مع الفاتنة
د.محمد بن ظافر الشهري
ويائسةٍ قد كَلِفنا بها ... لعوبٍ خؤونٍ لأصحابها
ومهما نَهُن لطويلِ المقامِ ... ترانا وقوفاً على بابها
فلم نلتفتْ لسواها ولمْ ... نُؤَدّ الحقوقَ لأربابها
ولسنا نسارعُ إلا لها ... ولا نتشبثُ إلا بها
نبادرُ حُمقاً لإضحاكها ... ونخشى مغبةَ إغضابها
ولو ضحكتْ لخبيرٍ بها ... رآها تكشرُ عن نابها
عجبتُ لها كلما (عُمّرتْ) ... زهت من تنافُسِ خُطّابها
стр. 3012
المسلمون والعالم
دولة فلسطين بين الصورة والحقيقة
د. يوسف الصغير
لقد تلاقت مصالح الحركة الصهيونية مع مصالح الدول الأوروبية وخاصة
بريطانيا أيام كانت عظمى في أهمية إنشاء كيان مصطنع يفصل المنطقة العربية
شرقها عن غربها؛ فبعد مؤتمر بال ١٨٩٧م للجمعيات اليهودية توجهت جهود الدول
الاستعمارية المتنافسة على تقاسم تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) بتأليف
لجنة من سبع دول أوروبية رفعت اقتراحاتها إلى رئيس وزراء بريطانيا كامبل
بانرمات عام ١٩٠٧م.
وتتلخص التوصيات بما يلي:
١- العمل على إيجاد حالة من التفكك والتجزئة والانقسام في المنطقة.
٢- إنشاء دويلات مصطنعة تابعة لتلك الدول الاستعمارية وخاضعة لها.
٣- محاربة أي نوع من أنواع الوحدة والاتحاد الفكري والروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية لتجزئة المنطقة.
٤- لتحقيق ذلك يجب العمل على إقامة حاجز بشري قوي وغريب في
المنطقة بحيث يشكل قوة مناوئة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها.
ومن الواضح أن هذا التخطيط يشكل معلماً من معالم السياسات الأوروبية
عامة والإنجليزية خاصة في التعامل مع المنطقة العربية؛ فقبل احتلال الإنجليز
المدعومين بقوات الثورة العربية الكبرى للقدس بحوالي شهر أصدر (بلفور) وزير
خارجية بريطانيا وعده المشهور الذي ينص على إنشاء وطن قومي لليهود في
فلسطين.
وقد تضمن صك الانتداب الذي منحته عصبة الأمم لبريطانيا على تهيئة
الظروف لإنشاء الدولة اليهودية في فلسطين؛ مع ملاحظة أن دولة يهود قد أنشئت
من عدم؛ حيث إن وجود اليهود في فلسطين لا يُذكر؛ ومع ذلك فقد حرصت دولة
بريطانيا العظمى وعصبة الأمم على التأكيد على أن إقامة الوطن القومي لليهود
يراعى فيه ألا يمس حقوق الآخرين. ولا يخفى على عاقل أن استقدام اليهود من
أنحاء العالم وتوطينهم في فلسطين سيتم على حساب أهل البلد الأصليين، ولكن لا
يعدو أن يكون الأمر كذباً ونفاقاً، ويضاف إليه أيضاً أن تصرفاتهم المتتالية حتى
اليوم توحي أنهم لا يعتقدون أن الشعب الفلسطيني له حق في فلسطين وأن وجوده
حجر عثرة في إتمام مشروع الدولة الصهيونية. وبعد حوالي ثلاثين سنة من العمل
الدؤوب في تمكين وبناء مقومات الدولة اليهودية، أعلنت بريطانيا تخليها عن
الانتداب، وعرض الأمر على الأمم المتحدة (وريث عصبة الأمم) وكانت تهدف من
وراء ذلك أن يكون إعلان الدولة من قِبَل المجتمع الدولي وليس من قِبَل دولة بدأت
تغيب عنها الشمس.
ففي ١٤ شباط (فبراير) ١٩٤٧م أعلن رئيس وزراء بريطانيا قرار حكومته
بإحالة قضية مستقبل فلسطين إلى هيئة الأمم المتحدة. وفي ١٣/١١/١٩٤٧م أعلنت
بريطانيا عن طريق ممثلها في مجلس الأمن وأثناء مداولات القضية في الأمم
المتحدة أنها قررت الانسحاب من فلسطين في ١٥ أيار (مايو) ١٩٤٨م.
وكانت مظاهر التمثيل والخبث الإنجليزي هو امتناعها عن المشاركة في
التصويت على القرار، إظهاراً لنقاء الحياد.
وقد بدأ الانسحاب من فلسطين بالتدريج وبطريقة مكنت اليهود من الاستيلاء
على أمهات المدن الفلسطينية مثل حيفا وطبريا وصفد.
وعلى سبيل المثال ففي أكبر موانئ فلسطين وهو حيفا أعلن الإنجليز أنهم لن
ينسحبوا إلا بعد الأول من آب (أغسطس) ١٩٤٨م، وفي هذه الأثناء منع أهل
المدينة من الفلسطينيين من إقامة أي تحصينات للدفاع عن مدينتهم مع السماح لليهود
بإقامة التحصينات وجلب الأسلحة.
وما إن أتم اليهود استعداداتهم حتى أعلن الإنجليز انسحابهم فجأة إلى منطقة
الميناء، وسلموا معسكراتهم إلى اليهود، وفتح ميناء حيفا وجهزت السفن لترحيل
الفلسطينيين من المدينة.
وكما يقول (بن جوريون) فإن سقوط حيفا كان نقطة التحول الرئيسة في فتح
الطريق نحو القدس. وفي ٢٩/١١/١٩٤٧م أصدرت الأمم المتحدة قرارها التاريخي
المشؤوم بتقسيم فلسطين، وكان للولايات المتحدة دور كبير في الضغط على الدول
المستضعفة لتأييد القرار الذي ينص على تقسيم فلسطين إلى (دولة يهودية) ودولة
فلسطينية مع وضع نظام دولي خاص للقدس وضواحيها مع إنشاء اتحاد اقتصادي
بين الدولتين.
ومن أهم ملامح قرار التقسيم ما يلي:
١- منح اليهود الطارئين ويمثلون ٣٥% من السكان حوالي ٥٥٠٠ ميل مربع.
٢- بقي للفلسطينيين حوالي ٤٥٠٠ ميل مربع.
٣- تقرر أن يدخل في نطاق الدولة اليهودية المقترحة جميع الأراضي
المزروعة بالحمضيات، وهي مقسمة بالتساوي من حيث الملكية بين اليهود
والفلسطينيين في ذلك الوقت.
٤- يدخل في نطاق الدولة اليهودية أيضاً ٨٠% من الأراضي المزروعة
بالحبوب مع أنها مملوكة للفلسطينيين.
٥- تضم الدولة اليهودية المقترحة ٤٠% من مجموع الصناعات.
٦- قطع الصلة بين الميناء الفلسطيني الرئيس (يافا) على البحر الأبيض
المتوسط وبين بقية أراضي الدولة الفلسطينية المقترحة.
٧- فصل قطاع غزة عن أراضيه الزراعية في النقب.
٨- منع الاتصال المباشر مع سوريا والبحر الأحمر.
إن القرار يمثل انتصاراً للحركة الصهيونية ومشروعها السياسي لإقامة دولة
(إسرائيل) ، وقد قَبِلَ الصهاينة مشروع التقسيم باعتباره خطوة تكتيكية. ويمكن ...
القول إنه على الرغم من عدم مشروعية القرار فإنه يعد أول اعتراف دولي بحقوق
الشعب الفلسطيني؛ حيث نص على إقامة دولة عربية لعرب فلسطين.
لقد سارع اليهود إلى إعلان قيام دولتهم مما أدى إلى حرب ١٩٤٨م التي نتج
عنها مزيد من المكاسب لليهود ومزيد من اللاجئين الفلسطينيين.
تحولت القضية بعد قيام دولة (إسرائيل) وانضمامها إلى الأمم المتحدة بعد عام
من تأسيسها إلى مجرد قضية لاجئين؛ حيث إن دولة فلسطين لم ترَ النور؛ فقد تم
مؤقتاً وضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، أما الضفة الغربية وشرقي القدس
فقد تم ضمهما للأردن، وأعلن دمج الضفة بشرق الأردن ابتداء من عام ١٩٥٠م
عبر ما يسمى بالاتحاد الدستوري للشعب العربي في الضفة الغربية والأردن في
نيسان (إبريل) ١٩٥٠م.
لقد كان ذكر الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في
القرار (١٨١) لازماً لتمرير تأسيس الدولة اليهودية التي أعلنت بعد منتصف ليلة
١٤/١٥ أيار (مايو) ١٩٤٨م، واعترفت بها أمريكا بعد ذلك بعشر دقائق!
أما دولة فلسطين الموعودة فقد تم تناسيها بسرعة، وتمت التغطية على ذلك
بالتركيز على مشكلة اللاجئين وقضية العودة طبقاً للقرار ١٩٤ في ١١/١٢/١٩٤٨م
الذي يؤكد على حق العودة والتعويض، وكان هذا التأكيد يتكرر في كل دورة تناقش
فيها القضية.
وفي الجانب الآخر فإن (جولدا مائير) صرحت أمام الجمعية العامة للأمم
المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٦٠م بقولها: (إن (إسرائيل) تعلن بكل
صراحة وبساطة أنها لا يمكن أن تسمح بعودة أي لاجئ إلى أرضه) .
ولكن نتيجة للحرب الباردة فقد حدثت تطورات في الجمعية العامة للأمم
المتحدة، فبدأت سلسلة من القرارات التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير
مصيره وإنشاء دولته المستقلة؛ ففي العاشر من كانون أول (ديسمبر) ١٩٦٩م،
صدر أول قرار جاء فيه أن الجمعية العامة تؤكد من جديد حقوق شعب فلسطين غير
القابلة للتصرف.
وفي ٢٢ نوفمبر ١٩٧٤م تم أيضاً التأكيد على هذه الحقوق.
ومع الانتفاضة وإعلان المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين، في
١٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٨٨م أعلنت الجمعية العامة أنها تعترف بإعلان دولة
فلسطين، وأكدت الحاجة إلى تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته على
أراضيه المحتلة منذ عام ١٩٦٧م.
إلا أن مجلس الأمن كان له موقف مغاير؛ حيث صدر القرار ٢٤٢ الذي لم
يتعرض لذكر القضية الفلسطينية صراحة، واكتفى بالإشارة إلى (مشكلة اللاجئين) .
ولا يغيب عن البال أن كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن غير قابلة
للتطبيق كما ذكر ذلك صراحة الأمين العام السابق بطرس غالي، ولا ننسى أنه
أصدر قرارات تدين الصهيونية وأنها شكل من أشكال العنصرية؛ ولكن سرعان ما
تم إلغاؤها رسمياً بعد التفرد الأمريكي بالقرار.
المهم أن الدولة الفلسطينية لم تكن هدفاً استراتيجياً له الأولوية؛ بل كان أقرب
إلى الشعار السياسي.
فبعد حرب ١٩٤٨م وقيام دولة اليهود تم الالتفاف حول مشروع الدولة بقصد
أو بغير قصد حتى يكاد يخيل للمرء أن ضم الضفة الغربية للأردن أقرب ما يكون
إلى مكافأة الملك عبد الله على دوره في حرب ١٩٤٨م؛ حيث قام الجيش الأردني
بتسليم مناطق واسعة لليهود دون قتال وكأنها ناتجة عن اتفاق ما. إن مناقشة أمر
الدولة الفلسطينية المقترحة لا يمكن أن يفصل عن العلاقة الأردنية الفلسطينية.
أما إعلان ياسر عرفات قيام دولة فلسطين عبر إعلان الجزائر في نوفمبر
(تشرين الثاني) ١٩٨٨م حيث عقد المجلس الوطني الفلسطيني الذي أعطى اليهود
صك الاعتراف ورضي بإعلان دولة فلسطين في اللامكان، ومع اعتراف (١٢٤)
دولة بها فإنه سرعان ما نسيت المنظمة نفسُها هذه الدولة، وأعلن عرفات أنه سيعلن
الدولة في ٤ مايو (أيار) ١٩٩٩م رضي بذلك من رضي، أو سخط من سخط. فما
هي إمكانيات قيام الدولة، وعلى أي أرض ستقام؟ !
لقد كان شعار المنظمة الفلسطينية هو: (تحرير فلسطين كل فلسطين من النهر
إلى البحر) وبعد عام ١٩٦٧م بدأت النبرة تتراجع، وبدأ يتكرر كثيراً: (الانسحاب
من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧م) وهذا يشعر بشرعية اغتصاب اليهود لأكثر من
٧٥% من أراضي فلسطين.
وقد كان إعلان الجزائر صريحاً بتحديد حدود الدولة بالضفة والقطاع فقط؛
ومع ذلك وبعد اتفاقيتي أوسلو وواي ريفر، فإن الرقعة تقلصت إلى حوالي ٤ ١٠%
وهي مناطق حضرية مزدحمة بالسكان تقطع الاتصال بينها خطوط إسرائيلية أنشأها
اليهود بدعوى أمن المستوطنات المتناثرة التي أقاموها في الضفة الغربية المحتلة.
إن هذا التراجع في مفهوم الدولة بالنسبة لمنظمة التحرير أو وريثتها السلطة
الفلسطينية قابلة لتراجع آخر من جانب اليهود أملته ظروف الانتفاضة واستحالة
التعايش مع خطورة العامل البشري، واختلال التوازن السكاني مع مرور الوقت
بعد أن كان اليهود يرفضون الحديث عن حق الشعب الفلسطيني بل ويكابرون بأن
فلسطين كانت خالية من السكان، وأن الفلسطينيين طارئون عليها، ويدبجون في
ذلك المقالات الطوال، أما عندما يتحدثون عن حل مشكلة الفلسطينيين فإنهم
يتحدثون عن أن دولة فلسطين قائمة بالفعل، وهي الأردن، ويستشهدون على ذلك
بقيام الاتحاد الدستوري وإدارة الأردن للضفة، وحملِ الفلسطينيين في الضفة
الوثائقَ الأردنية حالياً، وأن أغلبية سكان شرق الأردن هم من أصل فلسطيني؛
وهذا الطرح قديم ويؤيده حالياً بقوة (شارون) وزير الخارجية الحالي وأحد أقطاب
الحكومة القائمة، ولهذا لوحظت حساسية الملك حسين من هذا الطرح وإحساسه
بخطره على الرغم من صلته الحميمة مع زعماء اليهود، فقد كان يكرر كثيراً ذكر
الأخطار المحدقة بالمملكة الهاشمية، وقد سارع بفك الارتباط مع الضفة الغربية
حتى لا يتم الحل على حسابه، وكانت الفيدرالية التي يطرحها عرفات مثار كثير
من القلق لدى الملك؛ حيث إنه يعرف أنها ستكون على حسابه. وقد يكون دعم
حسين لحماس سياسياً ينبع من قناعته أن عرفات قد يقبل بدولة فلسطينية تكون فيها
الأردن هي الأساس؛ بينما هو مطمئن إلى أن طرح حماس المبدئي يتجه نحو
فلسطين الواقعة غرب النهر.
هل عرفات جاد في إعلان الدولة؟
لقد كان من نقاط ضعف عرفات الرئيسة حبه للسلطة وافتتانه بمظاهرها؛
وهذا واضح لمن يتابعه في مراسم الاستقبال والتوديع الكثيرة التي يستمتع بها،
بالإضافة إلى حرصه منذ أمد بعيد على التوسط في الصراعات المختلفة ليضفي
على شخصه أهمية قد لا يكون متمتعاً بها، وكان إعلان قيام الدولة الفلسطينية في
الجزائر فرصة لجولات مكوكية يُستقبل فيها استقبال الرؤساء، وتعزف له
الموسيقى، والأهم أن يُدعى: (الرئيس الفلسطيني) . وقد فتر الحماس بعد فترة من
الزمن؛ فقد كان الشعار المرفوع وإعلان الدولة مجرد مسوّغ وطُعم لقبول قضية
أخطر، وهي الاعتراف بدولة إسرائيل؛ ولهذا سرعان ما قَبِلَ رئيس الدولة
بمنصب رئيس السلطة، وعادت نغمة: الزعيم الفلسطيني أو رئيس السلطة.
ولم يفُت الزعيم الفلسطيني المتمرس الضارب على الوتر الحساس نفسه؛ فقد
كان يعلن ويصرح أن السلطة هي المرحلة الأولى لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة
التي عاصمتها القدس؛ مع أن اليهود يكررون أن القدس الموحدة هي عاصمة
دولتهم الأبدية كما يزعمون فقد كانت التصريحات الاستهلاكية رائجة ومقبولة
لمخاطبة غوغاء الناس وعوامهم.
أما حقيقة دور السلطة وانحصاره في إدارة المدن الفلسطينية التي عجز عنها
اليهود أيام الانتفاضة مع تحديد صلاحياتهم وتجريدهم من حرية السفر والانتقال
حتى بالنسبة لياسر عرفات الذي كان أكبر ما حصل عليه هو عدم تفتيش طائرته
الرئاسية عند هبوطها في مطار غزة.
إن سلطة الحكم الذاتي تعتمد اعتماداً شبه تام على المساعدات الخارجية التي
تدفع نيابة عن اليهود وبرضاهم، ولا يتصور أن عرفات جاد في إعلان الدولة؛
لأنه لم يقم حتى بجهد دبلوماسي واضح لدعم هذا الإعلان بل اقتصر على إعلانات
دعائية، ثم يتراجع عن الموعد المحدد بشرط وعد من بعض الدول بتأييد إعلان
الدولة في موعد لاحق. ولا يفوت الإشارة إلى موقف الرئيس الأمريكي كلينتون
الذي وصف إعلان الدولة من جانب واحد بالكارثة، أما اليهود فقد بلغ بهم
الاضطراب والفزع من الإعلان الصوري أنهم هددوا بإعادة احتلال مناطق السلطة.
إن مواقف اليهود المتشنجة من هذا الإعلان تبين أنهم ينظرون للسلطة
الفلسطينية على أنها مؤقتة فرضتها ظروف الانتفاضة والانتقال إلى صفة الدولة؛
وهذا يمثل تطوراً سلبياً وتراجعاً في أحلامهم حتى ولو على المستوى النظري؛ فقد
بذلوا الكثير من أجل إبعاد شبح قيام كيان مستقل للشعب الفلسطيني، ونزعوا صفة
السيادة عن السلطة الفلسطينية.
والخوف هو أن يجتمع زعماء اليهود مع رجال السلطة الفلسطينية على الحل
الوسط المتوقع الذي يمكن أن يقبل به الطرفان وهو إقامة دولة فلسطين على جزء
صغير ومبعثر في الضفة مع القطاع ومتحدة فيدرالياً مع الأردن؛ ولا يخفى تطلّع
اليهود إلى هذا الحل، أما ياسر عرفات فقد عرضه فعلاً على ملك الأردن الجديد
قبل أن يجف ثرى أبيه.
إن إعلان الدولة مسألة وقت ليس إلا ذلك، ولكن المهم هو: أين ستقام هذه
الدولة، وما هي مهمتها؟
إن الدولة الجديدة ستمثل الحاجز الواقي لإسرائيل من جهة الشرق، والأهم
من ذلك أنها ستكون الحل الأمثل لمشكلة اللاجئين الحاليين والمتوقعين؛ حيث لا
يستر اليهود خوفهم على مستقبل الدولة ونقائها العنصري من تزايد نسبة
الفلسطينيين التي لا يقابلها أي تزايد في أعداد المهاجرين اليهود.
إن اليهود في سباق مع الزمن لتوطيد أركان دولتهم والحفاظ عليها من الهزات
المتوقعة، وإن ما يسمى بخيار السلام هو خيار استراتيجي وضروري لأمنهم،
ولكنهم لا يريدون دفع كل تكاليفه ومنها إرضاء عرفات بدولة رمزية صورية.
إن سيطرة اليهود على مقاليد السلطة في أمريكا وروسيا لا يتوقع لها
الاستمرار طويلاً مع نمو المشاعر المعادية لليهود، ولهذا فلا يمكن التعويل على
الدعم الخارجي غير المحدود؛ بالإضافة إلى تزايد الوعي الإسلامي الذي يتقدم
شعبياً بقوة على حساب التوجهات العلمانية المهادنة أو المتحالفة مع اليهود في الوقت
الحاضر.
إن طروحات عتاة الصهاينة في حزب العمل دائماً متقدمة على الليكود؛ ولهذا
نرى أن حزب العمل يقبل حالياً بفكرة إقامة الدولة الفلسطينية باعتبارها مؤقتة ولكن
على جزء بسيط من الضفة والقطاع، ولا أظن أن نتنياهو وحزبه يملكون البديل
الواقعي.
استغل الإنجليز هيمنتهم على المنطقة بتوطيد دعائم دولة يهود واستغلوا هيئة
الأمم المتحدة لترسيخ الكيان واقعاً جديداً
الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره
وإنشاء دولته لكن مجلس الأمن له موقف مغاير تماماً
الدولة الفلسطينية لم تكن هدفاً استراتيجياً بل كانت أقرب للشعار السياسي فقد
أعلنت ١٩٨٨ وما زال الزعيم يهدد بإعلانها.
стр. 3013
المسلمون والعالم
الإسلام في نظر مسؤول إنجليزي معاصر
د. جلال الدين صالح
ألقى وزير الخارجية البريطاني (روبين كوك) كلمة عن علاقة الغرب وخاصة
بريطانيا بالإسلام في الآونة الأخيرة، وكانت تلك الكلمة بتاريخ ٨ أكتوبر ١٩٩٨م،
وألقاها عند زيارته للمركز الإسماعيلي بلندن. وقد مست الحاجة إلى التعليق على
تلك الكلمة حتى لا تحمّل أكثر مما تحتمل، وقد جاءنا تعقيب من الدكتور جلال
الدين صالح على تلك الكلمة، و (·البيان) تنشر الكلمة وتنشر التعقيب.
كلمة الوزير البريطاني:
(من دواعي سروري أن أتيحت لي الفرصة لزيارة الجالية الإسماعيلية
ولزيارة مركزها الرائع أيضاً. فهذا المركز هو جوهرة من تحف المعمار الإسلامي
وأجمل مذكّر لنا في صميم مدينة لندن بأن جذور ثقافتنا ليست يونانية أو رومانية
الأصل فحسب بل هي إسلامية أيضاً. فالفن الإسلامي والعلوم والفلسفة الإسلامية قد
ساعدت على تشكيل تطورنا، وعملت على تكييف نمونا أفراداً، وتداخلت في كيفية
تفكيرنا وطريقة معيشتنا؛ فالأرقام الإسلامية ما زالت معنا وهي التي علمتنا طريقة
العد الصحيحة.
إن ثقافتنا مدينة للإسلام بديْن يجدر بالغرب أن لا ينساه، ونحن نقوم حالياً
بتطوير علاقاتنا مع العالم الإسلامي. وقد سمحنا للأيام أن تبعد بعضنا عن بعض،
وسمحنا لسوء التفاهم وعدم الثقة أن ينموا ويكبرا ويفرقا بين الغرب والإسلام.
يجب أن لا ندع سوء التفاهم بيننا يستمر ويتواصل؛ ذلك لأنه أصلاً من
الخطأ أن تصدر ثقافتان عظيمتان حكماً جائراً بعضهما على بعض بهذه الصورة
المؤسفة.
ثم إنه في عالم اليوم ليس لدينا أي خيار أو مفر من العيش معاً والعمل
متآزرين بسلام ووئام. إن التحديات التي نواجهها هي تحديات عالمية؛ وذلك من
شأنه أن يؤثر على الشرق الأوسط بالقدر الذي يؤثر به على أوروبا أيضاً.
والشباب في طهران أو القاهرة هم ضحايا تجارة المخدرات مثل ما هو الحال في
لندن أو أدنبرة. وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يقلق أوروبا بصفتها أقرب جار
للمنطقة مثلما يقلق المجتمع الإسلامي. فالخيار هنا هو إما أن نعمل معاً متضافرين
وننتصر معاً أو نترك عدم الثقة والتوجس والخيفة فيما بيننا على ما هي عليه
وتكون النتيجة من ذلك كله أن نخسر جميعاً.
وبعضهم يقول: إن الغرب بحاجة إلى عدو! وبما أن الحرب الباردة قد ولّت
إلى غير رجعة فإن الإسلام سيأخذ مكان الاتحاد السوفييتي القديم واعتباره عدواً.
ويقولون إن (صراع الحضارات) قادم لا مفر منه. وأنا أقول: إنهم مخطئون بل
ومخطئون خطأً فادحاً؛ فنحن لسنا بحاجة إلى الإسلام عدواً بل نحن بحاجة إليه
صديقاً. فقد تكون الحضارات التي لدينا مختلفة، وقد تكون الديانات أيضاً مختلفة،
ولكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نتعايش معاً، وأن ننسجم معاً.
وهكذا علينا أن نتعاون معاً لدحر هذه النبوءة. يقول القرآن الكريم في سورة
الحجرات: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] [الحجرات: ١٣] .
وبوحي هذه الإرشادات الكريمة علينا أن نعمل معاً لتحسين التفاهم بيننا
وتفكيك تلك الصور الخاطئة والمشوّهة التي يرسمها بعضنا لبعض للتخلص تماماً
من مشاعر عدم الثقة التي تضر بالجميع.
كلّ يرى الآخر على صورة بدائية مشوهة:
يرى أحدنا الآخر إلى حد كبير عبر الصورة المبسطة والمشوهة والخطيرة
التي يرسمها بعضنا لبعض؛ فالإسلام يرى أن الغرب مادي يُفتقد فيه احترام
الروحانية، وعلى أنه عدو للإسلام وعاقد العزم على استعمال قيم الغرب المتحررة
لتقويض المجتمعات الإسلامية. والغرب من ناحيته يساوي الإسلام بالأعمال
المتطرفة التي يقوم بها البعض؛ فعدد كبير من وسائل الإعلام هنا لا يرى الإسلام
ثقافة غنية جليلة مزدهرة ومتنوعة تدعمها ديانة من أعظم الديانات في العالم، بل
يرون أنه الأعمال الإرهابية التي يرتكبها القلة باسم الإسلام.
إن كلتا النظريتين في غير محلها؛ فالحقيقة أن أسامة بن لادن لا يمثل وحده
الإسلام، كما أن الذين ارتكبوا عملية (أوما) الإرهابية لا يمثلون قيم الغرب.
والقائل: إن ثقافاتنا غير متجانسة هو مخطئ؛ فإن هناك قدْراً كبيراً من المعارف
يمكن أن يتعلمها بعضنا من الآخر.
الإسلام يسهم في ثقافة الغرب:
الغرب مدين للإسلام بالشيء الكثير؛ فالإسلام وضع الأسس الفكرية لمجالات
عديدة مهمة وكبيرة في الحضارة الغربية. فمن الأرقام العربية التي نستعملها، إلى
فهمنا للأفلاك؛ فإن الشيء الكثير من أسس حضارتنا يعود الفضل فيها إلى العِلم
الإسلامي.
ومن أكبر الأخطاء التي يمكن للغرب أن يرتكبها هو الظن بأن الثقافة
الإسلامية شيء غريب عنا؛ فهي ليست كذلك البتة؛ فإن ثقافتينا قد تشابكتا معاً
عبر التاريخ والأجيال، وهما تتشابكان أيضاً في وقتنا الحاضر، ويجب أن تستمرا
في التشابك كلما أصبح مستقبل كل منا مرتبطاً بالآخر.
وفي الأسبوع الماضي قلت لمؤتمر حزب العمال بأن من أهم التحديات
الجوهرية التي نواجهها في هذه الأيام هي كيفية تشكيل علاقة إيجابية مع العالم
الإسلامي. وهذه من المسائل الرئيسة التي تشغل تفكيري بصفتي وزيراً للخارجية.
بداية عهد جديد مع إيران:
أرى أننا نسير قُدُماً وبنجاح في هذا المجال؛ فنحن نقوم بتذليل بعض العقبات
الرئيسة التي تعكر الجو بين الغرب والعالم الإسلامي واحدة تلو واحدة؛ ففي
نيويورك عقدتُ منذ أسبوعين محادثات مع الدكتور كمال خرازي وزير خارجية
إيران، وكانت هذه المحادثات مختلفة عما يجري عادة بين وزراء الخارجية. فقمنا
سوياً بإعطاء العلاقات بين إيران وبريطانيا بداية جديدة.
وقد أوضح الدكتور خرازي بأن سلمان رشدي لا يواجه أي خطر تجيزه أو
تسمح به الحكومة الإيرانية. ولكن أبعاد هذه القضية تذهب إلى أبعد من ذلك، فهي
تعني أنه يمكن لبريطانيا وإيران أن تعملا معاً لمواجهة التحديات المشتركة على حد
سواء. فمثلاً سيزداد التعاون العملي فيما بيننا ضد تجارة المخدرات. وسيصبح
الآن بمقدور الاتحاد الأوروبي أن يقيم مع إيران علاقة بناءة أكثر من قبل.
إن مفاوضاتنا مع الأمريكان في الربيع الماضي بالنيابة عن الاتحاد الأوروبي
قد أزالت فتيل الخطر عن التجارة بين أوروبا وإيران بموجب قانون العقوبات
الاقتصادية ضد إيران وليبيا الذي سنته الولايات المتحدة، وستنفتح الأبواب أمام
فرص جديدة عديدة للتجارة والاستثمار بين الجانبين وتكون مفيدة للطرفين.
حان الوقت لإجراء حوار جديد:
نحن نسير على الدرب الصحيح لحل المشكلات العالقة بيننا. وهكذا فقد آن
الأوان للبدء ببناء التفاهم والثقة اللتين نحن بأمسّ الحاجة إليهما. اليوم أريد أن
أقترح أن نبدأ حواراً جدياً بين أوروبا والعالم الإسلامي فقد حان الوقت ليبدأ الاتحاد
الأوربي ومنظمة المؤتمر الإسلامي بالكلام معاً على أعلى مستوى ممكن، ويتحاور
أعضاؤهما حول العديد من القضايا التي تهم الجانبين.
دعونا نتكلم عن البلقان، وعن عملية السلام في الشرق الأوسط، وعن
أفغانستان، وعن الإرهاب وحقوق الإنسان ومعاملة الأقليات؛ لأنه بالحوار البنّاء
فقط يمكننا أن نتعلم كيف يفهم أحدنا الآخر ويثق به.
ولكن مثل هذا الحوار يجب أن لا يقتصر على الديبلوماسيين أو حتى على
وزراء الخارجية. فأنا مثلاً أنعم بمركز مهم ومكتب وثير، ولكن الأهم من هذا
وذاك والذي لا يحيد نظري عنه هو مصلحة الأمة وخير الشعب، ثم لا شك عندي
أن العلاقات المهمة حقاً هي تلك العلاقات التي تكون بين الشعوب.
وهكذا فإن الحوار الذي علينا أن نجريه بين أوروبا والعالم الإسلامي يجب أن
يكون بين شعوبنا أيضاً. يجب على المعلمين من الجهتين أن يتكلموا معاً، وكذلك
الفنانون والمعماريون والمثقفون. يجب أن يتكلم هؤلاء بعضهم مع بعض وعلى
جناح السرعة؛ لأن هناك الشيء الكثير الذي يمكننا أن نكسبه من قيامنا بذلك، كما
أن هناك الشيء الكثير الذي يمكننا أن نخسره لو أننا لم نقم بذلك.
إن قدْراً كبيراً مما ذكرناه يجري تحقيقه فعلاً في الوقت الحاضر؛ فلدى
بريطانيا معاهد علمية راقية تقوم بنشاطات ممتازة في هذا المجال. وهناك جماعات
خاصة تساعد على إعادة التوازن في هذا المجال. ولكن لن نحرز التقدم الذي نحن
بحاجة إليه حتى يبدأ المؤثّرون على الرأي العام من الجاذبين في وسائل الإعلام
والتعليم وغيرهما بتحطيم تلك الصور المبسطة والمشوهة، والقضاء على
الانطباعات المضلّلة التي تقع في صميم النزاع بين مجتمعينا وتسبب التنافر بين
ثقافتينا.
تقوم وزارة الخارجية بأداء دورها في هذا المجال، ومن ذلك أن زميلي
(ديريك فاتشيت) ، وزير الدولة يجري محادثات دورية مع قادة الجالية الإسلامية في
بريطانيا لتبادل وجهات النظر، وترعى وزارة الخارجية تبادل الزيارات بين الطلبة
والندوات العلمية والمؤتمرات المعدة لإزالة الحواجز والعوائق بين الثقافات.
ووزارة الخارجية قائمة على مشروع تحديث لأنظمتها حتى تصبح فعالة حقاً
في هذا المجال. فيجب على وزارة الخارجية أن تكون ممثلة أكثر من السابق لكل
ما يمكن أن تقدمه بريطانيا من تراث فكري وتنوع عرقي. وهكذا فإن وزارة
الخارجية تشجّع المسلمين البريطانيين الأذكياء من كافة مجالات الحياة أن يأخذوا
بعين الاعتبار السلك الديبلوماسي ويلتحقوا به كمهنة لهم؛ فهم سيلاقون ترحيباً من
جانبنا؛ لأنه بإسهام المسلمين البريطانيين المخلصين إسهاماً فعالاً يمكننا أن نقول
بأننا قد وسعنا البعد الإسلامي في سياستنا الخارجية.
لدى بريطانيا ميزتان في علاقتها مع العالم الإسلامي: فنحن نشترك معاً في
ألف عام من التاريخ المشترك مع أنه لم يكن كله تاريخاً سهلاً أو يسيراً. ولدينا في
بلادنا مجتمع مسلم مزدهر؛ ففي بريطانيا أكثر من تسعمائة مسجد. ويحق الآن
للمدارس الإسلامية أن تتلقى الدعم المالي من الدولة، كما أن حوالي مليون ونصف
مليون مسلم بريطاني يسهمون إسهاماً كبيراً في المجتمع البريطاني.
والمسلمون البريطانيون يؤدون دوراً كبيراً في الحياة الثقافية والسياسية
والاقتصادية للأمة وهو دور آخذ في الازدياد المستمر؛ فإن مقدرتهم في الأعمال
التجارية تساعد على دفع الاقتصاد البريطاني وتقويته، وشغفهم بالعلم ومحبتهم له
ينعكس في الإسهامات التي يقدمونها للمهن في بريطانيا، وأكلاتهم المميزة اللذيذة قد
تركت انطباعاً عميقاً ودائماً على الحياة البريطانية. وفي عالم اليوم يمكن لبريطانيا
أن تستفيد إفادة متزايدة من كونها مجتمعاً متعدد الثقافات والأعراق.
الجالية الإسماعيلية جسر فريد من نوعه:
ولذلك فأنا سعيد بزيارتي لكم اليوم؛ لأن الجالية الإسماعيلية تشكل جسراً
فريداً من نوعه بين الغرب والإسلام؛ فالجالية منتشرة في كافة أنحاء العالم، وهي
موالية بقوة لجميع الأقطار التي تعيش فيها، ولكن أينما حلت فهي تتمسك تمسكاً
قوياً بالقيم السامية لتقاليدها وهي: الاتحاد، والاعتماد على النفس، وتقديم الخدمات
عند كل المناسبات. فأنتم بهذا المسلك تنسجمون مع البلد الذي تقيمون فيه،
وتزيدون من تراثه الفكري وتقومون بكل ذلك من دون تخفيف أو تقليل أو إجحاف
بهويتكم الفريدة.
رجاؤنا الآن وأملنا هو أن يتمكن الغرب والإسلام من التعايش معاً في وئام
وسلام، وفهم الواحد منا للآخر فهماً سليماً وتعلم بعضنا من بعض، وبناء الثقة بين
مجتمعاتنا. وأملنا أيضاً أن نزيد من ثراء البعض فكرياً وإنسانياً واجتماعياً من دون
أن نفقد هويتنا المستقلة. ولا شك أن الجالية الإسماعيلية قد أثبتت مع الزمن أن
تحقيق ذلك أمر ممكن فعلاً) . اهـ
التعليق على كلمة (كوك)
الوجود الإسلامي في أوروبا ومسار الحوار مع الغرب:
لم تعد أوروبا بالرغم من سلطان الكنيسة وتأثيرها المحدود كما كانت من قبل
خالصة للأجراس والصلبان، بل علتها مآذن المسلمين، وتناثرت عليها مراكزهم
الثقافية أسوة بسائر معابد الملل والنحل الدينية، ولم يعد الوجود الإسلامي فيها حكراً
على فئة دون أخرى، بل بات جامعاً كل أطياف اللون السياسي والعرقي، وشاملاً
كل التوجهات المنتسبة إلى الإسلام باستقامة واعتدال أو زيغ وضلال.
والطائفة الإسماعيلية هي إحدى فرق الرافضة الناشطة في الساحة الأوروبية
بشكل عام وفي بريطانيا بشكل خاص، ولقد زار وزير خارجية (بريطانيا) (روبين
كوك) في ٨/١٠/١٩٩٨م مركزها بلندن حيث ألقى هناك خطابه الذي حمل عنوان:
(حوار جديد مع الإسلام) وقد ضمنه قضايا عديدة ثقافية وأخرى سياسية، مؤكداً
حتمية تأثر مصالح كل من الغرب والشرق الإسلامي بما يؤثر على كل منهما من
مؤثرات إيجابية أو سلبية، وداعياً من أجل تحاشي المؤثرات الضارة إلى نبذ ثقافة
التعادي وإرساء وإيثار ثقافة التلاقي والتجاوز، والتحرر من هيمنة الرؤية التآمرية
التي سوف يؤدي بقاء سلطانها لا محالة إلى خسارة الجميع، وهنا استبعد أن تكون
العلاقة بين الحضارتين الإسلامية، والغربية علاقة تصارع وتصادم، وأعرب عن
سقم نظرية صراع الحضارات قائلاً: (نحن لسنا بحاجة إلى الإسلام عدواً، بل
نحن بحاجة إلى الإسلام صديقاً) و (إن الشيء الكثير من أسس حضارتنا يعود
الفضل فيه إلى العالم الإسلامي) .
وأشار إلى أن بناء علاقة متينة مع العالم الإسلامي هي (من أهم التحديات
الجوهرية) التي يواجهها حزب العمال الحاكم، ويحمل هو همّها بصفته عضواً في
الحزب ووزيراً للخارجية.
ثم تناول عقب ذلك مسار العلاقات البريطانية الإيرانية وما حققته من تجاوز
العقبات وتذليل الصعوبات مفيداً أن الدكتور كمال خرازي وزير خارجية إيران
أفصح له (بأن سلمان رشدي لا يواجه أي خطر تجيزه أو تسمح به الحكومة
الإيرانية..) مما جعله يوقن بأنه (يمكن لبريطانيا، وإيران أن تعملا معاً لمواجهة
التحديات المشتركة على حد سواء) وأنه (سيصبح الآن بمقدور الاتحاد الأوروبي أن
يقيم مع إيران علاقة بناءة أكثر من قبل) .
وأعاد إنجاز المكاسب إلى وعي وإدراك أهمية التحاور في حل التناقضات
السياسية والثقافية بين الغرب والإسلام ليس على الصعيد الرسمي فحسب وإنما على
صعيد علاقة الشعوب، وحث على فتح باب الحوار بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة
المؤتمر الإسلامي حول كل ما يهم الجانبين، وخص منها بالذكر مسألة البلقان،
والسلام في الشرق الأوسط، والنزاع في أفغانستان والإرهاب، وحقوق الإنسان،
ومعاملة الأقليات كأهم قضايا تلح على إجراء المحاورة.
ونبه على ما تقوم به وزارته على الصعيد المحلي من الاتصال بقادة الجالية
الإسلامي، وحث أفرادها إلى الالتحاق بالسلك الديبلوماسي؛ لأنه كما يقول: بإسهام
المسلمين البريطانيين تكون وزارته قد وسعت بُعدها الإسلامي في سياستها الخارجية.
الحوار المنشود:
وهذه اللغة الهادئة عن الإسلام من وزير الخارجية لا تمثل نشوزاً في السياسة
الإنجليزية؛ فقبل أربعة أعوام تقريباً أدلى ولي العهد الأمير (تشارلز) بتصريحات
كهذه عن الإسلام كان لها صداها في الصحافة البريطانية والعربية، وما هي
بمستغربة من قادة هذه المملكة التي تتوكأ على موروث ضخم من الخبرة في التعامل
مع شعوب العالم الإسلامي الذي حكمت جزءاً كبيراً منه أعماراً مديدة، وأعواماً
طويلة، وقد أومأ وزير الخارجية نفسه إلى هذه الخاصية التي ميزت بلاده عن
مثيلاتها من دول أوروبا حيث قال: (لدى بريطانيا ميزتان في علاقاتها مع العالم
الإسلامي: فنحن نشترك معاً في ألف عام من التاريخ المشترك مع انه لم يكن كله
تاريخاً سهلاً، أو يسيراً) .
وحقاً كما قال إن هذا التاريخ حافل بكثير من الآلام والتآمر على مصالح
الإسلام، وحسبه سوءاً أنه كان رأس الحربة المسمومة التي طعنت خاصرة الخلافة
الإسلامية، ومهدت السبل لضياع فلسطين بوعد بلفور المشؤوم الذي جعل من حلم
اليهود واقعاً محققاً بقيام دولة (إسرائيل) ، وما فتئت آثاره، وآثامه تحرم المنطقة
الإسلامية أمنها واستقرارها، وتدفع بها من مأزق إلى آخر لا يرى فيه إلا ما يدعو
إلى الاشمئزاز والتقزز من كل دعوة حوار يطلقها الغرب، وليس هذا فحسب؛ بل
السياسة الحالية لبريطانيا لا تقف من الحق الإسلامي موقف المؤيد والمناصر، ولا
من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة موقفاً حاسماً يردعها، ويحد من أطماعها
التوسعية، بل في كثير من الأحداث نراها تقتفي أثر السياسة الأمريكية المندفعة
نحو استفزاز العالم الإسلامي سواء فيما يتعلق بأمن (إسرائيل) حيث أعلن رئيس
الوزراء (توني بلير) دون تحرّ ولا تروّ تأييد الضربة الأمريكية وتصديق مزاعمها
مما حمل الحكومة السودانية على سحب سفيرها احتجاجاً على هذا الموقف.
ولا شك أن مثل هذه المواقف تفقد دعوة الحوار التي نادى بها وزير الخارجية
جديتَها؛ لأن الحوار المنشود ليس هو ذاك الذي يكون أحد طرفيه مملياً والآخر
متلقياً، ولا ذاك الذي يشعر فيه القوي بعلوه على الضعيف، وإنما هو ذاك الذي
ينطلق من أسس العدل، وإقرار الحقوق، وخصائص الشعوب الدينية، والثقافية.
ولا أعتقد أن أحداً من قيادات الفكر والسياسة في عالمنا الإسلامي يتردد في إجراء
الحوار مع الغرب بهذا المفهوم، ولكن الواقع أن الحضارة الغربية لا ترضى في
محاوراتها للحضارة الإسلامية بأقل من الانسلاخ عن مفاهيمها الدينية، والتبعية
لأطروحاتها الفلسفية والثقافية؛ ومن هنا نجد وقوف الغرب بإصرار وإلحاح دون
إرادة الشعوب الإسلامية واقترابها من إسلامها منهجاً للحكم والثقافة؛ حتى لو تحقق
ذلك وفق آليات الحضارة الغربية ذاتها كالذي حدث في الجزائر؛ حيث كانت
الديمقراطية وهي إحدى آليات الحضارة الغربية في التعبير السياسي والفكري
الوسيلة التي اعتمدها المسلمون هناك للإسفار عن رغبتهم السياسية، ولكن بالرغم
من ذلك فقد بارك الغرب تلك الأقدام التي ركلت هذه الإرادة ووأدتها، وأدخلت
الشعب الجزائري في نفق مظلم، وآثر دعم تلك الأقدام الهمجية ومساندتها دون أدنى
إحساس بعدوانها ومرارة استبدادها بالشعب الجزائري.
إذن؛ فالحوار بين الغرب والإسلام لا يؤتي أُكُلَهُ يانعة إلا حين ينزل الغرب
عن علوه ويتجرد من تلك النظرة التي لا تنظر إلى العالم الإسلامي إلا كبقرة حلوب
تدرّ فقط ما يغذي الغرب وينمي قواه الاقتصادية، وليس له من الأمر شيء في أن
يحكم بالذي يميز شخصيته.
ونزعة الإرهاب التي ما طفق الغرب يتحدث عنها من باب أنها عقبة كؤود
في طرق الحوار الغربي الإسلامي ونص عليها الوزير البريطاني في خطابه هذا؛
إنما جاءت رداً على عدوان السلطة العلمانية وإرهابها، تلك السلطة التي لا تستمد
شرعيتها إلا من السياسة الغربية ومساندة آلتها العسكرية باعتبارها إدامة للرؤية التي
يود الغرب فرضها على العالم الإسلامي. أيضاً فإنه في الوقت الذي يشدد فيه على
مطاردة الإرهاب ملوحاً تارة، ومصرحاً تارة أخرى بخروجه من محاضن الإسلام
نراه لا يحرك ساكناً إلاّ ما كان همساً لمحاكمة أولئك الذين أراقوا الدم الحرام بشكل
فظيع على أرض البلقان إرهاباً؛ فكيف يستقيم إذن مجرى الحوار بين الغرب
والإسلام، والغرب تحكمه نزعة التطفيف في المكيال ساعة الكيل للمسلمين،
ونزعة الاستيفاء ساعة الحديث عن مصالحه ومقاصده؟
من أين يلج الغرب حواره مع الإسلام؟
كيف يمكن تصديق الغرب في رغبته هذه وهو لا يأتي البيوت من أبوابها
وإنما من أدبارها التي أوقف عليها صنائعه التي شكلها بنفسه وصنع لها وجوداً
مريباً في دياره، وديار الإسلام، ومن ثم لا أجد ما يدعو إلى الغرابة في وصف
الوزير البريطاني للطائفة الإسماعيلية (بأنها تشكل جسراً فريداً من نوعه بين الغرب
والإسلام) فإن مثل هذه الحركات الباطنية تمثل بلا ريب مطية الغرب المروّضة؛
فمن قبلُ أوجد البريطانيون نِحلة القاديانية في الهند تسويغاً لغزوهم الاستعماري؛
حيث ألحقتهم زوراً بولاة الأمر الواجب طاعتهم ديناً، وليس من الحقيقة في شيء
الاعتقاد بأن الغرب لفظ هذه النحلات المارقة عقب الحقبة الاستعمارية بعد أن
استنفد منها غرضه، لا؛ إنه ما زال يكلؤها بالعناية ويعود إليها حين الحاجة لكونها
أخلص نية، وأصدق ولاءً، وهذا ما نعت به الوزير البريطاني الطائفة الإسماعيلية؛ حيث قال فيها: (إنها موالية بقوة لجميع الأقطار التي تعيش فيها) ويقيننا أن هذه
الموالاة هي التي تدنيها من الغرب. ومعلوم أن ولاء الطوائف الباطنية لأقطار
الكفر أوضح بكثير من أن يحتاج إلى رصد الوثائق، وتقديم الوقائع، ولهذا لا معنى
لهذا الحوار ما لم يأخذ سبيله عبر المرجعية الإسلامية ممثلة في العلماء الربانيين
ودعاة العمل الإسلامي المنضبط بضوابط المنهج النبوي في فهم الدين، وتنظيم
علاقات الذات مع الآخر، وليس عبر هذه الشياه القاصية، ولكن لأمر ما نجد
الغرب يقدم هذه النماذج المشبوهة، ويسعى إلى أن يجعل منها مثالاً صالحاً للتحاور
باسم الإسلام والمسلمين في حين أنها لا تحمل من الإسلام إلا اسمه! ولا من الدين
إلا رسمه.
العلاقات الإيرانية البريطانية:
وما غاب عن الوزير وهو يشير إلى مسار العلاقات البريطانية أن يطمئن
الطائفة الإسماعيلية باعتبارها إحدى طوائف الرفض بأن قضية سلمان رشدي لم تبق
حداً مستعصياً على تطبيع العلاقة مع إيران، وبغض النظر عما إذا كانت الفتوى
الإيرانية في الأصل للاستغلال السياسي والمزايدة على الشارع الإسلامي أم لا،
فإني لا أرى أن نفور الغرب عن الاتجاه السني يضاهي نفوره عن الاتجاه الرافضي، ولعلي لا أكون مبالغاً إذا ما قلت: (إن إيراد الوزير البريطاني اسم أفغانستان وهو
يخاطب الإسماعيليين في مركزهم ليس ببعيد من أن يكون منطوياً على إمكانية تفهم
بريطانيا لموقف إيران من طالبان إن لم يكن تأييداً ومؤازرة، باعتبار قلق الطرفين
من انتصارات الأخيرة على الجيوب الموالية لإيران والغرب داخل أفغانستان،
وبدهي جداً أن يستصحب البريطانيون وهم يضعون مسألة الأفغان على قائمة
اهتماماتهم العالمية مأثورات ماضيهم الاستعماري جنباً إلى جنب مع العداء التاريخي
بين الأفغانيين والإيرانيين؛ فالاستنفار العسكري الذي قام به الإيرانيون مؤخراً على
حدودهم مع أفغانستان عقب الأزمة التي نشبت بينهم وبين طالبان ليس له من تفسير
سوى ارتفاع درجة القلق والأرق من احتمال قيام دولة سنية قوية تحجّم دور إيران
الشيعية وتحول دون أطماعها الفكرية والسياسية في المنطقة، وخبرة البريطانيين
بهذه التناقضات تسول لهم توظيفها لصالح سياساتهم في المنطقة، فهم كما قلت
يعرفون من أين تؤكل الكتف؟ !
وربما يعاب عليّ بأني على حد كبير من التشاؤم لا أنظر إلى التفاعلات
السياسية إلا من ثقوب ومنافذ نظرية التآمر التي تصوّر كل مبادرة غربية وكأنها
شيطان مارد ذو مخالب وأنياب يريد أن ينقض علينا، وينهش لحومنا، لكني أقول: ليس الأمر كذلك؛ ولكني أرى ضرورة الاسترشاد بالتاريخ، والاهتداء به في
تثبّت المواقف وتحديد السبل؛ فإنه عبرة لأولي الألباب لا سيما إذا ما كان هذا
التاريخ كتاريخ بريطانيا العظمى مع العالم الإسلامي الذي قال فيه الوزير نفسه:
(إنه لم يكن كله تاريخاً سهلاً أو يسيراً) وإلا تكون اللدغة عقب اللدغة؛ ولا يلدغ
المؤمن من جحر مرتين؛ فكيف إذا لدغ مرات؟ !
الوجود الإسلامي في بريطانيا:
أما فيما يتعلق بالوجود الإسلامي في بريطانيا فهو كما ذكر الوزير آخذ في
التنامي والتزايد، ولكن إلى أي حد من الاهتمام والتوقير يحظى هذا الوجود من
الحكومات البريطانية؛ إنه أقل بكثير من ذلك الذي يحظى به الوجود اليهودي مثلاً؛ فحتى وقت قريب كان الدعم الحكومي لمؤسسات التعليم غير الحكومي حِلاّ لبني
إسرائيل محجوباً عن المسلمين حجب حرمان، ولم يتحقق منه ما تحقق إلا بعد
طول مُحاجّة ومجادلة انتهت فقط بدعم المرحلة الابتدائية من مدارس يوسف إسلام
وأخرى لغيره في برمنجهام دون إلحاق سواهما بهما، فهل من الإنصاف أم من
الإجحاف حين يكون اعتناء الحكومات البريطانية المتعاقبة (بمليون ونصف مليون
مسلم بريطاني يسهمون إسهاماً كبيراً في المجتمع) ويؤدون (دوراً كبيراً في الحياة
الثقافية والسياسية والاقتصادية للأمة..) على حد تعبير الوزير إلى هذا الحد من
التدني؟ أجل إن الجالية الإسلامية تزر وزر تقصيرها في المطالبة بحقوقها بما هي
عليه من تعدد الإطارات المبعثرة واللاهية عن مصالحها الحقيقية. لكن من جانب
آخر إنه حيدة عن الدقة حين يجعل الوزير من هذا الدعم حقاً مشاعاً لكل مدارس
الجالية الإسلامية بقوله: (ويحق الآن للمدارس الإسلامية أن تتلقى الدعم المالي من
الدولة..) .
على كلٍ فإن الإسلام في الغرب بعامة وفي بريطانيا بخاصة أضحى فوق حد
التجاهل والتجاوز، وبات وجود المسلمين معتبراً في التأثير على مختلف جوانب
الحياة الأوروبية، ومن الممكن أن يتعاظم ثقلهم السياسي، ويتعزز نفوذهم
الاقتصادي والثقافي إذا ما أحسنوا توظيف وجودهم هذا لمآرب تقيهم شر الأذى
وتعود عليهم بشيء من منافع المآل والحال، أما انفعالهم مع الدوائر السياسية إدلاءً
بالأصوات وتنافساً على المناصب فهو نازلة تقتضي دراسة شرعية من أهل العلم
بضوابط الشرع وفقه الواقع حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
стр. 3014
المسلمون والعالم
حمّى سنة ٢٠٠٠
الحلقة الثالثة
(البقرة العاشرة) .. أخرجوها، فمتى يذبحونها؟ !
عبد العزيز كامل
هذه الحلقات
تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن
الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى
شهور معدودة، ومن اللافت أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية التي
يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود أفعال
قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب الوقت
من عام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها
لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل.
وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها،
ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها إن شاء الله في حلقات
منفصلة. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان-
بدايةً، أعتذر للقارئ الكريم، عن إشغال جزء من صفحات هذه المجلة
الوقورة للكلام عن (بقرة) ! .. ولكن.. ماذا نفعل إذا كان أعداء الله من غلاة اليهود
يربطون مصير المنطقة الآن بمصير (بقرة) ؟ !
ولا أدري بالضبط ما هي حكاية اليهود مع البقر؛ فقد اتخذوا في بواكير
عهدهم مع موسى إلهاً من عجول البقر، كما جاء في القرآن: [وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى
مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ] [الأعراف: ١٤٨] .
ولهم مع البقر قصة أخرى، نزلت باسمها أكبر سورة في القرآن، وهي
سورة البقرة التي سميت بهذا الاسم لتدل على سوء الفهم وخبث الطوية لدى بني
إسرائيل في أمر تعنّتهم في البقرة التي أُمروا بذبحها، واستمرار هذا التعنت في
شؤونهم كافة، بما استحقوا معه أن يُنتزع منهم الاصطفاء، ويتحول إلى الأمة
الخاتمة، أمة محمد ﷺ ، كما دل على ذلك محور السورة
وهدفها الرئيس.
ولكن بني إسرائيل من يومها ظلوا يعيشون في وَهْمِ الاصطفاء والاختيار
والتميّز، مهما اقترفوا من خطايا وارتكبوا من موبقات، زاعمين أنهم [أَبْنَاءُ اللَّهِ
وَأَحِبَّاؤُهُ] [المائدة: ١٨] ، أما الشريعة التي أنزلها الله تعالى لهم، فقد بدلوها
وغيّروا فيها بما يُبقي عندهم الشعور الزائف بأنهم لا يزالون على دين صحيح
مقبول. والحق أن ما بقي لديهم من الديانة، إما مفتقر إلى الصحة أو مفتقر للقبول، فهو إما باطل مخترع، أو حق منسوخ.
وهناك أساطير كثيرة لا يزالون يتداولونها تدخل ضمن هذا السياق، فهي
باطل مخترع أو حق منسوخ، وقد تابَعَتْهم على بعضها طوائفُ من النصارى،
ولهذا فهم جميعاً يتقلبون بتلك المعتقدات الباطلة بين وَصْفَي: (المغضوب عليهم،
والضالين) .
وقد مر معنا في الحلقتين السابقتين كيف أن اليهود يحاولون إعادة إحياء كل
الأساطير البائدة المستمدة من التوراة المحرفة، وكأنهم بذلك يريدون الجمع بين
الخصوصية الزمانية (زمن الخلاص) والخصوصية الإنسانية (شعب الله المختار)
والخصوصية المكانية (الأرض المقدسة) .. ولكن هيهات هيهات أن تغير الأساطير
ما قضت به المقادير؛ فقد كتبت عليهم اللعنة إلى يوم الدين على ألسنة المرسلين.
أسطورة لها خوار:
في عام ١٩٢٠م، وعندما بدأت المباحثات بين الاتحاد الصهيوني والإنجليز
من أجل التوصل إلى صيغة لتسليم فلسطين لليهود بعد انتهاء الانتداب، كان من
بين الموضوعات المطروحة للبحث: (ملكية جبل الهيكل) . وطرح الجانب
الإنجليزي في المباحثات سؤالاً: هل هذا المطلب مطلب عاجل أم آجل؟ وما مدى
اجتماع الشعب اليهودي حول هذا المطلب؟ فأجابهم الحاخام (راف كوك) قائلاً:
(يؤمن الشعب اليهودي كله إيماناً لا يتزعزع أن هذا المكان المقدس، وكل جبل
الهيكل هو مكان العبادة الأبدي للشعب اليهودي، ورغم أنه في حكم غيرنا الآن، إلا
أنه في النهاية سيقع تحت أيدينا، ويوم تقع أرض الهيكل في أيدينا، ستأتي إشارة
من الرب (البقرة الحمراء) وبعدها نبدأ فوراً في البناء؛ حيث تنبأ بذلك أنبياء بني
إسرائيل) [١] .
والنبوءة التي أشار إليها الحاخام، هي معنى ما ورد في الإصحاح التاسع
عشر من سفر العدد بالتوراة، ونصها: (وكلم الرب موسى وهارون قائلاً: هذه
فريضة الشريعة التي أمر بها الرب قائلاً: كلّم بني إسرائيل أن يأخذوا إليك بقرة
حمراء صحيحة لا عيب فيها، ولم يعْلُ عليها نِيرٌ [٢] فتعطوها (ألعازار) الكاهن
فتخرج خارج المحلة، وتذبح قدامه، ويأخذ ألعازار الكاهن دمها بأصبعه، وينضح
من دمها في وجه خيمة الاجتماع سبع سنوات، ويحرق البقرة أمام عينيه، يحرق
جلدها ولحمها ودمها مع فرثها، ويأخذ الكاهن خشب أرز وزوفاً وقرمزاً،
ويطرحهن وسط حريق البقرة، ثم يغسل الكاهن ثيابه ... ) ثم بيّن النص العلة من
ممارسة هذا الطقس: (.. تكون البقرة لبني إسرائيل وللغريب النازل في وسطهم
فريضة دهرية) .
ولكن: لماذا حوّل اليهود تلك (الفريضة) إلى نبوءة و (إشارة) من الرب؟ !
في الواقع أنهم يربطون بين تنفيذها وبين إعادة بناء الهيكل؛ فالفريضة.. أو
النبوءة.. أو البقرة الحمراء، ستكون دلالة عندهم على أن الزمن الذي ظهرت فيه
هو نفسه زمان الهيكل الثالث بعد إعادة بنائه. ولعل هذا يفسر لنا استمرار غياب
الكلام عن مثل تلك الطقوس خلال أزمنة اليهود الخالية التي لم يكن لهم فيها تمكين. ويعتقد اليهود المتدينون أنه قبل ألفي عام مضت، في حقبة المملكتين اليهوديتين،
الأولى والثانية؛ تم مزج رماد بقرة حمراء صغيرة ذبحت في عامها الثالث، وخلط
دمها بالماء، واستخدم في (تطهير) الشعب اليهودي، ليصبح مهيأً للدخول إلى
الهيكل المقدس، ويعتقدون أيضاً أنه لم تولد طوال التاريخ اليهودي بقرة بتلك
الأوصاف منذ دمر الهيكل الثاني عام ٧٠ للميلاد، وعلى حسب التاريخ الديني
اليهودي، فإنه قد جرت التضحية ببقرة حمراء واحدة في زمن الهيكل الأول،
وبثماني بقرات في زمن الهيكل الثاني.. واليوم، يستعدون لمرحلة الهيكل (الثالث)
وزمان البقرة (العاشرة) .
البحث عن البقرة:
لم يعد سراً تزايد حرص اليهود على المزيد من الخطوات العملية المتفاعلة
الآن من أجل إعادة بناء الهيكل بعد الانتهاء من هدم مسجدي الأقصى والصخرة،
وبما أن الهيكل لن يعمره بالعبادة إلا أناس (مطهرون) من النجس، وبما أن هذا
النجس لن يزول إلا برماد البقرة، وبما أن البقرة لم تكن موجودة إلى عهد قريب،
فإن جهود اليهود اتجهت للبحث عن بقرة تطل بقرنيها على مشارف القرن الجديد..
فلا بد من ظهورها أو إظهارها، ولو اقتضى الأمر استحداث بيئات وظروف
تستخرج تلك البقرة استخراجاً من بين ملايين البقر! ! وهذا ما كان؛ فمنذ عدة
سنوات، تعهد كاهن أمريكي يُدعى (كلايد لوت) ينتمي إلى جماعة (حركة الهيكل
الثالث) الإنجيلية الأصولية بأن يوقف جهوده للعثور على بقرة بالمواصفات الدقيقة
الواردة في العهد القديم، ونذر نفسه للمساعدة في أي مشروع يتعلق بإعادة تأهيل
الهيكل للعبادة، وقد جرت اتصالات ومقابلات عام ١٩٨٩م بين هذا الكاهن وبين
الحاخام الإسرائيلي (حاييم ريتشمان) الذي يعمل في معهد (الهيكل المقدس) حيث
اقترح ريتشمان فكرة إنشاء مزرعة لإنتاج وتربية الأبقار من سلالة (ريدنفوس)
الضاربة إلى الحمرة، فاقتنع الكاهن، وأنشأ بالفعل تلك المزرعة في ولاية
ميسيسيبي الأمريكية، وقد أنشأ هذا الكاهن فيما بعد فرعاً لمزرعته في مدينة حيفا،
تحسباً ليوم تولد فيه البقرة المنتظرة!
إعلان العثور على البقرة.. وماذا يعني؟
أخيراً ... وبعد ما يقرب من ألفي عام، ادعى اليهود أنهم وجدوا ضالتهم! لقد
ظهرت البقرة! ! ففي شهر أكتوبر من عام ١٩٩٦م، تم الإعلان عن ميلاد بقرة
حمراء مطابقة للمواصفات الواردة في التوراة، وأعلن أنها ولدت في مزرعة (كفار
حسيديم) وعلى الفور ذهب وفد من الحاخامات لمعاينة حالة مولود العصر،
ومقارنته بالأوصاف المذكورة في التوراة، ثم أعلنوا وقتها مطابقة المولودة
للمواصفات بعد أن باركوها، وأمروا بفرض حراسة مشددة حولها!
... ... ... ... ... [جريدة الأخبارالمصرية، ٢٥ إبريل ١٩٩٧م]
لقد كان الإعلان عن العثور على البقرة بداية لمرحلة جديدة ومثيرة من الهوس
الألفي عند اليهود وأنصارهم من البروتستانت المتهودين في أمريكا وبريطانيا،
وتناولت وسائل الإعلام الحديث بتغطية متلفعة بالتكهنات والتوقعات والحذر؛ فقد
نشرت صحيفة الأوبزرفر البريطانية في عددها الصادر في (٩/٧/١٩٩٧) أخبار
الحدث قائلة: (سيكون الذبح الطقسي للبقرة الحمراء بعد ثلاث سنوات من ميلادها،
بداية العد التنازلي للعودة الكبيرة لليهود إلى موقع عبادتهم السابق، وتبشيراً بمجيء
المسيح المخلّص، بيد أن محاولة تحقيق هذه العودة ستؤدي إلى بداية لا تُنسى
للألف الثالثة) !
لقد توافد الآلاف من اليهود (متدينين وغير متدينين) إلى مزرعة (كفار
حسيديم) في إسرائيل لمشاهدة هذا الكائن (الأسطوري) . ولحسم الفوضى التي يمكن
أن تنشأ عن هذا التدافع، لجأت الجهات اليهودية المهتمة بهذا الشأن إلى تنظيم
الزيارات والرحلات لزيارة البقرة! ! لقد نجح الشيطان لعنه الله في استثمار ضعف
الإنسان حيال الغيب المجهول، فأحدث بين اليهود حالة من النشوة، محفوفة بهالة
من الرهبة وممزوجة بالرغبة في اقتحام المزيد من أستار الغيب المجهول، ورأى
كبار زعماء الجماعات الدينية الفرصة سانحة لضخ الدماء في عروق التعصب
لمزيد من التأهب لمغامرات المستقبل القريب، ونظروا إلى البقرة التي أطلقوا عليها
اسم (ميلودي) على أنها أحدث إشارة بدنو العصر الأخير، وتوقع الكثيرون منهم أن
تستخدم دماء تلك البقرة عينها في احتفالات (تطهير) الشعب اليهودي، الذي لا
يمكن أن يمارس العبادة في الهيكل إلا بعد أن يتم تطهيره برمادها وفقاً لقول التوراة
التي بأيديهم: (كل من لم يتطهر فإنه ينجس مسكن الرب) [٣] ورأى آخرون أن
هذه البقرة التي ظهرت هي حلقة الوصل المفقودة والمطلوبة للوصول السريع إلى
زمن إعادة الهيكل؛ حتى إن اليهودي الأصولي المتعصب (يهودا اتزيون) الذي كان
متهماً رئيساً في محاولة تفجير قبة الصخرة عام ١٩٨٥م، أعلن بعد ظهور البقرة
ابتهاجه بهذا الحدث (التاريخي) وقال: (إننا ننتظر منذ ألفي سنة ظهور إشارة من
الرب، والآن أرسل لنا البقرة الحمراء، وظهورها يعتبر أحد أهم الدلائل على أننا
نعيش في زمن مميز، ولهذا فلا بد من الإسراع بإزالة مسجدي الأقصى والصخرة
من جبل الهيكل، ونقل بقاياهما إلى مكة) !
[السياسة الكويتية، ٣٠/١٠/٩٧]
وبدأ المتعصبون اليهود على الفور في استثمار الحدث، لإنشاء واقع جديد من
خلاله، فدعا عديد من زعماء الجماعات الدينية (الطليقة) في طول البلاد وعرضها
في (إسرائيل) إلى إلغاء الفتوى الحاخامية القديمة التي تحظر على اليهود دخول
ساحات المسجد الأقصى، ووقعوا توصية بذلك في المؤتمر السابع لحركة (إعادة
بناء الهيكل) . [الحياة، ١٦/٩/١٩٩٨] . وبالفعل، قررت لجنة من ٦٠ حاخاماً في
شهر أغسطس من عام ١٩٩٧م تجاوز الحظر الذي كان معمولاً به، وشجعوا اليهود
على الصعود إلى ما يسمونه (جبل الهيكل) حيث يوجد المسجد الأقصى ومسجد
الصخرة، واحتج هؤلاء بأن لديهم مسوغات كافية تجعل من حق اليهود أن يصعدوا
إلى هناك لكي يتسنى لهم البدء في الاستعدادات الخاصة بإعادة بناء الهيكل، وقال
المتحدث باسمهم: (إن الحظر العام على الصعود لم يكن يأخذ في اعتباره في
السابق الاكتشافات الأخيرة، وأبرزها اكتشاف البقرة الحمراء، ونحن الآن بانتظار
الخلاص، وإعادة بناء الهيكل التي يجب أن تبدأ بسرعة في أيامنا هذه) .
... ... ... ... ... ... [الأنباء الكويتية، ٩/٧/١٩٩٧]
وبدأت مجموعة من الحاخامات منذ سنوات في دعوة عائلات الكهان لإرسال
أولادهم لكي يتم إعدادهم في حجْر (العزل الطاهر) ليكونوا جاهزين للعمل في
الطقوس المتعلقة بالبقرة، واستجابت أربع عائلات كهنوتية للتبرع بأولادها من أجل
هذا الغرض. ... ... ... ... ...
[الرأي العام: ٥/٣/١٩٩٨]
وبدأ الحاخامات منذ فترة بالاتفاق مع الجهات الحكومية بتحصيل نسبة ١%
من مجموع الإنتاج داخل إسرائيل، ليوضع في حساب (خدمات الهيكل) الذي دخلت
مهماته مرحلة التنفيذ بظهور البقرة، وتحصيل هذه النسبة يجري الآن وفقاً لتشريع
ديني يقضي بأن يقدم الشعب اليهودي عُشر العشر ليوقَف على الهيكل، وقد وُضِعَ
عنوان خاص لاستقبال تلك الإسهامات وتنظيم إنفاقها على المشاريع المتعلقة بالهيكل.
لقد ظهرت مع ظهور البقرة الحمراء حالة من الحماس الديني بين الجماعات
اليهودية التي تنافس الحكومة بأنشطتها (١٢٠ جماعة) ، وبدأت في اكتساب أنصار
جدد من أولئك الذين لم يكونوا يأبهون بشعارات الجماعات الدينية، وقد علق
(مناحيم فريندمان) الخبير في الشؤون الدينية في جامعة (بارابلان) على هذه
الظاهرة الجديدة بقوله: (إن ولادة هذا الحيوان الطارئة، أوجدت حالة من الحساسية
في إسرائيل؛ إذ أصبح الناس يبحثون في أمر هذه العلامة ويتحدثون عنها بدقة) .
