نص شعري
المسجد الأقصى.. نجوى وحنين
بقلم: د. عدنان النحوي
أنا المسجدُ الأقصى! وهذي المرابعُ ... بقايا! وذكرى! والأسى والفواجعُ
لقد كنتُ بين المؤمنين وديعةً ... على الدهرِ ما هبّوا إليّ وسارعوا
يضمّون أحناءً عليّ وأعْيُناً ... وتحرُسني منهم سيوفٌ قواطعُ
زُحوفٌ مع الأيّام موصُولةُ العُرا ... فترتجّ من عزْم الزّحوف المرابعُ
وعَهْدٌ مع الله العليّ يشدّه ... يقينٌ بأنّ المرء لله راجعُ
فما بالُ قومي اليوم غابُوا وغُيّبوا ... وما عادَ في الآفاقِ منهم طلائعُ
وما بال قومي بدّلوا ساحة الوغى ... فغابَتْ ميادينٌ لهم ومصانعُ
وما بَالُهُمْ تَاهوا عن الدرب وَيْحَهمْ ... فجالتْ بهم أهواؤهم والمطامعُ
فغاب نداءٌ ما أجلّ عطاءَه ... تتردّده في كل أفْقٍ مجامِعُ
وكانتْ ميادينُ الشهادة ساحَهم ... فصار لَهُمْ ملءَ الدّيار مَرَاتعُ
وفي كلّ يومٍ مَهْرَجانٌ يَضُمّني ... وتندبني بين القصيد المدامِعُ
فأصبحْتُ، يا ويحي، أَحاديثَ مجلس ... وأدمعَ بكّاءٍ حوتْه المضاجِعُ
وكان يُدوّي في الميادين جولةٌ ... فصار يدوي بالشعارات ذائعُ
ففي كلّ يومٍ، وَيْحَ نفْسي، مَسارحٌ ... تُدَارُ وأهواءٌ عليها تَنَازَعُ
تُدارُ خُيوطُ المكر خَلْفَ سِتَارها ... وتُعْلَنُ آمالٌ عليها لوامِعُ
ويَطْوِي عَلى هُونٍ أسايَ وذِلّتي ... شعَارٌ يُدوّي أو أمانٍ روائعُ
تُمزّقُ أوْصالي وتُنْزَعُ مُهْجتي ... ويطلب نصرٌ والديار خواضِعُ
يقولون (تحرير) ويُجْرون صَفْقَةً ... عليها شهودٌ ضامنون وبائعُ
يقولون (تقرير المصير) وإنه ... لِتَدمير آمال: فمعْطٍ ومانعُ
يفاوضُ فيه الشاةَ ذئبٌ وثعلبٌ ... وقد مَهّدَتْ عَبْر السنينَ الوقائعُ
يقولون: أهلُ الدار أدرى بحالها ... وأين همُ؟ ! إني إلى الله ضارعُ
وأهلي! وما أهلي سوى أُمّةٍ لها ... من الله عزمٌ في الميادين جامعُ
وصفّ يشدّ المؤمنين جميعَهمْ ... كأنّهُمُ البُنْيانُ: عالٍ ومانِعُ
إذا لم تقمْ في الأرض أمّة أحمدٍ ... فكل الذي يُرْجَى عَلى الساح ضائعُ
حنانيكَ يا أَقْصَى! حنانَيكَ كُلّما ... خَطَرْتَ وشدّتني إليك النوازعُ
فيافٍ ترامت بَيْنَنَا ومَسالِكٌ ... تُسَدّ وأشواقٌ إليك تصارعُ
تَمُرّ مع الذّكرى لتوقظ أمّةً ... وحولك غافٍ لو علمتَ وقابعُ
أُطأطئ رأسي ما خطرت وأنثني ... وطرفيَ من هُونِ المذلة خاشِعُ
وأُصغي! ونجْوى البرتقال تهزّني ... ووشوشة الزيتون منكَ قوارعُ
يعيدُ لنا العُتْبى حنينٌ مرجّعٌ ... يردّده فيك الحمامُ السواجعُ
فيا أيها الأقصى أنينك موجع ... تهيج به بين الضلوع الفواجعُ
حنينك أصداء العصور ولهفةٌ ... فصبراً وما يدريك ما الله صانعُ
رجعتُ! فناداني! وعدتُ لكي أرى ... على جانبيه دمعة تتدافعُ
وقال: إبائي يحجز الدمع كلّه ... ولكنّ حزني اليوم طاغٍ ودافعُ
جَرَتْ دَمْعة في الأرض مِنهُ فَأوْقَدتْ ... عزائمَ أجيالٍ وزحفاً يُتابعُ
فَلَسْطِينُ حقّ المسْلمين جَميعِهم ... وهذا كتابُ الله بالحقّ سَاطِعُ
стр. 2942
قراءة في كتاب
نهضة أمة.. كيف نفكر استراتيجياً؟ `
عرض: وائل عبد الغني
المؤلف: لواء أركان حرب: د. فوزي محمد طايل.
طبعة: ١، سنة ١٤١٨هـ ١٩٩٧م.
الناشر: مركز الإعلام العربي القاهرة.
عدد الصفحات: ٤١٢ صفحة، قطع كبير.
تدور فكرة الكتاب الرئيسة باعتبارها دراسة استراتيجية حول حال الأمة
الراهن، وكيفية الخروج منه، ومحاولة وضع أسس للنهضة من خلال الاجتهاد في
وضع منظومة قيم عليا مستنبطة من الكتاب والسنة، مع بيان الفرق بينها وبين
القيم الغربية المقابلة لها في الصراع الدائر اليوم والتي يفرضها النظام العالمي
الجديد، وبيان مدى التضليل الذي يمارس في التقريب بينها وبين قيمنا الإسلامية.
لذلك كان لا بد من التفصيل في كلّ من القيم، والنظام العالمي الجديد وآلياته
وأساليبه التي يراد من ورائها تغييب الوعي وإخماد روح المقاومة في الأمة.
والكتاب الذي أهداه مؤلفه إلى النخبة من أهل العلم من المؤمنين وأهل
السلطان يتكون من أبواب خمسة:
الأول: مصادر الأحكام ومراجع الفكر.
الثاني: منظومة القيم الإسلامية.
الثالث: إرهاصات النظام العالمي الجديد.
الرابع: النظام العالمي الجديد.
الخامس: أساليب وآليات إقامة النظام العالمي الجديد.
الباب الأول: ينقسم إلى فصلين:
الأول: يتحدث فيه عن مصادر الأحكام ومراجع الفكر، وأنها منحصرة في
الكتاب والسنة؛ فالقرآن لأنه حق اليقين وما سواه ظنّي؛ فله تخضع كل العلوم؛
والسنة لأنها مصدر مكمل ومبين للكتاب صدرت من أعلم خلق الله تعالى بالقرآن.
الفصل الثاني: ينفي فيه وجود مصادر نقلية أخرى للأحكام والفكر، ويخلص
إلى كون الإجماع مصدر مستقل بشروطه.
ويعتبر الاجتهاد الفكري فريضة تمليها المستجدات والنوازل، وهو ينطلق في
الإسلام من نقطة تمثل مفرق طريق مع المناهج الأخرى؛ وهي حكمة الخلق
واستخلاف الإنسان في الأرض على المنهج السماوي. وتظهر أهمية الاجتهاد
الفكري في كونه النهج الذي يحفظ للأمة القدرة على التطور والتعامل مع متغيرات
الزمان والمكان، والاستعداد لمواجهة الأمور المستقبلية.
وعلى الرغم من وجوب سير المجتهد خلف النص وفي إطاره إلا أن الاجتهاد
يظل عملاً إنسانياً تحده القدرة العقلية للمجتهد الذي قد يفتح الله له بفهمٍ لا يتيسر
للآخرين.
ولا يعني وصول المجتهد مرتبة من العلم مهما علت أنه الأقدر دائماً على
بلوغ الصواب في كل المسائل، وهذا لا يعني أبداً أن يتصدر للاجتهاد من لم
يستجمع آلته وأهليته؛ لأن الأمر مزاج بين علمٍ مكتسب وملكة هي منة يختص بها
الله من يشاء من عباده. ويبرز وفق هذا حاجة الأمة إلى تصور اجتهادي شامل
للأمور (فكر استراتيجي شامل) ، خاصة مع كثرة المستجدات واتساع المعرفة
والتطور السريع.
واقترح أن يتم الاجتهاد على مستويين:
الأول: فردي؛ يتيح المجال أمام المجتهدين.
والثاني: باجتماع العلماء الذين اجتهدوا في كل مسألة بعينها لحسم ما يمكن
حسمه من مسائل الخلاف، وبهذا تتوافق آراء الأمة حول القضايا الاستراتيجية.
وقد حاول المؤلف أن يقدم من خلال تجربته هذه محاولة للفكر الاستراتيجي
الإسلامي، والتي نحتاج إلى تفعيلها، وحدد أسباب التخلف في أربعة أمور هي:
١- انفصال الأمة عن شرعة الإسلام ومنهاجه، وضعف الإيمان في النفوس.
٢- عدم وضوح منظومة القيم الإسلامية في النفوس واختلاطها بغيرها من
القيم الفاسدة.
٣- عدم وجود أي فكر استراتيجي إسلامي شامل يتعامل مع المستقبل.
٤- تغييب إرادة التغيير والنهوض بل والإرادة بشكل عام.
لذا لا بد للأمة أن تجتمع على منظومة قيم عليا مستنبطة من الكتاب والسنة.
وهي كما يراها: العلم، والإيمان، والعمل، وتكريم الله للإنسان، ووحدة
الأمة، والعدل، والشورى.
وهي موضوع الباب الثاني:
ويعني بالقيم جمع قيمة الأمر المعتدل في الوضع الأمثل.. ولم يُصنّف أحد
من العلماء من قبل في هذا الباب بذاته؛ لأن القيم الإسلامية هي الدين كله وعليها
يقوم المجتمع الإسلامي.
هذه القيم ثابتة بثبات مصادرها، ويتفرع عنها قيم أخرى حاجية وتحسينية.
وأول هذه القيم: العلم؛ إذ به كُرّم آدم واستخلف في الأرض.
ويبرز أثر العلم في بناء الأمم والحضارات، مع كون الإسلام يتضمن المبادئ
العامة والأسس التي تحكم العملية التربوية والتعليمية والبحث العلمي، ثم يحاول بعد
ذلك رسم سياسة عامة للتعليم في بلاد المسلمين.
والقيمة الثانية: كما يراها: الإيمان. لأن مطلق الإيمان بشيء ما يعد قيمة
عليا عند غالب البشر، وعلى مقتضاه يتشكل الضمير الإنساني وتتشكل نظرته
لمناحي الحياة.
والإيمان بالله له مدخل محدد منضبط هو الإسلام. وعلى ذلك فهو مفرق
طريق بيننا وبين غيرنا في كل شعبه. وهو أمرٌ فطري بخلاف الفكر الغربي الذي
يعتبره مكتسباً من خلال الملكات العقلية.
وثالث هذه القيم: العمل الذي يمثل قاعدة لمثلث القوى الذي تستقر عليه
المنظومة العليا، وكثيراً ما يوصف العمل بـ (الصالح) في القرآن، ويتحقق به
استخلاف الإنسان في الأرض، وتكتمل به عبادته؛ لارتباطه الوثيق بالإيمان؛ فهو
ليس أمراً مادياً بحتاً، وبهذا يتميز كقيمة إسلامية عليا.
وليحقق العمل نتائجه المرجوة فلا بد من التعليم والتنشئة والانتقاء لتحقيق
أعظم المكاسب للأمة.
وهو متميز في الإسلام؛ لأنه يبدأ من سن التكليف ولا ينتهي إلا بالموت،
وبهذا يتحدد وعاء العمل في الأمة ككل في أثناء التخطيط. ولا يمكن أبداً إهدار
دور النساء لاعتبارهن شقائق الرجال؛ فللمرأة دورها الذي خصها الله به وفق
طبيعتها، وهو بين الندب والكفاية والتحريم، والحل فيما وراء ذلك.
ويستكمل خريطة العمل في هذا المجال بتحديد أهلية التكليف بالعمل (العلم
والكفاءة) وشروط الترقية، وطريقة التعاقد، وطريقة تحديد الأجر على الكفاية لا
الكفاف، والتوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة مع تجنب المحرمات،
ودور التخطيط في مراعاة ذلك في توجيه العمل الذي يعد عبادة كالصلاة؛ لذا تعد
إقامة الشعائر جزءاً من خطة التنمية.
أما القيمة الرابعة فهي تكريم الله للإنسان، وهي هبة ربانية غير معلقة على
شرط ولا حتى الإيمان؛ لهذا فلا يجوز للإنسان التنازل عنها، ولا يجوز لكائن من
كان أن يجرد منها إلا أن يشاء الله [وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ] [الحج: ١٨] .
والتكريم ليس من قبيل الحقوق التي تُرتّب للإنسان مقابل التزام يلتزم به؛ بل
هو من قبيل السنن الإلهية.
وللشارع الحكيم في تكريم الإنسان مقاصد خمسة هي: حفظ العقل، والدين،
والنفس، والعرض، والمال.
أما التطابق بين تكريم بني آدم وبين فكرة حقوق الإنسان فمزعوم؛ لأن الثانية
قائمة على افتراض الخصومة بين الفرد والدولة؛ لذا فهي مجرد دفاع سلبي عن
الأفراد دون تقديمهم لأي مقابل؛ مع أن المفترض أن يقدموا الواجب ليكون مسوغاً
لطلب الحق.
كما تقوم على فكرة المساواة التامة التي تجافي العدل لا سيما أن فكرة المساواة
كانت من صنع اليهود ليدفعوا عن أنفسهم الاضطهاد الأوروبي.
وتستخدم حقوق الإنسان اليوم كوسيلة ردع وتدخل وإكراه من قبل الدول
الأقوى، وأداة للضغط المعنوي لإجبار الدول الضعيفة على انتهاج سياسات داخلية
وخارجية بعينها وإلا تعرضت للعقوبات.
ثم فنّد مخاطر هذه الفكرة على المجتمعات.
أما القيمة الخامسة فهي وحدة الأمة، وهي فريضة معلومة من الدين
بالضرورة. وللأمة أربعة أبعاد لا ينفصل أحدها عن الآخر هي:
١- بعد عقدي: وهو الأصل والمعيار.
٢- بعد إقليمي: يجعل كل الأرض التي سرت عليها أحكام الإسلام يوماً من
الأيام أرضاً إسلامية.
٣- بعد شخصي: يدخل في الأمة كل من دخل في الإسلام.
٤- بعد تاريخي: يفيد استمرارية وجود الأمة دون انقطاع.
ومما حبا الله هذه الأمة من مقومات الوحدة:
١- حفظ الله لكتابه.
٢- التواصل التاريخي والجغرافي لهذه الأمة.
٣- وحدة المصلحة العليا التي تتمثل في إقامة الدين، والدعوة المستمرة إلى
الله، والجهاد الذي لا يفتر إلى أن تقوم الساعة حتى تكون كلمة الله هي العليا.
٤- الحب والود والرحمة الذي جعله الله في قلوب المؤمنين بعضهم نحو
بعض.
٥- وحدة الخطاب القرآني في الأحكام.
وبهذا فإن المجتمع المسلم لا يعرف صراعاً بين السلطة والأفراد، ولا يعرف
الحزبية؛ ولذا ينبغي عدم الخلط بين الحزب السياسي والمذهب الفقهي.
وتقتضي وحدة الأمة عدم جواز إقامة حواجز سياسية تفرق بين المؤمنين؛
لأن الوحدة من الثوابت والفرقة حديثة عهد، وليس للمتغير أن يمحو الثابت.
سادسة القيم: العدل: وهي قيمة لا يمكن لإنسان أن ينكر علوها وإنما
الاختلاف في (ماهية العدل ومعياره) . والعدل باعتباره قيمة فريضة معلومة من
الدين بالضرورة لا تستقيم الحياة إلا بها؛ لذا جعل الله إقامته أمانة، وأعان على
ذلك بالقوة. ويختلف معيار العدل في الإسلام كثيراً عن معياره عند أهل الكتاب؛
لأنه يشمل عندنا العدو والصديق، ولا اعتبار للصلات أو للمكانة الاجتماعية، وقمة
العدل هي في الحكم بما أنزل الله. ويختلف العدل عن المساواة؛ لأن البشر
متفاضلون.
ومن العدل الموازنة بين مصلحة الفرد والمجتمع. وإقامة العدل شعيرة ينبغي
أن تُنصب لإقامتها مجالس القضاء، ويكتمل دورها بالحسبة التي تحول دون وقوع
الظلم والاعتداء، أما الحضارة الغربية فكثيراً ما تلبس الظلم لبوس العدل.
سابعة القيم: الشورى، وهي واجبة الأداء؛ لأنها الطريقة التي شرعها الله
تعالى لصنع واتخاذ القرارات في كل المستويات، ولها مراحل ثلاث هي:
١- مرحلة صنع القرار من خلال الصفوة (أهل الحل والعقد) .
٢- مرحلة اتخاذ القرار (من المسؤول) (أي: العزم) .
٣- مرحلة التنفيذ بعد استنفاد الجهود، والأخذ بالأسباب، مع التوكل على الله، وهذا مستنبط من آية الشورى.
وتتميز في الإسلام من حيث موضوعها: وهو ما لا نص فيه، ومن حيث
مرجعيتها: فإلى منظومة القيم الإسلامية؛ وهي أوجب في القرارات المصيرية مثل
تنصيب الولاة والحكام.
ومن تميز الشورى مباينتها التامة للديمقراطية التي صارت بضاعة بالية تحمل
من العيوب ما لا يمكن لمؤمن قبوله، وما نجاحها في الاستيلاء على ألباب بعض
المفكرين في أمتنا إلا لأنهم [يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ] [الروم: ٧] .
وفي ختام الباب يرى المؤلف استحالة التنمية الشاملة دون بذلٍ لجهد وأخذٍ
بالقوة مع ما آتانا الله تعالى من الكتاب والحكمة، والتوكل على الله الذي يداول
الأيام بين الناس.
وفي الباب الثالث: يتناول المؤلف إرهاصات النظام العالمي الجديد، من
خلال أربعة محاور. فأشار ابتداءً إلى غموض مصطلح النظام العالمي الجديد،
وأنه قائم على فكرة عقدية (يهودية نصرانية) تقتضي تهيئة الأرض بالسلام لقدوم
المسيح المخلص! وهي فكرة استراتيجية لا يمكن فصلها عن منظومة القيم والعقيدة
وأحداث التاريخ وواقع الجغرافيا.
ثم يعرض لتطور العلاقة بين الإسلام وأهل الكتاب منذ بعثة النبي -صلى الله
عليه وسلم-، وتطور الصراع حتى وصل إلى شكل حروب صليبية عقدية ممتزجة
بأهداف اقتصادية وسياسية تعكس مفهوم الفكر الاستراتيجي الصليبي الغربي.
ومع انتقال مركز الحضارة من الشرق إلى الغرب في منتصف القرن الثامن
عشر، أشار كثير من منظريهم في أدبياتهم إلى أن الحضارة الغربية (يهودية
نصرانية) أو بتعبير أدق (صهيونية صليبية) ، وهو ما يُشعر بأن الحركة الصهيونية
قد تحركت منذ وقتٍ مبكر (القرن السابع) سراً للتأثير في آباء الفكر الأوروبي،
وعملت إلى جانب ركوب موجة النهضة الأوروبية على هدم القوة الإسلامية آنذاك
المتمثلة في الخلافة العثمانية.
وإذا كان اليهود هم الذين نظّروا لليبرالية فإنهم هم مؤسسو الماركسية أيضاً.
ونتيجة لهيمنة اليهود على الحضارة الغربية منذ نشأتها فإن موجات العداء
للإسلام ودولته قد تزايدت؛ إذ استحدثوا لها مسمى جديداً هو (المسألة الشرقية) .
واستطاعوا هدم الخلافة من خلال الاختراق الداخلي لنظم الحكم والاقتصاد
والاجتماع، بالإضافة إلى اقتطاع أجزاء من أطراف الدولة وتشجيع النزعة
الانفصالية القومية في كثير من أقطار الدولة.
وقد لعبت روسيا منذ مطلع القرن العشرين دوراً بارزاً في هذه الجريمة.
ولكن الأخطر من هدم الدولة ذاتها نجاحهم منذ القرن (١٩) في تربية
(مجموعات معينة) ، وإيصالهم إلى مراكز القيادة في كل المجالات، وعلى جهود
هؤلاء ومن تخرج على أيديهم تم نشر العلمانية والماركسية في آن واحد من أجل
طمس الهوية الإسلامية.
وبعد أن نجح اليهود في الغرب والشرق نجحوا كذلك في حماية أقلياتهم بكل
الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية التي استخدمت في مناسبات مختلفة للتمكين
لليهود في البلاد الإسلامية.
وبانتهاء العصر الإمبريالي تبنت الحكومات في بلادنا نهج الاشتراكية،
فسارع اليهود بتحويل أموالهم إلى أوروبا وأمريكا.
الباب الرابع: يتحدث عن تكوّن هذا النظام من خلال ثلاثة فصول:
الأول: يتحدث فيه عن بدايات (الفكر الجيوبوليتكي) ويعني به: إعادة ترتيب
الأوضاع الجغرافية باستخدام القوة المسلحة لتتلاءم مع الأهداف السياسية لدولة مّا،
ثم يفرق بين كل من المحتوى الفكري للإمبريالية الأوروبية، وبين نظرية القوة
البرية الروسية، ونظرية البحرية الأمريكية التي بدأت ملامحها تظهر منذ نهاية
القرن (١٩) ، ويكشف التضليل الذي يُمارَس من خلال ترجمة لفظ
(Imperialism) على أنها (استعمار) وهي أبعد ما تكون عنه.
ثم يتتبع الخط التاريخي لكل من النظريات الثلاث السابقة عبر التاريخ التي
أدت إلى صراع أوروبي ثم أمريكي روسي انتهى بانتصار استراتيجية المواجهة
الأمريكية بالتفرد بالسيطرة على العالم، وإذعان أوروبا المبكر، وسقوط الاتحاد
السوفييتي في أوائل هذا العقد.
وفي الفصل الثاني يحدد معالم النظام العالمي الجديد، الذي تقوم فلسفته على
(فكرة الخلاص) التي ظهرت مبكراً.
والمتابع لنشاط الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة التابعة لها، والإقليمية
السائرة في ركابها، يدرك أن استراتيجيتها تسير قدماً نحو المجتمع العالمي الواحد
الذي تهيمن عليه القيم (الصهيونية الصليبية) والتي كان من أخطر أدوارها زرع
إسرائيل في المنطقة الإسلامية وما نتج عن ذلك من أحداث.
وفي الفصل الثالث يستعرض ما قبل النظام العالمي الجديد، وفصول الصراع
الأيديولوجي لليبرالية والماركسية، رغم خروجهما من رحم واحدة، وكيف أنهما
نقلا الصراع بينهما فيما يعرف بالحرب الباردة إلى مسرحين: الأول: في (الشرق
الأوسط) أو ما يطلق عليه دول (العالم الثالث) . وبعد أن حُلت (المسألة الشرقية)
كان اللعب على هذا المسرح هو الأخطر في حسم كثير من الصراعات مبكراً على
عكس الظاهر لصالح الولايات المتحدة والصهيونية العالمية، عن طريق: النفَس
الطويل، والتفكير الاستراتيجي، وتوظيف العملاء، واللعب بورقة الديون،
والخداع العلمي والعسكري، وصناعة الفعل ورده؛ كل ذلك أسهم إسهاماً بالغاً في
إنهاء الجولات لصالح أمريكا إما حالاً وإما مآلاً.
أما المسرح الثاني فكان في أوروبا، وقد مارست القوتان حرباً بالوكالة
حسمت لصالح أمريكا أيضاً، حتى استطاع كيسنجر (اليهودي) أن يعلن في ١٩٧٢ م عن نهاية اللعبة وبداية الانفراج، ومن ثم التوجه نحو النظام العالمي الجديد كي
تنشر قيمه وتزدهر، وهو ما عبر عنه (كلينتون) في حفل تنصيبه قائلاً: (إن
أمريكا تؤمن أن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً
مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا) .
أما الباب الخامس والأخير فذكر فيه المؤلف أهم وأخطر آليات وأساليب إقامة هذا النظام، وقسمه إلى فصول أربعة:
تحدث في الأول منها عن مؤتمر سلام الشرق الأوسط الذي رُوّج له عقيب
قيام النظام وانتهاء حرب الخليج مباشرة؛ وكان يهدف إلى تأمين المصالح الأمريكية
والإسرائيلية في المنطقة، من خلال جر العرب إلى مفاوضات حاصلها سراب.
وفي الفصل الثاني يتحدث عن النظام الشرق أوسطي الجديد، الذي يُستهدف
من ورائه اقتطاع الجزء الأكبر من الأمة الإسلامية وإلحاقها بإسرائيل لتصبح
بالنسبة لها مجالاً حيوياً وسوقاً وقوة مضافة إليها؛ ولتمتلك إسرائيل من ذلك دوراً
أكثر فاعلية على نطاق الحركة الكوكبية؛ باعتبارها والولايات المتحدة جناحي
الصهيونية العالمية، والفكرة وصناعتها كلاهما صهيونيتان على حين تقف الأمة
أمام ما يقع منها موقف المتفرج.
واستعرض المؤلف التصور الإسرائيلي لهذا المشروع وأهم الخطوات التي
اتخذت بهذا الصدد، وذكر أن الخطر على القيم مطرد مع حجم التكامل الاقتصادي.
ثم تناول المشروعين: الأمريكي، ومنافسه الأوروبي (البحر المتوسطي)
وأهداف كل طرف ومدى استجابة المنطقة لهما.
وفي الفصل الثالث: تناول آلية لا تقل خطراً عن سابقتها وهي مركزية
السيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال مجموعة من المنظمات الدولية، وعبر
سلسلة من الإجراءات والخطط الاستراتيجية التي من أبرزها:
إقامة تحالف بين الدول الصناعية الكبرى التي تتبع النظام الرأسمالي.
الهيمنة على الموارد العالمية وعلى النشاط البشري؛ بدعوى الحفاظ على
البيئة من التلوث.
إنشاء منظمة للتجارة العالمية؛ لإزالة العقبات أمام السيطرة المركزية على
الاقتصاد.
ضبط المواليد وإحياء نظرية (مالتس) للسكان بحجة الحفاظ على نتائج برامج
التنمية في الدول النامية من وطأة الزيادة السكانية.
أما الفصل الأخير: فتحدث عن الترويج لثقافة السلام كمظلة فكرية للهيمنة
الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهي تقوم على نزع طاقة التدافع الفطرية
الموجودة لدى البشر، وإعادة توجيه هذه الطاقة إلى أمور أخرى غير القتال، بل
ونزع كل ما من شأنه استثارة الميول نحو التدافع. ولكي تنجح هذه الفكرة فلا بد
من المضي قدماً في السيطرة على التسليح في العالم، بل إلى ما هو أبعد من ذلك:
هدم فكرة الدولة باعتبارها شراً.
هدم نظام الأسرة باعتباره الكيان الباقي الحافظ للقيم.
إزالة الخصومات والثقافة العقدية.
مكافحة ما يُسمى بالإرهاب الذي يعني تصفية أي قوى تقف في طريق
مشروعهم.
وفي الختام..
فإن الكتاب قد حوى أفكاراً لا تقل أهمية عما ذكرت، وفيما ذكرته إشارة إلى
غيره، وهو يعتبر إضافة ثرة جمع فيها المؤلف ﵀ المسائل الفقهية إلى
جانب السياسة الشرعية، وتفنيد حقائق الواقع والتاريخ مع إدراك عميق لما جرى
ويجري حولنا من أحداث في أسلوب سلس تستشعر فيه صفاء النظرة والحرص
على إظهار الحق واتباعه، ويمثل حصيلة وعيٍ غنية للصحوة الإسلامية بل
وللنخبة في بلادنا. ومما يزيد من أهمية الكتاب كون صاحبه ﵀ خبيراً
استراتيجياً على درجة عالية من التخصص العلمي وسعة الاطلاع.
غير أن هذا لا يمنعني من أن استدرك أمراً ذا خطورة لعله مرّ على المؤلف
دون أن يقصده لذاته؛ حيث قدّم في ترتيبه لمقاصد الشريعة حفظ العقل على حفظ
الدين، وسوّغ ذلك بقوله: (فلا يكره أحدٌ على دينه حفظاً للعقل) . ويؤخذ على هذا
الكلام كونه ليس له أصلٌ في الشرع؛ لأن نفي الإكراه في الدين لا يعني تقديم حفظ
العقل على حفظ الدين، وإلا لما جاز قتال الكفار لمجرد كفرهم، وفي الحديث:
(أمرت أن أقاتل الناس ... ) ، كما أن الله نفى العقل عن الكافرين، والمقصود به
هنا إدراك الحقائق، فإذا كان العقل معطلاً عن إدراك الحقائق على ماهيتها فهو فاسد
مهدر، فكيف يقدّم على الدين الذي هو سبب فلاح الدنيا والآخرة، كما أنه ثبت من
الشرع تقديم حفظ ما هو أدنى من الدين (النفس) عند إشراف النفس على الهلاك
بجواز تغييب العقل بشرب الخمر حفظاً للنفس، وأنه كما هو متقرر أن لا تناقض
بين العقل الصحيح والدين الحق الذي هو الإسلام، والحق المطلق مقدمٌ عند العقلاء. كما أن الخلاف بين أهل السنة منحصر في أولوية التقديم بين الدين والنفس مع
الاتفاق على تأخر العقل عنهما، ولعل المؤلف تردد في هذا المعنى؛ إذ ذكر بعدها
كلاماً ينافي ما ذكره هنا.
стр. 2943
المسلمون والعالم
غروب الحضارة الأمريكية
القرن الحادي والعشرون قرن الانحطاط الأمريكي
كمال حبيب
عندما كتب (توينبي) في الخمسينيات كتابه الضخم المعنون بـ (دراسة
التاريخ) اعتبر أن تأثير أمريكا في الحضارة الغربية يعتمد على أن القرن العشرين
هو (القرن الأمريكي) أو قرن الرجل العادي، أي: إن البسطاء من الناس
سيحصلون فيه على حقوقهم [١] .
وفي الواقع فإن أمريكا مع نهاية الحرب العالمية الثانية وفي منتصف القرن
العشرين أصبحت قوة عالمية تتمتع بثروة وازدهار لم تعرفهما أي دولة أخرى، كما
وصلت إلى أعلى مراتب القوة، ووسعت من مصالحها وتأثيرها إلى ما هو أبعد
كثيراً من حدودها، وارتبط صعود أمريكا باعتبارها قوة عالمية مهيمنة بإعادة هيكلة
توزيع القوة في العالم لصالحها، حيث سيطرت على (اليابان) القوة الآسيوية
الكبرى، وسيطرت على (ألمانيا) أقوى دولة أوروبية، وكان الاتحاد السوفييتي
(المنهار لاحقاً) لا يزال في مرحلة بناء قوته الاقتصادية، وكانت الدول المستعمَرة
في العالم في مرحلة (فراغ القوة) ؛ أي إن الصعود والهيمنة الأمريكية ارتبطت
بضعف القوى العالمية الأخرى لصالحها، لكن الأمر لم يكن مرتبطاً بانحطاط القوى
العالمية الأخرى وحسب، وإنما كان مرتبطاً أيضاً بتوافر عناصر القوة الأمريكية
الداخلية، فأمريكا في عام ١٩٤٩م كانت الدولة الأولى في متوسط دخل الفرد،
وكان الفرد الأمريكي هو الأعلى حيازة في العالم للسيارات والتليفونات، واستهلاكاً
للكهرباء، والأكثر نصيباً في الرعاية الصحية، كما كان الأمريكيون يشترون
٦أضعاف ما يشتريه غير الأمريكيين من ملابس وأحذية، ويستخدمون ٧٠% من السيارات، و٣٥% من الطرق، و٧٠% من الطائرات المدنية في العالم [٢] ،
وتسارع النمو الاقتصادي الأمريكي ٤٠ ضعفاًَ خلال الفترة من ١٨٧٠م ١٩٥٠م،
وتزايد عدد السكان من ٤٠ مليوناً إلى ١٥٠ مليون، وبعد الحرب العالمية الثانية
أصبحت أمريكا تنتج ٥٠% من مجمل الإنتاج العالمي للسلع والخدمات، وزاد
احتياطي رأس المال لديها من ٤٥ مليار، إلى ٨٩٥ مليار، واستطاعت أمريكا
تحقيق معجزة اقتصادية خلال الحرب فضاعفت الناتج المحلي الإجمالي لها من
١٠٠ مليار سنة ١٩٤٠م إلى ٢٠٠ مليار دولار عام ١٩٤٥م، وحققت أمريكا تفوقاً
لا يضاهى في الإنتاج الصناعي، كما احتكرت تقنية القنبلة النووية [٣] . وبدأت
أمريكا بصعودها تعبيراً عما يطلق عليه علماء الحضارات: (التداول الحضاري)
أي إن صعودها ارتبط بانهيار قوى أخرى دولية لصالحها؛ باعتبار أنه لا يوجد
دوام لسيطرة قوة دولية بشكل كامل على العالم، واعتبر أن ذلك أحد الثوابت
والسنن الاجتماعية (صعود وسقوط الحضارات) ، ولم تكن القوة الأمريكية تستند
فقط إلى القوة العسكرية والاقتصادية، وإنما استندت كذلك إلى نموذج حضاري بدا
مثيراً للنظر؛ فعلى سبيل المثال كتب (دانييل بورستاين) : (أن أمريكا لديها شيء
تعلّمه لكل الرجال ليس من خلال التوقع وإنما من خلال نموذج معاش تمثله فكرة
(التراضي العام الأمريكي) [٤] .
الانحطاط الأمريكي:
من منظور حضاري فإنه مع صعود قوة عالمية مهيمنة وحاكمة، فإن هذا
الصعود قد يحمل معه بذرة ضعفه التي لا تظهر للعيان؛ لأن القوة تخفي هذا
الضعف الكامن، وهذا هو ما حدث لأمريكا، وفي الواقع فإنه منذ العام ١٩٧١م
كانت هناك تصريحات لمسؤولين أمريكيين تؤكد الضعف الكامن في بنية الهيمنة
الأمريكية، وعلى سبيل المثال: فإن نيكسون قال عام ١٩٧١م في خطاب له من
البيت الأبيض: (هناك مشاكل خطيرة تواجه قوة الأمة الأمريكية، هي: البطالة،
وانخفاض إنتاج بعض الصناعات، وتصاعد التضخم، وتراجع الدولار، والعجز
الخطير في ميزان المدفوعات) ، ونشرت النيويورك تايمز على صفحتها الأولى
مقالاً بقلم ماكس فرانك جاء فيه: (الولايات المتحدة قد لا تصبح الدولة المسيطرة في
علاقات القوة عالمياً وإن القوة الأمريكية في انحطاط) ، ونشرت مجلة (لايف) عام
١٩٧١م أن النظام العالمي لم يعد به مركز وحيد للقوة، وأن أمريكا أصبحت تواجه
نقص الموارد وانحدار السمعة وضعف الدولار، لقد بدأ انحطاط أمريكا بوصفها قوة
عالمية من أبعد نقطة في نظام الأحلاف الأمريكي، من فييتنام [٥] .
الواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية استطاعت أن تحقق نصراً مطلقاً على
خصومها في معاركها التاريخية الكبرى حتى الحرب العالمية الثانية؛ لكنها منذ
حرب فييتنام لم تستطع أن تحقق نصراً مطلقاً بلا قيد ولا شرط لأول مرة في
تاريخها، وحتى ما أطلق عليه نيكسون: (نصر بلا حرب) أي هزيمة الاتحاد
السوفييتي عبر إرهاقه اقتصادياً من خلال سباق التسلح فإنه لم يكن نصراً مطلقاً،
وكما قال ديجول: (تريد الولايات المتحدة أن تصل بالاتحاد السوفييتي إلى الخراب
والإفلاس عن طريق سباق لا نهاية له في التسلح، وقد تنجح في تحقيق ما تريد
لكنها ترهق نفسها بأكثر مما تستطيع احتماله، وقد تصل هي الأخرى إلى حالة
الإفلاس) [٦] . وحاولت أمريكا تجديد ثقافتها الاستراتيجية بصناعة نصر مطلق في
حرب الخليج الثانية على العراق؛ لكن ذلك الانتصار لم يغيّر من واقع سقوط
الإمبراطورية الأمريكية في الداخل، وكتب بول كيندي في الإكسبريس الفرنسية:
(الدولة التي تحتاج إلى مليارات الدولارات من دول أخرى لتمويل الحرب ضد دولة
نامية لا تملك القدرة على فرض نظامها على الكرة الأرضية) [٧] .
وكما هو معلوم فإن السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي ولمنظومة الدول
الشيوعية المرتبطة به في أوروبا الشرقية قاد إلى الحديث عن (نهاية التاريخ) هذه
الصيحة التفاؤلية الممزوجة بسكرة الفرحة بالسقوط غير المتوقع للقوة العالمية الثانية
المناوئة لأمريكا. لكن هذه الصيحة التي أطلقها (فرانسيس فوكوياما) ثبت خطؤها؛
إذ إن التاريخ لا ينتهي بهذه الصورة التي تخيلها، ولا يمكن لقوة واحدة أن تتحكم
وحدها في صناعته.
وبدأت الكتابات الواقعية عن السقوط الأمريكي، وعلى سبيل المثال فإن (بول
كيندي) كتب كتابه الأشهر: (قيام وسقوط القوى العظمى) وفيه حاول الربط بين
القوة الاقتصادية والقوة العسكرية؛ إذ تحدث عن أهمية القوة الاقتصادية للقوة
العسكرية، بيد أن القوة العسكرية إذا اتسعت بشكل يفوق القدرة الاقتصادية على
مساندتها فإن ذلك يشي بتدهور نسبي لقوة الدولة، كما أن قوة الدولة تعتمد أساساً
على ما إذا كان جيرانها يمتلكون أكثر أو أقل مما تملك) ، ومن ثم فإن قوة الدولة
ترتبط صعوداً وهبوطاً بقدر قوة الدول الأخرى التي تشاركها النظام الدولي، وكان
(بول كيندي) يقصد أن أمريكا تواجه فجوة كبيرة بين قوتها الاقتصادية وقدرتها
العسكرية وحجم امتدادها وتوسعها في العالم. كما أن أمريكا تواجه قوى أخرى
تمتلك اقتصاداً متعاظماً بما يمثل خصماً للمكانة النسبية لأمريكا [٨] .
كما ظهر كتاب هاري فيجي وجيرالد سوانسون بعنوان: (سقوط أمريكا قادم
عام ١٩٩٥ فمن يوقفه؟) ، وظهر كتاب (رونالد هوايت) : (القرن الأمريكي،
صعود وهبوط الولايات المتحدة كقوة عالمية) ، وظهر كتاب روجيه جارودي:
(الولايات المتحدة طليعة الانهيار) ، وظهر كتاب بريجنسكي (خارج نطاق السيطرة)
أو (الانفلات) ، وصدرت في الولايات المتحدة مئات الكتب التي تنعيها مجتمعاً
ودولة وتجربة متحدثة عن الأمراض التي تفتك بها، مثل: العنف، وتفشي
الإباحية، والمخدرات، والخواء الروحي، والفردية المفرطة، والتطرف الأعمى،
وضحالة الثقافة، والعنصرية الطاغية، والديون الخارجية الأسطورية، وسقوط
ثلث السود وسدس البيض تحت خط الفقر، والرعب من اقتراب السود وذوي
الأصل الأسباني والآسيوي من تشكيل نصف عدد السكان ... وقائمة طويلة من
الوقائع والأمراض والأزمات المستعصية التي تتراكم تفاعلاتها لتسرع بالانهيار
الشامل [٩] .
مظاهر الانحطاط الأمريكي:
هناك مؤشرات متعددة على الانحطاط الأمريكي، نشير إلى بعضها:
العنف:
في شهر مارس الماضي استيقط المجتمع الأمريكي على جريمة بشعة راح
ضحيتها أربعة من التلاميذ ومُدَرّسة، وجرح أربعة عشر تلميذاً آخرون ومدرّسة،
وكان بعضهم في حالة خطرة، نفذ الجريمة طالبان في مدرسة (ويست سايد)
المتوسطة في بلدة (جونسبورو) بولاية (أركنساو) التي كان الرئيس الأمريكي حاكماً
لها، وكان عمر أحد التلميذين أحد عشر عاماً والآخر ثلاثة عشر عاماً، وقد نفذا
جريمتهما بعد تخطيط وتصميم وتهديد مسبق لزملائهما، واستخدم التلميذان في
جريمتهما أسلحة رشاشة وأسلحة أخرى بلغ عددها تسع قطع، وكانا يرتديان ثياباً
أعدوها للتمويه ومن ثم: قرعا جرس الطوارئ في المدرسة، فهرع الطلاب
والمدرسون إلى الخارج حيث كان التلميذان يختبئان في ساحة قريبة وأطلقا النار
عشوائياً على التلاميذ والمدرسين، ثم استسلما بعد خمس دقائق، وقال (كلينتون)
إنها الجريمة الثالثة التي يقوم بها تلاميذ صغار خلال الأشهر القليلة الماضية.
وجاءت الجريمة بعد أسبوع من نشر البيت الأبيض لدراسة قالت: (إن مدرسة من
بين كل عشرة مدارس أمريكية شهدت أعمال عنف خطيرة العام الماضي) [١٠] .
وفتحت هذه الحادثة المروعة ملف العنف في أمريكا؛ حيث قدم مشروع قانون
لمجلس الشيوخ والكونجرس يطلق عليه: (قانون أمريكا بعد الدوام المدرسي) ،
وهذا القانون يشير إلى أن هناك حوالي خمسة ملايين تلميذ نسبة كبيرة منهم في سن
الثامنة والتاسعة يقضون معظم أوقاتهم بعد الدوام المدرسي وحدهم، وهم بحاجة إلى
المساعدة لإبعادهم عن مصادر المشاكل وإشغالهم بما هو مفيد، وذكرت دراسة
البيت الأبيض السابقة (أن الوقت الطويل الذي يقضيه التلاميذ في مشاهدة التلفزيون
وما يقدمه من أفلام ومسلسلات عنف يلعب دوراً رئيساً في انتشار العنف بينهم
خصوصاً الصغار منهم) [١١] .
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد قطع الأسلحة المنتشرة بين أيدي
الأمريكيين تبلغ حوالي ٢٠٠ مليون قطعة بين مسدس وبندقية، أي بمعدل قطعة
سلاح لكل أمريكي رجل أو امرأة باستثناء الأطفال، وفي عام ١٩٩٦ استخدم
السلاح في ارتكاب ٩٣٩٠ جريمة قتل في أمريكا بينما لم تُرتكب سوى ٣٠ جريمة
مسلحة في بريطانيا، و١٥ جريمة مسلحة في اليابان، وتزيد نسبة ارتكاب الجريمة
بين الأطفال دون سن الخامسة عشرة أكثر ١٦ مرة في أمريكا عما هي عليه في ٢٥
دولة صناعية مجتمعة، وكل عام تشهد أمريكا ١٣٥ ألف جريمة قتل أو انتحار أو
حادث مسلح [١٢] . وتجارة السلاح مباحة في الولايات المتحدة باعتبارها تعبيراً
عن الحرية وحق الإنسان في الدفاع عن نفسه؛ لكن الحقيقة هي أن لوبي صناعة
السلاح هو الذي يقف وراء فلسفة الترويج لحق الإنسان في امتلاك السلاح للدفاع
عن نفسه وأمنه. وفي الواقع فإن انتشار الأسلحة وتفجر العنف داخل الولايات
المتحدة الأمريكية هو جزء من ثقافة العنف التي قامت على أساسها الحضارة الغربية
وارتبطت بسحق الآخر وقتله، بيد أن تغلغل العنف في عصب النفسية الأمريكية
يجعله لا يستخدمه ضد الآخر فقط، وإنما يستخدمه ضد مواطن مجتمعه أيضاً، إنها
شهوة ممارسة العنف النابعة من الثقافة الغربية اليهودية الصليبية التي يعد العنف
أحد أبرز تجلياتها.
التطرف:
أحد التحديات التي تواجه الأمن القومي الأمريكي احتمال تصنيع المتطرفين
الأمريكان لأسلحة (بيولوجية) يستخدمونها ضد المراكز الحيوية والاستراتيجية في
أمريكا، وكان المجتمع الأمريكي يظن أن التطرف يأتي من العالم العربي
والإسلامي فقط، لكنه عاين في ١٥/٤/١٩٩٥حادثة ضخمة قام بها شاب أمريكي
راح ضحيتها ١٥٩ شخصاً، هذه الحادثة هي نسف المبنى التجاري في (أوكلاهوما) . وفي الواقع فإن بعض الكتاب الأمريكان بدؤوا الكتابة عن خطر التطرف الأمريكي
على المجتمع خاصة فيما يتصل بقدرته على استخدام الهندسة الوراثية في تصنيع
الأسلحة البيولوجية، واجتمع (كلينتون) فعلاً مع مجموعة من المتخصصين في
الهندسة الوراثية وناقش معهم ومع كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية التحديات
التي تواجه الأمن القومي الأمريكي إذا استطاعت العناصر المتطرفة الأمريكية صنع
أسلحة جرثومية. وفي تقرير لمركز (قانون الفقر) ذكر أن مؤامرات المتطرفين
اليمينيين الرامية إلى إخراج قطارات عن القضبان واغتيال شخصيات عامة ونسف
جسور زادت زيادة حادة في أمريكا في السنوات الثلاث الماضية، وأورد تفاصيل
٢٤ مؤامرة رصدها منذ حادث (أوكلاهوما) واستهدفت هذه المؤامرات نسف مبانٍ
حكومية وجسور ومكاتب صحف ومصارف.
وهناك مجموعات دينية أمريكية تؤمن بحلول نهاية العالم عام ٢٠٠٠م وأنها قد
تستخدم الأسلحة البيولوجية لتحقيق ذلك [١٣] ، وهناك منظمات متطرفة في أمريكا
تستخدم السلاح لوقف ما تراه علمنة للمجتمع الأمريكي، وهذه المنظمات تقاوم
الإجهاض كما تقاوم إباحة الشذوذ والمثلية الجنسية، وهناك منظمة أعلنت عن نفسها
تسمى: (جيش الله) نفذت فعلاً عدة حوادث في مدينة (أتلانتا) (أبرزها الانفجار
الذي حدث في أتلانتا عام ١٩٩٦م في الألعاب الأولمبية، وهذه المنظمة تطرح فكرة
المقاومة بدون قيادة، أي: تطرح فكرة اللامركزية في التصدي لما يرونه معارضاً
لأفكارهم ولو بالقوة، وينتمي منفذ حادث أوكلاهوما إلى جيش الله الذي يرى أن
هناك مؤامرة على أمريكا تقودها السلطة الفيدرالية والنظام العالمي الجديد، وأنه ما
لم يتم الإنقاذ الروحي والجسدي لأمريكا فإنها إلى زوال [١٤] .
صراع الأعراق:
نشأت الولايات المتحدة أمةً متعددة الأعراق ولكنها استندت أساساً في بنائها
الاجتماعي إلى ما يعرف باسم الـ.... أي: البيض الأنجلوساكسون البروتستانت
وهذه القاعدة الاجتماعية هي المسيطرة والمتحكمة، لكنه حدث تبدل في الخريطة
الاجتماعية والعرقية في أمريكا يؤكد نشوب نزاعات عرقية بين عناصر المجتمع
الأمريكي؛ فبحلول عام ٢٠٥٠م ستنخفض نسبة الـ.... من ٥، ٧٢% إلى ما
بين ٤٩% ٥٣%، فالسكان ذوو الأصول الإسبانية والآسيوية يتزايدون بسرعة قد
تصل بهم ليصبحوا حوالي ٣٥%من السكان عام ٢٠١٠م؛ بينما ستبقى نسبة السود
في حدودها الحالية وهي حوالي ١٢% ١٥% [١٥] . وهذا التبدل في الخريطة
العرقية يفتح الباب على مصراعيه لنشوب نزاع قومي وعرقي قد يؤدي إلى تفكيك
أمريكا. ولدينا ولاية (بورتوريكو (وهي الولاية الواحدة والخمسون في الاتحاد
الأمريكي تسعى الآن للانفصال عن أمريكا [١٦] . وكانت أمريكا قد استولت عليها
من إسبانيا عام ١٨٩٨م، ولا يزال سكانها يتكلمون الإسبانية ويقاومون محاولات
الإدماج الأمريكية بجعل الإنجليزية لغة رسمية، وبشكل عام: فإن ما أطلق عليه
في الستينيات بوتقة الصهر للدلالة به على نجاح إدماج الأقليات في النظام الأمريكي
ثبت إخفاقه اليوم؛ ويتصاعد الحديث عن تنامي نزوع الأقليات ليصل إلى تأكيد
الذات والاستقلال. وإذا واجهت الولايات المتحدة الأمريكية مشاكل حقيقية فيما
يتصل بالانهيار الاقتصادي فإن احتمال تصاعد تفككها سيكون كبيراً؛ لأن المشكلة
الاقتصادية تفجر بدورها مشاكل الأقليات وتعزز مطالبها بالاستقلال، وهناك كتاب
مهم لآرثر شليزينجر) بعنوان: (تفكيك أمريكا) يتحدث فيه عن مشاكل الأقليات
خاصة السود ونزوعهم نحو الاستقلال، وأن هذا سيؤدي إلى تفكيك أمريكا.
الانهيار الأخلاقي:
يبين كتاب بريجنسكي (الانفلات) Out of Control بوضوح أن الخطر
على أمريكا يتمثل في الأبعاد الأخلاقية والثقافية وانحدار مركزية المعايير الأخلاقية
مع مضاعفة الانهماك في الإشباع الذاتي المادي الحسي، ويستخدم تعبير: (استباحة
الإباحة) Premissive Corrucopia للتعبير عن وضع المجتمع الأمريكي الذي
تستبد به قيم الاستهلاك وإشباع الغرائز بشكل مجنون، وارتبط إشباع الغرائز
بغياب أي معايير أخلاقية؛ ولذا: انتشر الفساد والمخدرات وجرائم الشوارع،
ويذكر بريجنسكي أن انتصار الشعار القائل بأن الله قد مات سبحانه وتعالى عما
يقولون علواً كبيراً لم يحدث في الدول الشيوعية الإلحادية وإنما في المجتمعات
الغربية الديمقراطية الليبرالية التي عدت التساهل الأخلاقي تقدماً ثقافياً. وتحدث
بريجنسكي عن الفساد الأخلاقي والانحلال الثقافي الذي تقدمه وسائل الإعلام خاصة
التلفزيون، حيث تقضي ربة البيت الأمريكية ثماني وعشرين ساعة ونصف الساعة
أمام التلفزيون أسبوعياً، ويقضي الشباب المراهق عشرين ساعة أمام التلفزيون
أسبوعياً، ويقضي ٢٠% من أطفال أمريكا خمساً وثلاثين ساعة أسبوعياً أمام
التلفزيون، وبرامج التلفزيون تدعو للإباحية وإشباع الشهوات الفردية والقسوة،
وجعل بريجنسكي مفهوم الأنانية وإشباع الرغبات الذاتية وتحقيق المتعة الفردية يهدد
أمريكا من الداخل [١٧] . وعلى سبيل المثال: فإن جرائم القتل تمثل العامل
الرئيس للوفاة في أمريكا؛ حيث يأتي ترتيبها متقدماً على مرض خطير كالسرطان،
وتواجه أمريكا ما يطلق عليه (أبارتيد اقتصادي) حيث يوجد طفل واحد من بين كل
٨ أطفال لا يأكل ما يشبعه، وموت الأطفال في أحياء السود الفقيرة يجاوز المعدلات
التي تحدث في بلد مثل سيريلانكا وبنما وشيلي، كما أن المفاهيم التي يرفعها الغرب
عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية هي مفاهيم زائفة، وتكفي الإشارة إلى أن
الثروة هي التي تشتري الإعلام والسلاح، وهذا ما يفرض على بقية المواطنين
الذين لا يملكون وسائل السيطرة إكراهاً يسميه البعض (بالرق الحديث) . وإن تكلفة
مقاعد الكونجرس في أمريكا تصل إلى ٥٠٠ مليون دولار. وتنتشر المخدرات بين
الشباب كما ينتشر الشذوذ والمثلية الجنسية. وفي الواقع فإن المبالغة في (استباحة
الإباحة) هي التي ستؤدي إلى تفكيك أمريكا؛ فهي أكثر خطراً من الصين أو غيرها
كما قال بريجنسكي.
الانهيار الاقتصادي:
في كتابهما: (سقوط أمريكا) يوضح المؤلفان أن أمريكا هي الدولة المدينة رقم
واحد في العالم؛ حيث لا يكفي دخلها القومي لتغطية نفقاتها، وحذر الكتاب من أن
الديون الأمريكية وفوائدها ستصل إلى درجة يعجز معها النظام عن السيطرة عليها
مع نهاية العقد الحالي.
