← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

منتدى القراء أوقاتنا.. أعمارنا عبد الملك مطر نمر إن على المسلم واجبات كثيرة نحو الوقت، ومنها: ١- الحرص على الاستفادة منه: أول واجب على المسلم تجاه وقته أن يحافظ عليه، وأن يحرص على الاستفادة منه كله فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود على أمته بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي. يقول الحسن البصري: (أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم) ويقول عمر بن عبد العزيز: (إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما) . وكان السلف يقولون: (من علامة الفساد إضاعة الوقت) ، وكانوا يحاولون دائماً الترقي من حال إلى حال أحسن منها؛ بحيث يكون يوم أحدهم أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه، ويقول قائلهم: (من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون) . ٢- اغتنام الفراغ في الوقت: وكان أسلافنا الصالحون يكرهون من الرجل أن يكون فارغاً: لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر دنياه، وهنا تنقلب النعمة إلى نقمة على صاحبها رجلاً كان أو امرأة، ولهذا قيل: الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غلمة (أي محرك للغريزة) . ويشتد خطر الفراغ إذا اجتمع معه الشباب الذي يتميز بقوة الغريزة والجدة. يقول أبو العتاهية: إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة ٣- المسارعة في الخيرات: يجدر بالمؤمن الذي يقدر قيمة الوقت أن يغمره بفعل الخير ما استطاع إليه سبيلاً، ولا ينهض إلى الخير في تثاقل وتكاسل، أو يؤدي بعضه ويؤجل بعضه، ومن الأمور التي ينبغي على المسلم أن يعملها في وقته التأسي بفعله وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الأذكار والأدعية في الصباح والمساء؛ ولذلك يقول الله تعالى [وَلِكُلٍّ للهجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ] [البقرة: ١٤٨] وقال الرسول: (من خاف أدلج؛ ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي وحسنه.

стр. 2977

منتدى القراء العراق المتهدم أيمن إبراهيم شحاتة دعها تجودُ بدمعها الأقلامُ ... وتخُطّ شعراً كُلّهُ آلامُ جاء الأُلى نادوا بهدم عراقنا ... وسلامهم في حربها الآثامُ بغدادُ تبكي إذ يروّعُها ضُحىً ... صوتُ القذائف والشعوبُ نيامُ ما لي أرى أشتاتهُم لهمُ على ... آبارِ بترولِ الخليج زِحَامُ؟ الأهل يشكون المذلّة والفنا ... إذ أسلمتهم للشجون لِمامُ في كلّ ربع في ديارهمُ ترى ... أُمّاً تولول حولها أيتامُ يا مجلسَ الأمن الذي في ظلّه ... قُتِل السلام وأُشْهِرَ الصّمْصَامُ [١] يا صوت أمريكا وبوقَ الغرب كم ... صدرت بقتل شعوبنا الأحكامُ؟ ما لي أراك متيّماً في حُبّنَا ... جهراً وفي طيّ الفؤاد ضِرامُ؟ صدّامُ يا بطلَ القضية دُلّنا ... أين العروبةُ منك والإسلام؟ في ظلّ عالية القصور بمأمن ... والأهل تاهوا في القفار وهاموا أوَ قد ظننتَ بأن حصنَك مانعٌ ... من بأس ربّك؟ بئست الأوهامُ يا ألفَ مليون وما فيكم سوى ... صوتٌ جهورٌ والديارُ حطامُ سيروا على درب الكفاح وجاهدوا ... جند العدوّ فإنهم ظُلاّمُ يا أيّها المليارُ أين فتوحُكُم؟ ... أم أين فارس مجدنا المِقْدامُ ما لي أناديهم فيسعِفُني الصدى ... أتُرى تولوا في الورى أم نامُوا؟ كانوا بظلّ الدين أسيادَ الورى ... فالآن هم في ذلهم أنعامُ تلك الثريا في الثرى قد أُقبرت ... وتساقطت من فلكها الأجرامُ غابت رماحهمُ، وأُغْمِدَ سيفُهُم ... وخلت ضُحىً من أُسْدِها الآجَامُ

стр. 2978

منتدى القراء آهات أمتي عبد الرحمن بدماسي أصيل ما لي أرى شبحاً يلوحُ ويُنذرُ ... كاد الفؤادُ من الجوى يَتَفَطّرُ كنا دعاةً للسلام وموئلاً ... يأوي إلينا المعدمون القصّرُ من قال إنا بالدناءة صُوّمٌ ... أو قال إنا بالمذلة نُفْطرُ أسلافنا شمُ الأنوف رماحهم ... بدم العدى مخضوبةٌ تتقطر راياتنا تعلو ضُحَى خفاقة ... وابن الوليد من الشجاعة يزأر ولرومهم قاد الجيوش مجاهداً ... الله أكبر كالرعود تزمجرُ ما كان يُرعبنا رغاءُ سفاهةٍ ... أو قَوْلَةٌ محمومة تتهدرَ ما كان يصرفنا اليهود عن الهدى ... إن الهدى بأريجه يتعطرُ إن التذي أرغى وأزبد كالحاً ... وجه عبوس بالمكيدة يسفرُ سنذيقه حتماً مرارة حنظل ... صبراً أُخَيّ فإننا سنشَمّرُ مهلاً قراصنةَ العصورِ رويدَكم ... جاءت مواعيدُ الرحيلِ تبشرُ برحيلِ ديجورِ الزمانِ وعهدهِ ... ليهِلّ قسطاسُ السماءِ فيقمرُ

стр. 2979

قد غدونا مسلمينا هشام محمد نجيب دويدري أيا روح البطولة أيقظينا ... وهزي نحوة الإسلام فينا نعيش حياتنا قهرا وذلا ... وما زال السبات لنا قرينا فما عادت لنا الذكرى فإنا ... غفلنا عن دروب الخالدينا أما كانت جيوش الفتح تغزو ... لتنشر دين رب العالمينا أما آن الأوان لأن تفيقي ... وتُعلي الصوت صداحا مبينا أما آن الأوان لكي تقولي: ... لقد نمتم عن الأمجاد حينا فهبي يا رياح النصر إنا ... لأحفاد الأباة الأولينا وقوموا يا كماة الحرب هيا ... ندق رقاب كل السافلينا ونصرح عاليا في الكون أنا ... سنبقى في الشدائد صامدينا فبالإسلام عزّت كل نفس ... وبالإسلام إنا لن نلينا فيا إسلام فلتشهد علينا ... بأنا قد غدونا مسلمينا

стр. 2980

منتدى القراء دموع المآذن طالب آل طالب أرى فيكِ عذب القصيد استقرْ ... وعنك القصيد يقول الدررْ أريحانة العمر فيمَ العتابُ ... وفيمَ الملامُ وفيمَ الضجرْ أُقلّب في الكون طرف الحزين ... وأبكي طويلاً لتلك الصورْ حوادثُ قومي هي المعضلاتُ ... ونفسُ الأبيّ هي المسْتقَرْ بشيشان غيرتُنا تُستَثَار ... وبالقدس عزّتُنا تنّتهرْ وكشمير تشكو ضواع الجياع ... ولبنان صارت قفاراً مدرْ وصوتُ ببوسنة نادى جريحاً ... يهز صداه قلوب البشرْ وأنّى تلفّت شرقاً وغرباً ... رأيت من الجرح شتى الصورْ مصائب أعيت لسان الفصيح ... ومن سطّر الشعر أو من نثرْ لو ان المآذن تبكي لناحت ... وردد رجع النّواح الشجرْ فما ذنب شعب يكفكف دمعاً ... تظل مسائله للنظرْ فيا شعر ألهب معاني القصيد ... ويا شعر لوّح بتلك الصورْ ويا شعر مَهْ! ! كيف تصفو الحياة ... وأفرادها يرتضون الكدرْ وإني وشعري رفيقان كانا ... ومن ثم ناح القصيد وفرْ فما عدت أكتب شعراً وإني ... لفذّ رأى في السكوت الظفرْ

стр. 2981

الغريب وحب الوطن عبد الله بن حسن الوادعي إن هذه الدنيا برمتها التي تعيش فيها، وهذه الأرض التي تمشي عليها، وهذه السماء التي ستظل بها، إنما هي دار غربة تقيم بها بعيدا عن وطنك، قال صلى الله عليه وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) [١] . وقال: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غيريبا فطوبى للغرباء) [٢] . ولتعلم أن هذه الدنيا بما فيها من أنهار وأشجار وثمار وأزهار وجواهر وأموال وقصور مشيدة، لا تساوي شيئا إذا ما قيست بجمال وطنك الحقيق، فتنبه أيها الغريب. فإذا سألت - وحق لك أن تسأل - أين موطنك الأصلي؟ فالجواب هو الجنة، فإن الله أهبط آدم وزوجه من الجنة وأسكنهم الأرض - دار الغربة -، فصار الأرض هي موطن الغربة لأدم وذريته، والجنة هي الموطن الأصل. فهذا هو الوطن الذي يجب أن يُحب ويضحي من أجل الوصول إليه.

стр. 2982

منتدى القراء المنهج الإسلامي والنظام العالمي الموحد حمود بن جابر الحارثي إن النظام العالمي الموحد الذي تسعد به البشرية هو نظام الله في كتابه العزيز، وسنة نبيه؛ لأن الله ربّ العالمين بيده الخلق كله، وبيده الأمر كله، فالكون وما فيه مسخر لعبادة الله تعالى [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ] [النور: ٤١] . فإن من أطاع الله كان موافقاً للكون وما فيه من التوجه إلى طاعة الله تعالى وعبادته. ومن عصاه كان مُصادماً لجميع ما في الكون السائر وفق منهج الله تعالى. فنظام الإسلام فيه وحدانية المبدأ، ووحدانية النظام، ووحدانية الأخلاق، وما شذ فهو بطبيعة البشر وإلا فالجميع تحت مظلة واحدة، وما هم إلا من مفردات هذا الكون السائر وفق منهج الله تعالى. الإسلام هو النهج الوحيد الذي نادى الناس ليكونوا أمةً واحدة. وجمع الله به الأعداء، وقطّع عرى العداوة، وأبدل بها رابطاً واحداً هو رابط الدين. قال تعالى: [وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [الأنفال: ٦٣] . هذا النهج الوحيد الذي رسم للناس الخطوط العريضة في العقيدة، والأخلاق، والآداب، والمعاملات، وكَفَل الحقوق لشريف الناس ووضيعهم؛ فهو المنهج والنظام المُهيأ والصالح لإسعاد البشرية.

стр. 2983

الورقة الأخيرة المرأة في حياة الدعاة فاطمة بنت عبد العزيز لا شك أن هناك تلازماً حسياً ومعنوياً بين المرأة والمرآة، كما أن هناك تشابهاً لفظياً كبيراً بين الكلمتين، لكنني في هذه العجالة لن أتحدث عن المرآة حديث الأنثى التي ترى فيها جزءاً من مقومات جمالها وأنوثتها، بل سأتجاوز ذلك إلى مفهوم آخر للمرآة، وفوائد أخرى نستفيدها من هذه الأداة في ميدان هام وهو ميدان الدعوة وتقويم سلوك الدعاة، وعلاج بعض الانحرافات الخطيرة في المنهج الدعوي. فعلى الرغم من كثرة ما كُتب ويكتب حول أهمية نبذ الفرقة والاختلاف في صفوف الدعاة، وذم الاشتغال بالنقد الهدّام، وكيْل الاتهامات والتشهير بالأخطاء؛ إلا أن هذا الموضوع يظل بحاجة إلى المزيد من الطرح الإعلامي الهادف لضرورة الحد من هذه الظاهرة المزعجة التي أقلقت كل غيور على مسيرة الصحوة الإسلامية المباركة. وواجب على كل قادر على إنكارها أن يقوم بما أوجبه الله عليه من محض النصيحة لدين الله ولعامة المسلمين. فالمؤمن مرآة أخيه، وللتعبير بالمرآة دلالات عميقة وإيحاءات لطيفة يحسن بنا أن نتلمسها ونتمسك بها؛ فما أحوجنا معشر الدعاة إليها، ومن ذلك: * أن الأصل في المرآة أن تعكس الصورة الظاهرية للآخرين، دون النفاذ إلى البواطن؛ وهكذا المؤمن تجاه إخوانه يراهم كما هم، يقبل ظواهرهم، والسرائر ليست إليه؛ بل هي إلى بارئها هو وحده يتولاها؛ وهذا هو المسلك الشرعي في الحكم على الأشخاص. * وحينما تكون المرآة صافية فإنها تنقل الصورة كما هي دون تغيير أو تشويه، أما حينما يعلوها الغبار أو تتلطخ بالأقذار فإنها تعكس ما بها من كدر على الأشياء الجميلة، فتبدو سيئة، لا في الحقيقة ولكن بسبب كدر المرآة، وهكذا النفس البشرية، فهي حينما تصفو من الأدران المعنوية والأمراض القلبية كالبغض والحسد وحب الظهور، فإنها تنصف الآخرين وتراهم بما فيهم من غير تشويه أو تغيير، ولكن حينما تتطلخ النفوس بالأدران، وتمرض القلوب بالأدواء فلن تصفو صورة الآخرين لديها، كما هو حال تلك المرآة الملطخة، فلا بد من صقل القلوب كما تُصقل المرآة، لئلا نظلم الآخرين ونظلم قبل ذلك أنفسنا. ومن لطائف هذا التعبير أن المرآة لا تكتم القبائح والعيوب؛ بل تجلّيها وتُظهرها، ولكن ليس لكل أحد؛ بل حينما يُطل عليها صاحبها؛ وهكذا المؤمن ينصح أخاه ويُبَصّره بعيوبه ويستر عليه دون تشهير أمام الآخرين وفق الضوابط الشرعية المعروفة. ومن اللطائف أيضاً: أن المرآة تتعامل مع الناس على حد سواء؛ فلا تفرق بين صديق وغيره، بل تنصف الجميع فلا تزداد بهاءً وصفاءً مع صديق أو قريب؛ كما لا تتعامى عن عيوبه مهما بلغ قربه منها، وهكذا يجب على المؤمن أن يكون؛ فلا يتعامى عن عيوب من يحبه أو يوافقه، ويضخم نقائص من يكرهه أو يخالفه في الرأي؛ فالعدل مطلب شرعي على كل الأحوال. تلكم هي إخوتي بعض الدروس واللطائف من هذه العبارة التي تتردد على ألسنة الكثيرين منا دون فهم لمعناها أو تطبيق لمقتضاها، وهي دعوة جديدة لنسلك هذا المسلك في التعامل مع الآخرين. نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين إنه سميع مجيب.

стр. 2984

ذو القعدة - ١٤١٩هـ مارس - ١٩٩٩م (السنة: ١٣)

стр. 2985

كلمة صغيرة المشجب الممل أصبح من تحصيل الحاصل تحميل كل المصائب على الاتجاهات الإسلامية في كثيرٍ من البلدان، فما تحصل كارثة أو نكبة إلا ويكون كبش الفداء ذلك التيار. نعم هناك تيارات إسلامية منحرفة عن السلوك الإسلامي الأساس ومبادئه الكريمة، وقد سبق أن تحدثنا عنها ورفضنا توجهاتها، وقلنا إن التهور الناتج عن عدم الاستمساك بأدلة الشرع المطهر وقواعده ليس وسيلة لإصلاح المجتمعات وتقويمها، وأن جهاد المصطفى ﷺ له سمات ومعايير مضبوطة وأهداف محددة بيّنها العلماء الأثبات؛ لكن ما يحز في النفس أن تعلن إحدى الدول منذ فترة أنها خالية تماماً مما يسمى بالتطرف الإسلامي؛ في الوقت الذي تنفرد بظاهرة لا تعرف في سواها وهي الاختطاف ومساومة الدولة لنيل مرادها، ويحصل حادث من هذا القبيل، ولفرض سيطرة الدولة وهذا من حقها عالجت الأمر بقوة مما نتج عنه ضحايا، فكان ذلك محل النقد والاستهجان. وتُلقى المسؤولية بقدرة قادر على (تنظيم أصولي) يُسمع به لأول مرة، وكأن الحل لمثل هذه المآسي أن تعلق على مشجب التيار الإسلامي لتسلم من المساءلة؛ مع العلم بأن أحد رموز هذا النظام أعلن (أن الحكومة مسؤولة عن التردي الأمني، والخاطفون مجرد عصابات) . الذي نريده ألا يُحَمّل الإسلاميون فوق ما يحملونه من آلام وتشتت واضطهاد؛ فيُبحث عن الأسباب الحقيقية لعلاجها بدلاً من اللجوء إلى المشجب المعتاد، وعلى من ينتسب للإسلام ألا يتسبب باجتهادات قاصرة وتصرفات غير مسؤولة في الإساءة إليه بمثل تلك الأعمال الحمقاء. والله من وراء القصد.

стр. 2986

الافتتاحية تصديق الأحكام القدرية للأحكام الشرعية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فإن من الحقائق الجلية في هذا الوجود، أن لله تعالى أحكاماً قدرية؛ يُخضِع بها أعناق من لا يستسلمون لأحكامه الشرعية، فما من خارجٍ عن حكم شرعي إلا ويجازى إن لم يرجع بحكم قدري في الدنيا أو في الآخرة، فيرى عقوبة المخالفة إذا خالف، وعاقبة الطاعة إذا أطاع. ومن حكمة الله تعالى، بل من رحمته، أن جعل الآيات والأحكام القدرية الكونية شاهد عدل، ودليل صدق على أن آياته الشرعية الدينية حق، كما قال سبحانه: [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقّ] [فصلت: ٥٣] فمهما ارتاب أناس في شرع الله، أو خالفوه أو جزأوه أو غفلوا عنه أو كفروا به؛ فإن أحكام القدر تجيء إليهم بأحداثها وأحوالها، لتثبت أن مُنزل هذا الشرع هو مُنزل الأقدار ومسبب الأسباب، الذي ضمن السعادة في الدارين لمن أطاع رسله وبشّر بالشقاوة من خالفهم، وأنذرهم ضَعَةً وضيعة وضعفاً.. فهم في فتنة مقدّرة على قدر مخالفتهم. قال تعالى: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) ] [النور: ٦٣] . والأمثلة حولنا كثيرة على استقرار هذه السنن، وثبات هذا الناموس في الآفاق، وفي الأنفس. * فعندما أمرنا الله تعالى في أحكامه الشرعية بأن ننصره بنصر دينه وإقامة شريعته، بين لنا أن عاقبة نصرنا للدين هي نصر من عنده تجري به الأقدار [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] [محمد: ٧] .. تُرى: هل خرجت الأمة في حقبة من عمرها عن هذا السنن؟ وهل انتصرت يوماً أو عَزّت بغير شريعة الإسلام؟ * ولَمّا شرع الله تعالى لهذه الأمة أن تعتصم جميعاً بحبله ولا تتفرق ولا تتنازع، وحذرها إن هي خالفت ذلك بالفشل وذهاب الريح؛ فهل رأينا الأمة بتفريطها في هذا التكليف في أي عصر من عصورها جلبت على نفسها أقداراً غير الفشل وذهاب الريح؟ * والله سبحانه لمّا أمر أهل الإيمان بعدم موالاة الكفار في كثير من نصوص الشريعة، ألم يبين لهم أن عاقبة المخالفة لهذا المحذور الشرعي ستكون كوارث ونوائب، وإحن ومحن، وخبال وعنت؟ ! [وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً] [النساء: ٨٩] . [مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ] [البقرة: ١٠٥] . [وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ] [آل عمران: ١١٩] .. [إن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ كَافِرِينَ] [آل عمران: ١٠٠] [لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَاًلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ] [آل عمران: ١١٨] . هذا فيما يتعلق بالآيات في الآفاق. أما الآيات القدرية والكونية في الأنفس فهي تترادف مع الأنفاس، حتى تُورث يقيناً بأن للطاعة أقدارها وللمعصية أقدارها، نرى ذلك مع تقلب القلوب، وتحول النفسِيّات وتغيرها من حال إلى حال، ونراها أيضاً في ما يعتري حياتنا من تغيرات تتوارد بالسعادة مرة، وبالشقاء أخرى، ولو راقب كل منا مدى التطابق في نفسه بين امتثاله للأحكام شرعاً مع جريان أمور حياته على السلامة قدراً، لرأى عجباً. لا نتكلم عن الغنى والفقر، والعافية والمرض، ولكن نتكلم عن قدر السعادة والسلامة النازل في القلب الحي بالإيمان والذكر، كما قال سبحانه [أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] [الرعد: ٢٨] أو ذاك القلب المسكون بالتعاسة والشقاء والضنك، على قدر إعراضه عن الإيمان [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى] [طه: ١٢٤] إن مراقبتنا لتلك الأمور في أحوال النفس والناس تقود إلى الإيمان بتفرد الله تعالى بالحكم شرعاً وقدراً، كما قال سبحانه: [إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ] [الأنعام: ٥٧] وهي كلمة صدع بها يوسف، وصرح بها يعقوب، وأظهرها في العالمين محمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، حيث قال الله له: [قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ] [الأنعام: ٥٧] . فحكم الله القدري ماضٍ في الناس، رضوا بحكمه الشرعي أو أعرضوا. وعلى هذا النمط، ووفق هذا النسق من ترتّب النتائج على مقدماتها، وتجانس الأحوال مع الأعمال؛ يمكننا أن نرصد من حادثات الأيام في عصرنا ما يزيد يقيننا بأن كل ما جاء به الرسول ﷺ حق، ويمكننا بذلك أيضاً أن نجابه طوائف المعرضين عن الشريعة وأحكامها، بلوازم ذلك الإعراض ونتائجه الواقعة والمتوقعة، فلعل منهم من يتذكر أو يخشى. * نقول مثلاً للذين ما زالوا يلهثون وراء اليهود، يخطبون ودهم رغم كل الإهانات ويرغبون في التصالح الدائم معهم رغم استمرار نقض المعاهدات مخالفين بذلك ثوابت الشريعة نقول لهم: لن تظفروا معهم بسلام شامل ولا دائم ولا عادل؛ لأن شدة عداوة اليهود مكتوبة في الأقدار ولن تزول عداوتهم وعداوة النصارى لنا إلا في حالة واحدة، وهي أن نرتد عن ديننا، وندخل في دينهم [وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا] [البقرة: ٢١٧] [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] . * ولشراذم العلمانيين، أولئك الخوارج على الأمة والدين، نقول لهم: لن تدوم لكم في أرض الإسلام دولة مهما عمرت؛ لأنكم تحاربون الله في شرعته والرسول في رسالته وسنته وأمته، ولن تظفروا بعزة أبداً تحت أي راية غير راية الإسلام.. [إنَّ الَذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ] [المجادلة: ٥] . * ونبشر عصابات الإفساد، التي تريد الأمة على دينها وأخلاقها بعذاب مهلك في الدنيا قبل الآخرة، كما قال سبحانه: [إنَّ الَذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] [النور: ١٩] . * أما الذين يمكرون بالإسلام وأهله مكر الليل والنهار كما في الجزائر وتركيا وغيرها وغيرها فنقول لهم: سيأتي يوم يكشف الله فيه مكركم، ويهتك ستركم؛ لأنكم جمعتم بين شرور ثلاثة، من كُن منه، كُن عليه: المكر، والبغي، والنكث. والله تعالى يقول: [وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ] [فاطر: ٤٣] وقال: [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم] [يونس: ٢٣] ، وقال [فَمَن نَّكَثَ فَإنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ] [الفتح: ١٠] . * ولتلك القوى الطاغية الباغية المتحكمة في مصائر العالم، دولاً كانت أو جماعات أو أفراداً، نقول: أقصِروا عن الظلم، فقد قُصر قبلكم القياصرة، وكُسر قبلكم الأكاسرة، واعلموا أن عاقبة الطغاة ذل الدنيا قبل عذاب الآخرة. [إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] [الطارق: ١٥- ١٧] . * وفي المقابل، نقول للذين يكابدون قساوة هذا الطغيان، ويرزحون تحت طائلته: بُشراكم النُصرة، والنّصفة من العلي الأعلى لأوليائه الصابرين، فهو سبحانه نصيرٌ لأنصار دينه وأتباع رسله، وقد كتب الغلبةَ قدراً لمن انقادوا له شرعاً [كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] [المجادلة: ٢١] . * ونناشد خاصة هؤلاء الأولياء، أن يستمطروا رحمة الله بهم، بتراحمهم مع إخوانهم، وأن يستنزلوا نصر الله عليهم، بنصرتهم لشركاء قضيتهم؛ فباستعصامهم بحبل الله، يُسَدّدون ويُرشدون ويُعصمون [وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [آل عمران: ١٠١] . * ولنكن جميعاً على حذر من التغيير والتبديل في الثوابت الشرعية؛ فإن ذلك يستجلب أنواعاً من التبديلات القدرية [وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] . [محمد: ٣٨] . * وأخيراً نخاطب القابضين على الجمر، والذائدين عن الثغر، والحامين للحمى من العاملين الصادقين لهذا الدين، ونخص منهم المحاربين المستضعفين، أفراداً كانوا أو جماعات أو حتى دولاً: إن الصبر على الدين شريعة، والنصر قدرها، وتحمّل عبء الدعوة عبادة، والفرج مآلها كما قال النبي: (إن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً) . ولعل الله أن يخلق في ضعفكم قوة للدين، ويردّ بدعائكم كيد العادين. إن خطاب الشريعة لكم: الصبر واليقين.. وموعد الأقدار معكم الإمامة في الدين. والله تعالى يقول: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] .

стр. 2987

دراسات في الشريعة والعقيدة من أحكام العيدين (١ /٢) إبراهيم بن محمد الحقيل للمسلمين ثلاثة أعياد لا رابع لها وهي: الأول: عيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة، خاتمة الأسبوع، هدى الله له هذه الأمة المباركة، بعد أن عمي عنه أهل الكتاب اليهود والنصارى فكان لهم السبت والأحد. قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى: (باب الدليل على أن يوم الجمعة يوم عيد، وأن النهي عن صيامه إذ هو يوم عيد) حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن يوم الجمعة يوم عيد؛ فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده) [١] . الثاني: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مرتب على إكمال صيام رمضان، الذي فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهو يوم الجوائز لمن صام رمضان فصان الصيام، وقام فيه فأحسن القيام، وأخلص لله تعالى في أعماله، وهو يوم واحد أول يوم من شهر شوال. الثالث: عيد النحر: وهو ختام عشرة أيام هي أفضل الأيام، والعمل فيها أفضل من العمل في غيرها، حتى فاق الجهاد في سبيل الله تعالى الذي هو من أفضل الأعمال، كما في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما من الأيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد؛ إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) [٢] . وهذا العيد هو اليوم العاشر من ذي الحجة، وقبله يوم عرفة وهو من ذلك العيد أيضاً، وبعده أيام التشريق الثلاثة وهي عيد أيضاً، فصارت أيام هذا العيد خمسة؛ كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب) [٣] . وهذا العيد أعظم من عيد الفطر، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مرتب على إكمال الحج [٤] . وقال شيخ الإسلام بعد ذكره قول الله تعالى: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] : (ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية؛ فإنه لا عيد في النوع أعظم من العيد الذي يجتمع فيه المكان والزمان وهو عيد النحر، ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعامة المسلمين) [٥] . وقال أيضاً: (أفضل أيام العام هو يوم النحر، وقد قال بعضهم: يوم عرفة، والأول هو القول الصحيح؛ لأنّ في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر) [٦] ، لأنه يوم الحج الأكبر في مذهب مالك والشافعي وأحمد؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يوم النحر هو يوم الحج الأكبر) [٧] . أحكام تتعلق بالعيد: أولاً: حكم صلاة العيد: اختلف العلماء في ذلك، ولهم ثلاثة أقوال: أ -أنها واجبة على الأعيان وهو قول الأحناف [٨] . ب - أنها سنة مؤكدة، وهو قول مالك وأكثر أصحاب الشافعي [٩] . ج - أنها فرض كفاية، وإذا تمالأ أهل بلد على تركها يُقاتلون وهو مذهب الحنابلة، وقال به بعض أصحاب الشافعي [١٠] . والذي يظهر رجحانُه القولُ بالوجوب لما يلي: ١- أمر الله تعالى بها: [فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ] [الكوثر: ٢] والأمر يقتضي الوجوب، وأمره-النساء أن يخرجن إليها. ٢- مواظبة النبي ﷺ عليها وعدم تخلفه عنها. ٣- أنها من أعلام الدين الظاهرة، وأعلام الدين الظاهرة فرض كالأذان وغيره [١١] . قال شيخ الإسلام: ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان. وقول من قال: (لا تجب) في غاية البعد؛ فإنها من شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظم من الجمعة، وقد شرع لها التكبير، وقول من قال: (هي فرض كفاية) لا ينضبط؛ فإنه لو حضرها في المصر العظيم أربعون رجلاً لم يحصل المقصود؛ وإنما يحصل بحضور المسلمين كلهم كما في الجمعة [١٢] . واختار القول بالوجوب ابن القيم والشوكاني وابن سعدي وابن عثيمين [١٣] . وعلى هذا القول فإن المفرطين في حضورها آثمون خاسرون في يوم الفرح والجوائز. ثانياً: حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها: أ - عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها..) [١٤] . ب - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي قبل العيد شيئاً؛ فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين) [١٥] . فمن خلال هذين الحديثين يظهر ما يلي: ١-أن صلاة العيد ليس لها راتبة لا قبلية ولا بعدية؛ لحديث ابن عباس. ٢- أنه لو صلى بعدها في البيت أصاب السنة إن كان من عادته أن يصلي الضحى، لحديث أبي سعيد. ٣- إذا كانت صلاة العيد في المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين لحديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) [١٦] . ٤- إذا كانت صلاة العيد في المصلى فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن مصلى العيد له حكم المسجد بدليل أمره ﷺ الحيّض أن يعتزلن المصلى، وهذا على رأي بعض العلماء [١٧] . ٥- التنفل المطلق لا يخلو من حالتين: أ - إما أن يكون قبل العيد في وقت النهي؛ فلا يجوز لعموم النهي عن ذلك. ب - وإما أن يكون قبل العيد ولكن ليس في وقت النهي كما لو أخروا صلاة العيد، أو بعد العيد وهذا هو الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء، فمنهم من أجازه مطلقاً، ومنهم من منعه مطلقاً، ومنهم من أجازه قبل صلاة العيد، ومنهم من أجازه بعدها، ومنهم من أجازه للمأموم دون الإمام، ومنهم من أجازه في المسجد لا في المصلى. والذي يظهر والله أعلم الجواز لعدم الدليل على المنع، وأما حديث ابن عباس ﵄ فهو يحكي فعل النبي ﷺ وهو إما ينتظر إذا حضر صلى بهم، وإذا انتهى انصرف كما في الجمعة، ثم لا يدل عدم فعله على المنع منه. قال ابن عبد البر: (الصلاة فعل خير فلا يجب المنع منها إلا بدليل لا معارض له فيه، وقد أجمعوا أن يوم العيد كغيره في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فالواجب أن يكون كغيره في الإباحة) [١٨] . وقال الحافظ ابن حجر بعد أن عرض الخلاف: (والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص؛ إلا إن كان في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، ورجّح عدم المنع ابن المنذر) [١٩] . ولكن إذا كان التنفل قبل صلاة العيد فقد ترك صاحبه الفاضل إلى المفضول؛ لأن عبادة التكبير في وقته المأمور به أفضل من مطلق النفل. ثالثاً: صلاة العيد في المصلى: علل الشافعي رحمه الله تعالى خروج النبي ﷺ إلى الصحراء لصلاة العيد بكون مسجده ﷺ لا يتسع لهم؛ بدليل أن أهل مكة يصلون في المسجد الحرام، ومقتضى ذلك أن العلة تدور على الضيق والسعة لا لذات الصحراء؛ لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أوْلى [٢٠] . والذي يظهر أن ذلك مرجوح، ومقابل لفعله ﷺ ، قال ابن قدامة: (ولنا أن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده وكذلك الخلفاء من بعده، ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل.. ثم ذكر أن ذلك إجماع المسلمين [٢١] . وأما صلاة أهل مكة في المسجد الحرام فلأن مكة جبال والصحراء فيها بعيدة [٢٢] . رابعاً: وقت صلاة العيد: وقتها: من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، قال ابن بطال: (أجمع الفقهاء على أن صلاة العيد لا تُصلى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها، وإنما تجوز عند جواز النافلة) [٢٣] . وقال ابن القيم: (وكان ﷺ يؤخر صلاة عيد الفطر ويعجل الأضحى، وكان ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة لا يخرج حتى تطلع الشمس) [٢٤] . وقد علل ابن قدامة تقديم الأضحى وتأخير الفطر بأن لكل عيد وظيفة، فوظيفة الفطر إخراج الزكاة ووقتها قبل الصلاة، ووظيفة الأضحى التضحية ووقتها بعد الصلاة [٢٥] . خامساً: لا نداء لصلاة العيد: أ - روى ابن عباس وجابر ﵄ قالا: (لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى) [٢٦] . ب - وروى جابر بن سمرة قال: (صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة) [٢٧] . قال مالك: وتلك هي السّنة التي لا اختلاف فيها عندنا [٢٨] ، ونقل الإجماع عليه ابن قدامة [٢٩] ، ولم يكن يُنادى لها بالصلاة جامعة أو غير ذلك، بل كان ﵊ إذا انتهى إلى المصلى صلى [٣٠] . ورجّح ابن عبد البر أن أول من فعل الأذان للعيدين معاوية -رضي الله عنه-[٣١] . سادساً: تقديم الصلاة على الخطبة: نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة [٣٢] ، وقال ابن المنذر: (فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة في يوم العيد، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون المهديون، وعليه عوام علماء أهل الأمصار) [٣٣] . وأول من قدم الخطبة على الصلاة قيل عثمان [٣٤] ، وقيل ابن الزبير [٣٥] ... ﵄، قال ابن قدامة: ولم يصح عنهما [٣٦] ، وقيل: معاوية -رضي الله عنه-[٣٧] . ولو ثبت ذلك عن أي منهم فهو اجتهاد منهم ﵃ لا يقابل النص الثابت عن النبي ﷺ قال ابن عباس ﵄: (شهدت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة) [٣٨] . سابعاً: التكبير في الصلاة: قال شيخ الإسلام: واتفقت الأمة على أن صلاة العيد مخصوصة بتكبير زائد [٣٩] . ١- عدد التكبيرات: يُكبّر في الأولى سبعاً دون تكبيرة الركوع، وفي الثانية خمساً دون تكبيرة النهوض. وهذا مذهب الفقهاء السبعة [٤٠] . وجاء فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كبر ثنتي عشرة تكبيرة: سبعاً في الأولى، وخمساً في الأخرى) [٤١] . وورد عن الصحابة ﵃ اختلاف في عدد التكبيرات، ولذلك وسع فيه الإمام أحمد [٤٢] . ٢- يكبر المأموم تبعاً للإمام. قاله شيخ الإسلام [٤٣] . ٣- يرفع يديه مع كل تكبيرة، وفيه حديث وائل بن حجر أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يرفع يديه مع التكبير [٤٤] ، فهذا عام في العيد وغيره. وورد في تكبيرات الجنازة والعيد مثلها عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً [٤٥] . وذكر الحافظ ثبوت رفع اليدين عن ابن عباس ﵄ [٤٦] ، وهو قول عطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد [٤٧] . ٤- الذكر بين التكبيرات: لم يرد فيه عن النبي ﷺ شيء، وإنما قال عقبة بن عامر: سألت ابن مسعود عما يقوله بعد تكبيرات العيد قال: (يحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي) [٤٨] . قال البيهقي رحمه الله تعالى: (فتتابعه في الوقوف بين كل تكبيرتين للذكر إذا لم يرد خلافه عن غيره) [٤٩] . وقال شيخ الإسلام: يحمد الله بين التكبيرات ويثني عليه ويدعو بما شاء [٥٠] . ٥- حكم التكبيرات الزوائد: قال ابن قدامة: (سنة وليس بواجب، ولا تبطل الصلاة بتركه عمداً ولا سهواً، ولا أعلم فيه خلافاً) [٥١] . لكن إن تركه عمداً، فقد تعمد ترك سنة النبي ﷺ وفاته خيرها. ٦- إذا دخل المأموم مع الإمام وقد فاته بعض التكبيرات الزوائد فإنه يكبر مع الإمام ويمضي مع الإمام، ويسقط عنه ما فاته من التكبيرات [٥٢] . ثامناً: القراءة في صلاة العيد: السنة أن يقرأ في صلاة العيد: أ - في الركعة الأولى بسورة (ق) وفي الثانية بسورة (القمر) ؛ لأن النبي - ﷺ قرأ بهما في العيدين كما في حديث أبي واقد الليثي [٥٣] . ب - أو في الركعة الأولى بسورة (الأعلى) وفي الثانية بسورة (الغاشية) لحديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ بهما في العيد. ج - إذا اجتمع عيد وجمعة في يوم واحد فلا مانع أن يقرأ بهما في العيد وفي الجمعة لأنهما سنة في كلا الصلاتين؛ ولما جاء في حديث النعمان السابق: (وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين) [٥٤] .

стр. 2988

دراسات في الشريعة والعقيدة عبودية الشهوات (٢) سُبُل الدواء د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف تناول الكاتب وفقه الله في الحلقة الأولى الحديث عن الموقف الصحيح تجاه الشهوات ذاكراً أن المسلك العدل إزاءها هو الوسطية بين مسلك أهل الفجور ومسلك أصحاب الرهبانية، موضحاً أن الإسلام يراعي أحوال الناس ويدرك ما هم عليه من الغرائز والشهوات؛ فهو يبيحها ويعترف بها ولكنه يضبطها ويهذبها، ثم تناول الحديث عن (شهوة النساء) . وفي هذه الحلقة يتناول علاج هذه الشهوة، ويثنّي بصور أخرى من الشهوات وعلاجها. علاج شهوة النساء: بعد أن فصّلنا الحديث عن هذه الشهوة نورد علاجها وسبيل النجاة منها، وقد بسط أبو الفرج ابن الجوزي في (ذم الهوى) وابن القيم في (روضة المحبين) الحديث عن العلاج، وأطنبا في وصفه وتشخيصه، وتميّز ابن الجوزي بإيراد علاج لكل مرحلة من مراحل هذه الشهوة، فجعل للنظر المحرم علاجاً، وجعل للخلوة بالنساء علاجاً وهكذا. وأما ابن القيم فقد ساق خمسين وسيلة في علاج هذه الشهوة على سبيل الإجمال والعموم. ومما سطّره يراع أبي الفرج ابن الجوزي في هذا المقام: (واعلم أن أمراض العشق تختلف، فينبغي لذلك أن يختلف علاجها؛ فليس علاج من عنده بداية المرض كعلاج من انتهى به المرض نهايته، وإنما يُعالج من هذا المرض من لم يرتقِ إلى غايته؛ فإنه إذا بلغ الغاية أحدث الجنون والذهول، وتلك حالة لا تقبل العلاج) [١] . وقال أيضاً: (فإن تكرار النظر قد نقش صورة المحبوب في القلب نقشاً متمكناً؛ وعلامة ذلك: امتلاء القلب بالحبيب؛ فكأنه يراه حالاّ في الصدر، وكأنه يضمه إليه عند النوم ويحادثه في الخلوة، فاعلم أن سبب هذا الطمع في نيل المطلوب، وكفى بالطمع مرضاً، وقلّ أن يقع الفسق إلا في المطموع فيه؛ فإن الإنسان لو رأى زوجة الملك فهويها لم يكد قلبه يتعلق بها؛ لأجل اليأس من مثلها. فأما من طمع في شيء فإن الطمع يحمله على طلبه، ويعذّبه إن لم يدركه.. وعلاج هذا المرض: العزم القوي على البعد عن المحبوب، والقطع الجازم على غض البصر عنه، وهجران الطمع فيه، وتوطين النفس على اليأس منه) [٢] . وقال في موضع ثالث: (ومما يُداوى به الباطن أن تفكّر، فتعلم أن محبوبك ليس كما في نفسك، فأعمل فكرك في عيوبه تسلُ؛ فإن الآدمي محشوّ بالأنجاس والأقذار، وإنما يرى العاشق معشوقه في حال الكمال، ولا يُصور له الهوى عيباً؛ لأن الحقائق لا تنكشف إلا مع الاعتدال، وسلطان الهوى حاكم جائر يغطي المعايب، فيرى العاشق القبيح من معشوقه حسناً. ولهذا قال ابن مسعود ﵁: (إذا أعجبت أحدَكم امرأةٌ فليذكر مناتنها) [٣] . وأما ما حرّره ابن القيم في سبيل التخلص من شراك هذه الشهوات، فنختار منها بعضها، فمن ذلك قوله: (التفكر في أنه لم يُخلق للهوى، وإنما هُيّئ لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيته للهوى كما قيل: قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ [٤] (أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى؛ فإنه ما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه ذلاّ، ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكِبرهم؛ فهم أذل الناس بواطنَ، قد جمعوا بين خصلتي الكبر والذل) [٥] . (أن يعلم أن الهوى ما خالط شيئاً إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء، وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة، وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصدّه عن الحق، وإن وقع في الولاية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين حيث يولّي بهواه ويعزل بهواه) [٦] . (إن جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفّار فليس بدونه، قال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى: يا أبا سعيد! أي الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك. وسمعت شيخنا ابن تيمية يقول: (جهاد النفس أصل جهاد الكفّار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم) [٧] . (إن اتباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق، ويفتح عليه أبواب الخذلان، فتراه يلهج بأن الله لو وفّقه لكان كذا وكذا، وقد سدّ على نفسه طرق التوفيق باتباعه هواه. قال الفضيل بن عياض: من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق) [٨] . (إن التوحيد واتباع الهوى متضادان، فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه، وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له، وليس مراد الله تعالى كسر الأصنام المجسّدة وترك الأصنام التي في القلب، بل المراد كسرها من القلب أولاً.. وتأمل قول الخليل: [إذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ] [الأنبياء: ٥٢] ، كيف تجده مطابقاً للتماثيل التي يهواها القلب ويعكف عليها ويعبدها من دون الله تعالى) [٩] . (إن لكل عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى، كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذاباً يُعذّب به في قلبه كما قال القائل: مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عِذاباً فصارت في المشيب عَذاباً فلو تأملت حال كل ذي حالة سيئة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله، ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس. قيل للمهلب ابن أبي صفرة: بِمَ نلت ما نلت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى. فهذا في بداية الدنيا ونهايتها، وأما الآخرة فقد جعل الله سبحانه الجنة نهاية من خالف هواه، والنار نهاية من اتبع هواه) [١٠] . وبالجملة: فإنه ما من داء إلا وله دواء عَلِمه من علمه، وَجهِله من جهله، والمتعيّن على من ابتلي بشيء من هذه الشهوات أن يبادر إلى أسباب النجاة ووسائلها.. بالعزيمة الصادقة، والصبر والمصابرة، وعلو الهمة والاشتغال بمعالي الأمور والابتعاد عن سفاسفها، والمجاهدة في ذات الله تعالى، ونهي النفس عن الهوى وإصلاح الخواطر والإرادات، وصحبة الصالحين، ودوام التضرع إلى الله تعالى والانكسار بين يديه سبحانه. شهوة المال: استولى على أفئدة كثير من الناس الولع بالمال، فأُشربوا حبه والتعلق به، فاستعبدهم الدرهم والدينار، وصار هِجّيراهم ومقصودهم وجلّ حديثهم واهتمامهم، فإن أحبوا فلا يحبون إلا لأجل المال، وإن أبغضوا فلا يبغضون إلا لأجل المال: إن أُعطوا رضوا، وإن لم يُعطَوْا إذا هم يسخطون. ولقد ذمّ الله تعالى الدنيا في كتابه في غير موضع، كقوله تعالى: [وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] [الحديد: ٢٠] وقوله سبحانه: [اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ] [الحديد: ٢٠] . وأما الأحاديث في ذم الدنيا وفضل الزهد فكثيرة جداً؛ منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: (إنّ مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ) أخرجه البخاري. وعن كعب بن عيا ض ﵁ قا ل: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: (ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وقد ورد عن الحسن البصري ﵀: أنه قال: إياكم وما شغل من الدنيا؛ فإن الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب) [١١] . وكان يقول أيضاً: (أهينوا الدنيا فو الله لأهنأ ما تكون إذا أهنتها) [١٢] . وكان الحسن يحلف بالله ما أعز أحدٌ الدرهمَ إلا أذله الله) [١٣] . ولابن القيم ﵀ كلام نفيس في الترغيب بالزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة، نورد منه ما يلي: (لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين: نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف؛ فطالبها لا ينفك من همّ قبل حصولها، وهمّ في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها؛ فهذا أحد النظرين. النظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا؛ فهي كما قال الله سبحانه: [وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى] [الأعلى: ١٧] فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة) . إلى أن قال: (وقد توعّد الله سبحانه أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرجُ لقاءه فقال: [إنَّ الَذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُوْلَئِكَ مَاًوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [يونس: ٧، ٨] وعيّر سبحانه من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ] [التوبة: ٣٨] وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة. ويكفي في الزهد في الدنيا قوله تعالى: [أَفَرَأَيْتَ إن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ] [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧] [١٤] . وجاء في كتاب: (عدة الصابرين) لابن القيم ما يلي: (جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا، فإن الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصي التي كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم؛ فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا ... فحب الدنيا والرياسة هو الذي عمر النار بأهلها، والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها، والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر بشرب الخمر بكثير، وصاحب هذا السكر لا يفيق منه إلا في ظلمة اللحد ... والدنيا تسحر العقول أعظم سحر. قال مالك بن دينار: (اتقوا السحّارة، اتقوا السحّارة؛ فإنها تسحر قلوب العلماء) . وأقل ما في حبها أنه يلهي عن حب الله وذكره، ومن ألهاه ماله عن ذكر الله تعالى فهو من الخاسرين، وإذا لها القلب عن ذكر الله سكنه الشيطان وصرفه حيث أراد) [١٥] . وقد بالغ العلماء في التحذير من الاستمتاع بالدنيا والانكباب عليها، حتى جعلوا مجرد النظر إلى الدنيا إن كان على سبيل استحسانها والركون إليها مذموماً، كما وضّحه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (النظر إلى الأشجار والخيل والبهائم إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرياسة والمال فهو مذموم؛ لقول الله تعالى: [وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى] [طه: ١٣١] . وأما إذا كان على وجه لا ينقص الدين، وإنما فيه راحة النفس فقط، كالنظر إلى الأزهار، فهذا من الباطل الذي يستعان به على الحق) [١٦] . إن الحرص على المال يكون على وجهين؛ كما قرر الحافظ ابن رجب بقوله: (أحدهما: شدة محبة المال مع طلبه من وجوه مباحة، والمبالغة في طلبه والجد في تحصيله واكتسابه من وجوهه مع الجهد والمشقة ... ولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف فيما لا قيمة له وقد يُمكّن صاحبه فيه اكتساب الدرجات العلى، والنعيم المقيم، فضيعه بالحرص في طلب رزق مضمون مقسوم لا يأتي منه إلا ما قُدّر وقُسم؛ ثم لا ينتفع به بل يتركه لغيره ويرتحل عنه فيبقى حسابه عليه ونفعه لغيره، فيجمع لمن لا يحمده، ويقدم على من لا يعذره لكفاه بذلك ذماً للحرص؛ فالحريص يضيع زمانه الشريف، ويخاطر بنفسه في الأسفار وركوب الأخطار لجمع مال ينتفع به غيره. النوع الثاني: من الحرص على المال أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول، حتى يطلب المال من الوجوه المحرمة، ويمنع الحقوق الواجبة، فهذا من الشح المذموم، قال الله تعالى: [وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [التغابن: ١٦] . وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم: حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) [١٧] . وإنما يصير حب المال مذموماً إذا كان سبباً في ارتكاب المعاصي أو ترك الواجبات، يقول شيخ الإسلام في هذا الصدد: (حب المال والشرف يفسد الدين، والذي يعاقب عليه الشخص هو الحب الذي يدعو إلى المعاصي مثل الظلم والكذب والفواحش، ولا ريب أن فرط الحرص على المال والرياسة يوجب ذلك، أما مجرد حب القلب إذا كان الإنسان يفعل ما أمر الله به ويترك ما نهى عنه، ويخاف مقام ربه، وينهى النفس عن الهوى؛ فإن الله تعالى لا يعاقب على مثل هذا إذا لم يكن معه عمل. وجمع المال إذا قام فيه بالواجبات ولم يكتسبه من الحرام لا يعاقب عليه، لكن إخراج الفضل والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم، وأفرغ للقلب وأجمع للهم، وأنفع للدنيا والآخرة، وقد قال: (من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله، وجعل فقره في عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع الله عليه ضيعته وأتته الدنيا وهي راغمة) [١٨] . وينبغي التوسط إزاء المال بين الشره والانهماك عليه، وبين تركه والإعراض عنه؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال: (لا والله ما أخشى عليكم إلا ما يُخرِج الله لكم من زهرة الدنيا) ، فقال رجل: يا رسول الله! أوَ يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ ثم قال: كيف قلتَ؟ قال: يا رسول الله! أوَ يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول الله: (إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً، أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت، ثم اجترّت فعادت فأكلت، فمن أخذ مالاً بحقه بورك له فيه، ومن أخذ مالاً بغير حقه؛ فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع) متفق عليه. وقد شرح ابن القيم هذا الحديث وبيّن المسلك الوسط تجاه المال فقال: (قوله: (إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم (هذا من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والمسرة فيها، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع فتأكل منه بأعينها فربما هلكت حبطاً، (والحبط انتفاخ بطن الدابة من الامتلاء أو من المرض) ، فكذلك الشرِه في المال يقتله شرهه وحرصه، فإن لم يقتله قارب أن يقتله، وهو قوله: (أو يلم) ، وكثير من أرباب الأموال إنما قتلهم أموالهم؛ فإنهم شرهوا في جمعها واحتاج إليها غيرهم، فلم يصلوا إليها إلا بقتلهم أو ما يقاربه من إذلالهم وقهرهم. وقوله: (إلا آكلة الخضر) هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته، مثّله بالشاة الآكلة من الخضر بقدر حاجتها، أكلت حتى امتلأت خاصرتاها. .. وفي قوله: (استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت) ثلاث فوائد: أحدها أنها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبلة الشمس لتستمرئ بذلك ما أكلته. الثانية: أنها أعرضت عما يضرها من الشره في المرعى وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها إنضاح ما أكلته وإخراجه. الثالثة: أنها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى في بطنها فاستراحت بإخراجه، ولو بقي فيها لقتلها، فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت هذه الشاة ... وفي هذا الحديث إشارة إلى الاعتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل بكثرته، وبين الإعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعاً. وتضمّن الخبر أيضاً إرشاد المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوته وصحته في بدنه وقلبه وهو الإخراج منه وإنفاقه ولا يحبسه فيضره حبسه) [١٩] . وإذا تقررت هذه الوسطية تجاه المال فإن على العلماء والدعاة خصوصاً أن يُعْنَوْا بتحقيق الكفاف والاستغناء عن الناس كما يُعْنَوْا بالزهد والتقلل من الدنيا؛ فإن استغناء العلماء عن الناس عموماً والحكام خصوصاً من أعظم الأسباب في حفظ مكانة العلماء وعظم شأنهم. يقول سفيان الثوري ﵀: (لأن أخلّف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها أحب إليّ من أن أحتاج إلى الناس ... ولولا هذه الدراهم لتمندل بنا هؤلاء الملوك) [٢٠] . يقول ابن الجوزي حاثاً على الاستغناء عن الناس: (ليس في الدنيا أنفع للعلماء من جمع المال للاستغناء عن الناس، فإنه إذا ضم إلى العلم حيز الكمال، وإن جمهور العلماء شغلهم العلم عن الكسب، فاحتاجوا إلى ما لا بد منه، وقلّ الصبر فدخلوا مداخل شانتهم وإن تأوّلوا فيها ... ولقد رأينا جماعة من المتصوفة والعلماء يغْشون الولاة لأجل نيل ما في أيديهم؛ فمنهم من يداهن ويرائي، ومنهم من يمدح بما لا يجوز، ومنهم من يسكت عن منكرات إلى غير ذلك من المداهنات، وسببها الفقر، فعلمنا أن كمال العز وبُعد الرياء إنما يكون في البعد عن العمال الظّلَمَة، ولم نرَ من صح له هذا إلا في أحد رجلين: أما من كان له مال كسعيد بن المسيب كان يتجر في الزيت وغيره، وسفيان الثوري كانت له بضائع، وابن المبارك. وأما من كان شديد الصبر قنوعاً بما رزق وإن لم يكفه كبشر الحافي وأحمد بن حنبل؛ ومتى لم يجد الإنسان كصبر هذين، ولا كمال أولئك، فالظاهر تقلبه في المحن والآفات، وربما تلف دينه. فعليك يا طالب العلم بالاجتهاد في جمع المال للغنى عن الناس؛ فإنه يجمع لك دينك، فما رأينا في الأغلب منافقاً في التدين والتزهد والتخشع، ولا آفة طرأت على عالم إلا بحبّ الدنيا، وغالب ذلك الفقر، فإن كان من له ما يكفيه ثم يطلب بتلك المخالطة الزيادة فذلك معدود في أهل الشّرَهِ، خارج عن حيّز العلماء) [٢١] . * والمقصود أن على العبد أن يقنع بالكفاف من هذا المال، مما يحتاجه في مطعمه ومشربه ومسكنه وملبسه ونحو ذلك، وأن يطلب ذلك من الله تعالى وحده ويرغب إليه فيه، وأن لا يكون سائلاً للمال بلسانه إلا لضرورة أو مستشرفاً إليه بقلبه. وأما ما لا يحتاج إليه العبد فلا ينبغي له الاشتغال به؛ لأن ذلك يؤول إلى تعلق القلب بالمال واستعباده له، كما يفوت عمره في تحصيل رزق مقسوم، وقد يحمله الحرص على المال على اكتسابه بالحرام ومنع الحقوق الواجبة. شهوة الرياسة: شهوة حب الرياسة والمنصب إحدى الشهوات التي استعبدت كثيراً من الناس وأحكمت على أفئدتهم، فصارت الولايات والمناصب وما يتبعها من الشهرة والظهور مقصودهم ومرادهم. وقد سبق إيراد حديث كعب بن مالك ﵁ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه) [٢٢] . يقول الحافظ ابن رجب ﵀ في شرح هذا الحديث: (فأخبر النبي - ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم، بل إما أن يكون مساوياً وإما أكثر، يشير أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل، كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إلا القليل. فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا) . إلى أن قال: (وأما حرص المرء على الشرف فهو أشد إهلاكاً من الحرص على المال؛ فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها، والرياسة على الناس والعلو في الأرض أضر على العبد من طلب المال، وضرره أعظم والزهد فيه أصعب؛ فإن المال يبذل في طلب الرياسة والشرف) [٢٣] . ثم ذكر ﵀ أقسام الحرص على الشرف فقال: (والحرص على الشرف قسمان: أحدها: طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال، وهذا خطر جداً، وهو في الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزها. قال الله تعالى: [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص: ٨٣] ، وقلّ من يحرص على رياسة الدنيا بطلب الولايات فيوفق بل يوكَل إلى نفسه) . إلى أن قال: (ومن دقيق آفات حب الشرف: طلب الولايات والحرص عليها، وهو باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله العارفون به المحبون له.... واعلم أن حب الشرف بالحرص على نفوذ الأمر والنهي، وتدبير أمر الناس إذا قُصِدَ بذلك مجرد علو المنزلة على الخلق، والتعاظم عليهم، وإظهار صاحب هذا الشرف حاجة الناس وافتقارهم إليه، وذلهم له في طلب حوائجهم منه؛ فهذا نفسه مزاحمة لربوبية الله وإلهيته. القسم الثاني: طلب الشرف والعلو على الناس بالأمور الدينية كالعلم والعمل والزهد؛ فهذا أفحش من الأول، وأقبح وأشد فساداً وخطراً؛ فإن العلم والعمل والزهد إنما يُطلب به ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، والقربى منه والزلفى لديه ... ) [٢٤] . ومما يؤكد خطر هذه الشهوة أن جنس بني آدم مولع بحب الرياسة والظهور، كما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (إن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس؛ رأى الواحد يريد نفسه أن تطاع وتعلو بحسب الإمكان، والنفوس مشحونة بحب العلو والرئاسة بحسب إمكانها، فتجده يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه، وإنما معبوده ما يهواه وما يريده) ... إلى أن قال: (فإن كان مطاعاً مسلماً طلب أن يطاع في أغراضه وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية لله، ويكون من أطاعه أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه، وهذه شعبة من حال فرعون وسائر المكذبين للرسل. وإن كان عالماً أو شيخاً أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره، وربما أبغض نظيره حسداً وبغياً..) [٢٥] . إن حب الرئاسة وطلبها لا ينفك عن مفاسد متعددة وشرور متنوعة، وقد أشار ابن رجب إلى بعضها بقوله: (واعلم أن الحرص على الشرف يستلزم ضرراً عظيماً، قبل وقوعه في السعي في أسبابه، وبعد وقوعه بالحرص العظيم الذي يقع فيه صاحب الولاية من الظلم والتكبر، وغير ذلك من المفاسد) [٢٦] . وقال في موضع آخر: (إن حب المال والرئاسة والحرص عليهما يفسد دين المرء حتى لا يبقى منه إلا ما شاء الله ... والنفس تحب الرفعة والعلو على أبناء جنسها، ومن هنا نشأ الكبر والحسد) [٢٧] . وذكر ابن القيم ﵀ بعض مفاسد هذه الشهوة، فقال: (إن طلاب الرياسة ليسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض، وتعبّد القلوب لهم، وميلها إليهم، ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق الله، وتعظيم من حقّره الله، واحتقار من أكرمه الله، ولا تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تُنال إلا به وبأضعافه من المفاسد، والرؤساء في عمىً عن هذا؛ فإذا كُشف الغطاء تبيّن لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حُشِروا في صُوَرِ الذرّ يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتصغيراً كما صغّروا أمر الله وحقروا عباده) [٢٨] . وإذا تقرر ذم حب الرياسة وبيان مفاسدها، فإن حب الإمارة للدعوة إلى الله تعالى يفارق حب الرياسة؛ فإن مقصود هذه الإمارة تعظيم الله تعالى وأمره، وأما مقصود حب الرياسة فهو تعظيم النفوس والسعي في حظوظها، وأئمة العدل وقضاتهم لا يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده وإفراده بالعبودية، ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى الله وحده. فمن سأل ربه أن يجعله للمتقين إماماً يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين لم يضره ذلك، بل يُحمد عليه؛ لأنه داعٍ إلى الله يحب أن يعبد ويطاع، فهو يحب ما يكون عوناً على ذلك موصلاً إليه [٢٩] . إن على أهل العلم وطلابه أن يحذروا من شهوة حب الرياسة والشهرة، فإنه داء عضال ينبغي المسارعة في علاجه بالتوبة إلى الله تعالى وتزكية النفس ومحاسبتها. يقول سفيان الثوري ﵀: (الرياسة أحب إلى القراء من الذهب الأحمر) [٣٠] . وقد تحدث أبو الفرج ابن الجوزي عن أولئك العلماء المولعين بالرياسات والشهرة فقال: (واليوم صارت الرياسات من كل جانب، وما تتمكن الرياسات حتى يتمكن من القلب: الغفلة، ورؤية الخلق، ونسيان الحق؛ فحينئذ تطلب الرياسة على أهل الدنيا. ولقد رأيت من الناس عجباً حتى من يتزيا بالعلم، إن رآني أمشي وحدي أنكر عليّ، وإن رآني أزور فقيراً عظّم ذلك، وإن رآني أنبسط بتبسم نقصت من عينه، فقلت: فوا عجباً هذه كانت طريق الرسول ﷺ والصحابة ﵃، فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه، لا جَرَمَ واللهِ! سقطتم من عين الحق، فأسقطكم من عين الخلق ... فالتفِتوا إخواني إلى إصلاح النيات، وترك التزين للخلق، ولتكن عُمدتكم الاستقامة مع الحق؛ فبذلك صعد السلف وسعدوا) [٣١] . وفي ختام هذه المقالة نسأل الله تعالى أن يرزقنا الهدى والتقوى والعفاف والغنى، وأن يجنبنا شهوات الغي ومضلات الهوى، وبالله التوفيق.