... ... ... ... ... ... ... [السياسة، ٣٠/١٠/١٩٩٧]
البُعد السياسي لعهد (البقرة) :
لم يكن المتدينون وحدهم المحتفين بضيفة (إسرائيل) الجديدة، بل اهتبل
السياسيون مناسبة حلولها في ذلك التوقيت، لتحقيق أغراض سياسية وحزبية،
مستغلين تصاعد المد الديني في (إسرائيل) وربط كثيرون بين ظهور البقرة وظهور
نتنياهو، الذي تُوجت في عهده أنشطة الجناح الديني في السياسة الإسرائيلية.
والمؤسسة الدينية التي اعتبرت فوز نتنياهو انتصاراً للمتدينين وهزيمة للعلمانيين؛
دأبت على تدعيم موقفه بعد الإعلان عن ظهور البقرة، وربطت مجيئه بتحقيق
نبوءات يؤمنون بها، مما جعل البعض منهم ينظرون إليه على أنه يتبوأ منزلة
(ملِك) من ملوك إسرائيل التاريخيين، وأنه يمكن على هذا أن يتمتع بـ (العصمة)
الدينية، التي تجعل مخالفيه في زاوية المخالفين للتوراة.
وقد أثار تفاؤل المتدينين أيضاً وقتها، أن عهد نتنياهو سيستمر في السلطة
حتى العام ٢٠٠٠م على الأقل [٤] وهو العام المرتب له أن يكون عام (التطهير) !
لكن هناك فريق من الإسرائيليين لم يشاركوا جمهور اليهود في الابتهاج
بالعجل الجديد، وهم شرائح من العلمانيين الذين شعر كثير منهم بالانزعاج
والتخوف من مضاعفات هذا الاكتشاف ونتائجه التي قد يصيبهم شرها وشررها.
ورأى بعضهم أن (قضية) البقرة، قد تفتح باباً لدوامة من العنف لا نهاية لها بين
المسلمين واليهود داخل فلسطين، وأيضاً بين المتدينين وغير المتدينين من اليهود،
وذلك ما أكده الصحفي الإسرائيلي (ديفيد لانرد) حيث قال: (إن الأذى المحتمل من
جانب الحديث عن ظهور البقرة الحمراء، يفوق بكثير ما يمكن أن ينتج عن
الخصائص التدميرية لقنبلة نووية دينية) .
خيبة أمل.. عارضة:
بعد أن راحت الأحلام تسبح باليهود المتدينين في سواحل الخيال.. والخبال،
طرأ ما يعكر أجواء هؤلاء الحالمين، فقد شكك بعض الحاخامات في أن تكون
(ميلودي) هي البقرة الحمراء المنتظرة، وأوردت صحيفة معاريف الإسرائيلية
الصادرة في (٢٩/١٠/١٩٩٧م) عن الحاخام (شمار ياشوف) تصريحاً أدلى به من
المزرعة التي تقيم فيها (ميلودي) قال فيه: (قد لا تكون هذه البقرة هي الحقيقية
بسبب بعض الشوائب) ! وأخرج الحاخام عدسة مكبرة، ولاطف البقرة، وصوّب
العدسة نحو ذيلها وقال: (انظروا.. هنا تجدون بعض الشعيرات البيضاء) ! ثم
اتجه إلى رأسها، وصوّب النظر نحو عينيها وقال: (لاحظوا.. إن رموشها تبدأ
حمراء وتنتهي سوداء) !
وقد شكك آخرون في هذا التشكيك، كما نقلت ذلك الأوبرزفر في ٩/٧/١٩٩٧ م فهوّن (يهودا اتزيون) الناشط الصهيوني من شأن تلك التحفظات التي أبداها
الحاخام المذكور، وسارع إلى طمأنة القلقين وقال: (هذه الشعيرات التي شوهدت
ستختفي بمضي الوقت، وحتى إذا لم تختفِ، فإن الكتاب المقدس يقول: إن
شعرات قليلة لا تنفي الطبيعة المقدسة للبقرة إذا كانت كلها حمراء) .
إن مشاعر التعجل لدى متعصبة اليهود، لا تريد أن يخرج الناس من أجواء
الأوهام الألفية الخلاصية، فهم يجنون أنضج الثمرات من تأجيج أحاسيس الدنو
القريب لعصر النهاية (السعيد) ولا يدري هؤلاء البؤساء، أنهم سيخرّبون بيوتهم
بأيديهم وبأيدي المؤمنين في نهاية المطاف، ولكنهم مصروفون عن هذا، ومصرون
على النفخ في كير الحرب الدينية القادمة، حتى إن (اتزيون) المذكور آنفاً، وغيره
من المتعصبين، يعتقدون كما نقل عنه في التصريح السابق أن رماد البقرة الحمراء
سيحول مجموعات اليهود المتدينين القلائل إلى حركة جماهيرية واسعة الانتشار!
هل لنا موقف من (البقرة) ؟
نحن بطبيعة الحال، لا يعنينا من شأن تلك البقرة شيء، سواء في شكلها أو
وصفها أو سنها، أو زمان ومكان خروجها، ولكن الذي يعنينا هو ما تمثله تلك
البقرة من كابوس يمكن أن يثير من الأحداث ما يتعاظم على السيطرة، وقد عودنا
اليهود خلال الخمسين عاماً الأخيرة أنهم أكفأ البشر في تسويق الأحلام واستثمار
المصائب لصالحهم. قد يتشبث اليهود بتلك البقرة بالذات ليكملوا نسج بقية
الأسطورة بين يديها أو قرنيها، وقد يستبدلونها بعد حين بأخرى أكثر مطابقة
للمواصفات التي تليق بأمة متنطعة تريد أن تكرر حديث الصفات النادرة عن البقرة
الصفراء الفاقع لونها، مع البقرة الحمراء الخالص حَمَارها.
أما المعتقد الأصلي في البقرة، والموجود الآن في نسخ التوراة المتداولة، فلا
نصدقه ولا نكذبه فقد يكون من الشرائع المنسوخة وذلك تسليماً بالهدي النبوي
المذكور في الحديث الشريف: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا:
آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم) [٥] . ولكن المقطوع به أن تلك (الفريضة
الدهرية) كما وصفوها.. لا تمت إلى الدين المقبول بصلة، بعد بطلان الشرائع
بشريعة النبي الخاتم.
وهنا أمر أود الإشارة إليه، وهو أنني لا أستبعد أن يكون ظهور بقرة حمراء
مطابقة لما يتطلع إليه اليهود، من تلاعب الشيطان، فيكون هذا من قبيل الاستدراج
لهم، فقد تأتي الأقدار لهم بالبقرة التي يريدون، إمداداً لهم في الغي، فيظنون أنهم
قد وصلوا إلى عتبة عصر (الطهارة) وينتهي الأمر بهم إلى مزيد من الانصراف
عن الحق، كما قال سبحانه: [سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ
بِغَيْرِ الحَقِّ وَإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً
وَإن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً] [الأعراف: ١٤٦] .
ويمكن أن يكون هذا التلاعب الشيطاني بهم مثيلاً لتلاعبه بهم في شأن انتظار
نبي خاص بهم من نسل داود، جعلهم يكفرون بعيسى اويكفرون بمحمد -صلى الله
عليه وسلم- مصرين على انتظار هذا النبي الموعود. قال ابن القيم ﵀:
(ومن تلاعبه بهم يعني اليهود أنهم ينتظرون قائماً من ولد داود النبي، إذا حرك
شفتيه بالدعاء، مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي
وُعِدوا به، وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال، فهم أكثر
أتباعه) [٦] .
البقرة.. ونجاسة الشعب (المختار) :
من أعجب أمور اليهود، أنهم لا يزالون يؤمنون عن يقين بأنهم (شعب الله
المختار) حتى تقوم الساعة! والأعجب من ذلك أنهم يعتقدون بالقدر نفسه من اليقين
بأنهم شعب (نجس) منذ عشرات القرون، لماذا؟ لأنهم قارفوا نجاسات عديدة لا
يمكن التطهر منها حسب شريعتهم إلا برماد البقر الأحمر، ضمن طقوس لا تمارس
إلا في الهيكل، وبما أن الهيكل غائب منذ ألفي عام، وعقمت معه الأبقار أن يلدن
واحدة حمراء خالصة، فإن (النجاسة) ظلت ملازمة للشعب اليهودي بكامله. جاء
في توراتهم: في سفر العدد الإصحاح ١٩: (هذه هي الشريعة.. إذا مات إنسان
في خيمة، فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجساً ... كل إناء
مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس، وكل من مس على وجه الصحراء قتيلاً
بالسيف أو ميتاً أو عظم إنسان أو قبراً يكون نجساً..) (والذي مس ماء النجاسة
يكون نجساً.. وكل ما مسه النجس يتنجس، والنفس التي تُمس تكون نجسة) ! !
فَمَنْ إذن من الشعب (المختار) بقي طاهراً؟ ! المشكلة هنا ليست في النجاسة فكل
الكفار والمشركين نجس ولكن المشكلة أنهم يعتقدون أن هذا النوع من النجاسة لا
يزول إلا برماد البقرة المحظية في نهاية الألفية، جاء في الموسوعة الدينية اليهودية: (إن البقرة الحمراء يجب سحبها خارج القدس، وبعد ذبحها يجب حرقها بكاملها
بعد إضافة خشب الأرز وأعشاب أخرى، ويشرف على هذه الطقوس حاخام أو
كاهن، ويستخدم الرماد في التطهر وطرد الأرواح الشريرة التي يمكن أن تنتقل إلى
اليهود من الموتى لو مسوا جثمانهم) . والظاهر أن نجاسة اليهود من أكثر ما يؤرقهم، حتى إن التلمود الذي وضعه الحاخامات تفسيراً للتوراة يدور سدسه تقريباً حول
كيفية التطهر من النجاسات، وجاءت البقرة أو هكذا ظنوا لتكون فاتحة لعهد من
الطهارة يستقبلون به عصراً من الأمجاد، والله يعلم أن جميع البقر الأحمر والأبيض
والأسود، لو صُيّر رماداً، ثم خلط بماء البحر الأحمر والأبيض والأسود، ثم
أغرقت فيه أمة اليهود كلها، لما تطهر واحد منهم من نجاسة الكفر، إلا إذا دخل في
دين التوحيد وآمن برسالة خاتم الرسل وسيدهم محمد صلوات الله وسلامه عليه
وعلى آله وصحبه ومن اتبعه إلى يوم الدين قال تعالى: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ
نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ
الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [المائدة: ١٥-١٦] .
أما هؤلاء، فإنهم لا يزالون في أسر الآصار التي كانت عليهم، لا يبغون
عنها فكاكاً، وقد نقلت صحيفة الرأي العام الكويتية عن إحدى الصحف الإسرائيلية
في (٥/٣/١٩٩٨م) أن حواراً أجري مع واحد من أبرز الحاخامات الإسرائيليين
ويدعى (البويم) حول العديد من الأسئلة الحائرة الدائرة حول البقرة، فكان من ضمن
الأسئلة: هل تكفي بقرة واحدة لخمسة ملايين يهودي ملوثين بالنجاسة؟ فأجاب:
(أجل، ولسنوات كثيرة أيضاً، لقد دُوّن في التوراة أن البقرة الحمراء الأولى أعدت
على عهد موسى، أما الأبقار التالية فقد أعدها عزرا، فخلال فترة الهيكل الثاني
أعدوا ثماني بقرات، إذن فالعدد كله تسع بقرات، ونحن الآن في زمان البقرة
العاشرة) إذن، فأمر البقرة سواء كانت هي تلك التي أعلنوا عنها أو غيرها مما
يمكن أن يعلنوا عنه، ليس بالأمر الهامشي في حياة اليهود في هذه الأيام؛ خاصة
أنهم يرون أنفسهم قد قطعوا من الطريق أطوله نحو عهد الهيكل الثالث، وعلماً بأن
ما يقرب من ٩٥% من الطقوس العبادية اليهودية التي تؤدى في الهيكل، يحول بين
اليهود وبين ممارستها ما يسمونه بـ (نجاسة الموتى) ، بل إن بعض الحاخامات
يتحدثون عن استحالة افتتاح الهيكل للعبادة بأيدي (أنجاس) واستحالة تمكّن هؤلاء
من القيام بشؤونه وطقوسه قبل تطهّرهم برماد البقرة! ! ولله في خلقه شؤون! كيف
إذن سيبنون وكيف يجهزون وهم أنجاس؟ الله أعلم!
أما عن كيفية التخطيط العملي لهذه (الطهارة) الجماعية، فهذا سؤال توجهت
به صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية في (٢/٣/١٩٩٨م) إلى أحد الحاخامات الكبار فقال: (سنحرق البقرة قبالة موقع الهيكل من جهة الشرق، وبالإمكان أن نضيف إليها
بعض الأشجار، وبعد ذلك نخلط الرماد بعضه ببعض، ومن ثم يتم وضع الرماد
في أنابيب، وتوزع في أرجاء البلاد) ! ! شيء قريب من توزيع مياه الشرب أو
(الغاز) .. إنها ألغاز! ! فماذا إذن عن الملايين العشرة الباقين من اليهود خارج
البلاد؟ ! الظاهر أن الرماد سيصدّر إليهم في مغلفات معقمة من قوارير، أو أنه
سيكون مدعاة قوية لهجرات جديدة إلى أرض الميعاد ... والرماد!
موعد الميلاد.. وموعد الذبح:
الموعد الذي ولدت فيه البقرة سيحدد بدقة الموعد الذي ستذبح فيه، فعلى
حسب المفاهيم اليهودية لا بد أن تذبح البقرة بعد أن تتم ثلاث سنوات، وهناك
اختلاف معلن في تحديد الموعد الذي ولدت فيه، فالبعض داخل (إسرائيل) يقول
إنها ولدت في شهر أغسطس من عام ١٩٩٧م، وهناك من يقول إنها ولدت في
يناير من العام نفسه، وعلى هذا؛ فهي ستتم عامها الثالث إما في يناير من عام
٢٠٠٠م، أو في أغسطس من العام نفسه، وعلى هذا يكون العام ٢٠٠٠م، عاماً
مصيرياً في عمر البقرة وفي عمر اليهود، حيث تتوقع جماعاتهم الدينية أن عصراً
جديداً سيحل في الأرض المقدسة بعد ذبح البقرة في بيت المقدس، أو في (أورشليم)
كما يسمونها!
ومع (أورشليم) التي يجري إعدادها أيضاً لعهدها الجديد قبل العام ٢٠٠٠م
سيكون حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
стр. 3015
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
ثم تكون عليهم حسرة
ذكرت صحيفة (معاريف) أن المليونير المصري (سعيد شلبي) بدأ إجراءات
بالتعاون مع جهات (إسرائيلية) تمهد لإقامة مصنع لإنتاج المسامير الفولاذية
والجدران الشائكة في مستعمرة (شدروت) بصحراء النقب جنوب (إسرائيل) .
ونقلت الصحيفة عن مدير الشركة الاقتصادية في (شدروت) شالوم هليفي الذي
التقى بالمستثمر المصري واتفق معه حول المشروع أن المصنع سيُقام بتوظيف
رأسمال قدره ٢٥ مليون دولار وسيكون مهيأ لتشغيل ٣٠٠ عامل. وقال المسؤول
(الإسرائيلي) إن الأمر يتعلق بمشروع متميز خاصة أنه سيكون أول مشروع من
نوعه يقيمه مستثمر ورجل أعمال مصري في (إسرائيل) .
... ... ... ... ... [جريدة الخليج، العدد: (٧١٦١) ]
نفي أم.. إثبات؟
نحن نتعاون مع الإدارة الأمريكية مثلنا مثل أي دولة في المنطقة، هناك دعاية
تروج الآن أن (سي. آي. إيه) فتحت لها مكاتب في مناطق السلطة الفلسطينية،
وأنا أوكد حتى هذه اللحظة لا توجد لدينا مكاتب، وإن كنت أنا أميل سياسياً لأن
يفتح مكاتب لـ (سي. آي. إيه) .
[محمد دحلان، رئيس الأمن الوقائي الفلسطيني، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٦٠) ]
سراب العودة
تتداول الدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينيين تقريراً أمريكياً عن النية
في توطين اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها بالأساس، ونقل أعداد منهم إلى
الدول العربية المجاورة ودول أخرى تمهيداً لتركيز ملف اللاجئين في يد دولة واحدة.
ويبلغ عدد لاجئي ١٩٤٨م، ونازحي ١٩٦٧م ستة ملايين فلسطيني موزعين
على أكثر من ١٣٢ دولة. ... ...
[جريدة الخليج، العدد (٧١٢٣) ]
الحصار المر
ذكر وزير الصحة العراقي أن ١. ٩ مليون عراقي تقريباً توفوا نتيجة لحرب
الخليج والعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة على العراق منذ أكثر من ثماني
سنوات. ... ... ... ... ...
[جريدة الحياة، العدد: (١٣١٠٠) ]
من الفرنسة إلى الأمركة! !
أبدى بعض المسؤولين العسكريين الجزائريين رغبة قوية في تطوير وتعميق
التنسيق والتعاون مع الولايات المتحدة وقدم الجانب العسكري الجزائري ثلاثة
اقتراحات من أجل بدء علاقة جديدة بين الدولتين:
١- إجراء مناورات عسكرية مشتركة وبصورة منتظمة.
٢- دعوة ضباط أمريكيين من رتب مختلفة إلى زيارة الجزائر وتفقد مواقع
ومراكز عسكرية.
٣- دعوة قيادة سلاح الجو الأمريكي إلى إرسال طائراته إلى الجزائر للقيام
بتدريبات مشتركة. وقد أبدى الوفد العسكري الجزائري رغبته في شراء معدات
عسكرية أمريكية. ... ...
[مجلة روزاليوسف، العدد: (٣٦٨٠) ]
أيها العرب.. موتوا بغيظكم
قال وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر: إن ألمانيا ستظل تتحاشى توجيه
النقد لسياسة إسرائيل، حتى ولو كان هذا النقد (مشروعاً) وذلك حفاظاً على متانة
العلاقة بين البلدين، وإن الأجيال الألمانية المقبلة عليها أن تتحمل أيضاً أعباء
مسؤولية ألمانيا عن الهولوكست. ...
[مجلة المجلة، العدد: (٩٨٣) ]
احتلونا مشكورين! !
قال مستشار الرئيس الأذري للشؤون الخارجية: إن أذربيجان عرضت على
الولايات المتحدة أن تنشئ قواعد عسكرية على أراضيها (لأننا نواجه خطراً كبيراً
من روسيا، والروس يعتزمون استخدام الأرمن لضربنا، وإننا نرحب بقواعد
عسكرية تركية وأمريكية على أرضنا) .
... ... ... ... [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٧٠) ]
شاهد من أهلها
قال وزير العدل الأمريكي السابق رامزي كلارك: إن الإدارة الأمريكية تعتبر
الإسلام هو العدو الأول لها حالياً، وتحاول الربط بينه كدين وبين الإرهاب،
وتستخدم الإعلام للإيحاء بأن كل علماء الإسلام إرهابيون.
... ... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣١١٥) ]
حوادث حداثية
لأدونيس وجهان، مثله مثل أي مبدع! ! ! أدونيس يتميز بقدر من الأنانية،
وإنكار الآخرين واللجوء إلى سلوك العصابات، هناك في سلوكه استغلال سيئ
لأدوات يجب أن تكون مفتوحة للناس جميعاً.
[الشاعر: أحمد عبد المعطي حجازي، مجلة الوسط، العدد: (٣٦٣) ]
قبل الكسوف
أعلنت المفوضية العليا للاجئين أن تجدد المعارك في كوسوفا أدى إلى تهجير
٤٥ ألف شخص من نحو ٤٠ قرية، وقد أدى النزاع بين الصرب والمقاتلين الألبان
في كوسوفا إلى نزوح ٤٠٠ ألف شخص في الإجمالي، أي ما يوازي ٢٠% من
سكان الإقليم. ... ... ...
... [جريدة الأنباء، العدد: (٨١٦٢) ]
أقلية منسية (٦٠ مليون) فقط! !
نددت منظمة العفو الدولية بالاعتقالات التعسفية التي قامت بها السلطات
الصينية لمسلمي تركستان الشرقية واتهمت المنظمة الصين بتعذيب الأقلية المسلمة،
وكانت الصين أرسلت في الآونة الأخيرة قرابة تسعة آلاف شرطي لمناطق مسلمي
(الإويجور) . ... ... ...
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٧٤) ]
رهبان أم سفاحون؟
إن كوسوفا مهد الحضارة الصربية، وتاريخ صربيا مسجل فيها بالدم الصربي
قبل عدة قرون. عليكم بالتوالد والتكاثر حتى تتمكنوا من السيطرة عليها؛ لأن
الجبل يملكه صاحب أكبر قطيع من الغنم.
[بطريرك الكنيسة الصربية، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٤١) ]
لماذا؟
أكد مسؤول عسكري أسباني أن بلاده ستعزز وجودها العسكري في مدينة
مليلية المغربية التي تحتلها أسبانيا، وقال: إن التعزيزات العسكرية ستشمل دبابات
قادرة على التحرك في كل التضاريس وأسلحة هجومية متطورة وقطعاً حربية حديثة، وطائرات مروحية، وسيارات عسكرية، وقنابل مضيئة وأنظمة متطورة للرصد
والاتصال. ... ... ... ... ...
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٠٩٧) ]
أي دين تريد؟
مع الزمن وآه من الزمن تحولت من تسمي نفسها حركات دينية إلى حركات
منعية تتدخل في خصوصيات الناس وأذواقهم ونوعية ملابسهم ونوعية الأغاني التي
يتوجب عليهم سماعها، ونوعية الكتب التي يقرؤونها، الذي نعرفه أن دين الإسلام
جاء رحمة للعالمين وجاء ليحررهم من القمع الفكري والجسدي ودعاة مصادرة
الحريات، فإذا بالزمن التعيس! يطلع علينا بمن يفعل عكس ذلك، فيصادر أفكار
وحريات غيره من الناس أو حتى ممارساتهم التي كفلها القانون والدستور واللوائح.
[الكاتب الكويتي: عبد الرحمن النجار، جريدة الأنباء، العدد: (٨١٥٨) ]
حتى أنت يا مانديلا؟
وجه الرئيس الجنوب إفريقي (مانديلا) انتقاداً عنيفاً إلى جماعات الدفاع الذاتي
الإسلامية (الدفاع ضد الإجرام والمخدرات) وقال: إن حملاتها فاسدة حتى النخاع
ومستلهمة من الباطل، ومحاولات تبريرها بالدين ما هي إلا كفر! !
... ... ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣١١٩) ]
هذا فهمك يا فهمي! !
إن الجهاد في المرجعية الإسلامية هو جهاد الدعوة والتبليغ بالدرجة الأولى،
وجهاد البناء والتعمير بعد ذلك، ثم جهاد المعتدين أخيراً، إن الجهاد القتالي
استثنائي وطارئ، وهكذا فإن المسلمين ينبغي ألا يقاتلوا إلا من اعتدى عليهم
وبدأهم بالقتال بسبب بغيه وعدوانه وليس بسبب اختلافه في العقيدة.
... ... [فهمي هويدي، مجلة المجلة، العدد: (٩٨٤) ]
تنوير.. بلد النور! !
قام عدد من المدرسين الفرنسيين بالإضراب عن التدريس احتجاجاً على تمسك
طالبتين تركيتين بارتداء الحجاب داخل الصف، وقال وزير الداخلية الفرنسي إن
الحجاب يجعل الاندماج في المجتمع الفرنسي أكثر صعوبة، بإمكانكم أن تكونوا
فرنسيين ومسلمين في الوقت نفسه، لكني أقول: إن ارتداء الحجاب أمر غير
مرغوب فيه.
[جريدة الشرق الأوسط، العددان: (٧٣٥٠، ٧٣٧٤) ]
إلى دعاة حوار الأديان
أعلن الفاتيكان إحياء منظمة تطلق على نفسها اسم (مساعدة الكنائس
المضطهدة) وقد نشرت الصحف الإيطالية تقريراً أصدره الفاتيكان، وأعدته المنظمة
المذكورة يزعم أن ٣٠ مليون مسيحي كاثوليكي يعانون الاضطهاد في ٤٦ دولة
إسلامية. ... ... ... ... ...
[جريدة الخليج، العدد: (٧١٨١) ]
وقتلهم الأنبياء بغير سلاح! !
س: بعضهم يرى أنكم تملكون ناصية الحوار، ومن الداعين إليه لدرجة أنكم
تحاورتم مع الحاخام اليهودي لارو، فلماذا لا تحاورون الجماعات الإسلامية؟
ج: أنا بطبيعتي أتحاور مع أي إنسان، ومع أي طائفة لأنني أقف على
أرض صلبة، ولا أخشى الحوار، ولكن لا أتحاور مع من يحمل السلاح، لأن من
يرفع السلاح، لا مكان له بيننا ولا حوار بيننا وبينه، الحوار له آليات أخرى
خلاف سفك الدماء.
[شيخ الأزهر، محمد طنطاوي، مجلة الوسط، العدد: (٣٦٠) ]
طوبى.. لكوبا! !
أعلن الرئيس الأمريكي كلينتون سلسلة إجراءات لتخفيف الحظر على كوبا من
أجل مساعدة الشعب، دون تقوية النظام! !
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٠٨٩) ]
стр. 3016
من ثمرات المنتدى
في هذه الزاوية يسر المنتدى الإسلامي أن يتواصل مع قرائه الكرام بإيقافهم
على آخر الأنشطة والمستجدات والفعاليات التي تتم بفضل الله تعالى في مختلف
مكاتبه المنتشرة في إفريقيا وآسيا، سائلين الله تعالى أن يخلص النيات، ومتمنين
من أحبابنا الكرام أن يزودونا بملحوظاتهم واقتراحاتهم، وأن يقفوا معنا بدعائهم
وعونهم.
إسلام قس
أشهرَ أحد كبار القساوسة الذين ينتسبون لأقدم كنيسة في غانا إسلامه، وسمى
نفسه: (محمد مصطفى) ، وهو من الذين تتلمذ على يده الكثير من دعاة الكنيسة في
غرب إفريقيا، وأبدى ندماً شديداً على ما قدمه من حرب الإسلام، ولكنه استبشر
خيراً حين علم أن الإسلام يجبّ ما قبله.
وكان مطلبه الرئيس، أن يُعجّل بتعليمه، حتى يقف للإسلام داعياً إليه، كما
كان يقف ضده، وتم إرساله إلى إحدى القرى وقضى بها شهر رمضان تحت
إشراف أحد الدعاة.
وقبل الذهاب إلى هذه القرية، استأذن لزيارة أهله لترتيب أمرهم، ثم جاء
إلى الإخوة في المكتب بصحبة زوجه التي أعلنت إسلامها، وسماها خديجة، وابنه
الذي سماه الصديق.
ويقوم المنتدى الإسلامي بعقد دورات لمدة ثلاثة أشهر للمهتدين الجدد يتعلمون
خلالها أمور دينهم.
قوافل وملتقيات دعوية
حرصاً من المنتدى الإسلامي لنشر الإسلام والدعوة الصحيحة فقد سيّر بفضل
الله تعالى عدداً من القوافل الدعوية التي تهدف إلى نشر الإسلام والعقيدة الصحيحة
إلى القرى والأرياف النائية، في كل من: أوغندا، والصومال، غانا، نيجيريا،
مالي، توجو، بنين، كينيا، بنجلاديش، وقد بلغ عدد هذه القوافل ١٤٥ قافلة،
شارك فيها عدد من الدعاة والأطباء.
كما أقيم ملتقيان دعويان في كل مالي ونيجيريا شارك فيهما أربعمائة داعية.
من هنا وهناك
تم بحمد الله تعالى بناء خمسة عشر مسجداً، في كل من بنجلاديش، نيجيريا، توجو، كينيا، كما تم بفضل الله حفر ٣٤ بئراً في بنجلاديش ونيجيريا وكينيا
وتوجو والسودان.
***
أقيم بالتعاون مع مؤسسة البصر الخيرية العالمية مخيم لمكافحة العمى في دولة
نيجيريا، استمر لمدة ثمانية أيام، أجريت فيه (٤٣٩) عملية جراحية، ووزع
(١٣٠٠) نظارة، و (٥٥) عدسة، وتم إجراء الكشف على (٦٠٠٠) مريضاً.
... ... ... ... ... ***
صدر حديثاً عن المنتدى الإسلامي كتاب (منهج التلقي والاستدلال بين أهل
السنة والبدع) ، وكتاب (نحو أداء متميز لحلقات تحفيظ القرآن) .
دورات ومخيمات شرعية
يعتني المنتدى برفع كفاءة الدعاة العلمية والتربوية، ولهذا تم بحمد الله تعالى
عقد ثماني دورات متخصصة للأئمة والدعاة، في كل من: أوغندا، تشاد، نيجيريا، توجو، بنين، غانا، وبلغ عدد المشاركين ٣٧٨ شخصاً، وقد كان لها أثر جيد،
نسأل الله تعالى أن يبارك فيها.
وقد أقيمت في التوجو دورة تربوية لطلبة المعاهد الشرعية استفاد منها سبعة
وأربعون طالباً، كما أقيم مخيم طلابي استفاد منه خمسون طالباً.
افتتاح مركز إسلامي
تم افتتاح المركز الإسلامي التابع للمنتدى الإسلامي في مدينة بورتسودان
بدولة السودان.
أسبوعية المنتدى الدعوية باللغة الفرنسية
تواصل النشرة الأسبوعية التي تصدر باللغة الفرنسية من مكتبي توجو وبنين، وقد بلغت الأعداد الصادرة أكثر من (٦٠) عدداً، وتخاطب هذه النشرة الفئات
الناطقة بالفرنسية من المثقفين وطلاب الجامعات من المسلمين. وتجد هذه النشرة
صدى واسعاً وإقبالاً بحمد الله تعالى حيث يتم توزيع ١٧٠٠ نسخة أسبوعياً في
المساجد العامة والجامعات والمعاهد الفرنسية.
دورة شرعية في لندن
تم بحمد الله تعالى إقامة دورة شرعية مكثفة في العشر الأواخر من رمضان
في المقر الرئيس للمنتدى الإسلامي بلندن، وقد حضرها الإخوة المعتكفون في جامع
المنتدى.
مشروع إفطار صائم والدورات الرمضانية
بفضل من الله تعالى فقد أنجز المنتدى الإسلامي مشروع (إفطار صائم) لعام
١٤١٩هـ وذلك في عشرين دولة في إفريقيا وآسيا وأوروبا.
وقد استفاد من هذا المشروع مليونا شخص، حيث تم توزيع:
(٢٥٠، ٩٤٣، ١) مليون وتسعمائة وثلاثة وأربعين ألفاً ومئتين وخمسين وجبة، وكان دعاة المنتدى يحرصون على اغتنام تلك الفرص المباركة لدعوة الناس وتعليمهم، حيث بلغ عدد المحاضرات والدروس العلمية والتربوية المصاحبة للمشروع: (٤٧٠، ١٢) اثني عشر ألفاً وأربعمائة وخمسين درساً.
وقد استفاد من هذه البرامج الدعوية (٥٠٠. ٤٨٥، ١) مليون وأربعمائة
وخمسة وثمانون ألفاً وخمسمائة شخص.
كما كان من ثمرات هذا المشروع أن أسلم بفضل الله تعالى ثم بسببه (٤٧٣)
أربعمائة وثلاثة وسبعون شخصاً.
كما أقيمت ثمانية دورات شرعية في كل من نيجيريا، ومالي، وجيبوتي،
والصومال، استفاد منها (٤٦٧) شخص، وشارك في هذه الدورات عشرة من طلبة
العلم من خارج تلك الدول.
стр. 3017
في دائرة الضوء
العولمة حلقة في تطور آليات السيطرة
خالد أبو الفتوح
منذ أن تمت أول جريمة قتل في تاريخ البشرية على يد قابيل بن آدم باستخدام
أكثر الأدوات بدائية (وهي صخرة على ما جاء في بعض روايات التفسير) وسُبل
تطوير آليات العنف بهدف الإخضاع والسيطرة لم تقف عند حد..
فبعد ما كان الإنسان القديم يعتمد بشكل أساس على قواه العضلية اعتبر تمكنه
من تطويع الحديد والمعادن الأخرى خطوة مهمة في الارتقاء بهذه الآليات؛ حيث
أضيفت إلى القوة العضلية الكفاءة التصنيعية والمهارة التدريبية لاستخدام تلك
الأسلحة الجديدة كالسيف والرمح والسهم ... وفي المحاولات العديدة لسيطرة
المجموعات البشرية بعضها على بعض عن طريق المعارك الحربية التي كانت
أقرب ما تكون في العصور الوسطى إلى العركات أو (الخناقات) الكبيرة المنظمة
بقي عنصرا القوة العضلية والشجاعة القلبية ملازمين لهذه الآليات الجديدة، وإن
ظهرت وقتها بعض المحاولات لتحييد هذين العنصرين، باستخدام آليات للرجم
بالحجارة والكرات المشتعلة باستخدام المنجنيق وركوب مركبات تجرها الحيوانات.
وباكتشاف البارود وابتكار المحركات البخارية، ثم النارية، وما ترتب على
ذلك من اختراع الغرب لأسلحة جديدة ذات فاعلية كبيرة في الفتك والتخريب
كالمدافع والطائرات والدبابات والصواريخ.. تقدم الإنسان خطوة كبيرة على طريق
تحييد العنصرين المشار إليهما (القوة العضلية والشجاعة القلبية) ، فبرغم بقائهما
ضروريين في المعارك الحربية إلا أن الحاجة إليهما تأخرت كثيراً؛ لأن الالتحام
التقاتلي المباشر تأخرت أهميته هو الآخر في هذه المعارك؛ حيث أصبح من اليسير
التقاتل مع الأعداء عن بُعد وإيقاع أفدح الخسائر بهم بدلاً من هذا الالتحام أو
الحصار لآماد طويلة.. كما أصبح من اليسير إيقاع أشد النكال بالمدنيين العزل قبل
القضاء على جيوشهم، وأحياناً قبل مواجهة تلك الجيوش، ولكن مع ذلك بقيت
الحروب في وعي الإنسان أحد أساليب السيطرة البشعة والمكلفة بشريّاً وماليّاً.
وبإسقاط أمريكا لأول قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي باليابان
خطا الإنسان خطوات عدة في أكثر من اتجاه على طريق السيطرة والإخضاع:
خطوة على طريق القوة التدميرية الهائلة للأنفس والممتلكات، وخطوة على طريق
التقاتل وإيقاع الخسائر بالعدو بأقل مواجهة تذكر مع استخدام أكثر للذكاء الإنساني
في التخطيط والتنظيم والأدوات والتقنيات، وخطوة على طريق التهديد بالقوة
والبطش كرادع وقائي من أجل السيطرة والإخضاع.
وعلى صعيد آخر ظهرت الرغبة في التدمير الانتقائي للعدو، وذلك باستخدام
الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي تستطيع القضاء على الأحياء مع الإبقاء على
البنى الأساس والمنشآت المهمة يتسلمها الطرف المنتصر بعد دخوله المدن المقهورة! وآخر ما سمعنا عنه في هذا المجال ما تفتقت عنه قريحة الإنسان الغربي من
محاولة ابتكار القنبلة العرقية التي يخطط لها أن تقضي على أناس ينتمون إلى عِرق
محدد لو ألقيت على مكان تأهله مجموعات عرقية مختلفة!
تغير مجالات الصراع وبروز عناصر جديدة للقوة:
غير أن معادلات الصراع أخذت شكلاً جديداً بعد الحرب العالمية الثانية؛
حيث ذاق الإنسان ما فيه الكفاية من ويلات الحروب العائدة على المهزوم والمنتصر، وحيث وجدت هوة كبيرة في التسلح والتقدم التقني في جميع المجالات بين العالم
الأول والعالم الثالث والأخير، حتى أصبح هذا الأخير لا يفكر في مناطحة الأول
الذي لا يحتاج بدوره إلى القضاء على العالم الثالث لضعفه وهامشيته وخضوعه
النفسي له، وبدلاً من القضاء عليه تكرس تفكيره على كيفية استغلاله لصالحه.
وقد أظهرت الحرب الباردة أن التوازن في القوة بين دول العالم الأول كان
أحد عوامل التعقل فيما بينها، نتيجة الوعي بأن الدخول في صراع عسكري
وخاصة لو كان نوويّاً سيؤدي حتماً إلى إفناء وإهلاك الأطراف المتنازعة الذين هم
في المحصلة أبناء تاريخ حضاري واحد، ومن ثم: تُركت ممارسة هذا الأسلوب
لمجتمعات العالم الثالث واستثمار النزاعات بينها لصالح دول العالم الأول.
وأخيراً: فقد تغيرت معادلات الصراع بعد الحرب العالمية الثانية من حيث
بروز نتائج الثورة الصناعية في الغرب؛ حيث ظهرت أهمية متزايدة لبعض
عناصر القوة تمثلت في: تبوّؤ الآلة مكان الصدارة في حياة الإنسان العملية،
وسيطرة رأس المال باعتباره قوة اقتصادية محركة لغيرها من القوى، وبروز أهمية
وسائل الإعلام وخاصة الصحافة، ثم بعد ذلك: الأجهزة المرئية والمسموعة،
وشبكات المعلومات باعتبارها أحد المكونات الرئيسة للرأي العام..
وصاحبَ تزايد أهمية هذه العناصر للقوة تعميق أنماط اجتماعية كانت جديدة
ومستغربة منذ عهد قريب؛ فمع انتشار الآلة ازداد طلب الترف والرفاهة، وشاعت
حياة اللذة والمتعة المجردة، وتراجعت القيم والمبادئ والعقائد إلا ما يخدم هذه الحياة
الجديدة، كما تكرس خروج المرأة إلى العمل وتحررها من البيت والرجل، وما
صاحب ذلك من اختلاط وفساد وتحطيم للأسرة بنيةِ المجتمع الرئيسة، وأصبحت
الأخلاق هي أخلاق الآلة والسوق!
السيطرة بالعولمة.. حتمية غربية:
ما علاقة كل ذلك بموضوع العولمة وآليات السيطرة؟
لله علاقته أن الغرب رغم إمكاناته الهائلة وتقدمه التقني الواضح إلا أنه غير
قادر على الاستغناء بنفسه عن بلدان العالم الثالث؛ حيث المواد الأولية الرخيصة،
والأسواق الاستهلاكية الواسعة، كما إنه لا يستطيع غض الطرف عن المشاكل التي
يسببها له هذا العالم، وعلى سبيل المثال: فقد أحس الغرب إبان أزمة البترول
الأولى (١٩٧٣ ١٩٧٤م) والثانية (١٩٧٩ ١٩٨٠م) بأن هذا العالم الخارجي أصبح
قادراً على أن يزلزل استقراره الاقتصادي والسياسي والاجتماعي لو ترك الأمر بيده
وحده لله وعلاقته أن الغرب رغم امتلاكه لناصية القوة العسكرية إلا أنه غير مستعد
باعتباراته المجتمعية لبذل أرواح أفراده إلا في حالة الضرورة القصوى عندما يكون
الموت للإبقاء على الحياة، [وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَذِينَ أَشْرَكُوا
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ... ] [البقرة: ٩٦] ، فهم لا يملكون في حسهم إلا
هذه الحياة الدنيا [وَقَالُوا إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ] ...
[الأنعام: ٢٩] ، [وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاًكُلُونَ كَمَا تَأكُلُ الأَنْعَامُ] [محمد: ١٢] فماذا يبقى لهم لو فقدوا هذه الحياة؟ وبشهادة مفكري الغرب فإنه بعد الحرب العالمية الثانية انحسر في حس أفراد المجتمع الغربي مدّ الأيديولوجية السياسية ... والمذهبية انحساراً ملموساً [١] ، وحلت محله روح المصلحة التي مثلتها مذهبية البراجماتية (النفعية) في تطبيقها الأمريكي الواضح، كما إن مبادئ نظرية التحليل النفسي التي أشاعها فرويد وتلامذته وآتت أكلها في المجتمع الغربي ربطت الصحة النفسية لدى الأفراد بمدى ما يحققونه من رغباتهم وشهواتهم الشخصية، حتى إن غير الأناني عند أصحاب هذه المدرسة يعتبر غير سوي نفسيّاً، وهذه الأحاسيس لدى الأفراد الغربيين ظهرت جلية أثناء حرب أمريكا في فييتنام، وبعدها خلال المغامرات الغربية في لبنان والصومال؛ حيث يتساءل الرأي العام دائماً: في أي سبيل نرسل أبناءنا للموت؟ وما العائد علينا من ذلك؟ وعندما تكون الإجابة: لمصلحة الوطن العليا، فإنهم يرسلون جيوشهم، مع الأخذ في الاعتبار الحرص على الاقتصاد في الالتحام ونيابة آلة التدمير عنهم فيه، وإدارتهم لها من خلال غرف العمليات المكيفة ما أمكن، وأحياناً: مع تناول نوع شيكولاتة لا يذيبها حر الصحراء، وهذا ما حدث أثناء حرب (فوكلاند) بين بريطانيا والأرجنتين؛ حيث لم تتوان بريطانيا في خوض الحرب دفاعاً عن ترابها الوطني في أقصى جنوب المحيط الأطلنطي، وحدث أيضاً أثناء حرب الخليج الأخيرة عندما شعر الغرب بأن شريان رفاهيته ورخائه تحت التهديد.
لله وعلاقته أن في إدارة الصراع يحرص كل طرف على جذب الطرف الآخر
إلى نطاق قوته وما يحسن استعماله، وفي سبيل ذلك يغري صاحبُ القوة الطرفَ
الآخر بالوقوع في هذا النطاق أو يورطه فيه، تماماً كما يفعل تجار المخدرات
ومروجوها؛ فإنهم إذا لم يجدوا في الشخص المستهدف الظروف الحياتية المناسبة
لاستغلالها فيه، فإنهم يعرضون عليه جرعة المخدرات الأولى مجاناً، والتي تليها
بثمن بخس.. وهكذا، حتى إذا أدمن وأصبح غير مستغنٍ عن هذه المخدرات
طالبوه بما يريدون وابتزوه بما لا يرضى ولا يستطيع!
كيف ستعمل الآلية الجديدة؟
فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الغرب بقيادة يهود يريد التحول والاستقرار
بأسلوبه في السيطرة من الاستعمار إلى الاستحمار (أي: ركوب الأمم واستغلالها
دون القضاء عليها) : فما هي القوى غير العسكرية التي يملكها الغرب ويستطيع بها
تركيع الآخرين وإخضاعهم له لو استطاع جذبهم إلى نطاقها؟
إنها قوة الاقتصاد الرأسمالي المتوحش؛ فكما يقول إيرازموس (١٥٠٨م) :
(إذا حاربت بسيف المال فستكون الغالب دوماً) ، وقوة تشكيل الرأي العام؛ فالرأي
العام هو ملك العالم على حد تعبير المفكر الفرنسي بليز باسكال (١٦٧٠م) ، وقوة
إفساد الآخرين وهدم شخصيتهم الثقافية التي تمثل عائقاً للتمتع بالاستحمار الغربي
للشعوب.
وهذه القوى الثلاث هي التي دار حولها الحديث عن العولمة، وهي كما هو
واضح قوى متضافرة يخدم بعضها بعضاً؛ فالرأي العام مثلاً يمكن تشكيله بحيث
يرحب بل يطالب بما يريده من يشكله، وهو يحتاج إلى أجهزة إعلام قوية، التي
هي بدورها في حاجة إلى رأس مال كبير، وهذه الأجهزة الإعلامية تستطيع
الترويج لنمط اقتصادي معين، كما تستطيع تهيئة الرأي العام لقبول هيكل اقتصادي
جديد وقيم اجتماعية عصرية، ومن خلالها ومن خلال النمط الاقتصادي المروج له
تبث المبادئ الثقافية والأيديولوجية المستهدفة التي ستعمل بدورها على نقص
المناعة الوطنية أو القومية أو الإقليمية أو حتى الدينية لقبول النظام الجديد.
وهنا نأتي إلى بيت القصيد، وهو أن الآلية المتطورة التي نتحدث عنها تتم
عن طريق العقوبات الاقتصادية التي قد تصل إلى الحصار الاقتصادي الجزئي أو
الشامل، وما يصاحبها من إجراءات سياسية ودبلوماسية، بل ورياضية، تعززها
حملة إعلامية منظمة لحشد الرأي العام العالمي لتأييد هذه العقوبات والإجراءات التي
تؤدي النتيجة المطلوبة من هذه الآلية البديلة عن أسلوب الحرب المعلنة، وهذه
النتيجة يمكن التحكم فيها حسب نوع العقوبات وقوتها، فتثمر إزعاج المجتمع
المستهدَف ومضايقته، أو تعويقه، أو شله، أو تدميره تدميراً شاملاً أو جزئياً، إلى
أن يخضع وتتم السيطرة عليه، وهذه الآلية تم اختبارها وما زالت مع دول عديدة:
كجنوب إفريقيا، وكوبا، وفييتنام، وإيران، والسودان، والصومال، وليبيا،
ويوغسلافيا السابقة، والعراق. وبحسب نظرية التطويق فإن مصر وسورية قد
تدخلان في هذا الإطار أيضاً.
ويقفز إلى الذهن سؤال مهم برغم بداهته، وهو: ماذا سوف يحصل لو
افترضنا جدلاً أن الدولة المستهدَفة مستغنية بنفسها عن المجتمع الدولي؟ .. الإجابة
البدهية أيضاً: أن هذه العقوبات التي تحملها الآلية التي نتحدث عنها لن تؤدي
هدفها المرجو من إخضاع هذا المجتمع والسيطرة عليه، بل ستكون عديمة الجدوى
والفاعلية. إذن لا بد من ربط المجتمعات المستهدفة بالإغراء أو بانتهاز فرصة
صعوبة ظروفها بالمجتمع الدولي (الدائر في فلك الغرب) بحيث لا تستطيع
الاستغناء عنه والفكاك منه، ليس ربطه بوجود علاقات تبادلية وتكاملية بينه وبين
الآخرين، بل بالتداخل والمشاركة في المقومات الحيوية له، وهنا تبرز مفاهيم:
حرية التجارة عبر الدول، والسوق المفتوحة، والسماوات المفتوحة، وشبكات
المعلومات، والطرق الدولية، والربط الكهربائي بين الدول، وشبكات الاتصال
المتوافقة والمعتمدة على الأقمار الصناعية، والصناعات التكاملية. وتبرز أيضاً:
خصخصة المرافق الحيوية والشركات الكبرى بعرضها في سوق العرض والطلب
الدولي مع التضييق أثناء التنفيذ على رأس المال الوطني، كما تبرز أهمية دور
الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الأهلية متعددة الفروع وجمعيات حماية
البيئة [٢] ، ومنظمات حقوق الإنسان، والثقافة الإنسانية المشتركة.. حيث سيتوارى
إلى الظل دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي لتحل محلها الشركات متعددة الجنسيات
والمنظمات الأهلية ممتدة الفروع، تحت مسوِّغ تجنب التصدي لمسائل سياسية
وأخلاقية أساسية في عملية التنمية، بينما تحتفظ الدولة بالمهام الأمنية والسياسية
التي ستعمل بالطبع في خدمة الأدوار الأخرى، والهدف من ذلك: إيجاد معبر دولي
إلى المجتمع للتحكم فيه بعيداً عن هيمنة الدولة، واستخدام هذا المعبر عند الحاجة
ذريعة للتدخل بحجة حماية الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى الذرائع الأخرى
المطاطة والمعلبة، كحماية الأقليات أو حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو المحافظة
على البيئة، أو التشكك في حيازة أسلحة دمار شامل، ورعاية الإرهاب الدولي،
وتهريب المخدرات ... ، ولكن بالطبع لن يعلن أنه بحجة المحافظة على رخاء
المواطن الغربي والرفع من رفاهيته! وإذا تم فرض عقوبات على دولة يراد
إخضاعها فلن تكون قدرتها على الصمود إلا بدرجة استقلالها عن التبعية والمشاركة، وهو ما تخطط العولمة لعدم وجوده.
فبعد الحصار والعقوبات قد لا يتوفر الغذاء إن كان مستورداً، وحتى لو كان
محليّاً فسيتأثر الإنتاج الزراعي سلباً إن كانت بذوره أو أسمدته أو آلاته مستوردة،
وكذا: حال الدواء، وقد تتوقف الصناعة إن كانت المواد الأولية أو الآلات
مستوردة، أو إن كانت الصناعات تكاملية تصنع بعض الأجزاء في الخارج؛ حيث
تعمل العولمة على أن تكون عبارة (صنع في ... ) مجرد خرافة، وإن كانت الدولة
تعتمد في دخلها على تصدير مواد أولية أو زراعية أو صناعية فبوقف التصدير
توقف معظم مدخولات الدولة، وإذا كانت للدولة وفي بعض الحالات الخاصة
للأفراد استثمارات وأرصدة في الخارج، فتجميد الأرصدة كفيل بحذف هذه الأرصدة
ولو مؤقتاً، وهكذا تشل قدرة الدولة على الحياة الطبيعية لترتد إلى الخلف عشرات
السنين وربما مئات في السلم الحضاري، كما إن وسائل الإعلام المفتوحة ومروجي
الثقافة الإنسانية سيعملون على دفع الرأي العام للتذمر من هذا الوضع والانقلاب
عليه.
ما وراء العولمة:
ونتساءل الآن: إذا تجاوزنا تعريف العولمة والتناقضات التي تحملها طبيعتها، والإيجابيات والسلبيات المنتظرة منها، فما هو هدف العولمة؟
إن الهدف المعلن من العولمة هو إزالة الحواجز وتذويب الفروق بين
المجتمعات الإنسانية المختلفة؛ لسيادة آلية رأس المال التي تأبى أي قيود، وآلية
المعلومات التي تأبى أي رقابة، وكذلك إشاعة القيم الإنسانية المشتركة التي يراد لها
أن تجمع البشر وتكون أرضية لإنفاذ آلية رأس المال وآلية المعلومات المشار إليهما، فإجراءات العولمة الحالية تحاول أن تشمل الاقتصاد والسياسة والاجتماع
والاستراتيجية والثقافة، من خلال نظرية ليبرالية شاملة، جاعلة شعارها:
(المصير الواحد للبشرية) ..
وقد يبدو هذا الشعار براقاً من حيث إنسانيته، ولكن الإشكال في أن الإنسانية
ليست مجرد إطلاقات منفصلة عن مفاهيم ومصالح الإنسان الذي يضعها ويروج لها، فمن هو الإنسان المستفيد من العولمة؟ ومن هو القادر على إملاء مفاهيمه على
الآخرين؟ إنه الطرف الأقوى؛ فهو الذي سيحدد المعايير، وهو الذي سيدفع
الهيئات والدول نحو ما يريد، وهو الذي سيعمل بانتقائية لخدمة مصالحه، إنه
الغرب وعلى رأسه أمريكا ... الغرب الذي لم يعرف في تاريخه ولا حاضره إلا
العمل لمصلحته وترويج مفاهيمه.
وعلى ذلك: فالقوى العظمى ذات المصلحة الحالية لن تفرط بمكاسبها، على
أساس أن الذي يسيطر حالياً هو الذي سيبقى مسيطراً في عصر العولمة إلى درجة
العمل على إفناء الآخرين؛ فالمعركة التنافسية لن ترحم الضعفاء، وبدهي أن
إجراءات العولمة تفترض الاعتماد على اقتصاد قوي وأنظمة سياسية واجتماعية
مستقرة وبنى تحتية غير محدودة، وخاصة في نطاق الاستثمارات التي تتطلب
رؤوس أموال باهظة، وهذا ما لا يتوفر لدول هشة لا تملك القدرة بذاتها على تأمين
الضرورات الحيوية لشعوبها، فاختارت أو اضطرت للانجذاب إلى الأقطاب القوية
كما في الحقيقة الفيزيائية في التجاذب المغناطيسي.
وأمريكا وحدها هي التي لا تقع في منطقة نفوذ لغيرها، وهي التي تملك
استراتيجية قادرة، وقوة عسكرية سهلة الانتشار عالمياً لحماية مصالحها، ولمراقبة
الحصارات المتوقعة بعد العولمة، وهي التي تحاول السيطرة مالياً بجعل الدولار
القاعدة النقدية الدولية، وهي الأكثر قدرة على رسم خطوط التقسيم، سواء مباشرة، أم بواسطة البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، أو تنظيمات تجارية إقليمية، أو
تنظيمات عسكرية قارية.
الدور المرتقب للعالم الثالث في العولمة:
أما العالم النامي فهو في نظر الغرب مجرد حشو دولي! يمكن الاستفادة منه،
ولكنه غير مؤهل لدخول لعبة العولمة، أي إنه ليس بلاعب ولكنه ملعوب عليه،
وهذا ما يظهر إذا أردنا توضيح المفارقات في الوزن الاقتصادي لبعض الأطراف
التي يراد لها دخول عالم العولمة: فالشركات متعددة الجنسيات التي يتوفر لها رأس
مال ضخم بالتهامها شركات صغرى اشترتها بأبخس الأثمان، أو قيامها على أنقاض
شركات كبرى أفلست في صراع المنافسة، أو باعتمادها على شركات فرعية تابعة
لها، هذه الشركات هي التي تستطيع خوض المنافسة في الأسواق وكسب رهان
الأرباح الطائلة، وحسب (عبد الهادي بو طالب) (١٩٩٨م) فقد كان يوجد في العالم
منها نحو مئة شركة عام ١٩٧٠م، وفي الثمانينيات ارتفع عددها إلى عدة مئات،
بينما تجاوز عددها منذ سنة ١٩٩٥م الأربعين ألفاً بقليل، منها ألف شركة عملاقة
موجودة اليوم، وتملك وحدها ٢٥% من إنتاج العالم، في قمتها (١٩١) شركة
تتوزع جغرافياً كما يلي: (٦٢) شركة في اليابان، (٥٣) شركة في أمريكا، (٢٣)
شركة في ألمانيا، (١٩) في فرنسا، (١١) في بريطانيا، (٨) في سويسرا، (٦)
في كوريا الجنوبية، (٥) في إيطاليا، (٤) في هولندا.. وهذه الشركات لا تساهم
إلا بنسبة ٠. ٧٥%من مجهود التشغيل العالمي، ولا تؤدي إلا ٩% من مجموع
الضرائب العالمية، بينما تحتكر ٨٠% من حجم التجارة العالمية.
وفي المقابل نجد أن الدول العربية كإحدى المناطق المستهدفة بالعولمة بلغت
ديونها الخارجية عام ١٩٩٥م: (٢٥٠) مليار دولار [٣] ، وتتفاقم ديونها بما مقداره
(٥٠) ألف دولار في الدقيقة الواحدة (٤) ، ولا شك أنه كلما ارتفعت وتيرة الديون
كلما ترسخت التبعية ووُجدت الذريعة للتدخل، فعن طريق القروض احتلت إنجلترا
مصر واحتلت فرنسا تونس في القرن الماضي ... وبسبب هذه الديون التي بدأت
بتشجيع من الغرب عن طريق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين يعملان
على إغراق الدول المستهدفة بالديون أصبح اقتصاد معظم هذه الدول متخبطاً،
يستطيع وبصعوبة بالغة ملاحقة خدمة الديون وفوائدها المتراكمة، فهي في الحقيقة
وسيلة لبسط النفوذ على البلاد تماماً كما كانت في الماضي.
فبين من ستكون المنافسة في ظل العولمة؟ وكيف ستكون مكانة مثل هذه
المجتمعات النامية في العولمة؟ إنها مكانة البقرة الحلوب التي يراد لها ألا تخرج
من الحظيرة.
وحتى لا يتضح دور العالم الغربي وعلى رأسه أمريكا في الهيمنة العالمية
فسيكتفي الغرب بدور الموجه والمشرف فقط، تاركاً تتميم الإجراءات وفرض رؤى
العولمة للمجتمعات المستهدفة نفسها عن طريق المؤتمرات الدولية والإقليمية
والمنظمات الدولية، كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة
العالمية (Wto) والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومنظمة الأغذية والزراعة
(Fao) ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسكو....
فمعظم الأنشطة الإنسانية بدءاً من مولد الأفراد، وشكل المحاضن الاجتماعية لهم،
وشرعيتها، وتعليمهم، وعملهم، والقوانين التي يجب أن يسيروا عليها، والنظام
السياسي والاقتصادي الذي ينبغي أن ينخرطوا فيه، والإعلام الذي يوجههم.. كل
ذلك وغيره أصبح موضع اهتمام دولي أو إعلام عالمي أو منظمات أممية، حتى بدا
أن هذه المنظمات تريد أن تعمل بين البشر عمل الوزارات المختلفة بين أبناء الدولة
الواحدة، فإذا استطاعت ألا يكون لأي رؤى أخرى مجال في تكوين رأي آخر أو
سيطرة فلن تتوانى في ذلك.
مشاهد من مسيرة السيطرة بالمشاركة والتداخل:
وهذا التفسير الذي قد يحلو لبعض المتغربين وصفه بالتآمري للعولمة، وهو
أنها آلية متطورة للسيطرة على الشعوب واستغلالها، بحيث لا تستطيع الفكاك من
الفلك الغربي التآمري، وإذا فعلت ذلك فسيسهل إخضاعها وتركيعها بغير حرب
معلنة.. هذا التفسير يوضح لنا عدة ظواهر غير مترابطة في الظاهر وغامضة في
المدلول عند كثير من الناس:
لله يوضح لنا دور مؤتمرات القمة الاقتصادية للشرق الأوسط التي انعقدت في
الدار البيضاء وعمان والقاهرة والدوحة..، وسبب الإصرار على ربط السلام
بالتطبيع، حتى تكاد تكون استراتيجية اليهود في المرحلة الراهنة: (من المحيط إلى
الخليج.. التطبيع قبل التوقيع!) ، فسيطرة الأداة الاقتصادية لا تتم إلا بقدر وجود
فراغ سياسي وثقافي وضعف انتماء ديني ووطني، مما يهيئ المناخ لقبول تركيبة
العلاقات الجديدة، وهنا يبرز التفسير العولمي للصراعات والنزاعات إقليمية كانت
أو دولية فمضمون هذا التفسير: أنها يجب أن تؤخذ من منظور اقتصادي، ويكون
حلها من خلال هذا المنظور الاقتصادي أيضاً، فبالتطبيع الاقتصادي ستكون مصالح
جميع الأطراف متداخلة ومتشابكة، فيقودهم ذلك المصير الواحد إلى المعايشة
والسلام، وبه أيضاً ستدار الحرب بالآلية الجديدة المتمثلة في الاقتصاد والاجتماع
والإعلام، وهذا ما أكده (شمعون بيريز) عند تسويقه لمشروع السوق الشرق
أوسطية؛ حيث (برهن على أن الحروب هي أسوأ وسائل السيطرة، بل إن
السيطرة الحقيقية تكون بالاقتصاد والتكنولوجيا والعلم، إن دول الشرق الأوسط قد
أنفقت الكثير على الحروب والدمار، ولا بد أن نكسر الحواجز النفسية لوضع
منظومة اقتصادية يرتبط بها الجميع) (٥) .. وهذه الحواجز النفسية يقوم بكسرها
التطبيع الثقافي والإعلامي، الذي يعمل على الوصول إلى نوع من الانفتاح العقلي
والنفسي على الآخر، بل يعمل على تعميق القابلية للذوبان في هذا الآخر وعدم
التفكير في الانفصال عنه، ولكن يهود لم يتوانوا في جمع غنائم هذه الحرب مبكراً، وذلك عن طريق: رفع بعض درجات المقاطعة الاقتصادية العربية النظرية، مما
وفر لها (٤) مليارات دولار سنويّاً، (أي: أكثر من المعونة الأمريكية السنوية
لإسرائيل) ، وزيادة حجم التجارة الخارجية الخام بنسبة ٢٠%، كما بدؤوا الحرب
الاقتصادية الفعلية حتى مع المجتمعات التي وقّعت معهم اتفاقات سلام، وذلك باتباع
سياسات الإغراق، وشراء الأصول الاقتصادية، وتدمير الصناعات والزراعات
الوطنية، ولأن اقتصاد هذه الدول (وهي لا تختلف كثيراً عن بقية الدول المستهدفة
إقليمياً وعالمياً) غير مؤهل للدخول في هذا النظام الشرق أوسطي لأسباب عديدة.
بل بدأت الحرب الاقتصادية الفعلية والواضحة تظهر آثارها على الاقتصاد
العربي، فقد ذكرت معلومات نشرتها مؤسسات أمريكية متعددة أمنية واقتصادية أن
السبب الرئيس وراء إفلاس وخسارة ٣٩% من الشركات العربية كان (التجسس)
الصناعي، إضافة لإفساد صفقات بمليارات الدولارات، كما أشارت إلى أن هذه
المؤسسات لا تعلم سبب خسارتها حتى الآن [٦] ، وجدير بالذكر أن أشهر قضايا
التجسس مؤخراً في مصر كانت من قضايا التجسس الصناعي، إضافة إلى قضايا
التجسس الاجتماعي ذات البعد السياسي، كالتجسس على بعض الجماعات
والتيارات الإسلامية.
لله وهذا التفسير يوضح لنا ما وراء الإلحاح على حشد المجتمع الدولي في
مؤتمرات دولية أشبه ما تكون بالتظاهرات، والتركيز على دور المؤسسات غير
الحكومية في صنع قراراتها، هذه القرارات التي يراد لها أن تكون بمثابة القوانين
الصادرة عن البرلمانات.
ويوضح لنا أيضاً لماذا الإصرار على مناقشة قضايا أخلاقية واجتماعية في
هذه المؤتمرات، كمؤتمر السكان بالقاهرة، ثم بلاهاي، ومؤتمر المرأة ببكين،
ومؤتمر الإسكان بإسطنبول، فهي نوع من العولمة لقيم اجتماعية غربية محددة،
ووضع المجتمع الدولي برمته على قدم المساواة مع الانهيار الأخلاقي والاجتماعي
الذي انحدر إليه الغرب؛ فالأسرة مثلاً تعتبر الركيزة الاجتماعية الباقية على قدر
كبير من التماسك والقوة في المجتمعات الشرقية وخصوصاً الإسلامية بينما هي في
الغرب تعتبر عملياً من مخلفات الماضي، وإن بقيت لها أهمية نظرية عند بعض
المفكرين وبعض المؤسسات الدينية، ويراد هدم هذه الركيزة في المجتمعات غير
الغربية عن طريق إخراج المرأة من تميزها النوعي والإنساني.
كما يراد من هذه المؤتمرات أن تكون معولاً بيد ضحاياها لهدم ما تبقى من
عناصر قوة في مجتمعات العالم الثالث، والذي يقع العالم الإسلامي في نطاقه، بعد
أن وضع الغرب يده على الموارد الطبيعية، وهي القوة البشرية الكثيفة التي يتمتع
بها هذا العالم، وذلك ما يمثل هاجساً للغرب، الأمر الذي عبر عنه بصراحة رجل
المخابرات الأمريكي صامويل هنتنجتون صاحب كتاب (صراع الحضارات) ، حيث
قال: (إن زيادة عدد السكان المسلمين وبصورة خاصة في منطقة البلقان والشمال
الإفريقي وآسيا الوسطى كانت أكبر بصورة ملحوظة مما حدث في البلدان المجاورة
لهذه المناطق وفي العالم بصورة عامة، ونما السكان في البلاد الإسلامية بمعدل
عشرة أضعاف النمو السكاني في بلدان أوروبا الغربية، ويغير هذا التطور بصورة
أساسية (التوازن الديني في العالم) ، وعلى سبيل المثال: تدل التقديرات على أنه
في حين أن المسلمين شكلوا ١٨% من سكان العالم في عام ١٩٨٠م فإنهم سيشكلون
نحو ٢٣% من سكان العالم في عام ٢٠٠٠م، و٣١% في عام ٢٠٢٥م، ومن ثم
يزيد عددهم على السكان المسيحيين!) . ويتابع قائلاً: (وستكون الغالبية العظمى
من الشباب من سكان المدن، كما سيكون معظمهم قد تلقى تعليمه الثانوي، وتشكل
هذه التركيبة من حيث السكن في المدن ومستوى التعليم ظروفاً سياسية هامة، وهذا
الجيل هو الذي سيوفر العناصر التي يجند منها أعضاء المنظمات الإسلامية
والحركات السياسية) [٧] .. فهل تنجح جهود الأمم المتحدة في إعادة التوازن
السكاني في العالم؟ .. وهل ستتخلى البلاد الإسلامية عما تبقى لها من عناصر القوة؟
لله وهذا التفسير يوضح لنا سبب الإلحاح المستمر على تعدد صور السيطرة
الاقتصادية، والتي منها: حشد الدول نحو الانخراط في المنظومة الاقتصادية
الغربية تحت مظلة العولمة، والترهيب من التخلف عن هذا الانخراط، وفي هذا
السياق تظهر قمة (دافوس) الاقتصادية مكملة لمؤتمرات اتفاقية التجارة الدولية،
فهدف اتفاقيات التجارة الدولية الذي تحققه من خلال شروطها هو فتح الأسواق
العالمية أمام المنتجات الغربية بدون عوائق أو ضوابط، وعليه: فلن تستطيع
المنتجات المحلية مواجهة المنتجات المستوردة ومنافستها، مما يعني تعثر العديد من
الأنشطة الاقتصادية الوطنية، ويكون البديل المتاح هو: إما الاقتصار على
الاستيراد، وهذا البديل قصير الأمد؛ حيث ستنضب أرصدة السيولة المالية ويزيد
التضخم نتيجة الركود الاقتصادي، وإما بيع الأصول الاقتصادية إلى الشركات
العالمية بحجة الإصلاح الاقتصادي واللحاق بركب المنافسة العالمية.. وهذا هو
المطلوب.
ومن صور السيطرة الاقتصادية أيضاً: ظاهرة التزيين الإعلامي لحصول
الشركات المحلية على شهادة الأيزو، هذه الشهادة التي تنفرد بمنحها منظمات غربية
دولية، بحجة أنها شهادة منها بتحقيق الشركة الممنوحة لها للجودة، وعلى ذلك يحق
لها حرية التعامل في الأسواق الدولية دون قيود من الدول الأخرى [٨] .
لله وأخيراً: فإن هذا التفسير يوضح لنا أيضاً الجهود المحمومة لتهيئة الرأي
العام نفسياً وثقافياً للعولمة، بدءاً من انتشار سراويل الجينز، وأزياء المودات
العالمية، ومطاعم الوجبات السريعة الأمريكية ومشروباتها الغازية..، التي يعتبر
افتتاح محلاتها ومصانعها تمهيداً للفتح الأمريكي وشعاراً عليه.
ومروراً بمحاولات محو ذاكرة الأمم والتلاعب في تراثها لمصلحة إزالة
الحاجز النفسي الذي بناه الغرب بممارساته الفجة في القديم، وتجميل وجه المستعمر
القبيح لنسيان إرث العداء التاريخي للغرب، وانتهاءً بمحاولات عولمة الدين وإيجاد
ثقافة أممية مشتركة؛ فالعولمة في صورتها النهائية ستشمل الاقتصاد والسياسة
والاجتماع والاستراتيجية والثقافة؛ حتى لا يكون هناك أي عائق لآلية الاختراقات
الغربية.
وفي هذا الإطار نستطيع فهم بروز دعوات تحاول تقديم المستعمر القديم في
صورة صاحب إنجازات حضارية في البلاد التي احتلها، ومن أبرز تلك التوجهات
مؤخراً: الجدل حول دعوة بعض المثقفين العلمانيين إلى الاحتفال بمرور ٢٠٠ سنة
على الحملة الفرنسية في مصر، هذه الدعوة التي لم نسمع بها طوال مئتي عام
مضت وقد تأخذ هذه الدعوات شكل التدخل القانوني، كما رأينا في قانون مراقبة
الحريات الدينية والاضطهاد الديني الذي شرعه الكونجرس مؤخراً.
وأيضاً نستطيع فهم رعاية منظمات سياسية كالاتحاد الأوروبي لحوارات دينية
وثقافية، كمؤتمرات الحوار بين المسيحية والإسلام، والدعوة إلى ما يشبه الدين
العالمي، أو إلى ما يطلقون عليه: الحوار بين الحضارات، والهدف من وراء ذلك
هو اختراق الهويات والخصوصيات، وقد أشار إلى ذلك صامويل هنتنجتون في
كتابه وبحثه المشار إليهما، فقال: (الأصولية الإسلامية ليست هي مشكلة الغرب
الخطيرة، المشكلة هي الإسلام، الثقافة المختلفة التي يقتنع أصحابها بتفوق ثقافتهم، وهم مهووسون بتدني قوتهم، ومشكلة الإسلام ليست وكالة الاستخبارات المركزية
الأمريكية أو وزارة الحرب الأمريكية، المشكلة هي الغرب. وهو حضارة مختلفة
يقتنع أصحابها بعولمة ثقافتهم ويعتقدون بأن قوتهم المتفوقة وإن كانت في حالة
تدهور فإنها تفرض عليهم واجب نشر ثقافتهم في كل أنحاء العالم، هذه هي
العناصر الرئيسة التي تغذي النزاع بين الغرب والإسلام) ..
فما هو الأمل إذن؟ ! .. يجيب هو نفسه: (عندما تكبر أعمار الأجيال الحالية، فقد تخبو نار الإسلام في شمال إفريقيا، وإفريقيا، ومنطقة البلقان، وغيرها،
وعندما يحدث ذلك سيفتح الطريق أمام تعايش أكثر بين الإسلام والغرب، وإلى ذلك
الحين: يحتاج الغربيون والمسلمون إلى إجراء حوار بين الحضارات مثل الذي
نجريه، وذلك لاحتواء الخلافات الموجودة بينها..) [٩] أي: إنه حوار للاحتواء
تفادياً للوصول إلى تصادم الحضارات الفعلي..
