة في التصرف والتأثير في الكون بما ليس في طاقة
البشر: كالخلق والإفناء، والإحياء والإماتة، وشفاء الأمراض، والنفع والضر،
والعطاء والمنع، والإغناء والإفقار، وتحويل الأشياء عن حقيقتها ...
كما زعم القبوريون أن في الأضرحة وأصحابها القدرة على الرفع والوضع
في الدنيا والآخرة، وتفريج الكربات، وقضاء الحاجات، ومحو الذنوب وغفرانها..
وبناءً على هذا التصور المنحرف في الربوبية نشأ شرك الألوهية، حيث
توجه القبوريون إلى الأضرحة وأصحابها بالعبادات والتقربات التي لا يصح صرفها
إلا لله ، ففضلاً عن تبركهم بها على وجه غير مشروع وجعلهم إياها
عيداً ومنسكاً حتى إنهم ليحجون إليها ... فإنهم عظموها كما لو كانوا يعظمون الله -
سبحانه -، فاقسموا بها، واستشفوا، واستنصروا، ولاذوا.. وأيضا: فإنهم
دعوها، واستغاثوا بها، وذبحوا لها، ونذروا، وطافوا حولها، وسيّبوا لها
السوائب، وساقوا إليها الهدي ...
فإذا بدأنا بأقل الصور الشركية، وهو ما يحتمل أن يكون ذريعة إلى الشرك أو
يكون شركاً أكبر نجد أن التبرك بالقبور والأضرحة من أبرز هذه الصور؛ فلقد
اعتاد القبوريون على (أنهم بزيارتهم لهذه الأضرحة ستأتيهم البركة ويشفون من
مرضهم أو يفكون عقم نسلهم ... وكانوا يَمَسُّون عمامة صاحب الضريح - بعد
الولائم - أملاً في شفاء أوجاع الرأس، ويَمَسّون قفطانه للعلاج من الحمى، ولحس
الحجر لفك عسر اللسان، وتقديم العرائض طلباً لرفع الظلم، وتمسح النساء في
الضريح أملاً في إنجاب الذكور..) [١] ، ولم يستحي القبوريون في طلبهم المنهوم
للبركة المزعومة أن يستسيغوا المعاشرة الزوجية في هذه الأضرحة، فهذا الشعراني
صاحب أكبر سجل لخرافات القبوريين يذكر من (كرامات) البدوي أنه دعاه إلى
فض بكارة زوجته فوق قبة قبره (فكان الأمر!) [٢] ، وفي السودان (وصل الأمر- في العصر الحاضر- عند بعض الرجال المخرفين إلى مجامعة زوجاتهم عند
أضرحة الأولياء، بدعوى نيل البركة) [٣] .
وبالطبع فإن هذا التبرك يفتح باب الرقى والتمائم الشركية على مصراعيه.
من الأصغر إلى الاكبر:
فإذا ما تركنا التبرك وقصدنا بيان الشرك الصريح في أقوال المعتقدين في
الأضرحة وأفعالهم، فإننا نكاد ألا نستطيع الفصل بين أنواع الشرك في هذه
الممارسات؛ فالشرك في الربوبية مصاحب للشرك في الأسماء والصفات، وينبني
عليه باعتباره نتيجة حتمية: الشرك في الألوهية.. وإليك بعض نماذج لهذا الشرك
أو ذاك:
من النماذج الصارخة التي تحوي أنواع الشرك كله (ربوبية - وألوهية -
وأسماء وصفات) ما أورده أبوبكر العراقي عن أحد القبوريين (وهو إمام وخطيب
في أحد مساجد ديالى المهمة، يقول: دعوت الله ست سنوات أن يرزقني الولد فلم
أرزق، وذهبت إلى شيخي مصطفى النقشبندي في أربيل فما أن استغثت به وطلبت
منه الولد حتى رزقت بطفلين توأمين!) [٤] تعالى الله عما يقول الظالمون علواً
كبيراً.
فهذا (الإمام) أشرك في الربوبية لاعتقاده أن لشيخه النقشبندي القدرة على
التصرف والتأثير في الكون بالنفع والعطاء من دون الله، ومن ثم فإنه: أشرك في
أسماء الله الحسنى: النافع الضار، والوهاب، والرزاق.. وأشرك في الألوهية
لصرفه عبادة لغير الله؛ وذلك بدعائه لشيخه النقشبندي أن يرزقه الذرية.
فالانحراف في توحيد الربوبية عند القبوريين يتبعه دوماً انحراف في توحيد الألوهية، وإليك إيضاحاً آخر:
يقول عرفة عبده علي: (وقد احتشدت مؤلفات مناقب السيد البدوي بكرامات
أسطورية غريبة لا تحصى، منها - على سبيل المثال -: إحياء الموتى، وانقاذ
الأسرى في بلاد الفرنجة، وقوله للشيء كن فيكون بإذن الله!) ..
فماذا ترتب على هذا الاعتقاد في البدوي؟ .. يقول الكاتب نفسه: (وكثير
من أتباعه يجعلونه في منزلة أسمى من مرتبة الأنبياء! [٥] .. فما هذه المنزلة؟
استمع إلى شهادة أحد العلماء: فقد رأى الشيخ رشيد رضا جماعة من هؤلاء
القبوريين) تطوف حول قبر السيد البدوي، الذي تحول إلى كعبة ثانية، وكانت
هذه الجماعة تطلب من السيد، لما شاع بينها من القصص والحكايات حول مقدرته
العجيبة في قضاء الحوائج [٦] ، فإذا كان ذلك في أحد القبور، فهل يختلف الحال في الأضرحة الأخرى؟
تفشى الداء:
إذا شملنا واقع الأضرحة بنظرة عامة وجدنا أن الطقوس التي يمارسها
المعتقدون في القبور تعدت إلى كثير
من الصور التي تجسد أنواع الشرك بدرجاته المختلفة، وهذا هو واقع
القبوريين:
* فبالأضرحة والقبور أقسموا: يقول الإمام الصنعاني: ( ... ويقسمون
بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله - تعالى - لم يقبلوا منه، فإذا حلف
باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه) [٧] ( ... ولن يصدق أحد من الحالف إلا إذا
حلف بواحد منهم، وهذا كان شيئاً طبيعياً كنا نراه في القرى ونحن صغار، ولا
زال يجري للآن) [٨] .
وهذا الانحراف العقدي أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله - تعالى -: العظيم [*] ، والرقيب، والشهيد، والعليم ...
* وبها لاذوا واحتموا: فكما جعل الله - سبحانه - البيت الحرام ملاذاً من
دخله كان آمناً، جعل سدنة الأضرحة (تلك الأضرحة الوثنية حرماً آمناً يهرع إليها
المجرمون والفارون، ويلجأ إليها الخائفون، ليأمنوا في رحابها، ويستريحوا في
ظلالها، ... وكثيراً ما عفي عن اللائذين بالأضرحة من المجرمين إكراماً للمدفونين
أو خشية ورهبة من انتقامهم وبأسهم) [٩] .
وقد يدخل ذلك في الإلحاد في أسمائه - تعالى -: الكافي، والولي، والنصير، والعزيز ...
* واليها توجهوا بالطلب والدعاء: وهذه بدأت بأن (بث بعض المتصوفة
فكرة أن الدعاء عند قبور الأولياء والصالحين مستجاب) ، وانتهت بأن (أخذ العوام
يطوفون بقبور الصالحين، يستعينون بهم، ويخاطبونهم، ويستنهضون هممهم
بالصياح والصراخ) [١٠] ، حتى أصبح الواقع (أن الناس قد أكثروا من دعاء غير
الله - تعالى - من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدي فلان،
أغثني..) [١١] .
ولا شك أن من الدعاء: الاستغاثة والاستعانة: ومن المفارقات أن تلك العبادة
تتجلى واضحة عند القبوريين في المواطن التي كان المشركون يخلصون فيها الدعاء
لله وحده؛ لأنهم يعلمون أن آلهتهم لا تجيبهم ولا تنفعهم في تلك المواطن، ويحكي
محمد السنوسي أنه (حين كان راكباً في البحر، وهاجت الرياح، وتلاطمت
الأمواج حتى كادت السفينة أن تغرق، أخذ يستجير-كما يقول- بكل ما يستحضره
من الأولياء كي يكشفوا كربته!) [١٢] ، وليس هذا حالة خاصة، بل إن (من
المشاهد اليوم أن كثيراً من الناس يستغيثون بالمشائخ والأنبياء والأئمة والشهداء [١٣] .
فأمثال تلك المشاهدات المستقاة من الواقع الشركي للقبوريين دعت كثيراً من
العلماء إلى التصريح بأن شرك الأولين من عباد الأصنام أخف وطأة من شرك
القبوريين، وذلك من عدة وجوه بينوها في كتبهم [١٤] .
ومن الدعاء أيضا: الاستشفاء، ولعلنا نوضح هذا الجانب لاحقاً عند الحديث
عن الآثار الاجتماعية للاعتقاد في القبور والأضرحة.
ولا شك أن هذا الانحراف في الدعاء أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله -
تعالى - الحسنى، ومنها:
السميع، المجيب، المعطي، الرزاق، القادر، النافع , الضار، النصير،
العليم، الشافي ...
* ولها ذبحوا ونذروا: وهذه أيضاً من الشعائر اللازمة للاعتقاد في القبور
والأضرحة، فالرعاة في شرقي الأردن يطوفون بالأغنام حول مقام النبي يوشع)
في أزمان الأوبئة ويختارون خير النعاج، ويصعدونها إلى سطح المقام وينحرونها
فيسيل دمها على عتبته [١٥] ، فـ (غاية الزيارات لمقامات الأولياء هي تقديم
الذبائح) [١٦] .
وكثيراً ما يقترن الذبح بالنذر، ولا شك أن الذبح والنذر (سواء أكان ذبحاً، أو ...
إهداء زيت، أو إعطاء نقود..) من العبادات التي لا تجوز إلا لله - تعالى -،
لذلك يقول الإمام الصنعاني ﵀: (والنذر بالمال على الميت ونحوه،
والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله
الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه
ولياً وقبراً ومشهداً.
والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن
من شرب الخمر وسماها ماءً , ما شرب إلا خمراً ... ) [١٧] .
ابحث عن الضريح! :
وكل ذلك لا يخص ضريحاً دون آخر، بل هو عام في جميع الأضرحة
المقصودة بالتوجه والاعتقادت فحيثما كان ضريح يعتقد فيه؛ كان الشرك بجميع
صوره وأنواعه ودرجاته؛ فهذا قبر ابن عربي بدمشق، يحكي عبد الله بن محمد بن
خميس مشاهداته عنده، فيقول: (لقد ذهبت إلى قبر ابن عربي في دمشق فوجدت
فئاماً من الناس يغدون إليه ويروحون.. وجدتهم يطوفون حوله، ويتوسلون به،
ويعلنون دعاءهم له من دون الله. وجدت المرأة تضع خدها على شباك الضريح
وتمرغه وتنادي: اغثني يا محيي الدين. وجدت الصبايا البريئات يجئن إليه،
ويمددن أمامه الأكف، ويمسحن الوجوه، ويخشعن، ويتضرعن) [١٨] ..
باختصار: عند قبر ابى عربي في دمشق يمارس القبوريون شتى ألوان الشرك
الأكبر) [١٩] .
وفي الهند: أصبح قبر الشيخ بهاء الدين زكريا الملتاني (مرجع الخلائق في
العصر الأخير، ويطوفون حوله، ويعملون ويصنعون على قبره جميع الأعمال
اللائقة بالمعبود، كالسجود، والنذور، وما أشبه ذلك.. وضريح الشيخ علي
الهجوري في لاهور في باكستان، وهو من القبور العظيمة، والناس يزورونه كل
سنة، بل كل يوم، ويطوفون حوله، ويسجدون له، ويقدمون النذور، ويستغيثون
به، ويطلبون العون والمدد) [٢٠] ، و (عند القبر المنسوب إلى هود في
حضرموت يحدث من الشرك الأكبر ما يعجز القلم عن وصفه، شأنه في ذلك شأن
كل الأضرحة في البلاد الأخرى. وقد بولغ في تقديس هذا الضريح، فتراهم
يشدون الرحال لزيارته وعندهم شيء من بقايا الشعور الوثني الذي كان يشعر به
العرب للات والعرى، يستعينون به ويتوجهون إليه، ويولون وجوههم شطره
لقضاء الحاجات، واستنزال البركات، ودفع الكربات) [٢١] .
بل لقد اعترف أحد كبار منظِّري القبورية وهو الشيخ أحمد بن محمد بن
الصديق الغماري بوجود الشرك الأكبر والكفر الصراح في القبورية، فقال: (إن
كثيراً من العوام بالمغرب ينطقون بما هو كفر في حق الشيخ عبد القادر الجيلاني،
وكذلك نرى بعضهم يفعل ذلك مع من يعتقده من الأحياء، فيسجد له، ويقبل
الأرض بين يديه في حال سجوده، ويطلب منه في تلك الحال الشفاء والغنى
والذرية، ونحو ذلك مما لا يطلب إلا من الله - تعالى - وإن عندنا بالمغرب من
يقول في ابن مشيش: إنه الذي خلق الابن والدنيا، ومنهم من قال - والمطر نازل
بشدة -: يا مولانا عبد السلام، الطف بعبادك! . فهذا كفر) [٢٢] .
بين الفرد والمجتمع:
كان هذا عرضاً لأهم صور الشرك، الذي هو أخطر مساوئ الاعتقاد في
القبور والأضرحة على دين الإنسان ودنياه، فهو يناقض أساس الاسلام ويهدم الركن
الأول منه، كما أنه يحمل في طياته مما يحمل: (التمزق النفسي والتفكير الخرافي , فإذا أمعنا النظر إلى أثر هذا الشرك في المجتمعات وجدنا آثاراً لا يستهان بسوئها، اقترنت بهذه المظاهر الشركية، ومنها:
شرك في التوحيد وشرك فى التشريع:
لا شك أن التشريع مرتبط بالتأله والتعبد، فهو أحد أقسام التوحيد، لذا: رأينا
دائماً أن الانحراف في توحيد العبادة والنسك يصاحبه انحراف في توحيد التشريع
والتحاكم،) فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه:
[ولا يشرك في حكمه أحدا] [الكهف: ٢٦] ... وقال في الإشراك به في عبادته:
[فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً]
[الكهف: ١١٠] فالأمران سواء كما ترى إيضاحه) [٢٣] ، وعلى هذا (يرتبط التحليل والتحريم (التشريع) بالمعبود ارتباطاً وثيقاً، حتى لقد توافقت وتزامنت دعوة العرب للشرك بالله في عبادته وتغيير دين إبراهيم ﵇، مع إدخال تشريعات لم يأذن بها الله، بل أمر بها الطواغيت، فعمرو بن لحي الذي كان أول من غير دين إبراهيم ﵇ وأدخل عبادة الأصنام في العرب، كان هو نفسه أول من سيَّب السوائب وشرع لهم الشرائع الجاهلية في الأنعام
وغيرها) [٢٤] .
وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا: [وأكثرهم لا يعقلون]
[المائدة: ١٠٣] ، أنهم يفترون على الله الكذب بتحريم ما حرموا على أنفسهم، وأن ذلك من أعمال الكفر به، بل يظنون أنهم يتقربون إليه ولو بالواسطة، لأن آلهتهم التي يسيبون باسمها السوائب.. ليست بزعمهم إلا وسائط بينهم وبين الله - تعالى -.. وهكذا شأن كل مبتدع في الدين بتحريم طعام أو غيره، وتسييب عجل للسيد البدوي أو سواه) [٢٥] .
وتعدى أمر التشريع عند القبوريين تسييب عجل للضريح، إلى التلاعب في
بعض العبادات المفروضة، ويمثل الحج أبرز مثال لهذا التلاعب، الذي بدأ بسن
آداب وطقوس معينة لزيارة تلك الأضرحة، (فالزيارة ليست مجرد مرور عابر،
ويجب أن تؤخذ بمعناها الدقيق، فعملية الاستقبال داخل الضريح هي لقاء بين الولي
(الداعي) والزائر (الضيف) [٢٦] ، لذلك لم يقتصر القبوريون) .. على إقامة
المباني والأضرحة عليها فحسب، بل صنعوا في آداب زيارتها وترتيبها المصنفات
الطوال، منها: كتاب شمس الدين محمد بن الزيات المعروف (الكواكب السيارة في
ترتيب الزيارة) [٢٧] .
ومن (آداب للزيارة) إلى (مناسك للحج) ، فقد (آل الأمر بهؤلاء الضلال
المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا له مناسك، حتى صنف بعض
غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه: (مناسك حج المشاهد) مضاهاة منه بالقبور للبيت
الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عُبَّاد
الأصنام) [٢٨] .
ولم يكتفوا بتصنيف الكتب في ذلك، بل أشاعوا ذلك التشريع في جمهورهم،
فالدكتور عبد الكريم دهينة يذكر عن قريته التي بها أكثر من ثلاثين ضريحاً تقام لها
موالد ونذور ونسك، أنه (قد أفتى بعضُ الفسقة بأن الحج ينفع إليهم) [٢٩] ، كما
(أن شطراً من العامة في صعيد مصر يرى أن الطواف سبع مرات بقبر الشيخ
القناوي بقنا.. فيه غناء عن أداء الحج إلى بيت الله الحرام..) [٣٠] .
وعلى ذلك فليس بمستغرب أن يقول السخاوي: (جاء الحُجاج هذه السنة
لسيدي أحمد البدوي من الشام وحلب ومكة، أكثر من حجاج الحرمين!) [٣١] .
فهذا باب من التشريع، وهو أثر من آثار الإلحاد في أسماء الله الحسنى:
الحكيم، والحكم، والعليم، والعزيز، والملك، والعظيم ...
وكل ذلك أدى إلى الاستهانة بأوامر الله ، واستبدالها بتعظيم
شعائر الأضرحة وأوامر سدنتها، وبذا كانت القبورية أحد الأسباب التي هيأت
شعوب العالم الإسلامي لقبول العلمانية الوافدة وتشريع ما لم يأذن به الله.
شرك في التوحيد، ونكوص عن مجاهدة الأعداء:
ولست هنا بصدد تقييم علاقة أهل التصوف بمقاومة الأعداء - سلباً وايجاباً -، ولكننا نريد بيان أثر الأضرحة في جهاد أعداء الأمة، ضمن تأثيرها على حياة
الشعوب الإسلامية في شتى المناحي. والمتتبع لأثر الأضرحة في هذا المجال يجد
أن الأضرحة والقبور هيمنت على هذا الجانب ضمن هيمنتها على الحياة كلها،
فأصبحت الأضرحة والمزارات تمثل بحق (أفيون الشعوب الإسلامية) ! ..
فقد اتخذتها الشعوب مثير قتال الأعداء ودافع مجاهدتهم، باعتبار أنها (الرموز
المقدسة) التي لا ينبغي أن تمس، (ففي ريف المغرب الذي كان يحتله الإسبان
قامت القبائل هناك بثورة عارمة ضدهم، حين بنى الإسبانيون مركزاً للحراسة
بقرب ضريح تقدسه القبائل) [٣٢] ، وقد فطن الأعداء لهذا الأمر، فحرصوا على
عدم المساس بهذه القبور والأضرحة لعدم إثارة الذين يقدسونها، بل ساهموا في
الترويج لها ولطقوسها، بينما كانوا يبدلون منهج حياة المسلمين تبديلاً كاملاً،
وينهبون ثروات البلاد نهباً منظماً، (ويرحل بنا المؤرخ العظيم عبد الرحمن الجبرتي
إلى زمن الحملة الفرنسية، يوم تقلد الشيخ خليل البكري نقابة الأشراف ... (وفيه
سأل صاري عسكر عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم؟ ! ، فاعتذر الشيخ
البكري بتعطيل الأمور وتوقُّف الأحوال، فلم يقبل، وقال: لابد من ذلك، وأعطى
له ثلاثمئة ريال فرنساوية معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع
الفرنساوية يوم المولد، ولعبوا ميادينهم وضربوا طبولهم ... ) ( [٣٣] .
وكما مثلت القبور والأضرحة لدى المعتقدين فيها مثير قتال الأعداء ودافع
مجاهدتهم، فإنها شكلت عندهم بديلاً لأي جيش يناهض هؤلاء الأعداء.
فهي عندهم (هيئة المستشارين) التي تقرر قتال الأعداء أو لا تقرره، يقول
الدكتور عمر فروخ:) لا ريب في أن الأوروبيين قد عرفوا ذلك واستغلوه في
أعمالهم الاستعمارية، ذكر مصطفى كامل بطل الوطنية المصرية في كتابه (المسألة
الشرقية) قصة غريبة في أذن القارئ العادي، قال:
ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان في تونس: أن رجلاً
فرنسياً دخل في الاسلام وسمى نفسه سيد أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل
الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعين إماماً لمسجد كبير في القيروان، فلما
اقترب الجنود الفرنساويون من المدينة استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن
يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه، فدخل (سيد أحمد) الضريح، ثم
خرج مهولاً بما سينالهم من المصائب، وقال لهم: إن الشيخ ينصحكم بالتسليم؛
لأن وقوع البلاد صار محتماً، فاتبع القوم البسطاء قوله ولم يدافعوا عن مدينة
القيروان أقل دفاع، بل دخلها الفرنساويون آمنين في (٢٦) أكتوبر سنة ١٨٨١ م) [٣٤] .
وهي عندهم (حرس الحدود) الذي يقوم على صد الأعداء، بل ومنع الفتن
والأوبئة! ، فـ (كل مدينة كبيرة أو صغيرة محروسة بولي من الأولياء، فهو
الذي يحميها من العين ومن الغارات ومن نكبات الطبيعة، ومن طمع الطامعين) [٣٥] ، وبناء على ذلك الاعتقاد يذكر الكوثري (أن أرض الشام يحرسها من الآفات
والبلايا أربعة من الأولياء الذين يتصرفون في قبورهم!) [٣٦] .
وبخلاف الأضرحة الكبرى التي (تحرس) المدن المهمة والمراكز الحيوية،
يشيع هذا الاعتقاد أيضاً عند القبوريين في القرى والنجوع، ففي (مركز مغاغة
بالمنيا، وعلى وجه التحديد بقرية (بني واللمس) على البحر اليوسفي، يشتهر مقام
سيدي (حسن أبو رايتين) ... ويعتقدون أنه يحرس القرية ويحفظها من السرقة
وعداوات الدم، ويلجؤون إليه لرفع المظالم ... ) [٣٧] .
وهي عندهم (وسائل دفاع جوي!) ، فضريح (علي الروبي) بالفيوم بمصر
(أنقذ المدينة من الدمار خلال الحرب العالمية الثانية، ببركته التي حولت مسار
القنابل إلى بحر يوسف!) [٣٨] .
وهي عندهم (معين المدد والذخيرة) ، فأثناء الثورة العرابية روَّج القبوريون
إشاعة قوية مفادها (أن كبار الأولياء (الدسوقي - البدوي - عبد العال) أهدوا أحمد
عرابي ثلاثة مدافع ليستعين بها على منازلة الإنجليز) [٣٩] .
وعندما يستدعي الموقف الإمداد بـ (قوات خاصة) لمنازلة عدو شديد البأس
يطلب القبوريون المدد من الأضرحة وأصحابها أيضاً، فعندما أغار التتار على بلاد
الشام (كان القبوريون يخرجون يستغيثون بالموتى عند القبور، ولذا قال بعض
شعراء القبورية:
ياخائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر) [٤٠]
وحين أغار جنود الفرنسيين والإفرنج على مصر (صاح المحاربون في
المسلمين وصرخوا مستغيثين بغير الله مع الله: (يا رب يا لطيف، ويا رجال الله،
ونحو ذلك)) [٤١] .
وذكر الشيخ رشيد رضا (أنه عندما زحفت روسيا على مدينة بخارى فزع
الناس إلى الاستغاثة بحامي بخارى! - كما يسميه أهلها - شاه نقشبند، فلم يغن
عنهم شيئاً) [٤٢] .
وذكر أيضاً أنه (انتشر بين أهل مراكش، عند حلول النوائب بهم، وتعدي
الأجانب عليهم، الاجتماع حول قبر الشيخ إدريس في فاس، طالبين أن يكشف ما
نزل بهم من الشدة، تاركين ما تقتضيه حال العصر من التربية والتعليم والإعداد
العسكري للأعداء) [٤٣] .
- وهي عندهم (جيوش متكاملة) ، فلماذا الإعداد، والقبور والأضرحة عند
المعتقدين فيها بمثابة جيوش متكاملة تفعل ما لا يستطيعه المحاربون؟ ! ، فقد قال
أحد كبار الصوفية في زمن احتلال الإنجليز لمصر، ما معناه: (لو أراد إبراهيم
الدسوقي خروج الإنجليز من مصر ما بقي إنجليزي واحد، وقال بعضهم في نكسة
سنة ١٩٦٧ م ما يدور حول هذه الفكرة) [٤٤] .
وذكر الدكتور سيد عويس في كتابه المهم (رسائل إلى الإمام الشافعي) أن
إحدى الرسائل الموجهة إلى ضريح الإمام الشافعي، والمؤرخة في أكتوبر سنة
١٩٥٥م، يطلب صاحبها فيها (عقد جلسة شريفة يحضر فيها معه سيدنا الحسين
وسيدنا الحسن، والست زينب أم هاشم، وجميع أهل بيت النبي! ويطلبون من الله
مسح إسرائيل اليهود، وإزالتها من على وجه الأرض المقدسة في الأسبوع، ويكون- إن شاء الله - آخر ميعاد يوم الثلاثاء القادم! ! [٤٥] .
ولها تعقد احتفالات النصر، فمما يذكره الجبرتي أنه عند (مغادرة الفرنسيين
للقاهرة سنة ١٢١٦هـ هرع قائد الجيش العثماني (حسين باشا القبطان) إلى زيارة
المشهد الحسيني، وذبح فيه خمس جواميس وسبعة أكباش، واقتسمتها خدمة
الضريح) [٤٦] . فهل أضر مؤثر بقوة الأمة أعظم من هذا (التخدير) الذي سرى
في جسدها بفعل أفيون تقديس القبور والأضرحة؟
شرك فى التوحيد وتخلف في المجتمع:
وترتفع الخرافة إلى ذروتها حينما يعمد القبوريون إلى إضافة التخصصات
للأضرحة بعد تقسيم درجاتها إلى كبرى وصغرى، فمثلما كان للإغريق - ومن
بعدهم للرومان واليونان - إله لكل شيء. إله للحرب، والهة للحب، وإلهة
للخصب، إله للخمر.. وجدنا عند القبوريين أضرحة ومزارات تشتهر بتخصصها
في حاجات مختلفة، يخصونها بالتوجه إليها لطلب هذه الحاجة منها.
ولعل من هذا القبيل: الأضرحة والمزارات النسائية، كمقام (الشيخة مريم
التي يحتفل بمولدها مرتين: مرة في شم النسيم [**] ، والأخرى في ذكرى مولد
النبي، وقد اشتهرت ببركتها في الشفاء من العقم) [٤٧] ، وكذلك يطلب القبوريون
(من ضريح الشيخة صباح في طنطا إبراء النساء من العقم) [٤٨] ، ومزار (بنات
عين) في معان بالأردن: (انتشر ذكره بين العواقر، يفدن إليه بالقرابين والمصابيح
لنيل البرء والشفاء، وهو مختص بالنساء فقط ويدعونه بالمستشفى النسائي!) [٤٩]
وإضافة إلى تلك الأضرحة والمزارات التي اشتهرت بتخصصها النسائي،
هناك ضريح (النبي شعيب) في وادي السلط الجنوبي بالأردن (وهو ولي! مرهوب
مختص بالأقسام الكبرى، إذا أشكلت الدعاوى واستعجمت مذاهبها.. ويطلب
القاضي البدوي القسم الرهيب في بركة شعيب..) [٥٠] ، وفي حلب بسورية
(اعتاد بعض الناس هناك أن يسافروا إلى ضريح الشيخ ريح زاعمين أنهم يشفون من
ريحهم ... وللناس في قبر أبي العلاء المعري [بمعرة النعمان بسورية أيضاً] اعتقاد
عظيم، يبيِّتون على قبره شربة ماء ويستعملونها للبرء من الحمى.
وفي مدينة طنطا [بمصر] يطلب الناس هناك من ضريح عز الرجال - وهو
أحد تلاميذ البدوي - شفاء الأطفال.. ومن ضريح محمد الحدري المعروف بالعمري
شفاء أمراض الروماتيزم!) [٥١] .
فإذا كان هذا الاعتقاد الناشئ عن الانحرافات في اسم الله - تعالى -: الشافي، دعا المعتقدين في الأضرحة إلى التوجه إليها بالقربات والعبادات لنيل مرادهم،
فإنه أثمر أيضاً تخلفاً اجتماعياً مريعاً؛ حيث استغنى الناس بالأضرحة عن الطب
وعلومه، فما حاجتهم إلى طب (الكفار!) وعندهم أضرحة المسلمين التي تشفيهم -
وبأيسر السبل - مما يعجز عنه الأطباء؟ ! ، وذلك صرف الناس عن تعلم الطب،
فأثر ذلك بدوره في تدني مستوى الطب في المجتمع، مما كان يدفع الناس نحو
الأضرحة مرة أخرى لطلب الشفاء منها.
وإضافة إلى إهمال تعلم الطب فقد أهملت العلوم الأخرى، بل أهملت الخدمات
الاجتماعية للأحياء لانشغال الناس بإعمار مراقد الأموات! .
شرك فى التوحيد، وفساد في الأخلاق:
إضافة إلى المفاسد الأخلاقية التي تحدث حول الأضرحة [٥٢] ، هناك أشكال
من هذه المفاسد ارتبطت بها أيضاً، وفي ذلك تضرب (الموالد) بنصيب وافر،
حيث يشيع فيها الفساد الأخلاقي مقترناً بالشرك الأكبر والأصغر.
ويجدر بالذكر هنا الإشارة إلى الأثر النصراني واليهودي في هذه الموالد،
حيث تكاد تتطابق أشكال طقوس احتفالات أعياد الميلاد والموالد للقديسين
و (الأولياء) النصارى واليهود مع ما يحدث في موالد الأولياء المسلمين [٥٣] ، حتى
إن مولد (أبي حصيرة) اليهودي في قرية (ميتوه) بدمنهور في مصر - والذي كان
يُحتفل به قبل التطبيع مع اليهود على أنه ولي مسلم، ويعقد مولده كل عام على هذا
الأساس - يأتي إليه اليهود من أنحاء شتى ليقيموا مولده، وفيه: (تقاد الشموع
وتسكب زجاجات الخمر على القبر، ويرقص النساء والرجال عرايا أو شبه عرايا
على أنغام شرائط الكاسيت، وفي نهاية الليل يتمددون وهم سكارى فرادى
ومتزاوجين في ظل حراسة جنود الشرطة والأمن المركزي!) [٥٤] .
هذه صورة من موالد (اليهود) ، فماذا عن موالد (المسلمين) ؟
في صدر مقالها عن موالد الأولياء في مصر، تعرف هيام فتحي دربك
(المولد) بأنه: (الاحتفال بيوم ميلاد ولي من أولياء الله، والاحتفالات بالموالد
تمارس في المنطقة التي فيها قبر الولي، وهي حفلات فولكلورية شعبية من غناء
ورقص وتسلية، والاستماع إلى الموسيقى الصاخبة وألعاب الأطفال والمراجيح
وحلقات الذكر الذي يتخذ مظهر الرقص أحياناً ومظهر الشعوذة أحياناً أخرى، ففيها
يقوم الرجال بعمل حركات من قيام وقعود والى الشمال وإلى اليسار وهم يذكرون
لفظ الجلالة.. الله، الله، حي، حي.. وقد يندمج بعضهم في حلقات الذكر فيشد
شعره ويتمرغ على الأرض!) [٥٥] .
ولكن ماذا عن حالة المولد فيما مضى؟ يصف المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي
أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول: (ينصبون خياماً كثيرة،
وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالَم الأكبر من أخلاط الناس،
وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي
والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور،
ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول
والزمور ليلاً ونهاراً..) [٥٦] .
فالموالد ما هي إلا فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود
سواء أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة (مولد) تطلق
على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط.
فالمولد فرصة لأن (تنتهك فيه حرمات النساء، وتشرب الخمور) ، حتى إنه
(أصبح مجال حياة الناس في الترويح عن أنفسهم ومكاناً للهو والرقص والغناء
الساقط) [٥٧] .
وفي أيام الربيع في الأردن يفد الزائرون إلى مزار (جعفر الطيار) (فترى
الفتيات يرقصنَ حول المزار بأغاني مطربة ونغمات رقيقة..) [٥٨] ..
فليس هذا خاصاً ببلد دون آخر، بل هو موجود حيثما كانت قبورية وأينما
كانت موالد أو (احتفالات) أو (أعراس) للأضرحة.
وبعد:
فقد كانت هذه صورة لبعض نتائج تفشي داء تقديس القبور والأضرحة في
العالم الإسلامي، والملاحظ أن هذه الصورة ما كانت إلا تعبيراً عن الهيمنة السلبية
على حياة الناس كلها، وليس هذا الحال خاصاً بمحلة دون أخرى، بل وصل الحال
إلى أن أصبح (أكثر المسلمين في العالم قد عبدوا القبور بأنواع من العبادات، بل
عبدوا الأشجار والغارات، وقد ارتكبوا أنواعاً من الشرك بالله - تعالى -!) [٥٩] ..
ولم يقتصر ذلك على الجهال والطغام، بل شمل جمهرة من المنتسبين إلى
العلم الشرعي أو من يسمون أنفسهم بالمثقفين والمتحضرين! ، لا ينجو من ذلك إلا
المتحصن بعقيدته، المستحضر توحيد ربه، الذي امتلأ قلبه بمحبة الله وخشيته ورجائه.
إن تقديس القبور والأضرحة داء يعمل في أعز مشخصات هذه الأمة وأبرز ما
يميزها، وهو التوحيد، وإن من علامات صحة الجسد إحساسه بالألم؛ فالجسد
الميت أو الواقع تحت تأثير مخدر لا يحس بالألم رغم وجود مقتضاه، وهذه الأمة لا
تموت ولا تنتهي إلا عند الإيذان بانتهاء الحياة في هذه الدنيا، ولكنها قد تدخل في
غيبوبة عن أمر دينها أو أمر دنياها، إما بسبب غفلة من أبنائها أو بسبب كيد من
أعدائها، أو بكليهما، وعند ذاك فإن كل من يساهم في إزالة أثر المخدر عنها،
وكل من يساعد في (إيلامها) أو إظهار ألمها، فإنه يضرب بسهم في معافاتها، لأنها
عندما تحس بالألم تعرف أنه أصابها داء، وعندما تدرك أنها مريضة تبحث عن
الداء الذي أصابها لتقضي عليه وتفيق من رقادها.
فهل يبذل الدعاة -بل كل مسلم موحد -جهودهم ويجردون سيوف دعوتهم
لإنقاذ الغارقين في غيبوبة الخرافات والأوهام الشركية، الذين أوشكوا على الهلاك؟
هذا ما نرجوه ونأمله، وندعو الله العلي القدير أن يوفقنا وإياهم لما يحب
ويرضى.
стр. 2921
ملفات
(القبور والأضرحة دراسة وتقويم)
الأضرحة في العالم الإسلامي
مشاهد متفرقة
الخرطوم: عثمان محمد سليمان
دكا: عبد الله الشهيد
القاهرة: أحمد محمد
أسمرة: إدريس محمد إدريس
هذه بعض المشاهدات التي أرسلها للبيان بعض الكتاب نضعها بين يدي
القارئ ليزداد بصيرة بحجم هذا المرض الفتاك (تقديس القبور والأضرحة)
وللمارسات غير الشرعية التي تقوم بها العامة تحت سمع وبصر بعض العلماء،
ومما يندى له الجبين أن بعض العلماء يشارك في هذه الطقوس المبتدعة تحت اسم
مولد الولي فلان أو الرجل الصالح علان.
ومن هذا القبيل شد الرحال لما يسمى بالعتبات المقدسة وما يحصل فيها من
استغاثات للأموات وتمسح بها. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ...
- البيان -
القبور والأضرحة مزيد من البيان:
منذ عصر دولة بني عبيد بن القداح الذين ادعوا زوراً وبهتاناً أنهم فاطميون
عرفت البدع الشركية طريقها إلى السودان، وأخذت تنتشر وتستفحل، ثم زاد
الطين بلة وجود التوجهات الصوفية البدعية في عصر الدولة العثمانية، فأعطت
زخماً جديداً لهذه البدع التي أضحت أحد العناصر الأساس في الحياة الاجتماعية
لأكثر السودانيين، قبل أن تأتي الدعوة السلفية وتحاول الوقوف أمام هذا الطوفان..
ويقف على رأس هذه البدع: ما يتعلق بالقبور؛ فقد أصبح اتخاذ القباب
والأضرحة على قبور من يُعتقد صلاحهم أحد ذرائع البدع القولية والعملية،
والكبيرة والصغيرة في حياة الناس.
والقبة عبارة عن بناء شاهق يُتخذ على شكل مخروطي أو نصف كروي، يقام
على قبر من يُعتقد فيه الصلاح والولاية.. ولكن كيف يعرف احتواء هذا القبر على
من يعتقد في صاحبه الصلاح أو الولاية؟ ..
يتم ذلك عن طريق ما يسمونه بـ (البيان) ! ، فحسب الاعتقاد السائد في
السودان: يمكن أن يرى شخص ما رؤية منامية، يرى فيها شيخاً من الشيوخ ممن
ماتوا ودفنوا في مكان ما، فيرى الرائي أن هذا الشيخ دله على مكان معين و (بيّن) ، أي: ظهر فيه، فيبادر هذا الرائي عند استيقاظه بالتوجه إلى ذلك المكان فيرفعه
عن سطح الأرض، وينصب عليه الخرق والرايات، معلناً أن الشيخ الفلاني بيّن
في هذا المكان، فيعرف المكان بأنه (بيان) الشيخ الفلاني، ثم يزار كغيره من
الأضرحة والقباب، وتُعقد له وحوله الطقوس المعروفة بهذه الأضرحة.
ومن حيث أماكن اتخاذها تنقسم القباب والأضرحة إلى قسمين:
أ - قباب تبنى في مقابر المسلمين العامة، حيث تبدو القبة شاهقة وسط
القبور.
ب - قباب تبنى في المساجد، أو تبنى عليها المساجد، وقد تكون في قبلة
المسجد، أو في الخلف، أو في أحد جوانبه.
ومن أشهر القباب والأضرحة في السودان:
* قبة الشيخ/ محمد عثمان عبده البرهاني (شيخ الطريقة البرهانية) بالخرطوم
السوق الشعبي.
* قبة الشيخ/ قريب الله، بأم درمان، ودنوباوي.
* قبة الشيخ/ دفع الله الصائم ديمة، بأم درمان أميدة.
* قبة الشيخ/ حسن ود حسّونة، بالخرطوم بحري.
* قبة الشيخ/ دفع الله الفرقان، بأم درمان، جنوب السوق.
* قبة الشيخ/ أبو زيد، بأم درمان، سوق ليبيا.
* قبة الشيخ/ حمد النيل، بأم درمان.
* قبة الشيخ/ محمد بن عبد الله كريم الدين (شيخ الطريقة المحمدية الأحمدية
الإدريسية) .
* قبة الشيخ/ إبراهيم ود بَلاّل، بالقطينة.
* قبة الشيخ/ الطيب ود السايح، بأبي شنيب، قرب الحداحيد.
* قبة الشيخ/ حمد ود أم مريوم، بالخرطوم بحري، حي حِلّة حمد.
* قبة الشيخ/ خوجلي أبو الجاز، بالخرطوم بحري، حلة خوجلي.
* قبة الشيخ/ صديق ود بُساطي، غرب النيل الأبيض.
* قبة الشيخ/ طه الأبيض البطحاني، بشمال الجزيرة.
* قبة الشيخ/ الطريفي ود الشيخ يوسف، بأبي حراز.
* قبة الشيخ/ عبد الرحيم ود الشيخ محمد يونس، بأبي حراز.
وجدير بالذكر أن منطقة أبي حراز بها ما يقارب (٣٦) قبة، من أشهرها
إضافة إلى ما سبق:
* قبة الشيخ أحمد الريح، وقبة الشيخ دفع الله المصوبن (أبو النعلين) .
وقد لوحظ على بعض القباب أنها حظيت برعاية بعض القادة السياسيين، مثل
قبة الشيخ يوسف أبو سترة، التي شيدت برعاية الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، وكذلك قبة الشيخ مدني السني، بمدينة ود مدني، كما لوحظ أيضاً عدم اقتصار
اتخاذ القباب على قبور المعظمين في المسلمين، بل من شدة الجهل والغفلة اتخذت
قبة على مقبرة (الرفيق) الصيني الشيوعي يانغ تشي تشنغ، في ود مدني، ولوحظ
كذلك: أن بعض هذه القباب يتوسط المساكن.
أما في إريتريا: فمن أشهر الأضرحة التي يرتادها الناس:
* ضريح الشيخ بن علي بقرية (أم بيرم) القريبة من مدينة مصوع الميناء
الرئيس لإريتريا.
* ضريح سيدي هاشم الميرغني وبنته الست علوية بمدينة مصوع، وعلى
كل من هذين القبرين مبنى مستقل على شكل مكعب ومغطى بالقماش مثل الكعبة،
وفي كل زاوية منه خشبة مستديرة الشكل يتبرك بها بعد الانتهاء من الطواف بالقبر!
* ضريح الشيخ جمال الأنصاري، وله وقت مخصص لزيارته، وإن كانت
أهميته لدى الناس أقل من سابقيه.
* ضريح جعفر، وقد بني عليه مسجد، ويقوم المصلون في المسجد بزيارته
بعد كل صلاة مفروضة.
* ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو ضريح وهمي في قرية
(حوطيت) بالقرب من مدينة جندع على ساحل البحر الأحمر.
* ضريح الشيخ الأمين المقام في أحد مساجد مدينة (أسمرا) العاصمة.
* ضريح سيدي هاشم في مدينة (كرن) التي تقع على الساحل الجنوبي من
إريتريا، وهو يعتبر من أكبر المشاهد التي يقصدها الناس من أنحاء عديدة في
البلاد، بل ومن الدول المجاورة كالسودان.
* ضريح أحمد النجاشي في (عدي قرات) التي تقع على الحدود الإريترية
الإثيوبية، وله يوم محدد (مولد) يقصده الناس فيه من أنحاء إريتريا وإثيوبيا.
بنجلاديش:
ولا تختلف الصورة كثيراً في شرق العالم الإسلامي حيث تنتشر الأضرحة
و (المزارات) ففي بنغلاديش، خاصة في مدن داكا (العاصمة) وشيتاغونج وسلهت
وخولنا، ولكن من الغريب ارتياد الناس لمزارات يوجد بها سلاحف وتماسيح يعتقد
فيها بعض الجهلاء النفع والضر، فيقدمون الأكل لها أملاً في الحصول على وظيفة
أو لتفريج كربة، وتحرص بعض النساء على مس هذه الحيوانات أملاً في حدوث
الحمل والرزق بالذرية، وقد نتجت هذه الاعتقادات والممارسات عن الزعم بأن هذه
الحيوانات تحولت إلى هذه الصورة بعد أن كانت من الأولياء الصالحين! وهناك
أيضاً مزارات تحتوي على أشجار يعتقد فيها وتعلق على أغصانها الخيوط والخرق.
ويولي المعتقدون في هذه الأضرحة والمزارات اهتماماً كبيراً بعمارتها
ومظهرها حيث تكون المباني مزخرفة ومزينة، ولكل قبر قبة مبنية بأحجار قيمة،
وتقوم على أمر هذه المزارات لجنة تضم أصحاب السلطة والمنتفعين من ورائها؛
حتى أصبح حالنا وحال هذه الأضرحة كما قال الشاعر المصري حافظ إبراهيم:
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف يرزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات
تعددت المظاهر والانحراف واحد:
يعتبر الغلو والبدع والانحراف عن التوحيد الخالص عوامل مشتركة بين
مرتادي الأضرحة والمعتقدين فيها وإن تنوعت المظاهر حسب بيئة كل بلد وعادات
أهله.
ففي إريتريا يقصد كثير من القبوريين الأضرحة حاملين معهم الأغنام والأبقار
والسكر والقهوة والشاي وغيرها من أنواع الأطعمة إضافة إلى الأموال؛ ليقدموها
قرباناً إلى صاحب الضريح، وقد يذبحون الأنعام تقرباً أيضا للولي أو الشيخ،
ويطوفون بالقبر وبتمرغون بترابه، ويطلبون قضاء الحوائج وتفريج الكربات منه،
كما يحصل من الفساد الأخلاقي حول الأضرحة ما يستحيي الإنسان من ذكر
تفاصيله وخاصة الاختلاط وانتهاك الأعراض، وتكثر هذه الممارسات حول
الأضرحة الشهيرة، كضريح الشيخ (بن علي) وضريح سيدي هاشم الميرغني
وبنته الست علوية، وضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني، وضريح سيدي هاشم
وضريح أحمد النجاشي.
ويزداد الأمر سوءاً في السودان؛ حيث يحرص أتباع هذه الأضرحة
والمنتفعون منها على التأصيل لهذه الانحرافات، فتلقى المحاضرات وتؤلف الكتب
في الحث على ذلك، ومن أشهرها:
رسالة عبد الله المحجوب الميرغني، المتوفى سنة (١٢٠٧هـ) ، واسمها:
(تحريض الأغبياء على الاستعانة بالأنبياء والأولياء) ، يقول فيها:
(ولهذا يتبين لك (وجوب) التعلق بالوسائل والأسباب، وتأكد لزوم التزام
الوسائط والأبواب، فتعلق بالوسائل والأسباب، والجأ واستغث، وانده [من النداء]
لخواص الله والأحباب، واطرق لدى الخطوب ما شئت من الأبواب، تنل بذلك من
فيض الوهاب ما لا يدخل في حساب) .
ونتج عن إشاعة هذا الاعتقاد والدعوة إليه أن تأثيره لم يقتصر على الطرقيين
فقط، بل امتد ليشمل جماهير عريضة في الشعب السوداني، وهذا ما شاهدته
بنفسي أثناء مطالعتي لتلك المزارات، فهناك عادات ارتبطت بتلك القباب، يقوم بها
روادها، منها:
١- ينبغي أن يخلع الزوار نعالهم خارج القبة، وبعضهم يخلعها خارج ساحة
المسجد، احتراماً لصاحب الضريح. وعلى أية حال: فمن المسلّم به عندهم أنه لا
يجوز دخول القبة بالنعلين.
٢- يتم دخول القبة بإذن من حارسها، كما يتولى خادم الضريح (تطويف)
الزوار.
٣- يتبرك الزوار بالضريح والقبة بطرق شتى: فمنهم من يأخذ من ترابها،
ومنهم من يضع يديه على السياج المعدني الذي حول القبر ويتمسح بها، ثم يمسح
على جسده وملابسه.
٤- الطواف داخل القبة حول القبر من الممارسات الشائعة والمألوفة عند
هؤلاء الزائرين.
٥- وكذلك دعاء المقبور والاستعانة به والإلحاح عليه في الدعاء، فقد رأيت
بعض الزائرين يجلس عند القبر ممسكاً بسياجه، ويلح في طلب حاجته، وأحياناً
يصرخ، وبعضهم الآخر يدعو المقبور أثناء الطواف حول القبر، ومما يندى له
الجبين أن امرأة شوهدت عند قبة الشيخ عبد الباقي تحمل طفلاً، ترفعه بيديها
وتهزه وهي تخاطب الشيخ المقبور راجية منه البركة في صغيرها، ثم تقول:
(يا شيخ.. سمعت؟) لتتيقن سماعه وقضاء حاجتها!
٦- ومنهم من يلتزم القبر بداخل القبة، ويصيح عنده ويجأر به.
٧- ورأيت من يسجد وهو مستقبل القبة نسأل الله السلامة.
٨- ومن المعتاد: تقديم النذور عند هذه القباب.
٩- ومن الناس من يعكف عندها أياماً وشهوراً، التماساً للشفاء أو لقضاء
حاجة من حوائجه، وقد أُلحقت ببعض القباب غرف انتظار الزائرين لهذا الغرض.
١٠- وقد لوحظ أن زيارة القباب تتم في جميع أيام الأسبوع، وتزداد في أيام
الجمع والأعياد؛ حيث يكتظ كثير من القباب بالزوار في هذه المناسبات، كما لوحظ
اختلاط الرجال والنساء في هذه الزيارات، وأن معظم الزائرين من النساء.
وفي بنجلاديش يأتي الناس إلى المزارات ويظنون أنها أقدس مكان على وجه
الأرض، لذا: فهم يسجدون أمام الأضرحة إجلالاً لها واحتراماً، ويطلبون من
أصحابها الذرية ودفع المصائب وتفريج الكروب، كما يقدمون لهم النذور من
الأموال والحيوانات كالغنم والبقر التي تذبح باسم صاحب القبر، وأخيراً ينصرفون
وهم يظنون أنهم فعلوا خيراً كثيراً؛ لأنهم يعتقدون أن لأصحاب هذه الأضرحة يداً
في تصريف الأمور، بل وفي إدخالهم الجنة، ويكون عدد المترددين أكثر بعد
العصر وخاصة ليلة الجمعة.
وينتشر حول هذه الأضرحة بعض القبوريين الذين يعيشون في ساحاتها
ويلازمونها، وهم صنفان من حيث مظهرهم:
الأول: أناس أصحاب هيئة رثة لا يلبسون إلا القليل من الملابس، التي تكاد
ألا تستر غير عوراتهم، ويطلقون شعورهم ولحاهم وشواربهم التي بدا عليها التلبد
والقذارة، فهم لا يغتسلون من أوساخهم ولا ينظفون ملابسهم.. ومع ذلك يختلط
الناس بهم طلباً للبركة منهم، وتبيت معهم النساء، ولا يتحرزن عن معاشرتهم.
الثاني: يهتمون بمظهرهم وينظفون ملابسهم إلى حد ما، يجلس الواحد منهم
في ساحة الضريح وحوله الناس ينادونه بكل شوق ورغبة باسم (بابا) ، وهم دائماً
يحققون ما يأمر به، وتبيت النساء أيضاً عنده من غير تحرز عن ارتكاب الفواحش
معه، حيث يتناولون المخدرات والمسكرات ويغنون بإيقاع خاص أشعار الشرك
والفجور، ولا يتورعون عن ارتكاب الزنا.
وفي مصر تلقى الأضرحة احتراماً وتبجيلاً لدى كثير من الناس، حيث يندفع
أكثرهم لا شعورياً للقيام ببعض الممارسات المتنوعة والمتعلقة بهذه الأضرحة،
وتبدأ هذه الممارسات بالحرص على الصلاة في المسجد الذي به الضريح، ثم
الحرص على زيارته وترديد بعض الكلمات والصلوات والدعوات. وبالطبع فإن
هذا الحرص يتفاوت حسب شهرة الضريح ومكانته في نفوس الناس وحسب دوافع
الزائر له، ويلي ذلك: التمسح بالضريح وتقبيله طلباً للبركة، ويليه: التوسل بجاه
صاحب الضريح اعتقاداً أن ذلك أقرب إلى إجابة الدعاء، ثم ينتهي المطاف ببلوغ
غاية الضلال والخرافة عندما يتوجه إلى صاحب الضريح بالدعاء والرجاء وطلب
قضاء الحاجات منه، وغالباً ما يصحب الدعاء استقبال للضريح حتى ولو كانت
القبلة خلف ظهره، كما يظهر على الزائر الخشوع والسكينة والتأثر الذي قد يصل
إلى حد البكاء، وقد يصل الولع والوجد ببعضهم إلى الإغراق في حالة من انعدام
الوعي، فيصبح (مجذوباً) .
وعادة ما يضع الزائر بعض ما تجود به نفسه في صندوق النذور صدقة أو
قربة لصاحب الضريح.
ومن الملاحظ أن طبيعة النذور المقدمة تطورت من الماضي إلى الحاضر،
كما أنها تختلف بحسب وجود الضريح في وسط قرى ريفية أو وسط تجمعات
عمرانية حضرية.
ومن الملاحظ أيضاً: أن حركة الناس في الدخول إلى الضريح والخروج منه
تختلف حسب مكانة صاحب الضريح، ولكنها عموماً تزداد في أوقات الصلوات،
وهذا بالطبع بخلاف أوقات الموالد التي تعج بالزائرين.
وماذا عن الموالد؟
تكثر الموالد في مصر، ويشتهر منها: المولد النبوي، ومولد البدوي الذي
حضره عام ١٩٩٦م حوالي ٣ ملايين زائر، حسب تقرير الحالة الدينية في مصر
الصادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية، ومولد إبراهيم الدسوقي، ومولد أبي
الحسن الشاذلي، ومولد المرسي أبي العباس، ومولد أبي الحجاج الأقصري، ومولد
إبراهيم القنائي.
والاحتفال بالمولد النبوي كغيره من الموالد يغلب عليه مظاهر الاحتفال الشعبي
الفولكلوري المصطبغ بالصبغة الدينية، ويشترك مع غيره من الموالد في سمة
حضور جمهور كبير من أنحاء متفرقة، وإقامة بعضهم حول أحد الأضرحة،
وإنشاد المدائح الخاصة بصاحب المولد، مع نشاط اقتصادي واجتماعي حول أحد
الضريح، إضافة إلى ما سبق أن ذكرناه من ممارسات وطقوس يقوم بها الزائر تجاه
صاحب الضريح. وتعجب أشد العجب أن تجد بعضاً ممن ينتسب إلى العلم والدعوة
يحضر بعض هذه الموالد، بل ويروج لها عند العامة، ولا يتورع عن ممارسة
بعض البدعيات المحدثة، فيكون قدوة سيئة للجهلة، نعوذ بالله من الخذلان.
ويوم الاحتفال بالمولد النبوي يكون إجازة رسمية في البلاد، ويقام بصفة
رسمية في كل محافظة بمصر حيث تشرف عليه السلطات لضمان سيره بانتظام
وأمان، وهو يقام في ساحة عامة بجوار أحد المساجد الكبيرة غالباً، وعادة يكون
المسجد ضريحاً لأحد الأولياء المشهورين، وقبل المولد تهيأ الساحة والشوارع
بالزينات والأضواء، ويستعد أصحاب كل نشاط بما يلزم من جلب البضائع ونصب
الملاهي، ويزدهر نشاط الباعة والمحلات وبخاصة أنشطة بيع الحلوى والألعاب
وأنشطة المقاهي والمطاعم وبيع الأدوات المنزلية، وتزدحم الفنادق، وهي غالباً
ذات مستوى متدنٍ.. ويشيع جو من المرح والضجيج في مكان المولد.
وقد شاهد مندوب البيان احتفال (الليلة الكبيرة) للمولد النبوي في القاهرة،
حيث سار موكب ممثلي الطرق الصوفية لمدة (٤٥) دقيقة تقريباً مشياً على الأقدام
حاملين الأعلام والرايات في جو من البهجة والاحتفال بدءاً من ضريح الشيخ صالح
الجعفري بمنطقة الدرّاسة إلى مسجد الحسين، وهناك وجدوا في انتظارهم بعض
المستقبلين، على رأسهم شيخ مشايخ الطرق الصوفية، فقاموا بالسلام عليه وقراءة
الفاتحة والدعاء جماعيّاً. ويشهد هذا الاحتفال أيضاً كبار رجال الدولة أو ممثلون
عنهم، وعلى رأسهم شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية ورئيس جامعة الأزهر
ووزير الأوقاف ومحافظ القاهرة؛ حيث يلقي معظمهم كلمات في الاحتفال، كما
يشهد حضوراً إعلاميّاً واضحاً من صحافة وإذاعة وتلفاز.
وبعد نهاية الاحتفال الرسمي ينصرف أتباع الطرق الصوفية لإلقاء أناشيدهم
ومدائحهم وأذكارهم في أماكن معدة لذلك سلفاً، ويستمرون في ذلك حتى منتصف
الليل تقريباً.
ولا تختلف نوعية زوار المولد النبوي عما ذكره (تقرير الحالة الدينية بمصر)
عن زوار مولد البدوي، فهم يشملون:
* فريقاً هدفه إحياء ذكرى المحتفل به.
* وآخرين يحرصون على التبرك، ومنهم البسطاء والفقراء والأغنياء،
الأميون والمثقفون، ويرى هؤلاء أنه إذا لم يتمكنوا من الحضور لأي سبب، سواء
أكان بإرادتهم أو رغماً عنهم، فسيصيبهم أذى أو ضرر، ويعتقدون أن الزيارة
ستفتح أبواب الرزق أمامهم، بل وتغمرهم بسعادة بالغة.
* ومنهم من كان مريضاً جاء لطلب الشفاء، أو من كانت عاقراً وعقيماً تأمل
في تحقيق أملها بإنجاب طفل.
* وفريقاً آخر يبحث عن الترفيه والسياحة وقضاء وقت ممتع، وهم الفئة
الشبابية.
* وهناك نمط آخر من الزوار يهدف للتسويق والتجارة سواء بالبيع أو الشراء.
وبالإضافة إلى ذلك: هناك الجمع الغفير من أتباع الطرق الصوفية، هدفهم
إحياء الذكرى ونوال البركة ونشر طريقتهم الصوفية. أما عن المشاركة بين
المسلمين والأقباط فهي قديمة جدّاً؛ إذ إن التاريخ يذكر أن ابن طولون كان يقيم
الولائم وكان المسلمون يحتفلون بالأعياد القبطية مشاركة للأقباط، وسار على نهج
الطولونيين الإخشيديون في الاحتفال بأعياد النصارى.. ولا تزال هذه المشاركة
موجودة حتى عصرنا الراهن! ومن أغرب الأمور بهذا الصدد؛ أن مولداً يقام
سنوياً باسم (مولد سيدي أبو حصيرة) وهو يقام عند ضريح لرجل يهودي بهذا الاسم، وتأتيه كل عام وفود كبيرة من السياح اليهود من إسرائيل، وتقام حراسة مشددة
لحماية الاحتفال حتى ينفض! !
