← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

دراسات في الشريعة والعقيدة كرامات الأولياء بين أهل السنة ومخالفيهم (٢-٢) عبد اللطيف بن محمد الحسن في الحلقة الأولى: تقدم الكلام عن مفهوم الولاية والأولياء بين أهل السنة والمتصوفة، ومفهوم الخوارق والكرامات وما تتميز به عن الأحوال الشيطانية، ثم الإلهام والفراسة والرؤى. وتمام الحديث: شرح موقف أهل السنة والجماعة من الكرامات مُدعَّماً ببعض الأدلة والأمثلة والضوابط والفوائد، وتبع ذلك ذكر مواقف المخالفين من المنكرين للكرامات، أو المتوسعين فيها المتفلتين من الضوابط الشرعية. عقيدة أهل السنة في الكرامات: من عاد إلى كتب أهل السنة وجد موقفهم من الكرامة وسطاً بين إنكار الجافين، وتوسع الغالين. قال الطحاوي عن الأولياء: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم) [١] . وقال ابن تيمية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة) [٢] . و (لقد تواترت نصوص الكتاب والسنة والوقائع قديماً وحديثاً على وقوع كرامات الله لأوليائه المتبعين لأنبيائه) [٣] والأدلة كثيرة. منها: ما ذكره الله من مجيء الرزق لمريم؛ لا من بشر، وكذا إنبات الرطب وإجراء النهر لها؛ ولم يكن شيء منها قبل ذلك، ومنها: ازورار الشمس عن أهل الكهف، فلا تصيبهم مع أنهم في مكان منفتح انفتاحاً واسعاً، ومنها: ما وقع لسارة ﵂ من حملها بإسحاق في سن اليأس، ومنها: إحضار الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس إلى سليمان ﵇ [٤] وكذا: كفّ يد الظالم عن سارة، ومنها: نجاة أصحاب الغار من الصخرة التي انطبقت عليهم، ومنها: تكلُّم الغلام في المهد، ومنها: عجز الملك عن قتل الغلام حتى قال: بسم الله رب الغلام [٥] . ومن الكرامات الواقعة للصحابة ﵃: أن عبد الله بن حرام والد جابر ﵄ توقّع مقتله في أول من يقتل يوم أحد، فحصل ذلك ودفن مع عمرو بن الجموح ﵄ فأخرجه جابر بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم دُفن غير أذنه، ثم دفنه في قبر وحده [٦] . وعن أنس أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله [٧] . ضوابط قبول الكرامة: أ - ضابط عام في الكرامات: ليس من منهج الإسلام التعويل على الكرامات، وجعلها شرطاً للإيمان؛ فقد عاب الله على المشركين لما طلبوا من النبي ﷺ آيات خارقة، فقال - تعالى -: [وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا] [الإسراء: ٩٠] ، إلى قوله تعالى: [قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا] ... [الإسراء: ٩٣] فقد كانت معجزاته ﷺ معتمدة على الحجة والبرهان، وأجلُّها القرآن الكريم أعظم معجزة أعطيت لنبي، وهي أنفع المعجزات. ولذا كانت حياته ﷺ تجري موافقة للمألوف جرياً على العادة مع كونه أعظم الخلق وأشرفهم ﷺ ؛ فكان يأخذ بالأسباب كما فعل يوم الهجرة [٨] . وهذه خاصية الدين والمنهج الذي يصلح للبقاء، خلافاً لما يظنه كثير من الناس من أن الأولياء يجب أن يتصرفوا في هذا الكون ويُعْطَوا مفاتيحه! [٩] . ب - ضوابط من تقع له الكرامات: أولاً: أن يكون من وقعت له من عباد الله المؤمنين. (فمن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر به ملتزماً طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمناً فضلاً عن أن يكون ولياً لله، ولو حصل له من خوارق العادة ما عسى أن يحصل؛ فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور - من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها - إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله المقربة إلى سخطه وعذابه) [١٠] . ثانياً: أن لا يجزم في كل خارق يحصل له أنه كرامة؛ بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة لها فهي حق وصدق وكرامة من الله - سبحانه - وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمع منه الشيطان فلبَّس عليه [١١] . ثالثاً: أن لا يدعي صاحبها الولاية؛ لتعذر الجزم بقبول العمل، كما وصف الله حال أوليائه المؤمنين المتقين، فقال: [والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون] [المؤمنون: ٦٠] . وقد سألت عائشة - ﵂ النبي ﷺ عن هذه الآية فقالت: أَهُمُ الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا، يا بنت الصديق؛ ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يُقبَل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات) [١٢] . ثم إن في ادعاء الولاية تزكية للنفس وذلك منافٍ لحال الولاية. رابعاً: أن لا تكون الكرامة غايته، يطلبها ويسعى في حصولها؛ فهو خلاف حال السلف. ج - ضوابط الكرامة ذاتها: أولاً: أن لا تشتمل الكرامة على ترك شيء من الواجبات، أو فعل شيء من المحرمات، أو التزام شيء من العبادات لم يرد فيه نص شرعي؛ وذلك لأن الولي إنما نال الكرامة بطاعته وإيمانه؛ فلا يمكن بحال أن تكون تلك الكرامة سبباً لتركه شيئاً مما نالها به، ثم إن المحرَّم خبيث، والله لا يكرم عبده بخبيث؛ كما أن من دلائل الولاية الوقوف عند النصوص الشرعية فلا يكون ولياً لله من أحدث في دين الله - تعالى - ما ليس منه. قال ابن الجوزي ﵀: (قد لبَّس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا - بزعمهم - أمر القوم؛ والحق لا يحتاج لتشييد بباطل) ثم ساق قصة تُروى عن سهل بن عبد الله فيها أن أحد الأولياء اشترط عليه أن يرمي ما معه من الزاد حتى يعطيه نور الولاية فتكون له خوارق العادات، ففعل، إلى أن قال سهل: فغشيني نور الولاية! ثم علَّق ابن الجوزي بقوله: (ويدل على أنها حكاية موضوعة قولهم: (اطَّرِحْ ما معك) ؛ لأن الأولياء لا يخالفون الشرع، والشرع نهى عن إضاعة المال) [١٣] كما أمر بفعل الأسباب. ومثال ذلك أيضاً: من تحمله الجن فيحج مع الناس بلا إحرام ولا مرور بميقات.. خداعاً من الجن له. ثانياً: ألا تشتتمل على ما عُلِم في الشريعة عدم وقوعه، كدعوى لقيا النبي ﷺ يقظة، وكأن يرى شخصاً على صورة نبي أو ملك أو صالح يقول له: قد أبحت لك الحرام، وأحللت لك الحلال، أو أسقطت عنك التكاليف. قال الشاطبي: (مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، وذلك أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات، وليس كذلك؛ بل من أعمال الشيطان. كما يُحكى عن عبد القادر الجيلاني أنه عطش عطشاً شديداً، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب، ثم نودي من سحابة: (يا فلان! أنا ربك، وقد أحللت لك المحرمات) فقال له: (اذهب يا لعين) . فاضمحلت السحابة. وقيل له: بِمَ عرفت أنه إبليس؟ قال: بقوله: (قد أحللت لك المحرمات) . هذا وأشباهه لو لم يكن الشرع حَكَماً فيه لما عرف أنها شيطانية) [١٤] . ثالثاً: ألا يستعين بالكرامة على معصية الله فإن أكمل الكرامات ما كان معيناً على طاعة الله أما الكرامة والكشف والتأثير إن (لم يكن فيه فائدة كالاطّلاع على سيئات العباد، وركوب السباع لغير حاجة، والاجتماع بالجن لغير فائدة، والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب) [١٥] . رابعاً: ثبوتها: قال الطحاوي: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم) [١٦] . وقد يتعسر ذلك كثيراً بعد انقطاع عصر الرواية، ولقلة من يعتمد عليه في نقل الأخبار في الأعصر المتأخرة. فوائد الكرامة: الفائدة الأولى: دلالتها على قدرة الله وكمال مشيئته وعلى كمال علمه وكمال غناه. الثانية: أن وقوع الكرامات للأولياء في الحقيقة معجزات للأنبياء، والمعجزات فيها دعوة للإيمان، والكرامات تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسل [١٧] . الثالثة: أن الكرامات من البشرى المعجلة في الدنيا المذكورة في آية الأولياء: [لهم البشرى في الحياة الدنيا] [يونس: ٦٤] . وهي (كل أمر يدل على ولايتهم وحسن عاقبتهم، ومن ذلك الكرامات) [١٨] . الرابعة: تقوية إيمان العبد وتثبيته، قال الله - تعالى -: [إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ... ] [الأنفال: ١٢] ولهذا قلَّت الكرامات في عهد الصحابة، وكثرت بعدهم؛ وذلك لقوة إيمانهم، وضعف من بعدهم بالنسبة إليهم، وذلك أن الصحابة شاهدوا التنزيل وعايشوا النبي ﷺ ، ومن بعدهم آمن بالغيب فاحتاج إلى شيء يزيد يقينه [١٩] . الخامسة: إقامة الحجة على العدو، كما حصل لخالد ﵁ في شرب السم، وكقصة أبي مسلم الخولاني [٢٠] . وفي هذا نصرة لدين الله ورفعة لكلمته إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل، كما حصل لأصحاب الكهف. السادسة: إكرام من الله - تعالى - لعباده لصلاحهم وقوة إيمانهم، كما حصل لمريم من الرزق [٢١] . السابعة: قضاء حاجة صاحب الكرامة أو حاجة غيره، وإنقاذه أو إنقاذ غيره، كما حصل لسعد ﵁ في قصة مرورهم على الماء، وكما حصل لسارية حيث نُجِّي الجيش عامة، وليس هو وحده. الثامنة: ابتلاء من وقعت له الكرامة أيشكر أم يكفر؟ أيتواضع لله أم يغتر بعمله فيهلك؟ التاسعة: في وقوع الكرامة لناس دون آخرين ابتلاء لمن لم تقع لهم: هل الكرامة غايتهم من الاستقامة؟ وهل يثبتون بلا كرامة أم يتزعزع إيمانهم؟ العمل بمقتضى الكرامات: من فوائد الكشف والإلهام والفراسة والرؤى - وهي من الكرامات -: تحصيل الخير وتوقي الشر قبل وقوعه. وشرط ذلك: ألا يعارض العملُ - بناءً عليها - حكماً شرعياً ولا قاعدة دينية، ومثاله: لو شهد شاهدان عدلان في أمر، فرأى القاضي في منامه النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (لا تحكم بهذه الشهادة؛ فإنها باطل) ، فإنه لا يجوز له العمل بمقتضى هذه الرؤيا؛ لأنها تهدم قواعد الشريعة. وكذا: لو حصلت له مكاشفة بأن الماء الذي يريد الوضوء به مغصوب أو نجس، فإنه لا يتركه ويتيمم؛ لأن فتح هذا الباب يبطل العمل بالظاهر، ويلغي الشريعة. وقد ذكر الشاطبي ﵀ أوجهاً مما يسوغ العمل بالخوارق على وفقها، منها: ١- أن يكون في أمر مباح، كأن يرى رؤيا بأن فلاناً سيأتيه في وقت ما، فيتأهب لاستقباله، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع. ٢- أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه يراهم من وراء ظهره؛ لفائدة إقامة الصفوف، وأخرى هي تقوية إيمان من سمعه. ٣ - أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد ويتأهب. وقال: (إنما ذكرت هذه الأوجه الثلاثة لتكون مثالاً يحتذى حذوه، وينظر في هذا المجال إلى جهته) [٢٢] . أعظم الكرامة لزوم الاستقامة: ليس وقوع الخارق أمراً لازماً للولي، فكم من الأولياء الصادقين - من الصحابة فمن بعدهم - قلم تقع لهم خوارق! وكم من السحرة والمبطلين من وقعت لهم الخوارق! ولا شك أن الخوارق ابتلاء للعبد من جنس النعم، وليس حصولها برهاناً على فضل الرجل عند الله، ولا عدمها دليلاً على هوانه. قال الله - تعالى -: [فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن. كلا] [الفجر: ١٥ - ١٧] . لكن الكرامة الحقة - التي بها نجاة العبد - إنما هي استقامته على أمر الله - حتى يأتيه اليقين. قيل لأبي محمد المرتعش: (فلان يمشي على الماء! قال: عندي أن من مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم ممن يمشي على الماء!) [٢٣] . ً للاستقامة لا طالباً للكرامة؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. قال الشيخ السُهروردي في عوارفه: وهذا أصل كبير في الباب؛ فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما مُنحوا به من الكرامات وخوارق العادات؛ فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه، ولعل أحدهم يبقى متهماً لنفسه في صحة عمله؛ حيث لم يحصل له خارق [٢٤] ، ولو علموا بسر ذلك، لهان عليهم الأمر، فيُعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً. والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وأمارة القدرة يقيناً، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة؛ فهي كل الكرامة) [٢٥] . ولا شك أن من أعظم الكرامات: ما أكرم الله به سلف الأمة وعلماءها والمجددين والمصلحين فيها؛ حيث بارك في أوقاتهم، وأعمارهم، وأعمالهم؛ فكتب بعضهم ما يعجز غيره على نسخه في مدة عمره [٢٦] ، وكان لعلومهم من الأثر ما نراه إلى يومنا هذا، وكتب الله لها البقاء والنماء، وكم كان للمصلحين من الأثر، وكم يترتب على مواقفهم الحميدة من آثار تجنيها الأمة طيلة سنين أو قرون! وتأمّل قوله - تعالى - في فضل من آتاهم العلم: [يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب] [البقرة: ٢٦٩] . فأين هذا ممن تكون كرامته: الإكرام بمال، أو طعام، أو كشف في حادثة، أو قدرة على أمر؟ ! ومن أوجه تفضيل الاستقامة على الكرامة: ١ - أن الدين لا يُنال إلا من جهة الرسول ﷺ ، واختصاصه به يفضله على بقية الخوارق. ٢ - أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون، أما الخوارق فإنها لهم ولغيرهم. ٣ - أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه ولا يضره، وقد يقع له من حصول الخارق مضرة من عُجْبٍ ونحوه. ٤ - أنه يدفع مضرة الدنيا والآخرة من غير حاجة إلى كشف. ٥ - أن الكشف والتأثير قد يكون فيه فائدة وقد لا يكون. ٦ - أن الدين إذا صح أوجب خرق العادة إذا احتاج إليه صاحبه؛ لقول الله - تعالى -: [ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ... ] [الطلاق: ٢، ٣] . ٧ - أن الدين هو إقامة حق العبودية، وهو فعل ما وجب عليك، وأما الخوارق فهي من حق الربوبية؛ إذ لم يؤمر العبد بتحصيلها وفعلها [٢٧] . المخالفون لأهل السنة في الكرامات: وهم فئتان: متوسعون في إثبات الكرامة، ومنكرون لوقوع ما سوى المعجزات. فأما المتوسعون فهم: الأشاعرة والماتريدية والصوفية والرافضة. الأشاعرة والماتريدية: خالف الأشاعرة أهل السنة في بعض تفاصيل مسائل النبوات والمعجزات والكرامات. ومن ذلك: (قولهم: إن كرامات الأولياء ليست من آيات الأنبياء) وهذا راجع إلى مذهبهم (في شروط المعجزة؛ حيث جعلوا منها: أن تقارن دعوى النبوة، وهذا مخالف لمذهب الجمهور الذين جعلوها من آيات الأنبياء؛ لأنها مستلزمة لنبوتهم وتصديقهم فيها، ولولا تصديقهم للأنبياء واتباعهم لهم، لم تكن لهم كرامات) [٢٨] . وزعم الباقلاني أن (الخوارق تدل على الولاية بالإجماع، مع تجويزه ظهورها فيه على أيدي الكفرة والسحرة. وهذا تناقض) [٢٩] . ومما غلط فيه الأشاعرة والماتريدية [٣٠] : زعمهم: أن كل ما وقع معجزة لنبي جاز وقوعه كرامة لولي [٣١] ، وهذا توسع في إثبات الكرامة، وهو مردود بكون (معجزات الأنبياء التي هي دليل صدقهم لا يجوز أن يأتي بها أحد غيرهم لا من المخالفين، ولا من الموافقين؛ لأن المعنى في إعجازها أنها لا تتكرر لغيره ممن ليس في منزلته؛ لأنها إذا أتت على يد غيره لا تصلح أن تكون شاهدة على صدقه هو فقط؛ لأن أساس هذه الشهادة هو عجز غيره عن الإتيان بمثل ما أتى به حتى تبقى حاملة أسرار الإعجاز كلها) [٣٢] . الصوفية والكرامات: غلا الصوفية في أمر الخوارق، فشرَّقوا فيها وغرَّبوا، ولعل أهم ما يميزهم عن أهل السنة - في هذا الباب - أمور أهمها [٣٣] : أولاً: اعتبار الخوارق معياراً للولاية، وأن من لا كرامة له لا ولاية له. قال الشعراني في ترجمة محمد الغمري عن قوله: (وكان سيدي أحمد لا يأذن قط لفقير [لمريد أو صوفيٍ] أن يجلس على سجاده إلا إن ظهرت له كرامة) [٣٤] . ثانياً: الشغف بالخوارق، وتفسير كل خارق أو أمر غريب بأنه كرامة حتى صارت همهم، قال ابن الجوزي: (عن إبراهيم الخراساني أنه قال: احتجت يوما إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة رأسه ألين من الخز، فاستكت بالسواك، وتوضأت بالماء، وتركتهما وانصرفت) ثم علق عليها ابن الجوزي فقال: (في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته، فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل؛ إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز؛ ولكن قلَّ علمه فاستعمله، وإن ظن أنه كرامة، والله - تعالى - لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعاً) [٣٥] . ثالثاً: لما جعل الصوفية الكرامة أساس الولاية حرصوا على جمع الكرامات لمن ادعوا لهم الولاية، وتعدى الأمر إلى الاختلاق والكذب، ومما نسجوه ما ذكره الشعراني عن أبي بكر البطائحي أنه (أول من ألبسه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - الخرقة ثوباً وطاقية في النوم، فاستيقظ فوجدهما عليه، وكان يقول: أخذت من ربي عهداً أن لا تحرق النار جسداً دخل تربتي، ويقال: إنها ما دخلها سمك ولا لحم قط فأنضجته النار أبداً) [٣٦] . وكأن الكذب بدأ فيهم من قديم، فتنبه له بعض كبارهم؛ فقد قيل لرابعة العدوية: (يا عمة! لِمَ لا تأذنين للناس يدخلون عليك؟ قالت: وما أرجو من الناس؟ إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل. ثم قالت: يبلغني أنهم يقولون: إني أجد الدراهم تحت مصلاي، ويطبخ لي القدر بغير نار، ولو رأيت مثل هذا فزعت منه قيل لها: إن الناس يكثرون فيك القول، يقولون: إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب؛ فهل تجدين شيئاً فيه؟ قالت: يا بنت أخي! لو وجدت في منزلي شيئاً ما مسسته، ولا وضعت يدي عليه) [٣٧] . رابعاً: كرامات الصوفية وخوارقهم كما أنها لا مكان لها عند العقلاء، فإنها لا كرامة لها عند العلماء بشريعة الله وكم في كراماتهم المحكية من معارضات ومخالفات للشريعة المحمدية! ومن ذلك: أن أحدهم كان يتشوش من قول المؤذن: الله أكبر فيرجمه، ويقول: عليك يا كلب، نحن كفرنا يا مسلمون حتى تكبروا علينا؟ ! [٣٨] . أما ما يذكرونه عن بعض من يذكرون بالخير من الشطحات والأحوال المُنْكَرَةِ، فإن الواجب التثبت منه؛ لعدم الثقة في نقلهم، وما ثبت منه فإن منه ما يكون عوارض تعرض لهم بسبب بعض أعمالهم؛ فإن من خلط في عمله اختلطت خوارقه، ولهذا أمرنا أن نقول كل صلاة: [اهدنا الصراط المستقيم] [الفاتحة: ٦] [٣٩] . الرافضة والكرامات: يفضل غلاة الرافضة أئمتهم على الأنبياء، ثم صار ذلك من أصول الشيعة الاثني عشرية [٤٠] . ويرى الرافضة أن خوارق الأولياء (معجزات لإثبات الإمامة وإقامة الحجة) ، وأنها ليست من قبيل الكرامات بل هي كمعجزات الأنبياء أو أعظم، وقد بوَّب صاحب كتاب بحار الأنوار لهذا المعنى باباً بعنوان: (إنهم يقدرون على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وجميع معجزات الأنبياء) . وأورد فيه جملة من أحاديثهم [٤١] . (وللقوم ولع غريب وتعلق عجيب بسرد الحكايات وغرائب الأساطير التي هي أحياناً أشبه بعمل السحرة والمشعوذين، وحيناً هي من ضروب الخيال، وغرائب الأحلام. وهذه المعجزات لا تزال تتولد عند الشيعة وتتجدد) [٤٢] . المنكرون للكرامات: وهم: الفلاسفة [٤٣] ، والمعتزلة [٤٤] ، ومن تأثر بهم [٤٥] ، وابن حز [٤٦] ، وبعض الأشاعرة كالإسفراييني [٤٧] . وتبعهم معاصرون من مدعي ... العقلانية، ويرون أنه لا يقع من الخوارق غير معجزات الأنبياء. وهذه بعض شُبَهِ القوم مع مناقشتها: الشبهة الأولى: قالوا: إن تجويز الكرامات يفضي إلى السفسطة؛ لأنه يقتضي تجويز انقلاب الحجر ذهباً، والبحر دماً عبيطاً. والرد على هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أنه لا يُسلَّم ببلوغها هذا المبلغ. والثاني: أن ذلك يجوز ولا يقتضي سفسطة؛ لأن ما ذكرتم وارد عليكم في زمن النبوة. والثالث: أن التجويزات العقلية لا تقدح في العلوم المادية؛ وجواز تغير العادة بسبب الكرامة تجويز عقلي فلا يقدح فيها [٤٨] . الشبهة الثانية: أن الكرامة لو جازت لاشتبهت بالمعجزة، فلا يبقى لها دلالة على النبوة. والرد على هذه الشبهة بمنع الاشتباه - كما تقدم التفريق بينهما في مبحث سابق -. ثم إن الولي لو ادعى النبوة بعد ظهور الكرامة له لكان كاذباً، ولم يكن ولياً [٤٩] . الشبهة الثالثة: أن الكرامة لو ظهرت لولي لجاز الحكم له بمجرد دعواه أنه يملك شيئاً من غير بينة لظهور درجته المانعة من كذبه، وهذا خلاف قاعدة: ... (البينة على المدعي) والرد: أن الكرامة لا توجب عصمته ولا صدقَهُ في كل الأمور، وهذا يضبطه الشرع ولا يخرج عنه [٥٠] . الشبهة الرابعة: أنها لو جازت سراً وهو أولى من العلن، وهذا يفضي إلى أن لا يستدل بها على النبوة، ثم إن تكرارها يفضي إلى التحاق الخوارق بالعادات فلا تصدق معجزات الأنبياء! والرد من وجهين: الأول: أنها تجوز على وجه لا يصير ادة. الثاني: وهو أنها تجوز بحيث لا تظهر ولا تشيع ولا تلتحق بالمعتاد. وتكررها للولي لا يخرجه عن طريق السداد، وإلا فلا يكون ولياً على التحقيق، ثم إن المعجزة تتميز عن الكرامة كما سبق. وهذه الشبهة لو جاز إيرادها لكان في كرامات الأمم السابقة، دون هذه الأمة. الشبهة الخامسة: أنه لو كان لها أصل لكان أولى الناس بها الصدر الأول، ولم يظهر عنهم شيء منها. قال ابن السبكي: (وهذا قول مرذول، فلو حاول مستقصٍ استقصاء كرامات الصحابة ﵃ لأجهد نفسه ولم يصل إلى عشر العشر) [٥١] . وموردو هذه الشبهة يراوغون في الكلام، فمثلاً: القاضي عبد الجبار في المغني لم يعرض للأدلة المثبتة للكرامات من القرآن، والزمخشري يقول بخصوصٍ منفي على إبطال العموم، كما استدل بقوله - تعالى -: [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا] [الجن: ٢٦] ، على إبطال جميع الكرامات. ورد بقول ... الاسكندري في الانتصاف [٥٢] . الشبهة السادسة: أن مشاركة الأولياء للأنبياء في ظهور الخوارق يخل بعظيم قدر الأنبياء ووقعهم في النفوس [٥٣] . وهذا مردود؛ فلا يخفى أن في الكرامة تصديقا للأنبياء، وما حصلت لهم إلا ببركة اتباعهم للرسل [٥٤] ، وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ المنكرين ورد عليهم في النبوات [٥٥] ، كما ناقش المعتزلة في خوارق العادات من أحد عشر [٥٦] . وبعد؛ فليس إنكار الكرامات سديداً؛ لمعارضته من قبل الشرع والواقع، ولا التوسع فيها جائزاً؛ لمخالفته نهج الصواب. إننا نثبت الكرامات لأولياء الله الصالحين، ونقول: ليس كل من أتانا بخارق عددناه ولياً، ما لم يكن ملتزماً بهدى السابقين الأولين ﵃. وفي الوقت نفسه: لا ننتقص أحداً من الصالحين؛ لأنه لم تقع له كرامة؛ فكم من ولي لم يحصل له خارق! وإن أعظم كرامة لزوم الاستقامة. نسألك اللهم حسن الختام.

