← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش أطماع بلا حدود نحن فخورون بأن الولايات المتحدة تعتبر الشريك التجاري الأول، وأكبر مستثمر بمنطقة الخليج؛ حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والولايات المتحدة نحو ٢٥ مليار دولار أمريكي. ولكن هناك قيوداً على الاستثمارات الأجنبية في دول الخليج حيث تحدد نسبة مساهمة الأجانب بـ ٤٩% من الأسهم، ونحن نعتقد أن وقت فرض القيود على الاستثمار قد انتهى. ... [مستشار وزير التجارة الأمريكي، جريدة الخليج، العدد: (٧٢٢٥) ] الإسلام قادم إن الإسلام بدأ ينتشر تياراً دينياً سائداً في الولايات المتحدة، إنه أسرع الديانات نمواً، لقد تحول الإسلام في العقدين الأخيرين من عقيدة منعزلة إلى حركة دينية، حركة تزداد قوة وتأثيراً وعدداً، تؤكد نفسها كما لم يحدث مطلقاً من قبل. ... [دورية أضواء على الأنباء الأمريكية، السنة ١٤، العدد: (٢) ] الآن.. فشل الحوار! ! لقد كان الجانب الإسلامي يحسن الظن دائماً بالغرب حين يدعو إلى الحوار، ولكن ثبت بالتجربة التي خاضها الجانب الإسلامي بكل الصدق النابع من الإيمان، أن الجانب الآخر لم يكن على الدوام على المستوى الرفيع من سلامة القصد وحسن الطوية؛ ليس فحسب في الأفكار والآراء التي كان يبديها ويعبر عنها، ولكن من حيث المواقف التي يتخذها إزاء القضايا والمناسبات التي كانت تتطلب ذلك، وأمام هذا الوضع يكون من حق الجانب الإسلامي أن يتساءل عما إذا كان هذا الحوار ترفاً فكرياً ونشاطاً ثقافياً بين نخبة من المفكرين والعلماء لا نفع فيه ولا فائدة تجنى منه أو نشاطاً من الأنشطة التي تنظم دون أن يكون لها تأثير في حياة الناس. ... [من تقرير منظمة الإيسيسكو، جريدة الأنباء، العدد: (٨١٩٦) ] من جرائم الهندوس قام الجيش الهندي الغاشم بهجوم مسلح مباغت، قتل فيه الشيخ محمد رمضان سلفي، قائد وأمير جمعية أهل الحديث بجامو وكشمير، وذلك بعد عودة الشيخ ﵀ من إلقاء خطبة الجمعة بمسجد أهل الحديث المركزي بـ (سرينجر) . [مجلة سياحة الأمة، العدد: (١٣) ] الشعب كله فداك ١- في كوريا الشمالية يأكل الناس العصيدة، وهي عبارة عن خليط من أعواد النبات وأوراقه. والمحظوظون منهم يأكلون البطاطس، إنه من المحتمل أن تكون هناك الآن إحدى أكبر المجاعات في هذا القرن، وقد مات بسببها حوالي ٣ ملايين شخص حتى الآن، إن الناس توقفوا عن الزواج لأنه لا يوجد غذاء للأطفال، ولا توجد غير قناة تلفزيونية واحدة، تنقل لهم أناشيد لا حصر لها تمدح (الزعيم العظيم) . [جريدة هيرالدتيربيون الدولية، جريدة الجرائد العالمية، العدد: (٦٢١) ] ٢- مع الاحتفال بعيد ميلاد الزعيم الكوري الشمالي، أنفقت الدولة ما يزيد على ٩٠ مليون دولار، منها مليونٌ و٦٠٠ ألف دولار للألعاب النارية، و٤ ملايين دولار لاستيراد الكافيار الإيراني، ونظم مهرجان اشترك فيه ستة آلاف عارض وراقص جاؤوا من ٢٢ دولة! ! [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٨٦) ] وهذا هو السبب! ! لماذا تقرير المصير والاستقلال حلال على التيموريين، وحرام على الكوسوفاويين؟ لا بد أن يقال بكل وضوح إن من الأسباب الرئيسة كون الصرب في نهاية المطاف من المسيحيين الغربيين الذين تنتصر الدول الغربية لهم في كل الأحوال، وإن الكوسوفاويين الذين يطالبون بالاستقلال هم من المسلمين الذين لا ظهير لهم. [فهمي هويدي، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٤٧٠٥) ] جهاد القوى الاستعمارية.. بالتطبيع! ! أعلن وزير الدولة السوداني للشؤون الخارجية الأسقف غبريال روريج أن هناك اتصالات مكثفة حالياً بين القائم بالأعمال الأمريكي في نيروبي ومسؤولين كبار في وزارة الخارجية السودانية لحل القضايا الخلافية بهدف تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ... ... ... [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٥٣) ] وماذا عن مسلمي الأندلس والبوسنة؟ دعا رئيس وزراء النرويج دول أوروبا إلى الاعتراف بالذنب الذي اقترف ضد اليهود في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية على كافة المستويات المعنوية والأخلاقية والمادية، ثم قدم اعتذاره عن هذه المذابح وأضاف أن حكومته قررت التبرع بمبلغ ٦٠ مليون دولار لتخليد ذكرى اليهود الذين قتلوا في أوروبا. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢١٩) ] بعد ٣٠ سنة قومية! ! إن الحديث عن العروبة والقومية العربية يعد نوعاً من العنصرية، إن الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للأرض الإفريقية، الوحدة العربية والقومية العربية.. كلمات كبيرة. [الرئيس الليبي، معمر القذافي، جريدة الخليج، العدد: (٧٢٣٤) ] شاهد من.. عدوها إنه وباستثناء الإسلاميين فإن القوى السياسية الأخرى في تركيا، غير مترابطة وبلا أيديولوجية واضحة وتتسم بالانتهازية، كما أنها عجزت عن تحقيق صلات قوية بالمجتمع. [لوموند بلوماتيك الفرنسية، عن جريدة الجرائد العالمية، العدد: (٦٢١) ] أذكياء أكثر مما تتوقع قال وزير الدفاع الإسرائيلي السابق إسحاق مردخاي: إن السلطة الفلسطينية قررت التصدي لهجمات يشنها مقاومون ضد إسرائيل في الفترة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية، وقال: الفلسطينيون أذكياء بالقدر الكافي؛ فقد أدركوا أنه إذا ارتكب خطأ وفشلوا في منع الهجوم في وقت الانتخابات فسيضر ذلك بالاتفاق كله. ... ... ... ... ... ... [جريدة الأنباء، العدد: (٨١٨١) ] بعضهم أولياء بعض وجه حوالي ١٥٠٠ من المثقفين المصريين نداءً إلى الرئيس التركي ناشدوه فيه إجراء محاكمة عادلة لعبد الله أوجلان، وقالوا في البيان الصادر عنهم: إننا نشعر بالقلق والألم العميق على مصير الزعيم الكردي. [جريدة الأسبوع، العدد: (١٠٧) ] سائرون على العهد كشف ديفيد قمحي، مدير المخابرات الإسرائيلية الأسبق، عن تقديم أصدقاء لطفي الخولي المصريين من جماعة كوبنهاجن تعهدات بالاستمرار في الطريق الذي بدأوه مع العدو الإسرائيلي، وأكد ديفيد قمحي أن (إسرائيل) خسرت كثيراً بعد وفاة الخولي قائد جماعة كوبنهاجن. ... [جريدة الشعب، العدد: (١٣٣٩) ] يا حسرة على النمور إن النمور الآسيوية العظيمة لم يعد لها وجود، هذه الدول صغرت وتراجعت إلى دول تطلب المعونة، وأطيح بحكوماتها وتقوض نظامها السياسي، وربما نجد أن استقلالنا الذي حصلنا عليه أخيراً قد تقوض. [مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، مجلة المشاهد السياسي، العدد: (١٥٤) ] وأين إيجابيتكم؟ صرح خافيير سولانا، الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلنطي: إننا نعاني من مشكلات خطيرة مع صربيا في رامبوييه، وذلك على العكس بالنسبة لوفد كوسوفا الذي يبرهن حتى الآن على أن موقفه إيجابي. [جريدة الباييس الأسبانية، عن جريدة الجرائد العالمية، العدد: (٦٢١) ] أيادي أمريكا.. البيضاء! اتهمت لجنة التحقيق المكلفة بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية في جواتيمالا التي استمرت ٣٦ عاماً وانتهت عام ١٩٩٦م وأسفرت عن سقوط ٢٠٠ ألف قتيل اتهمت وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) التي دعمت الجيش الجواتيمالي بشكل مباشر وغير مباشر. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٣٩٦) ] مؤهلات الاستقلال في تيمور الشرقية، لم يستطع المستعمر البرتغالي طوال خمسة عقود أن يؤسس بها أي بنية أساسية، ولم يقوموا بتأهيل سكان الإقليم، إن نسبة الأمية تصل إلى ٩٠% إلى جانب أن الأطباء والمهندسين والمدرسين والإداريين الموجودين في تيمور معظهم من خارج الإقليم، كما أن ميزانية تيمور حوالي ٤٠٠ بليون روبية وأن ما يأتي من ثروات الإقليم يمثل فقط ١٠ ملايين روبية. [جريدة الشعب، العدد: (١٣٣٧) ] مرصد الأرقام - كشفت صحيفتا الجارديان والأوبزوفر البريطانية عن إلقاء قوات التحالف ٤٠ طناً من اليورانيوم المشع على العراق أثناء حرب الخليج. [جريدة الشعب، العدد: (١٣٣٠) ] - كان من فاتورة حرب الخليج أن حصلت الولايات المتحدة على مبلغ ٥٤ بليون دولار، وكانت تكاليفها في الحرب ٣١ بليوناً أي أنها ربحت ٢٣ بليون دولار، وجمعت الحكومة البريطانية ٦ بلايين دولار ولم تزد تكلفتها عن ثلاثة بلايين، وحصلت تركيا على ثلاثة بلايين، كما حصلت إسرائيل على بليون دولار لضحايا صواريخ سكود، إضافة إلى عشرة بلايين كتسهيلات. [مجلة روز اليوسف، العدد: (٣٦٨٣) ] - في بداية عام ١٩٩٢م كان حجم التبادل التجاري بين مصر وإسرائيل ملياراً و٦٠٠ ألف جنيه، ثم انخفض إلى ٦٧٧. ٧ مليون جنيه في عام ١٩٩٦م، ثم ارتفع مع وصول نتنياهو إلى مليار و ٢٧٠ ألف جنيه. [مجلة روز اليوسف، العدد: (٣٦٨٣) ] - خلف العنف الذي يضرب الجزائر ١٨٠ ألف يتيم و ١٤٧ ألف طفل غير شرعي. [الشرق الأوسط، العدد: (٧٤١٤) ] - ارتفعت نسبة البطالة في الأسواق العربية لتصل ١٤% وهو ما يعني وجود ١٢ مليون عاطل عن العمل في الدول العربية، وتقدر الخسائر الناتجة عن ذلك بنحو ١١٥ مليار دولار سنوياً. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢١٩) ] - انكشف في عام ١٩٩٨م استحواذ (٣٥٠) مليارديراً دولارياً عالمياً وحدهم على دخول ٤٥% من سكان العالم. [جريدة الشعب، العدد: (١٣٢٧) ] موجز المرصد اعترف ألكسندر لوكا شينكو رئيس روسيا البيضاء بأن بلاده ارتكبت خطأً كبيراً عندما تخلت عن أسلحتها النووية. [مجلة المشاهد السياسي، العدد: (٢١٥٧) ] قامت بلدية إسرائيلية بتحويل مسجد في قرية مجدل عسقلان إلى (مطعم وبار) . [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٢٢٤) ] قامت السفارة الإسرائيلية في عمان بتوزيع ما تسميه دراسات ووثائق تمعن في الإساءة إلى العقيدة الإسلامية والقرآن الكريم والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-. [مجلة الإصلاح، العدد: (٤٠٣) ] لم تجد شركة دعاية إسرائيلية سوى نداء (الله أكبر) للترويج لموقع لها على شبكة الإنترنت ينشر منتديات القمار ومواقع الجنس. [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٤٧) ] اعتبرت محكمة فيدرالية أمريكية أن سياسة منع اللحى التي تعتمدها الشرطة في ولاية نيوجرسي، عملاً تحيزياً مخالفاً لحرية التعبير. [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٤٧) ] قال الرئيس التركي سليمان ديميريل: إن أنقرة لا يمكن أن تقبل الضربات الأمريكية في شمال العراق ... التي أدت إلى إغلاق خط أنابيب النفط الخام من العراق إلى تركيا. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٠١) ] سمحت وزارة الداخلية الإيرانية بإحياء عيد النار، وهو من طقوس الديانة الزرادشتية. [جريدة الأنباء، العدد: (٨١٩٨) ] أفادت دراسة أوروبية نشرت في ستراسبورغ، أن أمرأة من كل خمس نساء تقع ضحية أعمال عنف في دول مجلس أوروبا الأربعين، وأن ٩٠% من أعمال العنف ترتكب من قبل أفراد العائلة أو أقرباء. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٠٣) ] غادر مئة مهندس وعامل من قاعدة عسكرية تابعة للصرب، غادروا إلى ليبيا لصيانة سفن حربية وغواصة ليبيية. [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٠٧) ]

стр. 3047

قضايا ثقافية المدرسة العصرانية مفهومها ونشأتها.. خصائصها ومزاعمها (١/٢) محمد حامد الناصر طلع علينا عدد من الكتاب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتجمعوا تحت شعارات براقة مثل: الدعوة إلى (الفكر الديني المستنير) ، و (شعار الاستنارة) وطلعت علينا أسماء رنانة يحمل كل منهم لقب (المفكر الإسلامي الكبير) أو (المؤرخ الإسلامي الكبير) ونحو ذلك. وقد أسهم أعداء الأمة من المستشرقين والمنصّرين في تلميع هذه الأسماء أمام جمهرة المسلمين. وكان هذا التيار يمثل جبهة الاتجاهات الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، رافعاً شعار (التجديد) أو (الاستنارة) ، ويخفي حقيقة دعوته عن الأمة، والتي هي عند التمحيص ليست إلا وجهاً من وجوه (العلمانية) . * والعصرانيون ليسوا سواء: فهناك من يصدر في كتاباته عن نية صريحة في هدم الإسلام، متأثراً بأفكار قومية علمانية، أو يسارية شيوعية. وهناك من يحاول إثارة الارتباك في أفكار الإسلاميين عن طريق شغلهم باصطلاحات مبتدعة صعبة الضبط، أو عن طريق قلب مواقف التراث بأفكاره وحركاته، فيجعل المنحرفين والضّلاّل أصحاب انفتاح وثورة، في حين يجعل علماء الإسلام أهل جمود ورجعية. وأكثر العصرانيين في هذه المرحلة من هذا الصنف. ومنهم من يصدر في معالجته لقضايا الإسلام عن مصلحة سياسية يعمل من أجلها، فيركب الموجة في إعلان حربه على أصحاب الصحوة الإسلامية متأثراً بالأهواء الرخيصة. ومنهم من يصدر عن حسن نية، محاولاً الاجتهاد، إلا أنه يبقى مشدوداً إلى تصورات المناهج الغربية التي تلقاها خلال دراسته أو ابتعاثه إلى ديار الغرب، أو يظل متأثراً بأفكار المعتزلة، أو يكون ممن جُمعت هذه كلها في عقليته، فوقع في الاضطراب والخلل والتناقض. وكان من هؤلاء مع الأسف بعض رموز العمل الإسلامي الحديث، الذين نرجو لهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يعوا حقيقة المعركة مع العلمانيين وأبعاد هذا الصراع معهم [١] . * فما حقيقة التجديد عند هؤلاء العصرانيين؟ لقد زعم أصحاب هذه المدرسة أنهم يريدون التجديد لتنهض الأمة من كبوتها، ويريدون إعادة كتابة التاريخ الإسلامي من خلال طرح العديد من الدراسات والأبحاث المتعلقة بالتراث؛ إلا أنهم عمدوا إلى إحياء وتمجيد الاتجاهات الفكرية المنحرفة، وعرضها في إطار عقلاني تحت مظلة الانتماء إلى التراث الإسلامي. ثم قاموا بطرح العديد من الشعارات الجديدة التي تصل بين مفهومهم عن الإسلام والماركسية، أو القومية والاشتراكية، أو بين الإسلام والديمقراطية الغربية.. مما يشتت جهود الانطلاقة نحو الإسلام [٢] . والحقيقة أن هؤلاء ساروا على خطا من سبقهم من المعتزلة الجُدد و (المدرسة الإصلاحية) بزعامة الشيخ محمد عبده، ورددوا آراء المستشرقين، ونسبوا كل ذلك إلى أنفسهم، وقلما أشاروا في كتاباتهم إلى هذه الجذور المريبة [٣] . * فما المقصود بالعصرانية وكيف نشأت؟ ! (إنها حركة تحديث واسعة نشطت في داخل الأديان الكبرى، داخل اليهودية، وداخل النصرانية، وداخل الإسلام أيضاً، إن هذه الحركة عرفت في الفكر الديني الغربي باسم العصرانية (Modernism) وكلمة عصرانية هنا لا تعني مجرد الانتماء إلى هذا العصر ولكنها مصطلح خاص؛ إذ تعني العصرانية في الدين: وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة) [٤] . (وهي الحركة التي سعت إلى تطويع مبادئ الدين لقيم الحضارة الغربية ومفاهيمها والتي هي ربيبة الثقافة اليونانية وإخضاع الدين لتصوراتها ووجهة نظرها في شؤون الحياة) [٥] . وقد كان للصراع بين الكنيسة والنهضة الحديثة أثر قوي في ظهور العصرانية لدى النصارى بشكل خاص. * العصرانية عند اليهود [٦] : بدأت في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي في ألمانيا نزعات جديدة تظهر بين اليهود، تكونت منها فيما بعد فرقة جديدة عرفت باسم (اليهودية المتحررة) ، وتسمى أيضاً اليهودية التجديدية أو (الإصلاحية) . وكان ذلك يتم للملاءمة بين الديانة اليهودية ومعطيات الحضارة الغربية الجديدة. وكان الدافع لهذه الحركة هو رغبة اليهود في اللحاق بركب العصر، ثم ألف زعيمها (مندلسون) العديد من الكتب، وكان شعاره في ذلك: (الاستجابة للعادات وأعراف المجتمع العصرية، مع المحافظة والإخلاص لدين الآباء) . وكان من شعارات هذه الحركة: (أن الدنيا كلها تتغير من حولنا فلماذا نتخلف نحن؟ !) . أخي القارئ: سوف تلاحظ فيما يأتي أن بعض العصرانيين المسلمين يكررون المقولة نفسها وبأشكال مختلفة. ومما يؤسف له أنك تلاحظ أن هناك قاسماً مشتركاً بين العصرانيين اليهود والنصارى والمسلمين. وتطورت هذه الحركة اليهودية على يد جيل من المفكرين من أحبار اليهود؛ فيرى (هولد هايما) مثلاً، أن الشريعة الإلهية موقوتة بظروفها وينبغي إيجاد تشريعات بديلة عنها! ويرى آخرون: (أن جوهر اليهودية ليست أشكالها ولا حتى شريعتها، ولكن جوهرها هو أخلاقها) . وقد وجدت هذه الحركة ضجة كبيرة وسط اليهود، حتى إن بعضهم كان يرى أن موت اليهودية هو تطويعها لمبادئ العصر وإلى هذا التطور المتحرر من كل قيد. * التجديد العصراني للنصرانية [٧] : في الوقت نفسه الذي كانت تزدهر فيه حركة التجديد في اليهودية، كانت النصرانية بشقيها: الكاثوليكي والبروتستانتي تشهد تطورات مماثلة تشترك في الهدف نفسه، وهو إيجاد التآلف بين إيمان الآباء وبين أفكار العالم الحديث ومنطلقاته المتطورة. يقول أحد كُتّاب الغرب ممن سجلوا هذه الظاهرة، وهو (جون راندال) في كتابه: (تكوين العقل الحديث) : (إن الذين دعوا أنفسهم بالمتدينين الأحرار في كل فرقة دينية سواء بين البروتستانت أو اليهود، أو حتى الكاثوليك قد ذهبوا إلى القول بأنه وإن كان للدين أن يُشكّل حقيقة حية، وإذا كان له أن يظل تعبيراً دائماً عن الحاجات الدينية للجنس البشري فلا بد له أن يتمثل الحقيقة والمعرفة الجديدتين، وأن يتآلف مع الشروط المتغيرة في العصر الحديث من فكرية واجتماعية) [٨] . (فالعصرانية تقيم نظرتها على رفض سلطة المنقول؛ لأنه يناقض ما أثبته العلم الحديث في نظرها، وتدعي أن المنقول سواء تمثل في الأناجيل أو في شروحها، ما هو إلا تعبير عن التطور المرحلي للفكر الديني في العصر الذي كتب فيه ... وبناء على هذا يعتقد أن الحقائق الدينية تخضع لتفسيرات متطورة حسب تقدم المعرفة البشرية، وكلما تقدمت المعرفة، حدثت تصورات جديدة لحقائق الدين) [٩] . ويؤكد هذا المفهوم في تطور الحقائق الدينية بلا ضوابط ثابتة قول أحد كتاب الإنجليز (ثرنون ستور) : (العصرانية هي تلك المحاولات التي تبذلها مجموعة من المفكرين لتقديم حقائق الدين المسيحي في قوالب المعرفة المعاصرة. إننا الآن لا نلبس ملابس أجدادنا، ولا نتكلم لغتهم، فلماذا في ميدان اللاهوت نُكرهَ على أن نفكر بعقول العصور البالية.. الويل للكنيسة التي تغمض عينيها فتعمى عن رؤية نعمة المعرفة الجديدة) [١٠] . وهؤلاء الآباء نقدوا التوراة والإنجيل في إطار ما سمي بالنقد التاريخي؛ إذ يؤكد الراهب (بلويزيا) (أن الأناجيل في صورتها الحالية تشتمل على مجموعة من الأساطير والخرافات؛ لهذا لا يمكن أن تكون هي كلمات الله المقدسة، ومن هذه كل ما هو غيبي وخارق للطبيعة) . وكان من نتائج هذا النقد التاريخي أن دخلت فكرة التطور في تعاليم الدين، ويتبع ذلك مفهوم نسبية الحقيقة) [١١] . وفي الوقت نفسه سار التجديد في البروتستانتية الحرة، وتوصلوا إلى النتائج السابقة نفسها عند الكاثوليك الأحرار، وقالوا: إن الكتاب المقدس خليط مما هو إلهي وبشري، وكان عيسى ﵇ مجرد بشر. ومن الملاحظ أن (البابا) (بيوس العاشر) كان قد أصدر منشورين عن الحركة العصرانية عام (١٩٠٧م) ودمغها بالكفر والإلحاد، ووصفها بأنها (مركب جديد لكل عناصر البدع والهرطقة القديمة) [١٢] . ومن المتناقضات العجيبة أن هذه القصة بكل فصولها نقلت إلينا من الغرب، فظهرت لها نزعات مشابهة في العالم الإسلامي منذ القرن الماضي عند بعض المتغربين ... فنادوا بتفسير بعض القضايا الإسلامية تفسيراً عقلانياً، وحاولوا إخضاع القرآن والسنة للمقاييس المادية حتى تتلاءم مع منهج الغرب وقيم الحضارة الحديثة التي بهرت كثيراً من الذين كانوا يرونها المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم. والذي سمى هؤلاء (مجددين) إنما هو الاستعمار وتلاميذه وعملاؤه من المستشرقين والمنصّرين ... هؤلاء (المجددون) هم الذين سخر منهم الرافعي رحمه الله حين دخل معركته معهم في كتابه: (تحت راية القرآن) وقال: (إنهم يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر) [١٣] . * خصائص المدرسة العصرانية (الإسلامية) : يتلخص منهج العصرانيين المتحدثين باسم الإسلام في قاعدتين أساسيتين هما: أولاً: دعوى تطوير الدين ليساير بزعمهم الحضارات الوافدة: لقد دأب هؤلاء على محاولات تطويع نصوص الشريعة حتى تساير معطيات الحضارة المادية، واتبعوا في ذلك آراء المستشرقين من اليهود والنصارى [١٤] . وقد سار على نهج العصرانية المتحررة عدد من كُتّاب المسلمين، وظهرت لهم مؤلفات عديدة في هذا المجال؛ من ذلك كتاب: (الفكر الإسلامي والتطور) للدكتور محمد فتحي عثمان. والكتاب كما يقول صاحبه: (محاولة لمناقشة قابلية الإسلام في أصوله للتطور، ورصيد المسلمين التاريخي في التطور، والواقع المعاصر، واحتياجنا للوعي بحقيقة التطور عندنا وعند غيرنا) [١٥] . وتظهر خلفية الكتاب الفكرية فيما يورده الكاتب من أمثلة لتطور الفكر الديمقراطي في الغرب، والفكر الاشتراكي، وتعدد مدارسه، ... ثم يتساءل: (لماذا يُكتب على الفكر الإسلامي وحده الجمود؟) [١٦] . ويرى الكاتب (أن التطور مسألة حتمية في كل شيء ... ولا تصح التجْرِبة المثالية للدين في عصر الخلفاء الراشدين ... إنها تَجْرِبة مثالية بالنسبة لظروف الخلفاء الراشدين السائدة في وقتهم، وبالنسبة لتفكيرهم وزمانهم وأقوامهم!) . (ويستلزم من أجل ذلك ترجمة جديدة، وإعادة تقدير للحقائق الأساسية للعقيدة،.. ويجب أن نصحح منهجنا للدين كل سنة وكل شهر وكل يوم وكل لحظة وليس كل مائة سنة لأن المعرفة لا نهاية لآفاقها، ولأن التقدم الإنساني لا تَوَقّفَ لسيره) [١٧] . وفي الأقوال السابقة مغالطات كثيرة: فالعقل الإنساني هو الطريق إلى تلقِّي الدين ومنهجه وتطبيقه، وهو مقيد بشروط مجمع عليها عند علماء الأمة، كالعلم بالعربية وبمقاصد الشريعة ... وهناك كُتّاب آخرون ناقشوا قضية التطور وعلاقتها بالتجديد وبالدين عموماً: منهم: (أمين الخولي) في كتابه (المجددون) إذ يقول فيه: (إننا ننتهي باطمئنان إلى أن التجديد الديني إنما هو تطور، والتطور الديني هو نهاية التجديد الحق) [١٨] . أما الشيخ عبد الله العلايلي: مفتي لبنان الأسبق، فيقدم لنا في كتابه: (أين الخطأ؟) مجموعة من الأخطاء يريد تصحيحها مثل: إباحة التعامل المصرفي، وأنه لا رجم في الإسلام، وأن الزواج المختلط بين المسلمين والكتابيين رجالهم ونسائهم حلال شرعاً) [١٩] . وللدكتور حسن الترابي آراء في مجال تطوير الدين نقتطف منها بعض أقواله، يقول الدكتور حول موقفه من أفكار السلف: (فأفكار السلف الصالح ونظمهم قد يتجاوزها الزمن، من جراء قضائها على الأمراض التي نشأت من أجلها، وانتصارها على التحديات التي كانت استجابة لها) . ويتساءل بعدها: (ولكن المرء لا يعرف اليوم تماماً كيف يعبد الله في التجارة أو السياسة أو يعبد الله في الفن) ويؤكد الدكتور آراءه بقوله: (ومهما كان تاريخ السلف الصالح امتداداً لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يوقر بانفعال يحجب تلك الأصول، فما وجد في تراث الأمة بعد الرسول ابتداءً بأبي بكر فهو تاريخ يستأنس به؛ فما أفتى به الخلفاء الراشدون مثلاً، والمذاهب الأربعة في الفقه، وكل التراث الفكري الذي خلفه السلف الصالح في أمور الدين، هو تراث لا يُلتزم به، وإنما يُستأنس به في فهم سليم لشريعة تنزّلت في الماضي على واقع متحرك، وهي تُنزّل اليوم عى واقع متحرك) [٢٠] . والدكتور الترابي يخالف بأقواله هذه ما كان عليه علماء الأمة.. ومعلوم بالضرورة أنه على المسلمين أن يقتدوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أقواله وأفعاله، وأن يقتدوا بأصحابه ﵃ لقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضّوا عليها بالنواجذ) [٢١] . * وقفة مع دعاة التطور: إن التطور يعتبر طبيعياً إذا كان اجتهاداً في الفروع وما يسع الخلاف فيه، وليس في الأصول المعلومة من الدين بالضرورة، أما إذا استجاب الدين لكل تفسير، فذلك يعني تجاوزه إلى عقول البشر ويعني العلمانية، أي فصل الدين عن الحياة باسم التجديد والتطوير. ولو صدق هذا الأمر على اليهودية والنصرانية بسبب ظروف تاريخية، وبسبب ما حصل فيهما من تحريف؛ فإن هذا لا ينطبق على الإسلام أبداً، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. والتطور التشريعي نوعان: منه ما هو إداري بحت، يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ومن ذلك ما عمله عمر ﵁ في ديوان الجند، وشراؤه دار صفوان بن أمية وجعلها سجناً في مكة المكرمة، مع أن الرسول ﵊ لم يتخذ سجناً ولا أبو بكر؛ فهذا النوع من الأنظمة لا يخرج عن قواعد الشرع ومراعاة المصالح العامة) [٢٢] . وهذا مما يدخل تحت أحكام الشريعة عن طريق المصالح المرسلة، وهي أحكام تقرها الشريعة السمحة بضوابط معتبرة. أما النوع الثاني من الأنظمة، المتمثل في القوانين الوضعية، التي تحرم ما أحل الله، وتحل ما حرم الله، فإن إقراره كفر بخالق السموات والأرض وذلك بإجماع المسلمين، وإذا كان التطور على حساب العقيدة والشريعة فذلك خروج على الدين ولا شك.

стр. 3048

بأقلامهن عاطفة المرأة بين السلب والإيجاب فاتن سعد الصويلح أختي الحبيبة.. أُختي في الله. هل لي أن استأذنك لأعيش معك بفكرك وخاطرك. هل لي أن استأذنك وأمشي معك في حديث ومكاشفة.. وأخاطب تلك الروح الشفافة التي ارتضت الله رباً والإسلام ديناً ومحمداً رسولاً. أستأذنك لأعيش معك دقائق معدودة مع كلمات أحسبها صادقة لا تعرف المجاملة ولا التزييف وإنما غايتها النصح وقصدها الهداية. أُختي ... إن الله قد فطرك على توحيده والإيمان به، ومما فطرك عليه ما تحملينه من حب وشفقة وحنان وود ورحمة وعطف قد تفوقين به الرجل، وكل ذلك لا يمثل إلا مجموعة من العواطف والمشاعر والأحاسيس التي تأخذ في مسارها السلب والإيجاب؛ فمن أحبت الله بذلك النهج أحبت هذا الكون الفسيح الذي يدل دلالة واضحة على المبدع والخالق . وبما أن خطابي لك يا أمَةَ الله خطاب المسلمة للمسلمة فإني أعلم يقيناً أنك تعلمين أن تلك المشاعر والعواطف يجب أن تكون وفق ما يرتضيه الله ورسوله أولاً، ووفقاً لما يكون مقبولاً عقلاً وعرفاً ثانياً، وانطلاقاً من قول الله تعالى: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ] [التوبة: ٧١] . وإن كنت قد استعرضت فيها نقداً لي ولك فاصبري لأجل الحق في الله رحمني الله وإياك، ولتعلمي أن النقد ضرورة فطرية، ومطلب شرعي تربوي [١] . إن الله لم يخلق قلبكِ ضاماً أحاسيسك وعواطفك عبثاً بل خلقه لغاية ولهدف منطلقاً من هذا الهدف السامي وهو الإيمان بالله نوجه عواطفنا ومشاعرنا وأحاسيسنا لما يقويه من إيجابيات، ونبتعد عما يضعفه من سلبيات قاتلة نسعى جاهدين للبعد عنها وتوقي الشر حيثما كان. سلبيات العواطف والمشاعر: أختي الحبيبة: إن أقوالنا وأعمالنا لا تكاد تسلم من الخلل والكمال لله سبحانه وتعالى ومما لمسته من سلبيات قد تكون فيّ أو فيك، ولا أرجو من الله إلا أن يقينا شرها ويبعدها عنا. فأدعوك صادقة للتأمل في المسائل الآتية: أولاً: إن الله قد قال: [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ] [الزخرف: ٦٧] وإن (الشعور بالمحبة، أصل ترجع إليه مكارم خلقية كثيرة كالتعاون وإرادة الخير للناس، ومشاركتهم الوجدانية في السراء والضراء، وأن يحب لهم مثلما يحب لنفسه، وأن يعاملهم بمثل الذي يحب أن يعاملوه به) [٢] وهذا هو ما دعانا إليه الله ورسوله ﷺ فمن أحبت الله ورسوله أحبت العابدات الصالحات في الله. ولله الحمد؛ فإن ظاهرة الأخوة والمحبة في الله لا تزال ظاهرة بين الأخوات؛ ولكن وماذا بعدُ لكن؟ ؟ الشيطان وجنوده من شياطين الإنس أعاذنا الله وإياكم منهم لم يتركوا طريقاً إلا ولجوه حتى في هذه المحبة والأخوة التي أصبحت العواطف والمشاعر والأحاسيس المحرك الأساس لها إلا من رحم الله فتجد الغيرة في غير محلها، والتفكير والانشغال إلى درجة تلهي عن ذكر الله، فأختنا أصلحها الله إن تكلمت فعن تلك الفتاة، وإن فكرت ففي تلك الفتاة حتى إنك تجدين بعضهن تسعى لإرضاء الأخرى في شهواتها وأهوائها، وإن تفاوتن في درجة ذلك الإرضاء؛ وكل ذلك من باب الأخوة في الله؛ وما علمت المسكينة أن المحبة في الله لا تكون بهذه الصفة. ثانياً: مشاعر فياضة وأحاسيس مرهفة وشفافة وعالية تُرجمت إلى كلمات، وسطرت في صورة أشعار وكلمات نثرية رائعة. أعطاك الله هذه النعمة العظيمة ووهبك إياها بينما مُنعت أخرى منها، فكم تتمناها وكم تمنتها؛ فلِمَ يا مُحبّة الهدى تترجمينها لكلمات غزل وحب وعربدة وفسق؟ ولِمَ أعرضت عن أن تخاطبيني بعقلك وبقلبك الراغب في النصح؟ ولِمَ يا محبتي تبخلين عليّ بكلمات تعبر عن حالي وحالك، وأن تسطري لي ما استشعرته من حال أمتك وخوفك من الله ومن النار؟ أرضيت بهذه الكلمات؟ ! أين أنت من الخنساء الشاعرة العابدة التي عرفت أديبة قبل الإسلام، أما بعده فكانت تلك التي بكلماتها دفعت بأبنائها الأربعة وقدمتهم لله شهداء، وحمدت الله على استشهادهم، وسألته أن يجمعها بهم (قال عمر بن الخطاب للخنساء: (ما أقرح مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر. قال: يا خنساء إنهم في النار. قالت: ذاك أطول لعويلي عليهم. وقالت: كنت أبكي لصخر على الحياة فأنا اليوم أبكي له من النار) [٣] . ثالثاً: انشغال قلبك بعواطف وأحاسيس ومشاعر متألمة ومتضجرة ساخطة على قدرها جالبة لنفسك الآلام النفسية والهموم والأمراض، قد بدا الحزن مرتسماً في وجهك كأنك كهلة أتعبتها السنون والأيام، وانغلقت على نفسك وكلفت قلبك ما لا يطيق، فلِمَ أنت في تردٍّ وليس في غيرك؟ ولِمَ الحظ لا يحالفك ولم ولم ولم ... ؟ كل ذلك أشغلك وصرفك عن معالجة موطن الضعف فيك؛ فلِمَ التسخّط يا مُحبتي، ولِمَ عدم الرضا بقضاء الله وقدره؟ وأين القناعة والبحث عن جديد يصلح حالك ويسعد أيامك؟ ولتقرئي ما قاله ابن القيم ﵀: (إذا حمّلت القلب هموم الدنيا وأثقالها وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته، كنت كالمسافر الذي يحمّل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها، فما أسرع ما تقف به) [٤] . رابعاً: إن الله قد ربط الزوجين برباط وثيق، هذا الرباط الذي أوجد المحبة والسكينة بين الزوجين، وتحت ظلاله ينشأ أبناء متوافقون نفسياً وصالحون اجتماعياً يسعون لإعلاء الدين والحفاظ عليه، وهذا ما تتمنينه يا أختي الغالية، وعتابي لكِ: لماذا أراك تمسكين بيد زوجك وهو ذاهب لحلقة ذكر أو لدعوة أو لزيارة رفقة صالحة أو لصلة رحم واجبة تريدينه لكِ أنت لا لغيرك، لا يفارقك لحظة واحدة، يلبي رغباتك وعواطفك وغير ذلك دون أن تتركي له وقفة مع نفسه. أوَ ما علمت أنك قد تكونين سبباً لانتكاسته؟ أوَ ما تعلمين أنه إن لم يصاحب الصالحين تلقفته أيدي أصحاب السوء والانحراف؟ وغيرك إن قدر الله فتزوج زوجها بأخرى شغلت قلبها، وألهبت مشاعرها، وكادت تُجن إلى درجة أصبح فيها همها غيبته أو شتمه أو قذفه وتعييره! نعم يا محبتي أنا مثلك امرأة ولا أنكر عليك غيرتك، ولكن هل لي أنا أو أنت أن نحرِّم ما أحله الله؛ أو نرتكب ذنوباً هي في المحصلة من صحائف أعمالي وأعمالك؟ نعم أعلم يا محبتي أنك تغارين، ولقد غارت أمي وأمك أم المؤمنين عائشة من قبلُ، فعنها ﵂ قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، صنعت لرسول الله ﷺ طعاماً وهو في بيتي، فأخذتني الرعدة فارتعدت من شدة الغيرة، فكسرتُ الإناء، ثم ندمتُ فقلت: يا رسول الله! ما كفارة ما صنعت؟ قال: (إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام) [٥] . أرأيت أن الغيرة لم تمنع عائشة ﵂ من الندم على ما فعلت ولم تمنعها ومن قول الحق في صفية ﵂؟ فهل لي ولك أن تكون أمهات المؤمنين والصالحات قدوة لنا؟ وهل لك أن تجاهدي وتصبري؛ ولن يضيع الله صبرك؟ خامساً: شفقة الأم وحنوها على ولدها شيء فطري، ولكن قد توجد عند بعضنا بصورة سلبية؛ لأنها قد أفرطت في تدليله وتلبية كل ما يريده دون توجيه أو إرشاد؛ إذ وضعت هذه العاطفة في غير محلها، لبت له رغباته وأهواءه لحنوها عليه وحبها له، لم تنكر عليه ما يقع فيه من أخطاء، لم تعنفه لم تضربه يوماً لأنه أخطأ؛ كل ذلك لأجل ماذا؟ لأنها أم حنون عواطفها ومشاعرها ضعيفة لا تقوى على التحمل فتلقي به في مواطن الهلاك من حيث لا تدري (إن تلك الأم الجاهلة الحمقاء، التي أشفقت على ولدها فأهملت تربيته قد دفعت به وهي لا تشعر حتى صار مجرماً، وساقته الجريمة إلى يد العدالة، عندئذ وقفت تبكي جزعاً من أجله وحسرة عليه، وندماً على ما فرطت في جنبه، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول لها: أنت التي دفعت بي إلى هذا المصير المهلك بشفقتك عليّ وسوء تربيتك لي، وإهمالك شأني، وسرورك باتباعي أهواء نفسي) [٦] . سادساً: تتحكم العاطفة في الكثير منا إلا من رحم الله حتى إن تلك العاطفة لا تردعها عن فعل قبيح أو محرم والله المستعان فكم من المرات انتهكت أعراض وضُيّعت أسر وأسودت وجوه رجال هم مثال للعفة والصلاح، كل ذلك لماذا؟ لأن تلك المرأة دفعت عاطفتها للبحث عن الجديد، أو لأن عاطفتها لم تشبع أسرياً ولم تلق قلباً حانياً يحن عليها، ومن ثم خرجت خارج المنزل لتلبي هواها، متناسية ما يعقب ذلك من ألم وأذى وعار لأجل ماذا؟ لأجل لذة حاضرة وعاطفة عمياء. يقول ابن الجوزي في ذم الهوى: (اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة، وبحث على نيل الشهوات عاجلاً، وإن كانت سبباً للألم والأذى في العاجل وفيه لذات في الآجل. فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذة تعقب ألماً وشهوةٍ تورث ندماً) [٧] . الأسباب: ترجع سلبيات العواطف والمشاعر إلى أسباب كثيرة، منها: ١- ضعف الإيمان بالله، وخواء القلب، وولوج الشيطان من مداخل وإن كانت بسيطة إلا أنها قد تمثل نقطة ضعف بالإضافة إلى وساوسه وهواجسه التي يوردها على الإنسان. ٢- الابتعاد عن الأجواء الإيمانية. ٣- عدم التوسط في الأمور، والاستهانة ببعضها وعدم حملها محمل الجد. ٤- قلة محاسبة النفس والبطء في معالجة مواطن الضعف والقصور. ٥- قلة الوعي والاطلاع في الأمور المتعلقة بالنساء، وضعف بروز الأقلام النسائية التي تتجه للحديث عن مثل هذه الأمور وغيرها من الخصوصيات التي قد لا يعلمها الرجل الداعية. ٦- عدم استشعار المسؤولية الملقاة على الأم والأب تجاه الأسرة عند بعضهم؛ فكل راع مسؤول عن رعيته. ٧- عدم إشباع الحاجات النفسية للفتاة وعدم الاهتمام بهذا الجانب لدى بعض الأسر. ٨- قلة الإنصاف من قِبَل الزوج إلا من رحم الله مما يسبب الغيرة والشحناء والمبالغة المفرطة في بعض الأمور من قِبَل المرأة. ٩- تبني أصحاب السوء للأقلام المنحرفة والمعبرة عن فسق ومجون لدى بعض النساء. العلاج: ١- اللجوء إلى الله والتضرع إليه وسؤاله الثبات؛ فالله ما أنزل داء إلا أنزل له دواء إلا الموت والهرم. ٢- الإكثار من الأعمال الصالحة؛ ومن رزقها الله قدرة على الكتابة شعراً ونثراً فلتجعله لخدمة هذا الدين ولتوعية أخواتها المسلمات ولا تتردد في ذلك فهي مأجورة بإذن الله. ٣- على الأسرة متمثلة في الوالدين استشعار المسؤولية نحو الأبناء والبنات من إشباع حاجاتهم النفسية وإرشادهم للخير حيث كان، وتحذيرهم من الشر. ٤ - الحرص على القرب من الأجواء الإيمانية وحلقات الذكر التي تحفها الملائكة والعمل على توجيه النساء وتعاهدهن، والمسارعة إلى علاج موطن الخلل لديهن. ٥- الاستعاذة من وساوس الشيطان الجالبة للهموم والآلام النفسية. ٦- اختيار الصحبة الصالحة الموثوقة والاقتداء بالسلف الصالح ومن جاء بعدهم. ٧- العدل بين الزوجات؛ والله قد أوصاكَ أخي الزوج بالعدل فقال سبحانه: [وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً] . [النساء: ١٢٩] . ٨- التوسط والاعتدال من قِبَل الزوجة، وأن لا تترك الغيرة تدعوها إلى ارتكاب الذنوب كالغيبة والكذب واللعن وغيره من النكران والجحود. ٩- مجاهدة النفس والصبر على ما قدره الله، والرضا والقناعة به ابتغاء مرضاة الله وطلباً للفوز بجناته. ١٠- الحذر من الاستهانة بالمحرمات، ومعرفة ما تحدثه المعاصي من آثار وخيمة وعواقب جسيمة. وأخيراً: (احذر نفسك؛ فما أصابك بلاء قط إلا منها، ولا تهادنها، فوالله ما أكرمها من لم يهنها، ولا أعزها من لم يذلها، ولا جبرها من لم يكسرها، ولا أراحها من لم يتعبها، ولا أمّنها من لم يخوِّفها، ولا فرّحها من لم يحزنها) [٨] . نفعني الله وإياكِ يا أختي. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 3049