وفي السودان يتم الاحتفال بالمولد النبوي في صورتين:
الصورة الأولى: الاحتفال في الميادين والساحات:
وقد تأصل هذا النوع من الاحتفالات حتى خصصت لها ميادين معينة، عرفت
بميادين المولد؛ ففي كل مدينة ميدان يسمى ميدان المولد الكبير، وهو ساحة متسعة
مخصصة لهذا الغرض، وتلتقي فيه كل الطرق الصوفية المشتركة في الاحتفال
بالمولد، وتتم المشاركة فيه بعد الحصول على تصديق رسمي من الدولة يتم بموجبه
السماح للطريقة المعينة بنصب سرادقها في المكان المخصص لها في ساحة المولد،
وعمل تجهيزاتها اللازمة لها..
وتقوم كل طريقة بعمل الأذكار التي تخصها والمدائح المتعلقة بالمولد، كما تتم
قراءة الكتب المؤلفة في المولد النبوي في شكل حلقات تشبه حلقات تلاوة القرآن،
وعند مرورهم بمواطن معينة في هذه الموالد المؤلفة يقف الحاضرون اعتقاداً منهم
أن النبي ﷺ يحضر عند ذكر ولادته، ويرددون في صوت
واحد عبارة (مرحبا بالمصطفى يا مرحبا ... ) وفي بعض المواضع من القراءة
يضعون الأيدي على الرؤوس، وفي مواضع أخرى يضربونها أو يوجهونها نحو
الأرض عند الاستعاذة من بعض الأمراض أثناء قراءة المولد.
وفي المولد يضربون أيضاً على الطبول الكبيرة (النوبة) التي تصدر أصواتاً
قوية، ويرددون معها القصائد الملحنة كنوع من الذكر الذي يُتقرب به إلى الله..
وكل هذا مع الحركة والاضطراب الشديد، وربما دار أحد الدراويش على رجل
واحدة وهو (يترجم) ، أي: يصدر أصواتاً لا تفهم، فيوصف بأنه غرق في الذكر.
ويزداد الزحام في الليلة الأخيرة، ويكون الناس في هذه الساحات خليطاً من
الرجال والنساء، وقد شاهدت في أحد الموالد نساءً يصفقن ويتحركن مع رجال
يضربون هذه الدفوف (النوبة) حتى انتهين إلى أحد السرادقات المقامة وهن يصفقن
على أصوات المديح، ويتحركن على صوت ضربات الطبول، إلى أن يستقبلهن
شيخ ممسك بمسبحته وهو يهز رأسه استحساناً لهذا الصنيع.
أما الصورة الثانية للمولد: فهي الاحتفال به في المساجد والزوايا الخاصة:
وفيها يتم قراءة كتاب المولد المؤلف لكل طريقة، وإطعام الطعام لا سيما في
الليلة الختامية، ويكون صبيحة هذه الليلة عطلة رسمية في البلاد بمناسبة ميلاد
النبي ﷺ .
وفي بنجلاديش تكون الاحتفالات حول الأضرحة أسبوعية وسنوية، حيث
تعتبر ليلة الجمعة عيداً أسبوعيّاً حول الضريح يأتي إليه الزوار من جميع الأصناف: أغنياء، وفقراء، ومسؤولين في الحكومة، وغيرهم، ويشاركون في المعاصي
من شرك واختلاط وغناء وتكون الفرصة مهيأة للفاحشة والزنا، ويستمر هذا
الاحتفال حتى الصباح، ويكون لكل (بابا) مجلس خاص ويتحلق حوله مريدوه.
وبمثل هذا ولكن بشكل موسع يتم الاحتفال السنوي الذي يسمى (عرساً) تحت
إشراف لجنة نظامية حكومية ويستمر مدة أطول قد تصل إلى أسبوع، فيجتمع
الناس من أماكن مختلفة بعيدة حاملين معهم نذورهم من ماشية وأموال، وتنتشر كل
مجموعة حول صاحب بدعة (البابا) الذي يرتدي ملابس غير ساترة مدعين أنهم
وصلوا إلى مرتبة تؤهلهم لعدم التمثل بشريعة الله، ويصدقهم الجهلاء في ذلك،
ويشيع في هذه الاحتفالات شرب الخمر والمخدرات ولعب الميسر والخرافات إضافة
إلى ترك الصلاة، وأيضاً السجود لغير الله، وغير ذلك من الشرك الصريح.
كما يحضرها كذلك كبار المسؤولين والأغنياء والفقراء على حد سواء،
وبعض هؤلاء من يشاركون (البابات) الإثراء والمنافع المادية الكبيرة من وراء
رواج سوق الخرافة حول الأضرحة.
ونلاحظ أن أهل البدع ينقسمون أقساماً عدة في ممارساتهم البدعية:
فمنهم: أناس لا يؤدون الشعائر ويلبسون الملابس القصيرة، ولا يهتمون
بنظافتهم، ويقيمون في بيوت أتباعهم حفلات أسبوعية كل ليلة جمعة، يبدؤون
الحفلة بما يسمونه (ذكر الله) بصوت مرتفع، ثم ذكر بعض من سيرة السيدة فاطمة
الزهراء والحسن والحسين ﵃ ثم يوردون بعضاً من أخبار عبد القادر
الجيلاني، ثم بعد ذلك يدخلون في ذكر جماعي مختلط، تنزع فيه النساء الحجاب؛
لأنهمن يزعمن أن الحجاب الأصلي هو الحجاب الداخلي في القلب، فلا حاجة
للحجاب الخارجي، ويرقص الجميع مع الموسيقى، ثم تُطفأ الأنوار، ويحدث ما
يحدث. (والله المستعان)
ومنهم: من يدعي أنه يؤمن بالله ورسوله وأنه محب للرسول ويطيل شعره
ولحيته ويلبس الملابس البيضاء، وهو مع ذلك لا يصلي ويستحل الغناء والموسيقى، ولكنه لا يصل إلى أفعال القسم الأول، ويظن أنه بهذه الأفعال يدخل الجنة.
ومنهم: من يصلي ويصوم ويدعي أنه أقرب الناس إلى الله، ولكن مرشده لا
يشدد عليه لاتباع الشريعة كلها، ويكتفي ببعض النصائح فقط، وأتباع هذا الشيخ
يظنون أنه أقرب الناس إلى الله، وأن له قدرة على تفريج كروب الدنيا والآخرة،
ويقبل الناس قدمه ويسجدون عليها من غير إنكار منه؛ لأنه مستفيد من وراء
استمرار هذه الأوضاع في الأعراس وغيرها.
نسأل الله أن يجنبنا الفتن ويهدينا وإياهم سواء السبيل.
стр. 2922
ملفات
(القبور والأضرحة دراسة وتقويم)
خاتمة الملف
الأمل مع العمل
الحمد لله وصلى الله على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فقد تجولنا بكم إخواننا القراء في هذا الملف في عددين متواليين، اطلعتم من
خلالهما على شؤون وشجون في هذا الموضوع بعد تحرينا الحقيقة والبحث عن
مصادرها الموثوقة.
نعم قد تبدو الصورة قاتمة، وهي بالفعل كذلك في بعض أجزائها، وقد يبدو
أن الجرح الذي أحدثته الخرافة في عقل الأمة عميق، ولا شك أن له امتداداً طولياً
وعرضياً في تاريخ الأمة وواقعها، وقد يبدو أن المرض مزمن وعلاجه صعب؛ إلاّ
أن الأمور الجسام تحتاج إلى جهود عظيمة غير عادية في طبيعتها وفي حجمها.
ومع كل ذلك فإننا نعتقد أن الصورة التي أبرزتها مشاركات الملف ليست
صورة كلية، بل هي جزئية مجهرية اقتضتها فنون التشخيص التي لا بد من
اجتيازها للوصول إلى العلاج الناجع لأحد الأمراض التي سرت في الأمة.
وتستكمل هذه الصورة بأن سوق الخرافة كان ولا شك أكثر رواجاً وانتشاراً
في الماضي القريب، فبعد عقود من جهود دعوية (غير منظمة وغير مركزة) تشكك
كثير من معتقدي الخرافة في معتقداتهم، إضافة إلى صفوف من شباب الصحوة نبذ
الخرافة كلياً وحمل لواء محاربتها.
ولذا لا بد أن يُستحضَر في الذهن حقيقة أن المظاهر والممارسات الخرافية
التي أوجدها ابتداع الأضرحة والعتبات المقدسة تقل في الأماكن والأزمنة التي ينشط
فيها الدعاة إلى الله على بصيرة.
وهذا ينقلنا إلى نقطة تالية، وهي: أن التغيير لا يتم تلقائياً ولا يحدث
بالأماني، ولكنه يحدث بالفعل والعمل ف [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] وفضلاً عن كون أصحاب هذه المعتقدات لن يغيروها من
تلقاء أنفسهم، فإن أئمة الخرافة والمنتفعين من وراء رواجها لن يكلّوا في الدفاع
عنها والترويج لها.
ولذلك كله فإننا نرى أن الأمل موجود، ولكن تحقيقه معقود ببذل الجهد
والإخلاص من كل مسلم لإنقاذ هؤلاء التائهين في دروب الخرافة والوهم، بدءاً من
أئمتهم وانتهاءً بدهمائهم وعوامهم.. ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن
يكون لك حُمْرُ النّعَم) [أخرجه البخاري] .
ويتعين على العلماء العاملين الذين هم ورثة الأنبياء أن يولوا أمر نشر التوحيد
ومحاربة الشرك أولى اهتماماتهم؛ فالتوحيد أصل الدين ورأسه، فينبغي تقديمه على
كل معروف وتقديم النهي عن ضده الشرك على كل منكر، وهذا ما وجه به رسول
الله ﷺ حين بعث معاذاً إلى اليمن: فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله ..) [أخرجه البخاري ومسلم] .
وفق الله الجميع إلى العلم النافع والعمل الصالح.
стр. 2923
المسلمون والعالم
المقاومة الفلسطينية خلال نصف قرن ١ ٩٤٨- ١٩٩٨م
مدخل للتقييم
(١/٢)
د. محسن محمد صالح
شهد عام ١٩٤٨م إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين؛ حيث تمكن
من الاستيلاء على ٧٨% من هذه الأرض المباركة، وتشريد معظم أبنائها، وقد
أخذ هذا الكيان يرسخ أقدامه في المنطقة، ويستقدم اليهود من شتى أنحاء العالم،
كما استطاع أن يشكل خطراً كبيراً على المنطقة العربية والإسلامية وأمنها
واستقرارها، وأن يسهم في إضعافها وتمزيقها، مستفيداً من دعم الدول الكبرى غير
المحدود وخصوصاً الولايات المتحدة. ولم تنجح الجيوش العربية سنة ١٩٤٨م في
مواجهة هذا الخطر، كما هزمت مرة ثانية سنة ١٩٦٧م وضاع ما تبقى من فلسطين
فضلاً عن أراض عربية أخرى. غير أن المقاومة الفلسطينية للكيان الصهيوني
استمرت بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة طوال الفترة الماضية.
وفي هذا المقال نحاول تسليط الضوء على تجربة المقاومة الفلسطينية ضد
الكيان الصهيوني خلال الخمسين سنة الماضية، وسنقسم هذا الموضوع إلى قسمين:
الأول: نستعرض فيه مراحل المقاومة التي خاضها الفلسطينيون خلال تلك
الفترة.
والثاني: نحاول فيه تقديم تقييم أولي لهذه التجربة.
أولاً: مراحل المقاومة:
المرحلة الأولى: ١٩٤٨ ١٩٦٧م:
منذ البداية وجد ثلثا شعب فلسطين أنفسهم مشردين لاجئين (أكثر من ٨٠٠
ألف) [١] بعد أن وضع الكيان الصهيوني يده على أربعة أخماس فلسطين، وتم
تغييب دور القيادة الفلسطينية الوطنية الممثلة يومذاك بالحاج أمين الحسيني ورفاقه
الذين شكلوا حكومة عموم فلسطين التي حُرِمت ممن ممارسة صلاحياتها على
الأرض، وضَمّت الأردنّ الضفةَ الغربيةَ فيما وضعت مصر قطاعَ غزة تحت
إدارتها.
وفي هذه المرحلة علّق الفلسطينيون آمالهم على (قومية المعركة) وعلى
الأنظمة العربية وخصوصاً مصر بزعامة عبد الناصر، وكان شعار: (الوحدة
طريق التحرير) هو الشعار البراق لتلك المرحلة. غير أن الأنظمة العربية اتخذت
صبغات علمانية ذات مضامين اشتراكية أو غربية أو محافظة، وشهدت فترة
الخمسينيات والستينيات مداً قومياً ويسارياً جارفاً، وانحساراً مؤلماً للتيار الإسلامي، ورغم حالة العداء والحروب مع الكيان الصهيوني، إلا أن الخط البياني للأنظمة
العربية كان يسير باتجاه (التسوية) وليس باتجاه (التحرير) وتم تبني المقاومة
الفلسطينية لأسباب تكتيكية مرحلية وليس لأسباب استراتيجية شاملة. وسارت
سياسات دول المواجهة مع المقاومة الفلسطينية ضمن خطين:
الأول: ضمان أمن النظام وبقائه، وعدم تعريضه لمخاطر الانتقام الصهيوني، ومن ثم ضبط العمل الفدائي، ووضعه تحت السيطرة ما أمكن، ومنعه من
استخدام الحدود للقيام بعمليات مسلحة.
والخط الثاني: السماح المرحلي التكتيكي بوجود المقاومة وعملها، تحقيقاً
لمكاسب سياسية وشعبية أو تجنباً لاضطرابات داخلية، وتنفيساً عن غضب
الجماهير، ولذلك بقيت حدود دول المواجهة مع العدو مغلقة محرمة على العمل
الفدائي الفلسطيني طوال الخمسين عاماً الماضية، مع استثناءات لفترات محدودة
فرضتها ظروف معينة، وكان أهم هذه الاستثناءات جنوب لبنان، الذي تشكلت فيه
قاعدة مقاومة قوية بعد ١٩٦٧م، ليس بسبب رغبة النظم الحاكمة هناك، وإنما
بسبب ضعفه وقوة الثورة وقاعدة تأييدها الواسعة.
وفي هذه المرحلة، اتخذت المقاومة الفلسطينية أشكالاً بسيطة محدودة التأثير،
بانتظار دور عربي حاسم، فكثرت عمليات اختراق الحدود الفردية لاسترجاع
ممتلكات للعائلات أو للانتقام من الغاصبين. ونشط الإخوان المسلمون في قطاع
غزة في تشجيع وتجنيد الشباب للقيام بالعمليات الفدائية، وساعدهم في ذلك ضباط
إسلاميون مصريون من أمثال عبد المنعم عبد الرؤوف، وقام الإخوان في النصف
الأول من الخمسينيات بزرع الألغام، ونسف المنشآت، وتخريب خطوط المياه
والكهرباء مما أدى إلى ردود فعل صهيونية متغطرسة، وإثر مذبحة غزة التي قامت
بها القوات الصهيونية في ٢٨ شباط / فبراير ١٩٥٥م، وإثر انتفاضة غزة في
الأول من آذار/ مارس ١٩٥٥م وافقت القيادة المصرية على العمل الفدائي
الفلسطيني، ووضعته تحت إشراف الضابط المصري مصطفى حافظ الذي قام
بواجبه خير قيام. وتدفق الآلاف للتطوع؛ غير أنه تم انتقاء العناصر ذات الخبرات
القتالية وذات المعرفة بالأرض، وزاد عدد الفدائيين العاملين عن الألف، وكثير
منهم من أبناء الحركة الإسلامية ومؤيديها، وقاموا بعمليات يومية خاطفة، وأحياناً
بعمليات كبيرة واسعة شارك في إحداها ٣٠٠ فدائي في نيسان / إبريل ١٩٥٦م
توغلوا لمسافات كبيرة ونجحوا في مهامهم [٢] .
وحتى بعد حظر نشاط الإخوان المسلمين في القطاع، وتعرضهم للمطاردة فقد
استمروا في عملهم الجهادي السري، وشكلوا مجموعات جهادية مسلحة مثل (شباب
الثأر) و (كتيبة الحق) وكان لهم دورهم المشهود في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي
للقطاع تشرين الثاني/ نوفمبر ٥٦ آذار/ مارس ١٩٥٧م إثر العدوان الثلاثي على
مصر. وبرز من الإخوان خليل الوزير (أبو جهاد) الذي كان أحد أنشط عناصرهم
العسكرية. غير أن ظروف محاربة النظام الحاكم في مصر للإخوان، وإفساح
المجال للتيارات القومية واليسارية، فضلاً عن هجرة العديد من الكفاءات ورموز
الإخوان إلى الخارج وخصوصاً دول الخليج، كل ذلك أضعف من قوة حركة
الإخوان في القطاع وهمّش دورها منذ أواخر الخمسينيات وحتى عام ١٩٦٧م [٣] .
ومنذ تلك الفترة استمر سلوك الحركة الإسلامية العام بالمحافظة على النفس
والتركيز على الجوانب الإيمانية والتربوية؛ غير أن هذا لم يمنع من ظهور
تساؤلات وسط الصف الشبابي (الإخواني) عن وسائل العمل الممكنة لقضية فلسطين، فأخذ يظهر توجه للقيام بعمل منظم مسلح لا يتخذ أشكالاً إسلامية ظاهرة، وإنما
يتبنى أطراً وطنية عامة تمكن من تجنيد قطاع واسع من الشباب، ولا تصطدم
بعداء وملاحقة الأنظمة، وقدم خليل الوزير مشروعاً بذلك إلى قيادة الإخوان في
غزة، لكنه لم يحصل على ما يرجوه. وفي المقابل شكلت تجربة الثورة الجزائرية
المظفرة بارقة أمل، ودفعة معنوية كبيرة للقيام بعمل وطني. وقد كانت هذه هي
البذور الأولى لنشأة حركة فتح التي خرجت أساساً من أحضان الإخوان المسلمين،
وبالذات أبناء قطاع غزة ورغم عدم استجابة المسؤولين من الإخوان إلا أن عدداً من
ذوي المكانة والاحترام بين القواعد ممن اقتنعوا بهذا التصور قاموا بدعوة إخوانهم
الآخرين للانضمام لهذه الحركة، وكان منهم سعيد المزين (أبو هشام) وغالب الوزير، وانضم إليهم عدد من الإخوان المرموقين في ذلك الوقت مثل: سليم الزعنون (أبو ...
الأديب) وصلاح خلف (أبو إياد) وأسعد الصفطاوي، ومحمد يوسف النجار، وكمال
عدوان، ورفيق النتشة، وتمكنت فتح من تجنيد أفراد كثيرين ممتازين من الإخوان، وكان الإخوان يعتبرون هذه الحركة منهم أو رصيداً لهم، وقد نشأت فتح في
الكويت في أواخر ١٩٥٧م؛ وتشير إحدى المصادر الإخوانية أن قيادتها الأولى
كانت من خمسة أعضاء أربعةٌ منهم من الإخوان أو ذوو جذور إخوانية هم: أبو
جهاد، ويوسف عميرة، وعبد الفتاح حمود، وسليمان حمد، والخامس (أبو عمار)
ياسر عرفات الذي كان قريباً من الإخوان. لكن على ما يبدو فإن قيادة الإخوان في
غزة أصرت إما على الإشراف الكامل على الحركة بوجود ثلاثة أعضاء تعينهم
بنفسها أو بالانفصال عن الحركة، ولما لم تستجب فتح لذلك فقد أمر الإخوان
قواعدهم بالانفصال وخيّروهم بين إحدى الجهتين وذلك في عام ١٩٦٣م، وهكذا
خسر الطرفان بعضهما بعضاً وتوسعت فتح في تجنيد العناصر من تيارات
مختلفة [٤] .
استطاعت حركة فتح تشكيل جناح عسكري (العاصفة) وقامت بأول عملياتها
العسكرية في مطلع ١٩٦٥م وتمكنت من شن حوالي ٢٠٠ عملية منذ ذلك الوقت
وحتى حرب حزيران/ يونيو ١٩٦٧م وقد اتهمتها الأنظمة العربية بالرجعية والعمالة، ومحاولة جرها للحرب مع العدو قبل الأوان، وقامت بملاحقة أفرادها وسجنهم،
ومنعهم من التحرك والعمل، لكن هزيمة الأنظمة في ١٩٦٧م فتحت أمامها آفاقاً
جديدة [٥] .
ومن جهة أخرى دعمت الأنظمة العربية منظمة التحرير الفلسطينية في
حزيران/ يوليو ١٩٦٤م بزعامة أحمد الشقيري، ورغم أن هدف بعض هذه الأنظمة
كان وضع المقاومة الفلسطينية تحت الإشراف والسيطرة بعد شعورهم بما كانت
تموج به الساحة من حركات سرية وأنشطة بعيدة عن التحكم الرسمي، ورغم ذلك
فإن (م. ت. ف.) لقيت تأييداً شعبياً باعتبارها ممثلاً للكيان الفلسطيني والهوية
الوطنية التي جرى تغييبها، هذا مع تحفظ عدد من الجهات ومنها فتح على خلفيات
إنشائها، وعدم قدرة (م. ت. ف.) على القيام بواجباتها، وقد تم تشكيل المجلس
الوطني الفلسطيني الذي أقر إنشاء (م. ت. ف.) وميثاقها، كما تقرر تشكيل
جيش التحرير الفلسطيني ليتبع (م. ت. ف.) وتم القيام بعدد من الجهود التعبوية
والإعلامية [٦] .
المرحلة الثانية، ١٩٦٧م ١٩٨٧م:
كشفت حرب حزيران/ يونيو عام ١٩٦٧م مدى الضعف الذي كانت تعاني منه
الأنظمة العربية، ووضعت حداً للآمال التي كانت معلقة عليها، وشعر الفلسطينيون
أكثر من أي وقت مضى بضرورة أخذ زمام المبادرة بأيديهم، واضطرت الأنظمة
تفادياً لموجات الغضب الشعبي أن تفسح المجال للعمل الفدائي، الذي استطاع أن
يبني قواعد قوية وواسعة في الأردن ولبنان، واستطاعت التنظيمات الفدائية بزعامة
فتح أن تصل إلى قيادة (م. ت. ف.) التي أصبحت برئاسة (أبو عمار) منذ
شباط / فبراير ١٩٦٩م، وبرز خط الكفاح الشعبي المسلح وحرب العصابات،
واكتسبت الشخصية الوطنية الفلسطينية زخماً كبيراً، وتمكنت (م. ت. ف) في
مؤتمر الرباط في تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٧٤م من الحصول من الأنظمة العربية
على الاعتراف بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وفي الشهر التالي
حققت انتصاراً سياسياً عندما ألقى أبو عمار خطابه في الأمم المتحدة (دون أن
يتنازل عن أي من حقوق الفلسطينيين، وتم قبول (م. ت. ف) عضواً مراقباً،
وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف السبعينيات قرارات تؤيد حق
شعب فلسطين في تقرير مصيره، بل وفي الكفاح المسلح لنيل حقوقه.
كانت الفترة بين ١٩٦٧م ١٩٧٠م هي الفترة الذهبية للعمل الفدائي الفلسطيني، وكانت معركة الكرامة في ٢١ آذار / مارس ١٩٦٨م إنجازاً معنوياً ومادياً كبيراً
لحركة فتح، بعد أن تم تكبيد العدو الصهيوني خسائر كبيرة، فاندفع الآلاف للتطوع
وتسجيل أنفسهم، وخلال ٤٨ ساعة كان حوالي خمسة آلاف قد طلبوا الانضمام لفتح
فقبلت منهم ٩٠٠ فقط حسب إمكاناتها ومعاييرها. وتطورت العمليات الفدائية من
١٢ عملية شهرياً ١٩٦٧م إلى ٥٢ شهرياً سنة ١٩٦٨م ثم إلى ١٩٩ عملية شهرياً
سنة ١٩٦٩م وإلى ٢٧٩ عملية شهرياً في الأشهر الأولى من سنة ١٩٧٠م [٧] .
ومن جهة أخرى فإن الكيان الصهيوني ظل يقوم بحملات متواصلة ضد قواعد
الفدائيين في لبنان، بل وضد المدنيين وقراهم ومحاصيلهم ليمنع أي دعم محتمل من
السكان لإخوانهم، فكان من ذلك هجماتهم على العرقوب بين ١٩٧٠ ١٩٧٢م،
واغتيال ثلاثة من قيادة المنظمة في بيروت في نيسان/إبريل ١٩٧٣م (محمد يوسف
النجار، كمال عدوان، كمال ناصر) وقاموا بحملة اجتياح واسعة للجنوب اللبناني
في مارس ١٩٧٨م، نجحوا على إثرها في إنشاء حزام أمني بقيادة سعد حداد، وفي
معركة الشقيف في ١٩ آب / أغسطس ١٩٨٠م حققت المقاومة الفلسطينية نجاحاً
كبيراً ضد الهجوم الصهيوني. وكان اجتياح الجيش الصهيوني للبنان في صيف
١٩٨٢م هو الأضخم والأعنف، وقد تمكنت من اجتياح الجنوب بسهولة وسرعة
نسبية، غير أنه توقف عند أسوار بيروت حوالي ثمانين يوماً، وُوجِه خلالها
بمقاومة عنيفة. لكن الهجوم نجح على أي حال في تدمير معظم البنية التحتية للعمل
الفدائي في لبنان، وفي إخراج آلاف المقاتلين الفلسطينيين إلى معسكرات بعيدة في
اليمن وتونس والجزائر والسودان، وهكذا ضُيّق الخناق على أي مقاومة فلسطينية
محتملة من خارج فلسطين.
وبالتأكيد فإن معدل العمليات الفدائية ضد الكيان الصهيوني قد انخفض في
السبعينيات، وتراجع إلى حدود متواضعة جداً في الثمانينيات، غير أن هناك عدداً
من العمليات النوعية التي تجدر الإشارة إليها مثل عملية سافوي التي قامت بها فتح
في تل أبيب في ٦ آذار / مارس ١٩٧٥م وأدت إلى مقتل وجرح خمسين جندياً
وخمسين مدنياً [٨] ، وعملية كمال عدوان بقيادة دلال المغربي في آذار / مارس
١٩٧٨م مما أدى على الأقل لمقتل ٣٧ وجرح ٨٢ من الصهاينة [٩] .
وقامت منظمات فدائية أخرى بعمليات مثل اختطاف الطائرات، والتي برزت
فيها الجبهة الشعبية خصوصاً في ١٩٧٠م، والهجوم على مطار اللد في
٣٠/٥/ ١٩٧٢م مما أدى إلى مقتل ٣١ وجرح ٨٠ آخرين [١٠] ، وعملية الخالصة) التي نفذتها الجبهة الشعبية القيادة العامة في ١١ نيسان / إبريل ١٩٧٤م [١١] ، وعملية الطائرة الشراعية التي نفذتها الجبهة نفسها في تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٨٧م، وغيرها.
وهكذا، فمنذ عام ١٩٨٢م أدى الإنهاك العسكري إلى استضعاف سياسي،
وكسب أنصار تيار (الواقعية) في (م. ت. ف.) دفعات جديدة باتجاه تبني حلول
سلمية. والحقيقة أن (م. ت. ف.) بدأت تغيّر خطابها السياسي منذ فترة مبكرة،
خصوصاً منذ تبنيها برنامج النقاط العشر سنة ١٩٧٤م، وكثرة الحديث عن الحلول
المرحلية إلخ.. وكانت موافقة (م. ت. ف.) على مشروع فاس ١٩٨٣م علامة
فارقة لما يتضمنه من اعتراف بحق دول المنطقة في العيش بسلام (بما فيها الكيان
الصهيوني) [١٢] .
وواجهت قيادة (م. ت. ف.) سنوات عجافاً خلال ١٩٨٣م ١٩٨٧م
انعكست على شكل تراجع في الأداء النضالي المسلح، وانتكاسات على المستوى
السياسي.
أما من جهة التيار الإسلامي فإن مرحلة ١٩٦٧م ١٩٨٧م كانت مرحلة تصاعد
تدريجي في الشعبية، ومع نهاية السبعينيات بدأ الاتجاه الإسلامي الفلسطيني يحقق
نجاحات واسعة في الداخل والخارج، فعلى الصعيد الطلابي أخذ يسيطر على عدد
من الاتحادات الطلابية، وتوسعت دائرة نفوذه في النقابات المهنية، وأخذ الرصيد
الشعبي العام في الاتساع على حساب الاتجاهات الأخرى، ولكن هذا التوسع كان
في الميدان الشعبي والاجتماعي والخيري والتربوي، بينما بقي العمل الجهادي
والسياسي منعدماً أو منحسراً حتى أواخر السبعينيات، ويبدو أن قيادات التيار
الإسلامي عملت على بناء قاعدة صلبة لعمل طويل المدى، وعدم الاستعجال في
حرق المراحل، وخشيت من تكرار تجارب غير ناضجة لتنظيمات مسلحة ما لبثت
أن تحولت إلى (دكاكين) ومكاتب إعلام تخدم أطرافاً عربية معينة لها مصالحها
وحساباتها الخاصة، ورأت أن مثل ذلك يلطخ الصورة التي يريدون تقديمها ويورث
الإحباط.
وعلى أي حال، فقد كانت هناك مشاركة محدودة للإخوان المسلمين في
(معسكرات الشيوخ) في الأردن ١٩٦٨م ١٩٧٠م حيث تم تدريب حوالي (٣٠٠)
رجل توزعوا على سبع قواعد فدائية، وعملوا تحت مظلة فتح؛ وعلى محدودية
إمكاناتهم، فقد قدموا نماذج مشرفة، فخاضوا عمليات قوية ناجحة مثل الحزام
الأخضر ٣١ آب / أغسطس ١٩٦٩م ودير ياسين ١٤ أيلول / سبتمبر ١٩٦٩م
وسيد قطب ٢٨ آب / أغسطس ١٩٧٠ واستشهد منهم حوالي ١٣ رجلاً [١٣] .
وفي أواخر السبعينيات، كانت الظاهرة الإسلامية قد قويت في الأرض التي
احتُلت سنة ١٩٤٨م، وكُشف في ١٩٨٠م تنظيم (أسرة الجهاد) بقيادة فريد أبو مخ
وعبد الله نمر درويش، واعتُقل حوالي ستين عضواً، وكان قد قام بعشرات
العمليات في الأرض المحتلة [١٤] . وفي قطاع غزة، برز دور المجمع الإسلامي
بقيادة الشيخ أحمد ياسين، وفي سنة ١٩٨٣م قبض على الشيخ أحمد ياسين وعدد
من رفاقه، بعد اكتشاف مخزن أسلحة في أحد المساجد، بتهمة إنشاء تنظيم معاد
للكيان الصهيوني [١٥] . أما حركة الجهاد الإسلامي فكان أبناؤها المؤسسون
أعضاء في (الإخوان) حيث تكونت نواتهم الأساسية من الطلبة الفلسطينيين
الدارسين في مصر في أواخر السبعينيات برئاسة د. فتحي الشقاقي، وبدأوا
تشكيلاتهم في فلسطين منذ ١٩٨٠م، ودعوا إلى (الإسلام منطلقاً، والجهاد وسيلةً،
وفلسطين هدفاً للتحرير) وكان من أبرز عملياتهم عملية باب المغاربة التي أدت إلى
إيقاع حوالي ثمانين إصابة في جنود العدو الصهيوني في ١٦ تشرين الأول/ أكتوبر
١٩٨٦م [١٦] .
المرحلة الثالثة: ١٩٨٧م- ١٩٩٨ (الآن) :
بقدر ما تجلت قدرات شعب فلسطين في هذه المرحلة على التضحية والعطاء
من خلال الانتفاضة المباركة، بقدر ما كانت الحصيلة مخيبة للآمال لقد كانت
الانتفاضة التي اندلعت في ٩ كانون الأول ديسمبر ١٩٨٧م من أروع وأنبل ما شهده
تاريخ فلسطين المعاصر عندما واجه الشعب الأعزل بأطفاله ونسائه وشيوخه الجيش
الصهيوني المدجج بالسلاح، و (تحدّت العين المخرز) وواجه الحجر الرصاصة
والدبابة. في هذه الانتفاضة شارك الشعب تحت الاحتلال في الضفة والقطاع بكل
فئاته واتجاهاته وقطاعاته، وتميزت هذه الانتفاضة بأمرين جديدين: الأول: أن
(الداخل) المحتل أخذ زمام المبادرة النضالية، بعد أن كانت بيد العمل من (الخارج) . والثاني: (أن التيار الإسلامي شارك بقوة وعنف وفاعلية، وبرز لأول مرة على
ساحة المواجهة بحجم منظم مؤثر. لقد أكدت هذه الانتفاضة رفض أبناء فلسطين
للاحتلال وإصرارهم على المقاومة، وراقب العالم في ذهول أطفال فلسطين وهم
يفضحون آلة القمع الصهيونية، ويكشفون وجهها القبيح، وبدأ العالم يستذكر أن
هناك شعباً مقهوراً مستعمَراً اغتُصبت أرضه.
وتميزت المرحلة الأولى من الانتفاضة المباركة بالمواجهة الشعبية الواسعة،
والإضرابات، والمظاهرات، ومقاطعة الإدارة المدنية الصهيونية، وتنظيف
المجتمع من العملاء ومروجي الفساد والمخدرات، أما المرحلة الثانية: فقد شهدت
تنامي العمليات المسلحة ضد الصهانية مع تراجع الأنشطة الجماهيرية خصوصاً منذ
أوائل ١٩٩٢م وحسب مصادر (م. ت. ف.) فإنه خلال الفترة من كانون الأول / ديسمبر ١٩٨٧م إلى كانون الأول / ديسمبر ١٩٩٣م، كان قد استشهد ١٥٤٠
فلسطيني وجرح ١٣٠ ألفاً واعتقل ١١٦ألفاً [١٧] .
وقد تلازم إنشاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع بداية الانتفاضة،
واعتبرت من أكثر الأطراف فاعلية، إن لم تكن أبرزها جميعاً. وقد عرّفت حماس
نفسها بأنها جناح للإخوان المسلمين وامتداد لهم، وذكرت في ميثاقها أنها (تعتبر
الإسلام منهجها، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها، وإليه تحتكم، ومنه
تسترشد خطاها) . وهدفت إلى تحرير فلسطين، وإقامة دولة الإسلام على أرضها،
ودعت إلى تربية متكاملة للأجيال لتحقيق الغايات المرجوة [١٨] . وقد استطاعت
حماس أن تحقق شعبية واسعة فكان مؤيدوها يحصلون على ثلث الأصوات وأحياناً
نصفها عادة في انتخابات الطلاب والنقابات المهنية. وفي مقابلة صحفية للدكتور
هشام شرابي المعروف بميوله العلمانية قال: إن حماس هي الشكل الجديد للمقاومة
وأنها (نجحت حتى الآن فيما عجزت عنه (م. ت. ف.) وفصائلها خلال أكثر
من ربع قرن في استنباط أشكال جديدة لتنظيم الشعب الفلسطيني وتمكينه من
الصراع العسكري الفعال باستقلال عن كل عون خارجي) [١٩] ، وقد تطور عمل
وأنشطة حماس من المظاهرات والمواجهات الشعبية إلى قذف القنابل الحارقة
والطعن بالسكاكين وتصفية العملاء، إلى العمليات الجهادية المسلحة ونصب الكمائن، إلى العمليات الاستشهادية، غير أن أطراف (م. ت. ف.) سعت لاستثمار
سياسي سريع للانتفاضة بدخول مؤتمر مدريد ١٩٩١م، ثم توقيع اتفاقية أوسلو
١٩٩٣م وبدء مشروع الحكم الذاتي ١٩٩٤م، وقد زاد هذا من صعوبة عمليات
حماس، وأصبحت تتعرض لضغط فلسطيني وصهيوني مشترك؛ ورغم ذلك فقد
شهدت الفترة من ١٩٩٤م ١٩٩٧م عدداً من العمليات النوعية القوية ومن ذلك ردها
على مذبحة المسجد الإبراهيمي بخمسة عمليات عنيفة، وردها على مقتل المجاهد
يحيى عياش (الذي كان مهندساً لعمليات أدت لقتل حوالي سبعين إسرائيلياً وجرح
٣٤٠ آخرين) بعدة عمليات في شباط / فبراير، وآذار / مارس ١٩٩٦م هزت
الكيان الصهيوني واستدعت عقد مؤتمر (شرم الشيخ) الدولي بحضور الدول الكبرى
لمكافحة (الإرهاب) [٢٠] .
وحسب إبراهيم غوشة الناطق الرسمي باسم حماس فإن الحركة قدمت منذ
الانتفاضة حوالي سبعمائة شهيد [٢١] ، ولا تزال حماس تتعرض للملاحقة
والمطاردة والاجتثاث، من قِبَل سلطات الحكم الذاتي ومن قِبَل الكيان الصهيوني.
ومن جهة أخرى فقد قامت حركة الجهاد الإسلامي بعدد من العمليات النوعية
والاستشهادية مثل عملية نتساريم في تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٩٤م وعملية (بيت
ليد) في ٢٢ كانون الثاني/ يناير ١٩٩٥م وعملية (تل أبيب) في ٤ آذار/ مارس
١٩٩٦م كما قتل قائد الحركة د. فتحي الشقاقي ونحسبه من الشهداء في عملية
اغتيال نفذها الموساد الصهيوني في ٢٦تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٩٥م [٢٢] .
وبلا شك فإن الاتجاه الإسلامي الفلسطيني يعمل الآن في ظروف غير مواتية،
ولكنها ظروف تمكنه من التمايز، ومعرفة العدو من الصديق.
ومن جهة أخرى فقد عدّت قيادة (م. ت. ف.) الانتفاضة رافعة سياسية لها، فحاولت استثمارها بشكل مبكر؛ وقامت بتشكيل القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة
لتتولى توجيه فعالياتها، وشاركت الفصائل الفلسطينية وخصوصاً فتح بفعالية في
المرحلة الأولى من الانتفاضة، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٩٨م طرحت
(م. ت. ف.) مبادرتها السلمية واعترفت لأول مرة بقرار الأمم المتحدة رقم ٢٤٢ وهو ما كانت ترفضته طوال ٢١عاماً، وأسهم سقوط الاتحاد السوفييتي وانحلاله، والهجرة اليهودية الواسعة إلى فلسطين المحتلة منه ومن أوروبا الشرقية (حوالي ٧٠٠ ألف) وكذلك الاحتلال العراقي للكويت، وما رافقه من نتائج سلبية أضعفت البلاد العربية والإسلامية، كل ذلك أعطى فرصة ذهبية للضغط على الفلسطينيين للذهاب إلى مؤتمر مدريد في تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٩١م وفق شروط مجحفة، ثم التوصل إلى اتفاقية أوسلو في أيلول/ سبتمبر ١٩٩٣م ضمن شروط أكثر إجحافاً.
ونتج عن ذلك قيام حكم ذاتي فلسطيني محدود على أجزاء من الضفة والقطاع
(لم تتعد إلى الآن ٣٠% من قطاع غزة و٦% من الضفة الغربية) وذلك دون أن
تحل قضايا الاستيطان الصهيوني وقضية القدس وعودة اللاجئين ودون أن يعطى
الفلسطينيون حق تقرير مصيرهم. وقد أمل الكثير من الفلسطينيين أن يكون اتفاق
أوسلو أساساً تبنى عليه مطالب جديدة، ولكنه كما يبدو الآن فإن الآمال تسعى إلى
الوصول إلى سقف أوسلو، بعدما أبدى الصهاينة من مماطلات وشروط تعجيزية
إلخ [٢٣] .
والآن فإن مناضلي الأمس الذين قاتلوا لتحرير أرض ١٩٤٨م قبل سقوط
الضفة، والقطاع، يجدون أنفسهم في مواجهة مجاهدي اليوم، وها هم يتهمون
مجاهدي اليوم بما اتّهموا هم به عندما بدأوا نضالهم قبل أكثر من ٣٠ عاماً من قِبَل
معارضيهم! فلمن تكون العاقبة؟ لا شك في أن (العاقبة للمتقين) .
стр. 2924
المسلمون والعالم
طالبان.. وقدر أفغانستان
(٣/٣)
طالبان.. في الميزان!
عبد العزيز كامل
هناك قاعدة ذهبية، أشار إليها الإمام أحمد بن تيمية ﵀ مستخلصاً إياها
من مجمل نصوص الشريعة، وقد نص عليها في مواضع عديدة من مؤلفاته، يقول
﵀: (إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وبر وفجور، وطاعة
ومعصية، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير،
واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر) [١] . وما قاله ﵀ عن
الفرد، يصدق على الجماعات وعلى المجتمعات.
ونحن في حاجة دائمة إلى استصحاب تلك القاعدة في تقويمنا للأشخاص
والأفكار والمناهج النظرية، وأنواع السلوك العملية لكل الطوائف الإسلامية، ومنها
طالبان أو غيرها؛ فكل من يتصدى للعمل لدين الله، نزنه بميزان هذا الدين الذي
لا يعرف التطفيف أو البخس أو الميل، [وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا
المِيزَانَ] [الرحمن: ٩] .
لسنا إذن أمام مواقف مطلقة، ولا مواقف مسبقة، فما أكثر ما جنت تلك
المواقف المرتجلة على روح الحقيقة، وما أكثر ما تسببت أيضاً في اضطراب كفتي
الولاء والبراء.
وفيما يتعلق بتقويم (التجربة) الطالبانية، هناك أمور ينبغي التنبيه إليها قبل
إجراء هذا التقويم:
أولاً: أن هذه التجربة صغيرة جداً في عمرها (لا تتجاوز أربع سنوات) وهذه
مدة لا تكفي أبداً لظهور نتائج مواقفها سلباً أو إيجاباً بشكل متكامل.
ثانياً: أن هالة الاتهام المحيطة بطالبان كان لا بد أن تخضع للمنطق العادل
وهو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس المتهم مداناً حتى تثبت براءته!
ثالثاً: أن الحركة عملت ولا تزال تعمل في ظروف استثنائية غير طبيعية
(حرب، فقر، معارضة داخلية، حصار، دمار) فلا بد من مراعاة ذلك عند التقويم.
رابعاً: أن الصورة المرسومة لها في الأذهان، خطّت معالمها اليد الإعلامية
الغربية بخبث مقصود، وحاكتها في ذلك بعض أجهزة الإعلام العربي بتحامل مبيت؛ فمهمة استخلاص الحقيقة من بين براثن ذلك التشويش ليست يسيرة.
خامساً: أن حركة (الطالبان) ظهرت في ظرف ضرورة، بمعنى أن أكثر ما
قامت به للآن كان القيام به ضرورياً فلا يسع عاقل منصف فضلاً عن ناصح
مخلص أن ينكر هذا الفضل لهم.
وهذه النقطة الأخيرة بالذات لنا معها بعض الوقفات.
* لقد كان استنقاذ ثمرة الجهاد الأفغاني الباهظة التكاليف ضرورة ... وقد
استنقذوها بإجهاض مخططات الأمم المتحدة ومن وراءها لفرض العلمنة على
أفغانستان.
* وكان إنهاء الحرب الأهلية (الكارثية) بين الفصائل ضرورة ... وقد نجحوا
في إنهائها بكف الأيدي التي تسببت فيها.
* وكان لمّ شمل أقاليم أفغانستان المبعثرة تحت سلطة واحدة ضرورة ... وقد
قاموا بذلك فوحدوا معظمها تحت حكومة رضيتها القاعدة الشعبية.
* وكان الإجهاز على بقايا الشيوعيين وكسر صلبهم ضرورة ... وقد نفذوا
ذلك بشكل تام بإخراج دوستم وأتباعه من مزار الشريف.
* وكان تحجيم الوجود الشيعي المدعوم والمتنامي ضرورة ... وقد تم هذا
التحجيم بفتح معقلهم الرئيسي القوي في مدينة (باميان) .
* وكان نزع سلاح المدنيين لإنهاء فرص العودة إلى الحرب الأهلية ضرورة.. وقد تم لهم ذلك في كل الولايات التي سيطروا عليها.
* وكان القضاء على ظاهرة الفساد المتفشي والجريمة المنظمة ضرورة، وقد
خطوا في سبيل ذلك خطوات واسعة، بالشروع في تطبيق الشريعة وتنفيذ الحدود.
ولا شك أن هناك ضرورات وتحديات أخرى كثيرة تنتظر الحكومة الناشئة
داخلياً وخارجياً، وقد أشرت إلى جانب منها في المقال السابق.
وإذا سألنا أي مهتم بأمر المسلمين: هل هذه المصالح كانت مطالب أم لا؟
لأجاب على الفور: لا شك أنها كانت مطالب تبحث عن منفذ لها؛ لأنها
تصب في مصلحة الإسلام في هذه البلاد، سواء قامت بها طالبان أو غيرها.
وأنا لا أشك في أن ما قامت به (الطالبان) لو كان قام به رباني عندما كان
رئيساً للجمهورية، أو حكمتيار عندما كان رئيساً للوزراء، أو مسعود عندما كان
وزيراً للدفاع، لصفق لهم المسلمون في العالم..! ! ولكن طالبان جاءت بعد أن
رفع الناس أيديهم وانفضت الوليمة ... ولعل في ذلك حكمة إلهية عليمة.
لا أظن الدعوة إلى الإنصاف ستكون غريبة في أوساط الإسلاميين؛ صحيح
أنه ليس أندر في الدنيا من الإنصاف كما قال الإمام الشافعي ولكني أظن أن هذه
الندرة محلها هؤلاء المسلمون الصادقون وحدهم.
إن الإنصاف لا يعني بداهة التعامي عن الأخطاء أو تزيين العيوب، بل يعني
اقتسام الحق نصفين: حق يُعطى، وحق يؤخذ.
فإذا أعطينا مسلماً حق الولاء والنصيحة، فعليه أن يعطينا حق الوفاء
بموجبات هذا الولاء وقبول النصيحة، وجرياً على قواعد هذا التناصف؛ نناقش
بعضاً من أبرز القضايا المتعلقة بسياسات طالبان الداخلية بعد أن استعرضنا في
مقال سابق ملابسات أوضاعها الخارجية.
أولاً: طالبان والمنهج:
لعل أول ما يعني المسلم الحريص تجاه أي طائفة إسلامية، هو النظر في
منهجها الإصلاحي، وخاصة فيما يتعلق بالاعتقاد، فإصلاح عقائد الناس هو أكبر
عمل إصلاحي يمكن أن تقوم به فئة ولاّها الله أمر العباد، والأمر المشهور: أن
الشعب الأفغاني كغيره من غالبية الشعوب الإسلامية وقعت طوائف منه فريسة
للدعوات الخرافية، وقد نشأ بسبب ذلك تنوع في الانتماء العقدي، يشتمل بلا شك
على انحرافات خطيرة في الاعتقاد، وهذا أمر متوقع خصوصاً في ظل غياب
حركات علمية إصلاحية قوية.
والآن وقد سيطرت على أفغانستان حركة تنسب نفسها للعلم ولطلب العلم،
فأول ما يتوقع منها وما يظن بها هو أن تنشر في البلاد أنوار العلم لتقضي به على
ظلمات الخرافة والجهل والانحراف، والطرح الاعتقادي لحركة طلاب العلم أو
(طالبان) والمجهود المبذول في نشره، قد لا يكون على المستوى المطلوب الآن،
ولا شك بأنّ هذا تقصير، فالدعوة إلى تصحيح التوحيد، ونبذ الشرك والخرافة،
من أولى الأولويات، وعلى رأس الواجبات. ولكن المصادر الشحيحة المتوافرة عن
انتمائهم العقدي تستبعد كثيراً من الاتهامات الفجة الموجهة إليهم كدعوى انتسابهم
للقبوريين أو غلاة الصوفية، وباطلاعي على عدد من النشرة الرسمية لطالبان
والمعنونة بـ (مجلة الطالب) وجدت فيها دعوة صريحة لنبذ القبورية، ونبذ التوسل
بغير الله [٢] .
وذلك لا يعني بالضرورة أن هذا اتجاه عام داخل الحركة، ولكنه تيار موجود
على كل حال ويحتاج إلى التشجيع.
كما وجدت سلسلة في المجلة المذكورة بعنوان (عقيدة أهل السنة والجماعة) ،
وكاتبها هو (مولوي بير محمد) المتخرج من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، تكلم
صاحبها عن معتقد أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات، بما لا يُشم منه أي
رائحة للخروج عن المعتقد الصحيح فيها [٣] .
لا شك أن هذه الكتابات غير كافية في بيان معالم المنهج لدى طالبان، ومع
هذا أقول: إن العلم بالتعلم، والفهم بالتفهم، وليت الحركة تستفيد من الإنتاج العلمي
الغزير من الأبحاث المتعلقة بالعقيدة لعلماء موثوقين في أنحاء العالم الإسلامي،
وتستغل فرصة ثقة الشعب الأفغاني وحبه للعلماء ولطلاب العلم، لعل الله يحقق
على أيديهم هذا الأمل الكبير، وهو تربية شعب كامل على المنهاج الصحيح لأهل
السنة، وهذا ليس بالأمر المستحيل؛ فكم من أمم عبر التاريخ تغيرت مذاهبها من
باطل إلى حق، أو من حق إلى باطل.
إن أمام طالبان معركة جديدة ضد الخرافة والبدعة، تتطلب نفساً طويلاً،
وحكمة بالغة، تجيّش فيها كافة إمكاناتها العلمية والدعوية لنشر السنة ومنهج السلف
الصالح، ونسأل الله تعالى أن يعينهم على تحمل هذه المسؤولية العظيمة.
ثانياً: برنامج الحركة الإصلاحي:
لن نطالب الحركة بإبراز هذا البرنامج فقد أبرزوه ولكنا نحاكمهم إليه؛ لأنه
حجة لهم أو عليهم، وقد مكنهم الله من الأخذ بناصية البلاد، فلا عذر لهم في
التقاعس بعد ذلك عن التنفيذ، وقد ذكرت حركة طالبان على لسان أحد أنصارها
وهو الدكتور (شير علي شاه) أستاذ علوم الحديث والتفسير بجامعة (منبع العلوم)
هذه الأهداف العملية فيما يلي:
١- إعلان دستور للبلاد ينطلق من الشريعة الإسلامية وحدها.
٢- إشاعة العدل والأمن.
٣- المساواة في الحقوق في جميع الولايات.
٤- التمكين للوحدة الإسلامية ومحاربة القومية والعصبية العنصرية.
٥- التعاون مع الدول الإسلامية وتعميق الروابط الإسلامية.
٦- إقامة الحياة السياسية والاقتصادية وفق الشريعة الإسلامية.
٧- تطبيق نظام الحسبة، وتشكيل هيئة مسؤولة عن الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر.
٨- الاهتمام بالجيش وتحديث القوات المسلحة، وتقديم الكفاءة على الولاء في
تولية المناصب.
٩- الاهتمام بمجالات الزراعة والصحة والتعليم، مع الاهتمام بترويج العلوم
الإسلامية في كافة المراحل [٤] .
وهذا البرنامج يحتاج إلى صدق في التزامه، وقوة في تنفيذه، وهذان معياران
سيحددان مع الأيام مدى صدقية القائمين عليه.
ثالثاً: الاختلافات العرقية والقبلية:
طالبان حركة ينتمي معظم أفرادها إلى قبائل البشتون التي تمثل معظم الشعب
الأفغاني، ولهذه القبائل تقاليدها الخاصة المحافظة التي ميزت الأفغان على مر
العصور، وهي تقاليد اختلطت بالهوية الدينية والظروف البيئية لهذا الشعب، وهي
تميل إلى البساطة والتلقائية والغيرة واحترام الملكية الشخصية، ولكن هل يمكن أن
يكون لهذا الانتماء تأثير على طريقة طالبان في إدارة البلاد؟ يخطئ من يظن أن
هذا الانتماء لن يكون له تأثيره بالمرة، ولكن السؤال المهم هو: هل سيكون هذا
الانتماء معياراً للولاء والبراء كما كان الشأن مع كثير من الأحزاب السابقة في
تقديمها هذا الانتماء العرقي على الولاء الديني؟ هذا في الحقيقة مكمن خطورة،
ومحك اختبار؛ خاصة في بلاد مثل بلاد الأفغان التي يمكن أن تستثار فيها العصبية
بسهولة، والأيام وحدها هي التي ستجيب عن هذا التساؤل، وهي التي ستبين على
مدى صدق الطالبان في تحرير معتقد الولاء والبراء من أدران رانت عليه عبر
قرون. إن موقفهم المعلن ينفي أن تكون لهذه القبلية آثار على طريقتهم في التعامل
مع الآخرين، ولكن الأمل في العمل. وقد ذكر الدكتور محمد المستيري المبعوث
السابق للأمم المتحدة في أفغانستان أنه أثار هذا الموضوع مع بعض قياديي طالبان
فقال له ذلك القيادي: (كيف نتحدث عن البشتونية ونحن لا نعترف بالأفغانية؟ بل
ننادي ببلد إسلامي واحد، ومن ثَمّ فلا فرق بيننا وبينك أنت الرجل القادم من بلد
مسلم وبعيد عنا آلاف الأميال) [٥] .
رابعاً: الموقف من المرأة:
انتماء معظم الطالبان إلى العرقية البشتونية، يبدو أنه كان له تأثيره على
قضية المرأة في أفغانستان، ونذكر هنا أن المجتمع الأفغاني البشتوني في معظمه
مجتمع أشبه بمجتمعات القرى والأرياف؛ فالأمية بين الرجال تصل إلى ٩٠%،
والمتعلمون منهم يركزون على العلم الديني، هذا بين الرجال، فما بالنا بنسبة ذلك
التعليم بين النساء؟ إن هذا التعليم بحكم واقع الشعب لا فلسفة طالبان لا يغطي إلا
شريحة نادرة جداً من الإناث في الشعب الأفغاني؛ هذه واحدة، وتنبني عليها أخرى
وهي: أن عمل المرأة الأفغانية بسبب ذلك لا يمثل إلا شريحة أندر وأندر؛ لأن
تقاليد ذلك المجتمع أن الرجل وحده هو المسؤول عن أعمال التكسب والإعاشة،
والمرأة تتفرغ لعملها الأصلي في خدمة بقية الأسرة، ومن هنا؛ نستغرب
ونستعجب من تلك الضجة الكبرى التي أثارها ولا يزال يثيرها الإعلام الغربي
وصداه العربي عن موقف الطالبان من تعليم المرأة وعمل المرأة، وكأن ما حدث
في أفغانستان كان تسريحاً لطبقة تشمل الملايين من العاملات، وإغلاقاً لمدارس
تضم الملايين من الطالبات!
إن الأمر وباختصار هو أن المرأة الأفغانية في الأصل لا تعمل خارج البيت،
كما هو الشأن في كثير من المجتمعات المحافظة، ولكن ظروف الحرب اضطرت
كثيراً من النساء للخروج والعمل بعد فقد الرجال أو أسرهم أو انشغالهم. فخروج
المرأة للعمل كان ضرورياً لتوفير مبلغ بسيط من المال، تستطيع به أن تنفق على
أسرة غاب عائلها، ولا توجد حكومة تهتم بأمرها، فلما جاءت طالبان، أذنت
للمرأة العاملة المترملة أن تعود إلى بيتها على أن تدفع لها راتباً وهي في بيتها،
وإذا اختارت العمل على المكث في البيت، فلها ذلك على ألا تعمل إلا في عمل
يناسب المرأة كعمل الطبيبات والمعلمات والممرضات.. فهل في هذا العمل جريمة
تستحق كل تلك الضجة الإعلامية العالمية؟ ! لقد ثار (أنصار المرأة) في العالم لهذا
الإجراء، وتباكوا على بضع مئات أو حتى بضعة آلاف من النساء أقعدتهن حكومة
في حالة حرب، بين شعب في حالة فقر، ولم تتحرك سواكن هؤلاء للبطالة التي
يعاني منها ملايين الشباب والرجال في ظل حكومات تتوالى استمراراً وتدعي
استقراراً! هذا عن عمل المرأة، فماذا عن تعليمها؟
نسأل أولاً: ما هو التعليم الذي منعت منه الفتاة الأفغانية المسلمة؟
إنه التعليم الذي وضع مناهجه فلاسفة حفيظ الله، ونجيب الله، وبابراك
كارمل، إنها مناهج شيوعية صرفة، لم يتمكن رباني ولا حكمتيار ولا غيرهما من
تغييرها لانشغالهم على مدى سنوات يما يرونه أهم! !
فمن يقول: إن منع أو بالأحرى إيقاف هذا التعليم مؤقتاً جريمة لا تغتفر وعار
لا يزول؟ ! إن الجريمة الكبرى والعار المخزي هو استمرار التضحية بالأجيال في
ظل تلك المناهج الكفرية الإلحادية؛ فتلك الفتاة التي ستتعلم في ظل دولة إسلامية
فلسفة ماركس، أو تعاليم لينين، هل ستُخرج للأمة بعد ذلك إلا أجيالاً من أمثال
دوستم وبهلوان؟ !
إن الأمر فقط يحتاج من أرباب الإعلام المزوّر إلى شيء من الحياء!
طُرح سؤال على الملا محمد حسن وزير الخارجية في حكومة طالبان هذا
نصه: (لا زالت قضية تعليم وعمل المرأة، وبعض إجراءات (طالبان) الشغل
الشاغل للصحافة العالمية ولجان حقوق الإنسان، وحتى بعضُ علماء المسلمين
ومؤسساتهم لا يقرون حرمانها من التعليم والعمل ضمن ضوابط الشرع الحكيم، فما
هي رؤيتكم؟) .
فأجاب: (جاهد الشعب الأفغاني أربع عشرة سنة، كي يقيم الإسلام ويعطي
الحقوق بموجبه، ورغم أن بعض المفسدين قد ضيعوا ثمرته، وباعوا بثمن بخس
دماء الشهداء والأيتام والأرامل حباً في السلطة؛ فهؤلاء الآن ومن والاهم بتباكون
على حقوق المرأة في عهد طالبان، نحن لم ننكر ولن ننكر حقوق المرأة وخاصة
حقها في التعلم والتعليم والعمل، ولم نقل إننا لن نعطيها حقها، ونؤكد أننا سنعطيها
حقها الذي أعطاه الله لها في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولن نخترع لها حقوقاً
كي نرضي الآخرين، وهؤلاء الذين يتباكون على المرأة وحقوقها يريدوننا أن نحتكم
إلى قوانين البشر في هذه المسألة، ونعمل على إفساد المرأة وتحررها بمعناه السلبي، ولكننا على قناعة أن قوانين الله فوق قوانين البشر والمرجع إليه) [٦] .