стр. 3152

تأملات دعوية الثناء المنضبط وسيلة تربوية محمد بن عبد الله الدويش نشعر كثيراً في تربيتنا وتوجيهنا أننا نحتاج لبيان الأخطاء وممارسة الانتقاد، وربما اللوم والعتاب، وقد يتطور الأمر للعقوبة، وكل ذلك - حين يكون في إطاره الطبيعي - ليس مجالاً للنقاش أو الاعتراض. ومنشأ الإشكال إنما هو في اتساع مساحة الانتقاد واللوم على حساب غيره؛ فالنفس تحتاج للثناء والتشجيع، وتحتاج للشعور بالنجاح والإنجاز كما أنها تحتاج للنقد والتسديد، لكن ما يأخذه النقد واللوم من واقعنا أكثر بكثير مما يأخذه الجانب الآخر. ومن يتأمل هدي النبي ﷺ يجد أنه يُثني على أصحابه في مواقف عدة. ومنها: قوله ﷺ لأشج عبد القيس: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة) [١] ، وقوله لأبي هريرة ﵁: (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لِمَا رأيت من حرصك على الحديث) [٢] ، وقال أيضاً: (كان خيرَ فرساننا اليوم أبو قتادة، وخيرَ رجالتنا سلمة) [٣] ، وقال لابن مسعود ﵁: (إنك غلام ... معلم) [٤] ، ومن نظر في أبواب المناقب رأى الكثير في ذلك. إن الثناء يُشعِر الشخص بالرضا والإنجاز، ويزيد من ثقته بنفسه، والمربُّون اليوم أحوج ما يكونون إلى غرس الثقة بالنفس والشعور بالقدرة على الإنجاز في ظل جيل يعاني من الإحباط، وتسبق هواجس الإخفاق تفكيره في أي خطوة يخطوها، أو مشروع يُقدم عليه. في حين أن النقد واللوم يسهم في تكريس الشعور بالفشل والإحباط ونموه في النفس، ويضيفه صاحبه إلى تجاربه المخفقة. والثناء وسيلة غير مباشرة لإثارة تطلُّع الآخرين وحماستهم للتأسي بالمُثْنَى عليه والاقتداء به، وإبرازه مثلاً حياً مشاهَداً أمامهم؛ لذا فحين قدم طائفة من أصحاب النبي ﷺ محتاجين للنفقة، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لذلك، فتصدق رجل بصُرَّة كادت يده أن تعجز عنها، فتابع الناس بعد ذلك، حينها قال ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) [٥] . وحتى يؤدي الثناء دوره دون إفراط فلا بد من الاعتدال؛ فالمبالغة فيه تُفقده قيمته، وتشعر من يسمعه بأنه ثناء غير صادق ولا جاد. وهو مذموم حين يوجه لمن لا يستحقه، أو لمن يُخشى عليه العُجْب والغرور؛ بل يستحق من يطلقه حينئذ أن يُحثى التراب في وجهه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) [٦] . ولهذا امتنع ﷺ عن بيان بعض منزلة قريش، فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فقال: (لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله ) [٧] .

