← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

بأقلامهن دور المرأة المسلمة في تنشئة الجيل الصالح (١ /٢) خولة درويش الأمة بأبنائها وبناتها، بأجيالها البناءة المهيأة لنشر راية الإسلام خفاقة ودحر عدوان ملل الكفر والطغيان ... إن بناء الأجيال هو الذخر الباقي لما بعد الموت ... وهو لذلك يستحق التشجيع والاهتمام أكثر من بناء القصور والمنازل من الحجارة والطين. وحيث إن التربية ليست مسؤولية البيت وحده؛ إذ هناك عوامل أخرى تساهم في تربية الأجيال، فسوف نتناول الدور التربوي للمرأة المسلمة في تنشئة الجيل الصالح. إنه لحلمٌ يراود كل أم مسلمة تملّك الإيمان شغاف قلبها، وتربع حب الله تعالى وحب رسوله الكريم ﷺ على حنايا نفسها، أن ترى ابنها وقد سلك سبل الرشاد، بعيداً عن متاهات الانحراف، يراقب الله في حركاته وسكناته، أن تجد فلذة كبدها بطلاً يعيد أمجاد أمته، عالماً متبحراً في أمور الدين، ومبتكراً كل مباح يسهّل شأن الدنيا. إنها أمنية كل أم مسلمة، أن يكون ابنها علماً من أعلام الإسلام، يتمثل أمر الله تعالى في أمور حياته كلها، يتطلع إلى ما عنده من الأجر الجزيل، يعيش بالإسلام وللإسلام. وسيبقى ذلك مجرد حلم للأم التي تظن أن الأمومة تتمثل في الإنجاب، فتجعل دورها لا يتعدى دور آلة التفريخ ... ! أو سيبقى رغبات وأماني لأم تجعل همها إشباع معدة ابنها؛ فكأنها قد رضيت أن تجعل مهمتها أشبه بمهمة من يقوم بتسمين العجول ... ! وتلك الأم التي تحيط أبناءها بالحب والحنان والتدليل وتلبية كل ما يريدون من مطالب سواء الصالح منها أو الطالح، فهي أول من يكتوي بنار الأهواء التي قد تلتهم ما في جعبتها من مال، وما في قلبها من قيم، وما في ضميرها من أواصر؛ فإذا بابنها يبعثر ثروتها، ويهزأ بالمثل العليا والأخلاق النبيلة، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل. والأم المدلّلة أول من يتلقى طعنات الانحراف؛ وأقسى الطعنات تتمثل في عقوق ابنها. ولنا أن نتساءل عن أهم ما يمكن للأم أن تقدمه لأبنائها. أولاً: الإخلاص لله وحده: إن عليها قبل كل شيء الإخلاص لله وحده؛ فقد قال تعالى: [وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] [البينة: ٥] ، فاحتسبي أختي المؤمنة كل جهد تكدحينه لتربية الأولاد، من سهر مضنٍ، أو معاناة في التوجيه المستمر، أو متابعة الدراسة، أو قيام بأعمال منزلية ... احتسبي ذلك كله عند الله وحده؛ فهو وحده لا يضيع مثقال ذرة، فقد قال جل شأنه: [وَإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] [الأنبياء: ٤٧] فلا تجعلي للشيطان سلطاناً إن قال: أما آن لك أن ترتاحي..؟ ! فالرفاهية والراحة الموقوتة ليست هدفاً لمن تجعل هدفها الجنة ونعيمها المقيم. والمسلمة ذات رسالة تُؤجَر عليها إن أحسنت أداءها، وقد مدح الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة بخصلتين بقوله: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش: أحناه على ولد في صغره، وأدعاه على زوج في ذات يده) [١] . ثانياً: العلم: والأم المسلمة بعد أن تحيط بالحلال والحرام تتعرف على أصول التربية، وتنمي معلوماتها باستمرار. قال تعالى: [وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً] [طه: ١١٤] فهذا ديننا دين يدعو إلى العلم، فلماذا نحمّل الإسلام قصور تفكيرنا وتخلفنا عن التعلم، ليقال: إن الإسلام لا يريد تعليم المرأة ... وإن الإسلام يكرس جهل المرأة؟ ! لا ... إن تاريخنا الإسلامي يزخر بالعالمات من مفسرات ومحدثات وفقيهات وشاعرات وأديبات. كل ذلك حسب هدي الإسلام؛ فلا اختلاط ولا تبجح باسم العلم والتحصيل! فالعلم حصانة عن التردي والانحراف وراء تيارات قد تبهر أضواؤها من لا تعرف السبيل الحق، فتنجرف إلى الهاوية باسم التجديد والتحضر الزائف، والتعليم اللازم للمرأة، تفقهاً وأساليب دعوية، مبثوث في الكتاب والسنة. ومما تحتاج إليه المرأة في أمور حياتها ليس مجاله التعلم في المدارس فحسب، وإنما يمكن تحصيله بكل الطرق المشروعة في المساجد، وفي البيوت، وعن طريق الجيران، وفي الزيارات المختلفة ... وقد قال النبي ﷺ : (ما بال أقوام لا يفقّهون جيرانهم ولا يعلّمونهم ولا يعظونهم ولا يفهمونهم؟ ! ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله لَيُعلّمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وَلَيتَعلّمنّ أقوام من جيرانهم ويتعظون أو لأعاجلنهم بالعقوبة) [٢] . فهيا ننهل من كل علم نافع حسب ما نستطيع، ولنجعل لنا في مكتبة البيت نصيباً؛ ولنا بذلك الأجر إن شاء الله. ثالثاً: الشعور بالمسؤولية: لا بد للمرأة من الشعور بالمسؤولية في تربية أولادها وعدم الغفلة والتساهل في توجيههم كسلاً أو تسويفاً أو لا مبالاة. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] [التحريم: ٦] فلنجنب أنفسنا وأهلينا ما يستوجب النار. فالمحاسبة عسيرة، والهول جسيم، وجهنم تقول: هل من مزيد؟ ! وما علينا إلا كما قال عمر ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر) . ولن ينجي المرأة أنها ربت ابنها لكونها طاهية طعامه وغاسلة ثيابه؛ إذ لا بد من إحسان التنشئة، ولا بد من تربية أبنائها على عقيدة سليمة وتوحيد صافٍ وعبادة مستقيمة وأخلاق سوية وعلم نافع. ولتسأل الأم نفسها: كم من الوقت خصّصتْ لمتابعة أولادها؟ وكم حَبَتهم من جميل رعايتها، ورحابة صدرها، وحسن توجيهاتها؟ ! علماً بأن النصائح لن تجدي إن لم تكن الأم قدوة حسنة! فيجب أن لا يُدْعى الابن لمكرمة، والأم تعمل بخلافها. وإلا فكيف تطلب منه لساناً عفيفاً وهو لا يسمع إلا الشتائم والكلمات النابية تنهال عليه؟ ! وكيف تطلب منه احترام الوقت، وهي أي أمه تمضي معظم وقتها في ارتياد الأسواق والثرثرة في الهاتف أو خلال الزيارات؟ ! كيف.. وكيف؟ أختي المؤمنة: إن ابنك وديعة في يديك، فعليك رعايتها، وتقدير المسؤولية؛ فأنت صاحبة رسالة ستُسألين عنها، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] [التحريم: ٦] . أما متى نبدأ بتوجيه الصغير؟ ! فذلك إذا أحس الطفل بالقبيح وتجنبه، وخاف أن يظهر منه أو فيه، فهذا يعني أن نفسه أصبحت مستعدة للتأديب صالحة للعناية؛ ولهذا يجب أن لا تُهمل أو تُترك؛ بل يكون التوجيه المناسب للحدث بلا مبالغة، وإلا فقدَ التوجيهُ قيمته. وفي كل تصرف من تصرفات المربية وكل كلمة من كلماتها عليها أن تراقب ربها وتحاسب نفسها لئلا تفوتها الحكمة والموعظة الحسنة، وأن تراعي خصائص النمو في الفترة التي يمر فيها ابنها، فلا تعامله وهو شاب كما كان يعامل في الطفولة لئلا يتعرض للانحراف، وحتى لا تُوقِع أخطاءُ التربية أبناءنا في متاهات المبادئ في المستقبل يتخبطون بين اللهو والتفاهة، أو الشطط والغلو؛ وما ذاك إلا للبعد عن التربية الرشيدة التي تسير على هدي تعاليم الإسلام الحنيف؛ لذلك كان تأكيدنا على تنمية معلومات المرأة التربوية لتتمكن من معرفة: لماذا توجه ابنها؟ ومتى توجهه؟ وما الطريقة المثلى لذلك؟ رابعاً: لا بد من التفاهم بين الأبوين: فإن أخطأ أحدهما فليغضّ الآخر الطرف عن هذا الخطأ، وليتعاونا على الخير بعيداً عن الخصام والشجار، خاصة أمام الأبناء؛ لئلا يؤدي ذلك إلى قلق الأبناء، ومن ثم عدم استجابتهم لنصح الأبوين. خامساً: إفشاء روح التدين داخل البيت: إن الطفل الذي ينشأ في أسرة متدينة سيتفاعل مع الجو الروحي الذي يشيع في أرجائها.. والسلوك النظيف بين أفرادها. والنزعات الدينية والخلقية إن أُرسيت قواعدها في الطفولة فسوف تستمر في فترة المراهقة ثم مرحلة الرشد عند أكثر الشباب، وإذا قصّر البيت في التربية الإيمانية، فسوف يتوجه الأبناء نحو فلسفات ترضي عواطفهم وتشبع نزواتهم ليس إلا. فالواجب زرع الوازع الديني في نفوس الأبناء، ومن ثَمّ مساعدتهم على حسن اختيار الأصدقاء؛ وذلك بتهيئة الأجواء المناسبة لاختيار الصحبة الصالحة من الجوار الصالح والمدرسة الصالحة، وإعطائهم مناعة تقيهم من مصاحبة الأشرار. سادساً: الدعاء للولد بالهداية وعدم الدعاء عليه بالسوء: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجاب لكم) [٣] . وأولاً وأخيراً: ينبغي ربط قلب الولد بالله لتكون غايته مرضاة الله والفوز بثوابه [فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ] [الأنبياء: ٩٤] . وهذا الربط يمكن أن تبثه الأمهات بالقدوة الطيبة، والكلمة ... المسؤولة، والمتابعة الحكيمة، والتوجيه الحسن، وتهيئة البيئة المعينة على الخير، حتى إذا كبر الشاب المؤمن تعهد نفسه: فيتوب عن خطئه إن أخطأ ويلتزم جادة الصواب، ويبتعد عن الدنايا، فتزكو نفسه ويرقى بها إلى مصافِّ نفوس المهتدين بعقيدة صلبة وعبادة خاشعة ونفسية مستقرة وعقل متفتح واعٍ وجسم قوي البنية، فيحيا بالإسلام وللإسلام، يستسهل الصعاب، ويستعذب المر، ويتفلت من جواذب الدنيا متطلعاً إلى ما أعده الله للمؤمنين المستقيمين على شريعته: [إنَّ الَذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] [فصلت: ٣٠] .

стр. 3082

مصطلحات ومفاهيم أهْلُ الذِّمَّة د. عثمان جمعة ضميرية لقي مصطلح (أهل الذمة) شيئاً من الهجوم أو التحريف على أيدي بعض المسلمين المعاصرين، بحجة الدفاع عن الإسلام، أو تقريب أحكامه لغير المسلمين؛ فكان من الواجب أن نتناول هذا المصطلح بشيء من البيان الإجمالي، بما يتفق مع طبيعة المجلة واتساع صفحاتها، والله الموفق. أولاً: الذمة في اللغة: تطلق الذمّة والذّمام في اللغة على العهد والأمان، والضمان والكفالة، والحقّ، وكلّها معانٍ متقاربة. وتضييعها مذمومٌ؛ ولذلك تطلق كلمة (الذمة) و (المذمة) على كلّ حرمةٍ يلزم من تضييعها الذمّ، ويسمى العهد ذمّةً؛ لأن نقضه وتضييعه يوجب الذمّ. ورجلٌ ذميّ معناه: له عهد، سُمّي بذلك؛ لأنه أُعطي الأمان على ذمة الجزية التي تؤخذ منه. ويراد بالذمة: العهد مؤقتاً كان أو مؤبّداً وذلك عقد الأمان وعقد الذمة، وقد يحذف المضاف فيقال: (الذمة) بمعنى أهل الذمة. ثانياً: الذمة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية: لما نزل القرآن الكريم وحياً على نبينا محمد ﷺ جاءت فيه كلمة (الذمة) بمعنى العهد، والميثاق، والحِلْف، والقرابة. كما في قوله تعالى: [كَيْفَ وَإن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَلا ذِمَّةً] [التوبة: ٨] ، أي: عهداً؛ فهو عبارة عن اللزم، ومنه سُمّي محل الالتزام من الآدمي: ذمة؛ فإن الذمة للآدمي هي محل الالتزام بالعهد. كما جاء ذكر الذمة في الحديث الشريف بأكثر المعاني اللغوية السابقة، كقوله ﵊: (يسعى بذمتهم أدناهم) [١] . أي: إذا أعطى أحد من جيش المسلمين العدوّ أماناً جاز ذلك على جميع المسلمين، وليس لهم أن يخفروه، ولا أن ينقصوا عهده وأمانه. ومنه قوله ﵊: (ذمة المسلمين واحدة..) [٢] . وجاءت الذمة بمعنى (الحقّ) في حديث عليّ ﵁: (ما يُذْهِب عني مذمّة الرّضاع؟ قال: غُرّةٌ؛ عبدٌ أو أمة) [٣] . والمذمة هنا بالكسر والفتح: الحقّ والذمة التي يُذَمّ مضيّعها. ثالثاً: الذمة في الاصطلاح الشرعي العام: تطلق الذمة في الشرع إطلاقاً عاماً بمعنيين: (أحدهما) ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الذمة وصف اعتباري قدّره الشارع في الإنسان، يصير به أهلاً للإلزام والالتزام؛ لأن الله تعالى لما خلق الإنسان لحمل أمانة التكليف أكرمه بالعقل والذمة؛ ليكون بهما أهلاً لوجوب الحقوق له وعليه؛ فثبت له حقّ العصمة والحرية والمالكية. وثبتت عليه حقوق الله تعالى ... والحاصل: أن هذا الوصف بمنزلة السبب لكون الإنسان أهلاً للوجوب له وعليه. (والمعنى الثاني للذمة) ما ذهب إليه بعضهم من أن الذمة والعهد يراد بهما شرعاً: شخص أو نَفْسٌ ورقبة لها ذمة وعهد. فإذا قلنا: وجب في ذمته كذا، أو ثبت في ذمته كذا ... فالمراد به: وجب في نفسه وذاته، أي في محل ثبت فيه العهد الماضي، وهو النفس أو الرقبة باعتبار كونهما محلاً لذلك العهد؛ فالرقبة تفسير للنفس، والعهد تفسير للذمة، وهذا عند التحقيق من تسمية المحلّ باسم الحالّ، ثم شاع هذا الاستعمال فأصبح حقيقة عرفية [٤] . رابعاً: الذمة في الاصطلاح الفقهي: يطلق العلماء الذمة في الاصطلاح الفقهي في باب السّير والجهاد على العهد مطلقاً، مؤقتاً كان أو مؤبداً، وهما عقد الذمة وعقد الأمان كما نجده عند الإمام محمد بن الحسن الشيباني وعند العلامة ابن قيم الجوزية ولكن صار اصطلاح أهل الذمة عبارة عمن يؤدي الجزية. وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وقد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله [٥] . خامساً: تعريف عقد الذمة: عرّف العلماء عقد الذمة بتعريفات متعددة وألفاظ متقاربة؛ فهو عند الإمام الشيباني: عقد ينتهي به القتال ويلتزم به الذميّ أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات، والرضا بالمقام في دار الإسلام. وهو عند الشافعية: التزام تقرير غير المسلمين في ديارنا وحمايتُهم والذبّ عنهم، ببذل الجزية، والاستسلام من جهتهم. وبهذا التعريف أيضاً قال المالكية. وهو عند الحنابلة: إقرار بعض الكفار على كفره بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملّة [٦] . وبعبارة أخرى: هو عقد يكتسب به غير المسلم حقّ الإقامة الدائمة في دار الإسلام، مع حماية الشريعة الإسلامية، وذلك بمقابل دفع ضريبة تسمى الجزية، ولقاء القيام بالواجبات العَقْديّة والعرفية [٧] . سادساً: تعريف أهل الذمة: ومن تلك التعريفات للذمة، وعقد الذمة، جاء تعريف الذميين أو أهل الذمة أنفسهم. فقال الأزهري: هم الذين يؤدون الجزية، من الكفار كلّهم، فيأمنون بها على دمائهم وأموالهم. وقال الغزاليّ الشافعي في تعريف الذميّ: هو كل كتابيّ ونحوه عاقلٍ بالغٍ حُرّ ذكر متأهب للقتال قادر على أداء الجزية. وقال ابن عبد الهادي الحنبلي: أهل الذمة هم الكفار المقيمون تحت ذمة المسلمين بالجزية [٨] . وعلى هذا؛ فأهل الذمة هم: الأجانب غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام إقامة دائمة على أساس عقد الذمة الذي يحدّد مركزهم وحقوقهم وواجباتهم. وأهل الذمة يُسمّون كذلك: (أهل ذمة رسول الله ﷺ ؛ لأن عقد الذمة كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ؛ وفي ذلك تأكيد لصيانة حقوقهم كاملة. وسُمّوا (أهل الذمة) لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم؛ فهم أهل العقد والعهد. سابعاً: مشروعية عقد الذمة وتاريخه: الأصل في مشروعية عقد الذمة: قوله تعالى في سورة التوبة: [قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] [التوبة: ٢٩] . وسورة التوبة نزلت بعد فتح مكة المكرمة، في السنة التاسعة للهجرة، وكان نزول هذه الآية الكريمة منها حين أمر النبي ﷺ أصحابه بغزوة تبوك ومواجهة الروم وعمّالهم من الغساسنة المسيحيين العرب، فمشروعية عقد الذمة وأخذ الجزية إنما كانت بعد نزول سورة التوبة [بَرَاءةٌ] ، وأما ما كان قبل ذلك، بين النبي ﷺ وبين المشركين، وغيرهم كاليهود في المدينة أول العهد والهجرة إليها فهذه عهود ومعاهدات إلى مُدَدٍ معينة، لا على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه [٩] . ثم تواردت الأحاديث القولية والسنة العملية تبيّن مشروعية الجزية وعقد الذمة، وجرى على ذلك العمل في عهد الخلفاء الراشدين، ومَنْ بعدهم في صدر الدولة الإسلامية، إلى وقت قريب؛ حيث اختفى أو توارى هذا النظام في العمل الدولي الإسلامي المعاصر نتيجة لملابسات وتطورات لا يجوز أن تؤثر على أصل الحكم الشرعي [١٠] . ثامناً: حكمة مشروعية عقد الذمة: يوجب الإسلام تأليف قلوب غير المسلمين المقيمين في دار الإسلام وحسن معاملتهم. وإقامة غير المسلمين في دار الإسلام إقامة دائمة سبيلٌ للدعوة إلى الإسلام بأحسن الطرق من خلال المخالطة والمعاملة المتبادلة، وبذلك يتعرف غير المسلمين على أحكام الإسلام ومحاسنه ودلائله؛ مما قد يحملهم ذلك على الدخول فيه عن طواعية واختيار، وعن قناعة ورضى، وهذا يعني أن المسلمين ينبغي أن يكونوا في سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم ترجمة صادقة لأحكام الإسلام. تاسعاً: مَنْ تُعْقد لهم الذمة؟ : انعقد إجماع العلماء على عقد الذمة وقبول الجزية من أهل الكتابيْن اليهود والنصارى والمجوس، وأهل الأوثان من العجم، وعلى عدم قبولها من المرتدّين. ووقع الخلاف فيما وراء ذلك؛ فذهب أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن إلى أنها تُقْبل من مشركي العرب. وهو رواية عن الإمام أحمد. وقال أبو يوسف القاضي: لا تؤخذ من العربي؛ كتابياً كان أو مشركاً. وذهب الشافعي إلى أن الجزية على الأديان لا على الأنساب، فتؤخذ من أهل الكتاب عرباً كانوا أو عجماً، ولا تؤخذ من المشركين بحالٍ. وذهب الأوزاعي ومالك إلى أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا المرتدّ. وقد رجح القاضي أبو بكر العربي، وابن تيمية، وابن القيم والشوكاني رجحوا هذا المذهب الأخير في عقد الذمة لجميع الكفار عدا المرتدين؛ لأن أخذ الجزية من المجوس وهم أهل شرك دليل على جواز أخذها من جميع المشركين؛ وليس في القرآن الكريم ولا الحديث الشريف تخصيص العرب بحكمٍ من أحكام الشريعة. وإنما لم يأخذها ﷺ من أهل الأوثان العرب؛ لأنهم كانوا قد أسلموا قبل نزول آية الجزية، كما لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه؛ لأن آية الجزية لم تكن نزلت بعد، ولا فرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض [١١] . عاشراً: مركز الذميين: القاعدة العامة في مركز أهل الذمة في الدولة الإسلامية دار الإسلام أنهم رعية من رعاياها، يسري عليهم القانون الإسلامي فيما يتعلق بشؤونهم الدنيوية، ويلتزمون بأحكام الإسلام فيما يعود إلى العقوبات والمعاملات، فيما يُحْكم به عليهم من أداء الحقوق أو ترك المحرّمات؛ لأنهم من أهل دار الإسلام، وفيما عدا ما يختصون به من أحكام دينهم في الاعتقادات والعبادات، وفي الزواج والطلاق (الأحوال الشخصية) ونحو ذلك مما يرونه عندهم فهم فيه أحرار، لا يتعرض لهم المسلمون بشيء. والحكم العام الذي يطبّق على أهل الذمة في الدولة الإسلامية هو ما عبّر عنه عليّ [بقوله: (من كانت له ذمتنا فَدَمُه كدَمِنا ودِيتُه كديتنا) ] ١٢ [. وعلى هذا؛ فإن ما يطلقه بعض الكتّاب من المساواة التامة بين المسلمين والذميين، ليس صحيحاً على إطلاقه، وإنما ينبغي تقييده، فهي مساواة أمام القانون وليست مساواة في القانون كما عبّر بعضهم عن ذلك؛ وذلك لأن بعض الحقوق والحريات لها مواصفات لا تنطبق على الذميين] ١٣ [. وذلك كله منبثق من أن الذميين رعية من رعايا دار الإسلام، وإن لم يكونوا جزءاً من الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة الإسلامية لها معنىً ديني؛ ولهذا؛ فلا يتمتع الذميون بالجنسية الإسلامية، وإن كان بعض المعاصرين يميل إلى أنهم يتمتعون بها باعتبارهم من أهل دار الإسلام، مع أن رابطة الجنسية بالمفهوم الحديث رابطة حدثية. ولا نجد ضيراً في اعتبار الذميين أجانب عن دار الإسلام، لا يتمتعون بجنسيتها، طالما أنهم رعية من رعاياها يتمتعون بحقوقهم كاملة غير منقوصة. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن هذا كله لا يتنافى مع الحكم الديني على الذميين بأنهم كفار؛ حيث ثبت ذلك بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، كقوله تعالى:] لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [، وقوله:] لَقَدْ كَفَرَ الَذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [] المائدة: ٧٢-٧٣ [إلخ. ولذلك لا يجوز أن يحملنا التسامح على الالتفاف على النصوص وتحريفها لتوافق أغراضاً وأهواءً منحرفة.

стр. 3083

متابعات سيرة عالم ودعنا د. طارق بن محمد عبد الله الخويطر يوم السبت الموافق السابع عشر من شهر ذي الحجة من عام تسعة عشر وأربعمائة وألف فقد المسلمون عالماً جليلاً، ومربياً فاضلاً ومعلماً حكيماً، وقد أبكى هذا الحدث الصغير والكبير، والقريب والبعيد، رأينا في المقبرة أناساً حضروا للصلاة والدفن ممن لم يروا الشيخ أبداً، ومع ذلك؛ فقد ملئت قلوبهم بمحبته بسبب سماعهم لسيرته الحسنة وأخلاقه الفاضلة، ولم يخطر ببال أحد أن يرى هذه الأمواج من الناس الحاضرين لأجل الصلاة والدفن؛ فكل يوم يُفقد أناس ولكن لم يعهد هذا الحضور المزدحم في الشوارع وفي المسجد حتى صلت جماعات بعد الإمام لعدم تمكنهم من الصلاة معه، ومن رأى هذا الموقف تذكر كلام العلماء السابقين رحمهم الله فقد وصفوا جنائز العلماء بأنها مشهودة من خلق كثير، ولذا؛ قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ لأهل البدع: (بيننا وبينكم الجنائز) فخرج في جنازته بغداد كلها، وخرج في جنازة ابن أبي دؤاد وهو من أشعل نار الفتنة خرج معه ثلاثة رجال، دفنوه في جنح الظلام خائفين، ولعل طلبة العلم وغيرهم ممن رأى ذلك الجمع المشهود أحبوا أن يتعرفوا على شخصية الشيخ ليسيروا في طريق المجد فأقول: ولد الشيخ ﵀ في عام ١٣٤١هـ من أبوين صالحين، تُوفي والده وعمره ١٣ عاماً، فحضنته أمه الصالحة، وأحسنت تربيته؛ فعكف على القرآن الكريم حتى حفظه حفظاً متقناً، ثم سافر إلى الرياض لحضور حلقات سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ فلازمه مدةً حفظ خلالها أهم المتون العلمية في: الفقه، والعقيدة، والحديث، والنحو، حتى كوّن قاعدة علمية صلبة، وذلك راجع إلى فضل الله جل وعلا ثم إلى جَلَده وصبره من أجل العلم؛ فقد كان يردد حفظه في أوقات نوم الطلاب بعد الظهر وبعد العشاء فجمع في فترة قصيرة حفظاً وفهماً ميزه عن بعض زملائه. وقد نُقِل للشيخ محمد بن إبراهيم مثابرته وجده في التحصيل فعينه قاضياً في سدير عام ١٣٦٨هـ، فذهب إليها وبقي فيها نحو أربع سنوات. ومع صغر سنه ذلك الوقت إلا أنه ﵀ عقد للناس دروساً في الفقه والعقيدة والحديث؛ وقد أحبه الناس هناك لمّا رأوا علمه وتواضعه، فطلبوا من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم إبقاءه عندهم للفائدة التي لمسوها من وجوده. انتقل بعدها إلى محكمة شقراء وتوابعها، ثم درّس في المعهد العلمي بشقراء لما افتُتح وبقي في شقراء حتى عام (١٣٨١هـ) حيث انتقل في آخر ذلك العام إلى رئاسة محاكم الإحساء فكان قاضياً وإماماً وخطيباً، ثم انتقل إلى العمل في مجلس القضاء الأعلى وبقي فيه حتى طلب التقاعد في أواخر عام (١٤٠٩هـ) . وقد انضم ﵀ إلى هيئة كبار العلماء عند تشكيلها وذلك عام ١٣٩١هـ، ومنذ ذلك العام كانت له مشاركة في برنامج (نور على الدرب) في الإذاعة السعودية. كانت له مكاتبات مع الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ وكانت له صلة بأصحاب الفضيلة العلماء الشيخ محمد بن مانع، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد العزيز بن باز، وقد صدر له رسالة صغيرة بعنوان: قتل الغيلة عام ١٤١٩ هـ، وهي وجهة نظر قديمة للشيخ. حرر فيها مذهب المالكية والذي اعتمده مَنْ قال إن القاتل غيلة يُقتل حداً، ولا يجوز العفو عنه. وفي الطريق إن شاء الله إلى الظهور فتاوى (نور على الدرب) ومقالات بعض العلماء والأدباء في ترجمة الشيخ. وقد خلّف أولاداً قد استفادوا من سيرة والدهم فمنهم: المهندس، والضابط، والمدرس. نسأل الله له المغفرة والرحمة، وأن يرزقه الحسنى وزيادة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 3084

منتدى القراء جراحاتنا تتوالى علي بن أحمد الجميلي جرحٌ يثورُ وحسرةٌ تتجددُ ... والقلب يشكو والحقيقة توأدُ والأمة الثكلى تنوح وتشتكي ... والجرح فيها لم يزل يتولدُ والخصم يغرز خنجراً في جسمها ... وبحكم قانون العدالة تُجهدُ فعلى ثرى (البلقان) جرحٌ مؤلمٌ ... ما زال في أيامنا يتجددُ وإذا (كسوفا) والدخان مكثفٌ ... والكون في داجي الظلام مُلبّدُ جاء الصليب بعدّه وعتاده ... وبكل قوات الدمار يُزودُ بالأمس أشرع في سراييفو يداً ... ومخالباً للجارحات تعددُ واليوم يبدأ جولة محمومة ... قصفاً هنا، وهناك روحٌ تَصْعَدُ تجري دماء المسلمين كأنها ... نهرٌ يشق مساره لا يركدُ وصغيرة فوق الترابِ منامها ... وتُصعّدُ الزفراتِ ثم تُصعّدُ ألْقت إليّ بنظرة في حيرة ... وكأنها تبغي لها من ينجدُ قالت وحالتها تسابق نطقها: ... إني هنا في حالة لا تُحسدُ عماهُ أفترش الترابَ وخيمتي ... سحبٌ فهل يحلو بهذا مرقدُ؟ عماهُ كان أبي يدللني وقد ... أضحى هناك بقبره يتوسدُ عماهُ ما للمسلمين لأمرنا ... وكأنهم عن كل حِسٍ جُردوا؟ صار الجهاد جريمةً وخيانةً ... والرقصُ والإيقاع فعلاً يحمدُ أنا من حملت الدين بين جوانحي ... فلأجله دون البقية أُطرَدُ لو كان ما بي في اليهود لأقبلت ... من كل ناحية يهودٌ تَحشدُ أو كان مابي في الصليب لأقبلت ... أقوامه ضد العدو تُسدّدُ لكنني بالله أطلب عزتي ... فهو الذي يعطي الجميع ويُنجدُ فعقيدتي بين الضلوع حملتها ... فأنا برغم مصائبي أتجلدُ عماه قل للمسلمين ترقبوا ... فالنصر آت والإله مؤيدُُ شياه في سوق الأمم عبد الرحمن بدماسي أصيل لكم صرنا إلى ذل ... وكم بؤنا بخسران وكم جدنا بأموال ... وكم جدنا بأوطان تعال انظر إلينا اليوم ... يا هادي ويا حاني تعال انظر إلى غنم ... تساق بخسة الشان تساق إلى مجازرها ... بإصغاء وإذعان تلقفنا مناهجهم ... فصرنا شبه خرفان ألا عذراً لخرفان ... ألا عذراً بني الضان فإن الله برأكم ... بآيات وتبيان لقد كنا أسود الغاب ... لم نعبأ بفئران خيول الله قد ركبت ... إلى فرس ورومان جحافلنا لقد خرجت ... (تدكّ معاقل الجاني) لقد كنا مصابيحاً ... بإسلام وإيماني *** هموم وهجوم مالك بن فيصل الإبراهيم للشعر في قلبي مقامٌ سام ... إنْ مَسّهُ جمرُ الحياةِ سقاني كم عِشتُ في أفيائهِ مترنماً ... أشدو مع الشادينَ في البستان منه ارتشفتُ عبارتي متحدياً ... خصمي وما قد صَبّ من طغيان فأصبّ من لأوائِه وشُواظِهِ ... ناراً تحرّق خُطةَ الصّلبان هو روضتي الغناء من أزهارِها ... حُبِكَ القصيدُ بأجملِ الألوان ووعاء ذاكرتي ودفتر سيرتي ... وصحيفةُ التاريخ والوجدان يا شعرُ يا ملكَ الفنون بٍسحره ... يا أروع التبيان للإنسان حَنّتْ إلى ذكراك داعيةُ الأسى ... وهفا إلى لقياكَ سِرّ كياني أستمنحُ الأفكارَ من ينبوعِها ... وأصوغها شِعْراً جميل الشان أستنطِقُ الألحانَ وهي حزينةٌ ... فتهزني بروائها الفتان نظمٌ من الوجدانِ صافح ثغرَهُ ... كَلِمُ الجنان برائع التحنان سِرْبٌ إلى حُفرِ النفوسِ وقلبها ... يحثو الشعور بمدمعٍ هتان ... ... ... ... ... *** حوار معها! ! عبد الله عطية الزهراني ذَكّرتُ علّ الذّكْرَ فيها يَنْفعُ ... وتَعِبْتُ أبْغي الشّرّ عنْها يُدْفَعُ لِمَ لا تريدينَ السّلامَ وأمْنَهُ؟ ... أوَ مَا رَأيتِ يدَ المنيّةِ تَرْدَعُ؟ أوَ مَا عَلِمْتِ بأنّ جسْمِي نَاحِلٌ ... مِما صَنَعْتِ، وأنّ قَلبي مُوجعُ؟ أوَ مَا تُريدينَ الجِنانَ وحُسنها ... عِنْدَ الإلهِ، فنِعمَ ذَاكَ المطمَعُ؟ أوَ مَا عَملْتِ لهولِ يومٍ بأسُهُ ... دَكّ الجبالَ، ولمْ تكُنْ تتزعْزعُ؟ قالتْ وفيِ العَينين حقْدٌ واضحٌ ... تَبْدو شرارتُهُ، وسمّ يتْرَعُ بيني وبينكَ صولَةٌ لا تنْتهي، ... البأسُ فيها، والصّوارمُ تقْطعُ بيني وبينكَ جولةٌ أعْدَدْتُها ... إبليسُ قائدُها يُبيحُ ويمنعُ جُنْدي كثيرٌ، والمقانِبُ [١] كظّةٌ ... بالخيل عندي، والأسنّةُ تُشرَعُ وبصفّيَ الدّنيا عليك، ولِلْهَوى ... كَفّ تؤازِرُني، وكفّ تصْفَعُ يا أيها الخصْمُ الذّي عامَلْتُهُ ... بالحسنِ، والأحقادُ عنْها أرفَعُ لسْتُ الوحيدَ فإنّ قلبي مفعمٌ ... بالدّين، والإيمانُ لا يتضْعضعُ ربّي مَعي أنّى اتّجهتُ بنورهِ ... يزدانُ درْبي، بالعقيدةِ أصْدَعُ واللهِ لو قُطّعْتُ حتّى ينْتهي ... جَسدي، فلا عظمٌ يظلّ وإصبَعُ ما كنتُ للإسلامِ خصماً طالبا ... نصراً، فإنّي بالشريعةِ مُولَعُ الحرب الضروس صلاح نور عبد الشكور (كأس وغانية تفعلان في تدمير الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع) نعم لقد أدرك أعداء الإسلام خطورة هذا الجانب في الوقت الذي يجهله كثير من المسلمين ويا للأسف ... حرب الأخلاق والقيم.. تبدد الشعوب والأمم ... وتُخِير العزائم والهمم، وتجعل الفرد منتمياً إلى دينه بهويته وبلدته؛ لكنه منحازٌ لأعدائه بأفكاره وأخلاقه وتعامله. أليست المنية أفضل من أن يكون المرء كذلك؟ ! ! نعم لقد تفرق شمل اليهود والنصارى، واختلفت آراؤهم وتباينت معتقداتهم كما قال المولى -جل وعلا-: [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى] [الحشر: ١٤] . نعم تفرقوا إلا علينا. ولست ألقي اللوم على الأعداء في خططهم وتآمرهم لهدم كيان هذا الدين، ولكني ألقي اللوم كل اللوم على من مشى وراءهم ومدّ لهم يد التأييد وسخر قلمه ولسانه معهم ... وفي النهاية.. ما هي إلا دعوة صادقة للرجوع لهذا الدين والتمسك بقيمه وأخلاقه والسير على منهجه بنور الكتاب والسنة؛ حتى يتحقق وعد الله : [وَعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] [النور: ٥٥] .

стр. 3085

الورقة الأخيرة إكسير الحياة عبد الرحمن الحسيني عجيبٌ هو أمر القلوب في حبها وكرهها.. وإقبالها وإدبارها.. وقبولها ورفضها.. وقوتها وضعفها.. وصحتها وسقمها! والأعجب أن ترى لها وتسمع عنها في القرآن الكريم تصويراتٍ فذةً، وعباراتٍ قويةً معبرة؛ تشد الأسماع، وتحير الألباب، وترسخ في الحس ... إن أمرها أخطر بكثير مما يحسب الإنسان! وليس شيءٌ يملك به الإنسان قلبه أعظم من الثقة بربه بل بها يملك دنياه وآخرته. إنها التاج الحق الذي لم يعرفه أصحاب التيجان، والقدم الصدق الذي يفر منه أهل الحوْل والصولجان! ولنتأمل موقف إبراهيم ﵊ واهتزاز نمرود أمامه، وكيف أنه بمنطقٍ بسيط استطاع أن يهزمه؛ حتى وهو في النار، وهو يرد على جبريل بقوله: أما إليك فلا! أو موقف غلامٍ صغير في مملكةٍ كبيرة أمام ملكٍ جبار (صاحب الأخدود) ، وقد سد عليه الملك السبيل؛ فيفتح هو بتاجه المغاليق، ويرجع إليه معلناً عن الفوز بجولةٍ جديدة! ! ويلخص لنا أحد العلماء سر تلك المواقف في قوله: (استحضرتُ عظمة الله؛ فرأيتُ السلطان أمامي كالقط) . أي ثقة تلك التي يستشعرها الداعية وهو يقرأ قول ربه: [وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا] [الطور: ٤٨] ، أو قوله تعالى: [وَاصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ] ؟ ! [هود: ١١٥] . وأي بردٍ يجده وهو يطرح همومه وشجونه وحوله وطوله وقوته بين يدي ربه في خلوة مسجد أو خبوة دار، وهو ينادي مَنْ وَسِعَ سمعه الأصوات: [أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ؟ ! [الأنبياء: ٨٣] . إن أهل الثقة هم أهل الولاية والهداية والرعاية والنصرة والإمامة والتمكين: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ] [السجدة: ٢٤] . وهذه الثقة لها في القرآن مواقف شتى، وأمثلةٌ كثيرة، وهي في سِيَر الصالحين؛ حتى لتكاد أن يكون لها لسانٌ حيناً لتنطق به في قول يعقوب عليه السلام: [إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [يوسف: ٨٦] وعلى لسان السحرة: [ ... فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ] [طه: ٧٢] . وتبث أحاسيسها حيناً آخر؛ ليخفق بها القلب وتحرك المواقف والأشخاص.. [وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأََ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ... ] [التوبة: ١١٨] . والأمثلة كثيرة، والمواقف أكثر، غير أن موقف امرأةٍ يشي بذلك كله؛ وهي تُلقي بفلذة كبدها في اليم كي تحفظه! ! ثم تدفع بعد ذلك الخوف والحزن عن نفسها، وتستبشر بفرج السماء! ؛ ليخرج وليدها من اليم؛ فيغير الله به الأرض: [فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ] [القصص: ٧] . حقاً! ! إن تغيير وجه الأرض يبدأ من نقطةٍ واحدة: هي تغيير ما في القلوب أولاً.. [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] . ويوم أن يوجد في كل مدينة رجلٌ من هذا الطراز يربي على يديه رجلاً في كل حي؛ ليُخرِج كلّ منهم نموذجاً في كل مسجد؛ فهنالك يأتي الفرج إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. فثقوا بالله وأبشروا [وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ] [يوسف: ٨٧] ، و [وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ] [الحجر: ٦٥] .

стр. 3086

ربيع الأول - ١٤٢٠هـ يوليو - ١٩٩٩م (السنة: ١٤)

стр. 3087

كلمة صغيرة وماذا ننتظر من باراك ..؟ ! وأخيراً رحل نتنياهو من رئاسة الوزراء، وخلفه صاحبه مرشح اليسار (إيهود باراك) رئيس حزب العمل الإسرائيلي، فهل يختلف باراك عن نتنياهو؟ وهل يتوقع أن تسترد الحقوق العربية التي جحدها نتنياهو كما يحلم بذلك دعاة السلام؟ ! إن الرجلين يهوديان متعصبان نذرا نفسيهما لخدمة الدولة الصهيونية، وباراك لا يقل عن صاحبه تعصباً وحقداً على المسلمين، وإن كان أكثر دبلوماسية وأقدر على المناورة والمخادعة. وكثيراً ما كان يدعو إلى بناء عسكري قوي ل (إسرائيل) لترويض الخصوم، وكان يقول:، (على جيراننا الخضوع لمطالب إسرائيل) ، وقد وصفه أحد المحللين اليهود عشية الانتخابات الإسرائيلية بأنه: (يؤمن بجيش قوي، ويحاول التوصل إلى اتفاق من خلال القوة، وكان باراك ينادي في حملته الانتخابية: بأن (القدس) يجب أن تظل عاصمة (إسرائيل) الأبدية وغير المقسمة! ! إن العرب السذج الذين يتوقعون انتزاع حقوقهم من خلال المفاوضات مع (حزب العمل الإسرائيلي) يعيشون وهماً عريضاً طغى على عقولهم، وأبعدهم عن ساحة الصراع الحقيقية! ! فحزب العمل هو الذي قاد معظم الصراعات والحروب مع العرب منذ اللبنة الأولى لبناء (إسرائيل) ، فهل يعي هؤلاء القوم هذه الحقيقة؟ !

стр. 3088

الافتتاحية الإمام ابن باز.. رجلٌ بأمَّة للعلماء منزلة جليلة في دين الإسلام دونها بقية المنازل عدا الأنبياء؛ فقد شرف الله تعالى العلماء ورفع أقدارهم وأعلى منازلهم. قال الله تعالى: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] [المجادلة: ١١] . وتتجلى مكانة العلماء في كونهم (ورثة الأنبياء) ، يسيرون على منهاجهم، ويقتفون سننهم في رفع راية الإسلام، والدعوة إلى الله - تعالى -، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، ورعاية حقوق الأمة. ولا تزال الأمّة بخير ما دام فيها علماء ربانيون راسخون في العلم يسلكون السبيل المستقيم، ويسيرون على المنهاج القويم، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم. ولذا كانت الرزية بفقد العلماء كبيرة، والخسارة بموتهم عظيمة. قال رسول الله ﷺ : (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [١] . ولقد رزئت الأمة الإسلامية في أواخر شهر الله المحرم بفقد إمامها وشيخها (سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز) ﵀ رحمة واسعة - وتزلزلت قلوب المؤمنين، واهتزت النفوس فرقاً عليه، وتصدعت قلوب الصالحين حزناً وألماً، فوقْع المصيبة كان عظيماً، ولا غرو؛ فللإمام في النفوس مقامٌ سامٍ وجليل. تبكيه مكة والمشاعر كلها ... وحجيجها والنسك والإحرام تبكيه طيبة والسهول ومن بها ... وعقيقها وجبالها الأعلام تبكيه كل الأرض حزناً جامحاً ... غرباً وشرقاً أمة الإسلام كان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ مرآة صادقة لأئمة السلف، وكان علماً شامخاً، ونجماً ساطعاً، وينبوعاً كريماً من ينابيع الخير والحكمة، نذر نفسه لخدمة هذا الدين، وظلّ طيلة سنوات عمره مدافعاً عن الشريعة، ومنافحاً عن السنة، حريصاً على نصرة الحق، قائماً على العلم والتدريس ونشر السنة وقمع البدعة والضلالة. جمع سماحته الكثير من المزايا الكريمة والصفات الجليلة التي جعلته يتربع على عرش العلم والدعوة ردحاً من الزمن، ولا يتسع هذا المقام لتتبع مناقبه ومآثره، ولكن حسبنا أن نشير هنا إشارات مختصرة إلى شيء يسير من خصائصه التي تميز بها: أولاً: من معالم منهجه العلمي: جمع الله - تعالى - لإمامنا علماً عظيماً؛ فهو بحر من بحور العلم والفهم، تميز ﵀ بمنهج علمي غاية في القوة والأصالة، ومن خصاله في هذا الباب: ١- عنايته القصوى بالدليل، وحرصه الكبير على تعظيم النص الشرعي، والوقوف عند حدوده، وكان ﵀ يُعنى عناية فائقة بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، وبدراسة الأسانيد ومعرفة الرجال. ٢- كان ﵀ فقيهاً مجتهداً، وعالماً بصيراً، ومفتياً متيقظاً، ينأى بنفسه عن التقليد الأعمى، ومع ذلك؛ فقد كان معظّماً لعلماء الأمة ومجتهديها من المتقدمين والمتأخرين، يحرص على تتبع أقوالهم ودراسة اجتهاداتهم، ويُرجّح منها ما يدلّ عليه الدليل الشرعي الصحيح، بكل تجرد وإنصاف، بعيداً عن التعصب والمعاندة. وكان من تورعه وإنصافه ينهى عن تقليده، ويحث أهل العلم القادرين على الاجتهاد والنظر وضرورة الرجوع إلى الأدلة والنصوص الشرعية، والاهتداء بهدي السلف الصالح ﵃. لقد كان التقليد والالتزام بالمذهب صفة سائدة في عصره عند كثير من العلماء وطلاب العلم، ولكنه ﵀ استطاع بعلمه الراسخ وفهمه الثاقب أن يكسر جمود التقليد، وينهل من معين الكتاب والسنة النبوية، ويحيي مدرسة فقهاء المحدّثين - رحمهم الله تعالى -، ومع ذلك كان يوصي طلاب العلم بضرورة التأني والتورع، والحذر من الجرأة في الفتوى قبل استيفاء أدواتها واستكمال ضوابطها وقواعدها العلمية. ٣- مراعاته التيسير والرفق بالناس، وحرصه على التوسعة عليهم - قدر الطاقة - بعلم وحكمة، وكان - رحمه الله تعالى - شفيقاً رفيقاً حريصاً حرصاً شديداً على إزالة الحرج ورفع المشقة عنهم، وله نصيب وافر من قول الإمام سفيان الثوري: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد) [٢] . ٤- تحريه وتثبته في جميع المسائل؛ فكثيراً ما تراه يطيل النظر والتأمل، وكثيراً ما يعمد إلى البحث والمراجعة، ولا يتحرج على الإطلاق من استشارة غيره من العلماء؛ بل قد يستشير بعض النابهين من تلاميذه وأصحابه. وكان من شدة رسوخه في العلم، وشدة تورعه وتجرده يتحرى الحق ولا يتردد في الرجوع عن بعض أقواله إذا تبيّن له الحق في قول آخر. ٥- مراعاته للمصالح الشرعية للناس، وحرصه على درء المفاسد عنهم قدر الإمكان، مع حرصه الشديد على سد أبواب الذرائع التي قد توصلهم إلى المفاسد. ثانياً: من معالم منهجه الدعوي: كان الشيخ علماً من أعلام الدعوة، ورأساً من رؤوس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن معالم منهاجه الدعوي: ١- إلمامه بأحوال العصر ومتغيراته، وحرصه على تتبع أحوال المسلمين وأخبارهم، وإدراكه لكثير من المكائد والدسائس التي يكيدها أعداء الله - تعالى - على الأمة الإسلامية. ولقد كان سماحة الشيخ واسع الأفق، كثير الاطلاع، بصيراً بأحوال المسلمين، وكان الدعاة والمصلحون من المشرق والمغرب يلجؤون إليه لإطلاعه على أحوالهم، والاستئناس برأيه، وأخذ مشورته، فكان ﵀ يفتح قلبه لهم، ويصغي إليهم بعناية، ويُقبِل عليهم بحرص، ويُخلص لهم النصيحة، ويشدّ على أيديهم ويرفع من عزائمهم. لقد كان الشيخ في وسط الأحداث التي تمر بها الأمة الإسلامية، ولم يكن في يوم من الأيام بمعزل عن آلامها وآمالها، بل كان في مقدمة السائرين، يحدوهم بعلمه ودعوته، ويضرب لهم المثل السامي بحرصه وعنايته. ٢- من الصفات الجليلة التي لا تخفى عن الشيخ ﵀ أنّه كان صلباً قوياً، قوّالاً بالحق، يصدع بما يؤمن به دون تردد، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، لا يخشى في الله لومة لائم. لقد كان الشيخ غيوراً على دين الله - تعالى - يتمعر وجهه غضباً لله إذا علم بمنكر من المنكرات، ومن عرفه عن قرب عرف كيف أنه لا يزال منقبض الصدر مهموماً جاداً في إزالته، ولهذا كان له القِدْح المعلّى في صد كثير من الفتن والمنكرات والأهواء، وظلّ ملاذاً آمناً وركناً صلباً يلجأ إليه العلماء والدعاة والمصلحون في ردّ كثير من الشرور والمفاسد. ٣- تميّز سماحة الشيخ بالهمّة العالية، والعزيمة الصادقة فعمر أيامه بالدعوة والبلاغ وإظهار الحق، لا تفتر له عزيمة، ولا تضعف له قناة، ساعاته كلها يقضيها في العلم والتعليم والعمل، وأيامه حافلة بالطاعات والخيرات؛ فقد كان - رحمه الله تعالى - مباركاً أينما كان، مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشر. ولمّا كبرت سنه، ورقّ عظمه، وأنهكه المرض، لم يزده ذلك إلا قوة وثباتاً وحرصاً على أداء المعروف وبذل أسباب الخير، ولم يسترخِ أو يركن للراحة أو الدعة، وكان أصحابه وجلساؤه من الشيب والشباب يتعبون ويملون؛ أما هو فإنه كان يملك الجلد والمثابرة والصبر على الطاعة بهمّة عالية. ٤- كان همّ الدعوة يملأ عليه قلبه، ويشغل فكره، وكثيراً ما يوصي العلماء والقضاة والدعاة بضرورة الحرص على تبليغ الشرع، وتعليم العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتراه يسأل أصحابه وطلابه دائماً عن دروسهم وأنشطتهم، ويشجعهم على المواصلة والاستمرار، ويحذرهم من القعود أو الضعف أو العجز، ويزوّدهم بتوصياته ونصائحه. ثالثاً: من أخلاق الشيخ وآدابه: تميز الإمام ابن باز ﵀ بالأخلاق العالية والسجايا الكريمة والآداب الرفيعة، وكان قدوة كريمة في سمته وأدبه ووقاره، أحيا للناس ما كانوا يسمعونه عن آداب السلف الأُوَل ﵃، ولهذا أحبه الناس حباً عظيماً، وتعلقت قلوبهم بإجلاله وتقديره. ومن صفاته الأخلاقية ﵀: ١- كان الشيخ زاهداً ورعاً، تعلّق قلبه بأعمال الآخرة، وما كان يشتغل فيما يشتغل فيه غيره من الخاصة أو العامة من أمر الدنيا وشأنها، بل كان يتنزه ويُعرض عنها، أقبلت عليه بزخارفها وأهوائها وجاهها، ولكنه أعرض عنها، ولم يلتفت إليها، ولم تشغله عن آخرته. وهذه الخلة الكريمة، والصفة العالية الرفيعة، رفعت قدره، وأعلت منزلته عند جميع الناس. ٢- من الصفات المشهودة المتواترة عنه: تقديره لمخالفيه وأعذارهم، وتحريه في انتقاء العبارات اللطيفة التي يبين فيها الحق، وكان يترفع عن الفحش في القول، ولا يُعنّف، ولا يُشهّر، ولا ينتقص مخالفيه، وعلى الرغم من جفوة بعضهم في الرد عليه، والقسوة في أساليبهم، بل وتجريحه والحط من قدره أحياناً؛ إلا أنه كان حليماً، كاظماً للغيظ، واسع الصدر، يقابل إساءتهم بالإحسان، ويدفع شدتهم وغلظتهم باللين والرحمة، ويدعو لهم بالهداية والصلاح، وهذه الصفات الجليلة أكسبته تقدير الناس، واعترافهم بفضله. ٣- عُرف عن الشيخ ﵀ تواضعه ولين جانبه مع اللطف والبشاشة وحسن الخلق، وكان يبادر الناس بالسؤال عن أحوالهم وأهليهم، وفتح أبوابه لاستقبال الناس كبيرهم وصغيرهم، أميرهم ومأمورهم، غنيهم وفقيرهم، وكانت مجالسه من المجالس النادرة في هذا الزمان، تراها عامرة بأصناف الناس وألوانهم، ومع ذلك كله تراه يُقبل على محدثه بإصغاء، ويكرمه بلطيف اهتمامه وتقديره، ولا يتردد في مساعدته وقضاء حاجته على قدر طاقته. وأخيراً: لقد رحل الشيخ الإمام (عبد العزيز بن باز) وترك موقعاً شاغراً وثغراً عظيماً، بعد أن أحيا منهج سلف الأمة، وقدّم أنموذجاً متميزاً للعالم العامل. لم يكن الشيخ محدثاً فقيهاً فحسب، ولم يكن داعية مجاهداً فحسب، ولم يكن مفتياً فطناً فحسب، ولم يكن عابداً زاهداً فحسب؛ بل كان مدرسة متكاملة جمعت أصنافاً من الخير؛ فهو عالم العلماء، وإمام الفقهاء، وشيخ المصلحين، وقائد الدعاة في هذا العصر. رحل الشيخ وترك وراءه أمانة عظيمة ينوء بحملها أولو القوة؛ فقد كان رجلاً بأمّة. وعلى العلماء من بعده مسؤولية كبيرة، والواجب عليهم أن يتعاونوا ويأتلفوا ويقوّي بعضهم بعضاً. نسأل الله - تعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر لشيخنا وإمامنا، ويرفع درجته ويجعل قبره روضة من رياض الجنة، ويرزقه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يأجرنا في مصيبتنا، ويخلفنا خيراً منها. وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 3089

