نفثة الأسى
زاهر بن مرعي الزهراني
جدَّ المُضِلُّون في خسفٍ وإرعابِ ومعولُ الظُلمِ أبكى عينَ محرابِ
لم يبقَ في قِرْبَة الأعيادِ من فَرَحٍ نسقي بها النفسَ مِن جدبٍ بها رابي
ماتتْ بغدْر رماحِ القهرِ بهجتُنا ويشمَخُ الحزنُ في أحداقِ أحبابي
وينبتُ الألَمُ المجنونُ في شَفَة تُريقُ بسمَتُها شَهْداً مِنَ الصَّابِ
زقّومةُ الشرِّ تنمو في مرابعنا ونخلةُ الخير ذاقتْ فاسَ حطّابِ
وصيحَةُ الليلِ دوّتْ في عوالمِنا وهمسَةُ الصُّبحِ في سِجنِ وإرهابِ
أَلَمْ ترَ الطفلَ في أشداقِ عاصفةٍ يبكي وحيداً على أهلٍ وأصحابِ؟ !
غَضّاً، يقول على أشلاءِ منزِلِهِ: صارتْ رماداً كراريسي وألعابي!
أُمّي.. أبي.. إخوتي، من ذا يُساعِدني؟ فالحقلُ شوكٌ، وساقي بينَ أنيابِ
كُفَي عذابَك يا دُنيا اللّظى؛ فَلَنا شوقٌ فتىٌّ لأيامِ ابن خطّابِ
لا الكربُ لامَسَها، لا النورُ فَارَقَها، حمائمُ الأنسِ تغشاها بأسرابِ
وعندنا في زمان القحْطِ مَظْلَمَةٌ تُحقِّرُ الصِدقَ، تهوى رَفْعَ كذَابِ
سلاحُنا في الوغى دَمْعٌ يُخَادِعُنا فهل سيصنَعُ دِرْعاً غسلُ أهدابِ؟
يَدُ الضلالةِ غاصتْ في منابعنا فدنستها ونرضى وَحْلَ أغرابِ!
مراكِبُ الصّفو ضلّت عن موانئنا بل المصابيحُ قد نامتْ بألبابٍ
مهما فَشَا الخوفُ.. فالآمالُ صاعِدةٌ على مدارج إيماني لترقى بي
يا قلب فاسْعَدْ.. أرى أفْقاً يقول لنا: لزورقِ الفجرِ قد فتّحْتُ أبوابي
стр. 3117
الورقة الأخيرة
المواقف المعلومة في الانتخابات المحسومة
أحمد العامر
مرت في الآونة الأخيرة انتخابات عدة، من أشهرها الانتخابات الجزائرية
والانتخابات التركية، وهي في كلا البلدين ترفع الشعار الديمقراطي ودعوى تداول
السلطة بعد تفصيلها الأحزاب على المقاس المطلوب ورفض ما لا يناسبها حتى ولو
كانت الاتجاهات المرفوضة هي الأغلبية المطلقة، لا سيما وقد عانى شعبا البلدين
الأمرين من تلك المهازل التي يتولى (العسكريون) فيها دور محرك الخيوط في
مسرح العرائس.
وفي الوقت الذي كانت استطلاعات الرأي ونتائج الحوارات المتلفزة تؤكد أن
نسبة الترشيح محسومة لأحزاب بعينها في ذانك البلدين وجدنا أن تلك الاستطلاعات
تتغير بقدرة قادر وتُوجَّه لأحزاب أخرى؛ وحينما وجد مندوبو الأحزاب الجزائرية
أن العملية الانتخابية لم تسلم من التلاعب بصناديق الاقتراع انسحبت الأغلبية،
وفيها من المرشحين من له تاريخه السياسي ووزنه الشعبي وطلبوا - فوراً - اللقاء
مع الرئيس زروال؛ لكنه رفض اللقاء بهم فانسحب المرشحون وبقي (الرقم الأخير)
المحسوب على التيار (البومديني) الذي لم تجد فيه الجزائر سوى النهج الاشتراكي
المفلس الذي جعل بلداً بترولياً مثل الجزائر من الدول الهامشية المثقلة بالديون فضلاً
عما أثارته الصحافة المعارضة من مآخذ وسلبيات على شخص ذلك الرجل، لكن
لما كان مقبولاً من مراكز القوى العسكرية فلا مانع من أن يكون هو الفائز بنسبة
(٧٣%) ليكون رئيساً للبلاد، دون الالتفات إلى الاحتجاجات ومظاهرات الجماهير؛
بل مواجهة من تجرأ على ذلك بالقمع؛ لأن ذلك ينافي - في زعمهم - الرغبة
الشعبية المزعومة!
أما تركيا فإنها - كعادتها - لو تركت الأمور تأخذ مجراها لتحقق ما توقعته
مراصد الرأي من فوز (حزب الفضيلة) ذي الاتجاه الإسلامي ليسبق الحزب الحاكم
(اليسار الديمقراطي) بقيادة (بولنت أجاويد) الذي وصل الحكم بعملية قيصرية
معروفة، مما سيجعل الحكام الفعليين وراء الكواليس في مأزق حرج لو فاز حزب
الفضيلة. ويتجلى ذلك فيما يلي:
١- أن العسكر يرفضون رغبة الشعب في ترشيح من يراه.
٢- الحيلولة دون تكليف (إسلامي) بالوزارة اضطراراً؛ وهذا ما يسبب لهم
قلقاً هم في غنى عنه.
٣- الهلع من عودة التيار ذي الأغلبية العظمى؛ مما قد يؤدي إلى تغيير
الدستور؛ فينكشف المخَّبأ؛ مما قد ينهي الحقبة الأتاتوركية المشبوهة؛ لا سيما أن
المشرف على هذه الانتخابات هو الحزب الحاكم الذي يتطلع للأغلبية لضمان بقائه؛
متعللاً ببطولة القبض على أوجلان الذي أوقعهم في حرج لا يحسدون عليه.
وهذا يجعل المراقب لنتائج تلك الانتخابات يتداعى لذهنه وجود أزمة هوية
كبرى لدى قطاع كبير من الشعب التركي لا سيما المثقفون منه؛ مما أظهر
الانتخابات الأخيرة بمظهر جديد وغير متوقع.
وما يخرج به المرء من أنباء تلك الانتخابات الهزيلة ما يلي:
١- أن انتخابات عالمنا العربي والإسلامي هي شعارات ودعاوى لا تمت
للحقيقة بصلة، وما دام الأمر كذلك؛ فلماذا لا يكون الحكام الفعليون وصناع
الانتخابات أنفسهم الممسكين بأزمَّة الأمور؟
٢- أن الحزب الحاكم بما يملكه من صلاحيات يستطيع إجراء الانتخابات
لصالحه ما دام هو صاحب السلطة المهيمنة.
٣- أن الغرب والشرق سيبصمون على نزاهة تلك الانتخابات وأمثالها،
ويدعون أنها تعبِّر عن الرغبة الشعبية ما دامت أنها نحَّتْ التيارات الإسلامية التي
يكرهونها ويرفضونها حسبما يجعجع به منظِّروهم من دعاوى أن الأصولية
الإسلامية هي العدو الجديد.
وكم ذا (بدارٍ) من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكاء
стр. 3118
ربيع الآخر - ١٤٢٠هـ
أغسطس - ١٩٩٩م
(السنة: ١٤)
стр. 3119
كلمة صغيرة
نحن والمنافسة الإعلامية
للإعلام في هذا العصر دور كبير جداً في صناعة عقول الناس وتشكيل
أفكارهم وتصوراتهم، ولهذا استطاع الغرب - وأتباعه - غزو عقول الأمة بقنواته
الفضائية ووسائله الإعلامية بصورها المختلفة. ولطالما نادى المخلصون من العلماء
والدعاة بضرورة مخاطبة الناس بلسان العصر، والاستفادة من التقنيات العلمية في
تربية النشء ورعايته.
وكم يسعدنا ويثلج صدورنا حينما نسمع بمطبوعة إسلامية جادة، أو مشروع
إعلامي طموح، فذلك ممَّا يزيدنا فخراً وأملاً، ونسأل الله - تعالى - له التوفيق
والاستمرار؛ ولكن لا يخفى أن المنافسة الإعلامية من أشق العقبات التي تواجه
الإعلاميين في عصر انتكست فيه المفاهيم، وضاعت فيه القيم والمثل الأخلاقية،
وأصبحت العفة والكرامة تباع بأبخس الأثمان في سوق النخاسة المعاصرة..!
وأخشى ما نخشاه شعور بعض الإسلاميين بالعجز والضعف في تلك المنافسة
مما قد يستهويهم أو يستدرجهم إلى التهاون في بعض الأحكام الشرعية، فيلجؤون
إلى تتبع الرخص والترقيع أو التمييع، فيكونون (كالمُنْبَتِّ لا أرضاً قطع، ولا
ظهراً أبقى!) .
إن الإبداع الإعلامي طريق وعرةٌ فجاجُه، وهو مظنة للانزلاق والانحراف،
ولكنه مع ذلك طريق يجب الانطلاق فيه بوعي وعزّة، وتثبُّت وتورُّع.
стр. 3120
دراسات في الشريعة والعقيدة
كرامات الأولياء بين أهل السنة ومخالفيهم
(١/٢)
عبد اللطيف بن محمد الحسن
الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، وآله وصحبه، وبعد:
فإنه لما صحت أفهام سلف الأمة - من الصحابة ومن اتبعهم بإحسان -
وأحسنوا العبادة وما أراد الله منهم، انصرفت عنايتهم لما كُلّفوا به، فحرصوا على
ما ينفعهم غاية الحرص، ولم يأبهوا بما يشغلهم عن ذلك ويلفت قلوبهم إلى سواه،
فقلّ كلامهم، وبلغوا من العمل منتهاه.
ولما كثر الكلام، وقل العمل، وزاد الانحراف حدة عظمت المخالفة في أمور؛ منها ما حصل في مفهوم الأولياء وكراماتهم، وشرّق الناس في أمر الكرامات
وغربوا، حتى صارت تشكو من الأحوال الآتية:
١- استفحال أمر الصوفية في المبالغة في الكرامات، وما يسمونه بالكشف
والإلهام، حتى أتوا فيها بما ينافي الشرع والعقل؛ ويظهر هذا جلياً لمن نظر في
كتبهم مثل: (الطبقات الكبرى) للشعراني، و (جامع كرامات الأولياء) لابن الملقّن،
و (كرامات الأولياء) للنبهاني ونحوها. والخطير في الأمر تصديق عامة الناس من
السذج والبسطاء والمغفلين لمثل هذه الخرافات المنكرة، حتى صارت تصوغ عقول
كثير من الناس، وأصبحت معياراً للاستدلال، وطريقاً للتعبد.
٢- توسّع أهل الكلام (الأشاعرة والماتريدية) من وجه آخر، وتجويزهم أن
تصل كرامات الأولياء إلى حدّ معجزات الأنبياء.
٣- إنكار معتزلة الأمس، ومعتزلة اليوم (العقلانيين) للكرامات.
٤- تلبيس أهل السحر والشعوذة بخوارقهم على العامة، وادعاؤهم أنها كرامة!
ويبقى أهل السنة بوسطيتهم يقفون في أمر الكرامات موقفاً وسطاً يتميزون به، سيراه القارئ الكريم مدعّماً بالأدلة، محلىً بالأمثلة والضوابط والفوائد.
ولا بد من الكلام أولاً عن مفهوم الأولياء. والله المعين.
معنى الولاية:
قال ابن فارس: (الواو واللام والياء أصل صحيح يدل على قرب. من ذلك
الولْي: القرب. يقال: تباعد بعد ولْي، أي: بعد قرب. ومن الباب المولى:
المعتِق والمعتَق والصاحب والحليف وابن العم والصاحب والجار، كل هؤلاء من
الولْي وهو القرب، وكل من ولي أمر آخر فهو وليه) [١] .
(والوَلاية: النصرة، والوِلاية: تولي الأمر. وقيل: الولاية والولاية نحو:
الدّلالة والدّلالة، وحقيقته: تولي الأمر، والولي والمولى يستعملان في ذلك) [٢] .
أما الولاية الشرعية فأمرها غاية في الوضوح، قال الله ﵎:
[أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ *
لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] ... [يونس: ٦٢ - ٦٤] فكل مؤمن تقي هو ولي لله - تعالى - بالمعنى الشرعي،
ويدخل في ذلك الأنبياء - صلوات ربي وسلامه عليهم - فهم سادة الأولياء. لكن
الأولياء في الاصطلاح يراد بهم مَنْ سوى الأنبياء، فيمكن أن يقال إن الولي هو:
كل مؤمن تقي ليس بنبي.
والإيمان عند أهل السنة قول وعمل، وهو قول القلب وعمله، وقول اللسان،
وعمل الجوارح.
وقول القلب هو الاعتقاد الجازم، وعمله قيامه بالعبادات القلبية كالإخلاص
والمحبة والخوف والرجاء.
والتقوى: فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه، وإذا قرنت مع
البر (كانت التقوى اسماً لتوقي جميع المعاصي، والبر اسماً لفعل الخيرات) [٣] .
قال ابن رجب: (فظهر بذلك أنه لا طريق توصل إلى التقرب إلى الله -
تعالى - وولايته ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسوله -صلى الله
عليه وسلم-؛ فمن ادعى ولايته والتقرب إليه ومحبته بغير هذه الطريق تبين أنه
كاذب في دعواه، كما كان المشركون يتقربون إلى الله - تعالى - بعبادة من يعبدون
من دونه) [٤] . وقال ابن حجر: (المراد بولي الله المواظب على طاعته،
المخلص في عبادته) [٥] .
وأولياء الله على مرتبتين:
إحداهما: مرتبة من تقرب إلى الله بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين
أصحاب اليمين.
وثانيتهما: من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل، وهذه درجة السابقين
المقربين، وقد ذكر الله تلكما الدرجتين ودليل الصنفين في سورة الواقعة
والرحمن والإنسان والمطففين وفاطر [٦] فقال: [فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ] [الواقعة: ٨] . ثم قال: [وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ]
[الواقعة: ١٠، ١١] .
والحاصل أن الولاية مرتبة في الدين عظيمة لا يبلغها إلا من قام بالدين ظاهراً
وباطناً بفعل المأمورات وترك المنهيات؛ فهي درجة عالية لا يُصعد إليها إلا بسلّم
الشريعة؛ بل من اعتقد ولاية من يترك الواجبات ويفعل المحرمات فهو كافر مرتد؛
لتكذيبه الآية [٧] .
والولاية لها جانبان: جانب يتعلق بالعبد: وهو القيام بالأوامر، واجتناب
النواهي، ثم التدرج في مراقي العبودية بالنوافل، وجانب يتعلق بالرب - تعالى -: وهو محبة هذا العبد ونصرته وتثبيته على الاستقامة، أما الكرامات فهي أمر
إضافي وليست شرطاً في الولاية [٨]- كما سيأتي -.
فضل الولاية والأولياء:
يكفي الأولياء ما جاء في الآية من تولي الله لهم، ونصرتهم وتأييدهم
ومعونتهم وإصلاح أحوالهم، وأنه لا خوف عليهم مما أمامهم في الآخرة، ولا هم
يحزنون على ما خلفهم من الدنيا، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
هنيئاً لهم، يوفقهم الله بهدايته وتسديده، ويحوطهم بحمايته ونصرته. قال
رسول الله ﷺ : (إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته
بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه، وما يزال
عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به
وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني
لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن
نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته) [٩] . (وهذا أصح حديث يروى
في الأولياء) [١٠] . وقد ذُكر فيه المقتصدون والسابقون، أما الظالم لنفسه
بالإصرار على الذنوب فلا يكون ولياً حتى يتوب.
الولاية لا تستلزم العصمة:
الولي بَشَرٌ يجوز عليه ما يجوز على الناس من الغلط والسهو والظن الخاطئ
ونحو ذلك، ولا يقدح ذلك في ولايته خلاف ما زعمت الصوفية من أن القلب إذا
كان محفوظاً كانت خواطره معصومة من الخطأ! فإنه ليس في النصوص ما يدل أو
يشير إلى ذلك، بل نصوص الشريعة وإجماع العلماء على خلاف ذلك، قال -
تعالى -: [وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ
عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأََ الَذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم
بِأَحْسَنِ الَذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ] [الزمر: ٣٣ - ٣٥] ، فأثبت لهؤلاء المتقين المحسنين
ذنوباً، وأنه يغفرها لهم، ولم تكن تقواهم مستلزمة لعصمتهم من الذنوب.
وأيضاً: ف (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه) [١١] ، وهو من
سادات الأولياء، ومع ذلك لم يكن يركن إلى ما يلقى في قلبه؛ بل يعرضه على
الكتاب والسنة، ويدع ما خالفهما، وعلى هذا النهج مشى الركب. قال أبو سليمان
الداراني: (إنه يقع في قلبي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب
والسنة) [١٢] .
وخطأ الولي في اجتهاده العلمي ليس نقصاً في ولايته إذا كان ممن استفرغ
جهده في البحث والاستدلال، وخطؤه مغفور له، وهو مأجور غير مأزور. قال
رسول الله ﷺ : (إذا حكم الحاكم فأصاب فاجتهد ثم أصاب فله
أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [١٣] .
الولاية عند الصوفية:
اختص الصوفية بمفهوم آخر للولاية؛ حيث زادوا على الحدّ الشرعي فقال
أبو القاسم القشيري: (الولي له معنيان: أحدهما: فعيل بمعنى مفعول، وهو من
يتولى الله - سبحانه - أمره. والثاني: فعيل، مبالغة من الفاعل، وهو الذي
يتولى عبادة الله وطاعته، فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان،
وكلا الوصفين واجب حتى يكون الولي ولياً) [١٤] . وقوله هذا تأسيس للقول
بعصمة الولي. وعرفه الجرجاني بمثل تعريف القشيري، وقال الجرجاني أيضاً:
(الولاية هي: قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه) [١٥] . وهذا يشير إلى الفناء
أو الحلول.
ويمكن تلخيص انحرافات الصوفية - التي خالفوا بها الكتاب والسنة - في
مفهوم الولي في نقاط عدة [١٦] :
١- زعمهم أن الولي يتطور ويتشكل ويتواجد في أماكن مختلفة في آن واحد.
قال الشعراني في ترجمة الشيخ حسين أبي علي: (كان هذا الشيخ من كُمّل العارفين
وأصحاب الدوائر الكبرى، وكان كثير التطورات: تدخل عليه الأوقات تجده جندياً، ثم تدخل عليه فتجده سبعاً، ثم تدخل فتجده فيلاً، ثم تدخل عليه فتجده صبياً،
وهكذا) [١٧] .
٢- أن ما يتخيله الولي ويتصوره في خياله فإنه يقع كما تخيّل. كما حكى
الشعراني عما حصل للجوهري، حين غطس في البحر وتخيل أنه تزوج عراقية
فأنجبت له أولاداً، فأتته بعد مدة بأولادها منه [١٨] .
٣- دعواهم عصمة الولي وأنه لا يجوز الإنكار عليه ولو خالف الشريعة. فقد
نقل الشعراني عن علي الخواص قوله: (إياك أن تصغي لقول منكر على أحد من
طائفة العلماء أو الفقراء، فتسقط من عين رعاية الله ) ثم قال:
(وإنما نهى القوم عن المنازعة؛ لأن علومهم مواجيد لا نقل فيها) ثم وصفها بكونها
(وراثة نبوية) [١٩] .
٤- أن الولاية تكون بأيدي الأولياء الكبار يهبونها لمن شاؤوا. يقول الدباغ:
(يقدر الولي على أن يكلم أحداً في أذنه، ولا يقوم عنه حتى يكون هو والولي في
المعارف على حد سواء) [٢٠] . وهذا يبين وجهاً من مخالفتهم في كيفية اكتساب
الولاية، كما قالوا باكتسابها بالتخلي والرياضة ونحو ذلك.
٥- زعمهم أنهم يقابلون النبي ﷺ يقظة، ويتلقون عنه
التشريع، ويسألونه عن الحلال والحرام، وصحة الحديث وضعفه [٢١] .
٦- ادعاؤهم أن للولاية خاتماً كما للنبوة خاتم، وهي فكرة صوفية اخترعها
الحكيم الترمذي، وطورها الصوفية بعده حتى جعلوا لكل زمان خاتماً، ومنهم من
جعل لولاية الخصوص خاتماً، وخاتماً لولاية العموم، فلا ولي بعده! [٢٢] .
٧- نسبتهم إلى الأولياء صفات الربوبية من علم الغيب، والتصرف في
الكون. وانظر مثلاً ما حكاه الشعراني عن إبراهيم الجعبري من اطلاعه على خفايا
من أحوال الناس [٢٣] . وقد حكى الشعراني عن الجعبري أنه كان يُضْحِك ويُبْكِي
من حوله إذا شاء، وأنه حبس بول ناس ثم أطلقه! [٢٤] . ونقل عن محمد
الحضري أنه يقول: (الأرض بين يدي كالإناء الذي آكل منه، وأجساد الخلائق
كالقوارير أرى ما في بواطنهم) [٢٥] . ونقل عن الشربيني أنه كان يقول للعصا
التي كانت معه: (كوني إنساناً فتكون إنساناً، ويرسلها تقضي الحوائج ثم تعود كما
كانت) [٢٦] .
كرامات الأولياء:
تعد الكرامة نوعاً من خوارق العادات. والعادة هي: (الحالة المتكررة على
نهج واحد، كعادة الحيض في المرأة) [٢٧] . وخرق العادة إنما يكون بتمزيقها
ووقوعها على خلاف الحال المعهودة المألوفة التي استقر وقوعها عليه [٢٨] .
وخوارق العادات قد تكون باستغناء الإنسان عن الحاجات البشرية كالطعام
والشراب بأن تحصل له بسبب غير معتاد، أو تكون بأن يعلم شيئاً فيراه أو يسمعه، وليس في إمكان البشر سماعه أو رؤيته عادة، وهذا المسمى: الكشف أو المكاشفة، وقد تكون بحصول الأثر في الأشياء مما ليس في قدرة البشر فعله في العادة،
كوجود ضوء من غير مصدره، ومن هذا إجابة الدعوة.
إن تمام الغنى والعلم والقدرة - التي تكون الخوارق من جنسها - إنما هو
لله - تعالى - وهو الذي يخرق العادة لمن شاء، ولذا نفاها نوح ﵇ عن نفسه، وأمر الله نبيه محمداً ﷺ أن ينفيها عن نفسه،
فقال - تعالى -: [قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ] [الأنعام: ٥٠] [٢٩] .
كما أن تلك الخوارق منها ما يكون محموداً إذا أعان صاحبه على البر والتقوى، كمعجزات الأنبياء وكرامات الصالحين لحجة في الدين أو حاجة بالمسلمين، ومنها
ما يكون مذموماً حيث كان عوناً على الظلم والفجور، كخوارق السحرة والفجرة،
وما لم يكن من هذا ولا ذاك كأن كان عوناً لصاحبه على قضاء حاجته فإنه المباح،
ثم إن استُغل في خير أو شر صار محموداً أو مذموماً [٣٠] .
تعريف الكرامة:
الكرامة لغة: مصدر (كَرُم) ، أو اسم مصدر من (كرّم) أو (أكرم) . و (الكاف
والراء والميم: أصل صحيح، له بابان؛ أحدهما: شرف الشيء في نفسه، أو
شرف في خلق من الأخلاق) [٣١] . ويظهر أن الكرامة من الباب الأول لشرفها في
ذاتها، وصاحبها كريم من الباب الثاني لشرفه في خلُقه مع الخالق - تعالى - ومع
الخلق أيضاً. والكرامة من الكرم، وهو: ضد اللؤم ونقيضه [٣٢] ، والكرامة:
اسم يوضع للإكرام، كما وضعت الطاعة في موضع الإطاعة [٣٣] .
أما اصطلاحاً: فلم ترد الكرامة بهذا اللفظ في الكتاب ولا السنة ولا كلام
الصحابة، وقد سماها الله آية، فقال بعد ذكر كرامة أهل الكهف في
ازورار الشمس عن كهفهم المفتوح جهتها: [ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ] [الكهف: ١٧]
فهي آيات وبراهين على قدرة الله، ودالة على كرامة صاحبها وإنما سميت بهذا
تمييزاً لها عن المعجزة، وهذا التفريق في اللفظ إنما قال به كثير من
المتأخرين [٣٤] ، ثم شاع، وصار هو المقول به في عامة أقوال العلماء.
وحيث وجد الخارق للعادة نظرنا فيمن وقع له؛ فإن كان مؤمناً تقياً، وكان
هذا الفعل الخارق مما يصلح ظهوره على يد الولي: عددنا ذلك كرامة، وعلى ذلك
فيمكن تعريفها بأن يقال: هي (أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي - ليس
بنبي - علم الولي بذلك أم لا) [٣٥] ، ومنه يظهر أن شروط الكرامة هي:
١- وجود أمر خارق للعادة.
٢- ظهورها على يد ولي، وإلا لم تكن كرامة، بل استدراجاً.
٣- كون هذا الولي ليس نبياً.
٤- كون هذا الخارق مما يصلح أن يكون كرامة لولي، فلا يشتمل على
معصية، أو باطل [٣٦] .
ولا يشترط عدم التحدي، ولا كونها لحجة أو حاجة [٣٧] ، ولا علم صاحبها
بها.
الفرق بين الكرامة والمعجزة:
كرامات الأولياء من باب معجزات الأنبياء، والاختلاف بينهما في الدرجة،
ويظهر الفرق بينهما في الأوجه الآتية:
الأول: الكرامة لا تصل إلى درجة معجزات الأنبياء، كما أن أصحابها -
الأولياء - لا يصلون في الفضيلة والثواب درجات الأنبياء؛ فللأنبياء معجزاتهم
الكبرى التي لا يظهر مثلها على يد أحد من الأولياء أو الشياطين، وهي من الأدلة
على صدقهم، فلا يمكن أن تختلط بأحوال غيرهم، قال ابن تيمية ﵀:
(فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين) [٣٨] .
ولكن هناك خوارق أقل درجة تسمى صغرى، وهي من التوابع والنوافل،
ولا يعتمد عليها استقلالاً في صدق الأنبياء، وهي التي يجوز أن يظهر مثلها على
يد الأولياء كرامة لهم، ودلالة على صدق النبي ﷺ الذي تبعوه؛ فهذه الدرجة من المعجزات التي يحصل مثلها للإنس أو الجن لا تكون وحدها آية
للنبي؛ فإن الله أيد نبوتهم بتلك المعجزات الكبرى التي لا يقدر عليها إنس ولا
جن [٣٩] .
وهذه - بحمد الله - قاعدة واضحة للتمييز بين المعجزة والكرامة، يشهد لها
قول النبي ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما
مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون
أكثرهم تابعاً يوم القيامة) [٤٠] . (والمعنى أن كل نبي أعطي آية أو أكثر من شأن
من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها) [٤١] .
وبهذا يتبين خطأ قول من قال بأن كل ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون
كرامة لولي [٤٢] .
الثاني: أن المعجزة تقع للنبي مقترنة بدعوى النبوة، وليست كذلك كرامة
الولي.
الثالث: أن المعجزات من الدلائل على صدق النبي وتأييد الله له، وتأتي
لحاجة الخلق وهدايتهم، وتحصل للأنبياء وهم عالمون بوقوعها، كما يجب عليهم
إظهارها، خاصة إذا توقف إيمان الناس عليها، ولا يشترط كل ذلك في الكرامة.
الفرق بين الكرامات والأحوال الشيطانية:
وإذا اعتبرنا المعجزات والكرامات من باب واحد، وجعلنا النبوة أساساً
للتفريق بين الكرامات والأحوال الشيطانية [٤٣] سهل الأمر جداً، وتبين الفرق
بينهما في الأمور الآتية:
١- أن الكرامات سببها الولاية الحقة لله - تعالى - وهي الإيمان
والتقوى [٤٤] ، فلا عبرة بالخوارق بدون ذلك، إنما هي من الشيطان.
قال الشافعي ﵀: (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، أو يطير
في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة) [٤٥] . ومن
النكت المليحة لأبي يزيد البسطامي قوله: (لله خلق كثيرون، يمشون على الماء،
لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطير، فلا
تغتروا به، حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشرع) [٤٦] .
٢- أن الكرامات قائمة على الصدق، بخلاف تلك المخاريق المبنية على
الكذب: [هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ]
[الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] .
٣- أن الخوارق الشيطانية في حقيقتها هي تصرفات من جنس تصرفات الجن
والإنس، تفعلها الشياطين في غيبة عن أعين الإنس؛ من نقل شيء أو قتل أو أذى
ونحوه، وليس فيها تحويل جنس إلى جنس، ولا ما يختص الرب بالقدرة عليه،
ولا ما تختص به الملائكة فأين هذا من تكثير الماء القليل، بحيث يفيض حتى
يصير بذاته كثيراً [٤٧] .
٤- أن الكرامات هبة من الله، أما الخوارق والأحوال الشيطانية فتحصل
بالتعلم والرياضة ودعاء الجن والشياطين، والتقرب إليهم [٤٨] .
٥- أن أولياء الله يحاولون إخفاء الكرامة، ولا يلتفتون إليها، ويعلمون أنها
نعمة يجب شكرها، ويخشون أن تكون ابتلاء لا يثبتون فيه، ومن كان هذا حاله
فلا يتصور منه أن يجعل الكرامات ميدان منافسة، فيسعى إلى إبراز كراماته،
وإبطال كرامات غيره.. وأصحاب الأحوال الشيطانية على خلاف هذا تماماً، بل
لا يظهرونها - غالباً - إلا في حضرة الناس، ويتحدى بعضهم بعضاً فيها، بغرض
إبراز المهارات في الخديعة والمكر، فيقع بينها من التعارض الشيء الكثير [٤٩] .
٦- أن كرامات الأولياء أمر ثابت في النصوص الشرعية وواقع الصالحين،
بخلاف تلك الأحوال الإبليسية التي يُبطل أثرها الذكر والقرآن. وشتان بين ما
يخنس بتلاوة القرآن ويبطل أثره أو يضعف، وبين ما يقويه القرآن، ويزيده
نوراً [٥٠] !
الإلهام والفراسة من كرامات الأولياء:
الإلهام لغة:
(يدل على ابتلاع شيء ومن هذا الباب: الإلهام، كأنه شيء ألقي في الروع
فالتهمه، قال الله - تعالى -: [فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] [الشمس: ٨] ) [٥١]
والإلهام: (إيقاع شيء في القلب، يطمئن له الصدر، يخص الله به بعض
أصفيائه) [٥٢] .
والملهم هو: المحدّث، المُفْهَم، الذي يصدق ظنه في الأشياء، تتكلم الملائكة
على لسانه، فيجري عليه الصواب من غير قصد منه، ويطلق على ذلك المكاشفة.
و (المكاشفة الصحيحة: علوم يحدثها الرب في قلب العبد،
ويطلع بها على أمور تخفى على غيره، وقد يواليها، وقد يمسكها عنه بالغفلة
عنها) [٥٣] .
دليل الإلهام: قول النبي ﷺ : (لقد كان فيمن قبلكم ناس
محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر) [٥٤] .
ولا يعدو الإلهام أن يكون فتحاً من الله - تعالى - على عبد من عباده المؤمنين
بما يوافق الحق الذي أنزله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ،
كالرؤيا الصالحة فيها كشف للنائم، وإطْلاع له على شيء مما لم يقع بعد. مصداقه
حديث النبي ﷺ : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: وما
المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) [٥٥] .
والإلهام - على منزلته - لا يمكن أن يكون مكملاً لنقص في الدين، أو محدِثاً
لحكم جديد فيه، كما هو الحال تماماً بالنسبة للرؤيا؛ فإن من رأى النبي -صلى الله
عليه وسلم- في المنام فأمره بأمر وجب عليه أن يعرضه على الشرع؛ لأن (كل من
كان من أهل الخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل من عمر، فعليه أن يسلك سبيله في
الاعتصام بالكتاب والسنة تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، لا
يجعل ما جاء به الرسول ﷺ تبعاً لما ورد عليه) [٥٦] .
ومن الإلهام: ما وقع للصديق ﵁ في موقفه يوم قتال أهل
الردة، حين خالفه كثير من الصحابة، فقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة
والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول
الله ﷺ لقاتلتهم على منعها) [٥٧] ، حتى شرح الله صدور أصحابه لما أراه من الحق، ومنها: تسيير جيش أسامة الذي عقده النبي ﷺ قبيل وفاته.
وقال عمر ﵁: (وافقت الله في ثلاث، - أو وافقني ربي
في ثلاث - قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت:
يارسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب،
فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض
نسائه، فدخلتُ عليهن، قلت: إن انتهيتن، أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن، حتى
أتيتُ إحدى نسائه قالت: يا عمر! أما في رسول الله ﷺ ما
يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: [عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً
خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ ... ] [التحريم: ٥] ) [٥٨] . ومن إلهاماته: اختياره
قتل أسارى بدر.
ب - الفراسة:
يراد بالفراسة في اللغة معنى ذا جانبين؛ أحدهما أخص من الآخر، وهما:
١- المعرفة بالأمور، والخبرة بالأحوال، من خلال النظر المحكم فيها.
٢- المهارة في تعرف بواطن الأمور من ظواهرها [٥٩] .
ويمكن تعريف الفراسة في الاصطلاح بأنها: نور يقذفه الله في قلب عبده
المؤمن الملتزم سنة نبيه ﷺ ، يكشف له بعض ما خفي على
غيره، مستدلاً عليه بظاهر الأمر، فيسدد في رأيه، دون أن يستغني بذلك عن
الشرع.
والفراسة المقصودة هنا الفراسة الإيمانية، وهي غير فراسة الرياضة،
والفراسة الخلقية، بل هي (على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدّ
فراسة) [٦٠] (فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية، وسقى ذلك
الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة، كان من بعض ثمره هذه الفراسة) [٦١] .
والسبب أن (هذه الفراسة نشأت له من قربه من الله - تعالى - فإن القلب إذا
قرب من الله انقطعت عنه معارضات السوء المانعة من معرفة الحق وإدراكه،
وكان تلقيه من مشكاة قريبة من الله بحسب قربه منه، وأضاء له من النور بقدر
قربه، فرأى في ذلك ما لم يره البعيد والمحجوب) كما ثبت في حديث الأولياء،
(وليس هذا من علم الغيب، بل علام الغيوب قذف الحق في قلب قريب منه) [٦٢] .
وللفراسة من الفوائد:
١- الانتفاع بالمواعظ، والاستفادة من الحوادث والعبر، قال - تعالى - بعد
أن ذكر قصة إهلاك قوم لوط -: [إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ] [الحجر: ٧٥]
أي: الناظرين المتفرسين المتفكرين المعتبرين.
٢- دقة الحكم بين الناس وخاصة من القضاة، وحفظ الحقوق، وتحقيق
المصالح العامة، التي يهدف الشرع إلى تحقيقها [٦٣] .
٣- تولية الأكفاء في رعاية مصالح الأمة.
٤- توقع الأحداث قبل وقوعها، فتؤخذ لها العدة والحيطة، فتُتّقى الشرور
وتدفع المفاسد.
ومن الفراسة: ما وقع لعمر حين (دخل عليه نفر من مذحج، فيهم الأشتر
النخعي، فصعّد فيه البصر وصوبه وقال:أيهم هذا؟
قالوا: مالك بن الحارث،
فقال: ما له قاتله الله؟ إني لأرى للمسلمين منه يوماً عصيباً. وهذا عثمان بن
عفان ﵁ دخل عليه رجل من الصحابة وقد رأى امرأة في الطريق فتأمل محاسنها، فقال له عثمان: يدخل عليّ أحدكم وأثر الزنى ظاهر على
عينيه؟ ! فقلت: أوَحيٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا،
ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة) [٦٤] .
стр. 3121
دراسات في الشريعة والعقيدة
الإجماع.. حقيقته وحجيته
محمد عبد العزيز الخضيري
تعريف الإجماع لغة:
هو لفظٌ مشترك يطلق على معنيين في اللغة [١] :
الأول: العزم على الشيء، يقال: أجمع فلان على السفر: إذا عزم عليه،
ومنه قوله تعالى: [فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ] [يونس: ٧١] .
الثاني: الاتفاق، يقال: أَجْمعَ القوم على كذا: أي اتفقوا عليه.
وكلا المعنيين مأخوذ من الجمع؛ فإن العزمَ فيه جمعُ الخواطر، والاتفاقَ فيه
جمعُ الآراء [٢] .
واختلف الأصوليون في تعريف الإجماع اصطلاحاً تبعاً لاختلافهم في كثير من
مسائل الإجماع المتعلقة بأركانه وشروطه وأحكامه.
التعريف المختار:
الإجماع: هو اتفاق مجتهدي الأمة، بعد وفاة الرسول ﷺ
في عصر على أي أمر كان [٣] .
شرح التعريف وذكر محترزاته:
اتفاق: ومعناه الاشتراك في الرأي أو الاعتقاد، سواء دَلّ عليه الجميع
بأقوالهم جميعاً، أم بأفعالهم جميعاً، أم بقول بعضهم وفعل بعض - وهذا كله يسمى
بالإجماع الصريح -، أم بقول بعض أو فعله مع سكوت بعض آخر - وهذا يسمى
بالإجماع السكوتي -، وبهذا يكون التعريف شاملاً لقسمي الإجماع: الصريح
والسكوتي.
مجتهدو الأمة: المجتهد: هو الذي يبذل وُسْعَه في طلب الظن بحكم شرعي
على وجه يُحِسّ معه بالعجز عن المزيد عليه.
والأمة: هي الطائفة من الناس تجمعها رابطة، والمراد بها: أمة محمد -
ﷺ ، أي: أتباعه المؤمنون به في أي زمان، وهم أمة الإجابة لا
أمة الدعوة.
وقد خرج بـ (اتفاق مجتهدي الأمة) :
١- اتفاق المقلدين والعوامّ؛ فإنه لا يعد إجماعاً شرعياً.
٢- اتفاق بعض المجتهدين؛ فإنه لا يعد إجماعاً.
٣- اتفاق مجتهدي غير هذه الأمة [٤] .
بعد وفاة الرسول ﷺ : خرج به اتفاقهم في حياته فإنه لا
عبرة به، قال الآمدي: (وإجماع الموجودين في زمن الوحي ليس بحجة في زمن
الوحي بالإجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي ﷺ ) [٥] .
في عصر: والمراد به الاتفاق في أي عصر كان، فدخل بهذا القيد: اتفاق
المجتهدين في أي زمان كان، سواءً كان في زمن الصحابة أم من بعدهم [٦] .
وفي هذا دفعُ توهّم أن الإجماع لا يتحقق إلا باتفاق المجتهدين في جميع
العصور، وهو محال [٧] .
(على أي أمرٍ كان) : المراد به الحكم الذي اتفق عليه المجتهدون، ويشمل:
١- الأمر الديني: كأحكام الصلاة، وتفسير آيةٍ أو حديثٍ.
٢- الأمر الدنيوي: كترتيب الجيوش والحروب، وتدبير أمور الرعية.
٣- الأمر العقلي: كحدوث العالم.
٤- الأمر اللغوي: ككون الفاء للترتيب والتعقيب [٨] .
وفي بعض التعريفات خُصّ الأمر المتفق عليه: بالأمر الديني [٩] ، ويمكن
التوفيق بين من عمم ومن خصص بأن يقال:
إن المُعمّم قصد بالأحكام الدنيوية أو اللغوية أو العقلية: الأحكام التي يتعلق بها
حكم شرعي، فيكون الإجماع حينئذٍ ليس مقصوداً لذاتها بل لما يلزم منها.
وأما من خصص فمراده من الأمور الدينية ما هو أعم من الأحكام الشرعية،
وما يستلزمها.
مكانة الإجماع ومرتبته:
الإجماع حق مقطوع به في دين الله وأصل عظيم من أصول
الدين، ومصدر من مصادر الشريعة، مستمد من كتاب الله الكريم، وسنة رسوله -
ﷺ ، وتالٍ في المنزلة.
قال القاضي أبو يعلى ﵀: (الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب
المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ) [١٠] .
وقال ابن حزم ﵀: (الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية،
يُرْجع إليه، ويُفْزَعُ نحوه، ويكفر من خالفه، إذا قامت عليه الحجة أنه
إجماع) [١١] .
ولذلك كان حتماً على الطالب للحق، المتبع لسبيل جماعة المؤمنين، المبتعد
عن مشاقّة الله ورسوله ﷺ : أن يعرف ما أجمع المسلمون عليه
من مسائل الشريعة العلمية والعملية، ليستن بسلفه الصالح، ويسلك سبيلهم، ولئلا
يقع في عداد من اتبع غير سبيل المؤمنين، فيحق عليه الوعيد المحكم في قوله -
جل ذكره -: [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً] [النساء: ١١٥] .
قال ابن حزم ﵀: (ومن خالفه - أي الإجماع - بعد علمه به، أو
قيام الحجة عليه بذلك، فقد استحق الوعيد المذكور في الآية) [١٢] .
وستأتي في ذكر حجية الإجماع الأدلة التي يتضح بها مكانه من الدين.
أما مرتبة الإجماع فإنها تلي مرتبة الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف
الصالح؛ كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مستدلاً على ذلك بما
ثبت عنهم من الآثار، ومن ذلك:
١- ما جاء في كتاب عمر ﵁ إلى شريح ﵀
حيث قال له: (اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك) ، وفي رواية: (فبما
أجمع عليه الناس) [١٣] .
٢- ما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (قدّم الكتاب ثم
السنة ثم الإجماع) [١٤] .
٣- وكان ابن عباس يفتي بما في الكتاب، ثم بما في السنة، ثم بسنة أبي
بكر وعمر [١٥] ، لقول الرسول ﷺ : (اقتدوا باللذيْن من بعدي: أبي بكر وعمر) [١٦] .
قال شيخ الإسلام: (وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس،
وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء، وهذا هو الصواب) [١٧] .
وقد نعى شيخ الإسلام على بعض المتأخرين الذين قالوا: يبدأ المجتهد بأن
ينظر أولاً في الإجماع، فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصاً خالفه اعتقد
أنه منسوخ بنص لم يبلغه، كما نعى - أيضاً - على الذين يقولون: إن الإجماع
نفسه ينسخ النص، وخطّأ هذا الرأي، واختار طريقة السلف لأنها الصواب [١٨] .
يقول شيخ الإسلام: (فلما انتهت النّوبة إلى المتأخرين ساروا عكس هذا السير، وقالوا: إذا نزلت النازلةُ بالمفتي أو الحاكمِ فعليه أن ينظر أولاً: هل فيها اختلاف
أم لا؟ فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا سنة، بل يفتي ويقضي فيها
بالإجماع، وإن كان فيها اختلاف اجتهد في أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به،
وحكم به، وهذا خلاف ما دل عليه حديث معاذ [١٩] ، وكتاب عمر، وأقوال
الصحابة ... ) [٢٠] .
وبيّن ﵀ أن معرفة النصوص والاطلاع عليها أسهل بكثير من
معرفة الإجماع؛ فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم. وعدم العلم بالنزاع ليس علماً
بعدمه، وإذا كان الأمر كذلك فكيف نحالُ على شيء شاق، ولدينا ما هو أيسر منه
وأدل على الحق؟ [٢١] .
كما بيّن أيضاً أنه (حين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص
بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين
إذا احتُجّ عليه بالقرآن والسنة قال: هذا خلاف الإجماع، وهذا هو الذي أنكره أئمة
الإسلام، وعابوا من كل ناحية على من ارتكبه، وكذبوا من ادعاه) [٢٢] .
لكن العلماء ﵏ يقدمون الإجماع القطعي - كالإجماع على المعلوم
بالضرورة من الدين - على النص؛ لأن واقع الأمر أنه تقديم للنصوص القطعية
الثبوت والدلالة على النصوص الظنية الثبوت أو الدلالة؛ لا أنه تقديم للإجماع على
النص، وهذا - كما يقول بعض العلماء - لاخلاف فيه [٢٣] .
قال شيخ الإسلام: (الإجماع نوعان) :
قطعي: فهذا لا سبيل إلى أن يُعلم إجماع قطعي على خلاف النص.
وأما الظني: فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي، بأن يستقرئ أقوال العلماء
فلا يجد في ذلك خلافاً، أو يشتهر القول في القرآن ولا يَعْلم أحداً أنكره، فهذا
الإجماع وإن جاز الاحتجاج به، فلا يجوز أن تُدْفع النصوصُ به؛ لأن هذا حجة
ظنية لا يجزم الإنسان بصحتها؛ فإنه لا يجزم بانتفاء المخالف، وحيث قطع بانتفاء
المخالف فالإجماع قطعي، وأما إذا كان يظن عدمَه، ولا يقطع به، فهو حجة ظنية، والظني لا يُدفع به النصّ المعلوم؛ لكن يُحتجّ به، ويُقدّم على ما هو دونه بالظن، ويُقدّم عليه الظنّ الذي هو أقوى منه، فمتى كان ظنّه لدلالة النص أقوى من ظنه
بثبوت الإجماع قدّم دلالة النص، ومتى كان ظنه للإجماع أقوى قدم هذا. والمصيبُ
في نفس الأمر واحد) [٢٤] .
أهم فوائد الإجماع:
وبعد هذا التقرير لمكانة الإجماع في الدين، يحسن أن أذكر أهم فوائد الإجماع
التي ذكرها أهل العلم، وكان من دواعي ذكر هذه الفوائد: الإجابة عن تساؤل
ينقدح في الذهن عن مدى فائدة الإجماع والجديد فيه، مع القول بأن من شروط
الإجماع الثابتة أنه لا بد أن يستند الإجماع إلى دليل من الكتاب والسنة، وأنه لا
يمكن أن تجتمع الأمة على خلاف النصوص، كما أنه لا يمكن أن يكون الإجماع
ناسخاً لنص؟
وقد أجاب العلماء على هذا؛ فذكروا أهم فوائد الإجماع [٢٥] ، وهذا ملخص
ما سطروه:
الفائدة الأولى: الإجماع على المعلوم من الدين بالضرورة يُظهِرُ حجم الأمور
التي اتفقت فيها الأمة؛ بحيث لا يستطيع أهلُ الزيغ والضلال إفساد دين المسلمين.
ومن طالع حال الأمم السابقة، من أهل الكتاب وغيرهم، في اختلافهم في أصول
دينهم العلمية والعملية علم النعمة العظيمة التي اختُصّت بها هذه الأمة؛ حيث أجمع
أئمة الدين على مئات من الأصول بَلْهَ الفروع؛ بحيث لا يخالف فيها أحد من
المسلمين، ومن خالف بعد العلم: حُكِم عليه بما يقتضيه حاله من كفر أو ضلال
وفسق.
الفائدة الثانية: العلمُ بالقضايا المجمع عليها من الأمة يعطي الثقة التامة بهذا
الدين، ويؤلّف قلوبَ المسلمين، ويسدّ الباب على المتقوّلين الذين يزعمون أن الأمة
قد اختلفت في كل شيء؛ فكيف يجمعها جامعٌ، أو يربطها رابط؟ !
الفائدة الثالثة: أنه قد يخفى النصّ الدالّ على حكم مسألة بعينها على بعض
الناس، ويُعلم الإجماع الذي قد تقرر أنه لا بد أن يستند إلى نص، فيُكتفى به في
النقل والاستدلال.
الفائدة الرابعة: أن السند الذي يقوم عليه الإجماع قد يكون ظنياً، فيكون
الإجماع عليه سبباً لرفع رتبة النص الظنية والحكم المستنبط منه إلى رتبة القطع؛
لأنه قد دلّ الإجماع على أنه لا خبر عن النبي ﷺ يخالف ما
أجمعوا عليه.
الفائدة الخامسة: تحتملُ النصوصُ في جملتها التأويلَ والتخصيصَ والتقييدَ
والنسخَ وغيرَ ذلك، فإذا كانت هي المرجعَ وحدها كَثُرَ الخلاف بين الأئمة
المجتهدين الذين يستنبطون الأحكام منها؛ لاختلاف المدارك والأفهام، فإذا وُجد
الإجماعُ على المراد من النص ارتفعت الاحتمالات السابقة، واتقى المجتهدون بذلك
متاعبَ الخلافِ والنظرِ والاستنباط.
الفائدة السادسة: أن بعضَ نصوصِ السنة التي هي من مستند الإجماع قد
يكون مختلفاً في صحتها، فيكون الإجماع على مضمونها قاطعاً للنزاع الناشئ من
اختلافهم في تصحيحها.
الفائدة السابعة: التشنيع على المخالفين بالجُرأة على مخالفة الإجماع، فيكون
ذلك سبباً قوياً لزجرِ المخالف؛ لئلا يتمادى في باطله بعد أن يعلم أن الأمة مجمعة
على خلاف مقالته. قال ابن حزم ﵀: (مال أهلُ العلم إلى معرفة الإجماع؛
ليعظّموا خلافَ من خالفه، وليزجروه عن خلافه، وكذلك مالوا إلى معرفةِ اختلاف
الناس؛ لتكذيب من لا يبالي بادعاء الإجماع جُرْأة على الكذب، حيث الاختلاف
موجود، فيردعونه بإيراده عن اللجاج في كذبه) [٢٦] .
الفائدة الثامنة: الإجماع دليلٌ يؤكد حكم المسألة، ويكثّر أدلتها؛ فقد تدل جملة
من الأدلة على حكم مسألة من المسائل فيكون الإجماع مكثراً لها موثقاً لما جاء
فيها [٢٧] .
حجية الإجماع:
إن مما فضل الله به هذه الأمة، وميزها به على سائر الأمم: أن إجماع
علمائها على أمر من أمور دينها معصومٌ من الزلل والخطأ؛ ليحفظ الله سبحانه
بسبب إجماعهم الشريعة من كيد الكائدين، وتحريف الضالين [٢٨] .
وقد اتفق أهل العلم على أن الإجماع حجة شرعية يجب اتباعها والمصير
إليها [٢٩] .
قال ابنُ حزمٍ ﵀: (اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من
علماء أهل الإسلام حجة، وحجةٌ مقطوع بها في دين الله [٣٠] . وقال
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أما إجماع الأمة فهو حق، لا تجتمع الأمة ولله
الحمد على ضلالة) [٣١] .
الأدلة على حجية الإجماع:
الدليلُ على ثبوت الإجماع إنما هو دليل الشرع لا العقل [٣٢] ومن الأدلة
على كون الإجماع حجة:
الدليل الأول: قوله الله - تعالى -: [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ
لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً]
[النساء: ١١٥] [٣٣] .
وجه الاستدلال من الآية:
أن معنى مشاقّة الرسول ﷺ : منازعته ومخالفته فيما جاء
به عن ربه. ومعنى [سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ] : ما اختاروه لأنفسهم من قول أو فعل أو
اعتقاد؛ لأن سبيل المؤمنين مفرد مضاف فيعم هذه كلّها، وقد جعل الله كلاً من
المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين موجباً للعقاب؛ لأنه عطف بعضها على بعض
بالواو المفيدة للتشريك في الحكم، فيلزم أن يكون اتباعُ غير سبيل المؤمنين محرّماً
، كما حرمت مشاقة الرسول ﷺ ؛ إذ لو لم يكن محرماً لما جمع
بين الحرام والمباح في الوعيد، وإذا حَرُمَ اتّباع غير سبيل المؤمنين وجب تجنّبه إلا
باتباع سبيلهم؛ لأنه لا واسطة بينهما، ولزم من وجوب اتباع سبيلهم كون الإجماع
حجة [٣٤] .
الدليل الثاني: قوله - جل ذكره -: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا
شُهَدََاءََ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة: ١٤٣] .
وجه الاستدلال بهذه الآية من جهتين [٣٥] :
الأولى: أن الله ﵎ عدّلهم بقبول شهادتهم، ولما كان قول
الشاهد حجة يجب العمل بمقتضاه - إذ لا معنى لقبول شهادته إلا كون قوله حجة -
فيدل هذا على أن إجماع الأمة حجة يجب العمل بمقضاه وهو المطلوب.
الثانية: أنه - تعالى - جعل شهادتهم حجةً على الأمم السابقة في الآخرة،
كما جعل شهادة الرسول ﷺ حجة علينا حينئذٍ، فيكون قولهم في
الأحكام في الدنيا حجة أيضاً، قياساً على قولهم في الآخرة؛ لأنه لا معنى لكون
الإجماع حجةً سوى كون أقوالهم حجةً على غيرهم.
الدليل الثالث: قوله - جل وعلا -: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ] [آل عمران: ١١٠] .
وجه الدلالة من جهتين [٣٦] :
الأولى: أن (الألف واللام) إذا دخلت على اسم جنس دل على العموم، وعلى
ذلك تكون الآية إخباراً من الله - سبحانه - عن أمة محمد ﷺ
بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، وصِدْقُ خبر الله - تعالى -
يستلزم أنهم إن نهوا عن شيء علمنا أنه منكر، وإذا أمروا بشيء علمنا أنه معروف، فكان نهيهم وأمرهم حجة يجب اتباعه.
الثانية: أن النهاية في الخيرية الموصوفة بها الأمة - المستفادة من لفظ (خير)
الذي هو بوزن أفعل [٣٧]- تقتضي أن يكون ما أجمعوا عليه حقاً؛ لأنه لو لم يكن
حقاً لكان ضلالاً؛ لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، والحق واجبُ الاتباع، فيكون
إجماعهم على الحق واجبَ الاتباع.
الدليل الرابع: قوله ﵎: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ] [النساء: ٥٩] .
وجه الدلالة: أن الله - سبحانه - شرط لوجوب الرد إلى الكتاب والسنة
وجود التنازع، فدل ذلك على أنهم إذا لم يتنازعوا لم يجب الرد، وأن الاتفاق منهم
كافٍ حينئذٍ عن الرد إلى الكتاب والسنة، ولا معنى لكون الإجماع حجة إلا
هذا [٣٨] .
الدليل الخامس: جملة الأحاديث الدالة على لزوم الجماعة، وتعظيم شأنها،
والإخبار بعصمتها عن الخطأ، ومنها:
١- قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحق حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) [٣٩] .
٢- وقوله ﷺ : (من فارق الجماعة قِيدَ شبر فقد خلع
رِبقة الإسلام من عنقه) [٤٠] .
٣- وقوله ﷺ : (من فارق الجماعة مات مِيتَةً
جاهليةً) [٤١] .
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث وغيرها من وجوه [٤٢] :
أولها: هذه الأحاديث ونحوها، وإن لم يتواتر كلّ واحدٍ منها لفظاً إلا أن القدر
المشترك بينها - وهو عصمة الأمة - متواتر فيها؛ لوجوده في كل منها، وإذا ثبت
عصمة الأمة تواتراً كان دليلاً على حجية الإجماع.
ثانيها: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرةً مشهورةً بين الصحابة والتابعين،
يتمسكون بها في إثبات حجية الإجماع، ولم يظهر من السلف والخلف من يدفعها أو
ينكرها، وهذا التوافق من أهل الأعصار المتعاقبة على قبولها دليلٌ على صحتها؛
لأنه من المستحيل عادة توافق الأمم في عصور مختلفة على قبول ما لم يقم الدليل
على صحته؛ خاصة إذا كان مثبتاً لأصل من أصول التشريع.
ثالثها: أن المحتجين بهذه الأحاديث قد أثبتوا بها الإجماع الذي هو أصل
مقطوع به. ومن المعلوم أنه من المستحيل قبول دليل كالإجماع إلا إذا كان مستنداً
إلى دليل قطعي [٤٣] .
وقد دلت هذه النصوص على أمرين مهمين:
الأول: أنها أفادت أن العصمة ثابتة للأمة دون اشتراط عدد معين، بل إن
أهل الإجماع متى ثبت اتفاقهم وجب اتباع قولهم، وثبتت العصمة لهم، وبناءً على
ذلك فلا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر؛ لأن الدليل الشرعي
لم يشترط ذلك، بل إنه علّق العصمة على الإجماع والاتفاق فقط.
الثاني: أن هذه النصوص تدل على أن الإجماع حجة ماضية [٤٤] في جميع
العصور، سواء في ذلك عصر الصحابة أم عصر من بعدهم. ولا يصح حصر
حجية الإجماع في عصر الصحابة دون غيرهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع عامة
مطلقة، وتخصيصُ تلك الأدلة أو تقييدها من غير دليل شرعي معتبرٍ مردودٌ غيرُ
مقبول.
стр. 3122
تأملات دعوية
لا تتركوا فراغاً بعدكم
محمد بن عبد الله الدويش
مما يمدح به بعض الرجال أن يقال عنه حين يمضي: لم يُسَدّ الفراغ الذي
تركه، ولم يجد الناس من يخلفه. وتكثر هذه الحال حين يحل بعض طلبة العلم أو
الدعاة في بلدة مقفرة، فيعمرها بالدعوة والعلم، والأغلب أن بقاءه فيها إلى أمد.
وترك الفراغ يدل بلا شك على قدرة وعطاء متميز؛ فالناس ألفٌ منهم كواحد.
ولكن مع الإيمان بتفاوت قدرات الناس وطاقاتهم ألا يمكن أن نخفف من أثر
فقْد هؤلاء العاملين؟
إن اتساع الهوة التي يتركها من يذهب قد تكون نتيجة للفارق الكبير في القدرة
والعطاء بينه وبين من بعده، وقد تكون نتيجة لطبيعة الأسلوب الإداري الذي
يمارسه، لذا فثمة وسائل يمكن أن تقلل من أثر هذا الأمر:
١- أن يعتني الداعية بالطلاب، ويربي طائفة منهم ويعلمهم، حتى يتهيؤوا
لسد مكانه، وأن يحذر من أن تستهلك ممارسة العمل جهده فلا يبقى للتعليم والتربية
نصيب من ذلك.
وقد كان للسلف اعتناء بإعداد التلاميذ. قال ابن جماعة: (واعلم أن الطالب
الصالح أَعْوَدُ على العالِم بخيري الدنيا والآخرة من أعز الناس عليه، وأقرب أهله
إليه؛ ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يُلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب
ينتفع الناس به في حياتهم، ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالِم إلا طالب واحد ينتفع
الناس بعلمه وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله - تعالى - فإنه لا يتصل
شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر [١] .
٢- أن يمارس أسلوب العمل الجماعي، ويعوّد العاملين معه عليه؛ فقد
يصعب أن يوجد بعده مثله، لكن حين يُدار العمل بطريقة جماعية فسيكون أكثر
نضجاً، وما لم يَتَرَبّ العاملون معه على ممارسة العمل الجماعي فلن يجيدوه بعده.
٣- توزيع المسؤوليات والتفويض؛ فبعض الناس لفرط حرصه على العمل
يربط كل صغيرة وكبيرة به شخصياً، فقد تسير الأمور حال بقائه، لكنه حين
ينصرف سرعان ما ينفرط عقدها.
٤- الاعتناء بالصف الثاني من العاملين، والتفكير باستمرار فيمن يخلفه من
بعده، وتهيئة المجال له.
٥- الاعتناء برفع مستوى العاملين، وأن تكون الأعمال الدعوية ميداناً
لتدريب الطاقات والرفع من كفاءتها.
٦- تدوين التجارب والإجراءات؛ فقد لا يوجد بعده من يستوعب التجربة
كاملة، أو يرتبط إنجاز بعض المهام والأعمال بإجراءات محددة؛ فتدوين ذلك
وتنظيمه يسهّل المهمة على من بعده.
٧- ومما يعين على ذلك ألا يعجل الداعية قدر الإمكان بالانتقال إلى بلده،
وأن يحتسب بقاءه في سبيل الله فالدعوة تستحق منا أكثر من ذلك.
стр. 3123
دراسات تربوية
معوقات الأخوة الإسلامية
د. محمد طاهر حكيم
إن أي حديث عن الوحدة والتضامن قبل تحقيق الأخوة والألفة والمحبة
والاحترام المتبادل بين المجتمعات والأفراد حديث في الوقت الضائع؛ فعندما تغلب
الخلافاتُ بين الأفراد عناصرَ الائتلاف، ويطغى منهج تصفية الحسابات الشخصية
على الإحساس بالمسؤولية، وتعلو الاعتبارات الضيقة الخاصة على الاعتبارات
العامة، فلا مكان هناك للوحدة. وإذا عجزنا عن تحقيق الأخوة والمحبة بين الأفراد
فنحن عن بناء الوحدة بين الأمة أعجز، وعن إرساء مشروع متكامل للتضامن أبعد.