стр. 2989

دراسات تربوية الرابطة الإيمانية حقوقها آدابها أهدافها عبد الحكيم بن محمد بلال يستمد المسلم سعادته في هذه الحياة من أمرين: أولهما: حسن الصلة بالله تعالى. وثانيهما: حسن الصلة بعباد الله المؤمنين. الذين عقد الله بينهم رباط الأخوة الإيمانية. وهذه الرابطة هي الركيزة الأساس بعد الإيمان بالله الذي هو أساسها؛ حيث أمر الله بالاجتماع على أساس الإيمان فقال: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ] [آل عمران: ١٠٢] ، ثم قال: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] ، ثم امتنّ بهذه النعمة الجليلة فقال: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً] [آل عمران: ١٠٣] [١] . فلا أخوة بلا إيمان: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] ، ولا صداقة بلا تقوى: [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ] [الزخرف: ٦٧] ، وإذا انعدمت الصلة الروحية الإيمانية التقت الأجساد على المصالح الذاتية، والمنافع الشخصية. وهذه الرابطة هي قوام المجتمع. وقد كانت الدعامة الثانية - بعد بناء المسجد- في تأسيس دولة الإسلام في المدينة بُعَيد هجرة النبي. ولقد كانت قصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الأحلام، وهي قصة وقعت في الأرض، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان. وفي المقابل فإن انفكاك هذه الرابطة هو سبب الفشل والضياع، قال تعالى: [وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] ؛ لذا عمل الإسلام على توثيق عرى الأخوة ببيان فضائلها ومقاصدها وثمراتها ووسائل تعميقها، ووعد عليها أحسن الجزاء، واعتبرها وسيلة لكثير من المقاصد والغايات الشرعية العامة. وهذه النقاط هي محور الحديث. وحتى يكون الحديث مجدياً فلا بد أن يكون وسطاً بين المثالية المغرقة، وبين إقرار الواقع على علاته [٢] . فضائل الأخوة: ١- الأخوة أوثق عرى الإيمان، وتحقيقها عبادة من أعظم العبادات، بل هي من كمال الإيمان. قال: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) [٣] ، وبها تُتَذوق حلاوته، قال: (من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء، لا يحبه إلا لله [٤] والموالاة على أساس الإيمان منهج أولياء الله تعالى، قال : [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ] [المجادلة: ٢٢] . فهي طريق إلى ولاية الله . ٢- وبالأخوة تُستجلب محبة الله تعالى، كما في الحديث القدسي: (وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ) [٥] . ٣- والأخوة سبيل إلى ظل عرش الله تعالى، فمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) [٦] . ٤- والأخوة سبب لعلو المكان في الآخرة، ودخول الجنة؛ فالمتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم الأنبياء والشهداء [٧] ، وجوههم نيّرة، وقلوبهم آمنة، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ٥- وهي عماد التعاون على البر والتقوى، وهو أمر لا يُتصور حصوله من الفرد؛ وذلك أن الأخوة قوة إيمانية تورث الشعور بالمحبة والثقة والارتباط، الذي بدوره يولد أصدق العواطف في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار والرحمة والعفو والتكافل، وفي اتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم [٨] . ٦- أنها تعتبر سبباً لتحصيل أجور عبادات لا تحصل إلا بها، وهي ما كان من باب حقوق الأخوة وآدابها، ومن ذلك: أ - المصافحة: وهي من أسباب المغفرة، لحديث النبي: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان، إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا) [٩] . ب - عيادة المريض: ففي الحديث: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً) [١٠] . ٧- والأخوة أيضاً طريق للنجاة من وعيد الله تعالى الذي توعد به من آثر الدنيا على محبة الله؛ حيث قال: [فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاًتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] [التوبة: ٢٤] . مقاصد الأخوة وثمراتها: ١- لا يخفى أن المقصود من الأخوة: التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالصبر. ورعايةً لهذا المقصود النبيل؛ فإنه يلزم اختيار الأخ والصديق على هذا الأساس؛ بحيث يكون معيناً على طاعة الله ومرضاته، فإن أقل ما يستفيده الأخ من أخيه: الانكفاف بسببه عن المعاصي؛ رعايةً للصحبة، وتنافساً في الخير [١١] . ٢- وهناك مقصود آخر لا يقل أهمية عن الأول وهو: الاستعانة على نوائب الدهر، وحاجات الزمان، وإنما يحتاج الإنسان (إخوان العُشرة لوقت العسرة) [١٢] ، وقال القاسم بن محمد: (قد جعل الله في الصديق البار المقبل عوضاً من ذي الرحم العاق المدبر) [١٣] . وانظر كيف سأل موسى ﵇ ربه أن يجعل معه أخاه هارون وزيراً. ٣- وحين نوسّع النظرة نرى الأخوة رباط المجتمع وعماده، وصمام أمانه، وسرّ قوته. ويوم أن يكون المؤمنون جسداً واحداً فإنه يستحيل لقوة بشرية - كائنة ما كانت - اختراقهم، إلا حين يدب الداء من داخلهم. ويوم يتحقق الجسد الواحد نرى النتائج الطيبة التي حققها الرعيل الأول حين نشروا الإسلام في أرجاء المعمورة، وانبثقت عنهم حضارة الإسلام [١٤] . وبالجملة: فإن أقل ما تستفيده من الأخ: (أن يحفظك في حضرتك ومغيبك، وأن تنفعك محبته ودعاؤه في حياتك ومماتك، وأن يدافع عنك، وقد يعرّفك ويصلك بمن تستفيد منهم) [١٥] لدنياك وآخرتك. لأجل هذه الأمور ونحوها كان ابتعاد المسلم عن إخوانه وانقطاعه عنهم عقوبة من أعظم العقوبات، قال الشافعي: (ضياع العالم أن يكون بلا إخوان) [١٦] . وهل كانت عقوبة الثلاثة الذين خُلّفُوا ﵃ إلا بقطع صلتهم عن إخوانهم وحجبهم عنهم؟ ولا عجب فإن المؤمن بلا إخوان كعضو بُتر من جسد؛ فإن النبي- ﷺ قد شبه المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وجعل مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى [١٧] . شرائط الأخوة وضوابطها: إن من ينشد تلك الفضائل والمقاصد من علاقة يقيمها هو وفق هواه كمن ينشد الماء في السراب؛ فإن ذلك مكسب كبير لا يتأتى إلا من علاقة خاصة تتوجها الحلل الآتية: ١- كونها خالصة لوجه الله تعالى، مجردة من المقاصد المادية؛ ففي الحديث أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله . قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه [١٨] ، وإلى هذا المعنى تشير النصوص العامة في اشتراط الإخلاص في كل عمل، وبخاصة الواردة في المؤاخاة والمحبة. ٢- اقترانها بالإيمان والتقوى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] ، وبيّن تبدد العلاقات إلا ما كان عماده التقوى، فقال: [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ] . [الزخرف: ٦٧] ٣- التزامها منهج الإسلام وتعاليمه: وإليه يلمح قوله ﷺ في نعت الأخوة الموصلة إلى ظل الله تعالى: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) . ٤- قيامها على النصح: ولمكانة هذا الشرط استحق أن تؤخذ عليه العهود، قال جرير بن عبد الله البجلي: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) [١٩] ، وإذا كان ذلك لعامة المسلمين فهو لخاصة الأصحاب أوْلى بالمراعاة. ٥- التعاون على البر والتقوى: وهو الهدف الأول من عقد الأخوة، واختلاله يؤذن بزوالها وتحولها. ٦- التكافل والتباذل والتضحية والتعاون على ضرورات المعيشة وحاجاتها، وهو أمر من الجلاء بحيث لا تخفى نصوصه الآمرة به، كحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [٢٠] ، وحديث: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٢١] ونحوها. من تُصاحب؟ قديماً قيل: قلْ لي من تصاحب أقل لك من أنت. ومصداقه قول النبي: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) [٢٢] . وعليه فاختيار الصديق مرحلة خطيرة تشبه مرحلة اختيار الزوجة من حيث أنها تشكل منعطفاً في حياة المرء له ما بعده. أما خصال ذلك الصاحب المراد اختياره فتُجمَل في أمور: ١- سلامة دينه من البدعة والفسق وإيثار الدنيا؛ وذلك لأن من شروط الصحبة قيامها على الإيمان والتقوى. ٢- حسن خلقه وطيب قوله. ٣- دوام نصحه، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر. ٤- استعداده لبذل المعروف وكف الأذى، وإيثاره على نفسه. ٥- سلامة عقله، وحسن اختياره، وسداد رأيه؛ لشدة تأثيره على صاحبه في ذلك [٢٣] . ومن ذلك جِدّه في حياته، وحسن استغلاله وقته، فإن من أعظم الضرر صحبة البطالين، وهم من ليسوا في شغل نافع من أمر دينهم أو دنياهم، وإن كان ظاهرهم الصلاح؛ فإن هؤلاء أكبر مضيع للحياة، ولقد كان للسلف تدابير وخطط في التعامل مع هؤلاء، وتوقي ضررهم ... أما قول وهب بن منبه: (استكثرْ من الإخوان ما استطعت، فإن استغنيت عنهم لم يضروك، وإن احتجت إليهم نفعوك) [٢٤] فينبغي حمله على من تصح مؤاخاته ممن توفرت فيه شرائط المؤاخاة المتقدمة. ومن المقرر: أن الرجال أنواع وأصناف ودرجات، ولكل منهم منزلة ومكانة؛ فالواجب إنزال الناس منازلهم، وأن تمنح من وقتك وجهدك لكل منهم ما يليق به، ويتناسب مع مستواه، ولذا كان من أعسر الأمور، إدارة العلاقات الاجتماعية، لحاجتها إلى فهم النفسِيّات وحسن التعامل معها. وسائل تعميق الأخوة: لقد شرع الله كثيراً من العبادات الجماعية التي تقوي الصلة بين المسلمين، كصلاة الجماعة والجمعة، وصلاة العيدين والحج، وشرع أيضاً عبادات أخرى تحقق التكافل والتعاون بينهم كالصوم والزكاة، وأوجب حقوقاً وواجبات متبادلة بين الأرحام والجيران، وتزداد إذا كان القريب أو الجار مسلماً صالحاً. كما شرع كثيراً من المعاملات التي تزيد روابط المجتمع وثوقاً كالقرض والحوالة، وحرّم أخرى كالبيع على البيع، والشراء على الشراء، والخِطبة على الخِطبة، والنجش والربا، وقرر أصولاً في التعامل: كالصدق والبيان لعيوب السلعة، والخيار، والوزن بالقسط [٢٥] . وإن من أعظم ما يعمق الأخوة أمرين: القيام بحقوق الأخوة، والتزام آدابها. وبين هذين الأمرين تشابه واشتراك وتداخل، ولكن الحقوق أوجب وألزم من الآداب. والآداب هي مكان من باب الاستحباب، وقد يقوى بعضها فيصير واجباً لما يقترن به من القرائن. أولاً: حقوق الأخوة: وهي حقوق واجبة الوفاء، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام والحج، فهي واجبة بنص الشارع على المسلمين بعضهم لبعض، وتتأكد أكثر في حق من تربطك بهم علاقة أخرى، كالاجتماع على الخير والعلم والعبادة والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن تلك الحقوق: إفشاء السلام، ورده، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر المظلوم، وإجابة الدعوة، وبذل النصيحة وقبولها [٢٦] . ومن حقوق الأخوة: ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) [٢٧] . وهذا الحديث مأخوذ من قول الله تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] فإذا كانوا إخواناً أُمروا بما يوجب الألفة، ونُهوا عما يوجب الفرقة، وهذا من ذلك. وهذا كقوله: (وكونوا عباد الله إخواناً) ، فإن فيه الأمر باكتساب ما يصير به المسلمون إخواناً على الإطلاق، ويدخل فيه أداء الحقوق لواردة في الحديث، وغيرها [٢٨] . ولعظم حق المسلم كان النبي ﷺ يخطب بالجملة الأخيرة من الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه) في المجامع العظيمة: في عرفة، والنحر، واليوم الذي بعده. ورعاية لحرمة المسلم حرّم الشارع السرقة، والغيبة، والترويع، والمزاح بأخذ متاع المسلم، والتناجي دونه [٢٩] وخلاصة هذه الحقوق كلها: ما ثبت في الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [٣٠] . أما الأخوة الخاصة وهي الصحبة في سبيل الله والعمل لدينه فإن حقوقها أوجب وآكد، وتختص بحقوق أخرى كالسعي في قضاء الحاجات بالمال والنفس والجاه والوقت والتضحية بالراحة [٣١] فكما أن لها من المنزلة أعلاها، فكذلك لها من الحقوق الأخوية أكملها وأوجبها، من السؤال وتفقّد الأحوال، وسد الحاجات، والوفاء للأخوة والثبات عليها، وترك التكلّف حتى لا يُشْعِر الأخ أخاه أنه غريب فيُحوجه إلى الاعتذار عند كل هفوة [٣٢] . ثانياً: آداب الأخوة: وهي كثيرة يجمعها أدب المعاشرة بحسن الخلق؛ فإن الألفة التي هي حقيقة الأخوة إنما هي: (ثمرة حسن الخلق، والتفرّق ثمرة سوء الخلق؛ لأن حسن الخلق يوجب التحابب والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتدابر) [٣٣] قال: (وخالق الناس بِخُلق حسن) [٣٤] ، وقال: (من أحب أن يُزحزَح عن النار ويُدخَل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤتى إليه) وهذه قاعدة عظيمة جليلة، وأصل جامع، يبين حقيقة اجتماعية صاغها الحسن ﵀ في قوله: (اصحب الناس بما شئت أن تصحبهم؛ فإنهم سيصحبونك بمثله) [٣٥] . ومن آداب الأخوة: ١- إعطاء كل واحد من الإخوان حقه، على اختلاف منازلهم؛ بحيث لا يوغر صدور بعضهم على بعض. ٢- الصفح عن العثرات، واحتمال الأخطاء؛ لأنها من طبيعة البشر، وستر العيوب وتحسينها، وملازمة الحياء منهم. ٣- بشاشة الوجه ولطافة اللسان، وسعة القلب، وسلامة الصدر، وقبول النصيحة منهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه. ٤- إحسان الظن بهم، وحمل كلامهم على أحسن الوجوه، وقبول أعذارهم، ومعرفة نفسياتهم. ٥- ملازمة الأخوة وعدم قطعها أو الملل منها؛ إلا بعد استنفاد الفرص الممكنة لالتماس العذر، كما فعل الخضر مع موسى ﵉، والتواضع، وحفظ المودة القديمة، وحفظ الأسرار. ٦- موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة؛ وذلك سبب عظيم لبقاء الصحبة وتأكدها، وعسكه بعكسه [٣٦] . ٧- إخبار الأخ لأخيه أنه يحبه، ففي الحديث: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه) [٣٧] . ٨- تَبَنّي مشاريع عامة لصالح المسلمين، أو المشاركة فيها، والتفاعل معها، من أبلغ الوسائل تعميقاً للأخوة. ومن آداب الأخوة أيضاً: المشاورة، وقبول الرأي الصائب والإيثار، والدفاع عن أعراض الإخوان والذب عنهم، والانتصار لهم، والحرص على خدمتهم، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم، والوفاء لهم بعد مماتهم، والتودد إليهم بصنائع المعروف، وزيارتهم، ومواساتهم بالمال، والصبر على جفائهم وإكرامهم، وإكرام أهل الصاحب وأولاده. ومنها: حسن الاستماع، والهدية، والدعاء بظهر الغيب، والانبساط في اعتدال والصبر واحتمال الأذى. قال أصحاب طب القلوب: (إذا قصّر الأخ في حق أخيه فالواجب الاحتمال والعفو والصفح، إلا إذا كان بحيث يؤدي استمراره إلى القطيعة؛ فالعتاب في السر خير من القطيعة، والتعريض به خير من التصريح، والمكاتبة خير من المشافهة، والاحتمال خير من الكَل) [٣٨] ، - وترك الجفاء فالأخوة لا تزيد بالصلة ولا تنقص بالانقطاع، ودوام المودة وتقارب القلوب، فـ (ليس كل غيبة جفوة، ولا كل لقاء مودة، وإنما هو تقارب القلوب) [٣٩] . ومنها: ... مراعاة النفسِيّات، وعدم المواجهة بالعتاب، وأن لا يكون الأخ ثقيلاً. ومما يتأكد تركه واجتنابه: الحسد، وإخلاف الوعد، وما يؤذي، والمخالفة في أمور الدنيا، والغضب، والمنّ بالمعروف، وقبول الوشاية والنميمة، والهجر والتدابر والمقاطعة، والاحتجاب عن الإخوان لغير سبب، والملامة والعتاب، والتمادي في المماراة والجدال والخصام، والانتقام والتشفي، والمبالغة في المدح والإطراء. آفات المؤاخاة ومفسداتها [٤٠] : وهي أمر ينبغي أن لا يُغفل عنه. ولا يعني ذكر الآفات التقليل من قيمة الأخوة، وإنما المقصود صيانتها مما يمسّها. فمن تلك الآفات: ١- الإخلال بحقوق الأخوة وآدابها؛ مما يفصم عرى الأخوة، أو يضيع مقصودها. ومن صور الإخلال: ترك النصرة والنصيحة، وترك آداب الحديث والمحادثة، وضعف الاحترام، وكثرة النقد والجدال والمعارضة، والاعتداد بالرأي، وضيق العطن، والنصيحة في العلن، وتصديق النمّامين والحاسدين، وإذاعة السر، والتدخل في خصوصياته، أو عدم الاكتراث بمشاكله وظروفه، والحرص على إظهار الذات، وتحقيق الوجاهة من خلاله، وإخلاف المواعيد والاتفاقات دون عذر، وكثرة تحديث الأخ بما يغمه ويسوؤه. ٢- طلب الكمال: لذا ينبغي أن يُعلم أن الأخوة: جهد بشري، وأن الدنيا لا تخلو من منغصات، بدليل أن الشرع أباح الهجر دون ثلاث، وإنما يطيب العيش في الجنة، ولا يخفى ما حصل بين خيرة الأمة. ٣- الأثرة وحب النفس، وتقديم حاجاتها مطلقاً على ضرورات الأخوة وحاجاتهم، وهو مناقض لمقصد الأخوة أصلاً. ٤- دخول رابطة من روابط الجاهلية؛ كرابطة الجنس أو النسب أو العشيرة أو الوطنية أو المصالح المشتركة، بحيث تؤثر على الرابطة الأساس التي قامت عليها الأخوة. ٥- الإفراط في المعاتبة والنظر إلى السلبيات دون الإيجابيات، وترك الاعتذار أو التسامح. يروى عن رجاء بن حيوة أنّه قال: (من لم يؤاخِ إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرضَ من صديقه إلا بالإخلاص دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه) [٤١] . ٦- تصيّد الأخطاء؛ فإن ذلك يوغر الصدر، وهو مناقض لمقصد النصيحة وحسن الظن، ثم إن (كل ابن آدم خطاء، فخير الخطائين التوابون) [٤٢] ، وأيضاً فإن كل متصيد لعيب غيره، غافل عن عيوب نفسه. ٧- سوء الظن: وهو جالب للهم والغم، ومتضمن ظلم المظنون فيه، فكم ظُنّ في رجل سوءٌ، وعومل على أساسه سنوات دون علمه، ومن غير سؤاله والاستفسار منه، ثم تبين خلاف ذلك. ٨- كثرة المخالطة بحيث تُقصد لذاتها ولمجرد المؤانسة، فتصرف عن المقصود، وتضيع الوقت، وتؤثر في القلب. ومع كثرة المخالطة تكثر الزلاّت والعثرات، وتزول الكلفة، ويتولد من التزين والبطالة الضيق عن العفو فيكثر العقاب والتأنيب واللوم والمحاسبة، وحينئذٍ اقرأ على الأخوة السلام؛ لأن الأخوة النافعة هي التي تُذكّر بالآخرة، وتعين على البر والتقوى، فإن غاب هذا القصد، حل مكانه التزين والبطالة. كما ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب الفوائد [٤٣] . ٩- ضعف الاحتكام إلى شرع الله، والإعراض عن الضوابط الشرعية التي تحكم علاقات الناس. ١٠- الطمع في الدنيا، وفيما في أيدي الناس؛. ففي الحديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) [٤٤] . ومن تمام أخوة الصادقين أنهم [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [الحشر: ٩] . ولذا قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [٤٥] . ١١- التفريط في الطاعات، وعمل المخالفات. قال النبي: (ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يُحْدثهُ أحدهما) [٤٦] . ١٢- برود العاطفة، وضعف الحنين والشوق، فتفتقد الأخوة وقودها الذي يخفف عن النفس القيام بحقوقها؛ فإن المحبة الصادقة والعاطفة الجياشة تحمل الأخ على الدعاء لأخيه، والقيام بحقوقه، والإحساس بقيمته وخطورة فقده. وفي الحديث: (ما تحابّ رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه) [٤٧] . ... ١٣- التحفظ والتكلف والإثقال على الصاحب، ومراقبته في قيامه بحقوق الأخوة نحوك، قال ابن تيمية: (العارف لا يرى له على أحد حقاً، ولا يشهد له على غيره فضلاً، ولذلك لا يعاقب ولا يطالب) [٤٨] . ١٤- التفريط في إظهار المحبة أو ما يدل عليها وما يستجلبها ويزيدها، كإعلامه بالمحبة. قال: (إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله، فليخبره أنه يحبه لله) [٤٩] ، وكالهدية والشكر والثناء بالدعاء أو غيره. ١٥- إهمال الدفاع عنه في غيبته؛ فإن ذلك ترك لحق النصرة، وخذلان للأخ، وإذا سمعت ذم أخيك فافترض أحد أمرين: أ - أن الذي قيل فيه قيل فيك وهو حاضر، فتقول ما تحب أن يقوله. ب - أن تقدر أنه حاضر وراء جدار يتسمع إليك، وليكن الحال حال حضوره مثله في غيبته [٥٠] . ١٦- التلهي عنه بغيره، وقلة الوفاء. وقد كان ﷺ يحسن إلى صديقات خديجة ﵂، ويقول: (إن حسن العهد من الإيمان) [٥١] . ١٧- الإفراط والغلو في المحبة، قال: (أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما) [٥٢] .

стр. 2990

مراجعات في السيرة والتاريخ أحداث بيعة العقبة الثانية رؤية إدارية وتربوية (١ /٢) جمال الحوشبي الاجتماع هو لقاء بين شخصين أو أكثر يدور حول أفكار وعواطف متبادلة، وله هدف محدد يسعى الأفراد المجتمعون إلى تحقيقه. وبمقدار تحقق الهدف أو عدم تحققه يُحكم بنجاح أو إخفاق ذلك الاجتماع مهما بلغت الإمكانات المادية في التحضير والإعداد له. كلما قرأت أحداث بيعة العقبة الثانية، كانت تستوقفني أسئلة ملحة تبحث عن إجابة واضحة: هل من المعقول أن ينتهي ذلك الاجتماع قُبيل الفجر بالرغم من كل ما دار فيه من محاورات وأحاديث، وبوجود ذلك العدد الضخم من المجتمعين؟ هل كان هناك سر في تحديد اللقاء أوسط أيام التشريق بالذات؟ هل من حكمة في تحديد خروج الأنصار بعد منتصف الليل؟ ما هي الفائدة النظامية من جراء اختياره - ﷺ للنقباء الاثني عشر؟ وغيرها من الأسئلة. إن الواجب علينا ونحن نخوض في مجريات هذه الأحداث أن نعلم أنه بالرغم من كونه اجتماعاً بشرياً محضاً ضم الرسول ﷺ والوفد المسلم من حجاج المدينة؛ إلا أن رعاية الله وتوفيقه كانت من أكبر عوامل النجاح.. ومن دلائل تلك الرعاية والمعية الربانية حفظ الاجتماع من مبدئه إلى منتهاه أن يظل بعيداً عن أنظار أهل منى من جهة، وعن أنظار قريش من جهة أخرى. غير أنّي لن أتعرض إلا لتلك التدابير البشرية التي أسهمت في إنجاح ذلك الاجتماع فحسب. عوامل نجاح هذا الاجتماع الكبير: مما يدل على نجاح ذلك الاجتماع الدعوي: ١- حسن الإعداد له والتحضير لفعالياته؛ مما يؤكد أنه ليس وليد اللحظة، وأنه لم تحركه العاطفة فحسب.. ولقد استغرق الإعداد لهذا اللقاء المهم طيلة ثلاث سنوات؛ بدءاً من العام الحادي عشر من البعثة؛ حين التقى النبي -صلى الله عليه وسلم- ستة من الأنصار في موسم الحج كلهم من الخزرج أثناء عرضه نفسه - ﷺ على قبائل العرب، فلما عرض عليهم الإسلام ودعاهم إلى عبادة الله أسلموا جميعاً، وبايعوا وانصرفوا دعاةً إلى قومهم.. وواعدهم عليه الصلاة والسلام العام القادم لينظر ما صنعوا في قومهم. فلما كان العام (١٢ للبعثة) أقبل اثنا عشر رجلاً من الأنصار، منهم خمسة من الستة الأُوَل وسبعة آخرون: عشرة من الخزرج واثنان من الأوس. وتم في هذا اللقاء المصغر عقد (بيعة النساء) التي كان من نتائجها إرسال الرسول ﷺ لمصعب وابن أم مكتوم إلى المدينة. كل ذلك ورسول الله ﷺ صابر مترقب؛ بالرغم مما كان يعصف بالمسلمين المضطهدين في مكة، وما كان يُنَكّل بهم. وفي العام (١٣ من البعثة) وقبيل موسم الحج بقليل رجع مصعب إلى مكة بعد أداء المهمة التي كُلّف بها والقيام بها خير قيام [١] ليخبر رسول الله ﷺ بعزم الأنصار على مبايعته في الموسم، وكان مصعب ﵁ هو المنسّق بين الطرفين. أقبل في هذا الموسم عدد كبير من مسلمي المدينة ضمن حجاج كثيرين من مشركي المدينة، وكان زعيمهم جميعاً البراء بن معرور. وبلغ عدد المسلمين في هذا الوفد سبعين رجلاً وامرأتين، منهم اثنا عشر نقيباً: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. وجرت بينهم وبين الرسول ﷺ اتصالات سرية أدت إلى الاتفاق على تحديد زمان ومكان اللقاء؛ لإبرام اتفاق من أعظم وأهم الاتفاقيات في تاريخ الإسلام [٢] . ٢- سرعة الاجتماع العجيبة في تحقيق الهدف الذي عُقد من أجله؛ فإذا علمنا أنه بعد أقل من شهر واحد فقط من عقد هذا الاجتماع بدأت وفود الصحابة بالهجرة العامة من مكة إلى المدينة؛ لأن المصلحة باتت متحققة في الهجرة إليها، والمفسدة متحققة في المكوث تحت أذى المشركين.. مع أن الهجرة أصلاً لم تكن محض اجتهاد؛ بل رأى النبي ﷺ دار هجرته في المنام بصفة تجمع بين المدينة وغيرها، ثم أُرِيَ الصفة المختصة بالمدينة فتعينت؛ فإذا علمنا كل ذلك تبين لنا مدى النجاح الذي حققه هذا الاجتماع. ٣- الإعداد الأوّلي للاجتماع كان ناجحاً لتركيزه على ثلاثة أركان رئيسة هي: أولاً: جودة اختيار المكان. ثانياً: الدقة في تحديد زمان اللقاء. ثالثاً: ضبط العدد [٣] . أحداث البيعة كما يرويها كعب بن مالك ﵁: قال كعب بن مالك: خرجنا في حُجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقُهنا، ومعنا البراء بن معرور، سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا: يا هؤلاء! إني قد رأيت رأياً فوالله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ فقلنا: وما ذاك؟ قال: رأيت ألاّ أدع هذه البَنِيّة مني بظَهر يعني الكعبة وأن أصلي إليها. فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا ﷺ يصلي إلاّ إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال: إني لمصلّ إليها. فقلنا له: لكنا لا نفعل. فكنّا إذا حضرت الصلاة صلّينا إلى الشام وصلّى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة وقد كنا عِبْنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك. فلما قدمنا مكة قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى نسأله عما صنعتُ في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ ، وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلاً من أهل مكة فسألناه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا: نعم وقد كنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجراً قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس، ورسول الله ﷺ جالس معه، فسلّمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك؛ فوالله ما أنسى قول رسول الله: الشاعر؟ قلت: نعم. فقال له البراء ابن معرور: يا نبي الله! إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألا أجعل هذه البَنِيّة مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنتَ على قبلةٍ لو صبرت عليها. قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ ، وصلّى معنا إلى الشام. ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلّمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً. ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد الرسول ﷺ إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيباً. فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نُسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي. قال: فاجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله ﷺ ، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلاّ أنه أحب أنه يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها إن محمداً منا حيث علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعةٍ من قومه وبلده. فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم! فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبياً، لنمنعنك مما نمنع من أُزُرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر! فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التّيَهان، فقال: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عَسَيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم، والهَدْم الهَدْم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم! وقد كان رسول الله ﷺ قال: (أخْرِجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم) ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. وكان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع بعدُ القوم. فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قطّ: (يا أهل الجباجب، هل لكم من مذمّم والصّباةُ معه، قد اجتمعوا على حربكم) ؟ فقال رسول الله: (هذا أزبّ العقبة، هذا ابن أزْيَب) ! ثم قال رسول الله: انفَضّوا إلى رحالكم. فقال له العباس بن عُبادة بن نَضْلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلَنّ على أهل منى غداً بأسيافنا! فقال رسول الله: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم) . فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جِلّةُ قريش، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم! فانبعث مَن هناك مِن مشركي قومنا يحلفون بالله: ما كان من هذا شيء، وما علمناه! وقد صدقوا، لم يعلموه. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. ونفر الناس من منى، فتَنطّس القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عُبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو وكلاهما كان نقيباً. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه بنَسْع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بِجُمّتِه، ﷺ وكان ذا شعر كثير. قال سعد: فو الله إني لفي أيديهم إذ طلع عليّ نفر من قريش، فيهم رجل وضيء أبيض، شعشاع حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة، فقلت في نفسي: والله ما عندهم بعد هذا من خير! فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني؛ إذ أوى لي رجل ممن كان معهم فقال: ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قلت: بلى، والله، لقد كنت أُجير لجُبَير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تُجّارَهُ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي؛ وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلاً من الخزرج الآن يُضرب بالأبطح ويهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جواراً. قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق والله، إن كان ليُجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يُظلموا ببلده! قال: فخلّصا سعداً من أيديهم، فانطلق [٤] . من هذا السرد الحي لأحداث الاجتماع تتضح لنا عناصر مهمة من عوامل النجاح فيه؛ فاللقاء إذن كان له طابع خاص لا يتناسب وطبيعة منى المكتظة بالحجاج من مشركي العرب ومشركي مكة الذين يتابعون تحركات النبي -صلى الله عليه وسلم- يسيرون معه حيثما سار، ويردون على قوله أمام الوفود التي يدعوها للإسلام. كما أن الهدف بحد ذاته يتطلب قدراً من السرية لئلا يعلم به أولئك المشركون الذين يملأون السهل والجبل. وخلاصة الأمر أن هذا النجاح يمكن أن يعود برمته بعد رعاية الله إلى القيادة الفذة التي رتبت مثل هذا اللقاء وأسهمت في إنجاحه، ثم إلى المعايير الخاصة للّقاء من حيث طبيعته وزمانه ومكانه، ثم إلى الأفراد المشاركين من مسلمي المدينة؛ الذين تقيدوا بالحضور والانصراف حسب الموعد المحدد للقاء، وضبطوا العدد لئلا يدخل فيه من ليس من أهله؛ بسرّية عجيبة تذهل العقول. وفيما يلي أتناول هذه الجوانب المهمة من الاجتماع التي أدت إلى نجاحه: أولاً: المهارة القيادية الفذة: الناظر في أقواله وأفعاله ﷺ طيلة هذا اللقاء تتحدد له سمات القائد الناجح الذي يعوّل عليه في مهمة عقد الاجتماعات الدعوية والقيام بها. ومن هذه السمات البارزة ما يلي: ١- متابعته لتطورات الأحداث في المدينة بعد اللقاء الأول في العام الحادي عشر من البعثة. ٢- توليه المباشر لمهمة التنسيق لهذا الاجتماع مع مصعب بن عمير -رضي الله عنه- قبيل موسم الحج بوقتٍ كافٍ. ٣- تحديد الهدف المطلوب ووضوحه قبل عقد الاجتماع. ٤- حكمته الفذة ﷺ في ترتيب لقاءاته الدعوية وتقديم الأهم فالأهم.. سواء أكان ذلك في الطرح والدعوة، أو في تهيئة جو اللقاء من حيث الزمان والمكان المناسبين. ٥- توقيت حضوره ﷺ للقاء ينطوي على حنكة لا تخفى على الخبراء في هذا المجال؛ فلم يكن هو أول الحضور، بل تأخر عنهم حتى يكتمل عدّهم، ويتوافى عددهم. فكانوا يقدمون فرداً تلو الآخر، كما قال جابر: (فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين.. إلخ) . حتى إذا اكتمل عددهم أقبل عليهم ﷺ وفيه ما فيه من ترقب النفوس الظامئة لِلُقْياه والأنس به ﷺ ، وفيه ما فيه كذلك من إحلال الهيبة والهدوء في المكان الذي اكتظ بثلاثة وسبعين فرداً، كما أن الحالة الأمنية تفرض تأخره إلى ذلك الوقت لانتشار عيون قريش هنا وهناك. فلو أن عيناً من هذه العيون اطّلع في أول الأمر لم يَرُعْهُ كونهم حجاج يثرب يتسامرون أو يقضون أمراً خاصاً بهم في هذه الليالي المقمرة! ٦- سياق القصة يُظهر انتظار الجميع لرسول الله ﷺ لا بعضهم، أي أن العدد اكتمل حضوره تماماً، كما قال كعب: (فاجتمعنا ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب.. إلخ) . ولذا كان تحديد بدء فعاليات الاجتماع منطقياً؛ لاكتمال العدد وحضور القائد؛ بخلاف ما لو تأخر البعض عن الموعد المحدد أو حضروا بعد مجيء القائد وأحدثوا خلخلة في الجدول المعد للاجتماع؛ بكثرة الكلام واللغط والبحث عن مكان مناسب للقعود.. وغيرها من منغّصات اللقاء. ٧- ظل ﷺ بعد حضوره صامتاً يسمع ويعي كل ما يحدث في المكان؛ فلم يبدأ هو بالحديث؛ وإنما تحدث بلسانه عمه العباس، وبيّن لهم مكانة النبي ﷺ في قومه. وهو صامت تعلوه الهيبة والوقار والسكينة. ٨- ينبغي على القائد تحيّن الفرص المناسبة للحديث؛ ويتحقق ذلك عندما يكون الحاضرون في أشد الشوق إلى سماع القائد وانتظار توجيهاته. ولقد كان اختياره ﷺ للحديث صائباً وسديداً؛ حيث كان أشد ما كان الأنصار شوقاً إليه، ولو تقدّم عن تلك اللحظة لم يكن ليقع ذلك الموقع العظيم في نفوسهم؛ حتى إنهم من شدة حماسهم وتشوّقهم لسماع رسول الله كما في رواية كعب قالوا: (فقلنا له أي العباس: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله! فخذ لنفسك ولربك ما أحببت) . ٩- لم يدفعه ﷺ هذا الحماس منهم المتمثل في طلبهم منه الحديث وأخذ ما شاء منهم إلى نسيان الثوابت التي يدعو إليها دائماً، ولم يجره أسلوب الكلام الذي تأدبوا به؛ وإنما بدأ بمقدمة مهمة كان يبدأ بها دائماً، وكرر ما كان يدعو إليه. قال جابر: (فتكلم رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، وتلا شيئاً من القرآن، ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام..) ثوابت أساسية لا تزول مهما كان العدد ومهما بلغت العدة والنصرة. والدعاة في هذه الأيام أحوج ما يكونون لمثل هذه البدايات ولمثل هذا الأدب مع الله تعالى في الدعوة. ثم بعد هذه المقدمة قال ﷺ باختصار شديد: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) . وهذا هو ما يسمى بتحديد الهدف من الاجتماع. وهو هنا واضح للجميع وضوح الشمس. وبمقدرة القائد الفذ -صلى الله عليه وسلم- أن يحكم بجدوى هذا الاجتماع من عدمه من جرّاء الوفاء بهذا الشرط وتحقيق هذا الهدف. وكل الروايات التي سردت أحداث البيعة تحوم حول هذه العبارة؛ وقد لا تزيد أكثر الروايات صحة عن أسطر قليلة من مطالبه وشروطه- ﷺ فوق هذا الشرط. ١٠- لم يكن حديثه ﷺ كثيراً بعد هذا الكلام، وما كانت مواقفه بعدها إلا أن تبسمَ رضىً مما يسمع من كلام الأنصار بعضهم لبعض، أو رداً على سؤال كما حدث من سؤال أبي الهيثم بن التيهان ﷺ فرد عليه بألفاظ تعبّر عن المعنى بأوجز الكلام وأبلغه. واقتصر الحديث بعد ذلك على ما كان توجيهاً وإرشاداً للأصلح في اللقاء وتسهيلاً لبلوغ الهدف المنشود بأقصر الوسائل وأحسن الطرق، كما فعل من طلب إخراج النقباء بعد أن حدد عددهم ومهمتهم بقوله: (أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم) . وهذا التحديد منه قطعٌ لسؤال وارد حتماً عن العدد إن لم يذكر، وعن المهمة إن لم تُحدد.. والموعد المحدد للقاء لا يحتمل كثيراً من الأخذ والرد. ١١- وكما لم يترك النبي ﷺ هذا اللقاء ليبدأ من قِبَل الأفراد أنفسهم وتحكّم هو في مبدئه عندما حضر مع عمه العباس. وكان الحديث خلال الاجتماع كله يدور تحت سمعه وبصره: يقر ويعلّق ويوجه.. كان هو المتحكم كذلك بموعد الانتهاء ولم يتركه للظروف أو لموافقة الحال؛ ولذا تجده - ﷺ يقرر موعد الانتهاء بصرامة واضحة: (انفضّوا إلى رحالكم) ؛ لأن مصلحة العودة في الوقت المناسب تفوق المصلحة المترتبة من جراء الحديث الودي الذي كان يدور في المجلس؛ بل إن المفسدة متحققة إذا طلع الفجر ولم ينفضّ المجلس. ولذا فإنه لما أراد بعضهم أن يطيل أمد الجلوس ويأنس بالحديث مع النبي- ﷺ ويستمتع بطول هذا اللقاء وهو العباس بن عبادة بن نضلة بقوله -: (والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا) وهذا الطلب منه كان بعد الأمر بالانصراف حتماً، فما كان رده -صلى الله عليه وسلم- إلا مقتضباً ومُكرّراً التأكيد على ضرورة الانصراف: (لم نُؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم) . وهذا فن عظيم من فنون القيادة فيه الضبط والحنكة والحزم. ١٢- تشبّع هذا اللقاء بجرعات كبيرة من الطاقة والحماس في نفوس المجتمعين له.. ويعبر عن ذلك ألفاظهم من أول اللقاء إلى منتهاه. ففيه المنعة، والنصرة، والقوة، والحرب، والحلقة، وتقطيع الحبال. وفيه: الدم، والهدم، والحرب، والسلم، وفيه: الميل للعدو، والقتل، والإخراج من البلد، ومفارقة العرب، وقتل الخيار، وعض السيوف. ولا شك أن القائد بحاجة في هذا الموقف إلى ضبط هذا الحماس للخروج بنتائج إيجابية وأكثر واقعية من اللقاء؛ وعدم الاسترسال في هذا الحماس الذي ربما وصل إلى مرحلة يفقد فيها القائد زمام المبادرة حين يسقط الأمر من يده. لقد عالج ﷺ كل ذلك معالجة سريعة ناجحة؛ فهو في آخر اللقاء يقول: (لم نؤمر بهذا) وكأنه يريد أن يذكّرهم بأنه لا يفعل هذا الأمر من قِبَل نفسه، وإنما ينتظر ما يأمره به ربه؛ فحري بهم أن يكونوا كذلك: أي لا يحدثون حدثاً حتى يؤمروا به، ولا يتصرفون من قِبَل أنفسهم حتى يُؤذن لهم. وفيه إقرار لشجاعتهم؛ لأنه لم يردها ولم يوجه اللوم عليها. وفي هذا ما فيه من الحفاظ على المشاعر وإبقاء جذوة الحماس وتهذيبه.

стр. 2991

تأملات دعوية من أوابد الوعاظ عبد الله المسلم تدفع العاطفة القوية صاحبها دفعةً ربما أخلّت بتوازنه، وربما تحكمت كثيراً فيما يطرحه، وأدت به إلى عدم اتزان، ومبالغات تحوي مخالفات شرعية. استمعت لأحد الوعاظ الغيورين يتحدث للمصلين مع مطلع شهر رمضان حول القنوات الفضائية، وانطلق في حديثه من قوله: (يا باغي الخير أقبل) وأقسم أيْماناً عدة أنه ليس في جميع هؤلاء من يبغي الخير ومن يريده. إنه وإن كان كثير من هؤلاء يعلن المعصية ويظهرها، إلا أنهم ليسوا في درجة واحدة، وربما كان فيهم من المصلين البعيدين عن الفواحش والآثام، لكن غلبه هواه، أو ضعفت قوامته على أهله. وبعد ذلك بأيام سمعت آخر يتحدث عن أولئك الذين لا يشهدون الصلاة مع المسلمين إلا في رمضان، فقال: (والله إنهم يحبون الله ورسوله، ويريدون الخير لكن يغلبهم هواهم) إنه تطرف آخر. إن المسلم لا يمكن أن يشهد للمصلين الخاشعين أمامه بهذه القضية؛ التي هي قضية قلبية، فكيف يقسم على أن جميع الذين لا يشهدون الصلوات مع المسلمين في غير رمضان يحبون الله ورسوله؟ أليس التخلف عن صلاة الفجر والعشاء من علامات أهل النفاق بنص كلام النبي؟ فعن أُبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: (أشاهدٌ فلان؟) قالوا: لا، قال: (أشاهدٌ فلان؟) قالوا: لا، قال: (إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الرّكب..) [١] . ويذكر الشيخ عبد اللطيف السبكي أن أحد الخطباء في الأزهر خطب حول حديث: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) ، فهوّن أمر المعصية، وذكر أن الله فطر الناس عليها، حتى قال بالحرف الواحد: (إن الله لم يقل للناس لا تسيئوا، ولكن قال إذا أسأتم فاستغفروا) . إذن فما معنى أن تكون السيئة سيئة؟ ومن أين له في كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ أن الله لم يقل للناس: لا تسيئوا؟ وأين هؤلاء عما أُثِر عن علي ﵁ أنه قال: (ألا أنبئكم بالفقيه حق الفقية: من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يُرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم مكر الله) [٢] . لقد غلّب الرجل الأول جانب الخوف، وأشفق مما يرى من كثرة الفساد وطرقه، والأخرون غلّبوا حرصهم على هؤلاء العصاة ورغبتهم في إعادتهم إلى ركاب الطائعين. فما أجدر الدعاة والوعاظ أن يكونوا معتدلين فيما يطرحونه للناس بأن يعتدلوا في حماسهم لمشروع أو برنامج أو ظاهرة من الظواهر، وأن يعتدلوا حين يخاطبون الناس ويزنوا ألفاظهم بميزان الشرع؛ فالإفراط والمبالغة قد تؤدي إلى نتائج معاكسة لما يريد صاحبها، وسنة الله قائمة في الكون أجمع على الاعتدال. إن استخدام الأسماء والألفاظ الشرعية، وسعة الثقافة والاطلاع، وعمق النظر للقضايا، والشمول وعدم نظر الأمور من زاوية واحدة، وهدوء الطبع والاتزان، والتربية السليمة، إن ذلك كله يمكن أن يسهم إلى حد كبير في التخفيف من اللغة واللهجة الحادة التي تسيطر على حديث بعضنا أحياناً. اللهم إنا نسألك السداد في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2992

حوار حوار مع مفتي كوسوفا حاوره في الرياض: خالد محمد حامد فضيلة الشيخ الدكتور/ رجب بويا.. هل لنا أن تقدم لمحة شخصية لتعريف قراء البيان بفضيلتكم؟ أنا أخوكم رجب بويا، من مواليد كوسوفا سنة (١٩٤٦م) ، درست بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حتى الدكتوراه التي حصلت عليها سنة (١٩٨٥م) ، وبعد عودتي للبلاد انتخبت رئيساً للمشيخة الإسلامية منذ ثماني سنوات وما زلت أرأس المشيخة، وهي الهيئة الوحيدة التي تشرف على الشؤون الإسلامية هناك، وكذلك تم اختياري مفتياً عاماً لكوسوفا، وأنا مقيم في عاصمة كوسوفا (بريشتينا) . - في الفترة الأخيرة ظهر اسم (كوسوفا) بعد العدوان الصربي الغاشم على أهلها: نود لو قدمتم إلمامة سريعة عن موقع كوسوفا وتاريخها وواقعها الآن؟. أشير أولاً إلى خطأ تقع فيه بعض أجهزة الإعلام في اسم (كوسوفا) ، فكوسوفا تنطق بالألف وليس بالواو (كوسوفو) ، وهذا النطق الأخير هو الاسم الصربي، وهم يحرصون على ترويجه حتى ينسب إليهم الإقليم ويثبتوا أن لهم حقوقاً تاريخية فيه، تماماً كما يطلق اليهود على الضفة الغربية في فلسطين اسم (يهودا والسامرة) ؛ بينما (كوسوفا) هو الاسم القديم الذي كان يطلقه المسلمون عليها والموجود في المراجع العثمانية، فتاريخ كوسوفا وشعبها تاريخ قديم. ومعظم سكان كوسوفا ألبان، تبلغ نسبتهم ٩٠% من السكان، وهم ينحدرون من قبائل هندو أوروبية، من الإليير، وقد وصلوا إلى هذه المنطقة قبل اليونانيين، ولم تكن مسكونة بغيرهم كما تذكر المراجع التاريخية، وقد اختاروا هذه المنطقة غير المأهولة ليكونوا أحراراً غير خاضعين لأي سلطة، وسموا أنفسهم (إليير) بمعنى أحرار. ونظراً لموقع كوسوفا الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية، فأرضها خصبة، ويوجد بها مناجم ذهب وفحم وزنك ورصاص، حتى يقول الخبراء إن ما في باطن هذه الأرض ثروات كبيرة جداً تكفي لإغناء شعب تعداده أكثر من (١٥) مليون نسمة.. نظراً لكل ذلك كانت كوسوفا مطمعاً لبعض الشعوب البلقانية والأوروبية الأخرى. فكوسوفا كانت جزءاً من بلاد الألبان، وقد أسلم بعض سكانها قبل وصول العثمانيين، وعندما فتحها العثمانيون رحب أهلها بهم وأسلم معظمهم، وظلت كوسوفا ولاية عثمانية أيام الخلافة العثمانية، وبعد انسحاب العثمانيين قُسمت بلاد الألبان إلى خمسة أقسام موزعة على كل من: كوسوفا، وألبانيا، واليونان، ومقدونيا، والجبل الأسود، ويبلغ عدد جميع الألبان الآن حوالي (٧) ملايين نسمة، نسبة المسلمين فيهم ٧٥%، أما في كوسوفا خاصة فتبلغ نسبة المسلمين ٩٥%، وهم لا يقلون في تمسكهم بالإسلام واعتزازهم به عن بقية الشعوب الإسلامية، وهم الآن يعيشون الأزمة التي يعرفها الجميع. - كيف كان المسلمون الألبان يقيمون دينهم خلال فترة القهر الشيوعي والصربي؟ وما دور المشيخة الإسلامية في توعية المسلمين في هذا الوقت الصعب؟ قاوم المسلمون الشيوعية في هذه البلاد عندما دخلت بلادهم، فعدد كبير من المشايخ والعلماء ورجال الدين استشهد أثناء مقاومة الشيوعية، إضافة إلى من اعتقل وسجن لسنوات عديدة، وقد أغلقت المدارس التي كانت تعلم المسلمين دينهم ولم يُبقوا إلا على مدرسة واحدة، وكان دور المشيخة للمحافظة على ثبات الناس على إسلامهم هناك دوراً كبيراً، وقد حافظ المسلمون وخاصة كبار السن المتمسكين بالدين على أولادهم والأجيال التالية من خلال تعليمهم شعائر الدين في البيوت؛ عندما فقدوا الأماكن الخاصة بتعليم الإسلام، فأخذ الأبناء ما استطاعوه من دين من خلال تعليم الآباء والأجداد؛ وذلك بالطبع حسب درجة تدين كل أسرة؛ حيث كانت هناك أسر متمسكة بالدين وأخرى ليست على ما هو مطلوب من التمسك، ولكن الذي نستطيع قوله إجمالاً: أن تمسك الناس بالإسلام في هذه المنطقة كان أحسن حالاً من المناطق الأخرى المحيطة التي كانت الشيوعية تسيطر عليها في البلقان.. وهذا يعود إلى دور العلماء والمشايخ والناس المتمسكين بالإسلام. - هل استطاعت المشيخة في ظل الظروف الراهنة أن تضع خطة أو منهجاً للعودة بالمسلمين إلى سابق عهودهم المعروفة؟ في الحقيقة: المشيخةُ الإسلامية لها دستور، وهي منفصلة عن الأحزاب السياسية وعن الدول، فهي تعمل باستقلال، وهذا الدستور مستمد من القرآن والسنة واجتهادات الفقهاء وخبرات الدعاة والعلماء والقوانين والأنظمة الإدارية؛ فطبقاً لهذا الدستور تعمل المشيخة في كوسوفا، وعلى قدر ما يكون عندها من الإمكانات المادية تتوسع وتعمل، وهي تشرف الآن على: (٥٥٠) مسجداً، و (٢١) مركزاً إسلامياً، ومدرسة ثانوية شرعية ينتظم فيها أكثر من (٦٠٠) طالب وطالبة، وهناك كلية للدراسات الإسلامية، يدرس بها (٤٠٠) طالب وطالبة، فالمشيخة تمد المسلمين بالكفاءات الدعوية والعلمية من خلال نشاطها التعليمي. - منذ متى بدأ الصراع مع الصرب؟ وكيف؟ صراع الشعب الألباني مع الصرب صراع طويل، منذ أن أتى الصرب إلى هذه المناطق ليستوطنوا فيها في القرن السابع الميلادي؛ فالصراع بدأ لأنهم جاؤوا ليستوطنوا هذه الأراضي المسكونة بالألبان، ولضعف قوة الألبان آنذاك فإنهم لم يستطيعوا أن يقاوموا هذا الاستيطان الصربي في بدايته فكان هناك صراع دائم بعد ذلك.. في عهد الدولة العثمانية كانت الدولة مسؤولة عن كل هذه المناطق والبلقان، فكان هناك نوع من الهدوء، ولم توجد مشاكل خلال هذه الفترة (فترة الحكم العثماني) ، وبعد ذهاب الحكم العثماني عاد الصراع، ثم جاء الحكم الشيوعي الذي قضى على الجميع بحكم الحديد والنار، فأخمدت مثل هذه النزاعات في تلك الفترة، ولما ذهبت الشيوعية وتفككت يوغسلافيا عاد الصراع من جديد ولا يزال قائماً. - وما هو دور الكنيسة الصربية في الصراع الدائر الآن؟ في الحقيقة موقف الكنيسة في هذا الصراع مثل موقفها في الصراع السابق مع إخواننا في البوسنة والهرسك؛ حيث وقفت موقف المشجع لما كانت تقوم به السلطات الصربية في البوسنة والهرسك؛ فقد كانت تبارك الأعمال الوحشية التي كان يقوم بها القادة الصربيون من ذبح وتقتيل للمسلمين هناك، ونحن نعتبر أن سكوت الكنيسة الصربية عما تقوم به السلطات الصربية في كوسوفا تأييد لهذه الأعمال؛ فهي ما أدانت في يوم من الأيام المذابح والقتل الجماعي وتدمير وإحراق مساجد المسلمين وبيوتهم وقراهم. - في شهر سبتمبر ١٩٩٠م عقد برلمان كوسوفا اجتماعاً سرياً في مدينة (كتشاينك) وأعلنوا عن دستور جديد لـ (كوسوفا) .. ما هي أهم بنود هذا الدستور؟ هو طبعاً دستور لجمهورية كوسوفا، ويتكون هذا الدستور من بنود كثيرة لا أستطيع سردها من الذاكرة، ولكن البند الرئيس هو أن كوسوفا طبقاً لهذا الدستور تكون دولة مستقلة عن صربيا وعن يوغسلافيا، والشعب الألباني هو الآن بصدد تطبيق هذا الدستور، وهو الاستقلال؛ لأن الشعب لا تربطه بصربيا رابطة، لا اللغة ولا الدين ولا العرق ولا المنطقة كمنطقة، فكوسوفا كانت لألبانيا وما كانت لصربيا، والرأي العام الكوسوفي مقتنع بأن له حقاّ في إقليم كوسوفا باعتبار أن لنا الأغلبية، واعتبار أننا مغايرون للصرب في كل شيء، وباعتبار الديمقراطية لمسيرة الشعوب، حتى إنهم يقولون: كيف لا يُسمح لنا بإقامة الدولة بينما أُقِرّ للصرب بجمهوريةٍ في البوسنة والهرسك، وليس هناك أي مقومات للاعتراف بهذه الجمهورية الصربية في البوسنة والهرسك؟ فلماذا لا يُعطى حق تقرير المصير للشعب الألباني في كوسوفا الذي يريد جمهورية مستقلة؟ - هل هناك شكل محدد للدولة التي تنشدونها؟ وأي نظام ستطبقونه في هذه الدولة إن شاء الله تعالى؟ الدستور حتى الآن لم يطبق تطبيقاً عملياً، فما أستطيع أن أقول في هذا الشأن شيئاً الآن. - يعني لم ينص على شكل الدولة في الدستور؟ نعم.. نعم.. إلا بعد أن نأخذ زمام الأمور في كل المجالات. - ولكن الدستور لم يذكر هذا الأمر! - لا. - من المعلوم أنه لا بد لكل دولة من أجهزة حكم وإمكانات بشرية ومادية.. هل ترون أنكم جاهزون لإقامة دولة مستقلة يمكنها عدم الارتباط بتبعية لدولة أجنبية أخرى؟ كل مقومات الدولة موجودة في كل المجالات، إذا نظرنا إلى الناحية الاقتصادية والثروات الموجودة والناحية السكانية والكوادر.. كل مقومات الدولة موجودة، ويستطيع هذا الشعب أن يقيم الدولة كبقية الدول في البلقان وأوروبا، فإذا أخذنا في الاعتبار أن مقدونيا صارت دولة مستقلة، فكوسوفا أكبر عدداً من مقدونيا، وكذلك في الثروات وفي كل شيء، حتى في الكوادر أحسن حالاً من مقدونيا التي كونت دولة. - ولكن، ألن يؤثر التهميش الصربي لتقلد مسلمي كوسوفا بعض المناصب القيادية في مثل هذه الحالة؟ أيام يوغسلافيا السابقة كان هناك حكم شيوعي اشتراكي، وكان يسمح لجميع القوميات الموجودة في الاتحاد الفيدرالي بأن يكونوا في كل المجالات، ولهذا استفاد الشعب الكوسوفي من هذا الجانب بأن كانت لهم كوادر في كل المجالات. - هل هناك تفكير في الانضمام إلى ألبانيا الحالية أو إقامة دولة الألبان الكبرى؟ لا توجد عند عامة الشعب الآن إلا فكرة الاستقلال، وإن كان هناك عدد قليل أو حزب من الأحزاب ينادي ويقول بمثل هذه الخيارات، ولكن غالبية الشعب يقول بالاستقلال التام بحيث تكون دولة محايدة، لا مع الصرب ولا مع ألبانيا. - بماذا تعللون غموض بعض المواقف الغربية في الصمت حيال جبروت صربيا والتطهير العرقي الذي يمارسونه ضد مسلمي كوسوفا بعد البوسنة والهرسك؟ في الحقيقة: إن صربيا دولة قديمة ولها علاقات بدول أوروبية والغرب، وقد تكون المصالح من الجهتين جعلت الغرب مع الصرب، لكن بعدما عمل الصرب ما عملوه في البوسنة والهرسك أظهروا للعالم من هم.. والآن في كوسوفا بدأ الرأي العام الأوروبي والغرب يتجه اتجاهاً آخر مفاده أن الصرب وخاصة حكامهم في الوقت الحاضر هم مثيرو المشكلات في المنطقة وفي البلقان؛ فقد بدأ الغرب يغير اتجاهاته الآن نحو تأييد حل المشكلة وعدم اعتبارها مشكلة داخلية كما يزعم الصرب، ونعتقد أن القضية خرجت الآن من حوزتهم، وتحتاج أن تُحل على مستوى الدول. - ولكن.. ألا ترون أن الاتفاق الأخير لا يلبي مطالب الشعب الكوسوفي، ولا حتى يجبر الصرب على الرجوع عن هذا السلوك؟ لم يكن الشعب الكوسوفي طرفاً في هذا الاتفاق، ولم يدلِ برأيه فيه. هذه الاتفاقية كانت بين حاكم الصرب (مليفوشيتس) و (هلبروك) ، اتفاقية لوقف القتال، وما كان هناك ممثل للشعب الكوسوفي أو لقياداته في هذا الاتفاق، ولا يلزم الشعب الكوسوفي الاكتفاء بهذا الاتفاق. - تصف أجهزة الإعلام الغربية الدكتور إبراهيم روجوفا بأنه زعيم معتدل بينما تنحي باللائمة على جيش تحرير كوسوفا.. ما الفرق بينهما في الحقيقة؟ وهل هو في الغايات أم في الأساليب؟ بالنسبة للغاية؛ فالغاية واحدة سواء من الرئيس أو من الجيش، وهي الاستقلال، وللوصول للاستقلال هناك أساليب؛ فالرئيس كما يصفه الغرب معتدل ويريد بالطرق السلمية أن يصل إلى هذه الغاية وهي الاستقلال، أما الجيش فقد تكوّن ويرى أن الطرق السلمية لا تجدي ولا توصل إلى الغاية؛ فالاختلاف إذا كان موجوداً فهو في الأسلوب أما الغاية فواحدة. - ولكن ألا ترون أن اختلاف الأسلوب قد يؤدي إلى عرقلة جهود كل طرف؟ على كل حال نستطيع أن نقول: إن هذا الرئيس من هذا الشعب، وكذلك الجيش من هذا الشعب، فلا بد أن يكون هناك رابط يربطهم. - تروج بعض أجهزة الإعلام الغربية أن بعض من يسمونهم بـ (رجال الدين) في كوسوفا هم علمانيون.. ما مدى صحة ذلك؟ وما هدف الغرب في الترويج لمثل هذه الأقاويل؟ في الحقيقة أنا أتعجب ممن يقول عن (رجال الدين) إنهم علمانيون وليس بيدهم الحكم! فلو كان الحكم بيد (رجال الدين) ولم يطبقوا مبادئ الدين أو انحرفوا عنها، فمن الممكن أن يقال هذا، ولكن ما دام أنه ليس بيدهم الحكم فلا أعرف كيف جاء هذا الاتهام؛ فكلمة علمانية تعني فصل الدين عن الدولة أو شيئاً من هذا القبيل، وأقول: إن (رجال الدين) ما سلّمت لهم دولة، وليست الدولة بيدهم حتى يفصلوا بين هذا وذاك. وحتى هذا اللفظ الغربي (رجال الدين) نحن كمسلمين عندنا الأئمة والمشايخ والذين يشرفون على الشؤون الإسلامية، فهم ملتزمون ومتمسكون بالإسلام، وما عندهم هذه التفرقة، ولا يقولون للناس: الدين في المسجد وإذا خرجت من المسجد فهناك شيء آخر مثلما فصل الغرب الدين عن الدولة.. هذه الفكرة غريبة بالنسبة لنا عند (رجال الدين) أو عند المشايخ أو الأئمة أو الذين يشرفون على الشؤون الإسلامية. - هم يقصدون المواقف من الصراع؛ لأن بعض رجال الدين أو الذين يسمونهم كذلك يقولون بأن الصراع عرقي وليس دينياً. هذا شيء آخر؛ فالمشيخة الإسلامية هي الهيئة الوحيدة التي تشرف على شؤون المسلمين، وليست حزبية، فهي فوق الأحزاب، وللأحزاب عملها، وبينما المشيخة تعمل عملها المستقل، وطبعاً هي منتخبة من هذا الشعب ومع الشعب في السراء والضراء. - ولكن ماذا ترون من هدف الغرب للترويج لمثل هذه الإشاعات أو الأقاويل؟ كأنهم يريدون بإثارة مثل هذه الأقاويل إظهار شيء ما، أو إيقاظ شيء يريدونه، كأن يكون هناك خلاف بين رجال الدين والشعب وسياساته. - جميع القوى السياسية في ألبانيا طالبت بالاستقلال في البداية، وبعد ذلك تحدث بعض الزعماء السياسيين عن الحكم الذاتي، تُرى هل تتكرر تجربة فلسطين والفلبين؟ لا يزال جميع رؤساء الأحزاب والأحزاب السياسية المكونة في كوسوفا غير متنازلين عن الاستقلال، وما قبلوا الحكم الذاتي، وإن كان بعضهم يتحدث الآن عن مرحلة انتقالية يعاد فيها ما كان من الحكم الذاتي لمدة ثلاث سنوات، وبعدها يكون الاستقلال التام وتقرير المصير، هذه الفكرة تدور الآن، ولكن ليس هناك حزب من الأحزاب تنازل عن الاستقلال أو عن الجمهورية وقَبِلَ بالحكم الذاتي حلاً نهائياً. - ألا تخشون أن يُنصّب بعض المتنفذين حكاماً أصحاب سلطة لتنفيذ مثل هذا الحكم الذاتي (المؤقت) ويقوموا بتصفية المقاومة والانتفاضة الكوسوفية؟ هذا شيء مستقبلي، في الوقت الحاضر لا توجد شخصية تقبل هذا، لكن مستقبلاً الله أعلم، وقد حاولت صربيا أن تنصب من يقوم بذلك ولكن الذي حدث أنه بقي وحده وما تبعه أحد، كانت هناك محاولات، والآن يريدون فعل ذلك بواسطة أقليات، فمثلاً نُشر في الجرائد أن هناك اتفاقية مع الجالية المصرية، وهؤلاء ليسوا مصريين في الحقيقة، ولكنهم من الأقلية الغجرية التي تمثل ١% من الشعب الكوسوفي، وليسوا بمصريين لكن الصرب يريدون أن يجذبوا العالم العربي بأنها جالية مصرية، فهم يحاولون باستعمال مثل هذه الجاليات أو عن طريق أي إنسان مغرور وله تطلعات، يغرونه بالمنصب أو بالمال أو بأي شيء من هذا القبيل، ولكن من نصبوه ما استطاع أن يكسب أي شعبية، فبقي وحده. - ماذا عن الوضع الحالي الآن؟ وماذا عن اللاجئين ومعاناتهم؟ اليوم (٢٠/٨/١٤١٩هـ ٩/١٢/١٩٩٨م) اتصلوا بنا من هناك وقالوا: إن الوضع اشتد هذه الأيام من الإجراءات الصربية، وفي الأسبوع الماضي، قُتل أكثر من (١٥) شخصاً من الشعب الألباني الكوسوفي، وهناك اشتباكات دائرة. زد على ذلك أن الشتاء يعتبر كارثة، والثلوج الآن كما أخبرونا بلغ ارتفاعها نصف متر، فهذه الظروف تزيد الأمر صعوبة، وبخاصة ما يتعلق بالنازحين عن مناطق الجبهات والقتال إلى المدن والمناطق الأخرى، وهم الآن في حالة متردية جداً، (٢٥٠) ألف نازح في الداخل ليس لديهم غذاء ولا لباس ولا تدفئة ولا أدوية؛ فالشتاء صعب جداً، نسأل الله أن يثبتهم ويغير الأحوال إلى الأفضل، وإلا فإن الأمور صعبة جداً. - في ضوء الظروف الدولية الراهنة.. ما هو الدور الذي تأملون قيام المسلمين به؟ الدور المطلوب من المسلمين هو كما كان دورهم في مثل هذه الأزمات، في البوسنة والهرسك وكشمير والشيشان والفلبين.. فدورهم وإن كان ثقل عليهم.. في كل يوم تفتح أزمة ومأساة ... لكن هذا قدرنا وقدرهم، وهذا الدور مطلوب منهم أن يقوموا سياسياً، بأن يكون لهم رأي مستقل حر في القضية ومساندتها ومؤازرتها، ومساعدة إخوانهم في كل ما يحتاجون إليه، وكذلك دعمهم إعلامياً وإنسانياً واقتصادياً، ولا شك أن للصرب مصالح اقتصادية يمكن الضغط عليهم من خلالها.. ومن لا يملك أي شيء يقدمه يستطيع التعاطف مع إخوانه المسلمين والدعاء بنصرتهم. - هل من كلمة أخيرة تودون توجيهها عبر مجلة البيان؟ نوجه الشكر لهذه المجلة القيمة، ونرجو لها أن تقوم بخدمة الإسلام والمسلمين في أقطار الأرض، ونشكر القائمين عليها.