إشراقات قرآنية [ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ] د. عبد الكريم بكار قصة البشرية هي قصة البحث عن طريق السعادة والأمن والاستقرار ... وقصة البحث عن الفهم والوضوح، ومحاربة (العماء) و (اللاتكوّن) لكن نتائج ذلك كثيراً ما تكون موضوعاً محزناً للقراءة! وهذه الآية المباركة تفتح أعيننا على السبب الجوهري لذلك؛ إنه بحث البشرية عن نجاتها بعيداً عن هدي الله - تعالى - وبعيداً عن سبيله الذي وضَّحه لعباده في كتبه، وعلى لسان رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام. ولعلنا نقف مع هذه الآية الكريمة بعض الوقفات التي نستجلي من خلالها بعض ما تشعَّه من معان ومفاهيم، وبعض ما ترتب على الحيدة عن سبيل الله من مآس ومهلكات، وذلك من خلال الحروف الصغيرة الآتية: ١- تقرر هذه الآية المباركة أن سبيل الهداية هو السبيل الوحيد الذي على البشرية أن تسلكه، وفي حالة تنكبه فليس هناك سبل أخرى للنجاة والفوز والنجاح. ومعنى الآية: أن من يضلله الله فليس له طريق يصل به إلى الحق في الدنيا، وإلى الجنة في الآخرة، لأنه قد سدت عليه سبل النجاة. إن الضال يجد سبلاً كثيرة، لكنها جميعاً توصله إلى غير ما يؤمِّله، وإلى غير ما يحقق من خلاله ذاتيته ووجوده، وهذا هو الذي يفهم من قوله - جل وعلا: [وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [الأنعام: ١٥٣] . وفي حديث ابن ماجه عن جابر ﵁ قال: (كنا عند النبي - ﷺ فخط خطاً، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: [وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ... ] ) [٢] . إن هناك دائماً الكثير من إمكانات الحركة، والكثير من اتجاهات السير، لكن عدم وجود (الهداية) الربانية يجعل تلك الإمكانات وبالاً على البشرية، وهذا هو الحاصل الآن. ٢- يلمس كل من يعمل فكره في واقع البشرية وجود مفارقة عجيبة بين ما تحرزه في مضمار الاكتشاف والتقنية والتنظيم والسيطرة على البيئة، وبين ما تحرزه من تقدم على الصعيد النفسي والاجتماعي والأخلاقي والإنساني - عامة - حيث إن التقدم التراكمي المطرد على الصعيد الأول، لا يكاد يوازيه سوى الحيرة والارتباك، واتساع الخروق على الصعيد الثاني. وهذا؛ مع أن الناس يؤملون دائماً أن ينعكس توفر وسائل الراحة والرفاهية على وضعهم الروحي والنفسي والاجتماعي، لكن ذلك - مع الأسف - أمنية لم تتحقق! في الغرب تساؤلات كثيرة اليوم عن سبب هذه الظاهرة المزعجة، وتفسيرات عديدة لها، فمن قائل: إن العالم لم يوجه من إمكاناته وطاقاته البحثية ما يكفي لسبر غور الأبعاد الإنسانية والاجتماعية المختلفة؛ وما بذل من جهد في هذه المجالات أقل بكثير مما بذل في المجالات الفلكية والطبية والفيزيائية والكيميائية ... ، ولذلك فالنتائج لم تكن غير متوقعة. ومن قائل: إن المشكلة تعود إلى طبيعة العلوم الاجتماعية، فهي على درجة من الهلامية تجعلها تتأبى على التشكيل، ومهما حاولنا تقنين أساليب التعامل معها، فإن النتائج التي يمكن أن نتوصل إليها ستظل ظنية واحتمالية. ومن قائل: إننا لم نكتشف بعد المنهج الملائم لبحث قضاياها ومشكلاتها. والأدوات المعرفية المستخدمة الآن في المجالات الاجتماعية أكثرها مستعار من منهجيات البحث والمعالجة في المجالات العلمية، ولذا، فإنها ستظل محدودة الفاعلية ... وهكذا، فالتحليلات كثيرة، لكن لا يبدو أن هناك سبيلاً للخروج من المأزق! وعندي أن التقدم في مجالات العلوم الطبيعية، يعود إلى أسباب عدة. أهمها: توفر الإطار الذي تتفاعل فيه الخبرات والإنجازات في المجالات المختلفة، مما يجعل التقدم الأفقي في المجالات العلمية المختلفة يساعد على التقدم الرأسي في كل مجال على حدة. وأمكن التقدم في بلورة هذا الإطار وفي تحديد المبادئ الأساسية للعمل فيه لسببين أساسيين: يعود الأول منهما إلى أن العلم محدود الطموحات، ويشتغل بالجزئيات؛ فكثافة إنجازاته من تواضع طموحاته. ويعود الثاني إلى كونه على غير صلة مباشرة بمسائل الوحي والروح والاعتقاد، فكأن الإنجاز فيه في الأصل جزء من سنة الابتلاء في هذه الحياة، والذي على الناس أن يستخدموا فيه كل مواهبهم وإمكاناتهم للنجاح. أما في مجال العلوم الاجتماعية، فالأمر مختلف تماماً، فمهما بذل الناس من جهود، ومهما اكتشفوا من مناهج، فإنهم لن يستطيعوا - مثلاً - تحديد الغاية النهائية للوجود، كما أنهم لن يستطيعوا توفير المقدمات الكافية لتحديد ما يحتاج العقل من مسارات حتى يقوم بأعمال الاستنتاج والتوليد، كما أنهم سيجدون أنفسهم مشتتين حيال تقويم التجارب الكلية. العقل البشري - على ما يتمتع به من طاقات هائلة - تظل وظيفته عند بحث القضايا الكبرى أشبه بوظيفة (المدير التنفيذي) الذي يجهز كل أدوات الرحلة ووسائلها، لكنه لا يحدد أهدافها ووجهتها؛ فذاك من مهام (القائد) الذي يتجسد هنا في المنهج الرباني المعصوم. وممن انتهى إلى هذه النتيجة (أنشتاين) وهو من أكبر عباقرة القرن العشرين عندما قال: (إن حضارتنا تملك معدات كاملة، لكن الأهداف الكبرى غامضة) . ٣- حين أعرض الغرب عن (سبيل الله) أخذ يبحث بجدية نادرة عن السبيل البديلة التي يمكن أن توصله إلى كل أمنياته، وتحقق له كل رغباته، وقد كان (القرن التاسع عشر) قرن التفاؤل الكبير؛ إذ حقق العلم انتصارات كبيرة، واعتقد الناس في الغرب عندئذ أن (العلم) سيكون قادراً على تحقيق كل شيء وحل كل معضلة، وسيطرت من جراء ذلك النزعة الوضعية أو العلمية المتطرفة التي اعتقد أصحابها أنهم قادرون على حل لغز الكون والإجابة على كل الأسئلة التي يطرحها الإنسان، والمسألة مسألة وقت ليس أكثر. وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقاد بالتضاد بين (العلم) و (الإيمان) فإما أن تكون عالماً غير مؤمن، أو مؤمناً غير عالم! في النصف الثاني من القرن العشرين - على نحو أكثر وضوحاً - بدأت النظرة تختلف [٣] ، حيث شهد هذا القرن حربين عالميتين إلى جانب أكثر من ١٣٠ حرباً صغيرة، وحيث صارت البيئة الطبيعية في حالة يرثى لها، وأخذت البنى الاجتماعية المختلفة بالتداعي والانهيار، وتبين لصفوة من علماء الغرب عظم الخطأ الذي ارتكبه الغربيون حين ردوا على انحرافات الكنيسة بالإلحاد وتأليه (العلم) ، كما تبين لهم أن العلم أعجز من أن يدل على طريق النجاة. يقول (بيير كارلي) [٤] : (العلم يهدف إلى تمكيننا من معرفة أفضل بالعالم وعلاقتنا به، كما أن العلم ينير لنا الطريق في صدد ما يمكن فعله، وبخصوص الوسائل والإمكانات المتاحة، أو الرهانات والمخاطر. أما (الإيمان) فيقول لنا ما ينبغي فعله لكي نعطي لحياتنا معنى، إنه يقدم لنا الغاية من الوجود والقيم وأسباب الأمل والعمل) [٥] . هذه الأفكار صارت من جملة معتقدات بعض صفوة العلماء والمفكرين في الغرب، لكنها ليست في واقع الأمر سوى خطوات قليلة في طريق طويل، والتخريب الذي أحدثته (العلمانية) في بنى الحياة الغربية على مدى ثلاثة قرون شديد الانتشار والعمق؛ والأمل في الإصلاح على المدى المنظور ضئيل للغاية! ٤- إن أمة الإسلام ما زالت تنعم - بفضل الله - بالهداية ومعرفة (سبيل الله) وهذا ما يوفر للمسلمين اليوم تميزاً، لا يشركهم فيه أحد، كما أنه يخفف الكثير من لأواء الحياة ومشاقها. وأكبر دليل على هذا عدم وجود ظاهرة (الانتحار) في أي مجتمع إسلامي، على حين أنها تنتشر في أكثر دول العالم تقدماً ورفاهية. لكن لا ينبغي لنا أن نطمئن كثيراً إلى ما نحن فيه، فهذا الفيض من الأفكار والصور والنظم والنماذج التي يبثها في كل اتجاه أكثر من خمسمائة قمر صناعي تدور حول الأرض أربكت (الوعي) لدى كثير من المسلمين، وبتنا نرى الكثير من الثقافات المحلية العميقة الجذور آخذةً في التحلل والتفكك والانكماش لصالح رموز الحداثة القادمة من الغرب، وهذا يفرغ الكثير من الأطر والقوالب الإسلامية من مضامينها، ويدخل مجتمعاتنا في امتحان ليست مستعدة له! إن الذي يقرأ التاريخ بشفافية يجد أن التقدم العمراني كثيراً ما يكون مصحوباً بانخفاض في وتائر التدين وسويّات الالتزام، فالقرن الرابع الهجري - مثلاً - كان قمة في التقدم العلمي والعمراني، لكن الالتزام بتعاليم الشريعة لم يكن كذلك، فقد كان في القرون التي سبقته أفضل وأرسخ. وهذا معنى تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته من الانبهار والافتتان بزخارف الدنيا، وخوفه من أن تعجز عن إقامة أمر الله - تعالى - في ظروف الرخاء والرفاهية. إن المنتجات التقنية - بالإضافة إلى هيمنة (نظام التجارة) - أخذت تعيد تشكيل حياتنا على نحو لا يعبأ كثيراً بمقتضيات التدين الحق، وصار من الواجب علينا أن نتدبر أمرنا ونرفع درجة حساسيتنا للوافدات الجديدة، والا فقد نستيقظ بعد فوات الأوان. وإن على مثقفي الأمة - على اختلاف تخصصاتهم - أن ينهضوا بمسؤولياتهم والوفاء بالعهد المأخوذ عليهم في هذا الشأن، فالثقافة ليست وجاهة فحسب، وإنما ريادة ومسؤولية في آن واحد. ولله الأمر من قبل ومن بعد،،،

стр. 3090

دراسات تربوية محاسبة النفس ضرورة مُلِحّة عبد الله محمد العسكر النفس بطبيعتها كثيرة التقلّب والتلوّن، تؤثر فيها المؤثّرات، وتعصف بها الأهواء والأدواء، فتجنح لها وتنقاد إليها، وهي في الأصل تسير بالعبد إلى الشرّ كما قال تعالى: [إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي] [يوسف: ٥٣] ، ولذا؛ فإن لها خطراً عظيماً على المرء إذا لم يستوقفها عند حدّها ويلجمها بلجام التقوى والخوف من الله، ويأطرها على الحق أطراً. قال لقمان الحكيم لابنه: (يا بنيّ: إن الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفسَ حرون؛ فإن فتر سائقها ضلّت عن الطريق، وإن فتر قائدها حرنت، فإذا اجتمعا استقامت. إنّ النفس إذا أُطمعت طمعت، وإذا فوّضْت إليها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت، وإذا تركت الأمر إليها فسدت؛ فاحذر نفسك، واتهمها على دينك، وأنزلها منزلة من لا حاجة له فيها، ولا بُدّ له منها. وإنّ الحكيم يذلّ نفسه بالمكاره حتى تعترف بالحق، وإنّ الأحمق يخيّر نفسه في الأخلاق: فما أحبّت منها أحبّ وما كرهت منها كره) [١] . ومن هنا كان لزاماً على كل عبدٍ يرجو لقاء ربّه أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طِوالاً؛ فينظر في كل صفحة من عمره مضت: ماذا أودع فيها، ويعزم على استدراك ما فات ويشحذ همّته لسفره الطويل إلى الله تبارك وتعالى. أولاً: معنى المحاسبة: قال الماوردي في معنى المحاسبة: (أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل) [٢] . وقال ابن القيم ﵀: (هي التمييز بين ما له وما عليه (يقصد العبد) فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود) [٣] . وأما الحارث المحاسبي فقد عرّفها بقوله: (هي التثبّت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير، أو الفعل بالجارحة؛ حتى يتبيّن له ما يفعل وما يترك، فإن تبيّن له ما كره الله جانبه بعقد ضمير قلبه، وكفّ جوارحه عمّا كرهه الله ومَنَع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض، وسارع إلى أدائه) [٤] . ثانياً: أهمية محاسبة النفس: لمحاسبة النفس فوائد متعدّدة نذكر منها ما يلي: ١ - الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن ثمّ؛ إعطاؤها مكانتها الحقيقية إن جنحت إلى الكبر والتغطرس. ولا شك أن معرفة العبد لقدر نفسه يورثه تذلّلاً لله فلا يُدِلّ بعمله مهما عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر. قال أبو الدرداء: (لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشدّ لها مقتاً) [٥] . ٢ - أن يتعرّف على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكون ذلك رادعاً له عن فعل كل مشين وقبيح؛ وعند ذلك يعلم أن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقّن أنه من حقّه سبحانه أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر. ٣ - تزكية النفس وتطهيرها وإصلاحها وإلزامها أمْر الله تعالى. قال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا] [الشمس: ٩، ١٠] ، وقال مالك بن دينار: (رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائداً) [٦] . ٤ - (أنها تربّي عند الإنسان الضمير داخل النفس، وتنمّي في الذات الشعور بالمسؤولية ووزن الأعمال والتصرّفات بميزان دقيق هو ميزان الشرع) [٧] . حكى الغزالي في (الإحياء) أنّ أبا بكر ﵁ قال لعائشة ﵂ عند الموت: (ما أحدٌ من الناس أحبّ إليّ من عمر) ثم قال لها: (كيف قلتُ؟) فأعادت عليه ما قال، فقال: (ما أحدٌ أعزّ عليّ من عمر) ! ! يقول الغزالي: (فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبّرها وأبدلها بكلمة غيرها) [٨] . ثالثاً: فضل المحاسبة والآثار الواردة في ذلك: قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] [الحشر: ١٨] ، قال صاحب الظّلال: (وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه، ومجرّد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمدّ ببصره في سطورها كلّها يتأمّلها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدّم لغده في هذه الصفحة. وهذا التأمّل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكنْ قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلاً ورصيده من البرّ ضئيلاً؟ ! إنها لمسةٌ لا ينام بعدها القلب أبداً، ولا يكفّ عن النظر والتقليب) [٩] . وقال تعالى: [وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] [القيامة: ٢] يقول الفرّاء: (ليس من نفسٍ برّةٍ ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً قالت: هلاّ ازددتِ، وإن عملت شرّاً قالت: (ليتني لم أفعل) [١٠] ، وقال الحسن في تفسير هذه الآية: (لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قُدُماً لا يعاتب نفسه) [١١] . ويقول الله في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلّة والتقصير ويرجعون عمّا كانوا عليه: [إنَّ الَذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ] . [الأعراف: ٢٠١] . قال الفاروق عمر ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر [يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ] [الحاقة: ١٨] ) [١٢] . ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله: (المؤمن قوّام على نفسه يحاسبها لله، وإنّما خفّ الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنّما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة) [١٣] . ويقول ميمون بن مهران: (إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة شريكه) [١٤] . ويحذّر ابن القيم ﵀ من إهمال محاسبة النفس فيقول: (أضرّ ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها) [١٥] . ولنستمع إلى هذه الكلمات الجميلة لأبي حامد الغزالي في (الإحياء) وهو يصف أرباب القلوب المنيبة وذوي البصائر الحيّة فيقول: (فَعَرف أربابُ البصائر من جملة العباد أنّ الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب ويُطالبون بمثاقيل الذرّ من الخطرات واللحظات، وتحقّقوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطاء إلا لزوم المحاسبة وصدقُ المراقبة ومطالبةُ النّفْس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتُها في الخطرات واللحظات. فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابُه، وحَضَرَ عند السؤال جوابُه، وحسُن منقلبُه ومآبُه. ومن لم يحاسب نفسَه دامت حسراتُه، وطالت في عرصات القيامة وقفاتُه، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاتُه) [١٦] . وقال الحسن ﵀: (اقرعوا هذه الأنفس؛ فإنها طُلَعَة [١٧] ، وإنها تنازع إلى شرّ غاية، وإنكم إن تقاربوها لم تبقِ لكم من أعمالكم شيئاً، فتصبّروا وتشدّدوا؛ فإنّما هي أيّام تُعدّ، وإنما أنتم ركبٌ وقوف يوشك أن يُدعى أحدكم فلا يجيب ولا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم) [١٨] . رابعاً: كيفية المحاسبة: في الحقيقة ليس هناك وسيلة محدّدة ذات خطوات وأساليب منضبطة في كيفية محاسبة النفس؛ وذلك لأن النفوس البشرية متباينة الطبائع والسجايا؛ لكنّ هناك أُطُراً عامة وخطوطاً عريضة يمكن الإشارة إليها والاستفادة منها في هذا الموضوع. والأمر الذي يجب أن يفقهه كل مسلم ومسلمة أنه لا بد من الجدّية في المحاسبة والحرص الشديد على أخذ النتائج والقرارات التي يُتوصّل إليها بعد ذلك بمأخذ العزيمة والجدّ. قال الغزالي: (اعلم أن العبد كما (ينبغي أن) يكون له وقت في أوّل النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كلّ سنة أو شهر أو يوم حرصاً منهم على الدنيا، وخوفاً من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته ... فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟ ! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك) [١٩] ، ثم بيّن ﵀ أن المحاسبة تكون على نوعين: النوع الأول: محاسبة قبل العمل، وهي: أن يقف عند أوّل همّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبيّن له رجحانه على تركه. قال الدكتور عمر الأشقر: (ينظر في همّه وقصده؛ فالمرء إذا نفى الخطرات قبل أن تتمكّن من القلب سهل عليه دفعُها ... فالخطرة النفسيّة والهمّ القلبي قد يقويان حتى يصبحا وساوس، والوسوسة تصير إرادة، والإرادة الجازمة لا بد أن تكون فعلاً. قال الحسن: كان أحدهم إذا أراد أن يتصدّق بصدقة تثبّت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقّف) [٢٠] . وشرح بعضهم قول الحسن فقال: (إذا تحرّكت النفس لعملٍ من الأعمال وهمّ به العبد وقف أولاً ونظر: هل ذلك العمل مقدور عليه أو غير مقدور عليه؟ فإن لم يكن مقدوراً عليه لم يقدم عليه، وإن كان مقدوراً عليه وقف وقفة أخرى ونظر: هل فِعلُه خير له من تركه، أم تركُه خير له من فعلِه؟ فإن كان الخير في تَرْكه تَرَكَه، وإن كان الأوّل وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابُه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه؛ لئلا تعتاد النفسُ الشركَ ويخفّ عليها العمل لغير الله؛ فبقدر ما يخفّ عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأوّل وقف وقفة أخرى ونظر: هل هو مُعَانٌ عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجاً إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبيّ ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معاناً عليه فليُقدم عليه فإنه منصورٌ بإذن الله) [٢١] . النوع الثاني: المحاسبة بعد العمل وهي على أقسام ثلاثة: محاسبتُها على التقصير في الطاعات في حق الله تعالى وذلك يكون بأن يديم سؤاله نفسه: هل أديتُ هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصاً فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله ﷺ ؟ فإن كان مقصّراً وأيّنا يسلم من ذلك؟ فليسدّ الخلل بالنوافل فإنها تُرقّع النقص في الفريضة وتربي لدى العبد جانب العبادة، وبالمجاهدة وكثرة اللّوم يخفّ التقصير في الطاعات إلى درجة كبيرة. ب - محاسبتها على معصية ارتكبتها: قال ابن القيم في ذلك: (وبداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته وجنايتك؛ فحينئذٍ يظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمتُه أو الهلاكُ والعطب. وبهذه المقايسة تعلم أنّ الرّب ربّ والعبدَ عبد، ويتبيّن لك حقيقةُ النفس وصفاتُها وعظمةُ جلال الربوبّية وتفرّدُ الربّ بالكمال والإفضال، وأنّ كل نعمة منه فضل وكلّ نقمة منه عدل ... فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كلّ شرّ وأساس كلّ نقص وأنّ حدّها: [انها] الجاهلةُ الظالمةُ، وأنّه لولا فضل الله ورحمتُه بتزكيته لها ما زكت أبداً. ولولا إرشاده وتوفيقه لما كان لها وصولٌ إلى خير البتة؛ فهناك تقول حقاً: أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي) [٢٢] . وبعد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة ويجلس معها هذه الجلسة المطوّلة فإنه ينتقل إلى الثمرة والنتيجة ألا وهي العمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحيةِ والمذهبة للسيئات. قال سبحانه: [إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] [هود: ١١٤] . فالبدارَ البدارَ قبل أن يُختم لك بخاتمة سوء وأنت مُصِرّ على تلك المعصية ولم تتبْ منها. وتذكّر الحشرَ والنّشر وهوْلَ جهنّم وما أعدّه الله للعصاة والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد في نارٍ قال كعبُ الأحبار عنها ﵁: (لو أنّه فُتح من جهنّم قدرُ منخرِ ثور بالمشرق ورجلٌ بالمغرب لغلى دماغُه حتى يسيل من حرّها) [٢٣] أجارنا الله والمسلمين منها. فبذلك السبيل وأشباهه من المحاسبة يكون المرء صادقاً في محاسبته نفسه على ارتكاب المعصية والذنب ومن منّا يسلم من معاقرة الذنوب والخطايا؟ ! نسأل الله اللطف والتخفيف. ج - محاسبتها على أمرٍ كان تركه خيراً من فعله، أو على أمرٍ مباح، ما سبب فعلِه له؟ فيُوجّه لنفسه أسئلة متكرّرة: لِمَ فعلتُ هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي على هذه الشاكلة. وأمّا المباح فينظر: هل أردت به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحاً لي؟ أو فعلتُه عادةً وتقليداً بلا نيّةٍ صالحة ولا قصدٍ في المثوبة؛ فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجح؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من تقليلها أو إضعاف روحها، أو كان له أثرٌ في قسوة القلب وزيادة الغفلة؛ فكلّ هذه الأسئلة غايةٌ في الأهمية حتى يسير العبد في طريقه إلى الله على بصيرة ونور. أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله: (إنّ المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبُه فيقول: واللهِ إنّي لأشتهيك، وإنّك لمن حاجتي؛ ولكن واللهِ ما من صلةٍ إليك، هيهات! ! حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء (يقع في الخطأ) فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردتُ إلى هذا، وما لي ولهذا؟ واللهِ ما لي عذرٌ بها، وواللهِ لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله. إن المؤمنين قومٌ أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كلّه) [٢٤] . وبالجملة؛ فلا بُدّ للمسلم من دوام محاسبة النفس، ومعاتبتها وتذكيرها كلّما وقعت منها زلّة أو جنحت إلى حطام الدنيا الفاني. ولننظر إلى أنموذج آخر في كيفية معاتبة النفس أورده أبو حامد الغزالي رحمه الله حيث يقول: (وسبيلك أن تقبل عليها فتقول لها: يا نفس ما أعظم جهلك، تدّعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشدّ الناس غباوة وحمقاً! ! أما تتدبرين قوله تعالى: [اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ*مَا يَاًتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ *لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ... ] [الأنبياء: ١، ٣] ويحك يا نفس! إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراكِ فما أعظم كفرك! وإن كان مع علم باطلاعه عليكِ فما أشدّ وقاحتك وأقلّ حياءك! ويحك يا نفس!! لو كان الإيمان باللسان فلِمَ كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؟!! ويحك يا نفس ! لا ينبغي أن تغرّكِ الحياة الدنيا، ولا يغرّكِ بالله الغرور..فما أمرك بمهمّ لغيرك، ولا تضيّعي أوقاتك؛ فالأنفاس معدودة، فإذا مضى عنكِ نَفَسٌ فقد مضى بعضُك. ويحك يا نفس! أوَ ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا؟ اعملي يا نفس بقيّة عمرك في أيام قصار لأيّام طوال، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود) [٢٥] . خامساً: نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم: إنّ البحث والاستقصاء عن كلّ ما ورد من نماذج رائعة وصور مشرقة لمحاسبة السلف الصالح لأنفسهم يتطلّب مجهوداً جبّاراً ووقتاً طويلاً؛ لأن أولئك القوم ارتبطت قلوبهم بالله؛ فكانوا أجساداً في الأرض وقلوباً في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلّة إلا ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك؛ حتى لا تكاد تأمره إلا بخير. ولعلّنا نقتصر هنا على بعض النقولات العجْلى عن أولئك النفر الكرام لعلّها تحرّك القلوب، وتشحذ النفوس وتربّي المسلم تربية جادة قويّة. عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعتُه يقول وبيني وبينه جدار: عمر! ! أمير المؤمنين! ! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك) [٢٦] . وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغاً حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزيناً، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرّة، وقال له: (اضربني كما ضربتُك) فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر: إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقّك) فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر إلى منزله فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: (يا ابن الخطاب: كنتَ وضيعاً فرفعك الله، وضالاً فهداك الله، وضعيفاً فأعزّك الله، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه؟ ! ! ما تقول لربّك غداً إذا أتيتَه؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه) [٢٧] . وقال إبراهيم التيمي: (مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحاً! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي) [٢٨] . وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامةُ صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحسّ بالنّار ثم يقول لنفسه: يا حنيف! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ كذا؟) [٢٩] . ونُقِل عن توبة بن الصّمة: (أنه جلس يوماً ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفاً وخمسمائة يوم؛ فصرخ وقال: يا ويلتى! ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ ! ! ثم خرّ فإذا هو ميّت! ! فسمعوا قائلاً يقول: يا لكِ ركضةٌ إلى الفردوس الأعلى) [٣٠] . يقول الغزالي معلّقاً على هذه القصّة: (فهكذا ينبغي أن يحاسب (العبد) نفسه على الأنفاس، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كلّ ساعة . ولو رمى العبد بكلّ معصية حجراً في داره لامتلأت دارُه في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي؛ والملكان يحفظان عليه ذلك [أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ... ] [المجادلة: ٦] [٣١] . ويُحكى أن حسان بن أبي سنان مرّ بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه، فقال: تسألين عمّا لا يَعْنيكِ؟ ! لأعاقبنّك بصيام سنة، فصامها) [٣٢] [٣٣] . وقال عبد الله بن قيس: كنّا في غزاةٍ لنا فحضر العدو، فَصِيحَ في الناس فقاموا إلى المصافّ في يومٍ شديد الريح، وإذا رجلٌ أمامي وهو يخاطب نفسَه ويقول: أيْ نفسي! ألم أشهد مشهد كذا فقلتِ لي: أهلَكَ وعيالك؟ ! ! فأطعتُك ورجعت! ألم أشهد مشهد كذا فقلتِ لي: أهلَكَ وعيالك؟ ! ! فأطعتُكِ ورجعت! واللهِ لأعرضنّكِ اليوم على الله أخَذَكِ أو تَركَكِ. فقلت: لأرمقنّكَ اليوم، فرمقته فحمل الناسُ على عدوّهم فكان في أوائلهم، ثم إنّ العدو حمل على الناس فانكشفوا (أي هربوا) فكان في موضعه، حتى انكشفوا مرات وهو ثابت يقاتِل؛ فواللهِ ما زال ذلك به حتى رأيتُه صريعاً، فعددتُ به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة) [٣٤] . وأخيراً: نختم بفائدة مهمّة فيما يعين على المحاسبة ذكرها الإمام ابن القيم ﵀ في (مدارج السالكين) ؛ فقد ذكر أن ممّا يعين على المحاسبة: أن يكون المرء صادقاً في محاسبته لنفسه. وتعتمد المحاسبة الصادقة على ثلاثة أسس: الاستنارة بنور الحكمة؛ وسوء الظنّ بالنفس، وتمييز النعمة من الفتنة. فأمّا نور الحكمة؛ فهو العلم الذي يميّز به العبد بين الحقّ والباطل، وكلّما كان حظّه من هذا النور أقوى كان حظّه من المحاسبة أكمل وأتمّ. وأما سوء الظن بالنفس؛ فحتّى لا يمنع ذلك من البحث والتنقيب عن المساوئ والعيوب. وأما تمييز النّعمة من الفتنة؛ فلأنه كم مُسْتَدْرَج بالنّعم وهو لا يشعر، مفتونٍ بثناء الجهّال عليه، مغرورٍ بقضاء الله حوائجه وستره عليه! [٣٥] . حكى الذهبي عن المرّوذي قال: قلت لأبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) : قدم رجلٌ من طرسوس فقال: كنّا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل رفعوا أصواتهم بالدعاء لأبي عبد الله، وكنّا نمدّ المنجنيق ونرمي عن أبي عبد الله. وقد رُمي عنه بحجرٍ والعلج على الحصن مُتَتَرّسٌ بدَرَقَته [٣٦] فذهب برأسه والدّرقة! ! قال: فتغيّر وجه أبي عبد الله وقال: ليته لا يكون استدراجاً) [٣٧] . وصلى الله وسلّم على محمدٍ وآله وصحبه وسلّم.

стр. 3091

قضايا دعوية مع قصة إبراهيم " ﵇ " [رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] [إبراهيم: ٣٧] د. حمدي شعيب من خلال هذه اللمحة القرآنية التاريخية يرنو المسلم بفكره، ويتذكر تاريخ تلك العائلة المباركة، ويسمع الخليل إبراهيم ﵇ وهو يتجه إلى ربه معلناً أنه قد أسكن بعض أهله بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور لبيت الله الحرام، ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا الوادي الجدب ليقوموا بها، وهي إقامة الصلاة، وهي التي يتحملون من أجلها هذه المشقة، ثم دعا الحق سبحانه أن يرقق قلوب البشر، ويضع فيها حب هذا المكان، فتتشوق وتسرع، وتفد من كل فج، وأن يرزق أهل المكان الخير مع هؤلاء القادمين؛ ليتمتعوا، وليكونوا من الشاكرين. وهو مرتكز دعوي يوضح أهمية استشعار عمق جذور هذه الدعوة وبعدها التاريخي السحيق، ومعنى أن المسلم يردد في صلواته الخمس، ويؤكد على هذه الصلة القوية بين حلقات الدعوة: (اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) [١] . ويفخر المسلم بأنه حلقة في سلسلة الخير؛ وذلك عندما يطّلع على ما ورد في معنى (آل محمد) ، (قيل: هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم وبني عبد المطلب، وقيل: هم ذريته وأزواجه، وقيل: هم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة، وقيل: هم المتقون من أمته) [٢] . علامة النضج: تنمية روح الارتباط بالفكرة: عندما نستمر في قراءة التاريخ، من خلال سيرة تلك العائلة المباركة، ونتذكر كيف أن إبراهيم ﵇ امتثل لأمر الله - ووحيه، وأخذ وحيده إسماعيل ﵇ وزوجته هاجر وذهب بهما إلى مكة، (وكانت مكة يومئذ لا نبت فيها ولا ماء) ، وأنزلهما بمكة في موضع زمزم، ومضى لا يلوي على شيء. ودعا دعاءه الخاشع الراضي، وانصرف إلى أهله بالشام، وترك هاجر وولدها الذي طالما دعا الله - سبحانه - أن يرزقه به. كم كانت تضحية كبيرة! أبَعْدَ أن يُرزق الولد، ويراه بين يديه، وتقر عينه برؤيته، يُحرم منه وهو حي يرزق؟ ! والأعجب من هذا أن يحرم منه طائعاً مختاراً نزولاً على أمر الله [٣] . من خلال هذه اللمحة التاريخية ندرك أن تلك العقبة أو الخطوة الابتلائية في حياة أبي الأنبياء ﵇ تمثل معلماً في طريق الدعاة، ولنا أن نسميه ما شئنا: نسميه ابتلاء، نسميه تضحية، ولكن الأهم من ذلك أنه يمثل قمة النضج في حياة الإنسان عندما يصل إلى مرحلة الترتيب الصحيح لأولوياته، فتصبح الفكرة مقدمة على أي أمر أو مصلحة أو ارتباط آخر في حياته. فإذا كان الطفل يمر بمراحل اجتماعية نفسية ثلاث هي: مرحلة التمحور حول الأشياء، ثم مرحلة التمحور حول الأشخاص، ثم مرحلة التمحور حول الأفكار. فكذلك المجتمعات، تمر بالمراحل نفسها في تطورها الحضاري [٤] . فنحن نؤكد أن ذلك واقع أيضاً في حياة الداعية، وأن تطوره التربوي والدعوي يمر بالمراحل نفسها! حيث يبلغ قمة النضج، عندما يصبح تمحوره حول الفكرة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي يحمله، ويتعدى مرحلة التأثر والتمحور حول الوسائل والأشياء والماديات، ومرحلة التمحور حول الأشخاص. وتأمل تلك التضحية في سبيل الفكرة التي لا تمثل قمة النضج فقط، بل إن الموت في سبيلها كان من أعظم صور النصر، وذلك بانتصار الفكرة، حين مات الغلام على يد الساحر؛ كما جاء في قصة) الغلام والراهب [٥] . وتدبر مغزى هذا التوجيه الرباني، لخير الأجيال، حينما أصابهم الخور عندما سرت إشاعة مقتله ﷺ أثناء محنة أُحُد؛ وذلك حتى يرتبطوا بالفكرة لا بالشخص ولو كان خير من وطئ الحصى ﷺ : [ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ومَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] [آل عمران: ١٤٤] . وتدبر أيضاً سنة الله في هذا القانون الشاق، (قانون الخروج) ، أو المرحلة التي لا بد منها، في طريق أصحاب الدعوات، والذي لفت إليه نظر الحبيب ﷺ عن طريق ورقة بن نوفل، في أول خطواته الدعوية، عندما) قال: يا ليتني فيها جذعاً - أي شاباً جلداً - إذ يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟ ! قال: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي [٦] . وتدبر كذلك قصة يوسف ﵇ وما تمثله من نموذج للخروج والابتلاء قبل التمكين، ومغزى نزولها في الفترة الحرجة من عمر الدعوة بين عام الحزن، وبين بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، التي جعل فيهما الفرج والمخرج لرسول الله - ﷺ وللعصبة المؤمنة معه وللدعوة الإسلامية، بالخروج والهجرة إلى المدينة. وهو المعلم التربوي العظيم، الذي يوضح أن الداعية لا بد أن يعيد ترتيب أولوياته، ويدرك أن قمة النضج الدعوي، في حياة الدعاة، وأصحاب المبادئ، لا تكون إلا بالتطور والخروج بمعناه الراحب اللاحب، الخروج من أسر الوسائل والأشياء والماديات، ومن التأثر بالشخصيات، إلى التمحور حول الفكرة التي يؤمن بها والمبدأ الذي يحمله. اعقلها ... وتوكل: علامة توازن الحركة الدعوية: عندما صدع إبراهيم ﵇ بأمر ربه، وترك هاجر ووحيدها، ومضى بعد أن وضع عندهما جراباً - وهو الوعاء الذي يحفظ فيه الزاد ونحوه فيه تمر، وسقاء: وهو القربة الصغيرة فيها ماء - فكانت هاجر تأكل التمر، وتشرب الماء، وترضع وليدها. وهذا السلوك العظيم في حياة الأنبياء والدعاة على مر التاريخ يوضح أن خلق التوكل على الله لا ينافي مبدأ الأخذ بالأسباب. وتدبر خطة الحبيب محمد ﷺ وهو المعصوم، حينما هاجر من المدينة، وكيف أخذ كل الأسباب. وكذلك كان ديدنه -صلى الله عليه وسلم- في كل غزواته؛ بل وفي كل أموره. وضوابط التوكل عليه - سبحانه - وأهمها الأخذ بالأسباب، هذه الضوابط وردت في أكثر من وصية عنه ﷺ كما في الحديث:) جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال:) اعقلها وتوكل [٧] . وهذا المعلم الدعوي، أو الركيزة التربوية، توضح أهمية وجود التوازن في حركة الأفراد الدعوية، بين جناحي الحركة الإيجابية، وهما: الأخذ بالأسباب الشرعية، ثم التوكل عليه - سبحانه. منارة ... لا تنطفئ: الثبات على الحق: عندما مضى الخليل ﵇ قافلاً إلى الشام بعد أن ترك هاجر لوليدها،) فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت ذلك مراراً، وهو لا يلتفت إليها! ! ، فقالت: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. ثم رجعت [٨] . تد بر هذا الموقف العصيب، وتلك التجربة المريرة، في حياة تلك الأسرة المؤمنة المباركة، وتدبر هذه الزوجة البارة الصالحة الممتحنة، وهي تتعقب زوجها، وتصف له الوادي. وتدبر مغزى هذا الوصف لحالها:) فقالت ذلك مراراً، وهو لا يلتفت إليها! ! ولعل وصف الحديث لعظمة هذا الموقف، ليس فقط في استجابة وامتثال الخليل ﵇ لوحيه - سبحانه -، بل في بلوغه هذه القمة الشامخة في الثبات على الحق، رغم رجاء زوجته، مراراً. حقاً [إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً] [النحل: ١٢٠] . وهذا الثبات، هو المعلم الدعوي البارز، والمنارة التي لا تنطفئ، تلك المنارة التي يشعلها السابقون للاحقين، على طريق الدعوة. وهو الإرث العظيم الذي يفخر به الأبناء السائرون على طريق الآباء والأجداد الهادين المهتدين، أولئك الرجال الصادقون الثابتون، الذين لم يبدلوا، إذ: [صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] [الأحزاب: ٢٣] . عودة راضية ... وانطلاق مطمئن: أهمية وجود البيت المسلم: وفي موقف هاجر وهي تتبع زوجها ﵇ وتلح عليه مراراً، ثم قناعتها بما فعله الخليل ﵇ عندما علمت أن هذا أمر من الله - سبحانه -، وقالت قولتها الخالدة: (إذاً لا يضيعنا) . تدبر هذا الموقف العصيب: زوجة ضعيفة، ووليد أضعف، بل ووحيد أبويه، يتركان في صحراء قاحلة، في واد ليس فيه إنس ولا شيء! ثم يكون الاطمئنان، والقناعة بكلمة واحدة من زوجها ﵇ عندما قال: (نعم) مجيباً على سؤالها الملهوف: (آلله الذي أمرك بهذا؟) . وكم ينقص الدعاة العاملين، من تربية وجهد، حتى تصل أسرهم أو تتشبه بمثل تلك القمم، قبل أن ينطلقوا، كما انطلق الخليل ﵇؟ ! فالأم عندما تعرف وظيفتها الخالدة، وتعود لتحمي الجبهة الداخلية، راضية قانعة، عندها وعندها فقط يمكن للأب أن ينطلق مطمئناً. إن وجود الأسرة المسلمة، وتلك الجبهة الداخلية الربانية، في حياة الدعاة، لهي من أهم الركائز والمعالم في طريق الدعوة. والحركة الدعوية هي حركة مؤسسية جماعية، تعاونية تعاضدية، الفرد فيها يندمج اندماجاً كلياً، بنفسه وأهله؛ بل وفي كل شؤونه. وأي خلل فردي ما هو إلا علامة من علامات تضييع الثغور. فإذا ضاع ثغر، أصاب الخطر المجموع، كما يصيب الفرد. لذا؛ فإن الخلل الفردي يسأل عنه الجميع! ويجب أن لا ينطلق الداعية خارجياً إلى مهامه الكبار قبل أن يرسي قواعد قلعته داخلياً، ويضع عليها من يحرسها عن رضى وقناعة. الركن الشديد: تنمية فن استطار التوفيق الالهي: عندما انطلق الخليل ﵇ حتى إذا كان عند الثنية التي بأعلى مكة في طريق منى وعرفات وهو الموضع الذي دخل منه النبي ﷺ مكة وأصبح لا يرونه، استقبل إبراهيم عليه السلام بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الكلمات: [رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] [إبراهيم: ٣٧] . عندما يتأمل المسلم هذه الوقفة الإبراهيمية التربوية، بعد أن صدع بأمر ربه، وأخذ بأسباب معيشة هاجر وابنها، وبعد أن أجاب على تساؤل هاجر، وطمأنها، واقتنعت ورضيت، ثم اتجه إلى الركن الشديد، إليه - سبحانه - معلناً أنه قد أسكن بعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور لبيت الله الحرام، ذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا الوادي الجدب ليقوموا بها، وهي إقامة الصلاة، وهي التي يتحملون هذه المشقة من أجلها، ثم دعا الحق - سبحانه - أن يرقق قلوب البشر ويضع فيها حب هذا المكان، فتتشوق وتسرع، وتفد من كل فج، وأن يرزق أهل المكان الخير مع هؤلاء القادمين، ليتمتعوا، وليكونوا من الشاكرين. والتوفيق الإلهي هو الرصيد الأهم والمعلم الرئيس لأي حركة دعوية يقع على عاتقها إقامة مشروع الأمة الحضاري، وإيراده هنا حسب تسلسل القصة. وهو رصيد يميز أهل الحق وأصحاب الدعوات عن غيرهم من أهل الباطل، وهو الركن الشديد الذي يلوذ به كل رسول وكل داعية؛ خاصة أثناء لحظات الدعوة الحرجة، وبعد أن تنقطع كل السبل وتتهاوى في الأسناد، وبعد الاجتهاد في الأخذ بكل الأسباب. وتدبر موقفه ﷺ وهو عائد حزين من الطائف، وهو يؤكد لزيد بن حارثة ﵁ على أهمية هذا المعلم الأساسي والركيزة الأهم لأصحاب الدعوات: (يا زيد! إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه) [٩] . لذا؛ فإن الداعية مطالب باستشعار فضل القوة التي أنجت إبراهيم ﵇ من النار، وموسى ﵇ من فرعون، ويونس ﵇ من بطن الحوت، ومحمد ﷺ في الغار وفي بدر وأثناء محنة حنين، وعليه أن يتذكر أنهم قد نجوا بالدعاء وطلب العون منه - سبحانه - بعد الأخذ بالأسباب؛ وذلك حتى يكتمل تجردهم وخلوصهم من الركون إلى أي سبب دونه - جل وعلا-. فلا يصح للداعية أن تكون نظرته للأحداث محدودة المدى وقاصرة التفسير، فأقداره - سبحانه - دائمة الأحداث، ودائمة الحركة، [لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً] [الطلاق: ١] ، والوجود كله من طبيعته التغير والتبدل، حسب (سنة التداول الإلهية) التي كان لها الأثر الطيب على النفوس المؤمنة التي خرجت لتوها من المحنة العظيمة والمصيبة الكبرى في أحد [وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] [آل عمران: ١٤٠] . والمؤمن دوماً يحدوه منهج الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه - في التعامل مع أقداره - سبحانه - عندما سئل: ما تشتهي؟ قال: ما يقضي الله . ويغمره حسن الظن بربه، كما وجهه الحبيب ﷺ : (قال الله في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني) [١٠] . وكذلك كان الخطاب القرآني واضحاً وصريحاً للمؤمنين، ليوجههم إلى حسن الظن بأقداره - سبحانه - فهي دوماً إلى خير ويسر: [سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً] [الطلاق: ٧] . لكل ثغرة ... سامري: الدور التفقدي للقيادة والمتابعة المستمرة: وتذكر تلك اللمحة التاريخية أن الخليل ﵇ استأذن سارة أن يذهب لزيارة هاجر وإسماعيل ﵇ فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، فركب البراق، وتوجه نحو مكة، وقصد المكان الذي تركهما فيه، فوجد هاجر قد ماتت، ولم يجد إسماعيل ﵇ فسأل امرأته عنه وعن أحوالهم، فأخبرته أن زوجها خرج للرزق، وشكت له سوء الحال، فأخبرها أن تقرئ زوجها السلام وأن يغير عتبة بابه، ففهم الابن أن والده قد زاره ويأمره أن يطلق زوجته ففعل، وفي الزيارة الثانية قابلته الزوجة الثانية بترحاب وأدب، ولم تشك سوء الحال، وأثنت على الله -سبحانه- وأحسنت إلى الأب، فأخبرها أن تقرئ زوجها السلام، وتخبره أن عتبة بابه قد استقامت، ففهم الابن رسالة الوالد، وأنه طمأنه على حاله وعلى أهله. من هذه اللمحة التربوية الإبراهيمية، ندرك أهمية الدور التفقدي الاجتماعي للأب، حيال أسرته، رغم بعد المسافات، ويتبين مدى الرقي في سلوك الخليل ﵇ وهو يراعي شعور زوجته سارة، وهو يستأذنها، ويراعي الطبيعة البشرية، وغريزة الغيرة، ولم يمنعه ذلك من أن يتفقد باقي أحوال الأسرة الطيبة المباركة ﵈ جميعاً. ونحن نتجاوز هذا المعنى القريب، إلى المجال الأوسع، إلى ما يهمنا في هذا البحث المتواضع، وهو مدى أهمية الدور التفقدي للقيادة لكل الأفراد، وأن لا تحابي أحداً على حساب أحد. ويتبين مدى أهمية المتابعة لكل الأفراد، ولو كان في ذلك مشقة، حتى ولو كان هناك من الأمور العظيمة، التي تشغلها؛ فالتوازن بين الواجبات مطلوب. ولقد كان هذا الدور من الأركان البارزة في سيرته ﷺ ومنهجه التربوي، سواء في المجال الاجتماعي الحياتي، أو في المجال العسكري. وتدبر موقفه عندما زوج ﷺ جليبيباً الأنصاري من إحدى بنات بني الحارث بن الخزرج ﵃ دعا لزوجه دعاء طيباً: (اللهم صب عليها الخير صباً صباً ولا تجعل عيشها كداً كداً) . ثم افتقده في إحدى المغازي له فقال: (هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً ونفقد فلاناً ونفقد فلاناً. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً ونفقد فلاناً. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيباً، فاطلبوه في القتلى. فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه. فقال رسول الله ﷺ : هذا مني وأنا منه، أقتل سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه، أقتل سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه. فوضعه رسول الله ﷺ على ساعديه ثم حفروا له، وما له سرير إلا ساعدي رسول الله ﷺ ، حتى وضعه في قبره. قال ثابت: فما في الأنصار أيم أنفق منها) [١١] . هذا الدور القيادي من الخطورة بمكان؛ ليس على الأفراد المعنيين فقط، بل على المجموع. وتدبر هذه الحادثة المشهورة التي حدثت أثناء الاستعداد لغزوة (تبوك) ، حيث حكى كعب بن مالك -رضوان الله عليه - عن هذه القاصمة قائلا: (ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان - قال كعب: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله) [١٢] فتأمل هذا الموقف الذي شعر به هذا الصحابي الجليل: فالعدد كثير، وليس هناك كتاب، مما يشعر المرء بأنه ليس هناك من يلاحظ تغيبه، ويتابعه، ولكن وجود المربي الواعي المتفقد كان العاصمة التي قال عنها كعب ﵁: (ولم يذكرني رسول الله- ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال - وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟) [١٣] . لهذا لم يعبث المبطلون بتركته ﷺ ، ولم يتعرض قومه لغواية الشياطين، ولم يجد السامريون أي ثغرة ليدخلوا منها إلى الصف، كما حدث مع موسى ﵇. وعلى الداعية، أن يحذر السامريين، فيهتم بالتوازن بين الواجبات الملقاة على عاتقه، نحو دعوته وأهله ونفسه، فلا ينشغل بجانب على حساب الآخر، لأن كل واجب إنما هو ثغرة، ولكل ثغرة سامري يتربص بها إذا انشغل أو غاب عنها، ولم تشفع له نيته الحسنة، ولا سمو المهمة التي شغلته عنها، أن يضع نفسه في موقف المؤاخذة والحساب. الشرط النوعي ... الرواحل: من فقه المرحلة ... اختيار افرادها: قد طلب الخليل من إسماعيل - عليهما السلام - في زيارته التفقدية الأولى أن يطلق زوجته الأولى، وطلب منه أن يبقي معه زوجته الثانية في زيارته الثانية. من خلال هذه الصفحة الناصعة من سيرة تلك الأسرة المباركة، يتبين لنا عدة ملامح تربوية: منها مدى العلاقة القوية بين أفراد تلك الأسرة المباركة، ومنها مدى الحب والود والرعاية التي يكنها الوالد لولده، ومدى الاحترام والطاعة من الابن تجاه الأب، وعظم مقدار الثقة المتبادلة بين الوالد وولده. وكذلك نتبين الملمح التربوي العظيم، وهو أن هذه الأسرة مقبلة على مرحلة عظيمة تتطلب نوعية معينة من الأفراد، للقيام بها والمشاركة في صنعها، وتحمل أعبائها. وعندما يدرك الداعية عظم المهمة الملقاة على عاتقه، عليه أولاً وقبل أن يرفع يديه بالدعاء العظيم: [رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً] [الفرقان: ٧٤] ، عليه أن يدرك خطورة الاختيار، اختيار المشاركين معه المهمة الإمامة والقيادة للبشر، فيدقق في اختيار من ستشاركه الطريق، بل ويدرك مسؤوليته في اختيار من سيشاركن ذريته مسؤولية أن يكونوا للمتقين إماماً، ويرى كما) رأى إبراهيم ﵇ أن هذه المرأة لا تصلح أن تكون زوجة لنبي رسول يُعد لأن يسود ويقود ويربي أهله وأولاده والناس من حوله، فالزوجة التي تطيل الشكوى، وتكثر التبرم لا يمكنها أن تكون عوناً لزوجها على المهمات الكبار التي يُعد لها [١٤] . أما بالنسبة للمجال الدعوي، فهي القضية نفسها بالنسبة للداعية، فإذا أدرك مهمته والدور الملقى على عاتقه، فإن من فقه الطريق أن يهتم ببناء العلاقة القوية داخل الصف التي لا تقوم حتى يدرك كل فرد دوره المطلوب، ثم يؤديه بفاعلية ورغبة، وهذا بدوره لا يتم حتى تشيع روح البذل والعطاء الذي يرويه وينميه ماء الثقة بين الأفراد. ومن فقه المرحلية: أولاً: أن يركز على (الشرط النوعي) ، بأن يدقق في اختيار نوعية أفراد كل مرحلة، ورجال كل مهمة، أولئك الرجال الذين يكثرون عند المغرم، ويقلون عند المغنم، أولئك الرجال الذين يطمعون في إنجاز معالي الأمور،) وهم الذين يبحث عنهم عمر بن الخطاب ﵁ حين قال لجلسائه: تمنوا! فتمنى كل واحد أمنيته، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ولكني أتمنى بيتاً مملوءاً رجالاً مثل أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة؛ إن سالماً كان شديداً في ذات الله ولو لم يخف الله ما أطاعه [١٥] . نعم لا بد من الرجال، فمن استعان بصغار رجاله على كبار أعماله ضيع العمل [١٦] ، فالأعمال الكبار يطلب لها كبار الرجال. قال رجل لعبد الله بن عباس ﵁: أتيتك في حاجة صغيرة، قال: فاطلب لها رجلاً صغيراً) [١٧] [١٨] . فالطريق طويل، والسفر موحش، والكيد الشيطاني منظم ومركب، ولا يطيق التحدي إلا الرواحل، تلك النوعية المنشودة، والعملة النادرة، (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) [١٩] . إيجابية منضبطة: المؤمنون ستار لقدر الله: [وَإذْ بَوَّاًنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاًتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاًتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ] [الحج: ٢٦- ٢٩] . بتوجيه منه - سبحانه - وبإعانة وتوفيق إلهي كانت البداية، وكان التكليف، بأن ينشأ هذا البيت على يد إبراهيم ﵇، حيث عرَّفه الحق - سبحانه - مكانه، كما ورد في بعض الروايات عن طريق جبريل ﵇ وملكه أمره ليقيمه على أساس قاعدة التوحيد، فيكون خالصاً له - سبحانه - وحده، وأن يجهزه تجهيزاً خاصاً، بأن يطهره من الشرك، وأن يجعله للناس جميعاً، لكل الناس، سواء المقيم فيه والطارئ عليه، فيخصص للطائفين به والقائمين لله فيه. ثم أمره بعد ذلك أن ينادي في الناس بالحج وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام، ووعده أن يلبي الناس دعوته، فيأتوا من كل طريق بعيد، مشاة على أرجلهم، وركوباً على كل بعير مهرول من بعد المشقة. وما زال وعد الله يتحقق إلى اليوم والغد. وما تزال أفئدة من الناس تهوي إليه، تلبية لدعوته ﵇ منذ آلاف الأعوام. ونستطيع أن نستشف هذا التفاعل من الآتي: أنه - سبحانه - أوحى إلى إبراهيم ﵇ أن يسكن ذريته في هذا المكان القريب من البيت الحرام بالذات، فقام الخليل ﵇ بنقل هاجر وابنها بجهده البشري. ثم أراد الحق - سبحانه - أن يعمر هذا المكان بالبشر فكان جهاد هاجر من أجل الماء، ثم تفجر ماء زمزم. ثم أراد الحق - جل وعلا - أن يُعد هذه الأسرة لمهمة عظيمة، يتوارث آثارها الأجيال، فكان تفقد إبراهيم ﵇ لأسرته، وأمره ولده أن يعيد اختيار الزوجة التي ستشاركهم، هذا العمل الكبير. ثم أراد - سبحانه - أن يُبنى البيت، فدل إبراهيم ﵇ على مكانه، فقام الخليل وإسماعيل ﵉ بالبناء. وعندما أراد الحق - سبحانه - إعمار هذا البيت أمر إبراهيم ﵇ أن يقوم بدوره فيؤذن، وينادي في الناس، ويدعوهم. ووعده الحق - سبحانه - أن الناس من كل مكان وفي كل عصر سيلبون ذلك النداء الجليل. لذا يتبين لنا أن إرادة الله لتحقيق عمل ما تقوم على دعامتين أساسيتين ومتلازمتين: ١- المدد الإلهي. ٢- الجهد البشري. لأن (الله - سبحانه - يساعد من يجاهد للهدى: [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] [العنكبوت: ٦٩] ، وأنه يغيير حال الناس حين يغيرون ما بأنفسهم، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] ، وأن هناك علاقة بين الجهد البشري الذي يبذله الناس، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به، فيبلغون به ما يجاهدون فيه من الخير والصلاح والفلاح، وأن إرادة الله هي الفاعلة في النهاية، وبدونها لا يبلغ الإنسان بذاته شيئاً، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها، ويستمد عونها ويجاهد في الله ليبلغ رضاه. وقدر الله - مع هذا كله - هو الذي يحيط بالناس والأحداث، وهو الذي يتم وفقه ما يتم من ابتلاء، ومن خير يصيبه الناجحون في هذا الابتلاء) [٢٠] . فتدبر دور قدر الله - سبحانه - في ناموس التغيير التاريخي، والتحول الحضاري، وهو دور لا يلغي دور البشر؛ بل يضبط حركته الإيجابية، فيتوافق ويتناغم معه. ركيزة التجميع: الاهتمام بدور الإرادة الربانية: لقد أمر الحق - سبحانه - الخليل ﵇ أن يحدد الغاية المرادة من إقامة هذا البيت: [أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] [الحج: ٢٦] ، [وعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ] [البقرة: ١٢٥] . أي أن يقوم هذا العمل العظيم الخالد على التوحيد الخالص، فيبنى البيت الحرام على اسمه - تعالى - وحده، وأن يُطهر من الشرك بلا إله إلا الله، ويكون خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، أولئك الذين يأتون من غربة، والمقيمون فيه، والمصلون. من هذه اللمحة التاريخية، نعلم أن القضية العظيمة التي أرادها الحق - سبحانه - وذلك بعد أن بين مكان البيت باعتبارها نقطة انطلاق هي توحيده - سبحانه-.. فالتوحيد هو الأمر الرباني، الذي من شأنه أن يجمع البشر، كل البشر، ويوحد الناس، كل الناس. كانت البداية هي أن تنبعث تلك الفكرة العظيمة، من قلب رجل عظيم، فيتحرك بها، ويحرك بها غيره. وهذه هي سنة الله في نشوء الأعمال العظيمة، بل وفي بناء الحضارات الإنسانية. وهو دور الفكرة، والمنهج في التغيير الحضاري، وناموس الحركة التاريخية. فالأفكار لها أهميتها، ووظيفتها الحتمية في بناء الحضارة الإنسانية. وذلك لأن) أية أمة من الأمم لا بد أن تنطلق في دربها الحضاري من مجموعة من الأفكار، وسلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا الترجمة العملية لما يؤمنون به من أفكار، ولهذا السبب نجد أن المجتمعات تسمو وتنمو أو تنحط أو تبيد تبعاً لطبيعة الأفكار التي يعتنقها أبناؤها، والفكرة لا بد لها - لكي تفعل فعلها - من جهد بشري مكافئ يترجمها إلى فعل. ولا بد من عامل ثالث مكمل لهما، وهو أن تكون الفكرة قابلة للتنفيذ العملي، أي أن تكون موافقة لسنة أو قانون من السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق [٢١] .