ما الذي يراد بالضبط من وراء العولمة؟
يُراد لف رباط عنق حريري ومتين حول أعناقنا برغبتنا وأيدينا ليتولى الغرب
شده وقت الحاجة.
* هل ستكون حكومة عالمية تحرك العالم؟
- هذا ما يعملون على تحقيقه.
* وما هو هدفهم إذن؟
- ١٩٩٩.. نصر بلا حرب.
* ولكن ألا يمكن أن يعاود الغرب استعمال أسلوب السيطرة المتخلف؟
ربما، ولو حدث فقد يكون بصورة انتقائية، ولأهداف محددة، أو عن طريق
وكيل إقليمي.
وبعد:
فهذه أبعاد الجريمة التي تحاك ضد البشرية لمصلحة حفنة منهم، أردت
توضيحها حسب ما اتضح لي من رؤية، ولا بد أنه سيلح في ذهن القارئ سؤالان
مهمان:
- هل ستستطيع بعض المجتمعات الانفكاك من شَرَك العولمة؟
- وما العمل؟
أما الإجابة عن السؤال الأول: فإن الصورة القاتمة التي ظهرت خلال
العرض السابق هو تقدير الغرب وتخطيطه وليست بالضرورة قضاء الله وقدره،
[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] ، والغرب بقدر ما فيه
من قوة بقدر ما فيه من ضعف، والعالم الإسلامي بقدر ما فيه من وهن واضمحلال
بقدر ما فيه من قوة وإمكانات، ولكن الفارق أن الغرب الآن يعرف كيف يستغل
قوته ويسد خلته، بينما لا يدرك الآخرون كيف يدارون عورات ضعفهم ويبرزون
مواطن قوتهم، بل يمكن القول إنهم يساهمون في كثير من الأحيان في إضعاف
أنفسهم وتقوية الغرب بإلقاء عناصر قوتهم في المعسكر الغربي لتزيده قوة وتزيدهم
ضعفاً؛ فالعالم الإسلامي تبلغ مساحته حوالي ربع مساحة اليابسة، وإضافة إلى
توسطه الجغرافي الاستراتيجي وتحكمه في كثير من الممرات والمضايق الملاحية
فإن رقعته تمتلئ بالثروات والخيرات، على رأسها أكثر من ٨٠% من احتياطي
البترول العالمي عصب الحياة العصرية..، والعالم العربي الذي تتفاقم ديونه بمقدار
(٥٠) ألف دولار في الدقيقة الواحدة هو نفسه الذي تبلغ حجم استثماراته في أوروبا
وحدها (٤٦٥) مليار دولار عام ١٩٩٥م، بعد أن كانت (٦٧٠) ملياراً عام ١٩٨٦م، فنتيجة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والتبعية النفسية للغرب تصب هذه
الأموال هناك لتدار حسب المنظومة الغربية، وكذلك الأمر إذا نظرنا إلى هجرة
العقول الإسلامية إلى الغرب مع حاجة بلادهم إليهم.
وأمريكا التي توصف بأنها أغنى وأقوى بلد في العالم هي أيضاً أكبر بلد مدين
في العالم، وكما يقول مؤلفا كتاب (الإفلاس ١٩٩٥م الانهيار القادم لأمريكا) : (من
الجدير بالذكر أن ديون أمريكا بلغت (٤) تريليون دولار في العام ١٩٩٢م، أما
الفوائد فقد بلغت (٣٠٠) مليار دولار، أي أكثر من المبلغ الذي تنفقه البلاد على
قطاعات التعليم والعدل والإسكان والبيئة مجتمعة) [١٠] .
والإسلام الإسلام وحده هو الذي يملك في صراع الحضارات الإجابة عن
الأسئلة الكبرى حول الإنسان والكون والحياة، وهو الذي تتسق فيه روح الإنسان
مع جسده ومع عقله، هذا البعد لا يملكه الآخرون، وهو ما دعا نيكسون إلى
الصراخ أكثر من مرة في كتابه (١٩٩٩ نصر بلا حرب) إلى ضرورة أن تهتم
أمريكا بالبعد الروحي في خطابها للآخرين.
فالمقصود أن في العالم الإسلامي مصادر قوة، كما إن في العالم الغربي نقاط
ضعف؛ فالمسألة ليست فقط مجرد إمكانات، ولكنها أيضاً توجه وإرادة وحكمة
وصبر، فيستطيع العالم الإسلامي استغلال مراكز قوته وسحب الآخرين إلى مجالها
إذا توافرت القوة الإيمانية الباعثة على التحدي والصبر على تحمل تبعات الحرية.
أما السؤال الثاني، وهو: ما العمل؟ فإنا نطرحه على جميع المخلصين
والمختصين لتقديم رؤى عملية تشمل الأفراد والمجتمعات للخروج من المأزق الذي
يعد باسم العولمة.
стр. 3018
متابعات
لطفي الخولي
شاهد على محنة اليسار العربي
جمال سلطان
مآلات ثلاث انتهت إليها تيارات اليسار العربي في ربع القرن الأخير،
خاصة بعد الانتكاسات المتعددة التي واجهتها الماركسية بفصائلها المختلفة عبر انحاء
العالم كله، في أعقاب السقوط المدوي للاتحاد السوفييتي وما تبعه من تداعيات
السقوط لمنظومة الكتلة الشرقية كلها الواحدة تلو الأخرى، هذه الانكسارات المتتالية
جعلت اليسار العربي يمر بمرحلة انعدام الوزن، فالنموذج الكبير للشيوعية الدولية
(الاتحاد السوفييتي) سقط بشكل مزر وفاضح.
ورغم كل ما يقولونه الآن عن أن الاتحاد السوفييتي لم يكن النموذج الأمثل،
إلا أن الحقيقة أن الاتحاد السوفييتي كان الداعم الأكبر والأساس لليسار العربي، بل
إن الوثائق التي تم نشرها في الصحف الروسية من الأوراق السرية لجهاز
المخابرات السوفييتية الشهير (الكي جي بي) كانت تمثل فضيحة مدوية، حيث
نشرت بالأسماء والأرقام الأموال المشبوهة التي كانت تدفعها المخابرات السوفييتية
للأحزاب والتنظيمات الشيوعية في العديد من الدول العربية، وقد نشرت صحيفة
الأهرام المصرية طرفاً من هذه الفضيحة واكتفت بنشر الأحرف الأولى فقط من
الأسماء للتخفيف من وقع الفضيحة , حيث إن بعضاً من أبطالها هم الآن أعضاء
كبار في الأحزاب والمؤسسات الصحافية أو مجلس الشورى وغيره، هذه
الانتكاسات المتتالية ولدت حالة من الإحباط الشديد في أوساط اليسار العربي،
ضاعف من قسوتها صحائف الحساب الختامي لنصف قرن من النشاط الشيوعي في
العالم العربي، حيث عجز عن أن يحقق أي وجود فعال في المجتمع، بل إن الأمة
لفظته تماماً كما كانت تقرن الشيوعية بالإلحاد والإباحية والانحراف.
ورغم أن بعض اليساريين العرب حاولوا أن يزينوا وجه الشيوعية الكئيب
مؤخراً بالتقريب بينها وبين الإسلام وحضارته، وظهر التيار الذي ينسب نفسه إلي
الاستنارة، وبعضهم أراد أن يحمل صفة (المفكر الإسلامي المستنير) إلا أن
التجربة انتهت بالاخفاق أيضاً، لأن التكلف كان بادياً عليها، كما أن الوجوه هي
الوجوه، ثم إنهم في النهاية لم يستطيعوا صبراً علي احترام الإسلام ومقدساته؛
فسرعان ما عادوا إلي الطعن فيه وفي رموزه، حتى القرآن الكريم لم يسلم من
كيدهم، والصحابة والجيل الراشد.
هذه الانتكاسات كانت نتيجتها هي المآلات الثلاثة التي أشرنا إليها.
أما المآل الأول فقد كان الاتجاه إلي احتراف لعبة حقوق الإنسان، حيث
أصبحت هناك (دكاكين) عديدة تحمل هذه الصفة، وجميعها أسسها شيوعيون
سابقون، وفي مصر علي سبيل المثال أكثر من عشر منظمات أهلية تعمل في
مجال حقوق الإنسان، وهي جميعاً يهيمن عليها اليسار بتياراته المختلفة، وهذه
الوجهة الجديدة كان الدافع إليها أمورٌ عدة، أهمها أن هذه المنظمات تفتح علي الفور
جسوراً من الصلات مع بعض السفارات! والمؤسسات الغربية التي تزعم الاهتمام
بهذا الجانب، وتدفع بسخاء لهذه المنظمات، ومعظم أنشطة هذه المنظمات شكلية
وورقية، وفواتير تقدم علي الورق في مقابل مئات الآلاف من الدولارات التي
تتدفق في جيوب القائمين عليها حيث أصبحت مظاهر الثراء والترف لا تخطؤها
العين في العديد من (المناضلين) في هذه المنظمات، ولعل القارئ يذكر الضجة
التي أثيرت مؤخراً عن الشيك الذي كُشف النقاب عنه من السفارة البريطانية
بالقاهرة بما قيمته خمسة وعشرون ألف دولار للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان،
وكانت مأساة حقيقية أن يصبح (المناضلون ضد الإمبريالية) مجرد متسولين علي
أبواب المؤسسات التي كانوا يتهمونها سابقاً بأنها واجهات الإمبريالية الغربية،
والسبب الآخر لهذا الاتجاه أنه يحقق إعلامياً فى الدوائر الدولية دون أن يكون مقابله
أي حضور شعبي في المجتمع، وهذه هي عقدة الشيوعيين العرب.
أما المآل الثاني الذى آل إليه اليساريون العرب فهو امتهان حرفة هجاء
الإسلام والإسلاميين، إذ أصبح بعضهم لا يوجد له أي جهد علي الإطلاق إلا في
الطعن في الإسلام، وتجريح مقدساته والسخرية من شرائعه والاستهزاء برموزه
التاريخية من الأنبياء فالصحابة فنازلاً، هذا بالإضافة إلى محاولات تشويه الصحوة
الإسلامية الحالية ودعاتها وحركاتها وجهودها كافة. وكان الدافع لهذا المآل أنه
أصبح أشبه بقرابين التقرب من بعض الدوائر الأجنبية ذات النفوذ خاصة في مجال
الثقافة، وكان مثيراً للريبة أن توجه جامعات غربية كبري الدعوات المتتالية لهذه
الرموز للمحاضرة أمام طلابها أو ترجمة أعمالهم إلى اللغات العالمية، ويذكر القارئ
احتضان إحدى الجامعات الهولندية للباحث الماركسي المصري نصر حامد أبو زيد،
كما أن هذه الوجهة تمثل مدخلاً سهلاً للانتشار محلياً في أجواء الصراع السائد بين
بعض الأنظمة والحركات الإسلامية فيها.
أما المآل الثالث الذي انتهى إليه اليساريون العرب فهو السير في ركاب مسيرة تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، واصطناع جسور من العلاقات مع ما تسمي بقوى اليسار الإسرائيلي، أو قوى السلام، وكان الدافع لهذا الاتجاه الجديد هو البحث عن موقع مرموق لدي السلطات السياسية الجديدة التي تتجه بقوة في هذا السبيل وتراهن عليه، في الوقت الذي لا تجد فيه دعماً شعبياً يؤيدها، فتقدم اليساريون لانتهاز الفرصة للظهور عبر المؤسسات الرسمية القوية في الإعلام والثقافة وغيرها حيث كانت المكافأة التي قدمت لهم أن تبوأ معظمهم مواقع مرموقة في الصحافة والإعلام، فعلي سبيل المثال وُهِب لطفي الخولي صفحة أسبوعية كاملة في الأهرام هو الآمر الناهي فيها تحت اسم
(الحوار القومي) تحولت في الأوقات الأخيرة إلي منبر يكتب من خلاله بعض الكتاب الصهاينة موجهين خطابهم إلي الجماهير المصرية عبر أكبر صحيفة مصرية علي الإطلاق، أيضا منح الدكتور عبد العظيم رمضان مساحة كبيرة أسبوعية في صحيفة الأهرام يكتب فيها مقالاته كما تنشر هذه المقالات فى نفس اليوم فى مجلة (أكتوبر) المصرية، وهذا الأمر لا يحدث مع أي كاتب مصري آخر على الإطلاق، ومن قبل كان عبد الرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ وفتحى غانم وغيرهم، وقد حكى الدكتور عبد العظيم رمضان أن فكرة تشكيل قوى مصرية شعبية للسلام تتحاور مع القوى الإسرائيلية هو الذي طرحها على الرئيس المصري حسني مبارك، الذي رحب بها (وشجع) علي تكوين مثل هذه الحركة، وعلي ضوء ذلك قام (لطفي الخولي) بتكوين مجموعة ما أطلق عليهم
(مجموعة كوبنهاجن) التي عقدت جلسات غامضة مع بعض الشخصيات الصهيونية وهو ما أثار ضجة كبيرة في مصر، وانتفضت قواعد المثقفين هجوماً عليها وفضحاً لها مما أدي إلي عزلتها التامة ومحدودية أثرها في الواقع المصري، ورغم هذه الخلفية إلا أن الحقيقة المؤكدة أن (لطفي الخولي) كان هو فارس هذا التوجه الكبير ومهندسه وقائده، ولطفي الخولي نموذج لمحنة الماركسية العربية في نشأتها وتحولاتها.
يعد لطفي الخولي أحد أهم قادة الحركة الشيوعية المصرية منذ الأربعينيات من
هذا القرن، ولد في ١٢ أغسطس من عام ١٩٢٩ بمحافظة القليوبية من دلتا مصر،
وحصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة في العام ١٩٤٩، عمل محامياً منذ
ذلك التاريخ وحتى العام ١٩٦٥، وقد انتظم منذ حداثة سنه في التنظيمات الشيوعية
السرية التي كان يوجهها بعض اليهود المقيمين في مصر أمثال اليهودي الخطير
(هنري كورييل) الذى كان قائداً لأكبر هذه التنظيمات، وكان هذا سبباً مباشراً في
دفاع الشيوعيين المصريين عن الكيان الإسرائيلي أيام قرار التقسيم في ١٩٤٨، بل
إنهم كانوا يهاجمون الجيوش العربية التي تحارب إسرائيل، وما زالت هذه المرحلة
تمثل عاراً لا يمحى في تاريخ الشيوعية العربية، وبعد توتر وبطش من قبل السلطة
الناصرية بالشيوعيين -حيث نال (لطفي الخولي) ما نالهم- بدأت مرحلة
الاستقطاب، حيث استقطبه الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل إلي جريدة الأهرام
منذ العام ١٩٦١، حيث ظل يعمل فيها حتى العام ١٩٦٦ حيث أشرف خلالها علي
صفحات الرأي فيها، ثم أنشأ مجلة (الطليعة) اليسارية في العام ١٩٦٥ بمباركة
من عبد الناصر وتسهيل من (هيكل) ورأس تحريرها وظلت تصدر بانتظام حتى
العام ١٩٧٧، حيث وقعت انتفاضة ١٧، ١٨ يناير الشهيرة، فقرر السادات إغلاق
مجلة الطليعة بوصفها منبراً للحركة اليسارية التي حركت الأحداث الخطيرة في ذلك
الوقت، وقد اعتقل لطفي الخولي مرتين في عهد عبد الناصر، حيث كانت علاقة
عبد الناصر بالشيوعيين تتراوح ما بين الضرب والتحجيم والاحتواء، ولذلك كان
بعض رموز الشيوعية أحياناً يخرج من السجن إلى رئاسة تحرير صحف رسمية
كبري، مثلما حدث مع القطب الماركسي الكبير محمود أمين العالم، وكذلك مع
(لطفي الخولي) الذي وافق له عبد الناصر على مجلة الطليعة التى جعلها المنبر
الرئيس للماركسية في مصر، كما جعله هيكل مشرفاً على صفحات الرأي في
جريدة الأهرام في أوج مجدها طوال ما يقرب من ست سنوات، وفي السبعينات
شارك لطفي الخولي في تأسيس حزب التجمع اليساري برئاسة خالد محيي الدين أحد
الضباط اليساريين الذين شاركوا فى حركة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.
والعجيب أنه بعد أن قام الرئيس السادات بمبادرة الصلح مع اليهود قام لطفي
الخولي بقيادة حملة صاخبة للاحتجاج علي ذلك، وكتب كتابات عنيفة في رفض
هذا الاتجاه، ثم شكل لجنة ضد التطبيع اسماها: (ائتلاف المصريين) ضمت بين
جناحيها عدداً من رموز التيارات السياسية المختلفة في مصر، وهو الأمر الذي
أغضب السادات عليه، وفي ذلك الوقت كان مسلسل انضمام اليساريين إلى موكب
التطبيع قد بدأ، وكان هناك عبد العظيم رمضان الذي قدم استقالته من حزب التجمع
في أعقاب ذلك، وكان الكاتب المسرحي علي سالم أحد مراحل هذا التطبيع، حيث
زار (إسرائيل) ثم عاد وألف كتاباً مشيناً يتغزل فيه بالإسرائيليين الذين أكرموه
بالدعوات لأكل الكباب والكفتة مجاناً (هذا كلامه في الكتاب) وعلي هذا النحو من
الإسفاف العجيب، ثم كانت المفاجأة الأخيرة مع (لطفي الخولي) صاحب ائتلاف
المصريين ضد التطبيع، أن يكون هو علي رأس التنظيم الجديد الذي يتجه بقوة
نحو التطبيع ويدافع عن موقفه الجديد بغرابة شديدة في وجه الطعون القاسية التي
وجهت له ولم يستطع حيالها دفاعاً، وقد عانى لطفي الخولي في أيامه الأخيرة عناءاً
شديداً من قسوة الهجوم عليه وأيضاً من انتكاسة دعوة التطبيع بفعل التوترات
الشديدة التي اعترت العلاقات مع الكيان الصهيوني مؤخراً خاصة مع الحكومة
المصرية، وعودة الأصوات المهاجمة (للعدو) الإسرائيلي مرة أخري، وخفوت
الأصوات التطبيعية وانزوائها.
وفي الواقع فإن موت لطفي الخولي هو موت حقيقي لمجموعة كوبنهاجن،
صحيح أنها لن تكون آخر محاولات التطبيع إلا أنها -بكل تأكيد- نهاية تجربة هذه
المجموعة، كما أنها تمثل درساً قاسياً لكل مغامر جديد في هذه الطريق، لأنها
تنتهى باحتراق أصحابها شعبياً، وعزلتهم عن المجرى العام للنفوس والعقول في
مجتمعاتهم، مما يجعلهم في وضع (المنبوذ) بكل أعبائه النفسية والعصبية.
стр. 3019
منتدى القراء
أي حضارة نريد ؟ !
بدر مرزوق العتيبي
بنظرة فاحصة في واقع المسلمين اليوم يتبين لك مدى التخلف الذي وصلوا
إليه في جانب الدين والعقيدة. وأقصد بالتخلف: التخلف في الواقع.. لا في أساس
الدين معاذ الله بل إن الدين الإسلامي هو الدين الحق الوحيد منذ طلوع شمسه، ولا
يمكن لحضارة إنسانية أن تسير في النهج الصحيح لها بدونه، مهما ارتقت في
الجانب المادي؛ فإن العاقبة معروفة، وسنة الله معلومة.
إن واقع المسلمين اليوم يشكل تخلفاً في فهم بدهيات الدين. نعم في بدهيات
الدين فضلاً عن فروعه.. فهناك تخلف في فهم معنى حاكمية الإسلام.. وفي معنى
الولاء والبراء.. وفي معنى يُسر الشريعة.. حتى وصل التخلف إلى مفهوم شهادة
أن لا إله إلا الله.. نعم حتى الشهادة لم يَعِ معناها الحق كثير من المسلمين وإن كانوا
يتلفظون بها في اليوم مرات عديدة..
بل لقد بلغ التخلف في فهم هذا الدين إلى أقصى درجاته في معرفة الرب جل
وعلا حيث يوجد في ديار الإسلام من ينكر وجوده، ومن يدعي شريكاً له تعالى الله
عما يقولون علواً كبيراً.
إذن: أي حضارة نطالب بها؟
إننا لا نريد حضارة جوفاء كحضارة الغرب الكافر اليوم.. لا بد أن يكون
سعينا للتقدم والرقي الحضاري من أساسه لا من مظاهره؛ حتى لا تكون حضارتنا
جوفاء..
إن الحضارة تقوم على الإنسان أولاً قبل أن تقوم على إنجازاته.
فلا بد أن يكون الإنسان في نفسه راقياً متحضراً قبل أن تكون منجزاته كذلك.. ورقيه يكون بتحقيق الغاية التي من أجلها خُلق..
فعلى رِسْلكم يا دعاة الحضارة والتقدم على رِسْلكم.. المضمون أولاً ثم الأثر:
الإسلام الصحيح، ثم الاستخلاف في الأرض..
والله من وراء القصد
стр. 3020
منتدى القراء
البحث عن الحقيقة
صالح ناصر الهزاع
أمِنَ الحقيقةِ تَفْرَقون وتهربون من السؤالْ؟ ...
أعن الحقيقةِ تجبُنون كأنها غولُ الجبالْ؟ ...
أينَ الحقيقةُ يا أسيرَ الذلّ في زمنِ المحالْ؟ ...
هل أصبحتْ سراً غريباً لا يُشاعُ ولا يقالْ؟ ...
أم أنها وهمٌ تغلغل في سراديب الخيالْ؟ ...
أفواهنا تأبى الحديث لأن في الصمت الجمالْ ...
وقلوبنا مرعوبة ويخيفها شبح الظلالْ ...
وعقولنا مخمورة تروي أساطير الوصالْ ...
مأسورة لا تشتكي مهما معذبها استطالْ ...
والظلم يرفع سوطه والخير مقطوع الحبالْ ...
في جعبتي ألفا سؤال تستغيث من الملالْ ...
من ذا الذي يهوى فساد الجيل في كل الخصالْ ...
من ذا يصور ما يسوء كأنه لب الحلالْ ...
ولِمَ التعسف لا يزال يذيق أصناف الوبالْ ...
ولمَ الحقير مكرمٌ ويهان أشراف الرجالْ ...
ولِمَ الحقائق أغرقوها في غيابات الخيالْ ...
فالفيل أرنب غابة والذئب عندهم غزالْ ...
والصبح ليل حالك والشمس تصطحب الهلالْ ...
والبيد بادٍ ماؤها والبحر يزخر بالرمالْ ...
هذا ازدواج مؤلم يقضي على حسن الفعالْ ...
وأراه يسبح في الهواء يخاف منه الاشتعالْ ...
وأراه في أثوابنا وعلى اليمين وفي الشمالْ ...
وأخاف يوماً إن نصيح ولا مغيث من المآلْ
стр. 3021
منتدى القراء
خواطر حاج
عبد الهادي الحسيني
- هناك حيث بدأ اللون الأرجواني يغزو الأفق، وعلى ذلك الصعيد الطيب
المبارك وفي مسجد نمرة بالتحديد؛ كنت هناك! حيث تزدحم قبة السماء بالدعوات
الحارة؛ حيث يختلط أنين المذنبين بتطلعات السائلين؛ وهل هناك أكرم وأجود منه
؟
كنت جالساً معه: إنسان ذو مكانة علمية مرموقة، متفوق في عمله وناجح في
حياته، كل أسباب السعادة متوفرة لديه: مال، شهادات، وشخصية محبوبة..
فجأة رأينا شخصاً يدعو، يُلحُ في الدعاء، يبتهل، كان قائماً فأجهش في
البكاء فقعد ثم.. ثم انخرط في بكاء طويل تقطّعه الدعوات. نظر إليّ صاحبي
ودمعه يتحدر من عينيه وقال: خذ أموالي، شهاداتي،.. وأعطني لحظة روحانية
كهذه ... ثم سَكَتَ وسَكتّ.
- منطقة الحرم تموج بالتلبية، والفلك البشري يدور حول الكعبة معلناً
العبودية لله، الأجساد متلاصقة، الأنفاس مختلطة، لكن لا بد من طواف القدوم،
كان ممسكاً بيدي شاب صغير السن في المرحلة المتوسطة وفجأة عندما دخلنا إلى
الحرم وأبصرنا الكعبة توقف.. نظرت إليه سائلاً ومازحاً: ما بك هل خفت الزحام؟
رد عليّ: لا، لقد تذكرت بهذا الزحام، الزحام على باب الجنة، فها أنا اليوم
أزاحم في الطواف، وأرجو أن أزاحم على باب الجنة. صعقتني المفاجأة، ورددت
في نفسي: طوبى لها من نفوس تحوم وترفرف حول العرش.
стр. 3022
منتدى القراء
قلم يتألم
أبو أنس شادي بن السيد أحمد عبد الله
أمسكتُ بقلمي، وحاولت الكتابة.. تدافعت خواطري.. شعرتُ بغُصةٍ في
حلقي.. حاولتُ أن أتمالكَ نفسي، ولكن سرعان ما سَرَت الكلمات في داخلي،
وتحولت من موجات صوتٍ إلى مزيج مروّعٍ من الآمال المحبطة، والآلام الملتاعة.
ماذا دهاك يا قلمي؟ ! أأصبحت جباناً مثلي تكتفي بالكتابة وتحريك الشفاه؟ ؟ ! أم أنك أصبحت تشعر مثل البقر وليس البشر؟ ! كل ما أستطيع أن أفعله أن
أمسك بالورقة والقلم! .. يا لشقائي.. ويا لي من ظلوم جهول.
عفاءً على الدنيا إذا المرء لم يعش ... بها بطلاً يحمي الحقيقة شُدّه
وأسأل نفسي: لماذا يحدث لنا كل هذا؟ ! ولماذا المسلمون بالذات تسيل
دماؤهم، وتُبقر بطونُهم، وتُزهق أرواحُهم، وتُنثر أشلاؤهم، وتُهتك أعراضُ
نسائهم؟ !
أيها المسلمون! أيها النائمون! ما لكم لا تبصرون؟ ! ما لكم لا تنطقون؟ !
أيّ عار بعد هذا تنتظرون؟ ! أسألكم بربكم لماذا أنتم صامتون؟ ! أفسحرٌ هذا أم
أنتم لا تبصرون؟ ! أما يوجد فيكم قوم يتحركون؟ ! أم أنكم أصبحتم لا تعقلون؟ !.. ولكن..
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
والحل ليس بالخروج في مظاهرات نشجب وندين ونرفض ... وليس في
حرق علمي أمريكا واليهود.. وليس في لعن الحكام والمحكومين.. وليس في تكفير
بعضنا لبعض، وإلقاء التبعات على الأعداء والعلمانيين والمنافقين والظروف.. و.. واستخدام المنطق التسويغي.. لنبرّئ أنفسنا؛ وإنما الحل ينحصر في: العودة
الصادقة لرب العالمين، واتباع نهج سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وآله
أجمعين وفهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ونبذ الفُرقة والخلاف، ولمّ الشمل،
وتوحيد الصف، وتنقية العقيدة من شوائب الشرك، وإعادة ما اندرس من معالم
الدين..
стр. 3023
منتدى القراء
دعاء سَحَر
شعر: رشاد حسن المعمري
سلام القلب والهُدبِ ... سلام الود والرعبِ
سلام الحب أبعثه ... وشوقاً صار كاللهبِ
سلام يا أبا ولدي ... رفيق النفس في الحقبِ
ثمانية لكالأزهار ... تخشى صولة الجدبِ
بكوكَ بكاءَ منتظر ... ومن يبكيك لم يُعبِ
فبعدَ اللهِ ليس لهم ... سواك أيا أبا النّجُبِ
فأنتَ الظلّ من شمسٍ ... وأنت الأمنُ من رَهبِ
تسائلني صغيرتهم ... بحلو لسانها العذبِ
ودمعتها بعينيها: ... أيا أماه أين أبي؟
متى يأتي فيسعدنا ... متى نمضي إلى اللعبِ
متى يأتي أقبله ... بثغري قبلةَ الذهبِ
وأُخرى حلمها دوماً ... لقاك ببيتنا الرحبِ
فتصحو ثم تخبرني: ... أيا أمي لقيتُ أبي
وكنا قبلُ في سعد ... وفي شدوٍ وفي طربِ
وإني لست كاذبةً ... ولم أنشأ على الكذبِ
فنامي كي تريه معي ... يلاعبني على الكثبِ
وثالثهم ورابعهم ... كمن رجلاه في اللهبِ
وهذا البيت كم يشكو ... شكاة الضر والعطب
ولو جدرانه نطقت ... لقالت من لظى النصبِ:
مَتى يأتي فيعمرنا ... ونطرد وطأة الغَلَبِ
فبيتٌ أنتَ لستَ به ... لَعمْرُ اللهِ كالخَرِبِ
سألت الله في سَحَر ... ودمع العين في سكبِ:
إلهي أنت رازقنا ... وأنت العون في النّوَبِ
أعدْ زوجي إلى دارٍ ... بكته بكاءَ منتحبِ
إلى صبيانه سجدوا ... إليك سجود محتسبِ
أعد بعلي أعد سندي ... أعد قلبي أجب طلبي
وبعد الليل إصباحٌ ... ويُسرى قد تلى كُرَبي
стр. 3024
منتدى القراء
الدور المطلوب
عبد العزيز بن عبد الله الوايلي
الأحداث تتغير والأفكار تتصارع إلا أن بيت القصيد هنا هو العالم الإسلامي
وما يُحاك ضده من مكائد، وبخاصة دعواتهم للقضاء على ما يسمونه بالتطرف
والأصولية؛ فبدلاً من أن نقوم بدور المتفرج علينا أن نقوم بدور من خلال إعداد
العدة والتأهب للمواجهة؛ ولن نستطيع أن نخلص إلى نتائج مرضية ما لم يكن
وراءنا هدف نسعى إليه، ونستحث الخطا لتحقيقه سواء حصل لنا ما نصبو إليه،
على المدى القريب أو البعيد؛ فالمهم العمل، ثم العمل، ثم العمل. ولنضع نصب
أعيننا ثلاث نقاط في عملنا من أجل شموخ هذا الدين وانتصاره وهي:
١- وضوح الهدف: وهذه أهم خطوة يجب أن نقوم بالتركيز عليها؛ فما لم
يكن لنا هدف نسعى لتحقيقه فلن نستطيع عمل شيء، وسنبقى نتخبط في ظلمات
التيه والضياع.
٢- الإعداد: حينما يكون عندنا هدف أو أهداف نريد تحقيقها فلن يتم ذلك إلا
بالإعداد والتحرك، وإلا فسيبقى الهدف حبراً على ورق؛ فقد أمرنا الله تعالى
بالإعداد بقوله: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] [الأنفال: ٦٠] ، حتى نبلغ
درجات العلو والسؤدد ولا يحتقر أحدٌ منا ما يقدمه ولو كان فِرسِنَ شاة؛ فبهذه
الجهود نكون إعصاراً أمام كل ريح؛ وأنى للريح أن توقف الإعصار؟
٣- الثقة بالنفس: وهي الثقة التي من خلالها نحقق نتائج مرموقة؛ فما لم
يكن عندنا تلك الثقة والإحساس بالقدرة فسنظل صفراً على الشمال، وما كان لليابان
مثلاً أن ترتكز في قمة الدول الاقتصادية إلا عندما توفرت لديها الثقة التي تحول
المستحيل واقعاً مع أن أهدافهم دنيوية محضة؛ فكيف بنا نحن من نرجو الثواب
والأجر من رب العالمين؟
فبإذن الله ستكون الجولة القادمة للإسلام وللإسلام وحده! ! [وَيَقُولُونَ مَتَى
هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً] [الإسراء: ٥١] والله الهادي لكل خير.
стр. 3025
الورقة الأخيرة
بعض الدعاة.. طلاب مجتهدون
محمد يحيى
تكفل الله بنصرة دينه كما ورد ذلك في العديد من الأدلة الشرعية في الكتاب
والسنة، ويبلغ السرور بالمخلصين مبلغاً كبيراً عندما يلمسون عمل أهل الصحوة
من العلماء وطلبة العلم والدعاة ليكونوا ممن تتحقق بهم هذه البشائر الثابتة.. غير
أنه يلاحظ في بعض الأوساط الدعوية أو المحاضن التربوية وجود طائفة من
الشباب قد وقعوا في مزلق ربما لم ينتبه له أكثرهم على شدة خطورته.
ذلك أن بعض الصالحين تجده كثيراً ما يخطط للدعوة فيطرح الأفكار التي
تساعد على الارتقاء بمستوى العمل أو الآراء التي تصوب أخطاءً في مجتمعه، وقد
يكثر منه ذلك وأنا هنا أفترض إخلاصه. كذلك فإنه يقدم الدراسات والمشاريع
المتكاملة لضم أناس جدد إلى صفوف الدعوة ونقلهم إلى حياة الالتزام الكامل بدين
الله تعالى وهو مع هذا وقبله يحيط علماً بالعديد من الكتب التربوية والعلمية الدعوية
والعديد من الأشرطة النافعة في مجال الدعوة وكسب القلوب.. وكل هذا من
الأهداف السامية.. ولكن..
تكمن المشكلة في أن هذا الفرد مجرد متكلم جامع مخطط كالطالب المجتهد في
التحصيل والمناقشة ولكنه في ميدان العمل (صفر) منفرد ليست له أي قيمة موجبة.
إن جميع الأمور التي يمارسها هذا الفرد بنجاح مطلوبة للقيام بعملية الدعوة؛
والساحة بحاجة إلى من يفكر ويخطط وينتقد ويصوِّب ويؤصّل، ولكن حين يكون
الداعية إلى الله دون مرحلة التفرغ لهذه الأمور التي تحتاج الكثير من الممارسة
والخبرة المؤصلة، ثم هو لا يقوم بالقدر الأدنى من المباشرة العملية للدعوة فإن
هناك خوفاً حقيقياً من المخاطر الآتية:
١- البقاء في برج المثالية والكمال والانطلاق من خلاله؛ وهذا يلمس في
أفكاره وانتقاداته وأطروحاته وغير ذلك.
٢- أن التوقف عند هذا الحد من العمل يصور لهؤلاء أنهم من العاملين
الباذلين المنشغلين بالدعوة وهمومها؛ وهم لم يتجاوزوا حقيقةً مرحلة الكلام، وقد
يزداد الأمر ليتصور المرء نفسه من المربين المنظِّرين الذين يقودون ولا يقادون..
وخطر هذا معلوم على ثبات الداعية نفسه على دين الله.
٣- الخطر الذي سيواجهه المجتمع المحيط بهذا الشخص؛ فإنهم أولاً
سيسمعون ويسمعون من غير أن يروا القدوة العملية الدعوية.. ثم ستصبح دعوتهم
عما قريب شعارات بلا روح؛ فتجد أن عددهم لا يزيد إن لم ينقص، وتجد أنهم قد
تفرغوا للكثير من الشواغل التافهة كانتقاد كل متكلم والاجتماع على كل مناسبة بغير
فائدة حقيقية.
٤- الأخطار الفردية التي قد تؤدي إلى النفرة والأحقاد.. فإن هذا الشخص
يطرح ويقترح ويناقش.. ولا يعمل.. وغيره يسمع وينفذ.. مما يفتح مجالاً كبيراً
للشيطان حين يشعر القوم أن صاحبهم قد استأثر دونهم بالجزء الأكثر راحة وأبعد
عن المشاكل.. وقد يجد الشيطان طريقه إلى نفس الشخص عندما يجد أنهم لا
يقدِّرون جهوده ولا ينفذون مقترحاته.
٥- وأخيراً فإن هذا الشخص سيكون أول الناس فراراً عند حدوث الفتن،
وأقلهم صبراً عند نزول الابتلاء، وأكثرهم تضجراً من مشاكل الدعوة عند النزول
إلى الساحة الدعوية ومواجهة الواقع، بل قد يشعر باليأس ويترك كل ما هو فيه من
الخير عند أول معرفة حقيقية له بضخامة الواقع المرير.
ولذلك كله نقول: إن على هؤلاء أن يتقوا الله ويصلحوا من حالهم بخوض
التجارب الشخصية الفردية في كل وسط يتواجدون فيه كالبيت والمدرسة والسوق
وغيره.
ثم إن على المربين دوراً مهماً في ملاحظة هذا الصنف من الدعاة؛ فيحرص
المربي على التوجيه المبكر لصحبة من لهم قدم في الدعوة العملية، فإن هذا سيسهم
بإذن الله في تكامل شخصياتهم، ومن ثَمّ خصوبة أفكارهم واستعدادها للتأثير
الإيجابي في الواقع المعاش.
стр. 3026
المحرم - ١٤٢٠هـ
يونيو - ١٩٩٩م
(السنة: ١٤)
стр. 3027
كلمة صغيرة
البيان والجديد دائماً
مع بداية العام الهجري الجديد تدخل البيان عامها الرابع عشر؛ فنحمد الله
تعالى ونشكره أن وفقنا للعمل على تبليغ رسالة الإسلام، والدعوة إليه، والمنافحة
عن حياضه؛ سائلين الله التوفيق والسداد.
ونحن مثل أي مطبوعة أخرى نحرص على جذب القراء بالعمل المستمر
والأخذ بكل جديد، والبحث الدائب عن كل نافع ومفيد.
ومع اعتزازنا بمنطلقاتنا الشرعية وثوابتنا العقدية التي كثيراً ما نؤكد على
التزامها والسير على نهجها، إلا أننا في الوقت نفسه نعمل على الأخذ بكل جديد من
خلال التنويع في أساليب العرض والابتكار في الشكل ونعمل على البحث عن كل
ما يرغّب القراء في اقتناء هذه المجلة التي نحسبها صوتاً من أصوات أهل السنة
والجماعة.
وسيلحظ الإخوة القراء في إطار التطوير مواضيع جديدة في الزوايا والكتّاب،
وسنبدأ في هذا العدد بزاوية جديدة لفضيلة الدكتور جعفر شيخ إدريس بعنوان
(الإسلام لعصرنا) ، وزاوية ثقافية منوعة باسم (وقفات) لأخينا الأستاذ أحمد
الصويان، وزاوية للتعريف بالمصطلحات المشهورة: القديمة والجديدة، إضافة إلى
زوايا جديدة، وما زلنا نعمل جاهدين للاستفادة من كل ملحوظات واقتراحات إخواننا
القراء، ساعين بكل ما يمكننا من جهد للاستفادة منها.
وسيرى القراء المزيد من الملفات والندوات واللقاءات والمواضيع الجديدة إن
شاء الله. التي نتوجها في هذا العدد بملف عن (التراث الإسلامي بين الأصالة
والتزييف) . نرجو أن نقدم فيه للقارئ معالجة موضوعية لهذا الباب المهم.
ونكرر دعوتنا لبذل النصح والتوجيه والمشاركة بكل ما يتفق ونهج المجلة.
والله نسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
стр. 3028
الافتتاحية
متى يتغير الخطاب العربي المعاصر ؟
منذ أن أبرمت معاهدة (سايكس بيكو) الشهيرة، التي تمزقت بعدها البلاد
العربية إلى دويلات صغيرة مشتتة؛ والخطاب العربي يعاني حالة من التيه والتخبط
والاضطراب؛ حيث أصبحت البلاد العربية مسرحاً لكل الألوان الفكرية
والاتجاهات الحزبية. وعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي يملكها العرب، وهم
الذين تربعوا على عرش القيادة السياسي والعسكري والفكري فترة طويلة من الزمن
إلا أنّ غالب الأمة لا زالت ترزح تحت وطأة التيه والتخلف، وتعيش مأزقاً مزرياً
منذ أمد بعيد.
والدارس لمختلف التجارب العربية المعاصرة من خلال أُطروحاتها الفكرية
النظرية، أو من خلال تطبيقاتها العملية، يرى أنها من حيث الجملة اتفقت على
سمات عامة، كانت سبباً في تكريس واقع التأخر عن الركب، والضعف في
مواجهة التحدي.
السمة الأولى: التقليد الأعمى للغرب:
وهي سمة غالبة على الفكر العربي على تنوع اتجاهاته وأحزابه وفلسفاته،
فهو استنساخ تام للفكر الغربي، رُسمت معالمه، وبرزت ملامحه في أثواب غربية
متعددة الأشكال والألوان، فجُلّ الشعارات العربية اعتمدت ولا تزال على استيراد
بضائع فكرية جاهزة معلبة، نبتت جذورها في بيئة غريبة، ثم أراد دعاتها
استنباتها في بيئتنا التي تختلف تمام الاختلاف في خصائصها ومميزاتها؛ حتى بلغ
من غلو بعضهم في ذلك أن دعا لأخذ الحضارة الغربية بحلوها ومرها، بخيرها
وشرها..!
لقد أعلن رموز الفكر العربي بلسان الحال عن عجزهم، وكساد بضاعتهم،
واغترابهم عن الأمة؛ وطوّفت عقولهم بعيداً في الشرق والغرب، وراحوا يلهثون
وراء أسيادهم من الفلاسفة الغربيين، ثم عادوا وقد تجارت بهم الأهواء، ومُسخوا
مسخاً تاماً، وانسلخوا انسلاخاً كاملاً من هويتهم العقدية وأصبحوا مجرّد أبواق
خاوية مهترئة لا تُسمع إلا أصداءً مزيفة لفكر هزيل هش ينضح بالانحراف
والضعف.
وقد أنتج هذا تفسخاً وتحللاً لعناصر تميّز الأمة في: السياسة، والاقتصاد،
والقضاء، والاجتماع، والتعليم وغير ذلك، وجاء في معظم أشكاله ممثلاً لتبعية
شوهاء، أو لخليط متنافر.
السمة الثانية: إحياء ما اندرس من الآثار البائدة:
فقد تواطأ الخطاب العربي المعاصر بمختلف مدارسه الفكرية على التنكر
لجذور الأمة وتاريخها وأصولها الشرعية، وظهرت دعوات نشاز تنادي بالرجوع
إلى الحضارات القديمة حضارات ما قبل الإسلام، وبدأنا نسمع بدعاة الفرعونية
والفينيقية والبابلية والبربرية والأمازيقية.. ونحوها، ونشطت حركة إحياء ذلك
التراث البائد والنفخ فيه. وكلما شعر أولئك القوم بارتفاع الأصوات المخلصة التي
تنادي بالاعتزاز بالأصول الإسلامية ازداد تشنجهم واضطرابهم، وراحوا يحفرون
في مقابر التاريخ لعلهم أن يجدوا ما يصرفون به وجوه الناس عن الإسلام، بل بلغ
من حماقة وجهل بعض رؤوسهم ومنظّريهم أن اعتزوا ببعض الآلهة الوثنية التي
كان يُقدسها الفراعنة أو الفينيقيون أو غيرهم حتى نصبت أصنامها في الميادين
العامة والأماكن التي ترتادها الجماهير، وهم يحرصون على إظهار ذلك أحياناً
بصورة رمزية، وأحياناً أخرى بصورة جلية واضحة كما هو فعل الحداثيين في
الأدب.
ويدخل في هذا المضمار الدعوة إلى نبذ اللغة العربية الفصحى والتقليل من
شأنها باعتبارها لغة القرآن العظيم، والجامعة للمسلمين، ووعاء الفكر والثقافة
الإسلامية مع الدعوة إلى نشر اللهجات العامية والمحلية، لتظهر بذلك أجيال جديدة
منبتة الصلة بتاريخها وأمتها.
السمة الثالثة: الهجوم على الإسلام وأهله:
منذ بدايات البواكير الأولى لحركات الفكر العربي المعاصر ظهرت موجة
محمومة من الهجوم على الدين والعقيدة الإسلامية، وحملة شرسة من الإثارة
والتشكيك في المسلّمات والأصول الشرعية، وصاحب ذلك جرأة شديدة على
تحريف المنابع الإسلامية، وتشويه أصول الشريعة ومقاصدها، بالتشكيك الفكري
تارة والتشريع القانوني تارة أخرى، وأصبح الطعن في الدين سُلّماً يرتقي درجاته
أصحاب الأهواء وطلاب الشهرة، وربما تدثّر ذلك أحياناً بلباس البحث العلمي أو
حرية الرأي أو الدعوة إلى الحوار والنقد الذاتي.
والنتيجة الطبعية التي يرمي إليها هؤلاء هي: إقصاء الدين، والتفلّت من
أحكام الشريعة، باعتبارها كما يزعمون عقبة في طريق الرقي والنهضة..! !
وإزاء ذلك درج أكثرهم على الهجوم على الصحوة الإسلامية، وأجلبوا عليها
بخيلهم ورجلهم، وسنّوا رماحهم لمبارزتها وملاحقتها والتضييق عليها، وأصبحت
الحرب على الإسلام تتخفى وراء مكافحة الأصولية والتطرف والظلامية.
السمة الرابعة: التسلط والاستبداد:
يتشدق رموز الأحزاب العربية ومفكروها بالدعوة إلى الديمقراطية والحرية،
وينادون بالحوار وتبادل الآراء. ويبالغ بعضهم في ادعاء ذلك ليظهر بالمظهر
الحضاري التقدمي، وتفتح الأبواب لكل أحد من أصحاب الأهواء والمذاهب
التحررية والمنتفعين وذوي المصالح الشخصية.
أما إذا كان المعنيّ في ذلك دعاة الإسلام فإن الموازين، تنقلب والمواقف تتبدل
وعندها نجد أولئك الديموقراطيين يمارسون أبلغ أنواع التسلط والاستبداد،
ويحجرون على كل رأي مخلص وجاد، ويتعاملون معه بكلّ صلف وجبروت،
ويغلقون أمامه كل الأبواب، ويرمون عرض الحائط كل الشعارات التي كانوا
يتقنعون بها في أدبياتهم ومحافلهم؛ بل قد يزعم بعضهم أنّ ذلك إنما هو حماية
للديموقراطية من الأصوليين المتطرفين..! ! ونظرة في أرجاء عالم العرب اليوم
تخبرنا بأمر هذه القصة المكرورة.
السمة الخامسة: - محاربة الفضيلة ونبذ القيم:
فغالب الشانئين لـ (الخطاب الإسلامي) يجاهرون بأطروحات من شأنها أن
تنتكس في ظلها الفطرة وتهجر الشريعة، ويضعف الوازع الديني، حيث يتردى
الناس بعدها في دركات الرذيلة وينتشر بينهم الفساد، وتصبح الأهواء آلهة معبودة،
وقد قطف الخطاب المعادي للدين عند كثير من العرب المعاصرين ثمار طرحهم،
عندما نجحوا في نزع الحجاب وإخراج المرأة من بيتها وإشاعة الفاحشة، فقد
سخروا لذلك إمكانات هائلة لانتزاع البقية الباقية من الحياء والحشمة من نفوس
الناس، وأصبح الإعلام بشعبه المختلفة: (السينما، والتلفزيون، والمسرح،
والصحافة) أدوات رئيسة تُذبح بها الفضيلة وتُنتهك بها الحرمات، وسار الأدب
بأقسامه المختلفة: (الرواية، والقصة، والقصيدة ... ) جنباً إلى جنب في الدعوة
إلى التحلل ونبذ القيم الأخلاقية وتزيين الفجور وتوسيع أبوابه ومحاضنه.
ومن المثير للعجب أن هذه السمات تمثل قواسم مشتركة بين أكثر المجتمعات
العربية المعاصرة (أتواصوابه) ؟ !
ومن المثير للعجب أيضاً أن هذا الإصرار على مجافاة الدين بعقائده الصحيحة
وقيمه الراقية، وتشريعاته السامية، لم يؤد بالعرب إلى تحقيق شيء من آمالهم
المرجوة منذ عقود طويلة، في حين أن عدوهم الأكبر ممثلاً في دولة اليهود
(إسرائيل) لا تزال مسيرته باسم الدين في نمو واطراد، خاصة في السنوات
الأخيرة، حيث بدأت تبرز في الأفق حركة مد ديني جارف، تحرسه الدولة،
ويدفعه الشعب، دون حساسية أو خوف من الاتهام بالرجعية والظلامية!
فهلا أعاد (الخطاب العربي) النظر في أطروحاته (التقدمية) التي ما تقدمت بنا
إلا إلى الوراء..؟ !
وحتى متى يدور في حلقة مفرغة وإلى متى يكرر ببغائية تلك الطروحات
العلمانية الهزيلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع سوى التبعية والاستلاب والسقوط
في الأوحال والتردي في صحاري التيه؟ !
стр. 3029
إشراقات قرآنية
ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم
د. عبد الرحمن آل عثمان
هذه وقفات مع آية الإسراء وهي قوله تعالى: [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً] [الإسراء: ٣٦] .
الوقفة الأولى: في قوله سبحانه: [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] دعوة إلى
التحري والتثبت. والمعنى: لا تتبع ما ليس لك به علم؛ بل الواجب أن تتثبت في
كل ما تقوله أو تعمله أو تتلقاه. ومعلوم أن التثبت في كل الأمور دليل على حسن
الرأي وجودة العقل والنظر، وبذلك تنكشف الأمور وتتبين الأحوال، وبذلك يقرر
العبد: ماذا يعمل أو يعتقد ويقبل وماذا يترك؟ والمتثبت يُعمل فكره وعقله ويشاور
غيره؛ وهذا من أعظم الأسباب المعينة على الوصول للحق والصواب. وبهذا
يتجاوز العبد أسباب الندم والحسرة، وغير ذلك من الأمور الجالبة للشقاء.
الوقفة الثانية: في قوله سبحانه: [وَلا تَقْفُ] جاء بعد أداة النهي [لا]
الفعل المضارع (تقف) والقاعدة أن الفعل إذا ورد بعد النهي فإنه يدل على العموم.
والمحصلة من هذا أن الله تعالى نهى الإنسان أن يتبع ما ليس له به علم مطلقاً؛
وهذا يشمل جميع الأحوال والأزمان والأمكنة؛ لأن العموم ينصبّ على هذه الأمور
جميعاً؛ فالعبد منهي عن اتباع ما ليس له به علم في كل وقت وفي كل قضية سواء
كانت تتعلق بحقوق الله أو حقوق الآدميين أو غير ذلك من الأمور. ويبين هذا أيضاً
ما يأتي في:
الوقفة الثالثة: وهي أن قوله سبحانه: [مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] عام لكل شيء؛ وذلك أن لفظة [ما] تفيد العموم. فهذا يشمل الكلام في الأعراض من غيبةٍ ونميمةٍ..؛ لأنها تقال من وراء الإنسان (القفا) والقذف والبهت والكذب وسائر أنواع
الاعتقادات الباطلة؛ هذا فيما يفعله الإنسان ويبتدئه، وهكذا الشأن فيما يتلقفه عن
غيره من تصديقِ الأقوال والإشاعات الكاذبة، واتهامِ الصالحين والوقوعِ في
أعراضهم، وأن يقول سمعت ولم يسمع، وتقبّل الأفكار الفاسدة والمذاهب المنحرفة
والتقاليد المستوردة؛ وهذا يكثر وقوعه في جانب النساء من تَتَبّعِ الموضات والتشبه
بالكافرات والفاسقات والتزيي بزيهن من الملابس الفاضحة والموديلات العارية
وغير ذلك من الشر المستطير الذي وصل إلى الأمة من أعدائها. فالواجب على
العبد أن يضبط جميع تصرفاته؛ فلا يحكم إلا بعلم، ولا يعتقد إلا بعلم، ولا يفعل
شيئا إلا بعلم.
(والله يحب الكلام بعلم وعدل، ويكره الكلام بجهل وظلم،. وقد حرم
سبحانه الكلام بلا علم مطلقاً، وخص القول عليه بلا علم بالنهي فقال تعالى: [وَلا
تَقْفُ] وقال: [قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ] [الأعراف: ٣٣] .
وأمر بالعدل مع أعداء المسلمين، فقال: [كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [المائدة: ٨] ) [١] .
الوقفة الرابعة: في قوله تعالى [وَلا تَقْفُ] نهي. ومعلوم أن النهي يدل
على التحريم إلا لقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه إلى غير ذلك؛ مما يدل على أن
اقتفاء العبد ما لا علم له به هو من الأمور المحرمة.
الوقفة الخامسة: أصل (القفو) الاتباع تقول: قفوت أثر فلان إذا تتبعت أثره.
ومعلوم أن الإنسان يكون أسيراً لما يتلقفه من أفكار ومعتقدات؛ فيتبعها ويعمل
بمقتضاها. وبهذا تعرف خطورة هذا الجانب.
الوقفة السادسة: في قوله تعالى: [إنَّ السَّمْعَ ... ] إلخ. فالجملة هنا
تعليلية؛ لأن (إنّ) تأتي للتعليل. والمعنى على هذا: انته عما لا يحل لك؛ لأن الله
أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره؛ وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه، فلا
تستعمل نعمة الله في معصيته. قال الله تعالى: [وَاللَّهُ أََخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ
لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأََبْصَارَ وَالأََفْئِدَةَ لَعَلَّكُُمْ تَشْكُرُونَ]
[النحل: ٧٨] [٢] .
الوقفة السابعة: في قوله تعالى: [إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ] قدم السمع
على البصر وأخّر ذكر الفؤاد؛ لأنه منتهى الحواس ومستقر المعتقدات ومبعث
الإرادات، والسمع والبصر طريقان له، ونافذتان عليه، وبهما يصل إليه كثير من
الأمور النافعة أو الضارة؛ فما تبصره العين يؤثر في القلب ولا شك كالنظرة
المحرمة.. الخ. وكذلك ما تسمع الأذن من خير وشر؛ كالغناء.
وقدّم السمع على البصر؛ لأن أكثر ما ينسب الناس أقوالهم إلى السمع، ولأن
إدراك السمع أعظم وأشمل من إدراك البصر؛ ذلك أن البصر إنما يدرك به ما كان
في مواجهته خاصة، أما السمع فيدرك به جميع المسموعات التي تطرقه من جميع
الجهات. وأيضاً فإن البصر لا يدرك به إلا الأجسام والأجرام؛ بخلاف السمع؛
فإن العبد يدرك به الأمور الحاضرة والغائبة مما أخبر عنه، وهكذا؛ فالترتيب
الواقع بين هذه الأمور في الآية متدرج به من الأدنى إلى الأعلى. والله أعلم.
الوقفة الثامنة: الفؤاد هو القلب، إلا أن فيه معنى زائداً على (القلب) ؛ فالفؤاد
بمعنى التفؤد أي: التوقد؛ فهو مبعث الإرادات وآلة الإدراك ومستقر العلم والعقل
كما لا يخفى؛ ولهذا فإن التعبير بـ (الفؤاد) هنا أبلغ من التعبير بـ (القلب) . والله
أعلم.
الوقفة التاسعة: في ذكر الفؤاد هنا مع السمع والبصر دليل على المؤاخذة على
الأمور القلبية، كما أن الإنسان يؤاخذ على ما يسمع ويبصر.
ففيما يتعلق بالقلب؛ فإن الإنسان يؤاخذ على المعتقدات التي يعتقدها؛ فيثاب
على التوحيد، ويعاقب على الشرك، كما يؤاخذ على الأعمال القلبية الأخرى؛
فيثاب على اليقين والرضا والتوكل، ويعاقب على الأدواء التي تصيبه؛ كالحسد
والغل وسوء الظن ... إلخ. وكذلك العزم المصمم على المعصية [٣] .
الوقفة العاشرة: قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀: (ثم إن الله
خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء، كما خلق له العين يرى بها
الأشياء، والأذن يسمع بها الأشياء، كما خلق له سبحانه كل عضو من أعضائه
لأمر من الأمور، وعمل من الأعمال؛ فاليد للبطش، والرجل للسعي، واللسان
للنطق، والفم للذوق، والأنف للشم، والجلد للمس، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة
والظاهرة.
فإذا استعمل الإنسان العضو فيما خُلق له وأُعد لأجله فذلك هو الحق القائم
والعدل الذي قامت به السموات والأرض، وكان ذلك خيراً وصلاحاً لذلك العضو
ولربه وللشيء الذي استعمل فيه؛ وذلك الإنسان الصالح هو الذي استقام حاله
و [أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [البقرة: ٥] .
وإذا لم يُستعمل العضو في حقه؛ بل تُرك بطالاً فذلك خسران، وصاحبه
مغبون، وإن استُعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من
الذين بدلوا نعمة الله كفراً.
ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب؛ ولذا سُمي قلباً. قال النبي -صلى الله
عليه وسلم-: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد
الجسد كله ألا وهي القلب) [٤] .
وإذ قد خُلق القلب ليُعلم به؛ فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو الفكر
والنظر، كما أن إقبال الأذن على الكلام ابتغاء سمعه هو الإصغاء والاستماع،
وانصراف الطَرْف إلى الأشياء طلباً لرؤيتها هو النظر. فالفكر للقلب كالإصغاء
للأذن، ومثله نظر العينين فيما سبق، وإذا علم ما نظر فيه فذاك مطلوبه، كما أن
الأذن كذلك إذا سمعت ما أصغت إليه، أو العين إذا أبصرت ما نظرت إليه. وكم
من ناظر مفكر لم يحصّل العلم ولم ينله، كما أنه كم من ناظر إلى الهلال لا يبصره، ومستمع إلى صوت لا يسمعه.
وعكسه من يُؤتى علماً بشيء لم ينظر فيه ولم تسبق منه إليه سابقة تفكير فيه، كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه، أو سمع قولاً من غير أن يصغي
إليه، وذلك كله لا لأن القلب بنفسه يقبل العلم، وإنما الأمر موقوف على شرائط
واستعداد قد يكون فعلاً من الإنسان فيكون مطلوباً، وقد يأتي فضلاً من الله فيكون
موهوباً.
فصلاح القلب وحقه الذي خلق من أجله هو أن يعقل الأشياء لا أقول أن
يعلمها فقط فقد يعلم الشيء من لا يكون عاقلاً له، بل غافلاً عنه ملغياً له، والذي
يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه
غنياً فيطابق عمله قوله، وباطنه ظاهره، وذلك هو الذي أوتي الحكمة [وَمَن يُؤْتَ
الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً] [البقرة: ٢٦٩] . وقال أبو الدرداء: إن من الناس
من يؤتى علماً ولا يؤتى حكماً، وإن شداد بن أوس ممن أوتي علماً وحكماً.
وهذا، مع أن الناس متباينون في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقص،
وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير، وجليل ودقيق، وغير ذلك) [٥] .
الوقفة الحادية عشرة: في قوله: [كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً] الإشارة في
قوله: [أُوْلَئِكَ] عائدة إلى ما سبق من السمع والبصر والفؤاد. ومعلوم أن الإشارة
بـ (أولئك) مما يختص به العقلاء؛ وقد ورد استعمالها هنا مع هذه الآلات؛ ولا
إشكال في هذا؛ لأنه نزلها منزلة من يعقل؛ ذلك أنها تُسأل عما تلقته كما تُسأل عن
صاحبها كما سيأتي. ومعلوم أن غير العقلاء إذا نُزّلوا منزلة العقلاء فإنهم يعاملون
معاملتهم من حيث: الصيغ، والضمائر في العبارات، وصيغ الجموع كما في قوله
تعالى عن الشمس والقمر: [وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ] [يوسف: ٤]
والأصل: (رأيتها لي ساجدة) لكن لما كان السجود من أفعال العقلاء، ووقع من هذه
الجمادات نُزّلوا منزلة العقلاء.
الوقفة الثانية عشرة: يلحظ في هذا القدر من الآية ما يلي:
١ - أنه سبحانه قدّم (كل) الدالة على الإحاطة، وكان بالإمكان الاستغناء عن
هذه اللفظة فيكون الكلام: (إن السمع والبصر والفؤاد ستسأل عما وقع منها كما
ستسأل عن صاحبها) إلا أنه جاء بـ (كل) زيادة في التوكيد وتقرير المعنى. والله
أعلم.
٢ - جاء سبحانه باسم الإشارة (أولئك) دون الضمير؛ فلم يقل سبحانه: (كلها
كان عنه مسؤولاً) لما في الإشارة من زيادة التوكيد والتمييز.
٣ - جاء سبحانه بفعل (كان) لدلالته على رسوخ الخبر؛ إذ إن هذا أمر واقع
لا محالة. والله المستعان.
الوقفة الثالثة عشرة: في قوله تعالى: [كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً] قدم المعمول
[عَنْهُ] على عامله [مَسْئُولاً] والقاعدة المعروفة في هذا الباب هي أن (تقديم المعمولات على عواملها يفيد الاهتمام..) والمعنى: كل السمع والبصر والفؤاد كان مسؤولاً عن نفسه ومطالباً بأن يبين مستند صاحبه من حسه.
الوقفة الرابعة عشرة: في قوله تعالى: [مَسْئُولاً] السؤال هنا كناية عن
المؤاخذة بالتقصير، وتجاوز الحق، كما يقال: (أنت مسؤول عن تصرفاتك) أو
ستسأل عن فعلك هذا.. كما في قوله تعالى: [يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [النور: ٢٤] .
الوقفة الخامسة عشرة: في معنى قوله سبحانه: [كَانَ عَنْهُ] أي: كان كل
أولئك عن الإنسان مسؤولاً. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى
أَفْوَاهِهِمْ ... ] [يس: ٦٥] الآية، وقوله سبحانه: [شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ]
[فصلت: ٢٠] الآية. ويمكن أن يكون المعنى: أن الإنسان يسأل عن سمعه وبصره وقلبه.
ويدل على هذا قوله تعالى: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ]
[الحجر: ٩٢، ٩٣] وقوله سبحانه: [وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] [النحل: ٩٣]
وكلا المعنييْن صحيح؛ لأن القاعدة أن الآية إذا احتملت معاني متعددة وأمكن حملها
على جميع تلك المعاني من غير فسادٍ للمعنى فإنها تحمل عليها جميعاً، لا سيما إذا
دل القرآن على هذه المعاني جميعاً في مواضع أخرى كما في هذه الآية، وهذا لا
شك فيه إن شاء الله والله أعلم.
فالمحصلة أن السمع والبصر والفؤاد.. هذه كلها تُسأل عما تلقته، كما تُسأل
عن صاحبها. وأيضاً فإن صاحبها يُحاسَب عنها.
الوقفة السادسة عشرة: في قوله سبحانه: [كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً] التفات؛ ذلك
أن أول الآية ورد بأسلوب الخطاب [وَلا تَقْفُ] وجاء هذا الموضع بأسلوب الغيبة
[كَانَ عَنْهُ] وفي هذا من روعة البيان وتنشيط السامع ما فيه! والله أعلم.
الوقفة السابعة عشرة: إذا كان السمع والبصر والفؤاد منقسماً إلى ما يؤمر به
وينهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك، فإن هذا يدعو إلى المراقبة والمحاسبة،
والوقوف مع النفس ومساءلتها، والعبد مسؤول عن حركات هذه الجوارح، وهل
هي حركات نافعة؛ بأن وضعت فيما يقرب إلى الله تعالى؟ أم ضارة؛ بأن وُجّهت
لمعصية الله؟ فعلى العبد أن يتعاهدها بحفظها عن الأمور الضارة ليعد لهذا السؤال
جواباً. فمن استعملها في طاعة الله فقد زكاها ونماها، وأثمرت له النعيم المقيم.
ومن استعملها ضد ذلك فقد دساها وأسقطها وأوصلته إلى العذاب الأليم. نسأل الله
العافية.
الوقفة الثامنة عشرة: في الآية أدب خُلُقي رفيع يعلم الأمة التفرقة بين مراتب
الخواطر العقلية؛ بحيث لا يختلط المعلوم بالموهوم.
الوقفة التاسعة عشرة: في الآية إصلاح اجتماعي جليل يجنب الأمة الوقوع
في المهالك؛ ذلك أن إهمال تلك الجوارح الثلاث من المراقبة يجعلها تنطلق بلا
زمام فتتلقف ما فيه بوارها.. فتُدمّر الأمة بفساد عقائدها وأخلاقها.. وتتفكك
الأواصر بسبب فشو قالة السوء بين الناس.. الخ.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀: (ثم هذه الأعضاء الثلاثة
هي أمهات ما يُنال به العلم ويدرك، أعني: العلم الذي يمتاز به البشر عن سائر
الحيوانات دون ما يشاركها فيه، من الشم والذوق واللمس، وهنا يدرك به ما يحب
ويكره، وما يميز به بين من يحسن إليه ومن يسيء إليه؛ إلى غير ذلك. قال الله
تعالى: [وَاللَّهُ أََخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالأََبْصَارَ وَالأََفْئِدَةَ لَعَلَّكُُمْ تَشْكُرُونَ] [النحل: ٧٨] وقال: [ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن
رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ] [السجدة: ٩] وقال:
[وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً] وقال: [وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً] [الأحقاف: ٢٦] وقال: [خَتَمَ اللَّهُ
عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أََبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ] [البقرة: ٧] .
وقال فيما لكل عضو من هذه الأعضاء من العمل والقوة: [وَلَقَدْ ذَرَاًنَا لِجَهَنَّمَ
كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا] [الأعراف: ١٧٩] .
ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن، وتفارقهما في شيء، وهو: أنها إنما
يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل: الصور والأشخاص.
فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه وما لا مجال للبصر فيه من
الأشياء الروحانية والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء
بنفسه؛ إذ كان العلم هو غذاؤه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل
على العلم إلى القلب؛ فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى
القلب أخذ منه ما فيه من العلم. فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما
سائر الأعضاء حَجَبة له توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه؛ حتى إن
من فقد شيئاً من هذه الأعضاء فإنه يفقد بفقده من العلم ما كان هو الواسطة فيه.
ثم قال: (فإذا كان القلب مشغولاً بالله، عاقلاً للحق، متفكراً في العلم، فقد
وضع في موضعه؛ كما أن العين إذا صُرِفت إلى النظر في الأشياء فقد وُضعت في
موضعها، أما إذا لم يصرف إلى العلم، ولم يوضع في الحق؛ فقد نسي ربه، فلم
يوضع في موضع؛ بل هو ضائع، ولا يحتاج أن نقول: قد وُضع في موضع غير
موضعه، بل لم يوضع أصلاً؛ فإن موضعه هو الحق، وما سوى الحق باطل،
فإذا لم يوضع في الحق لم يبق إلا الباطل، والباطل ليس بشيء أصلاً، وما ليس
بشيء أحرى أن لا يكون موضعاً) [٦] .
الوقفة العشرون: تخصيص الأمور الثلاثة بالذكر لا يدل على حصر المؤاخذة
فيها؛ لأن الإنسان مؤاخذ على جميع تصرفاته. وإنما خصصها نظراً لعظم خطرها، ولأنها الآلات التي بها يحصل العلم النافع للعبد، وهو ما يميز الإنسان عن غيره
من الحيوان؛ إذ إن العلم تدور رحاه على هذه الأقطاب الثلاثة: (السمع، والبصر، والفؤاد) [٧] والله تعالى أعلم.
стр. 3030
دراسات في الشريعة والعقيدة
من أحكام الدَّيْن
حسين بن حماد الحماد
أحكام الدّيْن من المعاملات التي شرعها الله بين العباد، وجاءت
الآيات والأحاديث لتنظيمها وضبطها، ولما كان مال المسلم محترماً محفوظاً في
الشريعة؛ فقد قال رسول الله ﷺ : (حرمة مال المسلم كحرمة
دمه) [١] والعلاقة بين العباد مبنية على المُشاحّة والمطالبة، وقد أنزل الله
أطول آية في القرآن وهي آية الدّين، ثم أتبعها بأخرى ليبين للناس أحكامه بياناً
شافياً؛ وهو القائل : [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً
وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] [النحل: ٨٩] .
وقد عمل أعداء الأمة على إغراق أعضاء المجتمع المسلم بالديون في
محاولتهم لتفكيك المجتمع المسلم من خلال تزيينهم وتسهيلهم لعملية الاستدانة من
خلال السبل المباحة وغيرها، فأثقل الكثيرون كاهلهم بها وشغلوا ذممهم، مع أن
شغل الذمة في الشريعة خطير؛ كيف لا؟ والشهيد الذي يُغفر له ما تقدم من ذنبه مع
أول دفعة من دمه مع خمس خصال أخرى تكون نفسه معلقة بديْنه، كما أخبر بذلك
الصادق المصدوق ﷺ ؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن
رسول الله ﷺ قال: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدّيْن) [٢] وفي
حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (نفس المؤمن
معلقة بديْنه حتى يُقضى عنه) [٣] ، والدّيْن على النفس شديد؛ ولهذا استعاذ النبي -
ﷺ منه؛ فعن أنس بن مالك قال: كان النبي -صلى الله عليه
وسلم- يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن
والبخل، وضَلَع الدّيْن وغَلَبة الرجال) [٤] . قال ابن القيم ﵀: (فاستعاذ من
ثمانية أشياء، كل شيئين منها قرينان) إلى أن قال: (فإن القهر الذي ينال العبد
نوعان: أحدهما: قهر بحق وهو ضَلَع الدّين، والثاني: قهر بباطل وهو غَلَبة
الرجال) [٥] .
وفي هذا البحث، نتناول بعض أحكام الدّيْن [٦] وضوابطه وآثاره على النفس
من خلال ما جاء في الكتاب والسنة، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد.
تعريف الدّيْن:
لغةً: يقال: داينت فلاناً إذا عاملته دَيْناً إما أخذاً أو عطاءً، ومنه اسم الله
الدّيّان.
وفي اصطلاح الفقهاء: لزوم حق في الذمة؛ فيشمل المال والحقوق غير
المالية كصلاة فائتة وزكاة، كما يشمل ما ثبت بسبب إجارة أو إتلاف أو جناية أو
غير ذلك. وما يعنينا في هذا البحث هو الدّين المتعلق بالمال بين العباد.