стр. 2993

قراءة في كتاب أسباب التحيز الأمريكي والبريطاني لـ (إسرائيل) قراءة في كتاب: (الصليبيون الجدد) حسن الرشيدي سبع حملات صليبية إلى الأرض المقدسة عادت على اليهود بالمذابح؛ فهل ستؤدي الحملة الصليبية الثامنة إلى استرجاع اليهود لفلسطين؟ وإذا كانت صليبية حقة فإن تلك الحقيقة بالذات تأتي بمقام البرهان على ولادة نظام جديد لعالم تسوده المحبة والعدالة) . هذا جزء من خطاب ألقاه الزعيم اليهودي (إسرائيل زانجويل) يصف فيه المحاولات البريطانية والأمريكية الرامية إلى إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، وذلك في ٢ ديسمبر ١٩١٧م، أي بعد صدور وعد بلفور بشهر واحد، هذا الخطاب وغيره يلقي الضوء على السؤال الذي يحير الناس في منطقتنا عن سر التحيز الأنجلو أمريكي لصالح (إسرائيل) ، هذا التحيز الذي جعل الحلم اليهودي في أرض فلسطين حقيقة واقعة بل ومستقرة. إن كثيراً من الباحثين لدينا يغفلون عن لب هذه القضية وجوهر هذا الصراع؛ وهو البعد العقائدي. ويجيء كتاب: (الصليبيون الجدد) ليتبنى التفسير العقائدي في تحليله لأسباب الصراع وخلفياته، ومؤلف الكتاب يوسف العاصي الطويل، يقول في مقدمة الكتاب: (لقد عرف تاريخ هذه القضية تصورات متباينة ومتصارعة على المستوى العالمي والعربي والإسلامي وحتى الفلسطيني. وامتد هذا التباين حتى برز في داخل الأطر السياسية نفسها؛ حيث تناقضت الشعارات حتى في الميدان الواحد، ونما التباين حتى أصبح صراعاً مكشوفاً أو تنافساً مدمراً. فعلى المستويين العربي والفلسطيني لم تخرج معظم التحليلات والكتابات عن اعتبار (إسرائيل) حاملة طائرات أمريكية في قلب الشرق الأوسط، وأن مهمتها الإمبريالية تكمن في عزل الشرق العربي عن المغرب العربي للحيلولة دون تحقيق الوحدة العربية، وركز الفكر الثوري العربي على حقيقة (إسرائيل) الإمبريالية وأن هدفها هو ضرب الأنظمة الثورية المعادية للإمبريالية في المنطقة العربية وقد تناسى هذا التيار عدة حقائق: ١- أن قضية فلسطين بدأت قبل وجود أي نظام عربي ثوري، وحتى قبل استقلال الدول العربية نفسها. ٢-أن الدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي كانت من أوائل الدول التي اعترفت بـ (إسرائيل) عند نشأتها. ومن هنا فلا بد من البحث مجدداً عن سبب آخر يمكن أن يوضح لنا حقيقة وجود (إسرائيل) في المنطقة العربية، والقوى التي تقف وراء هذا الوجود، ودوافعها لذلك. في تمهيد الكتاب: يناقش المؤلف الأسباب السائدة في الساحة السياسية عن التحيز الأنجلو أمريكي لـ (إسرائيل) . أولاً: إن انحياز أمريكا ومن قبلها بريطانيا لـ (إسرائيل) يحقق لهما مصالح كثيرة، ويُبْقِي على أطماعهما في المنطقة، ولكن في الوقت نفسه يضع مصالح هذه الدول في خطر كبير؛ لأنه يزيد من حجم العداء لهذه الدول. ومن أجل هذه المصالح نجد دولاً مثل فرنسا وإيطاليا تغير موقفها من الصراع وتصبح أكثراً توازناً من ذي قبل. فأي مصلحة اقتصادية أو عسكرية أو سياسية ستعود على أمريكا من نقل سفارتها إلى القدس؛ على الرغم من إدراك صانعي القرار في أمريكا بالمكانة الخاصة للقدس في قلوب ملايين العرب والمسلمين والنصارى؟ بالطبع لا توجد أي مصلحة؛ حيث إن هذا القرار كغيره من القرارات الأمريكية السابقة سيلحق ضرراً كبيراً بالمصالح الأمريكية، ليس في العالم العربي فحسب، بل في العالم الإسلامي أيضاً عاجلاً أم آجلاً. ثانياً: أما العنصر الثاني الذي يسوّغ به بعضهم الانحياز الأنجلو أمريكي فهو نفوذ اللوبي اليهودي في صناعة القرار السياسي في أمريكا وبريطانيا، من خلال السيطرة على وسائل الإعلام والاقتصاد؛ بالإضافة إلى ما يقال عما يتميز به الزعماء الصهاينة من عبقرية ودهاء في استغلال الفرص. ولكن المؤلف ينتقد هذا العامل ويقول: (إن البيئة السياسية والثقافية هي التي تجعله فاعلاً، كما أن تضخيم دور الزعماء اليهود أمثال (هرتزل) و (ترومان) وجعلهم كأنهم بذلوا جهوداً خارقة للحصول على مطالبهم أمر عارٍ من الصحة، فالأفكار الصهيونية تبنّاها أشخاص أوربيون وأمريكان في وقت كان فيه اليهود يرفضون ويحاربون من يفكر في هذه الأمور. وبالمثل فإن تضخيم الصوت الانتخابي اليهودي في الانتخابات الأمريكية أمر مبالغ فيه. نعم إن الجالية اليهودية نشطة ولها تأثير، ولكن القول بأنها تحكم أمريكا ليس صحيحاً؛ فلم يحدث أبداً أن كان الرئيس أو نائبه يهودياً، ونسبة اليهود في الكونجرس لا تزيد إلا قليلاً عن نسبة اليهود في أمريكا أي (٢- ٣%) حيث يبلغ تعدادهم حوالي (٦) ملايين نسمة تقريباً، أي أن أصواتهم الانتخابية لا تتعدى (٢- ٣ %) من نسبة الأصوات الانتخابية في أمريكا، وهذه النسبة ليست بالنسبة الكبيرة التي تمكن اليهود من التأثير على الانتخابات، ولو كان لهذه النسبة أي تأثير لكان للمسلمين والعرب في أمريكا أثر في تشكيل السياسة الأمريكية؛ لأن تعدادهم يزيد على تعداد اليهود هناك. كما أن السود يشكلون نسبة كبيرة من السكان بالإضافة إلى أقليات أخرى؛ وبالرغم من ذلك لم نسمع عن أي أثر لأصواتهم الانتخابية، ولم نسمع عن أي رئيس أمريكي سعى لاسترضائهم كما يفعل مع اليهود. إذاً فالقضية ليست قضية صوت انتخابي فحسب. الفصل الأول: اليهود في التراث الديني النصراني: في هذا الفصل يحاول المؤلف إبراز العلاقة بين المذهب البروتستانتي واليهودية فيقول: (يستمد التراث الديني في كل من إنجلترا وأمريكا أصوله من المذهب البروتستانتي في هاتين الدولتين؛ والذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر ضد الكنيسة الكاثوليكية في روما) . ويستطرد قائلاً: (لقد أحدثت حركة الإصلاح الديني تغييراً جوهرياً؛ بالمقارنة مع موقف الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأخرى في موقفها من اليهود؛ وبذلك أسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد. ولكن ما هو موقف الكنيسة الكاثوليكية من اليهود؟ لقد كان هذا الموقف قبل تغييرات حدثت أخيراً موقفاً متشدداً، وينظر إلى اليهود نظرة عدائية بسبب رفضهم الإيمان بدعوة المسيح ﵇ وكفرهم بها، كما أنهم يَعتبِرون اليهود مارقين وكفرة وبأنهم قتلة (المسيح) على حد زعم الكنيسة) . وكذلك لم يكن للكنيسة الكاثوليكية أدنى فكرة أو احتمال لعودة اليهود إلى فلسطين، أو بعث الأمة اليهودية من جديد؛ لأن هذه الأمة حسب رأيهم انتهى وجودها بظهور (دعوة المسيح) ، وأن أي فقرات واردة في العهد القديم تشير إلى اليهود لا تنطبق عليهم وإنما على الكنيسة فقط. كذلك لم يعترف الكاثوليك بأن اليهود هم (شعب الله المختار) ؛ لأن المسيح ﵇ حارب هذه النزعة العنصرية، ودعا اليهود وغيرهم إلى الدخول في ملكوت الله المفتوح أمام جميع الصالحين. وبالنسبة للعهد القديم (التوراة) فقد كان مهمَلاً قبل حركة الإصلاح الديني؛ حيث كان الاعتماد على العهد الجديد (الإنجيل) المحرّف ورسائل البابوات في تفسيره، وكانت اللغة العبرية لغة ميتة يرى الكاثوليك أن تعلمها بدعة. ثم جاء البروتستانت في القرن السادس عشر، ودعا (مارتن لوثر) إلى وجوب إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون الخضوع لفهم (رجال الدين) لها، فأصبح كل بروتستانتي حراً في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره؛ وهذا أدى إلى فتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب البدع والضلالة؛ وأدى هذا إلى تعدد الفرق البروتستانتية التي وصلت إلى أكثر من (٢٠٠) فرقة في فترة أربعة قرون فقط. في ظل هذا المذهب ازداد الاهتمام بالعهد القديم (التوراة) تحت شعار: (العودة إلى (الكتاب المقدس (؛ باعتباره مصدر العقيدة النقية، مع عدم الاعتراف بالإلهامات والتعاليم غير المكتوبة التي يتناقلها الباباوات. وإذا كان العهد القديم يتكون من (٣٩) سِفْراً؛ فإن أغلب الباحثين يذهبون إلى أنه لا يمكن نسبة إلا خمسة أسفار تجاوزاً إلى موسى ﵇. أما البقية فهي عبارة عن سجل لتاريخ (بني إسرائيل) في فلسطين، بالإضافة إلى بعض التنبؤات التي كتبها أحبار اليهود على فترات متفاوتة. وفي ظل هذا الوضع رسخ لدى البروتستانت تاريخ فلسطين مستمداً فقط من العهد القديم، لا يبدو فيه وجود للشعوب الأخرى في فلسطين، وأن لا بد من عودة اليهود إلى وطنهم الذي أُخْرِجوا منه طبقاً لتنبؤات العهد القديم. وهذا أدى إلى إحياء اللغة العبرية لفهم العهد القديم؛ ولذلك كانت الكنيسة الكاثوليكية تصف (مارتن لوثر) بأنه يهودي أو نصف يهودي. وكثير من الباحثين في التاريخ يذهبون إلى القول بأن المذهب البروتستانتي من صنع اليهود والماسون. إن أهمية الأفكار التي جاءت بها حركة الإصلاح الديني على يد (لوثر) تعود إلى أنها مهدت الطريق أمام الأفكار التي نادت بها الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر، فهذه الأفكار التي أكدتها البروتستانتية لا تختلف كثيراً عن اليهودية؛ التي تنطوي في جوهرها على دعوة اليهود للعودة إلى صهيون أي: إلى أرض (إسرائيل) بحدودها التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة لدى اليهود. وهكذا تحولت فلسطين في الضمير البروتستانتي من الأرض المقدسة للنصارى إلى أرض (الشعب المختار) ! ومن الملاحظ أن بعض البروتستانت قد آمن بضرورة اعتناق اليهود للنصرانية تمهيداً لقدوم المسيح، وآمن بعضهم بإمكان تحولهم هذا بعد قدومه. الفصل الثاني: بريطانيا والمشروع الصهيوني: ظهر في بريطانيا بين عدد من النصارى البروتستانت ما يسمى بـ (حركة العودة) ويعتقد رواد هذه الحركة أن على العالم أن يساعد اليهود في استعادة فلسطين. وقد أسس هذه الحركة عالم اللاهوت: (توماس بريتمان) واستجاب لها القاضي وعضو البرلمان: (هنري فنسن) ، الذي أصدر أول كتاب عن الصهيونية في لندن عام ١٦٢٨م. وقد كان فنسن من المؤمنين بفكرة (العصر الألفي السعيد) ، التي تعني: عودة المسيح المنتظر الذي سيقيم (مملكة الله) في الأرض، التي تدوم ألف عام، ولا بد من عودة اليهود إلى أرض فلسطين مقدمةً لذلك. وانتشرت في القرن السابع عشر الحركة البوريتانية: (حركة التطهير) ، التي حولت الأفكار الدينية المتعلقة باليهود إلى عقيدة سياسية تتلخص في ثلاث نقاط: ١- وجود الشعب اليهودي. ٢- عودة هذا الشعب إلى فلسطين. ٣- استيطانه وسيادته على هذه الأرض. والواقع أن (البوريتانيين) قد تعلقوا بهذه الفكرة نتيجة لتعلقهم بالعهد القديم؛ حتى إنهم استبدلوا عاداتهم وأخلاقهم ولغاتهم بأخلاق وعادات ولغة اليهود، بل ذهب بعضهم إلى اعتناق اليهودية، وكان نشاط هذه الحركة نواة الاهتمام البريطاني بالمسألة اليهودية. ومع اقتراب القرن الثامن عشر من منتصفه بدأت تتغير الأفكار المتعلقة بعودة اليهود إلى فلسطين؛ حيث بدأت تتسرب إليها أعداد منهم بتسهيل من بريطانيا المنتدبة آنذاك وقد كان هذا المبدأ مرفوضاً حتى من قِبَلِ اليهود أنفسهم؛ الذين كانوا يرون أن عودتهم إلى أرض فلسطين لا بد أن تتم بتدخل قوة إلهية. وحتى الآن لا تزال طائفة من اليهود تسمى (حراس المعبد) تحافظ على هذه العقيدة؛ حيث ترى أن دولة (إسرائيل) هي ثمرة الغطرسة الآثمة للكافرين العلمانيين من أتباع الحركة الصهيونية الذين تحدّوا مشيئة الرب بإنشاء الدولة دون انتظار تدخّل على شكل معجزة، وظهور المسيح المخلص الذي يعتبر في نظرهم الوحيد القادر على إقامة دولة (إسرائيل) لتكون مملكة للكهنة والقديسين. كذلك حدث تغيير في فكرة تحول اليهود إلى المسيحية باعتباره أمراً لازماً لعودتهم إلى فلسطين. ففي عام ١٨٠٠م نشر (جيمس بيشنو) كتابه: (عودة اليهود أزمة جميع الأمم) حيث كان الاعتقاد السائد فيه أن اليهود سيدخلون المسيحية بظهور المسيح المنتظر الذي سينقذهم من أعدائهم. وفي القرن التاسع عشر حدث تطور في حركة العودة، فقد ظهر اللورد شافتسبري ودفاعه المستميت في الصحافة والكتب عن فكرة عودة اليهود إلى ... فلسطين، وأنشأ صندوق استكشاف فلسطين، حيث دعا الرحالة إلى الذهاب إلى أرض الميعاد واستكشافها وإجراء البحوث والدراسات حولها تمهيداً لوصول اليهود إليها. ومن أجل هذه الغاية قام عدد من البحّاثة بزيارة فلسطين، كان أبرزهم الكاتب (كلود كوندر) ويعود ذلك إلى حماسته الصهيونية التي لا حد لها، وقد قام برسم خريطة تفصيلية لفلسطين كلها، ووضع عليها الأماكن التوراتية، وأماكن قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة، لقد بلغ حماس هؤلاء النصارى البروتستانت حداً هائلاً، الأمر الذي دفع الكولونيل تشارلز هنري قنصل بريطانيا في دمشق إلى كتابة رسالة إلى أحد أقطاب اليهود الأثرياء يناشده فيها بأن يأخذ قضية اليهود على عاتقه واعتبارها أمراً لا بد منه. وأواخر هذا القرن التاسع عشر تم ربط الأفكار الدينية مع المتطلبات السياسية للإمبراطورية البريطانية، ومنذ ذلك الوقت بدأ ما وصفه (قيد بولك) (بالاتحاد العجيب بين سياسة الإمبراطورية ونوع من الصهيونية النصرانية الأبوية التي تتجلى في السياسة البريطانية فيما بعد) . وفي عام ١٨٣٠م عندما تولى اللورد (بالمستون) وزارة الخارجية كان أهم نصير سياسي لمشروع اللورد شافتسبري الخاص بإعادة اليهود إلى فلسطين؛ حيث افتتح قنصلية لبريطانيا في القدس، وبعث برسالة إلى السفير الإنجليزي في القسطنطينية يحثه فيها على متابعة نصيحته لـ (الباب العالي) بضرورة توطين اليهود في فلسطين؛ حيث يقول له بالحرف الواحد: (إنك لا تدري مدى ما سيثيره مثل هذا الإجراء من اهتمام المتدينين في هذا البلد) . وفي هذا الاتجاه أيضاً كانت دعوة القس (هشلر) فقد قام في عام ١٨٨٢م بعقد مؤتمر نصراني في لندن دعا إليه كبار النصارى للنظر في توطين اليهود المهاجرين من رومانيا وروسيا في فلسطين، كما قال في أحد مقالاته الصحفية: (أفيقوا يا أبناء إبراهيم؛ فالله ذاته يدعوكم إلى الرجوع لوطنكم القديم) . وقد امتد تأثير العهد القديم وأساطيره إلى الأدب والفن في انجلترا وغيرها من بلدان أوروبا التي اعتنقت البروتستانتية كهولندا والدول الإسكندنافية. وتضم اليوم متاحف أوروبا بل الدنيا اللوحات الزيتية التي رسمها النصارى البروتستانت لحكايات التوراة وأنبيائها عوضاً عن القديسين الكاثوليك. أما في مجال الأدب فقد بات اليهود يُصوّرون بشخصيات متميزة، ويحتلون مكانة أبطال اليونان الكلاسيكيين في عالم الأدب الغربي، فحتى بداية القرن التاسع عشر كان اليهودي يصور في القصص الإنجليزية إما على صورة (شايلوك) أو اليهودي التائه؛ غير أن روايتي (هارنجتون) ١٨١٧م و (ايفانهو) ١٨١١م قدمتا مفهوماً جديداً لليهودي بإبرازه على أنه شخصية طيبة، وقد ساهم في هذا التغيير عدد من الشعراء الكبار أمثال جون ميلتون وكوليريدج وغيرهم، وجاء في قصيدة (براونينج) (يوم الصليب المقدس) ! عام ١٨٥٥م قوله: سيرحم الله يعقوب ... وسيرى (إسرائيل) في حِماه عندما ترى يهودا القدس سينضم الغرباء وسيتشبث النصارى ببيت يعقوب هكذا قال الأنبياء، وهكذا يعتقدون أما جورج إليوت فقد كتبت في عام ١٨٧٤م رواية (دانيال دروندا) وتعتبر هذه الرواية أول رواية صهيونية في الأدب الإنجليزي. فالكاتبة جعلت من دانيال بطلاً صهيونياً يكتشف بنفسه قوميته وإرثه اليهودي. يقول البطل اليهودي في الرواية: (إن الفكرة التي تتمكن مني هي استعادة وجود سياسي لشعبي، وجعلهم أمة واحدة، وإعطائهم مركزاً قومياً مثلما للإنجليز. إنها مهمة تتقدم إلي باعتبارها واجباً وأنا مصمم على تكريس حياتي لها. على الأقل قد أتمكن من إيقاظ حركة في العقول الأخرى مثلما أُوقِظت في عقلي) . الفصل الثالث: ظهور الحركة الصهيونية: في هذا الفصل يتتبع الكاتب الأدوار التي مرت بها الحركة الصهيونية في بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ويُفرّق الكاتب في البداية بين الصهيونية واليهودية، فالصهيونية تقوم على فكرة عودة اليهود إلى وطنهم فلسطين وتخطط وتعمل في سبيل ذلك، أما اليهودية بالنسبة إلى هذه العودة فإنها في نظرها لا تتحقق إلا بمعجزة إلهية؛ ولذلك نجد أن معظم من تبنّوا هذه الفكرة أي الصهيونية هم النصارى البروتستانت، بينما كان موقف اليهود في بادئ الأمر سلبياً إن لم يقف بعضهم ضدها. ولكن مع تنامي التيار النصراني البروتستانتي المطالب بعودة اليهود إلى فلسطين شكل هذا عاملاً ضاغطاً على اليهود، فضلاً عن ازدياد الاضطهاد لليهود في أوروبا. كل هذا أدى إلى ظهور عدد من المفكرين اليهود الذين نشروا العديد من الكتابات التي هاجمت الأفكار التقليدية التي ترى بأن الخلاص لن يتم إلا من خلال معجزة إلهية على يد (المسيح المخلص) ، وكان أبرزهم (يهود الكعي) : الذي بدأ حياته غارقاً في أساطير اليهود المنتظرة للمسيح المخلص، وقد سرت في أيامه شائعة تقول إن العام ١٨٤٠م سيكون عام الخلاص، ولما انقضت السنة من غير شيء تحول (الكعي) إلى الطريق العملي؛ فكرس ما تبقى من حياته داعياً إلى تخليص اليهود وعودتهم بالصلاة والعمل. وقد نشر سنة ١٨٤٣م سلسلة من الكتيبات والمقالات في هذا الأمر، وطالب اليهود بدفع العشر من أجل العودة. ومن المفكرين الآخرين برز (تسفي هوسن) الذي نشر أفكاره عام ١٨٤٣م في كتاب من جزأين بعنوان: (عقيدة صافية) ، أتبعه بكتابه: (البحث عن صهيون) عام ١٨٦٢م. ومن أهم أفكاره: -أن خلاص اليهود كما تنبأ الأنبياء يمكن أن يتم بوسائل طبيعية: أي بمجهود اليهود أنفسهم من دون أن يتطلب ذلك مجيء المسيح. -أن الاستيطان في فلسطين يجب أن يتم دون تأخير. وكان مما قاله في كتابه: (إن خلاص (إسرائيل) لن يكون بمعجزة فجائية، والمسيح لن يُرسل من السماء نافخاً في بوقه الكبير وجاعلاً جميع الناس يرتجفون؛ فالناس البلهاء فقط يمكن أن يصدقوا هراءً كهذا؛ أما العقلاء فيعرفون أن الخلاص لا يكون إلا بالتدرج، وهو فوق كل شيء لن يكون إلا نتيجة جهود اليهود أنفسهم. مع انتشار كتابات وأفكار المفكرين اليهود السابق ذكرهم وغيرهم أصبح الجو مهيأً لتوحيد جهود المؤمنين بهذا النهج الجديد من خلال حركة يهودية عامة؛ حيث ابتدأ التحضير الجدي لعقد مؤتمر صهيوني مع مطلع سنة ١٨٩٧م، وأعلنت الحركة الصهيونية فيه عن برنامجها السياسي الذي يهدف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. لقد كان أهم إنجاز لذلك المؤتمر هو انعقاده، الذي يُعتبر رفضاً لتصور اليهود التقليدي حول المسيح المنتظر وبدءاً في البحث عن طرق عملية من أجل تحقيق الحلم القديم للشعب اليهودي؛ بحيث تكون هذه الطرق متكيفة مع عوامل الزمن الملائمة لحركتها. وهنا تلقّف الساسة البريطانيون نتائج هذا المؤتمر حتى صدر وعد بلفور عام ١٩١٧م، الذي ينص على إعطاء اليهود وطناً قومياً في فلسطين. وبالرغم من أن اللورد بلفور كانت له دوافعه السياسية والعسكرية التي سعى لتحقيقها من وراء إعطاء هذا الوعد للحركة الصهيونية؛ فإننا يجب ألا نغفل أثر ثقافته الدينية التي لعبت دوراً حاسماً لصالح صدور هذا الوعد. فبلفور كان بروتستانتياً ملتزماً، ترعرع في أحضان التقاليد البروتستانتية الإسكوتلاندية بكل ما تحمله من حب للعهد القديم، وإيمان شديد بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين، وعن ثقافته تقول ابنته ومؤرخة حياته (بلانسن) : (لقد تأثر منذ نعومة أظفاره بدراسة التوراة في الكنائس، وكلما اشتد عوده ازداد إعجاباً بالفلسفة اليهودية، كان دائماً يتحدث باهتمام عن ذلك، وما زلت أذكر أنني في طفولتي اقتبست منه الفكرة القائلة بأن الدين النصراني والحضارة النصرانية مدينة بالشيء الكثير لليهودية) . الفصل الرابع: أمريكا والمشروع الصهيوني: أمريكا مثل بريطانيا ذات أغلبية بروتستانتية، تغلغلت في تفكير مواطنيها الأفكار والتنبؤات التوراتية الخاصة بعودة اليهود إلى فلسطين، ومما قوّى هذه الأفكار التجارب التي مر بها المهاجرون البروتستانت من أوروبا إلى أمريكا حينما قارنوا بينها وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء عندما فروا من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين. فكثير من البروتستانت فر من الاضطهاد الديني الذي ساد حكم (آل ستيوارت) ، لذلك عندما واجه المهاجرون مقاومة أهل البلاد الأصليين من الهنود الحمر؛ فإنهم تذكروا اليهود ومقاومة أهل فلسطين القدماء لهم. كذلك عانى الأمريكيون من الحرب الأهلية المريرة كما حدث مع اليهود عندما انقسمت مملكتهم إلى مملكتين: إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب. لقد كان هؤلاء المستوطنون بحاجة إلى شيء يسوّغ أفعالهم هذه، ويضفي عليها نوعاً من الشرعية والأخلاقية، فلم يجدوا هذا التسويغ إلا في العهد القديم. بل إنهم ادعوا أن الله اختار العنصر الأنجلو سكسوني البروتستانتي الأبيض لقيادة العالم، كما جعل الله اليهود شعبه المختار. بل وصل تطرفهم أن زعم أحد الكتاب ويدعى (ريتشارد بروتزر) في كتابه: (المعرفة المنزلية للنبوءات والأزمنة) بأن الإنجليز من أصل يهودي؛ على أساس أنهم ينحدرون من سلالات الأسباط؛ التي ادّعى اليهود أن أفرادها فُقدوا بعد اجتياح الآشوريين لمملكة إسرائيل عام ٧٢١ قبل الميلاد. وفي نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر بدأ التعاطف الأمريكي مع اليهود يتحول إلى عمل ملموس من خلال جماعات وأفراد؛ فعلى صعيد الأفراد في عام ١٩٨٥م قام (وارد كريون) القنصل الأمريكي في القدس بتأسيس مستوطنة زراعية في منطقة القدس وخطط لتأسيس مستوطنات أخرى ولكن لم يجد الدعم المطلوب من اليهود. كما ظهر القس (وليم بلاكستون) الذي طالب بعمل شعبي لإعادة اليهود إلى فلسطين، وألف كتاب: (عيسى قادم) الذي بيع منه عام ١٨٧٨م أكثر من مليون نسخة، وتُرجم إلى ٤٨ لغة ويتحدث فيه عن عودة اليهود لفلسطين باعتبارها المقدمة لعودة المسيح. وعلى صعيد الجماعات ظهرت جماعة (أخوة المسيح) وجماعة (بناي بريث) أي: (أبناء العهد) و (شهود يهوه) ثم جاء دور الرؤساء الأمريكيين في دعم الحركة الصهيونية، وزاد هذا الدعم في بداية الأربعينيات مع انتقال مركز الثقل في النظام العالمي إلى الولايات المتحدة. فالرئيس (روزفلت) اتخذ نجمة داود شعاراً رسمياً للبريد، والخوذات التي يلبسها الجنود، وعلى أختام البحرية وجاء بعده (ترومان) الذي أصدر بياناً طالب فيه بإدخال مائة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، وكان له دور مشهود بجانب اليهود في حرب ١٩٤٨م، لقد عارض ترومان في سياساته الصهيونية كثيرٌ من المستشارين الحكوميين، الذين كانوا يرسمون سياسة بلادهم الخارجية بناءً على مصالح بلادهم القومية؛ ولكن (ترومان) كان ينظر بمنظار مختلف قائم على أساس الدين؛ فعندما قدّمه زعماء اليهود الحاضرون في إحدى الاحتفالات ووصفوه بأنه الرجل الذي ساعد على خلق دولة (إسرائيل) رد (ترومان) قائلاً: (وماذا تعني بقولك: (ساعد على خلق) (إنني قورش ... إنني قورش) ، حيث شبه نفسه بـ (قورش) ملك فارس الذي أعاد اليهود من منفاهم في بابل إلى فلسطين. ولتوضيح أثر العقيدة البروتستانتية في دفع رؤساء أمريكا إلى الانحياز لإسرائيل نسوق موقف الرئيس الأمريكي (جون كنيدي) الذي كان الرئيس الكاثوليكي الوحيد في تاريخ أمريكا، حيث قال: (إن الانحياز الأمريكي في النزاع العربي الإسرائيلي لا يهدد الولايات المتحدة فحسب بل يهدد العالم بأسره) فالأفكار والتنبؤات التوراتية لم تكن في وجدانه أو عقله مثل سابقيه ولاحقيه. فالرئيس جونسون الذي قدم الدعم لـ (إسرائيل) أثناء حرب ٦٧ صرح بعدها قائلاً في إحدى الاحتفالات للحاضرين: (إن بعضكم إن لم يكن كلكم لديه روابط عميقة بأرض (إسرائيل) مثلي تماماً لأن إيماني النصراني ينبع منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي تماماً مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث من أجل الخلاص من القهر والاضطهاد) . يقول الرئيس كارتر أمام (الكنيست الإسرائيلي) : (إن علاقة أمريكا (بإسرائيل) أكثر من علاقة خاصة؛ لأنها علاقة متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه) ، وفي حفل أقامته على شرفه جامعة تل أبيب وضح كارتر الأمر أكثر؛ حيث ذكر أنه باعتباره نصرانياً مؤمناً بالله يؤمن أيضاً أن هناك أمراً إلهياً بإنشاء دولة (إسرائيل) . لقد كان (كارتر) مثالاً للرئيس الملتزم بالصلاة في الكنيسة كل أحد، وكان عضواً في أكبر كنائس بلدته، وشماساً في مدرسة الأحد. أما (ريجان) فقد قال في أحد خطبه موجهاً كلامه إلى بعض اليهود الأمريكيين: (حينما أتطلع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم وإلى العلامات المنبئة بمعركة (هرمجدّون) أجد نفسي متسائلاً عما إذا كنا نحن الجيل الذي سيرى ذلك لاحقاً) ، لقد عبّر الكاتب اليهودي الأمريكي (جون بيتر) عن واقع أمريكا عندما قال: (إن الرؤساء الأمريكيين ومعاونيهم ينحنون أمام الصهاينة كما ينحني العابد أمام قبر مقدّس) ! هكذا وصل إيمانهم! ! ومن هنا لا نستغرب تحيز الرؤساء الأمريكان لدولة صهيون [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ] . [يوسف: ٢١]

стр. 2994

نص شعري يوشك أن تداعى عليكم الأمم ! ! موسى بن محمد الزهراني ثَمِلوا بسوْرة أكؤسِ الأشرارِ ... سَفِلتْ نفوسُهمُ إلى الأقذارِ أغرتهمُ الدنيا بزيف زخارفٍ ... منسوجةٍ بأناملِ الكفارِ وتتبّعوا فيها عقيرةَ ناعقٍ ... يدعوهمُ لمداركِ الأنيارِ فتهافتوا فيها بغير تريّثٍ ... فِعْلَ الفراشِ على لهيب النارِ يا ويحَ أمتنا التي رغم الأسى ... لمّا تزلْ تسعى بكل سُعارِ تهفو إلى تقبيلِ كفّ منافقٍ ... قد سامها سوءاً بكل شنارِ ترجو لها الغفرانَ من أفواههم ... وتعيشُ في دوامةٍ وصَغارِ يا حسرةً، أنّى لأمتنا الهدى ... من بعدُ، وهي ثقيلةُ الأوزارِ؟ ! آهٍ لأمتنا التي لم يكفِها ... عِظَمُ الرّدَى حتى اكتوتْ بالنارِ رَضِيَتْ بهذا الذّلّ، فهي مسوقةٌ ... قسراً إلى ضحضاحِ جُرفٍ هارِ أنّى لها النصرُ المبينُ وقومُها ... زجّوا بها في لُجّةِ الإعصار؟ أغراهُمُ الغربُ الدنيء بحفنةٍ ... من مدحهِ جهراً بلا إسرارِ قُذِفَ الهوى والوهنُ بين جوانحٍ ... خُلقت لغير الذّل والآصارِ ما ذاك إلاّ أن قومي جانبوا ... سُبُلَ السموّ إلى ذرى الأطهارِ تاهت سفينتُنا وعزّ مصابُنا ... بَعُدتْ مراسينا على البحّارِ كلأً مباحاً صيّروا إسلامنا ... ورموهُ في رجعيةٍ وإسارِ يا ألفَ مليونٍ يؤرّقُ ليلَهم ... صوت الهوى وتمايلُ الفُجّارِ يا ألفَ مليون رَمَوا أعراضهم ... في حضن إعلامِ الهوى والعارِ مَدّوا أكُفّ ضراعةٍ نحو الأُلَى ... طعنوا مروءَتهم بألفِ شعارِ لا تسألوا من بعدِ ذا عن أمةٍ ... تَخِذَتْ دِثارَ الذّلِ خيرَ دثارِ حبّ لدنيانا، وبُغْضُ مماتِنا ... وهْنٌ كما في صادق الآثارِ أفما علمتم يا بني قومي بما ... في الذّكرِ من بُشرَى ومن أخبارِ؟ لن يجعل اللهُ العزيزُ لكافرٍ ... سُبُلاً علينا يا أولي الأبصارِ هذا الكتابُ، وتلك شرعةُ أحمدٍ ... فمتى نسيرُ على خُطى المختارِ؟ !

стр. 2995

المسلمون والعالم هل تتكرر في ليبيا.. مأساة العراق ؟ ! عبد العزيز الحامد يذكر التاريخ واقعة غريبة، كانت بمثابة المسوِّغ والذريعة لاجتياح التتار بلاد المسلمين على شكل موجات زاحفة متتابعة، وملخص هذه الواقعة، أن زعيم التتار (جنكيز خان) لما جمع القبائل حوله، انطلق نحو الشمال الشرقي في بلاد الصين ليضمها إلى حكمه، ولم تكن بلاد الإسلام داخلة ضمن أطماعه التوسعية في ذلك الحين، إلا أن إحدى المقاطعات الإسلامية في الشرق وهي بلاد (فرغانة) كان يحكمها قائد أحمق، يُدعى خوارزم شاه. وقد بدأ هذا القائد يناوش التتار بالرغم من ضعفه وقوتهم، فأرسل إليه جنكيز خان رسلاً للمفاهمة أو المهادئة، حتى لا تتعطل طرق التجارة بين ممالك المسلمين وممالك التتار، إلا أن خوارزم شاه أظهر نوعاً من التعالي في غير موضعه، وقد حدث أن بعض التجار التتار جاؤوا إلى بلاده لشراء ثياب لجنكيز خان، فما أن علم خوارزم شاه بقدومهم حتى أمر بقتلهم وأخذ ما معهم! ثم أرسل العيون ليتحسس ردة الفعل عند التتار، وليستعلم عن أعدادهم وإعدادهم وأثر مقتل تجارهم.. فجاءته الأنباء بما لم يكن يتخيل، من حيث كثرة العدد وقوة الشكيمة، وتوافر السلاح الذي يصنعونه بأنفسهم ... فندم! ! ورأى أنه تعجل وتسرع بقتله التجار! وبدأ يستشير المقربين منه في شأن ذلك الباب من الشر الذي فُتح، وبينما هو يشاورهم جاءته رسالة من جنكيز خان يقول فيها: (تقتلون تجّاري وتأخذون أموالهم! ! فإني قادم إليكم بجنود لا قِبَلَ لكم بها..) ! فماذا كان من القائد (المحنك) ؟ ! لقد أمر بقتل رسول جنكيز خان، وحلق لحى من كانوا معه، وأعادهم إلى جنكيز خان ليُعلموه بما فعل الزعيم الملهم، ولم ينس (القائد الركن) أن يرسل معهم رسالة تهديد لجنكيز خان، أن (خوارزم شاه) قادم إليك ... ! ! ولم يكتف صاحبنا بهذا التهديد الأجوف، بل سار فعلاً ببعض جنوده فأغار على أطراف بلاد التتار، بينما كان رجالهم غائبين ومشغولين في حروب أخرى، فوجد القائد الأرعن الفرصة سانحة لمعركة سهلة ومغانم رخيصة، فقتل من وجدهم من الأطفال والشيوخ، وأقفل بمن معه راجعاً محملاً بما ظن أنه انتصار الأبطال! ! وعاد بعض التتار، وعلموا وهم في الطريق بالخبر، فعادوا أدراجهم، يشدّون السير للحاق بذلك المشاكس الذي فعل تلك الفعلة، ووقعت بعض المناوشات، ولكن حاكم خوارزم تمكن من الرجوع، وبدأ يستعد لقتال لا يدري مداه وصِدام لا يعلم منتهاه، وبدأ في إقامة التحصينات وإعداد الجند. وبالفعل جاءت جحافل التتار بينما كان خوارزم شاه غائباً، وبدأت جيوشهم بمدينة بخارى، فطلب أهلها الأمان والاستسلام لهول ما رأوا، فلم يلتفت إليهم جنكيز خان واجتاح مدينتهم، وأوقع بأهلها الخطوب، ثم انتقل إلى سمرقند ففعل بأهلها ما فعل بأهل بخارى، ثم وجّه عشرين ألف فارس لمطاردة خوارزم شاه ومن معه، فظل (الأخ القائد) يهرب منهم عبر البلاد، حتى لقي حتفه في جزيرة في بحر الخزر سنة ٦٢٠ للهجرة، وظلت عجلة الأحداث الجسيمة تدور رهيبة رعيبة عبر أيام نحس مستمر خيمت على أهل الإسلام، وظلت تتتابع حتى انتهت إلى سقوط الخلافة الإسلامية وقتل الخليفة ودمار بغداد سنة ٦٥٦ هـ. وكانت تلك أيضاً بداية لأحداث عظام أخرى. لقد فتح هذا الرجل (خوارزم شاه) على المسلمين باباً عظيماً من الفتنة، ليس فقط عن طريق الحماقة في استغضاب قوى الشر واستجلاب بطشها، ولكن أيضاً ببذل مساعٍ مشؤومة قبل ذلك وطّأت الأحوال وهيأتها بغشم بالغ أمام زحف الأعداء، حتى صارت الساحة مكشوفة أمامهم، لا يجدون صدّاً ولا ردّاً، فماذا فعل..؟ ! قال ابن كثير ﵀ (إنما استقام لهم الأمر أي التتار لعدم المانع؛ لأن السلطان خوارزم شاه كان قد قتل الملوك (المسلمين) من سائر الممالك، واستقر في الأمور.. وخلت البلاد، ولم يبق من يحميها، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) [١] . لقد سُقْتُ هذه القصة مع ما فيها من طول، للتذكير بعِبَرِ التاريخ التي قلما تستفيد منها الأجيال. ولكن هل يعيد التاريخ نفسه؟ ! في الحقيقة أن ما مضى لا يعود، ولكن هناك أوجه شبه كبيرة بين كارثة (خوارزم شاه) وتوابعها، وبين الكثير من الكوارث التي جرتها ولا تزال تجرها على الأمة زعامات شبيهة بأمثاله في زماننا هذا. سنتجاوز الحديث عن أصحاب ثورات ورثت نكبات مثل الثورة العرابية والثورة العربية، وعن زعامات جرّت على شعوبها الويلات مثل الزعامة الاشتراكية المصرية بقيادة عبد الناصر، التي انتهت إلى هزيمة نكراء في عام ١٩٦٧م، ومثل الزعامة البعثية العراقية بقيادة صدّام التي أوصلت إلى أم الهزائم في عام ١٩٩١م. سنتجاوز هذه التجارب وما يشاكلها، ونفتح على وجل ملف أزمة جديدة تحلق غيومها في الأفق منذ سنوات، منذرة بأوخم العواقب، إن لم يتدارك الله الناس برحمته ولطفه، وهي الأزمة بين كل من الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وبين الزعامة (الثورية) الليبية من جهة أخرى، وهي الأزمة المشهورة باسم (أزمة لوكربي) . لقد بدأت ملابسات تلك الأزمة منذ عشر سنوات، وبالتحديد في ٢١ ديسمبر من عام ١٩٨٨م، وذلك عندما تم تفجير طائرة ركاب مدنية من طراز بوينج ٧٤٧ تابعة لشركة (بان أمريكان) فسقطت فوق قرية (لوكربي) في جنوب غربي استكلندا، ونتج عن الحادث مقتل جميع ركاب الطائرة البالغ عددهم ٢٥٩ شخصاً إضافة إلى ١١ شخصاً من أهالي المدينة التي تناثر فوقها حطام الطائرة. إن التحقيقات والفحوصات أثبتت أن الحادث تم (بفعل فاعل) وليس مجرد قضاء وقدر، فقد قام المحققون البريطانيون بمساعدة الأنتربول باستجواب نحو اثني عشر ألف شخص في أربعة وخمسين دولة، وأشارت نتائج التحقيقات إلى ضلوع أشخاص ليبيين في الحادث، وبعد أربع سنوات من الصمت الأمريكي، وجهت الولايات المتحدة الاتهام إلى ليبيا بتدبير حادثة (لوكربي) وصدرت وثيقة اتهام ضدها في ١٣ نوفمبر ١٩٩١م، وصادف هذا اتهام آخر من فرنسا للنظام الليبي بأنه مسؤول عن تفجير طائرة (يوتا) المدنية الفرنسية فوق النيجر عام ١٩٨٩م، وهو الحادث الذي راح ضحيته ١٧٠ شخصاً، وطالبت فرنسا ليبيا بتسليم أربعة أشخاص ليبيين مشتبه في أنهم قاموا بتفجير الطائرة، بينما طالبت كل من بريطانيا والولايات المتحدة ليبيا بتسليم شخصين ليبيين اتهما بتدبير حادثة (لوكربي) عن طريق وضع قنبلة في مخزن حمولات الطائرة الأمريكية، والشخصان هما: الأمين فحيمة، وعبد الباسط المقرحي. نتائج توجيه الاتهام: بصدور الاتهامات ضد ليبيا من ثلاث دول من الدول الخمس دائمة العضوية في الأمم المتحدة، تكونت أغلبية تُجمِع على اتهام ليبيا، مما أدخل مجلس الأمن في القضية، فاتخذ قرارات بناء على توجيه من تلك الدول بفرض عقوبات دولية على ليبيا ما لم تتعاون سلطاتها لتسليم المشتبه بتورطهم في عملية التفجير. واستمرت الضغوط على النظام الليبي أو بالأحرى: الشعب الليبي لإجبار النظام هناك على تسليم المتهمين، وقامت الولايات المتحدة بفرض حظر جوي واقتصادي على شعب ليبيا متهمة نظامه بأنه حرّض هذين الشخصين على تدبير وتنفيذ الحادث، واشترط الأمريكان والإنجليز لرفع الحصار أن تسلم السلطات الليبية الشخصين لمحاكمتهما في أحد البلدين: أمريكا أو بريطانيا. الموقف الليبي والمناورات غير المفهومة: رفض النظام الليبي الاتهامات الأمريكية والبريطانية، وأعلن مراراً أن ليبيا ليست لها أدنى مسؤولية عن الحادث، ورفض تسليم الشخصين الليبيين بحجة أن تسليمهما يمس (السيادة) الليبية ويمثل اعتداء على (كرامة) شعب عربي، وحاولت القيادة الليبية أن تفك الحصار دون تسليم المتهمين ولكن دون جدوى، واضطرت كل الدول العربية أن تشارك مرغمة في حصار الشعب الليبي، نزولاً على مقررات (الشرعية) الدولية الجائرة التي درجت على إذلال الشعوب لمعاقبة الحكام في بلاد المسلمين؛ ولما لم يجد النظام في ليبيا جدوى من التشدد، أظهر نوعاً من المرونة في التعامل مع الخصوم، مما جعل المجتمع الدولي يتعاطف معه نوعاً ما، ثم اقترحت ليبيا أن تتم المحاكمة في بلد ثالث محايد، بدلاً من أمريكا أو بريطانيا، حتى ولو كانت استكلندا التي وقعت فوقها الطائرة، لكن الولايات المتحدة وبريطانيا رفضتا هذا الاقتراح، فوضعتا نفسيهما في موقف حرج دولياً. ومرت فترة من الجمود خيمت على الموقف، إلى أن أعلنت الولايات المتحدة في شهر أغسطس من عام ١٩٩٨م عن حدوث مشاورات بينها وبين بريطانيا من جهة وهولندا من جهة ثالثة، بشأن إمكانية محاكمة الليبيين المتهمين أمام محكمة اسكتلندية في هولندا، وبهذا تكون الدولتان قد وضعتا ليبيا على المحك، وأوقفتاها على الأرضية التي طلبت الانطلاق منها، فقد سبق لليبيا أن اقترحت هذا وألحت عليه، ووافقتها على ذلك جامعة الدول العربية أكثر من مرة منذ عام ١٩٩٣م، فهل تجاوب النظام الليبي مع الطرح الذي سبق أن طالب به؟ ! لقد كان متوقعاً أن تبادر ليبيا إلى الموافقة على الاقتراح بعد تخلي كلٍ من أمريكا وبريطانيا عن المواقف السابقة، ولكن المفاجأة التي أدهشت الجميع أن الموقف الليبي اتسم بالمراوغة، وطالب النظام الليبي الدولتين بإعلان حسن النية: أولاً بتعليق إجراءات الحصار، وطالب بضمانات دولية للمحاكمة، وقوبل هذا الموقف باستغراب كبير، حتى من أقرب المؤيدين لليبيا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من التشدد الليبي، بل قابل النظام هذا المطلب بمطالب مضادة من باب التعجيز، وتوجهت الجماهيرية الليبية (العظمى) بمذكرة رسمية تطلب فيها تسليم مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان لمحاكمتهم بتهمة شن غارات على ليبيا عام ١٩٨٦م، وأعلنت السلطات الليبية أنها ستنقل طلبها هذا إلى مجلس الأمن الدولي ليمارس ضغطاً على الولايات المتحدة لتسليم كبار المسؤولين الأمريكيين! ! والغريب أن هذا الطلب الليبي الذي جاء بعد ١٣ عاماً من الغارة الأمريكية على ليبيا، جاء ليقايض قضية مدنية قائمة بأزمة عسكرية ماضية، وهذا ما كثف الشكوك حول سلامة موقف النظام الليبي، وجعل القضية تنتقل من طور الاشتباه إلى طور الاتهام. ومما لم يستطع أحد فهمه ولا تحليله ذلك التمنع الشديد والتأبي عن الاستجابة إلى طلب من شأنه أن يحل مشكلة كبيرة: لماذا كل هذا الحرص على شخصين اثنين سيقدمان إلى المحاكمة لا إلى المقصلة، في مقابل تحميل شعب بأكمله غوائل حصار صارم غاشم تتوالى سنواته لإهلاك الحرث والنسل؟ ! ومن سوء الحظ أن القيادة الليبية لا تبدي اكتراثاً بحصاد الحصار، وقد قال العقيد القذافي تعليقاً على الاقتراح الأمريكي البريطاني الأخير: (نحن لا نخاف الحصار، بما فيه الحصار النفطي) وقال (إن بلادي لا تقبل أن تسلِّم أحداً من أبنائها إلى أيٍ من بريطانيا أو الولايات المتحدة) ! ! إذن فتعريض ملايين الليبيين للإذلال بالحصار يعتبر في فهم القيادة عزة وكرامة، أما تسليم شخصين فقط من رجال النظام، قد يُدانان أو يبرآن؛ فهو يُعد في نظر القيادة الثورية اعتداءً على (كرامة) الشعب الليبي و (سيادة) الدولة الليبية! ! آثار الحصار: أصيبت حياة الشعب الليبي بالشلل شبه التام بسبب الآثار المترتبة على الحصار، وتدهور الاقتصاد الليبي بشكل خطير، وتضررت مقدرات الشعب على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. وعاش الشعب الليبي المظلوم تحت وطأة الحصار الظالم الذي فرضته الدول الكبرى، وأدى إلى تدهور الأوضاع بشكل ينذر بكوارث كبرى إذا ظل على ما هو عليه؛ إذ بعد خمسة أشهر فقط من بداية الحظر الجوي والحصار، بلغت خسائر ليبيا ما يزيد على ٢ مليار دولار من ٤/٩/ ١٩٩٢م وحتى نهاية إبريل عام ١٩٩٤، كما أعلنت أمانة الصحة الليبية (وزارة الصحة) أن ٣٠٠ رضيع وأكثر من ١٤٠ سيدة ماتوا بسبب نقص الأدوية أو تأخر وصولها من جراء الحظر الجوي المفروض على ليبيا منذ إبريل ١٩٩٢م، ومات أكثر من ٣٠٠ مريض كانوا بحاجة للعلاج في الخارج أثناء نقلهم براً إلى الدول المجاورة. وأفادت الإحصاءات إلى أن قطاع الزراعة تأثر إلى حد كبير، وبخاصة تربية المواشي حيث أدى نقص الأدوية البيطرية إلى خسارة تقدر بحوالي ٤٠ ألف طن من اللحوم، وبلغت خسائر قطاع الطيران أكثر من ٧٠٠ مليون دولار، وقطاع الصناعة نحو ٥٠٠ مليون دولار، بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني في أسعار المنتجات الصناعية هذا في غضون سنوات قليلة بعد بدء الحصار فما بالنا بما وصلت إليه الخسائر الآن. وقفة مع النظام الجماهيري: إذا كانت أكثر الشعوب العربية والإسلامية قد أُخضعت للعديد من العهود المتتابعة التي جعلت منها (حقول تجارب) لأهواء الساسة، فإن الشعب الليبي لم تتتابع عليه تجارب أنظمة مختلفة، بل تقلبات نظام واحد، ظل يتنقل في أفلاك متناقضة ذات اليمين وذات الشمال؛ فالثورة التي يقال إنها بلغت سن الرشد بعد دخولها عمر الثلاثين، جاءت لتحكم شعباً غنياً وبلداً بترولياً بطروحات النظام الاشتراكي المخترع أساساً لبيئات الفقر والصراع الطبقي، وكعادة الاشتراكيين العرب، فإن اشتراكيتهم تنجح دائماً في إفقار الغني ولا تفلح في إغناء الفقير! ! لقد ضاعت جُل ثروات الشعب الليبي من أجل دعم ثورات في أنحاء العالم لا مصلحة لليبيين ولا للعرب ولا المسلمين في تأييدها أو القيام بدعمها، والنظام في ليبيا قد نصّب نفسه وصياً وحامياً لكل الحركات الثورية في العالم باستثناء الحركات الإسلامية طبعاً وجازف ذلك النظام بحريات شعبه ليساهم في عمليات (التحرر) في مجاهل الأرض شرقاً وغرباً! فهل تحرر هذا الشعب أولاً حتى يساهم في تحرير غيره؟ ! للأسف؛ فإن الحقائق تأتي واضحة وناضحة بما يفضح مزاعم عهد (التحرر) الوطني. ففي ليبيا يطبق نظام لا يخضع لأية مقاييس، ولا تُلزمه أية معايير؛ فموقع (قائد الثورة) مثلاً، خارج النص، فهو ليس رئيساً ولا ملكاً ولا أميراً ومع هذا فهو الذي يملك كل خيوط الهيمنة على كل الأمور داخل ليبيا ولقبه الرسمي هو (الأخ قائد الثورة) ، فهو الموجه والمحرِّض والمرشد، ولذا فإنه فوق المساءلة، وليس قابلاً للمحاسبة؛ لأنه يوجه ولا يقرر. وقد طرح القذافي (الديمقراطية الشعبية) بديلاً عن الديمقراطية الغربية والاشتراكية الشرقية، لتنسب بعد ذلك كل آفات وعاهات العهد الثوري إلى الشعب وإلى لجانه الثورية! ! وقد يظن البعض أن (اللجان الثورية) هي تمثيل حقيقي لإمساك الشعب بزمام السلطة، ولكن الحقيقة هي أن تلك اللجان ليست إلا واجهة تمارس السلطة الانقلابية الحكومية مهامها من ورائها وهي ترتدي العباءة الشعبية بدلاً من البزة العسكرية ولا مجال للمشاركة ولو من بعيد لأي قوى أخرى حزبية أو غير حزبية؛ فالنظام الليبي لا يسمح بتكوين أحزاب، ويرفع شعاراً عن الحزبية السياسية يقول: (من تحزب خان) . وليست هناك مرجعية سياسية يمكن أن تلجأ إليها القوى المعارضة لتنتزع بها شيئاً من حقوقها؛ فليبيا من الدول القليلة جداً في العالم التي تعيش بدون دستور مكتوب، بعدما تم إلغاء الدستور عام ١٩٧٧م، أما دستورها غير المكتوب والذي ينوب عن كل الدساتير في عُرف النظام بل يفوقها فهو (الكتاب الأخضر) الذي ألفه العقيد وهو يعيش عقده الثالث، ولكن ذلك لم يمنع من صدور قوائم من القوانين الاستثنائية الغربية والشاذة، ومن تلك القوانين، قانون صدر في عام ١٩٧٢م يتم بمقتضاه تطبيق عقوبة الإعدام على كل من أدين بـ (خيانة الوطن) ومعلوم أن هذه عبارة فضفاضة يمكن أن تدخل السلطات فيها من تشاء عندما تشاء في ظل قيادة تقول بلسان الحال: (أنا الدولة) ! ! وفي عام ١٩٨٨م، صدر القانون رقم ٥، فأعطى مكتب الادعاء الشعبي (أو القضاء العام) سلطة التحقيق في الجرائم السياسية دون أن يتضمن نص ذلك القانون أي إشارة لحقوق المتهم أوالسجين في الدفاع عن نفسه أو في طريقة المعاملة أو ضمانات العدالة. وفي عام ١٩٩٦م صدر قانون يقضي بإعدام كل من اشترك في عمل (مناوئ لأهداف الثورة) . وللقارئ أن يتخيل كم من الأعمال والأقوال المشروعة في الأديان والقوانين في العالم، يمكن أن تدخل تحت طائلة هذا القانون الجائر. ومن أغرب مفارقات الثورة الليبية (الشعبية) في تعاملها مع حقوق الإنسان، أن لجانها الشعبية، أقرت مبدأ العقوبة الجماعية أو قل (الجماهيرية) لكل مدينة أو قرية أو مجلس محلي أو قبيلة أو عائلة، إذا ما سكتت أو امتنعت عن الإبلاغ عن مرتكب جريمة (تطرف) أو (تعصب) أو تخريب) [٢] . أما كيف تطبق هذه العقوبة الجماعية؟ فإن ذلك يكون بحرمان المدينة أو القرية أو غيرها من الخدمات العامة الأساسية: (الكهرباء، والماء، والغاز) وبأن توقف كل المشاريع والمعونات التي تقدمها لها الدولة! ولا شك أن في هذا مخالفة لكل ما تعارف عليه البشر من قوانين في كل زمان ومكان؛ صحيح أن هذا السلوك يمكن أن يمارس على سبيل البغي والبطش والتنكيل في بعض الأحيان، أما أن تصدر به قوانين، وتسن به تشريعات فهذا ما لم يحدث في مكان في العالم إلا في ليبيا! ولم تقف اللجان الشعبية للسلطة عند حد التلاعب بالتشريعات الأرضية، بل تلاعبت أيضاً بالتشريع السماوي، بعد أن عطلته ثم جمدته، والآن تجتزئ منه ما يتناسب مع توجهاتها بعد إضفاء مسحة (ثورية) عليه! فقد صدرت قوانين بتنفيذ حد (قطع اليد) على كل من يمارس نشاطاً اقتصادياً بدون ترخيص! ! أو من يتاجر بالعملة الأجنبية، أو من يدان بالفساد العام..! ! ولا ندري وفق أي فقه تتم هذه العقوبات! ولكن المقطوع به أنها أبعد ما تكون عن شريعة القرآن، بل هي أشبه بشريعة (جنكيز خان) ! الذي وضع قانون الياسق من خليط من الشرائع الأرضية وبقايا الشرائع السماوية! وفي تحرك أراد به القذافي أن يسحب البساط من تحت أرجل أصحاب الاتجاه الإسلامي المنادين بتطبيق الشريعة في ليبيا، عمدت لجانه الشعبية إلى تطبيقات (ثورية) لبعض أحكام الشريعة، فطبقت علناً وعلى شاشات التلفاز أحكاماً بالقطع والجلد والرجم في الوقت الذي كان الإعلام يطنطن فيه باتهام الإسلاميين بـ (الزندقة) ويطالب أفراد الشعب بقتل ... نعم بقتل.. كل إسلامي بدعوى الزندقة! ! وقد درج العقيد على وصف معارضيه السياسيين في الخارج (لأنه لا يوجد منهم أحد في الداخل) بـ (الكلاب) ! ولهذا فإن من يُقتل منهم غيلة، أو يُخطف سراً فإنه يذهب غير مأسوف عليه ويموت ميتة (الكلاب) في نظر النظام التحرري! وبعد كل هذا يريد النظام في ليبيا أن يقنع العقلاء في العالم بأنه حريص على مصلحة الشعب الليبي إلى درجة أنه يعتبر محاكمة شخصين اثنين فقط من هذا الشعب قضية (كرامة) يضحي من أجلها بالاقتصاد الليبي، وبالبترول الليبي ... بل وبالشعب الليبي نفسه! وليس من المستبعد أن تتعرض ليبيا إلى ضربات عسكرية شديدة إذا استمر مسلسل المراوغة، أو ثبت أن التهمة فعلاً من تدبير النظام الليبي. بقي أن نذكر أنه لم يعد سراً أن هذين الشخصين المطلوبين دولياً هما من أعضاء جهاز المخابرات الليبي! وهنا يبرز السؤال الكبير: هل ظل العقيد الليبي يكافح وينافح بالنيابة طيلة عقد كامل عن مواطنين ليبيين اثنين ويضحي لأجلهما بمصالح شعب كامل لمصلحة هذا الشعب؟ أم أنه يدافع ويرافع بالأصالة عن نفسه خشية أن تقود المحاكمة إلى توجيه الاتهام إليه شخصياً، باعتبار أن الرجلين لم يكونا لينفذا شيئاً دون علمه أو دون إذنه؟ ! وإلا ... فلو كان الأخ القائد على يقين ببراءة (موكليه) فلماذا يصر على عدم تسليمهما للمحاكمة؟ ! إن هذا هو السؤال الذي يغامر النظام الليبي وتجامله فيه الأنظمة العربية للحيلولة دون الإجابة عنه ... ولكن الأيام وحدها ستجيب عن هذا التساؤل، وسواء أثبتت إدانة الشخصين أو لم تثبت في جريمة تفجير الطائرة المدنية فوق (لوكربي) فإن هناك جريمة أخرى كاملة قد وقعت ونفذت على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وهي إيقاع عقوبات تستمر لسبع سنوات على تهمة لا تزال قيد التحقيق! ! ولا ندري من أيهما نعجب: أمن من غطرسة القوة الغربية التي تعاقب قبل ثبوت الاتهام (كما حدث أيضاً في السودان وأفغانستان) ؟ أم من عنتريات الزعامات الثورية التي تحارب شعوبها، ثم تريد بعد ذلك أن تحارب بهم العالم؟ ! لك الله يا شعب ليبيا ... وكان الله في عونك يا شعب العراق! !