مصطلحات ومفاهيم الغزو المصطلحي عبد السلام البسيوني مصطلحات.. زاوية جديدة تموج الساحة الثقافية بالعديد من التعبيرات والمصطلحات الشائعة التي أصبح استعمال بعضها ضرورياً لا مفر منه لبناء ثقافة المسلم، وفهم الواقع الذي يعيش فيه، وأصبح بعضها الآخر أمراً واقعاً أو يراد له ذلك، وإضافة إلى أن معنى بعض هذه المصطلحات غير واضح وغير محدد في ذهن كثير من القراء؛ مما يعوقهم عن الفهم الصحيح لمدلولاتها.. فإن بعض الدوائر الثقافية تعمل على اللعب بهذا الغموض والالتباس لتمرير قيم ومبادئ تخدم توجهاتها.. ومن هذا المنطلق فإن مجلة (البيان) حرصاً منها على البيان الواضح ورفع الالتباس استحدثت هذه الزاوية (مصطلحات) على أن تكون زاوية ثابتة بإذن الله يتم فيها طرح أحد المصطلحات المتداولة في أحد العلوم المعرفية أو الثقافة العامة.. وستحاول (البيان) جاهدة من خلال كُتّابها الكرام استجلاء معنى المصطلح، وأصل نشأته، واستعمالاته ودلالاته، وتطور هذه الدلالات، والرؤية الإسلامية له إن كان مصطلحاً غير إسلامي. وفي هذا العدد تنشر (البيان) مقال الأستاذ عبد السلام البسيوني مقدمة موضوعية تحليلية لأهمية تناول هذا الموضوع، سيتلوها إن شاء الله تعالى تناول المصطلحات الشرعية والفكرية والاقتصادية والأدبية ... إلخ، على أن تكون زاوية كل شهرين بإذن الله. و (البيان) تدعو كُتّابها الكرام ممن لهم مقدرة علمية على الكتابة المنهجية في هذا المجال ألا يبخلوا عليها بما رزقهم الله به من علم وفضل، كما تدعو قرّاءها الأفاضل إلى التواصل مع المجلة في هذه الزاوية بإطلاعها على انطباعاتهم عنها وتسمية المصطلحات التي يرون أهمية عرضها ... - البيان - أشد الحملات الصليبية وأطولها عمراً: قبل نحو خسمة عشر عاماً بدأت علاقتي بقضية المصطلحات تأخذ منحىً جادّاً حين وجدت نفسي طرفاً في معركة دارت بين أستاذي الجليل الدكتور عبد العظيم الديب وبين صحفي كتب في جريدة خليجية عن فرقة فلسطينية راقصة (تجاهد) بالدّبكة في سبيل الله. فنبه الدكتور الديب أخانا ألاّ يخلط بين الجهاد والرقص، وأن نسمي الأشياء بأسمائها احتراماً للألفاظ الشرعية، أو على أقل تقدير احتراماً للعقل والمنهجية. وثارت ثائرة أخينا الصحفي وبدأ يخرج ألفاظاً من ماركة: ضيق العطن، والتّزمّت، والتطرف، والجهل، وما شابه من ألفاظ إرهابية يستخدمها بعض السادة الصحفيين، والكتّاب المستنيرون لقمع الناس، وتخويفهم، وقطع ألسنتهم. وبدأتُ منذئذٍ النبش في القضية؛ لأجد نفسي أمام حربٍ دقيقة مبرمجة، طويلة النفس، متعددة الأساليب، منوعة المقاصد، أداتها الكلمة، ونتيجتها إرهاب الحق وقمعه، وإعزاز الباطل ورفعه، وتنفيس الخسيس، وتحقير النفيس، وصناعة مسارات فكرية موجهة، وتحريف الكلم عن مواضعه، بدهاءٍ وفاعليةٍ، وهذه النتائجُ نعيشها، ونلمس آثارها، ونرى ما أحدثت من تلبيس، وتشويش، وإفساد، وإساءة. البدايات: ويبدو لي أن القضية بدأت مبكرة جدّاً؛ فلقد استعملها اليهود عليهم لعائن الله مع أنبيائهم حين حرفوا الكلم، وغيّروا نصوص التوراة والإنجيل دلالاتٍ وألفاظاً: [مِنَ الَذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ] [النساء: ٤٦] كما استخدموها مع رسول الله ﷺ في محجتهم ورطانتهم وحوارهم فيما بينهم: [وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ] [النساء: ٤٦] . واستخدمت في تاريخ الإسلام في طروحات الفرق المنحرفة عن هدي المصطفى ﷺ وحربها الاصطلاحية على أهل السنة؛ ففي حين سمى المعتزلة أنفسهم: أهل العدل والتوحيد أطلقوا على أئمة السنة: بلاكفة [١] ، وحشوية، ومعطّلة، ومشبّهة. وفي عصرنا دخل القوم علينا بتقسيم الإسلام إلى: بدوي وحضري، وأرثوذكسي وعلماني، ورسمي وشعبي، ونصوصي وعقلاني، ومدرسي (اسكولاستيكي) وحداثي، وسلفي وعصري. واستخدموا مناهج لقراءة النصوص لا علاقة لها باللغة التي تحدث بها المصطفى ﷺ أفصح العرب ولا بأصول الاستنباط والنظر التي تواضع عليها الأصوليون، ولا بفهوم الصحابة والتابعين والأئمة المُعْتَبَرِين، فقراءتهم كما يسمونها عصرية/ تفكيكية/ تنويرية/ عقلانية / تثويرية. وحدثونا عن (ألسنة) النص المقدس، أي عن تحوله بعد نزوله مباشرة إلى نص بشري قابل للنقد والقبول والرد، وقراءته بعين: (سوسير، وإلتوسير، ورولان بارت، وميشيل فوكو) جاعلين القرآن والسنة نصوصاً لا تتميز بحالٍ من الأحوال عن زاوية (نصف كلمة) لأحمد رجب في صحيفة الأخبار القاهرية؛ و (بقرة حاحاً) لأحمد فؤاد نجم، لتنتفي القداسة عن النص، ويتحول فور كتابته، أو نزوله إلى كيانٍ مستقل، تنقطع العلاقة بينه وبين منشئه، ويعود نصاّ بلا معانٍ محددة. ولا بد هنا قبل الدخول في الموضوع، أن نبين: ماذا نريد بالمصطلح، وماذا نريد بالغزو؟ الغزو المصطلحي: انتبه عدد من الأساتذة للهجمة الشرسة على الإسلام عن طريق الألفاظ ومناهج القراءة، وسماها بعضهم كالأستاذ عمر عبيد حسنة: معركةً، واعتبرها آخر هو الأستاذ جمال سلطان: إسقاطاً، والحق أنني أراها غزواً يعتمد تكثيف الهجوم، وتنويع الأساليب، والمباغتة، والتمويه، مستغلاً غفلة الخصوم، وانشغالهم وتفرقهم، ورداءة مناهجهم في التعامل مع الواقع الفكري والدعوي، وقلة متابعتهم، لما يُرمَون به! ! وكلمة مصطلح تطلق اليوم ليراد بها المعنى الذي تعارف عليه الناس، واتفقوا عليه في استعمالهم اللغوي الخاص، أو في أعرافهم الاجتماعية، وعاداتهم السائرة. وتساعد الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية على أن تُحَمّل كلمةٌ مّا معنىً غير الذي وضعت له في أصل اللغة التي تنتمي إليها، ويسير هذا المعنى الجديد بين الناس، حتى يصبح في استعمالهم اليومي شيئاً مألوفاً يُنسى معه ذلك المعنى اللغوي الأساس أو يكاد. وهذا المعنى الجديد هو ما نقصده عندما نقول: المعنى الاصطلاحي [٢] . وهناك المصطلحات الفنية Terminology وهي مجموع الكلمات والعبارات المتصلة بفرع من فروع المعرفة، أو بفن ما، أو الكلمات والعبارات الخاصة بعالمٍ معين في بسطه وعرضه لنظرية من النظريات الفنية أو الأدبية أو العلمية، كأن نقول: مصطلحات الغزالي في التصوف، كالمريد والقطب والإشراق [٣] . ولو أردت أنا أن أعرّف المصطلحات بشكل ألصق بموضوع هذه المقدمة، لقلت: إنها الألفاظ المنقولة أو المرتجلة التي توضع لها معانٍ مخالفة لوضعها اللغوي أو الاصطلاحي العربي، لتخلق جوّاً من التحسين أو التقبيح لهذه الألفاظ يخدم أعداء الإسلام. وأعني بالمنقولة: الألفاظ التي تُحوّل عن دلالاتها الأصلية لتعطي معنىً جديداً غير المعنى الاصطلاحي السابق، أو المعنى الشرعي: كلفظ الاجتهاد، ولفظ الأصولية، ولفظ العقلنة، في تناول بعض المفكرين والصحفيين لها. وأعني بالمرتجلة: الألفاظ ذات الدلالة المستحدثة والمعنى الموجّهِ: كلفظ العولمة أو الكوكبة، وأعني بجملة (لتخلق جوّاً ... ) : أن هذه الألفاظ التي اصطلح عليها نفر قليل جدّاً، ثم نشرها الإعلام، ومكّن لها في الأذهان، ليست عريةً عن الغرض، ولا بريئة أو حيادية، بل تخدم فئةً أو عقيدة أو نظاماً.. ولا تصبّ في مصلحة تاريخ الأمة، ولا دينها، ولا حاضرها، ولا مستقبلها. الرسول ﷺ والمصطلحات: حرص سيدنا رسول الله ﷺ على تحرير العقلية المسلمة من كل غبشٍ ودخن يمكن أن يتسلل إليها: من الأفكار الشركية، أو العقائد الجاهلية، أو الألفاظ التي كانت تدور أحياناً على ألسنة بعض الصحابة، دون أن يفطنوا لظلالها، وخطورة ما استتر تحتها من عقائد ومفاهيم. واتخذ هذا الحرص أشكالاً عدة منها: ١- تحذيره ﷺ من خطورة الكلمة، وأمره بحفظ اللسان، وتحريم الكذب على الله تعالى وعلى عباده، وعدّه ذلك من أعظم الكذب. ومن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزلّ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) [متفق عليه] . ٢- تصويبه ﷺ لبعض ألفاظٍ نطق بها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، رأى فيها ما يمس العقيدة. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (إن أخنع اسمٍ عند الله رجل تسمى: ملك الأملاك) وفي سنن أبي داود عن بريدة ﵁ مرفوعاً: (لا تقولوا للمنافق: سيد؛ فإنه إنْ يك سيداً فقد أسخطتم ربكم . ٣- تغييره ﷺ بعض الأسماء ذات الدلالات القبيحة كتغييره اسم الأجدع إلى عبد الرحمن، وبني الزّنْية إلى بني الرّشدة، وعاصية إلى جميلة، وعبد الكعبة إلى عبد الله [٤] . ٤- تغييره ﷺ بعض العبارات ذات المعاني الجاهلية، مثل: بالرفاء والبنين، وعم صباحاً، وأبيت اللعن [٥] ، لما تتضمنه من مفاهيم تتعارض مع قواعد الإسلام ومفاهيمه. ٥- إشارته ﷺ إلى أن قوماً يأتون بعده سيعبثون بالمسميات ويغشّون في الدلالات، كما في سنن ابن ماجه مرفوعاً: (لَيشربنّ أقوام من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها ... ) . وهذا منهج الذين سمّوا الربا فائدة، وجعلوا سبّ الله تعالى تنويراً، والاستباحة حرية، والرقص فناّ، والزنا صحة جنسية! ! السلف الصالح والمصطلحات: ولا يخفى على مُطّلعٍ اهتمام العلماء قديماً وحديثاً بتحديد الألفاظ وضبطها بالشكل، وبالحدّ، وبإخراج المتحرزات، وبتقسيم التعاريف وتحريرها بشكل جامع مانع؛ بحيث لا تتداخل المفاهيم، ولا تختلط المعاني، لعلمهم أن المصطلح إذا استعمل بشكل غير محرّرٍ (غير جامع ولا مانع) لم يكن مقبولاً، ولا علميّاً. وسر هذا أن سلفنا الصالحين ﵃ انتبهوا إلى أن للألفاظ دلالات حقيقية وأخرى مجازية، وأن لها زوايا للنظر من جهة الوضع اللغوي، والدلالة الشرعية والدلالة الاصطلاحية، والدلالة المعرفية، كما أن الدلالة اللغوية للكلمة تدور بين النص كما يحرره الأصوليون والظاهر والمشترك والمجمل والمبهم [٦] .. والعام والخاص والمفهوم والمنطوق، والفحوى والإشارة. فاهتموا بفرز مصطلحات الفنون: كمصطلحات أصول الفقه، وعلم الحديث، وعلوم القرآن الكريم، والنحو، والمنطق. وكتبوا كتباً مفردة في المصطلحات والتعريفات منها رسالة للكندي الفليسوف (ت ٢٥٢) في: (حدود الأشياء ورسومها) ، وكتاب أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف البلخي الخوارزمي الكاتب (ت ٣٨٧هـ) : (مفاتيح العلوم) الذي جمع فيه مصطلحات العلوم في عصره، ثم كان لابن سينا (ت ٤٢٨هـ) رسالة بعنوان: (الكندي نفسه في حدود الأشياء ورسومها) وكتب أبو الوليد الباجي (٤٧٤هـ) كتاب: (الحدود) والرازي ٣٥٧ هـ: (حلية الفقهاء) والمطرزي: (المغرب في لغة الفقه) وأبو هلال العسكري: (الفروق اللغوية) وللآمدي ٦٣١ هـ رسالة بعنوان: (المبين عن معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين) ، وللجرجاني (٨١٦هـ) : (التعريفات) ، وكتاب أبو البقاء الكفوي (١٠٩٤هـ) : (الكليات) ، وكتب القاضي الأحمدي نكيري الهندي (١١٧٣هـ) : (دستور العلماء) ، أو جامع العلوم، وكتب التهانوي (١١٥٨هـ) كتابه الفذ: (كشاف اصطلاحات الفنون) ، والأمير العالم صديق حسن خان: (أبجد العلوم) [٧] .. وغير ذلك كثير. وقد لا نرى ضيراً أن نقول: إن وضع علم النحو والصرف، وتقعيد القواعد، إنما كان في الحقيقة سبيلاً إلى حماية الألفاظ والدلالات القرآنية، وضبطها بمعهود العرب في الخطاب؛ حيث نزل القرآن بلسان عربي مبين؛ حتى لا يكون إسلام أصحاب اللغات الأخرى سبيلاً إلى التيه الدلالي والاصطلاحي، حتى إن كثيراً من علماء اللغة كابن هشام ﵀ فيما روي عنه: عندما طلب إليه أن يضع لطلبته كتاباً في التفسير، وضع لهم كتاب: (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) لضبط دلالات الألفاظ والأدوات، ومعانيها، وحتى يدرك المصطلح القرآني بكل احتمالاته [٨] . بل إنهم نصّوا في مقدمات كتبهم المعنية بالمصطلحات أو غيرها على التحذير من أي خلط أو خلل في هذا المجال، ومن ذلك ما أورده إمام الحرمين الجويني في مقدمة الكافية في الجدل: (اعلم أنه لا يتم تحقيق النظر أي البحث العلمي لمن لا يكون مستوفياً لمعاني ما يجري من أهل النظر، في معاني العبارات وحقائقها على التفصيل والتخصيص معرفة على التحقيق، فتكون البداية إذاً بذكرها أحق وأصوب؛ فأول ما يجب البداية به: بيان (الحد) ومعناه، لتتحقق خواص حقائق العبارات وحدودها. ويقول في مفتتح كتابه (البرهان في أصول الفقه) : حقٌ على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه، وبالمواد التي منها يستمد ذلك الفن، وبحقيقته وحده ... والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلّمه مع حظّ من العلم الجُمْلي بالعلم الذي يحاول الخوض فيه. ويقول ابن حزم في مقدمات (الإحكام) عن تحديد المصطلح وخطورته: (هذا باب خلّط فيه كثير ممن تكلم في معانيه، وشبك بين المعاني، وأوقع الأسماء على غير مسمياتها، ومزج بين الحق والباطل، فكثر لذلك الشغب والالتباس، وعظمت المضرّة، وخفيت الحقائق) [٩] . بل إن هناك من كتب رسائل في ألفاظ بعينها. ويستمر العمل المعجمي الذي يُعنى بالمصطلحات في اطّراد؛ حتى رأينا في عصرنا معاجم في لغة الفقهاء، ومعاجم للألفاظ: الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، ومصطلحات الأدب والفن، ودراسات المناهي اللفظية في الفصيح والعامي وغير ذلك. ويقف كثير من أهل الفكر والنظر أمام القضية في دراساتهم: كأستاذي الدكتور عبد العظيم الديب: (التبعية الثقافية) والدكتور القرضاوي: (كيف نتعامل مع القرآن) والأستاذ عمر عبيد حسنة: (رؤية في منهجية التغيير) ومقدمات بعض كتب مجلة الأمة مثل: (المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري حول إعادة تشكيل العقل السليم في شرف العربية) والدكتور عماد الدين خليل: (إعادة تشكيل العقل المسلم) والأستاذ جمال سلطان: (غزو من الداخل) والأستاذ المودودي: (المصطلحات الأربعة) والدكتور صلاح الصاوي: (الثوابت والمتغيرات) وعبد السلام البسيوني: (الألوهية في العقائد الشعبية) وغيرهم. كما اهتم كثير من المعاصرين بضبط ألفاظهم التي سيدور حولها الحديث في كتبهم: كالدكتور عبد الرحمن اللويحق: (الغلو في الدين) والدكتور البيانوني: (المدخل إلى علم الدعوة) والدكتور فهد الرومي: (منهج المدرسة العقلية في التفسير) . وقفة مع أهل الترجمة: ولعل من الإنصاف هنا أن أشير إلى أن هناك من يقع في فخ المصطلحات بكثير من حسن النية خصوصاً من المترجمين للألفاظ الإسلامية إلى اللغات الأوروبية.. غير منتبهين إلى خصوصية المصطلح الإسلامي إن كان اصطلاحيّاً أو اللفظة القرآنية في محاولة تفسيرها تفسيراً ميسّراً وإلى تحرك دلالات الكلمات، وإلى تنوع الاصطلاح الواحد وتغيير معناه بين أهل الفنون المختلفة، بل حتى في العلم الواحد (كلفظ المفرد في النحو العربي، وهو متعدد الدلالات) . ولإيضاح مقصدي أقول: إن معاني المصطلح قد تتعدد وتتنوع بين أهل الفنون المختلفة، وبين الفصيح والعامي.. وخذ مثلاً: كلمة الفاعل، وتنوع معانيها؛ فهي عند النحاة: (اسم مرفوع قدم عليه فعل تام مبنىّ للمعلوم، أو شبهه، وأسند إليه) وفي اصطلاح الصحفيين: هو المؤثر (له دورٌ فاعلٌ) وعند الفقهاء: هو الزاني أو من عمل عمل قوم لوط (فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وتُخص به الزانية إذا اقترن بتاء التأنيث، وهو عند المتكلمين: من يصح أن يصدر عنه الفعل مع قصدٍ وإرادة (الفاعل المختار) وله ظلال عند الفلاسفة: العقل الفاعل أو الفعال وهو عند العامة: من يقوم بالأعمال الخسيسة والشاقة. ويتتبع اللغويون تحرك دلالات الكلمة، وتحولها من معنىً إلى معنى؛ وقد يدفعهم التطور الدلالي إلى أن ينقلوا ألفاظاً إلى معانيها الجديدة المولّدة، مثل: كلمة (بسيطة) التي استجاز المجمع اللغوي إطلاقها على الأشياء غير المعقدة (جملة بسيطة مشكلة بسيطة فكرة بسيطة مهمة بسيطة) يريدون بذلك يسر الأداء، وخفة النتائج، رغم أن أصل البسيطة: فعيلة بمعنى مفعول بها، أي: مفصلة مطولة (المبسوط للسرخسي) و (البسيط) للغزالي أو ممتدة مترامية الأطراف، ومنه سميت الأرض بالبسيطة. وليس من هذا الباب وهذا محل استطرادتي السابقة نقل الألفاظ والمصطلحات الإسلامية إلى الإنجليزية مثلاً فبعض المترجمين يجعلون كلمة: (وضوء) مساوية لكلمة ablutian، و (دين) مساوية لكلمة Religion، و (الله) تعالى مساوية لكلمة، و (رسول) مساوية لكلمة Prophet ... وهذه الكلمات (العربية الإنجليزية) غير متساوية في الدلالة على المعنى الشرعي ولا مقاربة، فكلمة Abutian تعني أكثر ما تعني في ظني التطهر بماء مقدس، كماء التعميد، أو ماء نهر الجانج، أو الآبار المقدسة، لذلك فإنها تحمل ظلالاً وثنية مغروسة في ذهنية أبناء اللغة الأصليين؛ لذلك فإن كلمة الوضوء = الوضوء فقط، ويشرح في الهامش أو في الصّلب معناها، كذلك كلمة gods التي تعني: الآلهة الوثنية من الحجارة والخشب والبشر والبقر.. يستحيل أن تكون مساوية لكلمة الله.. فكيف أسوي بـ Jesus عند النصارى أو Yahweh عند اليهود؟ ! وقد التفت لهذا مترجما معجم المصطلحات في العربية في الأدب واللغة تقليداً للمستشرقين أثناء تصنيف المعجم، إذ أثبتا بعض الألفاظ مكتوبة بلفظها العربي لكن بحرف لاتيني.. وقد جاء في مقدمة المعجم: (بذلنا جهداً كبيراً في البحث عن المصطلح الإنجليزي المقابل للمصطلح العربي في مؤلفات كبار المستشرقين، ووضعناه بجانب المصطلح العربي؛ بيد أننا لم نوفق دائماً في العثور على هذا المصطلح. وفي هذه الحالة أعدنا وضع المصطلح العربي بالحروف اللاتينية حسب نطقه في العربية، على نحو ما فعله كبار المستشرقين من قبل) . خصوصية الرؤية الإسلامية: ولأن لعبة المصطلحات تصدر عن مناهج غير إسلامية نفسية ولغوية، علمانية ودينية، شاكة ومنحازة فإنها تحاول (صبغ) الإسلام بغير صبغته، وإلباسه ثياباً غير ثيابه، وتتحدث عنه بقواعد مراوغة أو عدائية، بعيدة من الفهم الصحيح، والرغبة في الإنصاف، والحيادية المزعومة للمناهج الوضعية. ولأن نصوص القرآن وحي وكذلك السنة في معانيها، ولأن قراءة السابقين لها صادرة عن قناعة راسخة بأنهم يعبدون الله تعالى بقراءة هذه النصوص، والتفكر فيها، والاجتهاد في توجيهها، فإن قواعدهم ذات خصوصية تخالف مطلقاً طبيعة القراءة المتمردة، أو الملحدة، أو المعادية التي يحاول المتطاولون إخضاع نصوص القرآن والسنة والتراث العلمي الإسلامي لها. ويذهب الأستاذ سيد قطب رحمه الله [١٠] إلى أن علينا في استلهام القرآن العظيم ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقاً: لا مقررات عقلية، ولا مقررات شعورية من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة، وأن على الباحثين أن يفعلوا هذا؛ ليقوم تصورهم نظيفاً من كل رواسب الجاهلية: قديمها وحديثها على السواء، مستمداً من تعليم الله وحده، لا من ظنون البشر التي لا تغني من الحق شيئاً [١١] . ومعرفة هذا الميزان، وفهم اللغة التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكذا معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب؛ لأنهم صاروا يحملون كلام الله ﵎ ورسوله ﷺ على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك [١٢] . أما دفع النصوص الإسلامية نحو الخضوع للمناهج والأطر الغريبة عنها، فأزعم أن أقل ما يوصف به أنه خيانة: خيانةٌ لميراث الأمة، ولعلمائها، ولمناهجها الفكرية، ولتفردها كمنهج يمتاز بالربانية في مصدره، كما أنه بيعٌ واضح لهذا الميراث لصالح أعداء الأمة؛ لأن المقدمات تشي بالنتائج، والسير في مبتدأ طريقٍ ذي اتجاه واحدٍ لا بد أن يؤدي إلى آخره.. وهذا ما يعترف به المستغربون أنفسهم: (إن علاقتنا بالنظريات الغربية كأية علاقة وضعية براجماتية ذرائعية لا يمكن أن تؤدي إلاّ إلى النتائج التي توصلت إليها النظريات الغربية، وهي نتائج غير ملائمة لبيئتنا؛ لكونها جُردت من إطارها الاجتماعي والتاريخي، وانفصلت عن مسار تكوينها المعرفي. فكل النظريات الغربية قد نتجت عن علاقتها بالعامليْن التالييْن: خصوصية مجتمعاتها وقضاياها الاجتماعية من ناحية، والحقل المعرفي الذي نمت بداخله، وطورت قضاياها النظرية المحدودة من ناحية أخرى. لماذا هذه السطور؟ بعد هذا السرد أرجو أن يوافقني القارئ الكريم على أن هذا الغزو شديد الفاعلية، قوي التأثير، يتسلل كالخلية السرطانية إلى الذاكرة العربية والإسلامية، ويسكنها، ويبدأ عمله في تخريب وتدمير ما حوله، ويبدأ عمله بعد أن يمكّن له في الأرض عن طريق الإلحاح الإعلامي، وكثرة الدوران على ألسنة كتّاب ليسوا فوق مستوى الشبهات منهجيّاً وعقديّاً وكثيراً ما يسكن أفواه كبار الدعاة والكتّاب الإسلاميين في غفلةٍ منهم، أو في غمرة خصومة أو عصبية فلن تخطئ عينك كلماتٍ مثل: (أيديولوجية، ونظرية، وإرهاب، وديمقراطية، وفقه بدوي، ودولة مدنية، وعقلانية، ونصوصية) تدور بكثرة على ألسنة وأقلام الكثيرين من المنتمين للفكر الإسلامي. بل سأذهب لأبعد من هذا حين أزعم أن من الدعاة من يتحول إلى داعيةٍ لمصطلح بعينه، فيصير هاجساً له، وزاداً يعلكه، وقضية (يناضل) من أجلها، حتى لو وقع في تناقضات مع نفسه، وابتلع مصطلحات متضاربةً أشد التضارب، وربما كانت كَنَسيّة المصدر، صليبية الاتجاه، وربما كانت لعبة تسخر من (الأمميين) وتوقعهم في التضارب.. وإنك لو نظرت بأدنى تأملٍ لوجدت كثيرين ممن دعَوْا إلى الاشتراكية (أيام زمان) يدعون اليوم إلى الديمقراطية، ويتعصبون لها ويُنظّرون؛ على ما بين المصطلحين من تضارب كما بين الليل والنهار! ! ومنهم من يُصنع له المصطلح صناعة، فيصادف هوىً في نفسه، فينساق وراءه، غير منتبه إلى أنه يقاد إلى حفرة ستكسر قدميه أو أقدام بعض السائرين في الطريق نفسه.. وليس آخر هذه المصطلحات مصطلح العقلانية في مقابلة النصوصية وضرب عددٍ من الشيوخ على وتريهما، كأن النصوصية جريمة، كما صارت السلفية جريمة، والأصولية جريمة على ألسنة بعض المتعصبين الذين اجترأ بعضهم على وصف الإمام أحمد بأنه: نصوصيّ جامد، وليس فقيهاً ولا فيلسوفاً، وإنما هو معادٍ للرأي، وكانت أهم أفعاله جمع النصوص: الحديث وهو نص، والقرآن وهو نص، والأخذ بالضعيف وهو نص، وأقوال الصحابة وهي نصوص، وكان يقف عند ظواهر النصوص وحدها، في حين اعتبر أولئك المجترئون المتخبطون أن العقلانية المؤمنة ودفع العطاء الحضاري للإسلام كان على أيدي المعتزلة؛ فهم وحدهم باعتبار المتجرئين فرسان العدل والحرية والفكر المستنير للفكر الاعتزالي مرةً بإبهامٍ، ومراتٍ بسفور وتبجج على حساب أئمةٍ كبارٍ وُصفت كتبهم بأنها نصوصٌ قديمة، ومفاهيم متجاوَزة، ليبتلع المنظّرون الجدد الطعم، أو ليطعمونا إياه، ويحولوا قيادة المسيرة بدلاً من أحمد بن حنبل وأبي حنيفة النعمان والشافعي وابن تيمية لحساب الاعتزال بأطيافه كلها إلى أقصى حدود التطرف. المقاصد والأساليب: * والغزو المصطلحي ليس لمجرد اللهو، والعبث اللفظي؛ فمحاولات إطفاء نور الله تعالى بالأفواه محاولاتٌ قديمة، وإنما يراد به تحقيق جملة من المقاصد أُورِدُ بعضها على سبيل التمثيل لا الحصر: ١- إرهاب تيارات إسلامية بعينها، وإعلاء تيارات أخرى وهذا يأتي في كثير من الأحيان من داخل الصف الإسلامي نفسه؛ فهناك ألفاظٌ قمعية وهذا أقل ما توصف به في رأيي كمصطلح الوسطية الذي تصف به بعض التيارات نفسها، في الوقت الذي يدمغون غيرهم بدمغة التشدد أو النصوصية أو (الظاهرية الجدد) ، فصار هذا المصطلح كأنه نوع مصادرةٍ للتيارات الأخرى بلسان المقال كما تصادر بلسان الحال.. وقد سرى هذا الاصطلاح بالذات في كتابات وخطب بعض رموز الصحوة مع الأسف رغم الشعار الشهير المرفوع دائماً: (نتعاون.. ويعذر بعضنا بعضاً) ولا أكاد أبرئ تياراً إسلامياً مع الأسف ثانيةً من هذا الأمر. ٢- تضليل الشباب المسلم، ودفعه إلى المراوحة مكانه، دون إحراز أي عمق في الوعي، ولا زيادة في العلم، ولاصدقٍ في التربية.. فكثيراً ما ينشغل الشبان بألفاظ ومصطلحات تُلقى بينهم عن عمد لصرف أنظارهم عما يجري لهذا الدين وإن ادعت أنها تعمل من أجله أو لضرب بعضهم ببعض كلفظة القطبية أو السرورية أو الطحانية التي قصد بها: التقسيم، وشق الصف، وشل الفاعلية! ! ٣- قد تؤدي عبارة ما أو مصطلح ما إلى نتائج معروفة سلفاً كتحييد المتلقي؛ فلا يطرح العداء للدين بطريقة سافرة حتى لا يثير ذلك غضب الناس، وإنما يهاجَم الدين ويُعادى عبر مظلة اسمها: (تحليل التدين والسلوك الديني، أو الوعي الديني) ولهذا يسارع رجال الاجتماع بوضع هذا (الخاتم) في بداية أي دراسة أو تحليل لهم للدين لتحييد مشاعر القراء الذين لا يزال للدين مكانة في قلوبهم، ثم يطعنون في الدين في أثناء هذه الدراسة وهذا التحليل [١٣] . ٤- المغالطة المنهجية لتحقيق أغراض علمية أو سياسية أو غيرها.. فقد يكون للمصطلح دلالة خاصة في تراثنا، فيجري تحريفها لصالح خصوم الإسلام. إن بعض المصطلحات أصيل في تراثنا، ولكنه يستخدم الآن من منظور غربي، وبمفهوم غريب تماماً عن مفاهيمنا. ونكتفي بمثال واحد هو لفظ: (الاجتهاد) الذي يحمل مفهوماً خاصاً، ودلالة تراثية محددة هي: (بذل الجهد والوسع وأقصى الطاقة في استخراج الحكم من الأدلة الشرعية) . على حين يُستخدم هذا المصطلح الآن استخداماً معكوساً؛ فبدلاً من أن يكون الاجتهاد داخل النص تعرفاً على معطياته، واستنباطاً لأحكامه الآمرة الناهية نراه يستخدم بمفهوم غربي غريب عن الاجتهاد المعروف في ثقافتنا الأصيلة؛ إذ يُعبّر به الآن عن جهد بشري مطلقٍ من كل قيد، لا علاقة له بالنصوص والأدلة الشرعية؛ حيث يرى بعضهم أن الدين تجربة مجتمع، ونتاج ظروف وبيئة معينة [١٤] . وهذا أيضاً ما يتيح لأمثال نصر أبو زيد وسعيد العشماوي وأركون وحسن حنفي وعلي حرب وإبراهيم محمود، ومحمد شحرور أن يُلغوا الميراث الإسلامي كله بفهومهم غير المنهجية وغير البريئة على ما نعتقد! ! ٥- صناعة ولاءات جديدة، وزرع أفكار ذات جذور عقلية وعقدية لا تنتمي للإسلام وتراثه وحضارته عبر توظيف المصطلح توظيفاً خاصاً. وممن يستعملون هذا الأسلوب: المنصرون الذين نصوا في أكثر من وثيقة من وثائق مؤتمر كلورادو ١٩٧٨ على أن استعمال اللغة يمكن أن يكون وسيلة تنصير [١٥] ، فاقترحوا استخدام لقب: (مسلمين عيسويين) على معتنقي النصرانية المرتدين من المسلمين ليُبقوا جزءاً من ثقافتهم المحلية ووطنهم، وعدم استفزاز مشاعر الناس حولهم، وكذلك مصطلح (مسجد عيسوي) للمكان الذي يلتقي فيه هؤلاء المرتدون (الكنيسة المحلية) وتحدثوا أيضاً عن مسجد المسيح [١٦] وكيف يمكن الوصول للمسلمين من أجل المسيح عن طريق تأويلات قرآنية، وتوظيف الحوار [١٧] المضلل في التبشير؛ لأن الحوار الذي يتم بصراحة وأمانة قد يقود إلى كسب المسلم للنصرانيّ وضمه لصف الإسلام، ولقد انحشر بيننا بكل أسف عدد كبير من المصطلحات ذات الأصول الكهنوتية: كالأصولية والتنوير والعقلانية والعلمانية، بل كثيراً ما يتحدث (مستنير متطرف) كأركون عن الإسلام الكهنوتي والأرثوذكسي.. كما يتعاطى كثير من الحداثيين في الأدب مصطلحات: الخلاص، والصلب، والتعميد، والفداء، وما شابه! ! ٦- تدمير الوعاء التعبيري: إن خطورة الإسقاط المصطلحي كما يقول جمال سلطان [١٨] : كَمُنَ في جانب هام وماكر، فيه تدمير للوعاء التعبيري الذي تُقدّم من خلاله الفكرة؛ مما يترب عليه تدمير الفكرة ذاتها بمرور الوقت. ولعل من أصرح ما يدّلنا على هذا الجانب هو اعتراف (المستنيرين) أنفسهم في أثناء كلامهم بتركيزهم على هذا الأسلوب، وإثباتهم لما يؤدي إليه من نتائج. أساليب جديرة بالتأمل: ويعتمد الغزاة بالمصطلح جملة أساليب يجدر بي أن أتأمل بعضها؛ مع قابليتها للزيادة والتوسعة والتعميق والتأصيل، ومنها: ١- تقبيح مصطلحاتٍ شريفةٍ في أصلها، ودفع أصحابها للخجل منها، أو المدافعة عن أنفسهم عن ذكرها، فما أشرف كلمات مثل: السلفية، والأصولية، والجهاد، والحريم، والنصوصية، والكتب الصفراء، والشهادة.. لكن تناولها بطريقة ملتوية وموجهة جعل السلفية تهمةً، والأصولية جريمة، والجهاد سبباً للشنق، والحريم وصمة بالجهل والتخلف، والكتب الصفراء دلالة الجمود والظلامية، والنصوصية سبباً لسبّ الإمام أحمد لحساب ابن أبي دؤاد وبشر المريسي في دعاوى بعض المعاصرين من داخل الصف الإسلامي. ٢- تحسين وتزيين مصطلحات خسيسة، لا علاقة لها بالإسلام؛ بل هي إما كَنَسيّة المصدر، أو ملحدة، كمصطلحات: الحتمية، والعقلنة، والأصولية، والتنوير، والحداثة، والعلمنة، والمعاصرة، ونشرها على الألسن حتى تصير مقبولة مرتضاة، وتجد بين المسلمين دعاة لها، كما هو الحال مع: فؤاد زكريا، وجابر عصفور والطيب تيزيني وأدونيس وأركون. ٣- تحريف مصطلحات ذات أصول إسلامية، وإعطاؤها دلالات جديدة: كالاجتهاد، والرأي، والعورة، والحق، والشورى، والعدالة، والحاكمية؛ ليكون الاجتهاد من حق كل أحد، وكذلك الرأي حتى في المعلوم من الدين بالضرورة، والعورة خلقية معنوية فقط، والحاكمية للإنسان لأنه في الدعوى على كل شيء قدير؟! ٤- ابتكار مصطلحات جديدة وطرحها، وتحديد مفاهيمها ابتداءً وفق رؤية عدائية تجاه الإسلام والمسلمين كالإرهاب والتطرف والعولمة، والإلحاح عليها حتى يصطلح عليها بعض أبناء المسلمين ليوظفوها ضد إخوانهم وبني جلدتهم وقد يُتخذ هذا منهجاً مراوغاً عن طريق طرح مصطلحات جديدة مستحدثة مع إعطائها مضموناً عاماً غير منضبط، مما قد توافقهم عليه من الوجهة المبدئية، فضلاً عن جمال المصطلح الشكلي: كاصطلاح الاستنارة أو المعاصرة أو التقدمية، ونحو ذلك؛ فإذا استقر المصطلح في ذهن المتلقي على أنه حقيقة ثابتة فإنهم يبدؤون في طرح المصطلح بمضمون محدد، وأفكار منضبطة تؤدي إلى هدفهم المنشود في غرس الفكرة الغربية في (النظرية) الإسلامية. ٥- تخفيف رد الفعل الرافض لبعض الألفاظ المباشرة واضحة المخالفة للشريعة، وتمريرها بين غير المدققين كمصطلح الاشتراكية أو الاشتراكية العلمية بدل الشيوعية الذي طرح بقوة في بلاد المسلمين، ومصطلح العلمانية بدل اللادينية أو الإلحاد، ويدخل في هذا ليّ المصطلحات ذات الدلالة الأخلاقية: كتسمية الخمر مشروبات روحية (ترجمة لكلمة Spirits) والرقص فناً، والربا فائدة، والاستباحة اجتهاداً، والسقوط حرية. هذا؛ وللموضوع بقايا وحواشٍ لا تحتملها هذه المقدمة المحدودة، ولعل فتح (البيان) لهذا الباب يوجد فرصة مناسبة بمشيئة الله تعالى لكثير من الكتاب والمفكرين بتحرير كثير من المصطلحات المطروحة على الساحة في مجالات الفكر والأدب والسياسة والفن والتراث والدعوة. وأتوقع أن يكون هذا المسار تأصيلاً منهجياً معجباً يسد ثغرة، ويواصل عملاً بدأه السلف رضوان الله عليهم ويحمي العقل الإسلامي من الذوبان أو الانهيار، ويضيء الطريق أمام الباحثين، ويكشف الكثير من الشبهات والأضاليل التي تطرحها الألفاظ التي تُغزى بها الأمة. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لاإله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 3050

منتدى القراء منهج في التربية وليد عبد الجابر أحمد التربية كلمة نسمعها كثيراً وصارت تتكرر كثيراً؛ لأن جميع الفصائل الإسلامية أدركت أن التربية أساس البناء وهي الطريق للعودة بالأمة إلى مكانتها التي أرادها الله لها. ولكن تبقى القضية الأساسية: على أي شيء نربي؟ وكيف نربي؟ فالكل يُربي والكل يدرك أهمية التربية، والشيوعية لها مناهج في التربية، ومناهج في الحياة، وكذلك الرأسمالية.. كل المذاهب والفلسفات.. الكل يُربي، لذا فالقضية الأساسية: على أي شيء نربي؟ اتجه بعض المربين الإسلاميين إلى استلهام كتب علم النفس، واختاروا منها ما ينفع ويتفق مع الإسلام وطبقوه، واتجه بعضهم إلى القيام بمحاولة التأصيل الإسلامي لعلم النفس، ولكن المفارقة بين التصور الإسلامي للحياة وكل التصورات المنحرفة الضالة الأخرى باقية واضحة. واتجه بعض آخر من المربين الإسلاميين الذين أدركوا أهمية المنهج الإسلامي وأفضليته إلى الاقتصار على ذلك المنهج، ولكنهم للأسف وضعوا كل هذا في قالب من المصطلحات التربوية الغربية، ولعلهم فعلوا ذلك ليجعلوا المسلمين متابعين خطوات التطور في الفكر التربوي، أو لأنهم كانوا يحاكون بتلك الدراسات الجامعات الغربية، وهؤلاء لا نبخسهم حقهم أيضاً؛ ولكنه كما قرر سيد قطب في كتابه: (خصائص التصور الإسلامي) : (أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طبيعة الموضوع وطبيعة القالب الذي يعرض فيه، وأن الموضوع يتأثر بالقالب، وقد تتغير طبيعته ويلحقه التشويه إذا عُرض في قالب ليس له) [ص ١٧] ، فكان الأوْلى بهم أن يعرضوا موضوع التربية الإسلامية في قالب هو له: قالب التصور الإسلامي والمفاهيم الإسلامية. ومن أجل التربية كما تذكر بعض كتب السير مكث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة عشر عاماً يربي؛ ليخرج بثلاثمائة فرد. ولا نستقل العدد؛ فهؤلاء الثلاثمائة هم الذين نشروا الإسلام وبنوا مجده. ويتكرر السؤال مرة أخرى: على أي شيء نربي؟ وتكون الإجابة القاطعة الصريحة: على ما ربّى رسول الله- ﷺ أصحابه. هذا هو منهج التربية وهذا هو طريق التمكين. وهل على غير القرآن الكريم ربّاهم الرسول ﷺ ؟ إنه القرآن فقط؛ فالعودة العودة للقرآن والسنة، واستخراج أساليب التربية منهما؛ ففيهما طريق التمكين.

стр. 3051

منتدى القراء الجواب المتكرر خليل بن بركات آل غازي لَكَمْ يُجرح القلب حينما نرى أحد المنتمين لهذا الدين بل ويُعَدّ من المتحمسين لنَشْر الدعوة نراه يتمسك ويكرر (الجواب المتكرر) عندما تعرض عليه أي نشاط دعوي أو تفتح له مجالاً من مجالات التأثير في العامة أو الخاصة فيقول: (إنني لا أستطيع) أو (كم أنا مشغول في هذا الوقت) أو (الله المستعان؛ هناك من هم أفضل مني) أو (أنا لست على قدر كبير من المسؤولية تخولني القيام بهذا العمل أو ذاك) .. وهلم جرّا من الاعتذارات الواهية والأجوبة المتكررة على ألسنة كثير من الشباب وبالأسلوب نفسه، إذا كان أصحاب المبادئ الهدامة يسترخصون كل غالٍ ويستسهلون كل صعب؛ فما بالك وأنت صاحب مبدأ خالد وتحمل رسالة خالدة: هي الرسالة ذاتها التي جاء بها نبيك محمد ﷺ ؟ فأنت أوْلى وأحق منهم بهذه الروح وهذه المبادرة؛ فلماذا لا تلغي من فكرك هذه الأجوبة المتكررة وتباشر العمل وتترك السلبية في حياتك؟ فيا ترى: من سوف يعيد للأمة أمجادها: - العلمانيون؟ - أم الحداثيون؟ - أم أهل الكرة وأمثالهم؟ لا يا أخي ... إنه أنت المسلم الملتزم بدينك، والمُضَحّي لأجل دعوتك، أنت الذي ستعيد للأمة أمجادها، مستنيراً بكل من سبقك من الدعاة المجددين الذين فعلاً بذلوا كل غالٍ ورخيص من أجل دينهم، فلم يكرروا أي جواب متكرر.

стр. 3052

منتدى القراء حرية الفكر المفترى عليها .. أسامة طه إن بعض المحترفين له براعة فائقة في استخدام مصطلح (الحرية الفكرية) وذلك حين يجعلها سياجاً واقياً لتزوير التاريخ أو إخفاء معالم الدين وتشويه حقائقه؛ فحرية الفكر كما نفهمها هي إعمال العقل في بحث المقدمات وتمحيص واستخلاص النتائج، أو هي إعمال العقل في فهم القاعدة أو النص، وهذه الحرية بمفهومها الصحيح هي (اختراع إسلامي) . لكن هذه الحرية المظلومة كثيراً ما تستخدم للأسف لخداع الأجيال، وصرفها عن أصلها، وليّ زمامها عن وجهتها، وتشكيك العوام في مواريثها؛ فكما ينقل مجرى المياه ليصب في مكان آخر؛ يريد أصحاب الحرية المزورة تشكيل أفكار مخصوصة كي تبدد رسالة الأمة، لتتلاشى مع الأيام. ومن هنا نفهم السر في الدفاع عن رموز التشكيك وإحياء أفكار ماتت ودفنت مع أصحابها. لقد طبع كتاب (الإسلام وأصول الحكم) ، لعلي عبد الرازق رغم أن صاحبه تبرأ منه بعد ما واجهته مشيخة الأزهر بأخطائه؛ لكن الكتاب الذي وضع في أوائل القرن الحالي يعاد طبعه مراراً باسم حرية الفكر! وقل مثل ذلك عن كتاب: (من أين نبدأ) مع تغيير الأشخاص والملابسات. والأمر لم يقف عند ذلك، بل أخذ (الحلاج) بعض الفصول في هذا المسلسل البغيض، والمرء يدهش حين يرى المقالات والمسرحيات تُعَنْوَن باسم هذا الرجل شهيد الحرية! ! وهنا نصل إلى أكثر الكتب لجاجاً وأخطرها ضِراماً، أعني كتاب: (في الشعر الجاهلي) الذي تغير عنوانه إلى كتاب: (في الأدب الجاهلي) وقد تراجع عنه مؤلفه وهو (طه حسين) ، وهو كتاب يستبشر به كثير من العلمانيين؛ لأنه متخصص في التنكيل بالإسلام ولمز أحكامه، ولأجل الترويج لأفكاره زعم أصحابنا أن المؤلف طه حسين يؤمن بمذهب (ديكارت) ؛ وهو أشد الناس خروجاً في كتابه على هذا المذهب؛ فإنه لا يكتب إلا لغرض واحد يبتغي له وسائله وأسبابه بكل ما استطاع: وهو توهين أمر الدين وصدعه من مفاصله.. أما ديكارت صاحب مذهب الشك فإنه يقول: إنك تستطيع أن تشك في كل شيء، إلا في الدين، والأخلاق، والعلاقات الاجتماعية! ؟ ومن أراد المزيد فعليه بكتاب الأديب الفذ مصطفى صادق الرافعي: (تحت راية القرآن) ليرى انهزام الباطل تحت مطارق الحق. مما سبق يلاحظ الإنسان الحصيف أن حرية الفكر تصل عند الانهزاميين إلى الأوج إذا كان الكاتب ينال من الدين وثوابته؛ لأن الغرض هو دحرجة الأديان من الأرض كلها، وهذا ما حدث إبّان سخافات (سلمان رشدي) أو (تسليمة نسرين) . إن تباين الأفكار واشتجار الآراء ضرورة فكرية ولا شك، ولن يخلو منها تاريخ الإنسانية إلا إذا أصبح الناس أمة واحدة، وهذا مستحيل: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ] (هود: ١١٨) ، ولكن أن تصل الفوضى الفكرية إلى هذا الدرك؛ فذاك هو عقاب الأمم حين يهبط مستواها. ألا وإن مثل هؤلاء الفتّانين المفتونين في الأمم: كمثل ما يكون من الوباء يمر بالبلاد فيصيب منها، ولكنه يترك في أيدي أطبائها وعلمائها المصل الواقي أبد الدهر: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ] [الأنعام: ١١٢] .

стр. 3053

منتدى القراء ينابيع السعادة هناء المخلف إن أول ينبوع ننهل منه فترتوي عروقنا وتخضر أوراقنا هو: ينبوع الإيمان بالله؛ إذ لا سعادة إطلاقاً بدون الإيمان الراسخ بالله وبالقدر خيره وشرّه، بل ستبدو لنا الحياة بدون الإيمان ملأى بالضنك والشقاء؛ لكن الالتزام بتعاليم الدين من واقع نبعه الصافي يسعدنا ويدفعنا إلى الفضائل ويَسعدُ بنا المجتمع. أما الينبوع الثاني فهو: اليقين بأن كل نعيم في هذه الحياة زائل لا محالة، وأن السعادة الأبدية في الآخرة. فالإنسان إذا علم أن السعادة ليست حالة دائمة لم يعلق آماله على مستحيل، ولم يُفجَع إذا طرأ عليه ما يكدّر صفو حياته، بل إنه يفرح به لإيمانه أن ما أصابه من خير أو شر هو خير له. وثالث الينابيع هو: ينبوع التوكل على الله؛ فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام ولا تزعجه الحوادث؛ لعلمه أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة؛ فيطمئن لوعده، كما أنه يسعد حين يسعى في بذل الخير للناس ويحسن إليهم ولا ينتظر منهم جزاءً ولا شكوراً؛ بل يرجو ذلك من ربه سبحانه. ورابع الينابيع هو: ينبوع القناعة؛ حيث إن الذي لا يعرف القناعة لن يعرف السعادة أبداً ولو ملك كنوز الأرض. أما الينبوع الخامس فهو: ينبوع الكفاح في الوصول إلى هدف أو أمر معين، وأفضل الكفاح ما كان في طلب العلم؛ فلا ألذّ ولا أشهى من السعي في طلب العلم، وكذلك مجاهدة النفس وترويضها على الالتزام بتعاليم الإسلام؛ فهذه السعادة والمتعة التي لا تعادلها متعة! والينبوع السادس وهو من أصفى وأنقى تلك الينابيع هو: تلاوة القرآن والاشتغال بذكر الله عن هموم الدنيا، واللجوء إلى الله بالدعاء مع اليقين بأنه سبحانه سيجيب دعوته في الحال، أو يدفع عنه من السوء مثلها، أو يدّخرها له في الآخرة.

стр. 3054

منتدى القراء علمني الصغير وائل عثمان عبد الرحيم أعجبني بشدة هذا المشهد الرائع الذي رأيته اليوم، لم تصدق عيناي ما أرى، أقول هذا لأننا أصبحنا في زمن أضحت فيه كثير من القيم والمثُل، وخاصة تلكم التي هي من صميم عقيدتنا وديننا الحنيف متلاشية. قصة هذا المشهد يمثلها طفل صغير يبلغ التاسعة أو العاشرة من عمره، جاء هذا الطفل إلى المتجر فأخذ ما يريد ثم انقلب راجعاً إلى بيته، فإذا به يدوس (قطعة خبز) كانت ملقاة على الأرض! فأخذ يعاتب نفسه عتاباً شديداً؛ والذي نفسي بيده سمعته يقول: (حرام، حرام) وأخذ هذه القطعة وأخذ (يقبلها) . ثم وضعها في ... مكان لائق. وكفى! فبالله عليكم من لي بفهم الدين وهذه العاطفة الصادقة الفطرية بهذا الصغير في عقول وقلوب كثير منا؟ ! بل وهؤلاء الذي خطت خطوط الشيب على رؤوسهم؟ ! التربية بالصدق بندر بن عبد الله النذير لنتوقف هنا لحظة؛ لنبصر هذا الخلق العظيم (الصدق) . إن الإنسان متى بدأ بتربية نفسه أو بتربية الآخرين ولم يوجد ضمن عناصر التربية هذا الخلق فأنى لهذه التربية أن تكون جادة؟ ! وإذا كان ديدن المُرَبّي الكذب أو تعامُل المُرَبّى مع المربّي هو التحايل والكذب؛ فأيّ تربية هذه؟ ! من هنا تجلت قمة (معاني التربية) حيث إن الإنسان يحتاج إلى التربية الصادقة كما يحتاج النبات إلى الماء، قال ﷺ : (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً) . [البخاري، ح. /٦٠٩٤، كتاب الأدب] .

стр. 3055

منتدى القراء أخطاء في فن الإقناع محمد مرشد المرشد هناك أخطاء كثيرة شائعة في طريق الإقناع والتحاور، نحتاج دائماً لمعرفتها لكي نتجنبها. منها: -مصادرة عقول وأفكار وآراء الآخرين، وإلزامهم بما توصل إليه المتكلم من نتائج؛ وذلك بعدم نقل الحدث والنص كما هو؛ إنما نقل ما فهمه المتكلم وما توصل إليه اجتهاده وتحليله مع إغفال بعض الجوانب من ذلك الحدث أو النص الذي ربما كان الصواب فيه، مع إيهام المستمع أنه لا يوجد إلا هذا الرأي، وأنه الصواب الذي لا يحتاج معه إلى غيره. فلا بد من التجرد في نقل الأحداث؛ ولذلك أمرنا الله تعالى بالعدل في مواطن كثيرة من كتابه حتى مع وجود بعض التأثيرات العاطفية مثل: كون المحكوم عليه من ذوي القربى؛ فقال عز من قائل: [وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى] [الأنعام: ١٥٢] . -التركيز على العاطفة في إقناع الناس فمثلاً عند إقناعهم بخطورة المعصية. فعلى الداعي حيال ذلك أن ينطلق من المنطلقات الشرعية التي يتعبد الناس بها لله بأنه وحده الآمر الناهي المعبود المتصرف الذي حكم فعدل، وهو العزيز الحكيم؛ وعند إقناعه الآخرين بأمر شرعيّ مّا؛ ينبغي عليه أولاً أن يبين حكم الله فيه فيقول: قال الله تعالى كذا، وقال رسوله ﷺ كذا، ولا مانع من إيراد بعض الحِكمَ التي تظهر من خلال الحُكم. ولا يخفى أن لهذا حكمة عظيمة وهي تقوية العبودية لله تعالى في قلب الإنسان وتعويده التسليم لأمره. -إقحام العقل وإدخاله في متاهات لم يُخلق من أجلها: كالإصرار على معرفة العلة في الحكم؛ فإذا تعود السائل على البحث عن الحكمة التي لم تظهر له، ولم يستطع هذا المتحدث إقناعه بها ربما نجده يتقاعس عن هذا الأمر، وهذا نقص واضح في العبودية لله تعالى، قال الطحاوي ﵀: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام. من رام علماً ما خطر عنه علمُه ولم يقنع بالتسليم فهمُه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان) ... ... ... ... ... ... ... [٢٣١ -٢٣٣ شرح الطحاوي] فقد يفهم هذا ويقنع ما لا يفهم سواه ويقنع، والله أعلم. -الإفراط في المبالغة، مما يُفقد مصداقية الداعي وُيضعف تأثير كلامه على النفوس؛ فإن الحق أصل في البشر واضح كالشمس لا يحتاج معه إلى مبالغات وزيادات قد يكون لها أثر عكسي إذا تبين الأمر، ثم إن الباطل أمر وارد على النفوس يُدفع بقوة الحق ووضوحه لا بتعظيمه وتهويله. -ويدخل في هذا الطرحُ الدفاعي في عرض الحقائق بأن يلجأ المتحدث دائماً في طرحه وعرضه الحقائق إلى الشّبَه والأخطاء والرد عليها مما يؤدي إلى إضعاف الحق في القلوب؛ بحيث يحتاج معه دائماً إلى دفاعٍ مما يجعل صاحبه لا تتسع توبته في قلبه، ثم إن هذه الشّبَه ربما تعلق في القلب فتكون أقوى من الرد أو يكون المستمع لا يستطيع إدراكه فيقع المحذور.

стр. 3056

منتدى القراء ذكرى موسى محمد الشبيلي عامٌ مضى ما فيه غيرُ هواني ... لم يَنْدملْ جرحٌ به أعياني عام تكدّرتِ الوجوهُ لخطبه ... فدحٌ عَتَى ما كان في حسباني فاضت دموعي من لظى أجفانِها ... ورنَى لقلبي هاجسٌ أعراني ماذا دهى؟ بلدٌ يُبادٌ وأمّة ... تَرجو السلامَ لموطن ثكلان بلد تولد في الفؤاد حنينه ... أمسى يئن بصرخة الطغيان وطنٌ تمرستِ اليهودُ بأرضِه ... فمشى وحيداً في رُبى الأوطانِ فَقَدَ الأمانَ فلا هَناء بمرقدٍ ... يَعْلوه قصفٌ من لظىً ودخانِ صوتُ المدافعِ كالبروق رواعدٌ ... صُمّت بها أُذُنِي وعيّ لساني ما لي أرى شعب التخاذل نائماً ... حين استفاق من الأذى الثقلان عارٌ على كل العروبةِ أن نَرى ... تاجَ الملوكِ على بني الشّيْطانِ

стр. 3057

الورقة الأخيرة ضعف التأصيل وتأصيل الضعف عبد العزيز الجليل إن الدعوة إلى الله عبادة عظيمة من أعظم العبادات التي يحبها الله ويُتقرب بها إليه سبحانه ولكن شأنها شأن العبادات الأخرى التي يشترط في قبولها عند الله تعالى أن يكون فيها إخلاص ومتابعة لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وشَرَعه لأمته؛ وهذا هو مفهوم التأصيل. والناظر في واقع الدعوة اليوم وما أثمرته من صحوة عامة وعودة إلى الدين والخير ومقارعة الفساد وأهله ليحمد الله على هذه النعمة العظيمة، ويشكر القائمين على هذه الدعوة من علماء وطلاب علم ودعاة وموجهين ومحسنين؛ كلٌ في مهمته، وحسب ما قدم. ومع هذا الخير العظيم الذي لا يماري فيه عاقل محب للخير؛ فإن هناك أمرين خطيرين ينبغي أن ينتبه إليهما الدعاة المخلصون؛ لأنهما طالما كانا من معاول الهدم للدعوات الصحيحة، أو كانا أداتي نخر وإفساد للدعوات الناشئة في بنائها. وهذان الأمران هما: ١ ضعف التأصيل. ٢ تأصيل الضعف. والمقصود بضعف التأصيل: الانطلاق في أمور الدعوة ومناهجها وأساليبها دون الرجوع إلى أصول الشريعة وما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه الكرام ﵃، ودون الاهتمام بالمستند الشرعي والدليل العلمي لمنطلقات الدعوة ومناهجها، والاكتفاء بآراء الرجال، والتقليد الأعمى دون تمحيص هذه الآراء، وهل هي توافق مقاصد الشريعة وأصول السيرة النبوية الطاهرة أم لا؟ ! إن تربية النشء على قدسية أقوال فلان من الناس، وأنها الحق الذي لا مرية فيه نهج خاطئ منحرف، ومثال واضح لضعف التأصيل أو انعدامه. كما أن ربط الصحة والخطأ في أمور الدعوة بالعقل والذوق ورغبات الناس هي الأخرى مثال لضعف التأصيل. والأمثلة كثيرة وليس المقام مقام تفصيل لها.. والمقصود: أن ضعف التأصيل ظاهرة خطيرة، تُرى دائماً وتظهر في أزمنة الجهل بالشريعة، وضعف العلم الشرعي، وترك الأخذ بالدليل الصحيح، والاستعاضة عن ذلك بآراء الرجال وعقولهم وأهوائهم. وعلاج هذا الانحراف يكون في ربط الدعوة ومناهجها بالدليل ومقاصد الشريعة وقواعدها، وإحياء العلم الشرعي بين الناس، وأن لا عصمة إلا للرسول- ﷺ ؛ وكل من عداه يؤخذ من قوله ويرد. وإحقاقاً للحق فإن كثيراً من الدعوات اليوم ولله الحمد قد ثبّتت منهج التأصيل والرجوع إلى ما كان عليه سلف الأمة والاهتمام بالدليل؛ وما ذاك إلا بسبب انتشار العلم وكثرة طلابه والتفافهم على العلماء؛ وهذا يبشر بالخير إن شاء الله تعالى وإن كان التأصيل الشامل يحتاج إلى جهد كبير، وتعاون عظيم بين العلماء والدعاة في ذلك. أما الأمر الثاني فهو تأصيل الضعف: والمقصود بتأصيل الضعف هنا: هو أن يقع الإنسان في ضعف أو خطأ، وعوضاً عن الاعتراف بهذا الضعف، ومحاولة النهوض منه ومعالجته.. تراه يتكلف الاستدلال لضعفه هذا ببعض الأدلة الشرعية التي لا تصلح للاستدلال، وقصده من هذا أن يظهر بمظهر المتقيد بالشرع، وأنه ينطلق في مواقفه من أصول شرعية، ولتوضيح هذه المسألة أضرب الأمثلة الآتية: ١- هناك من يسوّغ كتم الحق بالخوف على النفس من الفتنة، أو بالخوف على الناس من تبعات قول الحق وما يجر عليهم من المفاسد والفتن؛ فإن كان من يقول هذا القول قد عُرف عنه التقوى والإخلاص والعلم بمقاصد الشريعة؛ فإنه والحالة هذه مسؤول عما يقول وهو إن شاء الله تعالى مأجور على اجتهاده، وليس هو ممن يلبس الحق بالباطل، أو ممن يؤصّل ضعفه ويسوّغه بمسوغات شرعية. أما إن كان صاحب هذا القول ممن عرف عنه قلة الدين واللهث وراء الدنيا، وعرف عنه كتم الحق خوفاً على دنيا فانية، أو طمعاً في متاع زائل فإن موقفه والحالة هذه يُعد صورة من صور تأصيل الضعف، ولبس الحق بالباطل؛ حيث أظهر طمعه وخوفه في صورة الحرص على مقاصد الشريعة ومراعاة المصالح والمفاسد. والله سبحانه هو المطلع على ما في القلوب وهو علاّم الغيوب. ٢- من المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الشريعة لا تقوم إلا به، ولكن قد يتركه بعض الناس في بعض الظروف: إما لمسوغ شرعي كتخلف بعض شروطه، أو لضعف وتخاذل مع بقاء هذه الشعيرة على أصلها في النفوس، أما لو تحوّل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع مرور الوقت وكثرة المنكرات وضعف الإيمان إلى أن يصبح السكوتُ وتركُ الأمر والنهي هو الأصل الذي يبحث له عن المسوغات الشرعية كدرء الفتنة ونحوها، ثم يتحول الأمر والنهي إلى حالة استثنائية لا يقام به إلا عند توفر الشروط التي تُضخّم لتصبح أقرب إلى التعجيز منها إلى الإمكان إذا آل الأمر إلى هذه الحالة فإنه عين اللبس، وهو تأصيل الضعف؛ حيث انعكس الأمر فأصبح السكوت والضعف عن هذه الشعيرة العظيمة هو الأصل، وما خالفه من الأمر والنهي هو المستثنى، ونعوذ بالله من الخذلان. ٣- من المعلوم أن البراءة من المشركين والكفار أصل عظيم من أصول العقيدة، لا يصح إيمان العبد إلا بها، وقد يمر بالمسلم وقت لا يستطيع أن يجاهر بعدائه للكفار، وقد يداريهم في الظاهر؛ لكن قلبه ممتلئ ببغضهم والبراءة منهم؛ لكن الخطير في هذا الأمر أن يستمرئ الناس مداراة الكفار في كل حين حتى يتحوّل الأمر إلى مداهنة وموالاة، وحتى يؤول في النهاية إلى أن تؤصّل المداهنة الناشئة عن ضعف الإيمان وحب الدنيا ووهن العزيمة، وتصبح هي الأصل، وما خالفها طارئ وجزئي لا تُعارَض به، كمن يؤصّل اليوم التسامح الديني وتقارب الأديان بحجة المصلحة الشرعية ونبذ التعصب. ومثله ما يراد للأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة من استسلام مهين مع شرذمة الخليقة وأعداء الرسل اليهود الغاصبين؛ حيث تحوّل الجهاد في سبيل الله تعالى ومعاداة اليهود والنصارى إلى أمر مستغرب؛ بل ومستنكر أحياناً، وأصبح التنازل عن هذا كله هو الأصل الذي لا يجوز خرمه. كما أصبح التعايش السلمي واحترام حدود العدو والسلام الدائم معه واحترام الشرعية الدولية المدّعاة هي الأصول التي لا يُسمح بالتنازل عنها والخروج عليها. وقد أدى هذا الأمر إلى أن يوجد في بعض بلاد المسلمين من يحشد الأدلة والشبهات لتأصيل هذا الخنوع، وإضفاء الشرعية للسلام الدائم مع اليهود. وهل بعد ذلك مثال أوضح من هذا في تأصيل الضعف والهزيمة والهوان؟ !