стр. 3153

دراسة تربوية القناعة مفهومها.. منافعها.. الطريق إليها (١-٢) إبراهيم بن محمد الحقيل يزداد التسخط في الناس وعدم الرضى بما رُزقوا إذا قلّت فيهم القناعة، وحينئذ لا يرضيهم طعام يشبعهم، ولا لباس يواريهم، ولا مراكب تحملهم، ولا مساكن تكنهم؛ حيث يريدون الزيادة على ما يحتاجونه في كل شيء، ولن يشبعهم شيء؛ لأن أبصارهم وبصائرهم تنظر إلى من هم فوقهم، ولا تُبصر من هم تحتهم، فيزدرون نعمة الله عليهم، ومهما أوتوا طلبوا المزيد؛ فهم كشارب ماء البحر لا يرتوي أبداً. ومن كان كذلك فلن يحصل السعادة أبداً؛ لأن سعادته لا تتحقق إلا إذا أصبح أعلى الناس في كل شيء، وهذا من أبعد المحال؛ ذلك أن أي إنسان إن كملت له أشياء قصرت عنه أشياء، وإن علا بأمور سفلت به أمور، ويأبى الله - تعالى - الكمال المطلق لأحد من خلقه كائناً من كان؛ لذا كانت القناعة والرضى من النعم العظيمة والمنح الجليلة التي يُغبط عليها صاحبها. ولأهمية هذا الأمر - ولا سيما مع تكالب كثير من الناس على الماديات، وانغماسهم في كثير من الشهوات - أحببت أن أذكر نفسي وإخواني؛ والذكرى تنفع المؤمنين. مفهوم القناعة: توجد علاقة متينة بين القناعة وبين الزهد والرضى، ولذلك عرَّف بعض أهل اللغة القناعة بالرضى، والقانع بالراضي [١] . قال ابن فارس: (قنع قناعة: إذا رضي، وسميت قناعة؛ لأنه يُقبل على الشيء الذي له راضياً) [٢] . وأما الزهد فهو ضد الرغبة والحرص على الدنيا. والزهادة في الأشياء ضد الرغبة [٣] ، وذكر ابن فارس أن مادة (زهد) أصل يدل على قلة الشيء قال: والزهيد: الشيء القليل [٤] . وعرَّف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الزهد بقوله: ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله - [٥] . ونحا فريق من أهل الاصطلاح إلى تقسيم القناعة، وجعل أعلى مراتبها الزهد كما هو صنيع الماوردي؛ حيث قال: (والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يقتنع بالبُلغة من دنياه ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه؛ وهذا أعلى منازل أهل القناعة، ثم ذكر قول مالك بن دينار: أزهد الناس من لا تتجاوز رغبته من الدنيا بُلغته. الوجه الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية، ويحذف الفضول والزيادة، وهذا أوسط حال المقتنع، وذكر فيه قول بعضهم: من رضي بالمقدور قنع بالميسور. الوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سُنح، فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيراً، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيراً، وهذه الحال أدنى منازل أهل القناعة؛ لأنها مشتركة بين رغبة ورهبة، فأما الرغبة: فلأنه لا يكره الزيادة على الكفاية إذا سنحت، وأما الرهبة: فلأنه لا يطلب المتعذر عن نقصان المادة إذا تعذرت) [٦] ا. هـ. وبناءً على تقسيم الماوردي فإن المنزلة الأولى هي أعلى منازل القناعة وهي الزهد أيضاً، والمنزلة الثالثة هي التي عليها أكثر الذين عرّفوا القناعة وهي مقصود مقالتنا تلك. وعلى هذا المعنى فإن القناعة لا تمنع التاجر من تنمية تجارته، ولا أن يضرب المسلم في الأرض يطلب رزقه، ولا أن يسعى المرء فيما يعود عليه بالنفع؛ بل كل ذلك مطلوب ومرغوب، وإنما الذي يتعارض مع القناعة أن يغش التاجر في تجارته، وأن يتسخط الموظف من مرتبته، وأن يتبرم العامل من مهنته، وأن يُنافَق المسؤول من أجل منصبه وأن يتنازل الداعية عن دعوته أو يميّع مبدأه رغبة في مال أو جاه، وأن يحسد الأخ أخاه على نعمته، وأن يُذِلَّ المرء نفسه لغير الله - تعالى - لحصول مرغوب. وليس القانع ذاك الذي يشكو خالقه ورازقه إلى الخلق، ولا الذي يتطلع إلى ما ليس له، ولا الذي يغضب إذا لم يبلغ ما تمنى من رتب الدنيا؛ لأن الخير له قد يكون عكس ما تمنى. وفي المقابل فإن القناعة لا تأبى أن يملك العبد مثاقيل الذهب والفضة، ولا أن يمتلئ صندوقه بالمال، ولا أن تمسك يداه الملايين، ولكن القناعة تأبى أن تلج هذه الأموال قلبه، وتملك عليه نفسه، حتى يمنع حق الله فيها، ويتكاسل عن الطاعات، ويفرط في الفرائض من أجلها، ويرتكب المحرمات من رباً ورشوة وكسب خبيث حفاظاً عليها أو تنمية لها. وكم من صاحب مال وفير وخير عظيم رزق القناعة! فلا غَشَّ في تجارته، ولا منع أُجراءه حقوقهم، ولا أذل نفسه من أجل مال أو جاه، ولا منع زكاة ماله؛ بل أدى حق الله فيه فرضاً وندباً، مع محافظةٍ على الفرائض، واجتنابٍ للمحرمات. إن ربح شكر، وإن خسر رضي؛ فهذا قنوع وإن ملك مال قارون. وكم من مستور يجد كفافاً ملأ الطمع قلبه حتى لم يُرضه ما قسم له! فجزع من رزقه، وغضب على رازقه، وبث شكواه للناس، وارتكب كل طريق محرم حتى يغني نفسه؛ فهذا منزوع القناعة وإن كان لا يملك درهماً ولا فلساً. فوائد القناعة: إن للقناعة فوائد كثيرة تعود على المرء بالسعادة والراحة والأمن والطمأنينة في الدنيا والآخرة ومن تلك الفوائد: ١ - امتلاء القلب بالإيمان بالله والثقة به، والرضى بما قدر وقسم، وقوة اليقين بما عنده ذلك أن من قنع برزقه فإنما هو مؤمن ومتيقن بأن الله - تعالى - قد ضمن أرزاق العباد وقسمها بينهم حتى ولو كان ذلك القانع لا يملك شيئاً. يقول ابن مسعود ﵁: إن أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا: ليس في البيت دقيق. وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصبح وليس عندي شيء. وقال الفضيل ابن عياض - رحمه الله تعالى -: أصل الزهد الرضى من الله . وقال أيضاً: القُنوع هو الزهد وهو الغنى، وقال الحسن - رحمه الله تعالى -: إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله [٧] . ٢ - الحياة الطيبة: قال - تعالى -: [من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون] [النحل: ٩٧] ، فَسَّر الحياةَ الطيبة عليٌّ وابن عباس والحسن ﵃ فقالوا: الحياة الطيبة هي القناعة [٨] ، وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى -: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه [٩] . ٣ - تحقيق شكر المنعم : ذلك أن من قنع برزقه شكر الله - تعالى - عليه، ومن تقالّه قصَّر في الشكر، وربما جزع وتسخط - والعياذ بالله - ولذا قال النبي ﷺ : (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس) [١٠] . ٤ - الفلاح والبُشْرى لمن قنع: فعن فضالة بن عبيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً، وقنع) [١١] ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه) [١٢] . ٥ - الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب وتذهب الحسنات: كالحسد، والغيبة، والنميمة، والكذب، وغيرها من الخصال الذميمة والآثام العظيمة؛ ذلك أن الحامل على الوقوع في كثير من تلك الكبائر غالباً ما يكون استجلاب دنيا أو دفع نقصها، فمن قنع برزقه لا يحتاج إلى ذلك الإثم، ولا يداخل قلبه حسد لإخوانه على ما أوتوا؛ لأنه رضي بما قسم له. قال ابن مسعود ﵁: اليقين ألا ترضي الناس بسخط الله، ولا تحسد أحداً على رزق الله، ولا تَلُمْ أحداً على ما لم يؤتك الله؛ فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره؛ فإن الله ﵎ بقسطه وعلمه وحكمته جعل الرَّوْح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط [١٣] . وقال بعض الحكماء: وجدت أطول الناس غماً الحسود، وأهنأهم عيشاً القنوع [١٤] . ٦ - حقيقة الغنى في القناعة: ولذا رزقها الله - تعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وامتن عليه بها فقال - تعالى -: [ووجدك عائلا فأغنى] [الضحى: ٨] ، نزّلها بعض العلماء على غنى النفس؛ لأن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه النبي ﷺ قبل أن تُفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال [١٥] . وذهب بعض المفسرين إلى أن الله - تعالى - جمع له الغنائيْن: غنى القلب، وغنى المال بما يسر له من تجارة خديجة. وقد بيّن ﵊ أن حقيقة الغنى غنى القلب فقال - عليه الصلاة والسلام -: (ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس) [١٦] . وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟) قلت: نعم يا رسول الله، قال: (فترى قلة المال هو الفقر؟) قلت: نعم! يا رسول الله. قال: (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب) الحديث [١٧] . وتلك حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه ولو عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته ويضحي بوقته يريد المزيد! وكم من فقير يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يجد قوت غده! فالعلة في القلوب: رضيً وجزعاً، واتساعاً وضيقاً، وليست في الفقر والغنى. ولأهمية غنى القلب في صلاح العبد قام عمر بن الخطاب ﵁ خطيباً في الناس على المنبر يقول: (إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه) [١٨] ، وسئل أبو حازم فقيل له: ما مالك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس [١٩] ، وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك [٢٠] . ٧ - العز في القناعة، والذل في الطمع: ذلك أن القانع لا يحتاج إلى الناس فلا يزال عزيزاً بينهم، والطماع يذل نفسه من أجل المزيد؛ ولذا جاء في ... حديث سهل بن سعد مرفوعاً: (شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) [٢١] . وكان محمد بن واسع - رحمه الله تعالى - يبلُّ الخبز اليابس بالماء ويأكله ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد [٢٢] . وقال الحسن - رحمه الله تعالى -: لا تزال كريماً على الناس، ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تَعَاطَ ما في أيديهم؛ فإذا فعلت ذلك استخفُّوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك [٢٣] . وقال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى -: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس، والاستغناء عنهم؛ فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك [٢٤] . والإمامة في الدين والسيادة والرفعة لا يحصلها المرء إلا إذا استغنى عن الناس، واحتاج الناس إليه في العلم والفتوى والوعظ. قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بِمَ سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم [٢٥] . صور من قناعة النبي ﷺ : لقد كان رسول الله ﷺ أكمل الناس إيماناً ويقيناً، وأقواهم ثقة بالله - تعالى - وأصلحهم قلباً، وأكثرهم قناعة ورضيً بالقليل، وأنداهم يداً وأسخاهم نفساً، حتى كان ﵊ يفرِّق المال العظيم: الوادي والواديين من الإبل والغنم ثم يبيت طاوياً، وكان الرجل يُسْلم من أجل عطائه صلى الله عليه وسلم ثم يحسن إسلامه. قال أنس ﵁: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا؛ فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها [٢٦] . وقال صفوان بن أمية ﵁: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لمن أبغض الناس إليَّ؛ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ. قال الزهري: أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم مائة [٢٧] ، وقال الواقدي: أعطاه يومئذ وادياً مملوءاً إبلاً ونعماً حتى قال صفوان ﵁: أشهد: ما طابت بهذا إلا نفس نبي [٢٨] . وقال أنس ﵁: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: (يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) [٢٩] . أما تلك الصورة الرائعة من بذله ﵊ التي جعلت أقواماً وسادة وعتاة من أهل الجاهلية تلين قلوبهم للإسلام وتخضع للحق، فأمامها صور عجيبة لا تقل في جمالها عنها من قناعته ﵊ ورضاه بالقليل وتقديم غيره على نفسه وأهله في حظوظ الدنيا؛ بل وترك الدنيا لأهل الدنيا، ومن ذلكم: أولاً: قناعته ﷺ في أكله: أ - روت عائشة ﵂ تخاطب عروة بن الزبير - رضي الله عنهما - فقالت: (ابن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقِدَت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر، والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم فيسقيناه) [٣٠] . ب - وعنها ﵂ قالت: (لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين) [٣١] . ج - وعن قتادة ﵁ قال: (كنا نأتي أنس بن مالك، وخبّازه قائم وقال: كلوا؛ فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفاً مُرقَّقاً حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطاً بعينه قط) [٣٢] . ثانياً: قناعته ﷺ في فراشه: أ - عن عائشة ﵂ قالت: (كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه من ليف) . ب - وعن ابن مسعود ﵁ قال: (نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، قلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً؛ فقال: ما لي وللدنيا؛ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) [٣٣] . ج - وعن عائشة ﵂ قالت: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرير مشبك بالبردي عليه كساء أسود قد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبي ﷺ نائم عليه، فلما رآهما استوى جالساً فنظر، فإذا أثر السرير في جنب رسول الله ﷺ فقال أبو بكر وعمر - وبكيا -: يا رسول الله! ما يؤذيك خشونة ما نرى من سريرك وفراشك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج؟ فقال: لا تقولا هذا؛ فإن فراش كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة) [٣٤] . ثالثاً: تربيته ﷺ أهله على القناعة: لقد ربى النبي ﷺ أهله على القناعة بعد أن اختار أزواجه البقاء معه والصبر على القلة والزهد في الدنيا حينما خبرهن بين الإمساك على ذلك أو الفراق والتمتع بالدنيا كما قال الله تعالى [يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيما] [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] . فاخترن ﵅ الآخرة، وصبرن على لأواء الدنيا، وضعف الحال، وقلة المال طمعاً في الأجر الجزيل من الله - تعالى - ومن صور تلك القلة والزهد إضافة إلى ما سبق: أ- ما روت عائشة ﵂ قالت: (ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر) [٣٥] . ب - وعنها ﵂ قالت: (ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم) [٣٦] . ولم يقتصر ﷺ في تربيته تلك على نسائه بل حتى أولاده رباهم على القناعة فقد أتاه سبي مرة، فشكت إليه فاطمة ﵂ ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: (لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع) [٣٧] . ولم يكن هذا المسلك من القناعة إلا اختيارا منه ﷺ وزهداً في الدنيا، وإيثاراً للآخرة. نعم إنه رفض الدنيا بعد أن عرضت عليه، وأباها بعد أن منحها، وما أعطاه الله من المال سلطه على هلكته في الحق، وعصب على بطنه الحجارة من الجوع ﷺ . قال ﵊: (عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب؛ ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك) [٣٨] .