стр. 2996

المسلمون والعالم حمى سنة ٢٠٠٠ الحلقة الثانية بناء الهيكل الثالث ... سباق مع الزمن ! عبد العزيز كامل هذه الحلقات تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى شهور معدودة، ومن اللافت أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية التي يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود أفعال قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب الوقت من عام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل. وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها، ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها إن شاء الله في حلقات منفصلة. ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان - في ظل هذا الفراغ الذي تعيشه أمة الإسلام بعامة، والعرب منهم بخاصة؛ فإن الساحة تظل مهيأة لكل نشاطٍ معادٍ يتحرك في هذا الفراغ الرهيب! اقترب العام (٢٠٠٠) وتقترب معه دورة الزمان في التاريخ اليهودي من الانتهاء، لتبدأ دورة جديدة، دورة زمان (ملك السلام) الذي يعتقد اليهود أنه سيقضي على كل أعداء (إسرائيل) ! وفي رأيهم أن لا بد من تهيئة عالم الشهادة لقدومه من عالم الغيب.. لا بد من إقامة دولته، وتوحيد عاصمته، وتجهيز منبر دعوته! وموضع قبلته. أما الدولة فقد أقاموها.. (إسرائيل) ، وأما العاصمة فقد وحّدوها (القدس) ، وأما منبر الدعوة وموضع القبلة (الهيكل) فهو مهمة الوقت، وضرورة العصر في الفصل الأخير من الزمن السابق لعهد المخلّص المنتظر [١] كما يدّعون فهل هناك متسع من الوقت لتجهيز الهيكل لملك السلام؟ ! اليهود المتدينون يسابقون الزمن لبنائه، واليهود العلمانيون يستعدون لخلع رداء العلمانية بالمشاركة في إحيائه، ومع هؤلاء وهؤلاء، يراهن النصارى بمشاركتهم في هذه المساعي على تنصير اليهود عندما يجيء هذا المخلّص (فيفاجأون) أي اليهود بأنه هو المسيح عيسى بن مريم! ! ولعل هذا يفسر جانباً من احتفائهم بهم، واحتضانهم لهم، منذ ابتداء هذا القرن، وتضاعُف ذلك كلما اقترب زمان الألفية الثالثة، التي يعتقدون هم أيضاً أنها ألفية المسيح وزمان السلام! تقول الكاتبة الأمريكية (لي أوبرين) : (إن المذاهب اللاهوتية لكثرة من المسيحيين البروتستانت، تصف إنشاء دولة إسرائيل بأنه تحقيق لنبوءة توراتية، وتعتقد أيضاً أن تجمع اليهود في فلسطين مجرد تمهيد لتنصيرهم قبل المجيء الثاني للمسيح، ولهذا فإن أنصار السفارة المسيحية الدولية في القدس [٢] يشجعون محاولات تنصير أتباع أي ديانة باستثناء اليهود، إذ إنه من المحرم عليهم التبشير بينهم؛ لأنهم سيؤمنون تلقائياً بالمسيح عندما ينزل) [٣] ! ولكن أين سينزل المسيح في اعتقاد النصارى؟ يقولون أيضاً: سينزل في القدس، وسيمارس دعوته من الهيكل، ولهذا لا بد من مشاركة فعّالة في بناء الهيكل الذي سيكون رمزاً لتعانق الديانتين: اليهودية والنصرانية معاً، أو بالأحرى اندماجهما معاً! واليهود يرقبون هذه البلاهة بمكر، بل يستثمرونها بذكاء وصبر، وقد قال أحد حاخاماتهم لقسيس نصراني: (إنكم تنتظرون مجيء المسيح للمرة الثانية، ونحن ننتظر مجيئه للمرة الأولى، فلنبدأ أولاً ببناء الهيكل، وبعد مجيء المسيح ورؤيته؛ نسعى لحل القضايا المتبقية سوياً) . ولكن يظل أتباع اليهودية هم الجهة المعنية أولاً ببناء الهيكل فهو عندهم عقيدة.. عبادة ... تاريخ ووجدان، ولا أظن أن حماسهم سيفتر من أجل إخراجه إلى عالم الوجود بعد أن ظن الناس أنهم أدرجوه في عالم النسيان. الهيكل تسمية قديمة للمكان المختار للعبادة قبل الإسلام، والهيكل الذي كان موجوداً في الأرض المقدسة يمثل مراحل المسجد الأقصى فيما قبل الرسالة المحمدية، وقد صح أنه ثاني مسجد وضع في الأرض، فقد بناه إبراهيم ﵇ بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة [٤] ، وكان الهيكل في القدس قبلة لكل أنبياء بني إسرائيل طيلة عهودهم، واستمر المسلمون يصلّون إلى بيت المقدس زماناً، حتى تحولت قبلة المسلمين إلى الكعبة، ولكن حادثة الإسراء كانت إيذاناً بانتقال أرض القبلة الأولى إلى إرث الأمة الإسلامية؛ لأنها أرض مقدسة لا يصلح أن تبقى تحت أيدي أهل الملل الكفرية والعبادات الشركية، ولهذا كانت أرض بيت المقدس في مقدمة الأراضي التي اتجهت إليها جهود الفتح، بدءاً من غزوة تبوك، وحتى تم فتحها في عهد عمر بن الخطاب ﵁. وكما استمدت الأرض المقدسة قداستها من وجود الهيكل قبل الإسلام، فقد استمرت تلك القداسة بعدما تحوّل الهيكل إلى مسجد عظيم في الإسلام له خصائصه وفضائله المعروفة. واليوم وبعد نحو ألفي عام من هدم الهيكل الثاني ونحو ١٣٤٤ سنة من بناء المسجد الأقصى في ظل الإسلام يريد اليهود هدم المسجد وإعادة الهيكل، ليكون هو الهيكل الثالث، بعد أن دُمر الأول في سنة ٥٨٧ ق. م على يد ملك بابل (بختنصّر) ، ودُمر الثاني سنة ٧٠ للميلاد على يد (طيطس) . إن اليهود كانوا يتبادلون طوال أزمنة الشتات تحية يقولون فيها: (غداً نلتقي في أورشليم) ! وبعد أن وصلوا إلى أورشليم أو (القدس) واستولوا على حائط (البراق) الذي يسمونه حائط (المبكى) ، ابتدع لهم حاخاماتهم دعاءً يرددونه في كل صلاة أمام الحائط، وهو عبارة عن قَسَم وعهد على إعادة بناء الهيكل، ويدعون على أنفسهم باكين بأن تلتصق ألسنتهم في حلوقهم إذا هم نسوه! وأول من ردد ذلك الدعاء والتزم هذا التعهد هم القادة العسكريون عندما دخلوا القدس عام ١٩٦٧م، ووقتها لم يتقدم (موشيه دايان) وزير الدفاع لدخول المدينة المقدسة إلا وراء الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي (شلومو غورين) ! ، أما (إسحاق رابين) رئيس أركان حرب الجيش الإسرائيلي آنذاك والذي تحول بعد إلى (ركن من أركان السلام) ، فقد كتب في مذكراته يصف حرارة لحظات دخول القدس والاقتراب من مكان الهيكل. يقول: (كان صبرنا قصيراً.. كان يجب أن لا نضيع الفرصة التاريخية، كنا كلما اقتربنا من حائط المبكى ازداد الانفعال.. حائط المبكى الذي يميز إسرائيل، لقد كنت أحلم دوماً بأن أكون شريكاً.. ليس فقط في تحقيق قيام إسرائيل، وإنما في العودة للقدس، وإعادة أرض حائط المبكى إلى السيطرة اليهودية.. والآن عندما تحقق هذا الحلم، تعجبت: كيف أصبح هذا ملك يدي! ؟ وشعرت بأنني لن أصل إلى مثل هذا السمو طيلة حياتي) ! [٥] هذا رئيس الأركان الذي أصبح بعد ذلك رئيساً للوزراء في الحكومة العمالية (العلمانية) ! ! . أما الرئيس الإسرائيلي نفسه (زلمان شازار) فقد تقدم هو الآخر نحو الحائط في ذلك اليوم بخطىً وئيدة وخلفه جموع يهودية صاخبة، ويصف المعلق الصحفي الفرنسي (جان نويل) هذا المشهد فيقول: (دخل (زلمان شازار) رئيس إسرائيل المدينة التي فُتحت، ووقف أمام حائط المبكى، ولأول مرة منذ عشرين قرناً يقف رئيس دولة عبرية مستقلة أمام معبد سليمان الكبير ... إن الإسرائيليين الملحدين أنفسهم تأثروا أيضاً بهذه المشاعر الدينية.. إن اليهود لن يُنتزعوا من القدس دون أن تدمى قلوبهم) [٦] . ولكن.. هل اليهود وحدهم، أو النصارى معهم فقط المعنيون بإعادة بناء الهيكل؟ ! .. لا، إن هناك جماهير غفيرة من المغفلين أولي الديانات والثقافات المختلفة، ينجح اليهود في استدراجهم للعمل لحسابهم تحت مظلة الأندية الماسونية العالمية، تلك الماسونية التي عرّفها المستشرق الهولندي (دوزي) بأنها: (جمهور كبير من مذاهب مختلفة، يعملون لغاية واحدة هي: إعاة بناء الهيكل الذي هو رمز إسرائيل) [٧] . ويستوي في ذلك ماسون الغرب وماسون العرب، فقد جاء في النشرة الماسونية الصادرة في نيويورك عام ١٩٠١م: (إن الماسونية الأوروبية ستشيد بناءً حيث يعبد إله إسرائيل إلى الأبد) [٨] ويقول إدريس راغب وهو من أبرز الماسونيين العرب (إن الاعتقاد بوجوب إقامة الهيكل يقوّي إيماننا بالوعود المذكورة في الكتاب) [٩] . إن هذا الاعتقاد الذي يؤمن به اليهود ويؤمن به النصارى، ويسعى إليه الماسونيون، قد تعدى الآن مرحلة التنظير والتأطير المستمدة من الأساطير إلى مرحلة البدء في العمل والتنفيذ انتقالاً إلى عالم الواقع. الأحجار أولاً: كل بناء لا بد له من لَبِنات وأحجار تناسبه؛ ولكن إذا كان البناء (أسطورة) يُراد صنع واقع منها، فلا بد وأن تكون أحجار هذا البناء الأسطوري أحجاراً أسطورية أيضاً. هذا ما فهمه اليهود، وهذا ما يعملون عليه الآن. وبدأت قصة الحجارة من الناحية العملية في أواخر الثمانينيات، عندما وقع اختيار إحدى الجماعات الدينية على حجر كبير (مقدس) ! ! يزن ٣. ٥ طن، فقاموا في ١٦/١٠ /١٩٨٩م بوضعه حجر أساس للهيكل الثالث بالقرب من مدخل المسجد الأقصى، وقال وقتها (جرشون سلمون) زعيم جماعة (أمناء الهيكل) : (إن وضع حجر أساس الهيكل يمثل بداية حقبة تاريخية جديدة.. نريد أن نبدأ عهداً جديداً من الخلاص للشعب اليهودي) [١٠] . ولم تكن تلك الحادثة مجرد احتفال بمراسم وضع حجر الأساس، بل كانت تدشيناً لمرحلة لها ما بعدها، ويدل على ذلك أن جمع الأحجار (المقدسة) أصبح عملاً تعبدياً للكثير من المعنيين بالتعجيل ببناء الهيكل، وقد أذاعت وكالة الأنباء الفرنسية تقريراً في أوائل أغسطس من عام ١٩٩٧م جاء فيه: إن المتطرفين اليهود في القدس أعدوا كل شيء وفق طقوسهم لبناء الهيكل، وجاؤوا بأحجار تم قطعها من صحراء النقب وغيرها، ليتم صقلها في القدس، لاستخدامها في بناء الهيكل، وسيحتاج المشروع وفق التقرير إلى ستة ملايين حجر، ونبه التقرير إلى أنه لم يعد سراً أن الهيكل تم تصميمه الهندسي في الولايات المتحدة الأمريكية، على يد مستشارين هندسيين من يهود أمريكا، وذكر التقرير أيضاً أن هذا التصميم وضع تحت تصرف الحكومة الإسرائيلية الآن، وتم إعداد فريق متكامل من عمال البناء سيظلون رهن الإشارة للعمل عندما يحين الوقت. (الشرق القطرية، ١٩/٨/١٩٩٧ م) إن ستة ملايين حجر.. (توراتي) مهمة غير هينة، ولكن كل شيء يهون عند يهود اليوم وهم يرون أنهم الجيل المختار من (الشعب المختار) ، لإنجاز العمل الكبير الذي لم يعودوا يصبرون على تأجيله، وقد نشرت الصحف الإسرائيلية أن عائلة (ليفي) اليهودية الثرية التي تملك كسارات ضخمة في جنوب الأرض المحتلة، أعدت بالفعل كميات ضخمة من الحجارة التي (لم تلمسها يد إنسان أو إزميل عامل) حسب وصف التوراة [١١] ، لكي تُنقل عندما تحين الفرصة إلى القدس لبناء الهيكل. (نقلاً عن الخليج ٦/١١/١٩٩٧م) وهناك جماعة يهودية أخرى، تخصصت في شراء أحجار معينة، يتم تقطيعها وصقلها في صحراء النقب بأموال يحصلون عليها من التبرعات، ويؤكد أحد زعماء هذه الجماعة ويُدعى (يالوز) أن توفير ستة ملايين حجر من تلك الحجارة الخاصة ليس بالأمر اليسير، ولكنه يؤكد على أنه وجماعته يشعرون بأنهم يقومون بمهمة مقدسة ولا بد من إتمامها، ويقول: (عندما ألمس هذه الحجارة وأحملها، أشعر بأن شيئاً من الجنة يتحرك فيها) . (الخليج ٩/٨/١٩٩٧م) . إن هذا الهَوَس الحجري العنصري، والأجواء الأسطورية التي تعيشها الجماعات الدينية اليهودية، تجعلها تُقْدِم على أمور تبدو للوهلة الأولى أنها أفعال مجانين! ! ولكنها للأسف جنون موجّه تحميه القوانين، وتؤازره السلطة؛ مما حدا ببعض الجماعات إلى قلع الحجارة التي تحفّ ببعض الأرصفة في القدس عندما اشتمّوا فيها مسحة توراتية، بل شاركت السلطات نفسها فيما لا تستطيعه الجماعات من ذلك؛ ففي شهر يونيه (حزيران) من عام ١٩٩٧م قررت البلدية الإسرائيلية لمدينة القدس بالتعاون مع وزارة السياحة البدء في مشروع اقتلاع الأرصفة بأحد الشوارع الكبرى في القدس، وقد تم تحصيل مبلغ مليون شيكل (قرابة ٣٥٠ ألف دولار) لنزع تلك الحجارة التوراتية العتيقة (الخليج ١٤/٦/١٩٩٧م) ! ! وماذا بعد الحجارة؟ كان المتوقع أن يتم تأجيل كل عمل يتعلق بالبناء حتى يتم الهدم الذي يتعجلون يومه، ولكن الواقع غير ذلك، فالواقع أن اليهود بدافع من ذلك الهوس (الهستيري) يستبقون الأحداث، وقد أذاعت وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير لها في شهر أغسطس من عام ١٩٩٧م. أن الاستعدادات تجري لتجديد وإحياء التقاليد والطقوس التي ستمارس في الهيكل، بما فيها من مذابح للحيوانات التي ستقدم ضمن الشعائر اليهودية، وذكرت أن الحاخامات ينشطون الآن في تخريج أجيال تقوم على رعاية تلك الطقوس في (معهد الهيكل) بالقدس. وأشارت إلى أن هؤلاء ينطلقون من رؤية مفادها أن الهيكل ينبغي أن يكون جاهزاً بشكل تام وليس مجرد بناية فقط قبل الأحداث الكبرى التي ستسبق نزول المسيح. وتعرض في إسرائيل الآن كما نُشر في السياسة الكويتية ٣٠/١٠/١٩٩٧م عشرات من أنواع الأدوات الدينية التي سيحتاج إليها رواد الهيكل عندما يُبنى، مثل المعدات التي ستستخدم في معالجة الرماد بعد التضحية بالقرابين، والآنية والنبيذ (المقدس) ومفروشات العبادة.. كل ذلك أصبح جاهزاً! وماذا عن الشمعدان!! حتى الشمعدان السّباعي (المقدس) ! تجري الآن بشأنه أشياء وأشياء، فهو أعظم رمز ديني عند اليهود، وهو يرمز لأيام الخليقة السبعة في التوراة، التي يعتقد اليهود أنهم سيتوّجون اليوم السابع منها؛ ولهذا اتّخِذ رمزاً رسمياً للدولة الإسرائيلية، فنراه منقوشاً على العملات، ومطبوعاً على الأوراق، ومُبْرزاً على واجهات المنابر ومنصات المحافل، هذا الشمعدان والذي يوشك على الانتهاء الآن يرى اليهود أن قداسة (قدس الأقداس) داخل الهيكل لا تكتمل إلا بإيقاده داخله، والآن يريدون تحويل ذلك الرمز الديني التاريخي.. والسياسي أيضاً، إلى حقيقة واقعة! والشمعدان السّباعي، ليس واحداً فقط على ما يبدو، ولهذا جرت ولا تزال تجري المساعي، للعثور على القديم، وإنجاز مجموعة أخرى من الشمعدانات الجديدة! فقد أدلى (باروخ بن يوسف) زعيم منظمة (بناة الهيكل) بتصريح لوكالة الأنباء الفرنسية في أغسطس ١٩٩٧م قال فيه: (إن جماعته انتهت من صنع شمعدان ذهبي ضخم تم صنعه في أمريكا، ونقل بالفعل إلى إسرائيل، وقال إن جماعته بدأت مع جماعات أخرى في إعداد حاخامات متمرسين في هذا الشأن لإقامة الشعائر الدينية التي ستقام في الهيكل) (الخليج ٩/٨/٩٧م) وهناك مليونير يهودي مصري يدعى (موسى فرج) بدأ عام ١٩٩٠م بمباركة شخصية من صديقه الشخصي (بنيامين نتنياهو) قبل أن يصبح رئيساً للوزراء في العمل لإنجاز شمعدان ذهبي آخر في الولايات المتحدة التي استقر بها ذلك المليونير مشتغلاً بتجارة الماس. وقد انتهى من إنجازه كما أكد ذلك (إيهود ألمرت) عمدة بلدية القدس، وانتهى كذلك من إنجاز عمل آخر هو (خيمة الاجتماع) أو (خيمة العهد) التي يعتقد اليهود بضرورة وضعها في الهيكل؛ لأنها ترمز إلى الخيمة التي اجتمع فيها موسى مع الملائكة حسب معتقد اليهود فوعدته بمجد بني إسرائيل! وهذه الخيمة الجديدة التي انتهى من إعدادها المليونير اليهودي، تم صنعها كما ذكرت الأنباء من خيوط الذهب الخالص، وقد أهداها بعد إتمامها إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو! وذلك إضافة إلى الشمعدان الذهبي الذي خصص له المليونير مبلغ ١٥ مليون دولار أمريكي. (روز اليوسف ٩٧/٨/١٩١٨م) أما الشمعدان الأكبر القديم، فيذكر المؤرخون اليهود، أنه نجا من الاحتراق عندما دمّر (نبوخذ نصر) الهيكل عام ٥٨٦ قبل الميلاد، ولكنه أي الشمعدان فُقد، وظل اليهود يحلمون عبر قرون طويلة بالعثور عليه، ويحدوهم الأمل باسترجاعه تحقيقاً لبعض النبوءات، غير أن ذلك الحلم لم يتحقق، ولكن في هذا العصر عصر تحقق الأساطير اليهودية بدأ اليهود في إعادة البحث عن الشمعدان، حتى إن المخابرات الإسرائيلية نفسها تورطت في الستينيات من هذا القرن في حادث اختراق وتسلل إلى مخازن الفاتيكان بناءً على معلومة كاذبة تقول: إن الشمعدان يوجد في أحد دهاليز مخازن الفاتيكان! ومرت الحادثة.. ومضت، ولكن اليهود لم ينسوا الشمعدان المفقود؛ ففي شهر سبتمبر (أيلول) من عام ١٩٩٧م، اجتمع وزير الأديان الإسرائيلي (شيمون شيريت) مع (البابا) يوحنا بولس الثاني، وطلب منه المساعدة في العثور على الشمعدان المقدس القديم الذي يزن (٦٠ كيلو جراماً) من الذهب (السياسة الكويتية ٣٠/٧/١٩٩٧م) . ويدعي اليهود أن ذلك الشمعدان أُحضر إلى روما في عهد الامبراطور (طيطس) الذي هدم الهيكل عام ٧٠ للميلاد! وهكذا.. نرى أن اليهود سيلغمون الأشهر والأعوام القليلة القادمة بقنابل عديدة وموقوته، ولهذا نتوقع أن (يتحفونا) كل حين بمفاجأة من مفاجآتهم (الأسطورية) التي يبدو أنها ستصطف واحدة تلو الأخرى لكي تخرج تتهادى إلى عالم الوجود تباعاً، ومن الآن فصاعداً؛ وذلك لكي يقنعوا العالم بأنهم لا يتحدثون عن خرافات بل عن وقائع! ... والتابوت..! أسطورة أخرى تتعلق بالهيكل، يدور حولها الآن جدل ومناقشة، إنها أسطورة التابوت! ونقول أسطورة؛ باعتبار ما يردده اليهود عنها اليوم، وإلا فإن التابوت الذي كان موروثاً من زمان موسى ﵇ والذي حملته الملائكة في زمن النبي (شمويل) لتثبت لبني إسرائيل أحقية (طالوت) بالملك، هذا التابوت المذكور في سورة البقرة حق نؤمن به؛ لأنه مذكور في القرآن [١٢] ، ولكن ما ليس حقاً، أن اليهود يزعمون أنهم سيحصلون عليه مرة أخرى، وسيكون معهم في معاركهم الفاصلة مع أعدائهم، فيكون النصر حليفهم! ! من يصدق أن اليهود الآن يتطلعون إلى إخراج هذا التابوت مرة أخرى إلى العالم؟ ! إن البحث عن التابوت اليوم يمثل عَرَضاً آخر من أعراض حُمّى سنة ٢٠٠٠. والتابوت حسب التراث اليهودي كان موجوداً في الهيكل الأصلي داخل ما يُعرف بـ (قدس الأقداس) وكان يضم قطعاً من ألواح التوراة وبقايا مما ترك آل موسى وآل هارون. والقرآن يصدّق هذا في قوله تعالى: [إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَاًتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ] [البقرة: ٢٤٨] . ولكن هذا من الأمور التي انتهت بانتهاء أفضلية بني إسرائيل، ولو بقي في التابوت أو الشمعدان أو خيمة العهد أو نحوها فضل على فرض بقائها لانتقلت إلى إرث الأمة المفضلة الأخيرة، أمة محمد ﷺ ، كما انتقل إلى إرثها المسجد الأقصى والأرض المباركة حوله. ولكن اليهود لا يعترفون بهذا، ولا يقرون لمحمد ﷺ برسالة أصلاً. ولهذا فإن كل ما كان مقدساً في كتبهم وديانتهم المنسوخة، لا يزال على صفته عندهم. وعلى هذا فالهيكل لا بد أن يحتوي في نظر اليهود على تابوت العهد حتى تكتمل صفته الدينية، ولكن أين التابوت الآن؟ ! أسطورة أخرى يتحرك شبحها في الأفق البعيد محاولاً المجيء من عالم الغيب السحيق؛ فقد أكدت صحيفة معاريف الإسرائيلية في عددها الصادر في فبراير ١٩٩٧م، أن تابوت العهد موجود الآن في إثيوبيا! ونقلت عن أحد علماء الآثار والتاريخ اليهودي قوله: إن منليك ابن النبي سليمان ﵇ من بلقيس ملكة سبأ، نقله إلى الحبشة بعد وفاة أبيه، ونسب الباحث تلك الوقائع إلى التوراة وأضاف: (إن الهيكل لا يعني أي شيء بدون التابوت، والتابوت ليس موجوداً تحت المسجد الأقصى كما تظن بعض الجماعات اليهودية وكل محاولات التنقيب والحفريات التي تُجرى لن تصل إلى شيء يتعلق بهذا التابوت) ! وبعد أن نقلت الصحيفة عن الباحث الإسرائيلي هذه التصريحات، عقّبت بقولها: (إن تابوت العهد موجود بالفعل في مكان سري في شمال إثيوبيا قرب مدينة (أقسوم) العاصمة القديمة للحبشة أيام حكم بلقيس وسليمان، والتي حكمها منليك بعد أمه مدة خمسة وعشرين عاماً. ثم أردفت الصحيفة قائلة: (لا أحد يعرف مكان التابوت إلا أفراد قلائل من كبار المسؤولين) ! ! وهناك رأي آخر في تحديد مكان التابوت، وهو سائد أيضاً بين العديد من الجماعات اليهودية، وهو أنه في مكان مّا في الطبقات العميقة تحت (قدس الأقداس) ، يعني تحت الأرض المقام عليها الآن المسجد الأقصى، وهذا هو الرأي التقليدي الشائع، والذي بموجبه بدأت الحفريات تحت المسجد الأقصى، والذي من أجله صدرت الفتاوى الحاخامية بحظر دخول اليهود إلى داخل أروقة المسجد خوفاً من أن تطأه الأقدام! ! وعلى كلا الرأيين، فلا بد في نظر كلٍ من الفريقين أن يتم العثور على التابوت بما فيه من الألواح والأشياء المقدسة! لعل هذه التفاعلات المَرَضِية وتداعياتها؛ تقرب القارئ إلى تصور الحد الذي وصلت إليه الأمور اليوم في ذلك الصراع الديني، الذي يُدار دينياً من طرف واحد، ولعل القارئ يدرك بهذا إلى أي حدٍ ارتفعت درجة حرارة الحمى بمرضى الهوس الألفي الذي تتحدث عنه الصحف الرسمية اليهودية، وتتناثر التصريحات حوله من المسؤولين اليهود داخل (إسرائيل) وخارجها.. والسؤال هنا: أين مثقفونا وسياسيونا (الواقعيون جداً) من هذا الواقع الجديد والتفاعلات المتصاعدة داخل الدولة العبرية؟ هل يعلمون بذلك وهم يَصخّون الأسماع بالحديث عن السلام الحتمي والتطبيع المصيري؟ ! أغلب الظن أنهم يطلعون على مثل هذا وأكثر، ولكن لماذا هذا الصمت المريب على كل تلك الصرعات الدينية: اليهودية والنصرانية التي يراد أن يدار بها الصراع في المرحلة القادمة في ظل غيبوبة مفروضة على الأمة؟ لماذا يُسكت عن (الأيديولوجيات) المسيّسة المولعة بالعودة إلى الوراء آلافاً من السنين، في حين يستمر الضجيج المقذع للتخويف من العودة للإسلام وحده؟ ! ولمصلحة مَنْ يُطلب من الإسلام وحده أن يكف يده، في حين تمتد كل الأيادي والسواعد (الدينية) للعمل النشط ويُصمت عنها؟ ! الذي يظهر لي في علة هذا الصمت المصنوع عن الانتعاش الديني لدى اليهود والنصارى؛ هو الخوف من إثارة الغيرة الإيمانية ومشاعر الحنين إلى الدين عند المسلمين، والإعلام العلماني لم يفهم بعدُ أن هذه الغيرة وتلك المشاعر هي روح الأمة التي لو فارقتها لفارقتها الحياة. نعم هناك ما يشبه التهامس بهذه الأمور ولكن سياجاً من التعتيم والتعمية يقام حولها حتى لا تتنبه الأمة وجماهيرها اللاهية إلى ما يراد لها، أو قد تعرض بعض هذه القضايا في شكل جزئي مهمش، او عرض اختزالي مغبش. وتظل مهمة استخلاص الحقائق من بين براثن الإشارات الصحفية الشحيحة [١٣] عن هذه الأمور مهمة صعبة. إن الإعلام العربي (العلماني) يمارس للأسف الشديد، مهمة الاتجار في المخدرات الفكرية، ويعمل على ترويجها حتى تصاب الأمة كلها بحالة من إدمان الترف المعرفي التائه، أو التجاهل أو التشاغل الذاهل. قارِنْ مثلاً بين مساحة الاهتمام بقضية اليهودية العاهرة (لوينسكي) أو قصة النصرانية العاشقة (ديانا) أو هذا الفنان أو تلك الغانية أو ذاك الرياضي قارن بين ذلك وبين كثير من القضايا الكبار التي تواجه الأمة مصيرياً، فبتلك المقارنة تدرك بُعد الشّقّة. ومع هذا فإن إجراء عملية (ترشيح) للقليل المنشور في مثل هذه القضايا المهمة المهملة، يوصل إلى مؤشرات ترسم معالم الحقيقة في الموضوع المراد. ومن معالم الحقيقة في موضوع مقالنا؛ أن القضية وصلت إلى أعلى مستويات المعرفة والمواجهة بين المسؤولين العرب والمسؤولين اليهود، فقد ذكرت بعض الصحف أن ياسر عرفات زعيم السلطة الفلسطينية، عرض صوراً مما درجت الحكومة الإسرائيلية مؤخراً على نشرها للهيكل في تصميمه الأخير المعتمد؛ حيث تظهر مبانيه وهي تحتل مكان المسجد، وممن عرض عليهم ذلك أعضاء مجلس الجامعة العربية، وأعضاء (لجنة القدس) ، وذكرت مجلة (روز اليوسف) في عددها الصادر في ٥/٥/١٩٩٧م، أنه أي عرفات عرض ذلك أيضاً على الرئيس حسني مبارك، وقال الصحفي المصري، عادل حمودة: إن ياسر عرفات التقى أيضاً في إحدى زياراته للقاهرة بعدد من الصحفيين، وشرح لهم تفاصيل المخطط الإسرائيلي لهدم الأقصى، وقال للصحفيين: إن يهود العالم تبرعوا في السنوات الأخيرة بما يقرب من مليار دولار من أجل مشروع واحد، وهو بناء الهيكل الثالث! وذكرت صحيفة الحياة في (٧/٣/١٩٩٧م) أن الرئيس حسني مبارك واجه بنيامين نتنياهو عندما زار القاهرة في (٥/٣/١٩٩٧م) برسوم وتصميمات هندسية تسربها إسرائيل عن الهيكل الثالث، وقالت الصحيفة نقلاً عن مصادر مصرية مطلعة: (إن نتنياهو لم ينفِ أمام الرئيس مبارك مخططات حكومته إحياء هيكل سليمان في موقع مسجدي الأقصى والصخرة في القدس الشريف عندما واجهه بالتصميمات الهندسية للهيكل) ! وكان نتنياهو قد أهدى مجسّماً يمثل الهيكل الثالث لأسقف الروم الأرثوذكس (ماكسيموس شالوم) بمناسبة عيد الميلاد عام ١٩٩٧م، وكان المجسم موضوعاً على خريطة فضية بدت فيها معالم المدينة المقدسة خالية من المسجدين. ولما اعترض الفلسطينيون، قال ناطق باسمه لوكالة (رويتر) : (نعتذر عن هذا الخطأ، إننا لم نلاحظ أن المسجد الأقصى لم يظهر في النموذج المجسم) ! ! (الحياة ١٣/١/١٩٩٧هـ) وهكذا تمضي الأحداث، مسجلة كل يوم خطوات إلى الأمام على درب المخططات اليهودية، بينما لا تزال تتعثر خطواتنا في مجرد استيعاب أخبار مخططاتهم! يبقى أن أشير إلى نقطة أخيرة فيما يتعلق بالمشروع المؤامرة، وهي: أن ما يطلق عليه اليهود (قدس الأقداس) أو المذبح، والذي يُعد في الحقيقة موضع القبلة الحقيقية لدى اليهود داخل أروقة الهيكل، هذا المذبح قد أنجز بالفعل، فقد انتهت منظمة (حركة إعادة الهيكل) من بناء هذا المذبح في منطقة قريبة من البحر الميت، وقد أعد بطريقة تسمح بنقله في الوقت المناسب ليمثل مكانه في قلب مباني الهيكل، وقد نشرت جريدة الخليج في (١٦/١١/١٩٩٧) أن الشركة الإسرائيلية للصناعات المعدنية في الأرض المحتلة شاركت في المشروع، وتولت إعداد التجهيزات المعدنية بداخله بطول ثلاثين متراً على نفس الهيئة التي كان عليها المذبح القديم، وذكرت الصحيفة نقلاً عن وكالات الأنباء أن المذبح الموجود الآن في منطقة قريبة من البحر الميت كان قد تقرر عرضه في صالة واسعة تابعة لمعهد دراسات الهيكل في القدس، إلا أن مخاوف أمنية، جعلت الإسرائيليين يرجئون فكرة عرضه، وتم التحفظ عليه في مكان أمين بمحاذاة الحدود مع الأردن! أقول: لماذا المذبح الآن؟ ولماذا عُجّل به قبل بقية البناء؟ وماذا سيذبح فيه؟ ! إن الجواب المعلوم إجمالاً لكل متابع، أن اليهود يُعِدّون المذبح لكي يكون مسرحاً لرواية أسطورية أخرى، من كبريات أساطير سنة ٢٠٠٠، وهي أسطورة (البقرة الحمراء ... العاشرة) ! فما هي البقرة العاشرة؟ وما قصتها القديمة، وآخر حلقاتها الحديثة؟ متى وجدوها؟ ومتى يذبحونها؟ وكيف سيتحول الشعب اليهودي كله بعد ذبحها إلى شعب (أصولي) شديد التمسك باليهودية؟ هذا ما سنعرفه في حلقة قادمة إن شاء الله.

стр. 2997

مرصد الأحداث من يدفع للآخر؟ ! قال رئيس مجلس النواب المغربي عبد الواحد الراضي إن الدول العربية يجب أن تحصل على تعويض لقاء الثروة البشرية التي خسرتها بهجرة مئات الآلاف من اليهود العرب إلى إسرائيل. وأضاف: إن اليهود الذين هاجروا من الدول العربية كوّنوا ثروة بشرية لـ (إسرائيل) ؛ لأنهم وُلِدوا وتربوا وتعلموا وأصبحوا جاهزين للإنتاج في البلاد العربية قبل خروجهم منها. ولذلك، فإن البلاد العربية هي التي تملك الحق بطلب التعويض من إسرائيل مقابل ما فقدت من ثروة بشرية، مشيراً إلى مطالبة تل أبيب بثروة مادية لتعويض اليهود. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٤١) ] ما الهدف إذن؟ ! ١- قال قائد عملية (ثعلب الصحراء) قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال (أنتوني زيني) : إن الأزمة مع العراق (قضية إقليمية تجب معالجتها عبر الاحتواء والصبر وليس عبر المواجهة المباشرة مع الرئيس صدام حسين أو محاولة إطاحته) . (إن مواجهة صدام مباشرة أكثر صعوبة، ستكون صعبة على الجانب السياسي، وستكون صعبة في المنطقة، وإعلان حرب شاملة والدخول إلى بغداد، قد يتسببان في مزيد من عدم الاستقرار) . [جريدة الحياة، العدد (١٣٠٨١) ] ٢- كشف مسؤولون أمريكيون أن لجنة الاستخبارات المنبثقة عن مجلس الشيوخ الأمريكي أوقفت خطة لتقويض الحكومة العراقية؛ بسبب عدم قناعة عدد من كبار أعضاء المجلس من الجمهوريين بأن الرئيس بل كلينتون جاد في إسقاط الرئيس العراقي صدام حسين. واعترف المسؤولون بأن الكونجرس رفض السماح لوكالة المخابرات المركزية (سي. آي. إيه) ببدء حملة لتغيير النظام العراقي. فعدد من أعضاء المجلس كان يعترض على الدور الذي يمكن أن تلعبه الوكالة في ذلك، فضلاً عن أنهم لم يقتنعوا بجدية الرئيس كلينتون في خطط إسقاط الرئيس العراقي. ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٣١) ] ٣- أصر الجنرال (هيو شيلتون) رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، أن صدام ليس على قائمة الأهداف. وقال شيلتون (إننا لم نكن نتعقب صدام حسين من يوم إلى آخر. وصدام حسين لم يكن هدفاً محدداً لهذه العملية. وإذا حدث أن اقتنصته أو أضعفت نظامه قنبلة أو صاروخ فإن هذا سيكون قيمة مضافة) . ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٢٧) ] من احتلال إلى احتلال تقود مجموعة روتشيلد التابعة للأسرة اليهودية المعروفة جهوداً دولية للاستثمار في الضفة الغربية وقطاع غزة، انطلاقاً من أن تحسين الوضع الاقتصادي وتوفير الوظائف سيعزز السلام والأمن في المنطقة. وشاركت مجموعة روتشيلد في وفد من رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال والاستثمار البريطانيين زار (إسرائيل) والضفة الغربية وقطاع غزة؛ لغرض الاطلاع على فرص الاستثمار في الأراضي الفلسطينية، وأعرب غسان الشكعة، رئيس بلدية نابلس عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، عن تفاؤله إزاء إمكانية أن تتحقق وعود الوفد بالاستثمار في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، وتصبح واقعاً ملموساً في غضون فترة ليست بطويلة. وتقول أوساط فلسطينية أنه لو تحقق ذلك فإن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يكون قد حقق أمنيته وحلمه المتمثل على حد رأيه، في أن يرى لا روتشيلد الفلسطيني فحسب يستثمر في أراضي السلطة بل روتشيلد الحقيقي. واسم روتشيلد مرتبط بالحركة الصهيونية منذ أكثر من قرن، وبـ (إسرائيل) منذ قيامها قبل ٥٠ عاماً. فقد ساعدت هذه الأسرة اليهودية في تمويل المستعمرات اليهودية في فلسطين كما مولت عبر صندوقها الخيري! الضخم المؤسسات الخيرية في (إسرائيل) . ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٤٠) ] الصديق.. وقت الضيق أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت أن الإدارة الأمريكية ستتقدم بطلب للكونجرس الأمريكي بالموافقة على تقديم ٢٠٠ مليون دولار مساعدة أمنية إضافية للأردن. ويُذكر أن الولايات المتحدة تقدم سنوياً ٢٢٥ مليون دولار، مساعدات مالية واقتصادية للأردن. ويعاني الأردن عجزاً في موازنة الدولة للعام المقبل وصلت إلى نحو نصف مليار دولار، وستغطي المساعدات المالية والهبات والقروض الخارجية والداخلية جزءاً كبيراً من هذا العجز. ... ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٨٣) ] سمن على عسل في الوقت الذي جَمّدت فيه حكومة بنيامين نتنياهو اتفاق (واي ريفر) للأرض مقابل الأمن، الأمر الذي أرجأ البدء بمفاوضات الوضع النهائي للأراضي المحتلة؛ أكدت صحيفة (إسرائيلية) أن اتصالات سرية جرت مؤخراً بين مسؤولين كبار في السلطة الفلسطينية ووزير الخارجية (الإسرائيلي) أرييل شارون. وذكرت صحيفة (يديعوت احرونوت) أن المحادثات السرية التي تتم منذ أسابيع قليلة تركزت على موضوعي مفاوضات الوضع النهائي وعمل اللجان المشتركة الخاصة بتنفيذ اتفاق (واي) . وأشارت الصحيفة إلى أن (الاتصالات السرية أحرزت تقدماً) في مجال اثنتين من اللجان المشتركة، اللجنة الاقتصادية ولجنة الشؤون المدنية. ونقلت عن مسؤولين (إسرائيليين) أن (الجانب الفلسطيني برغم ذلك يحاول إشاعة أجواء أزمة في عملية السلام) على حد زعمهم. [جريدة الخليج، العدد: (٧١٦٢) ] أيها المطبِّعون.. موتوا بغيظكم ١- أظهر استطلاع للرأي أعده فريق مقاومة التطبيع التابع لمجلس طلبة الجامعة الأردنية حول موقف الطلاب من التطبيع مع (إسرائيل) أن ما نسبته ٧٢% من طلبة الجامعة يعارضون بشدة التطبيع، واتخذ ٥، ١٠% من الطلبة موقفاً محايداً من هذه القضية، وامتنع ١% منهم عن الإجابة في حين قال ١% منهم إنه يؤيد التطبيع بشدة مع اليهود. واعتبر ٧٤% من الطلبة فكرة مقاومة التطبيع واجباً دينياً ووطنياً، في الوقت الذي اعتبرها ٥، ١٣% منهم موقفاً شخصياً ملتزماً، و ٨% اعتبرها فكرة مرفوضة، وامتنع ٥. ٤% عن توضيح موقفهم فيما يتعلق بهذه الفكرة. وأكد ٤٦% من طلبة الجامعة أنهم يرفضون تماماً فكرة الذهاب إلى السفارة (الإسرائيلية) لغرض الحصول على فيزا، في حين قال ٣٦% من الطلبة إن هذه الفكرة مقبولة إذا كانوا مضطرين لذلك فقط، ولا يمانع ١٠% من الذهاب إلى السفارة للغرض المذكور؛ في حين لم يحدد ٨% موقفهم تجاه هذه الفكرة. ٢- أيدت محكمة مصرية تظاهرات الطلاب (ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين) حيث قضت محكمة القضاء الإداري في طنطا بإلغاء قرار لرئيس الجامعة بفصل ٣٨ طالباً (لقيامهم بالتظاهر ضد الاحتلال الصهيوني) وألزمت المحكمة الجهة الإدارية بالمصروفات، وإحالة الدعوى إلى هيئة مفوض الدولة. وكان ٣٨ طالباً بجامعة طنطا (فرع كفر الشيخ) أقاموا دعوى مستعجلة ضد رئيس الجامعة وعمداء الكليات المنتسبين إليها؛ لوقف قرار فصلهم لمدة تتراوح بين أسبوعين و٣ أسابيع بحجة تنظيم مظاهرات معادية للاحتلال الإسرائيلي والتنديد بوحشية الممارسات اليهودية ضد الفلسطينيين، وأكدت المحكمة أن حرية إبداء الرأي حق أصيل في الدستور، ويجب على الجامعة تشجيعه. وأكدت المحكمة أن الطلاب لم يرتكبوا مخالفات تستوجب العقاب، وأنهم عبّروا عن رأيهم تجاه ما يحدث في الأراضي المغتصبة في فلسطين من قِبَل اليهود. ... ... ... ... [جريدة الخليج، العدد: (٧١٦١ ٧١٦٢) ] نعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال النائب عبد العزيز العدساني رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأمة الكويتي في تصريح له: (نحن مستعدون لأن نستعين بالشيطان وليس بالقوات الأمريكية والبريطانية لضمان حماية وجودنا واستقرارنا وكياننا، بعدما تحولنا إلى لقمة سائغة للنظام العراقي) . ... ... [جريدة الخليج، العدد: (٧١٦١) ] أول قس كويتي! ! انتهت في الكويت إجراءات تنصيب القسيس الكويتي (إيمانويل بنجامن الغارب) قساً وراعياً للكنيسة الإنجيلية الوطنية في الكويت، ليكون بذلك أول مواطن كويتي مولود في الكويت يُنَصّب في هذا الموقع. وولد القس إيمانويل الذي تعود أصوله إلى تركيا في عام ١٩٥٠م. واستوطنت عائلته في الكويت في عام ١٩٢٨م، حيث قَدِم والده ضمن الإرسالية الأمريكية لينضم إلى خاله يعقوب شماس، وبقي فيها عدة أشهر قبل أن ينتقل إلى البحرين للعمل في مستشفى الإرسالية الأمريكية هناك. وعاش في البحرين حتى عام ١٩٤٠م، ثم انتقل إلى شمال العراق حيث مدينة الموصل ليتزوج من والدة السيد إيمانويل ويعود إلى الكويت في عام ١٩٤٥م وينجبه فيها. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٤٨) ] ادعوا لنتنياهو! ! إن أي خطيب لا يلتزم بالمنهج الإسلامي الذي يقول: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] نقول له قف عندك لا مكان لك بيننا. وعلى ذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي أقول: ممنوع ذكر أسماء أو التعريض بأشخاص من فوق منبر، يستوي في ذلك نتنياهو مع عامة الشعب المصري، لنكن عمليين: ما الذي يجدي من صعود المنبر لشتم نتنياهو؟ ماذا يعود على المسلمين؟ خطبة الجمعة موعظة يستفيد منها كل مسلم، وهذا لا يمنع الاهتمام بأمر المسلمين من دون شتم أو سب. [د. حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري، مجلة الوسط، العدد: (٣٦٢) ] نصف العمى! ذكرت أنباء صحفية في جاكرتا أن الرئيس الإندونيسي السابق (سوهارتو) أبدى استعداده للتنازل عن ٥٠ في المائة من أمواله في البنوك المحلية، و٧٠% من أملاكه الأخرى لصالح الدولة، ونقلت صحيفة (كابيتال) الإندونيسية عن مصادرها أن (سوهارتو) أبدى استعداده لهذا التنازل مقابل أن يُترك وشأنه؛ ليعيش حراً في هدوء كمواطن عادي. وأشارت هذه المصادر إلى أنه في حالة تحقق هذا السيناريو فيمكن للرئيس يوسف حبيبي أن يستخدم حقه في إصدار عفو عن الرئيس السابق لاعتبارات إنسانية ومن ثم إغلاق ملف هذه القضية. [جريدة الخليج، العدد: (٧١٦٧) ] النزاهة الأمريكية في كوسوفا! ! أعطت الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر للقوات الصربية لتنفيذ عمليات ملاحقة للمشتبهين بارتكاب جرائم قتل واعتداء على المدنيين في كوسوفا، وأعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية جيمس روبن أن (للقوات الصربية الحق في القيام بحملات مطاردة للقبض على قتلة المواطنين الصرب في مدينة بيتش) . وأشار إلى أن الولايات المتحدة ستتابع عن كثب عمليات مطاردة واعتقال ومحاكمة المتهمين (للتأكد من نزاهة التحقيق معهم) . [جريدة الحياة، العدد: (١٣٠٧٤) ] بيع الرفاق تخلى زعيم (حزب العمال الكردستاني) عبد الله أوجلان عن مقاتليه، وقال إنه أقلع عن الصراع المسلح الذي يخوضه (حزب العمال الكردستاني) الذي يتزعمه ضد قوات الأمن التركية. وأضاف: (خلال المعركة لا يتصرف معظمهم أفضل من القتلة، ولو حاربوا في شكل جيد لكانوا انتصروا. وأنا أردد لهم ذلك منذ ١٥ عاماً، لا يمكنهم أن يفهموا أفكاري) . لقد (طلبت من القادة العاملين معي أن يتوقفوا ولكنهم لم يفعلوا) موضحاً أنه لا يريد (أن يعمل بعد الآن مع هؤلاء الأشخاص) . و (إذا أراد المقاتلون مواصلة ما يفعلونه منذ ١٥ عاماً فليست لي علاقة بهم) . (إنهم يدمرون أنفسهم من خلال اتباع أساليب حمقاء، ويسيرون فوق الألغام التي وضعوها هم بأنفهسم. لا يمكن لأي قائد قبول ذلك) . وقال: (أنا عقبة أمام الحلول السياسية والحلول الأخرى. من الآن فصاعداً لن أكون كذلك) . ... ... ... ... [جريدة الأنباء، العدد: (٨١١٣) ]