يجب أن نسأل أنفسنا أولاً:
- هل نحن نحب للمسلمين ما نحب لأنفسنا، ونكره لهم ما نكره لأنفسنا؛ كما
قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه) [١] ؟
- هل نحن نعفو ونصفح عن هنَات المسلمين ونشفق عليهم، ونسعى لقضاء
حوائجهم وستر عوراتهم كما أمر ربنا - جل وعلا -: [خُذِ العَفْوَ وَاًمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ]
[الأعراف: ١٩٩] ، وقال: [وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ] [الحجر: ٨٨] ،
وكما قال ﷺ : (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلمه. من
كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها
كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) [٢] ؟
- هل نحن قمنا بإصلاح ذات البين بين المسلمين؟ وهل نشعر بآلامهم
وأحزانهم؟ كما قال - سبحانه -: [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ] [الأنفال:١] ، وقال: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] [الحجرات: ١٠] ،
وكما قال ﷺ : (كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم
تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة) [٣] ، وقال ﵊:
(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه
عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٤] ؟
- هل نحن تركنا التباغض والتقاطع والتدابر والتحاسد كما قال -صلى الله
عليه وسلم-: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله
إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) [٥] ؟
- هل تركنا سوء الظن بالمسلمين، كما قال - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ
آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ] [الحجرات: ١٢] ؟
- أليس فينا من يحتقر المسلمين ويبغي عليهم ويسخر منهم ويظهر الشماتة
بهم متجاهلاً قول ربه - سبحانه -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ]
[الحجرات: ١١] ، وقوله: [إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي
الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِ] [الشورى: ٤٢] ، وقوله ﷺ : (بحسب
امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) [٦] . وقوله ﷺ : (لا
تظهر الشماتة لأخيك؛ فيرحمه الله ويبتليك) [٧] ، وقوله ﷺ :
(إن الله - تعالى - أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر
أحد على أحد) [٨] ؟
- أليس فينا من يرمي أخاه المسلم بالبذاءة والفحش والفسق مخالفاً قول
الرسول ﷺ : (لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق أو الكفر) [٩] .
وقوله ﵊: (ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا
البذيء) [١٠] ؟
- أليس فينا من يثير النعرات القومية والعصبيات القبلية والدعوات الجاهلية
متناسياً قوله ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود، ودعا بدعوى
الجاهلية) [١١] ؟
- أليس فينا من لا يرد عن عرض أخيه المسلم، ولا يتورع عن ذكره بما لا
يحب وقد قال ﷺ : (من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه
النار يوم القيامة) [١٢] ، وقال ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون
من لسانه ويده) [١٣] ؟
وأورد ابن كثير [١٤] أن سفيان الواسطي ذكر رجلاً بسوء عند إياس بن
معاوية فنظر إليه وقال: أغزوتَ الروم؟ قال: لا. قال: السّنْدَ والهندَ والتركَ؟
قال: لا. قال: أفسَلِمَ منك الروم والسند والهند، ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فلم أعد بعدها - يعني إلى عيب أحد.
هذه بعض معوقات الأخوة الإسلامية التي يجب إزالتها وإحلال المحبة
والتعاون والتكافل والإيثار محلها حتى تكون العلاقة بين المسلمين مثل علاقة أجزاء
الجسد الذي يتأثر كله بشكوى بعضه؛ كما قال ﷺ : (مثل
المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له
سائر الجسد بالسهر والحمّى) [١٥] .
وبه تُحَقّقُ الوحدة بين المسلمين بإذن الله. والله الموفق.
стр. 3124
قضايا دعوية
مع قصة إبراهيم ﵇
(٢/٢)
د. حمدي عبد الحفيظ شعيب
في الحلقة الأولى وقف الكاتب مع قصة إبراهيم ﵇ وأحداثها
سواءً مع ابنه وزوجه أو أبيه وقومه؛ يقتبس الدرس تلو الدرس، والعظة بعد
العظة مفصلاً الكلام مع كل وقفة. وفي هذه الحلقة يستكمل الكاتب باقي الوقفات.
-البيان-
الشرط الكمي ... الجماعية:
تنمية روح الجماعية: عندما جاء إبراهيم ﵇ في المرة الثالثة يزور
ابنه، ويستطلع أحواله، وجده هذه المرة في الديار جالساً يبري نبله تحت تلك
الدوحة التي تركه تحتها صغيراً عندما جاء به أول مرة لتلك الديار، فقام إسماعيل
﵇ فصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد من التسليم والمعانقة والتقبيل
ونحو ذلك، ثم قال إبراهيم ﵇: (يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر! ! قال:
فاصنع ما أمركَ ربُكَ. قال: وتعينني؟ قال: وأعينُكَ. قال: فإن الله أمرني أن
أبني بيتاً ها هنا وأشار إلى أكمةٍ [١] مرتفعةٍ على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد
من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء،
جاءَ بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني أثناء البناء، وهو مقام إبراهيم
الآن وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: [رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ
العَلِيمُ] . [البقرة: ١٢٧] [٢] .
من هذه الحادثة، في تاريخ تشييد هذا البيت، نستشعر كيف أن الخليل عليه
السلام بعد أن عرّفه الحق سبحانه مكان البيت، ثم أوحى إليه سبحانه بأن يبنيه،
ذهب إلى المكان، ثم طلب معونة ابنه ﵉ والذي لم يتردد كالعهد به دائماً
مع والده، فبادر وشاركه في بناء هذا الصرح العظيم.
وهكذا انتقل هذا المشروع العظيم إلى مرحلة جديدة، وآن لحامل تلك المهمة
العظيمة أن ينتقل بها إلى أرض الواقع؛ إلى التطبيق. لقد انبعثت من قلب الخليل
﵇، وبوحيٍ من الله سبحانه، لتترجم إلى عمل عظيم، وكان من
ضروريات الحركة في مجال التطبيق أن تقوم على عمل جماعي يشارك فيه كل من
يقدر عليه، وذلك بعد إعداده وإعداد أسرته لتحمل التبعات.
ومن هذه اللمحة الإبراهيمية التربوية، يستشعر الداعية أهمية (الشرط الكمي)
للمشروع الحضاري المنشود لإنقاذ الأمة، أي ضرورة العمل الجماعي، وأهمية
انتقاء الأفراد المشاركين؛ فالتنفيذ يستلزم جماعية، والجماعية لا يقوم عليها إلا من
أعد لها.
وهذا الملمح يرسم تحذيراً يربأ بالداعية عن خطر الفردية، ويذكره بمصير
الشاة القاصية، كما حذّر الصادق المصدوق ﷺ : (إن الشيطان
ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم
بالجماعة والعامة) [٣] .
وهو أيضاً، يرسم ويخط أملاً عظيماً، وغاية منشودة: (من أراد بحبوحة
الجنة فليلزم الجماعة) [٤] .
الشرط المكاني ... الأرض:
أهمية وجود نقطة تجميع وانطلاق: وهذا المرتكز الدعوي والمعلم المهم
نستشعره من قوله سبحانه وهو يقص على أجيال حملة المنهج الإلهي في كل عصر
وفي كل مكان تلك الخطوة المهمة في تاريخ هذا العمل العظيم، والمشروع الكبير:
[وَإذْ بَوَّاًنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ] [الحج: ٢٦] ، [وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ
البَيْتِ] [البقرة: ١٢٧] .
هكذا أراد الحق سبحانه أن تكون الخطوة العظيمة في هذا العمل العظيم، أن
يُحدد المكان المختار، وأن تُحدد له الأرض التي سيقام عليها.
فلا بد من مركز تجميع وانطلاق، مركز يجتمع حوله المؤمنون بالفكرة،
ويثوبون إليه، ويحتمون به. وهو في الوقت نفسه مركز لانطلاق الفكرة؛ فراية
الخير تحتاج إلى مكان توضع عليه، ويُعرف بها.
وأي فكرة وإن كانت صحيحة وأصيلة لا بد لها من عوامل تجعلها فعالة، ولا
بد لها من شروط تجعلها قابلة للتنفيذ.
وأهم هذه الشروط هو وجود الأرض التي ستترجم عليها عملياً، ثم تنطلق
منها.
هكذا فهمها رائد الدعاة وسيد الأولين والآخرين ﷺ ؛
وكان مشروع الهجرة الكبير إلى المدينة، ليجعل منها وذلك بعد دراسة وتخطيط
مرتكزاً للانطلاق، ومركزاً للإشعاع الحضاري، وأرضاً صالحة ثابتة راسية
توضع على قمتها علامة التجميع ومنارة الهدى، وتثبت فوقها راية الخير.
وعلى المربين أن يركزوا على أهمية هذا المَعْلم الدعوي العظيم الذي يعتبر
من أخطر المنعطفات في سير الدعوة؛ لأهميته بالنسبة للفكرة ولحامليها.
ظاهرة التآكل الروحي:
تنمية الجانب الروحي: ورد عن الخليل ﵇ في سياق قصة بناء
البيت الحرام عديد من المواقف التي كان يداوم فيها على التوجه إليه سبحانه
بالأدعية الطيبة التي شهدت لها الأحداث بعدها بالقبول والاستجابة، منها: [رَبَّنَا
إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]
[ابراهيم: ٣٧] .
ومنها: [وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ
مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلَى عَذَابِ
النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ] [البقرة: ١٢٦] .
ومنها: [وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ
أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ]
[البقرة: ١٢٧ - ١٢٩] .
وماذا في ثنايا الدعاء؟ إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة
العقيدة في هذا الوجود. وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه
لورثة الأنبياء وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم. إنه طلب القبول؛ هذه هي الغاية؛ فهو عمل خالص لله، والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضى والقبول؛ والرجاء
في قبوله متعلق بأن الله سميع الدعاء.
ثم تأتي الدعوة التي تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن؛ فإن أمر العقيدة هو
شغله الشاغل، وهو همه الأول، وهو الشعور بنعمة الإيمان الذي دفعهما عليهما
السلام إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا
الإنعام، وهو نعمة الإيمان، وأن يريهم جميعاً مناسكهم، ويبين لهم عباداتهم، وأن
يتوب عليهم؛ لأنه هو التواب الرحيم، وألا يتركهم بلا هداية في أجيالهم البعيدة
بأن يبعث في أهل بيته رسولاً منهم، فاستجاب الله لهما، وأرسل من أهل البيت
محمد بن عبد الله ﷺ ، وحقق على يديه الأمة المسلمة القائمة
بأمر الله، الوارثة لدينه. وكانت الاستجابة بعد قرون وقرون؛ إن الدعوة
المستجابة تتحقق في أوانها الذي يقدره الله بحكمته؛ غير أن الناس يستعجلون [٥] .
من هذا الملمح الطيب، يمكننا أن نتبين أهمية تلك الدعامة المهمة التي
ذكرناها تحت الركيزة الثامنة التي تدعو إلى وجوب (تنمية فن استمطار التوفيق
الإلهي) ، وذلك بالدعاء الخاشع، والثقة فيما عنده وحسن الظن به سبحانه ولذلك
فإننا نقول: إن دعائم طريق الداعية ثلاث: الفكرة الربانية، والعمل الدؤوب،
والدعاء الخاشع.
إنها أسرار مباركة للدعاء، لا يشعر بها إلا من مر بتجربة خاصة يستشعر
فيها كيف أن الحق سبحانه يمن على عباده المتقربين إليه، المتذللين له بأنواع
العبادة المختلفة، فيجدونها وقد استحالت من مجرد قوى معنوية، إلى قوى مادية
ربانية ذات آثار ملموسة ومعلومة. وبذلك يُفتح للعبد أبواب متعددة من أبواب
التربية الروحية.
ولقد كانت وصايا الحبيب ﷺ بالدعاء وآثاره القوية
العظيمة تفوق الحصر، منها: (لا يُغني حذرٌ من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما
لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) [٦] .
من هذه اللمحة التربوية، نستطيع أن نضع أيدينا على بعض الحلول التي
تفيدنا في علاج ظاهرة تربوية مرضية وهي (ظاهرة التآكل الروحي) عند الداعية،
وهي ظاهرة تنشأ من خلل في التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاثة وهي:
طاقة العقل، وطاقة البدن، وطاقة الروح؛ حيث يقل حظ الجانب الروحي في
أعمال العبد مثل التفريط في بعض الفرائض وغيرها من أعمال اليوم والليلة من
السنن، كالذكر والدعاء والاستغفار، وتلاوة القرآن، وينشأ نوع من الانفصام
المركب: داخلياً يستشعر فيه العبد قسوةً وجفاءً مع نفسه، وخارجياً يستشعر فيه
قسوةً وجفاءً مع الوجود كله، فيتنكران له؛ فما هي بالنفس وما هو بالوجود الذي
يعرفهما. وخطورة هذه الظاهرة هو أن هذا التآكل يهدد الأساس الذي يبني الربانيين
الذين سيحملون القول الثقيل ليس إلى البشرية فقط، بل إلى الوجود كله، وتدبر
مغزى هذه التوجيهات الكريمة المبكرة في عمر الدعوة والداعية: [يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ
(١) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (٢) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ
تَرْتِيلاً (٤) إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ
قِيلاً] [المزمل: ١ - ٦] .
العلاقات الصحيحة:
أهمية بناء الثقة بين الأفراد: وفي تدبرنا لطبيعة العلاقات الداخلية بين أفراد
هذه الأسرة المباركة الطيبة؛ وذلك من خلال قراءتنا لمواقفهم في كل مراحل بناء
البيت الحرام، يمكننا ملاحظة الآتي:
١- علاقة الزوج والأب بالأفراد: وبتأملنا سيرة الخليل ﵇ مع
أسرته، نجد العلامة الواضحة فيها هي بروز الدور التفقدي والراعي لهم جميعاً،
دون محاباة لأحد على حساب أحد، ولكن ما يهمنا هنا هو ثقة إبراهيم ﵇
في زوجته؛ بحيث يستأمنها على وليده ووحيده، وينطلق وكله ثقة في رعايتها له
في تلك الظروف الصعبة، ثم ثقته في ولده ﵇ عندما طلب منه تغيير
زوجته، ثم مشاركته في بناء البيت الحرام.
٢- علاقة الزوجة بزوجها: فتدبر تلك القناعة الرفيعة، وذلك الرضى السابغ
الذي ملأ قلب هاجر المؤمنة الصابرة حين تركها ووليدها وحيدين في الصحراء؛
وهذا لا ينشأ إلا في ذلك الجو الصحي الذي يظلل العلاقة بينها وبين زوجها؛ ذلك
الجو أو البيئة التي تقطر ثقة واحتراماً.
٣- علاقة الابن بوالده: في المواقف المختلفة لإسماعيل مع والده عليهما
السلام أثناء زيارة الخليل ﵇ الأولى إلى أسرته في مكة، وقصده المكان
الذي تركهما فيه.
فتدبر هذين الموقفين العظيمين من إسماعيل مع أبيه ﵉ وهو يطيع
توجيهاته كما تصله من زوجته، وما يوحيانه في النفس من إكبار وإجلال لتلك
العلاقة القدوة بين الابن وأبيه، والمبنية على الثقة والاحترام.
ثم في أثناء الزيارة الثالثة، عندما قصده والده ﵉ لإعانته على بناء
البيت.
وعندما نأتي إلى قمة المحنة؛ حيث تعرضت هذ العلاقة لاختبار عظيم،
عندما أمر الله إبراهيم عألأيه السلام أن يذبح ابنه إسماعيل ﵇:
[قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا
تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ] [الصافات: ١٠٢] .
فتدبر أيضاً هذه المبادرة إلى الطاعة بمجرد أن يأمر الوالد ولده، وذلك في كلا
الموقفين العصيبين، وما كانت هذه الطاعة لولد إلا في أجواء الثقة العميقة.
ونستزيد من سيرة القيادة العظيمة في مجال آخر، من مواقف الحبيب -صلى
الله عليه وسلم- والجنود من حوله، ونستشعر مدى الثقة العظيمة المتبادلة التي
كانت تظلل العلاقة بينهم، وما تؤدي إليه من حب للبذل، واستشرافٍ للعطاء،
وقوةٍ في البناء.
لأنه (على قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة،
وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من
عقبات وصعاب، [فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ] [محمد: ٢٠، ٢١] ،
والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات) [٧] .
ولنا أعظم مثال في ثقة الجندي في قيادته ما كان من موقف أبي بكر رضوان
الله عليه عندما سعى إليه رجال يسألونه عن حادث الإسراء والمعراج، فقال قولته
الخالدة: (إن كان قال ذلك فقد صدق، قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني
لأصدقه على أبعد من ذلك. فسُمي من ذلك اليوم صديقاً) [٨] .
وتدبر ثقة القيادة المتبادلة، في جنودها وأنصارها، فيما رواه أبو هريرة
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا راعٍ في غنمه
عدا عليه الذئب أي هجم عليه فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي أي أراد إنقاذ الشاة منه
حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال له: من لها يوم السبع أي عند الفتن
حين يتركها الناس نهبة للسباع، يوم ليس لها راع غيري؟ !) فقال الناس:
سبحان الله! فقال رسول الله ﷺ : (فإني أومن بذلك أنا وأبو
بكر وعمر) [٩] .
وظيفة عظيمة ... وأجرٌ أعظم!
أهمية فقه الدور المطلوب وأجره الموعود: لقد أمر الحق سبحانه الخليل اأن
يؤذن في الناس، فيبلغهم ويدعوهم؛ ووعده بالإجابة: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
يَاًتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاًتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] [الحج: ٢٧] ، (أي: نادِ
في الناس بالحج داعياً لهم إلى الحج، إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فُذكر أنه
قال: يا رب كيف أبلّغ الناسَ صوتي ولا ينفذهم. فقال: نادِ وعلينا البلاغ. فقام
على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال:
يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجّوه. فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ
الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء
سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم
لبيك) [١٠] .
من هذه اللمحة التاريخية، يمكننا أن نضع أيدينا على قاعدة ذهبية من قواعد
الدعوة إلى الله وركيزة هامة من ركائز البناء.
ونحن نضيف بها مَعْلَماً جديداً، وهو أن حَمَلَة هذه الفكرة الربانية العظيمة،
ودعاة هذا المشروع الحضاري، قد كلفهم الحق سبحانه بوظيفة ووعدهم بالأجر
العظيم على حسن أداء تلك الوظيفة.
أما الوظيفة: فهي هداية الناس إلى هذا المنهج، وإرشادهم إلى الحق والهدى، وهو دور عظيم يقع بمجرد البلاغ: [فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ]
[النحل: ٣٥] ، ويتضح ذلك في أمره سبحانه لإبراهيم ﵇: [وَأَذِّن فِي
النَّاسِ بِالْحَجِ] .
وأما الأجر: فهو عظيم وشامل وسابغ، ويمتد من الدنيا إلى الآخرة، فيبدأ
من تضاعف الثواب: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) [١١] ويرقى إلى
بلوغ مقام الخيرية والشهادة على الخلق؛ لأن خيرية هذه الأمة، إنما كانت
بخروجها إلى الناس، والاختلاط بهم، ودعوتهم إلى الخير، ونهيهم عن الشر،
وإيمانها بالله سبحانه: [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَاًمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] [آل عمران: ١١٠] .
ثم يصل إلى الجزاء العظيم؛ وهو النجاة في الدنيا والآخرة: [وَلَمَّا جَاءَ
أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ]
[هود: ٥٨] .
وهذا الأجر يقع بمجرد الدعوة، ولا يتوقف على الاستجابة: [فَإنْ أَعْرَضُوا
فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ] [الشورى: ٤٨] ؛ لأن أمر
الهداية بيده سبحانه: [إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ]
[القصص: ٥٦] .
إذن فلا حرج على الداعية ولا تثريب ولا إحباط إذا لم يثمر بلاغه، ولم
يستجيبوا له: [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً]
[الكهف: ٦] ، وتدبر أمر الحق سبحانه للخليل ﵇: (نادِ وعلينا البلاغ) .
أي أدّ دورك بأمثل طريقة، ودع النتائج عليه سبحانه.
والداعية يخرج من هذا الملمح التربوي الفريد بسهام وافرة الغنائم حول فقه
هذه الوظيفة من حيث ماهيتها ومنهجية تنفيذها والأجر المترتب عليها، وكيفية تلقي
التكاليف وحسن تنفيذها، وحسن عرض البضاعة الربانية العظيمة، وضرورة
استشعار خطورة بلوغ درجة البلاغ المبين للفكرة، وفهم الدور المطلوب،
واستشعار عظم الأجر.
ثم وهذا هو الأهم استشعار هذا التفاعل والتعاضد الفريد بين دور البشر ودور
المدد الرباني في تنفيذ المشروع الحضاري المنشود. وهذه النقطة هي النبراس
الذي يعطي الأمل للعاملين، وهي العلامة الفارقة التي تميزهم عن غيرهم من
أصحاب المشاريع المغايرة.
السنن الإلهية ... وحماقة الوعل [*] !
أهمية فقه سنة المرحلية والتدرج: هكذا كان منهج التكليف يسير بتدرج ليس
فيه تعسف، وبمرحلية ليس فيها تعجل، وبخطة تأخذ في الاعتبار سمو الهدف،
ومبلغ الإمكانيات، وكثرة المعوقات.
لقد أمر الحق سبحانه إبراهيم ﵇ أن يُسْكن زوجه وولده في ذلك
الوادي المقفر، ثم تركهم وكرر زياراته لهذا المكان ليتفقد أحوال أسرته المباركة
المرشحة لهذا العمل والمشروع العظيم، وكانت تلك هي مرحلة الإعداد والتهيئة.
وبعد ذلك عرّفه الحق سبحانه مكان البيت، وسلمه له، وملكه أمره؛ فكانت
هذه مرحلة إعلان نقطة الانطلاق.
ثم أمره أن يقيم البيت على أساس قاعدة التوحيد؛ فيكون خالصاً له سبحانه
وحده، وأن يجهزه تجهيزاً خاصاً، وكانت هذه بمثابة مرحلة إعلان الفكرة العظيمة
للمشروع العظيم.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة الانطلاق والدعوة للفكرة العظيمة؛ حيث أمره أن
ينادي في الناس بالحج، وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام، ووعده أن يلبي الناس
دعوته، فيأتوا من كل طريق بعيدة، مشاةًَ على أرجلهم، وركوباً على كل بعير
مهزول من بُعْد الشقة. وما زال وعد الله يتحقق إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدة
من الناس تهوي إليه تلبية لدعوته ﵇ منذ آلاف الأعوام؛ وذلك حتى يتحقق
المطلوب، وتتحقق غايات هذا اللقاء السنوي العظيم.
وهكذا الشأن في أمر الأعمال الكبرى، والمشاريع الحضارية العظيمة أن
تسير في مراحل، وكل مرحلة لها فقهها ولها ظروفها، وأن تتم هذه المرحلية في
تدرج ومنهجية حتى تبلغ الهدف المنشود؛ وذلك؛ لأن (التدرج سنة كونية، وسنة
شرعية أيضاً. ولهذا خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وكان قادراً أن
يقول: كوني فتكون؛ ولكنه خلقها في أيام ستة من أيام الله تعالى أي في ستة أطوار
أو أزمنة يعلمها الله. وفي هذا المعنى تقول عائشة ﵂ واصفة تدرج
التشريع ونزول القرآن: (إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة
والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبداً [] ١٢ [] ١٣ [.
وقد يستعجل بعض الناس الخُطى، كما استعجل ذلك الفتى الصالح المتحمس
عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليهما عندما دخل على والده
مستبطئاً ومستعجباً من سياسة والده التدرجية، فقال: (يا أبت! ما يمنعك أن
تمضي لما تريده من العدل؟ ! فوالله ما كنتُ أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني! إني إنما أروّض الناس رياضة الصعب أي الجمل الفحل العنيد إني
أريدُ أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعاً من طمع الدنيا،
فينفروا من هذه، ويسكنوا لهذا) ] ١٤ [.
حتى إذا عاوده الاستغراب كرر محاولته ودخل على أبيه، فقال: يا أمير
المؤمنين! ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعة فلم تُمِتها، أو سنة
فلم تُحْيِها؟ ! فقال أبوه: رحمك الله من ولد خير. يا بُني! إن قومك قد شدوا هذا
الأمر عقدةً عقدة، وعروةً عروة، ومتى أردتُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم
لم آمن أن يفتقوا عليّ فتقاً تكثر فيه الدماء. والله لزوال الدنيا أهون عليّ من أن
يُهراق في سببي محجمة من دم، أَوَما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام
الدنيا إلا وهو يُميتُ فيه بدعة ويُحيي فيه سنةً؟ !] ١٥ [.
لهذا كان على المربين من الدعاة ألا يغفلوا هذه الركيزة، وذلك المعلم الدعوي
المهم، والسنة الإلهية العظيمة، ولا يتعجلهم متعجل، ولا يستبطئهم مستبطئ.
ظاهرة بخس الناس أشياءهم:
بث روح التقدير والتشجيع: وعندما نستمر في قراءتنا لهذه الأوراق، فإنه
يستوقفنا على إحدى صفحات الملف هذا المعلم القرآني الفريد:] وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ
إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِياً [] مريم: ٤١ [، وهي دعوة قرآنية تدعو الحبيب -
ﷺ وكل من سار على دربه أن يستزيدوا من سيرة الخليل عليه
السلام بقراءة دعوته، والاستفادة من منهجيته. وتتجاوز هذه الدعوة عمقها التربوي
العظيم بهذا التقدير والتشريف الكريم؛ حيث وسمت ملف الخليل ﵇ بختم
رباني وعلامة مميزة يُعرف بها، وهي:] إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً [أي كثير الصدق أو
كثير التصديق.
وفي موضع آخر أثناء الحديث عن الخليل ﵇، نعرف أحد أسباب
هذا التقدير والتشريف الموحى به عن خليل الرحمن:] وَإبْرَاهِيمَ الَذِي وَفَّى [
] النجم: ٣٧ [، قال سعيد بن جبير والثوري: أي بلّغ جميع ما أُمر به. وقال ابن
عباس:] وَفَّى [لله البلاغ، وقال سعيد بن جبير:] وَفَّى [ما أمر به، وقال
قتادة:] وَفَّى [طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن
جرير وهو يشمل الذي قبله ويشهد له قوله تعالى:] وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ
فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً [] البقرة: ١٢٤ [، فقام بجميع الأوامر، وترك
جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال؛ فاستحق بهذا أن يكون للناس
إماماً يُقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله) ] ١٦ [.
فتدبر هذا التكريم والتشريف والتقدير الإلهي للخليل ﵇ الذي وفّى كل
ما أُمر به، وقدّم نموذجاً طيباً في البذل، وفي إنشاء مشروع حضاري متكامل.
وتأملْ كيف أن إبراهيم ﵇ وهو من هو كان في حاجة للطيفة ربانية
تشعره بالتقدير لتاريخه الناصع، وكذلك بالامتنان على دوره الدعوي، وعلى
طاعته لربه جل وعلا فما بالك بمن هو دون تلك القمة، ويسكن السفح؟ ! ويكون
في مسيس الحاجة لكلمات تقديرية بسيطة.
من هذه اللطيفة الربانية الكريمة، نستشف مدى السمو والرقي الأخلاقي الذي
يتعلمه الناس من هذا القرآن؛ حيث ورد في غير موضع لمحات تربوية قرآنية كلها
تحث على وجوب بث روح التقدير وتنمية خلق التشجيع؛ وذلك لكل من شارك في
أي بذل، وفي أي مجال من شأنه أن يُسدي خيراً للناس.
وعلى هذا النهج التربوي، ومن هذا المعين الصافي نجد أن حَمَلَةَ مشعل
الدعوة على مر التاريخ البشري، ورواد مسيرة الحركة الدعوية قد خَطّوا معالم
خالدة في هذا الباب، ويقف في المقدمة الحبيب ﷺ في وصيته
الرائعة: (أنزِلوا الناس منازلهم) ] ١٧ [.
ولو تدبرنا الجانب الأخلاقي في دعوة نبي الله شعيب ﵇ لوجدناه
يتمثل في قوله - تعالى -:] وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [، وهي دعوة كريمة،
إلى عدم بخس أشياء الناس؛ ولو استشعرنا مغزاها التربوي البعيد لوجدناه يشمل
عدم بخس أي شيء من أي نوع مثل: تقدمهم في العمر، ومكانتهم، وسبقهم
الدعوي، ودورهم الريادي، وتقدير كل ما يقدمونه من خير، وكذلك تشجيعهم على
أي عمل أو بذل، بل أيضاً بمدح ما يسعدهم من صفاتهم!
وخطر تجاهل هذا المعلم تربوياً من شأنه أن يؤدي إلى ظاهرة دعوية مرضية
تسمى: (ظاهرة بخس أشياء الناس) والتي من أدنى مظاهرها تجاهل أعمال الآخر، ومن أعلاها التجريح لأعماله وصفاته، ومن أبسط آثارها على الآخر هو الإحباط، والتثبيط، ومن أخطرها الجروح النفسية التي قد تستعصي على العلاج! ومن
آثارها على صاحب هذا السلوك أنه من جهة: يصنف نفسه مع نوعية مذمومة
سلوكياً قال عنها سبحانه:] كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا [] الأعراف: ٣٨ [، ومن
جهة أخرى: أنه يظلم نفسه، ويحرمها من أن يضمها ركب نوعية ممدوحة؛ حيث
ينسى أنه (لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل) .
стр. 3125
قراءة في كتاب
مصر والحرب القادمة [*]
قراءة في فكر علماء الاستراتيجية
عرض: وائل عبد الغني
المؤلف: أ. د. حامد ربيع.
الناشر: دار الوفاء مصر.
أعدها للنشر: جمال عبد الهادي- الشيخ عبد الراضي أمين.
بين آونة وأخرى يثور تساؤل في الأوساط المصرية: هل ستقوم حرب بين
مصر وإسرائيل، أم لا؟ ومع أن الأسس الموضوعية للبحث في القضية تؤكد أن
الحرب قادمة؛ إلا أن التوقيت يثير جدلاً واسعاً:
فهناك رأي بأن الحرب قاب قوسين أو أدنى، ويدل أصحابه على ذلك
بالتطورات المتسارعة التي تجري على الساحة [١] ، ويبرزون من أجل ذلك
عناصر القوة الإسرائيلية والصهيونية، كما يبرزون عناصر الضعف العربي.
وهناك رأي مغاير يستبعد حدوث الحرب في الأمد القريب، ويعتبر أصحابُ
هذا الرأي أن الأمر من قبيل الحرب النفسية التي تُشنّ على العقول العربية،
ويدلون على هذا بأن كثيراً من الأمور المؤثرة في نتيجة الحرب لم تزل ظنية ولم
تحسم بعد، ويبرزون من عوامل الضعف في الجسد الصهيوني ما يرجح رأيهم،
ويفسرون ما يحدث بأنه نوع من التلويح بالقوة من أجل الردع لدفع الخصم نحو
مزيد من التنازلات.
ويبقى موعد الحرب رهن التطورات والمتغيرات.
لكن كلا الرأيين يعكس ما ذكره الكاتب من حقيقةٍ استخلصها من جميع صور
الصراع التي دارت بين العرب وإسرائيل وفصوله؛ وهي أنه لم يكن لدينا فكر
استراتيجي يفصل بين الثوابت والمتغيرات ويحسم قدر التنازلات، ويحدد مهام
ووظائف كل مرحلة.
وبين يدينا في هذا الكتاب قراءة في فكر د. حامد ربيع ﵀ وهو
من المتخصصين في هذا الجانب مع ما تتميز به كتاباته من دقة وغيرة وإخلاص
وصراحة ووضوح، في سلسلة مقالاته التي حواها الكتاب. وهو يعرض نظرته
المستقبلية لاحتمال الحرب، ويستهل قائلاً:
في تاريخ كل أمة تمر لحظة معينة فإذا بها تصاب بنوع من الغشاوة الحقيقية،
تضطرب مفاهيمها، ويصيب مدركاتها عدم الوضوح، ويسيطر على عقلها عدم
الصلاحية! أما قياداتها بجميع مستوياتها فهي مهلهلة، لا تدري أين الطريق
الصحيح؛ قيادات سياسية فقدت الوعي، وقيادات عسكرية يصيبها الترهل! أما
عن القيادات الثقافية، فهي لم تعد سوى أبواق تهلل وترقص وتطبل!
والمؤرخ يقف إزاء تلك الظاهرة في حالة ذهول: كيف حدث ذلك، ولماذا
حدث؟
هذه أمة تملك تقاليدها الواضحة الصريحة المقننة فإذا بها قد أصاب الاختلال
كل مفاهيم (الأمن القومي) لها!
لقد حدث هذا في التاريخ البشري مراراً؛ في فرنسا قبيل الحرب العالمية
الثانية، وفي ألمانيا أوائل القرن الماضي.
فهل سوف يقدر لنا أن نعاصر نموذجاً آخر في الأعوام القادمة في منطقة
الشرق الأوسط - يعني حرباً إسرائيلية عربية وبالذات مع مصر -؟
ويتساءل عن خصائص السياسة الإسرائيلية خلال فترة ما بعد اتفاقيات السلام: هل هذه السياسة تعبير عن قناعة بالسلام؟ !
ثم يستخلص بإيجاز المبادئ التي سيطرت على سياسة تل أبيب منذ عملية
السلام وحتى اليوم؛ وقد ميز فيها بين ثلاث دوائر متداخلة:
- دائرة العلاقات المصرية الإسرائيلية.
- دائرة العلاقات الإسرائيلية مع منطقة الشرق الأوسط.
- دائرة العلاقات المصرية الأمريكية.
وحول الدائرة الأولى رصد ثلاثة أدوار قامت عليها سياسة العدو تجاه مصر
منذ كامب ديفيد.
أولاً: تخريب مصر من الداخل؛ لأن في ذلك تقييداً لفاعليتها:
وهذا مبدأ قديم أعاد توظيفه كيسنجر من خلال: (النظر إلى السياسة الخارجية
على أنها أداة لتنفيذ السياسة الداخلية) ؛ والذي طورته السياسة الإسرائيلية إلى خطة
كاملة للتعامل مع مصر من خلال:
١- البحث عن نقاط الضعف في الداخل ومحاولة تضخيمها، وأخطرها:
الأزمة الاقتصادية - وأزمة القيم السياسية.
٢- التعامل مع عناصر التغيير التي تتمثل في: الشباب - العقول - القيادات.
ثانياً: عزل مصر عن المحيط العربي:
وكانت بداية هذا الدور عقب اتفاقية كامب ديفيد، وحاولت إسرائيل بعدها
تعميق هذا العزل لتجني من ورائه حرية الحركة في المنطقة وما يُبنى على ذلك من
آثار. وقد أعلنت إسرائيل أن روح اتفاقية كامب ديفيد تعني التخلي عن ميثاق
التعاون العسكري والدفاع المشترك بين مصر والدول العربية.
ثالثاً: إصابة وظيفة مصر الإقليمية بالشلل:
من خلال المبدأ الذي أقرته القيادة العمالية الإسرائيلية: (شد الأطراف) عن
طريق بناء روابط وثيقة ومتجانسة أساسها التحالف مع عواصم الجوار غير العربية
في المنطقة: (طهران - أنقرة - أديس أبابا) .
هذا التحالف يبدأ بعلاقات ثنائية - ثم إيجاد تجانس في المصالح، ومن ثم
التكتل ضد المنطقة لفرض إطار يحصرها، وهو ما يهدد دور مصر الإقليمي
والدولي.
ولما تمثله مصر من مركز ثقل في المنطقة بكثافتها السكانية - وقدراتها
العلمية، وموقعها الاستراتيجي، فإن تفريغ مصر من جميع عناصر القوة، وعزلها
عن محيطها العربي يعني أن حصارها في كل موضع تعودت أن تمارس فيه
وظيفتها القيادية منطلق طبيعي لإكمال عملية التخريب، وإذا لم تنجح إسرائيل في
تطويع الإرادة الشعبية فلا أقل من تلويث عقول الطبقة المثقفة الفاعلة إلى حين.
أما عن (الدائرة الثانية) وهي: عناصر السياسة الإسرائيلية في المنطقة
فأبرزها:
١- توريط دول المنطقة القوية: كما ورطت السادات في كامب ديفيد، وكما
أوقعت الأسد في مستنقع لبنان.
٢- تدعيم تجزئة دول العالم العربي: كما اتضح في لبنان، وكما هو واضح
في العراق والسودان اليوم.
٣- البدء بإنشاء إسرائيل الكبرى: وهذا يعكس صعود فلسفة جديدة في
إسرائيل، سنعرض لها بعد قليل.
وأما عن (الدائرة الثالثة) العلاقة الأمريكية المصرية: فتبلورت في سياساتٍ
أشعرت القيادات المصرية بنوع بالغ من الحرج والقلق وأهم مبادئها:
١- سيادة مفهوم التوتر والاضطراب في مصر بما لا يصل إلى حد الثورة
(الاضطراب المنضبط) .
٢- استخدام إسرائيل أداة أساسية في المنطقة؛ إذ أصبحت تمثل مقدمة
الحربة الأمريكية.
٣- معاملة مصر على أنها ثكنة لعملاء الحراسة.
٤- التعامل الاقتصادي القائم على فرض الوصاية على السياسات، والسيطرة
على الموارد واستنفاد الثروات.
وإذا تحددت السياسة الإسرائيلية على هذا النحو فلا بد أن نسلط الضوء على
مفردة أخرى في تحليلنا ذات أثر بالغ وهي:
* الفلسفة السياسية التي تسيطر على الإدراك الإسرائيلي الحاكم: فحينما زار
بيجن القاهرة، وقف أمام الأهرامات وقال: (هؤلاء أجدادنا بناة الأهرام) ! هذه
الجملة تعبير عن فلسفة بدأت تسود الطبقة الحاكمة في إسرائيل منذ عام ١٩٧٧م،
وأساسها: أن إسرائيل دولة شرق أوسطية بحكم وجودها أولاً، والتاريخ ثانياً،
وليست كما قيل من قبلُ عنها: إنها امتداد للحضارة الغربية الأوروبية. ويترتب
على هذه الفلسفة أنه من حق إسرائيل التحكم في هذه المنطقة وقيادتها تعبيراً عن
الوظيفة التاريخية للمجتمع اليهودي. وهذا التوجه الجديد ترتبت عليه نتائج بالغة
الخطورة، سواء على مستوى التخطيط أو من جهة الممارسة السياسية والنشاط
العسكري.
وكي تتضح الأمور أكثر فلا بد من تجلية الفلسفات الصهيونية التي تشكل
أرضية تحريك الأمور ووضع الخطط داخل إسرائيل؛ فنحن نجد تيارين فاعلين
داخل إسرائيل:
الأول: يعكس أفكار (بن جوريون) ويستمد أفكاره من التطور اليهودي في
شرق أوروبا ووسطها، والذي يرى أن إسرائيل هي دولة غربية وامتداد لحضارة
أوروبا؛ وهي الفلسفة التي يتبناها العماليون داخل إسرائيل.
الثاني: يستمد تقاليده الحقيقية من الدولة العلمانية من جانب، ومن إيطاليا
الفاشية من جانب آخر، ويعرف بـ (الاتجاه التصحيحي) الذي وضع أسسه
(جابوتنسكي) .
ويمكن أن نحلل الاختلاف بين التيارين كما يلي:
١- جابوتنسكي في تصوره للصهيونية جَعَلَ الدين اليهودي المحور الحقيقي
للصهيونية التي هي اليهودية في هذا القرن؛ أي أنهما حقيقة واحدة.
بينما يرى التوجه الاشتراكي (مدرسة بن جوريون) أن الصهيونية حصيلة
تطورٍ اندمجت فيه أربعة عناصر هي: (قيم اشتراكية - عنصرية - قومية - تعاليم
وتقاليد يهودية) ، وعلى هذا فالدين اليهودي هو أحد عناصر تكوين الصهيونية.
٢- إسرائيل في نظر (جابوتنسكي) تعني إعادة بناء مملكة إسرائيل وليس
مجرد قيام الدولة.
٣- الحركة التصحيحية تعلن عن أهدافها الحقيقية منذ البداية؛ وهي إقامة
مملكة إسرائيل الكبرى، أما فكرة التدرج التي يريدها التقليديون فلا موضع لها.
٤- السبيل الوحيد لتحقيق الأهداف هو استخدام القوة بجميع تطبيقاتها؛ لأن
الصراع العسكري مرحلة أساسية في البناء القومي كي ينتقل الشعب من السلبية إلى
الإيجابية، ويكسبه ذلك احترام الذات.
٥- بالنسبة للسياسة الخارجية: فيرى فكر (بن جوريون) أن السياسة
الخارجية تُبنى على الأدوات المتاحة؛ فالإمكانيات المتاحة هي التي تحدد الأهداف،
بينما (الاتجاه التصحيحي) لا يؤمن إلا بتحقيق الأهداف؛ لذلك يسعى إلى تغيير
الإطار الدولي تحقيقاً لما يصبو إليه.
٦- (جابوتنسكي) كان مقتنعاً أن العالم العربي أكذوبة، وأنه لا يوجد سوى
عالم إسلامي في المنطقة.
٧- تطرف (جابوتنسكي) في نظرته إلى الحضارة الإسلامية؛ إذ كان يضعها
في ذيل الحضارات. وهذا التطرف ولّد فكرتين هما:
أ - أن الصراع في المنطقة بين إسلام متخلف ويهودية متقدمة!
ب - أن هذا الصراع لا يمكن التهرب منه.
٨- لا يمكن اعتبار إسرائيل امتداداً للحضارة الغربية؛ لأن جوهر التاريخ
الأوروبي هو استئصال اليهود.
وهكذا ظل فكر (جابوتنسكي) بعيداً عن السلطة حتى حمله بيجين معه إلى
السلطة، ليفرض نفسه على مقاليد الأمور.
وهنا نلفت النظر إلى حقائق لا يمكن تجاهلها:
١- أن التوليفة الحاكمة في إسرائيل تعكس انقلاباً حقيقياً يعبر عن وصول
القوى المحافظة إلى السلطة، وهي عبارة عن توليفة من اليمين التقليدي والقوى
الدينية تتوسطها المؤسسة الحاكمة.
٢- أن من يصنع القرار حتى في الكنيست ولجنة الأمن القومي هو من يمثل
القوى السياسية (الليكود - العمل - الحزب الديني (المقدال (.
٣- إسرائيل تلجأ في تنفيذ سياستها إلى مبدأ توزيع الأدوار؛ لهذا فلا يجوز
أن ننخدع ببعض التصريحات أو التعبيرات المتعاطفة؛ بل يجب أن نسأل: ممن
تصدر؟ ما وزنها الحقيقي على خريطة القوى السياسية المتحكمة في إسرائيل؟
٤- أن إسرائيل تعاصر حالياً مرحلة من التمركز في السلطة لم تعرفها في
تاريخها فالمؤسسة العسكرية هي التي تحرك الأمور في إسرائيل، والقائمون عليها
من المهنيين المتخصصين في المجال العسكري، مع ضعفهم في الإلمام بالمجالات
السياسية.
٥- الدولة بمفهومها الحقيقي اكتملت؛ حيث أضحت المؤسسات الثلاث:
(الجامعة، والجيش، والأداة الدبلوماسية) تعكس الوظيفة القومية ولا تشترك في
المهاترات الحزبية؛ فهي تعتبر المحور الحقيقي للتطور الذي تعيشه إسرائيل، ومع
صعود ليكود إلى السلطة حدث تطور خطير في القناعة القيادية وفي مفهوم ممارسة
السلطة في ثلاثة أبعاد:
١- تهذيب المفاهيم التي سادت في إسرائيل آنفاً.
٢- هذا التهذيب أقرب إلى الواقع الاجتماعي من كونه فلسفة؛ بحيث تعبر
بصدق عن حقيقة تلك القوى التي تسود الواقع الإسرائيلي.
٣- أن محور هذا التطور الحقيقي هو النظرة إلى إسرائيل على أنها دولة
شرق أوسطية، وهكذا أثرت المعطيات السابقة في تشكيل عناصر السياسة
الخارجية الجديدة كما يلي:
١- أن القيم الجديدة هي التي أصبحت تحكم التحركات الإسرائيلية.
٢- تسريب هذه المفاهيم إلى الإدراك العربي، حتى يسهل التعامل معه من
خلالها.
٣- التعامل مع المنطقة العربية يجب أن ينبع من مفهوم القوة والعنف.
٤- الزعم بأن إيران ضد إسرائيل غير صحيح؛ لأن هناك صداقة قديمة بين
الشعبين، وهناك ترابط حضاري بين الشعبين الفارسي واليهودي يجب أن يعود
للحياة ولو من منطلقات جديدة؛ وهذا التصور ينبغي أن يسري على تركيا لفرض
حصار عبر هذا المثلث على دول المنطقة لصالح إسرائيل.
٥- انقلاب محور العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ لتصبح على شكل
تحالف قائم على الندية التي يفسرها حاجة الولايات المتحدة لإسرائيل، وليس
العكس.
وعلى ما سبق لا يمكن تحاشي الاصطدام بمصر بل هو مقصود لذاته، وبهذا
تجد إسرائيل نفسها مع أعداء مصر في خندق واحد.
ولكن لماذا مصر بالذات دون دول المنطقة؟
والجواب يعكسه دور مصر الأساس الذي يتمثل في ثلاث وظائف هي:
- الوظيفة الحضارية.
- الوظيفة الإقليمية.
- الوظيفة العالمية.
وإسرائيل تفرق بين هذه الوظائف بدقة، وتدرك أنه لا دور لها في المنطقة
إلا على حساب مصر، إذن لا بد من الاصطدام في فرقعة للسلاح تضع حداً لوجود
إحداهما باعتباره مركزاً للثقل الدولي والإقليمي في المنطقة، ومع العوامل التي
ترجح كفة مصر - مثل كون إسرائيل دخيلة، وكونها تخدم مصالح دولة كبرى
وليس مصالح المنطقة - وكونها لا تملك المقومات الذاتية للدولة الرائدة - فلا بد من
التحرك للقضاء على دور مصر لتدعم وظيفتها، وهذا الدور لا يتحقق إلا بخدمة
مصالح وأهداف القوى العظمى، والثمن سلسلة من الأرقام الضخمة من المساعدات
والتسهيلات، وجعل إسرائيل مخزناً ضخماً للأسلحة من كل نوع لحمايتها.
وكون الترسانة العسكرية تضم هذا الكم والكيف من الأسلحة المتطورة
والاستراتيجية، فإن هذا لا يعني سوى الاستعداد لقتال يخرج عن صورة القتال
التقليدي لتحقيق التوسع ولحماية المصالح الأمريكية.
وهنا يجد الباحث صعوبة في تحليل ما يثار حول الترسانة العسكرية
الإسرائيلية وخصائصها الجديدة، وما يسرب من قبل المخابرات من معلومات غير
دقيقة أو خاطئة فهي تارة تأتي مبالغاً فيها لإحداث الخوف والرهبة، وتارة تأتي
بعيدة عن الموضوع لجذب الأنظار بعيداً عن حقيقة ما يجري.
لهذا كان على من يتعامل مع مثل هذه المعلومات أن يطبق قاعدتين:
الأولى: أن أي احتمال مهما ضعفت نسبة ترجيحه لا بد أن يؤخذ في الاعتبار
وأن تعدّ له العدة؛ مثال ذلك: ما طبقه الأمريكيون على نسبة احتمال نشوب حرب
نووية مع الاتحاد السوفييتي - عندما كان قائماً - فوجدوا أنه لا يتعدى ٢%، وأن
نصف هذه النسبة أساسه احتمالات حدوث اضطراب ذهني لمن يملك مفاتيح اتخاذ
القرار؛ وهذا يعني أن الاحتمال الحقيقي هو ١%، وهذا الاحتمال أساس مطلق
يفرض نفسه على التخطيط الاستراتيجي الأمريكي رغم ضآلته.
الثانية: أن تخطيط التعامل يجب أن يكون أساسه ما اتفق على تسميته (أسوأ
موقف للتعامل) .
من هنا يجب أن تبرز حسابات الحرب القادمة؛ وعلينا إزاء ذلك أن نجعل
من احتمال القتال مع إسرائيل ولو بنسبة ١% أساساً للتقدير، وأن ندخله في حسابنا
بخطة كاملة، وأن نملك استراتيجية مستقلة أساسها أسوأ موقف متصور.
ولا يعني تحليلنا للواقع الإسرائيلي إغفالنا عناصر الضعف الداخلي والإقليمي
والدولي للعدو؛ فهو لم يعد يملك القيادة الرائدة - وافتقدت الدولة التماسك
الأيديولوجي الذي اختفى منذ حرب لبنان؛ ولهذا فإن المشروع الصهيوني قد دخل
مرحلة التهلهل، ولكن علينا أن نتذكر أن الأعور وسط العميان ملك، فالضعف
العربي، والتموين الخارجي، والقدرة الصهيونية تصب كلها في صالح إسرائيل.
وإذا كانت تملك من عناصر الضعف الكثير، فهي تملك أيضاً من عناصر
القوة الكثير؛ وواجب القيادات نحو ذلك هو تحليل عناصر القوة لشلها، وعناصر
الضعف لتضخيمها.
ويضاف أيضاً إلى مرجحات الحرب أمر ذكرناه، وينبغي أن نؤكد عليه وهو: أن مقاليد الأمور اليوم في يد القيادة العسكرية المهيأة التي أفرزتها وعلّمتها حرب
لبنان. ومع امتلاكها للقنبلة النووية التكتيكية، بدأت هواجس الاستخدام النووي
تتزايد، ولم يعد أمام إسرائيل إلا الإجابة عن سؤالين يحسمان مسألة الحرب:
الأول: متى يجب أن تحارب إسرائيل؟ ويعني ذلك تحديد اللحظة التي
تكتمل فيها عناصر التطور، وهو أمر يرجع تحديده إلى القيادة القومية.
الثاني: كيف تحارب إسرائيل؟ بمعنى ما هو الأسلوب الأمثل للقتال؟ وما
هو خير أسلوب للقضاء على الخصم؟ وهو لا يعني فقط السلاح المستخدم؛ بل
يعني الأرض التي يجب أن تحتضنها الأداة المقاتلة أيضاً، فضلاً عن أسلوب إدارة
القتال.
وهذا السؤال ليس من حق أي أحد الإجابة عنه سوى المؤسسة العسكرية التي
أخذت في تطوير فلسفتها وأسلحتها في آن واحد، وقد بدأت الفلسفة في شكل انتزاع
الشرعية الإقليمية بقوة السلاح كما كان في عام ١٩٥٦م، أو تأديب القيادات التي
جرؤت على رفع راية العصيان ضد أمريكا كما في عام ١٩٦٧م. أما اليوم
فإسرائيل تريد الخروج من دورانها في فلك الإرادة العربية، وتملك هي الزمام،
وإذا كانت قد هزمت ٣ دول عربية في عام ١٩٦٧م، وهزمت أيضاً أكبر دولة
عربية على طاولة المفاوضات، وكان غايتها في الأمرين استئصال الإرادة المقاتلة
سواء عبر الحرب أو السلام، ولكنها أخفقت في عملية الاستئصال على مستوى
القيادات والشعوب في ١٩٧٣م، وعلى مستوى الشعوب من خلال اتفاقية كامب
ديفيد، ولذا فإن الإرادة الإسرائيلية ترجح خيار الحسم النووي لعدة أسباب:
١- أن الشعب المحارب في منطقة الشرق الأوسط قد ولد في أكثر من مكان.
٢- استفحال الأزمة الاقتصادية العنيفة التي تشهدها إسرائيل نتيجة لتزايد
الهجرات ومشاكل الأمن الداخلي، فهي على الأقل في حاجة لتوفير (٣٣ بليون
دولار سنوياً) لتحافظ على المستوى الاقتصادي المخطط له.
٣- نمو الحركات الجهادية الداخلية في فلسطين، والتي تتمثل في الانتفاضة
مما ضاعف الأعباء الاقتصادية، وهو ما يجعل القيادة اليهودية واضعة يدها على
زناد الحرب.
٤- صعود القوى اليمينية وسيطرة العناصر المهنية على المؤسسة العسكرية.
٥- تكدس السلاح في إسرائيل إلى حد لا يصدقه عقل مما ولّد جواً مشحوناً
بالرغبة في إظهار العضلات.
٦- تهيئة الأوضاع الدولية لصالح إسرائيل.
وعلى جانب آخر؛ فهناك متغيرات في عناصر التفوق العسكري الإسرائيلي
زادت من هذه الاحتمالية:
أ - جعل أساس خيار الاستراتيجية الخيار النووي.
ب - التطوير العنيف في السلاحين الكيماوي والجرثومي.
ج - وضع قواعد تسمح باستخدام سلاح الصواريخ بأقصى فاعلية.
د - إضافة مبدأ تطوير السلاح البحري والتحكم في المداخل البحرية.
هـ - إدخال مفهوم الحرب النفسية باعتباره عنصراً رئيساً من عناصر
الإعداد للقتال.
كما أن هناك محفزات عربية تزيد الأمر سخونة، منها:
١- قدرة الشعوب العربية في الحصول على السلاح المتقدم.
٢- أن استخدام الصواريخ العربية في هجوم مفاجئ قد يحدث تفوقاً [٢] وقتياً
لصالح العرب.
٣- أن الكثرة التي تتميز بها الجيوش العربية لها اعتبارها في ميزان الحروب، فرغم أن العبرة بالكيف، ولكن الكمّ عند حد معين يتحول إلى كيف ويكون له
تأثيره، وهذا الأمر دافع للتفوق الإسرائيلي بالأساليب غير التقليدية.
كما أن هناك مسوغاً قوياً آخر لخيار الحرب: وهو السلوك الاستفزازي
العدواني الذي يتسم به السلوك اليهودي سواء على مستوى الشخصية اليهودية أو
على مستوى الدولة (سلوك الصابرا) وهذا الأمر يرجعه المحللون إلى ثلاثة مصادر:
١- الشخصية اليهودية التاريخية.
٢- السلوك الأمريكي الذي عايشه اليهود وتأثروا بمنطقه وأثروا فيه.
٣- النازية في ألمانيا: والتي نبتت فيها القيادات اليهودية التي صاغت
الصهيونية.
هذا السلوك العدواني له تأثيره البالغ على الاستراتيجية القتالية الإسرائيلية من
جهة تكديس الأسلحة من كل نوع: نووي، كيماوي، جرثومي، صاروخي،
بحري، نفسي، تقليدي.
٤- تدهور القدرات القتالية للجندي الإسرائيلي، وخوف إسرائيل من امتلاك
العرب للسلاح النووي - مما يجعل أمر الحرب أكثر وروداً.
ولهذا؛ فإن إسرائيل تستعجل الحسم بعد امتلاكها للقنبلة التكتيكية التي تهدف
من وراء استخدامها إعادة تشكيل التوازن الإقليمي لصالحها.
بقي أن نذكر أن هذا الكلام قاله صاحبه عام ١٩٨٩م في سلسلة مقالات تم
جمعها في كتابٍ، ورغم الطول النسبي للفترة إلا أن التحليل الاستراتيجي والتفريق
بين الثوابت والمتغيرات يضفي على الكلام جانباً كبيراً من الموضوعية كما نرى
إلى اليوم، وإن كان من عادة واضعي الخطط في إسرائيل وضع السيناريوهات
التي تناسب جميع الظروف المحتملة وتطوير آليات العمل واغتنام الفرص.
والواضح من المعطيات الحالية أن إسرائيل تتبع أسلوب محاولة تكبيل الجسد
العربي وشل حركته عضواً عضواً مع قرع الرأس بين فترة وأخرى وتضييق
الخناق حول الرقبة لضمان عدم المقاومة الذاتية أو تداعي الأعضاء بعضها لبعض.
стр. 3126
إصدارات
تتوالى الإصدارات الحديثة حاملة بين طياتها الجديد في عالم الدراسات
الإسلامية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. ورغبةً منّا في إطلاع
قراء البيان على ما يتيسر لنا من هذه المطبوعات الجديدة التي نرى فيها الفائدة
لقارئها ... سيكون لنا بإذن الله وقفات مع بعض تلك الإصدارات بين عدد وآخر،
والله الموفق.
- الإمام في معرفة الأحكام، تأليف: الإمام ابن دقيق العيد، تحقيق: د. سعد بن عبد الله آل حميد، الأجزاء ١ - ٤، دار المحقق، ١٤٢٠هـ.
مشروع العُمر لعالم فذّ: كتاب عظيم في ذكر أحاديث الأحكام والكلام عليها
سنداً ومتناً، في عشرين مجلداً.. يخرج الكتاب محققاً تحقيقاً علمياً متميزاً،
مضبوط النصّ، مُوثّقاً، معزوّ الأحاديث. نفع الله به، ويسر إخراج بقيته، لما
فيه من نفع.
- منهج وآداب الصحابة في التعلم والتعليم. عبد الرحمن البر - دار
اليقين، مصر، ط ١، ١٤٢٠هـ.
وهو كتاب لطيف جامع في بابه. قسّمه المؤلف أربعة أبواب: الأول:
الصحابة وعدالتهم، والثاني: ضوء على مناهج وجهود المحدثين في العناية بالسنة، والثالث: مناهج وآداب الصحابة في تحمل الحديث، والرابع: مناهج وآداب
الصحابة في الأداء. وتحت كل باب عدد من الفصول والمباحث.
ويتميز الكتاب بحسن الترتيب والتبويب، جمع فيه المؤلف مادة علمية غزيرة
تستحق التقدير، ولكن يؤخذ عليه أنه قد يذكر أحياناً أحاديث وآثاراً ولا يذكر
درجتها من حيث القوة أو الضعف، وإن كان قد اشترط على نفسه في المقدمة أنه
يعتمد على المقبول من الحديث حسناً كان أو صحيحاً، دون الضعيف إلا في أحوال
استثنائية.
- تخريج أحاديث مجموعة فتاوى شيخ الإسلام، إعداد الأستاذ: مروان كجك، ١٤١٩هـ، دار ابن حزم.
لقيت فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية اهتمام العلماء والباحثين منذ جمعها الشيخ
عبد الرحمن قاسم ﵀ وابنه محمد وقبله (الكردي) . وعلى جلالة قدرها إلا أنه
كان ينقصها التحقيق للأحاديث وهذا ما قام به المؤلف في ٦ مجلدات. وتتميز هذه
الطبعة بالإحالة لطبعة الشيخ ابن القاسم وطبعة المؤلف، وقد ألحق المؤلف بها
تخريج أحاديث كتابي التسعينية والسبعينية لشيخ الإسلام. وبهذا التخريج تتكامل
الفائدة من هذا المجموع المبارك.
- في خيمة النص: قراءات في أدب المرحلة للأستاذ: علي التمني، ط١، ١٤١٩هـ.
دراسة أدبية ناقدة لأدب الحداثة وما بعد الحداثة تناول فيها المؤلف التجديد في
الأدب، وهل هو تجديد أم تغريب؟ ورفْض الأدب الإسلامي: هل هو رفض
للمصطلح أم للمنهج؟ ثم تناول بعض كتابات التبعية ممثلة في نماذج من القصة
والرواية والشعر عند نفر من رموز الحداثة مثل (أمل دنقل) و (محمود درويش)
و (صلاح عبد الصبور) .
ثم توقف في الأخير عند بعض المجلات الحداثية مقوماً لها مثل مجلة (النص
الجديد) و (إبداع) و (القاهرة) .
الدراسة موضوعية وهادفة في بابها.
- نواقض توحيد الأسماء والصفات، د. ناصر القفاري، دار طيبة، الرياض، ١٤١٩هـ، (٨٧ صفحة) .