حكم الدّين:
الأصل فيه الإباحة، فيجوز للإنسان أن يستدين إذا علم من نفسه القدرة على
الوفاء، وقد يعرض له ما يجعله واجباً إذا كان لدفع الضرّ عن نفسه. وينبغي على
المسلم أن لا يتساهل بالاستدانة لأدنى سبب؛ فقد نزل التشديد في الدّين؛ فعن محمد
ابن عبد الله بن جحش قال: كنا جلوساً بفناء المسجد حيث توضع الجنائز، ورسول
الله ﷺ جالس بين ظهرانينا، فرفع رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- بصره قِبَل السماء فنظر، ثم طأطأ بصره، ووضع يده على جبهته ثم قال:
سبحان الله سبحان الله، ماذا نزل من التشديد؟ قال: فسكتنا يومنا وليلتنا، فلم نرها
خيراً حتى أصبحنا. قال محمد: فسألت رسول ﷺ ما التشديد
الذي نزل؟ قال: (في الدّيْن، والذي نفس محمد بيده، لو أن رجلاً قُتل في سبيل
الله، ثم عاش، ثم قُتل في سبيل الله، ثم عاش وعليه دَين؛ ما دخل الجنة حتى
يُقضى دينه) [٧] .
أقسام الدّين:
يختلف تقسيم الدّين باختلاف الاعتبار؛ فيمكن تقسيمه إلى: حالّ، ومؤجل؛
وذلك باعتبار وقت أدائه، وينقسم إلى: دين لله، ودين للعبد؛ باعتبار الدائن،
وإلى دين صحة، ودين مرض؛ باعتبار حال المدين.
أسباب ثبوت الدّين:
الأصل براءة ذمة الإنسان من كل دين مالي، ويثبت في ذمة إنسانٍ مّا لأحد
الأسباب التالية:
- الالتزام بالمال في عقد يتم بين طرفين؛ كالبيع والسّلَم والإجارة والقرض.
- العمل غير المشروع المقتضي لثبوت ديْن على الفاعل: كالقتل الموجب
للدية.
- إتلافه مال غيره.
- هلاك مال غيره بيده بتفريط منه.
توثيق الدّين:
التوثيق هو الإحكام. ومعنى توثيق الدّين: هو تثبيت حق الدائن بحيث يتمكن
عند امتناع المدين عن الوفاء من استيفاء دَينه. وطرق توثيق الدّين أربعة:
- الكتابة، والدليل قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى
أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ] [البقرة: ٢٨٢] .
- الاستشهاد بالشهود، كما قال تعالى في آية الدين: [وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ] .
- الرهن، كما في قوله تعالى: [وَإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً
فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ] [البقرة: ٢٨٣] .
- الكفالة، كما في قصة الرجلين من بني إسرائيل التي حكاها النبي -صلى
الله عليه وسلم-[٨] .
وجمهور الفقهاء على أن توثيق الدّين مندوب إليه، وليس بواجب وأن الأمر
فيه للإرشاد.
استيفاء الدّين:
إذا ثبت الدّين في ذمة المدين فلا تبرأ ذمته منه إلا بحصول أحد أسباب
انقضاء الدّين؛ ونذكر منها:
- الأداء: وهو أن يؤدي المدين ما عليه للدائن.
- الإبراء: وهو أن يسامح الدائن المدين عن الدّين كله، ولا شك أن هذه
المرتبة عظيمة، ولا يوفق لها إلا من وفقه الله، وآثر الباقية على الفانية، من
الذين قال الله فيهم: [وَإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ
إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا
كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ] [البقرة: ٢٨٠-٢٨١] وقال عنهم رسوله -صلى الله عليه
وسلم-: (من سره أن ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة فلينفّس عن معسر أو يضع
عنه) [٩] .
- الحوالة: وصورتها: أن يكون للمدين مبلغ من المال عند شخص؛ فيحيل
الدائن عليه. وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- قال: (مُطل الغني ظلم، فإذا تبع أحدكم على ملي فليتبع) [١٠] .
- قبض الرهن بعد حلول الأجل.
وقد حثت الشريعة على أداء الديون وحسن القضاء والسماحة في طلبها؛ فعن
أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على النبي ﷺ سِنّ
من الإبل [*] ، فجاءه يتقاضاه، فقال: أعطوه. فطلبوا سنه فلم يجدوا له إلا سناً
فوقها. فقال: أعطوه، فقال: أوفيتني؛ أوفى الله بك. قال النبي -صلى الله عليه
وسلم-: (إن خياركم أحسنكم قضاءً) [١١] ، وفي حديث جابر بن عبد الله رضي
الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله رجلاً سمحاً إذا
باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) [١٢] ، وعن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أن
النبي ﷺ استلف منه حين غزا حُنيناً ثلاثين أو أربعين ألفاً،
فلما قدم قضاها إياه، ثم قال له النبي ﷺ : (بارك الله لك في
أهلك ومالك؛ إنما جزاء السلف الوفاء والحمد) [١٣] .
وكما حثت الشريعة على أداء الديون، فقد حذرت من المماطلة بتسديده لمن
يجد، وأن ذلك يحل عرضه وعقوبته؛ فعن الشريد ﵁ عن رسول الله
ﷺ قال: (لَيّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته) ، قال ابن
المبارك: يحل عرضه: يغلظ له. وعقوبته: يحبس له [١٤] ، وهكذا قال سفيان
الثوري.
آثار الدّين على النفس:
للدّين آثار سلبية على النفس، تجعل المدين مكبلاً بدَينه، مما يعطل بعض
الطاقات لانشغال القلب بالتفكير بالدّين. منها:
١- الشعور بالخوف وعدم الأمن؛ فعن عقبة بن عامر أن رسول الله -صلى
الله عليه وسلم - يقول: (لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها! قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: الدّيْن) [١٥] .
٢- اللجوء إلى الكذب وإخلاف الوعد؛ فعن عائشة ﵂ أن رسول
الله ﷺ كان يدعو في الصلاة ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من
المأثم والمغرم. فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم! قال:
إن الرجل إذا غرم: حدّث فكذب، ووعد فأخلف) [١٦] ، وهاتان الصفتان من
صفات المنافقين، وحَري بالمسلم أن يبتعد عن كل ما يؤدي للتخلق بصفاتهم، فإن
قال قائل: قد ثبت أن النبي ﷺ استدان؛ فكيف استعاذ؟
فالجواب كما قال ابن المنيّر: (لا تناقُضَ بين الاستعاذة من الدّين وجواز الاستدانة؛
لأن الذي استُعيذ منه غوائل الدّين، فمن استدان وسلم منها؛ فقد أعاذه الله وفعل
جائزاً) [١٧] .
٣- الهم والغم والتعلق بالدنيا والخوف من الموت لعدم سداد الدين، فيكون
نهاره مشغولاً بكسبه، وليله بهمومه؛ مما يفقده لذة العبادة والخشوع، وقد قال
بعض السلف: ما دخل همّ الدّين قلباً إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه.
٤- خسارة الحسنات يوم الآخرة لمن مات وعليه دَين وفي نيته عدم الوفاء؛
لقوله ﷺ : (الدّين ديْنان: فمن مات وهو ينوي قضاءه، فأنا
وليّه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذاك الذي يؤخذ من حسناته، وليس يومئذ دينار
ولا درهم) [١٨] .
العوامل المعينة على تسديد الدّيْن:
١- النية الصالحة؛ فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها
يريد إتلافها أتلفه الله) [١٩] قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: فانظر
كيف جعل النية الصالحة سبباً قوياً للرزق وأداء الله عنه، وجعل النية السيئة سبباً
للتلف والإتلاف) [٢٠] .
٢- المبادرة بسداده متى توفر المبلغ؛ لأن الإنسان قد يفجؤه الموت فيسلم من
تبعاته؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (لو كان لي مثل أُحُد ذهباً ما يسرني أن لا يمر عليّ ثلاثٌ وعندي منه
شيء إلا شيء أرصده لدَيْن) [٢١] .
٣- التخطيط الجيد المدروس المبني على معرفة الحال، والابتعاد عن
الكماليات والزهادة في الدنيا والتطبيق العملي لقوله ﷺ : (من
أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه: فكأنما حِيزت له
الدنيا) [٢٢] ، وقوله ﷺ : (انظروا إلى من أسفل منكم ولا
تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله) [٢٣] .
٤- الإكثار من الدعاء؛ فهو العبادة؛ فعن علي ﵁ أن مكاتباً جاءه
فقال: إني قد عجزت عن كتابتي، فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول
الله ﷺ لو كان عليك مثل جبل صِير ديْناً أداه الله عنك؟ قل:
(اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك) [٢٤] .
стр. 3031
تأملات دعوية
هذه المشكلات ليست من صنعنا
عبد الله المسلم
يطرح كثير من المتحدثين حول الصحوة الإسلامية اليوم وجيلها سلبياتٍ
وأمراضاً تنتشر لدى أتباعها، وهي تُولّد انطباعاً سيئاً وروح إحباط لدى من يستمع
لمثل هذه الآراء، مثل:
ضعف المبادرة الفردية، الفوضى وقلة الاكتراث بالوقت، ضعف المهارات
والقدرات القيادية، الرتابة في أساليب العمل وطرق الإدارة، السطحية وضآلة
التفكير، تركز النجاح في الأعمال والمشروعات الفردية أكثر منه في المشروعات
والأعمال الجماعية ... إلى آخر هذه القائمة من المشكلات.
إنها قائمة طويلة من الأمراض والسلبيات نسمعها عند الحديث حول جيل
الصحوة. وبغض النظر عما في التركيز على لغة النقد واحترافها من آثار سلبية،
ومن مبالغة في أحيان كثيرة، إلا أن هناك جانباً له أهميته ينبغي ألا يهمل عند
تناول هذه القضايا ألا وهو: أن معظم هذه المشكلات إنما هي نتاج وإفراز لأوضاع
المجتمع وبيئته الثقافية والفكرية السائدة؛ فهذه المشكلات التي يعاني منها الغيورون
على الصحوة موجودة ومتمثلة في كافة مؤسسات المجتمعات الإسلامية.
والنتيجة وإن كانت لا تختلف عند تقرير هذه الحقيقة إلا أن هناك سلبيات تنشأ
عن تجاهل هذا الجانب، ومنها:
- تحميل جيل الصحوة نتائج أعمال ليست من مسؤوليته.
- أن هذا يؤدي إلى شعور بالإحباط، واحتقار لكثير من جهود العاملين
الخيّرين حين يُحمّلون مسؤوليات أعمال ليست من صنعهم.
- أن هذا الأمر سينعكس أثره على الحلول المقترحة والمطروحة، فتتمحور
حول العلاج المباشر لهذه القضايا، والذي يعتمد على الطرح المعرفي المباشر لهذه
المشكلات من خلال قوالب جاهزة يعاد تشكيلها تبعاً لنوع المشكلة (التعريف،
المظاهر، الأسباب، العلاج ... ) وهذا الطرح يفتقد إلى حد كبير للعمق والعلاج
الحقيقي للمشكلة، ولا يعدو أن يكون كالوصفات التي يصرفها الطبيب لأي مريض
بغض النظر عما يعاني منه.
- وبغض النظر عن العلاج الذي يقترح لهذه المشكلات، إلا أنه لا بد أن
يتضمن التحليلُ الأفقي لهذه المشكلات تصنيفَها في مجموعات متجانسة؛ إذ إن
طائفة منها تعود إلى الضعف الإداري، وأخرى تعود إلى غياب الروح الجماعية في
العمل، ومنها ما يعود إلى النمط التقليدي في التفكير ... فهذا يسهم كثيراً في
اختصار خطوات الحل.
- وعلى اعتبار أن القياديين والمربين هم نتاج المجتمعات المعاصرة، فهم
يعانون من المشكلات التي يُفترض أن يعالجوها لدى المدعوين والمتربين، فتدور
القضية في حلقة مفرغة، فلا بد أن تكسر هذه الحلقة، ولا بد من تحديد نقطة للبدء
في ذلك.
- ومما يعين على تجاوز هذه المشكلات الشعور بأهمية الارتقاء بمستوى
التفكير، والبعد عن السطحية في تناول القضايا، وإيجاد البيئة الفكرية الراقية داخل
قطاعات الصحوة وبرامجها.
- ومهما افترضنا من الحلول والمقترحات فلا بد أن نشعر شعوراً ضرورياً
أن هذه المشكلات ليست من صنعنا ليكون التعامل معها تعاملاً صحيحاً، والله
الموفق وعليه التكلان.
стр. 3032
دراسات تربوية
الثواب والعقاب في التربية
د. عمر النمري
تلتقي نظريات علم النفس الحديث مع الإسلام في أن العقوبة أمر مشروع لمن
لم تُفد معه الأساليب التربوية الأخرى كالمدح والثناء في وضع حد للسلوك الخاطئ
وإطفائه؛ ذلك أن بعض الناس لا يرتدعون إلا بالعقوبة؛ وقد جاء في الأثر: (إن
الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) .
والإسلام يُجيز العقوبة ويشرّع لها؛ ولذلك وضع عقوبات وحدوداً معينة
لبعض الجرائم الأخلاقية: فجريمة القتل حدها القتل، وجريمة السرقة حدها قطع
اليد، وجريمة شرب الخمر حدها الجلد، وكذلك جريمة الزنا لغير المحصن حدها
الجلد أيضاً.
وهكذا نجد في القرآن الكريم تفاصيل هذه الحدود بما لا يدع مجالاً للشك؛ قال
تعالى في حد القتل: [وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأََلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]
[البقرة: ١٧٩] . فجعل حياة المجتمع وقفاً على موت بعض أفراده السيئين قطعاً
لجذور الفساد وردعاً لمن تسول له نفسه القيام بذلك جزاء وفاقاً.
وقال في حد السرقة: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا
نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [المائدة: ٣٨] .
وقال في حد الزنا: [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا
تَاًخُذْكُم بِهِمَا رَاًفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا
طَائِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ] [النور: ٢] .
وقال تعالى في جواز ضرب الرجل زوجته ضرباً غير مبرح: [وَاللاَّتِي
تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا
تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِياً كَبِيراً] [النساء: ٣٤] .
وفي تأديب الصبي وجواز ضربه على إهمال الصلاة إذا بلغ عشراً، قال
رسول الله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين،
واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) [١] .
وهكذا يتبين لنا من هذه الأدلة أن الإسلام يجيز مبدأ العقاب ويشرع له،
ولذلك لا نجد من التربويين المسلمين الأوائل من أنكر مبدأ العقاب في التربية؛
ولكنهم أحاطوه بسياج من الشروط والقيود، وجعلوه تالياً للمدح، وقدموا عليه الرفق؛ عملاً بقول الرسول الكريم ﷺ : (إن الرفق لا يكون في شيء
إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) [٢] .
وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (يا عائشة! إن الله
رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي
على ما سواه) [٣] .
ونجد من بين التربويين الأوائل الذين تكلموا في هذا الموضوع: الإمام الفقيه
محمد بن سحنون (ت ٢٥٦هـ) ، وأبا الحسن القابسي (ت ٣٢٤ هـ) ، وابن الجزار القيرواني الطبيب (ت ٣٦٩هـ) ، والغزالي (ت ٥٠٥ هـ) ، وبرهان الدين الزرنوجي (ت ٦٤٠ هـ) ، وابن جماعة الكناني (ت ٧٣٣هـ) وابن خلدون
(ت ٨٠٨ هـ) وغيرهم.
قال ابن سحنون: (ولا بأس أن يضربهم يعني المؤدب أو المعلم على منافعهم، ولا يتجاوز بالأدب ثلاثاً إلا أن يأذن الأب في أكثر من ذلك إذا آذى أحداً،
ويؤدبهم على اللعب والبطالة، ولا يجاوز بالأدب عشراً، وأما على القرآن فلا
يجاوز أدبه ثلاثاً) [٤] .
ويعلل ابن سحنون ذلك بقوله: (لأن عشرة غاية الأدب؛ وكذلك سمعت مالكاً
يقول: وقد قال ﷺ : (لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط
إلا في حد) .
وقد جاء في وصية ابن سحنون لمعلم ولده: (لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف
الكلام، وليس هو ممن يؤدّب بالضرب والتعنيف) [٥] .
ويلتقي أبو الحسن القابسي مع ابن سحنون في ضرورة الرفق بالصبيان وعدم
تجاوز الثلاثة في التأديب، وإنما يلجأ إلى الضرب فقط عندما لا ينفع العذل
والتقريع بالكلام الذي فيه التوعد من غير شتم ولا سب لعِرْض، يقول أبو الحسن
القابسي: (وإذا استأهل الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث، فليستعمل
اجتهاده لئلا يزيد رتبة فوق استئهالها، وهذا هو أدبه إذا فرّط فتثاقل عن الإقبال
على المعلم، فتباطأ في حفظه، أو أكثر الخطأ في حزبه، أو في كتابة لوحه.
ولئن سمح القابسي للمعلم بمعاقبة التلاميذ بهذا القدر من الضرب إلا أنه علّق
ذلك على مدى استئهال التلميذ لذلك، وقيّده بثلاثة، واشترط في تجاوز الثلاثة إلى
العشرة مشورة أبي الصبي أو ولي أمره ومدى احتمال الصبي للضرب فوق الثلاثة
إذا استأهل ذلك، وألا يتعدى أثر الضرب الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن المُضِر. وعلى الجملة: فالمعلم عنده عوض عن الأب بالنسبة للصبيان (فهو المأخوذ بأدبهم، والناظر في زجرهم عما لا يَصْلح لهم، والقائم بإكرامهم على مثل منافعهم؛ فهو
يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجهم ذلك من حسن رِفْقه بهم، ولا من
رحمته إياهم؛ فإنما هو لهم عوض من آبائهم) [٦] ويعلل القابسي ذلك بقول
الرسول ﷺ : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم
فارفق به) [٧] ، وقوله ﷺ : (إن الله يحب الرفق في الأمر
كله) [٨] .
وقد تحدث ابن الجزار القيرواني الطبيب عن الفرق بين الصبيان في مدى
قبولهم للأدب؛ إذ منهم من يتقبل الأدب قبولاً سهلاً، ومنهم من لا يقبل ذلك،
ومنهم من إذا مُدِحَ تعلم علماً كثيراً، ومنهم من يتعلم إذا عاقبه المعلم ووبخه، ومنهم
من لا يتعلم إلا إذا استعملت معه أساليب أشد تعنيفاً كالضرب مثلاً. ولذلك قرر ابن
الجزار مراعاة هذه الفروق الفردية، واتباع الأسلوب المناسب لتأديب كل صبي بما
يناسبه من الأساليب؛ حيث قال: (فأما إذا كان الصبي طبيعته جيدة، أعني: أن
يكون مطبوعاً على الحياء وحب الكرامة والألفة محباً للصدق؛ فإن تأديبه يكون
سهلاً، وذلك أن المدح والذم يبلغان منه عند الإحسان أو الإساءة ما لا تبلغه العقوبة
من غيره، فإن كان الصبي قليل الحياء، مستخفاً للكرامة، قليل الألفة، محباً
للكذب، عسراً تأديباً، ولا بد لمن كان كذلك من إرهاب وتخويف عند الإساءة، ثم
يحقق ذلك بالضرب إذا لم ينجح التخويف [٩] .
وقد بين الغزالي أن الطريق في رياضة الصبيان وتأديبهم ينبغي أن يؤسس
على الرفق واللين، والثواب والمدح لا العقاب والشدة والتعنيف؛ حيث قال: (ثم
مهما ظهر من الصبي من خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى
عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة
واحدة؛ فينبغي أن يتغافل عنه، ولا يهتك ستره، ولا يكاشفه، ولا يظهر له أنه
يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه؛
فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، فعند ذلك إن عاد
ثانية فينبغي أن يعاقب سراً ويعظم الأمر فيه، ويقال له: إياك أن تعود بعد ذلك
لمثل هذا، وأن يُطّلع عليك في مثل هذا فتُفضح بين الناس. ولا تكثر القول عليه
بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة، وركوب القبائح، ويسقط وقع
الكلام من قلبه) [١٠] .
أما العلاّمة ابن خلدون فقد عقد في مقدمته فصلاً في أن الشدة على المتعلمين
مُضرّة بهم، أشار فيه إلى الأضرار الخطيرة التي تعود على الفرد في مرحلة الرشد، وعلى المجتمع بأسره نتيجة الشدة والتعنيف في تأديب الولدان في الصّغر، وما
ينجرّ عنها من فساد وسوء خلق وتعوّد على الكذب والخبث والكيد والمكر والخديعة؛ لأن الراشد قد تعوّد في صغره التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط
الأيدي بالقهر عليه، فصار ذلك له خلقاً وعادة لم يستطع منها فكاكاً في الكبر.
يقول ابن خلدون: (ومن كان مَرْباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك
أو الخدم سطا به القهر، وضيّق على النّفْسِ في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه
ذلك إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره
خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له
هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدّن،
وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك، بل
وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل؛ فانقبضت عن غايتها ومدى
إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين) [١١] .
ولم يكتف ابن خلدون بهذه الإشارة الجميلة للآثار المترتبة على العنف في
التربية؛ بل ضرب لنا مثلاً واقعياً باليهود وما اتصفوا به من خبث ومكر وكيد؛
ومردّ ذلك حسب تحليله يعود إلى ما لقوه من قهر وعسف نتيجة تيههم وتفرقهم في
الأمصار. يقول ابن خلدون: (وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق
السوء، حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج؛ ومعناه في الاصطلاح
المشهور: التخابث والكيد؛ وسببه ما قلناه. (أي: العسف والقهر في
التأديب) [١٢] . ولذلك دعا ابن خلدون إلى الرفق بالمتعلم واجتناب الشدة في تأديبه وتهذيبه، واستحسن وصية الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين، واعتبرها من أحسن مذاهب التعليم، ومما جاء فيها: (يا أحمر! إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه، وثمرة قلبه، فصيّر يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين: أقرئه القرآن، وعرّفه الأخبار، وروّه الأشعار، وعلّمه السنن، وبصّره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا
مجلسه، ولا تمرّنّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيدها إياه، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوّمه ما استطعت بالقرب والملاينة؛ فإنْ أباهما فعليك بالشدة والغلظة) [١٣] .
وأجمل منها وصية مسلمة بن عبد الملك إلى مؤدب ولده؛ حيث قال: (إني قد
وصَلْتُ جناحك بعضدي، ورضيتُ بك قريناً لولدي؛ فأحسن سياستهم تدم لك
استقامتهم، وأسْهِلْ بهم في التأديب عن مذاهب العنف، وعلّمهم معروف الكلام،
وجنّبهم مثاقبة اللئام، وانههم أن يُعرَفوا بما لم يَعْرِفوا، وكن لهم سائساً شفيقاً،
ومؤدباً رفيقاً تكسبك الشفقة منهم المحبة، والرفق حسن القبول ومحمود المغبة،
ويمنحك ما أرى من أثرك عليهم، وحسن تأديبك لهم مِني جميل الرأي، وفاضل
الإحسان ولطيف العناية) [١٤] .
ومما سبق يتضح أن المربين المسلمين الأوائل وإن أقرّوا بدور العقاب في
التربية إلا أنهم جعلوه من باب: (آخر العلاج الكي) بحيث لا يلجأ إليه المربي إلا
عند الضرورة القصوى، وضمن حدود معينة، وشروط محددة؛ فهم قد فاضلوا بين
الأساليب التربوية على النحو الآتي:
١- المدح والثناء والترغيب:
اعتبر التربويون المسلمون الأوائل الثواب والمدح والثناء الأسلوب الأمثل،
والحافز الأقوى للتعلم، ولذلك طالبوا المعلم بالمبادرة به قبل غيره، وأن لا يلجأ إلى
غيره إلا لحاجة ملحّة قد تفرضها طبيعة الصبي كأن يكون الصبي قليل الحياء
مستخفّاً بالكرامة، قليل الألفة محباً للكذب. وفي ذلك يقول أبو الحسن القابسي:
(وإذا هو أحسن يغبطه بإحسانه من غير انبساط إليه ولا منافرة له ليعرف وجه
الحسن من القبيح فيتدرج على اختيار الحسن) [١٥] .
وفي ذلك أيضاً يقول الغزالي: (ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل، وفعل
محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر
الناس) [١٦] .
وقد مر معنا وصية ابن سحنون لمؤدب ولده: (ولا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف
الكلام) [١٧] .
كذلك أوصى ابن جماعة المعلم بشكر التلميذ إذا أصاب الجواب ومدحه والثناء
عليه، فقال: (فمن رآه مصيباً في الجواب، ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره
وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد) [١٨] . وقد
كان المربون الأوائل يتحينون الفرص لتشجيع الأولاد وحثهم على المنافسة النزيهة
في العلم وتحصيله. قال ابن سحنون في حث المعلم على ذلك: (وينبغي أن يجعل
لهم وقتاً يعلمهم فيه الكتاب ويجعلهم يتجاوزون؛ لأن ذلك مما يصلحهم ويخرجهم،
ويبيح لهم أدب بعضهم بعضاً) [١٩] .
وكانوا إذا حذق الصبي القرآن أي أصبح ماهراً فيه جمعوا له الناس وعملوا
له وليمة لتشجيعه ومدحه بين الناس بما يدفعه إلى الاستزادة من العلم وتحصيله؛
خصوصاً إذا علمنا أن أول ما يتعلمه الصبي في الكتّاب القرآن الكريم، فهو بختمه
القرآن الكريم وحذقه لا يزال في بداية الطريق. جاء في: (كتاب العيال) للحافظ
ابن أبي الدنيا: (حدثني بشر بن معاذ العبدي، حدثنا أبو عمارة الرازي، حدثنا
يونس، قال: حذق ابنٌ لعبد الله بن الحسن بن أبي الحسن، فقال الحسن: إن فلاناً
قد حذق.
فقال الحسن: كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نحروا جزوراً وصنعوا طعاماً
للناس) [٢٠] .
وبهذا يكون المربون الأوائل قد سبقوا بأشواط كثيرة علماء النفس المحدثين في
تقرير أهمية المدح والثناء في التربية. ويشار إلى أسلوب التشجيع والثواب في علم
النفس بمصطلح (التعزيز) . ومعناه المكافأة ويعتبر التعزيز، سواء كان معنوياً
كالمدح والثناء، أو مادياً، من أهم الأساليب الحديثة في تعديل السلوك وتهذيبه.
وهكذا يتضح أن التربويين المسلمين قد لامسوا الموضوع عن قرب ولكن دون
الدخول في تفصيلات كبيرة كما هو الشأن بالنسبة لعصرنا الحالي الذي تشعبت فيه
التخصصات.
٢- الإيحاش والإعراض والتّرْك:
ويعتبر الإيحاش والإعراض والترك أقل درجات العقوبة المعنوية؛ فالمعلم قد
يلحظ على الصبي ملحظاً أو يرى منه تصرفاً غير لائق؛ ولكنه يُعرض عنه
ويتغافل عنه ولا يعنفه أو يشتد عليه في العقوبة؛ ربما لأن الصبي قام بهذا السلوك
مرة واحدة فيعفو عنه، أو لأنه كان يتوقع أن ما قام به يعتبر لائقاً وينتظر عليه
مكافأة من المعلم ولو في صورة مدح أو بشاشة وجه أو اهتمام به، فيعرض المعلم
عنه ويبدي له نوعاً من الإيحاش وعدم البشاشة. وقد أشار الغزالي إلى هذا
الأسلوب بقوله: (فإن خالف ذلك (أي: أتى فعلاً غير محمود أو تخلق بخلق غير
جميل) في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا
يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، ولا سيما إذا ستره
الصبي واجتهد في إخفائه) [٢١] .
ويشار إلى هذا الأسلوب في نظريات التعلم بمصطلح: (الانطفاء) .
ومعناه أن الصبي إذا قام بسلوك غير لائق وتجاهله المعلم وأعرض عنه ولم
يُبْدِ نوعاً من الإيناس وبشاشة الوجه للصبي؛ فإن الصبي يبدي رغبة أقل في
تكراره ويتركه؛ فينطفئ. وقد قدم لنا كل من (مارتن وبير) في كتابهما: (تعديل
السلوك) عدة شروط يجب مراعاتها لكي يكون استخدامنا للانطفاء أكثر فعالية في
تعديل السلوك، يمكن الرجوع إليها في مظانها لمن رام المزيد.
٣- الذم والتوبيخ والترهيب:
إذا لم ينفع مع الصبي أسلوب الإيحاش والإعراض والترك يلجأ المعلم إلى
أسلوب أشد في العقوبة المعنوية وهو أسلوب الذم والتوبيخ والترهيب والوعيد
الشديد دون إيقاع الضرب ودون التبذل في العذل والتقريع في الكلام أو اللجوء إلى
الشتم والسب. وقد جعل أبو الحسن القابسي هذا الأسلوب في العقوبة أعلى درجات
العقوبة المعنوية، ويليه مباشرة إيقاع العقوبة البدنية بالصبي إذا استأهل ذلك.
كذلك أشار الغزالي إلى أن الصبي إذا نُهي عن التخلق بسيئ الأخلاق فلم ينته، ولم ينفع معه أسلوب الإيحاش والإعراض والترك فينبغي أن يعاقب سراً ويعظم
الأمر فيه؛ فيقال له: إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يُطّلع عليك في مثل هذا
فتُفتضح بين الناس [٢٢] . فإن لم ينته الصبي عن ذلك يُلجأ إلى العقاب الجهري
والتغليظ في القول لينزجر السامع ومن معه ويتأدبوا بذلك؛ فإن لم ينفع معه ذلك
يُلجأ إلى العقوبة البدنية على النحو الذي سيأتي ذكره.
٤- العقوبة البدنية:
إذا لم تفلح أساليب العقوبة المعنوية من إيحاشٍ وإعراضٍ وذمٍ وتوبيخٍ
وتخويفٍ يَلجأ المعلم إلى العقوبة البدنية؛ حيث أجاز الإسلام العقوبة البدنية وشرع
لها كما أسلفت، كما أجاز المربون المسلمون استعمال الضرب لتأديب الصبيان؛
ولكنهم جعلوه آخر أسلوب في التربية، وأحاطوه بسياج من القيود والشروط. وفيما
يلي الشروط التي وضعها أبو الحسن القابسي للعقوبة البدنية [٢٣] :
١- ألاّ يستعمل المعلم الضرب إلا لذنب.
٢- أن يوقع المعلم الضرب بقدر الاستئهال الواجب في الجُرْم (وإذا استأهل
الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث، فليستعمل اجتهاده لئلا يزيد في
رتبة فوق استئهالها) [٢٤] .
٣- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن القائم بأمر الصبي في
الزيادة إلى عشر ضربات. فإن اكتسب الصبي جرماً من أذى ولعب، وهروب من
الكتّاب، وإدمان البطالة فينبغي للمعلم أن يستشير أباه، أو وصيه إن كان يتيماً،
ويُعْلمه إذا كان يستأهل من الأدب فوق الثلاث، فتكون الزيادة على ما يوجبه
التقصير في التعلم عن إذن من القائم بأمر هذا الصبي، ثم يزاد على الثلاث ما بينه
وبين العشر [٢٥] .
٤- أن يزاد على عشر ضربات إذا كان الصبي يطيق ذلك أو كان سيئ
التربية غليظ الخلق. (وربما كان من صبيان المعلم من يناهز الاحتلام ويكون سيئ
الرعية، غليظ الخلق، لا يروعه وقوع عشر ضربات عليه ويرى للزيادة عليه
مكاناً، وفيه محتمل مأمون، فلا بأس إن شاء الله من الزيادة على العشر
ضربات) [٢٦] .
٥- أن يقوم المعلم بضرب الصبيان بنفسه: (ولْيتولّ أدبهم بنفسه؛ فقد أحب
سحنون ألا يُولي أحداً من الصبيان الضرب) [٢٧] .
٦- أن يوقع المعلم الضرب على الرّجْلين دون الوجه والرأس: (وليتجنب أن
يضرب رأس الصبي أو وجهه؛ فإن سحنون قال فيه: لا يجوز له أن يضربه،
وضرر الضرب فيهما بيّن، قد يوهن الدماغ، أو تطرف العين أو يؤثر أثراً قبيحاً، فلْيُجتنبا؛ فالضرب على الرّجْلين آمن وأحمل للألم في سلامة) [٢٨] .
٧- أن يكون الضرب بحيث لا يتعدى الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن
المضر: (وصِفَة الضرب: هو ما يؤلم ولا يتعدى الألم إلى التأثير المشنع، أو
الوهن المضر) [٢٩] .
٨- أن تكون الدّرّة التي يضرب بها المعلم الصبيّ رطبة مأمونة لئلا تؤثر
أثراً سيئاً.
٩- ألاّ يكون الضرب انتقاماً من الصبي وإنما يكون لعلاجه وتأديبه: (ينبغي
لمعلم الأطفال أن يراعي منهم حتى يخلص أدبهم لمنافعهم، وليس لمعلمهم في ذلك
شفاء من غضبه، ولا شيء يريح قلبه من غيظه؛ فإن ذلك إن أصابه فإنما ضَرَبَ
أولاد المسلمين لراحة نفسه، وهذا ليس من العدل) [٣٠] .
ومن استعراض هذه الأساليب ومفاضلة التربويين المسلمين بينها يتبين لنا
مدى حرصهم على الرفق بالصبيان عند تعليمهم وتأديبهم ومدى تضييقهم على مسلك
العقاب في التربية.
ونجد في الدراسات النفسية الحديثة دعوة ملحة لاجتناب استخدام العقاب في
التعليم، وإشارات عديدة لكون العقاب يعد أقل الأساليب التربوية فعالية في التعليم،
ومع ذلك فإنِ احتاج المعلم إليه فعليه أن ينبه الصبيّ إلى مواضع الخطأ قبل إيقاع
العقاب عليه، وأن يبين له السلوك البديل فيما أخطأ فيه، وإذا أوقع عليه العقاب
فليكن القصد منه مصلحة الصبي دون التهجم على شخصه.
стр. 3033
فاتحة الملف
(التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف)
التراث.. أمانة
تراث كل أمة ذاكرتها.. فكيف تعيش أمة بلا ذاكرة؟ وأي جريمة عندما تُشوّه
هذه الذاكرة؟ !
عندما شُنّت الهجمة الشرسة على الأمة الإسلامية منذ زمن بعيد كان نصيب
التراث من هذه الهجمة كبيراً: شككت أقلام في حقيقة وجوده وأصالته، رُوّجت
أفكار لتشويهه، استُعمل المصطلح رأس حربة لهدم قدسية الوحي أو وضعه على
الأقل في دائرة النسبية..
فقد حاول بعض أذناب المستشرقين الطعن في صحة بعض التراث ورموه
بالانتحال، ليس للتمحيص العلمي، بل للتشكيك في التراث كله، وأيضاً للتشكيك
فيما خدمه هذا التراث: القرآن والسنة.
وقد روّج بعض المغرضين لمفهوم أن الكتاب والسنة (تراث) ، ثم أشاعوا أن
التراث شيء موروث، وعليه: فلا يلزمنا اتباعه بإطلاق، كما إنه يجب أن يقع
تحت دائرة النقد والتمحيص، الذي قد ينتج عنه الرفض أو القبول، وهكذا وقعت
نصوص الوحي تحت طائلة التشكيك أو التحريف المعنوي بعد العجز عن التحريف
اللفظي، فيكفيهم من عملهم هذا محاولة هز هذه النصوص في نفوس بعض الضعفاء
عندما يرونها واقعة في دائرة التشكيك.
هذا بعض ما أراده الشانئون، ولكن مع كل ذلك سلمت بحول الله قدسية
الوحي، وصمد التراث..
سلمت ألفاظ الوحي بحفظ الله تعالى له: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] ، وسلمت معانيه بذب العلماء الربانيين عنه تحريف
الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
وصمد التراث، ليس فقط لأنه تراث أمة آخر الأنبياء؛ بل أيضاً بسبب
جهود متواصلة قيّض الله لها رجالاً أفذاذاً حفظوا أمانة التراث، وأعطاهم الله من
الإمكانات والمثابرة ما يعينهم على هذا العمل؛ فهم فيه ليسوا أدعياء يريدون حفظ
الأمانة ولا يقدرون عليها؛ بل كانوا أمناء مجدّين لا يضرهم من خالفهم.
وإسهاماً منا في التنبيه إلى أهمية هذه الأمانة كان هذا الملف الذي نرجو أن
نكون قد وفقنا فيه. ومن الله العون والتسديد.
стр. 3034
ملفات
(التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف)
حقائق حول التراث الإسلامي
أنور الجندي
إن نظرية فصل واقع الأمة وحاضرها عن التراث هي أكبر مؤامرة تواجه
الفكر الإسلامي الذي لم تنقطع مسيرته خلال أربعة عشر قرناً، أما دعاة التغريب
فهُم يريدون فصله عن الإسلام وربطه بالعصر السابق كما حدث للفكر الأوروبي
الذي انفصل عن العصر المسيحي، وربط نفسه بالعصر الهلّيني. أما المسلمون
فيؤمنون بضرورة وصل حاضر الأمة بماضيها، وأهمية إضاءة الطريق إلى
التراث لتكون الخطوات القادمة متصلة.
ولقد حرص النفوذ الأجنبي على الفصل بين الحاضر والماضي عند بدء كُتّاب
(الرواد والقمم الشوامخ) من العصر الحاضر، ووقفوا بماضيهم عند الحملة الفرنسية، وأخذوا في معالجة التراث على أساس إخضاعه للنظريات الغربية المعاصرة
القائمة على:
١- نظرية دارْوِن واعتبار الإنسان حيواناً ناطقاً.
٢- إعلاء شأن العنصر والدم، وتجاهل الحقيقة الواضحة من أن الإسلام هو
الذي وضع أسس العقل الغربي الحديث، وأن وحدة الفكر الإسلامي قامت على
أساس العقيدة لا العنصر أو الدم.
ولقد كان أول من هاجم التراث الإسلامي وأثار الشبهات حوله الدكتور طه
حسين في (مسألة الشعر الجاهلي) ودعا إلى تطبيق منهج الشك الديكارتي عليه.
ولقد تبين فساد منهج الشك الذي اصطنعه طه حسين، ووضح اختلافه مع منهج
ديكارت.
كما حاول الغربيون تطبيق المنهج الغربي (المادي) في دراسة التراث
الإسلامي، وهو منهج تشكّل في ضوء الصراع مع النصرانية، وحاولوا به
معارضة التوراة والإنجيل، وقد كان الغربيون في مواجهة الفكر الديني الأوروبي
يصدرون عن خصومةٍ وهوى، فلما جاؤوا به يواجهون التراث الإسلامي كانت
خصومتهم أشد عنفاً؛ فقد أرادوا بمكرهم إطلاق لفظ (التراث الديني) على تراث
النصرانية واليهودية والفرعونية والإسلام وهو محض افتراء؛ فالتراث الإسلامي لا
يمكن أن يوصف بأنه تراث ديني فحسب؛ وهو يشتمل على الآداب والعلوم
والاجتماع. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فهناك فصل كامل بين تراث الإسلام
وتراث الأمم قبل الإسلام، ولا يمكن الجمع بينهما على النحو الذي يدعو إليه بعض
التغريبيين؛ ذلك لأن الإسلام حين جاء أحدث فاصلاً عميقاً بين ماضي البشرية
وحاضرها أطلق عليه المؤرخون اسم: (الانقطاع الحضاري) ، فقد قامت
الحضارات الكبرى السابقة للإسلام اليونانية والرومانية والفرعونية والهندية
والفارسية على أساس الوثنية وعبادة الفرد والرق، وقد جعلت الرقيق عنصراً
أساساً في بنائها؛ بينما جاء الإسلام لهدم كل عبودية لغير الله تعالى.
ولقد كان من أوضح أهداف الغزو الفكري أن يرتاب المسلمون في تراثهم
الأصيل، وأن يتحولوا عنه إلى فكر مطبوع بالطابع الغربي الوافد على النحو الذي
قدمته دائرة المعارف الإسلامية التي حاول بها الاستشراق أن يكسب ثقة القارئ
المسلم، وأن تكون كتاباته في مجال الصدارة والمحل الأول بين مراجع الجامعات،
فيعتمدوها ويكتفوا بها على ما فيها من خلطٍ وتحريف، وينسوا مع الزمن مراجعهم
الأصلية. لذلك كان ينبغي لنا أن نسجل مجموعة من الحقائق الأساسية المتعلقة
بالتراث الإسلامي:
أولاً: تميز تراثنا الإسلامي المتصل خلال أربعة عشر قرناً عن تراث هذه
المنطقة قبل الإسلام (الفرعوني والفارسي واليوناني والروماني) . هذا التميز يمثل
في أزمنتنا المعاصرة تياراً أساسياً في مواجهة القومية والماركسية والليبرالية.
ولقد تقرر أن الإسلام بوصفه ديناً ربانياً عالمياً جامعاً للروح والمادة لا يمكن
أن يوضع في مجال المقارنة بالأديان أو المذاهب العقائدية الأخرى.
كذلك فإن الإسلام لا يقبل بالعلمانية التي تهدف إلى أن تفرغ المسلم من عقيدته، وأن يترك بعض أحكام دينه أو يتجاوز عنها، فضلاً عن أنها تعمل على تحويل
الدين من نظام مهيمن إلى نظامٍ وضعي.
ثانياً: أن التراث الإسلامي يتميز بخصوصية ذاتية في تكوينه تجعله مختلفاً
عن التراثات الإنسانية بماضيها الأوروبي؛ فهو تراثٌ تتصل منابعه الأولى بوحيٍ
إلهي؛ فيكفل حفظ مضمون الحياة، وكل فروعه دائرة في فلك الإسلام الروحي
والثقافي. وهو بهذا المفهوم ليس مماثلاً للحوادث التاريخية تحت أي ظرفٍ كان.
ثالثاً: القرآن والسنة لا يدخلان في مقولة التراث؛ بل هما من الثوابت. أما
التراث فيبدأ بعمل العلماء والفقهاء والمؤرخين. ويلتزم العمل الفكري والأدبي
بالتحرك في إطار الثوابت. وعند النظر إلى التراث يجب أن تكون القواعد
الأساسية التي قررها القرآن والسنة قائمة؛ فإن النظريات الكلامية والاعتزالية
والنصوص الفلسفية يجب أن يُنظر إليها في ضوء مفهوم أهل السنة والجماعة
ورفض ما يتصل بالفلسفة اليونانية أو الفكر الغنوصي أو مذاهب الإشراق والباطنية.
رابعاً: كشف علماء الإسلام زيف منهج الفلسفة اليونانية وحذروا من مخاطره
على مفهوم التوحيد الخالص، وذلك منذ اليوم الأول لترجمة الفلسفات في القرن
الثاني الهجري، وكان أبرز العاملين في هذا المجال جمعٌ من الأئمة؛ منهم على
سبيل المثال: الشافعي وابن حنبل وابن تيمية وابن القيم.
الإمام الشافعي: أعلن أن اللغة العربية لها منهج يختلف عن آجاثون اليونان.
الإمام أحمد: هاجم القول بخلق القرآن وقال: إنه منقول من الفكر اليهودي.
الإمام الغزالي: دحض مفاهيم الفارابي وابن سينا، وكذّب مقولتهم في ثلاثة
مواضع.
شيخ الإسلام ابن تيمية: نقض منطق أرسطو وأعلن منطق القرآن.
خامساً: أن اتخاذ الإسلام مصدراً للهوية هو اتجاه طبعي، وهو عودة إلى
المنابع، وهو التماس للطريق الذي سلكه المسلمون خلال أربعة عشر قرناً، فهو
ليس غريباً ولا جديداً ولا خاطئاً؛ بل الخطأ هو عكس ذلك: من الاستمرار في
التقلب بين الليبرالية والماركسية والقومية التي أخفقت في اتخاذها أطراً للتقدم. إن
النكسة قد كشفت عن إخفاق هذه المفاهيم، ودفعت المسلمين إلى العودة إلى المنابع
على أنها الطريق الوحيد.
سادساً: أن المسلم المتعلم في الغرب ليس له قدرة استيعاب ما في التراث؛
ذلك أنه كثيراً ما ينهزم أمام استغلاق التراث في أول الأمر مما يدفعه بقوة إلى
الإعراض واليأس والظن بأنه ليس في التراث شيء حول موضوع بحثه، مع أن
الحقيقة أنه هو الذي لا خبرة له بتصنيفات التراث التي تندرج تحتها مثل تلك المادة
الملائمة لموضوعه.
سابعاً: من الخطأ أن يطالب البعض بالتمسك الحرفي بكل التراث أو ممارسته
ككل، أو بالنظر إلى الماضي كله على أنه مقدس، أو أنه ينبغي أن نعيد التاريخ
بحذافيره؛ لأن التراث وفق مفهومهم يدخل فيه اللوثات والانحرافات الدخيلة على
حضارتنا.
كما أنه من الخطأ أيضاً الخلط بين الموروث والوافد من الأفكار؛ فتلك نظرية
عجزت عند التطبيق أن تقدم شيئاً.
ثامناً: مقولة أن التراث الإسلامي يخلو من تنظيم العلاقة الاجتماعية بين
الناس مقولة خاطئة، قال بها الذين ظنوا أن الفلسفة وعلم الكلام وتراث الفرق
الإسلامية هو كل تراث الإسلام، ومن ثَم يُزعم أنه يخلو من تنظيم علاقة الإنسان
بالمجتمع حيث تنتظم علاقة الإنسان بالله ﵎؛ ذلك أنه ليس في الإسلام
فصل بين العلاقتين، والفقه يعالج العبادة كما يعالج المعاملات.
تاسعاً: يجب أن يظل تراث الإسلام الأصيل هو نقطة انطلاقنا في جميع
العلوم والثقافة نحو الارتباط بالإسلام في أصوله (القرآن والسنة) وفي تطبيقاته
خلال أربعة عشر قرناً على أيدي العلماء والمؤرخين.
إن الذين أسهموا في تطوير التراث الإسلامي وانتشاره ونهضة الحضارة
الإسلامية كانوا جميعاً يعبرون عن الأمة الإسلامية؛ سواء منهم الذين آمنوا بالإسلام
أم لم يؤمنوا؛ فقد أوجد الإسلام نهضة فكرية جمعت كل العناصر تحت لوائها.
وكانت اللغة العربية هي منطلقها الأصيل. إن الإسلام وحده هو الذي شكّل
عقلية العلماء سواء أكانوا فُرساً أو هنوداً أو تركاً أو عرباً؛ لأنهم قد شاركوا بعقيدة
الإسلام وعقليته ومفاهيمه، ولم يكن لاعتبار قومياتهم أثر، وإنما كانوا مسلمين،
كتبوا باللغة العربية، ودليلهم القرآن.
أما القول بأن التخفف من التراث مطلب من أجل اللحاق بالحضارة فتلك
دعوى مضللة وباطلة، بل العكس هو الصحيح؛ فقد أكد العلماء التجريبيون أن
النهضة الإسلامية لا يمكن أن تُستأنف إلا بالاتصال بنهاية التراث الإسلامي الذي
توقف من قبل للبناء عليه؛ فالذين يدعوننا إلى التخفف من التراث إنما يدعوننا إلى
التيه حتى نفقد طريقنا ومنطلقنا الحقيقي إلى النهضة المرتقبة؛ ذلك أن أبرز مظاهر
تراثنا الفكري والحضاري الصالحة لنهضة إسلامية عربية جديدة هي ذاتها العناصر
الأساسية للمنهجية العلمية والتقنية التي ارتكز عليها الانبعاث في أوروبا بعد عصر
النهضة وانطواء العصور الوسطى التي ظلت قرابة ألف عام الإطار الزمني
لازدهار الحضارة الغربية في مختلف مجالاتها الإنسانية؛ حيث برهن المسلمون
خلال ذلك على أصالة نادرة وروح خلاّقة واستعداد للتكيف؛ فقد أعدوا منهجاً
تجريبياً رصيناً لم يكن للإنسانية عهد به، وطوروا الاختصاص التقني، وحرروا
الفكر، وعززوا شمولية الكشف العلمي بربط الماضي بالحاضر.
يقول الدكتور أحمد سعيدان: إن المهمة الفريدة للبحث في هذا التراث هي أنه
يمكّننا من إقامة بنيان المعرفة العلمية لدى أجيالنا القادمة على خلفية من إنجازاتنا.
إن عرض مسيرة العلم كما لو كان قاصراً على الإنجازات الغربية لا يخلق حافزاً
للأجيال الصاعدة، ولا يقيم في أذهانهم قيماً ومُثلاً بقدر ما يضع في نفوسهم ألا
يعرفوا أن لأجدادهم إنجازات واكتشافات واختراعات. إن قصر البحث على
الإنجازات الغربية يفقدهم شخصيتهم ويشعرهم بالنقص، وهو يعوق استقلالهم
الفكري ويحول دون الأصالة والإبداع. إن موضوعية البحث لا تتناقض بتنشئة
المواطنين تنشئة فيها الاعتزاز بماضيهم والانتماء إلى أصولهم والثقة بقدراتهم دون
تهويل إلى حد الادعاء الأجوف.
стр. 3035
ملفات
(التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف)
تراث مصطلح التراث
تساؤلات مشروعة!
جمال سلطان
حتى وقت قريب من تاريخ الفكر الإسلامي الحديث، لم يكن مصطلح التراث
قد ظهر في حوارات المتحاورين أو كتابات الكاتبين، حتى بدأت كتابات الاستشراق
ومناهجها تتغلغل في أوساط النخب العربية والإسلامية الجديدة، وبدأ الحديث عن
مشخصات وجود الأمة وإنسانها، ومكونات الشخصية المسلمة وما يمتزج بها من
علوم ومعارف وآداب وفنون ونحو ذلك، بوصفه (تراثاً) ، وإطاراً معنوياً منفصلاً،
يتيح للمعاصرين أن يقفوا منه موقف الانتقاء، أو يضعوه على مشرحة النقد أو في
ميزان المفاضلة بينه وبين (الوافدات) الفكرية الجديدة من الخارج؛ بحيث ينظر
المسلمون إلى كلا الجهتين على قدم المساواة باعتبارها معاني منفصلة متمايزة عن
الشخصية وهويتها، ويبحثون فيما يمكن أن يأخذوه من هذا (التراث) أو يتركوه،
ثم انتشر استخدام هذا المصطلح الفكري والمنهجي بعد ذلك بسهولة ويسر عبر
الكتابات المختلفة؛ بحيث أصبح أحد أبرز المحاور التي تشكل اتجاه التفكير والنظر
في الأبحاث الفكرية المتصلة بالإسلام وتاريخه وحضارته.
والحقيقة أن ميلاد مصطلح (التراث) في تاريخ فكرنا الحديث بحاجة ماسة إلى
جهد علمي بحثي دؤوب، يجمع لنا الخطوات الأولى التي بدأها، والتحولات الدقيقة
التي مر بها استخدامه حتى صار إلى ما صار إليه؛ فإذا تأملنا هذا المصطلح الجديد
ومحاولات توظيفه منهجياً لإعادة تشكيل العقل الإسلامي وفق تصور اغترابي كامل، لرأيناه يقسم الشخصية الإسلامية ويشطرها إلى أجزاء عدة مبعثرة ومتمايزة
ومنفصلة بعضها عن بعض، كما يجعل الإنسان المسلم ينظر إلى سلفه الصالح
وعطاءاته، ليس على أنها أساس بنائه العقلي والديني والحضاري والقيمي؛ بل
على أنها تمثل بعض كتب تركها القوم الغابرون، ويتوجب علينا أن نتعامل معها
بحذر وتوجس، وتحليل صارم لمكوناتها وأفكارها وشخصيات من وضعوها، ومن
الضروري وفق التصور الاغترابي أن يكون هذا التحليل وفق المناهج النقدية
الحديثة، أي المناهج الغربية التي أصبح لها الهيمنة والمرجعية في تقييم وتقويم
مجمل تراث العالم الإنساني على مر العصور.
على أن مصطلح (التراث) عندما دخل إلى حياتنا الفكرية، قد حرص من
روجوه وصنعوه على أن يضفوا عليه هالة من السحر والغموض في آن واحد،
فالمصطلح له سحر الجدة والطرافة، ولكنه في النهاية والقيمة العلمية والعملية
مصطلح يفتقر إلى الضبط العلمي، والتحديد المنهجي. وذلك أن هذا (القديم) الذي
ورثناه عن سلفنا، منه ما هو فكر، ومنه ما هو دين، ومنه ما هو فن، ومنه ما
هو قيم وأعراف، ومنه ما هو علوم متعلقة بالشريعة وأحكامها والكتاب والسنة
ودلائلهما، كما أن منه ما هو علم مدني عام مثل: الأبحاث والقواعد المتعلقة بعلم
الفلك والحساب والهندسة، وعلوم البحار والجغرافيا، ونحو ذلك من العلوم
والمعارف الدنيوية العامة؛ فأي ذلك ينطبق عليه وصف (التراث) ؟ ثم هل يمكن أو
يليق أن يتحدث باحث جاد ومحترم عن (التراث) وهو يضع في هذا القالب
الفضفاض كل هذه الأبعاد والعلوم والمعاني المتباينة منهجياً وعملياً، ويتحدث عنها
بخطاب عام واحد؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن يتحدث عاقل راشد عن (الجامع
الصحيح للإمام البخاري) وكتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني بوصفهما تراثاً،
وبحيث يمكنني التعامل معهما بالمنهج نفسه والمنطق نفسه والآليات نفسها؟ أم أن
هناك فروقاً جوهرية تحتم عليّ التفرقة بين الاثنين، والتعامل مع كل منهما بمنهج
مختلف وروح مختلفة ودافع مختلف عن الآخر تماماً؟ وهل يمكننا إذ ذاك أن نفهم
مدى جدية عنوان من العناوين الشائعة التي يستعملها العلمانيون العرب بوفرة وكثرة
في لغة الفكر المعاصر، من مثل: (الموقف من التراث) أو (التراث والمعاصرة) ؟
أم أننا سنرى بوضوح أن مثل هذه العناوين إنما تعبر عن غباء منهجي وسطحية
ورعونة، ولا تعبر أبداً عن منهج راشد أو منطق سليم؟ كذلك كيف يمكنني أن
أتعامل منهجياً مع (القرآن والسنة) بوصفهما تراثاً؟ ! !
وليلاحظ القارئ أن العلمانيين العرب يحرصون كل الحرص على القفز على
هذه الجزئية تحديداً؛ فهم يتحدثون عن (التراث) الإسلامي هكذا، ولا يفصلون جهد
البشر عن الوحي، في تعمد صريح لتعميق اللبس، وذلك أن المنهج النقدي الذي
تتعامل به مع ما تؤمن أنه (كلام الله) سيختلف حتماً مع المنهج النقدي الذي تتعامل
به مع (كلام البشر) . فإذا سلمنا بهذه البديهة فإننا لا بد من أن ننظر إلى ما هو أبعد
من ذلك. فاللغة التي نزل بها القرآن، والتي لا نفهم القرآن والسنة إلا بها هل
سنعتبرها (تراثاً) بحيث يجوز لنا أن نأخذ منها وندع؟ أم أن المنهج هنا سيختلف؟
لأنك إذا بدلت أو غيرت في (لغة الوحي) فقد غيرت بالضرورة في (الوحي ذاته) ،
ودع عنك التفاصيل في الحديث عن (جهود حفظ الوحي) وجهود نقله، وجهود حفظ
السنة وجهود نقلها، ونحو ذلك، ثم إذا تعدينا (النصوص) إلى المضامين، فلنا أن
نتساءل: كيف يمكنني تصور أن (عقيدتي) التي أدين بها وأعبد الله وفقها (تراث) ؟
وما الموقف (النقدي) الذي سوف أقفه منها إذا أردت (إخضاعها) منهجياً إلى البحث
العلمي؟ وكذلك بالنسبة لمنظومة القيم التي يلتزمها المسلمون خلفاً عن سلف، وهي
في جوهرها (دين) يدينون لله تعالى بها؟ كيف يمكن النظر إليها على أنها (تراث) ؟ كيف يكون تحريم الحرام وتحليل الحلال (تراثاً) ؟ وكيف تكون الآداب العامة
والسنن والهدي الظاهر (تراثاً) ؟ ثم ما هو تصنيف (العبادات) : هل نصنفها
(منهجياً) بأنها أيضاً (تراث) ؟ وما المنهج الذي سنتعامل به مع هذا (التراث) ؟
وهل عندما نقول: (التراث والمعاصرة) في مقارناتنا وكتاباتنا نكون قد قصدنا
(العبادات) أيضاً في هذا التعبير؟ !
حاصل القول أننا في حاجة إلى إعادة النظر في استخداماتنا (السخية)
و (الطيبة) لهذا المصطلح الجديد والطريف، وينبغي أن نلزم كل من يستخدمه بأن
يحدد مقصوده منه على وجه الدقة والتحديد، وينبغي ألا نسمح لأحد بأن يتجاوز هذه
الخطوة المبدئية في الحديث عن (التراث) إلى غيرها من الخطوات والبناءات
الفكرية والمنهجية قبل أن يجلي لنا مقصوده الدقيق من هذا المصطلح، وإنني لعلى
يقين من أننا إذا فعلنا ذلك بصرامة وتصميم، فإن الكثير من الزيف والبريق الذي
يحيط بهذا المصطلح سوف يسقط، كما أن الكثير من ألوان (الزندقة) و (النفاق
الفكري) المتستر خلف مثل هذه العبارات الفكرية الفضفاضة سوف تتساقط،
ويتساقط أصحابها، أو أن يجدوا أنفسهم مندفعين إلى إعلان مواقفهم الاعتقادية
صريحة وعارية بغير لبس، وبغير لباس يستر عوارها وخروجها على الأمة ودينها.
стр. 3036
ملفات
(التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف)
تراثنا.. رحلة شاقة شيقة
أ. د. محمود الطناحي
ارتبطت ضخامة التراث الإسلامي العربي وعظمته بسمة تميز بها الإسلام،
وهي أنه احتوى كثيراً من الأمم ذات الحضارات، والتي بعد أن دخلتْ في دين الله
أفواجاً ونسيتْ ما كان يعبد آباؤها من قبل هجرتْ لسانها القديم، واتخذت اللسان
العربي أداة فكر وبيان.
ولم يبقَ فرقٌ بين هذه الأمم والأمة العربية إلا فرق اللون والدم، وهو فرق
ساقطٌ مهدر في موازين الإسلام.
ثم إن الحضارة الإسلامية فوق أنها أبدعت وأنتجت في شتى ضروب العلم
والمعرفة كانت حلقة اتصال بين تراث اليونان القديم وبين اللاتينية الحديثة، مما
يشهد بفضل تراثنا وحضارتنا على النهضة الأوروبية الحديثة.
والمتابع لحركة الإبداع الإسلامية يجد أنها لم تخمد جذوتها، ولم تسكن
حركتها بتغير الحكام أو تبدل الأيام أو تعاقب النوائب. ومن أول ما يشهد لذلك
احتواء قرني الغزو الصليبي والتتري للعالم الإسلامي نخبةً عريضةً من كبار العلماء
والمفكرين، مع أن الهجوم الكاسح كان كفيلاً بالقضاء على هذه الأمة لولا دفع الله
وصيانته لها بما أودعه في روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء
والازدهار.
كما أن غياب حاضرة من حواضر الإسلام عن الساحة الفكرية كان داعياً لقيام
حاضرةٍ أخرى تملأ الفراغ وتدعم المسيرة.
وأمر آخر أشد وضوحاً هو أن كثيراً من تراثنا قد بقي موفوراً يملأ الخزائن
العامة والخاصة إلى عهدٍ قريب، وأن ما ضاع منه بسبب غفلة الناس وتفريطهم
أكثر مما ضاع بسبب عوادي الحروب والأيام، ولا زالت الأيام تظهرنا على
مخطوطات نفيسة كنا نعدها من المفقودات. وكم في الزوايا من خبايا.
ولكي يعلم القارئ قدر العطاء العلمي الذي خلفه لنا سلفنا عليهم رحمة الله
فليراجع ما أُلّف من كتبٍ للفهرسة ك (الفهرست) لابن النديم، أو (كشف الظنون
عن أسماء الكتب والفنون) لمصطفى عبد الله؛ وهو من أنفع وأجمع ما كُتب في
موضوعه بالعربية، أو (خزائن الكتب العربية في الخافقين) للفيكونت فيليب دي
طرّازي؛ وقد أحصى في هذا الكتاب عدد المكتبات العربية في العالم فبلغت نحو
١٥٠٠ مكتبة يُقدر ما فيها من كتبٍ عربية بنحو ٢٦٢ مليون مجلد ما بين مخطوطٍ
ومطبوع.
مراحل النشر:
لم يعدم المسلمون أسلوباً في حفظ تراثهم ونشره؛ فقبل أن تظهر الطباعة كان
الأسلوب المعتمد في نشر كتب التراث هو النسخ، حتى راجت صنعة الوراقة
والنساخة، وكان لها أماكنها في الأمصار التي يؤمها العلماء.
ومع أن الطباعة ظهرت في القرن الخامس عشر على يد جوتنبرج الألماني،
وتبع ذلك انتشار المطابع في أوروبا ومنها مطابع عربية، إلا أن المشرق الإسلامي
لم يعرف الطباعة إلا في وقتٍ متأخر عن ذلك؛ حيث بدأت في الآستانة في ١٥٥١م، ثم في لبنان عام ١٦١٠م، وانتقلت بعدها إلى عدة أقطار.
المرحلة الأولى لنشر التراث:
ومما ينبغي ذكره أن الطباعة العربية صُبغت بصبغة تنصيرية تبشيرية في
تلك الفترة حتى أنشئت مطبعة بولاق التي عرفت (بالمطبعة الأميرية) في القاهرة
بعد رحيل نابليون بفترة وذلك في عام ١٨١٩م أو ١٨٢١م، وطبع فيها مئات الكتب
من مختلف الفنون من التفسير والحديث والأصول واللغة والتاريخ والطب والأدب
وغير ذلك من فنون التراث.
ويمكن لي أن أسجل ثلاث حقائق اتسم بها نتاج تلك الفترة من كتب التراث:
أولاً: أن النظرة للتراث كانت شمولية ترمي إلى إظهار كنوزه ونشر الأمهات
والأصول في كل فن، ولم يكن الدافع مادياً؛ لذلك غلب على الطباعة طباعة
الموسوعات.
ثانياً: أن حركة إحياء التراث تزامنت مع إنشاء دار العلوم التي رأسها الشيخ
حسين المرصفي التي تمثل رد فعلٍ قوي على الدعوة إلى العامية.
ثالثاً: دور الأزهر كان بارزاً وبَصْمَتُهُ كانت مميزة على نشاط المطبعة خلافاً
للحال في لبنان الذي سيطر عليه القساوسة والرهبان.
وانتشرت الكتب التي كانت تُطبع على نفقة بعض محبي العلم، وكان على
رأس من قام على تصحيح الكتب وإخراجها الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد
عبد الرحمن المشهور بقُطّة العدوي.
وظلت مطبعة بولاق تعمل وحدها قرابة أربعين سنة، ثم ظهرت المطابع
الأهلية التي كانت أولها المطبعة الأهلية القبطية (الوطن فيما بعد) ، ثم تلتها مطبعة
وادي النيل، ثم تتابعت المطابع وتكاثرت. والذي يهمنا أن نقف أمام ثلاثة أمور
جديرة بالتأمل في تقييم أعمال تلك المرحلة:
١- حرص المطابع في كثير من منشوراتها على طبع كتاب أو أكثر بهامش
الكتاب الأصلي أو بآخره لصلة ذلك بالكتاب، أو لمجرد نشر الكتب على أوسع
نطاق. ومن الطريف أن نرى خمسة كتب مطبوعة في كتاب واحد، وفي صفحةٍ
واحدة اجتمعت خمسها في الصلب والهامش مفصولة بجداول.
إن ظاهرة طبع الكتب بهامش كتب أخرى هي ظاهرة فريدة دالة بوضوح
على أن القوم كانوا في سباقٍ لنشر العلم وإذاعته.
٢- أن الذين تولوا طباعة الكتب وتصحيحها كانوا من طبقة المشايخ الفضلاء، ومن هؤلاء: الشيخ نصر الهوريني، ومحمد قُطّة العدوي، ومحمد الحسيني،
وطه محمود، وغيرهم. وقد كان للكثير منهم تآليف فوق اشتغالهم بتصحيح الكتب؛ لكن يؤخذ عليهم أنهم لم يُعنوا بذكر الأصول المخطوطة التي اعتمدوها في إخراج
الكتب.
٣- أن القوم لم يُعنوا بالفهارس الفنية الكاشفة عن كنوز الكتاب المنشور،
واكتفوا بذكر فهارس موضوعية موجزة.
ومع هذا كانت تلك المرحلة من أغنى وأخصب مراحل نشر التراث العربي
وإذاعته، وهي بكل خيرها وعطائها قد أسلمت إلى ما تبعها من مراحل.
المرحلة الثانية: (مرحلة الناشرين النابهين) :
وهم طبقة من عظماء الرجال، جاهدوا في سبيل نشر التراث جهاداً صادقاً
دؤوباً، عَنَيْتُ: محمد أمين الخانجي، ومحب الدين الخطيب، ومحمد منير
الدمشقي، وحسام الدين القدسي. ومن عجائب الاتفاق أن أربعتهم من أهل الشام،
نزلوا مصر واتصلوا بعلمائها، وعملوا على طباعة الكتب ونشرها، وتأثروا بتلك
الروح التي سرت في مطبعة بولاق من نشر الأصول والأمهات، مع العناية بدقة
التصحيح وأمانة الأداء، وإن كانت قد تخلصت من الشكل الطباعي القديم المتمثل
في طبع الكتب بهامش الكتاب الأصلي.
وأهم ما يميز منشورات هذه الطبقة: الحرص على ذكر مخطوطات الكتاب
ووصفها؛ إلا أنها لم تُعن بالفهارس الفنية لما تنشره، إلا ما نراه من بعض
مطبوعات الخانجي ومحب الدين الخطيب.
وممن يتصل بهذه الطبقة شيخان فاضلان وعالمان جليلان؛ أما الأول: فهو
الشيخ محمد حامد الفقي حامل لواء السلفية، ومؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية
بمصر، والذي أنشأ مطابع السنة المحمدية، ونشر فيها مؤلفاته وكثيراً من كتب
شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب الحنابلة وطبقات رجالها.
وأما الثاني: فهو الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، الذي يُعد صفحة
حافلة من تاريخ نشر التراث العربي، قدّم وحده للمكتبة العربية ما لم تقدمه هيئة
علمية مدعومة بالمال والرجال. وقد رُمي الرجل بأنه أعاد طبعات سابقة عليه مما
أخرجته مطبعة بولاق ومطابع أوروبا، وأنه لم يعبأ بجمع مخطوطات الكتاب الذي
ينشره، وأنه لم يضع الفهارس الفنية الجامعة لمسائل الكتاب المنشور.
لكن هذا لا ينقص من قدر الرجل وجهده الذي بذله في التصحيح وضبط
النص ضبطاً صحيحاً، وإضاءته بالشروح اللغوية التي تنفي عنه الجهالة
أوالغموض، مع العناية بعلامات الترقيم، وأوائل الفقرات، وعدم تداخل أجزاء
الكلام. ويكفيه فضلاً أن كل من تعلم النحو في شرق الدنيا وغربها بعده مدين له
بديْنٍ كبير لما بذله من جهد بالغ في إخراج كتب النحو في أسلوبٍ يمتع الدارس
ويصقل اللسان.
المرحلة الثالثة: (مرحلة دار الكتب المصرية) :
والتي تحمل كل سمات المنهج العلمي الدقيق في إخراج النصوص، والتي
تأثرت إلى حدّ ما بمناهج المستشرقين الذين شُغلوا بتراثنا والذين استقوا زبدة
مناهجهم من أصل تراثنا.
وكان صاحب الفضل في هذا بعد الله سبحانه أحمد زكي باشا، الذي قال عنه
شكيب أرسلان: (كان يقظةً في إغفاءة الشرق، وهَبّة في غفلة العالم الإسلامي،
وحياةً في وسط ذلك المحيط الهامد) .
وقد برز في هذه المرحلة مشيخة جليلة من العلماء الذين بذلوا جهداً واسعاً فيما
أسند إليهم، ولم يحظوا بمعشار ما يحظى به أدعياء التحقيق في هذه الأيام، ومنهم: الشيخ أحمد الزين، والشيخ عبد الرحيم محمود، والشاعر أحمد نسيم، والأستاذ
محمد عبد الجواد الأصمعي، والشيخ أحمد عبد العليم البردوني، والعالم الجزائري
إبراهيم اطفيّش. ومن الطريف أن الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر كان قد
عمل مصححاً في هذه الدار في مقتبل حياته العلمية.
وقد مثلت هذه المرحلة مرحلة نضج وكمال من حيث استكمال الأسباب العلمية، واصطناع الوسائل الفنية المعينة على إخراج التراث إخراجاً دقيقاً يقوم على جمع
نسخ الكتاب المخطوطة والمفاضلة بينها، ثم اتخاذ إحدى النسخ أُمّاً أو أصلاً،
وإثبات فروق النسخ الأخرى، وما يتبع ذلك من إضاءة النص ببعض التعليقات
والشروح، وصنع الفهارس التحليلية الكاشفة لكنوز الكتاب، وما يسبق ذلك كله من
التقديم للكتاب، وبيان مكانته في المكتبة العربية، وموضعه من كتب الفن الذي
يعالجه تأثراً وتأثيراً، ثم الترجمة لمؤلفه.