стр. 3058

صفر - ١٤٢٠هـ يونيو - ١٩٩٩م (السنة: ١٤)

стр. 3059

كلمة صغيرة ها هم يتجرؤون ! عندما كان الإسلاميون يقولون: إن الغرب يتحرك بدوافع صليبية كان العلمانيون ينظرون إليهم نظرة استخفاف بهذا التفسير (المتخلف) و (المتعصب) للأحداث. وعندما كان هؤلاء (الأصوليون) يقولون: إن أحد أهداف الغرب زعزعة إيمان المسلمين بدينهم وعقيدتهم كان (المتنورون) يردون بأن الغرب يعيش حالة من عدم المبالاة بالتدين، وأنه لا يأبه بأن يتحول المسلمون إلى نصارى. ولكن الأحداث تتوالى لتصك العلمانيين والمتغربين على وجوههم، ولتثبت للجميع أن الحروب الصليبية لم تنته بعد، وها هم أخيراً وليس آخراً يتجرؤون ويرفعون رؤوسهم بالدعوة الصريحة إلى التنصير في دول الخليج العربي: فبعد تنصيب أول قس كويتي، وبعد الكنائس المعلنة أو المستترة في البيوت؛ بُثَّتْ - عن طريق الفاكس وعلى نطاق واسع - دعوات إلى متابعة أول محطة تنصيرية تلفزيونية فضائية، تبث من قبرص باسم Sat-٧ ويغطي إرسالها الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشبه الجزيرة العربية ومعظم أوروبا من خلال القمر Pan. Am Sat-٤ واحتوت هذه الدعوات على: عنوان المحطة، وكيفية التقاطها، ودعوة لمشاهدة فيلم (يسوع) يوم الجمعة ٩/٤/١٩٩٩م، إضافة إلى دعوة صريحة لاعتناق نصرانيتهم المحرفة. إننا نعتقد أنهم لم يتجرؤوا على خطوة كهذه إلا لاطمئنانهم بأن دفاعات كثيرة أزيحت من أمامهم، واعتقادهم أنهم الآن من القوة التي تسمح لهم بذلك، وربما كانت هذه الخطوة مجرد بالون اختبار لمعرفة ردود الأفعال وجس النبض، ومن ثَم؛ يأخذون خطوة أبعد. ومع اعتقادنا بأن المسلمين لن يسمحوا لأفعى التنصير بأن تطل برأسها في البلاد الإسلامية، ومع قناعتنا بأن مثل هذه القنوات يصعب منعها إن لم يكن مستحيلاً، فإننا ندعو كل غيور على دينه وأمنه إلى السعي الحثيث إلى ترسيخ العقيدة في نفوس أبنائه (وعشيرته ومجتمعه) وإحياء روح الاعتزاز بدين الإسلام عقيدةً وشريعةً؛ لتتحطم عليها مكائد أعداء الإسلام.

стр. 3060

الافتتاحية صحَوْنا ... فلْنَنْهض ! ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الهجري الخامس عشر.. في حاجة إلى وقفة تأمل في حصاد عقدين ماضيين من عمر (الصحوة الإسلامية) اللذيْن كانا ظرفين للنشأة والتفاعل إقليمياً وعالمياً. ماذا حصدت الصحوة من ثمار خلال هذين العقدين؟ وفيم نجحت؟ وفي أي شيء أخفقت..؟ الحديث في ذلك يطول؛ ولكن لا بد من تناوله، وطرح محاوره، وشرح ملابساته.. وبما أن هذه العجالة ليست كافية لتوفيته حقه في التناول؛ فإننا نشير في إلماحات قصيرة ومختصرة إلى بعض المعالم البارزة لعلنا نطلق بها الدعوة إلى فتح النقاش العام حول هذه الطروحات في المنتديات الدعوية في كل مكان. لقد نجحت الصحوة برغم كل العقبات الكؤود والعداوات النكدة أن تثبت بفضل من الله وحده وجوداً وتفاعلاً على مختلف الأصعدة، بما ينفي بوجه قاطع تهمة عجز المسلمين عن النهوض لتوجيه الحياة وصناعة التاريخ. ومن الأهمية بمكان أن نتساءل اليوم ونحن نبدأ عقداً جديداً في قرننا الهجري: ماذا أنجزت الدعوة في مرحلة (الصحوة) ؟ وما الذي عليها أن تستعين بالله في إنجازه فيما يستقبل من المراحل؟ يمكننا أن نتلمس الجواب في النقاط الآتية: أولا: على المستوى الدعوي: نجحت الصحوة بمعونة الله في استنقاذ شريحة كبيرة من الجماهير التائهة في الجاهلية المعاصرة؛ حيث عادت روح التدين بشكل لافت وبنسب متفاوتة في كل قطر من أقطار الإسلام، هذا فيما مضى من القرن. والأمة الآن في حاجة إلى النهوض بمستوى تلك الشرائح بجهد مضاعف للانتقال بها من مرحلة (الكم) إلى مرحلة (الكيف) وإلا فقدنا الكم والكيف معاً، فأنصارُ الدعوة وجدانياً كثيرون، ولكن نصرتهم العملية للدعوة لا تزال دون القليل، والسبب في ذلك أن هناك جهوداً كبيرة لا تزال مدّخرة يمكن أن تعمل على تأهيل وتخريج القطاعات الدعوية القادرة على توجيه السفينة. ثانياً: على المستوى العلمي: لا شك أنه قد وجدت كفاءات علمية متخصصة ومتنوعة بعد حركة الانتعاش العلمي بعد مقدم القرن الخامس عشر. ومعالم هذا الانتعاش ظاهرة؛ ولكن هذه الحركة في أمسّ الحاجة إلى التحول إلى (مؤسسات) علمية قادرة على تشكيل مرجعية علمية وعالمية لتوجيه المد الإسلامي المائج في لجج الحياة، دون أن يستطيع الوصول إلى منارات تهديه أو أفق يأوي إليه، بسبب قصور غير مقصود في إيصال نور العلم الصحيح إليه. ثالثاً: على المستوى الفكري: طرحت في الساحة الإسلامية عبر عقدين ماضيين مختلف القضايا الفكرية التي كانت محل أخذ ورد عبر عقود متطاولة مضت، وقد أُنهكت بعض هذه القضايا بحثاً وسُطّح بعضها وتفلّت آخر عن البحث، وتجوهل آخر فلم يُبحث، والأسباب كثيرة، ولكن كان هناك غائب مشترك في أكثر الأحايين وهو فصل الفكر عن الفقه، وخاصة الفقه الأكبر، فقه الاعتقاد، مما أنتج تلك الفوضى الفكرية المسؤولة عن تفريق الصفوف والقلوب. نحن في مسيس الحاجة إلى منظومة فكرية متكاملة لمختلف نواحي التصور والسلوك تستقي من منهج القرآن والسنة، وتتخلص إلى غير رجعة من اللوثات الاعتزالية أو الرافضية أو الخارجية أو الصوفية التي تسللت إلى كثير من الطروحات الفكرية المعروضة باسم أهل السنة. وما يطرح في الساحة الآن على أنه (فكر إسلامي) يحتاج في الحقيقة وبكل هدوء إلى إعادة توصيف، حتى لا نقول تصنيفاً، وحتى يذهب الزَبد جفاء، وتبقى الزبدة لنفع الناس. رابعاً: على المستوى السياسي والإعلامي: الصحوة الإسلامية فتحت بلا جدال أعيناً للرؤية السياسية الواضحة، كان الناس قبلها أتباعاً لكل ناعق، ليست لهم آذان إلا الإذاعات ولا أعين إلا الشاشات، وقد أثبتت الصحوة قدرتها على صناعة (رأي عام) في كثير من القضايا؛ بالرغم من الحصار المفروض عليها في البر والبحر والجو. واليوم، وقد سقط جدار الحصار بظهور التقنية الإعلامية الحديثة؛ فالمسلمون يدخلون بهذا في مرحلة جديدة من مراحل (البلاغ) للعالمين، تحتاج إلى فهم جديد ماهر في العمل الدعوي: السياسي والإعلامي يشيع النظرة الإسلامية فيما يجد من أمور انطلاقاً من ثوابت الإسلام العقدية والشرعية، من خلال تحليلات متعمقة وطروحات هادئة تثبت جدارة الإسلام بقيادة شعوب المسلمين، بل بقيادة العالمين. خامساً: على المستوى الاقتصادي: رَاجَ مصطلحُ (الاقتصاد الإسلامي) نظرياً، وحاول إثبات وجوده عملياً من خلال المصارف والاستثمارات الإسلامية فكان مثالاً واضحاً من الأمثلة العديدة التي تدل على أهلية الإسلام للقيام بشؤون الاقتصاد محلياً وعالمياً؛ ولكن إثبات الوجود وحده لم يعد يكفي في عصر النمور والنسور والصقور الاقتصادية التي لا تفرق بين حلال وحرام. نحن في حاجة إلى الانتقال من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة (فرض الوجود) ؛ فالثروات في أرض الإسلام يتوجب توجيهها للصالح العام مع العمل الجاد نحو تشجيع الاستثمار الإسلامي في مظانه؛ وهو الذي سيوجه حتماً سياسات كثير من الأنظمة في يوم ما، وباكورة ذلك ما نراه من تسابق نحو (أسلمة) المصارف لبعض فروعها قبولاً منها بالأمر الواقع الذي تفرضه الشريحة الإسلامية العريضة التي ترفض الحرام وتأباه. سادساً: على المستوى الاجتماعي: كان جهد الصحوة مشكوراً في لفت الأنظار إلى أن هناك لوناً راقياً من التكافل يدعو إليه الإسلام، لم تصل إلى مستوى الحلم به منظماتُ الرعاية والحماية وحقوق الإنسان العالمية المسيّسة. ولكن هذا النشاط المشكور، حاول دائماً أن يجمع البيض كله في سلة واحدة، جامعاً بين النشاط الأسري والإغاثي، والإنمائي والعلمي والدعوي. نحن مقبلون على مرحلة تحتاج إلى التخصص الدقيق في العمل الاجتماعي والخيري، فهذا أرعى لمصالح المسلمين، وأدعى لتجاوز العقبات والعراقيل التي توضع أمام الأنشطة (الموسوعية) باسم سياسات (تجفيف المنابع) . سابعاً: على المستوى الجهادي: شهدت الصحوة في عقديها الماضيين وُثُوباً من رقدة القعود الطويلة عن شرعة الجهاد إلى قيام صاعد صامد في وجه الجبارين اكتسى ثوباً إسلامياً جديداً بعد أن كان يتلفع خرقاً وطنية وقومية وثورية. وبنسب متفاوتة أدى إحياء تلك الشرعة الإلهية دوراً في حياة المسلمين المعاصرة؛ مما أخافَ قوى الظلم، فسارعت إلى تلطيخ وجه الجهاد الوضيء حتى لا يتكرر تحوله من (دعوة) إلى (دولة) كما حدث في أفغانستان والشيشان والسودان. ولا تزال أمام الجهاد الإسلامي الماضي إلى يوم القيامة ساحات وميادين، تستوجب تعديل مسار الجهاد إلى هدفه الأسمى وهو: أن تكون كلمة الله هي العليا؛ فهذا فقط هو الجهاد. وكل عمل باسم الجهاد لا يتغيّا هذه الوجهة نظرياً ويطبقها عملياً فهو إلى الإفساد أقرب. وعلى المجاهدين وهم ينتظرون ساعة الصفر وساحات الفداء أو هي تنتظرهم أن يحملوا سلاح العلم والإخلاص لينتصروا بهما أولاً على أعدى أعداء الجهاد. وهما: الجهل، والهوى. ثامناً: على مستوى العمل الفردي: كان بإمكان الصحوة أن يتضاعف عطاؤها أضعافاً كثيرة لو أنها وجهت جزءاً من اهتمامها بالعمل الجماعي إلى العمل الفردي، فإذا كان العمل الجماعي من الأعمال المشروعة بين عيني وكفائي فإن العمل لنصرة الدين على المستوى الفردي مفروض عينياً على كل قادر بحسبه، وطبقاً لمقدرته، ومع هذا؛ فإن العمل الجماعي هو المطالب أيضاً بتوظيف العمل الفردي لتلافي ذلك القصور الشائع؛ فكم من أفراد يبحثون عن أدوار! وكم من أدوار تبحث عن أفراد! ومن بركة العمل الجماعي أنه يستطيع الاضطلاع بهذه المهمة. تاسعاً: على مستوى العمل الجماعي: في غياب دور (الدولة) في أكثر بقاع العالم الإسلامي باعتبارها المؤسسة المسؤولة عن توجيه الوظيفة الأولى للأمة وهي الدعوة، كان من المهم بحكم الضرورة أن تتولى الأمة بنفسها القيام بما كان يجب أن تقوم به الدول؛ فظهر في مرحلة الصحوة دور بديل وإن كان غير كافٍ وهو نشوء الجماعات العاملة للإسلام وتفرعها وتنوعها، ولا يستطيع مجادل أن ينفي الدور الذي قامت به تلك التجمعات نيابة عن الدول في خدمة دعوة الإسلام، سواء كانت تجمعات علمية أو دعوية أو سياسية أو جهادية، وبالرغم من جسامة الدور الذي قامت ولا تزال تقوم به تلك الجماعات، فإنها عجزت إقليمياً وعالمياً عبر عقدين ماضيين عن تحقيق هدف رئيس من أهداف دعوة الإسلام، وهو فريضة الاعتصام بحبل الله. وفي مرحلتنا المقبلة، لا عذر لنا أمام الله في التفرق بعد أن جمعنا الإسلام، أو التشرذم وقد وحدنا الإيمان. لم تعد (الصحوة) وحدها تكفي؛ فالعملاق (النائم) قد صحا.. ولا ينبغي أن يكتفي بأنه قد صحا وأدرك ما حوله؛ لقد آن الآوان له أن ينهض ليغير ما حوله. آن لنا أن ننتقل من مرحلة (الصحوة) إلى مرحلة (النهضة) . والله الهادي إلى سواء السبيل،،،

стр. 3061

دراسات في الشريعة والعقيدة الابتداع بين العصيان والتبديل مجدي حمدي الأبار أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [١] . هذا حديث عظيم وأصل من أصول الإسلام، وهو مع حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ، وحديث: (إن الحلال بيّن والحرام بيّن) ثلاثة أحاديث هي القواعد التي بنى عليها الإمام أحمد ﵀ أصول مذهبه [٢] . وقد أخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أصدق الحديث كتاب الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) [٣] . فحديث جابر وحديث عائشة ﵄ كل منهما يدل على الآخر، ويفسر معانيه. معنى البدعة: قوله: (من أحدث) أي ابتدع؛ إذ الحديث ضد القديم، والأمر المُحْدَثُ هو المبتدع، ومنه قوله ﷺ : (كل محدثة بدعة) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات الأمور) [٤] أي ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء التي لم يكن عليها السلف الصالح. و (الابتداع) لغةً: هو الاختراع على غير مثال سابق، قال الشاطبي: (وأصل مادة بدع للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] [الأنعام: ١٠١] أي فاطرهن على غير مثال سابق، وقوله تعالى: [قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ] [الأحقاف: ٩] أي ما كنت أول من جاء بالرسالة إلى العباد؛ إذ تقدمني كثير من الرسل. ويقال: ابتدع بدعة يعني: ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق، وهذا أمر بديع، يقال للشيءِ المستحسن الذي لا مثال له في الحسن؛ فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه. اهـ) [٥] . إذاً فالقدر المشترك بين مادتي (حدث) ، و (بدع) هو الشيء الذي لم يكن له مثال سابق ثم كان، فإذا تعلق الإحداث بشيءٍ للنبي ﷺ فيه حكم أمر أو نهي فهو بدعة الشرع، وهذا وصف أخص من وصف اللغة. وبكل حال فمادة بدع تستعمل للدلالة على عكس الأمر العتيق المعهود، ومن ذلك قول ابن مسعود ﵁: (إياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق) [٦] . فقه الحديث: قوله: (من أحدث) (مَنْ) اسم شرط جازم، و (أحدث) فعل الشرط، ويدخل فيه من ابتدأ البدعة ومن تبعه عليها، كما دل عليه لفظ مسلم: (من عمل عملاً) وقوله: (في أمرنا) المراد به أمر النبي ﷺ ، وهو سنته وشريعته، وهو قيد خرج بمفهومه الإحداث في غير أمره ﷺ من أن يكون مراداً بجواب الشرط الآتي، وقوله: (ما ليس منه) أي يخالفه سواءً كانت المخالفة في أمر الاعتقاد أو العمل. وقوله: (فهو رد) جواب الشرط، وهو مصدر بمعنى اسم المفعول أي هو مردود، ولفظ (رد) أعم من المحدث؛ فقد يكون الرد للإحداث وهو الابتداع، وقد يكون الرد لعموم المخالفة، بل قد يتوارد على الأمر الواحد الجهتان بحسب الصورة التي وقعت عليها المخالفة. وكلّ ما كان (رداً) فهو باطل وإن اصطلح الناس على إمضائه، مثل ما جاء في قصة العسيف، وفيه قول النبي ﷺ : (أمّا الوليدة والغنم فرد عليك) [٧] . ومثلُ هذا العقدُ على تبادل المنافع المحرمة، وتنزيلها منزلة البيع؛ فقد قال تعالى في إسقاط ما يحصل للمرابي من الزيادة بعقد الربا: [وَإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ] [البقرة: ٢٧٩] ، فلم يعتبر ما تراضى عليه المتعاقدان، بل أسقط حرمة عقدهما؛ إذ تراضيا على ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ (نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن) [٨] . وهذا إن جرى على وجه طلب حطام الدنيا؛ فهي المعصية التي توعد الله عليها بالعذاب، وإن جرى على وجه الرضا والإقرار؛ فهو النقض لطاعة الرسول ﷺ ، وهو من باب قياس المشركين في قولهم: [إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا] [البقرة: ٢٧٥] ؛ إذ أقروا أنه ربا ثم نزّلوه على وجه القياس منزلة البيع الحلال. وقوله: (فهو رد) دليل على أن حكم الحاكم الذي وقع على خلاف أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، منقوض في حقيقة الأمر وإن سلم في ظاهره، كما في حديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار) [٩] . قال الحافظ: (فيه دلالة ظاهرة جداً على أن حكم الحاكم لا يحل ما حرمه الله ورسوله ﷺ ؛ لنهيه عن أخذه، إذا كان يعلم أنه في نفس الأمر لغريمه) اهـ. وقوله ﷺ : (فهو رد) فيه دلالة ظاهرة على نقض الحيل التي يتوصل بها إلى إسقاط قصد الشارع من شرع أحكامه، مثل استعمال الحيلة في إسقاط الزكاة في المال بهبته قبل أن يدركه تمام الحول لمن يرده عليه مرة أخرى، ومثل المحلل الذي يتزوج المرأة لا بقصد استدامة النكاح ولكن ليحلها للزوج الأول الذي طلقها ثلاثاً من قبل. ومثل الطلاق لغير العدة، كطلاق الرجل امرأته وهي حائض أو في طهر قد جامعها فيه، يطيل عليها العدة، على خلاف قصد الشارع، وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] [الطلاق: ١] . ونحو ذلك كثير. وقد ناقش الشاطبي ﵀ دخول هذا النوع من المخالفة تحت حد البدعة. والأصل أن قصد الشارع لا يسقط بالحيلة، ومن أصول الباب قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قاتل الله يهوداً حُرّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها) [١٠] . وقوله: (حرمت عليهم الشحوم) أي شحوم الميتة [١١] ، أي أن يقتربوا منها على جهة التموّل، كما في الحديث: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه) [١٢] ، فاحتالوا على قصد الله (فجمّلوه) أي أذابوه؛ ليغيروا هيئته، ويستحلوا ثمنه؛ فلعنهم رسول الله ﷺ . وقوله: (فهو رد) فيه دليل ظاهر على أن الأصل في النهي الفساد. وقد قرر العلائي ﵀ أن (الرد) قد يأتي على معنى نفي الصحة، أو نفي القبول، ثم عقّب قائلاً: (إن الحمل على نفي الصحة أوْلى) ؛ وقال ﵀: (سلّمنا أن نفي القبول لا يلزم منه نفي الصحة، ولكن لا نسلّم تعيّنَ الحمل عليه في قوله: فهو رد، بل حمله على نفي الصحة أوْلى لوجهين: أحدهما: أنه حقيقة اللفظ، أو هو أقرب للحقيقة. وثانيهما: أنه أكثر فائدة؛ لأن الحمل على نفي الصحة يلزم منه نفي القبول دون العكس، والحمل على الأكثر فائدة أولى أو هو المتعين) [١٣] اهـ. وهذا التقرير منه ﵀ معناه أن نفي الصحة (البطلان) هو الأصل في النهي، وما عداه على خلافه؛ وما كان كذلك فالنية على النافي للأصل. وللفقهاء تفصيل في العلاقة بين النهي والفساد مرده إلى ورود النهي على محرم الأصل أو غير محرم الأصل [١٤] . وجوب إنكار المنكر: قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا) (مَنْ) من ألفاظ العموم؛ ففيه دليل على أن الإحداث في الدين ينكر على كل أحد: الأمراء، والعلماء، والعامة، ومن ذلك ما أخرج مسلم من حديث طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال -أي مروان-: لقد تُرك ما هنالك، فقال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان) [١٥] . وفي الصحيحين إنكار أبي سعيد ﵁ على مروان [١٦] . والمخاطرة بالنفس في هذا المقام مستحبة كما ذكر النووي ﵀ [١٧] فهذا وجه من وجوه الفقه في هذا الخبر الجليل. ذم الإحداث في الدين: وجه آخر من الفقه في الحديث يتعلق بذم الإحداث في دين الله ؛ إذ وصفه النبي ﷺ بأنه (رد) ، ووصفه في حديث جابر بأنه (بدعة) فقال: (كل محدثة بدعة) ، ووصفه بأنه (ضلالة) فقال: (كل بدعة ضلالة) . وأكد النبي ﷺ : ذم الإحداث بالنهي عنه، والذي لا يتحقق امتثال المكلف فيه إلا بالكف عن جميع أفراد المنهي عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات الأمور) وهي صيغة تحذير، ورتب الوعيد فقال صلى الله عليه وسلم: (كل ضلالة في النار) ، ثم أكد هذا النهي بعمومات الألفاظ: (من) ، و (ما) و (كل) . وكفى بهذا ذماً للبدعة على لسان رسول الله ﷺ . وهذه العمومات مؤكدة كذلك بالكتاب والسنة وقواعد الشريعة. قال تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي] [المائدة: ٣] . ونقل الشاطبي عن مالك استدلاله بهذه الآية فقال: (قال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكاً يقول: التثويب ضلال، قال مالك: ومن أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين؛ لأن الله تعالى قال: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] فما لم يكن يومئذٍ ديناً، لا يكون اليوم ديناً) . قال الشاطبي: (وإنما التثويب الذي كرهه أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس، قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، وهو قول إسحاق بن راهويه: إنه التثويب المحدث) [١٨] . وأخرج مسلم من حديث سلمان ﵁ قال: قيل له: قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: (أجل! لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم) [١٩] . فهذه الإحاطة في تعليم النبي ﷺ أمته تقضي ببطلان الإحداث في الدين، سواء بالزيادة أو النقصان. وجه بطلان الإحداث: أمّا باعتبار شهادة الأصول لبطلان الإحداث في الدين؛ فالابتداع فيه مضاهاة لفعل الشارع، واستدراك على الشريعة، وهذه كذلك أوصاف المبتدع. قال الشاطبي: (الرابع أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك؛ لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع، ولا احتىج إلى بعث الرسل ﵈، وهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيراً ومضاهياً للشارع؛ حيث شرّع مع الشارع، وفتح للاختلاف باباً، وردّ قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك ... ) [٢٠] . وقوله: (ردّ قصد الشارع في الانفراد بالتشريع) هو جوهر قضية البدعة ومدْرَك الفرق بين البدعة ومطلق المعصية؛ فإن في البدعة محظورين: الأول: رد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع. الثاني: تفويت المصالح الشرعية، دنيوية كانت أو أخروية، والتي قصدها الشارع من وضعه التكاليف السنية، وذلك بعمل المبتدع على إسقاط قصد الشارع، فيسن التشريعات الرديّة. فأما المحظور الأول فتجده عامّاً في كل البدع صغارها وكبارها، وهذا هو المعنى الذي استحقت به البدعة وصف الحرمة مهما كان صغرها. أمّا باعتبار المحظور الثاني؛ فالبدعة متفاوتة المراتب، وذلك بقدر ما يلحق الشريعة من خرق؛ فقد تكون مكفرة كالقول بخلق القرآن، ونفي رؤية الله في الآخرة، وبدعة منكري العلم من القدرية، ثم إذا قامت الحجة على من قال بشيءٍ من هذا أو نحوه في الكُفْر كَفَر، ولا كرامة. وقد تكون البدعة غير مكفرة كبدع الصلوات، والأذان، وإحداث هيئات للذكر، مثل ما أحدثه أهل التصوف من الرقص في الحلقات وغير ذلك. وعلى هذا فالبدعة فيها محظوران: الأول: العدوان على الآمر، وذلك برد قصده في الانفراد بالتشريع. الثاني: العدوان على الأمر والنهي بتفويت المصالح المتعلقة بنفس التشريع. الفرق بين البدعة والمعصية: الفرق ظاهر بين البدعة وبين مطلق المعصية. قال الشاطبي: (وأما البدع فثبت لها أمران: أحدهما: أنها مضادة للشارع ومراغمة له؛ حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حُدّ له. الثاني: أن كل بدعة وإن قلّت تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقاً بما هو مشروع أو قادحاً في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامداً لكفر؛ إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قلّ أو كثر كفر، فلا فرق بين ما قل منه وما كثر؛ فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر؛ لأن الجميع جناية لا تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير، ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء في الفرق بين بدعة جزئية وبدعة كلية) . وحتى تقف على قدر هذا الذم للبدعة والمبتدع تأمّل ما قاله الإمام أحمد رحمه الله فقد أخرج الخلال قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد. عليه في ذلك إثم؟ قال: ومن لا يفرح بهذا؟ قيل له: فإن ابن المبارك يقول: الذي ينتقم من الحجاج هو ينتقم للحجاج من الناس؟ قال: وأي شيء يشبه هذا من الحجاج؟ هؤلاء أرادوا تبديل الدين [٢١] . فتأمل كيف فرق الإمام أحمد بين ابن أبي دؤاد المبتدع، وبين الحجاج الظلوم الغشوم قاتل الألوف من المسلمين، فجعل جرم ابن أبي دؤاد أشد. وأخرج الخطيب بسنده إلى الرجل الصالح يونس بن عبيد ﵀ (أنه وقف ومعه ابنه على عمرو بن عبيد [القدري المبتدع] فأقبل على ابنه فقال: يا بني أنهاك عن السرقة وأنهاك عن الزنا، وأنهاك عن شرب الخمر، والله لأن تلقى الله بهن خير لك من أن تلقاه برأي هذا وأصحابه، يشير إلى عمرو بن عبيد) [٢٢] . وقول الإمام أحمد: (هؤلاء أرادوا تبديل الدين) هو المعنى الذي بلغت به البدعة من الذم ما بلغت؛ فالمبتدع مبدل، والمبدل إن تعمد التبديل يكون كافراً، يستوي في هذا القليل والكثير كما تقدم من قول الشاطبي ﵀، وإنما المانع من تكفيره هو التأويل. فالمقصود أن التبديل هو الوصف العام للبدعة؛ إذ ليس للإمام أن يقتل كل من امتنع عن الزكاة إذا أمكن أن تؤخذ قهراً، وكان مقراً بوجوبها. ثم يعتبر كل باب بحسبه؛ فالبدع المتعلقة بأبواب المعرفة بالله أو رد معلوم من الدين بالضرورة بخلاف تلك المتعلقة بفروع الشريعة، ثم هذه قد تتفاوت بقدر ما يحصل في الشريعة من خرق، وهذا مدرك تقسيم الشاطبي البدع إلى: كلية وجزئية، وصغائر وكبائر، وإن أثبت لها جميعها وصف الحرمة اعتباراً بعموم قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) ، وأنّ جميع البدع يتحقق فيها وصف التبديل للدين [٢٣] . الجانب التشريعي في البدعة: ومن وجوه الفقه في هذا الخبر ضبط معنى قوله: (من أمرنا) على وجه لا يدخل فيه ما ليس منه، ولا يخرج منه ما هو داخل فيه، فنقول: على معنى المضاهاة لفعل الشارع بنى الشاطبي ﵀ تعريفه لمعنى البدعة فقال ﵀: (البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) [٢٤] . وقوله ﵀ (تضاهي الشرعية) يعني: (تشبه الطريقة الشرعية من غير أن تكون كذلك؛ بل هي مضادة لها من وجوه) . قلت: ومما يجدر التنبيه عليه أن للشاطبي ﵀ تعريفاً آخر كثيراً ما يُغفل عن إيراده، وهو مثل التعريف الأول، لكن قال فيه: (يقصد بالسلوك عليه ما يقصد بالطريقة الشرعية) [٢٥] . وهذا أضبط وأجمع من الأول في نظري. إذن فحقيقة البدعة ترجع إلى إسقاط قصد الشارع من وضع الدّين، وذلك بوضع تشريع آخر يضاهيه، ولو لم يقصد به المبالغة في التعبد، وهذا معنى قول الشاطبي: (أو وُضِعَ وَضْعَ التعبد) وإلا فما وجه قولهم: (طلاق بدعي) ؟ ولا يقصد بالطلاق المبالغة في التعبد، لكن من حيث خالف المكلف بفعله موضع الأمر والنهي في ذلك الأمر الذي لا يتعبد به الطلاق فأطال العدة على خلاف قصد الشارع فسُمي فعله بدعة، ولأجل ذلك ناقش الشاطبي أن الاحتىال على قصد الشارع من الأمر والنهي بدعة، كما في المحلّل، والحيلة لإسقاط الزكوات، وكما في بيع العينة لإسقاط وصف الربا عن المعاملة؛ إذ المكلف قد وضع الحيلة لإسقاط ما للشارع قصد في تحريمه، وهذه محاكاة للشارع في التحليل والتحريم، أي في وضعه للتشريع. قال الشاطبي: (فهذه النكتة التي يدور عليها حكم الباب، ويتبين ذلك بالأمثلة: فمما أتى به القرافي: وضع المكوس في معاملات الناس؛ فلا يخلو هذا الوضع المحرم من أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتاً مّا أو في حالةٍ مّا لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق، وقطع القاطع للطريق، وما أشبه ذلك، أو يكون على قصد وضعه على الناس كالديْن الموضوع، والأمر المحتوم عليهم دائماً، أو في أوقات محددة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يُحمل عليه العامة، ويؤخذون به، وتُوقع على الممتنع منهم العقوبة كما في أخذ زكاة المواشي والحرف وما أشبه ذلك. فأمّا الثاني فظاهر أنه بدعة؛ إذ هو تشريع زائد، وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة، والغرامات المحكوم بها في أموال الغصاب والمتعبدين، بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة واللوازم المحتومة وما أشبه ذلك؛ فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك؛ لأنه شرع مُستدرَك، وسنٌ في التكليف مهيع [٢٦] ، فتصير المكوس على هذا الفرق لها نَظَران: نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم، ونظر من جهة كونها اختراعاً لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيه نهيان: نهي عن المعصية، ونهي عن البدعة) . ومن هذا يتضح أن كل تشريع يوضع بالمخالفة لقصد الشارع من وضع التكاليف الشرعية هو بدعة، وإن لم يقصد به التعبد، أو لم يصفه المبتدع بحل أو حرمة، وهذا يبين معنى قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا) ويتحقق به معنى قوله: (أمرنا) وصفة الإحداث فيه، بأنه الإحداث في كل موضع لرسول الله ﷺ فيه حكم، سواءً كان من العبادات المحضة، أو من العاديات التي لم تخل من التعبد، ويستوي في هذا حكمه ﷺ أمراً كان أو نهياً؛ فقد اجتمع فيه مع المعصية وصف البدعة لمّا وضعه المبتدع على صفة المضاهاة لأمر النبي ﷺ من محاكاة الهيئات، والكيفيات ووضع التقديرات الشرعية. فهذا كله بدعة، وإن لم يوصف فعل المبتدع بالتعبد، وإن لم يوصف بحل أو حرمة؛ إذ يكفي أنه قد وضعه موضع التعبد؛ لمّا حاكى فعل النبي صلى الله عليه وسلم وضاهاه، وردّ قصده في الانفراد بالتشريع. التشريع الوضعي والابتداع: إذن، فهذا كله داخل في معنى الإحداث في أمره، والذي هو سنته وشريعته. وعليه فيصح دخول القوانين الوضعية في مسمى البدعة؛ إذ هي موضوعة على خلاف قصد الشارع من سنه التشريعات السنية العالية القدر الرفيعة، وهي كذلك موضوعة على صفة المضاهاة للشريعة؛ باعتبار تحديد الأوقات، وضرب الكيفيات، وتوجيه العقوبات. وعلى هذا فهي بدعة وتبديل للدين. وكلام الشاطبي ﵀ فيه نقض لما قرره بعض الناس؛ إذ قرروا: أن الحكم بغير ما أنزل الله على وجه التشريع لا يوصف بأنه بدعة إلا إذا وصف بالحل أو الحرمة، ثم فرع على ذلك: أن الشرع المبدل هو الشرع الموصوف بالحل أو الحرمة فقط، وجعل ذلك قيداً فيه ولم يجعله تقسيماً. وقرر كذلك أنه لا فرق بين الحكم بغير ما أنزل الله على وجه المخالفة والمعصية، وبين ما إذا قارنه تشريع مضاد، فجعل التشريع وصفاً غير مؤثر في هذه القضية. وهذه ثلاث عجائب فيها حصر غير مُسلّم به، وإسقاط لوصف دل على اعتباره الكتاب والسنة وأقوال أصحاب النبي ﷺ . ووجه الخلل الذي طرأ على هؤلاء اقتصارهم على ظاهر التعريف الأول للبدعة دون تحقيق لمعانيه التي تتعلق بصفة الإحداث في أمره ﷺ . وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: [فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النور: ٦٣] ، قال: (أي عن أمر رسول الله ﷺ وهو: سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته؛ فتُوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله؛ فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردود على قائله كائناً من كان؛ لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول ﷺ باطناً أو ظاهراً أن تصيبهم فتنة، أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة) [٢٧] .

стр. 3062

دراسات في الشريعة والعقيدة أثر التفسير في بناء الشخصية واتزانها د. أحمد بن أحمد شرشال لما كان التأثير يتم بمقدار عظمة المؤثر ظهر تأثير تفسير القرآن في بناء الإنسان وشخصيته قوياً وكاملاً، ويصعب علينا حصر جميع جوانب التأثير في بناء شخصية الإنسان واتزانها واعتدالها، وسأقتصر على بعض الجوانب. وأقول: إن الاشتغال بفهم القرآن وتفسيره والتفقه فيه يرقق إحساس الطالب ويقوي شعوره، وينمي فيه حب الآخرين؛ بحيث يجعله يتألم لألمهم ويفرح لفرحهم، ويسعد لسعادتهم. ومن مبتكرات القرآن في التعبير عن هذا الإحساس أن جعل قتل الرجل لغيره قتلاً لنفسه، وجعل إخراج الرجل من داره إخراجاً لنفسه، وجعل ظن السوء بغيره ظناً بنفسه، وجعل لمز غيره لمزاً لنفسه، وجعل السلام على غيره سلاماً على نفسه، وكل ذلك أراده القرآن في تعبيراته. قال تعالى في سياق أخبار بني إسرائيل: [وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ] [البقرة: ٨٤، ٨٥] . فجعل دم كل فرد من أفرادهم كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر ذاته. قال القرطبي: (ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحداً وكانوا كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضاً وإخراج بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونفياً لها) [١] . قال الشيخ ابن عاشور: (وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه، أو يخرج نفسه من داره؛ لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبعي.. وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره) [٢] . ومثل هذا السياق قوله تعالى: [فَاقْتُلُواً أََنفُسَكُمْ] [البقرة: ٥٤] . ومعناه: فليقتل بعضكم بعضاً بأن يقتل من لم يعبد العجل عابديه؛ فإن قتل المرء لأخيه كقتله نفسه. قال القرطبي: (وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده) ثم نقل عن الزهري قوله: (أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل) [٣] . وقال الله تعالى في سياق هذا المعنى: [وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] [النساء: ٢٩] أي لا يقتل بعضكم بعضاً، فجعل قتل الرجل لغيره قتلاً لنفسه، قال القرطبي: (أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه) [٤] . قال الحافظ ابن كثير: (وهو الأشبه بالصواب) [٥] ، قال الزمخشري: (شبّه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو الدين، فإذا قتل المتصل به نسباً أو ديناً فكأنما قتل نفسه) [٦] وقال الحافظ ابن كثير: (إن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة) [٧] . وقد بين الله أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً وقال: [كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأََرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً] [المائدة: ٣٢] . ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى: [يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ] [المائدة: ١٠٥] . نقل الفخر الرازي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: (هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه سبحانه قال: [عَلَيْكُمْ أََنفُسَكُمْ] ويعني عليكم أهل دينكم، ولا يضركم من ضل من الكفار، بأن يعظ بعضكم بعضاً، ويرغّب بعضكم بعضاً في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات) [٨] ؛ لأن المؤمنين إخوة في الدين. ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الغير قال تعالى: [فَإذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً] [النور: ٦١] . والمعنى: فليسلّم بعضكم على بعض، وهم أهل البيوت التي يدخلونها؛ لأنهم بمنزلة أنفسهم في شدة المحبة والمودة والألفة، ولأنهم منكم في الدين، فكأنكم حين تسلمون عليهم تسلمون على أنفسكم، وقد أنكر الشيخ ابن عاشور على من فهم من الآية أن الداخل يسلم على نفسه، فقال: (ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ، وأهملوا دقيقته؛ فظنوا أن الداخل يسلم على نفسه إذا لم يجد أحداً، وهذا بعيد من أغراض التكليف والآداب) [٩] . أقول: وهو المأثور عن سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري حيث قالوا: (فليسلم بعضكم على بعض) [١٠] . ومن تعبيرات القرآن بالنفس وإرادة الأخ في الدين قوله تعالى: [وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ] [الحجرات: ١١] . والإنسان لا يلمز ولا يعيب نفسه وإنما اللاّمز يلمز غيره إشارة إلى أن من عاب أخاه المسلم فكأنما عاب نفسه، فنزل البعض الملموز منزلة نفس الإنسان لتقرير معنى الإحساس بالأخوة وتقوية الشعور بها. ومن تعبيرات القرآن عن الغير بالنفس قوله تعالى: [لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً] [النور: ١٢] . المراد بأنفسهم هنا إخوانهم في الدين والعقيدة؛ فهلاّ وقت أن سمعتم حديث الإفك هذا ظننتم بأنفسكم أي بإخوانكم وأخواتكم ظناً حسناً جميلاً؛ إذ لا يظن المرء بنفسه السوء، وفي هذا التعبير عن إخوانهم وأخواتهم في العقيدة بأنفسهم أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء والإحساس الصادق، حتى لكأن الذي يظن السوء بغيره إنما يظنه بنفسه [١١] . قال الرّازي: (فجعل الله المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم) [١٢] . فهذا الأسلوب القرآني وهذا الخطاب الرباني يؤكد معنى وحدة الأمة ويحدث في النفس أثراً وإحساساً يبعثها على الامتثال؛ فالطالب الذي يربى على هذه المعاني وهذه الدقائق القرآنية، لا شك أنها تؤثر فيه وتغرس فيه هذا الإحساس وهذا الشعور. ومن تدبر هذا الأسلوب القرآني علم أنه لا قوام لهذه الأمة إلا بمثل هذا الشعور وهذا الإحساس، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين، ودمه دم الآخرين، وظن السوء بهم ظن بنفسه، والسلام عليهم سلام على نفسه، وعيبهم عيب لنفسه. لا فرق في المحافظة على الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ] [النساء: ١] . وقال ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) . وكل هذه المعاني وإن كانت كامنة في القرآن فإن التفسير يكشفها ويجليها. إن الاشتغال بفهم القرآن والتفقه فيه يكون سبباً للطمأنينة والسكينة ويحصل لصاحبه عز الدنيا وسعادة الآخرة؛ كما أخبر بذلك المعلم الأول ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) [١٣] . وقد دلت التجارب العملية على ذلك؛ فهذا الرازي ينقل لنا تجاربه فيقول: (وأنا نقلت أنواعاً من العلوم النقلية والعقلية فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم) [١٤] يعني تفسير القرآن. وقد نقل هذا النص رشيد رضا، ثم قال مبيناً كلامه: (أي: علم القرآن بتفسيره؛ فليعتبر بهذا من يضيعون جل أوقاتهم في طلب العلم الديني بعلوم الكلام وغيرها، ويرجعوا إلى كتاب الله، ويطلبوا السعادة من فيضه دون غيره. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى تفسيره) [١٥] . ونقله الشيخ الطاهر بن عاشور في تحريره [١٦] ، ومصداق ذلك في كتاب الله: [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ] [الأنعام: ١٥٥] . وقد أدرك هذه السعادة الغامرة الإمام القرطبي فعزم واستفرغ قوته ورأى أن يشتغل بالتفسير مدى العمر رحمه الله تعالى [١٧] . وإن بعض العلماء الذين برزوا في الدعوة إلى الله، وقاموا بنهضة شاملة وإصلاح عامّ اعتمدوا في دعوتهم بعد الله على دروس التفسير، فأثمرت دعوتهم ونالت قبولاً، وأقبل عليها الناس من جميع الأصناف والطبقات، وأحدثت دعوتهم تغييراً إصلاحياً في العقيدة والسلوك، وانتشرت في الشرق والغرب. وإذا أردنا أن نتجول مع هذا الأثر الحميد فسنجد من بين هؤلاء المبرّزين الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ت ١٣٧٦هـ. وقد اعتمد في دعوته في نشر التوحيد والإصلاح في ربوع نجد على تفسير القرآن الكريم، فكان ذا عناية فائقة بالتفسير وفنونه وبرع فيه؛ فألف ثلاثة كتب في التفسير وحده: (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) ، و (تيسير اللطيف المنان في خلاصة القرآن) ، و (القواعد الحسان لتفسير القرآن) [١٨] . وإذا انتقلنا غرباً إلى مصر فإننا نجد محمد عبده يعتمد في دروسه على التفسير [١٩] ، فقد ألح عليه تلميذه رشيد رضا أن يلقي دروساً في التفسير، ويعلل لذلك بقوله: (إن الكلام المسموع يؤثر في النفس أكثر مما يؤثر الكلام المقروء) ثم واصل بعده رشيد رضا إلى أن حان أجله دون إكمال التفسير رحم الله الجميع. وإذا انتقلنا إلى تونس غرباً وجدنا الإمام الطاهر بن عاشور يتأثر بمدرسة رشيد رضا في التفسير، وألف تفسيراً كاملاً سماه: (التحرير والتنوير) ، فحرر الناس من الجهل والظلمات ونوّر به البلاد التونسية. وإذا انتقلنا قليلاً إلى الغرب في الجزائر فإننا نجد الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس قد اقتصر عليه في دعوته الإصلاحية الشاملة ابتداءً بتحقيق التوحيد وحقوقه إلى محاربة الاستعمار؛ فقد عكف على تفسير القرآن إلى أن ختمه في ثلاث وعشرين سنة على مدة التنزيل ولم يختم التفسير رواية ودراية في الجزائر غيره منذ أن ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة فتعلم الناس منه كلّ شيء [٢٠] . وإذا عرّجنا جنوباً إلى بلاد شنقيط وجدنا الإمام محمد الأمين الشنقيطي يفسر القرآن بالقرآن ويسميه: (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) . فهؤلاء الأئمة ﵏ كانوا مجاهدين بالقرآن: بتفسيره وبيانه والتفقه فيه، وقد سمّى القرآن ذلك جهاداً كبيراً فقال: [وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً] [الفرقان: ٥٢] أي بالقرآن كما ذكره ابن عباس، وفي هذا منقبة عظيمة لمن يدعو إلى الله تعالى بالقرآن العظيم وتفسيره وتوضيحه للناس فهو مجاهد [٢١] اقتداءً بالمصطفى ﷺ ؛ حيث أمره الله أن ينذر قومه بالوحي: [قُلْ إنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ] [الأنبياء: ٤٥] وقال: [وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ] [الأنعام: ١٩] فكل من أنذر الناس بغير هذا الوحي فهو مخطئ. من ثمرات التفسير: من أهم ما يثمره تفسير القرآن والتفقه فيه في شخصية الطالب التخلص من التعصب والتقليد، بل إذا ابتدأ الطلب بعد حفظ القرآن بعلم تفسيره وبيانه كما رتبه الله في قوله: [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ] لم يجد هذا الهاجس إلى نفسه سبيلاً، وينتفي. وما وُجِدَ التعصب والتقليد إلا بمخالفة المنهج الذي رسمه القرآن في التعليم، وهو التلاوة والتفسير والحكمة والتزكية؛ كما جاء في قوله تعالى: [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ] [البقرة: ١٢٩] . فبمخالفتنا لمنهج التربية والتعليم كما رسمه القرآن الكريم نعلّم الطلاب التعصب والتقليد من حيث لا ندري؛ ولذلك نجد كتب التفسير تختلف اختلافاً كبيراً؛ نظراً لكون أصحابها دخلوا باب التفسير بعدما تشبعوا بأفكار ومذاهب ظهرت آثارها في تفسيرهم، في حين أن الذي دخل إلى التفسير كما دخله الصحابة والتابعون ومن تبعهم واقتفى آثارهم ظهرت آثار التفسير فيهم؛ فالسلف تأثروا بتفسير القرآن، وأثّر التفسير فيهم، والخلف أثروا في التفسير، ولم يتأثروا به. فظاهرة التعصب والتقليد لا تُمحى إلا بتفسير القرآن وفهمه والتفقه فيه؛ لأن النظر في القرآن نفسه وفي ألفاظه بالذات يجعل الطالب يأخذ الحكم الذي تدل عليه الآية دلالة قطعية أو الحكم الأقرب إلى نص الآية إن اختلفت فيها أنظار العلماء. وفي دروس التفسير والتفقه في القرآن يتعلم الطالب الاستقلال في الأخذ والترجيح، وعدم التبعية والتقليد. ومما يدل على استقلال شخصية طالب علم التفسير والتفقه في القرآن ما لاحظته عند ابن العربي مع أنه كثيراً ما يتعصب لمذهبه ويحمل على المخالفين، إلا أن أسلوب القرآن وروعة بيانه أرغمه في بعض المواضع من كتابه: (أحكام القرآن) على عدم التعصب وعلى ترجيح مذهب المخالفين لمذهبه مبيناً الوجه والسبب، فقال عند قوله تعالى: [كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] [الأنعام: ١٤١] قال: قال أبو حنيفة: (تجب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من المأكولات) ثم تعرّض لذكر بقية المذاهب وصرح بما يخالف مذهبه فقال: (أما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق) [٢٢] . قال القرطبي: (وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه) [٢٣] . هذا هو حال من يطلب فقه القرآن لا فقه الفقه، وهكذا حال كل من يجعل القرآن مرآته؛ فإنه يبصر الحق كما أبصره الإمام أبو حنيفة وابن العربي رحم الله الجميع فما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل القرآن مرآتنا لنبصر الحق والهدى والرشاد. والطالب الذي يتعلم على هذا النمط في التفسير والتفقه في القرآن تكتسب شخصيته اتزاناً واعتدالاً وتكاملاً ولا ينحاز ولا يميل؛ لأن المصدر الذي يتلقى منه علومه واحدٌ، فلا يطغى عليه جانب دون جانب؛ فهو عند آيات الأسماء والصفات يتعلم أسماء الله وصفاته بلا تعطيل ولا تمثيل، وإذا جاء إلى آيات الجهاد تعلم وتفقه في أحكام الجهاد، وإذا جاء إلى آيات الأحكام تعلم الفقه والأحكام الشرعية، وإذا مر على آيات الفرائض تعلم ذلك، ولا شك، وإذا مر على البر والإحسان تعلم ذلك، وتطبع به وعمل به، وإذا مر على الآيات التي يذكر فيها أخبار الأمم السابقة وأحوالهم وما آل إليه أمرهم اعتبر بذلك واتعظ، وتعلم قصص الأنبياء والرسل وما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله وعلم طرق الدعوة ووسائلها وأهدافها. وإذا مر على الآيات التي تدعو إلى التفكر والتأمل والاعتبار لمخلوقات الله الكونية تعلم طرق التدبر والتفكر، فتنمو فيه ملكة التفكير السليم والنظر السديد والتصور الصحيح، فينعكس ذلك على سلوكه؛ لأن سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطاً وثيقاً: يستقيم باستقامته، ويعوج باعوجاجه، ويثمر بإثماره، ويعقم بعقمه، وأفعالُه ناشئة عن اعتقاداته، وأقواله إعراب عن تلك الاعتقادات. ومن جهة أخرى؛ فإن الطالب الذي يتفقه في القرآن يمر على جميع الآيات القرآنية فيتكامل الموضوع لديه؛ لأن موضوع الآيات ومقاصدها ليست منسوقة في موضع واحد، وليست الآيات في سياق واحد؛ فتجد أن الآية أو الآيات مفصولة عن الأولى بجملة من الآيات، وهي في الموضوع نفسه، وقد تكون ناسخة، وقد تكون منسوخة، وقد تكون بياناً وتفسيراً، وقد تكون قيداً، وقد تكون إجابة عن شبهة؛ والأمثلة على هذا النمط كثيرة، منها قوله تعالى: [قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ] [ص: ٦٥] هي جواب لقول كفار قريش في صدر السورة: [وَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ] [ص: ٤] ، وقوله في آخر السورة: [وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ] [ص: ٦٥، ٦٦] ، هي جواب لقولهم في صدر السورة: [أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً وَاحِداً] [ص: ٥] ، وقوله جل وعلا في آخر السورة: [قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ] [ص: ٦٧، ٦٨] ، هو جواب وتفنيد لقولهم في صدر السورة: [مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاقٌ] [ص: ٧] ، هذا ما وقع في السورة الواحدة نفسها، وبين إثارة الشبهة والجواب عنها أكثر من ستين آية. أما ما وقع الجواب عنه في غير السورة التي وردت فيها الشبهة فكثير، ومنه قوله تعالى: [ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ] [القلم: ١، ٢] ، وقوله تعالى: [وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ] [التكوير: ٢٢] ، فمثل هذه الآيات أجوبة تفند زعمهم الباطل كما حكاه القرآن: [يَا أَيُّهَا الَذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ] [الحجر: ٦] . وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن القرآن كالسورة الواحدة، وحينئذ يتكامل الموضوع لدى الطالب ويؤثر في بنائه العلمي والنفسي. والله أعلم. التفسير ووحدة المسلمين: ومن أهم ما يثمره الاشتغال بالتفقه في القرآن وعلومه وتفسيره الوحدة بين جميع المسلمين: وحدة في الإحساس والشعور، ووحدة في الوجدان والتفكير، ووحدة في السلوك والعمل، فتتقارب النفوس وتستقيم وتتحد نوازعها ومشاربها وتصوراتها لصدورها عن أصل واحد ونبع واحد وهو التفقه في القرآن وعلومه فيزدادون صلة ووداً ومحبة. التفسير وبناء الشخصية السّويّة: ولذلك كان أهل القرون الفاضلة إخوة متماسكين، ولم يكن بينهم هذا التباعد وهذا الجفاء وهذا الانفصال الذي نراه اليوم بين طلبة العلم من جهة وبينهم وبين أساتذتهم من جهة أخرى. تفسير القرآن وفهمه يساهم مساهمة فعالة ترى آثارها بادية في بناء الشخصية السوية المعتدلة؛ لأن القرآن يتضمن علوماً كثيرة ومنوعة ومكررة بمختلف الأساليب، وكل واحد منها يغذي جانباً من جوانب الشخصية مع المحافظة على التوازن والتكامل؛ لأن نظرة القرآن الكريم إلى الإنسان نظرة شاملة تغطي جميع مجالات حياة الإنسان. ولما كانت الوسطية من مزايا هذه الأمة حث عليها الشرع، وقررها القرآن [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً] [البقرة: ١٤٣] وكان لتفسير القرآن وفهمه والتفقه فيه أثر قوي لا ينكر في تحقيق صفة اعتدال الشخصية واتزانها. وقد تُحْدث دراسةُ العلوم الإسلامية المفصولة عن القرآن الكريم انفصالاً في بعض جوانب الشخصية؛ فقد يتعلق بعضهم بالفقه فقط، والآخر بالحديث، وبعضهم بالعقيدة، ولكن هذه العلوم هي بعض مما تضمنه القرآن وهي جزء من التفسير. وقد يكون الاقتصار عليها مؤدياً بصاحبه إلى الميل والشطط والغلو والتعصب، وقد حصل شيء من هذا؛ وكل ما نراه من فروق واضحة بين الطلبة يرجع إلى الاختلاف بينهم في تخصصات مفصولة من القرآن، وإن كانت تعتمد على القرآن؛ فالفصل وحده كاف لإحداث هذا، ثم لا يستطيع الإنسان أن يجزم بأن هذه الآية في الأحكام، وهذه في العقيدة. وإذا كان أولها في الأحكام وآخرها في العقيدة فماذا يفعل؟ ولذلك لم تنضبط آيات الأحكام عند العلماء، وكان من الموفقين في ذلك الإمام القرطبي؛ إذ سمى كتابه: (الجامع لأحكام القرآن) ، وفسر القرآن كله ولم يستغن عن بعضه، ولم يستطع أن يسلخ منه هذه الأحكام. كما فعل أبو بكر الجصاص وابن العربي، فإن الفصل وحده كاف لإسقاط بعض المعاني، والربط وحده يتضمن أحكاماً. قال الرازي: (إن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط) . فالذي يقضي على مظاهر الانحراف والغلو والشذوذ هو الاشتغال بالقرآن فهماً وتفسيراً وتفقهاً. ومما يؤخذ على من يقتصر على موضوع واحد ومادة واحدة أو تخصص واحد أنه ينعزل وينغلق على ما حبس نفسه فيه، وانزوت شخصيته في دائرة ضيقة من علوم الإسلام؛ وبذلك تنحصر علاقته بالأمة في أشخاص معدودين، وتتقلص مودته إلى العدد القليل من الناس، ولم تكن له مشاركة ولا مساهمة عفوية مع الآخرين، فقد بتر نفسه من جميع بقية فروع المعرفة وعلوم التنزيل التي حواها كتاب الله. تفسير القرآن وفهمه والتفقه فيه يصل أصحابه بأصحاب التخصصات العلمية الأخرى، ويرتبط بجميع أصناف الناس وطبقاتهم، ويطمئنون للأخذ عنه والاستماع إليه؛ لأنه لا يعلم فناً معيناً بعينه، ويستطيع أن ينشر عقيدة التوحيد على أوسع نطاق من خلال دروس التفسير. وانفصال المواد الدراسية على إطلاقه ليس من طبيعة هذا الدين ولا من شأن عمل السلف الصالح؛ فإنهم كانوا يأخذون بالقرآن كلاً لا يتجزأ؛ فلا بد من ربط كل هذه العلوم وهذه المواد الدراسية بالقرآن الكريم، ولا يحقق هذه الغاية إلا تفسير القرآن والتفقه فيه دون سواه؛ فهو وحده الكفيل بتحقيق شمولية التربية والتعليم من جميع النواحي. ولم يكن للصحابة ﵃ كتاب يدرسونه، وكلام محفوظ يتفقهون فيه إلا القرآن وما سمعوه من نبيهم ﷺ ، ولم يكونوا في مجالسهم يتذاكرون إلا ذلك، فخلف من بعدهم قوم يقرؤون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم ويدرسونه، وآخرون يشتغلون في علوم أخرى وصنعة اصطلاحية. قال الشيخ عبد الرحمن النحلاوي: (فانفصال المواد الدراسية ليس من طبيعة الثقافة الإسلامية، ولا من شأن التربية الإسلامية التي تأخذ بالإسلام كلاً لا يتجزأ، وتعتبر كل العلوم التي تأخذ بالإسلام كلاً لا يتجزأ، وتعتبر كل العلوم التي انبثقت عنه ما تزال وظيفتها توضيح الشريعة الإسلامية والحفاظ عليها فلا بد من ربط كل هذه العلوم بهدف التربية الإسلامية) . إن فصل المواد الدراسية من القرآن والسنة بمرور الزمن قد يُنسي ربطها به، ويتقرر في أذهان الناس استقلالها، وحينئذ يدخلها اجتهادهم واستحسانهم بالتغيير والتبديل والإضافة. ومن السمات البارزة عند بعض أهل الفرق أنهم لا يفسرون القرآن كله، ولا يتبعونه آية آية؛ لأنهم إن فعلوا فإنهم يصطدمون بالآيات المحكمات التي تناقض مذهبهم وهواهم، فيسلكون مسلك الانتقاء والاختيار، ومن فسر القرآن كله منهم كالزمخشري من المعتزلة والطبرسي من الشيعة وغيرهم، فإنهم يوجهون الآيات التي تصادم مذهبهم بالتأويل ويسلكون في سبيل ذلك كل مسلك انتصاراً لمعتقداتهم؛ فهم من باب قول الحق ﵎: [إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ] [الأنعام: ١٥٩] . قرأ الجمهور: [فَرَّقُوا دِينَهُمْ] من التفريق وهو الفصل بين أجزاء الشيء الواحد، وجعله فرقاً وأبعاضاً، وقرأ حمزة والكسائي: [فارقوا] من المفارقة للشيء وهي تركه والانفصال منه، وهي تفيد أن تفريق الدين قد يستلزم مفارقته؛ لأنه واحد لا يتجزأ، ومن التفريق الإيمان ببعض الكتاب دون بعض ولو بالتأويل وترك العمل. والدين لا يتجزأ، وقد قال الله تعالى: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض] [البقرة: ٨٥] وقال: [كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ] [الحجر: ٩٠، ٩١] ، وقال: [إنَّ الَذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً] [النساء: ١٥٠] . قال محمد حسين الذهبي: (إن الباطنية لا يفسرون القرآن كله؛ لأنهم يصدمون بآيات محكمات تردّ مذهبهم) . وقال في بيان موقف الخوارج من التفسير: (لا يأخذون من القرآن إلا بقدر ما ينصر مبادئهم ويدعو إليها. وما رأوه يصادم مذهبهم حاولوا التخلص منه بصرفه وتأويله) . وقد لجأ بعضهم إلى المتشابه لغرض نصرة المذهب الفاسد كما نص على ذلك القرآن المجيد فقال: [فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاًوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ] . [آل عمران: ٧] . وأهل الزيغ والضلال يفزعون إلى المتشابه الذي بواسطته يمكنهم أن يلبّسوا به، ويصرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها، وما دخلت البدع في دين الله إلا بسبب التعلق ببعض الآيات وإهمال الآيات الأخرى أو سوء فهم لها. فالمعتزلة تعلقوا بقوله تعالى: [فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] [الكهف: ٢٩] وأثبتوا حرية الإنسان، وقالوا: إنه خالق لأفعاله، ونفوا صفة الكلام لله رب العالمين، وتعلقوا بقراءة شاذة [وكلَّم اللهّ موسى تكليماً] فجعلوا موسى هو الفاعل المتكلم، وأغمضوا أعينهم عن القراءة المجمع عليها: [وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ] [الأعراف: ١٤٣] . ويقابلهم الجبرية فتعلقوا بقوله: [وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ] [الإنسان: ٣٠] ونفوا نسبة الأفعال إلى من صدرت عنه، وقالوا: (الإنسان مجبور وعطلوا الأمر والنهي) . والكرامية لم ينظروا في باب الإيمان إلا في قوله تعالى: [فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا] [المائدة: ٨٥] ،. وقالوا: (الإيمان قول باللسان فقط دون تصديق ولا عمل) . قال القرطبي: (وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة) . وهكذا حال من تعلق ببعض الكتاب دون بعض، وهو انحراف خطير في الفكر وشذوذ في التفكير واعتلال في الشخصية أوجبه الاقتصار على بعض الآيات دون بعض. قال رشيد رضا: (وفهم القرآن لا يكون صحيحاً إلا بالجمع بين الآيات المتقابلة في الموضوع الواحد الذي يختلف التعبير فيه) . وإزاء هذا وذاك وفق الله المنتسبين لأهل السنة والجماعة في تفسير القرآن بالشمولية والاستيعاب لجميع الآيات القرآنية كلها، ولا يقتصرون على بعضها للاستفادة منها، ومن ثم؛ لم يكن عندهم هذا الشطط وهذا الانحراف وهذا الشذوذ. فالتفسير وفهم القرآن وحده هو الذي يقضي على ظاهرة التفرق والتحزيب والانتماء إلى فكر معين وتخصص معين؛ فمدرسة التفسير تذوب فيها جميع الفوارق. فإني أتصور الطالب وأتخيله عبداً يملكه شركاء مختلفون وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، وعليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أوامرهم المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه، وهذا واضح جلي في طلاب الجامعات التي لا تلتزم بمنهج القرآن. وأتصوره وأتخيله عبداً يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه ويكلفه به وهو مستريح مطمئن مستقر على نهج واحد، وهذا واضح جلي في طلاب الجامعات التي تلتزم بمنهج القرآن الكريم. ولا شك أن الذي يتلقى علومه وفقهه من القرآن الكريم ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفسير يخضع لهذه المادة ويتعلم منها، فتربطه بالقرآن، فينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه ووضوح الطريق، فينشأ سوي الشخصية متزناً معتدلاً. والذي يتعلم هذه العلوم منفصلة عن القرآن ومن أشخاص مختلفين، فإنه يتأثر بذلك؛ لأن كل أستاذ يلقنه غير الذي يلقنه الآخر، وكل منهم يريده أن يكون على طريقته ومنهجه، فينعكس ذلك على شخصيته، فيتشتت ذهنه، وربما يحدث فيه شذوذاً عن الجادة، لذا يتأكد على رجال التربية والتعليم أن يكثفوا مقررات التفسير. ولم أرَ علاجاً أنفع لهذه الأمة كفهم القرآن وبيانه وتفسيره، وإن الأمة اليوم تحفظ القرآن وتردده صباح مساء، ولكن لا تفهمه؛ فبينه وبينهم غيوم كثيفة وحجب وعوائق من أهمها وأشدها كثافة: ضعفهم في علوم اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم؛ فكيف يدعو الداعي الناس إلى الشريعة الإسلامية، وهم لا يفهمونها ولا يفهمون مصدرها؟ ولو فهموا ما في القرآن من الأحكام والحكم وما فيه من الأسرار واللطائف لتملكهم القرآن وجرهم إليه جراً كما جر بعض كفار قريش إلى الاستماع إليه في الليالي المظلمة، وكانوا يدفعون تأثيراته باللغو: [وَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] [فصلت: ٢٦] فكانوا مغلوبين. المطلوب منا أن نفسر القرآن ونوضحه ونبينه فقط، وفي ضمنه نتعلم الأحكام والحكم والفقه والعقائد والأخلاق وكل شيء مما يحتاجه الإنسان لسعادته في الدنيا والآخرة. وبيان القرآن وفهمه هو الكفيل بإذن الله لهداية هذه الأمة الحائرة، وجميع أصناف الناس على مختلف مشاربهم يجدون في علم التفسير ما يروي الظمأ ويشبع الرغبة، وما يعدّل السلوك، وما ينظّم الغرائز والدوافع، ويقوّي الإيمان، ويصحح الاتجاه. والطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الأستاذ أن يبلغ منهج القرآن كاملاً غير منقوص هو علم التفسير؛ فليمتط من أراد الرشد سفينة التفسير؛ ليتعلم ما يسعده في دنياه وآخرته. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 3063