стр. 3092

حوار حوار مع الدكتور محمود حماية أجرى الحوار:وائل عبد الغني ضيفنا هو فضيلة الدكتور محمود علي عبد الرحمن حماية، وهو أحد الأساتذة بجامعة الأزهر كلية (أصول الدين) ، نال الماجستير عام ١٩٧٥م، والدكتوراه في مقارنة الأديان عام ١٩٨٥م، وكانت رسالته (تحقيق الفِصَل في الملل والنحل لابن حزم الأندلسي) ، وله عديد من المؤلفات والدراسات المنشورة. ويسرنا اللقاء مع فضيلته والحوار معه في عدد من المسائل العلمية والفكرية والدعوية، راجين أن يستفيد الإخوة القراء مما يدور في هذه الجلسة المباركة والحوار الممتع. ... -البيان- * القطيعة الحاصلة بين شباب الصحوة والعلماء في كثير من بلاد الإسلام.. ما أسبابها؟ ومن المسؤول عنها، وكيف يمكن إزالتها؟ * يؤسفنا أن تلك القطيعة لم تعد قاصرة على شباب الصحوة والعلماء فقط، وان كان للعلماء نصيبهم من تلك القطيعة أو الجفوة، والذي أراه أن هذه المشكلة تعود إلى أمور متعددة منها: ١- تهاون بعض العلماء بأخلاق الإسلام وعدم التزامهم في حياتهم العامة والخاصة بهديه وتعاليمه، وهذا سبب جوهري نفر الشباب منهم، وجعلهم يفقدون الثقة في فتاواهم وآرائهم. إن الشباب المسلم ينتظر من العالم أن يكون قدوة لغيره في الخلق الرفيع، والشجاعة في الحق، والبعد عن مواطن الشبهات، وقد عاب القرآن الكريم على أقوام أنهم يقولون ما لا يفعلون، وينهون الناس عن المنكر وهم لا ينتهون فقال - تعالى -: [أَتَاًمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [البقرة: ٤٤] وقال - تعالى -: [لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ] [الصف: ٢-٣] . فعدم التزام بعض العلماء بتعاليم الإسلام جعل الشباب ينفر منهم ولا يثق في كلامهم. فالشباب غالباً يلتفون حول صاحب السيرة العطرة، والتاريخ المشرق الذي لم يسجل عليه موقف مشبوه أو نفاق أو تعاون مع ظلمة أو طغاة، خصوصاً أن مواقف الضعف والتردي للدعاة تظل عالقة في أذهان الشباب ويصعب عليهم محوها. كيف يثق الشباب في داعية لا يخجل من مدح الظلمة والتزلف إليهم، وتسويغ أخطائهم للرأي العام؟ والذي يطالع التاريخ يجد أن تمسك علماء السلف بأخلاق الإسلام وشجاعتهم في قول الحق، ووقوفهم أمام الظلم والظالمين من أهم العوامل التي جعلت الأمة تتعلق بهم، وتلتف حولهم في الحياة وبعد الممات والأمثلة على ذلك كثيرة! ولعل من المناسب هنا أن أنبه إلى أن من العلماء من هو أكثر شجاعة وحباً للإسلام من غيره، والذي يقرأ تاريخ شيوخ الأزهر يجد أن كثيراً منهم كانت لهم مواقف مشهودة سجلها لهم التاريخ رغم أن الحكام والولاة كانوا يملكون قرارات عزلهم وتنحيتهم من مناصبهم، وأذكر على سبيل المثال الشيخ المراغي، والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ عبد المجيد سليم وهي مواقف مرصودة ومعروفة. ٢- ومن أسباب هذه الجفوة الجهل بفقه الدعوة الإسلامية لدى كثير من شباب الصحوة الإسلامية الذين لا يعرفون إلا قشوراً من علوم الإسلام لا تمكنهم من الحكم الصحيح على الأشياء ووضعها في إطارها الصحيح، بحيث إذا سمع هؤلاء الشباب فتوى لأحد العلماء لا تتفق مع رأي شيخه أو اتجاه جماعته شنع على هذا الشيخ وسلبه كل محمدة، ونسي جهاده، وقد يكون الرأي الذي أفتى به هذا الشيخ جائزاً عند بعض الفقهاء، أو وردت به بعض النصوص، وأخذ فيه هذا الشيخ بالأيسر للمسلمين لأدلة صحت عنده ولظروف وملابسات هو أعلم بها. فالعلم الصحيح يقرب بين العلماء والشباب ويجعلهم يلتمسون عذراً لمن أفتى بحكم ليس على نهجهم! وهذا التسامح من ثمار اعتبار تعدد المذاهب سعة ورحمة! ٣- كذلك من الأمور التي تؤدي إلى اتساع الجفوة بين الشباب والعلماء ضعف التربية لدى كثير من شباب الصحوة لندرة المربين في الساحة الإسلامية، فلا بد للدعاة أن يركزوا في دعوتهم على جانب التربية وتهذيب النفس وإلزامها بأخلاق الإسلام وآدابه، لأن الأخلاق في الإسلام لها منزلة رفيعة، ويكفي أن نعرف قول رسول الله ﷺ : (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) [١] . ولكن بعض شباب الصحوة إذا سمع رأياً لم يعجبه من عالم شنع عليه، ونقل كلامه محرفاً حتى يصد الناس عنه، وقد رأيت بعض الشباب إذا خاصم فجر، وصدر منه من الأقوال والتهم لبعض الشيوخ ما يعف عن ذكره عوام المسلمين الذين ليس لهم حظ من العلم. ٤- ومن الأسباب التي أدت للجفوة أيضاً أن بعض أدعياء العلم يحرص في كل محاضرة أو ندوة أن يعبِّئ الشباب ويملأ صدورهم حقداً وكراهية للعلماء الذين ليسوا على مذهبه بدافع الحقد والحسد حتى ينفض الشباب عنهم وتكون له الزعامة. وقد سمعت أحدهم يتصيد لكل عالم هفوة، وهذا مسلك يشبه طريقة المستشرقين في تتبع جوانب الضعف في تاريخ الإسلام وتضخيمها ناسين الجوانب المشرقة حتى يفقد الناس الثقة في الإسلام وتاريخه وشريعته ما دام تاريخ الإسلام هكذا كله: دم، واستبداد، وظلم، كما يصور المتحاملون من المستشرقين. إنني أنصح للدعاة إلى الله أن يشغلوا أنفسهم بالبناء بدل الهدم، وبالتركيز على عرض محاسن الإسلام وحضارته بدل الحديث عن عيوب الآخرين ومساوئ العلماء، لأن من الخير أن يظل للشباب مُثُل عليا يقتدي بها ويقتفي أثرها. ماذا كانت النتيجة عندما شوهنا الصورة المضيئة للعلماء في أذهان الشباب؟ لقد فقد الثقة بهم، ورفضوا الإصغاء إلى توجيهاتهم، وتلقفهم المتربصون فأضلوهم. * منذ أعوام والأصوات تتعالى والتحذيرات تشتد بأن الأزهر ربما يمر بأزمة كانت هي الأخطر في تاريخه.. فما حجم هذه الأزمة؟ * أدرك أعداء الإسلام خطورة الأزهر على مصالحهم ودوره المهم في الحفاظ على الإسلام واللغة العربية، فخططوا منذ زمن بعيد لإضعافه والقضاء عليه إن أمكن ذلك، وقد اشتدت هذه المؤامرة في الفترة الأخيرة، وظهر ذلك في قانون التطوير رقم ١٠٣ لسنة ١٩٦١ م، ومنذ ذلك التاريخ والعلوم الشرعية واللغوية تتراجع في المعاهد الأزهرية بسبب مزاحمة المواد الثقافية لها؛ فقد أصبح الطالب الأزهري مكلفاً بدراسة منهجين في وقت واحد - أقصد العلوم الأزهرية، ومواد وزارة التربية والتعليم كاملة التي أقحمت على الأزهر وكانت النتيجة أن الطالب أخفق في الأمرين معاً، فلم يتقن العلوم الشرعية - كما كان الأزهري قديماً - ولم يتقن العلوم الحديثة. وكانت الطامة هذا العام عندما وافق مجلس الشعب المصري على مشروع تقدم به للحكومة شيخ الأزهر يطلب فيه إلغاء السنة الرابعة من المرحلة الثانوية الأزهرية، لتصبح ثلاث سنوات مثل الثانوية العامة في وزارة التربية والتعليم، وتعديل اسم الثانوية الأزهرية إلى ثانوية عامة، وهذا معناه تخريب التعليم الأزهري، ولذلك تصديت وتصدى غيري لهذه الخطة المريبة، وحاولنا أن نوقف هذا القانون قبل صدوره ولكن دون جدوى، ولن نيأس وسنظل نجاهد حتى يعود الأزهر القديم الذي خرَّج للأمة الإسلامية آلاف العلماء الذين انتشروا في المعمورة يعلمون الناس الإسلام ويدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وموقف الدولة المعلن حتى الآن يجعلنا لا نيأس من تصحيح هذا الوضع! * هل يمكننا أن نسمع وجهة نظركم في الركائز العامة التي تعيد للأزهر مكانته من جديد؟ * لن تعود للأزهر مكانته العلمية التي عرف بها في العالم الإسلامي إلا بالعودة إلى الأمور الآتية: - الاهتمام بالقرآن الكريم؛ بحيث لا يقبل الطالب في الأزهر إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم كله كما كان الأمر سابقاً لأن علوم القرآن تعتمد على حفظ كتاب الله - تعالى. - التركيز في المعاهد الأزهرية على العلوم الشرعية والدراسات اللغوية كما كان الأزهر قبل قانون التطوير، بحيث تكون الدراسات الشرعية هي الأصل والعلوم الثقافية هي الفرع. - ضرورة مراجعة المناهج والكتب التي يدرسها طلاب الأزهر، لأن بعض كتب التراث التي تدرس في المعاهد الأزهرية تحتاج إلى مراجعة وتحقيق وتعليق حتى يكون ذلك عوناً للطلاب على الفهم والتحصيل. - لا بد من عودة السنوات التي حذفت من الأزهر بمناهجها وعلومها، لأن الدراسات الإسلامية لها خصوصيتها التي تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد، على أن يعطى طلاب الأزهر من المزايا المادية والأدبية ما يقابل ذلك حتى نشجع شباب الإسلام على دخول الأزهر ودراسة علوم الإسلام. - استقلال الأزهر مادياً حتى يستطيع أن يؤدي رسالته في جو من الحرية والاستقلال بعيداً عن التبعية للحكومات، ويكون ذلك بعودة الأوقاف الإسلامية التي كان ينفق من ربحها على الأزهر وطلابه قبل عام ١٩١٥ م وهي كثيرة وكافية؛ لأن تبعية علماء الأزهر أخضعتهم لظروف يصعب على كثير منهم مقاومتها. - ويُتوج هذا كله بإعادة هيئة كبار العلماء بشروطها، وانتخاب شيخ الأزهر عن طريقها من أعضائها. * هل لكم أن تحدثونا عن ندوة علماء الأزهر؟ وما الفرق بينها وبين الأزهر؟ وما سبب هجمات العلمانيين المتكررة عليها؟ نشأت (ندوة العلماء) عام ١٩٩٢ م؛ وسبب نشأتها الحملات الضاربة على الإسلام من العلمانيين وفي مقدمتهم الكاتب العلماني الهالك (فرج فودة) . أمام هذا الهجوم والاستفزاز كان لا بد أن نفعل شيئاً لديننا وعقيدتنا، وألهمني الله - سبحانه - فكرة تكوين هيئة علمية من علماء الأزهر تقوم بالتصدي لهجمات العلمانيين والدفاع عن الإسلام وتوضيح مبادئه السامية، وفعلاً دعوت مجموعة كبيرة من العلماء وشرحت لهم الفكرة، فمنهم من أيدها، ومنهم من تحفظ عليها، فاستبعدت المترددين وعقدت اجتماعاً في منزلي بمن لمست فيهم غيرة على الحق واستعداداً للدفاع عن الإسلام وكان في مقدمتهم فضيلة الدكتور عبد الغفار عزيز ﵀ عميد كلية الدعوة الإسلامية الأسبق بجامعة الأزهر، والدكتور محمد البري، والدكتور حلمي صابر، واتفق الحاضرون على أن نسمي هذه الهيئة العلمية (ندوة العلماء) وأن يكون رئيسها الدكتور عبد الغفار عزيز وأمينها العام ضيفكم اليوم واستطاعت (الندوة) - بفضل الله سبحانه - أن تتصدى بقوة لرؤوس العلمانيين، وأن تقوم بدور فعال في الدفاع عن الإسلام والذود عن حياضه، وبعد قيام (الندوة) بقليل طلب وزير الداخلية لقاءنا، وكان في هذا الوقت هو اللواء محمد عبد الحليم موسى، فذهبت إليه ومعي أخي الدكتور عبد الغفار عزيز والدكتور محمد البري، واستقبلنا بمكتبه استقبالاً كريماً يليق بالعلماء، واستمر اللقاء أكثر من ساعة حضره بعض كبار رجال الداخلية، وسألنا الوزير عن أهدافنا؟ وماذا نريد؟ فقلنا: نريد أن تتركونا لنقول كلمة الحق، حتى يثق بنا الشباب، لأنهم لا يحبون الشيخ المنافق، فإذا وثق فينا الشباب استجابوا لتوجيهاتنا ونصحنا، وأذكر للتاريخ أن الوزير قال: قولوا ما تؤمنون به، وأنا لو أخطأت فهاجموني، فقلنا له: نحن لا نهاجم أحداً، ولكن ننصح بالحسنى، فاتصل بمساعده وقال له: اترك مشايخنا يذهبون إلى أي مكان، ويقولون ما يريدون! وقد كان لقاء الوزير فرصة وضحنا له فيها موقف (فرج فودة) من الإسلام، فقلت له: إن فرج فودة لا يحارب التطرف ولكنه يحارب الإسلام ويسخر من تعاليمه! فسكت ولم يرد! . بعد لقائنا بوزير الداخلية طلبنا لقاء الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق وكان ﵀ رغم اختلافنا معه في بعض التوجهات إلا أنه كان رجلاً عف اللسان قوياً في الحق يعرف مسؤولية المنصب ويحافظ على هيبته، فذهب إليه زملائي ولم أكن معهم بسبب سفري إلى الجامعة بأسيوط في هذا اليوم، فأفهمهم أنه راض عن (ندوة العلماء) وأنه يتابع ما تكتبه دفاعاً عن الإسلام، وطلب أن نسأل عن جمعية مسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية منذ عام ١٩٤٦ م تحت مسمى (جبهة علماء الأزهر) وفعلاً عندما سألنا وجدنا هذه الجمعية كما ذكر الشيخ فقام إخواننا بإحيائها من جديد لتؤدي رسالتها السامية التي قامت من أجلها! ثم كان أن طالب شيخ الأزهر الحالي بحلها.. وحلت للأسف. أما الفارق بينها وبين الأزهر فالندوة تمثل الرأي الحر لعلماء الأزهر بعيداً عن الرأي الرسمي لمؤسسة الأزهر. والسبب في هجمات العلمانيين المتكررة عليها أن (ندوة العلماء) أو (جبهة العلماء) تقف للعلمانيين بالمرصاد لتفضح أمرهم وتكشف خداعهم، فهي صوت الحق الذي يعبر عن آمال الأمة؛ والعلمانيون دعاة الباطل، والحق والباطل يتصارعان إلى يوم القيامة! * يضيق الأمر ببعضهم حتى يرى ألاَّ أمل، ويدِّعي أن الحل الإسلامي القادم سيأتي من بلاد الغرب.. فهل توافقون على ذلك؟ إن الله - سبحانه - قد أوجب علينا العمل لديننا، ولم يحاسبنا على النتائج، أمرنا بالغرس ولم نكلف بإنبات الزرع ولا إنضاج الثمر، فأمر المسلم كله له خير، والله كلفه بمهمة ووعده بالثواب عليها حتى ولو لم يتحقق النصر المنشود على يديه، بل حتى لو حيل بينه وبين إنجاز ما نوى عليه ما دام قد صدق الله النية. ثم إن أمر نهضة الإسلام كثيراً ما يسيء الدعاة فهمه، إذ إن الجروح غائرة وتحتاج إلى علاج طويل، فعلى الداعية أن يعمل ويترك إحراز النصر للغالب على أمره، القاهر فوق عباده. إن الذي ينتظر أن ينهض المسلمون من كبوتهم في سنوات قليلة لم يحسن فهم الواقع، ولا إدراك سنن الله في الكون، لأن الانحدار استغرق أجيالاً، والنهوض لا يكون إلا كذلك، وصدق رسولنا الكريم: (ولكنكم تستعجلون) [٢] . والقرآن قد بين حال المسلمين والأنبياء السالفين فقال: [مَّسَّتْهُمُ البَاًسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ] [البقرة: ٢١٤] ، فالذين يقصرون في أداء واجبهم في خدمة دينهم ويكتفون بالأماني دون العمل انتظاراً لنصر يأتي من الشرق أو من الغرب لا عذر لهم عند الله، ونخشى أن تكون مثل هذه الأماني بمثابة مخدر لإرادة الأمة. * كان لكم مع العلمانيين صولات وجولات على صفحات الصحف.. ما أبرزها؟ وهل انتهت؟ ولماذا؟ * إن السجال بين الإسلام والعلمانية وغيرها من النظريات والمذاهب المشبوهة التي تناقضه سجال مستمر، كان ولا يزال ولن يتوقف، فتلك سنة الله في خلقه، فهي معركة الحق والباطل الأبدية.. وفي كل جيل يرفع راية الإسلام جنود يتسلمها من بعدهم خلف صالح لسلف صالح. وأحمد الله أن جعلني من هؤلاء المدافعين عن حمى الإسلام. * لعل من أهم المصائب التي حلت بالأمة مؤخراً ظهور ما يعرف بالدعوة إلى وحدة الأديان.. فما موقف الأزهر الرسمي وغير الرسمي منها؟ * لم يُعرض على الأزهر قديماً ولا حديثاً ما يسمى بوحدة الأديان؛ فهذا أمر غير معقول وغير مقبول عند أحد من العلماء، إنما الذي نسمعه غالباً (الحوار بين الأديان) . ومهما تكن المسميات فإن هذه دعوة مشبوهة لا تخدم الإسلام في شيء، وقد دعا إليها قبل ذلك (الأب جورج قنواتي) وأقام في مصر جمعية الإخاء الإسلامي المسيحي، وقد دعاني للاشتراك في هذه الجمعية سنة ١٩٧٧ م تقريباً، ولكني اعتذرت؛ لأن أستاذي الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف الأسبق كان يحذرني من خطورة هذه الدعوات الماكرة، وكان ﵀ ينبهني للدور الخطير الذي يقوم به ذلك الرجل في القاهرة. وكان التوجه العام من جموع الأزهريين رفض هذه المحاولة على المستويين الرسمي وغير الرسمي اللهم إلا نفراً لا يَخفَوْن على أحد. وقد عمل الشيخ عبد الحليم محمود أثناء توليه مشيخة الأزهر على التصدي لقضية الحوار بين الأديان على سنة سلفه من شيوخ الأزهر السابقين ولذلك جاء رفضه ﵀ للمؤتمرات التي تعقد بدعوى التفاهم الإسلامي النصراني؛ حيث بنى رفضه على الاعتبارات الآتية: ١- أعلن الإسلام مباشرة تقديره واحترامه لعيسى ﵇ وأمه مريم، مقابل ذلك كان الهجوم على الرسول ﷺ ومبادئ الإسلام. ٢- لا بد من الاعتراف بالدين الإسلامي وبرسوله حتى ينال المسلمون في أوروبا ما يناله اليهود من الاعتراف بأعيادهم وبشعائرهم، وإنه لا يتأتى التفاهم بين أتباع رسول يحترمه المسلمون وهو عيسى ﵇ وأتباع رسول لا يعترف به النصارى وهو محمد ﷺ . ٣- إن القائمين على النصرانية في الغرب بدل أن يعملوا مع المسلمين على مقاومة الانحراف والمادية والإلحاد أخذوا في تنصير المسلمين بقوة، فهم يعملون ليل نهار على تنصير المسلمين في كل مكان في العالم بأسلوب مكشوف واضح أو بأسلوب خفي مستور. ٤- المسلمون أقليات في بعض الأقطار - مثل الفلبين - وهذه الأقليات المسلمة ينكل بها باسم النصرانية: تؤخذ أرضها، وييتم أطفالها، ويرمل نساؤها، ولا تجد ارتياحاً في نفوس الأغلبية النصرانية. ٥- في المؤتمرات التي تعقد للتفاهم بين الملتين نجد بعض النصارى لا يبالي فيتحدث عن رسول الإسلام ﵊ بما يضيق به المسلمون، فلا تكون هذه المؤتمرات وسيلة تفاهم، وإنما تكون وسيلة تنافر. وخلاصة الأمر: لو كان الحوار جاداً لبدأ باعتراف صريح بالإسلام. * في الآونة الأخيرة بدأنا نسمع عن بعض الفتاوى التي تحل الربا وتهوِّن من شأن كثير من الأحكام الشرعية.. فما مدى الخطر المتحقق من مثل هذه الفتاوى، وما مدى تأثيرها؟ * لا يملك مسلم أن يقول: إن الربا حلال، لأن (تحريم الربا) من المعلوم من الدين بالضرورة يعلمه العامة والخاصة، ومن يقول إن الربا حلال فهو كافر. ولكن لعل الذي تقصده القول بحل فوائد البنوك، والذي أراه أن معاملات البنوك من الأمور الخطيرة التي لا يجوز أن ينفرد بالفتوى فيها واحد من العلماء مهما كان قدره، بل لا بد أن يعقد مؤتمر يضم فقهاء العالم الإسلامي حتى تتضح الحقيقة ويصل الجميع إلى الصواب. ومن المحزن حقاً أن بعض أهل العلم لا يتحرون الدقة في فتاواهم، فتأتي أحكامهم بعيدة عن روح الإسلام وتعاليمه السمحة، وتترك من الآثار ما يغضب العلماء ويثير العامة وهم مجمعون على حرمة فوائد البنوك وأنها ربا باتفاق المجامع الفقهية في العالم الإسلامي بما فيها مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف. وخطورة هذه الفتاوى أنها تخلخل ثقة الناس في مصادر الفتوى، وتحرض الآخرين على الاقتراب من حرام كانوا يتحرجون من الاقتراب منه، فجاءتهم فتوى ترفع عنهم ذلك الحرج، وليس كل المتدينين على مستوى الورع الذي يتقي الشبهات. * كيف ترون دور المسلم المغترب في خدمة دينه؟ وما هي الأدوار التي يمكنه القيام بها؟ * أعظم دور يقوم به المسلم لخدمة دينه في تلك الديار أن يكون صورة حسنة للإسلام، وقدوة طيبة للآخرين، بحيث يدعو إلى الإسلام على بصيرة بأفعاله وسلوكه. كما أنصح للشباب المسلم في بلاد الغرب أن يترك الخلافات التي تفرق الصف وتسيء إلى الإسلام.

стр. 3093

الإسلام لعصرنا أخرجوهم ... فإنهم مسلمون جعفر شيخ إدريس كان هدف الطائفة الحاقدة من الصرب ممثلة في رئيسها الدكتاتور المغرور المستكبر الكذاب ميلوسيفتش ومن معه هو إخراج المسلمين جميعاً من كوسوفا، بل ومن أوروبا كلها إن أمكن، بل ومحوهم من على ظهر الأرض إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وكان السبب - المعلن على الأقل - لدول الناتو في قصفها ليوغسلافيا هو رد هذا البغي الصربي عن المسلمين (أو الكوسوفيين من أصل ألباني كما يسمونهم) وأن يضمنوا لهم شيئاً من الحكم الذاتي الذي يحقق لهم شيئاً من الاستقلال والمحافظة على هويتهم. وربما كان المتوقع أن يستجيب ميلوسيفتش لمطالب الناتو بمجرد أن يرى الصواريخ تمطر على بلاده ناراً تحطم الجسور وبعض المباني، وتلحق بالبلاد بعض الأضرار الاقتصادية، لكن هذا لم يحدث، بل الذي حدث أنه بينما كان الناتو يقصف بلاده كان هو يزيد من نشاطه ضد المسلمين، فيرسل مزيداً من قواته المعتدية على المسلمين في كوسوفا لتواصل مهمتها الإجرامية في قتل الشباب، واغتصاب النساء، وتجويع الشيوخ والأطفال، وإجلاء الجميع عن بلادهم، ليتفرقوا أيدي سبأ في أوروبا وأمريكا، وكان الناتو يعزو عدم قصفه للقوات الصربية في كوسوفا إلى سوء الأحوال الجوية تارة، وبأنهم مستخفون لا تعرف أماكنهم تارة، وبأن الأمر يحتاج إلى تدخل قوات برية تارة ثالثة، وأنهم حريصون حتى الآن على عدم زج قواتهم البرية في هذه الحرب خوفاً من كثرة الضحايا التي ربما إذا رأتها الشعوب الأوروبية والأمريكية صارت معارضة للحرب كما حدث في الصومال. فماذا بعد هذا [١] ؟ قد يوافق الدكتاتور الصربي على مطالب الناتو بعد أن يضمن أن كوسوفا قد خلت من المسلمين أو كادت، فهل ترضى دول الناتو بهذا، فتوقف قصفها وتنهي حربها؟ لئن فعلت لتظهرن أمام شعوبها بأنها قد خابت في مهمتها الأساسية التي كانت قد سوغت لهم بها قصفها، وما أظن أن هذه نتيجة تقبل بها هذه الدول؟ لأنها تعلم أن لها آثاراً بالغة في نفوس شعوبها، إنها ستقلل - لا محالة - من إيمان شعوبها بإنسانية حضارتها، وتضعف من ثقتها بحكوماتها كما حدث حين إخفاقها في إنصاف المسلمين في البوسنة والهرسك. ستحاول هذه الدول - إذن - أن تعيد الكوسوفيين المشرَّدين إلى بلادهم، ولكن هل سيرجعون طائعين؟ إذا كان الرجوع إلى بلد لا يزال تحت سلطان الصرب بأي شكل كان، فما أراهم فاعلين بعد أن ذاقوا ما ذاقوا على أيديهم من الظلم والإذلال والهوان، وإذا لم يرجعوا فإن الناتو يكون قد أخفق مهما حاول بإلقاء اللوم عليهم؛ لأن دوافعهم في عدم الرجوع ستكون بادية لكل عاقل. نعم، إن وجود القوات الدولية ربما يطمئنهم بعض الشيء، وربما أغرى بعضهم بالرجوع، لكن الكثيرين سيتساءلون وهم محقون: إلى متى ستبقى هذه القوات؟ إنه مهما طال أمد بقائها فإنه لا فائدة فيه في نهاية الأمر إذا كانت كوسوفا ستعود جزءاً من يوغسلافيا. قد يقال: إنها ستبقى حتى يزول الطاغية الكذاب، لكن هذا - أيضاً - لن يجدي كثيرا؛ لأن الطاغية وراءه أناس من نوعه هم الذين يؤيدونه الآن، وهم الذين ازداد تأييدهم له بعد حرب الناتو له، فما أظن إلا أنهم سيستمرون في سياسته بشاكلة من الأشكال. وعليه، فإن الضمان الوحيد لرجوع الكوسوفيين واستقرارهم في بلادهم هو الانفصال الكامل عن يوغسلافيا ليختاروا بعد ذلك أن يكونوا دولة مستقلة أو أن ينضموا إلى ألبانيا، فهل توافق دول الناتو على ذلك؟ إن لم تفعل ولم يرجع المسلمون إلى ديارهم فإن المتعصبين الصرب يكونون قد حققوا هدفاً ثانياً من أهدافهم هو انسلاخ الكوسوفيين بعضهم أو أكثرهم عما تبقى لهم من هوية إسلامية، لأن هذا هو الذي سيحدث لا محالة إذا ما تمزقوا شذر مذر في بلاد غير إسلامية. إن إخراج الكفرة المستكبرين للمسلمين المستضعفين من أرضهم ليس بالأمر الجديد، بل هو سنة متبعة كما يبين القرآن الكريم. ربما ظن كثير من المسلمين أن هذا إنما يحدث للمسلمين شديدي التمسك بدينهم، وأنهم إن أظهروا عدم الالتزام بشرائع دينهم، فإن الكفرة المستكبرين سيتسامحون معهم. لكن هذا وهم كبير، فهاهي ذي تجارب عصرنا تثبت لنا أن المستكبرين من الكفار لا يقبلون من المسلمين حتى مجرد الانتساب للإسلام. لقد كان الشيوعيون أيام الاتحاد السوفييتي يضيقون حتى بمجرد الأسماء الإسلامية، ودعك عما فوقها. إن الكفرة المستكبرين لا يرضون عن المسلمين إلا إذا كانوا أمثالهم، فانسلخوا انسلاخاً كاملاً عن دينهم: [قَالَ المَلأُ الَذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ] [الأعراف: ٨٨] فشرط العودة إلى الأرض هو العودة إلى الكفر. وإذا كان هذا قد حدث لمسلمي كوسوفا، فهل يحدث مثله لأقليات مسلمة أو لمسلمين مستضعفين في أماكن أخرى من العالم؟ هذا أمر ينبغي أن تتدبره تلك الأقليات، وأن تفكر منذ الآن في كيفية الحفاظ على دينها وشرفها. إنه لا مناص من مثل هذا المصير لمسلمين يختارون العيش بين ظهراني هذا النوع من الكافرين إلا أن تكون لهم قوة ذاتية أو قوة خارجية يرهبون بها عدو الله وعدوهم. إن أمثال هؤلاء الأعداء لا يجدي معهم منطق ولا حوار، لأنهم مدفوعون - والإعاذة بالله - بكراهية شديدة للحق والطهر: [وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى] [فصلت: ١٧] . [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ] [محمد: ٩] . إن هؤلاء الكارهين للحق والطهر مستعدون - بتسويل الشيطان لهم - أن يضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الباطل والفساد. لكن عقاب الله لهم بالمرصاد في هذه الدنيا قبل الآخرة. [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وجُوهَهُمْ وأَدْبَارَهُمْ] [محمد ٢٦، ٢٧] .

стр. 3094

ملف العدد فاتحة الملف هكذا نعظم الرسول الحبيب ﷺ ليس من شك أن تعظيم نبينا محمد ﷺ من صلب إيمان المسلم؛ فهو خليل الله المصطفى من خلقه، وخاتم الأنبياء الذي بانتهاء رسالته انقطع وحي السماء، والموصوف من ربه - جلا وعلا - بعظم خلقه، وأحد خمسة من أولي العزم من الرسل. هذا التعظيم تحتمه سيرته الشريفة -صلى الله عليه وسلم- كما تمليه حقيقة شهادة أن (محمداً رسول الله) . ولم يغفل المسلمون - منذ جيل الصحابة الكرام - عن قدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن محبته وتعظيمه، فنرى في سيرة هؤلاء الصحابة وتابعيهم وعلماء الأمة وعوامها من بعدهم أفضل نماذج لهذا التعظيم. ولكن مع دخول الأمة نفق الانحرافات العقدية والعملية التي نتجت عن البعد عن النبعين الصافيين (الكتاب والسنة) أو تكديرهما بمصادر أخرى، نشأ انحراف في هذا التعظيم بالإفراط أو التفريط، ولكن هذا الانحراف - وأظهره ما كان بالغلو- اتسم بسمات عمقته ورسخته في النفوس. من هذه السمات: أنه كان باسم التدين ومحبة الرسول ﷺ مما جعل الانحراف (أو البدعة) ديناً ينافح عنه ويتعصب له؛ فإذا ما برز من يريد إصلاح الاعوجاج بدا في أعين الدهماء وكأنه يصرفهم عن دينهم وعن محبة رسولهم، كما أن هذا الانحراف كانت له وسائل إعلامية شعبية متعددة كالمدائح والموالد - ساعد على نشرها بعض الفرق المبتدعة - مما جعله ينتشر في أوساط قطاعات كبيرة من الأمة قديماً وحديثاً. وإيماناً من (البيان) بأن تعظيم الرسول ﷺ هادياً ومبشراً ونذيراً أحد حقوقه على كل مسلم، وانطلاقاً من ذلك كان هذا الملف الذي يقدم فيه الإخوة الكتاب - جزاهم الله خيراً - نماذج لتصحيح بعض الانحرافات في هذا الجانب مع التمسك بأصل التعظيم لحبيب كل مسلم وقدوته ﷺ جعلنا الله ممن يعظمون رسوله ﷺ كما يحب ويرضى. - البيان -

стр. 3095

ملفات منهج أهل السنة في تعظيم النبي ﷺ عبد اللطيف بن محمد الحسن لربنا ﵎ أرفع القدر وأعظم الشأن؛ فله العظمة الكاملة التي تتجلى في ذاته وصفاته وأفعاله، في خلقه وأمره، في الآفاق والأنفس، أنَّى نظرت في خلقه رأيت ما يبهر العقول ويزيد الإيمان، ومهما تلوت من آي كتابه العظيم وقفت على دلائل عظمته، وأدلة قَدْره سبحانه. خضعت لعظمة ربي المخلوقات، وذلت لجبروته الأرض والسماوات، واشتد نكيره - تعالى - على من أخل بتعظيمه، فقال - سبحانه -: [ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] [الزمر: ٦٧] . فحقٌ على من عرف قدر الله وأراد تعظيمه أن يعظم ما عظمه - تعالى - قياماً بحقه من التوحيد والعبادة، وقياماً بحق كتابه وحق رسوله -صلى الله عليه وسلم-. وغير خاف على مسلم صادق في إسلامه تلك المنزلة الرفيعة التي حباها ربنا- تعالى - لصفوة خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله حبيبنا محمد ﷺ فإلى شيء من جوانب تلك العظمة، وهدي السابقين والتابعين لهم بإحسان في تعظيمه ﷺ ... ذلك الحديث الذي تنشرح له صدور المؤمنين الصادقين، وتتطلع إليه نفوسهم، ويتمنون أن لو اكتحلت أعينهم برؤية حبيبهم - ﷺ ،؛ وتشنفت آذانهم بسماع صوته. المراد بالتعظيم: قال الله - تعالى -: [إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلاً] [الفتح: ٨، ٩] . فذكر - تعالى -: حقاً مشتركاً بينه وبين رسوله ﷺ وهو الإيمان، وحقاً خاصاً به - تعالى - وهو التسبيح، وحقاً خاصاً بنبيه -صلى الله عليه وسلم- وهو التعزير والتوقير. وحاصل ما قيل في معناهما أن: (التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه. والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) [١] . وهذه المعاني هي المراد بلفظ التعظيم عند إطلاقه، فإن معناه في اللغة: التبجيل، يقال: لفلان عظمة عند الناس: أي حرمة يعظم لها [٢] ، ولفظ التعظيم وإن لم يرد في النصوص الشرعية، إلا أنه استعمل لتقريب المعنى إلى ذهن السامع بلفظ يؤدي المعنى المراد من (التعزير والتوقير) [٣] . والتعظيم أعلى منزلة من المحبة، لأن المحبوب لا يلزم أن يكون معظماً، كالولد يحبه والده محبة تدعوه إلى تكريمه دون تعظيمه، بخلاف محبة الولد لأبيه، فإنها تدعوه إلى تعظيمه. والرجل يعظم لما يتمتع به من الصفات العلية، ولما يحصل من الخير بسببه، أما المحبة فلا تحصل إلا بوصول خير من المحبوب إلى من يحبه [٤] . مع المصطفى ﷺ سيرة وخُلقاً: لقد حبا الله ﵎ نبينا محمداً ﷺ من الخصائص القوية والصفات العلية والأخلاق الرضية ما كان داعياً لكل مسلم أن يجله ويعظمه بقلبه ولسانه وجوارحه. وقد كان لأهل السنة والجماعة قدم صدق في العناية بجمع خصائصه، وإبراز فضائله والإشادة بمحاسنه، فلم يخل كتاب من كتب السنة كالصحاح والسنن وغيرها من كتب مخصصة لم يخل من ذكر مآثره، كما أُفردت كتب مستقلة للحديث عنه وعن سيرته [٥] . وقد اختار الله لنبيه ﷺ اسم (محمد) المشتمل على الحمد والثناء؛ فهو ﷺ محمود عند الله - تعالى- ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه المرسلين - عليهم الصلاة والسلام- ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم؛ لأن صفاته محمودة عند كل ذي عقل وإن كابر وجحد؛ فصدق عليه وصفه نفسه حين قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، بيدي لواء الحمد، تحته آدم فمن دونه) [٦] . وقد أغاث الله - تعالى - به البشرية المتخبطة في ظلمات الشرك والجهل والخرافة، فكشف به الظلمة، وأذهب الغمة، وأصلح الأمة، وصار (هو الإمام المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم) [٧] ، فهدى الله به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وكثَّر به بعد القلة، وأعزَّ به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة [٨] . عرّف الناسَ ربَّهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف، لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده، بل كفاهم، وشفاهم، وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب: [أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [العنكبوت: ٥١] ، وعرفهم الطريق الموصلة إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع -صلى الله عليه وسلم- حسناً إلا أمر به، ولا قبيحاً إلا نهى عنه. وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع باباً من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلاً إلا بينه وشرحه، حتى هدى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يُحب؟ جزاه الله عن أمته أفضل الجزاء. وقد وصف النبيَّ ﷺ عدد من أزواجه وأصحابه كخديجة وعائشة، وأنس، وابن عباس، وعلي، وابن عمر وغيرهم ﵃ ولما كان المقصود الإشارة إلى ذلك دون الاستقصاء آثرت نقل كلام ابن القيم الجامع لأوصافه، تحاشياَ للإطالة وكثرة التخاريج. قال ابن القيم: (ومما يحمد عليه ﷺ ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنها خير أخلاق الخلق، وأكرم شمائل الخلق، فإنه ﷺ كان أعظم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثاً، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالاً، وأعظمهم عفواً ومغفرة، وكان لا يزيد شدة الجهل عليه إلا حلماً، كما روى البخاري في صحيحه [ح/١٢١٢٥] عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة: (محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً.) وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعاً لهم في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبداً عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعاً، وأعظمهم إيثاراً على نفسه، وأشد الخلق ذبَّاً عن أصحابه، وحماية لهم، ودفاعاً عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل: بَرْدٌ على الأدنى ومرحمةٌ ... وعلى الأعادي مارنٌ جَلْدُ [٩] بواعث تعظيم النبي ﷺ : يدعو المسلم إلى ذلك أمور عدة، منها: ١- تعظيم العظيم ، لأنه عظم نبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث أقسم بحياته في قوله: [لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ] [الحجر: ٧٢] [١٠] . كما أثنى عليه فقال: [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: ٤] ، وقال: [ورَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ] [الشرح: ٤] ، فلا يُذكر بشر في الدنيا ويثنى عليه كما يُذكر النبي ﷺ ويثنى عليه. ٢- أن من شرط إيمان العبد أن يعظم النبي ﷺ ، وهذا هو الغرض من بعثته ﷺ . قال - تعالى -: [إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلاً] [الفتح: ٨، ٩] ، قال ابن القيم: (وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعاً لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسول الله ﷺ وتعظيمه، فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له؛ فهي محبة لله من موجبات محبة الله، وكذلك محبة أهل العلم والإيمان ومحبة الصحابة ﵃ وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله ﷺ ) [١١] . بل الأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن قيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله) [١٢] . ٣- ما ميزه الله - تعالى - به - مما سبق ذكره - من شرف النسب، وكرم الحسب، وصفاء النشأة، وأكمل الصفات والأخلاق والأفعال. ٤- ما تحمله ﷺ من مشاق نشر الدعوة، وأذى المشركين بالقول والفعل حتى أتم الله به الدين وأكمل به النعمة [١٣] . مع الصحابة في تعظيمهم للنبي ﷺ وتوقيرهم له في حياته: نال الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - شرف لقاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان لهم النصيب الأوفى من توقيره وتعظيمه مما سبقوا به غيرهم، ولم، ولن يدركهم من بعدهم، ثم شاركوا الأمة في تعظيمه بعد موته -صلى الله عليه وسلم-[١٤] . كان شأنهم في توقيره أوضح وأظهر من أن يستدل عليه، وأجمل من وصف شأنهم في ذلك عروة ابن مسعود الثقفي ﵁ حين فاوض النبي ﷺ في صلح الحديبية، فلما رجع إلى قريش قال: (أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن [١٥] رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخمَّ نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون النظر إليه تعظيما له) [١٦] .! وقد وُصف الصحابة حال جلوسهم واستماعهم للنبي ﷺ بوصف عجيب جاء في أحاديث عدة، منها قول أبي سعيد الخدري:) وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير [١٧] . وقال عمرو بن العاص ﵁: (وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه) [١٨] . ولما زار أبو سفيان ابنته أم حبيبة ﵂ في المدينة، ودخل عليها بيتها، ذهب ليجلس على فراش رسول الله؛ فطوته، فقال: يا بنية! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني؟ فقالت: (هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه) [١٩] . ومن شدة حرص الصحابة على إكرامه وتجنب إيذائه قول أنس بن مالك: (إن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير) [٢٠] . ولما نزل قول الله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ] [الحجرات: ٢] ، قال ابن الزبير: (فما كان عمر يُسمِع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هذه الآية حتى يستفهمه) ، وكان ثابت بن قيس جهوري الصوت يرفع صوته عند النبي ﷺ فجلس في بيته منكساً رأسه يرى أنه من أهل النار بسبب ذلك، حتى بشره النبي ﷺ بالجنة [٢١] . وللمحدثين نصيب: للمحدثين ﵏ ورضي عنهم - منهج رصين ورصيد ثري وإسهام قوي في إجلال حديث رسول الله ﷺ ، وتوقير مجلس الحديث، والتحفز لاستباق العمل به، تعظيماً له وهذه بعض الشواهد: حدث عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود ﵁ فكان مما قال: وما سمعته قط يقول: قال رسول الله ﷺ إلا مرة، فنظرت إليه وقد حل إزاره وانتفخت أوداجه، واغرورقت عيناه، فقال: (أو نحو ذلك أو دون، أو قريباً من ذلك، أو شبه ذلك) [٢٢] . وجعفر بن محمد، ومالك بن أنس، والأعمش، بل قد صار ذلك مستحباً عندهم، وكرهوا خلافه. قال ضرار بن مرة: (كانوا يكرهون أن يحدثوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم على غير وضوء) . قال إسحاق: فرأيت الأعمش إذا أراد أن يتحدث وهو على غير وضوء تيمم [٢٣] . وكان مالك يلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويأخذ زينته للتحديث بحديث رسول الله ﷺ [٢٤] . وقال ابن أبي الزناد: كان سعيد بن المسيب - وهو مريض - يقول: (أقعدوني؛ فإني أكره أن أحدث حديث رسول الله ﷺ وأنا مضطجع) [٢٥] . ومرّ مالك بن أنس على أبي خازم - وهو يحدث - فجازه، وقال: (إني لم أجد موضعاً أجلس فيه، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم) [٢٦] . وكان محمد بن سيرين يتحدث فيضحك، فإذا جاء الحديث خشع [٢٧] . وقال سعيد بن عامر: (كنا عند هشام الدستوائي فضحك رجل منا فقال له هشام الدستوائي: تضحك وأنت تطلب الحديث؟ !) [٢٨] .. كيف نعظم النبي ﷺ ؟ إن الأمر بتوقير النبي ﷺ وتعظيمه يعني أن ذلك عبادة لله وقربة إليه - سبحانه - والعبادة التي أرادها الله - تعالى - ويرضاها من العبد هي ما ابتغي به وجهه، وكان على الصفة التي شرعها في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم ﷺ . فأما الإخلاص في الأعمال وابتغاء وجه الله فيها فهو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن معناها لا معبود بحق إلا الله . وأما متابعة النبي ﷺ فهي مقتضى الشهادة بأن محمداً رسول الله، ولازم من لوازمها؛ إذ معنى الشهادة له بأنه رسول الله حقاً: (طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع) [٢٩] . وهذا كمال التعظيم، وغاية التوقير. وأي تعظيم أو توقير للنبي -صلى الله عليه وسلم- لدى من شك في خبره، أو استنكف عن طاعته، أو ارتكب مخالفته، أو ابتدع في دينه وعبد الله من غير طريقه؟ ! ولذا اشتد نكير الله - تعالى - على من سلكوا في العبادة سبيلاً لم يشرعها، فقال: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ] [الشورى: ٢١] . وقال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [٣٠] ، أي مردود عليه. ثم العبادة محلها القلب واللسان والجوارح: ويتحقق تعظيم النبي ﷺ بالقلب بتقديم محبته على النفس والوالد والولد والناس أجمعين؛ إذ لا يتم الإيمان إلا بذلك [٣١] ، ثم إنه لا توقير ولا تعظيم بلا محبة. وإنما يزرع هذه المحبة معرفته لقدره ومحاسنه -صلى الله عليه وسلم-[٣٢] . وإذا استقرت تلك المحبة الصادقة في القلب كان لها لوازم هي في حقيقتها مظاهر للتعظيم ودلائل عليه، ومن صور ذلك التعظيم: الثناء عليه ﷺ بما هو أهله، وأبلغ ذلك ما أثنى عليه ربه به، وما أثنى هو على نفسه به، وأفضل ذلك: الصلاة والسلام عليه؛ لأمر الله وتوكيده: [إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [الأحزاب: ٥٦] ، وهذا إخبار من الله تعالى: (بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر - تعالى - أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا) [٣٣] ، وصلاة المؤمنين عليه هي الدعاء طلباً للمزيد من الثناء عليه [٣٤] . والصلاة عليه مشروعة في عبادات كثيرة كالتشهد والخطبة وصلاة الجنازة وبعد الأذان وعند الدعاء وغيرها من المواطن [٣٥] . وأفضل صيغها: ما علمه النبي ﷺ لأصحابه حين قالوا: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: (قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) [٣٦] . وغير خاف عليك ما في الصلاة عليه من الفوائد والثمرات من كونها سبباً لحصول الحسنات، ومحو السيئات، وإجابة الدعوات، وحصول الشفاعة، وصلاة الله على العبد، ودوام محبة النبي ﷺ وزيادتها، والنجاة من البخل [٣٧] . ومن تعظيمه: التأدب عند ذ كره ﷺ بأن لا يذكر باسمه مجرداً، بل يوصف بالنبوة أو الرسالة، وهذا كما كان أدباً للصحابة - رضي الله عنهم - في ندائه فهو أدب لهم ولغيرهم عند ذكره، فلا يقل: محمد، ولكن: نبي الله، أو الرسول، ونحو ذلك. وهذه خصيصة له في خطاب الله في كتابه الكريم دون إخوانه من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فلم يخاطبه - تعالى - قط باسمه مجرداً، وحين قال: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ] [الأحزاب: ٤٠] قال بعدها: [ولَكِن رَّسُولَ ... اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] . يجيء التوجيه إلى هذا الأدب في قوله - تعالى -: [لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً] [النور: ٦٣] [٣٨] . ومنه: الإكثار من ذكره، والتشوق لرؤيته، و) تعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته، وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها، وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه، وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله، وما كان من أمور دعوته وسيرته وغزواته، والتمدح بذلك شعراً ونثراً [٣٩] . وأسعد الناس حظاً بذلك: المحدثون والمشتغلون بسنة النبي ﷺ . والشرط في ذلك: كونه في حدود المشروع، وسطاً بين الجفاء وبين الغلو والإطراء. استشعار هيبته ﷺ (ولجلالة قدره وعظيم شأنه، واستحضاره لمحاسنه ومكانته ومنزلته، والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكراً لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفاً به ومذعناً له، فالقلب ملك الأعضاء، وهي جند له وتبع، فمتى ما كان تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- مستقراً في القلب مسطوراً فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك ستظهر على الجوارح حتماً لا محالة. وحينئذ سترى اللسان يجري بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وترى باقي الجوارح ممتثلة لما جاء به ومتبعة لشرعه وأوامره، ومؤدية لماله من الحق والتكريم) [٤٠] . وبرهان التعظيم الصادق هو تعظيم ما جاء به النبي ﷺ من الشريعة المتضمنة في الكتاب والسنة كما فهمها سلف الأمة، وذلك باتباعها والتزامها قلباً وقالباً، وتحكيمها في كل مناحي الحياة وشؤونها الخاصة والعامة؛ ومحال أن يتم الإيمان بدون ذلك: [ويَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ ومَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ] [النور: ٤٧] .. فإن هذا هو مقتضى التعظيم الحقيقي والتوقير الصادق؛ إذ العبرة بالحقائق لا بالمظاهر والأشكال الجوفاء، ولذا قدم الله هذا الأدب العظيم على سائر الآداب الواجبة مع النبي ﷺ ، فنهى عن التقدم بين يديه بأمر دون أمره أو قول دون قوله، بل يكونون تبعاً لأمره منقادين له مجتنبين نهيه، فقال في أول سورة الحجرات: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [الحجرات: ١] . ومن التقدم بين يديه: تقديم القوانين والتشريعات البشرية على شريعته، أو تفضيل حكم غيره على حكمه أو مساواته به، أو التزام منهج مخالف لهديه وسنته: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] [٤١] . وأسعد الناس حظاً بسنته وأقربهم إلى الشرب من حوضه: أهل السنة والجماعة، فهم من أحيوا سنته واتبعوا شريعته وهديه. ومن توقيره وتعظيمه ﷺ توقيره في آله، ومنهم أهل بيته ﵃ أجمعين [٤٢] ورعاية وصيته بهم بمعرفة فضلهم ومنزلتهم وشرفهم بقربهم من النبي ﷺ زيادة على إيمانهم، وبحفظ حقوقهم والقيام بها، فهم أشرف آل على وجه الأرض، وأزواجه أمهات المؤمنين الطاهرات، قال الله - تعالى -: [إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً] [الأحزاب: ٣٣] ، وقد أوجب الله الصلاة عليهم تبعاً للصلاة على النبي ﷺ في التشهد في الصلاة. ومنه: توقيره في سائر صحبه ﵃ جميعاً [٤٣] فإنهم خيرة الناس بعد الأنبياء، وخيرة الله لصحبة نبيه، وهم حماة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والأمناء على دينه وسنته وأمته، وذلك بمعرفة فضلهم، ورعاية حقوقهم، فإن الطعن فيهم أو تنقُّصهم عنوان الزندقة. ومنه: الأدب في مسجده، وكذا عند قبره، وترك اللغط ورفع الصوت، ولذا أنكر عمر ﵁ على من رفع صوته فيه. فقال للرجلين: (ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ ؟ ! لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً) [٤٤] . ومن تعظيمه: حفظ حرمة بلده المدينة النبوية؛ فإنها مهاجره، ودار نصرته، وبلد أنصاره، ومحل إقامة دينه، ومدفنه، وفيها مسجده خير المساجد بعد المسجد الحرام. (والمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها، وهذا أمر واجب في حق من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة وحسن التأدب فيها، وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله -صلى الله عليه وسلم-) [٤٥] فيتأكد فيها العمل الصالح وتعظم فيها السيئة؛ لشرف المكان. صور من البخس: بعد هذه الجولة الماتعة مع حق عظيم للنبي ﷺ فإنه لا يسوغ أبداً لمنتسب إلى السنة أن يجفو في حق نبيه ﷺ فيخل بما يجب له من الإجلال والتوقير والتعظيم. ومن صور الإخلال: التقصير في معرفته أو معرفة سيرته وهديه أو فهم سنته أو الإخلال في تطبيقها غلواً أو جفاء. ومنها: إساءة العمل والتقصير في الصالحات، وخاصة ممن ينتسب لآل بيته الكرام. ومن العجيب مع تأكد هذا الحق العظيم أن يقع التعرض بسوء للمؤمنين الصادقين من آل البيت! وأعجب منه سب صحابته والنيل من أزواجه الطاهرات! وأكبر منها الإساءة إلى ذات النبي ﷺ ، والجرأة على نقده ولمز شريعته في ديار المسلمين! ! ثم أين هو من دين النبي ﷺ من يستبدل شريعته بقوانين البشر، أو يهزأ من هديه، أو يتعالى على سنته؟ ! وبعد: يا أمة محمد ﷺ ! هل عظَّم نبيكم وحبيبكم ﷺ من حلف به مع أنه -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) [٤٦] ، ويقول: (من حلف بغير الله فقد أشرك) [٤٧] ؟ ! وهل عظَّمه من توسل بذاته مع أن الصحابة توسلوا بدعائه لا بذاته، كما في حديث عمر حين طلب من العباس الدعاء والاستسقاء [٤٨] والنبي -صلى الله عليه وسلم- عندهم في قبره؟ ! وهل عظَّمه من توجه إليه طالباً منه الشفاعة مع أن الله بين للأمة أن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه - تعالى - ورضاه، وأمر من أراد الشفاعة بطلبها بطاعته؟ ! وهل عظمه من استغاث به مع أنه بشر لا يملك من أمره شيئا؟ ! أليس هذا تنكراً لمحبته وتعدياً لشرعه وعصياناً لأمره؟ حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله) [٤٩] ؟ ! وهل من تعظيمه الابتداع في دينه، والزيادة في شريعته من التمسح بحجرته أو الاحتفال بمولده بعد اتفاقنا على نصحه لأمته ودلالتها على كل حسن؟ ! فأي حسن في عمل احتفالات ساعات أو أيام ثم التقصير والإهمال في سائر العام؟ ! وأي حسن في الاحتفال بزمن توفي فيه المصطفى ﷺ ؟ ! وأي حسن في مشابهة دين النصارى المفتونين بالاحتفالات؟ ! وأي حسن في التعدي على فقه الفاروق حين أرَّخ بهجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- رمز انتصار دينه، ولم يؤرخ بمولده ووفاته، تقديماً للحقائق والمعاني على الطقوس والأشكال؟ ! وأي حسن في تجديد دين الدولة العبيدية الباطنية الحاقدة التي ابتدعت ذلك الاحتفال؟ ! وأي حسن في عمل لم يشرعه الحبيب ﷺ ، ولم يفعله أنصاره وحماة دينه وحملة رسالته ﵃؟ أليسوا أصدق الناس حباً له؟ ! أليس فقه الراشدين وفهمهم وسنتهم مما أوصاكم به نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قائلا: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ [٥٠] ؟ ! أليس فعل المولد مخالفة لأمره:) وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) ؟ ! فأي تعظيم للنبي ﷺ في هذه الموالد التي صارت ركباً للمدعين، وحجة للبطالين؟ ! ألا ترون المولد - بعد هذا - تقصيراً في حق حبيبنا ﷺ وظلماً له؟ ! اللهم اجعلنا من المعظمين رسولنا ﷺ حق التعظيم المتبعين شرعه، وتوفنا على سنته.. آمين.