خامساً: شعيرة الحسبة وإنكار المنكرات:
هناك قضية أخرى، لم تكن أقل إثارة للقيل والقال من قضية المرأة وعملها
وتعليمها، وهي القضية المتعلقة بمسلك طالبان في إنكار المنكرات، لقد كانت بداية
الحركة أنها نشطت في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ولاية (قندهار) ، فلما دانت لها البلاد، فرّغت فرقاً لممارسة شعيرة الحسبة. والحسبة كما هو
معلوم من الشرع ومن التطبيق العملي لها في البلاد التي تقيمها، لا تكتفي بالوعظ
النظري والتوجيه الكلامي فقط، بل تصل إلى حد الإلزام. والحسبة التي تقوم بها
طالبان من هذا النوع، وهي متعددة في مناحيها، ولكن الإعلام الغربي المغرض
ركز على نواحٍ محددة فيها، صادفت استهجانه، بل أثارت غليانه؛ باعتبار أن
الموازين عندهم مختلفة، أو قل مختلة، وكذلك أثارت المتباكين على حريات
الانفلات من المفكرين والصحفيين العلمانيين العرب وغيرهم من تجار الكلام.
فإلزام الناس بصلاة الجمعة وإغلاق المحلات وقتها.. أو أمرهم بصلاة
الجماعة ... هذا أمر غريب! وإلزام الناس رجالاً ونساءً باحترام الهدي الظاهر
للإسلام ومنع المرأة من السفور والتبرج.. هذا شأن عجيب ومريب! وأما إنكار
القمار والميسر ومنع الوسائل التي تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.. فهذا عند هؤلاء
أمر لا يحتمل ولا يتصور!
وقد خلط الإعلام الغربي والعربي الخيال بالحقيقة، والشك باليقين، والكذب
بالصدق في كل هذا عبر سنوات أربع لكي يصنع من الحكم الإسلامي أضحوكة
وأمثولة يسخر منها كل رويبضة من التوافه الذين يتحدثون في أمر العامة.. ووجد
المغرضون ضالتهم في التصريح بمهاجمة شعائر الإسلام بدعوى نقد طالبان.
ومع هذا نقول: لا دفاعَ عن الانحراف في تطبيق الإسلام؛ فالانحراف في
التطبيق أمر وارد، وقد يحدث من طالبان أو غيرها، فقد تستبد الحماسة بأهلها في
بعض الأحوال، فيختل ميزان الأولويات.. هذا جائز الوقوع، ونموذج طالبان في
ذلك ليس معصوماً، فنقده أو حتى نقضه أمر وارد ومقبول ممن ينقد بعلم وعدل،
أما ما لا يقبل ولا يعقل فهو أن يتولى هذا النقد أرباب الفساد والإفساد المنهجي
المبرمج من أدعياء الفكر (الحر) المتسنمين قمم الأهرامات الإعلامية في كل مكان؛
فهؤلاء لن يرضيهم أي برنامج للإصلاح ما دام مستمداً من الإسلام، وسواء كان من
طالبان أو غيرها.
إن هناك ألسنة تطاولت بالهمز واللمز في سُنّة إعفاء اللحية وتحريم حلقها،
بجرأة وفجور، لكنا لم نجد لها تلك الجراءة في نقد الأنظمة العسكرية التي يعتبر
فيها (تلميع) اللحية يومياً هو أول الواجبات وأهم الطقوس العسكرية الوطنية، حتى
إن القائد ليمر بـ (كارت) معه على ذقون الجنود في طابور الصباح، ليعاقب من
طالت شعيراته فزادت على جزء من الجزء من السنتيمتر! ! فأين الحرية
الشخصية يا دعاة الليبرالية؟ !
سادساً: إقامة الحدود:
لما اتجه الرئيس السوداني الأسبق (جعفر النميري) إلى اجتزاء قدر من إقامة
الدين بإقامة الحدود، قامت ضده حملة إعلامية واسعة، ولم تخفّ تلك الحملة إلا
بعد أن نكص النميري عن ذلك وعاد إلى ما كان عليه، واليوم تعاد تلك الضجة،
كلما سمع الغرب حديثاً عن إقامة الحدود الإسلامية في أي بلد من بلاد الإسلام،
وأفغانستان اليوم، لن تكون استثناء من هذا؛ فإقامة الحدود فضلاً عن إقامة الدين
كله أمر سيغضب أعداء هذا الدين في كل مكان.
ولكن حتى لا تكون إقامة الحدود (ديكوراً) يزين واجهة الدولة الجديدة فقط،
وحتى لا يقع النكوص بسبب الضعوط الدولية، فعلى طالبان أن تعمل على إقامة
الدين كله وجمع الأمة عليه، وألا تخشى في ذلك لومة لائم، وسوف يكون هذا إن
وقع أوضح برهان على صدق النوايا. [أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى
المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ] [الشورى: ١٣] وأول ما يُطلب إقامته من الدين في حياة
الناس إقامة الصلاة، فهذا شرط بقاء شرعية الولاية؛ وإن في الناس فطرة تستجيب
لهذه الدعوة لو صدقت في إقامتها النوايا، وبذلت من أجلها الجهود، كما قال سبحانه: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ] [الروم: ٣٠، ٣١] .
سابعاً: قضية المخدرات:
من إقامة الدين، أن يُعرض على الناس في صورة نقية بهية، تدعو الناس
إلى قبوله واعتناقه. والسلوك العملي للأفراد والجماعات وكذلك الدول، هو أحد
الأسباب الأساسية في نجاح الدعوة إلى الله، أو انتكاس تلك الدعوة إلى صد عن
سبيل الله.. ونحن أمة دعوة، وإنما جعل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر لخدمة الدعوة.. لهذا فإن صورة الداعين للإسلام سواء كانوا أفراداً أو
جماعات أو دولاً، لا بد أن تعلو عن مستوى الشبهات، فضلاً عن الاتهامات
والإدانات.
وقضية المخدرات في أفغانستان تأتي في صميم هذا الموضوع، صحيح أن
زراعة المخدرات والاتجار فيها موجودة في أفغانستان منذ أزمنة بعيدة، حتى شبت
وشابت عليها أجيال وأجيال، إلا أن هذا لا يعني أن القضاء على هذه الظاهرة أمر
مستحيل، فتطهير أفغانستان من حقول الأفيون ليس أكثر صعوبة من عملية نزع
السلاح فيما أظن. والكلام المعلن لمسؤولي طالبان عن مقاومة المخدرات ليس كافياً، واعتذارهم عن استمرار وجود هذه الظاهرة ليس مقنعاً، وفي رأيي: أن هذه
القضية، يمكن أن تصيب الطالبان في المقاتل، وأن تسقطهم من الأعين، وأن
تجلب عليهم سخط الله وسخط الناس، إن تهاونوا فيها أو ساوموا بها، فكيف يمكن
أن يقال عن (الإمارة الإسلامية) إنها أولى دول العالم انتاجاً للأفيون؟ ! هذا عار
نربأ بهم وبالمسلمين عنه، ونناشدهم الله والدين أن يمسحوا عن جبين أفغانستان
المجاهدة، بل عن المسلمين جميعاً هذا العار، والأمر لا يحتاج إلى تلكؤ وتعلل؛
فالفقر مع النزاهة غنى، والغنى بالحرام ضياع.
ولكن الله تعالى لن يضيّع من آمن به، واتقى محارمه كما قال: [وَلَوْ أَنَّ
أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ]
[الأعراف: ٩٦] هم يقولون: نحن نحرّم في فتاوينا الشرعية الرسمية زراعة المخدرات وتعاطيها والاتجار فيها، ولكن ظروف الفقر واتساع البلاد تعيقنا عن إتمام القضاء عليها.
نقول: هذا كلام يضيق عن الطموحات العريضة التي ترفعها طالبان،
وتضيق به قلوب المتطلعين إلى عزة الإسلام. فلتُقِمْ حركة طالبان حركة جهاد
أخرى ضد هذا اللون من الفساد الذي لا يقل إضراراً بالبلاد عن الحروب الأهلية
والاختلافات العرقية والمذهبية، بل إن ضرره يتعدى إلى المسلمين في العالم الذين
يعانون من هجمة عالمية جائرة، تريد أن تلصق بهم كل مذمة وتنسبهم إلى كل
نقيصة؛ ولا يصلح هنا أن يقال: لا نهتم بكلام الناس ما دمنا ننوي العمل، هذا لا
يصلح؛ لأن نظرة الناس معتبرة في الشرع، وقد كف النبي -صلى الله عليه
وسلم- عن قتل من يستحق القتل حتى لا يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه،
فامتنع عن أمر جائز، لمنع كلام الناس، فما بالنا إذا كان الأمر مقطوعاً بتحريمه؟
نحن في انتظار معركة سقوط مراتع المخدرات على أيدي الطالبان، كما
سقطت قبل ذلك على أيديهم مواقع المليشيات المتهمة بالإفساد.
ولئن كسب الشعب الأفغاني رضى الله، وعاد إلى الحياة في ظل شرع الله،
وعادت إليه ولاءات المسلمين، فهذا خير له من حيازة البلايين بما لا يجوز في
الدين.
وليستبشر بالنصر والغلبة بكسب ولاية الله وولاية أوليائه [وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ] [المائدة: ٥٦] .
стр. 2925
مرصد الأحداث
من فضائح أونسكوم
أعلن الرئيس السابق للمفتشين الدوليين في العراق الأمريكي سكوت ريتر أن
الأمم المتحدة استفادت من مساعدة (إسرائيل) النشطة في جهودها الرامية لنزع
أسلحة العراق. وقال ريتر الذي تخلى عن منصبه إنه زار (إسرائيل) سراً مرات
عدة، وقال: بصدق لو لم تكن هناك (إسرائيل) لما كان بوسع اللجنة الخاصة
متابعة جهودها لمنع العراق من إخفاء (برامج التسلح التي ينفذها) ، لقد تعاملت
الولايات المتحدة مع عمل اللجنة الخاصة لنزع أسلحة العراق (أونسكوم) وكأنها
مسألة أكاديمية، وأعتقد بأن (إسرائيل) نظرت إليها كما هي: أي مسألة حياة أو
موت. ... ... ... ... ...
[جريدة الأنباء، العدد: (٣٦ ٨٠) ]
تنصير صناعة كورية! !
قررت الكنيسة البروتستانتية في كوريا الجنوبية إرسال عشرة آلاف منصّر
إلى مختلف دول العالم قبل سنة ٢٠٠٠م، وقد تمكنت الكنيسة الكورية من إرسال ٥
آلاف منصر ينتشرون في ١٣٨ دولة في العالم نصفهم في آسيا هذا العام. ...
... ... [نشرة الكوثر، لجنة مسلمي إفريقيا العدد: (١٩) ]
القط والفأر.. والنفط:
أكدت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن واردات الولايات المتحدة من النفط
الخام العراقي قفزت في (أغسطس) أكثر من ضعفين عما كانت عليه في (يوليو)
الماضي.
وبلغ مجموع شحنات الخام العراقي في (أغسطس) ٢٧٥، ٢٠ مليون برميل
بارتفاع نسبته ١٣٦ في المئة عما استوردته الولايات المتحدة من النفط العراقي في
يوليو ومقداره ٥٨٧، ٨ مليون برميل.
وبحسب التقديرات المبدئية للإدارة جاء العراق في المرتبة السادسة بين
مصدري النفط للولايات المتحدة (أغسطس) وخلال الأشهر الثمانية الأولى من هذه
السنة شحن العراق ٢٦٤، ٥٣ مليون برميل من النفط الخام إلى الولايات المتحدة
وكان ٣٨ في المئة منها في أغسطس.
[جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٠٩) ]
بقرة تحلب ذهباً
أفادت أنباء صحافية أن ألمانيا دفعت أكثر من ٢٠٠ بليون مارك (١٢٢ بليون
دولار أمريكي) تعويضات لليهود وغيرهم من ضحايا النازية.
وأفادت صحيفة (ويلت أم سونتاغ) الألمانية في مقال لها أن هذا المبلغ جاء
بناء على حسابات أجرتها وزارة المال الألمانية، مضيفة أن نحو نصف المبلغ جاء
من أموال عامة وأن معظمه أرسل إلى (إسرائيل) واليهود الناجين من المحرقة
(هولوكست) .
وتابعت: (في الوقت الحالي يذهب نحو ٢٥، ١ بليون مارك سنوياً إلى
صناديق التقاعد لنحو ١٠٦ آلالف شخص) . ومن المتوقع أن تكلف هذه العملية نحو
٢٤ بليون مارك في السنوات المقبلة.
وأشارت إلى أن نحو ١٠٠ بليون مارك دفعت تعويضات للأضرار التي
تسببت بها الحرب. وأوضحت أن المصانع الألمانية دفعت حتى تاريخه نحو ٧٥
مليون مارك تعويضات عن الأفراد الذين استعبدوا كعمال خلال الحرب.
يذكر أن الناجين من المحرقة يحصدون بلايين الدولارات تعويضات من
المصانع الألمانية بعد رفع دعاوى في الولايات المتحدة. كذلك وافق بعض هذه
المصانع الآن على إنشاء صناديق تعويض.
[جريدة الحياة، عدد: (١٢٩٩٧) ]
اختلاف اللصوص.. نعمة
في هجوم اعتبر رداً بـ (المدفعية الثقيلة) قال الجنرال محمد بتشين المستشار
السياسي للرئيس الجزائري: إن السلطة الجزائرية في بداية التسعينات قامت
بتشكيل (كتائب الموت) وهي المرة الأولى التي تنشر فيها معلومة من هذا النوع في
الجزائر ويذاع فيها سر خطير من أسرار الحرب المستمرة.
... ... ... ... ... ... [مجلة الوسط، عدد: (٣٤٨) ]
أريحا.. أولى بلحوم الثيران
يقول أهل الهمس من أنصار (كازينو أريحا) ، إنه سيكون منتجع الرفاهية
لأغنياء العرب وأن (جحا أحق بلحم ثوره) فبدل أن يتبدد المال العربي على موائد
(القمار) في مونت كارلو أو ميامي أو غيرها فهي ستصب في الخزانة الفلسطينية،
ولقد سأل أحد أهل الهمس: ألن يساعد ذلك على الدفع للتطبيع حين يجمع عرباً من
مختلف الجنسيات مع (الإسرائيليين) حول طاولات الروليت ومساقات النرد؟
فأجاب مندهشاً: إنهم أيضاً في مونت كارلو وميامي يتحلقون معاً حول الموائد
الخضراء. ... ...
[مجلة المشاهد السياسي، عدد: (١٣٣) ]
من خاف.. سلم! !
صرح المستشار القانوني لمصنع (الشفاء) للأدوية بالخرطوم بحري الذي تم
تدميره في الهجوم الأمريكي مؤخراً، أن الشركة صاحبة المصنع مصممة على
إعادة بنائه مرة أخرى في أسرع وقت، وأن المناقصة ستقتصر على الشركات
الأمريكية، حتى لا يتعرض المصنع مرة أخرى للاتهامات.
... ... ... ... ... [جريدة الاتحاد، عدد: (٨٤٩٠) ]
عربون الصداقة الأمريكية
صرح المستشار القانوني لمصنع (الشفاء) للأدوية بالخرطوم بحري الذي تم
تدميره في الهجوم الأمريكي مؤخراً، أن الشركة صاحبة المصنع مصممة على
إعادة بنائه مرة أخرى في أسرع وقت، وأن المناقصة ستقتصر على الشركات
الأمريكية، حتى لا يتعرض المصنع مرة أخرى للاتهامات.
... ... ... ... ... ... [جريدة الاتحاد، عدد: (٨٤٩٠) ]
هل هو وحده من الدونمة؟
لا يتعدى عدد الأقلية اليهودية في تركيا ٢٦ ألف شخص، لكن الظاهرة الأهم
هي أن اليهود غارقون في الوظائف الحكومية ويشكلون نصف الجهاز الحكومي
التركي رغم أن عددهم لا يقارن بأي أقلية أخرى؛ وهو ما يدل على ما وصلوا إليه
داخل نسيج الحياة التركية، ويقال إن إسماعيل جيم وزير خارجية تركيا الحالي
تعود أصوله إلى أسرة يهودية من طائفة (الدونمة) .
... ... ... ... ... [مجلة الأهرام العربي، عدد: (٧٩) ]
مع (الموساد) فيما وراء الكواليس
كشف كتاب (جرائم أجهزة المخابرات) الذي صدر مؤخراً في ألمانيا لاندرياس
بو برلو أن جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) نجح خلال فترة حكم الرئيس
الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في تجنيد مستشاره للشؤون العسكرية (روبرت
ماكفرلين) للعمل لصالح إسرائيل، وقال المؤلف (الذي كان يشغل منصب وزير
العلوم ومدير عام وزارة الدفاع) : إن مستشار الرئيس ريجان أهدى للموساد ثروة
من المعلومات خاصة عن المخابرات الأمريكية، وأضاف إن معظم أجهزة
المخابرات الغربية ومن بينها الأمريكية والـ الألمانية قد تعاونت جميعاً فيما بينها
على مدى سنوات طويلة مع رؤساء منظمات ألمافيا العالمية لتهريب المخدرات
وإعداد وتنفيذ العمليات الإرهابية، ويضيف المؤلف: إن أجهزة المخابرات الغربية
قد حققت أرباحاً طائلة من وراء صفقات المخدرات، وبهذه الأرباح غير الشرعية
تم الاتفاق على عمليات غير شرعية ضد دول أخرى، وكشف المؤلف أن بشير
الجميل قائد الميليشيات المسيحية كان عميلاً للموساد والـ وأنه كان يتلقى من
الموساد راتباً شهرياً قدره ٢٠ ألف دولار وأنه قد سمح لسلاح البحرية (الإسرائيلية)
بنصب محطة رادار سرية في لبنان عمل فيها ٣٠ جندياً (إسرائيلياً) ، كما تناول
الكتاب الصراع الذي كان قائماً بين جهازي مخابرات ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية
وقيام شركة سيمنس بتزويد جهاز ألمانيا الشرقية بأجهزة متقدمة لتعقب مواطنيه.
... ... ... ... ... [مجلة الأهرام العربي، عدد: (٧٩) ]
الأكراد شعب الله ... المختار
نفى نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية ديفيد ويلش أن يكون هدف
الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة بين زعيمي الحزبين العراقيين الكرديين
الرئيسيين: مسعود بارزاني وجلال طالباني، هو التمهيد لإقامة دولة كردية منفصلة
عن العراق، وشدد على أن الهدف هو الحيلولة دون تكرار انتهاكات حقوق الإنسان
لسكان المنطقة، وقال: إن الولايات المتحدة لا تدعم كردستان مستقلة سواء في
شمال العراق أو أي مكان آخر، نحن ندعم عراقاً متحداً ونعتقد بأن العراق له وحدة
جغرافيّة ولا نسعى إلى تغيير تركيبته! !
[جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٠٩) ]
стр. 2926
مقالات معربة
الاقتصاديات الحديثة للنفط
(مختصر المقال بتصرف) [*]
بقلم: بيتر كوي وجاري ماك وليامز
لقد خفضت التقنية من تكلفة التنقيب عن الذهب الأسود (النفط) ولذا فلن ترتفع
أسعاره في المستقبل رغم ازدياد الطلب عليه.
تبدو أسعار النفط الخام هذا الخريف وكأنها تتحرك كالكرات الفولاذية
المتدافعة؛ فقد تأثرت بالأخبار والإشاعات عن المشكلات المحتملة في منطقة
الشرق الأوسط في الفترة القادمة. ورغم محاولات تذكير العالم باحتمال تعرض مصادر النفط للخطر فإن استهلاك النفط سيبقى مرتفعاً. إن الأمريكيين قد وقعوا في حب السيارات ذات الاستهلاك الشره للوقود، وحتى في البلدان النامية أصبح في مقدور عامة الناس ولأول مرة أن يقتنوا سيارة، فقد ذكر استطلاع في صحيفة (شباب الصين) أن ٧٥% من العائلات في العاصمة بكين قد خططوا لشراء سيارة خلال السنوات الخمس القادمة. أيعقل هذا؟ !
الأسعار بين الارتفاع والانخفاض:
هل نحن على حافة أزمة نفطية أخرى؟ الجواب: بإمكانك أن تظن ذلك؛
فالمستثمر الكبير (ريتشارد راينوتر) قد وضع حوالي ٣٠% من ثروته المقدرة بـ
٥ر١ بليون دولار في مجال استثمارات الغاز والنفط؛ لأنه يعتقد أن الأسعار سترفع
ما بين ٥٠% إلى ٧٥% خلال السنوات القادمة، وقد يكون هذا ممكناً إلا أن هناك
(منحًى) آخر مختلف تماماً عن التوقعات السابقة يبين أن أسعار النفط لن ترتفع
إطلاقاً على المدى البعيد، بل إنها ستزداد انخفاضاً. فما السبب؟
أولاً: إن منتجي النفط في منطقة الشرق الأوسط وغيرها بحاجة لعائدات
النفط المالية، وهم لهذا لن يختاروا إيقاف تصديره لمدة طويلة رغم المناوشات
السياسية والعسكرية.
أما السبب الثاني والأهم: فإن زيادة الطلب لن ترفع الأسعار طالما ظلت
متوازنة مع زيادة العرض، وهذا ما سيحدث بالفعل؛ فمنحنى العرض يتجه دائماً
نحو الأعلى بفضل التقنية.
الكنوز النفطية:
لقد أدى التقدم التقني إلى خفض أسعار التنقيب عن النفط وإنتاجه وتكريره،
يقول (فيليب كارول) المدير التنفيذي لشركة (شل النفطية) : إن التقنية تدفع دائماً
نحو خفض الأسعار. ولا أظن أن تأثيرها على هذه الصناعة سيكون مختلفاً.
إذاً لا داعي للقلق من المشكلات الأخيرة في (الشرق الأوسط) فلن تقدر أيّ من
دوله على خفض إمدادات النفط العالمية أو رفع الأسعار طويلاً، كما أن انتهاء
الحرب الباردة وانتشار الرأسمالية في العالم لم يؤد فحسب إلى ازدياد الطلب على
النفط بل إلى ازدياد إمداداته كذلك (زيادة العرض) ويعود ذلك لترحيب العديد من
الدول بدءاً من فنزويلا إلى كازاخستان بالاستثمارات الأجنبية في استخلاص ثرواتها
النفطية.
إن التقدم الذي تم إنجازه من خلال التقنية أمر مذهل حقاً، فقد انخفض معدل
سعر برميل النفط تنقيباً وإنتاجاً إلى حوالي ٦٠% خلال السنوات العشر الماضية في
الوقت الذي تأكد لنا أن الاحتياطيات العالمية المسجلة من النفط الآن هي أعلى
بحوالي ٦٠% مما كان مثبتاً في عام ١٩٨٥م.
لقد أخطأ الخبراء في حساباتهم وتوقعاتهم بشأن كمية احتياطي النفط منذ عام
١٨٧٤م؛ إذ حذر الجيولوجيون في ولاية بنسلفانيا من أن (الولايات المتحدة لا
تمتلك من البترول إلا ما يكفي لإشعال مصابيح الجاز لمدة أربع سنوات فقط. وجاء
خبراء لاحقون ليسفهوا توقعات تاريخ استنفاد النفط في العشرينات ثم الأربعينات
من هذا القرن. وفي عام ١٩٧٢م أعلن نادي روما أن العالم يمتلك فقط ما بين ٢٠
إلى ٣١ عاماً من احتياطي النفط. أما الآن فإننا نجد أن الاحتياطات المقدرة هي
أعلى بكثير من أي وقت مضى.
والحقيقة أن مفهوم الاحتياطي النفطي ذاته يتغير؛ فبدلاً من تعريفه على أنه
عدد ثابت من البراميل، أصبح ينظر إليه على أنه شيء ينمو في الوقت الذي
تكشف فيه التقنية مصادر جديدة للنفط وتستخلص المزيد من النفط الموجود في
الحقول الحالية، ولنأخذ على سبيل المثال حقول الأربعينات الضخمة في القطاع
البريطاني في بحر الشمال، فقد قدرت شركة (بريتش بتروليوم) احتياطي النفط في
هذا الحقل بحوالي ٨ , ١ بليون برميل عام ١٩٧٠م إلا أنه بحلول عام ١٩٩٥م
أنتج الحقل حوالي ٦، ٣ بليون برميل، وتقول الشركة إنه ما زال هناك ٨، ٢
بليون برميل من الاحتياطي المثبت وجوده في الحقل.
لقد كان أثر التقدم التقني على أسعار النفط كبيراً؛ ففي عام ١٩٨٠م استقدمت
جامعة ستانفورد عشرة من كبار خبراء النفط، فكان المعدل الذي توقعه ستة منهم
لأسعار النفط لعام ١٩٩٧م هو ٩٨ دولاراً للبرميل! بل وحتى في عام ١٩٩١م كان
الخبراء يتوقعون أن يكون سعر البرميل في حدود ٤٥ دولاراً في عام ١٩٩٧م،
ولكنّ ما حدث هو العكس تماماً؛ حيث ازدادت أسعار النفط انخفاضاً، حتى أصبح
النفط أرخص من المياه المحلاّة. يقول مايكل لينش خبير الطاقة في معهد (غبيس
مستيوستس) للدراسات التقنية: (إن متنبئي أسعار النفط جعلوا الخراف تبدو وكأنها
قادرة على التفكير المستقل) ويضيف: (لا يوجد دليل على أن أسعار المعادن تزداد
مع الوقت، إن التقنية تتفوق دائماً على النقص) .
انخفاض سعر البرميل:
إن الرأي يتجه ببطء بعيداً عن (آراء المتنبئين) يقول (جوليان لي) الاقتصادي
الكبير في مركز دراسات الطاقة العالمية (CGFS) في لندن: (إننا لا نرى أي
احتمال لارتفاع أسعار النفط تأثراً بأي سبب عدا الأسباب السياسية) وقد حذرت
مؤسسة (ماكيلسي) زبائن النفط من وجود احتمال متزايد (لسيناريو يهبط بالأسعار) .
إن الأسعار المنخفضة للنفط تشجع الاقتصاد العالمي على الحركة، فهذه
الأسعار تدعم نمواً سريعاً وتضخماً منخفضاً في الولايات المتحدة اليوم، وإذا
انخفض سعر النفط الخام إلى ٥ دولارات للبرميل وبقي كذلك للسنوات الخمس
التالية فإن معدل تضخم المستهلك السنوي في الولايات المتحدة سينخفض في مقابل
زيادة الناتج الاقتصادي، وبعد مرور عقد من الزمان فإن الربح المتراكم في الإنتاج
المحلي الإجمالي الناجم عن انخفاض أسعار النفط سيصل إلى حوالي ٤٠٠ بليون
دولار.
إن أرباح صناعات النفط تتغير زيادة ونقصاً بحسب تغير النفط الخام، إلا أن
التقنية تسمح للشركات بالمحافظة على مكتسبات جيدة من خلال أسعار نفط منخفضة
بشكل ثابت. وقد قامت معظم الشركات الرئيسة اليوم بتخفيض كلفة استخراج النفط، وستقفز الشركات ذات التقنيات المتقدمة مثل (شل) و (إكسون) و (بريتش
بتروليوم) أمام الشركات التي لا تمتلك مثل تلك التقنيات، ومما يجدر ذكره أن كثيراً
من شركات النفط المستقلة كذلك قد بلغت أحدث ما توصلت إليه التقنيات المتقدمة
في مجال استخراج النفط.
الحفر في أعماق المياه:
إن الاقتصاديات الجديدة للنفط مبنية على تطور كل ركن من أركان الصناعة؛ ففي مجال التكرير مثلاً يتم استخلاص المزيد من البنزين والديزل من كل برميل
نفطي بسبب فعالية العوامل الحافزة والقدرة على التخلص من مشكلة عنق الزجاجة
في مرحلة المعالجة. لقد أغلق القطاع الصناعي في الولايات المتحدة ٢٩ مصفاة
منذ عام ١٩٩٠م، ومع ذلك تمكن من زيادة الإنتاج بمعدل ٠٠٠ر١٠٥ برميل يومياً.
أما القفزات الأكبر فكانت في مجال التنقيب فقد وجدت آلات الحفر التي تنقب
عمودياً وأفقياً والتي تتبع مسار النفط لعدة أميال في باطن الأرض، وهنالك
المجسات التي تستخدم التصوير عن طريق الرنين المغناطيسي تماماً كأجهزة الـ
MRI في المستشفيات وتستكشف الطريق أمام آلة الحفر للبحث عن أرخص الطرق
للوصول إلى الذهب الأسود.
وتقول شركة (إكسون) : إن تقنيات من هذا النوع قد أسهمت في خفض تكلفة
التنقيب بمقدار ٨٥%خلال عشر سنوات.
كذلك أصبحت أعماق المياه ضمن المجالات المربحة للتنقيب عن النفط بعد أن
كانت خارجة عنها؛ وذلك نتيجة للتقدم التقني في مجال الحفارات العائمة، كما
وجدت الغرازات التي تعمل بالحاسب الآلي والتي تحافظ على ثبات سفن وعوامات
الحفر في أماكنها حتى في البحار الهائجة.
إن شركة (بريتش برونيو بتروليوم) تخطط للبدء في تشغيل أول منصة تنقيب
منخفضة الكلفة بالقرب من سواحل لويزيانا في العام المقبل؛ إذ تم تصميم منصة
عائمة مثبتة في قاع المحيط ذات نسبة إنتاج منخفضة مقارنة بالمنصات الثابتة بكلفة
٨٥ مليون دولار فقط، وسيكون بمقدورها إنتاج ٠٠٠ر٣٥ برميل من النفط يومياً،
وفي المقابل فإن أول منصة عائمة والتي صممتها شركة (شل) للتنقيب في خليج
المكسيك كانت بتكلفة ٢ر١ بليون دولار عام ١٩٩٤م بقدرة إنتاجية مقاربة لمنصة
(بريتش برونيو) وهي ٠٠٠ر٤٦ برميل يومياً.
إن هذه التكاليف المنخفضة لاستخراج النفط تفسح المجال للتغلغل في الحقول
الصغيرة كذلك؛ ففي الماضي كان يجب أن يحتوي الحقل على ٨٠ مليون برميل
ليكون استخراج النفط منه أمراً مربحاً. أما الآن فإن منصة (بريتش برونيو)
المذكورة بإمكانها وبطريقة مربحة تفريغ حقول تحتوي على ٣٠ مليون برميل فقط، ويضيف (جاينور) المدير التنفيذي: (ومن المحتمل أن نخفض الرقم إلى أدنى من
ذلك أيضاً) .
ويدور البحث حول السرعة والخفة في كل مكان، وربما كان الانتصار
الأخير للأسلوب القديم في استخراج النفط يتمثل في مشروع النفط الأيرلندي في
الضفاف الكندية العظمى بتكلفة قدرها ٢، ٤ بليون دولار، ومن المفترض أن يبدأ
إنتاج هذا المشروع قريباً، وقد صممت له المنصات الثابتة التي تحوي ٥٥٠٠٠٠
طن من الفولاذ والخرسانة لمواجهة الجبال الجليدية الضخمة في تلك المناطق،
وتطلّب إتمام المشروع سبع سنوات من العمل، فإذا قارنا هذا المشروع بمشروع
المنصات العائمة (تيرانوفا) الأرض الجديدة التي سيمكن سحبها عن طريق سفن
السحب بعيداً عن الجبال الجليدية في حالة الأخطار المحتملة، نجد أن تكلفة
المشروع ٢. ٢ بليون دولار، وأنه سيتطلب ثلاث سنوات من التصميم والبناء.
كذلك نجد أن كمية النفط التي يمكن استخلاصها من حقل معين في تزايد؛
فالحقل الواحد يُعطي عادةً ما معدله ٣٥% من محتواه؛ لأن الضغط الطبيعي الذي
يدفع النفط نحو الأعلى يتبدد تدريجياً، إلا أن شركة أموكو تمكنت من استعادة
٧٠ % من محتوى بعض الحقول التجريبية عن طريق استخدام أسلوب الضغط الهوائي. كما يقوم المنتجون الآن بالتقاط صور دورية اهتزازية لحقول النفط ويعتمدون لرفع الإنتاج على الحقول (الذكية) عن طريق توظيف المرتفع في حقل معين لدفع النفط خارج حقل مجاور ذي ضغط منخفض.
رأس المال الأجنبي:
إن كثيراً من الأفكار بدأت تخرج من مختبرات (أموكو) و (إكسون)
و (سنتروليوم) و (ساسول بجنوب أفريقيا) من أجل إنتاج نفط صناعي من الغاز الطبيعي شريك النفط في باطن الأرض؛ إذ يتم إعادة تجميع الغاز الطبيعي الرخيص والمتوفر وتحويله إلى سوائل بترولية كالميثانول أو نواتج مكررة (كالديزل) و (البنزين) .
واليوم نجد أن الدول الغنية بالنفط التي وقفت في وجه شركات النفط الغربية
باعتبارها إمبريالية في فترة ما.. بدأت تدرك أنها قد تخسر الكثير إذا وقفت مثل
هذا الموقف مرة أخرى؛ لذلك نجدها ترحب بهذه الشركات وبالتقنية التي تجلبها؛
فمثلاً فنزويلا تعمل مع (كونوكو) و (أركو) و (تكساكو) ، والجزائر ترحب برأس
المال الغربي حيث وقّعت عقوداً مع شركات كشركة أرض لويزيانا المحدودة
للتنقيب، وإيران تعمل مع الشركات الفرنسية مثل (توتال) و (إلف) وإندونيسيا
وماليزيا وقطر عقدت اتفاقيات مع شركة (إكسون) . أما روسيا فمع أنها انقسمت
بين مرحب ومعارض لمثل هذه المشاريع المشتركة إلا أن (ريتشارد فريمان) مدير
مكتب (تكساكو (في موسكو يقول: (إن التقنية الغربية هي التي وضعتنا هنا موضع
الاعتبار) .
إذا أضفنا كل ما سبق إلى بعضه فسنجد أمامنا وصفة لانفجار محتمل في سوق
إنتاج النفط، والطريقة الوحيدة التي بإمكان السعودية أن تؤدب بها أولئك الذين
يخالفون نصاب (الأوبيك) هي رفع الإنتاج بشكل هائل بحيث يؤدي إلى هبوط
الأسعار؛ وهذا ما حدث خلال أواسط الثمانينات عندما انخفض السعر العالمي للنفط
الخام لأقل من ١٠ دولارات للبرميل؛ ويقول وزير النفط السعودي الأسبق (أحمد
زكي) : (إن ما حدث قد يتكرر) .
إن من الممكن طبعاً أن نشهد ارتفاعاً لأسعار النفط لفترة وجيزة؛ لأن
المصدات الواقية اليوم هي أضعف من ذي قبل؛ فمنتجو النفط القلقون بشأن
الأسعار لا يبنون الحفارات حتى يحتاجوها، أما مكررو النفط فقد خفضوا
المحتويات الخام للحد الأدنى، وفي الوقت ذاته نجد أن الحكومات الغربية،
لشعورها بالأمان تقوم بتقليص احتياطاتها الاستراتيجية، فوزارة الطاقة الأمريكية
مثلاً أعلنت في السادس من أكتوبر أنها ستقوم ببيع ٧٨% من أرباحها في احتياطي
(ألك هيلس) لشركة أوكيدنتال بتروليوم الغربية بسعر ٦٥، ٣ بليون دولار.
وإذا وضعنا الحروب والسياسة جانباً فعلينا أن ندرك أن التقنية هي القوة
الحقيقية الدافعة في الصناعة النفطية اليوم، ورغم أن الطبيعة قد منحتنا [١] الكثير
من النفط إلا أن التقنية ستقوم بسحب هذا النفط بكميات أكثر مما تخيله الناس في
أي وقت مضى.
стр. 2927
قضايا ثقافية
حقوق الانسان في ضوء التجليات السياسية للعولمة
عولمة حقوق الإنسان أم عولمة الفهم الغربي لها؟
محمد فهيم يوسف
نعلم أن مفهوم العولمة Globalization ينطوي على تجليات اقتصادية قد
تكون استأثرت إلى حد ما باهتمام الباحثين والخبراء، لكن ذلك لا يعني اقتصاره
عليها، فثمة تجليات أخرى سياسية وثقافية واتصالية ترتبط بهذا المفهوم، وتشكل
في مجملها مضمونه. وقد لوحظ أن الجوانب السابقة على اختلافها تشترك في ذلك
التأثير الذي تحدثه على موضوع حقوق الإنسان ووضعيته على المستوى التطبيقي.
وسأحاول خلال هذه المقالة الموجزة إلقاء الضوء على البعد السياسي للعولمة الذي
من تجلياته سقوط الشمولية والسلطوية، والاتجاه نحو الديمقراطية واحترام حقوق
الإنسان، لا سيما وأنه يطرح أسئلة كثيرة للنقاش من أبرزها:
هل تعني عولمة حقوق الإنسان أن يشيع في العالم احترام كافة الصكوك
الدولية لحقوق الإنسان (الفردية منها والجماعية) دون تمييز أو مفاضلة، وأن يستفيد
العالم من منجزات التطور التقني في نشر الأفكار الرامية إلى إحداث نوع من
التقارب بين البشر، محوره كرامة الإنسان الذي لن يصبح في معزل عن أخيه
الإنسان وآلامه في شتى بقاع الأرض؟ أم أنها تعني الفرض الانفرادي لفهم يستند
إلى مرجعية تخص حضارة معينة، باعتباره المفهوم الأسمى لحقوق الإنسان الذي
ينبغي أن يسود العالم؟
في الواقع لقد ورد في مقالة حديثة للدكتور محمد عابد الجابري إشارة للتفرقة
على درجة من الأهمية بين ما أسماه (بالعالمية - Universalism) التي تمثل وفقاً
لتصوره طموحاً نحو الارتقاء بالخصوصية إلى مستوى عالمي، ومن ثم فهي تفتح
العالم على ما هو عالمي وكوني، وبين (العولمة) التي تمثل في نظره إرادة الهيمنة، وبذلك فهي تعني القمع والإقصاء لكل ما هو خصوصي.
وبينما اعتُبرت الأولى (أي العالمية) مشروعاً طموحاً؛ لأنها تعني الانفتاح
على الآخر ورغبة في الأخذ والعطاء، اعتُبرت الثانية إرادة لاختراق الآخر وسلبه
خصوصيته [١] .
وفي اعتقادنا أن التفرقة التي جاءت بها هذه الأطروحة بين ما هو عالمي
وعولمي هي مما ينطبق على واقع التعاطي مع حقوق الإنسان منذ مطلع التسعينات
الذي يشهد تسارع الانتقال من المحور الأول المتعلق بالعالمية (أي عالمية حقوق
الإنسان) ، إلى المحور الثاني المتعلق بالعولمة، الذي تحاول من خلاله بعض
الأوساط الدولية طرح فهمها لصيغة التفاعل مع حقوق الإنسان، وحث المجتمع
الدولي على تبنيه باعتباره المفهوم الأصلح والأقدر على البناء، ولعل ذلك مما نلحظ
بوادره فعلاً من خلال ما يلي:
تراجع دور الجدل التقليدي المتمحور حول العالمية بالنسبة لحقوق الإنسان.
اتجاه الأوساط الغربية نحو محاولة تعميم (الفهم الغربي لحقوق الإنسان)
مستخدمة في ذلك شتى الوسائل:
أولاً: تراجع الجدل التقليدي حول مفهوم ومعايير حقوق الإنسان عقب الحرب الباردة:
إذ لم تكن التجمعات الدولية أيام الحرب الباردة تحمل الرؤية نفسها في الدعوة
لحقوق الإنسان وحمايتها أو حتى الاعتراف بها:
فبالنسبة للدول الرأسمالية المتقدمة: نجد أن تبنيها نمط الديمقراطية الليبرالية
الغربية المغرقة في تقديس الفرد وحريته بما اعتبر لديها نتيجة لطبيعته الإنسانية لا
لوجوده كمواطن داخل دولة قد جعلها تبدي تعلقاً واضحاً بحقوق الإنسان ذات الطابع
الفردي وتحديداً (الحقوق المدنية والسياسية) التي ارتبطت باستقلال الولايات المتحدة
وظهور مبادئ الثورة الفرنسية، أما فئة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية أو
ما يسمى (بالجيل الثاني من حقوق الإنسان) فقد قوبلت برفض وتعنت شديدين؛ لأن
ارتباطها التاريخي بانتصار المذهب الماركسي حينها قد جعلها في نظرهم مرتبطة
بالشيوعية.
وهذا ما ينطبق لديهم بوضوح على الحقوق المدنية والسياسية، كالحق في
الحياة، وعدم الخضوع للتعذيب، وحق الانتخاب.. إلخ، أما فئة الحقوق
الاقتصادية والثقافية؛ كالحق في العمل، والحق في التعليم والصحة، والحق في
الضمان الاجتماعي ... الخ. فهي مما يخرج عن هذا النطاق؛ لأنها تستلزم تدخلاً
من جانب الدولة لكفالتها، هذا فضلاً عن كون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
ستصبح بلا معنى ما لم يسبقها الإعمال التام للحقوق المدنية والسياسية؛ على اعتبار
أنه لا قيمة لحق العمل أو التعليم إذا كانت حرية المواطن أو حياته عرضة
للتهديد [٢] .
وبالنسبة للدول الاشتراكية: فإننا نجد أن تبنيها لنمط الديمقراطية الاشتراكية
التي تجعل حقوق الإنسان من حق من يعمل وينتج فقط في المجتمع الاشتراكي، فقد
أبدت تعلقاً واضحاً بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع تجاهل واضح
للحقوق المدنية والسياسية التي اعتبرت لديهم حقوقاً شكلية ما لم يسبقها الإعمال التام
لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية. وخلافاً للدول الرأسمالية الغربية التي ترى
أن الدولة العدو الأول للحرية، فقد اعتبر تدخلها حيوياً لدى الدول الاشتراكية ليس
فقط في الدفاع عن الحقوق والحريات، بل وأيضاً في إنتاجها؛ فتحقيق الحرية في
المذهب الماركسي لا يتأثر إلا من خلال الجماعة أو طبقة البروليتاريا التي تعمل
على التخلص من قيود الطبقة المستغلة.
وهكذا فقد اتجه الفريقان انطلاقاً من هذا الخلاف الأيديولوجي نحو استخدام
حقوق الإنسان في الصراع الذي كان دائراً بينهما، فكانت الدول الرأسمالية تحرص
على إبراز انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية في الدول الاشتراكية، وكانت هذه
الأخيرة تحرص على إبراز انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدول
الرأسمالية، واستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن كان انهيار المعسكر الاشتراكي
بقيادة الاتحاد السوفييتي، ومنذ ذلك الحين لم يعد لمقولة الصراع الأيديولوجي بين
الشرق والغرب أي معنى، وهذا ما انعكس إيجاباً على خطاب الإنسان وعالميته،
بحيث بات يسود الاعتقاد لدى غالبية الدول أن العالمية ينبغي أن تبقى ملازمة
لحقوق الإنسان؛ لأنها صفة أصيلة فيها، فتضاءلت تبعاً لذلك استعمالات التعابير
التي توحي بمعنى التعاقب أو حلول فئة من حقوق الإنسان محل الأخرى، فكما أن
للإنسان حقوقاً مدنية وسياسية فإن له وبالدرجة نفسها حقوقاً اقتصادية وثقافية.
ومن دلائل هذا التحول أن الولايات المتحدة قد اتجهت منذ عام ١٩٩٢م نحو
المصادقة رسمياً على الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (وهي التي
كانت قد أصدرت بياناً عام ١٩٨٦م استبعدت فيه هذه الفئة من حقوق الإنسان من
قائمة الحقوق التي تحظى باعتراف الحكومة الأمريكية، ومن نشرتها عن حقوق
الإنسان في الدول النامية، وأمرت ممثليها الدبلوماسيين والقنصليين في الخارج
بحذف هذا الجزء من تقاريرهم السنوية عن البلاد التي يوجدون فيها، مسوّغة ذلك
بأنها تعتبر مثل هذه الحقوق طموحات أكثر من كونها تمثل التزامات، ولهذا فهي لا
ينبغي أن تدخل في نطاق الحقوق المعترف بها دولياً
Internationally Recognized Hunian Rights! ! [٣]
كما نستطيع أن نلمس هذا التحول من المسار الذي اتخذه المؤتمر العالمي
لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا عام ١٩٩٣م، الذي حضره ممثلون عن ١٧٢ دولة، إلى جانب مراقبين عن ٩٥ منظمة أو هيئة أو مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان
وعن ٨٤٠ منظمة غير حكومية.
فلقد عكس الحوار والجدل الذي كان دائراً في ذلك المؤتمر طبيعة التغير الذي
طرأ في هذا المسار؛ بحيث توارى ذلك الجدل التقليدي حول مدى أسبقية حقوق
الشعوب على حقوق الإنسان، أو حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية على
المدنية والسياسة. وظهر اتجاه غالب يؤكد على عالمية حقوق الإنسان الأساسية،
وأن هناك حداً أدنى مشتركاً من الحقوق يتعين على كل النظم السياسية والقيمية
والحضارية أن توفرها للإنسان، الذي ينبغي أن يكون موضوعها الرئيس والمستفيد
الأساس من حمايتها. كما اعترف المؤتمر بالحق في التنمية The Right to
Development واعتبره حقاً عالمياً غير قابل للتصرف [٤] . (وهو الذي كان
محلاً لرفض الدول الغربية التي اعتبرت أنه محاولة لنزع الطابع التحرري عن
القواعد المستقرة في القانون الدولي العام وإعطائها نزعة تدخلية تأخذ في حسبانها
مصلحة قلة معينة من الدول دون الدول الأخرى، وخلصت من ذلك إلى أنه حيلة
(عالمية مثالية) للحصول على مزيد من المساعدات لمصلحة الأنظمة الحاكمة
الدكتاتورية فيها) !
ثانياً: محاولات عولمة الفهم الغربي لحقوق الإنسان:
إذا كنا قد انتهينا إلى أن مسألة (العالمية) في حقوق الإنسان قد أصبحت أمراً
لا يثير كثيراً من الجدل في عصر ما بعد الحرب الباردة، فإن ما نلمسه اليوم هو
اتجاه المنتصر بزعامة الولايات المتحدة نحو محاولة فرض فهمه الخاص لحقوق
الإنسان والديمقراطية على المجتمع الدولي باعتباره المفهوم الأصلح والأقدر على
البناء [٥] .
نعم، لقد كان وجود النموذج الماركسي اللينيني للديمقراطية هو الاتجاه الأقوى
في نظر الكثيرين على اعتبار أن النموذج الليبرالي الغربي ليس النموذج الوحيد
الذي يصلح أن يسود شتى تطبيقات الأنظمة في العالم، أما وقد انهار المعسكر
الاشتراكي فلم يعد لفكرة تعدد النماذج الديمقراطية أي معنى، وهكذا سار الغرب في
اتجاه عولمة فهمه الخاص للديمقراطية وحقوق الإنسان تحت شعار يعتبرها تراثاً
مشتركاً للإنسانية جمعاء لا تراث حضارة بعينها، مخفياً وراء ذلك حقيقة أنه يعكس
نتائج تغير موازين القوى وإرادة الهيمنة، وبعبارة أخرى: (حكم الغالب على
المغلوب) ! ولعل فرانسيس فوكوياما F. Fukuyama لم يكن ليجرؤ أن يبشر
الغرب بأن (نهاية التاريخ) ستكون عند سيادة القيم الغربية في الديمقراطية واقتصاد
السوق لولا انهيار الاتحاد السوفييتي؛ لأنه عند تأملنا ببساطة في حقيقة القيم التي
يُسعى إلى عولمتها من الناحية العملية، فسنجد أنفسنا أمام خطاب يفضي إلى تحقق
رأسمالية حقوق الإنسان، في ظل واقع الاختلال الدولي القائم؛ لأن التركيز ينصبّ
على الفئة الفردية (الحقوق المدنية والسياسية) ، دون التنكر لفئة الحقوق الاقتصادية
والاجتماعية كما كان عليه الحال في السابق، لكن بطبيعة الحال إيكال أمرها لآلية
السوق! ! وهذا ما يبحث عنه الفاعلون في تيار عولمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي؛ لأنه سيضمن لهم بقاء الدولة التي اعتبر تدخلها ضرورياً في حالة الحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعيدة عن هذا المجال، وسيضمن لهم أمن وسلامة
مصالحهم التي ستكون في رأي الكثيرين مكفولة في ظل الأنظمة التي تحترم الحقوق
السياسية.
وفي هذا الصدد يشير بعض الباحثين إلى منحى الولايات المتحدة (الطرف
السياسي والرائد في خط العولمة) ، فمنذ انتهاء الحرب الباردة، والاتجاه يسير نحو
النظر إلى حقوق الإنسان كمصلحة قومية أمريكية تتمثل في المقام الأول بنشر
المفاهيم المرتبطة بحقوق الإنسان في الفكر الرأسمالي، على اعتبار أن التحرر
الفكري يواكبه تحرر اقتصادي، وهو ما يعني اقتصاداً مفتوحاً (أمام الشركات
الأمريكية) . وزيادة الاعتماد الدولي المتبادل على النحو الذي لا يمكّن دولة في
المستقبل من الانعزال، ومن ثَمّ حرمان باقي الدول من مواردها وثرواتها
الطبيعية! ! [٦] .
وقد لوحظ أن عدداً من الكتابات قد جاءت في حقبة التسعينات متضمنة دعوة
صريحة لكي تتبنى الولايات المتحدة هدف نشر الرؤية الغربية لحقوق الإنسان في
العالم، ومن ذلك ما تضمنه أحد المؤلفات الحديثة لـ جوشيا ميرافيك Jodhua
Muravchik (وهو أحد أبرز باحثي السياسة الخارجية الأمريكية المعبرين بدقة
عن أحد روافد التيار اليميني المعروف حالياً باسم (التيار المحافظ الجديد)
(Neocanservatism) ؛ حيث أخذ يناقش قضية عالمية وخصوصية القيم
والثقافة الديمقراطية وما إذا كان من الممكن تصديرها، وفيها أظهر اعتقاده الصريح
بإمكانية أن تلعب الولايات المتحدة دوراً مهماً في نشر الفهم الغربي لحقوق الإنسان
من خلال الدبلوماسية الهادئة والمساعدات وحتى من خلال العمل العسكري إن لزم
الأمر! [٧] .
الإسلام العدو (القديم) الجديد للغرب! :
يبدو أن زوال خطر الشيوعية قد جعل الدول الرأسمالية تبحث عن عدو جديد
تزعم أنه يهدد أو قد يهدد مصالحها. فأمام غموض هوية العدو المحتمل برز الإسلام
بالنسبة لها (كعدو قديم) لكنه الوحيد الذي يملك مقومات زعزعة الهيمنة الغربية
بمفاهيمها على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة.
من هنا تزايد حرص الدول الليبرالية الغربية على بث أفكار (الرعب من
الإسلام) أو ما يسمونه لديهم بال ISlamophobia التي تقدم الإسلام على أنه خطر
يهدد مصالح الغرب والسلام العالمي عموماً، ومحاولة ربط الإسلام بالتطرف والقتل
والتخريب، وتصوير عدوانية الفرد المسلم، والتركيز على قضية المرأة التي
حُرمت على حد زعمهم من معظم حقوقها، ناهيك عن تلك النظرة التي تحمل
تجاهلاً للحقائق الموضوعية بتجنيها على طبيعة نظام الحكم في الإسلام، واعتباره
نموذجاً صرفاً لتمركز السلطة وقمع الرأي الآخر ... وأقاويل أخرى لا نجد معها
حاجة للقول بأنها تحمل تجاهلاً واضحاً لحقائق التاريخ.
ولعل من المفيد في هذا الصدد الإشارة إلى أنه منذ انتهاء الحرب الباردة
ظهرت هناك نظريتان أخذتا قدراً من الشهرة: الأولى لفرانسيس فوكوياما F.
Fukuyama وجاءت إعلاناً لنهاية التاريخ كما أشرنا عند سيادة المفاهيم الغربية
في الديمقراطية واقتصاد السوق على العالم أجمع، والثانية لصموئيل هنتنغتون
Huntington S. وجاءت إنذاراً للغرب بأن عهد ما بعد الحرب الباردة قد فتح
المجال أمام مستقبل لن يكون الغرب وحده فيه السيد الأوحد.
ورغم اختلاف النظريتين في الرؤية كما نلاحظ فإن كلاً منهما قد اشتركتا في
الاتفاق على استعداء الإسلام (العدو القديم الجديد) واعتباره نقيضاً للقيم الحضارية
التي جاء بها الغرب في الديمقراطية وحقوق الإنسان ويسير في اتجاه تعميمها على
العالم.
فبالنسبة (لفوكوياما) نجد أنه يعتبر منطقة الشرق الأوسط على درجة كبيرة
من الخصومة فيما يتعلق بالشأن الديمقراطي، وهذا بدوره عائد إلى الإسلام الذي
تدين به هذه المنطقة (في معظمها) وما يتصف به من (شمولية) فضلاً عن أن توجه
بعض الدول الإسلامية في هذه المنطقة نحو تبني النموذح الغربي في الديمقراطية
إنما يأتي نتيجة حتمية لهذه الصفة، ولذلك فإنه لا يستغرب مطلقاً أن تتخلى تركيا
مثلاً عن تراثها الإسلامي سعياً وراء العلمانية والديمقراطية.
وبالنسبة لهنتنغتون: فإن رؤيته المستقبلية عن تعدد القوى التي يمكن أن
تسود العالم لم تكن لتعني التسليم بمنطق تعدد النماذج الضامنة لحقوق الإنسان، بل
جاءت إعلاناً عن حتمية الصراع القادم الذي سيكون على حد زعمه بين الحضارات: الغربية من جهة والحضارتين الإسلامية والصينية من جهة أخرى، لا سيما أن
هاتين الأخيرتين تملكان مقومات كسر الهيمنة الغربية حضارياً؛ فطبقاً لرأيه فإن
كون البروتستانتية والكاثوليكية وإلى حد ما الكنفوشية قد صنفت في وقت من
الأوقات بأنها معادية للديمقراطية، ثم أثبتت جميعها قدرتها على الاتجاه نحو
الديمقراطية في النهاية، يجعل من غير المحتمل أن يشكل الإسلام أو حتى
الأصولية الإسلامية عائقاً لا يمكن أن تتخطاه العملية الديمقراطية في الشرق الأوسط. ولذلك فإننا نجده يختتم مقالته عن صراع الحضارات بعدد من التوصيات أبرزها
أن تسعى الدول الغربية نحو إحباط أي تحالف أو تعاون قد ينشأ بين الدول
الإسلامية والصين، بل ومحاولة استغلال أي خلاف ينشأ بينهما! !
وعلى الرغم من رفض منطق (صراع الحضارات) حتى من قبل العديد من
الكتاب الغربيين؛ فإن عدداً معتبراً يميل نحو التسليم بمثل هذه المخاوف، لا سيما
المقربون من مراكز صنع القرار، ومنهم Muravchik في مؤلفه عن (حتمية
الزعامة الأمريكية) الذي سبقت الإشارة إليه، عندما ذهب إلى ضرورة أن تحتل كل
من الصين والعالم الإسلامي حيزاً خاصاً من التفكير الاستراتيجي الأمريكي، وأشار
في هذا الخصوص إلى أن دخول التيارات الإسلامية معترك السلطة في تلك الدول
سوف يشكل خطراً كبيراً على المصالح الأمريكية [٨] .
خاتمة:
إذا كان الدكتور محمد عابد الجابري قد نظر إلى العولمة على أنها أكثر من
مجرد آلية من آليات التطور التلقائي للنظام الرأسمالي، وأنها تمثل بالدرجة الأولى
دعوة إلى تبني نموذج معين، فإن ذلك حال التعاطي مع حقوق الإنسان بعد انتهاء
الحرب الباردة، بحيث بات يسير على الصعيد الفكري بصورة خاصة في اتجاه
فرض المرجعية الحضارية (الأمريكية) الغربية على خطاب حقوق الإنسان،
ومحاولة تعميمه على العالم بأسره، مستخدماً في ذلك شتى الوسائل بما فيها التجني
والتشكيك في قدرة الأسس المفاهيمية الإسلامية على إيجاد توازن لا تضيع معه
حقوق الأفراد وحرياتهم. ومما تجدر الإشارة إليه هو أن هذا الاتجاه الفكري السائر
في طريق العمل من أجل التفوق الغربي وإظهار مفاهيمه على العالم، هو مما
يستفيد حتى من جهود بعض النخب الوطنية في العالم الثالث المتخرجة من جامعات
الغرب والمؤمنة بمرجعياته (على الأخص في مضمار الديمقراطية ونهج حقوق
الإنسان) كسبيل قويم لخلاص مجتمعاتها من التخلف والتبعية.
لكن من الملاحظ في الوقت نفسه؛ أن الواقع التطبيقي الراهن الذي تهيمن
عليه كما نعلم المصالح الرأسمالية، قد أربك كثيراً حظوظ الطموح الغربي في هذا
الاتجاه؛ لأنه فتح المجال واسعاً أمام فرص الخروج على التقاليد الغربية سياسياً،
وهذا ما تجلى بوضوح في حالة برامج التثبيت والتكييف الهيكلي، التي تصوغها
نخب غربية وتشرف عليها بيروقراطيات غربية أو مستغربة في فكرها الاقتصادي، مما تحقق معه الكثير من المكاسب الاقتصادية بالنسبة للدول الغربية المهيمنة على
كل من صندوق النقد الدولي IMF والبنك العالمي IBRD بالذات فيما فتحته من
فرص أمام شركاتها العملاقة، لكن الاضطلاع بتلك البرامج قد أضفى في معظم
الأحيان على الدول التي أذعنت لاشتراطاتها طابع السلطوية كما أثبت ذلك التجارب؛ بحيث إن إغفال البعد الاجتماعي في تلك البرامج، قد دفع بأفراد تلك الدول إلى
الانفجار اليائس كالذي شهدته أندونيسيا مؤخراً وشهدته من قبلها دول أخرى في
العالم الثالث، والذي يجابه غالباً بالقمع والتنكيل واستصدار التشريعات المقيدة
للحريات العامة، فينتهي الأمر بالفرد أن يجد نفسه محاصراً بين سلطوية الدولة
وديكتاتورية السوق! !
من هنا نستطيع القول بأن سبيل عولمة الفهم الغربي لحقوق الإنسان هو مما
يواجه عقبة التناقضات في النهج الغربي ذاته؛ ذلك أن غياب الديمقراطية وحقوق
الإنسان هما الإطار الضروري لتطبيق تلك الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي لم
تفتح كثيراً من المجال لا أمام الفهم الغربي لحقوق الإنسان ولا أي مرجعية أخرى
في هذا الصدد غير التحكم! مما يجعلنا نتساءل في ظل ذلك كله ما العمل؟
في اعتقادنا قد يبدو أن تحقيق الالتزام القانوني الحقيقي بصكوك حقوق
الإنسان من شأنه أن يجعل من السلوك الغربي بعيداً عن خطاب الهيمنة والتحريك
الانتقائي لانتهاكات حقوق الإنسان في الدول الأخرى.