تأملات دعوية لنكن واقعيين عبد الله المسلم ما أجمل أن نكون واقعيين في حياتنا وتفكيرنا! وما أشد ما نجنيه حين نُفرط في المثالية ونغرق فيها! حين يفكر الإنسان، ويخطط لعمل أو مشروع، فإنه يتطلع نحو تحقيق أهدافه، ويبحث عما يعينه على تحقيقها، فيغفل عن افتراض العقبات والصعوبات، ويتخيل العلاقة بين كثير من المتغيرات علاقة محكومة بقانون مطرد لا يتخلف، وأن كل العوامل التي تحكمها تسير في الاتجاه الذي يظن، أو ربما يريد. لكنه يفاجأ حين ينزل إلى أرض الواقع ويجد أن الأمور على خلاف ما يظن. وحين يرسم المربي أهدافاً يريد أن يوصل أبناءه إليها، فربما اختلطت طموحاته وأمنياته بأهدافه الواقعية، فيخرج بتصور مثالي لا يعايش الواقع، فيكتشف حينها ضعف الناس أو ضعف قدرته، وهو اكتشاف ربما كان خاطئاً. وحين يتحدث واعظ، أو يخطب خطيب فإنه قد يخاطب الناس على أنهم ملائكة أطهار؛ فمن عرف الله فكيف يعصيه؟ ! ومن راقبه فلا يمكن أن يواقع خطيئة. وينسى المتحدث أن النبي ﷺ كان يخاطب الناس بغير ذلك؛ فعن أبي هريرة [قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) ] ١ [. وعن أبي صرمة عن أبي أيوب أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ : سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) ] ٢ [. وأنه كان يقول: (والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم؛ ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات) ] ٣ [. وربما اكتشف فيما بعد أنه أول من يخالف الناس فيما يدعوهم إليه، وحين يتصدى شخص لتقويم عمل أو مسلك فربما خرج عن الاعتدال، وطرح انتقاداً لا يُبقي على الأخضر واليابس وكثيراً ما يكون ذلك عند الأذكياء والمفكرين؛ لكنه حين يُطالَب ببرنامج عملي، أو حين يُحال الأمر إليه للتنفيذ؛ فقد لا يجيد تحقيق ما يصبو إليه. وأسوأ من ذلك أن يتمنى أن تعود الأمور إلى الحال التي كان ينتقدها. إنها مواقف تحصل أحياناً ليست بالقليلة في حياتنا، ويجمعها قاسم مشترك ألا وهو: المثالية، وتجاهل الواقع، وعدم التعامل معه بصورة صحيحة. ومن أهم ما يعين على تجاوز هذه المشكلة: الفهم الدقيق للواقع الذي يعيشه المرء، وتقييمه بشكل أدق، إضافة إلى الواقعية في تصور المتغيرات التي تؤثر في ظاهرة من الظواهر، وأين اتجاه التغيير؟ وما نسبته؟ وما نسبة احتمال سيرها في الاتجاه الذي نتوقع؟ كما يمثل الاعتدال في التفكير والاتزان في الطرح ونقاش الأمور جانباً مهماً من جوانب العلاج. وما لم نَعْتَد الاتزان والاعتدال في تفكيرنا وتناولنا لمشكلاتنا فلن يجدي حديثنا النظري في نقلنا خطوة لتجاوز تلك المشكلات. لكن رفض المثالية يجب أن يحاط هو الآخر بسياج من الاعتدال يجنب المتحدث تجاوز الحد الشرعي؛ فالإفراط في الرجاء أمناً من مكر الله لا يجوز أن يعالج به القنوط من رحمته. والإفراط في الواقعية ربما يولد نفساً دنية الهمة، ضعيفة العزيمة، تستسلم للأمر الواقع، وترفع شعار: (أن الواقع شيء والمفترض شيء آخر) في وجه كل من يدعوها لترتفع عن واقعها غير المرضي. إنها سنة الله في الحياة الوسطية والاعتدال؛ فسبحان من جعل لكل شيء قدراً، وسبحان من أحسن كل شيءٍ خلقه] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ [] الرحمن: ٥ [، ] وَإن مِّن شَيْءٍ إلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [] الحجر: ٢١ [.

стр. 3064

دراسات تربوية المفاهيم التربوية في القيادة عند ابن حزم الأندلسي جمال الحوشبي يُصنّف الإمام أبو محمد: علي بن أحمد بن حزم الأندلسي (٣٨٤ ٤٥٦هـ) ضمن رواد المدرسة الظاهرية، بل هو المتحدث الرسمي بلسانها. وبعيداً عن الخوض في المذهب الظاهري سلباً وإيجاباً، فإن أبا محمد ﵀ يعد من أبرز أعلام التربية الإسلامية.. وله في هذا الشأن الكثير من روائع الاستدلالات والاستنباطات التربوية التي تشكل بمجموعها ثروة تربوية هائلة تستحق أن تفرد في رسائل تربوية مقننة على أيدي الأكفاء من علماء التربية الإسلامية في هذا العصر، ولقد استعنت عن عمد بآراء هذا الإمام التربوية وملامحه القيادية، غير متجاهل بعض آرائه التي نازع فيها أهل العلم وشذ عن أقوالهم في تقريرها؛ ذلك أن هذه الملامح التربوية بعيداً عن الخوض في تلك المسائل المتنازع فيها تعد ثروة تربوية وكنزاً ثميناً تفخر به تربيتنا الإسلامية ضمن ذخائرها الكثيرة. وما أحسن كلام الذهبي ﵀ الذي لا يقل ميزانه في نقد الرجال عن نفيس نقده وسبكه حين عرض لتلك الآراء الاجتهادية التي انفرد فيها ابن حزم رحمه الله فأنصفه وبالغ في تعظيمه بقوله: (ولي أنا ميل إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفّره ولا أضلّله، وأرجو له وللمسلمين العفو والمسامحة، وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه) [١] . وهي عبارة دقيقة، وإنصاف عادل، وأصل نفيس نفتقده اليوم في خضم الأهواء والأفكار البشعة في النقد والحكم على الآخرين، وبها تستقيم التربية ويعرف الحق من الباطل. لقد تميز الفكر التربوي لدى الإمام ابن حزم ﵀ بالأصالة والابتكار، واتسم إلى حد كبير بالاستقلالية ورفض التقليد أو المحاكاة، فجاءت آراؤه التربوية ذات أسس وقواعد، لها تجاربها وعبرها الذاتية، كما أن لها رحلاتها وشواهدها القاسية التي خاضها بنفسه، وربما سطّر بعضها في أخريات حياته! ومما تتميز به لمحات ابن حزم التربوية وتوجيهاته القيادية النظرة الشمولية لطبيعة الحلول (العملية) المقترحة التي يقدمها للقادة والمربين، ولا يدرك قيمة هذه المهارة التربوية التي تُعنى بالجانب التكاملي في العلاج إلا من كان له سابق اطلاع على (النظريات) التربوية الغربية في علاج المسائل التربوية ذاتها التي تطرق لها ابن حزم أو غيره من علماء التربية الإسلامية قديماً. وأكتفي بضرب مثال واحد للتوضيح. لعل أبرز العقبات التي تواجه المربين والمصلحين ما يلاقونه من كلام الناس وتجهمهم وانتقاداتهم الجائرة جراء الجهالة المطبقة لدى الكثيرين منهم. والقضية هنا قضية نسبية تختلف باختلاف مفهوم التربية والإصلاح، بل باختلاف العقائد والأديان قبل كل شيء، غير أن الأمر المشترك فيها هو كونها عقبة تتكرر دائماً ويشتكي منها (المربون) [٢] إن جاز أن نطلق هذا اللفظ على كل من سلك الطريق (الإصلاحي) في المجتمع الذي يعيش فيه. فإذا تصدّى المربي المسلم لسبر هذه العقبة بعينها، وتكلّف البحث الجاد في كتب التربية لإيجاد العلاج لها فإنه يجد الفرق الواضح ماثلاً أمامه بين المفاهيم التربوية الإسلامية للعلاج وتلك المفاهيم الغربية. فإذا أخذنا على سبيل المثال كلام ابن حزم ﵀ في تقرير العلاج فإنك تجده ينطلق في تسليته للمربي والمصلح والقائد (المسلم) من قواعد وتأصيلات (إسلامية) ثابتة مبنية على نصوص كلية من الكتاب والسنة تباين كلياً تلك القواعد والتأصيلات الغربية التي حُرّرت لعلاج هذه القضية ذاتها. ثم إنك تجد (الصدق) و (النصح) يناغمانك في طيات حديث الإمام ابن حزم ﵀، وتطوّف بك حرارة نصائحه في محيط الحدث ذاته سبراً وغوراً وحدوداً حتى تخرج منه وقد أرويت الغليل بوصايا هذا الإمام، بخلاف ما تجده في كثير من توجيهات ونصائح علماء التربية في الغرب ممن يراوحون حول كلام جاف (مقنن) محلىً بألفاظ آسرة، مفرّغ من الروح، بعيد عن الحدث في كثير من الأحيان مفتقر لتلك الحرارة الإيمانية الصادقة. وفيما يلي عرض لجملة من هذه المفاهيم القيادية التي يستخلصها القارئ لواحد من كتب ابن حزم ﵀ وهو كتاب (مداواة النفوس) الذي يعد من أواخر كتبه ﵀ واستودع فيه خلاصة تجاربه ورحلاته وأظهر فيه لمحات تربوية فذة لا غنى عنها. النبوغ والتفوق: ينطلق ابن حزم ﵀ في تعريف النبوغ والتفوق من منظورين. أولهما: تجلية مفردات الإبداع ومهاراته ومتطلباته (المادية) .. والثاني: الأخذ بمعايير الفضيلة والأخلاق اللازمة لتكوين المبدع وصياغة فكره واتجاهاته، ويرى أن تمثّل (القدوة) لمبدع في فن بذاته، أو إطلاق صفة (النبوغ) في القيادة وغيرها لا بد أن تكون وفق الموازنة بين هذين المنظورين معاً؛ بل إنه يرى ﵀ أن كفة الأخلاق والفضيلة لا بد أن تنال قسطاً أكبر من اهتمام المبدع ومن تفكيره. ولذا؛ فإن معيار الحكم بالنجاح أو الإخفاق لمبدع أو آخر يعود بدرجة كبيرة إلى نسبة المحتوى الأخلاقي والتربوي في سيرته الذاتية.. فالنبوغ والإبداع من منظور ابن حزم التربوي لا يعود بالدرجة الأولى إلى تلك المهارات المكتسبة التي ربما شاركه فيها غيره من البشر، أو في تلك القدرات التي ربما شاركه فيها الحيوانات والعجماوات. ولذا يقول ﵀: (فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم والجمادات.. وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سُرّ بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب أشجع منه، ومن سُرّ بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسماً، ومن سُرّ بحمله الأثقال فيلعلم أن الحمار أحمل منه، ومن سُرّ بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدواً منه، ومن سُرّ بحسن صوته فليعلم أن كثيراً من الطير أحسن صوتاً منه، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته [٣] ، فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه البهائم متقدمة عليه؟ لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه، وحسن عمله فليغتبط بذلك؛ فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس) [٤] . صلاح العمل: يؤكد ابن حزم ﵀ في غير ما موضع من كتبه على أن المفهوم الصحيح للعمل لا يعود إلى العمل ذاته فحسب؛ بل إن توابعه ولوازمه وشروطه لها درجة عظمى في الحكم على صلاحه أو فساده، وهو ينطلق كغيره من علماء التربية الإسلامية في تحديد هذه النظرة الحكيمة للعمل من قاعدة الاهتمام بإصلاح النية بعد صلاح العقيدة والمنهج قبل الشروع في أداء العمل، ومهما كان العمل بعيداً فإن النية الصالحة تقرّبه، ومهما كان العمل قريباً فإن فساد النية يبعده. الوصول إلى الإبداع: كما يرى ﵀ أن القائد لا يولد قائداً ولا المبدع مبدعاً كاملاً.. وأن المرة الواحدة في طريق القيادة أو الإبداع لا تكفي، إنما لا بد من الكرّة تلو الكرة واكتساب الخبرة بعد الخبرة، ولذا فإن حدوث الخطأ وتكرره في المراحل الأولى أمر مألوف جِبِلّةً ولا يُذم صاحبه بحال، حتى تصبح القيادة فيما بعد ملكة ومهارة مصقولة بكثرة التجارب والخبرات، وفي هذا يقول ﵀: (إن التجارب لا تكون إلا بتكرار الحال مراراً كثيرة على صفة واحدة) . أهمية الاستمرار: وبالرغم من تأكيده ﵀ على أهمية المحاولة، وضرورة اكتساب الخبرة عبر التكرار في الأداء فإنه يحذر كذلك من إهمال تهذيب النفس أو إهمال المداومة على تكرار التجارب، وأن ذلك يعد عائقاً من عوائق التربية ويؤدي إلى توقفها أو ضياع الفائدة منها، وبهذا الصدد رفع صوته بالمقولة التي باتت مثلاً سائراً: (إهمال ساعة يفسد رياضة سنة) ! [٥] . إعداد القيادة ضرورة: يؤكد ابن حزم على وجوب الاعتناء بالقادة والنوابغ في الأمة، ويرى أن الاعتناء بهم كفيل بصلاح أمور المجموعة، وأن لكل عمل تقوم به المجموعة درجة من الكمال توازي كمال ساستها وقادتها في الأخذ بمعايير القيادة السليمة، ويفرّق ﵀ بين صلاح الفرد أو فساده في ذاته وبين إصلاحه أو إفساده في إدارة المجموعة؛ فتراه يؤكد في مواضع من كتبه أن المجموعة بغير قائد يقودها لا يصلح لها حال، ولا يمكنها القيام بالأعمال العظيمة التي تقارب الكمال حتى ينتظم عقدها تحت قائد يقودها ويدير شؤونها، وهذا القائد لا بد أن يُعَدّ بعناية لهذه المهمة لتتكامل شخصيته وتحسن طباعه وتصرفاته؛ وهذا الإعداد المبكر يعد من الأمور اللازمة للحكم على نجاحه في القيادة أو عدمه، وكذا في العملية التربوية والتنظيمية للمجموعة بدون شتات أو تناقض أو اضطراب، ويوقفك ﵀ أمام افتراضات تقريبية لهذا المفهوم ليؤكد لك أهميته فيقول: (خطأ الواحد في تدبير الأمور خير من صواب الجماعة التي لا يجمعها واحد؛ لأن خطأ الواحد في ذلك يُستدرك، وصواب الجماعة يُضري أي: يعوّد ويُغري على استدامة الإهمال.. وفي ذلك الهلاك) [٦] . فقه الاحتساب: يقتحم ﵀ علم الاجتماع ليستخرج قاعدة في بذل المعروف مفادها: أن على من تصدّى للناس بدعوتهم أو بخدمتهم ومساعدتهم وبذل المعروف لهم ألاّ ينتظر عاقبة بذله ومعروفه منهم؛ لأن ذلك عليه مدار تأليف القلوب والتأثير في الناس، وبه اتقاء الشرور من خبث نفوسهم؛ وهنا يكمن الفرق بين التربية المادية التي لا تؤمن إلا بالمصالح الوقتية والنتائج النفعية وبين التربية الإسلامية التي ترى أن إسداء المعروف والإحسان للغير بدعوتهم لا بد أن يتجرّد من كونه عملاً مشروطاً بنتائجه وعواقبه، وأن يجرّد ابتداءً وانتهاءً لله وحده، يقول ﵀: (وابذل فضل مالك وجاهك لمن سألك أو لم يسألك، ولكل من احتاج إليك وأمكنك نفعه وإن لم يعمدك بالرغبة ولا تُشعر نفسك انتظار مقارضة على ذلك من غير ربك ، ولا تبنِ إلا على أن أول من أحسنت إليه أول مضرّ بك، وساعٍ عليك؛ فإن ذوي التراكيب الخبيثة يبغضون لشدة الحسد كل من أحسن إليهم إذا رأوه في أعلى من أحوالهم) وهكذا الشأن في إعطاء الهبات والإعانات وإسداء النصيحة.. فكما أن المرء لا يشترط لأداء المعروف والإحسان انتظار الجزاء.. فهو كذلك لا بد مُلْزَمٌ بأداء الفضل ابتداء، وآخذٌ بأكمل الأخلاق وأرفعها، وزاهد فيما عند الناس راغب فيما عند الله. يقول ﵀: (ولا تنصح على شرط القبول، ولا تشفع على شرط الإجابة، ولا تهب على شرط الإثابة، لكن على سبيل استعمال الفضل، وتأدية ما عليك من النصيحة والشفاعة وبذل المعروف) . الكمال البشري: ينظر ﵀ إلى الإنسان الكامل في فنه ومنهجه بمنظار آخر وهو دأبه في الطلب والاستزادة والجد في تحصيل العلوم النافعة؛ إذ ليس الكمال محدوداً بشهادة يحصلها الفرد لينقطع بها عن غيرها، كما أنه ليس مجرد مهارات محدودة يمكنه تحصيلها ليكتفي بها عن مواصلة الطلب والبحث، ومتى رأيت القائد أو المربي أو الداعية قانعاً بما هو عليه من علم أو دعوة أو مهارات قيادية فإنك لن تكون مجازفاً إذا راهنت بإخفاقه بعد زمن ليس بالطويل، ولو عاين ﵀ بعض أرباب (الدوالّ) في هذا العصر وما آلوا إليه من خمول وكسل، وما أصبحت تدور عليه اهتماماتهم وأهدافهم، ومستوى تفكيرهم لكانت أولى سهامه في هذا الباب موجهة إليهم بالنقد والتعيير؛ إذ هم أوْلى بالتبكيت من المقلدة، أو مجتهدي المذاهب ومتعصبيها! ! يقول ﵀: (الإنسان الكامل هو الذي لا ينفك طالب علم ما تردد في رئتيه نفس) وذلك لأن طريق التربية وتهذيب السلوك طويل يبدأ مع الإنسان طفلاً ثم يتدرّج به حتى الوفاة. التأثير والتأثر: الحياة تدور بين الأخذ والعطاء والسلب والإيجاب، وبين هذا وذاك يتوزع الناس في أي زمان ومكان. والقائد أو الداعية الناجح مطالب قبل غيره أن يكون عضواً عاملاً فعّالاً في مجتمعه، وأن يكون عنده إنتاج يحتاج إليه الناس ويفيدون منه، كما أنه ينتفع بما عندهم كذلك من أمور الحياة. إن حب التعاون والتكامل والسعي في إيصال الخير لهم وهدايتهم إلى الطريق الصحيح والتزام منهج الله تعالى إن كل ذلك وغيره مجالات خصبة يمكن أن ينفع بها القائد أو المربي غيره، وبدونها سيصبح خاملاً عالة على غيره في أموره الحياتية التي يحصل عليها، ولا يملك شيئاً من العطاء أو النفع في المقابل.. وهذا الصنف من الخاملين هم الذين يَعجب منهم ابن حزم ﵀: تخور قواهم وتضعف عزائمهم وهممهم؛ في حين تجد أرباب الصناعات والحرف أعظم منهم خطراً وأكثر نفعاً فيقول: (إن من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة. أما يرى الحرّاث كيف يحرث له، والطحان يطحن له، والنساج ينسج له، والخياط يخيط له، والجزار يجزر له، والبنّاء يبني له، وسائر الناس كل متولّ شغلاً له فيه مصلحة، وبه إليه ضرورة؟ أفما يستحيي أن يكون عيالاً على كل العالم لا يعين هو أيضاً بشيء من المصلحة؟ !) . العلم.. التعليم.. التخصص: يوجه ابن حزم ﵀ إلى ضرورة الإلمام بعلم الشريعة وبأصول المعتقد لكل قائد أو مبدع بالإضافة إلى إلمامه بتخصصه وسعة اطلاعه فيه. وتجده يعيب بشدة ذلك المربي القدوة أو القائد الموجه أو المبدع الماهر الذي يفتقر للثقافة الإسلامية العامة إن صح التعبير ولأصول الإسلام التي لا يُعذر أحد في الجهل بها، ومن نظرته الخاصة في العلوم والفنون يحذّر ﵀ من أن يحصر الإنسان نفسه في معين تخصصه وفنه فحسب؛ لأنه متى ما جف نبع ذلك المعين أو ترحّل عنه لأي طارئ أوشك أن يشابه صنوف الجهال على حد تعبيره وأن يقارب العامة والدهماء. وفي هذه الوصية نصح ظاهر وغيرة واضحة، وبخاصة إذا علمنا أن الدعاة والمربين والموجهين هم أول المعنيين بها؛ ذلك أن القدوة الذي ينظر إليه، ويحتذى به لا بد أن يوطن نفسه أن تكون قامته أعلى من قامة من يقوم بتوجيههم وتربيتهم وقيادتهم، لا قامة الطول المحسوس أو هيبة (التصنّع الكاذب) وإنما قامة العلم والأخلاق والأدب، وحسن السياسة والتدبير، وسعة الاطلاع وكريم السجايا والإلمام بواقع الحال! ولذا تجد ابن حزم ﵀ يؤكد في سبيل تحقيق ذلك على وجوب التأصيل العلمي منذ الصغر وعلى التدرج في نيل العلوم واحداً تلو الآخر وهو مراده من (لوازم التعلّم) ، والبدء به مرحلة مرحلة وفناً فناً، مبتدئاً بطبيعة الحال بإقامة الحروف، ثم تعلّم اللغة، فحفظ القرآن، ثم مطالعة السنة، ثم اللغة والأدب والنحو ليقيم لسانه. ولتحصيل جواهر الثقافة والمعرفة يوصي بشيء من شعر الحكمة، والرياضيات، وهندسة الفلك والشروع إلى علم التاريخ وتراجم الرجال للاعتبار، وما لا يجوز جهله من علم الطب ومما يحفظ الصحة! بل إنك لا تجده يحصر حد الطلب، ومفهومه على العلوم والفنون النظرية، وإنما يستحث على العمل والكسب ومزاولة المهن أو الاتجار لتحصيل المال ولطلب الرزق، فيقول ﵀: (فإذا بلغ المتعلّم هذا المبلغ من الثقافة العامة مما سبق ذكره فلا بد عليه أن ينصرف إلى ما يحصّل به عيشه من صناعة أو تجارة أو زراعة أو تعليم، أو إذا شاء إلى التخصص في علم من العلوم والتعمق فيه) وهذا من باب الزهد فيما عند الناس ولئلا يكون الفرد عالة على غيره وبخاصة أرباب الدعوة والتربية. ومع تأكيده على أهمية التخصص فيما بعد فإنه يؤكد كذلك على أهمية الاطلاع على مفاتيح العلوم وفرائد الفنون.. ويحذّر من الذوبان في خبايا التخصص عبر الولوغ في مداخله وشوارده التي ربما لم يفد منها ولم ينفع بها غيره في معترك الحياة بقوله: (ومن اقتصر على علم واحد لم يطالع غيره أوشك أن يكون ضُحكة، وكان ما خفي عليه من علمه الذي اقتصر عليه أكثر مما أدرك منه؛ لتعلّق العلوم بعضها ببعض) . ولا يفوته ﵀ أن يوجه أنظار من انقطعوا عن تعليم الناس وتوجيههم وتربيتهم لعذر التحصيل أو لسبب الاستزادة من العلوم تاركين السواد سادرين في جهلهم وغفلتهم فيقول: (ومن طلب الاحتواء على كل علم أوشك أن ينقطع وينحسر ولا يحصل على شيء، وكان كالمحضر (المسرع) إلى غير غاية؛ إذ العمر يقصر عن ذلك. وليأخذ من كل علم بنصيب مما به ضرورة إلى ما لا بد له منه، ثم يعتمد العلم الذي يسبق فيه بطبعه وبقلبه وبحليته فيستكثر منه ما أمكنه) إلى آخر كلامه ﵀ في هذا الباب. الفضائل ثمرة العلم: وضابط تحصيل العلوم وتكميلها ما أمكن السبيل لذلك ألا يُفوّت علم الكتاب والسنة، وأن يضرب فيهما بسهم؛ إذ فيهما الخير كله والفضائل كلها. والقاعدة في ذلك يلخصها ابن حزم ﵀ بقوله: (من جهل معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمر الله به ورسوله؛ فإنه يحتوي على جميع الفضائل) وعلى هذا يمكننا تفسير موقفه المتشدد من المقلدة، وتحذيره من الجمود والتحجر وإغلاق بصائر العقل وأنوار حكمته فيقول ﵀: (المقلّد راضٍ أن يغبن عقله، ولعله مع ذلك يستعظم أن يغبن ماله فيخطئ في الوجهين معاً) . العلم للعمل: الواقع والمثال وجهان لعملة واحدة في حياة المسلم، وبخاصة في حياة أرباب القيادة والدعوة والتربية. ويتمثل ذلك في عدم التناقض بين المعلومات والمفاهيم النظرية وبين الواقع العملي الذي يعيشه الفرد ويمارسه. وتحذيراً من ذلك التناقض في حياة المربين والقادة يؤكد ﵀ على ضرورة العمل بالعلم، وعلى أهمية التطبيق العملي للعلوم والتحلي بها ويذم تبعاً لذلك كل متكلّف علماً لا يفيد منه أو فناً ليس له به حاجة غير الاستكثار والتشبع، فيقول ﵀: (من أخذ من كل علم ما هو محتاج إليه أي ابتعد عن التكلّف والاستزادة التي لا طائل من ورائها، واستعمل ما علم كما يجب، فلا أحد أفضل منه؛ لأنه حصل على عز النفس وغناها في العاجل وعلى الفوز في الآجل) . الإنصاف يحتاج إلى فراسة: ومن خلال تجاربه في معترك الحياة يرشد ﵀ كل من أخذ على نفسه سياسة الناس وتربيتهم إلى ما سيتعرض له من تجارب تستوجب منه أن ينصب لنفسه ميزاناً يحكم به بالقسط ويزن الأعمال والأقوال بالحق، فلا ينبهر بظواهر الناس، ولا يأخذهم بالظنة أو الوهم.. وهذا مراده من قوله ﵀: (ينبغي للعاقل ألا يحكم بما يبدو إليه من استرحام الباكي المتظلّم وتشكّيه، وشدة تلوّيه وتقلّبه وبكائه) حتى قوله: (وهذا مكان ينبغي التثبت منه، ومغالبة ميل النفس جملة، ولا يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها، ولكن يقصد الإنصاف لما يوجبها الحق على السواء) . يضيع من العمر قدر ما يضيع من الفرص: ورديفُ التجارب في التكرار تتابعُ الفرص التي لا يمكن تعويضها، ولربما تفاوت حجم الفرصة وعظيم قدرها من زمن لآخر ومن مكان لآخر؛ غير أن الفرص جميعاً تشترك في كونها نادرة الوقوع، وثمينة الأثر إذا أحسن صاحبها الإفادة منها، وكثيراً ما أرشد ابن حزم ﵀ إلى وجوب استغلال هذه الفرص والحذر من تضييعها، ويشير مراراً إلى كثرة الفرص التي تضيع على أولئك العظماء والقادة والدعاة، وهو يؤكد لك باليقين أن (لكل شيء فائدة) ينبغي عدم الذهول عنها، ويضرب مثلاً عجيباً يتعلق بنظرة المبدع والقائد لكل ما يحيط به، وكيف يمكنه تحويل الخسائر الظاهرة إلى فرص سانحة لا تُعوّض، يقول ﵀: (لكل شيء فائدة؛ ولقد انتفعتُ بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، وهي أنه توقّدَ طبْعي، واحتدمَ خاطري، وحمي فكري، وتهيّج نشاطي، فكان ذلك سبباً إلى تواليف عظيمة المنفعة، ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم كامني ما انبعثت تلك التواليف) . نفسك غالية ... لا تبذلها إلا لله: ومن فرائد هذه اللمحات عناية ابن حزم ﵀ كغيره من علماء السلف ﵏ جميعاً بتكوين الشخصية الإسلامية الفريدة عبر إذكاء روح العزة والثقة بالله، وعدم الرضا بإذلال النفس أو بذلها في الحقير من الأعمال والفنون والمقاصد، وبعث الهمة إلى معالي الأمور وعظيمها؛ تزهيداً بالسفاسف والترهات التي تقتل المواهب وتئد الطاقات والهمم، ولذا فأنت تجد أن إذكاء شعور العزة في النفس، والثقة بعد الله بالطاقات والمواهب والملكات، وحسن التدبير وغيرها من الصفات اللازمة لكل مبدع أو قائد أو مربّ تلح على ابن حزم ﵀ وغيره من عظماء التربية الإسلامية على تحذير من يتصدى لسياسة الناس وتوجيههم من بذل النفس أو صرف ماء الوجه في أمر حقير أو متاع زائل يذهب بمكانتهم عند الناس؛ لأن مقامهم عزيز ومعدنهم لا بد أن يكون ثميناً؛ فلا يحل مساومته بعرض رخيص مهما كان، أو بمقصد حقير هو من مقاصد أولي الهمة الدنيا من الناس، فيقول ﵀: (لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله ، وفي دعاء إلى الحق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى، وفي نصر مظلوم) ، ولهذا فإنّ حدّ (العاقل) في هذا المفهوم التربوي عنده ﵀ هو من: (لا يرضى لنفسه ثمناً إلا الجنة) [٧] .

стр. 3065

البيان الأدبي الحداثة العربية الوجه الآخر قراءة في كتاب (المرايا المحدبة) د. حسين علي محمد ظهر في العالم العربي في ربع القرن الأخير جيل جديد من النقاد يفيد من إنجازات النقد الغربي المعاصر، ويتبناها ويبشر بها، مديراً ظهره إلى تراث النقد العربي الذي أنجزته أمته خلال خمسة عشر قرناً، وبعض هؤلاء قد قطع بالفعل كل صلة بالمنجز النقدي الأدبي العربي القديم والحديث ويهرف بما لا يعرف، ويكتب نقداً غير مفهوم؛ سائراً في تيار الحداثة الغربي، ولا يكُفّ بعض هؤلاء وعلى رأسهم جابر عصفور عن معاداة عقيدة الأمة، ولا يكف عن الكتابة عن النقل والوحي اللذيْن يعوقان مشروع التجديد عنده [١] وفي مفهومه الذي يعني الانحياز إلى إنجاز العقل والتنوير، وكأن الإسلام أو الوحي يُعادي العقل الحقيقي أو يدعو للظلام! ! . إن هذا التيار من النقد الحداثي يزعم كما تقول هدى وصفي أنه يريد (تأصيل دراسات تُحاول تطوير منهج علمي في النقد، يبتعد عن الانطباعية التي تغرق فيها الدراسات النقدية على وجه العموم) . فهل نجح نقاد الحداثة الذين يملؤون الساحة النقدية ضجيجاً في دعواهم؟ وهل قدّموا نقداً يكشف النص المنقودَ ويضيئه؟ وهل قدّموا نسخة نقدية عربية أصيلة ليست مشوّهة تماماً أو (مستوردة) ؟ عن هذا الجيل من النقاد وعن هذه الظاهرة كتب الدكتور عبد العزيز حمودة كتابه: (المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك) الذي أصدرته سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية، في العدد (٢٣٢) ، الذي صدر في ذي الحجة ١٤١٨هـ إبريل ١٩٩٨م، في ٤٣٠ صفحة من القطع المتوسط. ونتوقف هنا أمام قضيتين من أهم القضايا التي يطرحها هذا الكتاب، وهي: النسخة العربية للحداثة، ولغتها النقدية. وإن كانت هذه الوقفة لا تغني عن قراءة هذا الكتاب المهم، المثير للجدل [٢] . الحداثة.. النسخة العربية: يقول الدكتور عبد العزيز حمودة في نبرة لا تخلو من سخرية عن ظاهرة الحداثة في النقد العربي الحديث التي غزتنا في ربع القرن الأخير: (وقفت منذ السنوات الأولى من الثمانينيات على وجه التحديد أمام كتابات البنيويين العرب أو الحداثيين العرب بإحساس ظل حتى وقت قريب مزيجاً بين الانبهار والشعور بالعجز؛ الانبهار لأن مجموعة من الأكاديميين العرب استطاعوا في فترة الانكسار التي تلت هزيمة الإنسان العربي في ١٩٦٧م (أن يُنقذوا شرف النقد العربي) على حد تعبير الراحل لويس عوض في أحد اللقاءات الفكرية في أواخر الثمانينيات. وهذه حقيقة لا مراء فيها، وكانت أبرز منابر النشاط النقدي الجديد هي مجلة (فصول) التي فتحت أبوابها أمام المفكرين المصريين والعرب، فقدّموا الدراسات الجادة والترجمات المتميزة عن البنيوية، لكن ذلك الانبهار كما قلت خالطه طوال الوقت شعور عميق لم أفصح عنه حتى اليوم بالعجز: العجز عن التعامل مع هذه الدراسات البنيوية وفهم أهدافها، بل فهم وظيفة النقد ذاته في ظل المصطلحات النقدية المترجمة والمنقولة والمنحوتة والمحرّفة التي أغرقونا فيها لسنوات) (ص ١٣) . فهل كانت الحداثة العربية نسخة عربية حقّاً كما يردد كمال أبو ديب وكما يقول جابر عصفور أحياناً: إن الحداثة العربية لها إنجازها البارز في المنجز النقدي العالمي وأنهم أي نقادها ليسوا عالة على المنجز النقدي الغربي؟ لقد حاول النقد العربي الجديد (الحداثي) حسب قول إلياس خوري وشكري عياد أن يكون رد فعل للضياع العربي وسقوط الحلم العربي وعجز الأمة المطلق عن الحركة الفاعلة؛ وهو ادعاء لم يستطع النقد الحداثي أن يحققه. ويرى المؤلف أن مشروع النقد الحداثي قد أخفق استنباته في التربة العربية؛ لأنه نتاج حضارة أخرى وبيئة أخرى، وقد استطاع أن يخلق أعداءه في بيئته الأصلية (الغربية) ، فكيف بالبيئة العربية التي تختلف اختلافاً كلياً عن البيئة الغربية؟ يقول المؤلف: (المصطلح النقدي الحداثي إفراز للفلسفة الغربية خلال ثلاثمائة عام من تطورها، وعلى رغم ذلك فإن الحداثة في قلب التربة الثقافية الغربية خلقت أعداءها والرافضين لها، ولم يكن المصطلح النقدي الجديد أوفر حظاً؛ فهو يمثل أزمة متجددة لا تفقد قوة دفعها في لحظة من اللحظات، فما بالنا بالنسخة العربية التي نقلت النسخة الأخيرة للفكر الغربي دون أن تكون له مقدماته المنطقية، واستخدمت مصطلحاً نقدياً يجمع بين غرابة النحت وغربة النقل إلى لغة جديدة) (ص١١) . ويزعم بعض الحداثيين مثل كمال أبو ديب أنه يقدم مذهباً عربياً أصيلاً في البنيوية مستقلاً عن النسخة الغربية، ويفوق ما قدمه الفرنسيون، ويرى عبد العزيز حمودة أن هذا الكلام ادعاء كبير، وأنه في أكثر من موقع في تحليله للشعر الجاهلي يقترب من التحليل الغربي، ويضرب أمثلة على ذلك (ص١١، ١٢) . وينقل المؤلف كثيراً من نصوص نقاد الحداثة ليبرز كما يقول (عملية التذبذب المستمرة التي يعيشها هؤلاء النقاد، وصعوبة اتفاقهم أنفسهم على تحديد هوية حداثتهم؛ فهم يتأرجحون بين ادعاء الأصالة وإنشاء حداثة عربية تختلف عن الحداثة الغربية في مقولاتها ومصطلحها النقدي، في الوقت الذي تكشف فيه كتاباتهم بصفة مستمرة عن تأثرهم الواضح إن لم يكن نقلهم الصريح عن الحداثة بمفهومها الغربي، وهنا تكمن أزمة الحداثيين العرب في جوهرها) (ص٣٢) . ويرى الدكتور عبد العزيز حمودة بحق أن (الحداثي العربي يفتقر إلى فلسفة خاصة به؛ فهو يستعير المفاهيم النهائية لدى الآخرين، ويقتبس من المدارس الفكرية الغربية، ويحاول في جهد توفيقي بالدرجة الأولى تقديم نسخة عربية خاصة به، لكنها كلها عمليات اقتباس ونقل وترقيع وتوفيق، لا ترتبط بواقع ثقافي أصيل، ومن هنا تجيء الصورة النهائية مليئة بالثقوب والتناقضات) (بتصرف، ص ٦٢، ٦٣) . لغة مراوغة: يقول الناقد المعروف وديع فلسطين وهو ناقد من نقاد الأصالة في حوار أجريته معه في مجلة (الفيصل) (عدد أغسطس ١٩٩٨م) يقول عن وظيفة النقد: (إن مهمة الناقد أن يتناول العمل الأدبي بنفس القدر من نطاسية الطبيب من حيث تشخيص أوجه القصور فيه، والتنبيه إلى سبيل تداركها، وإظهار ما في العمل الأدبي من خصائص يستقل بها، أو أنها منتحلة من عمل سواه، وفي يد الناقد دائماً ميزان ذو كفتين: كفة لتبيان المزايا التي يتحلى بها العمل الأدبي، وكفة للتنبيه إلى أوجه النقص التي يرتئيها في هذا العمل، وله بعد ذلك أن يخرج برأي جامع يضع العمل الأدبي في المرتبة التي يستحقها: ارتفاعاً وانخفاضاً، وهنا تصبح وظيفة الناقد أشبه بوظيفة القاضي الذي يوازن بين الدعاوي المنظورة أمامه، ثم يصدر حكمه المتضمن رأيه الرجيح) . لكن نقاد الحداثة ابتعدوا بمراحل عن هذا المفهوم الذي درجت عليه أجيال من النقاد؛ فوراء دعوى (عملية النقد) كتبوا كلاماً غير مفهوم، ووضعوا رسوماً توضيحية في دوائر ومثلثات ومربعات، وبعضهم وضع رموزاً (كأنهم يقلدون علمي الهندسة والجبر ولكن شتان! !) وزادوا القارئ بعداً عن النص بدلاً من أن يقربوه منه. يقول المؤلف: (لقد أسست البنيوية شرعيتها على مشروع طموح لتحقيق علمية النقد، فتبنت النموذج اللغوي في حماس شديد، وعلمية الدراسة اللغوية أمر لا مراء فيه، لكن ماذا حقق البنيويون بعلميتهم؟ لقد كان الهدف منذ البداية هو إنارة النص، لكن ذلك ما لم يتحقق، وبدلاً من مقاربة النص أو (إنارته) حجبته اللغة النقدية المراوغة التي تلفت النظر إلى نفسها متذرعة بعلمية التفسير للنص الأدبي ولم تُحقق المعنى ... لقد انشغلوا في حقيقة الأمر بآلية الدلالة، ونسوا ماهية الدلالة، انهمكوا في تحديد الأنساق والأنظمة وكيف تعمل، وتجاهلوا ماذا يعني النص) (ص ٩) . ويقول المؤلف في مكان آخر عن إنجاز البنيويين بعد مناقشة ما كتبه كمال أبوديب، وحكمت الخطيب، وهدى وصفي في نصوص دالة على لغتهم المراوغة وإنطاق النص بما ليس فيه، أو افتراض أشياء لم تخطر للمبدع على بال: (إن (المقاربة) البنيوية كما تجسدها معاملة البنيويين للنصوص الأدبية لا تُقارب النص في المقام الأول. وفي نموذج كمال أبو ديب اختفى النص وراء محاولات (علمنة) معالجته. ربما يكون تحليله علمياً؛ ولكنه لا يُساعد على فهم النص. لقد حجبته تماماً رسومه ومعادلاته وطلاسمه، إضافة إلى ذلك كله ينطق النص بما ليس فيه ... ما يفعله أبوديب هو إخفاء القصيدة أو حجبها وراء كم هائل من التحليل البنيوي الذي يرتدي مسوح العلمية) (ص٤٩، ٥٠) . وهكذا يمكننا القول: إن نسخة الحداثة العربية ليست أصيلة مع محاولتها التمسح بالجرجاني وغيره من النقاد اللغويين العرب القدامى، وأنها تلجأ إلى لغة مراوغة، غير مفهومة تبعد القارئ عن النص أكثر مما تقربه منه، وأنها نسخة تلفيقية أكثر ما يكون التلفيق والدجل، والله المستعان.