стр. 3096

ملفات حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان (عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فلا يخفى ما ورد في الكتاب والسنة من الأمر باتباع ما شرعه الله ورسوله، والنهي عن الابتداع في الدين، قال - تعالى -: [قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ] [آل عمران: ٣١] ، وقال - تعالى -: [اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ] [الأعراف: ٣] ،، وقال - تعالى -: [وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ] [الأنعام: ١٥٣] ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وقال ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد [١] ، وفي رواية لمسلم: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.. وإن من جملة ما أحدثه الناس من البدع المنكرة الاحتفال بذكرى المولد النبوي في شهر ربيع الأول؛ وهم في هذا الاحتفال على أنواع: فمنهم من يجعله مجرد اجتماع تقرأ فيه قصة المولد، أو تقدم فيه خطب وقصائد في هذه المناسبة. ومنهم من يصنع الطعام والحلوى وغير ذلك ويقدمه لمن حضر. ومنهم من يقيمه في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت. ومنهم من لا يقتصر على ما ذكر، فيجعل هذا الاجتماع مشتملاً على محرمات ومنكرات من اختلاط الرجال بالنساء والرقص والغناء، أو أعمال شركية كالاستغاثة بالرسول ﷺ وندائه والاستنصار به على الأعداء وغير ذلك، وهو بجميع أنواعه واختلاف أشكاله واختلاف مقاصد فاعليه لا شك ولا ريب أنه بدعة محرمة محدثة بعد القرون المفضلة بأزمان طويلة؛ فأول من أحدثه الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ملك إربل في آخر القرن السادس أو أول القرن السابع الهجري، كما ذكره المؤرخون كابن كثير وابن خلكان وغيرهما. وقال أبو شامة: وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره. قال الحافظ ابن كثير في البداية [٢] في ترجمة أبي سعيد كوكبوري: وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً ... إلى أن قال: قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد أنه كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى ... إلى أن قال: ويعمل للصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم اهـ. وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان [٣] : فإذا كان أول صفر زينوا تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة، وقعد في كل قبة جوق من الأغاني، وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، ولم يتركوا طبقة من تلك الطبقات (طبقات القباب) حتى رتبوا فيها جوقاً. وتبطل معايش الناس في تلك المدة، وما يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم ... إلى أن قال: فإذا كان قبل يوم المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئاً كثيراً زائداً عن الوصف وزفها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان ... إلى أن قال: فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة. ا. هـ. فهذا مبدأ حدوث الاحتفال بمناسبة ذكرى المولد، حدث متأخراً ومقترناً باللهو والسرف وإضاعة الأموال والأوقات، وراء بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. والذي يليق بالمسلم إنما هو إحياء السنن وإماتة البدع، وأن لا يقدم على عمل حتى يعلم حكم الله فيه. هذا؛ وقد يتعلق من يرى إحياء هذه البدعة بشبه أوهى من بيت العنكبوت، ويمكن حصر هذه الشبه فيما يلي: ١- دعواهم أن في ذلك تعظيماً للنبي ﷺ . والجواب عن ذ لك أن نقول: إنما تعظيمه ﷺ بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه ومحبته ﷺ ، وليس تعظيمه بالبدع والخرافات والمعاصي، والاحتفال بذكرى المولد من هذا القبيل المذموم، لأنه معصية. وأشد الناس تعظيماً للنبي ﷺ هم الصحابة - رضي الله عنهم -، كما قال عروة بن مسعود لقريش: يا قوم! والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والملوك، فما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ﷺ ، والله ما يمدون النظر إليه تعظيماً له، ومع هذا التعظيم ما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه. ٢- الاحتجاج بأن هذا عمل كثير من الناس في كثير من البلدان. والجواب عن ذلك أن نقول: الحجة بما ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-. والثابت عن الرسول ﷺ النهي عن البدع عموماً، وهذا منها. وعمل الناس إذا خالف الدليل فليس بحجة، وإن كثروا: [وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] [الأنعام: ١١٦] ، مع أنه لا يزال - بحمد الله - في كل عصر من ينكر هذه البدعة ويبين بطلانها، فلا حجة بعمل من استمر على إحيائها بعد ما تبين له الحق. فممن أنكر الاحتفال بهذه المناسبة شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) ، والإمام الشاطبي في (الاعتصام) ، وابن الحاج في (المدخل) ، والشيخ تاج الدين علي بن عمر اللخمي ألف في إنكاره كتاباً مستقلاً، والشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه (صيانة الإنسان) ، والسيد محمد رشيد رضا ألف فيه رسالة مستقلة، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالة مستقلة، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغير هؤلاء ممن لا يزالون يكتبون في إنكار هذه البدعة كل سنة في صفحات الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تقام فيه هذه البدعة. ٣- يقولون: إن في إقامة المولد إحياء لذكر النبي ﷺ . والجواب عن ذلك أن نقول: إحياء ذكر النبي ﷺ يكون بما شرعه الله من ذكره في الأذان والإقامة والخطب والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وقراءة سنته واتباع ما جاء به، وهذا شيء مستمر يتكرر في اليوم والليلة دائماً، لا في السنة مرة. ٤- قد يقولون: الاحتفال بذكرى المولد النبوي أحدثه ملك عادل عالم، قصد به التقرب إلى الله! والجواب عن ذلك أن نقول: البدعة لا تقبل من أي أحد كان، وحسن القصد لا يسوغ العمل السيء، وكونه عالماً وعادلاً لا يقتضي عصمته. ٥- قولهم: إن إقامة المولد من قبيل البدعة الحسنة؛ لأنه ينبئ عن الشكر لله على وجود النبي الكريم! ويجاب عن ذلك بأن يقال: ليس في البدع شيء حسن، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، ويقال أيضاً: لماذا تأخر القيام بهذا الشكر - على زعمكم - إلى آخر القرن السادس، فلم يقم به أفضل القرون من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهم أشد محبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأحرص على فعل الخير والقيام بالشكر، فهل كان من أحدث بدعة المولد أهدى منهم وأعظم شكراً لله ؟ حاشا وكلا. ٦- قد يقولون: إن الاحتفال بذكرى مولده ﷺ ينبئ عن محبته ﷺ فهو مظهر من مظاهرها وإظهار محبته -صلى الله عليه وسلم- مشروع والجواب أن نقول: لا شك أن محبته ﷺ واجبة على كل مسلم أعظم من محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين - بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه -، ولكن ليس معنى ذلك أن نبتدع في ذلك شيئاً لم يشرعه لنا، بل محبته تقتضي طاعته واتباعه، فإن ذلك من أعظم مظاهر محبته، كما قيل: لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع فمحبته ﷺ تقتضي إحياء سنته والعض عليها بالنواجذ ومجانبة ما خالفها من الأقوال والأفعال، ولا شك أن كل ما خالف سنته فهو بدعة مذمومة ومعصية ظاهرة، ومن ذلك الاحتفال بذكرى مولده وغيره من البدع. وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين؛ فإن الدين مبني على أصلين: الإخلاص، والمتابعة، قال - تعالى -: [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ] [البقرة: ١١٢] ، فإسلام الوجه هو الإخلاص لله، والإحسان هو المتابعة للرسول وإصابة السنة. وخلاصة القول: أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي بأنواعه واختلاف أشكاله بدعة منكرة يجب على المسلمين منعها ومنع غيرها من البدع، والاشتغال بإحياء السنن والتمسك بها، ولا يغتر بمن يروج هذه البدعة ويدافع عنها، فإن هذا الصنف يكون اهتمامهم بإحياء البدع أكثر من اهتمامهم بإحياء السنن، بل ربما لا يهتمون بالسنن أصلاً، ومن كان هذا شأنه فلا يجوز تقليده والاقتداء به، وإن كان هذا الصنف هم أكثر الناس، وإنما يقتدي بمن سار على نهج السنة من السلف الصالح وأتباعهم وإن كانوا قليلاً، فالحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق. قال ﷺ : فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة [٤] ، فبين لنا -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الشريف بمن نقتدي عند الاختلاف، كما بين أن كل ما خالف السنة من الأقوال والأفعال فهو بدعة وكل بدعة ضلالة. وإذا عرضنا الاحتفال بالمولد النبوي لم نجد له أصلاً في سنة رسول الله - ﷺ ، ولا في سنة خلفائه الراشدين، إذاً فهو من محدثات الأمور ومن البدع المضلة، وهذا الأصل الذي تضمنه هذا الحديث قد دل عليه قوله تعالى: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء: ٥٩] . والرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه الكريم، والرد إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الرجوع إلى سنته بعد وفاته، فالكتاب والسنة هما المرجع عند التنازع، فأين في الكتاب والسنة ما يدل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي؟ فالواجب على من يفعل ذلك أو يستحسنه أن يتوب إلى الله - تعالى - منه ومن غيره من البدع؛ فهذا هو شأن المؤمن الذي ينشد الحق، وأما من عاند وكابر بعد قيام الحجة فإنما حسابه عند ربه. هذا؛ ونسأل الله أن يرزقنا التمسك بكتابه وسنة رسوله إلى يوم نلقاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 3097

ملفات مظاهر الغلو في قصائد المديح النبوي سليمان بن عبد العزيز الفريجي منذ أن انتشر الإسلام أقبل الأدباء على مدح نبيه محمد ﷺ بمدائح كثيرة، حفظ لنا التاريخ شيئاً منها، ومن أقدمها ما جاء عن أم معبد ﵂ من وصفها للنبي ﷺ بعدما حل بخيمتها في طريق هجرته إلى المدينة، وكان من وصفها: (إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، لانزر ولا هزر) [١] . كما كان لشعراء الرسول ﷺ كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير وكعب بن مالك والعباس بن مرداس وغيرهم قصائد عدة في مدحه ورثائه، منها قصيدة حسان بن ثابت ﵁ التي مطلعها: ... بطيبة رَسْم للرسول ومَعهد ... منير، وقد تعفو الرسوم وتهْمَد ولا تنمحي الآيات من دار حُرْمة ... بها منبر الهادي الذي كان يصعد ومنها قصيدة كعب بن زهير ﵁ التي قالها عند إسلامه، واعتذر بها لرسول الله ﷺ ، وألقاها بين يديه في مسجده وسط صحابته، ومطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... مُتَيَّم إثرها لم يُجْزَ مكبول وفيها يقول: أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لذاك هيب عندي إذ أكلمه ... وقيل إنك مسبور ومسؤول من ضيغم من ضراء الأُسْد مُخْدرة ... ببطن عثَّر غيل دونه غيل إن الرسول لسيف يُستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول بل إن هناك من شعراء الكفار من مدحه وأثنى على أخلاقه الكريمة، كعمه أبي طالب في قصيدته المشهورة، ومنها قوله: وأبيض يُستسقى الغمامُ بوجهه ... ثمالُ اليتامى، عصمة للأرامل وكالأعشى الكبير ميمون بن قيس الذي مدح النبي ﷺ بقصيدة رائعة، وجاء بها ليسلم عنده ويلقيها بين يديه، ولكن قريشاً أغرته بالدنيا فعاد ومات كافراً. ومن قصيدته قوله: نبيٌ يرى ما لا ترون، وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا له صَدَقاتٌ ما تُغِبُّ ونائل ... وليس عطاءُ اليوم مانعه غدا وهكذا اتصل مدح النبي ﷺ في حياته ورثائه بعد مماته، وذكر أخلاقه وأوصافه عند أصحابه والتابعين دون غلو أو تجاوز لحدود المشروع. وبعد قيام دولة بني أمية والحوادث التي جرت لآل بيت علي بن أبي طالب - ﵁ وتشيع من تشيع لهم بدأت المبالغة في مدحهم والثناء عليهم، حتى اشتهر شعراء بذلك، وأكثروا منه، كالكميت الأسدي ودعبل الخزاعي والشريف الرضي ومهيار الديلمي، وهؤلاء جاءت مبالغتهم من غلوهم في رجالات آل البيت، وتفضيلهم على من يرونهم أعداء لهم من الأمويين وغيرهم؛ فموقفهم في الحقيقة سياسي أكثر من كونه معتمداً على اقتناعاتهم الشرعية؛ فلهذا جاء كلامهم على آل علي بن أبي طالب ﵁ دون غيرهم، حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قل مديحهم له في مقابل مديحهم لآل بيت علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. ومن أشعارهم هاشميات الكميت وأشهرها: البائيتان واللامية والميمية، يقول في إحدى البائيتين: إلى النفر البيض الذين بحبِّهم ... إلى الله فيما نالني أتقرِّب بني هاشم رهط النبي فإنني ... بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب وما جاء عن هؤلاء من المدح الخاص بالنبي ﷺ يكاد يكون مدحاً معتاداً لا نجد فيه ما سنجده في مدائح الصوفية في القرن السابع. ومن ذلك قول الكميت: وأنت أمين الله في الناس كلهم ... عليها وفيها احتار شرق ومغرب فبوركت مولوداً وبوركت ناشئاً ... وبوركت عند الشيب إذ انت أشيب وبورك قبرٌ أنت فيه وبوركت ... به وله أهل لذلك يثرب لقد غيَّبوا بِراً وصدقاً ونائلاً ... عشية واراك الصفيح المنصَّب ومع ذلك كان مدح من مضى لآل البيت أكثره صادقاً، لأنهم يمدحونهم والدنيا ليست بأيديهم خلاف شعراء الدولة العبيدية المنتسبة - زوراً - إلى فاطمة الزهراء ﵂ التي كان الشعراء يتزلفون إلى حكامهم بمدحهم ومدح آل البيت ومنه مدح النبي ﷺ ، وهذا المدح غير داخل في حقيقته في المدائح النبوية، لأنه مدح من أجل الدنيا، لا لحبهم أو التقرب إلى الله بمدحهم، ولهذا وصل الأمر ببعضهم إلى حد الشرك كابن هانئ الأندلسي، حيث يقول في مدح المعز لدين الله الفاطمي: ما شئتَ، لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار ويقول: ولك الجواري المنشآت مواخراً ... تجري بأمرك والرياح رخاءُ ولهذا كان مدح هؤلاء منصباً على حكام الدولة العبيدية ومن يزعم هؤلاء الحكام محبتهم من رجالات آل البيت، ويقل فيه مدح النبي ﷺ . وتستمر المدائح النبوية دائرة حول أوصاف النبي ﷺ الخُلُقية والخَلْقية المعروفة، ولا نجد ذلك الغلو الذي يخرج بالمدائح النبوية إلى رفع النبي ﷺ فوق مقامه البشري، وإضفاء بعض الصفات الإلهية عليه إلا في القرن السابع الذي يعرف في التاريخ الإسلامي بانتشار التصوف فيه إلى حد كبير، مما أثر تأثيراً كبيراً على الشعراء الذين تسابقوا في مضمار المدائح النبوية، بنَفَسٍ يخالف المدائح السابقة، ويوافق الفكر التصوفي. وكانت البداية الفعلية لهذه المدائح بهذا النَفَس الصوفي المتميز على يد محمد بن سعيد البوصيري، المتوفى في الإسكندرية سنة٦٩٥ هـ، فقد نظم عدة قصائد في المدائح النبوية، وأشهرها قصيدتان: الأولى الميمية، وهي على رواية الديوان (١٦٠) بيتاً ومطلعها: أمن تذكُّر جيرانٍ بذي سلم ... مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم والأخرى الهمزية، ومطلعها: كيف ترقى رقيَّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماءُ والميمية أشهر وأذيع عند عامة المتصوفين ومقلديهم، وقد نسجت حولها المنامات والأساطير، ابتداء بناظمها الذي جاء عنه أنه بسبب استشفائه بهذه القصيدة مسح النبي ﷺ في المنام عليه فبرئ من فالج كان أبطل نصفه وألقى عليه بردة، فسميت القصيدة لذلك بالبردة، ونسجت الأساطير لكل بيت من أبياتها، وشاع التبرك والاستشفاء بها، فصارت تسمى أيضاً: البُرْأَة، والبُروة، وقصيدة الشدائد، وغالى المتصوفة وأتباعهم فيها (حتى عملوها تميمة تعلق على الرؤوس، وزعموا فيها مزاعم كثيرة من أنواع البركة، وهم على ذلك إلى يومنا هذا) [٢] . ويظهر أن كل هذه التسميات كانت بعد موت البوصيري، أما هو فسماها: (الكواكب الدريَّة في مدح خير البرية) . وقد أجمع معظم الباحثين على أن ميمية البوصيري أفضل قصيدة في المديح النبوي من الناحية الفنية الأدبية - لا الشرعية - إذا استثنينا لامية كعب بن مالك (البردة الأم) ، حتى قيل: إنها أشهر قصيدة في الشعر العربي بين العامة والخاصة. ومهما يكن من أمر فقد أثّرت ميمية البوصيري في المدائح النبوية تأثيراً عميقاً، حيث نقلتها مضموناً وقالباً. أما من حيث المضمون فقد نقلت المدائح النبوية من المدح المعتاد للنبي ﷺ بأوصافه المشهورة المعروفة إلى أوصاف غلو ومبالغة (على نحو إعجازي خارق، بالغ المثالية، بالغ الكمال، وبالغ الجلال ... يرقى بالنبي إلى درجة ربانية) [٣] ، ويسمون هذه الأوصاف: (الحقيقة المحمدية) التي يدعي المتصوفة أن غيرهم لا يعرفونها؛ ولهذا فهم يحملون كل غلو في ميمية البوصيري وغيره ممن سار على دربه على أنه من الحقيقة المحمدية التي ينفردون بمعرفتها للنبي ﷺ . أما من حيث القالب فقد جعل المدائح النبوية تتكون من ثلاثة أجزاء: الأول يسمى النسيب النبوي، وهو التشوق إلى المدينة النبوية التي تضم قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيها جرى أغلب أحداث سيرته، ويتلو هذا النسيب بعض الحِكَم التي تحذر من الدنيا وأهواء النفس، وهذا الجزء يمثل من ميمية البوصيري الأبيات من (١ - ٣٣) ، ومن أجملها قوله: والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم وقوله: وخالف النفس والشيطان واعصهما ... وإن هما محَّضاك النصح فاتهم ولا تطع منهما خصماً ولا حكماً ... فأنت تعرف كيد الخصم والحكم والجزء الثاني مديح النبي ﷺ وعرض سيرته، وهذا الجزء هو غرض القصيدة، وفيه يذكر الشاعر سيرته من مولده إلى وفاته -صلى الله عليه وسلم-، ويتكلم على معجزاته وخصائصه ... ويمثل هذا الجزء من القصيدة الأبيات من (٣٤-١٣٩) ، ويبدؤه بقوله: محمد سيد الكونين والثقلي ... ن والفريقين من عُرب ومن عجم وفي هذا الجزء أغلب الغلو المشار إليه من قبل، وكأن بعض المتأخرين عن البوصيري أحسَّ شدة هذا الغلو فأراد أن يخففه فزاد في القصيدة - وما أكثر ما زيد عليها - بيتاً ناشزاً ألقاه في مكان غير مناسب في القصيدة، وهو قوله: فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم ولم يرض كثير من الصوفية هذا البيت للنص فيه على بشريته وأنها منتهى العلم فيه، فغيروه إلى: مولاي صلِّ وسلم دائماً أبداً ... على حبيبك خير الخلق كلهم ونسبوا فيه مناماً خاصاً للبوصيري، فيه أن النبي ﷺ هو الذي ألقى بشطره الثاني على البوصيري. والجزء الثالث هو إقرار الشاعر بذنوبه وطلب العفو عنها، ويشمل هذا الجزء الأبيات من (١٤٠-١٦٠) ويبدأ إقراره بقوله: خدمته بمديح أستقيل به ... ذنوب عُمْرٍ مضى في الشعر والخدم ثم يقول: لم تشتر الدين بالدنيا ولم تَسم ... فيا خسارة نفس في تجارتها ولكن طلبه للعفو كان موجهاً للنبي ﷺ وهذا من أكبر انحرافات البوصيري، وقد كرر هذا في عدة أبيات، منها: إن آت ذنباً فما عهدي بمنتقض ... من النبي، ولا حبلي بمنصرم فإن لي ذمةً منه بتسميتي ... محمداً، وهو أوفى الخلق بالذمم إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً فقل يا زلة القدم يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العَمِمِ وعندما ذكر العفو والرحمة من الله رجا أن تكون الرحمة مقسومة حسب العصيان، لا الإحسان، فقال: لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم وفي آخر هذا الجزء يختم القصيدة بالصلاة والسلام الدائمين على النبي - ﷺ وهذا الجزء يكثر فيه دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به وإضافة صفات ربانية إليه، وإن كان الجزءان السابقان لا يخلوان من مثل ذلك، كقوله: أقسمت بالقمر المنشق أن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم وقوله: ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به ... إلا ونلت جواراً منه لم يُضم هذه هي ميمية البوصيري التي كان لها أعظم الأثر في المديح النبوي، وتحويلها من مسارها السليم إلى مسار مليء بالانحرافات الشرعية، وقد ساعد المتصوفة وأصحاب الطرق على نشرها بغنائها وانشادها وتلحينها في كل مناسبة حتى الحروب فضلاً عن الأفراح والأحزان والموالد المبتدعة واحتفالات الحجيج. ولم يقتصر أثرها على العامة، بل تعداه إلى الخاصة؛ إذ تزاحم الشعراء العرب وغير العرب على تقليدها، وتفننوا في ذلك حتى أنشؤوا فيها فنوناً أدبية منها: أ- البديعيات التي تسير على نهجها وزناً وروياً ومضموناً وأجزاءً، ويكون كل بيت من أبياتها خاصاً بلون من ألوان علم البديع في البلاغة كبديعية صفي الدين الحلي (٧٥٠ هـ) ومطلعها: إن جئت سلعاً فسل عن جيرة العلم ... واقرا السلام على عرب بذي سلم وبديعية عز الدين الموصلي ومطلعها: براعة تستهل الدمع في العلم ... عبارة عن نداء المفرد العلم ب- المدائح النبوية التي فيها التورية بكل سور القرآن، ومن أشهرها قصيدة ابن جابر الأندلسي (٧٨٠ هـ) ، ومطلعها: في كل فاتحة للقول معتبرة ... حق الثناء على المبعوث بالبقرة وقد عارض ابن جابر في قصيدته هذه عدة شعراء حتى أُلِّف فيها كتاب مستقل وهو كتاب: (المدائح النبوية المتضمنة لسور القرآن الكريم لهاشم الخطيب) . ج - معارضتها وتشطيرها وتخميسها وتسبيعها ... ومن أشهر من عارضها من المحدثين: محمود سامي البارودي بمطولة بلغت (٤٤٧ بيتاً) هي: (كشف الغمة في مدح سيد الأمة!) ، ومطلعها: يا رائد البرق يمم دارة العلم ... واحْدُ الغمام إلى حي بذي سلم وأحمد شوقي في قصيدة في (١٩٠ بيتاً) سماها: (نهج البردة) ، مطلعها: ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحرم وقد زاد الغلو في المدائح النبوية منذ عهد البوصيري إلى بدايات العهد الحديث، ومن أمثلة هذا الغلو والمغالين محمد بن أبي بكر البغدادي الذي صنف ديواناً كاملاً باسم: (القصائد الوترية في مدح خير البرية) نظم فيه ٢٩ قصيدة، وكل قصيدة منها ٢١ بيتاً. بحيث تبدأ أبيات كل قصيدة بحرف وتنتهي به نفسه، ومن مدحه الغالي قوله: أغثني، أجرني، ضاع عمري إلى متى بأثقال أوزاري أراني أُرزأُ وقوله: ذهاباً ذهاباً يا عصاةُ لأحمد ... ولوذوا به مما جرى وتعوَّذوا ذنوبكم تُمحى وتعطون جنة ... بها دُرَرٌ حصباؤها وزمرد ومن أشد الغالين: عبد الرحيم البرعي اليماني، فله ديوان شعر أكثره مدائح نبوية، ومن مدحه الغالي قوله: سيد السادات من مضر ... غوث أهل البدو الحضر وقوله: يا سيدي يا رسول الله، يا أملي ... يا موئلي، يا ملاذي، يوم تلقاني هب لي بجاهك ما قدمت من زلل ... جوداً ورجح بفضل منك ميزاني واسمع دعائي واكشف ما يساورني ... من الخطوب ونفِّس كُلَّ أحزاني وكذلك أكثر من عارض البردة قديماً وحديثاً - وما أكثرهم - تأثر بما فيها من غلو. وقد تأثر كذلك المتأخرون بهذا الغلو، فمستكثر ومستقل، فهذا البارودي يقول: أبكاني الدهر حتى إذ لجأت به ... حنا علي وأبدى ثغر مبتسم وهذا أحمد شوقي يقول: فالطف لأجل رسول العالمين بنا ... ولا تزد قومه خسفاً ولا تسُمِ ويقول في أحد المدائح الخديوية: إذا زرت يا مولاي قبر محمد ... وقبَّلت مثوى الأعظم العطرات فقل لرسول الله: يا خير مرسل ... أبثك ما تدري من الحسرات وهذه شاعرة معاصرة ألفت كتاباً كاملاً من شعر التفعيلة باسم: (بردة الرسول) من أجل أن تشفى من مرض عانت منه طويلاً، ملأته بالغلو، ومن مثل قولها: يا سيدي، اسمع دعائي ... كن مًعين وأجب رجائي، يا محمدنا الأمين أما هذا الغلو عند شعراء الصوفية ومقلديهم فأشهر من أن أشير إليه هنا. ومما سبق نستخلص أن المدائح النبوية الغالية منذ البوصيري ومن قلده لا علاقة لها بالمدائح النبوية قبلها؛ لأنه شتان بين التصور الواقعي البشري كما صوره شعراء المديح النبوي الأوائل من أمثال كعب بن زهير وكعب بن مالك وحسان بن ثابت، ومعاصريهم، وبين التصور المتأخر للرسول ﵊ عند شعراء المديح النبوي المتأخرين الذين أحالوا شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى سلسلة طويلة من الخوارق والمعجزات والقدرات فوق الطبعية، حتى بات النبي ﷺ ذا طبيعة إلهية لا بشرية [٤] . ومع هذا فقد بقي كثير من الشعراء قديماً وحديثاً بمعزل عن هذا الغلو، ولكن الحديث الآن ليس عنهم، والله أعلم.

стр. 3098

ملفات قوادح عقدية في بردة البوصيري د. عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - من أشهر المدائح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها، فضلاً عن المشطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها، وقد تجاوزت شروحها المكتوبة خمسين شرحاً، فيها ما هو محلى بماء الذهب! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن. يقول الدكتور زكي مبارك: وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عقد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كانت تتلقاها جماهير من الطلاب، وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة، لأن مثل هذا الدرس لم يكن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ [١] . وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لكعب بن زهير ﵁ في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد اشتهر أن النبي ﷺ أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك -[٢] فقد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي ﷺ ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة! ! وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ الكواكب الدرية في مدح خير البرية [٣] . كما أن لهذه البردة اسماً آخر هو البرأة؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشدائد؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير. وقد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون [٤] . يقول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة-: ... ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضع مثلها لقراءة القرآن، منها: التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفية الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين [٥] . وأما عن مناسبة تأليفها فكما قال ناظمها: كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله ﷺ ، ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فعملتها، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي - ﷺ ، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدت فيّ نهضة؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله ﷺ ، فقلت: أيّها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولّها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأيت رسول الله ﷺ ، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام [٦] . ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله -. ثم ادعى أنه رأى النبي ﷺ دون أن يبيّن نعته؛ فإن من رأى النبي ﷺ حسب صفاته المعلومة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل به - كما ثبت في الحديث -. ثم ادعى أن النبي في ﷺ مسح على وجهه وألقى عليه بردة، فعوفي من هذا الفالج، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول ﷺ ، وأن الرسول ﷺ تمايل إعجاباً بالقصيدة، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي ﷺ تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال: ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب. قال شيخ الإسلام: إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله - ﷺ وسنته وأحواله [٧] . وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه. يقول شيخ الإسلام: ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه، فكم من عبد دعا دعاء غير مباح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة [٨] . وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو: محمد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة ٦٠٨هـ، واشتغل بالتصوُّف، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً، كما لم يكن عابداً صالحاً؛ حيث كان ممقوتاً عند أهل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقف مع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل. ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها! توفي البوصيري سنة ٦٩٥هـ وله ديوان شعر مطبوع [٩] . وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع. والله حسبنا ونعم الوكيل. ١- يقول البوصيري: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تُخرج الدنيا من العدم ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم- وقد قال - سبحانه: [ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: ٥٦] ، وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع: لولاك لما خلقت الأفلاك [١٠] . ٢- قال البوصيري: فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم وكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ فالسابق استفاد من اللاحق! فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل: إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنه يوجد العالم، ومنه استمد كل علم وعرفان؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه.. وكذا مقالة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين [١١] . ٣- ثم قال: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ منتقداً هذا البيت: ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في المسيح - غالباً -: إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته: دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة [١٢] . لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي - ﷺ : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله [١٣] ، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم؛ فإن قوله ﵊: إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله ﷺ ، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى ﵇، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله ﷺ : كما أطرت هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى [١٤] . ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث -: لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - ﵇ وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر [١٥] . ٤ - وقال أيضاً: لو ناسبت قدره آياته عِظماً ... أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم يقول بعض شرّاح هذه القصيدة: لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره [١٦] . يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو؛ فإن من جملة آياته ﷺ القرآن العظيم الشأن؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول: إن القرآن لا يناسب قدر النبي ﷺ ، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟ [١٧] . ٥- وقال أيضا: لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -. قال شيخ الإسلام ﵀: واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي - ﷺ ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد [١٨] . ٦- ثم قال: أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له ... من قلبه نسبةً مبرورة القسم ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر؛ فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك [١٩] . وقال ابن عبد البر ﵀: لا يجوز الحلف بغير الله في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه ... إلى أن قال: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد [٢٠] . ٧- قال البوصيري: ولا التمست غنى الدارين من يده ... إلا استلمت الندى من خير مستلم فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي ﷺ ، مع أن الله قال: [ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ] [النحل: ٥٣] ، وقال - سبحانه -: [فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ] [العنكبوت: ١٧] ، وقال - تعالى -: [قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) ] يونس: ٣١ [،] قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ [] سبأ: ٢٢ [. وأمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى -:] قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ [] الأنعام: ٥٠ [. ٨- قال البوصيري: فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم وهذا تخرُّص وكذب؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟ ! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد! ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ تعقيباً على هذا البيت: قوله: فإن لي ذمة ... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله ﷺ فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك] ٢١ [. فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة] ٢٢ [. ٩- وقال البوصيري: إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين؛ إذ مضمونه أن الرسول ﷺ هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه ﷺ : ] قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [] الزمر: ١٣ [. ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى -:] ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [] يونس: ١٨ [، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً] ٢٣ [. ١٠- وقال: يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ تعقيباً على هذا البيت -: فتأمل ما في هذا البيت من الشرك: منها: أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو. ومنها: أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية] ٢٤ [. وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً: فعظم البوصيري النبي ﷺ بما يسخطه ويحزنه؛ فقد اشتد نكيره ﷺ عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله:] وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [ ] الجن: ٦ [، أي طغياناً، واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر، فهو سواء في الطلب والهرب] ٢٥ [. وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀ عن هذا البيت: فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله ﷺ ، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله ﷺ . إنا لله وإنا إليه راجعون] ٢٦ [. ١١- وقال البوصيري: ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: سؤاله منه أن يشفع له في قوله: ولن يضيق رسول الله ... إلخ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً] ٢٧ [. ١٢- وقال أيضا: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي ﷺ وإفضاله، والجود هو العطاء والإفضال؛ فمعنى الكلام: أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم-، والله يقول:] وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى [ ] الليل: ١٣ [] ٢٨ [. وقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم. في غاية السقوط والبطلان؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول ﷺ يعلم الغيب، وقد قال - سبحانه -:] قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ [] النمل: ٦٥ [وقال :] وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [] الأنعام: ٥٩ [، والآيات في هذا كثيرة معلومة] ٢٩ [. وأخيراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع؛ فإن حق النبي ﷺ إنما يكون بتصديقه فيما أخبر، واتباعه فيما شرع، ومحبته دون إفراط أو تفريط، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة. وإن كان لا بد من قصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة - ﵃ كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي. اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.

стр. 3099

ملفات ظاهرة الاحتفال بالمولد النبوي وآثارها - مصر أنموذجاً - عبد الكريم الحمدان كيف؟ لا أدري. لماذا؟ ربما ... أنني يوماً عرفت السَبَبَا عالمٌ يدعو بدعوى جاهلٍ! ! ... وليوثُ الحربِ ترجو الأَرْنَبَا! ! سؤال مبهم في مطلعه، لكنه محير في خاتمته! ! والإجابة عنه تختلف باختلاف ما يدور السؤال حوله من مبهمات حياتنا التي كثرت، وكل منها يحتاج إلى أسئلة لكنها أحوج إلى إجابات تشفي. كيف تصبح محبة الرسول ﷺ حيدةً عن دينه وهديه؟ كيف تصاغرت همم الناس للاشتغال بذكر شمائل رسولهم -صلى الله عليه وسلم- ومآثره في يوم أو بعض يوم من العام، ثم يُتناسى ويُهجر ذكره سائر العام؟ ! ولماذا تنفق الأموال وتسير الجموع إلى مثل هذه المواقف؛ والمسلمون في كل أرض يُتخطفون؟ ! أسئلة تطرح نفسها مع كل موسم يتنادى فيه القوم لاحتفال من احتفالاتهم، والتي من أشهرها: الاحتفال بمولد المصطفى ﷺ الذي أجروه مجرى الواجبات، حتى أصبح من (الشعائر) التي يعزّ عليهم إغفالها أو ترك القيام بها؛ مع تفريطهم في كثير من فروض الأعيان والكفايات فضلاً عن السنن والمستحبات. إن هناك موالد أخرى كثيرة تولدت عن مسألة الاحتفال بالمولد النبوي، وكلها أصبحت تُعَظَّم، وتُمارَس فيها أمور بدعوى التقرب إلى الله، هذه الموالد في مصر وحدها أصبحت ستة إلى جانب ٢٢ موسماً آخر؛ بخلاف موالد من يدّعي فيهم الولاية [١] والله أعلم بما كانوا يعملون. وأصبح تضخيم تلك الاحتفالات وحبك الأساطير حولها ثم إشاعتها بين العوام وأشباههم - ليتلهوا بها - من الوسائل التي يلجأ إليها الحكام لصرف الناس عن الدين الحق؛ فما أن يفرغ الناس من مناسبة حتى يلاحَقوا بغيرها، وهكذا دواليك. من المعروف أن أول من توسع في الاحتفال بالموالد في مصر هم العبيديون المسمَّوْن ب (الفاطميين) وقد كانت لهم ذرائع ودوافع في إحياء الاحتفال بالموالد، جُلها لا تمت إلى محبة النبي ﷺ بصلة؛ وهي - مع التأمل - الذرائع والدوافع نفسها التي لا تزال وراء الاحتفال بالمولد إلى يومنا هذا. أسباب النشأة وتفاعلاتها الاجتماعية: من خلال التتبع الواقعي لتاريخ الاحتفال بالمولد في مصر واستقراء ما يجري فيه من وقائع يمكن أن نجمل الدافع إلى ذلك في عدة أسباب هي: ١ - نشر العقائد الشيعية من خلال التذرع بحب آل البيت والارتباط بهم؛ وهذا ما صنعه العبيديون من قبل ويفعله أحفادهم والمتأثرون بهم في كثير من البلاد. ٢ - نيل الشهرة والصيت؛ وهذا يختص بفئة تنفق على هذه الموالد وترعاها من الأغنياء والموسَرين. ٣ - كسب الولاء الديني وهو الدافع الذي يدفع (مشايخ الطرق) للتسابق في إقامة السرادقات، والمشي في المسيرات من أجل الاستزادة من الأتباع. ٤ - الارتزاق وهو ما يقوم به طائفة عريضة من تجار الحلوى وبائعي (أمور أخرى) ومؤجري الألعاب والملاهي والبائعين الجوالين، بل مشايخ الطرق المنتفعين بما يجري في الأضرحة، والمداحين والقصاصين والمنشدين والمغنين والراقصات! وأمثالهم. ٥ - إتاحة الفرصة أمام الفساق والفجار الذين يسعون وراء الحرام؛ فإذا ما سمعوا بمولد قالوا: هلموا إلى بغيتكم؛ حيث يتسنى لهم فيها قضاء مآربهم. ٦ - التعمية على بعض الممارسات المعادية للدين الحق. وقد تطور هذا في العصور المتأخرة إلى وسائل أكثر تعمية كأن تفتتح في الموالد بعض المشاريع الكبرى وتقام المهرجانات الدينية! من أجل الاحتفال بسيد المرسلين! -صلى الله عليه وسلم-، وتكون الرسالة التي يراد لها أن تبلغ الجميع أنه ليس أغير على النبي ﷺ ودينه من هؤلاء، ويُقدَّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أدبياتهم على أنه شخصية تاريخية كان لها أثرها في تاريخ الأمة العربية! شأنها شأن العظماء، ومع انتهاء الحفل يسدل الستار حتى إشعار آخر. وأوضح أنموذج لذلك ما ذكره الجبرتي من أن نابليون أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي، وأمره بتعليق الزينات، بل وحضر الحفل بنفسه من أوله إلى آخره [٢] ، ويعلق عبد الرحمن الرافعي قائلاً: فنابليون قد استعمل سياسة الحفلات ليجذب إليه قلوب المصريين من جهة، وليعلن عن نفسه في العالم الإسلامي بأنه صديق الإسلام والمسلمين [٣] . مشاهد من الاحتفال: تختلف صور الاحتفال تبعاً للفئة المحتفلة وأفكارها وأهدافها، ويمكننا في هذا المقام التفريق بين أربع فئات درجت على الاحتفال بالمولد في العقود الأخيرة: أولها: الجهات الحكومية وهي التي كانت تمثل رسمياً في هذه الاحتفالات؛ حيث كانت وزارة الأوقاف ترعى الاحتفال السنوي الذي كان يحضره الملك في أيام الملكية، ثم أصبح يحضره الرؤساء في عهد الجمهورية، وفي العادة فإن الملوك والرؤساء يلقون في هذا اليوم خطبة، كما يحضره شيخ الأزهر وعدد من الوزراء والشخصيات العامة، وتوزع فيه جوائز على الفائزين في مسابقة تقام احتفالاً بالمولد النبوي، كما توزع فيه الجوائز التقديرية على بعض الحضور باسم تكريم العلم والعلماء، كما تقام احتفالات في كافة المدن ترعاها فرق من الشرطة. وفي وقتنا الحاضر تحتفل إذاعة القرآن الكريم في مصر بالمولد على مدى شهر كامل هو ربيع الأول. ومع أن كثيراً من البرامج لا غبار عليها إلا أن ارتباطها بموسم لم يقره الشرع يبقى نقطة مؤاخذة إضافة إلى بعض البرامج والفقرات التي لا تخلو من غلو في شخصه ﷺ مثل قول المنشد: ميلاد طه أكرم الأعياد ... ونذير كل الخير والإسعاد ٢- الجهات شبه الرسمية ويمثلها تقليدياً في الاحتفالات المجلس الصوفي الأعلى والطرق التابعة له ووكلاؤه في كل المدن؛ إذ ينص قانون تنظيم الطرق الصوفية الصادر ١٩٧٦م على اختصاص هذا المجلس بإصدار تصاريح إقامة الموالد! ومجالس الذكر وسير المواكب والاحتفالات في المواسم والأعياد الدينية [٤] ، وتقيم المشيخة الصوفية هذا الاحتفال الذي تحضره مواكب الشرطة، ويحضره مندوب رسمي عن رئيس البلاد، وتعزف فيه الموسيقى، وتنطلق المسيرة تحت الرايات طريقة بعد أخرى في موجة من الإنشاد مبتدئة من مسجد الجعفري مشياً على الأقدام بالشوارع لتنتهي إلى المشهد الحسيني الذي يقف الجميع أمامه في خشوع لقراءة الفاتحة للنبي ﷺ ، ثم تُدَبَّح الخطب وتلقى الأناشيد والأشعار. ويبدأ الحفل الشعبي من حيث انتهى الحفل الرسمي الذي تنقله الإذاعة والتلفزيون عادة. ويدخل كل (شيخ طريقة) خيمته، وتعقد حلقات الذكر أو الشطح والرقص والتدخين والإنشاد والتشبيب إلى جنب المراقص وملاعب القمار وأماكن مشبوهة، واذا ما قدر لامرئ أن يرى أنواع الشر مجتمعة فما أحسب أنه سيجد مكاناً يُجملها مثل هذه المواطن التي تمارس فيها المعاصي على أنها طاعة، والخرافة على أنها حقيقة، والجهل على أنه علم. ويمكنك أن تلمس هذا وأنت تسمع لمنشد يهذي بين أدعياء المحبة فيقول: سعد السعود علا في الحل والحرم ... نور الهدى قد بدا في العرب والعجم بمولد المصطفى أصل الوجود ومن ... لولاه لم تخرج الأكوان من عدم ويطلب القوم المزيد فيسمعهم حُلُوليَّات ابن الفارض: وإني وإن كنت ابن آدم صورة ... فلي فيه معنى شاهد بأبوتي ويستزيدونه حتى يقول: أنا فيكمو أنا فيكمو ... ولكني خفي عنكمو وهنا يتصايح الناس ويسقط بعضهم ويسكر بعضهم ويظل يهذرم بكلام لا يعني إلا الحلول، أو ما يسميه بعضهم بالحضرة الإلهية على اختلافٍ بينهم. والحق أن الموالد من أخصب البيئات للمناكر الظاهرة والمستترة؛ ففي ساحاتها الواسعة ينتشر الرقعاء دون خجل، ويختلط النساء بالرجال في المأكل والمشرب وغيرها؛ حيث تكثر جرائم الزنا واللواط، ويدخن الحشيش، وتسمع الأغاني الخليعة والموسيقى الصاخبة، وتختفي روح الجد، وتفيض روح الفوضى وعدم النظام، كما تختفي النظافة من المساجد وتضطرب أوقات الصلوات والجماعات، ودعك من أن أكثر الوافدين على هذه الساحات لهم عقائد غريبة؛ فربما ضن أحدهم على أمه بقروش يبرها بها في الوقت الذي يبسط يده بالنفقة هنا! وبعضهم يعتذر لهذه الموالد بأن فيها حلقات للذكر ودروساً للعلم وتلاوة للقرآن وإطعاماً للفقراء والمساكين، وكل هذه الآثام ينتعش وجودها في هذا الجو الاحتفالي المبتدَع الذي ما أنزل الله به من سلطان، ومع هذا يدعي أهله أنهم يحبون النبي - ﷺ ويحيون ذكراه! ولو خلت الموالد من هذه الآثام التي سقناها آنفاً، لوجب تعطيلها أيضاً؛ لمظاهر التدُّين الفاسد التي تسودها؛ فحلقات الذكر ضروب من الهوس وألوان من الرقص الذي يسودُّ له وجه أهل الدين! أما القرآن المتلو في هذه الساحات فما ينتفع به قائل ولا سامع؛ إنه ضرب من غناء مملول النغم يتصنع له بعض السامعين من الإقبال ريثما يفرغ منه، وكذلك الوعظ في دروس الوعظ والإرشاد التي تنظمها بعض المؤسسات الدينية لا تكاد تظفر بفائدة هما يراد نشره بين الجماهير المحتشدة في هذه الموالد. تلك محاولات عابثة وإهدار لقيمة الذكر الحكيم والحديث الشريف. ولو افترضنا وجود بعض الخير بين الأعمال التي تمارس في المولد فإنها لا تسوِّغ إقامة الموالد بعدما أضحت الشرور المتيقنة التي تكتنفها أكثر بكثير من تلك الفوائد المظنونة؛ وقانون الشريعة في هذا: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح [٥] . وثالث الفئات المحتفلة بالمولد هم عامة الناس الذين كانوا يمثلون زخماً قوياً لاحتفالات الصوفية حتى وقت قريب، لكن الإقبال قل كثيراً نتيجة عدد من العوامل منها: ١ - الأثر الذي أحدثته الصحوة الإسلامية المباركة وتمثل في توعية الناس؛ فلا شك أن ذلك كان له أثر كبير في محاربة البدع. ٢ - ارتفاع نسبة التعليم والتثقيف الذي أدى إلى سقوط كثير من الأوهام والخرافات. ٣ - الهجوم العلماني وما يشيعه من سلوكيات مادية - ولا يخفى أن منطلق هجومه عقلاني وليس شرعياً - فهو يحارب الدين بصورة فجة ثم يرفع شعاراً مشوهاً للدين تمثله الموالد ونحوها من أجل إسقاط سلطانه كلياً، ولا شك أنه قد اجتذب قطاعاً من المجتمع لا يستهان به. ٤ - كثرة وسائل الترفيه من وسائل إعلام وغيرها مما اجتذب الفئة التي كانت تحتفل بالمولد من أجل الترفيه والترويح؛ فقد وجدت ما يغنيها ويزيد في هذه الوسائل، ومع هذا فيبقى احتفال قطاع عريض من العامة بالمولد محصوراً في شراء حلوى المولد ومشاهدة الاحتفالات في التلفاز، وإن كانت الاحتفالات لا تزال بالمدن التي فيها الأضرحة الكبرى كطنطا ودسوق وقنا وأسيوط. ورابع هذه الفئات: هي بعض الاتجاهات الإسلامية [٦] التي تحتفل بالمولد بإقامة الأمسيات الدينية التي تذكِّر بهديه ﷺ . ولو لم يكن في ذلك غير موافقة المبتدعة أو إثبات شبهة سنية الاحتفال أو شرعيته لدى العوام لكفى بها ضرراً؛ فكيف إذا انضاف إلى ذلك قصرهم للخطب في ذلك اليوم على مولد الرسول ﷺ مما يدعو إلى تعظيم ذلك اليوم على وجه التقرب. والغريب أن بعضهم يقيس ذلك الاحتفال على احتفال النصارى بعيد الميلاد أو احتفال القوميين برموزهم السياسية ويقولون: النبي ﷺ أولى بالتعظيم. إن من الظلم مساواة النبي ﷺ بهؤلاء، أو الاحتجاج على شرعية ذلك بصنيع هؤلاء وقد أُمِرنا بمخالفتهم. البعد الاعتقادي للاحتفال بالمولد: يعتقد قطاع عريض من المتصوفة أن الرسول ﷺ قد خُلِقَ من نور (أي أزلي) ويسمون ذلك بـ (الحقيقة المحمدية) التي سبقت خلق آدم ثم حلت فيه حين خلق، وما زالت تنتقل من آدم إلى من بعده من الأنبياء حتى بلغت شخصه ﷺ ، وهي التي يستمد منها جميع الأولياء - عندهم - علمهم وقوتهم وتصرفهم، أو هي التي تنتقل بما يعرف عندهم بـ (القطب الغوث) ، وهذا الكلام تلفيق بين اليونانية وفق نظرية الفيض النوراني وبين الخرافات الهندوكية التي تقول بتناسخ الأرواح. والواقع أن ثمة رابطاً قوياً بين نظرية الحقيقة المحمدية [٧] وبين احتفالهم بالمولد هي أن الحقيقة تجسدت في شخص النبي ﷺ في مولده، وهذا ما يهم القوم. أما الشريعة التي جاءت بعد البعث فليست لهم؛ لأن علمهم لدنيٌّ مستمد من هذه الحقيقة. ولهذا، فهم يقدسون أولياءهم الذين استمدوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- العلم والتصريف، ولأن الرسول ﷺ - كما يعتقدون - حي في قبره، وأن الحقيقة قد انتقلت إلى مَنْ بَعدَه من الأولياء، فلماذا يُحرق عليه وهو لم يمت [٨] ؟ ولهذا لا نعجب إذا حدثوا أن الرفاعي (صاحب الطريقة الرفاعية) قد مد له النبي ﷺ يده من القبر فصافحه وأعطاه العهد، أو قالوا قريباً من ذلك عن البدوي أو الدسوقي أو الشاذلي. لكل هذا فهم يقدسون يوم المولد دون غيره. وتعجب بعد هذا من مسائل يثيرونها [٩] : هل يوم المولد أفضل، أم ليلة القدر؟ ويُصطنع لها أقوال ينتصر في آخرها لقولهم وهو واه جداً. ومثال آخر هو قولهم حول وجوب إظهار الفرحة بيوم المولد مثل أيام العيدين. وتفرع عن هذا مسألة هي: ما حكم صيام يوم المولد؟ دعوات الإصلاح: كان لبعض علماء الأزهر وغيرهم جهود مشكورة في توعية هؤلاء المحتفلين بالمولد والإنكار عليهم، وتقدمهم في ذلك رهط من العلماء والمشايخ ﵏ جميعاً كان من أبرزهم: الشيخ علي محفوظ، والشيخ حسنين مخلوف، والشيخ المراغي، بالإضافة إلى عدد من رجال الدعوة والإصلاح مثل: الشيخ حسن البنا الذي حاول أن يُحَمِّل الأزهر ووزير الأوقاف المسؤولية؛ إذ كان يرى أن التصوف بهذا الشكل قد أضر بالدين على تلك الصورة الدخيلة فأصبح شراً لا يطاق. ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا الذي شدد كثيراً على ممارسات التصوف، لكنه كان يشارك أحياناً في الاحتفال بالمولد بإلقاء الكلمات أو تأليف الرسائل في بيان مكانته ﷺ وواجب الأمة نحوه. كما ساهمت جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر في ذلك من خلال مؤلفات مشائخها: محمد حامد الفقي، وعبد الرحمن الوكيل، وجميل غازي، ومن جاء بعدهم، وعلى صفحات (الهدي النبوي) ومجلة التوحيد. وكان للجمعية الشرعية كذلك جهود مشكورة وإن لم تكن في مستوى جماعة أنصار السنة، وكان ممن تكلم في بدع الموالد: الشيخ عبد اللطيف مشتهري - ﵀ ويضاف إلى هذا جهود الدعوة السلفية التي حملت على عاتقها أيضاً الرسالة نفسها. وفي السنوات الأخيرة، أثمرت تلك الجهود المباركة أثراً ملموساً في توعية الناس بمضار الابتداع وثمار الاتباع، وهكذا يُقال للدعاة في كل بلد ابتلي بالمبتدعة: اجتهدوا في تبصير الناس بالحق، فعلى الحق نور لا تطيقه خفافيش الجهالة والظلام. [وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] [التوبة: ١٠٥] .