إفراد لمسألة مذكورة ضمن كتب العقائد يفصح عن أهميتها ومنزلة هذا التوحيد
من الاعتقاد. يبحث الكتاب في نواقض أهل هذا التوحيد، أو نواقض كماله الواجب
من التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل، ثم الإلحاد. كما يفصح عن أثرها في
نقض قوام الأفراد والمجتمعات محاولة لتفسير إسلامي لأحداث التاريخ.
- موسوعة أهل السنة، دار المسلم، الرياض.
دراسة مطولة للباحث اللبناني عبد الرحمن دمشقية في مجلدين، كشف فيها
حقيقة (فرقة الأحباش ونقد أصولهم) ورد عليهم فيما يشيعونه من البدع والشركيات
والتأويل والطعن في الصحابة، وفنّدَ مزاعمهم على ضوء الكتاب والسنة وأقوال
العلماء، وهو رد على كل المبتدعة وليس على الأحباش وحدهم.
- مباحث المفاضلة في العقيدة، لمحمد بن عبد الرحمن أبو سيف الشظيفي، دار ابن عفان، الخبر، ١٤١٩هـ (مجلد، دكتوراه، الجامعة الإسلامية) .
الرسالة بحث طريف تضمن الحديث عن: فضل الخالق - تعالى - وتفاضل
أسمائه وصفاته، ثم تفاضل الأنبياء وفضلهم على بقية البشر، ثم فضل الصحابة،
وتفاضلهم، ثم التفاضل بين المؤمنين، وأخيراً مباحث متفرقة في العقيدة.
- التداخل بين الأحكام في الفقه الإسلامي، المؤلف: خالد بن سعد الخشلان، دار إشبيليا، الرياض، ١٤١٩هـ (مجلدان، ٩٤٠ صفحة، رسالة ماجستير، ١٤١١هـ) الجامعة.
لا يزال للدراسات التأصيلية ذات الجدة والحداثة احتىاج ملحّ، مع وجود قدر
لا بأس به منها، وهذا الكتاب منها. عالج فيه الباحث: معنى التداخل، وحكمة
مشروعيته، ومحله، وأسبابه وموانعه، وأقسامه، وأنواعه وصوره، والعلاقة بينه
وبين النية، ثم بقية الكتاب في بيان أثر التداخل في الفروع الفقهية في أبواب
العبادات والمعاملات والعقوبات، والرسالة من حيث الجملة رسالة متميزة تستحق
التقدير.
- قضايا اللهو والترفيه بين الحاجة النفسية والضوابط الشرعية، لمؤلفه: مادون رشيد، نشر: دار طيبة، الرياض، ١٤١٩هـ.
طالما انتظرت مسائل النوازل - ومنها: الملاهي المتنوعة - البحث المؤصّل
لمسيس حاجتها إلى الضبط والتأصيل الشرعي مما يبقي ممارسيها في دائرة المباح،
فلا تحريم لحلال، كما لا تهاون في حرام أو شبهة.
والبحث دراسة تناولت إشكالية الفراغ ووظائف اللهو والترفيه، وأحكام
الملاهي الذهنية والنفسية والرياضية وملاهي السباق وفنون الحرب والملاهي
المكسبة للمال.. مقرونة بالدليل التفصيلي، مفصحة عن كلٍ من الفوائد والمضار.
стр. 3127
الإسلام لعصرنا
دعاة يستحقون المساعدة
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
مَنِ الداعية؟
الذي يغلب على ظننا حين نتحدث عن الداعية أنه الإنسان العالم بدينه، ولا
سيما المتخرج في مؤسسات العلوم الشرعية. ولا جدال في أن الداعية العالم هو
الداعية الحق الذي لا غَناء للناس عنه؛ وذلك لأن هذا الدين دين قائم على علم ذي
مصدر إلهي، لا على آراء البشر وأفكارهم وتخرصاتهم؛ فلا يكون ما يدعو إليه
الداعية إسلاماً إلا إذا كان مستنداً إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ
بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. هذا، ولأن الناس يتوقعون من الداعية أن يُعلّمهم
العقيدة الصحيحة، وأن يفتيهم في الفروع الفقهية، وأن يدربهم على تقويم الأشياء
بقيم الإسلام، وأن يعظهم المواعظ المرققة للقلوب، وهكذا، وكل هذا لا يتأتى إلا
بالعلم، وإن كان لا يتأتى بالعلم وحده.
لكن من الخطأ الشائع الظن بأن دعوة الله - تعالى - لا يُبلّغها إلا هذا النوع
من الدعاة العلماء الذين نالوا حظاً من كل علم من العلوم الشرعية. وإنه لخطأ
عظيم أن تُحصَر الدعوة إلى الله تعالى في قلة من المختصين، وأن يعتقد غيرهم
من المسلمين أنه لا حق لهم في نيل شيء من هذا الشرف العظيم، وإن كانوا من
أحسن المثقفين. إن هذا التصور الغالط للدعاة كان من أسباب عدم انتشار العلم
انتشاراً واسعاً بين جماهير الناس، وكان أيضاً من أسباب عدم وصول دعوة
الإسلام إلى السواد الأعظم من غير المسلمين، وذلك لأن عدد العلماء المختصين لا
يمكن أن يَسَعُوا بدعوتهم خَلْق الله أجمعين.
لكن الحق أن الدعوة إلى الله شرف عظيم، قمين بكل مسلم أن يحرص على
نيل نصيبه منه، كيف لا؛ والله - تعالى - يقول: [مَا يُقَالُ لَكَ إلاَّ مَا قَدْ قِيلَ
لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ] [فصلت: ٤٣] ، والرسول -
ﷺ يقول: (بلغوا عني ولو آية) [١] ؟ !
إن المهم في الداعية - عالماً مختصاً كان أو غير مختص - أن لا يدخل فيما
لا يعلم؛ بل عليه أن يبلغ الآية أو الحديث الذي يعلم، فإذا سئل عما لا يعلم لم
يتردد في أن يقول: لا أعلم، وأحال السائل إلى من يظن أنه يعلم.
إن المسلم بفهمه لمعنى كلمة التوحيد قد نال نصيباً من الخير الذي ذكره
الرسول ﷺ في قوله: (من يرد الله به خيراً يفقهه في
الدين) [٢] . وهذا أمر ينبغي أن يكون بدهياً؛ لأن الذي لا خير فيه لا يدخل الجنة، فما دام كل مؤمن موعوداً بدخول الجنة فلا بد أن يكون في قلبه ولو ذرة من خير. ...
وإذا كان في قلبه خير ففيه فقه؛ لأن الأمرين متلازمان. قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: (فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه) [٣] يعني من النار.
وإذا كان بعض الناس قد قصّر في هذا الأمر، وظن أن أمر الدعوة لا يعنيه
فإن آخرين كثراً قد بَلوا بلاء حسناً في الدعوة إلى الله رغم قلة بضاعتهم في العلوم
الشرعية. فمن هؤلاء أناس اهتموا بالرد على المذاهب المخالفة للإسلام من شيوعية
ومادية ورأسمالية. وهذه - بلا شك - ثغرة كانت تحتاج إلى من يقف عليها.
لكنني مهتم اليوم بنوع آخر من الدعاة عرفتهم بالولايات المتحدة، هم الذين
أدعو إلى الاهتمام بهم وعونهم. أعرف من هؤلاء رجلاً لم يهتد إلى الإسلام إلا قبل
سنتين أو ثلاث، وهو لا يعرف اللغة العربية، فبضاعته في العلوم الشرعية مزجاة، لكن إيمانه - فيما نحسب - أكثر من علمه بكثير. إن عينيه لا تكادان تجفان حين
يكون في مجلس علم؛ بل إن كلماته البسيطة المفعمة باليقين لتفيض لها أدمع
الحاضرين. هذا الرجل من أنجح من عرفت من الدعاة. إن المهتدين عن طريقه
هم بمعدل اثنين أو ثلاثة في كل أسبوع!
حدثني أحد إخواننا من الشباب السودانيين المتعاونين معه أنه يأخذهم ويسير
بهم في الطرقات، فكلما لقي شخصاً ظن أنه يمكن أن يهتدي سأله قائلاً: يا أخي
هل تريد الدخول في الإسلام؟ فبعضهم لا يجيب وبعضهم يقف ويستمع، وبعضهم
يقف ليجادل؛ لكنه يقول للمتعاونين معه: لا تضيعوا وقتكم مع هؤلاء المجادلين؛
فإن البلد مليء بالراغبين في الدخول في الإسلام. يتكلمون هكذا مع العشرات من
الناس فيستجيب لهم بالدخول فيه من أولئك الاثنان أو الثلاثة في كل أسبوع.
ماذا يفعل بالمستجيبين؟ إنه يوجههم إلى المساجد وحلقات العلم والجماعات
الإسلامية؛ لكي يزدادوا علماً؛ لكنه يرى أنهم بحاجة إلى عناية خاصة، ويود أن
لو كان له من الإمكانات المادية ما يعينه على استئجار أو شراء دار يتجمعون فيها،
وعلى طباعة نشرات صغيرة خاصة يوزعها عليهم، وهكذا....
فحبذا لو أن إخواننا المحسنين المهتمين بأمر الدعوة أفراداً كانوا أو جماعات
خيترية أو مؤسسات رسمية شملوا أمثال هؤلاء في مفهومهم للدعاة، وأعانوهم
إعانات فردية تمكنهم من التفرغ لمثل هذا العمل العظيم، وإعانات جماعية لإنشاء
الدور والمساجد الصغيرة، وإصدار النشرات وشراء الكتب. إن أمثال هؤلاء الدعاة
كثيراً ما يكونون أنجح من أمثالنا - نحن الغرباء - في هداية قومهم إلى الإسلام،
حتى لو كنا نتحدث لغتهم ونعلم أكثر منهم. إن مهمتنا كثيراً ما تأتي بعد مهمتهم،
أعني أن نتولى تعليم من سبق له أن اهتدى بهداية الله - تعالى -.
أرجو من إخواننا المهتمين بأمر الدعوة أن لا يغتروا بالأسماء اللامعة
والجماعات المشهورة، فيظنوا أنها هي وحدها الجديرة بالمساعدة؛ مع أن بعضها
لا يمكن أن يُعَدّ إلا من الفِرَقِ الضالة؛ بل وإن بعضها لمن الكافرة.
لكن بالولايات المتحدة الآن عشرات من الجماعات الصغيرة، ومئات من
الأفراد الذين اطمأنوا إلى منهج أهل السنة والجماعة. فهم راغبون في أن يزدادوا
به علماً، حريصون على دعوة إخوانهم إليه، فلنبادر بمساعدتهم والتعاون معهم
وشد أزرهم، راجين من الله - تعالى - حسن الثواب.
стр. 3128
وقفات
سعة الأفق
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
من نعمة الله - تعالى - على العبد أن يرزقه سعة في الأفق، وعمقاً في
النظر، فيتسع فكره، وينطلق في آفاق رحبة واسعة، ويؤتيه الله بصيرة نافذة
تجعله ينفذ إلى أعماق الحقائق وأبعادها، فيقدرها بقدرها، ويضعها في مواضعها.
ومما يعين الإنسان على سعة الأفق:
١- حرصه على طلب العلم والجدّ فيه، وأخذه من أهله الأثبات الراسخين،
والصبر على تتبع مسائله في مظانها المختلفة، وحرصه في بداية الطلب على أن
يأخذ من كل فن أصوله وقواعده لكي تتكامل معارفه وتتآلف علومه. والعلم هو
الركيزة الأساس التي تبني عقل الإنسان وتجعله يستقيم على الجادة؛ ألم ترَ أن
الجاهل يعيش في ظلمة فلا يبصر طريقه، فإذا عرض له عارض صار يتخبط
ويضطرب؟ بينما ترى صاحب العلم والفهم حاذقاً فطناً يفتح الله عليه من أبواب
العلوم ما يجعله قادراً على رؤية أبعاد واسعة لا يراها من هو دونه.
٢- تنوع ثقافاته، وتعدد قراءاته في مختلف أنواع المعرفة العلمية؛
فالمتخصص في الدراسات الشرعية - مثلاً -، لا ينحصر في هذا التخصص؛ بل
تمتد عنايته واطلاعه إلى الدراسات الأدبية والفكرية والإنسانية الأخرى؛ فهو يتنقل
في حقول العلم والفكر، ويمتص رحيق الأزهار بألوانها وأشكالها المتنوعة، وهكذا
بقية المتخصصين في فروع أخرى من العلم.
٣- كثرة محاورته ومجالسته لأهل العلم والرأي؛ فبالحوار العلمي الجاد تتسع
مدارك الإنسان، ويقف على أشياء قد لا تخطر بباله على الإطلاق. وقديماً قال
عمر بن عبد العزيز ﵀: (إني وجدتُ لقاء الرجال تلقيحاً لألبابهم) [١] . وقال الزهري: (العلم خزائن ومفاتيحها السؤال) [٢] . وقال أيوب السختياني:
(إنّك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره) [٣] .
ولهذا كان السلف يحثّون طالب العلم على الرحلة والسفر لملاقاة العلماء
واكتساب مختلف أنواع العلوم والمعارف، وفي هذا يقول ابن خلدون: (على كثرة
الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها) [٤] .
٤- حرصه على التأمل والنظر والتفكر، وشحذ الذهن وتنشيطه في دراسة
المباحث والمسائل. والفكر الحي المعطاء هو الفكر المتقد الذي ينبض بحيوية
ونشاط، فلا يكسل ولا يعجز ولا تصيبه السآمة والملل. وكثرة التفكر تنمي المَلَكة، ف (كثرة المزاولات تعطي الملكات، فتبقى للنفس هيئة راسخة وملكة ثابتة) [٥] . كما أنّ الفكر المنظم المدروس هو الذي يبني العقل ويجعله يستقيم على الطريق،
وأما العشوائية والارتجالية في التفكير فإنها تشتت الذهن وتفرّق الهم.
أما الإنسان الذي لا يفكر، أو يفكر بطريقة رتيبة أو عشوائية، فإنه
بالضرورة إنسان عاجز لا يقوى على إعطاء التصور الصحيح للمسائل، بل قد
يقوده تفكيره أحياناً إلى التخبط والاضطراب.
٥- اطلاعه على التجارب والخبرات البشرية في القديم والحديث محاولاً قدر
الطاقة اختزانها في عقله لكي يستطيع توظيفها التوظيف الأمثل إذا دعت الحاجة إلى
ذلك. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
٦- تحرره من التقليد الأعمى بكل صوره وأشكاله؛ فهو يستفيد من أشياخه
وأصحابه وغيرهم، ثم ينطلق بفكره الحرّ، يتلمّس مختلف السبل بعقلية ناضجة
مستقلة؛ وليس كل الناس يقوى على ذلك؛ فأصحاب الفكر هم المعادن الكريمة
النادرة، وهم القادرون على ريادة الأمة، وأما عامة الناس فهم همج رعاع أتباع كل
ناعق، وبين هؤلاء وأولئك فئام من الناس أخذوا من كل فريق بطرف.
стр. 3129
نص شعري
الذبيح ! !
محمد عبد الرحمن المقرن
في ظل الأحداث الدامية في كوسوفا تتوالى القصص والحكايات. وهذا مسلم
حُكِمَ عليه بالقتل ظلماً.. وقبل القتل بلحظات صرخ في وجهِ أعدائه بهذه الكلمات
لترسمَ لنا صورة العِزّ والإباء ... ولنسمعها أنشودة تنبض بالشموخ والكبرياء:
اذبحوني.. لعلني أستريحُ ... لا أرى في البقاء شيئاً يُريحُ
اذبحوني فمُنْيَتي الموتُ في دا ... رٍ بها جحفلُ البُغَاةِ يسيحُ
ليس من مات في علاه ذبيحاً ... إنّ من عاشَ بالهوان الذبيحُ! !
يشتكي في الجِرَاب سيفي ويبكي: ... ما ليمناك لم تعدْ بي تلوحُ؟ !
قلت: يا سيف ما ملكتُ يميني ... لا ولا مرجلاً بقلبي يفوحُ
ليس يثني عزيمتي وأنا حرٌ ... جيوشٌ وسط اللهيب تصيحُ
لم أُدِرْ للوراء رأساً وما بُح ... تُ لغير الإله فيما أبوحُ
ساقني الغدر.. لا.. بل استقت نفسي ... كبريائي يقودني والطموحُ
ما شجاني إلا دموعُ صغيري: ... يا أبي! إن رحلتَ أين تروحُ؟
وملاكُ الفؤاد أمّي إذا ما ... أثقلتها من الفراق الجروحُ
ودّعَتْني يوم الرحيل وقالت ... وهي من لفحة العذاب تنوحُ:
من سيرعى بُنيّ زهرَ الأماني ... في فؤادٍ توسّدَتْه القروحُ
آه يا أمّ! ذاك شوقي وهذا ... خافقي من أسى الفراق جريحُ
أُبصر الليل مثقلاً بهمومي ... وأرى الذكريات حولي تلوحُ
أنا لله أستقلّ الأماني ... عيبُ قصدي خلوصه والوضوحُ
يشتكي الدهرُ لثغة القوم ذلاً ... وإبائي ثغر الزمان الفصيحُ
ما طموحُ الفتى بمُجدٍ إذا لم ... يك فوقَ السماء ذاك الطّموحُ
اذبحوني لعلّ قومي يفيقو ... ن على صيحتى، فيصحو الصحيحُ
إن يكُ البعد جمرةً فحياةٌ ... في زمان الهوان نارٌ تفوحُ
قد قضى الله أمره فإذا عش ... تُ فأسرٌ وإن أَمُتْ فضريحُ
وسيبقى بعد الممات إبائي ... مثلما كان في الحياة يلوحُ
стр. 3130
نص شعري
بكت الجزيرة
عبد الله بن محمد العسكر
من أين أبتدئُ القصيدَ وأنظمُ؟ ... وسلام ربي يا فقيدُ عليكمُ
وبأيّ قافية أُنَهْنهُ عبرتي ... ومشاعر الحزن العميق تَضرّمُ
قالوا: (ابن باز قد توفي) ! ويحهم ... والحزن في قلبي يزيد ويعظمُ
قد ودّع الدنيا وحطّ رحالَهُ ... يا هول ما قالوا وما نطق الفمُ!
قد هالني ما قد سمعت وراعني ... في حضرة الرحمن حيث المنعمُ
لما رأيتُ النعش فوق أكفّهم ... أهي الحقيقة أم أنا متوهّمُ؟
وأجلتُ طرفي في الوجوه فلم أجدْ ... أحسستُ أن مذاق ريقي علقمُ
فعلمتُ أن الشيخ لهفي قد مضى ... إلا حزيناً باكياً يترحّمُ
ومضى ابن باز والعيون مليئةٌ ... فاسودّت الدنيا وقام الماًتَمُ
حُملَتْ جنازتُهُ بجمعٍ حاشدٍ ... بالدمع دفّاقاً فليس يُكتّمُ
إيهٍ أبي ودّعتنا وتركتنا ... يقفُ الزمانُ يُجلّهُ ويُعظّمُ
وحملتَ أمتعة الفراق مسافراً ... فالصبحُ بعدك كالحٌ مُتجهّمُ
ورحلتَ تبكيك الملايينُ التي ... ومضيت؛ فالدنيا ظلامٌ أدهمُ
هذي هي الدنيا وهذا دربُنا ... قد طالما أنِستْ بقربك منهمُ
يا ويحنا نلهو بدار زخارفٍ ... وقضاءُ ذي الملكوت حتمٌ مُلزِمُ
والموت يختطفُ العبادَ جميعَهم ... والموعدُ القبر البهيمُ المظلمُ
كم من عُتاةٍ قد بغوا وتجبّروا ... ذو المالِ يمضي للرّدى والمُعْدِمُ
وبنوا؛ وما علموا بأنّ بناءهم ... ملأوا الفسيحةَ بالفسادِ وأجرموا
(مات ابن بازٍ) إنها لعبارةٌ ... يفنى، ويبقى ذو الجلالِ الأعظمُ
لطفاً بنا اللهمّ إن مصابنا ... تفري كبود المؤمنين وتَحطِمُ
مات الذي للدينِ حصنٌ مانعٌ ... بالشيخِ جرحٌ في الحشايا مؤلمُ
الحلمُ شيمتهُ ولكن حينما ... فتياهُ في حلك البلاءِ البلسمُ
سمحٌ عطوفٌ ذو وقارٍ مؤمنٌ ... يُعصىَ الإلهُ فإنما هو ضيغمُ
بكت الجزيرةُ بعد فقدك يا أبي ... عَفّ تقيّ زاهد وغَطمْطَمُ
ورَثتك حلْقات المساجد حسرةً ... بطحاؤها ووهادها والأنجمُ
ونعاك أهل العلم؛ أنت إمامهم ... أنّتْ وأضحتْ بالنشيج تُغمغِمُ
وأرى الفقير ينوح حين تركتَه ... أنت الفقيهُ وفي الحديث مقدّمُ
والأرض كل الأرض قد فُجعتْ بمن ... وكذا الثكالى قد بكت واليُتّمُ
إن غاب صوتك في الحياة فإنما ... هو للهدى والمكرمات المَعْلَمُ
стр. 3131
المسلمون والعالم
كوسوفا الوجه الأخر
د. سامي محمد صالح الدلال
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على إمام المرسلين محمد
قائد المجاهدين وسيد العابدين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
قالوا: إن المسلمين في كوسوفا قد وقع عليهم ظلم شديد واضطهاد عظيم من
قِبَلِ الصرب النصارى بقيادة (سلوبودان ميلوسوفيتش) ، فأعمل فيهم القتل الرهيب
رجالاً ونساء وأطفالاً، ولم يستثن العُجّز والمسنين، وحفر القبور الجماعية، وشرد
الأهالي من بيوتهم ثم أحرقها أو أحرقها وهم فيها، وعاث في الأرض فساداً؛ وما
تفرق من عجائب الإجرام عبر القرون قد تجمع فيه وفي أتباعه وأشياعه من
الصرب العتاة المجرمين محترفي القتل وسفاكي الدماء؛ وذلك لتحقيق حلمه بإقامة
امبراطورية صربيا الكبرى.
قلنا: ما ذكرتموه كله صحيح، وأكثر منه قد حصل.
قالوا: إن النصارى في أنحاء أوروبا وأمريكا قد هالهم ما حدث، وأغاظهم ما
فعله الصرب في سكان كوسوفا المسلمين المسالمين، فتحركت في نفوسهم دوافع
الإنسانية واضطربت في قلوبهم كوامن الحقوق البشرية، فأعلنوا الحرب الصراح
على الصرب اليوغسلاف لإحقاق الحق وإزهاق الباطل.
قلنا: ههنا محطتنا لمناقشة هذا الادعاء كي نميط اللثام عن الحقائق ونكشف
الغطاء عما يضطرم تحت هذا الكلام من الحرائق ولعلنا نجلو بعض ما قد غمض
ضمن ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
١ - إن أي قضية تحدث يكون طرفاها المسلمين من جهة، والنصارى
واليهود؛ أحدهما أو كلاهما، من جهة ثانية؛ هذه القضية وأمثالها ينبغي أن يُنظر
إليها، في إطار قوله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] ، فالمسلمون لهم وجهة، وأهل الكتاب لهم وجهة،
والوجهتان مختلفتان غير متحدتين، قال - تعالى -: [وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا]
[البقرة: ١٤٨] ، وليس أحدهما على استعداد لاتباع قبلة الآخر، قال - تعالى -:
[وَلَئِنْ أََتَيْتَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أََنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ]
[البقرة: ١٤٥] ، وإنهم ليودون أن ينخلع المسلمون عن دينهم فيعودوا كفاراً، قال
- تعالى -: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ
عِندِ أَنفُسِهِم] [البقرة: ١٠٩] . ليس هذا فحسب؛ بل إن اليهود والنصارى هم
أيضاً في مفترق طرق، لا يثق أحدهما بالآخر ولا يحبه ولا يريد له الخير، فهما
على شتات من الأمر، قال - تعالى -: [وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى
شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيءٍ] [البقرة: ١١٣] ، وفي هذه الآية
بيان من الله - تعالى - لتناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم كما ذكر ذلك ابن
كثير في تفسيره ١/١٥٥؛ ولهذا السبب فإنهم تنافروا القبلة، كما قال تعالى: [وَمَا
بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ] [البقرة: ١٤٥] ، إلا أنهم إزاء المسلمين يقفون صفاً
واحداً وجبهة متراصة، قال - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي
القَوْمَ الظَّالِمِينَ] [المائدة: ٥١] ، وقد بيّن الله - تعالى - أن اليهود لا يأمنون إلا
بحبل من الله وحبل من الناس. والناس اليوم هم النصارى الذين يقفون معهم
ويمدونهم بالمال والسلاح، قال - تعالى -: [ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلاَّ
بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ]
[آل عمران: ١١٢] ، وهم لا يبرحون الادعاء أمام المسلمين أن الجنة إنما هي لهم
وحدهم لا يشركهم المسلمون فيها أبداً.
قال - تعالى -: [وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ
أَمَانِيُّهُمْ] [البقرة: ١١١] ، بل الأكثر من ذلك أن اليهود احتجزوا الجنة لأنفسهم
فقط دون غيرهم من كل الملل، قال - تعالى -: [قُلْ إن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ
عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ] [البقرة: ٩٤] .
٢ - فإذا أخذنا كل ما ذكرناه بعين الاعتبار، وانطلقنا في فهم واقعنا من
المنظار القرآني والبيان الرباني وعقدنا العزم على أن نسير في تحليلاتنا كلها وفق
ما أعلمنا الله إياه من السنن الإلهية الثابتة والراسخة كما قال - تعالى -: [
اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ
سُنَّتََ الأَوَّلِينَ فَلَن تََجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً] [فاطر: ٤٣] .
فإننا ومن خلال ذلك كله يتوضح لنا ما يلي:
- أن لليهود في الوقت الراهن مركز الثقل في القرارات السياسية الدولية
وخاصة أوروبا وأمريكا، وروسيا كذلك.
- أن مجلس الأمن القومي الأمريكي هو خليط من اليهود والنصارى، لكن
بأكثرية يهودية.
وهذا يعني أن الموقف الدولي المعلن بشأن مسلمي كوسوفا يقرره اليهود ثم
النصارى، ولكل منهما مصلحة في ذلك.
- فأما مصلحة اليهود فتكمن في إذكاء روح العداء والتباغض والتدابر بين
النصارى أنفسهم؛ حيث إن الصرب أرثوذوكس والآخرين بروتستانت وكاثوليك؛
فإيقاع الحرب بينهم يفرح اليهود؛ لأن في ذلك تشتيتاً لقوة النصارى وبعثرة
لاجتماعهم على يد واحدة.
- وأما النصارى فربما لم يفطنوا بعدُ إلى هذه الحقيقة، فاجتمعت مصلحتهم
ومصلحة اليهود على أهمية تصفية الكيانات الإسلامية في أوروبا، أو - على الأقل- احتوائها.
٣ - ومن هذا المنطلق فإننا نرى أن الحرب الحالية في البلقان تهدف إلى ما
يلي:
- بعد أن تم تحجيم المسلمين واحتواؤهم في البوسنة والهرسك من خلال اتفاقية
دايتون بشقيها السياسي والعسكري؛ فقد جاء دور المسلمين في كوسوفا لإدخالهم في
النفق نفسه الذي أدخل فيه مسلمو البوسنة والهرسك.
- وتأتي هذه الأحداث في السياق العام الذي تتحرك من خلاله أوروبا الموحدة
وأمريكا في إيجاد أوروبا (نقية) من المسلمين ومن الجيوب التي لا تنضوي تحت
مظلة الحلف الأطلسي (الناتو) ولعل ما يحدث الآن هو مرحلة من مراحل الوصول
إلى (النقاء) المزعوم.
- وبناء على ذلك فإن قوات الناتو ستقوم باحتلال إقليم كوسوفا بالقوة المسلحة، سواء كان ذلك من خلال الحرب البرية أو من خلال خضوع ميلوسوفيتش
للشروط الأطلسية تحت وطأة القصف الجوي المستمر الذي يحدث الآن؛ علماً أن
هذا القصف لا يقصد به تدمير القوات اليوغسلافية تدميراً شمولياً؛ بل إضعاف تلك
القوة مع إبقاء نواتها الحربية على قدرٍ مّا من الفاعلية؛ لأن ذلك سيعطي القوات
الأطلسية المسوّغ اللازم للبقاء طويلاً جداً في كوسوفا بحجة حمايتها من التهديد
اليوغسلافي، فلهذا لا بد من إبقاء يوغسلافيا على شيءٍ مّا من القوة الحربية لتحقيق
هذه الغاية، لكنها - أي يوغسلافيا - ستكون مُحتواة تماماً من خلال ما سيُفرض
عليها من شروط لإيقاف القصف الجوي الأطلسي، وستتضمن تلك الشروط:
(الانسحاب اليوغسلافي تماماً من إقليم كوسوفا، أو من بعضه في حال الاتفاق على
تقسيمه، وعودة ما تبقى من اللاجئين من ألبان كوسوفا أو بعض منهم إلى ديارهم،
وإحلال قوات دولية تحت مظلة الأمم المتحدة في إقليم كوسوفا، وإبقاء كوسوفا في
إطار الحكم الذاتي وعدم فصلها نهائياً عن يوغسلافيا) سيبقى هذا البند من الاتفاقات
القادمة محل نظر؛ لأن احتمال فصل كوسوفا عن يوغسلافيا هو احتمال وارد
ضمن شروط دولية معينة من أهمها أن لا تنشأ دولة إسلامية في كوسوفا؛ بل دولة
ذات دينين وعرقين، نصارى ومسلمين، وصرب وألبان (على غرار البوسنة
والهرسك) ؛ إذ إن ذلك يضمن بقاء القوات الدولية في ذلك الإقليم إلى زمن غير
مسمى بحجة تفادي وقوع حرب أهلية في الإقليم بين المسلمين والنصارى) .
- إن حلف الأطلسي في إطار مخططه يرمي إلى إطالة زمن الحرب إلى
أطول وقت ممكن وذلك بهدف إمكانية تطويرها لتشمل كافة دول البلقان؛ بل
وبعض دول حلف وارسو سابقاً، وذلك ليحقق عدة أهداف منها:
- فيما يخص ألبانيا؛ فإن دخولها في الحرب - وقد دخلت الآن - معناه
الاستعانة الدائمة بقوات حلف شمال الأطلسي، ليس في وقت الحرب فقط بل
مستقبلاً كذلك، أي بعد أن تضع الحرب أوزارها؛ حيث إنها ستبقى أبداً مهددة من
قِبَلِ يوغسلافيا التي ستحتفظ بشيءٍ مّا من القوة الحربية. وعلى هذا الأساس فإن
ألبانيا التي يشكل المسلمون فيها أكثر من ٩٠% ستبقى حبيسة الوجود العسكري
الأطلسي فيها مما سيفقدها حرية القرار السياسي، إضافة إلى أن المسلمين الألبان
سيشعرون باستمرار بحاجتهم لتلك الحماية مما يعني إزالة الحواجز النفسية
الإسلامية إزاء النصارى مما سيساعد على إتمام الذوبان الإسلامي في المحيط
الأوروبي النصراني. إضافة إلى ذلك فإن بقاء القوات الأطلسية في ألبانيا لحمايتها
من يوغسلافيا يجعل هذا البلد رهينة في يد الحلف الأطلسي للمساومة عليه في إطار
أية مواجهة إسلامية نصرانية كبرى تحدث في المستقبل إذا ما امتدت على مساحة
عالمية.
ب - لقد طلب حلف الأطلسي تسهيلات لمرور قواته وطائراته من بعض دول
حلف وارسو السابق كرومانيا وبلغاريا وهنغاريا وبولندا، وقد حصل الحلف على
موافقة هذه الدول مما يمهد لها الانضمام لهذا الحلف لاحقاً، (ولقد انضم بعضها
بالفعل مثل هنغاريا وبولندا والتشيك) والذي بدوره سيساعد على لف الحزام
الأطلسي حول روسيا من جهة الغرب؛ وبذلك يتم عزل روسيا نسبياً من الناحية
اللوجستية عسكرياً.
إن يوغسلافيا الحالية تعتبر آخر المعاقل المناصرة لروسيا في أوروبا، ولذلك
فإن تقليم أظافرها عسكرياً وإضعافها سياسياً يوجه ضربة في مقتل إلى هذا الحصن
الروسي الأخير في أوروبا، ويدق آخر مسمار في نعشه. إن يوغسلافيا ليست دولة
ضعيفة، وإن تحقيق إضعافها ليس أمراً هيناً؛ ولذلك فإن إطالة زمن الحرب يحقق
التوصل إلى الغاية المرجوة التي ذكرناها، إضافة إلى أنه يُحدث أثراً بالغاً في
الشعب اليوغسلافي يشعره دوماً بالهزيمة النفسية ويعيّشه ذلها؛ إذ كلما طال أمد
الحرب تعمق تحقيق هذا الهدف أكثر فأكثر، كما أن إطالة زمن الحرب يحقق
شروطاً تفاوضية أقوى بالنسبة لحلف الأطلسي التي قد تتضمن فرض حظر جوي
ضمن خطوط عرض معينة على غرار ما فعل بالعراق، إضافة إلى قيود اقتصادية
وعسكرية وربما سياسية كذلك.
٤ - لا يخفى أن الحروب الكبيرة لا تقتصر أسباب اندلاعها على مجرد
حصول أمور صغيرة، بل هي تهدف عادة إلى الانتقال من تلك الأمور الضئيلة إلى
مسرح المكاسب الكبيرة؛ وفي هذا الإطار فإن انتصار حلف الأطلسي في هذه
الحرب سيعني نقلة جديدة في مفهوم النظام العالمي الجديد. إن مفاد هذه النقلة هو
إرسال رسالة شمولية إلى جميع دول العالم بما فيها الصين وروسيا وكوريا الشمالية
وإيران بأن حلف الأطلسي سيفرض الهيمنة الغربية على العالم بالقوة، وأنه مستعد
لأجل ذلك للدخول في حروب ومعارك، وأن على الجميع أن يعي هذه الحقيقة،
وإلا فإن مصيره المحاصرة والإضعاف أو شن حرب عليه ليتعلم الدرس جيداً،
خاصة أن جميع العالم قد لاحظ أن النظام العالمي الجديد قد مر بحربين: الأولى:
الخليج، والثانية: كوسوفا الحالية؛ وليس ذلك فحسب، بل إن الرسالة التي يريد
حلف الأطلسي إفهامها لكل دول العالم هي أن عليها جميعاً أن لا تتخذ أي قرار مهما
كان نوعه لا يأخذ مصلحة الغرب بالحسبان. إنه يريد أن يجعل العالم جميعاً يعيش
تحت هاجس الخوف والرهبة.
الوجه الثاني:
يحسب كثير من الناس أن حرب كوسوفا الحالية قد تولدت مصادفة وأنها
ليست وليدة إعداد مسبق؛ حيث إن مسار الأحداث قد ساق إليها، والأمر لا يعدو
أكثر من ذلك. هذا بحسب رأيهم أو ظنهم، إلا أن الواقع خلاف ذلك؛ حيث إن هذا
النوع من الأحداث الكبرى غالباً ما يكون مندرجاً في مضامين المخططين
الاستراتيجيين؛ حيث إنهم يرسمون على الورق مخططاتهم المستقبلية ثم يخضعونها
للمناقشات المستفيضة، ويضعون لها الاحتمالات العديدة، ويتخيلون لها
السيناريوهات المختلفة، كي لا يؤخذوا على حين غرة أو يؤتوا من حيث لا
يحتسبون، ثم إنهم بعد ذلك كله يقومون بإجراء التدريبات اللازمة ليتأكدوا من
سلامة الخطط الموضوعة والإمكانيات الفعلية المتوفرة لتنفيذها، ولمعرفة مواقع
الثغرات فيها لتلافيها، أو لوضع الخطط البديلة، وكذلك يدرسون مختلف ردود
الفعل المحلية والإقليمية والدولية على كافة المستويات السياسية والعسكرية إضافة
إلى التأثيرات الاجتماعية والبيئية المحتملة.
وإذا كان مهندسو مشروع إقامة مجمع سكني يأخذون بعين الاعتبار كل
العوامل المؤثرة على مشروعهم، فمن باب أوْلى بطبيعة الحال أن يأخذ مهندسو
الحرب والقتل والموت والدمار كل ما ذكرته بعين الاعتبار، وهذه تعتبر من أبسط
الحقائق التي تستنتج منها الحقيقة الواضحة كالشمس في رابعة النهار أن حرب
كوسوفا هي حرب قد أُعد لها جيداً وخُطط لها بإحكام، ومما يؤكد هذه الحقيقة
الساطعة ما أعلن عنه بعض رجال الاستخبارات الروسية من أن حلف الأطلسي قد
أعد منذ سنوات خطة لغزو البلقان وأن موسكو كانت على علم بتفاصيلها، وأن
قوات الناتو قد أجرت مناورات في جنوب أوروبا عام ١٩٩٠م تحت رمز
Display determination ديسبلاي ديتيرمينيشن، هدفها التدريب على خطة
الغزو انطلاقاً من إيطاليا (لكنها عُدّلتْ قليلاً في ضوء الأحداث الحالية) ، واعتمدت
المناورات على افتراض حدوث (كارثة إنسانية) يتعين بموجبها تقديم المساعدة إلى
ضحاياها (وقد حصلت هذه الكارثة بالفعل في إقليم كوسوفا المسلم) ، وعلى هذا
الأساس فإن رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية في يوغسلافيا بين عامي ١٩٩٣
م، ١٩٩٧م فلاديمير زايتسيف قد أكد أن حلف الأطلسي يستعد لعملية برية واسعة
النطاق. ويشير زايتسيف إلى أن الاستخبارات الروسية قد حصلت في يناير عام
١٩٩٤م على وثيقة تميط اللثام عن خطط الناتو في يوغسلافيا ويقول: (وضعت
الولايات المتحدة سيناريو لاستغلال الصراع العرقي داخل يوغسلافيا، وهيأت
الظروف لنقل القوات الأمريكية من ألمانيا إلى البلقان) ، ويقول: (إن أحداث
كرواتيا والبوسنة جاءت متطابقة مع هذا السيناريو؛ إذ دخلت فرقة مدرعة أمريكية
البوسنة وفق اتفاقية دايتون لستة أشهر فقط، لكن مرت ثلاث سنوات من دون أن
تغادر القوات الأمريكية تلك المنطقة، بل أنشئت قاعدة جوية في توزلا ووقعت
اتفاقية مع سراييفو تنص على مرابطة القوات الأمريكية لمدة ٢٥ عاماً) .
وحسب ما ذكره زايتسيف فإن كوسوفا موقع مثالي لإقامة القواعد العسكرية من
الناحية الطبيعية؛ لأن الإقليم عبارة عن سهل، وسينتج من ذلك أن الولايات
المتحدة لا تريد كثافة سكانية في هذا الإقليم، وأن من مصلحة واشنطن ترحيل
الألبان من كوسوفا على أيدي الصرب؛ لأن قوات ميلوسوفيتش والسكان الصرب
سيتركون كوسوفا عاجلاً أم آجلاً فيصبح الإقليم بأسره قاعدة عسكرية. وبنجاح
المخطط فإن القوات الأمريكية المرابطة في البلقان ستتمكن من إخضاع خط
الإمدادات في البحر الأسود ومنطقة بحر قزوين الغنية بالنفط وفي آسيا الوسطى
لرقابتها. ثم يرسم زايتسيف خريطة للوضع في المنطقة بعد انتهاء عمليات الناتو
فيشير إلى أن الصرب سيتركون كوسوفا، وستعمل واشنطن على إسقاط نظام
ميلوسوفيتش توطئة لتنصيب نظام موال للغرب، ثم يعقب ذلك سيطرة الناتو الكاملة
على جنوب شرقي أوروبا وتجريد روسيا من مواقعها التاريخية في يوغسلافيا
والبلدان المجاورة، ويتوقع زايتسيف أن يؤدي نجاح عمليات الناتو في البلقان إلى
تسريع عجلة تفكيك معاهدة الأمن الجماعي بين روسيا ودول الاتحاد السوفييتي
السابق، فهذه الدول ستعجب بدور الأطلسي الفعال، وستطالب بإزاحة القوات
الروسية من أراضيها لتحل محلها قوات الناتو، ولذلك فإنه من تداعيات حرب
البلقان اندلاع الحركات الانفصالية في روسيا، خصوصاً في شمال القوقاز وحوض
الفولغا والمناطق الشمالية والشرق الأقصى (انظر صحيفة الرأي العام، عدد
١١٦٢١ بتاريخ ١٦/٤/١٩٩٩م) .
ومن هذا يتبين لنا أن موضوع كوسوفا كان مدبّراً مسبقاً، ومما يدل على ذلك
أن ميلوسوفيتش كان قد هدد قبل بدء حرب كوسوفا بأنه سيقوم بتهجير سكان
كوسوفا بمجرد أن يبدأ الناتو حربه ضد يوغسلافيا، وكان الغرب يعلم أن ذلك
سيحدث فعلاً، ولو كان سكان كوسوفا نصارى لكان هناك كلام آخر؛ وهذا معلوم
لكل ذي لب. وفي ظل تلك المخططات دخل ألبان كوسوفا في نفق التهجير والقتل
والتصفية، وبعد أن وقعت الكارثة الإنسانية المروعة خرج علينا وزير خارجية
ألمانيا ليقول: كيف سنسمح باحتفالات عيد الفصح والمسلمون يقتلون في كوسوفا؟ ! وهكذا انطبق على ما يجري قول من قال: يقتل القتيل ثم يمشي في جنازته! !
الوجه الثالث:
إن روسيا قد وقعت في موقف حرج للغاية إزاء تسلط حلف الأطلسي على
حليفتها يوغسلافيا، وأصبح موقفها متأرجحاً بطريقة لا تحسد عليها؛ فهي تريد أن
تقف عسكرياً مع يوغسلافيا إلا أن تداعي اقتصادها يحول بينها وبين ذلك؛ إذ إنها
لا تملك أن تدفع رواتب جيشها منذ شهور عدة، وإن الروح المعنوية لقواتها
المسلحة في الحضيض، غير أن الشيوعيين في مجلس الدوما الذي يسيطرون عليه
يضغطون بشدة على القيادة السياسية لتتخذ موقفاً أكثر تصلباً من الهجوم الأطلسي
على يوغسلافيا، إلا أن القيادة السياسية لا تملك أية أوراق ضغط يمكن أن تضعها
على الطاولة، ولذلك فإنها أسيرة هذا الضعف الشديد، بل حتى لو أرادت أن
تستعمل حق الفيتو في مجلس الأمن في أية قضية تخص كوسوفا فإن الغرب يملك
أدوات الضغط الاقتصادية وخاصة عن طريق البنك الدولي ليعرقل هذا الاستخدام
للفيتو. ولكن إلى متى تستطيع القيادة الروسية السياسية الصمود إزاء الضغط
الشيوعي في الدوما؟ هذا السؤال يحاول يلتسين أن يجيب عنه من طريقين:
الأول: اتخاذ مواقف متصلبة ضد الغرب ثم التراجع عنها، فيرضي الطرفين، حيناً هذا وحيناً ذاك.
الثاني: قد يسمح الغرب ليلتسين باستعمال الفيتو ليدعم موقفه في الدوما،
وذلك مقابل مقايضات سرية يدفع ثمنها الكرملين حالياً أو مستقبلاً.
إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل من الممكن أن تنقلب المعادلة التي
يحاول الكرملين إبقاء توازنها؟
الجواب: نعم، وذلك إذا قام الجيش بانقلاب عسكري، وفي هذه الحالة فإن
بوابة الاحتمالات ستنفتح على مصراعيها، وسيزداد الوضع الاقتصادي سوءاً ما لم
يدعمه الغرب، لكن المصيبة الكبرى تحدث حين يقرر الجيش الدخول في المغامرة
الخطيرة إلى نهايتها ويقلب الطاولة رأساً على عقب ويقرر مساندة يوغسلافيا
عسكرياً.
وبما أن ذلك لن يكون له أي تأثير إلا إذا قامر بالتلويح بالأسلحة النووية، فإن
هذا التوجه سيحدو بالغرب إلى أن يقابل الحديد بالحديد، أي هو أيضاً سيلوّح
بالأسلحة النووية، فعندها سيكون العالم على حافة كارثة مدمرة. ولا شك أن
العقلاء من كافة الأطراف سيصارعون جماح هذا التوجه بكل وسيلة متاحة، ولكن
يهودياً مجنوناً واحداً يعتلي كرسي الكرملين، قد يُدخل العالم في الأتون النووي،
وما يدرينا: هل سيكون الحصار البترولي على يوغسلافيا هو بوابة الصدام
الروسي الأطلسي المدمر؟
نسأل الله - تعالى - أن يجنب العالم هذه المحن، وينصر الإسلام والمسلمين
في كل مكان.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3132
أحداث كشمير
مناوشات أم تقرير مصير ؟
كمال حبيب
بينما كانت الجهود العالمية بقيادة حلف الأطلسي تسعى لإغلاق ملف الحرب
الدائرة في البلقان منذ شهرين بسبب أزمة كوسوفا المسلمة إذا بالعالم يستيقظ على
أحداث مواجهة عسكرية أقرب إلى الحرب في آسيا تتعلق بمشكلة (كشمير) . وفي
حين كانت مواجهة البلقان بسبب الإجرام الصربي ضد المسلمين في كوسوفا، وعدم
منحهم حقهم في الاستقلال أو الحكم الذاتي الموسع كوحدة فيدرالية كاملة ضمن
الاتحاد اليوغسلافي، فإن المواجهة في كشمير المسلمة هي بسبب إصرار الهند على
استمرار احتلالها للجزء الجنوبي من كشمير منذ أكثر من خمسين عاماً غداة أحداث
التقسيم المرعبة في شبه القارة الهندية عام ١٩٤٧م؛ إذ أعلنت باكستان استقلالها في
١٤/٨/١٩٤٧ لتكون دولة إسلامية توفر وعاءً سيادياً للمسلمين يحميهم من أن
يكونوا أقلية ضمن المحيط الهندوسي الإجرامي الذي سيفرض عليهم الموت والتدمير. لكن كشمير المحتلة ظلت شاهداً على صحة توقعات المسلمين عند إقامة دولتهم
المستقلة في الباكستان، فلا يزال مسلمو كشمير يواجهون حملة عنيفة لتدمير حقوقهم
الإنسانية؛ فالتقديرات تشير إلى أن ضحايا المسلمين في كشمير المحتلة يزيدون
على السبعين ألفا من القتلى ومثلهم أو يزيدون من الجرحى؛ فكشمير هو (كوسوفا)
آسيا وهي (فلسطين) القارة الهندية؛ إنها قصة المحتل الغاشم المجرم نفسها،
ومطالب الشعب وتضحياته ذاتها من أجل الحرية والاستقلال. ومن المثير للدهشة
أن تكون مناطق الصراع الأساسية للشعوب بحثاً عن حريتها من المحتلين هي حيث
يوجد المسلمون!
إننا بإزاء تطبيق عملي لما أطلق عليه (هنتنجتون) صدام الحضارات، وفي
صدام الحضارات حيث تتواجه شعوب تحمل عقائد وثقافات وأعراق مختلفة فإن
الصدام يكون كما يطلق عليه علماء العلاقات الدولية (صداماً صفرياً) أي أن نجاح
أي طرف يكون خسارة للطرف الآخر، ولذا فإن هذا الصدام يطلق عليه أيضاً
(الصراع الاجتماعي الممتد) حيث لا يكون هناك حلول وسط في إنهاء الصراع،
ومن ثم فإن المواجهة تأخذ طابع العنف والعسكرة المسلحة، ويبقى الصراع مرشحاً
للاستمرار بين الطرفين حتى يستطيع أحدهما أن ينجز نصراً حاسماً على الطرف
الآخر إما بالقوة أو بتقييد إدراكه ومنظوره لطبيعة الصراع، كما حدث بالنسبة
للصراع في فلسطين بين العرب واليهود.
وتبدو كشمير المحتلة الآن موضعاً للمواجهة بين القوات الهندية وبين
المجاهدين المسلمين في كشمير وهو ما يفرض تدخل باكستان وإحداث تداعيات قد
تفجر جنوب آسيا خاصة وأن طرفي الصراع الأساسيين يمتلكان قدرات نووية،
ومن ثم فإن أي حرب قادمة بينهما ستؤدي إلى تفجير الوضع في آسيا، ومن ثم فإن
قضية كشمير التي تعد أقدم قضايا الصراع على أجندة الأمم المتحدة بحاجة إلى
الالتفات العالمي إليها، وتطبيق القرارات الدولية للأمم المتحدة التي صدرت في ١٣
/٨/١٩٤٨م و ١٥/١/١٩٤٩م وتنص على إعطاء الشعب الكشميري الحق في تقرير
مصيره عن طريق استفتاء عام حر ونزيه يتم إجراؤه تحت إشراف الأمم المتحدة؛
وهو ما لم يحدث حتى الآن بسبب تغيير الهند لتعهداتها بشأن كشمير واعتبارها
جزءاً لا يتجزأ من الهند، وسعيها بالقوة لفرض الاحتلال على الشعب الكشميري
الذي يرفض الوجود الهندي ويسعى بكل قوة لكي يقرر مصيره؛ بحيث يحصل
على الاستقلال عن الهند وباكستان أو ينضم إلى باكستان.
وتأتي المواجهة الأخيرة التي قادها المجاهدون المسلمون في كشمير باختراق
خط الهدنة بين (كشمير الحرة) و (كشمير المحتلة) وتثبيت قواعد جهادية تعمل داخل
كشمير المحتلة ثم الصمود لأكثر من شهر في مواجهة القوات الهندية لتؤكد الإرادة
الجهادية بقاء قضية كشمير حية، وإن الطريق إلى حلها سيكون بالجهاد والقتال.
وبدأ المجاهدون اختراق أراضي كشمير المحتلة منذ ٢٣/١/١٤٢٠هـ - ٩ /٥/
١٩٩٩م، ولا يزالون يقاومون رغم عرض الهند عليهم أن توفر لهم ممراً آمناً
للعودة إلى كشمير الحرة بسلام. لكن (فضل الرحمن خليل) زعيم حركة المجاهدين
الإسلامية رفض العرض الذي قدمه رئيس الوزراء الهندي (أتال بيهاري باجباي)
وقال: (نحن الذين سنمنحهم خروجاً آمناً ... أعد بعدم مهاجمتهم إذا اختاروا
الانسحاب) وتساءل: كيف يمكن للهنود أن يتحدثوا عن خروج آمن؟ إنهم قوات
احتلال وكشمير وطننا فمن الذي يجب أن يرحل؟
تفجر الأحداث:
خط الهدنة بين كشمير المحتلة، وكشمير الحرة يبلغ طوله ٧٢٠ كم، وهذا
الخط شهد ثلاثة حروب بين الهند وباكستان اثنتان منهما بسبب كشمير: الأولى في
١٩٤٧/١٩٤٨م، والثانية في عام ١٩٦٥م. ويذكر معهد (كارينجي) للسلام أن
المسوغات لاشتعال حرب ثالثة في المستقبل بين البلدين بسبب كشمير لا تزال قائمة؛ حيث ستكون هذه الحرب بالأسلحة النووية؛ إذ يمتلك البلدان الآن الأسلحة النووية
والصواريخ القادرة على حملها إلى عقر دار أي منهما. ويمكن القول إن خط الهدنة
يشهد مواجهات محدودة توصف عادة بأنها أقل من الحرب وأكبر من المعركة؛
لكنها مواجهات محكومة بحيث لا تتحول إلى حرب شاملة، وبالتأكيد فإن الأحداث
التي بدأت في التاسع من شهر مايو الماضي ولا تزال قائمة حتى كتابة هذه السطور
لن تتطور إلى حرب شاملة ولكنها مختلفة عما سبقها من أحداث في جوانب عدة
نذكر منها:
١- أنها المواجهة الأكبر منذ عام ١٩٧١م - وهي آخر الحروب بين البلدين- وهي مواجهة امتدت لمدة أكثر مما كان يتوقع، وهذا الامتداد يعكس قدرة
المجاهدين الذين أقاموا لأنفسهم قواعد عسكرية محررة في الجانب المحتل من
كشمير، وأن المجاهدين يمكنهم ممارسة حرب عصابات تفرض على الهند فاتورة
اقتصادية عالية لاستمرار بقائها في كشمير. وهنا يأتي استلهام النموذج الأفغاني في
مواجهة الاتحاد السوفييتي سابقاً وهو نموذج إسلامي جهاده في قلب آسيا، ويأتي
أيضاً باعتباره وضعاً مشابهاً للنموذج الفييتنامي ضد أمريكا. ويبدو لي أن المواجهة
الجارية الآن ستكون بداية تحول كيفي في أعمال المجاهدين العسكرية ضد الاحتلال
الهندي في كشمير.
٢- تدخل الهند بقواتها الجوية التي تمثل طائرات الميج عمدتها الرئيسة.
وتشير الأنباء إلى اشتراك طائرات سوخوي ٣٠ وهي الأحدث من هذه الطائرات
الروسية وهو ما يعني عجز القوات الهندية عن زحزحة المجاهدين عن مواقعهم،
وهذه هي المرة الأولى التي تتدخل فيها القوات الجوية الهندية ضد أعمال المجاهدين
في كشمير المحتلة منذ انتفاضة ١٩٩٠م، واستطاع المجاهدون إسقاط طائرة
هليوكوبتر من طراز (مس - ١٧) وإسقاط مقاتلة من طراز (ميراج ٢٠٠٠) كما
استطاعوا أسر ٥٠ جندياً وضابطاً هندياً، وفي إطار توسيع نطاق الحرب أغارت
الطائرات على كشمير الحرة فسقطت طائرتان إحداهما ميج ٢١ والأخرى ميج ٢٩
بالصواريخ (أنزا) وهي صواريخ باكستانية جديدة يصل مداها ٤ كم أكدت قدرتها
على تحقيق حائط دفاعي فعال في مواجهة التفوق العسكري الهندي؛ حيث تبلغ
المقاتلات الهندية ٧٧٢ طائرة بينما تبلغ المقاتلات الباكستانية ٤١٠ طائرة مقاتلة.
٣- عجز سلاح الجو الهندي أن يفرض على المجاهدين الكشميريين التخلي
عن المواقع التي احتلوها مما اضطره إلى أن يخوض حرباً برية محسومة؛ إذ
تشير التقديرات إلى أنه تم استدعاء ٣٠ ألفاً من قوات الجيش الهندي بالإضافة إلى
٦٠٠ ألف موجودين بالفعل في كشمير المحتلة، وهو ما يمثل أعلى نسبة وجود
عسكري في أي منطقة في العالم؛ إذ يبلغ عدد جنود الاحتلال الهندي في كشمير ١: ٧ بالنسبة إلى السكان، وقد استطاعت باكستان أن تصد هجمات برية على طول
خط المواجهة وأن تحدث خسائر كبيرة بالجيش الهندي، كما هوجمت قوات
المجاهدين برياً، لكنها ظلت مسيطرة على قواعدها المحررة في كشمير المحتلة،
وفقد الخط الساخن للاتصال بين القيادات العسكرية على الجانبين رغم أن السياسيين
حاولوا السيطرة على الوضع بإحياء المفاوضات، وذلك بعرض إرسال وزير
خارجية باكستان (سرباج عزيز) إلى الهند لبحث الأزمة، وهو ما يعني أن
المواجهة الحالية مختلفة عما سبقها من مواجهات، وأنها ستكون فاتحة لتحول كيفي
حقيقي في أعمال المجاهدين المسلحة ضد الوجود الهندي في كشمير، وتبدو
الإمكانات الحقيقية للمجاهدين إذا علمنا أن تقديرات الهند لأعدادهم تبلغ حوالي ألف
مجاهد فقط. إن أحد حقائق المواجهة الجارية الآن هي وحدة المجاهدين من ناحية
وسيطرة الحل الإسلامي لتحرير كشمير من ناحية ثانية؛ فلم يعد هناك وجود
لتيارات القومية أو العلمانية التي كانت سبباً في إضعاف حركة المجاهدين في
استقلال باكستان عام ١٩٤٧م.
يشارك في أعمال الجهاد بشكل أساس حركة المجاهدين الإسلامية التي
يتزعمها (فضل الرحمن خليل) في إطار تحالف عسكري يضم تنظيمات إسلامية
أخرى مثل (حزب المجاهدين) و (لشكر طيبة) ، وبحكم الجوار الجغرافي مع
أفغانستان من ناحية، وبحكم وجود تيار إسلامي قوي في باكستان يعمل على دعم
قضية الجهاد في كشمير فإن مجاهدين من حركة (طالبان) ومن (العرب) يشاركون
في القتال الدائر في كشمير وهو ما يعني أنها قضية إسلامية تهم كل المسلمين، كما
يتعاظم احتمال أن تكون بؤرة جهادية جديدة ضد الاحتلال الهندي، وهو ما يثير
الانزعاج لدى الولايات المتحدة الأمريكية التي طالبت باكستان بالتدخل لحمل
المجاهدين الكشميريين والمسلمين على الانسحاب؛ حيث عجزت القوات الهندية
عن ذلك، وأرسل (كلينتون) رسالة إلى (نواز شريف) رئيس الوزراء الباكستاني
يطالب بسحب المجاهدين من منطقة (كارحيل) في كشمير المحتلة.
كشمير تفرض نفسها:
من الثابت أن تاريخ المواجهة بين الهند وباكستان من أجل كشمير يؤكد أن
المفاوضات بين الطرفين لا تؤتي أي ثمار؛ لأن الهند تريد أن تؤجل قضية كشمير
حتى نهاية المطاف في علاقتها بباكستان؛ بينما ترى باكستان (أن كشمير هي
الأولوية الاستراتيجية) في العلاقة مع الهند. وإزاء تغيير موقف الهند من التزاماتها
القاطعة بحق الشعب الكشميري في تقرير مصيره عبر الاستفتاء، واعتبار كشمير
جزءاً من التراب الهندي لا يمكن فصلها أو تجزئتها عن الهند؛ فقد سعت باكستان
إلى تدويل قضية كشمير، وإدخال أطراف أخرى لحل هذه القضية بما يتفق وآمال
الشعب المسلم في كشمير، لكن الهند تصر على أن تكون المحادثات ثنائية وأن لا
تتدخل أي أطراف وسيطة بين الجانبين، وهو ما يعني تجميد الوضع القائم على ما
هو عليه، وتجميد هذا الوضع يعني فرض الأمر الواقع على مسلمي كشمير المحتلة
الذين يواجهون تعنتاً هندياً لا يتوقف يهدف إلى خنق رغباتهم في التعبير الحر عن
أنفسهم؛ لذا فإن أحد أهم أهداف المجاهدين في كشمير هو فرض كشمير على أجندة
السياسة الدولية، والانتقال بالقضية من رفوف الأمم المتحدة المتربة لتكون متداولة
وحية بين الأروقة. وفي الأزمة الأخيرة بدأت أمريكا تستيقظ لخطر استمرار فرض
الوضع القائم خاصة وأن أي أزمة يمكن أن تتطور لتصل إلى مواجهة نووية بين
الهند وباكستان، كما بدأ (كوفي عنان) يتنبه لخطر قضية كشمير، ودعا الطرفين
إلى ضبط النفس، ودعت (باكستان) إلى التدخل الدولي لحل قضية كشمير، كما
حدث في كوسوفا، واعتبرت أن كشمير هي النسخة الآسيوية من كوسوفا.
وفي الواقع فإن هناك جملة من المتغيرات تعزز فُرَصَ فرضِ كشمير نفسَها
على الوضع الدولي، وهي بشكل أساس تتمثل في:
١ - تغيير الوضع الدولي في منطقة آسيا لصالح باكستان؛ حيث تم تحرير
أفغانستان، واستطاعت طالبان أن تفرض وجودها بشكل شبه تام على الأوضاع
هناك. وأفغانستان تمثل رصيداً استراتيجياً هاماً لكشمير ولباكستان معاً في المواجهة
مع الهند.
٢ - انهيار الاتحاد السوفييتي باعتباره قوة أساسية كانت تساند الهند في
صراعها مع باكستان، وهذا الانهيار يمثل تخفيف الضغط على باكستان في
المواجهة مع الهند.