стр. 3066

البيان الأدبي قراءات في الشعر الإسلامي العالمي مع الشاعر الطاجيكي عُبيد رجب محمد شلال الحناحنة الشعر هذا الطائر الذي يناجي أشواق أرواحنا، ينقش تغاريده على صفحات مرهفة من وجداننا، فكيف نتفيأ ظلال جنانه؟ ! وكيف نرتشفُ رحيق جماله، ونخوض غمار صدقه ورهافة بيانه؟ ! كيف نتذوّق نفحات السّحَر عبر تضاريسه؟ كيف نسْمو لشموخه لنحظى بأسرار كنوزه؟ ! وكيف نحسّ الكون إبداعاً شفيفاً جميلاً لربّ رحيم خبير لطيف؟ ! تلك الأسئلة المفتوحة المجنّحَة قفزتْ إلى ذاكرتي وأنا أجوبُ إحدى قصائد الشاعر الإسلامي الطاجيكي عبيد رجب، وهو شاعر معاصر، عُرِفَ بإيمانه الصادق، وحبّه لعقيدته، وتمسّكه بحبل الله المتين، ودماثة أخلاقه ودفاعه عن شعبه ووطنه ولغته أمام ما تتعرّض له من طمس وحقد روسيّ لإلغائها، وجعل اللغة الروسية هي اللغة الرسمية، إمعاناً في تذويب الهويّة الإسلامية الطاجيكية، يقول الشاعر في هذه القصيدة التي بعنوان: (تبقى الإنسانية ما بقي العالم) مادحاً ألفاظ لغته: (يا له من لفظ يا للطفه ورقّته يتجلى في الروح الحضور وعلى وقع أنغامه يرقصُ اللّسان ويستنير البصر) [١] هذا اللفظ الرقيق النيّر يغدو نغماً روحيّاً حاضراً، يغدو نداءً مشرقاً عذباً، يتجلّى بكلّ صفائه وجماله، ويغدو نسمةً لطيفة تملؤنا بالحبّ والإعجاب بهذا الشاعر القابض على دينه ولغته: (لفظٌ بلون الزهور الحمراء على حوافّ الجبال هو أعذبُ وألذّ من قضم السكّر هو أقومُ وأعزّ من نَصائح الأمّهات) [*] ونلاحظ قدرة شاعرنا على المزج بين الصور الحسيّة والمعنوية، وانظر هذا التقابل بين الجمال الحسيّ والمعنوي في تصوير القيم والمثل العليا التي يجسّدها لفظ لغته فهو: (أعذبُ وألذُ من قضم السكّر) ويقابل هذه الصورة الحسية الشفيفة صورة معنوية: (هو أقوم وأعزّ من نصائح الأمّهات) ويشخّص هذه اللغة التي أحبّها، فيوحّد بينها وبين مظاهر الطبيعة البكْر؛ فاللفظ في لغته له وقع خاص في النفس: (له جمال البنَفسج وشذى الدلال يستمدّ صفاءه من النبع وتدفّقه من ماء الغدير) تلك لوحة تصويرية رائعة، يرسمها الشاعر عبر لغة مُتدفّقة، وعبارة مشرقة تحفل بالمشاهد الشعرية الموحية، ونرى عبر هذه المشاهد إلحاح الشاعر وتكراره لكلمة (لفظ) بشكل مباشر، أو باستخدامه للضمائر العائدة إليها، ليسند كلّ الجمال والبلاغة والقوّة والأصالة لهذه اللغة؛ فهي في الطليعة دائماً؛ فنلحظ تكرار الضمير (هو) مرّات عدّة في القصيدة سواءً كان مُنْفصلاً أو متّصلاً، ممّا يثري هذه الطاقة العظيمة في إبراز هذا اللفظ الذي له جمال البنفسج وشذى الدلال. إنّ هذا الارتباط الحميم باللغة، والاعتزاز بعراقتها، ومعانيها السامية يتجلى لدى شاعرنا في جميع مقاطع القصيدة، ولا بدّ أن نفرح بالمشاركة بهذا الوجدان الإسلامي الزاخر بالمحبة والصدق، إنّه وجدان العقيدة الصافية، والإيمان المرهف، والتحدّي لكل أشكال الظلم والقهر الذي مارسته الشيوعيّة الهالكة ضدّ المسلمين في الجمهوريات الإسلاميّة: (اللفظ الذي يحمل عقيدتي ووجودي لفظ يجعلني أسجد في مواضع السجود كتراب وطني كدهشة الطفولة هو عندي كذرات نور البصر هو عندي كبوارق قبسات السّحَر) تنطلق شرارة هذه الرؤية من نبض الإسلام، وتَركَنُ إلى شيء من الكشف الهادئ العميق؛ حيث تتلاحق الصيغ الشعرية عبر تشبيهات تبني نسيجها من خلال معجم الطبيعة الكوني المفعم بالحركة، لذا فالشاعر يُمْعِنُ في استقصاء جماليات لفظ لغته: (ما أعجبه، هُو كتغريد البلابل وما أروعه كأنّه الشلال بفورانه وموجه بشهده الصافي العذب يذوب القلب تغمره السعادة ويملؤه الحبّ) هكذا يشجينا الشاعر الإسلامي الطاجيكي عبر هذه اللمسات الشفيفة والتجاوب الإيقاعي بين مفرداته بالمزيد من التفاعل والحوار الحيّ معه [٢] . إنّه دفء لغته الغالية التي أضحت (كذرّات نور البصر، وقبسات السّحر) وهي التي تحفزه للسجود في مواضع السجود، فتبعث في نفسه الحبّ الصافي والسعادة الغامرة. وقد لجأ الشاعر إلى أسلوب طلبي يُراوح بين الاستفهام والنداء والتعجب، معبراً عن عميق جرحه لما تعانيه لغته من محاولات وأدها وتهميشها لا سيما حين قيلت هذه القصيدة عام ١٩٦٧م، ورغم ذلك الأسى لم تزل حيّة بكل عنفوانها كتغريد البلابل، وهو يرفض مَوْتها واندثارها مهما تكالبتْ قوى الطغيان والشرّ: (أأحيا، ويذهب من عِينيّ كالدخان؟ ! أيتبدّدُ ويفنى؟ ! لا، لا أصدّقُ! !) وليس عجباً أن تبقى هذه اللغة الجميلة حيّة ناهضة؛ لأنها، لغة المحبة والعقيدة الراسخة، والهوية الواضحة، والموروث الثقافي العريق منذ عشرات السنين: (فهذه المحبّة في قلب من منح الحبّ تبقى على الدوام شابّة فتية ما بقي العالم وما بقيت الإنسانية) تُرى أين هذا الصدق العفوي الآسر عند شاعرنا الإسلامي عبيد رجب تجاه لغته ممّا ينفثُه العلمانيون الحاقدون ضد لغتنا العربية الفصحى، وتراثنا الخالد؟ ! لذا لا عجب أن نعانق مع شاعرنا شموخ الرؤى والإيقاع من خلال أناشيد لغته المجيدة: (أنا أحمل اسمها يعلو رأسي لأوج السّما بالشوق أطيرُ تبدّى لعيني رجالُ العُلا لأني نظمتُ بها منطقا ونظمي القويّ بها قدْ جَلا)

стр. 3067

نص شعري عَلى رِسْلِكُم صَحبي ياسر محمد أحمد جياكتا ها هي جموع المهاجرين من أرض كوسوفا الحبيبة تتتابع في الخروج من مساقط رأسها، ومرابع أحبابها وأهليها بعد قهر المعتدين لها. وكان منهم هذا الذي أنشد هذه القصيدة، يعزّي بها نفسه ويسلّي بها أصحابه. كانوا حينذاك على أكمة تطلّ على البلاد. فقال والدّموع تخضب لحييه: على رِسْلكم صحبي ... فقد أشفقَ القَلبُ وهلّت دمُوع العَين واسْتَعظم الخطبُ قفوا سَاعةً نزجي منَ الأمس غَابِراً ونحكي لنَا ذكرى يزركشُها الحبّ قفوا ساعةً قبل الرّحيل لعلّنَا تَقرّ لنَا عَينٌ ويصطَبرُ القَلبُ وصَلّوا بنَا في مسجدِ الحيّ ركعةً تكونُ لنَا زاداً إذا اسْتُوحِشَ الدّربُ ومُرّوا بنَا حيناً على قبر والدِي ولا تجزعُوا صحبي إذا طَال بي القُربُ ومُرّوا بنَا حِيناً على الجثَثِ التي تسِفّ عَليها الريح، ينْهشُها الكَلبُ سَلامٌ عَلى الأطهار من أهل ملّتِي سَلام على أهل الجهاد الأُلى هبّواً ألاَ إنّما الجنّات والحورُ مَوعِدٌ عقدناه يومَ الْتفّ من حَولنَا الصّرْبُ عقدناهُ والهيجَا تُزلزلُ حولَنَا وقهقَهةُ البارود كالوَبل لاَ يخبُو عقدْناه يَوم ابتَاعنَا القرنُ عِرضنا وأطّبنَا أطّاً وأرهقَنا الكَربُ عقدناه يومَ الذّبح والحرق باللّظى ووحشِيّة شَنعاء ليسَ لها غِبّ وأصبَحتِ الأرجاء كالموج هَائجاً فلا شَرقنا شَرقٌ، ولا غَربنَا غَربُ لقد ضَاق بي بؤسي وأيقنتُ أنّني قريباً ستَدعُوني المنيّة والتّربُ سَلامٌ على الألبان من أهل ملّتِي سَلامٌ أَ (كوسوفا) يخالجهُ ندبُ سَأرحلُ عنك اليَومَ لكن إلى غَدٍ يُزمجرُ في الأعداء فيصلُنَا العضبُ سَأبعثُ في قومي نداء استماتَةٍ وآتي بهم جنداً لمولاهمُ لَبّوا أناديهِمُ في كلّ قطرٍ ومحفَلٍ ببغدادَ أو بالشّام، يَجمعُنَا الحبّ وأرفع راياتِ الجِهاد كأنّماَ هيَ الشّمسُ، لا تُنهي مَسِيرتَها السّحبُ أقولُ لهمُ: يا قَومُ ثوبُوا لرشدِكم فإنّ احتباس القَطر يعقُبه الجدبُ وإنّ اضطرام النّار في الأصل جَذوة وقبل خروج الرّوح يسْتَحْكم الطّبّ أمَبْلَغُكم في الأمر أن تَبعثوا صَدًى يدير رحاهُ الشّتمُ يبعثهُ الشّجبُ؟ فَلا ابتلّتِ الآكام بالقَطر هَامِعاً إذا جَبُنَ الفُرسَان وَاسْتُضْعِف الغُلْبُ هَوانُ الفتى مَوتٌ وإن كانَ في الوَرى يُعَدّ منَ الأحياءِ يَا أيّها الشّعبُ كأنّي بهم قد يَمّموا شطر دَارنَا وحينَ يفي الجمْعَان تحتَدم الحربُ

стр. 3068

نص شعري حُزيران ؟ [*] مروان كجك حُزَيْرَانُ فِيكَ تَعَرّى الضّلالْ ... وَتَاهَتْ عُقُولٌ، وَضَاعَتْ تِلالْ سَتَبْقَى إلَى أَنْ يَشَاءَ الإلهُ ... سَرِيعَ الْمَجِيءِ، بَطِيءَ الزّوَالْ تُذَكّرُنَا بِالْخِدَاعِ الرّهِيبِ ... وَطَيْشِ الْكِبَارِ وَسُخْفِ الرّجَالْ أَضَاعُوا الْبِلادَ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ ... وَبَاتُوا نُموراً بِغَيْرِ جِدَالْ حُزَيْرَانُ يَا جُرْحَ كُلّ أَبِيّ ... وَيَا إرْثَ قَهْرِ دُعَاةِ النّضَالْ ظَمِئْنَا فَجَاءَ الشّرَابُ حَمِيماً ... وَقَالُوا لَنَا: فَارَ نَبْعٌ زُلالْ هَلُمّوا بَنِي يَعْرُبٍ نَتَلاقَى ... عَلَى مِحْنَةٍ حَارَ فِيهَا الْخَيَالْ نُبَايِعُ أَجْهَرَ صَوْتٍ وَنَمْضِي ... عَلَى إثْرِهِ دُونَ أَدْنَى سُؤَالْ حُزَيْرَانُ يَا دُرّةً لِلْيَهُودِ ... وَلِلْعُرْبِ عَاراً وَسِيعَ الْمَجَالْ قَتَلْتَ بِنَا زَهْوَةَ الْفَاتِحِينَ ... وَأنشَاًتَ صَرْحاً لِذُلّ عُضَالْ وَقَلّبْتَنَا فَوْقَ جَمْرِ الطّغاةِ ... لِنَهْتِفَ كَالْبُهْمِ يَا ذَا الْجَلالْ: أَطِلْ عُمْرَ مَنْ حَمّلُونَا الشّقَاءَ ... وَكَانُوا الْمَهَازِيمَ يَوْمَ النّزَالْ وَمَاتَتْ صَرَامَةُ شَعْبٍ أَبِيّ ... وَذَلّتْ كَرَامَاتُ عَمّ وَخَالْ وَبِتْنَا مِنَ الْحَيْفِ كَالإمّعِينَ ... نُبَايِعُ كَالْبُلْهِ أَخسَا رِجَالْ غُلِبْنَا عَلَى أَمْرِنَا فَاسْتَطَارَتْ ... شُرُورٌ، وَقُطّعَ حَبْلُ الْوِصَالْ وَصَارَ التّفَرّقُ صِبْغَةَ شَعْبٍ ... وَأَضْحَى الْحَرَامُ لَدَيْهِ حَلالْ فَيَا تَعْسَ مَنْ أَوْصَلُونَا لِهَذَا ... وَيَا بُؤْسَ جِيلِ الْهَوَى وَالْخَيَالْ حُزَيْرَانُ فِيكَ أَقَامَ الْيَهُودُ ... صُرُوحاً مِنَ الزّهْوِ فِعْلاً وَقَالْ وَنَحْنُ هَدَمْنَا صُرُوحَ الْجُدُودِ ... وَبِتْنَا نُصَارِعُ أَسْوَأَ حَالْ شَبِعْنَا شِعَارَاتِ لَيْلٍ طَوِيلٍ ... وَلَمْ يَبْقَ فِينَا زَعِيمٌ طُوَالْ وَصِرْنَا أَضَاحِيكَ أَهْلِ الزّمَانِ ... وَكُنّا بَنِي قُدْمَةٍ وَاحْتِمَالْ حُزَيْرَانُ يَا ذِلةَ الْيَعْرُبِينَ ... وَيَا نَزْفَ قَلْبٍ أَمَضّ وَطَالْ بِسِتّ مَضَتْ مِنْكَ أَضْحَى الْعَرِينُ [١] ... خَوَاءً وَطَارَتْ فُنُونُ الْقِتَالْ بَكَيْنَا شَكَوْنَا بِكُلّ اللّغَاتِ ... وَذُقْنَا مَرارَةَ ذُلّ السّؤَالْ وَبَاتَ الصّدِيقُ عَدُوّاً وَصِرْنَا ... أَلاعِيبَ لَمْ نَجْنِ غَيْرَ الْوَبَالْ فَقُلْ لِلْبُغَاةِ، وَإنْ طَالَ لَيْلٌ، ... سَيَبْزُغُ فَجْرٌ بَهِيّ الْجَمَالْ وَيَنْهَزِمُ الْبُطْلُ والمُبْطِلُونَ ... وَيَنْتَصِرُ الْحَقّ فِي كُلّ حَالْ

стр. 3069

رسائل جامعية الدور السياسي للمساجد [*] إعداد الباحث: بشير سعيد أبو القرايا عرض وتعليق / د. حامد عبد الماجد قويسي [**] تأتي هذه الدراسة المهمة في إطار الدراسات التنظيرية التي تتناول مؤسسات الدولة الإسلامية، مركزة على أدوارها وفعاليتها السياسية في الواقع العملي.. وتتناول هذه الدراسة الدور السياسي لأهم تلك المؤسسات وهو (المسجد) وهي تدرس المسجد بصورة كلية ولا تشمل تطبيقاً على مسجد بعينه؛ وذلك على أساس أن الدراسة التنظيرية لا تعني الالتزام بدراسة مسجد ما أو مجموعة مساجد خاصة بإقليم معين، ولم تتقيد بفترة زمنية معينة كي تتوفر لها القدرة الكاملة على التنظير. وهكذا جاءت هذه الدراسة مجردة عن عاملي الزمان والمكان. ويركز الباحث على أهمية الدراسة كما يظهر من عنوانها، فأهميتها العلمية ترجع إلى إسهامها في تطوير علم السياسة الإسلامي من خلال الاهتمام بمؤسسة قدر لها أن تحمل كافة المقومات والعوامل التي أدت إلى بناء الدولة الإسلامية الأولى وتشييد حضارة إنسانية امتدت قروناً طويلة. أما أهميتها العملية الواقعية فتكمن في الدور الفاعل الذي يمكن أن يقوم به المسجد في العلاقة السياسية، ليس باعتباره مؤسسة تتعلق بالأمور الدينية فحسب، وإنما باعتباره مؤسسة لها وظائف تتعلق بالتعامل السياسي بمعناه الأرحب. منها على سبيل المثال: تصاعد دور الاتجاهات الإسلامية التي تعد وليدة المسجد في تعاملها مع السلطة في المنطقة العربية. وتهتم الدراسة بتحديد المفاهيم والعلاقات النظرية، فتؤصل مفهوم المسجد باعتباره المفهوم المركزي لها كما سيتضح فيما بعد من التناول. أما مفهوم الدور فإن الباحث استفاد به في حدود معينة، ورأى أن مفهوم الفعل يُعدّ بديلاً أكثر ملاءمة، وحدده على أساس الرؤية الإسلامية بأنه: (مجموعة الأعمال الصالحة التي يقوم بها فرد أو جماعة، أو مؤسسة ما) . أما مفهوم السياسة فقد ربطه الباحث بالتوحيد باعتباره مفهوماً مطلقاً وبالقيم، والأخلاق القرآنية. تناول الباحث دراسة موضوعه في ستة فصول وخاتمة تتضمن نتائجه على النحو الآتي: ففي الفصل الأول (التمهيدي) : منهاجية بناء الدور السياسي للمسجد تناول مبحثين: المبحث الأول: تأصيل مفهوم المسجد ودوره في الرؤية الإسلامية من خلال ثلاثة موضوعات: الأول: يتطرق إلى التأصيل اللغوي لكلمة مسجد وبحث دلالاتها السياسية والإشارة إلى سعي بعض الباحثين إلى محاولة طمس الأصل اللغوي العربي للكلمة ونسبها إلى أصول غير عربية، أو صرف النظر عن المسجد وجعله أقرب ما يكون إلى دور المؤسسة الدينية في المجتمعات الأخرى من حيث اعتبارها مكاناً لأداء الطقوس الدينية فقط. ومن خلال بحث الجذر اللغوي (س ج د) ودراسة اشتقاقاته ومعانيه المختلفة وتحليل دلالاته السياسية بما يجسده من مجمل القيم والمفاهيم والأخلاقيات الإسلامية، ومن خلال بحث التطور التاريخي والدلالي لكلمة مسجد، فإنه ميز بين ثلاث مراحل هي: مرحلة العصر الجاهلي التي ارتبط السجود فيها بعبادة الأصنام والشرك بالله، ومرحلة العصر الإسلامي التي ارتبط السجود فيها بالتوحيد، والمرحلة الاستعمارية وما تبعها من حقب وضعية؛ حيث ارتبط السجود فيها بأداء الطقوس، وقد استقر في يقين هذه الدراسة أن كلمة مسجد أصلها عربي وتحمل دلالات ومعاني تعكس جوهر القيم السياسية الإسلامية. أما الموضوع الثاني: فيتطرق إلى النظرة القرآنية والنبوية لمفهوم المسجد من خلال سبع نقاط: ١- اعتبار المسجد بمثابة المكان الذي يتم فيه غرس مفهوم العبودية لله وتعظيمه، ومن ناحية أخرى اكتساب القيم السياسية الإسلامية ابتداءً من قيمة التوحيد ومروراً بقيمة الحرية وقيمة المساواة وانتهاءً بقيمة العدالة باعتبارها جميعاً ترجمة للمضمون السياسي لمعنى العبودية لله. ٢- اعتبار المسجد أحد الأركان الأساسية التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة الإسلامية. ٣- أهمية المسجد في بناء مقومات الحضارة الإنسانية القائمة على تحقيق مهام الاستخلاف وتنفيذ السياسة الشرعية في الأرض. ٤- المسجد قاعدة أساسية للممارسة السياسية؛ فهو مركز الحياة الاجتماعية والسياسية للجميع، وحافظ التوازن بين أطراف العلاقة السياسية. ٥- المسجد مكان التربية السياسية النفسية التي يتم فيها غرس القيم والمفاهيم الإسلامية على مستوى أفراد الأمة، كما أنه مدرسة لتخريج القيادات السياسية والفكرية والعسكرية على وجه الخصوص. ٦- تحديد أسس التعامل مع المؤسسات التي من شأنها أن تؤثر سلباً وتعطل عمل المساجد بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ٧- مناقشة الدلالات السياسية لاعتياد المساجد وإعمارها وتعظيمها، وعلى الوجه الآخر دلالات التخلف عنها وتعطيلها. الثالث: يتطرق إلى نظرة الفكر الإسلامي إلى أداء المسجد لدوره السياسي، من خلال تناول ثلاث نقاط: ١- بحث آراء بعض علماء الأخلاق أمثال ابن مسكويه، فيما قالوه عن البعد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي لرسالة المسجد. ٢- بحث أقوال بعض علماء الاجتماع والشريعة فيما قالوه عن علاقة المسجد بالسياسة وكيفية تنظيمها وضبطها كأقوال الماوردي وأبي يعلى الفراء وابن خلدون. ٣- بحث آراء بعض الفلاسفة أمثال الكشاني والغزالي وغيرهم حول المضمون الفلسفي لبعض المفاهيم المرتبطة بالمسجد. وفي المبحث الثاني: تناول البحث (بناء الإطار الفكري لتحليل الفعل السياسي للمسجد) مستعرضاً ثلاثة موضوعات: الأول: عقد مقارنة بين مفهوم السياسة في إطاره الوضعي المعاصر، ومفهوم السياسة في إطاره الإسلامي الشرعي، على أن يتم تحديد الخصائص المطلوبة لمفهوم السياسة المستخدم في هذه الدراسة الذي يستند إلى مفهوم السياسة في إطاره الإسلامي. الثاني: تناول نظرية الدور واستخدامها في علم السياسة المعاصر مع إخضاعها للرؤية الإسلامية وإعادة توظيفها في إطار مفهوم الفعل الذي يتناسب مع مقومات التنظير السياسي الإسلامي. الثالث: التعريف بالفعل السياسي للمسجد على أنه: (مجموعة الأعمال التي يقوم بها المسجد، أثناء تفاعله مع أطراف العلاقة السياسية، باعتباره أحد القوى الوسيطة القائمة بين الدولة والمواطنين، والتي يتم صناعتها، وفق قواعد الشرع، بحيث تترجم مصلحة الأمة ومصلحة أهل المساجد، باعتبارهم الجهة المشكّلة للفعل، وتؤدي إلى حدوث تأثير في هذه الأطراف ينجم عن رد فعل ذي خصائص معينة) . وفي الفصل الثاني: (الوظيفة التوحيدية للمسجد) تناول الباحث ثلاثة مباحث على ثلاثة مستويات: (مستوى الفرد، مستوى الأمة، مستوى العالم) . في المبحث الأول: (أثر المسجد في غرس عقيدة التوحيد لدى الفرد) ، استعرض ثلاثة موضوعات: الأول: أثر نشاطات المسجد في بناء الشخصية السياسية للفرد. الثاني: أثر المسجد في بناء الإدراك السياسي للفرد. الثالث: أثر الارتباط بالمسجد على السلوك السياسي للفرد. وفي هذا المبحث تناول مجموعة من المفاهيم السياسية الإسلامية لرؤية أثر المسجد في تكوينها لدى الفرد. ومثّل لذلك بمفاهيم منها: التوحيد، المساواة، الحرية، العدالة، الشورى، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... إلخ. وفي المبحث الثاني: أثر المسجد في توحيد الأمة: يتعرض لأربعة موضوعات: الأول: مجموعة العوامل والأحداث التي ساهمت وبرهنت على زيادة فاعلية المسجد في توحيد الأمة، وتشتمل على نقاط منها: ١- أداء صلاة الجماعة باعتبارها المظهر الأول لوحدة الأمة. ٢- جهاد المشركين ونشر الفتوحات الإسلامية. ٣- مقاومة الهجمات الاستعمارية. ٤- معالجة وقوع حدث طارئ تتعرض له الأمة أو أحد أقاليمها. ٥- التعدي على حرية المساجد وأثره في تفكك الأمة. ٦- المساهمة في بناء المساجد وأثره في توحيد الأمة. الثاني: (طبيعة ردود الفعل الصادرة عن الأمة ومظاهر التوحيد الناجمة بسبب هذه العوامل والأحداث) ، وهناك ثلاثة مستويات من ردود الفعل هي: ١- مستوى ردود الفعل الاتصالية ذات الطابع الإعدادي التحضيري: وتشمل خطب الجمعة، ودروس الوعظ والندوات، والمؤتمرات والمحاضرات اللازمة لتشكيل الوعي السياسي بطبيعة الحدث الذي تتعرض له الأمة. ٢- مستوى ردود الفعل المحدودة: وتشمل المظاهرات والاحتجاجات الشعبية والإضرابات المصحوبة بسخط وغضب وضغط شعبي كبير. ٣- مستوى ردود الفعل واسعة النطاق: وتشمل تصاعد الردود إلى حد إعلان نشوب حرب تبدأ بإعلان الجهاد، والتعبئة العامة وخوض حرب نظامية، أو بإعلان الجهاد المرتبط بالمقاومة الشعبية. الثالث: مكانة المسجد وموقعه من الأحداث وردود فعلها، وطبيعة أثره في توحيد الأمة، ويتحدد ذلك من خلال النظر إلى المسجد من خمس زوايا: ١- المسجد قاعدة التوحيد الثقافي المنظم لأفراد الأمة، وفيما يتم عرض نسق الوحدة الناظمة، والذي اقترحه الباحث كي يستخدم أداة تحليل علمية لدراسة مدى تأثير مجموعة من المساجد في فترة زمنية معينة في توحيد الأمة. ٢- المسجد قاعدة للإعداد والانطلاق الفكري. ٣- المسجد قاعدة لإيجاد الحافز والانطلاق الفعّال. ٤- المسجد أداة تستخدمها القوى السياسية في تحقيق المصلحة العامة والخيرات المشتركة للأمة وفي تحقيق مصلحة الشرع. ٥- المسجد وسيلة لغرس الهيبة الإسلامية في النظام الدولي، وخلق الوعي بالأمة باعتباره كياناً حركياً له تأثيره في العلاقات الدولية. الرابع: أوجه المقارنة الرئيسة بين فعل المسجد لتوحيد الأمة في الخبرة الإسلامية وفعله في الواقع المعاصر؛ مع تحديد مقومات توحيد الأمة وتحقيق عزتها ووعيها بعد الوهن الذي أصابها، مع بحث أثر المسجد في إحيائها والمشاركة في نهضتها. وفي المبحث الثالث: (الوظيفة العالمية والحضارية للمسجد) يستعرض الباحث موضوعين: الأول: ماهية الوظيفة العالمية والحضارية للمسجد. الثاني: المهام الرئيسة المطلوبة من المسجد لأداء رسالته العالمية، ثم يختم المبحث بتوضيح عوامل زيادة فعالية المسجد لوظيفته هذه، وهي ثلاثة: ١- إطلاق الدعوة الإسلامية في كل مكان. ٢- إعلان الجهاد. ٣- بناء المساجد في العالم وتطويرها. وفي الفصل الثالث: (وظيفة التنشئة السياسية) يتناول الباحث ذلك في مبحثين، ففي المبحث الأول: (العناصر الرئيسة لعملية التنشئة في المسجد) ، يستعرض خمسة موضوعات: الأول: القائم بالتنشئة السياسية في المسجد: ويعني به: خطيب الجمعة، الواعظ، إمام صلاة الجماعة، مدرس القرآن، مدرس العلوم الشرعية والمدنية، المفتي، القاضي ... إلخ، يتطرق فيه الباحث إلى ثلاث نقاط: ١- أهمية وقيمة القائم بالتنشئة المسجدية في العالم الإسلامي. ٢- إعداده. ٣- المهام السياسية المطلوبة منه وطبيعة أفعاله. الثاني: مادة التنشئة، ويعني بها: القرآن الكريم وعلومه، السنة النبوية سيرةً وأحاديثَ، والفقه الإسلامي، الخبرة، التراث الفكري والعلمي، القضايا والمشكلات المعاشة من وجهة النظر الإسلامية، ويتم فيه التطرق إلى موضوعين: ١- الدلالات السياسية لمواد التنشئة المسجدية. ٢- بحث أثر مادة التنشئة المسجدية في تحديد الاتجاه السياسي لبعض القضايا السياسية الهامة في الواقع المعاصر، ويتم فيها استعراض ثلاث قضايا هي: مشكلة السلطة والخلاف الحاد حول مفهومها وتحديد النظرة المسجدية إزاءها، أزمة الهوية والولاء والانتماء وزيادة انتشارها، مشكلة فلسطين. الثالث: الجمهور المستقبل للتنشئة المسجدية: ويعني به كافة أفراد الأمة على وجه العموم، ومن يعتاده منهم على وجه الخصوص، ويتم فيه التطرق إلى أربع نقاط: ١- العوامل الرئيسة التي أدت إلى اعتياد معظم أفراد الأمة للمساجد في الخبرة الإسلامية. ٢- العوامل الرئيسة التي أدت إلى انقطاع معظم الناس عن المساجد في الواقع المعاصر، وفيها يتم استعراض الأفعال المضادة للمساجد كتضييق الخناق عليها وإنشاء مؤسسات اجتماعية مضادة. ٣- استعراض قضية التخلف والتبعية وعدم القدرة على مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي، ومشكلة انتشار الأفكار السياسية والفلسفات الاجتماعية التي تتعارض تعارضاً واضحاً مع أحكام الشريعة. ٤- المقترحات الإجرائية لإعادة ربط الناس بالمساجد والدلالات السياسية الناجمة عنها. الرابع: بيئة التنشئة المسجدية، وهي: إما بيئة مواتية للفعل الحضاري تسعى إلى إمكانية تقويم المجتمع، وإما بيئة معاكسة تسعى إلى إقصاء هذا الفعل. وتنقسم البيئة هذه إلى قسمين: البيئة الداخلية وتشمل حياة المسجد والنظام المسجدي، والبيئة الخارجية عنه وهي قسمان: بيئة إسلامية وبيئة عالمية، وتتطرق الباحث فيها إلى ثلاث نقاط هي: ١- مفهوم روح المسجد. ٢- البيئة الصالحة المواتية للتنشئة السياسية وأثر روح المسجد على صلات المؤسسات في الخبرة الإسلامية. ٣- البيئة المعاكسة للتنشئة وأثر المسجد على إصلاح المؤسسات السياسية في الواقع المعاصر. الخامس: أثر المسجد في تنشئة القيادات والصفوات السياسية والفكرية والعسكرية باعتباره مدرسة تسهم في تخريج هذه القطاعات التي بنت الحضارة في السابق. وفي المبحث الثاني: (أثر المسجد في بناء الثقافة السياسية لدى الفرد) يستعرض الباحث: التحديد بمفهوم الثقافة السياسية الإسلامية، ثم معرفة أثر المسجد في بناء الوعي السياسي واكتساب القيم والمفاهيم الإسلامية، ثم يتناول أثره في تحديد النظرة المتميزة لثلاثة مفاهيم جوهرية تشكل الإطار العام للثقافة السياسية هي: مفهوم السلطة، مفهوم الشرعية، مفهوم المشاركة، ثم بعد ذلك يتناول الباحث أثر المسجد على عملية التجنيد السياسي وعملية الاستقرار السياسي، ثم في الختام يتناول مهمته في الحفاظ على الثقافة السياسية الإسلامية وحفظها من الزوال. وفي المبحث الثالث: (أنماط المقترحات النظرية للباحث) وتشمل نسقين: أحدهما: لضبط علاقة المسجد بالسلطة ويسمى: (نسق العلاقة بين المسجد والسلطة الحاكمة) ، والآخر لضبط مواجهة المسجد لمؤسسات الضرار ومعرفة كيفية إيقاف أفعالها المضادة ويسمى: (نسق العلاقة بين مسجد التقوى ومؤسسات الضرار) . الثاني: تحديد المهام المطلوبة من أطراف العلاقة وطرق ضبطها على مستوى الممارسة السياسية. وقد تبين في هذا الفصل من خلال المقارنة بين الخبرة والواقع على مستوى المراحل الثلاث المذكورة آنفاً حرص الأنظمة الحاكمة في المرحلة الأولى على إعمار المساجد وحفظ استقلاليتها الكاملة لممارسة نشاطاتها وحقوقها السياسية وغير السياسية، وتبين على مستوى المرحلة القومية المعاصرة حرص الأنظمة الحاكمة على تحجيم المساجد أو تطويعها وفق سياستها وتوجهاتها كي تتوافق ومشاريعها التنموية التي تنطلق من رؤيتها الخاصة لما يجب أن تقوم به المؤسسات الدينية من تأثير يتشابه إلى حد كبير مع ما تقوم به نظيرتها في المجتمع الغربي. وفي الفصل الخامس: يتناول الباحث (العلاقة بين المسجد والقوى السياسية الوسيطة، وبناء إطار فكري للتعامل بين الطرفين في الواقع المعاصر) في مبحثين: المبحث الأول: (الفعل ورد الفعل المتبادل بين المسجد، والحركة الإسلامية، والقوى الحزبية المعاصرة) ويستعرض من خلاله موضوعين: الأول: بحث دلالات التنافر الحاصلة بين المسجد والقوى الحزبية، مع نقد الإطار الوضعي للظاهرة الحزبية، وفيها يتم التطرق إلى أربع نقاط: ١- نقد الإطار الوضعي لقانون الأحزاب السياسية في الوطن العربي. ٢- مقارنة بين أداء النظم الحزبية والفعل السياسي للمسجد. ٣- السياسة الحزبية والوضعية المعاصرة تجاه المساجد. ٤- الفعل السياسي لأهل المساجد تجاه الظاهرة الحزبية المعاصرة. الثاني: بحث دلالات التعاضد الحاصلة بين المسجد والحركة الإسلامية، وفيها يتم التطرق إلى ثلاث نقاط: ١- دلالات التعاضد المرتبطة بتطابق المقصد والتأسيس والمسار، وأهمية المسجد في ولادة الحركة الإسلامية. ٢- دلالات التعاضد المرتبطة بأهمية المساجد بالنسبة للحركة الإسلامية على مستوى الوظيفة الاتصالية. وفي المبحث الثاني: (مستويات التعامل الفكري مع الظاهرة الحزبية من منطلق التعاضد بين المسجد والحركة الإسلامية) يستعرض الباحث ثلاثة موضوعات: الأول: بناء الإطار التنظيمي للمساجد وأثره في تقوية الوظيفة الاتصالية للمسجد من خلال تناول خيارين: أحدهما لرفض الظاهرة الحزبية؛ والآخر لإعلان الحياد تجاهها، وفيه يتم التطرق إلى نقطتين: ١- تحليل الإطار التنظيمي للمساجد على المستوى العام من خلال مقومات البناء وشروط النجاح. ٢- الإطار التنظيمي للمساجد على المستوى العام من خلال عرض الهيكل التنظيمي المقترح للمساجد الذي يؤدي إلى تحقيق تماسكها على مستوى الدولة الواحدة. الثاني: الضوابط الشرعية للظاهرة الحزبية من خلال استعراض خيار القبول المرتبط بتجريد الإطار الوضعي. الثالث: المهام المشتركة وأساليب التعامل الحركي بين المسجد والحركة الإسلامية في مواجهة الإصرار على استمرارية الإطار الوضعي للظاهرة الحزبية. وفي الفصل السادس: يتناول الباحث نسق الوظيفة الاتصالية السياسية للمسجد في مبحثين: ففي المبحث الأول: (التعريف بالوظيفة الاتصالية للمسجد) يستعرض ست نقاط هي: مفهوم الوظيفة الاتصالية للمسجد، الأبعاد الرئيسة للمفهوم، خصائص علاقات الاتصال، مقومات العملية الاتصالية، معوقات أدائها، أهدافها. وفي المبحث الثاني: (مكونات النسق وكيفية تطبيقه) تعرض الدراسة المكونات الرئيسة الخمسة التي يشتمل عليها النسق وهي: الأجزاء، الضوابط، المراحل، المداخل المنهاجية، المهام الاتصالية، وتعرض أيضا: كيفية تطبيقه على الواقع العربي المعاصر من خلال بحث مستويات التطبيق وكيفيته. رابعاً: نتائج الدراسة: وفي الخاتمة تذكر الدراسة النتائج الآتية: ١- ثبت أن المسجد قام بفعله السياسي على أكمل وجه في الخبرة الإسلامية على وجه العموم؛ إذ يرجع إليه الفضل في إنشاء مقومات الحضارة الإسلامية عن طريق تخريج أجيال تحولت بكافة فئاتها رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً وشيوخاً إلى قطاعات فعالة متحفزة للعمل والجهاد. أما على مستوى الواقع المعاصر فقد تبين أن المسجد قام بفعل سياسي ضعيف مقارنة بالخبرة، ويرجع السبب الأول في ذلك إلى زيادة تأثير الأفعال المضادة التي تعرض لها من قِبَل البيئة الخارجية، فلم يستطع المسجد القيام بفعله في تنشئة الأجيال التي ينبغي أن يقوم على عاتقها التحرر من التخلف والتبعية، ولم يستطع أيضاً تخريج القيادات السياسية والفكرية والعسكرية المؤهلة لتحقيق طموحات الأمة وأهدافها التي ترتكز على إيقاف متواليات الوهن وبناء القوة من جديد. ٢- ثبت أيضاً أن اعتياد المساجد وممارسة نشاطاتها كان عاملاً جوهرياً لظهور القيادات والأجيال الواعية التي استطاعت بناء الحضارة وإدارة دفة الدولة الإسلامية؛ إذ تمثل قوة أولى في النظام الدولي كما حدث في الخبرة الإسلامية، وثبت أن التخلف عن اعتيادها أدى إلى وقوع أفراد الأمة فريسة سهلة للتخلف والتبعية مثلما حدث في الواقع المعاصر مع انتشار مؤسسات الضرار. ٣- ثبت أيضاً أن استخدام السلطة لمسالك التعامل المواتية لأهل المساجد بما فيها منح الحقوق والحريات السياسية أدى إلى تحقيق وحدة الأمة وتعاضدها وتعميق التعاون بين السلطة والرعية كما حدث في الخبرة الإسلامية. وثبت أن استخدام مسالك التعامل المعاكسة لأهل المساجد من قمع وإكراه وتشويه وتضليل وتلفيق وتعتيم وكبت للحريات وفرض للقيود القانونية والمالية والإدارية، إنما يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي وزيادة أزمة الشرعية وتعميق عدم التقبل بين السلطة وأهل المساجد كما يحدث في الواقع المعاصر. ٤- ثبت أيضاً أن التعامل الرئيس الذي يمكن أن يساعد في بناء قوة المساجد في مواجهة الأنظمة الحاكمة، بما في ذلك إعادة هيبة العلماء وزيادة مساندة الرعية لهم هو تحقيق الاستقرار المالي ثم الإداري لعلماء المساجد، بالإضافة إلى اهتمامهم بخلق الوعي لا سيما الوعي بالشرع لدى الرعية غير الواعية. ٥- ومن النتائج الهامة التي تم استنتاجها: ضرورة الاهتمام بأثر المسجد في التنشئة السياسية لما له من فعل سياسي بارز على مستوى زيادة قوة الفعل السياسي للمسجد على وجه العموم. ٦- تعد الوظيفة التوحيدية بمثابة الغلاف العام الذي يحيط بالفعل السياسي للمسجد الذي يتحرك من خلاله كافة الأفعال الرئيسة والفرعية الأخرى. ٧- تعد الوظيفة الاتصالية السياسية كما ذكرنا من قبل جوهر الفعل السياسي للمسجد نظراً لأهميتها في تشكيل محور اهتمام علم السياسة الذي يبحث في موضوع السلطة وموضوع العلاقة بين الحاكم والمحكوم وسبل تحقيق توازنها؛ فالوظيفة الاتصالية للمسجد تسعى إلى ضبط هذه العلاقة على أساس المصلحة الشرعية ومصلحة الأمة؛ بحيث لا يترك المجال لسيطرة السلطة بصورة استبدادية تقوم على هضم الحقوق والحريات. وتكمن دلالة النتائج الخاصة بهذا البحث الاستكشافي بالنسبة للدراسات التي قد يقوم بها باحثون آخرون في المستقبل في أنها تفتح المجال لإجراء الدراسات التطبيقية على مسجد ما أو مجموعة مساجد، على أن يستخدم أحد الأنساق المقترحة أداةً للتحليل، ولعل (نسق الوظيفة الاتصالية للمسجد) ونسق العلاقة بين المسجد والسلطة الحاكمة) يفتحان على سبيل المثال حقلاً خصباً في هذا المضمار، كما أن تطوير دراسات نظرية أكثر عمقاً ودقة هو أمر مطروح أيضا يمكن أن يساهم به باحثون آخرون.

стр. 3070

الإسلام لعصرنا السلام وانتشار الإسلام أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة وقّع رسول الله ﷺ اتفاقية صلح الحديبية مع قريش بمكة ثم قفل راجعاً مع أصحابه إلى المدينة، وبينما هم في الطريق إذ نزلت عليه صلى الله عليه وسلم سورة الفتح: [إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً] [الفتح: ١] . سأله رجل مستغرباً: يا رسول الله، أوَ فتح هو؟ فأجابه ﷺ مؤكداً: إي، والذي نفسي بيده إنه لفتح [١] . لماذا سأل الرجل (وهو عمر) هذا السؤال مستغرباً؟ وأيّ فتحٍ كان فتح الحديبية؟ وهل فيه من عبرة لنا في أيامنا هذه؟ أما استغراب عمر فلأن الصلح في ظاهره لم يكن في مصلحة المسلمين؛ فهم قد مُنعوا من أداء العمرة، ولم يقاتلوا، وكان في الصلح بنود ظنها بعض الصحابة مجحفة بهم؛ منها: (على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا) [٢] . وأما نوع الفتح فيفسره قول الزهري: فما فُتِحَ في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس. ولما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلّم بعضهم بعضاً، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يُكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئاً في تلك المدة إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر [٣] . قال ابن حجر مؤيداً الزهري: فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام، جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية [٤] . وقال ابن هشام أيضاً مؤيداً للزهري: ويدل عليه أنه ﷺ خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف [٥] . نستخلص من كلام هؤلاء العلماء الثلاثة أن الفتح تمثل أساساً في كثرة عدد من دخلوا في الإسلام بسبب الصلح. ونستخلص منه أيضاً أن السبب في ذلك كان السلام الذي حل محل الحرب والقتال، وأن هذا الجو السلمي أدى إلى أن يختلط الناس بعضهم ببعض من غير نكير، وإلى أن يُسمِع المسلمون المشركين دعوة الإسلام، وأن يجادلوهم ويناظروهم في جو آمن، وأن هذه الدعوة السلمية هي التي كانت سبباً في إقناع كل العقلاء بالدخول في الإسلام. ما مناسبة هذا لواقعنا؟ مناسبته أن الدعاة إذا وجدوا أنفسهم في حال كهذه الحال فينبغي عليهم أن يحافظوا عليها، بل ينبغي عليهم أن يسعوا لأن تكون حالهم مع من يدعوهم مثل هذه الحال، وأن يبينوا لهم بإخلاص أن القتال والعنف ليس هدفاً من أهدافهم، بل إن كل ما يريدونه هو أن يُعْطَوْا حرية الدعوة إلى دين يرونه حقاً ويرون فيه مصلحة للمدعوين دينية ودنيوية. وهم حين يفعلون هذا سيكونون مقتفين سنة نبيهم ﷺ ، انظر إلى الكلمات الرقيقة الحازمة التي خاطب بها قريشاً، والتي كانت من أسباب عقد الهدنة، قال لهم ﷺ : (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم؛ فإن شاؤوا ماددناهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهرْ فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره) [٦] . يبدو لي أن الحال في كثير من البلاد الديمقراطية ولا سيما الغربية شبيه إلى حد كبير بحال المسلمين مع المشركين في سنتي الهدنة، فهي حال يستطيع فيها الدعاة الاختلاط بغير المسلمين، ودعوتهم ومجادلتهم؛ بل قد ثبت بالتجربة في بلد كالولايات المتحدة أن عدد الداخلين في الإسلام في ازدياد مطرد بسبب هذا الجو السلمي. وعلى الدعاة في تلك البلاد إذن أن يحافظوا على هذا الجو السلمي حتى لو كانوا في مثل قوة النبي ﷺ وأصحابه حين عقدوا صلح الحديبية، فكيف وهم في حال ضعف؟ إن أكثر ما يحرص عليه أعداء الإسلام في الغرب هو أن يصوروا المسلمين على أنهم وحوش إرهابية لا غاية لها إلا تحطيم الحضارة الغربية، وقد استغلوا وسائل الإعلام لإبراز هذه الصورة للمسلمين ونجحوا في ذلك إلى حد ما. ولا يفرح هؤلاء بشيء فرحهم بتصريحات يطلقها إنسان أهوج يدعو فيها إلى العنف أو القتال في داخل تلك البلاد؛ لأنها تصدق دعواهم تلك، وتساعد على تنفير الناس من الدعاة المسلمين؛ لأنهم يعلمون أن الذي يرى فيك خطراً على نفسه وأهله لن يستمع إليك ولن يثق فيما تقول. كنت في الولايات المتحدة أيام حادثة (أوكلاهوما) ولمست الذعر الذي عاشه المسلمون ولا سيما رواد المساجد منهم حين طلع بعض أولئك الأعداء المُسَمّوْن بالخبراء ليقول في بعض وسائل الإعلام: إن الفِعْلةَ فعلة مسلمين، ورأيت كيف تنفسوا الصعداء حين تبين أن الجناة ليسوا من المسلمين. وهذا أمر طبعي؛ فإن الأقلية المسلمة بين الكثرة الكافرة الحاكمة مستضعفة؛ فلا يناسبها أن تقاتلهم وهي تحت سلطانهم، وربما كان هذا هو السبب في نهي المسلمين عن مقاتلة الكفار حين كانوا بمكة. لقد أُمروا آنذاك بأن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة، فلما هاجروا وتميزوا وصارت لهم أرضهم أُذن لهم في القتال ثم أُمروا به. ومما يوجب الحرص على هذا الجو السلمي المساعد على نشر الإسلام في الغرب أنه في تقديري لن يدوم. إن الدول الديمقراطية تبيح الحرية ما دام المخالفون أقلية لا خطر منها على العلمانية، أما إذا نما عددهم ورأوا فيه تهديداً للنظام العلماني فإنهم قطعاً سيضحون بالديمقراطية من أجل المحافظة على العلمانية. إنني أعلم أن هذا موضوع حساس من السهل أن يساء فهمه، فدعوني أؤكد أنني لا أريد أن أقول ولا أن ألمح إلى أن كل معاهدة صلح فهي حديبية؛ بل إن بعضها انهزامي لا يأتي بخير، ولا أريد كذلك أن أدعو إلى إلغاء الجهاد أو أدعو إلى سلم مطلق مهما كانت الظروف. إن الإسلام دين واقعي ليس ولا يمكن أن يكون استسلامياً لا مجال فيه لقتال. لكن الذي أريد أن أؤكده هو أن للقتال ظروفه كما أن للسلم ظروفه، فإذا كفى الله المؤمنين القتال بحال سلم ينتشر فيها الإسلام فمن الواجب اختيارها والمحافظة عليها والتركيز على الدعوة بالكلمة والقدوة. قال تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] [النحل: ١٢٥] . قال الإمام القرطبي معلقاً على هذه الآية الكريمة: وقد قيل إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورُجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم. وهذا الذي قيل هو الصواب؛ لأن الغاية الأسمى التي ينشدها الداعية المسلم هي أن يجعله الله سبباً لهداية الناس لا قتلهم؛ فها هو ﷺ ينصح علياً ﵁ بقوله: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) [٧] . قال له ﷺ ذلك وقد أعطاه الراية موجهاً إيّاه إلى خيبر ليبيّن أن القتال ليس شيئاً مرغوباً في ذاته؛ لكنه قد يكون وسيلة لا مندوحة عنها لرد الظلم، سواء كان ظلماً واقعاً على بشر، أو ظلماً متمثلاً في الوقوف في طريق إيصال الدعوة إلى الناس، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك؛ بل كان هنالك استعداد للاستماع والمجادلة والمناظرة فلا يلجأ إلى القتال، ولا سيما في ظروف كتلك التي يكون فيها الدعاة تحت سلطان الكفار. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 3071

اقتصاديات البعد الاقتصادي للعولمة د. زيد محمد الرماني يتم في أغلب الأحوال تناول العولمة باعتبارها ظاهرة اقتصادية، تتحدد خصائصها في بروز الأسواق العالمية للسلع ورؤوس الأموال وفي إيجاد نظم الإنتاج المدمجة. لكن العولمة تتطلب وجود عناصر مجتمعة أكثر شمولاً حتى لا تقتصر على البعد الاقتصادي وحده. فالعولمة تعمل على انتقال الأفكار والمعلومات والأمراض والمشكلات الاجتماعية؛ لكن أثرها الحاكم يتمثل في كونها تعمل على إنتاج الهويات والمؤسسات العابرة للحدود. وبشكل عام، فإن عملية العولمة تقدّم المظاهر نفسها في المكان الذي تتبدّى فيه؛ بما أنّ كوكب الأرض ليس (كلاّ) واحداً كما يريد لنا بعض المنظّرين والمفكرين أن نتصور. ومع ذلك، لم تعمل العولمة على إيجاد عالم موحّد؛ فهي ليست مرادفاً لتعبير (عالم واحد) بل هي تتّجه أكثر فأكثر إلى إيجاد نظام متشابك لعوالم متصلة: أي مرتبطة فيما بينها. وبالشكل نفسه؛ فالعولمة الثقافية لا تنتج ثقافة عالمية، ولكنها تنتج كوكباً تختلط فيه الثقافات، وتتعايش أو تتصارع. وفي المقابل، نجد الشيء نفسه بالنسبة للإنترنت؛ فشبكة الاتصالات العالمية عملت على توالد أسواق (الغش) ، وأسواق الجماعات الصغيرة. فلم تعد العولمة بناء على ما سبق تحدّياً اقتصادياً أو سياسياً أو تقنياً فحسب، ولكنها تمثل بالإضافة إلى ذلك تحدياً للفكر الإنساني عامة إضافة إلى أنها تحدّ للتعلم والتربية والثقافة والفكر. وعليه؛ فإن من واجبات النظرية التربوية أن تلتفت باهتمام إلى آثار العولمة على تلك الجوانب الفكرية الإنسانية. ومن ثم، يجب ألاّ نتخيّل العولمة على أنها لعبة نتيجتها إيجابية بالقطع؛ فالسوق العالمية لا تمحو الفوارق بين الدول، وتفاعل البلدان المختلفة لا يأتي بالضرورة بالسلام؛ فهي تعني أنه في حالة المنافسة، لن يكون هناك منتصر حقيقي. ولا يتردد بعض المفكرين في النظر إلى العولمة باعتبارها نوعاً من النهضة. يقول (جورج تادونكي) : أحد الجوانب الأكثر ظهوراً للعولمة هي سرعة انتشار النماذج الثقافية الخارجية التي عملت على نقل المظاهر الديمقراطية. وعلى الرغم من (الثورة المعاصرة) في المواصلات والاتصالات، والتقدم المحسوس الذي أحرزته عملية تحرير التجارة العالمية على مدى العقود الثلاثة المنصرمة؛ فإن الاقتصاديات الوطنية لا تزال معزولة بعضها عن بعض بدرجة كبيرة، وتتضمن هذه العزلة حقيقة مهمة أكّدها الباحث الاقتصادي (بول كروجمان) ، وهي أن العولمة ليست السبب فيما تعانيه غالبية الحكومات في الغرب الصناعي المتقدم من متاعب ومشكلات، بالقدر الذي يتصوره الناس عموماً. يقول (داني رودريك) : إنّ الفرضية القائلة: إن الاقتصادات المحلية أصبحت غارقة في سوق عالمية موحدة عديمة الملامح هي فرضية غير صحيحة. كما أن المخاوف المثارة من جراء سياسات العولمة بدت في الظهور العلني أكثر فأكثر، فبينما تزيد العولمةُ الطلبَ على الإنفاق الاجتماعي فإنها (أي العولمة) تتسبب في الوقت نفسه في الحد من قدرة الحكومات على التجاوب الفعال مع هذا الطلب، ويترتب على ذلك أنه: كلما تعمقت العولمة تآكل الإنفاق الاجتماعي المطلوب للإبقاء على الأسواق المحلية مفتوحة أمام التجارة العالمية. ومن ثم، فإن السؤال المطروح هو: كيف يمكن تخفيف التوتر بين العولمة من جانب، والضغوط المبذولة لتقليل المخاطر من جانب آخر؟ ذلك أنه إذا غفلنا عن إدراك الدور الحيوي الذي لعبه الإنفاق الاجتماعي في التوسع التجاري، وتُركت شبكات الرعاية الاجتماعية لتذوي، فإن ذلك سيؤدي إلى تآكل الإنفاق المحلي المحبّذ للأسواق المفتوحة. إن التوترات التي يمكن أن تحدثها العولمة استمرار لتوترات حقيقية؛ بيد أنها توترات دقيقة، والمصطلحات المتداولة في النقاش الدائر حولها لا تساعد كثيراً على فهمها؛ فعبارات مثل: (مناقشة الأجور المنخفضة) و (تمهيد ساحة اللعب) و (السباق نحو القاع) ليست إلا عباراتٍ مضللة، غالباً ما تتسبب في أن يُسيء الناس فهم القضايا الحقيقية. إن الحاجة ماسة إلى لغة نقاش أكثر ذكاء وأقدر على التعبير عن الاختلافات وعن المعاني التي لا تزال غير واضحة. جاء في كتاب (عالم واحد جاهز أم غير جاهز المنطق السحري للرأسمالية العالمية) لمؤلفه (وليم جريدر) : إن التوسع العالمي للأسواق يضعف التماسك والترابط الاجتماعي، ويفضي إلى أزمة اقتصادية وسياسية كبرى) . ومع ذلك، يجب ألا نفزع من العولمة، كما يجب ألا نأخذها مسلّمة؛ فالعولمة تفتح آفاقاً وتتيح فرصاً لأصحاب المهارات والمؤهلات لتمكنهم من الحركة والازدهار في الأسواق العالمية، وكذلك يمكن أن تساعد العولمة الدول الفقيرة على الإفلات من قبضة الفقر. بَيْدَ أن للعولمة من الجانب الآخر ضغوطاً لخفض أجور العمال غير الفنيين في الدول الصناعية المتقدمة، وتفاقم الإحساس بتناقص الأمان الاقتصادي؛ إذ تُعرّض أشكالاً من النظم المجتمعية للخطر، وتضعف مظلات الضمان الاجتماعي. إن أسباباً وجيهة تدعو إلى القلق من مستوى الجدل الدائر حول العولمة: فالمحبذون للتوحد العالمي يقفون ضد خصوم العولمة باعتبارهم حِمائيين أي: من دعاة رفع الضرائب على الواردات لحماية الإنتاج المحلي، ولا يفهمون مبدأ الميزة التفاضلية وقوانين التجارة ومؤسساتها؛ بينما يعمد منتقدو العولمة من الجانب الآخر إلى اتهام الاقتصاديين وخبراء التجارة بضيق الأفق التكنوقراطي، ويرون أن الخبراء الاقتصاديين مفتونون بالنماذج الاقتصادية الغربية التي يبتدعونها، ولا يجيدون التعامل مع الحركة الواقعية للعالم. وحصيلة الجدل لا تعدو أن تكون كثيراً من المشادات العدائية، وقليلاً مما يمكن أن يتعلمه أحد من كلا الجانبين. وسيستمر الجدل حول (العولمة) وستبحث أسئلة عديدة عن إجابات سديدة من مثل: هل العولمة كما يعتقد غالبية الباحثين الاقتصاديين وكثير من صانعي السياسات هل هي مصدر للنمو والازدهار الاقتصادي؟ أم هي خطر على الاستقرار الاجتماعي والنظام البيئي؟ وهل حققت العولمة تقدماً كبيراً إلى الدرجة التي أصبحت فيها الدول الوطنية عاجزة بالفعل عن ترتيب شؤونها الاقتصادية واستخدام أدواتها السياسية لدعم برامجها الاجتماعية؟ وهل نقل الأنشطة الصناعية إلى بلاد العمالة الرخيصة يتسبب في إضعاف القوة الشرائية العالمية، ومن ثم يُوجِد فائضاً سلعياً يمتد من السيارات إلى الطائرات؟ وختاماً أقول: رغم ما قيل قديماً ويقال حديثاً وسيقال مستقبلاً؛ فإن العولمة ربما لا تكون إلا إحدى المصطلحات عالمية الرنين التي ليس لها كل النتائج المرجوة منها.