على أن تحقق ذلك منوط بتوافر عنصر الجزاء الذي يتطلب استحداث نظام
(حيادي) للتدابير الردعية لاستخدامه ضد الأنظمة التي تنتهك حقوق الإنسان دون
تمييز. ورغم صعوبة تحقق مثل هذا النظام الحيادي المنشود، فإنه وإن تحقق فلن
يكون منصفاً بحق الدول الفقيرة (لا سيما منها الأشد فقراً) التي لا تسعفها مواردها
الذاتية للنهوض حتى بالحد الأدنى من حقوق مواطنيها، وهذا ما يعود بنا من جديد
إلى طرح واقع عدم المساواة التنموية بين الدول بوصفه المعضلة الأكبر التي
يواجهها النهج العالمي لحقوق الإنسان حتى يدخل بصورة فعلية حيز التنفيذ، ومتى
علمنا أن الدول الغربية ترفض أي تعديل في واقع العلاقات الاقتصادية الدولية لا
يأخذ في أولوياته ضمان تفوقها، فإن ذلك يجعلنا نقول وحتى إشعار آخر بأن شمس
العولمة لا تسطع إلا فوق سماء الأغنياء! ! .
стр. 2928
من ثمرات المنتدى
المنتدى الإسلامي في ربيعه الرابع عشر
نظرة في الحصاد
عندما تأسس المنتدى الإسلامي في لندن عام ١٤٠٦هـ لم يكن في ذهن
مؤسسيه أن إمكاناته ستُبلغه المدى الذي بلغه الآن، وإن لم يفارقهم هذا الأمل؛ فبعد
ثلاثة عشر عاماً امتد نشاط المنتدى بحمد الله وتوفيقه إلى أكثر من عشرين دولة في ...
إفريقيا وآسيا، وتعددت أنشطته الدعوية والتعليمية والإغاثية، فكان من أبرزها: ...
كفالة الدعاة والأئمة والمدرسين، وعقد دورات تدريبية لهم للرفع من مستواهم، ...
وعقد دورات علمية شرعية، ودورات إدارية، وتسيير قوافل دعوية، وبناء
مساجد والإشراف عليها، وبناء مدارس ومراكز إسلامية، وتوزيع كتب، وإنشاء
مكتبات، وعقد حلقات لتحفيظ القرآن الكريم، وإقامة مخيمات تربوية، وعقد
ندوات ومحاضرات علمية ودعوية ... إضافة إلى المشروعات الإغاثية، التي على
رأسها: تقديم جهود إغاثية في المناطق المتضررة من الفيضانات في عدة بلدان،
وتوزيع الغذاء والدواء والكساء، وحفر الآبار، وتنفيذ عدة برامج لإفطار الصائم،
وذبح الأضاحي وتوزيعها على فقراء المسلمين، وكفالة الأيتام ... إلى غير ذلك من
أنشطة تطّلعون عليها من خلال هذا التقرير.
ولا شك أن ذلك لم يتحقق إلا بتوفيق الله ثم بتضافر جهود
المخلصين الغيورين على دينهم وأمتهم؛ فمن هؤلاء من مد يداً سخية من ورائها
قلب عطوف يشفق على أمته أن تقع في براثن التنصير أو الجهل والفقر والمرض، ومنهم من قدم نصيحة أمينة واستشارة نافعة، هي خلاصة علم وتجربة، أبى أن
يبخل بها فيتخبط عمل الخير في متاهات التخلف ودروب الفوضى، ومنهم من
تاقت نفسه إلى البذل والعطاء فلم يجد إلا دعاءً يرفعه مخبتاً متذللاً إلى ربه أن يعين
إخوانه ويوفقهم إلى كل خير ويصرف عنهم السوء..
هكذا نحسبهم جميعاً والله حسيبهم.
ولا شك أنه كان لتوجيهات أصحاب الفضيلة العلماء وتزكيتهم للمنتدى الأثر
البالغ في نفوس القائمين عليه لدفعهم إلى الأمام على الطريق نفسه الذي سلكوه..
طريق أهل السنة والجماعة منهجاً، والحكمة والموعظة الحسنة سبيلاً، والتخطيط
قبل العمل، والدقة أثناء تنفيذه، والمراجعة بعد إتمامه أسلوباً.
وهذا ما دعا المنتدى الإسلامي إلى إلقاء نظرة على جهود السنين السابقة
واستخلاص العبر والدروس منها، ومن ثم: إعداد دراسة تقويمية لهذه المرحلة؛
لإعداد أهداف محددة يعمل على تحقيقها من خلال خطة منهجية في المرحلة القادمة
بإذن الله تعالى.
وفي الصفحات التالية تقرير موجز عن حصاد المنتدى السنوي.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
المنتدى ونشر العلم الشرعي
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من سلك
طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة) أخرجه الإمام أحمد: ٢/٣٢٥.
يحرص المنتدى الإسلامي على نشر العلم الشرعي وتسهيل الوصول إليه بعدة
طرق، في محاولة إيصال العلم إلى كل فرد رغم تغير ظروف المتلقي وإمكانات
المنتدى، فمن هذه الطرق: إنشاء المدارس والمعاهد وتشغليها، أو تشغيلها فقط،
وكفالة الدعاة، وكفالة بعض مدرسي اللغة العربية والعلوم الإسلامية في المدارس
الحكومية، وتنظيم دروس علمية منهجية ومحاضرات أسبوعية، وإقامة المكتبات
العامة، وتوزيع المصاحف والكتب (العربية، والمترجمة) والمناهج الدراسية
ومكتبات طالب العلم، إضافة إلى الأشرطة المسجلة ... وإليك بعض التفصيل لهذه
الأنشطة:
- المدارس والمعاهد:
أنشأ المنتدى العديد من المدارس والمعاهد الشرعية في مراحل التعليم المختلفة، كما إنه يقوم بتشغيل مدارس كثيرة، علماً بأن التشغيل وحده يشمل: كفالة
مدرسي المدرسة وإدارييها، وتوفير المناهج والكتب لطلابها، والتكفل بجميع
مصاريفها الأخرى باستثناء إنشاء مبانيها ...
أ - التعليم النظامي:
وفي العام الماضي تم بحمد الله إنشاء وتشغيل (٦) مدارس في مراحل التعليم
المختلفة، إضافة إلى تشغيل (٢٦) مدرسة في مراحل التعليم المختلفة، واستفاد من
جميع هذه المدارس (١٠٥٧٨) طالباً وطالبة، تفصيلهم في الجدول الآتي:
--------------------------------------------------------------
اسم المدرسة ... ... ... الدولة ... مراحل الدراسة ... عدد طلابها علاقتها بالمنتدى
--------------------------------------------------------------
مجمع الصديق التعليمي ... غانا ... ابتدائي، متوسط، ثانوي ٩٢٧ ... إنشاء وتشغيل
مجمع الفاروق التعليمي ... غانا ... ابتدائي، متوسط ... ٦١٠ ... إنشاء وتشغيل
مجمع الأنصار التعليمي ... غانا ... ابتدائي، متوسط ... ٦٠٠ ... إنشاء وتشغيل
المدرسة البدرية ... ... غانا ... ابتدائي، متوسط ... ٦٣٥ ... ... تشغيل
مدرسة المنتدىالإسلامي ... بريطانيا ... روضة، ابتدائي ... ١٦٠ ... إنشاء وتشغيل
التوحيد ... ... ... ... كينيا ... ... ابتدائي ... ... ٢٥٠ ... إنشاء وتشغيل
٢٤ مدرسة ... ... كينيا ... ابتدائي، متوسط ... ٧٢١١ ... ... تشغيل
مدرسة أبخ الإسلامية ... جيبوتي ... ابتدائي ... ... ١٢٠ ... ... تشغيل
مدرسة السلام ... جيبوتي ... ابتدائي ... ... ٦٥ ... ... إنشاء وتشغيل
--------------------------------------------------------------
ب - التعليم الشرعي:
ورغبة من المنتدى في تخصيص العلم الشرعي بمزيد من العناية فقد تولى
تشغيل ثانوية البيان الإسلامية للعلوم الشرعية في دولة نيجيريا التي يبلغ عدد
طلابها (٨٤) طالباً، وقد تم تخريج الدفعة الأولى من المدرسة، منهم (١٩) حافظاً
للقرآن الكريم بأكمله.
كما يتولى المنتدى تشغيل معهدين شرعيين أنشأهما بنك التنمية الإسلامي في
الصومال: أحدهما للمرحلتين المتوسطة والثانوية يبلغ عدد طلابه (١٣٠) طالباً،
والآخر: معهد متخصص لإعداد المعلمين، يبلغ عدد طلابه (٧٠) طالباً، إضافة
إلى معهدين لإعداد الدعاة سيتم افتتاحهما في الفترة القادمة بمشيئة الله تعالى،
أحدهما في إثيوبيا يخدم منطقة شرق إفريقيا، والآخر في مالي يخدم منطقة غرب
إفريقيا.
- إلقاء الدروس والمحاضرات:
في العام الماضي وحده استطاع المنتدى بفضل الله كفالة (٤٩٣)
داعية، وفقهم الله في إلقاء (٣٢٠١) درساً وكلمة في كل أسبوع، إضافة إلى إلقاء
(٤٤٩) محاضرة كل أسبوع، ليكون مجموع الكلمات والدروس والمحاضرات التي
ألقيت أسبوعياً في العام الماضي عن طريق دعاة المنتدى حوالي (٣٦٥٠) درساً
ومحاضرة، نسأل الله أن ينفع بها كل ملقٍ وكل متلقٍ.
وفيما يلي جدول لهذه الدروس والمحاضرات:
----- --------------------------------------------------- --
الدولة ... ... ... عدد الدروس الأسبوعية ... عدد المحاضرات الأسبوعية
-----------------------------------------------------------
مالي ... ... ... ٩٧٥ ... ... ... ... ٣٩
الصومال ... ... ... ... ٩٥٦ ... ... ... ... ١٠١
بنجلاديش ... ... ... ... ٣٩٦ ... ... ... ... ٩٩
كينيا ... ... ... ... ... ٣١٧ ... ... ... ... ٦٨
توجو ... ... ... ... ... ٢٠٠ ... ... ... ... ٥٤
نيجيريا ... ... ... ... ... ٧٣ ... ... ... ... ١٠
غانا ... ... ... ... ... ... ٦٥ ... ... ... ... ٢٠
أوغندا ... ... ... ... ... ٦٠ ... ... ... ... ٢٠
إثيوبيا ... ... ... ... ... ٥٣ ... ... ... ... ... ٥
تشاد ... ... ... ... ... ٣٧ ... ... ... ... ... ٤
بنين ... ... ... ... ... ٣٥ ... ... ... ... ... ١٥
جيبوتي ... ... ... ... ... ٢٩ ... ... ... ... ١٣
بريطانيا ... ... ... ... ... ٥ ... ... ... ... ... ١
------------------------------------------------------------
- توزيع المصاحف والكتب والأشرطة:
في محاولة من المنتدى الإسلامي لتكوين بنية من العلم الشرعي على أسس
راسخة لمن يريد التفقه في الدين، تبنى عبر مكاتبه الفرعية في العام الماضي وحده
توزيع (٣٨٣٢٩) مصحفاً في (١٢) دولة، كما وزع (٤٨٤٦٠) كتاباً باللغة العربية
و (١٧٥٥٨٨) كتاباً مترجماً و (٣٣٥٨١) كتاباً منهجياً دراسياً في (١٣) دولة.
وكان عدد الأشرطة التي تم توزيعها في (١١) دولة هو (١١٠٥٦) شريطاً.
أما بالنسبة لتكوين المكتبات: فإنه يتبع مكاتب المنتدى (٢٨) مكتبة للاطلاع
العام في (٨) دول، كما قامت هذه المكاتب بتوزيع (١١٦) مكتبة طالب علم
باللغتين العربية والإنجليزية على مدار العام الماضي في (٧) دول.
(٩٧١٠) طالباً يحفظون القرآن في (٢٢٨) حلقة للمنتدى
لا يختلف مسلمان على أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على رسوله
ليتعبد به المسلمون تلاوة وتدبراً وحفظاً وعملاً، فهو الركيزة الأولى التي يستمد
منها بناء المسلم إيمانيّاً، ولا بد أن ينهل منه كل مسلم ما تيسر له لأجل أن يقيم دينه.
وقد بلغ عدد حلقات تحفيظ القرآن الكريم التابعة للمنتدى الإسلامي في العام
الماضي (٢٢٨) حلقة، استفاد منها (٩٧١٠) طالباً من مختلف الأعمار، وذلك في
أكثر من بلد، ويُعنى المنتدى عناية فائقة بانتقاء المدرسين وتدريبهم على طرق
التدريس والتربية، وقد أعد المنتدى كتاباً بعنوان: (المدارس والكتاتيب القرآنية ... ) طبع قبل سنتين، ثم طبع مختصراً في هذه السنة ليسهل تناوله والاستفادة منه.
كما يحرص المنتدى على أن تكون الحلقات القرآنية محضناً تربوياً وعلمياً
يجد فيها الطالب ما يُرغّبه في الاستمرار والاستفادة، ولهذا أعد المنتدى منهجاً
متكاملاً يلتزم به مدرسو الحلقات. ونعرض لأهم تلك الحلقات في الجدول المقابل:
------------------------------------------------- ------
الدولة ... ... عدد الحلقات ... ... ... عدد المستفدين
--------------------------------------------------------
غانا ... ... ... ... ٦٩ ... ... ... ... ... ١٦٩٨
الصومال ... ... ... ٣٣ ... ... ... ... ... ٣٥٨٤
توجو ... ... ... ... ٣٣ ... ... ... ... ... ١١٥٥
بنين ... ... ... ... ٣٢ ... ... ... ... ... ٩٩٢
كينيا ... ... ... ... ١٨ ... ... ... ... ... ١٢٤٢
بنجلاديش ... ... ... ١٤ ... ... ... ... ... ١٧١
نيجيريا ... ... ... ١٠ ... ... ... ... ... ... ٢٥٧
مالي ... ... ... ... ٧ ... ... ... ... ... ... ٢١٠
أوغندا ... ... ... ٥ ... ... ... ... ... ... ٢٠٠
جيبوتي ... ... ... ٤ ... ... ... ... ... ... ١٥١
بريطانيا ... ... ... ٢ ... ... ... ... ... ... ٣٠
إثيوبيا ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ... ٢٠
----------------------------------------------------------
في كينيا: ٢٧٥ طفلاً يتمون حفظ القرآن الكريم
أتم حفظ القرآن الكريم في حلقات المنتدى بكينيا العام الماضي وحده (٢٧٥)
طالباً وطالبة تتراوح أعمارهم بين ١١و ١٥ سنة، وذلك بفضل الله تعالى ثم بسبب
دعم بعض المحسنين لهذا المشروع المبارك، ونشاط القائمين عليه.
جدير بالذكر أن مكتب كينيا كان قد أقام العام الماضي أيضاً دورة شرعية
للحفّاظ الذين أكملوا حفظ القرآن الكريم استغرقت سنة كاملة، درسوا فيها مواد
التفسير والحديث والتوحيد ومراجعة القرآن الكريم وأحكام التجويد، إضافة إلى
التربية، واستفاد من هذه الدورة (٤٠) طالباً.
باكورة جديدة من ثمار المنتدى
(كلية لندن المفتوحة)
يتعرض المسلمون في الغرب أكثر من غيرهم لخطر الذوبان في المجتمع
الغربي وفقدان الهوية والانفلات السلوكي، وكل ذلك يعتبر سبباً ونتيجة في الوقت
نفسه لقلة اكتساب العلم الشرعي في هذه البلاد، وذلك راجع إلى أسباب عديدة،
منها:
صعوبة تحصيل العلم الشرعي وقلة قنواته، أو صعوبة الوصول إليها في
هذه البلاد.
انشغال أكثر المسلمين هناك بأعمالهم؛ مما يصعب معه انتظامهم في برنامج
مغلق لطلب العلم.
أن كثيراً من المتصدين لنشر العلوم الإسلامية في الغرب مشبوهون، إما
بكونهم أصحاب اتجاهات استشراقية مغرضة، أو أصحاب دعوات بدعية مضللة.
لهذه الأسباب عمل المنتدى الإسلامي بلندن على الإسهام في تلبية حاجة
المسلمين في هذا المجال، فكانت (كلية لندن المفتوحة)
فمع مطلع العام القادم ١٩٩٩م إن شاء الله تعالى يفتتح باب التسجيل في (كلية
لندن المفتوحة) أحدث مشاريع المنتدى الإسلامي التعليمية، وذلك بالتنسيق
والاستفادة من تجربة الجامعة الأمريكية المفتوحة، وسيتم في الكلية تدريس مختلف
العلوم الشرعية، مع منح الدرجات العلمية التالية:
١-شهادة الدبلوم، بعد سنتين من الدراسة.
٢-شهادة الليسانس، بعد أربع سنوات دراسية.
وتهدف هذه الكلية إلى نشر العلوم الشرعية وتيسير الاستفادة منها في أوساط
المغتربين، وسيتاح فيها نظام انتساب الطلاب، كما يمكن مراسلتها عن طريق
الإنترنت والبريد الإلكتروني أو مباشرة عن طريق عنوان المنتدى بلندن.
نسأل الله أن يكون افتتاحها فاتحة خير للمسلمين.
من الأنشطة الثقافية:
الدورة الصيفية للعلوم الشرعية بالإنجليزية في لندن
عُقدت هذه الدورة من ٢- ٦ من ربيع الثاني ١٤١٩هـ، الموافق
٢٥- ٢٩/ ٧/ ١٩٩٨م، وحظيت بعض الموضوعات الحيوية باهتمام بالغ من الحضور، حيث عرضت بعض المسائل الشرعية كأركان الإسلام والإيمان، وقضايا معاصرة كقضايا الحجاب والزواج والإجهاض والتلقيح الصناعي ونقل الأعضاء والإرهاب والانتحار.. وعقد في نهاية الدورة امتحان نهائي للمشاركين، وفي اليوم نفسه أقيمت رحلة ترفيهية تخللتها فقرات رياضية مختلفة ووجبة غداء وكلمات تربوية.
وجدير بالذكر أن الدورة لاقت إقبالاً كبيراً ولله الحمد والشكر، وكان في معظم
الأوقات يزيد عدد الحضور على سعة قاعة المحاضرات مما كان يضطرنا إلى
إحضار مقاعد إضافية للمشاركين في الدورة، كما تم نقل الصوت والصورة للنساء.
وقد تلقى المنتدى عقب الدورة كثيراً من كلمات الشكر والثناء أعرب عنه
المشاركون في الدورة ومديرو العديد من المراكز الإسلامية وعدد من الشخصيات
الإسلامية.
المنتدى الإسلامي بلندن يقيم مهرجان فلسطين
قضية فلسطين قضية إسلامية بالدرجة الأولى، ونصرة المسلمين لها واجب
شرعي؛ ومن هذا المنطلق نظم المنتدى الإسلامي بلندن بالتعاون مع مجمع البحوث
الإسلامية ومركز العودة الفلسطيني والصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية مهرجان
فلسطين، وذلك في الفترة من ٢٣ ٢٥ من ربيع الأول ١٤١٩هـ، الموافق
١٧ -١٩/٧/١٩٩٨م.
وقد ألقيت في المهرجان عدة محاضرات، كانت عناوينها:
دور الاستعمار الغربي في ضياع فلسطين.
القدس والوعد الحق.
النظام العالمي الجديد وقضية فلسطين.
كيف نعيد فلسطين إلى الساحة الإسلامية؟
السلام مع اليهود والموقف منه.
السياسات التوسعية لإسرائيل ومستقبل فلسطين.
كما أقيمت أمسية ثقافية تم خلالها إلقاء قصائد عن فلسطين، ومسابقة هادفة
عن القضية الفلسطينية، كما عرض فيلم وثائقي عن الحفريات تحت المسجد
الأقصى، علق عليه الشيخ رائد صلاح رئيس بلدية أم الفحم بفلسطين.
وتخلل المهرجان معرض للصور الفوتوغرافية مؤلف من ٥٠ لوحة عن مآسي
الشعب الفلسطيني، و٢٤ لوحة تعكس جوانب من المسجد الأقصى وتاريخ فلسطين، و١٢ لوحة عن الفن المعماري للمسجد الأقصى وبعض الجوانب التاريخية،
بالإضافة إلى الخرائط والوثائق المختلفة عن فلسطين، وأقيم خلال المهرجان أيضاً
معرض للكتاب، عرض من خلاله حوالي ٦٠ كتاباً متعلقاً بفلسطين.
أمسية الجزائر
تفاعلاَ من المنتدى الإسلامي بلندن مع شؤون العالم الإسلامي وشجونه أقيمت
يوم ٣٠/٤/١٤١٩هـ الموافق ٢٢/٨/١٩٩٨م أمسية عن الأوضاع في الجزائر
بعنوان: (أزمة الجزائر.. دروس وعبر) ، احتوت على محاضرتين وندوة، كان
عنوان المحاضرة الأولى: الأزمة الجزائرية، الأسباب والتطلعات، والمحاضرة
الثانية: الجزائر، مأساة شعب وأزمة أمة، أما الندوة فكانت بعنوان: دروس وعبر
من أزمة الجزائر.
وقد لقيت الأمسية إقبالاً كبيراً من رواد المنتدى وعدد كبير من الجالية المسلمة
بلندن، وامتازت بالمشاركة الفعالة في الآراء ووجهات النظر مع الطرح
الموضوعي الهادئ والهادف لحيثيات الأزمة الجزائرية.
وللمنتدى نشاط شبابي
لا يكفي العلم النظري وحده في تكوين الإنسان الصالح؛ فإبليس كان على علم، والمنافقون كانوا على علم، ولكن لم يثمر علمهم خضوعاً والتزاماً، فلم ينفعهم
علمهم.
وإضافة إلى المدارس وحلقات تحفيظ القرآن الكريم يحرص المنتدى على
توفير مناخات تربوية أخرى يتحول العلم فيها إلى عمل ومعايشة، ومن هذه
المناخات: المراكز الصيفية والمخيمات الطلابية، وفي العام الماضي أقام المنتدى
(١٣) مخيماً، استفاد منها (١٠٢٤) داعية وطالباً وطالبة في (٥) دول، ويحرص
المنتدى الإسلامي في هذه المخيمات على التركيز على طلاب الجامعات التجريبية
والمثقفين باللغة الإنجليزية أو الفرنسية.
ولا شك أن احتكاك هؤلاء الشباب في هذه المخيمات بقرنائهم ومن هم أكثر
علماً منهم من المعروفين لديهم أو الزائرين.. لا شك أن له أطيب الأثر في نفوسهم
وخبرتهم وتثقيفهم وترسيخ أقدامهم.
قوافل الهدى
نعم، على كل إنسان أن يسعى إلى البحث عن الحق، ومعرفة الهدى، ولكن
ذلك لا يكفي لإبراء ذمة حملة الهدى والنور؛ فقد كان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يعرض الإسلام على الأفراد والقبائل، ويتكبد مشاق السفر للدعوة إلى
التوحيد ونبذ الشرك، وهكذا سار على هديه صحابته الكرام ومن اتبعهم بإحسان،
يبذلون من أموالهم وجهدهم للدعوة إلى هذا الدين وإزالة الأسباب التي تمنع الناس
من قبوله والإيمان به. ومن أجل ذلك حرص المنتدى على بث قوافل دعوية منظمة
إلى المناطق التي تفتقر غالباً إلى مراكز دعوية ثابتة، ومعظمها قرى ومناطق نائية، وقد تكون هذه المناطق ذات أغلبية مسلمة فيكون جهد الدعاة فيها مُرَكّزاً على
تصحيح العقائد ونبذ الخرافات والبدع والدعوة إلى منهج أهل السنة والجماعة
وفضائل الأعمال والتحذير من المعاصي، وقد تنتشر في المناطق المستهدفة
الديانات الباطلة والوثنية، فيقوم الدعاة بالدعوة إلى التوحيد والتعريف بالإسلام.
ويرافق هذه القوافل أحياناً طبيب يعرض خدماته العلاجية على أهل هذه
المناطق، كما يحمل الدعاة معهم كميات من المواد الإغاثية لإظهار سماحة الإسلام
وتأليف قلوب المدعوين.
وخلال الشهور الاثني عشر الماضية سيّر المنتدى الإسلامي (٣٥٧) قافلة في
(١٢) دولة، وقد أسلم بفضل الله ومنته أثناء سير هذه القوافل (٦٠٣) أشخاص،
فضلاً عن الذين هداهم الله إلى السنة ممن كان ينتسب إلى الإسلام. علماً بأن
المنتدى يتابع المسلمين الجدد؛ حتى لا يكون إسلامهم مجرد انتساب خالٍ من
الحقيقة المطلوبة، وحتى لا تحدث انتكاسة لهم لا قدر الله، وتلك المتابعة تختلف
صورتها باختلاف عدد المسلمين الجدد كثرة أو قلة، وهي تتراوح بين:
١-معاودة تسيير قوافل أخرى بانتظام إلى القرية أو المنطقة التي بها مسلمون
جدد.
٢-تعيين داعية يقيم في القرية أو المنطقة لمتابعة المسلمين الجدد.
٣-إنشاء مركز دعوي للمهتدين، يُعنى بمتابعتهم الدورية المركزة؛ فعلى
سبيل المثال أنشأ المنتدى الإسلامي مركز مصعب بن عمير للمهتدين في دولة مالي، كما قام بإنشاء مدرسة ابن القيم للمهتدين الجدد في دولة كينيا.
وكل ذلك بالإضافة إلى تنظيم دورات لهؤلاء المهتدين وإهدائهم الكتب
والأشرطة المناسبة لهم بلغاتهم المحلية.
وقد أعدت اللجنة العلمية بالمنتدى منهجاً علمياً وتربوياً متدرجاً يرتقي بمستوى
المسلمين الجدد، ويعالج المشكلات الاجتماعية التي تواجههم بعد نقلتهم المباركة.
وهذه بعض بيانات هذه القوافل:
--------------------------------------------------------
الدولة ... ... عدد القوافل ... المسلمون الجدد
--------------------------------------------------------
... ... توجو ... ... ... ١١٥ ... ... ... ... ١٨
... ... بنين ... ... ... ... ٦٦ ... ... ... ... ١٧٠
... ... بنجلاديش ... ... ... ٦٠ ... ... ... ... ... ٠٠
... ... كينيا ... ... ... ٥٠ ... ... ... ... ... ٢٠
... ... الصومال ... ... ... ٢٨ ... ... ... ... ... ٠٠
... ... مالي ... ... ... ١٠ ... ... ... ... ... ٣٠
... ... تشاد ... ... ... ٨ ... ... ... ... ... ٢٢
... ... نيجيريا ... ... ... ٦ ... ... ... ... ... ٤٥
... ... أوغندا ... ... ... ٦ ... ... ... ... ... ١٥٠
... ... إثيوبيا ... ... ... ٣ ... ... ... ... ... ١٤٨
... ... غانا ... ... ... ٣ ... ... ... ... ... ٠٠
... ... جيبوتي ... ... ... ٢ ... ... ... ... ... ٠٠
-------------------------------------------------------
يلاحظ أن بعض هذه القوافل توجه إلى مناطق المسلمين لتعليمهم ونشر السنة
بينهم.
بلاغ مبين
يعد البيان الواضح الركن الأساس في القيام بالبلاغ المبين؛ لذا: كان لازماً
أن تصل كلمة الدعوة باللغة التي يفهمها المخاطَبون، ومن هذا المنطلق حرص
المنتدى الإسلامي على طبع آلاف من الكتب المترجمة إلى اللغات الأجنبية
وتوزيعها في البلاد التي تتكلم بهذه اللغات، وذلك إضافة إلى ما يشتريه من كتب
مترجمة أخرى، ومن الكتب التي طبعها ووزعها المنتدى باللغة الإنجليزية: وجوب
لزوم السنة والحذر من البدعة، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والعقيدة
الإسلامية، للشيخ جميل زينو.
وباللغة الفرنسية: الأصول الثلاثة، للعلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
﵀، والعقيدة الصحيحة وما يضادها، ووجوب أداء صلاة الجماعة، وصفة
صلاة النبي ﷺ ، وجميعها للشيخ عبد العزيز بن باز.
أما اللغة السواحيلية: فطبع بها (٧) كتب، هي: كشف الشبهات، للعلامة
الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والدروس المهمة لعامة الأمة، وصفة صلاة النبي -
ﷺ ، ووجوب صلاة الجماعة، وجميعها لسماحة الشيخ
عبد العزيز بن باز، وكتاب الطهارة والصلاة، لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين،
ومختصر العقيدة الإسلامية، للشيخ جميل زينو، وحصن المسلم، للشيخ سعيد بن
وهف، والمرأة في الإسلام للشيخ سالم بارهيان.
بالإضافة إلى كتابين بلغة الهوسا، هما: الأصول الثلاثة للعلامة الشيخ ...
محمد بن عبد الوهاب، والخطوط العريضة للشيخ محب الدين الخطيب.
وأخيراً: طبع باللغة البنغالية: كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لشيخ
الإسلام ابن تيمية، والعقيدة الطحاوية، للإمام الطحاوي، والأصول الثلاثة،
وكشف الشبهات، وأصول الإيمان، ومسائل الجاهلية، جميعها للعلامة الشيخ محمد
بن عبد الوهاب، والعقيدة الصحيحة، ووجوب لزوم السنة، وكيفية صلاة النبي -
ﷺ ، جميعها لسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، وعقيدة أهل
السنة والجماعة، لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، وتوجيهات إسلامية، والعقيدة
الإسلامية، كلاهما للشيخ جميل زينو.
من الجهود الدعوية استثمار الوسائل الإعلامية
يسعى المنتدى إلى استثمار كل فرصة تسنح للدعوة إلى دين الله بصورة
واسعة غير محدودة، ومن هذا السعي محاولة إيصال كلمة الحق عبر الوسائل
الإعلامية واسعة الانتشار كالتلفاز والإذاعة والصحف ... ولما كانت تكاليف هذه
الوسائل كبيرة والعوائق الإدارية في الدول التي تسمح بإنشائها للأفراد والهيئات
كثيرة، فقد حرصت بعض المكاتب الفرعية على إيصال الهدى باستثمار الفرصة
المتاحة في الوسائل القائمة بالفعل، وبالطبع تختلف هذه الفرص من مكان لآخر.
وإضافة إلى آلاف من نشرات المنتدى الأسبوعية والشهرية التي توزعها
بعض المكاتب باللغات المحلية والعربية، استطاع القائمون على بعض المكاتب
تنفيذ عدد من البرامج الإذاعية والتلفازية وعدد من المشاركات الصحفية في بلادهم، وهذا بيان بأهم هذه الأعمال خلال فترة التقرير:
----------------------------------------------
... الدولة ... ... تلفاز إذاعة ... صحافة المجموع
----------------------------------------------
... الصومال ... ... ٥ ... ٤٨٠ ... ٤٨ ... ... ٥٣٣
... مالي ... ١٠ ... ٤٥٢ ... ٢ ... ... ٤٦٤
... كينيا ... ٤٠ ٤٠ ... ٤ ... ... ٨٤
... توجو ... ٠٠ ٥٦ ... ٠٠ ... ... ٥٦
... أوغندا ... ٠٠ ٣٢ ... ٠٠ ... ... ٣٢
... غانا ... ٣ ١٢ ... ٢ ... ... ١٧
... جيبوتي ... ... ١ ... ٠٠ ... ٠٠ ... ... ١
----------------------------------------------
... المجموع ... ... ٥٩ ١٠٧٢ ... ٥٦ ... ... ١١٨٧
----------------------------------------------
لسان جديد للمنتدى
مجلة (الجمعة) الناطقة بالإنجليزية تنضم إلى دوريات المنتدى
الاهتمام بتعليم الإسلام وتربية الأجيال الناشئة عليه صوناً للدين وحفاظاً على
الهوية يقع على رأس قائمة أولويات الجالية المسلمة في الغرب، ومع ندرة
الدوريات الإسلامية ذات التوجه الصحيح في هذا المجتمع كان من الأهمية بمكان
وجود وسيلة إعلامية ناطقة بلغة هذا المجتمع، مهتمة بمعالجة الموضوعات
الإسلامية الحيوية.
ومن أمريكا تنطلق مجلة الجمعة الناطقة بالإنجليزية، هدفها: التعليم،
والتربية، والتحفيز نحو التغيير إلى الأفضل، ورسالتها: إرشاد المسلم ليعيش
بالإسلام في كل جوانب الحياة. ولتحقيق هذه الرسالة وذلك الهدف فإنها تلتزم بـ:
١-التأكيد على اتباع الكتاب والسنة الصحيحة بفهم الصحابة أساساً في الفهم
والعمل والسلوك.
٢- الاهتمام بمعالجة القضايا التي تعانيها الجالية المسلمة في الغرب، مع
طرح المادة العلمية الشرعية والتربوية المقدمة من خلال التفاعل مع القارئ ومراعاة
أولويات بيئته.
٣- مخاطبة عامة المسلمين مع التركيز على حاجات الأسرة المسلمة.
جدير بالذكر أن مجلة الجمعة بدأت عام ١٩٩١م نشرة صغيرة، ثم تطورت
حتى أصبحت مجلة تبلغ عدد صفحاتها (٢٤) صفحة عام ١٩٩٥م، واليوم تصدر
غرة كل شهر عربي في (٥٢) صفحة ملونة، تقدم فيها مادة علمية مكثفة وتربوية
شيقة، بلغة إنجليزية واضحة سهلة التناول؛ مما جعلها أحد أهم المراجع التثقيفية
التربوية الإسلامية باللغة الإنجليزية للمسلمين في أمريكا الشمالية.
وقد انتقلت ملكية المجلة وإدارتها إلى المنتدى الإسلامي في مطلع عام
١٤١٩هـ، نسأل الله أن تكون عوناً على نشر الحق والدعوة إليه.
تطوير إمكانات العاملين والمتعاونين
تعد المراجعة والتجديد والتطوير من أهم عوامل نجاح أي عمل، ولأن عمل
المنتدى الإسلامي يقوم على أكتاف صفوف من الرجال أصحاب قدرات وإمكانات
مناسبة تؤهلهم للقيام بهذه الأعمال بصورة لائقة ... فإن المنتدى يحرص على
تطوير هذه القدرات والإمكانات والنهوض بها لكي تلائم طبيعة هذه الأعمال
وتواكب تطورها ...
ومن هذا المنطلق نظم المنتدى في العام الماضي وحده عدداً من الدورات
الشرعية والإدارية بلغت (٥١) دورة شرعية، استفاد منها (٢٩١١) داعية وإماماً
وطالب علم في (١٣) دولة، و (١١) دورة إدارية استفاد منها (٢٤٣) إدارياً في
(٦) دول، كما نظم عدداً من الملتقيات الدعوية للتعارف وتبادل الخبرات والعلوم،
بلغت (١٧) ملتقى، استفاد منها (٦٦٥) داعية في (٥) دول.
* ولقد شارك في أكثر هذه الدورات الشرعية مجموعة من العلماء وطلاب
العلم من خارج تلك الدول مما كان له أكبر الأثر في نجاح تلك الدورات، فلله الحمد، ولهم من المنتدى أبلغ الشكر.
* ومن أبرز هذه الدورات: الدورة الإدارية والتربوية الثانية لمدراء مكاتب
المنتدى الفرعية ورؤساء الأقسام التي انعقدت في دولة غانا في الفترة من ٢٩ من
ربيع الثاني إلى ٩ من جمادى الأولى ١٤١٩هـ الموافق ٢١ ٣١/٨/١٩٩٨م، وقد
استفاد منها (٣٢) شخصاً ما بين مدير وداعية وإداري من المنتسبين لمكاتب المنتدى
الفرعية.
وكذلك دورة (مصعب بن عمير) ، وهي دورة شرعية تربوية شارك فيها
(٦٠) داعية من دعاة المنتدى الإسلامي في دول: غانا وتوجو وبنين، وأقيمت
الدورة في دولة توجو، واستمرت لمدة (١٩) يوماً من ٢٠ من ربيع الأول إلى ٩
من ربيع الثاني ١٤١٩هـ الموافق ١٤/٧ ١/٨/ ١٩٩٨م، وحفلت الدورة بالعديد
من البرامج والفقرات المنوعة المفيدة.
ماذا تعرف عن المراكز الإسلامية؟
المراكز الإسلامية أحد أهم الأنشطة المتكاملة التي يقوم عليها العمل الدعوي
أو الخيري؛ نظراً لتعدد منشآتها وخدماتها؛ فكل مركز يتكون غالباً من:
- مسجد جامع كبير، ملحق به مصلى خاص بالنساء.
- مدرسة، تستغل في تدريس مقررات منهجية أو عقد الدورات.
- مكاتب إدارية.
- قاعة محاضرات.
- مكتبة عامة، يلحق بها في الغالب قسم للمكتبة السمعية والمرئية.
- جناح للضيافة (للدعاة وطلاب العلم الزائرين) .
- مستودع.
وقد قام المنتدى الإسلامي بحمد لله ومنته ببناء عدد من المراكز الإسلامية في
إفريقيا وآسيا وأوروبا، بيانها الآتي:
١-المركز الإسلامي الرئيس في بريطانيا (لندن) ، وأنشئ عام ١٤٠٦هـ.
٢- مركز الإمام مسلم في بنجلاديش (فريدبور) ، وأنشئ عام ١٤١٦هـ.
٣- مركز الإمام البخاري في بنجلاديش (غاريبو تونغي دكا) وتم الانتهاء من
بنائه عام ١٤١٨هـ.
٤- المركز الإسلامي في نيجيريا (كانو) ، وقد افتتح عام ١٤١٨هـ، ويقع
هذا المركز قرب جامعة بايرو؛ لإتاحة الفرصة أمام طلابها للاستفادة من برامج
المركز الدعوية والتربوية المتنوعة، ومن المبشرات: أن الإقبال على هذا المركز
كبير، حتى إن المسجد الجامع بالمركز يضيق بالمصلين في الجمعة، فيضطر
حوالي ضعف عدد المصلين داخل المسجد إلى الصلاة خارجه.
٥- مركز المنتدى الإسلامي في غانا (أكرا) ، وقد تم افتتاحه عام ١٤١٧هـ.
٦- مركز المنتدى الإسلامي في بنين (كوتونو) ، وهو في لمساته الأخيرة.
٧- مركز المنتدى الإسلامي في توجو (لومي) ، وما زال العمل جارياً فيه.
٨- مركز المنتدى الإسلامي في السودان (بور سودان) ، وهو قيد الإنشاء،
وسيدار من خلاله مشروع عيون الحياة الخيري لحفر الآبار الجوفية القائم الآن.
٩- مركز ابن عبد البر في مالي (كاي) ، وهو على وشك الانتهاء.
١٠- مركز ابن أبي زيد القيرواني في مالي (موبتي) .
١١- مركز مصعب بن عمير في مالي (كاتي) .
هذا بالإضافة إلى مركزين آخرين كان المنتدى الإسلامي قد مولهما لحساب
جمعيات خيرية موثوقة أخرى، وهما:
مركز أنصار السنة المحمدية، بالسودان في مدينة كسلا.
مركز جمعية الهدى، بإندونيسيا.
علماً بأن في خطط المنتدى إنشاء مركز إسلامي في كل من كينيا وأوغندا،
ولكن تعثر البدء بالبناء نظراً لبعض الظروف الطارئة في كلا الدولتين.
بناء المساجد ليس مجرد بناء جدران
يحرص المنتدى الإسلامي على استعادة المسجد لدوره الذي كان عليه في
صدر الإسلام، فيقوم بتعيين داعية مؤهل يؤم الناس في الجمع والجماعات،
ويتولى ترتيب عدد من حلقات تحفيظ القرآن الكريم والدروس والمحاضرات للرجال
والنساء والأطفال، وكذلك يقوم بجولات دعوية في القرى المجاورة انطلاقاً من
المسجد ويرعى بعض الشؤون الاجتماعية لأهالي منطقة المسجد.. ويتولى أقرب
مكتب للمنتدى متابعة الداعية من خلال المشرفين المسؤولين.
ولأجل إيصال مساهمات المسلمين إلى هدفها المأمول فإنه يحرص عند بناء
المسجد على تحقيق عدة أمور، منها:
١- اختيار الموقع المناسب بواسطة لجنة المساجد في فرع المنتدى في تلك
الدولة، ويراعى في الموقع ما يلي:
توسط موقعه بين بيوت المسلمين بحيث يستفيد منه عدد كبير من المصلين.
ألا يكون قريباً من مسجد آخر يسهل الوصول إليه.
ألا يكون لأهل البدع يد على المسجد.
أن تكون الأرض وقفية، أو يتم التنازل عنها، وتسجل رسمياً باسم المنتدى
الإسلامي في غالب الأحيان.. ولا تشترى الأرض إلا عند الضرورة القصوى.
٢- يتم الاتفاق مع مقاول يتولى التنفيذ، وتصرف له التكلفة حسب مراحل
البناء، وتقوم لجنة المساجد في المنتدى بالإشراف ومتابعة التنفيذ.
٣- تضاف أحياناً حسب الحاجة والإمكانات بعض الملحقات، مثل: دورات
المياه، بئر، مكتبة، مسكن للإمام، غرفة (خلوة) لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال أو
النساء، مصلى للنساء.
ولقد بلغ إجمالي عدد المساجد التي بناها المنتدى حتى الآن ٣٦٨ مسجداً،
أنشأ منها (٤٩) مسجداً خلال العام الماضي وحده، كانت على النحو الآتي:
في بنغلاديش (١٥) مسجداً، وفي مالي (٦) مساجد، إثيوبيا (٥) مساجد،
كينيا (٥) مساجد، توجو مسجدان، وفي كل من نيجيريا والصومال مسجد واحد.
وفي خطوة لمد يد التعاون بين المنتدى الإسلامي وبعض الجمعيات الإسلامية
الموثوقة وذات المنهج الصحيح في الدول التي ليس للمنتدى فيها مكتب فرعي بنى
المنتدى الإسلامي بالتعاون مع تلك الجمعيات:
(٥) مساجد في السودان، (٥) مساجد في الهند، (٣) مساجد في موريتانيا،
مسجداً واحداً في إندونيسيا.
* ومن أبرز تلك المساجد التي افتتحت مؤخراً:
١- مسجد عمر بن الخطاب في دولة نيجيريا، وتبلغ أبعاده (١٨م × ١٥م)
وهو يقع بجوار جامعة أحمد بيلو الإسلامية، وقد ساهم في خدمة مرتادي الجامعة
من طلاب وموظفين، كما استفاد منه سكان الأحياء المجاورة للجامعة.
٢- مسجد عمر بن عبد العزيز في دولة بنغلاديش، بُني على أبعاد
(١٨م × ١٢م) ويتبع المسجد بعض المرافق (بئر ارتوازي دورات مياه سكن للإمام) . كما يقع بالقرب منه بعض المدارس الدينية، آملين أن يسهم هذا المسجد في إكمال رسالتها التربوية.
٣- مسجد الشيخ عبد الرحمن السعدي في إثيوبيا، تبلغ أبعاده (١٢ م × ١٢م) ، وقد ساهم المسجد بحمد الله في سد حاجة المسلمين في المنطقة التي بُني فيها.
٤- مسجد الهدى في إندونيسيا، تبلغ أبعاده (١٦ م × ١٦ م) ويضم المرافق
الآتية: بئراً دورات مياه سكناً لإمام المسجد ساحة خارجية لإقامة الأنشطة العامة.
تعيين الدعاة
يحرص المنتدى الإسلامي على اختيار دعاته وفق أسس ومعايير محددة، بما
يخدم الأهداف التي يسعى لتحقيقها، وأهم هذه الأسس:
١-سلامة المنهج معتقداً وسلوكاً. ٢ الكفاءة العلمية والشرعية. ٣ الكفاءة
الدعوية.
ويتم معرفة ذلك من خلال عقد امتحان تحريري وشفهي للمتقدم، بعد التعرف
على سيرته وأخلاقه.
وضماناً للمحافظة على مستوى الدعاة والارتقاء به: فقد أعد المنتدى
الإسلامي بفضل الله تعالى منهجاً شاملاً لكافة أبواب العلم، يلتزم الدعاة بدراسته
وإتقانه، كما هيأ لهم دورات مكثفة لرفع قدراتهم العلمية والدعوية، وفي نهاية كل
دورة يعقد امتحان تحريري وشفهي لقياس التحصيل العلمي لكل داعية ومدى جديته
في طلب العلم.
وقد استطاع المنتدى بفضل الله تعالى كفالة (٤٩٣) داعية في العام الماضي
وفق هذه الأسس.
إطعام الطعام:
تحقيقاً لحديث رسول الله ﷺ : (من فطَّر صائماً كُتب له
مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء..) [أخرجه السبعة] ، حرص
المنتدى الإسلامي أن يكون من مصارفه: إفطار الصائمين خلال شهر رمضان
سنوياً، ويصاحب هذا الإفطار دروس تعليمية وتربوية ووعظية للرجال والنساء،
يقوم بها دعاة المنتدى الإسلامي، وبلغت في العام الماضي (٨٤٢١) برنامجاً دعوياً، استفاد منها قرابة (٦٢٩٩٨٢) شخصاً، وقد أعدت اللجنة العلمية بالمنتدى سلسلة
من الدروس العقدية والفقهية والتربوية تعتبر مرجعاً للدعاة في دروسهم.
وقد بلغ عدد الوجبات في العام الماضي وحده (٥٩٦٠٨٢) وجبة، استفاد منها
(٧٢١٩٤٨) صائماً في (١٣) دولة، ومن خيرات هذا المشروع: إسلام (٢٩٨)
شخصاً، استفادوا من الدروس الدعوية المصاحبة لبرامج إفطار الصائمين والبيئة
المؤثرة المصاحبة للإفطار ولله الحمد والمنة.
كما قام المنتدى بتنظيم مشروع ذبح الأضاحي وتوزيعها على الفقراء
والمحتاجين المسلمين في أكثر من دولة، وبلغ عدد أضاحي العام الماضي (٢٠١٦)
أضحية استفاد منها حوالي (٥٥٥١٦) شخصاً.
وفي الجدول المقابل تفصيل لعدد وجبات الإفطار والأضاحي وعدد المستفيدين
من كل منهما:
----------------------------------------------------------
... ... ... ... ... عدد ... ... عدد ... ... عدد ... ... عدد
... الدولة ... وجبات الإفطار ... المستفيدين ... الأضاحي ... المستفيدين
---------------------------------------------- ------------
... بنجلاديش ... ١٨١٦٥٤ ... ٢٠٠٠٠٠ ... ٤٣ ٦٤٥٠
... كينيا ... ... ١٣٧١٦١ ... ٢١٠٩٩٧ ... ٩٠٥ ٢٢٦٢٥
... غانا ... ... ٨١٦٤٣ ... ٨١٦٤٣ ... ١١ ٣٥٠
... نيجيريا ... ٦٤٦١٨ ... ٧٤٥١٨ ٨٠ ٢٣١٤
... جيبوتي ... ٤٠٠٠ ... ٤٠٠٠٠ ... ... ٠ ... ... ٠
... مالي ... ... ٣٥٨٧٧ ... ٤٥٠٠٠ ... ١١٠ ٢٧٥٠
... إثيوبيا ... ... ١٧٢٠٠ ... ١٧٢٠٠ ٤٦٩ ١١٧٢٥
... أوغندا ... ... ١٢٣٨٤ ... ٢٤٧٠٠ ... ٧٥ ١٧٠٠
... الصومال ... ٩٢٩٤ ... ... ٩٢٩٤ ٢٥٠ ٧٠٠٠
... بنين ... ... ٧٩٠٠ ... ٨٣٧٠ ٠ ... ... ٠
... توجو ... ... ٦٥٩١ ... ٦٥٩١ ٠ ... ... ٠
... تشاد ... ... ١٢٦٠ ... ٣١٣٥ ٧٣ ... ٦٠٢
... بريطانيا ... ... ٥٠٠ ... ٥٠٠ ... ٠ ... ... ٠
---------------------------------------------- -----------
... المجموع ... ٥٩٦٠٨٢ ... ٧٢١٩٨٤ ... ٢٠١٦ ٥٥٥١٦
----------------------------------------------------------
وعند الحاجة تمتد يد بالعون!
عندما نطق البؤس والألم في وجوه إخوة لنا في أنحاء كثيرة من العالم
الإسلامي من جراء النكبات التي ألمت بهم، سارع المنتدى الإسلامي إلى مد يد
العون لذلك الشيخ العاجز، ومسح دمعة ذلك الطفل الوجل، وطمئنة تلك المرأة
الحيرى.
فعلى إثر الفيضانات التي اجتاحت دولة بنغلاديش نظم المنتدى مشروعاً إغاثياً
ضخماً لمساعدة المتضررين من تلك الفيضانات.
كما نظم المنتدى برنامجاً إغاثياً في الصومال عندما غطت المياه مناطق
شاسعة وحاصر الماء آلاف الضعفاء.
ولم ينس المنتدى بتوفيق من الله محنة السودان فدعم برامج إغاثية
للمتضررين من الفيضانات هناك، ويساهم المنتدى في هذه الآونة في برامج إغاثية
لمساعدة المتضررين من مجاعة جنوب غرب السودان التي تبلغ نسبة المسلمين فيهم
٨٥% ٩٠%.
وتشمل برامج الإغاثة عادة توزيع الخيام والأطعمة والكساء والأدوية، ويتم
استثمار هذه المواقف دعويّاً بتذكير الناس بالله وتصحيح المعتقدات
الخاطئة من خلال الدعاة المصاحبين والمنفذين لتلك البرامج، ومن خلال إهداء
الكتيبات الصغيرة والنشرات باللغات المحلية.
وبلغ إجمالي المبالغ التي قدمها المنتدى الإسلامي لصالح هذه البرامج الإغاثية
خلال العام الماضي وحده (٢٠٠٠٠٠) دولار.
في كل ذات كبد رطبة أجر
يعد مشروع حفر بئر من أكثر المشروعات التي يقبل عليها أهل الخير، نظراً
لكونها من (الصدقة الجارية) ، وأيضاً لحصول الأجر إن شاء الله تعالى حتى ولو
كان المستفيد منها حيواناً يروي ظمأه.
وقد وقع هذا الإقبال على حاجة ملحة في كثير من بلاد المسلمين، حيث
تعاني كثير منها من الجفاف والتصحر.. وإضافة إلى هذا الهدف الجوهري فإن
المنتدى يعتبر حفر بئر من أكبر العوامل لتأليف القلوب، كما إنه يُعد مركزاً لتجمع
كثير ممن يقصدونه، ويحرص المنتدى على أن يكون المتابع لتشغيل البئر أحد
الدعاة.
ولذا: كان حفر الآبار أحد أهم المشاريع الإغاثية في المنتدى الإسلامي، ويعد
مشروع (عيون الحياة) لحفر الآبار الارتوازية في السودان من أبرز المشاريع
القائمة حالياً، وقد بلغ عدد الآبار المحفورة لهذا المشروع حتى الآن (٧٩) بئراً،
أما الآبار التي قام المنتدى الإسلامي بحفرها في دول أخرى، فبلغت (٣٢٥) بئراً،
منها (٥٩) بئراً ارتوازياّ، و (٢٦٦) بئراً سطحياً، في (١٤) دولة، ليكون مجموع
الآبار (٤٠٤) في (١٥) دولة.
وإضافة إلى مشاريع الآبار أقام المنتدى منذ حوالي ثلاثة أشهر مشروع
سلسبيل للسقيا في منطقة شرقي السودان، وهي منطقة تعاني من جفاف شديد.
وهو مشروع قائم على نقل المياه من مصادرها بخزانات مياه كبيرة متنقلة،
وتوزيعها على خزانات مياه أصغر ثابتة في أماكن التجمعات البشرية المحتاجة،
ويبلغ عدد الخزانات الكبيرة المتنقلة حتى الآن: (خزانين) محملين على سيارتي
نقل، وأما نقاط التوزيع الثابتة فهي سبع خزانات، وقد استفاد من هذا المشروع
بحمد الله حوالي (٣٠٠٠٠) شخص.
كافل اليتيم
عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة
هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً) (متفق عليه) .
كفالة المسلمين لأيتامهم إضافة إلى كونها واجباً شرعيّاً وإنسانيّاً فإنها أيضاً
تشكل حصناً ضد وقوع هذا اليتيم في براثن المنظمات التنصيرية والتغريبية.
ومع إدراك القائمين على هذا المشروع بأنهم مهما قدموا لليتيم من مساعدة
ودعم فلن يعوضوه الحنان والعطف والرعاية التي فقدها بفقد أحد والديه أو كليهما.. فإنهم لا يستقلون إدخال البهجة والسرور والرعاية الاجتماعية والتعليمية على
اليتيم وأسرته من خلال هذا المشروع، وهذا ما يلحظونه في عيون هذه الأسر.
وقد استطاع المنتدى بفضل الله تعالى كفالة (٢٥٤) يتيم في العام الماضي
وحده، شاملة الغذاء والكساء والتعليم، تفصيلهم الآتي:
-------------------------------------------
... ... الدولة ... ... ... عدد الأيتام
------------------------------------------
... ... غانا ... ... ... ... ... ... ... ٧٥
... ... بنجلاديش ... ... ... ... ... ٦٠
... ... كينيا ... ... ... ... ... ٤٤
... ... توجو ... ... ... ... ... ٤١
... ... ... أوغندا ... ... ... ... ٢٥
... ... ... مالي ... ... ... ... ... ... ... ٨
... ... ... جيبوتي ... ... ... ... ... ... ١
... ... --------------------------------------------------------------------- ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... المجموع ... ... ... ... ... ... ٢٥٤
------------------------------------------------------------------
كما يقوم المكتب بالتعاون مع بعض الجمعيات الخيرية الموثوقة في دعم
برامج كفالة الأيتام لدى هذه المؤسسات.
مخيمات مكافحة العمى
تم بحمد لله بالتعاون مع مؤسسة البصر الخيرية العالمية إقامة ثلاثة مخيمات
لمكافحة العمى خلال العام الماضي وحده في كل من: مالي غانا نيجيريا؛ حيث
تقوم مؤسسة البصر بتوفير الطاقم الطبي والأدوية، ويقوم المنتدى الإسلامي
بالترتيبات الإدارية والنظامية مع الجهات المعنية، كما يقوم مكتب المنتدى كذلك في
الدولة المقام فيها المخيم بتنظيم برنامج دعوي يستمر طوال فترة إقامة المخيم.
ومتوسط فترة إقامة هذه المخيمات ما بين أسبوع إلى عشرة أيام يجري فيها
فحص آلاف المرضى وتجرى عمليات جراحية للمئات منهم، كما توزع فيها آلاف
النظارات وآلاف الأدوية.
ويعزم المنتدى بالتعاون كذلك مع مؤسسة البصر الخيرية على إقامة مخيمين
لمكافحة العمى في كل من أوغندا والصومال.
стр. 2929
في دائرة الضوء
القراءة.. مدى الحياة
د. عبد الكريم بكاد
إن فطر الله - جل وعلا - لبني الإنسان على التساؤل وحب الاستكشاف أتاح
لهم أن ينمّوا كينوناتهم المعرفية، وأن يندفعوا دائماً نحو معرفة المزيد دون أن
يجدوا أي حدود للتشبع أو الارتواء. كان العلم في القديم، يقوم على (النقل) ، فكان
التعلم والتعليم عبارة عن أفعال مقترنة بالزمان، حيث يتمان وفق تتابع زمني،
وحين يموت العالم، فمن الممكن أن يذهب معه أفضل ما يعرف، وحين صار
للغات أبجديات، وتمتع الإنسان بنعمة الكتابة، انتقلت المعرفة من حيز الزمان إلى
حيز المكان، وصار الحفظ والتوثيق والاسترجاع والنشر مما هو متاح على أوسع
نطاق، وبذلك أمكن للناس أن يطوروا معارفهم على نحو مدهش، وصار للبشرية
بذلك تاريخ جديد.
إن هناك دواعي كثيرة، تفرض على الواحد منا أن يتعلم، ويقرأ، ويكتسب
الخبرات مدى الحياة، منها:
١- إن الذي يدعو الإنسان إلى مزيد من التعلم، هو العلم نفسه، إذ إنه كلما
زادت المعرفة، اتسعت منطقة المجهول، والتقدم نفسه يعمل على زيادة حاجة
الإنسان الشديدة إلى المعرفة، حيث إن التوغل في حقول المعرفة، يتيح إمكانات
ومجالات جديدة، ويولَّد دوافع جديدة للتقدم الأوسع نطاقاً. والمثقف الذي يرغب في
الحفاظ على قيمة ثقافته وكرامتها، مطالب بأن يعيد تكوين ثقافته على نحو مستمر
ومتجدد، وعندما يشعر بالاكتفاء بما لديه من معلومات، سيضع نفسه على شفا
الانحطاط. وإذا كان متخصصاً فإن أمواج القفزات العلمية في تخصصه، ستقذف
به نحو الشاطئ، ليجد نفسه في النهاية خارج التخصص. الوضع الذهني للرجل
متوسط الثقافة - فضلاً عن الضعيف - يسف وينحط بسبب ما يحتشد من النظريات
والأفكار والمذاهب التي لم يعد بإمكانه المساهمة فيها، حتى لو أبدى اهتماماً بها.
إن جهلنا ينبسط مع تقدم المعرفة، كما ينبسط سطح التماس لكرة ما مع العالم
الخارجي عندما يكبر قطرها، وهذا يشكل تحدياً متزايداً لكل قارئ.
٢- لم يكن لدى الناس قديماً إحساس قوي بارتباط كسب الرزق بمدى ما
يحصلَّونه من علم، لكن الوضع قد تغير اليوم؛ حيث تتضاءل على نحو متصاعد
المهن والوظائف التي يمكن للأميين ومحدودي الثقافة الاضطلاع بها. وسوف تجد
الأمة التي لا يحسَّن أبناؤها مستوى معارفهم - على نحو مستمر- نفسها مؤهلة لأن
تكون تابعة للأمم الأخرى، ومستغلة لها على كل المستويات!