стр. 2998

قضايا ثقافية الإسلاميون وسؤال النهضة من النظرية إلى التطبيق (٣/٣) عبد العزيز بن محمد التميمي تناولنا في مقالتين سبقتا؛ الحديث عن اجتهادات الإسلاميين والدعاة في المداخل الصحيحة، والأولويات المناسبة لمعالجة ظاهرة التخلف والانحطاط التي يعاني منها المسلمون في كل مكان في عصرنا الحاضر.. كما تحدثنا عن الموازين الصالحة لتمييز الخطأ من الصواب في هذا الميدان الحسّاس الذي يصعب على المرء فيه التخلي عن تحيّزاته وميوله وانتماءاته وتاريخه العملي الطويل.. ولكن مهما بلغت درجة الصعوبة في التعاطي مع هذا الموضوع الحسّاس؛ فإنه ليستحق الجهد الذي يُبذل من أجله؛ إذ يتم من خلاله الاهتداء إلى سواء السبيل في المدارج التي ينطلق منها الركب الحضاري الإسلامي لاستعادة دوره المنشود أو المفقود. وفي هذه الحلقة نحاول تقديم اجتهاد حسب الطاقة؛ ولا يكلف الله نفساً إلى وسعها لتنزيل المبادئ والمقدمات النظرية التي أجملناها فيما سبق على واقعٍ ما ينفك يتجدد، والتغيير سمة بارزة فيه إن لم تكن هي السمة الأبرز! في أي واقع نعيش؟ يقول جيمس كارفيل مستشار الرئيس الأمريكي كلنتون: (في الماضي، كنت أُمنّي النفس وأقول: إذا كبرت فأود أن أكون رئيساً للجمهورية، أو زعيماً للكنيسة (بابا) أما الآن فقد تغيرت الأحوال، ولذلك فإنني أود لو كنت مديراً للأسواق المالية؛ إذ بإمكاني أن أهدد من أشاء.. [١] ! تحمل هذه الكلمات الكثير من المعاني.. إنها تشير إلى تبدلات عميقة في توزيع السلطات في العالم بين أهل العلم (أو من يسمونهم في الغرب برجال الدين) ، وأهل السياسة، وأهل المال.. إذا كان العهد الحديث، قد شهد للمرة الأولى في التاريخ ميلاد الدولة العلمانية (state) ، تلك التي تهيمن وتتابع حركات الإنسان، وتدخل عليه من كل باب: من باب التربية والتعليم، ومن باب الخطاب والإعلام، ومن باب الاقتصاد والسياسة؛ فهي الحاضرة دائماً، الفاعلة كما لم يحدث من قبل قطّ.. فبميلاد هذه الدولة العلمانية أفتقد الإنسان في عالم البشرية المعاصر أهم أسباب حريته، وحقه في التعبير عن ذاته.. وممارسة رغباته وإراداته بعيداً عن جميع صور الضغط والإكراه.. إنها باختصار كيان أقيم ضد الفطرة.. كيان يؤذي الإنسان ويمزق لحمه ويشعره بالوحشة والاغتراب. وإذا اعتبرنا أن ميلاد الدولة القومية العلمانية الحديثة يمكن أن يبدأ مع الثورة الفرنسية في القرن السابع عشر في فرنسا؛ فلنا الحق أن نتساءل: تُرى من أي نوع كان هذا الوليد الجديد؟ ! وما هي آثاره، وهو الوليد الذي ظهر كما تزعم القابلات فراراً من هيمنة الكنيسة، وظلمها ووحشيتها وجهلها؟ هل كان هذا الوليد أخف قبضة من باباوات الكنيسة وقساوستها؟ ! هل كان أكثر عدلاً؟ ! هل كان أكثر استنارة وعلماً ورحمة..؟ ! لنترك شاهد التاريخ يتحدث. لقد ولدت مع ميلاد هذا الوليد الزنيم، الفاشيّات الكبرى كالنازية والموسيلينية، وغيرها، ومضت هذه الفاشيّات في عسفها وظلمها، حتى تسببت في حربين عالميتين لم يكن لهما نظير في التاريخ أبداً، زاد عدد القتلى فيهما على الخمسين مليوناً..! ! . هذا فضلاً عن الجرحى، والمشردين والمطرودين ... كما نجم عنها ظاهرة الاستعمار؛ حيث عثرت أوروبا أو اكتشفت كما تزعم على القارة الأمريكية.. وهي تسمي ذلك اكتشافاً، وكأن السكان المقيمين هناك لم يكتشفوا القارة قبل وصول (فاسكو ديجاما) إليها بمئات السنين.. وليت أن الأمر اقتصر على سلب إنسانية الإنسان المقيم في القارة، بل لقد وُصِفُوا بالهنود الحمر لمجرد أنهم كانوا يتوقعون الوصول عبر خط سيرهم للقارة الهندية، ووصفوهم بالحمر لمجرد أن لون بشرتهم يختلف عن لون البشرة الأوروبية التي يعتبرونها بيضاء حيث إن الأبيض سيد الألوان كما يزعمون ... ولم يقتصر الأمر على نزع صفة الإنسانية عن السكان الأصليين، بل انطلقت حركة قتل جماعي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً أسفرت عن تدمير حياة ما لا يقل عن أربعين مليون إنسان ... ولم تقتصر النكبات على قارتي أوروبا وأمريكا؛ بل لقد عانت إفريقيا هي الأخرى أبشع حركة استعباد في تاريخها، حيث نُقل الملايين من الرجال والنساء عبر طرق نقل لا تتسم بأي نوع من الإنسانية من تلك القارة إلى أمريكا، ومات بسبب عمليات الصيد والنقل الوحشي ما لا يقل عن عشرين مليون إفريقي؛ فأي حضارة هذه وأي رحمة؟ ! ولم يقف الانحراف عند هذا الحد وما أقساه من حدّ بل تجاوز ذلك إلى أن قامت ولأول مرة في التاريخ دولتان تؤمنان بالإلحاد الصارخ منهاجاً للحياة، هما روسيا الستالينية، والصين الماويّة ... وارتكبتا في حق الإنسان والإنسانية ما يزيد في وحشيته وظلمه عن تلك التي مارسها أبناء عمومتهم في أوروبا وأمريكا.. ولذلك فنحن نشهد في هذه الأيام نهاية تاريخ الدولة العلمانية، بعد أن تفجرت بشكل صارخ أزمة النموذج الشيوعي في روسيا وأوروبا، وانتهت خلال عقد واحد فقط دولته التي كانت في يوم ما دولة عظمى ذات هيل وهيلمان ... نعم! نحن نؤمن بنهاية التاريخ لكن لا على الصورة التي يُبشّر بها (فوكو ياما) المفكر (الياباني/ الأمريكي) تلك التي تعتقد أن أفضل النماذج البشرية في بناء المجتمعات هو النموذج الغربي، بشقه الليبرالي الرأسمالي الديمقراطي، وإنما على النقيض من ذلك تماماً.. نحن نعتقد أن الدولة العلمانية الأوروبية في سبيلها للأفول. إنني أكتب هذه الكلمات وبالأمس فقط أعلن الاتحاد الأوروبي إطلاق عملته الجديدة (اليورو) ، هذا الحدث هو جزء من الظاهرة التي يمكن أن نسميها (موت الدولة الحديثة) ، إن هذه العملة الموحدة مجازفة سياسية كبيرة بالنسبة لبلدان الاتحاد الأوروبي؛ إذ لن يكون لكل واحد منها مصرف مركزي يتمتع بالاستقلالية، بل سيتعين عليها في المستقبل التنازل عن هذه البقية الممثلة لسيادتها، لمصلحة مصرف مركزي أوروبي، وقد وصل الأمر بـ (هلموت كول) أن يقول: إنه وبناءً على هذه الخطوة (فإن الأرض الألمانية لن تكون ثانيةً مصدراً للحرب أبداً..) . إن هذا المشروع قد قام من أجل استعادة الدولة لقوتها في مواجهة أسواق المال التي تغولت.. فلقد تمكن قراصنة المال من إدارة الحرب المالية بصورة شديدة البشاعة؛ ففي عام ١٩٩٥م تفجرت أزمة (البيزو) المكسيكي، فقبل سبع سنوات امتلكت المكسيك سمعة دولية عالية، وثقة كبيرة في اقتصادها حتى تدفقت عليها رؤوس الأموال، واستثمر فيها كبار الرأسماليين ما يزيد على (٥٠) مليار دولار أي أكبر من ميزانيات دول الخليج، وظل الاقتصاد في نمو مستمر حتى اضطرت الحكومة للإعلان عن عزمها خفض قيمة عملتها بنسبة ١٥%، وتسبب الإعلان في موجة من الذعر وهرب رؤوس الأموال حتى انخفضت قيمتها بنسبة ٣٠% خلال ثلاثة أيام من هذا الإعلان ... وفي الثلاثين من يناير من ذلك العام اتصل وزير المالية المكسيكي (غمو بليرمو أورتيز) بكبير موظفي الرئيس (كلنتون) ، واعترف له في هذا الاتصال بأن بلاده صارت على حافة الهاوية، وأنها قد استنفدت آخر احتياطيّها من الدولارات. وهكذا اضطر كلنتون أن يعلن الخبر المثير الذي مفاده أنه وبمساعدة صندوق النقد الدولي، وبنك التسويات الدولية، والحكومة الكندية، فسوف تقوم أمريكا وبدون موافقة الكونغرس بتقديم قرض للمكسيك تزيد قيمته على خمسين مليار دولار لمواجهة ما يعصف بها من أزمة، ولأول مرة ومنذ مشروع مارشال تقدم الولايات المتحدة قرضاً بهذه الضخامة من أجل إنقاذ أموال حفنة من المضاربين الكبار؛ إنها غزوة مفضوحة يموّلها الملايين من دافعي الضرائب في الدول المانحة لمصلحة أقلية عظيمة الثراء، من الذين وصفهم مدير صندوق النقد الدولي بأن (العالم في قبضة هؤلاء الصبيان) ! إنه صراع يديره كما تقول الإكونومست (The Economist) (جيش ذو تسليح إلكتروني) ، وحسب تقرير بنك التسويات الدولية (BIC) فإن العملات الأجنبية تباع يومياً بمتوسط قيمته (٥. ١ مليار دولار) ، أي أربعة أضعاف ما ينفقه العالم في السنة على النفط. ماليزيا الأزمة الأنموذج: عندما تحررت الأسواق المالية وترابطت إلكترونياً، وصارت العمليات تجري فيها بسرعة الضوء وهو الزمن اللازم لكي يقطع الإلكترون المسافة بين سوق آسيوية وأخرى أمريكية؛ كي يعطي أمراً بالبيع أو الشراء منذ تلك اللحظة انفلت المارد المالي من قمقمه، وراح يتحرك بجسارة وخطورة لا توصف؛ وكانت ماليزيا قد حققت معدلات نمو غير مسبوقة في آسيا، وبدت نمراً آسيوياً واعداً. في عام ١٩٨٨م كانت سياسات ريجان الاقتصادية قد أدت لارتفاع عظيم في سعر صرف الدولار، الأمر الذي دفع المصارف المركزية الأمريكية والبريطانية والألمانية إلى لقاء سري في فندق بلازا، والاتفاق على العمل على خفض سعر صرف الدولار، الأمر الذي أدى إلى انخفاضه السريع بمقدار ٣٠%، الأمر الذي ألحق أبلغ الضرر باحتياطي ماليزيا من الدولارات.. لذلك خطط رئيس الدولة مع رئيس المصرف المركزي الماليزي: سري داتو حسين جعفر على إشعال حرب عصابات مالية ضد عملات مجموعة الدول الصناعية الكبرى مستخدماً كل امتيازات مصرفه المركزي.. وكانت أعنف معاركه تلك التي شنها ضد الجنيه الإسترليني عام ١٩٩٠م، فقد رمى مقاتلو (مهاتير محمد) الماليون في خلال دقائق مليار جنيه استرليني في السوق، مسببين انخفاضاً في سعر صرفه بلغ خمس سنتات للجنيه الواحد. لكن المصارف البريطانية أخذت استعدادها لأي هجوم مماثل، ولم يكن التوفيق حليفاً دائماً لحسين؛ فعندما انهار نظام النقد الأوروبي، لم يكن يتوقع أن ينسحب البريطانيون منه، الأمر الذي كلف مصرفه خسارة بلغت ستة مليارات دولار في العامين ١٩٩٢ ١٩٩٣م؛ مؤدياً بذلك لأكبر فضيحة مالية لماليزيا الأمر الذي أفقده منصبه، ومن ثم ترنح الاقتصاد الماليزي من جراء هذه المغامرات وما زال. رجل موديز يحكم العالم: في ظلال برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك الذي حظي بشهرة كبيرة إثر محاولة تفجيره من قِبَل إرهابيين شرق أوسطيين كما وصفتهم وسائل الإعلام يرقد أشهر مكتب لوكالات تقييم الاستثمارات رواجاً في العالم: (مؤسسة مودي لخدمات الاستثمار (Moody) في هذا المكتب يعمل ثلاثمائة محلل وخبير اقتصادي، ويتم تصنيف دول العالم بناءً على قوتها الاقتصادية، فدرجة (Aaa) لا تحظى بها إلا دول عملاقة اقتصادياً كالولايات المتحدة واليابان، بينما يتعين على بلد نفطي كالنرويج قبول تصنيف من درجة (Aa) ، أما إيطاليا فيكفيها درجة (A) أما بولندا فلم تحصل إلا على (Baa) ، والمجر (Ba) . يظهر هذا التصنيف بأنه وجهة نظر لمؤسسة مالية، لكنه في الواقع يلعب دوراً خطيراً حتى في الاستقلال السياسي والمالي لبلدان كبرى.. ذلك أن الموظفين المكلفين بشراء الأوراق المالية لصناديق الاستثمار، سوف يطالبون بأسعار فائدة أعلى على سندات الدّيْن الحكومي؛ كلما كان تصنيف ذلك البلد أدنى درجة.. فالأرجنتين برغم التحسن الملحوظ في اقتصادها لا تزال مطالبة بسعر فائدة يزيد بمقدار (٣. ٨%) عما تدفعه ألمانيا؛ لأن الأرجنتين تحتل الدرجة (B) في هذا التصنيف، بل حتى اقتصاديات الدول القوية مثل السويد لم تسلم هي الأخرى من تدخل رجل (موديز) ، فعندما أراد رئيس وزرائها الاشتراكي (جوران برسون) زيادة المساعدات الحكومية للضمان الاجتماعي بنسبة (٨٠%) ؛ قدمت (موديز) تقريراً علنياً يؤكد أن برامج الإصلاح المالي السويديّة غير كافية، وفي اليوم التالي لهذا الإعلان انخفضت أسعار السندات (٣٠) نقطة، وأسعار الأسهم (١٠٠) نقطة، وأخذ سعر الكرونة يترنح، وليت الأمر اقتصر على هذا؛ إذ وصل الأمر إلى درجة التدخل السياسي. فعندما انخفضت قيمة الدولار الكندي في عام ١٩٩٥م إلى درجات متدنية، حاول رئيس الوزراء (جين كرتين) التصدي لهروب الأموال بتقديم موازنة جديدة تعتمد على تخفيض الإنفاق، وقبل مناقشة المشروع في البرلمان أعلنت (موديز) أن القدر الذي سيُخفض به الإنفاق الحكومي غير كافٍ؛ مما جعل حكومة كرتين في مهب الريح. وكذلك حدث في أستراليا عام ١٩٩٦م؛ فقبيل إجراء الانتخابات أعلنت الوكالة أنها بصدد مراجعة تصنيف أستراليا المالي؛ وهو الأمر الذي أدى إلى خسارة الحكومة العمالية للانتخابات؛ ولذلك كتبت صحيفة (النيويورك تايمز) قائلة: (إن رجل (موديز) يحكم العالم) . هل نعيش حقاً في (نظام) عالمي جديد؟ بعد كل ذلك يحق لنا أن نتساءل بجدية: هل هذا هو النظام العالمي الجديد الذي بشر به الرئيس الأمريكي (بوش) بعد سقوط الكتلة الشرقية، ونهاية الحرب الباردة؟ ! أم أن الأصح أننا نعيش في فترة (اللانظام) ... حيث يدير العالم حفنة من المستثمرين الأثرياء؛ يملك (٣٥٨ بليونيراً) منهم ثروة تعادل ما يملكه (٢. ٥ مليار) إنسان! مؤلم حقاً أن تكون كلمات (بطرس غالي) الأمين العام السابق للأمم المتحدة صادقة؛ حيث يقول: (إن التاريخ يشهد على أن أولئك الذين يعيشون في غمرة التحولات الثورية؛ نادراً ما يفهمون المغزى النهائي لهذه التحولات) . نعم.. نحن نعيش فترة نهاية الدولة، وبداية إمبراطوريات رجال المال والأعمال؛ فهم الذين يُعيّنون رجال السياسة؛ حيث يحتاج عضو الكونجرس الأمريكي على سبيل المثال إلى أن ينفق نصف مليار دولار كي يحتل مقعداً داخل المجلس، ولن يفعل ذلك إلا بدعم من كبار الرأسماليين الذين يعتبر اليهود من أنشطهم وأكثرهم تنظيماً.. هؤلاء الرأسماليون يملكون وسائل الإعلام والمحطات الفضائية أيضاً، ويقدمون ما يناسبهم من الثقافة والمعلومات، ويرسمون القيم والأخلاق وأنماط السلوك والاعتقاد. وفي ظل هذا (اللانظام) الذي لا يزال يتشكل تتم مواجهة كل القوى التي تحاول التمرد على قيمه وموازينه، وفي ظله تدمر كل القيم والحضارات والثقافات غير الغربية، ويحدث هذا تلقائياً وببطء شديد المفعول. والقلة المكافحة التي ترفض الترويض والخضوع يتم معالجتها بوسائل أخرى صارمة ودموية أحياناً؛ كما جرى في البوسنة والهرسك وكوسوفا وألبانيا، وكما يجري عن طريق الوكلاء في مناطق التوتر الدولي. باختصار ... إنه عالم جديد.. عالم تحكمه قيم اللذة والمنفعة والأنانية الشخصية والاحتكار.. عالم يزداد يوماً بعد يوم تفسخاً وانحلالاً ودماراً.. عالم تُلَوّث بيئته، وتُدمّر غاباته النباتية من أجل الوصول إلى بقاع استثمار جديدة.. عندما سأل الوفد المرافق للرئيس الأمريكي كلينتون في زيارته للصين السوق الآسيوية الظامئة التي بدأت تفتح ذراعيها للوافد من الغرب عندما سألوا كبار المنظّرين الشيوعيين الصينيين عن انطباعهم عن التحولات العالمية الجديدة، أجاب هؤلاء بحسرة: (لقد أضعنا وقتاً طويلاً في الانشغال بقضايا لا قيمة لها! كم نحن نادمون على أن لم نخطط منذ وقت بعيد لامتلاك سيارة ومنزل مريح، وعمل مجزٍ..) . إنها قيم الرأسمالية تغزو بلدان العالم أجمع ومنها عالمنا الإسلامي، ولا ترى إلا قلة مكافحة من العقديين الإسلاميين هنا وهناك يسعون بمثابرة وإصرار وصبر يدعو للإعجاب لمواجهة كل ذلك؛ فأي (نظرية في العمل) يمكن أن تختارها هذه القلة لمواجهة الطوفان؟ ! الإعلام والإعلان: تحرص الشركات الاقتصادية على الإعلان عن نفسها.. ويقول أحد خبراء الاقتصاد: (لو كان لديّ ألف دولار للاستثمار، فسوف أنفق تسعمائة منها على الإعلان وأستثمر الباقي) الشفافية العلنية، الوضوح، شعارات الحقبة الاقتصادية الراهنة.. تلك هي سمات دعوة الانبياء؛ ولذلك فهم في الذروة من أقوامهم، ونطاق دعوتهم ظاهر، كذلك فمنذ المرحلة المكية، يُعلّم الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أنه عالمي الرسالة [لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] [الفرقان: ١] . ويحدد عدوه الأول [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواً مِّنَ المُجْرِمِينَ] [الفرقان: ٣١] ويحدد هدفه الأول.. ألا يعبد إلا الله [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] [النحل: ٣٦] ويتحرر من الأهداف الدنيا [قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى] [الشورى: ٢٣] . [قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ] [سبأ:٤٧] . ويحدد مراحل الدعوة كذلك.. ففي مكة لا سلاح ولا قتال: [كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ] [النساء: ٧٧] . ثم الهجرة بعد أن أضحت مكة عقيماً عن أن تلد مؤمنين جدداً، ثم بناء الدولة بعد الهجرة وبداية المواجهة للشرك وأهله [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ] [الحج: ٣٩] . العلنية والوضوح مطلوبان في كل شيء.. ذلك أن الناس لا يتعاطفون مع المؤسسات والأعمال الغامضة والمبهمة؛ فالوضوح فضيلة كما يقول التربويون والمصارحة والعلنية أساس الإصلاح الإداري وبداية المنطلق الصحيح للإنجاز التاريخي المأمول على مستوى الأمة ... وحدهم الملوثون وعملاء الأفكار الذين يحتاجون للعمل بصورة (باطنية) كالقرامطة والحشاشين والإسماعيلية.. أما المجددون والمصلحون والرواد فهم (على الحق ظاهرون لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) كما يقول النبي ﷺ ، ولذلك حذر المجدد الأول (عمر بن عبد العزيز) من السريّة والتخفي لأتباع مدرسته التغييرية، فعندما كتب لعلماء المدينة النبوية كأبي عمرو بن حزم، أوصاهم بتدوين السنة، وقال لهم: (أعلنوا هذا العمل، وانشروه في المساجد؛ فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً) ! هذا لا يعني بالطبع السذاجة وكشف الأوراق للأعداء كما يرى البعض.. فلقد بقي النبي ﷺ في مكة يورّي بالغزو في اتجاه، وهو يريد الاتجاه الآخر ... ولا يزال التجار يعتقدون أن سرية خطواتهم القادمة ضمانة من ضمانات نجاحهم، رغم حرصهم الملهوف على الإعلان عن أنفسهم ومؤسساتهم على أوسع نطاق. إن وسائل الاتصال، والحوار، والفهرسة، والتنظيم للمعلومات، قدمت للدعوة الإسلامية فرصة قليلة المثال للتوجه بخطابها نحو أوسع فئة من المتلقين بتكاليف ليست كبيرة وعلى قدر كبير من الإتقان ... بقي فقط أن يمتلك الصف الإسلامي ناصية خطاب راقية، ومؤسسات بناء متكاملة، ونماذج تربوية تثير الإعجاب. إنني أعتقد مخلصاً وبيقين.. أنه آن الأوان للدعوات والدعاة المسلمين أن يعلنوا بلا مواربة أنهم غير قادرين منفردين بالغة ما بلغت جهودهم من القوة والإتقان على تحمّل التبعات والأعباء التي تتطلبها ضراوة المعركة، إن طاقات هذه التيارات والجماعات لا يجوز أن تُهدر في مواجهات داخلية بينما ينفرد الشيطان بتوجيه دَفّة العالم.. إذا كان هذا واضحاً. فإن من الواضح كذلك أن كل طاقة إسلامية بالغة ما بلغت من الضعف هي كنز لا يجوز التفريط به، ولقد آن الأوان حقاً للتخلي عن عقلية (الجماعة الأم) والفئة التي يجب على الجميع التخلي عن راياتهم والانخراط تحتها ... وفي ظل الشّرذمة السياسية التي تعاني منها بلدان المسلمين لا يمكن تصور وحدة عضوية للعمل الإسلامي؛ والمهم الآن هو تكامل الجهود لا تآكلها.. وعلى كل راية دعوية أن تراجع خطها وتعيد النظر في مسلّماتها، وتُحسّن من أدائها وُتجوّد من فعالياتها.. عليهم جميعاً أن يدركوا أنهم مثل مصانع الطوب.. تحسن إنتاج وحدات البناء، لكنها لا تملك مخططاً هندسياً لتشييد البنايات والدور.. إن الظهور والاستخلاف والتمكين في الأرض يحتاج لظروف بيئية ودولية وذاتية لا يملك أحد أن يفرضها.. إنها شروط (الانطلاقة الكبرى) كما يحب البعض أن يسميها.. نحن نستطيع أن ندرس هذه الشروط، أن نبلورها، أن نشخّص واقعنا وندرك قربه أو بعده من هذه الشروط.. لكننا لا نستطيع بحال أن ننتج هذه الشروط. إنها شروط خارجة عن طوعنا وإرادتنا.. لا بل إنني أقول إنها شروط خارجة حتى عن إرادة اللاعبين الكبار.. عندما أطلق الرأسماليون المارد الاقتصادي من قمقمه، لم يعودوا قادرين على إعادته مرة أخرى إلى داخل القمقم. المجتمعات الغربية ذاتها التي أطلقت ذلك المارد هي أول من يعاني من استبداد الرأسماليين وجشعهم وأنانيتهم وهي معاناة تتفاقم يوماً بعد يوم.. وعندما أطلق كلنتون وعوده الرئاسية بالضمان الصحي وتخفيض الضرائب.. إلخ، وجد أن كل هذه الوعود تتحطم على صخرة الواقع القاسية؛ ولذلك تخلى عنها بصمت وهدوء. الرأسماليون الكبار اليوم هم الذين يهدرون كرامة رئيس الولايات المتحدة في ولايته الثانية كل يوم على شاشات العالم كله.. يذكّرونه دائماً.. حذارِ أن تتمرد على إرادتنا. هل هذه ملامح (نظرية مؤامرة) اسطورية مدعاة؟ ! لا، ليس الأمر كذلك.. إنها ليست نظرية مؤامرة بالمعنى المباشر والساذج والبسيط، لا، إن ذلك ليس صحيحاً على هذا المستوى. إنها سنة الله الكونية التي لا يستطيع أحد الوقوف بوجهها إذا وجدت ظروفها ومسوّغاتها التاريخية. [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] [هود: ١٠٢] . إنه قدر الله حيث بدأت تقوم مملكة الشيطان في العالم، فكان لا بد للإنسانية من أن تنال مجتمعة ويلات مخالفتها للأمر الإلهي، حتى لو وُجدت فئة صالحة لكنها غير مصلحة، كما قال النبي: (يخسف بهم جميعاً ويصدرون مصادر شتى) . وإنه لمما يؤسف له حقاً، أن نكون نحن أبناء هذا الجيل شهوداً على هذه النهاية الأليمة للعالم.. لكن عزاءنا أن أملنا في الله كبير أن يكون بعد هذا الشر المطبق خير كثير [حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا] [يونس: ٢٤] . [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ] [الأنعام: ٤٤] . (المهدي مني من ولد فاطمة، أجلى الجبهة اقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت جوراً وظلماً) . [قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] [الأعراف: ١٢٩] . وعلى الله قصد السبيل والحمد لله رب العالمين [*] .

стр. 2999

متابعات لماذا الشناقطة يحفظون ؟ محمود بن محمد المختار الشنقيطي كثيرون أولئك الذين يَبْتدرونني بهذا السؤال حين يَضُمني وإياهم مجلسٌ، ... فيدور الحديث حول مسألة الحفظ باعتبارها من أهم قضايا طلب العلم الشرعي، فيسألونني عن أسباب ظاهرة قوة الحفظ عند قومي، ولماذا كانت أهمّ سمةٍ في علماء الشناقطة الذين رحلوا إلى المشرق واتصلوا بالأوساط العلمية القوة الفذة والقدرة الفائقة على استحضار النصوص؟ ويسألونني عن أعجب ما بلغني من أخبار عن نوادر الحفاظ في الشناقطة. وكنت أجيب بما يناسب مقام كل مجلس ويفيد منه الحاضرون، دون تقص أو تعمد بحثٍ عن الإجابة على هذه القضية، وحين كتب الله لي أول زيارةٍ العام المنصرم لبلاد الآباء والأجداد (شنقيط) ، ووقفت على بعض المحاظر الحية القائمة على أطلال ورسوم المحاظر [١] العتيقة، وحظيت بلقاء أجلة فضلاء من علماء الشناقطة [٢] ، أدركوا أواخر نهضة علمية، كان من أبرز سماتها اعتمادها على حفظ الصدور لما وجد في السطور، وأن العلم هو ما حصل في الصدر ووعته الذاكرة متناً ومعنى، حتى غدا من أمثالهم التي تعبر عن هذا المعنى: (القراية في الرّاسْ ماهُ في فاس ولا مكناس) أي العلم المعتبر هو ما في حفظك، وليس في كثرة الذهاب إلى المدن الحضارية ومؤسسات التعليم فيها. حين كتب الله لي تلك الزيارة كان مما يدور في خلدي الجواب عن السؤال المتقدم من واقع تجربة طلاب العلم في تلك المحاظر، فتجمعت عندي طرق كانت وراء تيسير الله للشناقطة ملكة حفظ نادرة، وطاقة ذهنية عالية جعلتهم يفخرون في ثقة واعتزاز بقدراتهم على استذكار عشرات الكتب، وجعلت العلامة سيدي محمد ابن العلاّمة سيدي عبد الله ابن الحاج إبراهيم العلوي ﵀ (ت ١٢٥٠هـ) يقول: (إن علوم المذاهب الأربعة لو رمي بجميع مراجعها في البحر لتمكنت أنا وتلميذي ألْفَغّ الديماني من إعادتها دون زيدٍ أو نقصان، هو يحمل المتن وأنا أمسك الشروح) [٣] . وجعلت العلاّمة محمد محمود التّرْكُزي ﵀ ت عام (١٣٢٢هـ) يزهو بحافظته متحدياً الأزهريين بأنه أحق بإمامة اللغة والاجتهاد فيها منهم؛ لأنه يحفظ القاموس كحفظه الفاتحة، فاستبعدوا ذلك وعقدوا له مجلساً بالأزهر، فكان كما قال، فأقرّوا له وصاروا يصححون نسخهم من نسخة التركزي ﵀ المحفوظة في صدره [٤] . وقبل أن أتحفك أخي القارئ بشيء من طرقهم وأساليبهم في الحفظ تتضمن الإجابة عن السؤال المتقدم، أتحفك بأخبار القوم ونوادرهم في الحفظ، مما وجدته مسطوراً في كتب التراجم، أو محكياً على ألسنة الرواة، وسيتملكك العجب، وتعتريك الدهشة لسماعه، وتجزم معي بأن ما حباهم الله به من ذاكرة فذة، وقدرة على استحضار النصوص ربما لا توجد إلا في ذاكرة الحاسب الآلي، حتى صارت حكاياتهم في الحفظ غريبة تشبه الأساطير وما يجري مجرى خوارق العادات. فمن ذلك ما ذُكر في ترجمة العلاّمة عبد الله بن عتيق اليعقوبي ﵀، (ت عام ١٣٣٩هـ) ، أنه كان يحفظ لسان العرب لابن منظور [٥] . وكان الغلام في قبيلة مُدْلِشْ يحفظ (المدوّنة) في فقه الإمام مالك قبل بلوغه، وكانت توجد في قبيلة (جكانت) ثلاثمائة جارية تحفظ الموطأ فضلاً عن غيره من المتون، وفضلاً عن الرجال، ولهذا قيل: العلم جكني [٦] . وروي عن الشيخ سيد المختار ابن الشيخ سيدي محمد ابن الشيخ أحمد بن سليمان (ت ١٣٩٧م) حِفظ كثير من كتب المراجع مثل: فتح الباري، والإتقان للسيوطي، غير المتون والكتب التي تُدرّس في المحظرة [٧] . ومن العجيب ما تجده من محفوظات فقهائهم غير متون الفقه والأصول وما يتعلق بالتخصص، فهذا قاضي (ولاته) وإمامها سيدي أحمد الولي بن أبي بكر المحجوب كان يحفظ مقامات الحريري، وليست من فنون القضاء ولا الفقه، وسمعتها عن الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب الأضواء رحمة الله عليه [٨] . وأما المتخصص في الأدب والشعر فلا يحفظ أقلّ من ألف بيت في كل بحر من بحور الشعر العملية؛ حتى تتهيأ له ملكة أدبية لينظم أو ينثر ما يريد. فهذا العلامة الأديب محمد محمود بن أحمذيه [٩] الحسني ﵀، كان يحفظ في الأدب وحده مقامات الحريري، والمستطرف، وكامل المبرد، والوسيط في أدباء شنقيط، وديوان المتنبي، وديوان أبي تمام، وديوان البحتري؛ هذا في الأدب وحده دون غيره من فنون ومتون المنهاج الدراسي المحظري [١٠] . ومن نوادر نساء الشناقطة في قوة الحفظ ما حدّث به العلاّمة محمد سالم بن عبد الودود أن أمه مريم بنت اللاّعمة كانت تحفظ القاموس، وقد استوعبته بطريقة غريبة، حيث كان والدها يرسلها من حين لآخر إلى خيمة أحد علماء الحي تنظر له معنى كلمة في القاموس وكان هذا العالم ضاناً بنسخته لا يعيرها فكانت البنت تحفظ معنى الكلمة وتعود بها إلى والدها وهكذا حتى حفظت مادة القاموس كلها. وإن تعجب أخي القارئ من المتقدمين فلعل ممن أدركنا من المعاصرين الأحياء من يماثلهم في الحفظ؛ فمن ذلك ما حدثني به والدي حفظه الله قال لي يا بني: لقد كنا أيام طلبنا للفقه عند شيخنا الفقيه عبد الرحمن ولد الداهي، نتسابق في ختم المختصر ليالي الجمع فيستفتح من (يقول الفقير المضطر) بداية الكتاب فلا يطلع الفجر إلا وقد ختمناه لا نشكك إلا في مواطن قليلة في أقفاف [١١] السفر نكرر ذكر ذلك مرات، وممن أدركناه من الأحياء العلامة الشيخ أحمدّو بن العلامة الشيخ محمد حامد بن آلاّ الحسني نزيل المدينة النبوية متع الله ببقائه. ولا أبالغ إن قلت: إن ما في صدره من العلم لو جلس يمليه عاماً كاملاً لما كرر ولا أعاد منه شيئاً؛ فمن محفوظاته في النحو والصرف طرة [١٢] ، ابن بونة على الاحمرار [١٣] يحفظها بنصها، وطرة الحسن بن زين على احمراره للامية الأفعال لابن مالك أيضاً، والمقصور والممدود لابن مالك مع شواهده وهي تقرب من ألفي بيت، وضوابط وشواهد على مسائل ألفية ابن مالك بعضها له وبعضها لوالده ولبعض العلماء الشناقطة تبلغ نحواً من ثلاثة آلاف بيت، إضافة إلى بعضٍ من ألفية السيوطي في النحو. وفي غريب اللغة نظم ابن المرَحّلْ، ونظم أبو بكر الشنقيطي كثيراً من مواد القاموس، وجل شواهد الغريب من تفسير القرطبي، ومثلث ابن مالك وهو يبلغ ثلاثة آلاف بيت مع شواهده. إلخ من العلوم والفنون ... ومن المعاصرين الحفاظ أيضاً صاحب المحضرة العامرة العلامة محمد الحسن بن الخديم وقد حدثني بعض تلامذته أنه يحفظ النص من مرتين فقط، وأنه لا يكاد يوجد فن إلا ويحفظ فيه ألفيةً؛ حتى في الطب والعقيدة والقواعد الفقهية والقضاء، وأنه يحفظ كثيراً من كتاب سيبويه وتمنى لو جاءه في الصغر [١٤] . ومن النساء المعاصرات: العالمة المفتية الفقيهة مريم بنت حين الجكنية والدة الشيخ عبد الله بن الإمام، حدثني بعض تلامذة ابنها أنها كانت تشرح له في ألفية ابن مالك إذا لم يكن ابنها في البيت، ورويت عن قريبات لي أنها تحفظ كثيراً من المتون الفقهية وتفتي النساء في الحج والحيض، ولها ألفية في السيرة ولها منظومات فقهية لبعض المسائل والنوازل. وهذه نتف مما وقفت عليه لعل فيها ما يذكي الحماس لدى طلاب العلم المعاصرين. طرق الحفظ لدى الشناقطة: ولهم في الحفظ وسائل وطرق أجملها فيما يلي: أولاً: التعليم الزّمَرِيّ أو ما يسمى بلغة المحاظر (الدولة) وهو دراسة جماعية يشترك فيها مجموعة من الطلبة متقاربي المستويات يقع اختيارهم على متن واحد يدرسونه معاً، حصةً حصةً، يتعاونون على تكراره واستظهار معانيه [١٥] ، يتحاجون فيه، ويُنَشّط بعضهم بعضاً على المواصلة والاستمرار ومدافعة السآمة والملل. أذكر وأنا في المرحلة (المتوسطة الإعدادية) أنني أدركت مجموعة من طلاب العلم الشناقطة (دولة) في المسجد النبوي في شعر المعلقات. ثانياً: تقسيم المتن إلى أجزاء وهو ما يعرف بلغة المحاظر (الأقفاف) مفردها: قُفّ. والمشهور في المحاظر أن متوسط درس أو قف المتن المنظوم خمسة أبيات لا يزيد عليها إلا المبرزون الأذكياء. وأما المتون المنثورة فيتعارف أهل المحاظر على تقسيم شائع بينهم، فمثلاً مختصر العلامة الشيخ خليل عندهم ثلاثمائة وستون [١٦] قفاً، ولا تخفى فائدة هذا التقسيم للمتن المراد حفظه، فيعرف الطالب مواضع الصعوبة من السهولة فيحتاط في المراجعة والتكرار، كما أن تخزين المادة في الذاكرة مرتبة منتظمة أيسر في استظهارها واسترجاعها. ويرى الشناقطة وهم مضرب المثل في قوة الحافظة والذكاء أن (القف) الكثير لا يستطيع استيعابه مع الاحتفاظ به في الذاكرة إلا قلة من الحفاظ ولذلك عمدوا إلى تجزئة كل متن. وسارت عندهم هذه العبارات مسار المثل: (قفْ أف) أي أنه بمثابة الريح (أف اسم صوت) يمر عابراً فلا يستقر منه شيء في الذاكرة. (نص لا بُدّ الُ يْخصّ) أي أن النصف لا يمكن الاحتفاظ به جملة فلا بد أن ينسى قارئه بعضه أو يعجز عن استيعابه أصلاً. (الثلث يوترث) أي أن ثلث القف يعلق بالذاكرة فلا ينساه قارئه حتى يموت كأنه يورث من بعده [١٧] . ثالثاً: وحدة المتن واستيفاؤه: فينصحون الطالب أن يشتغل بدراسة متن واحد يفرغ قلبه له، ويستجمع قوته لحفظه ولا يجمع إليه غيره، ولا ينتقل عنه حتى يستوفي دراسته كله، بل يرون أن جمع متنين معاً يحد من قدرة الطالب على الاستيعاب فيظل جهده الذهني موزعاً بين عدة متون لا يكاد يتقن أياً منها، كما أن بتر المتن دون حفظه كله يضيع جهد الدارس هباءً، وينم عن كسل وقصور في همة الطالب، ويمثلون لمن يروم حفظ نصين في وقت واحد بالتوأمين؛ فلا سبيل إلى خروجهما معاً في آن واحد، بل لا بد أن يسبق أحدهما الآخر، ونظموا هذا المبدأ بقولهم: وإن تُرد تحصيلَ فَنّ تَمّمهْ ... وعن سواهُ قبل الانتهاءِ مَه وفي ترادف الفنون المنعُ جا ... إذ توأمان اجتمعا لن يخرجا [١٨] رابعاً: صياغة المتن المنثور نظماً: لقد وظف الشناقطة ملكَة الشعر كثيراً في تيسير العلوم للحفظ، وضمان حظ أوفر من القبول والبقاء له، ولذا غلبت الصبغة النظمية في نظام الدرس المحظري. وكما هو معلوم فإن النظم أسهل حفظاً واستحضاراً من النثر، قال ابن معط رحمه الله في خطبة ألفيّة في النحو: لعلمهم بأن حفظ النظم ... وفق الذكي والبعيد الفهم لا سيما مشطور بحر الرّجز ... إذا بُني على ازدواج موجز وفي المحضرة قلّ أن تجد متناً يُدرس في فن إلا وجدت من نظمه حتى يسهل حفظه على الطلاب، فمن ذلك [١٩] أن أبا بكر بن الطفيل التشيتي ﵀ (ت ١١١٦هـ) نظم كتاب (قطر الندى) لابن هشام ﵀. والعلامة محمد المامي الشمشوي ﵀ (ت ١٢٨٢هـ) عقد كتاب الأحكام السلطانية للماوردي بنظم سماه (زهر الرياض الورقية في عقد الأحكام الماوردية) . والعلامة الأديب عبد الله بن أحمد أُبّه الحسني نظم كتاب (مجمع الأمثال) للميداني. خامساً: تركيزهم على بداية الحفظ والمراجعة المستمرة للمحفوظ، فعدد تكرار الطالب المتوسط للقدر المراد حفظه من مائة مرة إلى ألف مرة، ويسمونه بلغة المحاضر (أَقَبّاد) فيجلس طالب العلم يكرر لوحة بصوت مرتفع في الصباح [٢٠] ثم يعود إليه بعد الظهر ثم بعد المغرب ثم من الغد يبدأ بمراجعته وتسميعه قبل أن يبدأ في درس جديد، وهكذا يفعل مع الدرس الجديد وفي نهاية الأسبوع تكون مراجعة لما حفظ من بداية الأسبوع مع ما قبله من المتن حتى ينتهي من المتن بهذه الطريقة، ثم يأخذ متناً آخر وتصبح لهذا المتن الأول ختمة أسبوعية يمر عليه كله، وبعد تثبيته في الذاكرة ومزاحمة غيره له، لا يصل الإهمال والانشغال أن يترك ختمة شهرية للمتن، وأعرف من المشايخ في المدينة النبوية من عنده ختمة أسبوعية للألفية ولمختصر خليل وختمة شهرية للمتون القصيرة كـ (لامية الأفعال) في الصرف لابن مالك والبيقونية والرحبية وبلوغ المرام وغيرها. سادساً: حفظ النص قبل الحضور إلى الشيخ ليشرحه، وهذه من أهم الطرق التي تعين الطالب على متابعة الحفظ دون انقطاع أو تأخر، وكان شيخنا الشيخ سيد أحمد بن المعلوم البصادي ﵀ لا يشرح لأي طالب نصاً حتى يسمعه منه غيباً، فيبدأ الشيخ في شرحه وتفكيك ما استغلق على الطالب فهمه. سابعاً: لا يحفظ الطالب إلا ما يحتاجه ويمارسه في حياته من العلوم ... والأبواب في الفن. فالطالب إذا كان يقرأ مختصراً فقهياً مثلاً، وبلغ في المتن كتاب الحج، ولم يكن من أهل الوجوب والاستطاعة فإنه يتعداه إلى غيره وهكذا في أبواب الفرائض والقضاء والجهاد وقِس على ذلك بقية الأبواب في الفنون المختلفة. ثامناً: تأثر البيئة بالحركة العلمية: فقد خالط حفظ العلم في بلاد شنقيط حياة الناس هناك؛ ففي بلاد الزوايا [٢١] ، يعتبرون من تقصير الأب في حق ابنه إذا بلغ وهو لا يحفظ القرآن حفظاً متقناً ولا يعرف من الأحكام ما يقيم به عباداته، ولا من العربية ما يصلح به لسانه، بل ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار وأنه قد عق ابنه وقصّر في تربيته. وكان من عادة أهل الشيخ القاضي (اجيجبه) أن لا يتسرول [٢٢] الشاب منهم حتى يتم دراسة مختصر خليل، فحفظ المختصر عندهم شرط معتبر للرجولة وسمة للنضج. وتجد أمثال العامة ومخاطباتهم خارج حلقات الدرس قد صبغت بلون المتون السائدة؛ فمن أمثالهم إذا أرادوا وصف الشيء بأنه بلغ إلى منتهاه يقولون: (لا حِق فلا إشكال) أي وصل في كذا إلى ذروته وعبارة (لاحق فلا إشكال) هي آخر جملة في مختصر الشيخ خليل. ومن أمثالهم قولهم: (وحَذْفُ ما يُعلم جائز) وهو جزء من بيت من خلاصة ابن مالك في الألفية. تاسعاً: عقد مجالس للمذاكرة والإنشاد والألغاز في العطلة المحضرية. وهي عطلة نهاية الأسبوع العمرية (الخميس وجناحاه مساء الأربعاء وصباح الجمعة) . فيعقد طلاب (الدولة) أو المنتهون مجالس السمر وغالباً تكون ليلة الخميس أو الجمعة يتذاكرون فيها ما درس خلال الأسبوع ويتبارون في تجويد حفظه وإتقانه، أو يحددون باباً أو فصلاً من كتاب يتحاجون فيه، وأعرف عدة مجالس في المدينة المنورة عقدت لهذا الغرض منها مجالس لبعض النساء عَقَدْنَهُ لمذاكرة حفظ القرآن والفقه والسيرة النبوية، ومن ذلك ما يُروى أن محمد بن العباس الحسني وهو راوية شعر ادعى ليلة في مجلس سمر أنه لا يسمع بيتاً من الشعر إلاّ روى القطعة التي هو منها، وذكر الكتاب الذي توجد فيه، فتصدى له حبيب ابن أمين أحد تلامذة العلامة حُرْمة بن عبد الجليل رحمة الله على الجميع فسأله من القائل: لو كنت أبكي على شيء لأبكاني ... عصر تصرّم لي في دير غسّانِ فقال ابن العباس: نسيت قائل هذا البيت وهو من قطعة أعرفها في حماسة أبي تمام، فدعي بالكتاب، وقلب ورقة ورقة، فلم توجد فيه فقال لهم حبيب: هاهي بقية الأبيات وذكرها: دير حوى من (ثمار) الشام أودها ... وساكنوه لعمري خير سكان دهراً يدير علينا الراح كل رشا ... خمصان غض بزنديه سُواران وقال: إن القطعة من إنشائه، نظمها تعجيزاً لزميله، وساق دليلاً على صحة قوله أن دير غسان لا وجود له في أديرة العرب. كان شيخ المحضرة الفقيه اللغوي الشاعر حرمة بن عبد الجليل (ت ١٢٣٤ هـ) ﵀ حاضراً فالتفت إلى تلميذه حبيب وأنشأ على البديهة: لله درك يا غليّم من فتى ... سن الغليم في ذكاء الأشيب لستَ الصغير إذا تَنِدّ شريدةٌ ... وإذا تذاكر فتيةٌ في موكب إن الكواكب في العيون صغيرة ... والأرض تصغر عن بساط الكوكب [٢٣] عاشراً: اغتنام لحظات السحر في تثبيت الحفظ، فلا تكاد تجد طالباً من طلاب المحضرة في وقت السحر نائماً بل يزجرون عن النوم في هذا الوقت. حدثني الوالد حفظه الله قال: كان إذا صعب علينا حفظ شيء انتظرنا به السحر فيسهله الله علينا، ولا ريب أنها لحظات مباركة؛ لأنها وقت النزول الإلهي، ووقت الهبات والأعطيات [٢٤] . وساعات السحر هي لحظات الإدلاج التي أوصى النبي ﷺ بالسير إلى الله فيها كما في صحيح البخاري ﵀ (واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدّلجة) وهي سير آخر الليل [٢٥] . وذكر أهل العلم بالتفسير آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين رضي الله عن الجميع في انتظار يعقوب ﵇ لزمان الإجابة حين قال له أبناؤه: [يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ] [يوسف: ٩٧] فقال: [قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] [يوسف: ٩٨] أنه أخّرهم إلى وقت السحر [٢٦] . وضابط وَقت السحر على الصحيح أنه قبل طلوع الفجر بساعة تقريباً على ما حققه الحافظ ﵀ في الفتح. وبعدُ.. أخي القارئ الكريم: بهذه العوامل والأسباب خطف علماء الشناقطة المتجولون الأضواء، وبهذه الطرق والأساليب في الحفظ بزّوا غيرهم في العلوم التي شاركوهم فيها، فهل تجد في هذه الإجابة المقتضبة ما يشحذ همتك ويحرك إرادتك ويكون مثالاً لك تحتذيه، ويستحثك لجعل الحفظ أهم طرق العلم الشرعي؟ ! ذلك ما كنا نبغي، وفضل الله واسع، وكم ترك الأول للآخر [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ] [المطففين: ٢٦] . وصلى الله وسلم وبارك على النبي وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3000

الورقة الأخيرة أنت قادر على العطاء د. شاكر بن عبد الرحمن السروي العنصر البشري هو الأساس لكل نهضة، وهو العماد لكل حركة، وبدونه تموت في مهدها أي فكرة. وعندما يشعر الأفراد في أي أمة أنهم غير قادرين على العطاء، فإنما هم بذلك يصدرون حكماً بالإعدام على أنفسهم ومجتمعهم، شاؤوا أم أبوا. وذلك أنهم بتقريرهم هذا الشعور، يعلنون العزم المبيت على تجميد الحركة والعمل ليصبح ذلك المجتمع بعد ذلك كالجثة الهامدة. إن هذه الظواهر الاجتماعية التي يعرفها الخاص والعام، قد جاءت نصوص الشريعة بتقرير الحقائق عنها، فهي ثابتة لا تتغير، وكونية لا تتبدل، قال ﵊: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم) [١] رواه مسلم. لقد كان يقين السلف بقدرتهم على البذل والعطاء نابعاً من استشعارهم المسؤولية الفردية القائمة على الإحساس بالعزة الإيمانية؛ فجعلتهم مشاعل هداية، ونماذج فريدة في البذل والعطاء والتضحية، فكان الواحد منهم بأمة. فهذا مصعب بن عمير ﵁ يقدُمُ المدينة سفيراً للإسلام، فلا يحول الحول إلا وقد دخل الإسلام أكثر بيوت المدينة. وهذا نعيم بن مسعود الغطفاني لا يكاد يُسلم حتى يؤدي دوره فيُخذّل جيوش الأحزاب. وتأمل دور أبي بكر في الردة، وأحمد بن حنبل في الفتنة، وصلاح الدين في الذلة، كلهم أفراد غيروا مسار الأحداث، وأعادوا كتابة التاريخ، وهذا غيض من فيض. أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع إن مما يجدر بنا أن نستحضره في كل حين؛ أنه لا أحد في المجتمع المسلم يمكن أن يوضع في خانة: (غير قادر على العطاء) ، بل الجميع يملكون شيئاً ما إن لم يكن أشياء يستطيعون من خلاله خدمة أمتهم. وهذا النسق الاجتماعي، قد قرره المصطفى ﷺ بقوله وفعله، والتزمته الأمة الإسلامية منذ فجرها الأول. فلو نظرنا إلى حديث الهجرة مثلاً، لتجلّى لنا ذلك في أروع صوره؛ فالصدّيق أمينُ السر ورفيق السفر، والجارية تحفظ السر وترتب الزاد، والصبي ينقل الأخبار ويعفو الآثار، كل ذلك في صورة مشرقة لتنوع البذل بحسب القدرة. وفي المدينة يدعو الرسول ﷺ الناس للبذل قائلاً: (تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة) [٢] . بل وفي قمة أعمال البذل والعطاء في الجهاد في سبيل الله يبرز هذا المعلم الإسلامي في أجلى صوره؛ فالكل يبذل، والجميع يُضحي، حتى إذا بقي الضعفة والمساكين الذين لا مال لهم ولا قوة يجاهدون بها، يبقى لهم دورهم الذي ينبه إليه الرسول ﷺ بقوله: (إنما ينصُر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) [٣] . إن خطر وأد الذوات وتحييدها عن العطاء، لا يمكن تجاهله أو تناسيه خاصة في هذه الحقبة، التي يقبع فيها أهل الإسلام في مؤخرة الركب. وإن هذا الخطر مما ينبغي تداركه وعلاجه حسماً لداء المُواتِ الذي دبّ في أوصال الجسد الإسلامي المنهك. ومما يحسن الختام به التنبيه إلى أن صور وأد الذوات تكون من التعدد وعدم الوضوح أحياناً؛ بحيث يصعب التفطن لها، ومن ذلك: ١- إحجام الفرد عن البذل، أو ممارسة عمل ما بحجة أنه ليس أهلاً لذلك، لأي عذر يرتئيه. ٢- إيهام النفس بأنه لا يُحتاج إليه في هذا المضمار؛ لأنه قد امتلأ بغيره، في الوقت الذي قد لا يكون الأمر كذلك؛ بل ومن المحتمل أن يكون نفس الوهم منتشراً بين العديدين؛ فيؤدي ذلك إلى أن الجميع يتركون العمل فيصبح هذا المضمار خالياً تماماً. ٣- التحايل على النفس بأن الإنسان إنما هو فرد لا يملك التغيير أو البذل أو العطاء؛ لأن (التيار جارف) و (اليد الواحدة لا تصفق) ، متناسياً بذلك أصل المسؤولية الفردية في الإسلام. هذه بعض الصور من الأفراد أنفسهم، وقد تحصل صور أخرى ممن يتولى الريادة والقيادة وذلك مثل: ١- ألا تُستغل المواهب الخاصة والقدرات الفردية لدى الأفراد كل بحسبه، فتُقتل القدرات ويُخْنَق الإبداع، وقد خلق الله الناس مختلفين: منهم (القادة) ومنهم (الساقه) و (قد جعل الله لكل شيء قدراً) . ٢- ألا يُنْظَر إلى الجميع عند توزيع الأعمال؛ بل تتكرر نفس الوجوه دائماً لكل الأعمال، وهذا يقتل الفئتين؛ فالعاملة تنهك بالأعمال؛ حتى تصبح غير قادرة على العطاء المثمر، كما تَفُوتُ الاستفادة منهم فيما لا يحسنه إلا هم، وأما الكثرة الباقية فتبقى أرقاماً لا رصيد لها في واقع الحياة. ٣-الحكم بالإخفاق المؤبد على من يُسند له عمل ما، ثم لا يتقنه، في الوقت الذي قد يحسن غيرَه، بل ربما كان الخلل ابتداءً في إسناد هذا العمل له وهو لا يحسنه.

стр. 3001

ذو الحجة - ١٤١٩هـ أبريل - ١٩٩٩م (السنة: ١٣)

стр. 3002

كلمة صغيرة دروس من مأزق أوجلان الزعيم الكردي عبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني ماركسي لينيني، كان يهدف لإنشاء كردستان الكبرى. فبعد سنوات من القهر النفسي والقمع العسكري التركي أتخذ أسلوب العنف والمقاومة للجيش التركي، وأمام المواجهة المسلحة اضطر للهرب من تركيا قبل الانقلاب العسكري عام ١٩٨٠م وعاش مشرداً بين سورية ولبنان وروسيا وأوروبا، وبعد معاناة التشرد وإخفاق المقاومة أعلن الهدنة العسكرية في أعوام ٩٣م، ٩٥م، ٩٨م، وأعلن الرغبة في الحوار، لكن الأتراك رفضوا ذلك، ومؤخراً لجأ إلى إيطاليا وسبب لها حرجاً مع تركيا واضطر بعدها للخروج، وعاش فترة حرجة كرر فيها إعلان اعتزاله المقاومة المسلحة واللجوء للخيار السلمي للقضية الكردية، وفي نهاية المطاف ألقي القبض عليه في كينيا إثر خطة سرية للمخابرات التركية شاركت فيها على ما يبدو أطراف دولية؛ مما أشعل الغضب الكردي في عدة بلدان. وهو الآن قيد المحاكمة التي ذكر الإعلام التركي أنها ستطول وتطول وتطول. وهذا المأزق لأوجلان يضع أمامنا دروساً من أهمها: أن اختيار غير الإسلام سبيلاً للحياة أو التنازل عن ثوابت هذا الدين تقرباً من الكبار لا يعطي صاحبه حصانة ضد المواجهة والملاحقة. أن رفض المبادرات السلمية والحوار ليس سبيلاً للقضاء على أمة، والأكراد لم ينتهوا بانتهاء أوجلان. خوض الصراع المسلح بدون مسوّغ شرعي ولا حكمة له عواقب وخيمة وضرر محتم. المنظمات الدولية ومراصد حقوق الإنسان أضعف من أن تحمي المعولين عليها. العلاقات الدولية المتشابكة والمصالح الذاتية للدول لا ترى حرجاً في تسليم أولئك المقاومين لمن يطلبهم، وقد يكون هؤلاء المقاومون ضحية صفقات مشبوهة حتى بين أجهزة مخابرات دول متعادية. إنها دروس لمن يعقلها؛ فهل يعيها من يهمه الأمر؟ والله المستعان.

стр. 3003

الافتتاحية النقاء الدعوي لم يشهد التاريخ مثلاً في نقاء الدعوة الإسلامية ووضوحها كما كانت في صدرها الأول: نقاء في الغاية، ونقاء في الوسيلة، نقاء في المنهج، ونقاء في الأسلوب، نقاء في المشروعية، ونقاء في الارتباطات والولاءات.. وهذا ما جعل هذه الدعوة متميزة واضحة لأتباعها وأعدائها، لتمضي في طريقها رغم كيد الأعداء. فمن أول يوم أعلن رسول الله ﷺ الدعوة كان واضحاً: (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) [١] ، وهكذا كان كتاب الله واضحاً: [إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً] (فاطر: ٢٤) ، وغاية إرسال الرسل ومنهم محمد - ﷺ واضحة: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء: ٢٥] ، [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ] [النساء: ٦٤] ، تتسق مع غاية خلق الثقلين الواضحة أيضاً: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] ، وتحقق العبادة في هذا الدين بتفرد الله بالهيمنة الكلية على حياة الإنسان ظاهراً وباطناً: [قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ] [الأنعام: ١٦٢] . لقد ظلت هذه الغاية واضحة، وظلت الدعوة إليها نقية لا يخالطها غايات أخرى، ولا تداخل معها ما يشوبها، لا تنازل عنها، ولا مساومة عليها، ولا التقاء في منتصف الطريق، ظلت مصلحة الدعوة هي الأوْلى بنقاء واضح، فلا تداخل للمصالح والأهواء حتى ولو لبست مسوح مصلحة الدعوة؛ فعندما عرض المشركون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقابل أن يترك هذا الأمر: ( ... إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا فلا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا ... ) جاء الرد قاطعاً لا مجال فيه لعروض أخرى، وعندما عرضوا استجابتهم الجزئية مقابل التنازل الجزئي منه- ﷺ نزل قوله تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (٤) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] [الكافرون: ١- ٦] يقطع على المشركين آمالهم وييئسهم من هذه السبيل. ولم يختلط عليهم أيضاً أن صاحب هذه الدعوة وأتباعه لا يتاجرون بها ولا ينتفعون من ورائها، بل العكس هو الصحيح تماماً، يضحون من أجلها بالنفس والمال، ويبذلون في سبيل نشرها وتحقيقها كل غالٍ ونفيس.. [أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًاً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ] [الطور: ٤٠] ، [ ... قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ] [الأنعام: ٩٠] . ولم يكن النقاء الدعوي في الغاية والإصرار عليها والبذل من أجلها فقط، بل كان أيضاً في الوسيلة: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] [يوسف: ١٠٨] ، [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [فصلت: ٣٣] ، وفي الأسلوب: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] . والآن.. يحارب أعداء الصحوة وخصومها الدعوة الإسلامية بتلويث نقائها؛ فيعملون جاهدين على تداخل الغايات وطمس الحقائق والتباس المفاهيم، ويعملون جاهدين على تشويه أصحابها أو مساومتهم أو الضغط عليهم ليحملوهم على تقديم التنازلات أو الانزواء والانكفاء.. هكذا يعملون وهذا ديدنهم من قديم، ولا ينتظر منهم غير ذلك إلا مخدوع موهوم. ولكن.. هل أعداء الصحوة فقط هم الذين يقومون بذلك؟ .. يجب أن نعترف أن بين صفوف الصحوة من يساعد خصومها على تحقيق مآربهم، بجهل أو غفلة أو سوء تقدير أو.. هوى وشهوة! .. فلقد اختلط في أذهان كثيرين من أبناء الصحوة هدف الدعوة وغايتها وخرجت في أحيان كثيرة من إطارها الكلي إلى دوائر جزئية كثيرة منفصلة عن إطارها، يدور الصراع حولها، وباسم المصلحة والحكمة تنازل بعض دعاة الإصلاح عن بعض الثوابت أو شوهوها أو هزوا مكانتها في النفوس، وخرجت قلة تنتفع من وراء الدعوة؛ مما شوه نقاءها رغم ندرتها، وضلت الحكمة عن بعض أبناء الصحوة، واختلطت الوسائل والأساليب، فحدث تنفير بدل إنذار، وتمييع بدل تبشير.. إننا لا نحط من الإنجازات التي حققتها الصحوة ولا نتهم أحداً بعينه من أبنائها، ولكن ندرك أنه لكي ينجح أي عمل فلا بد أن يكون له تمحيص ومراجعة وتدقيق، وهذه المثالب والأخطاء لا تؤثر على أصحابها فقط، بل تؤثر على جموع العاملين بالدعوة وعلى الدعوة نفسها.. لذا نقول: ما أحوجنا إلى الرجوع بالدعوة إلى نقائها.. والله المستعان.