٣ - بروز الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى؛ وهي بلا شك تمثل
فضاءاً إسلامياً يضاف إلى قوة المسلمين في آسيا؛ وهو يمثل رصيداً جديداً
لباكستان على المستوى السياسي والدبلوماسي، كما أنه يعطي الشعب الكشميري
حقه في تقرير مصيره كما فعلت هذه الجمهوريات التي كان مفروضاً عليها البقاء
بالقوة ضمن الاتحاد السوفييتي السابق.
٤ - السعي إلى تقوية باكستان لعلاقاتها بالعالم العربي خاصة دول الخليج
ومصر وغيرها، وإثبات أن الأمن الإسلامي يمثل كتلة لا تتجزأ، وأن الخطر
الصهيوني الهندوسي لا يمثل خطراً على العالم العربي فحسب، ولكنه يمثل خطراً
على العالم الإسلامي أيضاً؛ ومن ثم فإن قوة الردع النووي الباكستانية هي في
الواقع قوة إسلامية في مواجهة التحالف الهندي - الصهيوني؛ كما أن كشمير يجب
أن تكون قضية المسلمين جميعاً وليس قضية مسلمي باكستان أو كشمير المحررة
وحدهم.
٥ - السعي بقوة إلى التحالف مع الأقلية المسلمة الضخمة في الهند، وتدعيم
وجودها سياسياً داخل الهند حتى لا يؤثر الصراع في كشمير على وجودها هناك
وسط المحيط الهندي المتعصب.
إن المواجهة الجوية في كشمير، تشير إلى عمق الأزمة في آسيا، وإن الأمن
والاستقرار هناك لا يمكن تحققه إلا بحل عادل يعطي لأهل كشمير المحتلة الحق في
تقرير مصيرهم. وكما هو معلوم فإن تعداد سكان كشمير المحتلة يبلغ ٨ مليون
نسمة، أكثر من ٨٥% منهم من المسلمين، ومساحتها (٣٦٦) ميلاً مربعاً،
ويواجهون انتهاكاً هائلاً لحقوقهم. فتصاعد قوة جهادية كبيرة تسعى لإثبات حقهم في
الاستقلال سيكون لوناً جديداً من المواجهة التي لن تتوقف إلا بحل عادل لمشكلة
شعب كامل.
стр. 3133
حمَّى سنة ٢٠٠٠
(الحلقة السابعة)
العلة الألفية ... والأسرار الخفية
عبد العزيز كامل
هذه الحلقات
تعالج مستجدات متوقعة أو مرتب لها، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية هذا القرن
الميلادي الذي أوشك على الانتهاء. ولا يفصل بيننا وبين العام ٢٠٠٠ للميلاد سوى
شهور معدودة، ومن اللافت للنظر أن هناك العديد من الظواهر الدينية والسياسية
التي يربطها أصحابها بحلول ذلك العام؛ مما يرشح ويرجح حدوث أفعال وردود
أفعال قوية وعالمية على مسرح الأحداث حول عدد من القضايا؛ وذلك كلما اقترب
الوقت من العام ٢٠٠٠ وما بعده، وهي قضايا قد يحار الناس في فهمها أو تحليلها
لارتباطها بخلفيات دينية عند أهل الملل والنحل.
وهذه السلسلة محاولة للكشف عن خلفيات تلك الظواهر، وتحليل أسبابها،
ودوافعها، ورصد التوقعات المنتظرة بسببها، يتم نشرها إن شاء الله في حلقات
منفصلة.
- البيان-
شاء الله - تعالى - أن تتجلى عظمته في الخلق بخلق الإنسان، وشاء -
سبحانه - أن تظهر عظمة عقل الإنسان باختراعه لهذا الجهاز العجيب: الحاسوب، أو (الكمبيوتر) فهو يدل على ذكاء خارق لدى المخلوق الآدمي، ولكن الإنسان هو
الإنسان في ضعفه وعجلته وجهله.
[وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً] [النساء: ٢٨] ، [إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً]
[الأحزاب: ٧٢] ، [وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولاً] . [الإسراء: ١١] .
وقد اجتمعت آثار تلك الصفات البشرية المتناقضة: الذكاء مع الجهل والظلم
مع الضعف في صنعة الإنسان (الحاسوب) الذي مثّل حتى الآن الذروة فيما يمكن أن
تصل إليه إمكانات البشر العقلية؛ فبينما تبدّت ملامح الذكاء والدقة والإتقان في هذا
الجهاز، بدت فيه - من نواحٍ أخرى - المظاهر الدالة على قصر النظر والعجلة
والضعف، فيبدو أنه لم يكن في حسبان من ابتكروا أجهزة الحاسوب قبل نحو ٥٠
سنة أن تلك الأجهزة سوف يجرى تشبيكها في وقت لاحق بغيرها، ولم يكن في
حسبانهم أن الشبكات التي أنشئت هكذا ستصبح عاملة حسب أنظمة سارية المفعول
حتى بلوغ القرن نهايته. وكان لسوء الفهم أو سوء التدبير فيما يتعلق بهذا الشأن
ثمار مرة وآثار مدمرة يمكن أن تجني على الإنسان بدلاً من أن يجني هو منها ما
يريد.
فالمشكلة التي اصطُلح على تسميتها بـ (العلة الألفية) أو (علة القرن) أو
(حشرة ٢٠٠٠م) أو (بقة ٢٠٠٠م) ، تكمن في أن أجهزة الكمبيوتر التي جسدت فتنة
الإنسان بعقله سوف تعتقد في الأول من يناير عام ٢٠٠٠م، أنها عادت إلى مطلع
العام ١٩٠٠م بسبب استخدام الرقمين الأخيرين فقط للدلالة على السنة، وهنا
ستضرب تلك الأجهزة الحاسوبية أخماساً في أسداس، وسينشأ تخوف حقيقي بسبب
عدم تمكن الأنظمة المبرمجة من التفريق بين عامي ٢٠٠٠م و ١٩٠٠م الذي ينتهي
كل منهما بصفرين، مما سيُحِدث خطأً في قراءة تلك الأنظمة لرقمي (٠٠) في
الأول من يناير عام ٢٠٠٠م، على أنها إشارة إلى عام ١٩٠٠م؛ مما يعني أن
كثيراً من الأنظمة المبرمجة ستتعطل أو تتوقف عن العمل. وبمعنى آخر: بعض
هذه الأجهزة ستُضرب عن العمل، وبعضها سيعمل (على مزاجه) وبعض آخر
سيستمر في العمل بنشاط، ولكنه سيعطي معلومات خاطئة، ولا يسلم منها إلا ما
يتم علاج علته (الألفية) قبل بدء الألفية.
والمشكلة هنا ليست في تعطل الأجهزة كلها أو بعضها، ولكن المشكلة فيما
سيترتب على تعطلها من أخطار تتمثل في الانقطاع أو الانهيار الذي يمكن أن
يصيب قطاعات حيوية عديدة مثل الاتصالات والمواصلات ومراكز المال والمرافق
الطبية والصناعية وغيرها، والأخطر من ذلك مجالات استخدام الأسلحة والدفاع
والطيران ونظم البيئة.
أبعاد المشكلة:
أولاً: البعد الزمني: هذه المشكلة ليست متعلقة فقط بمطلع العام ٢٠٠٠م، بل
يتوقع الخبراء أن تستمر لأشهر أو سنوات بعد يناير ٢٠٠٠م.
البعد المكاني: يتوقع أن تأخذ المشكلة بُعداً دولياً؛ فهي لن تقتصر على دولة
أو دولتين أو قارة أو قارتين، بل يتوقع أن تفرض نفسها على القارات الخمس
والدول جميعها، وقد وصلت الأزمة في مستواها الدولي إلى حد تَدخّل الأمم المتحدة
التي عقدت في عام ١٩٩٨م أول مؤتمر دولي للتصدي لمشكلة ٢٠٠٠م، وأصدر
المؤتمر الذي ضم مندوبين عن أكثر من ١٣٠ دولة قراراً يهيب بدول العالم أن
تعمل بصفة عاجلة على مضاعفة الجهود لمعالجة المشكلة، ويدعو إلى مزيد من
التعاون الدولي في هذا المجال، ومع هذا الاهتمام الاستثنائي من الأمم المتحدة
بمشكلة من ذلك النوع، فإن بعض الخبراء يتهمونها بالإهمال؛ لأن اهتمامها
بالمشكلة جاء متأخراً، وأن ما جاء به مؤتمرها من توصيات لا يكفي لتدارك الخطر
الذي سيحيق ببلدان العالم عندما يحل عام ٢٠٠٠م.
البعد الاقتصادي: جاء في دراسة تحليلية أعدها المعهد الدولي للدراسات
الاستراتيجية في لندن، ونشرتها الصحف في ٢٧/١/١٩٩٩م، أن المشكلات
الاقتصادية والفنية المترتبة على العلة الألفية لن تتوقف عند حد بدء الألفية الثالثة،
بل يتوقع أن تزداد في الأشهر بل السنوات التي تعقب يناير ٢٠٠٠م، وذكرت
الدراسة أن العديد من المشكلات المنتظرة لا يمكن التنبؤ بجوانبها وأبعادها، وأن
جهود المؤسسات والشركات في محاربتها قد تكون بلا طائل، وحذرت من أن
الأزمة قد تؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي. وقدرت بعض المصادر التكلفة العالمية
الإجمالية لعلاج المشكلة بنحو ٦٥٥ مليار دولار.
وفي تطور يمثل انعكاساً لقلق بالغ، عقدت في مقر أمانة صندوق النقد الدولي
ندوة عالمية في منتصف إبريل ١٩٩٩م، شارك فيها خبراء من البنك الدولي،
وتحدثوا عن مشكلة ٢٠٠٠م وآثارها الاقتصادية المتوقعة، وجاءت توصيات الندوة
بمثابة (صدمة) لجمهور الحاضرين؛ حيث انتهت إلى الحقائق الآتية:
- معضلة القرن هي أكبر بكثير مما يتصوره المهتمون والمتابعون فضلاً عن
غيرهم.
- الاستعدادات الدولية حتى الآن - بما في ذلك الدول المتقدمة - أقل بكثير
مما يعلن عنه.
- الدول التي لديها القدرة على وضع حلول جذرية للمشكلة هي فقط الدول
المتقدمة الغنية.
- الدول النامية والفقيرة هي أكثر عرضة لأخطار الأزمة.
- القطاعات التي ستتأثر أكثر بالأزمة هي قطاعات النفط والغاز والاتصالات
والمواصلات والنظم المصرفية والمالية وقطاعات الكهرباء والماء.
- بعض القطاعات قد تنجح بشكل جزئي في حل المشكلة في الدول النامية،
ولكن هذا النجاح قد يعطله الإخفاق في القطاع نفسه في مكان آخر؛ لأن القطاعات
تعمل بشكل متكامل، والخلل في بعضها سيؤثر حتماً في البعض الآخر [جريدة
الخليج، ١/٥/١٩٩٩م] .
وكانت أصداء الأزمة قد وصلت إلى مستوى القمة الاقتصادية للدول الصناعية
الكبرى (قمة الثمانية) التي عقدت في شهر مايو ١٩٩٨م؛ حيث أصدرت القمة
تحذيراً في بيانها الختامي ينبه إلى أن أزمة اقتصادية عالمية قد تقع بسبب معضلة
القرن. وصدر تحذير مشابه عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس والمنعقد في
فبراير ١٩٩٩م.
ولا يعني سبق الولايات المتحدة في الاهتمام بعلاج المشكلة أنها لن تتجرع
مرارة الأزمة، بل على العكس من ذلك؛ فإن المؤشرات القادمة من هناك تدل على
فواجع اقتصادية كارثية سيتحملها الاقتصاد الأمريكي من جراء الأزمة.
فسينفقونها..:
قدر المختصون في الولايات المتحدة المبالغ التي ستصرفها المؤسسات
الأمريكية لجعل أنظمتها جاهزة لمواجهة مشكلة الألفية بأكثر من ٢٧٦ مليار دولار
أمريكي مما جعل مشكلة ٢٠٠٠م من أعقد المشاكل وأكثرها كلفة فيما يتوقع، ومع
هذا فإنها إذا لم تعالج في الوقت المحدد - أي قبل ١/١/٢٠٠٠م، فإن الخسائر
ستكون أفدح في الأموال، وربما الأرواح.
[جريدة الشرق الأوسط، ١١/٥/ ١٩٩٩ م]
ومما يزيد من قلق الأمريكيين من الآثار المتوقعة لهذه المشكلة، أن الأخبار
المنشورة تدل على أنه بالرغم من الاهتمام البالغ من الحكومة الأمريكية
بالاستعدادات لمواجهة المشكلة، إلا أن كبريات الشركات الأمريكية تتأخر في
مواعيدها لإصلاح علة القرن؛ فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في (١٩/٥/
١٩٩٩م) أن الكثير من هذه الشركات الكبرى لا تكفيها المخصصات المالية المقدمة
لعلاج المشكلة، حتى إن نسبة ٢٢% منها لن تكون جاهزة عندما تدق الساعة معلنة
بداية عام ٢٠٠٠م، وذكرت الصحيفة أن نحو ٧٢% من الشركات جابهت مشاكل
فعلية في إخفاق أجهزتها لدى اختبارها لمواجهة المشكلة، وفي استطلاع أُجري لأخذ
آراء الخبراء فيما يتعلق بالمشكلة ذكرت الصحيفة أن ١٥% يرون أن المخصصات
المالية لعلاج المشكلة لن تكفي، بل سوف تزداد، بينما رجح نحو ٩٢% أن مواعيد
علاج المشكلة سوف تتأخر عن الموعد المطلوب، كما كشف مكتب المحاسبة العامة
في الحكومة الأمريكية أمام إحدى لجان الكونجرس أن ٢٤ وزارة ووكالة رئيسة
وحيوية في الحكومة الفيدرالية لم تنته بعدُ من علاج المشكلة، وأنها متأخرة مدة عام
عن الموعد النهائي المحدد لها، وانتقد مكتب المحاسبة وزارة الدفاع (البنتاجون)
لتلكئها في معالجة المشكلة، مشيراً إلى أنها قد تواجه مشاكل كبيرة.
[جريدة الشرق الأوسط، ١١/٥/١٩٩٩م]
ولكن الجائحة الكبرى المتوقعة في المجال الاقتصادي الأمريكي هي ما أشارت
إليه صحيفة الخليج [٢ مايو ١٩٩٩م] ، بأن الكونجرس ناقش مشروعاً بتحميل
شركات الحاسب الآلي تبعة الإخفاق الذي يمكن أن يحدث في أنظمة الحواسيب؛
حيث أشارت الدراسات إلى أن تكلفة المنازعات القضائية المالية من جراء مشكلة
الكمبيوتر قد تصل إلى تريليون دولار (ألف مليار دولار) وذكرت الصحيفة أن
رئيس مجلس إدارة الاحتىاطي المالي الفيدرالي في الحكومة الأمريكية (آلان
جرنيسبان) طلب من الحكومة توفير مبلغ ٥٠ مليار دولار من العمولات الجديدة قبل
عام ٢٠٠٠م لوضعها تحت بند الطوارئ للتداول إذا حدث هلع عند الناس قد يتسبب
في تأثير سلبي على السيولة المصرفية، ولم يستبعد أن تحدث عملية (تفريغ)
للأرصدة من البنوك التي ستكون في بؤرة المشكلة الألفية!
بعد ١٩٩٩م ... (حرب بلا نصر) ؟ !
عندما ألف الرئيس الأمريكي الأسبق (ريتشارد نيكسون) كتابه الموسوم بـ
(١٩٩٩م.. نصر بلا حرب) كان يتكهن فيه بأن الولايات المتحدة ستحرز نصراً
حاسماً على خصومها الرئيسيين دون أن تطلق رصاصة واحدة، وقد حدث ما يشبه
هذا بانتهاء الحرب الباردة التي انتهت بسقوط الاتحاد السوفييتي، واليوم تعيش
الولايات المتحدة والعالم وضعاً معاكساً؛ فإذا صحت كل الأنباء المتواردة عن
الانعكاسات المتوقعة لأزمة ٢٠٠٠م، فإن العالم سيكون في مواجهة حرب غير
معهودة؛ لأنها غير مقصودة، إنها (حرب بلا نصر) فلا منتصر فيها؛ لأن الإنسان
فيها يحارب نفسه، والدول تخوض حرباً في داخلها؛ إنها حرب اللاعدو ضد
اللاعدو، بين العقل الإنساني - الإلهي في خلقته - والعقل الآلي البشري في
صنعته.
أقول: لو صحت كل التقارير المتناثرة هنا وهناك، فإننا سنكون أمام أعجب
حرب في تاريخ البشر؛ فقد حذرت وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي. آي. إيه)
من تقرير أوردته الصحف الأمريكية في (٢٥/٢/١٩٩٩م) من التضاعفات المحتملة
لأزمة الكمبيوتر في عام ٢٠٠٠م، ولفتت الانتباه إلى أن تلك المشكلة قد تسبب
اضطرابات داخل الولايات المتحدة وخارجها، وتعطل بعض المفاعلات النووية
وأنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية وشبكات الاتصال ومحطات توليد الطاقة
وعمليات شحن النفط.
وذكرت صحيفة الشرق الأوسط في (٢٧/٢/١٩٩٩م) أن اللواء (جون
جوردن) نائب رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية نبه أمام لجنة القوات المسلحة
في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أنه من المتعذر جداً تقدير حجم الخسائر التي قد
تترتب على هذه المشكلة بالنسبة للبلدان الأجنبية، خاصة روسيا التي تأخرت كثيراً
في معالجة الأزمة، وحذر المسؤول الأمريكي من الخطر الذي تمثله الأجهزة التي
تشرف على عمليات إطلاق الصواريخ الاستراتيجية العابرة للقارات من ناحية كفاءة
معدات السيطرة إذا تدنت حرارتها، أو ظهرت أعطال في أنظمة الإنذار المبكر،
مما يعني توجيه معلومات وإرشادات خاطئة، وقال اللواء (جوردن) : إن العالم
النامي يواجه أهم معضلات المشكلة، والبلدان النامية ستكون عرضة للعديد من
الأخطار التي لا يمكن التكهن بها حالياً، وقال أيضاً: إن الولايات المتحدة نفسها لن
تنجو من الخطر في عديد من القطاعات.
وقد انعقدت قمة عالمية في العاصمة الفلالينية (مانيلا) حول المشكلة في أول
مارس ١٩٩٩م، وأعرب (جون كوشينين) رئيس اللجنة الرئاسية الأمريكية [١]
حول مشكلة ٢٠٠٠م عن القلق من الخلل المتعدد الأوجه الذي قد يصيب أجهزة
الإنذار مثل تعطل الشاشات والرادارات، وذكرت صحيفة الشرق الأوسط في (٣/٣
/١٩٩٩م) أن القمة ناقشت الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتلافي الارتباكات التي
يمكن أن يقع فيها العاملون في أجهزة الدفاع في الدول المختلفة، ونسبت صحيفة
الحياة في (٣ مارس ١٩٩٩م) إلى أحد المتحدثين في المؤتمر قوله: (إن الصواريخ
لن تنطلق دون تدخل بشري، ولكن مصدر القلق الرئيس هو الخلل المتعدد الأوجه
الذي قد يصيب أجهزة الإنذار، مثل تعطل شاشات الرادار، وهو الأمر الذي قد
يحدث ارتباكاً وفوضى) !
ونظراً لأن المجال النووي هو أخطر المجالات التي يمكن أن تعكس آثاراً
كارثية إذا تأثرت بالعلة الألفية، فإن الرابطة الدولية للنشاط النووي ركزت اهتمامها
بمتابعة التفاعلات المتوقعة من جراء الأزمة تخوفاً من التأثيرات الخطرة على أنظمة
الإنذار المبكر في مناطق التوتر والنزاع، وقال مسؤولون فيها: إنه حتى لو تم
التوصل إلى حل فني، فإن أصغر خطأ أو إخفاق يمكن أن يتسبب في اندفاع
وتزاحم قد يؤدي إلى خطأ في الحسابات في مناطق غاية في الحساسية مثل البلقان
والشرق الأوسط وجنوب آسيا. [جريدة الشرق الأوسط، ٢٧/١/١٩٩٩م] .
وقد اجتمع في شيكاغو أكثر من عشرة آلاف من المهتمين والزائرين والخبراء
وأصحاب الشركات المصنعة للحاسوبات في أكبر مؤتمر من نوعه في العالم لمناقشة
سبل تأمين الشبكات الالكترونية من بقة ٢٠٠٠م ومواجهة الأخطار التي تهدد العالم
بسببها.
[جريدة الخليج، ٢٣/٥/١٩٩٩م]
ولأجل هذا كله، فقد بدأت الحكومة الأمريكية ما يشبه المناورات الحية،
لمحاربة حشرة ٢٠٠٠م، فقد نشرت دورية (سالت ليك تربيون) الأمريكية في ١٥
مايو ١٩٩٩م، أن سلاح الجو الأمريكي أقام معسكراً قرب مطار ديندوفر على قطعة
أرض بولاية يوتاه، وفرضت عليه حراسة مشددة بغرض استخدامه في اختبارات
الطائرات وأجهزة الرادار والأسلحة تحسباً لتفاعلات علة القرن، وذكرت الصحيفة
أن أفراد طاقم سلاح الجو داخل المعسكر يحرصون يومياً على القيام بتعطيل أجهزة
الرادار والأقمار الصناعية والميكرويف التي يمكنها متابعة الصواريخ الفتاكة التي
يتم إسقاطها قرب المعسكر في عمليات مستمرة للتدريب على التعامل مع ظروف
مختلفة تفرضها العلة الألفية، وتشارك في هذه المناورات طائرات إف ١٦ وإف
١٥.
ومن الواضح أن المخاوف الأمريكية من تأثيرات العلة الألفية تتجاوز حدودها
الداخلية، بل إن مخاوفها من الأضرار الخارجية المتوقعة أكثر من المخاوف
الداخلية، وقد نقلت صحيتفة الشرق الأوسط (٢٣/٣/١٩٩٩) ، عن بعض الصحف
الأمريكية أن الولايات المتحدة تراقب بقلق ما يمكن أن يحدث في العالم بسبب أزمة
الكمبيوتر عام ٢٠٠٠م، وذلك في ضوء التقارير التي ترسم صورة قاتمة للأوضاع
في بعض الدول الهامة بما فيها روسيا والصين وبعض الدول المصدرة للبترول،
وما سيكون لذلك من تضاعفات دولية، وتشكل روسيا مصدر قلق خاص على
الأصعدة الاقتصادية والعسكرية؛ إذ تخشى واشنطن من أن تؤدي أزمة الكمبيوتر
في نهاية الألفية الثانية إلى تشويش الأجهزة التي تتحكم بأنظمة الأسلحة النووية أو
إلى حصول أخطاء وارتباكات في سير أجهزة التحكم والتوجيه مما يمكن أن يشكل
خطورة كبيرة.
وماذا بعد..؟ !
تقارير أخرى تشير إلى أن هناك مخاوف لا تقل خطورة عن الصواريخ
البالستية والرؤوس النووية، وقد حذر منها خبراء أمريكيون أيضاً كما ذكرت ذلك
صحيفة الخليج في (٢٨/٢/١٩٩٩م) ؛ حيث نسبت لبعض الخبراء قولهم: إن
المخاوف من اختلال عمل أجهزة الكمبيوتر عام ٢٠٠٠م يمكن أن يعطل أنظمة
مراقبة تلوث المياه والهواء، وهذا ما أوضحه على وجه الخصوص (ألفريد ليف)
المتحدث باسم الوكالة الأمريكية لحماية البيئة خلال مؤتمر نظمه مجلس البيئة في
كاليفورنيا؛ حيث قال: (إن تكنولوجيا الكمبيوتر من المكونات الأساسية لحماية
البيئة، والمشكلة التي تواجهها الأجهزة عام ٢٠٠٠م، قد تكون لها انعكاسات مدمرة
على البيئة، مثل التسبب في حدوث تلوث عرضي في مياه الشرب أو تسرب
ملوثات سامة) ! وعقد مؤتمر بعنوان: (مشكلة السنة ٢٠٠٠م) في أبو ظبي في ٤/
٥/١٩٩٩م شارك فيه العديد من خبراء المعلوماتية، وتوصلوا إلى أنه لا يوجد حل
جذري للمشكلة، خاصة في قطاع النفط، وتوقعوا أن يؤدي عدم التوصل إلى حلول إلى حدوث اضطرابات في ذلك القطاع يترتب عليه حدوث نقص في إمدادات النفط.
[جريدة الحياة، ٦/٥/١٩٩٩م] .
والشعوب.. إلى أين الهروب؟ !
بالرغم من أن الشعوب في بلادنا العربية والإسلامية تبدو غير مهتمة
بمضاعفات حمى سنة ٢٠٠٠م وأعراضها المختلفة، إلا أنه، وعلى العكس من ذلك؛ فإن الشعوب الغربية تبدو في حالة قلق بالغ يتجاوز حد الاهتمام إلى الاغتمام؛
فحياة الإنسان الغربي في بلاد الغرب - كما هو معلوم - لا تقدر بثمن، في حين أن
حياة أي إنسان آخر غير غربي ليس لها عندهم أي ثمن، ولهذا فإن الأخبار الواردة
من الولايات المتحدة على وجه الخصوص تعكس بوادر مبكرة من حالات الهلع
والفزع والجزع مما يمكن أن تتسبب فيه حشرة ٢٠٠٠م من أذى ينال صميم حياة
المواطن العادي، ونظراً لأن تقنية الإعلام والمعلومات هناك متقدمة للغاية -
بخلاف البلاد النامية - فإن أثر ذلك يظهر في تفاعل الناس مع أي ظواهر جديدة،
خاصة إذا كان لها تعلق بالمصالح والحياة الخاصة، وفي نبأ لوكالة رويتر نشرته
الصحف في ٦/٣/١٩٩٩م، قالت الحكومة الأمريكية إنها وضعت خططاً طارئة
للأمريكيين المقيمين أو المسافرين إلى الخارج في مستهل الألفية الجديدة لمواجهة أي
خلل واسع النطاق قد يحدث في أداء أجهزة الكمبيوتر، وأشارت وزارة الخارجية
الأمريكية إلى أنها تتخذ منذ مدة خطوات للتجهيز للمواجهة الخارجية للمشكلة لحماية
المواطنين الأمريكيين في الخارج، منها أنها طلبت من جميع السفارات الأمريكية
تخزين إمدادات تكفي لمدة ٣٠ يوماً تحسباً لأي عزلة قد تتعرض لها، وأضاف
مسؤول الخارجية: (إن الذعر من مشكلة الألفية الثالثة قد يدفع المستثمرين لسحب
الأموال، فتنعدم الثقة في البنية الأساسية لبعض البلاد مما قد يدفع الشركات العالمية
لإغلاق عملياتها) وتابع: (كل هذا قد يسبب انهياراً لأي اقتصاد هش، أو لأي
حكومة تعاني صراعاً داخلياً) .
وفي خبر آخر أوردته صحيفة الحياة في (٦/٣/١٩٩٩م) أن لجنة من مجلس
الشيوخ الأمريكي تختص بالتعامل مع مشكلة الألفية الثالثة، نصحت وزارة
الخارجية الأمريكية أن توجه تحذيراً للأمريكيين من السفر للخارج إذا تدهورت
الأحوال في دول معينة، أما إذا ظهرت مشاكل أكثرة حدة، فإن وزارة الخارجية
يجب أن تحث الأمريكيين على العودة لبلادهم) !
وقد ظهرت من الآن آثار التجاوب مع تلك النذر؛ فقد نشرت الصحف أن
توقع حدوث مشاكل وحالات من الفوضى في الولايات المتحدة بسبب مشكلة القرن،
دفع قيادات الحرس الوطني الأمريكي في العديد من الولايات إلى بدء تدريبات
خاصة لمجابهة الطوارئ التي يمكن أن تنجم عن انهيار بعض النظم الكمبيوترية في
مطلع العام ٢٠٠٠م، وذكرت صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان: (الولايات
المتحدة لن تفلت من أزمة عام ٢٠٠٠م) أن جموعاً من الأمريكيين بدؤوا يخزنون
الأغذية والمعلبات والأدوية والمواد الحيوية تحسباً لأي طارئ، كما أن هناك من
أخذوا يسحبون أموالهم من البنوك خشية أن تتوقف أجهزتها عن العمل في مطلع
العام المقبل.
ومثل تلك الأخبار القليلة المنشورة عن التحسبات الوجلة من مقدم الألفية،
تُشعر بأن هناك نوعاً مّا من التكتم أو على الأقل اللامبالاة أو التعمية على تفاصيل
الأزمة المنتظرة وخلفياتها - على الأقل في وسائل الإعلام العربية - وإلا، فكيف
يمكن لأزمة بهذا الحجم العالمي - ولو كانت توقعات - ألاّ تأخذ حيزاً بارزاً في
اهتمامات الإعلام المسموع والمشاهد والمقروء؟ ! خصوصاً أن كل التوقعات تشير
إلى أن البلاد النامية سوف تكون في مقدمة الدول المتضررة من علة القرن!
إن الاهتمام فقط ينصبّ - بشكل جزئي - على حسابات البنوك وميزانيات
الشركات ونحو ذلك مما ينشر في الزوايا الاقتصادية، وهو ما أوجد اهتماماً هامشياً
بالمشكلة، أو لم يوجِد اهتماماً على الإطلاق! وبعض الناس يظن أنها مجرد مشكلة
فنية تقنية تهم شركات الكمبيوتر فحسب، ونظراً لأن تقنية الحاسب الآلي لا تزال
حديثة في بلادنا العربية والإسلامية، فإن الشريحة المهتمة بها لا تزال محدودة،
ولكن ما حدث في السنوات والشهور القليلة الماضية حول ظاهرة (الفيروسات)
بدأت تعطي انطباعاً بأن الكمبيوتر يمكن أن يكون ميداناً لحرب أشبه بحروب
الأشباح، مع فارق أن خسائرها حقيقية.
وبرغم الاختلاف في طبيعة مشكلة الفيروسات عن مشكلة العام ٢٠٠٠م، إلا
أن مشكلة الفيروسات هذه تعطي مؤشراً عن الأخطار المضاعفة لسوء استغلال تقنية
الحاسب الآلي.
فيروس تشرنوبيل ... نموذج مصغر:
فيروس المعروف بـ (تشرنوبيل) ظهر لأول مرة في شهر يونيو ١٩٩٨م في
جنوب شرق آسيا، ليبدأ نشاطه في ٢٦ من الشهر نفسه، ثم تم إصدار نماذج
أخرى منه لتعمل في أوقات مختلفة بعضها في ٢٦ من كل شهر ميلادي، وبعضها
ينشط في ٢٦ من إبريل من كل عام.
والفيروس كان قد تم تفعيله في الذكرى الثالثة عشرة لكارثة المحطة النووية
الأوكرانية في الاتحاد السوفييتي السابق في ٢٦ من إبريل عام ١٩٨٦م، وهو
يصيب البرامج بسرعة ويؤدي إلى محو مضمون القرص الصلب والقرص المدمج
في الكمبيوتر، وقد سجل فيروس تشرنوبيل في شهر إبريل من عام ١٩٩٩م خسائر
فادحة في أجهزة الكمبيوتر المستعملة في الدوائر الحكومية والقطاعات الحيوية
والأجهزة الشخصية على مستوى العالم؛ فقد بلغ عدد الأجهزة المصابة في كل من
أوروبا وروسيا ٣٠٠ ألف جهاز، فيما تجاوز العدد المليون من الأجهزة في
الولايات المتحدة الأمريكية، وتأثرت قطاعات عديد من دول العالم الثالث، وأول
الدول التي أُعلن عن الأضرار الجسيمة فيها (بنجلاديش) وتأثرت قطاعات متعددة
في العالم العربي ودول الخليج بالفيروس المفترس، ولكن الأحجام الحقيقية
للأضرار لم تعلن لأنه لا توجد إحصاءات دقيقة متعلقة بها، إضافة إلى أن هناك
جهات كثيرة متضررة - خاصة في المجال التجاري والاستثماري - امتنعت عن
الإعلان عن الأضرار التي لحقت بها خشية أن تصاب بأضرار أشد من جراء تأثر
سمعتها تجارياً ومالياً بالحديث في مثل تلك الأمور.
لقد أصبحت الفيروسات (الإلكترونية) أشبه ما تكون الآن بالفيروسات
(البيولوجية) ولسوء الحظ فإن حرب الفيروسات - التي بدأت الآن - لا تقل في
آثارها التدميرية عن الحروب البيولوجية التي لم تنتشر بعد على نطاق واسع، وإذا
كانت الفيروسات البيولوجية كما هو معروف يمكن أن يشنها فرد أو مجموعة أفراد
ضد دولة بأكملها، فإن حرب الفيروسات الإلكترونية يمكن أيضاً أن يشنها فرد أو
مجموعة قليلة من الأفراد، وهذا ما حدث للآن فيما يتعلق بفيروس تشرنوبيل الذي
يقال إن وراءه شخصاً واحداً في مكان واحد من العالم [٢] .
ولكن قد يقال:
ما علاقة مجمل ما ذكر في هذه الحلقة، بمجمل ما ذكر في الحلقات السابقة
عن الخلفيات الدينية العقدية للأعراض المختلفة لحمى سنة ٢٠٠٠م؟ !
والجواب: ليست هناك علاقة مباشرة من الناحية الدينية الاعتقادية؛ فعارض
مشكلة الكمبيوتر لعام ٢٠٠٠م لا يربطها بعقائد اليهود والنصارى رابط معين؛ لأنها
ظاهرة معلوماتية وليست عقدية، ومع ذلك فالمتوقع أن يتخذ العقائديون منها ذريعة
لزرع المزيد من نباتات الأساطير الدينية التي تنتج في الغرب الآن أشجاراً من
الخرافة يمكن أن تناطح السحاب طولاً، ولكنها في ضوء الحق والحقيقة [مَثَلُ
كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ] [ابراهيم: ٢٦] .
نعم! فالعقائديون الأصوليون، وخاصة طوائف البروتستانت المتعصبين
يتبنون في أدبياتهم المعلنة مقولات تدل على إيمانهم بأن المسيح المنتظر لن يأتي إلا
بعد فترة من الأزمات المتواصلة، والكوارث المتتابعة والانهيار الاقتصادي -
إضافة إلى الحروب التقليدية والنووية، ولما كانوا يتصايحون الآن في كل
المنتديات بأننا نعيش الأيام الأخيرة قبل قدوم المسيح؛ فما الذي يمنعهم من أن
يصبغوا تلك الاضطرابات المتوقعة بصبغة دينية، لا على أنها يمكن أن تكون
عقوبات إلهية لردع التمرد البشري، ولكن على أنها (آلام المخاض) الذي يسبق
ميلاد العصر الجديد، عصر الخلاص؟ !
تقول الكاتبة الأمريكية (جريسي هالسل) : (إن رجالاً من أمثال جيري فالويل، وهول ليندسي وبات روبتسون وغيرهم من قادة اليمين المسيحي، يعتقدون أن
الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية للمسيح بعد مرحلة من الحروب النووية
والكوارث الطبيعية والانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعية، إنهم يعتقدون أن
هذه الأحداث يجب أن تقع قبل العودة الثانية، كما يعتقدون أنها مسجلة بوضوح في
الكتاب المقدس) [٣] .
فالبشرية - حسب معتقدهم في الغرب - يجب أن يموج بعضها في بعض في
الأيام الأخيرة، ولا بد أن تعم أنواع من الفوضى قبل قدوم المسيح. وفي الغرب
الآن حركة (تبشير) واسعة النطاق بهذه الفوضى الألفية المتوقعة، بعضها يأخذ
الشكل الديني الوعظي، وبعضها يأخذ الشكل الفلسفي التأملي، والبعض الآخر يأخذ
الشكل السياسي أو الاجتماعي التحليلي.
يقول (زيغنيو بريجنسكي) [٤] في كتابه: (الفوضى ... الاضطراب العالمي
عند مشارف القرن الحادي والعشرين) [٥] : (لن يكون الخطر القادم عشية القرن
الحادي والعشرين ناجماً عن تطور الوعي السياسي على الصعيد العالمي، بل من
حقيقة أن الجماهير الناشطة سياسياً خارج المجتمعات الديمقراطية، لم تزل تعيش
مرحلة أولية من الوعي المتميز بهوية ذاتية ضيقة قائمة على درجة عالية من
المبالغة العرقية، هذا القول يعني أن المزاج العام سيظهر في الغالب من خلال
أفكار بدائية تستجيب للنداءات العصبية السياسية منها والدينية) !
والفوضى التي يتحدث عنها بريجنسكي ليست وقفاً على المجتمعات (غير
الديمقراطية) كما يقول؛ بل لا يستبعد أن تنبعث أساساً من المجتمعات الديمقراطية
جداً فبقدر ما يوزع الغربيون توقعاتهم السوداوية على أنحاء الكرة الأرضية مع مقدم
الألفية الثالثة، على قدر ما يخفقون في إخفاء المخاوف من نشوء الاضطرابات
والفوضى الداخلية في مجتمعاتهم؛ ففي جلسة استماع في الكونجرس الأمريكي في
٤/٢/١٩٩٩م، حذر (لويس فريه) المدير العام لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي
من أن المتطرفين الإنجيليين وأعضاء الجماعات الدينية والرؤيوية [٦] قد يتحولون
إلى العنف مع حلول القرن الحادي والعشرين، وبعد أن حذر من تنامي الخطر
الإسلامي على الولايات المتحدة من الخارج قال: (يجب ألا نتجاهل التهديد من
المتطرفين الإنجيليين داخل أمريكا، خصوصاً مع مقدم الألفية الثالثة) وتابع يقول:
(إن احتمال حدوث أعمال عنف من جماعات محلية وارد؛ فمع قدوم عام ٢٠٠٠م،
قد تجنح هذه الجماعات إلى العنف بهدف افتعال أحداث مثيرة تستغلها لتحقيق
النبوءات التي تؤمن بها) .
وقد تكون علة القرن تعليلاً لبعض التشنجات التي يمكن أن يعايشها الألفيون
استغلالاً للفوضى المتوقعة أو إنتاجاً للمزيد منها؛ فقد حذر بعض المهتمين بعلة
الألفية (الخليج، ٢٣/٥/١٩٩٩م) من أن بعض المغامرين يمكن أن يستغلوا بتعمد
وسبق إصرار الارتباك المتوقع حدوثه ابتداء من ١/١/٢٠٠٠م بغية الوصول إلى
مواقع الأسرار ذات الشأن في مراكز الأبحاث والمؤسسات العسكرية لبعض الدول،
أو بغرض التحايل على البنوك أو محاولة الاستيلاء على أموال الشركات، وقد أذيع
بالفعل منذ مدة خبر اختراق أحد المراهقين لمراكز المعلومات داخل وزارة الدفاع
الأمريكية (البنتاجون) !
أم النبوءات:
ما هي هذه النبوءات التي من أجلها يستسيغ هؤلاء أخبار شقاء العالم بل قد
يتلذذون بها؟ إنها بعض ما أشرت إليه في الحلقات السابقة؛ ولكن فوق كل هذه
النبوءات النبوءة الكبرى عن عودة المسيح التي عاش النصارى ألفي عام مشتاقين
إليها، وظلوا خلال ذلك يتلون نصوصاً من الإنجيل تُرسّخ في قلوبهم انتظارها
وانتظار أيامها بحلوها ومرها. يقول القس (روبر كليمان) في كتابه: (إيماننا الحي) ، ص ٥٢٧: (عند مجيء المسيح تتزعزع الخليقة كلها، وَسَيَدُلّ مجيئه على انتهاء
الزمن القديم، وتظهر بداية الزمن الجديد؛ حيث يشمل الخليقة كلها ببركته، ولذلك
سُمي هذا اليوم الأخير: يوم المسيح، أي يوم مجيء الرب وحضوره) !
فللنصارى مسيح ينتظرونه قريباً ... كما أن لليهود مسيحهم المنتظر منذ أمد
بعيد، وكل من هؤلاء وأولئك يهيئون العالم الآن - في زعمهم - لمخرج المسيح
الذي يؤمنون به، فمن هو هذا المسيح المنتظر عند الأمتين الضالتين؟ وما هي (أمّ
النبوءات) المتعلقة بمجيئه عند كل منهما؟
وهل سيأتيان ويجيئان؟ وهل نحن نعيش بالفعل مقدمات ذلك الخروج؟ !
هذا ما سنعرض له في حديث مفصل في لقاء قادم - بإذن الله تعالى -.
стр. 3134
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
المتواصون ... بالشر
١- قام الكيان الصهيوني بإمداد الصرب بمواد كيميائية جديدة تسبب التهاباً في
الدماغ بعد استنشاقها وذلك للقضاء على المسلمين في البلقان.
٢- أكدت تقارير دولية أن المجازر التي يتعرض لها سكان كوسوفا زادت
بنسبة ثلاثة أضعاف بعد ضربات حلف الأطلسي، وأشارت أن تلك المجازر بلغت
ستة أضعاف مجازر البوسنة والهرسك.
[جريدة الأسبوع، العدد: (١١٤) ]
أرض الله واسعة
دق مجلس كنائس الشرق الأوسط ناقوس الخطر بخصوص تزايد وتيرة
تراجع أعداد المسيحيين في بلدان كثيرة بمنطقة الشرق الأوسط، ولوحظ أن عدد
مسيحيي الشرق لا يمثل إلا نسبة متواضعة مقارنة مع العنصر المسلم؛ إذ لا
تتجاوز نسبتهم سوى ١. ٦% من سكان المنطقة، كما تراجع عدد الكنائس
الكاثوليكية بسبب الصراع الدائر بينها من أجل الانفراد بالوصاية.
[جريدة لوريان لوجور، عن جريدة الخليج، العدد: (٧٣٠٩) ]
يا ليت قومي يعلمون
كشفت إحصائية لرصد اتجاهات الأمريكيين أن ٨٠% من الأمريكيات يعتقدن
أن الحرية التي حصلت عليها المرأة خلال السنوات الثلاثين الأخيرة هي المسؤولة
عن الانحلال والعنف الذي ينتشر في الوقت الراهن، وقالت ٧٥% من اللواتي
شاركن في الاستفتاء: إنهن يشعرن بالقلق لانهيار القيم التقليدية والتفسخ العائلي،
وبالنسبة للنساء العاملات قالت ٨٠% منهن إنهن يجدن صعوبة بالغة في التوفيق
بين مسؤولياتهن تجاه العمل ومسؤولياتهن تجاه الزوج والأولاد، وقالت ٨٧% من
اللواتي شاركن في الاستفتاء: لو عادت عجلة التاريخ إلى الوراء لاعتبرنا المطالبة
بالمساواة مؤامرة اجتماعية ضد الولايات المتحدة وقاومنا اللواتي يرفعن شعاراتها.
[جريدة الخليج، العدد: (٧٣١٩) ]
العزة بالإثم!
امتنعت الدكتورة معصومة المبارك أستاذة العلوم السياسية بجامعة الكويت عن
افتتاح مقر أحد المرشحين في الانتخابات الكويتية الأخيرة وذلك نتيجة لفصل
الرجال عن النساء في الندوة التي كانت ستلقي كلمتها في افتتاحها.
[جريدة الأنباء، العدد: (٨٢٧٧) ]
آل جور.. والاستعداد للانتخابات
قال نائب الرئيس الأمريكي آل جور [مخاطباً اليهود] : إن واحداً من مبادئ
قلب السياسة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة لن تسمح بتهديد أمن
(إسرائيل) ، ونحن مستعدون للقيام بكل ما هو ضروري من أجل ضمان احتفاظها
بالتفوق العسكري النوعي على العرب، يجب أن تعيش (إسرائيل) في حدود آمنة
من دون خوف من الإرهاب، وتتخذ بنفسها قرارات أمنها.
منذ ٢٥ عاماً كنت دائماً أصوّت لصالح (إسرائيل) تعبيراً عن ضميري وعن
اعتقادي بأن دعم (إسرائيل) دعم في صالح الأمن القومي الأمريكي. أنا في تحالف
معكم جميعاً.
[جريدة الخليج، العدد: (٧٣١٠) ]
الولاء الحقيقي
باعتباري عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي أقسمت على أن أدعم الولايات
المتحدة، ولكن لم أحلم أبداً بأنه سيطلب مني أن أقسم على الولاء لأي حكومة
أخرى - يقصد بذلك (إسرائيل) -. لقد أصبح مثل هذا الولاء المطلب الأكثر أهمية
في الحياة الأمريكية السياسية اليوم مما كان عليه عام ١٩٧٧م عندما نطق السناتور
جيمس أبو رزق بهذه الكلمات.
[مايكل بولين - مجلة قراءات، العدد (٣) السنة الثالثة - نقلاً عن اللوبي الصهيوني - أوراق فلسطينية]
ما وراء الأكمة؟
حذرت المخابرات الألمانية وزارة الداخلية الاتحادية وحكومة المستشار
شرودر مما وصفته بـ (موجة إرهاب أصولي) قد تتفشى في ألمانيا خلال الأعوام
المقبلة، وحسب تقدير المخابرات الألمانية فإن الإرهاب الأصولي سيشكل خطراً
داهماً ليس على البلدان الإسلامية فحسب وإنما على الغرب أيضاً، وذكرت أن
مراقبة حركة التنظيمات الأصولية المتطرفة في الشرقين الأدنى والأوسط وشمال
إفريقيا هي الموضوع الأساس لنشاط المخابرات الألمانية اليوم.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٨٩) ]
أول القصيدة ( ... )
قال الرئيس الجيبوتي الجديد إسماعيل عمر جيليه: إن فرنسا التي تقوم
بحماية جيبوتي من اعتداء محتمل من جانب إرتيريا لن تخشى أن يتم استبدالها
بالولايات المتحدة، لسنا نحن الذين سيطلبون من فرنسا أن ترحل، وإننا نأمل في
بقاء العسكريين الفرنسيين على أرضنا، بل وأن يكون هناك المزيد.
[صحيفة لوفيجارو الفرنسية / مترجم]
حياة أفضل.. أين؟
أشار تقرير منظمة العفو الدولية إلى اختفاء ثلاثة آلاف رجل وامرأة في
الجزائر منذ العام ١٩٩٣م بعد أن تم القبض عليهم من قِبَلِ قوات الأمن، وقالت
السلطات الجزائرية: إن المتخفين تركوا البلاد وانضموا إلى مئات الآلاف الآخرين
الذين هاجروا إلى أوروبا بحثاً عن فرص حياة أفضل.
[مجلة الشاهد السياسي، العدد: (١٥٨) ]
للنفط لا للشعب !
قال مارتن إنديك مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط:
إنه ما دام (صدام حسين) في السلطة فلن نقبل أن تكون عائدات النفط تحت سيطرته؛ لأنه سيستخدمها من أجل شراء أسلحة وتهديد شعبه.
[جريدة الأنباء، العدد: (٨٢٥٩) ]
لا تلوموني ولوموا أنفسكم!
من هو العالَم العربي الذي يشكو من علاقة إرتيريا بـ (إسرائيل) ، ومن الذي
لا يشكو؟ فإذا كان الفلسطينيون وهم طليعة المواجهة العربية مع (إسرائيل) قد
دخلوا في اتفاقات مع (إسرائيل) لا، وإذا كانت مصر والأردن وسواهما قد أقامت
علاقات دبلوماسية مع (إسرائيل) ، وأكثر من دولة عربية أقامت مصالح معها؟
إن الحديث عن الموقف العربي الموحد وعن العالم العربي الموحد غير
صحيح؛ لأنه -باختصار- غير موجود، كما أن الحديث عن إريتريا وكأنها تنتمي
إلى الجبهة (الإسرائيلية) مقابل الجبهة العربية هو أيضاً كلام يرفضه الواقع الإقليمي
والدولي.
[أسياس أفورقي رئيس إرتيريا، مجلة الأهرام العربي، العدد: (١١٣) ]
العمل.. يغتصب وهو يبتسم
أثبت الباحث الفلسطيني خليل التفكجي في دارسة حول شؤون الاستيطان أن
حزب العمل وقَّع خلال فترة حكم رابين ٨٣ مخططاً هيكلياً لبناء مستوطنات جديدة، كما صادرت حكومته ٣٠ كيلو متراً مربعاً من الأراضي الفلسطينية لشق الشوارع
الاستيطانية، كما ارتفع عدد المستوطنين في الضفة وغزة من ١٠٥ آلاف مستوطن
إلى ١٤٥ ألفاً. وعلى العكس - على الرغم من اللغة الأكثر تشدداً - صادقت
حكومة الليكود على بناء ١٧ مخططاً هيكلياً لمستوطنات جديدة، وصادرت ١٥
كيلوا متراً مربعاً للطرق الاستيطانية، فيما زاد عدد المستوطنين بنسبة أقل في
عهدها.
[مجلة المجتمع، العدد (١٣٥٢) ]
أخلاق بريطانية! !
١- استدعت الحومة البريطانية عشرات من جواسيسها العاملين في الخارج
عبد أن تم نشر أسمائهم على شبكة الأنترنت، وتبين أن ٩٠% من الأسماء الواردة
في القائمة هي لدبلوماسيين بريطانيين عاملين في الخراج.
[جريدة الخليج، العدد: (٧٣٠٠) ]
٢- كشفت تحقيقات هندية تورط جهاز الاستخبارات البريطانية في تهريب
أسلحة إلى إرهابيين هندوس، وضمت هذه الأسلحة بنادق آلية وقاذفات صورايخ
وأسلحة مضادة للدبابات.
[جريدة الخليج، العدد (٧٣٠٦) ]
عصر عمر بن عبد العزيز!
إننا نبحث عن فقراء لمنحهم الزكاة فلا نجد أحداً! ! فما دلالة ذلك؟ دلالته أن
الناس ارتفع مستواهم وهذه حقيقية، ومن صالحنا جميعاً أن نعترف بهذا، ومن
يتحدث عن خط الفقر فليأت في بهم لقد دارت في المجتمع عجلة الاقتصاد وتحركت
الأموال وتغير الكثير.
[د. إبراهيم فوزي رئيس هيئة الاستثمار المصرية، جريدة الأسبوع، العدد: (١١٥) ]
مبادئ اليسار
أود أن أقدم اعتذاري إلى عائلات الشهداء من الجيش وأسرهم الذين قتلوا في
المعارك ضد حزب العمال الكردستاني، وأعرب لهم عن مشاطرتي لهم في أحزنهم، وأطلب منهم مسامحتي والعفو عني، أريد أن أعيش لخدمة تركيا.
[عبد الله أوجلان، جريدة الأنباء، العدد: (٨٧٧٥) ]
من أين لك هذا؟
بلغت قيمة ممتلكات الرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو وأبنائه ١٥ مليار
دولار وتشمل هذه الأموال تسعة مليارات من الأموال النقدية، إلى جانب ثلاثة
ملايين هكتار من الأراضي و ٥٦٤ شركة في إندونيسيا.
[جريدة الخليج، العدد: (٧٣٠٣) ]
من هَمّ إلى هَمّ
أصيب نحو ٢٠٠ لاجئ في مخيم ألباني بتسمم بعد تناولهم لحوماً أوكرانية
منهية الصلاحية منذ ١١ عاماً.
[جريدة الخليج، العدد: (٧٣٠٩) ]
الجهاد باق
بلغت خسائر الجيش الفلبيني في المعارك مع مسلمي جبهة تحرير مورو: ٦٩
قتيلاً وأكثر من ثلاثين جريحاً، وتدمير دبابتين وسيارتين عسكريتين وذلك خلال
شهر واحد.
[تقرير جبهة تحرير مورو - لجنة الإعلام]
مرصد الأرقام
- قال تقرير رسمي بريطاني: إن سبعة ملايين من البريطانيين هم فعلياً
أميون؛ إذا لا يستطيعون القراءة والكتابة أو إجراء العمليات الحسابية.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٢٣) ]
- بلغت الوفيات الشهرية للأطفال العراقيين دون سن الخامسة ٦٠٠٠ طفل
بعد أن كان قبل الحصار ٥٤٠ طفلاً، أما الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن ٥
سنوات فقد وصلت الوفيات منهم شهرياً إلى ٦٨٠٠ طفل بعد أن كانت قبل الحصار
١٦٠٠ طفل.
[جريدة الشعب، العدد: (١٣٦٠) ]
- بلغت خسائر العراق من الحظر النفطي المفروض من قِبَلِ الأمم المتحدة
نحو ١٦٠ بليون دولار حتى نهاية شهر إبريل ١٩٩٩م.
[جريدة الحياة، العدد: (٣٢٣٥) ]
- يصل المخزون العالمي للألغام المضادة للأفراد إلى أكثر من ٢٥٠ مليون
لغم، وتحتل الصين وروسيا أكبر مخزون من هذا السلاح.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٢٣) ]
- ذكرت إحصاءات منظمة الصحة العالمية أن عدد المدخنين في العالم يقرب
من مليار ومئة مليون مدخن.
[جريدة الرياض، العدد: (١١٢٩٨) ]
- يمتلك الأفراد الأمريكيون أكثر من ٢٠٠ مليون قطعة سلاح، ويباع سنوياً
أكثر من ٧ ملايين قطعة سلاح.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٨٢) ]
- قالت الأمم المتحدة: إن عدد الوفيات بسبب مرض نقص المناعة المكتسبة
(الإيدز) وصل إلى ٢. ٣ مليون نسمة عام ١٩٩٨م.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٤٨٢) ]
- يتوقع أن ترتفع ثروة أغنياء الشرق الأوسط إلى نحو ١. ٢ تريليون دولار
سنة ٢٠٠٣م، وقد وصلت ثروة أكثر من ستة ملايين مليونير في العالم إلى نحو
٢١. ٦ تريليون دولار نهاية عام ١٩٩٨م.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٢١٩) ]
стр. 3135
قضايا ثقافية
دور المسلمين الحضاري في تطور العلوم
أ. د. عبد الله بن عبد الله حجازي
من الخطأ أن يُظنّ أن العلم المحمود يقتصر على دراسة علوم الشريعة فقط،
وأن ما وراءها نافلة يؤديها من شاء تطوعاً، أو يتركها وليس عليه من حرج ... ! ! هذا خطأ كبير؛ فإن علوم الكون والحياة، ونتائج البحث المتواصل في هذه العلوم
في زماننا هذا لا تقل أهمية عن علوم الدين المحضة. وحسبنا أن نعلم أن الإعداد
للعدو يتطلب معرفة كل سلاح، وهذا لا يتأتى إلا إذا نفرت طائفة من المسلمين
تتفقه في العلوم الكونية.
ولم يحضّ الإسلام أتباعه على العلم وهم مكتوفو الأيدي؛ بل هيأ لهم الحرية
الفكرية التي لولاها لما كانت هذه الأعداد الكبيرة من العلماء المسلمين منهم وغير
المسلمين في شتى علوم المعرفة. والحرية الفكرية التي بسط الإسلام سلطانها ذات
دلالة بالغة فيما يخص علاقة العلم بالدين الحق؛ ذلك أنه لم يشهد تاريخ الإسلام
حادثة واحدة من حوادث القتل أو الحرق من جراء الإفصاح أو التلميح بفكرة علمية
طبيعية، مثل كروية الأرض أو دورانها أو مثل ظاهرة قوس المطر. وعلى العكس
كان الحال في أوروبا؛ فقد كان عقاب الكنيسة لمن يصرح بمثل هذه الأفكار الحرق
حياً أو الإعدام شنقاً.
هذا، ولا يخفى بالطبع أن سكان الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا في معزل
عن العالم الخارجي من الناحية العلمية، إلا في أمور يسيرة اقتضتها ظروف
المعيشة آنذاك. لهذا فإن الإنجازات والإسهامات الهائلة التي شملت جميع فنون
العلوم والمعرفة ما كانت لتكون لولا هذا الدين العظيم دين الإسلام. ومن الصعب
أن نلم في هذه العجالة بما أنجزه المسلمون عبر القرون السابقة، وسنقصر الحديث
على الإسهامات والإنجازات التي كان لها أثرها المباشر في التقدم الحضاري
الإنساني الذي نعيشه اليوم.
إلا أنني أستبق القول، مستشهداً بما جاء على لسان جورج سارطون (ت
١٣٧٥هـ = ١٩٥٥م) شيخ مؤرخي العلوم - في عصرنا - في محاضرة ألقاها في
مكتبة الكونجرس الأمريكي عام ١٣٧٠هـ = ١٩٥٠م، فقد جاء فيها:
(يحاول نفر من المؤرخين أن يبخسوا قدر هذا الإنتاج العظيم بادعائهم أنه لم
يكن فيه ابتكار ما، وبأن العرب لم يكونوا سوى مقلدين ... ويبخسونه مرة ثانية
بقولهم: إن الأخذ من مصادر متعددة ليس - على كل حال - خيراً من الأخذ من
مصدر واحد. تلك طريقة في المجادلة مضللة، وخصوصاً إذا كان الكلام يتناول
الرياضيات. ثم إن الرياضيين العرب لم ينسخوا من المصادر اليونانية
والسنسكريتية نسخاً، ولو أنهم فعلوا ذلك لما جاؤوا بفائدة؛ ولكنهم جمعوا بين
المصدرين ثم ألقحوا الآراء اليونانية بالآراء الهندية. وإذا لم يكن هذا الذي فعله
العرب ابتكاراً، فليس في العلم إذن ابتكار على الإطلاق؛ فالابتكار العلمي في
الحقيقة إنما هو حياكة الخيوط المتفرقة في نسيج واحد؛ وليس ثمة ابتكارات
مخلوقة من العدم) [١] .
وقد أفلح المسلمون في شتى فنون المعرفة؛ ففي مجال الصيدلة تذكر
الموسوعة البريطانية: (أن كثيراً من أسماء الأدوية وكثيراً من تراكيبها المعروفة
حتى يومنا هذا أيضاً. وفي الحقيقة فإن المبنى العام للصيدلية الحديثة - فيما عدا
التعديلات الكيماوية الحديثة بطبيعة الحال - قد بدأه العرب) [٢] .
أما (لوبون) فيذكر أن: (الطب مدين للعرب بعقاقير كثيرة.. ومدين لهم بفن
الصيدلة وبكثير من المستحضرات التي لا تزال تستعمل كالأشربة واللعوق
واللزقات والمراهم والدهان والمياه المقطرة.. إلخ) [٣] .
إلا أنه من أهم مآثر المسلمين وإنجازاتهم في ميدان الصيدلة والأدوية إدخالهما
في نظام المراقبة، خصوصاً بعدما تفشى الغش وفسدت النفوس. يرى
(القفطي) [٤] و (ابن أبي أصيبعة) [٥]- كلٌ في كتابه -: أن (يوسف لقوة) الكيميائي كان من أوائل من أشار على الخليفة المأمون باختبار أمانة وصدق الصيادلة. ثم كان (زكريا الطيفوري) الذي اقترح على (الإفشين) أن يمتحن الصيادلة على هذا المنوال. وبالفعل، فقد تبين للإفشين أن غالبية الصيادلة المرافقين في المعسكر غشاشون، فأمر الإفشين بإحضار جميع الصيادلة، فمن أنكر معرفة تلك الأسماء التي وضعها الإفشين أَذِنَ له بالمقام في معسكره، ونفى الباقين عن المعسكر، ونادى في معسكره بذلك، وكتب إلى المعتصم يلتمس بعثه إليه بصيادلة لهم أديان ومطبّبين مثل ذلك، فاستحسن المعتصم فعله ووجه إليه بمن سأل. وهكذا سُنّ امتحانُ الصيادلة منذ ذلك الوقت، في عهد المعتصم، أي منذ عام ٢٢١هـ =٨٣٦، وبذلك كان المسلمون أول من أنشأ فن الصيدلة على أساس علمي سليم وأقام الرقابة على الصيدليات والصيادلة من خلال وظيفة الحسبة التي تقوم على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح بين الناس.
ولقد أقيمت الصيدليات ملحقة بالبيمارستانات وهي المستشفيات، وأقيمت مع
المعسكر على صورة مستشفى ميداني، وكانت حافلة بكل ما يحتاجه المرضى في
البيمارستان أو في المعركة.