٣- إن ما نمتلكه اليوم من معارف وخبرات، لا يتمتع بقيمة مطلقة؛ فسكان
الأرض يشكلون عالماً واحداً، وأهمية كل جزء من أجزاء هذا العالم، تنبع دائماً
من قدرته على الصمود والمنافسة وحل المشكلات، وما يمتلكه من وزن في
الساحات العالمية. وشيوع الأمية الأبجدية والحضارية، قد جلب على أمة الإسلام
مشكلات هي أكبر مما نظن؛ وليس ذلك على صعيد المعيشة والإنتاج فحسب؛
وإنما على صعيد فهم الإسلام أيضاً؛ فالإسلام بما أنه بنية حضارية راقية، لا
يتجلى على نحو كامل إلا عبر تجربة معرفية وحضارية رائدة؛ مما يعني أن
التخلف الذي نعاني منه قد حال بيننا وبين رؤية المنهج الرباني على النحو المطلوب.
٤- إن العقل البشري، يميل دائما إلى تكوين عادات ورسم أطر لعمله، وهي
مع مرور الوقت، تشكل نوعاً من البرمجة له؛ والبيئة - بكل أنواعها - هي التي
توفر مادة تلك البرمجة. وكلما كانت ثقافة الإنسان ضحلة، وكانت مصادر معرفته
محدودة، ضاقت مساحة تصوراته، وأصبح شديد المحلية في نماذجه ورؤاه،
عاجزاً عن تجاوز المعطيات الخاطئة التي تشربها من مجتمعه. والقراءة الواسعة،
والاطلاع المتنوع هو الذي يعظم الوعي لديه من خلال المقارنة وامتداد مساحات
الرؤية، وقد كان علماء السلف، لا يثقون بعلم العالم الذي لم يرحل، ولم يغبِّر
قدميه في طلب العلم، إدراكاً منهم لمخاطر البرمجة الثقافية القائمة على معطيات
محلية محدودة.
٥- التدفق الهائل للمعلومات، وتراكم منتجات البحث العلمي في اتساع
مستمر؛ والنتيجة المباشرة لذلك هي تقادم ما بحوزتنا من معارف ومعلومات. وتفيد
بعض التقديرات أن نحواً من ٩٠ % من جميع (المعارف العلمية) قد تم استحداثه
في العقود الثلاثة الأخيرة. وسوف تتضاعف هذه المعارف خلال نحو من ١٢ سنة. ويقول أحد الباحثين: إن على المتخصص المعاصر أن يضع في حسبانه أن نحواً
من ١٠ - ٢٠ % من معلوماته قد شاخ، وعليه أن يجدده. ويرى أحد الباحثين أن
أعراض الشيخوخة تعتري المعلومات بنسبة ١٠ % في اليوم بالنسبة إلى الجرائد،
و١٠ % في السنة بالنسبة إلى المجلات، و١٠ % في السنة بالنسبة إلى الكتب.
٦- إن تقادم المعلومات يتجلى في صور شتى، فتارة في ظهور زيفها أو عدم
دقتها، وتارة يتجلى في عدم ملاءمتها للخطط الجديدة، وأحياناً بتحوّل الاهتمام عنها، لأنها لم تعد ذات قيمة في البناء المعرفي، وأحياناً بقراءتها قراءة جديدة، أي:
إنتاجها مرة أخرى على نحو يبعدها عن مضامينها الأولى ...
والعلاج لذلك كله دوام الاطلاع والمتابعة، حتى لا يتدهور ما لدينا من معرفة، وحتى لا نغرق في الضلالات والأوهام التي تنتشر باعتبارها مفرزات جانبية
للتقدم العلمي.
القراءة ومصادر المعلومات الأخرى:
عصرنا عصر انفجار المعرفة، فالأعداد الهائلة من العلماء الذين يشتغلون
بالبحث العلمي، والوسائل المتطورة في حفظ المعلومات ونقلها وبثها، والتواصل
الكوني الفريد والمتزايد، كل ذلك جعل الناس مغمورين بالأخبار والمعلومات
والمفاهيم التي ترد إليهم كل لحظة من شتى أصقاع الأرض. هذه الوضعية حملت
الناس على طرح سؤال حول ما تبقى من وظيفة للقراءة والكتاب، كما حملت كثيراً
من المثقفين على الجهر بمر الشكوى من هجر الكتاب، والافتتان بما تعرضه
وسائل الإعلام المختلفة من برامج ومواد ثقافية متنوعة. والحقيقة أن لتلك الشكوى
ما يسوغها، إذ إن هناك مؤشرات واضحة إلى إعراض الناس عن القراءة واقتناء
الكتاب، والى إقبالهم على قضاء أوقات طويلة أمام الوسائل الإعلامية المختلفة.
ويكفي أن نعلم أن متوسط ما يطبع من معظم الكتب في البلاد العربية لا يتجاوز
ثلاثة آلاف نسخة للكتاب الواحد.
وهذا العدد المحدود لا ينفد في الغالب في أقل من ثلاث سنوات عادة، على
حين تتجاوز أرقام التوزيع في الدول المتقدمة ذلك بكثير، بما لا يدع أي مجال
للمقارنة!
إن وسائل الإعلام تقدم برامج على درجة عالية من الزخرفة والإتقان؛ مما
يعطيها جاذبية عالية. فاذا أضفنا إلى ذلك انعدام البواعث على القراءة وانعدام
التقاليد الثقافية المحبذة لاقتناء الكتاب واصطحابه - أدركنا وضعية القراءة في عالمنا
الإسلامي!
إن وسائل الإعلام تقدم معلومات متشظية، قلما تتصل بالحاجة المعرفية
الحقيقية للمتابع لها، كما أن المعروف أن المعلومات الكثيفة حول أي شيء قد تقف
حائلاً دون فهمه على الوجه الصحيح، تماماً مثل الحقائق والمعلومات القليلة عنه؟
فللعقل طاقة محدودة على التحليل والتصنيف والغربلة لما يرد عليه، وحين يزيد
على طاقته، فإنه يربكه ويشتته.
من وجه آخر فإن وسائل الإعلام الحديثة، قد سببت أضراراً بالغة للشعور
بالحاجة إلى التفكير، فكتَّابها ومعدُّو برامجها قاموا بذلك نيابة عن المتلقين. إن
مشاهد (التلفاز) ومستمع الإذاعة وقارئ المجلة أو الجريدة.. يتلقى مركَّباً كاملاً من
البيانات والإحصاءات المنتقاة بعناية، والمصوغة بأسلوب بلاغي بارع، مما
يدهش القارئ، ويدفعه إلى نوع من الاستسلام لها، والانقياد إلى توجهاتها دون
القيام ببذل أي جهد شخصي؛ وهذا كله مغاير لمتطلبات التطور العلمي والاجتماعي
الحديث، والذي يتطلب منا القدرة على الإبداع، وترشيد المحاكمة العقلية أكثر من
الانشغال باستيعاب بعض مفردات المعرفة واستظهارها. هذا كله لا يجعلنا ننكر أن
الدفق الإعلامي والمعلوماتي الهائل، قد أوجد نوعاً من الاستنارة العامة، ورفع
درجة الوعي لدى الناس، كما أنه ملكهم الكثير من المعلومات العامة.
إن الهامش الذي يفصل بين التسلية وبين التثقيف الحق هامش ضيِّق، ومن
السهل أن يكون ما نستمع إليه ونشاهده ضرباً من ضروب التسلية، وتزجية الوقت، ونحن نظن أننا نتعلم. واعتقد أن الكتاب ما زال هو الوسيلة الأساسية للتثقيف
الجيد، حيث نستطيع أن نمارس حريتنا كاملة في اختيار ما نحتاج إليه، وهو لا
يحتاج إلى آلات مساعدة للاطلاع عليه، كما أنه رخيص الثمن إذا ما قورن بغيره.
ولست مع هذا أميل إلى التقليل من شأن مصادر المعلومات الأخرى؛ فالمهم دائماً
أن تكون أهدافنا في التثقيف والارتقاء المعرفي واضحة، ثم نبحث عن الأدوات
والوسائل التي تبلغنا إياها.
والله ولي التوفيق،،،
стр. 2930
الورقة الأخيرة
حلم.. فهل أنت فارسه ؟
بقلم: إبراهيم بن سليمان الحيدري
إن زئير المنابر وأنين الأقلام لم يعد يجدي وحده لتحذير الناس من خطر
الغزو الفضائي الذي تسللت جنوده إلى أغلب المنازل والبيوت. ورضينا أم أبينا
فإن تلك الأطباق التي تطل من أعلى المنازل في ازدياد يوماً بعد آخر في ظل قلة
الوازع الديني واضطراب الرادع الموضوعي.
وها نحن نرى أعراض ذلكم المرض يطفح على أبناء أمتنا الإسلامية نساءً
ورجالاً ... حتى إن المراقب لسلوك شرائح كثيرة من أفراد المجتمع يكاد يجزم
بمسخ هويتها الإسلامية في قطاع كبير من الأمة إن ظل الحال على ما هو عليه
الآن.
ولم يعد اقتناء القرص الفضائي عند بعض الناس في هذا الوقت عيباً كما كان
في السابق؛ بل أصبح عند بعضهم من ضروريات الحياة بحجج واهية وأخرى
هاوية! وكعادة المسلمين في العصور الأخيرة نومهم ثقيل ويقظتهم متأخرة.. وإن
كانت هناك صرخات صادقة تعلو من المصلحين هنا وهناك محذرة ومبينة أثر هذا
الموج الفضائي الهادر ... إلا أنه وللأسف نحن في وقت العمل لا الكلام. وعمل
دعوي صغير منظم أبلغ وأنفع من عشرات الخطب والمقالات العاطفية.
لذا فقد حان الآن أن نفكر بجد في مواجهة تلك القنوات الفضائية بوسيلة أخرى
غير تلك التي تشعل في القلوب شمعة تنطفئ عند أول رعشة هدب أو ابتسامة
صفراء. لقد آن الوقت لنفكر في إنشاء قناة فضائية يتجسد فيها عمل إسلامي دعوي
يقف وجهاً لوجه أمام قنوات دعاة الإلحاد وهواة الجسد واللاهثين وراء الأموال.
ومع عظم هذا العمل وضخامته إلا أنه ليس مستحيلاً.
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
ومع أن أمتنا الإسلامية المجروحة تعيش في حالة تستدعي العناية المركزة إلا
أنه يوجد مِن أبنائها مَنْ تنبض قلوبهم غيرة ... وتضخ نشاطاً.
وجولة.. ثم عودة ... في تاريخ الأعمال الدعوية الشامخة التي كانت في يوم
من الأيام حلماً يساور خيال الغيورين.. يبعث في القلب حماساً لإنقاذ الأمة المنكوبة.
لذا فهي دعوة يسبقها أمل ورجاء إلى الدعاة الإعلاميين وغيرهم ممن أضاءت
قلوبهم بنور الإيمان، دعوة لإنشاء قناة فضائية إسلامية تطرح منهج أهل السنة
والجماعة بنور من كتاب الله وسنة نبيه، تخاطب الملايين من العقول المتسمرة
وراء الشاشات.. وتصحح من خلالها مفهوم الإسلام المشوه، وتعرّف المسلمين
بإخوانهم وبعلمائهم بأسلوب إعلامي جذاب. وبين يدي هذه الدعوة أطرح النقاط
الآتية:
* مثل هذا العمل يحتاج بلا شك إلى دعم مادي، ولكن المال لم يكن أبداً عائقاً
أمام الأعمال النافعة؛ حيث إن الأمة تحتضن من أصحاب الأموال والثروات من
يسابقون في الخيرات.
* وجوب قيام جهة إشرافية شرعية دقيقة تُعرَض عليها أفكار وبرامج هذه
القناة قبل عرضها أمام المشاهدين حتى لا ندخل في متاهات محرجة قد تسيء لسمعة
هذا المشروع.
* قد نواجه صعوبة في إيجاد وتوفير مختصين إعلاميين يحملون همّ الدعوة،
لكن ليس شرطاً أن يكون جميع المنفذين والمنتجين للبرامج من الدعاة، بل لماذا لا
نستفيد من خبرات وكفاءات من يعملون للمال وللمال وحده، ولو كانوا من غير
المسلمين.. مع ضرورة وجود الجهة الإشرافية الشرعية السالفة الذكر.
* من الأفضل أن تكون هذه القناة تحت مظلة مؤسسة دعوية معروفة
ومعروف رجالها حتى يتم الدعم المنهجي والمادي لها.
* من غير الطبيعي أن نتوقع عملاً بهذا الحجم لن يواجه عقبات وعوائق؛
ولكن التخطيط، والدراسة المسبقة، والتأني في الخُطا، وقبل ذلك إخلاص النوايا
وطلب التوفيق من الله الكريم، كفيلة بإذن الله بإخراج هذا العمل إلى النور
واستمراريته.
ختاماً: أعرف يقيناً أن ما سطرته لا يعدو أن يكون أنين قلم؛ ولكن أن
تغمض أعيننا ونحن ننتظر الصباح خير ألف مرة من أن ننام ملء جفوننا فلا
نستيقظ إلا تحت لهيب الشمس [*] .
стр. 2931
رمضان - ١٤١٩هـ
يناير - ١٩٩٩م
(السنة: ١٣)
стр. 2932
كلمة صغيرة
من القلب
كم يسعدنا عندما تصل إلينا مقالة من أحد الكتاب الفضلاء، وكم يؤسفنا أننا
قد نتأخر في نشرها؛ فالكاتب الفاضل بذل جهده في إعدادها، وحرص على
تحريرها وتنقيحها، وكان يتمنى أن يرى ثمرة فكره تصل إلى قراء المجلة في كل
مكان، في أسرع وقت ممكن، ولكنه يفاجأ بتأجيل نشر مقالته لعدة أشهر مما قد
يصيبه بالإحباط أو تراوده نفسه باتهامنا بعدم المبالاة.
ونحن نؤكد لأعزائنا الكرام بأنّنا لا نقصد شيئاً من ذلك على الإطلاق، ولا
نتعمد إهمال أي رسالة تأتينا، ولكن لا يخفى على المتابع اللبيب أنّ المجلّة الشهرية
تختلف عن غيرها من المجلات الأخرى، خاصة أنّ عدد الصفحات محدود، ويأتي
إلى المجلة عدد كبير من المقالات العلمية والفكرية؛ فيصعب نشرها بالسرعة
المرجوة، خاصة أن هيئة التحرير تحرص على تنوع المادة واستيفائها لكافة
الأبواب الشرعية والفكرية والسياسية والاقتصادية والأدبية.. ونحوها، ممّّا قد
يضطرنا أحياناً إلى تقديم المقالة أو تأخيرها لعدة أشهر، ونحسب أن قلوب كتابنا
الأحباب تتسع لأعذارنا وتقدير موقفنا.
والله نسأل أن يرزقنا جميعاً الإخلاص في القول والعمل، وأن يهدينا إلى ما
يحبه ويرضاه.
стр. 2933
الافتتاحية
رمضان واستقبال المودّعين
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
ومن والاه وبعد:
فلا شك أن الإنسان إذا عمل عملاً، أو زار مكاناً، أو اجتمع إلى شخص،
واستشعر أثناء ذلك أنه لن يعود إليه مرة أخرى، فإن هذا الشعور يضاعف في
نفسه شعوراً آخر بضرورة اغتنام تلك الفرصة التي قد لا تتكرر؛ ولهذا فإن
الصحابة رضوان الله عليهم لما استمعوا من النبي ﷺ إلى
موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قالوا: (كأنها موعظة
مودع) [١] ، ولهذا أيضاً فإن النبي ﷺ لما حج حجة (الوداع) جمع لأمته فيها من النصيحة في كلمات، ما تفرق خلال دعوته في سنوات؛ ومن هنا أيضاً ندرك السر في نصيحته لأحد أصحابه عندما قال له: (إذا قمتَ في صلاتك فصلّ صلاة مودع) [٢] .
تعالوا نتصور ... رجلاً مخلصاً يصلي ركعات يعلم أنه يودع بها الدنيا..
كيف ستكون في تمامها.. في خشوعها ... في شدة إخلاصها وصدق دعائها؟ !
إن الرسول يعلمنا بهذا الهدي والله أعلم كيف نتخلص من آفة تحوّل العبادة
إلى عادة.
فلماذا لا نستحضر روح الوداع في عباداتنا كلها ... خاصة وأننا إلى وداع في
كل حال..؟ وخاصة أن صلاتنا ليست مهددة وحدها بالتحول من عبادة إلى عادة؟
إن رمضان يحل علينا ضيفاً مضيافاً، يكرمنا إذا أكرمناه، فتحل بحلوله
البركات والخيرات، يُقدم علينا، فيقدّم هو إلينا أصنافاً من الإتحافات والنفحات..
ضيف لكنه مضيف، وربما يكون الواحد منا في ضيافته للمرة الأخيرة..!
أو ربما ينزل هو في ضيافة غيرنا بعد أعمار قصيرة.. فهلاّ أكرمنا ضيفنا!
وهلاّ تعرضنا لنفحات مضيفنا!
تصور أخي القارئ أنك تستقبل ضيفاً عزيزاً، وهو يستضيفك، وتعلم أنك
بعد أيام قلائل ستودعه فلا تراه أبداً..! كيف ستستقبله؟ وكيف ستحسن صحبته،
وتكرم مثواه؟
تعال معنا أيها القارئ الحبيب نستحضر أحاسيس الوداع، لعلنا ندع بها دَعة
تتلف أيامنا، وعدة من الأماني تضعف إيماننا. تعال نخص هذا الشهر الكريم بمزيد
اعتناء وكأننا نصومه صيام مودع!
تعال نقف مع أنفسنا هذه الوقفات لإخراج صيامنا من إلْف العادة إلى روح
العبادة:
* نصوم رمضان في كل عام وهمّ أكثرنا أن يبرئ الذمة ويؤدي الفريضة..
فليكن همنا لهذا العام تحقيق نعم تحقيق معنى صومه (إيماناً واحتساباً) ليغفر لنا ما
تقدم من ذنوبنا.. وهي كثيرة.
* نحرص كل عام على ختم القرآن في شهر القرآن مرات عديدة.. فلتكن
إحدى ختمات هذا العام ختمة بتدبر وتأمل ونية إقامة حدوده قبل سرد حروفه.
* نسعى في تنقلنا بين المساجد للقيام إلى اختيار الصوت الأجمل.. فليكن
سعينا العام وراء الصلاة الأكمل.
* يتزايد حرصنا في أوائل الشهر على عدم تضييع الجماعة مع الإمام..
فليكن حرصنا هذا العام طوال الشهر على عدم تفويت تكبيرة الإحرام.
* نخص رمضان بمزيد من التوسعة على النفس والأهل من أطايب الدنيا،
فليتسع ذلك للتوسعة عليهم بأغذية الأرواح والأنفس.
* إذا أدخلنا السرور على أسرنا بهذا وذاك فلنوسع الدائرة هذا العام فندخل
السرور على أُسَرٍ أخرى.. أَسَرتها الحاجة وكبّلَتها الأعباء.
* نتصدق كل عام بقصد مساعدة المحتاجين، فلنجعل قصدنا لهذا العام
مساعدة أنفسنا التي بين أضلعنا على التخلص من نار الخطيئة بجعل تلك الصدقة
خالصة لتطفئ غضب الرب.
* نحرص على العمرة في رمضان لفضلها.. فلنجعلها لعمرنا كله هذا العام
إذا أذن الله نغسل بها ما مضى ... فقد يكون آخر العهد بالبيت ذاك الطواف.
* نحرص وإياك على اكتساب العمل النافع في رمضان، فليكن هذا النفع
متعدياً للغير بكتاب يُهدى أو نصيحة تُسدى.
* لنفسك من دعائك النصيب الأوفى، فلتتخل عن هذا (البخل) في شهر الكرم، فملايين المسلمين في حاجة إلى نصيب من دعائك الذي تُؤَمّن عليه الملائكة وتقول: ولك بمثله.
* الجود محمود في رمضان وأنت أهله ببذل القليل والكثير، فليمتد جودك
إلى الإحسان لمن أساء، وصلة من قطع.
* لنكف عن الاعتكاف إلى الناس، ولْنكتف بالعكوف مع النفس لمحاسبتها؛
فربما يفجأنا الموت فنحاسَب داخل القبر قبل أن نتمكن من محاسبة أنفسنا ونحن
أحياء على ما فرطنا في جنب الله.
* نحب التعبّد بتفطير الصائمين، فلنجرد هذه العبادة من حب المحمدة أو دفع
المذمة، فذلك رياء لا يثيب صاحبه بل يصيب مقاتله.
* تفطير الصائمين من جوعة البطن مستحب مندوب، ولكن إشباع جياع
القلوب فرض مطلوب، فليكن لنا جهد في هذا مع جهدنا في ذلك.
* تصفّ قدميك مع مصلين لا تعرفهم ... فهلاّ تعرفت على ما يوحّد قلبك
معهم ويضم صفك إليهم، فإن تسوية الصفوف خلف الإمام ما جُعلت إلا لتوحيد
القلوب على الإيمان.
* لنا ولك أعداء، فانتصر عليهم بالدعاء إن كانوا كافرين، وانتصف منهم
بالدعاء إن كانوا مسلمين، فكم من دعاء حوّل العداء إلى ولاء.
* في رمضان، يذكرك الضعفاء بأنفسهم على نواصي الطرق وأبواب
المساجد، فلتذكر أنت المستضعفين من المسلمين الذين لا سبيل لهم إليك ليذكّروك
بأنفسهم.
* يتوارد على سمعك في كل عام ما يعرّفك بقدر رمضان، فاجعل همّ هذا
العام أن تتعامل مع رمضان بمقدار قدره.
* قدر رمضان يتضاعف في ليلة القدر، فهل قدّرت في نفسك أنها ربما فاتتك
في أعوام خالية؟ ! اغتنمها اليوم فقد لا تأتي بها ليالٍ تالية.
* إذا ودّعت رمضان.. أو ودّعك رمضان.. فاستحفظه ربك، واستودعه ما
عملت فيه.. حتى لا يضيع، فلا تدري، لعلك لا تلقاه بعد عامك هذا. .
* إذا لقيته في عام قابل بّلغنا الله وإياك شهوره فعد مرة أخرى واستقبله
استقبال المودعّين.
هذه خطرات على أبواب هذا الموسم العظيم فهلاّ عقدنا العزم على أن يكون
بداية جديدة ومخلصة للعودة الصادقة إلى الله.
فاللهم بارك لنا في رمضان، وأعنا على صيامه وقيامه، واجعلنا من عتقاء
النيران. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 2934
إشراقات قرآنية
ورضوان من الله أكبر
عبد العزيز مصطفى
كثيراً ما نسأل الله ما يرضينا بلسان حالنا أو مقالنا ولكنْ.. هناك سؤال أهم
ينبغي أن نسائل أنفسنا عنه، بل نحاكمها إليه وهو: هل نقوم بما يرضي الله تعالى
عنا من الأفعال والأقوال والأحوال؟ وهل رضينا قبل ذلك بما يرضي الله عنا..؟
ربما نخدع أنفسنا بالهروب من الإجابة، أو بالهروب من السؤال ذاته، ولكن
ما جدوى التهرب؟ !
إنه لا مفر من يوم يعاد فيه فحوى السؤال، ونعلم فيه حقيقة الإجابة؛ وذلك
عندما يُسأل الواحد منا في قبره عن ربه ودينه والرجل الذي بُعث إليه. فهذا سؤال
للمرء منا عمن رضيه رباً في العبادة، وما رضيه منهاجاً في الدين، ومن رضيه
أسوة وقدوة من الخلق. إنه في حقيقته سؤال عن الرضى، فمن كان راضياً بالله
تعالى حقاً في حياته، وراضياً بالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً؛ استطاع أن
يجيب وإن كان أمياً عامياً، ومن لم يحصّل في هذه الدنيا حقيقة الرضى بالله رباً
وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً فلن يستطيع الإجابة ولو كان عالماً عالمياً، ومن ثبت
على هذا الرضا في الدنيا ثبته الله عليه في الآخرة، أما من ظلم نفسه وزاغ أو ضل
عنه في الدنيا؛ فإن الله تعالى يضله عن الإجابة في الآخرة، كما قال تعالى:
[يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ
الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] [ابراهيم: ٢٧] قال الشيخ السعدي ﵀:
(يثبت عباده المؤمنين الذين قاموا بما عليهم من الإيمان القلبي، الذي يستلزم أعمال
الجوارح ويثمرها) [١] .
فلا بد لنا من ترويض النفس على تمام الرضا بهذه الثلاثة اعتقاداً وقولاً وفعلاً.
فالرضا بالله يتضمن الرضا بإلهيته، وهذا يعني الرضا بمحبته وحده، وخوفه
والإنابة إليه، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له. ورضا العبد بربوبية الله
يتضمن الرضا بتدبيره، وإفراده بالتوكل والاستعانة والثقة والاعتماد، والرضى
بكل ما يفعل، ويتضمن أيضاً أن يسخط العبد على عبادة غيره.
والرضا بنبيه: يتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه بحيث يكون
أوْلى به من نفسه.
وأما الرضا بدينه: فإذا جاء الدين بأمر أو نهي أو حكم، رضي العبد كل
الرضا، ولم يبق في قلبه حرج، ولو كان مخالفاً لهوى نفسه أو من يقلدهم) [٢] .
ومن جمع هذه الثلاثة جمع في قلبه إيماناً حياً حلواً، له طعم ومذاق. قال:
(ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً) [٣] .
ولا شك أن هذا التذوق لطعم الإيمان، يورث إلفاً وأنساً بالله ومَحَابّه، كما أنه
في الوقت نفسه، يورث غربة ووحشة ونفرة من كل ما يبعد عن الله ومَحَابّه.
ولاحتياج النفس إلى تجديد العهد بهذا الرضا؛ علّمنا رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أن نردده مع كل نداء للصلاة، وهي أفضل ما يرضي الله من الأعمال، فقال: (من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد
رسولاً: غُفِرَتْ له ذنوبه) [٤] .
ولا شك أن كمال الرضا لا يتم إلا برضى العبد عن قضاء الله وحكمه، سواء
كان هذا الحكم والقضاء في الشرع والدين، أو كان حكماً كونياً قدرياً، والأول
أعني الرضى بحكم الله وشرعه أمر واجب، بل هو شرط في الإيمان، كما قال الله
سبحانه: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي
أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . قال ابن القيم رحمه
الله تعليقاً على هذه الآية: (الرضى بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس
الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجب على العبد أن يكون راضياً به بلا حرج ولا منازعة
ولا معارضة ولا اعتراض؛ فقد أقسم الله أنهم لا يؤمنون حتى يُحَكّموا رسوله -
ﷺ ، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حُكمه، وحتى يسلموا
لحكمه تسليماً، وهذه حقيقة الرضى بحكمه؛ فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء
الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان [٥] . وأما النوع الثاني، وهو
الرضى بحكم الله وقضائه كوناً وقدراً، ففي حكْمِهِ تفصيل كما بين ذلك ابن القيم
﵀ فقد ذكر له أنواعاً ثلاثة: الأول: قضاء الله فيما يحبه الإنسان، والثاني:
قضاء الله فيما يخالف محبة العبد ومراده كالمرض والابتلاء والفقر. والثالث:
القضاء الجاري بما يكرهه الله شرعاً ولكنه يقضي بوجوده قدراً، كالأفعال والأقوال
والأحوال المحرمة. أما أحكامها فقد بينها بقوله: (الرضى بالقضاء الكوني القدري
الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه من الصحة والغنى والعافية واللذة أمر لازم
بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد محبوب له. فليس في الرضى به عبودية، بل
العبودية في مقابلته بالشكر وأن لا يعصي المنعم به، والرضا بالقضاء الكوني
القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته، ولا يدخل تحت اختياره مستحب،
وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان؛ وهذا كالمرض والفقر وأذى
الخلق له، ونحو ذلك. والرضى بالقدر الجاري عليه باختياره مما يكرهه الله
ويسخطه، وينهى عنه، كأنواع الظلم والفسوق والعصيان: حرام يعاقب عليه،
وهو مخالفة لربه تعالى، فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه، فكيف تتفق المحبة
ورضى ما يسخطه الحبيب ويبغضه؟ فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرضى
بالقضاء) [٦] .
وبهذا ترى أن الرضى يكون في القلب أصلاً ويعبر عنه اللسان، ثم تأتي
الأعمال لتكون برهاناً عن توجه القلب وصدق اللسان.
ولا بد لهذا الرضا من ترجمة عملية، تثبت صدق الإنسان في دعوى الرضا
بالله وبدينه ونبيه؛ فالأمر ليس مجرد زعم، أو شقشقة باللسان، ولهذا كان الرسول
يسأل الله تعالى أن يوفقه إلى العمل الذي يرضيه سبحانه فيقول: (أسألك من العمل
ما ترضى) [٧] . وكان كليم الله موسى يسارع إلى ما يرضي الله من الأعمال
والأقوال والأحوال فيقول: [وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى] [طه: ٨٤] ، أما العبد
المنعم عليه بالملك والنبوة سليمان ﵇ فكان لا يرى شكر تلك النعم إلا
بالعمل في رضى الله.. [رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى
وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ]
[النمل: ١٩] .
وهكذا كانت صفة جميع الأنبياء في كتاب الله: [إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي
الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ] [الأنبياء: ٩٠] .
وهكذا كانت صفة إمام الأنبياء أيضاً صلوات الله وسلامه عليه وصفة أصحابه
في الكتب الكبرى المنزلة، فهي تصف مسارعتهم للأعمال التي فيها رضوان الله
سبحانه كما قال : [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم
مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] [الفتح: ٢٩] .
قال ابن كثير ﵀: وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة وهي خير
الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله والاحتساب عند الله تعالى جزيل
الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله وهو سعة الرزق عليهم
ورضاه تعالى عنهم) [٨] .
فهكذا اصطبغت حياة الصحابة وطريقتهم في الحياة والعبادة بطريقة النبي -
ﷺ ومنهاجه؛ فقد كانت حياته تدور حول إرضاء الله
ولم يكن يرضى إلا برضاه سبحانه ويدعو بذلك فيقول: (وأرضنا وارضَ عنا) [٩] ، وكان يحمد الله الحمد الذي يرضيه فيقول: (الحمد لك حتى ترضى) [١٠] ولعلمه
بأن البشر عاجزون عن إحصاء الثناء على الله؛ فقد كان يحمد الله على قدر ما
يرضاه فيقول: (الحمد لله رضا نفسه) [١١] .
وقد حفل الهَدْي النبوي بالدلالة على ما فيه رضى الله ، فأرشد
الرسول أمته إلى الارتقاء صُعُداً إلى سلّم الرضا في كل شيء.
* ففي العقيدة بيّن لهم الأساس الذي يُرتضى به إيمان العبد واعتقاده، فقال:
(إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به
شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة
السؤال، وإضاعة المال) [١٢] .
* وفي العبادات العملية، بيّن أن حرص المؤمن لا بد أن يشمل روح العبادة
إضافة إلى صورتها؛ وهو حرص حريّ بأن يضم صاحبه إلى مصاف المرضيين:
فقال عن الصلاة: (الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو
الله) [١٣] . وقال عن الصيام: (قال ربكم : عبدي ترك شهوته وطعامه وشرابه ابتغاء مرضاتي، والصوم لي وأنا أجزي به) [١٤] . وعن الذكر قال ﵊: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله) [١٥] .
وعن الجهاد قال: (أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل الله ابتغاء مرضاتي، ضمنت له أن أرجعه إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، ...
وإن قبضته غفرت له ورحمته) [١٦] .
* وفي العبادات القلبية، بيّن الرسول، أن رضى الله يُجتلب بأحوال في
داخل القلب تعبر عن امتنان المؤمن لربه على السرّاء وإن قلّت، وتركه الجزع
على الضرّاء وإن عظمت. قال ﵊: (إن الله ليرضى عن العبد
يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) [١٧] وقال عليه الصلاة
والسلام عندما مات ولده إبراهيم: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما
يرضي ربنا؛ إنا بك يا إبراهيم لمحزونون) [١٨] .
* وفي المعاملات: دلّ الرسول على أن رضى الله تعالى يُدرك بكلمة حسنة
يلقيها المؤمن على أخيه المؤمن، فتدل على حسن أخلاقه ومعاملاته قال: (إن العبد
ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات) [١٩] .
وأوْلى الناس بحسن الكلام والمعاملة هم الوالدان، فرضى الأم والأب، يقترن
برضى الرب، قال: (رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط
الوالد) [٢٠] .
جود الله وكرمه في إرضاء أوليائه:
ما يقابل الله تعالى وهو الجواد الكريم أن يقابل صنيع المقبلين على رضاه،
إلا بما يقر أعينهم من عظيم عطاياه؛ وأعظم عطائه سبحانه أن يحل عليهم
رضوانه، فيسكنهم دار الكرامة، ويقعدهم مقعد الصدق، ويهبهم الخلد في جنات
النعيم. ولقد جاءت نصوص الوحي مبشرة هؤلاء بالفوز، ومخبرة عن تلكم
المسارعة من الإله الأعلى لإرضاء أوليائه وأحبابه، بما يرضيهم، وفوق ما
يرضيهم.
ففي الحياة يرضى عنهم كما قال: [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ
حِزْبُ اللَّهِ أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] [المجادلة: ٢٢] .
* وعند الممات يرضيهم: [يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ
رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي] [الفجر: ٢٧ ٣٠]
* ويوم البعث يرضيهم: [وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي
جَنَّةٍ عَالِيَةٍ] . [الغاشية: ٨ ١٠]
* وعند الحساب يرضيهم [فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ] [القارعة: ٦، ٧] .
وإذا كان القرآن قد أشار في هذه الآيات البينات إلى بُشريات عامة لأصناف
المؤمنين ترضية لهم، فإن هناك نصوصاً أخرى من الوحي كتاباً وسنة تدل على
بشارات خاصة لأصناف معينة، شاء الله سبحانه أن يجعلهم أعلاماً على المرضيّ
عنهم، وقد جاءتهم البشريات ولمّا يغادروا هذه الحياة الدنيا، وعلى رأس هؤلاء
المرضيين من الأمة: الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، لقد ﵃،
وجعل الترضي عليهم شارة المؤمنين، وشعار أهل الدين.
قال سبحانه: [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم
بِإحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ] [التوبة: ١٠٠]
وقال: [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي
قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً] [الفتح: ١٨] .
أما معلمهم وهاديهم، وهادي الناس جميعاً إلى كل ما يحبه الله ويرضاه عليه
صلوات الله وسلامه فقد كان إكرام الله تعالى له فياضاً بالعطاء، وموصولاً إلى
منتهى الإرضاء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فقد أعلى شأنه، ورفع ذكره وقرن
اسمه باسمه حتى قال: [وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ] [الشرح: ٤] وأما في الآخرة فقال:
[وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى] [الضحى: ٥] قال الشيخ السعدي: (وهذا أمر لا
يمكن التعبير عنه إلا بهذه العبارة الجامعة الشاملة) [٢١] . وزيادة في رفعته أرضاه
بأن جعل الصلاة عليه موجبة لصلاة الله على العبد. كما جاء في الحديث القدسي:
(أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه) [٢٢] ، بل أرضاه في كل
أمته كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (إنا سنرضيك في أمتك ولا
نسوؤك) [٢٣] .
كل هذا وذاك من أصناف الرضا الإلهي عمن عملوا برضاه، ولا شك أن
منتهى أمل المؤمنين، أن ينجيهم الله من العذاب الشديد بالمغفرة، وأن يدخلهم بعد
ذلك جنة الرضوان تفضلاً منه ورحمة كما قال سبحانه: [وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ] [الحديد: ٢٠] .
ولكن؛ هل هناك رضوان فوق الجنة..؟ ! لا تعجل في الإجابة فتقول: لا.. بل تمهل.. تذكر.. ثم اتل قول الله تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ
مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] [التوبة: ٧٢] .
نعم ... رضوان الله أكبر، أكبر من الجنة ونعيمها وأنهارها ومساكنها! قال
ابن كثير: (رضا الله عنهم أكبر وأجلّ وأعظم مما هم فيه من النعيم) .
وقد ورد بهذا المعنى الجميل في الآية، كلام جليل في الحديث؛ فعن أبي
سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن
الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك،
فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من
خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب! وأي شيء أفضل من
ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) [٢٤] .
فاللهم رضّنا وارضَ عنا.. (ارض عنا رضىً لا تسخط بعده) [٢٥] ... آمين.
стр. 2935
دراسات في الشريعة والعقيدة
الاعتكاف وتربية الذات على اتباع الأسلاف
محمد بن يحيى اليحيى
لقد شرع الله لعباده كثيراً من الطاعات التي تجمع على المرء الجوارح والقلب
لينشغل بعبادة الله تعالى وحده ... وإن من أجلّ هذه الطاعات تلك السّنّة التي يخلو
المرء فيها بربه خاضعاً فيناجيه معترفاً، وينصرف بها عن الدنيا فتزكو نفسه
وتسمو ليصبح إنساناً ربانياً، إنها السّنّة التي حافظ الرسول عليها طوال حياته..
إنها سُنّة الاعتكاف.
عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ
يعتكف كل رمضان عشرة أيام؛ فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعكتف عشرين
يوماً) [١] .
لقد حرص رسول الأمة على هذه العبادة رغم أن انشغاله بالدعوة والتربية
والتعليم والجهاد.. تاركاً لمن بعده ممن يقتفون أثره وينتهجون نهجه درساً عظيماً
في أهمية الانقطاع إلى الله والتحرر من المشاغل والمسؤوليات كائناً من
كان صاحبها في الدعوة والعلم. ولا شك أن هذا الاعتكاف ما شُرع إلا لحِكَمٍ عظيمة، لعل منها:
* زيادة الصلة الإيمانية بالله، والجوانب العبادية التي تزكي النفس وتجعل
المرء أكثر قدرة على مواجهة فتن الدنيا والعمل على استنقاذ الآخرين منها.
* أن الاعتكاف فرصة عظيمة لطلبة العلم الذين اشتغلوا بتحصيله ومن ثم
تعليمه؛ وهذا لأمرين مهمين:
١- أن العمل هو الثمرة والغاية الحقيقية للعلم؛ وبدونه قد يصبح العلم حجة
على صاحبه.
٢- أن العقلاء يرفضون أن يُعلّم المرءُ الناسَ ما فيه نجاتهم ثم ينصرف هو
عن ذلك.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل
الذي يُعلّم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها) [٢] .
* أن سنة الاعتكاف فرصة كبرى للدعاة والمربين من جهتين:
١- تحقيق الحكمتين الأوليتين من سداد النقص الذي اعتراهم لانشغالهم
بالخلْق، وزيادة صلتهم بالخالق.
٢- استغلال الفرصة للرقي بالمستوى الإيماني والتعبدي وغيرهما عند هؤلاء
المدعوين والمتربين إلى مراتب أسمى.
فهذه بعض الحكم الظاهرة التي يمكن أن يستفيد منها أهل النظر لتصبح مسار
كثير من شباب الصحوة خلال أيام قلائل.. موجّهين كانوا أو موَجّهين ممن يُرتضى
دينه وخُلقه وعقله.
إن من أهم أسباب طرح موضوع الاعتكاف من الجهة التي سيراها القارئ
الكريم، ثلاثة أمور رئيسة:
الأول: حالة الضعف العام في همة الصالحين فيما يتعلق بالجوانب التعبدية
والسلوكية كما سيأتي ضرب أمثلة لها مقارنة بما يراد منها لإصلاح المجتمع
والارتقاء به لمشابهة مجتمع السلف الصالح.
يقول ابن الجوزي ﵀: (أعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا
نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي إليها المبتدئ، ولا صاحب ورعٍ فيستفيد منه
المتزهّد) [٣] .
فإذا كان ﵀ يتحدث عن أهل زمانه فلا شك أن الخطب أعظم في زماننا
الذي فُتِحت فيه الدنيا من أوسع أبوابها. والله المستعان. ولا شك أننا بحاجة لانتهاز
فرصة الاعتكاف في تحسين الصورة العامة عن طريق مخاطبة الأفراد.
فكيف يكون الاعتكاف وسيلة لزيادة الهمة العامة يا ترى؟
الثاني: أن السنة دلت على أهمية الانقطاع عن الناس في خلوة مع الله؛
لتنطلق الأنفس بعد ذلك في الدعوة وتحمّل الأعباء. قال صاحب الظلال: (لا بد
لأي روح يُراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى.. لا بد
لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت..) إلى أن يقول: (فالاستغراق في واقع
هذه الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره. أما الانخلاع منه فترة
والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير ومن الشواغل
التافهة؛ فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر منه ويدربه على الشعور
بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عُرف الناس ... ) [٤] .
ولكن إذا كانت هذه إحدى الغايات العظيمة لهذا الانقطاع أي الاعتكاف.. فما
صورة هذا الاعتكاف المطلوب يا ترى؟ !
الثالث: أن الاعتكاف فرصة عظيمة لاختبار الإخلاص المحض لله في كل
الأعمال والحركات والسكنات.. وهذه النقطة وإن بدت ابتداءً أنها فردية بالدرجة
الأولى إلا أن أهمية طرحها هنا تأتي من خلال معرفتنا بأن الإخلاص هو مدار
قبول جميع الأعمال الموافقة للشريعة. ومنها كل ما يتعلق بالدعوة والتربية والتعليم.. وإنه لمن الخسران العظيم أن تنفق الأموال وتبذل الجهود ثم يكون المانع من
تحقيق الأهداف المطلوبة شرعاً دَخَلٌ في إخلاص العاملين.. ولما كان تحقيق
الإخلاص من الصعوبة بمكان في أوساط الجماعة الواحدة قال سهل بن عبد الله:
(الدنيا جهل وموات إلا العلم؛ والعلم كله حجة إلا العمل به؛ والعمل كله هباء إلا
الإخلاص؛ والإخلاص على خطر عظيم حتى يُختم به) [٥] .
وحُكي عن أحدهم أنه شعر بخجل عظيم من الناس عندما صلى يوماً في
الصف الثاني، فعلم أن راحة قلبه في الصلاة في الصف الأول كانت بسبب نظر
الناس إليه. وهذا من الدقيق الغامض الذي يغفل عنه الكثير من الناس.
فلما كان الأمر كذلك كان الاعتكاف فرصة عظيمة لاختبار الإخلاص.
والسؤال: ما الاعتكاف المطلوب للتحقق من سلامة القلب من شوائب
الإخلاص؟
إن الاجابة عن هذا السؤال تتلخص في الجهة التي نطرح موضوع الاعتكاف
من خلالها.. وهي أن الاعتكاف المطلوب ليس هو ذلك الاعتكاف الذي يجعل
المساجد مهاجع للنائمين ولا عناوين للمتزاورين، ولا موائد للأكل، ولا حلقات
للضحك وفضول الكلام. إنه ليس الاعتكاف الذي يخرج صاحبه وقد ازداد قلبه
قسوة، وأتى بمعصية التعدي على حرمات مساجد الله.
إنه ليس الاعتكاف الذي يجعله صاحبه وسيلة لزيادة الأصحاب وتقوية
العلاقات الاجتماعية وتبادل الآراء الطبية والنفسية ... ونحوها.
إن الاعتكاف المطلوب إنما هو ذلك الذي ينقل المرء إلى مشابهة حياة السلف
الصالح في كل همسة ولفتة. نعم إن الاعتكاف الذي تسيل فيه دموع الخاشعين
المتدبرين؛ وترفع فيه أكف الضارعين المخبتين، ويسعى المرء فيه جاهداً لئلا
تضيع من ثواني هذه الأيام المعدودة لحظة واحدة في غير طاعة فيفوته قطار
الفائزين. إنه الاعتكاف الذي يحقق مفهوم التربية الذاتية لمشابهة المحسنين.. ولعل
فيما يأتي من الأمثلة توضيحاً لمن أراد أن يجعل من اعتكافه وسيلة انتقال للأفضل.
أسأل الله أن ينفع بها الجميع.
في العبادات:
لقد بلغ السلف الصالح في جوانب العبادات غايات يستصعب ضعاف الهمم
السعي إلى مقاربتها فضلاً عن الوصول إليها.. وأذكر هنا نماذج لحال السلف في
عبادتين عظيمتين هما:
١- مداومة ذكر الله.
٢- الصلاة..
مع التركيز على ذكر إمكانية اللحاق بهم ﵏ باستغلال فرصة
الاعتكاف.
١- المداومة على ذكر الله:
قال مالك بن دينار ﵀: (ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله
فليس شيء من الأعمال أقل مؤونة منه ولا أعظم لذة، وأكثر فرحة وابتهاجاً
للقلب) [٦] .
وقال ابن القيم ﵀: (وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر
ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إليّ وقال: هذه
غدوتي ولو لم أتغد سقطت قوتي، (أو كلاماً قريباً من هذا) ، وقال لي مرة: (لا
أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وراحتها ولأستعد بتلك الراحة لذكر آخر أو كلاماً
هذا معناه) [٧] .
وقال شيخ الاسلام ﵀ مبيناً أهمية بقاء المرء في ذكر دائم: (الذكر
للقلب كالماء للسمك؛ فكيف يكون حال السمك إذا خرج من الماء؟) [٨] .
لقد جاءت السنة بأذكار كثيرة متنوعة وذكرت فضلها وما أُعد لصاحبها من
الثواب.. بل إن الإمام ابن القيم ﵀ عدّ في (الوابل الصيب) ثمانين فائدة في
الذكر.. ولا شك أن الناس إلا من رحم الله على جانب كبير من التفريط في
المداومة على ذكر الله في كل حال.. لذلك لم يصلوا إلى اللذة التي يستشعرها
الذاكرون الله كثيراً.
قال بعض العارفين: (وإنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل
هذا إنهم لفي عيش طيب) [٩] . وإن الاعتكاف فرصة عظيمة يحسن بالمرء
استغلالها ليصل إلى مرتبة عالية؛ فيكون لسانه رطباً من ذكر الله تعالى. ليس
للمعتكف شغل عن أذكار الصباح والمساء التي فرط الناس فيها إلا من رحم الله،
وليس له شغل عن أذكار الأذان والنوم والاستيقاظ، والخروج والدخول إلى المسجد، وأذكار الطعام والشراب، والأذكار المطلقة الكثيرة المتنوعة.
يستطيع المعتكف أن يحرص على كل ذكر منها في وقته ويحاسب نفسه على
ما فاته، ولا يدع نَفَساً من أنفاسه يخرج بغير ذكر الله تعالى.. فمن كانت هذه حاله
في عشرة أيام متواليات رُجي له الخير العظيم بفضل الله وتوفيقه.
ألا وإن من أعظم الذكر كما هو معلوم قراءة القرآن الكريم. قيل لأخت مالك
بن أنس: (ما كان يشتغل مالك في بيته؟ قالت: المصحف في بيته) . قال أبو بكر
الأوسي: (كان مالك قد أدام النظر في المصحف قبل موته بسنين، وكان كثير
القراءة طويل البكاء) [١٠] .
قال الطحاوي: (سمعت عن أحمد بن أبي عمران يحكي عن بعض أصحاب
محمد بن الحسن، أن محمداً كان حزبه في كل يوم وليلة ثلث القرآن) [١١] .
فهؤلاء ﵏ كانت قراءتهم كثيرة في سائر أيام صيامهم، ووردت عنهم
وعن غيرهم من السلف زيادة الاهتمام بكتاب الله في رمضان.
فعلى العاقل أن يجعل من اعتكافه فرصة لتقوية علاقته بكتاب الله تعالى قراءة
وتدبراً وخشوعاً وفهماً.. ولا شك أن الاكتفاء باستعراض كتاب الله كله مرة واحدة
فقط في هذه الأيام العشرة يُعد من التفريط؛ إذ فيم سيمضي المعتكف وقته إن لم
يمضه في تلاوة كتاب الله تعالى؟
جاء عن الحسن أنه قال: (أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على
درهمه) [١٢] .
فلو حرص المرء على لحظات اعتكافه ألاّ تنقضي إلا في ذكر وتلاوة لكان
لاعتكافه لذة وحلاوة، ولأصبح من السهل عليه أن يتشبه بالسلف الصالح.
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح
ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن من ثمرات المداومة على ذكر الله في الدنيا
أنها تعطي الذاكر قوة تعينه على زيادة عمله خلال يومه.. فقد ثبت أن الرسول علّم
ابنته فاطمة وعلياً ﵄ أن يُسّبحا ويحمدا ويُكبّرا كل ليلة إذا أخذا
مضجعهما، ذلك لما سألته أن يحضر لهما خادماً، وقال لها: (إنه خير لكما من
خادم) [١٣] .
فقيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنية عن خادم [١٤] .
والمعكتف بحاجة لهذه القوة حتى يستعين بها على الزيادة من العبادات في هذا
الموسم العظيم.
الصلاة:
قال محمد بن عمران: سمعته أي محمد بن سماعة (ت٢٣٣هـ) يقول: (مكثت ...
أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي [١٥] . إن مثل هذا الأثر
يحتاج أن يقف المرء معه ليتأمل حال نفسه ومدى اهتمامه بأداء الصلاة على الوجه
الأكمل.. ومتى ما وجد التقصير في نفسه توجب عليه أن يجعل من اعتكافه فرصة
ليصل إلى مثل هذه المراتب العالية في أداء الصلاة.. ومن فرط في التكبيرة الأولى
حاسب نفسه أشد الحساب؛ فكيف يساغ له أن يتأخر عن إدراك التكبيرة الأولى وهو
مقيم في بيت من بيوت الله تعالى؟ كما أن التأخير عن إدراك التكبيرة الأولى له
دلالة على إهمال السّنّة القبلية وفقد أجر انتظار الصلاة بين الأذانين، ونقص
الخشوع، وغير ذلك. والله المستعان.
قال ابن وهب: (رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب صلى، ثم سجد سجدة
فلم يرفع رأسه حتى نودي للعشاء) [١٦] .
وقال مجاهد ﵀: (كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشدّ
بصره إلى شيء أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه في
شأن الدنيا إلا ناسياً ما دام في صلاته) [١٧] .
وهذه مرتبة أخرى عظيمة ينبغي أن يحرص المرء عليها وهي مجاهدة النفس
على تعظيم المولى في الصلاة، وحسن الاتصال فيها بتحقق
الطمأنينة والخشوع والخشية.. والمعتكف تتهيأ له من الفرص ما لا يتهيأ لغيره
بسبب انقطاعه عن كثير من علائق الدنيا.. فعليه أن يجاهد نفسه للوصول لهذه
الغايات وأكثر منها من خلال أيامه العشرة لتكون بداية انطلاقة جادة له بعد ذلك.
ألا وإن من أعظم وأجلّ القربات التي تتهيأ بالاعتكاف خاصة في رمضان قيام
الليل.. ذلك الشرف العظيم الذي فرط فيه الناس إلا قليلاً.
كان سفيان الثوري ﵀: (إذا أصبح مدّ رجله إلى الحائط ورأسه إلى
الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل) [١٨] .
وجاء عن شداد بن أوس أنه كان إذا دخل الفراش يتقلب عليه لا يأتيه النوم
فيقول: (اللهم إن النار أذهبت مني النوم. فيقوم فيصلي حتى يصبح) [١٩] .
وفي ليالي رمضان فرصة عظمى للمعكتف لإطالة القيام بكتاب الله تعالى
وتشجيع نفسه بكثرة القائمين ومنافستهم؛ على ألاّ يجعل لنفسه غاية دون هذه
النماذج العظيمة من السلف ونحوها.
كيف لا وقد قال أبو سليمان: (أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا) [٢٠] .
كذلك يحسن المحافظة على سنة الفجر والإشراق والنوافل المطلقة والمقيدة
حتى ينوّع المرء من عباداته، ويعتاد ما انشغل عنه في سائر أيامه.
في المباحات:
هناك جوانب أخرى يحسن بالمعكتف أن يخالف ما جرى أكثر الناس عليه
فيها.. أذكر منها ثلاثة أمور لعلها جماع كثير من الخسران:
١- فضول الكلام.
٢- فضول الأكل.
٣- فضول المخالطة.
١- فضول الكلام:
كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى بعض أصحابه: (أما بعد: فإنه من
أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله قلّ كلامه إلا
فيما ينفعه والسلام) [٢١] .
قال عطاء بن أبي رباح: (يا بن أخي! إن من كان قبلكم كانوا يكرهون
فضول الكلام، وكانوا يعدون فضوله ما عدا كتاب الله أن تقرأه، وتأمر
بمعروف أو تنهى عن منكر، أو تنطلق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها.
أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين؟) [٢٢] .
والشباب في هذا الزمان أخص الصالحين منهم أصبح هذا الجانب عند أكثرهم
مفقوداً.. بل ربما هو لا يُفكر فيه ابتداءً إلا من رحم الله تعالى؛ لذلك نشأ عنه عند
كثير من الصالحين والدعاة وطلبة العلم فقدان السمت، ونقص الحكمة في الكلام،
وخلط الجد بالهزل؛ فضلاً عن الوقوع في بعض المحرمات كالغيبة والكذب
والسمعة ونحوها.. ولعل بقاء المرء في معتكفه وسيلة عظيمة لحبس لسانه
ومحاسبة نفسه على كل حرف يخرج منه في غير ذكر الله أو ضرورة..
كما أن المعتكف ينبغي له أن يعوّد نفسه ويعوّد كل من يقطع عليه اعتكافه
على عدم الاسترسال في الكلام الذي لا حاجة له، مع مراعاة الأدب وحسن القصد.
قال إبراهيم بن سليمان: (كنت جالساً مع سفيان، فجعل رجل ينظر إلى ثوب
كان على سفيان ثم قال: يا أبا عبد الله! أي شيء كان هذا الثوب؟ فقال سفيان:
كانوا يكرهون فضول الكلام) [٢٣] .
ويُتنبه هنا إلى أنه يُكره للمعتكف الصمت عن الكلام إذا اعتقد أنه عبادة أو
قربة؛ لحديث الرجل الذي نذر أن يقوم في الشمس ولا يتكلم ويصوم، فأمره
الرسول أن يستظل ويتكلم ويقعد ويتم صومه، والحديث في الصحيح [٢٤] .
٢-فضول الأكل:
قال إبراهيم بن أدهم: (من ضبط بطنه ضبط دينه، ومن ملك جوعه ملك
الأخلاق الصالحة، وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان) [٢٥] .
إن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب،
كما أنها تطلق المرء من قيود الكسل والدعة والخمول.
قال لقمان لابنه: (يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة
وقعدت الأعضاء عن العبادة) [٢٦] .
وقال ابن القيم ﵀: (وأما فضول الطعام فهو داع إلى أنواع كثيرة من
الشر؛ فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي وينقلها عن الطاعات وحسبك بهذين
شراً) [٢٧] .
ولا شك أن المعتكف بحاجة إلى نبذ كل ما يقعده عن الطاعة ومن ذلك كثرة
الأكل وتنويعه.. قال عمر ﵁: (من كثر أكله لم يجد لذكر الله
لذة) [٢٨] .
كما أنه فرصة للمرء ليُربي نفسه عن التقلل والتزهد في أصناف المطعومات
ويجاهد نفسه عن الاستغناء عن كثير مما اعتاده.
قُدّم لعمر بن عبد العزيز طعامٌ كثير عند بعض أهله فقال: (ويحك! هذا ما
يسد الجوعة ويُذهب سَورة النفس، وتقدّم فضل ذلك ليوم فقرك وفاقتك؟) [٢٩] .
وكذلك فإن عدم الاهتمام بتنويع الأكل والبحث عنه سيوفر للمرء وقتاً في
معتكفه هو بحاجة ماسة إلى صرفه في ذكر وطاعة.
قال أبو الوفاء ابن عقيل: (وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي حتى أختار
سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ توفراً على
مطالعة أو تسطير فائدة لم أدركها) [٣٠] .
٣-فضول المخالطة:
وهذه أمرها جلل لأن أكثر الناس درجوا على الاجتماع والخلطة حتى افتقدوا
إلى القدرة على إنشاء الطاعات وإتمامها بأنفسهم بعيداً عن الرفاق.
وصورة ذلك في الاعتكاف ما يُرى من تجمع المعارف ليعتكفوا في مسجد
واحد أو مكان معين في مسجد ما ... وهذا وإن كان يسوّغه أحياناً لبعض الناس
وجود مصالح راجحة من منظور تربوي دعوي.. إلا أنه يحسن بالمرء معرفة أمور
ومراعاتها:
* منها أن كثرة الخلطة تقصر همة العبد عند همة أصحابه أو دونهم:
يقول ابن القيم ﵀: (فما على العبد أضر من عشائره وأبناء جنسه؛
فنظره قاصر وهمته واقفة عند التشبه بهم ومباهاتهم والسلوك أين سلكوا؛ حتى لو
دخلوا جحر ضب لأحب أن يدخل معهم) [٣١] .
فهذا يدعو المرء للانفراد حتى يعامل الله مباشرة؛ فكلما ظن أنه مقصر ازداد
اجتهاداً..
* ومنها أن الخلطة مظنة كثرة المزاح مما يقود إلى التقليل من هيبة مكان
وزمان الطاعة وأن ينجر المرء إلى بعض الآثام كالغيبة والكذب ونحوها. .
قال ابن عبد البر: (وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه
من ذميم العاقبة ومن التوصل إلى الأعراض واستجلاب الضغائن وإفساد
الإخاء) [٣٢] .
* ومنها أن الاعتكاف فرصة ليقيم المرء عبادته بعيداً عن أعين معارفه
ليختبر إخلاصه، فعن بكر ابن ماعز قال: (ما رُئي الربيع متطوعاً في مسجد قومه
إلا مرة واحدة..) [٣٣] وذلك لا يتأتى بالخلطة.
* ومنها أن كثرة الخلطة تدعو إلى فضول الكلام والنظر وتضييع كثير من
الوقت في النوم وانشغالات خدمة الجماعة بغير ضرورة، وتُفقد المرء لذة المناجاة،
وغير ذلك من مناقضات جوهر الاعتكاف. فعلى المرء أن يجاهد نفسه على العزلة
والتطلع الدائم إلى معالي الرتب، واستشعار الرقابة الدائمة لله، وتذكر فجأة الموت.. عسى أن يخرج من اعتكافه بذات أخرى يكتب الله لها نصيباً أكبر من الفلاح
وخدمة دينها وأمتها..
وبعدُ: فإنه ليس من الصعب تغيير النفس وقطعها عن كل ما اعتادته لمن
أخلص نيته وصدق في عزيمته.
يقول المنذر بن عبيد: (تولى عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الجمعة فأنكرت
حاله في العصر) [٣٤] .
ولكن من الضروري أن يصاحب ذلك أخذ على النفس بالجد والحزم في
معالجة قصورها..