стр. 3004

دراسات في الشريعة والعقيدة الموسوعات الحديثية نظرات في جهود العلماء في تدوين السنة النبوية أحمد بن عبد الرحمن الصويان من حكمة الله تعالى أنّه رضي الإسلام ديناً خاتماً لجميع الشرائع، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأكمل الله لنا الدين وأتم علينا النعمة، قال تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] . ومن إتمام النعمة أن الله تعالى تكفل بحفظ مصدر هذا الدين وينبوعه الكريم، فقال : [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] ، وتضمن ذلك حفظ سنة سيد المرسلين ﷺ ، فائتمن الله على نقلها صحابة نبيه الكريم ﵊، أطهر الناس قلوباً، وأصفاهم عقولاً، وأفصحهم لساناً، وأسلمهم منهجاً، فأدوها حق الأداء، كما تحملوها حق التحمل، ورعوها حق الرعاية.. ثم تناقلها الثقات الأثبات من بعدهم جيلاً بعد جيل، بعناية فائقة وحرص كبير. وقد تضافرت جهود السلف الصالح ﵃ في خدمة حديث النبي - ﷺ رواية ودراية، وتركوا لنا تراثاً ضخماً غزيراً في عشرات المصنفات، حتى أصبحت هذه الأمة تمتلك بحق أغنى مورد للعلم عرفته البشرية باختلاف مللها ونحلها. وفي هذه المقالة سأبرز بعون الله تعالى بعض جهود أولئك السلف في تدوين السنة من خلال التعريف الموجز بأشهر الموسوعات الحديثية. وأقصد بالموسوعات الحديثية: (تلك المصنفات التي جمعت عدداً كبيراً من أحاديث النبي) ، ويخرج من هذا التعريف: المصنفات التي جمعت عدداً يسيراً من الأحاديث النبوية كالسنن الأربعة ونحوها. أولاً: الموسوعات الحديثية الأصيلة: ويقصد بالموسوعات الأصيلة: (المصنفات التي يروي فيها المصنف الأحاديث النبوية بإسناده إلى النبي) ومنها: ١- مصنّف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (١٢٦-٢١١ هـ) : وهو أحد الكتب الجليلة التي وصلت إلينا، وصفه الذهبي بأنه: (خزانة علم) [١] . وصدق ﵀، فالمصنف مليء بكنوز العلم والمعرفة، وقد رتبه عبد الرزاق على الأبواب الفقهية، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم كتاب الحيض، ثم كتاب الصلاة.. وهكذا حتى ختمه بكتاب الجامع. وتحت كل كتاب يوجد عدد من الأبواب التي تضم مجموعة من الأحاديث المرفوعة والموقوفة والمقطوعة. طبع الكتاب لأول مرة في سنة (١٣٩٢هـ) بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي في أحد عشر مجلداً، وبلغ عدد أحاديثه حسب ترقيم المحقق (٢١٠٣٣) حديثاً، ويحتوي الكتاب على أحاديث مكررة كثيرة [٢] . وقد عمل الباحث يوسف بن محمد صديق على استخراج زوائد مصنف عبد الرزاق على الكتب الستة في رسالة علمية لنيل شهادة الدكتوراه، وبلغ عدد الزوائد: أربعة عشر ألف حديث زائد [٣] . وهذه نسبة عالية جداً، ولكن خلال تتبعي لهذه الزوائد تبيّن لي أن ٨٠% منها تقريباً أحاديث موقوفة ومقطوعة. وبالجملة: فإن المصنّف كتاب نفيس، وسفر عظيم يحوي من الكنوز ما لا حصر له ولعل من أهم مميزاته علو إسناده، وكونه مرجعاً أساساً لكثير من كتب السنة المتأخرة. ولكنه مع ذلك يحوي عدداً كبيراً من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة أحياناً. ٢- مصنّف أبي بكر بن أبي شيبة (١٥٩- ٢٣٥هـ) : وهو من أجلّ كتب ابن أبي شيبة، وأعلاها منزلة ومقداراً، امتدحه ابن كثير وامتدح مؤلفه بقوله: (أبو بكر بن أبي شيبة أحد الأعلام وأئمة الإسلام، وصاحب المصنّف الذي لم يُصنّف أحد مثله قط، لا قبله ولا بعده) [٤] . ووصفه الذهبي بقوله: (سيّد الحفاظ، صاحب الكتب الكبار: المسند والمصنف والتفسير) [٥] . وقد شهد لابن أبي شيبة بجودة التأليف وإتقانه عدد من الأئمة، منهم أبو عبيد القاسم ابن سلام حينما قال: (ربانيو الحديث أربعة: فأعلمهم بالحلال والحرام: أحمد بن حنبل، وأحسنهم سياقة للحديث وأداء: علي بن المديني، وأحسنهم وضعاً لكتاب: أبو بكر بن أبي شيبة، وأعلمهم بصحيح الحديث من سقيمه: يحيى بن معين) [٦] . وقال الرامهرمزي: (وتفرد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة الترتيب وحسن التأليف) [٧] . طبع الكتاب في الهند في خمسة عشر جزءاً على عدة مراحل، ولكن يوجد فيه نقص ظاهر، ثم طبع في لبنان طبعة أخرى، ولكن كلا الطبعتين لا تخلوان من سقط وتحريف. وقد بدأ بعض الباحثين أخيراً في تحقيقه ومراجعته على أصوله الخطية وتخريج نصوصه، ونشر منه المجلد الأول فقط.. ونرجو أن يتيسر نشر بقية أجزائه إن شاء الله تعالى. والمصنف مرتب حسب الأبواب الفقهية، ويحتوي على مادة خصبة جداً، وهو مصدر رئيس لمعرفة فتاوى الصحابة والتابعين وتابعيهم. ويمتاز بأنّه مصدر تاريخي مهم جداً يغفل عنه بعض الباحثين في الدراسات التاريخية لاحتوائه على بعض الكتب التي يقلّ وجودها في كتب الحديث، مثل: كتاب التاريخ، وكتاب الفتن، وكتاب الجمل. ٣- مسند الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤- ٢٤١هـ) : ألّف الإمام أحمد مسنده من أجل أن يكون: (هذا الكتاب إماماً، إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله ﷺ رُجع إليه) [٨] . وصدق الإمام أحمد فإن هذا الكتاب الجليل من أكبر كتب السنة التي وصلت إلينا، وأعظمها نفعاً، وأغزرها مادة، وقد قال أبو موسى المديني: (هذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقي من أحاديث كثيرة، ومسموعاتٍ وافرة، فجُعل إماماً ومعتمداً، وعند التنازع ملجأ ومستنداً) [٩] . ومن أجل هذا لما سئل أبو الحسين اليونيني: أنت تحفظ الكتب الستة؟ فقال: (أحفظها وما أحفظها!) فقيل له: كيف هذا؟ ! فقال: (أنا أحفظ مسند أحمد وما يفوت المسند من الكتب الستة إلا قليل) [١٠] . وقد اختلف في عدد أحاديث المسند اختلافاً كثيراً، فمن قائل: بأنه ثلاثون ألف حديث، ومن قائل: بأنه أربعون ألفاً، ومن قائل: بأنه خمسون ألفاً [١١] . قال ابن عساكر: (والكتاب كبير العدد والحجم، مشهور عند أرباب العلم، تبلغ عدد أحاديثه: ثلاثين ألفاً سوى المعاد، وغير ما ألحق به ابنه عبد الله من عالي الإسناد) [١٢] . وقال أحمد شاكر: (هو على اليقين: أكثر من ثلاثين ألفاً، وقد لا يبلغ الأربعين ألفاً) [١٣] . رتبه الإمام أحمد على مسانيد الصحابة، حيث أفرد أحاديث كل صحابي على حدة من غير نظر في موضوعاتها، فبدأ بمسانيد العشرة المبشرين، ثم مسانيد عبد الرحمن بن أبي بكر، وزيد بن خارجة، والحارث بن خزيمة، وسعد مولى أبي بكر، ثم مسانيد أهل البيت، ثم بني هاشم، ثم المشهورين من الصحابة.. وهكذا حتى ختمه بمسند القبائل. ولكبر حجم الكتاب وصعوبة البحث فيه؛ قام الشيخ أحمد البنا بترتيبه على الأبواب الفقهية مع حذف الأسانيد والأحاديث المكررة، وسمى كتابه: (الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني) ، ثم ذيل كتابه بشرح موجز سماه: (بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني) . كما قام الشيخ أحمد شاكر بتحقيق المسند وترقيمه وتخريج أحاديثه ومراجعته على بعض الأصول الخطية، ووضع فهارس علمية في نهاية كل جزء على حدة، ولكنه توفي ولمّا يكمل تحقيقه، حيث أخرج ستة عشر جزءاً فقط، وهي تمثل ثلث الكتاب تقريباً. ثم قام الشيخ شعيب الأرنؤوط بإعادة تحقيقه وتخريجه ومراجعته على بعض الأصول الخطية، وطُبع منه حتى الآن خمس وعشرون مجلداً، ولا زال العمل فيه جارياً حتى الآن، نسأل الله تعالى أن ييسر إتمامه. ٤- مسند بقي بن مَخْلد القرطبي (٢٠١- ٢٧٦هـ) : هذا الكتاب من كتب السنة الكبيرة، ولكنه مع الأسف الشديد فُقِدَ كما فقدت بعض الكنوز الأخرى، ولا نعرف عنه إلا القليل مما نقل إلينا من أقوال أهل العلم عنه. قال ابن حزم: (رتبه على أسماء الصحابة ﵃ فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب، ولا أعلم هذه الرتبة لأحد قبله، مع ثقته وضبطه وإتقانه، واحتفاله فيه في الحديث، وجودة شيوخه، فإنه روى عن مائتي رجل وأربعة وثمانين رجلاً ليس فيهم عشرة ضعفاء، وسائرهم أعلام مشاهير) [١٤] . وقال ابن الفرضي في تاريخه: (ليس لأحد مثله) [١٥] . وقال ابن الجوزي: (روى فيه عن ألف وستمائة صحابي، بل يزيدون على هذا العدد) [١٦] . وقال ابن كثير: (وقد فضله ابن حزم على مسند الإمام أحمد، وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع) [١٧] . وقال الذهبي في ترجمة بقي: (صاحب التفسير والمسند اللذين لا نظير لهما) [١٨] . ٥- مسند أبي يعلى الموصلي (٢١٠- ٣٠٧ هـ) : ولمسند أبي يعلى روايتان: الأولى: رواية طويلة رواها أبو بكر محمد بن إبراهيم المقرئ، عن أبي يعلى، وهي التي اعتمد عليها ابن حجر في: (المطالب العالية) ، والبوصيري في (إتحاف المهرة) ، في تخريج زوائدها على الكتب الستة، وتسمى هذه الرواية بـ (المسند الكبير) . والثانية: رواية قصيرة رواها أبو عمرو بن حمدان، وهذه الرواية هي التي اعتمد عليها الهيثمي في كتابيه: (المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي) و (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) . والرواية القصيرة هي التي وصلت إلينا، وقد أتم تحقيقها الأستاذ حسين أسد في ثلاثة عشر مجلداً، مع ثلاثة مجلدات للفهارس، كما حققت في عدد من الرسائل العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود. والمسند مرتب حسب مسانيد الصحابة ﵃، وقد بلغ عدد أحاديثه حسب ترقيم حسين أسد (٧٥٥٥) حديثاً. وقد أثنى العلماء على المسند الكبير، فقد قال ابن المقرئ: سمعت أبا إسحاق بن حمزة يثني على مسند أبي يعلى، ويقول: (من كَتَبَه قلّ ما يفوته من الحديث) [١٩] . وقال إسماعيل التيمي: (قرأت المسانيد، كمسند العدني، ومسند أحمد بن منيع، وهي كالأنهار، ومسند أبي يعلى كالبحر يكون مجتمع الأنهار [٢٠] . وقال الذهبي: (صدق.. ولا سيما مسنده الذي عند أهل أصبهان من طريق ابن المقرئ عنه، فإنه كبير جداً، بخلاف المسند الذي رويناه من طريق أبي عمرو بن حمدان عنه فإنّه مختصر) [٢١] . ٦- المعجم الكبير لسليمان بن أحمد الطبراني (٢٦٠ -٣٦٠ هـ) : يعد الطبراني من الأئمة الحفاظ المشهورين بالتصنيف، قال أبو بكر بن أبي علي: (كان الطبراني واسع العلم كثير التصانيف) [٢٢] . وقد أثنى ابن خلكان على مصنفاته بقوله: (له المصنفات الممتعة النافعة الغريبة، منها: المعاجم الثلاثة) [٢٤] . والمعجم الكبير من أجلّ كتب الطبراني، طبع سنة ١٣٩٨هـ بتحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، في عشرين مجلداً، لكن ينقصه خمس مجلدات، من المجلد الثالث عشر إلى السابع عشر. رتبه الطبراني على مسانيد الصحابة، وبدأه بأحاديث العشرة المبشرين بالجنة، ... ثم رتب بقية الصحابة على حسب حروف المعجم، وكان يترجم للصحابي ترجمة مختصرة، ثم يذكر بعض أحاديثه، أو جميعها إذا كان من المقلين، ومن لم يكن له رواية ذكره وترجم له باختصار، أو ذكره فقط، ليوقف على عدد الرواة عن رسول الله ﷺ وذكر أصحابه ﵃ [٢٤] . قال الذهبي في وصف الكتاب: (وهو معجم أسماء الصحابة وما رووه، لكن ليس فيه مسند أبي هريرة، ولا استوعب حديث الصحابة المكثرين، في ثمانية مجلدات) [٢٥] . وقال السيوطي: (لم يسق فيه من مسند المكثرين إلا ابن عباس وابن عمر، فأما أبو هريرة، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وعائشة، فلا، ولا حديث جماعة من المتوسطين؛ لأنّه أفرد لكلّ مسنداً فاستغنى عن إعادته) [٢٦] . وقدر الكتاني عدد أحاديثه ب: ستين ألفاً، بينما يرى حاجي خليفة أنها خمس وعشرون ألفاً فقط [٢٧] . والذي وجد في المطبوع بترقيم السلفي: عشرون ألفاً فقط، وبمراعاة الأجزاء المفقودة يتبيّن أن تقدير حاجي خليفة أقرب للصواب، والله أعلم. ٧- المسند الكبير، لأبي علي الحسين الماسَرْجِسي (٢٩٨- ٣٦٥هـ) : وهذا المسند من الكتب التي لم تصل إلينا، ولا نعرف عنه شيئاً إلا من وصف الحاكم له، فقد قال في ترجمة الماسرجسي: (صنف المسند الكبير في ألف جزء وثلاثمائة جزء يعني مهذباً ومعللاً ... وعلى التخمين يكون مسنده بخط الوراقين في أكثر من ثلاثة آلاف جزء ... وكان مسند أبي بكر الصديق بخطه في بضعة عشر جزءاً بعلله وشواهده، فكتبه النساخ في نيّف وستين جزءاً) . ثم قال الحاكم: (فعندي أنّه لم يُصنّف في الإسلام مسند أكبر منه، وعقد أبو محمد بن زياد مجلساً عليه لقراءته) [٢٨] . ٨- بحر الأسانيد في صحاح الأسانيد، للإمام السمرقندي (٤٠٩-٤٩١هـ) : هذا الكتاب لم يصل إلينا منه شيء فيما أعلم، فهو من ضمن التراث العلمي المفقود، ولكن قال عنه عمر بن محمد النسفي: (جمع فيه مئة ألف حديث، فرتب وهذب، لم يقع في الإسلام مثله، وهو ثمانمائة جزء) [٢٩] . ثانياً: الموسوعات الحديثية الوسيطة: والمقصود بالموسوعات الوسيطة: (المصنفات الحديثية التي جمعها أئمة المحدثين المتأخرين، معتمدين في ذلك على مصنفات المحدثين المتقدمين، يعني: أنهم يجمعون بغير أسانيد خاصة بهم) . ومن أهم هذه الموسوعات: ١- التجريد للصحاح الستة، لرزين بن معاوية السّرقسطي (ت ٥٣٥هـ) : يُعدّ هذا الكتاب من أوائل المحاولات لجمع الأصول الستة، وهي: (الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي) ، وقد أدخل رزين بن معاوية بعض الزيادات من مروياته التي قال عنها الذهبي: (أدخل كتابه زيادات واهية لو تنزه عنها لأجاد) [٣٠] . وقال الإشبيلي في وصف هذا الكتاب: (كتاب تجريد صحاح أصول الدين مما اشتمل عليه الصحاح الستة الدواوين بحذف الأسانيد، وتقييد المسائل، مع استقصاء مضمون الحديث) [٣١] . وقد رتب هذا الكتاب على حسب الأبواب الفقهية على غرار صحيح البخاري [٣٢] . ٢- جامع المسانيد، للإمام ابن الجوزي (ت: ٥٥٤هـ) : وهو كتاب غير مطبوع، ولكن قال الذهبي: (أودع فيه أكثر متون المسند، ورتب وهذب، ولكن ما استوعب) [٣٣] . وقال في موضع آخر: (جامع المسانيد في سبع مجلدات، وما استوعب ولا كاد) [٣٤] . وقال الكتاني: (جمع فيه الصحيحين، والترمذي، ومسند أحمد، رتبه أيضاً على المسانيد في سبع مجلدات) [٣٥] . ٣- جامع الكتب الستة، لابن الخراط عبد الحق البجائي (ت: ٥٨٢هـ) : وهو كتاب غير مطبوع أيضاً، لكن قال ابن الأبار في ترجمة ابن الخراط: (له مصنف كبير جمع فيه بين الكتب الستة) [٣٦] . ٤- جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ ، لأبي السعادات ابن الأثير الجزري (ت: ٦٠٦ هـ) : اعتمد ابن الأثير في كتابه هذا على كتاب رزين بن معاوية الآنف الذكر؛ حيث قام بتهذيبه وشرح غريبه، وإعادة ترتيبه؛ إذ إنه لم يعتمد على ترتيب رزين، بل رتب الكتب الفقهية على الأحرف الهجائية، فبدأه بالكتب التي تبدأ بحرف الألف وهي عشرة كتب، ثم الكتب التي تبدأ بحرف الباء.. وهكذا، حتى ختمه بكتاب اللواحق وضع فيه الأحاديث التي لم تدخل تحت باب معين. واعتنى ابن الأثير بمراجعة عمل رزين على الأصول الستة [٣٧] ، وأكمل النقص الذي وقع فيه رزين، ومهّد لكتابه بمقدمة ضافية وهامة. ويعد هذا الكتاب موسوعة حديثية عظيمة، يحوي بين دفتيه أصول الإسلام الستة، بلغ عدد أحاديثه حسب ترقيم المحقق (٩٥٢٣) حديثاً. وهو كما وصفه مؤلفه: (بحرٌ زاخرة أمواجه، وبرّ وعرة فجاجه، ولا يكاد الخاطر يجمع أشتاته، ولا يقوم الذكر بحفظ أفراده، فإنها كثيرة العدد، متشابهة الطرق، مختلفة الروايات) [٣٨] . وقد طبع الكتاب لأول مرة بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، ثم حققه وخرّج أحاديثه تخريجاً متقناً الشيخ عبد القادر الأرنؤوط. ثم أعاد إخراجه الشيخ بشير عيون، وأضاف إليه بعض الأجزاء الناقصة في الطبعتين السابقتين. ولصعوبة البحث فيه عمل الأستاذ يوسف الزبيبي فهرساً لأحاديثه على حروف المعجم. ٥- أنوار الصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، لأبي عبد الله محمد بن عتيق اللاردي (ت ٦٤٦هـ) : ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء نقلاً عن ابن الأبار [٣٩] . ولكنه كتاب مفقود لم يصل إلينا فيما أعلم. ٦- جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سَنَن، للحافظ ابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤هـ) : وهو كتاب مرتب على مسانيد الصحابة، جمع فيه ابن كثير أحاديث كل صحابي على حدة، وصفه الكتاني بقوله: (جمع بين الأصول الستة، ومسانيد أحمد والبزار وأبي يعلى والمعجم الكبير، وربّما زيّد عليها من غيرها..) [٤٠] . ثم قال: (رتبه على حروف المعجم، يذكر كل صحابي له رواية، ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب، وما تيسر من غيرها) [٤١] . وهو كتاب جليل عظيم القدر جمع فيه مؤلفه مادة علمية كبيرة، (احتوى على أكثر من مائة ألف حديث، فيها الصحيح والحسن والضعيف، وأحياناً الموضوع) [٤٢] . ولكن توفي الحافظ ابن كثير ﵀ ولمّا يكمل كتابه هذا، ويوجد الكتاب مخطوطاً في دار الكتب المصرية في سبع مجلدات، وقد فقد منه أشياء عديدة. وطبع أخيراً ما وجد منه بتحقيق د. عبد المعطي قلعجي في سبع وثلاثين مجلداً. ٧- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ الهيثمي (ت: ٨٠٧هـ) : ألف الحافظ الهيثمي كتباً في زوائد: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى، ومسند البزار، ومعاجم الطبراني الثلاثة، كل واحد منها في تصنيف مستقل، ما عدا المعجمين الأوسط والصغير فإنهما في مصنف واحد. ثم عرض الهيثمي كتبه تلك على شيخه الحافظ العراقي، فأشار عليه أن يجمع هذه الكتب في مصنف واحد مجرّدة الأسانيد، فعمل الهيثمي بهذه المشورة وجمعها في مؤلف واحد سماه: (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) ، وهو كتاب مطبوع في عشرة مسانيد أجزاء. وقد رتبه الهيثمي على الأبواب الفقهية، فبدأ بكتاب الإيمان، ثم العلم، ثم الطهارة، ثم الصلاة ... وهكذا حتى ختمه بكتاب: صفة الجنة. ويعد هذا الكتاب من الكتب العظيمة كبيرة الفائدة، بذل الهيثمي في جمعه وترتيبه جهداً كبيراً متميزاً، وكان يهتم ببيان درجة الحديث من حيث القوة والضعف، ويتكلم في رجال الحديث جرحاً وتعديلاً بعبارات موجزة، ولكن تميزت بعض آرائه بالتساهل، ولهذا تعقبه السيوطي بمؤلف سماه: (بغية الرائد في الذيل على مجمع الزوائد) . ٨- إتحاف الخِيَرَة المهَرة بزوائد المسانيد العشرة، للحافظ البوصيري (ت: ٨٤٠هـ) : جمع الحافظ البوصيري زوائد عشرة مسانيد على الكتب الستة، وهي: مسند الطيالسي، ومسدّد، والحميدي، وإسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة، والعدني، وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، وأحمد بن منيع، ومسند أبي يعلى الكبير. ورتب أحاديثها على كتب الأحكام. وكان البوصيري يعتني بالحكم على الأحاديث، وبتقويم الرجال جرحاً وتعديلاً، وقدّم لكتابه بتراجم لأصحاب المسانيد التي اعتمد عليها في كتابه. ويوجد للكتاب نسختان: الأولى: مسندة، أتمها سنة ٨٢٣ هـ. والثانية: مجرّدة من الأسانيد، أتمها سنة ٨٣٢ هـ. وتوجد النسخة المسندة مخطوطة في دار الكتب المصرية، وقد حُقق بعضها في رسائل علمية في الجامعة الإسلامية، وتقوم الجامعة بالتعاون مع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف على طبعه، وقد تيسر بحمد الله تعالى طبع بعض أجزائه. ٩- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢هـ) : جمع فيه ابن حجر زوائد ثمانية مسانيد، وهي: مسند الطيالسي، ومسدّد، والحميدي، وابن أبي شيبة، والعدني، وعبد بن حميد، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة. كما أنّه تتبع ما فات الهيثمي في مجمع الزوائد من مسند أبي يعلى الكبير، لكون الهيثمي اقتصر على المسند الصغير، ووقع لابن حجر قدر النصف من مسند إسحاق بن راهويه، فتتبع ما فيه من الزوائد فصار مجموع ما تتبعه من ذلك: عشرة دواوين. ووقف ابن حجر على قطع من عدة مسانيد مثل: مسند الحسن بن سفيان، ومسند الرّوياني.. وغيرهما، ولم يُكتب منها شيء؛ لأنه كان ينوي أن يرجع إليها ويتتبع زوائدها بعد أن يُنهي تبييض كتابه [٤٣] . ورتب ابن حجر كتابه على كتب الأحكام قريباً من ترتيب إتحاف الخيرة ومجمع الزوائد، ويوجد لهذا الكتاب نسختان هما: الأولى: مجرّدة من الأسانيد، نشرها الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي. الثانية: مسندة، طبعها أخيراً غنيم بن عباس وياسر بن إبراهيم، كما جرى تحقيقها في عدة رسائل علمية في جامعة الإمام محمد بن سعود، ثم جمعها ونسقها الدكتور سعد الشثري، وبدأ بطباعتها في سنة ١٤١٩هـ، ونشر منه حتى الآن عشر مجلدات، ويتوقع أن يطبع بإذن الله في ثمانية عشر مجلداً، خصّص المجلد الأول منها لمقدمة تفصيلية. ويختلف كتاب المطالب العالية عن إتحاف الخيرة المهرة بأمور، منها: الأول: أن البوصيري تتبع الزوائد على الكتب الستة فقط، بينما ابن حجر تتبع الزوائد على الكتب الستة ومسند أحمد، ولهذا فإن كتاب البوصيري أغزر مادة وأكبر حجماً. الثاني: أن البوصيري كان يعتني ببيان درجة الحديث وحال الرواة، بينما ابن حجر لم يحكم إلا على عدد قليل جداً من الأحاديث. وتظهر أهمية المطالب العالية وإتحاف الخيرة أنهما حفظا لنا عدداً من كتب الحديث المسندة التي فقدت وضاعت، مثل مسند العدني وأحمد بن منيع والحارث بن أبي أسامة. وبالجملة: فإن كتاب المطالب العالية كتاب موسوعي جامع، غزير الفائدة، إذا ضُمّ إلى الكتب الستة حصلنا على موسوعة حديثية ضخمة وافية لا يفوتها من حديث النبي ﷺ إلا القليل. ١٠- الجامع الصغير وزيادته، للحافظ السيوطي (ت ٩١١هـ) : جمع السيوطي الأحاديث النبوية القولية مرتبة على حروف المعجم، معتمداً على مصادر كثيرة، وقد بلغ عدد الأحاديث التي جمعها: (١٠٠٣١) حديثاً، ثم أضاف السيوطي إلى هذا الكتاب زيادة أخرى من الأحاديث فاتت عليه، بلغ عددها (٤٤٤٠) حديثاً. وقد جمع بين الكتاب وزيادته الشيخ يوسف النبهاني في مؤلف واحد سمّاه: (الفتح الكبير) رتبه على حروف المعجم تبعاً للسيوطي، وبلغ عدد أحاديثه (١٤٤٧١) حديثاً. وعمل السيوطي هذا عمل عظيم وجهد جبار مبتكر يسهل عملية البحث عن الحديث المطلوب، وكان يذكر درجة كل حديث من حيث الصحة أو الضعف، ولكن تميزت كثيراً من آرائه بالضعف والتساهل، ولهذا قام الشيخ الألباني بتتبع أحاديثه وبيان درجتها، وقسمه إلى كتابين: صحيح الجامع الصغير وزيادته، وضعيف الجامع الصغير وزيادته، وهما مطبوعان منتشران. ١١- جمع الجوامع، للحافظ السيوطي (ت ٩١١هـ) : جمع فيه السيوطي ثمانين كتاباً من كتب السنة، وقسمه قسمين: الأول: يتضمن الأحاديث القولية، وقد رتبها على حروف المعجم كالجامع الصغير. الثاني: ويتضمن الأحاديث الفعلية وما شابهها، وقد رتبها على مسانيد الصحابة ﵃ وهذا الجهد جهد كبير متميز، ويُعد من أكبر الموسوعات الحديثية المصنفة، إلا أنه محشو بالأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، وقد نشر الكتاب مصوراً من مخطوطة دار الكتب المصرية، تحت إشراف الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلا أن الاستفادة منه بهذه الصورة متعسرة وتستهلك جهداً ووقتاً، وتتطلب معرفة بقراءة المخطوطات ومصطلحاتها. ثم نشرت أجزاء يسيرة من الكتاب بدون تحقيق أو دراسة. ١٢- كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، لعلاء الدين علي بن الحسام المتقي الهندي (٩٧٥هـ) . جمع فيه المتقي الهندي: الجامع الصغير وزيادته، مضافاً إليه ما بقي من قسم الأقوال، وقسم الأفعال من كتاب جمع الجوامع، ورتبه جميعه على الأبواب الفقهية على غرار جامع الأصول لابن الأثير، والكتاب محشو بالأحاديث الضعيفة والموضوعة تبعاً لكتابي السيوطي. ولكبر حجم الكتاب فإن ترتيب الأحاديث القولية والفعلية على الأبواب لا يخلو من تداخل وخلط ونقص، ولهذا فإن الباحث قد يجد صعوبة أحياناً لكي يصل إلى مطلوبه. وقد عمل الأستاذان: نديم وأسامة المرعشلي فهرساً لأطراف الأحاديث على نسق حروف المعجم، لتيسير البحث فيه. وبعد: فقد كانت هذه إلمامة مختصرة ببعض جهود أئمة الحديث في جمع السنة النبوية وترتيبها، ولم أقصد الاستقصاء التام لجميع الأعمال، ولكن أردت أن أبرز بعض الجهود العظيمة التي قام بها أولئك الأفذاذ، رغم قلة الإمكانات وقتها. ولم يتوقف جهد المحدثين عند الجمع والترتيب، بل تعداه إلى علوم أخرى من أهمها: ضبط قوانين الرواية تحملاً وأداء، وتوثيق المرويات وتدقيقها، والكلام على الرواة جرحاً وتعديلاً، وشرح النصوص وبيان مشكلاتها ومقاصدها، وبنوا صرحاً شامخاً تميزت به هذه الأمة من بين الأمم، فحفظت السنة بحمد الله من كل تحريف أو تبديل. ولكن خلفت من بعدهم خلوف نسيت كثيراً مما ذُكرت به فضاعت وضيّعت، فأهمل حديث النبي ﷺ إهمالاً شديداً، واندرست بعض المعالم من سنته علماً وعملاً، وظلت كنوز الأمة مخطوطة، حبيسة في أدراج المكتبات ردحاً من الزمن! وفي العقدين الأخيرين بشكل خاص ظهرت بوادر الصحوة الإسلامية العامة، التي كان من ثمراتها المباركة رجوع كثير من الباحثين وطلاب العلم إلى تراث السلف الصالح، فنشر الكثير من المخطوطات القيمة والدراسات المتميزة، ولا زالت دور النشر تدفع المزيد منها، نسأل الله تعالى أن يبارك فيها. وفي منتصف التسعينات الهجرية ظهرت في الأوساط العلمية نداءات تدعو إلى ضرورة جمع الحديث الشريف في موسوعة كاملة، وقد قامت بفضل الله تعالى مشروعات عديدة بهذا الصدد، استفاد بعضها من إمكانات الحاسب الآلي.. وتحتاج هذه المشروعات إلى تعريف ودراسة وتقويم، أرجو أن يتيسر قريباً في مقالة أخرى.

стр. 3005

دراسات في الشريعة والعقيدة من أحكام العيدين (٢ /٢) إبراهيم بن محمد الحقيل وضح الكاتب في الحلقة السابقة أن أعياد المسلمين المشروعة ثلاثة لا رابع لها وهي عيد الأسبوع (يوم الجمعة) و (عيد الفطر) و (عيد النحر) ثم تناول بالبيان الأحكام التي تتعلق بالعيد من صلاة العيد وأين تؤدى، ووقت الصلاة وتقديم الصلاة على الخطبة والتكبير في الصلاة وما يقرأ في الصلاة. ويواصل الكاتب وفقه الله بقية أحكام الموضوع. ... ... ... ... ... ... - البيان - تاسعاً: قضاء صلاة العيد: أ- إذا لم يعلموا بالعيد إلا بعد زوال الشمس صلوا من الغد، لحديث عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: (غُمّ علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفطروا يومهم، وأن يخرجوا غداً لعيدهم) [١] . ب- إذا أدرك الإمامَ في التشهد جلس معه، فإذا سلم قام فصلى ركعتين يأتي منهما بالتكبير [٢] . ج- إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام فقيل: ١- يقضيها أربع ركعات وهو قول أحمد والثوري وسندهم قول ابن مسعود ﵁: (من فاته العيد مع الإمام فليصل أربعاً) [٣] . ٢- يقضيها ركعتين، قال البخاري: باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى لقول النبي ﷺ : (هذا عيدنا أهل الإسلام) وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه، وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم) . اهـ[٤] وقال به عطاء والحسن، وهو رواية عن أحمد [٥] . وكان أنس إذا فاته العيد مع الإمام جمع أهله فصلى بهم مثل صلاة الإمام في العيد [٦] . ٣- هو مخير بين القضاء وعدمه، وإذا قضاها فهو مخير بين ركعتين وأربع ركعات، والتخيير بين ركعتين أو أربع رواية عن أحمد [٧] . ٤- إن صلاها في جماعة أخرى فركعتين وإلا فأربعاً. وهو قول إسحاق [٨] . ٥- لا يقضيها؛ لأنها إذا فاتت لا تصلى إلا بدليل يدل على قضائها إذا فاتت، وليس هناك دليل على قضائها إذا فاتت، ولا يصح قياسها على الجمعة؛ لأن من فاتته الجمعة يصلي الظهر فرض الوقت. وأما العيد فصلاة اجتماع إن أدرك الاجتماع فيها وإلا سقطت عنه. حكاه العبدري عن أبي حنيفة ومالك والمزني وداود [٩] ، ورجحه الشيخ العثيمين [١٠] . عاشراً: صلاة العيد في السفر: أ- لو كان مسافراً وحضر الناس وهم يصلون فله أن يصلي معهم مثل الجمعة. ب- لو سافر جماعة فليس لهم أن يقيموا لا الجمعة ولا العيد؛ لأنها ليست مشروعة في السفر، ومن شرطِ وجوبها الاستيطان. قال شيخ الإسلام: تنازع الناس في صلاة الجمعة والعيدين: هل تشترط لهما الإقامة، أم تفعل في السفر؟ على ثلاثة أقوال: ١- من شرطهما جميعاً الإقامة؛ فلا يشرعان في السفر، وهذا قول الأكثرين وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه. ٢- يشترط ذلك في الجمعة دون العيد وهو قول عن الشافعي وأحمد في الرواية الثانية عنه. ٣- لا يشترط لا في هذا ولا هذا كما يقوله من يقوله عن الظاهرية؛ وهؤلاء عمدتهم مطلق الأمر ولقوله: (إذا نودي) ونحو ذلك.. ثم قال: والصواب بلا ريب القول الأول وهو أنه ليس بمشروع للمسافر؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يسافر أسفاراً كثيرة، قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته، وحج حجة الوداع ومعه ألوف مؤلفة، وغزا أكثر من عشرين غزاة ولم ينقل عنه أحد قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيداً. اهـ[١١] . حادي عشر: إذا اجتمع جمعة وعيد: أ- عن إياس بن أبي رملة قال: شهدت مع معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدتَ مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم! قال فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: (من شاء أن يصلي فليصلّ) [١٢] . ب- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان؛ فمن شاء أجزأه من الجمعة؛ وإنّا مُجمِّعون) [١٣] . ج- عن عطاء قال: (صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدنا، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة) [١٤] . وبناء على ما سبق فإن من صلى العيد تكفيه عن الجمعة على الصحيح، ولكن بعض العلماء اشترط أن يصلي الظهر؛ لأن فرض الظهر لا تسقطه صلاة العيد، ويعكر على هذا فعل ابن الزبير وتصويب ابن عباس له، وأجابوا عنه بأنه لا يمنع أن يكون ابن الزبير صلى في بيته فرض الظهر، والأحوط أن يصلي الظهر. والله أعلم. ثاني عشر: أحكام خطبة العيد: ١- حكم حضورها: حكم حضورها سنة على الصحيح لحديث عطاء عن ابن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: (إنا نخطب؛ فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب) [١٥] . ٢- خطبة أم خطبتان؟ ذكر الفقهاء أنه يخطب خطبتين يجلس بينهما لحديث جابر قال: (خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى فخطب قائماً، ثم قعد قعدة ثم قام) وهذا حديث ضعيف [١٦] . والذي يظهر أنها خطبة واحدة لما روى جابر ﵁: (قام النبي - ﷺ يوم الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكّرهن وهو يتوكأ على يد بلال..) [١٧] . فذكر في هذا الحديث خطبة واحدة، ولا يمكن أن تعد موعظة النساء خطبة ثانية؛ لأنه إنما نزل إليهن ليسمعهن موعظته؛ إذ المتصور كثرة الجمع في العيد مما يجعل النساء في بُعد عنه لا يسمعن خطبته. قال الشيخ العثيمين: ومن نظر في السنة المتفق عليها في الصحيحين وغيرها تبين له أن النبي ﷺ لم يخطب إلا خطبة واحدة [١٨] . ٣- التكبير في الخطبة: وفيه مسألتان: أ- افتتاح الخطبة بالتكبير: الأولى بتسع والثانية بسبع؛ لما روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (السنة التكبير على المنبر يوم العيد؛ يبتدئ خطبته الأولى بتسع تكبيرات قبل أن يخطب، ويبدأ الآخرة بسبع) [١٩] وعبيد الله تابعي، وهذا اجتهاد منه رحمه الله تعالى وإلا فإن السنة أن يفتتحها بحمد الله تعالى. قال شيخ الإسلام: لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبة بغير الحمد لا خطبة عيد، ولا خطبة استسقاء، ولا غير ذلك [٢٠] . قال ابن القيم: وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير [٢١] . وقال أيضاً: وأما قول أكثر الفقهاء: إنه يفتتح خطبة الاستقساء بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيه سنة عن النبي ﷺ البتة، وسنته تقتضي خلافه وهو افتتاح جميع الخطب بـ (الحمد لله) . اهـ[٢٢] . ب- التكبير في تضاعيف الخطبة وفيه حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن: حدثني أبي عن أبيه عن جده قال: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين) وهو حديث ضعيف [٢٣] . ومن قال بامتداد وقت التكبير إلى ما بعد خطبة العيد فللتكبير في أضعافها وجه، ومن اعتبر أنه من جملة الذكر المحمود في الخطبة فحسن، لكن الإشكال في تخصيص خطبة العيد به دون غيرها، ولعلهم يستأنسون بقول الزهري: كان الناس يكبرون في العيد حيث يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى حتى يخرج الإمام، فإذا خرج سكتوا، فإذا كبر كبروا) [٢٤] ولكن هذا في الصلاة ولا يدل على التكبير في الخطبة. ٤- موضوع الخطبة: جاء في حديث أبي سعيد ﵁ قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول ما يبدأ به الصلاة ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف) [٢٥] . واستحسن جمعٌ من الفقهاء أن يكون موضوعها في الفطر عن الفطرة وثوابها، وقدر المخرَج وجنسه وعلى من تجب.. وفي الأضحى عن الأضحية وأحكامها [٢٦] ، وذكر الأضحية في الأضحى جيد، وأما ذكر الفطرة فلا فائدة منه؛ لأن وقتها انتهى بالصلاة، والحديث لم يخصص شيئاً، بل يعظهم بما يناسب الحال ويصلح المآل. ٥- موعظة النساء: السنة أن يخصص للنساء موعظة لما جاء في حديث جابر ﵁: (.. فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكّرهن وهو يتوكأ على بلال) [٢٧] . السنن والمندوبات في العيد: أولاً: التكبير في العيد: يستحب للناس التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم مسافرين كانوا أو مقيمين؛ لظاهر الآية: [وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ] [البقرة: ١٨٥] [٢٨] ، ويكبرون في الطريق إلى العيد، ويرفعون أصواتهم به، وقد جاء فيه آثار كثيرة جداً عن الصحابة والتابعين [٢٩] . والنساء يكبرن ولكن بخفض الصوت، لما جاء في حديث أم عطية: (..حتى نخرج الحُيّض فيكُنّ خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم ويدعنّ بدعائهم ... ) [٣٠] . ثانياً: الغسل والزينة: قال البخاري: باب في العيد والتجمل فيه، ثم ساق فيه حديث ابن عمر ﵄ قال: (أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ابتع هذه تجمّل بها للعيد والوفود ... ) الحديث [٣١] . قال ابن قدامة: وهذا يدل على أن التجمل عندهم في هذه المواضع كان مشهوراً [٣٢] . وكان ابن عمر يلبس في العيد أحسن ثيابه [٣٣] . وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد [٣٤] . وفي الغسل ورد أن ابن عمر ﵄ كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى [٣٥] . والتجمل يكون في اللباس والهيئة من إحفاء الشوارب وتقليم الأظافر ولبس أحسن الثياب؛ وذلك يختلف باختلاف الناس واختلاف البلاد [٣٦] . ثالثاً: الأكل قبل العيد: أ- قال أنس بن مالك ﵁: (كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات) وفي رواية: (ويأكلهن وتراً) [٣٧] . ب- وفي لفظ آخر قال أنس: (ما خرج رسول الله ﷺ يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً) [٣٨] قال الحافظ: وهو صريح في المداومة على ذلك [٣٩] . ج- وعن بريدة ﵁: (أن النبي ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم النحر حتى ينحر) [٤٠] . فدلت الأحاديث السابقة على أنه كان يداوم على الأكل في الفطر قبل الصلاة، ويؤخر الأكل يوم النحر حتى ينحر ليأكل من أضحيته. قال الإمام أحمد: وإذا لم يكن له ذبح لم يبالِ أن يأكل [٤١] . وقال ابن المنير: وقع أكله- في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها [٤٢] . وتلمّس الحافظ بعض الحِكَم لتعجيل الأكل يوم الفطر، ومنها: ١- حتى لا يظن اتصال الصيام إلى صلاة العيد. ٢- المبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى بالفطر [٤٣] . ويرى بعض العلماء أنه لو أكل التمرات بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر حصل المقصود؛ لأنه أكلها في النهار، والأفضل إذا أراد الخروج للعيد [٤٤] . رابعاً: التبكير في الخروج للعيد: أ- قال الله تعالى: [فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ] [المائدة: ٤٨] . والعيد من أعظم الخيرات، وقد دلت النصوص على فضيلة التبكير إلى الجماعات والجمعات، والدنو من الإمام، وفضيلة الصف الأول؛ والعيد يدخل في ذلك. ب- قال البخاري: باب التبكير إلى العيد، ثم ساق حديث البراء رضي الله عنه قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ... ) [٤٥] . قال الحافظ: هو دال على أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غير التأهب للصلاة والخروج إليها، ومن لازِمِهِ أن لا يُفعَل قبلها شيءٌ غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها [٤٦] . خامساً: خروج النساء والصبيان: أ- أما النساء ففيه حديث أم عطية: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق وذوات الخدور، فأما الحُيّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين [٤٧] . ويجب عليهن التستر وعدم السفور والطيب والزينة التي فيها فتنة للرجال، وذلك لنصوص أخرى ليس هذا مجال سردها. ولم يُصِبْ من رأى منعهن في الأزمنة المتأخرة لكثرة الفساد، ولو حصر المنع في السافرات المتساهلات بالحجاب لكان صحيحاً، أما التعميم فلا؛ لأمرِ النبي؛ حتى قال شيخ الإسلام: وقد يقال بوجوبها على النساء [٤٨] . ب- وأما خروج الصبيان فقد بوّب عليه البخاري ثم ساق حديث ابن عباس ﵄: خرجت مع النبي ﷺ يوم فطر أو أضحى فصلى ثم خطب [٤٩] ... وفي رواية: (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) [٥٠] أي لولا منزلتي عند النبي ﷺ ما شهدته. واشترط ابن بطال في خروج الصبي أن يضبط نفسه عن العبث، وأن يعقل الصلاة ويتحفظ مما يفسدها.. وتعقبه الحافظ: بأن مشروعية إخراج الصبيان إلى المصلى إنما هو للتبرك وإظهار شعائر الإسلام بكثرة من يحضر منهم، ولذلك شرع للحُيّض؛ فهو شامل لمن تقع منهم الصلاة أو لا [٥١] . سادساً: المشي إلى المصلى: جاء في المشي إلى المصلى ثلاثة أحاديث مرفوعة وكلها ضعيفة كما قال الحافظ [٥٢] ، وورد عن علي ﵁ قوله: (من السنة أن يأتي العيد ماشياً) [٥٣] قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً، وأن يأكل شيئاً قبل أن يخرج.اهـ[٥٤] . وفي سُنّية المشي إلى العيد حديثان مرسلان صحيحان عن ابن المسيب والزهري [٥٥] . قال مالك: نحن نمشي ومكاننا قريب، وإن بَعُدَ ذلك عليه فلا بأس بالركوب [٥٦] . وقال أحمد: يستحب أن يذهبوا رَجّالة إلى العيدين والجمعة [٥٧] . وقال ابن المنذر: المشي إلى العيد أحسن وأقرب إلى التواضع ولا شيء على من ركب [٥٨] . سابعاً: التهنئة بالعيد: أ- عن جبير بن نفير قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منا ومنك) [٥٩] . ب- وعن محمد بن زياد الألهاني قال: (كنت مع أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك) [٦٠] . وصيغة التهنئة بالعيد تكون بحسب عرف أهل البلد ما لم تكن بلفظٍ محرم أو فيه تشبه بالكفار؛ كأن يأخذ ألفاظ تهنئتهم بعيدهم. ثامناً: مخالفة الطريق: روى جابر ﵁: (كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق) [٦١] . وفعله ﷺ تلمّس له العلماء حِكَماً عديدة جمع الحافظ منها أكثر من عشرين حكمة [٦٢] . وذكر منها: ١- لإظهار شعائر الإسلام. ... ٢ - ليشهد له الطريقان. ٣- لإظهار ذكر الله -تعالى-. ٤- لإغاظة المنافقين أو اليهود. ٥- السلام على أهل الطريقين. ... ٦- أو تعليمهم. ٧- أو الصدقة. ... ... ... ٨- أو ليصل رحمه. قال ابن القيم بعد ذكر عدد من الحِكَم: وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كله ولغيره من الحِكَم التي لا يخلو فعله عنها [٦٣] . تاسعاً: الفرح بالعيد: أ- روت عائشة ﵂: (دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي؟ ! فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: (دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا) [٦٤] وفي رواية: (تغنيان بدف) [٦٥] . قال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم من بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أوْلى، ومنه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين [٦٦] . فتأمل فضل الله تعالى: يفرح المسلمون بالعيد ويؤجرون على هذا الفرح؛ لأنه من شعائر الدين. ولكن ليُعلمْ أن هذا الفرح يجب أن يكون في حدود المشروع، وأما إشغال الأعياد بالمنكرات والغناء فليس من الفرح المشروع بل من نزغ الشيطان، ألا تراه في الرواية الأخرى قال: (تغنيان بدف) فيقتصر على ذلك، والزيادة عليه ممنوعة لنصوص أخرى ليس هنا مجال ذكرها. ب- اجتماع الناس على الطعام في العيد سنة؛ لما فيه من إظهار هذه الشعيرة العظيمة، قال شيخ الإسلام: جمع الناس للطعام في العيدين وأيام التشريق سنة وهو من شعائر الإسلام التي سنها رسول الله [٦٧] .

стр. 3006

مراجعات في السيرة والتاريخ أحداث بيعة العقبة الثانية رؤية إدارية وتربوية (٢ /٢) جمال الحوشبي في السيرة النبوية دروس وعبر لكل من يتأملها، وقد كنا في الحلقة السابقة مع رؤية إدارية وتربوية طرحها الكاتب في أحداث بيعة العقبة الثانية؛ حيث تناول عوامل نجاح ذلك الاجتماع الموفق من خلال رواية كعب بن مالك ﵁ ثم ذكر الجوانب المهمة من الاجتماع بادئاً بإيضاح المهارة القيادية الفذة وملامحها. ويواصل بقية الموضوع. ... ... ... ... ... - البيان - ثانياً: جودة اختيار مكان الاجتماع: لاختيار المكان المناسب أبلغ الأثر في نجاح الاجتماعات واللقاءات الدعوية؛ ولذا كانت أهميته في فترة الدعوة السرية بمكة واضحة؛ حيث كان الاختيار المناسب لمكان اللقاء برسول الله ﷺ هو دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ لأنه كان عَزِباً فلا يشق عليه ذلك، كما كان قريباً من الكعبة؛ ولأن الأرقم لم يكن في ذلك الوقت معروفاً كغيره من أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما. وفي العقبة كان لاختيار المكان أبلغ الأثر في إنجاح هذا الاجتماع التاريخي العظيم، وبيان ذلك على النحو الآتي: ١- كان مكان اللقاء في الشّعب من منى والشعب هو: ما انفرج بين جبلين أي إن المكان كان محاطاً من ثلاث جهات أو من جهتين على الأقل. قال كعب: (فاجتمعنا في (الشعب) ننتظر رسول الله) . ٢- حُدّد لهم مكان اللقاء مسبقاً، فخرجوا جميعاً صوبه مباشرة، بخلاف ما لو كان اللقاء في مكان آخر ثم كان التحرك منه للمكان المقصود بهذا العدد الضخم! ٣- كان لدى جميع الأفراد علم تام بالمكان؛ فلم يكن ثَمّ داع لتحركهم جماعات صوبه. ٤- لم يكن المكان المرشح للقاء بعيداً عنهم؛ لأن ذلك ربما أدى إلى كشف اللقاء برمته عن التحرك إليه أو أثناء الرجوع منه؛ بل كان قريباً منهم بجانب الجمرات التي يجاورونها. وتدرك أهمية ذلك عندما نعلم أن الانطلاق للمكان ذاته لا ريبة فيه؛ لأن الرجل والرجلين ربما ذهبا هناك لقضاء الحاجة.. وهو أمر متعارف عليه ما دام في حدود منى. ٥- وعلى الرغم من وجود شعاب أخرى في منى جهة مزدلفة وفي جميع الجهات الأخرى إلا أن اختيار شعب العقبة ينم على مقدرة فائقة في حسن الاختيار؛ ذلك أنه كان الأقرب للأفراد من جهة منى والأقرب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جهة مكة؛ فهو بعيد عن أنظار الحجاج من أهل منى، كما أنه الأبعد عن أنظار المشركين من قريش؛ أضف إلى ذلك المجازفة التي ربما أفسدت الاجتماع لو كان هذا الشِّعب من جهة المزدلفة مثلاً! ثالثاً: الدقة في تحديد الزمان: يراعى قبل عقد الاجتماع التقيد بموعد البدء، وكذلك بزمن الانتهاء، وبالمدة التي يستغرقها الاجتماع. وعند اختلال أحد هذه الأقسام الثلاثة من الزمن أو الغفلة عنها يحدث الخلل في بنية الاجتماع وتذهب قيمته. وفي هذا الاجتماع الكبير روعي بعناية قضية (زمن اللقاء) من حيث: توقيت ليلة اللقاء. والدقة في تحديد الساعة التي يبدأ فيها التحرك إلى المكان. وتوقيت زمن اللقاء وتحديد المدة التي يستغرقها. وأخيراً توقيت موعد الانتهاء وساعة الانصراف. وبيان ذلك على النحو الآتي: ١- بالنسبة لتوقيت اليوم أو الليلة: اختير الليل بدلاً من النهار وذلك لهدوئه ولستره، ولما يكون فيه من سكون، وما يصحبه من بيات الحجاج بمنى وكذلك أهل مكة. ٢- في قول كعب ﵁ (فواعدنا رسول الله ﷺ العقبة أوسط أيام التشريق ... ) يَرِدُ تساؤلٌ مهم وهو: هل من حكمة في اختيار هذا اليوم من أيام التشريق؟ بمعنى: لو كان موعد اللقاء قبل موسم الحج أي في التاسع والعشرين أو الثلاثين من ذي القعدة مثلاً.. هل سيغير ذلك من الأمر شيئاً؟ والواقع أن هذا الاختيار الحكيم كان الأنسب؛ إذ ينم عن مقدرته القيادية الفذة؛ ويمكننا تلمّس بعض الحِكَم من جرّاء اختيار هذا اليوم.. ومنها: أن أوسط أيام التشريق يعني عدم وجود فترة زمنية طويلة بعده ربما ساعدت في كشف هذا اللقاء واتخاذ التدابير الوقائية ضده قبل استفحال أمره، فلا فرصة إذن لدخول هذا الاحتمال بعد اختيار هذه الليلة؛ لأنه ليس بعدها إلا الرحيل، بخلاف ما لو كان الموعد قبل ذلك. أن أيام منى ولياليها وبخاصة الليالي الأخيرة تكون أدعى للراحة والتفرغ من الأشغال المادية والنفسية؛ نظراً لانتهاء أعمال الحج؛ ولو كان الموعد قبل ذلك لكانت الهمم مشغولة بما سيدهمها من أعمال الحج الكثيرة، ولربما أنستها هذه الأعمال كثيراً من البنود الرئيسة التي كانت في الاجتماع لو كان عقد قبل اليوم الثامن يوم التروية وكذلك الحال لو كان اللقاء أثناء الحج، أي في اليوم الثامن أو التاسع أو العاشر.. أضف إلى ذلك صعوبة النتسيق بزمان أو مكان معين لتنقّل الحجاج لزاماً من هنا إلى هناك كلهم؛ فلا جدوى في الواقع من الانزواء عنهم في المكان ذاته والزمان نفسه لعقد مثل هذه البيعة التي تتطلب جواً خاصاً. ومما يظهر الدقة في تحديد هذه الليلة أنه حتى لو كشف الأمر فيما بعدُ فلا يمكن للمشركين سواء بمكة أو المدينة فعل شيء؛ لأن الفترة المتبقية قصيرة بين عقد الاجتماع وبين موعد الرحيل، فلا يكفي لتحديد هوية الأفراد جميعاً أو تحديد هدف الاجتماع؛ وهذا ما تم بالفعل عندما تنطست [*] قريش الخبر وتأكد لها عقد ذلك الاجتماع؛ إذ كان الركب قد تجهّز للرحيل، ولم يتمكن كفار مكة إلا من اللحاق برجلين، أما أحدهما وهو المنذر بن عمرو فقد أعجزهم، وأما الآخر وهو سعد بن عبادة فأسروه عندهم ثم تم إطلاقه بخلاف ما لو كان موعد اللقاء قبل أعمال الحج أو أثناءه. كان اختيار هذه الليلة دقيقاً كذلك؛ لأنها كانت من الليالي المقمرة التي يمكن فيها رؤية الوجوه، ومعرفة ملامحها، ويسهل على الناظر فيها معرفة ردود الأفعال من وجوه الحاضرين، ومعرفة أسنان الحضور وهيئاتهم.. حتى قال العباس في تلك الليلة: (هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث) بعدما نظر في وجوه الوفد؛ وما كان له ليستنتج ذلك لولا وضوح الرؤية في تلك الليلة المقمرة. أضف إلى هذه المسوغات أن هذا الوفد المبارك القادم من المدينة جاء أصلاً لرؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- والنظر إلى وجهه الشريف. ٣- إذا كان اختيار ليلة اللقاء قد تم بهذه الدقة العجيبة؛ فالأعجب منها هو توقيت الساعة المحددة للانطلاق نحو المكان في هذه الليلة؛ وبخاصة إذا علمنا عدم وجود أي وسائل معينة على هذا التحديد الدقيق كالساعات المعاصرة! ! إن هذا الأمر بحق بعيداً عن كل تهويل فوق ما يتصوره كبار القادة والمخططين لو أنهم اطلعوا على مجريات أحداثه؛ إذ كيف يُتَصوّر خروج هذا العدد الضخم في وقت واحد من هذه الليلة حتى إنه لم يتأخر منهم أحد ولا توجد لديهم في ذلك الوقت أي وسيلة مادية تساعدهم على ذلك؟ ! لقد كان المقرر عندهم أن يبدؤوا بالخروج من خيامهم كل بمفرده بعد مضي ثلث الليل (بالضبط) كما قال كعب: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلّل تسلل القطا مستخفين. ولك أن تقف قليلاً مع قوله: (نمنا) ليتأكد أن التوقيت المحدد للانطلاق كان بعد هجوع أهل منى وفي غفلة منهم.. وهذا يعني ذهاب قدر من الليل. ٤- بلغ التنظيم للاجتماع قمته حين قدم النبي ﷺ وعمه العباس من مكة بعد اكتمال العدد (تماماً) لتبدأ عندها فعاليات الاجتماع. وهذا درس في التخطيط والترتيب حري بالدعاة أن يفيدوا منه عند تنظيم لقاءاتهم واجتماعاتهم التربوية. ٥- تم تحديد المدة التي يستغرقها الاجتماع بدقة، ولم يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر حتى يضيق بهم الوقت مع انبلاج الصبح.. بل إن في السياق ما يفيد أنهم وصلوا قبل الفجر بزمن كاف حتى إنهم تمكنوا من النوم. وهذا يدل على أن المدة التي استغرقها الاجتماع لم تكن طويلة؛ فلم يحبسهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اللقاء حتى يضيق بهم الوقت، ولم يكثر عليهم من الكلام خلاله؛ بل لقد كان هو أقلهم كلاماً بعدما تأكد له نجاح الاجتماع بعد عقد البيعة.. كل ذلك منه ﷺ مراعاة للظرف المحيط بهم. ولما أمرهم في ختام الاجتماع بالانصراف كرر ذلك عليهم مراراً. قال كعب: (فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا) . ومما ساعد في ضبط المدة المحددة لزمن اللقاء اتخاذه ﷺ قرار اختيار النقباء لتسهل البيعة عن طريقهم، وكذا تهدئته للوضع من حوله فكان يرد باختصار ويوجه ويحذر ويثني خيراً. رابعاً: ضبط عدد الأفراد المشاركين في الاجتماع، وطريقة تنقّلهم: كثيراً ما تخفق الاجتماعات الدعوية بسبب الفوضى الناجمة من عدم تحديد أفراد تلك الاجتماعات أو ضبطها أو مراعاة خصوصيتها. ولو لم يكن من فوائد لتحديد عدد أفراد الاجتماع إلا ضمان استمراره وتحقيق أهدافه لكان كافياً للاهتمام به؛ فكيف إذا كانت الفوائد أكثر من هذا، وضرورة هذا التحديد تظهر بعد إخفاق العديد من اللقاءات الدعوية التي لم يراع فيها هذا الجانب؟ ! ويُعَد تصنيف الاجتماعات من حيث العدد في هذا العصر ضرورياً لتعلقه بالهدف الذي يُعقد من أجله الاجتماع؛ فهناك: الاجتماع الثنائي، والثلاثي، وهناك المتوسط والكبير وغيرها من التصنيفات. كل ذلك زيادة في التأكيد على خصوصية الاجتماعات. وفي هذا الاجتماع العظيم لم يكن المجال مفتوحاً ليشارك فيه كل أحد، بل لقد ضبط العدد من قبل أن يغادروا المدينة، وكلف رسول الله ﷺ مصعب بن عمير لينسق هذا الأمر، وكان قد توجه قبلهم إلى مكة ليخبر رسول الله- ﷺ بالأمر، ثم كانت له اتصالاته الخاصة بهم في منى وبخاصة مع أميرهم: البراء بن معرور. وعموماً: تميّز جانب ضبط أفراد اللقاء والتنسيق لطريقة تنقّلهم من وإلى مكان الاجتماع بشيء كثير من الدقة، والحنكة الإدارية. وبيان ذلك فيما يلي: ١- كانت الطريقة المعمول بها في تنظيم حضور الأعضاء إلى هذا الاجتماع تقتضي أن يأتوا أرسالاً كل بمفرده أو مع رفيقه، ولم يكن هناك مجال لدخول (أو) هذه؛ فقد حُدّدَ مسبقاً أن يبيت كل اثنين معاً وكل ثلاثة معاً في خيمة يشاركون فيها بقية المشركين من وفد حجاج المدينة. ثم في الليلة المحددة وفي الساعة المعينة وفي لحظة واحدة من الليل تخرج كل رفقة معاً إلى المكان المحدد لعقد الاجتماع. ٢- كما تميّزت طريق تحركهم بالعجب؛ فقد كانت الكيفية التي يخرجون بها أعجب؛ لأن الخروج من مجمع الناس بمنى من مواقع متفرقة وبأسلوب خفي يتطلب قدراً من الخفة والهدوء، ولذا شبه كعب خروج الواحد منهم متسللاً في جنح الظلام بخروج (طير القطا) من وكره، وهو نوع من الطير يتميز بالخفة والهدوء في الحركة. ٣- لك أن تعجب من حضور العدد جميعه اثنان وسبعون عضواً بينهم امرأتان لا يزيدون ولا ينقصون: لم يعتذر عن الحضور منهم أحد، ولم يستغرق في النوم منهم أحد، ولم يصل أحد منهم متأخراً عن الموعد المحدد للقاء ليربك الجميع في ذلك المكان، كما لم يُفشِ أحد منهم خبر هذا الاجتماع لأحد، ولم يتجرأ أحد منهم على إحضار شخص آخر لم يكن مقرراً من ضمن ذلك العدد المحدود. ٤- إذا أدركت مدى الدقة في مجيء هؤلاء الأفراد من منى إلى مكان الاجتماع، وكيف خرج هذا العدد الهائل كل من مكانه دون أن يعلم بهم أحد من أهل منى؛ فالأمر الذي يدعو حقاً للتأمل هو: كيف عادوا إلى مضاجعهم؟ لأن الخروج الفردي أسهل؛ لكن العودة الجماعية أشق وأدعى لزيادة الحذر! لكنهم بالفعل عادوا ولم يدرِ عنهم أحد حتى من رفاقهم المشركين الذين كانوا معهم في الخيام والذين حلفوا الأيمان المغلّظة في اليوم التالي: ما حدث البارحة شيء! ومعلوم أن منى في تلك الليالي كانت محاطة بتجار من أهل مكة وغيرهم، وفيها أماكن مكشوفة للأنظار. وهذا النجاح ما كان ليتم لولا توفيق الله وتأييده، ثم الدقة في الترتيب والتحضير للقاء، والدقة في إنهائه في الوقت المحدد له. حدث مفاجئ: في خضم سياق هذا الحدث العجيب، وفي غمرة هذا الإعداد والترتيب للاجتماع حدث أمر (طارئ) كاد أن يقلب الموازين ويؤدي إلى إخفاق اللقاء برمته.. تمثل ذلك في إدخال عضو غريب في اللقاء المحدد من غير أن يكون مرتباً له من قبل ليكون من ضمن المشاركين. ذلك العضو هو (عبد الله بن عمرو بن حرام) أبو جابر الذي كان مشركاً وقت إيذانه بخبر اللقاء. إن تصرفاً كهذا كفيل بنسف الاجتماع لو كان في حقيقة أمره حدثاً مفاجئاً أو طارئاً كما يظن بعضهم عند القراءة العابرة لأحداث القصة في قول كعب: (فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا ... ) إلى آخر كلامه. ولربما بدر لذهن القارئ تساؤلات ملحة: ألا يرد في هذا الحدث الخطير احتمال إخبار عبد الله بن عمرو بن حرام بقية القوم أو امتناعه عن الحضور مكيدة، ثم مباغتة القوم في مكانهم مع رسول الله ﷺ بمساعدة بقية أهل منى وأهل مكة من المشركين؟ ثم ما جدوى إدخال عضو جديد وغريب ما دام العدد متفقاً عليه مسبقاً ولا علم للقائد بهذا التصرف الفردي الطارئ؟ ! إن تصرفاً كهذا كما ذكرت تصرف خطير يؤدي إلى تعطيل اللقاء لو كان مفاجئاً أو طارئاً.. لكن شيئاً من ذلك لم يكن.. فهو ليس تصرفاً فردياً لا علم للقيادة به، ثم إن الدعوة لم تكن لفرد عادي مجهول الحال عند من قام بإخباره؛ ويؤكد ذلك عدة أمور: أ- أن كعب بن مالك أعاد الأفعال كلها إلى صيغة الجماعة، ولم ينسب ذلك لفرد واحد بعينه في قوله: (واعدنا رسول الله.. ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام.. أخذناه معنا.. وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه.. حتى قوله: وأخبرناه بميعاد الرسول ﷺ إيانا العقبة..) وهذا يدل أن هناك إعداداً مسبقاً لهذا الأمر مع أمير القوم البراء بن معرور الذي تولى هو وصفوة القوم مهمة الحديث مع عبد الله بن عمرو بن حرام حتى أقنعوه. ب- أنهم لم يخبروه مباشرة بالميعاد ولا بالساعة المحددة، وإنما أخروا عنه ذلك حتى استوثقوا من إسلامه. ج- لقد كان عندهم علم مسبق أو غلبة ظن بشخصية عبد الله بن حرام؛ ولهذا وقع عليه الاختيار وحده من بين وفد المشركين كله. ولعلمهم أنه حتى لو لم يوافق على الحضور معهم فإنهم لمكانته عندهم يأمنونه.. تماماً كما أمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمه العباس الذي كان لا يزال مشركاً وقتها. د- لا بد من معرفة توقيت إخباره بالموعد؛ لأن هذا له دور كبير. ومن السياق يتبين لنا أنهم اختاروا الوقت المناسب لإخباره حتى يضعوه أمام الأمر الواقع الذي لا يمكنه معه التحرك لفعل أي شيء.. لقد أخبروه في ليلة اللقاء ذاتها. هـ من أسلوب العرض الذي وُجّه له يتبين لنا مكانة عبد الله بن عمرو بن حرام في قومه وحرصهم عليه، وشفقتهم أن يفوته هذا الخير. ولهذا قالوا له بلسان المشفق الناصح: (يا أبا جابر! إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً..) . و أنهم كرهوا ردة فعله بعد اللقاء لو أنه علمه فيما بعد لمكانته الرفيعة في قومه، ولما تميز به من رأي راجح بينهم. ويؤكد ذلك أنهم جعلوه نقيباً من ضمن النقباء الاثني عشر بعدما أسلم وانضم معهم وشهد البيعة. كل ذلك يؤكد لنا أن أمر هذا الاجتماع سار وفق المعايير المحددة له.. ولم تكن في أي حلقة من حلقاته فرصة لحدوث أمر طارئ أو مرتجل من قِبَلِ الأفراد أنفسهم. ولأهمية هذه البيعة، ولما ترتب عليها من نتائج قريبة وبعيدة فقد كان للمبايعين فيها وفي التي قبلها فضل لا يكاد يقل عما لأهل بدر والهجرتين، وبيعة الرضوان، من شرف وفضل. رضي الله عن الصحابة أجمعين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 3007

فتاوى أعلام الموقعين النظرة سهم من سهام إبليس شيخ الإسلام ابن تيميةِ قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر نحن في عصر مليء بالشهوات المحرمة والمغريات الفاتنة، ومن ذلك الصورة المحرمة المنتشرة في كل ناحية وزاوية، فلا تكاد تقع عينك على مجلة أو جريدة أو تلفاز أو سوق إلا وقد مرض قلبك وتكدّر إيمانك بسبب نظرة محرمة. والله المستعان. إن الكثيرين منا لا ينفكون عن النظر المحرم أو بعبارة أخرى لا يكاد يسلم الكثير من سهم مسموم من سهام إبليس، وقد سطر يراع شيخ الإسلام ابن تيمية جواباً موجزاً وبلسماً شافياً في علاج هذا الداء العضال. ولما كانت السيئة تقول: أختي أختي.. فإن النظرة الأولى تتبعها النظرة الثانية وهكذا ... وقد يلبّس الشيطان على البعض؛ فإذا فُتِن بالنظرة الأولى وزيّن له التداوي بنظرة أخرى فهل يسوغ ذلك؟ لقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الشبهة من عدة أوجه. سئل الشّيخ الإمَام العَالم العَلاّمة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه عمن أصابه سهم من سهام إبليس المسمومة؟ فأجاب: من أصابه جرح مسموم فعليه بما يُخرج السم ويبرئ الجرح بالترياق والمرهم؛ وذلك بأمور: منها: أن يتزوج أو يتسرى؛ فإن النبي ﷺ قال: (إذا نظر أحدكم إلى محاسن امرأة فليأت أهله؛ فإنما معها مثل ما معها) وهذا مما ينقص الشهوة، ويضعف العشق. الثاني: أن يداوم على الصلوات الخمس، والدعاء، والتضرع وقت السحر. وتكون صلاته بحضور قلب وخشوع. وليكثر من الدعاء بقوله: (يا مقلّب القلوب ثَبّتْ قلبي على دينك! يا مصرّف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) فإنه متى أدمن الدعاء والتضرع لله صرف قلبه عن ذلك، كما قال تعالى: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] [يوسف: ٢٤] . الثالث: أن يبعد عن مسكن هذا الشخص، والاجتماع بمن يجتمع به؛ بحيث لا يَسمع له خبراً، ولا يقع له على عين ولا أثر؛ فإن البعد جفاء، ومتى قلّ الذكر ضعف الأثر في القلب. فليفعل هذه الأمور، وليطالع بما تجدد له من الأحوال. والله أعلم) [١] . وسئل ابن القيم ﵀: ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرةً فعلق حبّها بقلبه، واشتدّ عليه الأمر، فقالت له نفسه: هذا كله من أوّل نظرةٍ فلو أعَدْتَ النظرَ إليها لرأيتَها دون ما في نفسك فسلوتَ عنها، فهل يجوز له تعمّدُ النظر ثانياً لهذا المعنى؟ فكان الجواب: الحمد لله. لا يجوز هذا لعشرة أوْجُهٍ: أحدها: أن الله سبحانه أمر بغضّ البصر، ولم يجعل شفاء القلب فيما حرّمه عَلى العبد. الثاني: أن النبي ﷺ سئل عن نظر الفَجْأَة، وقد علم أنه يؤثّر في القلب فأَمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر. الثالث: أنه صرّح بأن الأولى له وليست له الثانية، ومحالٌ أن يكون داؤه مما له ودواؤه فيما ليس له. الرابع: أن الظاهر قوةُ الأمر بالنظرة الثانية لا تناقُصُهُ؛ والتجربةُ شاهدةٌ به، والظاهر أن الأمر كما رآه أولَ مرّةٍ فلا تحسنُ المخاطرة بالإعادة. الخامس: أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه فزاد عذابُه. السادس: أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه فيزين له ما ليس بحسنٍ لِتَتِمّ البلية. السابع: أنه لا يُعَانُ على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع وتداوى بما حرّمه عليه، بل هو جديرٌ أن تتخلف عنه المعونة. الثامن: أن النظرة الأولى سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس، ومعلومٌ أن الثانية أشدّ سمّاً؛ فكيف يتداوى من السمّ بالسمّ؟ التاسع: أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق في ترك محبوبٍ كما زعم، وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبيّن حال المنظور إليه، فإن لم يكن مرضيّاً تركه، فإذاً يكون تركُهُ؛ لأنه لا يلائم غرضَه لا لله تعالى فأين معاملةُ الله سبحانَهُ بترك المحبوب لأجله؟ العاشر: يتبين بضرب مَثَلٍ مطابقٍ للحال وهو أنك إذا ركبتَ فرساً جديدة فمالت بك إلى درْبٍ ضيق لا ينفذُ ولا يمكنها تستدير فيه للخروج، فإذا همّت بالدّخول فيه فاكبحها لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوةً أو خَطوتين فَصِحْ بها ورُدّها إلى وراء عاجلاً قبل أن يتمكّن دخولُها، فإن رَدَدْتها إلى ورائها سَهُل الأمر، وإن توانيت حتى ولَجَت [٢] وسُقْتَهَا داخلاً ثم قمت تَجْذِبها بذَنبها عَسُر عليك أو تعذّر خروجُها، فهل يقول عاقل: إن طريق تخليصها سَوْقها إلى داخل؟ فكذلك النظرة إذا أثّرت في القلب، فإن عَجِل الحازمُ وحَسَم المادّة من أوّلها سَهُل علاجُه، وإن كرّر النظر ونقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلبٍ فارغٍ فنقشها فيه تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة؛ فلا تزال شجرة الحب تَنْمى حتى يفسد القلب ويُعْرضَ عن الفكر فيما أُمِر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكابَ المحظورات والفتن، ويلقي القلب في التلَف. والسببُ في هذا أن الناظر التذّت عينُه بأوّل نظرة فطلبت المعاودة، كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة، ولو أنه غضّ أوّلاً لاستراح قلبُه وسَلِم، وتأمّل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (النظرةُ سهْمٌ مَسْمُومٌ مِن سِهَامِ إبْلِيسَ) [٣] فإن السّهْمِ شاًنُه أن يسريَ في القلب فيعمل فيه عمل السمّ الذي يُسْقَاه المسمومُ، فإن بادر واسْتَفْرَغَه وإلا قتله ولابدّ) [٤] .