стр. 3154

ندوات ومحاضرات ندوة عن: الغزو الفضائي أبعاده.. آثاره.. طوق النجاة إعداد: وائل عبد الغني ضيوف الندوة: الدكتور: حمدي حسن محمود رئيس قسم الإعلام بجامعة مصر الدولية. الدكتور: محيي الدين عبد الحليم رئيس قسم الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر. الدكتور: أحمد المجدوب أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة. نقف في ندوتنا هذه على حافة الزمان والمكان نطويها أو تطوينا، ونحن نتحدث عن معضلة من معضلات العصر وإشكالية من أعقد إشكاليات المستقبل. بعد أن أصبح العالم قرية تسبح في فضاء الإعلام الذي يصغر حين نسلط الأضواء على حدث مهما صغر لنتلمسه بكل تفصيلاته، وتكبر المشكلة أمامنا حين نقف أمام كمٍّ هائل من القنوات والبرامج والأخبار والقيم والأخلاقيات والسلوكيات كموج عات يكاد يقتلع قاربنا لولا بقية مما نستمسك به من ثوابت. في هذه الندوة نطرح قضية الغزو الفضائي بأبعاده وأخطاره وآثاره، والسبيل إلى إعلام فاعل موجِّه لرسالةٍ. نرحب بضيوفنا الكرام ونلقي إليهم بطرف الحديث. د. حمدي حسن: لديّ شيء من التحفظ على استخدام مصطلح (الغزو الفضائي) ؛ هذا اللفظ استخدم بكثافة في الستينيات والسبعينيات، إشارة إلى الهيمنة الثقافية التي عملت اليونسكو على حلها، لكن مع ظهور البث المباشر أعتقد أنه أصبح من الصعب استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى ما يصل إلى العالم الإسلامي من محطات فضائية سواء من دول مجاورة أو دول غربية. البيان: إذن بماذا نسمي هذا الكم الهائل المتدفق عبر سمائنا إلى عقول أبنائنا بما يحمله من مصطلحات ومعايير وقيم وتقاليد ... بل ومخططات؟ نحب أن نسمع رأي الدكتور أحمد المجدوب. د. أحمد المجدوب: في رأيي أن الدكتور حمدي نظر إلى الغزو بمفهومه العسكري (الاقتحام بالقوة) وهو غير متحقق في البث الفضائي الذي نلتقطه بإرادتنا؛ لكن أقول: هو غزو؛ لأنه أصبح اصطلاحاً له معنى يخصه. وأوضِّحُ ذلك بمثال: إحدى القنوات التي كانت تقدم إعلانات للتعارف من أجل (الجنس) تبدأ من الثامنة حتى الحادية عشرة ثم تشفر، قبل رمضان بيومين فتحت إرسالها لمدة ٢٤ ساعة في اليوم بأفلام جنس صارخ طوال الشهر المبارك، وظل الإرسال حتى رابع أيام العيد ثم شفرت مرة أخرى! ويبدو أن البعض اشتكى، فاعتذرت القناة بأن آلة التشفير تعطلت! ! ولكن مراسل (الاندبندنت) علق قائلاً: لقد كان أسلوباً فجاً أن تظهر هذه القناة قبل رمضان بيومين ثم تذيع على مدى اليوم كله موجهة إلى العالم الإسلامي خلال الشهر كله! لا شك أن هذا الأسلوب المقصود به: إفساد الشباب المسلم كي ينتهك حرمة الشهر الكريم. د. حمدي حسن: لا زلت أرى أنه ليس هناك غزو بأي معنى من المعاني؛ لأنه ليس هناك مُنتَج إعلامي يُنتج خصيصاً للعالم الإسلامي، وإنما كل المحطات الموجودة في العالم الآن متاحة للجميع، وإذا سميناه غزواً فبماذا تفسر اعتماد محطات التلفزيون في العالم الإسلامي في غالبها بنسبة تصل إلى ٦٠% و ٧٥% في بعض الأحيان من برامجها على الإنتاج الأجنبي؛ وهي تدفع مقابلاً مادياً وتشتريه؟ البيان: هذا نوع آخر من الغزو يصح أن نطلق عليه غزواً داخلياً؛ ولكن على أي حال هذا الكم الهائل من الأفلام الجنسية وغيرها والبرامج التي تطعن في الإسلام وتشوه صورة المسلمين: بماذا نسميه؟ وماذا نسمي التهميش المقصود للإسلام والعالم الإسلامي في الأخبار والتحليلات التي تساق؟ د. محيي الدين عبد الحليم: ينبغي ألا نغفل الخلفية التاريخية للعقل الأوروبي في التعامل مع العالم الإسلامي التي تبدو في مثل التصريح الشهير لويل كلايس - الأمين العام لحلف الناتو -: (بأن العدو البديل للشيوعية هو العالم الإسلامي) الغرب يتعامل معنا من منطلق التبشير من خلال إعلامه الذي يحمل - في الغالب - طابع العداء أو - على أقل تقدير - التشكيك والتحجيم. وإذا كانت فرنسا تخاف على ثقافتها في مواجهة الأمركة مع أن هناك وجوه اتفاق كثيرة جداً بينهما؛ فنحن بيننا وبينهم نقاط اختلاف قوية تؤكد أهمية بل وجوب الحماية؛ لأن الخلاف معهم عقائدي استراتيجي أيديولوجي فكري تاريخي. والعلاقة اليوم تبرز السيطرة التي تعززها قوة الإعلام الغربي وتفوُّقه في عملية الإنتاج والتسويق المتضمنيْن للبث الثقافي والفكري. د. حمدي حسن: الأمريكيون حريصون على تقديم نمط حياتهم بطريقة جذابة بغرض تسويق الثقافة الأمريكية والتمهيد للنفوذ الأمريكي، وإيجاد نوع من التبعية النفسية لدى شعوب العالم للأرض الأمريكية - أرض المن والسلوى -، فإذا كنت تعتبرهم غزاة بهذا المفهوم فلا بد أن تتهمنا أننا الذين نطلب الغزو. نحن إلى الآن نستورد منهم لنملأ الفراغ؛ لدينا ضعف إنتاج، وضعف إمكانات. هناك ساعات إرسال مبالغ فيها دون قاعدة إنتاجية. ثم إن الغرب ليس في موقف موحد. فرنسا تقول ما تقوله أنت، وكندا - وهي تتحدث الإنجليزية في معظمها و٨٠% من سكانها يعيشون على الحدود مع الولايات المتحدة الأمريكية - تشكو من هيمنة الإعلام الأمريكي عليها، ولوزير خارجية كندا تعبير مشهور يقول: (نحن نشعر بأننا نرقد على سرير واحد إلى جوار فيل ضخم) ، هناك داخل الكتلة الغربية مصالح متعارضة وقوى مختلفة؛ والأمر لا يعدو أن يكون من قبيل التأثير لا المؤامرة بدليل أن صناعة الإعلام الأمريكية اليوم تدار برؤوس أموال يابانية؛ فالمسألة تجارية تهدف إلى الربح وهي معقدة جداً. د. محيي الدين عبد الحليم: إذا كانت فرنسا وكندا تشكوان - مع وحدة الديانة والحضارة - فنحن من باب أوْلى، ألا نستشعر خطر أفكارهم وأيديولوجيتهم على نمط الحياة في العالم الإسلامي؟ أليس ذلك وارداً في مخططاتهم؟ هل أفهم من ذلك أنهم لا يستهدفوننا؟ د. حمدي حسن: يستهدفوننا؛ لأنهم يريدون ترويج ثقافتهم عالمياً، وهم حريصون على ذلك؛ لكن الهدف من ورائه تجاري. البيان: لا يمكن اعتبار هاجس الربحية هو المحرك الوحيد للقنوات الأجنبية؛ فالجميع يستشعر أهدافاً أخرى. د. أحمد المجدوب: العالم اليوم أشبه ببيت بلا نوافذ ولا أبواب، وقبل أن نلقي اللوم على الغرب وأهدافه التي يسعى لبلوغها فإن علينا أن نسلط الضوء أكثر على الخطر الداخلي، وأرى من السذاجة أن نتصور أن هناك انفصاماً بين الجهود الخارجية التي أشرنا إليها وبين الجهود الداخلية؛ فهناك تنسيق واضح في المرحلة الراهنة بين الداخل والخارج الهدف منه سحق الثقافة الإسلامية، وعزل الدين عن المجتمع تحت شعار تجفيف المنابع، ويقود هذا أناس في الداخل لا يقلون عداءً لهذه الثقافة عمن في الخارج. قد يكون الغرب أكثر دهاءً ولباقة في حربه بينما هنا إنسان ضحل سوقي يقوم بإحلال المبادئ السوقية مكان القيم الدينية والأخلاقية. د. حمدي حسن: الغزو الفضائي الأجنبي حتى الآن لا يمثل ظاهرة أو بديلاً؛ لأن كل الدراسات التي أجريت حتى الآن تقول إن القنوات العربية ما زالت هي قنوات المشاهدة الرئيسة للغالبية العظمى. إذا أردنا أن نتحدث عن الخطر فلنتحدث أولاً عن خطر القنوات العربية؛ لأنك إذا ما جلست أمام قناة عربية فإن تأثيرها أقوى؛ لأنها جزء من نسيجك اللغوي والثقافي، ولو بشكل غير مباشر.. بخلاف القنوات الأجنبية؛ فإن مقومات المقاومة لدى المشاهد العربي ما زالت قوية. البيان: الميزة النسبية للإعلام العربي في مواجهة الإعلام الغربي يقابلها مزايا في الإعلام الغربي كالجودة في الإخراج، والابتكار في الأسلوب، وما يحيط بهما من تقدم تقني، لا لمجرد المادة المعروضة، وإلا فإن المحللين يُرجعون انتشار الثقافة الأمريكية لتفاهتها التي تستهوي رجل الشارع العادي؛ ولهذا فاسمحوا لنا أن نتجاوز إشكالية المصطلح لما يمكن أن يتفق عليه الجميع من آثار لما نسميه نحن: غزواً فضائياً. د. حمدي حسن: المتخصصون في الإعلام ليسوا في موقف موحد تجاه تأثير وسائل الإعلام: بعضهم يقول: إن تأثيرها طاغٍ، وهم النقديون واليساريون. وبعضهم يقول: إن تأثيرها مشروط، بمعنى: أن بعض الرسائل الإعلامية في بعض الأوقات تؤثر في بعض الناس. وفريق ثالث يقول: إن تأثير وسائل الإعلام على رغم ما يبدو لها من تأثير قوي إلا أن هناك عوامل أخرى أقوى تأثيراً منها؛ لكنها لا تظهر ظهور وسائل الإعلام بحكم أنها جزء من الحياة. والذي أراه أن الرسالة الإعلامية ما لم تدعمها وقائع في المجتمع وفي الممارسة اليومية يصبح تأثيرها ضعيفاً. الخطورة تكمن في الطابور الخامس الذي يُسوِّق ما تبثه وسائل الإعلام، فإذا ما سَوَّقتْ وسائل الإعلام للحياة الأمريكية ثم خرجتَ إلى الحياة فوجدت (ماكدونالد، وويمبي، وكنتاكي، وكوكاكولا) فإن هذا يدعم التأثير الخارجي. الأثر الخطير لوسائل الإعلام يتأكد عندما تصبح الثقافة الأمريكية واقعاً في الحياة اليومية للناس وهذا أخطر. د. أحمد المجدوب: تسويق أنماط الحياة الغربية يتم للأسف عبر قنواتنا المحلية وفي البرامج العربية، خذ لذلك مثالاً: برنامج يعرض بعد الإفطار في رمضان يستضيف الممثلين والممثلات: استضاف ذات مرة إحدى الراقصات فسألتها مقدمة البرنامج: كيف وصلت إلى ما وصلت إليه من مجد؟ قالت: (أنا هربت من أسرتي وأنا عمري ١٢ سنة، ومارست حياتي حتى وصلت وأصبحت فلانة صاحبة الشهرة والملايين) . قفز إلى ذهني بحث كنت قد أجريته عن ظاهرة الهروب من الأسرة من قبل، فلما أعدت البحث في الظاهرة من جديد وجدت أن رقم الهروب قد زاد بنسبة ٣٠% في الإناث في الشريحة من ١٢ - ٢٠ سنة. ثم سألتها المذيعة: أنت تزوجت ٣ مرات رسمياً و ٤ عرفياً؟ فقالت: (لا بل ٤ رسمياً و ٧ عرفياً) هكذا في رمضان! ! ثم سألوا أخرى عن عدد مرات الزواج فقالت: ٤ رسمياً أما العرفي فلا أعرف له عدداً، فسألوها: ولماذا كل هذا العدد؟ يبدو أن العيب في الرجال! قالت: (لا! إن العيب في نظام الزواج؛ لأنه نظام بالٍ متخلف عفاه الزمن!) . ثم لما اعترضنا للوزير على البرنامج، خاصة في التوقيت الذي يذاع فيه (رمضان) ، كان الجواب هو استضافة الشخصية نفسها في العام التالي على حلقتين وكان عنوانها: (سر التفوق) ! ليرسخ في أذهان البنات أن الأسرة قيد، والحل هو الهروب. وللأسف! فإن المجتمعات أصبحت تسبح فوق بركة آسنة؛ لأن الاتجاه الرسمي يريد ذلك، ثم نسأل لماذا كثُر الشذوذ؟ ونشكو من الزواج العرفي (الزنا المقنن) ؟ لقد رصدتُ - بصفتي باحثاً في هذا المجال - عدة أمراض اجتماعية خطيرة ظهرت أخيراً. منها: - زنا المحارم الذي أصبح ظاهرة في بعض المجتمعات الإسلامية، وهو يعني انهيار كيان الأسرة التي كانت مقدسة. وجدت أن في إحدى الدول ١٢ ألف قضية إسقاط نسب، أي ١٢ ألف لقيط (قنبلة موقوتة داخل المجتمع) . - ظاهرة اللواط والزنا الجماعي والاغتصاب الجماعي التي انتشرت مع ثقافة الجنس الوافدة التي تبثها بعض القنوات والتي اشتهر بها عبدة الشيطان. هذا إلى جانب المخدرات وحوادث العنف التي تزايدت معدلاتها. البيان: اتفقنا يا دكتور حمدي على وجود الطابور الخامس، واتفقنا على خطورة الإعلام العربي كذلك؛ فما هي الأخطار المحدقة التي يمكن أن تتوقعها للبث الفضائي الأجنبي في عالمنا الإسلامي بصفتك متخصصاً؟ د. حمدي حسن: هناك عدة مخاطر تتمثل في: - أثر هذه القنوات في تشكيل الأطر الفكرية التي سيعملها الفرد في التكامل مع الواقع أو تفسيره من خلال تأثيرها التراكمي الذي يبني خلفيات التفكير. هذه الأطر تصبح بمرور الوقت بمثابة الشاشة التي يسقط عليها واقعه؛ وعليه تصبح معاييره غير مستمدة من ثقافته. - كذلك تعرضه لرسائل أجنبية تولد لديه شعوراً بالنقص حينما يرى واقعه مخالفاً لتلك الصورة المنقولة إليه عن العالم الخارجي، فيعتقد أن الآخرين هم الأفضل. فهناك (السوبرمان) وهنا التخلف والعجز، والأخطر من ذلك أن يرد هذا التخلف إلى الثقافة السائدة أو الدين. وهذا ما حصل في فترات الاتصال التي حصلت بين المسلمين والغرب. - الخطورة الثالثة: أنه سينسلخ من أمته شيئاً فشيئاً، أي يصبح تابعاً منتسباً لغيرها؛ ليس فاعلاً معها؛ بل فاعلاً في مصلحة غيرها وربما ضد مصلحتها. وللأسف! فإن الواقع الموجود حالياً يدعم دور وسائل الإعلام الأجنبية. البيان: ماذا عن هذا الواقع الإعلامي العربي؟ نود لو أخذنا لمحة عن مفرداته! د. حمدي حسن: بعد حرب الخليج حصل انفجار سرطاني للقنوات الفضائية العربية؛ حيث دعيت الدول الإسلامية إلى وليمة في الفضاء فذهبت، وبالعقلية العربية! سعت كل دولة إلى تملُّك قناة فضائية، وإذا بها تفاجئنا بـ ١٦ أو ٢٠ ساعة من الإرسال يومياً دون قاعدة برامجية وكان الحل - فيما ارتأت - أن لجأت إلى مزيج رخيص من البرامج - أنا أسميه (إعلام السوق) ؛ مذيعة تفتح الميكرفون مع الجمهور ثم تقطع بوصلات غنائية! ومن ناحية أخرى تقوم بإعادة ١٢ ساعة من الإرسال حتى حفظ الناس البرامج، أما النسبة الباقية فيتم تغطيتها عن طريق الاستيراد. هذا المزيج مضر جداً بالعقلية المسلمة؛ لأنه يخدّر مقدرتنا على الإحساس بالواقع بدلاً من محاولة تفهمه، وبنظرة بسيطة وسريعة إلى برامج الوقت الممتاز - ذات الإقبال الكثيف - نجد برنامجاً اسمه: (ليلة مع فلانة) ما معنى هذا المسمى؟ ثم تخرج امرأة شابَّة عارية تتحدث إلى الشباب؛ ومن هنا تتبدى مفردات المشكلة: ضعف.. إعادة وتكرار.. استيراد. البيان: وأين النهضة الإعلامية التي يكثر الحديث عنها؟ ! د. حمدي حسن: لدينا في العالم العربي ٢٠٠ ألف ساعة برامجية للتلفزيون في العام لا يمكن توفيرها لوجود توزيع غير متكافئ؛ حيث إذا وجد المال فلا توجد قطاعات فنية، وإذا وجد الفنيون فلا تتوفر القدرة على الوفاء بالاحتياطات فيلجأ المسؤولون إلى ملء هذه الساعات بكلام يضر أكثر مما ينفع، فإذا كانت قدرتنا لا تفي بربع المطلوب فعن أي نهضة يتحدثون؟ البيان: ولماذا لا تتكاتف الجهود من أجل تطوير الإعلام الهادف؟ د. حمدي حسن: هناك تفكك وعدم تنسيق بين القنوات الفضائية العربية؛ لأنها لم تستطع أن تتحرر من النظرة القطْرية والسياسات الداخلية المرسومة. كانت هناك محاولات لإيجاد صيغة للتعاون بين الإذاعات العربية مرة، وبين الصحافة العربية مرة، وبين التلفزيون العربي ووكالات الأنباء العربية؛ ولكن لم يحدث أي تحرك في أي اتجاه، حتى وكالة الأنباء الإسلامية تمشي الهوينى. وكانت هناك محاولة لإنتاج برنامج عن الحضارة العربية تحت إشراف الجامعة العربية تقليداً للاتجاهات الأوروبية في صناعة الإعلام المشترك، ولكن نتيجة لاختلاف الدول على حصتها من مساحة البرنامج؛ وُئد المشروع قبل أن يولد! البيان: إذن يفهم من تقييمكم أن دور الفضائيات لم يكن على المستوى المطلوب؟ د. حمدي حسن: هناك بعض القنوات حققت بعض النجاح في اجتذاب المشاهد العربي؛ لكن النظرة المحلية ما زالت هي المسيطرة، هذه القنوات تخسر! ! والسؤال الذي ينبغي الإجابة عنه هو: لحساب من تخسر؟ ! هذه القنوات - نتيجة لتوجهاتها الداخلية - قد عرّضت اللغة العربية لتشويه غير مسبوق في تاريخ الإعلام كله! هذه اللغة يتم تشقيقها الآن في الفضائيات العربية وهذا راجع إلى تناحر الثقافات الفرعية داخل الثقافة العربية مما يؤدي إلى قتل لغة التفاهم. البيان: تشبيه التوسع الفضائي العربي بالانفجار السرطاني له مغزاه ودلالته. فما الذي يمكن أن يصيب الجسد الإسلامي في زحمة هذا التكاثر الفضائي؛ سواء منه العربي أو الأجنبي؟ د. حمدي حسن: هناك ظاهرتان - على الأقل - خطيرتان على المجتمع الإسلامي نحن نشهدهما الآن وستزيدان في المستقبل القريب: الأولى: النوعية التي تحدثها كثرة القنوات بالجماهير ستُظهر ما يعرف بـ ... (المواطنة التلفزيونية) بمعنى: أني أنا، وشخص من الهند، وثالث من البحرين، ورابع من المغرب، وخامس وسادس نشاهد جميعاً قناة واحدة ستصبح معاييرنا واهتماماتنا واحدة؛ رغم بُعد المسافات بيننا، وهذا أمر خطير على المدى البعيد؛ ليس من ناحية الوحدة فقط؛ وإنما من ناحية التركيبة النفسية والثقافية. الثانية: وهي تجزئة أيضاً ولكن بسبب مورد المعلومات اليوم؛ فالمعلومات أصبحت سلعة أو قوة يسيطر عليها اليوم مثلث قاعدته الولايات المتحدة وضلعاه أوروبا واليابان. هذا على المستوى الدولي. أما على مستوى الأفراد داخل المجتمعات فمشكلة العالم الإسلامي أن ثلاثة أرباع السكان - على الأقل - ليس لديهم القدرة على الوصول إلى المعلومة، وأكثر من لديهم هذه القدرة لا يمتلكون مهارات تمكنهم من الاستفادة بهذه المعلومات. هذا الأمر أحدث فروقاً أخرى داخل المجتمع المسلم. هذه الفروق في زيادة، وستزيد! فإن لم نُعدّ المجتمع لعصر المعلومات فستفاجئنا كوارث داخلية ربما تطرق بابنا بين عشية أو ضحاها؛ لأن التطورات التقنية قد طوت كثيراً من المراحل واختصرت مسافات الزمن في لحظات. د. أحمد المجدوب: حَجْبُ المعلومات جريمة تشارك فيها العديد من الجهات الرسمية اليوم، وأنا بصفتي باحثاً تُغلق دوني الأبواب رغم أهمية المعلومات والأرقام في وظيفتي؛ لأن الجهات الرسمية تخشى من الإدانة والاتهام بالتقصير؛ فتغطي ذلك بحجب المعلومة. د. حمدي حسن: الاتجاه الأخطر الآن ما يسمونه: (تسفيه المعلومة) من خلال تزييف إحساسنا بها؛ فيعطيك كلاماً فارغاً بصورة علمية، ويوهمك أنها معلومات؛ فيصيبك نوع من الاستخفاف بها، فإذا ما جاءت المعلومات الحقيقية لم تُلقِ لها بالاً! البيان: إذا اتفقنا على أن الواقع غير مؤهل لمواجهة تحديات القرن القادم فكيف نصل إلى إعلام فاعل في مواجهة الغزو؟ وما هي نقطة الانطلاق؟ د. حمدي حسن: أرى أن نقطة البداية في مواجهة ما نسميه غزواً تبدأ من تحرير هياكل تمويل وسائل الإعلام خاصة التلفزيون؛ لأن الملكية الحكومية تسببت في الأداء المترهل للإعلام سواء من جهة ضعف الإمكانات المادية؛ حيث إن الدول عجزت عن دعم تلفزيوناتها نحو التطور رغم لجوئها للإعلانات باعتبارها مصدراً للتمويل، أو من جهة ضعف الخبرة البشرية والتقنية التي تدور في فلك الأداء الحكومي. خذ على سبيل المثال: التخلف في الأداء الإخباري في العالم الإسلامي؛ فقد زاد من الإقبال على إذاعة لندن. وزراء الإعلام العرب يتحملون مسؤولية إنصات ١٠٠ مليون مستمع يومياً لهيئة الإذاعة البريطانية تفعل بهم ما تشاء! البيان: وكيف تتحقق عملية تحرير هياكل التمويل؟ د. حمدي حسن: يمكن تحقيق ذلك بإيجاد صيغة من الملكية المشتركة بين الحكومات والقطاع الخاص ضماناً لتوفير الأموال اللازمة لتطوير هذه الوسائل؛ لتواكب متغيرات العصر؛ لأن الإعلام أصبح صناعة تحتاج لضخ متواصل لرؤوس الأموال، وتحتاج لنفس طويل؛ لأن الإعلام صناعة تتحمل خسائر كبيرة في بدايتها. وهذا أمر لا تتحمله إلا الشركات الضخمة. على سبيل المثال: محطة (CNN) التي بدأت في عام ١٩٨٢م استمرت تخسر (٤ سنوات) ولقوة الشركة المالكة استطاعت أن تصبر حتى اكتملت دورة رأس المال، وحققت أرباحاً. كذلك صحيفة (يو إس تودي) بدأت عام ١٩٨٦م وخسرت ٥٠٠ مليون دولار؛ واليوم هي أول صحيفة في العالم. وإذا كنا نحتاج إلى قنوات تغطي العالم الإسلامي فهذا يعني حاجتنا إلى إمكانات ضخمة وشركات عملاقة تستطيع دراسة احتياجات مناطق العالم الإسلامي المختلفة من البرامج للوفاء بها. ونحتاج إلى تكامل بين تخصصات الإعلام المختلفة؛ فالشركات العملاقة اليوم تمتلك كل مقومات إنتاج الإعلام: من شركات إنتاج برامجي، وصحف، وشركات اتصالات، وشركات إنتاج معدات، و.... ولأن بعض هذه الأنشطة يخسر فتستطيع تعويضه من فوائض أرباح الأنشطة الأخرى، وإذا كانت الحكومات لا تستطيع ولا تملك القيام بهذه الأنشطة فعليها أن تفتح الباب أمام الاستثمارات في مجال الإعلام. البيان: وهل يمكن أن تستجيب الحكومات لهذا الأمر؟ د. حمدي حسن: الحكومات لم تستوعب بعد ضرورة هذا الأمر، ولم تستوعب كذلك أن عليها أن تستجيب بصورة إيجابية للمتغيرات العالمية في هذا المجال. للأسف! ستصل الحكومات إلى هذه القناعة؛ ولكن - كعادتنا دائماً - نصل متأخرين. أنت اليوم في وكر الأفاعي، إما أن تكبر وتصارع أو تموت (To Grow Or To Die) . التضامن المالي أصبح ضرورة، والجمهور العربي أصبح أكثر وعياً ونضجاً، وصوته أعلى من ذي قبل، وأتوقع أنه في المستقبل ومع انسحاب الدول من إحكام قبضتها على النشاط الاقتصادي سيعقبه - ولو على فترات أطول - تخفيف قبضتها في عالم السياسة والإعلام، وبذلك ستضطر إلى نوع من الإنتاج المشترك. البيان: ولكن نسمع عن مشروعات اقتصادية مشتركة بين بعض الدول الإسلامية والعربية؛ فلماذا لا ينسحب الأمر على مجال الإعلام؟ د. حمدي حسن: لأن الدول العربية متخوفة بعضها من بعض؛ فبينما لا نجد في العالم كله مجموعة لغوية لها من السمات المشتركة ما للمجموعة الإسلامية والعربية نجد أن المال ليس له جنسية إلا في العالم العربي. بمعنى: أن هياكل تمويل الإعلام تظل وطنية صرفة حتى في الفضائيات. أما الاستثمارات المشتركة فيمكن أن تجدها في مجال السياحة أما في الإعلام فلا! وإن وجدت في الإعلام فمع دول أجنبية. العقلية العربية ما زالت لا تدرك أن التكتلات اليوم هي لغة العصر، وأنها هي التي تسيطر على صناعة الإعلام. قاعدة: (Bigger is Better: المجموعة الأكبر هي الأفضل) هي التي تحكم العالم كله! د. محيي الدين عبد الحليم: في رأيي أن مفتاح الحل في إيجاد عمل إعلامي إسلامي متميز وقوي، هو وجوب ارتباط وسائل الإعلام بمرجعية منظومية تراعي ثوابت أمتنا الإسلامية ولا تتعداها، وتتحرك في المتغيرات وفق الضوابط الاستراتيجية التي تخدم مصلحة الشعوب الإسلامية. هذه المرجعية لا بد من بلورتها وغرسها في القائمين على الإعلام ليخدموا الأهداف العليا للإسلام، وبذلك ينعكس هذا على البرامج التي تكسب المتلقي في النهاية المَلَكة الانتقائية التي تحتكم إلى ثوابت في عملية القبول أو الرفض لما يعرض عليه. د. أحمد المجدوب: قبل أن نناقش قضية المرجعية علينا أن نناقش مسألة التبعية؛ لأن الإعلام لدينا تابع للنظم. ثم كيف نحيي مسألة النقد والقدرة على الانتقاء، والإعلام اليوم يُوجِد مُشاهِداً ذا اتجاه واحد غير مثقف ليس لديه أي قدرة على النقد؟ ! كما إن الظروف التي نعيشها تمنعه أن يعلن عن قوله؛ لأن المجتمع يملي عليه كل شيء؛ وهذا الجهاز يستخدم كي يملي الاتجاهات الرسمية حسبما تكون، وهذا أوضح ما يكون في الاتجاهات التي تسعى لعزل الدين عن الحياة؛ إذ نجد مسلسلات لا يذكر فيها اسم الله، ليس فيها ما يمت للأخلاق الإسلامية بصلة، والحلول كلها مستندة إلى الأخلاق الوضعية..! ! علينا أن نراجع عملية التربية السياسية التي ترسخ للتبعية القطْرية لا للمرجعية. د. محيي الدين عبد الحليم: هناك عامل آخر لإنجاح الإعلام الإسلامي هو النهوض بالعقلية الإعلامية العربية من خلال خطط متكاملة: من مناهج دراسية، وبرامج تدريب، وتنمية مهارات، وتشجيع على الإبداع والابتكار، وتحويل المناهج النظرية التي تدرس في كليات الإعلام إلى مناهج عملية تطبيقية، وإنشاء بنوك معلومات لتثقيف الإعلاميين ومدهم بالمعلومات. كما إن علينا أن نرتقي من الناحية الإدارية في إدارة المشروعات الإعلامية بطريقة علمية عملية مدروسة. والدور في هذا النهوض موزع بين كليات الإعلام العربية وبين إدارات المشروعات الإعلامية. د. أحمد المجدوب: هناك جانب غاية في الأهمية هو إحياء دور الدين في حس الإعلامي، وإعادة النظرية الأخلاقية لتحكم السلوك الإعلامي؛ لأن السلوك الإعلامي متأثر بالغرب إلى حد الفتنة به. للأسف! نحن نقلد الغرب في تفاهة الفكرة ولا نستفيد منهم كثيراً في طريقة الأداء والإخراج. د. محيي الدين عبد الحليم: ما زالت فكرة الإعلام الإسلامي تحتاج إلى مزيد من الدراسات والأبحاث التي تنظر لهذه الفكرة وتصبها في قوالب عملية ناهضة. د. أحمد المجدوب: في رأيي أن السبيل إلى ذلك يأتي عن طريق دعم القنوات الفضائية الإسلامية والعربية الجادة، ومخاطبة المسؤولين عنها؛ لأن لديها نوعاً من الحرية وهي التي يمكن أن تؤدي دوراً فاعلاً في تثبيط الهيمنة الغربية. لدينا العقليات المبدعة، ولدينا رؤوس الأموال لو فهم أربابها، ولدينا مقومات الإنتاج، وتبقى مسألة التقنية وهي مسألة يسهل التغلب عليها. د. حمدي حسن: الحق أننا نشهد للقنوات الفضائية العربية بأنها استطاعت أن تجتذب طائفة عريضة من المشاهدين بعيداً عن الفضائيات الأجنبية. ولنذكر على سبيل المثال: قناة الجزيرة في مجال البرامج الحوارية، وقناة MBC في المجال الإخباري، هذه القنوات يمكن بمزيد من الاستثمار والدعم أن تحقق نتائج مبهرة. د. محيي الدين عبد الحليم: إذا أردنا أن نتحدث عن الدور الفاعل لهذه القنوات فعلينا أن نفكر بجدية في إنشاء قنوات تربوية وتعليمية وثقافية واجتماعية. وهي إن وجدت وتغلبت على المشاكل الحالية فستؤدي - بإذن الله - دوراً ناهضاً، ربما نجني ثماره في غضون سنوات قليلة. د. أحمد المجدوب: صناعة الأخبار ما زالت إلى الآن معتمدة إلى حد كبير على الوكالات العالمية التي تتلاعب في الصياغة بما يخدم مصالحها. د. حمدي حسن: بدايةً هذا دور وكالة الأنباء الإسلامية، وهي شديدة التعثر نتيجة للخلافات ويكاد دورها أن يكون مجمداً. لكن هناك بعض التلفزيونات التي تعتمد على مراسليها في العالم كله، والذين يستقون المعلومات بأنفسهم؛ وهذه كانت من فوائد حرب الخليج إن كان لها فوائد. د. محيي الدين عبد الحليم: حتى نضع الأمر في نصابه الصحيح فلا بد من الإشارة إلى أن وسائل الإعلام لا تنفرد بالتأثير إلا إذا كان هناك عوامل أخرى تدعمها؛ ففي ظل الظروف الطبيعية فإن تأثير الإعلام لن يكون أقوى من تأثير التعليم؛ لذلك فلا بد من إصلاح التعليم؛ ليقوم بدوره في التنشئة الإسلامية. هناك أيضاً دور الأسرة التي عليها العبء الأكبر في عملية التأثير؛ فإن إحدى الدراسات تقول: إن الولد قبل أن يبلغ أربع سنوات تتكون لديه ٥٠% من شخصيته. كذلك مؤسسات التنشئة الاجتماعية والشرعية ومنها (المسجد) الذي لا بد من إعادة دوره، حتى لا يقتصر دوره على إقامة الصلوات والعبادات. المسجد له دور شامل باعتباره مؤسسةً دعوية إعلامية تربوية ضخمة جداً، ويمكن أن يؤدي دوراً كبيراً في المجتمع، وليأخذ بيد الشباب الضائع ويغرس فيهم المعاني الفاضلة. ولا بد من تفصيل دور الدعاة، وهذا له تأثير كبير جداً. ولي دراسة عن خطبة الجمعة وأثرها بينت فيها أن أثرها أقوى بكثير من كل وسائل الاتصال الجماهيري، ومن هنا فإن علينا أن نركز على دور الداعية، وعلى بنائه العلمي والتربوي والفكري والثقافي. د. أحمد المجدوب: دور المنبر ألغي في بعض الدول، وصودرت كلمته، أما الأسرة فمفككة لا تقوم بدورها، والتعليم من سيئ إلى أسوأ! د. حمدي حسن: في رأيي أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له العالم الإسلامي من مصادر لتكوين الفكر هو التعليم والوعظ الديني، وأعتقد أن تجربة الربع الأخير من هذا القرن أثبتت أن المنبر الخشبي هو الذي استطاع أن يقف أمام رسالة وسائل الإعلام. د. أحمد المجدوب: لذلك نرى ما يحدث له اليوم من مصادرة. وغياب هذه المنابر يجعل دور وسائل الإعلام أخطر وأقوى. أما الأسرة فالذي يحدث لها خطير بكل المقاييس! أضرب لكم مثالاً من واقع عملي يبين أثر غياب الأسرة والدين من حياة الفرد: في أحد اللقاءات مع شباب الجامعة بحكم طبيعة عملي سألت أحد الطلبة: هل رأيت (......) (فيلم إباحي مشهور بين الشباب!) ؟ - رد بسخرية: هذا قديم جداً..! من خمس سنوات! - قلت: ماذا يوجد الآن؟ قال: بعد الندوة أخبرك! - قلت: هل تطلع على المواقف الإباحية على الإنترنت؟ - قال: نعم! - قلت: بمفردك، أم معك أحد؟ - قال: كل زملائي - الشلة - يشاهدونها معي! - قلت: وأين الأسرة؟ ! - قال: والدي رجل أعمال لا أراه إلا نادراً. - قلت: ووالدتك؟ - قال: هي سيدة مجتمع.. مشغولة في اللقاءات، والزيارات، والحفلات. - سألته: هل للدين دور في حياتك؟ - مندهشاً: من أي ناحية؟ - قلت: هل تصوم؟ - قال: كلنا نصوم (يعني أنها عادة) ! - قلت: هل تصلي؟ - رد: بصراحة ... لا! ! - قلت: والدك يصلي؟ - رد: لا! - قلت: والدتك؟ - رد: لا! - حاول أن يسوِّغ فقال: يا دكتور الدين ليس مادة إجبارية. - هل تسمع الأغاني الأجنبية؟ - دائماً أسمعها. - هل فكرت مرة في الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم؟ - أين هذه؟ قلت: هل تسمع أن هناك تعدداً ثقافياً؟ قال: نعم! قلت: ماذا يعني؟ قال: يعني أن لدينا ثقافة وأمريكا لديها ثقافة، واليهود لديهم ثقافة. قلت: وأي ثقافة تفضل؟ قال: الأمريكية طبعاً! ! قلت: والثقافة العربية ماذا بها؟ - منفعلاً ومتجهاً لمن حوله: قولوا للدكتور ماذا بها ... (تدعو للتخلف) ! فضجت القاعة بتصفيق بعض الطلاب ممن على شاكلته! بمعنى أنه ليس رأيه وحده ولكنه رأي يحمله آخرون! هذا نموذج كاف لبيان أثر غياب الدين والأسرة في ظل الواقع الذي نحياه؛ فلا خطوط دفاع أمامية ولا خلفية، بيت متهاوٍ.. منبر معطل.. إعلام لا يحسن أدواره المطلوبة، إذا لم تسأل عن هذه فلا تسأل عما سواها! د. محيي الدين عبد الحليم: في هذه الظروف أؤكد على دور الداعية ... الداعية هو الذي يملك تحريك المناعة الاجتماعية. د. حمدي المجدوب: الداعية في حاجة لرفع مستواه الاقتصادي؛ لأن كثيراً من الدعاة - لفقرهم - لديهم شعور بفقدان الكرامة، ولذلك هم غير قادرين على القيام بدورهم. د. حمدي حسن: الداعية صاحب رسالة وعليه أن يتحمل شظف العيش والشدائد في سبيل دعوته. الإسلام اليوم في حالة مد في الغرب منذ السبعينيات، ولم يعد هناك مدينة في العالم إلا وقد دخل فيها كثيرٌ الإسلام، وأغلب من قام بهذا الدور دعاة خرجوا محتسبين؛ لكن الداعية في حاجة إلى الارتقاء فعلاً في مجال العلوم الإنسانية الذي تُكسبه ملكة التأثير لكي يرقى إلى مستوى تأثير مقارب لوسائل الإعلام؛ فعليه الاهتمام بهذه العلوم: كعلم النفس، والاجتماع، والتسويق الذي يقوم على التشويق والإثارة والإقناع وأمثال ذلك. البيان: يا دكتور حمدي نحن نوافقك في التأكيد على تحمل الداعية لأمانة رسالته بتكاليفها؛ لكن في الوقت نفسه نؤكد على وجوب رعاية المجتمعات والحكومات للدعاة باعتبارهم من صلب النخبة الحقيقية التي تسعى للنهضة لا باعتبارهم هامشيين، والعمل على إشعار الناس بأهميتهم. د. محيي الدين عبد الحليم: إذا تكلمنا عن الدعاة والنهوض بهم فعلينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من الحاضر. لا بد من تشكيل دعاة المستقبل تشكيلاً صحيحاً فاعلاً عن طريق إعادة النظر في معايير القبول في كليات الدعوة؛ من حيث الذكاء والنبوغ وملكات التحصيل والتأثير، وتحمل المسؤولية وبالنسبة للمناهج وأساليب التدريس فلا بد من تكميلها بما يتلاءم مع مستجدات العصر. د. حمدي حسن: ما زلنا نفتقد الداعية الذي يجيد التأثير في الناس بمضمونه وأسلوبه في البرامج الدينية، وللأسف! فإن هذه البرامج تستخدم أسوأ لغة فنية مع أننا متفقون أنها أفضل ما يُقدَّم. نحن بحاجة إلى داعية يستطيع أن يحرك العقيدة في المجتمع، وينقلها من إطارها النظري إلى واقع فاعل في حياة الناس. الأوربيون عندما هاجروا إلى أمريكا وحملوا معهم البروتستانتية استطاعوا أن يحولوها إلى عقيدة عمل؛ فإذا كان ديننا ديناً شاملاً وكاملاً فلماذا يقف الدعاة عند حقائق ما تحت الأرض وفوق السماء ولا يربطونها بحياتهم؟ إننا أصبحنا نشكو من ضعف الإنتاجية الإسلامية وقلة عطائها، والدعاة يتحملون جزءاً كبيراً من هذه التبعة. د. أحمد المجدوب: للأسف! فإن الشباب اليوم يجيدون الهروب إما إلى البانجو والمخدرات أو إلى الشذوذ، وعلى أحسن حال إن تمسك بدينه فإنه يهرب من واقعه؛ لأنه جرب ورأى رأس الذئب الطائر! البيان: وماذا عن دور الإعلام المنتظر في خدمة العالم الإسلامي بمجمله وخاصة الشعوب التي لا تعرف عن الإسلام كثيراً؟ د. حمدي حسن: إذا أردنا أن يكون لنا موقع عالمي حقاً فعلينا أن نُفعِّل دور الإعلام في التواصل مع الشعوب المسلمة غير العربية. خذ لذلك مثلاً: بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واستقلال الجمهوريات الإسلامية في آسيا التي عاشت فراغاً دينياً رهيباً دخلت القوى الداعية إلى المنطقة، وهي: تركيا وهدفها ليس دينياً وإنما لبعث القومية التركية في هذه الدول؛ لأنها تعتبرها امتداداً تاريخياً لها، وإيران تراهن على الأقلية الشيعية لدرجة أن طاجيكستان قبل الانقلاب الأخير كانت النشرة الرسمية للتلفزيون الإيراني تذاع هناك، وأمريكا وروسيا لهما مآرب أخرى. ومع أن هذه الدول امتداد طبيعي للعالم الإسلامي، ورصيد استراتيجي كبير نجد أن القنوات المنشأة إما تركية أو إيرانية. أما العربية الإسلامية فلا! ! فإن لم نتمكن من إقامة قنوات موجهة إلى هناك فباستطاعتنا أن نمدهم - ولو مجاناً - بالبرامج الإسلامية والثقافية العربية التي ترسخ انتماءهم وتكرس للتواصل معهم. وهنا أوكد على أهمية إنشاء شركات إنتاج برامجي متخصصة تقوم بتسويق إنتاجها بين القنوات العربية. البيان: وماذا عن الأقليات الإسلامية من حيث الدور المطلوب منهم أو تجاههم؟ د. محيي الدين عبد الحليم: الأقليات الإسلامية وبالذات في أوروبا وأمريكا يمكن استثمارها في نشر قضايا الإسلام. الأقلية الإسلامية في الولايات المتحدة أكبر من الأقلية اليهودية إلا أنها أقل فاعلية نتيجة لتشتتهم وتفرقهم واختلافهم. لو نجحت هذه الأقليات في توحيد أدائها فيمكن أن تؤدي أدوراً مهمة منها: الدعوة إلى الإسلام داخل المجتمعات التي تحيا فيها، وتقديم الإسلام بصورة مشرقة، وإزاحة ستار الجهل والتعصب والعداء الذي يحول بين الغربيين والإسلام. الإسلام يمتلك قوة ذاتية في حقائقه وعقائده ومنهجه، ويمتلك قوة في معالجة مشاكل الإنسان التي استفحلت هناك. والإسلام في حالة تمدد رغم الضرب والتضييق الذي يتعرض له المسلمون من كل جانب. وهناك ما هو أعظم تأثيراً من ذلك وهو: إنشاء محطات تلفزة موجهة يمكن أن تخدم المسلمين هناك؛ بل ويمكن توجيهها إلى العالم كله. ويمكن الاستفادة من ثورة الاتصالات والتقنية في استمداد الكفاءات اللازمة لتغطية مساحات الإرسال ببرامج هادفة ونافعة. وجانب ثالث يمكنهم أن يخدموا من خلاله أمتهم؛ وذلك بنقل التقنيات اللازمة إلى الشعوب الإسلامية مساهمةً منهم في النهضة العامة؛ لكن علينا أن نوجه إليهم فضائيات تسهم في لَمِّ شتاتهم ووصلهم بحضارتهم وأمتهم.