стр. 3100

نص شعري نعَم.. لَنَا اللهُ عبد الله عطية الزهراني الْقَصْفُ أَكْذَبُ أَنْبَاءً مَنَ الْكُتُبِ في هَوْلِهِ الْمَكْرُ بالإسْلاَمِ في رَهَبِ خُبْثُ الْعَدَاوةِ، بلْ مكْرُ المْقَاصِدِ في بَقَائِهِنَّ دَوَامُ الشَّكِّ، والرِّيَبِ والكُفْرُ في زَمَنِ الإجْرَامِ نُبْصِرُهُ يُقَنِّنُ الظُّلْمَ بالإرهَابِ، وَالقُضُبِ قَصْفٌ، ولكنَّ في طيَّاتِهِ لَعِباً يُغْني عَنِ الشَّجْبِ، أوْ يُغِني عَنِ الخُطبِ قَصْفٌ، وقيمَتُهُ أرْواحُ إِخْوتِنا فِيهِ الْعداوَةُ، والإسْفَافُ بالأَدبِ *** يَا أَيُّهَا (الصِّرْبُ) والْبَلْقانُ تَلْعَنُكُمْ ... وَالْقَتْلُ في مِثْلِكُمْ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ يَا أَيُّهَا (الصِّرْبُ) في التَّارِيخِ أمْثِلةٌ ... حَاكَيتُموهَا، فكانَ الْعَوْدُ بالعَطَبِ أتْبَاعَ (لِينينَ) كُفُّوا عن تَعنُّتِكمْ ... فَلَنْ يَضِيرَ نباحُ الكلْبِ بِالسُّحُبِ *** أَيَا (كُسُوفا) إذَا نَادَيتِ مُعتَصِماً سَيَرْجِعُ الصَّوْتُ لم يُسْمَعْ ولم يُجَبِ قَتْلٌ، وَنَسْفٌ، وَتَشْرِيدٌ، وتَصْفِيةٌ وَعَالمُ اليوم بَيْنَ اللهْوِ وَالطَّرَبِ في مجْلسِ الْخَوفِ ضَاعَ الأَمْنُ وانْدثرتْ مَزَاعِمُ العَدْل بَيْنَ الغَرْبِ وَالْعَرَبِ (أَلْبَانُ) إنَّ لكمْ رَبّاً سَيَنْصُرُكمْ فَاسْتَمْسِكُوا بِالْكِتَابِ الحَقِّ عنْ كَثَبِ *** نَعَمْ ... لَنَا اللهُ مَا رُدَّتْ مَقَاصِدُنا ... وَرُدَّ بِالْخِزْي جَيْشُ الصِّرْبِ في تَبَبِ نَعَمْ ... لَنَا اللهُ، والْقرْآنُ قَائدنُا ... بِهِ بَلغْنَا الْعُلا مِنْ سَالِفِ الْحِقَبِ نَعَمْ ... لَنَا اللهُ يَكْفِينَا وَينْصُرُنا ... إذَا قُتِلْنَا، وشُرِّدْنَا بِلا سَبَبِ ذُلٌّ رَأيْنَاهُ لمَّا غَابَ مُعْتَصِمٌ ... وَأسْدِلَ التُّرْبُ فوقَ الصِّيدِ والنُّجُبِ لَقَدْ تَوَلَّى زَمَانٌ كَانَ قَائدُنا ... سَيْفاً مِنَ اللهِ، لا سَيفاً مِنَ الخُشُبِ [*] قَدْ يَنْصُرُ اللهُ مَظْلوماً بظَالِمِهِ ... فَرُبَّمَا يَظْفَرُ المكْرُوبُ بِالْغَلَبِ الْحمدُ لله لا ظُلْمٌ يَدُومُ وَلا ... نَدْعُو سِوَى فَارِجِ المكْروِه وَالْكُرَبِ

стр. 3101

يا أيها المعطي بصائر حكمة مروان كجك بعدما علمت بموت سماحة الشيخ (عبد العزيز بن باز) ﵀ تداعت هذه الأبيات المتواضعة: يَا طَاهِرَ الأَرْدَانِ مِنْ ... دَنَسِ التَّكَبُّر وَالْخَدِيعَةْ ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا فَآ ... بَ بِكَ الرَّحِيلُ إلَى الْوَسِيعَةْ وَتَرَكْتَنَا مَوْتَى نُقَا ... سِي ضِيقَ مِحْنَتِنَا الْفَظيِعَةْ فَالْمُسْلِمُونَ شَرَاذِمٌ ... فِي الأَرْضِ قَامَتُهُمْ وَضِيعَةْ وَدِمَاؤُهُمْ فِي كُلِّ دَا ... رٍ دُونَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةْ يَسْخُو بِهَا الطَّاغُوتُ يَسْ ... فَحُهَا وَيَجْعَلُهَا نَقِيعَةْ وَبِلادُهُمْ لِلطَّامِعِي ... نَ مَنَازِلُ الزُّمَرِ الْخَلِيعَةْ وَقِلاعُهُمْ دُكَّتْ وَلا ... ثَ بِمَجْدِهِم فِتَنٌ شَنِيعَةْ جُدْرَانُهَا الظُّلْمُ الْعَمِي ... مُ وَسَاحُهَا مِحَنٌ وَجِيعَةْ *** يَا طاهِرَ الأَرْدَانِ مِنْ ... الرَّكْبَ تَأْسِرُهُ الْمُيُوعَةْ وَجَحَافِلُ الْحِقْدِ الْقَدِي ... مِ تَرُومُ لَوْ نُعْطِي ذَرِيعَةْ وَنَظَلُّ يَنظِمُنَا الْفِرَا ... قُ وَنَزْدَرِي الْقِيَمَ الرّفِيعَةْ نَبْكِي عَلَى مَا فَاتَ دُو ... نَ تَلَمُّسِ الْعِبَرِ الضَّلِيعَةْ مَا بَيْنَنَتا إلاَّ الْهِجَا ... مَاضٍ وَتَحْكُمُنَا الْقَطِيعَةْ وَرُسُومُ مَا حَدَّ العَدُوُّ ... لَنَا مَضَارِبُنَا الْوَدِيعَةْ نَزْهُو بأَنَّ لَهَا صُوًى ... حَفَّتْ بِهَامَتِهَا الصَّنيعَةْ وَالْوَحْدَةُ الْكُبرى غَدَتْ ... وَهْماً وَأَخْيِلَةً رَجِيعَةْ مَاتَتْ عَلى أَعْتَابِهَا ... أَحْلامُنَا نَشْوَى مُطِيعَةْ *** يَا مَنْهَلَ الخُلُقِ الرَّفِي ... عِ وَيَا ذُرَى النَّفْسِ الْخَشُوعَةْ أَحْبَبْتُ فِيكَ سَمَاحَةً ... وَوَدَاَعَةً وَرُؤَى جَمِيعَةْ يَا أَيّهَا الْمُعْطَى بَصَا ... ئِرَ حِكْمَةٍ بَرَقَتْ سَطُوعَةْ أَنْوَارُهَا صِدْقُ الدَّلِي ... لِ وَأُسُّهَا رُوحُ الشَّرِيعَةْ أَدعُو لَكَ الرَّحْمنَ أَنْ ... يُرْقِيكَ مَنْزِلَةً رَفِيعَةْ وَيُحِلَّكَ الدَّارَ الَّتِي ... تُغْنِيكَ عَنْ دَارِ الْبَديِعَةْ [١]

стр. 3102

تأملات دعوية نعم للحاسب ولكن ! محمد بن عبد الله الدويش انتشر اليوم استخدام الحاسب الآلي في أنحاء العالم. والعالم الإسلامي جزء من هذا العالم الواسع، حتى أصبحت مقولة: الأمية ألاّ تعرف الحاسب مقولة قابلة للنقاش على الأقل في عصرنا. ورافق القفزات الهائلة في هذا العالم الحاسوبي انتشار طائفة من البرامج العلمية والشرعية، وانتشار مواقع دعوية على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) . وما من شك في أن لهذا الجهاز أهميته وفوائده حين يحسن استخدامه. فالبرامج العلمية والموسوعات تتيح قدرات وإمكانات هائلة في البحث والمراجعة، وتوفر إمكانات النسخ واللصق وقتاً لأولئك الذين يستخدمون الحاسب في تحرير أبحاثهم وتدوينها، كما تخدم برامج تحرير النصوص وقواعد البيانات طائفة ممن يسعون لضبط أعمالهم وإدارتها؛ فهي تهيئ للباحث إمكانات وقدرات لا تهيئها له غيرها من الوسائل والأدوات، وتوفر له قدراً من الوقت والجهد. والحاسب اليوم أصبح يتخطى حواجز كثيرة، ويخاطب فئات لا يمكن مخاطبتها بالوسائل العادية، ويوفر قدراً من الأموال والجهود التي تصرف في غيره من وسائل الخطاب. ويخدم الحاسب اليوم في التعلم الذاتي، فيستفيد منه طائفة ممن لا تتيسر لهم أسباب التعلم. إلا أن التعامل مع هذا الجهاز ينبغي أن يكون باعتدال؛ فمع التأكيد على أهمية الاستفادة منه واستثمار إمكاناته إلا أن هناك جوانب عدة يجب أن توضع في الاعتبار: الأول: لا بد من الحذر من أن تطغى مساحة الاهتمام والتعامل مع هذا الجهاز على المساحة المتاحة للكتاب والقراءة؛ فلا غنى لطالب العلم عن القراءة والجَلَد فيها والمكابدة، والحاسب بما يوفره من متعة وسهولة في التعامل ربما كان أكثر إغراءً في إغفال أهمية القراءة. الثاني: يخدم الحاسب في سرعة الوصول إلى المعلومة، بل ربما لا يمكن الحصول عليها من غير طريقه، لكن لا بد من الحذر من الاعتماد عليه وحده في البحث؛ إذ إن ذلك يعني ألا تكون للباحث صلة بالكتاب، وألاّ يعرف طريقة المؤلف في ترتيبه وتبويبه. الثالث: نظراً لأن الحاسب يعمل بطريقة آلية صرفة؛ فكثيراً ما ينفي الباحث وجود معلومة في الكتاب؛ والسبب في ذلك أنه أخطأ في إدخال الكلمة، أو استخدم كلمة مرادفة لما في الأصل، أو أن مُدخل النص وقع في تصحيف أو تحريف؛ وما أكثر ذلك. الرابع: كان السلف يحذرون كثيراً من التصحيف والتحريف في الكتب، ولذا كان الوقوع في آفتي التصحيف والتحريف من مؤيدات مقولة: من كان أستاذه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، ولئن كانت الكتب المطبوعة تعاني من هذه الآفات، فالبرامج الحاسوبية اليوم لها النصيب الأكبر ما بين سقط، وخطأ في إحالة، وخطأ في تخريج، وتصحيف وتحريف؛ خاصة أن كثيراً من أعمال الحاسب يتم إدخالها على أيدي فنيين ونساخ غير مختصين، إضافة إلى أن حمى المنافسة تدفع للتسرع في إخراجها قبل نضجها. ولعل من الأخطاء الطريفة في هذا الباب ما وقع في أحد برامج الحديث الشريف في كتاب صحيح مسلم باب جواز إرداف المرأة الإنجليزية والصواب الأجنبية. الخامس: الجرأة على استخدام البرامج غير الأصلية، والاعتداء على حقوق المؤلفين، وقد أفتت مجامع عدة بتحريم ذلك ومنعه، فلا أقل من الورع، خاصة في استخدام البرامج الشرعية. السادس: الحاسب يستهلك وقتاً هائلاً من بعض من يتعامل معه، فلا بد من الحذر من استهلاك الوقت وضياع ساعات العمر.

стр. 3103

نحو تطوير الذات إلى الساعين بالمعروف خالد محمد حامد ركن جديد يعكس من زاويته ثمرة خبرات وأفكار تفتق بها العقول وتمنحها التجارب فتأتي بمثابة مرشد أمين في عطية (تطوير الذات) الملحة في شتى أقطاب العطية التنموية المتكاملة: الفكرية، والمعرفية، والشخصية، والأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية، في حدود هاتين الصفحتين من خلال نقاط مركزة تصلح لأن تكون محاور لدراسة مطولة، ونرحب بمشاركات القراء التي تثري هذه الزاوية. - البيان - قد عرفت - ولا شك - أن السعي بالإصلاح بين الناس عمل جليل؛ لما فيه من كيد للشيطان، وترغيم له، وإضعاف أثر عمله في التحريش بين المؤمنين وإيقاظ فل الفتنة بينهم.. كما عرفت أن إصلاح ذات البين من صلب عمل الدعاة والمصلحين: [لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً] [النساء: ١١٤] . تذكر: * ابتغاء مرضاة الله والإخلاص له -تعالى-؛ فذلك عامل أساس في النجاح: [إن يُرِيدَا إصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا] [النساء: ٣٥] . * الاستعانة بالله - جل وعلا - والتوجه إليه بالاستخارة والدعاء. * تقوى الله، والحذر من مداخل الشيطان؛ فقد يؤدي القيام بدور الإصلاح إلى نوع من العجب، وقد يُعرِّضك سماعُ بعضِ الأسرار لخطر إفشاء سرّ المسلم، وقد يجرك الخوض في التفاصيل إلى استمراء الغيبة وهتك أعراض الناس، وقد يكون إفضاء طرف إليك بما عنده - وهو في حالة ضعف - باباً من أبواب الفتنة.. فتتوسع المشكلة وتتعقَّد. * التمتع بالتفاؤل وطول النفس، والحذر من تسرب اليأس وسرعة الهروب. * التثبت من مكانتك ورصيدك ومدى قبولك لدى الأطراف. أثناء السعي: هذه جملة أمور يحسن مراعاتها لمن يسعى بالمعروف: - استطلاع حقيقة المشكلة والوقوف على جوانبها بالاستماع لكل طرف؛ فقد يكون ذلك أحد الحلول، خاصة مع بُعد الناس عن التثبت من أصحاب الشأن، وكثرة الإشاعات التي يبني الناس عليها أحكاماً تجعل صاحب المشكلة - أحياناً - يتطلع لذلك المنصف الذي يُحسن الاستماع إليه. - الانتباه إلى الأسباب الخفية للمشكلة التي قد لا يستطيع طرف ما أن يبوح بها أو يعبر عنها، وقد لا يعيها ولا يعرفها. - ولتحذر الانشغال بجزئيات الأحداث العارضة التي لا تعدو كونها إفرازات للمشكلة، ولا تظن أن معالجة الظواهر تغني عن استئصال الأسباب الحقيقية. - الحرص على إحقاق الحق للمحق، وحفظ ماء الوجه للمخطئ واعطائه فرصة للتراجع بغير خوف أو امتهان لكرامته. - التركيز على إيضاح الجوانب الحسنة في كل طرف للطرف الآخر، والتي تطمسها عين السخط التي قد ينظر بها الخصم. - تسليط الضوء على الواقع المخفي، وأنه لا يخلو بيت أو إخوان من مشكلات عارضة، وأنه لا يخلو شخص من عيب. - استخدام المخارج الشرعية كالتورية والمعاريض والكذب المباح للإصلاح - ما لم يُخش انكشافه - والاستفادة من الحيل الاجتماعية المباحة. - الانتباه إلى اختلاف طبيعة الشخصيات؛ فقد يتوفر في شخص من التربية الخلقية والوقوف عند الشرع ما لا يتوفر في آخر، وقد يُؤَثَّر على شخص عاطفياً، بينما لا يقبل آخر إلا الإقناع العقلي. - استخدام أساليب الإقناع المختلفة وإمكانات التفاوض؛ فقد يقتضي الأمر تغيير بعض الآراء، أو تحويل بعض الاتجاهات والقناعات، أو تعديل بعض الآراء في الأشخاص. - حسن استغلال عامل الوقت، سواء في التأني لإطفاء بعض العواطف السلبية الثائرة، أو لتصيُّد فرصة مناسبة لتهدئة النفوس وتدخُّل أهل الخير، أو لإذاقة الطرف العنيد بعض مرارة المشكلة، أو بتعجيل اقتناص الفرص السانحة. بعد السعي: - من المفترض أنك حددت أهدافاً متفاوتة المستوى، وأنت تطمح إلى أعلاها وأكملها، ولكن عليك -مع هذا- أن تقبل هدفاً مرحلياً حين تعجز عما فوقه؛ فلا ترفض الحلول الجزئية المؤقتة التي تسير في الاتجاه الصحيح، واعتبْرها خطوة لحل أشمل. وهذه من سياسة تجزئة حل المشكلة. - إذا هيأ الله حلاً لك فيه مساهمة، فقد يكون عليك متابعة هذا الحل لإتمامه، ثم إنمائه وترسيخه. - أما إذا استفرغت كل وسعك واستنفدت كل حيلك ولم تحدث النتيجة المرجوة، فلا تُضِعْ وقتك؛ فقد يكون الاستمرار نوعاً من اللغو، ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.

стр. 3104

وقفات لا يُستطاع العلم براحة الجسد أحمد بن عبد الرحمن الصويان كنت أتأمل الجهود العلمية العظيمة التي تميَّز بها الرعيل الأول من سلف الأمة، وعجبت أشد العجب من كثرة الحفظ وقوته، ومن القدرة البالغة على الاستحضار والاستنباط، والجَلَد الكبير على تحصيله وتتبُّعه والرحلة في طلبه.. ونحو ذلك ممَّا تميزوا به ﵃، ورحت أبحث عن أسباب تلك القدرات الفائقة، فتحصَّلت لديَّ أشياء عديدة ذكرها أهل العلم في أدب الطلب، ولكن استوقفني أمر في غاية الأهمية، ألا وهو الجدّية الصارمة في تلقِّي العلم وتعليمه؛ فالطالب منذ نعومة أظفاره ينذر نفسه للعلم؛ فلا وقت عنده للهو المباح - فضلاً عن غيره -، ولا وقت عنده للاشتغال بهموم الدنيا ومسؤولياتها إلا ما ينبغي، ترفَّع عن زخارف الدنيا وما فيها، وجرَّد قلبه من ذلك كله، وأقبل بكُلِّيِّتِه على طلب العلم، وأصبحت لذته العظمى في مذاكرة العلم ومدارسته والعمل به. وتأمل معي سيرة الإمام أحمد بن حنبل تجد أبلغ العظة والعبرة في ذلك: قال الإمام أحمد: كنت ربما أردت البكور إلى الحديث، فتأخذ أمي ثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس، وحتى يُصبحوا. وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي بكر بن عياش وغيره [١] . ومن جدية الإمام أحمد في طلب العلم ما حدَّث به قتيبة بن سعيد قال: كان وكيع إذا صلى العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل؛ فيقف على الباب فيذاكره وكيع، فأخذ وكيع ليلة بعضادتي الباب ثم قال: يا أبا عبد الله! أريد أن ألقي عليك حديث سفيان، قال: هات.. [وأخذا يتذكران] فلم يرك قائماً حتى جاءت الجارية فقالت: قد طلع الكوكب، أو قالت: الزُّهرة! ! [٢] . لقد كانت مجالس الإمام أحمد عامرة بالذكر والطاعة ممَّا زاده سكينة ووقاراً؛ فقد قال تلميذه أبو داود - وهو من أعرف الناس به -: لقيت مائتين من مشايخ العلم فما رأيت مثل أحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذُكر العلم تكلم [٣] . ولهذه الجدية كان أئمة العلم يُجِلُّون الإمام أحمد ويوقرونه؛ فها هو ذا خلف بن سالم يقول: كنا في مجلس يزيد بن هارون فمزح يزيد مع مستمليه، فتنحنح أحمد بن حنبل، فضرب يزيد بيده على جبينه، وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد ها هنا حتى لا أمزح [٤] . وقد كان من نتيجة هذا الحرص والجلد على طلب العلم أن أصبح الإمام أحمد من أعظم حفاظ الحديث حتى قال أبو زرعة الرازي لعبد الله بن أحمد: أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب [٥] . ونظائر هذا كثيرة جداً عند تتبع أخبار الأئمة السالفين، ويمكن أن تكون مادة خصبة لدراسة علمية كبيرة الحجم.. ولكن تأمل معي ما ذكر، ثم انظر حالنا في طلب العلم تجد شيئاً عجباً، وكأنك تتدحرج من قمة جبل شامخ سامق إلى قعر واد سحيق! قلِّب بصرك هنا وهناك، وانظر في نفسك والى طلاب العلم من حولك، أترى في حالنا ما يوازي أو يقارب ما قرأته عن سلفنا الصالح؟ ! وما هي هموم طلاب العلم وتطلعاتهم..؟ ! كم هي تلك المباحات التي توسع فيها أكثرنا حتى أصبحت علامة تميزنا؟ ! من ذا الذي يملك الصبر والجلد على البحث والدراسة والتنقيب في بطون الكتب بلا كلل ولا ملل؟ ! من ذا الذي يملك طول النَّفَس والقدرة على سهر الليالي ذوات العدد للتفكر والاستنباط؟ ! إن العلم بحر واسعٌ بعيدة أطرافه، عميقة قيعانه، لن يبحر فيه إلا الأشداء، ولن يصل المرء فيه إلى لآلئه المكنونة وجواهره المخزونة وهو لم يضع قدميه بعدُ على شاطئه القريب، وصدق يحيى بن أبي كثير حينما قال: لا يُستطاع العلم براحة الجسد [٦] .

стр. 3105

المسلمون والعالم بعد خمسين عاماً.. حلف الناتو. . والبحث عن أعداء د. يوسف الصغير كانت التحالفات وسيلة أساسية لحفظ التوازن بين القوى؛ فحتى المجتمعات القبلية نجد أن التوازن فيها يتحقق غالباً بشبكة من التحالفات وبقدر ما تكون هذه التحالفات سبباً للاستقرار فإنها تكون بالمثل عاملاً في توسيع رقعة الصراعات عند حدوثها. ويمكن اعتبار الحروب الصليبية نموذجاً لما تؤدي إلية التحالفات؛ فقد كانت كل حملة قائمة على أساس تحالف يجمع بعض زعماء أوروبا وملوكها الذين اتفقت كلمتهم على عداوة المسلمين وإن تنافسوا وتصارعوا على المكاسب والنفوذ، وكانت القوى الأوروبية تعيش حالة مستمرة من الصراع والحروب القائمة بين قوى متحالفة دائمة التغير مع ثبات مبدأ التكاتف ضد أي قوة تريد السيطرة على القارة. ومن الأمثلة على ذلك اتحاد دول أوروبا ضد نابليون عندما فكر في السيطرة على أوروبا وقد اجتمعت عليه روسيا والنمسا والولايات الألمانية وأسبانيا وبريطانيا حتى تمت هزيمته؛ ولكن عندما توحدت الولايات الألمانية بقيادة بروسيا وتحالفت مع الإمبراطورية النمساوية المجرية اجتمعت فرنسا مع بريطانيا وشكلت مع روسيا تحالفاً مضاداً كان سبباً في قيام الحرب العالمية الأولى؛ فقد كانت الشرارة تنافساً بين صربيا والنمسا تطور إلى حرب بين البلدين على إثر اغتيال ولي عهد النمسا، وكان تدخل روسيا لمصلحة صربيا وإعلانها التعبئة لإظهار جدية موقفها، ولم يكن يدور في خلدهم أن الألمان حلفاء النمسا سيحذون حذوهم في إعلان التعبئة التي تعني في العرف العسكري الألماني الحرب، مما أدى إلى حرب عامة ذهب ضحيتها ملايين البشر، وقد نجح الألمان في إخراج روسيا من الحرب عن طريق تهريب لينين إلى داخل روسيا ودعم الثورة على القيصر، وفي المقابل نجحت بريطانيا في جر أمريكا نحو الحرب؛ وقد أصيب الرئيس الأمريكي بخيبة أمل بسبب أساليب السياسيين الأوروبيين وخاصة في بريطانيا وفرنسا؛ مما أدى إلى عودة أمريكا إلى تغليب سياسة الانعزال عن العالم القديم، وقد أدت سياسات بريطانيا وفرنسا مع ألمانيا بعد الحرب الأولى إلى وضع بذور الحرب العالمية الثانية. ومن الغرائب أن منطقة البلقان كان لها مرة أخرى دورٌ كبير في سير الحرب؛ حيث إنه حتى في بداية الحرب كان الاتحاد السوفييتي أقرب إلى ألمانيا لدرجة أنهما اشتركا في اجتياح بولندا وتقاسماها في بداية الحرب، ولكن غزو الألمان للبلقان أغرى هتلر بنصر سهل على الروس، وكان لدخول الروس مرغمين في الحرب العالمية الثانية أبلغ الأثر في هزيمة الألمان من جهة، وفي تردي الأوضاع الدولية في النصف الثاني في القرن العشرين من جهة أخرى. إن انعدام الثقة بين الغرب (بريطانيا وأمريكا) وحليفهم المؤقت (الاتحاد السوفييتي) قد أدى إلى امتداد الحرب وتطاولها، وكانت الاجتماعات الدورية بين (ستالين) من جهة و (روزفلت وتشرشل) من جهة أخرى تتم لتنسيق المواقف والهجمات الاستراتيجية. ولكن أوضاع ما بعد الحرب كانت تلقي بظلالها على الجميع؛ وكما هو معلوم فقد تم تقاسم النفوذ في العالم أثناء هذه الاجتماعات سواءً في يالطا أو طهران. نعم لقد تم تقاسم أوروبا، وتم تقسيم فييتنام وكوريا، بل وتم تقاسم ألمانيا وعلمائها بين الحلفاء. لقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية وهي تحس أنها الدولة العظمى الأولى؛ فقد كان اقتصادها الهائل سليماً لم يمس، بينما تعرضت الدول المشاركة الأخرى للخراب بالإضافة إلى أنها الدولة الوحيدة التي تملك السلاح المرعب الجديد ألا وهو السلاح الذري، ولكن ما هي إلا سنوات قليلة حتى نجح الاتحاد السوفييتي في أول تفجير نووي له؛ وعندها دخل العالم في مرحلة جديدة تقابل فيها معسكران يتصارعان بصورة مستمرة ولكنها غير مباشرة، وكانت الحرب مستعرة في أنحاء العالم وساخنة يغذيها الطرفان؛ ولكن الحرب في أوروبا كانت باردة يجمع بينهما ما يسمى بتوازن الرعب. إنشاء حلف شمال الأطلسي: في اليوم الرابع من (نيسان) إبريل ١٩٤٩م تم التوقيع في مكتب الرئيس الأمريكي (ترومان) على وثيقة إعلان حلف شمال الأطلسي (الناتو) وكان الهدف المعلن هو حماية أوروبا من التوسع الشيوعي وكان هذا الحلف يمثل للولايات المتحدة الحلقة الرئيسة في سياسة محاصرة الشيوعية التي سيطرت على وسط وجنوب أوروبا والصين وبدأت تزحف على جنوب شرق آسيا. وإذا كانت الحرب الكورية عاملاً مهما في تخفيف التسلط الأمريكي على اليابان فإن إنشاء حلف الأطلسي كان له دور رئيس في إعادة الاعتبار لألمانيا الغربية والسماح لها ببناء جيشها، حيث كانت مع أمريكا أكبر المشاركين في القوات البرية. لقد كان مجال عمل حلف الأطلسي يقتصر على أوروبا ولذلك لم يكن له دور في الحرب الكورية أو حرب فييتنام وأيضاً لم يشارك في العدوان الثلاثي على مصر مع بريطانيا وفرنسا، وخرجت فرنسا من الجزائر ولم يَلُمْ أحد الحلف لعدم وقوفه مع فرنسا. لقد كان هاجس الحلف هو كيفية التصدي لأي هجوم على أوروبا من قِبَلِ الروس الذين لم يحسوا بالحاجة لتكوين حلف؛ لأنهم يسيطرون بصورة مباشرة عن طريق الأحزاب الشيوعية العميلة لهم والخاضعة مباشرة للمخابرات السوفييتية الـ (كي. جي. بي) ، ولكن أحداث المجر نبهت الروس لأهمية حلف مماثل لمواجهة الأطلسي فأنشؤوه وأسموه: (حلف وارسو) وأعلن عنه في ١٤/٥/ ١٩٥٥م أي بعد أكثر من خمس سنوات من إعلان قيام حلف الناتو. دور الحلف في أوروبا: كما أسلفنا فإن توازن الرعب كان مسيطراً على أوروبا، وكان حلف الناتو قائماً أساساً على القوة الأمريكية، وكانت القيادات العسكرية العليا حكراً على الأمريكيين مما أدى إلى انسحاب فرنسا أيام (ديجول) من الجانب العسكري في الحلف فترة من الزمن، أما في الجانب الآخر فإن الروس يهيمنون بالمثل على حلف وارسو، وقد حاولت المجر التحرر من النفوذ الروسي، إلا أن الثورة المجرية سُحقت ووقف حلف الأطلسي موقف المشجع المتفرج، وكان دك بودابست كذلك رسالة روسية لكل دولة تفكر في الخروج من الفلك الروسي، وقد تكرر دخول الروس بمشاركة رمزية في حلف وارسو لدولة متمردة أخرى هي تشيكوسلوفاكيا، ولكن براغ لم تقاوم لخوفها من مصير بوادبست. إن المعسكرين المتقابلين لم يستوعبا الدول الأوروبية؛ فقد امتنعت بعض الدول عن الدخول لأسباب مختلفة؛ فمثلاً: دولة مثل سويسرا انتهجت سياسة الحياد في أوروبا مثلها في ذلك مثل السويد، أما يوغسلافيا فإن نظامها وإن كان شيوعياً فقد كان (تيتو) يخشى من سيطرة (ستالين) الذي كان يخشى تحوُّله نحو الغرب؛ ولهذا رضى (ستالين) من (تيتو) أن تكون العلاقات جيدة في الميادين العسكرية والاقتصادية مع استقلال يوغسلافيا السياسي. لقد تحولت أوروبا إلى معسكر حربي هائل مع سباق في التسلح مقترن به نشاط تجسسي متبادل بين الطرفين، ولكن مع كل هذا لم تطلق رصاصة واحدة مع وجود المعسكرين المتكافئين ولكن الأمور انقلبت رأساً على عقب مع سقوط حلف وارسو وانفرط عقد الشيوعية؛ فأصبح لزاماً على حلف الناتو أن يغير في أهدافه حتى يبقى على قيد الحياة؛ فما هي الأدوار الجديدة؟ وماذا يتوقع من الحلف في المرحلة القادمة؟ الحلف بعد خمسين عاماً: في أجواء احتفالية تم التوقيع على تعديل مهمات الحلف لتتناسب مع الأوضاع في القرن الحادي والعشرين، وسنحاول إلقاء الضوء على أهم النقاط الواردة في البيان الختامي لاجتماع الحلف بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشائه. إن أهم النقاط هي: توسيع مجال الحلف، ليقوم بإدارة الأزمات في أي مكان في العالم؛ ويعني هذا: البقاء في حالة استعداد أمام كل حالة على حدة للمساهمة بفعالية في تفادي النزاعات والالتزام الناشط في إدارة الأزمات بما فيها الالتزام بعمليات رد على هذه الأزمات، أما القضية الأخرى المهمة فهي السماح لمنظمة الأمن والدفاع الأوروبية بالاستفادة من أصول الحلف في عمليات لا تشارك فيها الولايات المتحدة وهاتان النقطتان تبرزان التناقضات داخل الحلف. ولعل الشرح يبرز حجم الخلاف داخل الحلف، ففي حين يصرح الأمين العام للحلف (خافيير سولانا) بأن الدور الجديد المناط بالحلف الأطلسي لا يعني جعله شرطي العالم؛ فإن الرئيس الأمريكي يقول إنه لا يعتقد أن توسيع نطاق عمل الحلف مسألة جغرافية بالضرورة؛ فهناك أشياء تحدث في أوروبا أو دول غير أعضاء في الناتو يمكن أن تؤثر سلباً على أمن حلف الأطلسي وسنتعامل معها، وأضاف أن الوثيقة الجديدة ستدعم أمن أوروبا وحريتها عن طريق زيادة قدرتها على التعامل مع الصراعات الجارية خارج حدودنا وحماية مواطنينا من خطر الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، وتعميق الشراكة مع الدول الأخرى، ومساعدة الأعضاء الجدد على دخول حلف الأطلسي. وكما قال مسؤولون أمريكيون فإن القرار بتوسيع نطاق عمل الناتو إلى أي مكان في العالم يعني أن الحلف يمكن أن يتدخل في نزاعات في شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط إذا تراضى الأعضاء على أن هناك مسألة تؤثر على أمنهم. لقد بلغ توسع برنامج الناتو المسمى بالتعاون والشراكة من أجل السلام إلى أذربيجان وجورجيا وكازاخستان وقرغيزيا وأوزبكستان وتركمانستان مع ما يصاحبها من قواعد عسكرية ومناورات مشتركة على حدود روسيا والصين، أضف إلى ذلك أن السياسة الأمريكية في مقاومة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل التي تعتبر من أهداف الحلف الرئيسة ستُدْخل أمريكا في مغامرات وعمليات استعراضية لا يعلم نتائجها إلا الله، وهذه نقطة خلاف رئيسة بين أعضاء الحلف. وقد أصرت فرنسا على ربط هذه العمليات بالأمم المتحدة وألحت أمريكا على تهميش دور المنظمة الدولية. أما النقطة الأساسية الأخرى فهي محاولة أوروبا الانفلات من الهيمنة الأمريكية وذلك بالنص على أهلية منظمة الأمن والدفاع الأوروبية المنبثقة من الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني خروج الولايات المتحدة وتركيا، وقد عارضت تركيا هذه النقطة دون جدوى؛ حيث إن عملية المقايضة تمت بين الدول الأوروبية وأمريكا على إقرار أمرين هما باختصار: مشاركة أوروبا في مغامرات أمريكا حول العالم، وسماح أمريكا لأوروبا بالاستفادة من أصول الحلف وأغلبها أمريكية في عمليات خاصة بها. إن هذا الحل التوفيقي يحمل في ثناياه بذور الصراع بين الحلفاء، وينذر الضعفاء حول العالم بأوخم العواقب، فماذا يمكن أن يحصل عندما يسيطر على العالم قوة عسكرية جبارة ومتفوقة ولكن لها أكثر من رأس؟ ولا يخفى أن حلف الأطلسي تسيطر أمريكا على قيادته مع مساعدة لصيقة من بريطانيا. أما الدول المستاءة من الدور الأمريكي في الحلف فهي المسيطرة على منظمة الأمن والدفاع الأوروبية وهما ألمانيا وفرنسا. إن ما يجري في البلقان اليوم يوحي بما يمكن أن يحصل في أماكن أخرى. ولهذا، فمن الضروري التدقيق في الأحداث الجارية اليوم ومحاولة استكشاف ملابساتها. من البوسنة إلى كوسوفا: لقد كانت أحداث البوسنة شاهداً على عجز أوروبا وعدم قدرتها على الحركة نظراً لتضارب مصالحها وارتباطاتها؛ فقد كانت فرنسا وبريطانيا تقفان بلا حياء مع الصرب في مشروع صربيا الكبرى، أما ألمانيا فقد كان همها هو الحفاظ على مصالح حلفائها الكروات وتأمينها، وكانت الأمم المتحدة مشاركة في جريمة تصفية المسلمين بعرقلة وصول السلاح إليهم، وقد تطورت الأحداث بصورة لا تتلاءم مع مصالح الغرب؛ فقد أصبحت البوسنة قضية إسلامية، وبدأت طلائع المجاهدين بالمشاركة الفعالة في مواجهة الصرب الذين بدأ الميزان العسكري يميل لغير صالحهم في آخر مراحل الحرب، وكان تدخل أمريكا ضرورياً لمنع الانهيار الصربي في البوسنة والحفاظ على التوازن، فتم فرض اتفاق (دايتون) الذي يحفظ للصرب المناطق التي احتلوها ويميِّع الثقل الإسلامي بجعله جزءاً من اتحاد مع الكروات، والأهم من ذلك أن البوسنة تحولت إلى مركز للوجود الأمريكي وموطئ قدم لهم، وكانت أهم مهمة أمريكية هي إبعاد المجاهدين عن البوسنة بل وفرض إبعاد بعض القادة المسلمين البوسنويين بتهمة أن لهم علاقات مع بعض الدول الإسلامية. أما من ناحية كوسوفا فإن التدخل الأمريكي بدأ مبكراً لاستباق أي تطور غير مرغوب فيه؛ فقد كان موقف الصرب كالعادة يعميه التعصب؛ بحيث يؤدي حتماً إلى صراع عسكري سيتحول إلى بؤرة جهاد إذا لم تحل القضية بسرعة، ولهذا فقد عملت أمريكا على الضغط الشديد على الجانبين من أجل عقد اتفاق (رانبويه) بحيث تبقى كوسوفا جزءاً من صربيا مع تمتعهما بالحكم الذاتي، بالإضافة إلى تواجد قوات أطلسية للحفاظ على الأمن، أي إقامة بوسنة أخرى مع اختلاف بسيط؛ حيت إن كوسوفا ستبقى - فقط - جزءاً من صربيا ولكن يسيطر عليها حلف الأطلسي. لقد رفض الصرب الاتفاق ولم يأخذوا تهديدات الأطلسي على محمل الجد، وفاتهم أن صربيا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تتحالف مع روسيا وهي الوحيدة في المنطقة التي لا يوجد فيها تواجد عسكري للأطلسي، وأن إكمال حصار روسيا واستقرار الأوضاع في البلقان يقتضي وجود نظام موالٍ للغرب في بلغراد مع إعطاء بعض الحقوق للأغلبية الألبانية في كوسوفا. إن الغريب في الأحداث أن العمليات العسكرية الجارية تتلخص في قيام الحلف بهجمات جوية لتدمير البنى الأساسية في صربيا وكوسوفا بينما يقوم الجيش الصربي بعملية تهجير قسري لأعداد كبيرة من الألبان في كوسوفا مع نهب بيوتهم وإحراقها لمنعهم من العودة. لقد قام الصرب بتكرار أعمالهم الوحشية من إعدامات جماعية وعمليات اغتصاب منظمة، وكرر الغرب منع السلاح عن المسلمين مع أن تكاليف تسليح المسلمين في كوسوفا بحيث يقومون هم بطرد الصرب لا تساوي تكاليف ضربة جوية واحدة، ولكن يبدو أن الحل النهائي قائم على إخضاع الصرب للغرب وتخفيض نسبة المسلمين إلى الصرب في الإقليم إلى ٣: ١ بدلاً من ١٠: ١ مما يسمح باستمرار النفوذ الصربي في الإقليم واضطرار المسلمين للرضى بحكم ذاتي، أما اللاجئون فإن عودتهم كلهم أمر مستبعد؛ والدليل أن أغلب اللاجئين في البوسنة لم يسمح لهم بالعودة حتى الآن إلى بيوتهم وقراهم مع أن اتفاقية السلام تنص على ذلك! مستقبل الحلف: إن مستقبل الحلف مرهون بمدى التنسيق وبمدى تفهم كل طرف لمصالح الآخر، والذي أراه أن أمريكا بعد أن نزعت عنها غطاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن تريد العمل تحت مظلة أخرى هي حلف الأطلسي، أما إدخال حماية المواطنين ومواجهة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل في مجال عمل الحلف فسيؤدي إلى جر الحلف إلى لائحة طويلة من القضايا التي تهم أمريكا وإليك بعضها على سبيل المثال: ١ - قضية كوريا الشمالية وتجريدها من سلاح التدمير الشامل وهي قضية حية قد يتورط فيها الحلف مع ملاحظة حساسية الوضع الشديد نظراً للموقف الصيني. ٢ - المشاريع النووية وبرنامج الصواريخ الإيراني وهو موضوع يهم أمريكا وإسرائيل، فهل يوافق الحلف على جره لهذه القضية؟ ٣ - إمكانية التدخل في مصر بناءً على قانون حفظ الأقليات الأمريكي ومناهضة الاضطهاد الديني المزعوم للأقباط. ٤ - تحويل عملية حصار العراق من عملية أمريكية بريطانية إلى عملية أطلسية. ٥ - إدارة الأحداث في شمال إفريقيا، وهل ستكون من نصيب الأطلسي (أمريكا) أم منظمة في الأمن والدفاع الأوروبية (فرنسا) ؟ ٦ - هل ستسمح أمريكا لأوروبا بالتدخل عند حدوث أي اضطراب في منطقة نفوذها الخاصة في أمريكا الجنوبية؟ ٧ - كيف يتم التعامل مع الصين؟ ٨ - ما هو دور الصراع الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في تحديد مستقبل الحلف؟ ٩ - هل تستمر سياسة حصار روسيا، أم تتغلب سياسة أوروبا في التعاون مع روسيا؟ وكيف يكون الوضع بعد سقوط (يلتسن) ؟ إن أخطر ما يجري اليوم هو أن الحلف الذي بقي خمسين عاماً ساكناً بدأ أول عملياته بعد انتهاء الخطر الذي أنشئ من أجله الحلف؛ وهو الآن كما هو واضح وفي ظل الأهداف المطاطة والواسعة يبحث عن الأعداء في طول العالم وعرضه. وإذا كانت العمليات لا تكلف سوى بضع مليارات يتم استردادها سريعاً فإن القيادات العسكرية لن تُفوِّت الفرصة تلو الفرصة في البحث عن مسوِّغات لعمليات تزيد من مخصصاتهم، وتبعد عنهم شبح شح الموارد وتخفيض الأعداد، ولا ننسى أن كلينتون عندما طلب من الكونجرس ٦ مليارات من الدولارات تمت الموافقة على ضعفها، ومما يحزن الإنسان أن الأمة الإسلامية غائبة عن الأحداث، ونرجو من الله أن يلطف بنا، فهل ستكون البلدان الإسلامية ميدان التجارب الجديدة للأسلحة الجديدة لدى الحلف بدعوى مواجهة الإرهاب أو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل؟ !