وتنفق أمريكا على الديون وفوائدها أكثر مما تنفقه في قطاعات التعليم
والتطوير الحضاري والزراعة والعمل والعدل والمواصلات الداخلية مجتمعة،
وأشارت الدراسة إلى أن فوائد الديون الأمريكية بلغت ٤٠٠ مليار دولار بينما بلغت
الديون ٤ تريليون دولار عام ١٩٩٢م، وتشير التقديرات إلى أن فوائد الديون
وصلت ٥١٧ مليار دولار عام ١٩٩٤م، ومع قرب نهاية القرن العشرين فإن أمريكا
ستبدو كأنها دولة مفلسة، وبالطبع فإن الوضع الاقتصادي المنهار سيؤدي إلى
تراجع الهيمنة الأمريكية والعودة إلى أدراجها، وهناك تراجع في نسبة الإنتاج
الأمريكي بالنسبة إلى الإنتاج العالمي؛ فنسبة قوة أمريكا من الإنتاج العالمي كانت
٥٠% بعد الحرب الثانية، وبحلول عام ١٩٧١م أصبحت تنتج ما يمثل ٣٠%،
وأصبحت تستهلك أكثر مما تنتج مما جعلها تعتمد على البترول العربي، ومع بداية
السبعينيات واجهت أمريكا لأول مرة في تاريخها تدهور قدرتها التنافسية في العالم؛
إذ أصبحت وارداتها أكثر من صادراتها (٤٥ مليار دولار للواردات مقابل ٤٢ مليار
صادرات) ولم يعد الدولار قاعدة للتحويل إلى الذهب، ومنذ عام ١٩٨٥م أصبحت
أمريكا مدينة لأول مرة [١٨] .
وأخيراً: فإن مظاهر الانحطاط الأمريكي تؤكد أن أمريكا كبقية
الإمبراطوريات إلى زوال، ولا شك أن انهيارها سيؤدي إلى تعديل جديد في
موازين القوى السياسية يكون لصالح المسلمين بإذن الله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
بَيْنَ النَّاسِ] [آل عمران: ١٤٠] فالسنة الحضارية تؤكد انحطاط قوى
الإمبراطوريات بعد صعودها، وأمريكا ليست استثناءً من ذلك.
стр. 2944
المسلمون والعالم
الدور الصهيوني في الخلاف التركي السوري
باسل يوسف النيرب
تطورت العلاقة التركية الإسرائيلية من خلال السعي الإسرائيلي في توسيع
مدى العلاقة في آسيا وأفريقيا، فكان الاتفاق الإسرائيلي التركي الإيراني نحو
الشرق الأوسط، والإسرائيلي الأثيوبي في إفريقيا بداية للتغلغل الإسرائيلي.
وجاء الاعتراف التركي بـ (إسرائيل) في ٨/٥/١٩٤٩م، من خلال تصريح
أدلى به وزير خارجية تركيا، نجم الدين صادق، ومما جاء في التصريح: (إن
دولة (إسرائيل) حقيقة واقعة، وقد اعترفت بها أكثر من ثلاثين دولة، والآن يتجسد
رسمياً في هذا الاعتراف الرسمي) ، وكانت تركيا أول بلد إسلامي شرقي يعترف
بـ (إسرائيل) ، وفتحت أول مفوضية تركية بـ (إسرائيل) ، وعُيّن إلياهو ساسون
أول سفير إسرائيلي في تركيا.
ومع نهاية الخمسينيات التقى رئيس (إسرائيل) ديفيد بن غوريون مع رئيس
وزراء تركيا عدنان مندريس، وتم الاتفاق على رفع مستوى التمثيل والتعاون
السياسي والاقتصادي بين البلدين، وكتب ديفيد بن غوريون عن بداية التعاون
والتغلغل في آسيا وأفريقيا إلى الرئيس الأمريكي أيزنهاور قائلاً: (إن هذا التحالف
يجب أن يثير اهتمام الولايات المتحدة، نظراً لأهمية تركيا، وللمصلحة الخاصة
للولايات المتحدة بالحفاظ على أمنها) . وقد أكد بن غوريون في حديثه على أن
مجموعة الدول التي يتحدث عنها قادرة على حماية الحرية في الجزء الشرقي من
الشرق الأوسط.
في أعقاب حرب ١٩٦٧م، شهدت العلاقة التركية الإسرائيلية فتوراً،
فاستدعت تركيا سفيرها من إسرائيل، وظل التمثيل على مستوى دبلوماسي بدرجة
مفوضية يقوم بها قائم بالأعمال بدرجة سفير، وتضم عدداً من الدبلوماسيين بينهم
ملحق عسكري، وخلال هذه المرحلة اتسمت العلاقة بعدم الوضوح. ومع بداية عام
١٩٧٠م وخلال انعقاد المؤتمر الدولي الأول لوزراء خارجية الدول العربية والبلدان
الإسلامية في مارس ١٩٧٠م حاولت تركيا استمالة المؤتمرين إلى سياسة أكثر ليونة
مع (إسرائيل) . وفي أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣م، حاولت تركيا تدعيم علاقاتها
بالدول العربية، فقامت في عام ١٩٧٥م بالتصويت مع العرب في الأمم المتحدة
على القرار الذي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.
في بداية عام ١٩٨٠م شهدت العلاقة عدة متغيرات، إذ تم مرة أخرى خفض
التمثيل الدبلوماسي التركي رداً على قرار الكنيست الإسرائيلي بإعلان القدس
عاصمة أبدية لدولة (إسرائيل) ؛ وبسبب عدم تراجع (إسرائيل) عن الأمر الواقع
الذي تريد إيجاده فيما يتعلق بالوضع الدولي لـ (القدس) ؛ أغلقت تركيا قنصليتها
في القدس، واستدعت القائم بالأعمال للتشاور، وأبلغت (إسرائيل) تركيا بالقرار
الإسرائيلي بتخفيض مستوى العلاقات، وفي الوقت ذاته قدم حزب الخلاص الوطني
التركي طلباً بحجب الثقة عن وزير الخارجية بسبب سياسته المؤيدة لـ (إسرائيل)
والمنفرة للبلدان الإسلامية.
بدأ الانفراج في العلاقات التركية الإسرائيلية عقب عام ١٩٨٥م؛ حيث رفع
مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الطرفين إلى مفوضية، وعين أكرم عو بندرين أول
سفير تركي في (إسرائيل) عقب سلسلة من الأزمات التي عرفتها علاقات البلدين،
وعقب مؤتمر مدريد للسلام رفعت تركيا تمثيلها الدبلوماسي مع (إسرائيل) إلى درجة
سفير، مما أدى إلى تدهور علاقاتها مع دول الجوار خاصة في قضيتي المياه
والأكراد.
الاختلاف بسبب المياه:
وبخصوص قضية المياه، فإن السياسة التركية تتصرف فيها منفردة عبر
إنشاء شبكة ضخمة من السدود، ودون أدنى اعتبار لمصلحة كل من سوريا والعراق. وقد بدأت أزمة المياه بعد وضع حجر الأساس لبناء سد (كيبان) على نهر الفرات
بتركيا.
وفي يناير ١٩٩٠م أوقفت تركيا مياه نهر الفرات عن سورية لمدة شهر كامل
بحجة ملء سد أتاتورك؛ مما جعل سوريا ترى أن الإشراف التام على نهر الفرات
قد أصبح بيد تركيا، وهو الأمر الذي يهدد الأمن الأقتصادي والغذائي والسياسي
لسورية. وفي عام ١٩٩٥م دخل ملف الفرات مرحلة جديدة بعد أن بدأت تركيا
بإقامة سد (بيرجيك) بتمويل دولي، إضافة إلى ارتفاع نسبة التلوث في رافد (البليخ)
أحد روافد نهر الفرات إلى نسبة تجاوزت الحد المسموح به دولياً. وازدادت أزمة
المياه بعد إقامة مشروع (جاب) التركي بما يقتضي إقامة ١٧ سداً على نهر الفرات،
و٤ سدود على نهر دجلة، مما يخفض نصيب سورياً من نهر الفرات من ٢٨ مليار
متر مكعب إلى ١٣ مليار متر مكعب، ويترتب عليه استبعاد ٤٠% من حوض
الفرات في العراق من الاستغلال الزراعي، إضافة إلى تضرر أكثر من ثلثي
الأراضي الزراعية المروية من نهر الفرات.
وتطالب سوريا برفع المنسوب إلى ٧٥٠ متر مكعب ليستفيد منه العراق
وسوريا، كما تطالب بوقف إنشاء السدود؛ نظراً للخطر الذي يصيب الحياة
الزراعية والمرافق الحيوية وخاصة سد تشرين؛ باعتبار أن سوريا تسعى إلى إقامة
محطات توليد كهربائية لإنتاج ٦٣٠ ميجا وات، وتخزين بليوني متر مكعب من
المياه.
قضية عبد الله أوجلان:
أما حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان، فإن الحديث عنه وعن
الحركة الكردية المطالبة باستقلالها يطول؛ لكن الأمر باختصار أن الحركة الكردية
قامت في عام ١٩٨٤م في جنوب شرق الأناضول، وبدأت بشن عمليات داخل
تركيا، وهذه المعارك الدائرة بشكل يكاد يكون مستمراً تكلف الحكومة التركية ٩
ملايين دولار سنوياً، إضافة إلى البلبلة الداخلية التي لم تسفر عن حل للمواجهات
بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني بل عززت النزاعات الانفصالية داخل تركيا.
تركيا من الداخل:
إن ما يحدث على الصعيد التركي (الإسرائيلي) يعود في أساسه إلى بقايا نفوذ
يهود البلقان وتغلغلهم داخل الجيش التركي منذ انقلاب أتاتورك، ونجاحهم في
تشجيع الاتجاه نحو الغرب وانفصال تركيا عن محيطها العربي الإسلامي، وفرض
العلمانية واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية. وتعاني تركيا من أزمة
هوية ناتجة عن التأرجح بين الرغبة في الانتماء السياسي الغربي والحالة السابقة
التي كانت سائدة في تركيا والمتمثلة في الانتماء الإسلامي، ومن أزمات تركيا أيضاً: الصراع بين العلمانيين والإسلاميين الذي يعد صراعاً خطراً على الوحدة التركية.
والصراع الحالي في تركيا دائر بين العثمانية والكمالية؛ فالعثمانية تعني محاربة
الكمالية والبعد عن التوجهات الحديثه، والكمالية تمنع الإرث العثماني من الظهور
تحت أي سبب من الأسباب.
الأوضاع الخارجية:
ترتب على ما سبق أن تركيا اعتبرت نفسها امتداداً للغرب؛ ولهذا تولت
عملية منع التوسع السوفييتي في المنطقة قبل انهياره، وحاولت السيطرة على
البلدان المستقلة عن الاتحاد السوفييتي سابقاً، ولهذا أيضاً نجد أن المؤسسة
العسكرية التركية عادت إلى فرض قراراتها بعد فترة من حكم السياسيين، وهناك
مشكلات تعاني منها تركيا مع دول الجوار في كل من أرمينيا، وإيران، والعراق،
واليونان؛ وكان لها علاقات متميزة مع الولايات المتحدة جعلتها تعتقد أنها جديرة
بالموافقه الأمريكية على المشاريع التركية في المنطقة؛ إلا أن النقد الذي وجهته
الخارجية الأمريكية لمذابح الأرمن في تركيا عام ١٩١٥م ١٩١٦م، إضافة إلى ملف
حقوق الإنسان في تركيا سجلا تراجعاً أمريكياً عن تأييد الموقف التركي في هذا
الصعيد.
ومن آثار العلاقات الخارجية على الموقف الداخلي في تركيا نجاح واشنطن
في عقد اتفاق سلام بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود وبرزاني
والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، بعيداً عن تركيا التي أخفقت
في إنجاح أي وفاق بين الخصمين يعطي الحزبين فرصة لإقامة كيان كردي، ويبعد
شبح التغلغل التركي المقلق للحزبين في المنطقة، والذي يمكن أن ينتقل به الوضع
إلى المناطق التركية لإقامة كردستان الشمالية الواقعة جنوب تركيا وهو ما ترفضه
الحكومة التركية جملةً وتفصيلاً.
إسرائيل وتركيا:
مهما تعددت الأزمات على الصعيد التركي فإن الدور الإسرائيلي للمطلع على
خفايا العلاقات التركية الإسرائيلية يبدو جلياً؛ لأن (إسرائيل) تلعب دور الممول
بالمعلومات والمخابرات لتركيا في سياساتها ومواقفها الخارجية، مع سوريا أو
غيرها، وهذا ما أكدته تقارير مجموعة (جنيز) للدراسات العسكرية في لندن في
تحليل منشور يوم ٨/١٠/١٩٩٨م، مما يوجب أن نلقي الضوء بشكل أوضح على
طبيعة العلاقة ونوعها وأبعادها على دول المنطقة.
العلاقة الاقتصادية:
تعود بداية العلاقة الاقتصادية بين تركيا و (إسرائيل) إلى عام ١٩٥٠م حين تم
توقيع اتفاقية مقايضة بين أنقرة وتل أبيب، وبدأت (إسرائيل) بموجبها باستيراد
الأغنام التركية، والأعلاف ومختلف المنتجات التركية، وفي المقابل تصدير سلع
صناعية إلى تركيا. وفي منتصف الستينيات شاركت (إسرائيل) في معرض
(أزمير) التقليدي وعرضت فيه ١٥٠ شركة إسرائيلية سلعاً تقدر بـ ٢٢ مليون
دولار، وأرقام التبادل التجاري تدل على مدى التعاون الاقتصادي الذي تألف على
إثره مجلس العمل التركي الإسرائيلي الذي يعمل على تنمية وتطوير التعاون بين
الدولتين، ويرتكز التعاون الاقتصادي بين (إسرائيل) وتركيا على التجارة والسياحة
والزراعة وكان رد الفعل العربي لذلك هو إدراج الشركات التركية التي تعاونت مع
إسرائيل ضمن قائمة المقاطعة العربية.
ارتفع مستوى التمثيل في المجال التجاري، وافتتحت (إسرائيل) ممثلية
تجارية في إسطنبول، وفي الوقت ذاته دعي وزير التجارة التركي إلى إقامة سوق
حرة للتبادل التجاري بين البلدين، ونص الاتفاق على إلغاء الرسوم الجمركية بينهما، مما يشكل الخطوة الأولى نحو النظام الشرق أوسطي، وفي إبريل ١٩٩٥م وقعت
تركيا و (إسرائيل) اتفاقاً للتعاون في التنظيم النوعي للإدارة، وتضمّن الاتفاق
تدريب أصحاب المهن وعقد اجتماعات دورية، وتبادل المعلومات والمحاضر
والنشرات، وتقديم المساعدة لتطوير برامج تعليمية في مجالات نوعية مختلفة. كما
برز التعاون الزراعي بين البلدين والذي يتمثل في مشروع تنمية شرق الأناضول
ويشمل إقامة عدد كبير من السدود والمحطات الكهربائية.
أما في الجانب السياحي، فقد أكد وزير السياحة التركي مصطفى تركمان أن
تركيا و (إسرائيل) ليستا في حاجة للتنافس السياحي بل على العكس ينبغي عليهما
التعاون من أجل تشجيع وزيادة الحركة السياحية إلى المنطقة، وتم توقيع اتفاقية
التعاون السياحي بين تركيا وإسرائيل عام ١٩٩٢م، حيث تقوم تركيا بنقل صورة
عن تاريخها عن طريق السياح اليهود، واستمالة الرأي العام الإسرائيلي نحو تركيا، وتحصل تركيا على دخل من السياحة الإسرائيلية يُقَدّر بـ ٢٥٠ مليون دولار
وذلك عام١٩٩٠م، وتستقطب (إسرائيل) السياحة التركية من خلال الترويج
للعلمانية والديمقراطية.
وفي مجال المقاولات، تعتمد (إسرائيل) على شركات المقاولات التركية في
مجال بناء المستوطنات، ويعمل في (إسرائيل) من (٢٥٠٠ ٥٠٠٠) عامل تركي،
بنسبة تتراوح من ٥ ١٠ بالمائة من العمالة في (إسرائيل) .
التعاون الأمني العسكري:
الحديث الذي ظهر مؤخراً عن المناورات العسكرية والتعاون الأمني، وإقامة
حلف أمني، يعود في بداياته العلنية إلى عام ١٩٩٤م وذلك من خلال مناورة جوية
مشتركة كانت الأولى من نوعها، وتم خلالها تزويد الطائرات التركية المختلفة
بالوقود من طائرة بوينغ إسرائيلية، وكان الهدف من هذه المناورة تشجيع مبيعات
الصناعات الجوية الإسرائيلية، كما زار قائد سلاح الجو التركي (إسرائيل) لإجراء
مباحثات لتحسين طائرات الفانتوم عقب التحسينات على طائرات (إف ٥) وإنتاج
أجزاء من طائرات (إف ١٦) الأمريكية.
تم توقيع اتفاقية التعاون العسكري بين (إسرائيل) وتركيا في ٢٣ فبراير
١٩٩٦م، وتضمنت الاتفاقية العمل على إيجاد حوار استراتيجي بين تركيا
و (إسرائيل) ومعرفة توقع الأخطار التي تعمل على تهديد (إسرائيل) وتركيا، كذلك
إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة بين الجيشين في مختلف المجالات
البرية والبحرية والجوية، ونص الاتفاق على تعهد إسرائيلي لتركيا بتقديم
المعلومات اللازمة عن حزب العمال الكردستاني، كما تضمن الاتفاق القيام بثماني
مناورات جوية في السماء التركية، وأن تقوم تركيا باستقبال الطيران (الإسرائيلي)
على أراضيها، وللطائرات الإسرائيلية الحق في اللجوء إلى الأراضي التركية عند
إعلان حالة الطوارئ في (إسرائيل) ، ونصت الاتفاقية على التعاون في مجال
الاستخبارات بين البلدين.
لم يكن هذا الاتفاق الأول من نوعه؛ إذ وقعت تركيا مثله مع ليبيا ١٩٧٥م
وإيران ١٩٧٧م والعراق ١٩٧٩م والسعودية ١٩٨٤م والكويت ومصر ١٩٨٧م
والأردن والإمارات ١٩٨٩م وتونس ١٩٩٠م. وتعتبر هذه الاتفاقيات سارية
المفعول إلا أنه لم يتم توظيفها رسمياً. ومن خلال الاتفاق العسكري التركي
(الإسرائيلي) عملت تركيا على تحسين كفاءتها العسكرية والأمنية، بينما نجد أن
هدف الجانب (الإسرائيلي) هو اختراق المجال الجوي التركي، وإحكام القبضة على
سوريا والضغط عليها من خلال المفاوضات الدائرة حول الجولان، كما يتيح
الاتفاق الاستعانة بالخبرات العسكرية (الإسرائيلية) لقمع المقاومة الكردية، ويشكل
الاتفاق ورقة ضغط تركية (إسرائيلية) على العراق وسورية تحديداً؛ حيث إن مد
أنابيب المياه من تركيا إلى (إسرائيل) سيؤثر على نصيب العراق وسورية من المياه.
مما لا شك فيه أن لكلا الدولتين أسبابهما الخاصة في التعاون الاستراتيجي؛
ففي كتابه: (نحو شرق أوسط جديد) أكد شمعون بيريز أن القادة الأتراك اندفعوا
نحو تطوير علاقاتهم مع تل أبيب، وقد تجسد ذلك في زيارة تانسو شيلر إلى
(إسرائيل) في نوفمبر ١٩٩٤م، ورأت تركيا أن (إسرائيل) تشكل بوابة للعبور نحو
إيجاد حصة اقتصادية مناسبة لها في المرحلة الجديدة لها في منطقة الشرق الأوسط،
كما أنها ستستفيد بالخبرات (الإسرائيلية) .
وتأسست العلاقة التعاونية على مخرج لـ (إسرائيل) وإن كانت قد وقعت
اتفاقات مع الدول العربية إلا أنها ما زالت متعثرة في مسيرتها بالتطبيع مع
(إسرائيل) ، هذا ويطمح الجانب (الإسرائيلي) بتفكيك البنية التحتية لما يسمونه بـ
(الإرهاب) وهذا يتوافق مع المفهوم المرحلي الأمني عند كل من تركيا و (إسرائيل)
من جراء الرفض الأوربي لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، والموقف الأوربي
المساند (للشرعية الدولية) فيما يخص مؤتمر مدريد ونتائجه الحالية. كما تعاني
تركيا و (إسرائيل) من عدم الاستقرار السياسي الداخلي؛ فتتصاعد حدة المشكلة
الكردية ويتصاعد الانقسام العلماني الديني في (إسرائيل) .
وعلى أي حال فتوقيع الاتفاقية وما ترتب عليه من مناورات مشتركة في عام
١٩٩٧م أدت إلى رد فعل عربي معارض للمناورات العسكرية؛ فسوريا اعتبرت
المناورات أداة ضغط عليها في المفاوضات (الإسرائيلية) السورية حول الجولان،
ورأت مصر أن المناورات عبارة عن رسالة سلبية كما اعتبرت إيران أن توقيع
الاتفاق يتعارض مع المصالح الأساسية للعالم الإسلامي.
وفي خضم الصراع الدائر في المنطقة لا بد من التنويه إلى أهمية الموضوع
المائي؛ فتركيا لها نصيبها من مياه الفرات، و (إسرائيل) تعاني من نقص مائي
شديد لمشاريع التنمية التي تقوم بها، واستغلال الجزء الأكبر في عمليات التصنيع
والزراعة؛ فالتعاون المائي التركي والإسرائيلي من خلال مشاريع أنابيب السلام
يسير قُدماً؛ فقد طرح الرئيس (الإسرائيلي) عزرا وايزمن مشروعاً لجر المياه من
تركيا إلى (إسرائيل) ، أجرى المدير العام لهيئة تخطيط المياه في (إسرائيل) (تاهل)
محادثات حول بناء ميناء للشحن والتصدير على مصب نهر (مانا فقات) على البحر
المتوسط جنوب أضنة والذي يشكل حوضاً طبيعياً يحتوي على نحو ٧، ٤ مليار م ٣ سنوياً، وكانت تشيلر رئيسة الوزراء التركية خلال زيارتها لـ (إسرائيل) أكدت
أن بلادها مستعدة لبحث الطرق التي من خلالها يتم استغلال الفائض من مياهها
لخدمة الشرق الأوسط.
الأزمة الأخيرة:
إن تتبع مسارات العلاقة التركية السورية في الفترة الأخيرة يفسره إلى حد
كبير التعاون بين تركيا و (إسرائيل) ، فالعلاقة من عهد شيلر أخذت منحى تصاعدياً. وتسعى السياسة التركية الآن وبعد التصعيد الأخير مع سورية إلى ضم أكبر عدد
من الدول العربية إلى هذا الحلف، ومن ذلك ما صرح به مسعود يلمز من أن
الحلف بين تركيا و (إسرائيل) ليس موجهاً ضد طرف ثالث، في حين اعتبر
الجانب (الإسرائيلي) أن الحلف يخدم المصالح التركية والإسرائيلية، وأكد (نتن
ياهو) رئيس وزراء (إسرائيل) على أن هذا الحلف يشكل خطوة نحو إرساء السلام
في المنطقة؛ وساعده في ذلك تأكيد (يلمز) على أن الهدف هو استقرار المنطقة.
إن المتتبع لمراحل الأزمة يرى أن هناك انعطافاً أصاب السياسة التركية
الخارجية مؤخراً، ويرى كيف تطورت العلاقات العسكرية إلى علاقات اقتصادية
مرتبطة بالمصالح الحيوية (الإسرائيلية) ، ويشهد على ذلك المناورات العسكرية
التركية (الإسرائيلية) التي تحظى برعاية أمريكية، وانضمام تركيا إلى برنامج
الصاروخ (آرو) السهم؛ الذي يتم العمل على تطويره بين الولايات المتحدة
و (إسرائيل) ، إضافة إلى تحديث الطائرات الجوية التركية بمساعدة مؤسسة
الصناعات الجوية (الإسرائيلية) .
ومن ناحية أخرى تؤكد الصحف السورية والمصرية على تورط (إسرائيلي) ؛
في هذه الأزمة خصوصاً أن خبراء الموساد أشرفوا على عمليات الملاحقة ضد أفراد
حزب العمال الكردستاني وتدريس العمليات العسكرية مثل: الليطاني، عناقيد
الغضب في ثكنات قوات الحدود، ويلاحظ أيضاً في هذه العملية النفي الرسمي
وعلى لسان الخارجية الأمريكية لوجود أي علاقة إسرائيلية في الحشود ضد سورية. هذا ويلاحظ على السياسة الخارجية التركية بناءً على الموقف التركي والأمريكي
الرغبة في التعامل العلني أكثر من قبل مع (إسرائيل) على اعتبار أنها الحليف
الأول لها في منطقة الشرق الأوسط، والاستمرار في التعبير عن الانتماء إلى
المعسكر الغربي.
ومن المفيد الآن استعراض تأثير هذا التحالف على بلدان الجوار لتركيا
والدول الشرق أوسطية في ظل الرفض التام للسياسة التركية في مجال الحشود على
الحدود مع سوريا:
* يمنح هذا التحالف الفرصة لضرب التحالف الإيراني السوري بمنح القوات
(الإسرائيلية) مجالاً واسعاً في شمال سوريا، مما يجعل القوة السورية تشتت
جهودها في الشمال والجنوب في مواجهة القوة (الإسرائيلية) ، ويسوّغ الإجراءات
والموقف السوري من التصعيد أو الحلف القائم أصلاً بين (إسرائيل) وتركيا والذي
يؤدي إلى خرق الجسم العربي.
* تأثير العلاقة على الأردن من خلال التدهور المستمر في العلاقة الأردنية
السورية والتي ظهرت مجدداً، والأردنية العراقية، مما يجعل الأردن يبحث عن
تعاون للخروج من المأزق الحالي وفي نفس الوقت يطالب الأردن بهوية أمنية شاملة
لكل الدول العربية، مع تأكيد الجانب الأردني أنه ليس طرفاً في أي تحالف؛ مع
أن الجانب الأردني شارك في المناورات الجوية والبحرية بين تركيا و (إسرائيل)
بصفة مراقب مما يشكل خطوة إلى جر الأردن لهذا الحلف نظراً لتأثيره على العالم
العربي.
* أما إيران فإنها تحاول الفرار من هذا التحالف بإنشاء نظام دولي متعدد
الأقطاب، يشمل الصين وروسيا إضافة إلى تحالف آخر مع سوريا ومصر؛ مما
سيؤدي إلى خلق تكتلات جديدة في المنطقة تعمل على حفظ توازن منطقة الشرق
الأوسط، وفي المقابل ترى (إسرائيل) أن أي تهديد لسوريا هو تهديد لإيران التي
تخشاها (إسرائيل) لكونها قوة عسكرية تسعى لأن تكون نووية؛ إضافة إلى أن هذا
الحلف التركي (الإسرائيلي) يعطي الفرصة لـ (إسرائيل) لكشف المواقع العسكرية
النووية الإيرانية.
إن ملف الخلاف السوري التركي مثقل بالعديد من التعقيدات التي ما زالت
عالقة حتى بعد اللقاءات الأمنية بين الطرفين. ويدخل ضمن هذه التعقيدات والتي
يعد سبباً أساسياً لانفجارها مجدداً المحور (الإسرائيلي) الذي يمثله الحلف التركي
(الإسرائيلي) . ولا يخفى أن الوضع في تركيا قائم على التحالفات بين الحكومة
والعسكريين الذين تولوا الحكم بعد انقلابات عسكرية، ومنها ما حدث في سنوات
١٩٦٠م، ١٩٧١ و١٩٨٠ وأحياناً جاءت الانقلابات العسكرية خلف القناع الحزبي.
إن التهديد التركي لسورية بين قوة تركيا من الناحية العسكرية خاصة وأنها
قوة إقليمية لا يستهان بها، وفي الوقت نفسه بين حالة الضعف السياسي التي
وصلت إليها تركيا مما يدفع للتأكيد على قوة المؤسسة العسكرية التركية الحاكمة.
وجاء الغضب التركي إثر العديد من العوامل وعبر قنوات عسكرية مباشرة،
ولكن الموقف السوري الذي حاول جاهداً إبعاد شبح الحرب عبر سلسلة من
اجتماعات حدودية شارك فيها ١١ مسؤولاً من وزارة الخارجية والدفاع وجهاز
المخابرات من كلا البلدين نقل الحوار إلى الجانب الأمني بعد أن كان في الجانب
السياسي، وقد انتهت الاجتماعات في منطقة سيجان الحدودية قِبَل الحشود التركية
على الحدود مع سورية.
وخلال الاجتماعات اتفق الطرفان على تأجيل البحث في قضية لواء
الإسكندرونة، وعدم تحرش الجيش التركي بالسكان على الحدود التركية السورية،
وتركزت المطالب التركية على شرح مخاوفها من جراء الأعمال التي يقوم بها
حزب العمال الكردستاني، وفي الوقت نفسه أكد الوفد السوري أن الأراضي
السورية ليست نقطة انطلاق لأعمال يقوم بها حزب العمال الكردستاني. ولتعزيز
الاتفاق من الناحية الأمنية؛ فقد اتفق الطرفان على إقامة خط ساخن لتبادل
المعلومات وخصوصاً بعد توافر مناخ الثقة الذي صاحبه زيارات لبعض المختصين
الأتراك إلى بعض المواقع في سورية للتأكد من إغلاق مقرات حزب العمال
الكردستاني ومنع المساعدات المالية، واعتبار حزب العمال الكردستاني حزباً
إرهابياً يُقدّم أعضاؤه إلى القضاء.
وفيما يخص موضوع المياه، تبحث دمشق عن قسمة عادلة ونهائية بدلاً من
الاتفاق المرحلي لعام ١٩٨٧. ولكن يبقى السؤال الذي سيفجر الخلاف مجدداً: ماذا
عن علاقات التعاون والتدريب وتحديث المعدات العسكرية التركية من قِبَل
(إسرائيل) ؟ فما زال هذا السؤال هاجساً للسوريين وخاصة أمام الرغبة
(الإسرائيلية) في فتح مجالات تعاون أخرى مع تركيا ومداخل أخرى لها في الشرق
الأوسط.
ختاماً:
يُجمِع الخبراء والسياسيون الأتراك على أن الولايات المتحدة دفعت تركيا إلى
هذا العمل، وقد أكد هذا الاستنتاج المفكر والمحلل السياسي عبد الرحمن ديلي ياك؛
فأكد أن الولايات المتحدة تتخذ من تركيا أداة لضرب سوريا من أجل التغيير
السياسي فيها، ويؤكد د. ماهر قيناق وهو محلل استراتيجي أن الولايات المتحدة
و (إسرائيل) تدفعان تركيا للعدوان على سوريا، لتوريط تركيا في منطقة الشرق
الأوسط المتفجرة ولمنع وصول (الأصولية) إلى الحكم خلال فترة ما بعد حافظ الأسد.
وعليه فإن الحرب بعيدة، ولكن الهدف توجيه رسالة من الحلف المعلن أصلاً
بتعاون أمني عسكري اقتصادي بين تركيا و (إسرائيل) وخلط الأوراق في منطقة
الشرق الأوسط لتكون (إسرائيل) هي الرابحة في هذا الوقت الحرج؛ خاصة أن
جسور المفاوضات عادت من جديد وأخذت اللغة الدبلوماسية دورها ولو بشكل
مرحلي.
стр. 2945
المسلمون والعالم
المقاومة الفلسطينية خلال نصف قرن
١٩٤٨ ١٩٩٨م مدخل للتقييم
(٢/٢)
د. محسن محمد صالح
في الحلقة الماضية استُعرضت تجارب المقاومة الفلسطينية عبر مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى (١٩٤٨ ١٩٦٧) : حيث برزت المقاومة الفلسطينية وظهرت
حركة فتح و (م. ت. ف) .
المرحلة الثانية (١٩٦٧ ١٩٧٨) : تصاعُد دور فتح العسكري وتوالي عملياتها
الفدائية ضد العدو، ثم ردود الفعل الصهيونية التي توالت حتى احتلال جنوب لبنان، وإضعاف المقاومة، وبروز تيار (السلم) ، وتنامي التيار الإسلامي.
المرحلةالثالثة: (١٩٨٧ ١٩٩٨) : قيام الانتفاضة الشعبية في الداخل التي
شارك فيها الإسلاميون بقوة، وظهور (حركة حماس) التي قادت الجهاد المسلح. ثم
مسارعة (م. ت. ف) إلى مدريد، ثم اتفاق أوسلو و (الحكم الذاتي) ، ومجابهة
السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني معاً للتيار الإسلامي، ومحاولة تحجيمه
بالاتفاقات الاستسلامية.. ويواصل الكاتب بقية الموضوع ...
- البيان-
ثانياً: تقويم التجربة:
لو حاولنا تقييم تجربة المقاومة الفلسطينية خلال الخمسين سنة الماضية بناءً
على النتائج والأحوال التي وصلنا إليها الآن لوجدنا أن الأمر يدعو إلى القلق
والأسى؛ فقد تجذر المشروع الصهيوني في المنطقة، وتمكن من التوسع واحتلال
أراضٍ جديدة سنة ١٩٦٧م، وكسر شوكة المقاومة الرسمية العربية والفلسطينية.
ونجح في ضمان دعم الدول الكبرى بدرجات متفاوتة أقلها الاعتراف بشرعية وجوده
واحتلاله لمعظم أرض فلسطين (فلسطين المحتلة سنة ١٩٤٨) ، وحظي بالرعاية
والحماية الأمريكية، وتمتع بالتحالف الاستراتيجي معها، وقفز عدد اليهود من ٦٥٠
ألفاً سنة ١٩٤٨م إلى حوالي أربعة ملايين و٧٠٠ ألف في ١٩٩٧م يمثلون ٣٦%
من يهود العالم. وتمكن الصهاينة من صناعة القنبلة النووية، وتجهيز حوالي مائتي
قنبلة تشكل خطراً كبيراً على العالم الإسلامي أجمع. كما استطاعوا تحييد دول
عربية، وإبعادها عن دائرة الصراع بإقامة معاهدات سلام معها (مصر والأردن)
وحققوا معاهدة سلام مع (م. ت. ف.) وفق شروطهم، وهي معاهدة تسهم في
حل مشاكلهم أكثر مما تسهم في الاستجابة لمطالب الفلسطينيين. ووجد الفلسطينيون
أنفسهم يقطفون ثماراً ضئيلة فجة قياساً إلى حقوقهم وآمالهم.
ورغم أن ميزان النتائج والمنجزات يميل بشكل صارخ إلى الجانب الصهيوني
الإسرائيلي، فإن هناك بعضاً من المنجزات التي تحسب للجانب الفلسطيني، أهمها:
* المحافظة على جذوة المقاومة والعداء ضد المشروع الصهيوني طوال الفترة
الماضية.
* الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وأنه ذو حقوق مشروعة، بعد أن
كادت القضية أن تمحى، وتعالج على أساس أنها مشكلة لاجئين.
* تحقيق تعاطف دولي كبير، ودعم لقضية فلسطين، وعزل الكيان
الإسرائيلي سياسياً خاصة في السبعينيات (ما لبث الكيان الإسرائيلي أن حقق مكاسب
سياسية كبيرة خاصة بعد معاهدات السلام) .
* إخفاق الكيان الإسرائيلي في تحقيق أي اختراق تطبيعي شعبي في البلدان
التي أقام علاقات سياسية معها، واستمرت مشاعر العداء الشعبي العربي والإسلامي
ضده.
* بداية بروز المشروع الإسلامي لتحرير فلسطين، والذي يبشر بنتائج طيبة
على المستوى الاستراتيجي البعيد.
لكن تقويم التجربة يجب أن يتعدى دائرة النتائج لنفهم الأسباب والخلفيات التي
أدت إليها، وفيما يلي نقدم مجملاً مختصراً لذلك:
أولاً: إشكالية المنهج:
تميز الخط الأيديولوجي الفلسطيني العربي بأنه خط علماني، راوح بين
دائرتي الوطنية والقومية، كما كان هناك قطاع فلسطيني لا يُنكر حجمه خصوصاً
في الستينيات والسبعينيات تبنى أيديولوجيات يسارية اشتراكية ماركسية (الجبهتان
الشعبية والديمقراطية مثلاً) .
وكان الهدف في البداية الوصول إلى تحرير كامل أرض فلسطين. غير أن
عدم وجود منهج ثابت مبني على مبادئ محددة لا يمكن تجاوزها حتى ولو بحجة
المصلحة، يقدم رؤية سليمة لطبيعة الصراع ضد المشروع الصهيوني، ويستطيع
استنهاض طاقات الأمة وتجنيدها في المعركة؛ قد أدى غياب هذا المنهج إلى
ضبابية الرؤية، والنزوع للاستجابة الدائمة للضغوط و (متطلبات المرحلة) والسعي
للبقاء في الساحة ودائرة الضوء مهما كانت التنازلات.
وقد أثر هذا بشكل كبير على الأهداف التي جرى تقزيمها مع مرور الأيام،
فمن تحرير فلسطين وإخراج الغاصبين، إلى القبول بالدولة الديمقراطية التي تشمل
الجميع بمن فيهم كل اليهود الغاصبين، إلى إقامة الدولة على أي جزء يتم تحريره،
إلى إقامة الدولة على أي جزء ينسحب منه العدو، إلى الاعتراف بالقرار الظالم
(٢٤٢) الذي يتعامل مع قضية فلسطين باعتبارها مشكلة لاجئين، إلى التفاوض
على الضفة الغربية وقطاع غزة فقط (٢٢%) من فلسطين إلى الوصول إلى إقامة
حكم ذاتي ضعيف يفتقد شروط السيادة على أجزاء ضئيلة من الضفة والقطاع.
لقد كان المنهج الذي تم تبنيه بعيداً عن عقيدة الأمة وتراثها الحضاري؛ حيث
جرى استبعاد المنهج الإسلامي الذي يملك استنهاض طاقات الأمة وتعبئتها، ويعد
الجهاد لتحرير فلسطين عبادة وتقرباً إلى الله، ولا مجال فيه للتنازل عن حقوق
المسلمين في الأرض المباركة مهما طال الزمن وكثرت التضحيات، وهو المنهج
الذي جُرّب تاريخياً فكان فتح فلسطين على يد عمر بن الخطاب، وكان استردادها
على يد صلاح الدين في حروبه مع الصليبيين، وعلى يد قطز في حروبه مع التتار، وكلهم كان لهم الإسلام هادياً ومناراً، وإذا كان المسلمون يؤمنون بأن النصر من
عند الله سبحانه فإن الأوْلى بهم السير على منهجه لينالوا مدده وتوفيقه.
ثانياً: إشكالية القيادة:
من المؤسف أن القيادة السياسية الفلسطينية خلال الثلاثين سنة الماضية افتقدت
التجانس، وعانت من تباين أهداف الأطراف المشاركة في قيادة (م. ت. ف) ،
وسعت بعض القيادات إلى مراعاة مصالح أطراف عربية معينة تتلقى منها الدعم
على حساب أولويات العمل للقضية، كما راعت قيادات أخرى رؤية مصالح روسيا
(الاتحاد السوفييتي سابقاً) باعتبارها طرفاً اشتراكياً ماركسياً.
ولم تحترم القيادة العمل المؤسسي، وتمكن الرجل الأول من جمع كل
الصلاحيات الممكنة بيده، وأمسك تماماً بعصب القرار السياسي وبعصب الإنفاق
المالي، وبعصب الأجهزة الأمنية والعسكرية. وأصبح العديد من القضايا الحساسة
المهمة تخضع لمبادرة وقرار (الزعيم) وهذا أعطى فرصة كبيرة لنمو الخلالات [*]
والمحسوبيات، وأسهم في تفكك البناء الداخلي للثورة الفلسطينية بقيادة (م. ت. ف) وإضعاف أجهزتها، وخروج وتحييد الكثير من الكفاءات والطاقات، وقد كشفت
تحقيقات عديدة عن فساد إداري ومالي كبير، كان أبرزها مؤخراً ما كُشف عن
تورط العديد من قيادات سلطة الحكم الذاتي في الضفة والقطاع في ذلك [١] .
ويمكن ضرب مثال على المبادرات الفردية بمفاوضات أوسلو السرية التي لم
تكن معظم القيادة الفلسطينية تعلم عنها شيئاً، كما لم يكن يعلم عنها الوفد الفلسطيني
الرسمي المفاوض الذي تشكل إثر مؤتمر مدريد سنة ١٩٩١م.
كما لم تنجح القيادة الفلسطينية في التفاهم والتعاون مع التيار الإسلامي
المتنامي في المنطقة، وسعت إلى تحييده وعزله فضلاً عن محاولات ضربه
وتصفيته.
وهكذا، فإن القيادة خسرت مع مرور الزمن الكثير من قواعدها وجماهيرها،
وأصبحت أضعف قدرة في مجالات التعبئة والتأثير، وصار الارتباط بالمنصب
ودوائر الأضواء أهم لدى البعض من استمرار التضحية والكفاح.
ثالثا: إشكالية المؤسسات:
يوفر العمل المؤسسي المبرمج إمكانيات أفضل لاستغلال الطاقات، وتوفير
الجهود وترسيخ العمل واستمراره دون الارتباط بالأشخاص، كما توفر المؤسسات
السياسية البرلمانية إمكانات أفضل للمراقبة والمحاسبة وضبط المسيرة.
غير أن ما حدث في العمل الفلسطيني خلال الفترة الماضية يثير الحزن، فمنذ
الستينيات تشكلت مؤسسات مهمة مثل المجلس الوطني الفلسطيني، والصندوق
القومي، ومركز الأبحاث، ومؤسسات رعاية أسر الشهداء، ودائرة التخطيط،
وغيرها؛ غير أن هذه المؤسسات لم تتمكن من تنمية دورها؛ بل على العكس فإن
الخط البياني لأنشطتها وتأثيرها شهد هبوطاً كبيراً خصوصاً خلال العشرين سنة
الماضية.
وقد أُفرغ المجلس الوطني الفلسطيني من محتواه بتجاوز الكثير من قراراته،
وعدم دعوته للانعقاد إلا في فترات متباعدة، وبإدخال عناصر كثيرة بقرارات القيادة
السياسية بحيث مالت الكفة إلى الاتجاهات التي تريدها القيادة، فضلاً عن أن هذا
المجلس هو مجلس غير منتخب، وبالإضافة إلى ذلك لم يشارك الإسلاميون في هذا
المجلس، وهم يمثلون بالتأكيد قطاعاً عريضاً من الشعب، ومع تجمع الصلاحيات
في يد الرئيس فقد تم تهميش أدوار الصندوق القومي والتخطيط وغيرها.
إن إضعاف العمل المؤسسي أسهم كثيراً في حصر دائرة العمل الفلسطيني في
يد حفنة من الناس جعلوا لأنفسهم حق تقرير مصير قضية هي أخطر قضية تواجه
العالم الإسلامي في الواقع المعاصر.
رابعاً: إشكالية تضييق دوائر الصراع:
إن طبيعة التحدي المتمثلة في المشروع الصهيوني المدعوم عالمياً تقتضي
مواجهة تستجيب لمستوى التحدي وتتمكن من تجنيد كافة القوى الممكنة، وإذا كان
المشروع الصهيوني لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، وإنما إضعاف وتمزيق العالم
الإسلامي، فإن البديل المقابل هو تعبئة كافة طاقات العالم الإسلامي لمواجهة التحدي.
لقد جرى مع الزمن تقزيم قضية فلسطين وتضييق دائرة الصراع مع العدو،
فبعد أن كانت قضية تعني كل المسلمين أي أكثر من ألف ومائة مليون تم حصرها
في الدائرة القومية العربية في خمسينيات وستينيات هذا القرن؛ بحيث أصبحت
تعني ٢٦٠ مليون عربي (حسب عددهم الآن) ، ثم تم حصرها أكثر فأكثر لتصبح
قضية للفلسطينيين وحدهم؛ أي حوالي سبعة أو ثمانية ملايين فقط، وكانت الحجة
أن (أهل مكة أدرى بشعابها) وأن للفلسطينيين أن يقرروا في شؤونهم ما أرادوا!
غير أن هذا الطرح الذي حمل ظاهراً بريئاً لدى البعض أراد أن يغسل من يده
مسؤولية العرب تجاه قضيتهم الأولى، وإلقاء العبء على الضحايا الحاليين
للمشروع الصهيوني، دون توفير أدنى الشروط اللازمة للنجاح.
إن أرض فلسطين أرض إسلامية وهي أرض مقدسة ومباركة بنص القرآن
الكريم، وإليها أسري برسول الله ﷺ ، وفيها قبلة المسلمين
الأولى (المسجد الأقصى) وهي الآن أرض محتلة مغتصبة، وحكمها في الإسلام:
أن كافة المسلمين مطالبون بالجهاد للدفاع عنها، ومسؤولون أمام الله
عن القيام بواجب تحريرها.
إن تضييق دائرة الصراع واكتفاء الآخرين بالتمنيات والدعاء لا يمكن أن يحل
القضية، وسيبقى الخطر جاثماً متصاعداً ما لم يتم رد هذه القضية إلى الدائرة
الإسلامية الأوسع.
خامساً: إشكالية الدور العربي والإسلامي:
كما أشرنا سابقاً فإن الخط البياني للأنظمة العربية وخصوصاً دول المواجهة
كان يسير باتجاه التسوية وليس باتجاه (التحرير) ، وأن الأنظمة سعت بشكل أساسي
لضمان أمنها وبقائها وعدم تعريضها لمخاطر الانتقام الصهيوني، كما سمحت
بالعمل الفدائي للحركة لأسباب تكتيكية مرحلية. ولم تتبن هذه الأنظمة أية
استراتيجيات ومناهج جادة دؤوبة للتعبئة الشعبية وتجهيز الجيوش، وتبني اقتصاد
الحرب، بل أغلقت حدودها معظم الفترة الماضية منعاً لأي عمل فدائي جهادي
محتمل.
وقد انتهت حرب ١٩٤٨م التي شاركت فيها الجيوش العربية بكارثة ضياع
معظم فلسطين، كما انتهت حرب ١٩٦٧م بكارثة ضياع ما تبقى من فلسطين، أما
حرب ١٩٧٣م فقد فتحت المجال للتحرك نحو التسوية خصوصاً مع مصر، وليس
باتجاه التحرير.
وهكذا فمنذ حوالي ٢٥ عاماً لم تشكل الأنظمة العربية أي مخاطر محتملة على
الكيان الصهيوني. بل تركت (م. ت. ف.) تواجه وحدها الاجتياح (الإسرائيلي)
على لبنان سنة ١٩٨٢م مما أدى إلى تدمير معظم البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية
هناك.
ولقد أخفقت معظم مساعي الوحدة السياسية بين البلاد العربية، كما أخفقت
الجامعة العربية في تحقيق أهدافها، وأصبح الهم القُطري المحلي يتجاوز الهموم
الأخرى، وأخذت قضية فلسطين تتهمش في واقع الاهتمام الرسمي العربي. كما
فتحت الخلافات العربية العربية الباب واسعاً لإضعاف الجبهة العربية ودورها في
محاربة الصهيونية، ومن ذلك: النزاع حول الصحراء الغربية في المغرب العربي، واحتلال العراق للكويت، والحرب اليمنية، والنزاعات المزمنة بين سوريا
والعراق، وبين مصر والسودان.. وغيرها.
وإذا كان قد تم تهميش الدور العربي، فمن باب أوْلى أنه قد سبقه تهميش
الدور الإسلامي منذ مراحل مبكرة؛ حيث أصبح العالم الإسلامي في موقع المتفرج
الذي فقد فاعليته لأداء أي دور إيجابي حقيقي في قضية فلسطين؛ فالأنظمة في
العالم الإسلامي لا تختلف كثيراً عن الأنظمة العربية؛ إذ إن معظمها يلتزم
التوجهات العلمانية، ومشغول بهمومه المحلية، ومشاكله الاقتصادية.
وقد كان إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي سنة ١٩٦٩م إثر حادثة إحراق
المسجد الأقصى بادرة أمل بتوحيد جهود المسلمين لدعم قضية فلسطين وقضايا
المسلمين، وقد قامت هذه المنظمة بعقد الكثير من الاجتماعات، وأصدرت عشرات
القرارات بدعم قضية فلسطين سياسياً ومالياً وعسكرياً وإعلان الجهاد، وغير ذلك،
غير أن كل قراراتها بقيت حبراً على ورق؛ لأنها تفتقر إلى أي آلية حقيقية ملزمة
لتنفيذ القرارات [٢] . بل إن بعض البلاد الإسلامية بقي على علاقة قوية
(بإسرائيل) مثل تركيا. كما أن النزاعات بين المسلمين أنفسهم أثرت سلباً على دور
العالم الإسلامي؛ ومثال ذلك الحرب العراقية الإيرانية التي استنزفت طاقات
وثروات البلدين خلال ثماني سنوات من الحرب ١٩٨٠م ١٩٨٨م.
وفوق ذلك كله فإن كثيراً من الأنظمة العربية والإسلامية تفتقر إلى الاستقرار
السياسي، وتعاني من أزمات داخلية، ويعاني الكثير من شعوبها من قمع للحريات
وكبح للطاقات، كما تعاني التيارات الإسلامية في كثير من هذه البلدان من المنع
والملاحقة.
وهكذا، ففي مثل هذه الأوضاع، من الصعب أن تقوم الدول العربية
والإسلامية بدورها المأمول.
سادساً: إشكالية التحدي الصهيوني:
يمثل التحدي الصهيوني حالة فريدة وسط التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، فقد وجد هذا المشروع أساساً في قلب العالم الإسلامي، وفي المنطقة التي تفصل
شطره الآسيوي عن شطره الإفريقي؛ بحيث تبقيه ممزقاً ضعيفاً، وتمنع أي وحدة
محتملة له أو ظهور أي قوى إسلامية كبرى في المنطقة بعد سقوط الخلافة العثمانية. لقد كان هذا المعنى واضحاً في توصيات مؤتمر لندن ١٩٠٥ ١٩٠٧م التي رُفعت
إلى رئيس الوزراء آنذاك (كاميل بنزمان) ، وكان قد ناقش سيلاً من تحقيق المصالح
الغربية والهيمنة على المنطقة الإسلامية. ومما جاء في توصياته أن إقامة حاجز
بشري قوي وغريب في المنطقة شرقي البحر المتوسط وعلى مقربة من قناة
السويس، قوة عدوة لشعوب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية، هو التنفيذ العملي
العاجل للوسائل والسبل المقترحة [٣] .
إن طبيعة المشروع الصهيوني لا تستهدف استعماراً (كلاسيكياً) للمنطقة،
وإنما الاستيلاء على الأرض المباركة وفق ادعاءات دينية وتاريخية، وطرد السكان
الأصليين وإحلال اليهود مكانهم، ثم التوسع والتمدد في المنطقة.
غير أن هذا المشروع يكتسب خطورة خاصة عند إدراك دعم وتحالف القوى
الكبرى معه، والتي لا يعنيها الفلسطينيون بشكل خاص، وإنما إبقاء المنطقة
الإسلامية كلها في دائرة الضعف والتبعية. وبذلك، تصبح (إسرائيل) شرطي
المنطقة والعصا التي يتم (تأديب) الآخرين بها.
لكن الكيان الصهيوني لم يعد مجرد (أداة) بيد الآخرين (كما أنه لم يكن
بالضبط كذلك في الفترة الماضية) إذ إن دوائر التأثير والمصلحة هي دوائر متبادلة
بين الطرفين. كما مكّن الكيان الصهيوني لنفسه عبر وجود (لوبيات) قوية له في
أمريكا وأوربا تؤثر في صنع القرار السياسي هناك، فضلاً عن قوتها الاقتصادية
والإعلامية. وقد نجح الكيان الصهيوني في تكوين جيش حديث مسلح بكافة الأسلحة، حتى النووية منها والكيماوية والجرثومية؛ بحيث يمكنه نظرياً هزيمة جميع
الجيوش العربية مجتمعة.
إن قصف الطيران الصهيوني للمفاعل النووي العراقي وتدميره سنة ١٩٨١م، وتدريب ومساعدة الانفصاليين في جنوب السودان على الثورة، ومشاريع
السيطرة على منابع النيل في هضبة الحبشة، ومحاولة تدمير المفاعل النووي
الباكستاني، كل ذلك يشير إلى حقيقة الدور (الإسرائيلي) في المنطقة وخطورته
على العالم الإسلامي.
إن الكثير من المسلمين لم يفهموا طبيعة هذا التحدي، ولم يدركوا مخاطره،
ولم يقوموا بأعمال مكافئة لمواجهته، وستبقى أعمال المسلمين هامشية محدودة ما لم
يرتفعوا إلى مستوى الصراع.
سابعاً: إشكالية الأداء الدولي المتحيز:
رغم كل ما تشير إليه المواثيق الدولية من حقوق الإنسان وحقوق تقرير
المصير للشعوب، ورغم ما تدعيه الدول الكبرى من حماية للحقوق والديمقراطيات
إلخ، إلا أنها أسهمت بنفسها في تكريس الظلم في الأرض المقدسة، فتولت بريطانيا
التي استعمرت فلسطين (١٩١٧ ١٩٤٨م) رعاية إنشاء الكيان الصهيوني حتى
أقيمت (إسرائيل) رسمياً في مايو ١٩٤٨م، وتبنت القوى الكبرى بما فيها الاتحاد
السوفييتي مشروع تقسيم فلسطين في نوفمبر ١٩٤٧م، وأصبحت الولايات المتحدة
الحليف الاستراتيجي الأول للكيان الصهيوني بعد ذلك، وحتى الآن ما تزال توفر له
الدعم المالي والعسكري والسياسي والغطاء الدولي لكل ظلم وعدوان يمارسه في
فلسطين وغيرها، وتسارع إلى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار لا يصب
في مصلحة الكيان الصهيوني. ولم يمارس المجتمع الدولي أي ضغوط حقيقية
لإجبار الكيان الصهيوني على الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة
الجولان وجنوب لبنان رغم أنه من الناحية القانونية الدولية احتلال لأراضي البلاد
المجاورة بالقوة، وهو عمل غير مشروع وفق الأنظمة الدولية وأنظمة الأمم المتحدة؛ بينما سارعت الولايات المتحدة وحلفاؤها سنة ١٩٩٠م ١٩٩١م لإجبار العراق
على الانسحاب من الكويت حماية لمصالحها في المنطقة.
وهكذا فإن فهم الإشكاليات السابقة يعين في فهم خلفية النتائج والأحوال التي
وصلت إليها قضية فلسطين في واقعنا المعاصر وهي نتائج مؤلمة ومؤسفة.