ولقد كُتبت في الأدوية مؤلفات لا يسعنا أن نذكر منها إلا واحداً، وهو:
(الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) لعبد الله بن أحمد المالقي المعروف بابن البيطار
(ت ٦٤٦هـ =١٢٤٨م) ، جمع فيه معلومات يونانية، وأودعه مقدمة تعكس المنهج
التجريبي الذي اتبعه في تدوين المعلومات التي جمعها؛ فقد ورد في الغرض الثاني
من وضعه الكتاب قوله: (صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرره عن
المتأخرين، فما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لديّ بالخُبْر لا بالخَبَر ادخرته
كنزاً سرياً، وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه سوى الله غنياً، والتنبيه على
كل دواء وقع فيه وهْم أو غلط لمتقدم أو متأخر؛ لاعتماد أكثرهم على الصحف
والنقل، واعتمادي على التجربة والمشاهدة حسبما ذكرت من قبل) [٦] .
هذا وقد كان (ابن البيطار) يعاين منابت النبات ويتحقق من هويته قبل أن
يدوّنه. أما (رشيد الدين الصوري، ت ٦٣٩ هـ =١٢٤١م) ، فكان يصطحب معه
رساماً ويدرس النباتات في مواطنها وفي جميع مراحل نموها، ويتأمل هناك لون
النبات ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله، ويُصور بحسبها ويجتهد في محاكاتها [٧] ، وبهذا عرف الصيادلة من أي أجزاء النبات يكون العقار أفيد وأفضل، كما عرفوا
مواعيد جمع العقاقير من النباتات وجَنْيِها وقطفها، وكيفية ادخارها.
ولقد كان للصيدلة العربية أثرها في أوروبا؛ إذ كان استيراد العقاقير العربية
أحد الأركان الأساسية للتجارة الإيطالية مع الشرق العربي، بل إن ازدهار مدينة
البندقية يعود إلى الثروات التي أمكن جمعها من بيع العقاقير العربية ذات الثمن
المرتفع.
أما في مجال الفيزياء ومجال الكيمياء، فنقتصر على الإشارة إلى: (علم
الحِيَل) أو ما يسمى الآن بـ (علم الميكانيك) وما يشتمل على القوانين الثلاثة، التي
تنسب إلى نيوتن (ت ١١٤٠ هـ = ١٧٢٧م) ؛ فالقانون الأول: ويتعلق بالقصور
الذاتي أو ما يسمى (العطالة) ، ورد في كتاب (الإشارات والتنبيهات) لابن سينا (ت
٤٢٨هـ =١٠٣٧م) ، وقد جاء فيه ما نصه: (لا يجوز أن يكون في جسم من
الأجسام قوة طبعية تحرك ذلك الجسم بلا نهاية) . [٨] فهو ينفي الحركة الدائمة.
وبخصوص القانون الثاني: يذكر (هبة الله بن ملكا البغدادي، ت ٥٦٠هـ =
١١٦٥م) ما نصه: (وكل حركة ففي زمان لا محالة؛ فالقوة الأشد تحرك أسرع،
وفي زمان أقصر؛ فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة، فقَصُرَ الزمان، فإذا لم
تتناهَ الشدة لم تتناهَ السرعة، وفي ذلك: أن تصير الحركة في غير زمان وأشد؛
لأن سلب الزمان (أي قطع مسافة في مدة زمنية) في السرعة نهاية ما للشدة (أي شدة
القوة) [٩] .
وينص القانون الثالث: أن لكل فعل رد فعل مساوياً له في المقدار، ومضاداً
له في الاتجاه، وهذا ما يُفهم من قول فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦هـ =١٢١٠م)
في معرض شرحه لكتاب (الإشارات والتنبيهات) لابن سينا: (فالحبل الذي يجذبه
جاذبان متساويا القوة إلى جهتين مختلفتين لا يخلو إما أن يقال: إنه ما فعل واحد
منهما فعلاً، وهو محال؛ لأن الذي يمنع كل واحد عن فعله هو وجود فعل الآخر،
فلو لم يصدر من كل واحد من القادرين شيء لكان الفعل متعذراً على القادر من غير
مانع؛ وإنه محال، أو يقال: فعل أحدهما دون الآخر، وهو أيضاً محال؛ لأن
القادرين لمّا كانا متساويين، لم يكن الحكم بوجود مقدور أحدهما أوْلى من
الثاني [١٠] .
هذا وقد درس المسلمون الحركة في الماء وفي الهواء وفي الخلاء،
واستنبطوا (أن الجسم إذا تحرك في مسافة فكلما كان الجسم الذي في المسافة أرق
(أقل لزوجة) كانت الحركة فيه أسرع، وكلما كان أغلظ (لزجاً أكثر) كانت الحركة
فيه أبطأ) [١١] .
أو بعبارة أفصح وأوضح: (لو تحركت الأجسام في الخلاء لتساوت حركة
الثقيل والخفيف والكبير والصغير) [١٢] ، وهذا ما توصل إليه الفيزيائيون من واقع
التجربة، وبهذا بطل الرأي الذي خلفه اليونان وساد في أوروبا طويلاً ومفاده: أن
سرعة الجسم الساقط تزداد بازدياد وزنه.
وللمسلمين باع طويل في موضوع الجاذبية الأرضية وتجاذب الأجسام بعضها
من بعض، وفي هذا نقتبس النص الآتي: (المدرة تعود إلى السفل؛ لأن بينها وبين
كلية الأرض مشابهة في الأعراض: البرودة واليبوسة والكثافة، والشيء ينجذب
إلى مثله، والأصغر ينجذب إلى الأعظم) [١٣] .
وقد ابتكر المسلمون الساعة المائية، والساعات ذات الأثقال التي تفننوا في
تركيبها حتى غدت أعجوبة من الأعاجيب، منها ساعة الجامع الأموي الشهيرة التي
وصفها ابن جبير في رحلته [١٤] ، وقد بقي ذكرها يرن طوال أربعة قرون.
إلا أن أَجَلّ ابتكار عمله المسلمون في مجال الفيزياء كان في علم البصريات
الذي طوره ابن الهيثم أبو علي الحسن البصري (٤٢٩هـ = ١٠٣٨م) ، وأبدع فيه
حتى أوصله إلى الأوج، وهذا ما دفع المستشرق (مايرهوف) أن يصرح، وقد
بهرته بحوث ابن الهيثم في الضوء وأثارت إعجابه قائلاً: (إن عظمة الابتكار
الإسلامي تتجلى لنا في البصريات) [١٥] .
وقد ثبت بالتحري والتدقيق أن (روجر بايكون) (ت ٦٩٢هـ = ١٢٩٢م)
وفيتلو (ت ٦٦٩ هـ =١٢٧٠م) ، ومن بعدهما ليوناردو دافنشي (ت ٩١٧هـ =
١٥١٩م) ثم كبلر (ت ١٠٤٠هـ =١٦٣٠م) الذي كان يعمل على أثر فيتلو، والذي
تنسب إليه القوانين الثلاثة في حركات الأجسام السماوية، ثبت أنهم جميعاً استفادوا
كثيراً من كتاب ابن الهيثم: (المناظر) .
وإلى ابن الهيثم ترجع الحقيقة التي يدرسها طلابنا في المدارس والجامعات
وهى أن زاويتي سقوط الضوء وانعكاسه (وهما متساويتان) تقعان في مستوى واحد، وهو أول من نقض رأي إقليدس وبطليموس [١٦] حين قال: إن شعاع النور
يأتي من الجسم المرئي إلى العين وليس العكس، وهو أول من صرح بأن الضوء
لا ينتشر إلا في زمان، وإن كان (هذا الزمان) خفياً على الحس؛ أي أن للضوء
سرعة معينة ينتشر فيها.
ولا تقلّ إنجازات المسلمين في الكيمياء عنها في الفيزياء؛ فهم الذين جعلوه
علماً يقوم على أسس مدروسة، وذلك بعد طول معاناة وطول بحث أكسبهم خبرة
ومراناً في اكتشاف مواد جديدة مثل اكتشاف حمض الكبريت [١٧] ، وكانوا يسمونه: (الزاج الأخضر) . ومعلوم لدى الكيميائيين في الوقت الحاضر أن تقدم الأمم
صناعياً كان يقاس إلى وقت قريب بمقدار ما تستهلك من حمض الكبريت، حتى
سُمّي: (خبز الصناعة) . واكتشفوا حمض الآزوت (النيتروجين) وكانوا يسمونه:
(ماء الفضة) أو (الماء الناري) ؛ لأنه يفصل الفضة عن الذهب. وتوصل المسلمون
إلى أن المواد إذا تفاعلت فبنسب وأوزان: (الزنجفر يتخذ من الزئبق والكبريت.
يجمعان في قوارير ويوقد عليها فيصير زنجفراً، وللنار قدر تخرجه التجربة مرة
بعد أخرى، والوزن أن تأخذ واحداً من زئبق وواحداً من كبريت) [١٨] .
وهذا مفاد القانون الذي ينسب إلى بروست (ت ١٢٤٢هـ = ١٨٢٦م) ، وقد
تُوفي بعد الخوارزمي بأكثر من تسعة قرون.
بل إن القانون الذي ينسب إلى لافوازيه (ت ١٢٠٩هـ = ١٩٧٤م) وإلى
بريستلي (ت١٢١٩هـ =١٨٠٤م) باسم: (مصونية المادة) ، مأخوذ على ما يبدو
من كتاب (رتبة الحكيم) لمسلمة بن أحمد المجريطي (ت ٣٩٨ هـ = ١٠٠٧م) ،
وهذا ما حدا بغوستاف لوبون أن يقول: (قال بعض المؤلفين: إن لافوازيه هو
واضع علم الكيمياء، فنسوا أننا لا عهد لنا بعلم من العلوم - ومنها الكيمياء -
وكأنما صار ابتداعه دفعة واحدة، ومن المعلوم أنه كان عند العرب من المختبرات
ما وصلوا به إلى اكتشافات لولاها لما استطاع لافوازيه أن ينتهي إلى
اكتشافه) [١٩] .
بل إن روسكا الكيميائي الشهير وفيدمان الفيزيائي الكبير يربطان تطور
الكيمياء في بلاد الغرب بالكتب العربية التي تُرجمت إلى اللاتينية، وبخاصة كتب
الرازي (ت ٣١٣ هـ = ٩٢٥ م) وجابر بن حيان (ت ٢٠٠ هـ =٨١٥ م) ،
ويؤكد روسكا: (أن الفضل في تحويل السيمياء (وما تتضمنه من خزعبلات) إلى
شكل من أشكال العلوم المحضة - إن هذا الفضل يعود إلى الرازي، فكُتُبُه هي التي
دفعت السيميائيين في بلاد الغرب أن يسلكوا الطريق الصحيح، وكانت سبباً في
تطور الكيمياء التطور المطّرد [٢٠] .
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أن المسلمين استثمروا خبراتهم في
الكيمياء في استخراج الذهب من التبر، وأنهم اكتسبوا خبرة في التدابير الكيميائية
كالتقطير والتصعيد والتحليل والتشويه والتشميع ... إلى آخر هذه الأعمال التجريبية، وقد أفادتهم خبرتهم هذه في استخلاص العطور من أوراق الورد والنرجس
والياسمين والزنبق وأزهار النارنج ... وغيرها [٢١] .
وأخيراً: لا يحسن أن يُختم موضوع الكيمياء عند المسلمين دون التعريج على
اكتشافين عظيمين أنجزهما المسلمون، وكان لهما دور خطير جداً في حياة الإنسان
وتقدّم العلوم وتطورها المذهل بجميع فروعها.
أما الاكتشاف الأول فهو: اختراع البارود الذي عُزي في أول الأمر إلى
روجر بايكون، وثبت فيما بعد - نتيجة البحث والدراسة التي قام بها مسيو رينوا
ومسيو فافيه: (أن الصينيين هم الذين اكتشفوا ملح البارود واستعملوه في النار
الصناعية.. وأن العرب هم الذين استخرجوا قوة البارود الدافعة، أي أن العرب هم
الذين اخترعوا الأسلحة النارية) [٢٢] .
وأما الاكتشاف الخطير الآخر فهو: التطور الهائل الذي أصاب اختراع
الورق [٢٣] ، فلقد أحدث القرنان الثالث والرابع الهجريان انقلاباً عظيماً في صناعة الورق، محرراً مادة الكتابة من احتكار بلد من البلاد له، واستئثارها به، وصيره رخيصاً جداً. وكان الناس - طوال استعمالهم للبردي - يعتمدون على مصر. أما في النصف الأول من القرن الرابع الهجري - العاشر الميلادي، فقد عطلت كواغيدُ سمرقند - كما يذكر الثعالبي - قراطيسَ مصر، والجلودَ التي كان الأوائل يكتبون عليها؛ لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأوفق، ولا تكون إلا بسمرقند والصين. وكان أجود الورق آنذاك هو الكاغد الذي نقلت صناعته من الصين وناله على أيدي المسلمين تطوير مهم، فكان حدثاً عظيماً في تاريخ العالم؛ فلقد كان الأوروبيون يكتبون على الرقوق، وكان غلاء أسعارها مانعاً من توافر المخطوطات فيها، ونشأ عن ندرتها أن تعوّد الرهبان حَكّ كتب كبار المؤلفين من اليونان والرومان ليستبدلوا بها مواعظهم الدينية [٢٤] .
وبينما كانت صناعة الورق تقتصر في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، على بلاد ما وراء النهر فقط، انتشرت مصانع الورق في القرن الرابع، بفضل
التطوير والتحسين الذي قام به المسلمون في كلٍ من: دمشق، وطبرية، وطرابلس
الشام، وبلغت جودة الكاغد في القرن السادس الهجري بمدينة شاطبة بالأندلس
مرحلة لم يكن لها نظير بمعمور الأرض؛ فضلاً عن ذلك؛ فقد عم المشارق
والمغارب.
هذا، وانتقلت صناعة الورق الراقية من العالم الإسلامي إلى أوروبا إثر
الحروب الصليبية؛ فقد تعلمها أسير صليبي عند المسلمين ونقلها إلى فرنسا ومنها
انتقلت إلى أنحاء أوروبا.
ولسائل أن يسأل: لقد كان التراث الإسلامي الضخم في العلوم الكونية والطب
نتيجة جهود أعداد غفيرة من العاملين في هذه المجالات. ومنهم: البر والفاجر،
والمؤمن والكافر، ومنهم: المسلم واليهودي، والنصراني والمجوسي، فما الذي
يجعله تراثاً إسلامياًَ؟
أَجَلْ، إن هذا ما كان فعلاً؛ غير أن الحقيقة التي لا مراء فيها أنه لو لم يكن
- في ذلك العهد - للإسلام سلطانه على الحياة العامة، ولو لم يبسط الإسلام سماحته
على الناس جميعاً، ولو لم يهيئ المناخ الخصب للإبداع والابتكار لكل من عاش في
ظل سلطانه ... لولا ذلك لما تمكن هؤلاء وهؤلاء من أن ينجزوا ما أنجزوا.. دعك
من فرار النساطرة والمفكرين من مدرسة الرها، ومن المدرسة الأفلاطونية في أثينا، ومن مدرسة الإسكندرية التي أغلقها جستنيان. دعك من هؤلاء جميعاً؛ فإن
فرارهم من ملاحقة السلطان الروماني والكنيسة كان قبل ظهور الإسلام بأكثر من
قرن ... لكن ما بال حوادث البطش والتنكيل والقتل والحرق التي كانت شريعةَ
الكنيسةِ إزاء العلماء والمفكرين إبان القرون الوسطى الأوروبية؟ أي إبان كانت
سُرُجُ العلماء والمصنفين والمفكرين في البلاد التي حكمها الإسلام لا تنطفئ في
طول البلاد وعرضها.
فقد روى لنا التاريخ الذي كتبه الأوروبيون أنفسهم أن عدد الذين أُحرقوا وهم
أحياء في أوروبا وحدها، خلال ثمانية عشر عاماً، وذلك ما بين عام ٨٨٦ هـ =
١٤٨١م وعام ٩٠٥ هـ =١٤٩٩م، بلغ عشرة آلاف ومائتين وعشرين شخصاً،
وشُنق خلال المدة نفسها ستة آلاف وثمانمائة وستون فرداً، وكان من بين من أعدم
ثم أحرقت جثته العالم الفيزيائي (برونو) ، بتهمة أنه يؤمن بتعداد العوالم! ولا تخفى
على أحد قصة العالم الفيزيائي (غاليليو) ؛ فقد حكم عليه بالإعدام بتهمة أنه يؤمن
بدوران الأرض حول الشمس، ولم يَحُلْ دون التنفيذ إلا تظاهره بالتراجع أو النزول
على رأي الكنيسة، أما العالم (دي رومنس) فقد أُودع السجن حتى وافاه الأجل فيه،
ثم أُخذت جثته وكُتُبه وحوكمتا، وصدر عليهما الحكم بالحرق؛ ذلك لأنه صرّح بأن
قوس المطر ليست قوساً حربية بيد الله ينتقم بها من عباده إذا أراد، بل هي نتيجة
انعكاس ضوء الشمس على بخار الماء في الهواء.
والطريف أن ابن الهيثم، قبل دي رومنس بمئات السنين، لم يصرح بما
صرح به دي رومنس بخصوص قوس المطر فحسب، بل كتب رسالة بعنوان:
(قوس قزح والهالة) لا تزال تُقرأ حتى يومنا هذا، ولم ينل ابن الهيثم أذى، بل
استحق الإكبار والإعجاب.
والحق أن الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من الجهل والضلال ونقله إلى
العلم والهدى لأسمى من أن يُهين الإنسان، وكتاب الإسلام الأعظم يقول:
[وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] [الإسراء: ٧٠] .
стр. 3136
في دائرة الضوء
حاجتنا إلى التفكير الإبداعي
محمد أحمد الزهراني
لا شك أن الاهتمام بموضوع التفكير هو من الاهتمامات المطلوبة شرعاً.
والتفكير الإبداعي بخاصة هو مما ينبغي أن توليه جماعات أهل السنة وأفرادهم
اهتماماً كبيراً وخاصة في وقتنا الحاضر.
تشير بعض الدراسات إلى أن معارفنا التقنية والفنية والتدريبية تشكل فقط ١٥% من مجموع معارفنا، أما الـ ٨٥% الباقية فإن الأمور والصفات الشخصية فينا
هي التي تمثلها: كالحماس، والهدوء، واللياقة، والإبداع، والرفق، والتصميم،
والشجاعة ... إلخ. ولذلك؛ فإن رؤية الأشياء على حقيقتها ليست دائماً بالبساطة
التي نفترضها؛ حيث إن كلاً منا يبني تصوره للأمور في حدود عالمه وقدرات
حسه وعقله.
ونتيجة لما سبق: فإن ما ستحصل عليه هو نتاج ما تفكر فيه فقط.
الإبداع مقصود في هذا الدين:
لقد حرص الإسلام على تحرير العقول وتجردها من المؤثرات السابقة القائمة
على الظنون والأهواء والتقليد الأعمى الذي وُرِثَ عن الآباء والأجداد دون وعي أو
تمييز؛ قال - تعالى -: [وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أََنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أََلْفَيْنَا
عَلَيْهِ آبَاءَنَا أََوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ] [البقرة: ١٧٠] ، وعن
حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا
تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا
أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن اساؤوا فلا تظلموا) [١] .
وجاء عنه ﷺ في حديث أبي وهب الجشمي كما عند
أحمد وأبي داود [٢] : (أصدق الأسماء حارث وهمام) .
وقد قيل: ليس الإخبار عن صدق الاسم في ذاته، وإنما صدقه من مطابقته
لحال صاحبه الذي هو المسمى به أياً كان، فإن كل إنسان حارث أي: صاحب
حرث وعمل، وكل إنسان همّام أي صاحب تفكير في شأنه وأمره، وهذا الحديث
دليل على أن الجميع يفكر.
التعريف بعملية التفكير وكيف تحدث:
إن جسم الإنسان كل لا يتجزأ؛ لكن تقدم العلوم يكاد أن يجعل العقل غير
الجسم، بل يقسم العقل إلى أكثر من قسم، والذي يهمنا هنا هو أن العملية الذهنية
(والتي هي عملية افتراضية وضعت لتوضيح الأدوار الوظيفية في العقل) تنقسم إلى
ثلاثة أقسام هي: الوعي أو (العقل الواعي) ، واللاوعي أو (العقل الباطن) ،
واللاوعي الابتكاري.
١ - فالعقل الواعي هو الذي يقوم بوظائف منها: إدراك البيئة المحيطة وما
فيها من معلومات تهم الفرد واتخاذ القرار المناسب لمصلحة الفرد بناءً على هذه
المعلومات، ثم تقييم القرارات والتصرفات وربطها بما يستجد من المعلومات.
٢ - أما العقل الباطن أو (اللاوعي) فهو جزء من العقل، ووظائفه هي:
- التحكم في الوظائف التلقائية في الجسم (اللاإرادية) مثل: ضربات القلب،
والتنفس، وإفراز الغدد ... إلخ التي تعمل في وقت غياب الوعي بنوم أو إغماء أو
غيرهما.
- تخزين كل ما يحدث للفرد ويعرفه في صورة (ذاكرة) باعتبارها جزءً من
هذه المقدرة على التخزين؛ فإن باستطاعة العقل الباطن دفع أفعال الفرد وأفكاره
بصورة تلقائية أو مبرمجة في أنماط من الفعل تسمى: (العادات الفردية) .
والعقل الباطن يجمع كل ما يأتيه من المعلومات عن طريق (العقل الواعي)
ولا يميز بين ما ينبغي رفضه أو لا ينبغي.
٣ - وهناك اللاوعي الابتكاري: وتعد وظائفه من أهم مراحل العملية الفكرية
وهي:
- الحفاظ على العقل من الجنون؛ حيث إنه يشعر بجميع حالات الضغط
والتوتر والاضطراب العاطفي التي قد تسبب الإزعاج، فيقوم بالتخفيف من آثارها
على الصحة العقلية بتحويل هذه الحالات إلى أفكار ذات مغزى.
- حل المعضلات بطرق مبتكرة سريعة.
- إيجاد الدوافع القوية والمستمرة لتنفيذ أمرها.
- ابتكار الأساليب والوسائل التي تعين على تحقيق الهدف.
إن كثيراً من الأفكار التي ترد على العقل لأول مرة لا تتكون كلها في مستوى
الوعي، بل تقفز من اللاوعي كما لو أنها ولدت لتوّها.
وعندما يحرر الوعي نفسه من السؤال المطروح أو المشكلة التي أعجزه حلها
تنفجر الأفكار المبتكرة. ومع ذلك فإن تلك الأفكار المبتكرة لا تكون في حيز الوجود
إلا بعد أن يبدأ العقل الواعي في الاهتمام بالمشكلة وحلها لكي يشغل ملكة الإلهام لديه، ويجعلها تعمل بعد إحاطته بكل حقائق الحالة ومعطياتها ودراسة جميع الخيارات
المتاحة، ثم يسترخي العقل الواعي تاركاً خيال اللاوعي يشرع في العمل.
وبهذا؛ فإنك تعطي (الآلية الإبداعية) في ذاتك فرصة لتبدأ العمل، وستخوض
هي تلقائياً في المعطيات المتوفرة في اللاوعي لتخرج بالحل المناسب لتلك المعضلة، وأحياناً وأنت تفكر في الحل أو تكون مشغولاً بغيره تجد أن عقلك الواعي قد تسلّم
الزمام فُجاءة وأعطاك الحل [٣] .
ولعلنا نعرّف هنا ما يسمى بالإبداع؛ لأن الذي نريده هو الفكر الإبداعي:
فالإبداع: هو الإتيان بشيء جديد على غير مثال سابق؛ فعندما تواجه المبدعَ
مسألةٌ نظرية أو عملية يبدأ في إعمال فكره في إيجاد حل لها، وقد يكون لها حل
متعارف عليه؛ لكنه لا يقنع به ويبحث عن حل أفضل، ومع الإصرار وإجالة
الفكر والتأمل ينقدح في ذهنه حل للمسألة القائمة قد يكون فتحاً لمن بعده [٤] .
ومعظم الباحثين يرون أن الإبداع هو: تحقيق إنتاج جديد ذي قيمة من أجل المجتمع، وهو النشاط الفردي أو الجماعي الذي يقود إلى إنتاج يتصف بالأصالة والقيمة
والجدة والفائدة من أجل المجتمع. وبمعناه العام فهو إيجاد حلول جديدة للأفكار
والمشكلات والمناهج [٥] .
والتفكير الإبداعي: هو التفكير الذي يسعى إلى حل المشكلات والإجابة عن
التساؤلات بطريقة بديعة مبتكرة. والتفكير الإبداعي هو أن تسعى للحصول على
أبكار الأفكار التي لم تُسبق إليها، وإن كان لا يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفكار
كبيرة ومعقدة؛ بل المهم أن تساعد في حل مشكلة مهما صغرت هذه المشكلة [٦] .
إن على المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أنه ما من ظرف أو حالة أو موضوع
... إلا ويمكن إدخال شيء من الإصلاح عليه بإكثار ما فيه من الخير والفائدة وتقليل
ما فيه من الضرر.
إن إدخال مثل هذا الاعتقاد في مُرَكّبنا العقلي ضروري جداً لمقاومة سلسلة
الإحباطات التي تواجه المسلم في حياته [٧] .
ونحن تشتد حاجتنا إلى التفكير والإبداع؛ لأننا في مجتمع تعوّد الرتابة وتعود
أن يتلقى الأشياء وأحياناً الأفكار معلبة وجاهزة.
ولكن كيف السبيل إلى تحسين التفكير وتربية الإبداع؟ وما هي معوقات ذلك؟
سنتعرض أولاً لإنتاج الفكرة الجديدة، ثم نتعرف على بعض عوائق الإبداع،
ثم كيف نعلم الآخرين التفكير؟ وكيف نطوره ونرفع مستواه؟
إنتاج الفكرة الجديدة:
وذلك إما بالتعامل مع الأفكار القديمة وإما بإنتاج فكرة جديدة بالكلية:
أولاً: بالتعامل مع الأفكار القديمة؛ وذلك بإحدى الطرق الآتية [٨] :
١ - الاستعارة: وهي أن يستعير الإنسان فكرة موجودة ومطبقة في مجال من
المجالات، فيستخدمها في مجال جديد تكون فيه نافعة، وتحل مشكلة كانت موجودة
من قبل في هذا المجال.
ومثالها: توظيف شبكة الإنترنت وغيرها من شبكات المعلومات للتعريف
بالإسلام والدعوة إليه.
٢ - الإضافة: وهي أن يأتي بفكرة قائمة مطبقة لكن فيها نقص أو ثغرة،
فيضيف إليها ما يسد هذا النقص ويجعلها أكثر عملية وأعم فائدة وهو التطوير.
ومثالها: ما يذكر من تطوير وسائل النقل أو الأدوية أو الاتصال ونحو ذلك.
٣ - الجمع والمزج: وذلك بأن نأتي لفكرتين ونمزج بينهما لنخرج بفكرة
مركبة ثالثة نحل بها إشكالاً كان قائماً.
ومثالها: لو طرحت مشكلة في وضع دعويّ مّا، واقترح اثنان حلين مختلفين، فجاء ثالث وجمع بين الحلين ومزجهما وإن حذف بعض جزيئاتهما.
٤ - التعديل: بأن نأتي إلى فكرة قائمة نعدل فيها ونهذبها بحيث تناسب
وضعاً آخر.
ومثاله: بعض الدعاة رأى صفحات التعارف في المجلات تعج بأسماء عديدة
فاستغل هذه الفكرة في الدعوة إلى الله فكانت النتائج باهرة.
ثانياً: قد يكون إنتاج الأفكار الجديدة مستقلاً عن الفكرة القديمة وناتجاً عن
الشعور بالمشكلة والمعرفة بما يدور حولها.
- ولا يشترط في الفكرة الإبداعية أن تكون مركبة ومعقدة بحيث لا يستطيع
إبداعها إلا من كان صاحب تأهيل علمي في ذلك المجال؛ بل إن الأمر من السهولة
بحيث يتعجب بعض من يراها كيف لم يتفطن لها من قبل؟
يذكر أن شاحنة عالية دخلت تحت جسر فالتحم أعلاها بالجسر بحيث لا يمكن
تحركها دون أن يتأثر الجسر؛ وفي أثناء حيرة رجال الإنقاذ في كيفية إخراجها تقدم
طفل صغير إلى أحد رجال الشرطة وهو يستفسر عن سبب الحيرة، وعندما أخبره
رد عليه الطفل بسرعة قائلاً: فرّغوا إطارات الشاحنة من الهواء. وكان ذلك هو
الحل الوحيد.
أما السؤال المحتمل وروده هنا فهو: هل للإبداع علاقة بالذكاء؟
والذي عليه أكثر الباحثين في هذا الباب من علماء النفس والاجتماع [٩] أن
الذكاء ليس لازماً للإبداع وإن كان مؤثراً فيه. ويمكن القول: إنه لا صلة مباشرة
بين الذكاء والإبداع.
من عوائق الإبداع في التفكير:
١ - عدم التعود على التفكير.
٢ - عدم تخصيص أوقات للتفكير غير أوقات العمل والجهد البدني.
٣ - التفكير وقت الإرهاق والتعب الجسمي أو في وقت النعاس مثلاً. وهنا
يذكر أن أنسب الأوقات هو وقت ما بعد النوم الكافي لحاجة الجسم.
٤ - عدم حل المشكلات وتصورها تصوراً دقيقاً، وغموض بعض جوانب
المشكلات، والنظر إليها بنظرة من جهة واحدة، أو قل: عدم النظرة الشمولية
للمشكلة.
٥ - الظن أن الفكرة الإبداعية لا بد أن تكون جديدة من أصلها؛ وهذا أمر
خاطئ.
٦ - الظن بأن الإبداع إنما هو من نصيب الأذكياء والموهوبين.
٧ - الخوف من الإخفاق ولن يكون مبدعاً من لم يكن شجاعاً في تفكيره.
والانهزام المؤقت ليس إخفاقاً. وقد قيل: لولا المشقة لساد الناس كلهم.
٨ - وكذلك إلزام الإنسان نفسه التفكير بقيود سابقة أو بالطريقة التي يفكر بها
الناس.
يذكر أن إديسون اخترع المصباح الكهربائي بعد أن أجرى أكثر من ألف
تجربة غير ناجحة.
وأن ابن سينا قال: قرأت كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو فما فهمته حتى
قرأته أربعين مرة [١٠] .
ويكاد المبدعون أن يجمعوا أنهم واجهوا في بداياتهم إحباطات وصعوبات
وإخفاقات كادت أن تقعدهم عن الاستمرار.
كيف نعلّم الآخرين التفكير السليم؟
لا بد من الإشارة إلى تفاوت الناس في قدراتهم العقلية، وإلى تأثر مستوى
التفكير أحياناً بالبيئة النفسية والاجتماعية؛ ولكنْ هناك أمور يمكن بها أن يتقدم
تفكير الإنسان كثيراً بالاتجاه الصحيح: فمن ذلك:
١ - تعليم الآخرين ما هو الثابت في حياتنا وما هو المتغير، والقابل للتحويل
من أمورنا وعاداتنا.
٢ - تعويدهم الانتباه والنظر للمضار والمنافع لكل ما هم مقدمون عليه.
مثل: تنبيه الأطفال إلى مضار اللعب في الشمس المحرقة أو الجلوس فيها؛
وهو أمر يجعلهم يقتنعون بترك هذا الفعل فيما بعدُ بلا نهي عنه.
٣ - تعويدهم النظر في البدائل عن الأمر الذي يريدونه إن كان ضاراً، أو أن
غيره أنفع منه.
مثل: تفضيل لعبة نافعة على أخرى ليس فيها فائدة.
٤ - التعويد على النظر في جميع العوامل المحيطة بالموقف، وأخذها بعين
الاعتبار قبل إصدار أي حكم.
٥ - تركهم ليتخذوا بعض القرارات بأنفسهم تدريجاً مما يجعلهم أكثر تحرياً
للأصوب ونظراً في عواقب الأمور.
٦ - تشجيعهم على ما يفعلونه من صواب، والثناء عليهم وإعانتهم عند الخطأ، والتخفيف من الشعور بالإخفاق.
٧ - ربطهم بالله، وأن التوفيق من عنده - سبحانه -، والسعيد من وفقه الله
بسبب علاقته بربه قال - تعالى -: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً]
[الطلاق: ٢] وإن العلماء كان ذلك منهجهم؛ فقد كان شيخ الإسلام إذا استغلقت عليه مسألة بقي يستغفر الله حتى يفتح الله عليه.
كيف نحسن التفكير؟
بما أن قدراتنا العقلية على التحليل والتركيب وإدراك المترابطات متفاوتة؛
فإن عمليات تحسين التفكير تؤدي إلى نجاحات متفاوتة.
ولكن الذي يراه كثير من العلماء هو أن مستوى التربية الاجتماعية وثراء
المناخ العام أكثر تحكماً في تطوير التفكير وتحسينه من تأثير القدرات الخاصة.
وهذا أمر يجعل إمكانات تحسن التفكير أكبر مساحة وأسهل تحقيقاً.
ومن أهم الأمور التي تساعد على تحسين التفكير:
١- صرف وقت خاص له في حل مشكلة أو تطوير وضعٍ مّا، أو الاستفادة
من طاقةٍ مّا.
وحاول أن تجعل خطواتك العملية الصحيحة عادات تسير عليها لتصبح ضمن
برنامجك اليومي.
٢- أطلق لنفسك العنان في التفكير؛ فإنه لا بد للمفكر من الخيال الواسع،
ولا تحتقر أي فكرة في مجالٍ مّا مهما بدا أنها بعيدة أو صعبة التنفيذ.
٣- محاولة النظر إلى كل أمر أو مشكلة نظرة شمولية واسعة تعين على
المعرفة الصحيحة التي هي مفتاح كل عقدة وبداية لحل كل معضلة.
الإبداع والتغيير:
إن كثيراً من الناس لم يعرف حتى الآن قدرات عقله ولم يستفد منها كما يجب، وذلك ربما يعود لجهل هؤلاء الناس بخصائص ومزايا هذا الجهاز العظيم الذي
يسمى المخ، ولقناعتهم بالحد الأدنى من الاستفادة منه وهو ما ليس من صفات
العظماء والعباقرة على الإطلاق.
إن على المصلحين أن يعرفوا أن بداية الرقي في سلم الكمال وبداية السير في
الطريق الصحيح تكون بأمورٍ منها [١١] :
١- الشعور بأننا مهما حسن حالنا وتعدل تفكيرنا أنا لسنا في آخر مراقيه.
وعلينا أن ندرك أن التفكير الذي هو للتغيير ليس درساً نحفظه ولا نصائح نسمعها
من هذا وذاك؛ بل إن هناك من العقبات في أنفسنا وواقعنا الكثير الذي يحتاج إلى
التفكير للتغيير والحل.
٢- أن نعرف أن التفكير الذي نريده الآن هو إرادة وقدرة:
- إرادة تساعدنا على تجاوز العقبات، وترك الكسل والخمول وحب الرتابة
والبقاء على ما كان عليه من قبلنا.
- وقدرة تعني إدراكنا لما ينبغي أن يثبت في هذا الوجود؛ فلا يتحول أبداً،
وإدراكنا لما ينبغي أن يتغير فلا يثبت أبداً.
٣- ولا بد من الاطلاع والتعمق في الدراسات التاريخية والاجتماعية والنفسية؛ حيث تكشف لنا السنن التاريخية عن سنن الله في قيام الحضارات والدول وأُفولها؛ والذي معناه تمييز المقدمات من النتائج وسلسلة المتغيرات بينهما؛ والذي معناه
فهم النتائج برؤية المقدمات لمن وفقه الله - تعالى -.
وتُطلِعُنا الدراسات الاجتماعية على السنن التي تحكم اجتماع الإنسان مع
الإنسان، وما يحكم الظواهر الاجتماعية في نشأتها وتطورها؛ وذلك يجنبنا كثيراً
من التعسفات في تعاملنا مع تلك الظواهر وتعيننا على أن تكون الحلول والأحكام
أقرب إلى المنطق والواقع وأكثر قبولاً عند الناس والمدعوين.
وأما الدراسات النفسية فهي ضرورية لمعرفة الظروف الشخصية لأصحاب
الأفكار الصادة من حيث المكونات والدوافع وردود الأفعال.
٤- ولا بد من الانفتاح الذي يساعد في تكوين العقل والوعي بكل قضية
بحجمها الحقيقي ليتخذ بشأنها القرار الصحيح.
٥- ثم إنه لا بد أيضاً لكي نكون أصحاب فكر تجديدي ألا نُصغي لكل ما هو
شائع من أفكار وآراء وعادات؛ لأن كثيراً منه لا يكون شائعاً نتيجة جدارة ذاتية؛
فهناك سلطان اسمه: سلطان القديم؛ حيث يميل أكثر الناس إلى منح كل قديم مكانة
خاصة.
ثم هنا نظرة إلى بعض ما ينبغي أن نفكر في تغييره:
- فمن ذلك ما يخص الدعاة في أوضاعهم وأحوالهم.
- وما يخص المجتمع من حولنا وطريقة إصلاحنا له ...
وكلا القسمين يحتاج إلى تفكير.
إن التفكير في التغيير الذي نريد ينبغي أن يشمل كثيراً مما في أنفسنا نحن -
أهلَ السنة - وتجمعاتنا وأفكارنا مما لا يرضاه منهج أهل السنة.
وبعد ذلك؛ فإن صدق الرغبة في التغيير عند المصلحين تقتضي قوة المراجعة
والنقد البنّاء الذي يبنى على فكر صحيح يشخّص الداء ويصف الدواء، وعليهم إزاء
ذلك ألا يعيقوا تفكيرهم بآراء خاطئة سابقة ربما تُسقِط بعضَ الإمكانات المتاحة لحل
معضلةٍ مّا أو تغيير أمرٍ من الأمور.
إن لمعة الفكر هي التي تقود العمل.
والفكر المقلّد لا يقود؛ بل يشطح أو تصل حلوله متأخرة وناقصة؛ وإنما
الفكر الاجتهادي الإبداعي هو الذي يقود ويدق باب المستقبل [١٢] .
إن انطلاق أهل السنة والجماعة لاستيعاب لغة العصر وعلومه وثقافته،
وامتلاك أسباب القوة المادية في جميع المجالات ومنها قوة التفكير في التغيير في
الناس والمجتمعات ما زال فريضة شرعية شبه غائبة قبل أن يكون واجباً عقلياً أو
حتمية تاريخية.
وعلى أهل السنة قبل غيرهم أن يتوافقوا مع سنن الله الكونية، وأن يعملوا بها
بدلاً من إهدار طاقاتهم ووقتهم بعيداً عن ذلك [١٣] .
الدعاة والمصلحون اليوم بحاجة إلى مرونة في الذهن، وقوة التفكير في
التغيير ولكن بدقة ومرونة تميز بين المصالح والمفاسد ... مرونة كتلك التي علّمت
الخضر ﵇ كيف يوازن بين الإبقاء على سفينة المساكين المعيبة وبين
ذهابها بالكلية.
أما ما يخص التفكير في إصلاح المجتمع: فإنه لا زال أكثر الناس تتحكم فيهم
غريزة القطيع (التقليد) وهو السير مع الآخرين دون تحديد غاية، فتكثر الأخطاء
والخسائر.
أما نحن؛ فنحتاج إلى نظر جديد وفكر جديد يسد الثغرات القائمة في العمل
الإسلامي.
وبداية كل ذلك أن يجلس الدعاة ويعكفوا الساعات الطوال والليالي ذوات العدد
على التفكير في السبيل الأحكم والأسلم لهذا التغيير المنشود مستعينين في كل ذلك
قبله وبعده بساعات الثلث الأخير من الليل وطلب العون ممن له الأمر من قبلُ ومن
بعدُ وإليه ترجع الأمور.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 3137
مصطلحات ومفاهيم
التنوير
د. محمد يحيى
شاع مصطلح (التنوير) ومشتقاته من استنارة ومستنير وما أشبه في طروحات
العلمانيين في الآونة الأخيرة، وقُذِف في وجه أصحاب الفكر الديني الإسلامي الذين
وُصفوا بمفهوم المخالفة - بالظلاميين وما شابهه من النعوت. وكاد المصطلح من
كثرة ما لاكته الألسنة أن يفقد أي معنى؛ بل لعله فقده بالفعل وتحوّل إلى لفظ من
ألفاظ الاستحسان والمجاملة التي تطلق على الأشخاص المراد مدحهم، أو تعلق على
الأفكار على سبيل التفخيم والتعظيم دون أن يكون له نصيب من المضمون والمعنى. وأدى هذا التطور بنفر من الإسلاميين إلى كراهية هذا المصطلح ورفضه مما
صب في نهاية الأمر في خانة أعداء الإسلام الذين هللوا للعثور على دليل جديد بأن
الإسلام لا يحب (النور) ويفضل الظلام والجهل والتخلف؛ بينما راح نفر آخر من
الإسلاميين يحاول التأكيد على أن الإسلام هو دين التنوير في جوهره ووفق مفهومه
هو للتنوير.
وفي خضم هذه المعركة الفكرية المشتبهة الملتبسة غاب عن الأذهان إلى حد
بعيد (أصل التنوير) باعتباره اسماً أطلق على مذهب، أو تياراً فكرياً فلسفياً محدداً
ساد في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في فرنسا (وكان له الدور البعيد في
التمهيد للثورة على الملكية في ذلك البلد، ثم في الثورة الأمريكية التي تزامنت معها
تقريباً ضد الإنجليز) كما كان له فرع إنجليزي في الفترة نفسها تقريباً في فلسفات
العقلانية الإنجليزية والمذهب المعروف (بالألوهي) في العقيدة الدينية (المسيحية)
وهو الذي أطلق عليه اسم: (الدين العقلاني) .
وبصرف النظر عن التفاصيل والأسماء التاريخية الكثيرة المحيطة بهذا
المصطلح أو التيار الفكري (فولتير والموسوعيين الفرنسيين ويرأسهم ديديرو، أو
شافتسبري في إنجلترا ومعه جون لوك أو هوبز وأخيراً بركلي) فإن مما يغيب عن
الأذهان كذلك أن التنوير بالمعنى الدقيق في جوهره ارتبط بفكرتين أساسيتين قبل أن
تضاف إليه في الغرب ثم عندنا عشراتُ الأفكار الفرعية التي قد لا ترتبط بأصله
التاريخي ارتباطاً مباشراً. وهاتان الفكرتان الأساسيتان هما: العقلانية، ومحاربة
الخرافة والجهل التي ربطها أصحاب التنوير بالعقيدة المسيحية السائدة في الغرب
في ذلك الوقت وبالأصح بالكنائس هناك وممارساتها المختلفة. وهذه الفكرة هي ما
لخصت في تاريخ الفكر بعبارة: (العداء للكهنوت) .
والواقع أن العقلانية والعداء للكهنوت مرتبطان منطقياً وعضوياً في إطار فكر
عصر التنوير (وهو يسمى في اللغة الفرنسية (تفجر الأنوار) نسبة إلى كوكبة من
رجال الفكر المرموقين ذوي الأفكار العقلانية المتشابهة الذين ازدهروا هناك في
منتصف القرن الثامن عشر) ، لأن الفكرة العقلية تؤدي في حال الإيمان بها إلى
فضح المعتقدات والممارسات الكنسية التي لا تتسق مع العقل التي تنم عن الخرافة
والجهل اللذيْن يكرسهما الكهنوت الكنسي لخدمة مصالحه المادية وتعلقه بالنفوذ
الدنيوي.
مفهوم العقل إذن واتجاه (العقلانية) هو جوهر تيار أو فكر التنوير في أصله
الغربي؛ ولكن مفهوم العقل ذاته هو مفهوم خاص تشكل من عدة عناصر أو
توجهات نشأت في الفكر الغربي منذ عهد النهضة ووصلت إلى ذروتها في عهد
التنوير - منتصف القرن الثامن عشر - فقد كان هناك نقد الفكر والممارسة الكنسية
الكاثوليكية في العصور الوسطى: (عصمة البابوات، صكوك الغفران، احتكار
تفسير الإنجيل، فساد رجال الكنيسة، انتشار الخرافات، الخلافات العقدية العقيمة
التي كشفت فساد كل العقيدة، لُهاث الكنيسة وراء السلطة الزمنية وغلبة الطابع
الدنيوي عليها ... الخ) .
وصل هذا النقد إلى ذروته في عصر الإصلاح الديني كما أسمي هناك
بتركيزه على الفهم (العقلاني) للكتاب المقدس للمسيحية؛ ويعني: فهمه بمعزل عن
المؤثرات الكهنوتية المختلفة. وولد من رحم هذا الاتجاه نقد الكنيسة الكاثوليكية
(وهي الأكبر والأوحد في الغرب حتى ذلك العهد) وإن كان ذلك بالمعاكسة لتيار
أُسمي بـ (النقد المقدس) وهو اتجاه وصل إلى ذروته في القرن التاسع عشر وإن
كان قوياً وفاعلاً في الفترة التي أسميت بعصر التنوير. وهذا الاتجاه كان يعد
المؤثر الأكبر في تكوين مفهوم العقل والعقلانية؛ ويعني: تسليط مناهج الفحص
اللغوي والمنطقي ثم التاريخي بعد ذلك، والعلمي التجريبي - على نصوص الكتب
المقدسة عند المسيحيين.
ولقد أدى اتباع هذا المنهج من التحليل والنقد والدرس إلى الكشف عن
تناقضات كبرى وتباينات بين نسخ الكتب المقدسة وداخل النسخة الواحدة؛ فضلاً
عن مخالفات جسيمة للعلم التجريبي الطبيعي الذي كان ناشئاً في ذلك الوقت مع
اختلاط ذلك بتضاربات تاريخية وغلبة الخرافة والأقاويل على التاريخ الصحيح
الموثوق.
وبإيجاز: فقد زعزع النقد المقدس المنطلق من منهج علمي ومنطق لغوي (أو
ما عرف بالمنطلق (العقلاني) بالمخالفة مع (الإيماني) أو (الخرافي) أو (الكهنوتي [
في الثقة، بل مع الإيمان بتلك الكتب المقدسة، وأدى إلى اقتران مفهوم الدين
والعقيدة والقداسة ومعها الكنيسة ورجال الدين بنقائص الجهل والخرافة والاستبداد؛
فيما ارتبط المنهج العلمي التجريبي النقدي المنطقي بفضائل العلم والتقدم و (التنوير)
ووضع تحت مظلة اسم (العقل) . ومع هذه المكونات انضم تيار العلم المادي
الطبيعي التجريبي الذي كان قوياً وفي عنفوان ثقته بنفسه - ولا نقول غروره -
ليضاف إلى مفهوم العقل التنويري ومعه بقايا اتجاهات الفكر المادي الوثني الغربي
الذي يعود إلى عصور الفلسفة اليونانية والثقافة النابعة منها.
وبهذه المكونات الأساسية ومعها مكونات فلسفة التفكير والحس المشترك
والإدراك الإنجليزية نشأ وتكامل مفهوم العقل التنويري. والأهم من ذلك أنه نشأ
مرتبطاً بعداء دفين ضد فكرة الدين والعقيدة الدينية. وصحيح أن عداء هذا العقل
التنويري كان موجهاً في البداية ضد الدين المسيحي إلا أنه بعملية تعميم متسرعة
انسحب عداء (العقل) على كل الأديان وعقائد الألوهية. ولكن يلاحظ في هذا الصدد
أن مفهوماً معيناً لعقيدة الألوهية قد نشأ على هامش مبدأ العقلانية فيما قلنا إنه عرف
بمذهب (الألوهية) أو الدين العقلاني. ويعتقد هذا المذهب بوجود إله في الكون لكنه
يخالف تماماً العقائد المسيحية في هذا الصدد. وهذا الإله له وحدانية شاملة وصارمة
تكاد تشبه المفهوم العقدي الإسلامي؛ فهو صانع الكون؛ وأبلغ وأقوى الدلائل على
وجوده هي آياته الكونية المبسوطة في (كتاب الطبيعة) أو الوحي المشهود في وقت
أطاحت فيه الشكوك (بالوحي المقروء) أو الكتب المقدسة المسيحية.
غير أن هذا الإله في فكره الديني الألوهي أو الطبعي أو العقلي كان يشبه
تصور الإله في الفكر اليوناني عند أرسطو؛ لأنه معطل الصفات ولا يوحي بكتاب، كما أنه ليس قيّوماً على العالم بل يستغني عنه العالم الذي يدار بواسطة القوانين
الطبيعية (الأسباب والمسببات) وهي التي وضعها ذلك الصانع الأول ثم تركها تفعل
فعلها؛ فكان أشبه بصانع الساعة الذي ملأ نابضها ثم تركها ومضى. ولم يلبث هذا
المفهوم التعطيلي للإله في الدين العقلاني أن أدى بهذا الدين إلى مادية صرفة
تستغني بسهولة عن إله لا فعل له ولا أثر، وتحل محله قوانين المادة وهي التي
ينسب لها أصحابُ دين العقلِ الفعلَ الأصيلَ في الكون.
المفهوم المادي التجريبي العلمي للعقل ومعه العداء للدين - كل دين - وللوحي
السماوي وهيئات الدين ورجاله ورفض الجميع هو الميراث الأصلي والنهائي لعصر
التنوير الأوروبي، ولكن الدوائر العلمانية في عالمنا العربي والإسلامي، وهي تعيد
طرح الشعار لترويجه، تمارس لعبة خداعية أمام الجماهير المسلمة وكذلك أمام
سلطات الحكم في بلدان عديدة سلمتها أعنة الأجهزة التعليمية والإعلامية والثقافية
واسعة النفوذ؛ فهم يقولون إنهم يطرحون التنوير بمعنى العلم والقراءة والمعرفة،
أو بمعنى تبديد الأفكار المنحرفة المغالية في الدين التي يزعمون أن التيارات
الإسلامية (وهم يصمونها بالسلفية والجامدة والجاهلة) تنشرها، ولكنهم في حقيقة
الأمر يُخفون المفهوم الأساس للتنوير الذي بسطناه فيما سبق، ومع ذلك فإن
الممارسات والكتابات الفعلية لأصحاب دعوى ومزاعم التنوير المعاصرين تكشف
عن أن المراد هو مصادمة ومعاداة الإسلام، وهم يسقطون على الإسلام - وليس به
كنيسة ولا كهنوت - التهم نفسها التي رآها أصحابهم الغربيون في دينهم المسيحي
منذ ما يزيد عن القرنين من مثالب أو عيوب. وعندما لا يجدون في الإسلام عيوباً
مشابهة فإنهم يصطنعونها ويخترعونها اختراعاً، وعندما تُعييهم الحيلة يلجؤون إلى
الخديعة؛ فالغيبيات في الإسلام ومعها عقيدة الألوهية - ولا يكابر عاقل في أنها
تتفق مع العقل والحس المشترك - هذه الغيبيات تتحول عندهم إلى خرافات ينبغي
تطهير الإسلام منها؛ وكأنه سيبقى فيه شيء بعد نزعها؛ والشريعة الإسلامية التي
بنيت أحكامها على مقاصد يفهمها العقل بل وأنيط استنباطها للعقل تتحول عندهم إلى
كهنوت وتحكّم كنسي يريدون تطويره وخلخلته بحجة مراعاة الواقع والعقل. وما
قامت الشريعة إلا لتهدي الواقع بالعقل.
لكن الفيصل في الموضوع كله هو مفهوم العقل الذي تنطوي عليه دعوة
التنوير؛ فنحن هنا أمام عقل مادي، أو قل ملحد يجعل من نفسه المفهوم الوحيد
للعقل، ويذهب إلى وصم كل رأي يختلف معه (مهما كان (معقولاً) أو مدعماً بالحجة
والمنطق والدليل) بأنه خرافة ووهم. هذه هي آفة دعوى التنوير في طرحها الأخير؛ وهي إذ تزعم لنفسها أنها تريد الديمقراطية والحرية تقيم استبدادية تسلطية في
مجال الفكر تزيد كثيراً عن عهد الإرهاب الذي نصبه التنوير الغربي لخصومه من
(الرجعيين) عندما وصل إلى الحكم - أو كاد - في الثورة الفرنسية.
إن ميراث التنوير الأوروبي هو العلمانية الغربية في شتى صورها، بل وفي
أكثر صورها شراسة وعداء للدين. والعلمانية المنتشرة في البلاد العربية؛ تنقل
هذا الجزء الأخير من الميراث لكنها تستره مرحلياً بدعاوى جذابة حول الحرية
والديمقراطية والعلم والمعرفة، ولا تعمل في دنيا الواقع بأي من هذه الدعاوى بل
تناقضها، ولعل الرد السليم على هذا الموضوع برمته هو الطريق الوسط بين
رفض كل مفاهيم العقل، والقبول السهل وغير النقدي بمزاعم دعاة (التنوير) .
إن الحل هو الإصرار على أن الإسلام دين التنوير بمعنى نور الإيمان
والوحي في وجه ظلام الكفر والوثنية، وهو دين العقل المقارن الموحّد المفكر، لا
العقل الملحد الناقل بلا نقد لخرافات الأقدمين بعد إلباسها ثوب (التنوير) زوراً.
стр. 3138
متابعات
المصطلح وإشكالية الاصطلاح
مقدمة منهجية في فقه الاصطلاح وعلاج إشكالاته
على ضوء منهج أهل السنة والجماعة
حمدي عبيد
(إن ظلم الكلمات بتغيير دلالتها كظلم الأحياء بتشويه خلقتهم، كلاهما منكر،
وكلاهما قبيح، وإن هذا النوع من الظلم يزيد على القبح بأنه تزوير للحقيقة،
وتغليط للتاريخ، وتضليل للسامعين، ويا ويلنا حين نغتر بهذه الأسماء الخاطئة،
ويا ويح تاريخنا إذا بُني على هذه المقدمات الكاذبة) [١] .
بهذا الوصف الدقيق لخص الشيخ محمد البشير الإبراهيمي واقع المصطلحات
وإشكاليات الاصطلاح المتعددة. بعدما نجح رواد التسويق الثقافي في استلاب بعض
ألفاظنا الشرعية تارة وتفريغ مضمونها تارة أخرى، وازداد ذلك في ظل حالة
الضعف والوهن التي لا تفتأ فيها الشعوب المسلمة تردد تلك المصطلحات الضبابية
المراوغة دون وعي بمضمونها أو إدراك لحقيقتها، فمثّل ذلك أحد مظاهر التراجع
المعرفي والحضاري للأمة الإسلامية في قرونها الأخيرة ومظاهره، وبذا قَصّرت
في أشرف مهامها بعد تحقيق العبودية لله - تعالى - وإقامة الدين كله لله؛ في مهمة
الشهادة على الخلق كما أمر الله - تعالى -: [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا
شُهَدََاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] [البقرة: ١٤٣] ، أضف إلى ذلك
الاختلال الواضح في الكثير من المفاهيم بين أبناء الأمة وفئاتها، والاضطراب
البين في دلالاتها ومعانيها، الأمر الذي تسبب في ضياع التصورات، واختلاف
المعاني والدلالات من ذهن لآخر؛ فانقطعت بذلك سبل التواصل والحوار بينهم
(حتى أصبح أقرب إلى حوار الطرشان) .
فالمصطلحات كما أنها رسائل فكرية موجهة، فهي أيضاً وسائل للتفاهم بأقصر
طريق وأوضح دلالة وأقل مجهود؛ فهي - بحق - أدوات للتواصل والتعبير عما
تحمله من مفاهيم يتصورها الإنسان وينطلق منها في تدينه وردود أفعاله؛ حيث إن
(الحكم على الشيء فرع عن تصوره) .
إن هناك حكمة يمكن التماسها في تحذير الرب - جل وعلا - للصحابة الكرام- ﵃ من استعمال لفظ يحمل أكثر من دلالة في خطابهم للنبي -
ﷺ ناهياً لهم أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم. يقول -
تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ... ]
[البقرة: ١٠٤] .
وعلى ذلك المنهج الرباني ربّى النبي ﷺ الصحابة،
وعلى ذلك المنهج ساروا ﵃.
إنّ تعدّد إشكاليات الاصطلاح يدعونا أولاً إلى تعريفه وبيان ضوابط التعامل
مع المصطلحات بأنواعها، وأعني بالاصطلاح هنا ما عرف قديماً باسم:
(المواضعة) ، أو علم الحدود - أي: حدود الألفاظ، أو علم الدلالة الذي عرف بعد
ذلك بعلم المصطلحات لكثرتها وشيوعها في كل فن [٢] .
وعلى ذلك؛ فإن الاصطلاح في اللغة: مصدر اصطلح بمعنى اتفق، أما في
الاصطلاح فيعرفه الشريف الجرجاني (ت: ٨١٦هـ) بقوله: الاصطلاح عبارة عن
اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما يُنقل عن موضعه الأول. وقيل: هو إخراج
اللفظ عن معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما، وقيل: الاصطلاح اتفاق طائفة على
وضع اللفظ بإزاء المعنى، وقيل: الاصطلاح لفظ معين بين قوم معينين) [٣] .
أما أبو البقاء الكفوي (ت ١٠٩٤هـ) فيعرف الاصطلاح في (الكليات) بقوله:
(هو اتفاق القوم على وضع الشيء، وقيل: إخراج الشيء عن المعنى اللغوي إلى
معنى آخر لبيان المراد) [٤] أي أن الاصطلاح نوع من المواضعة، والوضع في
اللغة (هو جعل اللفظ (المصطلح) بإزاء المعنى، وفي الاصطلاح: (تخصيص
شيء بشيء متى أطلق، أو أحس الشيء الأول فهم منه الشيء الثاني) [٥] .
وما سبق يعني أن الاصطلاح ما هو إلا عملية وضع جديدة على حسب
شروط معينة، ومن هذه المصطلحات (المواضعات) ما يعرف حدها باللغة كالشمس
والقمر والسماء والأرض، وأقصد بالحد هنا: ما دل عليه الاسم على وجه الإجمال
فيما يميز بين الشيء المحدود وغيره، وأن حقيقته هي بيان مسمى الاسم، وتميز
المحدود عن غيره لا تصوير المحدود. ومن هذه المصطلحات ما يُعرف حدّها
ومسماها بالشرع وَحْدَه؛ وهي ما تعرف بالألفاظ الشرعية (الحقيقة الشرعية) حيث
تتعلق بها الأحكام مثل: الصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان والإسلام والكفر
والنفاق.. وغير ذلك من الألفاظ الشرعية.
ومنها ما لم يحدها الشرع بحد وليس لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة؛ بل تختلف باختلاف أعراف الناس وهي ما يطلق عليه: المصطلحات العرفية
(الحقيقة العرفية) سواءً كانت عامة مثل البيع والنكاح والدابة ... أو خاصة مثل ما
تعارف عليه أهل الصناعات في صناعاتهم.
ومفهوم المصطلح الواحد قد يختلف من طائفة لأخرى ومن بلد إلى بلد ومن
عصر إلى عصر؛ بل ومن دين ومذهب إلى آخر، وأحياناً تختلف هذه
المصطلحات أو دلالاتها لدى أتباع الدين الواحد؛ فمثلاً: العدل عند المعتزلة هو
نفي القدر؛ بينما معناه مختلف تماماً عند أهل السنة، وهكذا (التوحيد والتنزيه) عند
أهل الكلام عامة - ومنهم متأخرو الأشاعرة - هما مختلفان عما عند أهل السنة
والجماعة، وكذلك (الإيمان) نجد فيه الاختلاف نفسه في الدلالة عند الفرق الإسلامية
بينها وبين بعضها؛ فضلاً عما هو عند أهل السنة والجماعة.
هذا الأمر يضطرنا إلى أَنْ نعطي مزيداً من البيان عن كل نوع من أنواع
المواضعات السالفة مع الإشارة إلى بعض ما يطرأ عليها من إشكالات، وذلك فيما
يلي:
أولاً: ما يعرف حده باللغة: وهو ما يعرف بالحقيقة اللغوية أو الحقيقة
الوضعية، وفيها يقال: معنى الكلمة في اللغة كذا. والحقيقة اللغوية هي مدلول
الكلمة المستعملة فيما وضعت له؛ بحيث تدل على معناها بنفسها من غير حاجة إلى
علاقة أو قرينة، وذلك كاستعمال القمر للكوكب المعروف لا للوجه المشرق
مثلاً [٦] ، وكاستعمال الرجل للإنسان الذكر، والمرأة للأنثى الإنسان.