стр. 3072

إصدارات تتوالى الإصدارات الحديثة حاملة بين طياتها الجديد في عالم الدراسات الإسلامية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. ورغبةً منّا في إطلاع قراء · على ما يتسير لنا من هذه المطبوعات الجديدة التي نرى فيها الفائدة لقارئها سيكون لنا بإذن الله وقفات مع بعض تلك الإصدارات بين عدد وآخر، والله الموفق. * كيف نتعامل مع القرآن، تأليف: د. يوسف القرضاوي، الناشر، دار الشروق بمصر، طبعة ١٤١٩هـ. أحسن المؤلف استقصاء جوانب تعامل المسلم مع القرآن الكريم من قراءته وحفظه وتدبره والعمل به وتحكيمه ... وضبط كل ذلك في أطر شاملة وقواعد نافعة، وتحذير من المزالق والمحاذير. * تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، تأليف الأستاذ. أحمد الكاتب، الناشر، دار الجديد، ببيروت عام ١٤١٩هـ. منذ ابتدع الخميني الهالك نظرية ولاية الفقيه أو على الأصح تبناها وطبقها في ثورته في إيران عام ١٩٧٩م وهذه النظرية تنال نقد علماء الشيعة أمثال: (كاشف الغطاء) و (موسى الموسوي) وغيرهم، وجاء هذا الكتاب على النسق الناقد لهذه الفكرة من أحد علماء الشيعة المعاصرين الذي ناقش النظرية وأبان تهافتها وعدم صحتها لعدم وجود المنوب عنه وهو (المهدي المزعوم) ولعدم ثبوت ولايته، داعياً لإقامة الدولة الإسلامية على قاعدة الشورى وولاية الأمة على نفسها. * تسامح الغرب مع المسلمين في العصر الحاضر، دراسة نقدية في ضوء الإسلام، تأليف: عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين، نشر، دار ابن الجوزي، عام ١٤١٩هـ. أصل الكتاب: أطروحة ماجستير، نال بها الباحث درجة الامتياز، ويقع في (٤٧٩) صفحة. مهد الباحث بذكر حقيقة التسامح في الإسلام، ثم شرح أسس التسامح في الغرب وأهدافه ونقدها، ثم ذكر مجالات التسامح في الغرب ونقدها، وختم بذكر آثار التسامح على المسلمين. * الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال، تأليف د. إبراهيم بن عامر الرحيلي. البحث بداية لسلسلة ناقدة لمؤلفات أحد الصوفية الذي ادعى أنه اهتدى إلى الرفض ليدعو له ويعلنه طاعناً في عقيدة الأمة، مع سبه للصحابة، ورميهم بالكفر. ووضح الباحث أن الرجل حاطب ليل، وبعيد عن المنهج العلمي في كتبه التي طار بها القوم وترجموها لجل اللغات؛ وهو لا يمت للعلم والتحقيق بصلة. * المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق، تأليف د. عبد الرزاق الهيثمي، الناشر دار أسامة للنشر بالأردن (عمان) ، ١٤١٩هـ. دراسة علمية لواقع المصارف الإسلامية وما تقوم به من أنشطة وأعمال في ضوء الكتاب والسنة وآراء السلف، وبيان توجيهات الباحثين المعاصرين حيالها وتقويمها والحديث عن الشُبه والمآخذ الموجّهة لها، مقرراً الحق والباطل رغبةً في الوصول لما فيه تحقيق أهدافها في إيجاد انتصار إسلامي بنّاء والتحذير من التبعية العمياء للبنوك الربوية. * مشكلة الغلو في العصر الحديث ١ ٢ ٣، المؤلف: د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الناشر، المؤلف، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ. ... هذه رسالة الباحث للعالمية العالية (الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ، وعنوانها يعطي فكرة عن موضوعها، والباحث بدأ بمقدمة عن منهجه في البحث وأهميته وخطته، وتمهيد فيه بيان مصطلحات البحث، ولمحة عن مشكلة الغلو، وأبواب ثلاثة عن الأسباب والآثار والعلاج، (وهو دليل علمي وعملي لمن يريد أن يتعامل مع هذه المشكلة بعلم وضمير ورشد وصدع بالحق نزيه وشجاع) . وهي رسالة متميزة، جديرة بالدراسة والعناية. * السيف والهلال، (تركيا من أتاتورك إلى أربكان) ، للأستاذ رضا هلال، الناشر، دار الشروق بمصر ١٤١٩هـ. ناقش المؤلف العلاقة الوثيقة بين الجيش التركي والسياسة مع التركيز على الصراع بينهما والاتجاهات الإسلامية، وختم الكتاب بفصل عن تركيا بعد ٧٥ عاماً من الإخفاق (العلماني) ودعا المؤلف إلى أن تراجع الأتاتوركية نفسها، وأهمية أن تتطور في جوانب كثيرة وبخاصة فيما يتعلق بالدين ودور العسكر. * مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية وأثرها السيئ على الأمة الإسلامية، تأليف: إدريس محمود إدريس، نشر: مكتبة الرشد وشركة الرياض، عام ١٤١٩هـ. يتكوّن الكتاب من (١٣٠٣) صفحة، في ثلاثة أجزاء، نال بها الباحث درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بتقدير ممتاز، بين فيها مفهوم التصوف ونشأته ومصادره وأقسامه، وأهم أسباب الانحرافات عند الصوفية، ثم شرح انحرافاتهم في الإلهيات، وفي المحبة، وفي الرسول ﷺ والأولياء، وفي الزهد والجهاد والقضاء والقدر، والتوكل والجنة والنار، وكان يقدم لكل مبحث بذكر التصور الإسلامي للمسألة ليتضح بعكسه الانحراف، ثم ختم بذكر الآثار السيئة لانحرافاتهم في الأمة الإسلامية، وأساليب مقاومة الزحف الصوفي.

стр. 3073

وقفات ويبقى العود ما بقي اللحاء أحمد بن عبد الرحمن الصويان كنت في رحلة دعوية إلى بنجلاديش مع فريق طبي أقام مخيماً لعلاج أمراض العيون، فتقدّم إلى الطبيب شيخٌ وقور ومعه زوجته بتردد وارتباك، ولمّا أراد الطبيب المعالج أن يقترب منها فإذا بها تبكي وترتجف من الخوف، فظنّ الطبيب أنها تتألم من المرض، فسأل زوجها عن ذلك، فقال وهو يغالب دموعه: إنها لا تبكي من الألم.. بل تبكي لأنها ستضطر أن تكشف وجهها لرجل أجنبي! لم تنم ليلة البارحة من القلق والارتباك، وكانت تعاتبني كثيراً: أوَ ترضى لي أن أكشف وجهي..؟ ! وما قبلتْ أن تأتي للعلاج إلا بعد أن أقسمتُ لها أيماناً مغلظة بأنّ الله تعالى أباح لها ذلك للاضطرار، والله تعالى يقول: [فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [البقرة: ١٧٣] . فلمّا اقترب منها الطبيب، نفرت منه، ثم قالت: هل أنت مسلم؟ قال: نعم، والحمد لله! ! قالت: إن كنت مسلماً.. إن كنت مسلماً.. فأسألك بالله ألاّ تهتك ستري، إلا إذا كنت تعلم يقيناً أن الله أباح لك ذلك..! ! أُجريت لها العملية بنجاح وأزيل الماء الأبيض، وعاد إليها بصرها بفضل الله تعالى. حدّث عنها زوجها أنها قالت: لولا اثنتان لأحببت أن أصبر على حالي ولا يمسني رجل أجنبي: قراءة القرآن، وخدمتي لك ولأولادك. ما أعظم شموخ المرأة المسلمة بعزتها وعفافها..! وما أجمل أن تُرى المرأة مصونة فخورة بحشمتها..! أكرم به من إيمان يتجلّى في صورة عملية صادقة بعيدة عن التكلف أو التنطع، سالمة من الرياء وشوائب الهوى..! فأين أولئك النساء اللواتي كسرن طوق الحياء، وأسلمن أنفسهن لدعاة الرذيلة وأدعياء المدنية، وأصبحن يلهثن وراء شهواتهن، ويتبارين في التفسخ والانحلال .. أين هن من تلك المرأة العفيفة الطاهرة؟ ! ولَكَم يتفطر القلب أسىً وحزناً على أولئك الفتيات الزهراوات اللواتي طاشت بهن الأهواء، وأسلمن أنفسهن بكل غفلة وبلاهة لكل ناعق..؟ ! إنّ الحياء شعبة من شعب الإيمان، وعنوان من عناوين العفة والفضيلة، تقوم قواعده على أُسس راسخة من التقى، وأصول متينة من الصلاح، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (الحياء كله خير) [١] . بل عظّم النبي صلى الله عليه وسلم من شأنه فقال: (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) [٢] . ويُتأكّد ذلك في حق المرأة، فسِترها رمز حيائها، وحجابُها دليل كرامتها. وإذا اختلّ حياء المرأة تزلزلت أقدامها، وعصفت بها الفتن، وأصبحت سلعة رخيصة تباع بأبخس الأثمان، ويعبث بها دهاقنة الفساد، وأئمة الهوى، (وليس لمن سُلِبَ الحياءَ صادّ عن قبيح، ولا زاجر عن محظور؛ فهو يُقدم على ما يشاء، ويأتي ما يهوى) [٣] . وقديماً قال الشاعر: فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاءُ

стр. 3074

المسلمون والعالم مأساة مسلمي كوسوفا وواجبنا نحوهم صفوت وصفي تقع كوسوفا في الجزء الجنوبي من البلقان يحدها من الشمال والشرق (صربيا) ومن الجنوب الشرقي (مقدونيا) ومن الجنوب (ألبانيا) ومن الغرب والشمال (الجبل الأسود) . فتحها العثمانيون عام ١٣٩٣م، وكانت مركزاً للمسلمين؛ فنشروا الإسلام فيها حتى أصبح المسلمون فيها ما يقارب ٩٥%، وبعد الحرب العالمية الثانية كانت جزءاً من يوغسلافيا، وأعطيت حكماً ذاتياً عام ١٩٧٤م، وألغي هذا عام ١٩٨٩م مع تغييرات جذرية لصالح الصرب، ويومها قال الرئيس (ميلوسيفتش) : إن معركة كوسوفا بدأت قبل ستة قرون وانتهت اليوم، ونحن مستعدون أن نضحي بثلاث مئة ألف مقاتل صربي لاستئصال الإسلام من سراييفو إلى مكة! وكان رد فعل المسلمين أن رفضوا هذا الظلم، وقرر البرلمان إعلان الاستقلال وأجريت انتخابات حضرها بعض المراقبين الدوليين ورُشّح إبراهيم روجوفا رئيساً؛ لكن الدولة الصربية واجهت ذلك بالحديد والنار، وعانى المسلمون كثيراً، وما تزال حالتهم منذ ذلك الوقت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم بسبب ما قام به الصرب من إجراءات عدوانية تمثلت فيما يلي: ١- إبعاد المسلمين وطردهم وتوطين الصرب مكانهم، وتشجيعهم على الاستيطان في كوسوفا، وبنيت الوحدات السكنية لهم، ومُنحوا الوظائف والرواتب المغرية بعد أن تم انتزاع أكثر من (٨٥٤) منزلاً من المسلمين أسكن فيها الصرب القادمون من (كرايينا) عام ١٤١٥هـ. ٢- صودرت الممتلكات والمؤسسات الكوسوفية، وطرد أكثر من ١٥٠ ألف عامل من وظائفهم من العمال والممرضين والأطباء، وأغلقت الجامعات والمدارس فعاش الإقليم أسوأ حال؛ وقد نتج عن ذلك مشكلات خطيرة من أهمها: * هجرة كثير من المسلمين إلى الغرب طلباً للعمل ولتوفير سبل العيش لأهليهم. * انتشار البطالة بين المسلمين، مما ينتج عنه كثير من الأخطار التي لا تخفى. * ظهور الأمراض المهلكة وانتشارها؛ لأن المؤسسات الصحية أخليت من المسلمين وصارت بأيدي الصرب. * ألغيت المدارس الألبانية، وفرضت المناهج الصربية، كما أُوقِف البث الإذاعي والتلفزيوني للمسلمين. * وُضعت عدة نقاط للتفتيش في أهم تقاطعات الطرق لإزعاج المسلمين وسحب هوياتهم إيذاءً لهم ودفعاً بهم للهجرة من بلادهم. * تطبيق سياسة التطهير العرقي والقتل بدون سبب لتهجير المسلمين رغماً عنهم. الغرب يتدخل ولكن بعد ماذا؟ عمل الجيش الصربي والشرطة الصربية على قتل المسلمين واستئصال شأفتهم، ونقلت وكالات الأنباء ما حصل من مآسٍ تقشعر لها الأبدان حتى استيقظ ضمير الغرب في جملة ما استيقظ فيه من أهداف فطالب في شخص (حلف الناتو) الحكومة الصربية بإيقاف القتل للمسلمين، وعدم تهجيرهم، وسحب قواتها الضاربة من كوسوفا؛ ولكن الرئيس الصربي رفض ذلك بدعوى أن الأمر مسألة داخلية خاصة؛ فشن حلف الأطلسي الحرب ضده حفاظاً على مصداقية الحلف، ولتدمير الآلة الصربية في كوسوفا وصربيا نفسها، وضرب البنية التحتية للدولة الصربية بما فيها العاصمة (بلجراد) ومدنها الرئيسة. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا قامت هذه الحرب؟ وهل هي لنصرة المسلمين المستضعفين وتحقيق العدالة، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ * الحقيقة: أن الغرب الأطلسي ومركز ثقله (الأمريكي) يرى نفسه المهيمن على إدارة الشؤون العالمية، وأنه وحده المحتكر للتوازن الاستراتيجي العالمي، ويرفض الخروج عن هذا الاتجاه لأي متمرد، لا سيما في منطقة نفوذه. * إن الغرب بحاجة إلى ساحات حرب حتى ولو كانت مفتعلة؛ لتجريب آلاته العسكرية الجديدة ولو على رؤوس الآخرين ما دامت فلسفته تقوم على أن الغاية تسوّغ الوسيلة. * الحيلولة دون أي تجمع جديد يعيد أسطورة (حلف وارسو) لإبقاء سياسة القطب الواحد، لا سيما أن دعوى تجميع الصرب والسلاف في حلف واحد أمل تدعو إليه الأحزاب نفسها، ومن ثم؛ فإن هذه الحرب الهمجية ليست في صالح المسلمين في المنطقة؛ بل إنها ضدهم؛ والدليل على ذلك ما يلي: إن مسلمي كوسوفا نالوا من القتل والتهجير والتدمير الصربي أكثر مما كان قبل هذه الحرب. لقد شُرد المسلمون وشُتت شملهم في مختلف الديار؛ مما يوحي بصعوبة عودتهم إلى ديارهم إلا ما شاء الله. إن هؤلاء المسلمين أصبحوا فريسة سهلة المنال لجمعيات التنصير التي استغلت هذه المأساة، ولا سيما في تنصير الأطفال والشباب والنساء الذين عاشوا الجوع والفزع والإرهاب. فقد المسلمون ممتلكاتهم، واستُغلوا حتى من الدول المجاورة التي ساومتهم على الدخول بمقابل، ولا سيما من عصابات المافيا وغيرها. أقفلت المدارس الألبانية وبخاصة في (مقدونيا) دون غيرها، وجعلت ملاجئ للمسلمين المشردين. إن هذه الحرب المأساوية قد كشفت عن أبعاد خطيرة في واقعنا الإسلامي من أهمها: ضعف الولاء والبراء بين معظم المسلمين؛ حيث أصبح الانتصار لإخواننا المنكوبين ضعيفاً؛ بل وجدنا من المحسوبين على الإسلام من ينتصر للصرب النصارى ضد إخوانه المسلمين. إن الموقف الذي وقفه السوفييت والسلاف مع إخوانهم أرثوذكسيي يوغسلافيا أشجع وأقوى من مواقفنا مع إخواننا المسلمين. ونحن الذين قال الله فينا: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] ، فأين العاطفة الإسلامية؟ وأين الرابطة العقدية بيننا؛ ونحن نرى الدعم لإخواننا أضعف من الحد الأدنى؟ ! إن الحرب الجائرة التي شُنّت ضد الجمعيات الخيرية الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي وغيره بدعوى أنها جمعيات إرهابية، قد ظهر لكل عاقل منصف أنها حرب صليبية يشارك فيها أناس محسوبون على الإسلام ولا تريد لهذه الجمعيات أن تؤدي رسالتها الدعوية والإغاثية ليفتح المجال للجمعيات التنصيرية حتى في ديار الإسلام. ضعف الدول الإسلامية تمثل في الموقف الانهزامي أمام الصرب، وعدم جُرأة أكثر الدول الإسلامية على استدعاء سفير الصرب لديها ولو للاحتجاج على ما تقوم به حكومته من جرائم في حق المسلمين! ثم ماذا.. الحرب البلقانية دائرة بين عزم حلف الأطلسي على تأديب (ميلوسيفتش) أو القبول بشروط الحلف وإصرار الزعيم الصربي على المقاومة واستثارة الروح المعنوية لدى الصرب والسلاف ومحاولات توريط (روسيا) في الحرب التي لمح الروس في البداية إلى إمكانية قيامها مما يهدد بحرب عالمية ثالثة تأكل الأخضر واليابس. والذي يظهر أن الحرب لن تنتهي بسهولة رغم المبادرات التي طرحت لإيقافها وحفظ ماء وجه الطرفين، وإذا سلمنا جدلاً بأن وفاقاً دولياً قد يحصل فإن ما بعد الحرب سيكون أكثر تعقيداً لا سيما في إعادة المسلمين إلى ديارهم، وبناء ما دمرته الحرب، وإعطائهم الحكم الذاتي على الأقل؛ ولربما يكون الرابح الوحيد في الحرب هو الزعيم الصربي وحده الذي جعلته الحرب بطلاً قومياً على حساب المسلمين المغلوبين على أمرهم! دعوة عاجلة لكل مسلم غيور: ١- في الجانب الإغاثي: * ضرورة العمل وبكل سخاء من كل مسلم قادر لمد يد العون لصالح مسلمي كوسوفا؛ فإعانة المنكوب وإغاثة الملهوف واجب شرعي يجب أن ينهض إليه المسلمون بكل صدق. * قطع الطريق على المؤسسات التنصيرية التي استغلت هذه الفرصة السانحة لبث سمومها كالعادة. * الدعاء لإخواننا في الصلوات وفي الأذكار بأن يمدهم الله بعونه ونصره. ٢- الجانب الدعوي والتعليمي: * تفعيل دور المدارس والملاجئ التي أقامتها المؤسسات الدعوية الإسلامية لتقوم بدور الرعاية للمسلمين الذين شتتوا أو هجروا ظلماً وعدواناً. * إقامة الدورات التعليمية ودورات التوجيه للمسلمين هناك؛ لإحياء العقيدة في قلوبهم، ولتوعيتهم بدينهم وبما يخطط ضدهم من أعداء الإسلام. * إقامة المخيمات وتوزيع الكتب والأشرطة الإسلامية بلغات إخواننا هناك خاصة التي لها أثرها الكبير في توعيتهم وربطهم بدينهم. * إن عناية إخوانهم بهم وحرصهم عليهم يشعرهم برابطة العقيدة التي تربطنا بهم مما يجعلهم يشعرون بأننا إخوانهم المسلمون قلباً وقالباً.

стр. 3075

المسلمون والعالم صراع بين كنيستين الخلفية الدينية لضرب الصرب عادل أحمد الماجد منذ جاء (بولس) اليهودي عام ١٧٠م وما أدخله من وثنيات وفلسفات قديمة على النصرانية، والصراعُ بين كنائس النصارى على أشده؛ فما تسكن حرب إلا وتشتعل أخرى. فعندما اعتنق قسطنطين (٢٨٠-م ٣٧٧م) إمبراطور الرومان المسيحية المحرفة سعى إلى حمل النصارى على القول بالتثليث؛ فكان مجمع نيقية ٣٢٥م الذي جمع له قسطنطين مئات الأساقفة والكهنة ليعرض المسيحية كما حرفها بولس اليهودي؛ فأقرّ الرومان بسلطة قسطنطين وعقيدة التثليث في ذلك المؤتمر، ثم عمموها في الآفاق؛ رغم أن الأريوسيين ذهبوا إلى أن المسيح إنسان مخلوق من العدم فنفاهم قسطنطين) [١] . وعاد (إريوس) واتباعه الموحدون إلى رد الوثنية والقول بالتوحيد، فعُقد مجلس للمناظرة برعاية قسطنطين يضم أصحاب التثليث (اثناسيوس واتباعه) وأصحاب التوحيد (إريوس وأنصاره) وانتهت المناظرة بحكم ظالم على الموحدين وحكم على (إريوس وأنصاره) باللعنة والحرمان، وصدر مرسوم إمبراطوري يأمر بحرق كتب إريوس جميعها، ويجعل إخفاء أي كتاب منها جريمة يعاقب عليها القانون [٢] . بهذه الحدة كان الصراع الكنسي في قرونه الأولى، وهو يزداد جيلاً بعد جيل؛ فها هو أسقف الكنيسة القسطنطينية (فوسيوس) في بداية القرن التاسع الميلادي يعلن تمرده على بابا روما ويخالفه في السيادة بل واعتقاد ألوهية المسيح الذاتية، وعزل على أثرها (فوسيوس) ولكنه عاد إلى منصبه عام ٨٧٩ م ليعلن انفصال كنيسة القسطنطينية عن كنيسة روما، وتبدأ عندها الحرب الضروس بين الكنيسة الشرقية (الأرثوذكس) والكنيسة الغربية (الكاثوليك) وكل منهما لا تعترف بالأخرى [٣] . وخلال الفتح الإسلامي كانت القرى الأرثوذكسية تنضم إلى الجيوش الإسلامية نكاية بالكاثوليك الذين أذاقوا الأرثوذكس ويلات العذاب، وتم فتح الشام بالحرب والقتال، بينما تم فتح مصر بسلاسة عجيبة؛ لأن أقباط مصر كانوا واقعين تحت ظلم الكاثوليك حتى أعلنت الكنيسة المصرية انفصالها عن كنيسة روما. ولما جمعت أوروبا الغربية (ذات الجمهور الكاثوليكي) قواها لغزو الأرض الإسلامية فيما يُعرف بالحروب الصليبية لم تساندها الكنيسة الشرقية، وتكرر الغزو دون أثر للأرثوذكس؛ لأن الكنيستين كلاً منهما تكفر الأخرى ولا يشعر أي منهما بالانتماء للآخر. ومن يقرأ تاريخ أوروبا الحديث يدرك أن التحالفات الأوروبية والحروب تتم وفق المذاهب الدينية؛ ومن أمثلة هذه الحروب (حرب القرم) التي يقول عنها مؤلف كتاب: (تاريخ أوروبا في العصر الحديث) (فيشر) : قامت حرب القرم نتيجة نزاع شجر بين رهبان الكنيستين: الأرثوذكسية والكاثوليكية في: أيهم أحق بحراسة بعض الأماكن المقدسة المسيحية في بيت المقدس. وكان قيصر روسيا يعاضد تعضيداً قوياً المطالب الأرثوذكيسية [٤] ، وذلك في عام ١٨٥٤م. وعن موقف فرنسا قال: (وقفت فرنسا في هذه الحرب في صف إنجلترا تشد من أزر تركيا) [٥] . وحاول ملك النمسا العظمى أن يجمع المذاهب تحت قبة برلمان واحد؛ ولكن لم يطب لأهل ألصتر (الأرثوذكسية) أن يجلسوا في برلمان قومي أغلبيته لأهل الجنوب الكاثوليك [٦] . بل إن التيارات المعاصرة رغم ما تحمله من إلحاد وكفر بالكنيسة من نظرية داروين إلى فلسفات هيغل ونظريات ماركس وغيرها من الوجودية والحداثة وعشرات النظريات لم تستطع أن تصهر الكنيستين، وظل الأرثوذكسي أرثوذكسياً والكاثوليكي كاثوليكياً. في عام ١٩١٧م جاء الشيوعيون ليوسعوا الاتحاد السوفييتي على أنقاض القيصرية الروسية؛ فجاؤوا بإنكار الأديان؛ بل رفعوا شعار: (الدين أفيون الشعوب) ! ! ومنعوا حتى الاعتقادات الشخصية والعبادات العملية، وقامت تبعاً لذلك انقلابات شيوعية في كثير من دول العالم لا سيما دول أوروبا الشرقية؛ فهل انتهى الصراع الكنسي المرير؟ ! لا؛ لم ينته! حتى أولئك القادة الشيوعيون الحمر في موسكو لم ينسوا أنهم أرثوذكس عليهم أن يقوموا بواجب الحماية لشعوبهم الأرثوذكسية! ! ففي الخمسينات الميلادية حدث في دولتين شيوعيتين تمرد على المرجعية في موسكو: الأولى في يوغسلافيا من القائد (تيتو) حتى صار (تيتو) من قادة حركة عدم الانحياز، فاخذت موسكو موقفاً مسالماً لهذه الفعلة، وبارك الغرب أيضاً هذا التمرد رغم جبروت (تيتو) وقتله لآلاف المسلمين وفرض التغيير حتى في الأسماء التي ترمز للإسلام، ولم نرَ إنكاراً ولا تدخلاً ولا صواريخ كروز! وبعد ذلك بعامين تشجع (إيمري ناج) قائد المجر الشيوعي على الاستقلال عن موسكو؛ ولكن ولحظه السيئ اقتحمت القوات الروسية المجر في ست ساعات، قُتل على أثرها آلاف المجريين وأعدم عشرات العسكريين. أما لماذا تغير الموقف من البلدين في موسكو؟ فالسبب بسيط جداً وهو أن أغلب اليوغسلاف أرثوذكس بينما المجر دولة من (الكاثوليك) . ويتكرر التمرد في الستينات، ويتمرد (نيكولاي تشاوشيسكو) زعيم رومانيا القوي على موسكو، فلا أثر لمدرعات وطائرات موسكو.. فرومانيا دولة (الإخوة الأرثوذكس) بينما لم يمر تمرد (دوبتشك) في تشيكوسلوفاكيا الكاثوليك بسلام، واستيقظ الناس على خبر دخول القوات الروسية إلى تشيكوسلوفاكيا بالدبابات التي نقلت جوياً لتسحق الناس العزل تحت المجنزرات. ولم ينس العالم ربيع براغ ١٩٦٨م. إن عشرات القرون من الصراع لا تخمده النظريات الجديدة ولا الاعتقادات حتى ولو رفعت الشعارات وتغيرت البيانات. وقد دعم الغرب أمريكا وبريطانيا وألمانيا وهي دول ليست كاثولوكية دعموا المجاهدين الأفغان لإنهاك الاتحاد السوفييتي، وبذلت المخابرات الغربية كل جهد للإجهاز على الدب الروسي المترنح بعد أن أُنهك اقتصادياً بحرب النجوم والصواريخ طويلة وقصيرة المدى في أوروبا، وبعد سقوطه أذاقه الغرب مرارة الذل بعد أن صارع الجوع سنين عديدة، وكان على الغرب أن يبدأ بمدد إغاثي للشعب؛ لأن الحزب الشيوعي العنيد سقط، ولأن روسيا اتخذت النظام الغربي: حيث فتحت السوق، وخصصت القطاعات الحكومية، وأقرت الملكية الفردية، وانتقلت من الحزب المركزي إلى الانتخابات والأحزاب، وأوقع الغرب روسيا في دوامة الديون والعصابات والمافيا. وبقي الحصن الأخير القوي (الصرب) في يوغسلافيا، تلك الأمة التي آثرت الحياة في عباءة الإسلام قروناً مؤثرةً عدل المسلمين على ظلم الكاثوليك، بل شارك الآلاف من الصرب في جيوش الدولة العثمانية ضد الغرب كما في الحرب ضد مملكة النمسا، والحرب العالمية الأولى. وسنحت الفرصة الآن لضرب هذا المعقل بعد أن تحققت أمور عدة: ١- ضعف روسيا وعجزها عن أي مساندة للصرب. ٢- انفصال كرواتيا واستوانيا الكاثولوكيتين عن يوغسلافيا. ٣- انفصال البوسنة والهرسك عن يوغسلافيا لضمان أن الصرب سيقاتلون على جبهة واحدة هي كوسوفا. وكان للمخابرات الأمريكية دور كبير في تأخير ثورة الألبان في كوسوفا عن انتفاضة مسلمي البوسنة؛ وذلك لترتيب المنطقة لضرب الصرب دون أن يكسب المسلمون شيئاً. وقد كان من المنطق والحنكة السياسية أن يثور الألبان في بداية التسعينات الميلادية تزامناً مع إخوانهم في البوسنة لتحقيق المصالح الآتية: ١- فتح جبهة جديدة على الصرب مما يصعّب عليهم المهمة في كلا الجبهتين. ٢- حصول الألبان على حل قضيتهم متزامناً مع حل مشكلة كرواتيا والبوسنة مما يعطيها دعماً سياسياً وعالمياً. ٣- استغلال حكم (صالح بريتشا) لألبانيا المجاورة لجعلها باكستان أخرى لأفغانستان جديدة بدل انتظار انتصار الحزب الاشتراكي الألباني (الموالي للصرب) بعد الأحداث الدامية. ولكن المخابرات الغربية والأمريكية بوجه خاص أرادت ضرب عدوين في آن واحد؛ فكيف لهذه الحرب أن تقر استقلالاً للألبان وهي التي قالت بعبارة صريحة: لا لاستقلال كوسوفا.. ولا للاتحاد مع ألبانيا، ولكن حكم ذاتي موسّع. وهل سيقف الصرب مكتوفي الأيدي والحلفاء يُسقِطون عليهم أطناناً من المتفجرات؟ لا شك أنهم سينتقمون أشد الانتقام، ولا أظن أن الوضع في كوسوفا سابقاً أسوأ من الوضع الآن، وسنوات الظلم السابقة ستأتي سنوات أشد منها إظلاماً وظلماً بسبب السير وراء كلمات الغرب المعسولة عن الحرية والكرامة! ويتضح الجانب الديني أكثر في ضرب الصرب من خلال الاطلاع على مواقف بقية دول العالم النصراني من الضربة الأطلسية؛ فاليونان وروسيا ورومانيا ضد هذه الضربات؛ وكلها شعوب أرثوذكسية؛ بينما تقف الدول الكاثولوكية ومن ورائها البروتستانت موقفاً مؤيداً لهذه الضربات. فهل ما يحدث الآن هو مقدمة لفترة من التنافس الاستعماري بين جناحي النصرانية؟ ومما يؤسف له أن المسلمين هم مادة هذا التنافس وضحيته. ولو كانت قضية الغرب هي الظلم فقط؛ فإن الشعوب والأقليات المظلومة كثيرة، ولا سيما المسلمون الذين يسحقون في دول عدة: في بورما، وفي ليبيريا، وفي الفلبين، وفي كشمير، وفي فلسطين وغيرها؛ فأين الأمم المتحدة؟ وأين أمينها العام؟ وأين حلف شمال الأطلسي؟ وأين (بي ٥٢) وصواريخ كروز وطائرات الشبح؟ !

стр. 3076

جنوب السودان بين خياري الوحدة والانفصال يوناس بول دي منيال الأمين العالم للرابطة الإسلامية لجنوب السودان يظن كثير من الناس أن جنوب السودان تغلب فيه الطوائف النصرانية منذ القدم، وهذا ظن خاطئ؛ فالجنوب السوداني لم تكن فيه حتى العام ١٨٩٨م ديانات إلا الإسلام والوثنية، وهذا التاريخ هو تاريخ الاحتلال البريطاني لمصر والسودان الذي جاء بعد النهاية المأساوية للثورة المهدية في (كررى وأم دبيكرات) . فالجنوب لم يشهد حركة تبشيرية منظمة قبل الاحتلال الإنجليزي والوجود المصري، وكذلك لم يشهد حركة دعوية نشطة قبل أو بعد الاحتلال، على الرغم من أنه كان هناك أفراد من بعض القبائل الرئيسة الجنوبية قد اعتنقوا الإسلام، وخاصة أثناء الحركة المهدية، وكثير من هؤلاء أكرهوا على الإسلام في الحقيقة، وكان لذلك أثره على نظرة مواطن الجنوب للإسلام؛ حيث ارتبط في أذهانهم بعنف الثورة المهدية، وارتبط كذلك بحملات الرق التي حفرتها في ذاكرتهم الخلفيات التاريخية. دور الغرب في مشكلة جنوب السودان: لقد خضع السودان لحكم ثنائي بين مصر وإنجلترا بعد الاحتلال، وثُبّت هذا الوضع بتوقيع اتفاقية بين البلدين بواسطة المندوب البريطاني (اللورد كرومر) ، ووزير الخارجية المصري آنذاك بطرس غالي (الجد) ، وقد وُقّعتْ تلك الاتفاقية في يناير ١٨٩٩م، وبعدها شرع الإنجليز في بذر بذور الفتنة في السودان بممارسة سياسة، (فرّق تسد) التي بمقتضاها تم تقسيم السودان إلى مناطق إدارية منعزلة بعضها عن بعض، بما في ذلك الجنوب. فلما بدأ القرن العشرون، (١٩٠٠م) بدأ المستعمر في رسم سياسات خاصة بالجنوب، كانت مدعاة لإثارة الريبة؛ فقد فتحت الأبواب على مصاريعها أمام حركات التنصير الأجنبية التي تمثلها جمعيات من أوروبا وأمريكا، وبرز ذلك جيداً في العام ١٩٠٢م، ولكن هناك مشكلة نشأت بعد الممارسات التنصيرية في أنحاء الجنوب السوداني الواسع، وتلك المشكلة هي الاختلافات بين توجهات تلك الجمعيات التي تديرها كنائس متنافسة، وأحياناً متنازعة. ولحل تلك المشكلة قسم المستعمر أرض الجنوب إلى مناطق نفوذ بين تلك الجمعيات أو بين تلك الكنائس، وقد زادت هذه الأحوال أوضاع الجنوب سوءاً؛ إذ إنها كرست التفكك والتشرذم بين أبناء الجنوب، بل بين أبناء القبيلة الواحدة؛ حيث كانت القبيلة الواحدة كثيراً ما تتنازعها حركات وجمعيات شتى، حتى إن البطن من القبيلة كان يمكن أن تقسم الوصاية عليه بين كنيستين! فمثلاً: قبيلة (الشلك) أسند بعضها إلى إشراف كنائس الكاثوليك، بينما أسند البعض الآخر إلى كنائس البروتستانت. ولا شك أن الجنوبيين كانوا في حاجة شديدة إلى النشاط التنصيري، لا لقناعتهم بجدارة الشرك الصليبي في أن يحل محل الشرك الوثني، ولكن لافتقارهم الشديد إلى ما تقدمه تلك الحركات التنصيرية من خدمات تعليمية وصحية واجتماعية. يضاف إلى هذا أن الحكومة البريطانية كانت تدعم تلك الحركات بالمال والحماية الأمنية. وباختصار، وبعبارة أخرى: كان الوثنيون الجنوبيون يدخلون النصرانية لا على أنها بوابة للآخرة، ولكن على أنها نافذة إلى الدنيا التي كانوا يعانون الحرمان من أبسط مظاهرها. وماذا عن المسلمين؟ لقد كان في الجنوب مسلمون كما سبق أن قلنا ولكن هؤلاء امتنعوا عن قبول عطايا المنصرين؛ لأنهم كانوا يعلمون بأنها مشروطة بشرط باهظ؛ وهو: التنصّر! لهذا أحجم المسلمون حتى عن إدخال أبنائهم المدارس التنصيرية، ومن ثم تفشت الأمية في أوساطهم، ومَنْ قَبِلَ منهم أن يستفيد من خدمات المنصرين؛ كان أمره يؤول في النهاية إلى الانسلاخ عن الإسلام، أو الذوبان في شخصية الأعداء، وكان من مصلحة المستعمر أيضاً أن يرسخ القبلية، حتى تكون عائقاً أمام قبول الإسلام، وقد خطا المستعمرون في سبيل ذلك الكثير من الخطا الماكرة التي كانت تصوغ الحاضر لصالح حفظ المستقبل ... وهذا المستقبل هو حاضر السودان الآن! ومن تلك الخطوات الماكرة: تشجيع وترسيخ العادات القبلية، وخاصة التحاكم إلى أعراف القبيلة دون غيرها، وتشجيع اللغات واللهجات القبلية لقطع الطريق أمام انتشار اللغة العربية، وفي الوقت نفسه كانت سلطات الاحتلال تبذل جهودها في سبيل تشجيع اللغة الإنجليزية في موازاة محاربة وتشويه كل ما يمت إلى العربية والعروبة بصلة، سواء كان بالهجوم على اللغة العربية تارة، أو الزي العربي، والعادات العربية تارة أخرى. كل هذا فضلاً عن الهجوم على الإسلام الذي حرصوا على أن يصوروه على أنه دين عربي! وقد عمّق كل هذا الشعور بين الجنوبيين بالنفور من أي شيء يأتي من جهة العرب، فما الحال إذا كان هذا الآتي هو الدين والعقيدة؟ ! لقد عملوا أيضاً على إخلاء الجنوب من العناصر الشمالية المسلمة، ولو كانت غير عربية، فمسلمو غرب إفريقيا مثلاً؛ لم يكن يسمح لهم بالبقاء في الجنوب السوداني، في الوقت الذي كان المستعمر يشجع بقاء اليونانيين والنصارى السوريين وغيرهم، حتى الأعمال التجارية؛ كان الإنجليز يضيّقون فيها على التجار المسلمين، حتى لا يتأثر الوثنيون بمعاملتهم فيدخلوا في الإسلام. والأعجب من هذا وذاك، أنه حتى الكنائس التي كانت لها صلة باللغة العربية مثل الكنيسة الشرقية والقبطية كانوا لا يسمحون لها بأن تزاول نشاطاً في الجنوب. ولهذا فإن مثل تلك الكنائس التي تدعو إلى النصرانية باللغة العربية لا يُرى لها وجود في الجنوب السوداني إلى اليوم، في حين أن لها نشاطاً في المناطق الشمالية. ولم يكن هدف المستعمر الإنجليزي من وراء تلك الخطوات محاربة الإسلام والعروبة فقط، بل كان يهدف أيضاً إلى فصل الجنوب؛ ليكون تابعاً لمستعمراته الأخرى في شرق إفريقيا، وخاصة يوغندا وكينيا، لتضمن تلك المناطق مجتمعة لإنجلترا مخزوناً استراتيجياً للموارد الطبيعية؛ ولكن ذلك الهدف الأخير لم ينجح، وتعرقل المشروع الإنجليزي المتطلع إلى اقتطاع مستعمرة كبرى من إفريقيا خاضعة له بشكل مباشر. وبرزت مظاهر هذا الإخفاق في تفاقم ظهور المشكلة بين الشمال المنتمي إلى الإسلام والعروبة، وبين الجنوب الزنجي الباحث عن هوية بديلة للوثنية. لقد أوجد المستعمر الفجوات ووسعها بين الشمال والجنوب، وانتجت سياساته ثقافة تقوم على المضادة بينهما، والمضادة بين الإسلام والمسيحية، والعروبة ضد الإفريقية. وظل الأمر على هذا في ظل تسلط الكنائس المتباينة، ومع استمرار تلك الفرقة والشقاق، نشأ صراع بين الجنوب والشمال، ليس بسبب الاختلاف في الدين فحسب؛ ولكن بسبب الاختلاف العرقي الذي أزكى المستعمرون ناره، حتى لم يكن الشعور بالنفور مقصوراً على المنصّرين أو الوثنيين، بل تعمقت الجروح عند المسلمين الجنوبيين أنفسهم، وتفجرت أحداث دامية في الجنوب عام ١٩٥٥م أي قبل الاستقلال بتحريض من الكنائس ووجدت حركة تمرد شديدة، واللافت للنظر هنا أن القيادات السياسية لهذا التمرد كانوا من المسلمين الجنوبيين، وليسوا من النصارى! واختارت الحكومة في عهد الفريق عبود الحسم العسكري سبيلاً للتخلص من التمرد دون أن تتفهم دوافعه الحقيقية، مما زاد المشكلة تعقيداً وعمقاً، وجردت حملات عسكرية إلى الجنوب، كان العسكر لا يفرقون فيها بين المواطن المسالم والمتمرد، مما اضطر الكثيرين للانضمام لقوى التمرد، ليس على سبيل القناعة بها، ولكن هرباً ودفاعاً عن النفس والممتلكات. وهاجر كثير من الجنوبيين إلى دول الجوار. واستغلت الكنائس الأجنبية التنصيرية الفرصة فنظمت معسكرات لمن أدخلتهم في النصرانية، وأخذت تعد شرائح من المتمردين إعداداً قوياً، بإلحاق عناصر منهم بالمدارس والجامعات، وإعداد عناصر أخرى إعداداً عسكرياً، وعندما شعر أرباب الكنائس أن الأمور تسير حسب مرئياتهم، سعوا إلى إبرام اتفاقية بشأن الجنوب، وهي اتفاقية (أديس أبابا) عام ١٩٧٢م التي أبرمت تحت رعاية إمبراطور إثيوبيا السابق (هيلاسلاسي) . وكانت أطراف الاتفاقية هي: مجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس إفريقيا، ومجلس الكنائس السوداني، ولم تحضر أي جهة إسلامية! لقد تطور الأمر بعد ذلك عبر سنوات طويلة، حتى آل إلى الحال الراهنة التي يقف فيها الجنوب الزنجي المُنصّر مقاتلاً ضد الشمال العربي الإسلامي، وتشكل ما يُسمى بالجيش الشعبي لتحرير السودان، وسعى الغرب من خلال وسائله المتعددة لدعم حركة التمرد بالمال والعتاد والتدريب والمعلومات بصورة مباشرة، وسخرت عواصم بعض الدول وكذلك التجمعات الإقليمية لعمل سيناريوهات لسلام مزعوم، وتم إقناع النيجيريين بدخول (لعبة السلام) وأجريت عملية دعاية إعلامية دولية مجانية لإبراز قضية الجنوب، والمناداة بدولة مستقلة عاصمتها (جوبا) وعقد الاجتماعات والمؤتمرات في أكثر العواصم الإفريقية بخصوص تلك القضية؛ لإعطائها دفعاً واستمراراً من القوى الصليبية في العالم، ولا ننسى هنا زيارة (البابا) يوحنا بولس الثاني، الذي قام بزيارة إلى السودان، وقد حث فيها الجنوبيين على الثبات في طلب الحرية! لقد ألقى الغرب بثقله، وعلى مستوى عالٍ جداً في القضية، حتى إن رئيساً سابقاً لأكبر دولة في العالم وهو الرئيس الأسبق (جيمي كارتر) قام بزيارة خاصة للسودان من أجل بحث موضوع الجنوب، وتكررت الزيارات من المسؤولين الغربيين، وكان آخرها الزيارة التي قامت بها (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجية الأمريكية لدول جوار جنوب السودان. ولا تستهدف هذه التحركات النشطة والمستمرة، سوى زعزعة استقرار الإسلام في السودان كله، وليس في الجنوب فحسب. إنهم يتحركون بدعوى حماية النصارى في الجنوب، مع أن الإحصاءات الكنسية نفسها تقول إن ١٧% فقط من السكان من النصارى في حين أن نسبة المسلمين تصل ١٨%، أما البقية (٦٥%) فهم لا يزالون وثنيين على حسب إحصاءات عام ١٩٨٢م. دور الحكومات السودانية المتعاقبة في مشكلة السودان: كان جيش الاحتلال البريطاني جسماً غريباً عن السودان، غريباً بلغته وثقافته وفكره وسياساته ومنهاجه في الحكم، وبهذه الغرابة فرض على المجتمع السوداني سياسات ومرئيات لا تراعي طبيعة هذا المجتمع وتكويناته. وقد اجتمعت الأسباب لدى الشعب السوداني كله لمقاومة هذا الاحتلال، حتى تم ذلك بإنهائه وإعلان الاستقلال عام ١٩٥٦م. لكن المؤسف حقاً، أن أغلب الحكومات المسماة بالوطنية، منذ الاستقلال، قامت بالدور الذي كان يقوم به الاستعمار؛ فبعد خروجه انتهجت تلك الحكومات سياسته نفسها، وحاولت فرض وجهات نظرها ومشاريعها بالقوة على جنوب البلاد، دونما اعتبار لواقع التنوع العرقي والقبلي، وكانت سياسة فرض العروبة والإسلام مثالاً صارخاً على التعسف في الإصلاح. لا شك أنه كانت هناك جهود إصلاحية، ولكن سياسات التحيز كانت تفسد ثمرة تلك الإصلاحات، والسبب في ذلك أن النخبة الحاكمة في السودان كانت تنتمي على الدوام إلى مناطق بعينها خاصة من الشمال فكان الجنوبيون ينظرون إليهم على أنهم متعالون مستكبرون. وانبنى على ذلك شعور مستقر لديهم بأن الإسلام دين للعرب، ودين يفرض بالقوة، وأنه حتى المسلمون الجنوبيون ما هم إلا عملاء لهؤلاء العرب والمسلمين الشماليين. ولم تكن السياسات الخرقاء مع الجنوب حكراً على الجوانب الدينية والاجتماعية؛ بل امتدت إلى الجوانب الاقتصادية؛ فالنخبة الحاكمة في السودان ظلت حريصة على السيطرة على مقدرات البلاد الاقتصادية؛ بحيث لا تسمح لأحد من الجنوبيين بالشراكة في المسؤولية الاقتصادية مهما كانت كفاءته العلمية والعملية؛ وحتى لو كان من المسلمين. أما المؤسسات السيادية في الدولة، مثل وزارات الخارجية والدفاع وقيادة الجيش.. إلخ، فكلها حكر على الشماليين، وهم وإن كانوا يسمحون بتبادل المشاركة في إدارة الولايات بين أبناء الجنوب والشمال على مستوى المحافظين فإن مناصب وزارة الاقتصاد ووزارة المالية، لا يمكن أن تخرج عن المنتمين إلى أبناء الشمال، ومما يذكر أيضاً على سبيل الأسى والأسف أن النخب الحاكمة في الخرطوم، كانت طوال تاريخ السودان الحديث لا تعرف مفهوماً للعدالة ولا تطبيقاً لشعاراتها، فقط كانت الشعارات للاستهلاك المحلي والدعاية. لقد كان الظلم والجور هو سيد الموقف في الغالب الأعم من تصرفات الشماليين تجاه الجنوبيين بدوافع عنصرية، مما أدى في النهاية إلى تجذر الاختلافات وتشعبها، حتى ازدادت هذه الظاهرة وتضاعفت، خاصة بعد النمو المطرد في المستوى الثقافي والفكري والسياسي في المجتمع السوداني، بما أصبح معه السكوت على ذلك الغبن من الأمور المستحيلة. الجنوبيون بين خياري الوحدة والانفصال: لا تعدو الوحدة القائمة الآن بين شطري السودان أن تكون وحدة جغرافية سياسية، أما الوحدة بمعنى الالتحام والتكامل، فإنها لم تر النور بعد، وإن كان المستقبل يبشر بقيامها، خاصة بعد زوال كثير من العقبات. إلا أن هناك عقبة كؤوداً لا زالت تحول بين السودانيين وبين تحقق حُلم الوحدة بمعناها المقبول، وهذه العقبة هي العقلية التي لا تزال تتحكم في سياسات البلاد. قد يستغرب بعض الناس إذا قلنا إن هناك تياراً قوياً داخل الحكومة الحالية يؤيد الانفصال، ولا نذيع سراً إذا قلنا إن هناك رموزاً بارزة أصبحت تدعو الآن علناً إلى الانفصال، بل وتفاوض على ذلك! وهي تتفق مع أصحاب دعوات الانفصال في الجنوب من حيث المبدأ، وإن كانت تختلف في الحدود الفاصلة بين شطري سودان المستقبل! إن هؤلاء يسوّغون دعوتهم بأن تكاليف الوحدة أو بالأحرى الحرب من أجل الوحدة باهظة، وكذلك السلام بما يترتب عليه من مسؤوليات أو برامج باهظة التكاليف أيضاً. وعلى هذا فالحل الوحيد في نظرهم هو الانفصال؛ لأن النزاع سيظل قائماً ومستمراً بسبب الاختلاف على الأراضي والحدود. إن هؤلاء الداعين إلى الانفصال في دهاليز الحكم السوداني القائم، يتناسون أن الانفصال سيكون في صالح من يعملون لإقامة دولة في الجنوب فقط؛ فلهم وحدهم ستكون الثمرة، ولن يحدث ما يراهن عليه الواهمون من أن حرباً أهلية ستقوم بين قبائل الجنوب؛ فدعاة الانفصال في الشمال يتجاهلون أن وراء الجنوبيين الانفصاليين من يعمل لتنظيم وتوحيد جهودهم على أسس عنصرية ضد الشمال. لكننا نقول: إنه وعلى رغم المرارات التاريخية والمعاصرة التي عاناها السودانيون الجنوبيون، فليس من مصلحة الشمال ولا الجنوب الانفصال، بل الواجب درس معادلة للتعايش والتعاون والتكامل. والبداية لا بد أن تأتي من النخبة الحاكمة؛ فهي مطالبة بتغيير نظرتها للجنوبيين حتى لا تتهدد وحدة السودان؛ فهذه الوحدة ظلت مهددة منذ الاستقلال وحتى اليوم، ولا ينبغي الاتكال على الادعاء بأن هذه الوحدة قائمة؛ لأنها في الحقيقة ليست قائمة إلا على مفهوم الأرض، وهذا ليس كافياً، بل لا بد من سعي السودانيين جميعاً لإكمال الوحدة الحقيقية من خلال برنامج حكم اتحادي يتفق عليه جميع أهل السودان دون وصاية أو تدخل من قبل نخبة معينة؛ فهذا أفضل ضمان مستقبلي للصيغة الحضارية التي ندعو إليها في سودان المستقبل. والله الموفق