المرحلة الرابعة (مرحلة الأفذاذ من الرجال) :
وأهم رموزها الشيخ أحمد محمد شاكر، وأخوه (شيخ العربية) محمود محمد
شاكر، والأستاذ عبد السلام محمد هارون، والأستاذ السيد أحمد صقر.
وقد كان ظهور (الرسالة) للإمام الشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر سنة
١٩٣٩م إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من النشر العلمي للتراث المستكمل لكل أسباب
التوثيق والتحقيق، وهي مرحلة جديدة فيما يظهر للناس في تلك الأيام، ولكنها
موصولة الأسباب والنتائج بما سنّهُ الأوائل وأصّلُوه.
وقد نشر الشيخ ﵀ الكتاب عن أصلٍ بخط الربيع بن سليمان صاحب
الشافعي، وقد جرى الشيخ في تحقيق (الرسالة) على أعدل المناهج وأقومها من
حيث التنبه الشديد لِمَا بين النسخ من فروق، وإضافات النّسّاخ فيما خفي ودقّ،
وربط كلام الشافعي ﵀ في هذا الكتاب بكتبه الأخرى، وتوثيق النقول،
وتحرير المسائل، والعناية الفائقة بالضبط، وصنع الفهارس الفنية التي شملت
آيات القرآن الكريم، وأبواب الكتاب على ترتيبها، والأعلام، والأماكن، والأشياء
من حيوان ونبات ومعدن ونحو ذلك، والمفردات المفسّرة في الكتاب، والفوائد
اللغوية المستنبطة منه، ومواضيع الكتاب ومسائله في الأصول والحديث والفقه
على حروف المعجم. ولكن أهم أنواع هذه الفهارس التي نشرها الشيخ الجليل
فهرس الفوائد اللغوية لكون الشافعي حجة في اللغة. وكل ما قيل عن الشيخ
و (الرسالة) يقال عن أعلام هذه المرحلة: محمود محمد شاكر و (تفسير الطبري)
و (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، وعبد السلام هارون وآثار الجاحظ، والسيد
أحمد صقر وآثار ابن قتيبة. وغير ذلك من التحقيقات والمؤلفات التي انتصروا فيها
للعربية وأعلوا رايتها.
ومن يطالع مثلاً تعليقات الشيخ محمود شاكر على (طبقات ابن سلام)
و (تفسير الطبري) يقف على أشياء معجبة في فهم اللغة والبصر بالشريعة ومعرفةٍ
بالتفسير وفقه الحديث وتاريخ الرجال، وكل ما شئت من علوم هذه الأمة وفنونها؛
وكأنه رجل قد نُشرت أمامه العربية كلها فانتقى منها ما طاب له.
هذا المنهج الذي سار عليه الأستاذ محمود شاكر ﵀ في إخراج كتب
التراث وتحقيقها منهج عسير بعيد المنال، تصعب محاكاته؛ لأنه متصل بعقيدةٍ
صحيحة وقراءةٍ محيطة وظهور بيّن على التراث، ولكنه على كل حال قد وجّه إلى
أعدل المناهج وأقومها في التحقيق والتصحيح.
واليوم تبذل عدد من المؤسسات العلمية المتخصصة جهداً مشكوراً في جمع
التراث ونشره عبر وسائل التقنية الحديثة: (الحاسب الآلي) و (شبكات المعلومات) . وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على بقية خير في هذه الأمة وعرفانٍ بجهد
الأوائل.
стр. 3037
ملفات
(التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف)
تحقيق التراث في العصر الحديث
الإيجابيات.. والسلبيات
د. عثمان جمعة ضميرية
الحمد لله الذي اصطفى من عباده خلقاً أورثهم الكتاب، وأمرهم بأن يقولوا
الحقّ، وأن يقوموا بالحق والعدل والقسط. وبعد:
فقد كانت الكلمة الأولى التي أُنزلت وحياً على نبينا محمد -صلى الله عليه
وسلم- في آخر اتصال للسماء بالأرض هي كلمة (اقًرأً) : [اقْراً بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي
خَلَقَ (١) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَاً وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ]
[العلق: ١-٤] . ثم تتابعت الآيات القرآنية الكريمة نزولاً، ترسم للمسلمين معالم المنهج الذي يسيرون عليه: عقيدةً، وعبادةً، وسلوكاً، وأصولَ نظرٍ واستدلالٍ؛ فكان لذلك كله أثره البالغ في تهيئة المناخ لنشوء المنهج العلمي الذي يقوم على التثبّت والدقّة في الرواية والنقل، بالنسبة للمرويّات والأخبار، وعلى الحجة والدليل الواضح الصحيح في العقليّات، وعلى التجربة والبرهان والنظر في الحسيّات.
ثم أقام المسلمون انطلاقاً من هذا عِلْماً قائماً برأسه لنقد المرويات: سنداً ومتناً، وهو عِلْمٌ انفردت به هذه الأمة من بين سائر الأمم، باعتراف المنصفين وغير
المنصفين من غير المسلمين، بَلْهَ المسلمين أنفسهم من غير أهل هذا الفن والعلم،
ويعود هذا إلى الأيام الأولى لرواية الحديث النبوي وأخبار السيرة والمغازي؛
فكثيراً ما نجد في الرواية تأكيداً للسماع والنظر من الراوي نفسه؛ حيث يقول مثلاً: (سَمِعَتْه أذناي من رسول الله ﷺ ... ) أو (سَمْعَ أذنيّ ... )
فهو مُتثبّت غاية التثبت، فلا تظننّ أنه ينسب إلى رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- ما لم يَقُل، أو لا يتبادرنّ إلى ذهنك أنه وهم أو أخطأ في النقل أو السماع.. وهذا قمةٌ في تحرّي النص، والمجيءِ باللفظ؛ تحقيقاً لأمانة النقل، والوقوف
على اللفظ الأصلي.
وبعد أن كانت الرواية الشفوية هي الوسيلة الغالبة السائدة في نقل العلم، في
عصر الرسالة وصدر الدولة الأولى، فإن الحضارة الإسلامية كغيرها من
الحضارات كانت تقوم على الكلمة المكتوبة؛ فقد بدأ التدوين في عهد النبي -صلى
الله عليه وسلم- ثم في عهد الصحابة والتابعين، واتّسع في عهد بني أمية، وتلاه
التصنيف في عهد بني العباس، وهو عصر ازدهار الثقافة والعلم بكل فروعه،
حتى وصفه بعضهم بأنه (عصر النهضة في الإسلام) .
وقد أَلمْعَ الإمام الذهبيّ ﵀ إلى الأصول الأولى في التدوين والتصنيف،
بكلمة جامعة، عند حديثه عن أهم أحداث سنة (١٤٣هـ) في كتابه (تاريخ الإسلام) ، ...
قال فيها: (شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير؛
فصنّف ابن جُرَيْج التصانيف بمكة، ومالكٌ (الموطأ) بالمدينة، والأَوْزَاعيّ بالشام،
وابن أبي عَرُوبة وحمّاد بن سَلَمة وغيرهما بالبصرة، ومَعْمَر بن راشد باليمن،
وصنّف أبو حنيفة الفقه والرأي ... وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حِفْظهم، أو يَرْوُون العلم من صحف صحيحة غير مرتّبة، فَسَهُلَ ولله الحمد تناول العلم،
وأخذ الحفظ يتناقص. ولله الأمر كلّه) .
وعندما انتشر تدوين العلم وتبويبه، واستقلّت علومٌ عن غيرها، برزت عندئذ
معالم منهج التثبت والدقة في طرق تحمل العلم وأدائه، في كل علم بحسب
موضوعه ومنهجه؛ فكان مثلاً من أهم وسائل هذا التثبت: مقابلة الكتاب بأصلٍ
صحيحٍ موثوقٍ به؛ فالمقابلة الدقيقة مُتعَيّنة للكتاب الذي يُرَام النفع به، وعلى هذا
تطابقتْ كلمة العلماء. والأمثلة على ذلك كثيرة تعزّ على الحصر، تجدها في كتب
مصطلح الحديث وآداب التعلم والرواية ...
وعندما يصحح الكتاب ويضبطه، وهو في محل شك عند مطالعته، أو تطرّق
احتمال يضع عندئذ فوق ذلك كلمة (صح) بخط صغير ... إلخ كما أن العلماء
وضعوا قواعد غاية في الأهمية والدقة لتصحيح النص؛ لأنهم كانوا يدركون صعوبة
هذا التصحيح وأهميته.
وتلك العصور السابقة التي وصفْنَا حال الرواية والكتابة فيها بعامة كانت
الكتب فيها تُكْتب وتُنْسخ باليد، فهي إذنْ عصور المخطوطات، وقد رَاجَتْ فيها
تجارة الكتب المخطوطة، إلا أن صعوبات كثيرة كانت تحدّ من وَفْرة النّسَخ للكتاب
الواحد، كما أن عوامل أخرى، تتصل بالحروب والفتن، كانت تزيد من صعوبة
الحصول على الكتب المخطوطة وانتشارها انتشاراً كبيراً، إلى أن ظهرت الطباعة، فيسّرتْ هذا كله.
وكان ظهور المطبعة في القرن العاشر الهجري (الخامس عشر ميلادي) ،
عندما اخترع (جوتنبرغ) عام (١٤٦٨م) أول حروف طباعة، ثم انتشرت الطباعة
في أوروبا بالحروف اللاتينية.
ولم تظهر حروف الطباعة العربية إلا يوم طبع كاهنٌ دومينيكي اسمه
(مارتان) عام (١٤٨٦م) كتاباً بالحروف العربية بلغة غير عربية، بمدينة (مينز)
وفي القرن السادس عشر طبع الإنجيل عام (١٥٩١م) بمطبعة آل مديتش، وذلك
كله أيضاً في البلاد الأوروبية.
وعرفت الطباعة في تركيا، عندما أفتى شيخ الإسلام في تركيا بجواز
الطباعة في القرن الثامن عشر (١٧١٩م) . وعرفت لبنان الطباعة عام (١٧٦٠م)
على يد عددٍ من الرهبان، ودخلت الطباعة دمشق مع جيش إبراهيم باشا، ودخلت
مصر عند الحملة الفرنسية، وأسّس محمد علي أول مطبعة في بولاق عام (١٨١٩م) ، ثم انتشرت في سائر الأقطار العربية.
وعندئذ بدأت المطبوعات تظهر إلى عالم الوجود، بصورة بطيئة، ثم
تطورت إلى ما نعرفه اليوم.
وقد بدأت عملية نشر التراث الإسلامي مطبوعاً في القرن الماضي، في الربع
الأخير منه، وكان المستشرقون قبل ذلك أول من سبق إلى ذلك، فقاموا بنشر
بعض المخطوطات العربية منذ وقت مبكر؛ ففي عام (١٥٩٣م) نُشِر كتاب (النجاة)
لابن سينا، وفي عام (١٦٣٦م) نشر كتاب (عجائب المقدور) لابن عربشاه، نشر
في ليدن، وكانت هذه النشرات السابقة بدايات للعمل، تعتمد على نسخة واحدة
للمخطوط، يعوزها كثير من الضبط وتقويم النص.
وفي مرحلة تالية لذلك، بدأ المستشرقون يضعون قواعد لتحقيق المخطوطات
ونشرها، وكان مما نشره المستشرقون: (شرح ديوان المفضليات) لابن الأنباري،
و (المنتخب من تاريخ حلب) لابن العديم، و (الفهرست) لابن النديم، و (معجم
البلدان) لياقوت، و (الكتاب) لسيبويه، وغيرها من الكتب الأمهات [١] .
ثم حذا علماء المسلمين المعاصرون حذو علماء الغرب في عملية تحقيق كتب
التراث ونشرها، وتصحيحها تصحيحاً دقيقاً، ضمن قواعد وأصول للتحقيق العلمي. وقد تفاوتت الجهود في ذلك تفاوتاً كبيراً، مما يجعل النظر في إيجابيات هذا
التحقيق وسلبياته أمراً ذا فائدة، بغية الإفادة من الصواب وتجنب الخطأ، وقياماً
بواجب النصيحة لهذا الدين، وحفاظاً على هذا التراث الذي تعتزّ به الأمة، ولذلك
نعقد فقرة سريعة لما نقصده بهذه الكلمة (التراث) ، قبل النظر في الإيجابيات
والسلبيات. وعلى الله قصد السبيل.
التراث والميراث والإرث، في اللغة العربية: هي أن يكون الشيءُ لقومٍ، ثم
يصير إلى آخرين، بنسب أو سبب. وهذا يشمل كل ما ينتقل إلى الآخرين من مالٍ
وعلمٍ ومجدٍ. وبهذه المعاني أيضاً جاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم، وفي
الحديث النبوي الشريف.
وعلى هذا: فإن المراد بالتراث هو كل ما يتناقله الخلف عن السلف،
فيخلفونهم فيه خلافة جبرية، وقد يكون هذا التراث الموروث مادياً: مالاً أو غيره،
وقد يكون غير مادي، كالعلم ونحوه.
ونعني بالتراث هنا على وجه الخصوص: هذه الثروة الكبيرة الثمينة الغالية،
التي خلّفها لنا أسلافنا ﵏ في شتى مناحي العلوم الدينية في مؤلفاتهم وكتبهم
التي عُنِيَتْ بالعلم الشرعي؛ كالتفسير والحديث وعلومهما، والفقه والأصول،
والسيرة النبوية، وما يكون خادماً لهذه العلوم الشريفة، وبخاصة ما لا يزال منها
في عالم المخطوطات، وتتجه العناية اليوم إلى نشره وإشاعته، أو تجديد ما سبق
نشره منها [٢] .
أما عملية التحقيق نفسها؛ فإنها تَعْنِي بَذْلَ عنايةٍ خاصّةٍ بالمخطوط، لتقديمه
صحيحاً، كما وضعه مؤلّفُه. وتكاد كلمة المحققين تُجْمع على أن الجهود التي تبذل
في كل مخطوط يجب أن يتناول البحث في: تحقيق عنوان الكتاب، ثم تحقيق اسم
المؤلف ونسبة الكتاب إلى صاحبه، ثم تحقيق متن الكتاب ونصه. ويسبق هذا أن
يقوم المحقق بجمع النسخ المخطوطة للكتاب من مظانّها، مستعيناً بفهارس المكتبات، وبالكتب التي عنيت بالتراث وتصنيفه، وبالدوريات المتخصصة ... ثم يدرس
هذه النسخ ويرتبها حسب الأهمية والأولوية ليختار منها ما يصلح للاعتماد عليه في
التحقيق كما هو مقرّر ومعروف في هذا العلم، ويقارن بين هذه النّسخ، ويضبط
النصّ أو ما يحتاج منه إلى ضبط، وقد يشرح الغامض فيه، ويعزو المنقول إلى
صاحبه.. وقد يناقش أو يصحح حسب الحاجة، ضمن قواعد مصطلح عليها.
وهذا يعني بالبداهة أن المحقق مؤهل للقيام بهذا العمل الدقيق الصعب، فلا يجوز
أن يقدم عليه إلا من لديه الكفاءة والقدرة.. وليس من غرض هذه الكلمات الموجزة
أن تأتي على كل ما ينبغي عمله في التحقيق وإخراج المخطوط، فإن ذلك يطلب
من مظانّه، وهي بحمد الله كثيرة مشتهرة [٣] .
إيجابيات تحقيق التراث:
وفي تحقيق كتب التراث ونشرها بطريقة علمية، وَفْق أصول النشر الحديث
وضمن قواعد التحقيق، نجني جملةً من المكاسب والفوائد من أهمها:
١- حفاظ على تراث الأمة، وحفظٌ له من الضياع، أو الحفاظ على ما بقي
منه بعد أن عَدَتْ عليه العوادي والفتن وحوادث الدهر؛ وبذلك نصل ما بين ماضي
هذه الأمة وحاضرها؛ ونستفيد من هذا التراث الضخم في حَلّ كثير من مشكلات
العصر؛ لأن المشكلات التي تَشْغل بال الأمة، بل تشغل البشرية بأجمعها، هي
مشكلات في جوهرها وحقيقتها واحدة، وإن كانت تختلف أحياناً في مظهرها، أو
تختلف طريقة التفكير في حلّها.
٢- تيسير الرجوع للكتاب والإفادة منه إفادة أكبر، حيث يزوّده المحقق بجملة
من الفهارس الكاشفة لمحتواه من فهارس للأبحاث، والمصطلحات، والأعلام،
والأماكن، والمصطلحات الحضارية، والقواعد والضوابط، وفهارس الشّعْر ...
وفهارس الآيات والأحاديث النبوية، والآثار المروية ... فيمكن عندئذ للقارئ أن
يصل إلى طَلِبَتِه بأيسر السّبُل وأقربها، فيوفّر بذلك جهداً ووقتاً ... فإذا أضفنا إلى
ذلك سهولة الرجوع إلى الكتاب المطبوع أكثر من الرجوع إليه والقراءة فيه
مخطوطاً؛ تضاعفت عندئذ الفائدة وتعاظمت؛ فطريقة استعمال المخطوط،
وصعوبة الحصول عليه في كل وقت، تقف عائقاً أمام الاستفادة الأمثل. وبذلك
تيسّر عمليةُ التحقيق القراءة والاطلاع، وتساهم في نشر العلم والثقافة على نطاق
أوسع.
٣- وفي عملية التحقيق نستطيع أن نطمئن إلى صحة النص الذي نقرؤه،
وصحة نسبته إلى صاحبه؛ حيث يقوم المحقّق بدراسة تهدف إلى إثبات صحة نسبة
الكتاب لصاحبه، فيكون الكتاب بجملته صحيح النسبة، ثم يقارن ويوازن النسخ
المخطوطة للكتاب فيخرج لنا نصاً سليماً، لا يعتوره نقص ولا تحريف على قدر
الطاقة والوسع وتظهر أهمية هذه الفائدة عندما نقرأ في كتابٍ منشورٍ نشراً تجارياً،
دون تحقيق علمي؛ فتقف أمام كثير من عباراته غير المفهومة، لوجود سقط أو
خرمٍ فيها وتحريف، ويزول ذلك كله بمقابلة الكتاب بنسخة أخرى موثّقة.
٤- كما أن تحقيق كتب التراث وسيلة لتيسير وتقريب فهم النصوص، بما
يكتنفها من شرحٍ للغامض المبهم، وضبطٍ للمهمل والمشكل، وترجمة للأعلام حسب
الحاجة وتعقيبٍ على بعض الآراء والأفكار، وتصحيح ما قد يظهر من أخطاء،
فيجعل الفائدة ميسورة التحقق للقارئ أكثر.
٥- ومما يتصل بعملية التيسير والتقريب؛ تجدر الإشارة إلى أن طريقة
إخراج النص والعناية بفقراته، والاهتمام بعلامات الضبط والترقيم كالفاصلة،
والفاصلة المنقوطة، والنقطة، والنقطتين، وعلامات التعجب، والأقواس، وإشارة
الحصر أو المعترضتين.. كل ذلك يساعد القارئ على الفهم، ويشجع على متابعة
القراءة دون عناء، وإلا فإنه سيجد صعوبة كبيرة، ويضيع وقتاً ثميناً؛ فأنت تجد
في الكتب القديمة: فصلاً بين المبتدأ والخبر مثلاً أو بين الشرط وجوابه، قد
يتجاوز بضعة أسطر فيحتاج هذا إلى ضبط بالعلامات حتى لا تقرأ الكتاب كله وكأنه
فقرة واحدة ... فالحاجة شديدة لإخراج الكتاب بطريقة تساعد على تجاوز تلك
العقبات والمعوّقات. والتحقيق للكتاب كفيلٌ بذلك كله، إن شاء الله تعالى.
تلكم هي بعض الإيجابيات فيما أراها لتحقيق كتب التراث، وهي على غاية
من الأهمية تسوّغ ما ينفق من جهد في عملية التحقيق، فإن لم نحصل على هذه
الإيجابيات أو على معظمها، فإن عملية التحقيق قد تكون ناقصة، أو غير مستوية
على أصول صحيحة، ويمكن عندئذ أن نرصد جملة من الشوائب أو السلبيات
الظاهرة التي ينبغي أن نسعى جميعاً للتخلص منها.
ولبعض التحقيق سلبيات:
إن ما يتبدى لنا من ملاحظات وسلبيات في تحقيق كتب التراث يمكن أن
نجعله مندرجاً في أمور ثلاثة:
أولها: الانحراف عن الهدف الأساس الذي يتغيّاه المسلم من نشر العلم،
تدريساً وتأليفاً وتحقيقاً؛ ألا وهو القيام بواجب الطاعة والعبادة؛ فإن ذلك كله عبادة
يتقرّب بها المسلم إلى الله تعالى، يبتغي بها الأجر والمثوبة، قبل أن يطلب بها
عَرَضاً من الدنيا، أو أن يسعى من ورائها إلى شهرة أو تحقيق شهوة. والنصوص
الشرعية في ذلك كثيرة متضافرة.
وعن هذه القضية الكبرى، أو عند الانحراف عن هذه الغاية، أو نسيانها،
تظهر جملة من الانحرافات أو السلبيات، ثم تتراكم مع الزمن لتشكل خطراً على
تراثنا الإسلامي على ما سنلمع إليه بعد هذا الإجمال.
وثانيها: إغفال القواعد الضابطة التي اتفق عليها المحققون في نشر كتب
التراث، والاضطراب في مفهوم التحقيق والغاية منه؛ حيث تحوّل عند بعض
الذين يزعمون التحقيق، إلى شيء آخر، لا علاقة له بالتحقيق، وإنما هو شرح أو
حاشية أو تقريرات على الكتاب، أو عملية نفخ وعبث بالكتب وهذا أيضاً ترتب
عليه جملة أخرى من السلبيات والأخطاء.
والثالث: وهو مما له صلة بما سبقه؛ أن بعضهم تسوّر هذا العلم، وهو
خالي الوفاض، غير مُؤهّل له، لا يمتلك إلا شهوةً وهوىً يدفعانه للعمل، ولذلك
وقع في كثير من الأخطاء، واحتُسبت هذه الأخطاء على التحقيق وأهله، دون أن
يردع عنها دينٌ أو خُلُقٌ من الأمانة والحياء.
وهذه الملاحظات الإجمالية، يمكن أن نؤيدها بالإشارة إلى كثير من السلبيات
التي رصدها المعنيون بهذا التراث، أو رصدوا جملةً وافرة منها تشير إلى ما
وراءها، وإن كانت النية متجهة أصلاً إلى بيان الإيجابيات أكثر من بيان السلبيات، لكن لخطورة هذه الجوانب السلبية، ينبغي التنبيه والتحذير.
فمن هذه السلبيات التي كانت نتيجة الانحراف عن المنهج السليم في التحقيق:
١- عدم اتباع قواعده الضابطة له: أن نجد كتباً كثيرة يعوزها العناية أكثر
بالعمل، مثل ضبط الأعلام والأسماء التي لا تعرف إلا سماعاً، وبالرجوع إلى
الكتب المتخصصة بذلك، ومنها أيضاً: التوسع في التعليق والشرح، ونقل
نصوص كثيرة في الحواشي لأدنى مناسبة، وأحياناً دون مناسبة، مما يضخم حجم
الكتاب، وقد يجعله كالطبل الأجوف، وأحياناً على الضدّ من ذلك: تقرأ كتاباً يقع
في مجلداتٍ، لا تجد فيه تعليقاً، ولا تقع فيه على شرحٍ لمصطلح، أو عزو لآية،
أو تخريج لحديثٍ، أو نسبة بيت شعر لقائله. وقد يكون الكتاب كله سرداً واحداً من
أوله إلى آخره، لا تعرف فيه بدايةً لفقرةٍ أو فكرة أو مسألة.
٢- تحقيق الكتاب عن نسخة واحدة، وقد تكون نسخة سقيمة، مع وجود نُسَخ
أخرى جيدة قيّمة تساعد على إخراج نصٍ كامل صحيح للكتاب. وعندئذ يقع المحقق
في كثير من الأخطاء، ويقف في كثير من المواضع لا يدري ماذا يصنع؛ لأنه
يرى السياق أمامه غير مترابط، وكأن فجوة كبيرة أمامه. ولا أريد أن أضرب
أمثلة على هذا من كتب كثيرة زعم بعضهم أنهم حقّقوها ... وهي تمتلئ بهذه
الملاحظات السابقة؛ لأن هذا المقال لا يهدف إلى التشهير بأحدٍ، أو التقليل من
الجهد، وإنما يهدف إلى رصد السلبيات والدلالة عليها بكلمات عامة؛ ولو اتجهنا
إلى ضرب الأمثلة، فإن الأمر جدّ ميسور، وهي كثيرة!
٣- إغفال نشر الكتب الأصول في العلم، والأمهات في كل فن من الفنون
الشرعية والعربية ونحوها، والاهتمام بكتب تأتي في مرتبة تالية أو متأخرة، وقد
لا تضيف شيئاً ذا بال إلى المعرفة، ولو أهملناها إهمالاً تاماً لم نفقد شيئاً، بينما
كثير من الكتب النفيسة الأصيلة في العلم لا تزال تقبع في عالم النسيان؛ إما لأنها
كتب كبيرة يحتاج إخراجها وتحقيقها إلى جهدٍ أكبر، وإلى نفقات قد تكون باهظة
يعجز عنها الأفراد المعنيون بهذا التراث الحريصون عليه؛ أو لأنها ليست ذات
شهرة عريضة عند كثير من طلاب العلم أو المحققين مثلاً، فهي تحتاج إذن إلى من
يعرّف بها ويتحمل مسؤولية القيام بتحقيقها وإشاعتها، وإن كنا نجد في الآونة
الأخيرة عناية ببعض هذه الآثار واتجاهاً إليها، وبخاصة في الجامعات والمعاهد
والدراسات العليا، ونسأل الله تعالى أن يبارك في جهود العاملين، ويكتب لهم
التوفيق والسّداد.
٤- إغفال نشر الكتب السهلة، الميسورة الفهم، التي يمكن الانتفاع بها على
نطاق واسع، والعناية بالكتب المعقدة أحياناً لغزارة مادتها، وقلة حجمها، فهي أشبه
ما تكون بالألغاز والأحاجي، أو على الأقل: قد تحتاج إلى وقت طويل وعناء كبير
كي تحلّ ألفاظها، وتعيد ضمائرها، وتفهم مراد مؤلفها. وإن كان هذا لا يعني أننا
ندعو دائماً إلى السهل حتى ولو كان قليل الفائدة، وننصرف عن الصعب مما فيه
فائدة؛ فقد يكون الكتاب الموجز، الصغير في حجمه، الجامع في مضمونه، قد
يكون هذا الكتاب عمدةً في علمٍ من العلوم ينبغي العناية به: حفظاً ودراسة وفهماً.
٥- تلك الظاهرة التي عمّتْ كثيراً من الأقطار، والتي تتمثل في عملية خداع
وتدليس، بسلخ بعض الأبواب أو الفصول أو المباحث من كتابٍ كبير، ثم نشره
باسم جديد، يوهم بأنه تأليف مستقل، وفي هذا تغرير بالقارئ، وخطورة في عملية
التوثيق في البحث العلمي، وسَطْوٌ على جيوب القرّاء وأموالهم، يدفع إلى ذلك
جشعٌ وتهافت على الربح السريع من أقصر الطرق، دون نظر إلى حلالٍ أو حرام، ودون رقابة ذاتية أو غير ذاتية.
٦- ومما يمكن أن نضيفه هنا من ملاحظات: تكرار العمل الواحد، دون
وجود ما يسوّغ ذلك؛ فتجد كتاباً أنفق فيه محقّقهُ جهداً كبيراً، ومالاً وفيراً،
للحصول على مخطوطاته وتصويرها، ثم حققه تحقيقاً يفي بالغرض، وبإخراج
جميل يتناسب مع أهميته. وبعد ذلك يأتي محقق آخر يزيد بضع كلمات أو جملة
من الحواشي التي لا داعي لها، ويخرج الكتاب من جديد دون عناء ولا تكاليف،
فهو يأخذ الكتاب السابق فيدفعه للمطبعة لتقوم بطباعته من جديد بحروف أصغر مثلاً
وبطريقة متعبة للقارئ. ولو كان لهذا العمل ما يسوّغه لكان ذلك محموداً، فمثلاً:
لو حصل المحقق على مخطوطة أجود أو مخطوطة كاملة لكتاب طبع عن مخطوطة
ناقصة أو مخرومة مثلاً ... لكان له في ذلك عذر واضح ولكن لا تجد شيئاً من هذا. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٧- ومن أهم السلبيات في التحقيق والنشر: ما يتصل بالمضمون ونوع
الكتاب ومحتواه؛ فقد اتجه المستشرقون أولاً إلى نوعٍ من الكتب القديمة تمثل اتجاهاً
فكرياً منحرفاً، وعملوا على نشر هذه الكتب وتحقيقها لإشاعة الانحراف بين
المسلمين، وإحياء المذاهب والحركات البدعية والباطنية، وإثارة النعرات،
وتشكيك الناس بالعقيدة والتاريخ الإسلامي ورجاله العظماء، ولتكون هذه الكتب
مصدراً لتصيّد الأخطاء ثم تضخيمها بقصد التشويه والطعن، وتابع المستشرقين
على هذه الطريق نَفَرٌ ممن يعيشون بين ظهراني المسلمين ويتكلمون بلغتهم.
وليس هذا كل ما يمكن أن يقال في هذا المجال، فهناك الشيء الكثير،
فحسبنا منه هذه اللمحات السريعة.
ولعل هذه الملاحظات، وكل ما يكتبه الغيورون، في هذا المجال، وهم أوْلى
مني وأقدر إن شاء الله لعل هذا كله يكون دافعاً للمعنيين لاتخاذ موقف قويّ سليم،
للحدّ من الظواهر السلبية، قياماً بالواجب، ونصحاً للأمة والملّة؛ فإن العلماء
نصوا على أنه يُحجر على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمُكاري المفلس،
فأوْلى أن يُحجر أيضاً على العابثين المتاجرين بتراثنا وأصولنا الثقافية.
стр. 3038
ملفات
(التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف)
ضوابط.. لتحقيق الأحداث
طارق عوض الله محمد
لا شك أن تحقيق الأحاديث، وتمييز ما صحّ منها وما لم يصحّ، عمل عظيم، وسُنة ماضية، وجهاد في سبيل الله ، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
وقد اختار الله لهذا الأمر أئمة صادقين، بالحق قائلين، وبه عاملين، وإليه داعين، وللباطل مجتنبين، وعنه محذّرين، فجعلهم حرّاساً للدين، ينفون
عنه تحريف الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الغالين.
فوضعوا لمن بعدهم أصولاً قَويمة ميزوا بها بين الأحاديث المستقيمة والسّقيمة، وأظهروا في رواتها كل شريفة وذميمة؛ تديناً وتقرباً إلى الله وذبّاً للكذب
عن رسوله ﷺ تسليماً.
ثم تبعهم بإحسان كثير من أهل العلم المتأخرين وبعض المعاصرين، فساروا
على دَرْبِهم، وضربوا على مِنْوَالهم، واهتدوا بهديهم، فأكملوا ما ابتدؤوه، وبينوا
ما أهملوه، وفصّلوا ما أجملوه، فبارك الله في سعيهم، ونفع بهم وبعلمهم.
وها نحن اليومَ؛ نعيش في ظل نهضة علمية، ظهر أثرها في نشر عدد كبير
من كتب الحديث في جميع مجالاته، كانت منذ أمد بعيد حَبِيسَة المكتبات العامة.
وقد صاحب إخراج هذا الكم الهائل من كتب السّنة تحقيقاتٌ وتعليقاتٌ
وتخريجاتٌ لأحاديثها ورواياتها من أساتذة أفاضل، وعلماء أجلاء، وباحثين
مجتهدين، فازدادت هذه الكتب بأعمالهم رَوْنَقاً وبهاءً، فجزاهم الله خيراً على ما
قدمّوا وبينوا.
غير أن هذا الخير قد شابه بعض الدّخَن، وهذه القوة قد أصابها بعض الوَهَن، وهذه سّنة الله الماضية، [فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] (فاطر: ٤٣) فقد أبى الله الحفظ الكامل إلا لكتابه.
وقد نظرت فإذا الأسباب التي من وراء ذلك كثيرة، فرأيت أن أذكر ضوابط
كليةً لترشيد العمل، والاستقامة على الطريق؛ تصحيحاً للمسار، ونصحاً لله،
ولرسوله ﷺ ، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم؛ كما ثبت
الحديث بذلك عن النبي ﷺ .
وبالضرورة؛ فإن هذه الضوابط ليست لورّاق أو كتبيّ أو تاجر يستغل حاجة
الناس للكتاب، فيدفعه إلى بعض الأحداث ناسخين له نَسْخَ مَاسِخٍ، ومسوّدين
حواشيه بما لا يمتّ إلى التحقيق بنَسَب، ثم يخرجه أعجميّاً، لو رآه صاحبه لما
عرفه، ثم يعمد إلى إخفاء هذه (الجريمة) التي يسميها (تحقيقاً) بأن يرسم على طُرّةِ
الكتاب: (تحقيق وضبط ومراجعة لجنة من المختصين بإشراف الناشر) ! ولو كان
من بين هذه (اللجنة) متخصص واحد، لصاح به، ولبادر إلى إبراز اسمه.
وليست هي أيضاً لـ (مُخَرّبٍ) ، يسمي نفسه (مخرّجاً) ، يعمدَ إلى الروايات
الحديثية، فيخرجها بزعمه، فإذا به يعمد إلى الفهارس المطبوعة، فيجعل من
حاشية الكتاب نسخة أخرى لها! !
التأَني والتريّث:
فينبغي على الباحث أن يتريث في إصدار أحكامه على الأحاديث، وأن لا
يتعجل ذلك، وهذا يستلزم أحياناً أن يُمضي الأيام الكثيرة والأزمنة البعيدة من أجل
معرفة ما إذا كان الحديث محفوظاً أم اعْتَرَاه شيء من الخطأ والوهم.
وهذا كان شأن كبار الحفاظ؛ فقد قال الإمام الخطيب البغدادي [١] : (من
الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقَف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن
البعيد) .
وقال الإمام علي بن المديني: (ربما أدركتُ علّة حديثٍ بعد أربعين سنة) .
وهذا بالضرورة يستدعي عدم المسارعة إلى ردّ نقد النقاد، لمجرد عدم العلم
بأدلتهم، إلا بعد البحث الشديد، واستفراغ الجُهْد في الوقوف على ما عليه اعتمد
النقاد في نقدهم؛ فإن مثل هؤلاء النقاد لا يتكلمون بالمُجَازَفَة، ولا بالحَدْس.
وما أروع ما ذكره ابن أبي حاتم [٢] ، عن ابن أبي الثّلج، أنهم كانوا يسألون
ابن معين عن حديثٍ سنتين أو ثلاثاً، فيقول ابن معين: (هو باطل) ، ولا يدفعه
بشيءٍ، حتى وقفوا بعد ذلك على علته.
ومن هنا ندرك خطر الاغترار بظواهر الأسانيد، والاكتفاء بالظاهر من حال
رواته في الحكم على الأحاديث، وهذا هو الضابط الثاني.
التتبّعُ والسّبْرُ:
فإن الباحث كلّما أكثر من تتبع الأسانيد في الجوامع والمسانيد والأجزاء
الحديثية، كلّما كان بحثه أخْصَبَ وأنْضَج، وحكمه أقرب ما يكون من الصواب.
فربما كان إسنادٌ فيه ضعف، فمن اقتنع به، ولم يستوعب البحث عن غيره،
فلربما كان للحديث إسناد آخر صحيح، أو يشهد للأول ويدل على حفظ الراوي له.
ولربما كان إسنادٌ ظاهره الصحة، فمن اقتنع به، واكتفى به، ولم يستوعب
البحث عن غيره، فلربما كان للحديث إسناد آخر يُعِلّ ذاك الأول، ويدل على خطأ
الراوي في الحديث.
ولهذا؛ قال الإمام علي بن المديني: (الباب إذا لم تجتمع طُرُقه، لم يتبين
خطؤه) [٣] .
في كَنَفِ الأئمةِ:
ولما كان العلماء الحفاظ هم أعلم الناس بالروايات، واختلافاتها، وأحفظ
الناس لها، وأعرف الناس بما يعتريها من العلل الظاهرة والخفية، وأضبط الناس
للقواعد والأصول التي على أساسها تتميز الأحاديث، وأفقه الناس في تطبيقها
وتنزيلها على الروايات والأسانيد كان من الضروري والضروري جدّاً الرجوع إلى
كتب علل الأحاديث المتخصّصة، والبحث عن أقوال أهل العلم على الأحاديث؛
فإن بالوقوف على كلمةٍ أو حرفٍ ينسب إلى إمام من أئمة علل الأحاديث، تُحَلّ
مسائل معلقة، وتُفتح أبواب مغلقة.
وآفة الآفات، ومنشأ الخلل الحاصل من قِبَلِ بعض الباحثين، هو ممارسة
تحقيق الأحاديث، والحكم على الأسانيد والمتون، استقلالاً من دون الرجوع إلى
أئمة العلم لمعرفة كيفية ممارساتهم العملية.
فكما أن القواعد النظرية في هذا العلم تؤخذ من أهله المتخصصين فيه، فكذلك
ينبغي أن يؤخذ الجانب العملي منهم؛ لا أن تؤخذ منهم فقط القواعد النظرية، ثم
يتم إعمالها عمليّاً من غير معرفة بطَرَائِقِهم في إعمالها وتطبيقها.
فإن أهل مكة أعلم بشِعَابها، وأهل الدار أدرى بما فيه، وإن أفضل من يطبق
القاعدة هو مَنْ وضعها وحرّرَها، ونظم شَرائِطَها، وحدّ حدودها.
وليس هذا جُنُوحاً إلى تقليدهم، ولا دعوة إلى تقديس أقوالهم، ولا غَلْقاً لباب
الاجتهاد، ولا قتلاً للقدرات والمَلَكَات؛ بل هي دعوة إلى أخذ العلم من أهله،
ومعرفته من أَرْبَابه، ودخوله من بابه، وتحمّلِه على وجهه.
وما رجوع أهل العلم ونقاده، بعضهم إلى بعض، وسؤال بعضهم بعضاً عن
الأحاديث والروايات كما صنع الإمام مسلم؛ لمّا صنف كتابه: (الصحيح) عَرَضَه
على علماء عصره؛ ليقولوا كلمتهم فيه مع ما حَبَاهُ الله من سَعَةِ في الحفظ، ودقة في النقد، وصحة في النظر، وقوة في البحث، وصدق في الرأي، وما
كان هذا إلا مَظْهَراً من مظاهر معرفة أقدار العلماء، واحترام اختصاصاتهم.
وما تجريح أئمة الحديث للمُصِرّ على الخطأ، وهو مَن بينوا له خطأه فيما
يرويه، فلم يرجع عن خطئه، ولم يبالِ بنقد النقاد، وأقام على روايته له آنفاً من
الرجوع عنه [٤] إلا رسالة تهديد شديدة اللهْجَة لكل من تُسَوّل له نفسه أن يضرب
بنقد النقاد عُرْضَ الحائط، ولا ينزّله منزلته اللائقة به.
الأصول والاصطلاحات:
وحيث بان لنا أهمية الرجوع إلى أئمة الحديث للتفقّهِ بفقههم، والتفهّمِ بفهمهم،
كان من الضروري معرفة أصول الأئمة ومناهجهم واصطلاحاتهم.
فإن مذاهب النقاد للأحاديث غامضة دقيقة؛ فربما أَعلّ بعضهم حديثاً استنكره، بعلة غير قادحة في الأصل، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر؛ وحجتهم
في هذا: أن عدم القدح بتلك العلة مطلقاً، إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها
نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكراً يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد يحقق
وجود الخلل، وإذ لم يوجد سبب له إلا تلك العلة؛ فالظاهر أنها هي السبب، وأن
هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين: أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة،
وأنهم قد صححوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما
تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر [٥] .
وربما يطلقون بعض الاصطلاحات على غير معناها المتقرر والمتعارف عليه؛ كمصطلح (الحسن) ، فإن بعض أهل العلم يستعمله في موضع (الغريب) أو (المنكر) على عكس معناه المتقرر، والذي يقتضي ثبوت الحديث.
وقد قال إبراهيم بن يزيد النخعي: (كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يُخرج
الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده) .
قال الحافظ الخطيب البغدادي شارحاً له [٦] : (عَنَى إبراهيم بالأحسن:
الغريبَ؛ لأن الغريب غير المألوف يُسْتَحْسَن أكثر من المشهور المعروف،
وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة) .
شرائط الكتب:
إن أئمة الحديث عليهم رحمة الله تعالى لم يصنفوا هذه الكتب الحديثية جُزَافاً،
بل كل مصنّفٍ لهم لمصنّفه فيه شرط التزمه، وغاية نشدها؛ فكان إخراج الحديث
في مصنف ما، على وجه ما، كالإشارة من مصنّفه إلى حال هذا الحديث عنده.
ومن هنا؛ ندرك الخطأ الذي يقع فيه بعض الباحثين؛ حيث يخرجون الحديث
من كتب متعددة، غير ملتفتين إلى الفائدة التي أسْدَاها إليهم صاحب الكتاب بإخراجه
الحديث فيه.
فدلالة الاحتجاج بالحديث في (الصحيحين) على صحته، وتلقي العلماء له
بالقبول؛ حيث لا يكون ثَمّة تعقب من بعض الحفاظ؛ لا ينبغي أن تهمل، بل على
الباحث الاستفادة من هذه الدلالة، وتلك الفائدة، فلا يعامل أحاديث (الصحيحين)
معاملته لغيرها.
ودلالة إخراج الحديث في كتب الأصول، كالسنن الأربعة و (الموطأ)
و (المسند) لأحمد أيضاً لا ينبغي إهمالها.
بل من أهل العلم من يرى أن من علامات ضعف الحديث خُلُوّ هذه الكتب
منه [٧] .
وإخراج الحديث في ترجمة راويه المتفرد به في كتب الضعفاء مثل:
(الكامل) لابن عدي، و (الضعفاء) للعقيلي، و (المجروحين) لابن حبان يدل على
ضعف الراوي دلالة واضحة جلية؛ لأن هؤلاء الأئمة إنما يخرجون في ترجمة
الراوي بعض أحاديثه المنكرة؛ ليستدلوا بذلك على ضعفه، فكانت هذه الأحاديث،
من هذه الأوجه، عند هؤلاء المصنّفين غاية في النكارة؛ حيث إنهم لم يضعفوها
فحسب، بل استدلوا بها على ضعف راويها المتفرد بها.
وقد قال ابن عدي في مقدمة كتابه [٨] : (.. وذَاكرٌ لكل رجل منهم مما رواه
ما يُضَعّف من أجله، أو يَلْحَقه بروايته له اسم الضعف؛ لحاجة الناس إليها) .
وقال الحافظ ابن حجر [٩] : (من عادة ابن عدي في الكامل، أن يخرج
الأحاديث التي أنكرت على الثقة، أو على غير الثقة) .
وكثيراً ما يتبرّأ ابن حبان في (المجروحين) من تلك الأحاديث التي يخرجها
في كتابه، ويصرح بأنه ما دفعه إلى إخراجها إلا الرغبة في بيان الضعفاء وبيان
أحاديثهم المنكرة.
يقول في المقدمة [١٠] : (وإنما نُمْلِي أسامي من ضُعّفَ من المحدّثين، وتَكَلّم
فيه الأئمة المرضيون ... ونذكر عند كل شيخ منهم من حديثه ما يُستدل به على
وَهَنِه في روايته تلك) .
ويقول أيضاً [١١] : (وإني لا أحل أحداً روى عني هذه الأحاديث التي ذكرتها
في هذا الكتاب إلا على سبيل الجرح في روايتها على حسب ما ذكرنا) .
وكرر هذا المعنى في غير ما موضع من كتابه [١٢] .
стр. 3039
الإسلام لعصرنا
الإسلام لعصرنا.. لماذا وكيف ؟
أ. د.جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
الإسلام كما أنزله الله تعالى على محمد ﷺ ومن غير
تحريف ولا تبديل هو الدين الذي رضيه للناس أجمعين في كل مكان
وكل عصر منذ مبعث رسوله الأمين وإلى أن يقوم الناس لرب العالمين.
فالإسلام لعصرنا كما كان للعصور قبلنا، لكن إذا كانت نصوص الشرع لا
تتغير ولا تتبدل؛ فإن أحوال الناس تتغير وتتبدل؛ فماذا يفعلون؟
يقول المتذبذبون: دعوا النصوص كما هي؛ لكن أعيدوا تفسيرها وأعطوها
من المعاني ما يتناسب مع ثقافة عصركم كما أعطاها من سبقكم ما يتناسب مع ثقافة
عصره؛ فإن النصوص وحي إلهي لكن فهمها جهد بشري. النصوص مطلقة لكن
فهمها نسبي.
يقول الثابتون على الحق: لكن نصوص القرآن نزلت بلغة عربية ذات معانٍ
محددة يعقلها العارفون بهذه اللغة [إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]
[يوسف: ٢] ثم جاءت السنة لتزيد المعاني اللغوية بياناً، ثم إن أصحاب رسول الله- ﷺ فسروا هذه النصوص بحسب ما فهموا من لغة القرآن والسنة التي كانت لغتهم، وبحسب ما سمعوا من رسول الله ﷺ ، وبحسب ما شاهدوا من المناسبات التي نزلت بسببها الآيات، والأحوال التي ذكرت فيها الأحاديث، ثم جاءت الأجيال تلو الأجيال من أئمة المسلمين وعلمائهم لتَفْهم من نصوص الكتاب والسنة هذا الفهم نفسه كما تدل عليه مؤلفاتهم؛ فالقول بأنهم فسروا النصوص بحسب ثقافة عصورهم إنما هو مجرد وهْم تبطله الحقائق التاريخية.
يقول المتذبذب: أتعني أنهم لم يختلفوا؟
يقول الثابت: لم يختلفوا في المعاني الأساسية للنصوص إلا اختلافات يسيرة، لكن اختلفوا فيما يمكن أن يستنتج من النص مثلاً، أو في المسائل الاجتهادية التي
لا نصوص فيها، لكن المهم أن اختلافهم لم يكن بسبب اختلاف ثقافات عصورهم
كما تدعي، وإنما كانت اختلافات فردية حتى في داخل العصر الواحد، وكانت
اختلافات بين من التزموا بذلك المنهج الصحيح الذي بيّنتُه لك بإيجاز وبين الذين لم
يلتزموا منهجاً علمياً؛ وإنما أخذوا يفسرون النصوص بحسب أهوائهم ورغباتهم.
أتعني أن لتفسير نصوص الكتاب والسنة منهجاً علمياً؟
بل أعني أن لتفسير النصوص كلها سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية
مناهج علمية.
كيف؟
أظنك تتكلم الإنجليزية.
نعم.
إذا قرأت قصيدة من قصائد شكسبير مثلاً، فكيف تفهمها؟
أرجع إلى الكتب التي تولتْ شرحها، وبينتْ ما قصده شكسبير منها.
أتعني أنك لا تفهمها بحسب ثقافة عصرك أو ثقافة بلدك العربي؟
لا؛ بل لأنني أريد أن أعرف ما قصده شكسبير من كلماته.
أتعني أنك تعطي كلماته المعاني التي قصدها والتي كانت شائعة في عصره
حتى لو كانت تلك المعاني مخالفة للمعاني السائدة الآن في اللغة الإنجليزية؟
لا شك في ذلك؛ لأن قصدي أن أعرف ما قال شكسبير، فإذا أعطيت كلماته
المعاني السائدة الآن فإني أكون قد قوّلته ما لم يقل.
هل تفعل الشيء نفسه بالنسبة لنص من نصوص أرسطو مثلاً إذا كنت
تحاول أن تكون مختصاً بفلسفته؟ أعني: هل تحاول أن تدرس لغته التي كتب بها
فلسفته؟
أجل، وأحاول أن لا أخلط بينها وبين اللغة اليونانية الحديثة؛ لأن قصدي أن
أفهم ما قال أرسطو.
هل تكتفي في فهم نصوصه إذن بدراستك للغة اليونانية التي كتب بها، أم أن
هنالك وسائل أخرى تعينك على فهم كلامه؟
نعم هنالك وسائل أخرى منها: أن أدرس كيف فهمه معاصروه؛ لأنهم أدرى
به، ومنها: الاستعانة بالخبراء الذين سبقوني.
ما أظنك إلا متبعاً منهجك هذا نفسه في دراستك لشاعر جاهلي كامرئ القيس.
بلى؛ فأنا لا أعرف لهذا المنهج بديلاً في دراسة النصوص البشرية.
هذا المنهج الذي اتبعته في دراستك لما أسميته بالنصوص البشرية هو المنهج
العلمي الذي نريد منك اتباعه في دراستك للنصوص الإسلامية. نريد أن يكون همك
هو أن تفهم مراد الله ومراد رسوله بقدر المستطاع، وأن تكون أميناً في ذلك؛ لا
تُقوّل الله أو رسوله ما لم يقولا، وأن تقرر معنى نصوصهما كما هي حتى لو رأيتها
مخالفة لما هو سائد في عصرك.
لكن هنالك فوارق مهمة أراك قد أغفلتها بين النصوص البشرية والنصوص
الإلهية.
ما هي؟
منها: أنني أستطيع أن أفهم مراد البشر؛ لأنهم مخلوقون محدودون
يخاطبونني بلغة محدودة، أما الله تعالى فمطلق؛ فلا يمكن أن تسع اللغة المحدودة
معانيه المطلقة؛ لذلك كان من حق كل إنسان أن يفسرها بلغته المحدودة حتى تتسع
معانيها فتقترب من المطلق! !
دعك يا أخي من الكلام الغامض عن تفسير المطلق والمحدود؛ فإنها ألفاظ لا
طائل تحتها؛ واللهُ تعالى لم يسمّ نفسه ولا سماه رسوله بالمطلق ولا وصفه بذلك.
إن خلاصة ما تريد أن تنتهي إليه هو أن البشر حين يتكلمون باللغة العربية يكون
لكلامهم معنى محدد يمكن معرفته بطريقة علمية، وأما إذا خاطَبَنَا اللهُ بهذه اللغة فإنه
لا يكون لكلامه معنى يمكن معرفته بطريقة علمية! ألا ترى أنك جعلت الله تعالى
عاجزاً عما جعلت البشر قادرين عليه؟ كيف يستطيع البشر حين يخاطبوننا باللغة
العربية أن يوصلوا معانيهم التي قصدوها إلينا ولا يستطيع رب البشر أن يفعل ذلك، وقد قال إنه إنما خاطبنا بهذه اللغة لنفهم عنه ما يقول؟
هذا بيان معقول؛ لكنّ هنالك فارقاً آخر هو أن الإسلام صالح لكل زمان
ومكان، فإذا أعطينا نصوصه المعاني ذاتها التي أعطاها إياها الصحابة مثلاً، فإنا
نكون قد حصرناها؛ وبذلك حصرنا الإسلام في زمان معين ومكان معين!
فما البديل إذن؟
البديل هو كما قلت لك: أن يفسر كل أهل عصرٍ تلك النصوص بما يتناسب
مع ثقافة عصرهم.
حتى لو كانت هذه التفاسير متضاربة متناقضة؟
نعم؛ لأن فهم النصوص الإلهية هو كما قلت لك نسبي؛ فما يفهمه أهل كل
عصر صحيح بالنسبة لهم حتى لو كان غير صحيح بالنسبة لغيرهم.
هل هذا هو ما فهمته من مقولة: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟
أجل، وما أراك قادراً على الإتيان بفهمٍ غيره أو أحسن منه.
إذا كانت صلاحية الكلام لكل زمان ومكان تعني أن تُغيّر معانيه لتناسب
أهواء الناس في كل زمان ومكان، فإن كل كلام حتى لو كان لأبلد الناس يمكن أن
تكون له هذه الميزة.
كيف؟
هب أن رجلاً اسمه (حمار) وضع مذهباً من عشر مسائل فقال: على من
يقبل مذهبي: أن يفعل في الاقتصاد كذا، وفي السياسة كذا، وفي التربية كذا، إلى
آخر المسألة التاسعة، ثم قال في العاشرة: (لكل من يتبع مذهبي الحماري هذا أن
يفسر مسائله التسع السابقة بما يراه مناسباً لبيئته الثقافية) أظنك توافقني على أنه لن
يمر إلا وقت قليل حتى لا يبقى من مسائل حمار هذا بحسب ما كتبها إلا المسألة
العاشرة. لكن أصحابه سيظلون ينتمون إلى هذا المذهب، وسيظلون يتفاخرون
بأنهم حماريون، وأن مذهبه الحماري صالح لكل زمان ومكان؟ فهل تريد للإسلام
أن يكون كذلك؟
فما معنى كون الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان إذن؟
معناه أنه كما أنزله الله ومن غير تحريف ولا تبديل صالح لكل من يريد
الهداية من الأفراد والجماعات في كل زمان ومكان. والسر في هذا أنه تنزيل من
حكيم عليم، علم ما هو صالح لعباده بما هم به بشر، لا بما هم به أهل هذا العصر
أو ذاك، ولا بما هم به عرب أو عجم، أو أصحاب زراعة أو صناعة، أو في
شرق الأرض أو غربها، أو غير ذلك من الاختلافات التي لا تؤثر في بشريتهم،
فأنزل عليه كتاباً غير مقيد بشيء من هذا كله.
إذن فما معنى عبارتك: (الإسلام لعصرنا) ؟
معناها أنه إذا كانت نصوص الكتاب والسنة لا تتغير ولا تتبدل فإن أحوال
الناس تتبدل وتتغير، فيجدّ لهم من المشكلات اللغوية والفكرية، والعلمية التجريبية، ما يحتاجون معه إلى أن يُعانوا على فهم دينهم الفهم الصحيح، وأن تزداد ثقتهم
فيه وإيمانهم به، وذلك يكون:
بتفسير حقائقه الثابتة بلغة جديدة يفهمونها، إن كانوا عرباً، أو بترجمتها إلى
لغاتهم إن لم يكونوا عرباً، وبتقويم ما يجدّ من أفكار، والرد على ما يُثار من
شبهات، وبإيجاد الحلول الإسلامية لما يجدّ من مشكلات عملية، وبالاستفادة من
الكشوف العلمية الموافقة للنصوص الإسلامية في تثبيت الإيمان والدعوة إلى الإسلام، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا تتأتى إلا بإمعان النظر في النصوص وتدبرها.
إن النصوص محدودة لكن ما يُستنتج منها غير محدود، كيف لا والقرآن كتاب لا
تنقضي عجائبه؟ !
стр. 3040
حوار
حوار مع الشيخ أحمد فريد
أجرى الحوار: وائل عبد الغني
١- في مستهل حوارنا نرحب بضيفنا الشيخ أحمد فريد، ونحب أن نتعرف
على فضيلتك، وكيف طلبت العلم؟ وحبذا لو أشرت إلى أهم مؤلفاتك.
الاسم: أحمد محمود فريد.
محل الميلاد: الدقهلية جمهورية مصر العربية.
حصلت على بكالوريس الطب والجراحة من جامعة الإسكندرية في مايو
١٩٧٧م.
في الحقيقة إن المرحلة التي نشأنا فيها لم يكن فيها علماء مشهورون في بلدنا
ممن يأوي إليهم طلبة العلم لينهلوا منهم، ولذلك كان تلقّينا للعلم مدارسةً بيننا وبين
الأقران، بالإضافة إلى الاستماع إلى دروس مشايخ الصحوة الذين لم نتمكن من
التلقي عنهم وطلب العلم على أيديهم، إلا أن الله شرّفني بمجالسة بعضهم ومحادثته؛ مثل: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، والشيخ محمد بن صالح
العثيمين حفظه الله، والشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله، والشيخ أبو بكر
الجزائري حفظه الله.
أما مؤلفاتي: فهي بحمد الله كثيرة، منها: البحر الرائق في الزهد والرقائق،
وهو أحب كتبي إليّ الثمرات الزكية في العقائد السلفية خصائص أهل السنة
والجماعة وقفات تربوية مع السيرة النبوية مواقف إيمانية تحفة الواعظ في الخطب
والمواعظ تزكية النفوس وتربيتها كما يقرره السلف غاية السقيا في تعبير الرؤيا.
٢- باعتبارك قد عاصرت تجربة الصحوة الإسلامية خلال العقدين: الماضي
والحالي.. فكيف تقيّم هذه الفترة من حيث: الإيجابيات المتحقّقة السلبيات الدروس؟
شهدتُ الصحوة الإسلامية في بداية السبعينات، وكنتُ في بداية دراستي
الجامعية. ومنذ نعومة أظفاري وأنا أمتلك عاطفة إسلامية، وتطلعاً للبذل والعطاء
لإعزاز دين الله ورفع رايته، وقد جمعني الله إلى إخوة كرام
بالجامعة وفقهم الله لرفع راية الإسلام، والدعوة إلى دين الملك العلام،
وبدأتِ الدعوةُ بالإسكندرية، وكان المنهج الذي تتبناه هذه الدعوة: هو منهج أهل
السنة والجماعة، وقد كنا بحمد الله القطفة الأولى من هذه الصحوة المباركة. ومما
ساعد كثيراً على انتشار الدعوة، وتربية أفرادها: رحلات العمرة، والاهتمام
بالنواحي التربوية، والاجتماع على الإفطار والقيام. وكان الإخوة القائمون على
الدعوة يتعلمون ويعلمون إخوانهم، وكان ذلك قبل ظهور المسميات المختلفة، وكان
الحب والوئام وسلامة المنهج والإخلاص من أعظم أسباب انتشار الدعوة، وظهور
بركتها. ولم تكن الصحوة المباركة بالإسكندرية وحدها؛ ولكن الله وفق
إخوة كراماً في القاهرة، وفي أكثر المحافظات يدعون إلى الله وقد قال
النبي ﷺ : (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم
في طاعته) [١] وهذا النبت المبارك لا شك من ثمرات الشجرة الطيبة شجرة: لا
إله إلا الله؛ فقد أخبر الله أنها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؛ فنسأل الله
أن يتم علينا وعلى سائر المسلمين نعمته، وألا نُحرم هذا الشرف العظيم: شرف
الدعوة إلى الدين القويم، والصراط المستقيم.
ولا شك أن الدعوة مرت بمراحل كثيرة. وكل مرحلة من المراحل لها من
الظروف الإيجابية أو السلبية ما لها.
فمن الظروف الإيجابية لهذه الفترة:
١- انتشار الدعوة، ومعرفة كثير من الناس معنى السلفية ومنهج أهل السنة
والجماعة، وانحسار كثير من الدعوات المخالفة لأهل السنة: كالدعوة إلى التصوف
أو التكفير.
٢- انتشار تتبع الأدلة والارتفاع بالمستوى العلمي عند كثير من المنتسبين إلى
الدعوة، وكذلك عند المتعاطفين الذين يشاركون إخوانهم في الندوات العامة وصلاة
العيد، أو يقرؤون في الكتب والمجلات التي تنشر فكر أهل السنة والجماعة،
وتدعو إليه.
٣- التقارب بين كثير من جماعات الدعوة في ساحة الصحوة الإسلامية،
وغض الطرف عن كثير من الخلافات الفرعية التي شغلتهم حيناً من الدهر، وهو
ما نطمح في زيادته واستمراره خاصة بين جماعات الدعوة التي تتبنى عقيدة السلف
﵃ وتنتهج منهج السلف في فهم الكتاب والسنة.
وفي مقابل هذه الإيجابيات وُجِدت بعض السلبيات التي ينبغي علاجها
والقضاء عليها، فمن ذلك:
١- تعصب بعض من أهل الصحوة للاّفتات التي تُرفع، وإن كانت جميعاً
تشير إلى شيءٍ واحد وجماعة واحدة وهي جماعة الصحابة ﵃ ومَنْ
على شاكلتهم، والتي إمامها رسول الله ﷺ .
٢- روح الانعزالية والفردية التي تُميّز بعض الدعاة إلى الله وكذلك
الملتزمين بطاعته. وقد قال الله تعالى: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا
عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ] [المائدة: ٢] والدعوة مهمة كبرى، وأكبر من أن يقوم بها
فرد أو أفراد متناثرون؛ بل الواجب على المسلمين التعاون عليها؛ حيث يكمل
بعضهم بعضاً، وأن يتشاوروا من أجل الوصول إلى أنجح السبل وأمثل الطرق
للدعوة. ولا شك أن في الاجتماع من البركة والتوفيق وقلة الخطأ وكثرة الخير
والصواب أكثر مما في الدعوة الفردية الانعزالية، ثم إن الاجتماع على الدعوة
أقرب إلى الإخلاص؛ فيكون العبد ممن دعا إلى الله؛ وليس إلى نفسه أو جماعته.
٣- ضعف الهمم في الدعوة وقلة تحصيل العلوم الشرعية، والتراخي في أداء
الطاعات والعبادات.
أما الدروس المستفادة من هذه الفترة، فمنها:
أ - استشعار الدعاة إلى الله بأهمية الاجتماع على منهج أهل السنة
وعقيدة السلف ﵃ وأن اختلاف جماعات الدعوة الإسلامية ينبغي أن
يستفاد منه في تكميل بعضهم بعضاً، وأن يكون بين الجميع من التناصح والتناصر
ما يكون فيه عز الإسلام والمسلمين.
ب - حث الأفراد واستنهاض الهمم لمزيد من البذل والجهد والطاقة؛ لأن
المسلمين إذا استفرغوا وسعهم في البذل أعانهم الله وأمدهم بمدد من عنده.
٣- ما هي رؤيتكم للاختلافات المتزايدة بين الاتجاهات الإسلامية على الساحة
بوجه عام، وعلى الساحة السلفية بوجه خاص؟
الاختلافات بين الاتجاهات الإسلامية بوجه عام، وعلى الساحة السلفية بوجه
خاص أمور نسبية إضافية تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة؛ ففي بعض البلاد:
ليس هناك فرق بين السلفيين وأنصار السنة وهذا هو الأصل وفي بعضها: هناك
مساجد خاصة بأنصار السنة، ومساجد خاصة بالسلفية، وفي بعضها الآخر:
السلفيون أنفسهم ينقسمون على أنفسهم وتبرز عند ذلك الأسماء ويتعصب الأفراد
لدعاة وعلماء بأسمائهم، وهذا بلاء مبين، ومخالفة لما كان عليه السلف الصالح
﵃ وهذا الخلاف ناشئ عن خلل تربوي عند كثير ممن يُنسبون إلى
منهج السلف ﵃ فيجب أن يتربى الشباب على أن الولاء لله
ولرسوله ﷺ ولجماعة المؤمنين التي أرشدنا النبي -صلى الله
عليه وسلم- إلى الالتزام بها حينما أخبر عن افتراق الأمة؛ فقال: (وستفترق أمتي
إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الجماعة) [٢] ، ثم فُسّرت الجماعة في الرواية الأخرى بقوله -صلى الله عليه
وسلم-: (هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فالجماعة التي ينبغي
أن ينضم إليها كل مسلم هي جماعة الصحابة ومن على شاكلتهم عبر القرون
والأجيال؛ ولذا لما سئل عبد الله بن المبارك ﵀ عن الجماعة قال: أبو بكر
وعمر. فقيل: قد مات أبو بكر وعمر! فقال: فلان وفلان، فقيل: قد مات فلان
وفلان، فقال: أبو حمزة السكري جماعة. فعلى الدعاة والمربين أن لا يربطوا
الناس بأشخاصهم وأعيانهم؛ ولكن عليهم أن يجعلوا ولاءهم للجماعة الأم: جماعة
الصحابة.
وكذلك فإن الواجب على الجميع ألا يتلمّس كل منهم عثرات الآخرين من أجل
التشهير به وتنفير من عنده؛ فالمؤمن يلتمس المعاذير والمنافق يتلمّس العثرات.
ولذا؛ فالواجب على الدعاة تعميق معاني الأدب مع العلماء، ومعرفة حرمتهم. وأنصح إخواننا الدعاة وكذلك المنتسبين إلى الدعوة بقراءة كتاب فضيلة الشيخ
محمد بن أحمد بن إسماعيل: (الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام) ؛ حتى يعرفوا
كيف كان العلماء يتعامل بعضهم مع بعض؟ وما الواجب علينا تجاه أهل العلم؟
ولو حدثت من العالم هفوة فليس معنى ذلك أن يستباح عرضه، وأن يُضرب بعلمه
عُرض الحائط؛ نعم كل كلام عارضَ الكتاب والسنة يُضرب به عرض الحائط؛
أما العالم فقد يكون معذوراً عند الله لأنه ما قصد الخطأ، وهو مأجور على
كل حال. أسأل الله أن يوفق الجميع إلى طاعته.
٤- كيف تقوّم أداء الحركة السلفية في مصر مُقارَنَةً بالحركات السلفية في
البلاد الأخرى من حيث التأثير؟
لا شك أن الإخوة القائمين على المجلة أعلم بمدى تأثير الحركات السلفية في
سائر البلاد؛ ولكن بحسب علمي لا يزال تأثير الدعوة السلفية في مصر محدوداً؛
فالوسائل التي تمتلكها الدعوة لا تصل إلى أكثر الأماكن؛ فالدعوة تؤثر على
المجتمع من خلال خطب الجمعة في المساجد التابعة للدعوة، وكذا الندوات العامة،
والدروس الثابتة في مساجد الدعوة، وكذا من خلال الكتب والرسائل للمنتسبين إلى
الدعوة، ولا شك فإن نسبة المخاطَبين بكل هذه الوسائل قليلة بالنسبة إلى عموم
الناس. وعلى كل حال قد تكون السلفية في البلاد الأخرى أكثر تأثيراً، وفي بعضها
أقل تأثيراً، والله الموفق الجميع لما يحب ويرضى.
٥- هل لدى الحركة السلفية في مصر مشروعات أو تصورات للعمل الدعوي
لعامة الأمة؟
هذا السؤال لا شك مكمل للسؤال السابق؛ لأن تأثير الدعوة السلفية في مصر
يخص قطاعاً صغيراً أو فئة محدودة من فئات المجتمع، فإن لم تكن هناك
مشروعات للعمل الدعوي لسائر الأمة فلا أقل من وجود تصورات معينة قد يوفق
الله إلى تنفيذها.
أما كيف تصل الدعوة إلى قطاعات عريضة من الأمة؛ ففي تصوري أن هذا
يحتاج إلى جهود متضافرة، وتعاون من الجميع، ومساعدة من أجل الوصول إلى
أمثل الطرق. فمن الوسائل التي يمكن أن تصل بها الدعوة إلى قطاعات أكثر من
الأمة الدعوة بالأشرطة للدعاة المشهورين والمعروفين بالاتجاه الصحيح؛ وذلك
بتوزيعها على سائقي التاكسي مثلاً، وكذا سيارات الأجرة بين المحافظات بشرط
استعمالها، وكذلك الرسائل التي تنشر عقيدة السلف وفكر السلف ﵃
توزع في المناسبات، وكذلك بعمل المسابقات التي تركز على العقيدة والمفاهيم
السلفية وتعريف عوام الناس معنى الانتساب إلى السلف أو أهل السنة والجماعة،
والاهتمام بالمحاضرات العامة التي يشترك فيها أكثر من محاضر، وحبذا لو كانوا
ممن يعملون تحت رايات وأسماء مختلفة، ما دام الفكر الذي ينتسبون إليه فكراً
صحيحاً؛ فهذا مما يجعل انتماء الناس للمنهج والعقيدة، وتذوب بذلك العصبيات
والثلوج التي تُجمّد كل داعية، وكل شخص ملتزم براية معينة يعمل تحتها
ويتعصب لها؛ فلا تكون الدعوة إلى الله ومنهجه؛ ولكن للانتماءات والمسميات
والأفراد. وكذا تكون الندوات في قضايا تعيشها الأمة، وتهم عموم الناس. وإن
أمكن عمل دورات مكثفة لتوحيد الفكر في القضايا التي تهم الدعوة مثل: قضية
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، والغلو؛ حيث يلتقي فيها الدعاة
أصحاب المنهج الصحيح وقد اتحد الفكر وتلاينت القلوب، وجُمعت الهمم،
وتضافرت الجهود؛ فإن اتباع السلف يجمع الأمة، واتباع الهوى والرأي يفرقها؛
ولذا يقولون: (أهل السنة والجماعة) ، و (أهل البدع والافتراق) فاتباع السنة يكون
سبباً للاجتماع، واتباع البدع سبباً للافتراق. وطالما اجتمعت الأمة على الحق ولا
يمكن أن تجتمع على خلافه جاء نصر الله والفتح. والله الموفق للطاعات والهادي
لأعلى الدرجات.
٦- ما هي أعظم صور البلاء التي نزلت بالأمة في وقتها الراهن؟ وما هي
الأسباب؟ وما العلاج؟
لا شك أن أصل البلاء الذي نزل بالأمة هو إعراض الأفراد والحكومات عن
الشرع المتين والتحاكم إلى القوانين الأرضية والأنظمة البشرية، والذي نشأ عنه
ألوان أخرى من البلاء، من أعظمها في نظري: محاولة الحكومات العلمانية مقاومة
تيار الصحوة الإسلامية بتيارات من الإباحية والفجور والتبرج والسفور؛ كي
ينجرف أكثر الشباب المسلم في هذه التيارات؛ فلا ينفعهم نصح ولا تذكير. ويقترن
هذا البلاء ببلاءٍ آخر هو سيل البث الفضائي الموجه عبر الأقمار الصناعية إلينا،
والتي تبث الإلحاد والإباحية والتخلي عن الأديان والأخلاق والقيم. ومما يفتت
الفؤاد أسىً تسابق المسلمين إلى اقتناء الوسائل التي يستقبلون من خلالها مثل هذا
الغزو. وبلاءٌ تابعٌ لذلك هو انفتاح الأمم بعضها على بعض فيما يُعرف بالعولمة؛
مما يفتح أنفاقاً من التبعية أكثر.