وأخيراً:
إن دراسة تجربة المقاومة خلال الخمسين عاماً تشير إلى بقاء جذوة المقاومة
في نفوس المسلمين وعدم الرضا بالظلم والاستسلام، وإن دراسة عوامل الضعف
والقصور ووضع اليد على الجروح يفيد في معرفة الطريق الأفضل للمقاومة
وتحرير الأرض المباركة.
وإن ظهور التيار الإسلامي بقوة في فلسطين وفي العالم الإسلامي يعطي بشائر
مبكرة باتجاه إحداث تحولات إيجابية في سلوك الطريق الصحيح لاسترجاع أرض
الإسراء والمعراج.. أرض فلسطين، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 2946
مرصد الأحداث
مرتزقة للإيجار
أوكلت واشنطن مشاركتها في الرقابة البرية في إقليم كوسوفا إلى شركة
للمرتزقة في إجراء شكّل سابقة، الهدف منها الاستعاضة عن العسكريين، ووصف
مراقبون الإجراء بأنه يهدف إلى تجنيب الإدارة الأمريكية التورط مباشرة في صراع
إقليمي تكتنفه الكثير من المخاطر وأجواء الغموض.
... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٢٥) ]
وما هي من الظالمين ببعيد
أشارت آخر التقديرات الرسمية إلى أن عدد ضحايا إعصار ميتش استمر في
الارتفاع وبلغ ٩٩٩٥ قتيلاً وقرابة ١٤ ألف مفقود و٢. ٨ مليون مشرد، معظمهم
في نيكاراغوا وهندوراس.
ودمر ميتش ١٦٩ جسراً في هندوراس و٨٠ في نيكاراغوا و٢٨ في غواتيمالا، إضافة إلى مئات الكيلو مترات من الطرقات، وقتل ٢٢٤ شخصاً في السلفادور
وسبعة في كوستاريكا وواحد في بنما، وفي السلفادور واستناداً إلى لجنة الطوارئ
الوطنية ما زال ٦٩ شخصاً مفقودين فيما شُرد ٤٩ ألفاَ و٢٧٥ شخصاً، لا سيما في
شرق البلاد.
وفي كل أنحاء أميركا الوسطى دمر الإعصار زراعات مساحتها عشرات
الآلاف من الهكتارات لا سيما من الأرز والذرة اللذين يشكلان غذاء السكان الرئيسي.
... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٨٣) ]
من ثمرات (واي) المرة
اتخذ الأردن إجراءات جديدة بحق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في
معرض تأكيده على دعمه والتزامه باتفاق (واي بلانتيشن) . وقالت مصادر موثوقة
في عمان إن السلطات الأردنية اتخذت قراراً بمنع قادة حركة (حماس) من السفر.
وطُبّق هذا القرار حيث مُنع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس) من
السفر إلى سورية وأعيد ومرافقه محمد سيف من منطقة حدود جابر. وأُبلغ مشعل
أنه في حالة مغادرته الأردن فلن يسمح له بالعودة إليه.
وطال هذا الإجراء محمد نزال عضو المكتب السياسي للحركة وممثلها في
الأردن الذي أبلغ أنه لا يستطيع التوجه إلى دولة قطر.
... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٨٠) ]
الذئب صديق الحمل
س: هل كان شارون يمثل الصلف والتعنت الذي نعرفه عنه؟
ج: كلا، شارون رجل عادي؛ وبعيداً عن المفاوضات هو أقرب إلى الفلاح
وليس إلى العسكري.
وإذا لم يكن هناك حديث سياسي فإن متعته تبدو في الحديث عن البقر ورعي
الأغنام والزراعة، عموماً هو إنسان عادي وليس الذي عرفناه في صبرا وشاتيلا.
[محمود عباس (أبو مازن) جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٨٧) ]
للتوقيع ثمن!
قالت صحيفة (الأردن) : إن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو رفض
توقيع اتفاق (واي بلانتيشن) مع الفلسطينيين إلا بعد تعهد خطي أميركي بتزويد
إسرائيل بـ ٩٠ طائرة مقاتلة من طراز إف ١٦ واف ١٥.
وأضافت أن الطائرات مزودة بأجهزة تكنولوجية متطورة جداً تمكنها من العمل
ليلاً وإصابة الأهداف بدقة. ... ...
[جريدة الأنباء، عدد: (٨٠٦٩) ]
القوة الأمريكية إلى أين؟
أوضح الجنرال هنري شيلتون رئيس هيئة الأركان المشتركة في الولايات
المتحدة في تقرير قدمه مؤخراً للجنة القوات المسلحة بالكونجرس الأمريكي أن عدة
عناصر وعلى رأسها الميزانية المحدودة والعمليات العسكرية الطويلة أدت إلى نتائج
سلبية أثرت على درجة استعداد الجيش الأمريكي، وأعلن شيلتون في حديثه إلى
لجنة الكونجرس، (أن هناك دلائل واضحة على وجود مظاهر عديدة تؤكد أن
القوات الأمريكية في حالة إنهاك شديد) ، مضيفاً (أن الدلائل المبدئية للقياسات التي
أجريناها تظهر أن استعداداتنا قد أصبحت مهترئة، وأن الأوضاع الصحية لقواتنا
أصبحت خطيرة) .. وكانت الولايات المتحدة قد دعت قواتها لرفع حالة الاستعداد
بسبب وجود مشاكل وصراعات في عدة مناطق منها ألبانيا وإفريقيا والجزائر، مما
ساهم في إجهاد أكثر مما هو متوقع، ليس فقط للأفراد، ولكن أيضاً بالنسبة
للمعدات، حيث أدى ذلك إلى وجود نقص في قطع غيار المعدات وصيانتها..
وأكد رئيس الأركان المشتركة (أنه بدون إجراء إنقاذ عاجل) سيستمر
الانخفاض الذي أصاب درجة استعداد الجيش الأمريكي خلال العام القادم (حتى
تستمر قدرة أمريكا على خوض حربين في مكانين مختلفين) .
... ... ... ... [جريدة الأهرام العربي، عدد: (٨٢) ]
بئست المرضعة!
ليس من المبالغة القول إن حزب البعث، هو الحزب الأم الذي أنجب معظم
الأحزاب القومية، والقسم الأكبر من السياسيين والمثقفين المشارقة وبعض المغاربة
أيضاً على مختلف توجهاتهم العقائدية والسياسية القائمة الآن.
... ... ... ... ... ... ... [مجلة اليسار، عدد: (٩٩) ]
ومن الشذوذ ما حكم! !
تساءلت صحيفة (ذي صن) البريطانية إذا كانت (مافيا) من الشاذين جنسياً
تحكم بريطانيا. وخاطبت الصحيفة بلهجة استياء رئيس الوزراء قائلة: (قل لنا
الحقيقة يا توني بلير هل تحكمنا مافيا من الشاذين جنسياً؟) .
وجاء ذلك بعدما اضطر وزير الزراعة في الحكومة العمالية (نِك براون) إلى
الاعتراف بأنه من الشاذين، بعدما علم أن إحدى صحف الإثارة كانت تستعد لكشف
أمره، وسبق لوزير الصناعة بيتر ماندلسون وهو من المقربين من رئيس الوزراء
توني بلير أن مر بالتجربة ذاتها عندما كشف أحد رؤساء التحرير المشهورين في
الصحافة اللندنية مباشرة عبر التلفزيون الميول الجنسية للوزير. وفي نهاية
(أكتوبر) الماضي قدم الوزير المكلف بشؤون مقاطعة ويلز رون ديفيس استقالته
بعدما تعرض لاعتداء في إحدى حدائق لندن، معروفة بأنها ملتقى الشاذين في
العاصمة البريطانية.
لذا تساءلت (ذي صن) : هل بريطانيا محكومة من قبل مافيا من الشاذين ومن
السياسيين والمحامين ومن الجلساء في القصر الملكي. أو حتى من ضباط في
الشرطة؟) . ... ... ... ...
[جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٣٤) ]
الاضطهاد الجديد
وقع الرئيس الأميركي بيل كلينتون مشروع قانون يمنحه سلطة فرض
عقوبات اقتصادية على أي دولة تتعرض فيها الأقليات الدينية للاضطهاد، وامتدح
الكونغرس لإفساحه المجال للمرونة في تطبيق تلك العقوبات.
ويعطي القانون الرئيس سلطة اتخاذ واحد أو أكثر من ١٥ إجراء ضد الدول
التي تمارس الاضطهاد الديني؛ ثمانية منها ديبلوماسية وسبعة تتعلق بوقف المعونة
الأميركية أو فرض عقوبات اقتصادية.
وقال كلينتون: (إن القانون لا يستهدف أي دولة أو ديانة بعينها) .
وأضاف: (هذا القانون يسعى إلى تعزيز الحريات الدينية لكل الناس، سواء
أكانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو بوذيين او هندوس أو تاويين أو من معتقدي
أي ديانة أخرى) .
وبموجب القانون تحقق وزارة الخارجية الأميركية في أي مزاعم عن
الاضطهاد الديني وتقدم تقريراً سنوياً إلى الكونجرس.
... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٢٢) ]
(جهاد) الأمن الفلسطيني! !
أكدت مصادر فلسطينية مطلعة أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أصدر
أمراً أخيراً بمنع مسؤولي الارتباط المدني والعسكري الفلسطيني مع الجانب
الإسرائيلي من التردد ليلاً على الملاهي الإسرائيلية.
والسبب كما ذكرت المصادر الشجار الذي وقع بين بعض مسؤولي الارتباط
الفلسطيني في ملهى ليلي في تل أبيب بسبب راقصة روسية، كاد أن يؤدي إلى
وقوع ضحايا عندما حاول أحدهم استخدام سلاحه الشخصي تحت تأثير المشروبات
الروحية، وتدخل عدد من المسؤولين الإسرائيليين لـ (فض الاشتباك) وتطوع
أحدهم بالاتصال بمكتب الرئيس عرفات بعد منتصف الليل لوضع حد للمشكلة.
وطلب عرفات من مساعديه أن يتصلوا بأحد كبار المسؤولين العسكريين للانتقال
إلى تل أبيب لإعادة مسؤولي الارتباط إلى غزة، فتبين له أن هذا المسؤول هو أحد
الموجودين في تل أبيب.
يذكر أن كبار مسؤولي الارتباط يحملون بطاقات الشخصيات المهمة (في. أي. بي) التي تمنحهم حق الدخول لإسرائيل في أي وقت حتى أثناء الصدامات بين
الجيش الإسرائيلي والمتظاهرين الفلسطينيين.
وكانت إسرائيل قد منحت ٤٠٠ من هذا النوع من البطاقات الشخصية
لشخصيات فلسطينية مصنفة إلى درجات. وتحدثت مصادر في الشرطة الإسرائيلية
عن ضبط بعض المسؤولين الذين يحملون هذه البطاقات داخل المناطق الإسرائيلية
مع غانيات يهوديات. ... ...
[جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧٢٦٦) ]
الجاذبية العراقية
قالت وزارة الطاقة الأمريكية إن العراق أصبح ثاني أكبر مورد للنفط إلى
الولايات المتحدة بعد السعودية، وذلك في شهر (أغسطس ٩٨م) حيث بلغت
الصادرات العراقية في هذا الشهر (١، ٢٢ مليون برميل) ، في حين كانت
الصادرات النفطية الكويتية في الوقت نفسه (٨. ٥ مليون برميل) ! ! وقال أحد
المشرفين على مبيعات النفط العراقي: (إن العراق يسعّر منذ فترة نفط البصرة
الخفيف أقل من سعر الخام الآتي من مصادر خليجية أخرى) .
وكان الفرق بين السعرين العراقي والخليجي كبيراً، بحيث أصبح بالإمكان
إعادة بيع العقود إلى الشركات الأميركية.
إن من المستحيل التخلص من جاذبيه النفط العرقي تماماً، لكن هذه الجاذبية
ازدادت منذ حزيران (يونيو) الماضي مع ارتفاع كمية النفط التي ضخها العراق
ومع تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية. ويشتري النفط العراقي عدد كبير من
الشركات نفسها التي كانت تشتري الخام العراقي قبل حرب الخليج.
... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٣٠) ]
أما زلت تتاجر بالقدس؟ !
حذر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من أن (بنادقنا جاهزة) للدفاع عن حق
الشعب الفلسطيني وإننا سنشرعها إذا حاولوا أن يعيقونا أن نصلي في القدس
الشريف. ... ... ... ... ...
[جريدة الخليج، عدد: (٧١٢٠) ]
стр. 2947
قضايا ثقافية
الإسلاميون وسؤال النهضة
(١)
عبد العزيز التميمي
منذ بدأ رجل أوروبا المريض (الدولة العثمانية) يترنح، تحت مطارق
المواجهة الحضارية مع الغرب، برز السؤال الإشكالي الملحّ: لماذا تأخر المسلمون
وتقدم غيرهم..؟ !
يحتوي السؤال على شطرين كلاهما بالغ الأهمية: تخلف الذات، ونهضة
الآخر..! وبغضّ النظر عن مفهوم النهضة والتخلف الذي سبق لنا معالجته معالجة
مختصرة في عدد سابق من هذه المجلة فإن هذا السؤال الإشكالي ينطوي على
اعتراف صادق وحقيقي بأن (واقع المسلمين) متخلف.. ولا تزيده الأيام إلا شدة في
التخلف ... ... ... ... ... ... ... ...
... - البيان-
وقبل الولوج في معالجة ما لهذا الموضوع الحيوي من بالغ الأهمية، فإنني
أطرح سؤالاً أعتقد أنه لا يزال عند بعض (الإسلاميين) على الأقل محلّ ريبة وشك.. وهو: هل يَعِدُ الإسلاميون مجتمعاتهم بالرفاه والحياة الطيبة في الدنيا، في حال
استقامتهم على الدين؛ أم أن المكافأة الموعودة إنما يستكملونها في الدار الآخرة ... ؟!
الجواب بلا تردد: نعم! إن جزاء الاستقامة على دين الله ﵎ هو
الرفاه الدنيوي والسعادة الأخروية ... [قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
فَإمَّا يَاًتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى] [طه: ١٢٣] [وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى] [طه: ١٢٤] ،
وقال نوح ﵇ لقومه: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ
السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً (١١) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ
أَنْهَاراً] [نوح: ١٠ ١٢] وقال تعالى في سورة الجن: [وَأَمَّا القَاسِطُونَ] أي
الحائدون على الطريقة [فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً] [الجن: ١٥، ١٦] وقال الله ﵎: [وَعَدَ اللَّهُ
الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] [النور: ٥٥] .
وقال النبي ﷺ : (بشر هذه الأمة بالنصر والتمكين في
الأرض ... ) [١] .
هذه وغيرها كثير نصوص ظاهرة متواترة تؤكد بلا ريب ولا شك بأن منهج
الله ﵎ وشريعته ضمان لا بل هي الضمان الوحيد في الحقيقة للسعادة في
الدارين: دار الدنيا ودار الآخرة، وأن الإعراض عن الذكر، والتملص من
الشريعة والخروج عليها سبب في الهلاك العاجل والآجل: [وَإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ
قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً] [الإسراء: ١٦] .
ومشاهد التاريخ لا تخفى على من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد..
ومع ذلك تتضخم في نفوس بعض الناس نصوص الزهد في الدنيا وهوانها
على الله تعالى وهي كذلك، كما تتضخم نصوص البلاء والفتنة حتى ليخيل إليهم أن
عباد الله المتقين لا بد أن يكونوا في بلاء وعنت ما بقوا على ظهر هذه البسيطة؛
لأن الله ﵎ اختار لهم الدار الآخرة خالصة من دون الناس ... ! . والذين
يفكرون بهذه الطريقة يخلطون بين المطلوب الفردي: الزهد والتقشف والإيثار،
والمطلب الجماعي: النهضة والتقدم والرفاه، الذي هو في الحقيقة نتيجة وأثر
اجتماعي للتجرد الفردي. ولسنا نعالج في هذه العجالة هذا المفهوم، ولذلك نكتفي
بما ذكرناه هاهنا؛ كي نعود إلى سؤالنا في مطلع المقال، وندارس الدعاة في
الإجابة عليه؛ فقد تعددت نظراتهم، وتفاوتت طرائقهم إلى درجة التناقض والتضاد؛ وهي درجة مرفوضة، ووضع غير مقبول، أعني: التناقض والتضاد ...
* فمن الدعاة من اختار المدخل العلمي المعرفي مفتاحاً للنهضة: وذلك بسبب
أحد ملحظين في هذا الصدد:
الملحظ الأول: أن النبي ﷺ ، وسائر الأنبياء من قبله،
اختاروا مدخل التصحيح العقدي باباً لبناء المجتمع المسلم [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] [النحل: ٣٦] . [فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى ... ] [البقرة: ٢٥٦] وعلى هذا طوائف
الدعاة إلى منهج السلف وتصفية العقيدة والحديث مما داخلها، وتقريب السنة بين
يدي الأمة ...
والملحظ الثاني: أن الغرب الحديث إنما خرج من ظلمات القرون الوسطى
تحت مطارق الإصلاحيين من رجال الدين أمثال: مارتن لوثر، وكالفن، والرواد
من الفلاسفة أمثال: ديكارت، وكانت، ورجال العلم الشجعان أمثال: جاليليو،
وكوبرنيكس، ونيوتن ... الذين واجهوا جمود رجال الكنيسة وتسلطهم وعجز
العقلية الأوروبية وتكاسلها، وعلى هذا دعاة التقدم التقني، والمدخل المعرفي
والاجتماعي للنهضة الذين أسسوا بعض المعاهد الفكرية في أمريكا والجامعات في
بعض دول الشرق الآسيوي، وأصدروا الدوريات والمطبوعات، وعقدوا الندوات
لتعميق هذا الاتجاه.
* ومن الدعاة من اختار المدخل السياسي للنهضة: وخصوصاً أولئك الذين
تعرضت بلدانهم للاحتلال الأجنبي والخيانات المحلية.. حيث قالوا بأن دور الدولة
قد تضخم في العصر الحديث، كما لم يحدث في التاريخ، وتغولت إمكاناتها حتى
أصبحت بشريط مغناطيسي صغير على ظهر بطاقة بلاستيكية تستطيع أن
تستعرض حياة الشخص المعني وأهم أعماله الحيوية طوال حياته ... فهي بذلك
قادرة على إجهاض كل مشروع لا توافق عليه أو لا يخدم توجهاتها، والعكس
بالعكس ... فهي قادرة إذا رغبت أن تحقق في فترة وجيزة ما يستغرق من الدعاة
سنين عديدة من جوانب الإصلاح والإغاثة وغيرها ... وهم يقولون أيضاً: إنه
يمكن لنا أن نستشف من بعض النصوص ما يدل على هذا المعنى الحيوي من مثل
قوله سبحانه:
[الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ
وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] [الحج: ٤١] فكأنهم فهموا أن إقامة الصلاة
وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن أن تتحقق على الوجه
التام إلا بهذا الشرط شرط التمكين في الأرض وبذلك فإن كل جهد يبذل في غير هذا
الاتجاه من وجهة نظرهم فهو إن لم يكن معوقاً للمسيرة فلن يحقق الغاية بلا ريب!
وممن يرى هذا الرأي الأحزاب والمنظمات الإسلامية التي تطلق عليها وسائل
الإعلام: جماعات الإسلام السياسي!
* ومن الدعاة من اختار المدخل التربوي للنهضة: باعتبار أن الأمة لا
ينقصها (المعرفة) والأبحاث الأكاديمية.. فنحن أكثر الناس كلاماً، حتى إن بعض
الشانئين وصفنا بأننا (ظاهرة صوتية) كما لا ينقصنا الأحزاب والمنظمات، بل إن
حصاد هذه الأحزاب والمنظمات كان ولا يزال مراً.. فهي لم تزدنا إلا هزيمة
وتفرقاً وتشرذماً.. والأزمة في جذرها العميق كما يرى هؤلاء أزمة خُلُق وسلوك
وفعل، قبل أن تكون أزمة قول ونظرية ومنهج وتنظيم.. فمَنْ من المسلمين يجهل
عظم قدر الصلاة، أو خطورة الربا أو حرمة الرشوة أو غير ذلك من الممارسات
المنحرفة التي لا تزال تزداد اتساعاً وانتشاراً؟ المشكلة ليست في أننا لا نعلم أو لا
نقول، بل في أننا نقول ولا نعمل [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (٢)
كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ] [الصف: ٢، ٣] . الفريضة الغائبة
ليست العلم أو المعرفة أو الوعي السياسي كما يرى هؤلاء وإنما هي فريضة الخلق
والسلوك والعمل، ولذلك كانت أوّل الفرائض العملية على النبي -صلى الله عليه
وسلم- والمسلمين الأولين؛ فريضة قيام الليل: [قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (٢) نِّصْفَهُ أَوِ
انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) ] [المزمل: ٢، ٣] لماذا؟ ! لأن القول المنزّل من عند الله
﵎ قول ثقيل يحتاج لأولي العزم من الرجال كي يحملوه.. [إنَّا سَنُلْقِي
عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً] [المزمل: ٥، ٦] .
الرجال الذين قاموا مع محمد في صدر الإسلام نصف الليل أو أكثر أو أقلّ
قليلاً.. هم الرجال الذين تغير بهم التاريخ.. وهم الذين لا نزال نحتاج إليهم دائماً
وأبداً، وبدونهم كل جهد هباء.. آمن بهذه المقولة طوائف من الدعاة ممن جعلوا
تبليغ دين الله والسياحة في الأرض غاية جهدهم ونهاية قصدهم.
* ومن الدعاة من يرى المدخل الجهادي للنهضة: فالجهاد من وجهة نظر
هؤلاء هو الفريضة الغائبة التي تسلط الأعداء بسبب غيابها على المسلمين وآذوهم
واستنزفوا ثرواتهم، وهيمنوا على قرارهم المستقل.. المسلمون لا ينقصهم العدد
ولا الثروة، ولا الموقع الجغرافي، ولا الدافع العقدي ولا الخبرة التقنية.. كل ما
يحتاجونه كما يرى هؤلاء هو أن يستجيبوا لله وللرسول في النفير العام: [قَاتِلُوا
الَذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً] [التوبة: ١٢٣] [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ
حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] [الحج: ٧٨] سبب
الذل المهيمن اليوم على المسلمين مع كثرتهم العددية الكاثرة هو ترك الجهاد كما قال
النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد، ورضيتم
بالزرع، وأخذتم أذناب البقر سلّط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى
دينكم) [٢] وقال ﵊: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم، كما
تتداعى الأكلة إلى قصعتها.. قالوا: أوَمِن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: بل
أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم لكم،
وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا
وكراهية الموت..) [٣] .
هذه النصوص وغيرها كثير تبين المكانة المركزية للجهاد في الإسلام، كيف
لا وهو ذروة سنام الإسلام وبه قيام الدين وكسر شوكة المشركين ...
[قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ
مُّؤْمِنِينَ] [التوبة: ١٤]
وشواهد التاريخ الماضي والواقع الحي كما يقول هؤلاء تدل على أنه لا يردع
قوى الكفر والظلم والفساد في الأرض مثل دم يهراق في سبيل الله ﵎.
والجهاد في سبيل الله ﵎ لا يحتاج إلى كثير من الاستعداد والتخطيط
والتنظير كما يرى هؤلاء إنما هو كتيبة تصدق مع الله تعالى وتمضي في سبيل
إعزاز دينه، فإذا علم الله ﵎ منها صدق النية، ومضاء العزيمة،
وخلوص القصد، فإنه يصرف إليهم قلوب عباده المؤمنين ويجمعهم عليهم ويمكن
لهم في الأرض..
ولذلك فقد كلف الله نبيه محمداً بالجهاد وحده وإن لم يتبعه أحد ثم ينصره الله
تعالى: [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن
يَكُفَّ بَاًسَ الَذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاًساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً] [النساء: ٨٤] .
آمن بهذه المقولة جماعات من الشباب المسلم، الذين كانت بداياتهم في مقارعة
اليهود في فلسطين والشيوعيين في بلاد الأفغان.. ثم لما أوصدت في وجوههم
الأبواب وسدت أمامهم المسالك، رجعوا إلى بلدانهم في حرب طاحنة غير واضحة
الهدف في كثير من الأحيان ... والكثير من هؤلاء تعوزه الحكمة العميقة، والعلم
الشرعي الراسخ، والتربية الإيمانية الزاكية؛ ذلك أنهم في خضم الصراعات التي
يخوضونها مع خصومهم وأحياناً فيما بينهم لا يجدون وقتاً لكل ذلك..
وبعدُ: فأيّ هذه المسالك هو الأصح؟ وأيها الأسلم والأحكم؟ ذلك ما سوف
ندرسه في حلقة قادمة بإذن الله تعالى ...
стр. 2948
قضايا ثقافية
التفكير العلمي والإبداعي..
كيف تكون مبدعاً؟
(٣/٣)
عبد الله بن عبد الرحمن البريدي
تناول الكاتب في الحلقتين الماضيتين مقدمات عامة حول ماهية التفكير،
وآليته، وخصائصه، ومنهج التفكير العلمي الذي أفرد فيه حالات محدودة للتفكير
مثل: حل مشكلة معينة، والتفكير في مشروع معين ...
ويواصل في هذه الحلقة إيضاح جوانب أخرى للموضوع..
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان-
ماهية التفكير الإبداعي:
الإبداع في اللغة يعني الإنشاء على غير مثال سابق، والبديع هو المبدَع
والمبدِع، قال تعالى في محكم التنزيل: [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ]
[البقرة: ١١٧] ، واستبدعه: عده بديعاً [١] .
أما من الناحية العلمية، فلعلي أقفز كما سبق في مقال سابق إلى التعريف الذي
ارتأيته؛ متجاوزاً بذلك إشكالية التعريف التي لا تهم القارئ كثيراً، وهذا التعريف
هو:
(عملية ذهنية مصحوبة بتوتر وانفعال صادق ينظم بها العقل خبرات الإنسان
ومعلوماته بطريقة خلاقة تمكنه من الوصول إلى جديد مفيد) [٢] .
أهمية التفكير الإبداعي:
ها هي البشرية جمعاء ترفل بصور من النعم، وأشكال من الترفيه، وألوان
من التيسير، تَفَضّل بها المولى وقضى بحكمته البالغة بجعل الإبداع
وسيلة فاعلة يمتطيها المبدعون ليسهموا في بلورة أفكارهم نظرياً، وفي إنجازها
واقعياً.
ومن هنا تنبثق أهمية التفكير الإبداعي من كونه بعد توفيق الله تعالى:
* قناة أكيدة إلى جزر الاكتشافات الجديدة. * ومعبراً مضيئاً إلى النجاح
والتفوق.
* ومنفذاً قاصداً إلى تحقيق أهدافنا بكفاءة وسرعة.
* وسبيلاً ذكياً إلى التجديد الذي يزهق روح الملل ويريق دم السآمة! !
جوهر الإبداع:
على الرغم من أن هناك اعترافاً بين علماء الإبداع على أنه نوع من أنواع
النشاط العقلي، إلا أنهم اختلفوا في طرق معالجته وتحديده وقياسه، بمعنى أنهم
اختلفوا في الإجابة عن السؤال: متى نحكم لعمل أو لشخص بالإبداع؟ كما أنهم
اختلفوا في جوهر الإبداع على النحو الآتي:
أ - منهم من تناول الإبداع على أنه مجموعة من الخطوات تبدأ بتلمس
المشكلة وتنتهي بإشراق الحل والتحقق منه، فمن طبق تلك الخطوات فقد مارس
عملاً إبداعياً! ! (منهم: والاس، ماسلو، عبد الغفار) .
ب - ومنهم من جعل محور الإبداع هو الناتج الإبداعي وحدد مجموعة من
الصفات كالجِدّة وعدم الشيوع والقيمة الاجتماعية، وجعل توافرها دليلاً على الإبداع
بغضّ النظر عن شخصية القائم بالعمل! ! (منهم: روقيرس، ستن) .
ج - وبعضهم ركز على مجموعة من الخصائص العقلية وغير العقلية وجعل
تلبّس البعض بها دليلاً على إبداعه، سواءٌ أبدع واقعاً أم لم يبدع! ! (منهم:
جيلفورد، تورانس) [٣] .
إذاً فالأول يعتني بالخطوات الإبداعية، والثاني بالناتج الإبداعي، والثالث
بالشخصية الإبداعية. ومن هنا فلعله من الواضح أن كل رأي منها يعجز عن تفسير
ظاهرة الإبداع، ذلك أنه يعالج ضلعاً واحداً من أضلاع المثلث الإبداعي، ومن ثم
فالرأي السديد في نظري يتمثل في الأخذ بهذه الآراء مجتمعة على نحو ما سيجري
تفصيله.
منهج التفكير الإبداعي:
كاد أن يقتتل الناس من أجل إخراج (طائر الكروان) الذي احتبس في حفرة
رأسية في جدار سميك.. فأحضر أحدهم عوداً وبدأ بإدخاله وتحريكه داخل الحفرة
حتى كاد باجتهاده أن يقتله! ، والآخر بإخلاصه حاول أن يدخل يده الطويلة لعله
يمسك به، ولكن بلا جدوى، وبعضهم اقترح تخويفه بالأصوات المزعجة عله أن
ينهض! كل ذلك وطفل في الرابعة عشرة من عمره كان يرقب الموقف وتبدو عليه
آثار توتر التفكير وانفعال البحث.. وفجأة يصرخ وجدتها! ما رأيكم لو بدأنا بسكب
كمية من الرمل في الحفرة بصورة تدريجية.. إنه الإبداع، أليس كذلك؟ !
قد تبدو لك هذه القصة بسيطة، وبالفعل هي كذلك، غير أني أريد أن تفهم أن
المقصود منها فقط هو تسهيل عرض منهج التفكير الإبداعي الذي أراه بعد أن تم
استيعاب نظريات الإبداع، واستقراء آراء الباحثين.
ما الخطوات التي يجب اتباعها لنكون مبدعين؟ !
التفكير الإبداعي ينتظم نفس الخطوات التي يمر بها التفكير العلمي ولكن على
نحو فذ؛ فذلك الطفل حدد المشكلة بدقة وتعرف على أسبابها، وعرف على وجه
الدقة ما يريد، وفكر في مجموعة من البدائل، وخلص أخيراً إلى البديل الإبداعي،
بيد أن المبدع دائماً ما يتفاعل بإخلاص مع ما يفكر به لدرجة يكون معها:
* معايشاً لأجزاء الفكرة ومفرداتها، مستظلاً تحت شجرتها وأغصانها،
ومتأملاً ثمارها وأشواكها. ومن ثم فإنه يصل إلى درجة من النضج التفكيري يصبح
معها:
** قادراً على المرور بهذه الخطوات بكل سرعة وكفاءة. ** مرناً في
تطبيقها.
** متوثباً صوب الفكرة الإبداعية (الجديدة) إلى حد تطّرد معه الأفكار
الأخرى إذا ما لاحت في أفق تفكيره، بمعنى أن ما يعايشه المبدع من توتر وانفعال
إزاء الفكرة يجعله يدمج الخطوتين الثالثة والرابعة (تحديد البدائل الممكنة، واختيار
أفضلها) في خطوة واحدة؛ فهو يفكر بطريقة خلاّقة في بدائل كثيرة، غير أن
إبداعه يمكّنه من القضاء على الأفكار الهزيلة ليسير على جثثها صوب البديل
الإبداعي.
** محتضناً البديل الإبداعي في (رحم فكري) ، متعاهداً إياه بكل ما ينميه
ويغذيه.
** فاحصاً للفكرة المنبثقة من ذلك الرحم، ليحدد أخيراً مدى صحتها نظرياً
وجدواها عملياً [٤] .
أسئلة تعينك على الإبداع:
ثمة أسئلة تعين على الإبداع، يمكن لكل واحد منا توجيهها لنفسه ومن ثم
محاولة تلمس إجابة لها، وليس هناك أسئلة نمطية تصلح في كل الأحوال، وإنما
يجب اختيار الأسئلة التي تناسب المشكلة محل التفكير. فعلى سبيل المثال يمكنك
في مرحلة توليد الأفكار توجيه الأسئلة الآتية:
* ماذا لو فعلت أو لم أفعل كذا.......... .؟ * لِمَ لا أفعل كذا...........؟
* هل أغير زاوية التفكير (أفكر رأساً على عقب) ؟ * ما هي الافتراضات
التي يمكن تجاوزها؟
وعند تقييم الأفكار يمكنك توجيه الأسئلة التالية:
* هل هذه فكرة جيدة؟ * هل نستطيع تنفيذها؟
* هل الوقت مناسب لتنفيذها؟ * من يستطيع مساعدتنا؟
* ما هي النتائج التي يمكن أن تترتب في حالة إخفاقها؟
إن كثيراً من المبدعين لم يصلوا إلى درجة الإبداع إلا بعد أن تخطوا عقبة
الأسئلة (التقليدية) ، ذلك أن الإجابة التي تتبلور في أذهاننا إنما تتشكل بحسب
السؤال؟ [٥] .
من هو المبدع وما خصائصه؟
إن المبدع إنسان كغيره ... غير أنه وعاء مملوء بانفعالات صادقة، تأتيه من
كل صوب، من قراءاته، تأملاته، ملاحظاته، احتكاكاته، اهتماماته، ومعاناته..
فينفذ ما قرأه وما سمعه وما شاهده وما وعاه، ليتخفف من وطأة الانفعالات، ومن
ازدحام عقله بالرؤى [٦] .
ثمة خصائص كثيرة يذكرها باحثو الإبداع، غير أن من أهمها في نظري ما
يلي:
١ - الخصائص العقلية:
أ - الحساسية في تلمس المشكلات: يمتاز المبدع بأنه يدرك المشكلات في
المواقف المختلفة أكثر من غيره، فقد يتلمس أكثر من مشكلة تلح على بحث عن
حل لها، في حين يرى الآخرون أن (كل شيء على ما يرام) ! ! ، أو يتلمسون
مشكلة دون الأخريات.
ب - الطلاقة: وتتمثل في القدرة على استدعاء أكبر عدد ممكن من الأفكار
في فترة زمنية قصيرة نسبياً. وبازدياد تلك القدرة يزداد الإبداع وتنمو شجرته.
وهذه الطلاقة تنتظم:
** الطلاقة الفكرية: سرعة إنتاج وبلورة عدد كبير من الأفكار.
** طلاقة الكلمات: سرعة إنتاج الكلمات والوحدات التعبيرية واستحضارها
بصورة تدعم التفكير.
** طلاقة التعبير: سهولة التعبير عن الأفكار وصياغتها في قالب مفهوم.
ج - المرونة: وتعني القدرة على تغيير زوايا التفكير (من الأعلى إلى الأسفل
والعكس، ومن اليمين إلى اليسار والعكس، ومن الداخل إلى الخارج والعكس،
وهكذا) من أجل توليد الأفكار، عبر التخلص من (القيود الذهنية المتوهمة) (المرونة
التلقائية) ، أو من خلال إعادة بناء أجزاء المشكلة (المرونة التَكيّفية) .
فمثلاً باستنطاق قصة الكروان، نجد أن أكثر الناس كانوا يفكرون:
من أعلى إلى أسفل
стр. 2949
المنتدى
من آداب الجهاد
عبد العزيز عبد الله الويلي
تأمل النهي النبوي قبل أن تلتحم الصفوف ويتقابل الجيشان؛ فقد قال-صلى
الله عليه وسلم-: (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية) . قال الإمام النووي
﵀: (إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال
على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي، وقد ضمن الله تعالى لمن بُغي عليه
أن ينصره ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا ينافي الاحتياط والحزم، وتأوّله بعضهم: النهي عن التمني في أمر خاص وهو إذا شك في المصلحة فيه
وحصل ضرر؛ وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة، والصحيح الأول؛ ولهذا تممه -
ﷺ بقوله: (واسألوا الله العافية) وسؤال الله العافية من الألفاظ
العامة لدفع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة) . وهذا ضابط
أول من السّنّة، ثم ضابط ثانٍ وهو قُبيل الغزو وأثناءه، ونصوص السّنّة في هذا
كثيرة ومستفيضة، فمن ذلك أنه ﷺ يوصي قائد الجيش بقوله:
(فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ... ) ، وهي الإسلام،
الجزية، الحرب. وقوله ﷺ لمن أراد الخروج للجهاد والغزو:
(اغزُوا باسم الله، في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا
ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليداً) . ثم يأتي الضابط الثالث وهو ما بعد الحرب في قسمة
الغنائم ومعاملة الأسرى، وقد تحدثت سورة الأنفال في بدايتها عن الأول، وأما
الثاني فقد قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إن يَعْلَمِ اللَّهُ
فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ]
[الأنفال: ٧٠] وقال: (استوصوا بالأسارى خيراً) .
стр. 2950
ماذا نعمل؟ !
خالد محمد مسعود القحطاني
ماذا نعمل؟!
سؤال قد يتبادر إلى الذهن أنه سهل الإجابة؛ ولكنه صعبها، إنه يعني
باختصار: أن تخدم دينك الذي يطلب منك الكثير، وأمتك التي تنتظر جهودك في
تصحيح أوضاعها..
وفيما يلي إجابة سريعة للسؤال: ماذا نعمل؟ !
١- لا بد أولاً من تحديد القدرات الشخصية والإمكانات الذاتية؛ فمعرفة الذات
والتعرف على الإمكانات يعتبران فاتحة أولية للعمل والانطلاق فيه.
٢- ترتيب الأمور الدعوية: المهم فالأهم، ووضع أولويات تقع في رأس
القائمة، ويبدأ بتنفيذها بشكل متقن وجذّاب، ثم بعد الانتهاء منها تنتقل لما بعدها ثم
التي تليها حتى تصل إلى مبتغاك بكل يسر وسهولة.
٣- لن يتسنى ذلك إلا بتقسيم العمل إلى مراحل عدة، ووضع خطط معينة
لكل مرحلة، ومتابعة تنفيذها ووضع وقت محدد لإنجاز الأعمال خلاله.
٤- ينبغي أن يتعلم الإنسان من خلال ذلك تقويم إنجازه، ووضع نسبة مئوية
يحدد من خلالها حجم ما أنجزه من مهمات، وما قصّر فيه حتى يتلافى الأخطاء.
٥- الحرص قدر المستطاع على الأعمال الجماعية فهي أجدى وأحسن من
العمل الفردي المجبول بالنقص والقصور، ويجب أن يتم ذلك من خلال فريق عمل
متجانس، فيختار للعمل معه من يعينه بهمته أولاً، وبجهوده ثانياً.
وجاء العيد
علي بن جبريل
ياعيدٌ أقبلتَ والمأساةُ ما برِحتْ ... في كل صقع وخيطُ القهرِ ممدودُ
فأمّتي لم تزَلْ يا عيدُ في كمدٍ ... قتلٌ ونهب وإحراقٌ وتشريدُ
كيف السرور وأرض المسلمين لظىً؟ ... كيف الهناء (وأقصى) الشرق موؤودُ؟
فمسجد ُ القدس واأسفى يدنّسه ... شعب اليهود، ويُزْكي النار (ليكودُ)
والأرض ترجف من عُهرٍ ومن دنَسٍ ... أما الديارُ فتنصيرٌ وتهويدُ
أتيتَ ياعيد مزْهُوّاً ومنشرحاً ... ومن معانيك؛ تغييرٌ وتجديدُ
انظر.. تجدْ طفلي الباكي طفولته: ... ثيابهُ رثّهٌ، أثماله سُودُ
стр. 2951
نافذة على الآفاق
علي بن أحمد الزهراني
حينما تسقط الأخلاق من معايير العمل ولوحات التوجيه و (وصفات) التأدية.. بل ومن كلام العامة (ودردشة) الخاصة، فلا ضير أن تظهر على مسرح الحياة
فصول تُعِدّها أيدٍ خفية وتديرها من خلف الأستار ثلة مريبة، وينفذها شباب بعيدون
عن مكمن التربية والتعليم وعن (مجهر) الملاحظة والتوجيه:
(لـ) ينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوّده ...
ولك أن تلحظ بعقلية المدرك، وفراسة المؤمن، وحاسبة (بوروس)
و (إلكترونية) بريندر: جهود أولئك القائمين حقاً على تعليم النشء المبادئ والقيم
والمعايير المستمدة من سيرة المعصوم المزكى [وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]
[القلم: ٤] لك أن تلحظ كم يساوون في حسابات ومعادلات العنصر البشري؟
وكم أولئك الذين وضعوا نصب أعينهم قول ابن عمر ﵄:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن
رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال
سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته) متفق عليه.
وكم نحن بحاجة إلى تفعيل رسالة التربية والتعليم في تربية أجيالنا حتى لا
يكونوا فريسة تُقتنص على يد أدعياء التطوير وهم رسل التغريب والاستلاب.
стр. 2952
كيف تقود نفسك إلى بر الأمان
علي محمد مريح
إن السعادة مطلب الجميع: المؤمن والكافر، الصغير والكبير؛ فالكل يسعى
لها ويتمناها. ويبحث الإنسان عن السعادة بكل وسيلة وطريقة؛ فالبعض يراها في
جمع الأموال، والبعض الآخر يراها في اللباس، وآخرون يرونها في السفر.
ولم يعلم هؤلاء أنها في رضاء خالقهم الذي أوجدهم وهذا لا يتم
أبداً ولا يوجد في النفوس إلا إذا ابتعد الإنسان عن المعاصي والذنوب واقترب من
الله تعالى إذاً فلنعلم جميعاً أن للذنوب أضراراً في القلوب كأضرار السموم في
الأبدان، ولنعلم أيضاً أن كل ضرر واقع في الدنيا والآخرة سببه الذنوب والمعاصي. ولهذه المعاصي آثار تفسد على الإنسان دنياه وآخرته، ومن هذه الآثار:
* حرمان العلم.
* حرمان الطاعة.
* حرمان الرزق.
* وحشة يجدها العاصي.
* ظلمة في القلب.
* ابتعاد الملائكة عنه وتسلط الشياطين عليه.
* رد الدعاء.
وغير ذلك من الآثار الكثيرة. يقول ابن عباس ﵄: (إن للحسنة
ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في
قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن،
ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق) .
стр. 2953
لنتعاون على البر والتقوى
علي حسن آل محمد العتيبي
إن ضرورة الاجتماع لا يختلف عليها مسلمان عاقلان؛ ولكنها كما يبدو قولٌ
دونما أثر.. جعجعة دون طحن.. وكثير من المسلمين على نصيب كبير من ذلك؛
فالملاحظ أن اتفاقهم على أصول الدين لم يمكنهم من التجاوز عن كثير من الاختلاف
اليسير وجمع الجهود والالتفاف حول راية واحدة للإصلاح.
وبالنزول لواقع الدعوة نجد أن هناك شروخاً غائرة في تربيتنا. إنه لا يخفى
علينا ما خلفته التربية القاصرة والتخلف الحضاري العام من الضيق بالآخر وعدم
الاعتداد إلا بالنفس؛ ولو حاول هؤلاء المصلحون الذين يقعون في هذه المزالق أن
يكتشفوا إيجابيات الآخرين، أو اختراق حجب التعصب لرؤية جدوى التعاون معهم
وفضائل السعي للانسجام في عمل مشترك مهما كانت الصعوبات؛ لوجدوا الفرق
شاسعاً بين التفرد في القيام بالمهمة وإيجابياته وبين الالتقاء مع الإخوة حيث تلتقي
الأفكار وتتلاقح وتتقارب المسافات من الإنجازات والإنتاج. فهذه يا دعاة الإسلام
دعوة أُطلِقها اليوم قبل أن نندم ساعة لا ينفع الندم، وكفى ما حل بنا بسبب تفرقنا
خلال قرون مضت. فهل من مجيب؟
стр. 2954
الورقة الأخيرة
الحِرْمَان
عبد العزيز حامد
عرفت شاباً جاء للعمرة واعتمر، ثم مكث سبع سنين دون أن يرجع إلى بلده، ومع هذا، لم يزر المدينة المنورة ولو مرة رغم تيسر ذلك فلما سألته عن السبب،
قال: وهل تُشد الرحال إلى مسجد فيه قبر؟ ! يقصد المسجد النبوي الشريف! !
وما علم المسكين أن القبر كان خارج المسجد لكن أدخلته السياسة لا الشريعة، وقد
أنكر العلماء ذلك منذ عصر سعيد بن المسيب، ولم تطل بهذا الشاب حياة بعد ذلك
إلا شهوراً حتى مات، دون أن يصلي ركعة واحدة في المسجد النبوي الشريف!
* ورأيت أفراداً يصلون طول العام مع الجماعة في المسجد، ولكنهم يجعلون
صلاتهم مع الإمام (نافلة) ، ويقومون لصلاة الفريضة فرادى قبل الصلاة أو بعدها
بدعوى عدم التأكد من صحة الصلاة خلف الإمام؛ لعدم التيقن من صحة عقيدته! !
* ورأيت من عاش عَزِباً، فعَرّض نفسه للفتن، بدعوى أن العلم يضيع بين
أحضان النساء!
* ورأيت من تزوج ولم ينجب عمداً وحرم نفسه وحرم زوجته من الذرية؛
لأنه اقتنع بقول مرجوح لبعض الأحناف بأن الإنجاب يحرم في دار الحرب!
* ورأيت من أدرك والديه الكبرُ، فكان يعقهما، ولا يحسن معاملتهما لأنهما
(غير ملتزمين) !
* وسمعت بأقوام تركوا حضور مجالس العلماء، بدعوى أن (الكتب) فيها
الكفاية والغَنَاء! ثم أقاموا لأنفسهم مجالس خاصة!
* * *
وهناك الكثير والكثير من الصور التي يمكن لأي منا أن يستحضرها لتكون
أمثلة على ذلك (الحِرْمان) أو الخذلان الذي يعاقب الله به بعض من ضل سعيهم في
الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
إن الشيطان يصرفهم عن الطاعة بدعوى الطاعة، ليلقوا ربهم بغير بضاعة،
أو ببضاعة مزجاة. نسأل الله السلامة.
إذا كانت هذه مظاهر فردية من الحرمان، فإن هناك ظواهر جماعية من ألوان
أخرى من الحرمان، فإلى جانب الشريحة المحدودة من المحرومين عن الثواب باسم
الحرص على الثواب، فإن هناك شرائح عريضة تصرفهم ملاهي الدنيا عن مساعي
الآخرة، فينضمون إلى ركب المغبونين في الصحة والفراغ في رمضان وفي غير
رمضان. نعم! فهناك من يتجاهلون أن الله تعالى جعل لبعض الأزمنة حرمة، كما
جعل لبعض الأماكن حرمة، فكما أن حرمة المكان الذي حرّمه الله لا ينبغي أن
تنتهك، فكذلك حرمة الزمان. ولرمضان حرمة، ولأيامه منزلة، وللياليه قدسية،
ومن أخل بتلك الحرمة والمنزلة والقدسية في الزمان المحرم كرمضان كان كمن أخل
بها في المكان المحرم كالمسجد الحرام. قال الرسول: (رمضان شهر الله
الحرام) [١] فلرمضان حرمة في ليله ونهاره، ولكن كثيراً من الغافلين (المحرومين) يصومون عن المباح في نهاره، ويسهرون على الحرام في لياليه!
وأبرز الأمثلة على ذلك الحرمان، من يضيعون صلاة القيام في شهر البركات، حتى لا تضيع عليهم الحلقات والمسلسلات مع الغافلين والغافلات، فلا يكتفون
بفقدان الثواب بل يفقدون معه المروءة والعدالة. تراهم يلتهون عن التشمر للشهر،
بالتسمر أمام ما يبث من أنواع الخناعة والخلاعة والعهر التي يُخص بها الشهر
الكريم إمعاناً في إيذاء الضيف. وكأن الشياطين تنتهي من حشد تلك المسلسلات قبل
أن تسلسل في رمضان، فتنصرف بعد ذلك إلى محابسها تاركة لشركائها من
شياطين الإنس أن يُضيّعوا على الناس الشهر، يضيعوا الصلاة ويضيعوا الصيام،
ويضيعوا القيام، ويضيعوا ليلة القدر، التي من حُرمها فقد حُرم الأجر، وصدق
رسول الله ﷺ : (لا يُحرم خيرها إلا محروم) [٢] .
إن الحرمان ألوان.. ولكن المحروم من حُرم الثواب، فاللهم رحماك ...
(اللهم أعطنا ولا تحرمنا) [٣] .
стр. 2955
شوال - ١٤١٩هـ
فبراير - ١٩٩٩م
(السنة: ١٣)
стр. 2956
كلمة صغيرة
عاقبة البغي
عندما غزا صدام حسين الكويت واعتدى على شعبه، كان بذلك من الباغين
المسرفين في البغي، فحقت عليه سنة الله في الباغين؛ إذ سلط الله عليه قوى البغي
الكبرى لتكف شره عن الضعفاء.
واليوم نرى واقعاً مغايراً.. نرى شعباً مسلماً في العراق، يُستضعف حتى
الإذلال، ويُستهدف بالبغي إلى حد السحق، من دولة تزعم أنها رائدة العدالة في
العالم، حتى غدت تظن أن بيدها الأمر كله!
لا بد أن تحق كلمة الله على الباغين، ورأس البغي هنا رئيس يتملكه النزق
والرهق.. يتخد قراراً غير مسؤول، في توقيت غير مقبول، لضرب شعب شبه
أعزل، ليعاقبه على جرم شخصي له هو حتى لا يُعزل!
تُرى ... هل يظن أحد أن يفلت هذا الباغي من مغبة بغيه؟ ! في وقت يسكت
فيه أو يعين الشعب اليهودي الباغي على كل أنواع البغي، بكل أنواع العون؟ ! إن
السنن الإلهية التي لا تتبدل ولا تتحول، تهتف في الناس بقول الحق : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم] [يونس: ٢٣] وقول رسول الحق -
ﷺ : (أسرع الذنوب عقوبة البغي وقطيعة الرحم) .
وأمام ما نراه من دمار غير مسوّغ، وسعار غير متورع.. نحن بانتظار أقدار
الله في الباغين.. [وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ] [ص: ٨٨] .
стр. 2957
الافتتاحية
المصالح الشرعية.. لا الأهواء البشرية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق
وسيد المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فمن تمام نعمة الله تعالى وفضله على هذه الأمّة أنه شرع الشرائع والأحكام
لغايات حكيمة ومقاصد عظيمة، ترمي إلى تحقيق مصالح الناس في العاجل والآجل؛ بكفالة ضرورياتهم، وتوفير حاجياتهم وتحسينياتهم، قال الله تعالى: [إنَّ اللَّهَ
يَاًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] [النحل: ٩٠] ولا تخلو أحكام الشريعة من أحد أمرين: إما تحقيق
مصالح الناس أو دفع المفاسد عنهم؛ (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم
ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح
كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى
ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة
وإن أدخلت فيها بالتأويل) [١] .
وتقدير المصالح والمفاسد ليس أمراً هيناً، بل هو في غاية الدقة؛ لأنه
منضبط بضوابط الشرع ونصوصه وقواعده، وليس مجالاً لخوض الخائضين أو
عبث العابثين أو تخرّص المتخرصين، ولا يصلح أن يقوم به إلا أهل العلم الأثبات، الذين عرفوا نصوص الكتاب والسنة، ودرسوا مقاصد التشريع الإسلامي،
وميّزوا بين أولويات الأحكام، وعرفوا خير الخيرين وشرّ الشرين، حتى يُقَدّموا
عند التزاحم خير الخيرين ويدفعوا شرّ الشرّين.
وليس كل ما توهمه الناس مصلحة يكون كذلك؛ فليس من المصلحة في شيء
على الإطلاق ما خالف دليلاً من الكتاب والسنة، أو عارض قاعدة محكمة من قواعد
الشريعة. ولا يصح على الإطلاق أن يكون المعيار في تحديد المصالح موافقتها
لأهواء الناس وشهواتهم، أو مراعاتها لعاداتهم وأعرافهم إذا كانت تخالف شرع الله. كما لا يصح أن يستقل العقل البشري بتحديد المصلحة والمفسدة. ومراعاة مصالح
العباد تكون بميزان دقيق متجرّد تُراعى فيه نصوص الشرع وقواعده وأصوله، قال
الله تعالى: [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ
عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ] [المائدة: ٤٩] .
وبسبب الجهل بأحكام الشريعة ومقاصدها، والقصور في فهم القواعد
الأصولية المتعلقة بها؛ فَهِمَ بعض الناس من قاعدة: (مراعاة الشريعة للمصالح
ودرؤها للمفاسد) فهوماً منحرفة تحيد بها عن سبيلها المستقيم، فحُمّلت هذه القاعدة
من المعاني والأحكام ما لا تحتمل، وفُتح باب عريض من التساهل في تطبيق
الأحكام، وأصبح الهوى من العوامل الخفية التي تؤثر تأثيراً بالغاً في تحديد
المصالح والمفاسد..! !