ثانياً: ما يعرف حده بالشرع: ويقصد به الألفاظ الشرعية أو الحقيقة
الشرعية، وهي ألفاظ لغوية استعملها الشارع مقيدة لا مطلقة على وجه يختص بمراد الشارع [٧] ، مثال ذلك: الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والكفر، والإيمان ... فالصلاة مثلاً في حقيقتها اللغوية تأتي بمعنى الدعاء، أما في لغة الشرع فإنها تنصرف إلى الأقوال والأفعال - ومن ضمنها الدعاء - المُبتدأَة بالتكبير والمختتمة بالتسليم وفق شروط خاصة معروفة عند الفقهاء، وعلى الرغم من أن هناك علاقة بين المعنيين إلا أن المعنى الشرعي للفظ ليس هو المعنى اللغوي نفسه؛ حيث إن الشارع قيّدها في حقيقتها اللغوية ببعض المعاني الشرعية المرادة فانصرف بذلك اللفظ إلى حقيقته الشرعية.
ومن نظائر ذلك (الزكاة) وهي اسم لما تزكو به النفس، وزكاة النفس زيادة
خيرها، وذهاب شرها، والإحسان إلى الناس من أعظم ما تزكو به النفس [٨] .
وهذه (الألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يُبحث عن مراد رسوله
بها ليُثبَت ما أثبته ويُنفى ما نفاه من المعاني؛ فإنه يجب علينا أن نُصدّقه في كل ما
أخبر، ونطيعه في كل ما أوجب وأمر) [٩] .
ويتفرع عن هذا النوع الثاني عدد من المسائل والإشكالات التي ترد عليها
ومن ذلك مثلاً: هل الألفاظ الشرعية من قبيل الاصطلاح؟ بمعنى: هل يصح أن
يقال مثلاً: الصلاة في اللغة كذا، وفي الاصطلاح كذا؟ يجيب عن ذلك أبو البقاء
في (الكليات) بقوله: (والاصطلاح مقابل الشرع في عرف الفقهاء؛ ولعل وجه ذلك
أن الاصطلاح (افتعال) من (الصلح) للمشاركة كالاقتسام، والأمور الشرعية
موضوعاتُ الشارعِ وحده لا بتصالحٍ عليها بين الأقوام وتواضعٍ منهم.
ويستعمل الاصطلاح غالباً في العلم الذي تحصل معلوماته بالنظر
والاستدلال) [١٠] . ويؤكد على نتيجة البحث هذه الدكتور بكر أبو زيد بقوله: (ثم ليعلم أن من هذه الألفاظ الاصطلاحية ما لا تثبت دلالته على وتيرة واحدة، بل يعتريها الاستبدال والسعة والضيق؛ بحيث تتسع مدلولاتها أو تضيق، وتختص بمعنى ما، لكن هذا التغير في نطاق مقاييس اللغة والشرع، وهذا التطور أيضاً في الألفاظ المتلقاة بنص من الشارع غير وارد، ولهذا حصل التفريق في ألقابها فيقال فيما ورد به نص: (حقيقة شرعية) ولا يقال: (حقيقة اصطلاحية) . والله أعلم) [١١] .
وهذا لا يمنع من أن هناك ألفاظاً خرجت من معناها الشرعي بمقتضى المعنى
العرفي الخاص فأصبح لها في عرف من اصطلحوا على معناها معنى خاص مثل:
التيمم، الشريعة، الفقه، وهذا النوع يصح أن يقال فيه أنه من قبيل الاصطلاح.
وبوجه عام فإن الألفاظ ذات المعاني الشرعية تنقسم إلى قسمين:
الأول: قسم مذكور باللفظ والمعنى في الكتاب والسنة وكلام أهل الإجماع؛
فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به [١٢] .
الثاني: قسم وقع فيه النزاع بين الطوائف، وهو أنواع كما يلي:
١ - أن يكون المعنى صحيحاً موافقاً للكتاب والسنة، واللفظ محدثاً ولكنه يدل
عليه، فلا مانع إذاً من ذلك باعتبار أنها مسألة اصطلاحية ولا مشاحّة في
الاصطلاح في هذه الحالة؛ وذلك ما لم يتضمن مخالفة شرعية أو مخالفة لمقاييس
اللغة، مع مراعاة أن يكون ذلك في حدود الضرورة؛ حيث لا تُعلّق مسائل العقيدة
ودلائلها على تلك المصطلحات المحدثة.
٢ - أن يكون المعنى باطلاً مخالفاً للكتاب والسنة، واللفظ لا يدل عليه؛ ففي
هذه الحالة لا يصلح إضافته ولا استعمال المصطلح له [١٣] . وهنا لا معنى لقولهم: لا مشاحّة في الاصطلاح؛ حيث إن المشاحّة واقعة لا محالة، ومن أمثلة ذلك:
استخدام الفلاسفة مصطلح العقل أو المادة ونحوهما في كلامهم على غير معانيها عند
العرب، ومثل ذلك ما استعمله أهل الكلام والفلسفة من ألفاظ التوحيد والإيمان
والسُنّة والشريعة ونحوها من الألفاظ التي يكثر استعمالها في ألفاظ التنزيل مما
يضيق المجال هنا عن ذكر معانيها عندهم بالمقارنة بما هو عند أهل السنة والجماعة.
٣ - هناك اصطلاحات قد تكون صحيحة المعنى؛ لكن المعنى مبتدع ولا يدل
عليه، وليس ذلك فقط؛ بل وفيه تلبيس وإجمال، وليس هو معناه في اللغة، ولكنه
مصطلح له ولطائفته؛ حيث يحمل في طياته حقاً وباطلاً واشتباهاً؛ فهذا يجب أن
تطبق عليه قاعدة الاستفسار والتفصيل، ومن ثم فَيُقْبَل ما فيه من حق، ويُرفَض ما
فيه من باطل؛ فالقبول والتسليم لهذه المصطلحات بالجملة خطأ، كما أن النفي
والرفض لها بالجملة خطأ أيضاً.
(وإن أكثر اختلاف العقلاء من البشر من جهة هذا النوع من الألفاظ المشتركة؛ بَلْ وينتج عنها من فساد الدين ما لا يعلمه إلا الله - تعالى - وحده) [١٤] لذا كان
(الأئمة الكبار دائماً ما ينهون عن استخدام هذه المصطلحات الموهمة والمشتبهة ذات
الدلالات المنحرفة مثل: الجسم والعرض والتحيز والانقسام والتركيب والجوهر
وغيرها من مصطلحات المتكلمين التي هي على غير معانيها في لغة العرب، وكان
لاصطلاح المتكلمين هذه المصطلحات وأمثالها ومحاكمة النص الشرعي على ضوئها
سبب مباشر في لجوئهم إلى النفي والتعطيل) [١٥] .
الضوابط المطلوبة في التعامل:
أولاً المصطلحات: ومراعاة لحيّز المقال سنشير باختصار إلى أهم هذه
الضوابط دون تمثيل إلا لما تقتضيه الضرورة.
وفي البداية لا بد من التأكيتد على أن (المعاني الشرعية تؤخذ من ألفاظ
التنزيل، ويُلتزم مدلول اللفظ، ونؤمن باللفظ سواء عرفنا معناه أو لم نعرفه؛ لأن
ذلك عبادة وضده معصية) [١٦] .
ثانياً: إن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها والمراد بها
من قِبَل النبي ﷺ لم يُحْتَجْ في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل
اللغة ولا غيرهم.
أما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها فذاك من جنس علم البيان، وتعليل
الأحكام، وهو زيادة في العلم، وبيان حكمة لفظ القرآن، وإن كان معرفة المراد بها
لا يتوقف على هذا.
ثالثاً: ما دل عليه العقل مجرداً عن السمع لا ارتباط له بالألفاظ؛ فلو عبر
عن معنى عقلي بعبارة موهمة باشتراك أو إجمال استفصلنا، فقبلنا المعنى الحق ولو
كانت العبارة باطلة.
ويقول أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مؤصلاً لهذه القاعدة:
(الألفاظ التي لا توجد في الكتاب والسنة، بل ولا في كلام الصحابة والتابعين لهم
بإحسان، وقد تنازع فيها الناس، فهذه الألفاظ لا تثبت ولا تُنفى إلا بعد الاستفسار
عن معانيها؛ فإن وُجِدتْ مما نفاه الرب عن نفسه نفيت، وإن وجدنا اللفظ أُثبِت به
حق وباطل، أو نُفي به حق وباطل، أو كان مجملاً يراد به حق وباطل وصاحبه
أراد به بعضها، لكنه عند الإطلاق يوهم الناس أو يفهمهم ما أراد وغير ما أراد،
فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها [١٧] .
رابعاً: هذا الضابط متفرع عن السابق له فيما يتعلق بالألفاظ المجملة
المشتركة، ويعد متمماً لقاعدة الاستفسار والتفصيل آنفة الذكر؛ حيث يبقى بعد ذلك
النظر في إطلاق اللفظ ونفيه، وهي مسألة فقهية؛ فقد يكون المعنى صحيحاً ويمتنع
من إطلاق اللفظ لما فيه من مفسدة، وقد يكون اللفظ مشروعاً ولكن المعنى الذي
أراده المتكلم باطل كما قال علي ﵁ لمن قال من الخوارج المارقين: (لا حكم إلا لله) (كلمة حق أريد بها باطل) [١٨] .
خامساً: الألفاظُ التي يُبنى عليها حكمٌ شرعيٌ العبرةُ فيها بالحقائق والمعاني لا
بالألفاظ والمباني، وما ذلك إلا لأن الله - تعالى - لم يحرم المحرمات لمجرد
أسمائها؛ بل لما اشتملت عليه من مفاسد مضرة بالدنيا والدين، ويمثل على ذلك
الأصل ابن القيم ﵀ بقوله: (وأوجب تبديل الأسماء والصور تبدل
الأحكام وإلا فسدت الديانات وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام.
وأي شيء نفع المشركين تسميتُهم أصنامَهم آلهة، وليس فيها شيء من صفات
الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نفعهم تسمية الإشراك بالله تقرباً إلى الله؟ وأي شيء
نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسمية ذلك تنزيهاً [١٩] .
سادساً: ومن هذه الأصول والضوابط أيضاً: مراعاة التطور الدلالي للفظ أو
للمصطلح، وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين الغربيين: (علم اجتماع المعاني)
وأشار إليه بعض آخر بـ (علم حفريات المصطلح) ، وأياً كانت التسمية فلا مشاحة
في الاصطلاح هنا، ولكن المهم أن يتم ذلك من خلال دراسة البيئة الزمانية
والمكانية التي ظهر فيها المصطلح، ومن خلال الوقوف على عادات عصر ظهور
اللفظ أو المصطلح، ومعرفة معناه في اللغة التي اشتق منها؛ أي معرفة لغته
الأصلية، مع دراسة العرف السائد وقت ظهوره بما يعني تتبع عناصر القوة
والضعف المحركة للأفكار والجماعات وأثرها في ولادة المصطلح ومفهومه؛ ومن
ثمّ متابعة مراحل تطوره الدلالي والمعرفي في كل طور من أطواره مع ملاحظة
مدى التغير الذي طرأ على اللفظ أو المفهوم ثم يُقارن لفظ كل مرحلة ومفهومها
بالمعاني والدلالات المقابلة له في اللغة العربية.
وفي هذا السياق نلحظ سَبْق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على غيره
من علماء الغرب أمثال: دونالد سشان، وإريك دي بوولييه، وجون ويلي،
وميشال ونستون الذين لم ينتبهوا إلى هذا الأصل وذلكم الضابط إلا في نهاية القرن
العشرين الميلادي.
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ سبب ذلك بقوله: (دلالة
الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغةٍ وعادةٍ
واصطلاحٍ أحَدَثه قوم آخرون بعد انقراض عصره، وعصر الذين خاطبهم بلغته
وعادته كما قال - تعالى -: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ]
[ابراهيم: ٤] [٢٠] .
سابعاً: ينبغي التفريق بين دلالة الألفاظ في الكتاب والسنة وبين الإطلاق
العرفي لها.
ومثال ذلك (الحدود) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الحدود
في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام مثل: آخر الحلال،
وأول الحرام؛ فيقال في الأول: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا] [البقرة: ٢٢٩] ،
ويقال في الثاني: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا] [البقرة: ١٨٧] ، وأما تسمية
العقوبة المقدرة حداً فهو عرف حادث) [٢١] ، ومثال ذلك: (الفقه) الذي أخذ يتقلب
في عدد من الأطوار اكتسب في كلٍ منها دلالة مختلفة عن الأخرى [٢٢] .
ثامناً: وضمن هذه الضوابط: مراعاة السياق ومقتضى الحال والنظر في
قرائن الكلام عند تفسيرها [٢٣] ، فمثلاً لو أن للفظ معنيين واضحين: أحدهما يدل
على الحقيقة اللغوية، والآخر يدل على الحقيقة الشرعية؛ فيحمل على الشرعية إلا
أن تدل قرينة على إرادة الحقيقة اللغوية [٢٤] .
ومثال ذلك: قول الله - تعالى -: [وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ]
[التوبة: ١٠٣] المعنى: ادع لهم فإن دعاءك تثبيت لهم وطمأنينة؛ لأن لفظ الصلاة
يدور بين حقيقته اللغوية والشرعية، ولكن قرينة الحال بالنسبة للرسول -صلى الله
عليه وسلم- هنا تستوجب حمل اللفظ على الحقيقة اللغوية.
تاسعاً: من تفريعات الضابط السابق: أن اللفظ ذا المعنى الشرعي إذا دار
بين الحقيقة الشرعية والعرفية فإن الحقيقة الشرعية أوْلى؛ لأن الشرع ألزمه [٢٥] .
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (واعلم أن التحقيق: حمل اللفظ على
الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية، ثم المجاز عند القائل به إن دلت عليه
قرينة) [٢٦] .
عاشراً: ينبغي اعتبار مراد المتكلم ومقاصده، ولا يُكتفى في ذلك بمجرد فهم
هذه الألفاظ والمصطلحات، ولكن يُضمّ النظير إلى نظيره؛ يقول ابن القيم:
(فالحقيقة تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف، والإضافة تابعة لفهم
السامع وإدراكه، وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة تختلف اختلافاً متبايناً بحسب تباين السامعين في ذلك) [٢٧] ولم
يكتف ابن القيم باعتبار مراد المتكلم ومقاصده فقط، ولكن أضاف أيضاً فهم السامع
وإدراكه وأثره على اختلاف المفاهيم للألفاظ والمصطلحات. وفي الواقع يعد هذا
الأصل بالإضافة إلى ما سبق من أصول من أبرز سمات العدل والإنصاف في منهج
أهل السنة والجماعة في قضية الحكم على الأشخاص.
الحادي عشر: إن مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم أمر غير
مكروه إذا احتيج إليه بشرط أن تكون المعاني صحيحة، وإنما يكره ذلك إذا لم يحتج
إليه، ومن ذلك جواز ترجمة القرآن والحديث وقراءة كتب الأمم بلغاتها [٢٨] ،
ويضيف شيخ الإسلام ﵀ على كلامه السابق قوله: (ونحن نحتاج إلى
معرفة اصطلاحهم وهذا جائز، بل حسن، بل قد يجب أحياناً) [٢٩] ويقرر في
التعامل مع ذلك قاعدة كلية بقوله: (ومعرفتنا بلغات الناس واصطلاحاتهم نافعة في
معرفتنا مقاصدهم، ثم نحكّم فيها كتاب الله - تعالى -؛ فكل من شرح كلام غيره
وفسره وبيّن تأويله فلا بد له من معرفة حدود الأسماء التي فيه) [٣٠] وقد سبق بيان
شيء من ذلك.
ولا أحب أن أترك هذا المقام قبل الإشارة إلى ما قرره شيخ الإسلام - رحمه
الله - من أن السلف لم يذموا المصطلحات الغريبة، ومنها: الفلسفية، والكلامية،
وغيرها، لكونها محدثة ولكن لاشتمالها على معانٍ مجملة فيها من الباطل المذموم
في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه؛ في الوقت الذي قد تحمل فيه من الحق
المشروع في الوقت نفسه [٣١] وقد سبق بيان ذلك.
الثاني عشر: من تتمة البحث أن أذكّر أنه ينبغي أن يفرق بين اللفظ الذي
يدعى به الرب - جل وعلا - أو يعبد به - حيث لا يُدعى الله - تعالى - إلا
بالأسماء الحسنى والصفات العلى وهي أسماء وصفات ألفاظها توقيفية - وبين ما
يُخبر [به] عنه لإثبات حق أو نفي باطل؛ حيث إن (الفرق بين مقامَي المخاطبة
والإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل، يقول - تعالى -: [وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى
فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ] [الأعراف: ١٨٠] ، وعليه يصح أن
يدعى ويقال: يا رحمن يا رحيم، ولا يقال: يا شيء) [٣٢] .
ومن ذلك أيضاً: أنه ينبغي التأدب مع النبي ﷺ في مقام
المخاطبة والإخبار أيضاً لقوله - تعالى -: [لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ
بَعْضِكُم بَعْضاً] [النور: ٦٣] ، أما مقتام الإخبار عنه ﷺ
فيصح أن نخبر عنه باسمه كما أخبر الله عنه -صلى الله عليه
وسلم- بقوله: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ]
[الأحزاب: ٤٠] ) [٣٣] .
ثالثاً: ما يعرف حده بالعرف: وهو ما يطلق عليه: المصطلح العرفي أو
(الحقيقة العرفية) والحقيقة العرفية: هي ما صار اللفظ دالاً فيها على المعنى
بالعرف لا باللغة، فهو يكون تارة أعم من المعنى اللغوي، وتارة أخص، وتارة
يكون مبايناً له لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها [٣٤] .
أي أن العرف أخرج اللفظ عن معناه اللغوي إلى معنى آخر، وقد يكون ذلك
المعنى عاماً يعرفه به عموم الناس في بلد معين، وعليه فإن هذا الوضع يسمى
بالوضع العرفي العام، ومثال ذلك كلمة (دابة) فهي تعني في اللغة: كل شيء يدب
على وجه الأرض فهو دابة. وفي العرف يطلق على الفرس والحمار والبغل؛
وسمي هذا الوضع عرفياً عاماً لأن الجميع مشتركون في فهم معناه عند إطلاقه من
غير رجوع إلى الوضع اللغوي الأول [٣٥] .
أما الوضع العرفي الخاص فهو ما يضعه أرباب كل مهنة أو فن معين لسرعة
التفاهم بينهم؛ فإذا أطلق (المصطلح) انطلق الذهن مباشرة إلى ذلك المعنى.
يقول ابن الجوزي: (إن لأرباب كل صناعة ألفاظاً يتداولونها بينهم في
مجاراتهم، وقد وضعوها بإزاء مسميات يحتاجون إليها في محاوراتهم فلا يقف
غيرهم على موضوعها إلا بتوقيف منهم) [٣٦] ، وقد يختلف أهل هذا الاصطلاح - العرفي - حول المصطلح نفسه سواء داخل المذهب أو خارجه.
وأحياناً يكون للمصطلح الواحد عدة معان، ويكون لبعض هذه المعاني
مصطلحات أخرى، تحمل معانيَ أخرى أيضاً؛ فمثلاً: بين الفقهاء من يطلق عقد
السّلَم على عقد السّلَف، ومنهم من يسمي عقد المضاربة بعقد القراض.
وكذلك عقد الإجارة يسميه بعضهم: عقد الكراء. وجمهور الأصوليين يطلقون
مصطلح الفرض على الواجب بينما يفرق بينهما أصوليو الأحناف.
وقد يكون (اختلافه إقليمياً لعادة عرفية: قولية، أو فعلية، أو يكون تحت
تأثير وطأة القوانين الوضعية في البلاد العربية والإسلامية، أو يكون لمداخلة
العجمة تحت وطأة السلطان الأعجمي إلى غير ذلك من أنواع الاختلاف، ومهما
كانت جوانبه متعددة ومتنوعة فإنه بتنزيل المختلف فيه على اللغة العربية بمقاييسها
والشريعة بقواعدها يزول الاختلاف ويتوحد الاصطلاح) [٣٧] . وفي ذلك يقول ابن
حزم: (لو اتفقت مصطلحات الناس لانتهت ثلاثة أرباع خلاف أهل الأرض) [٣٨] .
هذا ولتفصيل إشكالات الاصطلاح العرفي ومنهج التعامل معها حديث آخر.
стр. 3139
متابعات
القرآن والسنة تراث
مروان كجك
عرضت مجلة البيان الغراء على قرائها في العدد (١٣٧) ملفاً خاصاً بالتراث، وقد اتجهت معظم المقالات فيه إلى تجنيب القرآن الكريم والسنة المطهّرة
الانضواء تحت مسمّى (التراث) خشية إخضاعه لما تخضع له أنواعه الأخرى، إلاّ
أننا نرى أن القرآن الكريم والسنة الشريفة صفوة ما نملكه من تراث وأطهره
وأصمده في وجه الأعداء والعابثين.
فالتراث لغةً هو الإرث والميراث. ونقل ابن منظور عن ابن الأعرابي أن:
الوِرْث، والوَرْث، والإرْث، والوِراث، والإراث، والتّراث واحد. وقال
الجوهري: الميراث أصله مِوْراث، انقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها. والتراث،
أصل التاء فيه واو. وقال ابن سيده: الوِرْث، والتراث، والميراث:
ما وُرِثَ [١] .
وقد ورد لفظ التراث في الكتاب المبين في قول الله سبحانه: [وَتَاًكُلُونَ
التُّرَاثَ أَكْلاً لَّماً] [الفجر: ١٩] . قال ابن كثير ﵀ في تفسير ذلك: (يعني
الميراث، من أيّ جهة حصل لهم: من حلال أو حرام) . وهو هنا يحمل المعنى
المادي من مال ونحوه.
إلاّ أن الإيراث ليس مختصاً بالمادة؛ إذ إنه يشمل كل منتقل ومتوارث؛ سواء
كان جرماً أو معنىً؛ ومنه قول النبي ﷺ : (العلماء ورثة
الأنبياء؛ وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً؛ وإنما ورّثوا العلم فمن أخذه فقد
أخذ بحظ وافر) [٢] .
ولا يمكن صرف المقصود من الوراثة هنا إلى المسائل المادية المالية؛ لأنها
تعني، وبوضوح كامل لا حاجة معه إلى شرح وتفسير، وراثةَ المبادئ والعقائد
والقيم.
وكما تورَث الماديات والقيم؛ فكذلك توهَب؛ ففي الماديات قول الله سبحانه
وتعالى: حكاية عن سليمان -: [قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ
مِّنْ بَعْدِي إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ] [ص: ٣٥] .
وفي الهبة المطلقة التي تحتمل المادية والمعنوية يقول سبحانه مخبراً عن حال
الراسخين في العلم: [هُوَ الَذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ
وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاًوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ
عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا
مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ] [آل عمران: ٧، ٨] . فمن الرحمة المطر وهو
مادة، ومنها السكينة وهي حال معنوية نفسية؛ فسبحان الكريم الوهّاب.
وبذلك يتبين لنا أن من ألفاظ لغة العرب ما يدل على كلّ من الأجرام والمعاني؛ بل إن ما في لغة الضاد من الحيوية والمرونة والاستجابة لمختلف معطيات الفكر
البشري كالبيان والتضمين وما إلى ذلك إن في ذلك ما يجعلها تتسع لكل مصطلح،
وقادرة على صياغته اللغوية بما يناسبه من مبانيها وأوزانها واشتقاقاتها.
فقد ورد في الكتاب العزيز الفعل (ورث) وبعض ما أخذ منه واشتق، وقد
ذكرنا طرفاً منها في أول المقال، مما يؤكد أن المصطلح بمفهومه العام لا يتعارض
وقولنا: إن القرآن الكريم والسنة النبوية تراث! ولا يعني إدخالهما في دائرة
التراث إخضاعهما للشك أو الريبة كما يفهم المصطلحَ الغربيون وثلة من المفكرين
المتغرّبين من بعض العرب والمسلمين؛ فهم قلة على الرغم من علو عقيرتهم.
ومنطق القرآن الكريم يؤكد وراثة الكتاب؛ وأن الوارثين ثلاثة أصناف؛ إذ
يقول الله سبحانه: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ
وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخََيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ]
[فاطر: ٣٢] . ولعل الثلة السابحة في بحار أوهامها، ومجاري تخرّصاتها، ونشيج خيبتها هي من الصنف الأول.
فليس لأجل هذه الفئة الشاذة الضالة نحجم عن اعتبار القرآن والسنة تراثاً.
إن القرآن الكريم والسنة الصحيحة هما أقدس ما نملك من تراث، بل هما
أجلّ ما تملكه البشرية من كلمة.
وليس من خوف في اعتبار القرآن والسنة الصحيحة تراثاً؛ ولا يعني ذلك
إخضاعهما لمبدأ الشك؛ فهما فوق الشبهات، كما لا يعني إخراجهما من دائرة الشك
أن ذلك سيحميهما من هجمات المبطلين؛ فلطالما كانا غرضين لسهام الأعداء منذ
نزل قول الله سبحانه: (اقرأ) وقبل أن يردنا اصطلاح التراث بالتصور الغربي.
ومما يدل على أن القرآن الكريم تراث لهذه الأمة قوله سبحانه مما قصه عن
زكريا - عندما دعا ربه أن يهب له ولياً يرثه ويرث من آل يعقوب: [كّهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِياً (٣) قَالَ رَبِّ إنِّي
وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاًسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِياً (٤) وَإنِّي خِفْتُ
المَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِياً (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ
مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِياً (٦) يَا زَكَرِيَّا إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ
نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِياً] [مريم: ١ - ٧] . ومعلوم أن وراثة الأنبياء ليست وراثة
مال بل وراثة كتاب ودعوة وقِيَم؛ ومما يؤكد ذلك قول النبي -صلى الله عليه
وسلم-: (لا نورث؛ ما تركناه صدقة) [٣] .
وقال سبحانه في وراثة سليمان داود؛ وهي ليست وراثة مال أيضاً:
[وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ
هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ] [النمل: ١٦] .
أما وراثة الأمة والجماعة للكتاب وإن لم تقم بحق هذه الوراثة فيقررها الله
سبحانه في كتابه العزيز بقوله: [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَاًخُذُونَ
عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإن يَاًتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاًخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم
مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ
لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ] [الأعراف: ١٦٩] .
وقوله تعالى: [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الكِتَابَ]
[غافر: ٥٣] .
وقوله تعالى: [وَمَا تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الَذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي
شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ] [الشورى: ١٤] .
وبذلك ندرك أنه لا داعي للإعراض عن اعتبار كلّ من القرآن الكريم والسنة
الصحيحة تراثاً؛ فهما في قمة التراث وأقدسه وأطهره، والأحق بالرعاية والدراية،
واللذان لا يخضعان البتة لما تخضع له بقية فروع التراث النابعة عنهما أو بمشاركة
غيرهما، كالتراث الأدبي أو المعماري، أو غير ذلك من فروع ما يقع تحت
مصطلح التراث وأقسامه.
стр. 3140
المنتدى
تعقيب على ملف التراث الإسلامي
محمد نجيب لطفي
مما يُحمد لمجلة البيان (الغراء) هو تقديمها لبعض الملفات في قضايا شرعية
هامة واستكتابها لذلك كوكبة من الكتاب والمفكرين المؤهلين لذلك علمياً وفقهياً
وتأصيلياً، وكان ملفها عن القبورية من التأصيل والشمول بمكان.
وفي عدد المحرم (١٤٢٠هـ) كان الملف بصدد (التراث الإسلامي بين الأصالة
والتزييف) ولم يكن على مستوى ملف القبورية - من وجهة نظري - وقد تكون
وجهة نظري خاطئة، وأرجو أن تكون كذلك؛ ولكن اسمحوا لي بطرح هذه النقاط
بصدد هذا الملف:
أولاً: لم يكن على مستوى الطرح الجيد للملف سوى مقالَيْ: (تحقيق التراث
في العصر الحديث الإيجابيات والسلبيات) لفضيلة الدكتور عثمان جمعة ضميرية،
و (ضوابط لتحقيق الأحاديث) لفضيلة الشيخ طارق عوض الله محمد، أما بقية
المقالات (وهي ثلاثة) فقد غلب عليها الطابع الإنشائي وسطحية الطرح بالنسبة
للكتابة في هذا الموضوع الخطير.
ثانياً: كان ينبغي التعرض لبيان أسماء بعض المؤلفات وبعض الكتاب الذين
ساهموا في تشويه هذا التراث العظيم حتى يحذرهم القراء؛ فطرح الملف دون بيان
لحال بعض المؤلفين السيئين وكذلك بعض المؤلفات السيئة يجعل الملف ناقصاً؛
وكان يمكن استكتاب متخصص في هذا الصدد ليكون الملف شاملاً مفيداً، وقد
يخرج بعض القراء من قراءة الملف وهم لا يعرفون أسماء أخطر المؤلفين وأسوئهم، وكذلك أسوأ المؤلفات.
فقد كنت أتمنى - وكذلك جمهور عريض من قراء وأضلوا من الصوفية أمثال: ابن عربي، وابن الفارض، والشعراني. والأدباء أمثال: الجاحظ، والنظّام،
والأصفهاني أبي الفرج صاحب الأغاني. والفلاسفة أمثال: ابن سينا، وابن
مسكويه، وكذلك بيان لبعض المؤلفات الشهيرة جداً وهي مسمومة وسيئة جداً مثل:
(الأغاني) للأصفهاني، و (الفتوحات المكية) ، و (فصوص الحكم) لابن عربي،
و (طبقات الشعراني) والأمثلة كثيرة، ويمكن لمجلة البيان توضيح أحوال المؤلفين
والمؤلفات في أعداد قادمة لمتخصصين قادرين على سبر أغوار مثل هذه الأمور.
ثالثاً: كان ينبغي التعرض لما يجب أن يُحقّق من الكتب؛ حيث إن كثيراً من
أسوأ كتب التراث الخاصة بالتصوف والفلسفة والزندقة قد حُققت وقُدمت أطروحات
(علمية) لنيل الشهادات التي بصددها تبوّأ أصحابها مراكز علمية استطاعوا من
خلالها بث سمومهم ونشرها.
ومما يؤسف له أن الأزهريين لهم اليد الطولى في هذا الإثم العظيم؛ والأمثلة
على ذلك كثيرة جداً فَكُتُبُ ابن عربي وابن الفارض ومن على شاكلتهما قد حُقّقت
وأعطيت بصدد تحقيقها المزعوم شهادات عالية من الأزهر.
ومما أحزنني أنني اشتريت كتاب البردة (للبوصيري الصوفي الهالك) فهالني
أن شارحَها هو شيخُ الأزهر (إبراهيم الباجوري) . هذا مثال من كثير.
وبعد؛ فالتحقيق أمر عظيم وخطير، وهو علم وأمانة، ومن لم يستطعه
فليتركه لأهله، والأمر كما قال الشاعر:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
(والله يقول الحق وهو يهدي السبيل)
стр. 3141
المنتدى
إشكالاتنا والعلماء
هند بنت عبد العزيز أبا الخيل
مع هذا الزخم الهائل من التطورات التقنية الإعلامية بكافة جوانبها المختلفة
يحتاج المرء المسلم إلى تصور شرعي واضح وجليّ للكثير من الإشكالات التي
تواجهه؛ حتى يكون على بصيرة من أمره، ويخدم من خلالها دينه ودعوته.
ولعلنا نستعرض بعضاً من تلك الإشكالات على سبيل المثال - وإن تفاوت
اهتمام الناس بها -:
أولاً: ما تطرحه وسائل الإعلام والقنوات الفضائية من حوارات مباشرة عن
قضايا شرعية من أصول الدين وأحكامه؛ وتستضيف من خلالها بعضاً من
(المثقفين) ! الذين لا يملكون أيّ أرضية شرعية أو تخصص إسلامي؛ ولكن
لطرحهم بعضاً من القضايا الإسلامية في حواراتهم أُوهِمُوا قبل غيرهم أنهم مؤهلون
للخوض في أمور الدين! ولك أن تتخيل ما يحدث من خلط وافتراء فيما يطرحونه
ويقولونه!
والإشكال هنا: هل من المصلحة الردّ أو التعليق على المحاور - خصوصاً
أن بعضاً من تلك الأطروحات تلقى رواجاً وتفاعلاً لدى الجمهور والمشاهدين - أم
أن من الحكمة تجاهل ما يقال مع أنه قد يكون نوعاً من إضفاء الشرعية على ما
يقولون؟ !
والمثال الآخر (الإنترنت) ذلك العالَم الواسع: ماذا عن المشاركة فيه؟ وهل
المشاركة مقصورة على الاطلاع أم الحث على إنشاء مواقع وصفحات إسلامية
وتعليمية وإخبارية؟ وما هي حدود وضوابط هذه المشاركة؟
والأمر هنا منوط تماماً بعلمائنا الأفاضل وبطلبة العلم من أجل بيان هذه
الإشكالات وغيرها وتجليتها؛ حتى لا يبقى (أبناء الصحوة) في معزل عن دعم هذه
الدعوة بكل تطورات العصر وتقنياته من أجل إعلاء كلمة الله في كل مكان وبأي
وسيلة.
والله من وراء القصد،،،
стр. 3142
المنتدى
أمسكت به
عبد الرحمن الزير
اليوم أمسكت بعدو لئيم؛ عدو للرجال وللنساء، عدو للشباب وللشيوخ. في
مُقَلِ الشباب عدو، طالما أضل وطالما قتل، قطع الرؤوس ودمر النفوس وأسال
الدموع والدماء؛ من استسلم له أضله، ومن صمد أمامه ولم يُسلم له أمره استفاد
منه واستغله.
لكن أعلم أن إمساكي به لا يعني أنه قُضي عليه أو انتهى أمره. لا؛ بل كانت
حجته قوية عند محاكمته؛ فقد قال:
قفوا واسمعوا لي؛ أنا لا أجني ولا أظلم أحداً ولم أكُ في حياتي مجرماً.
شعاري النزاهة والفائدة، أنا أعين من أعطاني قدري والله يبارك لمن اهتم بي؛
لكن ماذا أفعل لمن فرّط وتساهل وترك يومه بلا عمل؟ أيستوي الذي نشط وعمل
بالذي عدّ كل شيء لا يوافق هواه مللاً؟ وماذا أفعل لمن تركني معطلاً أو أراد أن
يملأني بشيء لا يُرضي الله ولا يعقل؟
أنا الفراغ أقول لكم: استغلوني بما ينفعكم ولا يغضب ربكم، استغلوني قبل
أن تُسألوا عني كما أخبر ﵊ عليكم بما يرفع الدرجات،
ويحط السيئات. قال الله - تعالى -: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]
[النحل: ٩٧] .
стр. 3143
المنتدى
وا إسلاماه
ضياء عبد الخالق ثروت
ربّي سبحانك ربّاهْ ... من صرخة وا إسلاماه!
بقلوبٍ يفجعها الخَطبُ ... وعيونٍ تبكي المأساةْ
في كلّ بقاع المعمورة ... إسلامٌ يشكو معاناةْ
وصلاة شعوبٍ مقهورةْ ... تدعو تتضرعُ لله
مذبحة البُسْنا وكُسُوفا ... ظلمٌ يتعدى معناه
والعالم يلهو يتفرج ... والصربُ يعربد لمداه
عاشت كشميرُ المنكوبة ... بمجوسٍ حَرَقَ ضحاياه
قتلٌ تعذيبٌ تنكيلٌ ... زفراتٌ تحلمُ بنجاه
والقدسُ ومسجدنا الأقصى ... أقصى ما يمكن رؤياه
موتٌ وفسادٌ وخرابٌ ... برحاب جهادٍ وصلاة
فاتحدوا يا خيرَ الأممِ ... فُرْقتُكم عجزٌ ووفاة
وحدتنا أملٌ؛ بل قدرٌ؛ ... بل مجدٌ. كم حققناه!
стр. 3144
المنتدى
إلى أبي مع التحية
سامي بن غتار الثقفي
أَبتاهُ ما هذا الذي تتأملُ ... قلْ يا أَبي الغالي وماذا ينقلُ؟ !
قلْ يا أَبي الغالي فإنّ مشاعري ... ذُبِحتْ، ومن جَسدِي أُصِيب المقتلُ
في كلّ يومٍ ألفُ ألفِ رذيلةٍ ... أهدابُنا بسوادِها تتكحلُ
الكاسِياتُ العارِياتُ غدونَ في ... هذا الزمانِ بضاعةً لا تُغْفَلُ
أختي تقلّدهنّ كلّ صبيحةٍ ... وتحوكُ مثلَ ثيابهنّ وتَغْزِلُ
هذا أخي من كلّ نهر يَرْتَوِي ... للعارِ والتّدميرِ بِئْسَ المنهلُ
نَسَفُوا مبادِئَنا جهاراً وَيْلَهُم ... أَوَ ليسَ فيهم من رَشِيدٍ يَعْقِلُ؟
ضَيّعْتَ ما اسْترعَاكَ ربُكَ يا أَبي ... ماذا تقول إذا أُقِيمَ الفَيْصَلُ؟
أَتقُولُ إنّكَ كنتَ ترقُص للهوى ... طَرَباً، وتعبثُ لاهياً وتُطبّلُ؟ !
أَتقولُ إنّكَ كنتَ تهْجرُ كلّ ما ... يأتي بهِ هذا الكتابُ المُنْزَلُ؟ !
ألبستنا ثوبَ الرذيلَةِ ضافياً ... وتركتنا نختالُ فيه ونرْفُلُ
فاعلم بأنك يا أبي من ربنا ... يومَ القيامةِ عن ضياعي تُسْأَلُ
стр. 3145
المنتدى
في الأسواق.. (العبادة)
محمد الروبي عبد الوهاب
البيع والشراء من العمليات التي قد تجعل الفرد يتوانى عن الصلاة بحجة
كسب الرزق، وقد قال الله - تعالى - في صنف من الناس: [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ
أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ
وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ] [النور: ٣٦-٣٧] .
وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمّروا [*] أمتعتهم ليس معها أحد،
فتلا سالم الآية ثم قال: هم هؤلاء.
وعن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادى بصوت يسمع
الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أوْلى بالكرم. ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع
عن ذكر الله. فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب الله سائر الخلائق) [١] .
стр. 3146
الورقة الأخيرة
الاتجاه المعاكس
مبارك عامر بقنه
لقد كثرت صيحات المخلصين الصادقين حتى إنك لتسمع لصيحاتهم دوياً في
كل مكان في التحذير مما يُبث في القنوات الفضائية من برامج ساقطة هابطة تنشر
الرذيلة، وتدعو صراحة إلى التحلل من كل فضيلة، وبناء مجتمعات موبوءة
بالفواحش.
ولست في هذا المقام أريد التحدث عن هذا الوباء المنتشر المتعفن، ولكن هذه
الكلمات أردت إلجامها فأفلتت من رأس القلم وهذه من لأوائه، فقد أردت أن أتحدث
عن أمر هو أشد مرارة، وأنكى جرحاً، وأعمق ألماً، وهو أمر أخطر فيما أرى
تولى كبره أحد البرامج العربية هدفه إثارة الناس عن طريق المناظرة في قضية مّا
بين اتجاهين متعاكسين في المبدأ والفكر والرأي، كسني وبدعي، وإسلامي
وعلماني؛ فتُلقى الشبه على الناس على شكل حوار يُخَيّلُ لبعضنا أنه مثمر هادف
يثري المشاهد بالمعلومات والمعارف؛ فيشككون في العقيدة والشريعة بطريقة عجيبة
ملتوية فيها إثارة واستمتاع للمشاهد. وليست الخطورة في هذا الأمر؛ فإن الذرة لا
تجر الصخرة، والحق لا يخشى الباطل بل يدمغه فإذا هو زاهق؛ ولكن البلية
والرزية تكمن في أمور وراء ذلك؛ من أدركها وعلم غورها أدرك خطورتها.
فمن ذلك: أن الشخصية الإسلامية المختارة قد تكون ليست مؤهلة شرعياً لهذه
المناظرة فينقصها العلم بالشريعة أصولاً وفروعاً، وينقصها العلم بحال المُناظِر
ومعرفة زيف معتقده وضلال منهجه، وقد تفتقر هذه الشخصية إلى الفصاحة والبيان
والحجة الدامغة، وقد كان السلف (ينهون عن المناظرة، إذا كان المناظر ضعيف
العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل) [١] ويشتد الأمر
خطورة في أنه قد يواجه شخصية منحرفة متمرسة على إلقاء الشبه، وتجيد فن
المراوغة واللعب بالألفاظ. قال علي بن حرب الموصلي: (كل صاحب هوى
يكذب ولا يبالي) [٢] فيأتي بالطّمّ والرمّ [*] ، فيظهر الحق باطلاً، وينقلب الباطل
حقاً، فيُضل الناس ويَضل.
ومن أخطاره: أن في ذلك ترويجاً للبدعة والشبه الشيطانية، فيسمعها الناس
فيزينها الشيطان في قلوبهم، وينميها في عقولهم، وقد لا يجدون من يبين لهم فساد
هذه الشبه وبطلانها، فتتعلق بأفئدتهم فيشربونها بجهلهم بدينهم، فيفسد القلب.
وقد ذكر الغزالي في خطر مناظرة أهل البدع والكلام بأنها: (إثارة الشبهات،
وتحريك العقائد، وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل في الابتداء،
ورجوعها بالدليل مشكوك فيه ... وله ضرر آخر في تأكيد اعتقاد المبتدعة للبدعة
وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم، ويشتد حرصهم على الإصرار
عليه) [٣] . ومن المحال لمن عاش في دهاليز الظلمة والحيرة أن يحصل من كلامه الهدى واليقين؛ فما عندهم إلا لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، فأقوالهم تسقم القلب، وتقتل السنن وتزاحمها (فالشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن) [٤] .
ومن أخطاره: أن فيه إطراء وثناء على أهل البدع والأهواء ووصفهم
بألقاب التقدير والتمجيد، وهم عصاة منحرفون قد أذلهم الله ببدعتهم. والثناء على
المبتدع الضال فيه فساد للدين، وفتنة للمسلمين، بل جاء عن السلف كما ذكر ابن
تيمية: (النهي عن مجالسة أهل البدع، ومناظرتهم، ومخاطبتهم، والأمر بهجرانهم؛ وهذا؛ لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم؛ فإن الحق إذا كان ظاهراً
قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعة، فإنه يجب منعه من
ذلك) .
فهذه البرامج وأمثالها ما هي إلا باب لترويج البدعة، وتشكيك دهماء الناس
فيما عندهم بأسلوب المكر والحيل مدعين أن هذه (حرية الفكر) فلا نحجر على
الناس عقولهم؛ فكل شخص يأتي بما عنده ويناقش ويجادل، وليس في هذا مخالفة
شرعية؛ فما على من أراد أن ينشر الفساد ويضل الناس إلا أن يلبسه ألفاظاً
مزخرفة فيجعله تحت مسمى: (حرية الفكر) أو (الحرية الشخصية) وما أشبه ذلك
من ألفاظ يمليها عليهم شيطانهم.
стр. 3147
جمادى الأولى - ١٤٢٠هـ
سبتمبر - ١٩٩٩م
(السنة: ١٤)
стр. 3148
كلمة صغيرة
الخسارة بفقدان العلماء
العلماء الربانيون هم صمام الأمان في كل المجتمعات الإسلامية لكونهم
(يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون على الأذى، ويحيون بكتاب الله الموتى،
ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس أحيوه، وكم من ضال تائه
قد هدوه!) كما قال الإمام أحمد ﵀.
وهم أصحاب البصائر الذين يقضون بها ويعلمونها الناس، وفقد الذين قاموا
منهم بأداء رسالتهم في توجيه الأمة وكشف المخططات المشبوهة حيالها خسارة،
وبخاصة - في هذا الزمان -.
وكم انتعشت صدور أعداء هذا الدين حين مات نفر من العلماء في الآونة
الأخيرة أمثال: (الشيخ عبد العزيز بن باز، وصالح بن غصون، ومصطفى
الزرقا، وعلي الطنطاوي، وغيرهم) ؛ حيث أسهموا ﵏، وجزاهم عن
الأمة خير الجزاء - باداء رسالتهم الدعوية كل في مجال تخصصه.
فالشيخ ابن باز كان مدرسة جامعة لألوان من الخير، والشيخ ابن غصون كان
مفتيا قديرا، والشيخ الزرقا كان فقيها محققا لا سيما في المعاملات المعاصرة،
والشيخ الطنطاوي كان داعية وأديبا موفقا ﵏، وعوض الأمة عنهم - فقد
كانوا سدودا في طريق علمنة المجتمعات، وشهبا في وجوه أدعياء التطوير والتنوير! ولطالما فضحوا تلك الاتجاهات وحذروا منها.
ولا شك أن موتهم خسارة، وحسبهم انهم ورثة الأنبياء كما قال النبي صلى
الله عليه وسلم، فعلى الأمة أن توجد العلماء الفحول مكانهم وتمكنهم من الترجيه
والأخذ عنهم ما داموا من ذوي المنطلقات الشرعية وعلى نهج سلفنا الصالح؛ فهم
سفينة نوح - فعلا - من تخلف عنهم غرق. والله من وراء القصد،،،
стр. 3149
الافتتاحية
الإعلام والتغيير الاجتماعي
الحديث بكثرة عن موضوع ما من خلال أكثر من منبر ولسان، والدندنة حوله
بالحق والباطل حتى يبدو للناس وكأنه تيار كاسح أسلوب يسلكه بعض من يحملون
هَمَّ التغيير لتمرير طروحاتهم بحجة أن هذا هو التيار العام في هذا المجتمع أو ذاك، وأن الوقوف أمامه ضرب من الحمق، وأن الواجب هو التعامل معه والتسليم به
دون مواجهة. وهذا الأسلوب يظهر واضحاً في أكثر من مناسبة في أغلب
المجتمعات - إسلامية أو غير إسلامية - عند حدوث صخب فكري أو سياسي أو
اجتماعي حول قضية معينة أو خلال حملة انتخابية لشخصية سياسية أو بلدية؛ إذ
يلجأ مُلاَّك الإعلام والمتنفذون فيه إلى أسلوب الحشد واحتكار الأصوات لمحاصرة
المتلقين ذات اليمين وذات الشمال بالحديث في نسق واحد عن رأي أو دعوة يريدون
لها الانتصار والانتشار فيجعلونها محور حملاتهم الإعلامية.
ومُلاَّك الإعلام بجميع أنواعه يتكئون على حتمية نفسية واجتماعية تقول: إن
المعلومة وإن كانت كاذبة، والفكرة وإن كان أنصارها قلة، قد تتحول في عقول
الأفراد إلى عكس ذلك إذا كثر تردادها وبدا للجماهير أن الناس يؤيدونها (وإن كان
الواقع بخلاف ذلك) ؛ ولذا فإن الحملات الانتخابية في كل مكان تصاحبها حملات
استطلاعات الرأي التي وإن كان الأصل فيها أنها تعبر عن رأي الجماهير حول ذلك
الأمر أو ذلك الشخص إلا أنها قد تكون سائقاً للجماهير إلى هذا الأمر أو ذاك من
حيث لا يشعرون. فمقالات تنشر اليوم في مجلات وجرائد متعددة تنادي بفكرة أو
تطبل لشخصية مصحوبة ببضع برامج متلفزة حول الموضوع نفسه في مساء ذلك
اليوم كافية لجعل استطلاعات الرأي صباح اليوم التالي تصب في الاتجاه الذي يراد. وعندما يفاجأ أصحاب الرأي الآخر بتلك الجماهيرية التي تؤيد ذلك الرأي يسقط
نصفهم في منتصف الطريق.
هذا الأمر وإن كان ظاهراً في الدول التي تطبق ما يسمى بالديموقراطية
الغربية، إلا أنه أصبح منهجاً يسلكه غيرهم في سبيل تحقيق ما يريدونه من تغيير؛
خصوصاً في تلك المجتمعات الإسلامية التي تتصارع عليها تيارات التغريب
ودعوات تجفيف المنابع بحكم صمودها مِن قبلُ في وجه الفكر الاشتراكي، ومِن بعدُ
في وجه الفكر الغربي (الليبرالي) .
ومن التطبيقات البارزة لهذه الظاهرة: (قضية المرأة) ؛ فلقد كانت - ولا
زالت - قضية صمود المرأة المسلمة خصوصاً في بعض المجتمعات الإسلامية
مسرحاً لمنازلات متعددة بين أنصار المرأة المسلمة وأعدائها، هذه المنازلات
تتفاوت من مجتمع لآخر حسب مستوى التغريب الذي وصل إليه.
فمن بلد إسلامي سيطر عليه العلمانيون تُمنع المرأة فيه من مجرد غطاء
الرأس، وتُهدد بحرب استئصالية، ومحاكمة الحزب الذي تنتمي إليه بهذه التهمة بل
الجريمة في زعمهم إلى مجتمع سبقت فيه الصحوة الإسلامية غيرها؛ حيث تنطلق
دعاوى التحرر والاختلاط ونزع حجاب الوجه مصحوبة بحملات إعلامية منظمة
عبر منافذ إعلامية مقروءة ومرئية تشبه في فلسفتها الضربات الجوية العسكرية التي
تهدف إلى إنهاك الخصم تمهيداً للانقضاض عليه. هذه الحملات الإعلامية
استخدمت سلاح الحشد والأرقام المضللة مصحوبة بتلميحات وجداول زمنية للتغيير، ووضع هذه الحملة في قالب المصلحة المتوهمة والحرص على رقي المجتمع.
ورغم إخفاق تلك الحملات وانكشافها ووقوف الرأي العام ضدها فإنها أثارت
عدداً من التساؤلات والوقفات الجديرة بالتأمل. ومنها:
- ليس بمستغرب أن يتفنن دعاة أي فكرة ومنهج ويستميتون من أجل بث
فكرتهم ومنهجهم؛ وإنما المستغرب هو التقاعس عن ذلك.
- التيارات العلمانية رغم أنها نخبوية - حسب زعمها - إلا أنها تيارات
منظمة، لها أهداف قريبة وأخرى بعيدة المدى، وهي تستخدم الإعلام والاحتكار
الفكري من أجل بث شعور كاذب في المجتمعات بأن طروحاتها تمثل رأي السواد
الأعظم.
- يوماً بعد يوم يزيد الاستقطاب بين الإعلام من جهة وبين المجتمعات
الإسلامية من جهة أخرى، مما ينذر بأخطار تربوية على الناشئة؛ فبعض ما هو
محرم وممنوع في البيوت والمدارس وكتب الفقه وبرامج الفتوى والمساجد مباح في
وسائل الإعلام! هذا التناقض قد يستطيع أصحاب الحكمة التعامل معه على مضض، بخلاف الشباب والفتيات الذين يعيشون في طور المراهقة وطور النمو العقلي.
- لا بد أن يعي الإعلام الإسلامي دوره وواجبه في الوصول إلى عيون وآذان
المجتمعات، لتسمع صوتاً آخر، وترى صورة أخرى. فمن غير المعقول الانشغال
فقط بمخاطبة الذات وترك الجماهير للآخرين. لقد كان الإعلام ورجاله يُسمَّون
بالسلطة الرابعة في أي مجتمع، وها نحن نراهم اليوم في مراكز أكثر تقدماً.
- يجب تربية المجتمعات والأفراد على أن يكون معيار القبول والرفض
عندهم هو ميزان الشرع والدليل وليس ميزان الكثرة والغلبة الفكرية أو الإرادة
السياسية أو الشعبية.
- يجب أن يكون للمجتمعات الإسلامية القدرة على تصحيح أخطائها ذاتياً حتى
لا ندع مساحة للعلمانيين ولا ثغرة ينْفذون من خلالها؛ فحماية المرأة من أي ظلم يقع
عليها، وتمحيص حقوقها التي كفلها لها الشرع مما علق بها من أوضار الجاهلية
والعلمانية أمور يجب عدم السكوت عنها ولا إهمالها.
- فضح الطروحات العلمانية التي تجعل من المرأة ضحية، وهم يريدونها
طُعماً يُفسِدون به المجتمعات. إن النساء كما قال نبينا محمد ﷺ
شقائق الرجال لهن دورهن في بناء المجتمعات في إطار ما قرره الشرع المطهر،
وإقحامهن في كل شاردة وواردة ذريعة لاختلاطهن بالرجال وقتل الحياء في نفوسهن
وإشاعة الرذيلة بينهن، وهذا ما يجب أن تتنبه له النساء المسلمات حتى لا يفتنهن
أولئك المشبوهون عن رسالتهن السامية بدعاوى كاذبة ومآرب معروفة.
стр. 3150
إشراقات قرآنية
وقفات مع خمس آيات من سورة الأحزاب
د. عبد الرحمن آل عثمان
هذه وقفات مع جملة من الآيات الواردة في سورة الأحزاب التي تتصل بتربية
القرآن أزواجَ رسول الله ﷺ تربيةً رفيعة؛ ذلك أن البيوت الرفيعة
والنفوس الشريفة يليق بها نوع خاص من التربية التي تترفع بصاحبها عن سفاسف
الأمور ودنيء الخلال إلى أرقى مراتب الكمال البشري الممكن لأمثاله، فتسمو همته، وتزكو نفسه؛ وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء؛ والله ذو الفضل العظيم.
وهذه الآيات المشار إليها هي قول الله - تعالى: [يا نساء النبي لستن كأحد
من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا
معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين
الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيرا * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا *
إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين
والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين
والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله
كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما * وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا
قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد
ضل ضلالا مبينا] [الأحزاب: ٣٢ - ٣٦] .
الوقفة الأولى: مع قوله يا نساء النبي حيث خاطبهن بهذا النداء المقتضي
إصغاءَ المخاطَب وتهيُّؤَه لتلقي ما خوطب به.
الوقفة الثانية: أنه أضافهن إلى النبي ﷺ ؛ وفي هذا من
رفع أقدارهن وتشريفهن ما فيه، إضافة إلى ما يشعر به من سمو التعاليم التي
سيوجهها لهن نظراً لعلو مرتبتهن.
الوقفة الثالثة: مع قوله: لستن كأحد من النساء ذلك أن نفي المشابهة هنا
يقتضي نفي المساواة، فكنى به عن الأفضلية على غيرهن، وهذا بالقيد بعده وهو
في:
الوقفة الرابعة: مع قوله: إن اتقيتن، فهذا الشرط متعلق بما قبله على
الأرجح، وجوابه دل عليه ما قبله في قوله: لستن كأحد من النساء والمعنى - والله
أعلم -: إن اتقيتن فأنتن أفضل من غيركن. ومعلوم أن مجرد كونهن أزواج نبي
لا يقتضي تفضيلهن على غيرهن؛ لأن القرآن دل على ذلك كما في آخر سورة
التحريم، وهو قوله تعالى: [ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط
كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل
ادخلا النار مع الداخلين] [التحريم: ١٠] فمن الغلط جعل صحبة الأشراف دافعة
للعقاب على الإسراف.
الوقفة الخامسة: وهو أن في قوله: إن اتقيتن دلالة على التحريض كما تشعر
به الصيغة، ومعلوم أن فعل الشرط - هنا - مستعمل في الدلالة على الدوام. أي:
إن دمتن على التقوى. ومعلوم أن نساء النبي ﷺ كن متقيات قبل
نزول هذه الآية.
الوقفة السادسة: مع قوله: فلا تخضعن بالقول فهذا النهي عن الخضوع
بالقول جاء عقب الإشارة إلى شرفهن وفضلهن على غيرهن إن تحلين بالتقوى،
ومجيء هذا النهي بعدما سبق مع دخول الفاء المشعرة بالتعليل يدل على أن خضوع
المرأة بكلامها مع الرجال الأجانب أمر يتنافى مع الشرف والتقوى كما لا يخفى.
الوقفة السابعة: أصل معنى الخضوع هو التذلل، وأُطلق هنا على الرقة في
الكلام لمشابهتها التذلل، وعليه؛ فما حاجة المرأة المسلمة لذلك؟
الوقفة الثامنة: الباء في قوله: بالقول يجوز أن تكون للتعدية، أي: لا
تخضعن القول، أي: لا تجعلنه خاضعاً ذليلاً، أي: رقيقاً مفككاً، وقد أسند
الخضوع إليهن أنفسهن؛ لأن التفكك والتميع في القول يؤثر على تفكك القائل كما لا
يخفى.
الوقفة التاسعة: في قوله: فيطمع الذي في قلبه مرض فالفاء هنا مرتبة على
ما سبق من ترتب النتيجة على السبب؛ إذ إن تميع المرأة في كلامها مع الرجل
الأجنبي يؤدي إلى انصراف القلوب المريضة إليها وطمعهم بأمر هو من أغلى ما
تحافظ عليه المرأة وتتزين به، ألا وهو: عفتها وشرفها.
ومن المعلوم أن الطمع أكثر ما يستعمل في كلام العرب في الأمر الذي يقرب
حصوله، وقد يستعمل بمعنى الأمل؛ ولهذا يقولون لمن أمَّل أمراً بعيد الوقوع:
طمع في غير مطمع. وعليه فإن المرأة التي تخضع في كلامها مع الرجال الأجانب
إنما تحرك النفوس المريضة نحوها؛ حيث يأملون تحصيل مطلوباتهم الرخيصة
منها؛ فالمرأة بطبيعتها جَبَلَ الله نفوس الرجال على الميل إليها، فإذا صاحب هذه
الجِبِلَّة داعٍ آخر من الكلام الرقيق الرخو، أو التزين أمامهم أو غير ذلك؛ فإن ذلك
الميل الجِبِلِّيَّ يقوى ويزداد عند من لا يراقب الله .
الوقفة العاشرة: أصل المرض: اختلال نظام المزاج البدني من ضعف القوة، والمراد به هنا: اختلال الوازع الديني. والله المستعان.
الوقفة الحادية عشرة: أنه قال: فيطمع ... فحذف متعلق الفعل، ولم يقل
(فيطمع فيكن) مثلاً؛ ذلك لتنزههن وتعظيم شأنهن، وهذا له نظائر في القرآن ليس
هذا موضع ذكرها.
الوقفة الثانية عشرة: في قوله: وقلن قولا معروفا أَمَر بعد أن نهى؛ فهو من
باب التخلية قبل التحلية، وهو الأكمل؛ ذلك أن المقصود هو الفعل لا الترك،
والنفوس خلقت لتفعل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره كما قرر ذلك شيخ
الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀. والحاصل أنه لما أمرهن بالتقوى التي من
شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول، ثم أمرهن بعد ذلك بالقول
المعروف.
الوقفة الثالثة عشرة: في أن قوله: وقلن قولا معروفا احتراس لئلا يفهمن أن
المراد المبالغة في الخفض حتى يكون كحديث السرار، أو الخشونة في الرد
والمخاطبة بالغلظة والجفاء.
الوقفة الرابعة عشرة: القول المعروف يشمل هنا الألفاظ والأسلوب:
أما الألفاظ فيراعى فيها ثلاثة أمور:
أ - ألا تكون غليظة منكرة تؤذي السامع.
ب - ألا تكون رقيقة لا تصلح في مخاطبة الرجال الأجانب كقولها مثلاً:
(فديتك) ، أو (علشاني..) أو نحو ذلك كما يفعل بعض النساء مع الباعة ونحوهم.
ج - أن يكون الكلام قدر الحاجة دون زيادة، والأصل في هذا قول زوج
إبراهيم ﵇ حينما بشرها الملائكة بالولد: [ ... عجوز عقيم]
[الذاريات: ٢٩] فذكرت علتين يبعد معهما الولد وهما: كبر السن، والعقم.
فالواجب على المرأة المسلمة ألا تطيل في كلامها مع الرجال الأجانب؛ وإنما
تقلل الكلام ما أمكن.
وأما الأسلوب: فلا تتميع في كلامها، ولا ترقق العبارات، أو تتكلم بكلام
ناعم مع رجل أجنبي، وإنما تتكلم بكلام جزل مختصر لا ترخيم فيه؛ فلا تخاطب
الرجال الأجانب كما تخاطب زوجها.