стр. 3077

حمَّى سنة ٢٠٠٠ الحلقة الخامسة ألفية بيت لحم أضخم تجمع نصراني ... ماذا وراءه؟ ! عبد العزيز كامل هذه الحلقات تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى شهور معدودة، ومن اللافت أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية التي يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود أفعال قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب الوقت من العام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل. وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها، ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها إن شاء الله في حلقات منفصلة. - البيان- حلول الألفية الثالثة بعد شهور؛ مستجد تاريخي كبير، يتحسب له سكان الأرض بعامة، ولكن المعنيين به بوجه خاص هم النصارى، وهم أكثر أهل الأرض اليوم من أصحاب الديانات السماوية (مليار ونصف) فالألفية مقترنة بالمسيح وهو نبيهم المرسل إليهم، وإذا كان قد قدم مُرسلاً منذ ألفي عام، فإن النصارى ينتظرون ألفاً أخرى يعيشون فيها في كنفه وتحت قيادته لدى مقدمه الثاني؛ فالألفية ليست ذكرى ميلاد فقط، وليست خصوصية زمان فحسب، بل هي بوابة عبور إلى مرحلة جديدة لعصر جديد تعتقد طوائف من النصارى: أن الأرض كلها ستخضع فيه لدين المسيح. ولكن المسيح العائد؛ لن يعود إلى روما أو واشنطن أو باريس، إنه سيعود إلى الأرض التي في أحضانها وُلد، وفي رباها تربى، وفي مناكبها سعى ودعا. إنها القُدس، فكم تساوي القدس لدى النصارى؟ وماذا تعني عندهم أرض المهد والعهد واللحد [١] ؟ ! إنها تعني الكثير. إن أتباع عيسى ظلوا ينظرون تاريخياً إلى اليهود على أنهم أعداء المسيح، المنكرون لدعوته والساعون في أذاه، واعتبر النصارى أنفسهم أوْلى برسالة موسى التي جاء عيسى مصدقاً بها ومتمماً لها، وآلت إليهم بمقتضى ذلك المقدساتُ التي دعت التوراة والإنجيل إلى تقديسها، أما اليهود فلم يعترفوا لهم بذلك بل كفّروهم كما كفّر النصارى اليهود. [وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ] [البقرة: ١١٣] . وما يعنينا هنا، أنه نشأ ارتباط وجداني وعقدي بالأرض المقدسة عند النصارى، جعلهم ينظرون إليها على أنها إرث المسيح لأتباعه، بعد أن دنسها اليهود وتسببوا في هدم هيكلها بإفسادهم مرتين كما دلت على ذلك سورة الإسراء. بل إن النصارى رفضوا أن يُطلق على القدس (صهيون اليهودية) بل أسموها مدينة العهد الجديد، واعتبروها (الوطن المقدس) الذي ورّثه المسيح لهم، واستودعهم إياه حتى يعود ثانية. وقد برهنوا تاريخياً على هذا الارتباط عبر عشرين قرناً مضت، اختلفوا خلالها في كل شيء حتى في ذات الإله ولكنهم لم يختلفوا على تقديس بيت المقدس خاصة مدينة (بيت لحم) التي فيها ولد المسيح، و (الناصرة) التي فيها ترعرع، ومكان قبره المزعوم في القدس. تاريخ من الضلال: كان من المفترض أن يسارع أتباع عيسى للدخول في دين النبي الذي بشر به عيسى تعظيماً واتباعاً لعيسى نفسه فيسلموا للرسول محمد ﷺ بالنبوة والرسالة كما طالبوا هم اليهود بذلك لعيسى، ولكنهم آثروا العناد فوقعوا في الضلال، وبسبب ضلالهم هذا فإنهم لم يعترفوا بأن المقدسات التي ورّثت لهم قد أورثها الله لقوم آخرين كانوا أحق بالحق منهم، ولم يعوا هذه السنة الإلهية التي سطرت في الكتب ونزل بها الوحي الخاتم على لسان موسى: [إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [الأعراف: ١٢٨] ، ولهذا؛ فقد ناطحوا الأمة الخاتمة في أرض بيت المقدس وما حوله منذ وقت مبكر من عمر الإسلام، بدءاً من غزوة مؤتة وتبوك في عصر الرسالة، ومروراً بعصر الخلفاء الراشدين في أجنادين واليرموك، وصعوداً إلى عصور الخلافة المتوالية، وخاصة في زمان الحروب الصليبية التي أثبتت أحداثها العظام أن القدس كانت هدفها الأول والأخير، وانتهاء بما حدث في احتلال فرنسا لمدينة دمشق حيث وقف الجنرال اللّنبي على قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً: (ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين!) . ولكن الحروب الصليبية كانت أبرز المعالم التاريخية الدالة على مركزية القدس في معتقد النصارى. نعم! فلأجل تلك المدينة خاضوا حروباً متواصلة تحت راية الصليب؛ لاستعادة القدس من أيدي أمة محمد ﷺ ، وكان هذا الصدام من أكبر الحروب في التاريخ كله؛ إذ استهدف توحيد أوروبا دينياً تحت زعامة البابوات، وتشكيل تحالف من كل عروش أوروبا للوقوف في وجه المسلمين في عُقر ديارهم. وقد بدأت تلك الحروب في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، واستمرت حتى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، أرسل الغرب خلالها أكثر من خمس عشرة حملة صليبية كبيرة إلى بلاد المسلمين، واشتركت فيها كل أوروبا النصرانية، ونجح الصليبيون خلالها في الاستيلاء على بيت المقدس وأقاموا مملكة فيها وسيطروا على المسجد الأقصى ورفعوا الصلبان على مآذنه نحو ثمانين سنة، ولم تخمد تلك الحروب إلا بعد أن تأكد للغرب، أن استمرار السيطرة على الأرض المقدسة أمر مستحيل في أرض محفوفة بالمسلمين من كل جانب. ثم طوى الزمان عبر قرون ممتدة أحلام أهل الصليب في التمكين للوثنية النصرانية في الأرض المقدسة، وانكفأت أوروبا في شواغلها وصراعاتها حتى جاء القرن السادس عشر الميلادي. انقلاب جديد في النصرانية: حدث هذا الانقلاب في القرن السادس عشر باسم الإصلاح والتجديد في الديانة النصرانية وعرف بـ (الحركة البروتستانتية) ، وغيّر هذا الانقلاب معالم الديانة النصرانية الدائمة التغيّر ولكن التغيير جاء هذه المرة لصالح اليهود، وكانت إطاحة هذه الحركة البروتستانتية بحق الكنيسة في احتكار تفسير الكتاب (المقدس) مفتاحاً للولوج إلى التفسيرات الحرفية للنصوص التوراتية فيما يتعلق باليهود، بل بدأت النصرانية تُخترق بالمفاهيم اليهودية وتختلط بها بعد أن ضم البروتستانت التوراة إلى جانب الإنجيل مصدراً أولياً وحرفياً للتلقي، خلافاً لما كان عليه الأمر خلال خمسة عشر قرناً خلت من عمر الديانة. ولم يأت القرن السابع عشر، حتى ظهرت نظرة غربية جديدة لليهود أعداء الأمس فقد دعا الحرفيون البروتستانت إلى ضرورة احتضان اليهود والتمكين لهم في العودة إلى الأرض المقدسة، على اعتبار أن مساعدتهم في ذلك سوف يعجل بمجيء المسيح عيسى ابن مريم إلى الأرض مرة أخرى؛ فالتفسيرات الحرفية للتوراة والإنجيل بعيداً عن تأويلات الكنيسة أظهرت لهم أن خلاصة اليهود سوف يدخلون في ديانة المسيح عندما يعود، وبقيتهم من غير المؤمنين به سوف يقتلون مع باقي أعداء المسيح، أما أتباع المسيح من النصارى ومن يلحق بديانتهم فسوف يعيشون مع المسيح في القدس مدة ألف عام قبل يوم القيامة، جاء في الإنجيل في سفر رؤيا يوحنا: (ها أنا آتي سريعاً، تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك، من يغلب فسأجعله عموداً في هيكل الله، ولا يعود يخرج إلى خارج، واكتب عليه اسم إلهي واسم مدينة إلهي: أورشليم الجديدة) [٢] وجاء فيه: (مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى، هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم، بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة، ثم متى تمت الألف سنة، يُحل الشيطان من سجنه) [٣] يعني يرتفع السلام عن الأرض، ويعود الشيطان للإفساد بين البشر. أما عن إيمان أعداد من اليهود بالمسيح عند مقدمه الثاني فيقول الإنجيل المتداول: (نادى الله الحي بصوت عظيم إلى الملائكة الأربعة الذين أعطوا أن يضروا الأرض والبحر قائلاً: لا تضروا الأرض ولا البحر ولا الأشجار حتى تختم عبيد الإله على جباههم، وسمعت عدد المختومين مئة وأربعة وأربعين ألفاً مختومين من كل سبط بني إسرائيل) [٤] . إذن فالعودة حسب هذه العقيدة النصرانية ستكون في (أورشليم الجديدة) وسوف تكون على رأس ألفية جديدة، وسوف تكون في زمان لليهود فيه وجود في الأرض التي سيعود إليها المسيح، فلا بد أولاً من عودة اليهود.. لكي يعود المسيح! عودة أم إعادة؟ ! تأييد نصارى الغرب لليهود في العصر الحديث، يرجع إذن إلى جذور في بنية التكوين الثقافي بعد حركة التغير البروتستانتي؛ بل لا يكون المرء مبالغاً إذا قال: إن الفكرة الصهيونية الحديثة ذاتها، ولدت في أحضان النصرانية البروتستانتية قبل أن يرفع هرتزل لواءها بقرون. قال (كينين) وهو أحد أبرز قيادات اليهود في أمريكا في كتابه (خط الدفاع الإسرائيلي) : (إسرائيل كانت أنشودة مسيحية، قبل أن تصبح حركة سياسية يهودية) فالبروتستانت النصارى هم الذين أقاموا الحركة الصهيونية، وشجعوا اليهود للالتفاف حولها، وحتى عندما تردد (هرتزل) في اختيار فلسطين وطناً تقام فيه الدولة اليهودية، أرسل إليه المبشر النصراني البروتستانتي (وليم بلاكستون) نسخة من التوراة موضح عليها المواضع التي تشير إلى أن اليهود سيعودون في آخر الزمان إلى الأرض المقدسة، فاقتنع هرتزل [٥] . وعندما عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام ١٨٩٧م كان من أبرز المشاركين فيه القس البروتستانتي (وليام هشلر) وقد دخل إلى قاعة المؤتمر بصحبة هرتزل وهتف بحياته قائلاً: (يحيا الملك يحيا الملك) ! وعندما جاء دوره في إلقاء كلمته خاطب الصهاينة المجتمعين قائلاً: (استفيقوا يا أبناء إسرائيل، فالرب يدعوكم للعودة إلى وطنكم في الأرض المقدسة) . وبقية القصة معروفة بعد بازل؛ حيث استلمت بريطانيا (البروتستانتية) فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، ثم أعطى وزير خارجيتها (بلفور) (البروتستانتي) لليهود وعداً بوطن قومي في فلسطين امتثالاً لنظرة العطف من حكومة صاحبة (الجلالة) (البروتستانية) ، ثم تخلت بريطانيا عن فلسطين بعد أن هيأتها لليهود خلال فترة الانتداب، ثم ساندتها حتى تم إعلان الدولة! فلماذا كل هذا الحماس الإنجليزي لإعادة اليهود إلى الأرض المقدسة؟ يجيب الزعيم اليهودي حاييم وايزمان عن هذا في مذكراته فيقول: (إذا سأل سائل: ما أسباب حماسة الإنجليز لمساعدة اليهود وشدة عطفهم على أماني اليهود؟ فالجواب على ذلك أن الإنجليز هم أشد الناس تأثراً بالتوراة، وتدين الإنجليز هو الذي ساعدنا في تحقيق آمالنا؛ لأن الإنجليزي المتدين يؤمن بما جاء في التوراة من وجوب إعادة اليهود إلى فلسطين، وقد قدمت الكنيسة الإنجليزية في هذه الناحية أكبر المساعدات) [٦] . أمريكا وعدوى البروتستانت: انتقلت تلك الحُمى إلى أمريكا مع الأنجلو ساكسون المهاجرين إليها، ومع تصاعد القوة الأمريكية في هذا القرن، تصاعد المد البروتستانتي، وتحول في العقود الأخيرة من عقيدة مذهبية إلى عُقد أصولية [٧] ، وفي أواخر السبعينات الميلادية، شهدت الساحة الأمريكية بروزاً لتيار أكثر تشوقاً داخل أتباع المذهب البروتستانتي الحرفي، وأطلق على هذا التيار: (الحركة الصهيونية المسيحية) ويُطلق عليهم أحياناً: (الإنجيليون اليمينيون) ، وانتساب هؤلاء إلى الصهيونية رغم نصرانيتهم، ليس غريباً على قوم يدينون بالتوراة التي تقدس جبل صهيون وما كان عليه من مقدسات، ولهذا فإنهم يتبنون الدعوة إلى الدعم المطلق لدولة اليهود من أجل تحقيق الطموحات الإسرائيلية أو التنبؤات التوراتية في الشرق الأوسط، ويأتي على رأسها السعي لتحقيق مشروع (إسرائيل الكبرى) و (القدس الكبرى) وإعادة بناء الهيكل؛ لأنه بكل بساطة سوف يكون مكاناً لدعوة المسيح في القدس التي ستصبح عاصمة له في معتقدهم. لقد بلغ التحول التاريخي في الغرب النصراني من اليهود ذروته في العقود الثلاثة الأخيرة ووقع هؤلاء في فتنة استدراج محكمة منذ أن احتل اليهود القدس في عام ١٩٦٧م، فقد صور لهم الشيطان هذا الحدث على أنه أعظم دليل على أن التوراة حق؛ لأنها أخبرت عن عودة اليهود إلى القدس، وأن الإنجيل حق؛ لأنه أخبر بعودة اليهود إلى القدس ... وما داموا قد عادوا إليها كما أخبرت الكتب؛ فلا بد أنهم سيتنصرون في النهاية كما أخبرت أيضاً. يقول: (هول ليندسي) في كتابه: (آخرة كرة أرضية) (قبل أن تصبح إسرائيل دولة، لم يكشف عن شيء، أما الآن وقد حدث ذلك، فقد بدأ العد العكسي لحدوث المؤشرات التي تتعلق بجميع أنواع النبوءات. واستناداً إلى النبوءات فإن العالم كله سوف يتمركز على الشرق الأوسط، وخاصة إسرائيل في الأيام الأخيرة) . أما الصراع الدموي التاريخي بين اليهود والمسيحية، فقد مسحته تلك النبوءات والأحلام المتحققة، وتحول أعداء المسيح إلى حلفاء، بعد أن برئوا من دمه. وإلى أصدقاء بعد أن أصبحوا علامة على قرب مقدمه. لقد تنامى هذا التيار (الصهيوني المسيحي) بشكل جارف في سنوات معدودة؛ فبعد نحو خمس سنوات من ظهوره في أواخر السبيعينيات الميلادية، كانت الإحصاءات تشير إلى ظهور نحو ٢٥٠ منظمة إنجيلية موالية لإسرائيل من مختلف التخصصات والواجهات، تعكس آراء ورغبات نحو ٤٠ مليون أمريكي إنجيلي [٨] ، وقد نجحوا في توسيع رقعة التأييد الشعبي المطلق لليهود إضافة إلى التأييد الرسمي وذلك عن طريق تنظيم المهرجانات للتضامن مع اليهود وتجمعات ما يسمى بـ (الوعي بإسرائيل) التي تقيمها الكنائس الإنجيلية، وبعض هذه المنظمات تنظم الجولات للأرض المقدسة، وبعضها يعد المطبوعات ويعقد المؤتمرات، وبعضها ينغمس في الدعم السياسي والمالي المباشر لدولة اليهود، ويقوم بمختلف عمليات الضغط سواء عن طريق استكتاب الرسائل، أو عن طريق وسائل الإعلام التي يعبرون فيها بقوة عن تأييدهم لإسرائيل. لقد غدا تحقيق أهداف (إسرائيل) من علاقتها بالغرب، هدفاً لهذه المنظمات، ولم يقصر الأمريكيون من النصارى الصهاينة في دعم دولة اليهود بكل مستطاع، حتى إن بنيامين نتنياهو عندما كان سفيراً لدولته في الأمم المتحدة خاطب جموعاً منهم في (٦ فبراير ١٩٨٥م) وقال لهم معترفاً بجميلهم وجميل كل النصارى تجاه اليهود: (لقد كان هناك شوق قديم في تقاليدنا اليهودية للعودة إلى أرض إسرائيل، وهذا الحلم الذي ظل يراودنا منذ ٢٠٠٠ سنة، تفجر من خلال المسيحيين الصهيونيين) وقال: (المسيحيون ساعدونا في تحول الأسطورة الجميلة إلى دولة يهودية) ، وأضاف: (إن الذين يستغربون مما يظنون أنه صداقة حديثة بين إسرائيل ومؤيديها المسيحيين، يجهلون أمر اليهود أو المسيحيين، إن هناك روابط روحية تشدنا بإحكام وثبات، إنها شراكة تاريخية أدت وتؤدي دورها بشكل جيد لتحقيق الأحلام الصهيونية) [٩] . أما بعد أن أصبح نتنياهو رئيساً لوزراء اليهود في دولتهم، فقد أشرت في الحلقة السابقة إلى أنه قد قوبل بحفاوة بالغة في الكونجرس الأمريكي، وواجهه أعضاء الكونجرس جميعاً بعاصفة من التصفيق بعد أن هبوا وقوفاً لتحيته عندما ردد أمامهم فيما يشبه القسم عبارة: (القدس هي العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل) ثلاث مرات. لقد تبنى الكونجرس الأمريكي الذي يسيطر عليه اليمينيون بشكل كامل النهج الإسرائيلي فيما يتعلق بالقدس؛ فقد وافق في قراره رقم ٥٧٠ في ٢٤/١٠/١٩٩٥م على مشروع القانون الذي تقدمت به وزارة الخارجية لتخصيص مبلغ مائة مليون دولار لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وكانت الموافقة بأغلبية ٤٠٦ أصوات مقابل ١٧ صوتاً، واشترط الأعضاء أن يتم نقل السفارة في موعد أقصاه يوم ٣١/٥/١٩٩٩م، مع إعطاء الرئيس حق التأجيل لمدة لا تزيد على ستة أشهر (أي حتى بداية عام ٢٠٠٠م) بشرط أن يكون ذلك أمراً تتطلبه دواعي الأمن القومي الأمريكي! ولم ينتظر المحمومون بألفية القدس حتى يحل موعد نقل السفارة، بل ظلت أصواتهم تعلو بهذا المطلب حتى لا يبرد أثر القرار؛ فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في منتصف إبريل من عام ١٩٩٧م إعلاناً عجيباً موقعاً بأسماء عدد من كبار القساوسة الأمريكيين من أعضاء ما يسمى بـ (الاتحاد المسيحي نحو القدس الموحدة) جاء فيه: (إن الاتحاد يدعم سيطرة إسرائيل الكاملة على القدس، ويعتبرها العاصمة الروحية والسياسية لليهود وحدهم خلال ثلاثة آلاف عام خلت بحكم الإنجيل والتوراة) وطالب الإعلان بالمشاركة في (معركة القدس) التي قد بدأت (مع من؟) والتي يجب الوقوف مع اليهود فيها، وطالب الإعلان الأمريكيين بإمطار البيت الأبيض والكونجرس برسائل تطالب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس دون إبطاء. وماذا عن الفاتيكان.. الذي كان؟ ! يعكس موقف الفاتيكان مواقف الكنائس الكاثوليكية التي كانت تعتقد بأن المسيح مدفون في الأرض المقدسة بعد أن صلبه اليهود، ولهذا؛ فقد ظل الكاثوليك يرفضون تاريخياً سيطرة اليهود على بيت المقدس ولا يشجعون عودتهم [١٠] ، فلما عادوا، أعاد الكاثوليك النظر في نظرتهم العدائية لليهود، وصدر في عام ١٩٦١م بيان من المجلس العالمي للكنائس يدين العداء للسامية ويعفي اليهود من المسؤولية التاريخية في صلب المسيح، ثم أتبع ذلك بتبرئة رسمية، ثم حذفت سائر الأدعية والصلوات التي كانت تتضمن إدانة لليهود في عبادات الكنيسة الكاثوليكية، ثم حصل لقاء تاريخي بين (البابا) وشمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وكان ذلك في بداية الثمانينات وقد بدا (البابا) في الصور منحنياً أمامه ليصافحه، وفي عام ١٩٩٣م، اعترف الفاتيكان رسمياً بدولة اليهود إلا أنه ظل إلى الآن متحفظاً على (التنازل) عن القدس عاصمة لهم، ولا ندري عن السر في الاستمرار في هذا الموقف: فهل هو بسبب الشك في أسطورة صلاح حال اليهود في آخر الزمان؟ أم بسبب استمرار العداوة التاريخية والعناد بين الكاثوليك والبروتستانت؟ أم بسبب عدم الموافقة على قرب موعد مجيء المسيح، أم لأسباب أخرى؟ المهم في ذلك أن الفاتيكان لن يقر بحيازة المسلمين للقدس في دولة فلسطين أو غيرها؛ فالقدس هي القدس عند الكاثوليك والأرثوذكس: عاصمة المسيح والمسيحيين، لا عرفات ولا بنيامين، أما قرار الاتحاد الأوروبي بتأييد قيام دولة فلسطينية، فليس فيه إشارة إلى أن تكون القدس عاصمة لها. ونصارى فلسطين؟ ! يمكن معرفة موقفهم من المذكرة التي أعدها البطاركة وزعماء الطوائف النصرانية في القدس، والتي نشرت في ١٤ نوفمبر ١٩٩٥م، فقد طالبوا فيها بتحويل القدس إلى (عاصمة للجنس البشري) ! ! وأكد أصحاب المذكرة أن الرب اختار القدس مكاناً لسكنه (تعالى الله عن زعمهم) وأن القدس هي مكان الخلاص، وفيها ولدت الكنيسة، ولفتت المذكرة النظر إلى أن سِفْر الرؤيا قد بشر بمجيء المسيح إلى (القدس الجديدة) ، المدينة التي سيمسح فيها الرب كل الدموع! وقالت المذكرة: إن القدس بالنسبة لكل مسيحي هي منبع الحياة؛ فكل مسيحي يُولد في القدس، والوجود في القدس يعني الوجود في بيت الرب! وإجمالاً؛ فإن نصارى العالم يتخذون موقفاً موحداً برفض سيطرة المسلمين على القدس، وينقسمون على أنفسهم في شأن السماح لليهود في اتخاذها عاصمة، وقد عبرت (السفارة المسيحية الدولية) عن موقفها الداعم لليهود والذي كُشف عن بعضه في كتاب صدر عام ١٩٩٣م بعنوان: (بابل أو القدس) لمؤلفه (يان فيلان دارهوفن) جاء فيه: (تعارض السفارة مطالب المسلمين في البيت المقدس، وتطالب بالتسامح تجاه اليهود الذين يطالبون بالصلاة فيه، وتؤكد على حق (إسرائيل) في جعل القدس عاصمة موحدة لهم) ثم قال مؤلف الكتاب: (إن المسيحيين الدوليين واثقون أنه على الرغم من أن الرب ترك القدس زمناً طويلاً، فإنه سيعود إليها في صورة ابن الملك داود، الملك المسيح الذي سيحكم من المدينة. وعندئذ ستجتذب القدس إليها جميع شعوب المنطقة وحكامها! وهذا الواقع الجديد سيكون تحقيقاً لرؤيا آخر الأيام التي سينتج عنها سلام وعدل عالميين، والمسيحيون يؤمنون بهذه الرؤيا، لذلك؛ فهم يعتقدون أن الصلاة من أجل مصير القدس معناها صلاة من أجل خلاص الكرة الأرضية جمعاء) ! في بيت لحم يجتمعون: (بيت لحم٢٠٠٠) عنوان لذاك المهرجان العالمي النصراني؛ حيث تتواتر الأخبار عن حشد متحفز، وتسابق مستنفر لحضور تلك الاحتفالات؛ حيث قدرت بعض المصادر عدد من سيحضرون إلى القدس في أواخر هذا العام الميلادي وأوائل العام بعده بنحو مليون ونصف، ثم زادت التقديرات إلى مليونين، وبعد أن تأكد حضور (البابا) لتلك الاحتفالات قدرت بعض الأوساط القادميين بثلاثة ملايين. [الوسط، ٤/١/١٩٩٩م] في حين بالغت مصادر أخرى فأوصلتهم إلى ستة ملايين. [المجتمع، ٢/٣/١٩٩٩م] ومهما يكن من أمر، فإن تلك الجموع القادمة للاحتفاء بالألفية قد تخرج عن نطاق السيطرة إذا ما حاولت بضع (مئات) أو (عشرات) من تلك الملايين استغلال المناسبة استغلالاً سيئاً، خاصة أن بيت لحم واقعة الآن تحت حكم السلطة الفلسطينية، فلا حاجة لـ (إسرائيل) بمهد المسيح في بيت لحم التي كانت جزءاً من القدس حتى زمان الانتداب البريطاني. ومن المقرر أن يشارك العديد من القادة والزعماء العالميين في إحياء تلك الذكرى الألفية، وعلى رأسهم بابا الفاتيكان، والرئيس كلينتون، والرئيس الروسي بوريس يلتسين الذي انضم مؤخراً إلى هيئة رئاسة الاحتفالات. وقد رصد للاحتفالات مبلغ ٣٢٢ مليون دولار، وسيشارك الأردن في تلك الاحتفالات لوقوع منطقة (المغطس) الذي عُمّد فيه المسيح في أراضيه في المنطقة المحاذية لنهر الأردن، ولكن السلطة الفلسطينية هي المنظّمة الأولى لهذه الاحتفالات! ... ولكن كيف ينظر الإسرائيليون لهذا القدوم أو الهجوم النصراني الذي لم يشهدوه من قبل؟ ! إنهم بلا شك سيحاولون استغلاله لصالحهم، ولكنهم مع ذلك لا يخفون مخاوفهم وعدم تفاؤلهم بهذه المناسبة؛ لأنهم يعلمون أن للنصارى رغم تأييدهم لإسرائيل حساباتهم الخاصة، وخاصة طوائف الإنجيليين النشطة الذين ينظرون إلى (إسرائيل) على أنها (مرحلة) ممهدة وأخيرة قبل زمن المسيح. نشرت صحيفة (كول عمير) الإسرائيلية، أن هيئة مكافحة الإرهاب في مكتب رئيس الوزراء (نتنياهو) تنظر إلى الألوف من الحجاج المسيحيين الذين سيأتون إلى الأراضي المقدسة بمناسبة الاحتفالية الألفية الثالثة على أنهم أشخاص خطرون على الأمن، وذكرت الصحيفة أن الاستعدادات تجري لمواجهة مخاطر يمكن أن تنجم عن وصول أكثر من مليوني سائح وزائر في احتفالات بيت لحم ٢٠٠٠. وذكرت الصحيفة أن الأوساط الإسرائيلية رغم انفتاح شهيتها لهذه الطفرة السياحية، تتوقع وصول مجموعات (راديكالية) من المنظمات الأصولية المسيحية الناشطة في أمريكا وأوروبا، وقد تقوم بأعمال إرهابية بدافع تصوراتها التي ترى أن سنة ألفين ستكون بداية النهاية للعالم، مما يحدو بطوائف منها إلى (طلب الموت) في الأماكن المقدسة قبل نهاية الزمان [١١] ، وأظهرت السلطات الإسرائيلية أيضاً مخاوفها من أن تقوم منظمات إسلامية متشددة بضرب أهداف إسرائيلية وسط هذه المعمعة. إن لهؤلاء الإنجيليين رؤيتهم الخاصة للأوضاع العالمية الراهنة؛ فحسب تقديرهم؛ فإن الزمان يسرع الخطا نحو نهايته بطريقة قدرية لا تحكمها عوامل سياسية ولا اقتصادية، وإنما تجره إليها عوامل قدرية نحو الفصل الأخير، فصل الصراع (الدرامي) والدامي بحروبه المهلكة التي ستتمخض كما يعتقدون عن جيل الخلاص الذي سيشهد زمان السلام ومسيح السلام. ولكن؛ أي سلام يتحدث عنه أولئك القسس المدججون بآلة الحرب؟ إنه السلام الدامي الذي تتقاطر فيه عبرات الدمع من حبات الزيتون، وقطرات الدم من شموع الميلاد. سألت الكاتبة الأمريكية (جريس هالسيل) المتتبعة لنشاط هذه الطائفة، أحد هؤلاء الإنجيليين عن معتقدات طائفته فيما يتعلق بالأرض المقدسة في هذه المرحلة من الزمن فقال: (إننا نؤمن أن التاريخ يطوي الآن مرحلته السابعة، وهي مرحلة الذروة، مرحلة إقامة مملكة المسيح؛ حيث يحكم المسيح من القدس لألف سنة؛ إن كثيراً من اليهود سيتحولون إلى المسيحية، وسوف يساهمون في مملكته الألفية، وهي مملكة حقيقية على الأرض، تكون القدس مركزها الرئيس) . وسألته الكاتبة عن الأحداث التي ستسبق هذه المرحلة فأجاب: أولاً: عودة اليهود إلى الأرض المقدسة. ثانياً: إقامة دولة لهم فيها تكون عاصمتها القدس، وقد حدث هذا لأول مرة بعد ألفي عام! ثالثاً: وصول رسالة الإنجيل إلى جميع الأمم بما في ذلك الشعب الإسرائيلي. رابعاً: عودة الكنيسة إلى أداء دورها في العالم. خامساً: وقوع الفتن والكوارث والمعاناة في أنحاء الأرض. سادساً: اندلاع حرب عالمية نووية [١٢] . وهذه العلامة السادسة هي ثالثة الأثافي، فالمسيح في زعمهم سيعود إليهم بعد حرب، وتلك الحرب يرونها عالمية، ويريدونها نووية ويفضلونها (شرق) أوسطية و (شمال) أطلسية و (جنوب) متوسطية فماذا يريد هؤلاء (المجانين) أن يفعلوا بأرضنا الإسلامية؛ بل بكرتنا الأرضية مع حلول الألفية؟ هذا ما سنتناوله في حلقة قادمة إن شاء الله.

стр. 3078

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش هتك الأستار قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأمريكية: تلقينا بعض التقارير المزعجة جداً من كوسوفا بأن القوات الصربية تسوق شابات كوسوفا إلى قاعدة لتدريب الجيش الصربي حيث تغتصبهن القوات، ولدينا تقارير عن أن ما يصل إلى ٢٠ ربما قتلن أثناء ذلك. [جريدة الرياض، العدد: (١١٢٤٨) ] لا يحتاجون إلى تحريض! ! على العالم الحر أن يكون منتبهاً للخطر الذي قد يطرحه احتمال استقلال كوسوفا، إن دولة مسلمة كبيرة في هذه المنطقة يمكن أن تشكل لاحقاً قاعدة للتطرف الإسلامي تهدد أوروبا. [السفاح أرييل شارون، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٣٥) ] ومن يسمح للمسلمين؟ بدأ تدفق المتطوعين الروس على يوغسلافيا، وقال أحد مسؤولي الحزب الديمقراطي الليبرالي الروسي: إن عدد المتطوعين الذين سجلوا أسماءهم لدى الحزب بلغ عشرة آلاف في موسكو، و٥٥ ألفاً في أنحاء روسيا، وذكرت مصادر عسكرية أن وزارة الدفاع الروسية تزود مراكز تسجيل المتطوعين بملابس عسكرية وأجهزة بصرية. [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٧٧) ] من لهؤلاء؟ ! أكد مسؤولون بريطانيون أن عشرات الآلاف التي تفر من كوسوفا كل يوم تريهم القوات الصربية الأهوال وتنهبهم. يجب أن نذكر أن اللاجئين الذين نراهم على الحدود هم المحظوظون الذين تمكنوا من الهرب. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٥٧) ] كإشعار فلسطين! ! أقامت الدول الغربية ملاذات آمنة للنازحين من كوسوفا في ألبانيا ومقدونيا، كما تم ترحيل عدد من النازحين إلى دول أوروبية، وقال مراقبون أوروبيون: إن هذا الحل الوحيد لهذه المشكلة المعقدة (حتى إشعار آخر) . [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٧٦) ] هكذا يحاربون العولمة! أنا لا أعتقد أن العولمة ستهزم الثقافة؛ لأن الخوف ليس من الغزو الثقافي، وإنما التخوف هو من السيطرة الثقافية؛ فأم كلثوم، وعبد الوهاب، واليوم لطيفة التونسية، أو غيرها يؤثرون في شبابنا؛ لذلك يمكن القول: إن الثقافة هي سلاح جبار لا يهزم. ومن هنا يأتي عدم الخوف من العولمة. [وزير الثقافة المصري، فاروق حسني، جريدة الشرق الأوسط،العدد: (٧٤٣٠) ] ضحايا العولمة التقرير الذي وضعته منظمة العمل الدولية أخيراً عن آفاق أسواق العمل للعامين (١٩٩٨ ١٩٩٩م) قدّر عدد العاطلين عن العمل في العالم بحوالي مليار شخص، وهو ما يمكن أن يمثل ثلث القوة العاملة على الكرة الأرضية، على أن من بينهم عشرة ملايين انضموا إلى قوافل العاطلين عن العمل في العام ١٩٩٨م. [مجلة الوسط، العدد: (٣٧٥) ] وماذا عن الصليبية الجديدة! ؟ ذكرت مصادر كنسية أن الكنائس البريطانية الأساسية بدأت تحضير اعتذار رسمي للمسلمين عن الجرائم التي اقترفت ضدهم خلال الحملات الصليبية على القدس قبل ٩٠٠ عام وجاء في الاعتذار: إننا نريد أن نتتبع خطوات الصليبيين في المدينة المقدسة من أجل الاعتذار عن أعمالهم ومن أجل إظهار المعنى الحقيقي للصليب. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤١٩) ] تخفيف المديونية.. بعد النفايات النووية! ! ذكرت صحيفة القلم الأسبوعية الموريتانية أن الحكومة الإسرائيلية قدمت دعماً مالياً لميزان المدفوعات الموريتاني قدره عشرون مليون دولار؛ لتخفيف عبء المديونية الموريتانية. [جريدة الرياض، العدد: (١١٢٤٥) ] متى التنفيذ؟ يقوم الجيش الأمريكي حالياً بتدريبات عسكرية تحت عنوان (المحارب المدني) والتي تشمل سيناريوهات تتضمن متابعة مجموعة من العرب الإرهابيين الهاربين ضمن جموع الناس في أحياء مكتظة بالسكان العرب، والذين ربما يساعدونهم على الهرب من قوات المارينز. [مجلة المجلة، العدد: (٩٩٨) ] للحماية أم.. للمساعدة؟ قررت أجهزة الأمن الإسرائيلية تطبيق إجراءات أمنية في منطقة الحرم القدسي وحائط البراق في القدس المحتلة أكثر صرامة من المتّبعة الآن، وقالت المصادر: إن القرار اتخذ في ضوء تزايد الإنذارات الحقيقية التي وصلت الأجهزة الأمنية في شأن نية حركات مسيحية صهيونية ويهودية متطرفة تنفيذ اعتداءات دموية على هذين المكانين بسبب قرب انتهاء الألفية الثانية لميلاد المسيح. [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٦٥) ] لا شكر على واجب! ذكرت الإذاعة الإسرائيلية أن رئيس وزراء إسرائيل، (نتنياهو) ، شكر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لمساهمته في إفشال عملية ضد إسرائيل. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٤٨) ] وإخوانهم يمدونهم في الغي بسبب حالة الحرب الأهلية القائمة بين حماس وسلطة عرفات؛ فقد تعهد الأمريكيون والإسرائيليون والأردنيون بتقديم كافة أنواع المساعدات التي يحتاجها عرفات لاختراق وتدمير حماس. [ميدل إيست ريالتييز، عن دورية قراءات، (السنة الثانية، عدد٢) ] وهل تلد الحية إلا مثلها! ! فحص واضعو دراسة أمريكيون سلوك أكثر من ١٣ ألفاً من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ٦ إلى ١٧ عاماً ينتمون إلى ١٢ ثقافة مختلفة، ووجدوا أن الأطفال الأمريكيين والبورتريكيين (نسبة إلى بورتيريكو وهي محمية أمريكية) هم الأكثر عدوانية وانحرافاً في سلوكهم، يليهم أطفال إسرائيل. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٣٢) ] هكذا يدافعون عن القدس! ! في مناطق السلطة الفلسطينية تم تنظيم مهنة الرقص! ! بما يتوافق مع المرحلة الانتقالية والظروف الأمنية الاستثنائية، وتستطيع أي راقصة التجول بحرية بتصريح إسرائيلي ولفترات طويلة تثير الاستغراب وسط القيود التي تفرضها إسرائيل على المواطنين الفلسطينيين. ولكن للراقصات ضرورات خارج إطار الاتفاقيات. [مجلة المجلة، العدد: ٩٩٨) ] مرصد الأرقام * أنفقت الدول العربية في الفترة ما بين (١٩٦٩م و ١٩٩٧) ، ٣٦٥ مليار دولار لشراء الأسلحة. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٥٦) ] * قدر خبير استراتيجي عربي حاجة دول منطقة الشرق الأوسط من السلاح حتى عام ٢٠١٠ بحدود ٤٠٠ مليار دولار أمريكي وكشف أن ٨٠% من السلاح العربي سيكون غير ذي نفع عام ٢٠٠٥م مقارنة بما لدى جيوش دول العالم المتقدمة. [مجلة المشاهد السياسي، العدد: ١٦٠] * هناك ٣، ١ مليار شخص في العالم يعيشون في فقر مدقع، فيما لا يتمتع قرابة ٥، ١ مليار شخص بأبسط الخدمات والعناية الصحية وأن ٧٠% من المحرومين في العالم نساء. * يوجد ٢٧ مليون لاجئ في العالم، ٧٠% منهم من المسلمين، و ٨٠% من النساء والأطفال. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٤٧) ] * بلغت ديون إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط ٣، ٢١٣ مليار دولار، وديون جنوب آسيا ٨، ١٥٥ مليارات، أما المساعدة التي تقدمها دول الشمال لدول العالم الثالث فلا تتجاوز ١% من ناتجها القومي. * تسيطر أمريكا على ٥٥% من تجارة السلاح الدولية، وأنتجت الدول الكبرى ٢٥٠ مليون لغم طيلة ربع القرن الماضي وما زالت تنتج من ١٠ إلى ٣٠ مليون لغم سنوياً. [مجلة المجلة، العدد: (٩٩٨) ] * قدرت رئيسة الجمعية الوطنية لعائلات ضحايا العنف في الجزائر عدد عائلات الضحايا بـ ١٢٠ ألف عائلة عبر البلاد. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٢٦) ] * دعت لجنة إسرائيلية إلى بناء نحو ٧٧ ألف وحدة سكنية جديدة في القدس المحتلة لاستيعاب مزيد من المستوطنين اليهود حتى عام ٢٠٢٠م. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٤٢) ] * بلغ حجم الاستثمارات اليهودية في المملكة الأردنية بعد توقيع اتفاق السلام ٣٥٠ مليون دينار. [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٦٩) ] * بلغت خسائر ليبيا خلال سنوات الحظر، ٥. ٥ مليار دولار في قطاع الصناعة، ٥. ٢ مليار دولار في النقل الجوي، ٦ مليار دولار في قطاع التجارة، ٥ مليار دولار في قطاع النفط، ٢. ٣ مليار دولار في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٣٦) ] * قدرت وزارة العدل الأمريكية عدد المساجين بـ ١.٨ مليون سجين في الولايات المتحدة، وأن هذا العدد مرشح إلى أن يتجاوز المليونين بحلول العام ألفين. [مجلة الوسط، العدد: (٣٧٣) ] * بلغ عدد الطلبة الإسرائيليين الذين يتعاطون المخدرات ١٦٤ ألف شاب وفتاة تتراوح أعمارهم بين ١٢ إلى ١٨ عاماً وذلك خلال عام ١٩٩٨م. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٤٣) ] * في تقرير حكومي بريطاني ذكر أن ٨٠٠ ألف امرأة حامل، هناك ٤٠٠ ألف منهن حملن أطفالهن خارج العلاقات الزوجية. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤١٥) ] * بلغ عدد حالات الإجهاض في الولايات المتحدة: (١. ٥٢٨. ٩٣٠) حالة خلال سنة واحدة فقط. [دورية الكوثر، العدد: (٢٢) ] * بلغ عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ٦ إلى ١١ عاماً ولم يسجلوا في المدارس ١٢٥ مليون طفل في العالم. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٢٠) ]

стр. 3079

قضايا ثقافية المدرسة العصرانية مفهومها ونشأتها.. خصائصها ومزاعمها (٢/٢) محمد حامد الناصر تحدث الكاتب في الحلقة السابقة عن: من هم العصرانيون، وما حقيقة التجديد لديهم، وما المقصود بالعصرانية، وكيف نشأت؟ ثم عرّج على خصائص هذه المدرسة؛ حيث كان من أبرز خصائصها: الدعوة إلى تطوير الدين، ليساير بزعمهم الحضارة الوافدة. وفي هذه الحلقة يستكمل الكاتب جوانب الموضوع؛ لتتضح صورة هذه المدرسة العجيبة الغريبة عن فكرنا الإسلامي الأصيل. - البيان - ثانياً: تقديس العقل عند العصرانيين: وهذه هي الآفة الكبرى الثانية التي تميز هذه المدرسة؛ فقد سار العصرانيون الجدد على خُطا من سبقهم من المعتزلة وأهل الكلام والفلسفة؛ حيث إنهم اعتبروا العقل مبدأ أصول العلم، وجعلوا الوحي تابعاً له، بل حكّموا العقل في نصوص الشرع، فلا يقبلون منها إلا ما أيّده العقل ووافقه، ويرفضون منها ما عارضه وخالفه. ويتفق أصحاب (الاستنارة) عامة على إعلاء دور العقل وافتراض الصراع بينه وبين النقل؛ وما ذلك إلا من أجل تنفيذ رغبتهم في تطوير الشريعة أو تجاوز نصوصها، وفيما يأتي شواهد من أقوال بعض العصرانيين، تبين مدى تضخيم دور العقل. فالدكتور محمد أحمد خلف الله يقرر أن: (البشرية لم تعد في حاجة إلى قيادتها في الأرض باسم السماء؛ فلقد بلغت سن الرشد، وآن لها أن تباشر شؤونها بنفسها) [١] . ويقول في كتاب آخر: (ولقد حرر الإسلام العقل البشري من سلطان النبوة، من حيث إعلان إنهائها كلية وتخليص البشرية منها) [٢] . اللهم غفرانك مما يقولون. وإنه لشرود عجيب عن الدين لدى هؤلاء القوم، وهو إنكار صريح وتمرد صفيق على سلطان الله سبحانه ومكانة النبوة. وبعبارة مبهمة يقرر الدكتور محمد عمارة هذه المسألة؛ إذ يعتبر أن البشرية وصلت سن الرشد فعلاً فيقول: (لقد انقضى زمن الوحي وبلغت الإنسانية سن الرشد، وأوكلها الله إلى وكيله عندها: الكتاب وهو القرآن الكريم والعقل الذي جعله الله من أجلّ القوى الإنسانية، بل أجلها على الإطلاق) [٣] . ويضخم الدكتور الترابي دور العقل في كتاباته، ليساير به ما جدّ من أمور الحياة المتطورة فيقول: (ولم تعد بعض صور الأحكام التي كانت في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم ... لأن أسباب الحياة قد تطورت ... وقد تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة بأقدار عظيمة، وأصبح لزاماً علينا أن نقف في فقه الإسلام وقفة جديدة، لنسخر العلم كله لعبادة الله ... ) [٤] . ويظهر تقديس العقل، بل وتأليه أحكامه عند أصحاب اتجاه اليسار الإسلامي كما يسمون أنفسهم فقد حاربوا النصوص الشرعية بشدة؛ لأنها تعيق أنطلاقهم، بل انفلاتهم من ربقة الدين ... يقول د. حسن حنفي أحد أقطاب هذا الاتجاه: (إن العقل هو أساس النقل، وكل ما عارض العقل فإنه يعارض النقل ... ظهر ذلك عند المعتزلة وعند الفلاسفة ... ) ثم يقول مهاجماً ثوابت الشريعة: (لقد احتمينا بالنصوص فجاءنا اللصوص) [٥] وهكذا تحول المؤمنون بالنص إلى (لصوص) عند الدكتور حنفي! وأصدر حنفي كتاباً تحت عنوان: (قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر) بث فيه الشكوك والإلحاد، ويرى أن العقل ما كان في حاجة إلى الشرع؛ لأن الإنسان لا يحتاج إلى الوحي. وقد وصلت به الحماقة إلى أن يقول: (يمكن للمسلم المعاصر أن ينكر كل الجانب الغيبي في الدين ويكون مسلماً حقاً في سلوكه) [٦] ويتناسى هذا الكاتب أن الإيمان بالغيب من أركان الإيمان. هكذا آمن أساطين العصرانية بالعقل على حساب النصوص الشرعية، وفرّط بعضهم، وغالى آخرون في هذا الجانب حتى وصلوا إلى الردة والضلال؛ والعياذ بالله. العلاقة بين الشرع والعقل في الإسلام: تجاهل العصرانيون قيمة العقل في الإسلام فوقعوا في مزالق خطيرة؛ قال الشاطبي ﵀: (اهتم الإسلام بالعقل اهتماماً بالغاً وجعله مناط التكليف، فإذا فُقِد ارتفع التكليف، ويُعَد فاقده كالبهيمة لا تكليف عليه) [٧] . وليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني وتعتمد عليه في ترسيخها كالعقيدة الإسلامية، وليس هناك من كتاب أطلق سراح العقل وأعلى من قيمته وكرامته كالقرآن الكريم: [لعلكم تعقلون] ، [لقوم يتفكرون] ، [لقوم يفقهون] ، إلا أن للعقل مجالاته وحدوده؛ لأنه محدود الطاقات فلا يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة على الاستيعاب، فأقام الإسلام العقل مع الاستسلام والامتثال للأمر الشرعي الصريح، حتى ولو لم يدرك الحكمة والسبب في ذلك، كأمور الغيب مثلاً والروح، وما شابه ذلك، وقد كانت أول معصية لله ارتكبت بسبب عدم هذا الامتثال من قبل إبليس لعنه الله [٨] . والواقع أن التعارض بين العقول السليمة وبين الشرع غير موجود، قال ابن تيمية ﵀: (ما عُلم بصريح العقل لا يُتصور أن يعارض الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط ... ويقول: (ووجدت ما يُعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه يخالفه: إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة) [٩] . ويقول أيضاً: (وعلى المعتزلة الذين حكّموا عقولهم في نصوص الوحي، ومن سار على نهجهم وتتبع خطاهم، أن يعلموا أنه لا يوجد حديث على وجه الأرض يخالف العقل، إلا أن يكون ضعيفاً أو موضوعاً) [١٠] . وأكد هذا المعنى ابن القيم ﵀ بقوله: (إذا تعارض النقل وهذه العقول يعني عقول أهل التأويل والزيغ أُخذ بالنقل الصحيح، ورُمي بهذه العقول تحت الأقدام، وحُطت حيث حطها الله وأصحابها) [١١] . مزاعم العصرانيين ومنطلقاتهم: طرح العصرانيون تصورات غريبة تحت مزاعم التجديد والتطور، في التفسير والسنة النبوية، ودعوا إلى تطوير أصول الفقه وأصول الحديث النبوي؛ فكانت لهم شذوذات عجيبة في ميادين الفقه المختلفة، كما دعا العصرانيون إلى فصل الدين عن الدولة وأمور الحياة، ودعوا كذلك إلى الوحدة والتقارب بين الأديان [١٢] . ويجدر بنا أن نشير إلى جيل سابق لهؤلاء هو جيل دعاة التغريب، في النصف الأول من هذا القرن، أولئك الذين ترعرعت دعوتهم في ظلال المستعمر الغربي الحاقد؛ إذ دعا ذلك الجيل إلى صبغ الحضارة الإسلامية بكل مقوماتها بحضارة الغرب، خيرها وشرها؛ ومن ثم اتهام النظام الإسلامي بالتخلف والجمود. وكانت تيارات الهدم التغريبي في تلك الفترة تتمثل في: ١- التشكيك بالسنة النبوية: ويمثل ذلك الاتجاه: أحمد أمين من خلال هجومه على السنة النبوية، وتشكيكه بعدالة الصحابة والتابعين: كالصحابي الجليل أبي هريرة ﵁، وإمام التابعين الإمام الزهري ﵀ منساقاً مع أساتذته المستشرقين من اليهود والنصارى، وتجد ذلك مبثوثاً في كتابه (فجر الإسلام) . وكان موقف محمود أبو رية من أسوأ المواقف طعناً في السنة والحديث وتجريحاً بصحابة رسول الله في كتابه: (أضواء على السنة المحمدية) . ٢- المنهج التغريبي في مجال الحكم والتشريع: ويمثله كتاب: (الإسلام وأصول الحكم) للشيخ علي عبد الرازق الصادر عام ١٩٢٥م؛ فقد تبنى فيه أن الإسلام دين لا دولة، على طريقة النصارى، وخدمة لمن أسقطوا الخلافة آنذاك. ٣- المنهج التغريبي في الثقافة والآداب: ويمثله عميد التغريب الدكتور طه حسين في كتبه وخاصة في كتابيه: (في الأدب الجاهلي) و (مستقبل الثقافة في مصر) ؛ فقد شكك في كتابه الأول بكتاب الله وجعل له مصادر بشرية، وشاركه في ذلك الطعن محمد أحمد خلف الله في رسالته للدكتوراه (الفن القصصي في القرآن الكريم) [١٣] . منهج العصرانيين في التفسير وموقفهم من السنة النبوية: يرى العصرانيون أنه في ضوء الظروف الجديدة، وتوسع المعرفة الإنسانية، لا يمكن الاعتماد في فهم القرآن على التفاسير القديمة التي اشتملت على كثير من الخرافات كما يزعمون، ولكن ينبغي فهم النص القرآني من خلال معرفتنا وتجاربنا الذاتية. ولذلك فهم يردون كثيراً من الأحاديث النبوية وآراء السلف في التفسير، ودعا العصرانيون إلى التجديد في قضايا تفسير كتاب الله، انطلاقاً من الذوق والواقع المعاصر. يقول الدكتور حسن الترابي: (يبدو أننا محتاجون إلى تفسير جديد، فإذا قرأتم التفاسير المتداولة بيننا تجدونها مرتبطة بالواقع الذي صيغت فيه، كل تفسير يعبر عن عقلية عصره، إلا هذا الزمان، لا نكاد نجد فيه تفسيراً عصرياً شافياً) [١٤] . فالدكتور الترابي ينادي بأن مفاهيم القرآن تتغير بتغير الزمن، ورقي الإنسان وتطويره؛ ولهذا فكل عصر من العصور يحتاج إلى تفسير خاص به للقرآن الكريم، (والحقيقة أن السنة هي الركيزة الأولى في تفسير القرآن الكريم؛ حيث إن القرآن الكريم كتاب منزل من عند الله تعالى على نبيه ليبينه للناس؛ وحينئذ لا بد من الاعتراف بأن مفهومه السليم الموثوق به، هو ما أدركه النبي صلى الله عليه وسلم) [١٥] . ومن الملاحظ أن تقدم المعارف البشرية المعتمدة على تجارب البشر الذاتية قد تكشفت عن أخطاء في معارف العصور الماضية، فهل يؤثر ذلك في فهم القرآن؟ ! وهل تتغير معاني القرآن تبعاً لذلك؟ ! (وبسبب الاعتماد على معارف البشر العصرية وما فيها من القصور والأخطاء، وبسبب إهمال تفاسير الأولين وقعت العصرانية في انحرافات شنيعة في التفسير. وحسبنا أمثلةً على ذلك تفسير (سيد أحمد خان) ، وتفسير (الشيخ محمد عبده) [١٦] . وقضية التأويل المتكلف لآيات القرآن، قضية قديمة منذ نشأة الفرق المنحرفة في الإسلام، كالمعتزلة والخوارج والشيعة، وكذلك بقية الفرق الباطنية والمتصوفة، ومن أجل ذلك يحاربون السنة النبوية؛ لأنها جاءت مفصّلة، وموضّحة لآيات القرآن. موقف العصرانيين من السنة النبوية: من أكبر ضلالات هذه المدرسة دعوتهم لعدم الأخذ بالسنة النبوية في مجال المعاملات خاصة؛ لأن الأحاديث الشريفة تقف حجر عثرة أمام رغبتهم في تطوير الشريعة، ليتجاوزوا ما خلفه علماؤنا من تراث فقهي غزير. ومن محاولاتهم المشبوهة خلال التشكيك في السنة، والسعي للابتعاد عن الأخذ بحجيتها في الأحكام: ١- أنهم قسموها إلى سنة تشريعية، وسنة غير تشريعية. ٢- موقفهم المريب من أحاديث الصحيحين وخبر الآحاد. ٣- ردّهم كثيراً من الأحاديث بحجة أن القرآن أوْلى بالاتباع. تقسيمهم السّنة إلى تشريعية وغير تشريعية: وهذا تقسيم باطل سبقهم إليه الإصلاحيون مدرسة محمد عبده عندما قسموا السنة إلى سنة عملية يؤخذ بها في الأحكام الشرعية كالعبادات وقضايا العقيدة الأساسية. وسنة غير عملية وهي الأحاديث القولية ولا يلتزمون بها إلا ضمن شروط تنسجم مع قواعدها العقلية، فأخرجوا منها قضايا السياسة والمجتمع. (وقد اعتبر بعضهم أن العصمة تكون في أمور التبليغ فقط، وأن ما اندرج من السنة النبوية تحت أمور السياسة والمجتمع ليس ديناً. ومن ثم؛ فإنه موضوع للاجتهاد والشورى، والقبول والرفض، والإضافة والتعديل) [١٧] ... فالسياسة والحكم والقضاء وشؤون المجتمع ليست ديناً وشرعاً يجب فيها التأسي والاهتداء بما في السنة من وقائع، وأواصر، ونواهٍ وتطبيقات؛ لأنها أمور تقررت بناء على بينات قد نرى غيرها، وعالجت مصالح هي بالضرورة متطورة ومتغيرة) [١٨] . ويتوسع الدكتور محمد سليم العوّا في تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، ويرى أن أغلب المروي عن الرسول ﷺ ، هو من النوع الثاني فيقول: (ويلاحظ: كون أغلب تصرفات الرسول مبناه التبليغ قول يصل الباحث إلى خلافه عند إمعان النظر في الصحيح من سنة رسول الله ﷺ ؛ بل الذي يغلب على الظن أن أغلب المروي عنه ﷺ في شؤون الدنيا خارج نطاق العبادات والمحرمات ليس من الشرع اللازم [١٩] . هذا، وإن شبهة تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، من أخبث الشبه التي رفعها أدعياء التجديد من العصرانيين ... وهذه الشبهة دعوة صريحة إلى رد السنن، وترك العمل بها، والتحاكم إليها، ثم إلى تفسير القرآن بالتفسيرات الشاذة، التي توافق أهواءهم، ثم إلى تركه وراءهم ظهرياً) [٢٠] . وبذلك يرتمون في أحضان العلمانية صرحوا بذلك أم أنكروا. موقفهم من أحاديث الصحيحين وخبر الآحاد: شكك بعضهم في عدد من الأحاديث الصحيحة، ولو كانت في البخاري ومسلم رحمهما الله ومن هؤلاء الدكتور الترابي؛ فقد شكك في قيمة الضوابط والأسس التي وضعها الإمام البخاري في صحيحه، في محاضرة له بعنوان: (قضايا أصولية فكرية) ، وهذه مقتطفات منها: (لا بد لنا أن نعيد النظر في الضوابط التي وضعها البخاري، فليس هناك داع لهذه الثقة المفرطة في البخاري. والمسلمون اليوم إعجابهم بالبخاري زائد؛ فمن وثقه البخاريّ فهو الثقة، ومن جرّحه فهو المجروح. لماذا نعدّل كل الصحابة؟ ليس هناك ما يوجب ذلك، لقد استُحدثت وسائل كثيرة يمكن أن تستغل في هذا المجال، ما كان البخاري ولا غيره يعرفها) يقصد الحاسب الآلي! ! . وتحدث محمود أبو رية مشككاً في صحة بعض أحاديث الصحيحين، وأن بهما أحاديث ضعيفة، وأن معظم الأحاديث فيهما رويت بالمعنى؛ لذلك لا يعتمد على كل ما فيها [٢١] . فهؤلاء العصرانيون يعتمدون على ضرورة انسجام معنى الحديث مع عقولهم مهما علت مرتبة هذا الحديث. وأنكر حسين أحمد أمين كثيراً من الأحاديث الصحيحة في كتابه: (دليل المسلم الحزين) وراح يتهم الفقهاء بوضع الأحاديث النبوية ويهاجم رواة الحديث بشدة، ولم يسلم من هجومه حتى أصحاب رسول الله ﷺ [٢٢] . ويقول ساخراً: (كان انتقاء البخاري للأحاديث الصحيحة على أساس صحة السند لا المتن، فالإسناد عنده وعند غيره هو (قوائم الحديث) إن سقطت سقط، وإن صح السند وجب قبول الحديث مهما كان مضمون ذلك الحديث) [٢٣] . حديث الآحاد: أثار العصرانيون الشبهة بعدم الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة، كما أثارها أسلافهم من المعتزلة والإصلاحيين. وهذه الشبهة درع يتترس بها أهل البدع في ماضيهم وحاضرهم. قال ابن حزم ﵀: (إن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول الخبر الواحد الثقة عن النبي ﷺ يجري على ذلك كل فرقة.. حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع في ذلك) [٢٤] . وقال الشيخ ناصر الألباني: (إن القول بأن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقيدة قول مبتدع محدث، لا أصل له في الشريعة الإسلامية الغرّاء، وهو غريب عن هدي الكتاب وتوجيهات السنة، ولم يعرفه السلف الصالح رضوان الله عليهم، وإنما قال هذا القول جماعة من علماء الكلام، وبعض من تأثر بهم من علماء الأصول المتأخرين، وتلقّاه عنهم بعض الكتاب المعاصرين بالتسليم دون مناقشة ولا برهان ... وإذا أُخذ بهذا القول، فإنه يستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عنه ﷺ لمجرد كونها في العقيدة) [٢٥] . لقد رد هؤلاء أحاديث كثيرة تتعلق بالغيب والجن، وأخبار الآخرة، كما ردّها قبلهم المعتزلة ورجال المدرسة الإصلاحية. العصرانيون يردون كثيراً من الأحاديث بحجة أن القرآن أوْلى بالاتباع: وحجة العصرانيين أنه لا شك في صحة القرآن، وأن كتاب الله فيه كليات الشريعة وأصولها التي لم يتلاعب بها الرجال. غير أن العصرانيين لم يدركوا أن معارضة السنة بالقرآن مذهب رديء تبناه أهل البدع والضلالة من المعتزلة ومن سار على منوالهم. قال محمد عمارة: (إذا وجدت حديثاً منسوباً إلى رواة عدول لا ألجم عقلي وأمنعه من النظر بحجة أن السند هو كل شيء؛ لأنه لا بد أن يكون لعقلي مجال في المتن، ولا بد أن أحاكم هذا الذي هو ظني الثبوت إلى ما هو قطعي الثبوت، وهو كتاب الله وحقائق العلم) [٢٦] . ورغم كل ما تقدم؛ فقد ظهر الدكتور عمارة في الآونة الأخيرة داعياً إلى التمسك بثوابت هذا الدين، وإلى العودة إلى منهج السلف فقال: (السلفية هي الماضي وهي الأصل والأساس) (وإن تجديد فكر هذه الأمة عبر تاريخها قام على أيدي علماء سلفيين) [٢٧] ، كما أنه صار يهاجم العلمانيين خلافاً لماضيه المعروف. ونحن نرجو له ولأمثاله عودة طيبة صادقة إلى منهج السلف الصالح، وأن يشيروا إلى ما سطروه من شطحات في كتبهم السابقة؛ والحق أحق أن يتبع، وما وجد في كتبهم أصبح من حق التاريخ الصادق الذي لا يحابي أحداً. لقد أصبح الاقتصار على ما في كتاب الله تُكَأَة في يد بعض العلمانيين وأصحاب الأهواء، إذا أرادوا الخروج على الشريعة وتجاوز حدود الله؛ إذ يتبجحون بأنهم ليسوا (نصوصيين) وإنما هم يدركون (روح الدين) ويراعون المقاصد العامة للإسلام [٢٨] . هذا، والحديث الشريف ثاني مصادر الشريعة الإسلامية هو المفسر الأول، والمبين لكتاب الله، ولذلك عُنِيَ به علماء المسلمين عناية تفوق الوصف، فظل الحديث مصفّى من الشوائب، وكان لا بد للمبتدعة من أن يحاولوا اختراق هذا الجدار المنيع الذي يحمي أسس العقيدة والشريعة، ليتمكنوا من الزيادة في الدين أو النقص منه حسبما يشاؤون) [٢٩] . فالقرآن والخبر الصحيح شيء واحد، وحكمهما واحد في وجوب الطاعة لهما. يقول تعالى: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . وقد روى ابن ماجة بسنده إلى المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: (يوشك الرجل متكئاً على أريكته يُحدّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله) [٣٠] والحمد لله رب العالمين.