ومع زيادة الانحراف الفكري والاجتماعي، واتساع دائرة التغريب والعلمنة
الذي تشهده أكثر المجتمعات الإسلامية، ومع كثرة الهجرة إلى بلاد الغرب الكافرة؛
اندرست أكثر معالم الدين، وهُجرت سّنة سيد المرسلين، وأصبح الحق غريباً،
وصار التمسك بكثير من التعاليم الإسلامية يشكل صعوبة لدى أكثر العامة، بل حتى
على بعض الخاصة، وراح قوم يتتبعون الرخص ويبحثون عن المخارج، ووجد
آخرون وقد يكون منهم فقهاء ودعاة أنفسهم أمام ضغط اجتماعي وفكري كبير،
فدعوا بلسان الحال والمقال إلى مجاراة العامة في أهوائهم وعجزهم في تحمل أعباء
هذا الدين الحنيف. وقد يُتذرع ببعض القواعد الفقهية العامة كقاعدة: (المصالح
والمفاسد) ، وقاعدة: (المشقة تجلب التيسير) ، فيتوسع في تطبيقها والتفريع عليها
توسعاً غير منضبط؛ حتى شاع عند بعضهم مصطلح: (فقه المرونة.. أو فقه
المصلحة) . وربما قاده هذا الفقه إلى التفلّت من عزائم الأحكام الشرعية؛ هرباً إلى
الرخص، وقد يضطره أحياناً إلى تأويل النصوص المحكمة، والتعسف في تفسيرها
وتنزيلها على الأحداث الجارية، بل قد يتجرأ بعضهم في ردّ النصوص الثابتة
المحكمة، ويجعلها وراءه ظهرياً؛ ولكي يسلم من التبعة أمام الآخرين تراه يصف
غيره من الفقهاء والدعاة المخالفين له بالتشدد، والتنطع، والتكلف، والغلو،
وأحسنهم حالاً مَنْ وصفهم بالجهل في الواقع وعدم تصور الحال..! ونحسب أن
كثيراً من هذا الفقه العصري شبيه بما سمّاه بعض المتقدمين من علمائنا ب (فقه
الحِيَل) الذي يرمي إلى التحايل في فعل بعض المنهيات، أو إسقاط بعض
المأمورات.
ومن جانب آخر وأمام هجمات اليساريين والعلمانيين والليبراليين على شعائر
الإسلام تزداد المعضلة تعقيداً؛ حيث ينبري بعض الفقهاء والمفكرين ليدافع
بإخلاص وغيرة عن الإسلام نحسبهم كذلك والله حسيبهم؛ ولكنهم ينطلقون بمنطق
الضعفاء العجزة الذين يتمسكون بالقشة لكي يسلموا من التهمة، فلا الإسلام نصروا
ولا لأعدائه كسروا، حتى ساد على فكر هؤلاء ما يمكن أن نسميه بـ (فقه التسويغ! !) ، الذي بُنيَ على مسخ بعض أحكام الشريعة، والعدول بها عن مواضعها
ومقاصدها.
إنّ من أبرز صفات الفقيه المسلم بالإضافة إلى الرسوخ في الفقه والفهم،
ومعرفة دلائل النصوص الشرعية ومراميها: الثقة في المنهج، واليقين بعلوّ هذا
الدين ورفعته، والاعتزاز بأحكامه وآدابه. وهذا سوف يقوده بإذن الله تعالى إلى
الجهر بالحق، والوضوح في بيان الأحكام، والدقة في الاجتهاد، ومراعاته لمصالح
العباد الشرعية، بعيداً عن الأهواء والمؤثرات الفكرية والمألوفات الاجتماعية.
نسأل الله تعالى أن يعيذنا من مضلات الأهواء والفتن، وأن يرينا الحق حقاً
ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 2958
دراسات في الشريعة والعقيدة
عبودية الشهوات
(١)
مكمن الداء
عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
وبعد: فإن التعلق بالله وقصده وإرادته هو أساس التوحيد ومعنى
شهادة أن لا إله إلا الله، والله هو المستحق وحده أن يكون المقصود
والمدعو والمطلوب.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (إن الإله هو المقصود والمعتمد
عليه، وهذا أمر هيّن عند من لا يعرفه، كبير عظيم عند من يعرفه) [١] .
ومن لم يكن مقصوده وغايته الله ؛ فلا بد أن يكون له مقصود ومراد
آخر يستعبده، كما وضّح ذلك ابن تيمية بقوله: (الاستقراء يدل على أنه كلما كان
الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله؛ كان أعظم إشراكاً بالله؛ لأنه كلما استكبر عن
عبادة الله تعالى ازداد فقراً وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود.
فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته؛ فمن لم يكن الله
معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك؛ فلا بد أن له مراداً محبوباً
يستعبده غير الله، فيكون عبداً لذلك المراد المحبوب: إما المال، وإما الجاه، وإما
الصور، وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله) [٢] .
والناظر إلى واقعنا الحاضر يرى أنواعاً من التعلق بالشهوات والافتتان بها،
فما أكثر المسلمين الذين أشربوا حب الشهوات من النساء والأموال، والملبوسات
والمركوبات، والمناصب والرياسات، والولع بالألعاب والملاهي.
وهذه المقالة تتحدث عن جملة من تلك الشهوات التي استحكمت بأفئدة كثير
من الناس وعقولهم.
ولعل من المناسب أن نتحدث ابتداءً عن الموقف الصحيح تجاه الشهوات
إجمالاً قبل الحديث عن بعض أفرادها تفصيلاً.
إن المسلك العدل إزاء الشهوات وسط بين مسلك أهل الفجور والفواحش،
ومسلك أصحاب الرهبانية والتشدد؛ فأهل الفجور أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات؛ وأهل الرهبانية حرّموا ما أحل الله من الطيبات. ودين الله يراعي
أحوال الناس، ويدرك ما هم عليه من الغرائز والشهوات؛ لذا فهو يبيحها ويعترف
بها، لكنه يضبطها ويهذبها.
يقول ابن القيم مقرراً هذه الوسطية: (لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام
حياً فإن هواه لازم له كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن
المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة إلى مواطن الأمن
والسلامة؛ مثاله أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء
ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبوراً
فاستحالت صباً) [٣] .
واتباع الشهوات والانكباب عليها يؤول إلى استيلائها على القلب، فيصير
القلب عبداً وأسيراً لتلك الشهوات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن المتبعين
لشهواتهم من الصور والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه
حتى يقهره ويملكه، ويبقى أسير ما يهواه يصرفه كيف تصرّف ذلك المطلوب.
فما يمثله الإنسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قلبه وتقهره، فلا يقدر
قلبه على الامتناع منه؛ فيبقى مستغرقاً في تلك الصورة.. والقلب يغرق فيما
يستولي عليه: إما من محبوب وإما من مخوف، كما يوجد من محبة المال والجاه
والصور؛ والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقاً كما يغرق الغريق في
الماء) [٤] .
وقد قال الإمام الشافعي ﵀: (من لزم الشهوات لزمته عبودية أبناء
الدنيا) [٥] .
وإذا كان الإفراط والانهماك في الشهوات مذموماً شرعاً، كما قال :
[فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَياً]
[مريم: ٥٩] ؛ فكذلك اتباع الشهوات مذموم عقلاً؛ فإن العاقل البصير ينظر في
عواقب الأمور، فلا يُؤْثِرُ العاجلة الفانية على الآخرة الباقية.
يقول ابن الجوزي ﵀: (اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة
من غير فكر في عاقبة، ويحث على نيل الشهوات عاجلاً، وإن كانت سبباً للألم
والأذى في العاجل، ومنع لذّات في الآجل) .
فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذةٍ يعقبها ألم، وشهوة تُورث ندماً، وكفى بهذا
القدر مدحاً للعقل وذماً للهوى.
وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالباً، وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى
حاكم العقل؛ فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة، ويأمره عند وقوع
الشبهة باستعمال الأحوط في كف الهوى، إلى أن يتيقن السلامة من الشر في
العاقبة) [٦] .
وليعلم العبد أن الصبر عن الشهوات وما فيها من الإغراء والبريق والافتتان
أيسر من الصبر على عواقب الشهوات وآلامها وحسراتها، كما بينه ابن القيم بقوله: (الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإنها إما أن توجب
ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة
وندامة، وإما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذهب مالاً بقاؤه
خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب
نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقاً لم
يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة،
وإما أن تنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تُشمت عدواً وتحزن ولياً،
وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول؛
فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق) [٧] .
شهوة النساء:
وأما عن شهوة النساء، أو بالأحرى شهوة الجنس عموماً فإن المتأمل في
أحوال المسلمين فضلاً عمن دونهم يرى سُعاراً تجاه هذه الشهوات، وولوغاً في
مستنقعاتها الآسنة، فما أكثر المسلمين العاكفين على متابعة الأطباق الفضائية
وشبكات (الإنترنت) ، وقد سمّروا أعينهم في سبيل ملاحقة برامج الفحش، وما أكثر
الذين يشدّون رحالهم إلى بلاد الكفر والفجور في سبيل تلبية شهواتهم المحرمة،
والله المستعان.
لقد تكالب شياطين الإنس والجن مع النفوس الأمّارة بالسوء على إفساد عفاف
المسلمين وأخلاقهم، قال سبحانه: [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَذِينَ يَتَّبِعُونَ
الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً] . [النساء: ٢٧]
ومما يجدر ذكره أن من أرخى لشهوته العنان؛ فإن سعار هذه الشهوة لا حد له
ولا انقضاء، وإذا كان الشخص المولع بالدنيا لا يشبع من المال كما في الحديث:
(لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب) [٨] ، فكذلك الشخص المولع بشهوة الجنس بدون ضابط أو رادع لا يقف ولا يرعوي.
يقول الشيخ علي الطنطاوي: (لو أوتيتَ مال قارون، وجسد هرقل،
وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل وكل نوع من أنواع
الجمال، هل تظن أنك تكتفي؟ لا، أقولها بالصوت العالي: لا، أكتبها بالقلم
العريض، ولكن واحدة بالحلال تكفيك. لا تطلبوا مني الدليل؛ فحيثما تلفّتم حولكم
وجدتم في الحياة الدليل قائماً ظاهراً مرئياً) [٩] .
وجاء في الأدب الكبير، لابن المقفع: (اعلم أن من أوقع الأمور في الدين،
وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأجلبها للعار، وأزراها للمروءة، وأسرعها في
ذهاب الجلالة والوقار: الغرام بالنساء. ومن العجب أن الرجل لا بأس بلبّه ورأيه
يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصوّر لها في قلبه الحُسن والجمال حتى
تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح،
وأدمّ الدمامة، فلا يعظه ذلك؛ ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفاً بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن أن لها شأناً غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء والسفه) .
إن أشد الفتن وأعظمها: الفتنة بالنساء، كما قال النبي -صلى الله عليه
وسلم-: (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) [١٠] .
قال الإمام طاووس عند قوله: [وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً] [النساء: ٢٨] ،
(إذا نظر إلى النساء لم يصبر) [١١] .
وقال ابن عباس ﵄ (لم يكن كفر من مضى إلا من قِبل النساء،
وهو كائن كفر من بقي من قِبل النساء) [١٢] .
وهاك أخي القارئ حكايتين واقعيتين تكشفان أن من أسباب الكفر بالله: عشق
النساء.
فأما الحكاية الأولى:
فقد ساقها أبو الفرج ابن الجوزي بقوله: (بلغني عن رجل كان ببغداد يُقال له: صالح المؤذن، أذّن أربعين سنة، وكان يُعرف بالصلاح، أنه صعد يوماً إلى
المنارة ليؤذن، فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد، فافتتن بها،
فجاء فطرق الباب، فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت له، فلما دخل
ضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتني
على ما أريد وإلا قتلتك. فقالت: لا؛ إلا أن تترك دينك، فقال: أنا بريء من
الإسلام ومما جاء به محمد، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم
تعود إلى دينك، فكُلْ من لحم الخنزير، فأكل، قالت: فاشرب الخمر، فشرب،
فلما دبّ الشراب فيه دنا إليها، فدخلت بيتاً وأغلقت الباب، وقالت: اصعد إلى
السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك، فصعد فسقط فمات، فخرجت فلفّته في
ثوب، فجاء أبوها، فقصّت عليه القصة، فأخرجه في الليل فرماه في السكة،
فظهر حديثه، فرُمي في مزبلة) [١٣] .
أما الحكاية الثانية:
ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين ما يلي:
(وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم قبحه الله ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي
كان من المجاهدين كثيراً في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون
يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن،
فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت: أن تتنصر وتصعد إليّ،
فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك
غماً شديداً، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك
المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل
صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني أُنسيت القرآنَ كله
إلا قوله: [رُّبَمَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَاًكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ] [الحجر: ٢، ٣] وقد صار لي فيهم مال
وولد) [١٤] .
إن الولوغ في الفواحش وارتكابها له وسائل متعددة وأسباب كثيرة، وأدناها:
سماع الأغاني؛ فإن الغناء رقية الزنا، وداعية الفاحشة.
وقال يزيد بن الوليد: (يا بني أمية! إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء،
ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السّكْر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنّبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا) [١٥] .
قال ابن القيم: (ومن الأمر المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استصعبت على
الرجل اجتهد أن يُسمعها صوت الغناء، فحينئذٍ تعطي الليان) ؛ وهذا لأن المرأة
سريعة الانفعال للأصوات جداً، فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين:
من جهة الصوت، ومن جهة معناه؛ ولهذا قال النبي ﷺ
لأنجشة حاديه: (يا أنجشة رويدك، رفقاً بالقوارير) [١٦] يعني النساء.
(أما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدّف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر،
فلو حبلت المرأة من صوت لحبلت من هذا الغناء.
فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حرّ أصبح به عبداً
للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدّل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من معافى
تعرّض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا) [١٧] .
ومن أشد الوسائل فتكاً: النظر المحرم، فكم من نظرة إلى صورة جميلة في
السوق أو في شاشة أو مجلة أعقبت فواحش وآلاماً وحسرات. قال الإمام أحمد
﵀: (إذا خاف الفتنة لا ينظر، كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها
البلابل) [١٨] .
يقول ابن الجوزي محذراً من إطلاق البصر: (اعلم وفقك الله أن البصر
صاحب خبر القلب ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها فيجول فيها
الفكر، فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة. ولما كان إطلاق البصر
سبباً لوقوع الهوى في القلب، أمرك الشارع بغضّ البصر عما يُخاف عواقبه. قال
الله تعالى: [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] [النور: ٣٠] . [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ] [النور: ٣١] . ثم أشار إلى مُسبب هذا السبب، ونبّه
على ما يؤول إليه هذا الشر بقوله: [وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ] [النور: ٣٠] ،
[وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ] [النور: ٣١] ) [١٩] .
وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن النظر المحرم وما يؤول إليه
من الوقوع في الفواحش.. بل وقد ينتهي بصاحبه إلى الشرك بالله تعالى فكان مما
قاله: (وأما النظر والمباشرة فاللمم منها مغفور باجتناب الكبائر، فإن أصر على
النظر أو على المباشرة صار كبيرة، وقد يكون الإصرار على ذلك أعظم من قليل
الفواحش؛ فإن دوام النظر بالشهوة وما يتصل به من العشق والمعاشرة والمباشرة
أعظم بكثير من فساد زنا لا إصرار عليه؛ ولهذا قال الفقهاء في الشاهد العدل: أن
لا يأتي كبيرة، ولا يصر على صغيرة.
بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك، كما قال تعالى: [وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أََندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ] [البقرة: ١٦٥] ، ولهذا لا
يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله تعالى إنما ذكره
في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم لوط المشركين) [٢٠] .
وقال ابن القيم ﵀: (وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غضّ
العبد بصره، غضّ القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته) .
إلى أن قال والنظرة إذا أثّرت في القلب، فإن عجل الحازم وحسم المادة من
أولها سهُل علاجه، وإن كرر النظر ونقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب
فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي
الشجرة، فلا تزال شجرة الحب تنمو حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر
به، فيخرج بصاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن) [٢١] .
ومن أشد الوسائل ضرراً وشراً: اختلاط النساء بالرجال؛ فإن هذا الاختلاط
أنكى وسيلة في الانغماس في الفواحش والقاذورات، وقد كثر في هذا الزمان من
يطالب بهذا الاختلاط ويدعو إليه؛ حيث ينادون بمزاحمة النساء للرجال في جميع
المجالات والأعمال، زاعمين أنهم يريدون الخير والإصلاح لمجتمعاتهم، ألا أنهم
هم المفسدون ولكن لا يشعرون.
قال ابن القيم متحدثاً عن مفاسد الاختلاط: (ولا ريب أن تمكين النساء من
اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات
العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة.. وهو من أسباب الموت
العام والطواعين المهلكة. ولما اختلط البغايا بعسكر موسى ﵇ وفشت فيهم
الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة
في كتب التفسير؛ فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من
اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات) [٢٢] .
وها هنا أمر مهم بنبغي التنبيه عليه، وهو أن الولع والانكباب على الشهوات
سببه ضعف التوحيد، فإن القلب كلما كان أضعف توحيداً وأقل إخلاصاً لله تعالى
كان أكثر فاحشة وشهوة [٢٣] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة: (وهذا [أي العشق والشهوات]
إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله الذين فيهم نوع من الشرك، وإلا
فأهل الإخلاص، كما قال الله تعالى في حق يوسف ﵇: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ
عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] [يوسف: ٢٤] فامرأة العزيز كانت
مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء، ويوسف ﵇ مع
عزوبته، ومراودتها له، واستعانتها عليه بالنسوة، وعقوبتها له بالحبس على العفة، عصمه الله بإخلاصه له، تحقيقاً لقوله: [لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
المُخْلَصِينَ] [ص: ٨٢، ٨٣] ، قال تعالى: [إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ
إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ] [الحجر: ٤٢] والغي هو اتباع الهوى [٢٤] .
إن الافتتان بالنساء والولع بهن يورث أنواعاً من العقوبات والمفاسد في الدنيا
والآخرة.
وأشار ابن الجوزي إلى تنوع هذه العقوبات فقال: (اعلم أن العقوبة تختلف:
فتارة تتعجل، وتارة تتأخر، وتارة يظهر أثرها، وتارة يخفى. وأطرف العقوبات
ما لا يحس بها المعاقَب، وأشدها العقوبة بسلب الإيمان والمعرفة، ودون ذلك موت
القلب ومحو لذة المناجاة منه، وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن، وإهمال
الاستغفار، ونحو ذلك مما ضرره في الدين. وربما دبّت العقوبة في الباطن دبيب
الظلمة، إلى أن يمتلئ أفق القلب، فتعمى البصيرة، وأهون العقوبة ما كان واقعاً
بالبدن في الدنيا، وربما كانت عقوبة النظر في البصر. فمن عرف لنفسه من
الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يرُدّ ما
يَرِد) [٢٥] .
وتحدث شيخ الإسلام ابن تيمية عن عقوبات الشهوة المحرمة، فكان مما قاله:
(فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة أو صبي، فهذا هو العذاب الذي لا يَدان
فيه، وهؤلاء من أعظم الناس عذاباً وأقلهم ثواباً؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه
متعلقاً بها، مستعبَداً لها، اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب
العباد. ومن أعظم هذا البلاء إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة
الله والإخلاص له، لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب) [٢٦] .
وقال أيضاً: (ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب؛ فإن الشهوة
توجب السّكْر، كما قال تعالى عن قوم لوط: [إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ]
[الحجر: ٧٢] ، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (العينان تزنيان وزناهما النظر) الحديث إلى آخره. فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث كالنظر والاستماع والمخاطبة، ومنهم من يرتقي إلى اللمس والمباشرة، ومنهم من يقبّل وينظر، وكل ذلك حرام، وقد نهانا الله أن تأخذنا بالزناة رأفة بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما هو دون ذلك من هجر وأدب باطن ونهي وتوبيخ وغير ذلك؟
بل ينبغي شنآن الفاسقين وقليهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنا المذكورة في هذا الحديث المتقدم وغيره) [٢٧] .
وتحدّ ابن القيم في غير موضع عن مفاسد الزنا وما يحويه من أنواع
الشرور ... فكان مما قاله ﵀: (والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين
وذهاب الورع، وفساد المروءة وقلة الغيرة، فلا تجد زانياً معه ورع، ولا وفاء
بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله.. ...
ومن موجباته: غضب الرب بإفساد حرمة عياله، ومنها: سواد الوجه
وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت، ومنها ظلمة القلب وطمس نوره ... ومنها أنه
يذهب حرمة فاعله، ويسقط من عين ربه ومن أعين عباده، ومنها أن يسلبه أحسن
الأسماء ويعطيه أضدادها. ومنها ضيق الصدر وحرجه؛ فإن الزناة يعاملون بضدّ
قصودهم؛ فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده؛
فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خير قط) [٢٨] .
وقال في موضع آخر: (واعلم أن الجزاء من جنس العمل والقلب المعلّق
بالحرام، كلما همّ أن يفارقه ويخرج منه عاد إليه، ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ
وفي الآخرة هكذا ...
وفي بعض طرق حديث سَمُرة بن جندب الذي في صحيح البخاري أن النبي- ﷺ قال: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فانطلقت معهما، فإذا بيت مبني على مثل بناء التنور أعلاه ضيّق وأسفله واسع، يوقد تحته نار،
فيه رجال ونساء عراة، فإذا أوقدت النار ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا، فإذا
أخمدت رجعوا فيها، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هم الزناة) . فتأمل مطابقة هذا
الحديث لحال قلوبهم في الدنيا؛ فإنهم كلما هموا بالتوبة والإقلاع والخروج من تنور
الشهوة إلى فضاء التوبة أُركِسوا فيه وعادوا بعد أن كادوا يخرجون) [٢٩] .
وقال في موضع ثالث: (وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة
لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنها قد صارت عندهم بمنزلة
العيش الذي لا بد لهم منه، ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ بهما عشر
معشار من يفعله نادراً في الأحيان) [٣٠] .
ومما ذكره الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ في مفاسد البغاء: (في البغاء
فساد كبير، وشر مستطير: يفتك بالفضيلة، يدنس الأعراض، يعكر صفو الأمن،
يفصم رابطة الوفاق، يبعث الأمراض القاتلة في الأجسام، وأي حياة لجماعة تضيع
أخلاقها وتتسخ أعراضها، ويختل أمنها، وتدب البغضاء في نفوسها، وتنهك العلل
أجسامها؟) [٣١] .
стр. 2959
دراسات تربوية
حسن الظن بالله
فهد بن أحمد الأسطاء
عُنِيَ السلف بالحديث عن أعمال القلوب ومعالجة أمراضها وسبل صلاحها،
وتكلم العلماء عن ذلك في مواضع شتى من تآليفهم، كابن الجوزي وابن تيمية
وتلميذيه ابن القيم وابن رجب ﵏ جميعاً.
ويأتي موضوع: (حسن الظن بالله) باعتباره واحداً من أعظم أعمال القلوب
التي تحدّث عنها العلماء، ولم يُفرَد على أهميته بمؤلف فيما أعلم سوى ما كتبه
الإمام أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه: (حسن الظن بالله . فأحببت أن
أجمع شتات الموضوع وآثار العلماء فيه، مضيفاً إليها مسائل عدة مما يتعلق بحسن
الظن بالله من خلال المحاور التالية:
أولاً: مفهوم حسن الظن بالله تعالى:
لعله يحسن بنا قبل الشروع في بيان مفهوم (حسن الظن بالله تعالى) أن ننظر
إلى معنى الظن لغوياً؛ حيث إنه يدل على أكثر من معنى. قال الفيروز آبادي في
القاموس المحيط: (الظن: التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم،
(الجمع) ظنون وأظانين، وقد يوضع موضع العلم) [١] .
وفي المعجم الوسيط: (ظن الشيء ظناً) علمه بغير يقين، وقد تأتي بمعنى
اليقين. وفي محكم التنزيل العزيز: [قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ]
[البقرة: ٢٤٩] .
ومن هنا يتبين أن معنى الظن يدل على الشك والعلم غير المتيقن، كما أنه
يدل على اليقين والعلم المتيقن، وهذا المعنى هو المراد في موضوعنا، وهو
المقصود في قولنا: حسن الظن بالله. إلا أنه يُمكننا أن نعبر الآن عن مفهوم حسن
الظن بالله تعالى بأنه: (هو ظنّ ما يليق بالله تعالى واعتقاد ما يحق بجلاله وما
تقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا مما يؤثر في حياة المؤمن على الوجه الذي
يرضي الله تعالى) .
ثانياً: بيان أهمية حسن الظن بالله تعالى:
إن هناك أموراً كثيرة تُشعر بأهمية هذا الأمر، وتَدفع للتحدث عنه والتنبيه
عليه، ومنها:
١- أن حسن الظن بالله تعالى من الأمور التي أوصى بها الرسول.
ولا شك بأن سيد المرسلين ﵊ قد دلنا وأرشدنا إلى خير ما
يعلمه لنا، وحذرنا وأنذرنا من شر ما يعلمه لنا؛ ولذا فقد جاء في الحديث الصحيح
أن رسول الله ﷺ قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن
بالله [٢] . قال الخطابي ﵀ في شرح هذا الحديث: (وقد يكون
أيضاً حسن الظن بالله من ناحية الرجاء وتأميل العفو) [٣] . وقال العظيم آبادي في
عون المعبود: (أي لا يموت أحدكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة وهي
حسن الظن بالله بأن يغفر له؛ فالنهي وإن كان في الظاهر عن الموت؛ لكن في
الحقيقة عن حالة ينقطع عندها الرجاء لسوء العمل كيلا يصادفه الموت عليها) . قاله
علي القاري ثم قال: وقال النووي في شرح المهذب: (معنى تحسين الظن بالله
تعالى أن يظن أن الله تعالى يرحمه ويرجو ذلك بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في
كرم الله تعالى وعفوه وما وعد به أهل التوحيد وما سيبدلهم من الرحمة، يوم القيامة، كما قال في الحديث الصحيح: (أنا عند ظن عبدي بي) هذا هو
الصواب في معنى الحديث وهو الذي قاله جمهور العلماء) [٤] .
وقد روى أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب: (حسن الظن بالله بسنده
عن المعتمر قال: (قال أبي حين حضرته الوفاة: يا معتمر! حدثني بالرخص لعلّي
ألقى الله وأنا حسن الظن به. وروى أيضاً ﵀ بسنده عن حصين
عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن
ظنه بربه [٥] .
وعلى هذا فإنه يتبين للناظر في الحديث السابق ومن خلال كلام العلماء حوله
وحال السلف ﵏ أن حسن الظن بالله تعالى يكون عند احتضار المرء وقرب
موته، والصحيح أن حسن الظن بالله أعم من ذلك؛ فإنه مع ما يشمله ويتأكد فيه من
حسن الظن بالله عند اقتراب الممات، فإنه يكون أيضاً مع المؤمن طيلة حياته وحتى
مماته؛ فقد جاء في الحديث الصحيح أن الله يقول: (أنا عند ظن
عبدي بي) [٦] .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: (أي قادر على أن أعمل به ما ظن
أني عامل به) [٧] . وقال النووي في شرح صحيح مسلم: (قال العلماء: معنى
حسن الظن بالله تعالى أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه) [٨] وقال في موضع آخر
حول هذا الحديث أيضاً: (قال القاضي: قيل معناه بالغفران له إذا استغفر،
والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب. وقيل: المراد به الرجاء
وتأميل العفو وهو أصح) [٩] .
إذاً فحسن الظن بالله يجب أن يكون صفة المؤمن وسَمته طيلة حياته، ويتأكد أكثر عند مماته حتى يأتيه الموت وهو محب للقاء الله؛ ففي الحديث
الصحيح: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) [١٠] .
كما أنه يتبين من خلال ما سبق أن من مفهوم حسن الظن بالله ظن
ما يليق بالله من ظن الإجابة والقبول والمغفرة والمجازاة، وإنفاذ
الوعد، وكل ما تقتضيه أسماؤه وصفاته سبحانه كما بينا سابقاً؛ ولذا فقد قال الإمام
ابن القيم رحمه الله تعالى في ظن السوء، والظن بالله غير الحق ظن الجاهلية
المنافي لحسن الظن بالله، قال: (وإنما كان هذا ظن سوء، وظن الجاهلية المنسوب
إلى أهل الجهل وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته
العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده
بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه) [١١] .
٢- أن حسن الظن بالله تعالى يرتبط ارتباطاً كبيراً بنواحي عقدية وسلوكية
متعددة، فهو يرتبط بالتوكل على الله والثقة به؛ حيث إنك لا تتوكل إلا على من
تحسن الظن به؛ ولذا فقد جعله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أحد درجات التوكل
فقال: (الدرجة الخامسة: حسن الظن بالله فعلى قدر حسن ظنك بربك
ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله.
والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على
من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه، والله أعلم) [١٢] .
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (ويكون الراجي دائماً راغباً راهباً
مؤملاً لفضل ربه حسن الظن به) [١٣] .
وكذا الاستعانة بالله والاعتصام به واللجوء إليه سبحانه كلها تستلزم أن يحسن
العبد الظن بربه ، وكذلك فإن حَسُنَ الظن بالله يجب أن يقترن بالخوف
منه سبحانه حتى لا يفضي إلى الغرور وترك العمل، وقد قال أبو سليمان الداراني
﵀: (من حَسُنَ ظنه بالله ثم لا يخاف الله فهو مخدوع) [١٤] .
وبهذا يتبين أن حسن الظن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدة نواحي اعتقادية سلوكية لدى
المؤمن تتعايش مع إيمانه وعبوديته لله سبحانه؛ ولذا كان لزاماً التنبيه لهذا الأمر
وتوضيحه.
٣- ومما يُجلّي أهمية هذا الأمر واقع الناس وحالهم مع حسن الظن بالله؛ فمن
الناس من اتكل على حسن ظنه بربه واعتمد عليه مع إقامته على المعاصي متناسياً
ما توعد الله به من وقع في مساخطه وما يغضبه، وغافلاً عن الخوف من الله حتى
وقع في الغرور.
وعلى النقيض من هذا من ساء ظنه بربه فاعتقد بالله خلاف مقتضى أسمائه
وصفاته واقعاً بما وصف الله به الكفار والمنافقين من أنهم يظنون بالله غير الحق
ظن الجاهلية.
وانظر إلى ابن القيم رحمه الله تعالى عندما يتكلم عن حال الناس في الظن
بالله حيث يقول: (فأكثر الخلق بل كلهم إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن
السوء؛ فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق
فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: (ظلمني ربي ومنعني ما أستحق) ونفسه
تشهد عليه لذلك، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش
نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، رأى ذلك فيها كامناً كمون النار في الزناد، فاقدح زناد من شئت ينبئك شَراره عما في زناده، ولو فتشت من فتشته، لرأيت
عنده تعتباً على القدر وملامة له، واقتراحاً عليه خلاف ما جرى به، وأنه ينبغي أن
يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم من ذلك:
فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجياً [١٥]
ومن هنا يتضح لنا أن مسلك حسن الظن بالله مسلك دقيق ومنهج وسط بين
نقيضين لا يسلكه إلا من وفقه الله وجعل قلبه خالصاً له سبحانه.
ولذا كان على المؤمن أن يتحرى معرفة المنهج الصحيح في حسن الظن بالله
حتى لا يقع فيما نهى الله عنه من الغرور أو سوء الظن بالله تعالى.
٤- ومما يبين أهمية هذا الأمر: أثر حسن الظن بالله على المؤمن في حياته
وبعد مماته؛ فإن المؤمن حين يحسن الظن بربه لا يزال قلبه مطمئناً ونفسه آمنه
تغمرها سعادة الرضى بقضاء الله وقدره وخضوعه لربه سبحانه (فالقلب المؤمن
حَسَنُ الظن بربه يَتوقّع منه الخير دائماً، يتوقع منه الخير في السراء والضراء،
ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين؛ وسر ذلك أن قلبه موصول بالله، وفيض
الخير من الله لا ينقطع أبداً؛ فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة
وأحسها إحساس مباشرة وتذوّق) [١٦] .
بل إن من أحسن الظن بربه وتوكل عليه حق توكله جعل الله له في كل أمره
يسراً ومن كل كرب فرجاً ومخرجاً، قال بعض الصالحين: (استعمل في كل بلية
تطرقك حسن الظن بالله في كشفها؛ فإن ذلك أقرب إلى الفرج) [١٧] .
كما أن مَنْ أحسن الظن بربه فأيقن صدق وعده وتمام أمره وما أخبر
به من نصرة الدين والتمكين في الأرض للمؤمنين [١٨] ، اجتهد نفسه في العمل
لهذا الدين العظيم، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله بماله ونفسه غير هياب ولا
وجل، بل يُقدِم إقدام الواثق بنصر الله وموعوده وهو يلمح نور الفجر الصادق وقد
أطل على هذه الأمة، فلا يعلق آماله إلا بالله ، ولا يتوكل إلا عليه.
ومن أثر حسن الظن بالله على المؤمن أيضاً أنه عندما يسمع ما يخبر به الله
تعالى عن نفسه من أنه عفو غفور وتواب رحيم، ويسمع قول نبيه عليه الصلاة
والسلام: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار
ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) [١٩] ؛ فإنه يطمع بعفوه فيطرق
بابه منطرحاً بين يديه راجياً مغفرته، وأن يتوب عليه من معاصيه.
وأما في الآخرة فإنما النجاة في حسن الظن بالله ؛ ولهذا أوصى به
رسول الله ﷺ في أول منازل الآخرة عند حضور الموت فقال:
(لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله . وروى أبو بكر بن أبي
الدنيا عن إبراهيم قال: (كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي
يحسن ظنه بربه [٢٠] .
وإنما عُنِيَ السلف بهذا الأمر؛ لأن من لقي الله وهو يحسن
الظن به في أنه يغفر له ويتوب عليه؛ فإن الله يكون عند ظنه به، ولا يخيّب
رجاءه فيه؛ وهذا من أعظم الأثر لحسن الظن بالله؛ إذ ارتبط بالنجاة يوم القيامة. ثالثاً: السلف وحسن الظن بالله تعالى:
لما كان السلف ﵏ هم أقرب الناس إلى منهج الله وسنة رسوله -صلى
الله عليه وسلم-، أدركوا أهمية حسن الظن بالله ومدى أثره على المؤمن؛ فكانوا
أحرص الناس عليه، وأكثرهم دعوة إليه وحثاً على التمسك به على وجهه الحق؛
فهذا سعيد بن جبير ﵀، كان يدعو: (اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك
وحسن الظن بك) [٢١] .
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (والذي لا إله غيره ما أُعطي
عبد مؤمن شيئاً خير من حسن الظن بالله ، والذي لا إله غيره لا يحسن عبد بالله الظن إلا إعطاه الله ظنه؛ ذلك بأن الخير في يده) [٢٢] .
وسفيان الثوري ﵀ كان يقول: (ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي؛ فربي
خير لي من والدي) [٢٣] .
ويقول عن قوله تعالى: [وَأََحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] [البقرة: ١٩٥] . قال: (أحسنوا بالله الظن) [٢٤] .
كما أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا [٢٥] ، عن عمار بن يوسف قال: (رأيت
حسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنياً للقائك؛ فماذا عندك فتخبرنا به؟
قال: أبشر! فلم أرَ مثل حسن الظن بالله شيئاً) .
رابعاً: الفرق بين حسن الظن بالله والغرور:
وحيث جاء الأمر بحسن الظن بالله تعالى فإن بعض الناس قد أساء في هذا
الأمر وغلا فيه حتى سقط في الغرور جاهلاً بكيفية إحسان الظن بالله تعالى ناسياً
أليم عقاب الله سبحانه وغافلاً عن شدة عذابه ومحاسبته لعباده عما اقترفت أيديهم
وكسبت نفوسهم.
وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ [٢٦] ، شيئاً من أحوال المغترّين وجهلهم
بالله سبحانه فقال: (وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: أستغفر الله، زال الذنب وراح هذا بهذا. وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما
أفعل ثم أقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، وقد غفر ذلك أجمعه، كما صح عن
النبي ﷺ أنه قال: (من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة
مرة حُطّتْ خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) [٢٧] . وقال آخر من أهل مكة:
نحن أحدنا إذا فعل ما فعل ثم اغتسل وطاف بالبيت أسبوعاً قد محي عنه ذلك) ،
وقال لي آخر: (قد صح عن النبي ﷺ -أنه قال: (أذنب عبد ذنباً
فقال: أي رب أصبت ذنباً فاغفر لي فغفر الله ذنبه، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب
ذنباً آخر، فقال: أي رب أصبت ذنباً فاغفر لي فقال الله : (علم عبدي أن
له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليصنع ما شاء) [٢٨] .
وقال: أنا لا أشك أن لي رباً يغفر الذنب ويأخذ به. وهذا الضرب من الناس
قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها، تعلق بها بكلتا يديه، وإذا عوتب على
الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص
الرجاء، وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول
بعضهم:
وكثّر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم
وقول بعضهم: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله، وقال الآخر: ترك
الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغار لها، وقال محمد بن حزم: رأيت من
بعض هؤلاء من يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من العصمة) ثم ذكر ابن
القيم رحمه الله تعالى من هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر [٢٩] ،
والإرجاء [٣٠] أو يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين أو آبائه وأسلافه، أو
يغتر بأن الله غني عن عذابه إلى غير ذلك في كلام طويل قيّم يحسن
الرجوع إليه حتى قال رحمه الله تعالى: (ومثال اتكال بعضهم على قوله -صلى الله
عليه وسلم- حاكياً عن ربه: (أنا عند حسن ظن عبدي فليظن بي ما شاء [٣١] ،
يعني ما كان في ظنه فأنا فاعله به، ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان؛ فإن المحسن أحسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه، وأن لا يخلف وعده،
وأن يقبل توبته، وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات؛ فإن وحشة
المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه) ثم قال أيضاً مفرقاً بين حسن
الظن بالله والغرور: (وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وأن حسن الظن إن
حَمَل على العمل وحث عليه، وساعده وساق إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى
البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور) .
فعلى المؤمن مع إحسانه الظن بربه ألا يغفل عن محاسبة الله سبحانه لعباده
بعدله وحكمته ومجازاته لهم بما كانوا يعملون حتى لا يقع في الغرور فيوبق نفسه.
خامساً: التحذير من سوء الظن بالله تعالى:
كما أن حسن الظن بالله تعالى يجب أن يكون سمة للمؤمن في حياته يطمئن
بها قلبه، فإن عليه أيضاً أن يحذر كل الحذر من سوء الظن بالله تعالى أو ظن ما لا
يليق به جل وعلا والذي جعله الله سبحانه صفة للكفار والمنافقين، فقال تعالى:
[وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ] [الفتح: ٦] .
قال الألوسي: (أي ظن الأمر الفاسد المذموم وهو أن الله لا ينصر
رسوله ﷺ ، وقيل المراد به، ما يعم ذلك وسائر ظنونهم
الفاسدة من الشرك وغيره) [٣٢] .
وقال الشيخ السعدي ﵀ حول هذه الآية: (وذلك أنه لا يتم للعبد إيمان
ولا توحيد حتى يعتقد جميع ما أخبر به أن يفعله، وما وعد به من نصر الدين
وإحقاق الحق وإبطال الباطل؛ فاعتقاد هذا من الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من
الإيمان، وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية النافية للتوحيد؛ لأنها سوء
ظن بالله، ونفي لكماله وتكذيب لخبره، وشك في وعده، والله أعلم) [٣٣] .
وقال الشيخ الشنقيطي ﵀: عند قوله سبحانه: [ذَلِكَ ظَنُّ الَذِينَ كَفَرُوا
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ] [ص: ٢٧] . قال: (يدل على أن من ظن بالله ما لا
يليق به جل وعلا فله النار) وقد بين تعالى في موضع آخر أن من ظن بالله ما لا
يليق به أرداه وجعله من الخاسرين وجعل النار مثواه، وذلك في قوله تعالى:
[وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ....]
[فصلت: ٢٢، ٢٣] . وبعد هذا فكيف يستسيغ المؤمن أن يظن بربه ظن السوء وظن ما لا يليق بجلاله سبحانه وهو يعلم أن هذا من صفة الكفار والمنافقين؟ وهذا الإمام ابن القيم ﵀ يجعل سوء الظن بالله من أسباب ارتكاب المحرمات، فيقول: (ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين: إحداهما: سوء ظنه بربه وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيراً منه حلالاً) [٣٤] .
وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة وأحوالاً لهذا الظن السيئ في
كلام رائع طويل يستحسن الرجوع إليه لمن يريد الزيادة في الموضوع [٣٥] .
فلينظر اللبيب إلى نفسه وأحوالها فإن كان يعتريها شيء من سوء الظن بالله
تعالى فليبادر بالتوبة إلى الله ومعالجة نفسه من شرورها.
سادساً: كيف نحسن الظن بالله تعالى؟
إن مما يهم معرفته عند الحديث عن حسن الظن بالله تعالى أن نعلم ما هي
البواعث التي تدعو إلى إحسان الظن بالله، وتحتم على المؤمن أن يضعها بين
عينيه، ويحاسب نفسه على الأخذ بها. فمن هذه البواعث:
١-أن يعلم أن في امتثاله لهذا الأمر استجابة لله تعالى وامتثالاً لأمره ولوصية
رسوله ﵊ كما مرّ في الآيات والأحاديث السابقة. وقد قال تعالى:
[يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ] [الأنفال: ٢٤]
قال الإمام ابن القيم ﵀: (فتضمنت هذه الآية أموراً:
أحدها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله؛ فمن لم تحصل
له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل
الحيوانات؛ فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهراً وباطناً؛ فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان
أكمل الناس حياة أكملهم استجابه لدعوة الرسول ﷺ فإن كل ما
دعا إليه ففيه الحياة) [٣٦] فكفى بهذا باعثاً لكل مؤمن على امتثال كل ما أمر الله به
رسوله ﵊.
٢-إدراك أهمية التعلق بحسن الظن بالله ومدى أثره على سلوك النفس
المؤمنة في حياتها وحتى الممات، ومعرفة حال السلف وعظيم تمسكهم بهذا الأمر
وحثهم عليه؛ فإن هذا أحرى في الاقتداء بهم وتمثل منهجهم.
٣-ومن أهم البواعث والأسباب التي تفضي إلى حسن الظن بالله تعالى:
التدبر والتفكر في أسماء الله وصفاته وما تقتضيه من معاني العبودية والإخلاص.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (والأسماء الحسنى، والصفات العلى
مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين؛ فلكل
صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني من موجبات العلم بها،
والتحقق بمعرفتها وهذا مطّرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب
والجوارح [٣٧] .
وفي الختام أرجو أن أكون قد وفقت في بيان هذا الأمر العظيم، وأسأل الله أن
ينفع به وأن لا يحرمني أجره، وأن يغفر لي خطئي فيه، وصلى الله على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2960
تأصيلات دعوية
فضيلة الإمساك عما شجر بين الصحابة
ذياب سعد الغامدي
أجمع أهل السنة قاطبة على الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة رضي
الله عنهم والسكوت عما حصل بينهم من قتال وحروب، وعدم البحث والتنقيب عن
أخبارهم أو نشرها بين العامة لما لها من أثر سيئ في إثارة الفتنة والضغائن وإيغار
الصدور عليهم، وسوء الظن بهم، مما يقلل الثقة بهم.
والواجب على المسلم أن يسلك في اعتقاده فيما حصل بين الصحابة الكرام
﵃ مسلك الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وهو الإمساك عما
حصل بينهم ﵃.
وكُتُبُ أهل السنة مملوءة ببيان عقيدتهم الصافية في حق الصحابة الكرام
﵃، وقد حددوا موقفهم من تلك الحرب التي وقعت بينهم في أقوالهم
الحسنة التي منها: سُئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال الذي
حصل بين الصحابة، فقال: (تلك دماء طهّر الله يدي منها؛ أفلا أُطهر منها لساني؟ مَثَلُ أصحاب رسول الله ﷺ مَثَلُ العيون؛ ودواء العيون ترك
مسها) [١] .
وسئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال:
(قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا،
واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا) [٢] .
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي
ومعاوية؟ قال: (ما أقول فيهم إلاّ الحسنى) [٣] .
وقال ابن أبي زيد القيرواني في صدد بيان ما يجب أن يعتقده المسلم في
أصحاب رسول الله ﷺ وما ينبغي أن يُذكروا به فقال: (وأن لا
يُذكر أحد من صحابة الرسول إلاّ بأحسن ذكر، والإمساك عمّا شجر بينهم، وأنهم
أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويُظن بهم أحسن المذاهب) [٤] .
وقال أبو عبد الله بن بطة ﵀ أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: (ومن بعد ذلك نكفّ عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ
وقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل؛ فقد غفر الله لهم، وأمرك
بالاستغفار لهم، والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما
سيكون منهم أنهم سيقتتلون؛ وإنما فُضلوا على سائر الخلق؛ لأن الخطأ العمد قد
وُضِعَ عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور لهم) [٥] .
وقال أبو عثمان الصابوني في صدد عقيدة السلف وأصحاب الحديث:
(ويرون الكف عمّا شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير
الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم، ويرون الترحم على جميعهم
والموالاة لكافتهم) [٦] .
وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀: (لا يجوز أن ينسب إلى أحد من
الصحابة خطأ مقطوع به؛ إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأراد الله .
وهم كلهم لنا أئمة، وقد تُعبّدنا بالكف عمّا شجر بينهم، وألاّ نذكرهم إلا بأحسن
الذكر لحرمة الصحبة، ولنهي النبي ﷺ -عن سبهم [٧] ، وأن
الله غفر لهم وأخبر بالرضى عنهم) [٨] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة
فيما شجر بين الصحابة ﵃: (ويمسكون عما شجر بين الصحابة
ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد
فيه ونقص، وغُيّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون
مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون) [٩] .
وكذلك ما ذكره شيخنا ابن عثيمين حفظه الله حيث قال: (وهذا الذي حصل
أي بين الصحابة موقفنا نحن منه له جهتان:
الجهة الأولى: الحكم على الفاعل، والجهة الثانية: موقفنا من الفاعل.
أما الحكم على الفاعل فقد سبق، وأن ما ندين الله به أن ما جرى بينهم فهو
صادر عن اجتهاد، والاجتهاد إذا وقع فيه الخطأ فصاحبه معذور مغفور له.
وأما موقفنا من الفاعل فالواجب علينا الإمساك عما شجر بينهم. ولماذا نتخذ
من فعل هؤلاء مجالاً للسب والشتم والوقيعة فيهم والبغضاء بيننا؟ ونحن في فعلنا
هذا إما آثمون، وإما سالمون ولسنا غانمين أبداً) [١٠] .
فهذه طائفة من كلام أكابر علماء الإسلام من سلف هذه الأمة والمعاصرين؛
تبيّن منها الموقف الواجب على المسلم أن يقفه من الآثار المشتملة على النيل من
أحد من الصحابة ﵃ أجمعين بسبب ما وقع بينهم من شجار، وخلاف، ومقاتلة؛ خاصة في حرب الجمل وصفين، وهو صيانة القلم واللسان عن ذكر ما
لا يليق بهم، وإحسان الظن بهم، والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم، والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم، واعتقاد بعضهم أنهم
مجتهدون؛ والمجتهد مغفور له خطؤه إن أخطأ، وأن الأخبار المروية في ذلك منها
ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه أو نقص منه حتى تحرّف عن أصله وتشوّه. كما
تبين من هذه النقول المتقدم ذكرها أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فيما
شجر بينهم هو الإمساك [١١] .
فإذا تبين لنا أن الإجماع قد وقع من علماء المسلمين على السكوت عما شجر
بين الصحابة، وعدم التنقيب أو التنقير عما حصل بينهم من حروب وقتال؛ ولو
حسنت نية المتكلم أو السامع، كان من المناسب أن نعرف معنى السكوت نحوهم.
معنى السكوت:
أما معنى السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃: فهو عدم
الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع
التفصيلات ونشرها بين العامة بطريق أو آخر [١٢] وقد أشار إلى ذلك الإمام
الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى قائلاً: (إن كثيراً مما حدث بين الصحابة من شجار
وخلاف ينبغي طيّه وإخفاؤه بل إعدامه، وإن كتمان ذلك متعين على العامة بل آحاد
العلماء) [١٣] .
وأما الآثار السلبية في نشر أحاديث الفتنة وأخبار النزاع بين الصحابة رضي
الله عنهم فهي:
أنها أوقفت المسلمين على ما لا ينبغي لهم أن يقفوا عليه.
أن في بثها والحديث عنها عند عامة الناس مخالفة لما عليه السلف الصالح.
أنها تفسد على المسلمين سلامة صدورهم، وصفاء قلوبهم على الصحابة
﵃، ولا يخالف في ذلك إلا مكابر أو جاهل.
أنها تثير بين الناس الشبهات، وتضاعف لديهم الأوهام حول الصحابة الكرام
﵃؛ وتتزعزع منه الثقة بالصحابة عند كثير من الناس.
أن في نشرها بهذه الطريقة خلافاً للحكمة الدعوية، والطرق التعليمية، كما
قال علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكَذّبَ اللهُ
ورسولُه؟) [١٤] .
الإيرادات:
قبل الانتهاء والخروج مما أردت بيانه، أرى من الواجب أن أجيب عن بعض
الأسئلة التي هي في حكم الإيرادات والشبهات حول هذا الموضوع.
الإيراد الأول:
لعل قائلاً يقول: قد سلمنا لكم بما ذكرتموه وقرّرتموه آنفاً، لكنّ هذا محمول
على من أراد ذكر ما شجر بين الصحابة ﵃ على وجه التنقيص
والبغض، وسوء الظن بهم ونحوه مما هو مثار للفتنة عياذاً بالله.
أما من أراد ذكر ذلك على وجه المحبة للجميع، مع سلامة الصدر والترحم
عليهم وحسن الظن بهم؛ فهذا ليس محل نزاعنا! !
أقول: نحن لا نسلّم لك ما قلته لعدة مخالفات شرعية؛ منها:
١-أن هذا القول خلاف الأصل المقرر عند عامة السلف والخلف، وهو
السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃، سواء كان الحديث عنهم عن
حسن ظنٍ أو سوء ظن لما في ذلك من درء للمفسدة الحاصلة وسدّ للذريعة المفضية
للشبه والفتنة كما هو معلوم من الواقع بالضرورة.
فهذا العوام بن حوشب يقرر هذا الأصل: (أدركت من صدر هذه الأمة
بعضهم يقول لبعض: (اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ
لتأتلف عليها القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرّشوا [١٥] الناس
عليهم) [١٦] ، وبلفظ آخر قال: (.. فتجسّروا [١٧] الناس عليهم) [١٨] .
٢-وكذلك هو أيضاً خلافٌ للأصل المحقق وهو الوقوع في الفتنة؛ ولهذا لا
يجوز لك أن تخالف أصلاً محققاً رجاء سلامة صدرٍ مظنونة!
فقد قال رسول الله: (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها
كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في
الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه؛ ألا وإن لكل
ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح
الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي: القلب) [١٩] .
وعن الحسن بن علي قال: حفظت من رسول الله: (دع ما يريبك إلى ما لا
يريبك) [٢٠] .
٣-أيضاً في ذكر ما حصل بين الصحابة ﵃ مع ادعاء أمن الفتنة
وسلامة الصدر؛ أمنٌ من مكر الله تعالى، عياذاً بالله فقد قال الله تعالى في سورة
الأعراف: [أََفَأََمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَاًمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ]
[الأعراف: ٩٩] .
وكذلك فيه تعرّض للفتن التي طالما استعاذ منها النبي؛ فعن المقداد بن الأسود
قال: وأيم الله! لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن السعيد
لمن جُنّب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن
ابتلي فصبر فواها) [٢١] .
٤-لو سلمنا أن أحداً خاض فيما شجر بين الصحابة ﵃؛ ثم
خرج من ذلك بسلامة صدر وصفاء قلب؛ لكان هذا تحصيل حاصل ونوع عبث،
ومخالفة لمنهج السلف الصالح تجاه هذه الفتنة، بل هو في الحقيقة ضرب من
الخيال، وخلاف الواقع المألوف.
٥-ثم إذا كان الأمر كذلك كما ذكر المعترض فهذا يكون لآحاد العلماء خاصة
لا عامة الناس كما ذكره الإمام الذهبي ﵀؛ فليت شعري هل هذا هو محل
نزاعنا، أو هو فيما انتشر بين أيدي الناس كافة عالمهم وعامّيّهم وصغيرهم
وكبيرهم؟ والله المستعان!
الإيراد الثاني:
ولعل قائلاً يقول: إننا نجد كثيراً من كتب التاريخ المشهورة المرضية عند
عامة المسلمين قد ذكرت ما جرى وحصل بين الصحابة ﵃ بكل
تفصيل وتحليل؛ فلنا فيهم أسوةٌ حسنة، فيسعنا ما يسعهم! !
أقول: إن هذا القول حقّ لا شك فيه؛ فقد ذكرت كتب التاريخ بعامة ما شجر
بين الصحابة ﵃ بيد أنها لم تذكر ذلك للاستئناس، والتشوّف لأخبارهم
والتفكه بحروبهم وقتالهم، ونحو ذلك؛ فحاشاهم رحمهم الله تعالى فهم أبعد الناس
عن ذلك.
ولا ننسَ أيضاً أنه كما ثبت في كتبهم ما شجر بين الصحابة ﵃؛
فكذلك قد ثبت تقريرهم لمعتقد السلف عن الكف والإمساك عما شجر بينهم؛ وهذا لم
يكن منهم تناقضاً كما يزعمه من ليس له أدنى علم بحالهم؛ فهؤلاء الأئمة قد ذكروا
ذلك وسطّروه في كتبهم لأمور مهمة منها:
١- إبراء للذمة؛ فكان من الأمانة العلمية أن يذكروا ذلك حفظاً للتاريخ
الإسلامي من عادية المحرفين أهل البدع والأهواء؛ كي لا يُدخَلَ فيه ما ليس منه،
أو يُخرج ما هو منه؛ لذا جعلوا من أنفسهم حراساً على تاريخ الأمة الإسلامية.
٢- كان هذا منهم إتماماً للتاريخ الإسلامي، فكما بدأوا بكتب أوله فكذلك
ساروا إلى آخره دون نقص أو ثلب؛ مما قد يجعل للطاعنين علينا سبيلاً.