الوقفة الخامسة عشرة: في قوله: وقرن في بيوتكن حيث قرأه نافع وعاصم:
وقرن من الاستقرار وأصله: (اقررن) والمراد: المكث والبقاء في البيت كما
يقال: قر الماء في الحوض، وقرأه الباقون (وّقٌرًنّ) ، فيحتمل أن يكون من الوقار، أو من القرار، وهاتان القراءتان متواترتان، ومعلوم أن القراءتين إن كان لكل واحدة منهما معنى يغاير المعنى في القراءة الأخرى فهما بمنزلة الآيتين، وتكون المعاني التي دلت عليها هذه القراءات كلها صحيحة معتبرة داخلة في تفسير الآية، لا سيما إذا كان بين هذه المعاني تلازم في المعنى، كما هنا؛ حيث إن المرأة مأمورة بالبقاء في البيت، والمكث فيه الوقار.
ولا يخفى أن هذه الأمور متلازمة؛ حيث إن وقار المرأة يتم لها إن بقيت في
بيتها، وكلما كثر خروجها كلما كان ذلك على حساب وقارها؛ فهو أمر يُذهب
حشمتها وماء وجهها في الغالب كما هو مُشاهَد.
وهذا أصل عظيم، ومطلب شرعي تربوي هام ينشأ من التزامه صيانة المرأة
المسلمة وحفظ حشمتها وكرامتها.
ومن نظر في النصوص الشرعية المتعلقة بهذا المعنى حصل له علم جازم بأن
الشارع قصد إبقاء المرأة في بيتها قدر الإمكان بعيداً عن أعين الرجال فضلاً عن
مخالطتهم.
ومن النصوص الدالة على ما ذكرت ما أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان
بإسناد حسن عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵄ أنها جاءت
إلى النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك.
قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في
مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي) [١] .
قال: فأمرَتْ فبُني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه وكانت تصلي
فيه، حتى لقيت الله .
هذا إذا كان سبب خروجها من بيتها الصلاة مع النبي ﷺ
وفي مسجده، فكيف إذا كان الخروج إلى الأسواق وأماكن الترفيه ونحوها؟ !
وأخرج أحمد والطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم عن أم
سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ : (خير مساجد
النساء قعر بيوتهن) [٢] .
وأخرج عنها الطبراني في الأوسط بإسناد حسن أنها قالت: قال رسول الله
ﷺ : (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها،
وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في دارها، وصلاتها في دارها خير من
صلاتها في مسجد قومها) [٣] .
وأخرج أبو داود بإسناد صحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً: (لا تمنعوا
نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن) [٤] .
وأخرج عنه الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه
وسلم: (المرأة عورة وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب
إلى الله منها في قعر بيتها) [٥] ، وقد أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان من
حديث ابن مسعود ﵁.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند ابن خزيمة والطبراني في
الكبير عن النبي ﷺ : (ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من
أشد مكان في بيتها ظلمة) [٦] ، وأخرج ابن خزيمة نحوه من حديث أبي هريرة -
﵁، وقال ابن مسعود ﵁ (النساء عورة، وإن
المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان [٧] ، فيقول: إنك لا
تمرين بأحد إلا أعجبتِهِ! ! وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين ترتدين؟ ! فتقول:
أعود مريضاً، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل
أن تعبده في بيتها) [٨] .
وثبت عنه مرفوعاً - كما عند أبي داود وابن خزيمة - (صلاة المرأة في
بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها [٩] أفضل من صلاتها
في بيتها) .
وأخرج ابن خزيمة والطبراني في الكبير عن أبي عمرو الشيباني أنه رأى
عبد الله - يعني ابن مسعود - يُخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: ... (اخرجن إلى بيوتكن خير لكن) [وإسناده حسن] [١٠] .
فهذه النصوص وغيرها مما يدخل في هذا الباب تدور حول معنى واحد ألا
وهو إبعاد المرأة عن الرجال ما أمكن، ولهذا نجد الشارع يحثها - إن هي صلت
مع الرجال - أن تصلي في آخر الصفوف كما أخرج مسلم وغيره من حديث أبي
هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خير صفوف
الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) [١١] .
وإذا تقرر هذا المعنى فإننا نقول: أين عامة النساء من العمل على تحقيق ذلك
المقصد من مقاصد الشريعة؟ إذ إن واقع كثير منهن يخالف ذلك تماماً؛ حيث
يُكثرن الخروج، ويُزاحمن الرجال في الأسواق والمتنزهات، وعلى أبواب المسجد
الحرام لحضور الصلاة المفروضة وغير المفروضة. وكثير منهن قد جعلن الحجاب
لوناً من الفتنة فأشغلن قلوب الرجال في أطهر بقعة على وجه الأرض! ! .
وقد قيل لسودة ﵂ لِمَ لا تحجين، ولا تعتمرين كما يفعل
أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقرَّ في بيتي؛ فوالله! لا
أخرج من بيتي حتى أموت. قال الراوي: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى
أخرجت جنازتها.
وإذا كان الشارع يعتبر صلاة المرأة في أقصى مكان في دارها خير من
صلاتها خلف رسول الله ﷺ في مسجده، مع أن المساجد هي أحب
البقاع إلى الله؛ فكيف يقال بأبغض البقاع إلى الله وهي الأسواق؟ !
وفي النصوص السابقة نجد أن أفضل مكان تصلي به المرأة هو مخدعها،
وهو غرفة صغيرة داخل غرفة كبيرة، ويليه في الأفضلية صلاتها في بيتها - أي
غرفتها كما يعبرون عنها اليوم - ويلي ذلك صلاتها في حجرتها، أي صحن الدار
وهو ما تكون أبواب البيوت - أي الغرف - إليها، ويطلق اليوم على الصالة،
ويلي ذلك صلاتها في دارها وهو المنزل عموماً بناؤه وفناؤه.
الوقفة السادسة عشرة: مع قوله: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)
أصل التبرج هنا هو البروز والظهور، ومنه (البُرج) ؛ لظهوره وبروزه
وانكشافه للعيون، وتبرج المرأة هو إظهارها زينتها وتصنُّعها بها، وذلك بأن تظهر
المرأة محاسن ذاتها وثيابها وحليها بمرأى الرجال.
الوقفة السابعة عشرة: تبرج الجاهلية هنا يدخل في معناه كل العبارات التي
ذكرها السلف؛ حيث يشمل خروج المرأة تمشي بين يدي الرجال، وتكسُّرَها في
مشيتها وتبخترها فيها، كما يشمل ترك التستر؛ حيث تظهر نحرها أو شعرها أو
غير ذلك مما هي مطالبة بستره عن أعين الرجال الأجانب.
الوقفة الثامنة عشرة: الجاهلية: مأخوذة من الجهل، والمراد المدة والحال
التي كان عليها العرب قبل الإسلام، وهي حالة نفسية شعورية وواقعية بعيدة عن
هدي الإسلام. والجاهلية الأولى هنا والله أعلم هي ما كان عليه الناس قبل مبعث
الرسول ﷺ .
الوقفة التاسعة عشرة: دلت الآية الكريمة على أن التبرج عمل جاهلي،
وعليه فإن المرأة المتبرجة فيها خصلة من خصال الجاهلية بقدر تبرجها.
وبهذا - أيضاً - يتبين أن السفور والتبرج ومخالطة الرجال وتكسر المرأة في
مشيتها أمامهم، وغير ذلك مما يدخل في معنى التبرج ذلك كله ليس من التمدّن في
شيء، بل هو تخلف ورجوع إلى عادات العهود المظلمة التي جاء الإسلام فأبطلها
من أصلها.
الوقفة العشرون: مع قوله: وأقمن الصلاة وآتين الزكاة حيث خص هاتين
العبادتين بالذكر؛ لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية.
وكثيراً ما يقرن الله بينهما؛ لأن سعادة العبد دائرة على أصلين:
الأول: إحسانه مع خالقه، والصلاة من أعظم ما يتحقق به ذلك.
الثاني: إحسانه إلى الخلق، والزكاةُ من أعظم ما يتحقق به ذلك، والله أعلم.
الوقفة الحادية والعشرون: لما أمرهن بالبقاء في البيوت أرشدهن إلى ما
يقضين به أوقاتهن وهو طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والاشتغال
بذلك، لا أن تبقى في بيتها مع انشغالها بما لا فائدة فيه بَلْهَ المحرمات سواء كانت
مشاهدة أو مسموعة أو غير ذلك.
الوقفة الثانية والعشرون: مع قوله: وأطعن الله ورسوله حيث عطف العام
على الخاص، وهو يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات ومن ذلك الأمر بالبقاء
في البيوت والنهي عن التبرج والخضوع بالقول.
الوقفة الثالثة والعشرون: مع قوله: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت الإرادة هنا شرعية، وقد شرع الأمور السابقة ليتحقق هذا المقصد.
ومعلوم أن الإرادة الشرعية الدينية مستلزمة للرضا والمحبة، فالله - تعالى -
يحب كل ما يؤدي إلى الحشمة والعفاف، ويكره ما يضاد ذلك.
الوقفة الرابعة والعشرون: الرجس في الأصل كل مستقذر تعافه النفوس،
ومن أقذر المستقذرات: معصية الله - تعالى - فهو يطلق على المستقذرات الحسية
والمعنوية: فالحسية مثل النجاسات، والمعنوية كالمعاصي والذنوب وما يترتب
عليها من الإثم والعذاب، فاستعار للذنوب: الرجس، وللتقوى: الطهر؛ لأن
عِرض المقترف للقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتدنس بدنه بالأرجاس، أما
الحسنات فالعِرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر.
وقد أذهب الله ذلك كله عن أهل البيت ﵃ أجمعين -.
وُيعلم مما سبق أن طهارة المرأة وشرفها وتنزهها عن كل دنس إنما يتم ذلك
بالعمل بما أرشد إليه القرآن في هذه الوصايا خاصة، وفي غيرها.
الوقفة الخامسة والعشرون: مع قوله: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات
الله والحكمة؛ حيث عبر بالتلاوة دون النزول ليعم جميع الآيات النازلة في بيوتهن
وفي غيرها، كما لم يعيِّن التالي؛ ليعم: تلاوة جبريل، والنبي صلى الله عليه
وسلم، وتلاوتهن، وتلاوة غيرهن.
الوقفة السادسة والعشرون: قوله: واذكرن يشمل التذكر والتفكر في القلب
والحفظ والتلاوة واللزوم ومجانبة الغفلة عما أمر الله به أو أمر به رسوله صلى الله
عليه وسلم.
الوقفة السابعة والعشرون: مع قوله: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين
والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات
والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين
فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما.
فهذه الآية يمكن أن تكون استئنافاً بيانياً؛ لأن قوله - تعالى -: ومن يقنت
منكن ... بعد قوله: لستن كأحد من النساء ... يثير تساؤلاً في نفوس المؤمنات وهو: هل هن مأجورات على أعمالهن؟ وهل هن مطالبات بما سبق؟ ويمكن أن يكون
استئنافاً ورد بمناسبة ما ذكر من فضائل أزواج النبي ﷺ .
الوقفة الثامنة والعشرون: في هذه الآية تدرج من الأدنى إلى الأعلى؛ حيث
ذكر الإسلام، ثم ذكر المرتبة التي فوقه وهي الإيمان، ثم ذكر القنوت وهو ناشئ
عنهما.
الوقفة التاسعة والعشرون: قوله: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين
والمؤمنات فالإسلام هنا هو إسلام الظاهر، وهو انقياد الجوارح وخضوع العبد لربه
- جل وعلا - بفعل ما أمر وترك ما نهى؛ لأنه جاء مقترناً بالإيمان الذي هو انقياد
الباطن وإقراره وتصديقه، ومن إسلام المرأة لربها خضوعها لهذه الأوامر واجتنابها
للنواهي.
وبهذا يُعلم أن تبرج المرأة ومخالطتها للرجال أمر يتنافى مع إسلامها لربها -
جل وعلا - فالإسلام التام هو أن يطيع العبد ربه طاعة مطلقة، ويخضع له
خضوعاً كاملاً.
الوقفة الثلاثون: قوله: والقانتين والقانتات والقنوت هو دوام الطاعة كما
حققه شيخ الإسلام في رسالة مستقلة؛ فالمرأة القانتة لله هي المرأة
المطيعة الدائمة على الطاعة، فلا تطيع ربها في الأمر الذي يروق لها وتعصيه فيما
يخالف هواها، أو تطيعه بعض الوقت ثم تُعرِض بعد ذلك.
الوقفة الحادية والثلاثون: مع قوله: والصادقين والصادقات، وهذا يشمل
الصدق في الأقوال والأعمال والنيات كما قال تعالى في سورة البقرة: [ليس البر
أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر
والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين
وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا
عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك
هم المتقون] [البقرة: ١٧٧] ، قال ابن القيم ﵀: فالذي جاء بالصدق
هو مَنْ شأنه الصدق في: قوله، وعمله، وحاله:
فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.
والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس
على الجسد.
والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص،
واستفراغ الوسع وبذل الطاقة، وبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصدق.
الوقفة الثانية والثلاثون: مع قوله: والصابرين والصابرات، والصبر نصف
الإيمان؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. وهو من الإيمان
بمنزلة الرأس من الجسد.
وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على
أقداره المؤلمة، بحبس النفس عن الجزع والتسخط، واللسان عن الشكوى،
والجوارح عن كل ما لا يليق من لطم الخدود وشق الجيوب وغير ذلك مما في معناه.
ولا يخفى أن الصبر على طاعة الله والصبر عن معصيته أكمل من الصبر
على ما لا يد للإنسان فيه كالأقدار المؤلمة؛ لأن الأول صبر اختيار ورضاً ومحاربة
للنفس، بخلاف ما ليس للعبد فيه حيلة غير الصبر.
ثم إن الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على ترك المعاصي؛ لأن
مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم
الطاعة أبغض إليه من مفسدة وجود المعصية كما قرر ذلك أبو العباس ابن تيمية -
﵀ والصبر يكون بالله ولله ومع الله:
فالأول: الاستعانة به كما قال سبحانه: [واصبر وما صبرك إلا بالله]
[النحل: ١٢٧] ، أي: إن لم يُصبِّرْك لم تصبر.
والثاني: الصبر لله: وهو أن يكون الباعث له على الصبر إرادة وجه الله.
والثالث: الصبر مع الله: وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، وهذا
الأخير هو أشد أنواع الصبر كما فصله ابن القيم ﵀.
الوقفة الثالثة والثلاثون: مع قوله: والخاشعين والخاشعات. وأصل الخشوع: الانخفاض والذل والسكون. فهو تذلل القلوب لله مع السكون
والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع بدافع الخوف من الله - تعالى -، وجماعه
التذلل للأمر، والاستسلام للحكم، والتواضع لنظر الحق.
فالتذلل للأمر: هو تلقِّيه بذلة القبول والانقياد، ومواطأة الظاهر والباطن.
والاستسلام للحكم الشرعي: ألا يعارضه بهوى النفس.
الاتِّضاع للحق: هو انكسار القلب والجوارح لنظر الرب إليها [١٢] .
الوقفة الرابعة والثلاثون: مع قوله: والمتصدقين والمتصدقات.
قال ابن فارس (الصاد والدال والقاف أصل يدل على قوة الشيء قولاً وغيره، ومن ذلك الصدق خلاف الكذب، سُمِّيَ لقوته في نفسه؛ ولأن الكذب لا قوة له فهو
باطل) كما سمي صَداق المرأة بذلك لقوته وأنه حق يلزم، والصداقة صدق الاعتقاد
في المودة مشتقة من الصدق في الود والنصح.
ولعل الصدقة سميت بذلك لدلالتها على ثبوت إيمان صاحبها وصدق دعواه،
كما قال ﵊: (الصدقة برهان) [١٣] .
وهي تشمل ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، سواءً كان واجباً أو
تطوعاً.
ويدخل في معناها ما أسقطه الإنسان من حقه، سواءً كان مالياً أو غيره كما
قال - تعالى -: [والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له] [المائدة: ٤٥]
أي: لم يقتص وإنما عفا، وقال - تعالى -: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة
وأن تصدقوا خير لكم [البقرة: ٢٨٠] ، أي بإسقاط الدّيْن عن المعسر، أو إسقاط
جزء منه، وقال - تعالى -: [ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا]
[النساء: ٩٢] ، أي بإسقاط الدية والتنازل عنها، وهكذا.
الوقفة الخامسة والثلاثون: مع قوله: والصائمين والصائمات وهو من أجلِّ
القُربات كما في الحديث القدسي: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) [١٤] ، وهو
داخل في معنى الصبر، والله يقول: [إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير
حساب] [الزمر: ١٠] .
الوقفة السادسة والثلاثون: مع قوله: والحافظين فروجهم والحافظات؛ حيث
ذكر ذلك بعد الصوم؛ ذلك أن الصوم من أعظم الأمور المعينة على حفظ الفرج كما
في الحديث: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [١٥] ، فهذا الترتيب
في الآية في غاية التناسب، ومثله ما ورد في سورة النور: [قل للمؤمنين
يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ... ] [النور: ٣٠] ؛ حيث إن غض
البصر سبب لحفظ الفرج.
الوقفة السابعة والثلاثون: حفظ الفرج يشمل حفظه عن مقارفة كل لون من
ألوان الاستمتاع عدا الاستمتاع بالزوجة، ومِلْك اليمين، كما قال تعالى: [والذين
هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين.
فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون] [المؤمنون: ٥-٧] ، كما يشمل حفظه
بالستر فلا يراه أحد عدا من استُثني في الآية، والستر هنا بترك التكشف، أو لبس
ما يَحْجِمُ العورة لضيقه.
الوقفة الثامنة والثلاثون: مع قوله: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، وهذا
يشمل ذكر القلب واللسان وترك الغفلة، فهو عبودية القلب واللسان، وهي عبادة
يسيرة على العبد غير مؤقتة بوقت مع ثقلها في الميزان؛ ولهذا جاء تقييدها بالكثرة
من بين سائر العبادات كما قال - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا
كثيرا] [الأحزاب: ٤١] ، وقال: [واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون]
[الأنفال: ٤٥] .
والذكر له أنواع ومراتب متعددة لا مجال لذكرها هنا فلتراجع في مظانِّها.
الوقفة التاسعة والثلاثون: مع قوله - تعالى -: أعد الله لهم مغفرة وأجرا
عظيما، حيث نكَّر المغفرة هنا؛ وهذا يدل على التعظيم أي: مغفرة عظيمة.
والأجر: هو الجزاء والثواب، ووصفه بالعِظَم كما وصف المغفرة بذلك.
الوقفة الأربعون: أن قوله: أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما يدل على أن من
عمل الصالحات واتقى الله فإن الله يجمع له بين غفران الذنوب
ومضاعفة الأجور.
وغفران الذنوب: يكون بأمرين:
الأول: الستر بين العباد فلا يفضحه بها.
الثاني: أن يقيه شؤمها، فلا يعذبه عليها.
وهذا أصل معنى الغفر، ومنه سُمِّيَ المِغْفَر؛ لأنه يستر رأس لابسه، ويقيه
الضربات الموجهة له، وهذا المعنى، مقابلة المحسن بالمغفرة والثواب، دل عليه
كثير من الآيات والأحاديث كما قال تعالى: [وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من
الليل إن الحسنات يذهبن السيئات] [هود: ١١٤] ، وغير ذلك مما يدخل في هذا
المعنى.
الوقفة الحادية والأربعون: مع قوله: [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم] فهذا لفظه النفي ومعناه الحظر والمنع،
ومثل هذا الاستعمال يدل على المنع والحظر، وأن ذلك الشيء لا يكون: إما عقلاً
نحو: [ما كان لكم أن تنبتوا شجرها] [النمل: ٦٠] .
أو ما علم امتناعه شرعاً نحو: [وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من
وراء حجاب] [الشورى: ٥١] .
أو ما كان محرماً شرعاً نحو: [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
ورسوله أمرا] [الأحزاب: ٣٦] الآية.
الوقفة الثانية والأربعون: مع قوله: أمرا وهو يشمل الأمر الطلبي والأمر
الخبري؛ فالطلبي كالأمر بالحجاب والبقاء في البيوت وعدم مخالطة الرجال،
والخبري كجعل الطلاق بيد الرجل، والحكم بأن للمرأة نصف ميراث الرجل،
ونحو ذلك.
الوقفة الثالثة والأربعون: قوله: لمؤمن ولا مؤمنة، نكرتان في سياق النفي
وهذا من صيغ العموم، أي: كل مؤمن ومؤمنة. ومعلوم أن إيمان العبد يقتضي
الانقياد والتسليم والإذعان، فلا يكون للمؤمن اختيار مع اختيار الله تعالى وإلا كان
ذلك نقصاً في إيمان العبد، وهذا أحد المعاني الداخلة تحت قوله تعالى: [النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم] [الأحزاب: ٦] إذ من معاني هذه الأولوية هنا أن
النفس إذا أمرت بأمر وأمر الرسول بأمر كان المقدَّم أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
الوقفة الرابعة والأربعون: مع قوله: ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا
مبينا، وهذا يدل على أن من كان له اختيار مع اختيار الله - تعالى - واختيار
رسوله ﷺ فإنه يكون عاصياً؛ لتقديمه محبوبات النفس على
مطلوب الحق.
الوقفة الخامسة والأربعون: هذه الآية وإن كانت متعلقة في الأصل بما بعدها
من خطبة النبي ﷺ ابنةَ عمته زينب بنت جحش لمولاه زيد بن
حارثة، إلا أن عموم معناها مُعْتَبَرٌ في كل ما أمر به الشارع أو نهى عنه؛ فإذا
قضى الشارع على المرأة أن تلازم بيتها ولا تكثر من الخروج، ولا تخالط الرجال
الأجانب، ولا تتبرج أو تذهب إلى أماكن الفتنة فإن الواجب عليها التسليم لأمر الله، والانقياد لشرعه، ولا يجوز لها بأي حال من الأحوال أن تقدم هوى النفس على
أمر الرب - جل وعلا - والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3151
دراسات في الشريعة والعقيدة
كرامات الأولياء بين أهل السنة ومخالفيهم
(٢-٢)
عبد اللطيف بن محمد الحسن
في الحلقة الأولى: تقدم الكلام عن مفهوم الولاية والأولياء بين أهل السنة
والمتصوفة، ومفهوم الخوارق والكرامات وما تتميز به عن الأحوال الشيطانية، ثم
الإلهام والفراسة والرؤى.
وتمام الحديث: شرح موقف أهل السنة والجماعة من الكرامات مُدعَّماً ببعض
الأدلة والأمثلة والضوابط والفوائد، وتبع ذلك ذكر مواقف المخالفين من المنكرين
للكرامات، أو المتوسعين فيها المتفلتين من الضوابط الشرعية.
عقيدة أهل السنة في الكرامات:
من عاد إلى كتب أهل السنة وجد موقفهم من الكرامة وسطاً بين إنكار الجافين، وتوسع الغالين. قال الطحاوي عن الأولياء: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم
وصح عن الثقات من رواياتهم) [١] . وقال ابن تيمية: (ومن أصول أهل السنة
والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء وما يُجري الله على أيديهم من خوارق
العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن
سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين
وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة) [٢] .
و (لقد تواترت نصوص الكتاب والسنة والوقائع قديماً وحديثاً على وقوع
كرامات الله لأوليائه المتبعين لأنبيائه) [٣] والأدلة كثيرة. منها: ما ذكره الله من
مجيء الرزق لمريم؛ لا من بشر، وكذا إنبات الرطب وإجراء النهر لها؛ ولم يكن
شيء منها قبل ذلك، ومنها: ازورار الشمس عن أهل الكهف، فلا تصيبهم مع أنهم
في مكان منفتح انفتاحاً واسعاً، ومنها: ما وقع لسارة ﵂ من حملها
بإسحاق في سن اليأس، ومنها: إحضار الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس
إلى سليمان ﵇ [٤] وكذا: كفّ يد الظالم عن سارة، ومنها: نجاة أصحاب
الغار من الصخرة التي انطبقت عليهم، ومنها: تكلُّم الغلام في المهد، ومنها:
عجز الملك عن قتل الغلام حتى قال: بسم الله رب الغلام [٥] .
ومن الكرامات الواقعة للصحابة ﵃: أن عبد الله بن حرام والد
جابر ﵄ توقّع مقتله في أول من يقتل يوم أحد، فحصل ذلك ودفن مع
عمرو بن الجموح ﵄ فأخرجه جابر بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم دُفن
غير أذنه، ثم دفنه في قبر وحده [٦] .
وعن أنس أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند
النبي ﷺ في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما
افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله [٧] .
ضوابط قبول الكرامة:
أ - ضابط عام في الكرامات:
ليس من منهج الإسلام التعويل على الكرامات، وجعلها شرطاً للإيمان؛ فقد
عاب الله على المشركين لما طلبوا من النبي ﷺ آيات خارقة،
فقال - تعالى -: [وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا]
[الإسراء: ٩٠] ، إلى قوله تعالى: [قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا] ... [الإسراء: ٩٣] فقد كانت معجزاته ﷺ معتمدة على الحجة والبرهان، وأجلُّها القرآن الكريم أعظم معجزة أعطيت لنبي، وهي أنفع المعجزات.
ولذا كانت حياته ﷺ تجري موافقة للمألوف جرياً على العادة
مع كونه أعظم الخلق وأشرفهم ﷺ ؛ فكان يأخذ بالأسباب كما
فعل يوم الهجرة [٨] . وهذه خاصية الدين والمنهج الذي يصلح للبقاء، خلافاً لما
يظنه كثير من الناس من أن الأولياء يجب أن يتصرفوا في هذا الكون ويُعْطَوا
مفاتيحه! [٩] .
ب - ضوابط من تقع له الكرامات:
أولاً: أن يكون من وقعت له من عباد الله المؤمنين. (فمن لم يكن له مصدقاً
فيما أخبر به ملتزماً طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب
والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمناً فضلاً عن أن يكون ولياً لله، ولو
حصل له من خوارق العادة ما عسى أن يحصل؛ فإنه لا يكون مع تركه لفعل
المأمور وترك المحظور - من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها
وواجباتها - إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله المقربة إلى
سخطه وعذابه) [١٠] .
ثانياً: أن لا يجزم في كل خارق يحصل له أنه كرامة؛ بل الواجب عليه أن
يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة لها فهي حق وصدق
وكرامة من الله - سبحانه - وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك فليعلم أنه مخدوع
ممكور به، قد طمع منه الشيطان فلبَّس عليه [١١] .
ثالثاً: أن لا يدعي صاحبها الولاية؛ لتعذر الجزم بقبول العمل، كما وصف
الله حال أوليائه المؤمنين المتقين، فقال: [والذين يؤتون ما آتوا
وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون] [المؤمنون: ٦٠] . وقد سألت عائشة -
﵂ النبي ﷺ عن هذه الآية فقالت: أَهُمُ الذين
يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا، يا بنت الصديق؛ ولكنهم الذين يصومون
ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يُقبَل منهم، أولئك يسارعون في
الخيرات) [١٢] .
ثم إن في ادعاء الولاية تزكية للنفس وذلك منافٍ لحال الولاية.
رابعاً: أن لا تكون الكرامة غايته، يطلبها ويسعى في حصولها؛ فهو خلاف
حال السلف.
ج - ضوابط الكرامة ذاتها:
أولاً: أن لا تشتمل الكرامة على ترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من
المحرمات، أو التزام شيء من العبادات لم يرد فيه نص شرعي؛ وذلك لأن الولي
إنما نال الكرامة بطاعته وإيمانه؛ فلا يمكن بحال أن تكون تلك الكرامة سبباً لتركه
شيئاً مما نالها به، ثم إن المحرَّم خبيث، والله لا يكرم عبده بخبيث؛ كما أن من
دلائل الولاية الوقوف عند النصوص الشرعية فلا يكون ولياً لله من أحدث في دين
الله - تعالى - ما ليس منه.
قال ابن الجوزي ﵀: (قد لبَّس إبليس على قوم من المتأخرين
فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا - بزعمهم - أمر القوم؛ والحق لا
يحتاج لتشييد بباطل) ثم ساق قصة تُروى عن سهل بن عبد الله فيها أن أحد الأولياء
اشترط عليه أن يرمي ما معه من الزاد حتى يعطيه نور الولاية فتكون له خوارق
العادات، ففعل، إلى أن قال سهل: فغشيني نور الولاية! ثم علَّق ابن الجوزي
بقوله: (ويدل على أنها حكاية موضوعة قولهم: (اطَّرِحْ ما معك) ؛ لأن الأولياء لا
يخالفون الشرع، والشرع نهى عن إضاعة المال) [١٣] كما أمر بفعل الأسباب.
ومثال ذلك أيضاً: من تحمله الجن فيحج مع الناس بلا إحرام ولا مرور
بميقات.. خداعاً من الجن له.
ثانياً: ألا تشتتمل على ما عُلِم في الشريعة عدم وقوعه، كدعوى لقيا النبي
ﷺ يقظة، وكأن يرى شخصاً على صورة نبي أو ملك أو صالح
يقول له: قد أبحت لك الحرام، وأحللت لك الحلال، أو أسقطت عنك التكاليف.
قال الشاطبي: (مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، وذلك
أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات، وليس كذلك؛ بل من أعمال الشيطان. كما
يُحكى عن عبد القادر الجيلاني أنه عطش عطشاً شديداً، فإذا سحابة قد أقبلت
وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب، ثم نودي من سحابة: (يا فلان! أنا ربك،
وقد أحللت لك المحرمات) فقال له: (اذهب يا لعين) . فاضمحلت السحابة. وقيل
له: بِمَ عرفت أنه إبليس؟ قال: بقوله: (قد أحللت لك المحرمات) . هذا وأشباهه
لو لم يكن الشرع حَكَماً فيه لما عرف أنها شيطانية) [١٤] .
ثالثاً: ألا يستعين بالكرامة على معصية الله فإن أكمل
الكرامات ما كان معيناً على طاعة الله أما الكرامة والكشف والتأثير
إن (لم يكن فيه فائدة كالاطّلاع على سيئات العباد، وركوب السباع لغير حاجة،
والاجتماع بالجن لغير فائدة، والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر فهذا
لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب) [١٥] .
رابعاً: ثبوتها: قال الطحاوي: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن
الثقات من رواياتهم) [١٦] . وقد يتعسر ذلك كثيراً بعد انقطاع عصر الرواية،
ولقلة من يعتمد عليه في نقل الأخبار في الأعصر المتأخرة.
فوائد الكرامة:
الفائدة الأولى: دلالتها على قدرة الله وكمال مشيئته وعلى كمال علمه وكمال
غناه.
الثانية: أن وقوع الكرامات للأولياء في الحقيقة معجزات للأنبياء،
والمعجزات فيها دعوة للإيمان، والكرامات تدل على صحة الدين الذي جاء به
الرسل [١٧] .
الثالثة: أن الكرامات من البشرى المعجلة في الدنيا المذكورة في آية الأولياء:
[لهم البشرى في الحياة الدنيا] [يونس: ٦٤] . وهي (كل أمر يدل على ولايتهم
وحسن عاقبتهم، ومن ذلك الكرامات) [١٨] .
الرابعة: تقوية إيمان العبد وتثبيته، قال الله - تعالى -: [إذ يوحي ربك إلى
الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ... ] [الأنفال: ١٢] ولهذا قلَّت الكرامات في عهد الصحابة، وكثرت بعدهم؛ وذلك لقوة إيمانهم، وضعف من بعدهم بالنسبة إليهم، وذلك أن الصحابة شاهدوا التنزيل وعايشوا النبي ﷺ ، ومن بعدهم آمن بالغيب فاحتاج إلى شيء يزيد يقينه [١٩] .
الخامسة: إقامة الحجة على العدو، كما حصل لخالد ﵁ في
شرب السم، وكقصة أبي مسلم الخولاني [٢٠] . وفي هذا نصرة لدين الله ورفعة
لكلمته إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل، كما حصل لأصحاب الكهف.
السادسة: إكرام من الله - تعالى - لعباده لصلاحهم وقوة إيمانهم، كما حصل
لمريم من الرزق [٢١] .
السابعة: قضاء حاجة صاحب الكرامة أو حاجة غيره، وإنقاذه أو إنقاذ غيره، كما حصل لسعد ﵁ في قصة مرورهم على الماء، وكما حصل
لسارية حيث نُجِّي الجيش عامة، وليس هو وحده.
الثامنة: ابتلاء من وقعت له الكرامة أيشكر أم يكفر؟ أيتواضع لله أم يغتر
بعمله فيهلك؟
التاسعة: في وقوع الكرامة لناس دون آخرين ابتلاء لمن لم تقع لهم: هل
الكرامة غايتهم من الاستقامة؟ وهل يثبتون بلا كرامة أم يتزعزع إيمانهم؟
العمل بمقتضى الكرامات:
من فوائد الكشف والإلهام والفراسة والرؤى - وهي من الكرامات -:
تحصيل الخير وتوقي الشر قبل وقوعه.
وشرط ذلك: ألا يعارض العملُ - بناءً عليها - حكماً شرعياً ولا قاعدة دينية، ومثاله: لو شهد شاهدان عدلان في أمر، فرأى القاضي في منامه النبي صلى الله
عليه وسلم يقول له: (لا تحكم بهذه الشهادة؛ فإنها باطل) ، فإنه لا يجوز له العمل
بمقتضى هذه الرؤيا؛ لأنها تهدم قواعد الشريعة. وكذا: لو حصلت له مكاشفة بأن
الماء الذي يريد الوضوء به مغصوب أو نجس، فإنه لا يتركه ويتيمم؛ لأن فتح هذا
الباب يبطل العمل بالظاهر، ويلغي الشريعة.
وقد ذكر الشاطبي ﵀ أوجهاً مما يسوغ العمل بالخوارق على وفقها، منها:
١- أن يكون في أمر مباح، كأن يرى رؤيا بأن فلاناً سيأتيه في وقت ما،
فيتأهب لاستقباله، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع.
٢- أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها، كما أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم أصحابه أنه يراهم من وراء ظهره؛ لفائدة إقامة الصفوف، وأخرى هي
تقوية إيمان من سمعه.
٣ - أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد ويتأهب.
وقال: (إنما ذكرت هذه الأوجه الثلاثة لتكون مثالاً يحتذى حذوه، وينظر في
هذا المجال إلى جهته) [٢٢] .
أعظم الكرامة لزوم الاستقامة:
ليس وقوع الخارق أمراً لازماً للولي، فكم من الأولياء الصادقين - من
الصحابة فمن بعدهم - قلم تقع لهم خوارق! وكم من السحرة والمبطلين من وقعت
لهم الخوارق!
ولا شك أن الخوارق ابتلاء للعبد من جنس النعم، وليس حصولها برهاناً على
فضل الرجل عند الله، ولا عدمها دليلاً على هوانه. قال الله - تعالى -: [فأما
الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر
عليه رزقه فيقول ربي أهانن. كلا] [الفجر: ١٥ - ١٧] .
لكن الكرامة الحقة - التي بها نجاة العبد - إنما هي استقامته على أمر الله -
حتى يأتيه اليقين.
قيل لأبي محمد المرتعش: (فلان يمشي على الماء! قال: عندي أن من
مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم ممن يمشي على الماء!) [٢٣] .
ً
للاستقامة لا طالباً للكرامة؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب
منك الاستقامة. قال الشيخ السُهروردي في عوارفه: وهذا أصل كبير في الباب؛
فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما مُنحوا
به من الكرامات وخوارق العادات؛ فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك،
ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه، ولعل أحدهم يبقى متهماً لنفسه في صحة عمله؛
حيث لم يحصل له خارق [٢٤] ، ولو علموا بسر ذلك، لهان عليهم الأمر، فيُعلم
أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً. والحكمة فيه أن يزداد
بما يرى من خوارق العادات وأمارة القدرة يقيناً، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا
والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة؛ فهي كل
الكرامة) [٢٥] .
ولا شك أن من أعظم الكرامات: ما أكرم الله به سلف الأمة وعلماءها
والمجددين والمصلحين فيها؛ حيث بارك في أوقاتهم، وأعمارهم، وأعمالهم؛
فكتب بعضهم ما يعجز غيره على نسخه في مدة عمره [٢٦] ، وكان لعلومهم من
الأثر ما نراه إلى يومنا هذا، وكتب الله لها البقاء والنماء، وكم كان للمصلحين من
الأثر، وكم يترتب على مواقفهم الحميدة من آثار تجنيها الأمة طيلة سنين أو قرون! وتأمّل قوله - تعالى - في فضل من آتاهم العلم: [يؤتي الحكمة من يشاء ومن
يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب] [البقرة: ٢٦٩] .
فأين هذا ممن تكون كرامته: الإكرام بمال، أو طعام، أو كشف في حادثة، أو
قدرة على أمر؟ !
ومن أوجه تفضيل الاستقامة على الكرامة:
١ - أن الدين لا يُنال إلا من جهة الرسول ﷺ ، واختصاصه
به يفضله على بقية الخوارق.
٢ - أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون، أما الخوارق فإنها لهم ولغيرهم.
٣ - أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه ولا يضره، وقد يقع له من
حصول الخارق مضرة من عُجْبٍ ونحوه.
٤ - أنه يدفع مضرة الدنيا والآخرة من غير حاجة إلى كشف.
٥ - أن الكشف والتأثير قد يكون فيه فائدة وقد لا يكون.
٦ - أن الدين إذا صح أوجب خرق العادة إذا احتاج إليه صاحبه؛ لقول الله -
تعالى -: [ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ... ]
[الطلاق: ٢، ٣] .
٧ - أن الدين هو إقامة حق العبودية، وهو فعل ما وجب عليك، وأما
الخوارق فهي من حق الربوبية؛ إذ لم يؤمر العبد بتحصيلها وفعلها [٢٧] .
المخالفون لأهل السنة في الكرامات:
وهم فئتان: متوسعون في إثبات الكرامة، ومنكرون لوقوع ما سوى
المعجزات. فأما المتوسعون فهم: الأشاعرة والماتريدية والصوفية والرافضة.
الأشاعرة والماتريدية:
خالف الأشاعرة أهل السنة في بعض تفاصيل مسائل النبوات والمعجزات
والكرامات. ومن ذلك: (قولهم: إن كرامات الأولياء ليست من آيات الأنبياء)
وهذا راجع إلى مذهبهم (في شروط المعجزة؛ حيث جعلوا منها: أن تقارن دعوى
النبوة، وهذا مخالف لمذهب الجمهور الذين جعلوها من آيات الأنبياء؛ لأنها
مستلزمة لنبوتهم وتصديقهم فيها، ولولا تصديقهم للأنبياء واتباعهم لهم، لم تكن لهم
كرامات) [٢٨] .
وزعم الباقلاني أن (الخوارق تدل على الولاية بالإجماع، مع تجويزه
ظهورها فيه على أيدي الكفرة والسحرة. وهذا تناقض) [٢٩] .
ومما غلط فيه الأشاعرة والماتريدية [٣٠] : زعمهم: أن كل ما وقع معجزة
لنبي جاز وقوعه كرامة لولي [٣١] ، وهذا توسع في إثبات الكرامة، وهو مردود
بكون (معجزات الأنبياء التي هي دليل صدقهم لا يجوز أن يأتي بها أحد غيرهم لا
من المخالفين، ولا من الموافقين؛ لأن المعنى في إعجازها أنها لا تتكرر لغيره
ممن ليس في منزلته؛ لأنها إذا أتت على يد غيره لا تصلح أن تكون شاهدة على
صدقه هو فقط؛ لأن أساس هذه الشهادة هو عجز غيره عن الإتيان بمثل ما أتى به
حتى تبقى حاملة أسرار الإعجاز كلها) [٣٢] .
الصوفية والكرامات:
غلا الصوفية في أمر الخوارق، فشرَّقوا فيها وغرَّبوا، ولعل أهم ما يميزهم
عن أهل السنة - في هذا الباب - أمور أهمها [٣٣] :
أولاً: اعتبار الخوارق معياراً للولاية، وأن من لا كرامة له لا ولاية له. قال
الشعراني في ترجمة محمد الغمري عن قوله: (وكان سيدي أحمد لا يأذن قط لفقير
[لمريد أو صوفيٍ] أن يجلس على سجاده إلا إن ظهرت له كرامة) [٣٤] .
ثانياً: الشغف بالخوارق، وتفسير كل خارق أو أمر غريب بأنه كرامة حتى
صارت همهم، قال ابن الجوزي: (عن إبراهيم الخراساني أنه قال: احتجت يوما
إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة رأسه ألين من الخز،
فاستكت بالسواك، وتوضأت بالماء، وتركتهما وانصرفت) ثم علق عليها ابن
الجوزي فقال: (في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته، فإن صحت دلت على قلة
علم هذا الرجل؛ إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز؛
ولكن قلَّ علمه فاستعمله، وإن ظن أنه كرامة، والله - تعالى - لا يكرم بما يمنع
من استعماله شرعاً) [٣٥] .
ثالثاً: لما جعل الصوفية الكرامة أساس الولاية حرصوا على جمع الكرامات
لمن ادعوا لهم الولاية، وتعدى الأمر إلى الاختلاق والكذب، ومما نسجوه ما ذكره
الشعراني عن أبي بكر البطائحي أنه (أول من ألبسه أبو بكر الصديق - رضي الله
عنه - الخرقة ثوباً وطاقية في النوم، فاستيقظ فوجدهما عليه، وكان يقول: أخذت
من ربي عهداً أن لا تحرق النار جسداً دخل تربتي، ويقال: إنها ما
دخلها سمك ولا لحم قط فأنضجته النار أبداً) [٣٦] .
وكأن الكذب بدأ فيهم من قديم، فتنبه له بعض كبارهم؛ فقد قيل لرابعة
العدوية: (يا عمة! لِمَ لا تأذنين للناس يدخلون عليك؟ قالت: وما أرجو من
الناس؟ إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل. ثم قالت: يبلغني أنهم يقولون: إني أجد الدراهم تحت مصلاي، ويطبخ لي القدر بغير نار، ولو رأيت مثل هذا فزعت منه قيل لها: إن الناس يكثرون فيك القول، يقولون: إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب؛ فهل تجدين شيئاً فيه؟ قالت: يا بنت أخي! لو وجدت في منزلي شيئاً ما مسسته، ولا وضعت يدي عليه) [٣٧] .
رابعاً: كرامات الصوفية وخوارقهم كما أنها لا مكان لها عند العقلاء، فإنها لا
كرامة لها عند العلماء بشريعة الله وكم في كراماتهم المحكية من
معارضات ومخالفات للشريعة المحمدية! ومن ذلك: أن أحدهم كان يتشوش من
قول المؤذن: الله أكبر فيرجمه، ويقول: عليك يا كلب، نحن كفرنا يا مسلمون
حتى تكبروا علينا؟ ! [٣٨] .
أما ما يذكرونه عن بعض من يذكرون بالخير من الشطحات والأحوال المُنْكَرَةِ، فإن الواجب التثبت منه؛ لعدم الثقة في نقلهم، وما ثبت منه فإن منه ما يكون
عوارض تعرض لهم بسبب بعض أعمالهم؛ فإن من خلط في عمله اختلطت خوارقه، ولهذا أمرنا أن نقول كل صلاة: [اهدنا الصراط المستقيم] [الفاتحة: ٦] [٣٩] .
الرافضة والكرامات:
يفضل غلاة الرافضة أئمتهم على الأنبياء، ثم صار ذلك من أصول الشيعة
الاثني عشرية [٤٠] .
ويرى الرافضة أن خوارق الأولياء (معجزات لإثبات الإمامة وإقامة الحجة) ، وأنها ليست من قبيل الكرامات بل هي كمعجزات الأنبياء أو أعظم، وقد بوَّب
صاحب كتاب بحار الأنوار لهذا المعنى باباً بعنوان: (إنهم يقدرون على إحياء
الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وجميع معجزات الأنبياء) . وأورد فيه جملة
من أحاديثهم [٤١] .
(وللقوم ولع غريب وتعلق عجيب بسرد الحكايات وغرائب الأساطير التي
هي أحياناً أشبه بعمل السحرة والمشعوذين، وحيناً هي من ضروب الخيال،
وغرائب الأحلام. وهذه المعجزات لا تزال تتولد عند الشيعة وتتجدد) [٤٢] .
المنكرون للكرامات:
وهم: الفلاسفة [٤٣] ، والمعتزلة [٤٤] ، ومن تأثر بهم [٤٥] ، وابن حز [٤٦] ، وبعض الأشاعرة كالإسفراييني [٤٧] . وتبعهم معاصرون من مدعي ...
العقلانية، ويرون أنه لا يقع من الخوارق غير معجزات الأنبياء.
وهذه بعض شُبَهِ القوم مع مناقشتها:
الشبهة الأولى: قالوا: إن تجويز الكرامات يفضي إلى السفسطة؛ لأنه
يقتضي تجويز انقلاب الحجر ذهباً، والبحر دماً عبيطاً. والرد على هذا من ثلاثة
أوجه:
الأول: أنه لا يُسلَّم ببلوغها هذا المبلغ.
والثاني: أن ذلك يجوز ولا يقتضي سفسطة؛ لأن ما ذكرتم وارد عليكم في
زمن النبوة.
والثالث: أن التجويزات العقلية لا تقدح في العلوم المادية؛ وجواز تغير العادة
بسبب الكرامة تجويز عقلي فلا يقدح فيها [٤٨] .
الشبهة الثانية: أن الكرامة لو جازت لاشتبهت بالمعجزة، فلا يبقى لها دلالة
على النبوة.
والرد على هذه الشبهة بمنع الاشتباه - كما تقدم التفريق بينهما في مبحث
سابق -. ثم إن الولي لو ادعى النبوة بعد ظهور الكرامة له لكان كاذباً، ولم يكن
ولياً [٤٩] .
الشبهة الثالثة: أن الكرامة لو ظهرت لولي لجاز الحكم له بمجرد دعواه أنه
يملك شيئاً من غير بينة لظهور درجته المانعة من كذبه، وهذا خلاف قاعدة: ... (البينة على المدعي) والرد: أن الكرامة لا توجب عصمته ولا صدقَهُ في كل
الأمور، وهذا يضبطه الشرع ولا يخرج عنه [٥٠] .
الشبهة الرابعة: أنها لو جازت سراً وهو أولى من العلن، وهذا يفضي إلى
أن لا يستدل بها على النبوة، ثم إن تكرارها يفضي إلى التحاق الخوارق بالعادات
فلا تصدق معجزات الأنبياء! والرد من وجهين:
الأول: أنها تجوز على وجه لا يصير ادة.
الثاني: وهو أنها تجوز بحيث لا تظهر ولا تشيع ولا تلتحق بالمعتاد.
وتكررها للولي لا يخرجه عن طريق السداد، وإلا فلا يكون ولياً على التحقيق، ثم
إن المعجزة تتميز عن الكرامة كما سبق. وهذه الشبهة لو جاز إيرادها لكان في
كرامات الأمم السابقة، دون هذه الأمة.
الشبهة الخامسة: أنه لو كان لها أصل لكان أولى الناس بها الصدر الأول،
ولم يظهر عنهم شيء منها.
قال ابن السبكي: (وهذا قول مرذول، فلو حاول مستقصٍ استقصاء كرامات
الصحابة ﵃ لأجهد نفسه ولم يصل إلى عشر العشر) [٥١] .
وموردو هذه الشبهة يراوغون في الكلام، فمثلاً: القاضي عبد الجبار في
المغني لم يعرض للأدلة المثبتة للكرامات من القرآن، والزمخشري يقول بخصوصٍ
منفي على إبطال العموم، كما استدل بقوله - تعالى -: [عالم الغيب فلا يظهر
على غيبه أحدا] [الجن: ٢٦] ، على إبطال جميع الكرامات. ورد بقول ...
الاسكندري في الانتصاف [٥٢] .
الشبهة السادسة: أن مشاركة الأولياء للأنبياء في ظهور الخوارق يخل بعظيم
قدر الأنبياء ووقعهم في النفوس [٥٣] .
وهذا مردود؛ فلا يخفى أن في الكرامة تصديقا للأنبياء، وما حصلت لهم إلا
ببركة اتباعهم للرسل [٥٤] ، وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
المنكرين ورد عليهم في النبوات [٥٥] ، كما ناقش المعتزلة في خوارق العادات من
أحد عشر [٥٦] .
وبعد؛ فليس إنكار الكرامات سديداً؛ لمعارضته من قبل الشرع والواقع، ولا
التوسع فيها جائزاً؛ لمخالفته نهج الصواب.
إننا نثبت الكرامات لأولياء الله الصالحين، ونقول: ليس كل من أتانا بخارق
عددناه ولياً، ما لم يكن ملتزماً بهدى السابقين الأولين ﵃. وفي
الوقت نفسه: لا ننتقص أحداً من الصالحين؛ لأنه لم تقع له كرامة؛ فكم من ولي
لم يحصل له خارق! وإن أعظم كرامة لزوم الاستقامة. نسألك اللهم حسن الختام.
стр. 3152
تأملات دعوية
الثناء المنضبط وسيلة تربوية
محمد بن عبد الله الدويش
نشعر كثيراً في تربيتنا وتوجيهنا أننا نحتاج لبيان الأخطاء وممارسة الانتقاد،
وربما اللوم والعتاب، وقد يتطور الأمر للعقوبة، وكل ذلك - حين يكون في إطاره
الطبيعي - ليس مجالاً للنقاش أو الاعتراض.
ومنشأ الإشكال إنما هو في اتساع مساحة الانتقاد واللوم على حساب غيره؛
فالنفس تحتاج للثناء والتشجيع، وتحتاج للشعور بالنجاح والإنجاز كما أنها تحتاج
للنقد والتسديد، لكن ما يأخذه النقد واللوم من واقعنا أكثر بكثير مما يأخذه الجانب
الآخر.
ومن يتأمل هدي النبي ﷺ يجد أنه يُثني على أصحابه في
مواقف عدة. ومنها: قوله ﷺ لأشج عبد القيس: (إن فيك
لخصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة) [١] ، وقوله لأبي هريرة ﵁:
(لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لِمَا رأيت من
حرصك على الحديث) [٢] ، وقال أيضاً: (كان خيرَ فرساننا اليوم أبو قتادة،
وخيرَ رجالتنا سلمة) [٣] ، وقال لابن مسعود ﵁: (إنك غلام ...
معلم) [٤] ، ومن نظر في أبواب المناقب رأى الكثير في ذلك.
إن الثناء يُشعِر الشخص بالرضا والإنجاز، ويزيد من ثقته بنفسه، والمربُّون
اليوم أحوج ما يكونون إلى غرس الثقة بالنفس والشعور بالقدرة على الإنجاز في
ظل جيل يعاني من الإحباط، وتسبق هواجس الإخفاق تفكيره في أي خطوة
يخطوها، أو مشروع يُقدم عليه.
في حين أن النقد واللوم يسهم في تكريس الشعور بالفشل والإحباط ونموه في
النفس، ويضيفه صاحبه إلى تجاربه المخفقة.
والثناء وسيلة غير مباشرة لإثارة تطلُّع الآخرين وحماستهم للتأسي بالمُثْنَى
عليه والاقتداء به، وإبرازه مثلاً حياً مشاهَداً أمامهم؛ لذا فحين قدم طائفة من
أصحاب النبي ﷺ محتاجين للنفقة، ودعا النبي صلى الله عليه
وسلم أصحابه لذلك، فتصدق رجل بصُرَّة كادت يده أن تعجز عنها، فتابع الناس
بعد ذلك، حينها قال ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله
أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في
الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص
من أوزارهم شيء) [٥] .
وحتى يؤدي الثناء دوره دون إفراط فلا بد من الاعتدال؛ فالمبالغة فيه تُفقده
قيمته، وتشعر من يسمعه بأنه ثناء غير صادق ولا جاد.
وهو مذموم حين يوجه لمن لا يستحقه، أو لمن يُخشى عليه العُجْب والغرور؛ بل يستحق من يطلقه حينئذ أن يُحثى التراب في وجهه، كما قال صلى الله عليه
وسلم: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) [٦] .
ولهذا امتنع ﷺ عن بيان بعض منزلة قريش، فعن عائشة
﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فقال: (لولا أن تبطر
قريش لأخبرتها بما لها عند الله ) [٧] .
стр. 3153
دراسة تربوية
القناعة
مفهومها.. منافعها.. الطريق إليها
(١-٢)
إبراهيم بن محمد الحقيل
يزداد التسخط في الناس وعدم الرضى بما رُزقوا إذا قلّت فيهم القناعة،
وحينئذ لا يرضيهم طعام يشبعهم، ولا لباس يواريهم، ولا مراكب تحملهم، ولا
مساكن تكنهم؛ حيث يريدون الزيادة على ما يحتاجونه في كل شيء، ولن يشبعهم
شيء؛ لأن أبصارهم وبصائرهم تنظر إلى من هم فوقهم، ولا تُبصر من هم تحتهم، فيزدرون نعمة الله عليهم، ومهما أوتوا طلبوا المزيد؛ فهم كشارب ماء البحر لا
يرتوي أبداً.
ومن كان كذلك فلن يحصل السعادة أبداً؛ لأن سعادته لا تتحقق إلا إذا أصبح
أعلى الناس في كل شيء، وهذا من أبعد المحال؛ ذلك أن أي إنسان إن كملت له
أشياء قصرت عنه أشياء، وإن علا بأمور سفلت به أمور، ويأبى الله - تعالى -
الكمال المطلق لأحد من خلقه كائناً من كان؛ لذا كانت القناعة والرضى من النعم
العظيمة والمنح الجليلة التي يُغبط عليها صاحبها.
ولأهمية هذا الأمر - ولا سيما مع تكالب كثير من الناس على الماديات،
وانغماسهم في كثير من الشهوات - أحببت أن أذكر نفسي وإخواني؛ والذكرى تنفع
المؤمنين.
مفهوم القناعة:
توجد علاقة متينة بين القناعة وبين الزهد والرضى، ولذلك عرَّف بعض أهل
اللغة القناعة بالرضى، والقانع بالراضي [١] .
قال ابن فارس: (قنع قناعة: إذا رضي، وسميت قناعة؛ لأنه يُقبل على
الشيء الذي له راضياً) [٢] .
وأما الزهد فهو ضد الرغبة والحرص على الدنيا. والزهادة في الأشياء ضد
الرغبة [٣] ، وذكر ابن فارس أن مادة (زهد) أصل يدل على قلة الشيء قال:
والزهيد: الشيء القليل [٤] .
وعرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الزهد بقوله: ترك الرغبة فيما
لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله -
[٥] .
ونحا فريق من أهل الاصطلاح إلى تقسيم القناعة، وجعل أعلى مراتبها الزهد
كما هو صنيع الماوردي؛ حيث قال: (والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يقتنع بالبُلغة من دنياه ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه؛ وهذا أعلى منازل أهل القناعة، ثم ذكر قول مالك بن دينار: أزهد الناس من لا
تتجاوز رغبته من الدنيا بُلغته.
الوجه الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية، ويحذف الفضول والزيادة،
وهذا أوسط حال المقتنع، وذكر فيه قول بعضهم: من رضي بالمقدور قنع
بالميسور.
الوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سُنح، فلا يكره ما
أتاه وإن كان كثيراً، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيراً، وهذه الحال أدنى منازل
أهل القناعة؛ لأنها مشتركة بين رغبة ورهبة، فأما الرغبة: فلأنه لا يكره الزيادة
على الكفاية إذا سنحت، وأما الرهبة: فلأنه لا يطلب المتعذر عن نقصان المادة إذا
تعذرت) [٦] ا. هـ.
وبناءً على تقسيم الماوردي فإن المنزلة الأولى هي أعلى منازل القناعة وهي
الزهد أيضاً، والمنزلة الثالثة هي التي عليها أكثر الذين عرّفوا القناعة وهي مقصود
مقالتنا تلك.
وعلى هذا المعنى فإن القناعة لا تمنع التاجر من تنمية تجارته، ولا أن
يضرب المسلم في الأرض يطلب رزقه، ولا أن يسعى المرء فيما يعود عليه بالنفع؛ بل كل ذلك مطلوب ومرغوب، وإنما الذي يتعارض مع القناعة أن يغش التاجر
في تجارته، وأن يتسخط الموظف من مرتبته، وأن يتبرم العامل من مهنته، وأن
يُنافَق المسؤول من أجل منصبه وأن يتنازل الداعية عن دعوته أو يميّع مبدأه رغبة
في مال أو جاه، وأن يحسد الأخ أخاه على نعمته، وأن يُذِلَّ المرء نفسه لغير الله -
تعالى - لحصول مرغوب.
وليس القانع ذاك الذي يشكو خالقه ورازقه إلى الخلق، ولا الذي يتطلع إلى ما
ليس له، ولا الذي يغضب إذا لم يبلغ ما تمنى من رتب الدنيا؛ لأن الخير له قد
يكون عكس ما تمنى.
وفي المقابل فإن القناعة لا تأبى أن يملك العبد مثاقيل الذهب والفضة، ولا أن
يمتلئ صندوقه بالمال، ولا أن تمسك يداه الملايين، ولكن القناعة تأبى أن تلج هذه
الأموال قلبه، وتملك عليه نفسه، حتى يمنع حق الله فيها، ويتكاسل عن الطاعات، ويفرط في الفرائض من أجلها، ويرتكب المحرمات من رباً ورشوة وكسب خبيث
حفاظاً عليها أو تنمية لها.
وكم من صاحب مال وفير وخير عظيم رزق القناعة! فلا غَشَّ في تجارته،
ولا منع أُجراءه حقوقهم، ولا أذل نفسه من أجل مال أو جاه، ولا منع زكاة ماله؛
بل أدى حق الله فيه فرضاً وندباً، مع محافظةٍ على الفرائض، واجتنابٍ للمحرمات. إن ربح شكر، وإن خسر رضي؛ فهذا قنوع وإن ملك مال قارون.
وكم من مستور يجد كفافاً ملأ الطمع قلبه حتى لم يُرضه ما قسم له! فجزع
من رزقه، وغضب على رازقه، وبث شكواه للناس، وارتكب كل طريق محرم
حتى يغني نفسه؛ فهذا منزوع القناعة وإن كان لا يملك درهماً ولا فلساً.
فوائد القناعة:
إن للقناعة فوائد كثيرة تعود على المرء بالسعادة والراحة والأمن والطمأنينة
في الدنيا والآخرة ومن تلك الفوائد:
١ - امتلاء القلب بالإيمان بالله والثقة به، والرضى بما
قدر وقسم، وقوة اليقين بما عنده ذلك أن من قنع برزقه فإنما
هو مؤمن ومتيقن بأن الله - تعالى - قد ضمن أرزاق العباد وقسمها بينهم حتى ولو
كان ذلك القانع لا يملك شيئاً.
يقول ابن مسعود ﵁: إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا:
ليس في البيت دقيق. وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: أسرُّ أيامي إليَّ يوم
أُصبح وليس عندي شيء. وقال الفضيل ابن عياض - رحمه الله تعالى -: أصل
الزهد الرضى من الله . وقال أيضاً: القُنوع هو الزهد وهو الغنى،
وقال الحسن - رحمه الله تعالى -: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق
منك بما في يد الله [٧] .
٢ - الحياة الطيبة: قال - تعالى -: [من عمل صالحا من ذكر أو أنثى
وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون]
[النحل: ٩٧] ، فَسَّر الحياةَ الطيبة عليٌّ وابن عباس والحسن ﵃ فقالوا: الحياة الطيبة هي القناعة [٨] ، وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه [٩] .
٣ - تحقيق شكر المنعم : ذلك أن من قنع برزقه شكر
الله - تعالى - عليه، ومن تقالّه قصَّر في الشكر، وربما جزع وتسخط - والعياذ
بالله - ولذا قال النبي ﷺ : (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعا
تكن أشكر الناس) [١٠] .