قال ابن حزم ﵀ يحدث نفسه: (كانت فِيّ عيوب، فلم أزل بالرياضة
واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين
والمتقدمين في الأخلاق وآداب النفس، أعاني مداومته حتى أعان الله على
أكثر ذلك بتوفيقه ومنّه) [٣٥] .
كما يحتاج المرء إلى همة عالية ونفس أبية لا ترضى بالدون.
قال ابن القيم ﵀: (إذا طلع نجم الهمة في ليل البطالة، ورَدَفَهُ قمر
العزيمة، أشرقت أرض القلب بنور ربها) [٣٦] .
كذلك يحتاج المرء إلى استغلال أيام الاعتكاف كفرصة للنقلة الإيجابية
المطلوبة.
ومهما حفظ الإنسان من الحِكَم وكانت رغباته صالحة فلن تتحسن أخلاقه
وتقوى إلا إذا انتهز كل فرصة تسنح له [٣٧] . وأخيراً.. فإنني أختم بتحذيرين
اثنين:
الأول: أن يحذر الإنسان من طلب الكمالات المحضة التي تسبب انتكاسة في
الهمة.
قال العلامة محمد الخضر حسين ﵀: (والخطل أن ينزع الرجل إلى
خصلة شريفة حتى إذا شعر بالعجز عن بلوغ غايتها البعيدة انصرف عنها جملة،
والتحق بالطائفة التي ليس لها في هذه الخصلة من نصيب، والذي يوافق الحكمة
ويقتضيه حق التعاون في سعادة الجماعة أن يذهب في همته إلى الغايات البعيدة ثم
يسعى لها سعيها ولا يقف دون النهاية إلا حيث ينفذ جهده ولا يهتدي للمزيد على ما
فعله سبيلاً) [٣٨] .
الثاني: أهمية تعظيم حرمات الله مكاناً وزماناً.. إذ ربما يجهد المرء للعلاج
ثم يُحرم الخير بتهاونه في هذا الجانب الناتج عن طول المكث والاعتياد.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: (كنت مستلقياً في المسجد الحرام، فجاءتني
عائشة المكيّة وكانت من العارفات، فقالت: يا أبا عبيد! لا تجالسه إلا بأدب؛ وإلا
محاك من ديوان العلماء والصالحين) [٣٩] .
أسأل الله أن يعيننا على طاعته ويكتب لنا فيها القبول، والله أعلم، والحمد لله
من قبل ومن بعد.
стр. 2936
دراسات في الشريعة والعقيدة
الظلم حقيقته والتحذير منه
(٢ /٢)
عبد العزيز الجليل
الحمد لله وحده، وبعد:
تقدم الحديث في الحلقة السابقة عن الظلم وحقيقته، وما ورد في ذمه وسوء
عاقبته وعاقبة أهله من الآيات والأحاديث والآثار، كما سبق التعرف على أقسامه
الرئيسة. وفي هذه الحلقة سنتعرف إن شاء الله تعالى على بعض صور الظلم
المختلفة لكل قسم، وبخاصة ما يتعلق منها بمظالم العباد.
القسم الأول: ظلم النفس بالظلم الأعظم:
وهو الكفر بالله تعالى والإشراك به سبحانه: قال الله تعالى: [وَالْكَافِرُونَ هُمُ
الظَّالِمُونَ] [البقرة: ٢٥٤] ، وقال : [إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]
[لقمان: ١٣] ، وهذا النوع من الظلم لا يغفره الله لو مات صاحبه بلا
توبة، وهو مخلد في النار. وكونه أعظم الظلم؛ لأنه وضعٌ للعبادة في غير موضعها، وصرفها عن الله الخالق الرازق رب العالمين إلى مخلوق ضعيف لا يملك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
ومن صور هذا الظلم العظيم ما يلي:
أ - الشرك في الربوبية: وهو اعتقاد أن غير الله يخلق أو يرزق
أو يدبر شيئاً في هذا الكون من دون الله أو مع الله تعالى الله عن
ذلك علواً كبيراً كشرك أهل التعطيل والفلاسفة ومن يقولون بقدم العالم، وكشرك
النصارى الذين يقولون: إن الله سبحانه ثالث ثلاثة، وكشرك المجوس القائلين
بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة ... إلخ.
ب - الشرك في الألوهية: وهو اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية والطاعة
والعبادة، وهو شرك الجاهليين في القديم والحديث، وهذا النوع من الشرك له
صور كثيرة لا تخرج في مجملها عن الأنواع الآتية:
* الشرك في العبادة والنسك: ومنها الخوف والرجاء والنذر والذبح والركوع
والسجود والدعاء، وغير ذلك مما يصرفه المشركون إلى أوليائهم من الأحياء
والأموات.
* الشرك في الطاعة والاتباع: قال الله تعالى: [وَإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ
لَمُشْرِكُونَ] [الأنعام: ١٢١] وقال تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن
دُونِ اللَّهِ] [التوبة: ٣١] وقد جاء في تفسير الآية أنهم أطاعوهم في تحليل ما حرم
الله تعالى، وتحريم ما أحل الله تعالى فكانوا بذلك متخذين أحبارهم ورهبانهم أرباباً
من دون الله تعالى، وأوضح مثال لذلك في زماننا، ما يقوم به الطواغيت
المشرعون من دون الله تعالى من وضع دساتير يظلمون بها عباد الله ويحكمون بها
في دمائهم وأموالهم وأعراضهم وفيها ما يضاد شرع الله فمن رضي بها
وأطاعهم فيها بعلم فقد أشرك، واتخذهم أرباباً من دون الله .
ج - الشرك في الولاية والمحبة: وذلك بعدم البراءة من الشرك وأهله، أو
محبتهم محبة قلبية لدينهم، أو نصرتهم على المسلمين، كل ذلك مما يوقع في
الشرك الأكبر والظلم الأعظم، قال الله تعالى: [قُلْ أََغَيْرَ اللَّهِ أََتَّخِذُ وَلِياً فَاطِرِ
السَّمَوَاتِ وَالأََرْضِ] [الأنعام: ١٤] ، وقال تعالى عن اليهود والنصارى: [وَمَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [المائدة: ٥١] .
د - ومن صور الظلم الأعظم الوقوع في ناقض من نواقض الإسلام التي
ذكرها العلماء في كتبهم، والتي لا تخرج في جملتها عن أن تكون تكذيباً بخبر الله
وخبر رسوله ﷺ ، أو رداً لأمر الله سبحانه وأمر
رسوله. وراجع إن شئت ما كتبه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن
بعض هذه النواقض. في رسالة مطبوعة بهذا الشأن.
القسم الثاني: ظلم النفس بوقوعها في مظالم العباد:
وهذا النوع من الظلم أخف من سابقه في كونه لا يخلد صاحبه في النار لو
دخلها، ولكن الخطير فيه إثمه وعقوبته التي لا تزول إلا برد المظالم إلى أهلها، أو
استباحتهم منها وإلا كان القصاص يوم القيامة بالحسنات والسيئات وليس بالدينار
والدرهم، وكفى بهذا حاجزاً عن الظلم، وكفى به رادعاً وواعظاً للعبد المسلم في أن
يتخفف من حقوق العباد، ويخرج من هذه الدنيا سالماً لا يطلبه أحد من العباد
بمظلمة في دين أو نفس أو مال أو عرض. وهذه الأمور لا تكاد تخرج مظالم العباد
عنها.
وظلم الناس إنما ينشأ من الإضرار بهم في دينهم أو دنياهم ويكون ذلك بأمرين:
١- إما بمنعهم حقوقهم.
٢-أو بفعل ما يضر بهم؛ وهذا ما يشير إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى
بقوله:
(وإضرار العبد في دينه ودنياه هو ظلم الناس؛ فالظلم للغير يستحق صاحبه
العقوبة في الدنيا لا محالة لكف ظلم الناس بعضهم عن بعض، ثم هو نوعان:
أحدهما: منع ما يجب لهم من الحقوق، وهو التفريط.
الثاني: فعل ما يضر بهم وهو العدوان [١] .
وتحصل لدينا من هذه القاعدة أن ظلم الناس يصدق على أي إضرار يقع
عليهم في إحدى ضرورياتهم الخمس: (الدين، أو النفس، أو العقل، أو العرض،
أو المال) سواءً بمنع ما يجب لهم من الحقوق أو فعل ما يضر بهم. ومن الأمثلة
الواضحة في ذلك ظلم الوالدين أو الأولاد أو الأزواج والزوجات بمنع ما يجب لهم
من الحقوق أو فعل ما يضر بهم في دينهم ودنياهم.
وبعد هذه المقدمة التي لا بد منها في الحديث عن مظالم العباد نتعرف الآن
على بعض الصور لهذه المظالم على سبيل الاختصار.
أ- من صور ظلم العباد في دينهم:
* التسبب في صرف الناس عن دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم، سواءً بإثارة
الشبهات التي ينحرف بها العبد عن عقيدته الصافية فيقع في الكفر أو البدعة، أو
بإثارة الشهوات التي توقع العبد في الرذيلة والفسق والفجور. فهذا كله من الظلم
العظيم للناس في دينهم وأخلاقهم، وممن يتولى كِبَرَ هذا النوع من الظلم الأصناف
الآتية من الناس:
* الذين يسنون الأنظمة الجائرة والفاجرة التي تمكن للمفسدين في الأرض من
نشر فسادهم والسماح لهم بل ومنحهم الإذن بما يخوّلهم تشييد صروحهم الإعلامية
التي يفسدون من خلالها عقيدة الأمة وأخلاقها، سواءً بكلمة مقروءة أو مسموعة أو
مرئية. وهذا من أعظم الظلم.
* الناشرون الذين يبثون من خلال كتبهم ومجلاتهم وأشرطتهم كل ما من شأنه
إثارة الشبهات والانحراف في أفكار الناس، أو إثارة الشهوات والانحلال سواء
بالكتابات الهابطة أو الصور الساقطة، وكل هذا من ظلم العباد في دينهم.
* الإعلاميون الذين تصدروا أماكن التوجيه في الوسائل الإعلامية المختلفة
من تلفاز وإذاعة وقنوات، فنسوا دينهم ونسوا يوم الحساب؛ فوجهوا سمومهم إلى
دين الأمة وأخلاقها بما يبثونه من شبهات ومغالطات، وبما يبثونه من أفلام قذرة
وأغان خليعة تثير الشهوات وتقتل الغيرة والفضيلة. وكل هذا أيضاً من ظلم العباد
في دينهم.
* التجار الذين لا يهمهم دين ولا خلق وإنما همهم الدينار والدرهم، ولا يهمهم
المصدر الذي يجلب لهم المال أمن حلال هو أو من حرام. فراحوا يتاجرون بما فيه
إفساد للدين ونشر للرذيلة وقتل للفضيلة؛ وذلك بما نراه اليوم من تجارة الكتب
الهدامة التي تضلل الناس وتحرفهم عن دينهم أو التي تنشر أسباب الخنا والفجور
من كتب الغرام وعرض صور النساء الفاجرات على غلاف المجلات وفي ثناياها،
كما يلحق بهذا من يتاجر ببيع الوسائل المروّجة لذلك، وغير خافٍ على أحد ما
ينشر في هذه الوسائل اليوم من شر وفساد، وكل ذلك من ظلم العباد في دينهم.
* أولئك الآباء أو الأبناء، الذين يسعون لملء بيوتهم من هذه الوسائل المدمرة
للدين والأخلاق، فيخربون بيوتهم بأيديهم ويظلمون أنفسهم ومن تحت أيديهم بما
يسببونه لهم من الانحراف والفساد والضياع بجلب الكتب والمجلات وأجهزة الفساد
إلى أهليهم، فيحملون أوزارهم وأوزار الذين يضلونهم.
* الذين يسهمون في الدلالة على الشر وأهله، والصد عن سبيل الله،
والتنفير من أهل الخير وتشويه سمعتهم عند الناس.
* كما يدخل في ظلم الناس في دينهم كل من أسهم في ذلك بندوة أو محاضرة
أو مقالة أو كتاب أو مسرحية ... مما فيه تضليل للناس أو إفساد لأخلاقهم. قال الله
تعالى: [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ
أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [النحل: ٢٥] .
* من يُقَصّر من العلماء وطلبة العلم في تعليم الأمة أمر دينها فيتركها في
لهوها وفسادها لا تؤمر ولا تنهى، أو تركها حائرة فيما ينزل عليها من النوازل
دون هدايتها إلى وجه الحق في ذلك، كما أن من الظلم المبين كتم الحق عنها أو
لبسه بالباطل.
* كما يلحق بمن سبق أولئك الذين يُقَصّرون في تعليم أبنائهم أو آبائهم أو
زوجاتهم فروض العين وما ينجون به من عذاب الله تعالى؛ فترك هؤلاء على
جهلهم مع القدرة على تعليمهم يعد ظلماً في دينهم.
ب - من صور ظلم العباد في النفس والعقل:
* التعدي على كل نفس معصومة بقتل أو ضرب أو سجن أو تعذيب ... إلخ. ويدخل في ذلك كل من باشر الاعتداء بنفسه أو أمر به أو أعان عليه أو أشار به
أو فرح به أو شمت أو قعد عن نصرة المعتدى عليه وهو يقدر على ذلك. قال:
(من ضَرَبَ بسوط ظلماً اقتُصّ منه يوم القيامة) [٢] . وقال: (لتؤدن الحقوق إلى
أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) [٣] .
فإذا كان هذا حال العجماوات فيما بينها فكيف الحال بما يقوم به اليوم
طواغيت الأرض وأعوانهم من سجن وتعذيب وتشريد لصفوة عباد الله تعالى. إنه
والله الظلم المبين.
ووقوع القتل العمد الصريح للمعصوم قد يكون قليلاً، لكن الذي يقع كثيراً هو
القتل بشبهة أو تأويل؛ وهذا يكثر أيام الفتن والقتال بين طوائف المسلمين أعاذنا الله
من ذلك وهذا هو الذي حَذِرَهُ جماعة من السلف واعتزلوا فيه الطوائف المتقاتلة
وتذكروا قوله: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) [٤] .
* القعود عن إنقاذ من يتعرض لهلاك كالغريق والحريق والجريح مع إمكانية
إنقاذه.
* ترويج المخدرات والخمور والدخان والإغراء بتناولها، ومعلوم ما في ذلك
من الأضرار المعلومة
* التطبب في الناس بجهل وشعوذة ونحوها مما ينشأ عنه موت المريض أو
استفحال مرضه.
* الإسهام في بيع المطعومات التي تضر بصحة الناس كالميتة والخنزير
ومشتقاتهما أو بيع المغشوش من الأطعمة والأشربة الضارة بالصحة والعقل.
ج - من صور ظلم العباد في أعراضهم:
* كل ما سبق ذكره في الاعتداء على الدين، من شأنه هتك الأعراض
وإشاعة الفاحشة بين الناس، ومحاربة الشريعة الغراء التي من مقاصدها حفظ
الأعراض.
* قذف المحصن من المسلمين والمسلمات دون بينة شرعية؛ مما يلحق الأذى
والعار بالمقذوف، ولا يخفى ما جاء من الآيات والأحاديث في النهي عن ذلك.
* المتاجرة في الملبوسات والأزياء النسائية المحرمة التي تصف الجسد أو
تكشف بعضه تشبهاً بالكافرات، ويدخل في ذلك من يشتري مثل هذه الأزياء لأهله
ويأذن لهم بالخروج فيها والتبرج بها، كما أن المرأة المتبرجة تعد هي الأخرى
ظالمة للناس بتعريضهم للفتنة.
* التجارة بفتح المؤسسات السياحية المتخصصة بتسهيل السفر إلى بلاد الكفر
بقصد ارتياد أماكن الفجور.
* الاعتداء على أعراض العباد بالغيبة والنميمة والفحش والسخرية
والاستهزاء، والكذب عليهم، ويشتد الإثم في ذلك عندما توجه هذه الآفات إلى أهل
الخير من العلماء والدعاة والمصلحين.
د - من صور ظلم العباد في أموالهم:
* الاعتداء على أموال المعصومين سواء بسرقة أو إتلاف أو بالتحايل
والخداع، وسواء كان المسروق عيناً أو نقداً. ويدخل في ذلك السرقة من الأموال
العامة للمسلمين كبيت المال والصدقات وغنائم المجاهدين. قال الله :
[وَمَن يَغْلُلْ يَاًتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ] [آل عمران: ١٦١] . وقال: (إن رجالاً يخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) [٥] . ويلحق بذلك كل من استُؤمن على مال لحفظه أو استثماره ثم خان صاحب المال أو فرط في حفظه وتنميته، ويشتد الإثم إذا كان الاعتداء أو التفريط في حفظ المال العام والأوقاف وأموال اليتامى.
* الاستيلاء على أموال المعصومين بالغصب والقوة؛ ويتضح هذا جلياً في
ظلم الأرض والعقار حيث يُستولى على الأراضي وتغير المنارات، وفي هذا جاء
الوعيد الشديد؛ حيث قال: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوّقه الله يوم القيامة
من سبع أرضين) [٦] .
* التسبب في قطع حق المسلم من مال أو غيره إما بشهادة زور أو يمين كاذبة
أو وجاهة ... إلخ. قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة) فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: (وإن
كان قضيباً من أراك) [٧] .
* أخذ الرشاوي من الناس ومنعهم حقوقهم إلا بها، وهذا من أكل المال
بالباطل، ويدخل في أكل المال بالباطل التعامل بالقمار والميسر.
* السماح بإنشاء البنوك الربوية أو المساهمة في إنشائها، وتنمية المال من
خلالها، ويلحق بذلك كل من تعامل بالربا فرداً كان أو مؤسسة، فكل ذلك من أكل
المال بالباطل، ومن التعاون على الإثم والعدوان.
* ومما يدخل في ظلم الناس في أموالهم ما يقع بينهم من البيوع المحرمة التي
يتضرر فيها أحد المتبايعين أو كلاهما، وهي كثيرة ومتنوعة منها بيوع الغرر أو
بيع ما لا يملك أو بيع النجش ...
* إنكار المدين ما عليه من الحق للدائن أو المماطلة بالوفاء مع القدرة على
ذلك فهذا من الظلم البين لقوله: (مطل الغني ظلم) [٨] .
* منع الزكاة وعدم إيصالها لمستحقيها، وأخذ كرائم أموال الناس عند جباية
الزكاة منهم لقوله: (وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم..) [٩] .
وبعد هذه الجولة السريعة المختصرة في إيراد بعضٍ من صور الظلم يبقى
سؤال مهم لا بد من الإجابة عليه لتكمل الفائدة ويعم النفع، وليكون مخرجاً لمن أراد
التخلص من تبعات العباد قبل يوم الفصل والحساب، وهو: هل من سبيل إلى
التوبة من حقوق العباد؟
والجواب: نعم، فباب التوبة مفتوح للتائبين الصادقين، ومن ذا الذي يحول
بين العبد والتوبة والله يقول: [إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً]
[الزمر: ٥٣] . لكن التوبة من حقوق العباد أصعب بكثير من تلك الذنوب التي بين العبد وربه وليس للمخلوق فيها حق؛ ذلك أن حق الله مبني على المسامحة، وحق المخلوق مبني على المشاحّة؛ لذا فإن التوبة من حقوق العباد يُشترَط لها شرط إضافي على شروط التوبة المعروفة ألا وهو: التحلل من أصحاب الحقوق، سواء برد المظالم إلى أهلها أو مسامحة أهل الحقوق لمن ظلمهم وتنازلهم عن حقوقهم عليهم، ومن هنا تأتي صعوبة التوبة من حقوق العباد ...
ومشقتها. والموفق من جنبه الله تعالى الوقوع في الظلم أصلاً، أما من وقع منه الظلم للعباد في دين أو نفس أو عرض أو مال فإنه يحتاج إلى عزيمة قوية وزهد في الدنيا ورغبة في الآخرة يدفعه إلى رد الحقوق إلى أهلها والتحلل منهم قبل يوم الفصل والقضاء.
وفيما يلي عرض سريع لما ذكره العلماء عن كيفية التوبة من ظلم العباد في
ضرورياتهم الأساسية التي جاءت الشريعة للحفاظ عليها وحمايتها من المعتدين:
أولاً: التوبة من ظلم العباد في دِينهم:
من كان له دور في إضلال الناس في عقيدتهم أو شريعتهم أو أخلاقهم فإن من
تمام توبته أن يقلع بنفسه عن ضلاله وإضلاله، وأن يندم على ما فعل، ثم لا بد له
بعد ذلك أن يبذل جهده ووسعه في إصلاح ما أفسد، وأن يعلن توبته للناس ويبين
لهم ضلال ما كان عليه لقوله تعالى: [إلاَّ الَذِينَ تَابُوا وَأََصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ
أََتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأََنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم] [البقرة: ١٦٠] وبدون ذلك فإن التوبة غير تامة. ويذكر أهل السّيَر دائماً في هذا المقام توبة أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ...
وكيف أنه بين للناس ضلال ما كان عليه وأنه رجع إلى مذهب السلف وما كان
يقول به أحمد بن حنبل [١٠] .
ثانياً: التوبة من ظلم العباد في أبدانهم وأنفسهم:
ما كان من هذه المظالم مما هو دون القتل كضرب أو جرح ونحوهما فالتوبة
تكون بالندم على الفعل واستغفار الله وهذا مما يتعلق بحق الله ،
ويبقى حق المظلوم فلا يسقط إلا بأن يعفو عن الظالم أو يأخذ بالقصاص منه؛
فحينئذ تبرأ ذمة الظالم؛ وبدون ذلك يبقى الحق معلقاً إلى يوم القصاص يوم القيامة. أما جريمة القتل فالتوبة منها شاقة لموت المقتول وفوات نفسه دون أن يستدرك
ظلامته، ولذلك يرى بعض العلماء أن لا توبة له ولا بد من القصاص يوم القيامة.
ويرى طائفة من العلماء أن الحق يسقط إذا سلم نفسه للقصاص في الدنيا وصدق في
توبته مع الله ، ومن هنا نرى عظم جرم الاعتداء على النفس بالقتل، وأن
القصاص ينتظر المعتدي يوم القيامة (بالحسنات والسيئات) حتى ولو اقتُص منه في
الدنيا على أحد القولين [١١] .
ثالثاً: التوبة من ظلم العباد في أعراضهم:
* إن كان الظلم بالنيل من أعراضهم بالغيبة والنميمة والسخرية فإنه لا بد مع
استغفار الله من التحلل من أصحاب الحقوق، وطلب المسامحة منهم ما داموا على
قيد الحياة، فإذا تعذر هذا لموت صاحب الحق، أو خوف المفسدة من الملامة فيرى
بعض العلماء الإكثار من الاستغفار له والثناء عليه في المجالس التي أساء فيها إلى
المظلوم.
* وإن كان الظلم بالقذف والتهم الباطلة فعليه التوبة النصوح بشروطها مع
إصلاح ما فسد؛ ومن ذلك تكذيبه لنفسه حتى ينتهي العار عن المقذوف.
* وإن كان الظلم بإشاعة الفاحشة وترويجها بين الناس بكلمة أو كتاب أو فيلم، أو غير ذلك من الوسائل التي تثير الشهوات وتهتك الأعراض؛ فإن من تمام
التوبة منها الإقلاع عنها، والندم على ما حصل، وإصلاح ما نشأ من فساد بسببها،
وذلك حسب الجهد المستطاع، بأن يتبرأ هؤلاء الظالمون من أفعالهم ويبينوا للناس
بطلانها، وأن لا يفتُروا عن الإصلاح وبذل النصح للأمة. قال تعالى: [إلاَّ مَن
ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [النمل: ١١] .
رابعاً: التوبة من ظلم الناس في أموالهم:
الأصل في التوبة من حقوق الناس المالية أن ترد إلى أهلها في الحياة الدنيا،
فإذا تاب الظالم توبة نصوحاً وندم وأقلع ثم رد الأموال المسروقة أو المغصوبة إلى
أهلها فقد برئت ذمته.
أما إذا لم يهتد إلى أصحاب الأموال لموتهم أو جهله بهم فإنه يردها إلى ورثتهم، فإن لم يتوصل إليهم فإن بعض العلماء يرى أن يتصدق بها عن أصحابها؛ وبذلك
تبرأ الذمة إذا صدقت التوبة، وطائفة من العلماء لا يرى أنها تبرأ إلا بإرجاعها إلى
أربابها؛ وإلا فقد تعذرت عليه التوبة، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات
والسيئات ليس إلاّ [١٢] .
وختاماً: أسأل الله أن يجنبنا الظلم بشتى صوره، وأن يخرجنا من
هذه الدنيا خفاف الظهور من دماء الناس، خُمصَ البطون من أموالهم، سالمي
الألسنة من أعراضهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 2937
دراسات تربوية
أثر القرآن في تقوية الإحساس بالأخوة
د.أحمد بن شرشال
الاشتغال بفهم القرآن وتفسيره والتفقّه فيه يرقق إحساس المسلم ويقوي شعوره، وينمي فيه حب الآخرين؛ بحيث يتألم لآلامهم، ويفرح لفرحهم، ويسعد لسعادتهم.
ومن الأساليب القرآنية في التعبير عن هذا الإحساس أن جعل قتل الرجل
لغيره قتلاً لنفسه، وجعل إخراج الرجل من داره إخراجاً لنفسه، وجعل ظن السوء
بالغير ظناً بنفسه، وجعل لمز الغير لمزاً لنفسه، والسلام على الغير سلاماً على
نفسه؛ وكل ذلك ذكره القرآن. قال الله تعالى في سياق أخبار بني إسرائيل: [وَإذْ
أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ
تَشْهَدُون ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ] [البقرة: ٨٤، ٨٥] . فجعل دم كل فرد من
أفرادهم كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه قتل نفسه وانتحر ذاته.
قال القرطبي: (ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحداً، وكانوا كالشخص
الواحد جعل قتل بعضهم بعضاً وإخراج بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونفياً لها) [١] .
ومثل هذا السياق قوله تعالى: [فَاقْتُلُواً أََنفُسَكُمْ] [البقرة: ٥٤] ومعناه:
فليقتل بعضكم بعضاً بأن يقتل من لم يعبد العجل عابديه؛ فإن قتل المرء لأخيه كقتله
لنفسه.
قال القرطبي: (وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عَبَدَة العجل بأن يقتل
نفسه) ثم نقل عن الزهري قوله: (أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل) [٢] .
وقال الله تعالى في سياق هذه الأمة: [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] [النساء: ٢٩] أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، فجعل قتل الرجل لغيره قتلاً لنفسه، قال القرطبي:
(أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً، ثم
لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه) [٣] . قال الحافظ ابن كثير: (وهو
الأشبه بالصواب) [٤] ، قال الزمخشري: (شبّه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير
بالنفس في الأصل أو الدين؛ فإذا قتل المتصل به نسباً أو ديناً فكأنما قتل نفسه) [٥] ، وقال الحافظ ابن كثير: (إن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة) [٦] . وقد
بيّن الله أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، فقال: [.. كَتَبْنَا عَلَى
بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأََرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعاً] [المائدة: ٣٢] .
ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى: [يَا أََيُّهَا
الَذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ] [المائدة: ١٠٥] . حكى
الفخر الرازي مقالة لعبد الله بن المبارك أنه قال: (هذه أوْكد آية في وجوب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه سبحانه قال: [عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ] يعني عليكم
أهل دينكم، ولا يضركم من ضل من الكفار، بأن يعظ بعضكم بعضاً، ويُرغّب
بعضكم بعضاً في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات) [٧] لأن المؤمنين إخوة في
الدين. ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الغير قوله تعالى: [فَإذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً
فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً] [النور: ٦١] والمعنى:
فليسلم بعضكم على بعض، وهم أهل البيوت التي يدخلونها؛ لأنهم بمنزلة أنفسهم
في شدة المحبة والمودة والألفة، ولأنهم منهم في الدين، فكأنهم حين يسلمون عليهم
يسلمون على أنفسهم. وقد أنكر الشيخ ابن عاشور على من فهم من الآية أن الداخل
يسلم على نفسه فقال: (ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ وأهملوا دقيقه، فظنوا
أن الداخل يسلم على نفسه إذا لم يجد أحداً، وهذا بعيد من أغراض التكليف
والآداب) [٨] . وهذا هو المأثور عن سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة
والزهري؛ حيث قالوا: (فليسلم بعضكم على بعض) [٩] .
ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى: [وَلا تَلْمِزُوا
أَنفُسَكُمْ] [الحجرات: ١١] والإنسان لا يلمز ولا يعيب نفسه، وإنما اللامز يلمز
غيره إشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم فكأنما عاب نفسه، فنزّل البعض الملموز
منزلة نفس الإنسان لتقرير معنى الإحساس بالأخوة وتقوية الشعور بها.
ومن تعبيرات القرآن عن الغير بالنفس قوله تعالى: [لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً] [النور: ١٢] .
المراد بأنفسهم هنا إخوانهم في الدين والعقيدة، والمعنى: فهلاّ وقت أن
سمعتم حديث الإفك هذا ظننتم بأنفسكم أي: بإخوانكم وأخواتكم ظناً حسناً جميلاً؛ إذ
لا يظن المرء بنفسه السوء، وفي هذا التعبير عن إخوانهم وأخواتهم في العقيدة
بأنفسهم أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء والإحساس
الصادق؛ حتى لكأن الذي يظن السوء بغيره إنما يظنه بنفسه [١٠] . قال الرازي:
(فجعل الله المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور؛ فإذا جرى على
أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم) [١١] .
فهذا الأسلوب القرآني، وهذا الخطاب الرباني يؤكد معنى وحدة الأمة،
ويُحدِث في النفس أثراً وإحساساً يبعثها على الامتثال؛ فالمسلم الذي يُربى على هذه
المعاني، وهذه الدقائق القرآنية، لا شك في أنها تؤثر فيه وتغرس في أعماقه هذا
الإحساس وهذا الشعور.
ومن تدبر هذا الأسلوب القرآني علم أنه لا قوام لهذه الأمة إلا بمثل هذا
الشعور وهذا الإحساس، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه
دمُ الآخرين، وظن السوء بهم ظنّ بنفسه، والسلام عليهم سلامٌ على نفسه، وعيبهم
عيبٌ لنفسه؛ لا فرق في المحافظة على الروح التي تجول في بدنه والدم الذي
يجري في عروقه، وبين الأرواح والأبدان التي يحيا بها إخوانه قال تعالى: [يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ] [النساء: ١] وقال: (مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [١٢] ، وكل هذه المعاني كامنة في القرآن
والتفسير يكشفها ويجلّيها.
стр. 2938
حوار
حوار مع فضيلة الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
التحرير
كنا في العدد الماضي في ضيافة شيخنا العلامة عبد الله الجبرين حفظه الله
حيث حدثنا عن نشأته، والفوارق بين التعلم في عصره والتعلم اليوم، وبيان
الأسلوب الأمثل لطلب العلم، وعلاج بعض الظواهر السلبية بين طلبة العلم،
وتوجيهه لهم في التلقي عن العلماء العدول، وتذكيره بصور من مواقف علماء
السلف الصالح في أداء واجب العلم والتعليم.
ونواصل في هذا العدد هذا المجلس المبارك مع فضيلته ليحدثنا في جوانب
علمية وشرعية وتوجيهية ودعوية. جزاه الله خير الجزاء ومتعه الله بالعمر والعافية.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان-
١٣- حين يُمكّن الله لرجل في العلم فإن الناس يرون فيه الخطيب والواعظ
والمدرس، وعلى هذا الأساس قد يعاملون الخطيب أو الواعظ على أنه العالم المفتي.. وليس ذلك بغريب منهم بقدر غرابته حين يصدر من بعض المتعلمين. فهل
لفضيلتكم من توجيه؟
جواب: لا شك في كثرة الفنون، وتنوع المعلومات، وأن الهمم تختلف،
ولذلك نشاهد الجامعات ممتلئة؛ فهؤلاء يميلون إلى الأحكام وعلم الحلال والحرام،
وهؤلاء يفضلون التخصص في علم العقائد والفرق والمذاهب المعاصرة، وآخرون
ميلهم إلى علوم اللغة والتراجم والتاريخ والأدب، وآخرون ميلهم إلى العلوم الآلية
والرياضيات ونحوها. ثم إن العامة إذا لقوا من جاوز المراحل الدراسية، وحصل
على درجة عالية، اعتقدوا فيه الأهلية لكل ما يتجدد من الوقائع، ورجعوا إليه في
حل المشاكل، فرضوا بحكمه في الفصل بين المتخاصمين، ورجعوا إلى قوله في
الأحوال الشخصية، وطلبوا منه الجواب فيما يدور حولهم من الوقائع العلمية،
سواء كانت تتعلق بالعبادات، أو بالمعاملات، أو بالأنفس أو بالأموال، ثم تراه
يتجاوب معهم، ويُنَصّب نفسه للإفتاء والتعليم، ويجيب على كل ما يوجه إليه من
أسئلة تتعلق بالتوحيد، أو بالأدب أو بالسّنّة، أو بالتفسير، أو بالأحكام، رغم قلة
معلوماته في أكثرها، ويحمله على ذلك الخجل من رد الجواب، أو التوقف على
الفتيا، مخافة الوصمة بالنقص، أو الرمي بالجهل؛ حيث إنه في مكانة مرموقة،
ومنزلة من العلم رفيعة عند العامة، فهو يفتي بغير علم، ويتصدر للجواب، وهو
بعيد عن الصواب. ولا شك أن هذا عين الخطأ، وأن الواجب عليه أن يحيل هذه
المسائل إلى أهلها، ويعطي القوس باريها؛ فإن العلم أن يقول: الله أعلم. وقد قال
بعض العلماء: (من أخطأ (لا أدري) أصيبت مقاتله) ؛ وقد قال بعض الشعراء في
الحث على العلم وآداب التّعلّم:
وقل إذا أعياك ذاك الأمر ... ما لي بما تسأل عنه خبر
فذاك شطر العلم فاعلَمَنْهُ ... واحذر هُديت أن تزيغَ عنه
فربما أعيا ذوي الفضائل ... جواب ما يلقى من المسائل
فيمسكوا بالصمت عن جوابه ... عند اعتراض الشك في صوابه
ولو يكون القول في القياس ... من فضة بيضاءَ عند الناس
إذاً لكان الصمت من عين الذهب ... فافهم هداك الله آداب الطلب
وقد ذكر بعض العلماء أن تدخل الإنسان في ما لا يعنيه من القول على الله بلا
علم، وجعلوه أعظم إثماً من الشرك، لقول الله تعالى: [قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ
الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٣٣] . وهذه
المحرمات مرتبة على الترقي من الأخف إلى الأشد، فدل على أن القول على الله
بلا علم أعظم إثماً من الشرك.
ولقد كان العلماء الأجلاء يتوقفون عند الكبير من المسائل، كما ذُكر ذلك في
الشعر المذكور، وقد نقلوا عن مالك إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى أنه سُئِلَ عن
أربعين مسألة فأجاب عن أربع منها وتوقف عن الباقي، وقال للسائلين: اذهبوا
فقولوا: إن مالكاً يقول: لا أدري. وكان الإمام أحمد كثيراً ما يتوقف عن الأجوبة
التي تعرض له، ويستدل بقول الله تعالى: [وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ
هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لا
يُفْلِحُونَ] [النحل: ١١٦] . ثم نقول: على الجمهور أن يرجعوا في مسائلهم
ومشكلاتهم إلى أهل العلم الصحيح، وأن يمتثلوا قول الله تعالى: [فَاسْأََلُوا أََهْلَ
الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ] [النحل: ٤٣] فأهل الذكر هم حملة علم الشريعة الذين
توغلوا في علم الأحكام، وبحثوا في مسائل الحلال والحرام، وقد يسر الله الاتصال
بهم بأسهل الطرق؛ فقد تقاربت البلاد، ويسر الله المواصلات السريعة التي تقطع
المسافات البعيدة في زمن قصير، كما يسر الاتصال الهاتفي للقريب والبعيد،
وتيسر الرجوع إلى الفتاوى المطبوعة والمسجلة، والرجوع إلى الإذاعة الإسلامية،
سيما برنامج (نور على الدرب) ، وما أشبهه، فعلى هذا لا يجوز لغير العالم
بالأحكام التدخل في جوانبها، ولو كان واعظاً، أو خطيباً أو مدرساً أو داعية،
حتى يطّلع على العلوم الشرعية، ويعرف الحق بدليله، ويعرف الراجح من
المسائل الخلافية، ويتصور أسباب الخلاف بين المذاهب والعلماء، كما لا يجوز
للعالم الرباني أن يكتم العلم، ويتوقف عن الجواب الذي يعرفه؛ فقد ورد الوعيد
الشديد على كتمان العلم، وأن الذين يكتمونه يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، ومن
سُئل عن علم فكتمه أُلجِمَ يوم القيامة بلجام من النار، ولا يجوز للعامة الرجوع إلى
حملة الشهادات التي لا تؤهل للفتيا في المسائل الخلافية، كمسائل الطلاق، والتيمم، ومسح الجوارب، ومفطرات الصائم، وواجبات الحج، ونحوها، بل يوجهون
هذه المسائل إلى أهل التخصص والمعرفة بها، ليصدروا عن علم ويعملوا على
بصيرة. والله أعلم.
١٤- تتزاحم الأولويات في مخاطبة الناس، فيقع بعض المصلحين في حيرة
أو اضطراب؛ فحبذا لو جلّيتم الخطوط العريضة في هذا المجال؟
جواب: لا شك أن الناس يختلفون في المفاهيم، وفي الميول والطباع، وأن
المعلم، أو الواعظ قد يتوقف في العلوم والفنون أيّها أوْلى أن يطرقه، ولكن نقول:
إن الواجب تحديث الناس بما هو الأهم في حقهم، وقد نُقل عن علي ﵁
أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذّب الله ورسوله؟) فمتى كان
المخاطَبون من أهل الأديان المخالفة، فالأوْلى خطابهم بتقرير الرسالة، ودلائل
النبوة، ومحاسن الدين الإسلامي، أو إزالة شبهاتهم، والإجابة عما لديهم من
الشكوك والتوهمات. وإن كان المخاطَبون من أهل الإسلام، إلا أن لديهم بدعاً
وعقائد منحرفة؛ فإن خطابهم يكون بتقرير العقيدة السليمة، وما كان عليه الصحابة
والسلف الصالح، والصدر الأول، وهو ما تطرق إليه الأئمة في مؤلفاتهم في السّنّة
والتوحيد، والإيمان، وتقرير العقيدة الصحيحة، والرد على المبتدعة.
وإن كان المخاطَب من أهل التفريط والانتماء إلى الدين ظاهراً، دون تطبيق
وعمل، أو مع مخالفة وانهماك في كبائر الذنوب أو صغائرها، فإنه يُسلك معه من
المناقشة حول حالته ما يمكن اقتناعه به من الوعد والوعيد، وإقامة الحجة والدليل،
وإيضاح الحجة والسبل السوية، التي تقطع الشبهات، وتوصل إلى الحق واليقين.
أما الخطيب والواعظ الذي يلتقي بعوام الناس الذين لم تتلوث عقائدهم بأوضار
الجاهلين وشكوك المموهين، بل هم على فطرتهم، وعلى يقين من صحة دينهم،
إلا أن معهم من الجهل ما أوقعهم في المحرمات ونقص الطاعات، فإن الخطيب
والواعظ يسلك معهم طرق التعليم، والتنبيه على ما فيه خطر، أو ما هو محرم،
ويحرص على علاج ما انتشر وفشا من المعاصي والفواحش، ويتطرق كل حين
إلى ما فيه ضرر على الأديان والأبدان، مما هو موجود ومتمكن في المجتمعات،
فلا بد أن يكون عالماً بما يحتاج إليه ذلك المجتمع، وما يتساهل فيه الأفراد
والجماعات، وما يفعلونه عن جهل، أو عن تهاون، ويحسبونه هيناً وهو عند الله
عظيم، فمع كل جنس بما يناسبه، وبذلك ينجح الواعظ، ويقدم ما هو أهم من
غيره، ويعطي كل نوع ما يحتاج إليه.
١٥- لا شك في ضرورة تصحيح عقائد الناس بكل جوانبها. حبذا لو ذكرتم
لنا جوانب الاعتقاد مرتبة حسب أهميتها في واقع الناس اليوم؟
جواب: معنى ذلك أن الدعوة إلى الله تعالى، يُحتاج فيها إلى البدء بتصحيح
العقيدة؛ فإن الأعمال الصالحة يتوقف قبولها على صحة المعتقد، ومعلوم أن عامة
الناس وأكثريتهم لا يحسن خطابهم بأدلة وجود الله تعالى، ولا بالخوض في إثبات
الصفات الذاتية، والصفات الفعلية ونحو ذلك، وإنما يسلك الداعي معهم تصحيح
مفهوم العبادة، وإخلاص الدين لله تعالى، وذكر أنواع العبادة، وأدلة التوحيد العملي، كالدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، ونحو ذلك. وقد كتب في ذلك الشيخ
محمد بن عبد الوهاب ﵀ الأصول الثلاثة، وكتاب التوحيد، وكشف الشبهات، ونحوها مما كتبه في التوحيد، فهو المناسب للعامة الذين يقعون في شرك العبادة
وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
والعلماء منهم يناقشون فيما لديهم من الشبهات، وما قد يعرض لهم من
الاعتقاد في المخلوقات؛ الذي تلقوه عن أسلافهم وعلمائهم الذين انخدعوا بالعامة
والخاصة، وأكبوا على الشركيات، وسموا ذلك استشفاعاً، وتبركاً، وتوسلاً
بالأولياء ونحوهم. وأما علماء الضلال فإن الداعية يناقشهم في البدع التي ينتحلونها، ويحتجون فيها بسنّة الآباء والأجداد، ويقول الله تعالى في حجتهم: [قَالُوا بَلْ
وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ] [الشعراء: ٧٤] ، ويدخل في البدع ما يخالف الأدلة
اليقينية، من العقائد المتعلقة بالأسماء والصفات، والقضاء والقدر، والأمر والنهي، والإسلام والإيمان، والصحابة، وأهل القبلة، من المعتزلة، والمعطلة،
والجهمية، والجبرية، والمرجئة، والقدرية، والخوارج، والروافض، والمتصوفة، ونحوهم. وقد أكثر العلماء من أهل السّنّة في مناقشة عقائدهم، والرد على
شبهاتهم العقلية والنقلية، وبيان الصواب والخطأ في معتقداتهم وأدلتهم. فلذلك على
الداعي أن يسلك معهم المجادلة بالتي هي أحسن، ويرجع في ذلك إلى ما كتبه علماء
صدر هذه الأمة، مما يتعلق بالسنة، والإيمان، والتوحيد، فقد أكثروا من التأليف
فيما يتعلق بالاعتقاد، كالإمام أحمد بن حنبل، وابنه عبد الله، وأبي بكر الخلال،
وأبي بكر بن أبي شيبة، والبخاري، وابن خزيمة، وعثمان الدارمي، والآجري،
واللالكائي، وابن بطة، والبيهقي، والطحاوي، وابن أبي عاصم، وغيرهم، وقد
يسّر الله طبع كتبهم ونشرها، وتوفرت لدى كل طالب علم، وتبين بواسطتها ما
كان عليه السلف والأئمة المقتدى بهم، والله أعلم.
١٦- تتباين مناهج الدعاة في التغيير، فيميل بعضهم اجتهاداً إلى مسلك دخول
المجالس النيابية.. تُرى: هل هذا مما يتسع فيه النظر والاجتهاد لأجل تباين
الظروف، وتعقّد بعض الأوضاع؟ وإذا كان الأمر سائغاً فهل في هذا السبيل غنية
عن تربية الناس على دين الله تعالى؟
جواب: صحيح أن هذا مما يختلف باختلاف الأشخاص، والأماكن،
والأوضاع، فمتى رأى الدعاة هذا المسلك مفيداً فعلوه؛ حيث إن الداعية متى غَشِيَ
الجماهير، واعترفوا بمكانته وفضله، وارتفع منصبه، واشتهر بين العامة بعلمه
ورتبته، كان ذلك أدعى لقبول قوله، والتأثر بنصحه، وتلقي مواعظه وإرشاداته،
وتقبل فتاواه وأجوبته؛ حيث تعترف به الدولة، وتوليه منصباً مرموقاً، وترجع
إليه الاختلاف، ثم يقوم بالخطابة، والدعوة إلى سبيل الله تعالى والقضاء بالعدل،
والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فهو بما لديه من علم وعمل ومعرفة بالله تعالى
وبوعده ووعيده، وأمره ونهيه، يقول الحق ويصدع به، ولا يخاف في الله لومة
لائم، فيأمر بردع الظالم، وقمع العاصي والمجرم، وقتل القاتل متى تمت الشروط، ورجم الزاني المحصن، وقطع يد السارق، وهكذا يقضى بأمره على معامل
الخمور والمسكرات، وعلى مروجي المخدرات، وعلى حوانيت الدعارة والبغاء،
وأماكن الفساد. ولكن هذا إنما يُتَصوّر عن عالم رباني، معترف بمكانته، فهو
يتصل بالرؤساء والوزراء، والأمراء والولاة ونوابهم، وتنفذ أوامره، وتجاب
طلباته التي توافق الحق، وتهدف إلى مصلحة العباد والبلاد.
فأما من كان ضعيف المعلومات، أو قليل المعرفة، أو معه شيء من
الانحراف، أو عنده ميل إلى بعض البدع والمحدثات، أو كان مُزجى البضاعة في
العلم، فأرى عدم دخوله تلك المجالس، لعدم تمكنه من قول الحق والصدع به،
وخوفاً من إقراره المنكرات، أو دعوته إلى شيء من البدع والشركيات، كما حصل
ذلك من بعض علماء الضلال الذين خدعوا ولاة الأمر وسوغوا لهم البناء على
القبور، وعمارة المشاهد والمعابد الشركية، وحفلات الموالد، وإقرار البدع
الاعتقادية والعملية، فاحتج العامة بأقوالهم الخاطئة، وأصبحت فتاواهم ومؤلفاتهم
حجة لكل جاهل ومبتدع. وهكذا نقول أيضاً: قد يُفَضّل للعالم والداعية الاعتزال،
والبعد عن ولاة السوء، وأئمة الضلال، الذين يحتقرون العالم، ويخالفون ما يقوله، ويبقى بينهم ذليلاً مهيناً مع تظاهرهم بتحكيم القوانين، وإعلان البدع، وإباحة
الخمور، وتعاطي المسكرات، وإعلان تعطيل الحدود، وفتح بيوت الدعارة
والفواحش، ورفع أماكن علماء الضلال، وقمع الدعاة إلى الله. فمن السلامة في
مثل تلك الدول أن يبتعد الداعية إلى الله عنهم، وأن يعتزل ولاياتهم، وأن يفضل
العيش في البادية، والقرى النائية؛ فقد ورد في الحديث قول النبي -صلى الله عليه
وسلم-: (يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنماً يتتبع بها شعف الجبال، ومواقع
القطر، يفر بدينه من الفتن) . ومع ذلك فإن كل مسلم عليه مسؤولية كبرى، بحسب
ما عنده من القدرة والعلم، ففي الأثر: (كلكم على ثغر من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ
أن يؤتى الإسلام من قِبَله) . فعلى هذا يقول بما في إمكانه من الدعوة إلى الله تعالى، وتربية الناس على دين الله تعالى وليس هناك غنية عن هذه التربية بحسب
الإمكان. والله أعلم.
١٧- من قواعد منهج أهل السّنّة: (رحمة الخلق في دعوتهم إلى الحق) . وقد
سبب غياب هذه القاعدة عن أذهان بعض المصلحين والشباب أن استحالت قضيتهم
مع أهل البدعة والضلال إلى معارضات جدلية لا معنى لها؛ مما أضعف استجابة
بعض المخالفين. فليتكم تشيرون إلى بعض الأمثلة لتطبيق هذه القاعدة عند سلف
الأمة من المتقدمين والمتأخرين؟
جواب: قال الله تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] . وقال الله تعالى: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ
الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [العنكبوت: ٤٦] وقد امتثل النبي -صلى الله عليه
وسلم- هذا الأمر، فرفق بالناس عند الدعوة إلى الإسلام، وأحسن معهم المقال،
فكان بمكة يتتبع الوفود والحجاج، ويعرض عليهم دعوته، وما جاء به، ويبين لهم
حقيقة التوحيد، دون أن يضللهم، أو يُسفّه أحلامهم، أو يتنقص عقولهم، حتى قال
الله تعالى: [وَلا تَسُبُّوا الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ]
[الأنعام: ١٠٨] مع أن آلهتهم أموات غير أحياء، لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني
عنهم شيئاً، ولكن في سبها قدح في عقولهم وأعمالهم، وقد حكى الله تعالى حالته
معهم بقوله: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ] [آل عمران: ١٥٩] ، وهكذا كان يوصي أصحابه عند دعوة الناس إلى
الإسلام، فقد قال لمعاذ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وفي
رواية: (إلى أن يوحدوا الله) . وقال لعلي ﵁: (ثم ادعهم إلى الإسلام،
وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً
واحداً خير لك من حمر النعم) . وفي حديث (بريدة) في الوصية لأمير الجيش،
أمره أن يبدأ بالدعوة إلى الإسلام، ثم إلى بذل الجزية، وهو دليل على ما جبل الله
تعالى نبيه عليه من الرحمة بالخلق، وحبه لدخولهم في الإسلام بالطرق السلمية؛
حيث لم يكره أحداً على الدخول في الدين، وإنما دعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهكذا فعل أصحابه والمؤمنون من أمته، قديماً وحديثاً، فقد ظهر حسن معاملتهم
مع المعاهدين والذميين، مما حمل الكثير على اعتناق الإسلام، فكانوا يوفون
بالعهود، ويؤمّنون المستأمن حتى يسمع كلام الله، وقد ذكر العلماء في أحكام أهل
الذمة تحريم الظلم والعدوان، والإضرار بالذميين، ووجوب الرفق بهم في الدعوة
إلى الله، وحسن معاملتهم التي تجلب لهم الدخول في الإسلام. وضرب المسلمون
أروع الأمثال قديماً وحديثاً في الرحمة بالخلق، ولين الجانب، واللطف في القول،
واجتناب الإغلاظ والفظاظة؛ والقصص عنهم في ذلك كثيرة مشهورة في كتب
التأريخ والتراجم، فمن طلبها وجدها.
١٨- تعيش قاعدة: (هجر المبتدع) بين نظرين: نظرٍ يجنح إلى تطبيقها دون
مراعاة قاعدة: (المصالح والمفاسد) ، وآخر يترك تطبيقها بالكليّة فما ضوابط تطبيق
هذه القاعدة؟
جواب: أرى أن الأمر وسط بين هذين النظرين، فإن الهجر يجوز للمصلحة؛ وذلك أن العاصي والمبتدع إما أن يكون معانداً مصرّاً على الذنب والبدعة، لا
يتأثر بالوعظ، ولا يقبل النصح، بل يرى صحة ما هو عليه، ويعتقد خطأ من
نصحه عن ذنبه، سواء كان الذنب مكفراً أو مفسقاً، فمثل هذا أرى هجره والابتعاد
عن مجالسته وموالاته؛ لعموم الأدلة في تحريم موالاة الكفار، كقوله تعالى: [لا
تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] [المجادلة: ٢٢]
الآية، والمودة هي المحبة والكرم، وقوله تعالى: [تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَذِينَ
كَفَرُوا] [المائدة: ٨٠] إلى قوله: [وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِ
مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ] [المائدة: ٨١] ، وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا
آبَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ] [التوبة: ٢٣] فالنهي عن
التولي أمر بالهجر والإبعاد، والمقاطعة للأقارب، فضلاً عن الأباعد، وذلك أن
إكرامهم وتقريبهم، ومجالستهم، مع إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان،
يعتبر إقراراً لأفعالهم، وفيه دعوة لغيرهم إلى تقليدهم واتباعهم؛ حيث لم يلقوا من
المؤمنين إلا المودة والتقريب، والله قد نهى عن مودتهم، وجعل من والاهم مثلهم،
بقوله: [وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ] [المائدة: ٥١] أما إن كان العاصي أو
المبتدع متأولاً ويعتقد أنه على صواب، فإن الواجب دعوته، وبيان الحق له،
وتأليف قلبه وتقريبه، وكثرة نصحه، وتخويفه وتحذيره، من غير مبادرة إلى
الهجر الذي يكون مُنفّراً له عن الخير، ومبعداً له عن مجالس الذكر والعلم، سيما
إذا كان هجره وإبعاده يسبب اختلاطه بالأشرار، وامتزاجه بهم، ورسوخ المعاصي
في قلبه وابتعاده عن أهل الذكر والخير والعلم النافع؛ مما يسبب قسوة قلبه،
وانصرافه عن أهل الفضل والعلم، واعتقاده فيهم التنفير والغلظة والشدة، فمثل هذا
متى هجر واستعملت معه القسوة لأول مرة نتج عن ذلك بغضه للصالحين، ونفرته
من مجالستهم، واعتياضه عنهم بالأشرار، وإحسانه الظن بهم، لما يجد منهم من
التقبل والترحيب والتشجيع؛ وهكذا إذا كان العاصي معترفاً بذنبه، مقراً بسوء فعله، قد غلبت عليه نفسه الأمارة بالسوء، وكذا من يجالسه ويعمل معه من السفهاء؛
فإن ذلك يحدث كثيراً من بعض الجهلة، فأرى أن هجرهم مبدئياً مما ينفرهم،
ويسبب منهم التمادي في الغي والضلال، فمن المصلحة تقريبهم وتكرار نصحهم،
وتخويفهم، وترغيبهم في التوبة والإقلاع عن الذنوب، سيما إذا وجدت منهم الرقة
والتقبل، والوعد الحسن. وقد يجوز الهجر للعاصي إذا عُلم أن الهجر يؤثر فيه،
ويسبب إقلاعه عن المعاصي حيث إن هناك الكثير من العصاة يقع منه الذنب
الصغير أو الكبير، بلا حاجة ولا دافع نفسي، كحلق اللحية والإسبال، والتكاسل
عن الصلاة، وسماع الأغاني، وتعاطي الدخان أو الخمر، وهو مع ذلك متأول،
أو متساهل، فمتى هجره أبواه وإخوته وأقاربه، ومقتوه، وطردوه، تأثر لذلك،
وعرف خطأه، وكذا إن كان الهاجر له يعز عليه، كأصدقائه وأحبابه، فكثيراً ما
يحدث أن يتوب بعد الهجر، ويقلع عن العادات السيئة، فإن كان الهجر لا يزيده إلا
تمادياً في السوء، وعملاً للمعاصي، فالمصلحة تقتضي تقريبه، فذلك أخف للشر،
وأقل للعصيان، والله المستعان.
١٩- كثرة الواجبات أشغلت بعض الدعاة عن بيته، لا سيما إذا كان مشغولاً
بما هو فرض كفاية مما يرى أنه متعين في حقه: فهل له في هذا عذر مع اعتبار
المصالح والمفاسد في كلتا الجهتين؟
جواب: لا يجوز للإنسان أن يتقبل من الواجبات والأعمال ما هو فوق طاقته، بحيث يشغله عن الحقوق المتحتمة عليه لله أو لعباده، وقد قال النبي -صلى الله
عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو بن العاص: (فإن لجسدك عليك حقاً وإن لعينك
عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً وإن لزَوْرك عليك حقاً) [١] والحق الذي لزوجه،
هو الأنس والمجالسة الكافية، والعشرة الطيبة، وقضاء الوطر، والمبيت المعتاد،
ولا شك أن ذلك لا يستغرق جميع وقته، ففي إمكانه أن يقوم بواجبه الوظيفي،
ومنه الدعوة إلى الله تعالى، وزيارة الإخوان، وأداء الواجبات الدينية، ومنه
الإتيان بما يقدم عليه في نهاره أو ليله من فروض الكفاية، سيما إذا رأى غيره لم
يقم بها، وأصبحت متعينة في حقه، ولو كانت تحتاج إلى سفر بعيد أو قريب،
كالمحاضرات، والندوات، والنصائح، وتغيير المنكرات، والأمر بالمعروف،
وإبداء الآراء والاقتراحات عند من يقبلها؛ وذلك لما فيها من المصالح العامة
للمسلمين، وما فيها من نصرة الدين، وقمع العصاة والمنافقين، ومع ذلك كله فلا
يهمل أهله وذريته، فقد ورد في الحديث: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يمون)
وفي لفظ: (أن يحبس عمن يمون قوته) ، وعليه أن يقنع أهله وزوجاته بما يحصل
لهم من نفقة، أو إقامة، إذا تحتم عليه السفر أو الانشغال، والله أعلم.
٢٠- ما الشروط المعتبرة للشهادة بعدالة الرجل؟ وهل يمكن الاكتفاء فيه
بقول معدل واحد؟
جواب: تكلم العلماء في الجرح والتعديل بالنسبة لرواة الحديث، وأطالوا في
شروط العدالة في كتب المصطلح، وكتب الرجال، وذكروا أنه لا يقبل قول كل
جارح أو معدل؛ حيث إن هناك من يتكلم في الرجال بغير علم، فيجرح أو يعدل
بمجرد الظن والتخمين، وكذا من يتكلم لمجرد الهوى، فيجرح من يبغضهم أو
يعاديهم، ويعدل من يواليهم، ويعرف ذلك بمخالفته لغيره، فكثيراً ما ينفرد البعض
بتعديل الراوي، بينما بقية الأئمة جرحوه وطعنوا في روايته، ولا شك أن الكلام
في الرجال المسلمين، سيما بعد موتهم، له خطره، وخصوصاً من عُرف بالدين
والعبادة، والصلاح والاستقامة، وعرفت مكانته عند الأمة، وظهر له ذكر حسن،
ولسان صدق، فإن الكلام فيه من غير تثبت ذنب كبير، وقد قال النبي -صلى الله
عليه وسلم-: (لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) رواه البخاري
وغيره. وقال: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) رواه أحمد وغيره.
ومتى كان الكلام في الأموات لمجرد الهوى أو الحسد فإنه يكون طعناً في
الجارح نفسه؛ حيث إن المجروح قد اشتهر علمه وفضله، وانتشر بين الناس ذكره
الحسن، والثناء عليه.