стр. 3008

تأملات دعوية القصة وسيلة دعوية عبد الله المسلم إن من يقرأ كتاب الله ﵎ يجد أن القصة تتكرر فيه في مواطن عدة، ويتجاوز الأمر إيراد القصة وتكرار ذلك إلى: - الامتنان على النبي ﷺ بأن أنزل إليه أحسن القصص: [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ] [يوسف: ٣] . - الإخبار بأن القصص سبب لتثبيت فؤاد النبي ﷺ : [وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ] [هود: ١٢٠] . - الأمر بقص القصص: [فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] [الأعراف: ١٧٦] . - الأمر بالاعتبار بما قص الله في كتابه: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] . [يوسف: ١١١] . ولقد اعتنى ﷺ بشأن القصص، فحفظت لنا دواوين السنة طائفة من قصه ﷺ عليهم من قصص الأمم الماضية وأخبارهم. ولم تكن قصص القرآن أو السنة قاصرة على أنباء الصالحين وأخبارهم، بل شملت مع ذلك قصص المعرضين والفجار للاعتبار بما أصابهم. كل ذلك يؤكد أهمية القصة ودورها التربوي الدعوي مما يجدر بالدعاة أن يعتنوا بها ويستخدموها في دعوتهم وخطابهم للناس. إنها تحمل عنصر التشويق والإثارة، ويُقبل عليها المستمع والقارئ بعناية وإنصات، وهي كذلك تقدم البرهان على تأهل المعاني المجردة إلى التطبيق على أرض الواقع، وتبرز النموذج والقدوة الصالحة، وتزيد المرء إيماناً بقدرة الله ﵎ وسائر صفاته. وتبدو أهمية ذلك بشكل أكبر في تربية الناشئة وخطابهم؛ إذ يعاني شباب المسلمين اليوم وفتياتهم من غياب القدوة الصالحة، ومن بروز النماذج والقدوات السيئة والإعلاء من شأنها وتبجيلها لدى الناس. ومع أهمية القصة وعلو شأنها إلا أنه ينبغي أن يراعى في ذلك أمور عدة، منها: - أن تُعرَض وتُستخدَم في الخطاب بالقدر المعقول؛ فلا تكون هي اللغة الوحيدة في الخطاب، أو تكون على حساب غيرها. - الحذر من القصص الواهية والأخبار التي لا زمام لها ولا خطام؛ إذ إن النفوس كثيراً ما تتعلق بالغرائب وتجنح إليها، والقليل منها هو الذي يثبت عند التحقيق والنقد العلمي. - أن تأخذ أخبار النبي ﷺ وقصصه، وأخبار الرعيل الأول من سلف الأمة مكانها الطبيعي، وألا تطغى أخبار من بعدهم من المتأخرين ممن تعرف منهم وتنكر. - أن البشر مهما علا شأنهم وارتفع قدرهم، ومهما بلغوا المنازل العالية من الصلاح والتقى فلن تكون أعمالهم حجة مطلقة، بل لا بد من عرضها على هدي النبي؛ كما يروي بعضهم في مقام الصبر أن شيخاً قام يرقص على قبر ابنه حين توفي رضًى بقدر الله على حد زعمه، وخير من ذلك هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي تدمع عينه ويحزن قلبه، ولا يقول إلا ما يرضي ربه، وهديه -صلى الله عليه وسلم- القولي والعملي في النوم والقيام خير مما يروى عن بعضهم أنه صلى الفجر بوضوء العشاء كذا وكذا من السنوات، وهديه في تلاوة القرآن خير مما يروى عن بعضهم أنه يختم القرآن كل ليلة، مع التماسنا العذر لمن كان له اجتهاد من سلف الأمة في ذلك.

стр. 3009

ندوات ومحاضرات تجديد البعد العقلي د. عبد الكريم بكار الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن الشخصية مركّب فذ من الجسد والروح والنفس والعقل، ولها بعدٌ اجتماعي عظيم الأثر في وجودها. وإن كل نمو إيجابي في أي جانب من جوانبها ينعكس عليها جميعاً، كما أن أي خلل يصيب أي جانب منها يعود بالضرر عليها جميعاً. يستمد الاهتمام بالبعد العقلي نوعاً من التميز من خلال أن التفكير الجيد شرط لتنمية كل شيء في الحياة: التربية والاجتماع والاقتصاد والسياسة والعلاقات ... ويعد أي تطوير لأي جانب من جوانب الشخصية بالغ الأهمية؛ حيث إن الرؤية الإسلامية تؤسس مقولة: (الإنسان أولاً) . أضف إلى هذا أن التقدم المادي والعضوي قد يكون محدداً بأسوار تجعل المضي فيه أمراً عسيراً أو مستحيلاً، على حين أن أمداء النمو أمام البعد العقلي والروحي فسيحة جداً. إن العقل البشري نعمة عظمى من الله جل وعلا وله قدرات هائلة، هي أكثر مما يظن. ويمكن القول: إنه أشبه بعملاق نائم! وقد دلّت الدراسات النفسية والتربوية، وأبحاث الكيمياء والفيزياء والرياضيات أن ما تم استخدامه من إمكانات العقل لا يزيد على ١% من إمكاناته الحقيقية. الحاسب الآلي (كراي) حاسوب عملاق يزن سبعة أطنان، فإذا عمل بطاقة ٤٠٠ مليون معادلة في الثانية مدة مئة عام، فإنه لن ينجز سوى ما يمكن للدماغ البشري أن ينجزه في دقيقة واحدة [فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ] [المؤمنون: ١٤] . يمكن القول: إن لـ (العقل) شكلاً ومضموناً؛ فشكله تلك القدرات والإمكانات التي زوّد الله تعالى بها أدمغتنا، مثل القدرة على خزن المعلومات واسترجاعها، ومثل القدرة على التخيل والتحليل والتركيب ... وهذه متفاوتة بين الأشخاص متساوية على نطاق الأمم. ومضمون العقل منه ما يعود إلى مجموعة المبادئ الفطرية العالمية التي لا تختلف بين شخص وآخر، مثل إدراك عدم إمكانية اجتماع الضدين، وإدراك أن الكل أكبر من الجزء، وإدراك استحالة القيام بعمل خارج دائرتي الزمان والمكان. ومنه ما يعود إلى شيء مكتسب مرتبط بالثقافة السائدة، وهذا في الحقيقة يتشكل من مجموعة المفاهيم المترابطة والراسخة التي يحاول الناس من خلالها استيعاب الواقع الموضوعي وتنظيمه وتكييفه مع حاجاتهم ... وهذا النوع من المضمون مطلّ بالضرورة على مبادئ التفكير الفطرية ومرتبط بها. العقل من خلال شكله ومضمونه ينتج شيئاً نسميه: (العقلانية) . وبما أن (الثقافة) تختلف في مبادئها وقيمها وجمالياتها ورمزياتها بين أمة وأخرى، فإن المتوقع من العقلانية أن تتسم بطابع النسبية، بسبب الدور البالغ للثقافة في تكوينها. ولذا فليس ثمة عقلانية صافية أو محايدة أو مطلقة. ولعلنا نستشف هذا من النسق القرآني؛ فهو إذا جمع بين الحكمة والتي هي مركّب من الذكاء والمعرفة والإرادة والكتاب في موطن واحد، يقدّم الكتاب أولاً، وكأنه يرمي إلى ضرورة تأطير (الحكمة) بالكتاب (الوحي) حتى تكتسب نوعاً من المرجعية، وحتى تتخلص من النسبية التي تضفيها عليها الثقافة. إن بُنانا الفكرية ليست معصومة من رياح التغيير العاتية؛ فهي باعتبارٍ مّا انعكاس لما يجدّ من نظريات وآراء علمية واجتهادية مبثوثة في جميع مجالات الحياة؛ ولذا فإن علينا أن نمتلك أعلى درجة من اليقظة والحذر حتى نصون عقولنا من البرمجات الثقافية والبيئية التي تحول دون استيعاب الواقع على النحو الصحيح، ودون التطوير البعيد المدى الذي نحتاجه. شروط للتجديد: إن التجديد في أي جانب من جوانب الحياة، يتضمن دائماً نوعاً من التخلي عن بعض المألوفات، كما يرتب تكاليف جديدة، ويتطلب ضبطاً أكثر للذات، ولهذا كله كان شاقاً على النفس. إن أول شرط من شروط التجديد: هو معرفة (الثوابت) على نحو جيد، والتفريق بينها وبين (المتغيرات) وتتجلى الثوابت في الغاية الكبرى للوجود الإنساني، وفي المبادئ والقيم العليا التي نؤمن بها، إلى جانب الأحكام القطعية الواقعة خارج نطاق الاجتهاد. إن التجديد المستمر كبير التكلفة، ومفتاح معايشته هو أن يكون في داخل المرء (جوهر) يستعصي على التغيير، ويمثل الفلك الذي تدور فيه جميع المتغيرات، وتخدمه. والشرط الثاني: هو امتلاك ما يكفي من الخيال والوعي للإحساس بالنهاية التي نرنو إليها. والشرط الثالث للتجديد: أن يوقن المرء أن في إمكانه أن يغير عاداته الفكرية والنفسية والسلوكية، وذلك يتوقف على القدرة على مجاهدة الأهواء والأوهام والكسل الذهني، والإخلاد إلى المألوفات. إن التجديد للبعد العقلي يتم بالتخلص من طرق التفكير الخاطئة، وباكتشاف الإمكانات، والآفاق التي تزيد في كفاءة تصوراتنا، وتحسّن مستوى محاكمتنا العقلية؛ ولعلي أسوق من ذلك ما يسمح به الوقت على النحو الآتي: يدّعي معظم الناس أنهم قادرون على عزل أفكارهم عن مشاعرهم، وأن بإمكانهم أن يحملوا مشاعر تعاطفية نحو أمر ما على الرغم من كونهم يحملون أفكاراً سيئة عنه. والحقيقة أن أفكارنا ومشاعرنا، تتناوب التأثير والتأثر في معظم الوقت، وهناك توافق بينها. والنجاح المتوالي يوجِدُ حالة نفسية تظلل جميع حياة الفرد، وتجعله يعتقد أنه ناجح فعلاً. ويحدث العكس عندما تتوالى أحداث الإخفاق على الإنسان. في كلتا الحالتين تبدو الصورة التي نكونها عن أنفسنا كأنها الصورة الوحيدة الصحيحة، ونتصرف بعد ذلك على هدي من معطياتها. والحقيقة أن الأمر ليس كذلك؛ فحين يزور خمسة من الناس مكاناً لا يعرفونه من قبلُ، فالمألوف أن تكون لهم حياله وجهات نظر متعددة، وسيكون بعضها أكثر مطابقة للحقيقة من بعضها الآخر. كثير من الناجحين في وظائفهم أصيبوا بأمراض مزمنة كقرحة المعدة حرمتهم نعمة الاستمتاع بالحياة، وكثير منهم خسروا أنفسهم، بما أهملوه من شأن آخرتهم.... وبعض من أخفق في دراسته يملك إمكانية هائلة للنمو الحر والنجاح في ميدان تجاري أو وظيفي أو اجتماعي ... ولذا فإن من الحيوي ألا نعتقد أن النجاح الذي حققناه في أي مجال هو الذروة التي لا ذروة بعدها؛ فالمهم ليس الصعود إلى القمة، وإنما كم يمكن البقاء عليها، وألاّ يمكن أن نكون واهمين في تصورنا للقمة، وأن تكون الحقيقة غير ذلك؟ في المقابل حالات الانكسار والهزائم التي نمر بها لا تعني نهاية العالم، بمقدار ما تعني أن علينا أن نفكر بطريقة جديدة، وأن نبحث عن مجالات جديدة. ولذا كان من الضروري أن يسأل الواحد منا نفسه: كيف أستطيع أن أفكر في هذا الأمر بطريقة أخرى؟ وكيف يستطيع غيري أن ينظر إليه؟ وما وجهات النظر الأخرى حياله؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تشكل تمريناً عقلياً يحسن أن نجرّبه من وقت إلى آخر. إن الذي يحول بيننا وبين رؤية الخيارات العديدة المغايرة لما نعتقده ونفضله هو ما استقر في نفوسنا من الانحياز إلى مشاعرنا ومألوفاتنا وطرق تفكيرنا، وهذا الانحياز مصدر كبير من مصادر الحرمان من التجديد، والحرمان من مشاركة غيرنا في رؤية الأشياء على نحو أكثر رحابة. ٢- النظرة المتعمقة: إن العقل الذي وهبه الله جل وعلا لنا يتمتع بقدرات هائلة كما ذكرنا لكنه يظل في النهاية محدوداً. وأكثر الأفكار التي نمتلكها هو وليد التجربة وثمرة المعاناة، أي هو خبرة حياتية متولدة من اشتباك منظومات المعارف والرموز والمبادئ إلى جانب ألاعيب الهوى وأنماط السلطة وأشكال تحقيق المصلحة والاهتمام بالذات ... ولذا فيجب ألا نعتبرها دائماً نهائية، فصدق الأفكار يظل مرتهناً لما تسفر عنه نتائج إنزالها إلى الميدان العملي الذي كثيراً ما يفقدها تماسكها ويعيد إنتاجها من جديد على وجه الإثراء والتوسيع، أو على وجه الانتهاك والتأويل. وهذا يعني أن علينا ألا ننتظر الفوز برؤية نهائية، نسترشد بها في مواصلة البناء وتخطي العقبات؛ فالأعمال العقلية المتزايدة، لا تؤدي بالضرورة إلى تقدم عقلاني مطرد؛ فالنكوص والتراجع من الأمور الواردة بكثرة في هذا الميدان؛ بل إن للتقدم العقلي مفرزات جانبية شديدة الخطورة، ولا سيما إذا ما تأتى للعقل أن يتحرر من القيود والقيم الأخلاقية؛ ثم إن المسيرة الحضارية لا تمضي على هدي أفكار ومخططات يتخيلها مثقفون حالمون متفائلون بمستقبل البشرية على صعيد الفهم والعلم والحوار والرشد والنمو الصحيح، وإحقاق الحق، وتجسيد القيم النبيلة ... فهناك أيضاً المصالح والأهواء والشهوات والقصور الذاتي والظروف المعاكسة ... وكل ذلك يجعل من ميادين الحياة مصانع سيئة لإنتاج الأفكار وتطبيقها. وهذا يعني أن علينا حتى نستمر في التجديد العقلي أن نسعى دائماً إلى تفحّص برامجنا وقراءة أحوالنا، وإقامة علاقات نقدية مع ذواتنا وإنتاجاتنا؛ حيث النقص شيء ملازم لنا. وليس المطلوب أن تصبح المحاكمة العقلية لدينا كاملة، وإنما مداومة فضح الممارسات الفكرية الخاطئة، وكشف زغل أعمال العقل؛ فالكمال في كل شأن ليس شيئاً نستحوذ عليه، وإنما هو شيء نناهزه، ونحاول الاقتراب منه. وما لم نتعامل مع منتجاتنا الفكرية والمعرفية، ومع تجاربنا وأحداث العالم من حولنا على هذا النحو، فإن كثيراً من مكتسباتنا الفكرية والنهضوية يمكن أن يتعرض للخطر، أو يصبح موضع تساؤل. ٣- التفكير المتوازن: تجديد البعد العقلي يتطلب أن يدرب الواحد منا نفسه على التفكير المنهجي المتكامل الذي يستجيب لكل ما يطلبه النجاح في الوصول إلى نتائج جيدة، وأحكام صائبة. وإذا أراد الواحد منا أن يفكر في موضوعٍ مّا فعليه أن يفعل الآتي: أ- أن يجهز المعلومات التي تتعلق بموضوعه. ولا بد أن يكون على وعي بنوعية المعلومات المتاحة؛ إذ إن هناك طبقتين من المعلومات: طبقة المعلومات الحيادية التي تمثل الحقائق الثابتة التي انقطع حولها النزاع، وطبقة المعلومات المعتقَدة لبعض الأشخاص، والتي هي أقرب إلى أن تكون رؤى شخصية لهم. المعلومات الثابتة تمثل معطيات يجب احترامها خلال عملية التفكير. أما المعلومات الأخرى فتساعدنا على إضاءة القضية وتحسّن اختيارنا فيها. ب- لدى كل واحد منا عواطف حول القضية موضع البحث، ونحن نحاول عدم الاعتراف بها، وأحياناً لا نكون على وعي بها، ومن ثَمّ فإنها تؤثر في التفكير، وتوجهه على نحو غير سويّ. المطلوب أن نُخرِج عواطفنا إيجابية كانت أم سلبية إلى منطقة الوعي، ونعترف بها، ثم نحاول إبعادها عن دائرة التفكير. ج- لا بد أن نعطي وقتاً للتفكير الناقد الذي يركز على سلبيات القضية موضع النظر. والتفكير الناقد هو تفكير منطقي، لكنه سلبي، وهو كثيراً ما يكون مبنياً على حقائق وصادقاً، وإن كان لا يشترط أن يكون منصفاً دائماً. وعلينا أن نتذكر أن التفكير هو على مستوى مّا تفكير بنائي؛ حيث لا يستغني أي عمل جيد عن المراجعة وإعادة النظر، وفي ذلك شكل من أشكال نموّه. وهذا لا يُنسينا أيضاً أن النقد شديد الإغراء؛ حيث إنه يمنح صاحبه تفوقاً سريعاً على النظراء، ولذا فينبغي الحذر من الانزلاق إليه بحيث نبدو أننا لا نحسن غيره. ولعل خير ضمانة لذلك هو أن يظل التفكير النقدي على علاقة جدلية بتفاعلات القضايا التي نوجهه إليها. د- في مقابل التفكير الناقد، هناك التفكير الإيجابي، وهو التفكير الذي يركز على الإيجابيات؛ ففي حالة التفكير في إقامة مشروع تجاري مثلاً يُبرز التفكير الإيجابي كلّ الأدلة والمعطيات التي تؤكد احتمالات الربح ويتم إسدال الستار على كل ما يشير إلى احتمالات الخسارة. تبرز قيمة التفكير الإيجابي حين يستطيع الكشف عن الإيجابيات الخفية للقضية. والحقيقة أن الناجحين ينتبهون دائماً إلى جوانب النفع الخفية، وبذلك يسبقون غيرهم. إن من الثابت أنه لا يُغلق باب حتى يفتح باب آخر، لكن قصورنا الثقافي والتربوي يجعلنا نُشغَل بالباب الذي أُغلق عن الباب الذي فُتح! ومع هذا فلا بد من القول: إن الخط الفاصل بين التفكير الإيجابي والاندفاع المتفائل المتهور، هو خط ضيق، ولذا فإمكانات الخلط بينهما ستظل متوفرة دائماً. هـ لا بد بعد هذا أن نستخدم التفكير الإبداعي الذي يحاول أن يستخرج من معطيات ناقصة حلولاً جيدة، أو رؤى ناضجة. ولا بد من القول: إن أكثر التفكير الذي نتشبع به في بيئاتنا الثقافية مهيّأ لمعالجة المعلومات، مثل المنطق والإحصاء والرياضيات، وتنسيق المعارف ... أما التفكير الإبداعي، فإنه يحاول إيجاد أشكال جديدة تضاف إلى ما لدينا من تراكيب ندرك من خلالها المحيط. التفكير المبدع يحتاج إلى الوقت؛ والعجلة هي عدوه الأول. وقد تعودنا أن نقبل أو نتشبث بالحل الذي يظهر لنا لأول وهلة؛ مع أن الثابت أننا حين نمعن التفكير فإن الأفكار الجيدة لا ترد إلى الذهن أولاً وإنما في آخر المطاف. والمطلوب هو أن نوفر الوقت لاستخراج أكبر قدر ممكن من الرؤى والحلول والاحتمالات، ثم نعكف على اختيار الأكثر مناسبة لاحتياجاتنا وإمكاناتنا. التفكير المعوجّ: إننا حين نمارس التفكير في أي موضوع، نستخدم في الحقيقة عدداً من العناصر البالغة التعقيد، مثل مبادئنا العقلية، وثقافتنا العامة، وعاداتنا الفكرية والنفسية، بالإضافة إلى المعلومات المتعلقة بالمسألة موضع التفكير؛ ثم إننا لا نستخدم كل ذلك في فراغ، فهناك دائماً ضغوط واعتبارات ظرفية واجتماعية، تكتنف تفكيرنا في الأمور. وبما أن كل ما ذكرناه لا يكون في العادة كاملاً ولا نقياً، فإن علينا ألا نتوقع أن يكون باستطاعتنا دائماً النجاح في الوصول إلى تصورات وأحكام راشدة. ولذا فإننا سنظل بحاجة إلى محاصرة أنماط التفكير الخاطئة على نحو ما يصنع الفلاح حين يزيل الأعشاب الضارة من أرضه قبل أن يلقي بذوره. وفي اعتقادي أن الفائدة من تعلم طرق تفكير جديدة، ستظل محدودة ما لم نتمكن من تعرية الممارسات التفكيرية الخاطئة والتضييق عليها إلى أبعد حد ممكن. وهي في الحقيقة أشكال وألوان؛ ويمكن أن نسلط الضوء على بعضها على وجه السرعة. ١- المسلَّمات الثقافية: نحن إذ نفكر ننطلق من مبادئ ومسلّمات ثقافية، وتلك المسلّمات، لا تؤمّن تسايل عمليات التفكير فحسب، وإنما تريح العقل من عناء البحث والتمحيص أيضاً، أي تؤمّن له نوعاً من العطالة والسكون، ومن هنا تنبع جاذبيتها وخطورتها في آن واحد. لو فتشنا في عقولنا لعثرنا على مخزون ضخم من المسلّمات المتعلقة بالناس والأفكار والأحداث. وتصنيفاتُ الأمم والشعوب بعضها لبعض نموذج حي على ذلك: فالشعب الفلاني محتال، والشعب الفلاني كسول، والشعب الفلاني ماهر.. ووسائل الإعلام في الغرب (العقلاني) تقترب من أن تصم كل مسلم بالتطرف والإرهاب؛ مهما تكن درجة التزامه. أما العرب في نظرها فهم شعوب مهووسة بالتبذير والجنس، تتخبط في الجهل، وتعشق الفوضى ... وتلك الصور الذهنية، تشكل مشاعر الناس، وتوجه سلوكهم، وتنظم ردود أفعالهم. إنسان القرن الحادي والعشرين مع أنه يتحدث باستفاضة عن العولمة، والقرية الكونية، وتلاقح الثقافات إلا أنه غير قادر على الانعتاق من كثير من المسلّمات الثقافية المتخلّفة، فهناك انجذاب شديد نحو الإقليمية والعنصرية والطائفية، أي هناك انسحاب من عالمية الرؤية والثقافة والإحساس المشترك في الوقت الذي تتسع فيه عالمية التجارة، ويتسايل انتقال المعلومات والأشياء! ٢- إسقاط المعلومات غير الملائمة: حين نكوّن اعتقاداً ما فإن القوى غير الواعية فينا تحشد على نحو غير مرئي كل الأدلة والبراهين التي تقوّيه، وتجعله غير قابل للنقاش؛ وحين تأتينا معلومات تناقض ما انتهينا إليه، فإن أكثرنا يحاول الإفلات من التغييرات التي تقتضيها المعلومات الجديدة بأساليب شتى. وعلى سبيل المثال إذا بلغنا عن شخص نثق به، ونحترمه احتراماً شديداً أنه كان في حياته عاقاً لوالديه، فإننا عوضاً عن أن نحاول التحقق من تلك المعلومة والتغيير في نظرتنا عند ثبوتها، فإننا نسلك مسالك عديدة حيالها، كلها غير سويّ: فقد نقول: إن الذين رووا ذلك حاقدون عليه. وقد نقول: إن أبويه توفيا وهو صغير قبل أن يُكلّف. وقد نقول: إن أبويه كانا يعاملانه بقسوة؛ فله نوع من العذر فيما فعله. وقد نقول: إن عقوقه لهما كان لمصلحتهما لأنهما لم يكونا على معرفة بها ... وهكذا فإن المعلومة المناقضة لما نعرفه عن فلان تُعامَل بإهمال شديد، ومن ثَمّ فإنه لا يتم تخزينها، ويصبح الأمر كما لو أن العقل ليس فيه (خانة) مستعدة لقبول المعلومة المشوّشة. وهذه الحالة بعيدة الأثر في تشويه المركّب العقلي لكثير من الناس. وأعتقد أن كثيراً من بطء تقدمنا في فهم التاريخ يعود إلى هذه المسألة. ٣- الضلال في تفسير الظواهر: لو تساءلنا: هل الضلال الذي ينشأ من اختراع أمور لا أصل لها أعظم، أو الضلال الذي ينشأ من تفسير أمور موجودة تفسيراً خاطئاً؟ لكان الجواب من غير تردد: أن الضلال الذي يجتاح حياتنا الفكرية من وراء التفسيرات الخاطئة أعظم بكثير من الضلال الذي ينشأ من الكذب الصراح. نجد في خبراتنا اليومية من يقول: إن فلاناً متفوق؛ لأن أباه لا يكلّفه أي شيء، فهو متفرغ للدراسة. وفلان منحرف؛ لأنه نشأ يتيماً، فلم يتلق التربية المناسبة. والبلد الفلاني ثري؛ لأن فيه أنهاراً غزيرة. والشعوب الإسلامية متخلفة؛ لأنها تقع تحت ضغوط مؤامرة كبرى ... ولو أجَلنا النظر في هذه التفسيرات لوجدنا أنها جميعاً محتملة، وليست قطعية، فهناك طلاب أثرياء، ومفرّغون للدراسة، ومع ذلك يرسبون. وهناك أعداد ضخمة من الأيتام ذوي السلوك الحسن والسيرة الحميدة، وهناك وهناك ... إن تفسير الظواهر الكبرى بعامل واحد من أكثر الأخطاء الفكرية انتشاراً، وهو الذي يقبع خلف عدد، لا ينتهي من التصورات والأحكام العوجاء والظالمة. ٤- تأثير الهالة: قدرة الناس على مناقشة الأفكار ومعرفة مزايا الأشياء على نحو دقيق محدودة، ولذا فإنهم يتشبثون بأي شيء يمكن أن يساعدهم على استيعاب ما يرغبون في استيعابه. وحين يتفوق إنسان في مجال ما فإنه يكوّن لنفسه (هالة) ويترك انطباعاً بالجدارة والثقة لدى الآخرين. وبتأثير تلك الهالة ينسى الناس جوهرية (الاختصاص) ويسألون المعجبين بهم عن أشياء ليس هناك أي دليل على تفوقهم في معرفتها. وصار من المألوف اليوم أن يُقبل الناس على استخدام نوع من الصابون أو العطر أو معجون الأسنان ... لأن النجم الفلاني يستخدمه، أو ظهر في إعلان عنه. وطالما سُئل رياضيون وفنانون عن قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية، وطالما انفعل الناس بأجوبتهم أكثر من انفعالهم بأجوبة بعض المختصين! وفي عصرنا الحاضر صار للحقيقة العلمية هالة كبيرة؛ فنحن نحترمها أشد الاحترام، ونحاول الاستفادة من مؤشراتها، لكن كما أن من السهل على أي واحد أن يتاجر بعملة زائفة، فمن السهل أيضاً أن يتاجر بعض الناس بالحقائق العلمية. وقد وقع كثير من الناس ضحية لتناول أدوية وعقاقير تخلصهم من السمنة أو الصلع أو غير ذلك ... حيث بُهروا بالشرح العلمي لميزاتها وخصائصها. هذا كله يدعونا إلى أن نتعلم المزيد عن كيفية (تقويم المعلومات) الواردة إلينا، وأن نسأل أهل الذكر في كل علم وفن. ٥- المبالغة: نحن لا ندرك الأشياء بطريقة مباشرة، وإنما عبر وسيط ثقافي وفكري ونفسي أيضاً، مما يجعل رؤيتنا لها قابلة للكثير من الخصوصية، ومن ثَمّ للكثير من الانحراف. المبالغة مرض واسع الانتشار؛ والبنية التحتية له بنية فكرية شعورية؛ فالإدراك القاصر، وضعف المحاكمة العقلية، مما يدفع إلى المبالغة على النحو الذي تدفع إليه المصالح والأهواء والأمراض النفسية، والانطباعات الخاصة والخاطئة. وللمبالغة تجليات كثيرة، نستعرض بعضها من أجل تسليط الوعي عليها: بعض الناس يميلون إلى تضخيم كل الأشياء، وكأنها (مجموعة كوارث) فهم يتوقعون الأسوأ دائماً، فأي ألم مفاجئ يصيب الواحد منهم، هو دليل على وجود مرض خطير، وأي خطأ يقع فيه يمكن أن يحرمه من وظيفته! - هناك من يميل إلى (تعميم الافتراض) فلأن شيئاً ما قد وقع فهذا يعني أنه سيقع دائماً؛ فإذا نسي موظف عنده تنفيذ أحد طلباته، قال له: إنك تنسى دائماً ما أطلبه منك. وإذا تبين له أن إحدى الإذاعات كذبت في خبر من الأخبار، حكم بأن تلك الإذاعة لا تصدق أبداً! - تتجلى المبالغة في بعض الأحيان في صورة قراءة لما في عقول الآخرين؛ حيث يعتقد بعض الناس أنه يملك شفافية خاصة لمعرفة ما يدور في أذهان العباد، وما تنطوي عليه سرائرهم، فإذا توجهت إليه شركة بسؤال ظنّ أنها سألته؛ لأنها لم تعثر على شخص آخر بإمكانه أن يجيب عن أسئلتها. وإذا واجه مشكلة، ولم يتدخل فيها أحد من أصدقائه؛ فذاك ليس لأنهم يريدون المحافظة على خصوصيته، وإنما بسبب إهمالهم له، أو شماتتهم به، وإذا نصحه شخص بنصيحة، فذاك ليس بقصد إصلاحه، وإنما بقصد تحطيمه أمام نفسه، وهكذا ... - تترجم المبالغة في بعض الأحيان شكلاً من أشكال عدم الاتزان؛ فترى بعض الأشخاص يتحولون من النقيض إلى نقيضه بسرعة البرق؛ فبسبب كلمة أو حركة يمكن لأي شيء أن ينقلب رأساً على عقب. ويبدو أن هذا النوع من المبالغة، هو في الأصل ظاهرة نسوية [١] ، لكن للرجال أيضاً نصيبهم منها، وطالما سمعنا من يقول: إن كنت تستطيع أن تقول ذلك فهذا يعني أن علاقتنا لا تعني أي شيء. ومن يقول: خطأ واحد يفسد الأمر كله. - كثيراً ما تتجلى المبالغة في ظاهرة الإسراف في المدح والذم، وهذه الظاهرة عالمية، لكن يمكن أن نقول هذه المرة: إنها ظاهرة عربية في المقام الأول؛ فنحن من أكثر أمم الأرض تمادياً في المدح خاصة وقد تجاوزت المبالغة في المديح لدى بعض الناس مرحلة الكذب الصراح إلى مرحلة الكذب المركب والمعقد، والذي يحتاج إلى منهاج خاص من أجل كشفه! وأعتقد بعد هذا وذاك أن تحسن مستوى التفكير لدينا سيظل مرتبطاً بمدى ما يسود حياتنا من مناقشة ومصارحة، وبمدى ما تحرزه الأمة من تقدم على الصعد الإنسانية المختلفة. إن تجديد البعد العقلي، يحتمل الكثير من الكلام، لكن الوقت المتاح لا يسمح بأكثر مما قلناه، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لما هو خير وأبقى.

стр. 3010

نص شعري إنابة إيمان كردي أتَاكَ يجرّ أسمالَهْ ... ويشكو بالأسى حالَهْ سبَتْهُ زخارف الدنيا ... وأنفق في الهوى مالَهْ وأقدامٌ به طافت ... على الحرمات جوّالَهْ وأيدٍ طالما بطشت ... ونال بها الذي نالَهْ وكم قد قال من قول ... تمنى اليوم ما قالَهْ وكم سمعتْ له أذنٌ ... بدت للّغوِ ميّالَهْ أتاك يرومُ مغفرةً ... لترفع عنه أثقالَهْ يقول: وهل يجيب اللـ ... ـه عبداً آبقاً سالَهْ [١] ألا من توبة تمحو ... عن المسكين إهمالَهْ ألا فالله رحمن ... فأقبلْ تلقَ إقبالَهْ فبابُ الله مفتوحٌ ... وترجو الناسُ أفضالَهْ وكم من نادمٍ أرسى ... على الجنات ترحالَهْ فتب واجهد، ولا تبصر ... من المغرور إمهالَهْ ولا تمنعْك سيئةٌ ... فكل الناس زلاّلَهْ وكن ممن غوى حَذِراً ... فإن الله أملى لَهْ

стр. 3011

مع الفاتنة د.محمد بن ظافر الشهري ويائسةٍ قد كَلِفنا بها ... لعوبٍ خؤونٍ لأصحابها ومهما نَهُن لطويلِ المقامِ ... ترانا وقوفاً على بابها فلم نلتفتْ لسواها ولمْ ... نُؤَدّ الحقوقَ لأربابها ولسنا نسارعُ إلا لها ... ولا نتشبثُ إلا بها نبادرُ حُمقاً لإضحاكها ... ونخشى مغبةَ إغضابها ولو ضحكتْ لخبيرٍ بها ... رآها تكشرُ عن نابها عجبتُ لها كلما (عُمّرتْ) ... زهت من تنافُسِ خُطّابها

стр. 3012

المسلمون والعالم دولة فلسطين بين الصورة والحقيقة د. يوسف الصغير لقد تلاقت مصالح الحركة الصهيونية مع مصالح الدول الأوروبية وخاصة بريطانيا أيام كانت عظمى في أهمية إنشاء كيان مصطنع يفصل المنطقة العربية شرقها عن غربها؛ فبعد مؤتمر بال ١٨٩٧م للجمعيات اليهودية توجهت جهود الدول الاستعمارية المتنافسة على تقاسم تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) بتأليف لجنة من سبع دول أوروبية رفعت اقتراحاتها إلى رئيس وزراء بريطانيا كامبل بانرمات عام ١٩٠٧م. وتتلخص التوصيات بما يلي: ١- العمل على إيجاد حالة من التفكك والتجزئة والانقسام في المنطقة. ٢- إنشاء دويلات مصطنعة تابعة لتلك الدول الاستعمارية وخاضعة لها. ٣- محاربة أي نوع من أنواع الوحدة والاتحاد الفكري والروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية لتجزئة المنطقة. ٤- لتحقيق ذلك يجب العمل على إقامة حاجز بشري قوي وغريب في المنطقة بحيث يشكل قوة مناوئة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها. ومن الواضح أن هذا التخطيط يشكل معلماً من معالم السياسات الأوروبية عامة والإنجليزية خاصة في التعامل مع المنطقة العربية؛ فقبل احتلال الإنجليز المدعومين بقوات الثورة العربية الكبرى للقدس بحوالي شهر أصدر (بلفور) وزير خارجية بريطانيا وعده المشهور الذي ينص على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد تضمن صك الانتداب الذي منحته عصبة الأمم لبريطانيا على تهيئة الظروف لإنشاء الدولة اليهودية في فلسطين؛ مع ملاحظة أن دولة يهود قد أنشئت من عدم؛ حيث إن وجود اليهود في فلسطين لا يُذكر؛ ومع ذلك فقد حرصت دولة بريطانيا العظمى وعصبة الأمم على التأكيد على أن إقامة الوطن القومي لليهود يراعى فيه ألا يمس حقوق الآخرين. ولا يخفى على عاقل أن استقدام اليهود من أنحاء العالم وتوطينهم في فلسطين سيتم على حساب أهل البلد الأصليين، ولكن لا يعدو أن يكون الأمر كذباً ونفاقاً، ويضاف إليه أيضاً أن تصرفاتهم المتتالية حتى اليوم توحي أنهم لا يعتقدون أن الشعب الفلسطيني له حق في فلسطين وأن وجوده حجر عثرة في إتمام مشروع الدولة الصهيونية. وبعد حوالي ثلاثين سنة من العمل الدؤوب في تمكين وبناء مقومات الدولة اليهودية، أعلنت بريطانيا تخليها عن الانتداب، وعرض الأمر على الأمم المتحدة (وريث عصبة الأمم) وكانت تهدف من وراء ذلك أن يكون إعلان الدولة من قِبَل المجتمع الدولي وليس من قِبَل دولة بدأت تغيب عنها الشمس. ففي ١٤ شباط (فبراير) ١٩٤٧م أعلن رئيس وزراء بريطانيا قرار حكومته بإحالة قضية مستقبل فلسطين إلى هيئة الأمم المتحدة. وفي ١٣/١١/١٩٤٧م أعلنت بريطانيا عن طريق ممثلها في مجلس الأمن وأثناء مداولات القضية في الأمم المتحدة أنها قررت الانسحاب من فلسطين في ١٥ أيار (مايو) ١٩٤٨م. وكانت مظاهر التمثيل والخبث الإنجليزي هو امتناعها عن المشاركة في التصويت على القرار، إظهاراً لنقاء الحياد. وقد بدأ الانسحاب من فلسطين بالتدريج وبطريقة مكنت اليهود من الاستيلاء على أمهات المدن الفلسطينية مثل حيفا وطبريا وصفد. وعلى سبيل المثال ففي أكبر موانئ فلسطين وهو حيفا أعلن الإنجليز أنهم لن ينسحبوا إلا بعد الأول من آب (أغسطس) ١٩٤٨م، وفي هذه الأثناء منع أهل المدينة من الفلسطينيين من إقامة أي تحصينات للدفاع عن مدينتهم مع السماح لليهود بإقامة التحصينات وجلب الأسلحة. وما إن أتم اليهود استعداداتهم حتى أعلن الإنجليز انسحابهم فجأة إلى منطقة الميناء، وسلموا معسكراتهم إلى اليهود، وفتح ميناء حيفا وجهزت السفن لترحيل الفلسطينيين من المدينة. وكما يقول (بن جوريون) فإن سقوط حيفا كان نقطة التحول الرئيسة في فتح الطريق نحو القدس. وفي ٢٩/١١/١٩٤٧م أصدرت الأمم المتحدة قرارها التاريخي المشؤوم بتقسيم فلسطين، وكان للولايات المتحدة دور كبير في الضغط على الدول المستضعفة لتأييد القرار الذي ينص على تقسيم فلسطين إلى (دولة يهودية) ودولة فلسطينية مع وضع نظام دولي خاص للقدس وضواحيها مع إنشاء اتحاد اقتصادي بين الدولتين. ومن أهم ملامح قرار التقسيم ما يلي: ١- منح اليهود الطارئين ويمثلون ٣٥% من السكان حوالي ٥٥٠٠ ميل مربع. ٢- بقي للفلسطينيين حوالي ٤٥٠٠ ميل مربع. ٣- تقرر أن يدخل في نطاق الدولة اليهودية المقترحة جميع الأراضي المزروعة بالحمضيات، وهي مقسمة بالتساوي من حيث الملكية بين اليهود والفلسطينيين في ذلك الوقت. ٤- يدخل في نطاق الدولة اليهودية أيضاً ٨٠% من الأراضي المزروعة بالحبوب مع أنها مملوكة للفلسطينيين. ٥- تضم الدولة اليهودية المقترحة ٤٠% من مجموع الصناعات. ٦- قطع الصلة بين الميناء الفلسطيني الرئيس (يافا) على البحر الأبيض المتوسط وبين بقية أراضي الدولة الفلسطينية المقترحة. ٧- فصل قطاع غزة عن أراضيه الزراعية في النقب. ٨- منع الاتصال المباشر مع سوريا والبحر الأحمر. إن القرار يمثل انتصاراً للحركة الصهيونية ومشروعها السياسي لإقامة دولة (إسرائيل) ، وقد قَبِلَ الصهاينة مشروع التقسيم باعتباره خطوة تكتيكية. ويمكن ... القول إنه على الرغم من عدم مشروعية القرار فإنه يعد أول اعتراف دولي بحقوق الشعب الفلسطيني؛ حيث نص على إقامة دولة عربية لعرب فلسطين. لقد سارع اليهود إلى إعلان قيام دولتهم مما أدى إلى حرب ١٩٤٨م التي نتج عنها مزيد من المكاسب لليهود ومزيد من اللاجئين الفلسطينيين. تحولت القضية بعد قيام دولة (إسرائيل) وانضمامها إلى الأمم المتحدة بعد عام من تأسيسها إلى مجرد قضية لاجئين؛ حيث إن دولة فلسطين لم ترَ النور؛ فقد تم مؤقتاً وضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، أما الضفة الغربية وشرقي القدس فقد تم ضمهما للأردن، وأعلن دمج الضفة بشرق الأردن ابتداء من عام ١٩٥٠م عبر ما يسمى بالاتحاد الدستوري للشعب العربي في الضفة الغربية والأردن في نيسان (إبريل) ١٩٥٠م. لقد كان ذكر الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في القرار (١٨١) لازماً لتمرير تأسيس الدولة اليهودية التي أعلنت بعد منتصف ليلة ١٤/١٥ أيار (مايو) ١٩٤٨م، واعترفت بها أمريكا بعد ذلك بعشر دقائق! أما دولة فلسطين الموعودة فقد تم تناسيها بسرعة، وتمت التغطية على ذلك بالتركيز على مشكلة اللاجئين وقضية العودة طبقاً للقرار ١٩٤ في ١١/١٢/١٩٤٨م الذي يؤكد على حق العودة والتعويض، وكان هذا التأكيد يتكرر في كل دورة تناقش فيها القضية. وفي الجانب الآخر فإن (جولدا مائير) صرحت أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٦٠م بقولها: (إن (إسرائيل) تعلن بكل صراحة وبساطة أنها لا يمكن أن تسمح بعودة أي لاجئ إلى أرضه) . ولكن نتيجة للحرب الباردة فقد حدثت تطورات في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فبدأت سلسلة من القرارات التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة؛ ففي العاشر من كانون أول (ديسمبر) ١٩٦٩م، صدر أول قرار جاء فيه أن الجمعية العامة تؤكد من جديد حقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف. وفي ٢٢ نوفمبر ١٩٧٤م تم أيضاً التأكيد على هذه الحقوق. ومع الانتفاضة وإعلان المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين، في ١٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٨٨م أعلنت الجمعية العامة أنها تعترف بإعلان دولة فلسطين، وأكدت الحاجة إلى تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته على أراضيه المحتلة منذ عام ١٩٦٧م. إلا أن مجلس الأمن كان له موقف مغاير؛ حيث صدر القرار ٢٤٢ الذي لم يتعرض لذكر القضية الفلسطينية صراحة، واكتفى بالإشارة إلى (مشكلة اللاجئين) . ولا يغيب عن البال أن كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن غير قابلة للتطبيق كما ذكر ذلك صراحة الأمين العام السابق بطرس غالي، ولا ننسى أنه أصدر قرارات تدين الصهيونية وأنها شكل من أشكال العنصرية؛ ولكن سرعان ما تم إلغاؤها رسمياً بعد التفرد الأمريكي بالقرار. المهم أن الدولة الفلسطينية لم تكن هدفاً استراتيجياً له الأولوية؛ بل كان أقرب إلى الشعار السياسي. فبعد حرب ١٩٤٨م وقيام دولة اليهود تم الالتفاف حول مشروع الدولة بقصد أو بغير قصد حتى يكاد يخيل للمرء أن ضم الضفة الغربية للأردن أقرب ما يكون إلى مكافأة الملك عبد الله على دوره في حرب ١٩٤٨م؛ حيث قام الجيش الأردني بتسليم مناطق واسعة لليهود دون قتال وكأنها ناتجة عن اتفاق ما. إن مناقشة أمر الدولة الفلسطينية المقترحة لا يمكن أن يفصل عن العلاقة الأردنية الفلسطينية. أما إعلان ياسر عرفات قيام دولة فلسطين عبر إعلان الجزائر في نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩٨٨م حيث عقد المجلس الوطني الفلسطيني الذي أعطى اليهود صك الاعتراف ورضي بإعلان دولة فلسطين في اللامكان، ومع اعتراف (١٢٤) دولة بها فإنه سرعان ما نسيت المنظمة نفسُها هذه الدولة، وأعلن عرفات أنه سيعلن الدولة في ٤ مايو (أيار) ١٩٩٩م رضي بذلك من رضي، أو سخط من سخط. فما هي إمكانيات قيام الدولة، وعلى أي أرض ستقام؟ ! لقد كان شعار المنظمة الفلسطينية هو: (تحرير فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر) وبعد عام ١٩٦٧م بدأت النبرة تتراجع، وبدأ يتكرر كثيراً: (الانسحاب من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م) وهذا يشعر بشرعية اغتصاب اليهود لأكثر من ٧٥% من أراضي فلسطين. وقد كان إعلان الجزائر صريحاً بتحديد حدود الدولة بالضفة والقطاع فقط؛ ومع ذلك وبعد اتفاقيتي أوسلو وواي ريفر، فإن الرقعة تقلصت إلى حوالي ٤ ١٠% وهي مناطق حضرية مزدحمة بالسكان تقطع الاتصال بينها خطوط إسرائيلية أنشأها اليهود بدعوى أمن المستوطنات المتناثرة التي أقاموها في الضفة الغربية المحتلة. إن هذا التراجع في مفهوم الدولة بالنسبة لمنظمة التحرير أو وريثتها السلطة الفلسطينية قابلة لتراجع آخر من جانب اليهود أملته ظروف الانتفاضة واستحالة التعايش مع خطورة العامل البشري، واختلال التوازن السكاني مع مرور الوقت بعد أن كان اليهود يرفضون الحديث عن حق الشعب الفلسطيني بل ويكابرون بأن فلسطين كانت خالية من السكان، وأن الفلسطينيين طارئون عليها، ويدبجون في ذلك المقالات الطوال، أما عندما يتحدثون عن حل مشكلة الفلسطينيين فإنهم يتحدثون عن أن دولة فلسطين قائمة بالفعل، وهي الأردن، ويستشهدون على ذلك بقيام الاتحاد الدستوري وإدارة الأردن للضفة، وحملِ الفلسطينيين في الضفة الوثائقَ الأردنية حالياً، وأن أغلبية سكان شرق الأردن هم من أصل فلسطيني؛ وهذا الطرح قديم ويؤيده حالياً بقوة (شارون) وزير الخارجية الحالي وأحد أقطاب الحكومة القائمة، ولهذا لوحظت حساسية الملك حسين من هذا الطرح وإحساسه بخطره على الرغم من صلته الحميمة مع زعماء اليهود، فقد كان يكرر كثيراً ذكر الأخطار المحدقة بالمملكة الهاشمية، وقد سارع بفك الارتباط مع الضفة الغربية حتى لا يتم الحل على حسابه، وكانت الفيدرالية التي يطرحها عرفات مثار كثير من القلق لدى الملك؛ حيث إنه يعرف أنها ستكون على حسابه. وقد يكون دعم حسين لحماس سياسياً ينبع من قناعته أن عرفات قد يقبل بدولة فلسطينية تكون فيها الأردن هي الأساس؛ بينما هو مطمئن إلى أن طرح حماس المبدئي يتجه نحو فلسطين الواقعة غرب النهر. هل عرفات جاد في إعلان الدولة؟ لقد كان من نقاط ضعف عرفات الرئيسة حبه للسلطة وافتتانه بمظاهرها؛ وهذا واضح لمن يتابعه في مراسم الاستقبال والتوديع الكثيرة التي يستمتع بها، بالإضافة إلى حرصه منذ أمد بعيد على التوسط في الصراعات المختلفة ليضفي على شخصه أهمية قد لا يكون متمتعاً بها، وكان إعلان قيام الدولة الفلسطينية في الجزائر فرصة لجولات مكوكية يُستقبل فيها استقبال الرؤساء، وتعزف له الموسيقى، والأهم أن يُدعى: (الرئيس الفلسطيني) . وقد فتر الحماس بعد فترة من الزمن؛ فقد كان الشعار المرفوع وإعلان الدولة مجرد مسوّغ وطُعم لقبول قضية أخطر، وهي الاعتراف بدولة إسرائيل؛ ولهذا سرعان ما قَبِلَ رئيس الدولة بمنصب رئيس السلطة، وعادت نغمة: الزعيم الفلسطيني أو رئيس السلطة. ولم يفُت الزعيم الفلسطيني المتمرس الضارب على الوتر الحساس نفسه؛ فقد كان يعلن ويصرح أن السلطة هي المرحلة الأولى لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة التي عاصمتها القدس؛ مع أن اليهود يكررون أن القدس الموحدة هي عاصمة دولتهم الأبدية كما يزعمون فقد كانت التصريحات الاستهلاكية رائجة ومقبولة لمخاطبة غوغاء الناس وعوامهم. أما حقيقة دور السلطة وانحصاره في إدارة المدن الفلسطينية التي عجز عنها اليهود أيام الانتفاضة مع تحديد صلاحياتهم وتجريدهم من حرية السفر والانتقال حتى بالنسبة لياسر عرفات الذي كان أكبر ما حصل عليه هو عدم تفتيش طائرته الرئاسية عند هبوطها في مطار غزة. إن سلطة الحكم الذاتي تعتمد اعتماداً شبه تام على المساعدات الخارجية التي تدفع نيابة عن اليهود وبرضاهم، ولا يتصور أن عرفات جاد في إعلان الدولة؛ لأنه لم يقم حتى بجهد دبلوماسي واضح لدعم هذا الإعلان بل اقتصر على إعلانات دعائية، ثم يتراجع عن الموعد المحدد بشرط وعد من بعض الدول بتأييد إعلان الدولة في موعد لاحق. ولا يفوت الإشارة إلى موقف الرئيس الأمريكي كلينتون الذي وصف إعلان الدولة من جانب واحد بالكارثة، أما اليهود فقد بلغ بهم الاضطراب والفزع من الإعلان الصوري أنهم هددوا بإعادة احتلال مناطق السلطة. إن مواقف اليهود المتشنجة من هذا الإعلان تبين أنهم ينظرون للسلطة الفلسطينية على أنها مؤقتة فرضتها ظروف الانتفاضة والانتقال إلى صفة الدولة؛ وهذا يمثل تطوراً سلبياً وتراجعاً في أحلامهم حتى ولو على المستوى النظري؛ فقد بذلوا الكثير من أجل إبعاد شبح قيام كيان مستقل للشعب الفلسطيني، ونزعوا صفة السيادة عن السلطة الفلسطينية. والخوف هو أن يجتمع زعماء اليهود مع رجال السلطة الفلسطينية على الحل الوسط المتوقع الذي يمكن أن يقبل به الطرفان وهو إقامة دولة فلسطين على جزء صغير ومبعثر في الضفة مع القطاع ومتحدة فيدرالياً مع الأردن؛ ولا يخفى تطلّع اليهود إلى هذا الحل، أما ياسر عرفات فقد عرضه فعلاً على ملك الأردن الجديد قبل أن يجف ثرى أبيه. إن إعلان الدولة مسألة وقت ليس إلا ذلك، ولكن المهم هو: أين ستقام هذه الدولة، وما هي مهمتها؟ إن الدولة الجديدة ستمثل الحاجز الواقي لإسرائيل من جهة الشرق، والأهم من ذلك أنها ستكون الحل الأمثل لمشكلة اللاجئين الحاليين والمتوقعين؛ حيث لا يستر اليهود خوفهم على مستقبل الدولة ونقائها العنصري من تزايد نسبة الفلسطينيين التي لا يقابلها أي تزايد في أعداد المهاجرين اليهود. إن اليهود في سباق مع الزمن لتوطيد أركان دولتهم والحفاظ عليها من الهزات المتوقعة، وإن ما يسمى بخيار السلام هو خيار استراتيجي وضروري لأمنهم، ولكنهم لا يريدون دفع كل تكاليفه ومنها إرضاء عرفات بدولة رمزية صورية. إن سيطرة اليهود على مقاليد السلطة في أمريكا وروسيا لا يتوقع لها الاستمرار طويلاً مع نمو المشاعر المعادية لليهود، ولهذا فلا يمكن التعويل على الدعم الخارجي غير المحدود؛ بالإضافة إلى تزايد الوعي الإسلامي الذي يتقدم شعبياً بقوة على حساب التوجهات العلمانية المهادنة أو المتحالفة مع اليهود في الوقت الحاضر. إن طروحات عتاة الصهاينة في حزب العمل دائماً متقدمة على الليكود؛ ولهذا نرى أن حزب العمل يقبل حالياً بفكرة إقامة الدولة الفلسطينية باعتبارها مؤقتة ولكن على جزء بسيط من الضفة والقطاع، ولا أظن أن نتنياهو وحزبه يملكون البديل الواقعي. استغل الإنجليز هيمنتهم على المنطقة بتوطيد دعائم دولة يهود واستغلوا هيئة الأمم المتحدة لترسيخ الكيان واقعاً جديداً الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته لكن مجلس الأمن له موقف مغاير تماماً الدولة الفلسطينية لم تكن هدفاً استراتيجياً بل كانت أقرب للشعار السياسي فقد أعلنت ١٩٨٨ وما زال الزعيم يهدد بإعلانها.