стр. 3106

من يعيد فتح القسطنطينية ؟ عبد العزيز الحامد فتاة بغطاء رأس وملابس أقرب إلى التبرج منها إلى الحجاب؛ بحيث لو رآها أحد المحتسبين في بيئة محافظة لأنكر عليها، ومع ذلك تنتفض دولة بقضِّها وقضيضها، وبعسكرييها ومدنييها المتنفذين فيها، وبسلطاتها التشريعية والتنفيذية لكي تصد هذا (الاقتحام) ! إذ كيف تجرؤ الفتاة التركية (مروة قاوقجي) العضو في حزب (الفضيلة الإسلامي) أن تتحدى الأتاتوركية المتغطرسة في عقر دارها، وتغطي على مبادئها الشائهة الشائخة بحجابها؟ ! لقد أثار العلمانيون المتحجرون أدعياء التنوُّر زوبعة كبرى في البرلمان وخارجه، معتبرين دخول الفتاة بذاك الحجاب المختزل مناهضة للدستور والقوانين والقواعد المرعية فى البلاد، وتعاملوا مع تلك الغلالة البيضاء على رأسها كما لو كانت راية نصر سوف ترفرف يوماً على سماء دولة الخلافة (سابقاً) ! ... فماذا حدث؟ - نحو مئة من (الرجال) أعضاء البرلمان هبوا واقفين يصرخون في وجه النائبة ويوسعونها ذماً وشتماً..! - الرئيس التركي سليمان ديميرل اتهم النائبة صراحة بأنها عميلة لأعداء تركيا وقال: إنها جزء من مؤامرة ضد البلاد! - رئيس الوزراء (بولند أجاويد) هاجمها مواجهة داخل (البرلمان) ودعا بعد ذلك لتأييد (الشجب الشعبي) للتصرف المخجل الذي قامت به النائبة! - المدعي العام التركي (فورال صافاش) طالب بحظر الحزب الذي تنتمي إليه النائبة بدعوى أنه يقوم باستغلال الدين لأغراض سياسية! ووصف التيار الإسلامي في تركيا بأنه كالسرطان الذي لا بد من استئصاله. - ثم تترجم السلطات التركية هذه الصيحات المتشنجة إلى إجراءات عاجلة تهدف إلى حل حزب الفضيلة، وفصل النائبة وطردها وحرمانها من الجنسية التركية! ! لحظات تحكى تاريخاً: إن بين دخول النائبة المحجبة وخروجها من (البرلمان) لحظات تحكي قصة سنوات بل قرون من تاريخ الصراع المستميت على أرض (القسطنطينية) التي فتحها الأتراك بين قوة الحق الناهض وقوى الباطل المناهضة! فالقسطنطينية التي رفعت رايات الوثنية دهوراً أراد الله - سبحانه - بها خيراً بعد أن جاء الإسلام، فانبعثت بخصوصها بشارة على لسان النبي الخاتم ﷺ تنبئ عن مستقبل وضيء في ظل التوحيد يعلو تلك البلاد، فيفجر النور في جنباتها ربما لأول مرة في تاريخها الذي لوثته سيرة الشرك ومسيرة الوثنية. نعم؛ فقبل أن تنساح جحافل الإسلام لتحرر القسطنطينية من شر نفسها قبل غيرها، كانت كلمات الوحي المعصوم تنداح على لسان الصادق المصدوق ﷺ لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش جيشها [١] ومن يومها تفتحت الأعين نحو ذاك الفتح، طمعاً في حيازة الفضل والبُشرى، حتى إن مسلمة بن عبد الملك ما إن سمع الحديث من راويه حتى أعد لغزو القسطنطينية، وما إن تمت فتوح الشام في العهدين الميمونين للخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، حتى وجه الخليفة الثالث عثمان ﵁ الصحابي لجليل معاوية بن أبي سفيان لركوب البحر والتوجه صوب الشمال، فبدأ ﵁ بغزو قبرص، ثم تتابعت المحاولات، وظلت جيوش الإسلام تدق أبواب أوروبا من الجهة الشرقية مرة ومن الجهة الغربية مرات، لعلها تفلح في إحداها في تحقيق تلك النبوءة المحمدية بفتح القسطنطينية، ولكن هذه النبوءة لم تتحقق إلا بعد ثمانية قرون. وشاء الله - أن يدَّخر تحقيق الفتح لقوم آخرين من الأتراك الذين أسلموا وكانوا يعيشون في أواسط آسيا، وقد حدث أن قبائل منهم هاجرت من أراضيها بعد زحف المغول نحو بلادهم، وانتقلت تلك القبائل في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، لتكون إمارات في غرب الأناضول؛ حيث نشأت هناك أسرة حاكمة منهم ارتبط اسمها باسم الغازي الأول عثمان بن أرطغرل، ثم فتح الله على تلك الإمارات الوليدة فتوغلت غرباً حتى دحرت الجيش البيزنطي، واستمرت في فترة فتوح متواصلة طيلة قرنين. الفتح الأول: مات السلطان بايزيد في الأسر وهو ينافح عن وجود الدولة العثمانية نفسها بعد أن صرفه الداهية (تيمور لنك) عن فتح القسطنطينية بعد حصارها مدة ست سنوات بعد أن كادت تتحقق النبوءة على يديه، ولكن شاء الله أن يخرج من نسله من يعيد دولة آل عثمان إلى وحدتها وعافيتها، واستمر ذلك إلى أن جاء عهد الفاتح (محمد الثاني) ففتح الله عليه القسطنطينية عام (٨٥٧ هـ) (١٤٥٣م) وأطلق عليها اسم (إسلام بول) أي: مدينة الإسلام. وكان فتح تلك المدينة فتحاً على دولة آل عثمان كلها؛ إذ انتقلت به إلى طور الدولة العالمية، فانطلق سلاطينها يضمون تحت حكمهم أطراف العالم الإسلامي التي كانت مشتتة، وتمكن العثمانيون من توحيد الشام ومصر والحجاز وغيرها تحت راية حكم واحد. وأصبحت الدولة العثمانية حامية لبلدان العالم الإسلامي وجامعة لشتاتها، مما حدا بالسلطان (سليم الأول) أن يعلن القسطنطينية عاصمة لدولة جامعة تمثل الخلافة الإسلامية الرابعة [٢] . ثم تسارعت وتيرة التوسع العثماني تحت لواء الخلافة، وغدت قوة عالمية مرهوبة الجانب، وقد استرعى هذا انزعاج الإمبراطوريات والممالك العالمية الأخرى، وأرعبهم أن تكون للإسلام هذه القوة الفتية التي توشك أن تخرج أوروبا- لأول مرة في تاريخها - من غياهب الشرك وغيابات الوثنية! إن أوروبا التي لم تشرق شمس التوحيد على قارتها يوماً بحيث تعم كل بلدانها أبت إلا أن تحارب النور الذي أشرق في شرقها بفتح القسطنطينية بعد أن أطفأت النور الذي أضاء غربها بفتح الأندلس، وقد تكالبت قوى الشر فيها وتربصت بالدولة العثمانية لإيقاف مدها المتسارع؛ فالنصرانية الكاثوليكية في أوروبا تضامنت مع النصرانية الأرثوذكسية في روسيا لتشكلا جبهة واحدة بالتعاون مع اليهود في أوروبا لإيقاف ذلكم الكيان السياسي العالمي الإسلامي ثم إضعافه ثم إسقاطه، والتحق بهذا التحالف الضال فريق من جماعات الردة الصريحة الشانئة للدين، والمبغضة لقيمه وشرائعه ممن تسموا بأسماء المسلمين، وتسمموا بأفكار العداء لله ورسوله والمؤمنين، وكأن هذا الثالوث الملوَّث قد تعاهد عهداً على أن يعيد إغلاق (القسطنطينية) ويقفل أبوابها حتى لا تخرج منها مرة أخرى بيارق الأمل وبوارق الضياء في أرض القارة الظالم أهلها. التحول نحو الضياع: لسنا بصدد التأريخ لمسيرة التقهقر التي دهت دولة آل عثمان، ولكن الذي يهمنا هنا هو تتبع الدور المأفون الذي قامت ولا تزال تقوم به العصابات المناوئة للدين والمتعاونة مع أعدائه ممن حق فيهم قول ربنا: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وجُوهَهُمْ وأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ] [محمد: ٢٦-٢٨] . ومما لا شك فيه أن عوامل الضعف والشيخوخة قد بدت على كيان الدولة العثمانية في عقودها الأخيرة بما كسبت أيدي بعض سلاطينها، ولكن ذلك الداء كان يمكن له أن يُداوى لولا حرص عصابات الردة التي ذكرناها على دفن (الرجل المريض) بدلاً من علاجه. ففي عام ١٨٨٩م، وفي ذكرى مرور مائة عام على الثورة الفرنسية أسس عدد من المشبوهين جمعية عرفت باسم: (الاتحاد العثماني) التي عرفت فيما بعد بجمعية (الاتحاد والترقي) ، وبدأت نشاطها من باريس، ثم بدأت بتأسيس خلايا انقلابية داخل الجيش، وفي الوقت ذاته كان الضابط الغامض مصطفى كمال الذي لُقب بعد ذلك بـ (أتاتورك) يعني: (أبو الأتراك) ينشط داخل الجيش أيضاً من خلال خلية (الوطن) التي أسسها، وبدأت تلك الخلايا تتحرش بالدولة، وتتناثر وتتكاثر في محيطها كالجرذان المفترسة إذا اجتمعت على أسد جريح. وتشكلت جماعات المعارضة العلنية للتنسيق مع اللجان السرية، بعضها في الداخل وبعضها في الخارج، ولم يأت عام ١٩٠٨م حتى كان لتلك الحركات وجود منظم بدأ يسعى بكل إصرار لإطاحة السلطة وإسقاط الدولة، وهذا ما كان، فقد بدأوا تمرداً عسكرياً ضدها من خلال الجيش الثاني الذي سيطروا عليه، وبدأ الصراع يأخذ شكل الخلاف بين الجيش والسلطة المدنية؛ حيث أجبر الجيش السلطان على تسليم السلطة إلى جمعية الاتحاد والترقي. كان أعضاء جمعية الاتحاد والترقي حفنة لا تزيد عن ثلاثمائة شخص بين حركيين مدنيين وقادة عسكريين، ولكنهم كانوا يحركون الألوف من الدهماء الذين لا يرون أبعد من أنوفهم، مما أغرى (مصطفى كمال) بأن ينتزع هو زمام الدهماء ليقود بنفسه ذلك القطيع إلى الهاوية، وبالفعل، غلبت على ذلك الشخص نزعته الفردية الاستبدادية، واختلف مع جمعية الاتحاد والترقي، وبدأ ينظم عملاً خاصاً به، إلا أن الاتحاديين كانوا قد سبقوه بمراحل فانقضوا على الدولة وقاموا بثورتهم، وتحفز مصطفى كمال منتظراً ما ستؤول إليه ثورة الاتحاديين، وراهن على إخفاقها، إلا أنها لم تخفق كمما توقع، بل انتشرت بفعل الرعاع الذين قاموا، لتأييدها هنا وهناك، واستمرت فترة من الاضطرابات كانت كافية لأن يستفيق فيهما العقلاء بعد أن صدمتهم الأحداث، وبدأ علماء الدين يدبرون لما يشبه الثورة المضادة، فنشطوا في المساجد والمنتديات يحذرون من الاتحاديين، متهمين إياهم بالماسونية والإلحاد، مما جعل الجنود البسطاء ينقلبون على ضباطهم المشاركين في الثورة ويقتلون أعداداً منهم. وهنا برز مصطفى كمال ليقدم نفسه منقذاً للاتحاديين حتى لا تضيع ثورتهم، وتحرك بقوات تابعة له لإخماد الثورة الإسلامية المضادة، فأسكتها بالفعل، ثم حصل الاتفاق على خلع السلطان عبد الحميد وسجنه في مدينة سالونيك مقر جمعية الاتحاد والترقي، وقامت أحداث خارجية جرَّت إليها الفتن التي أثارتها البلدان المجاورة لتركيا بغرض تشتيت شمل دولة الخلافة بعد خلع السلطان، وهنا لاحت أمام مصطفى كمال الفرصة كي يظهر بمظهر (البطل المنقذ) الحريص على مصلحة الوطن، وظلت صورته تتضخم حتى قامت الحرب العالمية الأولى، وورَّط الاتحاديون تركيا فيها مراهنين على الحصان الخاسر (هتلر) ، وهزمت تركيا مع ألمانيا، واحتل الحلفاء العاصمة والمواضع الحربية المهمة، ودخل الفرنسيون والإنجليز إسطنبول، وبذلك تحطمت دولة الخلافة نهائياً وهي بيد الاتحاديين أدعياء الترقي، وانفرط عقد الخلافة وأصبحت البلدان التابعة لها كالشياه التي مات راعيها وهي بأرض مذئبة في ليالٍ مطيرة، وانسلخت أو سُلخت عن تركيا كل الدول التي كانت تابعة لها تحت مظلة الخلافة، وشمل ذلك الدول العربية التي ساهمت في هزيمة تركيا عن طريق (الثورة العربية الكبرى) التي مثلت أول انتفاضة فوضوية للقومية العربية، وغدت تركيا قوة منهارة دون قيادة محترمة، تواجه مصير الدول المهزومة الضعيفة التي يتحكم فيها أعداؤها المنتصرون الأقوياء. وهنا تملص الاتحاديون من المسؤولية بعد أن (خربت مالطة) وحلوا جمعيتهم، وتفرقوا هاربين إلى الخارج تاركين تركيا تلقى مصيرها البائس، وبقي السلطان الأسير المعزول بلا حول ولا طول، رغم البقاء الاسمي لدولة الخلافة، وبعد الهزيمة الخارجية الكاملة. وقبل الهزيمة الداخلية الشاملة، برز الوجه الانتهازي الكالح لأتاتورك مرة أخرى، ليظهر الشماتة في الاتحاديين والتشفي في المسلمين بصورة لا تليق إلا بأحفاد اليهود الذين لم يبرعوا في شيء مثل براعتهم في التآمر والمكر. لقد طالب بأن يُخوَّل منصب وزير الحربية (لإنقاذ) ما تبقى من تركيا فكان له ذلك، وعاد للظهور بمظهر (البطل المنقذ) وحمَّل السلطنة مسؤولية ما حدث لتركيا (! !) ونصَّب نفسه قائداً للجماهير التي أغواها وخدَّرها بمقولة (الشعب مصدر السلطات) وانتخبته تلك الجماهير المضلَّلة زعيماً مستقلاً عن السلطان فزادت بذلك في غروره وطغيانه، وخطط أتاتورك عن طريق حكومته المؤقتة لإحداث انقلاب شامل في تركيا، وبدأ بالقسطنطينية فنقل العاصمة منها إلى (أنقرة) في ٢٣ إبريل ١٩٢٠م، وانتخب أتاتورك رئيساً لما سُمي بـ (المجلس الوطني الكبير) . كل هذا والأراضي التركية محتلة، وهو يؤدي ما رُسم له أو ما رسمه لنفسه من القيام بأدوار البطولة ضد المحتل (الأوروبي) ! لقد رأى في المحتلون بعد مدة أنه لا ضرورة لبقائهم ما دامت تركيا قد سقطت في أيدي أناس مخلصين لها! ومفتونين بها مثل أتاتورك، فتم توقيع اتفاقية لوزان التي انسحب الحلفاء بمقتضاها من تركيا ليتركوها ساحة خالية ليتفرد أتاتورك بها، ولكي يبدأ معها عصراً جديداً يعود فيه بالقسطنطينية إلى ظلمات الفساد والإلحاد، ولم تعد هناك قوة تستطيع أن تعارض تحول أتاتورك بالأتراك نحو الارتماء في أحضان أوروبا التي زعم أنه حررهم من احتلالها. وخطا أتاتورك خطوته المتوقعة، فأعلن الجمهورية التركية، ليكون أول رئيس لها، ثم أصدر قراراً لاحقاً بتعيين (عصمت إينونو) رئيساً للوزراء، ليكون ظلاً بجوار الصنم الذي أمسك بكل خيوط الدولة في يده، وقد أحس بعض رفاق أتاتورك بأنه قد اتخذهم مطية فقط للوصول إلى مآربه، فبدؤوا الاعتراض عليه، ولما استيقنوا أنه سيفتك بهم، انحازوا إلى الخليفة الصوري الأخير (عبد المجيد) ، وعرضوا عليه أن يعلنوه سلطاناً دستورياً على تركيا، ولكن أتاتورك عاجلهم وأصدر قراراً بإلغاء نظام الخلافة نهائياً! وهكذا، ولأول مرة في التاريخ تُلغى (وليس تسقط) الخلافة الإسلامية، وعلى يد من؟ ! على يد سليل اليهود [٣] ، بعد أن هيأت له الأوضاع جمعية من الماسون اليهود. كانت الصدمة كبيرة وشديدة على المسلمين في تركيا والعالم الإسلامي بإلغاء آخر كيان سياسي عالمي للمسلمين، ولكن حفيد اليهود لم تكفه هذه الصدمة؛ بل أتبعها بصدمات أخرى كانت كلها تهدف إلى صبغ تركيا بصبغة الوثنية الأوروبية ومحو آثار الصبغة الإسلامية، وكانت تحولاته قائمة على العسف والقهر، مخالفة لسنن التدرج حتى في التحول للباطل. بدأ أتاتورك من النهاية! ! فأمر بتغيير المظهر العام للشعب التركي، عن طريق إلغاء الزي التركي ذي السمة الإسلامية بين الرجال، وأجبرهم على لبس الأزياء الأوروبية ووضع القبعة الأوروبية على الرأس بدلاً من العمامة أو (الطربوش) ! ثم اندفع بشكل فج ليحول بين الشعب وبين عاطفته الدينية الموصولة بعلماء الدين والمشايخ وأصدر أوامره المباشرة إليهم بأن يغلقوا الزوايا والتكايا التي تقام فيها الدروس وتدار فيها الأوقاف، وقال في خطاب ألقاه في ٣٠ أغسطس عام ١٩٢٥م: على المشايخ أن يغلقوا زواياهم وتكاياهم عن طيب خاطر وإلى الأبد، قبل أن أدمرها فوق رؤوسهم. ثم تحول الطاغية تجاه القضاء، فقرر في عام ١٩٢٦م اعتبار القانون السويسري أساساً للتشريع المدني في تركيا، بحيث يشمل ذلك الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث ونحو ذلك، وتضمنت قوانين الردة المستمدة من تراث النصرانية وافتراء العلمانية مواد تشتمل على استحلال صريح للحرام وتحريم صريح للحلال بما لا يمكن أن تبقى معه شبهة في بقاء من يقبلونها داخل الملة الإسلامية. تضمنت تلك القوانين إباحة زواج المسلمة من غير مسلم ومنعت تعدد الزوجات، وأباحت الزواج من المحرمات بالرضاع، وفرضت المساواة بين الذكور والإناث في الميراث، وحرمت الطلاق إلا في أضيق الحدود كما هي الحال لدى النصارى، وجعلت التبني جائزاً حتى من ولد الزنا، وفرضت للزانية نفقة على شريكها في الحرام إذا كان لها منه ولد! ولما كانت المرأة أساس الصلاح أو الفساد في المجتمعات، فقد أولاها الذئب الأغبر - كما كان يلقب - اهتمامه الخاص، قاصداً تجريدها من أسباب الكرامة وجلباب الحياء، ففي نهاية عام ١٩٢٦م جرى فرض السفور على النساء فرضاً - وبدون تدرج أيضا- فخالف بذلك طبائع البشر فضلاً عن شرائع الرسل، وأصدرت المجالس البلدية قراراً بحظر لبس الجلباب على السيدات، وإلزامهن بلبس الأزياء الأوروبية، ونص القرار على أن كل امرأة تخالف ذلك يتعرض وليها للاستجواب والعقاب! ثم التفت جبار تركيا نحو مناهج التعليم ليقلبها رأساً على عقب في مرحلتين: الأولى منهما تضمنت إلغاء الحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية، واستبدال الحروف اللاتينية بها بشكل إلزامي، وبقرار حكومي، ثم أمعن في الجبروت، وأمر بكتابة القرآن - الذي لم يستطع إلغاءه - باللغة التركية، وكذلك صدرت الأوامر بتلاوته في الصلاة الجهرية باللغة التركية! ! فلما تجاسر بعض العلماء على معارضته في ذلك قال لهم ألا يفهم ربكم اللغة التركية [٤] . ومن إفك ذلك الصنم أنه حوَّل مسجد أيا صوفيا إلى مزار سياحي، وحوّل المشيخة العامة للإفتاء إلى مدرسة للبنات! وإمعاناً في قلب حياة المسلمين رأساً على عقب، أصدر أخو الإجرام قراراً في عام ١٩٣٥م بتبديل يوم العطلة الرسمي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد، ولم يكن غريباً عليه بعد ذلك أن يصدر مرسوماً بإلغاء المادة الأولى من الدستور التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام! وبهذا يرى أبو الأتراك العلمانيين أنه صحح (غلطة) تاريخية في زعمه وقع فيها سلاطين الخلافة الذين جعلوا من الإسلام واجهة لتركيا. لقد قال نصاً: إن غلطة آل عثمان كانت نسيانهم لتركيبتهم بانتمائهم للجامعة الإسلامية ونسيانهم جنسيتهم، فكانت النتيجة أن تركيا ارتضت الذل والأسر وتدحرجت إلى هدف حقير، جعلها مستعبدة في سبيل الله [٥] . يقظة حراس الكمالية: إن هذه (الغلطة) التي تحدث عنها الألد الأثيم، هي التي تفسر لنا ما يحدث في تركيا - وفي غير تركيا - منذ أيامه وحتى أيامنا هذه، فكل عدو متربص من لدن أتاتورك وحتى الآن يقوم بالدور نفسه للحيلولة دون وقوع (الغلطة) التي لا يريدون الوقوع فيها مرة أخرى، وهي السماح بالتمكين للدين في بلاد المسلمين [٦] . والظاهر أن أتاتورك قد خطط لأن يظل حاكماً لتركيا من قبره بعد قصره ولهذا؛ فقد أرسى قواعد صارمة تمكن الجيش من السيطرة على الحياة في تركيا وخلع عليه وصف (حارس الكمالية) ، وقام هذا الجيش بعدد من الانقلابات منذ مات مؤسسه، والمتأمل فيها يجد أنها هدفت في الأساس إلى إعادة تركيا إلى العلمانية المعادية للدين كلما كادت أن تقترب - لا من الإسلام - بل من العلمانية المهادنة للدين؛ فالانقلاب على حكومة (عدنان مندريس) عام ١٩٦٠م كان بذريعة أنه حاد عن مبادئ أتاتورك، وأوجد متنفساً للحركة الإسلامية في الخمسينيات، ولهذا؛ فقد قطعوا أنفاسه وقتلوه شنقاً، وحاول قائد الانقلاب (جمال جورسيل) أن ينفذ مشروع تتريك الإسلام، وبعد سنوات من القهر، ومراحل من التنازع الحزبي بعد الاستبداد العسكري، قام الجيش بانقلاب آخر في مارس ١٩٧١م، لإعادة البلاد إلى الاستقرار تحكم فيه المبادئ الكمالية، وقام الجيش بانقلاب آخر ثالث ١٩٨٠م بذريعة إعادة (النظام) إلى البلاد، وكان هذا النظام قد خفت قبضته حتى سمحت لأعداء الكمالية بالبروز، فانتعشت التيارات التي تمثل المسلمين، وكاد حزب (السلامة الوطني) بزعامة أربكان أن يحقق وجوداً حقيقياً، فأراد قائد الانقلاب الجنرال (كنعان ايفرين) أن يلقن الخارجين عن الديانة الكمالية العلمانية درساً قاسياً فاعتقل نحواً من ١٣٠ ألف شخص من اتجاهات مختلفة، وصدرت أحكام بالإعدام في حق ٣٦٠٠ شخص. ثم جاء تورجوت أوزال الذي كان يحمل نوعاً من العاطفة الإسلامية، وترأس الوزارة وسمح مرة أخرى للأحزاب أن تنشط، وغض الطرف عن نشاط حزب أربكان فدبت فيه الحياة مرة ثانية، وظل يحرز نجاحات متتابعة بعد أن أسس (حزب الرفاه الإسلامي) خلفاً لحزب السلامة الوطني، وسجل حزب أربكان قفزات عالية في الانتخابات البلدية، جعلته يترأس بلدية إسطنبول نفسها وبلدية العاصمة أنقرة، وكان الفوز الأكبر في انتخابات عام ١٩٩٥م عندما فاز حزب الرفاه للمرة الأولى بنسبة ٢١. ٣% من مجموع الأصوات، مما أهله لأن يشكل وزارة ائتلافية يرأسها زعيم إسلامي لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث، وبقدر النجاح الذي أحرزة حزب الرفاه، بقدر ما كانت شدة الغيظ تغلي في صدور حراس قبر أتاتورك، إنهم لم يُقدموا هذه المرة على القيام بانقلاب عسكري، حتى لا يثيروا حفيظة المجموعة الأوروبية التي ترى في الانقلابات مظهراً من مظاهر التخلف الشرقي، ومن ثم فقد يزداد عنادها - الزائد أصلاً - في رفض إدخال تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولهذا فقد عمدوا إلى إسقاط أربكان من الأعين قبل أن يسقطوه من فوق كرسي الوزارة، وظلوا يضعون العراقيل في طريقه داخلياً وخارجياً، ويجبرونه على طأطأة الرأس وتقديم التنازلات، وأصرت المؤسسة العسكرية على (حرق) أربكان ومبادئه قبل إخراجه من السلطة، وبالفعل اضطر أربكان أن يقدم تنازلات مخجلة انتقلت من مستوى الهبوط إلى سفح السقوط، ومع ذلك لم يدعوه، وقبل أن يقدم استقالته في ١٨ يونيو ١٩٩٧م كان مجلس قادة الأركان قد عرضوا على مجلس الأمن القومي التركي إجراءات من ثمانية عشر بنداً، وطالبوا بإلزام حكومة أربكان بتنفيذها وتتضمن هذه الإجراءات خطوات جريئة على طريق العودة بالحياة الإسلامية في تركيا إلى الوراء، ومن البنود التي طُولب أربكان بتنفيذها: منع أي دعوة مؤيدة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وفرض الرقابة على الإعلام الإسلامي وتشديدها، وحظر ارتداء الحجاب على المرأة ومعاقبة من تخالف ذلك، ووضع الإجراءات الكفيلة بالحد من التحاق الإسلاميين بأجهزة الدولة، ومراقبة الموارد المالية للجمعيات الدينية، وتجريم ممارسة أي نشاط سياسي بدافع ديني، وإغلاق مدارس (الأئمة والخطباء) التي تُعنى بتحفيظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية، ومنع الأحزاب غير الدينية من ضم عناصر دينية إليها، وحظر التمويل للمشروعات الخيرية من أي مصادر دينية في الخارج، وإيقاف العمل في مشروع إنشاء مسجد كبير في اسطنبول، والبدء الفوري في فصل كل العناصر من ذوي الانتماء الإسلامي في الجيش، وفصل حكام الولايات المتدينين، وأخيراً تطبيق المادة ١٧٤ من الدستور الخاصة بعدم التعرض للمبادئ التي أرساها الرئيس التركي الأول للجمهورية التركية (كمال أتاتورك) ! وهذه البنود - كما نرى - أشبه ما تكون، بالنقاط التي يحتويها عادة (البيان الأول) لقادة انقلاب ثوري أرعن، ولكن ذلك الانقلاب لم يقع هذه المرة عسكرياً، بل جاء انقلاباً مدنياً؛ متسلحاً بالدستور والقانون، ولهذا وجد أربكان أنه لا جدوى من المقاومة، وفضل الانسحاب وقدم الاستقالة، ومع ذلك لم يتركوه بل لاحقوه بالاتهامات المتطلبة لمحاكمته بعد أن حلوا حزبه، وفككوا فعالياته! وحاول الإسلاميون أن يعودوا من باب آخر عن طريق حزب آخر هو (حزب الفضيلة) ولكن حماة الرذيلة بدأوا أيضاً في ملاحقته، ولا تزال تجري - حتى وقت كتابة هذه السطور- المساعي لحله وإلحاقه بسلفه. ونعود إلى صاحبة الحجاب التي عوت عليها الذئاب، فنقول لها، وللقسطنطينية الأسيرة: سيأتي يوم - وهو قريب - تعود فيه القسطنطينية إلى الفتح ثانية - بإذن الله - لأن الذي بشَّر بفتحها أول مرة ففتحت، بشر في نبوءة أخرى بفتحها مرة أخرى؛ فقد صح عنه ﷺ أنه سئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية، أو رومية؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدينة هرقل تفتح أولاً [٧] يعني القسطنطينية ومجموع الأحاديث الواردة في ذلك تفيد أن هناك فتحاً آخر بعد الفتح الأول الذي تم في عهد محمد الفاتح. ويوم تعود القسطنطينية مدينة إسلامية، فعندها ستدق أعناق أحفاد اليهود المجرمين، وتندك حصون أولياء النصارى الظالمين، وما ذاك الذي نسمع به من صراع متزايد الاحتدام بين العلمانية المرتدة والإسلام الناهض في تركيا إلا تقدمة وإرهاصاً ليوم الفتح القريب ... غير أن الفاتح هذه المرة لا نعرفه، ولكنَّ بين يدي أيامه جنداً، يمهدون الطريق لمجيئه، ولا نظن دعاة الإسلام الصادقين في تركيا اليوم إلا مرحلة على طريق الفتح القادم ... فتح القسطنطينية. فاللهم افتحها للمسلمين، وافتح كل بلد أغلق دون المسلمين. آمين.

стр. 3107

حمَّى سنة ٢٠٠ - الحلقة السادسة - الألفية الثالثة ... وهواجس الحرب الثالثة عبد العزيز كامل هذه الحلقات تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى شهور معدودة، ومن اللافت للنظر أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية التي يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود أفعال قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب الوقت من العام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل. وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها، ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها - إن شاء الله - في حلقات منفصلة. - البيان - هل أصبحنا نعيش عصر (الأيام الأخيرة) أيام ما قبل النهاية؟ ! وهل صحيح أن حرباً عالمية ثالثة لا بد أن تنشب مع بدايات القرن الجديد؟ نحن - المسلمين - نقول: العلم عند الله، لأنه [لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ] [النمل: ٦٥] ، فالتحديد والقطع جرأة على الغيب، نبرأ بأنفسنا عنه ونبرأ إلى الله منه، خاصة إذا تعلق بعلم الساعة التي [عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلاَ هُوَ] [الأعراف: ١٨٧] ، أما أماراتها فأمر يدور بين الظن الراجح والظن المرجوح. لكن العتاة الغلاة من طوائف اليهود والنصارى يعتقدون بجزم ويعملون بحزم لهذه الأيام (الأخيرة) التي يربطونها بقدوم الألفية الثالثة؛ حيث يتوقعون أن تبدأ فيها نهاية أيام (العامة) ، لتأتي بعدها أيام (الخاصة) أتباع المسيح القادم للخلاص. ونحن - المسلمين - لا يهمنا من جزمهم أو حزمهم في معتقدهم هذا إلا ما يمكن أن يترتب عليه من سياسات وخطوات يمكن أن يقدموا عليها بزعم التهيئة لتلك الأيام الأخيرة [١] استدعاءً لعلاماتها واستجلاءً لأماراتها. ففي مسيرة منتظمة في طريق الاستدراج منذ بداية القرن الميلادي الحالي، نراهم يزعمون أنهم نجحوا في (إنجاز) علامات مهمة من أشراط الأيام الأخيرة، يأتي في طليعتها ما يعدونه أولى وأبرز العلامات وهي: إعادة اليهود إلى أرض بيت المقدس! ولكن تلك العلامة ستتبعها في معتقدهم علامات أخرى، وسيعملون أيضاً لإنجازها وإخراجها إلى حيز الوجود، وقد ظهر لنا من خلال الحلقات السابقة مدى سعيهم لهدم الأقصى وتسارعهم لبناء الهيكل، وإعلانهم لظهور البقرة الحمراء، وتصميمهم على إسكان القدس بالمتشددين الدينيين وغير ذلك. ولكن تبقى هناك علامة أخرى تبرزها مصادرهم العقدية ويؤمنون بحتمية حدوثها عندما تبدأ الأيام! الأخيرة في التوالي، وتتمثل في (إقامة) قيامة صغرى تهيئ للقيامة الكبرى! وتأويل هذا يجيء باشتعال أو إشعال حرب مدمرة تهلك فيها غالبية سكان الأرض، ففي (الأيام الأخيرة) لا بد أن تقوم حرب بسبب (إسرائيل) وعلى أيدي أحباب (إسرائيل) وعلى أرض (إسرائيل) ! ومن أجل (إسرائيل) ! تقول التوراة التي في أيديهم: (في الأيام الأخيرة، عندما تتجمع إسرائيل من الأمم، سوف تتسبب في أمر ما، هذا ما سوف يحدث. إني، سوف أضع صنارة في أفواه القوى المؤتلفة) وجاء فيها أيضاً: (بعد أيام كثيرة تُفتقد في السنين الأخيرة، تأتي إلى الأرض المستردة من السيف، المجموعة من جبال إسرائيل التي كانت خربة للذين أخرجوا من الشعوب وسكنوا آمنين كلهم، وتصعد وتأتي كزوبعة، وتكون كسحابة تغشى الأرض أنت وكل جيوشك وشعوب كثيرون معك) . وهذه الجيوش الكبيرة المعادية لـ (إسرائيل) وحلفائها يطلق عليهم في التوراة جوج وماجوج، وهم سيأتون إلى الأرض المقدسة في يوم من الأيام الأخيرة من جهة الشرق كما تتحدث التوراة: (ويكون في ذلك اليوم يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل، يقول السيد الرب: إن غضبي يصعد، وغيرتي في نار سخطي، تكلمت أنه في ذلك اليوم يكون رعش عظيم في أرض إسرائيل، فيرعش أمامي سمك البحر وطيور السماء ووحوش الحقل والدابات التي تدب على الأرض، وكل الناس الذين على وجه الأرض، وتندكُّ الجبال، وتسقط المعاقل، وتسقط كل الأسوار إلى الأرض، وأستدعي السيف عليه في كل جبالي، يقول السيد الرب: فيكون سيف كل واحد على أخيه، وأعاقبه بالوباء وبالدم، وأمطر عليه وعلى جيشه وعلى الشعوب الكثيرة الذين معه مطراً جارفاً وحجارة بَرَد عظيم وناراً وكبريتاً) [٢] . أما التلمود الذي فسر به الحاخامات القدامى نصوص التوراة فقد جاء فيه ما يدل على أن (الأيام الأخيرة) ستشهد أحداثاً يكون اليهود محورها؛ فقد جاء فيه: قبل أن يحكم اليهود نهائياً، لا بد من قيام حرب بين الأمم، يهلك خلالها ثلثا العالم، ويبقون سبع سنين يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر وحتى البروتوكولات التي خُطت في العصور المتأخرة تردد ذاك الصدى: إننا نقرأ في شريعة الأنبياء أننا مختارون من الله لنحكم الأرض، وقد منحنا الله العبقرية كي نكون قادرين على القيام بهذا العمل، إن كان في معسكر أعدائنا عبقري فقد يحاربنا، ولكن القادم الجديد لن يكون كفؤاً لأيد عريقة كأيدينا.. إن القتال المتأخر بيننا سيكون ذا طبيعة مقهورة لم ير العالم لها مثيلاً من قبل، والوقت متأخر بالنسبة إلى عباقرتهم [٣] . هكذا تتحدث مصادر اليهود عن معركة الأيام الأخيرة. أما النصارى، فإن الإنجيل الذي بأيديهم يزيد في التفصيل عن هذه المعركة، بل ينفرد عن المصادر اليهودية بتحديد مكانها الذي ستقع فيه، إنه سهل (مَجِدُّو) بفلسطين حيث ستنشب أكبر معركة في التاريخ في وقت العودة الثانية للمسيح. ففي سفر الرؤيا (الإصحاح ١٦ /١٥) ، جاء على لسان عيسى ﵇ وهو يصف وقت مجيئه المفاجئ: ها أنا آتي كلص، طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً فيروا عُريته، يجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية (هَرْمَجِدُّون) . وهكذا نرى أن الاعتقاد بوقوع تلك المعركة، هو اعتقاد مشترك بين اليهود والنصارى، فاليهود يؤمنون بها وبأن خلاصهم سيأتي بعدها، أما النصارى فيؤمنون بالمعركة ذاتها ولكن على أن خلاصهم هم سيأتي بعدها، ولكن هذا (الخلاص) الموهوم عند الأمتين الضالتين، لن يتم - للأسف كما يعتقدون - إلا بالتخلص من جُل سكان الأرض عن طريق تلك الحرب المدمرة: الهرمجدون. وأصل كلمة (هرمجدون) عبرية، ومعناها الحرفي: جبل مجيدو، فكلمة (هار) تعني في العبرية: جبل، فإذا أضيفت إلى اسم الوادي صار (هارمجيدو) التي دمجت في النصوص القديمة إلى (هرمجدون) . وأرض مجدو تبعد ٥٥ ميلاً عن تل أبيب، وهي في موقع يبعد ٢٠ ميلاً شرق حيفا، على بعد ١٥ ميلاً من شاطئ المتوسط، وترتبط في الاعتقاد القديم بأنها الأرض التي كان الفاتحون القدامى يعتقدون أن أي قائد يسيطر عليها يمكنه أن يصمد أمام أعدائه مهما كانت أعدادهم، ويعتقد اليهود والنصارى أن جيوشاً من مئتي مليون جندي [٤] سيأتون إلى مجدو للبدء في خوض حرب نهائية، ونصوصهم تدل على أن هذه المعركة سوف تتورط فيها كل الأمم، أي ستكون حرباً عالمية ولكن أوارها سيشتعل أولاً في منطقة الشرق الأوسط وفي فلسطين بالذات. والنصارى يعتقدون أيضاً أن تلك الحرب سوف تستغرق مدة سبع سنين، وهي مدة كافية تعطي لليهود فرصة كي يروا بأنفسهم كيف ينتقم الله من أعداء المسيح مما لا يدل على صدقه فيؤمنوا به. ويعتقدون أيضاً - بمقتضى الإنجيل أنه ستمر سبعة أشهر حتى يتمكن (بيت إسرائيل) من دفن جثث الضحايا وينظفوا الأرض منها. وتبقى طائفة النصارى الإنجيليين أو (المسيحيين الصهيونيين) المتزايدة النفوذ في أمريكا اليوم، تبقى هي صاحبة الاهتمام الأول بمعتقد (الهرمجدون) والمجيء الثاني الوشيك للمسيح. الإنجيليون وجيل النهاية: بعد قرون طوال من تبديل المحرفين المخرفين للتوراة والإنجيل، جاء جيل من المخربين ليدعوا أنهم جيل النهاية الذي سيشهد (نهاية التاريخ) وهؤلاء تمثلهم في الأساس جماعات الإنجيليين في أمريكا وكندا وإنجلترا الذين يقدر عددهم في الولايات المتحدة وحدها بنحو ٩٠ مليون نسمة. إن الشيطان لم يعثر على صنف من أتباعه أنسب من غلاة طائفة البروتستانت الإنجيلية النصرانية أدعياء التمسك الحرفي بالتوراة والإنجيل، فهؤلاء يرون أنهم سيعدُّون مسرح الدنيا لتمثيل الفصل الأخير من عمرها؛ فالهرمجدون أو (الهولوكست النووي) أو الحرب العالمية الثالثة هي المعركة المنتظرة التي يؤمن الإنجيليون النصارى بحتمية بل بضرورة وقوعها، ولهذا يروجون لها على أوسع وأعلى المستويات في الغرب، وقد أقنعوا بها الرئيس ريجان نفسه حتى تكاثرت التصريحات الصادرة عنه التي تدل على إيمانه بحتمية وقوعها قبل انقضاء هذا الجيل، فقد نشرت مجلة (سان رييجو مجازين) في أغسطس من عام ١٩٨٥م مقالاً لـ (جيمس ملز) الذي كان رئيساً لمجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا قال فيه: إن ريجان قال له أثناء مأدبة عشاء حضرها: إن كل النبوءات التي يتعين تحقيقها قبل معركة مجدو قد حدثت، والفصل ٣٨ من سفر حزقيال يقول: إن الله سيأخذ إسرائيل من وسط الكفار بعد أن يكونوا مشتتين، ثم يلم شملهم مرة أخرى في أرض الميعاد، وقد حدث هذا بعد قرابة ألفي سنة، ولأول مرة في التاريخ فإن كل شيء مهيأ لمعركة مجدو والمجيء الثاني للمسيح. وكلما اقترب قدوم الألفية الثالثة ازدادت وتيرة الصياح عن الحرب العالمية الثالثة؛ فقد صدرت في السنوات الأخيرة العديد من المؤلفات التي تتحدث عن هذه الحرب، ولاقى بعضها إقبالاً منقطع النظير، منها كتاب: (دراما نهاية الزمن) لمؤلفه (أو ترال لوبرتس) وبيعت منه ملايين النسخ، وكتاب: (الكرة الأرضية، ذلك الراحل العظيم) من تأليف (هال لندسي) وقد بيعت منه نحو ١٨ مليون نسخة، ومؤخراً صدر كتاب على الشاكلة نفسها بعنوان: (أسرار نهاية العالم) ، وقد ألفه عدد من العلماء، وهم الدكتور الفرنسي (لرجان بير) المتخصص في سيمولوجيا الانثربولوجي والدكتور الإنجليزي (ديفيد) المتخصص في مجال المعلومات، والدكتور اليوناني (ديمتري) المتخصص في علم اللغويات، والدكتورة (ميريام) الإسرائيلية المتخصصة في دراسة اللاهوت، وقد استنبطوا من سفر يوحنا في الإنجيل مادة كتابهم، وجاء في مقدمة الكتاب: إن حضارتنا هذه ستكون ضحية مرة أخرى لجنون حرب عالمية ثالثة لن تستغرق كثيراً؛ لأن الأسلحة الموجودة الآن نووية، وستحرك هذه الحرب (يأجوج ومأجوج) الذي تمثلهم الصين في هذا العصر بما تملك من ترسانات نووية موجهة نحو الغرب، ويتوقع أن يفوق هذا الكتاب ما سبقه من كتب في شدة الإقبال وذيوع الصيت. وإلى جانب ذلك تقدم السينما في الغرب كل مدة أفلاماً مرعبة تصور ما يمكن أن يحدث للعالم إذا نشبت الحرب العالمية الثالثة، منها فيلم: (الشتاء النووي) الذي عُرض في بداية التسعينات وأثار رعباً واسع النطاق. أما في نهاية التسعينات فقد نشرت صحيفة نيوزويك الأمريكية في منتصف مايو ١٩٩٩م، أن دور السينما الأمريكية ستبدأ في ١٩ من الشهر نفسه عرض ما أطلق عليه (فيلم القرن) وهو بعنوان: (الشبح ... ظاهرة نهاية القرن العشرين) وقالت الصحيفة: إن ميزانية الفيلم قدرت بـ ١١٥ مليون دولار، وتوقعت الصحيفة أن يُحْدث الفيلم دوياً غير مسبوق في تاريخ السينما! والمشكلة هنا أن أجواء الحرب يمكن أن تصنع الحرب. ولا ندري هل هذا الزخم الإعلامي الضخم هو المسؤول عن اللوثات الدينية (الأخروية) في أمريكا أم أن تلك اللوثات هي التي تصنع ذلك الزخم؟ على أي حال فإن التيار الإنجيلي البروتستانتي الذي يطلق على نفسه: (التحالف المسيحي الصهيوني) أصبح يقود حركة مد ديني متنامٍ في الولايات المتحدة، وبات لا يكتفي بالتدخل في السياسة؛ بل يطمع في توجيهها، ويطمح إلى الإمساك بزمامها. وللتذكير؛ فإن هذا التيار هو الذي انتخب الكونجرس الأمريكي عام ١٩٩٤م وسيطر على أغلبيته لصالح الحزب الجمهوري، ولما تباطأ هذا الحزب في التنفيذ الشامل لكل برامجهم الموجهة أعلنت كتلتهم المسماة بـ (الائتلاف المسيحي) احتجاجها، وحذرت الحزب بأنه لن يحظى ثانية بتأييدهم في انتخابات الكونجرس القادمة، وأمام هذا التهديد أذعن الحزب الجمهوري لمطالب (الائتلاف المسيحي) الذي سحب تهديده. وقد ظهر أثر وقوفه مع الحزب مرة أخرى في انتخابات نوفمبر من عام ١٩٩٨م التي فاز بها الجمهوريون بأغلبية ساحقة كان سببها التأييد القوي من الائتلاف المسيحي الصهيوني، ويكرر هذا الائتلاف لعبته، فيتوعد الحزب الجمهوري بالتخلي عنه في انتخابات عام ٢٠٠٠م إذا لم يضع برامجهم الدينية موضع التنفيذ [٥] ، بل هدد أحد زعماء الائتلاف بنسف الحزب الجمهوري انتخابياً إذا تخلى عن برنامج الأصوليين (الإصلاحي) ! والائتلاف المسيحي - كما يبدو للمتابع - لن يدع فرصة انتخابات عام ألفين تفوته؛ فانتخابات الألفية لا بد أن يحصد ثمرتها (الألفيون) ولهذا؛ فإن مؤسس الائتلاف المسيحي (بات روبتسون) قد بدأ من الآن في إعداد حملة ضخمة لضمان سيطرة الأصولية الأمريكية على انتخابات القرن الحادي والعشرين التي ستأتي بالحكومة الأولى في الألف الثالثة، وقد سبق لروبتسون أن قاد حملة الحزب الجمهوري عام ١٩٨٨م، وهو من الأصدقاء الشخصيين لكل من ريجان وبوش، بل إن تكتل الأصوليين الذي يتزعمه هو الذي جاء بالرئيس ريجان ليضعه على رأس أكبر دولة في العالم، وكان الائتلاف مسانداً قوياً لجورج بوش من بعده، وعندما حصلت الانتخابات التي جاءت بكلينتون مرشح الحزب الديمقراطي، كان منافسه فيها (بوب دول) مرشح الحزب الجمهوري، ولكن (دول) لم يفلح في كسب تأييد الأصوليين الإنجيليين فتخلوا عنه فسقط [٦] ، وجاء كلينتون الذي أثبت أنه أصولي أكثر من الأصوليين في تأييده للإسرائيليين رغم انتمائه للديمقراطيين. ويستعد الإنجيليون من الآن لخوض حملة رئاسية عنيفة وفاصلة من أجل تسليم زمام السلطة في أمريكا إلى رئيس أصولي إنجيلي أو تابع للأصوليين الإنجيليين في انتخابات عام ٢٠٠٠، وقد بدأ زعيم (الائتلاف المسيحي) روبتسون هذه الحملة باستعدادات وصفها المراقبون بأنها (أسطورية) ! فقد نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز في ١٢ /٣ /١٩٩٩م، أن القس الأمريكي (بات روبتسون) تعهد بإطلاق حملة ميزانيتها ٢١ مليون دولار لتوجيه الناخبين الأصوليين ودفعهم إلى مراكز الاقتراع في انتخابات عام ٢٠٠٠ للرئاسة ومجلس الكونجرس، وتقضي خطته الانتخابية بتجنيد مليون و ٥٠٠ ألف حركي لضمان صب أصوات ١٥ مليون ناخب في خانة المرشحين الأصوليين اليمينيين، وفي سياق إعلانه عن الحملة ذكر القس الأمريكي أن الحركيين التابعين لتحالفه سيُكلَّفون بتوزيع ٧٥ مليون دليل انتخابي خلال الحملة المقبلة، وسيتحركون سياسياً في ١٠٠ ألف كنيسة. أما عن المسائل ذات الاهتمام التي سيركز عليها في حملته فقد قال القس: إن الائتلاف المسيحي مهتم أساساً بالمسائل الدينية التي تواجه أمريكا، وخارجياً فإن أشد ما يزعجه هو حصول الصين [٧] على أسرار تكنولوجية نووية أمريكية. ولا يستبعد أن يرشح هذا القس نفسه شخصياً في الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠٠، فقد سبق أن عزم على ذلك في الانتخابات الرئاسية عام ١٩٨٦م، وبالرغم من أنه لم يكن يمتلك ما يمتلكه اليوم من إمكانات، فقد علقت صحيفة نيويورك تايمز وقتها على الفرص الكبيرة المتوافرة أمامه للفوز إذا مضى في عزمه فقالت: إن هناك ٢٤ مليون مشاهد للمحطة التلفزيونية المسيحية التي يسيطر عليها (بات روبتسون) ، وإن احتمال ترشيحه يستند إلى لوائح كبيرة من المساهمين والممولين، وكذلك على إقبال كبير من المشاهدين يفوق عددهم عدد قراء صحف التايم ونيوزويك ونيويورك تايمز ولوس أنجيلوس تايمز والواشنطن بوست مجتمعة! وهذا (الملك) النصراني غير المتوج يؤمن إيماناً مطلقاً بإسرائيل، وبأنها المحور الذي تدور حوله أحداث (الأيام الأخيرة) يقول: إن إعادة ميلاد إسرائيل، هو الإشارة الوحيدة إلى أن العد التنازلي لنهاية العالم قد بدأ، كما أنه مع مولدها؛ فإن بقية التنبؤات ستتحقق بسرعة [٨] . الإنجيليون والهرمجدون: الإنجيليون حرفيون، ولهذا فهم يؤمنون حرفياً بحديث التوراة والإنجيل عن معركة النهاية بكل ما فيها من تفصيلات مكانية وزمانية وما يتعلق بها من وقائع وأسماء أشخاص وزعماء وبلدان وبحار وأنهار وأشجار؛ فليس هناك - في اعتقادهم - معنى ظاهر وآخر باطن في نصوص الكتابيْن، ولهذا؛ فإن حديث التوراة والإنجيل عن محاربة أنصار المسيح لأعدائهم بالسيف والرمح والخيل لا يدل على شيء آخر غير فناء الحضارة المادية المعاصرة وعودة الناس إلى الحياة البدائية أو قريب منها! ! والنصوص الدينية التي استعرضنا بعضاً منها، تمثل هواجس دافعة، تؤز بها شياطين الجن أتباعها من شياطين الإنس ليرسما سوياً معالم الصورة المأساوية لإنهاء خلافة الإنسان في الأرض؛ والمطلع على تصريحات رموز وأعضاء هذا التيار الإنجيلي (المتدين) يشعر بأنه يسمع الشياطين تتحدث على ألسنة البشر؛ فعندما سألت الكاتبة الأمريكية (جريس هالسيل) أحد هؤلاء الإنجيليين عن السبب في أن إله الرحمة والسلام يحب - كما يزعمون - أن تقوم حرب نووية مدمرة قال: (يجب أن نتذكر أن الله هو الذي عرَّف الإنسان بصناعة وإنتاج هذه القوة المدمرة؛ فهي ليست جديدة على الله، ولن تستعمل دون مشيئته [٩] . ويقول (هال ليندسي) في كتاب له بعنوان: (العالم الجديد القادم) : فكِّروا فيما لا يقل عن ٢٠٠ مليون جندي من الشرق، مع ملايين أخرى من قوات الغرب يقودها أعداء المسيح ... إن عيسى المسيح سوف يضرب أولاً أولئك الذين دنسوا مدينة القدس، ثم يضرب الجيوش المحتشدة في (هرمجدون) فلا غرابة أن يرتفع الدم إلى مستوى ألْجِمَة الخيل مسافة ٢٠٠ ميل من القدس، وهذا الوادي سوف يملأ بالأدوات الحربية والحيوانات وجثث الرجال والدماء! ! وأضاف: إن الأمر يبدو وكأنه لا يصدق! إن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعب مثل هذه اللاإنسانية من الإنسان ضد الإنسان [١٠] ، ومع ذلك فإن الله يُمكِّن طبيعة الإنسان من تحقيق ذاتها في ذلك اليوم! إذن؛ فالحرب الثالثة عندهم ليست مجرد أمل ينتظر، وإنما هي قدر لا بد من الرضى به، بل والسعي إليه في نظر هؤلاء المهاويس، أما ما يسمى بـ (المساعي الدولية للتعايش السلمي) فإنها في نظر الإنجيليين ضرب من تحدي الإرادة الإلهية. ألقى (جيمي سواجارت) القس الأمريكي الإنجيلي الشهير موعظة في ٢٢ سبتمبر١٩٨٥م تحدث فيها، - وكأنه يقوم بمشهد تمثيلي - فقال: كنت أتمنى أن أستطيع القول بأننا سنحصل على السلام، ولكني أؤمن بأن هرمجدون مقبلة، إن هرمجدون مقبلة، وسيخاض غمارها في وادي مجيدو، إنها قادمة، إنهم يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون، ولكن ذلك لن يحقق شيئاً. هناك أيام سوداء قادمة ... إنني لا أخطط لدخول جهنم القادمة، ولكن الإله سوف يهبط من عليائه ... يا إلهي! ! إنني سعيد من أجل ذلك ... إنه قادم ثانية، إن هرمجدون تنعش روحي! . ولكن ما هو سبب هذا (الانتعاش) الروحي المستمد من روائح الدم وأدخنة الخراب؟ ! إنه فصل معاصر من فصول الحقد التاريخي اليهودي على البشر الذي انتقلت عدواه إلى النصارى الذين كانوا يوماً مَّا من المغرمين بالحديث عن السلام تحت شعار: (الله محبة) ! فعقدة (الجويم) أو الكفار أو العامة أو (الجنتيل) الذين خلقهم الله لخدمة اليهود، ولكن خلقهم على هيئة البشر لئلا يستوحش منهم اليهود. هذه العقدة يشارك البروتستانت اليهود فيها، ولهذا؛ فإن الحديث عن فناء (العامة) من غير اليهود وأشباههم من البروتستانت هو من الأحاديث المنعشة لأرواحهم والمسعدة لأسماعهم. قال القس الإنجيلي البارز (جيري فالويل) في محاضرة ألقاها في ١٢ ديسمبر ١٩٨٤م عن أحداث هرمجدون: ما أعظم أن نكون مسيحيين؛ إن أمامنا مستقبلاً رائعاً، نشكر الله أن هذه المعركة سوف تكون نهاية أيام العامة (الجنتيل) ؛ لأنها بعد ذلك سوف تعد المسرح لقدوم الرب المسيح بقوة وعظمة! وأحباب (الهرمجدون) لا يقفون عند حد الأماني (الوردية) بقرب مجيء أيامه الحمراء أو السوداء، ولكنهم يصنعون سيناريوهات (واقعية) يمكن أن تجر الدنيا لمجيئه؛ فقد أجرت صحيفة لوس أنجيلوس تايمز حديثاً مع القس المذكور (فالويل) في ٤ مارس ١٩٨١م، وسأله الصحفي عن تصوره لكيفية حصول الحرب النووية العالمية فقال: أعتقد أن روسيا ستحدث بها أزمات، وعلى رأسها أزمة في النفط وسينفد احتياطيها منه، وعندها سوف تتحرك إلى الشرق الأوسط وأيضاً نحو إسرائيل، وعندما يحدث ذلك ستنفتح أبواب جهنم! وقد أصدر ذلك القس بعد ذلك بعامين كتاباً بعنوان: (الحرب النووية والمجيء الثاني) ، عقد فيه فصلاً عن الحرب إلي ستشنها روسيا، وتكهن فيه بأنها ستخوض حرباً في الشرق الأوسط ينتج عنها إبادة خمسة أسداس جنودها كما تنبأ بذلك سفر حزقيال، وقال (فالويل) : بذلك سوف يبدأ الاحتفال الأول بقرب عودة الرب، ثم يأتي الاحتفال الآخر بعد انتهاء معركة الهرمجدون! ولكن لماذا روسيا بالذات؟ ! في الحقيقة إن روسيا - مع دول أخرى - يزعم هؤلاء الإنجيليون أن اسماءها قد وردت بالنص في طليعة المشاركين في حرب الهرمجدون؛ ففي التوراة التي بأيديهم وفي سفر حزقيال على وجه التحديد في الفصل ٣٨، ٣٩ يرد اسم (روش) وهي كما يقولون: روسيا! و (ماشك) التي يقولون: إنها موسكو، و (توبال) التي يعتبرون أنها مدينة (تيبولسك) الكبيرة في روسيا، ويذكر السفر أيضاً بلاد (فارس) وهي بالطبع إيران التي يجزمون بأنها ستكون مشاركاً رئيساً في حرب هرمجدون، ويترجمون بلاد (كومر) بأنها منطقة بلدان أوروبا الشرقية كما كانت تعرف في أزمنة التوراة و (توغارما) التي تعني بلاد القوقاز، ولا ينسون ضم ليبيا التي يعتقدون أنها (بوت) المذكورة في التوراة، ومنطقة القرن الإفريقي مع إثيوبيا وقد يحشرون معها السودان وجنوب اليمن (غومر) ، أما العراق فهي (آشور الآثمة) و (بابل الزانية) التي يتحدث كتاب التوراة عنها بلهجة حنق وغيظ تظن معها أنهم كانوا متحدثين باسم اللجنة الدولية للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل! أما (إسرائيل) فهى نفسها إسرائيل التي نعرفها اليوم، والتي لم يجد مؤسسوها اسماً آخر يصلح لها إلا ذلك الاسم الذي تذكر به في التوراة في الأيام الأخيرة، والتي ستكون بسببه في بؤرة الأحداث العالمية. على درب الدمار: لم يعد احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة مدمرة من الاحتمالات المستحيلة في ظل السياسات المجنونة للتسلح في العالم؛ حيث بلغت تلك السياسات نقطة اللاعودة بحيازة الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلة الذرية في الأربعينات واستعمالها الفعلي لها في الحرب العالمية الثانية التي حصدت نحو خمسين مليوناً من البشر! ومن يومها والولايات المتحدة - فكك الله وحدتها - تقود العالم إلى سباق نووي شيطاني لا يعلم إلا الله ما هي محطته الأخيرة. واستناداً إلى كتاب: (ساحات المعارك النووية) لمؤلفيه (وليام آركن) و (ريتشارد فيلد) ؛ فإن الولايات المتحدة الأمريكية تملكت حتى بداية الثمانينات الميلادية ٦٧٠ أداة للأسلحة النووية في ٤٠ ولاية، بحيث يبلغ مجموع الرؤوس النووية الجاهزة ١٤٥٠٠ رأس، ولها محطات نووية خارج حدودها، ففي ألمانيا يوجد ٣٣٩٦ سلاحاً أمريكياً، وفي بريطانيا يوجد ١٢٦٨، وفي إيطاليا يوجد ٥٤٩، وفي تركيا ٤٨٩، وفي اليونان ١٦٤، وفي جنوب كوريا ١٥١، وفي هولندا ٨١، وفي بلجيكا ٢٥، وتبلغ القوة التدميرية الإجمالية لهذا السلاح النووي - كما ذكر ذلك وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (كلارك كليفورد) - مليون ضعف من قوة القنبلة التي أسقطها الأمريكيون على مدينة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية، ورغم هذا، تساءل (كليفورد) عما يجب أن تفعله أمريكا في المستقبل فقال: مع ذلك، ماذا علينا أن نفعل؟ ! ثم أجاب على نفسه قائلاً: علينا أن نمضي قدماً في صناعة المزيد! ! وهل من مزيد؟ نعم؟ فهم لما بدؤوا السباق في مضمار الدمار الذي اخترعه (نوبل) رمز السلام النووي، اضطرت القوى الكبرى الأخرى أن تدخل السباق لتتمكن من ردع تلك القوة المجنونة التي صبت جام جنونها على هيروشيما ونجازاكي، ثم تتابعت الدول في حيازة ذلك السلاح (الهرمجدوني) حتى أصبحت الدول النامية تتسابق الآن هي الأخرى إلى حيازته، كما حدت في الهند وباكستان، وأصبحنا الآن نعيش عصراً تقتطع فيه الدول من أقوات الشعوب، لتطعم ترساناتها بكل جديد مهلك من السلاح، فإذا لم تظفر بظروف تختطف فيها فرصتها النووية فإنها تبذل المساعي لامتلاك أسلحة كيمياوية أو بيولوجية، أو تكتفي بالتجهيز لامتلاك صواريخ بالستية ريثما تتوفر لها الفرص لتزويدها بالرؤوس النووية التدميرية. وقد ذكرت مجلة (جنيس ديفنزويكلي) المتخصصة في الشؤون الدفاعية التي تصدر في لندن في عددها الصادر في شهر مايو ١٩٩٩م: أن أي دولة في العالم مهما كانت خبراتها وقدراتها الحالية، ستتمكن خلال خمسة عشر عاماً بعد العام ٢٠٠٠م من استخدام ونشر الصواريخ البالستية العابرة للقارات، واستشهدت المجلة على تنامي أخطار التسلح بما حققته دول مثل إيران التي اختبرت عام ١٩٩٨م صاروخ (شهاب ٣) ، وكوريا الشمالية التي جربت صاروخ (تايبو دونج ١) وباكستان التي اختبرت صاروخ (غوري) رداً على اختبار الهند لصاروخها (إجني) ! وهل توقف الأمر بعد الدول الكبرى عند حد الدول الفقيرة والنامية؟ ! لا؛ فالحديث الآن يتداول في الغرب بكثرة عن الفرص المتاحة أمام بعض الجماعات المسلحة في الغرب وفي الشرق لكي تحوز أسلحة كيماوية أو بيولوجية أو حتى نووية تكتيكية [١١] والفضل في النهاية - أقصد الإثم - يعود إلى فجور المفجِّرين الأوَل للقمقم الذي أخرجوا منه المارد النووي على مشارف النصف الأخير من القرن العشرين. وأين اليهود؟ ! هم من جانبهم أعدوا عدتهم بحصيلة نووية (متواضعة) تتراوح بين ٢٠٠ إلى ٣٠٠ قنبلة نووية، وهم لن يحتاجوا لأكثر من ذلك إذا قسَّموا هذه الحصيلة على العواصم المحيطة (المحبة للسلام) بواقع عشر قنابل لكل عاصمة! علماً بأن الغرب وعلى رأسه الأمريكان لم يسمحوا لواحدة من تلك العواصم العربية بالاقتراب من حيازة قنبلة واحدة نووية لردع الجارة الجائرة (إسرائيل) ! إن هذه الدولة اليهودية (الصغيرة) بل الحقيرة تمسك بتلابيب الغرب النصراني مبتزة إياه باقتنائها المتفلت لأسلحة الدمار الشامل، وهي تفرض بذلك هواجس دائمة بأنها تملك جره إلى حرب مباشرة، كما حدث في حرب ١٩٧٣م عندما هددت (إسرائيل) في بدايتها باستعمال السلاح النووي مما دفع الرئيس الأمريكي الأسبق إلى أن يعلن استنفاراً نووياً من الدرجة الثالثة من الاستعداد في كل أنحاء العالم، وتكرر هذا الابتزاز في حرب الخليج عندما أطلق صدام حسين صواريخه على تل أبيب، ولكن اليهود مع هذا يعلمون أنهم سيكونون أول ضحايا حرب نووية في المنطقة، ولهذا؛ فإنهم يعتمدون ما يسمى بـ (الخيار شمشون) [١٢] ومعناه: أنهم سيضحون بالجميع إذا ترجح عندهم أنهم يواجهون خطر الاستئصال. الأخطاء المقصودة والعصمة المفقودة: وفي ظل هذا الواقع الرهيب - إن كان له ظل - هل يملك المالكون لأزمة الآلة العسكرية في بلاد الغرب أو الشرق الأوسط أو الأدنى أو الأقصى، هل يملكون عصمة تمنعهم من فتح أبواب الجحيم الدنيوي ولو على سبيل الخطأ؟ ! إن من سوء حظ البشرية تحت القيادة الغربية، أن الشواهد كلها تدل على أن السيطرة الكاملة على التنين النووي ذي الرؤوس الذرية - إلى ما لا نهاية - أمر مستحيل؛ فنحن أمام حقيقة تقول: إما أن تُفني البشرية هذا الخطر أو يفنيها، إلا أن يشاء الله - تعالى - الرحيم بعباده شيئا آخر ينقذ به الإنسانية من الشر الكامن فيها؛ وإلا فإفناء البشرية لترسانات الدمار الشامل يحتاج إلى قوة رشيدة عاقلة ذات دين، وأين هي الآن؟ ! فاللهم رحماك! والآن يُتْحفنا أرباب الحضارة المعاصرة - بشكل شبه يومي - بأخبار تثير الفزع، وتبعث على الهلع، يحدثوننا فيها عن كوارث محتملة وأخرى أكيدة ستعم المعمورة كلها مع مطلع العام ٢٠٠٠ م. إنها ليست بسبب (جنون البشر) هذه المرة، ولكن بسبب (العقل) الذي اخترعوه وطوروه حتى كاد يتحكم فيهم بدلاً من أن يتحكموا فيه ... إنه (الكمبيوتر) ! فالعالم الآن يُستنفر كلما اقترب موعد بدء الألفية الثالثة، بسبب مشكلة الكمبيوتر في عام ٢٠٠٠ م أو ما اصطلح على تسميته (العلة الألفية) .. فما هي هذه العلة؟ وما تعليلها؟ وما آثارها المتوقعة؟ وهل يمكن السيطرة على أخطارها التسليحية والبيئية والاقتصادية..؟ هذا ما سيكون موضوع حديثنا في المقالة القادمة - إن شاء الله -.