أما إن كان المجروح ضعيف الحديث، وقد تصدى للرواية، فدخل في حفظه
خطأ، أو خلل، أو نقل ما ليس بصحيح، فإن الكلام فيه متعين على من عَرَف ذلك، مخافة الانخداع برواياته ونقوله، وهي غير صحيحة، ولذلك كان الإمام أحمد
والبخاري ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم يتكلمون في المحدثين،
ويذكرون ما فيهم من الجرح والطعن، وذلك من باب النصيحة للأمة، لا من باب
التنقص لهم، ولا يكون غيبة؛ لأنهم يذبّون عن سنة رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-، وينقّونها مما دخل فيها؛ فلو سكتوا لاشتبه الصحيح بالضعيف والسقيم،
ولم يفرق بين نسر وظليم، فهم مأجورون على كلامهم؛ ولأن أولئك تدخلوا في
رواية الحديث بغير أهلية، فوجب بيان حالهم بدون تعصبٍ أو هوى، والله أعلم.
٢١- ما توجيهكم لطلاب العلم الذين اشتغلوا بالجرح والتعديل في بعضهم وفي
بعض العلماء والأشخاص دون أن يأخذوا للأمر عدته ومتطلباته؟
جواب: لحوم العلماء مسمومة، أي غيبتهم والقدح فيهم يردي من تسرع
وطعن في علماء الأمة، ويتوجه الطعن والعيب عليه حتى يهلكه هلاكاً معنوياً؛
وذلك لأن علماء الأمة الإسلامية قد حَمّلهم الله هذا الدين، واختارهم لحمل كتابه
وسُنّة نبيه، وذلك شرف وفضيلة تميزوا بها عن غيرهم، وقد عرف الناس قدرهم
ومكانتهم المرموقة، واعترفت الدول والرؤساء بفضلهم وتقدّمهم، وولّوهم المناصب
الهامة، وصدروا عن آرائهم وتقبلوا نصائحهم واقتراحاتهم، فهم يقومون بأمر
عظيم، ويتحملون عن الأمة عبئاً كبيراً، ولو قُدّر أن في بعضهم شيئاً من الخلل
والخطأ، فإنهم معذورون، فهم يعرفون ما لا يعرف غيرهم، ويقدرون للأمور
حسابها، وليس في استطاعتهم ولا غيرهم إصلاح كل فاسد، ولا رد كل شارد،
ولكن بعض الشر أهون من بعض، وقد يظن بهم بعض العامة التساهل والتغاضي
عن الشرور الظاهرة، والمنكرات الموجودة، ويعتقد أنهم سكتوا عنها وأقروها،
والواقع أنهم قد قاموا بما في الإمكان، ودافعوا عن الأمة والدين الإسلامي، ودفع
الله بهم الكثير من كيد الأعداء الحاسدين، ممن يحاول الطعن في ديننا، وإدخال ما
يفسد القلوب، من الشرور والأضرار والفتن، فالعلماء يبذلون الجهد في الدفاع عن
الإسلام، والتخفيف من المنكرات، ولكن الشرور تتوافد وتتوارد من كل جهة،
فتغلب القوى الفردية، ويعتذر من خفف من شأنها، بصعوبة اجتثاثها، وبما في
بعضها من مصلحة أو خلاف ولو ضعيفاً يقتضي التساهل بها، ومع ذلك فالسعي
جاد في تقوية الحق ونصر الدين بقدر الاستطاعة، والله المعين، فعلى هذا من
اشتغل بالطعن في علماء الأمة الإسلامية أو في بعضهم فقد أساء العمل، وجهل
الحال فيقال لهم:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا
فعلى طالب العلم أن يشتغل بنفسه، ويتفقد عيوبه، ويسعى في إصلاح نقصه، كما عليه أن ينكر المنكرات بقدر استطاعته، وأن ينصح العلماء ويرشدهم إلى ما
يراه الأصلح للحال والمستقبل، ويتصل بكل من رآه مخلاً بشرط، أو واقعاً في
خلل، ويبدي له اقتراحه، ويقبل عذره، ويعترف بما يراه من الرأي السديد،
وينصح الشباب وطلبة العلم بعدم الخوض في أعراض العلماء، والميل أو التّحيّز
إلى جهة أو طائفة لمجرد تعصب أو هوى في نفس، وبذلك تصلح الحال، وتجتمع
الكلمة، وتقوى معنويات المسلمين، ويوجهون قوتهم إلى أعداء الدين في البعيد
والقريب، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله
على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 2939
فتاوى أعلام الموقعين
في رمضان: أيهما أفضل:
العمرة أم التصدق ؟
تختلط الأمور على كثير من الناس في مواسم الخير، فيحارون في التفاضل
بين الطاعات، حتى إن بعضهم يقدم المفضول على الفاضل، أو المستحب على
الواجب وأحياناً يقع الحرج عند بعض الناس في فعل بعض الطاعات، تورعاً من
المخالفة فيضيع عليهم الأجر والثواب. وأحياناً أخرى ينصرف الناس إلى عمل
يرونه حسناً في وقته في حين أن غيره أحسن منه [*] .
وهنا سؤال ورد إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن لونٍ من تلك
التساؤلات التي تتكرر موسمياً وقلما يسأل الناس عنها أهل الذكر. يقول السائل:
هل الأفضل لي والأكثر أجراً خلال شهر رمضان المبارك الذهاب لمكة
المكرمة للمكث فيها بضعة أيام لأداء العمرة والصلاة والعبادات الأخرى، أم أتصدق
بتكاليف ذلك مالياً في أوجه البر المتعدي نفعها، علماً بأنني من سكان مدينة الرياض، والله يرعاكم ويحفظكم؟
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنه إذا كان بإمكانك أن تجمع بين
الأمرين المذكورين في السؤال فهو أفضل وأعظم أجراً؛ لما في ذلك من كثرة
الأعمال الصالحة والتقرب إلى الله بنوافل الطاعات. أما إن عجزت عن الجمع بين
الأمرين وقد أديت فريضة الحج والعمرة وظهر لك حاجة الفقير واضطراره فإنك
تقدم الصدقة على نافلة العمرة؛ لقول الله : [فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ (١١)
وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا
مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ] [البلد: ١١- ١٦] ، ولأن نفع الصدقة يتعدى
لغيرك مع حصولك على الأجر العظيم والثواب الكثير، ولما في الصدقة من التكافل
والتآزر بين المسلمين وسد حاجة معوزهم وإعانته على أمور دينه ودنياه.
وبالله التوفيق،
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم..
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
نائب الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
... عضو: عبد الله بن عبد الرحمن الغديان
... ... ... ... ... عضو: صالح بن فوزان الفوزان
... ... ... ... ... ... عضو: بكر بن عبد الله أبو زيد
стр. 2940
تأملات دعوية
أيها المربّون: لكل مقام مقال
عبد الله المسلم
لقد كان رحيماً رفيقاً. يحدثنا عن رأفته ورحمته أحد الشباب من أصحابه؛
فعن مالك بن الحويرث قال: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة
متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألَنا عمن تركْنا
بعدنا فأخبرناه، قال: (ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وذكر
أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة
فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) [١] .
لكن حين يتطلب الأمر الحزم فإن الحال يختلف؛ وقد كان -صلى الله عليه
وسلم- كذلك، ففي موقف آخر يأتيه شاب من أصحابه شاكياً له ما أصابه من
المشركين، وقد بلغ به الأذى والشدة كل مبلغ وهو خباب بن الأرت فها هو يروي
الموقف فيقول: أتيت النبي ﷺ وهو محمر وجهه، فقال: (لقد
كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه
ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك
عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما
يخاف إلا الله) [٢] .
وها هو في موقف آخر أيضاً مع أحد الشباب، فعن أسامة بن زيد بن حارثة
﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من
جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً
منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته
برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ قال:
فقال لي: (يا أسامة! أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟) قال: قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوّذاً، قال: (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟) قال: فما زال يكررها
عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [٣] .
لقد كان ﷺ يضع لكل موقف ما يناسبه؛ ففي الموقف
الأول: شاب يأتي إليه من أصحابه، وهو في آخر أيامه ﷺ
فإن غادره لن يلقاه أخرى حتى يموت، وهي فرصة للتعلم والاستزادة لن تتكرر في
حياته، لكنه لرحمته ورفقه ﷺ لم يؤكد عليه البقاء والاحتساب
لطلب العلم بل لصحبته ومجالسته.
بل إن الأمر يتجاوز ذلك كله ليبادر هو، ويدرك ما في نفوسهم دون أن
يطلبوا هم منه ذلك، فيبادرهم آمراً إياهم أن ينصرفوا إلى أهلهم.
وفي الموقف الثاني: يأتيه شاب غض الشباب يشتكي إليه شدة الأهوال التي
لقيها من المشركين، فيحمر وجهه ويغيّر جلسته.
ولربما يتصور بعض الناس أنه كان من الأوْلى في الموقف الأول الحزم،
وتعويد الشاب على الجدية في طلب العلم، وتحمل الغربة وشدتها، والتعاطف في
الموقف الثاني مع هذا الذي تعرض للأذى وجاء يسأل النبي ﷺ
الدعاء.
لكنه ﷺ الحكيم والمربي، الذي يضع لكل مقام ما يناسبه. فما أجدر من يقتدي به من المربين أن يضع الحزم في موضعه، وأن يضع
التعاطف والرفق في موضعه.
стр. 2941
نص شعري
المسجد الأقصى.. نجوى وحنين
بقلم: د. عدنان النحوي
أنا المسجدُ الأقصى! وهذي المرابعُ ... بقايا! وذكرى! والأسى والفواجعُ
لقد كنتُ بين المؤمنين وديعةً ... على الدهرِ ما هبّوا إليّ وسارعوا
يضمّون أحناءً عليّ وأعْيُناً ... وتحرُسني منهم سيوفٌ قواطعُ
زُحوفٌ مع الأيّام موصُولةُ العُرا ... فترتجّ من عزْم الزّحوف المرابعُ
وعَهْدٌ مع الله العليّ يشدّه ... يقينٌ بأنّ المرء لله راجعُ
فما بالُ قومي اليوم غابُوا وغُيّبوا ... وما عادَ في الآفاقِ منهم طلائعُ
وما بال قومي بدّلوا ساحة الوغى ... فغابَتْ ميادينٌ لهم ومصانعُ
وما بَالُهُمْ تَاهوا عن الدرب وَيْحَهمْ ... فجالتْ بهم أهواؤهم والمطامعُ
فغاب نداءٌ ما أجلّ عطاءَه ... تتردّده في كل أفْقٍ مجامِعُ
وكانتْ ميادينُ الشهادة ساحَهم ... فصار لَهُمْ ملءَ الدّيار مَرَاتعُ
وفي كلّ يومٍ مَهْرَجانٌ يَضُمّني ... وتندبني بين القصيد المدامِعُ
فأصبحْتُ، يا ويحي، أَحاديثَ مجلس ... وأدمعَ بكّاءٍ حوتْه المضاجِعُ
وكان يُدوّي في الميادين جولةٌ ... فصار يدوي بالشعارات ذائعُ
ففي كلّ يومٍ، وَيْحَ نفْسي، مَسارحٌ ... تُدَارُ وأهواءٌ عليها تَنَازَعُ
تُدارُ خُيوطُ المكر خَلْفَ سِتَارها ... وتُعْلَنُ آمالٌ عليها لوامِعُ
ويَطْوِي عَلى هُونٍ أسايَ وذِلّتي ... شعَارٌ يُدوّي أو أمانٍ روائعُ
تُمزّقُ أوْصالي وتُنْزَعُ مُهْجتي ... ويطلب نصرٌ والديار خواضِعُ
يقولون (تحرير) ويُجْرون صَفْقَةً ... عليها شهودٌ ضامنون وبائعُ
يقولون (تقرير المصير) وإنه ... لِتَدمير آمال: فمعْطٍ ومانعُ
يفاوضُ فيه الشاةَ ذئبٌ وثعلبٌ ... وقد مَهّدَتْ عَبْر السنينَ الوقائعُ
يقولون: أهلُ الدار أدرى بحالها ... وأين همُ؟ ! إني إلى الله ضارعُ
وأهلي! وما أهلي سوى أُمّةٍ لها ... من الله عزمٌ في الميادين جامعُ
وصفّ يشدّ المؤمنين جميعَهمْ ... كأنّهُمُ البُنْيانُ: عالٍ ومانِعُ
إذا لم تقمْ في الأرض أمّة أحمدٍ ... فكل الذي يُرْجَى عَلى الساح ضائعُ
حنانيكَ يا أَقْصَى! حنانَيكَ كُلّما ... خَطَرْتَ وشدّتني إليك النوازعُ
فيافٍ ترامت بَيْنَنَا ومَسالِكٌ ... تُسَدّ وأشواقٌ إليك تصارعُ
تَمُرّ مع الذّكرى لتوقظ أمّةً ... وحولك غافٍ لو علمتَ وقابعُ
أُطأطئ رأسي ما خطرت وأنثني ... وطرفيَ من هُونِ المذلة خاشِعُ
وأُصغي! ونجْوى البرتقال تهزّني ... ووشوشة الزيتون منكَ قوارعُ
يعيدُ لنا العُتْبى حنينٌ مرجّعٌ ... يردّده فيك الحمامُ السواجعُ
فيا أيها الأقصى أنينك موجع ... تهيج به بين الضلوع الفواجعُ
حنينك أصداء العصور ولهفةٌ ... فصبراً وما يدريك ما الله صانعُ
رجعتُ! فناداني! وعدتُ لكي أرى ... على جانبيه دمعة تتدافعُ
وقال: إبائي يحجز الدمع كلّه ... ولكنّ حزني اليوم طاغٍ ودافعُ
جَرَتْ دَمْعة في الأرض مِنهُ فَأوْقَدتْ ... عزائمَ أجيالٍ وزحفاً يُتابعُ
فَلَسْطِينُ حقّ المسْلمين جَميعِهم ... وهذا كتابُ الله بالحقّ سَاطِعُ
стр. 2942
قراءة في كتاب
نهضة أمة.. كيف نفكر استراتيجياً؟ `
عرض: وائل عبد الغني
المؤلف: لواء أركان حرب: د. فوزي محمد طايل.
طبعة: ١، سنة ١٤١٨هـ ١٩٩٧م.
الناشر: مركز الإعلام العربي القاهرة.
عدد الصفحات: ٤١٢ صفحة، قطع كبير.
تدور فكرة الكتاب الرئيسة باعتبارها دراسة استراتيجية حول حال الأمة
الراهن، وكيفية الخروج منه، ومحاولة وضع أسس للنهضة من خلال الاجتهاد في
وضع منظومة قيم عليا مستنبطة من الكتاب والسنة، مع بيان الفرق بينها وبين
القيم الغربية المقابلة لها في الصراع الدائر اليوم والتي يفرضها النظام العالمي
الجديد، وبيان مدى التضليل الذي يمارس في التقريب بينها وبين قيمنا الإسلامية.
لذلك كان لا بد من التفصيل في كلّ من القيم، والنظام العالمي الجديد وآلياته
وأساليبه التي يراد من ورائها تغييب الوعي وإخماد روح المقاومة في الأمة.
والكتاب الذي أهداه مؤلفه إلى النخبة من أهل العلم من المؤمنين وأهل
السلطان يتكون من أبواب خمسة:
الأول: مصادر الأحكام ومراجع الفكر.
الثاني: منظومة القيم الإسلامية.
الثالث: إرهاصات النظام العالمي الجديد.
الرابع: النظام العالمي الجديد.
الخامس: أساليب وآليات إقامة النظام العالمي الجديد.
الباب الأول: ينقسم إلى فصلين:
الأول: يتحدث فيه عن مصادر الأحكام ومراجع الفكر، وأنها منحصرة في
الكتاب والسنة؛ فالقرآن لأنه حق اليقين وما سواه ظنّي؛ فله تخضع كل العلوم؛
والسنة لأنها مصدر مكمل ومبين للكتاب صدرت من أعلم خلق الله تعالى بالقرآن.
الفصل الثاني: ينفي فيه وجود مصادر نقلية أخرى للأحكام والفكر، ويخلص
إلى كون الإجماع مصدر مستقل بشروطه.
ويعتبر الاجتهاد الفكري فريضة تمليها المستجدات والنوازل، وهو ينطلق في
الإسلام من نقطة تمثل مفرق طريق مع المناهج الأخرى؛ وهي حكمة الخلق
واستخلاف الإنسان في الأرض على المنهج السماوي. وتظهر أهمية الاجتهاد
الفكري في كونه النهج الذي يحفظ للأمة القدرة على التطور والتعامل مع متغيرات
الزمان والمكان، والاستعداد لمواجهة الأمور المستقبلية.
وعلى الرغم من وجوب سير المجتهد خلف النص وفي إطاره إلا أن الاجتهاد
يظل عملاً إنسانياً تحده القدرة العقلية للمجتهد الذي قد يفتح الله له بفهمٍ لا يتيسر
للآخرين.
ولا يعني وصول المجتهد مرتبة من العلم مهما علت أنه الأقدر دائماً على
بلوغ الصواب في كل المسائل، وهذا لا يعني أبداً أن يتصدر للاجتهاد من لم
يستجمع آلته وأهليته؛ لأن الأمر مزاج بين علمٍ مكتسب وملكة هي منة يختص بها
الله من يشاء من عباده. ويبرز وفق هذا حاجة الأمة إلى تصور اجتهادي شامل
للأمور (فكر استراتيجي شامل) ، خاصة مع كثرة المستجدات واتساع المعرفة
والتطور السريع.
واقترح أن يتم الاجتهاد على مستويين:
الأول: فردي؛ يتيح المجال أمام المجتهدين.
والثاني: باجتماع العلماء الذين اجتهدوا في كل مسألة بعينها لحسم ما يمكن
حسمه من مسائل الخلاف، وبهذا تتوافق آراء الأمة حول القضايا الاستراتيجية.
وقد حاول المؤلف أن يقدم من خلال تجربته هذه محاولة للفكر الاستراتيجي
الإسلامي، والتي نحتاج إلى تفعيلها، وحدد أسباب التخلف في أربعة أمور هي:
١- انفصال الأمة عن شرعة الإسلام ومنهاجه، وضعف الإيمان في النفوس.
٢- عدم وضوح منظومة القيم الإسلامية في النفوس واختلاطها بغيرها من
القيم الفاسدة.
٣- عدم وجود أي فكر استراتيجي إسلامي شامل يتعامل مع المستقبل.
٤- تغييب إرادة التغيير والنهوض بل والإرادة بشكل عام.
لذا لا بد للأمة أن تجتمع على منظومة قيم عليا مستنبطة من الكتاب والسنة.
وهي كما يراها: العلم، والإيمان، والعمل، وتكريم الله للإنسان، ووحدة
الأمة، والعدل، والشورى.
وهي موضوع الباب الثاني:
ويعني بالقيم جمع قيمة الأمر المعتدل في الوضع الأمثل.. ولم يُصنّف أحد
من العلماء من قبل في هذا الباب بذاته؛ لأن القيم الإسلامية هي الدين كله وعليها
يقوم المجتمع الإسلامي.
هذه القيم ثابتة بثبات مصادرها، ويتفرع عنها قيم أخرى حاجية وتحسينية.
وأول هذه القيم: العلم؛ إذ به كُرّم آدم واستخلف في الأرض.
ويبرز أثر العلم في بناء الأمم والحضارات، مع كون الإسلام يتضمن المبادئ
العامة والأسس التي تحكم العملية التربوية والتعليمية والبحث العلمي، ثم يحاول بعد
ذلك رسم سياسة عامة للتعليم في بلاد المسلمين.
والقيمة الثانية: كما يراها: الإيمان. لأن مطلق الإيمان بشيء ما يعد قيمة
عليا عند غالب البشر، وعلى مقتضاه يتشكل الضمير الإنساني وتتشكل نظرته
لمناحي الحياة.
والإيمان بالله له مدخل محدد منضبط هو الإسلام. وعلى ذلك فهو مفرق
طريق بيننا وبين غيرنا في كل شعبه. وهو أمرٌ فطري بخلاف الفكر الغربي الذي
يعتبره مكتسباً من خلال الملكات العقلية.
وثالث هذه القيم: العمل الذي يمثل قاعدة لمثلث القوى الذي تستقر عليه
المنظومة العليا، وكثيراً ما يوصف العمل بـ (الصالح) في القرآن، ويتحقق به
استخلاف الإنسان في الأرض، وتكتمل به عبادته؛ لارتباطه الوثيق بالإيمان؛ فهو
ليس أمراً مادياً بحتاً، وبهذا يتميز كقيمة إسلامية عليا.
وليحقق العمل نتائجه المرجوة فلا بد من التعليم والتنشئة والانتقاء لتحقيق
أعظم المكاسب للأمة.
وهو متميز في الإسلام؛ لأنه يبدأ من سن التكليف ولا ينتهي إلا بالموت،
وبهذا يتحدد وعاء العمل في الأمة ككل في أثناء التخطيط. ولا يمكن أبداً إهدار
دور النساء لاعتبارهن شقائق الرجال؛ فللمرأة دورها الذي خصها الله به وفق
طبيعتها، وهو بين الندب والكفاية والتحريم، والحل فيما وراء ذلك.
ويستكمل خريطة العمل في هذا المجال بتحديد أهلية التكليف بالعمل (العلم
والكفاءة) وشروط الترقية، وطريقة التعاقد، وطريقة تحديد الأجر على الكفاية لا
الكفاف، والتوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة مع تجنب المحرمات،
ودور التخطيط في مراعاة ذلك في توجيه العمل الذي يعد عبادة كالصلاة؛ لذا تعد
إقامة الشعائر جزءاً من خطة التنمية.
أما القيمة الرابعة فهي تكريم الله للإنسان، وهي هبة ربانية غير معلقة على
شرط ولا حتى الإيمان؛ لهذا فلا يجوز للإنسان التنازل عنها، ولا يجوز لكائن من
كان أن يجرد منها إلا أن يشاء الله [وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ] [الحج: ١٨] .
والتكريم ليس من قبيل الحقوق التي تُرتّب للإنسان مقابل التزام يلتزم به؛ بل
هو من قبيل السنن الإلهية.
وللشارع الحكيم في تكريم الإنسان مقاصد خمسة هي: حفظ العقل، والدين،
والنفس، والعرض، والمال.
أما التطابق بين تكريم بني آدم وبين فكرة حقوق الإنسان فمزعوم؛ لأن الثانية
قائمة على افتراض الخصومة بين الفرد والدولة؛ لذا فهي مجرد دفاع سلبي عن
الأفراد دون تقديمهم لأي مقابل؛ مع أن المفترض أن يقدموا الواجب ليكون مسوغاً
لطلب الحق.
كما تقوم على فكرة المساواة التامة التي تجافي العدل لا سيما أن فكرة المساواة
كانت من صنع اليهود ليدفعوا عن أنفسهم الاضطهاد الأوروبي.
وتستخدم حقوق الإنسان اليوم كوسيلة ردع وتدخل وإكراه من قبل الدول
الأقوى، وأداة للضغط المعنوي لإجبار الدول الضعيفة على انتهاج سياسات داخلية
وخارجية بعينها وإلا تعرضت للعقوبات.
ثم فنّد مخاطر هذه الفكرة على المجتمعات.
أما القيمة الخامسة فهي وحدة الأمة، وهي فريضة معلومة من الدين
بالضرورة. وللأمة أربعة أبعاد لا ينفصل أحدها عن الآخر هي:
١- بعد عقدي: وهو الأصل والمعيار.
٢- بعد إقليمي: يجعل كل الأرض التي سرت عليها أحكام الإسلام يوماً من
الأيام أرضاً إسلامية.
٣- بعد شخصي: يدخل في الأمة كل من دخل في الإسلام.
٤- بعد تاريخي: يفيد استمرارية وجود الأمة دون انقطاع.
ومما حبا الله هذه الأمة من مقومات الوحدة:
١- حفظ الله لكتابه.
٢- التواصل التاريخي والجغرافي لهذه الأمة.
٣- وحدة المصلحة العليا التي تتمثل في إقامة الدين، والدعوة المستمرة إلى
الله، والجهاد الذي لا يفتر إلى أن تقوم الساعة حتى تكون كلمة الله هي العليا.
٤- الحب والود والرحمة الذي جعله الله في قلوب المؤمنين بعضهم نحو
بعض.
٥- وحدة الخطاب القرآني في الأحكام.
وبهذا فإن المجتمع المسلم لا يعرف صراعاً بين السلطة والأفراد، ولا يعرف
الحزبية؛ ولذا ينبغي عدم الخلط بين الحزب السياسي والمذهب الفقهي.
وتقتضي وحدة الأمة عدم جواز إقامة حواجز سياسية تفرق بين المؤمنين؛
لأن الوحدة من الثوابت والفرقة حديثة عهد، وليس للمتغير أن يمحو الثابت.
سادسة القيم: العدل: وهي قيمة لا يمكن لإنسان أن ينكر علوها وإنما
الاختلاف في (ماهية العدل ومعياره) . والعدل باعتباره قيمة فريضة معلومة من
الدين بالضرورة لا تستقيم الحياة إلا بها؛ لذا جعل الله إقامته أمانة، وأعان على
ذلك بالقوة. ويختلف معيار العدل في الإسلام كثيراً عن معياره عند أهل الكتاب؛
لأنه يشمل عندنا العدو والصديق، ولا اعتبار للصلات أو للمكانة الاجتماعية، وقمة
العدل هي في الحكم بما أنزل الله. ويختلف العدل عن المساواة؛ لأن البشر
متفاضلون.
ومن العدل الموازنة بين مصلحة الفرد والمجتمع. وإقامة العدل شعيرة ينبغي
أن تُنصب لإقامتها مجالس القضاء، ويكتمل دورها بالحسبة التي تحول دون وقوع
الظلم والاعتداء، أما الحضارة الغربية فكثيراً ما تلبس الظلم لبوس العدل.
سابعة القيم: الشورى، وهي واجبة الأداء؛ لأنها الطريقة التي شرعها الله
تعالى لصنع واتخاذ القرارات في كل المستويات، ولها مراحل ثلاث هي:
١- مرحلة صنع القرار من خلال الصفوة (أهل الحل والعقد) .
٢- مرحلة اتخاذ القرار (من المسؤول) (أي: العزم) .
٣- مرحلة التنفيذ بعد استنفاد الجهود، والأخذ بالأسباب، مع التوكل على الله، وهذا مستنبط من آية الشورى.
وتتميز في الإسلام من حيث موضوعها: وهو ما لا نص فيه، ومن حيث
مرجعيتها: فإلى منظومة القيم الإسلامية؛ وهي أوجب في القرارات المصيرية مثل
تنصيب الولاة والحكام.
ومن تميز الشورى مباينتها التامة للديمقراطية التي صارت بضاعة بالية تحمل
من العيوب ما لا يمكن لمؤمن قبوله، وما نجاحها في الاستيلاء على ألباب بعض
المفكرين في أمتنا إلا لأنهم [يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ] [الروم: ٧] .
وفي ختام الباب يرى المؤلف استحالة التنمية الشاملة دون بذلٍ لجهد وأخذٍ
بالقوة مع ما آتانا الله تعالى من الكتاب والحكمة، والتوكل على الله الذي يداول
الأيام بين الناس.
وفي الباب الثالث: يتناول المؤلف إرهاصات النظام العالمي الجديد، من
خلال أربعة محاور. فأشار ابتداءً إلى غموض مصطلح النظام العالمي الجديد،
وأنه قائم على فكرة عقدية (يهودية نصرانية) تقتضي تهيئة الأرض بالسلام لقدوم
المسيح المخلص! وهي فكرة استراتيجية لا يمكن فصلها عن منظومة القيم والعقيدة
وأحداث التاريخ وواقع الجغرافيا.
ثم يعرض لتطور العلاقة بين الإسلام وأهل الكتاب منذ بعثة النبي -صلى الله
عليه وسلم-، وتطور الصراع حتى وصل إلى شكل حروب صليبية عقدية ممتزجة
بأهداف اقتصادية وسياسية تعكس مفهوم الفكر الاستراتيجي الصليبي الغربي.
ومع انتقال مركز الحضارة من الشرق إلى الغرب في منتصف القرن الثامن
عشر، أشار كثير من منظريهم في أدبياتهم إلى أن الحضارة الغربية (يهودية
نصرانية) أو بتعبير أدق (صهيونية صليبية) ، وهو ما يُشعر بأن الحركة الصهيونية
قد تحركت منذ وقتٍ مبكر (القرن السابع) سراً للتأثير في آباء الفكر الأوروبي،
وعملت إلى جانب ركوب موجة النهضة الأوروبية على هدم القوة الإسلامية آنذاك
المتمثلة في الخلافة العثمانية.
وإذا كان اليهود هم الذين نظّروا لليبرالية فإنهم هم مؤسسو الماركسية أيضاً.
ونتيجة لهيمنة اليهود على الحضارة الغربية منذ نشأتها فإن موجات العداء
للإسلام ودولته قد تزايدت؛ إذ استحدثوا لها مسمى جديداً هو (المسألة الشرقية) .
واستطاعوا هدم الخلافة من خلال الاختراق الداخلي لنظم الحكم والاقتصاد
والاجتماع، بالإضافة إلى اقتطاع أجزاء من أطراف الدولة وتشجيع النزعة
الانفصالية القومية في كثير من أقطار الدولة.
وقد لعبت روسيا منذ مطلع القرن العشرين دوراً بارزاً في هذه الجريمة.
ولكن الأخطر من هدم الدولة ذاتها نجاحهم منذ القرن (١٩) في تربية
(مجموعات معينة) ، وإيصالهم إلى مراكز القيادة في كل المجالات، وعلى جهود
هؤلاء ومن تخرج على أيديهم تم نشر العلمانية والماركسية في آن واحد من أجل
طمس الهوية الإسلامية.
وبعد أن نجح اليهود في الغرب والشرق نجحوا كذلك في حماية أقلياتهم بكل
الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية التي استخدمت في مناسبات مختلفة للتمكين
لليهود في البلاد الإسلامية.
وبانتهاء العصر الإمبريالي تبنت الحكومات في بلادنا نهج الاشتراكية،
فسارع اليهود بتحويل أموالهم إلى أوروبا وأمريكا.
الباب الرابع: يتحدث عن تكوّن هذا النظام من خلال ثلاثة فصول:
الأول: يتحدث فيه عن بدايات (الفكر الجيوبوليتكي) ويعني به: إعادة ترتيب
الأوضاع الجغرافية باستخدام القوة المسلحة لتتلاءم مع الأهداف السياسية لدولة مّا،
ثم يفرق بين كل من المحتوى الفكري للإمبريالية الأوروبية، وبين نظرية القوة
البرية الروسية، ونظرية البحرية الأمريكية التي بدأت ملامحها تظهر منذ نهاية
القرن (١٩) ، ويكشف التضليل الذي يُمارَس من خلال ترجمة لفظ
(Imperialism) على أنها (استعمار) وهي أبعد ما تكون عنه.
ثم يتتبع الخط التاريخي لكل من النظريات الثلاث السابقة عبر التاريخ التي
أدت إلى صراع أوروبي ثم أمريكي روسي انتهى بانتصار استراتيجية المواجهة
الأمريكية بالتفرد بالسيطرة على العالم، وإذعان أوروبا المبكر، وسقوط الاتحاد
السوفييتي في أوائل هذا العقد.
وفي الفصل الثاني يحدد معالم النظام العالمي الجديد، الذي تقوم فلسفته على
(فكرة الخلاص) التي ظهرت مبكراً.
والمتابع لنشاط الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة التابعة لها، والإقليمية
السائرة في ركابها، يدرك أن استراتيجيتها تسير قدماً نحو المجتمع العالمي الواحد
الذي تهيمن عليه القيم (الصهيونية الصليبية) والتي كان من أخطر أدوارها زرع
إسرائيل في المنطقة الإسلامية وما نتج عن ذلك من أحداث.
وفي الفصل الثالث يستعرض ما قبل النظام العالمي الجديد، وفصول الصراع
الأيديولوجي لليبرالية والماركسية، رغم خروجهما من رحم واحدة، وكيف أنهما
نقلا الصراع بينهما فيما يعرف بالحرب الباردة إلى مسرحين: الأول: في (الشرق
الأوسط) أو ما يطلق عليه دول (العالم الثالث) . وبعد أن حُلت (المسألة الشرقية)
كان اللعب على هذا المسرح هو الأخطر في حسم كثير من الصراعات مبكراً على
عكس الظاهر لصالح الولايات المتحدة والصهيونية العالمية، عن طريق: النفَس
الطويل، والتفكير الاستراتيجي، وتوظيف العملاء، واللعب بورقة الديون،
والخداع العلمي والعسكري، وصناعة الفعل ورده؛ كل ذلك أسهم إسهاماً بالغاً في
إنهاء الجولات لصالح أمريكا إما حالاً وإما مآلاً.
أما المسرح الثاني فكان في أوروبا، وقد مارست القوتان حرباً بالوكالة
حسمت لصالح أمريكا أيضاً، حتى استطاع كيسنجر (اليهودي) أن يعلن في ١٩٧٢ م عن نهاية اللعبة وبداية الانفراج، ومن ثم التوجه نحو النظام العالمي الجديد كي
تنشر قيمه وتزدهر، وهو ما عبر عنه (كلينتون) في حفل تنصيبه قائلاً: (إن
أمريكا تؤمن أن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً
مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا) .
أما الباب الخامس والأخير فذكر فيه المؤلف أهم وأخطر آليات وأساليب إقامة هذا النظام، وقسمه إلى فصول أربعة:
تحدث في الأول منها عن مؤتمر سلام الشرق الأوسط الذي رُوّج له عقيب
قيام النظام وانتهاء حرب الخليج مباشرة؛ وكان يهدف إلى تأمين المصالح الأمريكية
والإسرائيلية في المنطقة، من خلال جر العرب إلى مفاوضات حاصلها سراب.
وفي الفصل الثاني يتحدث عن النظام الشرق أوسطي الجديد، الذي يُستهدف
من ورائه اقتطاع الجزء الأكبر من الأمة الإسلامية وإلحاقها بإسرائيل لتصبح
بالنسبة لها مجالاً حيوياً وسوقاً وقوة مضافة إليها؛ ولتمتلك إسرائيل من ذلك دوراً
أكثر فاعلية على نطاق الحركة الكوكبية؛ باعتبارها والولايات المتحدة جناحي
الصهيونية العالمية، والفكرة وصناعتها كلاهما صهيونيتان على حين تقف الأمة
أمام ما يقع منها موقف المتفرج.
واستعرض المؤلف التصور الإسرائيلي لهذا المشروع وأهم الخطوات التي
اتخذت بهذا الصدد، وذكر أن الخطر على القيم مطرد مع حجم التكامل الاقتصادي.
ثم تناول المشروعين: الأمريكي، ومنافسه الأوروبي (البحر المتوسطي)
وأهداف كل طرف ومدى استجابة المنطقة لهما.
وفي الفصل الثالث: تناول آلية لا تقل خطراً عن سابقتها وهي مركزية
السيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال مجموعة من المنظمات الدولية، وعبر
سلسلة من الإجراءات والخطط الاستراتيجية التي من أبرزها:
إقامة تحالف بين الدول الصناعية الكبرى التي تتبع النظام الرأسمالي.
الهيمنة على الموارد العالمية وعلى النشاط البشري؛ بدعوى الحفاظ على
البيئة من التلوث.
إنشاء منظمة للتجارة العالمية؛ لإزالة العقبات أمام السيطرة المركزية على
الاقتصاد.
ضبط المواليد وإحياء نظرية (مالتس) للسكان بحجة الحفاظ على نتائج برامج
التنمية في الدول النامية من وطأة الزيادة السكانية.
أما الفصل الأخير: فتحدث عن الترويج لثقافة السلام كمظلة فكرية للهيمنة
الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهي تقوم على نزع طاقة التدافع الفطرية
الموجودة لدى البشر، وإعادة توجيه هذه الطاقة إلى أمور أخرى غير القتال، بل
ونزع كل ما من شأنه استثارة الميول نحو التدافع. ولكي تنجح هذه الفكرة فلا بد
من المضي قدماً في السيطرة على التسليح في العالم، بل إلى ما هو أبعد من ذلك:
هدم فكرة الدولة باعتبارها شراً.
هدم نظام الأسرة باعتباره الكيان الباقي الحافظ للقيم.
إزالة الخصومات والثقافة العقدية.
مكافحة ما يُسمى بالإرهاب الذي يعني تصفية أي قوى تقف في طريق
مشروعهم.
وفي الختام..
فإن الكتاب قد حوى أفكاراً لا تقل أهمية عما ذكرت، وفيما ذكرته إشارة إلى
غيره، وهو يعتبر إضافة ثرة جمع فيها المؤلف ﵀ المسائل الفقهية إلى
جانب السياسة الشرعية، وتفنيد حقائق الواقع والتاريخ مع إدراك عميق لما جرى
ويجري حولنا من أحداث في أسلوب سلس تستشعر فيه صفاء النظرة والحرص
على إظهار الحق واتباعه، ويمثل حصيلة وعيٍ غنية للصحوة الإسلامية بل
وللنخبة في بلادنا. ومما يزيد من أهمية الكتاب كون صاحبه ﵀ خبيراً
استراتيجياً على درجة عالية من التخصص العلمي وسعة الاطلاع.
غير أن هذا لا يمنعني من أن استدرك أمراً ذا خطورة لعله مرّ على المؤلف
دون أن يقصده لذاته؛ حيث قدّم في ترتيبه لمقاصد الشريعة حفظ العقل على حفظ
الدين، وسوّغ ذلك بقوله: (فلا يكره أحدٌ على دينه حفظاً للعقل) . ويؤخذ على هذا
الكلام كونه ليس له أصلٌ في الشرع؛ لأن نفي الإكراه في الدين لا يعني تقديم حفظ
العقل على حفظ الدين، وإلا لما جاز قتال الكفار لمجرد كفرهم، وفي الحديث:
(أمرت أن أقاتل الناس ... ) ، كما أن الله نفى العقل عن الكافرين، والمقصود به
هنا إدراك الحقائق، فإذا كان العقل معطلاً عن إدراك الحقائق على ماهيتها فهو فاسد
مهدر، فكيف يقدّم على الدين الذي هو سبب فلاح الدنيا والآخرة، كما أنه ثبت من
الشرع تقديم حفظ ما هو أدنى من الدين (النفس) عند إشراف النفس على الهلاك
بجواز تغييب العقل بشرب الخمر حفظاً للنفس، وأنه كما هو متقرر أن لا تناقض
بين العقل الصحيح والدين الحق الذي هو الإسلام، والحق المطلق مقدمٌ عند العقلاء. كما أن الخلاف بين أهل السنة منحصر في أولوية التقديم بين الدين والنفس مع
الاتفاق على تأخر العقل عنهما، ولعل المؤلف تردد في هذا المعنى؛ إذ ذكر بعدها
كلاماً ينافي ما ذكره هنا.
стр. 2943
المسلمون والعالم
غروب الحضارة الأمريكية
القرن الحادي والعشرون قرن الانحطاط الأمريكي
كمال حبيب
عندما كتب (توينبي) في الخمسينيات كتابه الضخم المعنون بـ (دراسة
التاريخ) اعتبر أن تأثير أمريكا في الحضارة الغربية يعتمد على أن القرن العشرين
هو (القرن الأمريكي) أو قرن الرجل العادي، أي: إن البسطاء من الناس
سيحصلون فيه على حقوقهم [١] .
وفي الواقع فإن أمريكا مع نهاية الحرب العالمية الثانية وفي منتصف القرن
العشرين أصبحت قوة عالمية تتمتع بثروة وازدهار لم تعرفهما أي دولة أخرى، كما
وصلت إلى أعلى مراتب القوة، ووسعت من مصالحها وتأثيرها إلى ما هو أبعد
كثيراً من حدودها، وارتبط صعود أمريكا باعتبارها قوة عالمية مهيمنة بإعادة هيكلة
توزيع القوة في العالم لصالحها، حيث سيطرت على (اليابان) القوة الآسيوية
الكبرى، وسيطرت على (ألمانيا) أقوى دولة أوروبية، وكان الاتحاد السوفييتي
(المنهار لاحقاً) لا يزال في مرحلة بناء قوته الاقتصادية، وكانت الدول المستعمَرة
في العالم في مرحلة (فراغ القوة) ؛ أي إن الصعود والهيمنة الأمريكية ارتبطت
بضعف القوى العالمية الأخرى لصالحها، لكن الأمر لم يكن مرتبطاً بانحطاط القوى
العالمية الأخرى وحسب، وإنما كان مرتبطاً أيضاً بتوافر عناصر القوة الأمريكية
الداخلية، فأمريكا في عام ١٩٤٩م كانت الدولة الأولى في متوسط دخل الفرد،
وكان الفرد الأمريكي هو الأعلى حيازة في العالم للسيارات والتليفونات، واستهلاكاً
للكهرباء، والأكثر نصيباً في الرعاية الصحية، كما كان الأمريكيون يشترون
٦أضعاف ما يشتريه غير الأمريكيين من ملابس وأحذية، ويستخدمون ٧٠% من السيارات، و٣٥% من الطرق، و٧٠% من الطائرات المدنية في العالم [٢] ،
وتسارع النمو الاقتصادي الأمريكي ٤٠ ضعفاًَ خلال الفترة من ١٨٧٠م ١٩٥٠م،
وتزايد عدد السكان من ٤٠ مليوناً إلى ١٥٠ مليون، وبعد الحرب العالمية الثانية
أصبحت أمريكا تنتج ٥٠% من مجمل الإنتاج العالمي للسلع والخدمات، وزاد
احتياطي رأس المال لديها من ٤٥ مليار، إلى ٨٩٥ مليار، واستطاعت أمريكا
تحقيق معجزة اقتصادية خلال الحرب فضاعفت الناتج المحلي الإجمالي لها من
١٠٠ مليار سنة ١٩٤٠م إلى ٢٠٠ مليار دولار عام ١٩٤٥م، وحققت أمريكا تفوقاً
لا يضاهى في الإنتاج الصناعي، كما احتكرت تقنية القنبلة النووية [٣] . وبدأت
أمريكا بصعودها تعبيراً عما يطلق عليه علماء الحضارات: (التداول الحضاري)
أي إن صعودها ارتبط بانهيار قوى أخرى دولية لصالحها؛ باعتبار أنه لا يوجد
دوام لسيطرة قوة دولية بشكل كامل على العالم، واعتبر أن ذلك أحد الثوابت
والسنن الاجتماعية (صعود وسقوط الحضارات) ، ولم تكن القوة الأمريكية تستند
فقط إلى القوة العسكرية والاقتصادية، وإنما استندت كذلك إلى نموذج حضاري بدا
مثيراً للنظر؛ فعلى سبيل المثال كتب (دانييل بورستاين) : (أن أمريكا لديها شيء
تعلّمه لكل الرجال ليس من خلال التوقع وإنما من خلال نموذج معاش تمثله فكرة
(التراضي العام الأمريكي) [٤] .
الانحطاط الأمريكي:
من منظور حضاري فإنه مع صعود قوة عالمية مهيمنة وحاكمة، فإن هذا
الصعود قد يحمل معه بذرة ضعفه التي لا تظهر للعيان؛ لأن القوة تخفي هذا
الضعف الكامن، وهذا هو ما حدث لأمريكا، وفي الواقع فإنه منذ العام ١٩٧١م
كانت هناك تصريحات لمسؤولين أمريكيين تؤكد الضعف الكامن في بنية الهيمنة
الأمريكية، وعلى سبيل المثال: فإن نيكسون قال عام ١٩٧١م في خطاب له من
البيت الأبيض: (هناك مشاكل خطيرة تواجه قوة الأمة الأمريكية، هي: البطالة،
وانخفاض إنتاج بعض الصناعات، وتصاعد التضخم، وتراجع الدولار، والعجز
الخطير في ميزان المدفوعات) ، ونشرت النيويورك تايمز على صفحتها الأولى
مقالاً بقلم ماكس فرانك جاء فيه: (الولايات المتحدة قد لا تصبح الدولة المسيطرة في
علاقات القوة عالمياً وإن القوة الأمريكية في انحطاط) ، ونشرت مجلة (لايف) عام
١٩٧١م أن النظام العالمي لم يعد به مركز وحيد للقوة، وأن أمريكا أصبحت تواجه
نقص الموارد وانحدار السمعة وضعف الدولار، لقد بدأ انحطاط أمريكا بوصفها قوة
عالمية من أبعد نقطة في نظام الأحلاف الأمريكي، من فييتنام [٥] .
الواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت أن تحقق نصراً مطلقاً على
خصومها في معاركها التاريخية الكبرى حتى الحرب العالمية الثانية؛ لكنها منذ
حرب فييتنام لم تستطع أن تحقق نصراً مطلقاً بلا قيد ولا شرط لأول مرة في
تاريخها، وحتى ما أطلق عليه نيكسون: (نصر بلا حرب) أي هزيمة الاتحاد
السوفييتي عبر إرهاقه اقتصادياً من خلال سباق التسلح فإنه لم يكن نصراً مطلقاً،
وكما قال ديجول: (تريد الولايات المتحدة أن تصل بالاتحاد السوفييتي إلى الخراب
والإفلاس عن طريق سباق لا نهاية له في التسلح، وقد تنجح في تحقيق ما تريد
لكنها ترهق نفسها بأكثر مما تستطيع احتماله، وقد تصل هي الأخرى إلى حالة
الإفلاس) [٦] . وحاولت أمريكا تجديد ثقافتها الاستراتيجية بصناعة نصر مطلق في
حرب الخليج الثانية على العراق؛ لكن ذلك الانتصار لم يغيّر من واقع سقوط
الإمبراطورية الأمريكية في الداخل، وكتب بول كيندي في الإكسبريس الفرنسية:
(الدولة التي تحتاج إلى مليارات الدولارات من دول أخرى لتمويل الحرب ضد دولة
نامية لا تملك القدرة على فرض نظامها على الكرة الأرضية) [٧] .
وكما هو معلوم فإن السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي ولمنظومة الدول
الشيوعية المرتبطة به في أوروبا الشرقية قاد إلى الحديث عن (نهاية التاريخ) هذه
الصيحة التفاؤلية الممزوجة بسكرة الفرحة بالسقوط غير المتوقع للقوة العالمية الثانية
المناوئة لأمريكا. لكن هذه الصيحة التي أطلقها (فرانسيس فوكوياما) ثبت خطؤها؛
إذ إن التاريخ لا ينتهي بهذه الصورة التي تخيلها، ولا يمكن لقوة واحدة أن تتحكم
وحدها في صناعته.
وبدأت الكتابات الواقعية عن السقوط الأمريكي، وعلى سبيل المثال فإن (بول
كيندي) كتب كتابه الأشهر: (قيام وسقوط القوى العظمى) وفيه حاول الربط بين
القوة الاقتصادية والقوة العسكرية؛ إذ تحدث عن أهمية القوة الاقتصادية للقوة
العسكرية، بيد أن القوة العسكرية إذا اتسعت بشكل يفوق القدرة الاقتصادية على
مساندتها فإن ذلك يشي بتدهور نسبي لقوة الدولة، كما أن قوة الدولة تعتمد أساساً
على ما إذا كان جيرانها يمتلكون أكثر أو أقل مما تملك) ، ومن ثم فإن قوة الدولة
ترتبط صعوداً وهبوطاً بقدر قوة الدول الأخرى التي تشاركها النظام الدولي، وكان
(بول كيندي) يقصد أن أمريكا تواجه فجوة كبيرة بين قوتها الاقتصادية وقدرتها
العسكرية وحجم امتدادها وتوسعها في العالم. كما أن أمريكا تواجه قوى أخرى
تمتلك اقتصاداً متعاظماً بما يمثل خصماً للمكانة النسبية لأمريكا [٨] .
كما ظهر كتاب هاري فيجي وجيرالد سوانسون بعنوان: (سقوط أمريكا قادم
عام ١٩٩٥ فمن يوقفه؟) ، وظهر كتاب (رونالد هوايت) : (القرن الأمريكي،
صعود وهبوط الولايات المتحدة كقوة عالمية) ، وظهر كتاب روجيه جارودي:
(الولايات المتحدة طليعة الانهيار) ، وظهر كتاب بريجنسكي (خارج نطاق السيطرة)
أو (الانفلات) ، وصدرت في الولايات المتحدة مئات الكتب التي تنعيها مجتمعاً
ودولة وتجربة متحدثة عن الأمراض التي تفتك بها، مثل: العنف، وتفشي
الإباحية، والمخدرات، والخواء الروحي، والفردية المفرطة، والتطرف الأعمى،
وضحالة الثقافة، والعنصرية الطاغية، والديون الخارجية الأسطورية، وسقوط
ثلث السود وسدس البيض تحت خط الفقر، والرعب من اقتراب السود وذوي
الأصل الأسباني والآسيوي من تشكيل نصف عدد السكان ... وقائمة طويلة من
الوقائع والأمراض والأزمات المستعصية التي تتراكم تفاعلاتها لتسرع بالانهيار
الشامل [٩] .
مظاهر الانحطاط الأمريكي:
هناك مؤشرات متعددة على الانحطاط الأمريكي، نشير إلى بعضها:
العنف:
في شهر مارس الماضي استيقط المجتمع الأمريكي على جريمة بشعة راح
ضحيتها أربعة من التلاميذ ومُدَرّسة، وجرح أربعة عشر تلميذاً آخرون ومدرّسة،
وكان بعضهم في حالة خطرة، نفذ الجريمة طالبان في مدرسة (ويست سايد)
المتوسطة في بلدة (جونسبورو) بولاية (أركنساو) التي كان الرئيس الأمريكي حاكماً
لها، وكان عمر أحد التلميذين أحد عشر عاماً والآخر ثلاثة عشر عاماً، وقد نفذا
جريمتهما بعد تخطيط وتصميم وتهديد مسبق لزملائهما، واستخدم التلميذان في
جريمتهما أسلحة رشاشة وأسلحة أخرى بلغ عددها تسع قطع، وكانا يرتديان ثياباً
أعدوها للتمويه ومن ثم: قرعا جرس الطوارئ في المدرسة، فهرع الطلاب
والمدرسون إلى الخارج حيث كان التلميذان يختبئان في ساحة قريبة وأطلقا النار
عشوائياً على التلاميذ والمدرسين، ثم استسلما بعد خمس دقائق، وقال (كلينتون)
إنها الجريمة الثالثة التي يقوم بها تلاميذ صغار خلال الأشهر القليلة الماضية.
وجاءت الجريمة بعد أسبوع من نشر البيت الأبيض لدراسة قالت: (إن مدرسة من
بين كل عشرة مدارس أمريكية شهدت أعمال عنف خطيرة العام الماضي) [١٠] .
وفتحت هذه الحادثة المروعة ملف العنف في أمريكا؛ حيث قدم مشروع قانون
لمجلس الشيوخ والكونجرس يطلق عليه: (قانون أمريكا بعد الدوام المدرسي) ،
وهذا القانون يشير إلى أن هناك حوالي خمسة ملايين تلميذ نسبة كبيرة منهم في سن
الثامنة والتاسعة يقضون معظم أوقاتهم بعد الدوام المدرسي وحدهم، وهم بحاجة إلى
المساعدة لإبعادهم عن مصادر المشاكل وإشغالهم بما هو مفيد، وذكرت دراسة
البيت الأبيض السابقة (أن الوقت الطويل الذي يقضيه التلاميذ في مشاهدة التلفزيون
وما يقدمه من أفلام ومسلسلات عنف يلعب دوراً رئيساً في انتشار العنف بينهم
خصوصاً الصغار منهم) [١١] .
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد قطع الأسلحة المنتشرة بين أيدي
الأمريكيين تبلغ حوالي ٢٠٠ مليون قطعة بين مسدس وبندقية، أي بمعدل قطعة
سلاح لكل أمريكي رجل أو امرأة باستثناء الأطفال، وفي عام ١٩٩٦ استخدم
السلاح في ارتكاب ٩٣٩٠ جريمة قتل في أمريكا بينما لم تُرتكب سوى ٣٠ جريمة
مسلحة في بريطانيا، و١٥ جريمة مسلحة في اليابان، وتزيد نسبة ارتكاب الجريمة
بين الأطفال دون سن الخامسة عشرة أكثر ١٦ مرة في أمريكا عما هي عليه في ٢٥
دولة صناعية مجتمعة، وكل عام تشهد أمريكا ١٣٥ ألف جريمة قتل أو انتحار أو
حادث مسلح [١٢] . وتجارة السلاح مباحة في الولايات المتحدة باعتبارها تعبيراً
عن الحرية وحق الإنسان في الدفاع عن نفسه؛ لكن الحقيقة هي أن لوبي صناعة
السلاح هو الذي يقف وراء فلسفة الترويج لحق الإنسان في امتلاك السلاح للدفاع
عن نفسه وأمنه. وفي الواقع فإن انتشار الأسلحة وتفجر العنف داخل الولايات
المتحدة الأمريكية هو جزء من ثقافة العنف التي قامت على أساسها الحضارة الغربية
وارتبطت بسحق الآخر وقتله، بيد أن تغلغل العنف في عصب النفسية الأمريكية
يجعله لا يستخدمه ضد الآخر فقط، وإنما يستخدمه ضد مواطن مجتمعه أيضاً، إنها
شهوة ممارسة العنف النابعة من الثقافة الغربية اليهودية الصليبية التي يعد العنف
أحد أبرز تجلياتها.
التطرف:
أحد التحديات التي تواجه الأمن القومي الأمريكي احتمال تصنيع المتطرفين
الأمريكان لأسلحة (بيولوجية) يستخدمونها ضد المراكز الحيوية والاستراتيجية في
أمريكا، وكان المجتمع الأمريكي يظن أن التطرف يأتي من العالم العربي
والإسلامي فقط، لكنه عاين في ١٥/٤/١٩٩٥حادثة ضخمة قام بها شاب أمريكي
راح ضحيتها ١٥٩ شخصاً، هذه الحادثة هي نسف المبنى التجاري في (أوكلاهوما) . وفي الواقع فإن بعض الكتاب الأمريكان بدؤوا الكتابة عن خطر التطرف الأمريكي
على المجتمع خاصة فيما يتصل بقدرته على استخدام الهندسة الوراثية في تصنيع
الأسلحة البيولوجية، واجتمع (كلينتون) فعلاً مع مجموعة من المتخصصين في
الهندسة الوراثية وناقش معهم ومع كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية التحديات
التي تواجه الأمن القومي الأمريكي إذا استطاعت العناصر المتطرفة الأمريكية صنع
أسلحة جرثومية. وفي تقرير لمركز (قانون الفقر) ذكر أن مؤامرات المتطرفين
اليمينيين الرامية إلى إخراج قطارات عن القضبان واغتيال شخصيات عامة ونسف
جسور زادت زيادة حادة في أمريكا في السنوات الثلاث الماضية، وأورد تفاصيل
٢٤ مؤامرة رصدها منذ حادث (أوكلاهوما) واستهدفت هذه المؤامرات نسف مبانٍ
حكومية وجسور ومكاتب صحف ومصارف.
وهناك مجموعات دينية أمريكية تؤمن بحلول نهاية العالم عام ٢٠٠٠م وأنها قد
تستخدم الأسلحة البيولوجية لتحقيق ذلك [١٣] ، وهناك منظمات متطرفة في أمريكا
تستخدم السلاح لوقف ما تراه علمنة للمجتمع الأمريكي، وهذه المنظمات تقاوم
الإجهاض كما تقاوم إباحة الشذوذ والمثلية الجنسية، وهناك منظمة أعلنت عن نفسها
تسمى: (جيش الله) نفذت فعلاً عدة حوادث في مدينة (أتلانتا) (أبرزها الانفجار
الذي حدث في أتلانتا عام ١٩٩٦م في الألعاب الأولمبية، وهذه المنظمة تطرح فكرة
المقاومة بدون قيادة، أي: تطرح فكرة اللامركزية في التصدي لما يرونه معارضاً
لأفكارهم ولو بالقوة، وينتمي منفذ حادث أوكلاهوما إلى جيش الله الذي يرى أن
هناك مؤامرة على أمريكا تقودها السلطة الفيدرالية والنظام العالمي الجديد، وأنه ما
لم يتم الإنقاذ الروحي والجسدي لأمريكا فإنها إلى زوال [١٤] .
صراع الأعراق:
نشأت الولايات المتحدة أمةً متعددة الأعراق ولكنها استندت أساساً في بنائها
الاجتماعي إلى ما يعرف باسم الـ.... أي: البيض الأنجلوساكسون البروتستانت
وهذه القاعدة الاجتماعية هي المسيطرة والمتحكمة، لكنه حدث تبدل في الخريطة
الاجتماعية والعرقية في أمريكا يؤكد نشوب نزاعات عرقية بين عناصر المجتمع
الأمريكي؛ فبحلول عام ٢٠٥٠م ستنخفض نسبة الـ.... من ٥، ٧٢% إلى ما
بين ٤٩% ٥٣%، فالسكان ذوو الأصول الإسبانية والآسيوية يتزايدون بسرعة قد
تصل بهم ليصبحوا حوالي ٣٥%من السكان عام ٢٠١٠م؛ بينما ستبقى نسبة السود
في حدودها الحالية وهي حوالي ١٢% ١٥% [١٥] . وهذا التبدل في الخريطة
العرقية يفتح الباب على مصراعيه لنشوب نزاع قومي وعرقي قد يؤدي إلى تفكيك
أمريكا. ولدينا ولاية (بورتوريكو (وهي الولاية الواحدة والخمسون في الاتحاد
الأمريكي تسعى الآن للانفصال عن أمريكا [١٦] . وكانت أمريكا قد استولت عليها
من إسبانيا عام ١٨٩٨م، ولا يزال سكانها يتكلمون الإسبانية ويقاومون محاولات
الإدماج الأمريكية بجعل الإنجليزية لغة رسمية، وبشكل عام: فإن ما أطلق عليه
في الستينيات بوتقة الصهر للدلالة به على نجاح إدماج الأقليات في النظام الأمريكي
ثبت إخفاقه اليوم؛ ويتصاعد الحديث عن تنامي نزوع الأقليات ليصل إلى تأكيد
الذات والاستقلال. وإذا واجهت الولايات المتحدة الأمريكية مشاكل حقيقية فيما
يتصل بالانهيار الاقتصادي فإن احتمال تصاعد تفككها سيكون كبيراً؛ لأن المشكلة
الاقتصادية تفجر بدورها مشاكل الأقليات وتعزز مطالبها بالاستقلال، وهناك كتاب
مهم لآرثر شليزينجر) بعنوان: (تفكيك أمريكا) يتحدث فيه عن مشاكل الأقليات
خاصة السود ونزوعهم نحو الاستقلال، وأن هذا سيؤدي إلى تفكيك أمريكا.