٤ - الفلاح والبُشْرى لمن قنع: فعن فضالة بن عبيد ﵁ أنه
سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان
عيشه كفافاً، وقنع) [١١] ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن
رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً، وقنّعه الله بما
آتاه) [١٢] .
٥ - الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب وتذهب الحسنات: كالحسد،
والغيبة، والنميمة، والكذب، وغيرها من الخصال الذميمة والآثام العظيمة؛ ذلك
أن الحامل على الوقوع في كثير من تلك الكبائر غالباً ما يكون استجلاب دنيا أو دفع
نقصها، فمن قنع برزقه لا يحتاج إلى ذلك الإثم، ولا يداخل قلبه حسد لإخوانه على
ما أوتوا؛ لأنه رضي بما قسم له.
قال ابن مسعود ﵁: اليقين ألا ترضي الناس بسخط الله،
ولا تحسد أحداً على رزق الله، ولا تَلُمْ أحداً على ما لم يؤتك الله؛ فإن الرزق لا
يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره؛ فإن الله ﵎ بقسطه
وعلمه وحكمته جعل الرَّوْح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في
الشك والسخط [١٣] .
وقال بعض الحكماء: وجدت أطول الناس غماً الحسود، وأهنأهم عيشاً
القنوع [١٤] .
٦ - حقيقة الغنى في القناعة: ولذا رزقها الله - تعالى - نبيه محمداً صلى
الله عليه وسلم وامتن عليه بها فقال - تعالى -: [ووجدك عائلا فأغنى]
[الضحى: ٨] ، نزّلها بعض العلماء على غنى النفس؛ لأن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه النبي ﷺ قبل أن تُفتح عليه خيبر وغيرها من قلة
المال [١٥] .
وذهب بعض المفسرين إلى أن الله - تعالى - جمع له الغنائيْن: غنى القلب،
وغنى المال بما يسر له من تجارة خديجة.
وقد بيّن ﵊ أن حقيقة الغنى غنى القلب فقال - عليه
الصلاة والسلام -: (ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس) [١٦] .
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟) قلت: نعم يا رسول الله، قال: (فترى قلة المال هو الفقر؟) قلت: نعم! يا رسول الله. قال: (إنما الغنى غنى
القلب، والفقر فقر القلب) الحديث [١٧] .
وتلك حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه ولو
عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته ويضحي بوقته يريد المزيد! وكم من فقير
يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يجد قوت غده! فالعلة في القلوب: رضيً وجزعاً،
واتساعاً وضيقاً، وليست في الفقر والغنى.
ولأهمية غنى القلب في صلاح العبد قام عمر بن الخطاب ﵁
خطيباً في الناس على المنبر يقول: (إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن
الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه) [١٨] ، وسئل أبو حازم فقيل له: ما
مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي
الناس [١٩] ، وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما
يكفيك [٢٠] .
٧ - العز في القناعة، والذل في الطمع: ذلك أن القانع لا يحتاج إلى الناس
فلا يزال عزيزاً بينهم، والطماع يذل نفسه من أجل المزيد؛ ولذا جاء في ... حديث سهل بن سعد مرفوعاً: (شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) [٢١] .
وكان محمد بن واسع - رحمه الله تعالى - يبلُّ الخبز اليابس بالماء ويأكله
ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد [٢٢] .
وقال الحسن - رحمه الله تعالى -: لا تزال كريماً على الناس، ولا يزال
الناس يكرمونك ما لم تَعَاطَ ما في أيديهم؛ فإذا فعلت ذلك استخفُّوا بك وكرهوا
حديثك وأبغضوك [٢٣] .
وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى -: وقد تكاثرت الأحاديث عن
النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس، والاستغناء عنهم؛
فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوب لنفوس بني آدم،
فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك [٢٤] .
والإمامة في الدين والسيادة والرفعة لا يحصلها المرء إلا إذا استغنى عن
الناس، واحتاج الناس إليه في العلم والفتوى والوعظ. قال أعرابي لأهل البصرة:
من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بِمَ سادهم؟ قالوا: احتاج الناس
إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم [٢٥] .
صور من قناعة النبي ﷺ :
لقد كان رسول الله ﷺ أكمل الناس إيماناً ويقيناً، وأقواهم ثقة
بالله - تعالى - وأصلحهم قلباً، وأكثرهم قناعة ورضيً بالقليل، وأنداهم يداً
وأسخاهم نفساً، حتى كان ﵊ يفرِّق المال العظيم: الوادي
والواديين من الإبل والغنم ثم يبيت طاوياً، وكان الرجل يُسْلم من أجل عطائه صلى
الله عليه وسلم ثم يحسن إسلامه. قال أنس ﵁: إن كان الرجل
ليسلم ما يريد إلا الدنيا؛ فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما
عليها [٢٦] .
وقال صفوان بن أمية ﵁: لقد أعطاني رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليَّ؛ فما برح يعطيني حتى إنه
لأحب الناس إليَّ. قال الزهري: أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم
مائة [٢٧] ، وقال الواقدي: أعطاه يومئذ وادياً مملوءاً إبلاً ونعماً حتى قال
صفوان ﵁: أشهد: ما طابت بهذا إلا نفس نبي [٢٨] .
وقال أنس ﵁: ما سئل رسول الله ﷺ على
الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال:
(يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) [٢٩] .
أما تلك الصورة الرائعة من بذله ﵊ التي جعلت أقواماً
وسادة وعتاة من أهل الجاهلية تلين قلوبهم للإسلام وتخضع للحق، فأمامها صور
عجيبة لا تقل في جمالها عنها من قناعته ﵊ ورضاه بالقليل
وتقديم غيره على نفسه وأهله في حظوظ الدنيا؛ بل وترك الدنيا لأهل الدنيا، ومن
ذلكم:
أولاً: قناعته ﷺ في أكله:
أ - روت عائشة ﵂ تخاطب عروة بن الزبير - رضي الله
عنهما - فقالت: (ابن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما
أُوقِدَت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقلت: ما كان يعيشكم؟
قالت: الأسودان: التمر، والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ
جيران من الأنصار كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ
من أبياتهم فيسقيناه) [٣٠] .
ب - وعنها ﵂ قالت: (لقد مات رسول الله صلى الله عليه
وسلم وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين) [٣١] .
ج - وعن قتادة ﵁ قال: (كنا نأتي أنس بن مالك، وخبّازه قائم وقال: كلوا؛ فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفاً مُرقَّقاً حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط) [٣٢] .
ثانياً: قناعته ﷺ في فراشه:
أ - عن عائشة ﵂ قالت: (كان فراش رسول الله صلى الله
عليه وسلم من أدم وحشوه من ليف) .
ب - وعن ابن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله صلى الله
عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، قلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك
وطاءً؛ فقال: ما لي وللدنيا؛ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم
راح وتركها) [٣٣] .
ج - وعن عائشة ﵂ قالت: (كان لرسول الله صلى الله
عليه وسلم سرير مشبك بالبردي عليه كساء أسود قد حشوناه بالبردي، فدخل أبو
بكر وعمر عليه فإذا النبي ﷺ نائم عليه، فلما رآهما استوى جالساً
فنظر، فإذا أثر السرير في جنب رسول الله ﷺ فقال أبو بكر
وعمر - وبكيا -: يا رسول الله! ما يؤذيك خشونة ما نرى من سريرك وفراشك،
وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج؟ فقال: لا تقولا هذا؛ فإن فراش
كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة) [٣٤] .
ثالثاً: تربيته ﷺ أهله على القناعة:
لقد ربى النبي ﷺ أهله على القناعة بعد أن اختار أزواجه
البقاء معه والصبر على القلة والزهد في الدنيا حينما خبرهن بين الإمساك على ذلك
أو الفراق والتمتع بالدنيا كما قال الله تعالى [يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن
تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا. وإن كنتن تردن
الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما]
[الأحزاب: ٢٨، ٢٩] .
فاخترن ﵅ الآخرة، وصبرن على لأواء الدنيا، وضعف
الحال، وقلة المال طمعاً في الأجر الجزيل من الله - تعالى - ومن صور تلك القلة
والزهد إضافة إلى ما سبق:
أ- ما روت عائشة ﵂ قالت: (ما أكل آل محمد صلى الله
عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر) [٣٥] .
ب - وعنها ﵂ قالت: (ما شبع آل محمد صلى الله عليه
وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه
وسلم) [٣٦] .
ولم يقتصر ﷺ في تربيته تلك على نسائه بل حتى أولاده
رباهم على القناعة فقد أتاه سبي مرة، فشكت إليه فاطمة ﵂ ما
تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين
بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: (لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى
بطونهم من الجوع) [٣٧] .
ولم يكن هذا المسلك من القناعة إلا اختيارا منه ﷺ وزهداً
في الدنيا، وإيثاراً للآخرة.
نعم إنه رفض الدنيا بعد أن عرضت عليه، وأباها بعد أن منحها، وما أعطاه
الله من المال سلطه على هلكته في الحق، وعصب على بطنه الحجارة من الجوع
ﷺ . قال ﵊: (عرض علي ربي ليجعل لي
بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب؛ ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت
تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك) [٣٨] .
стр. 3154
ندوات ومحاضرات
ندوة عن: الغزو الفضائي
أبعاده.. آثاره.. طوق النجاة
إعداد: وائل عبد الغني
ضيوف الندوة:
الدكتور: حمدي حسن محمود رئيس قسم الإعلام بجامعة مصر الدولية.
الدكتور: محيي الدين عبد الحليم رئيس قسم الصحافة والإعلام بجامعة
الأزهر.
الدكتور: أحمد المجدوب أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث
بالقاهرة.
نقف في ندوتنا هذه على حافة الزمان والمكان نطويها أو تطوينا، ونحن
نتحدث عن معضلة من معضلات العصر وإشكالية من أعقد إشكاليات المستقبل.
بعد أن أصبح العالم قرية تسبح في فضاء الإعلام الذي يصغر حين نسلط
الأضواء على حدث مهما صغر لنتلمسه بكل تفصيلاته، وتكبر المشكلة أمامنا حين
نقف أمام كمٍّ هائل من القنوات والبرامج والأخبار والقيم والأخلاقيات والسلوكيات
كموج عات يكاد يقتلع قاربنا لولا بقية مما نستمسك به من ثوابت.
في هذه الندوة نطرح قضية الغزو الفضائي بأبعاده وأخطاره وآثاره، والسبيل
إلى إعلام فاعل موجِّه لرسالةٍ.
نرحب بضيوفنا الكرام ونلقي إليهم بطرف الحديث.
د. حمدي حسن: لديّ شيء من التحفظ على استخدام مصطلح (الغزو
الفضائي) ؛ هذا اللفظ استخدم بكثافة في الستينيات والسبعينيات، إشارة إلى الهيمنة
الثقافية التي عملت اليونسكو على حلها، لكن مع ظهور البث المباشر أعتقد أنه
أصبح من الصعب استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى ما يصل إلى العالم الإسلامي
من محطات فضائية سواء من دول مجاورة أو دول غربية.
البيان: إذن بماذا نسمي هذا الكم الهائل المتدفق عبر سمائنا إلى عقول أبنائنا
بما يحمله من مصطلحات ومعايير وقيم وتقاليد ... بل ومخططات؟ نحب أن نسمع
رأي الدكتور أحمد المجدوب.
د. أحمد المجدوب: في رأيي أن الدكتور حمدي نظر إلى الغزو بمفهومه
العسكري (الاقتحام بالقوة) وهو غير متحقق في البث الفضائي الذي نلتقطه بإرادتنا؛ لكن أقول: هو غزو؛ لأنه أصبح اصطلاحاً له معنى يخصه.
وأوضِّحُ ذلك بمثال: إحدى القنوات التي كانت تقدم إعلانات للتعارف من
أجل (الجنس) تبدأ من الثامنة حتى الحادية عشرة ثم تشفر، قبل رمضان بيومين
فتحت إرسالها لمدة ٢٤ ساعة في اليوم بأفلام جنس صارخ طوال الشهر المبارك،
وظل الإرسال حتى رابع أيام العيد ثم شفرت مرة أخرى! ويبدو أن البعض اشتكى، فاعتذرت القناة بأن آلة التشفير تعطلت! ! ولكن مراسل (الاندبندنت) علق قائلاً: لقد كان أسلوباً فجاً أن تظهر هذه القناة قبل رمضان بيومين ثم تذيع على مدى
اليوم كله موجهة إلى العالم الإسلامي خلال الشهر كله!
لا شك أن هذا الأسلوب المقصود به: إفساد الشباب المسلم كي ينتهك حرمة
الشهر الكريم.
د. حمدي حسن: لا زلت أرى أنه ليس هناك غزو بأي معنى من المعاني؛
لأنه ليس هناك مُنتَج إعلامي يُنتج خصيصاً للعالم الإسلامي، وإنما كل المحطات
الموجودة في العالم الآن متاحة للجميع، وإذا سميناه غزواً فبماذا تفسر اعتماد
محطات التلفزيون في العالم الإسلامي في غالبها بنسبة تصل إلى ٦٠% و ٧٥%
في بعض الأحيان من برامجها على الإنتاج الأجنبي؛ وهي تدفع مقابلاً مادياً
وتشتريه؟
البيان: هذا نوع آخر من الغزو يصح أن نطلق عليه غزواً داخلياً؛ ولكن
على أي حال هذا الكم الهائل من الأفلام الجنسية وغيرها والبرامج التي تطعن في
الإسلام وتشوه صورة المسلمين: بماذا نسميه؟ وماذا نسمي التهميش المقصود
للإسلام والعالم الإسلامي في الأخبار والتحليلات التي تساق؟
د. محيي الدين عبد الحليم: ينبغي ألا نغفل الخلفية التاريخية للعقل الأوروبي
في التعامل مع العالم الإسلامي التي تبدو في مثل التصريح الشهير لويل كلايس -
الأمين العام لحلف الناتو -: (بأن العدو البديل للشيوعية هو العالم الإسلامي)
الغرب يتعامل معنا من منطلق التبشير من خلال إعلامه الذي يحمل - في الغالب -
طابع العداء أو - على أقل تقدير - التشكيك والتحجيم.
وإذا كانت فرنسا تخاف على ثقافتها في مواجهة الأمركة مع أن هناك وجوه
اتفاق كثيرة جداً بينهما؛ فنحن بيننا وبينهم نقاط اختلاف قوية تؤكد أهمية بل
وجوب الحماية؛ لأن الخلاف معهم عقائدي استراتيجي أيديولوجي فكري تاريخي.
والعلاقة اليوم تبرز السيطرة التي تعززها قوة الإعلام الغربي وتفوُّقه في عملية
الإنتاج والتسويق المتضمنيْن للبث الثقافي والفكري.
د. حمدي حسن: الأمريكيون حريصون على تقديم نمط حياتهم بطريقة جذابة
بغرض تسويق الثقافة الأمريكية والتمهيد للنفوذ الأمريكي، وإيجاد نوع من التبعية
النفسية لدى شعوب العالم للأرض الأمريكية - أرض المن والسلوى -، فإذا كنت
تعتبرهم غزاة بهذا المفهوم فلا بد أن تتهمنا أننا الذين نطلب الغزو. نحن إلى الآن
نستورد منهم لنملأ الفراغ؛ لدينا ضعف إنتاج، وضعف إمكانات. هناك ساعات
إرسال مبالغ فيها دون قاعدة إنتاجية.
ثم إن الغرب ليس في موقف موحد. فرنسا تقول ما تقوله أنت، وكندا -
وهي تتحدث الإنجليزية في معظمها و٨٠% من سكانها يعيشون على الحدود مع
الولايات المتحدة الأمريكية - تشكو من هيمنة الإعلام الأمريكي عليها، ولوزير
خارجية كندا تعبير مشهور يقول: (نحن نشعر بأننا نرقد على سرير واحد إلى
جوار فيل ضخم) ، هناك داخل الكتلة الغربية مصالح متعارضة وقوى مختلفة؛
والأمر لا يعدو أن يكون من قبيل التأثير لا المؤامرة بدليل أن صناعة الإعلام
الأمريكية اليوم تدار برؤوس أموال يابانية؛ فالمسألة تجارية تهدف إلى الربح وهي
معقدة جداً.
د. محيي الدين عبد الحليم: إذا كانت فرنسا وكندا تشكوان - مع وحدة
الديانة والحضارة - فنحن من باب أوْلى، ألا نستشعر خطر أفكارهم وأيديولوجيتهم
على نمط الحياة في العالم الإسلامي؟ أليس ذلك وارداً في مخططاتهم؟ هل أفهم من
ذلك أنهم لا يستهدفوننا؟
د. حمدي حسن: يستهدفوننا؛ لأنهم يريدون ترويج ثقافتهم عالمياً، وهم
حريصون على ذلك؛ لكن الهدف من ورائه تجاري.
البيان: لا يمكن اعتبار هاجس الربحية هو المحرك الوحيد للقنوات الأجنبية؛ فالجميع يستشعر أهدافاً أخرى.
د. أحمد المجدوب: العالم اليوم أشبه ببيت بلا نوافذ ولا أبواب، وقبل أن
نلقي اللوم على الغرب وأهدافه التي يسعى لبلوغها فإن علينا أن نسلط الضوء أكثر
على الخطر الداخلي، وأرى من السذاجة أن نتصور أن هناك انفصاماً بين الجهود
الخارجية التي أشرنا إليها وبين الجهود الداخلية؛ فهناك تنسيق واضح في المرحلة
الراهنة بين الداخل والخارج الهدف منه سحق الثقافة الإسلامية، وعزل الدين عن
المجتمع تحت شعار تجفيف المنابع، ويقود هذا أناس في الداخل لا يقلون عداءً لهذه
الثقافة عمن في الخارج. قد يكون الغرب أكثر دهاءً ولباقة في حربه بينما هنا
إنسان ضحل سوقي يقوم بإحلال المبادئ السوقية مكان القيم الدينية والأخلاقية.
د. حمدي حسن: الغزو الفضائي الأجنبي حتى الآن لا يمثل ظاهرة أو بديلاً؛ لأن كل الدراسات التي أجريت حتى الآن تقول إن القنوات العربية ما زالت هي
قنوات المشاهدة الرئيسة للغالبية العظمى.
إذا أردنا أن نتحدث عن الخطر فلنتحدث أولاً عن خطر القنوات العربية؛
لأنك إذا ما جلست أمام قناة عربية فإن تأثيرها أقوى؛ لأنها جزء من نسيجك اللغوي
والثقافي، ولو بشكل غير مباشر.. بخلاف القنوات الأجنبية؛ فإن مقومات المقاومة
لدى المشاهد العربي ما زالت قوية.
البيان: الميزة النسبية للإعلام العربي في مواجهة الإعلام الغربي يقابلها
مزايا في الإعلام الغربي كالجودة في الإخراج، والابتكار في الأسلوب، وما يحيط
بهما من تقدم تقني، لا لمجرد المادة المعروضة، وإلا فإن المحللين يُرجعون انتشار
الثقافة الأمريكية لتفاهتها التي تستهوي رجل الشارع العادي؛ ولهذا فاسمحوا لنا أن
نتجاوز إشكالية المصطلح لما يمكن أن يتفق عليه الجميع من آثار لما نسميه نحن:
غزواً فضائياً.
د. حمدي حسن: المتخصصون في الإعلام ليسوا في موقف موحد تجاه تأثير
وسائل الإعلام:
بعضهم يقول: إن تأثيرها طاغٍ، وهم النقديون واليساريون.
وبعضهم يقول: إن تأثيرها مشروط، بمعنى: أن بعض الرسائل الإعلامية
في بعض الأوقات تؤثر في بعض الناس.
وفريق ثالث يقول: إن تأثير وسائل الإعلام على رغم ما يبدو لها من تأثير
قوي إلا أن هناك عوامل أخرى أقوى تأثيراً منها؛ لكنها لا تظهر ظهور وسائل
الإعلام بحكم أنها جزء من الحياة.
والذي أراه أن الرسالة الإعلامية ما لم تدعمها وقائع في المجتمع وفي
الممارسة اليومية يصبح تأثيرها ضعيفاً.
الخطورة تكمن في الطابور الخامس الذي يُسوِّق ما تبثه وسائل الإعلام، فإذا
ما سَوَّقتْ وسائل الإعلام للحياة الأمريكية ثم خرجتَ إلى الحياة فوجدت (ماكدونالد،
وويمبي، وكنتاكي، وكوكاكولا) فإن هذا يدعم التأثير الخارجي.
الأثر الخطير لوسائل الإعلام يتأكد عندما تصبح الثقافة الأمريكية واقعاً في
الحياة اليومية للناس وهذا أخطر.
د. أحمد المجدوب: تسويق أنماط الحياة الغربية يتم للأسف عبر قنواتنا
المحلية وفي البرامج العربية، خذ لذلك مثالاً: برنامج يعرض بعد الإفطار في
رمضان يستضيف الممثلين والممثلات: استضاف ذات مرة إحدى الراقصات
فسألتها مقدمة البرنامج: كيف وصلت إلى ما وصلت إليه من مجد؟ قالت: (أنا
هربت من أسرتي وأنا عمري ١٢ سنة، ومارست حياتي حتى وصلت وأصبحت
فلانة صاحبة الشهرة والملايين) . قفز إلى ذهني بحث كنت قد أجريته عن ظاهرة
الهروب من الأسرة من قبل، فلما أعدت البحث في الظاهرة من جديد وجدت أن
رقم الهروب قد زاد بنسبة ٣٠% في الإناث في الشريحة من ١٢ - ٢٠ سنة. ثم
سألتها المذيعة: أنت تزوجت ٣ مرات رسمياً و ٤ عرفياً؟ فقالت: (لا بل ٤
رسمياً و ٧ عرفياً) هكذا في رمضان! ! ثم سألوا أخرى عن عدد مرات الزواج
فقالت: ٤ رسمياً أما العرفي فلا أعرف له عدداً، فسألوها: ولماذا كل هذا العدد؟
يبدو أن العيب في الرجال! قالت: (لا! إن العيب في نظام الزواج؛ لأنه نظام
بالٍ متخلف عفاه الزمن!) .
ثم لما اعترضنا للوزير على البرنامج، خاصة في التوقيت الذي يذاع فيه
(رمضان) ، كان الجواب هو استضافة الشخصية نفسها في العام التالي على حلقتين
وكان عنوانها: (سر التفوق) ! ليرسخ في أذهان البنات أن الأسرة قيد، والحل هو
الهروب. وللأسف! فإن المجتمعات أصبحت تسبح فوق بركة آسنة؛ لأن الاتجاه
الرسمي يريد ذلك، ثم نسأل لماذا كثُر الشذوذ؟ ونشكو من الزواج العرفي (الزنا
المقنن) ؟ لقد رصدتُ - بصفتي باحثاً في هذا المجال - عدة أمراض اجتماعية
خطيرة ظهرت أخيراً. منها:
- زنا المحارم الذي أصبح ظاهرة في بعض المجتمعات الإسلامية، وهو
يعني انهيار كيان الأسرة التي كانت مقدسة. وجدت أن في إحدى الدول ١٢ ألف
قضية إسقاط نسب، أي ١٢ ألف لقيط (قنبلة موقوتة داخل المجتمع) .
- ظاهرة اللواط والزنا الجماعي والاغتصاب الجماعي التي انتشرت مع ثقافة
الجنس الوافدة التي تبثها بعض القنوات والتي اشتهر بها عبدة الشيطان. هذا إلى
جانب المخدرات وحوادث العنف التي تزايدت معدلاتها.
البيان: اتفقنا يا دكتور حمدي على وجود الطابور الخامس، واتفقنا على
خطورة الإعلام العربي كذلك؛ فما هي الأخطار المحدقة التي يمكن أن تتوقعها للبث
الفضائي الأجنبي في عالمنا الإسلامي بصفتك متخصصاً؟
د. حمدي حسن: هناك عدة مخاطر تتمثل في:
- أثر هذه القنوات في تشكيل الأطر الفكرية التي سيعملها الفرد في التكامل
مع الواقع أو تفسيره من خلال تأثيرها التراكمي الذي يبني خلفيات التفكير. هذه
الأطر تصبح بمرور الوقت بمثابة الشاشة التي يسقط عليها واقعه؛ وعليه تصبح
معاييره غير مستمدة من ثقافته.
- كذلك تعرضه لرسائل أجنبية تولد لديه شعوراً بالنقص حينما يرى واقعه
مخالفاً لتلك الصورة المنقولة إليه عن العالم الخارجي، فيعتقد أن الآخرين هم
الأفضل. فهناك (السوبرمان) وهنا التخلف والعجز، والأخطر من ذلك أن يرد
هذا التخلف إلى الثقافة السائدة أو الدين. وهذا ما حصل في فترات الاتصال التي
حصلت بين المسلمين والغرب.
- الخطورة الثالثة: أنه سينسلخ من أمته شيئاً فشيئاً، أي يصبح تابعاً منتسباً
لغيرها؛ ليس فاعلاً معها؛ بل فاعلاً في مصلحة غيرها وربما ضد مصلحتها.
وللأسف! فإن الواقع الموجود حالياً يدعم دور وسائل الإعلام الأجنبية.
البيان: ماذا عن هذا الواقع الإعلامي العربي؟ نود لو أخذنا لمحة عن
مفرداته!
د. حمدي حسن: بعد حرب الخليج حصل انفجار سرطاني للقنوات الفضائية
العربية؛ حيث دعيت الدول الإسلامية إلى وليمة في الفضاء فذهبت، وبالعقلية
العربية! سعت كل دولة إلى تملُّك قناة فضائية، وإذا بها تفاجئنا بـ ١٦ أو ٢٠
ساعة من الإرسال يومياً دون قاعدة برامجية وكان الحل - فيما ارتأت - أن لجأت
إلى مزيج رخيص من البرامج - أنا أسميه (إعلام السوق) ؛ مذيعة تفتح الميكرفون
مع الجمهور ثم تقطع بوصلات غنائية! ومن ناحية أخرى تقوم بإعادة ١٢ ساعة
من الإرسال حتى حفظ الناس البرامج، أما النسبة الباقية فيتم تغطيتها عن طريق
الاستيراد.
هذا المزيج مضر جداً بالعقلية المسلمة؛ لأنه يخدّر مقدرتنا على الإحساس
بالواقع بدلاً من محاولة تفهمه، وبنظرة بسيطة وسريعة إلى برامج الوقت الممتاز -
ذات الإقبال الكثيف - نجد برنامجاً اسمه: (ليلة مع فلانة) ما معنى هذا المسمى؟
ثم تخرج امرأة شابَّة عارية تتحدث إلى الشباب؛ ومن هنا تتبدى مفردات المشكلة:
ضعف.. إعادة وتكرار.. استيراد.
البيان: وأين النهضة الإعلامية التي يكثر الحديث عنها؟ !
د. حمدي حسن: لدينا في العالم العربي ٢٠٠ ألف ساعة برامجية للتلفزيون
في العام لا يمكن توفيرها لوجود توزيع غير متكافئ؛ حيث إذا وجد المال فلا توجد
قطاعات فنية، وإذا وجد الفنيون فلا تتوفر القدرة على الوفاء بالاحتياطات فيلجأ
المسؤولون إلى ملء هذه الساعات بكلام يضر أكثر مما ينفع، فإذا كانت قدرتنا لا
تفي بربع المطلوب فعن أي نهضة يتحدثون؟
البيان: ولماذا لا تتكاتف الجهود من أجل تطوير الإعلام الهادف؟
د. حمدي حسن: هناك تفكك وعدم تنسيق بين القنوات الفضائية العربية؛
لأنها لم تستطع أن تتحرر من النظرة القطْرية والسياسات الداخلية المرسومة. كانت
هناك محاولات لإيجاد صيغة للتعاون بين الإذاعات العربية مرة، وبين الصحافة
العربية مرة، وبين التلفزيون العربي ووكالات الأنباء العربية؛ ولكن لم يحدث أي
تحرك في أي اتجاه، حتى وكالة الأنباء الإسلامية تمشي الهوينى.
وكانت هناك محاولة لإنتاج برنامج عن الحضارة العربية تحت إشراف
الجامعة العربية تقليداً للاتجاهات الأوروبية في صناعة الإعلام المشترك، ولكن
نتيجة لاختلاف الدول على حصتها من مساحة البرنامج؛ وُئد المشروع قبل أن يولد!
البيان: إذن يفهم من تقييمكم أن دور الفضائيات لم يكن على المستوى
المطلوب؟
د. حمدي حسن: هناك بعض القنوات حققت بعض النجاح في اجتذاب
المشاهد العربي؛ لكن النظرة المحلية ما زالت هي المسيطرة، هذه القنوات
تخسر! ! والسؤال الذي ينبغي الإجابة عنه هو: لحساب من تخسر؟ !
هذه القنوات - نتيجة لتوجهاتها الداخلية - قد عرّضت اللغة العربية لتشويه
غير مسبوق في تاريخ الإعلام كله! هذه اللغة يتم تشقيقها الآن في الفضائيات
العربية وهذا راجع إلى تناحر الثقافات الفرعية داخل الثقافة العربية مما يؤدي إلى
قتل لغة التفاهم.
البيان: تشبيه التوسع الفضائي العربي بالانفجار السرطاني له مغزاه ودلالته. فما الذي يمكن أن يصيب الجسد الإسلامي في زحمة هذا التكاثر الفضائي؛ سواء
منه العربي أو الأجنبي؟
د. حمدي حسن: هناك ظاهرتان - على الأقل - خطيرتان على المجتمع
الإسلامي نحن نشهدهما الآن وستزيدان في المستقبل القريب:
الأولى: النوعية التي تحدثها كثرة القنوات بالجماهير ستُظهر ما يعرف بـ ... (المواطنة التلفزيونية) بمعنى: أني أنا، وشخص من الهند، وثالث من البحرين،
ورابع من المغرب، وخامس وسادس نشاهد جميعاً قناة واحدة ستصبح معاييرنا
واهتماماتنا واحدة؛ رغم بُعد المسافات بيننا، وهذا أمر خطير على المدى البعيد؛
ليس من ناحية الوحدة فقط؛ وإنما من ناحية التركيبة النفسية والثقافية.
الثانية: وهي تجزئة أيضاً ولكن بسبب مورد المعلومات اليوم؛ فالمعلومات
أصبحت سلعة أو قوة يسيطر عليها اليوم مثلث قاعدته الولايات المتحدة وضلعاه
أوروبا واليابان. هذا على المستوى الدولي. أما على مستوى الأفراد داخل
المجتمعات فمشكلة العالم الإسلامي أن ثلاثة أرباع السكان - على الأقل - ليس
لديهم القدرة على الوصول إلى المعلومة، وأكثر من لديهم هذه القدرة لا يمتلكون
مهارات تمكنهم من الاستفادة بهذه المعلومات.
هذا الأمر أحدث فروقاً أخرى داخل المجتمع المسلم. هذه الفروق في زيادة،
وستزيد! فإن لم نُعدّ المجتمع لعصر المعلومات فستفاجئنا كوارث داخلية ربما
تطرق بابنا بين عشية أو ضحاها؛ لأن التطورات التقنية قد طوت كثيراً من
المراحل واختصرت مسافات الزمن في لحظات.
د. أحمد المجدوب: حَجْبُ المعلومات جريمة تشارك فيها العديد من الجهات
الرسمية اليوم، وأنا بصفتي باحثاً تُغلق دوني الأبواب رغم أهمية المعلومات
والأرقام في وظيفتي؛ لأن الجهات الرسمية تخشى من الإدانة والاتهام بالتقصير؛
فتغطي ذلك بحجب المعلومة.
د. حمدي حسن: الاتجاه الأخطر الآن ما يسمونه: (تسفيه المعلومة) من
خلال تزييف إحساسنا بها؛ فيعطيك كلاماً فارغاً بصورة علمية، ويوهمك أنها
معلومات؛ فيصيبك نوع من الاستخفاف بها، فإذا ما جاءت المعلومات الحقيقية لم
تُلقِ لها بالاً!
البيان: إذا اتفقنا على أن الواقع غير مؤهل لمواجهة تحديات القرن القادم
فكيف نصل إلى إعلام فاعل في مواجهة الغزو؟ وما هي نقطة الانطلاق؟
د. حمدي حسن: أرى أن نقطة البداية في مواجهة ما نسميه غزواً تبدأ من
تحرير هياكل تمويل وسائل الإعلام خاصة التلفزيون؛ لأن الملكية الحكومية تسببت
في الأداء المترهل للإعلام سواء من جهة ضعف الإمكانات المادية؛ حيث إن الدول
عجزت عن دعم تلفزيوناتها نحو التطور رغم لجوئها للإعلانات باعتبارها مصدراً
للتمويل، أو من جهة ضعف الخبرة البشرية والتقنية التي تدور في فلك الأداء
الحكومي.
خذ على سبيل المثال: التخلف في الأداء الإخباري في العالم الإسلامي؛ فقد
زاد من الإقبال على إذاعة لندن. وزراء الإعلام العرب يتحملون مسؤولية إنصات
١٠٠ مليون مستمع يومياً لهيئة الإذاعة البريطانية تفعل بهم ما تشاء!
البيان: وكيف تتحقق عملية تحرير هياكل التمويل؟
د. حمدي حسن: يمكن تحقيق ذلك بإيجاد صيغة من الملكية المشتركة بين
الحكومات والقطاع الخاص ضماناً لتوفير الأموال اللازمة لتطوير هذه الوسائل؛
لتواكب متغيرات العصر؛ لأن الإعلام أصبح صناعة تحتاج لضخ متواصل
لرؤوس الأموال، وتحتاج لنفس طويل؛ لأن الإعلام صناعة تتحمل خسائر كبيرة
في بدايتها. وهذا أمر لا تتحمله إلا الشركات الضخمة.
على سبيل المثال: محطة (CNN) التي بدأت في عام ١٩٨٢م استمرت
تخسر (٤ سنوات) ولقوة الشركة المالكة استطاعت أن تصبر حتى اكتملت دورة
رأس المال، وحققت أرباحاً. كذلك صحيفة (يو إس تودي) بدأت عام ١٩٨٦م
وخسرت ٥٠٠ مليون دولار؛ واليوم هي أول صحيفة في العالم.
وإذا كنا نحتاج إلى قنوات تغطي العالم الإسلامي فهذا يعني حاجتنا إلى
إمكانات ضخمة وشركات عملاقة تستطيع دراسة احتياجات مناطق العالم الإسلامي
المختلفة من البرامج للوفاء بها.
ونحتاج إلى تكامل بين تخصصات الإعلام المختلفة؛ فالشركات العملاقة اليوم
تمتلك كل مقومات إنتاج الإعلام: من شركات إنتاج برامجي، وصحف، وشركات
اتصالات، وشركات إنتاج معدات، و.... ولأن بعض هذه الأنشطة يخسر
فتستطيع تعويضه من فوائض أرباح الأنشطة الأخرى، وإذا كانت الحكومات لا
تستطيع ولا تملك القيام بهذه الأنشطة فعليها أن تفتح الباب أمام الاستثمارات في
مجال الإعلام.
البيان: وهل يمكن أن تستجيب الحكومات لهذا الأمر؟
د. حمدي حسن: الحكومات لم تستوعب بعد ضرورة هذا الأمر، ولم
تستوعب كذلك أن عليها أن تستجيب بصورة إيجابية للمتغيرات العالمية في هذا
المجال.
للأسف! ستصل الحكومات إلى هذه القناعة؛ ولكن - كعادتنا دائماً - نصل
متأخرين. أنت اليوم في وكر الأفاعي، إما أن تكبر وتصارع أو تموت (To
Grow Or To Die) .
التضامن المالي أصبح ضرورة، والجمهور العربي أصبح أكثر وعياً ونضجاً، وصوته أعلى من ذي قبل، وأتوقع أنه في المستقبل ومع انسحاب الدول من
إحكام قبضتها على النشاط الاقتصادي سيعقبه - ولو على فترات أطول - تخفيف
قبضتها في عالم السياسة والإعلام، وبذلك ستضطر إلى نوع من الإنتاج المشترك.
البيان: ولكن نسمع عن مشروعات اقتصادية مشتركة بين بعض الدول
الإسلامية والعربية؛ فلماذا لا ينسحب الأمر على مجال الإعلام؟
د. حمدي حسن: لأن الدول العربية متخوفة بعضها من بعض؛ فبينما لا
نجد في العالم كله مجموعة لغوية لها من السمات المشتركة ما للمجموعة الإسلامية
والعربية نجد أن المال ليس له جنسية إلا في العالم العربي. بمعنى: أن هياكل
تمويل الإعلام تظل وطنية صرفة حتى في الفضائيات.
أما الاستثمارات المشتركة فيمكن أن تجدها في مجال السياحة أما في الإعلام
فلا! وإن وجدت في الإعلام فمع دول أجنبية.
العقلية العربية ما زالت لا تدرك أن التكتلات اليوم هي لغة العصر، وأنها
هي التي تسيطر على صناعة الإعلام. قاعدة: (Bigger is Better: المجموعة
الأكبر هي الأفضل) هي التي تحكم العالم كله!
د. محيي الدين عبد الحليم: في رأيي أن مفتاح الحل في إيجاد عمل إعلامي
إسلامي متميز وقوي، هو وجوب ارتباط وسائل الإعلام بمرجعية منظومية تراعي
ثوابت أمتنا الإسلامية ولا تتعداها، وتتحرك في المتغيرات وفق الضوابط
الاستراتيجية التي تخدم مصلحة الشعوب الإسلامية.
هذه المرجعية لا بد من بلورتها وغرسها في القائمين على الإعلام ليخدموا
الأهداف العليا للإسلام، وبذلك ينعكس هذا على البرامج التي تكسب المتلقي في
النهاية المَلَكة الانتقائية التي تحتكم إلى ثوابت في عملية القبول أو الرفض لما
يعرض عليه.
د. أحمد المجدوب: قبل أن نناقش قضية المرجعية علينا أن نناقش مسألة
التبعية؛ لأن الإعلام لدينا تابع للنظم.
ثم كيف نحيي مسألة النقد والقدرة على الانتقاء، والإعلام اليوم يُوجِد مُشاهِداً
ذا اتجاه واحد غير مثقف ليس لديه أي قدرة على النقد؟ !
كما إن الظروف التي نعيشها تمنعه أن يعلن عن قوله؛ لأن المجتمع يملي
عليه كل شيء؛ وهذا الجهاز يستخدم كي يملي الاتجاهات الرسمية حسبما تكون،
وهذا أوضح ما يكون في الاتجاهات التي تسعى لعزل الدين عن الحياة؛ إذ نجد
مسلسلات لا يذكر فيها اسم الله، ليس فيها ما يمت للأخلاق الإسلامية بصلة،
والحلول كلها مستندة إلى الأخلاق الوضعية..! !
علينا أن نراجع عملية التربية السياسية التي ترسخ للتبعية القطْرية لا
للمرجعية.
د. محيي الدين عبد الحليم: هناك عامل آخر لإنجاح الإعلام الإسلامي هو
النهوض بالعقلية الإعلامية العربية من خلال خطط متكاملة: من مناهج دراسية،
وبرامج تدريب، وتنمية مهارات، وتشجيع على الإبداع والابتكار، وتحويل
المناهج النظرية التي تدرس في كليات الإعلام إلى مناهج عملية تطبيقية، وإنشاء
بنوك معلومات لتثقيف الإعلاميين ومدهم بالمعلومات.
كما إن علينا أن نرتقي من الناحية الإدارية في إدارة المشروعات الإعلامية
بطريقة علمية عملية مدروسة. والدور في هذا النهوض موزع بين كليات الإعلام
العربية وبين إدارات المشروعات الإعلامية.
د. أحمد المجدوب: هناك جانب غاية في الأهمية هو إحياء دور الدين في
حس الإعلامي، وإعادة النظرية الأخلاقية لتحكم السلوك الإعلامي؛ لأن السلوك
الإعلامي متأثر بالغرب إلى حد الفتنة به.
للأسف! نحن نقلد الغرب في تفاهة الفكرة ولا نستفيد منهم كثيراً في طريقة
الأداء والإخراج.
د. محيي الدين عبد الحليم: ما زالت فكرة الإعلام الإسلامي تحتاج إلى مزيد
من الدراسات والأبحاث التي تنظر لهذه الفكرة وتصبها في قوالب عملية ناهضة.
د. أحمد المجدوب: في رأيي أن السبيل إلى ذلك يأتي عن طريق دعم
القنوات الفضائية الإسلامية والعربية الجادة، ومخاطبة المسؤولين عنها؛ لأن لديها
نوعاً من الحرية وهي التي يمكن أن تؤدي دوراً فاعلاً في تثبيط الهيمنة الغربية.
لدينا العقليات المبدعة، ولدينا رؤوس الأموال لو فهم أربابها، ولدينا مقومات
الإنتاج، وتبقى مسألة التقنية وهي مسألة يسهل التغلب عليها.
د. حمدي حسن: الحق أننا نشهد للقنوات الفضائية العربية بأنها استطاعت
أن تجتذب طائفة عريضة من المشاهدين بعيداً عن الفضائيات الأجنبية. ولنذكر
على سبيل المثال: قناة الجزيرة في مجال البرامج الحوارية، وقناة MBC في
المجال الإخباري، هذه القنوات يمكن بمزيد من الاستثمار والدعم أن تحقق نتائج
مبهرة.
د. محيي الدين عبد الحليم: إذا أردنا أن نتحدث عن الدور الفاعل لهذه
القنوات فعلينا أن نفكر بجدية في إنشاء قنوات تربوية وتعليمية وثقافية واجتماعية.
وهي إن وجدت وتغلبت على المشاكل الحالية فستؤدي - بإذن الله - دوراً ناهضاً،
ربما نجني ثماره في غضون سنوات قليلة.
د. أحمد المجدوب: صناعة الأخبار ما زالت إلى الآن معتمدة إلى حد كبير
على الوكالات العالمية التي تتلاعب في الصياغة بما يخدم مصالحها.
د. حمدي حسن: بدايةً هذا دور وكالة الأنباء الإسلامية، وهي شديدة التعثر
نتيجة للخلافات ويكاد دورها أن يكون مجمداً.
لكن هناك بعض التلفزيونات التي تعتمد على مراسليها في العالم كله، والذين
يستقون المعلومات بأنفسهم؛ وهذه كانت من فوائد حرب الخليج إن كان لها فوائد.
د. محيي الدين عبد الحليم: حتى نضع الأمر في نصابه الصحيح فلا بد من
الإشارة إلى أن وسائل الإعلام لا تنفرد بالتأثير إلا إذا كان هناك عوامل أخرى
تدعمها؛ ففي ظل الظروف الطبيعية فإن تأثير الإعلام لن يكون أقوى من تأثير
التعليم؛ لذلك فلا بد من إصلاح التعليم؛ ليقوم بدوره في التنشئة الإسلامية.
هناك أيضاً دور الأسرة التي عليها العبء الأكبر في عملية التأثير؛ فإن
إحدى الدراسات تقول: إن الولد قبل أن يبلغ أربع سنوات تتكون لديه ٥٠% من
شخصيته.
كذلك مؤسسات التنشئة الاجتماعية والشرعية ومنها (المسجد) الذي لا بد من
إعادة دوره، حتى لا يقتصر دوره على إقامة الصلوات والعبادات. المسجد له دور
شامل باعتباره مؤسسةً دعوية إعلامية تربوية ضخمة جداً، ويمكن أن يؤدي دوراً
كبيراً في المجتمع، وليأخذ بيد الشباب الضائع ويغرس فيهم المعاني الفاضلة.
ولا بد من تفصيل دور الدعاة، وهذا له تأثير كبير جداً. ولي دراسة عن
خطبة الجمعة وأثرها بينت فيها أن أثرها أقوى بكثير من كل وسائل الاتصال
الجماهيري، ومن هنا فإن علينا أن نركز على دور الداعية، وعلى بنائه العلمي
والتربوي والفكري والثقافي.
د. أحمد المجدوب: دور المنبر ألغي في بعض الدول، وصودرت كلمته،
أما الأسرة فمفككة لا تقوم بدورها، والتعليم من سيئ إلى أسوأ!
د. حمدي حسن: في رأيي أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له العالم الإسلامي
من مصادر لتكوين الفكر هو التعليم والوعظ الديني، وأعتقد أن تجربة الربع الأخير
من هذا القرن أثبتت أن المنبر الخشبي هو الذي استطاع أن يقف أمام رسالة وسائل
الإعلام.
د. أحمد المجدوب: لذلك نرى ما يحدث له اليوم من مصادرة. وغياب هذه
المنابر يجعل دور وسائل الإعلام أخطر وأقوى.
أما الأسرة فالذي يحدث لها خطير بكل المقاييس!
أضرب لكم مثالاً من واقع عملي يبين أثر غياب الأسرة والدين من حياة الفرد: في أحد اللقاءات مع شباب الجامعة بحكم طبيعة عملي سألت أحد الطلبة: هل
رأيت (......) (فيلم إباحي مشهور بين الشباب!) ؟
- رد بسخرية: هذا قديم جداً..! من خمس سنوات!
- قلت: ماذا يوجد الآن؟ قال: بعد الندوة أخبرك!
- قلت: هل تطلع على المواقف الإباحية على الإنترنت؟
- قال: نعم!
- قلت: بمفردك، أم معك أحد؟
- قال: كل زملائي - الشلة - يشاهدونها معي!
- قلت: وأين الأسرة؟ !
- قال: والدي رجل أعمال لا أراه إلا نادراً.
- قلت: ووالدتك؟
- قال: هي سيدة مجتمع.. مشغولة في اللقاءات، والزيارات، والحفلات.
- سألته: هل للدين دور في حياتك؟
- مندهشاً: من أي ناحية؟
- قلت: هل تصوم؟
- قال: كلنا نصوم (يعني أنها عادة) !
- قلت: هل تصلي؟
- رد: بصراحة ... لا! !
- قلت: والدك يصلي؟
- رد: لا!
- قلت: والدتك؟
- رد: لا!
- حاول أن يسوِّغ فقال: يا دكتور الدين ليس مادة إجبارية.
- هل تسمع الأغاني الأجنبية؟
- دائماً أسمعها.
- هل فكرت مرة في الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم؟
- أين هذه؟
قلت: هل تسمع أن هناك تعدداً ثقافياً؟
قال: نعم!
قلت: ماذا يعني؟
قال: يعني أن لدينا ثقافة وأمريكا لديها ثقافة، واليهود لديهم ثقافة.
قلت: وأي ثقافة تفضل؟
قال: الأمريكية طبعاً! !
قلت: والثقافة العربية ماذا بها؟
- منفعلاً ومتجهاً لمن حوله: قولوا للدكتور ماذا بها ... (تدعو للتخلف) !
فضجت القاعة بتصفيق بعض الطلاب ممن على شاكلته! بمعنى أنه ليس رأيه
وحده ولكنه رأي يحمله آخرون!
هذا نموذج كاف لبيان أثر غياب الدين والأسرة في ظل الواقع الذي نحياه؛
فلا خطوط دفاع أمامية ولا خلفية، بيت متهاوٍ.. منبر معطل.. إعلام لا يحسن
أدواره المطلوبة، إذا لم تسأل عن هذه فلا تسأل عما سواها!
د. محيي الدين عبد الحليم: في هذه الظروف أؤكد على دور الداعية ...
الداعية هو الذي يملك تحريك المناعة الاجتماعية.
د. حمدي المجدوب: الداعية في حاجة لرفع مستواه الاقتصادي؛ لأن كثيراً
من الدعاة - لفقرهم - لديهم شعور بفقدان الكرامة، ولذلك هم غير قادرين على
القيام بدورهم.
د. حمدي حسن: الداعية صاحب رسالة وعليه أن يتحمل شظف العيش
والشدائد في سبيل دعوته. الإسلام اليوم في حالة مد في الغرب منذ السبعينيات،
ولم يعد هناك مدينة في العالم إلا وقد دخل فيها كثيرٌ الإسلام، وأغلب من قام بهذا
الدور دعاة خرجوا محتسبين؛ لكن الداعية في حاجة إلى الارتقاء فعلاً في مجال
العلوم الإنسانية الذي تُكسبه ملكة التأثير لكي يرقى إلى مستوى تأثير مقارب لوسائل
الإعلام؛ فعليه الاهتمام بهذه العلوم: كعلم النفس، والاجتماع، والتسويق الذي يقوم
على التشويق والإثارة والإقناع وأمثال ذلك.
البيان: يا دكتور حمدي نحن نوافقك في التأكيد على تحمل الداعية لأمانة
رسالته بتكاليفها؛ لكن في الوقت نفسه نؤكد على وجوب رعاية المجتمعات
والحكومات للدعاة باعتبارهم من صلب النخبة الحقيقية التي تسعى للنهضة لا
باعتبارهم هامشيين، والعمل على إشعار الناس بأهميتهم.
د. محيي الدين عبد الحليم: إذا تكلمنا عن الدعاة والنهوض بهم فعلينا أن
ننظر إلى ما هو أبعد من الحاضر. لا بد من تشكيل دعاة المستقبل تشكيلاً صحيحاً
فاعلاً عن طريق إعادة النظر في معايير القبول في كليات الدعوة؛ من حيث الذكاء
والنبوغ وملكات التحصيل والتأثير، وتحمل المسؤولية وبالنسبة للمناهج وأساليب
التدريس فلا بد من تكميلها بما يتلاءم مع مستجدات العصر.
د. حمدي حسن: ما زلنا نفتقد الداعية الذي يجيد التأثير في الناس بمضمونه
وأسلوبه في البرامج الدينية، وللأسف! فإن هذه البرامج تستخدم أسوأ لغة فنية مع
أننا متفقون أنها أفضل ما يُقدَّم.
نحن بحاجة إلى داعية يستطيع أن يحرك العقيدة في المجتمع، وينقلها من
إطارها النظري إلى واقع فاعل في حياة الناس.
الأوربيون عندما هاجروا إلى أمريكا وحملوا معهم البروتستانتية استطاعوا أن
يحولوها إلى عقيدة عمل؛ فإذا كان ديننا ديناً شاملاً وكاملاً فلماذا يقف الدعاة عند
حقائق ما تحت الأرض وفوق السماء ولا يربطونها بحياتهم؟
إننا أصبحنا نشكو من ضعف الإنتاجية الإسلامية وقلة عطائها، والدعاة
يتحملون جزءاً كبيراً من هذه التبعة.
د. أحمد المجدوب: للأسف! فإن الشباب اليوم يجيدون الهروب إما إلى
البانجو والمخدرات أو إلى الشذوذ، وعلى أحسن حال إن تمسك بدينه فإنه يهرب
من واقعه؛ لأنه جرب ورأى رأس الذئب الطائر!
البيان: وماذا عن دور الإعلام المنتظر في خدمة العالم الإسلامي بمجمله
وخاصة الشعوب التي لا تعرف عن الإسلام كثيراً؟
د. حمدي حسن: إذا أردنا أن يكون لنا موقع عالمي حقاً فعلينا أن نُفعِّل دور
الإعلام في التواصل مع الشعوب المسلمة غير العربية.
خذ لذلك مثلاً: بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واستقلال الجمهوريات الإسلامية
في آسيا التي عاشت فراغاً دينياً رهيباً دخلت القوى الداعية إلى المنطقة، وهي:
تركيا وهدفها ليس دينياً وإنما لبعث القومية التركية في هذه الدول؛ لأنها تعتبرها
امتداداً تاريخياً لها، وإيران تراهن على الأقلية الشيعية لدرجة أن طاجيكستان قبل
الانقلاب الأخير كانت النشرة الرسمية للتلفزيون الإيراني تذاع هناك، وأمريكا
وروسيا لهما مآرب أخرى.
ومع أن هذه الدول امتداد طبيعي للعالم الإسلامي، ورصيد استراتيجي كبير
نجد أن القنوات المنشأة إما تركية أو إيرانية. أما العربية الإسلامية فلا! ! فإن لم
نتمكن من إقامة قنوات موجهة إلى هناك فباستطاعتنا أن نمدهم - ولو مجاناً -
بالبرامج الإسلامية والثقافية العربية التي ترسخ انتماءهم وتكرس للتواصل معهم.
وهنا أوكد على أهمية إنشاء شركات إنتاج برامجي متخصصة تقوم بتسويق
إنتاجها بين القنوات العربية.
البيان: وماذا عن الأقليات الإسلامية من حيث الدور المطلوب منهم أو
تجاههم؟
د. محيي الدين عبد الحليم: الأقليات الإسلامية وبالذات في أوروبا وأمريكا
يمكن استثمارها في نشر قضايا الإسلام.
الأقلية الإسلامية في الولايات المتحدة أكبر من الأقلية اليهودية إلا أنها أقل
فاعلية نتيجة لتشتتهم وتفرقهم واختلافهم.
لو نجحت هذه الأقليات في توحيد أدائها فيمكن أن تؤدي أدوراً مهمة منها:
الدعوة إلى الإسلام داخل المجتمعات التي تحيا فيها، وتقديم الإسلام بصورة مشرقة، وإزاحة ستار الجهل والتعصب والعداء الذي يحول بين الغربيين والإسلام.
الإسلام يمتلك قوة ذاتية في حقائقه وعقائده ومنهجه، ويمتلك قوة في معالجة
مشاكل الإنسان التي استفحلت هناك.
والإسلام في حالة تمدد رغم الضرب والتضييق الذي يتعرض له المسلمون
من كل جانب.
وهناك ما هو أعظم تأثيراً من ذلك وهو: إنشاء محطات تلفزة موجهة يمكن
أن تخدم المسلمين هناك؛ بل ويمكن توجيهها إلى العالم كله.
ويمكن الاستفادة من ثورة الاتصالات والتقنية في استمداد الكفاءات اللازمة
لتغطية مساحات الإرسال ببرامج هادفة ونافعة.
وجانب ثالث يمكنهم أن يخدموا من خلاله أمتهم؛ وذلك بنقل التقنيات اللازمة
إلى الشعوب الإسلامية مساهمةً منهم في النهضة العامة؛ لكن علينا أن نوجه إليهم
فضائيات تسهم في لَمِّ شتاتهم ووصلهم بحضارتهم وأمتهم.
стр. 3155
قضايا دعوية
التخصص ألم يحن وقته بعد ؟
محمد بن عبد الرحمن الزامل
الدعوة لله ربنا، لإخلاص العبادة له، والذب عن إسلامتا، والغيرة عليه،
والتضحية في سبيل ذلك كله.. . تلك سمات نرجو أن توجد في المسلمين عموماً،
ويتحدد الرجاء للشباب منهم خصوصا. لكن: هل توفرت هذه الصفات في أحدنا،
أو في مجموعة منا؟ الواقع ينطق بأن فينا - ولله الحمد - من هؤلاء كثيراً يحقق
بعضهم الأهداف التي صاغوها لأنفسهم، ويخفق بعضهم الآخر. ما مرد هذا
الإخفاق؟ لا يمكننا الإجابة عن هذا التساؤل بمجموعة قليلة من الكلمات، وبلحظات
قصيرة من التأمل؛ فالإخفاق والنجاح، لا يزالان مصدر القلق الرئيس للإنسان منذ
وضع قدميه على الأرض: الإخفاق والنجاح في الاقتصاد، الإخفاق والنجاح في
التعليم، وفي العمران، وفي الرراعة، وفي العلاقات، وهو في كل شيء وارد،
لكن مع التعاون والعمل الفعال تقترب النتائج من النجاح. والبحث الجاد عن مثل
هذه الإجابة يتطلب شخصيات ومجموعات كثيرة تكون قد مارست هذا العمل، أو
على أقل تقدير اطلعت عليه واحتكت به، ومع هذا فليس من الضرورة أن يكون
كل ما تتوصل إليه إجابات وافية لا مرية فيها ولا نقاش حولها؟ فالحكم - أولا
وأخيراً - لميدان العمل التنفيذي وما يمدك به من تقارير واستبانات تضع يد الطبيب
على مكمن الداء، ومن دراسات لتجارب سابقة تفيد منها وتبني عليها. غير أن هذا
كله لا يعني أن محاولة تسليط الضوء على تساؤلنا، وتجلية غامضه يعد خطيئة،
ولو عد كذلك فهو بالتأكيد ليس خطراً؛ فهي مجرد كلمات تلقى، ويتلقاها أرباب
العمل، فينظرون ما فيها من حق ليأخذوه وما فيها من زلل ليقوموه. ومن الأسباب
التي لها أثرها القوي في إضعاف الفاعلية وفي إعاقة إحراز النتائج المطلوبة عدم
التخصص، فترى أحدنا قد اشتغل بالعلم والتعليم والتدريس والمدارسة، يجود ذهنه
بفكرة تجول في خاطره وتسيطر عليه، يرى أن لها مردودا عظيما ونفعا كبيرا إن
هي طبقت، فينقطع اهتمامه عما هو عليه أولاً، وعما كان منشغلاً به، وكاد يعطي
أكله، وينصرف إلى مشروعه الجديد. ولأن كل عمل يمكن السيطرة عليه وإيقافه
تماماً إلا العمل الذهني فإن أفكارا ستستمر في الظهور، وسيستمر هو معها في
التنقل، فيشرع في مشروع تلو آخر دون أن يعطي كلا حقه من الاهتمام والمتابعة،
لتمسي هذه المشاريع فريسة سهلة للإخفاق، والمشروع الدعوي له صفة خاصة:
إن لم ينبت ثماراً طيبة فلا بد أن يترك نتاجا سلبيا قد نحتاج إلى طاقات أخرى
تتحرك لعلاجه. هل هذه دعوة لعدم التفكير، أو قتله (برصاصة الرحمة) ؟
لا.. . إنما هي دعوة للتخصص ينهض بها على ضوء ثلاثة مقومات:
١ - إن كل مشروع - مهما كان نوعه - مفتقر إلى من يتفرغ له في أيامه
الأولى، حتى يلج مرحلة النضج والاعتماد على الذات، وقد لا يحتاج إلى جهود
عملية كثيرة، ولكنه - بلا شك - بحاجة إلى اهتمام وتركيز ذ هني لا يتوفران لمن
يتشتت قي أكثر من اتجاه، وتكمن أهمية التركيز الذهني في أن أخطر انحراف
يعتري المشروع ما يكون من نقطة البدء، فهو كفيل بتغيير الأهداف ذاتها، ولذا
فإن على راعي المشروع أن يتيقظ وينتبه إلى السلبيات التي تطرأ، ويحاول
معالجتها بالحال، ويلاحظ الإيجابيات ويهتم بترسيخها وتنميتها وتحسينها، وبالطبع
فإن هناك مشاريع تحتاج إلى جهود عملية وتخطيطية ورقابية كثيرة.
٢ - حتى في حال توفر الفكرة فهذا لا يستلزم أن لا يقوم بتنفيذها إلا صاحبها، أبداً.. فاستمر أنت في مشروعك، وانقل فكرتك إلى مؤهل يقوم بها ويرعاها،
وليس ثم ما يمنع من الاطلاع عليها بين الفينة والأخرى للتأكد من التزام المشروع
أهدافه، وسلامة سيره تجاهها؛ بل إنا لندعو إلى أكثر من ذلك: إلى قيام
مجموعات تفكير لا يكون التنفيذ من مهمتها في شيء؛ بل مجرد اقتراح الأفكار،
والبحث عمن ينفذها، ومراقبة مسارها.
٣ - إذا كان هناك من استطاع أن يقوم بعدة أعمال ناجحة في زمن مضى فإن
الوقت الآن قد تغير؛ فالمعلومات تزايدت وتسارعت حتى تضاربت، والتغيرات
الاجتماعية والثقافية تختلف بين يوم وليلة، ومستلزمات الشخص ذاته وحاجاته
وواجباته قد أصبحت تتطلب حظاً من الوقت أوفر، وكما من العناء أكبر، ودونكم
تربية الأبناء وتنشئتهم نشأة صالحة مثالاً على ذلك. وإمعان النظر في أولئك النفر
يبين أنهم كانوا لا يبدؤون بمشروع حتى يستوي الأول على سوقه، ويقوم بنفسه،
ويقل لغوب مراقبته وتقويمه، ويوجد من يتولاه ويدير شوونه.
وبعد؛ فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وهذه الكلمات لا تغني في الإجابة
عن تساؤلنا، إلا أنها فكرة تبحث عمن يطورها.