стр. 3108

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش إلا هذه! ! أعلن وزير الداخلية المقدوني أن الدول الأعضاء في حلف الناتو تعهدت عدم دعم نشاطات جيش تحرير كوسوفا لتفادي زعزعة الوضع الأمني في البلاد. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٤٩) ] بل الأهداف واضحة! ! رأت مارجريت تاتشر، رئيسة الحكومة البريطانية السابقة أن تدخل حلف شمال الأطلسي في منطقة البلقان جاء متأخراً ثماني سنوات وأهدافه تبدو غير واضحة. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٥٠) ] أرقام من المحنة - أفادت وزارة الدفاع الأمريكية أن أكثر من ٤٦٠٠ شخص لقوا حتفهم في أكثر من ٧٠ مذبحة جماعية في الإقليم منذ مارس الماضي. [جريدة الأنباء، العدد: (٨٢٥٢) ] - قافلة مكونة من ٢٥٦ تراكتوراً و ٧ حافلات تحمل ١٠ آلاف لاجئ اختفت تماماً ولم تصل إلى أي نقطة حدودية ولم يعثر لها على أثر، والمرجَّح أن تكون أبيدت بكاملها. [جريدة الرياض، العدد: (١١٢٦٣) ] - قدرت الخارجية الأمريكية عدد الكوسوفيين من القادرين على القتال الذين فقدوا في الحملات التي قام بها الصرب بنصف مليون شخص. [جريدة الحياة، العدد: (١٣١٩٢) ] - تعالج الفرق الطبية ٣٠٠ طفل و ٤٠٠ امرأة، ٦٠٠ عجوز يومياً في مستشفيات كويكس بألبانيا، ويتم العلاج غالباً في العراء. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٦١) ] - أعلن الناطق باسم الأمم المتحدة أن عدد اللاجئين الألبان يمكن أن يبلغ ١. ٢٥ مليون قبل نهاية العام الحالي. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٧٩) ] إلى دعاة السلام حولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي ٣٣ مسجداً واقعة ضمن الأحياء الداخلية من مدينة الخليل إلى معابد يهودية. [جريدة الرياض، العدد: (١١٢٦٩) ] المدلسون ١- لقد جاء مسيحيُّو أوروبا ليخلَّصوا وطن المسيح من الحكم الإسلامي، فماذا لو تصورنا أن ما حدث كان العكس، ماذا لو تصورنا أن الكعبة هي التي تم احتلالها من قبل عنصر غير عربي وغير مسلم الديانة؟ وما الذي كان سيفعله المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها؟ فلماذا نلبس الصليبية القديمة لبوساً شيطانياً مستمراً إلى الآن؟ ثم هل يمكن أن نسمي دعوات التبشير حملات صليبية جديدة؟ ألا نسعى نحن بدورنا للدعوة والتبشير بالإسلام؟ أم أنه حق مشروع لنا فقط؟ ثم ألا نحلم بعودة عصر الفتوحات واحتلال بلاد العالمين؟ [د. سيد القمني، مجلة روز اليوسف، العدد: (٣٦٩٢) ] ٢- بالطبع أنا لا أعادي أحداً بناءً على انتمائه الديني، وإلا كنت متعصباً وعنصرياً كما أنني أؤمن بالموقف الذي يرى أن الأقليات جزء من الأمة، لها ما لنا وعليها ما علينا، وبالنسبة إلى اليهود تحديداً، أنا أؤيد هذا تأييداً مطلقاً من المنظور الإنساني ومن الناحية العملية. [د. عبد الوهاب المسيري، مجلة الوسط، العدد: (٣٧٨) ] يا عزيزي.. كلهم بوتو! ! جمعت بنازير بوتو وزوجها أموالاً وممتلكات عن طريق الفساد تقدر بحوالي ٤٧٨ مليون دولار منها: ١٢ مصنعاً، ١٨٤ عقاراً، ١٨٥ حساباً مصرفياً، ١٣. ٥٠٠ فدان من الأراضي الزراعية. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٧٩) ] ولا عزاء للحلفاء! توقعت مصادر مطلعة أن تستجيب الإدارة الأمريكية لضغوط الشركات الكبرى وتفرض عقوبات اقتصادية على الكويت، وربما يصل الأمر إلى الاحتكام إلى منظمة التجارة العالمية لفرض عقوبات إضافية وذلك لمنع ما أسمته القرصنة الفكرية الناتجة عن الاستنساخ غير المشروع للبرامج والأعمال الفكرية. [مجلة المجلة، العدد: (١٠٠٣) ] إلى المقتدين بهم أفادت دراسة أجرتها منظمة أمريكية مستقلة أن ٥٨ % من الأمريكيين يرون أن أطفالهم كسالى وأُفسدوا بالدلال، وأنهم غير مهذبين، كما يرى ٧٤% من الأمريكيين أنهم - أي الأطفال - لا يشعرون بأي مسؤولية ولا يمكن السيطرة عليهم. [جريدة الأنباء، العدد: (٨٢٤٨) ] صادق.. من غير حلف! ! نفى الجنرال أنتوني زيني قائد القوات المركزية الأمريكية الأنباء التي ترددت عن بناء قواعد عسكرية أمريكية في اليمن، وأكد بأنه ليس هناك خطة أو سياسة للولايات المتحدة في بناء قواعد باليمن سواء أكانت برية أو بحرية، وأن ما يزعم أو يروج له في هذا الصدد لا أساس له من الصحة. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٥٥) ] تأبَّط شراً أعلن الفاتيكان رسمياً عن تأسيسه لجهاز للمخابرات حين أعلن عن إنشاء دائرة جديدة سماها لجنة الأمن يشرف على عملها البابا يوحنا بولس الثاني نفسه. وتشير تقارير إيطالية إلى أن الفاتيكان بدأ يتنبه إلى مخاطر جديدة تحدق بمؤسساته ودوره كهيئة راعية للوجدان الديني المسالم، ومنها إمكانية بعث مسببات تؤدي إلى صراع بين المؤسسات الدينية المتنوعة في العالم بحيث يجد نفسه في مناخات غير مهيأ لمواجهتها. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٥٧) ] الودُّ باق أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن مدير الاستخبارات العسكرية الأردنية قد زار إسرائيل سراً؛ حيث التقى رئيس الأركان الإسرائيلي، ونقل رسالة من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أكد فيها تصميم الأردن على مواصلة التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٢١١) ] مصاصو الدماء قالت وزارة العدل الإسرائيلية: إن لجنة تابعة للأمم المتحدة أقرت حصول إسرائيل على أكثر من ٣١ مليون دولار من التعويضات عن قصفها بصواريخ سكود أثناء حرب الخليج كما أقرت مبلغاً إجمالياً قدره ٣١. ٥ مليون دولار تعويضاً لمصلحة ٦٨ شركة إسرائيلية. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٤٣) ] طاجيكستان وثالوث الشر يواجه المسلمون في طاجكستان استغلال المؤسسات التبشيرية من اليهود والنصارى والشيعة والذي يتمثل فيما يلي: يوجد ما يزيد على (٢٥) مؤسسة تبشيرية، وقد بلغ عدد الكنائس التي بنيت خلال السنوات الأخيرة عشر كنائس، كما تنصر (٣٠٠٠) من مسلمي الطاجيك وتشيع عدد آخر غير معروف، كما أنشأ عدد من المعابد اليهودية، وتم تجنيد عدد من الدعاة لتوزيع الأناجيل في البيوت والحافلات، والمجمعات، وقد فتحت نوادي مختلطة للجنسين تحت مظلة التدريب الرياضي. [مجلة سياحة الأمة، العدد: (١٥) ] صانعوا الإرهاب إن الأحداث الأخيرة تؤكد وجود صلة بين التدخل العسكري الأمريكي في شؤون الدول الأخرى وبين زيادة العمليات الإرهابية ضد المنشآت الأمريكية والمواطنين الأمريكيين، إن الدور القيادي العالمي لأمريكا معناه أننا أصبحنا مسؤولين عن العالم وهذا ما يغضب شعوب العالم الأخرى، وهو ما يحوّل بعضهم إلى إرهابيين. [د. إيفان إيلاند، خبير أمريكي، مجلة المجلة، العدد: (١٠٠٠) ] الأزمة القادمة تؤكد تقارير البنك الدولي أنه منذ عام ١٩٦٠م وإلى عام ٢٠٢٥م فإن مؤشر موارد المياه العذبة المتجددة في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يتجه إلى الانخفاض بنسبة كبيرة تتجاوز ٨٠% من حوالي ٣٣٠٠ متر مكعب في السنة إلى ٦٥٠ متراً مكعبا فقط. [جريدة الشعب، العدد: (١٣٥٣) ] ودعم الإرهاب إن قضية ضمان استمرار التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي على الدول العربية أمر محسوم؛ لأنه هدف أمريكي وليس خياراً، وعليه؛ فإن الازدواجية السياسية في المعايير التي يشتكي منها العرب تقترن بازدواجية في المعايير العسكرية أيضاً تصب لصالح الدولة العبرية بقرار وإرادة أمريكيتين. [إدمون غريب، الأستاذ بالجامعة الأمريكية، واشنطن، مجلة المشاهد السياسي، العدد: (١٦١) ] مرصد الأرقام - يتعرض المسلمون في بورما إلى أنواع كثيرة من الظلم، منها: هدم وتدمير ١٥ ألف بيت، تهجير ٢ مليون مسلم، المقتولون في المذابح ٢٠٠ ألف، هتك أعراض ٢٠ ألفاً، عدد المسجونين ٤٠ ألفاً، عدد الجوامع والمدارس الدينية المحروقة ٥ آلاف، عدد المفقودين ٥٠ ألفاً، العاطلون عن العمل مليون مسلم. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٦٤) ] - يعتبر التكاثر الطبيعي لليهود في العالم من أكثر النسب انخفاضاً؛ إذ إن نسبة تكاثرهم في السنوات الخمس الأخيرة لم تزد عن ثلاثة في الألف، ويبلغ عدد اليهود اليوم ١٣. ١ مليون. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٤٩) ] - هناك حوالي ٢٣٠ مليون سلاح ناري يملكه الأفراد في الولايات المتحدة، وفي كل عام يلقى حوالي ٣٥ ألف أمريكي حتفهم في الولايات المتحدة الأمريكية رمياً بالرصاص. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٧٨) ] - تشير الإحصائيات أن ديون العالم الثالث قد بلغت ما يقرب من ٢ تريليون دولار، وقد أصبح العالم الثالث يمثل ٨٠% من مجموع سكان كوكب الأرض. [جريدة الأنباء، العدد: (٨٢٤٢) ] - أكدت منظمة الصحة العالمية أن الإدمان على التدخين ساهم في وفاة أربعة ملايين شخص العام الماضي، (١٩٩٨م) ، وقد بلغت أرقام مبيعات السجائر ٣٠٠ مليار دولار سنوياً. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٧٠) ] - بلغت نسبة الأمية في العالم العربي ٤٣% بينما هي في الهند تقف عند حدود ١٨% وفي بلدان أمريكا الجنوبية ١٣%. [جريدة الخليج، العدد: (٧٢٩٥) ] - وصلت نسبة البطالة في الجزائر ٢٥% ما يعني أن أكثر من ٢. ٦ مليون شخص من دون عمل. [مجلة الوسط، العدد: (٣٨٠) ]

стр. 3109

قضايا ثقافية بين العقل والنقل .... كلام في موضوع قديم يتجدد عبد العزيز بن محمد التميمي مشكلة تعارض العقل والنقل مشكلة قديمة، ظهرت أوّل ما ظهرت بشكل جادّ في الفكر الإسلامي عند ترجمة الفلسفة اليونانيّة، ذلك أنّ تلك الفلسفة كانت مبنية على ما يسمى بالمنطق الصوري، الذي يعطي التأمل العقلي المحض إمكانات أكبر بكثير مما يستحقه. كان اليونان يعتقدون أن العقل وحده مصدر المعرفة اليقينية، ولا يرون حدوداً لإمكانياته، وكان من أخطائهم الكثيرة في هذا المجال استخفافهم بكل مصدر آخر للمعرفة غير العقل حتى المصدر الحسي، والتأمل في الكون، والسير فيه لجمع المعلومات والاستقراء العلمي. حصل هؤلاء الفلاسفة بهذه المناهج على معارف بعضها صحيح، والكثير منها زائف لا قيمة له. وعندما ترجمت هذه المناهج والمعارف بهرت كثيراً من أبناء المسلمين الذين لم تكن لديهم الكفاية في المعرفة بالعلم المادي ولا العلم الشرعي ... ومن هنا جاءت المشكلة: إذا تعارض العقل والنقل فأيهما نقدم؟ ! ويقصدون بالعقل: مناهج البحث اليونانية ومجموعة المعارف الحاصلة منها. هنا تفاوتت أجوبة هؤلاء الدارسين للتراث اليوناني بين معجب غاية الإعجاب بهذا التراث، ومستخفٍّ غاية الاستخفاف بكل شيء يخالفه أو يختلف معه.. وعُرف هؤلاء بفلاسفة الإسلام ك (الفارابي، وابن سينا) حتى لقد جرؤ بعضهم على التصريح بأن الوحي إنما هو لعامة الناس الذين تقصر ملكاتهم العقلية عن الوصول إلى المعارف اليقينية عن غير طريق الوحي، أما الفلاسفة الذين يملكون هذا الاستعداد فهم في غنى عن هذا الوحي ... [كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ] [الكهف: ٥] ! وقد اتفق علماء الإسلام على أنّ من قال بمثل هذا القول أو اعتقد مثل هذه العقيدة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. وكان لفريق آخر رأي مختلف؛ حيث رأى المتكلمون (كالغزالي والرازي) أن الوحي مصدر للمعرفة، كما أن العقل مصدر للمعرفة، فإذا تعارضا فإنه يقدم العقل باعتباره أصلاً للنقل، لأن الإنسان آمن بعقله أولاً، ثم تابع الوحي بعد ذلك. وطائفة من الفقهاء والعلماء رأت أن فلسفة اليونان وكل ما صدر عنها من اعتقاد فلسفي أو نتاج علمي إنما هو زبالة أذهان البشر، لا يستحق الدرس والعناية به، ولا خير فيه على الإطلاق، ومن يدرسه أو يتعلمه فلا ثقة في دينه فضلاً عن أن يعارض به وحي رب العالمين . لم تكن هذه كل الآراء في المسألة، فقد كانت هنالك طائفة رابعة أبرز من مثَّلها وتكلَّم بلسانها وفصلّ رأيها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث لم يرفض كل النتاج اليوناني، لكنه في الوقت ذاته لم يقلل مطلقاً من قيمة النصّ الشرعي، وانما عمد إلى مراجعة السؤال القديم من منظور جديد نفصله كما يلي: إذا تعارض العقل والنقل فهنالك عدة احتمالات: أن يكونا قطعيَّيْن، أو يكونا ظنِّيَّيْن، أو يكون أحدهما قطعياً والآخر ظنياً. في الحالة الأولى يستحيل أن يتعارض قطعي العقل من قطعي النقل؛ وذلك لأن خالق العقل والكون هو منزِّل النص والوحي [أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ] [الأعراف: ٥٤] ، [أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] [الملك: ١٤] وهذه كانت أبرز وأخطر إضافات الشيخ ﵀ بهذه القضية الجدلية القديمة. أما في الحالة الثانية، فإذا تعارض القطعي مع الظني قُدّم القطعي سواء كان عقلياً أو نقلياً. ولنضرب أمثلة على هذه الحالة لأهميتها [١] : كان من المسائل العقلية الظنية فيما سبق الاعتقاد بأن الشمس ثابتة والأرض تدور حولها، وكان هذا الظن مخالفاً لقطعي النصّ الذي يقول: [والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا] [يس: ٣٨] ومن ثم يجب رفض هذا الظن العلمي الذي ثبت بطلانه بعد التقدم العلمي. أما عن ظني النصّ الذي يتعارض مع قطعي العلم فهو ما فهمه بعض الناس من قول الله ﵎: [واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً] [نوح: ١٩] أن الأرض منبسطة مستوية بينما قطعيات الحسّ والعلم تفيد بأن الأرض كرويّة، ومن هنا قُدِّم هذا القطعي على الظني علماً بأن هنالك نصوصاً ظنية الدلالة تفيد بأن الأرض كروية، مثل قوله - تعالى -: [يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ ويُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ] [الزمر: ٥] وقوله -سبحانه-: [والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا] [النازعات: ٣٠] . هذا عن الحالتين الأوليين، أما عن الحالة الثالثة، فإن الشيخ يقول: إذا كان العقل والنقل ظنيين قُدِّم أكثرهما رجحاناً وقرائن، عقلياً كان أو نقلياً ... هكذا بيسر وسهولة حل الشيخ المعضلة القديمة حلاً يريح القلب ويرضي العقل ... دون أن يقلل من هيبة النص ولا يضعف من مقدرة العقل؛ فرحمه الله رحمة واسعه. انطلق الشيخ بعد ذلك يفنّد تفنيداً مفصلاً أقوال الطائفتين: الفلاسفة، والمتكلمين ويبين تهافتها في مجال العقل والنقل؛ وكيف تناقض هؤلاء وتشككوا ولم يصلوا إلى يقين البتة؛ سواء كان هذا فيما يسمونه بالسمعيات أي الغيبيات أو ما وراء المادة مثل صفات الله - تعالى - وملائكته واليوم الآخر والجنة والنار.. إلخ أو كان هذا في الطبيعيات والنظر الكوني والرياضي والمنطقي. وكان في مناقشاته ومعالجاته أميناً عادلاً، ينقل قول الخصم بالنص ومن كتابه، ثم يطيل النفس في بيان تهافته وضعفه، وقد دفعه هذا إلى كثير من التكرار بسبب تشابه حججهم وأخذ بعضهم عن بعض.. فجاء كتابه طويلاً جداً في عشرة مجلدات جعلت من الصعب على الكثيرين في عصر السرعة أن يجدوا وقتاً كافياً لدراسته تفصيلاً، ومن هنا قام الدكتور الجلينيد المعروف بعنايته بتراث ابن تيمية بمحاولة اختصار وتقريب هذا العمل العظيم، وقد حالفه الكثير من التوفيق وجاء كتابه في مجلد واحد (٢٩٠ صفحة. في عشرة فصول) لكن هذا الاختصار الشديد جعله يحذف الكثير من المسائل المهمة التي يستطيع المتخصص مراجعتها في الأصل الذي طبعه بعناية كبيرة الأستاذ محمد رشاد سالم ﵀. بقيت ملاحظة أخيرة ... حبذا لو أُعيدت صياغة النصّ بأسلوب أيسر من أسلوب شيخ الإسلام.. خاصة وأن شبابنا قد تعوَّد على الثقافة الصحفية.. ثقافة (الساندوتش) ! .

стр. 3110

بأقلامهن دور المرأة المسلمة في تنشئة الجيل الصالح دور المعلمات - رائدات المجتمع (٢/٢) خولة درويش استعرضت الأخت الكاتبة في الحلقة السابقة دور المرأة من خلال ما يمكن أن تتحلى به وتقدمه لأبنائها من تربية وتوجيه، وتطرقت لأهمية الاستعانة بالله، وتتحدث في هذه الحلقة عن جوانب أخرى من الموضوع. - البيان- كانت ابنة هادئة مهذبة يجللها الحياء. وبعدما دخلت المرحلة المتوسطة بدا التغير عليها ... رآها والدها وقد لوّنت إحدى خصال شعرها باللون الأخضر، فلما سأل والدتها عن ذلك مستغرباً قالت: ما العمل؟ ! هكذا تفعل معلمتها في المدرسة؛ إذ تلوّن خصلة شعرها حسب لون فستانها! ثارت ثائرة الرجل، وما كان منه إلا أن أقسم أن لا يعلّم بنتاً له بعد اليوم! ! رويدك أيها الأب الغيور! فبالعلم حياة القلوب ولذة الأرواح، وبه يُعرف الدين ويكشف عن الشبهات. إن ديننا الإسلامي دين علم، وأم المؤمنين عائشة ﵂ كانت عَلَماً في ذلك؛ حيث حفظت وروت كثيراً من الأحاديث النبوية داخل المنزل الشريف. ومثلها كانت أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن وذلك استجابة لهدي هذا الدين: - عن الشفاء ﵂ قالت: دخل علينا النبي ﷺ وأنا عند حفصة ﵂ فقال لي: ألا تعلّمين هذه رقية النحلة كما علمتِها الكتابة؟ [١] . فالعلم مطلب شرعي للرجل والمرأة على السواء. فلماذا نضيّق واسعاً، ونحمّل الأجيال وزر معلمات كن قدوة سوء؟ ! نحن بحاجة إلى القدوة الحسنة، وغرس التعاليم الشرعية الصحيحة. - يجب أن لا يُهمل تعليم البنات؛ فقد قيل: تعليم رجل واحد هو تعليم لشخص واحد، بينما تعليم امرأة واحدة يعني تعليم أسرة بكاملها. وبتعليم بناتنا وتنشئتهن النشأة الصالحة نردم الهوة الكبيرة التي تفصل أمتنا عن التقدم في كثير من ديار المسلمين. بل إن ديننا الإسلامي بلغ فيه حب العلم والترغيب في طلبه أن دعا إلى تعليم الإماء من نساء الأمة؛ كي تزول غشاوة الجهل، وتسود المعرفة الواعية، وقبل ذلك ليُعبد الله على بصيرة وتستقيم الأجيال على أمر الله. وفيما رواه الإمام البخاري ﵀ قول النبي ﷺ : أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران [٢] . هذا إذا روعي في التعليم المنطلقات الشرعية. وقد عرف أعداؤنا أهمية العلم؛ فأسرعوا إليه؛ ولكن على أسس علمانية، وعرفوا أثر المعلمة؛ فعملوا على إفسادها، وبإفسادها أضلوا الأجيال منذ مطلع هذا القرن. ومما يؤسف له أن العلمانيين والملاحدة قد سبقوا أصحاب العقيدة السليمة إلى تعليم المرأة، فعاثت نساؤهم في العالم الإسلامي تخريباً وإفساداً نتيجة لما يربين عليه الأجيال من مبادئ ضالة ومضلة، وكان لتأسيسهن الجمعيات النسائية الدور الكبير في صرف بناتنا عن طريق الهدى والرشاد. فلا بد من بديل إسلامي لنحصن بناتنا بالتربية الرشيدة، حتى لا يكون موقفنا مجرد النقد واللوم، وذلك بالتعليم النافع، وأساليب الدعوة الجادة بين بنات جنسهن. - لا بد من إعداد المرأة إعداداً مناسباً لرسالتها باعتبارها أنثى؛ إضافة إلى العلوم الشرعية الواجب عليها تعلمها، فإذا أتقنت ذلك وكانت ممن أوتي موهبة غنية، وعقلاً خصباً، وفكراً نيراً، وتعلمت غير ذلك من العلوم والفنون فإن هذا حسن؛ لأن الإسلام لا يعترض سبيلها ما دامت لا تتعدى حدود الشرع الحنيف. وقد كانت نساء السلف خير قدوة في التأدب والحياء خلال خروجهن وتعلمهن؛ إذ كانت المرأة المسلمة تتعلم ومعها دينها يصونها، وحياؤها يكسوها مهابة ووقاراً بعيداً عن الاختلاط والتبذل. أَمَا وقد تمثل التعليم في عصرنا في المدارس الرسمية، فلا بد أن تتولى المرأة تعليم بنات جنسها، لا أن تعلم المرأة في مدارس الذكور أو في مدارس مختلطة، ولا أن يعلم الرجل في مدارس الإناث؛ فذلك من أعمال الشياطين. وحتى في ديار الغرب المتحلل بدأت صرخات مخلصة تدعو إلى التراجع عن التعليم المختلط بين الجنسين وتنادي بالعودة إلى الفطرة السليمة التي تنبذ الاختلاط. لقد تبين بعد دراسات عديدة أن البنين والبنات يحتاجون إلى معاملة مختلفة؛ نظراً للاختلاف في تطورهم الجسمي والذهني، كما أن الاختلاط يجرّ إلى ما لا تحمد عقباه من مفاسد يندى لها الجبين؛ هذا فضلاً عن اختلاف المادة الدراسية التي يحتاجها كل من البنين والبنات. - فالمنهج المدرسي للفتاة ينبغي أن يتناسب مع سنها مما يعدّها لوظائفها الأصلية: ربة بيت، أمّاً، وزوجة؛ لتضطلع بمهمتها التي تنتظرها، وتقوم بأدائها بطريقة سليمة؛ مما يهيئ الحياة الناجحة لها ولأسرتها المقبلة، ويجنبها العثرات، ويجعلها داعية خير تتفرغ وأخواتها المؤمنات لوظيفة إعداد النشء الصالح، وأنْعِمْ بها من وظيفة لإعداد الأجيال، لا لجمع الأموال وتتبع مزاجيات الفراغ! - الواجب أن تكون معلمات الأجيال المسلمة نخبة صالحة تحمل همّ الإسلام، وتسير بخطوات إيجابية في تعليم الأجيال المسلمة وتثقيفها، وتزويد بناتنا بأساليب التربية التي تفيدهن مستقبلاً، لا بحشو الأذهان بقضايا لا تفيد ولا تغني في الحياة العملية شيئاً. إنها خير منقذ لطالباتها من الوقوع في أحضان الانحراف والإلحاد؛ فهي تعلمهن الفضيلة بسلوكها وأقوالها: تنمي شخصيتهن، وتشحذ عقولهن، وتنقل إليهن الحقائق العلمية مع حقيقة ثابتة وهي: أن نجاح الجيل وتفوّقه لا يتمثل إطلاقاً في مدى ما يحفظ، بل فيما يعي ويُطبّق، ثم إن التفوق في الدراسة ليس غاية وهدفاً ... بل الفائز حقاً هو من فاز بالدار الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن. هذا؛ ومع أننا نرفض أن تكون أجيالنا ضحايا الإهمال واللامبالاة، فإننا نؤكد على الأم المعلمة؛ إذ عليها أن تقوم أولاً بواجبها الأساس كزوجة صالحة، وأم مربية تحسن تربية أولادها، ومن ثم تربي أولاد الآخرين، ولا تنسى أن فرض العين أوْلى من فرض الكفاية. - وقد حدد علماؤنا القدماء صفات المعلم المسلم في التعامل مع طلابه، وذكروا أفضل الآداب لاتباعها، وعلى ضوء تلك الآداب؛ فعلى المعلم أو المعلمة: إخلاص النية لله تعالى: وأن تقصد بتعليمها وجه الله وتحتسب الثواب منه وحده، وتتطلع إلى الأجر الجزيل الذي ذكره الرسول ﷺ بقوله: من دل على خير فله مثل أجر فاعله [٣] . فلا تعمل لأجل المكانة ولا لمدح الناس ولا للراتب وحده، وإنما عملها في سبيل الله، وتكون قدوة للناشئات في ذلك، وإلا ... فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وأنّى للأعمى أن يقود غيره ويرشده للطريق السليم؟ ! أن تقوم بعملها وتربي الأجيال على أدب الإسلام: فيتعلمن العلم ويتعلمن الأدب في آن واحد؛ وقد قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ] [الصف: ٢] . أمّا أن تأتي الطالبة كل يوم بقصة جديدة حدثتها بها معلمتها مما ينبو عن الذوق السليم، أو بتقليعة جديدة جاءت بها إحدى المدرّسات مما تتنافى مع ديننا، فهذا أسلوب من أساليب الهدم لا البناء! على معلمتنا المسلمة أن تنضبط بتعاليم الشرع، ولا تستهين بمخالفته مهما بدت المخالفة بسيطة؛ فإن ذلك السوء ينطبع في نفس الجيل ويصعب بعد ذلك إزالته. أن تكون حسنة المظهر تهتم بحسن هندامها باعتدال؛ فالمظهر الأنيق يعطي نتائج إيجابية في نفس الطالبة فتحترم معلمتها، ويعين ذلك على العمل بنصائحها، والعكس صحيح ... وأن تركز على أن يعتاد الجيل الاهتمام بالجوهر لا المظهر، مع الابتعاد عن توافه الموضات المتجددة. وليس من الإسلام أن تكون أحاديث طالبات المدارس مقتصرة على زي المعلمة وتسريحة شعرها، وجمال فستانها، وهاتفها الجوال الظاهر للعيان. وللأسف؛ فإن بعض المدرسات يتبادلن أشرطة الأفلام والمجلات الإباحية مع بعض الطالبات؟ ! فيا لخيبة مسعاهن! أن تتحلى بمكارم الأخلاق التي يدعو لها الدين ولا سيما الصبر فتحسن التلطف في تعليم الطالبات مما يجعلهن بعيدات عن التجريح والتشهير؛ فتكون بحق داعية بالحكمة والموعظة الحسنة عملاً بقوله تعالى: [ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] [النحل: ١٢٥] . والمدرّسة الحكيمة تنوّع في الطريقة التي تخاطب بها طالباتها حسب مقتضى الحال، وحسب سن الطالبات، ولا يفوتها أن التعامل الطيب الحنون يجذب الطالبات إليها وإلى المبادئ التي تنادي بها ... وليس من الدين الجفاف في المعاملة أبداً! فالمعلمة كالأم الرؤوم تتعاطف مع تلميذاتها وتشفق عليهن وتشجع المجيدة منهن، ولتذكر أن نتائج التشجيع والمدح أفضل من التوبيخ والتقريع؛ فتشحذ همة طالباتها نحو الخير ببث الثقة في أنفسهن، وتحبيبهن بالفضائل دون أن تثبط عزيمتهن. وإن احتاجت إلى عقوبتهن أو تنبيههن يوماً مّا فلتجعل الطالبات يشعرن أن العقوبة إنما هي لأجل مصلحتهن، ولو كانت بشكل غير مباشر؛ فإن ذلك أشد تأثيراً، ولتشعرهن أنها حريصة عليهن وعلى سمعتهن ومستقبلهن، ولتربط توجيهاتها بالدين وسلوك السلف الصالح؛ ليصبح الدافع الأساس في أعمالهن هو الدين لا المصلحة ولا المجتمع ... وكل ذلك باعتدال من غير مبالغة لئلا يؤدي إلى نتائج عكسية. ولتكثر المعلمة من ذكر نماذج نساء السلف الصالح في الأجيال الخيّرة حتى تبتعد الأجيال الجديدة عن الانبهار بنساء الغرب المنحلّ. ومن صفات المعلمة المسلمة التواضع: فذلك من خلق الإسلام وقد قال تعالى لنبيه الكريم: [وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ] [الشعراء: ٢١٥] . فتبتعد عن المفاخرة والمباهاة، وإلا أصبحت أضحوكة حتى أمام طالباتها اللاتي يزهدن فيها وفيما تدعو إليه. والمعلمة التي تعامل طالباتها بصلف وكبرياء لن تجني غير كرههن لها، والمعلمة التي تسخر من طالباتها ولو بالهمز واللمز تترك جرحاً غائراً في نفس أولئك الطالبات. فأين هي من أدب الإسلام الذي حذر من تلك المثالب بقوله تعالى: [وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ] [الهمزة: ١] . وأين القدوة الواجبة عليها والمنتظرة منها؟ ! وأن تكون المعلمة يقظة في رسالتها: فهي يقظة لجزئيات المنهج المدرسي لتستفيد منها كما يجب، وتوظفها لخدمة عقيدتها؛ فلا يُدرس العلم بمعزل عن العقيدة. وينبغي أن تكون المعلمة يقظة لما يتجدد من أحداث يومية: فلا تدعها تمر دون استفادة منها، بل بالطرْق والحديدُ ساخن كما يقال فتعلق على الحادثة التعليق المناسب في حينه. وعليها أن تلاحظ تصرفات طالباتها، فتزجرهن عن سيّئ الأخلاق، وترغّبهن في حسنها بطريقة سليمة ولا تلجأ للتصريح إذا نفع التلميح. تستفيد من النظريات التربوية: شريطة أن تتناسب مع قيمنا، فتستثير أذهان طالباتها بالأسئلة الموجهة والمفيدة، مما ينمي شخصياتهن وينقل الحقائق العلمية لعقولهن. وعليها أن تشجع ذوات المواهب والكفاءات بالثناء على أعمالهن وتصرفاتهن، ولتذكر أن بدايات الابتكار على مقاعد الدراسة. تتعاون مع زميلاتها المدرسات: فالتفاهم والوئام بين أعضاء الأسرة المدرسية يفسح للمديرة القيام بعملها ومتابعة العملية التعليمية، والارتفاع بمستوى الأداء الوظيفي ... بدلاً من أن يكون عملها حل المشكلات التي تعملها المدرسات الفارغات ... تتعاون مع أسر الطالبات: فهن شريكات في عمل واحد، وعلاقتها مع الأم علاقة محبة وتقدير وتعاون لما فيه خير الطالبات، فتساعد على تثقيفهن؛ ويتم ذلك من خلال حلقات إرشادية للأمهات؛ فتعقد المدرسة الندوات وتقيم المحاضرات التي تُدعى لها الأمهات، سعياً لتضافر الجهود، لوضع الأجيال أمام رؤية واضحة للحياة ألا وهي: العمل لمرضاة الله تعالى، وإلا فما تبنيه المدرسة يمكن أن تهدمه الأسرة والعكس صحيح. أخواتي المعلمات: إن رسالتكن جليلة وهي أمانة في أعناقكن وسيسألكن عنها رب العباد. إنها رسالة إعداد الأجيال المؤمنة بربها وصد كل هجوم فكري يحاول التسلل إلى حصوننا، وغرس الفضائل السامية في النفوس، والعلوم النيرة في العقول. والمعلمة الصالحة لن تنساها طالباتها، بل تبقى في ذاكرتهن يشدن بأمجادها وفضائلها، ويأتسين بجميل خصالها [وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [الأنعام: ٣٢] . المرأة والمجتمع: إن كثيراً من الفتيات، ما إن تنتهي إحداهن من الدراسة النظامية حتى تهجر الكتب، بل والمطالعة عموماً، وتنتكس إلى الأمية لارتباطها المعدوم بالكتاب، وتصبح اهتماماتها المحدودة لا تتعدى لباسها وزينتها والتفنن في ألوان الطعام والشراب، وهي هموم دنيوية قريبة التناول، لا غير ... - المرأة المسلمة عضو في مجتمع الإسلام، فهي مؤثرة ومتأثرة به، لا شك في ذلك؛ فهي ليست هامشية فيه أو مهملة، ولا يصح بحال أن تكون سلبية أو اتكالية، وإن كان الأمر كذلك فهو الجحود عينه، والنكران للجميل، والابتعاد عن الإيثار والتضحية. أمتنا الإسلامية تنتظر من يعيد لها أمجادها من أبنائها البررة وبناتها الوفيات. - وللمسلمة حضور اجتماعي واضح في كل ما هو نافع، وهكذا ينبغي أن يكون. فعليها أن تضع نصب عينيها حديث الرسول ﷺ : لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا؛ ظلمنا ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا [٤] . - للمرأة رسالة تربوية هادفة للرقي بمجتمعها ... وتبدأ هذه الرسالة بإيفاء حق جيرانها، فتعلّم الجاهلة ما تحتاجه لدينها ودنياها، وفي ذلك خدمة تؤديها للأجيال الناهضة؛ فتصبح اجتماعات الجارات ليست للقيل والقال، بل للارتفاع بأسرنا المسلمة من الاهتمامات السطحية الساذجة إلى آفاق سامية؛ فكل حديث يمكن أن تحوّله المسلمة الصالحة إلى حديث هادف، حتى الحديث التافه لن تعدم المسلمة اللمّاحة أن تحوله للعبرة والتأمل، والجارات الصالحات يتدارسن أفضل السبل لتربية أولادهن وحل مشاكلهن. ومن الصور المشرقة في التعاون بين الجارات: أن أحد الأبناء كان يسرق المال من جيب أبيه وينفقه على ثلة من أصحابه الذين كانوا يشجعونه على ذلك العمل المشين. عرفت الأم ذلك عن طريق جارتها الناصحة التي ساعدتها في اجتياز الأزمة، بمدارسة المشكلة والنظر في جذورها، ومن ثم احتواؤها وإيجاد الحل المناسب. ومن ذلك أن امرأة كانت تكمل دراستها العليا، وحيث إن لها أطفالاً بحاجة إلى رعاية، فقد تكفلت جارتها بالعناية بأطفالها تحتسب الأجر: أجر الإحسان إلى الجار، وأجر تخفيف الكربة عن جارتها التي من الممكن أن تتعرض لضغوط نفسية عصيبة لو لم تجد الصدر الحنون من جارتها المسلمة. وبالمقابل يجب أن لا ننسى الفضل لأهله، فكلتاهما تشارك في الأجر. وهذه إحدى صور التضامن بين الجيران بدلاً من الجفاء الذي عم وطم. - ومن مهام المرأة المسلمة أن توطد العلاقات الحميمة بين الأقارب: من صلة للأرحام، وزيارة للمرضى، ومشاركة في الأفراح ... وغير ذلك من أعمال الخير مما يشيع روح التعاون والمحبة، فتنشأ الأجيال على مُثُل الإسلام، وقيمه السامية، بالتعامل الطيب وبالمحاكاة الودودة. وعلى المرأة المسلمة أن تشجع كل بادرة خيرة تبدو من أجيالنا الناشئة، فتهنئ بنجاحهم، وتفرح لتفوقهم. أمّا ما نسمعه عن خروج التافهات إلى الساحات العامة ليشجعن المباريات؛ فذلك ليس من التشجيع المشروع؛ فضلاً عن أنه لا يدل بحال على وعي المرأة لما يناسبها من مهام. - وبالمقابل أن تتيح الفرصة لمناقشة الصغار وسماع آرائهم وتقدير أعمالهم الناجحة دون ضجر، ولنذكر أن من يعتبره بعض الناس طفلاً كثير الثرثرة قد يكون ممن له شأن في المستقبل، وكثرة أسئلته ما هي إلا دليل على قوة ملاحظته، وتعبير عما يجيش في نفسه التواقة للمعرفة والاطلاع. ولا ننسى الأثر الطيب في توجيه الصغار وتشجيعهم. سمعنا أن محاضِرة كانت تتحدث بطلاقة تبهر كل من تسمعها من بنات جنسها، وكان من أكثر ما أثر فيها أن جاراتها ومعارف أبيها كانوا يستمعون لخطبها ويشجعونها وهي لا تتعدى السادسة من عمرها. فعلينا ألا نبخل بكلمة طيبة نشجع بها صغارنا؛ فالكلمة الطيبة صدقة، والتوجيه الهادف لن يعدم له أثر، والكلمة المخلصة تصل إلى القلوب بلا حواجز. من المهام الأساسية للمرأة المسلمة أن تساهم في تحصين الأجيال بالثقافة الأصيلة والعقيدة الصحيحة، ولا تترك قيادة الأجيال بيد العابثات اللاتي يركبن كل موجة من أجل الوصول إلى أهدافهن في تخريب النشء. فمن خلال مشاركتها في المراكز الثقافية وعدم ترك هذا المجال الهام لغيرها من صاحبات المذاهب الهدامة. ممن جعلن همهن أن تكون هذه المراكز بؤرة للإفساد ووسيلة للتخريب. ومن الصور المشرفة مساهمة المسلمة في الجمعيات النسائية الخيرية لتحافظ على وجهتها السليمة من خلال مشاركتها بما تقدر عليه، بالمحاضرات والندوات والنشاطات الاجتماعية الطيبة والمتنوعة؛ فتصبح تلك فرصة طيبة لها للتعلم والتعليم وتوجيه الأجيال، فتستفيد وتفيد في آن واحد، ورب كلمة طيبة ونصيحة مخلصة تأخذ بيد الأمهات والمعلمات والمربيات نحو الخير، وتبعدهن عن الأخطار التربوية، وتصل بالنشء إلى التقدم والفلاح. إننا إذ نطلب مساهمات المرأة والاستفادة من عمرها الذي ستسأل عنه وعن علمها الذي تعلمته، لا نعني بذلك التزامها بعمل رسمي مهني تداوم فيه ولو أدى ذلك إلى إهمال حق زوجها ورعاية أبنائها ولا نعني المرأة العاملة التي تعود إلى بيتها مكدودة الجسم مثقلة النفس بهموم العمل؛ فأنّى لأمثال هذه المكدودة المتعبة أن تفيد الأجيال التي تنتظر اللمسة الحنون منها، فلا يجدون لديها إلا الزجر والتأنيب؛ لأن أمهم متعبة وتريد أن ترتاح من عناء العمل طوال يومها! ... وبنفس الوقت لا يعني هذا أن تترك الأعمال الممكنة التي تتناسب مع فطرتها ولا تشق عليها كتطبيب النساء، وتعليمهن الخياطة ونحوها؛ ولا تترفع عن أعمال يمكن أن تسد بها ثغرة طيبة في مجتمعها. إنها وهي المسلمة التي تريد أن تربي الأجيال على تعاليم الدين يجب أن تبذل جهدها في تنقية الوسائل الإعلامية من كل ما يهدم الأخلاق ويسيء للمثل العليا. ولا يخفى أن الإعلام يؤدي وظيفة من أخطر وسائل الغزو الفكري الحديث. وقد اهتم به المروجون لأفكارهم وتنوعت أدواته من إذاعة وتلفزيون وصحافة ومجلات وسينما ومسرح وكتب وفيديو و.... وأكثرها يعتمد على الإثارة ويتفنن في طرق مخاطبة الغرائز وعداوة الدين وتعاليمه، وتدعو بمجملها وفي غالب أحوالها إلى التحلل والسفور والتمرد على الفطرة، والتطبيل والتهليل لكل خبث وخبيث، مما يشيع الخنا والفجور، ويشكك بالشخصية المسلمة وقدرتها على الإبداع، حين يصفونها دائماً بالمتخلفة، فتنشأ الأجيال وقد فقدت ثقتها بنفسها؛ وكأن الإبداع والتفوق مقصوران على الكفار وحدهم؛ وأما المتدينون فهم المتخلفون مما يُشعِر الأجيال بالدونية والصّغار، وهذه توجيهات خبيثة تنفث سمومها في مجتمعاتنا، فلا بد من تحصين الأجيال ضد هذا الغزو الفكري المركّز. - والمسلمة الواعية تتعامل مع الإعلام بفطنة وحذر، ولا يفوتها أن من مقاصد التشريع الإسلامي حفظ الكليات الخمس وهي: الدين، والعقل، والنسب، والنفس، والمال، فإذا وجدت المسلمة ما يعمل على إضاعة هذه الكليات أو بعضها فيجب أن تسعى ما أمكنها لتكون حائلاً دونه. إننا نناشد الأقلام النسائية لنصر الفضيلة، وتسفيه رأي شياطين الإنس وبيان زيفهم وضلالهم. لا بد من مواجهة العدو الماكر بتخطيط سليم وعمل مضاد، وإذا لم نبذل الجهد لتدعيم الأخلاق الفاضلة وترسيخ العقيدة السليمة، ندمنا حيث لا ينفع الندم؛ فقد تُكَرّس الخرافة والمثل الهابطة، وتعيش الأجيال وهي تستنشق ذلك العبق القاتم. ومن المزايا التي اختصت بها نساؤنا في الماضي كثرة القصص يسلين بها الأطفال، ويجذبنهم للأسرة ولمعتقداتها. فلماذا تترك نساؤنا المثقفات أبناءهن هدفاً لقصص جرجي زيدان (وأمثاله) يشوهون تاريخنا ويسيئون إلى مُثُلنا؟ فلنساهم في الإعلام المقروء والإعلام المسموع كل واحدة بقدر طاقتها، حتى الأناشيد ينبغي أن تنظمها المسلمة ليترنم بها أبناؤنا، ولتحل محل الأغاني الهابطة، ولتغرد الأجيال بكلمات عذبة تظهر الصورة الوضيئة للإسلام ومثله السامية، وتستميل قلوب الناشئة للخير. وكذلك الحال في المجالات والقصص والروايات التي تعلم في كثير من حالاتها خداع الآخرين في سبيل المال وتكرس القيم والأفكار الخاطئة، من العنف أو اللامبالاة، أو العقوق وغير ذلك من سيئ الأخلاق؛ فإن واجب المسلمة أن تستفيد من وسائل المعرفة السريعة هذه، حتى تصبح منبراً يعلم الخير ويدعم العقيدة، ويثقف العقل، وفي الوقت ذاته يروّح عن النفس. - إن أخطر أنواع الإعلام الحديث هو التلفزيون؛ إذ زاحم الأسرة في توجيه أبنائها وبناتها وذلك بجاذبية مدروسة، وغزو مستور، وشياطين الإنس تؤزّه لهدم كل فضيلة. وقد قال الرئيس الفرنسي السابق ديغول متحدثاً عن أثر التلفاز: أعطني هذه الشاشة أغير لك الشعب الفرنسي. ولو علمنا أن كثيراً من الأسر قد تخلت عن دورها نهائياً في مهمة التربية العقدية والفكرية، وأسلمت أبناءها للتلفزيون يصنع بهم ما يحلو له من التوجيه وغرس المفاهيم والعقائد المغايرة في كثير من الحالات لعقائدنا وحضارتنا؛ لقدّرنا أي واجب يحتم على المثقفة المسلمة أن تستفيد من إمكاناتها إن كانت تحسن كتابة القصة أو الأنشودة أو الحوار أو المقالة. يجب أن لا تتردد المسلمة في النزول إلى ميدان الإعلام، لمواجهة الفتح الإعلامي الذي يصب في آذان الناشئة صباح مساء. فمن أجل أبنائنا ومن أجل مستقبل أفضل، ولكي يبقى صوت الحق عالياً؛ فإن على المسلمة أن تساهم في وضع المادة الصالحة البديلة عما يسيء لدينها وعقيدتها، وتنشط فلعلّ كتابتها تكون سداً حائلاً دون تسرب الخبث؛ لأن من يُقدّم له الطعام فيشبع لن يشتهي الفضلات ولن يُقْدِمَ على تناولها. أختي المسلمة: لا تتعللي بالأسباب فتقولي: أنا متعبة الصحة، كثيرة الالتزامات، ضيقة الأوقات؛ فاغتنام الوقت والصحة والغنى من تعاليم شرعنا الحنيف؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك [٥] . - فإذا نظمت المرأة حياتها واستفادت من جزئيات وقتها، وضنت به أن يستهلك في الطهي وفضول الكلام ... فإننا عند ذلك لن نسمع لها شكوى من ضيق الوقت؛ فتلتفت إلى واجبها داعية للخير وقدوة لغيرها، تثري الفكر في المجالات التربوية والصحية التي تعود بالفائدة على الأجيال المؤمنة والمجتمع الإسلامي بأسره، وتبذل جهدها لإيجاد بديل إسلامي لمواجهة هذا الزخم الهائل من الهجمة الفكرية، وتدافع عن حوزة الدين في مجتمع الذئاب الذين يدأبون على التخطيط والعمل لصرف الناس عن دينهم. إن على المرأة المسلمة أن تنبذ الراحة الموهومة، والنوم والكسل الذي ران على نفوس الكثيرات، وتجتهد لتقوم بواجبها نحو أمتها المسلمة، ونحو أجيالها الرشيدة بما تقدر عليه، وتستثمر وقتها بما يفيد؛ مع انتهاز الفرص المناسبة؛ علّنا نزيل الظلمة الحالكة التي ألمت بأمتنا ... ونورث الخير للأجيال القادمة ... وإلا بقيت آمالنا حبيسة لا تتعدى صدورنا، وبقيت أجيالنا في مؤخرة الركب بدلاً من قيادته.