стр. 3013

المسلمون والعالم الإسلام في نظر مسؤول إنجليزي معاصر د. جلال الدين صالح ألقى وزير الخارجية البريطاني (روبين كوك) كلمة عن علاقة الغرب وخاصة بريطانيا بالإسلام في الآونة الأخيرة، وكانت تلك الكلمة بتاريخ ٨ أكتوبر ١٩٩٨م، وألقاها عند زيارته للمركز الإسماعيلي بلندن. وقد مست الحاجة إلى التعليق على تلك الكلمة حتى لا تحمّل أكثر مما تحتمل، وقد جاءنا تعقيب من الدكتور جلال الدين صالح على تلك الكلمة، و (·البيان) تنشر الكلمة وتنشر التعقيب. كلمة الوزير البريطاني: (من دواعي سروري أن أتيحت لي الفرصة لزيارة الجالية الإسماعيلية ولزيارة مركزها الرائع أيضاً. فهذا المركز هو جوهرة من تحف المعمار الإسلامي وأجمل مذكّر لنا في صميم مدينة لندن بأن جذور ثقافتنا ليست يونانية أو رومانية الأصل فحسب بل هي إسلامية أيضاً. فالفن الإسلامي والعلوم والفلسفة الإسلامية قد ساعدت على تشكيل تطورنا، وعملت على تكييف نمونا أفراداً، وتداخلت في كيفية تفكيرنا وطريقة معيشتنا؛ فالأرقام الإسلامية ما زالت معنا وهي التي علمتنا طريقة العد الصحيحة. إن ثقافتنا مدينة للإسلام بديْن يجدر بالغرب أن لا ينساه، ونحن نقوم حالياً بتطوير علاقاتنا مع العالم الإسلامي. وقد سمحنا للأيام أن تبعد بعضنا عن بعض، وسمحنا لسوء التفاهم وعدم الثقة أن ينموا ويكبرا ويفرقا بين الغرب والإسلام. يجب أن لا ندع سوء التفاهم بيننا يستمر ويتواصل؛ ذلك لأنه أصلاً من الخطأ أن تصدر ثقافتان عظيمتان حكماً جائراً بعضهما على بعض بهذه الصورة المؤسفة. ثم إنه في عالم اليوم ليس لدينا أي خيار أو مفر من العيش معاً والعمل متآزرين بسلام ووئام. إن التحديات التي نواجهها هي تحديات عالمية؛ وذلك من شأنه أن يؤثر على الشرق الأوسط بالقدر الذي يؤثر به على أوروبا أيضاً. والشباب في طهران أو القاهرة هم ضحايا تجارة المخدرات مثل ما هو الحال في لندن أو أدنبرة. وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يقلق أوروبا بصفتها أقرب جار للمنطقة مثلما يقلق المجتمع الإسلامي. فالخيار هنا هو إما أن نعمل معاً متضافرين وننتصر معاً أو نترك عدم الثقة والتوجس والخيفة فيما بيننا على ما هي عليه وتكون النتيجة من ذلك كله أن نخسر جميعاً. وبعضهم يقول: إن الغرب بحاجة إلى عدو! وبما أن الحرب الباردة قد ولّت إلى غير رجعة فإن الإسلام سيأخذ مكان الاتحاد السوفييتي القديم واعتباره عدواً. ويقولون إن (صراع الحضارات) قادم لا مفر منه. وأنا أقول: إنهم مخطئون بل ومخطئون خطأً فادحاً؛ فنحن لسنا بحاجة إلى الإسلام عدواً بل نحن بحاجة إليه صديقاً. فقد تكون الحضارات التي لدينا مختلفة، وقد تكون الديانات أيضاً مختلفة، ولكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نتعايش معاً، وأن ننسجم معاً. وهكذا علينا أن نتعاون معاً لدحر هذه النبوءة. يقول القرآن الكريم في سورة الحجرات: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [الحجرات: ١٣] . وبوحي هذه الإرشادات الكريمة علينا أن نعمل معاً لتحسين التفاهم بيننا وتفكيك تلك الصور الخاطئة والمشوّهة التي يرسمها بعضنا لبعض للتخلص تماماً من مشاعر عدم الثقة التي تضر بالجميع. كلّ يرى الآخر على صورة بدائية مشوهة: يرى أحدنا الآخر إلى حد كبير عبر الصورة المبسطة والمشوهة والخطيرة التي يرسمها بعضنا لبعض؛ فالإسلام يرى أن الغرب مادي يُفتقد فيه احترام الروحانية، وعلى أنه عدو للإسلام وعاقد العزم على استعمال قيم الغرب المتحررة لتقويض المجتمعات الإسلامية. والغرب من ناحيته يساوي الإسلام بالأعمال المتطرفة التي يقوم بها البعض؛ فعدد كبير من وسائل الإعلام هنا لا يرى الإسلام ثقافة غنية جليلة مزدهرة ومتنوعة تدعمها ديانة من أعظم الديانات في العالم، بل يرون أنه الأعمال الإرهابية التي يرتكبها القلة باسم الإسلام. إن كلتا النظريتين في غير محلها؛ فالحقيقة أن أسامة بن لادن لا يمثل وحده الإسلام، كما أن الذين ارتكبوا عملية (أوما) الإرهابية لا يمثلون قيم الغرب. والقائل: إن ثقافاتنا غير متجانسة هو مخطئ؛ فإن هناك قدْراً كبيراً من المعارف يمكن أن يتعلمها بعضنا من الآخر. الإسلام يسهم في ثقافة الغرب: الغرب مدين للإسلام بالشيء الكثير؛ فالإسلام وضع الأسس الفكرية لمجالات عديدة مهمة وكبيرة في الحضارة الغربية. فمن الأرقام العربية التي نستعملها، إلى فهمنا للأفلاك؛ فإن الشيء الكثير من أسس حضارتنا يعود الفضل فيها إلى العِلم الإسلامي. ومن أكبر الأخطاء التي يمكن للغرب أن يرتكبها هو الظن بأن الثقافة الإسلامية شيء غريب عنا؛ فهي ليست كذلك البتة؛ فإن ثقافتينا قد تشابكتا معاً عبر التاريخ والأجيال، وهما تتشابكان أيضاً في وقتنا الحاضر، ويجب أن تستمرا في التشابك كلما أصبح مستقبل كل منا مرتبطاً بالآخر. وفي الأسبوع الماضي قلت لمؤتمر حزب العمال بأن من أهم التحديات الجوهرية التي نواجهها في هذه الأيام هي كيفية تشكيل علاقة إيجابية مع العالم الإسلامي. وهذه من المسائل الرئيسة التي تشغل تفكيري بصفتي وزيراً للخارجية. بداية عهد جديد مع إيران: أرى أننا نسير قُدُماً وبنجاح في هذا المجال؛ فنحن نقوم بتذليل بعض العقبات الرئيسة التي تعكر الجو بين الغرب والعالم الإسلامي واحدة تلو واحدة؛ ففي نيويورك عقدتُ منذ أسبوعين محادثات مع الدكتور كمال خرازي وزير خارجية إيران، وكانت هذه المحادثات مختلفة عما يجري عادة بين وزراء الخارجية. فقمنا سوياً بإعطاء العلاقات بين إيران وبريطانيا بداية جديدة. وقد أوضح الدكتور خرازي بأن سلمان رشدي لا يواجه أي خطر تجيزه أو تسمح به الحكومة الإيرانية. ولكن أبعاد هذه القضية تذهب إلى أبعد من ذلك، فهي تعني أنه يمكن لبريطانيا وإيران أن تعملا معاً لمواجهة التحديات المشتركة على حد سواء. فمثلاً سيزداد التعاون العملي فيما بيننا ضد تجارة المخدرات. وسيصبح الآن بمقدور الاتحاد الأوروبي أن يقيم مع إيران علاقة بناءة أكثر من قبل. إن مفاوضاتنا مع الأمريكان في الربيع الماضي بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي قد أزالت فتيل الخطر عن التجارة بين أوروبا وإيران بموجب قانون العقوبات الاقتصادية ضد إيران وليبيا الذي سنته الولايات المتحدة، وستنفتح الأبواب أمام فرص جديدة عديدة للتجارة والاستثمار بين الجانبين وتكون مفيدة للطرفين. حان الوقت لإجراء حوار جديد: نحن نسير على الدرب الصحيح لحل المشكلات العالقة بيننا. وهكذا فقد آن الأوان للبدء ببناء التفاهم والثقة اللتين نحن بأمسّ الحاجة إليهما. اليوم أريد أن أقترح أن نبدأ حواراً جدياً بين أوروبا والعالم الإسلامي فقد حان الوقت ليبدأ الاتحاد الأوربي ومنظمة المؤتمر الإسلامي بالكلام معاً على أعلى مستوى ممكن، ويتحاور أعضاؤهما حول العديد من القضايا التي تهم الجانبين. دعونا نتكلم عن البلقان، وعن عملية السلام في الشرق الأوسط، وعن أفغانستان، وعن الإرهاب وحقوق الإنسان ومعاملة الأقليات؛ لأنه بالحوار البنّاء فقط يمكننا أن نتعلم كيف يفهم أحدنا الآخر ويثق به. ولكن مثل هذا الحوار يجب أن لا يقتصر على الديبلوماسيين أو حتى على وزراء الخارجية. فأنا مثلاً أنعم بمركز مهم ومكتب وثير، ولكن الأهم من هذا وذاك والذي لا يحيد نظري عنه هو مصلحة الأمة وخير الشعب، ثم لا شك عندي أن العلاقات المهمة حقاً هي تلك العلاقات التي تكون بين الشعوب. وهكذا فإن الحوار الذي علينا أن نجريه بين أوروبا والعالم الإسلامي يجب أن يكون بين شعوبنا أيضاً. يجب على المعلمين من الجهتين أن يتكلموا معاً، وكذلك الفنانون والمعماريون والمثقفون. يجب أن يتكلم هؤلاء بعضهم مع بعض وعلى جناح السرعة؛ لأن هناك الشيء الكثير الذي يمكننا أن نكسبه من قيامنا بذلك، كما أن هناك الشيء الكثير الذي يمكننا أن نخسره لو أننا لم نقم بذلك. إن قدْراً كبيراً مما ذكرناه يجري تحقيقه فعلاً في الوقت الحاضر؛ فلدى بريطانيا معاهد علمية راقية تقوم بنشاطات ممتازة في هذا المجال. وهناك جماعات خاصة تساعد على إعادة التوازن في هذا المجال. ولكن لن نحرز التقدم الذي نحن بحاجة إليه حتى يبدأ المؤثّرون على الرأي العام من الجاذبين في وسائل الإعلام والتعليم وغيرهما بتحطيم تلك الصور المبسطة والمشوهة، والقضاء على الانطباعات المضلّلة التي تقع في صميم النزاع بين مجتمعينا وتسبب التنافر بين ثقافتينا. تقوم وزارة الخارجية بأداء دورها في هذا المجال، ومن ذلك أن زميلي (ديريك فاتشيت) ، وزير الدولة يجري محادثات دورية مع قادة الجالية الإسلامية في بريطانيا لتبادل وجهات النظر، وترعى وزارة الخارجية تبادل الزيارات بين الطلبة والندوات العلمية والمؤتمرات المعدة لإزالة الحواجز والعوائق بين الثقافات. ووزارة الخارجية قائمة على مشروع تحديث لأنظمتها حتى تصبح فعالة حقاً في هذا المجال. فيجب على وزارة الخارجية أن تكون ممثلة أكثر من السابق لكل ما يمكن أن تقدمه بريطانيا من تراث فكري وتنوع عرقي. وهكذا فإن وزارة الخارجية تشجّع المسلمين البريطانيين الأذكياء من كافة مجالات الحياة أن يأخذوا بعين الاعتبار السلك الديبلوماسي ويلتحقوا به كمهنة لهم؛ فهم سيلاقون ترحيباً من جانبنا؛ لأنه بإسهام المسلمين البريطانيين المخلصين إسهاماً فعالاً يمكننا أن نقول بأننا قد وسعنا البعد الإسلامي في سياستنا الخارجية. لدى بريطانيا ميزتان في علاقتها مع العالم الإسلامي: فنحن نشترك معاً في ألف عام من التاريخ المشترك مع أنه لم يكن كله تاريخاً سهلاً أو يسيراً. ولدينا في بلادنا مجتمع مسلم مزدهر؛ ففي بريطانيا أكثر من تسعمائة مسجد. ويحق الآن للمدارس الإسلامية أن تتلقى الدعم المالي من الدولة، كما أن حوالي مليون ونصف مليون مسلم بريطاني يسهمون إسهاماً كبيراً في المجتمع البريطاني. والمسلمون البريطانيون يؤدون دوراً كبيراً في الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية للأمة وهو دور آخذ في الازدياد المستمر؛ فإن مقدرتهم في الأعمال التجارية تساعد على دفع الاقتصاد البريطاني وتقويته، وشغفهم بالعلم ومحبتهم له ينعكس في الإسهامات التي يقدمونها للمهن في بريطانيا، وأكلاتهم المميزة اللذيذة قد تركت انطباعاً عميقاً ودائماً على الحياة البريطانية. وفي عالم اليوم يمكن لبريطانيا أن تستفيد إفادة متزايدة من كونها مجتمعاً متعدد الثقافات والأعراق. الجالية الإسماعيلية جسر فريد من نوعه: ولذلك فأنا سعيد بزيارتي لكم اليوم؛ لأن الجالية الإسماعيلية تشكل جسراً فريداً من نوعه بين الغرب والإسلام؛ فالجالية منتشرة في كافة أنحاء العالم، وهي موالية بقوة لجميع الأقطار التي تعيش فيها، ولكن أينما حلت فهي تتمسك تمسكاً قوياً بالقيم السامية لتقاليدها وهي: الاتحاد، والاعتماد على النفس، وتقديم الخدمات عند كل المناسبات. فأنتم بهذا المسلك تنسجمون مع البلد الذي تقيمون فيه، وتزيدون من تراثه الفكري وتقومون بكل ذلك من دون تخفيف أو تقليل أو إجحاف بهويتكم الفريدة. رجاؤنا الآن وأملنا هو أن يتمكن الغرب والإسلام من التعايش معاً في وئام وسلام، وفهم الواحد منا للآخر فهماً سليماً وتعلم بعضنا من بعض، وبناء الثقة بين مجتمعاتنا. وأملنا أيضاً أن نزيد من ثراء البعض فكرياً وإنسانياً واجتماعياً من دون أن نفقد هويتنا المستقلة. ولا شك أن الجالية الإسماعيلية قد أثبتت مع الزمن أن تحقيق ذلك أمر ممكن فعلاً) . اهـ التعليق على كلمة (كوك) الوجود الإسلامي في أوروبا ومسار الحوار مع الغرب: لم تعد أوروبا بالرغم من سلطان الكنيسة وتأثيرها المحدود كما كانت من قبل خالصة للأجراس والصلبان، بل علتها مآذن المسلمين، وتناثرت عليها مراكزهم الثقافية أسوة بسائر معابد الملل والنحل الدينية، ولم يعد الوجود الإسلامي فيها حكراً على فئة دون أخرى، بل بات جامعاً كل أطياف اللون السياسي والعرقي، وشاملاً كل التوجهات المنتسبة إلى الإسلام باستقامة واعتدال أو زيغ وضلال. والطائفة الإسماعيلية هي إحدى فرق الرافضة الناشطة في الساحة الأوروبية بشكل عام وفي بريطانيا بشكل خاص، ولقد زار وزير خارجية (بريطانيا) (روبين كوك) في ٨/١٠/١٩٩٨م مركزها بلندن حيث ألقى هناك خطابه الذي حمل عنوان: (حوار جديد مع الإسلام) وقد ضمنه قضايا عديدة ثقافية وأخرى سياسية، مؤكداً حتمية تأثر مصالح كل من الغرب والشرق الإسلامي بما يؤثر على كل منهما من مؤثرات إيجابية أو سلبية، وداعياً من أجل تحاشي المؤثرات الضارة إلى نبذ ثقافة التعادي وإرساء وإيثار ثقافة التلاقي والتجاوز، والتحرر من هيمنة الرؤية التآمرية التي سوف يؤدي بقاء سلطانها لا محالة إلى خسارة الجميع، وهنا استبعد أن تكون العلاقة بين الحضارتين الإسلامية، والغربية علاقة تصارع وتصادم، وأعرب عن سقم نظرية صراع الحضارات قائلاً: (نحن لسنا بحاجة إلى الإسلام عدواً، بل نحن بحاجة إلى الإسلام صديقاً) و (إن الشيء الكثير من أسس حضارتنا يعود الفضل فيه إلى العالم الإسلامي) . وأشار إلى أن بناء علاقة متينة مع العالم الإسلامي هي (من أهم التحديات الجوهرية) التي يواجهها حزب العمال الحاكم، ويحمل هو همّها بصفته عضواً في الحزب ووزيراً للخارجية. ثم تناول عقب ذلك مسار العلاقات البريطانية الإيرانية وما حققته من تجاوز العقبات وتذليل الصعوبات مفيداً أن الدكتور كمال خرازي وزير خارجية إيران أفصح له (بأن سلمان رشدي لا يواجه أي خطر تجيزه أو تسمح به الحكومة الإيرانية..) مما جعله يوقن بأنه (يمكن لبريطانيا، وإيران أن تعملا معاً لمواجهة التحديات المشتركة على حد سواء) وأنه (سيصبح الآن بمقدور الاتحاد الأوروبي أن يقيم مع إيران علاقة بناءة أكثر من قبل) . وأعاد إنجاز المكاسب إلى وعي وإدراك أهمية التحاور في حل التناقضات السياسية والثقافية بين الغرب والإسلام ليس على الصعيد الرسمي فحسب وإنما على صعيد علاقة الشعوب، وحث على فتح باب الحوار بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي حول كل ما يهم الجانبين، وخص منها بالذكر مسألة البلقان، والسلام في الشرق الأوسط، والنزاع في أفغانستان والإرهاب، وحقوق الإنسان، ومعاملة الأقليات كأهم قضايا تلح على إجراء المحاورة. ونبه على ما تقوم به وزارته على الصعيد المحلي من الاتصال بقادة الجالية الإسلامي، وحث أفرادها إلى الالتحاق بالسلك الديبلوماسي؛ لأنه كما يقول: بإسهام المسلمين البريطانيين تكون وزارته قد وسعت بُعدها الإسلامي في سياستها الخارجية. الحوار المنشود: وهذه اللغة الهادئة عن الإسلام من وزير الخارجية لا تمثل نشوزاً في السياسة الإنجليزية؛ فقبل أربعة أعوام تقريباً أدلى ولي العهد الأمير (تشارلز) بتصريحات كهذه عن الإسلام كان لها صداها في الصحافة البريطانية والعربية، وما هي بمستغربة من قادة هذه المملكة التي تتوكأ على موروث ضخم من الخبرة في التعامل مع شعوب العالم الإسلامي الذي حكمت جزءاً كبيراً منه أعماراً مديدة، وأعواماً طويلة، وقد أومأ وزير الخارجية نفسه إلى هذه الخاصية التي ميزت بلاده عن مثيلاتها من دول أوروبا حيث قال: (لدى بريطانيا ميزتان في علاقاتها مع العالم الإسلامي: فنحن نشترك معاً في ألف عام من التاريخ المشترك مع انه لم يكن كله تاريخاً سهلاً، أو يسيراً) . وحقاً كما قال إن هذا التاريخ حافل بكثير من الآلام والتآمر على مصالح الإسلام، وحسبه سوءاً أنه كان رأس الحربة المسمومة التي طعنت خاصرة الخلافة الإسلامية، ومهدت السبل لضياع فلسطين بوعد بلفور المشؤوم الذي جعل من حلم اليهود واقعاً محققاً بقيام دولة (إسرائيل) ، وما فتئت آثاره، وآثامه تحرم المنطقة الإسلامية أمنها واستقرارها، وتدفع بها من مأزق إلى آخر لا يرى فيه إلا ما يدعو إلى الاشمئزاز والتقزز من كل دعوة حوار يطلقها الغرب، وليس هذا فحسب؛ بل السياسة الحالية لبريطانيا لا تقف من الحق الإسلامي موقف المؤيد والمناصر، ولا من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة موقفاً حاسماً يردعها، ويحد من أطماعها التوسعية، بل في كثير من الأحداث نراها تقتفي أثر السياسة الأمريكية المندفعة نحو استفزاز العالم الإسلامي سواء فيما يتعلق بأمن (إسرائيل) حيث أعلن رئيس الوزراء (توني بلير) دون تحرّ ولا تروّ تأييد الضربة الأمريكية وتصديق مزاعمها مما حمل الحكومة السودانية على سحب سفيرها احتجاجاً على هذا الموقف. ولا شك أن مثل هذه المواقف تفقد دعوة الحوار التي نادى بها وزير الخارجية جديتَها؛ لأن الحوار المنشود ليس هو ذاك الذي يكون أحد طرفيه مملياً والآخر متلقياً، ولا ذاك الذي يشعر فيه القوي بعلوه على الضعيف، وإنما هو ذاك الذي ينطلق من أسس العدل، وإقرار الحقوق، وخصائص الشعوب الدينية، والثقافية. ولا أعتقد أن أحداً من قيادات الفكر والسياسة في عالمنا الإسلامي يتردد في إجراء الحوار مع الغرب بهذا المفهوم، ولكن الواقع أن الحضارة الغربية لا ترضى في محاوراتها للحضارة الإسلامية بأقل من الانسلاخ عن مفاهيمها الدينية، والتبعية لأطروحاتها الفلسفية والثقافية؛ ومن هنا نجد وقوف الغرب بإصرار وإلحاح دون إرادة الشعوب الإسلامية واقترابها من إسلامها منهجاً للحكم والثقافة؛ حتى لو تحقق ذلك وفق آليات الحضارة الغربية ذاتها كالذي حدث في الجزائر؛ حيث كانت الديمقراطية وهي إحدى آليات الحضارة الغربية في التعبير السياسي والفكري الوسيلة التي اعتمدها المسلمون هناك للإسفار عن رغبتهم السياسية، ولكن بالرغم من ذلك فقد بارك الغرب تلك الأقدام التي ركلت هذه الإرادة ووأدتها، وأدخلت الشعب الجزائري في نفق مظلم، وآثر دعم تلك الأقدام الهمجية ومساندتها دون أدنى إحساس بعدوانها ومرارة استبدادها بالشعب الجزائري. إذن؛ فالحوار بين الغرب والإسلام لا يؤتي أُكُلَهُ يانعة إلا حين ينزل الغرب عن علوه ويتجرد من تلك النظرة التي لا تنظر إلى العالم الإسلامي إلا كبقرة حلوب تدرّ فقط ما يغذي الغرب وينمي قواه الاقتصادية، وليس له من الأمر شيء في أن يحكم بالذي يميز شخصيته. ونزعة الإرهاب التي ما طفق الغرب يتحدث عنها من باب أنها عقبة كؤود في طرق الحوار الغربي الإسلامي ونص عليها الوزير البريطاني في خطابه هذا؛ إنما جاءت رداً على عدوان السلطة العلمانية وإرهابها، تلك السلطة التي لا تستمد شرعيتها إلا من السياسة الغربية ومساندة آلتها العسكرية باعتبارها إدامة للرؤية التي يود الغرب فرضها على العالم الإسلامي. أيضاً فإنه في الوقت الذي يشدد فيه على مطاردة الإرهاب ملوحاً تارة، ومصرحاً تارة أخرى بخروجه من محاضن الإسلام نراه لا يحرك ساكناً إلاّ ما كان همساً لمحاكمة أولئك الذين أراقوا الدم الحرام بشكل فظيع على أرض البلقان إرهاباً؛ فكيف يستقيم إذن مجرى الحوار بين الغرب والإسلام، والغرب تحكمه نزعة التطفيف في المكيال ساعة الكيل للمسلمين، ونزعة الاستيفاء ساعة الحديث عن مصالحه ومقاصده؟ من أين يلج الغرب حواره مع الإسلام؟ كيف يمكن تصديق الغرب في رغبته هذه وهو لا يأتي البيوت من أبوابها وإنما من أدبارها التي أوقف عليها صنائعه التي شكلها بنفسه وصنع لها وجوداً مريباً في دياره، وديار الإسلام، ومن ثم لا أجد ما يدعو إلى الغرابة في وصف الوزير البريطاني للطائفة الإسماعيلية (بأنها تشكل جسراً فريداً من نوعه بين الغرب والإسلام) فإن مثل هذه الحركات الباطنية تمثل بلا ريب مطية الغرب المروّضة؛ فمن قبلُ أوجد البريطانيون نِحلة القاديانية في الهند تسويغاً لغزوهم الاستعماري؛ حيث ألحقتهم زوراً بولاة الأمر الواجب طاعتهم ديناً، وليس من الحقيقة في شيء الاعتقاد بأن الغرب لفظ هذه النحلات المارقة عقب الحقبة الاستعمارية بعد أن استنفد منها غرضه، لا؛ إنه ما زال يكلؤها بالعناية ويعود إليها حين الحاجة لكونها أخلص نية، وأصدق ولاءً، وهذا ما نعت به الوزير البريطاني الطائفة الإسماعيلية؛ حيث قال فيها: (إنها موالية بقوة لجميع الأقطار التي تعيش فيها) ويقيننا أن هذه الموالاة هي التي تدنيها من الغرب. ومعلوم أن ولاء الطوائف الباطنية لأقطار الكفر أوضح بكثير من أن يحتاج إلى رصد الوثائق، وتقديم الوقائع، ولهذا لا معنى لهذا الحوار ما لم يأخذ سبيله عبر المرجعية الإسلامية ممثلة في العلماء الربانيين ودعاة العمل الإسلامي المنضبط بضوابط المنهج النبوي في فهم الدين، وتنظيم علاقات الذات مع الآخر، وليس عبر هذه الشياه القاصية، ولكن لأمر ما نجد الغرب يقدم هذه النماذج المشبوهة، ويسعى إلى أن يجعل منها مثالاً صالحاً للتحاور باسم الإسلام والمسلمين في حين أنها لا تحمل من الإسلام إلا اسمه! ولا من الدين إلا رسمه. العلاقات الإيرانية البريطانية: وما غاب عن الوزير وهو يشير إلى مسار العلاقات البريطانية أن يطمئن الطائفة الإسماعيلية باعتبارها إحدى طوائف الرفض بأن قضية سلمان رشدي لم تبق حداً مستعصياً على تطبيع العلاقة مع إيران، وبغض النظر عما إذا كانت الفتوى الإيرانية في الأصل للاستغلال السياسي والمزايدة على الشارع الإسلامي أم لا، فإني لا أرى أن نفور الغرب عن الاتجاه السني يضاهي نفوره عن الاتجاه الرافضي، ولعلي لا أكون مبالغاً إذا ما قلت: (إن إيراد الوزير البريطاني اسم أفغانستان وهو يخاطب الإسماعيليين في مركزهم ليس ببعيد من أن يكون منطوياً على إمكانية تفهم بريطانيا لموقف إيران من طالبان إن لم يكن تأييداً ومؤازرة، باعتبار قلق الطرفين من انتصارات الأخيرة على الجيوب الموالية لإيران والغرب داخل أفغانستان، وبدهي جداً أن يستصحب البريطانيون وهم يضعون مسألة الأفغان على قائمة اهتماماتهم العالمية مأثورات ماضيهم الاستعماري جنباً إلى جنب مع العداء التاريخي بين الأفغانيين والإيرانيين؛ فالاستنفار العسكري الذي قام به الإيرانيون مؤخراً على حدودهم مع أفغانستان عقب الأزمة التي نشبت بينهم وبين طالبان ليس له من تفسير سوى ارتفاع درجة القلق والأرق من احتمال قيام دولة سنية قوية تحجّم دور إيران الشيعية وتحول دون أطماعها الفكرية والسياسية في المنطقة، وخبرة البريطانيين بهذه التناقضات تسول لهم توظيفها لصالح سياساتهم في المنطقة، فهم كما قلت يعرفون من أين تؤكل الكتف؟ ! وربما يعاب عليّ بأني على حد كبير من التشاؤم لا أنظر إلى التفاعلات السياسية إلا من ثقوب ومنافذ نظرية التآمر التي تصوّر كل مبادرة غربية وكأنها شيطان مارد ذو مخالب وأنياب يريد أن ينقض علينا، وينهش لحومنا، لكني أقول: ليس الأمر كذلك؛ ولكني أرى ضرورة الاسترشاد بالتاريخ، والاهتداء به في تثبّت المواقف وتحديد السبل؛ فإنه عبرة لأولي الألباب لا سيما إذا ما كان هذا التاريخ كتاريخ بريطانيا العظمى مع العالم الإسلامي الذي قال فيه الوزير نفسه: (إنه لم يكن كله تاريخاً سهلاً أو يسيراً) وإلا تكون اللدغة عقب اللدغة؛ ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؛ فكيف إذا لدغ مرات؟ ! الوجود الإسلامي في بريطانيا: أما فيما يتعلق بالوجود الإسلامي في بريطانيا فهو كما ذكر الوزير آخذ في التنامي والتزايد، ولكن إلى أي حد من الاهتمام والتوقير يحظى هذا الوجود من الحكومات البريطانية؛ إنه أقل بكثير من ذلك الذي يحظى به الوجود اليهودي مثلاً؛ فحتى وقت قريب كان الدعم الحكومي لمؤسسات التعليم غير الحكومي حِلاّ لبني إسرائيل محجوباً عن المسلمين حجب حرمان، ولم يتحقق منه ما تحقق إلا بعد طول مُحاجّة ومجادلة انتهت فقط بدعم المرحلة الابتدائية من مدارس يوسف إسلام وأخرى لغيره في برمنجهام دون إلحاق سواهما بهما، فهل من الإنصاف أم من الإجحاف حين يكون اعتناء الحكومات البريطانية المتعاقبة (بمليون ونصف مليون مسلم بريطاني يسهمون إسهاماً كبيراً في المجتمع) ويؤدون (دوراً كبيراً في الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية للأمة..) على حد تعبير الوزير إلى هذا الحد من التدني؟ أجل إن الجالية الإسلامية تزر وزر تقصيرها في المطالبة بحقوقها بما هي عليه من تعدد الإطارات المبعثرة واللاهية عن مصالحها الحقيقية. لكن من جانب آخر إنه حيدة عن الدقة حين يجعل الوزير من هذا الدعم حقاً مشاعاً لكل مدارس الجالية الإسلامية بقوله: (ويحق الآن للمدارس الإسلامية أن تتلقى الدعم المالي من الدولة..) . على كلٍ فإن الإسلام في الغرب بعامة وفي بريطانيا بخاصة أضحى فوق حد التجاهل والتجاوز، وبات وجود المسلمين معتبراً في التأثير على مختلف جوانب الحياة الأوروبية، ومن الممكن أن يتعاظم ثقلهم السياسي، ويتعزز نفوذهم الاقتصادي والثقافي إذا ما أحسنوا توظيف وجودهم هذا لمآرب تقيهم شر الأذى وتعود عليهم بشيء من منافع المآل والحال، أما انفعالهم مع الدوائر السياسية إدلاءً بالأصوات وتنافساً على المناصب فهو نازلة تقتضي دراسة شرعية من أهل العلم بضوابط الشرع وفقه الواقع حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

стр. 3014

المسلمون والعالم حمّى سنة ٢٠٠٠ الحلقة الثالثة (البقرة العاشرة) .. أخرجوها، فمتى يذبحونها؟ ! عبد العزيز كامل هذه الحلقات تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى شهور معدودة، ومن اللافت أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية التي يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود أفعال قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب الوقت من عام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل. وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها، ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها إن شاء الله في حلقات منفصلة. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان- بدايةً، أعتذر للقارئ الكريم، عن إشغال جزء من صفحات هذه المجلة الوقورة للكلام عن (بقرة) ! .. ولكن.. ماذا نفعل إذا كان أعداء الله من غلاة اليهود يربطون مصير المنطقة الآن بمصير (بقرة) ؟ ! ولا أدري بالضبط ما هي حكاية اليهود مع البقر؛ فقد اتخذوا في بواكير عهدهم مع موسى إلهاً من عجول البقر، كما جاء في القرآن: [وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ] [الأعراف: ١٤٨] . ولهم مع البقر قصة أخرى، نزلت باسمها أكبر سورة في القرآن، وهي سورة البقرة التي سميت بهذا الاسم لتدل على سوء الفهم وخبث الطوية لدى بني إسرائيل في أمر تعنّتهم في البقرة التي أُمروا بذبحها، واستمرار هذا التعنت في شؤونهم كافة، بما استحقوا معه أن يُنتزع منهم الاصطفاء، ويتحول إلى الأمة الخاتمة، أمة محمد ﷺ ، كما دل على ذلك محور السورة وهدفها الرئيس. ولكن بني إسرائيل من يومها ظلوا يعيشون في وَهْمِ الاصطفاء والاختيار والتميّز، مهما اقترفوا من خطايا وارتكبوا من موبقات، زاعمين أنهم [أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ] [المائدة: ١٨] ، أما الشريعة التي أنزلها الله تعالى لهم، فقد بدلوها وغيّروا فيها بما يُبقي عندهم الشعور الزائف بأنهم لا يزالون على دين صحيح مقبول. والحق أن ما بقي لديهم من الديانة، إما مفتقر إلى الصحة أو مفتقر للقبول، فهو إما باطل مخترع، أو حق منسوخ. وهناك أساطير كثيرة لا يزالون يتداولونها تدخل ضمن هذا السياق، فهي باطل مخترع أو حق منسوخ، وقد تابَعَتْهم على بعضها طوائفُ من النصارى، ولهذا فهم جميعاً يتقلبون بتلك المعتقدات الباطلة بين وَصْفَي: (المغضوب عليهم، والضالين) . وقد مر معنا في الحلقتين السابقتين كيف أن اليهود يحاولون إعادة إحياء كل الأساطير البائدة المستمدة من التوراة المحرفة، وكأنهم بذلك يريدون الجمع بين الخصوصية الزمانية (زمن الخلاص) والخصوصية الإنسانية (شعب الله المختار) والخصوصية المكانية (الأرض المقدسة) .. ولكن هيهات هيهات أن تغير الأساطير ما قضت به المقادير؛ فقد كتبت عليهم اللعنة إلى يوم الدين على ألسنة المرسلين. أسطورة لها خوار: في عام ١٩٢٠م، وعندما بدأت المباحثات بين الاتحاد الصهيوني والإنجليز من أجل التوصل إلى صيغة لتسليم فلسطين لليهود بعد انتهاء الانتداب، كان من بين الموضوعات المطروحة للبحث: (ملكية جبل الهيكل) . وطرح الجانب الإنجليزي في المباحثات سؤالاً: هل هذا المطلب مطلب عاجل أم آجل؟ وما مدى اجتماع الشعب اليهودي حول هذا المطلب؟ فأجابهم الحاخام (راف كوك) قائلاً: (يؤمن الشعب اليهودي كله إيماناً لا يتزعزع أن هذا المكان المقدس، وكل جبل الهيكل هو مكان العبادة الأبدي للشعب اليهودي، ورغم أنه في حكم غيرنا الآن، إلا أنه في النهاية سيقع تحت أيدينا، ويوم تقع أرض الهيكل في أيدينا، ستأتي إشارة من الرب (البقرة الحمراء) وبعدها نبدأ فوراً في البناء؛ حيث تنبأ بذلك أنبياء بني إسرائيل) [١] . والنبوءة التي أشار إليها الحاخام، هي معنى ما ورد في الإصحاح التاسع عشر من سفر العدد بالتوراة، ونصها: (وكلم الرب موسى وهارون قائلاً: هذه فريضة الشريعة التي أمر بها الرب قائلاً: كلّم بني إسرائيل أن يأخذوا إليك بقرة حمراء صحيحة لا عيب فيها، ولم يعْلُ عليها نِيرٌ [٢] فتعطوها (ألعازار) الكاهن فتخرج خارج المحلة، وتذبح قدامه، ويأخذ ألعازار الكاهن دمها بأصبعه، وينضح من دمها في وجه خيمة الاجتماع سبع سنوات، ويحرق البقرة أمام عينيه، يحرق جلدها ولحمها ودمها مع فرثها، ويأخذ الكاهن خشب أرز وزوفاً وقرمزاً، ويطرحهن وسط حريق البقرة، ثم يغسل الكاهن ثيابه ... ) ثم بيّن النص العلة من ممارسة هذا الطقس: (.. تكون البقرة لبني إسرائيل وللغريب النازل في وسطهم فريضة دهرية) . ولكن: لماذا حوّل اليهود تلك (الفريضة) إلى نبوءة و (إشارة) من الرب؟ ! في الواقع أنهم يربطون بين تنفيذها وبين إعادة بناء الهيكل؛ فالفريضة.. أو النبوءة.. أو البقرة الحمراء، ستكون دلالة عندهم على أن الزمن الذي ظهرت فيه هو نفسه زمان الهيكل الثالث بعد إعادة بنائه. ولعل هذا يفسر لنا استمرار غياب الكلام عن مثل تلك الطقوس خلال أزمنة اليهود الخالية التي لم يكن لهم فيها تمكين. ويعتقد اليهود المتدينون أنه قبل ألفي عام مضت، في حقبة المملكتين اليهوديتين، الأولى والثانية؛ تم مزج رماد بقرة حمراء صغيرة ذبحت في عامها الثالث، وخلط دمها بالماء، واستخدم في (تطهير) الشعب اليهودي، ليصبح مهيأً للدخول إلى الهيكل المقدس، ويعتقدون أيضاً أنه لم تولد طوال التاريخ اليهودي بقرة بتلك الأوصاف منذ دمر الهيكل الثاني عام ٧٠ للميلاد، وعلى حسب التاريخ الديني اليهودي، فإنه قد جرت التضحية ببقرة حمراء واحدة في زمن الهيكل الأول، وبثماني بقرات في زمن الهيكل الثاني.. واليوم، يستعدون لمرحلة الهيكل (الثالث) وزمان البقرة (العاشرة) . البحث عن البقرة: لم يعد سراً تزايد حرص اليهود على المزيد من الخطوات العملية المتفاعلة الآن من أجل إعادة بناء الهيكل بعد الانتهاء من هدم مسجدي الأقصى والصخرة، وبما أن الهيكل لن يعمره بالعبادة إلا أناس (مطهرون) من النجس، وبما أن هذا النجس لن يزول إلا برماد البقرة، وبما أن البقرة لم تكن موجودة إلى عهد قريب، فإن جهود اليهود اتجهت للبحث عن بقرة تطل بقرنيها على مشارف القرن الجديد.. فلا بد من ظهورها أو إظهارها، ولو اقتضى الأمر استحداث بيئات وظروف تستخرج تلك البقرة استخراجاً من بين ملايين البقر! ! وهذا ما كان؛ فمنذ عدة سنوات، تعهد كاهن أمريكي يُدعى (كلايد لوت) ينتمي إلى جماعة (حركة الهيكل الثالث) الإنجيلية الأصولية بأن يوقف جهوده للعثور على بقرة بالمواصفات الدقيقة الواردة في العهد القديم، ونذر نفسه للمساعدة في أي مشروع يتعلق بإعادة تأهيل الهيكل للعبادة، وقد جرت اتصالات ومقابلات عام ١٩٨٩م بين هذا الكاهن وبين الحاخام الإسرائيلي (حاييم ريتشمان) الذي يعمل في معهد (الهيكل المقدس) حيث اقترح ريتشمان فكرة إنشاء مزرعة لإنتاج وتربية الأبقار من سلالة (ريدنفوس) الضاربة إلى الحمرة، فاقتنع الكاهن، وأنشأ بالفعل تلك المزرعة في ولاية ميسيسيبي الأمريكية، وقد أنشأ هذا الكاهن فيما بعد فرعاً لمزرعته في مدينة حيفا، تحسباً ليوم تولد فيه البقرة المنتظرة! إعلان العثور على البقرة.. وماذا يعني؟ أخيراً ... وبعد ما يقرب من ألفي عام، ادعى اليهود أنهم وجدوا ضالتهم! لقد ظهرت البقرة! ! ففي شهر أكتوبر من عام ١٩٩٦م، تم الإعلان عن ميلاد بقرة حمراء مطابقة للمواصفات الواردة في التوراة، وأعلن أنها ولدت في مزرعة (كفار حسيديم) وعلى الفور ذهب وفد من الحاخامات لمعاينة حالة مولود العصر، ومقارنته بالأوصاف المذكورة في التوراة، ثم أعلنوا وقتها مطابقة المولودة للمواصفات بعد أن باركوها، وأمروا بفرض حراسة مشددة حولها! ... ... ... ... ... [جريدة الأخبارالمصرية، ٢٥ إبريل ١٩٩٧م] لقد كان الإعلان عن العثور على البقرة بداية لمرحلة جديدة ومثيرة من الهوس الألفي عند اليهود وأنصارهم من البروتستانت المتهودين في أمريكا وبريطانيا، وتناولت وسائل الإعلام الحديث بتغطية متلفعة بالتكهنات والتوقعات والحذر؛ فقد نشرت صحيفة الأوبزرفر البريطانية في عددها الصادر في (٩/٧/١٩٩٧) أخبار الحدث قائلة: (سيكون الذبح الطقسي للبقرة الحمراء بعد ثلاث سنوات من ميلادها، بداية العد التنازلي للعودة الكبيرة لليهود إلى موقع عبادتهم السابق، وتبشيراً بمجيء المسيح المخلّص، بيد أن محاولة تحقيق هذه العودة ستؤدي إلى بداية لا تُنسى للألف الثالثة) ! لقد توافد الآلاف من اليهود (متدينين وغير متدينين) إلى مزرعة (كفار حسيديم) في إسرائيل لمشاهدة هذا الكائن (الأسطوري) . ولحسم الفوضى التي يمكن أن تنشأ عن هذا التدافع، لجأت الجهات اليهودية المهتمة بهذا الشأن إلى تنظيم الزيارات والرحلات لزيارة البقرة! ! لقد نجح الشيطان لعنه الله في استثمار ضعف الإنسان حيال الغيب المجهول، فأحدث بين اليهود حالة من النشوة، محفوفة بهالة من الرهبة وممزوجة بالرغبة في اقتحام المزيد من أستار الغيب المجهول، ورأى كبار زعماء الجماعات الدينية الفرصة سانحة لضخ الدماء في عروق التعصب لمزيد من التأهب لمغامرات المستقبل القريب، ونظروا إلى البقرة التي أطلقوا عليها اسم (ميلودي) على أنها أحدث إشارة بدنو العصر الأخير، وتوقع الكثيرون منهم أن تستخدم دماء تلك البقرة عينها في احتفالات (تطهير) الشعب اليهودي، الذي لا يمكن أن يمارس العبادة في الهيكل إلا بعد أن يتم تطهيره برمادها وفقاً لقول التوراة التي بأيديهم: (كل من لم يتطهر فإنه ينجس مسكن الرب) [٣] ورأى آخرون أن هذه البقرة التي ظهرت هي حلقة الوصل المفقودة والمطلوبة للوصول السريع إلى زمن إعادة الهيكل؛ حتى إن اليهودي الأصولي المتعصب (يهودا اتزيون) الذي كان متهماً رئيساً في محاولة تفجير قبة الصخرة عام ١٩٨٥م، أعلن بعد ظهور البقرة ابتهاجه بهذا الحدث (التاريخي) وقال: (إننا ننتظر منذ ألفي سنة ظهور إشارة من الرب، والآن أرسل لنا البقرة الحمراء، وظهورها يعتبر أحد أهم الدلائل على أننا نعيش في زمن مميز، ولهذا فلا بد من الإسراع بإزالة مسجدي الأقصى والصخرة من جبل الهيكل، ونقل بقاياهما إلى مكة) ! [السياسة الكويتية، ٣٠/١٠/٩٧] وبدأ المتعصبون اليهود على الفور في استثمار الحدث، لإنشاء واقع جديد من خلاله، فدعا عديد من زعماء الجماعات الدينية (الطليقة) في طول البلاد وعرضها في (إسرائيل) إلى إلغاء الفتوى الحاخامية القديمة التي تحظر على اليهود دخول ساحات المسجد الأقصى، ووقعوا توصية بذلك في المؤتمر السابع لحركة (إعادة بناء الهيكل) . [الحياة، ١٦/٩/١٩٩٨] . وبالفعل، قررت لجنة من ٦٠ حاخاماً في شهر أغسطس من عام ١٩٩٧م تجاوز الحظر الذي كان معمولاً به، وشجعوا اليهود على الصعود إلى ما يسمونه (جبل الهيكل) حيث يوجد المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، واحتج هؤلاء بأن لديهم مسوغات كافية تجعل من حق اليهود أن يصعدوا إلى هناك لكي يتسنى لهم البدء في الاستعدادات الخاصة بإعادة بناء الهيكل، وقال المتحدث باسمهم: (إن الحظر العام على الصعود لم يكن يأخذ في اعتباره في السابق الاكتشافات الأخيرة، وأبرزها اكتشاف البقرة الحمراء، ونحن الآن بانتظار الخلاص، وإعادة بناء الهيكل التي يجب أن تبدأ بسرعة في أيامنا هذه) . ... ... ... ... ... ... [الأنباء الكويتية، ٩/٧/١٩٩٧] وبدأت مجموعة من الحاخامات منذ سنوات في دعوة عائلات الكهان لإرسال أولادهم لكي يتم إعدادهم في حجْر (العزل الطاهر) ليكونوا جاهزين للعمل في الطقوس المتعلقة بالبقرة، واستجابت أربع عائلات كهنوتية للتبرع بأولادها من أجل هذا الغرض. ... ... ... ... ... [الرأي العام: ٥/٣/١٩٩٨] وبدأ الحاخامات منذ فترة بالاتفاق مع الجهات الحكومية بتحصيل نسبة ١% من مجموع الإنتاج داخل إسرائيل، ليوضع في حساب (خدمات الهيكل) الذي دخلت مهماته مرحلة التنفيذ بظهور البقرة، وتحصيل هذه النسبة يجري الآن وفقاً لتشريع ديني يقضي بأن يقدم الشعب اليهودي عُشر العشر ليوقَف على الهيكل، وقد وُضِعَ عنوان خاص لاستقبال تلك الإسهامات وتنظيم إنفاقها على المشاريع المتعلقة بالهيكل. لقد ظهرت مع ظهور البقرة الحمراء حالة من الحماس الديني بين الجماعات اليهودية التي تنافس الحكومة بأنشطتها (١٢٠ جماعة) ، وبدأت في اكتساب أنصار جدد من أولئك الذين لم يكونوا يأبهون بشعارات الجماعات الدينية، وقد علق (مناحيم فريندمان) الخبير في الشؤون الدينية في جامعة (بارابلان) على هذه الظاهرة الجديدة بقوله: (إن ولادة هذا الحيوان الطارئة، أوجدت حالة من الحساسية في إسرائيل؛ إذ أصبح الناس يبحثون في أمر هذه العلامة ويتحدثون عنها بدقة) . ... ... ... ... ... ... ... [السياسة، ٣٠/١٠/١٩٩٧] البُعد السياسي لعهد (البقرة) : لم يكن المتدينون وحدهم المحتفين بضيفة (إسرائيل) الجديدة، بل اهتبل السياسيون مناسبة حلولها في ذلك التوقيت، لتحقيق أغراض سياسية وحزبية، مستغلين تصاعد المد الديني في (إسرائيل) وربط كثيرون بين ظهور البقرة وظهور نتنياهو، الذي تُوجت في عهده أنشطة الجناح الديني في السياسة الإسرائيلية. والمؤسسة الدينية التي اعتبرت فوز نتنياهو انتصاراً للمتدينين وهزيمة للعلمانيين؛ دأبت على تدعيم موقفه بعد الإعلان عن ظهور البقرة، وربطت مجيئه بتحقيق نبوءات يؤمنون بها، مما جعل البعض منهم ينظرون إليه على أنه يتبوأ منزلة (ملِك) من ملوك إسرائيل التاريخيين، وأنه يمكن على هذا أن يتمتع بـ (العصمة) الدينية، التي تجعل مخالفيه في زاوية المخالفين للتوراة. وقد أثار تفاؤل المتدينين أيضاً وقتها، أن عهد نتنياهو سيستمر في السلطة حتى العام ٢٠٠٠م على الأقل [٤] وهو العام المرتب له أن يكون عام (التطهير) ! لكن هناك فريق من الإسرائيليين لم يشاركوا جمهور اليهود في الابتهاج بالعجل الجديد، وهم شرائح من العلمانيين الذين شعر كثير منهم بالانزعاج والتخوف من مضاعفات هذا الاكتشاف ونتائجه التي قد يصيبهم شرها وشررها. ورأى بعضهم أن (قضية) البقرة، قد تفتح باباً لدوامة من العنف لا نهاية لها بين المسلمين واليهود داخل فلسطين، وأيضاً بين المتدينين وغير المتدينين من اليهود، وذلك ما أكده الصحفي الإسرائيلي (ديفيد لانرد) حيث قال: (إن الأذى المحتمل من جانب الحديث عن ظهور البقرة الحمراء، يفوق بكثير ما يمكن أن ينتج عن الخصائص التدميرية لقنبلة نووية دينية) . خيبة أمل.. عارضة: بعد أن راحت الأحلام تسبح باليهود المتدينين في سواحل الخيال.. والخبال، طرأ ما يعكر أجواء هؤلاء الحالمين، فقد شكك بعض الحاخامات في أن تكون (ميلودي) هي البقرة الحمراء المنتظرة، وأوردت صحيفة معاريف الإسرائيلية الصادرة في (٢٩/١٠/١٩٩٧م) عن الحاخام (شمار ياشوف) تصريحاً أدلى به من المزرعة التي تقيم فيها (ميلودي) قال فيه: (قد لا تكون هذه البقرة هي الحقيقية بسبب بعض الشوائب) ! وأخرج الحاخام عدسة مكبرة، ولاطف البقرة، وصوّب العدسة نحو ذيلها وقال: (انظروا.. هنا تجدون بعض الشعيرات البيضاء) ! ثم اتجه إلى رأسها، وصوّب النظر نحو عينيها وقال: (لاحظوا.. إن رموشها تبدأ حمراء وتنتهي سوداء) ! وقد شكك آخرون في هذا التشكيك، كما نقلت ذلك الأوبرزفر في ٩/٧/١٩٩٧ م فهوّن (يهودا اتزيون) الناشط الصهيوني من شأن تلك التحفظات التي أبداها الحاخام المذكور، وسارع إلى طمأنة القلقين وقال: (هذه الشعيرات التي شوهدت ستختفي بمضي الوقت، وحتى إذا لم تختفِ، فإن الكتاب المقدس يقول: إن شعرات قليلة لا تنفي الطبيعة المقدسة للبقرة إذا كانت كلها حمراء) . إن مشاعر التعجل لدى متعصبة اليهود، لا تريد أن يخرج الناس من أجواء الأوهام الألفية الخلاصية، فهم يجنون أنضج الثمرات من تأجيج أحاسيس الدنو القريب لعصر النهاية (السعيد) ولا يدري هؤلاء البؤساء، أنهم سيخرّبون بيوتهم بأيديهم وبأيدي المؤمنين في نهاية المطاف، ولكنهم مصروفون عن هذا، ومصرون على النفخ في كير الحرب الدينية القادمة، حتى إن (اتزيون) المذكور آنفاً، وغيره من المتعصبين، يعتقدون كما نقل عنه في التصريح السابق أن رماد البقرة الحمراء سيحول مجموعات اليهود المتدينين القلائل إلى حركة جماهيرية واسعة الانتشار! هل لنا موقف من (البقرة) ؟ نحن بطبيعة الحال، لا يعنينا من شأن تلك البقرة شيء، سواء في شكلها أو وصفها أو سنها، أو زمان ومكان خروجها، ولكن الذي يعنينا هو ما تمثله تلك البقرة من كابوس يمكن أن يثير من الأحداث ما يتعاظم على السيطرة، وقد عودنا اليهود خلال الخمسين عاماً الأخيرة أنهم أكفأ البشر في تسويق الأحلام واستثمار المصائب لصالحهم. قد يتشبث اليهود بتلك البقرة بالذات ليكملوا نسج بقية الأسطورة بين يديها أو قرنيها، وقد يستبدلونها بعد حين بأخرى أكثر مطابقة للمواصفات التي تليق بأمة متنطعة تريد أن تكرر حديث الصفات النادرة عن البقرة الصفراء الفاقع لونها، مع البقرة الحمراء الخالص حَمَارها. أما المعتقد الأصلي في البقرة، والموجود الآن في نسخ التوراة المتداولة، فلا نصدقه ولا نكذبه فقد يكون من الشرائع المنسوخة وذلك تسليماً بالهدي النبوي المذكور في الحديث الشريف: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم) [٥] . ولكن المقطوع به أن تلك (الفريضة الدهرية) كما وصفوها.. لا تمت إلى الدين المقبول بصلة، بعد بطلان الشرائع بشريعة النبي الخاتم. وهنا أمر أود الإشارة إليه، وهو أنني لا أستبعد أن يكون ظهور بقرة حمراء مطابقة لما يتطلع إليه اليهود، من تلاعب الشيطان، فيكون هذا من قبيل الاستدراج لهم، فقد تأتي الأقدار لهم بالبقرة التي يريدون، إمداداً لهم في الغي، فيظنون أنهم قد وصلوا إلى عتبة عصر (الطهارة) وينتهي الأمر بهم إلى مزيد من الانصراف عن الحق، كما قال سبحانه: [سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً] [الأعراف: ١٤٦] . ويمكن أن يكون هذا التلاعب الشيطاني بهم مثيلاً لتلاعبه بهم في شأن انتظار نبي خاص بهم من نسل داود، جعلهم يكفرون بعيسى اويكفرون بمحمد -صلى الله عليه وسلم- مصرين على انتظار هذا النبي الموعود. قال ابن القيم ﵀: (ومن تلاعبه بهم يعني اليهود أنهم ينتظرون قائماً من ولد داود النبي، إذا حرك شفتيه بالدعاء، مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وُعِدوا به، وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال، فهم أكثر أتباعه) [٦] . البقرة.. ونجاسة الشعب (المختار) : من أعجب أمور اليهود، أنهم لا يزالون يؤمنون عن يقين بأنهم (شعب الله المختار) حتى تقوم الساعة! والأعجب من ذلك أنهم يعتقدون بالقدر نفسه من اليقين بأنهم شعب (نجس) منذ عشرات القرون، لماذا؟ لأنهم قارفوا نجاسات عديدة لا يمكن التطهر منها حسب شريعتهم إلا برماد البقر الأحمر، ضمن طقوس لا تمارس إلا في الهيكل، وبما أن الهيكل غائب منذ ألفي عام، وعقمت معه الأبقار أن يلدن واحدة حمراء خالصة، فإن (النجاسة) ظلت ملازمة للشعب اليهودي بكامله. جاء في توراتهم: في سفر العدد الإصحاح ١٩: (هذه هي الشريعة.. إذا مات إنسان في خيمة، فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجساً ... كل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس، وكل من مس على وجه الصحراء قتيلاً بالسيف أو ميتاً أو عظم إنسان أو قبراً يكون نجساً..) (والذي مس ماء النجاسة يكون نجساً.. وكل ما مسه النجس يتنجس، والنفس التي تُمس تكون نجسة) ! ! فَمَنْ إذن من الشعب (المختار) بقي طاهراً؟ ! المشكلة هنا ليست في النجاسة فكل الكفار والمشركين نجس ولكن المشكلة أنهم يعتقدون أن هذا النوع من النجاسة لا يزول إلا برماد البقرة المحظية في نهاية الألفية، جاء في الموسوعة الدينية اليهودية: (إن البقرة الحمراء يجب سحبها خارج القدس، وبعد ذبحها يجب حرقها بكاملها بعد إضافة خشب الأرز وأعشاب أخرى، ويشرف على هذه الطقوس حاخام أو كاهن، ويستخدم الرماد في التطهر وطرد الأرواح الشريرة التي يمكن أن تنتقل إلى اليهود من الموتى لو مسوا جثمانهم) . والظاهر أن نجاسة اليهود من أكثر ما يؤرقهم، حتى إن التلمود الذي وضعه الحاخامات تفسيراً للتوراة يدور سدسه تقريباً حول كيفية التطهر من النجاسات، وجاءت البقرة أو هكذا ظنوا لتكون فاتحة لعهد من الطهارة يستقبلون به عصراً من الأمجاد، والله يعلم أن جميع البقر الأحمر والأبيض والأسود، لو صُيّر رماداً، ثم خلط بماء البحر الأحمر والأبيض والأسود، ثم أغرقت فيه أمة اليهود كلها، لما تطهر واحد منهم من نجاسة الكفر، إلا إذا دخل في دين التوحيد وآمن برسالة خاتم الرسل وسيدهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعه إلى يوم الدين قال تعالى: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [المائدة: ١٥-١٦] . أما هؤلاء، فإنهم لا يزالون في أسر الآصار التي كانت عليهم، لا يبغون عنها فكاكاً، وقد نقلت صحيفة الرأي العام الكويتية عن إحدى الصحف الإسرائيلية في (٥/٣/١٩٩٨م) أن حواراً أجري مع واحد من أبرز الحاخامات الإسرائيليين ويدعى (البويم) حول العديد من الأسئلة الحائرة الدائرة حول البقرة، فكان من ضمن الأسئلة: هل تكفي بقرة واحدة لخمسة ملايين يهودي ملوثين بالنجاسة؟ فأجاب: (أجل، ولسنوات كثيرة أيضاً، لقد دُوّن في التوراة أن البقرة الحمراء الأولى أعدت على عهد موسى، أما الأبقار التالية فقد أعدها عزرا، فخلال فترة الهيكل الثاني أعدوا ثماني بقرات، إذن فالعدد كله تسع بقرات، ونحن الآن في زمان البقرة العاشرة) إذن، فأمر البقرة سواء كانت هي تلك التي أعلنوا عنها أو غيرها مما يمكن أن يعلنوا عنه، ليس بالأمر الهامشي في حياة اليهود في هذه الأيام؛ خاصة أنهم يرون أنفسهم قد قطعوا من الطريق أطوله نحو عهد الهيكل الثالث، وعلماً بأن ما يقرب من ٩٥% من الطقوس العبادية اليهودية التي تؤدى في الهيكل، يحول بين اليهود وبين ممارستها ما يسمونه بـ (نجاسة الموتى) ، بل إن بعض الحاخامات يتحدثون عن استحالة افتتاح الهيكل للعبادة بأيدي (أنجاس) واستحالة تمكّن هؤلاء من القيام بشؤونه وطقوسه قبل تطهّرهم برماد البقرة! ! ولله في خلقه شؤون! كيف إذن سيبنون وكيف يجهزون وهم أنجاس؟ الله أعلم! أما عن كيفية التخطيط العملي لهذه (الطهارة) الجماعية، فهذا سؤال توجهت به صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية في (٢/٣/١٩٩٨م) إلى أحد الحاخامات الكبار فقال: (سنحرق البقرة قبالة موقع الهيكل من جهة الشرق، وبالإمكان أن نضيف إليها بعض الأشجار، وبعد ذلك نخلط الرماد بعضه ببعض، ومن ثم يتم وضع الرماد في أنابيب، وتوزع في أرجاء البلاد) ! ! شيء قريب من توزيع مياه الشرب أو (الغاز) .. إنها ألغاز! ! فماذا إذن عن الملايين العشرة الباقين من اليهود خارج البلاد؟ ! الظاهر أن الرماد سيصدّر إليهم في مغلفات معقمة من قوارير، أو أنه سيكون مدعاة قوية لهجرات جديدة إلى أرض الميعاد ... والرماد! موعد الميلاد.. وموعد الذبح: الموعد الذي ولدت فيه البقرة سيحدد بدقة الموعد الذي ستذبح فيه، فعلى حسب المفاهيم اليهودية لا بد أن تذبح البقرة بعد أن تتم ثلاث سنوات، وهناك اختلاف معلن في تحديد الموعد الذي ولدت فيه، فالبعض داخل (إسرائيل) يقول إنها ولدت في شهر أغسطس من عام ١٩٩٧م، وهناك من يقول إنها ولدت في يناير من العام نفسه، وعلى هذا؛ فهي ستتم عامها الثالث إما في يناير من عام ٢٠٠٠م، أو في أغسطس من العام نفسه، وعلى هذا يكون العام ٢٠٠٠م، عاماً مصيرياً في عمر البقرة وفي عمر اليهود، حيث تتوقع جماعاتهم الدينية أن عصراً جديداً سيحل في الأرض المقدسة بعد ذبح البقرة في بيت المقدس، أو في (أورشليم) كما يسمونها! ومع (أورشليم) التي يجري إعدادها أيضاً لعهدها الجديد قبل العام ٢٠٠٠م سيكون حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله.

стр. 3015

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش ثم تكون عليهم حسرة ذكرت صحيفة (معاريف) أن المليونير المصري (سعيد شلبي) بدأ إجراءات بالتعاون مع جهات (إسرائيلية) تمهد لإقامة مصنع لإنتاج المسامير الفولاذية والجدران الشائكة في مستعمرة (شدروت) بصحراء النقب جنوب (إسرائيل) . ونقلت الصحيفة عن مدير الشركة الاقتصادية في (شدروت) شالوم هليفي الذي التقى بالمستثمر المصري واتفق معه حول المشروع أن المصنع سيُقام بتوظيف رأسمال قدره ٢٥ مليون دولار وسيكون مهيأ لتشغيل ٣٠٠ عامل. وقال المسؤول (الإسرائيلي) إن الأمر يتعلق بمشروع متميز خاصة أنه سيكون أول مشروع من نوعه يقيمه مستثمر ورجل أعمال مصري في (إسرائيل) . ... ... ... ... ... [جريدة الخليج، العدد: (٧١٦١) ] نفي أم.. إثبات؟ نحن نتعاون مع الإدارة الأمريكية مثلنا مثل أي دولة في المنطقة، هناك دعاية تروج الآن أن (سي. آي. إيه) فتحت لها مكاتب في مناطق السلطة الفلسطينية، وأنا أوكد حتى هذه اللحظة لا توجد لدينا مكاتب، وإن كنت أنا أميل سياسياً لأن يفتح مكاتب لـ (سي. آي. إيه) . [محمد دحلان، رئيس الأمن الوقائي الفلسطيني، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٦٠) ] سراب العودة تتداول الدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين تقريراً أمريكياً عن النية في توطين اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها بالأساس، ونقل أعداد منهم إلى الدول العربية المجاورة ودول أخرى تمهيداً لتركيز ملف اللاجئين في يد دولة واحدة. ويبلغ عدد لاجئي ١٩٤٨م، ونازحي ١٩٦٧م ستة ملايين فلسطيني موزعين على أكثر من ١٣٢ دولة. ... ... [جريدة الخليج، العدد (٧١٢٣) ] الحصار المر ذكر وزير الصحة العراقي أن ١. ٩ مليون عراقي تقريباً توفوا نتيجة لحرب الخليج والعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة على العراق منذ أكثر من ثماني سنوات. ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٠٠) ] من الفرنسة إلى الأمركة! ! أبدى بعض المسؤولين العسكريين الجزائريين رغبة قوية في تطوير وتعميق التنسيق والتعاون مع الولايات المتحدة وقدم الجانب العسكري الجزائري ثلاثة اقتراحات من أجل بدء علاقة جديدة بين الدولتين: ١- إجراء مناورات عسكرية مشتركة وبصورة منتظمة. ٢- دعوة ضباط أمريكيين من رتب مختلفة إلى زيارة الجزائر وتفقد مواقع ومراكز عسكرية. ٣- دعوة قيادة سلاح الجو الأمريكي إلى إرسال طائراته إلى الجزائر للقيام بتدريبات مشتركة. وقد أبدى الوفد العسكري الجزائري رغبته في شراء معدات عسكرية أمريكية. ... ... [مجلة روزاليوسف، العدد: (٣٦٨٠) ] أيها العرب.. موتوا بغيظكم قال وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر: إن ألمانيا ستظل تتحاشى توجيه النقد لسياسة إسرائيل، حتى ولو كان هذا النقد (مشروعاً) وذلك حفاظاً على متانة العلاقة بين البلدين، وإن الأجيال الألمانية المقبلة عليها أن تتحمل أيضاً أعباء مسؤولية ألمانيا عن الهولوكست. ... [مجلة المجلة، العدد: (٩٨٣) ] احتلونا مشكورين! ! قال مستشار الرئيس الأذري للشؤون الخارجية: إن أذربيجان عرضت على الولايات المتحدة أن تنشئ قواعد عسكرية على أراضيها (لأننا نواجه خطراً كبيراً من روسيا، والروس يعتزمون استخدام الأرمن لضربنا، وإننا نرحب بقواعد عسكرية تركية وأمريكية على أرضنا) . ... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٧٠) ] شاهد من أهلها قال وزير العدل الأمريكي السابق رامزي كلارك: إن الإدارة الأمريكية تعتبر الإسلام هو العدو الأول لها حالياً، وتحاول الربط بينه كدين وبين الإرهاب، وتستخدم الإعلام للإيحاء بأن كل علماء الإسلام إرهابيون. ... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣١١٥) ] حوادث حداثية لأدونيس وجهان، مثله مثل أي مبدع! ! ! أدونيس يتميز بقدر من الأنانية، وإنكار الآخرين واللجوء إلى سلوك العصابات، هناك في سلوكه استغلال سيئ لأدوات يجب أن تكون مفتوحة للناس جميعاً. [الشاعر: أحمد عبد المعطي حجازي، مجلة الوسط، العدد: (٣٦٣) ] قبل الكسوف أعلنت المفوضية العليا للاجئين أن تجدد المعارك في كوسوفا أدى إلى تهجير ٤٥ ألف شخص من نحو ٤٠ قرية، وقد أدى النزاع بين الصرب والمقاتلين الألبان في كوسوفا إلى نزوح ٤٠٠ ألف شخص في الإجمالي، أي ما يوازي ٢٠% من سكان الإقليم. ... ... ... ... [جريدة الأنباء، العدد: (٨١٦٢) ] أقلية منسية (٦٠ مليون) فقط! ! نددت منظمة العفو الدولية بالاعتقالات التعسفية التي قامت بها السلطات الصينية لمسلمي تركستان الشرقية واتهمت المنظمة الصين بتعذيب الأقلية المسلمة، وكانت الصين أرسلت في الآونة الأخيرة قرابة تسعة آلاف شرطي لمناطق مسلمي (الإويجور) . ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٧٤) ] رهبان أم سفاحون؟ إن كوسوفا مهد الحضارة الصربية، وتاريخ صربيا مسجل فيها بالدم الصربي قبل عدة قرون. عليكم بالتوالد والتكاثر حتى تتمكنوا من السيطرة عليها؛ لأن الجبل يملكه صاحب أكبر قطيع من الغنم. [بطريرك الكنيسة الصربية، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٤١) ] لماذا؟ أكد مسؤول عسكري أسباني أن بلاده ستعزز وجودها العسكري في مدينة مليلية المغربية التي تحتلها أسبانيا، وقال: إن التعزيزات العسكرية ستشمل دبابات قادرة على التحرك في كل التضاريس وأسلحة هجومية متطورة وقطعاً حربية حديثة، وطائرات مروحية، وسيارات عسكرية، وقنابل مضيئة وأنظمة متطورة للرصد والاتصال. ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣٠٩٧) ] أي دين تريد؟ مع الزمن وآه من الزمن تحولت من تسمي نفسها حركات دينية إلى حركات منعية تتدخل في خصوصيات الناس وأذواقهم ونوعية ملابسهم ونوعية الأغاني التي يتوجب عليهم سماعها، ونوعية الكتب التي يقرؤونها، الذي نعرفه أن دين الإسلام جاء رحمة للعالمين وجاء ليحررهم من القمع الفكري والجسدي ودعاة مصادرة الحريات، فإذا بالزمن التعيس! يطلع علينا بمن يفعل عكس ذلك، فيصادر أفكار وحريات غيره من الناس أو حتى ممارساتهم التي كفلها القانون والدستور واللوائح. [الكاتب الكويتي: عبد الرحمن النجار، جريدة الأنباء، العدد: (٨١٥٨) ] حتى أنت يا مانديلا؟ وجه الرئيس الجنوب إفريقي (مانديلا) انتقاداً عنيفاً إلى جماعات الدفاع الذاتي الإسلامية (الدفاع ضد الإجرام والمخدرات) وقال: إن حملاتها فاسدة حتى النخاع ومستلهمة من الباطل، ومحاولات تبريرها بالدين ما هي إلا كفر! ! ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣١١٩) ] هذا فهمك يا فهمي! ! إن الجهاد في المرجعية الإسلامية هو جهاد الدعوة والتبليغ بالدرجة الأولى، وجهاد البناء والتعمير بعد ذلك، ثم جهاد المعتدين أخيراً، إن الجهاد القتالي استثنائي وطارئ، وهكذا فإن المسلمين ينبغي ألا يقاتلوا إلا من اعتدى عليهم وبدأهم بالقتال بسبب بغيه وعدوانه وليس بسبب اختلافه في العقيدة. ... ... [فهمي هويدي، مجلة المجلة، العدد: (٩٨٤) ] تنوير.. بلد النور! ! قام عدد من المدرسين الفرنسيين بالإضراب عن التدريس احتجاجاً على تمسك طالبتين تركيتين بارتداء الحجاب داخل الصف، وقال وزير الداخلية الفرنسي إن الحجاب يجعل الاندماج في المجتمع الفرنسي أكثر صعوبة، بإمكانكم أن تكونوا فرنسيين ومسلمين في الوقت نفسه، لكني أقول: إن ارتداء الحجاب أمر غير مرغوب فيه. [جريدة الشرق الأوسط، العددان: (٧٣٥٠، ٧٣٧٤) ] إلى دعاة حوار الأديان أعلن الفاتيكان إحياء منظمة تطلق على نفسها اسم (مساعدة الكنائس المضطهدة) وقد نشرت الصحف الإيطالية تقريراً أصدره الفاتيكان، وأعدته المنظمة المذكورة يزعم أن ٣٠ مليون مسيحي كاثوليكي يعانون الاضطهاد في ٤٦ دولة إسلامية. ... ... ... ... ... [جريدة الخليج، العدد: (٧١٨١) ] وقتلهم الأنبياء بغير سلاح! ! س: بعضهم يرى أنكم تملكون ناصية الحوار، ومن الداعين إليه لدرجة أنكم تحاورتم مع الحاخام اليهودي لارو، فلماذا لا تحاورون الجماعات الإسلامية؟ ج: أنا بطبيعتي أتحاور مع أي إنسان، ومع أي طائفة لأنني أقف على أرض صلبة، ولا أخشى الحوار، ولكن لا أتحاور مع من يحمل السلاح، لأن من يرفع السلاح، لا مكان له بيننا ولا حوار بيننا وبينه، الحوار له آليات أخرى خلاف سفك الدماء. [شيخ الأزهر، محمد طنطاوي، مجلة الوسط، العدد: (٣٦٠) ] طوبى.. لكوبا! ! أعلن الرئيس الأمريكي كلينتون سلسلة إجراءات لتخفيف الحظر على كوبا من أجل مساعدة الشعب، دون تقوية النظام! ! [جريدة الحياة، العدد: (١٣٠٨٩) ]
следующие страницы →