فهذه الأمم أجمع لا تعتز إلا بعزّ تاريخها، ولا تُذل إلا بضياع تاريخها أو
بعضه؛ فتأمل هذا يا رعاك الله.
٣- كذلك أرادوا من ذكر أخبارهم ﵃ وحفظها العبرة والعظة لمن
بعدهم، كما ذكر ذلك أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: واعلم أن في ذكر السير
والتواريخ فوائد كثيرة؛ أهمها فائدتان:
إحداهما: أنه إن ذكرت سيرة حازم ووصفت عاقبة حاله علمت حسن التدبير
واستعمال الحزم، وإن ذكرت سيرة مفرط ووصفت عاقبته خفت من التفريط.
ويتضمن ذلك شحذ صوارم العقول، ليكون روضة للمتنزه في المنقول.
الثانية: أن يطلع بذلك على عجائب الأمور وتقلبات الزمان، وتصاريف
القدر، والنفس تجد راحة بسماع الأخبار [٢٢] .
وبهذا نعلم أن بعض الأحكام الشرعية قد تبينت من خلال ما حصل بين
الصحابة ﵃؛ فمن ذلك: أحكام قتال أهل البغي كما قرر ذلك علي مع
المخالفين، وهذا باب واسع ومهم، ولولا ما حصل بينهم من قتال لما علم ذلك؛
والله أعلم [٢٣] .
٤- كذلك نجدهم لم يذكروا أخبار هذه الفتنة وحوادثها سرداً بلا زمام أو خطام! بل أسندوها إبراء للذمة، في حين نراهم لم يغفلوا هذا الجانب بل لهم عناية بنقد
كثير من الروايات والأخبار مع بيان صحيحها من سقيمها، وتوجيه ما أمكن توجيهه.
٥- كذلك لم يكن قصدهم من ذكر وكتابة ما شجر بين الصحابة رضي الله
عنهم نشرها وترويجها بين الخاصة والعامة من المسلمين، لا، ما هذا الذي أرادوه
بل غاية علمهم أن الذي سيقف مستفيداً من كتبهم هم العلماء خاصة دون عامة
المسلمين كما هو مألوف لدى المجتمع.
وبعد هذا: هاك أخي المسلم الكريم ما قاله الإمام المحدث أبو بكر الآجرّي
﵀؛ كي تقرّ عينك ويطمئن قلبك لما سطرنا لك آنفاً؛ حيث نراه يردّ على
بعض الاعتراضات والإيرادات نحو ما شجر بين الصحابة ﵃:
قال ﵀: (ينبغي لمن تدبر ما رسمنا من فضائل أصحاب رسول الله -
ﷺ ، وفضائل أهل بيته ﵃ أجمعين أن يحبهم،
ويترحم عليهم، ويستغفر لهم، ويتوسل إلى الله لهم [٢٤] ، ويشكر الله العظيم إذ
وفقه لهذا، ولا يذكر ما شجر بينهم، ولا ينقر عنهم، ولا يبحث.
فإذا عارَضَنا جاهل مفتون قد خطي به عن طريق الرشاد، فقال: لِمَ قاتل
فلان لفلان؟ ولِمَ قتل فلان لفلان وفلان؟ !
قيل له: ما بنا وبك إلى ذكر هذا حاجة تنفعنا ولا اضطررنا إلى علمها.
فإن قال قائل: ولِمَ؟
قيل: لأنها فتن شاهدها الصحابة ﵃، فكانوا فيها على حسب ما
أراهم العلم بها، وكانوا أعلم بتأويلها من غيرهم، وكانوا أهدى سبيلاً ممن جاء
بعدهم؛ لأنهم أهل الجنة، عليهم نزل القرآن، وشاهدوا الرسول -صلى الله عليه
وسلم- وجاهدوا معه، وشهد لهم بالرضوان، والمغفرة، والأجر العظيم،
وشهد لهم الرسول ﷺ أنهم خير قرن، فكانوا بالله
أعرف، وبرسوله ﷺ ، وبالقرآن، وبالسنة، ومنهم يؤخذ العلم، وفي قولهم نعيش، وبأحكامهم نحكم، وبأدبهم نتأدب، ولهم نتبع، وبهذا أمرنا.
فإن قال قائل: وما الذي يضرنا من البحث عن أخبارهم ومعرفتنا لما جرى
بينهم؟
قيل له: الضرر لا شك فيه، وذلك أن عقول القوم كانت أكبر من عقولنا،
وعقولنا أنقص بكثير، ولا نأمن أن نبحث عما شجر بينهم فننزل عن طريق الحق
ونتخلف عما أمرنا فيهم.
فإن قال قائل: وبِمَ أُمرنا فيهم؟
قيل: أُمرنا بالاستغفار لهم والترحم عليهم والمحبة لهم والاتباع لهم..
فإن قال قائل: إنما مرادي من ذلك لأن أكون عالماً بما جرى بينهم فأكون
على ما كانوا فيه لأني أحب [أن أعلم] ذلك ولا أجهله.
قيل له: أنت طالب فتنة؛ لأنك تبحث عما يضرك ولا ينفعك، ولو اشتغلت
بإصلاح ما لله عليك فيما تعبّدك به من أداء فرائضه، واجتناب محارمه
كان أوْلى بك.
وقيل له: ولا سيما في زماننا هذا مع قبح ما قد ظهر فيه من الأهواء
الضالة [٢٥] .
وقيل له: اشتغالك بمطعمك، وملبسك من أين هو؟ أوْلى بك، وتمسكك
بدرهمك من أين هو؟ وفيم تنفقه أوْلى بك.
وقيل: لا نأمن أن تكون بتنقيرك وبحثك عما شجر بين القوم إلى أن يميل
قلبك فتهوى ما لا يصلح لك أن تهواه، ويلعب بك الشيطان فتسب وتبغض من
أمرك الله بمحبته والاستغفار له وباتباعه، فتزل عن طريق الحق، وتسلك طريق
الباطل [٢٦] .
стр. 2961
إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر
عبد الله المسلم
التحديات التي تواجه الدعوة الإسلامية اليوم عديدة، ومن أبرزها:
* تحديات تتمثل في ضخامة الانحراف في الأمة والبعد عن منهج الله تبارك
وتعالى.
* وتحديات تتمثل في الفساد الهائل في الميادين الإدارية والسلوكية.
* وتحديات تتمثل في الأمراض الاجتماعية المتغلغلة فينا، وفشو الفقر
والأمية والتخلف.
* وتحديات تتمثل في التخلف الحضاري والتقني الذي تعاني الأمة منه،
وتأخرها عن ركب الأمم الأخرى.
* وتحديات تتمثل في مشكلات تعاني منها الدعوة الإسلامية، كالفرقة
والتناحر والضياع بين فصائل العمل الإسلامي، والخلط في مناهج التغيير وبرامج
الإصلاح.
* وتحديات وتحديات ...
إن الحديث عن هذه التحديات والعقبات يطول، ويصعب على امرئ
استقصاؤه وحصره، وهو أمر كثيراً ما نطرقه ونثيره ونحن نتجاذب أطراف
الحديث حول قضية الإصلاح والتغيير.
ومع الإيمان بأهمية إدراك حجم التحديات وضخامتها، وضرورة وضع
الأمور في نصابها الصحيح دون تهوين؛ إلا أن المبالغة أو التركيز في الحديث
على جانب معين من المشكلة يؤدي إلى نتائج معاكسة.
فالمنتظر من الحديث حول العقبات والتحديات أن يؤدي إلى شحذ الهمم ورفع
العزيمة، والبذل والتضحية بما يتناسب معها؛ إلا أن الإفراط في ذلك ربما أدى إلى
اليأس؛ فهل الطاقات المتاحة اليوم، وبرامج العمل، والصحوة بمؤسساتها الضعيفة، وقدراتها المبددة وغير القادرة على استيعاب خلافاتها وحل مشكلاتها فضلاً عن
التغيير في الواقع، هل ذلك كله يمكن أن يوصل إلى التغيير الذي نتطلع إليه في
واقع المسلمين اليوم؟
إنه التفكير السريع الذي لا يأخذ في حسبانه إلا العوامل المادية والبشرية،
لكنه حين يتجاوز ذلك، فيضع في الاعتبار القواعد والمنطلقات الشرعية فإن النتائج
تختلف، أينسى أن قدرة الله ﵎ مطلقة، ومشيئته نافذة، وأن ما شاء كان
وما لم يشأ لم يكن، وقدرته ﵎ تتجاوز حسابات الناس القريبة
واعتباراتهم المنحصرة في العالم المادي المحسوس، قال ﵎: [إنَّا كُلَّ
شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ] [القمر: ٤٩، ٥٠]
وقال : [إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ] [يس: ٨٢] .
وأخبر ﷺ أن الدين سيعلو وينتصر لا محالة؛ فعن تميم
الداري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله
الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به
الكفر) [١] .
وعن أُبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ قال: (بَشّرْ هذه
الأمة بالسناء والنصر والتمكين، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في
الآخرة نصيب) [٢] .
وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يبعث
لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) [٣] .
إنها أخبار صادقة، ووعود لا بد من أن تتحقق؛ فلنتوازن في تفكيرنا، ولا
تسيطر علينا الحسابات المادية، ولنعلم أن قدرة الله ﵎ فوق كل حسابات
البشر، [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] . [الأنفال: ٣٠]
стр. 2962
البيان الأدبي
الأدب بين الأصالة والتأصيل
د. مصطفى إبراهيم حسين
الأصالة هي ارتباط الثقافة بعامة والأدب خاصة بأصولنا: عقيدة وشريعة،
وفكراً ولغةً وتاريخاً. والأصالة عندنا: تمثل هويتنا التي تميّزنا على من سوانا،
وهذه تقوم مقام البصمة من الإنسان.
وعلى هذا، فلا يخفى معنى التأصيل؛ إذ هو حرص الجماعة على أن تظل
موصولة بأصولها وجذورها. إنها تتواصل مع الآخرين: أدباً وثقافةً؛ حتى لا
تكون بمعزل عن هؤلاء الآخرين.
إن قانون (التوازن والاتزان) هو القانون الراسخ في صنع الحضارات؛ فإن
جمدت الأمة ضاعت، وإن أغرقت في الأخذ والتواصل ضاعت أيضاً. فكما أن
جمودها يعزلها ويضيع وجودها، فكذلك انبهارها بلا ثقة في تراثها، وأعني بذلك
انبهارها بما لدى الآخرين، مع فقدان الثقة بما لديها. وهذا الانبهار المتهالك يسلمها
إلى الذوبان والفناء.
نقول ذلك ونقرره حين يكون مثقفو الأمة ومفكروها وأدباؤها واقفين عند حدود
الانبهار، فماذا يكون الحال حين يتجاوزون الانبهار إلى عداءٍ مَرَضي لتراثهم،
ودعوةٍ إلى تدميره والإلقاء به في البحر؟
إن هذه الحالة المَرَضية سوف تُسلم إلى موت محقق، تماماً كحال مريض
بالانفصام أو الاكتئاب، أسلمه المرض إلى الانتحار أو الموت البطيء.
هل نحن بحاجة إلى تأصيل؟
نعم! بل نحن في أمسّ الحاجة إلى التأصيل، وفي حاجة إلى أن ندعو إلى
وجوب التأصيل، وإلى مؤازرة الدعاة إليه، بل وأن يكون الدعاة إلى التأصيل صفاً
واحداً متسانداً، له رؤيته الواضحة وبرنامج عمله الواضح المحدد، وقياداته الفكرية
الأمينة المستنيرة.
نظرة إلى الساحة الأدبية:
ونظرة إلى الساحة الأدبية تسلمنا إلى حالة تتجاوز الانزعاج، وتضعنا أمام
مسؤولياتنا بلا تردد؛ فالشعر العربي فَقَدَ هويته، بل لا أكون مبالغاً لو قلت: إن
شعرنا العربي الراهن يعاني ما يعانيه الانسان العربي من فقدان للهوية والكرامة معاً. والمضحك المبكي أن صانعي أزمة الشعر العربي هم الذين يتحدثون عن (أزمة
الشعر) . وكما انفردوا بصنع كيان ضائع شائه، واقفين وحدهم في الساحة، لا
يجدون من يتجاوب معهم، فإنهم حين يُلقون بسؤالهم عن أسباب أزمة الشعر لا
يجدون من يجاوبهم، خوف الإرهاب الذي فرضوه.
لقد ران على الساحة صمت مطبق، فلا (القصيدة الحداثية) تجد تجاوباً
وتواصلاً، ولا أزمتها التي صنعتها العلمانية المشبوهة تجد من يبحث لها عن الحل؛ ذلك أن تلك العلمانية المشبوهة قد أنتجت وليداً قبيحاً دميماً، هو الحداثة، التي
تآمرت على كل ما له صلة بمقدراتنا وأصولنا، وهوت عليه بالتدمير، ونصبت
على منابرها أبواقاً بالتّهم لكل من يقف أو يتصدى من ذوي الأصالة: تُهم الجهل،
والجمود، والرجعية، والغوغائية.
وقد كان ذوو الأصالة من الضعف والهوان، بحيث وجدوا في الصمت ملاذاً
يحميهم من الاتهام، ثم تركوا الساحة لأقوام يجيدون العبث ويروّجون له.
ويصنعون صنيع السحرة والحواة حين يتحدثون، ويغريهم صمت الآخرين بالتمادي
في عبث يزينون له، ويجيدون طبخه وتقديمه ... والويل ثم الويل لمن يتصدى
لإفكهم وغرورهم الفارغ.
وطبيعي أن الساحة حين تخلو من الأصلاء، وتعج بالسحرة والحواة؛ فإن
حالة الفوضى وانعدام التناغم والتناسق تسودها. وهنا يصبح الأمر بحاجة إلى وقفة
شجاعة تتخلى تماماً عن الخوف والتردد والنكوص.
القصيدة العربية:
إن أقل الناس معرفة بتاريخنا الأدبي الحديث يعلم أن البارودي يمثل (الريادة
الكبرى) في القصيدة العربية، وهي ريادة أنقذت القصيدة من التردي والتراجع حين
عمد الشعراء قبل البارودي إلى الانفصال عن النبع الأصيل، أعني الشعر العربي
في عصور الازدهار، من العصر الجاهلي والأموي إلى المعري والشريف الرضيّ، مروراً بأبي تمام والبحتري والمتنبي العملاق. لقد كان الشعراء قبل البارودي
يلوكون مادة خلت من كل مقومات الحياة والتأثير، فضلاً عن انحصارهم في
مضامين شخصية محدودة، ولغة هابطة، وافتقار أشعارهم البائسة إلى التواصل،
بما يشبه الحالة التي انتهت إليها (القصيدة الحداثية العلمانية) في وقتنا الراهن.
واقتضت طبائع الأشياء، أن يعود إلى الساحة الأساس المفقود؛ حتى يتم
التمكن من بناء الصرح، فكان البارودي..، لقد جاء ليعيد الأساس المفقود.. ومن
هنا يجد قارئ البارودي أصداء أبي تمام والبحتري والمتنبي والشريف الرضيّ وأبي
فراس. ولم يكن بوسع الرجل أن يصنع سوى ذلك، بحكم المرحلة التي ظهر فيها. كان عليه أن يعيدنا إلى النبع ويردنا إلى الأصل.. كان صنيعه (بعثاً) . ومع هذا
البعث الذي تبناه البارودي كانت نهضة جديدة للشعر العربي في العصر الحديث.
لقد جدد البارودي من خلال المحاكاة، ومن خلال العودة إلى النبع الأصيل.
وهذا ليس بالأمر السهل؛ إذ كان يتطلب شاعراً يذخر وجدانه بإمكانات إبداعية
تمكنه من الهضم والتمثل، وإحداث حركة التحول الكبير في مسيرة الشعر العربي
بعد طول انحراف.
ثم كان شوقي صانع البناء الشامخ فوق الأساس الذي أرسى دعائمه البارودي. أدخل الشعر المسرحي، وخاطب الطفل العربي من خلال قصص على ألسنة
الحيوان، ومن خلال أشكال أخرى للشعر التهذيبي. هذا إلى جانب ربطه الشعر
العربي بالواقع السياسي والاجتماعي، وربط القصيدة العربية بآفاق عربية وإسلامية
وإنسانية عامة، بالإضافة إلى ألوان أخرى من التجديد حققها أمير الشعراء في اللغة
والصورة والفكر، جديرة بأن تتناولها المزيد من الدراسات النقدية الأمينة،
ترصدها وتكشف عن أبعادها، برغم الأصوات الحداثية الناعقة.
ولسوف يظل أمير الشعراء قمةً تتطلع إليها عيوننا بكل الفخار، ورمزاً
عظيماً لتراثنا وأصالتنا، ولن يقلل من شأنه ما سجله عليه العقاد وطه حسين،
ويكفي أن العقاد الذي أوسع شوقي نقداً وانتقاصاً، قد أبدى اعتذاراً له في مقدمة
الكتاب الذي أصدره المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بالقاهرة، الذي يضم
الكلمات والأشعار التي ألقيت في احتفال المجلس بذكرى أمير الشعراء، وكان العقاد
أيامها مقرراً للجنة الشعر بالمجلس، خلال الستينيات الميلادية.
وقد دخلت القصيدة الشعرية بعد أمير الشعراء فلكاً جديداً صنعته مدارس
مضت في تجديد الشعر أشواطاً أبعد، منها مدرسة المهجر الشمالي، ومدرسة
الديوان، وحركة أبولْلُو؛ التي اختلف الباحثون في تحديد هويتها، لكنها على كل
حال ضمت ما يصر فريق من الباحثين على تسميته بالاتجاه الرومانسي [١] ،
ويمثل هذا الاتجاه: علي محمود طه، ناجي، والهمشري، والتيجاني يوسف بشير، وأبو القاسم الشابي، وآخرون، عدا مطران رائد الحركة.
وبرغم المآخذ التي نسجلها على مدرسة المهجر الشمالي إبداعاً ونقداً، وعلى
أصحاب الاتجاه الوجداني بالموطن، وبرغم النقد اللاذع الذي أبداه نقاد الديوان ضد
شوقي، فإن القصيدة العربية ولو بشكل نسبي ظلت موصولة بالتراث. ويقال مثل
ذلك عن الممارسات النقدية للعقاد والمازني؛ فالعقاد يترجم (الذخيرة الأدبية) التي
تضم باقة مختارة لشعراء الرومانتيكية الإنجليزية، ويتأثر بها ويؤثر بها في
الآخرين، لكنه في الوقت نفسه يكتب عن ابن الرومي والمتنبي والمعري، وهم
رموز كبرى للتراث الأدبي، وبشكل عام فإن الحركة الشعرية بعد شوقي استطاعت
أن تحقق قدراً من التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
وقفة مع قصيدة الشعر الحر:
لقد ظل الشعر العربي في مرحلة ما قبل (الشعر الحر) موصولاً بالتراث،
ظل إلى حد كبير موصولاً بالأصول والمنابع، ظل له قراؤه الذين يقبلون على
قراءته والاحتفاء به، ولم تكن قراءة الشعر العربي قاصرة على النقاد والمختصين
منهم بخاصة، بل ظلت القرائح الشعرية الجديرة بالقبول تتوافد على الساحة،
وظلت الساحة تستقبل تلك القرائح بأذرعة مفتوحة.
والخلاصة: أن القصيدة الشعرية ظل لها عشاقها، وظلت هناك حلقة من
التواصل بين الشعراء والمتلقين، ولو ظل عشاق شوقي لا يتذوقون شعر هذه
المرحلة التي جاءت بعده، فإنه لم تكن ثمة أزمة.
لماذا؟
لأنه لم يكن ثمة انقطاع عن الأصول والجذور؛ فقارئ الشعر العربي إنسان
عربي في المقام الأول، وهو يتجاوب مع ما يتناغم مع أصالته العربية وشخصيته
التي صنعها وشكّلها تاريخ طويل.
فإذا ما اختلف اللسان والوجدان، وإذا ما أريد له أن يجبر على إفراز حداثي
متهافت؛ فإن عليه أن يدير ظهره للساحة؛ لأنه لو نبس ببنت شفة لاتهم بالجهل
(وتهمة الجهل كتهمة معاداة السامية في الدستور الصهيوني) فإن عليه أن يلوذ
بالصمت.
وهنا تكون الأزمة: أزمة الشعر العربي من صنع (خواجات ذوي رطانة في
اللسان وفي الفكر) مما دعا خواجات أوروبا الحقيقيين إلى انتقادهم محتقرين منهم
انسلاخهم عن هويتهم، وإمعانهم في التزلف لثقافة أوروبا، ومحاولة إقناع الغرب
بأنهم (عالميون) ساعون إلى العلمانية، طالبون بإخلاص بالغ الانضمام إلى دولة
الأدب الأوروبي، والدخول إلى حلقة (الأدب العالمي) .
لكن أوروبا رفضتهم والعرب أيضاً رفضوهم.
فيا لهول الأزمة: أزمة القصيدة العربية التي يحملها الحداثيون هَمّاً مؤرقاً في
المنام واليقظة.
وفي ظل ما يسمى بالشعر الحر ماجت الساحة بالفوضى.. فكل ناعق بكلام لا
معنى له، وبلغة الرطانة، وبصور سريالية لا رابط بين أطرافها، صار شاعراً،
وأفسحت له المجلات صفحاتها، ولقي غثاؤه وهراؤه حفاوة وترحيباً لدى المنتديات، ولدى المتظاهرين بالثقافة الحداثية الرفيعة، دون أن يفقهوا شيئاً مما يسمعون أو
يقرأون.
المهم أن يجيد هذا (الشعرور) الدعيّ كتابة هرائه على هيئة سطور تتفاوت
طولاً وعرضاً، ويمعن في الإغراب والتغريب. وما زالت الذاكرة تعي تلك
الفضيحة الأدبية الشهيرة خلال الستينيات حين عمد صحفي ماكر إلى كلام غامض
ملفق على الطريقة نفسها، ثم نشر هذا الكلام الغريب الغث وطلب من السادة النقاد
تحليلاً لهذا النص الموهوم، فتبارى فريق من السادة النقاد في التحليل والتهليل.
وبعد انتهاء (الزفّة) أخرج لهم الصحفي لسانه وصارحهم بأن هذه القصيدة ليست
لشاعر أوروبي أو عربي وإنما هي من تلفيقه ومكره. فسُقط في أيدي السادة النقاد.
وكانت الفضيحة لنقادنا الذين أوقعهم الصحفي في الفخ، ومع ذلك فقد ذهبت
الواقعة بكل دلالاتها، وابتلعتها ذاكرة الناس، وما أكثر ما تبتلع ذاكرة الناس ما
يسيء ويشين.
والظاهرة اللافتة أن ما يسمى بالشعر الحر قد تمادى في تحلله وانفراط عقده
على مدى قصير من الزمن، فمن قصيدة التفعيلة الواحدة التي تُختار من البحور
الصافية، إلى قصيدة التفعيلات المتعددة، وهي في واقع الأمر مزيج متنافر من
التفعيلات من شتى بحور الخليل، ثم تتوالى القفزات إلى ما يسمى بقصيدة النثر.
والمحصلة في النهاية هي الانفلات والفوضى الضاربة والتحدي الأبله لكل الثوابت. وفي النهاية لم نعد في شعرنا العربي وهو لساننا ووجداننا عبر أحقاب التاريخ
ننتسب إلى الغرب الذي ذبنا هياماً بتقليده ومحاكاته، ولا إلى الشرق، أي إلى
تراثنا وأصالتنا التي تبرأنا منها.
ودعونا نسجل بعض أقوال الأساتذة الخواجات:
يقول أدونيس الكاهن الأكبر لمعبد الحداثة: (قد تكون علاقتي بسوفوكليس أو
شكسبير أو رامبو أو ماياكو فسكي أو لوركا أعمق من علاقتي بأي شاعر عربي،
دون أن يعني ذلك أنني خارج على التراث العربي) .
ولا أدري كيف يطلّق الكاهن أدونيس التراث بالثلاثة، ثم لا يعني ذلك
الخروج على التراث؟ إنها البهلوانية الحداثية، وأساليب السحرة والحواة في
استغفال المثقف العربي وإيهامه.
ونجد عبد العزيز المقالح ابن الجزيرة الشاعرة وأحد الرموز لدعوة التغريب
يقول عن الأصالة: (أنا لا أعتقد بالأصالة، إنها لَصَنَمٌ آخر) . ومع ذلك فالمقالح
على خروجه المستفزّ أفضل حالاً بصراحته من الكاهن أدونيس في عبارته المتقدمة.
مما تقدم يتضح لنا أن الحداثة وليدة العلمانية البكر وإفرازها الصديدي المنذر
بالهلاك.
قانون التجاور والإحلال:
ومع كل الذي قدمنا، هل كنا نطالب بوأد حركة ما يسمى بالشعر الحر أو
طردها تماماً من الساحة؟
أقول: لا. ما إلى هذا قصدنا، وإنما حسبها أن تبقى، وأن تبقى في حالة
جوار للقصيدة العربية الأصيلة، لا على سبيل التسامح فحسب، ولكن على سبيل
التجريب، لا التخريب.
لقد شهد تاريخنا الأدبي العريق أشكالاً شتى من التجديد في إطار القصيدة
العربية، كان من أظهرها الموشحات التي يحتج بها دعاة ما يسمى بالشعر الحر.
غير أن الموشح بقي في حالة جوار فقط، ولم يجئ ليحل محل الشكل الخليلي
الدقيق للقصيدة العربية؛ بل إن الوشاحين أنفسهم كانوا يجمعون بين الشعر
والتوشيح. وما كان أحدهم يرضى أن يكون الموشح هو الأصل، بل هو حالة من
(الاستثناء الطارئ) لغرض مجالس الأنس واللهو.
وما محاولة ابن سناء الملك وهو شاعر وشّاح لضبط إيقاعات الموشح وأوزانه
إلا محاولة لإيجاد شرعية البقاء والوجود قياساً على أوزان الخليل لفن جديد طارئ
لم يتجاوز وضعه (المجاورة) فقط. ولم يحاول أحد من الوشاحين أن يتجاوز
(المجاورة) إلى (الإحلال) ، كما حدث مع ما يسمى بالشعر الحر، الذي ما زال
يعيش بيننا غريباً مرفوضاً، لا يكاد يتلقاه سوى حفنة قليلة من المختصين وحملة
المزامير والبيارق من كهنة (التغريب) ، التغريب بأوسع مداه لا في الأدب وحده.
وهذا الرفض للشعر المسمى بالحر، هو سر الأزمة: (أزمة الشعر) التي
يبحث كهان ما يسمى بالشعر الحر عن كل أسبابها، ويغفلون الأسباب الحقيقية، أو
هم يتجاهلونها عمداً، مع أنها واضحة وضوح الشمس، إنها أسباب كامنة فيه،
باعتباره كائناً غريباً مرفوضاً، جاء على أيدي المتآمرين على أصالتنا وهويتنا،
وعقيدتنا ووجودنا، وسيظل غريباً مرفوضاً، حتى يلحقه المُوات.
وماذا قال (الخواجات) ؟
و (الخواجات) الذين يعنيهم المقال هنا: هم المثقفون الأوروبيون من
المستشرقين وغيرهم، ولهم موقفهم الساخر المستغرب من ركام ما يسمى بالشعر
الحر، وغيره من أدب التغريب.
يقول المستشرق الإيطالي إيجنازيو سيلوني للأدباء العرب: (إن الطبيعة تأبى
أن تعترف بأدب عام لأقوام اختلفت أمزجتهم وعقلياتهم، وتفاوت ميراثهم النفسي
والحضاري، ولهذا نود أن نقرأ أدبكم عربياً متميزاً؛ لأنه إنما يأخذ مكانته أدباً
عالمياً بتفرده وأصالته) .
وعبارة سيلوني هذه هي أبلغ ردّ على دعوى العالمية البلهاء التي يدّعيها
الحداثيون سواء في الشعر أم في النثر ويسوّغون بها مسلكهم الشائن في التغريب،
وسقوطهم كالذباب على موائد الغرب، وهي عادة موائد تكون قد فرغت من آكليها،
ولم يبق عليها سوى بقايا تنتظر الأيدي التي تلقي بها بعيداً عن المائدة الشهية.
نعم. لقد صدق سيلوني: (الخواجة) الإيطالي؛ فالأدب لا يكون عالمياً
بالمحاكاة الفجة، ولكن بالتفرد والأصالة. الأديب العربي لا يكون عالمياً إلا
بأصالته وسحنته العربية.
حينئذ يكون الأدب صدقاً وليس أفتعالاً وانسلاخاً هو خير ما يخاطب الإنسان
به أياً كان هذا الإنسان: زماناً ومكاناً، لساناً وثقافة.
ونقول: إن دعوى (عالمية الأدب) على طريقة الحداثية العلمانية هي أشبه ما
تكون بدعوى مثل دين (الإنسانية) العام الذي نادت به يوماً الماسونية الصهيونية
المتخفية لتذوب كل العقائد والأعراق، حتى يبقى اليهود وحدهم، ويتلاشى كل من
عداهم.
ثمة مقولة أخرى صدرت عن الناقد الإنجليزي (ستيفن سبندر) عندما حضر
إلى (مؤتمر الأدب العربي المعاصر) الذي انعقد بروما أوائل الستينيات من هذا
القرن الميلادي، واستمع سبندر إلى أدونيس (الباطني المعروف) ، وهو يلقي كلمة
يدعو فيها صراحةً إلى هدم القديم.
يومها وصف سبندر كاهن الحداثيين المارق بالتطرف، ووضع أمامه نماذج
للتجديد والمجددين في الأدب الإنجليزي الحديث، وكيف أن هذه النماذج المجددة قد
بدأت من أرضية الأصالة؛ فالشاعران: ت. س إليوت، وماثيو أرنولد وهما من
أكبر شعراء هذا العصر، وهما في نفس الوقت ناقدان أصيلان، لم يهملا التراث
الشعري القديم، بل هضماه هضماً، وأبقيا منه ما هو جدير بالبقاء، ثم زادا عليه،
فجاء الشعر عندهما مبنياً على أسس متينة وجذور عميقة، ثم انتهى الناقد
الإنجليزي إلى أن وصف منحى (أدونيس) و) يوسف الخال) بالتطرف والضياع
وعدم الحكمة.
إننا بحاجة إلى وقفة مراجعة، ننظر فيها بصدقٍ وموضوعية إلى حصيلة
ممارساتنا الإبداعية والنقدية المرتكزة الآن على التغريب، وهي ليست حركة تجديد
بل هي حركة تذويب واقتلاع لكياننا العربي الإسلامي من جذوره.
إننا لا نرفض التجديد، ولا يرفضه مثقف لديه أدنى قدر من الوعي بحركة
الحياة ومسيرتها الحتمية نحو التطور، لكننا نرفض التغريب الذي يستهدف تذويب
هذه الأمة والقضاء على كينونتها والتنكر لوجودها وأصالتها، تحت ستار العالمية..
نرفض هذه الفوضى الضاربة بأطنابها في كل مكان، في الساحة الأدبية الثقافية،
فوضى باسم الإبداع، وفوضى باسم النقد، وانغلاق دائرة التواصل بين حملة
الأقلام من جانب والقراء من جانب آخر. الشعار المرفوع الآن على سارية الساحة
الأدبية: (إذا أردت أن تنضم إلينا فاكتب ما لا يفهم وقل ما لا يفهم) .. انغلاق في
الإبداع، وانغلاق في النقد، وانغلاق في الدراسات اللغوية، ومصيبة الدراسات
اللغوية ونظرياتها الحداثية أشد خطراً؛ فهناك مجلات تكتب بلغة خاصة.. وكتب
تؤلف بلغة خاصة، ومؤتمرات تنعقد، ومحافل تقام، وكل ما يجري فيها غريب
غريب.
إن هذا التطرف الأدبي الذي ينسف وجودنا المعنوي، ينبغي الاحتشاد
للتصدي له، فصنيع بعض مثقفينا تطرف.. تطرف حقيقي، وقد سمّاه بذلك الناقد
الإنجليزي سبندر، كما مضى وسبندر ليس عربياً غيوراً على تراث الأمة وأصالتها، بل هو مثقف أوروبي يؤمن بوجوب الالتزام بمنطق الواقع، ويعي أكثر من
مثقفينا مقتضيات التطور، ومفهوم التراث.
ثمة كلمة أخرى للمستشرق الفرنسي الشهير شارك بيلاّ فيها: (أقرأ الأدب
القديم وحده ولا أقرأ الحديث؛ لأنه أدب أوروبي مكتوب بحروف عربية) .. وهذه
شهادة بريئة من الشبهة والطعن.. وما أظن حداثيينا (الخواجات) يتهمون بيلاّ
بالجهل والتخلف والرجعية!
وبعد: فتلك وقفة نرجو أن تتبعها وقفات.. وأن تدلي الأقلام المخلصة بدلوها.. عسانا نرد عن هذه الأمة ولو بعض ما يراد لها من شرٍ مستطير.
стр. 2963
البيان الأدبي
دماء وأشلاء وصمت
السيد علي إسماعيل
في يومٍ بكت شمسه، واغتمّت سماؤه، واختنق قمره، واختفى نهاره،
وتساقطت نجومه، واحترقت أشجاره، وذبلت أزهاره، وساد الصمت الأسود
أجواءه، إثر العناقيد الغاشمة التي نظمها العالم الجديد ليضعها تحت سيطرة من
يسودونه ليجزروا بها رقاب العرب المستسلمين ... وقف (صابر) وسط أنقاض بيته
والبيوت الأخرى التي دمرتها قذائف الطائرات الكاسرة، وولت إلى حضن أمها
الحاقد المجنون.. إلى الدولة التي صافحها المستسلمون لتعود بين أصابع الزعيم
(النتن) أو تحت إمرة بطل السعار المغوار (شارون) يوجهونها لنا متى شاؤوا.
وقف (صابر) هذا الشاخص الحزين والدموع تتحجر في عينيه.. مشدوهاً لا
يستطيع التفوه ... حوله القليل ممن بقي من الأهالي يصرخون ويستغيثون ... وهو
لا زال متحجراً في مكانه كعمود لم تستطع القذائف أن تثنيه ... يسرع رجال الإنقاذ
ومن أتى معهم من المارة ... ينتشلون الجثث المتماسكة والأخرى المتهالكة ...
وربما الأقدام، أو الرؤوس، أو حتى قطع اللحم المتناثرة ... يجمعون ذلك كله في
صناديق ... يحملونها ... يسرعون لعربات الإسعاف، وغيرها من عربات الشرطة
والجيش والعربات الخاصة ... يمرون من أمامه، ومن خلفه، معهم الصناديق،
يبصرها ... يتأملها ... لكنه أبداً لا يتحرك ... كان منتصباً متجهماً شاحباً كهيكل
مرت عليه عصور ... تمتلئ عيناه الداميتان دموعاً.. لكنه لا يبكي:
(كانوا هنا يلعبون ويمرحون ... تناديهم أمهم للغداء فلا يأتون ... وحين
يشاهدونني قد افترشت الساحة الخالية بين جدران بيتي الذي لم يكتمل، وأمامي
الطعام؛ يهرولون ... يتسابقون ... الولدان حولي، والصّبِية الصغيرة تمهد ثنية
قدمي لتصعد جالسة عليها) ... ثم يصرخ ويصرخ:
(أسرتي.. أين أسرتي؟ ! أبنائي ... عودوا ... لقد أتيت متأخراً اليوم،
لكنني أتيت، هذه هداياكم أحضرتها كما عودتكم ... أبنائي ... أبنائي) ، لا أحد
يجيب ... صرخات متعددة مدوية، تزلزل الأنقاض ... لكن لا أحد يجيب!
التهمتهم نيران الصهاينة، اختطفتهم القنابل المستعرة، لكي تأخذ الأطفال
والكبار، ومن تبقيه يكون عاجزاً ... حتى عن الكلام، و ... نلهث ... نلهث لنفوز
بالاستسلام ... هكذا سرت هذه الكلمات في وجدانه ... وهو لا زال يصرخ ...
ينادي أبناءه وزوجته، منهاراً ... مع أنقاض بيته ... إلى أن يصيح به أحدهم من
بعيد ... (يا (صابر [، يلتفت تجاه النداء، ويتماسك لينصت للذي كرر اسمه
مرات عديدة.
يصيح: (يقولون إن ابنك الأكبر ما زال حياً، وهو في المستشفى) . صيحة
الحياة اخترقت مسمعه، فتفتحت خلاياه، وانتعشت أعضاؤه ... لا يدري كيف
وصل إلى المستشفى؟ ... أو متى؟ غير أنه عادت إليه روحه، وصاحبها بقايا
جسده عندما رأى ابنه وحوله جمع من الأطباء والممرضات (يحيطون به) ، يحمد
الله.. ويجمع أنفاسه ليتساءل بصوت منخفض: (ألم تر إخوتك؟ ! ألم تر والدتك؟!) ويسود الغرفة صمت رهيب، ويعلو الوجوم وجوه الجميع، ويزداد الصمت،
يزداد ليقطعه صوت طفولي بريء، يخرج من بين الجراح الهامدة: (استشهدوا
يا أبي) . وتصيب الصاعقة الجميع فتجري أنهار من الدموع على وجوههم ... من
ثبات ذلك الطفل وذكائه. ويشق الأب صفوفهم ليصل إلى ابنه المسجّى بجراحه ...
فيعتنقه، ويلصق صدغه إلى صدغه. ويجلسونه على الكرسي بجواره ... :
(كيف يا بني كيف استشهد إخوتك ... وأمك) ؟ ! .
يهمس إليه الطبيب: (لا تثقل عليه؛ فنحن نعده لعملية أخرى) .
(لا أدري كيف يا أبي فإنه بعد دوي الانفجارات والقذائف التي جاءت من كل
الاتجاهات، والنيران التي اشتعلت في بيتنا والبيوت المجاورة؛ أغمضت عيني من
الخوف ووجدت نفسي في المستشفى بين القتلى والجرحى، ثم نقلوني إلى هنا،
وليس على لسان الجميع سوى (الاستشهاد) كلمة واحدة يرددونها عن القتلى حيثما
كانوا ... فماذا يقصدون بها يا أبي ... ) ؟ ! . والتفت إلى أبيه، فوجد وجهه قد
فاض بفيوض من ماء عينيه الداميتين:
(إنها منزلة في أعلى الجنة قد أعدها الله يا بني لمن يقتلون في سبيل الله ...
إن للشهيد منزلة عظيمة مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقاً) .
(إذن فما يبكيك يا أبي؟ إنهم هناك، ونحن سنظل ندافع عن ديننا وأرضنا
إلى أن نصل إليهم، لا تبك يا أبي، لا تبك، إنني أرى أمي وإخوتي هناك ...
هاهم أمام عيني يمرحون ويتسابقون كما كنا نفعل لكنهم في واحة خضراء فسيحة ...
أراهم سعداء ... إنهم ينادوننا ... ينادوننا يا أبي) ، ثم يمتص ريقه بصعوبة وهو
يتكلم، ويشعر الأب بعطشه، فيناوله كوباً من الماء لكنه لا يأخذه ...
(أتذكُرُ يا أبي (العصير) الذي كنت تحضره لي يومياً، إنني أشتاق إليه الآن) ، ويجزم له الأب أنه كان معه ضمن الهدايا التي أحضرها عندما عاد، لكنه لا
يعرف أين تركها حين فجعته الحادثة (لكن لا بأس سأشتري لك غيره، وأعود
سريعاً) ... قالها وهو ينهض مسرعاً ... يسابق الزمن ليحضر لابنه (العصير) الذي
طلبه، وحين اشتراه، اشترى معه أيضاً بعض الألعاب المفضلة التي كان يلعب بها، وأغراضاً أخرى، ثم تركها تتساقط ... تتساقط الواحدة تلو الأخرى على عتبة
الغرفة التي كان بها ابنه ... بعد أن رآهم يحيطون به مرة أخرى يتقدمهم الطبيب
الذي يخبره بأنه إن شاء الله قد انضم إلى قافلة الشهداء! !
стр. 2964
نص شعري
وَحْدك ..
عبد الله بن عبد الكريم الخميس
أعلى عَهْدِك أم أخْلفتَ عَهدَك ... أيّها السائرُ في الصحراءِ وَحْدَكْ
أيّها الحاملُ أعباءً ثِقالاً ... أيها الناذرُ للإسلام نَفْسَكْ
يَقْتَفيكَ الذئبُ يشْتَاطُ سُعاراً ... قاتَلَ الشوكُ على دربكَ خطوَكْ
لا تخفْ من ظمأٍ فالغيثُ آتٍ ... والمنى منظومةٌ كالعِقد حولَكْ
طالِعٌ مبتسمٌ أبشرْ بخيرٍ ... إنّه مَوْعِدُنا لا شَكّ أوْشَكْ
يرقصُ الزيفُ على مرّ الليالي ... والهدَى مغترِبٌ والخيرُ مُنْهَكْ
والرّزايا بينَنَا تبعثُ مجداً ... بربرياً غابراً كانَ تملّكْ
وسكونٌ قاتلٌ فَرْضٌ علينا ... صَرَخَ الصّمْتُ ولا شيءَ تحرّكْ
أعلى عهدِك والنّارُ تلظّى ... والبلايا فَضّةٌ [١] تُوهن ظهرَكْ؟
والهجيرُ الصّعبُ يمتدّ زماناً ... يُلهِبُ الشّوقَ الذي يعصرُ قلبَكْ
أعلى عهدِك يا قابضَ جمرٍ؟ ... أعلى عهدِك أم أخلفتَ عهدَكْ؟
стр. 2965
نص شعري
عيد الجزائر ! !
جمال الحوشبي
أهازيجٌ يرتّلها الدمارُ ... وأفراحٌ يُكدّرها استعارُ
فيا عيدَ الجزائر أيّ عيدٍ ... (وقد خَلَتِ المرابعُ والدّيارُ)
لنا في كلّ ناحيةٍ خطوبٌ ... تساوَى الليلُ فيها والنهارُ
علامَ الذبحُ والتقتيلُ فينا ... فلا حقّ يُصان ولا جوارُ
وصار جميعنا أحلاسَ بيتٍ ... وطَنّب في مرابعنا التتارُ
دماءُ الأبرياء هناك تجري ... أما في المسلمينَ فتىً يَغارُ
تَحيفُ بنا (الوحوش) على دهاءٍ ... ويُخْفِي القاتلَ الأشقى ستارُ
وكم يُذكي (الكبارُ) صنوفَ غدرٍ ... يُقادُ لها الأراملُ والصغارُ
يغيظُ الكفْرَ أنّ الشعبَ حُرّ ... وفتيتهُ على الإسلام ساروا
متى ما رامَ أن نحيا عبيداً ... فلا عيشٌ يطيبُ ولا قرارُ
وكلّ فَخَارنا دينٌ حنيفٌ ... تهونُ له المقامعُ والحِصارُ
أيا شعبَ العُروبةِ كيف تُنسى ... قضيتُنا؟ وهلْ يُجدي انتظارُ؟
دماءٌ في الخَفَاءِ تُراقُ غَدْراً ... وتُدْفَقُ كلما بَزَغ النهارُ
تنادَى السامعون بكل صُقْعٍ ... وليس لكم بنجْدَتِنَا شعارُ
مواقفُكم لها ألفُ اعتذارٍ ... أما تدرون أنّ العُذرَ عارُ؟
وكم من شامتٍ لمصير شعبٍ ... يقودُ قِطارَ وَحْدَتهِ العِثارُ
أفي الأمس القريب دُعاةُ حقٍ ... ونحن اليومَ أوباشٌ شِرارُ؟
فأينَ حَمِيّةُ الإسلام فيكم ... أمَا لأخوّةِ الدّينِ اعتِبَارُ؟
أما للحق أّنصارٌ وجندٌ ... أما للعُربِ فيها والجوارُ؟
أيا عيدَ الجزائرِ طِبْتَ دوماً ... فلا كربٌ يدومُ ولا حِصارُ
غداً ستعودُ في ثَوبٍ جديدٍ ... وليلُ القهر يعْقُبُهُ نهارُ
وتسمعُ روعةَ التكبير منّا ... تُردّدُه المآذنُ والقِفَارُ
стр. 2966
المسلمون والعالم
الأكراد في عالم الاضطهاد
د. يوسف الصغير
إن الكُرد أو الأكراد من الشعوب القديمة المتوطنة في المنطقة الاستراتيجية
المعروفة بكردستان، وهم شعب سني بغالبيته الساحقة، وفيهم قليل من الشيعة
والنصيرية واليهود والنصارى، ويسود فيهم النظام القبلي وقد برز منهم قادة عظام
من أشهرهم صلاح الدين الأيوبي ﵀.
لقد كان سقوط دولة الخلافة العثمانية بداية النهاية لعصر ذهبي عاشه الأكراد
كانوا فيه حماة الحدود الشرقية للدولة، فقد كانت مناطقهم محاذية لدولة إيران
الصفوية الشيعية التي كانت في صراع مستمر مع الدولة العثمانية، وأيضاً كانوا
يجاورون مناطق الأرمن النصارى الذين كانوا يدبرون الكثير من الفتن والدسائس
بتحريض من الدولة النصرانية، وكان دور الأكراد كبيراً في التصدي لهذه
التهديدات؛ حيث إنهم شعب محارب وموالٍ للدولة؛ ولهذا فقد تكونت قوات كردية
خاصة تعمل بنشاط في هذه المناطق سواءً في دفع الاعتداءات عبر الحدود أو في
قمع الثورات.
إن شرعية الدولة العثمانية قائمة على أساس أنها مركز الخلافة الإسلامية،
وأن الإسلام هو البوتقة التي تنصهر فيها الأمم والشعوب المنضوية تحت لواء
الدولة؛ ولهذا فقد عملت الدول الغربية على إحياء النعرات القومية وإذكاء جذوتها
في سبيل فصم العرى والروابط التي تربط هذه الشعوب، بل ومن أجل أن يحل
الصراع والتباغض محل التعاون والتآخي، وقد نجحوا في إثارة القومية الطورانية
(التركية) حتى إن جمعية الاتحاد والترقي الماسونية والطورانية في نفس الوقت
استطاعت أن تصل إلى مقاليد الحكم في أواخر الدولة بعد خلع السلطان عبد الحميد
(١٩٠٨) ، حيث عملت على تطبيق ما يسمى بسياسة (التتريك) مما ساعد على
تنامي القومية العربية ممثلة رد فعل على سياسة (التتريك) ، وقد ساهمت هذه
الجمعية بسياساتها الخرقاء في سقوط الدولة حيث أدخلتها الحرب العالمية ألأولى
بدون مصلحة ظاهرة في ذلك. وقد نتج عن هزيمة الدولة العثمانية سلخ المناطق
العربية وتقاسمها بين فرنسا (سوريا ولبنان) وانجلترا (العراق وفلسطين وشرق
الأردن) ، وقد تعامل الحلفاء بكل عنجهية مع الحكومة العثمانية؛ حيث كانت
جيوش الحلفاء تحتل أجزاء من الدولة بل ويشاركهم في ذلك قوات يونانية تريد
احتلال أجزاء من البر التركي وضمها إلى اليونان، وقد فُرضت معاهدة مُذلة على
الدولة نصت على قيام دولة كردية تشمل الجزء الأكبر من كردستان التركية (معاهدة
سيفر عام ١٩٢٠م) ولكن حصل ما غيّر خطط الإنجليز؛ حيث إنهم تفاهموا مع أحد
الضباط الذين سبق لهم التعامل معه في سورية أثناء الحرب وهو ينتمي إلى يهود
الدونمة، وبدون مقدمات انسحب الحلفاء من تركيا وبقي اليونانيون وحدهم، وتولى
الضابط (أتاتورك) إثارة حماسة الأتراك ودعاهم لمواجهة اليونان، ولَبِسَ العمامة،
وأمّ العلماء في الصلاة، ودعا إلى الجهاد، وتم دحر اليونانيين ورجع ملكهم مهزوماً
حسيراً، بينما عاد كمال أتاتورك بطلاً بطولة مكنته من إلغاء الخلافة. وبدأ في
إجراءات جعلت الإنجليز ينسون معاهدة سيفر التي تهدف إلى تقطيع أوصال الدولة
جغرافياً، لأن أتاتورك يتولى ليس فقط تحطيم الدولة العثمانية التي كانت يوماً ما
مخيفة، بل وتحطيم الشخصية التركية المسلمة والاستعاضة عنها بشخصية تركية
جديدة لا دينية، متطرفة في تبعيتها للغرب مغلفة ذلك بتطرف قومي تركي شديد
لإرضاء الغرور. لقد قام أتاتورك بأكثر مما يحلم به الإنجليز وبسرعة قياسية حيث
ألغى الخلافة رسمياً، ومنع لبس العمامة والطربوش، واستبدل بهما القبعة، ومنع
الأذان باللغة العربية، بل وفرض الأحرف اللاتينية بدلاً عن العربية، وأخيراً أعلن
أنه لا يعترف بأي قومية أخرى غير التركية. وتم إطلاق يد أتاتورك ليكون الزعيم
الأوحد، وتحول النظام البرلماني العثماني إلى صورة ليس لها معنى، وتم ترسيخ
عبادة الفرد. ولنا أن نتصور مصير من طالبوا بإعادة الخلافة أو إقامة دولة خاصة
بهم؛ إذ كان من يرفض لبس القبعة من العلماء يُعلّق على أعواد المشانق.
إن ملايين الأكراد الذين خضعوا للإسلام وانضووا تحت لوائه ولم يطالبوا
سابقاً بدولة مستقلة لهم؛ قد استحال عليهم تقبّل الوضع الجديد الذي يطلب منهم
الانسلاخ عن مقومات شخصيتهم ونسيان أنهم مسلمون أولاً وأكراد ثانياً، والقبول
بوصف جديد تفتقت عنه عبقرية النظام الأتاتوركي حيث أطلق عليهم: أتراك الجبل.
لقد كانت ثورة الشيخ سعيد هي أول ثورة كردية منظمة، وقد قامت احتجاجاً
على إلغاء الخلافة ومطالبةً بقيام دولة كردية، وكانت دوافع الأكراد في الثورة
مختلطة بين الدين والقومية في وقت ألغيت فيه دولة الخلافة وقامت على أنقاضها
دول وكيانات قومية؛ حيث أقيمت الجمهورية التركية وكيانات: سورية، ولبنان،
والعراق، وتم تجاهل الأكراد، بل قسمت مناطق الأكراد التي كانت خاضعة للدولة
العثمانية بين تركيا والعراق وسورية على النحو الآتي:
تركيا (٤٣%) وإيران (٣١%) والعراق (١٨%) وسورية (٦%) وأذربيجان
(٢%) . أما السكان البالغ عددهم حوالي (٣٠) مليون نسمة فيتوزعون على الشكل
الآتي:
تركيا (٥٠%) وإيران (٢٢%) والعراق (١٥%) وسورية (٤%) وأذربيجان
(٢%) والبقية خارج كردستان. وعلى سبيل المثال فإن هناك حوالي نصف مليون
كردي في ألمانيا.
إن التواجد الكردي يتركز في كل من تركيا وإيران والعراق، ولهذا نتوقع أن
أي احتجاجات عنيفة ستكون في هذه البلدان الثلاثة، ومن المفارقات أن كل هذه
الدول مجمعة على عدم قيام كيان كردي في المنطقة ومع ذلك فقد تم استغلال آمال
وطموحات الأكراد أبشع استغلال، في صراعات إقليمية ودولية خلال السنوات
الماضية، وما زال هذا المسلسل مستمراً؛ ففي إيران تعرّض الأكراد للاضطهاد
أيام الحكم القومي الفارسي أيام الشاه، وضاعف منه التنافس الروسي الإنجليزي في
إيران؛ حيث تمكن الروس من تكوين دولة ماركسية في مناطق الأكراد في شمال
إيران (دولة ما هاباد) بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، إلا أنها سرعان ما
سقطت، وتم تثبيت النفوذ الغربي من جديد في إيران.
وقد انخدع الأكراد بشعارات الخميني الإسلامية فقامت الأحزاب الكردية بل
والعلماء الأكراد وعلى رأسهم الشيخ (ملاّ زاده) بتأييد الثورة؛ ولكن المأساة بدأت
مع ثبات الثورة وقيام الحرب الإيرانية العراقية؛ حيث تعرض الأكراد لحرب
دموية من قِبَل الحرس الثوري؛ لأن النشاط العسكري للأحزاب الكردية قد تزايد
بقوة نظراً للمساعدات العراقية في تلك الأيام، ولم يكن غريباً أن ترى صورة
مجموعات كبيرة من الأكراد معصوبي الأعين وجنود الحرس الثوري ينفذون فيهم
أحكام الإعدام، وليس هذا فقط بل قام النظام الرافضي بتنفيذ خطة خبيثة من أجل
تشييع الأكراد؛ حيث سجن أو قتل الكثيرين من علمائهم حتى الذين كان لهم فضل
على الثورة، وقد مات الشيخ (ملاّ زادة) في سجن الخميني مظلوماً؛ حيث شاهد
بنفسه عاقبة من يثق بعهود ومواثيق الروافض وكلامهم المعسول؛ ومما يدمي القلب
أن سجن علماء الأكراد السّنة صاحبه حملة منظمة لتدريس المذهب الشيعي للطلاب
الأكراد، وقد استطاع نظام الخميني إخضاع أكراد إيران والقضاء تقريباً على
الأحزاب الكردية، وملاحقة الزعماء الذين فروا إلى الخارج وتصفيتهم؛ كما حصل
لعبد الرحمن قاسملو؛ حيث اغتالته مجموعة قدمت نفسها له على أنها مجموعة
مفاوضات حكومية، وعقدت معه لقائين وفي الثالث تم استدراجه وقتله عام ١٩٨٩م.