стр. 3111

قضايا دعوية الولاء والبراء في نفس الداعية عبد العزيز الجليل إن المتأمل في كتاب الله وفي واقع الدعوة إلى الله يرى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الدعوة إلى الله - تعالى - والجهاد في سبيله وبين عقيدة الولاء والبراء في نفس الداعية. فكلما قوي شأن الدعوة وقوي شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الداعية المخلص لربه كلما قويت هذه العقيدة في نفسه، وظهرت بشكل واضح في حياته ومواقفه ومحبته وعداوته حتى يصبح على استعداد لأن يهجر وطنه وأهله وماله إذا اقتضى الأمر ذلك؛ بل إن هذه العقيدة -أعني عقيدة الولاء والبراء - لتبلغ ذورة السنام في قلب الداعية وتنعكس على مواقفه، وذلك في جهاد أعداء الله ولو كانوا أقرب قريب؛ قال الله - تعالى -: [والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [التوبة: ٧١] . وقال - تعالى -: [إن الَذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] [الأنفال: ٧٢] . والعكس من ذلك واضح ومُشاهَد؛ فما من داعية فترت همته وضعف نشاطه ومال إلى الدنيا وأهلها إلا ظهر الضعف عنده في عقيدة الولاء والبراء، ويستمر الضعف والتنازل تبعاً لضعف الاهتمام بشأن هذا الدين حتى يصل إلى مستوى بعض العامة من الناس الذين لا هم لهم إلا الدنيا ومتاعها الزائل، ولو نوزع في شيء من دنياه لهاج وماج، أما أمر دينه ودعوته فلا مكان لذلك عنده فمثل هذا الصنف تصبح عقيدة الولاء والبراء في قلبه ضعيفة ورقيقة سرعان ما تهتز أو تزول عند أدنى موقف. ولعل في هذا تفسيراً لتلك المواقف المضادة للعقيدة التي نراها من أولئك البعيدين عن الدعوة والجهاد، كتلك المواقف التي تظهر فيها أثر القوميات والوطنيات والقبليات على نفوس هؤلاء الذين يعقدون ولاءهم وبراءهم وحبهم وعداوتهم على هذه الرايات الجاهلية، وليس على عقيدة التوحيد والإسلام. والحاصل أن عقيدة الولاء والبراء ليست عقيدة نظرية تدرس وتحفظ في الذهن المجرد؛ بل هي عقيدة عمل ومفاصلة، ودعوة ومحبة في الله، وكره من أجله وجهاد في سبيله؛ فهي تقتضي كل هذه الأعمال، وبدونها تصبح عقيدةً في الذهن المجرد سرعان ما تزول، وتضمحل عند أدنى موقف أو محك؛ فإذا أردنا أن نقوي هذه العقيدة العظيمة في نفوسنا فهذا هو طريقها: طريق الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله - تعالى -، وكلما ابتعد الداعية عن هذه الأعمال مؤْثراً الراحة والدعة فهذا معناه هشاشة هذه العقيدة، وتعرضها للخطر والاهتزاز. ولا غرابة في ذلك، فإن الإيمان - كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والولاء والبراء من أخص خصائص الإيمان، فهو يزيد بالعمل الصالح الذي من أفضله الجهاد والدعوة، وينقص بالمعصية التي منها ترك واجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله - تعالى -.

стр. 3112

من ثمرات المنتدى في هذه الزاوية يسر المنتدى الإسلامي أن يتواصل مع قرائه الكرام بإيقافهم على آخر الأنشطة والمستجدات والفعاليات التي تتم بفضل الله - تعالى - في مختلف مكاتبه المنتشرة في إفريقيا وآسيا، سائلين الله - تعالى - أن يخلص النيات، ومتمنين من أحبابنا الكرام أن يزودونا بملحوظاتهم واقتراحاتهم، وأن يقفوا معنا بدعائهم وعونهم. إصدارات حديثة للمنتدى دمعة على التوحيد ضمن جهود المنتدى الإسلامي العلمية والثقافية صدر عن سلسلة كتاب المنتدى كتاب: (دمعة على التوحيد ... حقيقة القبورية وآثارها في واقع الأمة) ، تناول فيه أكثر من كاتب إيضاح جانب مهم من الأمراض التي ابتليت بها الأمة، وهي بدع الاعتقاد في القبور والأضرحة والشرك الذي صاحبها. وهو كتاب يلقي الضوء على جوانب شرعية وواقعية كثيرة في هذا الباب كان قد نشر مختصراً على صفحات عددين من مجلة البيان، ولقي قبولاً واستحساناً واسعاً من جمهور القراء وأهل العلم، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية اللذان نعتز برأيهما. نسأل الله أن ينفع به وأن يكون عوناً لدعاة التوحيد لتحقيق رسالتهم. تجربة المنتدى في العمل الدعوي كتاب في (١٦٦) صفحة من الحجم العادي، هو أشبه بإصدار جديد وإن كان يمثل الطبعة الثانية للكتاب؛ لأنه جاء أضعافاً لحجم الطبعة الأولى، وقد حرص المنتدى في هذا الإصدار على تقديم تجربته لدعاته ولإخوانهم في المؤسسات الدعوية والخيرية المماثلة.. فأبرز أهدافه، وفصّل مجالات عمله، وشرح وسائله، وذكر الضوابط والتوجيهات في تخطيط العمل الدعوي، وفي إقامة الأنشطة الدعوية والتعليمية والاجتماعية والإعلامية والصحية، وثنَّى بتوجيهات إدارية، وتوجيهات في التعامل مع الآخرين، ثم إرشادات في الأسفار والرحلات الدعوية والأعمال المهمة فيها، وختم ببيان شيء من الشؤون القانونية والمالية التي ينبغي أن يعرفها الإخوة في المؤسسات الإسلامية، واننا لنرجو أن يجد فيه العاملون في الحقل الدعوي إضافة جديدة تعينهم في هذا الطريق المبارك. مهتدون جدد - في بلدتي (شنا منغ) و (تنفائيل) وهما قريتان جبليتان نائيتان في بنجلاديش بهما أغلبية بوذية؛ استطاعت حملات متوالية لهيئات نصرانية أن تبذل جهوداً مكثفة في التنصير مما أغرى بعض الأهالي بالاستجابة لهم. وكان لدعاة الإسلام دور في علاج المشكلة، وقد وُفق (المنتدى الإسلامي) - ولله الحمد - بإرسال أحد الدعاة إلى تلك المناطق فوجد لدى أهلها رغبة في الدخول في الإسلام فبدأ في دعوتهم إليه والأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد المتواصل. - تم تخريج الدفعة الخامسة للمهتدين الجدد في مركز دار الإرشاد في نيروبي عاصمة كينيا في ٢١/٣/١٩٩٩م وعددهم خمسة وعشرون دارساً، أكملوا منهج الدورة المعد للمهتدين الجدد بواسطة المنتدى الإسلامي خلال ثلاثة أشهر، وقد بدأ التسجيل واستقبال الدارسين في الدفعة السادسة - ولله الحمد - ابتداءً من ٥ /٤ / ١٩٩٩م، ونسأل الله أن يثبتنا وإياهم على الحق. - وتم بحمد الله - تعالى - تخريج الدفعة الأولى للمهتدين الجدد من دار الاعتصام للمهتدين في كسومو بدولة كينيا التي يشرف عليها المنتدى الإسلامي، وذلك في يوم الأحد ٢٥/١٢/١٤١٩هـ الموافق ١١/٤/١٩٩٩م وعددهم خمسة وثلاثون دارساً أكملوا دورة لمدة ثلاثة أشهر وفق المنهج المعد لدورات المهتدين بواسطة المنتدى الإسلامي، كما أن المركز استمر في استقبال الدفعة الثانية حتى يوم ٢٥/٤/١٩٩٩م. قوافل دعوية أقام مكتب غانا ثلاث قوافل دعوية خلال الفترة من ١ - ١٠ /٤/١٩٩٩م، إلى كل من المناطق الشرقية والشمالية وبرونغ أهافو، استمرت كل قافلة ثلاثة أيام، كما زارت كل منها إحدى عشرة قرية من القرى النائية لتوعية المسلمين وإرشادهم، ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام. مخيم طلابي اختتم المخيم الأول لطلاب الثانويات لسنة ١٩٩٩م المنعقد في مراغوا بكينيا في يوم الخميس ٧/٤/١٩٩٩م، وقد شارك فيه ٣٥ طالباً من المرحلة الثانوية واستغرق أسبوعاً تلقَّى فيه الطلاب محاضرات علمية في موضوعات إسلامية مختلفة. دورات شرعية أقام مكتب غانا الدورة الشرعية الأولى من دورات الوعي الشرعي للمهتدين الجدد خلال الفترة من ٢٤/١١ - ١٠/١٢/١٤١٩هـ = ١٢/٣ - ٢٨/٣/١٩٩٩م بمسجد سعيد ابن المسيب بقرية أبواسي بالمنطقة الغربية، شارك فيها ثلاثون مهتدياً حديثو العهد بالإسلام، تلقوا خلالها دروساً منهجية في القرآن الكريم، والفقه، والعقيدة، والأخلاق، والآداب الإسلامية. هذا وقد عبر المهتدون الجدد عقب الدورة عن شكرهم وتقديرهم للمنتدى الإسلامي على هذه الدورة المفيدة، ودعوا الله للقائمين عليه بالأجر والثواب من الله - تعالى -. دورتان في السياسة الشرعية - بدأت الدورة الشرعية لحَفَظَة القرآن الكريم في مانديرا - كينيا في يوم ٣ /٤ /١٩٩٩م وسوف تستمر لمدة عام كامل لدراسة اللغة العربية، والسواحيلية، والإنجليزية، ويشارك في الدورة ٤٠ طالباً من منطقة الكران و٢٠ طالبة من الحافظات لكتاب الله. وذلك في مسجد الروضة بمدينة هاتريرا. - اختتمت - بحمد الله - الدورة الشرعية الأولى لسنة ١٩٩٩م لمدرسي المدارس الحكومية في مدينة مرتي - كينيا في يوم ٢٠/٤/١٩٩٩م؛ حيث استمرت لمدة ١٤ يوماً شارك فيها مدرسون في المرحلة الإعدادية والثانوية الحكومية واستفاد منها مائة معلم - بحمد الله تعالى -. مخيم طبي أقيمت دورة شرعية لمدة ثلاثة أيام في مكتب المنتدى الإسلامي بلندن خلال شهر إبريل ١٩٩٩م في السياسة الشرعية حاضر فيها الدكتور علي مقبول، والدكتور جلال الدين محمد صالح، وحضرها جمع طيب من طلبة العلم والمهتمين بالموضوع، كما وزعت على الحضور الجوائز تشجيعاً للمشاركة، وترجمت المحاضرات فيها ترجمة فورية إلى اللغة الإنجليزية. وقد أقيمت الدورة نفسها في مدينة شيفلد؛ حيث تمت إقامتها هناك بالتنسيق مع مركز الرسالة في مسجد قباء. أقيم في دولة الصومال مخيم طبي لمكافحة العمى بالتعاون مع مؤسسة البصر الخيرية، وقد بلغ عدد المرضى الذين تم الكشف عليهم (٥٠٠٠) مريض، وتم إجراء (٥٢٢) عملية جراحية وتوزيع (١٥٩٢) نظارة و (٩٥) عدسة، وقد اهتمت الدوائر الرسمية بهذا المخيم. وصاحب المخيم برنامج دعوي ناجح تمثل في الحلقات العلمية التي كان يعقدها دعاة المنتدى الإسلامي. جزى الله خيراً من أعان وساهم في إقامة هذا المخيم وكحل عينيه برؤية الباري . مشروع الأضاحي لعام ١٤١٩ هـ تم بحمد الله ذبح وتوزيع ٣٠٥٣ رأس غنم (أضاحي) في أكثر من ٢١ دولة وقد حرص المنتدى الإسلامي على استيفاء الشروط الشرعية عند اختيار الأضاحي وذبحها خلال اليوم الأول. واستفاد من هذا المشروع - بفضل الله - ما لا يقل عن ٣٥٠٠٠ شخص، وقد كان له أبلغ الأثر في نفوس إخواننا في تلك الدول الفقيرة، مجسداً بذلك روح التآخي والتكافل التي تربط المسلمين فيما بينهم، وفرصة لهم لتناول اللحم الذي لا يجده أكثرهم إلا في مناسبات كهذه المناسبة المباركة. دين التكافل وأسلمت امرأة عجوز في قرية سيويدرت على ساحل بحيرة فكتوريا، وذلك عندما زار مجموعة من الشباب من يتروي القرية وقاموا بتوزيع الأضاحي للأهالي في ثاني أيام العيد. والعجيب في الأمر أنه عندما قدمت لها بعض اللحوم من الأضاحي رفضت أن تأخذها وقالت: حتى لا تظنوا أنني أسلمت بسبب اللحوم؛ بل أسلمت بسبب مجيئكم من نيروبي تقطعون مسافة ٥٠٠ كم لا لشيء سوى مشاركة إخوانكم المسلمين في هذه القرية فرحة عيدهم ومساعدتهم، وهذا ما نفقده في النصرانية؛ حيث إن كل واحد يعمل لنفسه، وظلْم الناس عندنا أكثر من مساعدتهم، والكنيسة عندنا تأخذ من المسكين النصراني باسم التبرع إلى الكنيسة ولا تعطيه، وأنتم تعطون مساكينكم من المسلمين ولا تأخذون منهم شيئاً؛ فهذا هو الدين الحق. افتتاح مسجدين في تنزانيا في دولة تنزانيا المطلة على المحيط الهندي والتي تبلغ نسبة المسلمين فيها ٦٣% افتتح المنتدى الإسلامي بحمد الله ومنِّه: ١- جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مدينة تانغا وهو يتسع لـ ٥٠٠ مصلٍ. ٢- جامع الإمام الشافعي في مدينة مهيزا ويتسع لـ ٣٠٠ مصلٍ.

стр. 3113

المنتدى مَنْ في القبور مسعود الصاعدي تمطَّى بجوفي هَمٌّ ثقيلْ يسير رويداً ويجثمُ في طرقات العروقْ به أرقبُ الشمس بعد الغروبِ فتغرب عند انتظار الشروقْ به ألعق المرَّ أحسب أنّي لعقت من الزهر شَهْدَ الرحيقْ وأحسبُ أنَّ النجوم تدلَّى وما ثَمَّ نجمٌ! ! وما ثَمَّ بَدْر! ! وما ثمَّ إلاّ اختطاف البروقْ! * * * أنام وأصحو فابصر ثمة بعض الدفاترِ حوليْ تسيل مدامعها في السطورْ وأبصر ثَمَّ يراعاً حزيناً جريحاً وينزف يندبُ كرَّ الزمانِ ومرَّ الدهُورْ * * * فأعلمُ أنَّ الدفاتر تبكي وأعلمُ أن المنائر تبكي وأنَّ المدائن تبكي وتبكيْ ولكنَّ ماءَ العيونِ وماءَ اليراع لا ينبت الزهر فوق الصخورْ (وربُّك يبعث من في القبورْ)

стр. 3114

وصية العام الفقيد عبد الله بن حسن الوادعي جَمَعَ الوثائقَ والصحائفَ والعهودْ ... وأدار ظهراً ثم ولَّى لن يعودْ وأجدَّ في السير الحثيث وقالَ لي: ... أخُبر أولئكَ أنني ضمن الشهودْ قل للذين تخلفوا عَن مجدهمْ ... باعوا حضارتهم وغرتهم وعودْ واقرعْ مسامعَ مَنْ تَغَيَّرَ حَالُهُم ... واستبدلوا الدنيا بجنات الخلودْ ذَلوا وهَانُوا! ما تُهانُ كَرامةٌ ... إلا لشعبٍ حفُهُ ألا يَسُودْ كيفَ السبيلُ وقد أضعتمْ شرعةً ... وجزيتمُ الشرعَ المطهر بالجحودْ كيفَ السبيلُ وقد نَسيتمْ قدوةً ... رمزَ الإباءِ الحُرِّ عُنْوانَ الصُمُودْ ورضيتمُ بالذلُ بَعدَ معزةٍ ... المجدُ ليسَ يُقيِمُهُ قومُ رُقودْ أَسَفِي على قومٍ يَعِيثُ بأرضهمْ ... أهلُ الصليبِ الحمرُ إخوانُ القرودْ الشبلُ يُولدُ ثَائراً متحفزاً ... فهو ابن ذاك الليثِ لا يخشى الفُهودْ لكنكم تخشونَ مِنْ نبح الكلا ... بِ وأنتمُ الأشبالُ أبناءُ الأُسودْ كل الذي أستطيعُ بثُ مشَاعِري ... وعسى لدربِ العزِّ يوماً أن نعودْ أنا شاهدٌ عدلٌ مضى مِنْ عُمركم ... حتى لقاءِ الحقِ تَحبسُني القُيودْ

стр. 3115

ليلٌ.. ودموع ! ! علي بن جبريل بن أمين وقفتُ أمام الله عبداً وحيداً ... وأسبلتُ دمعاً -في الظلام- مديدا وفجَّرتُ ينبوع المدامع فائضاً ... وأسبكت دمعاً للذنوب مبيدا وقفتُ أناجي الله ربي وخالقي ... أناجيه مكسورَ الجنَان، عؤودا إلهي لقد جلّت ذنوبي.. بل غدتْ ... تعاظم صرحاً في السماء مَشيدا أفقتُ - إلهي - بعد طول تغافلٍ! ... وإني لأرجو أن أكونَ شهيدا وفارقتُ دنياي الدنيّةَ؛ آيباً ... إلى الحق.. أدعو الله ربي فريدا أزحتُ عن القلب الكئيب كآبةً ... وصيّرتُ - بعد الأوب - رأيي سديداً وصوَّبتُ أمري نحو كلِّ فضيلة ... لأطلبَ عند الله أمراً حميدا دموعي على الخدين سالت بحسرةٍ ... فأسكبتُ - رغم السيل - دمعاً مزيدا! فروحي تناجي الله في ملكوته ... ويسرح قلبي عند ربي سعيداً! أصفُّ مع الراجين رحمةَ ربهم ... نناشد ربي ركعاً وسجودا ولما رأيت الليل أرخى ستاره ... (وقفت أمام الله عبداً وحيدا)

стр. 3116

نفثة الأسى زاهر بن مرعي الزهراني جدَّ المُضِلُّون في خسفٍ وإرعابِ ومعولُ الظُلمِ أبكى عينَ محرابِ لم يبقَ في قِرْبَة الأعيادِ من فَرَحٍ نسقي بها النفسَ مِن جدبٍ بها رابي ماتتْ بغدْر رماحِ القهرِ بهجتُنا ويشمَخُ الحزنُ في أحداقِ أحبابي وينبتُ الألَمُ المجنونُ في شَفَة تُريقُ بسمَتُها شَهْداً مِنَ الصَّابِ زقّومةُ الشرِّ تنمو في مرابعنا ونخلةُ الخير ذاقتْ فاسَ حطّابِ وصيحَةُ الليلِ دوّتْ في عوالمِنا وهمسَةُ الصُّبحِ في سِجنِ وإرهابِ أَلَمْ ترَ الطفلَ في أشداقِ عاصفةٍ يبكي وحيداً على أهلٍ وأصحابِ؟ ! غَضّاً، يقول على أشلاءِ منزِلِهِ: صارتْ رماداً كراريسي وألعابي! أُمّي.. أبي.. إخوتي، من ذا يُساعِدني؟ فالحقلُ شوكٌ، وساقي بينَ أنيابِ كُفَي عذابَك يا دُنيا اللّظى؛ فَلَنا شوقٌ فتىٌّ لأيامِ ابن خطّابِ لا الكربُ لامَسَها، لا النورُ فَارَقَها، حمائمُ الأنسِ تغشاها بأسرابِ وعندنا في زمان القحْطِ مَظْلَمَةٌ تُحقِّرُ الصِدقَ، تهوى رَفْعَ كذَابِ سلاحُنا في الوغى دَمْعٌ يُخَادِعُنا فهل سيصنَعُ دِرْعاً غسلُ أهدابِ؟ يَدُ الضلالةِ غاصتْ في منابعنا فدنستها ونرضى وَحْلَ أغرابِ! مراكِبُ الصّفو ضلّت عن موانئنا بل المصابيحُ قد نامتْ بألبابٍ مهما فَشَا الخوفُ.. فالآمالُ صاعِدةٌ على مدارج إيماني لترقى بي يا قلب فاسْعَدْ.. أرى أفْقاً يقول لنا: لزورقِ الفجرِ قد فتّحْتُ أبوابي

стр. 3117

الورقة الأخيرة المواقف المعلومة في الانتخابات المحسومة أحمد العامر مرت في الآونة الأخيرة انتخابات عدة، من أشهرها الانتخابات الجزائرية والانتخابات التركية، وهي في كلا البلدين ترفع الشعار الديمقراطي ودعوى تداول السلطة بعد تفصيلها الأحزاب على المقاس المطلوب ورفض ما لا يناسبها حتى ولو كانت الاتجاهات المرفوضة هي الأغلبية المطلقة، لا سيما وقد عانى شعبا البلدين الأمرين من تلك المهازل التي يتولى (العسكريون) فيها دور محرك الخيوط في مسرح العرائس. وفي الوقت الذي كانت استطلاعات الرأي ونتائج الحوارات المتلفزة تؤكد أن نسبة الترشيح محسومة لأحزاب بعينها في ذانك البلدين وجدنا أن تلك الاستطلاعات تتغير بقدرة قادر وتُوجَّه لأحزاب أخرى؛ وحينما وجد مندوبو الأحزاب الجزائرية أن العملية الانتخابية لم تسلم من التلاعب بصناديق الاقتراع انسحبت الأغلبية، وفيها من المرشحين من له تاريخه السياسي ووزنه الشعبي وطلبوا - فوراً - اللقاء مع الرئيس زروال؛ لكنه رفض اللقاء بهم فانسحب المرشحون وبقي (الرقم الأخير) المحسوب على التيار (البومديني) الذي لم تجد فيه الجزائر سوى النهج الاشتراكي المفلس الذي جعل بلداً بترولياً مثل الجزائر من الدول الهامشية المثقلة بالديون فضلاً عما أثارته الصحافة المعارضة من مآخذ وسلبيات على شخص ذلك الرجل، لكن لما كان مقبولاً من مراكز القوى العسكرية فلا مانع من أن يكون هو الفائز بنسبة (٧٣%) ليكون رئيساً للبلاد، دون الالتفات إلى الاحتجاجات ومظاهرات الجماهير؛ بل مواجهة من تجرأ على ذلك بالقمع؛ لأن ذلك ينافي - في زعمهم - الرغبة الشعبية المزعومة! أما تركيا فإنها - كعادتها - لو تركت الأمور تأخذ مجراها لتحقق ما توقعته مراصد الرأي من فوز (حزب الفضيلة) ذي الاتجاه الإسلامي ليسبق الحزب الحاكم (اليسار الديمقراطي) بقيادة (بولنت أجاويد) الذي وصل الحكم بعملية قيصرية معروفة، مما سيجعل الحكام الفعليين وراء الكواليس في مأزق حرج لو فاز حزب الفضيلة. ويتجلى ذلك فيما يلي: ١- أن العسكر يرفضون رغبة الشعب في ترشيح من يراه. ٢- الحيلولة دون تكليف (إسلامي) بالوزارة اضطراراً؛ وهذا ما يسبب لهم قلقاً هم في غنى عنه. ٣- الهلع من عودة التيار ذي الأغلبية العظمى؛ مما قد يؤدي إلى تغيير الدستور؛ فينكشف المخَّبأ؛ مما قد ينهي الحقبة الأتاتوركية المشبوهة؛ لا سيما أن المشرف على هذه الانتخابات هو الحزب الحاكم الذي يتطلع للأغلبية لضمان بقائه؛ متعللاً ببطولة القبض على أوجلان الذي أوقعهم في حرج لا يحسدون عليه. وهذا يجعل المراقب لنتائج تلك الانتخابات يتداعى لذهنه وجود أزمة هوية كبرى لدى قطاع كبير من الشعب التركي لا سيما المثقفون منه؛ مما أظهر الانتخابات الأخيرة بمظهر جديد وغير متوقع. وما يخرج به المرء من أنباء تلك الانتخابات الهزيلة ما يلي: ١- أن انتخابات عالمنا العربي والإسلامي هي شعارات ودعاوى لا تمت للحقيقة بصلة، وما دام الأمر كذلك؛ فلماذا لا يكون الحكام الفعليون وصناع الانتخابات أنفسهم الممسكين بأزمَّة الأمور؟ ٢- أن الحزب الحاكم بما يملكه من صلاحيات يستطيع إجراء الانتخابات لصالحه ما دام هو صاحب السلطة المهيمنة. ٣- أن الغرب والشرق سيبصمون على نزاهة تلك الانتخابات وأمثالها، ويدعون أنها تعبِّر عن الرغبة الشعبية ما دامت أنها نحَّتْ التيارات الإسلامية التي يكرهونها ويرفضونها حسبما يجعجع به منظِّروهم من دعاوى أن الأصولية الإسلامية هي العدو الجديد. وكم ذا (بدارٍ) من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكاء

стр. 3118

ربيع الآخر - ١٤٢٠هـ أغسطس - ١٩٩٩م (السنة: ١٤)

стр. 3119

كلمة صغيرة نحن والمنافسة الإعلامية للإعلام في هذا العصر دور كبير جداً في صناعة عقول الناس وتشكيل أفكارهم وتصوراتهم، ولهذا استطاع الغرب - وأتباعه - غزو عقول الأمة بقنواته الفضائية ووسائله الإعلامية بصورها المختلفة. ولطالما نادى المخلصون من العلماء والدعاة بضرورة مخاطبة الناس بلسان العصر، والاستفادة من التقنيات العلمية في تربية النشء ورعايته. وكم يسعدنا ويثلج صدورنا حينما نسمع بمطبوعة إسلامية جادة، أو مشروع إعلامي طموح، فذلك ممَّا يزيدنا فخراً وأملاً، ونسأل الله - تعالى - له التوفيق والاستمرار؛ ولكن لا يخفى أن المنافسة الإعلامية من أشق العقبات التي تواجه الإعلاميين في عصر انتكست فيه المفاهيم، وضاعت فيه القيم والمثل الأخلاقية، وأصبحت العفة والكرامة تباع بأبخس الأثمان في سوق النخاسة المعاصرة..! وأخشى ما نخشاه شعور بعض الإسلاميين بالعجز والضعف في تلك المنافسة مما قد يستهويهم أو يستدرجهم إلى التهاون في بعض الأحكام الشرعية، فيلجؤون إلى تتبع الرخص والترقيع أو التمييع، فيكونون (كالمُنْبَتِّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى!) . إن الإبداع الإعلامي طريق وعرةٌ فجاجُه، وهو مظنة للانزلاق والانحراف، ولكنه مع ذلك طريق يجب الانطلاق فيه بوعي وعزّة، وتثبُّت وتورُّع.

стр. 3120

دراسات في الشريعة والعقيدة كرامات الأولياء بين أهل السنة ومخالفيهم (١/٢) عبد اللطيف بن محمد الحسن الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، وآله وصحبه، وبعد: فإنه لما صحت أفهام سلف الأمة - من الصحابة ومن اتبعهم بإحسان - وأحسنوا العبادة وما أراد الله منهم، انصرفت عنايتهم لما كُلّفوا به، فحرصوا على ما ينفعهم غاية الحرص، ولم يأبهوا بما يشغلهم عن ذلك ويلفت قلوبهم إلى سواه، فقلّ كلامهم، وبلغوا من العمل منتهاه. ولما كثر الكلام، وقل العمل، وزاد الانحراف حدة عظمت المخالفة في أمور؛ منها ما حصل في مفهوم الأولياء وكراماتهم، وشرّق الناس في أمر الكرامات وغربوا، حتى صارت تشكو من الأحوال الآتية: ١- استفحال أمر الصوفية في المبالغة في الكرامات، وما يسمونه بالكشف والإلهام، حتى أتوا فيها بما ينافي الشرع والعقل؛ ويظهر هذا جلياً لمن نظر في كتبهم مثل: (الطبقات الكبرى) للشعراني، و (جامع كرامات الأولياء) لابن الملقّن، و (كرامات الأولياء) للنبهاني ونحوها. والخطير في الأمر تصديق عامة الناس من السذج والبسطاء والمغفلين لمثل هذه الخرافات المنكرة، حتى صارت تصوغ عقول كثير من الناس، وأصبحت معياراً للاستدلال، وطريقاً للتعبد. ٢- توسّع أهل الكلام (الأشاعرة والماتريدية) من وجه آخر، وتجويزهم أن تصل كرامات الأولياء إلى حدّ معجزات الأنبياء. ٣- إنكار معتزلة الأمس، ومعتزلة اليوم (العقلانيين) للكرامات. ٤- تلبيس أهل السحر والشعوذة بخوارقهم على العامة، وادعاؤهم أنها كرامة! ويبقى أهل السنة بوسطيتهم يقفون في أمر الكرامات موقفاً وسطاً يتميزون به، سيراه القارئ الكريم مدعّماً بالأدلة، محلىً بالأمثلة والضوابط والفوائد. ولا بد من الكلام أولاً عن مفهوم الأولياء. والله المعين. معنى الولاية: قال ابن فارس: (الواو واللام والياء أصل صحيح يدل على قرب. من ذلك الولْي: القرب. يقال: تباعد بعد ولْي، أي: بعد قرب. ومن الباب المولى: المعتِق والمعتَق والصاحب والحليف وابن العم والصاحب والجار، كل هؤلاء من الولْي وهو القرب، وكل من ولي أمر آخر فهو وليه) [١] . (والوَلاية: النصرة، والوِلاية: تولي الأمر. وقيل: الولاية والولاية نحو: الدّلالة والدّلالة، وحقيقته: تولي الأمر، والولي والمولى يستعملان في ذلك) [٢] . أما الولاية الشرعية فأمرها غاية في الوضوح، قال الله ﵎: [أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] ... [يونس: ٦٢ - ٦٤] فكل مؤمن تقي هو ولي لله - تعالى - بالمعنى الشرعي، ويدخل في ذلك الأنبياء - صلوات ربي وسلامه عليهم - فهم سادة الأولياء. لكن الأولياء في الاصطلاح يراد بهم مَنْ سوى الأنبياء، فيمكن أن يقال إن الولي هو: كل مؤمن تقي ليس بنبي. والإيمان عند أهل السنة قول وعمل، وهو قول القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح. وقول القلب هو الاعتقاد الجازم، وعمله قيامه بالعبادات القلبية كالإخلاص والمحبة والخوف والرجاء. والتقوى: فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه، وإذا قرنت مع البر (كانت التقوى اسماً لتوقي جميع المعاصي، والبر اسماً لفعل الخيرات) [٣] . قال ابن رجب: (فظهر بذلك أنه لا طريق توصل إلى التقرب إلى الله - تعالى - وولايته ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فمن ادعى ولايته والتقرب إليه ومحبته بغير هذه الطريق تبين أنه كاذب في دعواه، كما كان المشركون يتقربون إلى الله - تعالى - بعبادة من يعبدون من دونه) [٤] . وقال ابن حجر: (المراد بولي الله المواظب على طاعته، المخلص في عبادته) [٥] . وأولياء الله على مرتبتين: إحداهما: مرتبة من تقرب إلى الله بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين. وثانيتهما: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، وهذه درجة السابقين المقربين، وقد ذكر الله تلكما الدرجتين ودليل الصنفين في سورة الواقعة والرحمن والإنسان والمطففين وفاطر [٦] فقال: [فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ] [الواقعة: ٨] . ثم قال: [وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ] [الواقعة: ١٠، ١١] . والحاصل أن الولاية مرتبة في الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهراً وباطناً بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ فهي درجة عالية لا يُصعد إليها إلا بسلّم الشريعة؛ بل من اعتقد ولاية من يترك الواجبات ويفعل المحرمات فهو كافر مرتد؛ لتكذيبه الآية [٧] . والولاية لها جانبان: جانب يتعلق بالعبد: وهو القيام بالأوامر، واجتناب النواهي، ثم التدرج في مراقي العبودية بالنوافل، وجانب يتعلق بالرب - تعالى -: وهو محبة هذا العبد ونصرته وتثبيته على الاستقامة، أما الكرامات فهي أمر إضافي وليست شرطاً في الولاية [٨]- كما سيأتي -. فضل الولاية والأولياء: يكفي الأولياء ما جاء في الآية من تولي الله لهم، ونصرتهم وتأييدهم ومعونتهم وإصلاح أحوالهم، وأنه لا خوف عليهم مما أمامهم في الآخرة، ولا هم يحزنون على ما خلفهم من الدنيا، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. هنيئاً لهم، يوفقهم الله بهدايته وتسديده، ويحوطهم بحمايته ونصرته. قال رسول الله ﷺ : (إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته) [٩] . (وهذا أصح حديث يروى في الأولياء) [١٠] . وقد ذُكر فيه المقتصدون والسابقون، أما الظالم لنفسه بالإصرار على الذنوب فلا يكون ولياً حتى يتوب. الولاية لا تستلزم العصمة: الولي بَشَرٌ يجوز عليه ما يجوز على الناس من الغلط والسهو والظن الخاطئ ونحو ذلك، ولا يقدح ذلك في ولايته خلاف ما زعمت الصوفية من أن القلب إذا كان محفوظاً كانت خواطره معصومة من الخطأ! فإنه ليس في النصوص ما يدل أو يشير إلى ذلك، بل نصوص الشريعة وإجماع العلماء على خلاف ذلك، قال - تعالى -: [وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأََ الَذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الزمر: ٣٣ - ٣٥] ، فأثبت لهؤلاء المتقين المحسنين ذنوباً، وأنه يغفرها لهم، ولم تكن تقواهم مستلزمة لعصمتهم من الذنوب. وأيضاً: ف (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه) [١١] ، وهو من سادات الأولياء، ومع ذلك لم يكن يركن إلى ما يلقى في قلبه؛ بل يعرضه على الكتاب والسنة، ويدع ما خالفهما، وعلى هذا النهج مشى الركب. قال أبو سليمان الداراني: (إنه يقع في قلبي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة) [١٢] . وخطأ الولي في اجتهاده العلمي ليس نقصاً في ولايته إذا كان ممن استفرغ جهده في البحث والاستدلال، وخطؤه مغفور له، وهو مأجور غير مأزور. قال رسول الله ﷺ : (إذا حكم الحاكم فأصاب فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [١٣] . الولاية عند الصوفية: اختص الصوفية بمفهوم آخر للولاية؛ حيث زادوا على الحدّ الشرعي فقال أبو القاسم القشيري: (الولي له معنيان: أحدهما: فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى الله - سبحانه - أمره. والثاني: فعيل، مبالغة من الفاعل، وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان، وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي ولياً) [١٤] . وقوله هذا تأسيس للقول بعصمة الولي. وعرفه الجرجاني بمثل تعريف القشيري، وقال الجرجاني أيضاً: (الولاية هي: قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه) [١٥] . وهذا يشير إلى الفناء أو الحلول. ويمكن تلخيص انحرافات الصوفية - التي خالفوا بها الكتاب والسنة - في مفهوم الولي في نقاط عدة [١٦] : ١- زعمهم أن الولي يتطور ويتشكل ويتواجد في أماكن مختلفة في آن واحد. قال الشعراني في ترجمة الشيخ حسين أبي علي: (كان هذا الشيخ من كُمّل العارفين وأصحاب الدوائر الكبرى، وكان كثير التطورات: تدخل عليه الأوقات تجده جندياً، ثم تدخل عليه فتجده سبعاً، ثم تدخل فتجده فيلاً، ثم تدخل عليه فتجده صبياً، وهكذا) [١٧] . ٢- أن ما يتخيله الولي ويتصوره في خياله فإنه يقع كما تخيّل. كما حكى الشعراني عما حصل للجوهري، حين غطس في البحر وتخيل أنه تزوج عراقية فأنجبت له أولاداً، فأتته بعد مدة بأولادها منه [١٨] . ٣- دعواهم عصمة الولي وأنه لا يجوز الإنكار عليه ولو خالف الشريعة. فقد نقل الشعراني عن علي الخواص قوله: (إياك أن تصغي لقول منكر على أحد من طائفة العلماء أو الفقراء، فتسقط من عين رعاية الله ) ثم قال: (وإنما نهى القوم عن المنازعة؛ لأن علومهم مواجيد لا نقل فيها) ثم وصفها بكونها (وراثة نبوية) [١٩] . ٤- أن الولاية تكون بأيدي الأولياء الكبار يهبونها لمن شاؤوا. يقول الدباغ: (يقدر الولي على أن يكلم أحداً في أذنه، ولا يقوم عنه حتى يكون هو والولي في المعارف على حد سواء) [٢٠] . وهذا يبين وجهاً من مخالفتهم في كيفية اكتساب الولاية، كما قالوا باكتسابها بالتخلي والرياضة ونحو ذلك. ٥- زعمهم أنهم يقابلون النبي ﷺ يقظة، ويتلقون عنه التشريع، ويسألونه عن الحلال والحرام، وصحة الحديث وضعفه [٢١] . ٦- ادعاؤهم أن للولاية خاتماً كما للنبوة خاتم، وهي فكرة صوفية اخترعها الحكيم الترمذي، وطورها الصوفية بعده حتى جعلوا لكل زمان خاتماً، ومنهم من جعل لولاية الخصوص خاتماً، وخاتماً لولاية العموم، فلا ولي بعده! [٢٢] . ٧- نسبتهم إلى الأولياء صفات الربوبية من علم الغيب، والتصرف في الكون. وانظر مثلاً ما حكاه الشعراني عن إبراهيم الجعبري من اطلاعه على خفايا من أحوال الناس [٢٣] . وقد حكى الشعراني عن الجعبري أنه كان يُضْحِك ويُبْكِي من حوله إذا شاء، وأنه حبس بول ناس ثم أطلقه! [٢٤] . ونقل عن محمد الحضري أنه يقول: (الأرض بين يدي كالإناء الذي آكل منه، وأجساد الخلائق كالقوارير أرى ما في بواطنهم) [٢٥] . ونقل عن الشربيني أنه كان يقول للعصا التي كانت معه: (كوني إنساناً فتكون إنساناً، ويرسلها تقضي الحوائج ثم تعود كما كانت) [٢٦] . كرامات الأولياء: تعد الكرامة نوعاً من خوارق العادات. والعادة هي: (الحالة المتكررة على نهج واحد، كعادة الحيض في المرأة) [٢٧] . وخرق العادة إنما يكون بتمزيقها ووقوعها على خلاف الحال المعهودة المألوفة التي استقر وقوعها عليه [٢٨] . وخوارق العادات قد تكون باستغناء الإنسان عن الحاجات البشرية كالطعام والشراب بأن تحصل له بسبب غير معتاد، أو تكون بأن يعلم شيئاً فيراه أو يسمعه، وليس في إمكان البشر سماعه أو رؤيته عادة، وهذا المسمى: الكشف أو المكاشفة، وقد تكون بحصول الأثر في الأشياء مما ليس في قدرة البشر فعله في العادة، كوجود ضوء من غير مصدره، ومن هذا إجابة الدعوة. إن تمام الغنى والعلم والقدرة - التي تكون الخوارق من جنسها - إنما هو لله - تعالى - وهو الذي يخرق العادة لمن شاء، ولذا نفاها نوح ﵇ عن نفسه، وأمر الله نبيه محمداً ﷺ أن ينفيها عن نفسه، فقال - تعالى -: [قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ] [الأنعام: ٥٠] [٢٩] . كما أن تلك الخوارق منها ما يكون محموداً إذا أعان صاحبه على البر والتقوى، كمعجزات الأنبياء وكرامات الصالحين لحجة في الدين أو حاجة بالمسلمين، ومنها ما يكون مذموماً حيث كان عوناً على الظلم والفجور، كخوارق السحرة والفجرة، وما لم يكن من هذا ولا ذاك كأن كان عوناً لصاحبه على قضاء حاجته فإنه المباح، ثم إن استُغل في خير أو شر صار محموداً أو مذموماً [٣٠] . تعريف الكرامة: الكرامة لغة: مصدر (كَرُم) ، أو اسم مصدر من (كرّم) أو (أكرم) . و (الكاف والراء والميم: أصل صحيح، له بابان؛ أحدهما: شرف الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق) [٣١] . ويظهر أن الكرامة من الباب الأول لشرفها في ذاتها، وصاحبها كريم من الباب الثاني لشرفه في خلُقه مع الخالق - تعالى - ومع الخلق أيضاً. والكرامة من الكرم، وهو: ضد اللؤم ونقيضه [٣٢] ، والكرامة: اسم يوضع للإكرام، كما وضعت الطاعة في موضع الإطاعة [٣٣] . أما اصطلاحاً: فلم ترد الكرامة بهذا اللفظ في الكتاب ولا السنة ولا كلام الصحابة، وقد سماها الله آية، فقال بعد ذكر كرامة أهل الكهف في ازورار الشمس عن كهفهم المفتوح جهتها: [ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ] [الكهف: ١٧] فهي آيات وبراهين على قدرة الله، ودالة على كرامة صاحبها وإنما سميت بهذا تمييزاً لها عن المعجزة، وهذا التفريق في اللفظ إنما قال به كثير من المتأخرين [٣٤] ، ثم شاع، وصار هو المقول به في عامة أقوال العلماء. وحيث وجد الخارق للعادة نظرنا فيمن وقع له؛ فإن كان مؤمناً تقياً، وكان هذا الفعل الخارق مما يصلح ظهوره على يد الولي: عددنا ذلك كرامة، وعلى ذلك فيمكن تعريفها بأن يقال: هي (أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي - ليس بنبي - علم الولي بذلك أم لا) [٣٥] ، ومنه يظهر أن شروط الكرامة هي: ١- وجود أمر خارق للعادة. ٢- ظهورها على يد ولي، وإلا لم تكن كرامة، بل استدراجاً. ٣- كون هذا الولي ليس نبياً. ٤- كون هذا الخارق مما يصلح أن يكون كرامة لولي، فلا يشتمل على معصية، أو باطل [٣٦] . ولا يشترط عدم التحدي، ولا كونها لحجة أو حاجة [٣٧] ، ولا علم صاحبها بها. الفرق بين الكرامة والمعجزة: كرامات الأولياء من باب معجزات الأنبياء، والاختلاف بينهما في الدرجة، ويظهر الفرق بينهما في الأوجه الآتية: الأول: الكرامة لا تصل إلى درجة معجزات الأنبياء، كما أن أصحابها - الأولياء - لا يصلون في الفضيلة والثواب درجات الأنبياء؛ فللأنبياء معجزاتهم الكبرى التي لا يظهر مثلها على يد أحد من الأولياء أو الشياطين، وهي من الأدلة على صدقهم، فلا يمكن أن تختلط بأحوال غيرهم، قال ابن تيمية ﵀: (فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين) [٣٨] . ولكن هناك خوارق أقل درجة تسمى صغرى، وهي من التوابع والنوافل، ولا يعتمد عليها استقلالاً في صدق الأنبياء، وهي التي يجوز أن يظهر مثلها على يد الأولياء كرامة لهم، ودلالة على صدق النبي ﷺ الذي تبعوه؛ فهذه الدرجة من المعجزات التي يحصل مثلها للإنس أو الجن لا تكون وحدها آية للنبي؛ فإن الله أيد نبوتهم بتلك المعجزات الكبرى التي لا يقدر عليها إنس ولا جن [٣٩] . وهذه - بحمد الله - قاعدة واضحة للتمييز بين المعجزة والكرامة، يشهد لها قول النبي ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) [٤٠] . (والمعنى أن كل نبي أعطي آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها) [٤١] . وبهذا يتبين خطأ قول من قال بأن كل ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي [٤٢] . الثاني: أن المعجزة تقع للنبي مقترنة بدعوى النبوة، وليست كذلك كرامة الولي. الثالث: أن المعجزات من الدلائل على صدق النبي وتأييد الله له، وتأتي لحاجة الخلق وهدايتهم، وتحصل للأنبياء وهم عالمون بوقوعها، كما يجب عليهم إظهارها، خاصة إذا توقف إيمان الناس عليها، ولا يشترط كل ذلك في الكرامة. الفرق بين الكرامات والأحوال الشيطانية: وإذا اعتبرنا المعجزات والكرامات من باب واحد، وجعلنا النبوة أساساً للتفريق بين الكرامات والأحوال الشيطانية [٤٣] سهل الأمر جداً، وتبين الفرق بينهما في الأمور الآتية: ١- أن الكرامات سببها الولاية الحقة لله - تعالى - وهي الإيمان والتقوى [٤٤] ، فلا عبرة بالخوارق بدون ذلك، إنما هي من الشيطان. قال الشافعي ﵀: (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة) [٤٥] . ومن النكت المليحة لأبي يزيد البسطامي قوله: (لله خلق كثيرون، يمشون على الماء، لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطير، فلا تغتروا به، حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشرع) [٤٦] . ٢- أن الكرامات قائمة على الصدق، بخلاف تلك المخاريق المبنية على الكذب: [هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ] [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] . ٣- أن الخوارق الشيطانية في حقيقتها هي تصرفات من جنس تصرفات الجن والإنس، تفعلها الشياطين في غيبة عن أعين الإنس؛ من نقل شيء أو قتل أو أذى ونحوه، وليس فيها تحويل جنس إلى جنس، ولا ما يختص الرب بالقدرة عليه، ولا ما تختص به الملائكة فأين هذا من تكثير الماء القليل، بحيث يفيض حتى يصير بذاته كثيراً [٤٧] . ٤- أن الكرامات هبة من الله، أما الخوارق والأحوال الشيطانية فتحصل بالتعلم والرياضة ودعاء الجن والشياطين، والتقرب إليهم [٤٨] . ٥- أن أولياء الله يحاولون إخفاء الكرامة، ولا يلتفتون إليها، ويعلمون أنها نعمة يجب شكرها، ويخشون أن تكون ابتلاء لا يثبتون فيه، ومن كان هذا حاله فلا يتصور منه أن يجعل الكرامات ميدان منافسة، فيسعى إلى إبراز كراماته، وإبطال كرامات غيره.. وأصحاب الأحوال الشيطانية على خلاف هذا تماماً، بل لا يظهرونها - غالباً - إلا في حضرة الناس، ويتحدى بعضهم بعضاً فيها، بغرض إبراز المهارات في الخديعة والمكر، فيقع بينها من التعارض الشيء الكثير [٤٩] . ٦- أن كرامات الأولياء أمر ثابت في النصوص الشرعية وواقع الصالحين، بخلاف تلك الأحوال الإبليسية التي يُبطل أثرها الذكر والقرآن. وشتان بين ما يخنس بتلاوة القرآن ويبطل أثره أو يضعف، وبين ما يقويه القرآن، ويزيده نوراً [٥٠] ! الإلهام والفراسة من كرامات الأولياء: الإلهام لغة: (يدل على ابتلاع شيء ومن هذا الباب: الإلهام، كأنه شيء ألقي في الروع فالتهمه، قال الله - تعالى -: [فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] [الشمس: ٨] ) [٥١] والإلهام: (إيقاع شيء في القلب، يطمئن له الصدر، يخص الله به بعض أصفيائه) [٥٢] . والملهم هو: المحدّث، المُفْهَم، الذي يصدق ظنه في الأشياء، تتكلم الملائكة على لسانه، فيجري عليه الصواب من غير قصد منه، ويطلق على ذلك المكاشفة. و (المكاشفة الصحيحة: علوم يحدثها الرب في قلب العبد، ويطلع بها على أمور تخفى على غيره، وقد يواليها، وقد يمسكها عنه بالغفلة عنها) [٥٣] . دليل الإلهام: قول النبي ﷺ : (لقد كان فيمن قبلكم ناس محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر) [٥٤] . ولا يعدو الإلهام أن يكون فتحاً من الله - تعالى - على عبد من عباده المؤمنين بما يوافق الحق الذي أنزله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، كالرؤيا الصالحة فيها كشف للنائم، وإطْلاع له على شيء مما لم يقع بعد. مصداقه حديث النبي ﷺ : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) [٥٥] . والإلهام - على منزلته - لا يمكن أن يكون مكملاً لنقص في الدين، أو محدِثاً لحكم جديد فيه، كما هو الحال تماماً بالنسبة للرؤيا؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام فأمره بأمر وجب عليه أن يعرضه على الشرع؛ لأن (كل من كان من أهل الخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر، فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسنة تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، لا يجعل ما جاء به الرسول ﷺ تبعاً لما ورد عليه) [٥٦] . ومن الإلهام: ما وقع للصديق ﵁ في موقفه يوم قتال أهل الردة، حين خالفه كثير من الصحابة، فقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها) [٥٧] ، حتى شرح الله صدور أصحابه لما أراه من الحق، ومنها: تسيير جيش أسامة الذي عقده النبي ﷺ قبيل وفاته. وقال عمر ﵁: (وافقت الله في ثلاث، - أو وافقني ربي في ثلاث - قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يارسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلتُ عليهن، قلت: إن انتهيتن، أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه قالت: يا عمر! أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: [عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ ... ] [التحريم: ٥] ) [٥٨] . ومن إلهاماته: اختياره قتل أسارى بدر. ب - الفراسة: يراد بالفراسة في اللغة معنى ذا جانبين؛ أحدهما أخص من الآخر، وهما: ١- المعرفة بالأمور، والخبرة بالأحوال، من خلال النظر المحكم فيها. ٢- المهارة في تعرف بواطن الأمور من ظواهرها [٥٩] . ويمكن تعريف الفراسة في الاصطلاح بأنها: نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن الملتزم سنة نبيه ﷺ ، يكشف له بعض ما خفي على غيره، مستدلاً عليه بظاهر الأمر، فيسدد في رأيه، دون أن يستغني بذلك عن الشرع. والفراسة المقصودة هنا الفراسة الإيمانية، وهي غير فراسة الرياضة، والفراسة الخلقية، بل هي (على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدّ فراسة) [٦٠] (فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية، وسقى ذلك الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة، كان من بعض ثمره هذه الفراسة) [٦١] . والسبب أن (هذه الفراسة نشأت له من قربه من الله - تعالى - فإن القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه، وكان تلقيه من مشكاة قريبة من الله بحسب قربه منه، وأضاء له من النور بقدر قربه، فرأى في ذلك ما لم يره البعيد والمحجوب) كما ثبت في حديث الأولياء، (وليس هذا من علم الغيب، بل علام الغيوب قذف الحق في قلب قريب منه) [٦٢] . وللفراسة من الفوائد: ١- الانتفاع بالمواعظ، والاستفادة من الحوادث والعبر، قال - تعالى - بعد أن ذكر قصة إهلاك قوم لوط -: [إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ] [الحجر: ٧٥] أي: الناظرين المتفرسين المتفكرين المعتبرين. ٢- دقة الحكم بين الناس وخاصة من القضاة، وحفظ الحقوق، وتحقيق المصالح العامة، التي يهدف الشرع إلى تحقيقها [٦٣] . ٣- تولية الأكفاء في رعاية مصالح الأمة. ٤- توقع الأحداث قبل وقوعها، فتؤخذ لها العدة والحيطة، فتُتّقى الشرور وتدفع المفاسد. ومن الفراسة: ما وقع لعمر حين (دخل عليه نفر من مذحج، فيهم الأشتر النخعي، فصعّد فيه البصر وصوبه وقال:أيهم هذا؟ قالوا: مالك بن الحارث، فقال: ما له قاتله الله؟ إني لأرى للمسلمين منه يوماً عصيباً. وهذا عثمان بن عفان ﵁ دخل عليه رجل من الصحابة وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل محاسنها، فقال له عثمان: يدخل عليّ أحدكم وأثر الزنى ظاهر على عينيه؟ ! فقلت: أوَحيٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة) [٦٤] .
следующие страницы →