أما الأسباب فأعظمها:
جهل المسلمين بربهم ودينهم وواجبهم.
مكر الليل والنهار.
دور الإعلام الماجن الذي يفعل فعل السحر في النفوس.
الهزيمة النفسية والفكرية أمام الغرب، وعدم استغلال الأمة لطاقاتها.
أما العلاج: فبالتحذير من الفتن، والسعي لحفظ طاقات الأمة ومقدراتها من
التبديد وتوجيهها نحو الأصلح والأنفع، وبإعادة الناس إلى ربهم ودينهم وتذكيرهم
بواجبهم في هذه الحياة وما يستقبلهم من أخطار في طريقهم الذي يسيرون عليه إن لم
يعودوا إلى ربهم.
٧- ما الملامح التي ينبغي أن تميز العمل الدعوي الملتزم بالمنهج السلفي لكي
يوجه للأمة؟
أما الملامح فهي:
-إخلاص العمل الدعوي لله وحده.
-اتباع الحق في العقيدة والفكر؛ أي: الفهم الصحيح لمنهج السلف رضي
الله عنهم.
-الشمولية؛ فلا تهتم الدعوة بقضايا على حساب قضايا أخرى؛ بل ينبغي أن
تهتم بكل أصول الإسلام بتوازن واعتدال، والتمييز بين الأهم والمهم، ولا تقدم
قضية مثلاً على قضية التوحيد؛ لأن الرسل الكرام كان اهتمامهم الأول بالتوحيد؛
فكل دعوة لا تهتم بالتوحيد ولا تجعله منهجها هي دعوة على غير هدي المرسلين.
-الدعوة ينبغي أن يكون لها واجب تبليغي، وواجب تربوي؛ فالتبليغ لعموم
الناس من خلال خطب الجمعة والندوات العامة. ومن وُجد فيه الإخلاص للدعوة،
والاستعداد للبذل في سبيل نشرها يُهتم بتربيته وترقيته بمزيد من العلم والتوجيه
والإعداد.
-الدعوة ينبغي أن تعيش عصرها؛ بأن تعلم الأخطار المحيطة بها،
والأعداء الذين يتربصون بها.
-وجود قطاعات دعوية في المجالات والتخصصات المختلفة فلا تكفي
العاطفة الصادقة والعقيدة الصحيحة.
-اهتمام الدعوة بأحوال الأفراد الإيمانية وربط أبنائها بالقرآن والقيام والصيام
والأذكار الموظّفة وغير الموظفة.
-اهتمام الدعوة بالهدي الظاهر؛ فصلاح الباطن لا يغني عن صلاح الظاهر، وقد قال عمر ﵁: من أظهر لنا خيراً ظننا به خيراً وأحببناه عليه،
ومن أظهر لنا شراً ظننا به شراً وأبغضناه عليه.
-ومن ذلك: التزام الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة.
- ومنه أيضاً: التسلح بالعلم النافع حتى تكون الدعوة على بصيرة.
٨- معلوم أن المنهج الأقوم الذي ينبغي أن تتبناه جميع فصائل العمل
الإسلامي هو منهج أهل السنة والجماعة، ومع تسليم أكثر التجمعات الإسلامية بهذا؛ إلا أننا لا نرى لتلك الوحدة المنهجية أثراً ملموساً في الوحدة القلبية؛ فبِمَ تعلل ذلك؟
هذا الأمر يعتبر خللاً تربوياً في الجماعات التي تنتسب إلى منهج أهل السنة
وتعتقد اعتقادهم؛ لأن الاجتماع مطلبٌ شرعي ولا سبيل للنصر والتمكين بدونه.
فكان على القائمين على هذه الدعوات أن يربطوا الناس بأصول أهل السنة
والجماعة وبإمامها رسول الله ﷺ ، وأن يكون الولاء لأصحاب
النبي ﷺ ومَنْ على شاكلتهم، ويحبون من كان على مثل هذا
المعتقد، كما قال تعالى: [فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ... ]
[البقرة: ١٣٧] .
والله تعالى قد جعل عقيدة الصحابة المقياس للعقيدة الصحيحة؛ فكان ينبغي
على القائمين على أمر هذه الدعوات أن يعمقوا مثل هذه المعاني في نفوس الأفراد
حتى لا تكون الدعوة إلى اللافتة، وتكون لله تعالى ويكون التعصب للحق وحده.
٩- نعود للصحوة وبعض قضايا الدعوة؛ فبعض الدعاة يشغل مدعويه الجدد
بقضايا خلافية بين اتجاهات الصحوة، ويجعلونها من أولويات الدعوة ... فكيف
ترى الأولويات؟
ينبغي أن نحدد المسائل المختلف فيها؛ فإن كانت من المسائل التي يسع فيها
الخلاف والتي اختلف فيها العلماء فيسعنا ما وسعهم فيها. وإذا كنا في ذيل الزمان
طلاب علم ما نستطيع أن نحسم الخلاف في مثل هذه المسائل؛ فلا أقل من ألاّ
تكون سبباً لتفريق الأمة فضلاً عن تفريق أصحاب المنهج الواحد.
ورغم أن علماء الأمة قد اختلفوا في مثل هذه المسائل إلا أنهم حرصوا على
الائتلاف والموالاة والمحبة فيما بينهم، هذا من جهةٍ منهجية. أما من الناحية
التربوية: فإن المدعو عندما يُشغل بمثل هذه المسائل فإنه يُشغل بها عن قضايا هي
أوْلى في حقه الانشغال بها، وقد يُحرم بذلك من معانٍ إيمانية؛ كمحبته لأهل الإيمان، كما يُحرم من الإلمام بقضايا قد تكون أخطر من هذه القضية التي جُعل ولاؤه
وبراؤه عليها.
١٠- باعتبارك من المتخصصين في الدعوة الإيمانية والرقائق القلبية؛ هل
ترى أنه قد بُذل قدرٌ كافٍ من الجهد الدعوي في هذا المجال يفي بالحاجة إلى إنشاء
جيلٍ مربىً تربية إيمانية؟
الاهتمام بما تزكو به النفس ويرق به القلب من أوْلى ما تنفق فيه نفائس
الأنفاس، والقلوب لا تصل إلى مُناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى
مولاها حتى تكون صحيحة سليمة؛ فالنفس الزكية تسعد في الدنيا والآخرة
وتستجيب لربها ، ولا ينجو في الآخرة إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
والعمل الإسلامي في أكثر البلاد يعاني من خللٍ تربوي نتيجة قلة اهتمام
القائمين على العمل في أكثر المواطن بالنواحي التربوية، وربط أبناء الدعوة
بالقرآن والعبادة ودوام التذكير بالآخرة، خاصة مع كثرة الشواغل ومغريات الفتن
التي تموج موج البحر. فالتركيز على الرقائق والتربية العملية على الطاعة
والاستقامة من أنفع الأمور للدعاة والأفراد، ولا يكفي الملتزم وضوح الفكر وصحة
المعتقد حتى يضم إلى ذلك الاهتمام بالعبادات وتهذيب النفس والارتباط بالقرآن؛
حتى يستطيع مقاومة الفتن؛ لأن الرقائق هي التي تقوي في النفس بذرة الاستجابة
لله وللرسول ﷺ ، وتجعلها قريبة من الله تعالى،
وتعودها على المعاني الإيمانية من الحب والتوكل والخشية والإنابة وأمثالها.
وقد جاء في صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:
افترض الله على نبيه قيام الليل، فقام النبي ﷺ وقام الصحابة
حولاً كاملاً تعني سورة المزمل فاحتجز الله خاتمة السورة اثني عشر شهراً، ثم نزل
بعد ذلك التخفيف في آخر السورة.
وإن القرآن الذي تكاد ألاّ تخلو صفحة من صفحاته من ذكر الآخرة وأخبارها
ليذكرنا أن التكرار قد جاء لفائدةٍ زائدة عن مجرد الإخبار الذي يحصل به الإيمان،
هذا التكرار جاء ليغرس حقائق الإيمان في القلب؛ ليبني عليها الإنسان أقواله
وأعماله، وبهذا تسهل عليه الطاعة والاستقامة وتتحقق له الخشية.
ولبعد كثير من الملتزمين عن هذه المراتب فإني أرى أن الأمر يحتاج لجهدٍ
تربوي أكبر، وترسيخٍ لهذه الحقائق أعمق. نسأل الله أن يتولانا وإخواننا المسلمين
بطاعته، ويسبغ علينا وعليهم سوابغ نعمته.
١١- تؤثر الموجة المادية العاتية التي تجتاح العالم كله بما فيه العالم الإسلامي
تأثيراً بالغاً في شتى المناحي والقطاعات. ومن هذه القطاعات: قطاع الدعاة، هذا
التأثير إن لم يكن فيهم ففي مجال دعوتهم؛ فكيف ترى مواجهة هذه الموجة؟
وظيفة الدعاة كما سبق أن قلت هي تعبيد الناس لله وإخراجهم من عبادة الآلهة
الباطلة وجعلهم عباداً لله ، وهذه هي الوظيفة الرئيسة للدعاة، كما قال
ربعي بن عامر ﵁: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى
عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. ولهم
مع ذلك وظائف أخرى منها علاج أمراض الأمة.
ولا شك أن الموجة المادية العاتية التي تجتاح العالم قد أثرت في قطاعات
كبيرة من الأمة. والدعاة إلى الله والملتزمون بالشرع المتين من هذه
القطاعات التي تأثرت بهذه الموجة العاتية على اختلاف درجات التأثر؛ فضعف
عند الكثير منهم المعاني الإيمانية الراقية كمعاني بر الوالدين وصلة الأرحام والحب
في الله، ومعاني الاحتساب وطلب الأجر والثواب من الله تعالى، وصارت
الحسابات عند البعض مادية بحتة! فالواجب على الدعاة إلى الله تعالى إحياء
المعاني الإيمانية، ودوام التذكير بفضائل الأعمال وقيمتها في الدنيا، والآخرة،
وتذكير الناس بأمور الآخرة وتحبيبها إليهم؛ لأنها هي التي تهوّن على الإنسان
مصائب الدنيا، وتهوّن في نظره حسابات الدنيا. ولا شك في ذلك؛ فإن حب الأمر
الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير.
١٢- يقلل بعض المشتغلين بالسياسة والحركة من شأن الرقائق والآداب،
ويعتبرونها (دروشة) ! تهدر الطاقات وتدغدغ المشاعر في وقتٍ تحتاج فيه الأمة
إلى مزيد من الطاقات لمواجهة الأخطار المحيطة.. فما مدى صحة ذلك؟ !
التقليل من أهمية الرقائق والآداب خروج عن الوسطية والاتزان؛ فاهتمام
بعض الدعاة بقضايا الفكر أو المنهج أو بعض القضايا الفرعية، وإهمال قضايا
أخرى مثلها أو أهم منها لا يثمر الثمرات المرجوة، ولا تكون الصبغة التي يُصبغ
بها الأفراد هي التي يحبها الله ورسوله. وأصحاب المنهج القويم يهدفون إلى تربية
الأفراد على شاكلة السلف ﵃، وقد قال الإمام مالك إمام دار الهجرة
﵀: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أمر أولها) . وقد صلح أمر
أولها بالعقيدة الصحيحة والفهم السليم للكتاب والسنة، وصلح أمر أولها بقيام الليل
وصيام النهار، وصلح أمر أولها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلح أمر
أولها بالجهاد والبذل والتضحية. فلا ينبغي التقليل من شأن أيّ من هذه الأمور.
والرقائق والآداب لها دور مميز مقصود منها وهو ترقيق القلوب لسرعة تأثرها
بالقرآن والسنة، وتحرير إرادة الإنسان بعد إطلاقها من أسر الشهوات ليستجيب
لأمر الله وأمر رسوله ﷺ .
١٣- هناك ظاهرة مثيرة للقلق؛ وهي تدني مستوى الالتزام في الأجيال
الناشئة، وهم أبناء الملتزمين. فبماذا تعلل ذلك؟ وهل من نصيحة للآباء لعلاج
تلك الظاهرة؟
لا شك أن مثل هذه الظاهرة مثيرٌ للقلق، ويحتاج إلى عناية خاصة وعلاج
قويّ، ولا نستطيع أن نُخلي الآباء من المسؤولية مطلقاً، كما لا نستطيع أن نحملهم
إياها كاملةً.
والناس كما قال الأوزاعي: الناس أشبه بزمانهم منهم بآبائهم وأمهاتهم. وهنا
يبرز دور الإعلام وما يصنعه من سلوكيات وعادات وتقاليد، وحضٍ على الانسلاخ
من الشرع، كما يبرز دور برامج التعليم وما تقدمه من تقليل لشأن الالتزام.
ولا يقل عن ذلك تشاغل الآباء بالكسب والكدّ أحياناً، وبالدعوة أحياناً أخرى،
وعدم إعطائهم قدراً من جهودهم لأبنائهم، وكذلك قلة الأجواء الإيمانية، والافتقار
إلى الشخصيات التربوية الناجحة التي تربي النشء على الأدب وحسن السمت
والورع والالتزام بأحكام الإسلام، وكذا قلة المدارس التي يتربى فيها الأطفال تربية
إسلامية. فنصيحتنا للآباء والدعاة والمربين: الاهتمام بالنشء، وتوفير الأماكن
التي يتعلمون فيها العقائد والآداب والأخلاق الإسلامية، بجانب الترفيه بالوسائل
المباحة البعيدة عن أجواء الاختلاط المريب، وكذا اهتمام الآباء باصطحاب أبنائهم
معهم في دروس العلم حتى يتنفسوا هواء الإيمان، وكذا الاهتمام بربطهم بالمساجد
ودور التحفيظ، وشغلهم بالطاعات والعبادات، وارتباط الأبناء بمجموعات إيمانية
تعينهم على الخير وتؤنس غربتهم.
١٤- السيرة النبوية هي أعظم معين ننهل منه أسس التربية الإيمانية، وقد
بذلتَ جهداً ملموساً في هذا من خلال كتابك (وقفات تربوية مع السيرة النبوية) ..
فهل لك من توجيهات أو اقتراحات بشأن الطرق التي يمكن من خلالها ربط النشء
بهذه السيرة الجليلة وتربيتهم عليها؟
دراسة السيرة النبوية متعةٌ روحية، وكذلك هي من أنجع وسائل التربية
لاكتساب الصفات النبيلة والأخلاق الفاضلة؛ لأن الدارس للسيرة النبوية يصحب في
دراستها رسوله الكريم ﷺ وأشرف جيل شهدته البشرية
يصحبهم في السراء والضراء وحين البأس؛ يأنس بهم، ويفرح بانتصاراتهم،
ويفخر بشجاعتهم وإقدامهم، ويتعلم منهم كيف يكون الصبر على دين الله
والثبات عليه، وكيف يكون البذل، وكيف تكون الأخوة، يتعلم القائد منهم كيف
تكون القيادة، والجندي كيف تكون الجندية، والمربي كيف تكون التربية.
فينبغي الاهتمام بتبسيط السيرة وتدريسها للنشء بطريقةٍ جذابة، وإبراز ما
فيها من معانٍ شريفة وأخلاقٍ عظيمة، وعقد المسابقات، وتكريم من يحفظ أحداثها، ويستنبط من مواقفها العظة والعبرة؛ حتى يرتبط هذا الجيل الناشئ بالجيل الأول
الفاضل، وحتى يتخذ الأولادُ من أفاضل الصحابة القدوة الحسنة؛ فيعرفوا مناقبهم
ومواقفهم، وحتى تتخذ البنات من أمهات المؤمنين وفضليات الصحابيات أسوة،
بدلاً من أن يحفظ الأطفال أسماء الفنانين والفنانات والفاسقين والفاسقات. وهذا
العمل يحتاج إلى جهدٍ جهيد ودراسة من أساتذة متخصصين، والله الموفق للطاعات
والهادي إلى أعلى الدرجات.
١٥- هل من نصائح توجهها إلى المشتغلين بالدعوة عامة، وبالوعظ والرقائق
خاصة؟
الدعوة إلى الله هي أشرف وظيفة؛ لأنها وظيفة الأنبياء والمرسلين
الذين اختصهم الله بهذا الفضل المبين، قال تعالى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي
أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي] [يوسف: ١٠٨] ، وقال -صلى الله
عليه وسلم-: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النّعَم)
كما روى ذلك البخاري ومسلم، وفيهم يقول سفيان بن عيينة: أشرف الناس منزلةً
من كان بين الله وبين عباده. وهم الأنبياء والعلماء.
فنصيحتى للمشتغلين بالدعوة أن يستشعروا فضل الله عليهم
باستعمالهم في الدعوة إلى دينه وفتح قلوب العباد لرسالته، ومهما بذل أحدهم في
الدعوة فلا ينبغي له أن يظن أن له فضلاً على الدعوة؛ بل الدعوة لها الفضل عليه
في طلب العلم وتحصيل الثواب ومحبة العباد. قال رجلٌ لعمر ابن عبد العزيز:
جزاك الله عن الإسلام خيراً، فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيراً.
فينبغي على الدعاة أن يبذلوا جهدهم ولا يبخلوا بأوقاتهم وأنفاسهم عن الدعوة،
وأن يجهروا بالحق غير هائبين ولا وجلين؛ فإن جهاد الكلمة هو الجهاد الذي تُرفع
رايته الآن، وهو أفضل الجهاد كما قال النبي ﷺ : (أفضل
الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) .
وعلى الدعاة أيضاً التسلح بالعلم حتى تكون دعوتهم على بصيرة، وحتى لا
يبثوا الأباطيل والكذب على رسول الله ﷺ وهم لا يدرون.
وكذلك عليهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وعدم تعميق الخلافات مع من يخالفهم في
الرأي خاصة إذا كان الخلاف سائغاً أو مما يسع فيه الخلاف أهل السنة.
أما نصيحتى لمن يعلّمون الناس الرقائق فهي: الاهتمام بالأحاديث والآثار
التي ترُوى في هذا الباب؛ لأن أكثر كتب الرقائق مليئة بالأحاديث الضعيفة
والمكذوبة والحكايات الملفقة؛ فينبغي أن يُؤخذ الصحيح من ذلك دون غيره.
وكما أن الله تعالى لم يجعل شفاء هذه الأمة في أبدانها فيما حرم عليها، فكذلك
فإن شفاء القلوب لا يكون إلا بالصحيح من الأحاديث والآثار؛ لأننا نرى كثيراً من
الناس يستغنون بالأبيات عن الآيات، ولو قرأت على أحدهم القرآن من أوله إلى
آخره لم يتحرك قلبه كما يتحرك للبيت من الشعر أو الحكاية المكذوبة.
فعلى الإنسان أن يلتمس صلاح قلبه وسلامته في القرآن والسنة الصحيحة
وهي بحمد الله متوافرةٌ كثيرة إلى جانب تراجم العلماء وأخبار الصالحين.
كما ينبغي على هؤلاء الواعظين إصلاح أنفسهم ليكون كلامهم أوقع وأنفع،
كما قال بعضهم: من أحسن سريرته أحسن الله علانيته، ومن أحسن ما بينه وبين
الله أحسن الله ما بينه وبين الناس، ومن شغله أمر دينه كفاه الله أمر دنياه.
стр. 3041
وقفات
براءة اختراع
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
من مجاهل الأزقة المهجورة (العدامة) ثم (الشميسي) إلى أعشاش (شقة
الحرية) .. توثيق وتأريخ لأنشطة رجالات الأحزاب القومية والبعثية والثورية،
فيها جرأة فكرية واضحة ممزوجة بجرأة غير أخلاقية مقززة ومفتعلة وكأنها تقول:
كانت تلك هي البذور الأولى للرفاق المناضلين، وها هي ذي ثمراتها.
تمثل هذه الروايات حالة التمرد والغليان الفكري من الخمسينات إلى السبعينات
الميلادية التي كانت تضطرب بها الأمة العربية، ولكنها خرجت في شكل تمرد على
القيم والأخلاق والثوابت الفكرية والجذور التاريخية، ثم انتهت إلى حالة التشتت
وضياع الهوية الفكرية التي كانت تسيطر على الشباب العربي في تلك الفترة. وكان
من إفرازات ذلك: الالتفاف حول الشعارات الثورية، والجري اللاهث وراءها ظناً
منهم أن فيها الخلاص والمخرج من المأزق الذي تعيشه البلاد العربية. كانت
الشعوب العربية تردد بكل غفلة: (من الخليج الثائر.. إلى المحيط الهادر.. لبيك
عبد الناصر) ! وكانت الأكف لا تفتر عن التصفيق، والتسبيح بحمد القيادات
الثورية.
ظلّت تلك الشعوب تسْبح في خيالات من الوهم الزائف، وكأنها قد ملكت زمام
الأمور، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من النصر! وإذا بها تستفيق من غفلتها بعد
أن دُكّ الطيران المصري وهو على أرضه.. وظهرت الفضيحة المدوية، التي لم
تغطّ عليها إلا بيانات (صوت العرب) التي تبشر بالنصر المؤزر، وإخفاق الخطط
الإمبريالية؛ فالقائد (البطل) ما زال حيّاً..!
تربى شباب (الحرية) و (العدامة) على مبادئ الرفاق: ماركس، ولينين،
وجيفارا، ورددوا شعارات ميشيل عفلق، وياسين الحافظ، وتقلبوا في أحضان
القومية والماركسية والبعث الاشتراكي. وبغضّ النظر عن الرمزية في تلك
القصص ومدى الصدق في أحداثها وأسمائها، إلا أن فيها دلالة واضحة على الخلفية
الفكرية لتلك الرموز الفكرية.
ودعونا نسأل هنا سؤالاً عابراً [١] ! : ها نحن نصل إلى نهاية التسعينات
الميلادية، وبعد أن خبا صوت تلك الشعارات الثورية الزائفة؛ فما الذي جناه
العرب من تلك الشعارات والأحزاب (النضالية) ؟ ! وما الذي استطاع أن ينجزه
هؤلاء الرفاق بعد مسيرة طويلة من التمرد والسخرية من (مخلفات) الماضي وتقاليده
(البالية) ؟ !
إنها حالة من التيه والتطلع إلى السراب في صحراء لاهبة محرقة لا خضرة
فيها ولا ماء.. حالة من التخبط والتردي جرّت الأمة من مأزق إلى مأزقٍ، وكانت
النهاية في (سلام الشجعان!) ، ثم نرى الرؤوس ثانية تستدير من الشرق الأحمر
حيث يسقط المنجل والمطرقة، إلى الغرب الأبيض حيث يرتفع تمثال الحرية..! !
إن تزييف الحقائق، وتغيير اللبوس، وإجادة فنون التقلب والتشكل، لن يغير
من الحقائق شيئاً على الإطلاق، فهل يعي هؤلاء مقدار الدمار والخزي الذي جَنْوه
على هذه الأمة؟ .. أم أن مقتضيات المرحلة تستدعي اكتشاف شعار جديد لينال
أصحابه براءة اختراع نضالية..؟ ! !
стр. 3042
نص شعري
مِنْ وحْيِ الهِجْرة
أحمد حسبو
ها قد أهلّ على الوجودِ (مُحَرّمُ) ... فالكونُ يزهو والحياةُ تَبسّمُ
ترنو إلى ركبِ النبي وقد مضى ... تَبْكيه مكةُ والمَقَامُ وزمزمُ
عوّدتُ نفسي الاحتفالَ بهجرةِ الْ ... هادي الْبشيرِ، وعطرَها أتنسّمُ
لكنْ على الوجهِ الذي أبصرتُهُ ... عن حبِ خير المرسلين يُترجِمُ
فاخترتُ من شعرِ المديحِ قصيدةً ... أنشدتُها ووجدتُني أترنّمُ
وحَسِبتُ أني قد بلغْتُ ذرا التقى ... بل ليس مثلي في المحبة مسلمُ! !
وإذا بأعماقي دويّ صارخٌ ... يا غافلاً حتّى متى تتَوهّمُ! !
حتى متى والقولُ قد زخرفْتَهُ ... والفعلُ يفضحُ ما تقولُ وتزعُمُ
لمّا عَجزْتَ عن اتباعِ (محمدٍ) ... أَقنعْتَ نفسَكَ بالكلامِ، ودُمْتمو!
ماذا اقترفتُ لكي تراني واهماً ... أَلأَنّنِي بهوى النّبيِ مُتيّمُ؟ !
إني أرى حبّ النبي عبادةً ... ينجو بها يومَ الحسابِ المسلمُ
فأجابني: حبّ النبِي عبادةٌ ... فرضٌ على كل العبادِ محتّمُ
لكنْ إذا سَلَكَ المحبّ سبيلَهُ ... متأسّياً وَلِهدْيِهِ يَتَرَسّمُ
هل ضيّعَ الإسلامَ إلا قائلٌ ... أفعالُهُ تنفي المقالَ، وَتْهدِمُ؟
فالقدسُ ضاعت من كلامٍ دونما ... فعلٍ يؤيد قولَهم، ويُتَرْجِمُ
والطفلُ ملّ من الكلامِ؛ وليتهم ... يَدَعُونه يرمي اليهودَ، ويَرْجُمُ
والعدلُ ملّ من الكلامِ؛ وقد رأى ... مَنْ يَدّعي عدلاً يجورُ، ويَظْلِمُ
والطهرُ ملّ من الكلامِ؛ وطالما ... زعمَ الطهارةَ داعرٌ لا يَرحمُ
حتى البطولةُ أَعْلنتْ إضرابَها ... لما ادّعاها من يَخافُ، ويُحْجمُ
فَصَرخْتُ: كُفّ القولَ؛ قد أَخْجَلْتَنِي ... وكلامُك الحقّ الذي لا يُكْتَمُ
تعني بهذا أن يجيء (محرمٌ) ... ويروحَ عنّا دونما يُستَلْهَمُ؟
فأجابني: كلاّ فهجرةُ (أحمدٍ) ... فيها الدروسُ لمن يُفيد، ويَفْهمُ
درسُ التوكلِ خالدٌ عنوانُهُ ... (الله ربي) يستجيبُ، ويعصِمُ
والأخذ بالأسبابِ درس مشرقٌ ... والعبقريّة باسم ربك ترسُمُ
فَهُنَا (عليّ) في الفراشِ مُدثرٌ ... يُلْهي عيونَ المشركين، ويوهِمُ
وهناك (أسماءُ) الأريبةُ أصْبَحَتْ ... مَثَلاً لكُلّ المسلماتِ يُقَدّمُ
وشقيقُها الشّهمُ الأبيّ، ودورُهُ: ... يأتي النبيّ بما يُحَاك ويُبْرَمُ
ويجيءُ (عامرُ) بالشياهِ يسوقُها ... نشوانةً، تمحو الخطا، وتُعتّمُ
حتى الدليلُ [١] على الطريق أتى بهِ ... ما قال أمشي، ثم ربي يُلْهمُ
تَمْتمتُ: قد تعِبَ الرسولُ مهاجراً ... بأبي وأمي كم له أتألُم!
فأجابني: قد كان ربّكَ قادراً: ... أن يستجيبَ المشركون، ويُسْلموا!
ما كان يُعْجِزُهُ انتقالُ رسولِهِ ... فوق الْبُراقِ؛ وأهلُ مكةَ نُوّمُ! !
لكنهُ الإسلامُ ليسَ بنزهةٍ ... دربٌ يُراقُ على جوانبهِ الدّمُ
ردّدتُ وَا أسفى على عمْرٍ مضى ... في غفْلةٍ؛ والآن كم أتندّمُ!
يا مسلمون: لهجرةِ الهادي ارجعوا ... واستوعبوا لدروسِها، وتعلّموا
стр. 3043
المسلمون والعالم
(تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى)
الأحزاب الصهيونية في الانتخابات
رؤية صهيونية
باسل يوسف النيرب
حالة التذمر التي مر بها حزب الليكود بعد سلسلة من الأزمات التي أصابته
منذ تولي بنيامين نتنياهو الحكم وحتى تحديد موعد الانتخابات المبكرة الحالية جاءت
بسبب تصرفات نتنياهو التي أجملتها (نوريث بيلد أبلكنهان) بأنه يميل إلى رؤية
الحياة لعبة، ويتصف بشكوكية غريبة تجاه أقرانه؛ فليس هناك من هو أهل للثقة
لديه، وتضيف: كنت أعتقد بحكم ذكائه أنه مؤهل ليكون أشبه بزعيم مافيا أو زعيم
عصابة؛ فهو يعتقد أن العالم غابة.
بدأت الخلافات داخل الليكود عندما انسحب (دان مريدور) وأكد أنه نوى
الانسحاب قبل عام ونصف عندما كان وزيراً للمال، ويعترف مريدور أنه لم يجد
من يسانده في منافسة نتنياهو، مؤكداً أنه لا توجد احتمالات لاستبداله، ويحمله
مسؤولية التدهور الاقتصادي الذي تعيشه (إسرائيل) ؛ فقد ارتفع معدل البطالة في
عهده ووصل إلى ٨. ٧%، وحقق النمو الاقتصادي أدنى معدل له منذ عشر
سنوات وبلغ نسبة ١. ٩%، وقفز التضخم لنسبة ٩%، وتشير الإحصاءات
الإسرائيلية إلى أن ٧٠٠ ألف إسرائيلي يعيشون تحت خط الفقر، مما يؤكد أن
(إسرائيل) تشهد أزمة خطيرة، وأن لا أحد يصدق أقوال نتنياهو لا من أعضاء
الكنيست ولا من أعضاء الليكود ولا من خصومه أو أصدقائه.
تناولت الأخبار نية (أرييل شارون) صاحب المواقف الأكثر حدة في حزب
الليكود ترشيح نفسه لمنافسة نتنياهو على رئاسة الليكود للانتخابات القادمة، وأعلن
عن احتمال ترشيح نفسه للانتخابات القادمة في ظروف خاصة، ولكن العلاقة بين
نتنياهو وشارون تُعدّ بمثابة الورقة الرابحة لنتنياهو؛ فهو بحاجة لحشد المتطرفين
والمستوطنين والقوميين الدينيين، وفي الوقت نفسه يتهم شارون نتنياهو بأنه دمّر
الحزب وأن إصلاحه بات صعباً جداً، ومع هذا؛ عادت الوحدة من جديد إلى
الطرفين لمصالحهما المشتركة، وطالب شارون من تكتل الليكود الالتفاف حول
نتنياهو الوحيد القادر على الفوز في الانتخابات القادمة.
(إيهودا ألمرت) صاحب الحيل الملتوية والمعروف بانتهازيته، أعلن عن
نيته: الترشيح لمنافسة نتنياهو على زعامة الليكود؛ ولكنه تراجع؛ لأن ظروف
الترشيح لم تتضح بعد، وكان (عوزي لاندو) رئيس لجنة الخارجية والأمن أعلن
عن منافسة نتنياهو، وطالب من أعضاء الليكود التغيير والعودة إلى الجذور الداخلية
لحركة حيروت اليمينية والدفاع عن (الشعب الإسرائيلي) على أرض إسرائيل،
واتهم نتنياهو بأنه يعمل على تغيير موقفه وفقاً لمقتضيات الساعة.
وقد أكد (موشي أرينز) المرشد السياسي السابق لنتنياهو في أوائل الثمانينات،
والذي قدمه إلى الساحة السياسية وعمل وزيراً للخارجية من ١٩٨٨ ١٩٩٢م،
ووزيراً للدفاع مرتين ١٩٨٣ ١٩٨٤، ١٩٩٠ ١٩٩٢م، أكد أن نتنياهو مسؤول
عن انشقاق كبار الحزب، وأنه تم ترشيحه لمنافسة نتنياهو بناء على طلب من كبار
قادة الحزب.
ومما يعرف عن أرينز أنه ضد الاتفاقية المصرية الإسرائيلية، ومن معارضي
الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، وخلال توقيع اتفاقية أوسلو أعلن أن السلام مع
الفلسطينيين لا رجعة عنه، وأن قيام دولة فلسطينية أمر حتمي.
أما (إسحاق مردخاي) فمنذ ما بعد اتفاق الخليل إلى استقالته الفعلية فُرض على
الليكود، وخاض الكثير من المناورات، وهدد مراراً بالانسحاب من الحكومة
والحزب، ولكن نتنياهو حافظ عليه وجذبه إلى وسطه لضمان بقائه مع مؤيديه
داخل التكتل.
ومنذ أن بدأ ماراثون الانتخابات الإسرائيلية، وكافة القوى والأحزاب تنتظر
موقف مردخاي لكونه سيبدل موازين القوى للأحزاب، فوعده إيهود باراك
بالمنصب الثالث في الحزب بعد شمعون بيريز. وقادة حزب الوسط وعدوه
بالمنصب الأول، ونال هذه المرتبة.
جاءت بداية النهاية لمردخاي بحزب الليكود عندما أعلن مع نهاية ١٩٩٨م،
أنه يفكر بمستقبله في الليكود. وقال: أنا اليوم في الليكود، وإذا توصلت إلى نتيجة
مختلفة فسأعلن ذلك. وكان مردخاي قد انتقد أسلوب تطبيق اتفاقيات السلام مع
الفلسطينيين. ومما زاد من وضعه تعقيداً ترحيبُه بمحاولات الانشقاق عن الليكود
وترحيبه بمنافسة أمنون شاحاك على الانتخابات العامة، كما توالت اللقاءات بين
نتنياهو ومردخاي مما أسفر عن تعهد مردخاي بدعم نتنياهو في انتخابات اللجنة
المركزية لليكود مقابل تعيين مردخاي وزيراً للدفاع في الحكومة القادمة. ولكن
الاجتماع الذي عقد مع قادة حزب الوسط وتسربت الأنباء عنه أضعف فرص
مردخاي للبقاء في الليكود، إضافة إلى رفض مردخاي أن يكون على قوائم الليكود، وهي الخطوة التي عجلت بإقالته، وبالطبع فإن مردخاي سيأخذ بعض أصوات
الشرقيين من تكتل الليكود مما سيعزز فرص إسقاط نتنياهو.
يضاف إلى ذلك حالة الانقسام التي سببها بنيامين بيجن الذي شكل حزبه
الخاص (حيروت) ، وكان والده قد أسسه قبل الاندماج مع الليكود، وقد انخرط
بيجن الابن بالحياة السياسية بعد رحيل والده، وفي الوقت الذي يمارس فيه بنيامين
بيجن دوره مرشحاً للانتخابات تحاول الأحزاب اليمينية دفعه إلى التراجع لصالح
حزب الليكود ومرشح اليمين بنيامين نتنياهو متذرعة بأن احتمالات فوز بيجن الابن
بالنسبة إلى نتنياهو متدنية.
لا بد من التأكيد على أن الليكود عبارة عن سلسلة من الأحزاب اليمينية
الصغيرة المندمجة، والملتفة حول شعار: (إسرائيل الكبرى) والمعارضة للاتفاقيات
السلمية، وقد أثّر التصريح الذي أدلى به نتنياهو عشية انتخابات ١٩٩٦م: أنه مع
أوسلو وذلك لضمان أصوات المترددين من الوسط إضافةً إلى تنفيذ الانسحاب من
الخليل وتوقيع اتفاق واي ريفر والتراجع عنه، أثر ذلك في التعجيل بالانقسامات
الداخلية في الحزب، كما أن أسلوبه في الإدارة والحكم أدى إلى خروج الزعامات
التاريخية من الحزب، فأحاط نفسه بمجموعة صغيرة عملت على اتخاذ القرارات،
إضافة إلى أنه أسند الوظائف الإدارية لفئة من جماعته التي سيطرت على الحزب
والحكم.
تشتت حزب العمل:
حالة حزب العمل ليست بأفضل من الليكود؛ فبعد صعود نجم (أيهود باراك)
على حساب كثير من الشخصيات العمالية بدأ الحزب الذي شكل كل الحكومات
الإسرائيلية المتعاقبة من ١٩٤٨ ١٩٧٧م يعاني من التفكك بسبب القيادات الشابة
الجديدة.
وأُولى الأزمات التي تعرض لها الحزب كانت طلب باراك تعيين أربعة من
المرشحين للانتخابات القادمة من خارج الحزب لضمان بقائهم في القائمة المنوي
تشكيلها. ومن الشخصيات التي طرحت في بداية الخلاف ديفيد ليفي وإسحاق
مردخاي وأمنون شاحاك، ورأت قيادة حزب العمل في هذا الإجراء ممارسة
دكتاتورية؛ لأن باراك يريد فرض رجاله على الحزب، وقبل أن يعدل باراك موقفه
هاجمه كل من حاييم رامون وعوزي برعام ويائيل ديان.
أعلنت نتائج الانتخابات الداخلية لحزب العمل التي شارك فيها ٩٦ ألف عضو
من أصل ١٦٠ ألف عضو، وقد لوحظ على قائمة حزب العمل ارتفاع نسبة اليهود
الشرقيين في قائمة الحزب؛ ففاز: البروفسور شلوم بن عامي وهو يهودي شرقي
ومؤيد لعملية السلام على أساس الانسحاب التام من الأراضي المحتلة ١٩٦٧م،
وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب (إسرائيل) ، ويوسي بيلين مهندس اتفاق أوسلو،
وأربعة آخرون من اليهود الشرقيين في الصفوف القيادية ومنهم: بنيامين بن أليعزر
وزير الإسكان في حكومة رابين ورئيس قسم التنظيم في الحزب وهو من أصل
عراقي، وشلو لحيان الذي انضم إلى الحزب مع عدد من أعضاء المجالس البلدية،
وإلي بن عامي، وداليا اتسك وهو رئيس الفريق الإعلامي في حزب العمل،
وفازت المرأة العربية ناديا الحلو وهي من يافا بالمرتبة ٤٩، ونواف مصالحة،
وصالح ريف نائب رئيس الكنيست ويمثل العرب الدروز في (إسرائيل) .
الوسط القادم إلى الصراع:
شكّل الحزبَ أمنون شاحاك، وينتمي إلى المدرسة السياسية القديمة، ويصف
شاحاك نفسه بأنه معتدل سياسياً ويؤيد السلام، وأكد في مقابلة له بعد إعلانه ترشيح
نفسه للانتخابات أن عملية السلام لا بد أن تتحرك، ولا بد من التوصل رغم
الصعوبات إلى حلول وسط.
اعتزل شاحاك العمل العسكري بعد حياة عسكرية استمرت ٣٦ عاماً ليعلن
ترشيح نفسه للانتخابات القادمة للتغيير.
لم ينشأ الحزب وفق قاعدة أيديولوجية محددة بل ظهر كالفقاعة فجأة، وتعود
بداية الحزب إلى استقالة دان مريدور من حزب الليكود وإعلانه أنه سينشئ حزباً
جديداً هدفه هزيمة نتنياهو في الانتخابات القادمة، أو أي انتخابات مبكرة، وحزب
الوسط الذي نشأ على يد سفاح قانا شاحاك ليس وسطياً بمعنى الكلمة؛ لأن الكلام
عن (إسرائيل) الجديدة والمصالحة والوفاق وإزالة الحواجز وتقريب قلوب اليهود من
العلمانيين والمتدينين والشرقيين والغربيين واليمين واليسار حديث شامل للجميع ولم
يكن في يوم من الأيام حكراً على أحد.
ينتمي شاحاك إلى صفوف القادة في الجيش الإسرائيلي، وكان إسحاق رابين
قد ضمه إلى مباحثات السلام مع الفلسطينيين عام ١٩٩٥م. وفي حكومة نتنياهو
وبعد أن تراجع دور العسكريين جاء إلى الوسط.
إلا أن فرص صعود حزب الوسط إلى سدة الحكم بعيدة المنال؛ فبعد أول
مؤتمر صحفي خسر شاحاك الكثير من بريقه، ففرص صعود حزب الوسط لن
تكون سهلة؛ فأصواته من الناقمين على نتنياهو والهاربين من حزب العمل بقيادة
باراك والكثير من الأصوات العائمة التي تحدد موقفها يوم الاقتراع، ولكنه قادر
على الإضرار بمصالح الليكود وغير قادر على إدارة شؤون (إسرائيل) إلا مع حزب
العمل.
الأحزاب العربية:
تشير دائرة الإحصاءات الإسرائيلية إلى أن العرب من سكان فلسطين المحتلة
١٩٤٨م بلغوا مليوناً و٤٠٠ ألف نسمة يمثلون ما نسبته: ١٨ ٢٠% من نسبة سكان
فلسطين. وتتعدد الأحزاب العربية في الساحة السياسية الإسرائيلية وتتنوّع: فمن
التيار الشيوعي إلى القومي تتقاسم الأحزاب العربية مقاعدها في الكنيست، ولكن
العامل المشترك أمام هذه الأحزاب هو الدفاع عن قضايا الخدمات العامة
والاصطفاف لزيادة المعونة الاجتماعية وغيرها من قضايا التأمينات لصالح الطبقات
الفقيرة.
تُجْمع الأحزاب العربية أن الانتخابات القادمة ستكون مصيرية بالنسبة لعملية
السلام وخاصة على الصعيد الفلسطيني الإسرائيلي، وإذا تمكن اليمين من الصعود
مرة أخرى فسيكون بسبب أصوات اليمين المؤتلفة حول (إسرائيل الكبرى) أما
أصوات العرب فستكون لإحدى الجماعتين: العمل أو الوسط.
فوضى حزبية:
مع الإعلان المبكر عن الانتخابات عجت الساحة السياسية الإسرائيلية بالعديد
من الأحزاب التي ظهرت بسبب الانتخابات، كما أن العديد من الأحزاب شكلت لها
علاقة بالتحالفات الانتخابية.
١- حزب اليهود الروس: وهم الذين يبلغون مليون مهاجرٍ وقد شكلوا حزبهم
الثاني مؤخراً باسم: (إسرائيل بيتنا) على يد المنشق عن الليكود أفغدور ليبرمان.
ويؤكد ليبرمان أن الحزب شُكّل ليناضل ويدافع عن حقوق الأفراد ضد النخب
التقليدية في الدولة وتكتل الليكود وليحافظ على اللغة والعادات والتقاليد الروسية،
بعد رفض المجتمع الإسرائيلي اندماجهم. وقال ليبرمان إن حزبه الجديد هو عبارة
عن الليكود.
٢- حزب عم أيهاد: تصاعدت حمّى الأحزاب مما دفع بأمين عام الاتحادات
النقابية الهستدروت عامير بيرتيز أن يشكل حزب (عم أيهاد أي: شعب واحد)
ويميل الحزب إلى مصالح العمال، كما أسست حركة ميماد حزباً سياسياً يميل نحو
اليمين المتطرف بعد الانشقاق عن الحزب الوطني الديني، وضربت الحمى
عارضة الأزياء الإسرائيلية ينينا روزنبلوم فسجلت حزباً جديداً لخوض غمار
الانتخابات القادمة تنوفاة وأكدت أنها تحلم بالتغيير الذي لا يتم إلا عن طريق الدخول
في البرلمان، وتعرف ينينا الحزب أنه من تيار الوسط، وتؤيد اتفاقيات السلام بين
إسرائيل والفلسطينيين ما دامت تُنفّذ بشكل مسؤول. وفي الوقت نفسه توجه
اهتمامها نحو المشاكل الداخلية، وتأمل أن يحصل حزبها على ثلاثة مقاعد في
الانتخابات القادمة.
٣- حزب الفلاشا: شكل المهاجرون الأثيوبيون (الفلاشا) حزباً جديداً للطائفة، ويعلل أعضاؤه سبب نشأة الحزب بأنهم لا يجدون أنفسهم ومصالحهم مع أيٍ من
الأحزاب؛ فالكل يتناسى مطالبنا ويعاملوننا باستهتار. وقال عضو الكنيست
الأثيوبي الأصل عن هذه المجموعة إنها تنتمي إلى الليكود وتحاول حرق بضعة
آلاف من الأصوات لا أكثر.
برنامج الليكود والعمل:
بدأت الحملة الانتخابية الإسرائيلية في وقت مبكر، وجاءت واضحة في
معالمها على الصعيد الخارجي؛ فرئيس الوزراء نتنياهو بدأ في تقديم الوعود
الانتخابية: كالبناء في جبل (أبو غنيم) بإقرار ١٠٢٥ مسكناً من أصل ٦٥٠٠
مسكن. فالبناء قضية سيادة.
وفيما يخص الشق الأمني من البرنامج القادم فقد هدد (نتنياهو) بإغلاق مطار
غزة بسبب ما يراه من التجاوزات الأمنية التي تمارسها السلطة الفلسطينية المخالفة
لما تم توقيعه في برتوكول فتح المطار وفيما يخص الإجراءات الأمنية.
كما أعلن نتنياهو موقفه الصامد في وجه من يحاول تقسيم القدس؛ فقد أكد أنه
نجح في إغلاق بيت الشرق في وجه الدبلوماسيين الغربيين، وسيواصل السعي
والنضال لترسيخ السيادة على المدينة، وأكد خلال زيارته إلى حائط المبكى أن
القدس الموحدة جزء من (إسرائيل الكبرى) .
برنامج حزب العمل:
أما برنامج أيهود باراك الانتخابي فإنه لا يختلف يمينيةً عن برنامج نتنياهو،
فيركز باراك على دولة فلسطينية محدودة الصلاحية: حكم ذاتي ضعيف، مؤكداً أن
الدولة الفلسطينية ليست حلمه، وما يعنيه هو أمن (إسرائيل) وليس جوازات السفر
والطوابع. وإن أرادوا تسمية كيانهم الذي يستجيب لقيودي فهذا شأنهم، والقدس
عاصمة أبدية وموحدة لدولة (إسرائيل) ، وأعلن عن رفض العودة إلى حدود الرابع
من حزيران ١٩٦٧م في الضفة والقطاع والجولان، مع التمسك بالمستوطنات على
أن تبقى الغالبية العظمى بيد إسرائيل، ورفض أي وجود عسكري غرب نهر
الأردن.
جاء شعار حزب العمل قريباً من شعار الليكود: (قائد لشعب واحد) ، وفي
المقابل وصفه نتنياهو بأنه متورط بالدعاية الهتلرية، مؤكداً أن باراك يعمل على
تقسيم شعب (إسرائيل) ، وأن هتلر كان يقول: شعب واحد، قائد واحد.
ومن يراهن على صعود حزب العمل وباراك على اعتبار أن السلام والحوار
مع حزب العمل أسهل من الحوار من الليكود عليه أن يستعرض بعض التصريحات
التي يؤكدها باراك وخاصة بعد صعوده إلى قيادة حزب العمل؛ فقد أكد أنه إذا نشب
خلاف بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول تطبيق الاتفاقيات الموقعة، فإن الجانب
الإسرائيلي سيفرض وجهة نظره لأنه الجانب الأقوى. ويهاجم باراك نتنياهو؛ لأنه
تسبب في تقسيم القدس.
فكيف يمكننا أن نراهن على أي من البرنامجين، والنتائج النهائية للانتخابات
لا تظهر إلا في صندوق الاقتراع، وتحسمها التعبئة قبل الانتخابات؟ هذا إذا اقتنعا
فعلاً أن أغلبية الإسرائيليين ضد نتنياهو الذي وُصِف بالكاذب وله كل يوم فضيحة
جديدة، وأنه يقودهم نحو الهاوية، ولكن ما يدور لا يمنع من إعادة تكريس الكاذب
رئيساً لوزراء إسرائيل.
إن استعراض بعض الأرقام من زاوية الاستيطان مفيدة في تحديد بعض
الأولويات عند كلا الحزبين: الليكود، والعمل؛ فحتى ١٩٨٠م كان لحزب العمل
٢١ مستوطنة، والليكود ٩ مستوطنات، وفي انتخابات ١٩٩٢م تعهد حزب العمل
بعدم بناء مستوطنات، إلا أنه قام ببناء ١٠ آلاف وحدة سكنية في الضفة الغربية،
و١٢٠٠ في غزة والجولان، ومن ١٩٩٣م ١٩٩٦م قام حزب العمل بمصادرة ٢٢
ألف دونم [١] في الضفة والقطاع، و٢٤ ألف دونم في القدس، ومصادرة أراضي
الجفلت في غور الأردن، وبناء ١٥ طريقاً التفافياً يقوم نتنياهو حالياً بإكمال خمسة
منها فقط، وإقرار اللجنة الفرعية بالبناء على أراضي جبل أبو غنيم في القدس.
إن التقارب بين البرنامجين يبدو واضحاً، والتشابه فيما يخص قضايا
الصراع الخارجي واضح بين الحزبين، ولكن الاختلاف هو في القضايا المحلية
وخاصة في مجال الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية؛ فعمل نتنياهو بصفته وزيراً
للمالية على اتخاذ بعض الخطوات الإجرائية الانتخابية والاقتصادية؛ إذ مدّد فترة
الامتيازات المعطاة إلى المستعمرات اليهودية ومدن التطوير في مدن الجولان
والأراضي الفلسطينية، ووضع قانوناً جديداً لتوسيع التعليم المجاني يشمل جيل
٣-٤ سنوات، واتباع منهج يوم تعليم طويل في المدارس في مدن التطوير، وقام بتمديد فترة إعفاء أصحاب البيوت من الضرائب عند تأجيرهم بيوتهم، إضافة إلى الاستمرار في إعطاء المتقاعدين الإعفاءات والمنح من الضرائب، وتطبيق قانون السكن الجماهيري القاضي بأن يعطى المواطنون الساكنون في تلك البيوت فرصة امتلاك تلك البيوت بقيمة زهيدة.
وفي الوقت نفسه لم تتضح بيانات أولية عن برنامج حزب العمل وخاصة في
الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الموجه أساساً إلى الناخبين العرب وبعض
الطوائف الشرقية، والتي لن تخرج في مجملها عن تحسين الأوضاع الاجتماعية
والاقتصادية من تخفيف للضرائب وتحسين المستوى الاقتصادي والتخفيف من حدة
البطالة.
برنامج الوسط:
يستقي حزب الوسط أفكاره من اليمين واليسار، ولا توجد له أي قاعدة
أيديولوجية واضحة المعالم، ولكن من خلال الحوارات التي نشرت مع قادة حزب
الوسط يمكن استخلاص برنامجه.
فيرى دان مريدور أن الواقعية في الصراع العربي الإسرائيلي هي الراجحة
بعد أن قَبِلَ العرب بـ (إسرائيل) ليس بدافع الحب والاعتراف بالحقوق التاريخية
والأيديولوجية، ولكن بسبب الواقع الذي حدث على الأرض والسياسة، ويرى أن
سياسة فرض الواقع لم تكن من الناحية العسكرية فقط بل من الناحية الاقتصادية
والديموغرافية، فقد نالت (إسرائيل) اعتراف كل من: مصر والأردن والسلطة
الفلسطينية.
ويعترف قادة حزب الوسط أن حرب أكتوبر وما تبعها من تغييرات سياسية
في المنطقة وصولاً إلى الانتفاضة وحرب الخليج أثرت على الموقف الإسرائيلي،
ويصف الحزب المرحلة الحالية من الصراع العربي الإسرائيلي بأنها مرحلة إذابة
الجليد؛ فما زال الكثير من العمل المشترك والقضايا العالقة. ومنها: الحدود
النهائية، المستوطنات، القدس التي يرى فيها حزب الوسط أنها ستبقى موحدة تحت
السيادة الإسرائيلية. أما بالنسبة إلى الدولة الفلسطينية فيرى الحزب أن ما هو قائم
في غزة وجنين ونابلس ليس مجرد حكم ذاتي؛ بل هو أكبر من ذلك بكثير، ويؤكد
على ضرورة المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. ويرى حزب الوسط أن اليمين لا
يريد التنازل عن أي شيء في حين أن اليسار مستعد للتنازل عن كل شيء. وفي
سياق آخر من برنامجه للعمل في الانتخابات يؤكد أنه لا يوجد استعداد عند أي
يهودي للسماح بعودة اللاجئين إلى حيفا ويافا وعكا.
وفي موضوع الاستيطان؛ مع أن حزب العمل مع التنازل عن كل شيء إلا
أنه لا يوجد عضو واحد من الحزب مع التنازل عن غور الأردن أو جفعات زئيف.
تحالفات انتخابية:
تشكل التحالفات الانتخابية قبيل عملية الاقتراع، أساساً واضحاً إلى ما بعد
تشكيل الحكومة.
فكانت أول التحالفات التي صاغها حزب العمل: التحالف مع حزب جيشر
بزعامة ديفيد ليفي، وكان الاتفاق المبدئي أن يدعم جيشر حزب العمل للانتخابات
العامة لرئاسة الحكومة، ولأن جيشر يبحث عن موطئ له في الانتخابات القادمة؛
فإن التحالف الحالي له سيكون مع اليسار، مع التأكيد على أن حزب جيشر لا
يخوض الانتخابات بصورة منفردة، وترتكز قاعدته الانتخابية على اليهود الشرقيين. ومطالبه اجتماعية في أغلبها.
كما يتحالف مع حزب العمل حزب إسرائيل بعلياة وهو لليهود الروس الذي
وجه دعوة لباراك إلى لقاء القاعدة الانتخابية لليهود الروس في بئر السبع، وفي
المقابل سيترك الحزب خيار التصويت مفتوحاً وليس محدداً لصالح أي من
المتنافسين، إلا أن الصورة الحالية تؤكد أن الحزب سيعطي أصواته لصالح حزب
العمل أو الوسط في الجولة الثانية لنقمته على تحالفه السابق مع الليكود، وتأييد
الليكود تشكيل حزب جديد للمهاجرين الروس.
حزب الليكود سينشئ التحالف مع الأحزاب اليمينية القومية والدينية التي
أخفق بنيامين بيجن في جمعها أو التي رفضت الانضمام إليه، وما يجمع هذه
الأحزاب سيكون الالتفاف حول (إسرائيل الكبرى) . وتحاول الأحزاب الدينية بهذا
التحالف: إما الحفاظ على مقاعدها الـ (٣٣) ، أو زيادة عددها؛ وفي المقابل
سيحاول الليكود زيادة عدد المقاعد التي ينافس عليها لتشكيل الحكومة بصورة أفضل
مما كانت عليه في الانتخابات السابقة.
وتبدو الأحزاب العربية كأنها غير مستقرة على رأي؛ ولكن القائمة الواحدة
المرجح أن يعلن عنها قريباً ستعطي للأحزاب العربية الدعم للمشاركة في المرحلة
القادمة في الكنيست؛ فمن المتوقع زيادة عدد مقاعد الأحزاب العربية إلى ١٤ مقعداً
في الكنيست القادم.
أما الوسط فلن يستطيع تشكيل حكومة وحده؛ لأنه غير قادر على النجاح في
ظل المعطيات السياسية والأمنية في إسرائيل، ولكن التحالف المرجح له هو تحالف
الوسط واليسار والناقمين على اليمين ضد سياساته التي قوبلت بالرفض في إسرائيل
في الدورة الثانية.
كل ذلك يدفع للتأكيد على أن الساحة السياسية الإسرائيلية متغيرة بشكل كبير،
واحتمالات الربح والخسارة لا تحدد إلا في صناديق الاقتراع، وحسب المستجدات
في اللحظات الأخيرة، وكما أجمعت استطلاعات الرأي على أن بيريز سينتصر
على نتنياهو في انتخابات ١٩٩٦م، إلا أنه خسر الانتخابات، وكما تجمع
الاستطلاعات على فوز باراك في الجولة الثانية، إلا أن النتائج تحددها صناديق
الاقتراع ساعة الفرز، والتي لا تمنع من إعادة تكريس نتنياهو وفق المحددات
التالية:
١- بعد تجميد اتفاق واي ريفر زادت نسبة المعارضين للحكومة الليكودية
الحالية، ولكن في الوقت نفسه كان الملتفون حول شعار (إسرائيل الكبرى) من أشد
المعجبين بأداء نتنياهو لتجميد اتفاق واي ريفر؛ خاصة أن الشروط التي وضعها
في نظر المراقبين السياسيين غير قابلة للتنفيذ من قِبَلِ السلطة الفلسطينية.
٢- حملات تصعيد الاستيطان والدعوات المتكررة لبناء أحياء استيطانية
تجلب المزيد من المؤيدين مع الإغداق على المستوطنين بالوعود والمنح والإعانات
والمال.
٣- بدء حملة على لبنان وسوريا يعقبها تصعيد بالمنطقة الحدودية المحتلة
يقابلها رد قوي من حزب الله، مما يعزز النظريات الأمنية التي ينادي بها نتنياهو.
مهما كانت نتائج الانتخابات القادمة وأتت بحكومة ليكودية أو عمالية أو حتى
شَكّلتْ حكومة وَحْدةٍ وطنية؛ فإن الجميع داخل هذا الوسط متفق على شعارات
أساسية لا يمكن أن يتجاوزها وهي قضية الحدود النهائية التي تتناسب ومعطيات
حرب ١٩٦٧م. وتشكل مسألة القدس إجماعاً وطنياً إسرائيلياً، وتُجمع الأحزاب
عامة على أن القدس عاصمة موحدة لدولة واحدة؛ ففي ظل الوضع الحالي علينا ألا
نعوّل على أيٍ من البرامج الصهيونية أو الحكومات القادمة؛ فإنه يخطئ من يظن
أن الحكومات العمالية أسهل في التفاوض من الحكومات الليكودية، ويكفي التأكيد أن
الحروب العربية الإسرائيلية حدثت في عهد الحكومات العمالية، وكامب ديفيد
ومؤتمر مدريد للسلام حدثا في عهد الليكود.
стр. 3044
المسلمون والعالم
واقع العمل الدعوي في نيجيريا
مشكلات وحلول [*]
محمد بابنجيدا محمد
إن النظرة السريعة العابرة إلى واقع العمل الدعوي في نيجيريا قد توحي إلى
الناظر بأن الأمور تجري على أحسن ما يرجى، وأن الدعوة الإسلامية تسجل تقدماً
ونجاحاً فائقاً في كل المجالات على الإطلاق.
فهناك ارتفاع ملموس في مستوى الوعي العام نتيجة لكثرة النشاطات الدعوية. وتبهج أنظارنا كثرة المساجد المشيدة العالية المنارات، والمزخرفة بأنواع
الزخارف المنتشرة في المدن والقرى، وتمتلئ هذه المساجد بالمصلين والذاكرين الله
تعالى بكرة وعشياً. ففي مدينة (كانو (فقط يوجد ما يقرب من عشرين مسجداً جامعاً، يمتلئ كل مسجد بنحو ألف من المصلين في أيام الجمعة، وفيها أيضاً ما لا يقل
عن ألف مسجد للصلوات الخمس وأضعاف هذا العدد من المصليات.
ونشاهد كذلك زيادة تحمس الناس فيها على أداء الشعائر التعبدية مثل: الصلاة، والصوم، والحج، حتى إن عدد الحجاج من نيجيريا في بعض السنوات يبلغ مائة
ألف أو يزيدون. وتقام حلقات الدرس، وتعقد المحاضرات العامة والندوات
والمؤتمرات الإسلامية والدورات التدريبية وغير ذلك من الأنشطة الدعوية كلها
بشكل يدعو إلى الإعجاب والسرور. ويزيد إقبال الشباب على الدين برغبة قوية
في تحصيل علمه وتطبيق أحكامه وتعاليمه. وقد أبعدوا أنفسهم عن الحركة
التغريبية المدمرة للعقيدة والأخلاق، وتحملوا مشاق السير في طريق الدعوة
الإسلامية.
وتبنى المدارس الإسلامية في كثير من المدن والقرى، وتتجه إليها المرأة
المسلمة المحجبة والمعتزة بدينها لتتعلم دينها. ويُعتنى في هذه المدارس أيضاً بغرس
الآداب الإسلامية؛ ويهتم بتحفيظ القرآن للصغار حتى صارت لنيجيريا سمعة في
المسابقات العالمية التي تعقد سنوياً بمكة المكرمة لتلاوة القرآن وتجويده وتفسيره.
وتملأ الساحة كذلك عدة مؤسسات وجماعات إسلامية محلية وعالمية، كلها
تبذل جهدها في أداء واجبها الدعوي على حسب طاقتها ورؤيتها للأمور. وتصل
إلينا الأخبار بإسلام أعداد كبيرة من الوثنيين والنصرانيين وأحياناً من ذوي المكانة
الدينية والاجتماعية فيهم.
ولا شك أن كل هذه الظواهر التي ذكرناها تعتبر سمات لتقدم ونجاح العمل
الإسلامي في نيجيريا، ولكن النظرة الفاحصة الدقيقة تبين لنا أن الواقع لا يطابق
تماماً ما قد توحي به هذه الظواهر.
فالدعوة الإسلامية في نيجيريا تمر بأصعب مراحل سيرها؛ فهي تسير في
وسط بحر لجي، تلعب بها الرياح العاصفة، فتدفعها تارة هنا، وتارة هناك،
وتنهال عليها الطيور الجوارح بدون توقف أو إمهال.
ولقد أصبح العاملون في ساحة الدعوة كقطع الخشب المتناثرة، لا يكادون
يقوون على الصمود أمام أمواج المشاكل والعوائق التي تندفع نحوهم؛ فظلم الطغاة
وكيد الماكرين وإيحاءات المبطلين، ووساوس الشياطين وإيذاء الجاهلين، كلها
تحدق بالدعاة.
وسنحاول إن شاء الله استعراض أبرز المشكلات والعوائق التي تواجه العمل
الإسلامي في نيجيريا ثم نُتبع ذلك بما يتسنى لنا ذكره من حلول.
ومن أبرز المشكلات والعوائق:
١- عجز أكثر العلماء وتقاعسهم عن العمل الدعوي:
إن الدعوة الإسلامية أساساً لم تنتشر إلا على أيدي العلماء العاملين، ولكن
ومع الأسف الشديد في الظروف القاسية التي تعايشها الدعوة الإسلامية حالياً،
تقاعس جل علمائنا في نيجيريا عن أداء واجبات الدعوة: من إظهار الحق،
وإبطال الباطل، والدفاع عن بيضة الإسلام، وأدت المادية وحظوظ النفس ببعضهم
إلى مداهنة الحكام والسير في ركبهم، وإصدار الفتاوى المؤيدة لهم.
واختار بعض المتصوفة العزلة، واكتفوا بترديد الأذكار وإنشاد الأشعار في
مدح النبي ﷺ وادعاء الفناء عند التأثر بالدفوف والغناء.
واكتفى كثير من العلماء الذين درسوا على الطريقة التقليدية القديمة بالعكوف على
كتب المذهب المالكي، لا يخرجون عنها قيد شبر. وقد تجد من هؤلاء من يردد
ترجمة بعض كتب المذهب باللغة المحلية بشكل آلي لا يكاد يفهمه القائل فضلاً عن
السامع، ولكن نقول: إن بجانب هؤلاء في البلد بحمد الله علماء أجلاء؛ لهم دورهم
في نشر العلم والفقه، وفيهم من لا يخلو من نزعات صوفية، ولكن بعضهم على
درجة من العلم لا تستهان، وكان من أبرز علماء البلد: الشيخ أبو بكر جومي
﵀ الذي قد فاق الأقران في علمه وتواضعه، وفي زهده وفي شجاعته وثباته
على الحق، وفي تأثيره على أوسع نطاق وفي نفعه العام للمسلمين في نيجيريا.
كان سلفياً، متمسكاً بالسنة وداعياً إليها، وحارب البدع والخرافات.
٢- التصدي للدعوة ممن لا يصلح لذلك:
لما تقاعس جل العلماء عن واجبات الدعوة تصدى لها كل من هبّ ودبّ، فقام
كل من ظن في نفسه أهلية الدعوة؛ فوعظ وأفتى، وحلل وحرم، وبدّع وفسّق؛ بل
وأدخل الجنة من شاء، ورمى في النار من شاء. وتجد أحدهم جاهلاً في أمور دينه؛ ولكنه يتصدر للوعظ محتجاً بقول رسول الله ﷺ : (بلّغوا
عني ولو آية) [١] فيستطرد في تبليغ معنى الآية؛ وهو لم يدركها، ويتدخل في
مجالات أخرى لا علم له بها، فيهلك ويُهلك. وأكثر ما يوجد هذا الصنف في
أوساط الشباب.
وهذا أمر منتشر الآن في نيجيريا؛ حيث تجد رجلاً لا يكاد يميز بين الفاعل
والمفعول، والجار والمجرور فضلاً عن معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه وغير ذلك
من علوم القرآن وهو مع ذلك يتفيهق بمعرفة غوامض القرآن وأسراره. والله
المستعان. ولقد رأينا صنفاً من الناس ولا يزالون في المجتمع يحملون الناس على
غريب القصص المأخوذة من كتاب يدّعون أنه الزبور، وغيره من كتب
الإسرائيليات، وما همهم في ذلك كله إلا جمع الناس حولهم؛ لينالوا منهم حظوظ
الدنيا الفانية.
وهناك صنف من المتمشيخين يدّعون الصلاح ومعرفة الغيب، وقوة جلب
النفع ودفع الضر، ويدعون الاختصاص ببعض الأسرار. وإنما أولئك كهان
وسحرة، وما هم بمسلمين؛ وإن صاموا وصلوا ... فهم كالفئران يقرضون أساس
بنيان الإسلام.
٣- فقدان الحكمة والأسلوب الحسن لدى بعض الدعاة:
الحكمة والأسلوب الحسن من أهم الأدوات التي يصل بها الداعي إلى مراده.
وقد أرشد الله تعالى نبيه إلى الاعتماد على الحكمة عند دعوة الناس إلى الحق؛ فقال
تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ] [النحل: ١٢٥] . وقال
في آية أخرى: [قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي]
[يوسف: ١٠٨] . فلا يكون الداعي متّبعاً لمنهج النبي ﷺ إذا
افتقد البصيرة والحكمة في دعوته.
ولقد تغافل كثير من دعاتنا عن هذه القاعدة المهمة، ورأوا أن الانفعالات
والصياح ورفع الأصوات والتفيهق بالألفاظ وإصدار الأحكام الحاسمة على الناس،
كلها من لوازم الدعوة الجادة، فأثاروا بأسلوبهم هذا الضجيج حولهم، ونفروا الناس
من حولهم. فأين هؤلاء من الأسوة النبوية؟ ! ألم يوصف رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- بأنه: [عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ]
[التوبة: ١٢٨] ألم يكن هذا سر اجتماع الناس من حوله ﷺ
وقبولهم لدعوته؟ [وَلَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ]
[آل عمران: ١٥٩] . ثم ها هو بنفسه يصدر هذا التوجيه ببلاغته العظيمة فيقول: (يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا) [٢] .
ولكن بعض الدعاة هنا في نيجيريا سوّل لهم الشيطان أن الرفق والعطف
واللين بالناس من علامات الضعف والخوف والخور، فأخذوا بالشدة والقسوة،
ومنهم من لا يراعي فقه إنكار المنكر، فيرون أن المنكر لا بد من إزالته مهما كان
الأمر، بصرف النظر عن المصلحة أو المفسدة المترتبة على ذلك. والحق أن
الأمر والنهي له ضوابط لا بد من مراعاتها [٣] .
وكم من فرص كبيرة للدعوة ضيعت بسبب سوء أساليب بعض الدعاة! وكم
من بدع ومنكرات كانت قليلة الانتشار، ثم عظمت إثر الأسلوب الخاطئ للإنكار.
ومثال ذلك: ما لاحظنا من زيادة أنواع مخصوصة من بدع المتصوفة في السنوات
العشر الماضية، ومن ذلك: الجهر بالأذكار في الطرقات بشكل مزعج، وإقامة
الموالد البدعية للشيوخ الأحياء منهم والأموات وغير ذلك من البدع المنكرة.
٤- الفرقة والاختلافات:
إن الفرقة والاختلاف قد تسربا إلى جسد الأمة الإسلامية في هذا البلد، حتى
أصبحا من سمات المسلمين. تكثر المنازعات والمشاجرات بين الفئات والجماعات
المنتسبة إلى الإسلام؛ فكل من دعا بدعوة وروّجها بين الناس صار له أتباع
وجماعة. فصار حالنا كما قال الشاعر وكأنه نيجيري:
وما شكواي أو شكواك إلا ... لفوضى في المجامع وانقسام
ترى كلاً له أمل وسعي ... وما لاثنين حولك من وئام
لكل جماعة فينا إمام ... ولكنّ الجميع بلا إمام
أدت هذه الحال إلى ظهور جماعات إسلامية، لا تُعد ولا تُحصى بعضها لا
طائل تحته، همها فقط الدفاع عن أشخاص، أو الهجوم على آخرين. وقامت
قيادات فردية لا ترى لأحد غيرها صلاحية في العمل الإسلامي، واتخذ بعضهم
العمل الإسلامي حكراً لهم، ولا يعترفون بغيرهم، ولا يستشيرون غيرهم من الدعاة، ولا يتعاونون معهم وإن اتفقوا في العقيدة والهدف والأسلوب.
عظمت الفرقة حتى صارت العداوة والبغضاء بين بعض فئات المسلمين إلى
حد جعل بعضهم يتقربون إلى النصارى للتغلب على الفئة المسلمة الأخرى. وقد
حدث مثل هذا في بعض حوادث الانتخابات السابقة؛ حيث ترشّح مسلم ونصراني
للانتخاب في بعض مقاطعات محلية، فصوّت بعض المسلمين للنصراني؛ لأن
المسلم ينتمي إلى جماعة مسلمة لا يحبونها. فلما ترأس النصراني كرسي الحكومة
المحلية؛ أخذ يدبر للقضاء على الإسلام، ويمد يد العون للهيئات التنصيرية.
فيالغَفلة المسلمين!