أما ما يحدث لهم في العراق فهو مثال ما زال حياً لشرح وتوضيح أحوال
الشعب الكردي؛ ففي البداية تردد الإنجليز بعد احتلال العراق في مصير شمال
العراق وقد كادوا أن يسلموه لربيبهم أتاتورك، ولكن اكتشاف البترول في الموصل
وكركوك جعلهم يضمون هذه المناطق للعراق، وكانت الثورات الكردية في تركيا
وإيران وسياسة الحكومة العراقية القومية حافزاً للتململ الكردي في الشمال، وكان
يستغله بعض الزعماء القبليين الذين لهم انتماءات حزبية يسارية، وكان القتال على
الأرض يقوم به زعماء العشائر مع أقلية حزبية منظمة تقوم بالنشاط السياسي، وقد
سيطرت الأحزاب على التوجيه مع مرور الزمن وتعقد المشكلة وتشابك أطرافها؛
فعلى سبيل المثال فإن (ملاّ مصطفى البرزاني) كان زعيماً كردياً يجمع بين الزعامة
القبلية والعلاقة مع كل من يعتقد أنه يحقق أهدافه، ففي فترة مبكرة كان توجهه ذا
طابع ماركسي وقد لجأ إلى موسكو، وحضر بعض المؤتمرات الشيوعية في فترة
الحكم الملكي الموالي للغرب، وبعد ثورة عبد الكريم قاسم وسيطرة الشيوعيين الذين
يغلب على غوغائهم طائفة المعدان الشيعية وقيامهم بنشر الإرهاب الأحمر في
العراق، وارتكابهم مجازر الموصل؛ قامت الحركة الكردية التي كانت ثائرة في
الشمال بالتنسيق مع مجموعة الضباط القوميين الناصريين والبعثيين الذين قاموا
بانقلاب على عبد الكريم قاسم وتصفيته، ولكن الوضع لم يستقر في العراق
واستمرت الثورة في الشمال مع دخول إيران على الخط، ومحاولة إسرائيل التسلل
إلى مناطق الأكراد، وقد تصاعدت الثورة بازدياد المساعدات الإيرانية (أيام الشاه)
والإسرائيلية للبرزاني ولم يوقفها إلا اتفاق العراق مع إيران في الجزائر (١٩٨٥م) . وتم خنق الثورة الكردية والقضاء عليها إلى حين؛ حيث إن الحرب العراقية
الإيرانية قد دفعت إيران إلى استغلال الورقة الكردية من جديد وبدأت المساعدات
الإيرانية تنهال على أكراد العراق، والمساعدات العراقية تتوالى على أكراد إيران،
وكل دولة تقتل أكرادها، وقد استُعملت ضدهم جميع أنواع الأسلحة حتى الكيماوية
كما حصل في حلبجة؛ ولكن مصيبة أكراد العراق الكبرى حدثت بعد انتهاء الحرب
العراقية الإيرانية وتفرغ صدام المنتصر لهم؛ حيث جرد عليهم حملة شرسة سميت
حملة الأنفال لم تكتف بقتل أكثر من مئة ألف كردي بل قامت بعملية تدمير لجميع
القرى المحاذية للحدود وتهجير من بقي من سكانها إلى جنوب العراق في عمليات
تُذكّر بعمليات ستالين؛ ومع كل هذا فإن الغرب تستّر على هذه الجرائم، ولم يتباك
عليها إلا بعد غزو صدام للكويت ودشن عملية ظاهرها حماية الأكراد وسماها عملية
الراحة؛ حيث بدأت مرحلة جديدة من التدخل الأجنبي عن طريق استغلال الخلافات
المزمنة بين الأحزاب الكردية المتنافسة. وبدأت حرب جديدة أطرافها الرئيسة من
الأكراد وخاصة الحزبين الأساسيين: الحزب الديمقراطي الكردستاني (البرزاني)
والاتحاد الوطني الكردستاني (الطالباني) ، وكان الوضع في كردستان العراق بعد
خروج القوات العراقية منها عقب حرب الخليج مباشرة مأساوياً؛ فعلى الرغم من
التبشير الأمريكي بعصر جديد لأكراد العراق؛ فإن السياسة على الأرض مختلفة
تماماً؛ وإليك أخي القارئ بعض ملامحها:
أثناء حرب الخليج وبعدها مباشرة كانت التصريحات الأمريكية تتوالى بأن
مهمة إسقاط صدام هي مهمة الشعب العراقي، وتم إغراء المعارضة بالثورة وإعلان
منطقتي حظر للطيران في جنوب وشمال العراق، ولكن عندما قام الشيعة في
الجنوب والأكراد في الشمال بثورة عارمة غير منسقة فإن التحالف استثنى
الطائرات العمودية في الحظر الجوي مما مكّن الطيران العراقي من سحق
المحاولتين.
رفضت أمريكا استثناء المناطق الكردية التي هي خارج السلطة الحكومية
العراقية حالياً من الحظر المفروض على العراق، ورفضت المساعدة في بناء
مصفاة صغيرة لاستغلال كميات النفط القليلة الواقعة تحت سلطة الأحزاب الكردية،
بل زاد الأمر سوءاً أن صدام حسين قد فرض من جانبه حصاراً على المناطق
الكردية التي أصبحت تحت الحصار الدولي الشامل للعراق والحصار الداخلي
المفروض عليها.
بعد أن بدأت الاحتكاكات بين البارزاني والطالباني تم الاتفاق على تكوين قوة
مراقبة وفصل مكونة من الأكراد المستقلين وقد رفضت أمريكا دفع مليون دولار
مساهمة في تكاليفها.
كانت تركيا هي المنفذ الأساسي للتبادل الاقتصادي؛ وحيث إن البارزاني
يسيطر على الحدود مع تركيا فإن طالباني الذي يسيطر على المناطق الحدودية مع
إيران كان يطالب باستمرار بتقاسم عوائد الجمارك دون جدوى؛ مما فجر الصراع
العنيف بين الجانبين، وكانت القوات الإيرانية تشارك بصورة مباشرة في المعارك.
بعد هزيمة البارزاني لجأ إلى طلب الدعم من صدام الذي اجتاحت قواته
الشمال، وتم طرد طالباني إلى الحدود مع إيران، وسيطر البارزاني على
السليمانية، وكان الرد الأمريكي إطلاق بضع صواريخ كروز على أهداف في
جنوب العراق!
وقامت مخابرات صدام حسين بتصفية المعارضة العراقية التي وثقت
بالوعود الأمريكية، وكونت المؤتمر الوطني العراقي، وتجمعت في المناطق
الكردية حتى فاجأتها القوات العراقية، وتم تصفية الكثير منهم، وفر البقية عبر
الحدود إلى تركيا، ومعهم حوالي خمسة آلاف كردي يعملون مع المؤسسات الإغاثية
الغربية تطاردهم المخابرات العراقية بتهمة الخيانة؛ مما حرم كردستان من كثير من
الكفاءات الإدارية والعلمية.
بعد حوالي ستة أسابيع فقط من العملية العراقية قامت قوات طالباني
المدعومة من إيران بهجوم جديد استعادت فيه مناطق نفوذها السابقة ومنها مدينة
السليمانية. وهكذا استقرت أوضاع كردستان على عدم استقرار؛ لأن استقرار
كردستان العراق وتطورها يمثل الخطوة الأولى في سبيل تكوين كيان كردي
مرفوض؛ وعلى هذا الأساس نفهم السياسة الأمريكية والإيرانية والتركية معهم.
إن الفراغ الأمني في شمال العراق أوجد بيئة ملائمة لحزب كردي تركي
لالتقاط أنفاسه وتوسيع عملياته بصورة كبيرة، فما هو هذا الحزب، وما هي
ظروف نشأته؟
حزب العمال الكردستاني:
لقد أنشئ هذا الحزب عام ١٩٧٨م على يد عبد الله أوجلان الكردي الذي يتقن
التركية أكثر من الكردية والذي تخرج في جامعة أنقرة. وقد كانت شعارات الحزب
ماركسية وكان علم الحزب يحتوي على المطرقة والمنجل حتى عام ١٩٩٥م، وقد
بدأ هذا الحزب عملياته في عام ١٩٨٤م، وكانت العلاقات السيئة بين تركيا والدول
المحيطة بها أكبر رافد للحزب؛ فقد أقام الحزب أولى قواعده الخارجية في البقاع
اللبناني الخاضع للنفوذ السوري، وكان الدعم السوري الكبير للحزب نابعاً أساساً
من المشاكل العالقة مع تركيا ومن أهمها قضية المياه وقيام تركيا ببناء سدود على
الفرات مع تجاهل احتجاجات العراق وسوريا في هذا الشأن، مع وجود مشكلة
معلقة قديمة ألا وهي لواء الإسكندرونة السوري الذي سلمه الفرنسيون لتركيا. لقد
بلغ التأييد السوري لأوجلان درجة كبيرة حتى إن صور أوجلان ترفع بجانب صور
الأسد في مناطق الأكراد في سورية مثل مدينة القامشلي، وقد رددت وسائل الإعلام
التركية ادعاءها أن الحكومة السورية تسقط الخدمة العسكرية عن الأكراد السوريين
الذين يخدمون مع حزب العمال. كما تقوم اليونان بدفع حوالي (١٠%) من ميزانية
الحزب كما يزعم الجيش التركي.
أما إيران فإنها تغض الطرف عن نشاطات الحزب على الحدود الإيرانية مع
تركيا والعراق، وكان إخفاق كثير من الحملات التركية على الحزب سببه انسحاب
قوات الحزب أمام القوات التركية ولجوؤها مؤقتاً إلى إيران. إن استمرار الحزب
في نشاط عسكري لمدة خمسة عشر عاماً وسقوط أكثر من (٣٠) ألف قتيل من
الجانبين لا يسوّغه الدعم الخارجي فقط، بل إن الدعم الأساسي هو من الأكراد
سواءً في المهجر أو في الداخل؛ لأنه ينظر إليه أنه المدافع الوحيد والممثل لقضيتهم؛ على الرغم من تبني الطروحات الماركسية البالية. ولقد ساهم ارتفاع معدلات
البطالة بين الشباب الكردي في تركيا، مع اضطهاد رجال الأمن للشباب الأكراد
والشك في ولائهم في انضمام كثير منهم إلى رجال الحزب. وقد ذكر أحد
الصحفيين الغربيين الذي رافق رجال الحزب أن قادتهم يرددون شعارات ماركسية
معلبة، أما الأفراد فإنهم يتحدثون عن قضيتهم القومية، وكما ذكر أحد السياسيين
الأكراد الموالين للحكومة أن خريجي الثانويات الذين لا يدخلون الجامعات ولا
يجدون عملاً هم المَعِين الذي لا ينضب للحزب، وأن تخلف المناطق الكردية وعدم
تنميتها له دور كبير في الشعور بالإحباط والظلم.
السياسة التركية في إدارة الأزمة:
إن السياسة التركية التي رسمها أتاتورك حيال الأكراد لم تتغير منذ أكثر من
سبعين سنة وتتلخص في الآتي:
١-إنكار وجود الأكراد ومن ثَمّ عدم الاعتراف باللغة والثقافة الكردية، وهنا
نذكر طرفة وهي أن جمال عبد الناصر قد أمر إذاعة صوت العرب ببث خاص
للأكراد، مما حمل السفير التركي على تقديم احتجاج شديد اللهجة للرئيس المصري، وكان رده أن سأل السفير التركي: وهل يوجد أكراد في تركيا؟ وبالطبع كان رد
السفير الرسمي: لا.
٢-التعامل بقسوة مع أي ثورة يقوم بها الأكراد؛ وقد قام الأكراد بحوالي
(١٧) تمرداً منذ قيام الدولة الأتاتوركية.
٢-اللعب على التناقضات القبلية والعمل على تكوين مليشيات كردية موالية
للحكومة، واستغلال تمادي حزب العمال في عمليات اغتيال حراس القرى الأكراد
من أجل حصر التأييد له في قبائل ومناطق معينة.
٤- ملاحقة وإسكات أي نشاط سياسي أو إعلامي كردي في الداخل أو الخارج؛ حيث يقبع عدد كبير من السياسيين والصحفيين الأكراد في السجون التركية.
إن الحل الأمني الذي يحاول عن طريقه الجيش حل الأزمة قد كلف البلاد
خسائر فادحة مادية وبشرية؛ حيث تقدر الخسائر المادية المنظورة بـ (٨) بلايين
دولار سنوياً. أما القتلى فأكثر من ثلاثين ألف قتيل، مع إيقاف دورة التنمية في
مناطق جنوب شرق تركيا.
وقد أخفق الجيش في ضبط الوضع مما تطلّب القيام بعمليات كبيرة عبر
الحدود في شمال العراق وعلى طول الحدود التركية الإيرانية والسورية؛ ولكن
هناك عمليات وحشية لم يحن الوقت ليلقي عليها الإعلام الغربي الضوء الكافي؛
لأن النظام الحالي هو الحليف الاستراتيجي في المنطقة لأمريكا وإسرائيل ألا وهي
عملية تدمير وإخلاء مناطق الأكراد. إن هذه العمليات لا تمس حزب العمال
الكردستاني، بل تمس بصورة مباشرة حياة عشرات الألوف من الأكراد الذين
هدمت قراهم وطردوا من مناطقهم وهم يعيشون لاجئين في بلادهم، فقرب مطار
استانبول هناك تجمعات لمنازل عشوائية من الصفيح يسكنها الأكراد المهجرون،
وحتى نتصور حجم المشكلة فإننا نذكر بعضاً مما ورد في تقرير رسمي للبرلمان
التركي أن (٩٠٠) قرية و (٣) آلاف دسكرة قد أخلاها الجيش من سكانها، وقد ذكر
رئيس بلدية تانسلي لصحفي فرنسي تجول في مناطق الأكراد أن ما بين (٧٠) إلى
(٨٠) بالمئة من سكان ٣٧٤ قرية في محافظته قد تم تهجيرهم، وفي تقرير لجنة
التحقيق البرلمانية أن سكان ديار بكر تضاعف مرتين خلال خمس سنوات، وأن
ثلاثين بالمئة منهم عاطلون عن العمل. إن عملية التهجير قد بدأت عام (١٩٩٠م)
وهي مستمرة، ولا أظن أنها تقدم حلاً جذرياً لمشكلة أساسها الظلم الذي يزداد
والقهر الذي يتضاعف.
لقد أدت الأحداث الأخيرة إلى إغلاق المعسكرات الكردية في سوريا وخروج
الزعيم أوجلان إلى روسيا حيث رحب به أصدقاؤه القدامى؛ ولكن سلطة الشيوعيين
لم تعد قادرة على تأمين الملجأ، فقد أوصى مجلس الدوما بإعطائه حق اللجوء ولكن
رئيس الحكومة رفض؛ مما اضطره ليس فقط إلى الخروج بل وإلى تغيير سياسة
الحزب في إدارة الصراع؛ حيث توصل إلى قناعة بأن المرحلة القادمة هي مرحلة
صراع سياسي وإعلامي دشنها بسفره إلى إيطاليا وتسليم نفسه إلى سلطاتها وهنا
بدأت مرحلة جديدة؛ فقد فوجئت تركيا التي هددت سوريا بالغزو العسكري إن لم
تسلم أوجلان بأن خروجه من تركيا إلى أوروبا سيضاعف من مشاكلها؛ حيث
سيطرح موضوع الأكراد على بساط البحث في المحافل الأوروبية، وسيكون
تصعيد قضية الأكراد سياسياً وإعلامياً الورقة الأخيرة الرابحة بيد الدول التي لا
ترغب في انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وقد أعلن أوجلان تخليه عن الخيار
العسكري ورضاه بحكم ذاتي داخل إطار دولة تركية موحدة، وأبدى استعداده
للمحاكمة الأوربية أو الدولية؛ لأنها فرصة لإحراج تركيا الأتاتوركية وفضح
سياساتها الداخلية.
وأخيراً؛ فإن هناك ملاحظة مهمة وهي سيطرة وبروز الزعماء الذين يرفعون
شعارات الماركسية حتى ولو لم يكونوا مقتنعين بها؛ حيث نجد مثلاً أن ملاّ
مصطفى البارزاني الذي كان يرفع الشعارات الماركسية مات أخيراً في أمريكا،
وكما يقول هو عن نفسه عندما زارته مجموعة من النساء الفلسطينيات ولُمنه على
علاقاته مع اليهود إنه مثل شحاذ أعمى يقف على باب المسجد الجامع في السليمانية؛ فهو يمد يده ولا يدري من يضع النقود فيها. الظروف الحالية لا تلائم الشعارات
السابقة؛ لأنها لا تسمن ولا تغني من جوع بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وقد
وصل الزعماء إلى قناعة أن الصراع المسلح لن يؤدي إلى كيان كردي بل الأوْلى
هو المطالبة ببعض الحقوق واتخاذ الوسائل السياسية والإعلامية؛ وأرى أن هذه
فرصة ملائمة للإسلاميين لتبني القضية الكردية؛ ولا أشك أن الطرح الإسلامي
المتزن الذي يتبنى مظالم الأكراد سيكون له دور كبير في صحوة إسلامية عارمة في
أوساطهم؛ لأنهم يعيشون مرحلة تغيّر يجب أن تستغل في صالح الإسلام واستنقاذهم
من براثن الجهل والأفكار والمبادئ الهدامة التي ما دخلت عليهم إلا من باب
الإحساس بقضيتهم وعدالتها. وإذا كان أوجلان زعيم الحزب يدعو المؤتمر
الإسلامي للتدخل؛ فهذا دليل يأس من تبني العالم بصدق لقضيتهم، وأن الأمل
الوحيد لهم بعد الله هو عودتهم الصادقة إلى جذورهم الإسلامية؛ ليكتشفوا أن
مشكلتهم هي مشكلة الأتراك والعراقيين؛ لأن الهدف يتحد، والشعور يتماثل عندما
يكون الهمّ هو الإسلام.
стр. 2967
المسلمون والعالم
مسلمو الفلبين وجهادهم الطويل
سلامات هاشم
كانت المنطقة التي أصبحت معروفة بجنوب الفلبين في الوقت الحاضر منطقة
إسلامية، ولم تكن تابعة للفلبين بصورتها الحالية. وقد دخل الإسلام فيها قبل أن
تتكون الفلبين بمئات السنين. وأثبتت الأبحاث والدراسات وجود عناصر مسلمة في
المنطقة منذ القرن الثالث عشر الميلادي، ومن الثابت تاريخياً أن الإسلام قد انتشر
فيها في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، وتأسست فيها إمارات
إسلامية مستقلة ذات سيادة في القرن الخامس عشر الميلادي، وقد ازدهر الإسلام
في المنطقة زهاء مائة سنة ابتداء من النصف الثاني للقرن الخامس عشر الميلادي
إلى أوائل النصف الثاني للقرن السادس عشر الميلادي حين بدأت الغزوات
الاستعمارية على البلاد.
الغزو الأسباني والأمريكي:
بعد تسعة وعشرين سنة من سقوط آخر دويلة إسلامية، قام الأسبان بغزو
الجزر التي سموها الفلبين فيما بعد، كان ذلك خلال النصف الثاني من القرن
السادس عشر الميلادي، واستولوا على مجموعة جزر (لوزون وفياياس) المعروفة
حالياً بجزر الفلبين الشمالية والوسطى، وسموها الفلبين نسبة إلى الملك فيليب ملك
أسبانيا، وأجبروا سكان الجزر على اعتناق النصرانية بالحديد والنار كما فعلوا في
الأندلس. واعتنق الناس عقيدة التثليث كرهاً وخوفاً من بطش الأسبان، وتحول
سكان الجزر الوثنيون إلى نصارى وأصبحوا رعايا للتاج الأسباني وجنوداً لغزو
الإمارات الإسلامية المستقلة المجاورة في الجنوب ومحاربة المسلمين فيها.
أراد الأسبان أن يوسعوا مستعمراتهم التي أسسوها وأن يبسطوا نفوذهم إلى
الإمارات الإسلامية المستقلة في الجنوب فقاموا بغزوها، وجندوا الفلبينيين
النصارى لغزو المسلمين، وأعلنت الإمارات الإسلامية في بلاد مورو الجهاد للدفاع
عن عقيدة التوحيد وإعلاء كلمة الحق ونشبت الحرب بين الجانبين
سجالاً واستمرت أكثر من ثلاثة قرون تخللتها فترات راحة قصيرة لكي يتمكن كل
فريق من جمع رجال جدد وإنشاء قوات جديدة استعداداً لجولة أخرى من المعركة،
وتعرف هذه الحروب في التاريخ بـ (حروب مورو) وهي أطول حروب في
التاريخ كما قاله المؤرخ الأمريكي فيك هارلي. ثم أبرمت اتفاقية باريس في ١٠
ديسمبر ١٨٩٨م بين أمريكا وأسبانيا، وبموجبها تنازلت أسبانيا عن الفلبين لصالح
أمريكا مقابل مبلغ تدفعه الأخيرة للأولى، وقدره (٢٠) مليون دولار أمريكي، وجاء
الأمريكيون إلى المنطقة ليحلوا محل الأسبان وأرادوا أن يبسطوا نفوذهم إلى
الإمارات الإسلامية المستقلة في الجنوب التي لم تخضع لأسبانيا، وأعلن المسلمون
الجهاد ضد أمريكا دفاعاً عن العقيدة ولإعلاء كلمة التوحيد ودارت الحرب بين
الجانبين واستمرت أربعين عاماً تقريباً.
وما إن اندلعت الحرب العالمية الثانية حتى ازدادت مشكلة مسلمي مورو تعقيداً؛ لأن الهجوم الياباني على الفلبين حيث المستعمرة الأمريكية وقواعدها العسكرية
شمل بلاد مورو في الجنوب.
وانتهت الحرب بهزيمة اليابان وظلت أمريكا تحتفظ بمستعمرتها الفلبين،
وأصبحت لها يد عليا في المجال العسكري في المنطقة بما فيها بلاد مورو.
ضم بلاد مورو إلى الفلبين:
في عام ١٩٤٦م منحت أمريكا الفلبين استقلالها، ودبرت الفلبين ضم بلاد
مورو إليها، وتم لها ذلك بمساعدة أمريكا. وبعد ضمها ظلماً وعدواناً بدافع الجشع
الاستعماري سموها غدراً (جنوب الفلبين) .
وقد عارض مسلمو مورو ضم بلادهم معارضة شديدة، ولكن لم يحدث صراع
دموي بينهم وبين الحكومة الفلبينية فوراً؛ لأن الجانبين كانا يعانيان من متاعب
الحرب العالمية الثانية التي تركت البلاد في دمار وفقر شديد، وانشغل الناس في
البحث عن القوت والملبس والمأوى.
مخططات الفلبين لاغتصاب أرض مورو:
لم يكن هناك نصارى في بلاد مورو قبل إلحاقها بالفلبين سوى جماعة قليلة
جداً، وقد عمدت الحكومة الفلبينية إلى إنشاء مستوطنات نصرانية في بلاد المسلمين
وقامت بتهجير النصارى إليها.
كما وضعت خطة لاحتكار ثروات مناطق المسلمين دون أن تعود أي فائدة
منها إلى أصحابها، كما عملت على انتزاع السلطات المحلية من أيدي المسلمين،
وحاولت القضاء على الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية.
وبطبيعة الحال لم يرض المسلمون بهذه العمليات، وعارضوها بشدة،
وطالبوا الحكومة الفلبينية بوقف الهجرات النصرانية وعملية الاستيطان في بلادهم،
ووقف توجيه البلاد لصالح المستوطنين النصارى، ووقف انتزاع سلطات المسلمين. وكان رد الحكومة الفلبينية على هذه المطالب استخدام القوة والعنف والإرهاب
لإخضاع المسلمين لما تريد.
المقاومة الإسلامية:
انتشر الظلم والفساد والطغيان وتفشت الجرائم ضد مسلمي مورو، وقامت
العناصر النصرانية المدعمة من قبل الحكومة باعتداءات متواصلة ومتكررة على
القرى الإسلامية، وأحرقوا بيوت المسلمين ومساجدهم ومدارسهم، وتشرد المسلمون
فأدركوا أن الخطر الحقيقي محيط بهم فعلاً، وأن حياتهم مهددة، وأن الأمر ليس
مجرد استيطان واحتكار ثروات البلاد وانتزاع السلطات المحلية من أيدي المسلمين؛ وإنما هي خطة مدبرة لإبادتهم أو طردهم من أرضهم. ولم يجد المسلمون ملجأ
سوى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وأرضهم.
ومن هنا قامت الحرب بينهم وبين الحكومة الفلبينية التي أنشأها الاستعمار
وساعدها في ضم بلاد المسلمين، وكانت بداية الحرب عام ١٩٧٠م ولا زالت
مستمرة حتى الآن. أي إن الحرب بين مسلمي مورو والحكومة الفلبينية قد مضى
عليها الآن ثمانية وعشرون عاماً.
ثم شهد المسلمون خلال تلك السنوات الطويلة ألواناً من العنف والإرهاب
والاضطهاد والمكر والخداع؛ فبعد أن أخفقت محاولات الفلبين في القضاء على
المسلمين أو إخماد حركتهم المسلحة بالإرهاب أو تخويف ضعاف النفوس لجأت إلى
المكر والخداع، ومنح الأموال والمناصب لشراء ضعاف الإيمان.
إخفاق سياسات العنف الحكومي:
لم تحقق الفلبين هدفها عن طريق العنف والإرهاب، ولا عن طريق المكر
والخداع؛ فلجأت إلى الحرب الباردة، والمفاوضات السياسية، وهي تحمل وراءها
المكر والخداع أيضاً ولكن بشكل آخر. ورؤية نتائج المفاوضات تختلف؛
فالسطحيون من جانب الحكومة يرون أنها لصالحهم، والذين ينظرون إلى القضية
في عمقها يعلمون أن نتائج المفاوضات ليست لصالح الحكومة.
والسطحيون من المسلمين داخل البلاد وخارجها يعتقدون أن نتائج المفاوضات
لصالح المسلمين وقضيتهم المصيرية، وأما المسلمون الذين يفهمون الوضع
ويدركون عمق المسألة فيعلمون أن المفاوضات ونتائجها لعبة سياسية استهدفت
مصالح شخصية قبل المصالح الوطنية.
أهم أحداث الحرب الباردة:
فيما يلي عرض موجز لأهم الأحداث والتطورات منذ بداية الحرب الباردة
وحتى الآن:
أولاً: التوقيع على اتفاقية طرابلس المعروفة، في ديسمبر عام ١٩٧٦م، بين
الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الوطنية بقيادة نور مسواري، ولم تنفذ
الاتفاقية حتى الآن وبقيت حبراً على ورق.
ثانياً: انقسام الحركة المسلحة إلى جبهتين الوطنية والإسلامية؛ وقوات جبهة
تحرير مورو الوطنية بقيادة مسواري، وظهرت جبهة تحرير مورو الإسلامية بقيادة
سلامات هاشم.
جذور انقسام المجاهدين:
زعم الأعداء أن الانقسام كان بسبب التنافس على القيادة فضلاً عن الخلاف
القبلي والإقليمي، ووافق على هذا المسلمون السطحيون والمشغولون بشؤونهم
الخاصة، والذين ليس لديهم وقت لتقصي الحقائق، واكتفوا بأخذ رأي الأعداء؛
وهذا شأن كثير من المسلمين وللأسف؛ إذ يأخذون بدعايات الأعداء المكتوبة
والمسموعة والمرئية، وإن كان هدف هذه الدعايات ضرب الإسلام وتضليل
المسلمين.
وأما المسلمون الذين فهموا حقيقة الأمر فهم قليلون جداً، ومغلوبون على
أمرهم، لا حول لهم ولا قوة، ولكنهم مؤمنون صادقون في إيمانهم؛ وبسبب هذا
الإيمان الصادق يعلمون حقيقة الصراع بين الحق والباطل وبين الإسلاميين
والعلمانيين.
وبعد صبر طويل ومعاناة شديدة تبين الحق وأدرك المسلمون جدوى قيام جبهة
تحرير مورو الإسلامية التي تتمسك بعقيدة السلف الصالح وهي عقيدة النبي -صلى
الله عليه وسلم-وأصحابه ﵃، وتتجه اتجاهاً إسلامياً مستقيماً لا يميل
إلى اليمين ولا إلى اليسار، وتقود الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، وهي
خير للمسلمين، وحتى الإخوة في جبهة تحرير مورو الوطنية يعترفون بأن قيام
جبهة تحرير مورو الإسلامية خير للقضية ولشعبنا المسلم المظلوم، وبدأ التنسيق
معهم على مستوى الأفراد، وسوف يتم قريباً جداً إن شاء الله التنسيق على مستوى
التنظيم.
ثالثاً: إنشاء ما يسمى بالحكم الذاتي الإقليمي في منطقة منداناو المسلمة.
أُنشِئ هذا الجهاز خلال إدارة أكينو، ولم يصدق أحد أن هذا هو الحل
الصحيح للمشكلة، ولم يهتم به أحد سوى السياسيين الفاسدين الذين لا همّ لهم سوى
إشباع جشعهم واستخدامه لسرقة أموال الدولة والشعب واحتكار ثروات البلاد.
رابعاً: إنشاء ما يسمى (مجلس جنوب الفلبين للسلام والتنمية) :
لم يرَ أحد منذ البداية أن إنشاء هذا المجلس هو الحل، ولم يحقق المجلس
شيئاً منذ إنشائه في ديسمبر عام ١٩٩٦م، واعترف الإخوة في جبهة مورو الوطنية
بأنهم وقعوا في فخ، علماً بأن تشكيل المجلس هو ما اتّفِق عليه في المفاوضات بين
الحكومة الفلبينية وجبهة مسواري الوطنية. والمجلس يفتقد الأجهزة الحكومية الثلاثة: التنفيذية والتشريعية والقضائية، ومن ثم فهو ليس حكومة، وهو خال من السلطة
العسكرية والأمنية؛ فلا حول له ولا قوة.
خامساً: تولى الأخ نور مسواري منصب محافظ لما يسمى بـ (الحكم الذاتي
الإقليمي لمنطقة مندناو المسلمة) ، ولا نريد أن نعلق على هذا الأمر، ولكن نذكر
قول بعض المراقبين السياسيين الذين شبهوا الأخ مسواري براكب سيارة لا محرك
لها.
سادساً: برزت جبهة تحرير مورو الإسلامية ممثلة أكبرَ قوة معارضة
للحكومة كما تقول الصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية الفلبينية إضافة
إلى ظهور الجهاد وحدوث مواجهات مسلحة بين القوات المسلحة الفلبينية
والمجاهدين التي اشتدت وتصاعدت في أواسط التسعينيات وهي مستمرة حتى الآن، ولم تشهد المنطقة حرباً مثلها إلا أثناء الحرب العالمية الثانية، وأسفرت
المواجهات عن تحرير بعض من أراضي المسلمين التي اغتصبتها الحكومة الفلبينية.
سابعاً: تحقق وجود مناطق محررة يطبق فيها حكم الله؛ إذ لم يتمكن
المسلمون من تحرير أراضيهم التي ضُمت إلى الفلبين في عام ١٩٤٩م إلا في هذه
السنوات، وفي التسعينيات بالذات، فقد استطاع المجاهدون بعون الله وفضله أن
يحرروا بعض المناطق الإسلامية التي اغتصبتها حكومة الفلبين، وأقامت الجبهة
فيها دولة مورو الإسلامية، وتتوافر فيها العناصر التي تتكون منها الدولة طبقاً
لتعريف الدولة في الاصطلاح القانوني، ولا ينقصها إلا الاعتراف الدولي، ولا
نطالب بهذا إلا بعد تحرير كافة بلاد مورو التي كانت مستقلة وذات سيادة قبل أن
تغتصبها الفلبين ظلماً وغدراً وخيانة.
ثامناً: المفاوضات بين جبهة مورو الإسلامية والحكومة الفلبينية:
دعت الحكومة الفلبينية جبهة تحرير مورو الإسلامية إلى المفاوضات
فاستجابت لذلك وبدأت المفاوضات بين الجانبين في ٧/١/ ١٩٩٧م ومثل كلا
الفريقين لجنة فنية مكونة من الخبراء في شؤون المفاوضات.
وكانت الحكومة الفلبينية تطالب جبهة تحرير مورو الإسلامية بأن تكون
المفاوضات في إطار الدستور الفلبيني، ورفضنا ذلك رفضاً باتاً وأعلنا أن جبهة
تحرير مورو الإسلامية لا تعترف بالدستور الفلبيني، وسكتت الحكومة واستمرت
المفاوضات، ومضى عليها أكثر من واحد وعشرين شهراً، وما زالت المباحثات
تدور حول نظام وقف إطلاق النار.
استمرار المواجهات:
بلغ عدد المعارك والمواجهات العسكرية بين المجاهدين والقوات المسلحة
الفلبينية خلال المفاوضات التي استمرت أكثر من واحد وعشرين شهراً واحداً
وخمسين مواجهة على الحدود المتاخمة للمناطق الإسلامية المحررة بين محافظتي
لاناو الجنوبية وماجنداناو، وما يقرب إلى عشرين معركة ومواجهة مسلحة في
أماكن مختلفة في محافظة كوتباتو الجنوبية، وبلدية شريف أجواك، ومحافظتي
زامبوانجا الشمالية والجنوبية، وجزيرة سيلان، وغيرها. وقتل خلالها مئات من
الجنود الصليبيين، ودمرت عشرات من دباباتهم ومصفحاتهم، كما استشهد عدد من
المجاهدين، وكانت المعارك المتكررة شديدة وعنيفة.
وعلى أي حال فقد اتفق الجانبان على استمرار المفاوضات، وشهد على هذا
الاتفاق عدد من المسؤولين من الجانبين، كما شهد عليه بعض السفراء المسلمين.
وستستأنف المفاوضات في الخامس عشر من شهر اكتوبر (١٩٩٨م) لمناقشة طلب
جبهة مورو الإسلامية بأن تعترف الحكومة بالمناطق الإسلامية المحررة التي تديرها
الجبهة الإسلامية، وتعتبرها دولة إسلامية، والكلمة الأخيرة في شأن المفاوضات أن
مطلب جبهة تحرير مورو الإسلامية هو الاستقلال الكامل للمناطق الإسلامية التي
ضمتها الفلبين، وهذا الموقف لا يقبل المساومات والتنازلات إن شاء الله والحكومة
الفلبينية تعلم هذا.
تاسعاً: دور المساجد في نشر العقيدة الإسلامية والتعاليم الإسلامية الأصيلة:
في أوائل السبعينيات وفي السنوات الأولى للحرب بين المسلمين والحكومة
الفلبينية كان من ضمن أهداف الجنود الصليبيين تدمير المساجد أو حرقها وتم لهم
حرق المئات منها، ولم يبق إلا القليل.
وبعد أن تمكن مجاهدو جبهة مورو الإسلامية، بعون الله وفضله من الوقوف
بوجه الحملة الصليبية الشرسة، ومن وقف الزحف الصليبي إلى أعماق بلاد
المسلمين، وبعد أن استطاع المجاهدون بفضل الله وإرادته أن يحرروا بعض
المناطق الإسلامية؛ تحسن الوضع؛ حيث شعر الصليبيون أن المسلمين امتلكوا قوة
عسكرية لا يستهان بها؛ فتوقفوا عن أعمالهم الوحشية، ونشاطاتهم البربرية. وفي
الوقت نفسه اهتمت الدول العربية والإسلامية بإقامة مساجد ومدارس في البلاد
الإسلامية النائية؛ فكثرت المساجد والمدارس في منطقة مورو، ولعبت هذه
المساجد دوراً كبيراً في نشر العقيدة الإسلامية وتعاليم الدين الحنيف؛ حيث أصبحت
مراكز لحلقات الدروس الدينية والعلمية.
ولا يخفى دور المساجد في تقوية روح الجهاد والصبر والقوة النفسية، وفي
تثبيت معنى الأخوة الإسلامية والعقيدة الصحيحة وتوضيح معالم الدين الحنيف.
стр. 2968
المسلمون والعالم
حمَّى سنة ٢٠٠٠
الحلقة الأولى
ماذا لو هُدم الأقصى ؟
عبد العزيز كامل
هذه الحلقات
تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن
الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى
شهور معدودة، ومن اللافت أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية التي
يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود أفعال
قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب الوقت
من عام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها
لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل.
وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها،
ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها إن شاء الله في حلقات
منفصلة. ... ... ... ... ... ... ... ... ...
- البيان-
هناك شواهد عديدة تدل على أن قضية المسجد الأقصى ستكون نقطة المركز
وبؤرة الاهتمام في العديد من القضايا الدينية، وما يترتب عليها من نشاطات سياسية
وعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وليس هذا من قبيل الأمور المؤجلة إلى مدىً
بعيد؛ بل إن هذا الاهتمام سيفرض نفسه في المستقبل القريب المنظور، أي كلما
اقترب الزمان من العام (٢٠٠٠) لميلاد المسيح ﵇.
وهذا الاهتمام أو الانشغال بل الانهماك بأمر المسجد الأقصى لن يكون على
مستوى سكان الأرض المقدسة وحدهم، بل ستتسع دائرته لتشكل محيطاً يلف مئات
الملايين من سكان العالم مسلمين ونصارى ويهود! .
هل هذه مبالغة؟ ! لا؛ بل هي الحقائق التي لا ينبغي أن نهملها أو نتجاهلها،
وتدل عليها الأسباب الآتية:
أولاً: اليهود في العالم [١] وليس في (إسرائيل) فقط يسابقون عقارب الساعة
الآن لهدم المسجد الأقصى قبل أن يحل العام (٢٠٠٠) ؛ الذي يصادف عندهم ذكرى
مرور ثلاثة آلاف عام على بناء مدينة القدس وتأسيس (مملكة إسرائيل الأولى) .
وعندما تحل هذه الذكرى تكون دورة الزمان قد اكتملت عندهم، ليبدأ زمان جديد
تشير إليه توراتهم وهو زمان الهيمنة اليهودية، ولن يكون لهذه الهيمنة أي صفة مع
استمرار غياب قبلة اليهود التي هدمت قبل ألفي عام (هيكل سليمان) [٢] ؛ الذي
انطلقت منه دعوات كل أنبياء بني إسرائيل، والذي ستنطلق منه كما يعتقدون دعوة
نبي اليهود المنتظر، الذي يعتقدون أن بناء الهيكل سيعجل خروجه!
ثانياً: ملايين النصارى في العالم يتزايد الاعتقاد بينهم بفعل الجماعات
(الأصولية) النصرانية بأن المسيح عيسى بن مريم ﵇ على وشك العودة مع
بدء الألفية الثالثة، وهم يعتقدون أيضاً أن الهيكل سيكون منطلقاً لدعوته في المرة
الثانية كما كان شأنه في المرة الأولى، فهكذا يفهمون الإنجيل، وهكذا يفسرون
التوراة التي يؤمنون بها مع الإنجيل ...
ثالثاً: أما المسلمون وهم يبلغون أكثر من ربع سكان العالم فلن يقفوا مكتوفي
الأيدي، وهم يرون معاول الحقد اليهودي تمتد إلى المكان المقدس الثالث عندهم؛
الذي صُفّت فيه قَدَما نبيهم ﷺ وهو يصلي بجميع الأنبياء في
ليلة الإسراء.
ومن جهة أخرى، فإن الجو المكفهر بالأحداث التي ستبدو جساماً، سيحرك
في الناس روحاً من اليقظة المنفعلة والمندفعة بالعواطف، والمستندة في الوقت ذاته
إلى البحث في المجهولات والغيبيات عن تفسير لما يحدث من وجهة نظر إسلامية؛
لتحشد على أساسه طاقات متحفزة للذود عن الذات والهوية.
لكل هذا؛ فالمتصور أن هناك حلبة صراع حقيقية وعالمية، يمكن أن تنصب
على ساحات الأرض المقدسة، إذا ما أقدم اليهود بممالأة من النصارى على تنفيذ
أكبر حدث يمكن أن يُختم به القرن العشرون، وهو: هدم المسجد الأقصى، وهو
حدث يعترف اليهود أنفسهم بأنه سيكون بوابة لأحداث كبرى يمكن أن تفتح أمامهم
صراعات لا يعرفون لها مدىً.
هل هذه أساطير؟ !
سيقول قوم: هذه أساطير تعشش في أدمغة طوائف محدودة من غلاة
النصارى وعتاة اليهود. نقول: نعم! هي أساطير، ولكن من قال: إن الكفار من
أهل الكتاب تخلوا عن الأساطير قديماً أو حديثاً؟ ! واليهود بوجه خاص: هل
وصلوا إلى ما وصلوا إليه من العلو في الأرض إلا بدفع نفسي قوي من وحي
الأساطير التي ترجمت إلى برامج للعمل وخطط للتحرك؟ ! (دولة إسرائيل) كانت
أسطورة، وعاصمتها كانت أسطورة، وقوتها وجيشها بُنيا على أسس من وحي
الأساطير، بل إن خطوات اليهود الوئيدة للسيطرة على العالم من خلال السيطرة
على أعظم قوة فيه لا تحركها إلا الأساطير. ولكنْ هناك فرق بين من يتحرك
بالأساطير إلى عالم الحقيقة، ومن يتهرب من الحقائق إلى عالم الأساطير؟
الأمر جاد.. والنوايا مبيتة ... والخطوات تتسارع رغم سيرها على درب
الأساطير، وعلى المسلمين أن يعوا أن هدم المسجد الأقصى صار عند يهود العالم
فريضة الوقت، ومسؤولية الجيل، وهو فرصة العمر السانحة لأول مرة في التاريخ
منذ ألفي عام.
فما الذي يجب علينا فعله؟ .. وقبل ذلك ما الذي يجب علينا فهمه؟
لتجلية خلفيات هذا الأمر، فإن هناك أسئلة لا بد من طرحها، ولا مناص من
الإجابة عليها ومصارحة النفس بها:
هل يمكن أن ينجح اليهود في هدم المسجد الأقصى فعلاً؟ ! .. وماذا لو هُدم؟
وما هو واجب المسلمين حتى لا يقع المحذور؟ ! وما هو المتوقع من الأعداء لو
نُفذت المؤامرة؟ ! ... وهل يمكن أن يتراجع اليهود عن تحقيق هذا الهدف؟
أسئلة ينبغي التحضير لها من الآن، قبل أن تفجؤنا الحوادث ويتجاوزنا
الزمان.
أولاً: هل يمكن أن ينجح اليهود فعلاً في هدم المسجد الأقصى؟
ليس بين أيدينا نص معصوم يدل على أن هدم المسجد الأقصى ممتنع قدراً؛
وليس شرطاً أن ترد أحاديث الفتن بكل ما يقع منها؛ فكثير من الحوادث الجسام
وقعت دون أن تذكر في آية أو ترد في حديث، وبعضها أخبر عنه النبي -صلى الله
عليه وسلم-ولكن حَفِظَ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه [٣] .
إن الكعبة نفسها قد هُدمت من قبل في زمن الحجاج دون أن يكون لذلك ذكر
في محكم آية أو نص حديث. والحجر الأسود قد نُزع من الكعبة في زمن القرامطة
ونقل إلى البحرين ليظل هناك سنين عدداً قبل أن يُعاد، ولم تأت الإشارة إلى ذلك
في كتاب ولا سنة؛ إذن فليس لأحد أن يحتج بعدم الورود على عدم الوقوع؛ لأن
الأمر قد يُسَطّر في القدر، ولا يُذكر في الكتب.
والذي يحكم الأمور عند ذلك هو قانون الأسباب والمسببات الذي يجري به
قدر الله بما يشاء وقوعه. وعلى حسب مجريات الأمور المشاهدة؛ فإنها شاهدة
بدأب اليهود وأخذهم بكل الأسباب، في الوقت الذي يريد المسلمون فيه أن يعطلوا
قانون الأسباب؛ وفي ظل ذلك لا نظن أن سنن الله تعالى ستحابي أحداً؛ فماذا فعل
المسلمون في العالم كله وهم يبلغون ملياراً أو يزيد؟ ماذا فعلوا عبر ما يزيد على
ثلاثين عاماً، لكي يستنقذوا مقدساتهم من عصابة الملايين الأربعة التي زرعت
نفسها بينهم، ثم فرضت وجودها عليهم؟
إن قدر الأسباب لن يحابينا ونحن نجافيه، إلا إن أراد الله أمراً، فقدّر بسببه
شأناً إلهياً محضاً ينقذ المسجد ويعطل أسباب الكيد ضده، كما رد الله أصحاب الفيل
عن هدم الكعبة قبل الإسلام ... ولكن المشكلة أن هذا أيضاً أمر لم يأت به خبر
معصوم، فيتكئ عليه المتكئون.
ثانياً: ماذا لو هدم الأقصى؟
أتصور أن فئاماً من الناس سيفتنون لو وقع الحدث، وسيقولون: كيف هذا
والمسجد الأقصى قد نزل بشأنه القرآن، وتواترت بفضله الأحاديث، كيف يتحول
إلى معبد يهودي؟ وينبغي أن يقال لهؤلاء: إن المسجد الأقصى قد مرت عليه
السنون في مرحلة من التاريخ وصلبان النصارى مرفوعة فوق مآذنه، أيام كان
الاحتلال الصليبي، وقد كان مسجداً إذ ذاك، ولم تنتف عنه صفته الشرعية، ولا
خصوصياته المسجدية؛ والذي أصابه لم يتعدّ التلوث بأوضار التثليث، ثم عاد
لأهل التوحيد عزيزاً مطهّراً، لمّا عادوا إلى التوحيد.
فلا بد أن يُعلم أن أرض المسجد مقدسة، ولها أحكامها الشرعية من حيث
مضاعفة أجور الصلوات فيها، واستحباب شد الرحال إليها، سواء أكان البناء
موجوداً أو غير موجود؛ فالساحة نفسها سُميت مسجداً وقت تنزّل القرآن بآيات
الإسراء، ولم يكن ثمة مسجد مقام. إن المكان أخذ حكم المسجد قبل أن يُبنى مسجداً
في الإسلام، وصلى فيه إمام الأنبياء بأولي العزم من الأنبياء في أرض فضاء ...
فحقائق التاريخ وقصص الأنبياء تدل على أن المسجد الأقصى لم يبنَ مرة أخرى
بعد هدمه الثاني بُعيد زمان عيسى ﵇ حتى جاء محمد ﵊
ولما تم الفتح، جاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ومعه كعب الأحبار رضي الله
عنهما ليدله على موضع مصلى داود ﵇ ثم بنى هناك مسجداً متواضعاً من
خشب [٤] ، فلما جاء عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، أعاد بناءه على الهيئة التي
هو عليها الآن. وقد حافظ المسلمون على مر العصور على هذه الأمانة، حتى جاء
عصر تضييع الأمانة الذي نعيشه، فوقع المسجد في الأسر، وها هو يتهدد بالهدم.
وهنا أمر تنبغي الإشارة إليه، وهو ما ورد في الحديث الصحيح بشأن منع
الدجال من دخول مساجد أربعة، منها المسجد الأقصى، وذلك في قوله: (..
وعلامته: يمكث في الأرض أربعين صباحاً، يبلغ سلطانه كل منهل، لا يأتي
أربعة مساجد: الكعبة، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى، والطور) [٥] . وهذا
يحتمل أن يظل المسجد كما هو، بحفظ الله وحده، أو أنه سيُعاد كما كان إذا أصابه
مكروه لا قدر الله أو أن المراد بالمسجد أرض المسجد كما في آية الإسراء.
* ما الواجب على المسلمين حتى يُعذِروا إلى الله؟
لا أبالغ إن قلت: إن الفتاوى بذلك قد أخذت أكبر حيز من الإجماع في
الفتاوى السياسية بين علماء المسلمين في العالم، منذ أن قدم اليهود إلى القدس. فقد
بُحّت أصوات العلماء بالنداء لإنقاذ المسجد الأقصى.. ولكن كم أضاع المنافقون
فرصاً لجمع الأمة وتجييشها ضد عدوها المصيري، لتقاتله في سبيل الله تحت راية
القرآن الخالد، كما قاتلها هذا العدو في سبيل الشيطان تحت راية التوراة المحرفة.
والذي يمكن أن يقال الآن للمسلمين خاصة وعامة أن يتخففوا من الإثم الواقع
عليهم بتدارك الأمر في حدود المستطاع وهو كثير لعل الله تعالى يبارك في تلك
الجهود، ويقمع كيد اليهود؛ فدعمُ الحركات الجهادية الإسلامية في فلسطين هو
البداية المستطاعة الآن، حتى يأذن الله بأن تدب روح الغيرة في عروق كثير ممن
ولاّهم الله أمر هذه الأمة المبتلاة.
* رابعاً: ما هو المتوقع إن وقع المحذور؟
المتوقع أن يبدأ اليهود فوراً في الخطوات العملية المعدة سلفاً في مشروع البناء، بل الإسراع في الانتهاء من إقامة المعبد اليهودي مكان المسجد الإسلامي،
ويخطئ من يظن أن اليهود ينتظرون الأقدار مثلنا حتى تتحفهم بحدث سعيد يعيد
مجداً ويقيم ملكاً، لا ... إن اليهود يغالبون السنن، وكأنهم يريدون أن يصنعوا
الأقدار صنعاً، ويستخرجوها استخراجاً من مكنون الغيب ومستور القضاء.
لهذا تراهم لا يتعاملون مع الأمور بقدريتنا نحن، ولا يتركون شيئاً
للمصادفات.
ويشار هنا إلى أنهم قد بدأوا بالفعل في تهيئة الظروف على أرض الواقع
تحسباً للحظة المناسبة؛ ففيما يتعلق بأمر المسجد الأقصى خاصة؛ فإن الدلائل
تتكاثر على تعاظم الجدية لديهم في الإقدام على مشروع الهدم وما بعده، وهذه أبرز
الشواهد على ذلك:
تضاعف أعداد التنظيمات والجماعات الساعية والمتعاونة للهدم ثم البناء:
في الأرض المغتصبة الآن (١٢٠) جماعة، تصنف في داخل إسرائيل نفسها
بأنها (متطرفة) [٦] ومن هذه الجماعات ما لا يقل عن خمسة وعشرين جماعة
متخصصة في المساعي الرامية لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل.
وتشكل بعض هذه الجماعات تحالفات فيما بينها، ومن أبرزها ما يسمى:
(رابطة القدس) التي تضم عدداً من التجمعات اليهودية المتشددة، وكانت هذه
الرابطة هي السبب في إقناع بنيامين نتنياهو بافتتاح (النفق) المار تحت أساسات
المسجد الأقصى عام ١٤١٧هـ ١٩٩٦م.
وتُظهر استجابة (نتنياهو) لمطالب تلك الجماعات استعداده للمضي قدماً في
تنفيذ ما تراه الجماعات الدينية واجباً.
وبات من المعروف أن تلك الجماعات لا تكتفي بالمطالب والمناشدات، بل
تلجأ بين الحين والآخر للقيام بأعمال عدائية واستفزازية ضد المسجد الأقصى،
يغلب على الظن أنها تريد بها جس النبض لردود الأفعال التي يمكن أن تحدث لو
قامت بالعمل الأخير.
وقد قامت تلك الجماعات منذ عام ١٩٦٧م الذي احتل اليهود فيه القدس وحتى
العام ١٩٩٠م بأكثر من أربعين عملاً عدائياً ضد المسجد الأقصى، وقد يُظن أن ما
يسمى بـ (عمليات السلام) بعد هذا التاريخ قد خففت من حدة المشاعر اليهودية
العدائية تجاه جيرانهم العرب (المسالمين) ، ولكن الحقيقة أن هذا الوهم تكذبه الوقائع؛ فمنذ أن أُبرمت اتفاقيات مدريد وأوسلو، وأعمال الاعتداء تزداد وتيرتها؛ حتى
بلغت قريباً من مئة محاولة، منها ٧٢ محاولة منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى
منتصف عام ١٩٩٨م.
لقد بدأت الصحف العالمية و (الإسرائيلية) ترصد تلك الظاهرة التي تتحول مع
مرور الوقت إلى نمط عنيف متعجل متعجرف لا يريد أن يتوقف، فكشفت مجلة
(فورن ريبورت) البريطانية في الأسبوع الأول من سبتمبر عام ١٩٩٨م، أن جهاز
(الشاباك الإسرائيلي) لديه معلومات وثيقة بأن المتعصبين اليهود المنخرطين في
تنظيمات سرية يدبرون لاعتداءات قريبة ونهائية على المسجد الأقصى.
ونشرت جريدة (معاريف) (الإسرائيلية) في (٣٠/٨/٩٨) مقالاً بعنوان:
(نقاش طارئ تحسباً لتفجير المسجد الأقصى) جاء فيه: (يجري نقاش طارئ حول
تحذيرات من الاعتداء على المسجد الأقصى، يشارك فيه رئيس الوزراء وكبار قادة
الدولة، وجاء اللقاء على أثر أنباء قوية عن احتمالات وقوع مصادمات بين
الإسلاميين الفلسطينيين ومتشددين يهود في ساحة المسجد الأقصى تنتهي بعواقب
وخيمة) .
والسعار اليهودي المتلهف نحو هدم الأقصى ليس مقصوراً على يهود
(إسرائيليين) ، ولا حتى يهود من الخارج؛ بل إن نصارى متدينين أيضاً يقدمون
من خارج إسرائيل للمشاركة في هذه المساعي الحثيثة والخبيثة، ومن ذلك ما أفادت
به صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية في عددها الصادر في ٣/٩/١٩٩٨م أن
(السلطات الإسرائيلية) ألقت القبض على سائحين إيطاليين (نصرانيين) قدما لـ
(إسرائيل) لتنفيذ (مهمة مقدسة) في المدينة الأبدية، قبل أن تبدأ الألفية الثالثة!
وقد نشرت جريدة الحياة في (٢٤/١١/٩٨م) أن اللجنة الوزارية لشؤون القدس
التي يرأسها بنيامين نتنياهو، بحثت الأخطار المتزايدة التي قد تنجم عن شن
المتطرفين اليهود هجمات على المساجد الإسلامية، وإمكان اعتداء متشددين
(مسيحيين) على المسجد الأقصى ومسجد الصخرة بمناسبة انتهاء الألفية الثانية.