стр. 3155

قضايا دعوية التخصص ألم يحن وقته بعد ؟ محمد بن عبد الرحمن الزامل الدعوة لله ربنا، لإخلاص العبادة له، والذب عن إسلامتا، والغيرة عليه، والتضحية في سبيل ذلك كله.. . تلك سمات نرجو أن توجد في المسلمين عموماً، ويتحدد الرجاء للشباب منهم خصوصا. لكن: هل توفرت هذه الصفات في أحدنا، أو في مجموعة منا؟ الواقع ينطق بأن فينا - ولله الحمد - من هؤلاء كثيراً يحقق بعضهم الأهداف التي صاغوها لأنفسهم، ويخفق بعضهم الآخر. ما مرد هذا الإخفاق؟ لا يمكننا الإجابة عن هذا التساؤل بمجموعة قليلة من الكلمات، وبلحظات قصيرة من التأمل؛ فالإخفاق والنجاح، لا يزالان مصدر القلق الرئيس للإنسان منذ وضع قدميه على الأرض: الإخفاق والنجاح في الاقتصاد، الإخفاق والنجاح في التعليم، وفي العمران، وفي الرراعة، وفي العلاقات، وهو في كل شيء وارد، لكن مع التعاون والعمل الفعال تقترب النتائج من النجاح. والبحث الجاد عن مثل هذه الإجابة يتطلب شخصيات ومجموعات كثيرة تكون قد مارست هذا العمل، أو على أقل تقدير اطلعت عليه واحتكت به، ومع هذا فليس من الضرورة أن يكون كل ما تتوصل إليه إجابات وافية لا مرية فيها ولا نقاش حولها؟ فالحكم - أولا وأخيراً - لميدان العمل التنفيذي وما يمدك به من تقارير واستبانات تضع يد الطبيب على مكمن الداء، ومن دراسات لتجارب سابقة تفيد منها وتبني عليها. غير أن هذا كله لا يعني أن محاولة تسليط الضوء على تساؤلنا، وتجلية غامضه يعد خطيئة، ولو عد كذلك فهو بالتأكيد ليس خطراً؛ فهي مجرد كلمات تلقى، ويتلقاها أرباب العمل، فينظرون ما فيها من حق ليأخذوه وما فيها من زلل ليقوموه. ومن الأسباب التي لها أثرها القوي في إضعاف الفاعلية وفي إعاقة إحراز النتائج المطلوبة عدم التخصص، فترى أحدنا قد اشتغل بالعلم والتعليم والتدريس والمدارسة، يجود ذهنه بفكرة تجول في خاطره وتسيطر عليه، يرى أن لها مردودا عظيما ونفعا كبيرا إن هي طبقت، فينقطع اهتمامه عما هو عليه أولاً، وعما كان منشغلاً به، وكاد يعطي أكله، وينصرف إلى مشروعه الجديد. ولأن كل عمل يمكن السيطرة عليه وإيقافه تماماً إلا العمل الذهني فإن أفكارا ستستمر في الظهور، وسيستمر هو معها في التنقل، فيشرع في مشروع تلو آخر دون أن يعطي كلا حقه من الاهتمام والمتابعة، لتمسي هذه المشاريع فريسة سهلة للإخفاق، والمشروع الدعوي له صفة خاصة: إن لم ينبت ثماراً طيبة فلا بد أن يترك نتاجا سلبيا قد نحتاج إلى طاقات أخرى تتحرك لعلاجه. هل هذه دعوة لعدم التفكير، أو قتله (برصاصة الرحمة) ؟ لا.. . إنما هي دعوة للتخصص ينهض بها على ضوء ثلاثة مقومات: ١ - إن كل مشروع - مهما كان نوعه - مفتقر إلى من يتفرغ له في أيامه الأولى، حتى يلج مرحلة النضج والاعتماد على الذات، وقد لا يحتاج إلى جهود عملية كثيرة، ولكنه - بلا شك - بحاجة إلى اهتمام وتركيز ذ هني لا يتوفران لمن يتشتت قي أكثر من اتجاه، وتكمن أهمية التركيز الذهني في أن أخطر انحراف يعتري المشروع ما يكون من نقطة البدء، فهو كفيل بتغيير الأهداف ذاتها، ولذا فإن على راعي المشروع أن يتيقظ وينتبه إلى السلبيات التي تطرأ، ويحاول معالجتها بالحال، ويلاحظ الإيجابيات ويهتم بترسيخها وتنميتها وتحسينها، وبالطبع فإن هناك مشاريع تحتاج إلى جهود عملية وتخطيطية ورقابية كثيرة. ٢ - حتى في حال توفر الفكرة فهذا لا يستلزم أن لا يقوم بتنفيذها إلا صاحبها، أبداً.. فاستمر أنت في مشروعك، وانقل فكرتك إلى مؤهل يقوم بها ويرعاها، وليس ثم ما يمنع من الاطلاع عليها بين الفينة والأخرى للتأكد من التزام المشروع أهدافه، وسلامة سيره تجاهها؛ بل إنا لندعو إلى أكثر من ذلك: إلى قيام مجموعات تفكير لا يكون التنفيذ من مهمتها في شيء؛ بل مجرد اقتراح الأفكار، والبحث عمن ينفذها، ومراقبة مسارها. ٣ - إذا كان هناك من استطاع أن يقوم بعدة أعمال ناجحة في زمن مضى فإن الوقت الآن قد تغير؛ فالمعلومات تزايدت وتسارعت حتى تضاربت، والتغيرات الاجتماعية والثقافية تختلف بين يوم وليلة، ومستلزمات الشخص ذاته وحاجاته وواجباته قد أصبحت تتطلب حظاً من الوقت أوفر، وكما من العناء أكبر، ودونكم تربية الأبناء وتنشئتهم نشأة صالحة مثالاً على ذلك. وإمعان النظر في أولئك النفر يبين أنهم كانوا لا يبدؤون بمشروع حتى يستوي الأول على سوقه، ويقوم بنفسه، ويقل لغوب مراقبته وتقويمه، ويوجد من يتولاه ويدير شوونه. وبعد؛ فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وهذه الكلمات لا تغني في الإجابة عن تساؤلنا، إلا أنها فكرة تبحث عمن يطورها.

стр. 3156

فتاوى أعلام الموقعين فتوى حول الرقى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والمرفق به المحضر المعد من قِبَل مندوب فرع وزارة الشؤون الإسلامية ومندوب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقصيم. والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (١٣٩- س) وتاريخ ٨-١-١٤١٨هـ وقد تضمن المحضر عدة فقرات أجابت اللجنة عنها بما يلي: الفِقْرة الأولى: القراءة على ماء فيه زعفران ثم غمس الأوراق فيه ثم تجفيفها ثم حلها بعد ذلك بماء ثم شربها؟ الجواب: القراءة في ماء فيه زعفران ثم تغمس الأوراق في هذا الماء وتباع للناس لأجل الاستشفاء بها هذا العمل لا يجوز ويجب منعه؛ لأنه احتيال على أكل أموال الناس بالباطل، وليس هو من الرقية الشرعية التي نص بعض أهل العلم على جوازها وهي كتابة الآيات في ورقة أو في شيء طاهر كتابةً واضحةً ثم غسل تلك الكتابة وشرب غسيلها. الفقرة الثانية: مدى صحة تخيل المريض للعائن من جراء القراءة أو طلب الراقي من القرين أن يخيل للمريض من أصابه بالعين؟ الجواب: تخيل المريض للعائن أثناء القراءة عليه وأمر القارئ له بذلك هو عمل شيطاني لا يجوز؛ لأنه استعانة بالشياطين؛ فهي التي تتخيل له في صورة الإنسي الذي أصابه وهذا عمل محرم؛ لأنه استعانة بالشياطين؛ ولأنه يسبب العداوة بين الناس ويسبب نشر الخوف والرعب بين الناس، فيدخل في قوله تعالى: [وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا] [الجن: ٦] . الفقرة الثالثة: مسُّ جسد المرأة: يدها أو جبهتها أو رقبتها مباشرة من غير حائل بحجة الضغط والتضييق على ما فيها من الجان؛ خاصةً أن مثل هذا اللمس يحصل من الأطباء في المستشفيات، وما هي الضوابط في ذلك؟ الجواب: لا يجوز للراقي مس شيء من بدن المرأة التي يرقيها لما في ذلك من الفتنة، وإنما يقرأ عليها بدون مس وهناك فرق بين عمل الراقي وعمل الطبيب؛ لأن الطبيب قد لا يمكنه العلاج إلا بمس الموضع الذي يريد أن يعالجه، بخلاف الراقي فإن عمله - وهو القراءة والنفث - لا يتوقف على اللمس. الفقرة الرابعة: وضع أختام كبيرة الحجم مكتوب فيها آيات أو أذكار أو أدعية، منها شيء مخصص للسحر، ومنها ما هو للعين، ومنها ما هو للجان، ثم يغمس بالختم على ماء فيه زعفران، ثم يختم على أوراق تحل بعد ذلك وتشرب؟ الجواب: لا يجوز للراقي كتابة الآيات والأدعية الشرعية في أختام تغمس بماء فيه زعفران ثم توضع تلك الأختام على أوراق ليقوم ذلك مقام الكتابة ثم تغسل تلك الأوراق وتشرب؛ لأن من شرط الرقية الشرعية نيةَ الراقي والمرقي الاستشفاء بكتاب الله حال الكتابة. الفقرة الخامسة: شم جلد الذئب من قِبَلِ المريض بدعوى أنه يفصح عن وجود جان أو عدمه؛ إذ إن الجان بزعمهم يخاف من الذئب وينفر منه ويضطرب عند الإحساس بوجوده؟ الجواب: استعمال الراقي لجلد الذئب ليشمه المصاب حتى يُعرف أنه مصاب بالجنون عمل لا يجوز؛ لأنه نوع من الشعوذة والاعتقاد الفاسد؛ فيجب منعه بتاتاً. وقولهم: إن الجنِّيَّ يخاف من الذئب خرافة لا أصل لها. الفقرة السادسة: قراءة القرآن أثناء الرقية بمكبر الصوت، أو عبر الهاتف مع بُعد المسافة حتى يمكن القراءة على جمع كبير في آن واحد؟ الجواب: الرقية لا بد أن تكون على المريض مباشرة، ولا تكون بواسطة مكبر الصوت، ولا بواسطة الهاتف؛ لأن هذا يخالف ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ﵃ وأتباعهم بإحسان في الرقية وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) [١] . الفقرة السابعة: الاستعانة بالجان في معرفة العين أو السحر، وكذلك تصديق الجنِّيِّ المتلبس بالمريض بدعوى السحر والعين والبناء على دعواه؟ الجواب: لا تجوز الاستعانة بالجن في معرفة نوع الإصابة ونوع علاجها؛ لأن الاستعانة بالجن شرك قال تعالى: [وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا] [الجن: ٦] ، وقال تعالى: [ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم] [الأنعام: ١٢٨] ، ومعنى استمتاع بعضهم ببعض أن الإنس عظَّموا الجن وخضعوا لهم واستعاذوا بهم، والجن خدموهم بما يريدون، وأحضروا لهم ما يطلبون، ومن ذلك: إخبارهم بنوع المرض وأسبابه مما يطلع عليه الجن دون الإنس، وقد يكذبون؛ فإنهم لا يُؤْمَنُون ولا يجوز تصديقهم. الفقرة الثامنة: تشغيل جهاز التسجيل على آيات من القرآن لعدة ساعات عند المريض، وانتزاع آيات معينة تخص السحر، وأخرى للعين، وأخرى للجان؟ الجواب: تشغيل جهاز التسجيل بالقراءة والأدعية لا يغني عن الرقية؛ لأن الرقية عمل يحتاج إلى اعتقاد ونية حال أدائها ومباشرة للنفث على المريض؛ والجهاز لا يتأتى منه ذلك. الفقرة التاسعة: كتابة أوراق فيها القرآن والذكر، وإلصاقها على شيء من الجسد كالصدر ونحوه، أو طيها ووضعها على الضرس، أو كتابة بعض الحروز من الأدعية الشرعية، وشدها بجلد، وتوضع تحت الفراش أو في أماكن أخرى، وتعليق التمائم إذا كانت من القرآن والذكر والدعاء؟ الجواب: إلصاق الأوراق المكتوب فيها شيء من القرآن أو الأدعية على الجسم أو على موضع منه أو وضعها تحت الفراش ونحو ذلك، لا يجوز؛ لأنه من تعليق التمائم المنهي عنها بقوله ﷺ : (من علق تميمة فلا أتم الله له) [٢] وقوله: (إن الرقى والتمائم والتوَلَة شرك) [٣] . الفقرة العاشرة: بعض الأدعية لم ترد مثل: حجر يابس، شهاب قابس، ردت عين الحاسد عليه وعلى أحب الناس إليه؟ الجواب: هذا الدعاء لا أصل له، وفيه عدوان على غير المعتدي فلا يجوز استعماله؛ لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [٤] . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. نائب الرئيس ... ... ... ... ... ... ... الرئيس ... ... عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز عضو ... ... ... ... ... ... ... ... ... عضو بكر بن عبد الله بن زيد ... ... ... ... ... ... صالح بن فوزان الفوزان ... ... ... ... ... ...