٥- عدم تحديد الأهداف والتخطيط الجيد:
تفتقد كثير من جماعاتنا الإسلامية تحديد أهدافها وتخطيط سيرها في العمل
الإسلامي، وقد تفاجأ بالسطحية في التفكير عند بعضهم. وأدى هذا إلى الفوضوية
في العمل الإسلامي؛ فإنك تلقى عدداً من الدعاة يتبنى كل ما يتصور في ذهنه من
عمل أو تصرف، ويستوقف جهده على ذلك العمل، ويعتبره العمل الإسلامي
الوحيد، ويهمل ما هو أهم منه وأوجب.
ونتيجة لعدم التخطيط تجد الجماعات الإسلامية تكرر جهودها في حدود أعمال
معينة بشكل معدم للفائدة ومهدر للطاقات. ولهذا؛ فإن هناك حاجة ماسة إلى دراسة
عميقة لاحتياجات الدعوة في نيجيريا، والتخطيط لها تخطيطاً جادّاً؛ فهل دعاتنا
مستعدون لذلك؟ !
٦- النفوذ النصراني:
استطاع النصارى بسبب خططهم الماكرة وجهودهم الجبارة أن يتغلبوا على
المسلمين في كثير من أمور الدولة؛ فنفوذهم قوي في أجهزة الدولة ولا يتهاونون في
استغلال ذلك لأهدافهم. وما زال المسلمون يتغنون بكثرة العدد وتاريخ الآباء
والأمجاد.
ومستقبل المسلمين في هذا البلد رهين بقدرتهم على رفع مستوى نفوذهم في
الدولة، وإيجاد القوة اللازمة سياسياً وعلمياً واقتصادياً وعسكرياً.
ثم إن هناك حملة تنصيرية مركّزة على مسلمي نيجيريا، وعلى الأقلية الوثنية
التي تجاور المسلمين في شمال البلاد وهم الذين يسمون بـ (الماغوزاوا)
Maguzawa أي الفارون عن الإسلام.
وقد نشرت المؤسسة الإسلامية بلندن وثيقة سرية منذ عدة سنوات عن مشروع
تنصير الفلاتة Fulata evanjelism.
وليس من المبالغة إن قلنا: إن الثمرات لو أتت على قدر الجهود التي يبذلها
النصارى، أو على قدر الأموال التي ينفقونها لما بقي على أرض نيجيريا مسلم.
ولكن الله سلّم، وصدق الله سبحانه وعده إذ يقول: [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ]
[الأنفال: ٣٦] . ولكن لا ينبغي للمسلمين أن يتواكلوا؛ فقد أُمروا بإعداد القوة بكل أنواعها، ولا يزال الخطر النصراني يهدد حصون الإسلام في نيجيريا، ومن ثمّ كل غرب إفريقيا.
إن المجمع الكنسي العالمي، والهيئات التنصيرية العالمية كلها قد اتخذت
نيجيريا قاعدة لعملها التنصيري، وهي بجانب ذلك تدعم الهيئات المحلية دعماً مادياً
ومعنوياً. وهناك مئات من الأوربيين بمختلف جنسياتهم أوقفوا حياتهم كلها للعمل
التنصيري في نيجيريا؛ فبعض من وصلنا خبره من الأوربيين مكث في قرية أكثر
سكانها وثنيون لمدة ثلاثين سنة (٣٠ سنة) حتى استطاع بعد جهد مرير وطويل أن
يغرس للنصرانية غرساً راسخاً. وقد تعلم اللغة المحلية حتى صار يجيدها، ويعيش
في وسط أهل القرية، ويوثق علاقته معهم بكل وسيلة تتاح له. كان يقدم مساعداته
لأهل القرية بدون أجر ولا مقابل، حتى ملك قلوبهم؛ فساقهم إلى الهلاك. وهذا من
أهم أساليب النصارى في التنصير؛ إذ يقومون بتوزيع الأدوية واللباس وغير ذلك
من الضروريات مجاناً؛ حتى يستميلوا قلوب الناس.
وهناك ظاهرةُ كثرةِ الكنائس حتى في المناطق الإسلامية. ومن غريب مكر
النصارى أنهم إن استجاب لهم ولو بيت واحد في أي قرية بنوا فيها كنيسة فاخرة
إظهاراً لوجودهم وكسراً لقلوب المسلمين وأملاً للمستقبل.
وقد ترجموا الإنجيل إلى أكثر اللغات المحلية، ويوزعون بين المسلمين
نشرات باللغة العربية، توهم بأنها كتب إسلامية من باب الخديعة والمكر. والذي
ذكرناه هنا عن نشاطات النصارى في نيجيريا قليل جداً حتى لكأننا لم نذكر شيئاً؛
والخطر عظيم وجسيم، وليت المسلمين ينتبهون فيقوموا بالرباط في هذا الحصن
العظيم من حصون الإسلام.
٧- فتنة التشيع:
إن التشيع لم يكن معروفاً في هذه البلاد قبل ثورة الخميني. وقد وقع بعض
الشباب المتحمسين في ورطة التشيع جهلاً منهم بحقيقة الثورة الإيرانية ودين الشيعة.
وأخذت دولة إيران تستميلهم وتجذبهم إليها رويداً رويداً بأنواع من الحيل:
ترسل تذاكر سفر إلى طلاب فقراء ليشاهدوا بعض المناسبات مثل: عيد الثورة،
ويستقبلونهم استقبال كبار الزوار وهم طلاب فقراء ويمدونهم بأموال طائلة مذهلة
تغلق عقولهم، وتذللهم لأهداف الشيعة، وتفتح أبواب مدارسها ومعاهدها للطلاب
النيجيريين، وتسخر لهم منحاً دراسية، ويوجد الآن عدد كبير من الطلاب
النيجيريين يدرسون في إيران مختلف التخصصات.
وهناك مدارس شيعية داخل نيجيريا في كانو وباوشي وزاريا ولاجوس
وأوكيني وغيرها. فمدرسة أهل البيت في كانو تجذب عدداً من الشباب، وتروّج
فيهم فكرة نكاح المتعة. ويقوم الشيعة اللبنانيون المقيمون في نيجيريا بدعم هذه
المدارس وتحمّل رواتب دعاة الشيعة؛ وترسل المطبوعات من إيران باللغات
الإنجليزية والهوسوية والعربية؛ حيث تطبع في إيران مجلة بلغة هاوسا باسم:
(Sakon Musulumci) أي: الرسالة الإسلامية، وجريدة الميزان Mizan
والمطبوعة أيضاً بلغة هاوسا في نيجيريا، تدعم كلياً من إيران؛ فهي لسان الشيعة
في نيجيريا، ولقد أظهر هؤلاء الشيعة سب الصحابة ولعنهم، وتحاملوا على السنة
النبوية ورواتها، وأحدثوا اضطرابات وفتناً أدت إلى سفك الدماء في زاريا وكادونا
وسوكوتو وكانو وفي عدة مدن وقرى.
٨- فِرَقٌ ضالة أخرى:
هناك فرق ظهرت في نيجيريا، تعمل سراً وعلانية في تشويه صورة الإسلام، وطمس معالمه. منها ما له جذور أجنبية مثل: القاديانية والبهائية. فالقاديانية
دخلت مع الاستعمار الإنجليزي؛ ولعل هذا هو سبب تمركزهم في الولايات
الجنوبية مثل لاجوس وأويو. ولهم نشاطات مذهبية قوية منذ فترة طويلة؛ فقد
فتحوا مدارس ومراكز صحية ومستشفيات وغيرها. ولقد قام بعض العلماء بالإنكار
عليهم، فدحضوا حججهم، وبينوا كفرهم البواح؛ ومع ذلك يظل كثير من الناس
في جهل عن حقيقتهم. والحكومة تعترف بهم فرقةً إسلامية.
وهناك فِرَق محلية ضالة أيضاً مثل الميتثينية Maitatsine - والقالقاتونية -
Kala Kato وهم أشبه بالقرآنيين الموجودين في بعض البلاد الإسلامية؛ يدّعون
الاعتماد على القرآن فقط، ويرفضون أي كتاب آخر، ولا يؤمنون بحجية السنة؛
فهم يؤدون الشعائر التعبدية على ما سولت لهم شياطينهم، ويعتمدون على الشعوذة
والدجل وضروب من السحر. وتكونت هذه الفرقة في أوساط المعتنين بحفظ القرآن
على الطريقة القديمة المتعارف عليها في بلاد السودان. وهم الذين عرفوا
بـ (غرداوا Gardawa) حملوا السلاح على جمهور المسلمين في مدينة كانو في سنة ١٩٨١م واعتبروهم كفاراً. وتتابعت الفتنة في مدن مايدوجوري وجومبي وفونتوا.
وأخذت أجهزة الإعلام بعد ذلك تصوّر كل تجمع إسلامي على أنه ميتاثيني حتى
تثير الحكومة ضد كل الجماعات الإسلامية.
٩- المشاكل الاقتصادية:
يعاني المسلمون في نيجيريا من المشاكل الاقتصادية؛ حتى انعكست آثارها
السيئة على الدعوة الإسلامية. فكثير من الجماعات الإسلامية تعتمد على ميزانية
ضئيلة، وبعضها قد تسيء التصرف بما لديها من الأموال.
ولكن هناك فئة من الأغنياء أهل الدثور، ذهبوا فعلاً بالأجور؛ يقومون بدعم
العمل الإسلامي بما أعطاهم الله من أموال، ثم إن هناك هيئات إسلامية عالمية
كذلك تقوم بدور فعّال في تقديم المساعدات المختلفة؛ غير أن كثيراً من هذه
المساعدات مبنية على أساس شخصي بحت، وتعتمد على الاجتهاد الشخصي
والاتصالات المباشرة التي يقوم بها رجال الجمعيات الإسلامية؛ ولذلك نجد أن
بعض الجمعيات الإسلامية رغم فعاليتها وجديتها في العمل الإسلامي لا تحصل على
هذه المساعدات الخارجية. وهذا ما ذكره الأستاذ محمد جلال عباس وكان مديراً
للمركز الثقافي العربي المصري عن تجربته [٤] . ومثل هذه المساعدات الشخصية
للجماعات قد لا تحقق الثمرات المرجوة للعمل الإسلامي فتضيع الثروات في غير ما
أريد لها.
وعلى الجماعات الإسلامية المحلية الجادة المخلصة أن تسعى لكسب ثقة أهل
الخير داخل البلد وخارجه؛ حتى تأخذ موضعها الحقيقي، وتؤدي دورها الكامل في
ساحة العمل الإسلامي، وأن تفكر كذلك في إيجاد موارد للحصول على مبالغ مالية
عن طريق الاستثمار لكي تحصل على الاستقلالية اقتصادياً، وتتمكن بذلك من أداء
رسالتها على الوجه الأكمل.
١٠- المشاكل الاجتماعية:
لعل نيجيريا لا تختلف كثيراً عن بقية الدول الإسلامية التي تأثرت بالاستعمار
الغربي؛ فالمنكرات والفواحش مثل: شرب الخمر، والزنا، واللواط، والتبرج،
وتفكك الأسر، والانحرافات السلوكية، وغيرها من الأمور التي لا يرضى بها الله
قد انتشرت بشكل مخيف جداً. ويزيدها قوة وانتشاراً أن الحكومة علمانية، لا تقيم
لتعاليم الإسلام وزناً، ولا تعترف بمبدأ المحافظة على القيم والأخلاق؛ فيجد الداعية
نفسه في غربة ومشقة وتعب وَهَمّ مستمر؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.
١١- القبلية المنتنة:
إن العصبية القبلية مشكلة تكاد تقضي على وجود نيجيريا ووحدتها، ولم يمنع
بعض القبائل عن اعتناق الإسلام إلا ظنهم الخاطئ بأن الإسلام دين قبائل معينة،
حتى إنّ بعض القبائل التي دخلت في الإسلام ظلت متمسكة بأواصرها وروابطها
القبلية، وفضلتها على أواصر وروابط الدين. وإن كانت هذه المشكلة ناتجة عن
عدم الإدراك الحقيقي لروح الإسلام وتعاليمه لدى العوام من الناس؛ إلا أن بعض
الدعاة أيضاً وقع في الحفرة نفسها التي نسأل الله أن يعيننا على القضاء عليها؛ ولا
أحد أوْلى من الدعاة بتذليل الطريق إلى ذلك.
١٢- مشاكل المسلمين الجدد:
بفضل الجهود المتواضعة التي يقوم بها بعض الدعاة بعد فضل الله ورحمته
الإلهية التي نزلت في القلوب يتوجه الآن أعداد كثيرة من الناس إلى الإسلام
فيرضون به ديناً.
ولكن كثيراً من المشاكل تواجه المسلمين الجدد، وأحياناً هم أنفسهم يصبحون
مشكلة أخرى، فقد يواجهون مشكلة رفض الأهل والقبيلة؛ ومن ثم مشكلة المعيشة
في بيئة معادية لهم ولدينهم، كما يقابل أولادهم بالضغط والاستهزاء في المدرسة؛
حيث لا توجد مدرسة إسلامية، ويواجهون مشكلة عدم وجود من يعلمهم الإسلام
باستمرار؛ إذ لا يتوفر الدعاة في المدن والقرى. ومن ناحية أخرى أصبح بعض
المسلمين الجدد ممن لم يستوعبوا الإسلام يطوفون في المساجد والأسواق ومجالس
الناس يسألون المساعدات المالية ويخدعون الناس مستغلين بذلك عاطفة المسلمين في
إعانة المسلمين الجدد على أساس (المؤلفة قلوبهم) . وكثرت الشكاوى من مثل هذه
الوقائع، فأصبحت مشكلة فريدة تشغل الدعاة؛ حتى إن بعض من لم يسلم حقيقةً
كان يطوف على المساجد ويدعي أنه أسلم حديثاً وأنه في حاجة إلى مساعدة، ويسرد
وقائع غير صحيحة في قصة إسلامه، حتى إذا بُحِثَ في أمره تبين أنه لم يسلم
أصلاً، أو أنه أسلم ولكن لجمع الأموال. والله أعلم.
حلول مقترحة:
١- السعي لتوحيد الصف بين الدعاة:
وتكون الخطوة الأولى إيجاد فرص للّقاء بين الدعاة؛ ليتبادلوا الآراء والأفكار، ويناقشوا المشاكل التي تواجه المسلمين، ويتفقوا على حلول موحدة.
٢- تدريب الدعاة:
ويتم ذلك عن طريق إقامة دورات تدريبية للدعاة؛ ليتسنى لهم الوقوف على
أساليب وطرق مختلفة للدعوة. ويكون التدريب مصحوباً بالممارسة الفعلية لا
النظرية فقط.
٣- تزويد الدعاة بالكتب والمقالات التي تعالج الأمور المهمة التي يحتاج إلى
معرفتها الدعاة أنفسهم، وخاصة كتب العقيدة والحديث والفقه. ويكون ذلك عن
طريق فتح المكتبات الإسلامية، وإقامة دور النشر والطباعة. وإن إيجاد مطبعة
إسلامية في نيجيريا سيحقق آمال كثير من الدعاة وطلاب العلم؛ لا في نيجيريا فقط
بل في غرب إفريقيا كلها.
٤- تأسيس مركز للبحوث الدعوية:
وقد يتم هذا بالتعاون مع إحدى الجامعات النيجيرية مثل جامعة عثمان بن
فودي، وجامعة بايرو، وجامعة مايدوجوري، وجامعة إيلورن.
٥- التقرب إلى العلماء ممن يتوسم فيهم الخير من الذين تخرجوا من المدارس
التقليدية: ويكون ذلك أحياناً عن طريق تلقي العلم عنهم، ثم بعد كسب ثقتهم يمكن
للدعاة تزويدهم بالمعلومات اللازمة عن واقع المجتمع الذي يحيط بهم وبيان الأفكار
والمذاهب المعاصرة لكي يسهل لهم فهم واقع المجتمع، ويؤدوا واجبهم على السبيل
الأكمل.
٦- وضع خطط مدروسة لمواجهة الأعمال التنصيرية بين المسلمين وبين
الوثنيين: وهذا يحتاج إلى دراسة جادة وعميقة لأحوال المدن والقبائل التي يراد
توجيه الدعوة الإسلامية إليها. ولا بد كذلك من وضع خطة لإيجاد فرص العمل
للمسلمين في جميع أجهزة الدولة، وفي كل الأماكن التي تهم المسلمين، ولا بد من
إعداد دعاة متخصصين بدراسة مقارنة الأديان.
٧- إيجاد طرق الاستثمار والتنمية، ودعمها لرفع المستوى الاقتصادي
للمسلمين ولتقوية العمل الإسلامي الجاد. ومن المجالات المفيدة للاستثمار في
نيجيريا: الزراعة والبناء والاستيراد والتجارة بأنواعها الكثيرة.
وعلى الجماعات الإسلامية أن تعتني بإيجاد وتوفير طرق الكسب للشباب
المسلم؛ ومن ذلك تعليمهم الأعمال المهنية من الخياطة والتجارة وإصلاح السيارات
وغير ذلك. وهذا يدعو إلى ضرورة إنشاء مدارس مهنية.
٨- إيجاد مراكز خاصة للمسلمين الجدد؛ حيث يعتنى بتعليمهم الدين والمهن،
ثم يرسلون إلى مناطقهم ليقوموا بالدعوة بدعم من هذه المراكز أو من جماعة
إسلامية. ولعل هذا يخفف المشاكل التي ذكرناها سابقاً.
٩- ضرورة وضع خطط لمشاريع ذات أهداف بعيدة المدى لا تعتمد على
رد فعل لحوادث فردية:
ويتم هذا عن طريق اختيار ذوي الخبرة والقدرة التعليمية ليقوموا بدراسة
واعية يصلون بها إلى وضع خطة شاملة للعمل الدعوي في نيجيريا وغرب إفريقيا
عموماً.
١٠- الاهتمام بالشباب، وخاصة طلاب المدارس الثانوية والجامعات؛ إذ هم
المادة الخام للدعوة.
١١- العناية الخاصة بالجمعيات النسائية والعمل لتوجيه أعمالهن حتى لا يخلو
ميدانهن لدعاة التغريب.
١٢- تحسين المناهج الدراسية في المدارس الإسلامية التقليدية في نيجيريا
لرفع مستوى فاعليتها في المجتمع.
١٣- وأخيراً يمكن تشجيع إخواننا الدعاة، وخاصة من الدول العربية على
الممارسة الميدانية للدعوة في نيجيريا بأن يتطوع أخ أو مجموعة من الإخوة للدعوة
في بعض قرى نيجيريا مثلاً لمدة سنة أو أكثر، وتيسر لهم إحدى المؤسسات
الإسلامية الأدوات اللازمة مثل: السيارة لسهولة التنقل في القرى والأدوية،
والملابس ليوزعوها على المسلمين القدامى والجدد لتأليف القلوب، والقيام بكل
أعمال الخدمة الاجتماعية من الإغاثة، وحفر الآبار، وغير ذلك.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما فيه خير الإسلام والمسلمين. وعسى أن تقع هذه
الاقتراحات على قلوب رجال غيورين للدعوة الإسلامية؛ فينطلقوا بكل ما آتاهم الله
من علم وصحة وفراغ ومال وغير ذلك؛ ليلبوا هذه الصيحة! اللهم استجب،
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 3045
المسلمون والعالم
حمَّى سنة ٢٠٠٠
الحلقة الرابعة
عمران بيت المقدس.. ومصير الحل النهائي !
عبد العزيز كامل
هذه الحلقات
تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن
الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى
شهور معدودة، ومن اللافت أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية التي
يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود أفعال
قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب الوقت
من العام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها
لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل.
وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها،
ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها إن شاء الله في حلقات
منفصلة. ... ... ...
... ... ... ... ... - البيان -
قبل أن يلفظ القرن العشرون أنفاسه الأخيرة، يُراد منه أن يشهد الفصل
الختامي الذي يُسدل فيه الستار على المشهد الأخير من قضية (بيت المقدس) .
- فقبل العام ٢٠٠٠م يريد اليهود من العالم أن يحسم اختياره المتردد لصالح
اختيارهم الحاسم بالابتلاع (الأبدي) للقدس، عاصمة موحدة لدولتهم، وسيكون هذا
المحور الرئيس في المعركة الانتخابية في ١٧ مايو ١٩٩٩م.
- وقبل العام ٢٠٠٠م تريد حامية النصارى الولايات المتحدة الأمريكية أن
تُنفّذ قرار الكونجرس الملزم بنقل سفارتها إلى القدس في موعد أقصاه ٣١ مايو
١٩٩٩م.
- وقبل العام ٢٠٠٠م لا بد أن يرى العرب المصير الذي ستؤول إليه قضية
القدس، وهل ستصبح عاصمة للدولة الفلسطينية المقرر لها أن تعلن في ٤ مايو
١٩٩٩م بعد المرحلة الانتقالية للحكم الذاتي، أم أن القضية برمتها ستعود من حيث
بدأت، فيراجع العرب مع أنفسهم حساب الربح والخسارة في مسيرة الحرب والسلام؟!
ستشهد الشهور القادمة حسم هذه المسائل الثلاث، سلباً أو إيجابياً. والسلب
والإيجاب هنا، ليس أمراً قدرياً محضاً من قبيل المصادفات؛ ولكنه السلب
والإيجاب الذي يحكمه قانون الأسباب، وهو من القدر أيضاً. بمعنى آخر: فإن
الأسباب المبذولة من كل طرف لنصرة قضيته ودعمها بعد فهمها هي التي ستوجه
المؤشرات نحو هذا الحل أو ذاك. [وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم
بِبَعْضٍ] [محمد: ٤] .
إن هذا الأمر يدعونا إلى أن نطرح سؤالاً كبيراً يحوي أسئلة ثلاثاً وهي: ماذا
تعني (القدس) بالنسبة لليهود، وماذا عملوا من أجلها على مدى خمسين عاماً؟ وماذا
تعني (القدس) بالنسبة للنصارى، وماذا عملوا من أجلها على مدى تلك الخمسين وما
قبلها؟ وماذا تعني (القدس) بالنسبة للعرب والمسلمين؟ وماذا عملوا من أجلها خلال
ما مضى من عمر القضية؟ !
مَنْ مِن هذه القوى يملك خياره؟ بل مَنْ منها سيفرض خياره؟
ماذا تعني القدس عند اليهود؟
هم يطلقون عليها (يورشلايم) أو (أورشليم) ، أي: مدينة السلام، التي
سيقودون العالم منها تحت قيادة (ملك السلام) ! هكذا نسبوا للتوراة. ففي التوراة كمّ
كثيف من الحديث عنها؛ حيث ذُكرت فيها نحواً من ستمائة وثمانين مرة، ويطلق
اليهود على القدس أيضاً (صهيون) نسبة إلى الجبل الموجود فيها والمسمى بهذا
الاسم الذي انتسبت إليه الحركة الصهيونية، ويطلقون على القدس أيضاً كما في
التوراة (مدينة الإله) و (مدينة العدل) و (مدينة الحق) و (مدينة الشعب المختار)
وأيضاً يطلقون عليها (أريئيل) يعني: أسد الله. وكل هذه المعاني تشير إلى مغزىً
واحد، وهو ارتباط تلك المدينة بالعقيدة والشريعة اليهودية؛ حيث فرضت تلك
الشريعة على اليهود أن يحجوا إليها ثلاث مرات في العام، وأن يتوجهوا إليها دون
أرضٍ غيرها في العالم.
وحيث شُرّد اليهود عن تلك الأرض، ودُمّر المعبد المُتخَذ قِبلةً فيها دون أن
يستطيعوا العودة إليها أو إعادة معبدها عبر ألفي عام؛ فهل يسهل عليهم بعد أن
عادوا إليها أن (يتنازلوا) عنها كلها أو بعضها لقوم آخرين يريدون أن يتخذوها
عاصمة؟ هل سيقدّم اليهود هذه المدينة التي انتزعوها بالدم والدمع كما يقولون لقوم
أضاعوها في أيام، بعدما حفظها أجدادهم طيلة قرون؟ !
إن المدينة التي يحتفل اليهود الآن بذكرى مرور ثلاثة آلاف عام [١] على
بنائها، لا تقبل في تصورهم أن تقسم بينهم وبين غيرهم ما دامت قد وقعت في
قبضتهم.
والذين يتصورون أن اليهود سيفرّطون في القدس أو في أحد شطريها،
لصالح العرب، يعيشون وهماً كبيراً، وهم مخدوعون أو مخادعون! فالقدس في
معتقد اليهود كل لا يتجزأ، فهم لا يعترفون بتقسيمها إلى غربية لليهود وشرقية
للعرب، بل هي مدينة واحدة موحدة، تقبل الزيادة ولا تقبل التجزئة، وفي التلمود
أن (القدس ستتوسع في آخر الزمان حتى تصل إلى دمشق، وسوف يأتي المنفيون
ليقيموا خيامهم فيها) [٢] . وللقدس مكانة مستقبلية في التراث الديني اليهودي؛ فهي
ستكون عاصمة لمسيح الخلاص الآتي من نسل داود، ولهذا يطلقون عليها
(الشخيناه) أي: الملكوت الذي سيتنعم منه العالم. جاء في (الأجاداة) [٣] : (سيأتي
اليهود إلى القدس وسيأخذونها، وستمتلئ حدودها بالثروة) . وفي تفسير التوراة
صَوّرت (القبالاة) [٤] (أورشليم) وكأنها المكان الذي سيفيض بالخير من السماء،
ومنها يوزع على بقية العالم!
ومن اللافت للنظر أيضاً أنهم يعتقدون بمقتضى (القبالاة) أن القدس ستعلو
أسوارها حتى لا تصل إليها (قوى الظلام) ! وستكون مكاناً مناسباً لتهيئة اليهود
وإعادتهم إلى التقوى! !
ماذا فعل اليهود من أجل القدس؟ !
لقد برهن اليهود، ولا يزالون يبرهنون على أن المعاني العقدية لا بد أن
تترجم إلى وقائع عملية. وفيما يتعلق بالقدس، كان تحويلها إلى مدينة يهودية
خالصة هدفاً ماثلاً أمام كل القوى على اختلاف توجهاتها قبل إقامة الدولة وبعد
إقامتها، ووجدت فكرة (القدس اليهودية) من يحفرها على جدران الواقع الهش،
وسط أمة لم تحسن فهم الواقع فضلاً عن التعامل معه.
لقد تقرر اتخاذها عاصمة (دائمة) قبل أن تُتّخذ (تل أبيب) عاصمة مؤقتة،
وبُدئ في تهويدها بالفعل منذ قيام الدولة في عام ١٩٤٨م، وفي الرابع والعشرين
من شهر يونيو من العام نفسه أعلن بن جوريون في الكنيست أن مسألة إلحاق القدس
بإسرائيل ليست موضع نقاش، ثم تم بالفعل إعلانها عاصمة للدولة في ٢٣ يناير
١٩٥٠م.
وقامت (إسرائيل) بنقل كل الوزارات إلى القدس (الغربية) ريثما يتم الاستيلاء
على القدس الشرقية، وفي حرب يونيو ١٩٦٧م، وبعد يومين فقط من بدء الحرب، اجتاح الجيش الإسرائيلي القدس الشرقية محققاً الانتصار على مجموع الجيوش
العربية التي دخلت الحرب دون استعداد! ووقتها دخل (موشي ديان) وزير الدفاع
الأسبق ليعلن في تصريح أمام حائط المبكى، ما يُظهِر أن القدس الشرقية كانت هدفاً
رئيساً للحرب، قال: (لقد أعدنا توحيد المدينة المقدسة، وعدنا إلى أكثر أماكننا
قداسة، ولن نغادرها أبداً) وقد يقول قائل: إن مثل تلك التصريحات تقال في أزمنة
الحرب من أجل حشد الطاقات ورفع المعنويات، أقول: قد قالها بعد ديّان (رابين)
في أحد مؤتمرات السلام والتطبيع، ففي مؤتمر الدار البيضاء، وفي ضيافة الدولة
المضيفة لـ (لجنة القدس) قال رابين: (إن القدس الكبرى الموحدة، ستظل عاصمة
لإسرائيل لأبد الآبدين) [صحيفة هاتسوفين الإسرائيلية (١٢/١١/١٩٩٤م) ] .
أما نتنياهو فإن قضية القدس (الموحدة) بالنسبة له، هي قضية حياة أو موت،
وقد وقف أمام أعضاء الكونجرس الأمريكي في أول زيارة له بعد فوزه في
الانتخابات عام ١٩٩٦م وجهر بعبارة محددة ورددها ثلاث مرات، وكأنه يردد قَسَماً، قال:
أورشليم هي عاصمة إسرائيل الموحدة إلى الأبد..
أورشليم هي عاصمة إسرائيل الموحدة إلى الأبد..
أورشليم هي عاصمة إسرائيل الموحدة إلى الأبد..
ومع تعالي نبرات صوته كلما كرر العبارة، كانت تتعالى أصوات التصفيق
الحاد، لتغطي على صوت الميكروفونات، حتى دوّت القاعة كلها بتصفيق متواصل، وازداد حماساً بعدما وقف جميع أعضاء الكونجرس الأمريكي لتحيته! وفي أول
لقاء له مع بيل كلينتون في حديقة البيت الأبيض، أعلن نتنياهو إلغاء كل القيود
على الاستيطان في القدس.
إن العبارة التي قالها بن جوريون وكان يرددها بعده مناحيم بيجن: (لا قيمة
لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل) . هذه العبارة، تنسجم منطقياً
مع النظرة الدينية اليهودية للقضية، وتدل على أنهم يَعُون ويعنون ما يقولون، وإلا، فماذا يصنع اليهود بدولة يعقوب (إسرائيل) دون مدينة (داود) ؟ وماذا يستفيدون
من مدينة داود، دون معبد (سليمان) الذي ترتبط به صلواتهم وحجهم ومجمل ديانتهم؟
إن العلمانيين العرب لم يفهموا، أو لم يريدوا أن يفهموا هذه الأبعاد الدينية؛
ولذا فإنهم كانوا ولا يزالون يتخبطون في فهم القضية والتعامل معها، وليتهم إذ
عجزوا أو تعاجزوا عن فهم المعنى الديني.. أقبلوا على فهم المغزى التاريخي،
فإنه يعطي خاصة في سياقه الحديث إشاراتٍ فصيحة تنبئ عن ثبات الخُطا اليهودية
تجاه السيطرة التامة على القدس غربيةً وشرقيةً.
قصة الابتلاع:
بعد أن حاز اليهود القدس الغربية بعد حرب عام ١٩٤٨م، ونالوا من الأمم
المتحدة صكوك ملكها في حماية (الشرعية الدولية) اتجهت أنظارهم نحو (القدس
الشرقية) وكانت الحرب، وكانت النكسة، وكان الاحتلال، ولم تشأ الشرعية
الدولية أن تضفي شرعيتها على هذه (المخالفة) لقرار التقسيم، فأُطْلق على القدس
الشرقية وصف: الأرض المحتلة، ومن دون أن تتخذ هذه (الأمم) أي إجراء مضاد
لهذا الاحتلال يوقف المحتلين عند حدهم بعقوبات أو حصار أو تحالف دولي!
أما اليهود: فقد سارعوا إلى فرض واقع جديد في طبيعة الأرض التي استولوا
عليها، والتي لم يقدموا من أنحاء العالم إلا من أجلها؛ فبعد أقل من عشرين يوماً
من دخولها، صدر قانون يقضي بإخضاع القدس الشرقية لنظم الدولة في إسرائيل،
وبدأ ضمها الفعلي بدءاً من عام ١٩٦٨م، وفي ٣٠ يوليو ١٩٨٠م، صدر قانون
بضمها بشكل نهائي واعتبارها عاصمة رسمية موحدة للدولة ومقراً لحكومتها
وبرلمانها ومكتب رئيسها. وقد أطلق على هذا القانون: (مشروع القدس الكبرى)
وقد تم ذلك لإعطاء قضية توحيد القدس بُعداً عالمياً في المجتمع الدولي الذي أسهم
فعلياً في تسهيل مهمة اليهود في ابتلاع الشطر الأول، تاركاً لهم مهمة تدبير شأنهم
مع الشطر الثاني.
ولم يكن على اليهود بعد أن سيطروا على القدس الشرقية حيث مقدساتنا
الإسلامية إلا أن يتفرغوا لفرض واقع جديد، يتم تنفيذه على مراحل: سياسياً
وقانونياً وديموغرافياً؛ فالواقع الديمغرافي المتعلق بالهوية والسكان، كان يميل بشدة
إلى جانب العرب المسلمين في فلسطين عندما احتُلت القدس الشرقية، ولكن الكفة
ظلت تميد وتميل إلى جانب اليهود، وفق تصور مبيت وتدبير مقصود. لقد كان
سكان القدس من الفلسطينيين عام ١٩٦٧م يمثلون نسبة ١٠٠%، ولكن هذه النسبة
ظلت تنخفض بشكل خطير، ضمن مخطط يهدف إلى إيصالها إلى أدنى حد لها
بحلول العام ٢٠٠٠م، وذلك عن طريق مشروع (القدس الكبرى عام ٢٠٠٠م) وهو
مشروع يهدف باختصار إلى تقليص وتنقيص الأرض وسكانها عربياً، وإنمائها
وزيادتها إسرائيلياً؛ حيث تقرر بحسب المشروع أن توسع القدس لتمتد غرباً باتجاه
تل أبيب، وجنوباً باتجاه الخليل، وشمالاً إلى ما وراء رام الله وحتى حدود أريحا
شرقاً.
ولتنفيذ هذا المخطط (الذي يهدد ثلاثة أرباع الضفة الغربية) شرّد اليهود
حوالي ٦٠ ألف فلسطيني، وصادروا أملاكهم. أما الأرض الفلسطينية (المحتلة
بحكم الأمم المتحدة) : فقد أكلتها القوارض اليهودية في هدوء أمام صمت الأمم
المتحدة، حتى إنه في حقبة التسعينات، لم يعد الفلسطينيون يسيطرون إلا على ٢١% فقط من مساحة المدينة، تصل بعد التخفيض إلى ٤% فقط؛ لأن بقية النسبة
تتشكل من مناطق وعرة لا تصلح للسكنى والعمران [٥] .
لقد حدثت في المقابل طفرة في إسكان اليهود بالقدس الشرقية، وخاصة في
عهد نتنياهو، وكان أول ما بدأ به استكمال مشروع (البوابات) حول القدس ٢٦
بوابة وهو مشروع كان (شارون) قد بدأه في عهد (شامير) ليستكمل به تطويق
المدينة بأحياء سكنية يهودية.
سكان متدينون لعاصمة دينية:
ليس في دولة (إسرائيل) الدينية، عاصمة دينية وأخرى علمانية، بل فيها
عاصمة واحدة موحدة، يرون أنها عادت بالدين ومن أجل الدين، ولهذا فلا ينبغي
أن يسكنها إلا المتدينون؛ وهل في هذا الأمر غرابة؟ ! إن الغرابة في عكس هذا
الأمر، وهو أن تقع المدينة المقدسة في أيدي اليهود بعد قرابة ألفي عام ثم يتركها
المتدينون لسُكنى الفلسطينيين! أو حتى العلمانيين الإسرائيليين.
إن تسكين اليهود (المتدينين) لمدينة القدس يسير أيضاً وفق نسق ديني، يرسم
معالمه المتشددون من حاخامات وكهنة وطلاب علوم دينية، وتقوم على تحقيقه
الجهات المتنفذة من سياسيين وعسكريين.
ولماذا الدينيون المتشددون؟ ! لأنهم وحدهم الذين سيعرفون لها منزلتها في
الديانة اليهودية، وهم وحدهم الذين سيُخْلصون في تكثير سوادها [٦] وتعمير
مرافقها، وأهم من ذلك؛ فهم وحدهم الذين سيتصدون للدفاع عنها وعن المشاريع
اليهودية الدينية المستقبلية فيها وعلى رأسها (بناء المعبد الثالث) ؛ حيث سيكونون
طليعة المستقبلين للملك القادم على كرسي داود كما يروج لذلك الحاخامات الذين
ينسبون إلى التوراة على لسان سليمان ﵇: (أيها الرب إله إسرائيل، احفظ
لعبدك داود أبي ما كلمته به قائلاً: لا يُعدم لك أمامي رجل يجلس على كرسي
إسرائيل إن كان بنوك إنما يحفظون طرقهم، حتى يسيروا أمامي، كما سرت أنت
أمامي) [٧] فلا بد وفق هذا النص أن يكون جيل الخلاص مخْلصاً لليهودية متمسكاً
بها، حافظاً لطرقها، أما المفرطون من العلمانيين واليساريين والاشتراكيين
والليبراليين الإسرائيليين، فلا مكان لهم في الأرض المقدسة إلا إذا انضموا إلى
ركب المتدينين!
إننا نشهد في السنوات الأخيرة عملية حشد أو حشر كبيرة للمستوطنين اليهود
في المدينة المقدسة، ولا بد أن نتذكر، أن الاستيطان يقترن دائماً بالتدين والتسليح
وليس الحديث المستفيض في وسائل الإعلام عن الاستيطان اليهودي في القدس إلا
ترجمة لهذا الاتجاه. والمراقب للأمر يمكنه أن يرصد أن إسكان القدس للمتدينين
أصبح هدفاً تلتقي حوله القوى صاحبة القرار والتأثير في دولة اليهود، وقد اختصر
نتنياهو هذا الموقف بتصريح أدلى به أمام شركائه في الائتلاف الحاكم؛ حيث قال
بالنص: (أنا مستعد للذهاب إلى أبعد الحدود، ولو وصل الأمر إلى التضحية بتأييد
العالم من أجل تنفيذ وصية التوراة بتسكين القدس لليهود وإعمارها وتحرير أنفاقها)
وقال: (كل حلمي هو أن أبني القدس وأعمرها بالمستوطنات)
[يديعوت أحرونوت، ٢٨/٧/١٩٩٧م]
وهو بالطبع يقصد القدس الشرقية؛ لأن الغربية قد عُمرت بالناطحات لا بمجرد المستوطنات!
وللحقيقة فإن مساعي إسكان اليهود المتدينين للقدس لم تبدأ بنتنياهو وإن كانت
قد تضاعفت في عهده وإنما بدأت قبل مجيئه؛ فإضافة إلى الحرص الذاتي لدى
المتشددين اليهود لسكنى القدس، فقد كان هناك تشجيع رسمي لإحلالهم فيها، وقد
نقلت صحيفة
(هاآرتس) الإسرائيلية في (٦/٨/١٩٩٥م)
أن وزارة الإسكان أعدت خطة لإسكان المتدينين في القدس، تشمل ١٢٠ ألف وحدة سكنية منها ٦٥٠٠ وحدة بالقرب من مدخل القدس. ومما يدل على أن مشاريع الإسكان هذه لا تقل أهمية وخطورة عن مشاريع الحرب أن اليهود أوكلوا إلى الدموي (أرييل شارون) الذي كان وزيراً للحرب منصبَ وزير الإسكان [٨] ، ليحوّل شراسته في الحرب إلى شراهة في التهام وتكثير المستوطنات وتعميرها باليهود. وقد أثارت هذه الحُمّى الإسكانية انتباه المراقبين في الإعلام الدولي حتى إن صحيفة (الفيجارو) الفرنسية الصادرة في (١٦/٦/١٩٩٧م) رصدت الظاهرة، وكتبت تقول تحت عنوان: (غزو حقيقي للقدس) : (إن اليهود المتدينين يقومون بنشاط محموم بالتحالف مع الأحزاب الدينية والحاخامات، لجعل القدس مدينة محكومة بتعاليم التوراة فقط) ، وذكرت الصحيفة أن غزو المتدينين اليهود (الحريديم) للمدينة ظهرت له آثار عديدة، فقد حصلوا على حق إغلاق العديد من الأحياء في المدينة في وجه حركة المرور في يوم السبت تمشياً مع تعاليم التوراة التي تحظر أي نشاط غير العبادة في يوم السبت، كما أن هناك فِرَقاً مسموحاً لها بأن تأمر النساء بالاحتشام وتنكر على النساء العلمانيات اللاتي يرتدين ملابس غير لائقة، وذكرت الصحيفة أن هؤلاء المتدينين يتلقون الإعانات والتبرعات من يهود الشتات، ويتفرغون للتعليم الديني، ولا يشاركون في دفع الضرائب، وتعفيهم السلطة من الخدمة في الجيش إذا أرادوا، وقد قدمت لهم البلدية إحدى عشرة ومائة قطعة من الأرض مجاناً ليقيموا عليها سبعة وثمانين معبداً يمارسون من خلالها أنشطتهم في أنحاء المدينة.
وذكرت صحيفة نيوزويك في عددها الصادر في (٢٠/١٢/١٤١٦هـ) أن مدينة القدس، أصبحت معقلاً للتطرف اليهودي، وأشارت إلى أن عدد اليهود غير المتدينين الذين يغادرون المدينة في ازدياد؛ حيث أصبحت المدينة مكاناً غير مقبول بالنسبة لهم، نظراً للطابع الديني والقيود التي يضعها المتدينون اليهود على الحياة هناك.
والتمدد الديني بدأ يتسرب إلى باقي أجزاء الدولة اليهودية؛ فقد نجح المتدينون
الذين تسلموا سبع حقائب وزارية في وزارة نتنياهو، إضافة إلى رئاسة أهم اللجان
البرلمانية وهي (لجنة الدستور) في أن يكثفوا الدعوة إلى التطبيق الشامل لـ
(الشريعة اليهودية) وقدموا مقترحات رسمية لإغلاق كافة المصالح التجارية
والترفيهية اليهودية يوم السبت، إلى جانب إغلاق الشوارع الرئيسة في المدن
الكبرى الثلاث: القدس، وحيفا، وتل أبيب أمام حركة المرور، وإغلاق مطار اللد
في هذا اليوم أمام حركة الطيران الدولية! ! وامتثالاً لمطالب المتدينين أيضاً
حظرت الحكومة على كافة العاملات في البرلمان (الكنيست) ارتداء الملابس
القصيرة والسراويل.
[مجلة المجلة العدد (٨٥٥) ١٤/٢/١٤١٧هـ]
والقلق يتزايد في أوساط العلمانيين من نشوب حرب أهلية في القدس بين
المتدينين والعلمانيين؛ حتى إن صحيفة (معاريف) كتبت تقول في عددها الصادر
في ١٤/٧/١٩٩٦م: (إذا استمرت الأحوال على ما هي عليه في ظل حكم الليكود،
فإن العلمانيين لن يستطيعوا المعيشة بالقدس وقد يضطرون إلى المواجهة، ونقلت
الصحيفة عن وزير البيئة في الحكومة العمالية (يوسي ساريد) تخوّفَه من استسلام
العلمانيين للأمر الواقع؛ حيث قال: (إنني مُحبَط من أن جمهور العلمانيين تركوا
الساحة في الواقع في أيدي الدينيين) ! وأظهر استطلاع أجراه معهد
(جيئوقرتوجرافيا) أن نصف سكان إسرائيل يعتقدون بإمكانية قيام حرب أهلية بين
المتدينين والعلمانيين)
[صحيفة هاتسوفين الإسرائيلية (٢٣/١٢/٩٦]
إن بعض (الواقعيين) العرب، بدأوا يراهنون كعادتهم على هذا الخطر على
دولة (إسرائيل) وبدأوا ينسجون الأوهام حول احتمال أن تنفجر إسرائيل بالحرب
الأهلية الداخلية، بعد أن أخفق العرب في إخضاعها بالحروب الخارجية. وهذا
التصور، فوق أنه (احتمال) لا ينبغي أن تُبنى عليه المواقف والآمال، فهو احتمال
نستبعده، لأمرين:
الأول: أن اليهود المتدينين يعتبرون اليهود غير المتدينين مخزوناً استراتيجياً
بشريّاً لهم، ويراهنون على أن قطاعات كبيرة منهم ستصهرها حرارة الأحداث
القادمة في بوتقة اليهودية (الأصولية) .
الثاني: أن اليهود العلمانيين لن يكرههم أحد وهم علمانيون دنيويون على
البقاء داخل القدس، بل داخل إسرائيل، إذا داهمهم خطر الحرب والقتل والدم.
بل فوق هذا وذاك يُعِدّ يهود العالم (الأصوليةَ) اليهودية والنصرانية أيضاً
لتكون سلاح ردع في وجه (الأصولية) الإسلامية، التي ينظرون إليها على أنها
العدو الأول والأخطر، وهم قد أدركوا تماماً أن جندية: (أمجاد يا عرب أمجاد)
المناضلة تحت راية القومية العربية الفاشلة، قد بدأ يتجاوزها الزمان، بعد أن بدأت
تلوح في الأفق إرهاصات القدوم المظفر لجندية (الله أكبر) المقاتلة تحت راية
الإسلام الخالد.
فعلى طريقة: (لا يفل الحديد إلا الحديد) يبدو أن اليهود عازمون على تصدير
غلاتهم ومتشدديهم في صف المواجهة الأول مع مشروع الإسلام الجهادي التحريري
في بيت المقدس وما حوله. وما يتناثر من تصريحات اليهود هنا وهناك، يصبّ
جميعه في هذا الاتجاه. قال شمعون بيريز رئيس الوزراء السابق في مقال كتبه
لصحيفة (هاآرتس) الإسرائيلية في ١٧/١/١٩٩٧م: (إن الشرق الأوسط يقف عند
مفترق طرق خطير، لا شيء فيه يمكن أن يبقى كما كان، الوضع يتغير بسرعة،
وعلينا أن نختار بين التحول باتجاه سلام يصبح لنا فيه اقتصاد جديد، وبين تحول
إلى التطرف والأصولية، يصبح له سلاح جديد. إنني أرى بوضوح قوة التحول
إلى غير المرغوب؛ إن التحوّل الأصولي الإسلامي الذي يستهدف النصرة من
شريحة عملاقة من السكان في العالم الإسلامي تقدر بمليار و٣٠٠ مليون رجل
وامرأة، تحوّل لا يعتمد على المنطق، بل على التقديس وقصص الأساطير
والمعجزات والوعود بنعيم الجنة، وعلى رأس هذا التحول يقف رجال دين منظمون
، ومنظمات إرهابية في كافة أرجاء العالم، إضافة إلى دول ترعى الإرهاب وتسعى
للتزود بأسلحة صاروخية ذات رؤوس غير تقليدية، وتستعد لحيازة رؤوس نووية.. إذن؛ أردنا أم لم نرد، فإننا مضطرون للاختيار مع القرن القادم بين السلام، أو
مواجهة تعصب القرون الوسطى) ! وأردف بيريز قائلاً: (حتى سنة ٢٠٠٠م،
سيكون الشرق الأوسط مسلحاً من أخمص قدميه إلى رأسه بالصواريخ ذات
المسافات المتنوعة وبأسلحة غير تقليدية، وفوق هذا.. بأصولية عطشى وجائعة،
ومن شأن ذلك أن يغري بخوض حرب جديدة، والأكثر من ذلك ربما وإلى أن تحل
سنة ٢٠٠٠م تتصاعد من جديد المنافسة على زعامة العالم؛ حيث ستصبح المنطقة
ساحة واسعة لمن يحسم الصراع لصالحه) !
وقد أجرت صحيفة (هاآرتس) حديثاً في (٢٢/١١/١٩٩٦) مع بنيامين نتنياهو
وسأله الصحفي عن المخاطر الرئيسة التي تواجهها إسرائيل فقال: (إن عالم القرن
القادم سيكون متعدد الأقطاب وغير مستقر، وسنتعرض إلى خطرين رئيسين:
الخطر الأول: يأتي من داخل الفلسطينيين، أما الخطر الثاني: فسيتمثل في التهديد
الإسلامي من خارج فلسطين، ويتمثل الحل بالنسبة للتهديد الأول في أن نخلّص
الفلسطينيين من حلمهم، فمن الضروري أن يتحرروا من فكرة (الخلاص) ، وفيما
يتعلق بالخطر الثاني فلا أرى أنه يوجد حل سهل، واعتقد أن حل هذه القضية بعيد
عن إسرائيل، ومع هذا فإني شديد التفاؤل خاصة وأني واثق من أن دولة إسرائيل
ستصبح أكثر قوة مما هي عليه حالياً خلال السنوات القليلة القادمة، وستتحول
إسرائيل إلى جهة بالغة القوة في عالم ما بعد الصناعة الذي نقتحمه) !
ورغم محاولة نتنياهو تغليف خوفه من (الخطر الإسلامي) بالتفاؤل، إلا أننا
نلحظ أنه لم يسجل للأنظمة العلمانية خطراً يذكر على إسرائيل؛ فالإسلام داخل
فلسطين، والإسلام خارج فلسطين هو فقط الخطر الذي يؤرق أحلام اليهود.
لأجل هذا الرعب والذعر المتنامي عند كبار زعماء اليهود من (الخطر
الإسلامي) فإنهم يعمدون إلى استنهاض الهمم اليهودية والنصرانية المتشددة؛ إلى ما
يمكن تسميته بـ (توازن الرعب) فإلى جانب أسلحة الردع النووية والكيماوية
والبيولوجية التي تتترس بها دولة اليهود، فإنها تريد أيضاً حيازة ترسانة بشرية من
السلاح (الأصولي) لتخزينه في الأرض المقدسة، ليستخدم عند الحاجة ضد ما
أسموه (الأصولية الإسلامية) !
وما نعتقده، أن (الحشر) اليهودي إلى بيت المقدس، ومجيئهم إليه لفيفاً،
وعمرانهم إياه بالبناء والسكنى، ليس إلا مقدمة ليوم تحتشد فيه قوى الإيمان في
مقابلهم، مصداقاً لقول الصادق المصدوق ﷺ : (لا تزال
عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس
وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة) [٩] .
وبين (الأصوليتين) المتواعدتين قدراً للقاء محتوم على أبواب بيت المقدس،
هناك أصولية ثالثة، تتحسس خطاها، وتستحث أتباعها للقدوم إلى الأرض المقدسة؛ حيث ولد المسيح عيسى ﵇، وحيث سيعود. إنهم لا يرون للمسلمين حقاً
في هذه الأرض بشهادة تاريخ النصارى القديم والحديث بل لا يرون لليهود حقاً فيها
إلا باعتبارهم أداة قدرية تهيئ الدنيا لمقدم هذا المسيح العائد لتعميد اليهود والبشرية
كلها في الأرض المقدسة.
فعن هذه الأصولية الثالثة، المتهيئة والمتحفزة لاستقبال الألفية الثالثة في
الأرض المقدسة وفي احتفالات (بيت لحم ٢٠٠٠م) سيكون حديثنا في لقاء قادم إن
شاء الله.
стр. 3046
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
أطماع بلا حدود
نحن فخورون بأن الولايات المتحدة تعتبر الشريك التجاري الأول، وأكبر
مستثمر بمنطقة الخليج؛ حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والولايات
المتحدة نحو ٢٥ مليار دولار أمريكي. ولكن هناك قيوداً على الاستثمارات الأجنبية
في دول الخليج حيث تحدد نسبة مساهمة الأجانب بـ ٤٩% من الأسهم، ونحن
نعتقد أن وقت فرض القيود على الاستثمار قد انتهى.
... [مستشار وزير التجارة الأمريكي، جريدة الخليج، العدد: (٧٢٢٥) ]
الإسلام قادم
إن الإسلام بدأ ينتشر تياراً دينياً سائداً في الولايات المتحدة، إنه أسرع
الديانات نمواً، لقد تحول الإسلام في العقدين الأخيرين من عقيدة منعزلة إلى حركة
دينية، حركة تزداد قوة وتأثيراً وعدداً، تؤكد نفسها كما لم يحدث مطلقاً من قبل.
... [دورية أضواء على الأنباء الأمريكية، السنة ١٤، العدد: (٢) ]
الآن.. فشل الحوار! !
لقد كان الجانب الإسلامي يحسن الظن دائماً بالغرب حين يدعو إلى الحوار،
ولكن ثبت بالتجربة التي خاضها الجانب الإسلامي بكل الصدق النابع من الإيمان،
أن الجانب الآخر لم يكن على الدوام على المستوى الرفيع من سلامة القصد وحسن
الطوية؛ ليس فحسب في الأفكار والآراء التي كان يبديها ويعبر عنها، ولكن من
حيث المواقف التي يتخذها إزاء القضايا والمناسبات التي كانت تتطلب ذلك، وأمام
هذا الوضع يكون من حق الجانب الإسلامي أن يتساءل عما إذا كان هذا الحوار ترفاً
فكرياً ونشاطاً ثقافياً بين نخبة من المفكرين والعلماء لا نفع فيه ولا فائدة تجنى منه
أو نشاطاً من الأنشطة التي تنظم دون أن يكون لها تأثير في حياة الناس.
... [من تقرير منظمة الإيسيسكو، جريدة الأنباء، العدد: (٨١٩٦) ]
من جرائم الهندوس
قام الجيش الهندي الغاشم بهجوم مسلح مباغت، قتل فيه الشيخ محمد رمضان
سلفي، قائد وأمير جمعية أهل الحديث بجامو وكشمير، وذلك بعد عودة الشيخ
﵀ من إلقاء خطبة الجمعة بمسجد أهل الحديث المركزي بـ (سرينجر) .
[مجلة سياحة الأمة، العدد: (١٣) ]
الشعب كله فداك
١- في كوريا الشمالية يأكل الناس العصيدة، وهي عبارة عن خليط من أعواد
النبات وأوراقه. والمحظوظون منهم يأكلون البطاطس، إنه من المحتمل أن تكون
هناك الآن إحدى أكبر المجاعات في هذا القرن، وقد مات بسببها حوالي ٣ ملايين
شخص حتى الآن، إن الناس توقفوا عن الزواج لأنه لا يوجد غذاء للأطفال، ولا
توجد غير قناة تلفزيونية واحدة، تنقل لهم أناشيد لا حصر لها تمدح (الزعيم العظيم) .
[جريدة هيرالدتيربيون الدولية، جريدة الجرائد العالمية، العدد: (٦٢١) ]
٢- مع الاحتفال بعيد ميلاد الزعيم الكوري الشمالي، أنفقت الدولة ما يزيد
على ٩٠ مليون دولار، منها مليونٌ و٦٠٠ ألف دولار للألعاب النارية، و٤ ملايين
دولار لاستيراد الكافيار الإيراني، ونظم مهرجان اشترك فيه ستة آلاف عارض
وراقص جاؤوا من ٢٢ دولة! !
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٨٦) ]
وهذا هو السبب! !
لماذا تقرير المصير والاستقلال حلال على التيموريين، وحرام على
الكوسوفاويين؟ لا بد أن يقال بكل وضوح إن من الأسباب الرئيسة كون الصرب
في نهاية المطاف من المسيحيين الغربيين الذين تنتصر الدول الغربية لهم في كل
الأحوال، وإن الكوسوفاويين الذين يطالبون بالاستقلال هم من المسلمين الذين لا
ظهير لهم.
[فهمي هويدي، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٤٧٠٥) ]
جهاد القوى الاستعمارية.. بالتطبيع! !
أعلن وزير الدولة السوداني للشؤون الخارجية الأسقف غبريال روريج أن
هناك اتصالات مكثفة حالياً بين القائم بالأعمال الأمريكي في نيروبي ومسؤولين
كبار في وزارة الخارجية السودانية لحل القضايا الخلافية بهدف تطبيع العلاقات
الدبلوماسية بين البلدين. ... ... ...
[جريدة الحياة، العدد: (١٣١٥٣) ]
وماذا عن مسلمي الأندلس والبوسنة؟
دعا رئيس وزراء النرويج دول أوروبا إلى الاعتراف بالذنب الذي اقترف
ضد اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية على كافة المستويات المعنوية
والأخلاقية والمادية، ثم قدم اعتذاره عن هذه المذابح وأضاف أن حكومته قررت
التبرع بمبلغ ٦٠ مليون دولار لتخليد ذكرى اليهود الذين قتلوا في أوروبا.
[جريدة الخليج، العدد: (٧٢١٩) ]
بعد ٣٠ سنة قومية! !
إن الحديث عن العروبة والقومية العربية يعد نوعاً من العنصرية، إن الانتماء
الحقيقي يجب أن يكون للأرض الإفريقية، الوحدة العربية والقومية العربية..
كلمات كبيرة.
[الرئيس الليبي، معمر القذافي، جريدة الخليج، العدد: (٧٢٣٤) ]
شاهد من.. عدوها
إنه وباستثناء الإسلاميين فإن القوى السياسية الأخرى في تركيا، غير
مترابطة وبلا أيديولوجية واضحة وتتسم بالانتهازية، كما أنها عجزت عن تحقيق
صلات قوية بالمجتمع.
[لوموند بلوماتيك الفرنسية، عن جريدة الجرائد العالمية، العدد: (٦٢١) ]
أذكياء أكثر مما تتوقع
قال وزير الدفاع الإسرائيلي السابق إسحاق مردخاي: إن السلطة الفلسطينية
قررت التصدي لهجمات يشنها مقاومون ضد إسرائيل في الفترة التي تسبق
الانتخابات الإسرائيلية، وقال: الفلسطينيون أذكياء بالقدر الكافي؛ فقد أدركوا أنه
إذا ارتكب خطأ وفشلوا في منع الهجوم في وقت الانتخابات فسيضر ذلك بالاتفاق
كله. ... ... ... ... ... ...
[جريدة الأنباء، العدد: (٨١٨١) ]
بعضهم أولياء بعض
وجه حوالي ١٥٠٠ من المثقفين المصريين نداءً إلى الرئيس التركي ناشدوه
فيه إجراء محاكمة عادلة لعبد الله أوجلان، وقالوا في البيان الصادر عنهم: إننا
نشعر بالقلق والألم العميق على مصير الزعيم الكردي.
[جريدة الأسبوع، العدد: (١٠٧) ]
سائرون على العهد
كشف ديفيد قمحي، مدير المخابرات الإسرائيلية الأسبق، عن تقديم أصدقاء
لطفي الخولي المصريين من جماعة كوبنهاجن تعهدات بالاستمرار في الطريق الذي
بدأوه مع العدو الإسرائيلي، وأكد ديفيد قمحي أن (إسرائيل) خسرت كثيراً بعد وفاة
الخولي قائد جماعة كوبنهاجن. ...
[جريدة الشعب، العدد: (١٣٣٩) ]
يا حسرة على النمور
إن النمور الآسيوية العظيمة لم يعد لها وجود، هذه الدول صغرت وتراجعت
إلى دول تطلب المعونة، وأطيح بحكوماتها وتقوض نظامها السياسي، وربما نجد
أن استقلالنا الذي حصلنا عليه أخيراً قد تقوض.
[مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، مجلة المشاهد السياسي، العدد: (١٥٤) ]
وأين إيجابيتكم؟
صرح خافيير سولانا، الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلنطي: إننا نعاني
من مشكلات خطيرة مع صربيا في رامبوييه، وذلك على العكس بالنسبة لوفد
كوسوفا الذي يبرهن حتى الآن على أن موقفه إيجابي.
[جريدة الباييس الأسبانية، عن جريدة الجرائد العالمية، العدد: (٦٢١) ]
أيادي أمريكا.. البيضاء!
اتهمت لجنة التحقيق المكلفة بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب
الأهلية في جواتيمالا التي استمرت ٣٦ عاماً وانتهت عام ١٩٩٦م وأسفرت عن
سقوط ٢٠٠ ألف قتيل اتهمت وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) التي دعمت
الجيش الجواتيمالي بشكل مباشر وغير مباشر.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٩٦) ]
مؤهلات الاستقلال
في تيمور الشرقية، لم يستطع المستعمر البرتغالي طوال خمسة عقود أن
يؤسس بها أي بنية أساسية، ولم يقوموا بتأهيل سكان الإقليم، إن نسبة الأمية تصل
إلى ٩٠% إلى جانب أن الأطباء والمهندسين والمدرسين والإداريين الموجودين في
تيمور معظهم من خارج الإقليم، كما أن ميزانية تيمور حوالي ٤٠٠ بليون روبية
وأن ما يأتي من ثروات الإقليم يمثل فقط ١٠ ملايين روبية.
[جريدة الشعب، العدد: (١٣٣٧) ]
مرصد الأرقام
- كشفت صحيفتا الجارديان والأوبزوفر البريطانية عن إلقاء قوات التحالف
٤٠ طناً من اليورانيوم المشع على العراق أثناء حرب الخليج.
[جريدة الشعب، العدد: (١٣٣٠) ]
- كان من فاتورة حرب الخليج أن حصلت الولايات المتحدة على مبلغ ٥٤
بليون دولار، وكانت تكاليفها في الحرب ٣١ بليوناً أي أنها ربحت ٢٣ بليون
دولار، وجمعت الحكومة البريطانية ٦ بلايين دولار ولم تزد تكلفتها عن ثلاثة
بلايين، وحصلت تركيا على ثلاثة بلايين، كما حصلت إسرائيل على بليون دولار
لضحايا صواريخ سكود، إضافة إلى عشرة بلايين كتسهيلات.
[مجلة روز اليوسف، العدد: (٣٦٨٣) ]
- في بداية عام ١٩٩٢م كان حجم التبادل التجاري بين مصر وإسرائيل ملياراً
و٦٠٠ ألف جنيه، ثم انخفض إلى ٦٧٧. ٧ مليون جنيه في عام ١٩٩٦م، ثم
ارتفع مع وصول نتنياهو إلى مليار و ٢٧٠ ألف جنيه.
[مجلة روز اليوسف، العدد: (٣٦٨٣) ]
- خلف العنف الذي يضرب الجزائر ١٨٠ ألف يتيم و ١٤٧ ألف طفل غير
شرعي.
[الشرق الأوسط، العدد: (٧٤١٤) ]
- ارتفعت نسبة البطالة في الأسواق العربية لتصل ١٤% وهو ما يعني وجود
١٢ مليون عاطل عن العمل في الدول العربية، وتقدر الخسائر الناتجة عن ذلك
بنحو ١١٥ مليار دولار سنوياً.
[جريدة الخليج، العدد: (٧٢١٩) ]
- انكشف في عام ١٩٩٨م استحواذ (٣٥٠) مليارديراً دولارياً عالمياً وحدهم
على دخول ٤٥% من سكان العالم.
[جريدة الشعب، العدد: (١٣٢٧) ]
موجز المرصد
اعترف ألكسندر لوكا شينكو رئيس روسيا البيضاء بأن بلاده ارتكبت خطأً
كبيراً عندما تخلت عن أسلحتها النووية.
[مجلة المشاهد السياسي، العدد: (٢١٥٧) ]
قامت بلدية إسرائيلية بتحويل مسجد في قرية مجدل عسقلان إلى (مطعم وبار) .
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٢٢٤) ]
قامت السفارة الإسرائيلية في عمان بتوزيع ما تسميه دراسات ووثائق تمعن
في الإساءة إلى العقيدة الإسلامية والقرآن الكريم والنبي محمد -صلى الله عليه
وسلم-.
[مجلة الإصلاح، العدد: (٤٠٣) ]
لم تجد شركة دعاية إسرائيلية سوى نداء (الله أكبر) للترويج لموقع لها على
شبكة الإنترنت ينشر منتديات القمار ومواقع الجنس.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣١٤٧) ]
اعتبرت محكمة فيدرالية أمريكية أن سياسة منع اللحى التي تعتمدها الشرطة
في ولاية نيوجرسي، عملاً تحيزياً مخالفاً لحرية التعبير.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣١٤٧) ]
قال الرئيس التركي سليمان ديميريل: إن أنقرة لا يمكن أن تقبل الضربات
الأمريكية في شمال العراق ... التي أدت إلى إغلاق خط أنابيب النفط الخام من
العراق إلى تركيا.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٠١) ]
سمحت وزارة الداخلية الإيرانية بإحياء عيد النار، وهو من طقوس الديانة
الزرادشتية.
[جريدة الأنباء، العدد: (٨١٩٨) ]
أفادت دراسة أوروبية نشرت في ستراسبورغ، أن أمرأة من كل خمس نساء
تقع ضحية أعمال عنف في دول مجلس أوروبا الأربعين، وأن ٩٠% من أعمال
العنف ترتكب من قبل أفراد العائلة أو أقرباء.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٠٣) ]
غادر مئة مهندس وعامل من قاعدة عسكرية تابعة للصرب، غادروا إلى ليبيا
لصيانة سفن حربية وغواصة ليبيية.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣١٠٧) ]
стр. 3047
قضايا ثقافية
المدرسة العصرانية
مفهومها ونشأتها.. خصائصها ومزاعمها
(١/٢)
محمد حامد الناصر
طلع علينا عدد من الكتاب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتجمعوا
تحت شعارات براقة مثل: الدعوة إلى (الفكر الديني المستنير) ، و (شعار
الاستنارة) وطلعت علينا أسماء رنانة يحمل كل منهم لقب (المفكر الإسلامي الكبير)
أو (المؤرخ الإسلامي الكبير) ونحو ذلك.
وقد أسهم أعداء الأمة من المستشرقين والمنصّرين في تلميع هذه الأسماء أمام
جمهرة المسلمين.
وكان هذا التيار يمثل جبهة الاتجاهات الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى
اليسار، رافعاً شعار (التجديد) أو (الاستنارة) ، ويخفي حقيقة دعوته عن الأمة،
والتي هي عند التمحيص ليست إلا وجهاً من وجوه (العلمانية) .
* والعصرانيون ليسوا سواء:
فهناك من يصدر في كتاباته عن نية صريحة في هدم الإسلام، متأثراً بأفكار
قومية علمانية، أو يسارية شيوعية.
وهناك من يحاول إثارة الارتباك في أفكار الإسلاميين عن طريق شغلهم
باصطلاحات مبتدعة صعبة الضبط، أو عن طريق قلب مواقف التراث بأفكاره
وحركاته، فيجعل المنحرفين والضّلاّل أصحاب انفتاح وثورة، في حين يجعل
علماء الإسلام أهل جمود ورجعية.
وأكثر العصرانيين في هذه المرحلة من هذا الصنف. ومنهم من يصدر في
معالجته لقضايا الإسلام عن مصلحة سياسية يعمل من أجلها، فيركب الموجة في
إعلان حربه على أصحاب الصحوة الإسلامية متأثراً بالأهواء الرخيصة. ومنهم من
يصدر عن حسن نية، محاولاً الاجتهاد، إلا أنه يبقى مشدوداً إلى تصورات المناهج
الغربية التي تلقاها خلال دراسته أو ابتعاثه إلى ديار الغرب، أو يظل متأثراً بأفكار
المعتزلة، أو يكون ممن جُمعت هذه كلها في عقليته، فوقع في الاضطراب والخلل
والتناقض.
وكان من هؤلاء مع الأسف بعض رموز العمل الإسلامي الحديث، الذين
نرجو لهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يعوا حقيقة المعركة مع العلمانيين وأبعاد هذا
الصراع معهم [١] .
* فما حقيقة التجديد عند هؤلاء العصرانيين؟
لقد زعم أصحاب هذه المدرسة أنهم يريدون التجديد لتنهض الأمة من كبوتها،
ويريدون إعادة كتابة التاريخ الإسلامي من خلال طرح العديد من الدراسات
والأبحاث المتعلقة بالتراث؛ إلا أنهم عمدوا إلى إحياء وتمجيد الاتجاهات الفكرية
المنحرفة، وعرضها في إطار عقلاني تحت مظلة الانتماء إلى التراث الإسلامي.
ثم قاموا بطرح العديد من الشعارات الجديدة التي تصل بين مفهومهم عن
الإسلام والماركسية، أو القومية والاشتراكية، أو بين الإسلام والديمقراطية الغربية.. مما يشتت جهود الانطلاقة نحو الإسلام [٢] .
والحقيقة أن هؤلاء ساروا على خطا من سبقهم من المعتزلة الجُدد و (المدرسة
الإصلاحية) بزعامة الشيخ محمد عبده، ورددوا آراء المستشرقين، ونسبوا كل ذلك
إلى أنفسهم، وقلما أشاروا في كتاباتهم إلى هذه الجذور المريبة [٣] .
* فما المقصود بالعصرانية وكيف نشأت؟ !
(إنها حركة تحديث واسعة نشطت في داخل الأديان الكبرى، داخل اليهودية، وداخل النصرانية، وداخل الإسلام أيضاً، إن هذه الحركة عرفت في الفكر الديني
الغربي باسم العصرانية (Modernism) وكلمة عصرانية هنا لا تعني مجرد
الانتماء إلى هذا العصر ولكنها مصطلح خاص؛ إذ تعني العصرانية في الدين:
وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة
يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية
السائدة) [٤] .
(وهي الحركة التي سعت إلى تطويع مبادئ الدين لقيم الحضارة الغربية
ومفاهيمها والتي هي ربيبة الثقافة اليونانية وإخضاع الدين لتصوراتها ووجهة
نظرها في شؤون الحياة) [٥] .
وقد كان للصراع بين الكنيسة والنهضة الحديثة أثر قوي في ظهور العصرانية
لدى النصارى بشكل خاص.
* العصرانية عند اليهود [٦] :
بدأت في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي في ألمانيا نزعات جديدة تظهر
بين اليهود، تكونت منها فيما بعد فرقة جديدة عرفت باسم (اليهودية المتحررة) ،
وتسمى أيضاً اليهودية التجديدية أو (الإصلاحية) .
وكان ذلك يتم للملاءمة بين الديانة اليهودية ومعطيات الحضارة الغربية الجديدة.
وكان الدافع لهذه الحركة هو رغبة اليهود في اللحاق بركب العصر، ثم ألف
زعيمها (مندلسون) العديد من الكتب، وكان شعاره في ذلك: (الاستجابة للعادات
وأعراف المجتمع العصرية، مع المحافظة والإخلاص لدين الآباء) .
وكان من شعارات هذه الحركة: (أن الدنيا كلها تتغير من حولنا فلماذا نتخلف
نحن؟ !) .