وقال (يائير يتسحاقي) قائد الشرطة (الإسرائيلية) في القدس: إن أعضاء من طائفة
مسيحية من (دينفر) يطلق عليها: (المسيحيون الجادون) وصلوا إلى إسرائيل بعد
أن باعوا مقتنياتهم في بلادهم متوجهين إلى إسرائيل لتنفيذ أوامر من زعيمهم (مونت
ميلر) الذي أعلن أنه سيموت في القدس قريباً جداً! !
وأشار الوزير (الإسرائيلي) إلى أن الحكومة (الإسرائيلية) بدأت تتعامل مع
نشاطات مثل تلك الجماعات التي تكثف نشاطها مع اقتراب العام ٢٠٠٠ [٧] .
وقد شكل جهاز الشاباك (الإسرائيلي) (الأمن الداخلي) في الفترة الأخيرة قسماً
خاصاً يعكف على العمل ليحول دون وصول النتظيمات السرية اليهودية إلى تحقيق
مرادها في هدم الأقصى في وقت غير مناسب، قد يحرج الدولة اليهودية، وفي هذا
الشأن كتب الصحفي (الإسرائيلي) (يوسي ليفي) مقالاً في صحيفة معاريف
(٢٩/٨/ ٩٨م) جاء فيه: (القاعدة التحتية للتنظيمات المتشددة موجودة حسب تقديرات قوات الأمن؛ والمعلومات التي بحوزتها تقول إن الاتصالات بينها تتم بالوسائل والطرق السرية، والتنسيق بينها موجود، والمشكلة القوية التي تواجه أجهزة الأمن هي التغلغل في هذه المجموعات؛ لأنها مجموعات ذات معتقدات أيديولوجية متعصبة مرتبطة بعواطف دينية حادة، بحيث يعرف كل واحد من أعضائها الآخر؛ بما لا يسمح باختراقها) .
الحكومة الإسرائيلية تريد إذن أن تستخدم تلك الجماعات بتوازن دقيق، فهي
لا تخالفها في الهدف، ولكن ربما تخالفها في الوسائل والبدائل وأوقات التنفيذ.
لكن كل هذا لا يخفي مباركتها واحتضانها لهذه الجماعات التي يمكن أن توفر
لها مخرجاً لإعداد (سيناريوهات) للتنفيذ عند اللحظة المناسبة؛ بحيث تتخفى
وراءهم، وكأن الأمر قد خرج من يدها.
وهناك إشارات متفرقة تخرج من (إسرائيل) في الآونة الأخيرة تحاول أن
تمهد نفسياً لإمكانية حصول شكل من أشكال تلك (السيناريوهات) .
فقد نشرت جريدة (معاريف) في أغسطس ٩٨م مقالاً بعنوان: (ثلاثة
احتمالات للتهديدات) ذكرت فيه أن القيام بعمل ضد الأماكن الإسلامية قد يأخذ أحد
الأشكال الثلاثة الآتية:
١ انتفاضة شعبية عارمة من مئات ألوف المتطرفين؛ حيث يقومون بسلسلة
عمليات شغب عنيفة، لإشاعة جو من الفوضى يتم خلاله تنفيذ ما يريدون [٨] .
٢-قد يقوم متطرف يهودي واحد دون شركاء، وبدون مساندة أو إعداد سابق
بهذا العمل، مثل ما قام به (عامير) في قتل رابين، أو باروخ جولد شتاين في
مذبحة المسجد الإبراهيمي [٩] .
٣-قد تقوم مجموعة من الأشخاص في خلية سرية بتوجيه ضربتها مستخدمة
القنابل أو الصواريخ.
وقد نشرت جريدة (يديعوت أحرونوت) في عددها الصادر في ١/٩/٩٨م خبراً
بعنوان: (يهودي مجنون قد ينسف الأقصى أو قبة الصخرة) ، وجاء في الخبر:
(يخشى قادة (الشاباك) (جهاز الأمن) أن يقوم متطرف من (اليمين الإسرائيلي)
بالاعتداء على المسجد الأقصى أو قبة الصخرة بهدف الإجهاز على العملية السلمية
نهائياً. وتذكر الصحيفة أن (سيناريو) الاعتداء عُرض على رئيس الوزراء
(نتنياهو) في اجتماع حضره وزير العدل والأمن الداخلي والمالية، إضافة إلى
رئيس بلدية القدس، ورئيس جهاز (الشاباك) والمفتش العام للشرطة، وأعربت
الصحيفة عن تخوفها من أن يؤدي الاعتداء على المسجد الأقصى أو قبة الصخرة
إلى إحراق المنطقة كلها.
وهناك (سيناريو) رابع أضيفه من خلال متابعتي للموضوع، وهو إمعان
اليهود في المزيد من إضعاف أساسات المسجد وتفريغ الأرض من تحته، ثم
الادعاء عند أي هزة أرضية طبيعية أو صناعية، أن المسجد هُدم قضاءً وقدراً! !
وهنا تعفي الحكومة الإسرائيلية نفسها وتعفي المنظمات الدينية من مسؤولية الهدم،
لتتفرغ للبناء.
وأياً كان الأمر، فالسلطة في (إسرائيل) ليست أقل حرصاً من التنظيمات
الدينية السرية والعلنية في الإسراع بهدم الأقصى والصخرة ثم بناء الهيكل على
أنقاضهما، وهذا الحرص يصل إلى أعلى مستويات المسؤولية في الحكومات
المتعاقبة؛ فمنذ أن قال بن جوريون القولة المشهورة، ورددها بعده مناحيم بيجن:
(لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ... ولا قيمة للقدس بدون الهيكل) منذ أن قيل ذلك،
والمسؤولون الإسرائيليون يدلّون بالقول والفعل، على أن هذه قناعة ثابتة لدى
الجميع داخل (إسرائيل) ، وقد اختص بنيامين نتنياهو بمزيد من التميز في هذا
الجانب؛ ففي عهده المأفون وللمرة الأولى انعقد في القدس المؤتمر السنوي السابع
لرابطة (إعادة بناء الهيكل) بمباركة ومشاركة حكومية، والرابطة تضم عشر
منظمات كبرى اشتركت في تنظيم المؤتمر الذي عقد في١٧/٩/١٩٩٨م وضم آلافاً
من اليهود المتدينين من منظمات أخرى يجمعهم قاطبة أنهم أعضاء في منظمات
يهودية سرية وعلنية تدعو جهاراً إلى التعجيل بهدم الأقصى وبناء الهيكل.
وتقدر الأوساط الإسرائيلية عدد من حضروا المؤتمر بسبعة آلاف يهودي.
وكان الهدف من المؤتمر الذي شاركت فيه شخصيات حكومية تقسيم المهام من
أجل الهدف الذي جعلوه عنواناً للرابطة وهو: (إعادة بناء الهيكل) ، وقد ألقى نائب
وزير المعارف (الإسرائيلي) (موشي بيلد) كلمة أشاد فيها بالحضور، وخاطب
المؤتمرين قائلاً: (أدعوكم إلى مواصلة نشر قيم الهيكل وقيم التراث والثقافة
اليهودية بين شباب (إسرائيل) في كافة مراحل التعليم) . وأردف قائلاً: (إن الهيكل
هو قلب الشعب اليهودي وروحه) . ثم قام زعيم منظمة (قائم وحي) ليتحدث عن
المشاركين فقال: (إننا نرى دعماً رسمياً، ونأمل بأن يسهم في إعطاء انطلاقة
جديدة لقضية إعادة المعبد اليهودي في القدس) (الحياة ١٧/٩/١٩٩٨م) .
الخطوات الحكومية الممهدة لتنفيذ المؤامرة:
إذا كانت المنظمات المذكورة وهي مجرد منظمات تحمل كل هذا الحماس
للتحرك العملي من أجل خدمة المشروع الذي يمثل رمز الوجود اليهودي؛ فما بالنا
بالدور الذي يمكن أن تقوم به الدولة نفسها، وهي التي يحمل علمها هذا الرمز
(النجمة السداسية) ؟ !
لا شك أن لها دوراً يليق بكونها (دولة) وسلطة، فهناك أدوار لا تستطيع
المنظمات منفردة ولا مجتمعة أن تقوم بها، بل لا بد من قيام الدولة بالدور الأساس
فيها. والذي يظهر من السلوك العام للحكومة؛ أنها تقسم (المشروع) إلى قسمين:
قسم للتحضير، وهو يتناول عمليات الإعداد السابقة لبناء الهيكل، بما فيها هدم
المسجدين، وهذا القسم تتركه لتلك الجماعات والمنظمات المتعصبة والنشيطة،
وقسم آخر لمرحلة التنفيذ، بما تتضمنه من الشروع في البناء ذاته، وتأمين ما
يحتاجه من مشاريع وتكاليف ومنشآت وطرق وأنفاق وموظفين وإجراءات
نظامية ... إلخ.
وهناك أمر مهم آخر، وهو: تأمين المرحلة، بمعنى توفير العامل الأمني
لتلك المنظمات مجتمعة لكي تقوم بأدوارها التي لن يقوم بها غيرها في التحضير
لمرحلة البناء وما بعد البناء؛ ليتم ذلك في أسرع وقت دون معوقات. ونشير هنا
إلى بعض الإجراءات الحكومية الإسرائيلية التي لها دلالتها البالغة في الإشارة إلى
الدور الذي تضطلع به الحكومة الإسرائيلية في المؤامرة الكبرى:
أولاً: الحفريات تحت المسجد الأقصى:
وقد قطعت الحكومة الإسرائيلية فيها عشر مراحل [١٠] ، وهذه المراحل
العشر استغرقت المدة منذ عام ١٩٦٧م وحتى نهاية ١٩٨٠م، ولا تزال أعمال
الحفريات تجري بطرق أخرى إلى وقتنا هذا، وهي تستهدف الوصول إلى غاية من
أخبث الغايات التآمرية على المسجد الأقصى، ولا تستطيع المنظمات اليهودية كلها
أن تقوم بها وهي: تفريغ الأرض تحت المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، لترك
المسجدين قائمين على فراغ، ليكونا عرضة للانهيار السريع بفعل أي عمل تخريبي، أو حتى اهتزازات أرضية طبيعية أو صناعية كما سبقت الإشارة وهم بطبيعة
الحال لا يظهرون هذا الهدف، ولكن الهدف المعلن دائماً هو الكشف عن آثار باقية
للهيكل الثاني الذي دُمر عام ٧٠ للميلاد، وقد سمحت الحكومة الإسرائيلية خلال
عامي ١٩٩٥، ١٩٩٦م لمؤسستين إسرائيليتين وهما: (شركة الآثار الإسرائيلية)
و (شركة تطوير القدس) بإجراء المزيد من الحفريات.
ثانياً: شق الأنفاق:
وهي عمليات تشترك مع عمليات الحفريات في أنها تهدد أساسات المسجد
الأقصى في المرحلة الحالية، وتسهل أو تكمل مشروع بناء الهيكل في المراحل
التالية. وكانت قصة الافتتاح الرسمي لنفق (الحشمو نائيم) في سبتمبر عام ١٩٩٦م، بمثابة لفت نظر لتبني الدولة العبرية لمثل هذه المشروعات.
وكان افتتاح النفق في ذلك الوقت إشارة إلى بدء الإجراء العملي (الرسمي)
لتحويل المسجد الأقصى إلى معبد يهودي، فبعد أن اكتمل النفق بطول اربعمائة متر
في فترة عمل سري؛ افتتحه عمدة القدس (تيدي كوليك) رسمياً في احتفال (علني) ،
وهذا الافتتاح الرسمي أرادت به الحكومة الإسرائيلية أن تلقي برسالة مفادها أن
اليهود أصبحوا شركاء في ساحات الأقصى؛ فالأنفاق تجري من تحتها، وبداخلها
مساحات تصلح لأن تكون كنيساً مؤقتاً، يقيم فيه الراغبون من اليهود صلواتهم (في
الدور الأسفل) ريثما يتاح الانتقال إلى الأدوار العليا، وقد وضعت الحكومة
الإسرائيلية لوحات إلكترونية داخل النفق، تظهر البلدة القديمة للقدس بدون المسجد
الأقصى أو مسجد الصخرة، ويظهر مكانهما الهيكل اليهودي، وسط طابع معماري
جديد للمدينة تغلب عليه الصبغة اليهودية. وأرادت حكومة نتنياهو أيضاً أن يكون
الافتتاح اختباراً، تقاس به ردود الأفعال والأقوال العربية والإسلامية إذا ما تم تنفيذ
مشاريع أكبر! ، وقد جاءت ردود الأفعال والأقوال مشجعة لليهود؛ حتى إن نتنياهو
لم يجد مانعاً من التفاخر علناً بما تم إنجازه، مشيداً بعهده (الشجاع) الذي شهد هذا
الافتتاح بعد أن تأخر كثيراً، وقال: (إنني فخور جداً؛ ومتأثر جداً، فالنفق يمس
أساس وجودنا) وهاجم الفلسطينيين الذين اعترضوا على ما حدث بالتظاهرات
والهتافات، وقال: (السلطة الفلسطينية تتحمل مسؤولية ما يحصل، وسنستخدم كل
الوسائل المتاحة لوقف الاعتراضات) [١١] وفعلاً ... توقفت الاعتراضات،
واستؤنفت المفاوضات بعدها على كل المسارات! ... ثم توقفت بعد إصرار اليهود
على بناء مستوطنات على جبل أبي غنيم.. ثم استؤنفت حتى جاء الوقت الذي
تعاقدت فيه (إسرائيل) مع المنظمة على تحمل تلك (المسؤولية) الأمنية كاملة.. في
جريمة كاملة تسمى: (واي بلانتيشن) .
ومما يجدر ذكره أن هناك أنفاقاً أخرى لم يُعتَرض عليها يجري الإعداد لها
والعمل فيها، والهدف منها أن يأتي وقت تكتمل فيه ممرات وشوارع تحت ساحات
الأقصى تسهل التنقل تحته في المراحل القادمة.
ثالثاً: السور العازل بين المسلمين واليهود:
اليهود يتهيؤون ليوم آتٍ تتأجج فيه المشاعر، وتختلط فيه المسائل، وينفجر
بركان الغضب الذي تكتمه أكذوبة السلام؛ فقبل اغتيال إسحاق رابين بعام، طَرحَ
مشروعاً رأى أن فيه حلاً نهائياً للفصل بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك
ببناء سور ضخم يمتد بطول ٣٦٠ كيلو متراً، وارتفاع ثلاثة أمتار، يفصل
الأراضي الخاضعة لسلطة الحكومة الإسرائيلية، والأراضي الواقعة تحت السلطة
الفلسطينية. وقد هندس للمشروع (موشيه شاحاك) وزير الشرطة الإسرائيلي،
ووافق عليه بيريز، وبدأ تنفيذ المشروع عام ١٩٩٦م.
والمشروع عند التأمل لا ينفصل عن مجمل مساعي (الحكومة الإسرائيلية)
للتهييء لما تخبئه الأيام من صدام حتمي.. وبما أن جُل الصدامات الشعبية مع
اليهود في الأرض المحتلة كان الباعث لها والحادي إليها مآذن المسجد الأقصى..
فماذا يا تُرى يمكن أن يحدث لو استُهدفت تلك المآذن ذاتها، واغتيل المسجد بكامله؟!
لا بد إذن من استعداد ...
وقد أعلن في حينه أن السور يهدف إلى منع دخول الفدائيين لتنفيذ عمليات
(تخريبية) داخل (إسرائيل) ، ولكن الظاهر أن الهدف أكبر وهو تمكين اليهود
وحدهم من التخريب دون حسيب أو رقيب. إن المشروع واجه صعوبة في تنفيذه
في البداية بسبب ضخامة تكاليفه؛ ولكن وكالعادة لم تقصر الولايات المتحدة حكومة
وشعباً في دعم المشروع المريب، بل إنها تعهدت بأن يتم تنفيذه كاملاً بتمويل
أمريكي خالص، وقد أقرت له ميزانية منذ عام ١٩٩٣م، وقدم كلينتون القسط
الأول منها (مائة مليون دولار) في زيارته لـ (إسرائيل) عام ١٩٩٦م، ومولت
واشنطن أيضاً عمليات تزويد السور بـ (١٨) معبراً، وطائرات استطلاع بدون
طيار تحلق على مدار الليل والنهار فوق السور، وأجهزة لضبط المتسللين وكشف
المتفجرات. والسور تقرر تزويده أيضاً ببوابات إلكترونية حديثة تمنع تسرب أي
آلة معدنية، وأعلن في الولايات المتحدة عن إرسال معدات تُرَكّب في الحيز
العرضي للسور مع بالونات عسكرية بها أجهزة رصد تصويرية للحركة على امتداد
السور، وسيزود الأمريكان إسرائيل أيضاً بـ (٢٠٦) طائرة هليوكبتر من النوع
الخفيف لمزيد من المراقبة على الساحات المحيطة بالسور، وسيؤدي السور الذي
سيحول المناطق الفلسطينية إلى معتقل كبير إلى حرمان المسلمين في الأرض
المحتلة من مجرد التمتمع بالنظر إلى أرض المقدسات من وراء الأفق، وسيمكّن
اليهود من منع المسلمين نهائياً عندما يريدون من الوصول إلى المسجد الأقصى في
يوم الجمعة أو في غيره.
بعض الواهمين يظن أن السور الذي تدعمه أمريكا، يدل على اتجاه إسرائيل
نحو الاعتراف بدولة فلسطينية؛ لأنه سيضع فواصل حدودية بينها وبين (إسرائيل)
ولكن (شيمون بيريز) حمامة (السلام) النووية، بدد هذا الوهم عندما قال: (لن
تكون هناك دولة فلسطينية، والسور لا يمثل حدوداً لنا مع هذه الدولة) [١٢] .
فماذا يمثل إذن؟ ! إنه يمثل (أسطورة) خيالية، أخرجتها إلى عالم الوجود
التكنولوجيا (الأيدولوجية) الجديدة! !
اسمعوا إلى هذه الأسطورة التي تتحول أمامنا إلى واقع: جاء في كتاب
(القابلاه) : في شرح التوراة: (توصف القدس بـ (الشخيناه) يعني الملكوت الذي
سيحكم العالم، وستحيط بها المرتفعات حتى لا تصل إليها قوى الظلام، وستعلو
جدرانها حتى يعود التوازن إلى العالم!) .
إذن، تحصين القدس وتحويلها إلى قرية محصنة والاستتار خلف أسوارها..
ثم القتال (الجبان) من خلف جدرانها؛ ليس إلا تعبيراً حديثاً جداً، عن التركيبة
العقدية والنفسية العتيقة لأمة اليهود الملعونة على ألسنة الرسل، وصدق الله القائل:
[لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ] . [الحشر: ١٤]
إن وراء خطوة اليهود الرامية إلى هدم الأقصى خطوات أكبر إلى مساعٍ
أخطر يمثلها ذلك الإصرار العنيد على بناء الهيكل الثالث.. هيكل سليمان، فما
هو ... ولماذا يعاد بناؤه ... ومتى يريدون الإعادة ... وماذا أعدوا لذلك؟
هذا ما سنعرض له في حلقة قادمة؛ إن شاء الله.
стр. 2969
مرصد الأحداث
حسن قطامش
أطفال الحجارة والثقافة المجمدة! !
شارك (٢٨) طفلاً في غزة في جوقة غنائية أثناء عرض أوبرا (كارمن)
لجورج بيزيه وذلك في أول عرض للأوبرا يقام على أرض تتمتع بحكم ذاتي
فلسطيني.
وقال عون الشوا رئيس بلدية غزة: أدت الحرب والمعارك المستمرة ضد
الاحتلال إلى تجميد الثقافة في فلسطين، والآن بعد أن استقررنا في جزء من
أراضينا حان الوقت لتنشيط ثقافتنا، وقال أحد الحضور: هذا العرض مدعاة للفخر!! أطفالنا كانوا رائعين! ! . ... ...
[جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٤٧) ]
قطع الله دابركم
*إن القضاء على البنية الأساسية للمنظمات التي تصمم على استمرار العنف
ضد إسرائيل أمر ضروري؛ لأنه بهذا وحده نضمن وضع حد لنشاطها، فإذا كانت
هذه البنية موجودة فلن تستطيع أي دولة التصدي لعمليات العنف مهما أوتيت من قوة. وقد أثبتت التجارب ذلك.
س: ماذا يعني القضاء على البنية الأساسية لحماس والجهاد؟
ج: يعني قطع دابرها! ! والقضاء على كل أنشطتها العسكرية ومصادر
تمويلها! !
س: وماذا إذا فشلت المفاوضات مع إسرائيل، ووضح تعنتها ولم تنفذ شيئاً
من التزامتها؛ في حين أنكم قمتم بضرب (حماس) بأيديكم وهي العدو الأول
للصهيونية؟
ج: يا سيدي إذا ضربت السلطة الفلسطينية الصف الأول والثاني والثالث من
حماس فسيظهر لنا الصف العاشر والعديد من المنظمات التي ستلجأ للسلاح إذا لم
تكن إسرائيل جادة في السلام! !
[سعيد كمال، الأمين العام المساعد للجامعة العربية ومدير إدارة شؤون فلسطين، جريدة الشعب القاهريه، عدد: (١٣٠٩) ]
ومع هذا.. يسارعون فيهم! !
لدينا قوة ردع نووية، وجيش قوي وميزانية دفاع كبيرة، ومع ذلك فنحن
شعب جبان رعديد لا يملك الحد الأدنى من الثقة في النفس، نحن غير طبيعيين،
منقسمين على أنفسنا، نعاني شرخاً كبيراً في شخصيتنا.. أفراداً وقادة، وإن أطفال
إسرائيل لم يمروا إطلاقاً بأي مرحلة من البراءة والسذاجة.
[دانيال برطال، مدير المعهد الدولي لعلم النفس السياسي في نيويورك، جريدة الأسبوع، عدد: (٨٨) ]
الكادحون من أجل الشعب! !
١- لقد كان وضع الشيخ أحمد ياسين في الإقامة الجبرية أهون الضررين
لنحميه من ضرر نفسه، ونخفّف آثامه وشروره، ونقلل من اعتداده بأن كل العمليات نسوبة إليه، حتى نحمي الشعب الفلسطيني من شروره، نحن نترجى الشيخ أحمد أن يحصلنا نصف في المئة أو يعطينا مليون دولار من الـ (٥٥) مليون اللي جمعهم من الخليج علشان نعيّش منهم الشعب.
[الجنرال غازي الجبالي، مدير الشرطة الفلسطينية، مجلة المشاهد السياسي، عدد (١٤٠) ]
٢-كشفت صحيفة صنداي تايمز البريطانية أن مساعدات قدمها الاتحاد
الأوروبي من أجل الفقراء استخدمت لمزيد من الترفيه عن أغنياء موالين لياسر
عرفات؛ فبدلاً من استخدام الأموال في مشروعات إسكانية رخيصة في قطاع غزة
الفقير والمكتظ بالسكان وفي الضفة الغربية؛ ذهبت لبناء شقق فاخرة منحت لـ
(عائدين) وهو اللفظ الذي يُطلق على الموالين الذين كانوا في المنفى مع الرئيس
عرفات ويعملون الآن في السلطة، وتكلفت الشقة الواحدة ٣٣ ألف جنيه استرليني،
واعترف المدققون في الاتحاد الأوروبي بأن (٢٠) مليون دولار أنفقت دون أي
سيطرة اقتصادية ولا يمكن استعادتها.
[جريدة الخليج، عدد: (٧١٣٤) ]
شعور متبادل
سأترك العرب والجامعة العربية والنظام السياسي العربي؛ لأنه لا مكان لي
بينهم ما داموا مستسلمين وغير متحدين، ولولا المقاومة اللبنانية في الدرجة الأولى، والمقاومة الفلسطينية في الدرجة الثانية، فإنه لا يشرف أحداً أن يكون عربياً.
... ... ... [معمر القذافي، جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٤٤) ]
الفلوس تغيّر الميول
لقد عشنا مرحلة الهوس والاستلاب الفكري، نبحث عن تجربة جيفارا في
أدغال بوليفيا واعتقدنا بأن بوليفيا تشبه اليمن، والحقيقة أننا لم نجد سوى الأعلام
الحمراء، وتصورنا أنفسنا كوبا الجزيرة العربية، وهو وهم كبير. وفي نهاية
المطالب لم يمنحنا الاتحاد السوفييتي فلساً واحداً.
[عبد القادر باجمال، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية اليمني، مجلة الأهرام العربي، عدد: (٨٤) ]
للقدس أم للشعب الجائع! !
أكد فيصل الحسيني مسؤول ملف القدس في السلطة الوطنية أن ربح معركة
القدس يتطلب ١، ٢ مليار دولار مساعدات لتغطية المتطلبات القانونية والميدانية
والسياسية التي يتعين أن يعتمدها الفلسطينيون في المرحلة المقبلة.
... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧٣٠٨) ]
وماذا عن حرق المساجد! !
اعتبر الرئيس الإندونيسي (بحر الدين حبيبي) أن إضرام النار في الكنائس
وتخريب أماكن العبادة المسيحية جريمة لا تغتفر! وقال إنه صُدم بهذه الأعمال التي
لا تسمح بها أي ديانة، وقال: (إن هذا العمل لا يمكن قبوله بأي من المعايير) .
... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، عدد: (٧٣٠٥) ]
عليّ وعلى أعدائي
حذر سوهارتو الرئيس الإندونيسي السابق الرئيس الحالي يوسف حبيبي من
أن أي محاكمة ضده بتهمة الفساد قد تتسبب في زعزعة استقرار البلاد؛ لأن ذلك
ينتج عنه آثار سلبية على الحكومة؛ معتبراً أن مثل هذه الإجراءات تورط أصحاب
مناصب عليا ومسؤولين سابقين، والعديد من الأصدقاء المشتبه في جمعهم ثروات
بطريقة غير مشروعه في قضايا عدة.
[جريدة الأنباء، عدد: (٨٠٩٩) ]
مُت ياعراق حتى يسقطوه! !
أكد زعيم حزب العمال الكردستاني جلال الطالباني عن اقتناعه بعدم وجود
مخطط محدد لإسقاط النظام الديكتاتوري في العراق، وسُئل: هل بحث الأمريكيون
معه أي آلية خلال توقيعه السلام مع بارزاني في واشنطن، فأجاب: لم يتطرقوا
معنا إلى أي مشروع لإسقاط النظام، بل العكس، نصحونا بعدم استفزاز النظام
العراقي! ! ولم يجر بحث موضوع الإسقاط، إن المسؤولين الأمريكيين ركزوا
على ضرورة تطبيق الاتفاق وعندما ننفذه ونجعل كردستان العراق نموذجاً
للديمقراطية، والازدهار والتنمية، سيكون ذلك نموذجاً لسائر أنحاء العراق
وسيشجع العراقيين على المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد: (١٣٠٤٤) ]
دعوة للعالمين! !
ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
(سي آي إيه) أطلقت حملة تجنيد واسعة تعتبر الأكبر منذ (١٠) سنوات، وأضافت
الصحيفة أن عدد العاملين في الوكالة بلغ (٢٢) ألف شخص في نهاية الثمانينيات في
حين يقدر اليوم بـ (١٦) ألفاً.
ولهذا السبب منح الكونجرس هذا العام مبلغاً إضافياً بقيمة ١. ٥ بليون دولار
لموازنة وكالات الاستخبارات الـ (١٣) منها (٢٠٠) إلى (٣٠٠) مليون دولار
لتوظيف عملاء جدد في وكالة الاستخبارات المركزية.
... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، عدد، (١٣٠٥٣) ]
زبالة للتصدير! !
أعلن أحمد ولد دادة زعيم حزب المعارضة الموريتاني أن طائرات محملة
بالنفايات النووية [الإسرائيلية] حطت في مطار تجكجة في وسط موريتانيا،
وتحدث أيضاً عن رسو باخرة محملة بنفايات (إسرائيلية) أخرى في ميناء نواذيبو،
العاصمة الاقتصادية لموريتانيا. ...
[جريدة الخليج، عدد: (٧١٣١) ]
وهل ستقومون بذلك؟
إن مع امتلاك إسرائيل كل هذه الأنواع من أسلحة الدمار، لا بد من أن يكون
هناك رادع للحد من تفكير إسرائيل في استخدام هذه الأسلحة ضد العرب، ولا بد
من العمل على تصفية البرنامج النووي الإسرائيلي، خاصة مع اعتقاد إسرائيل أن
العرب ما زالوا هم الأعداء.
[أسامة الباز، المستشار السياسي للرئيس المصري، جريدة الشرق القطرية، عدد: (٣٨١٢) ]
... ... ... منبع.. تجفيف المنابع!
قرر المجلس العسكري الأعلى في تركيا طرد (٨٦) ضابطاً من الجيش
للاشتباه بميولهم الأصولية، ويجتمع المجلس مرتين في السنة ويتخذ إجراءات كهذه
خلال كل اجتماع، وطرد ما مجموعه (٦٢٥) عسكرياً من صفوف الجيش منذ عام
(١٩٩٥م) . ... ... ... ...
[جريدة الخليج، عدد: (. ٧١٤) ]
غرناطة مركز للتنصير! !
حضر ممثلون عن (١٦) مؤسسة تنصيرية بروتستانتية تعمل وسط المسلمين
في الدول الناطقة بالأسبانية في أمريكا الجنوبية وأسبانيا في مدينة غرناطة،
وقرروا تأسيس المعهد الأسباني الأمريكي للدراسات الإسلامية لتدريب المنصرين
العاملين وسط المسلمين، ويهدف المركز لجعل المنصرين وسط المسلمين مؤهلين
بشكل أفضل؛ وذلك بدراسة الديانة الإسلامية (من وجهة نظر تنصيرية) والثقافة
والقيم، وسيكون المركز مفتوحاً للمنصرين الجدد في الميدان.
... ... ... ... ... ... [نشرة، الكوثر، عدد: (٢٠) ]
стр. 2970
قضايا ثقافية
الإسلاميون وسؤال النهضة
(٢)
عبد العزيز التميمي
تفاوتت إجابات الإسلاميين على سؤال النهضة تشخيصاً ومعالجة، وتنوعت
كذلك ترتيباً للأولويات، وتحديداً لبرامج المعالجات ومداخل النهضة، بين مقدم
للعمل السياسي باعتباره في هذا العصر مفتاحاً للنشاط الاجتماعي كله ومقدم للعمل
التربوي باعتبار أن الإنسان هو محور البناء المجتمعي كله ومقدم للعمل التعليمي
باعتبار أن آفة أهل هذا الزمان الجهل المطبق للكثيرين منهم بدينهم، وهناك
اجتهادات أخرى متنوعة ذكرنا طرفاً منها في الحلقة الأولى من هذه المقالة.
وفي هذا المقال سأحاول المساهمة قدر الطاقة في هذه الإجابات، حريصاً ما
أمكن على الضبط المنهجي لهذه الإجابات، والدقة العلمية، والحياد الموضوعي،
ومن الله استمد العون والتوفيق.
كلمة في المنهج:
ذكرت في مقال سبق أن مصادر المعرفة في الرؤية الإسلامية تدور بين دليل
الشرع، ودليل الكون، ودليل العقل، ودليل التاريخ والفطرة.. ففي أي الحقول
يدور بحث هذه المقالة؛ وذلك لتحري الضبط والدقة فيها؟
من الواضح أن علاقة المنهج بالشرع والوحي متينة؛ ذلك أن الله تبارك
وتعالى عندما أمر بتبليغ الرسالة دلنا كذلك على أفضل وأنجح السبل لتحقيق البلاغ
المبين.. ولا ريب أن سائر الدعاة والمصلحين يحتجون لطرقهم ومناهجهم بأدلة من
الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة ... والشأن كله ليس في أن تستدل على ما
أنت بصدده بدليل صحيح؛ فذلك قد يحسنه كل أحد.. وإنما تظهر معالم التوفيق
لمن يستطيع أن يلم بأطراف الأدلة في موضوعه فلا يهمل منها شيئاً، ولا يضرب
بعضها ببعض، ولا يقدم المتأخر أو يؤخر المتقدم، وإنما يتعثر الكثير في مثل هذه
المسائل بسبب المواقف المسبقة، والتحيز لقول عالم أو طائفة أو حزب لا يستطيع
منه فكاكاً، فيذهب نسأل الله العافية يلوي أعناق النصوص ويحمّلها ما لا تحتمل،
وينطقها ما لا تنطق، ويوسعها تأويلاً واعتسافاً وتحويراً.
المدخل الآخر المهم لمثل هذا المبحث مدخل سنني تاريخي اجتماعي يتعلق
بمعرفة سنن الله تعالى في بناء المجتمعات وقيامها وسقوطها، كما يتعلق بالتشخيص
الصحيح والدقيق للواقع، وشبكة علاقاته، وحيوية حركته وصيرورته التاريخية،
والعوامل الفاعلة حقيقة فيه ... إنه جهد مضاعف يتطلب من الباحث الجاد أن يتجرد
من أهوائه وتعصباته وتحيزاته المسبقة، ويدرس بصبر وتؤدة مصادر الأدلة
الشرعية ثم ينزلها على واقع ما ينفك يتغير حتى ليكاد أن يفلت من بين يدي الباحث
المراقب في وتيرة تغيّر لم يشهد لها التاريخ مثيلاً..! !
كلمة في سنن التغيير:
توصف الحركات الإسلامية بأنها أكثر الحركات الاجتماعية رفعاً لشعار
التغيير في واقعنا المعاصر؛ ومع ذلك فإن وعيها في تصوري لا يزال قاصراً عن
فهم سنن الله تعالى في التغيير، سواء كان ذلك في نطاق الأدلة الشرعية أو في
نطاق الواقع التاريخي ففي كثير من الأحيان نجدها تنشغل بمراقبة تفاصيل الأحداث
عن إدراك العوامل الأكثر فاعليةً وحضوراً في مسيرة الحدث التاريخي. ولنضرب
على ذلك مثلاً من حياتنا المعاصرة:
هل كان سقوط الخلافة الإسلامية بسبب مؤامرات الدول الكبرى المتربصة
شراً بالخلافة العثمانية؟ أم كان بسبب عمالة حزب تركيا الفتاة وقيادته المشبوهة؟
أم كان بسبب المكائد التي كان يحيكها يهود الدونمة؟ ! أم كان بسبب طموحات
ورغبات أتاتورك العلماني التي كانت بلا حدود؟ الكثير من الباحثين يختار واحداً
أو أكثر من هذه الأسباب، وفي تصوري والعلم عند الله تعالى أنه ليس لواحد من
هذه الأسباب منفردة القدرة على وضع النهاية لإمبراطورية إسلامية فاتحة،
استطاعت قيادة المسلمين بكفاءة طيبة ما يزيد على أربعة قرون.. أما المؤامرات
الخارجية فشيء معتاد؛ ولو لم تحدث هذه المؤمرات لكان ذلك مثيراً للاستغراب،
وهي لن تضرنا شيئاً ما دمنا مسلمين؛ فقد قال تعالى: [وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا
يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] [آل عمران: ١٢٠] .
أما يهود الدونمة فقد كانوا موجودين داخل الدولة طوال تاريخها، ولم يكن لهم
أثر يذكر بل إنهم أو الكثير منهم احتاجوا إلى إعلان الإسلام كذباً من أجل الحصول
على مميزات المواطن المسلم. أما عن أتاتورك وحزبه، فهو لم يكن إلا الدابة التي
أكلت منسأة الخلافة حتى خرت على وجهها وكانت هي الكاشف عن موت الخلافة
لا سبب الوفاة، تماماً كما لم تكن دابة الأرض سبباً لموت سليمان.
إن من سنن الاجتماع التي علّمنا الله تعالى إياها أن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم؛ فالبحث عن الأسباب الذاتية الداخلية، ونقد الذات يأتي أولاً في
الرؤية الإسلامية السديدة، بل حتى في الرؤية الموضوعية العلمية الدقيقة؛
فالإدراك العميق إذاً بالسنن الاجتماعية شرط ضروري وحيوي من أجل النجاح
المطلوب في التغيير الإسلامي المنشود ...
ومن سنن التغيير الاجتماعي كذلك أن للتمكين في الأرض شروطاً قَبْلية، هي
بمثابة إعداد الرجال للمعركة، وشروطاً بعْدية، تمثل تحرر الغايات والمقاصد، فلا
يكون هدف الداعية أو الكيان أو الطائفة إبراز الذات وإنجاحها؛ وإنما أن تذوب
الذات وتتضاءل إزاء الهدف الكبير [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] [النور: ٥٥] .
إذن فلا بد من إيمان وعمل صالح سابق للتمكين، وعبادة خالصة لله تعالى
وإظهار لدينه بعد التمكين [الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] [الحج: ٤١] ؛ ولذلك فإنه
في طور الإعداد للجيل الأول، فرض الله تعالى عليهم أن يقيموا الصلاة إقامة
خاصة، تتوافق مع الهدف العظيم الذي إليه يسعون ومن أجله يجِدّون. [يَا أَيُّهَا
المُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (٢) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ
القُرْآنَ تَرْتِيلاً] [المزمل: ١-٤] يا له من جهد ثقيل، نصفه أو انقص منه قليلاً أو
زد عليه ... لماذا؟
لـ[إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً] [المزمل: ٥، ٦] قالت عائشة زوج النبي: (فقام رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله ختامها أي السورة في
السماء اثني عشر شهراً) [١] .
هكذا كانت صفة الجيل الأول: جيل التأسيس، الغرباء الأولين، فما هي
صفة الجيل الثاني جيل الغربة الحديثة؟ ! أُمسكُ عن الجواب! !
ومن سنن الله تعالى في الاجتماع البشري أن دوام الحال من المحال.. وأن
جيل البناء الأول المشحون بأهداف البناء العظيم، لا يلبث بعد تحقيق نجاحاته أن
تفتح عليه أبواب الدنيا، وليتشكل جيل آخر لم يرتقِ ارتقاء الجيل الأول، ولم يتلقّ
الصياغة الأولى ذاتها، وما يزال في انحدار حتى تدول الدولة [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
بَيْنَ النَّاسِ] [آل عمران: ١٤٠] ولذلك نشأت ظاهرة التدافع الحضاري تخفيفاً عن
كاهل البشرية؛ وحتى لا يستبد بها ظالم واحد، [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً]
[الحج: ٤٠] ؛ ولذلك قال النبي ﷺ لبعض أصحابه لما قدموا عليه مستشرفين للعطاء: (أبشروا وأمّلوا ما يسركم، واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم..) [٢] .
ومن سنن الله تعالى في الاجتماع البشري كذلك أن الأرض يرثها عباد الله
الصالحون، وأن الظلم شرط ناقض للتمكين، فإذا كانت طائفة التغيير الإسلامي
المنشود تمارس الظلم داخلها وتكرسه، بل أحياناً تسوّغه وتدافع عنه؛ فلا مكان لها
في المستقبل.. ومنها كذلك أن لا تمكين بلا بلاء، وأن البلاء مقدمة الاصطفاء،
ويشهد لهاتين السّنّتين قوله تعالى: [وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] [البقرة: ١٢٤] .
ومن سننه كذلك أنه يأخذ المجتمعات الظالمة بالتدرج والإمهال حتى لتظهر لك
كأنما هي في أوج عزتها ومجدها كما هو الحال مع الحضارة المعاصرة؛ لكنها لا
تلبث أن تخر منهارة على وجهها كأن لم تغن بالأمس، [حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ
زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا] . [يونس: ٢٤] .
إن الوعي بهذه السنن مجتمعة، وبغيرها من سنن الله في مسيرة الحضارات
ضرورة، وكذلك الجمع بين تدبرها في كتاب الله المقروء، وتدبرها في مسيرة
المجتمعات البشرية عبر التاريخ من خلال حضارات سادت ثم بادت، حضارات
امتلكت ناصية القوة والهيمنة على غيرها من المجتمعات، ثم لم تلبث أن توارت
في زوايا الزمان، تلعق ذكريات مجد غابر حيل بينها وبينه؛ فليس لها إلى
استعادته من سبيل.
المنهج النبوي في التربية والتزكية والتغيير في كلمات موجزة:
بُعث النبي محمد ﷺ وسط جاهلية جهلاء كانت تعم
صحراء الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها وقد استبدل العرب عبادة الأوثان
بملة إبراهيم ﵇، وشاع فيهم وأد البنات، ورذائل العادات، وكان من قدر
الله تعالى ومكره للمؤمنين أن البعثة النبوية جاءت في منطقة بعيدة عن نفوذ
الحضارتين الفارسية الآرية والرومانية الجرمانية.. وكانت كلتا الحضارتين تعانيان
من جراحاتهما الداخلية، كما توالت الصراعات بينهما حتى أنهكتهما الحروب [الّم
(١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ]
[الروم: ١- ٣] وكان العرب الذين بُعث فيهم النبي محمد ﷺ مجتمعاً بعيداً عن إدارة الدولة المركزية الصارمة المدججة بالسلاح، القامعة بقسوة ووحشية لخصومها ومخالفيها، وإنما كانت الهيمنة لقبائل متصارعة متوازنة القوى، لا تنفك الحروب تنشب بينها دون أن ينتصر أحدها انتصاراً حاسماً مهيمناً على الجميع، حتى صارت الحروب والمعارك صفة لازمة لهم يبحثون عنها ويسببون لها الأسباب وإن لم توجد:
وأحياناً على بكرٍ أخينا ... إذا ما لم نجدْ إلا أخانا
ولم يكن للعرب ميراث حضاري أو ثقافي عريق، بل لم يكن عامتهم يجيد
القراءة والكتابة؛ إنما كانوا أمةَ ثقافةٍ شفهية، وبيان ولسان وشعر وأدب [هُوَ الَذِي
بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ] [الجمعة: ٢] كان لسان العرب قد اتسع وتشقق حتى
بات خير وعاء يحوي البيان المنزل، كما لم تشوّش فطرتهم الحذلقات العقلية
والجدليات الفلسفية التي تملأ أصحابها عادة بالغرور الكاذب؛ دون أن يكون لهم في
العلم والحكمة ذلك النصيب الوافر. والصدق كان مزيتهم الأولى، وهي الصفة
الضرورية للبناء الأخلاقي كله، ولذلك لم يكذب أبو سفيان أمام هرقل عظيم الروم،
في وقت كان فيه بأمَسّ الحاجة للكذب؛ ذلك أن هرقل كان يمكن أن يهتدي للإسلام
ويكون عوناً للرسول ﷺ الخصم اللدود لأبي سفيان في ذلك
الحين؛ كما لم يظهر في مكة رغم بقاء النبي ﷺ -فيها مدة ثلاثة
عشر عاماً لم يظهر أي أثر للنفاق والمنافقين..
كانت المنهجية الأساس المستخدمة في التربية النبوية المكية هي: [كُفُّوا
أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ] [النساء: ٧٧] وبقي ﷺ يُعلّم أصحابه
في مكة معالم الدين الجديد، ويجردهم من العبودية لغير الله تعالى، ومن العبودية
للدنيا، ومن العبودية للذات وحظوظها، حتى إن أحدهم ليسمع سب ربه تبارك
وتعالى فيصبر طاعة لله، ويسمع سب أحب الناس إليه وهو النبي الكريم -صلى
الله عليه وسلم- ويصبر.. وهو الذي كان بالأمس يثير الحروب لأتفه الأسباب،
من أجل ناقة قُتِلت، أو حصان سبق ... بعد هذا الصبر كله، والتشكيل لهذه الثلة
الكريمة هاجر بهم النبي ﷺ -مؤذناً بقيام المجتمع الجديد الوليد؛
حيث لم يلبث إلا يسيراً حتى نزل عليه قول الله ﵎: [أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ] [الحج: ٣٩] . وانطلقت الدعوة
بعد ذلك تواجه شتى صور الوثنيات والانحرافات والضلالات، داخل المجتمع
المسلم وخارجه، حتى فتح الله تعالى عليها بفضله. لقد بنى النبي -صلى الله عليه
وسلم-أصحابه في ربع قرن، ولم يمضِ ربع القرن الثاني حتى سقطت فارس تحت
جحافل جيوش المجاهدين، وانحصرت الدولة البيزنطية في أوروبا، فكمنت وهي
ترتعد فَرَقاً أن تواجه جيوش الموحدين، ولحكمة يعلمها الله تعالى فقد سقطت فارس
حتى صدق فيها قول الصادق المصدوق: (إذا هلك كسرى فلا كسرى غيره) وعندما
حاول شاه إيران الغابر إحياء الكسروية لم ينشب أن سقط، ولكن بقيت روما تقاوم
حتى يأتيها يومها الذي توعد.
لقد كان الحجاز بعيداً عن نفوذ فارس والروم، بل لو قلنا إن الفرس والروم
كانوا زاهدين في السيطرة على جزيرة العرب، لم نكن بعيدين من الحقيقة؛ ومع
ذلك استطاع النبي ﷺ -بتوفيق الله تعالى له، ثم بالتربية
الصبورة والنّفَس الطويل أن يعيد تشكيل نفسية وسلوكيات أصحابه الكرام حتى
استحقوا الوصف الكريم: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] [آل عمران: ١١٠]
ولقد ذهلت فارس والروم عندما تصدى لهم هؤلاء في مواجهة لم يعرف لها تاريخ
العرب مثيلاً؛ حتى إن أعرابياً كان يعيش في الماضي على هامش الحياة البشرية،
نراه يخاطب كسرى بقوله: (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى
عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة
الدنيا والآخرة..) أيّ رجال هؤلاء، وأيّ جيل ذلك الجيل؟ !
لقد اصطفى الله ﵎ نبيه محمداً ﷺ بالرسالة
الخاتمة، واصطفى أصحابه كذلك لصحبة هذا النبي الكريم: [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ
المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ..] [الحج: ٧٥] [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ]
[الأنعام: ١٢٤] . إن في شواهد التاريخ النبوي الكريم، وصحبه العظام لأبلغ دليل
على صدق النبي ﷺ ، وعلى عظمة هذا المنهاج الرباني الكريم
أتطلبون من المختار معجزة؟ ... يكفيه شعب من الأجداث أحياه
إن المنهج النبوي الكريم في التغيير ليس صورة بديعة نتأملها ونعجب لها ثم
نقف عند ذلك ... لا، ثم لا.
ومع ذلك، وفوق ذلك معالم تُقتفى، وسنن يُسار عليها، ومنارات تهدي
القاصدين السبيل، وما يمكن لمقال موجز مثل هذا المقال أن يحيط بأطراف هذا
الموضوع الحيوي الكبير؛ لكنها كلمات تؤشر وتدل، وعلى الظامئ أن ينهل من
ذلك النبع الكريم بتفاصيله ووقائعه كي يجد بجلاء ووضوح كامل الصورة تتشكل
أمام عينيه، ثم عليه بعد ذلك أن يمارس ويعايش ذلك الرهط الكريم بسلوكه
وممارساته اليومية، كي تتحول المعرفة من مجرد معلومات في الأذهان إلى
مشاهدات في العيان [وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ] [محمد: ١٧] .
ورغم الإلمامة السريعة بهذا الموضوع الحيوي الكبير ... إلا أن له بقية لا بد
أن تقال حول تنزيل هذا الشاهد الشرعي، والشاهد السنني الاجتماعي على واقعنا
المتجدد الذي لا ينفك يتغير، وبه تكتمل إجابات التساؤلات التي تم طرحها في
المقال الأول، ولهذا التنزيل مكان في مقال ثالث لاحق بإذن الله تعالى، والله هو
الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2971
في دائرة الضوء
خطاب السماحة
د. محمد يحيى
أصبحت الساحة الفكرية الإسلامية في بعض البلاد العربية حكراً على أنواع
محددة وضيقة النطاق من الخطاب؛ تمليها اعتبارات السياسة، والتوجيه من أعلى؛ خدمةً لمصالح وتوجهات لا علاقة لها بالإسلام بل على العكس: لها أوثق صلة
بالتيارات العلمانية أو اللادينية. ومن أنواع الخطاب هذه ما يمكن أن نسميه بخطاب
(السماحة) أو (التسامح) ، الذي اكتسب مكانة احتكارية في لغة الحديث والفكر
الرسمي لأرباب ما يسمى بالمؤسسات الدينية في بلد مركزي مثل مصر؛ التي
أقصر هذه الملاحظات عليها. ووفق هذا النوع من الخطاب نسمع دائماً مجموعة
من العبارات والتوصيفات تتكرر من طراز: (الإسلام دين السماحة) ، أو (سماحة
الإسلام) ، أو (الإسلام شريعة التسامح) وأشباهها. ويقترن بالإلحاح المتكرر
(والممل) على أمثال هذه التوصيفات قصر الحديث في الموضوعات الإسلامية
الفكرية أو الشرعية أو العقدية على المادة التي تفيد هذا التسامح أو توظف للدلالة
عليها، كما تلوي أعناق الخطب والعظات والمناسبات الإسلامية بتعسف واضح لكي
يقتصر مغزاها ومعناها ومداها على إثبات هذا التسامح وفق المفهوم الذي يراه دعاة
هذا الخطاب.
ويثير خطاب السماحة بهذا المعنى مشكلة أولية عندما يصبح هو الخطاب
الوحيد أو الرئيس الذي يشغل الساحة الإسلامية، ويُفرض على جمهور المسلمين.
وهذه المشكلة هي ضياع سعة نطاق الفكر الإسلامي وثرائه وغناه، والشعور
بالنفور وعدم التصديق الذي ينتاب السامع لهذا الخطاب؛ عندما يجد أن الإسلام كله
قد اختزل في مفهوم واحد، وأنه مفهوم قفز فجأة إلى السطح، وفُرض فرضاً بفعل
الظرف السياسي المشغول هو الآخر بهمٍّ وحيد ألا وهو مكافحة ما يسمى تارة
بالإرهاب وتارة بالتطرف.
والوضع الاحتكاري لخطاب السماحة هذا يؤدي في الواقع إلى إلغاءٍ للإسلام
على مستويين: أولهما: هو مستوى الدعوة والفكر كما أسلفت، عندما لا يعود
هناك ما يقال للجماهير المسلمة في المنابر ووسائل الإعلام سوى كلمة واحدة هي أن
الإسلام دين التسامح، وتختزل كل عقيدته وشريعته وتعاليمه في هذا الوصف المبهم
الغامض. أما المستوى الآخر والأكثر خطورة فهو أن التسامح أو السماحة وفق
المفهوم الذي يروّج له يعني في حقيقة الأمر إلغاء الدين الإسلامي نفسه؛ من فرط
الحرص على ما يوصف بأنه حساسيات ومشاعر الآخرين (غير المسلمين) ،
ويقودنا هذا إلى البحث بشكل أكثر عمقاً في محتوى هذا المفهوم كما ينشره القائلون
به ضمناً وصراحة.
إن الذين يروّجون لخطاب السماحة كما أسميه ويختزلون الإسلام على سعته؛
لا يقصدون أبداً ما يترامى إلى الذهن المسلم في معان تقترن بهذا المفهوم كما تعلمها
من تعاليم دينه؛ فليس المقصود سلوكاً شخصياً من اللين والرقة والسهولة في
التعاملات، والبعد عن الخشونة والجلافة، وليس المقصود البعد عن اللدد في
الخصومة والتشفي والملاهاة والجدل والرفث، وليس المقصود الحلم والأناة والصبر
الجميل وحسن السياسة والكياسة في العلاقات، وليس المقصود سعة الصدر وسعة
الرأي والجدل بالتي هي أحسن ورحابة الذهن في الفهم.
في الجملة: ليس المقصود سلوكاً وقيماً ومشاعر وتوجهات شخصية يتسم بها
المسلمون في تعاملاتهم الاجتماعية على تنوعها من تجارية أو فكرية أو غير ذلك؛
بل المقصود حسبما نقرأ ونستدل هو مسلك يراد له أن يسود على صعيد العقيدة
والشريعة وأحكامها، وعلى صعيد العلاقات بالذات مع غير المسلمين وليس في
علاقات المسلمين بعضهم مع بعض. ومفهوم السماحة والتسامح كما يروّج له هذا
الخطاب الاحتكاري المغرض يعني ببساطة: أن يتساهل المسلمون في الطرح
العقدي والتشريعي ويخفّضون منه، أو حتى يخفونه في علاقاتهم مع العقائد والأديان
الأخرى، والدول والهيئات والتيارات العالمية التي تمثلها؛ وذلك بحجة مزعومة
هي الحفاظ على السلام والوئام الدولي. فالتسامح والسماحة كما يرى أولئك هو ألا
يجعل المسلم من عقيدته وشريعته بتعاليمها وأحكامها حاجزاً يعوقه عما يسمى
بالتعاون الدولي، مع عقائد وأديان أخرى حتى وإن كان ممثلو هذه العقائد أفراداً
وجماعات يمارسون الاحتلال والاستيطان والتبشير والتنصير والقتل والتنكيل
بالمسلمين!
والسماحة لديهم هي ألا يطرح المسلمون عقيدتهم التوحيدية في وجه عقائد
غيرهم الشركية أو المنحرفة؛ حتى ولو كان هذا الطرح لا لشيء إلا ليحفظوا
أبناءهم من زيغ تلك العقائد وهي تُروّج بينهم ليل نهار بكل أدوات الاتصال من
التعامل الشخصي، إلى البث على الأقمار الصناعية والإنترنت. والتسامح في
نظرهم هو أن ينحّي المسلمون عقيدتهم وشريعتهم جانباً، أو يبعدوهما تماماً في
تعاملاتهم مع غير المسلمين من شتى الأطراف الدولية؛ فهذا هو التحضر والمسلك
التعاوني حتى ولو كان هؤلاء من غير المسلمين لا يتعاملون مع المسلمين إلا من
منطلق عقيدتهم وتعاليمهم هم سواءً أكانت دينية أم دنيوية.