الانهيار الأخلاقي:
يبين كتاب بريجنسكي (الانفلات) Out of Control بوضوح أن الخطر
على أمريكا يتمثل في الأبعاد الأخلاقية والثقافية وانحدار مركزية المعايير الأخلاقية
مع مضاعفة الانهماك في الإشباع الذاتي المادي الحسي، ويستخدم تعبير: (استباحة
الإباحة) Premissive Corrucopia للتعبير عن وضع المجتمع الأمريكي الذي
تستبد به قيم الاستهلاك وإشباع الغرائز بشكل مجنون، وارتبط إشباع الغرائز
بغياب أي معايير أخلاقية؛ ولذا: انتشر الفساد والمخدرات وجرائم الشوارع،
ويذكر بريجنسكي أن انتصار الشعار القائل بأن الله قد مات سبحانه وتعالى عما
يقولون علواً كبيراً لم يحدث في الدول الشيوعية الإلحادية وإنما في المجتمعات
الغربية الديمقراطية الليبرالية التي عدت التساهل الأخلاقي تقدماً ثقافياً. وتحدث
بريجنسكي عن الفساد الأخلاقي والانحلال الثقافي الذي تقدمه وسائل الإعلام خاصة
التلفزيون، حيث تقضي ربة البيت الأمريكية ثماني وعشرين ساعة ونصف الساعة
أمام التلفزيون أسبوعياً، ويقضي الشباب المراهق عشرين ساعة أمام التلفزيون
أسبوعياً، ويقضي ٢٠% من أطفال أمريكا خمساً وثلاثين ساعة أسبوعياً أمام
التلفزيون، وبرامج التلفزيون تدعو للإباحية وإشباع الشهوات الفردية والقسوة،
وجعل بريجنسكي مفهوم الأنانية وإشباع الرغبات الذاتية وتحقيق المتعة الفردية يهدد
أمريكا من الداخل [١٧] . وعلى سبيل المثال: فإن جرائم القتل تمثل العامل
الرئيس للوفاة في أمريكا؛ حيث يأتي ترتيبها متقدماً على مرض خطير كالسرطان،
وتواجه أمريكا ما يطلق عليه (أبارتيد اقتصادي) حيث يوجد طفل واحد من بين كل
٨ أطفال لا يأكل ما يشبعه، وموت الأطفال في أحياء السود الفقيرة يجاوز المعدلات
التي تحدث في بلد مثل سيريلانكا وبنما وشيلي، كما أن المفاهيم التي يرفعها الغرب
عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية هي مفاهيم زائفة، وتكفي الإشارة إلى أن
الثروة هي التي تشتري الإعلام والسلاح، وهذا ما يفرض على بقية المواطنين
الذين لا يملكون وسائل السيطرة إكراهاً يسميه البعض (بالرق الحديث) . وإن تكلفة
مقاعد الكونجرس في أمريكا تصل إلى ٥٠٠ مليون دولار. وتنتشر المخدرات بين
الشباب كما ينتشر الشذوذ والمثلية الجنسية. وفي الواقع فإن المبالغة في (استباحة
الإباحة) هي التي ستؤدي إلى تفكيك أمريكا؛ فهي أكثر خطراً من الصين أو غيرها
كما قال بريجنسكي.
الانهيار الاقتصادي:
في كتابهما: (سقوط أمريكا) يوضح المؤلفان أن أمريكا هي الدولة المدينة رقم
واحد في العالم؛ حيث لا يكفي دخلها القومي لتغطية نفقاتها، وحذر الكتاب من أن
الديون الأمريكية وفوائدها ستصل إلى درجة يعجز معها النظام عن السيطرة عليها
مع نهاية العقد الحالي.
وتنفق أمريكا على الديون وفوائدها أكثر مما تنفقه في قطاعات التعليم
والتطوير الحضاري والزراعة والعمل والعدل والمواصلات الداخلية مجتمعة،
وأشارت الدراسة إلى أن فوائد الديون الأمريكية بلغت ٤٠٠ مليار دولار بينما بلغت
الديون ٤ تريليون دولار عام ١٩٩٢م، وتشير التقديرات إلى أن فوائد الديون
وصلت ٥١٧ مليار دولار عام ١٩٩٤م، ومع قرب نهاية القرن العشرين فإن أمريكا
ستبدو كأنها دولة مفلسة، وبالطبع فإن الوضع الاقتصادي المنهار سيؤدي إلى
تراجع الهيمنة الأمريكية والعودة إلى أدراجها، وهناك تراجع في نسبة الإنتاج
الأمريكي بالنسبة إلى الإنتاج العالمي؛ فنسبة قوة أمريكا من الإنتاج العالمي كانت
٥٠% بعد الحرب الثانية، وبحلول عام ١٩٧١م أصبحت تنتج ما يمثل ٣٠%،
وأصبحت تستهلك أكثر مما تنتج مما جعلها تعتمد على البترول العربي، ومع بداية
السبعينيات واجهت أمريكا لأول مرة في تاريخها تدهور قدرتها التنافسية في العالم؛
إذ أصبحت وارداتها أكثر من صادراتها (٤٥ مليار دولار للواردات مقابل ٤٢ مليار
صادرات) ولم يعد الدولار قاعدة للتحويل إلى الذهب، ومنذ عام ١٩٨٥م أصبحت
أمريكا مدينة لأول مرة [١٨] .
وأخيراً: فإن مظاهر الانحطاط الأمريكي تؤكد أن أمريكا كبقية
الإمبراطوريات إلى زوال، ولا شك أن انهيارها سيؤدي إلى تعديل جديد في
موازين القوى السياسية يكون لصالح المسلمين بإذن الله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
بَيْنَ النَّاسِ] [آل عمران: ١٤٠] فالسنة الحضارية تؤكد انحطاط قوى
الإمبراطوريات بعد صعودها، وأمريكا ليست استثناءً من ذلك.
стр. 2944
المسلمون والعالم
الدور الصهيوني في الخلاف التركي السوري
باسل يوسف النيرب
تطورت العلاقة التركية الإسرائيلية من خلال السعي الإسرائيلي في توسيع
مدى العلاقة في آسيا وأفريقيا، فكان الاتفاق الإسرائيلي التركي الإيراني نحو
الشرق الأوسط، والإسرائيلي الأثيوبي في إفريقيا بداية للتغلغل الإسرائيلي.
وجاء الاعتراف التركي بـ (إسرائيل) في ٨/٥/١٩٤٩م، من خلال تصريح
أدلى به وزير خارجية تركيا، نجم الدين صادق، ومما جاء في التصريح: (إن
دولة (إسرائيل) حقيقة واقعة، وقد اعترفت بها أكثر من ثلاثين دولة، والآن يتجسد
رسمياً في هذا الاعتراف الرسمي) ، وكانت تركيا أول بلد إسلامي شرقي يعترف
بـ (إسرائيل) ، وفتحت أول مفوضية تركية بـ (إسرائيل) ، وعُيّن إلياهو ساسون
أول سفير إسرائيلي في تركيا.
ومع نهاية الخمسينيات التقى رئيس (إسرائيل) ديفيد بن غوريون مع رئيس
وزراء تركيا عدنان مندريس، وتم الاتفاق على رفع مستوى التمثيل والتعاون
السياسي والاقتصادي بين البلدين، وكتب ديفيد بن غوريون عن بداية التعاون
والتغلغل في آسيا وأفريقيا إلى الرئيس الأمريكي أيزنهاور قائلاً: (إن هذا التحالف
يجب أن يثير اهتمام الولايات المتحدة، نظراً لأهمية تركيا، وللمصلحة الخاصة
للولايات المتحدة بالحفاظ على أمنها) . وقد أكد بن غوريون في حديثه على أن
مجموعة الدول التي يتحدث عنها قادرة على حماية الحرية في الجزء الشرقي من
الشرق الأوسط.
في أعقاب حرب ١٩٦٧م، شهدت العلاقة التركية الإسرائيلية فتوراً،
فاستدعت تركيا سفيرها من إسرائيل، وظل التمثيل على مستوى دبلوماسي بدرجة
مفوضية يقوم بها قائم بالأعمال بدرجة سفير، وتضم عدداً من الدبلوماسيين بينهم
ملحق عسكري، وخلال هذه المرحلة اتسمت العلاقة بعدم الوضوح. ومع بداية عام
١٩٧٠م وخلال انعقاد المؤتمر الدولي الأول لوزراء خارجية الدول العربية والبلدان
الإسلامية في مارس ١٩٧٠م حاولت تركيا استمالة المؤتمرين إلى سياسة أكثر ليونة
مع (إسرائيل) . وفي أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣م، حاولت تركيا تدعيم علاقاتها
بالدول العربية، فقامت في عام ١٩٧٥م بالتصويت مع العرب في الأمم المتحدة
على القرار الذي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.
في بداية عام ١٩٨٠م شهدت العلاقة عدة متغيرات، إذ تم مرة أخرى خفض
التمثيل الدبلوماسي التركي رداً على قرار الكنيست الإسرائيلي بإعلان القدس
عاصمة أبدية لدولة (إسرائيل) ؛ وبسبب عدم تراجع (إسرائيل) عن الأمر الواقع
الذي تريد إيجاده فيما يتعلق بالوضع الدولي لـ (القدس) ؛ أغلقت تركيا قنصليتها
في القدس، واستدعت القائم بالأعمال للتشاور، وأبلغت (إسرائيل) تركيا بالقرار
الإسرائيلي بتخفيض مستوى العلاقات، وفي الوقت ذاته قدم حزب الخلاص الوطني
التركي طلباً بحجب الثقة عن وزير الخارجية بسبب سياسته المؤيدة لـ (إسرائيل)
والمنفرة للبلدان الإسلامية.
بدأ الانفراج في العلاقات التركية الإسرائيلية عقب عام ١٩٨٥م؛ حيث رفع
مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الطرفين إلى مفوضية، وعين أكرم عو بندرين أول
سفير تركي في (إسرائيل) عقب سلسلة من الأزمات التي عرفتها علاقات البلدين،
وعقب مؤتمر مدريد للسلام رفعت تركيا تمثيلها الدبلوماسي مع (إسرائيل) إلى درجة
سفير، مما أدى إلى تدهور علاقاتها مع دول الجوار خاصة في قضيتي المياه
والأكراد.
الاختلاف بسبب المياه:
وبخصوص قضية المياه، فإن السياسة التركية تتصرف فيها منفردة عبر
إنشاء شبكة ضخمة من السدود، ودون أدنى اعتبار لمصلحة كل من سوريا والعراق. وقد بدأت أزمة المياه بعد وضع حجر الأساس لبناء سد (كيبان) على نهر الفرات
بتركيا.
وفي يناير ١٩٩٠م أوقفت تركيا مياه نهر الفرات عن سورية لمدة شهر كامل
بحجة ملء سد أتاتورك؛ مما جعل سوريا ترى أن الإشراف التام على نهر الفرات
قد أصبح بيد تركيا، وهو الأمر الذي يهدد الأمن الأقتصادي والغذائي والسياسي
لسورية. وفي عام ١٩٩٥م دخل ملف الفرات مرحلة جديدة بعد أن بدأت تركيا
بإقامة سد (بيرجيك) بتمويل دولي، إضافة إلى ارتفاع نسبة التلوث في رافد (البليخ)
أحد روافد نهر الفرات إلى نسبة تجاوزت الحد المسموح به دولياً. وازدادت أزمة
المياه بعد إقامة مشروع (جاب) التركي بما يقتضي إقامة ١٧ سداً على نهر الفرات،
و٤ سدود على نهر دجلة، مما يخفض نصيب سورياً من نهر الفرات من ٢٨ مليار
متر مكعب إلى ١٣ مليار متر مكعب، ويترتب عليه استبعاد ٤٠% من حوض
الفرات في العراق من الاستغلال الزراعي، إضافة إلى تضرر أكثر من ثلثي
الأراضي الزراعية المروية من نهر الفرات.
وتطالب سوريا برفع المنسوب إلى ٧٥٠ متر مكعب ليستفيد منه العراق
وسوريا، كما تطالب بوقف إنشاء السدود؛ نظراً للخطر الذي يصيب الحياة
الزراعية والمرافق الحيوية وخاصة سد تشرين؛ باعتبار أن سوريا تسعى إلى إقامة
محطات توليد كهربائية لإنتاج ٦٣٠ ميجا وات، وتخزين بليوني متر مكعب من
المياه.
قضية عبد الله أوجلان:
أما حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان، فإن الحديث عنه وعن
الحركة الكردية المطالبة باستقلالها يطول؛ لكن الأمر باختصار أن الحركة الكردية
قامت في عام ١٩٨٤م في جنوب شرق الأناضول، وبدأت بشن عمليات داخل
تركيا، وهذه المعارك الدائرة بشكل يكاد يكون مستمراً تكلف الحكومة التركية ٩
ملايين دولار سنوياً، إضافة إلى البلبلة الداخلية التي لم تسفر عن حل للمواجهات
بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني بل عززت النزاعات الانفصالية داخل تركيا.
تركيا من الداخل:
إن ما يحدث على الصعيد التركي (الإسرائيلي) يعود في أساسه إلى بقايا نفوذ
يهود البلقان وتغلغلهم داخل الجيش التركي منذ انقلاب أتاتورك، ونجاحهم في
تشجيع الاتجاه نحو الغرب وانفصال تركيا عن محيطها العربي الإسلامي، وفرض
العلمانية واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية. وتعاني تركيا من أزمة
هوية ناتجة عن التأرجح بين الرغبة في الانتماء السياسي الغربي والحالة السابقة
التي كانت سائدة في تركيا والمتمثلة في الانتماء الإسلامي، ومن أزمات تركيا أيضاً: الصراع بين العلمانيين والإسلاميين الذي يعد صراعاً خطراً على الوحدة التركية.
والصراع الحالي في تركيا دائر بين العثمانية والكمالية؛ فالعثمانية تعني محاربة
الكمالية والبعد عن التوجهات الحديثه، والكمالية تمنع الإرث العثماني من الظهور
تحت أي سبب من الأسباب.
الأوضاع الخارجية:
ترتب على ما سبق أن تركيا اعتبرت نفسها امتداداً للغرب؛ ولهذا تولت
عملية منع التوسع السوفييتي في المنطقة قبل انهياره، وحاولت السيطرة على
البلدان المستقلة عن الاتحاد السوفييتي سابقاً، ولهذا أيضاً نجد أن المؤسسة
العسكرية التركية عادت إلى فرض قراراتها بعد فترة من حكم السياسيين، وهناك
مشكلات تعاني منها تركيا مع دول الجوار في كل من أرمينيا، وإيران، والعراق،
واليونان؛ وكان لها علاقات متميزة مع الولايات المتحدة جعلتها تعتقد أنها جديرة
بالموافقه الأمريكية على المشاريع التركية في المنطقة؛ إلا أن النقد الذي وجهته
الخارجية الأمريكية لمذابح الأرمن في تركيا عام ١٩١٥م ١٩١٦م، إضافة إلى ملف
حقوق الإنسان في تركيا سجلا تراجعاً أمريكياً عن تأييد الموقف التركي في هذا
الصعيد.
ومن آثار العلاقات الخارجية على الموقف الداخلي في تركيا نجاح واشنطن
في عقد اتفاق سلام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود وبرزاني
والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، بعيداً عن تركيا التي أخفقت
في إنجاح أي وفاق بين الخصمين يعطي الحزبين فرصة لإقامة كيان كردي، ويبعد
شبح التغلغل التركي المقلق للحزبين في المنطقة، والذي يمكن أن ينتقل به الوضع
إلى المناطق التركية لإقامة كردستان الشمالية الواقعة جنوب تركيا وهو ما ترفضه
الحكومة التركية جملةً وتفصيلاً.
إسرائيل وتركيا:
مهما تعددت الأزمات على الصعيد التركي فإن الدور الإسرائيلي للمطلع على
خفايا العلاقات التركية الإسرائيلية يبدو جلياً؛ لأن (إسرائيل) تلعب دور الممول
بالمعلومات والمخابرات لتركيا في سياساتها ومواقفها الخارجية، مع سوريا أو
غيرها، وهذا ما أكدته تقارير مجموعة (جنيز) للدراسات العسكرية في لندن في
تحليل منشور يوم ٨/١٠/١٩٩٨م، مما يوجب أن نلقي الضوء بشكل أوضح على
طبيعة العلاقة ونوعها وأبعادها على دول المنطقة.
العلاقة الاقتصادية:
تعود بداية العلاقة الاقتصادية بين تركيا و (إسرائيل) إلى عام ١٩٥٠م حين تم
توقيع اتفاقية مقايضة بين أنقرة وتل أبيب، وبدأت (إسرائيل) بموجبها باستيراد
الأغنام التركية، والأعلاف ومختلف المنتجات التركية، وفي المقابل تصدير سلع
صناعية إلى تركيا. وفي منتصف الستينيات شاركت (إسرائيل) في معرض
(أزمير) التقليدي وعرضت فيه ١٥٠ شركة إسرائيلية سلعاً تقدر بـ ٢٢ مليون
دولار، وأرقام التبادل التجاري تدل على مدى التعاون الاقتصادي الذي تألف على
إثره مجلس العمل التركي الإسرائيلي الذي يعمل على تنمية وتطوير التعاون بين
الدولتين، ويرتكز التعاون الاقتصادي بين (إسرائيل) وتركيا على التجارة والسياحة
والزراعة وكان رد الفعل العربي لذلك هو إدراج الشركات التركية التي تعاونت مع
إسرائيل ضمن قائمة المقاطعة العربية.
ارتفع مستوى التمثيل في المجال التجاري، وافتتحت (إسرائيل) ممثلية
تجارية في إسطنبول، وفي الوقت ذاته دعي وزير التجارة التركي إلى إقامة سوق
حرة للتبادل التجاري بين البلدين، ونص الاتفاق على إلغاء الرسوم الجمركية بينهما، مما يشكل الخطوة الأولى نحو النظام الشرق أوسطي، وفي إبريل ١٩٩٥م وقعت
تركيا و (إسرائيل) اتفاقاً للتعاون في التنظيم النوعي للإدارة، وتضمّن الاتفاق
تدريب أصحاب المهن وعقد اجتماعات دورية، وتبادل المعلومات والمحاضر
والنشرات، وتقديم المساعدة لتطوير برامج تعليمية في مجالات نوعية مختلفة. كما
برز التعاون الزراعي بين البلدين والذي يتمثل في مشروع تنمية شرق الأناضول
ويشمل إقامة عدد كبير من السدود والمحطات الكهربائية.
أما في الجانب السياحي، فقد أكد وزير السياحة التركي مصطفى تركمان أن
تركيا و (إسرائيل) ليستا في حاجة للتنافس السياحي بل على العكس ينبغي عليهما
التعاون من أجل تشجيع وزيادة الحركة السياحية إلى المنطقة، وتم توقيع اتفاقية
التعاون السياحي بين تركيا وإسرائيل عام ١٩٩٢م، حيث تقوم تركيا بنقل صورة
عن تاريخها عن طريق السياح اليهود، واستمالة الرأي العام الإسرائيلي نحو تركيا، وتحصل تركيا على دخل من السياحة الإسرائيلية يُقَدّر بـ ٢٥٠ مليون دولار
وذلك عام١٩٩٠م، وتستقطب (إسرائيل) السياحة التركية من خلال الترويج
للعلمانية والديمقراطية.
وفي مجال المقاولات، تعتمد (إسرائيل) على شركات المقاولات التركية في
مجال بناء المستوطنات، ويعمل في (إسرائيل) من (٢٥٠٠ ٥٠٠٠) عامل تركي،
بنسبة تتراوح من ٥ ١٠ بالمائة من العمالة في (إسرائيل) .
التعاون الأمني العسكري:
الحديث الذي ظهر مؤخراً عن المناورات العسكرية والتعاون الأمني، وإقامة
حلف أمني، يعود في بداياته العلنية إلى عام ١٩٩٤م وذلك من خلال مناورة جوية
مشتركة كانت الأولى من نوعها، وتم خلالها تزويد الطائرات التركية المختلفة
بالوقود من طائرة بوينغ إسرائيلية، وكان الهدف من هذه المناورة تشجيع مبيعات
الصناعات الجوية الإسرائيلية، كما زار قائد سلاح الجو التركي (إسرائيل) لإجراء
مباحثات لتحسين طائرات الفانتوم عقب التحسينات على طائرات (إف ٥) وإنتاج
أجزاء من طائرات (إف ١٦) الأمريكية.
تم توقيع اتفاقية التعاون العسكري بين (إسرائيل) وتركيا في ٢٣ فبراير
١٩٩٦م، وتضمنت الاتفاقية العمل على إيجاد حوار استراتيجي بين تركيا
و (إسرائيل) ومعرفة توقع الأخطار التي تعمل على تهديد (إسرائيل) وتركيا، كذلك
إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين في مختلف المجالات
البرية والبحرية والجوية، ونص الاتفاق على تعهد إسرائيلي لتركيا بتقديم
المعلومات اللازمة عن حزب العمال الكردستاني، كما تضمن الاتفاق القيام بثماني
مناورات جوية في السماء التركية، وأن تقوم تركيا باستقبال الطيران (الإسرائيلي)
على أراضيها، وللطائرات الإسرائيلية الحق في اللجوء إلى الأراضي التركية عند
إعلان حالة الطوارئ في (إسرائيل) ، ونصت الاتفاقية على التعاون في مجال
الاستخبارات بين البلدين.
لم يكن هذا الاتفاق الأول من نوعه؛ إذ وقعت تركيا مثله مع ليبيا ١٩٧٥م
وإيران ١٩٧٧م والعراق ١٩٧٩م والسعودية ١٩٨٤م والكويت ومصر ١٩٨٧م
والأردن والإمارات ١٩٨٩م وتونس ١٩٩٠م. وتعتبر هذه الاتفاقيات سارية
المفعول إلا أنه لم يتم توظيفها رسمياً. ومن خلال الاتفاق العسكري التركي
(الإسرائيلي) عملت تركيا على تحسين كفاءتها العسكرية والأمنية، بينما نجد أن
هدف الجانب (الإسرائيلي) هو اختراق المجال الجوي التركي، وإحكام القبضة على
سوريا والضغط عليها من خلال المفاوضات الدائرة حول الجولان، كما يتيح
الاتفاق الاستعانة بالخبرات العسكرية (الإسرائيلية) لقمع المقاومة الكردية، ويشكل
الاتفاق ورقة ضغط تركية (إسرائيلية) على العراق وسورية تحديداً؛ حيث إن مد
أنابيب المياه من تركيا إلى (إسرائيل) سيؤثر على نصيب العراق وسورية من المياه.
مما لا شك فيه أن لكلا الدولتين أسبابهما الخاصة في التعاون الاستراتيجي؛
ففي كتابه: (نحو شرق أوسط جديد) أكد شمعون بيريز أن القادة الأتراك اندفعوا
نحو تطوير علاقاتهم مع تل أبيب، وقد تجسد ذلك في زيارة تانسو شيلر إلى
(إسرائيل) في نوفمبر ١٩٩٤م، ورأت تركيا أن (إسرائيل) تشكل بوابة للعبور نحو
إيجاد حصة اقتصادية مناسبة لها في المرحلة الجديدة لها في منطقة الشرق الأوسط،
كما أنها ستستفيد بالخبرات (الإسرائيلية) .
وتأسست العلاقة التعاونية على مخرج لـ (إسرائيل) وإن كانت قد وقعت
اتفاقات مع الدول العربية إلا أنها ما زالت متعثرة في مسيرتها بالتطبيع مع
(إسرائيل) ، هذا ويطمح الجانب (الإسرائيلي) بتفكيك البنية التحتية لما يسمونه بـ
(الإرهاب) وهذا يتوافق مع المفهوم المرحلي الأمني عند كل من تركيا و (إسرائيل)
من جراء الرفض الأوربي لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، والموقف الأوربي
المساند (للشرعية الدولية) فيما يخص مؤتمر مدريد ونتائجه الحالية. كما تعاني
تركيا و (إسرائيل) من عدم الاستقرار السياسي الداخلي؛ فتتصاعد حدة المشكلة
الكردية ويتصاعد الانقسام العلماني الديني في (إسرائيل) .
وعلى أي حال فتوقيع الاتفاقية وما ترتب عليه من مناورات مشتركة في عام
١٩٩٧م أدت إلى رد فعل عربي معارض للمناورات العسكرية؛ فسوريا اعتبرت
المناورات أداة ضغط عليها في المفاوضات (الإسرائيلية) السورية حول الجولان،
ورأت مصر أن المناورات عبارة عن رسالة سلبية كما اعتبرت إيران أن توقيع
الاتفاق يتعارض مع المصالح الأساسية للعالم الإسلامي.
وفي خضم الصراع الدائر في المنطقة لا بد من التنويه إلى أهمية الموضوع
المائي؛ فتركيا لها نصيبها من مياه الفرات، و (إسرائيل) تعاني من نقص مائي
شديد لمشاريع التنمية التي تقوم بها، واستغلال الجزء الأكبر في عمليات التصنيع
والزراعة؛ فالتعاون المائي التركي والإسرائيلي من خلال مشاريع أنابيب السلام
يسير قُدماً؛ فقد طرح الرئيس (الإسرائيلي) عزرا وايزمن مشروعاً لجر المياه من
تركيا إلى (إسرائيل) ، أجرى المدير العام لهيئة تخطيط المياه في (إسرائيل) (تاهل)
محادثات حول بناء ميناء للشحن والتصدير على مصب نهر (مانا فقات) على البحر
المتوسط جنوب أضنة والذي يشكل حوضاً طبيعياً يحتوي على نحو ٧، ٤ مليار م ٣ سنوياً، وكانت تشيلر رئيسة الوزراء التركية خلال زيارتها لـ (إسرائيل) أكدت
أن بلادها مستعدة لبحث الطرق التي من خلالها يتم استغلال الفائض من مياهها
لخدمة الشرق الأوسط.
الأزمة الأخيرة:
إن تتبع مسارات العلاقة التركية السورية في الفترة الأخيرة يفسره إلى حد
كبير التعاون بين تركيا و (إسرائيل) ، فالعلاقة من عهد شيلر أخذت منحى تصاعدياً. وتسعى السياسة التركية الآن وبعد التصعيد الأخير مع سورية إلى ضم أكبر عدد
من الدول العربية إلى هذا الحلف، ومن ذلك ما صرح به مسعود يلمز من أن
الحلف بين تركيا و (إسرائيل) ليس موجهاً ضد طرف ثالث، في حين اعتبر
الجانب (الإسرائيلي) أن الحلف يخدم المصالح التركية والإسرائيلية، وأكد (نتن
ياهو) رئيس وزراء (إسرائيل) على أن هذا الحلف يشكل خطوة نحو إرساء السلام
في المنطقة؛ وساعده في ذلك تأكيد (يلمز) على أن الهدف هو استقرار المنطقة.
إن المتتبع لمراحل الأزمة يرى أن هناك انعطافاً أصاب السياسة التركية
الخارجية مؤخراً، ويرى كيف تطورت العلاقات العسكرية إلى علاقات اقتصادية
مرتبطة بالمصالح الحيوية (الإسرائيلية) ، ويشهد على ذلك المناورات العسكرية
التركية (الإسرائيلية) التي تحظى برعاية أمريكية، وانضمام تركيا إلى برنامج
الصاروخ (آرو) السهم؛ الذي يتم العمل على تطويره بين الولايات المتحدة
و (إسرائيل) ، إضافة إلى تحديث الطائرات الجوية التركية بمساعدة مؤسسة
الصناعات الجوية (الإسرائيلية) .
ومن ناحية أخرى تؤكد الصحف السورية والمصرية على تورط (إسرائيلي) ؛
في هذه الأزمة خصوصاً أن خبراء الموساد أشرفوا على عمليات الملاحقة ضد أفراد
حزب العمال الكردستاني وتدريس العمليات العسكرية مثل: الليطاني، عناقيد
الغضب في ثكنات قوات الحدود، ويلاحظ أيضاً في هذه العملية النفي الرسمي
وعلى لسان الخارجية الأمريكية لوجود أي علاقة إسرائيلية في الحشود ضد سورية. هذا ويلاحظ على السياسة الخارجية التركية بناءً على الموقف التركي والأمريكي
الرغبة في التعامل العلني أكثر من قبل مع (إسرائيل) على اعتبار أنها الحليف
الأول لها في منطقة الشرق الأوسط، والاستمرار في التعبير عن الانتماء إلى
المعسكر الغربي.
ومن المفيد الآن استعراض تأثير هذا التحالف على بلدان الجوار لتركيا
والدول الشرق أوسطية في ظل الرفض التام للسياسة التركية في مجال الحشود على
الحدود مع سوريا:
* يمنح هذا التحالف الفرصة لضرب التحالف الإيراني السوري بمنح القوات
(الإسرائيلية) مجالاً واسعاً في شمال سوريا، مما يجعل القوة السورية تشتت
جهودها في الشمال والجنوب في مواجهة القوة (الإسرائيلية) ، ويسوّغ الإجراءات
والموقف السوري من التصعيد أو الحلف القائم أصلاً بين (إسرائيل) وتركيا والذي
يؤدي إلى خرق الجسم العربي.
* تأثير العلاقة على الأردن من خلال التدهور المستمر في العلاقة الأردنية
السورية والتي ظهرت مجدداً، والأردنية العراقية، مما يجعل الأردن يبحث عن
تعاون للخروج من المأزق الحالي وفي نفس الوقت يطالب الأردن بهوية أمنية شاملة
لكل الدول العربية، مع تأكيد الجانب الأردني أنه ليس طرفاً في أي تحالف؛ مع
أن الجانب الأردني شارك في المناورات الجوية والبحرية بين تركيا و (إسرائيل)
بصفة مراقب مما يشكل خطوة إلى جر الأردن لهذا الحلف نظراً لتأثيره على العالم
العربي.
* أما إيران فإنها تحاول الفرار من هذا التحالف بإنشاء نظام دولي متعدد
الأقطاب، يشمل الصين وروسيا إضافة إلى تحالف آخر مع سوريا ومصر؛ مما
سيؤدي إلى خلق تكتلات جديدة في المنطقة تعمل على حفظ توازن منطقة الشرق
الأوسط، وفي المقابل ترى (إسرائيل) أن أي تهديد لسوريا هو تهديد لإيران التي
تخشاها (إسرائيل) لكونها قوة عسكرية تسعى لأن تكون نووية؛ إضافة إلى أن هذا
الحلف التركي (الإسرائيلي) يعطي الفرصة لـ (إسرائيل) لكشف المواقع العسكرية
النووية الإيرانية.
إن ملف الخلاف السوري التركي مثقل بالعديد من التعقيدات التي ما زالت
عالقة حتى بعد اللقاءات الأمنية بين الطرفين. ويدخل ضمن هذه التعقيدات والتي
يعد سبباً أساسياً لانفجارها مجدداً المحور (الإسرائيلي) الذي يمثله الحلف التركي
(الإسرائيلي) . ولا يخفى أن الوضع في تركيا قائم على التحالفات بين الحكومة
والعسكريين الذين تولوا الحكم بعد انقلابات عسكرية، ومنها ما حدث في سنوات
١٩٦٠م، ١٩٧١ و١٩٨٠ وأحياناً جاءت الانقلابات العسكرية خلف القناع الحزبي.
إن التهديد التركي لسورية بين قوة تركيا من الناحية العسكرية خاصة وأنها
قوة إقليمية لا يستهان بها، وفي الوقت نفسه بين حالة الضعف السياسي التي
وصلت إليها تركيا مما يدفع للتأكيد على قوة المؤسسة العسكرية التركية الحاكمة.
وجاء الغضب التركي إثر العديد من العوامل وعبر قنوات عسكرية مباشرة،
ولكن الموقف السوري الذي حاول جاهداً إبعاد شبح الحرب عبر سلسلة من
اجتماعات حدودية شارك فيها ١١ مسؤولاً من وزارة الخارجية والدفاع وجهاز
المخابرات من كلا البلدين نقل الحوار إلى الجانب الأمني بعد أن كان في الجانب
السياسي، وقد انتهت الاجتماعات في منطقة سيجان الحدودية قِبَل الحشود التركية
على الحدود مع سورية.
وخلال الاجتماعات اتفق الطرفان على تأجيل البحث في قضية لواء
الإسكندرونة، وعدم تحرش الجيش التركي بالسكان على الحدود التركية السورية،
وتركزت المطالب التركية على شرح مخاوفها من جراء الأعمال التي يقوم بها
حزب العمال الكردستاني، وفي الوقت نفسه أكد الوفد السوري أن الأراضي
السورية ليست نقطة انطلاق لأعمال يقوم بها حزب العمال الكردستاني. ولتعزيز
الاتفاق من الناحية الأمنية؛ فقد اتفق الطرفان على إقامة خط ساخن لتبادل
المعلومات وخصوصاً بعد توافر مناخ الثقة الذي صاحبه زيارات لبعض المختصين
الأتراك إلى بعض المواقع في سورية للتأكد من إغلاق مقرات حزب العمال
الكردستاني ومنع المساعدات المالية، واعتبار حزب العمال الكردستاني حزباً
إرهابياً يُقدّم أعضاؤه إلى القضاء.
وفيما يخص موضوع المياه، تبحث دمشق عن قسمة عادلة ونهائية بدلاً من
الاتفاق المرحلي لعام ١٩٨٧. ولكن يبقى السؤال الذي سيفجر الخلاف مجدداً: ماذا
عن علاقات التعاون والتدريب وتحديث المعدات العسكرية التركية من قِبَل
(إسرائيل) ؟ فما زال هذا السؤال هاجساً للسوريين وخاصة أمام الرغبة
(الإسرائيلية) في فتح مجالات تعاون أخرى مع تركيا ومداخل أخرى لها في الشرق
الأوسط.
ختاماً:
يُجمِع الخبراء والسياسيون الأتراك على أن الولايات المتحدة دفعت تركيا إلى
هذا العمل، وقد أكد هذا الاستنتاج المفكر والمحلل السياسي عبد الرحمن ديلي ياك؛
فأكد أن الولايات المتحدة تتخذ من تركيا أداة لضرب سوريا من أجل التغيير
السياسي فيها، ويؤكد د. ماهر قيناق وهو محلل استراتيجي أن الولايات المتحدة
و (إسرائيل) تدفعان تركيا للعدوان على سوريا، لتوريط تركيا في منطقة الشرق
الأوسط المتفجرة ولمنع وصول (الأصولية) إلى الحكم خلال فترة ما بعد حافظ الأسد.
وعليه فإن الحرب بعيدة، ولكن الهدف توجيه رسالة من الحلف المعلن أصلاً
بتعاون أمني عسكري اقتصادي بين تركيا و (إسرائيل) وخلط الأوراق في منطقة
الشرق الأوسط لتكون (إسرائيل) هي الرابحة في هذا الوقت الحرج؛ خاصة أن
جسور المفاوضات عادت من جديد وأخذت اللغة الدبلوماسية دورها ولو بشكل
مرحلي.
стр. 2945
المسلمون والعالم
المقاومة الفلسطينية خلال نصف قرن
١٩٤٨ ١٩٩٨م مدخل للتقييم
(٢/٢)
د. محسن محمد صالح
في الحلقة الماضية استُعرضت تجارب المقاومة الفلسطينية عبر مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى (١٩٤٨ ١٩٦٧) : حيث برزت المقاومة الفلسطينية وظهرت
حركة فتح و (م. ت. ف) .
المرحلة الثانية (١٩٦٧ ١٩٧٨) : تصاعُد دور فتح العسكري وتوالي عملياتها
الفدائية ضد العدو، ثم ردود الفعل الصهيونية التي توالت حتى احتلال جنوب لبنان، وإضعاف المقاومة، وبروز تيار (السلم) ، وتنامي التيار الإسلامي.
المرحلةالثالثة: (١٩٨٧ ١٩٩٨) : قيام الانتفاضة الشعبية في الداخل التي
شارك فيها الإسلاميون بقوة، وظهور (حركة حماس) التي قادت الجهاد المسلح. ثم
مسارعة (م. ت. ف) إلى مدريد، ثم اتفاق أوسلو و (الحكم الذاتي) ، ومجابهة
السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني معاً للتيار الإسلامي، ومحاولة تحجيمه
بالاتفاقات الاستسلامية.. ويواصل الكاتب بقية الموضوع ...
- البيان-
ثانياً: تقويم التجربة:
لو حاولنا تقييم تجربة المقاومة الفلسطينية خلال الخمسين سنة الماضية بناءً
على النتائج والأحوال التي وصلنا إليها الآن لوجدنا أن الأمر يدعو إلى القلق
والأسى؛ فقد تجذر المشروع الصهيوني في المنطقة، وتمكن من التوسع واحتلال
أراضٍ جديدة سنة ١٩٦٧م، وكسر شوكة المقاومة الرسمية العربية والفلسطينية.
ونجح في ضمان دعم الدول الكبرى بدرجات متفاوتة أقلها الاعتراف بشرعية وجوده
واحتلاله لمعظم أرض فلسطين (فلسطين المحتلة سنة ١٩٤٨) ، وحظي بالرعاية
والحماية الأمريكية، وتمتع بالتحالف الاستراتيجي معها، وقفز عدد اليهود من ٦٥٠
ألفاً سنة ١٩٤٨م إلى حوالي أربعة ملايين و٧٠٠ ألف في ١٩٩٧م يمثلون ٣٦%
من يهود العالم. وتمكن الصهاينة من صناعة القنبلة النووية، وتجهيز حوالي مائتي
قنبلة تشكل خطراً كبيراً على العالم الإسلامي أجمع. كما استطاعوا تحييد دول
عربية، وإبعادها عن دائرة الصراع بإقامة معاهدات سلام معها (مصر والأردن)
وحققوا معاهدة سلام مع (م. ت. ف.) وفق شروطهم، وهي معاهدة تسهم في
حل مشاكلهم أكثر مما تسهم في الاستجابة لمطالب الفلسطينيين. ووجد الفلسطينيون
أنفسهم يقطفون ثماراً ضئيلة فجة قياساً إلى حقوقهم وآمالهم.
ورغم أن ميزان النتائج والمنجزات يميل بشكل صارخ إلى الجانب الصهيوني
الإسرائيلي، فإن هناك بعضاً من المنجزات التي تحسب للجانب الفلسطيني، أهمها:
* المحافظة على جذوة المقاومة والعداء ضد المشروع الصهيوني طوال الفترة
الماضية.
* الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وأنه ذو حقوق مشروعة، بعد أن
كادت القضية أن تمحى، وتعالج على أساس أنها مشكلة لاجئين.
* تحقيق تعاطف دولي كبير، ودعم لقضية فلسطين، وعزل الكيان
الإسرائيلي سياسياً خاصة في السبعينيات (ما لبث الكيان الإسرائيلي أن حقق مكاسب
سياسية كبيرة خاصة بعد معاهدات السلام) .
* إخفاق الكيان الإسرائيلي في تحقيق أي اختراق تطبيعي شعبي في البلدان
التي أقام علاقات سياسية معها، واستمرت مشاعر العداء الشعبي العربي والإسلامي
ضده.
* بداية بروز المشروع الإسلامي لتحرير فلسطين، والذي يبشر بنتائج طيبة
على المستوى الاستراتيجي البعيد.
لكن تقويم التجربة يجب أن يتعدى دائرة النتائج لنفهم الأسباب والخلفيات التي
أدت إليها، وفيما يلي نقدم مجملاً مختصراً لذلك:
أولاً: إشكالية المنهج:
تميز الخط الأيديولوجي الفلسطيني العربي بأنه خط علماني، راوح بين
دائرتي الوطنية والقومية، كما كان هناك قطاع فلسطيني لا يُنكر حجمه خصوصاً
في الستينيات والسبعينيات تبنى أيديولوجيات يسارية اشتراكية ماركسية (الجبهتان
الشعبية والديمقراطية مثلاً) .
وكان الهدف في البداية الوصول إلى تحرير كامل أرض فلسطين. غير أن
عدم وجود منهج ثابت مبني على مبادئ محددة لا يمكن تجاوزها حتى ولو بحجة
المصلحة، يقدم رؤية سليمة لطبيعة الصراع ضد المشروع الصهيوني، ويستطيع
استنهاض طاقات الأمة وتجنيدها في المعركة؛ قد أدى غياب هذا المنهج إلى
ضبابية الرؤية، والنزوع للاستجابة الدائمة للضغوط و (متطلبات المرحلة) والسعي
للبقاء في الساحة ودائرة الضوء مهما كانت التنازلات.
وقد أثر هذا بشكل كبير على الأهداف التي جرى تقزيمها مع مرور الأيام،
فمن تحرير فلسطين وإخراج الغاصبين، إلى القبول بالدولة الديمقراطية التي تشمل
الجميع بمن فيهم كل اليهود الغاصبين، إلى إقامة الدولة على أي جزء يتم تحريره،
إلى إقامة الدولة على أي جزء ينسحب منه العدو، إلى الاعتراف بالقرار الظالم
(٢٤٢) الذي يتعامل مع قضية فلسطين باعتبارها مشكلة لاجئين، إلى التفاوض
على الضفة الغربية وقطاع غزة فقط (٢٢%) من فلسطين إلى الوصول إلى إقامة
حكم ذاتي ضعيف يفتقد شروط السيادة على أجزاء ضئيلة من الضفة والقطاع.
لقد كان المنهج الذي تم تبنيه بعيداً عن عقيدة الأمة وتراثها الحضاري؛ حيث
جرى استبعاد المنهج الإسلامي الذي يملك استنهاض طاقات الأمة وتعبئتها، ويعد
الجهاد لتحرير فلسطين عبادة وتقرباً إلى الله، ولا مجال فيه للتنازل عن حقوق
المسلمين في الأرض المباركة مهما طال الزمن وكثرت التضحيات، وهو المنهج
الذي جُرّب تاريخياً فكان فتح فلسطين على يد عمر بن الخطاب، وكان استردادها
على يد صلاح الدين في حروبه مع الصليبيين، وعلى يد قطز في حروبه مع التتار، وكلهم كان لهم الإسلام هادياً ومناراً، وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن النصر من
عند الله سبحانه فإن الأوْلى بهم السير على منهجه لينالوا مدده وتوفيقه.
ثانياً: إشكالية القيادة:
من المؤسف أن القيادة السياسية الفلسطينية خلال الثلاثين سنة الماضية افتقدت
التجانس، وعانت من تباين أهداف الأطراف المشاركة في قيادة (م. ت. ف) ،
وسعت بعض القيادات إلى مراعاة مصالح أطراف عربية معينة تتلقى منها الدعم
على حساب أولويات العمل للقضية، كما راعت قيادات أخرى رؤية مصالح روسيا
(الاتحاد السوفييتي سابقاً) باعتبارها طرفاً اشتراكياً ماركسياً.
ولم تحترم القيادة العمل المؤسسي، وتمكن الرجل الأول من جمع كل
الصلاحيات الممكنة بيده، وأمسك تماماً بعصب القرار السياسي وبعصب الإنفاق
المالي، وبعصب الأجهزة الأمنية والعسكرية. وأصبح العديد من القضايا الحساسة
المهمة تخضع لمبادرة وقرار (الزعيم) وهذا أعطى فرصة كبيرة لنمو الخلالات [*]
والمحسوبيات، وأسهم في تفكك البناء الداخلي للثورة الفلسطينية بقيادة (م. ت. ف) وإضعاف أجهزتها، وخروج وتحييد الكثير من الكفاءات والطاقات، وقد كشفت
تحقيقات عديدة عن فساد إداري ومالي كبير، كان أبرزها مؤخراً ما كُشف عن
تورط العديد من قيادات سلطة الحكم الذاتي في الضفة والقطاع في ذلك [١] .
ويمكن ضرب مثال على المبادرات الفردية بمفاوضات أوسلو السرية التي لم
تكن معظم القيادة الفلسطينية تعلم عنها شيئاً، كما لم يكن يعلم عنها الوفد الفلسطيني
الرسمي المفاوض الذي تشكل إثر مؤتمر مدريد سنة ١٩٩١م.
كما لم تنجح القيادة الفلسطينية في التفاهم والتعاون مع التيار الإسلامي
المتنامي في المنطقة، وسعت إلى تحييده وعزله فضلاً عن محاولات ضربه
وتصفيته.
وهكذا، فإن القيادة خسرت مع مرور الزمن الكثير من قواعدها وجماهيرها،
وأصبحت أضعف قدرة في مجالات التعبئة والتأثير، وصار الارتباط بالمنصب
ودوائر الأضواء أهم لدى البعض من استمرار التضحية والكفاح.
ثالثا: إشكالية المؤسسات:
يوفر العمل المؤسسي المبرمج إمكانيات أفضل لاستغلال الطاقات، وتوفير
الجهود وترسيخ العمل واستمراره دون الارتباط بالأشخاص، كما توفر المؤسسات
السياسية البرلمانية إمكانات أفضل للمراقبة والمحاسبة وضبط المسيرة.
غير أن ما حدث في العمل الفلسطيني خلال الفترة الماضية يثير الحزن، فمنذ
الستينيات تشكلت مؤسسات مهمة مثل المجلس الوطني الفلسطيني، والصندوق
القومي، ومركز الأبحاث، ومؤسسات رعاية أسر الشهداء، ودائرة التخطيط،
وغيرها؛ غير أن هذه المؤسسات لم تتمكن من تنمية دورها؛ بل على العكس فإن
الخط البياني لأنشطتها وتأثيرها شهد هبوطاً كبيراً خصوصاً خلال العشرين سنة
الماضية.
وقد أُفرغ المجلس الوطني الفلسطيني من محتواه بتجاوز الكثير من قراراته،
وعدم دعوته للانعقاد إلا في فترات متباعدة، وبإدخال عناصر كثيرة بقرارات القيادة
السياسية بحيث مالت الكفة إلى الاتجاهات التي تريدها القيادة، فضلاً عن أن هذا
المجلس هو مجلس غير منتخب، وبالإضافة إلى ذلك لم يشارك الإسلاميون في هذا
المجلس، وهم يمثلون بالتأكيد قطاعاً عريضاً من الشعب، ومع تجمع الصلاحيات
في يد الرئيس فقد تم تهميش أدوار الصندوق القومي والتخطيط وغيرها.
إن إضعاف العمل المؤسسي أسهم كثيراً في حصر دائرة العمل الفلسطيني في
يد حفنة من الناس جعلوا لأنفسهم حق تقرير مصير قضية هي أخطر قضية تواجه
العالم الإسلامي في الواقع المعاصر.
رابعاً: إشكالية تضييق دوائر الصراع:
إن طبيعة التحدي المتمثلة في المشروع الصهيوني المدعوم عالمياً تقتضي
مواجهة تستجيب لمستوى التحدي وتتمكن من تجنيد كافة القوى الممكنة، وإذا كان
المشروع الصهيوني لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، وإنما إضعاف وتمزيق العالم
الإسلامي، فإن البديل المقابل هو تعبئة كافة طاقات العالم الإسلامي لمواجهة التحدي.
لقد جرى مع الزمن تقزيم قضية فلسطين وتضييق دائرة الصراع مع العدو،
فبعد أن كانت قضية تعني كل المسلمين أي أكثر من ألف ومائة مليون تم حصرها
في الدائرة القومية العربية في خمسينيات وستينيات هذا القرن؛ بحيث أصبحت
تعني ٢٦٠ مليون عربي (حسب عددهم الآن) ، ثم تم حصرها أكثر فأكثر لتصبح
قضية للفلسطينيين وحدهم؛ أي حوالي سبعة أو ثمانية ملايين فقط، وكانت الحجة
أن (أهل مكة أدرى بشعابها) وأن للفلسطينيين أن يقرروا في شؤونهم ما أرادوا!
غير أن هذا الطرح الذي حمل ظاهراً بريئاً لدى البعض أراد أن يغسل من يده
مسؤولية العرب تجاه قضيتهم الأولى، وإلقاء العبء على الضحايا الحاليين
للمشروع الصهيوني، دون توفير أدنى الشروط اللازمة للنجاح.
إن أرض فلسطين أرض إسلامية وهي أرض مقدسة ومباركة بنص القرآن
الكريم، وإليها أسري برسول الله ﷺ ، وفيها قبلة المسلمين
الأولى (المسجد الأقصى) وهي الآن أرض محتلة مغتصبة، وحكمها في الإسلام:
أن كافة المسلمين مطالبون بالجهاد للدفاع عنها، ومسؤولون أمام الله
عن القيام بواجب تحريرها.
إن تضييق دائرة الصراع واكتفاء الآخرين بالتمنيات والدعاء لا يمكن أن يحل
القضية، وسيبقى الخطر جاثماً متصاعداً ما لم يتم رد هذه القضية إلى الدائرة
الإسلامية الأوسع.
خامساً: إشكالية الدور العربي والإسلامي:
كما أشرنا سابقاً فإن الخط البياني للأنظمة العربية وخصوصاً دول المواجهة
كان يسير باتجاه التسوية وليس باتجاه (التحرير) ، وأن الأنظمة سعت بشكل أساسي
لضمان أمنها وبقائها وعدم تعريضها لمخاطر الانتقام الصهيوني، كما سمحت
بالعمل الفدائي للحركة لأسباب تكتيكية مرحلية. ولم تتبن هذه الأنظمة أية
استراتيجيات ومناهج جادة دؤوبة للتعبئة الشعبية وتجهيز الجيوش، وتبني اقتصاد
الحرب، بل أغلقت حدودها معظم الفترة الماضية منعاً لأي عمل فدائي جهادي
محتمل.
وقد انتهت حرب ١٩٤٨م التي شاركت فيها الجيوش العربية بكارثة ضياع
معظم فلسطين، كما انتهت حرب ١٩٦٧م بكارثة ضياع ما تبقى من فلسطين، أما
حرب ١٩٧٣م فقد فتحت المجال للتحرك نحو التسوية خصوصاً مع مصر، وليس
باتجاه التحرير.
وهكذا فمنذ حوالي ٢٥ عاماً لم تشكل الأنظمة العربية أي مخاطر محتملة على
الكيان الصهيوني. بل تركت (م. ت. ف.) تواجه وحدها الاجتياح (الإسرائيلي)
على لبنان سنة ١٩٨٢م مما أدى إلى تدمير معظم البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية
هناك.
ولقد أخفقت معظم مساعي الوحدة السياسية بين البلاد العربية، كما أخفقت
الجامعة العربية في تحقيق أهدافها، وأصبح الهم القُطري المحلي يتجاوز الهموم
الأخرى، وأخذت قضية فلسطين تتهمش في واقع الاهتمام الرسمي العربي. كما
فتحت الخلافات العربية العربية الباب واسعاً لإضعاف الجبهة العربية ودورها في
محاربة الصهيونية، ومن ذلك: النزاع حول الصحراء الغربية في المغرب العربي، واحتلال العراق للكويت، والحرب اليمنية، والنزاعات المزمنة بين سوريا
والعراق، وبين مصر والسودان.. وغيرها.
وإذا كان قد تم تهميش الدور العربي، فمن باب أوْلى أنه قد سبقه تهميش
الدور الإسلامي منذ مراحل مبكرة؛ حيث أصبح العالم الإسلامي في موقع المتفرج
الذي فقد فاعليته لأداء أي دور إيجابي حقيقي في قضية فلسطين؛ فالأنظمة في
العالم الإسلامي لا تختلف كثيراً عن الأنظمة العربية؛ إذ إن معظمها يلتزم
التوجهات العلمانية، ومشغول بهمومه المحلية، ومشاكله الاقتصادية.
وقد كان إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٦٩م إثر حادثة إحراق
المسجد الأقصى بادرة أمل بتوحيد جهود المسلمين لدعم قضية فلسطين وقضايا
المسلمين، وقد قامت هذه المنظمة بعقد الكثير من الاجتماعات، وأصدرت عشرات
القرارات بدعم قضية فلسطين سياسياً ومالياً وعسكرياً وإعلان الجهاد، وغير ذلك،
غير أن كل قراراتها بقيت حبراً على ورق؛ لأنها تفتقر إلى أي آلية حقيقية ملزمة
لتنفيذ القرارات [٢] . بل إن بعض البلاد الإسلامية بقي على علاقة قوية
(بإسرائيل) مثل تركيا. كما أن النزاعات بين المسلمين أنفسهم أثرت سلباً على دور
العالم الإسلامي؛ ومثال ذلك الحرب العراقية الإيرانية التي استنزفت طاقات
وثروات البلدين خلال ثماني سنوات من الحرب ١٩٨٠م ١٩٨٨م.
وفوق ذلك كله فإن كثيراً من الأنظمة العربية والإسلامية تفتقر إلى الاستقرار
السياسي، وتعاني من أزمات داخلية، ويعاني الكثير من شعوبها من قمع للحريات
وكبح للطاقات، كما تعاني التيارات الإسلامية في كثير من هذه البلدان من المنع
والملاحقة.
وهكذا، ففي مثل هذه الأوضاع، من الصعب أن تقوم الدول العربية
والإسلامية بدورها المأمول.
سادساً: إشكالية التحدي الصهيوني:
يمثل التحدي الصهيوني حالة فريدة وسط التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، فقد وجد هذا المشروع أساساً في قلب العالم الإسلامي، وفي المنطقة التي تفصل
شطره الآسيوي عن شطره الإفريقي؛ بحيث تبقيه ممزقاً ضعيفاً، وتمنع أي وحدة
محتملة له أو ظهور أي قوى إسلامية كبرى في المنطقة بعد سقوط الخلافة العثمانية. لقد كان هذا المعنى واضحاً في توصيات مؤتمر لندن ١٩٠٥ ١٩٠٧م التي رُفعت
إلى رئيس الوزراء آنذاك (كاميل بنزمان) ، وكان قد ناقش سيلاً من تحقيق المصالح
الغربية والهيمنة على المنطقة الإسلامية. ومما جاء في توصياته أن إقامة حاجز
بشري قوي وغريب في المنطقة شرقي البحر المتوسط وعلى مقربة من قناة
السويس، قوة عدوة لشعوب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية، هو التنفيذ العملي
العاجل للوسائل والسبل المقترحة [٣] .
إن طبيعة المشروع الصهيوني لا تستهدف استعماراً (كلاسيكياً) للمنطقة،
وإنما الاستيلاء على الأرض المباركة وفق ادعاءات دينية وتاريخية، وطرد السكان
الأصليين وإحلال اليهود مكانهم، ثم التوسع والتمدد في المنطقة.
غير أن هذا المشروع يكتسب خطورة خاصة عند إدراك دعم وتحالف القوى
الكبرى معه، والتي لا يعنيها الفلسطينيون بشكل خاص، وإنما إبقاء المنطقة
الإسلامية كلها في دائرة الضعف والتبعية. وبذلك، تصبح (إسرائيل) شرطي
المنطقة والعصا التي يتم (تأديب) الآخرين بها.
لكن الكيان الصهيوني لم يعد مجرد (أداة) بيد الآخرين (كما أنه لم يكن
بالضبط كذلك في الفترة الماضية) إذ إن دوائر التأثير والمصلحة هي دوائر متبادلة
بين الطرفين. كما مكّن الكيان الصهيوني لنفسه عبر وجود (لوبيات) قوية له في
أمريكا وأوربا تؤثر في صنع القرار السياسي هناك، فضلاً عن قوتها الاقتصادية
والإعلامية. وقد نجح الكيان الصهيوني في تكوين جيش حديث مسلح بكافة الأسلحة، حتى النووية منها والكيماوية والجرثومية؛ بحيث يمكنه نظرياً هزيمة جميع
الجيوش العربية مجتمعة.
إن قصف الطيران الصهيوني للمفاعل النووي العراقي وتدميره سنة ١٩٨١م، وتدريب ومساعدة الانفصاليين في جنوب السودان على الثورة، ومشاريع
السيطرة على منابع النيل في هضبة الحبشة، ومحاولة تدمير المفاعل النووي
الباكستاني، كل ذلك يشير إلى حقيقة الدور (الإسرائيلي) في المنطقة وخطورته
على العالم الإسلامي.
إن الكثير من المسلمين لم يفهموا طبيعة هذا التحدي، ولم يدركوا مخاطره،
ولم يقوموا بأعمال مكافئة لمواجهته، وستبقى أعمال المسلمين هامشية محدودة ما لم
يرتفعوا إلى مستوى الصراع.
سابعاً: إشكالية الأداء الدولي المتحيز:
رغم كل ما تشير إليه المواثيق الدولية من حقوق الإنسان وحقوق تقرير
المصير للشعوب، ورغم ما تدعيه الدول الكبرى من حماية للحقوق والديمقراطيات
إلخ، إلا أنها أسهمت بنفسها في تكريس الظلم في الأرض المقدسة، فتولت بريطانيا
التي استعمرت فلسطين (١٩١٧ ١٩٤٨م) رعاية إنشاء الكيان الصهيوني حتى
أقيمت (إسرائيل) رسمياً في مايو ١٩٤٨م، وتبنت القوى الكبرى بما فيها الاتحاد
السوفييتي مشروع تقسيم فلسطين في نوفمبر ١٩٤٧م، وأصبحت الولايات المتحدة
الحليف الاستراتيجي الأول للكيان الصهيوني بعد ذلك، وحتى الآن ما تزال توفر له
الدعم المالي والعسكري والسياسي والغطاء الدولي لكل ظلم وعدوان يمارسه في
فلسطين وغيرها، وتسارع إلى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار لا يصب
في مصلحة الكيان الصهيوني. ولم يمارس المجتمع الدولي أي ضغوط حقيقية
لإجبار الكيان الصهيوني على الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة
الجولان وجنوب لبنان رغم أنه من الناحية القانونية الدولية احتلال لأراضي البلاد
المجاورة بالقوة، وهو عمل غير مشروع وفق الأنظمة الدولية وأنظمة الأمم المتحدة؛ بينما سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها سنة ١٩٩٠م ١٩٩١م لإجبار العراق
على الانسحاب من الكويت حماية لمصالحها في المنطقة.
وهكذا فإن فهم الإشكاليات السابقة يعين في فهم خلفية النتائج والأحوال التي
وصلت إليها قضية فلسطين في واقعنا المعاصر وهي نتائج مؤلمة ومؤسفة.
وأخيراً:
إن دراسة تجربة المقاومة خلال الخمسين عاماً تشير إلى بقاء جذوة المقاومة
في نفوس المسلمين وعدم الرضا بالظلم والاستسلام، وإن دراسة عوامل الضعف
والقصور ووضع اليد على الجروح يفيد في معرفة الطريق الأفضل للمقاومة
وتحرير الأرض المباركة.
وإن ظهور التيار الإسلامي بقوة في فلسطين وفي العالم الإسلامي يعطي بشائر
مبكرة باتجاه إحداث تحولات إيجابية في سلوك الطريق الصحيح لاسترجاع أرض
الإسراء والمعراج.. أرض فلسطين، وما ذلك على الله بعزيز.