أخي القارئ: سوف تلاحظ فيما يأتي أن بعض العصرانيين المسلمين
يكررون المقولة نفسها وبأشكال مختلفة. ومما يؤسف له أنك تلاحظ أن هناك قاسماً
مشتركاً بين العصرانيين اليهود والنصارى والمسلمين.
وتطورت هذه الحركة اليهودية على يد جيل من المفكرين من أحبار اليهود؛
فيرى (هولد هايما) مثلاً، أن الشريعة الإلهية موقوتة بظروفها وينبغي إيجاد
تشريعات بديلة عنها!
ويرى آخرون: (أن جوهر اليهودية ليست أشكالها ولا حتى شريعتها، ولكن
جوهرها هو أخلاقها) .
وقد وجدت هذه الحركة ضجة كبيرة وسط اليهود، حتى إن بعضهم كان يرى
أن موت اليهودية هو تطويعها لمبادئ العصر وإلى هذا التطور المتحرر من كل قيد.
* التجديد العصراني للنصرانية [٧] :
في الوقت نفسه الذي كانت تزدهر فيه حركة التجديد في اليهودية، كانت
النصرانية بشقيها: الكاثوليكي والبروتستانتي تشهد تطورات مماثلة تشترك في
الهدف نفسه، وهو إيجاد التآلف بين إيمان الآباء وبين أفكار العالم الحديث
ومنطلقاته المتطورة.
يقول أحد كُتّاب الغرب ممن سجلوا هذه الظاهرة، وهو (جون راندال) في
كتابه: (تكوين العقل الحديث) : (إن الذين دعوا أنفسهم بالمتدينين الأحرار في كل
فرقة دينية سواء بين البروتستانت أو اليهود، أو حتى الكاثوليك قد ذهبوا إلى القول
بأنه وإن كان للدين أن يُشكّل حقيقة حية، وإذا كان له أن يظل تعبيراً دائماً عن
الحاجات الدينية للجنس البشري فلا بد له أن يتمثل الحقيقة والمعرفة الجديدتين،
وأن يتآلف مع الشروط المتغيرة في العصر الحديث من فكرية واجتماعية) [٨] .
(فالعصرانية تقيم نظرتها على رفض سلطة المنقول؛ لأنه يناقض ما أثبته
العلم الحديث في نظرها، وتدعي أن المنقول سواء تمثل في الأناجيل أو في
شروحها، ما هو إلا تعبير عن التطور المرحلي للفكر الديني في العصر الذي كتب
فيه ... وبناء على هذا يعتقد أن الحقائق الدينية تخضع لتفسيرات متطورة حسب
تقدم المعرفة البشرية، وكلما تقدمت المعرفة، حدثت تصورات جديدة لحقائق
الدين) [٩] .
ويؤكد هذا المفهوم في تطور الحقائق الدينية بلا ضوابط ثابتة قول أحد كتاب
الإنجليز (ثرنون ستور) : (العصرانية هي تلك المحاولات التي تبذلها مجموعة من
المفكرين لتقديم حقائق الدين المسيحي في قوالب المعرفة المعاصرة. إننا الآن لا
نلبس ملابس أجدادنا، ولا نتكلم لغتهم، فلماذا في ميدان اللاهوت نُكرهَ على أن
نفكر بعقول العصور البالية.. الويل للكنيسة التي تغمض عينيها فتعمى عن رؤية
نعمة المعرفة الجديدة) [١٠] .
وهؤلاء الآباء نقدوا التوراة والإنجيل في إطار ما سمي بالنقد التاريخي؛ إذ
يؤكد الراهب (بلويزيا) (أن الأناجيل في صورتها الحالية تشتمل على مجموعة من
الأساطير والخرافات؛ لهذا لا يمكن أن تكون هي كلمات الله المقدسة، ومن هذه كل
ما هو غيبي وخارق للطبيعة) . وكان من نتائج هذا النقد التاريخي أن دخلت فكرة
التطور في تعاليم الدين، ويتبع ذلك مفهوم نسبية الحقيقة) [١١] .
وفي الوقت نفسه سار التجديد في البروتستانتية الحرة، وتوصلوا إلى النتائج
السابقة نفسها عند الكاثوليك الأحرار، وقالوا: إن الكتاب المقدس خليط مما هو
إلهي وبشري، وكان عيسى ﵇ مجرد بشر.
ومن الملاحظ أن (البابا) (بيوس العاشر) كان قد أصدر منشورين عن الحركة
العصرانية عام (١٩٠٧م) ودمغها بالكفر والإلحاد، ووصفها بأنها (مركب جديد لكل
عناصر البدع والهرطقة القديمة) [١٢] .
ومن المتناقضات العجيبة أن هذه القصة بكل فصولها نقلت إلينا من الغرب،
فظهرت لها نزعات مشابهة في العالم الإسلامي منذ القرن الماضي عند بعض
المتغربين ... فنادوا بتفسير بعض القضايا الإسلامية تفسيراً عقلانياً، وحاولوا
إخضاع القرآن والسنة للمقاييس المادية حتى تتلاءم مع منهج الغرب وقيم الحضارة
الحديثة التي بهرت كثيراً من الذين كانوا يرونها المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم.
والذي سمى هؤلاء (مجددين) إنما هو الاستعمار وتلاميذه وعملاؤه من
المستشرقين والمنصّرين ... هؤلاء (المجددون) هم الذين سخر منهم الرافعي رحمه
الله حين دخل معركته معهم في كتابه: (تحت راية القرآن) وقال: (إنهم يريدون أن
يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر) [١٣] .
* خصائص المدرسة العصرانية (الإسلامية) :
يتلخص منهج العصرانيين المتحدثين باسم الإسلام في قاعدتين أساسيتين هما:
أولاً: دعوى تطوير الدين ليساير بزعمهم الحضارات الوافدة:
لقد دأب هؤلاء على محاولات تطويع نصوص الشريعة حتى تساير معطيات
الحضارة المادية، واتبعوا في ذلك آراء المستشرقين من اليهود والنصارى [١٤] .
وقد سار على نهج العصرانية المتحررة عدد من كُتّاب المسلمين، وظهرت
لهم مؤلفات عديدة في هذا المجال؛ من ذلك كتاب: (الفكر الإسلامي والتطور)
للدكتور محمد فتحي عثمان.
والكتاب كما يقول صاحبه: (محاولة لمناقشة قابلية الإسلام في أصوله للتطور، ورصيد المسلمين التاريخي في التطور، والواقع المعاصر، واحتياجنا للوعي
بحقيقة التطور عندنا وعند غيرنا) [١٥] .
وتظهر خلفية الكتاب الفكرية فيما يورده الكاتب من أمثلة لتطور الفكر
الديمقراطي في الغرب، والفكر الاشتراكي، وتعدد مدارسه، ... ثم يتساءل:
(لماذا يُكتب على الفكر الإسلامي وحده الجمود؟) [١٦] .
ويرى الكاتب (أن التطور مسألة حتمية في كل شيء ... ولا تصح التجْرِبة
المثالية للدين في عصر الخلفاء الراشدين ... إنها تَجْرِبة مثالية بالنسبة لظروف
الخلفاء الراشدين السائدة في وقتهم، وبالنسبة لتفكيرهم وزمانهم وأقوامهم!) .
(ويستلزم من أجل ذلك ترجمة جديدة، وإعادة تقدير للحقائق الأساسية للعقيدة،.. ويجب أن نصحح منهجنا للدين كل سنة وكل شهر وكل يوم وكل لحظة وليس كل مائة سنة لأن المعرفة لا نهاية لآفاقها، ولأن التقدم الإنساني لا تَوَقّفَ
لسيره) [١٧] .
وفي الأقوال السابقة مغالطات كثيرة:
فالعقل الإنساني هو الطريق إلى تلقِّي الدين ومنهجه وتطبيقه، وهو مقيد
بشروط مجمع عليها عند علماء الأمة، كالعلم بالعربية وبمقاصد الشريعة ...
وهناك كُتّاب آخرون ناقشوا قضية التطور وعلاقتها بالتجديد وبالدين عموماً:
منهم: (أمين الخولي) في كتابه (المجددون) إذ يقول فيه: (إننا ننتهي
باطمئنان إلى أن التجديد الديني إنما هو تطور، والتطور الديني هو نهاية التجديد
الحق) [١٨] .
أما الشيخ عبد الله العلايلي: مفتي لبنان الأسبق، فيقدم لنا في كتابه: (أين
الخطأ؟) مجموعة من الأخطاء يريد تصحيحها مثل: إباحة التعامل المصرفي،
وأنه لا رجم في الإسلام، وأن الزواج المختلط بين المسلمين والكتابيين رجالهم
ونسائهم حلال شرعاً) [١٩] .
وللدكتور حسن الترابي آراء في مجال تطوير الدين نقتطف منها بعض أقواله، يقول الدكتور حول موقفه من أفكار السلف: (فأفكار السلف الصالح ونظمهم قد
يتجاوزها الزمن، من جراء قضائها على الأمراض التي نشأت من أجلها،
وانتصارها على التحديات التي كانت استجابة لها) .
ويتساءل بعدها: (ولكن المرء لا يعرف اليوم تماماً كيف يعبد الله في التجارة
أو السياسة أو يعبد الله في الفن) ويؤكد الدكتور آراءه بقوله: (ومهما كان تاريخ
السلف الصالح امتداداً لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يوقر بانفعال يحجب تلك
الأصول، فما وجد في تراث الأمة بعد الرسول ابتداءً بأبي بكر فهو تاريخ يستأنس
به؛ فما أفتى به الخلفاء الراشدون مثلاً، والمذاهب الأربعة في الفقه، وكل التراث
الفكري الذي خلفه السلف الصالح في أمور الدين، هو تراث لا يُلتزم به، وإنما
يُستأنس به في فهم سليم لشريعة تنزّلت في الماضي على واقع متحرك، وهي تُنزّل
اليوم عى واقع متحرك) [٢٠] .
والدكتور الترابي يخالف بأقواله هذه ما كان عليه علماء الأمة..
ومعلوم بالضرورة أنه على المسلمين أن يقتدوا برسول الله -صلى الله عليه
وسلم- في أقواله وأفعاله، وأن يقتدوا بأصحابه ﵃ لقوله: (عليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضّوا عليها بالنواجذ) [٢١] .
* وقفة مع دعاة التطور:
إن التطور يعتبر طبيعياً إذا كان اجتهاداً في الفروع وما يسع الخلاف فيه،
وليس في الأصول المعلومة من الدين بالضرورة، أما إذا استجاب الدين لكل تفسير، فذلك يعني تجاوزه إلى عقول البشر ويعني العلمانية، أي فصل الدين عن الحياة
باسم التجديد والتطوير.
ولو صدق هذا الأمر على اليهودية والنصرانية بسبب ظروف تاريخية،
وبسبب ما حصل فيهما من تحريف؛ فإن هذا لا ينطبق على الإسلام أبداً، حتى
يرث الله الأرض ومن عليها.
والتطور التشريعي نوعان: منه ما هو إداري بحت، يراد به ضبط الأمور
وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ومن ذلك ما عمله عمر
﵁ في ديوان الجند، وشراؤه دار صفوان بن أمية وجعلها سجناً في مكة
المكرمة، مع أن الرسول ﵊ لم يتخذ سجناً ولا أبو بكر؛ فهذا
النوع من الأنظمة لا يخرج عن قواعد الشرع ومراعاة المصالح العامة) [٢٢] .
وهذا مما يدخل تحت أحكام الشريعة عن طريق المصالح المرسلة، وهي
أحكام تقرها الشريعة السمحة بضوابط معتبرة.
أما النوع الثاني من الأنظمة، المتمثل في القوانين الوضعية، التي تحرم ما
أحل الله، وتحل ما حرم الله، فإن إقراره كفر بخالق السموات والأرض وذلك
بإجماع المسلمين، وإذا كان التطور على حساب العقيدة والشريعة فذلك خروج على
الدين ولا شك.
стр. 3048
بأقلامهن
عاطفة المرأة بين السلب والإيجاب
فاتن سعد الصويلح
أختي الحبيبة.. أُختي في الله.
هل لي أن استأذنك لأعيش معك بفكرك وخاطرك.
هل لي أن استأذنك وأمشي معك في حديث ومكاشفة.. وأخاطب تلك الروح
الشفافة التي ارتضت الله رباً والإسلام ديناً ومحمداً رسولاً. أستأذنك لأعيش معك
دقائق معدودة مع كلمات أحسبها صادقة لا تعرف المجاملة ولا التزييف وإنما غايتها
النصح وقصدها الهداية.
أُختي ... إن الله قد فطرك على توحيده والإيمان به، ومما
فطرك عليه ما تحملينه من حب وشفقة وحنان وود ورحمة وعطف قد تفوقين به
الرجل، وكل ذلك لا يمثل إلا مجموعة من العواطف والمشاعر والأحاسيس التي
تأخذ في مسارها السلب والإيجاب؛ فمن أحبت الله بذلك النهج أحبت هذا الكون
الفسيح الذي يدل دلالة واضحة على المبدع والخالق . وبما أن
خطابي لك يا أمَةَ الله خطاب المسلمة للمسلمة فإني أعلم يقيناً أنك تعلمين أن تلك
المشاعر والعواطف يجب أن تكون وفق ما يرتضيه الله ورسوله أولاً، ووفقاً لما
يكون مقبولاً عقلاً وعرفاً ثانياً، وانطلاقاً من قول الله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] [التوبة: ٧١] . وإن كنت قد
استعرضت فيها نقداً لي ولك فاصبري لأجل الحق في الله رحمني الله وإياك،
ولتعلمي أن النقد ضرورة فطرية، ومطلب شرعي تربوي [١] .
إن الله لم يخلق قلبكِ ضاماً أحاسيسك وعواطفك عبثاً بل خلقه
لغاية ولهدف منطلقاً من هذا الهدف السامي وهو الإيمان بالله نوجه عواطفنا
ومشاعرنا وأحاسيسنا لما يقويه من إيجابيات، ونبتعد عما يضعفه من سلبيات قاتلة
نسعى جاهدين للبعد عنها وتوقي الشر حيثما كان.
سلبيات العواطف والمشاعر:
أختي الحبيبة: إن أقوالنا وأعمالنا لا تكاد تسلم من الخلل والكمال لله سبحانه
وتعالى ومما لمسته من سلبيات قد تكون فيّ أو فيك، ولا أرجو من الله إلا أن يقينا
شرها ويبعدها عنا. فأدعوك صادقة للتأمل في المسائل الآتية:
أولاً: إن الله قد قال: [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ
المُتَّقِينَ] [الزخرف: ٦٧] وإن (الشعور بالمحبة، أصل ترجع إليه مكارم خلقية
كثيرة كالتعاون وإرادة الخير للناس، ومشاركتهم الوجدانية في السراء والضراء،
وأن يحب لهم مثلما يحب لنفسه، وأن يعاملهم بمثل الذي يحب أن يعاملوه به) [٢]
وهذا هو ما دعانا إليه الله ورسوله ﷺ فمن أحبت الله ورسوله
أحبت العابدات الصالحات في الله. ولله الحمد؛ فإن ظاهرة الأخوة والمحبة في الله
لا تزال ظاهرة بين الأخوات؛ ولكن وماذا بعدُ لكن؟ ؟ الشيطان وجنوده من
شياطين الإنس أعاذنا الله وإياكم منهم لم يتركوا طريقاً إلا ولجوه حتى في هذه
المحبة والأخوة التي أصبحت العواطف والمشاعر والأحاسيس المحرك الأساس لها
إلا من رحم الله فتجد الغيرة في غير محلها، والتفكير والانشغال إلى درجة تلهي
عن ذكر الله، فأختنا أصلحها الله إن تكلمت فعن تلك الفتاة، وإن فكرت ففي تلك
الفتاة حتى إنك تجدين بعضهن تسعى لإرضاء الأخرى في شهواتها وأهوائها، وإن
تفاوتن في درجة ذلك الإرضاء؛ وكل ذلك من باب الأخوة في الله؛ وما علمت
المسكينة أن المحبة في الله لا تكون بهذه الصفة.
ثانياً: مشاعر فياضة وأحاسيس مرهفة وشفافة وعالية تُرجمت إلى كلمات،
وسطرت في صورة أشعار وكلمات نثرية رائعة. أعطاك الله هذه النعمة العظيمة
ووهبك إياها بينما مُنعت أخرى منها، فكم تتمناها وكم تمنتها؛ فلِمَ يا مُحبّة الهدى
تترجمينها لكلمات غزل وحب وعربدة وفسق؟ ولِمَ أعرضت عن أن تخاطبيني
بعقلك وبقلبك الراغب في النصح؟ ولِمَ يا محبتي تبخلين عليّ بكلمات تعبر عن
حالي وحالك، وأن تسطري لي ما استشعرته من حال أمتك وخوفك من الله ومن
النار؟ أرضيت بهذه الكلمات؟ ! أين أنت من الخنساء الشاعرة العابدة التي عرفت
أديبة قبل الإسلام، أما بعده فكانت تلك التي بكلماتها دفعت بأبنائها الأربعة وقدمتهم
لله شهداء، وحمدت الله على استشهادهم، وسألته أن يجمعها بهم (قال عمر بن
الخطاب للخنساء: (ما أقرح مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر.
قال: يا خنساء إنهم في النار. قالت: ذاك أطول لعويلي عليهم. وقالت: كنت
أبكي لصخر على الحياة فأنا اليوم أبكي له من النار) [٣] .
ثالثاً: انشغال قلبك بعواطف وأحاسيس ومشاعر متألمة ومتضجرة ساخطة
على قدرها جالبة لنفسك الآلام النفسية والهموم والأمراض، قد بدا الحزن مرتسماً
في وجهك كأنك كهلة أتعبتها السنون والأيام، وانغلقت على نفسك وكلفت قلبك ما لا
يطيق، فلِمَ أنت في تردٍّ وليس في غيرك؟ ولِمَ الحظ لا يحالفك ولم ولم ولم ... ؟
كل ذلك أشغلك وصرفك عن معالجة موطن الضعف فيك؛ فلِمَ التسخّط يا مُحبتي،
ولِمَ عدم الرضا بقضاء الله وقدره؟ وأين القناعة والبحث عن جديد يصلح حالك
ويسعد أيامك؟ ولتقرئي ما قاله ابن القيم ﵀: (إذا حمّلت القلب هموم الدنيا
وأثقالها وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته، كنت كالمسافر الذي يحمّل دابته
فوق طاقتها ولا يوفيها علفها، فما أسرع ما تقف به) [٤] .
رابعاً: إن الله قد ربط الزوجين برباط وثيق، هذا الرباط
الذي أوجد المحبة والسكينة بين الزوجين، وتحت ظلاله ينشأ أبناء متوافقون نفسياً
وصالحون اجتماعياً يسعون لإعلاء الدين والحفاظ عليه، وهذا ما تتمنينه يا أختي
الغالية، وعتابي لكِ: لماذا أراك تمسكين بيد زوجك وهو ذاهب لحلقة ذكر أو
لدعوة أو لزيارة رفقة صالحة أو لصلة رحم واجبة تريدينه لكِ أنت لا لغيرك، لا
يفارقك لحظة واحدة، يلبي رغباتك وعواطفك وغير ذلك دون أن تتركي له وقفة مع
نفسه. أوَ ما علمت أنك قد تكونين سبباً لانتكاسته؟ أوَ ما تعلمين أنه إن لم يصاحب
الصالحين تلقفته أيدي أصحاب السوء والانحراف؟ وغيرك إن قدر الله فتزوج
زوجها بأخرى شغلت قلبها، وألهبت مشاعرها، وكادت تُجن إلى درجة أصبح فيها
همها غيبته أو شتمه أو قذفه وتعييره! نعم يا محبتي أنا مثلك امرأة ولا أنكر عليك
غيرتك، ولكن هل لي أنا أو أنت أن نحرِّم ما أحله الله؛ أو نرتكب ذنوباً هي في
المحصلة من صحائف أعمالي وأعمالك؟ نعم أعلم يا محبتي أنك تغارين، ولقد
غارت أمي وأمك أم المؤمنين عائشة من قبلُ، فعنها ﵂ قالت: ما
رأيت صانعة طعام مثل صفية، صنعت لرسول الله ﷺ طعاماً
وهو في بيتي، فأخذتني الرعدة فارتعدت من شدة الغيرة، فكسرتُ الإناء، ثم ندمتُ
فقلت: يا رسول الله! ما كفارة ما صنعت؟ قال: (إناء مثل إناء، وطعام مثل
طعام) [٥] .
أرأيت أن الغيرة لم تمنع عائشة ﵂ من الندم على ما فعلت ولم
تمنعها ومن قول الحق في صفية ﵂؟ فهل لي ولك أن تكون أمهات
المؤمنين والصالحات قدوة لنا؟ وهل لك أن تجاهدي وتصبري؛ ولن يضيع الله
صبرك؟
خامساً: شفقة الأم وحنوها على ولدها شيء فطري، ولكن قد توجد عند
بعضنا بصورة سلبية؛ لأنها قد أفرطت في تدليله وتلبية كل ما يريده دون توجيه أو
إرشاد؛ إذ وضعت هذه العاطفة في غير محلها، لبت له رغباته وأهواءه لحنوها
عليه وحبها له، لم تنكر عليه ما يقع فيه من أخطاء، لم تعنفه لم تضربه يوماً لأنه
أخطأ؛ كل ذلك لأجل ماذا؟ لأنها أم حنون عواطفها ومشاعرها ضعيفة لا تقوى
على التحمل فتلقي به في مواطن الهلاك من حيث لا تدري (إن تلك الأم الجاهلة
الحمقاء، التي أشفقت على ولدها فأهملت تربيته قد دفعت به وهي لا تشعر حتى
صار مجرماً، وساقته الجريمة إلى يد العدالة، عندئذ وقفت تبكي جزعاً من أجله
وحسرة عليه، وندماً على ما فرطت في جنبه، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول لها: أنت التي دفعت بي إلى هذا المصير المهلك بشفقتك عليّ وسوء تربيتك لي،
وإهمالك شأني، وسرورك باتباعي أهواء نفسي) [٦] .
سادساً: تتحكم العاطفة في الكثير منا إلا من رحم الله حتى إن تلك العاطفة لا
تردعها عن فعل قبيح أو محرم والله المستعان فكم من المرات انتهكت أعراض
وضُيّعت أسر وأسودت وجوه رجال هم مثال للعفة والصلاح، كل ذلك لماذا؟ لأن
تلك المرأة دفعت عاطفتها للبحث عن الجديد، أو لأن عاطفتها لم تشبع أسرياً ولم
تلق قلباً حانياً يحن عليها، ومن ثم خرجت خارج المنزل لتلبي هواها، متناسية ما
يعقب ذلك من ألم وأذى وعار لأجل ماذا؟ لأجل لذة حاضرة وعاطفة عمياء. يقول
ابن الجوزي في ذم الهوى: (اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من
غير فكر في عاقبة، وبحث على نيل الشهوات عاجلاً، وإن كانت سبباً للألم
والأذى في العاجل وفيه لذات في الآجل. فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذة تعقب
ألماً وشهوةٍ تورث ندماً) [٧] .
الأسباب:
ترجع سلبيات العواطف والمشاعر إلى أسباب كثيرة، منها:
١- ضعف الإيمان بالله، وخواء القلب، وولوج الشيطان من مداخل وإن
كانت بسيطة إلا أنها قد تمثل نقطة ضعف بالإضافة إلى وساوسه وهواجسه التي
يوردها على الإنسان.
٢- الابتعاد عن الأجواء الإيمانية.
٣- عدم التوسط في الأمور، والاستهانة ببعضها وعدم حملها محمل الجد.
٤- قلة محاسبة النفس والبطء في معالجة مواطن الضعف والقصور.
٥- قلة الوعي والاطلاع في الأمور المتعلقة بالنساء، وضعف بروز الأقلام
النسائية التي تتجه للحديث عن مثل هذه الأمور وغيرها من الخصوصيات التي قد
لا يعلمها الرجل الداعية.
٦- عدم استشعار المسؤولية الملقاة على الأم والأب تجاه الأسرة عند بعضهم؛
فكل راع مسؤول عن رعيته.
٧- عدم إشباع الحاجات النفسية للفتاة وعدم الاهتمام بهذا الجانب لدى بعض
الأسر.
٨- قلة الإنصاف من قِبَل الزوج إلا من رحم الله مما يسبب الغيرة والشحناء
والمبالغة المفرطة في بعض الأمور من قِبَل المرأة.
٩- تبني أصحاب السوء للأقلام المنحرفة والمعبرة عن فسق ومجون لدى
بعض النساء.
العلاج:
١- اللجوء إلى الله والتضرع إليه وسؤاله الثبات؛ فالله ما
أنزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت والهرم.
٢- الإكثار من الأعمال الصالحة؛ ومن رزقها الله قدرة على الكتابة شعراً
ونثراً فلتجعله لخدمة هذا الدين ولتوعية أخواتها المسلمات ولا تتردد في ذلك فهي
مأجورة بإذن الله.
٣- على الأسرة متمثلة في الوالدين استشعار المسؤولية نحو الأبناء والبنات
من إشباع حاجاتهم النفسية وإرشادهم للخير حيث كان، وتحذيرهم من الشر.
٤ - الحرص على القرب من الأجواء الإيمانية وحلقات الذكر التي تحفها
الملائكة والعمل على توجيه النساء وتعاهدهن، والمسارعة إلى علاج موطن الخلل
لديهن.
٥- الاستعاذة من وساوس الشيطان الجالبة للهموم والآلام النفسية.
٦- اختيار الصحبة الصالحة الموثوقة والاقتداء بالسلف الصالح ومن جاء
بعدهم.
٧- العدل بين الزوجات؛ والله قد أوصاكَ أخي الزوج بالعدل
فقال سبحانه: [وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ
المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً] .
[النساء: ١٢٩] .
٨- التوسط والاعتدال من قِبَل الزوجة، وأن لا تترك الغيرة تدعوها إلى
ارتكاب الذنوب كالغيبة والكذب واللعن وغيره من النكران والجحود.
٩- مجاهدة النفس والصبر على ما قدره الله، والرضا والقناعة به ابتغاء
مرضاة الله وطلباً للفوز بجناته.
١٠- الحذر من الاستهانة بالمحرمات، ومعرفة ما تحدثه المعاصي من آثار
وخيمة وعواقب جسيمة.
وأخيراً:
(احذر نفسك؛ فما أصابك بلاء قط إلا منها، ولا تهادنها، فوالله ما أكرمها
من لم يهنها، ولا أعزها من لم يذلها، ولا جبرها من لم يكسرها، ولا أراحها من
لم يتعبها، ولا أمّنها من لم يخوِّفها، ولا فرّحها من لم يحزنها) [٨] .
نفعني الله وإياكِ يا أختي. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت،
أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 3049
مصطلحات ومفاهيم
الغزو المصطلحي
عبد السلام البسيوني
مصطلحات.. زاوية جديدة
تموج الساحة الثقافية بالعديد من التعبيرات والمصطلحات الشائعة التي أصبح
استعمال بعضها ضرورياً لا مفر منه لبناء ثقافة المسلم، وفهم الواقع الذي يعيش فيه، وأصبح بعضها الآخر أمراً واقعاً أو يراد له ذلك، وإضافة إلى أن معنى بعض
هذه المصطلحات غير واضح وغير محدد في ذهن كثير من القراء؛ مما يعوقهم
عن الفهم الصحيح لمدلولاتها.. فإن بعض الدوائر الثقافية تعمل على اللعب بهذا
الغموض والالتباس لتمرير قيم ومبادئ تخدم توجهاتها..
ومن هذا المنطلق فإن مجلة (البيان) حرصاً منها على البيان الواضح ورفع
الالتباس استحدثت هذه الزاوية (مصطلحات) على أن تكون زاوية ثابتة بإذن الله يتم
فيها طرح أحد المصطلحات المتداولة في أحد العلوم المعرفية أو الثقافة العامة..
وستحاول (البيان) جاهدة من خلال كُتّابها الكرام استجلاء معنى المصطلح، وأصل
نشأته، واستعمالاته ودلالاته، وتطور هذه الدلالات، والرؤية الإسلامية له إن كان
مصطلحاً غير إسلامي.
وفي هذا العدد تنشر (البيان) مقال الأستاذ عبد السلام البسيوني مقدمة
موضوعية تحليلية لأهمية تناول هذا الموضوع، سيتلوها إن شاء الله تعالى تناول
المصطلحات الشرعية والفكرية والاقتصادية والأدبية ... إلخ، على أن تكون زاوية
كل شهرين بإذن الله.
و (البيان) تدعو كُتّابها الكرام ممن لهم مقدرة علمية على الكتابة المنهجية في
هذا المجال ألا يبخلوا عليها بما رزقهم الله به من علم وفضل، كما تدعو قرّاءها
الأفاضل إلى التواصل مع المجلة في هذه الزاوية بإطلاعها على انطباعاتهم عنها
وتسمية المصطلحات التي يرون أهمية عرضها ...
- البيان -
أشد الحملات الصليبية وأطولها عمراً:
قبل نحو خسمة عشر عاماً بدأت علاقتي بقضية المصطلحات تأخذ منحىً جادّاً
حين وجدت نفسي طرفاً في معركة دارت بين أستاذي الجليل الدكتور عبد العظيم
الديب وبين صحفي كتب في جريدة خليجية عن فرقة فلسطينية راقصة (تجاهد)
بالدّبكة في سبيل الله.
فنبه الدكتور الديب أخانا ألاّ يخلط بين الجهاد والرقص، وأن نسمي الأشياء
بأسمائها احتراماً للألفاظ الشرعية، أو على أقل تقدير احتراماً للعقل والمنهجية.
وثارت ثائرة أخينا الصحفي وبدأ يخرج ألفاظاً من ماركة: ضيق العطن،
والتّزمّت، والتطرف، والجهل، وما شابه من ألفاظ إرهابية يستخدمها بعض السادة
الصحفيين، والكتّاب المستنيرون لقمع الناس، وتخويفهم، وقطع ألسنتهم.
وبدأتُ منذئذٍ النبش في القضية؛ لأجد نفسي أمام حربٍ دقيقة مبرمجة،
طويلة النفس، متعددة الأساليب، منوعة المقاصد، أداتها الكلمة، ونتيجتها إرهاب
الحق وقمعه، وإعزاز الباطل ورفعه، وتنفيس الخسيس، وتحقير النفيس،
وصناعة مسارات فكرية موجهة، وتحريف الكلم عن مواضعه، بدهاءٍ وفاعليةٍ،
وهذه النتائجُ نعيشها، ونلمس آثارها، ونرى ما أحدثت من تلبيس، وتشويش،
وإفساد، وإساءة.
البدايات:
ويبدو لي أن القضية بدأت مبكرة جدّاً؛ فلقد استعملها اليهود عليهم لعائن الله
مع أنبيائهم حين حرفوا الكلم، وغيّروا نصوص التوراة والإنجيل دلالاتٍ وألفاظاً:
[مِنَ الَذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ] [النساء: ٤٦] كما استخدموها مع
رسول الله ﷺ في محجتهم ورطانتهم وحوارهم فيما بينهم:
[وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ]
[النساء: ٤٦] .
واستخدمت في تاريخ الإسلام في طروحات الفرق المنحرفة عن هدي
المصطفى ﷺ وحربها الاصطلاحية على أهل السنة؛ ففي حين
سمى المعتزلة أنفسهم: أهل العدل والتوحيد أطلقوا على أئمة السنة: بلاكفة [١] ،
وحشوية، ومعطّلة، ومشبّهة.
وفي عصرنا دخل القوم علينا بتقسيم الإسلام إلى: بدوي وحضري،
وأرثوذكسي وعلماني، ورسمي وشعبي، ونصوصي وعقلاني، ومدرسي
(اسكولاستيكي) وحداثي، وسلفي وعصري.
واستخدموا مناهج لقراءة النصوص لا علاقة لها باللغة التي تحدث بها
المصطفى ﷺ أفصح العرب ولا بأصول الاستنباط والنظر التي
تواضع عليها الأصوليون، ولا بفهوم الصحابة والتابعين والأئمة المُعْتَبَرِين،
فقراءتهم كما يسمونها عصرية/ تفكيكية/ تنويرية/ عقلانية / تثويرية.
وحدثونا عن (ألسنة) النص المقدس، أي عن تحوله بعد نزوله مباشرة إلى
نص بشري قابل للنقد والقبول والرد، وقراءته بعين: (سوسير، وإلتوسير،
ورولان بارت، وميشيل فوكو) جاعلين القرآن والسنة نصوصاً لا تتميز بحالٍ من
الأحوال عن زاوية (نصف كلمة) لأحمد رجب في صحيفة الأخبار القاهرية؛
و (بقرة حاحاً) لأحمد فؤاد نجم، لتنتفي القداسة عن النص، ويتحول فور كتابته، أو
نزوله إلى كيانٍ مستقل، تنقطع العلاقة بينه وبين منشئه، ويعود نصاّ بلا معانٍ
محددة.
ولا بد هنا قبل الدخول في الموضوع، أن نبين: ماذا نريد بالمصطلح،
وماذا نريد بالغزو؟
الغزو المصطلحي:
انتبه عدد من الأساتذة للهجمة الشرسة على الإسلام عن طريق الألفاظ ومناهج
القراءة، وسماها بعضهم كالأستاذ عمر عبيد حسنة: معركةً، واعتبرها آخر هو
الأستاذ جمال سلطان: إسقاطاً، والحق أنني أراها غزواً يعتمد تكثيف الهجوم،
وتنويع الأساليب، والمباغتة، والتمويه، مستغلاً غفلة الخصوم، وانشغالهم
وتفرقهم، ورداءة مناهجهم في التعامل مع الواقع الفكري والدعوي، وقلة متابعتهم،
لما يُرمَون به! !
وكلمة مصطلح تطلق اليوم ليراد بها المعنى الذي تعارف عليه الناس، واتفقوا
عليه في استعمالهم اللغوي الخاص، أو في أعرافهم الاجتماعية، وعاداتهم السائرة.
وتساعد الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية على أن تُحَمّل
كلمةٌ مّا معنىً غير الذي وضعت له في أصل اللغة التي تنتمي إليها، ويسير هذا
المعنى الجديد بين الناس، حتى يصبح في استعمالهم اليومي شيئاً مألوفاً يُنسى معه
ذلك المعنى اللغوي الأساس أو يكاد. وهذا المعنى الجديد هو ما نقصده عندما نقول: المعنى الاصطلاحي [٢] .
وهناك المصطلحات الفنية Terminology وهي مجموع الكلمات والعبارات
المتصلة بفرع من فروع المعرفة، أو بفن ما، أو الكلمات والعبارات الخاصة بعالمٍ
معين في بسطه وعرضه لنظرية من النظريات الفنية أو الأدبية أو العلمية، كأن
نقول: مصطلحات الغزالي في التصوف، كالمريد والقطب والإشراق [٣] .
ولو أردت أنا أن أعرّف المصطلحات بشكل ألصق بموضوع هذه المقدمة،
لقلت: إنها الألفاظ المنقولة أو المرتجلة التي توضع لها معانٍ مخالفة لوضعها
اللغوي أو الاصطلاحي العربي، لتخلق جوّاً من التحسين أو التقبيح لهذه الألفاظ
يخدم أعداء الإسلام.
وأعني بالمنقولة: الألفاظ التي تُحوّل عن دلالاتها الأصلية لتعطي معنىً جديداً
غير المعنى الاصطلاحي السابق، أو المعنى الشرعي: كلفظ الاجتهاد، ولفظ
الأصولية، ولفظ العقلنة، في تناول بعض المفكرين والصحفيين لها.
وأعني بالمرتجلة: الألفاظ ذات الدلالة المستحدثة والمعنى الموجّهِ: كلفظ
العولمة أو الكوكبة، وأعني بجملة (لتخلق جوّاً ... ) : أن هذه الألفاظ التي اصطلح
عليها نفر قليل جدّاً، ثم نشرها الإعلام، ومكّن لها في الأذهان، ليست عريةً عن
الغرض، ولا بريئة أو حيادية، بل تخدم فئةً أو عقيدة أو نظاماً.. ولا تصبّ في
مصلحة تاريخ الأمة، ولا دينها، ولا حاضرها، ولا مستقبلها.
الرسول ﷺ والمصطلحات:
حرص سيدنا رسول الله ﷺ على تحرير العقلية المسلمة
من كل غبشٍ ودخن يمكن أن يتسلل إليها: من الأفكار الشركية، أو العقائد الجاهلية، أو الألفاظ التي كانت تدور أحياناً على ألسنة بعض الصحابة، دون أن يفطنوا
لظلالها، وخطورة ما استتر تحتها من عقائد ومفاهيم.
واتخذ هذا الحرص أشكالاً عدة منها:
١- تحذيره ﷺ من خطورة الكلمة، وأمره بحفظ اللسان،
وتحريم الكذب على الله تعالى وعلى عباده، وعدّه ذلك من أعظم الكذب.
ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إن العبد ليتكلم بالكلمة
ما يتبين ما فيها يزلّ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) [متفق عليه] .
٢- تصويبه ﷺ لبعض ألفاظٍ نطق بها الصحابة رضي
الله تعالى عنهم، رأى فيها ما يمس العقيدة. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي
الله عنه مرفوعاً: (إن أخنع اسمٍ عند الله رجل تسمى: ملك الأملاك) وفي
سنن أبي داود عن بريدة ﵁ مرفوعاً: (لا تقولوا للمنافق: سيد؛ فإنه
إنْ يك سيداً فقد أسخطتم ربكم .
٣- تغييره ﷺ بعض الأسماء ذات الدلالات القبيحة
كتغييره اسم الأجدع إلى عبد الرحمن، وبني الزّنْية إلى بني الرّشدة، وعاصية إلى
جميلة، وعبد الكعبة إلى عبد الله [٤] .
٤- تغييره ﷺ بعض العبارات ذات المعاني الجاهلية،
مثل: بالرفاء والبنين، وعم صباحاً، وأبيت اللعن [٥] ، لما تتضمنه من مفاهيم
تتعارض مع قواعد الإسلام ومفاهيمه.
٥- إشارته ﷺ إلى أن قوماً يأتون بعده سيعبثون
بالمسميات ويغشّون في الدلالات، كما في سنن ابن ماجه مرفوعاً: (لَيشربنّ أقوام
من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها ... ) . وهذا منهج الذين سمّوا الربا فائدة،
وجعلوا سبّ الله تعالى تنويراً، والاستباحة حرية، والرقص فناّ، والزنا صحة
جنسية! !
السلف الصالح والمصطلحات:
ولا يخفى على مُطّلعٍ اهتمام العلماء قديماً وحديثاً بتحديد الألفاظ وضبطها
بالشكل، وبالحدّ، وبإخراج المتحرزات، وبتقسيم التعاريف وتحريرها بشكل جامع
مانع؛ بحيث لا تتداخل المفاهيم، ولا تختلط المعاني، لعلمهم أن المصطلح إذا
استعمل بشكل غير محرّرٍ (غير جامع ولا مانع) لم يكن مقبولاً، ولا علميّاً.
وسر هذا أن سلفنا الصالحين ﵃ انتبهوا إلى أن للألفاظ دلالات
حقيقية وأخرى مجازية، وأن لها زوايا للنظر من جهة الوضع اللغوي، والدلالة
الشرعية والدلالة الاصطلاحية، والدلالة المعرفية، كما أن الدلالة اللغوية للكلمة
تدور بين النص كما يحرره الأصوليون والظاهر والمشترك والمجمل والمبهم [٦] .. والعام والخاص والمفهوم والمنطوق، والفحوى والإشارة.
فاهتموا بفرز مصطلحات الفنون: كمصطلحات أصول الفقه، وعلم الحديث،
وعلوم القرآن الكريم، والنحو، والمنطق.
وكتبوا كتباً مفردة في المصطلحات والتعريفات منها رسالة للكندي الفليسوف
(ت ٢٥٢) في: (حدود الأشياء ورسومها) ، وكتاب أبي عبد الله محمد بن أحمد بن
يوسف البلخي الخوارزمي الكاتب (ت ٣٨٧هـ) : (مفاتيح العلوم) الذي جمع فيه مصطلحات العلوم في عصره، ثم كان لابن سينا (ت ٤٢٨هـ) رسالة بعنوان: (الكندي نفسه في حدود الأشياء ورسومها) وكتب أبو الوليد الباجي (٤٧٤هـ) كتاب: (الحدود) والرازي ٣٥٧ هـ: (حلية الفقهاء) والمطرزي: (المغرب في لغة الفقه) وأبو هلال العسكري: (الفروق اللغوية) وللآمدي ٦٣١ هـ رسالة بعنوان: (المبين عن معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين) ، وللجرجاني (٨١٦هـ) : (التعريفات) ، وكتاب أبو البقاء الكفوي (١٠٩٤هـ) : (الكليات) ، وكتب القاضي الأحمدي نكيري الهندي (١١٧٣هـ) : (دستور العلماء) ، أو جامع العلوم، وكتب التهانوي (١١٥٨هـ) كتابه الفذ: (كشاف اصطلاحات الفنون) ، والأمير العالم صديق حسن خان: (أبجد العلوم) [٧] .. وغير ذلك كثير.
وقد لا نرى ضيراً أن نقول: إن وضع علم النحو والصرف، وتقعيد القواعد، إنما كان في الحقيقة سبيلاً إلى حماية الألفاظ والدلالات القرآنية، وضبطها بمعهود
العرب في الخطاب؛ حيث نزل القرآن بلسان عربي مبين؛ حتى لا يكون إسلام
أصحاب اللغات الأخرى سبيلاً إلى التيه الدلالي والاصطلاحي، حتى إن كثيراً من
علماء اللغة كابن هشام ﵀ فيما روي عنه: عندما طلب إليه أن يضع لطلبته
كتاباً في التفسير، وضع لهم كتاب: (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) لضبط
دلالات الألفاظ والأدوات، ومعانيها، وحتى يدرك المصطلح القرآني بكل
احتمالاته [٨] .
بل إنهم نصّوا في مقدمات كتبهم المعنية بالمصطلحات أو غيرها على التحذير
من أي خلط أو خلل في هذا المجال، ومن ذلك ما أورده إمام الحرمين الجويني في
مقدمة الكافية في الجدل: (اعلم أنه لا يتم تحقيق النظر أي البحث العلمي لمن لا
يكون مستوفياً لمعاني ما يجري من أهل النظر، في معاني العبارات وحقائقها على
التفصيل والتخصيص معرفة على التحقيق، فتكون البداية إذاً بذكرها أحق وأصوب؛ فأول ما يجب البداية به: بيان (الحد) ومعناه، لتتحقق خواص حقائق العبارات
وحدودها.
ويقول في مفتتح كتابه (البرهان في أصول الفقه) : حقٌ على كل من يحاول
الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه، وبالمواد التي منها يستمد
ذلك الفن، وبحقيقته وحده ... والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلّمه مع حظّ
من العلم الجُمْلي بالعلم الذي يحاول الخوض فيه.
ويقول ابن حزم في مقدمات (الإحكام) عن تحديد المصطلح وخطورته: (هذا
باب خلّط فيه كثير ممن تكلم في معانيه، وشبك بين المعاني، وأوقع الأسماء على
غير مسمياتها، ومزج بين الحق والباطل، فكثر لذلك الشغب والالتباس، وعظمت
المضرّة، وخفيت الحقائق) [٩] . بل إن هناك من كتب رسائل في ألفاظ بعينها.
ويستمر العمل المعجمي الذي يُعنى بالمصطلحات في اطّراد؛ حتى رأينا في
عصرنا معاجم في لغة الفقهاء، ومعاجم للألفاظ: الاقتصادية، والعسكرية،
والسياسية، ومصطلحات الأدب والفن، ودراسات المناهي اللفظية في الفصيح
والعامي وغير ذلك.
ويقف كثير من أهل الفكر والنظر أمام القضية في دراساتهم: كأستاذي
الدكتور عبد العظيم الديب: (التبعية الثقافية) والدكتور القرضاوي: (كيف نتعامل
مع القرآن) والأستاذ عمر عبيد حسنة: (رؤية في منهجية التغيير) ومقدمات بعض
كتب مجلة الأمة مثل: (المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري حول إعادة تشكيل
العقل السليم في شرف العربية) والدكتور عماد الدين خليل: (إعادة تشكيل العقل
المسلم) والأستاذ جمال سلطان: (غزو من الداخل) والأستاذ المودودي:
(المصطلحات الأربعة) والدكتور صلاح الصاوي: (الثوابت والمتغيرات)
وعبد السلام البسيوني: (الألوهية في العقائد الشعبية) وغيرهم.
كما اهتم كثير من المعاصرين بضبط ألفاظهم التي سيدور حولها الحديث في
كتبهم: كالدكتور عبد الرحمن اللويحق: (الغلو في الدين) والدكتور البيانوني:
(المدخل إلى علم الدعوة) والدكتور فهد الرومي: (منهج المدرسة العقلية في
التفسير) .
وقفة مع أهل الترجمة:
ولعل من الإنصاف هنا أن أشير إلى أن هناك من يقع في فخ المصطلحات
بكثير من حسن النية خصوصاً من المترجمين للألفاظ الإسلامية إلى اللغات
الأوروبية.. غير منتبهين إلى خصوصية المصطلح الإسلامي إن كان اصطلاحيّاً أو
اللفظة القرآنية في محاولة تفسيرها تفسيراً ميسّراً وإلى تحرك دلالات الكلمات،
وإلى تنوع الاصطلاح الواحد وتغيير معناه بين أهل الفنون المختلفة، بل حتى في
العلم الواحد (كلفظ المفرد في النحو العربي، وهو متعدد الدلالات) .
ولإيضاح مقصدي أقول: إن معاني المصطلح قد تتعدد وتتنوع بين أهل
الفنون المختلفة، وبين الفصيح والعامي.. وخذ مثلاً: كلمة الفاعل، وتنوع معانيها؛ فهي عند النحاة: (اسم مرفوع قدم عليه فعل تام مبنىّ للمعلوم، أو شبهه، وأسند
إليه) وفي اصطلاح الصحفيين: هو المؤثر (له دورٌ فاعلٌ) وعند الفقهاء: هو
الزاني أو من عمل عمل قوم لوط (فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وتُخص به الزانية
إذا اقترن بتاء التأنيث، وهو عند المتكلمين: من يصح أن يصدر عنه الفعل مع
قصدٍ وإرادة (الفاعل المختار) وله ظلال عند الفلاسفة: العقل الفاعل أو الفعال وهو
عند العامة: من يقوم بالأعمال الخسيسة والشاقة.
ويتتبع اللغويون تحرك دلالات الكلمة، وتحولها من معنىً إلى معنى؛ وقد
يدفعهم التطور الدلالي إلى أن ينقلوا ألفاظاً إلى معانيها الجديدة المولّدة، مثل: كلمة
(بسيطة) التي استجاز المجمع اللغوي إطلاقها على الأشياء غير المعقدة (جملة
بسيطة مشكلة بسيطة فكرة بسيطة مهمة بسيطة) يريدون بذلك يسر الأداء، وخفة
النتائج، رغم أن أصل البسيطة: فعيلة بمعنى مفعول بها، أي: مفصلة مطولة
(المبسوط للسرخسي) و (البسيط) للغزالي أو ممتدة مترامية الأطراف، ومنه سميت
الأرض بالبسيطة.
وليس من هذا الباب وهذا محل استطرادتي السابقة نقل الألفاظ والمصطلحات
الإسلامية إلى الإنجليزية مثلاً فبعض المترجمين يجعلون كلمة: (وضوء) مساوية
لكلمة ablutian، و (دين) مساوية لكلمة Religion، و (الله) تعالى مساوية لكلمة، و (رسول) مساوية لكلمة Prophet ... وهذه الكلمات (العربية الإنجليزية) غير
متساوية في الدلالة على المعنى الشرعي ولا مقاربة، فكلمة Abutian تعني أكثر
ما تعني في ظني التطهر بماء مقدس، كماء التعميد، أو ماء نهر الجانج، أو الآبار
المقدسة، لذلك فإنها تحمل ظلالاً وثنية مغروسة في ذهنية أبناء اللغة الأصليين؛
لذلك فإن كلمة الوضوء = الوضوء فقط، ويشرح في الهامش أو في الصّلب معناها، كذلك كلمة gods التي تعني: الآلهة الوثنية من الحجارة والخشب والبشر والبقر.. يستحيل أن تكون مساوية لكلمة الله.. فكيف أسوي بـ Jesus عند النصارى
أو Yahweh عند اليهود؟ !
وقد التفت لهذا مترجما معجم المصطلحات في العربية في الأدب واللغة تقليداً
للمستشرقين أثناء تصنيف المعجم، إذ أثبتا بعض الألفاظ مكتوبة بلفظها العربي لكن
بحرف لاتيني.. وقد جاء في مقدمة المعجم: (بذلنا جهداً كبيراً في البحث عن
المصطلح الإنجليزي المقابل للمصطلح العربي في مؤلفات كبار المستشرقين،
ووضعناه بجانب المصطلح العربي؛ بيد أننا لم نوفق دائماً في العثور على هذا
المصطلح.
وفي هذه الحالة أعدنا وضع المصطلح العربي بالحروف اللاتينية حسب نطقه
في العربية، على نحو ما فعله كبار المستشرقين من قبل) .
خصوصية الرؤية الإسلامية:
ولأن لعبة المصطلحات تصدر عن مناهج غير إسلامية نفسية ولغوية،
علمانية ودينية، شاكة ومنحازة فإنها تحاول (صبغ) الإسلام بغير صبغته، وإلباسه
ثياباً غير ثيابه، وتتحدث عنه بقواعد مراوغة أو عدائية، بعيدة من الفهم الصحيح، والرغبة في الإنصاف، والحيادية المزعومة للمناهج الوضعية.
ولأن نصوص القرآن وحي وكذلك السنة في معانيها، ولأن قراءة السابقين لها
صادرة عن قناعة راسخة بأنهم يعبدون الله تعالى بقراءة هذه النصوص، والتفكر
فيها، والاجتهاد في توجيهها، فإن قواعدهم ذات خصوصية تخالف مطلقاً طبيعة
القراءة المتمردة، أو الملحدة، أو المعادية التي يحاول المتطاولون إخضاع نصوص
القرآن والسنة والتراث العلمي الإسلامي لها. ويذهب الأستاذ سيد قطب رحمه
الله [١٠] إلى أن علينا في استلهام القرآن العظيم ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقاً: لا مقررات عقلية، ولا مقررات شعورية من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة، وأن على الباحثين أن يفعلوا هذا؛ ليقوم تصورهم نظيفاً من كل رواسب الجاهلية: قديمها وحديثها على السواء، مستمداً من تعليم الله وحده، لا من ظنون البشر التي لا تغني من الحق شيئاً [١١] .
ومعرفة هذا الميزان، وفهم اللغة التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد
الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكذا معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ لأنهم صاروا يحملون كلام الله
﵎ ورسوله ﷺ على ما يدعون أنه دال عليه، ولا
يكون الأمر كذلك [١٢] .
أما دفع النصوص الإسلامية نحو الخضوع للمناهج والأطر الغريبة عنها،
فأزعم أن أقل ما يوصف به أنه خيانة: خيانةٌ لميراث الأمة، ولعلمائها، ولمناهجها
الفكرية، ولتفردها كمنهج يمتاز بالربانية في مصدره، كما أنه بيعٌ واضح لهذا
الميراث لصالح أعداء الأمة؛ لأن المقدمات تشي بالنتائج، والسير في مبتدأ طريقٍ
ذي اتجاه واحدٍ لا بد أن يؤدي إلى آخره.. وهذا ما يعترف به المستغربون أنفسهم:
(إن علاقتنا بالنظريات الغربية كأية علاقة وضعية براجماتية ذرائعية لا يمكن أن
تؤدي إلاّ إلى النتائج التي توصلت إليها النظريات الغربية، وهي نتائج غير ملائمة
لبيئتنا؛ لكونها جُردت من إطارها الاجتماعي والتاريخي، وانفصلت عن مسار
تكوينها المعرفي.
فكل النظريات الغربية قد نتجت عن علاقتها بالعامليْن التالييْن: خصوصية
مجتمعاتها وقضاياها الاجتماعية من ناحية، والحقل المعرفي الذي نمت بداخله،
وطورت قضاياها النظرية المحدودة من ناحية أخرى.
لماذا هذه السطور؟
بعد هذا السرد أرجو أن يوافقني القارئ الكريم على أن هذا الغزو شديد
الفاعلية، قوي التأثير، يتسلل كالخلية السرطانية إلى الذاكرة العربية والإسلامية،
ويسكنها، ويبدأ عمله في تخريب وتدمير ما حوله، ويبدأ عمله بعد أن يمكّن له في
الأرض عن طريق الإلحاح الإعلامي، وكثرة الدوران على ألسنة كتّاب ليسوا فوق
مستوى الشبهات منهجيّاً وعقديّاً وكثيراً ما يسكن أفواه كبار الدعاة والكتّاب
الإسلاميين في غفلةٍ منهم، أو في غمرة خصومة أو عصبية فلن تخطئ عينك
كلماتٍ مثل: (أيديولوجية، ونظرية، وإرهاب، وديمقراطية، وفقه بدوي، ودولة
مدنية، وعقلانية، ونصوصية) تدور بكثرة على ألسنة وأقلام الكثيرين من المنتمين
للفكر الإسلامي.
بل سأذهب لأبعد من هذا حين أزعم أن من الدعاة من يتحول إلى داعيةٍ
لمصطلح بعينه، فيصير هاجساً له، وزاداً يعلكه، وقضية (يناضل) من أجلها،
حتى لو وقع في تناقضات مع نفسه، وابتلع مصطلحات متضاربةً أشد التضارب،
وربما كانت كَنَسيّة المصدر، صليبية الاتجاه، وربما كانت لعبة تسخر من
(الأمميين) وتوقعهم في التضارب.. وإنك لو نظرت بأدنى تأملٍ لوجدت كثيرين
ممن دعَوْا إلى الاشتراكية (أيام زمان) يدعون اليوم إلى الديمقراطية، ويتعصبون
لها ويُنظّرون؛ على ما بين المصطلحين من تضارب كما بين الليل والنهار! !
ومنهم من يُصنع له المصطلح صناعة، فيصادف هوىً في نفسه، فينساق
وراءه، غير منتبه إلى أنه يقاد إلى حفرة ستكسر قدميه أو أقدام بعض السائرين في
الطريق نفسه.. وليس آخر هذه المصطلحات مصطلح العقلانية في مقابلة
النصوصية وضرب عددٍ من الشيوخ على وتريهما، كأن النصوصية جريمة، كما
صارت السلفية جريمة، والأصولية جريمة على ألسنة بعض المتعصبين الذين
اجترأ بعضهم على وصف الإمام أحمد بأنه: نصوصيّ جامد، وليس فقيهاً ولا
فيلسوفاً، وإنما هو معادٍ للرأي، وكانت أهم أفعاله جمع النصوص: الحديث وهو
نص، والقرآن وهو نص، والأخذ بالضعيف وهو نص، وأقوال الصحابة وهي
نصوص، وكان يقف عند ظواهر النصوص وحدها، في حين اعتبر أولئك
المجترئون المتخبطون أن العقلانية المؤمنة ودفع العطاء الحضاري للإسلام كان
على أيدي المعتزلة؛ فهم وحدهم باعتبار المتجرئين فرسان العدل والحرية والفكر
المستنير للفكر الاعتزالي مرةً بإبهامٍ، ومراتٍ بسفور وتبجج على حساب أئمةٍ كبارٍ
وُصفت كتبهم بأنها نصوصٌ قديمة، ومفاهيم متجاوَزة، ليبتلع المنظّرون الجدد
الطعم، أو ليطعمونا إياه، ويحولوا قيادة المسيرة بدلاً من أحمد بن حنبل وأبي
حنيفة النعمان والشافعي وابن تيمية لحساب الاعتزال بأطيافه كلها إلى أقصى حدود
التطرف.
المقاصد والأساليب:
* والغزو المصطلحي ليس لمجرد اللهو، والعبث اللفظي؛ فمحاولات إطفاء
نور الله تعالى بالأفواه محاولاتٌ قديمة، وإنما يراد به تحقيق جملة من المقاصد
أُورِدُ بعضها على سبيل التمثيل لا الحصر:
١- إرهاب تيارات إسلامية بعينها، وإعلاء تيارات أخرى وهذا يأتي في
كثير من الأحيان من داخل الصف الإسلامي نفسه؛ فهناك ألفاظٌ قمعية وهذا أقل ما
توصف به في رأيي كمصطلح الوسطية الذي تصف به بعض التيارات نفسها، في
الوقت الذي يدمغون غيرهم بدمغة التشدد أو النصوصية أو (الظاهرية الجدد) ،
فصار هذا المصطلح كأنه نوع مصادرةٍ للتيارات الأخرى بلسان المقال كما تصادر
بلسان الحال.. وقد سرى هذا الاصطلاح بالذات في كتابات وخطب بعض رموز
الصحوة مع الأسف رغم الشعار الشهير المرفوع دائماً: (نتعاون.. ويعذر بعضنا
بعضاً) ولا أكاد أبرئ تياراً إسلامياً مع الأسف ثانيةً من هذا الأمر.
٢- تضليل الشباب المسلم، ودفعه إلى المراوحة مكانه، دون إحراز أي
عمق في الوعي، ولا زيادة في العلم، ولاصدقٍ في التربية.. فكثيراً ما ينشغل
الشبان بألفاظ ومصطلحات تُلقى بينهم عن عمد لصرف أنظارهم عما يجري لهذا
الدين وإن ادعت أنها تعمل من أجله أو لضرب بعضهم ببعض كلفظة القطبية أو
السرورية أو الطحانية التي قصد بها: التقسيم، وشق الصف، وشل الفاعلية! !
٣- قد تؤدي عبارة ما أو مصطلح ما إلى نتائج معروفة سلفاً كتحييد المتلقي؛
فلا يطرح العداء للدين بطريقة سافرة حتى لا يثير ذلك غضب الناس، وإنما يهاجَم
الدين ويُعادى عبر مظلة اسمها: (تحليل التدين والسلوك الديني، أو الوعي الديني)
ولهذا يسارع رجال الاجتماع بوضع هذا (الخاتم) في بداية أي دراسة أو تحليل لهم
للدين لتحييد مشاعر القراء الذين لا يزال للدين مكانة في قلوبهم، ثم يطعنون في
الدين في أثناء هذه الدراسة وهذا التحليل [١٣] .
٤- المغالطة المنهجية لتحقيق أغراض علمية أو سياسية أو غيرها.. فقد
يكون للمصطلح دلالة خاصة في تراثنا، فيجري تحريفها لصالح خصوم الإسلام.
إن بعض المصطلحات أصيل في تراثنا، ولكنه يستخدم الآن من منظور
غربي، وبمفهوم غريب تماماً عن مفاهيمنا.
ونكتفي بمثال واحد هو لفظ: (الاجتهاد) الذي يحمل مفهوماً خاصاً، ودلالة
تراثية محددة هي: (بذل الجهد والوسع وأقصى الطاقة في استخراج الحكم من
الأدلة الشرعية) . على حين يُستخدم هذا المصطلح الآن استخداماً معكوساً؛ فبدلاً
من أن يكون الاجتهاد داخل النص تعرفاً على معطياته، واستنباطاً لأحكامه الآمرة
الناهية نراه يستخدم بمفهوم غربي غريب عن الاجتهاد المعروف في ثقافتنا الأصيلة؛ إذ يُعبّر به الآن عن جهد بشري مطلقٍ من كل قيد، لا علاقة له بالنصوص
والأدلة الشرعية؛ حيث يرى بعضهم أن الدين تجربة مجتمع، ونتاج ظروف وبيئة
معينة [١٤] .
وهذا أيضاً ما يتيح لأمثال نصر أبو زيد وسعيد العشماوي وأركون وحسن
حنفي وعلي حرب وإبراهيم محمود، ومحمد شحرور أن يُلغوا الميراث الإسلامي
كله بفهومهم غير المنهجية وغير البريئة على ما نعتقد! !
٥- صناعة ولاءات جديدة، وزرع أفكار ذات جذور عقلية وعقدية لا تنتمي
للإسلام وتراثه وحضارته عبر توظيف المصطلح توظيفاً خاصاً. وممن يستعملون
هذا الأسلوب: المنصرون الذين نصوا في أكثر من وثيقة من وثائق مؤتمر كلورادو
١٩٧٨ على أن استعمال اللغة يمكن أن يكون وسيلة تنصير [١٥] ، فاقترحوا
استخدام لقب: (مسلمين عيسويين) على معتنقي النصرانية المرتدين من المسلمين
ليُبقوا جزءاً من ثقافتهم المحلية ووطنهم، وعدم استفزاز مشاعر الناس حولهم،
وكذلك مصطلح (مسجد عيسوي) للمكان الذي يلتقي فيه هؤلاء المرتدون (الكنيسة
المحلية) وتحدثوا أيضاً عن مسجد المسيح [١٦] وكيف يمكن الوصول للمسلمين من
أجل المسيح عن طريق تأويلات قرآنية، وتوظيف الحوار [١٧] المضلل في
التبشير؛ لأن الحوار الذي يتم بصراحة وأمانة قد يقود إلى كسب المسلم للنصرانيّ
وضمه لصف الإسلام، ولقد انحشر بيننا بكل أسف عدد كبير من المصطلحات ذات
الأصول الكهنوتية: كالأصولية والتنوير والعقلانية والعلمانية، بل كثيراً ما يتحدث
(مستنير متطرف) كأركون عن الإسلام الكهنوتي والأرثوذكسي.. كما يتعاطى كثير
من الحداثيين في الأدب مصطلحات: الخلاص، والصلب، والتعميد، والفداء،
وما شابه! !
٦- تدمير الوعاء التعبيري: إن خطورة الإسقاط المصطلحي كما يقول جمال
سلطان [١٨] : كَمُنَ في جانب هام وماكر، فيه تدمير للوعاء التعبيري الذي تُقدّم
من خلاله الفكرة؛ مما يترب عليه تدمير الفكرة ذاتها بمرور الوقت.
ولعل من أصرح ما يدّلنا على هذا الجانب هو اعتراف (المستنيرين) أنفسهم
في أثناء كلامهم بتركيزهم على هذا الأسلوب، وإثباتهم لما يؤدي إليه من نتائج.
أساليب جديرة بالتأمل:
ويعتمد الغزاة بالمصطلح جملة أساليب يجدر بي أن أتأمل بعضها؛ مع قابليتها
للزيادة والتوسعة والتعميق والتأصيل، ومنها:
١- تقبيح مصطلحاتٍ شريفةٍ في أصلها، ودفع أصحابها للخجل منها، أو
المدافعة عن أنفسهم عن ذكرها، فما أشرف كلمات مثل: السلفية، والأصولية،
والجهاد، والحريم، والنصوصية، والكتب الصفراء، والشهادة.. لكن تناولها
بطريقة ملتوية وموجهة جعل السلفية تهمةً، والأصولية جريمة، والجهاد سبباً
للشنق، والحريم وصمة بالجهل والتخلف، والكتب الصفراء دلالة الجمود
والظلامية، والنصوصية سبباً لسبّ الإمام أحمد لحساب ابن أبي دؤاد وبشر
المريسي في دعاوى بعض المعاصرين من داخل الصف الإسلامي.
٢- تحسين وتزيين مصطلحات خسيسة، لا علاقة لها بالإسلام؛ بل هي إما
كَنَسيّة المصدر، أو ملحدة، كمصطلحات: الحتمية، والعقلنة، والأصولية،
والتنوير، والحداثة، والعلمنة، والمعاصرة، ونشرها على الألسن حتى تصير
مقبولة مرتضاة، وتجد بين المسلمين دعاة لها، كما هو الحال مع: فؤاد زكريا،
وجابر عصفور والطيب تيزيني وأدونيس وأركون.
٣- تحريف مصطلحات ذات أصول إسلامية، وإعطاؤها دلالات جديدة:
كالاجتهاد، والرأي، والعورة، والحق، والشورى، والعدالة، والحاكمية؛ ليكون
الاجتهاد من حق كل أحد، وكذلك الرأي حتى في المعلوم من الدين بالضرورة،
والعورة خلقية معنوية فقط، والحاكمية للإنسان لأنه في الدعوى على كل شيء قدير؟!
٤- ابتكار مصطلحات جديدة وطرحها، وتحديد مفاهيمها ابتداءً وفق رؤية
عدائية تجاه الإسلام والمسلمين كالإرهاب والتطرف والعولمة، والإلحاح عليها حتى
يصطلح عليها بعض أبناء المسلمين ليوظفوها ضد إخوانهم وبني جلدتهم وقد يُتخذ
هذا منهجاً مراوغاً عن طريق طرح مصطلحات جديدة مستحدثة مع إعطائها
مضموناً عاماً غير منضبط، مما قد توافقهم عليه من الوجهة المبدئية، فضلاً عن
جمال المصطلح الشكلي: كاصطلاح الاستنارة أو المعاصرة أو التقدمية، ونحو ذلك؛ فإذا استقر المصطلح في ذهن المتلقي على أنه حقيقة ثابتة فإنهم يبدؤون في طرح
المصطلح بمضمون محدد، وأفكار منضبطة تؤدي إلى هدفهم المنشود في غرس
الفكرة الغربية في (النظرية) الإسلامية.
٥- تخفيف رد الفعل الرافض لبعض الألفاظ المباشرة واضحة المخالفة
للشريعة، وتمريرها بين غير المدققين كمصطلح الاشتراكية أو الاشتراكية العلمية
بدل الشيوعية الذي طرح بقوة في بلاد المسلمين، ومصطلح العلمانية بدل اللادينية
أو الإلحاد، ويدخل في هذا ليّ المصطلحات ذات الدلالة الأخلاقية: كتسمية الخمر
مشروبات روحية (ترجمة لكلمة Spirits) والرقص فناً، والربا فائدة، والاستباحة
اجتهاداً، والسقوط حرية.
هذا؛ وللموضوع بقايا وحواشٍ لا تحتملها هذه المقدمة المحدودة، ولعل فتح
(البيان) لهذا الباب يوجد فرصة مناسبة بمشيئة الله تعالى لكثير من الكتاب
والمفكرين بتحرير كثير من المصطلحات المطروحة على الساحة في مجالات الفكر
والأدب والسياسة والفن والتراث والدعوة. وأتوقع أن يكون هذا المسار تأصيلاً
منهجياً معجباً يسد ثغرة، ويواصل عملاً بدأه السلف رضوان الله عليهم ويحمي
العقل الإسلامي من الذوبان أو الانهيار، ويضيء الطريق أمام الباحثين، ويكشف
الكثير من الشبهات والأضاليل التي تطرحها الألفاظ التي تُغزى بها الأمة.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لاإله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 3050
منتدى القراء
منهج في التربية
وليد عبد الجابر أحمد
التربية كلمة نسمعها كثيراً وصارت تتكرر كثيراً؛ لأن جميع الفصائل
الإسلامية أدركت أن التربية أساس البناء وهي الطريق للعودة بالأمة إلى مكانتها
التي أرادها الله لها.
ولكن تبقى القضية الأساسية: على أي شيء نربي؟ وكيف نربي؟
فالكل يُربي والكل يدرك أهمية التربية، والشيوعية لها مناهج في التربية،
ومناهج في الحياة، وكذلك الرأسمالية.. كل المذاهب والفلسفات.. الكل يُربي، لذا
فالقضية الأساسية: على أي شيء نربي؟
اتجه بعض المربين الإسلاميين إلى استلهام كتب علم النفس، واختاروا منها
ما ينفع ويتفق مع الإسلام وطبقوه، واتجه بعضهم إلى القيام بمحاولة التأصيل
الإسلامي لعلم النفس، ولكن المفارقة بين التصور الإسلامي للحياة وكل التصورات
المنحرفة الضالة الأخرى باقية واضحة.
واتجه بعض آخر من المربين الإسلاميين الذين أدركوا أهمية المنهج الإسلامي
وأفضليته إلى الاقتصار على ذلك المنهج، ولكنهم للأسف وضعوا كل هذا في قالب
من المصطلحات التربوية الغربية، ولعلهم فعلوا ذلك ليجعلوا المسلمين متابعين
خطوات التطور في الفكر التربوي، أو لأنهم كانوا يحاكون بتلك الدراسات
الجامعات الغربية، وهؤلاء لا نبخسهم حقهم أيضاً؛ ولكنه كما قرر سيد قطب في
كتابه: (خصائص التصور الإسلامي) : (أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طبيعة
الموضوع وطبيعة القالب الذي يعرض فيه، وأن الموضوع يتأثر بالقالب، وقد
تتغير طبيعته ويلحقه التشويه إذا عُرض في قالب ليس له) [ص ١٧] ، فكان الأوْلى
بهم أن يعرضوا موضوع التربية الإسلامية في قالب هو له: قالب التصور
الإسلامي والمفاهيم الإسلامية.
ومن أجل التربية كما تذكر بعض كتب السير مكث رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- ثلاثة عشر عاماً يربي؛ ليخرج بثلاثمائة فرد. ولا نستقل العدد؛
فهؤلاء الثلاثمائة هم الذين نشروا الإسلام وبنوا مجده. ويتكرر السؤال مرة أخرى:
على أي شيء نربي؟ وتكون الإجابة القاطعة الصريحة: على ما ربّى رسول الله- ﷺ أصحابه. هذا هو منهج التربية وهذا هو طريق التمكين.
وهل على غير القرآن الكريم ربّاهم الرسول ﷺ ؟ إنه
القرآن فقط؛ فالعودة العودة للقرآن والسنة، واستخراج أساليب التربية منهما؛
ففيهما طريق التمكين.