стр. 3080

في دائرة الضوء محنة الثقافة في العالم العربي د. محمد يحيى من التطورات ذات المغزى لأوضاع ما يسمى عادة بالثقافة في العالم العربي إصرار وزارة الثقافة المصرية مؤخراً على الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لغزو نابليون مصر في آخر القرن الثاني عشر في إطار تعاون مشترك مع فرنسا، وقد بلغ من تمسّك الوزارة الشديد بهذه الاحتفالات أن وصف الوزير وعدد من الكتاب المؤيدين للفكرة من يعارضونها بالجهل والتخلف بل ومساندة من يوصفون عادة بالمتطرفين المسلمين، وهذا الموقف بليغ في الدلالة على محتوى مفهوم الثقافة كما يستخدم الآن عند غالبية من ينتهجون المذهب العلماني في العالم العربي. فالثقافة عندهم هي بلا مواربة اتباع المناهج الغربية في الفكر والنظر، والجري وراء الفلسفات والنظريات الغربية في مجالات العلوم الإنسانية ولا سيما في الآداب والفنون. ومن هذا المنطلق فإن وزارة الثقافة في أكبر بلد عربي إسلامي لا تجد غضاضة في الاحتفال بذكرى عدوان صارخ واحتلال جلي لهذا البلد جعل هدفه القضاء على الإسلام فيه، وهذا الاحتفال بذكرى احتلال مصر يأتي من جانب وزارة الثقافة التابعة للدولة كما يأتي بالتعاون مع الدولة المحتلة وبتمويل منها، وكل ذلك باسم الثقافة! الثقافة عند العلمانيين: ويبدو أن بعضهم الآن قد وصل إلى حالة من التبعية الذهنية لا يرى معها مفهوم الثقافة إلا من خلال عدسات أوروبية غربية. أما الثقافة الإسلامية العربية (هذا إذا تفضلوا بمنحها لقب أو رتبة الثقافة) فهي ليست إلا مخلفات (رجعية) ! (طلابية) ! لا محل لها في العصر الحديث. ولا نلمح هنا فحسب قطيعة مع عقيدة وتراث وتاريخ وهوية الأمة؛ بل نلمح كذلك أصل ذلك التفضيل الغريب والتمييز العنصري الذي أضفى على كلمة (الثقافة) و (المثقف) على مدى العقود الماضية من جانب التيار العلماني. كان بعض حسني الظن يتصورون أن التفضيل والتمييز اللذين تحظى كلمة الثقافة بهما إنما يعودان إلى أهمية الفكر والقراءة والعلم في تهذيب الشخصية وتهذيب سلوكها وترقية وجدانها وعقليتها حسب المفهوم الدارج لكلمة الثقافة أو المثقف، ولكن هذا التفضيل للمفهومين إنما يعود لدى النخبة العلمانية إلى أن للثقافة والمثقف عندها معنى خاصاً هو الامتلاء بمحتوى غربي علماني مخالف للإسلام إن لم يكن مفارقاً ومعادياً له. ومن هنا حدث اللبس الذي عكر الأجواء الثقافية وأوجد فيها الاضطراب والبلبلة؛ فالعلمانيون الذين احتكروا منابر الفعل والحركة الثقافية لا يفتؤون يمتدحون (الثقافة) و (المثقفين) ويرفعون لواءهما، ويدافعون عنهما، ويقف عامة الناس متفرجين لكنهم مسرورن؛ لأن الثقافة عندهم لها معنى إيجابي هو الفهم والفقه، والتعمق في القراءة والعلم، وتكميل الشخصية، وتطوير العقل وفق جذور معناها في الوسط الإسلامي؛ لكنهم لا يدركون أن الثقافة التي يجري الحديث عنها ليل نهار وترفع رايتها إنما هي الثقافة الناظرة صوب الغرب والمستمدة مفاهيمها من هناك، وهم لا يدركون ذلك إلا إذا خرج (مثقف) بكتاب يطعن في الإسلام، أو إذا وقعت واقعة كالاحتفال (الثقافي) بالاحتلال الفرنسي للبلد المسلم وسط دعاية طنانة تجعل من ذلك الغزو السافر المقترن بهمجية الاحتلال ووحشيته بداية التاريخ المصري الحديث وفاتحة النهضة الفكرية والاجتماعية وباعث الحياة في أمة قتل روحها الإسلام! تزوير المعاني: إن الثقافة عند النخبة العلمانية هي ما جاء من الغرب، ومعيارها هو محاذاة النموذج الغربي والسير وراءه، ومقياسها هو التمشي واللحاق بأحدث ما يخرج في الغرب من مذاهب ونظريات فكرية وفلسفية واجتماعية واقتصادية.. إلخ. إن مفهوم الثقافة عند هؤلاء هو في الحقيقة التبعية لا غير ومحض الذيلية حتى وهم يرفعون العقيرة بالحديث عن الإبداع وثقافة الإبداع لا ثقافة التلقين (الإسلام) ! وحتى عندما يتحدثون عن (الثقافة الوطنية) أو (الثقافة الجماهيرية) فلا يخلو حديثهم هذا من التبعية والذيلية؛ لكنها تبعية مستترة خفية. فالثقافة الوطنية عندهم هي ثقافة النخبة العلمانية المتغربة، وتقابلها ثقافة الظلام والرجعية والردة (الإسلام) أما الثقافة (الجماهيرية) فهي ليست ثقافة الجماهير القائمة أو التي كانت قائمة؛ لأن تلك الثقافة إسلامية الطابع والجوهر، وإنما هي الثقافة التي يراد لها أن تنتشر وتسود بين الجماهير بقوة الفرض والإلحاح الإعلامي والدعائي وهي الثقافة المُعَلْمَنَةُ. ومما له مغزى في هذا الصدد أن هناك بعض كتب أصدرها علمانيون يكيدون بها للإسلام في الفترة الماضية القريبة إنما خرجت للناس أول ما خرجت من خلال سلاسل ثقافية عنونت باسم الثقافة الجماهيرية أو الثقافة للجميع أو مكتبة الأسرة وما شابه ذلك من الأسماء، والعلمانيون يستغلون شعار وممارسات (الثقافة الجماهيرية) ومؤسساتها للترويج لأشكال وأنماط من النشاط أقل ما توصف به أنها مجلوبة من الغرب دون جذور لها في الوسط الإسلامي حتى ولو أضيفت إليها مظاهر خارجية توحي بأن لها أصلاً في التراث العربي الإسلامي. ومن الأمثلة الجلية على ذلك ما درجت عليه أجهزة الثقافة الجماهيرية في بلد كمصر من تنظيم عشرات من حفلات الرقص (المسمى بالشعبي) خلال شهر رمضان بحجة الاحتفال بالشهر الكريم. ولو تأمل المرء في أصل هذا الرقص الشعبي لوجد وراء دقات الزار أو دوران الدراويش أو الجلابيب التي يرتديها الراقصون في خطوات وحركات.. الرقص الغربي نفسه، وقد جلبت إلى العالم العربي، كما يجد مفاهيم الغرب نفسه في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر التي سعت إلى إحياء أمجاد الماضي الأوروبي في العصور الوسيطة (حسب تصورهم) وتعيدها للحاضر كي تهديه أو تنير له الطريق، ولكن كانت دعوة إحياء الفنون والآداب الشعبية قد جاءت في الغرب في إطار عملية إحياء شاملة لتراث الغرب وهويته الحضارية. أما مسألة الفنون الشعبية والثقافة الجماهيرية وما أشبهها عندما تروج في بلادنا العربية والإسلامية فإن المقصود بها عادة يكون إما إحياء تقاليد تراث وثني قديم سابق على الإسلام، أو نشر أشكال من الخلاعة والمجون من خلال الرقص والغناء والانشغال بهما؛ لكن يبقى الهدف المستتر هو علمنة وتغريب الثقافة الإسلامية باتخاذ أشكال خارجية قد يبدو لبعضهم أنها نابعة من التقاليد المحلية (التراث القومي) لكنها مملوءة بمضامين أو تفسيرات تُجعل امتداداً للمفاهيم الغربية في شتى جوانبها المتراوحة من الاحتفاء بالوثنية إلى الاحتفال بالإباحية. إن مفهوم الثقافة كما يُروّج له الآن من عدة تيارات وجهات علمانية في العالم العربي وهي جهات ملكت أدوات الفعل والقرار والتنفيذ الرسمية في العديد من البلدان يخفي وراءه حتى ولو تسربل بثياب الثقافة الشعبية أو الجماهيرية انحيازاً كاملاً للمفاهيم والتوجهات الغربية. وتحت هذا المفهوم وأبعاده تصبح الثقافة الإسلامية وهي الثقافة الأصلية والأصيلة (لا ثقافة) . أي تصبح منفية ومقصاة ومقموعة تحت شعارات جذابة هي رفض الرجعية والظلامية والانغلاق ... إلخ. وهكذا يكشف هذا المفهوم عن أحد أشد جوانبه شراً وخطورة ألا وهو العنصرية البغيضة التي ترفع شعارات العقل والتنوير والديمقراطية والحرية والتعددية وما شابهه؛ ولكنها في الوقت نفسه تمارس أبشع أشكال الاستئصال والإقصاء للتيار الثقافي الأصيل والغالب وهو الإسلام. إن الدكتاتورية هي الوجه الآخر المختفي من مفهوم الثقافة الذي يحرص على إظهار نفسه في صورة نظيفة ناصعة البياض. والواقع أن مفهوم الثقافة هذا يكشف عند تدبره عن أوجه كثيرة تخالف كلها المعلن منه، وتناقض مزاعم الدعاية الطنانة التي تُروّج له وتطنطن به جاعلة منه لفظ مديح واستحسان حتى يحرص كل (مثقف) على أن يتصف به حتى يُعدّ من زمرة المرضي عنهم! فإذا كان الشعار هو (الثقافة الوطنية) فإن المضمون غربي علماني يناقض المفهوم العربي الإسلامي، وإذا كان الشعار هو الجماهيرية والشعبية فإن المضمون هو النخبة والصفوة التي تحاول أن تُكْسِب أفكارها الخاصة والغريبة عن الشعب والجماهير لباس الانتشار والذيوع والأصالة، كما تحاول أن تسلب الأشكال الشعبية مضامينها الأصيلة وتملأها بمضامين معلمنة ثم تعيد إطلاقها وسط الناس تحت زعم أنها تنتمي إليهم، وإذا كان الشعار المرفوع هو الديمقراطية والانفتاح والتعددية فإن الممارسة المشهودة هي الاستبداد بالرأي وحجب المخالفين حتى ولو كانوا يمثلون فكر الأغلبية وعقيدتها ثم رميهم بتهم الرجعية والتخلف. إننا عندما نسمع وصف الثقافة والمثقف يُطلق اليوم على اعتبار أنه وصف استحسان ومديح فإن علينا أن نبحث في الخلفيات والبواعث وفي حقيقة المضامين المستخدمة ظاهرة وخفية، وعلينا أن نستكشف أبعاده المختلفة وأبعاد المفاهيم الأخرى المقصاة عند استخدامه وهي في المقام الأول مفاهيم الثقافة الإسلامية. ولعل هذا المقال يكون فاتحة نقاش واسع حول هذه المحاور.

стр. 3081

بأقلامهن دور المرأة المسلمة في تنشئة الجيل الصالح (١ /٢) خولة درويش الأمة بأبنائها وبناتها، بأجيالها البناءة المهيأة لنشر راية الإسلام خفاقة ودحر عدوان ملل الكفر والطغيان ... إن بناء الأجيال هو الذخر الباقي لما بعد الموت ... وهو لذلك يستحق التشجيع والاهتمام أكثر من بناء القصور والمنازل من الحجارة والطين. وحيث إن التربية ليست مسؤولية البيت وحده؛ إذ هناك عوامل أخرى تساهم في تربية الأجيال، فسوف نتناول الدور التربوي للمرأة المسلمة في تنشئة الجيل الصالح. إنه لحلمٌ يراود كل أم مسلمة تملّك الإيمان شغاف قلبها، وتربع حب الله تعالى وحب رسوله الكريم ﷺ على حنايا نفسها، أن ترى ابنها وقد سلك سبل الرشاد، بعيداً عن متاهات الانحراف، يراقب الله في حركاته وسكناته، أن تجد فلذة كبدها بطلاً يعيد أمجاد أمته، عالماً متبحراً في أمور الدين، ومبتكراً كل مباح يسهّل شأن الدنيا. إنها أمنية كل أم مسلمة، أن يكون ابنها علماً من أعلام الإسلام، يتمثل أمر الله تعالى في أمور حياته كلها، يتطلع إلى ما عنده من الأجر الجزيل، يعيش بالإسلام وللإسلام. وسيبقى ذلك مجرد حلم للأم التي تظن أن الأمومة تتمثل في الإنجاب، فتجعل دورها لا يتعدى دور آلة التفريخ ... ! أو سيبقى رغبات وأماني لأم تجعل همها إشباع معدة ابنها؛ فكأنها قد رضيت أن تجعل مهمتها أشبه بمهمة من يقوم بتسمين العجول ... ! وتلك الأم التي تحيط أبناءها بالحب والحنان والتدليل وتلبية كل ما يريدون من مطالب سواء الصالح منها أو الطالح، فهي أول من يكتوي بنار الأهواء التي قد تلتهم ما في جعبتها من مال، وما في قلبها من قيم، وما في ضميرها من أواصر؛ فإذا بابنها يبعثر ثروتها، ويهزأ بالمثل العليا والأخلاق النبيلة، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل. والأم المدلّلة أول من يتلقى طعنات الانحراف؛ وأقسى الطعنات تتمثل في عقوق ابنها. ولنا أن نتساءل عن أهم ما يمكن للأم أن تقدمه لأبنائها. أولاً: الإخلاص لله وحده: إن عليها قبل كل شيء الإخلاص لله وحده؛ فقد قال تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] [البينة: ٥] ، فاحتسبي أختي المؤمنة كل جهد تكدحينه لتربية الأولاد، من سهر مضنٍ، أو معاناة في التوجيه المستمر، أو متابعة الدراسة، أو قيام بأعمال منزلية ... احتسبي ذلك كله عند الله وحده؛ فهو وحده لا يضيع مثقال ذرة، فقد قال جل شأنه: [وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [الأنبياء: ٤٧] فلا تجعلي للشيطان سلطاناً إن قال: أما آن لك أن ترتاحي..؟ ! فالرفاهية والراحة الموقوتة ليست هدفاً لمن تجعل هدفها الجنة ونعيمها المقيم. والمسلمة ذات رسالة تُؤجَر عليها إن أحسنت أداءها، وقد مدح الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة بخصلتين بقوله: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش: أحناه على ولد في صغره، وأدعاه على زوج في ذات يده) [١] . ثانياً: العلم: والأم المسلمة بعد أن تحيط بالحلال والحرام تتعرف على أصول التربية، وتنمي معلوماتها باستمرار. قال تعالى: [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] [طه: ١١٤] فهذا ديننا دين يدعو إلى العلم، فلماذا نحمّل الإسلام قصور تفكيرنا وتخلفنا عن التعلم، ليقال: إن الإسلام لا يريد تعليم المرأة ... وإن الإسلام يكرس جهل المرأة؟ ! لا ... إن تاريخنا الإسلامي يزخر بالعالمات من مفسرات ومحدثات وفقيهات وشاعرات وأديبات. كل ذلك حسب هدي الإسلام؛ فلا اختلاط ولا تبجح باسم العلم والتحصيل! فالعلم حصانة عن التردي والانحراف وراء تيارات قد تبهر أضواؤها من لا تعرف السبيل الحق، فتنجرف إلى الهاوية باسم التجديد والتحضر الزائف، والتعليم اللازم للمرأة، تفقهاً وأساليب دعوية، مبثوث في الكتاب والسنة. ومما تحتاج إليه المرأة في أمور حياتها ليس مجاله التعلم في المدارس فحسب، وإنما يمكن تحصيله بكل الطرق المشروعة في المساجد، وفي البيوت، وعن طريق الجيران، وفي الزيارات المختلفة ... وقد قال النبي ﷺ : (ما بال أقوام لا يفقّهون جيرانهم ولا يعلّمونهم ولا يعظونهم ولا يفهمونهم؟ ! ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله لَيُعلّمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وَلَيتَعلّمنّ أقوام من جيرانهم ويتعظون أو لأعاجلنهم بالعقوبة) [٢] . فهيا ننهل من كل علم نافع حسب ما نستطيع، ولنجعل لنا في مكتبة البيت نصيباً؛ ولنا بذلك الأجر إن شاء الله. ثالثاً: الشعور بالمسؤولية: لا بد للمرأة من الشعور بالمسؤولية في تربية أولادها وعدم الغفلة والتساهل في توجيههم كسلاً أو تسويفاً أو لا مبالاة. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] [التحريم: ٦] فلنجنب أنفسنا وأهلينا ما يستوجب النار. فالمحاسبة عسيرة، والهول جسيم، وجهنم تقول: هل من مزيد؟ ! وما علينا إلا كما قال عمر ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر) . ولن ينجي المرأة أنها ربت ابنها لكونها طاهية طعامه وغاسلة ثيابه؛ إذ لا بد من إحسان التنشئة، ولا بد من تربية أبنائها على عقيدة سليمة وتوحيد صافٍ وعبادة مستقيمة وأخلاق سوية وعلم نافع. ولتسأل الأم نفسها: كم من الوقت خصّصتْ لمتابعة أولادها؟ وكم حَبَتهم من جميل رعايتها، ورحابة صدرها، وحسن توجيهاتها؟ ! علماً بأن النصائح لن تجدي إن لم تكن الأم قدوة حسنة! فيجب أن لا يُدْعى الابن لمكرمة، والأم تعمل بخلافها. وإلا فكيف تطلب منه لساناً عفيفاً وهو لا يسمع إلا الشتائم والكلمات النابية تنهال عليه؟ ! وكيف تطلب منه احترام الوقت، وهي أي أمه تمضي معظم وقتها في ارتياد الأسواق والثرثرة في الهاتف أو خلال الزيارات؟ ! كيف.. وكيف؟ أختي المؤمنة: إن ابنك وديعة في يديك، فعليك رعايتها، وتقدير المسؤولية؛ فأنت صاحبة رسالة ستُسألين عنها، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] [التحريم: ٦] . أما متى نبدأ بتوجيه الصغير؟ ! فذلك إذا أحس الطفل بالقبيح وتجنبه، وخاف أن يظهر منه أو فيه، فهذا يعني أن نفسه أصبحت مستعدة للتأديب صالحة للعناية؛ ولهذا يجب أن لا تُهمل أو تُترك؛ بل يكون التوجيه المناسب للحدث بلا مبالغة، وإلا فقدَ التوجيهُ قيمته. وفي كل تصرف من تصرفات المربية وكل كلمة من كلماتها عليها أن تراقب ربها وتحاسب نفسها لئلا تفوتها الحكمة والموعظة الحسنة، وأن تراعي خصائص النمو في الفترة التي يمر فيها ابنها، فلا تعامله وهو شاب كما كان يعامل في الطفولة لئلا يتعرض للانحراف، وحتى لا تُوقِع أخطاءُ التربية أبناءنا في متاهات المبادئ في المستقبل يتخبطون بين اللهو والتفاهة، أو الشطط والغلو؛ وما ذاك إلا للبعد عن التربية الرشيدة التي تسير على هدي تعاليم الإسلام الحنيف؛ لذلك كان تأكيدنا على تنمية معلومات المرأة التربوية لتتمكن من معرفة: لماذا توجه ابنها؟ ومتى توجهه؟ وما الطريقة المثلى لذلك؟ رابعاً: لا بد من التفاهم بين الأبوين: فإن أخطأ أحدهما فليغضّ الآخر الطرف عن هذا الخطأ، وليتعاونا على الخير بعيداً عن الخصام والشجار، خاصة أمام الأبناء؛ لئلا يؤدي ذلك إلى قلق الأبناء، ومن ثم عدم استجابتهم لنصح الأبوين. خامساً: إفشاء روح التدين داخل البيت: إن الطفل الذي ينشأ في أسرة متدينة سيتفاعل مع الجو الروحي الذي يشيع في أرجائها.. والسلوك النظيف بين أفرادها. والنزعات الدينية والخلقية إن أُرسيت قواعدها في الطفولة فسوف تستمر في فترة المراهقة ثم مرحلة الرشد عند أكثر الشباب، وإذا قصّر البيت في التربية الإيمانية، فسوف يتوجه الأبناء نحو فلسفات ترضي عواطفهم وتشبع نزواتهم ليس إلا. فالواجب زرع الوازع الديني في نفوس الأبناء، ومن ثَمّ مساعدتهم على حسن اختيار الأصدقاء؛ وذلك بتهيئة الأجواء المناسبة لاختيار الصحبة الصالحة من الجوار الصالح والمدرسة الصالحة، وإعطائهم مناعة تقيهم من مصاحبة الأشرار. سادساً: الدعاء للولد بالهداية وعدم الدعاء عليه بالسوء: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجاب لكم) [٣] . وأولاً وأخيراً: ينبغي ربط قلب الولد بالله لتكون غايته مرضاة الله والفوز بثوابه [فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ] [الأنبياء: ٩٤] . وهذا الربط يمكن أن تبثه الأمهات بالقدوة الطيبة، والكلمة ... المسؤولة، والمتابعة الحكيمة، والتوجيه الحسن، وتهيئة البيئة المعينة على الخير، حتى إذا كبر الشاب المؤمن تعهد نفسه: فيتوب عن خطئه إن أخطأ ويلتزم جادة الصواب، ويبتعد عن الدنايا، فتزكو نفسه ويرقى بها إلى مصافِّ نفوس المهتدين بعقيدة صلبة وعبادة خاشعة ونفسية مستقرة وعقل متفتح واعٍ وجسم قوي البنية، فيحيا بالإسلام وللإسلام، يستسهل الصعاب، ويستعذب المر، ويتفلت من جواذب الدنيا متطلعاً إلى ما أعده الله للمؤمنين المستقيمين على شريعته: [إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] [فصلت: ٣٠] .

стр. 3082

مصطلحات ومفاهيم أهْلُ الذِّمَّة د. عثمان جمعة ضميرية لقي مصطلح (أهل الذمة) شيئاً من الهجوم أو التحريف على أيدي بعض المسلمين المعاصرين، بحجة الدفاع عن الإسلام، أو تقريب أحكامه لغير المسلمين؛ فكان من الواجب أن نتناول هذا المصطلح بشيء من البيان الإجمالي، بما يتفق مع طبيعة المجلة واتساع صفحاتها، والله الموفق. أولاً: الذمة في اللغة: تطلق الذمّة والذّمام في اللغة على العهد والأمان، والضمان والكفالة، والحقّ، وكلّها معانٍ متقاربة. وتضييعها مذمومٌ؛ ولذلك تطلق كلمة (الذمة) و (المذمة) على كلّ حرمةٍ يلزم من تضييعها الذمّ، ويسمى العهد ذمّةً؛ لأن نقضه وتضييعه يوجب الذمّ. ورجلٌ ذميّ معناه: له عهد، سُمّي بذلك؛ لأنه أُعطي الأمان على ذمة الجزية التي تؤخذ منه. ويراد بالذمة: العهد مؤقتاً كان أو مؤبّداً وذلك عقد الأمان وعقد الذمة، وقد يحذف المضاف فيقال: (الذمة) بمعنى أهل الذمة. ثانياً: الذمة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية: لما نزل القرآن الكريم وحياً على نبينا محمد ﷺ جاءت فيه كلمة (الذمة) بمعنى العهد، والميثاق، والحِلْف، والقرابة. كما في قوله تعالى: [كَيْفَ وَإن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلا ذِمَّةً] [التوبة: ٨] ، أي: عهداً؛ فهو عبارة عن اللزم، ومنه سُمّي محل الالتزام من الآدمي: ذمة؛ فإن الذمة للآدمي هي محل الالتزام بالعهد. كما جاء ذكر الذمة في الحديث الشريف بأكثر المعاني اللغوية السابقة، كقوله ﵊: (يسعى بذمتهم أدناهم) [١] . أي: إذا أعطى أحد من جيش المسلمين العدوّ أماناً جاز ذلك على جميع المسلمين، وليس لهم أن يخفروه، ولا أن ينقصوا عهده وأمانه. ومنه قوله ﵊: (ذمة المسلمين واحدة..) [٢] . وجاءت الذمة بمعنى (الحقّ) في حديث عليّ ﵁: (ما يُذْهِب عني مذمّة الرّضاع؟ قال: غُرّةٌ؛ عبدٌ أو أمة) [٣] . والمذمة هنا بالكسر والفتح: الحقّ والذمة التي يُذَمّ مضيّعها. ثالثاً: الذمة في الاصطلاح الشرعي العام: تطلق الذمة في الشرع إطلاقاً عاماً بمعنيين: (أحدهما) ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الذمة وصف اعتباري قدّره الشارع في الإنسان، يصير به أهلاً للإلزام والالتزام؛ لأن الله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانة التكليف أكرمه بالعقل والذمة؛ ليكون بهما أهلاً لوجوب الحقوق له وعليه؛ فثبت له حقّ العصمة والحرية والمالكية. وثبتت عليه حقوق الله تعالى ... والحاصل: أن هذا الوصف بمنزلة السبب لكون الإنسان أهلاً للوجوب له وعليه. (والمعنى الثاني للذمة) ما ذهب إليه بعضهم من أن الذمة والعهد يراد بهما شرعاً: شخص أو نَفْسٌ ورقبة لها ذمة وعهد. فإذا قلنا: وجب في ذمته كذا، أو ثبت في ذمته كذا ... فالمراد به: وجب في نفسه وذاته، أي في محل ثبت فيه العهد الماضي، وهو النفس أو الرقبة باعتبار كونهما محلاً لذلك العهد؛ فالرقبة تفسير للنفس، والعهد تفسير للذمة، وهذا عند التحقيق من تسمية المحلّ باسم الحالّ، ثم شاع هذا الاستعمال فأصبح حقيقة عرفية [٤] . رابعاً: الذمة في الاصطلاح الفقهي: يطلق العلماء الذمة في الاصطلاح الفقهي في باب السّير والجهاد على العهد مطلقاً، مؤقتاً كان أو مؤبداً، وهما عقد الذمة وعقد الأمان كما نجده عند الإمام محمد بن الحسن الشيباني وعند العلامة ابن قيم الجوزية ولكن صار اصطلاح أهل الذمة عبارة عمن يؤدي الجزية. وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وقد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله [٥] . خامساً: تعريف عقد الذمة: عرّف العلماء عقد الذمة بتعريفات متعددة وألفاظ متقاربة؛ فهو عند الإمام الشيباني: عقد ينتهي به القتال ويلتزم به الذميّ أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، والرضا بالمقام في دار الإسلام. وهو عند الشافعية: التزام تقرير غير المسلمين في ديارنا وحمايتُهم والذبّ عنهم، ببذل الجزية، والاستسلام من جهتهم. وبهذا التعريف أيضاً قال المالكية. وهو عند الحنابلة: إقرار بعض الكفار على كفره بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملّة [٦] . وبعبارة أخرى: هو عقد يكتسب به غير المسلم حقّ الإقامة الدائمة في دار الإسلام، مع حماية الشريعة الإسلامية، وذلك بمقابل دفع ضريبة تسمى الجزية، ولقاء القيام بالواجبات العَقْديّة والعرفية [٧] . سادساً: تعريف أهل الذمة: ومن تلك التعريفات للذمة، وعقد الذمة، جاء تعريف الذميين أو أهل الذمة أنفسهم. فقال الأزهري: هم الذين يؤدون الجزية، من الكفار كلّهم، فيأمنون بها على دمائهم وأموالهم. وقال الغزاليّ الشافعي في تعريف الذميّ: هو كل كتابيّ ونحوه عاقلٍ بالغٍ حُرّ ذكر متأهب للقتال قادر على أداء الجزية. وقال ابن عبد الهادي الحنبلي: أهل الذمة هم الكفار المقيمون تحت ذمة المسلمين بالجزية [٨] . وعلى هذا؛ فأهل الذمة هم: الأجانب غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام إقامة دائمة على أساس عقد الذمة الذي يحدّد مركزهم وحقوقهم وواجباتهم. وأهل الذمة يُسمّون كذلك: (أهل ذمة رسول الله ﷺ ؛ لأن عقد الذمة كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ وفي ذلك تأكيد لصيانة حقوقهم كاملة. وسُمّوا (أهل الذمة) لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم؛ فهم أهل العقد والعهد. سابعاً: مشروعية عقد الذمة وتاريخه: الأصل في مشروعية عقد الذمة: قوله تعالى في سورة التوبة: [قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] . وسورة التوبة نزلت بعد فتح مكة المكرمة، في السنة التاسعة للهجرة، وكان نزول هذه الآية الكريمة منها حين أمر النبي ﷺ أصحابه بغزوة تبوك ومواجهة الروم وعمّالهم من الغساسنة المسيحيين العرب، فمشروعية عقد الذمة وأخذ الجزية إنما كانت بعد نزول سورة التوبة [بَرَاءةٌ] ، وأما ما كان قبل ذلك، بين النبي ﷺ وبين المشركين، وغيرهم كاليهود في المدينة أول العهد والهجرة إليها فهذه عهود ومعاهدات إلى مُدَدٍ معينة، لا على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه [٩] . ثم تواردت الأحاديث القولية والسنة العملية تبيّن مشروعية الجزية وعقد الذمة، وجرى على ذلك العمل في عهد الخلفاء الراشدين، ومَنْ بعدهم في صدر الدولة الإسلامية، إلى وقت قريب؛ حيث اختفى أو توارى هذا النظام في العمل الدولي الإسلامي المعاصر نتيجة لملابسات وتطورات لا يجوز أن تؤثر على أصل الحكم الشرعي [١٠] . ثامناً: حكمة مشروعية عقد الذمة: يوجب الإسلام تأليف قلوب غير المسلمين المقيمين في دار الإسلام وحسن معاملتهم. وإقامة غير المسلمين في دار الإسلام إقامة دائمة سبيلٌ للدعوة إلى الإسلام بأحسن الطرق من خلال المخالطة والمعاملة المتبادلة، وبذلك يتعرف غير المسلمين على أحكام الإسلام ومحاسنه ودلائله؛ مما قد يحملهم ذلك على الدخول فيه عن طواعية واختيار، وعن قناعة ورضى، وهذا يعني أن المسلمين ينبغي أن يكونوا في سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم ترجمة صادقة لأحكام الإسلام. تاسعاً: مَنْ تُعْقد لهم الذمة؟ : انعقد إجماع العلماء على عقد الذمة وقبول الجزية من أهل الكتابيْن اليهود والنصارى والمجوس، وأهل الأوثان من العجم، وعلى عدم قبولها من المرتدّين. ووقع الخلاف فيما وراء ذلك؛ فذهب أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن إلى أنها تُقْبل من مشركي العرب. وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال أبو يوسف القاضي: لا تؤخذ من العربي؛ كتابياً كان أو مشركاً. وذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب، فتؤخذ من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً، ولا تؤخذ من المشركين بحالٍ. وذهب الأوزاعي ومالك إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتدّ. وقد رجح القاضي أبو بكر العربي، وابن تيمية، وابن القيم والشوكاني رجحوا هذا المذهب الأخير في عقد الذمة لجميع الكفار عدا المرتدين؛ لأن أخذ الجزية من المجوس وهم أهل شرك دليل على جواز أخذها من جميع المشركين؛ وليس في القرآن الكريم ولا الحديث الشريف تخصيص العرب بحكمٍ من أحكام الشريعة. وإنما لم يأخذها ﷺ من أهل الأوثان العرب؛ لأنهم كانوا قد أسلموا قبل نزول آية الجزية، كما لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه؛ لأن آية الجزية لم تكن نزلت بعد، ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض [١١] . عاشراً: مركز الذميين: القاعدة العامة في مركز أهل الذمة في الدولة الإسلامية دار الإسلام أنهم رعية من رعاياها، يسري عليهم القانون الإسلامي فيما يتعلق بشؤونهم الدنيوية، ويلتزمون بأحكام الإسلام فيما يعود إلى العقوبات والمعاملات، فيما يُحْكم به عليهم من أداء الحقوق أو ترك المحرّمات؛ لأنهم من أهل دار الإسلام، وفيما عدا ما يختصون به من أحكام دينهم في الاعتقادات والعبادات، وفي الزواج والطلاق (الأحوال الشخصية) ونحو ذلك مما يرونه عندهم فهم فيه أحرار، لا يتعرض لهم المسلمون بشيء. والحكم العام الذي يطبّق على أهل الذمة في الدولة الإسلامية هو ما عبّر عنه عليّ [بقوله: (من كانت له ذمتنا فَدَمُه كدَمِنا ودِيتُه كديتنا) ] ١٢ [. وعلى هذا؛ فإن ما يطلقه بعض الكتّاب من المساواة التامة بين المسلمين والذميين، ليس صحيحاً على إطلاقه، وإنما ينبغي تقييده، فهي مساواة أمام القانون وليست مساواة في القانون كما عبّر بعضهم عن ذلك؛ وذلك لأن بعض الحقوق والحريات لها مواصفات لا تنطبق على الذميين] ١٣ [. وذلك كله منبثق من أن الذميين رعية من رعايا دار الإسلام، وإن لم يكونوا جزءاً من الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة الإسلامية لها معنىً ديني؛ ولهذا؛ فلا يتمتع الذميون بالجنسية الإسلامية، وإن كان بعض المعاصرين يميل إلى أنهم يتمتعون بها باعتبارهم من أهل دار الإسلام، مع أن رابطة الجنسية بالمفهوم الحديث رابطة حدثية. ولا نجد ضيراً في اعتبار الذميين أجانب عن دار الإسلام، لا يتمتعون بجنسيتها، طالما أنهم رعية من رعاياها يتمتعون بحقوقهم كاملة غير منقوصة. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن هذا كله لا يتنافى مع الحكم الديني على الذميين بأنهم كفار؛ حيث ثبت ذلك بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، كقوله تعالى:] لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [، وقوله:] لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [] المائدة: ٧٢-٧٣ [إلخ. ولذلك لا يجوز أن يحملنا التسامح على الالتفاف على النصوص وتحريفها لتوافق أغراضاً وأهواءً منحرفة.

стр. 3083

متابعات سيرة عالم ودعنا د. طارق بن محمد عبد الله الخويطر يوم السبت الموافق السابع عشر من شهر ذي الحجة من عام تسعة عشر وأربعمائة وألف فقد المسلمون عالماً جليلاً، ومربياً فاضلاً ومعلماً حكيماً، وقد أبكى هذا الحدث الصغير والكبير، والقريب والبعيد، رأينا في المقبرة أناساً حضروا للصلاة والدفن ممن لم يروا الشيخ أبداً، ومع ذلك؛ فقد ملئت قلوبهم بمحبته بسبب سماعهم لسيرته الحسنة وأخلاقه الفاضلة، ولم يخطر ببال أحد أن يرى هذه الأمواج من الناس الحاضرين لأجل الصلاة والدفن؛ فكل يوم يُفقد أناس ولكن لم يعهد هذا الحضور المزدحم في الشوارع وفي المسجد حتى صلت جماعات بعد الإمام لعدم تمكنهم من الصلاة معه، ومن رأى هذا الموقف تذكر كلام العلماء السابقين رحمهم الله فقد وصفوا جنائز العلماء بأنها مشهودة من خلق كثير، ولذا؛ قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ لأهل البدع: (بيننا وبينكم الجنائز) فخرج في جنازته بغداد كلها، وخرج في جنازة ابن أبي دؤاد وهو من أشعل نار الفتنة خرج معه ثلاثة رجال، دفنوه في جنح الظلام خائفين، ولعل طلبة العلم وغيرهم ممن رأى ذلك الجمع المشهود أحبوا أن يتعرفوا على شخصية الشيخ ليسيروا في طريق المجد فأقول: ولد الشيخ ﵀ في عام ١٣٤١هـ من أبوين صالحين، تُوفي والده وعمره ١٣ عاماً، فحضنته أمه الصالحة، وأحسنت تربيته؛ فعكف على القرآن الكريم حتى حفظه حفظاً متقناً، ثم سافر إلى الرياض لحضور حلقات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ فلازمه مدةً حفظ خلالها أهم المتون العلمية في: الفقه، والعقيدة، والحديث، والنحو، حتى كوّن قاعدة علمية صلبة، وذلك راجع إلى فضل الله جل وعلا ثم إلى جَلَده وصبره من أجل العلم؛ فقد كان يردد حفظه في أوقات نوم الطلاب بعد الظهر وبعد العشاء فجمع في فترة قصيرة حفظاً وفهماً ميزه عن بعض زملائه. وقد نُقِل للشيخ محمد بن إبراهيم مثابرته وجده في التحصيل فعينه قاضياً في سدير عام ١٣٦٨هـ، فذهب إليها وبقي فيها نحو أربع سنوات. ومع صغر سنه ذلك الوقت إلا أنه ﵀ عقد للناس دروساً في الفقه والعقيدة والحديث؛ وقد أحبه الناس هناك لمّا رأوا علمه وتواضعه، فطلبوا من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم إبقاءه عندهم للفائدة التي لمسوها من وجوده. انتقل بعدها إلى محكمة شقراء وتوابعها، ثم درّس في المعهد العلمي بشقراء لما افتُتح وبقي في شقراء حتى عام (١٣٨١هـ) حيث انتقل في آخر ذلك العام إلى رئاسة محاكم الإحساء فكان قاضياً وإماماً وخطيباً، ثم انتقل إلى العمل في مجلس القضاء الأعلى وبقي فيه حتى طلب التقاعد في أواخر عام (١٤٠٩هـ) . وقد انضم ﵀ إلى هيئة كبار العلماء عند تشكيلها وذلك عام ١٣٩١هـ، ومنذ ذلك العام كانت له مشاركة في برنامج (نور على الدرب) في الإذاعة السعودية. كانت له مكاتبات مع الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ وكانت له صلة بأصحاب الفضيلة العلماء الشيخ محمد بن مانع، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن باز، وقد صدر له رسالة صغيرة بعنوان: قتل الغيلة عام ١٤١٩ هـ، وهي وجهة نظر قديمة للشيخ. حرر فيها مذهب المالكية والذي اعتمده مَنْ قال إن القاتل غيلة يُقتل حداً، ولا يجوز العفو عنه. وفي الطريق إن شاء الله إلى الظهور فتاوى (نور على الدرب) ومقالات بعض العلماء والأدباء في ترجمة الشيخ. وقد خلّف أولاداً قد استفادوا من سيرة والدهم فمنهم: المهندس، والضابط، والمدرس. نسأل الله له المغفرة والرحمة، وأن يرزقه الحسنى وزيادة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 3084

منتدى القراء جراحاتنا تتوالى علي بن أحمد الجميلي جرحٌ يثورُ وحسرةٌ تتجددُ ... والقلب يشكو والحقيقة توأدُ والأمة الثكلى تنوح وتشتكي ... والجرح فيها لم يزل يتولدُ والخصم يغرز خنجراً في جسمها ... وبحكم قانون العدالة تُجهدُ فعلى ثرى (البلقان) جرحٌ مؤلمٌ ... ما زال في أيامنا يتجددُ وإذا (كسوفا) والدخان مكثفٌ ... والكون في داجي الظلام مُلبّدُ جاء الصليب بعدّه وعتاده ... وبكل قوات الدمار يُزودُ بالأمس أشرع في سراييفو يداً ... ومخالباً للجارحات تعددُ واليوم يبدأ جولة محمومة ... قصفاً هنا، وهناك روحٌ تَصْعَدُ تجري دماء المسلمين كأنها ... نهرٌ يشق مساره لا يركدُ وصغيرة فوق الترابِ منامها ... وتُصعّدُ الزفراتِ ثم تُصعّدُ ألْقت إليّ بنظرة في حيرة ... وكأنها تبغي لها من ينجدُ قالت وحالتها تسابق نطقها: ... إني هنا في حالة لا تُحسدُ عماهُ أفترش الترابَ وخيمتي ... سحبٌ فهل يحلو بهذا مرقدُ؟ عماهُ كان أبي يدللني وقد ... أضحى هناك بقبره يتوسدُ عماهُ ما للمسلمين لأمرنا ... وكأنهم عن كل حِسٍ جُردوا؟ صار الجهاد جريمةً وخيانةً ... والرقصُ والإيقاع فعلاً يحمدُ أنا من حملت الدين بين جوانحي ... فلأجله دون البقية أُطرَدُ لو كان ما بي في اليهود لأقبلت ... من كل ناحية يهودٌ تَحشدُ أو كان مابي في الصليب لأقبلت ... أقوامه ضد العدو تُسدّدُ لكنني بالله أطلب عزتي ... فهو الذي يعطي الجميع ويُنجدُ فعقيدتي بين الضلوع حملتها ... فأنا برغم مصائبي أتجلدُ عماه قل للمسلمين ترقبوا ... فالنصر آت والإله مؤيدُُ شياه في سوق الأمم عبد الرحمن بدماسي أصيل لكم صرنا إلى ذل ... وكم بؤنا بخسران وكم جدنا بأموال ... وكم جدنا بأوطان تعال انظر إلينا اليوم ... يا هادي ويا حاني تعال انظر إلى غنم ... تساق بخسة الشان تساق إلى مجازرها ... بإصغاء وإذعان تلقفنا مناهجهم ... فصرنا شبه خرفان ألا عذراً لخرفان ... ألا عذراً بني الضان فإن الله برأكم ... بآيات وتبيان لقد كنا أسود الغاب ... لم نعبأ بفئران خيول الله قد ركبت ... إلى فرس ورومان جحافلنا لقد خرجت ... (تدكّ معاقل الجاني) لقد كنا مصابيحاً ... بإسلام وإيماني *** هموم وهجوم مالك بن فيصل الإبراهيم للشعر في قلبي مقامٌ سام ... إنْ مَسّهُ جمرُ الحياةِ سقاني كم عِشتُ في أفيائهِ مترنماً ... أشدو مع الشادينَ في البستان منه ارتشفتُ عبارتي متحدياً ... خصمي وما قد صَبّ من طغيان فأصبّ من لأوائِه وشُواظِهِ ... ناراً تحرّق خُطةَ الصّلبان هو روضتي الغناء من أزهارِها ... حُبِكَ القصيدُ بأجملِ الألوان ووعاء ذاكرتي ودفتر سيرتي ... وصحيفةُ التاريخ والوجدان يا شعرُ يا ملكَ الفنون بٍسحره ... يا أروع التبيان للإنسان حَنّتْ إلى ذكراك داعيةُ الأسى ... وهفا إلى لقياكَ سِرّ كياني أستمنحُ الأفكارَ من ينبوعِها ... وأصوغها شِعْراً جميل الشان أستنطِقُ الألحانَ وهي حزينةٌ ... فتهزني بروائها الفتان نظمٌ من الوجدانِ صافح ثغرَهُ ... كَلِمُ الجنان برائع التحنان سِرْبٌ إلى حُفرِ النفوسِ وقلبها ... يحثو الشعور بمدمعٍ هتان ... ... ... ... ... *** حوار معها! ! عبد الله عطية الزهراني ذَكّرتُ علّ الذّكْرَ فيها يَنْفعُ ... وتَعِبْتُ أبْغي الشّرّ عنْها يُدْفَعُ لِمَ لا تريدينَ السّلامَ وأمْنَهُ؟ ... أوَ مَا رَأيتِ يدَ المنيّةِ تَرْدَعُ؟ أوَ مَا عَلِمْتِ بأنّ جسْمِي نَاحِلٌ ... مِما صَنَعْتِ، وأنّ قَلبي مُوجعُ؟ أوَ مَا تُريدينَ الجِنانَ وحُسنها ... عِنْدَ الإلهِ، فنِعمَ ذَاكَ المطمَعُ؟ أوَ مَا عَملْتِ لهولِ يومٍ بأسُهُ ... دَكّ الجبالَ، ولمْ تكُنْ تتزعْزعُ؟ قالتْ وفيِ العَينين حقْدٌ واضحٌ ... تَبْدو شرارتُهُ، وسمّ يتْرَعُ بيني وبينكَ صولَةٌ لا تنْتهي، ... البأسُ فيها، والصّوارمُ تقْطعُ بيني وبينكَ جولةٌ أعْدَدْتُها ... إبليسُ قائدُها يُبيحُ ويمنعُ جُنْدي كثيرٌ، والمقانِبُ [١] كظّةٌ ... بالخيل عندي، والأسنّةُ تُشرَعُ وبصفّيَ الدّنيا عليك، ولِلْهَوى ... كَفّ تؤازِرُني، وكفّ تصْفَعُ يا أيها الخصْمُ الذّي عامَلْتُهُ ... بالحسنِ، والأحقادُ عنْها أرفَعُ لسْتُ الوحيدَ فإنّ قلبي مفعمٌ ... بالدّين، والإيمانُ لا يتضْعضعُ ربّي مَعي أنّى اتّجهتُ بنورهِ ... يزدانُ درْبي، بالعقيدةِ أصْدَعُ واللهِ لو قُطّعْتُ حتّى ينْتهي ... جَسدي، فلا عظمٌ يظلّ وإصبَعُ ما كنتُ للإسلامِ خصماً طالبا ... نصراً، فإنّي بالشريعةِ مُولَعُ الحرب الضروس صلاح نور عبد الشكور (كأس وغانية تفعلان في تدمير الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع) نعم لقد أدرك أعداء الإسلام خطورة هذا الجانب في الوقت الذي يجهله كثير من المسلمين ويا للأسف ... حرب الأخلاق والقيم.. تبدد الشعوب والأمم ... وتُخِير العزائم والهمم، وتجعل الفرد منتمياً إلى دينه بهويته وبلدته؛ لكنه منحازٌ لأعدائه بأفكاره وأخلاقه وتعامله. أليست المنية أفضل من أن يكون المرء كذلك؟ ! ! نعم لقد تفرق شمل اليهود والنصارى، واختلفت آراؤهم وتباينت معتقداتهم كما قال المولى -جل وعلا-: [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى] [الحشر: ١٤] . نعم تفرقوا إلا علينا. ولست ألقي اللوم على الأعداء في خططهم وتآمرهم لهدم كيان هذا الدين، ولكني ألقي اللوم كل اللوم على من مشى وراءهم ومدّ لهم يد التأييد وسخر قلمه ولسانه معهم ... وفي النهاية.. ما هي إلا دعوة صادقة للرجوع لهذا الدين والتمسك بقيمه وأخلاقه والسير على منهجه بنور الكتاب والسنة؛ حتى يتحقق وعد الله : [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] [النور: ٥٥] .

стр. 3085

الورقة الأخيرة إكسير الحياة عبد الرحمن الحسيني عجيبٌ هو أمر القلوب في حبها وكرهها.. وإقبالها وإدبارها.. وقبولها ورفضها.. وقوتها وضعفها.. وصحتها وسقمها! والأعجب أن ترى لها وتسمع عنها في القرآن الكريم تصويراتٍ فذةً، وعباراتٍ قويةً معبرة؛ تشد الأسماع، وتحير الألباب، وترسخ في الحس ... إن أمرها أخطر بكثير مما يحسب الإنسان! وليس شيءٌ يملك به الإنسان قلبه أعظم من الثقة بربه بل بها يملك دنياه وآخرته. إنها التاج الحق الذي لم يعرفه أصحاب التيجان، والقدم الصدق الذي يفر منه أهل الحوْل والصولجان! ولنتأمل موقف إبراهيم ﵊ واهتزاز نمرود أمامه، وكيف أنه بمنطقٍ بسيط استطاع أن يهزمه؛ حتى وهو في النار، وهو يرد على جبريل بقوله: أما إليك فلا! أو موقف غلامٍ صغير في مملكةٍ كبيرة أمام ملكٍ جبار (صاحب الأخدود) ، وقد سد عليه الملك السبيل؛ فيفتح هو بتاجه المغاليق، ويرجع إليه معلناً عن الفوز بجولةٍ جديدة! ! ويلخص لنا أحد العلماء سر تلك المواقف في قوله: (استحضرتُ عظمة الله؛ فرأيتُ السلطان أمامي كالقط) . أي ثقة تلك التي يستشعرها الداعية وهو يقرأ قول ربه: [وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا] [الطور: ٤٨] ، أو قوله تعالى: [وَاصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ] ؟ ! [هود: ١١٥] . وأي بردٍ يجده وهو يطرح همومه وشجونه وحوله وطوله وقوته بين يدي ربه في خلوة مسجد أو خبوة دار، وهو ينادي مَنْ وَسِعَ سمعه الأصوات: [أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ؟ ! [الأنبياء: ٨٣] . إن أهل الثقة هم أهل الولاية والهداية والرعاية والنصرة والإمامة والتمكين: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] . وهذه الثقة لها في القرآن مواقف شتى، وأمثلةٌ كثيرة، وهي في سِيَر الصالحين؛ حتى لتكاد أن يكون لها لسانٌ حيناً لتنطق به في قول يعقوب عليه السلام: [إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [يوسف: ٨٦] وعلى لسان السحرة: [ ... فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ] [طه: ٧٢] . وتبث أحاسيسها حيناً آخر؛ ليخفق بها القلب وتحرك المواقف والأشخاص.. [وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأََ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ... ] [التوبة: ١١٨] . والأمثلة كثيرة، والمواقف أكثر، غير أن موقف امرأةٍ يشي بذلك كله؛ وهي تُلقي بفلذة كبدها في اليم كي تحفظه! ! ثم تدفع بعد ذلك الخوف والحزن عن نفسها، وتستبشر بفرج السماء! ؛ ليخرج وليدها من اليم؛ فيغير الله به الأرض: [فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ] [القصص: ٧] . حقاً! ! إن تغيير وجه الأرض يبدأ من نقطةٍ واحدة: هي تغيير ما في القلوب أولاً.. [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] . ويوم أن يوجد في كل مدينة رجلٌ من هذا الطراز يربي على يديه رجلاً في كل حي؛ ليُخرِج كلّ منهم نموذجاً في كل مسجد؛ فهنالك يأتي الفرج إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. فثقوا بالله وأبشروا [وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ] [يوسف: ٨٧] ، و [وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ] [الحجر: ٦٥] .
следующие страницы →