وغني عن البيان أن هذا المفهوم للسماحة أو التسامح الذي يُفرض فرضاً على
الساحة الفكرية الإسلامية إلى حد احتكارها، لا ينطلق من حرص على دين أو
عقيدة أو حتى تعاون مزعوم مع غير المسلمين؛ بل هو نتاج وضع معروف من
أوضاع التبعية للغرب تحرص فيه النخب العلمانية صاحبة السلطة والنفوذ على أن
تُرضي الأسياد في الغرب من يهود ونصارى وملحدين؛ بأن تضمن لهم أن الإسلام
الذي يخافون منه سيظل أسيراً مقيداً لا يطاولهم في مجال العقيدة، ولا يصاولهم في
مجال بناء الحضارة والوصول إلى القلوب والعقول. ومفهوم التسامح والسماحة بهذا
المعنى الخاص الذي يُروّج به من خلال بعض الدوائر المشبوهة يصبح مفهوماً غير
حضاري أو إنساني؛ بل مجرد أداة لقمع الفكر والطرح الإسلامي وكبته وتكبيله عن
أن ينطلق ويسري، بحجة غريبة هي أن طرح هذا الفكر والعقيدة والتمسك
والاعتزاز بهما ينافي فكرة السلام العالمي والتعاون الدولي رغم أن غير المسلمين
على اختلاف نحلهم لا ينطلقون في تعاملاتهم الدولية إلا من هذا السياق العقدي
الخاص بهم.
وليس أدل على ما نقول به من انحراف هذا المفهوم وشذوذه من أن الذين
يروّجون له يطبقونه على من يشاؤون ولا يطبقونه على المسلمين، وكأن سماحة
الإسلام قصد بها أن تسري على الكفار ولا تسري على المؤمنين، وإذا قرأنا
الصحف وتابعنا الإعلام فسنجد أن دعاة السماحة يستقبلون حاخامات إسرائيل
وكنسيي الأمريكان؛ لكنهم عندما يختلفون مع علماء يفترض أنهم زملاء بل وأساتذة
لهم يركبهم اللدد في الخصومة ويشردون بهم بين قاعات المحاكم وعسف الأجهزة
الإدارية والأمنية.
ويقف كبير دعاة التسامح ليدافع عن أستاذ جامعي أنكر وحي القرآن ليقول
عنه إنه مجتهد قد يصيب وقد يخطئ؛ لكنه في الوقت نفسه يستغل منصبه المسيطر
على المساجد ليفصل ويُوقِف الأئمة الفضلاء، واصفاً إياهم بالإرهاب والتطرف،
لا لشيء سوى أنهم راجعوه في بعض مواقفه التي فاحت منها رائحة التحلل من
الدين مثل إغلاق المساجد، وتحويل الخطب والمواعظ بالأمر إلى ترويج أفكار
العلمانيين.
ولو استعرضنا التعبير المشهور الذي راج في بعض الأوساط (الثورية) لقلنا:
إن لسان حال خطاب التسامح يعلن أن (السماحة كل السماحة لأعداء الإسلام
والغرب ولا سماحة للمسلمين) ، والتسامح مع حاخامات الصهاينة وقساوسة الشرق
والغرب بل حتى جزاري الصرب؛ أما شباب الإسلام ودعاته فليس لهم إلا السجن
والقتل والمنع والحظر!
إن السماحة أو التسامح من القيم الإسلامية بل والإنسانية، وقبل كل شيء
يجب ألاّ يتحول الإسلام أو يُختزل في كلمات مبهمة تُروّج؛ لا من باب نشر الفكرة
الإسلامية (على تهافت هذه الطريقة) ؛ وإنما لكي ترضى عن الإسلام جهات علمانية
هي بطبعها لن ترضى عن المسلمين إلا إذا اتبعوا ملتها.
стр. 2972
دراسات إعلانية
دور الإعلام
في الصراع بين الإسلام والعلمانية في تركيا
د. مالك الأحمد
تعتبر تركيا أول بلد إسلامي تقام فيه العلمانية، بصورة تختلف جذرياً حتى
عن التطبيقات العلمانية في البلدان الأوروبية المجاورة لها، التي تعتبر مصدر
العلمانية.
فالعلمانية في تركيا تعني: (لا للإسلام) ، فليس الأمر مقتصراً على الحُكم
(العلماني) بل يتعدى ذلك إلى سائر النشاطات البشرية حتى التصرفات الشخصية.
وتركيا البلد الوحيد في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واندثار أثر لينين
التي يحكمها رجل من قبره، رجل مُعظّم بل ومُقدّس، لا يُمس ولا يُنتقد ولا
يُعترض عليه وهو في قبره.
وتركيا بلد الخلافة الإسلامية التي أصبحت أشد البلدان الإسلامية معاداةً
للإسلام ومحاربةً حتى لشعائره كحجاب المرأة المسلمة.
الإعلام في تركيا:
رغم انتماء تركيا في العصر الحاضر إلى منظومة دول العالم الثالث؛ إلا أنها
شذت عنها في أمور كثيرة ومنها الإعلام؛ فالإعلام في تركيا حر بكل معنى الكلمة، ولا يحتاج الأمر ترخيصاً من وزارة الإعلام أو إدارة المطبوعات لإصدار دورية
(جريدة أو مجلة) ، أو إنشاء قناة إذاعية أو تلفزيونية. هذا الانفتاح الإعلامي الذي
لا يتجاوز عمره عشر سنوات أثمر العشرات من الصحف اليومية ومئات المجلات
الدورية. أما في جانب الإعلام المرئي والمسموع فيوجد الآن (١٥٠٠) إذاعة
ومعظمها محلي على نطاق موجة () ، وقليل جداً منها إقليمي يغطي منطقة معينة،
وبالنسبة للتلفاز فهناك (٣٠٠) قناة تلفزيونية، منها ثلاثون قناة فضائية تغطي كافة
الأراضي التركية من خلال القمر الصناعي (ترك سات) ، إضافة إلى أجزاء من
آسيا وأوروبا، أما الباقي فهي قنوات محلية في نطاق المدينة أو المنطقة. هذا
الانتشار الواسع لوسائل الإعلام في تركيا، لا مثيل له في البلدان النامية؛ بل حتى
في البلدان الأوروبية، وهو أشبه ما يكون بالإعلام الأمريكي من حيث التعدد
والانتشار، مع فارق وحيد هو أن اللغة التركية محصورة في مناطق محدودة من
العالم وليست لغة دولية كالإنجليزية.
هذا التنوع في أدوات الإعلام مع الكثرة؛ جعل للإعلام سلطة فاعلة وحركة
أساسية في المجتمع حتى إن الباحثين والمراقبين للشأن التركي يختلفون في القوة
الأولى التي تحكم البلد؛ فالبعض يقول: إن الجيش هو القوة الأولى والإعلام القوة
الثانية، أما الفريق الآخر فيرى العكس. والحقيقة أن الإعلام في كل الأحوال هو
الذي يحرك الجيش ويستفزه لضرب أي توجهات إسلامية ولو كانت محدودة
ومحصورة، بل لا يعبأ أن يحرّض في كثير من الأحيان على التدخل المباشر
والقيام بانقلاب عندما يرى العلمانيون أن التوجه الإسلامي قد يهددهم، أو أن
الصحوة الإسلامية بدأت ترفع الرأس وتتنسم الهواء الطلق. إنهم لا يريدون وجود
قوي مؤثرة في البلد غير العلمانيين، فكيف يقبلون ببروز إسلامي صاعد؟ ويكاد
يتفق المتابعون للشأن التركي أن سقوط حكومة التحالف الإسلامي/ العلماني كان
على يد الإعلام وبشكل أخص الصحافة اليومية العلمانية ذات النفوذ والانتشار
الواسع [١] .
ومن غرائب حرية الإعلام التركي وجود محطات تلفزيونية وإذاعية تقدم
خدمات خاصة لأصحابها، وتقوم بحماية مصالحهم الشخصية الاقتصادية، وأحياناً
بطريقة فجة؛ فهناك قناة تلفزيونية مهتمة بالدفاع عن كازينوهات القمار، تسوّق لها
وتعدّد فوائدها وآثارها الاقتصادية على المنطقة المحلية، وأنها مصدر دخل قوي
للعملة الصعبة، خصوصاً من إسرائيل بدلاً من الدراهم القليلة من السياح العرب
(المتخلفين) ! .
من جانب آخر يعتبر الكثير من الصحف اليومية العلمانية أن من مقومات
الصحافة العري والتفسخ؛ فيندر أن يخلو عدد من هذه الصحف من صور نسائية
عارية أو شبه عارية وبشكل متكرر ومقزز؛ تشبهاً بالصحف الشعبية الإنجليزية
(التابلويد) ، ولكن بنساء تركيات (مسلمات على الأغلب) ، هذا الأمر لا يوجد على
حد علمنا في أي بلد مسلم. ويلاحظ وجود دعم غير مباشر من الحكومات العلمانية
للصحف اليومية كي تَغُضّ الطّرْف عن الأخطاء، وتركز جهودها فقط لتتبع
الإسلاميين وأنشطتهم وإثارة العامة والجيش عليهم.
الإعلام الإسلامي في تركيا:
نظراً للجهد الضخم والإرث التراكمي للدولة العلمانية ومؤسساتها في محاربة
الإسلام من جذوره؛ فإن أي جهد لمقابلة هذا المد أو حتى التخفيف من دوره يصب
في خانة العمل الإسلامي؛ باعتبار أن القائمين عليه من أهل القبلة وذوو نيات
حسنة، وإن خالفوا أحياناً المنهج الإسلامي الصحيح.
وعند الحديث عن النشاط الإسلامي إجمالاً في تركيا، فإنه يمكن تقسيمه إلى
الفئات التالية:
* الحركات الصوفية النقشبندية: وهي ذات انتشار واسع في أوساط عامة
الناس خصوصاً بين القرويين وبعيداً عن المراكز الحضرية الأساسية في البلاد،
وهي ذات عمق تاريخي بعيد منذ أيام الخلافة العثمانية.
* حركة النورسيين: وهي حركة إسلامية منظمة، واسعة الانتشار، تهتم
كثيراً بالتعليم، وتتبعها آلاف المدارس داخل تركيا وخارجها، وهي تعتمد على
نفسها كلياً في الإنفاق على نشاطاتها، وهي صوفية أيضاً في الكثير من توجهاتها.
* حزب الرفاه: وهو حزب سياسي بالدرجة الأولى؛ ولكن له أنشطة متنوعة: اقتصادية وتعليمية وثقافية، وله حضور واسع، ويستفيد في الانتخابات من
الجماعات الصوفية. ومنهج الحزب في الجملة قريب من منهج الإخوان المسلمين،
مع الأخذ في الاعتبار خصوصية البيئة التركية ونفوذ التيار العلماني وسيطرته
الواسعة. وهو الحزب الذي حظر نشاطه بشكل رسمي أخيراً، وانتقل كثير من
أنصاره إلى حزب بديل هو (حزب الفضيلة) .
* تجمعات أخرى:
بخلاف الجماعات السابقة فإنه يوجد في تركيا تجمعات محلية محدودة
ومتنوعة الاتجاهات؛ بعضها سلفي وبعضها إصلاحي عام، لكن أثرها محدود
وانتشارها ضيق وأتباعها قلة.
من الأمور المسلّمة في تركيا والتي تمثل إرثاً قديماً من أيام الخلافة العثمانية
أن الفقه حنفي، والسلوك صوفي، والعقيدة ماتريدية؛ لذلك لا يستغرب الباحث أن
الأصل في المجتمع التركي هذه المسلّمات، وقلّما تخلو منها جماعة أو حزب. أما
التوجه السلفي فهو حديث، ومحدود الانتشار ومحارب من الكثير من الجهات
الصوفية المتعصبة. ومن الملاحظ أيضاً على الأنشطة الإسلامية رغم قصورها
المنهجي أنها تنتمي إلى جماعات أو طوائف أو أحزاب، وقلما تكون مستقلة.
عند الحديث عن الإعلام الإسلامي لا بد من مراعاة طبيعة وتوجهات القائمين
على الأنشطة الإسلامية (كما هو موضح مسبقاً) وكذلك طبيعة البلد والهجمة الشرسة
على المسلمين والإسلام؛ ويمكن حصر خصائص الإعلام الإسلامي التركي فيما يلي: ...
* إعلام محافظ في الجملة.
* إعلامي تربوي (بشكل محدود) .
* إعلام ثقافي بدون مجون أو انحلال.
* إعلام سياسي (أحياناً) يقارع العلمانية بشكل متزن ومتعقل.
* إعلام بديلي (يحاول أن يقدم مواد إعلامية مناسبة بديلاً عما يقدم في
الوسائل الإعلامية العلمانية) .
هذه الخصائص تعطينا رؤية معتدلة وصائبة عند تحليل ونقد ما تقدمه هذه
الوسائل الإعلامية، من مواد وبرامج.
ورغم هامش الحرية الإعلامية فإن الإعلام الإسلامي بالذات يظل تحت
المجهر، وسيف الدستور العلماني مسلط في وجه التحركات الإسلامية الإعلامية،
رغم تعقلها واتزانها وقصورها أيضاً في جانب ما تقدمه من مواد إسلامية.
بمعنى آخر: الحرية مقصورة إلى حد كبير على الإعلام العلماني ليقدم ما
يشاء من انحلال وتفسخ، وحتى تشويه الإسلام مسموح به، أما خلاف ذلك فالأصل
التتبع والمحاكمة وحتى السجن للمخالفين.
إذن عند تقويم النشاط الإعلامي الإسلامي لا بد من أن نأخذ في الاعتبار العديد
من العوامل المحلية ومنها:
* قسوة النظام العلماني.
* الحرية العوجاء.
* الإرث العلماني الأتاتوركي.
* انتشار التصوف.
* حداثة الحركة الإسلامية نسبياً.
* حداثة التجربة الإعلامية الإسلامية.
* التنوع الكثيف والواسع الانتشار لوسائل الإعلام.
* قوة الجيش وهيمنته ودوره في حماية العلمانية.
* ضعف البيئة الديمقراطية.
بدايات الإعلام الإسلامي:
كانت فترة الستينيات هي فترة ظهور الإعلام الإسلامي في صيغته البسيطة
والضعيفة، كانت البدايةُ جريدةً أسبوعية ثم يومية (الاتحاد، ١٩٦٦م) ، ثم (آسيا
الجديدة) الأسبوعية، ثم (الهلال) التي استمرت طويلاً ثم توقفت، كذلك صدرت
(هذا اليوم) و (الصباح) التي تحولت إلى علمانية فيما بعد.
وكانت هذه الفترة تتميز عموماً بضعف تلك المطبوعات وعدم انتظام صدورها
وتوقف أغلبها.
بعد ذلك ظهرت جريدة (تركيا) عن جماعة حسين حلمي الصوفية، ثم في عام
(١٩٧٣م) ظهرت جريدة (الوطنية) عن حزب الرفاه.
بدأ النشاط الإعلامي الإسلامي القوي والواسع الانتشار في الثمانينيات،
وترسخت أقدامه في بداية التسعينيات؛ حيث كانت الأوضاع مهيأة لذلك بعد
الانقلاب العسكري سنة (١٩٨٧م) ؛ حيث استفاد الإسلاميون كما استفاد غيرهم من
الديمقراطية المعقولة في ذلك الحين (عهد أوزال) ، وكانت وما تزال جل الجهود
مركزة على تقديم إعلام هادئ متزن، يهادن العلمانية في كثير من الأحيان كي لا
يضطر إلى المصادمة معها، مع احتفاظه بتوجهات إسلامية بحسب الجهة المصدرة.
الأنشطة الإعلامية الإسلامية:
يمتلك الإسلاميون بمختلف ميولهم وتوجهاتهم العديد من وسائل الإعلام، فلهم
خمس قنوات فضائية تلفزيونية، إضافة إلى بعض القنوات المحلية، والعشرات من
الإذاعات المحلية (إحدى الإذاعات تبث أشرطة لمشاهير الدعاة في العالم الإسلامي
والعربي) ، إضافة إلى بعض الصحف اليومية والعشرات من المجلات المتنوعة.
أولاً: الصحافة اليومية:
* صحيفة الزمان: أوسع صحيفة إسلامية يومية توزع ما يقارب ٣٠٠٠٠٠
نسخة، تدعمها وكالة أنباء خاصة بها وهي (جيهان) ، وتصدر عن جماعة
النورسيين، وهي تهادن الدولة ولا تتصادم مع العلمانيين، متبعة في ذلك النهج
التبليغي في الدعوة، وتعتبر جريدة سياسية دعوية عامة.
* صحيفة الوطنية: لسان حال حزب الرفاه، جريدة يومية سياسية دعوية.
* صحيفة تركيا: ذات توجه صوفي يساير العلمانيين.
* صحيفة العقد.
ثانياً: الدوريات الإسلامية:
هناك العديد من الدوريات الإسلامية (أكثر من ٢٥٠) بين صحف يومية
وأسبوعية ومجلات أسبوعية وشهرية، أغلبها محلي مرتبط بأحزاب أو جماعات أو
تجمعات إسلامية، ومنها على سبيل المثال:
* (العصر) أسبوعية سياسية دعوية سُنّية ذات ارتباط وميول سياسية إيرانية.
* (الشفق الجديد) حزب الرفاه، يومية سياسية دعوية عامة، توزع ١٥٠٠٠
نسخة يومياً.
* (السلام) أسبوعية شيعية.
* (الشعب) حزب الرفاه.
* (الوقف) مجلة أسبوعية شبابية (حزب الرفاه) .
* (الإسلام) سياسية (صوفية نقشبندية) .
* (الأسرة) اجتماعية (صوفية نقشبندية) .
* (الفاتح) سياسية شهرية.
* (التفاؤل) يومية صوفية.
* (الرسالة الجديدة) مجلة صوفية.
* (البحوث الإسلامية) مجلة فكرية عقلانية.
* (إسلاميات) مجلة فكرية عقلانية.
* (الفرقان) صوفية نقشبندية.
* (الدعاء) شهرية دعوية غير سياسية تصدر في قبرص التركية عن مؤسسة
الوقف الإسلامي.
ثالثاً: القنوات الفضائية الإسلامية:
١-قناة تركيا:
أبرز القنوات وأوسعها انتشاراً، تصدر عن جماعة صوفية نقشبندية:
(جماعة الإخلاص) ، ولديهم الكثير من النشاط الإعلامي: (جريدة تركيا، وكالة
أنباء الإخلاص، إضافة إلى ٨١ دورية ومجلة) .
وإضافة إلى النشاط الثقافي والتجاري لأصحاب القناة فإن لديهم ولاء للدولة،
ويهادنون العلمانية، ومع ذلك تسمى قناة إسلامية؛ لأنها تقدم بعض التوجيهات
والنصائح الدينية، وموادها الإعلامية محتشمة وليست إباحية (مقارنة بالقنوات
العلمانية) ، أما ضوابطهم الشرعية فضعيفة؛ حيث يُكفّرون الكثير من مخالفيهم
ومنهم الوهابية.
٢-الرسالة: ذات توجه صوفي، تذيع القرآن والبرامج التعليمية، وهي
أفضل من قناة تركيا.
٣-سمان: تتبع النورسيين، وهي قوية في الجانب التقني، وموادها
الإعلامية محافظة في الجملة؛ لكنها تفتقد للمواد التربوية الهادفة.
أبرز الإنشطة الإعلامية الإسلامية:
١- صحيفة العقد:
وهي أكبر جريدة يومية إسلامية مستقلة، غير مرتبطة بأحزاب أو جماعات،
تتعاون مع جميع الاتجاهات الإسلامية، وذات هدف واضح ومحدد وهو كشف
العلمانية والعلمانيين؛ وإظهار عوراتهم وفضحهم أمام الناس بالأدلة والبراهين،
معتمدين على الجرأة في الطرح والثقة بالنفس، مع الاستعانة بالخبراء القانونيين؛
خشية الوقوع فيما يصادم القوانين ويعرض الصحيفة للتوقف، أو القائمين عليها
للسجن. منهجها كما يوضحه مصطفى أوغلو الناشر ورئيس التحرير: (أذلة على
المؤمنين، أعزة على الكافرين) .
معاركهم موجهة ضد خندق الزنادقة والمعاندين، فليس لديهم وقت للمعارك
الجانبية مع التيارات الإسلامية، ومنهجهم في فهم الإسلام جيد في الجملة.
تدافع الجريدة عن القضايا الإسلامية في تركيا بشكل خاص والعالم الإسلامي
بشكل عام.
رئيس التحرير ذو خبرة صحفية واسعة (ما يقارب ٣٠ عاماً) كان مديراً
لتحرير جريدة الوطن (التابعة للرفاه) سابقاً.
تأسست الجريدة قبل خمس سنوات، بأهداف محددة، وبإمكانات محدودة
تتكوّن من قروض شخصية متطورة من مجلة الجمعة الشهرية ثم الأسبوعية لاحقاً
والتي أدت دوراً جيداً في الجانب السياسي والدعوي الإسلامي؛ حتى وصل
توزيعها إلى ٣٥٠٠٠ نسخة أسبوعياً.
توزع الجريدة الآن ١٢٠٠٠٠ نسخة يومياً، وهو معدل مرتفع مقارنة بأوسع
الصحف العلمانية انتشاراً وهي جريدة الحرية التي توزع ٥٠٠٠٠٠ نسخة من
مجموع ٥، ٢ مليون نسخة توزعها كافة الجرائد اليومية.
تطورت الجريدة فنياً ومالياً، فبدأت بمبنى مستأجر، ثم مبنى مملوك، ثم
اشترت أخيراً مطبعة خاصة بها؛ كي تستغني عن الطباعة لدى الجهات التجارية
الأخرى.
يقول مصطفى أوغلو رئيس التحرير: (لدينا سلاح واحد وعدد قليل من
الطلقات، نحاول الاستفادة منها بأقصى ما يمكن دون أن نُُجر إلى معارك لم نخطط
لها، وغير قادرين على الانتصار فيها) .
واستقلالية الجريدة أعطتها قبولاً واسعاً لدى طبقات الصحوة الإسلامية المثقفة
سواء التي لها ارتباط بأحزاب أو جماعات أو المستقلين.
رغم التحري الواسع في شأن ما تطرحه الجريدة من قضايا مع الاستعانة
بالجهات القانونية؛ إلا أنها لم تسلم من المواجهات مع الجهات العلمانية؛ حتى
وصل عدد القضايا التي رُفعت ضدها في المحاكم إلى ألف قضية، خرجت من
بعضها بالبراءة، وحُكم عليها في البعض الآخر بالغرامات المالية.
تعتمد الجريدة على نفسها في تغطية مصاريفها سواء من المبيعات أو
الإعلانات رغم محدوديتها وذلك لامتناع أغنياء المسلمين مثل (مجموعة أوكلر) عن
الإعلان فيها؛ خوفاً من متابعة الدولة لهم بدعوى دعم هذه الجريدة الإسلامية.
وفي الوقت الذي تعاني فيه جريدة (العقد) من المصاريف ومحدودية الدخل
رغم صدق اللهجة والإخلاص في الكلمة؛ فإن صحفاً أخرى محلية مثل جريدة
(الحرية) تعتبر مصدر ثروة لصاحبها، الذي يعتبر أغنى رجل في تركيا.
تقوم الجريدة كذلك بتوزيع كتب ونشرات إسلامية (١٢٠٠٠٠ نسخة) على
قراء الجريدة مجاناً وتتحمل الجريدة تكاليف الطباعة والتوزيع، وتتحمل الجهات
الخيرية الأخرى تكاليف الورق وتوزيع بعض الكتب مثل كتاب: (حصن المسلم) ،
وكتاب: (تهذيب الطحاوية) ، إضافة إلى العديد من النشرات المتنوعة الشرعية
للتوعية العامة.
أغلب مواد الجريدة معالجات محلية لقضايا ذات ارتباط بالجانب الإسلامي
(الحجاب مثلاً) ، فضلاً عن متابعات سياسية دولية مع اهتمام خاص بالشأن
الإسلامي. وتقل المواد الترفيهية فيها وتكاد تقتصر على صفحة رياضية ذات جذب
إعلاني، أما عدد صفحات الجريدة فهو (٢٠) صفحة منها (٤) صفحات ملونة.
٢- قناة ٧:
وتعتبر هذه القناة ثانية أوسع قناة إسلامية فضائية انتشاراً؛ فقد تأسست عام
١٩٩٤م، وهي لسان حال حزب الرفاه (غير رسمي) وتتميز بالاعتدال
والموضوعية. تركز هذه القناة على الأخبار والتحليلات والمقابلات السياسية،
وتعطي هامشاً للمناورة مع الجهات المعادية العلمانية، وطرحها السياسي والفكري
قوي وفعال، وتستضيف الكثير من الشخصيات سواء الإسلامية أو العلمانية أو
رموز الدولة لإحراجهم، ولها قبول واسع لدى المثقفين بشكل خاص، ونشرتها
الإخبارية الرئيسة اليومية قوية جداً.
أهداف القناة تنحصر في تقديم خدمات إعلامية عامة تخلو من الابتذال
والانحلال والتشويه للفكرة الإسلامية، وتقدم مجموعة من المواد الإعلامية العادية
من مسلسلات وأفلام ورياضة ومنوعات تخلو من المفاسد، كما تستفيد من الإنتاج
الإيراني. وهناك القليل من البرامج التربوية والاجتماعية الهادفة إضافة إلى القرآن
وبعض البرامج الفقهية.
والقناة تركز في الجملة على الجانب السياسي بفهم حزب الرفاه وفكره
وتوجهاته.
كما أنها تحاول أن تعطي الفرصة للمجتمع التركي للاطلاع على مواد إعلامية
محافظة بعيداً عن قنوات التفسخ والانحلال الأخرى. والقناة ليست إسلامية بالمعنى
الحرفي؛ لأن النظام العلماني مشهر سيفه تجاه أي توجه إسلامي قوي وبارز،
خصوصاً الإعلامي منه.
والقناة ليست تجارية، بل تعاني مادياً بسبب التكلفة العالية للإنتاج والبث
التلفزيوني الفضائي؛ بالرغم من أن مباني القناة وتجهيزاتها بسيطة وتمثل الحد
الأدنى، حتى إن أربكان صرح مرة بأن دعم القناة باب من أبواب الجهاد وذلك
لإيصال الرسالة الإسلامية للناس.
المآخذ:
رغم بعض المآخذ على القناة ٧، إلا أن الأمر فيها لا يعدو أن يكون سياسة
مصالح ومفاسد؛ ولا بد لها من أن تقدم بعض المواد الإعلامية المكملة التي تعتبر
من ضرورات أي قناة تلفزيونية، وكذلك لا بد من الأخذ بتوجيهات الهيئة العليا
للإذاعة والتلفزيون التي تشرف على البث، وهي مكونة من أعضاء من الحكومة
والبرلمان وبعض الإعلاميين والمختصين، وغالبيتها من العلمانيين، وهي تقوم
بمراقبة البث بما لا يصادم دستور البلاد (العلماني) ، ويراعي حاجات المجتمع
(حسب نظرتهم) كالرياضة والموسيقى والأفلام وغيرها، وهي تؤكد متابعتها
للقنوات الإسلامية، وتقوم بمحاسبتها بناءً على المعطيات العلمانية.
ورغم هذا التوجه في القناة إلا أنها لم تسلم من النقد حتى من رئيس الوزراء
الذي صرح بأنها أي أي قناة ٧ تبث أخباراً تفرق المجتمع وأنها ليست جيدة.
تظهر في القناة بعض الملامح الإسلامية كالفتيات المحجبات، سواء في بعض
البرامج أو إدارة القناة.
كذلك تعالج بعض قضايا الناس اليومية واهتماماتهم الآنية، وتفتقد إلى الكثير
من البرامج التربوية الهامة. وهذا الضعف في التوجه الإسلامي يُعزى إلى أمرين:
الأول: مراعاة المراقبة والمتابعة الرسمية محاولةً لعدم التصادم مع النظام
العلماني المسيطر؛ فلقد أُغلقت إحدى القنوات التلفزيونية لمدة شهر؛ لأنها شرحت
حديثاً حول دخول المرأة النار بسبب ترك الحجاب.
الثاني: طبيعة حزب الرفاه وتكوينه المنهجي واعتماده التوجه السياسي في
الغالب وضعف الجانب العلمي والتربوي لديه.
خاتمة:
من المسلّمات المعاصرة أن للإعلام دوراً فاعلاً ومؤثراً في سلوك الأفراد
والمجتمعات وفي توجيه الأفكار والمعتقدات، وقلما تكون هناك فرصة للتأثير العام
على المجتمعات الإسلامية من خلال وسائل إعلام إسلامية؛ وذلك لانعدام الحرية
الإعلامية بشكل عام. ولا شك أن الوضع التركي يختلف جذرياً، وفرصة توجيه
عامة الناس والتأثير عليهم إيجابياً مواتية إذا أخذنا في الاعتبار الحرية النسبية،
وعدد السكان الضخم (٧٠ مليوناً) ، وتوافر أدوات التأثير الفعالة، ووجود خبرات
معقولة في تقنيات الإعلام المعاصر.
هذه التوطئة تدفعنا إلى تقديم بعض الاقتراحات والتوجيهات ومنها:
* دعم الأنشطة الإعلامية البارزة والمعتدلة ذات التوجه الإسلامي المعقول.
* التعاون مع القائمين على الأنشطة الإسلامية من أجل ترشيد توجهاتهم
وضبط منهجهم بما يناسب بيئتهم وتجربتهم.
* محاولة الاستفادة من التجربة الإعلامية الإسلامية التركية، ونقلها إلى
البلدان الإسلامية بما يناسب تلك البيئات ويراعي الأنظمة والقوانين المحلية.
* السعي لإيجاد أنشطة إسلامية ذات صيغة دولية، لها مراكز محلية في
البلدان الإسلامية المختلفة، وذات رسالة واضحة وبلغات متعددة.
стр. 2973
بأقلامهن
الكتيبات الإسلامية إلى أين ؟ !
فاطمة بنت عبد الله البطاح
في الفترة الزمنية الماضية برزت ظاهرة الكتيبات والرسائل الإسلامية
الصغيرة.. وقد حظيت بشيء من قبول المتلقي وثقته؛ وذلك لتمتعها بمزايا كثيرة:
كصغر حجمها، وزهد ثمنها، وسهولة قراءتها! إلا أن تأليف هذه الكتيبات يبقى
جهداً بشرياً تعتريه عوارض مختلفة من الخطأ والزلل، والإفراط أو التفريط، أو
غفلة بعض مؤلفيها عن جملة من الحقائق العلمية والمنهجية والواقعية! ! .
* ولا عصمة لأحد من البشر بعد النبي ﵊ الذي كان
منطوقه وحياً يوحى.
* وهذه الحقيقة.. تُشعرنا جميعاً بمدى حاجتنا لنقلة جديدة، نتجاوز فيها
مرحلة الحساسية من الجرأة على نقد الذات، أو محاولة النظر في بعض جهودنا
الدعوية وتقويمها! لنقف وقفة نقدية جادة وبناءة تهدف إلى الكشف عن الآفات
والسلبيات؛ حتى لا تتراكم وتتضخم؛ فتعترض مسار الصحوة الإسلامية أو تشينها!.
* ووفق هذا الإطار سوف أعرض أمام القارئ بعضاً من الملحوظات على
الكتيبات الإسلامية:
١- حجم إمكانات المؤلف الذاتية التي قد تكون ضحلة أو ضئيلة:
ولا ندري حقيقة: لماذا يسود في مجتمعاتنا تصور مفاده أن التأليف أمر لا بد
منه لمن أراد دعوةً أو إصلاحاً؟ ونحسب أن هيمنة هذا التصور القاصر تكاد تكون
هي محور الدوافع التي حملت الكثيرين على اقتحام مجال التأليف وهم غير مؤهلين
له؛ إذ لا يملكون آلياته وأدواته؛ ويفتقرون افتقاراً بيناً إلى كثير من أساسيات
العمل فيه.
هذا بلا شك كان سبباً مباشراً وطبيعياً لظهور ورواج كتيبات ليس فيها إلا
أغلفتها الجميلة وعناوينها البراقة! بينما لو ظللت تبحث عن فكرة مؤصلة يضيفها
المؤلف إليك، أو مشكلة يحدد لك معالمها وآثارها ويضع حلولاً مناسبة لها؛ لارتد
البصر خاسئاً وهو حسير.
فجملة من صفحات الكتيب تُركت لكتابة الفهرس، وجملة أخرى للمقدمة، وما
تبقى مادة إنشائية صرفة، لا ترقى في مضمونها وأهدافها وأساليب تقديمها
وعرضها إلى المستوى المأمول والمنشود.
فمتى يعي الناس أن العمل لدين الله وإن كان مسؤولية الجميع يجب أن يؤطر
بضوابط القدرات والإمكانات؟ وقيمة المرء ما يحسن.
متى يستشعر دعاة الإسلام وأهل الرأي والفكر ثقل المسؤولية المناطة بهم في
هذا المجال؟ إذ إننا ننتظر منهم تأدية مهمة (توعوية) تهدف إلى تأصيل مبدأ
التخصص وترسيخه في حس أبناء الأمة.
٢- اعتماد الكتيبات الإسلامية على استثارة العاطفة: أو ما يسمى بالأسلوب
التهييجي!
وغلبة الكلام المباشر الذي يفتقر إلى أسلوب الحوار والإقناع؛ ممّا يجعل تأثير
الكتيب مع افتراضية حدوثه تأثيراً وقتياً يُذْكي عاطفة القارئ، ولا يرتقي بعقليته،
أو يسعى لتوجيه سلوكه وترشيد مسيرته. وكثيراً ما تُذَيّل هذه الكتيبات بفتاوى
شرعية يشعر معها مؤلف الكتيب أن مهمته مع قارئه قد انتهت!
والحقيقة خلاف ذلك ولا شك فالمهمة لم تنته؛ بيد أنها أبتدأت تواً؛ إذ
يفترض في الكتيب استثارة عقل القارئ وعاطفته معاً! ودفعه للتأمل والتفكير
المستقل، ومن ثم التدرج به ومعه للوصول إلى النتيجة التي ينشدها المؤلف..
دونما حاجة لتلقينها القارئ تلقيناً ميتاً لا يثمر، اللهم إلا في إنماء روح التقليد لدى
القارئ، وتقييده بأسر الرق الفكري والتبعية العمياء!
ولا يخفى أن الرسول عليه الصلاة السلام مثلاً، كان بمقدوره استثارة مشاعر
الشاب الذي تجرأ طالباً إباحة الفاحشة، أو إعادة ذكر الحكم الشرعي فقط؛ لكنه
فضل هدوء الحوار وفاعليته.. متدرجاً بالشاب إلى أن اكتشف الحق ورضي به
بمساعدة من محاور منصف ناجح عليه الصلاة السلام.
وإذا كان الرسول ﷺ فتح نافذةً للحوار مع شاب لم يعرف
إلا عادات أهله ومألوفهم؛ فما بالك ونحن نتعامل مع عقول تلوثت بالثقافات
الزائرة، والمفاهيم المستوردة، في ظل الانفتاح الإعلامي/ الثقافي؛ الذي يفترض
أن نعي حتمية وجوده! !
وإذا كان الرسول ﵊ سلك هذا المسلك الحضاري النيّر مع
حالة فردية قد لا يترتب على إهمالها ضرر اجتماعي كبير؛ فما بالك بكتيبات توجه
لفئام كثيرة ومتنوعة تعاني بعض عناصرها من فجوة اتصال مع مبادئ الإسلام
وثقافته؛ مما يعزز مشروعية وأهمية فتح قنوات حوار معهم؛ وفق معالجة واقعية
ورصينة تُعنى بعواطفهم وعقولهم معاً، وتتواءم مع متطلبات ومستجدات المرحلة
التي يعيشونها ويمرون بها! !
٣- اسم المقدم:
تقرأ أحياناً اسم رجل من رجالات الأمة، أو من طلبة العلم وأهل الدعوة على
غلاف كتيب ما؛ ممّا يدفعك نفسياً لاقتنائه متفائلاً بالعثور على مادة جيدة؛ بيد أن
تفاؤلك يتبعثر أمام صخرة واقع الكتيب؛ الذي ليس فيه إلا جمال تصميمه، ولمعان
اسم مقدمه، وأحسب أن هذا استخفاف بالقارئ، واستغفال له، كما أنه نوع من
التدليس عليه؛ إذ يفترض في المقدم ترك مجاملة الآخرين الذين يلجأون إليه لتقديم
مادتهم وتقريظها؛ وألاّ يحسب مجاراتهم نوعاً من ضروب التشجيع وإعطاء الثقة
للمبتدئين في خوض غمار تجربة التأليف؛ فالأصل توجيه المبتدئين والمتحمسين؛
لتفريغ طاقاتهم وحماسهم في مجالات تتناسب وحجم إمكاناتهم المهنية والفكرية؛
فالحماس وحده لا ينهض بالأمة من نكبتها، وربما كان تشجيعهم ودفعهم لتأدية عمل
لا يحسنونه حماقة دعوية يرتكبها بعضهم، وتدفع الصحوة الإسلامية ثمنها باهظاً! !
* لذلك نتمنى أن ترتقي نظرة المؤلف والمقدم ودار النشر أيضاً عن مضمون
المثل الشعبي الدارج: (إن لم ينفع فإنه لا يضر) ؛ إذ إن انتشار الكتيبات ذات
المستوى المتدني والمتواضع يؤدي إلى آثار سلبية كثيرة، لعل أبرزها وضوحاً
سحب ثقة المتلقي من الكتيبات الإسلامية كلها؛ وهي حقيقة لم تعد تخفى على أحد.
وتبقى جملة من آثار أخرى، هي من العمق والامتداد والتنوع مما يؤخر
اكتشافها، أو يجعله مستعصياً إلا على متأمل فطن!
٤- التركيز المفرط على بعض المواضيع وإغفال أخرى:
ثمة مواضيع معينة تحفل بحضور ضخم في الكتيبات الإسلامية؛ إذ تستحوذ
على نصيب الأسد من مضامينها، ولعل أبرز هذه المواضيع جانب الهدي الظاهر
في الملبس والهيئة والمطعم والمشرب وما إلى ذلك.
والحجم الذي استغرقه الجانب المظهري في الكتيبات الإسلامية قد يكون
واضح الدلالة إذا عرفنا أن منشأه انحراف الناس الظاهر في هذه الأمور، مما يجعل
الكتيبات تظهر للنور باعتبارها ردود أفعالٍ تجاه تقصير الآخرين ومخالفاتهم!
وهذه ولا شك مغالطة منهجية، تعزز الرأي الذاهب إلى أن قيمة التوازن في
(اختيار المواضيع ومعالجتها) غائبة عن أذهان كثير من مؤلفي الكتيبات الإسلامية
الذين يفترض فيهم أن يتحاشوا مسلسل إهدار الجهد والوقت في التركيز المفرط على
مواضيع قد أُشبعت قولاً وبحثاً!
* كما يفترض ألا يكون انصرافهم لمعالجة مواضيع يرون أهميتها عذراً يبيح
لهم إغفال مواضيع أخرى تستحق أن تفرد بالبحث وأن توجه إليها الأنظار.
* لماذا مثلاً يقل التأليف في مواضيع تلامس احتياجات الناس وهمومهم
كالتربية الذاتية، وتربية الطفل، والارتقاء بالذات وسبل تطويرها، وأدب الحوار، وفن التعامل مع الآخرين، وأمراض القلوب: كحب الصدارة، واستعجال الشهرة، وتسوّد المجتمع، والترصد لأخطاء الآخرين وتضخيمها؟
* وثمة أمر لا يسعنا تجاهله أو تجاوزه؛ وهو طغيان الجانب القصصي في
الكتيبات الإسلامية. فقد ازدادت مساحة التأليف فيما يسمى بقصص التائبين وذوي
العقوق، والمذنبين بصورة تدعو للدهشة.
* لسنا ضد إيراد تلك القصص، فهو مع وجود الحاجة مسلك شرعي ليس
ثمة تحفظات عليه؛ لكننا لا نريد أن تتسابق الكتيبات في إيراد القصص نزولاً من
مؤلفيها عند رغبات القارئ والسوق معاً! !
فسرد عشرات القصص.. لن يأتي بجديد مثمر إذا لم ينجح المؤلف في
استثارة عقل القارئ للاستنتاج، ومن ثمّ بلورة دلالات وقيم يستخرجها من تفاصيل
القصة وأحداثها!
* ومن المهم أن يحذر المؤلفون ذكر القصص الشاذة التي تكون نسبة حدوثها
في مجتمعنا ضئيلة؛ حتى لا يساهموا من حيث لا يشعرون بتطبيعها؛ وحتى لا
يصاب القارئ بشعور انكساري وبقدر كبير من الإحباط يجعله يعيش تحت وهم
عبارة هلك الناس فإن (من قال هلك الناس فهو أهلكهم) كما قال رسول الله.
٥- عدم مراعاة الكتيبات للمرحلة الزمنية التي تمر بها الأمة:
إذ ينقص كثيراً من مؤلفي هذه الكتيبات فهم طبيعة اللحظة التاريخية الراهنة
التي تعيش الأمة في أجوائها، وتخضع لمتطلباتها وشروطها؛ مما يجعلهم غير
ملاحظين ولا مستوعبين لحجم التبدلات والتغيرات التي يمر بها واقع الناس من
حولهم؛ كأنهم قد غيّبوا أذهانهم في فترة زمنية ماضية عاشوا أجواءها، وتأثروا
بظروفها وملابساتها وحسب؛ فجاءت مضامين مؤلفاتهم بما تحمله من أفكار وآراء
في واد؛ وما استجد من احتياجات القراء وتصوراتهم في وادٍ آخر! !
* وما قضية المرأة عنا ببعيدة! فعلى الرغم من كثرة الكتيبات التي خصصت
للمرأة المسلمة وهمومها؛ إلا أن المتأمل لا يعثر على مادة تتناسب ومستوى الإدراك
الجديد لدى المرأة المعاصرة والذي تغيّر وارتقى بصوره تتطلب رقياً جديداً في
تعاملنا معها.. وفي خطابنا الدعوي لها (مسموعاً أو مقروءاً) !
* فالمرأة تتغير، وموازنات الواقع الذي تحيا فيه تتغير أيضاً.. بل حتى
مكر الأعداء في قضية المرأة تتغير صوره وأدواته.
* لذا لم يعد مقبولاً ولا مؤثراً أن تخاطب الكتيبات الإسلامية المرأة المسلمة
المعاصرة بلغة الخطاب ومضامينه نفسها التي كانت سائدة قبل عشر سنوات!
فبعض الكتيبات مثلاً ما تزال تنطلق في مضامينها من خلال إطار (ضرورة
لزوم المرأة بيتها وعدم الخروج منه) إلا لضرورة ملحّة دون مراعاة لواقع المرأة
المعاصر الذي تفصل بينه وبين أعراف الناس زمن الأمهات والجدات مسافة هائلة
من التباين والاختلاف!
* واختصاراً:
إذا أرادت الكتيبات الإسلامية أن يكون لها مساهمة راشدة في تغيير طبقات
المجتمع نحو الهدي والرشاد؛ فلا بد أولاً أن تتحرر من الماضي بفكره وطرحه
وبيانه وخطابه، وتمنح الواقع الذي تظهر فيه التفاتة مثمرة؛ ورصد متجدد لأحداثه
ومتغيراته، ومن ثم إعادة النظر والتقويم للطرح الدعوي كله خطاباً ومضموناً، مع
ضرورة الإيمان الجماعي بأهمية مبدأ التجديد في أطروحاتنا الإسلامية باعتباره
ضمانة أساسية لاستمرارية توهج هذه الأطروحات في مشاعر متلقيها، واستمرارية
ريادتها لفعل التأثير والتغيير الذي ننشد حدوثه في المجتمع الإسلامي.
стр. 2974
منتدى القراء
الغريب.. وحب الوطن
عبد الله بن حسن الوادعي
إن هذه الدنيا برمتها التي تعيش فيها، وهذه الأرض التي تمشي عليها، وهذه
السماء التي تستظل بها؛ إنما هي دار غربة تقيم بها بعيداً عن وطنك. قال: (كن
في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) [١] . وقال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود
غريباً فطوبى للغرباء) [٢] .
ولتعلم أن هذه الدنيا بما فيها من أنهار وأشجار وثمار وأزهار وجواهر وأموال
وقصور مشيدة، لا تساوي شيئاً إذا ما قيست بجمال وطنك الحقيقي. فتنبه أيها
الغريب.
فإذا سألت وحُق لك أن تسأل أين موطنك الأصلي؟ ! فالجواب هو الجنة،
فإن الله أهبط آدم وزوجه من الجنة وأسكنهم الأرض دار الغربة،
فصارت الأرض هي موطن الغربة لآدم وذريته، والجنة هي الموطن الأصل. فهذا
هو الوطن الذي يجب أن يُحب ويُضحى من أجل الوصول إليه.
стр. 2975
منتدى القراء
قد غدونا مسلمينا
هشام محمد نجيب دويدري
أيا روح البطولة أيقظينا ... وهزّي نخوة الإسلام فينا
نعيش حياتنا قهراً وذلاّ ... وما زال السّبات لنا قرينا
فما عادت لنا الذكرى فإنّا ... غفلنا عن دروب الخالدينا
أما كانت جيوش الفتح تغزو ... لِتنشر دين رب العالمينا
أما آن الأوان لأن تفيقي ... وتُعلي الصّوت صدّاحاً مبيناً
أما آن الأوان لكي تقولي: ... لقد نمتم عن الأمجاد حينا
فهبي يا رياح النّصر إنّا ... لأَحفاد الأُباة الأولينا
وقوموا يا كماة الحرب هيا ... ندقّ رِقاب كلّ السافلينا
ونصرُخُ عالياً في الكون أنا ... سنبقى في الشّدائدِ صامدينا
فبالإسلام عزّت كلّ نفسٍ ... وبالإسلام إنّا لن نلينا
فيا إسلام فلْتشتهد علينا ... بأنا قد غدونا مسلمينا
стр. 2976
منتدى القراء
أوقاتنا.. أعمارنا
عبد الملك مطر نمر
إن على المسلم واجبات كثيرة نحو الوقت، ومنها:
١- الحرص على الاستفادة منه:
أول واجب على المسلم تجاه وقته أن يحافظ عليه، وأن يحرص على
الاستفادة منه كله فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود على أمته بالخير والسعادة
والنماء الروحي والمادي. يقول الحسن البصري: (أدركت أقواماً كانوا على
أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم) ويقول عمر بن عبد العزيز: (إن
الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما) . وكان السلف يقولون: (من علامة الفساد
إضاعة الوقت) ، وكانوا يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها؛
بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه، ويقول قائلهم:
(من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون) .
٢- اغتنام الفراغ في الوقت:
وكان أسلافنا الصالحون يكرهون من الرجل أن يكون فارغاً: لا هو في أمر
دينه ولا هو في أمر دنياه، وهنا تنقلب النعمة إلى نقمة على صاحبها رجلاً كان أو
امرأة، ولهذا قيل: الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غلمة (أي محرك للغريزة) .
ويشتد خطر الفراغ إذا اجتمع معه الشباب الذي يتميز بقوة الغريزة والجدة. يقول
أبو العتاهية:
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
٣- المسارعة في الخيرات:
يجدر بالمؤمن الذي يقدر قيمة الوقت أن يغمره بفعل الخير ما استطاع إليه
سبيلاً، ولا ينهض إلى الخير في تثاقل وتكاسل، أو يؤدي بعضه ويؤجل بعضه،
ومن الأمور التي ينبغي على المسلم أن يعملها في وقته التأسي بفعله وقوله -صلى
الله عليه وسلم- في الأذكار والأدعية في الصباح والمساء؛ ولذلك يقول الله تعالى
[وَلِكُلٍّ للهجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ] [البقرة: ١٤٨] وقال الرسول: (من خاف أدلج؛ ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي وحسنه.
стр. 2977
منتدى القراء
العراق المتهدم
أيمن إبراهيم شحاتة
دعها تجودُ بدمعها الأقلامُ ... وتخُطّ شعراً كُلّهُ آلامُ
جاء الأُلى نادوا بهدم عراقنا ... وسلامهم في حربها الآثامُ
بغدادُ تبكي إذ يروّعُها ضُحىً ... صوتُ القذائف والشعوبُ نيامُ
ما لي أرى أشتاتهُم لهمُ على ... آبارِ بترولِ الخليج زِحَامُ؟
الأهل يشكون المذلّة والفنا ... إذ أسلمتهم للشجون لِمامُ
في كلّ ربع في ديارهمُ ترى ... أُمّاً تولول حولها أيتامُ
يا مجلسَ الأمن الذي في ظلّه ... قُتِل السلام وأُشْهِرَ الصّمْصَامُ [١]
يا صوت أمريكا وبوقَ الغرب كم ... صدرت بقتل شعوبنا الأحكامُ؟
ما لي أراك متيّماً في حُبّنَا ... جهراً وفي طيّ الفؤاد ضِرامُ؟
صدّامُ يا بطلَ القضية دُلّنا ... أين العروبةُ منك والإسلام؟
في ظلّ عالية القصور بمأمن ... والأهل تاهوا في القفار وهاموا
أوَ قد ظننتَ بأن حصنَك مانعٌ ... من بأس ربّك؟ بئست الأوهامُ
يا ألفَ مليون وما فيكم سوى ... صوتٌ جهورٌ والديارُ حطامُ
سيروا على درب الكفاح وجاهدوا ... جند العدوّ فإنهم ظُلاّمُ
يا أيّها المليارُ أين فتوحُكُم؟ ... أم أين فارس مجدنا المِقْدامُ
ما لي أناديهم فيسعِفُني الصدى ... أتُرى تولوا في الورى أم نامُوا؟
كانوا بظلّ الدين أسيادَ الورى ... فالآن هم في ذلهم أنعامُ
تلك الثريا في الثرى قد أُقبرت ... وتساقطت من فلكها الأجرامُ
غابت رماحهمُ، وأُغْمِدَ سيفُهُم ... وخلت ضُحىً من أُسْدِها الآجَامُ
стр. 2978
منتدى القراء
آهات أمتي
عبد الرحمن بدماسي أصيل
ما لي أرى شبحاً يلوحُ ويُنذرُ ... كاد الفؤادُ من الجوى يَتَفَطّرُ
كنا دعاةً للسلام وموئلاً ... يأوي إلينا المعدمون القصّرُ
من قال إنا بالدناءة صُوّمٌ ... أو قال إنا بالمذلة نُفْطرُ
أسلافنا شمُ الأنوف رماحهم ... بدم العدى مخضوبةٌ تتقطر
راياتنا تعلو ضُحَى خفاقة ... وابن الوليد من الشجاعة يزأر
ولرومهم قاد الجيوش مجاهداً ... الله أكبر كالرعود تزمجرُ
ما كان يُرعبنا رغاءُ سفاهةٍ ... أو قَوْلَةٌ محمومة تتهدرَ
ما كان يصرفنا اليهود عن الهدى ... إن الهدى بأريجه يتعطرُ
إن التذي أرغى وأزبد كالحاً ... وجه عبوس بالمكيدة يسفرُ
سنذيقه حتماً مرارة حنظل ... صبراً أُخَيّ فإننا سنشَمّرُ
مهلاً قراصنةَ العصورِ رويدَكم ... جاءت مواعيدُ الرحيلِ تبشرُ
برحيلِ ديجورِ الزمانِ وعهدهِ ... ليهِلّ قسطاسُ السماءِ فيقمرُ
стр. 2979
قد غدونا مسلمينا
هشام محمد نجيب دويدري
أيا روح البطولة أيقظينا ... وهزي نحوة الإسلام فينا
نعيش حياتنا قهرا وذلا ... وما زال السبات لنا قرينا
فما عادت لنا الذكرى فإنا ... غفلنا عن دروب الخالدينا
أما كانت جيوش الفتح تغزو ... لتنشر دين رب العالمينا
أما آن الأوان لأن تفيقي ... وتُعلي الصوت صداحا مبينا
أما آن الأوان لكي تقولي: ... لقد نمتم عن الأمجاد حينا
فهبي يا رياح النصر إنا ... لأحفاد الأباة الأولينا
وقوموا يا كماة الحرب هيا ... ندق رقاب كل السافلينا
ونصرح عاليا في الكون أنا ... سنبقى في الشدائد صامدينا
فبالإسلام عزّت كل نفس ... وبالإسلام إنا لن نلينا
فيا إسلام فلتشهد علينا ... بأنا قد غدونا مسلمينا
стр. 2980
منتدى القراء
دموع المآذن
طالب آل طالب
أرى فيكِ عذب القصيد استقرْ ... وعنك القصيد يقول الدررْ
أريحانة العمر فيمَ العتابُ ... وفيمَ الملامُ وفيمَ الضجرْ
أُقلّب في الكون طرف الحزين ... وأبكي طويلاً لتلك الصورْ
حوادثُ قومي هي المعضلاتُ ... ونفسُ الأبيّ هي المسْتقَرْ
بشيشان غيرتُنا تُستَثَار ... وبالقدس عزّتُنا تنّتهرْ
وكشمير تشكو ضواع الجياع ... ولبنان صارت قفاراً مدرْ
وصوتُ ببوسنة نادى جريحاً ... يهز صداه قلوب البشرْ
وأنّى تلفّت شرقاً وغرباً ... رأيت من الجرح شتى الصورْ
مصائب أعيت لسان الفصيح ... ومن سطّر الشعر أو من نثرْ
لو ان المآذن تبكي لناحت ... وردد رجع النّواح الشجرْ
فما ذنب شعب يكفكف دمعاً ... تظل مسائله للنظرْ
فيا شعر ألهب معاني القصيد ... ويا شعر لوّح بتلك الصورْ
ويا شعر مَهْ! ! كيف تصفو الحياة ... وأفرادها يرتضون الكدرْ
وإني وشعري رفيقان كانا ... ومن ثم ناح القصيد وفرْ
فما عدت أكتب شعراً وإني ... لفذّ رأى في السكوت الظفرْ