стр. 3157

البيان الأدبي وظيفة الشعر عبد العزيز بن صالح العسكر ما الذي يستحق التسمية بالشعر: الشكل (الوزن والقافية) فقط، أم المعنى فقط أم ما اجتمع فيه الأمران؟ سؤال يدور في ذهن كل أديب، بل كل دارس للأدب، كما يرد في أذهان غيرهم من الناس. وباستقراء بعض ما قاله شعراء العربية قديما وحديثاً نجد الإجابات المختلفة على هذا السؤال، ونشير إلى عدد منها لعل فيها ما يضيف جديدا إلى ثقافتنا الأدبية، ... أو يصحح فهما خاطئاً لدى بعض الدارسين ... ويأتي في مقدمة تلك الإجابات هذان البيتان: وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا [١] هذا ما قاله حسان بن ثابت ﵁، وحسان هنا يرى أن الشعر هو عقل صاحبه! يعرضه على الناس، وليس هو الألفاظ، والقوالب الشعرية فقط؟ فالشعر - في نظره - مقياس لعقل صاحبه، فإما أن يكون كبير العقل سليم الفكر، وإما أن يكون أحمق، مضطرب العقل والفكر، وللناس أن يقولوا كلمة الفصل؟ فإن أعجبهم الشعر وهزهم لفظا ومعنى قالوا: لقد صدق، وإلا.. فلا! وحسان هو شاعر الرسول ﷺ ومن القرن الأول من المسلمين. وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث وجدنا عمر بهاء الدين الأميري [٢] يرى أن الشعر شيء آخر سوى الأوزان والقوافي والألفاظ.. إنه يرى أن الشعر: مشاعر وأخلاق وتاريخ، وهو عنده باختصار: حياة كاملة الجوانب مستوفية لمطالب: الروح، والعقل، والجسد. وفي اثنين وعشرين بيتا من الشعر يصف شاعرنا شعره، ويكشف النقاب عن ماهيته وحقيقته. واقرأ من ذلك قوله: أيها القارئون رفقا بشعري ... إن شعري مشاعر منظومة إنه أنة من الصدر حرى ... وأسى من حشاشة مكلومة إنه فطرة إلى المجد ترنو ... والى العلم والحجا منهومة إنه ثورة على كل بغي ... وانتصار لأمة مظلومة إنه آية المروءة أذكتها ... بنفسي أبوة وأمومة إنه وقدة الغريزة في جسمي ... وفيض من نزوة مكتومة ثم يقول بعد ذلك: أيها القارئون! شعري مرايا ... لسجايا صغيرة وكبيرة هو رفق، وشدة، وصلاة ... وذنوب، وخشية وعزيمة هو حلمي ويقظتي، هو لحن ... صادق، من رؤى المنى الموهومة هو روحي، أو بعض إشراق روحي ... هو نفسي مجهولة معلومة من يشأ نقده فلا ضير؛ لكن ... هو قلبي، فمن يرى تحطيمه؟ ! [٣] ويعيب صديق له شعره بأنه سهل مرقرق فيجيبه شاعرنا بقوله: ليس شعري لفظا وسبكا وجرسا ... بل شعورا فيه التعابير تغرق خفقة من حشاشة القلب حرى ... كيف يا صاحبي الوجيب يزوق؟ ! زفرات ولوعة ونشيج ... كيف يا صاحبي النحيب ينمَّق [٤] ؟ ! أما الدكتور يوسف القرضاوي [٥] فيرى أن الشعر: هو الدمع حين الأسى، والعود حين العزف؛ وليس العزف للغناء، بل التعبير الصادق في موقف الجرأة والشجاعة، وهو مع ذلك فيض خواطر الشاعر تحركها أقدار الحياة من نعماء وبأساء ورخاء وشدة: ثار القريض بخاطري فدعوني ... أفضي لكم بفجائعي وشجوني فالشعر دمعي حين يعصرني الأسى ... والشعر عودي يوم عزف لحوني [٦] وحينما يغفل أقوام عن معرفة رسالة الشعر، ويخطئ تصورهم لها، يصبح الشعر بضاعة تباع وتشترى، أو نقودا تدفع للحصول على مكسب أو غنيمة بغض النظر عن الصدق في القول أو عدمه! يقول القرضاوي: فكم سافح قد لقبوه بفاتح وكم مسرف سموه ذا الكرم الرحب وكم فاجر باغ مشوا في ركابه وسموه ليثاً وهو أدنأ من كلب إذا كان هذا ديدن الشعر في الورى فما هو إلا السم في المشرب العذب وثلة سوء ظنت الشعر معدنا يصاغ بجهد كالنحاس وكالصلب فجاؤوا به وزنا أجف من الصفا وأثقل من هجر على مهجة الصب وشرذمة أخرى سبى اليأس قلبهم ولليأس جند كم يميت وكم يسبي! إذا عرضوا للشعب قال: قنوطهم عليل قد استعصى على نطس الطب نسوا ما به من مكرمات كوامن كمون اللظى في الفحم والتبر في الترب وأيا كان الغرض من أغراض الشعر فيجب أن لا ينسى الشاعر أن له رسالة، وللشعر مهمة، فلا ينشغل بالعرض عن الجوهر، فالغزل من أغراض الشعر العربي؛ ولكنه في نظر الشاعر مرتبط تماما بدين المرء وعقله، فلا يقول الغزل لذاته فقط: وطائفة أخرى أطاعوا هواهم ... فجازوا إلى اللذات دربا إلى درب يقولون: ليس المرء إلا فؤاده ... وكيف يعيش المرء جسما بلا قلب؟ فغاصوا به في الغيد والحب والهوى كأن لم يكن في القلب معنى سوى الحب إذا لم يكن في القلب دين وهمة ... وبغض لطغيان فما هو بالقلب وقفتك يا شعري على الحق وحده ... فإن لم أنل إلاه قلت لهم: حسبي [٧] ويرى الشيخ عبد الله بن إدريس [٨] أن الشعر هو: فيض العواطف، ونبض المشاعر، وهمس الخواطر، وهو كذلك دمعة البائس، وأنة الموجع، وآهة العاثر.. وما دام الشعر كذلك فهو من العقول وإلى العقول.. ولا يحسن بالعاقل أن يجعل شعره مطية لشهواته وهواه: الشعر تبعثه العواطف، والعواطف لن تغل الشعر نبض مشاعر خلجاتها.. تحكي الشغل الشعر همس خواطر تغزو المسامع والمقل والشعر دمعة بائس ضاقت به كل السبل والشعر أنة موجع قعدت به سود العلل والشعر آهة عاثر غمر التعاسة بالأمل الشعر للعقل الحصيف إذا استنار إذا اعتدل فاصدح برأيك يا بطل فوق الوهاد أو القلل واربأ بنفسك أن تذل وإذا اعتدلت فلا تسل [٩] ويؤكد الشيخ عبد الله بن خميس [١٠] أن الشعر سلاح من أسلحة الأمة - كما كانت تعده كذلك العرب في جاهليتها وإسلامها - وما دام كذلك فلا يحسن بشعراء الأمة أن يشغلوا بالغزل والهيام بالغيد، وأعداؤهم يحتلون البلاد ويقتلون العباد؟ استمع إليه يقول: فليحرم الشعر من وجد ومن غزل ... وفي (فلسطين) شذاذ الصعاليك سلي القوافي بنت القدس في حرد ... لا تسألي غيرها عمن أضاعوك واستصرخي مهرجان الشعر يبعثها ... شعواء من طغمة الأوباش تعديك [١١] وحينما نادى قوم بأن الشعر فن و (الفن للفن) ؛ فهو في نظرهم مناجاة نفسية تقتصر على تصوير خواطر الشاعر وأحاسيسه، يحلق بها في الخيال ويسبح في بحور بعيدة العمق ولا ينزل من برجه العاجي ليشارك المجتمع آلامه وآماله.. رد عليهم شاعرنا بقوله: قد رأى الشعر نفسه في انطواء ... ومع الدهر لا محالة ذاهب من ينادي في عصرنا الفن للفن ... غرورا، فمدعي الشعر كاذب خلق الفن للحياة ولولا ... ذاك ما عز من (شكسبير) جانب ولما اهتزت الأكف لشوقي ... حين يبدو مهنئا أو معاتب وقديما (أعشى حنيفة) يحبى ... حمر النعم من قريش الغوالب فلماذا نرى الميوعة في الشعر ... وفي الحب منه ضربة لازب وهو في سنة الحياة ذلول ... قابل نسجه لشتى المذاهب فهو في الحرب جحفل صيغ منه ... للمعادي قنابل في قوالب وهو في السلم للحياة طبيب ... عبقري يجس نبض الضوارب [١٢] وحينما لطم الشاعر عبد الرحيم نصار قصيدته (سنوات حزن فلسطينية) التي نشرت في عام ١٣٩١ هـ وهي من الشعر الحر رد عليه ابن خميس بقصيدة منها: ما أنصفتك قوافي الشعر يا دار ... وفيك للملهم المنطيق أسرار ضنوا عليك بأوزان وتقفية ... يشتارها مثل أري النحل مشتار وأركبوا الشعر إما قصروا شططا ... وبعضهم عن ثمين الشعر قمتار دعوه حرا ويا للناس من زمن ... قال المخفون وزنا نحن أحرار حرية ظلموها واسمها لغة ... فوضى وسيان شاؤوا الحق أم جاروا لأنها بدعة التقليد نافقة ... قالوا فقلنا وسرنا حيثما ساروا [١٣] وفي هذه الأبيات يبين الشاعر أن (الشعر الحر) لا يعد شعرا ولكن الشعر في نظره ماله وزن وقافية صحيحان.. وهذا ما يتفق عليه أئمة اللغة العربية في القديم والحديث. ومما سبق يتبين لنا أن الشعر هو حديث الشعور، يقول ابن رشيق: (وإنما سمي الشاعر شاعراً، لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره) [١٤] . ولا شك أن للشعر العربي الأصيل مهمة ووظيفة في الحياة، كما أن لفنون الأدب، وفنون القول بعامة وظائف يؤديها كل فن في حياة الناس. ومهمة الشعر التي يراها عدد من الأدباء والنقاد هي: تهذيب السلوك، وإمتاع المشاعر ونشر السرور في نفوس الناس من قراء وسامعين؛ وصدق من قال: إذا الشعر لم يهززك عند سماعه ... فليس خليقا أن يقال له شعر وإلى جانب ذلك هناك وظائف أخرى للشعر منها: نقد بعض المظاهر في المجتمع، والإشادة بالفضائل، والتحذير من الرذائل، ومنها كذلك: تقويم اللسان وتربية الملكات والمواهب لدى الناشئين من الشباب، وقد بسط ذلك علماء اللغة والأدب في كتبهم ومؤلفاتهم. وتبعا لالتزام الشاعر بتحديد مهمة لشعره، واقتناعه بها، ترتفع منزلته ومكانته أو تنخفض، ولذا قسم علماء العربية الشعراء إلى أقسام وحصرها بعضهم في أربعة: (شاعر خنذيذ، وشاعر مفلق، وشاعر فقط، وشعرور) . فالخنذيذ: هو الذي يجمع مع جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، والمفلق: هو الذي لا رواية له إلا أنه مجود كالخنذيذ في شعره، أما الشاعر فقط: فهو فوق الرديء بدرجة، والشعرور: لا شيء [١٥] . أيها القارئ الكريم! ما عدد الشعراء (الخناذيذ) و (المفلقين) من بين شعراء زماننا؟ وكم عدد الشعراء من الصنفين الآخرين؟ ! الإجابة متروكة لك فأنت فرد من الجمهور الذي هو مرآة يستطيع الشاعر أن يرى فيها نفسه، ويعرف مستوى شعره، جودة وقوة وجمالاً ودقة في الوصف، وفوق ذ لك له صدق أو عكس ذلك، والإجابة المطلوبة هي التي يصدرها العقل، ويمليها العدل، فتأتي حاملة معها النقد والتوجيه ريحا طيبة، وليست بحال من الأحوال كالعواصف التي ترسلها العواطف! ... ولم يغب عن أذهان علمائنا أن يبينوا (حد الشعر) وهو الضابط الذي به يفرق بينه وبين النثر، فقد ذ كروا ذلك وروي عنهم. يقول الإمام ابن رشيق ني كتابه (العمدة) : (الوزن أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية، وهو مشتمل على القافية وجالب لها ضرورة، ألا أن تختلف القوافي فيكون ذلك عيبا في التقفية لا في الوزن) [١٦] . وقال أيضا: (القافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمى شعراً حتى يكون له وزن وقافية) [١٧] . ومما يلحق بهذا ما ذكره من أن الناقد لا يلزم أن يكون شاعرا، يقول في ذلك: وقد يميز الشعر من لا يقوله، كالبزاز يميز من الثياب ما لم ينسجه، والصيرفي يخبر من الدنانير ما لم يسبكه ولا ضربه، حتى إنه ليعرف مقدار ما فيه من الغش وغيره فينقص قيمته. وقيل للمفضل الضبي: لِمَ لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي به هو الذي يمنعني من قوله. وأنشد: وقد يقرض الشعر البكي لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو لبيب [١٨] وقد أوردنا فيما سبق قول ابن خميس: دعوه حراً ويا للناس من زمن ... قال المخفون وزنا نحن أحرار حرية ظلموها واسمها لغة ... (فوضى) وسيان شاؤوا الحق أم جاروا لأنها بدعة التقليد نافقة ... قالوا فقلنا وسرنا حيثما ساروا لقد ركب سفينة الشعر غير ربانها، وامتطى صهوة الخيول غير فرسانها، فخرجوا على الناس بكلام يسمونه شعراً، وما هو بالشعر! ولربما كان أكثرهم عاجزين عن القول الجميل النافع الممتع شعراً كان أو نثراً، وكل ما في الأمر أننا نستجيب - علمنا أم لم نعلم - لغزو أعدائنا، ونفتح الباب على مصراعيه للغزاة الجدد يغيرون على مثلنا وقيمنا وتراثنا فيمسخون صورها مسخا تاما، ويبدلون حقائقها، ويمحون جمالها، ويطمسون المعالم والحدود، ثم نصحو بعد فترة من الزمن لنجد الواقع المر: أن الأمة العربية المسلمة تبدو صورة من المجتمع الشرقي أو الغربي المنحل الذي لا يقيم وزنا لفضيلة، ولا هدف له من كل علومه وفنونه ومواهبه إلا المتعة والشهوة فقط؛ فهما مطلب الفرد والجماعة، وكل طريق توصل إليهما فهي الحق والصواب! ! .

стр. 3158

نص شعري شكوى عبد الرحمن السنوسي في وَقَارِ اللَّيلِ وَالجَوُّ تَحَالَكْ ... سَاقَنِي الكَرْبُ إلى أعتَابِ بَابِكْ شَاكِياً فَرْطَ اهْتِيَاجٍ بِدَمِي ... وَشَبَاباً سَاقَنِي نَحوَ المَهَالِكْ كُلَّمَا ضَجَّ بِنَفْسِي عَزمُهُ ... فِي عِنَادٍ هَدَّنِي الوَغْدُ حِيَالَكْ وَسَبَى عَزْمِي وَقَلبِي بِرُؤى ... مِنْ جَمَالٍ آسِرٍ يَغْشَى رِحَابَكْ وَسُعَارٌ فِي دَمِي ألْهَبَهُ ... صَبْوَةٌ حَرَّى وَأهوَاءٌ حَوَالِكْ فَسَرَى وَجدُ الهَوَى في خَافِقِي ... مِثل نَارٍ في هَشِيمٍ مُتَهَالكْ فَإلَى مَن يَا إلَهِي كِلتَنِي ... وَكيَاني كله آثَرَ بَابَكْ مَا أُرَجِّي لانعِتَاقِي ثِقلَةً ... فَاشْفِ رُوحاً عَلِقَت مِنكَ بِبَابِكْ

стр. 3159

البيان الأدبي البيت الكبير إسلام دعدوشة ثلاثة.. أربعة.. عشرة عدد خشبات سقف الصالة التي يجلس فيها عماد، أخذ يكررها ويحصيها مرة بعد مرة، لا يعرف كم مرة عدها وهو في حالة القلق التي خالجته. ووسط لحظات الترقب والحيرة التي استبدت به؛ ظهر شعر رأسه القصير من تحت طاقيته البيضاء، وبدت عيناه المنتفختان يكسو بياضهما اللون الأحمر، انسكبت منهما دمعة رغماً عنه، وانتشر دخان الأرق والقلق الذي يعبق به البيت، ورقد والده ممدداً على السرير النحاسي العتيق في الحجرة الكبيرة، والأقارب حوله يحبسون أنفاسهم كلما شهق الرجل شهقة واهنة. وجلست أخته الكبرى عند رأسه تجفف حبات العرق الذي تصبب بارداً غزيراً، وتردَّد صوته الخافت: - أريد أش.. أشر.. أشرب. - اعصر برتقالة يا حسن! - لا.. أنا أريد ماءً. كاد قلب عماد يذوب كمداً.. ففي الغرفة المقابلة ترقد زوجه وقد برحت بها آلام الولادة، تضغط على أسنانها ضغطاً شديداً لتكتم آلامها، ازداد قلب زوجها خفقاناً وعيناه موزعة زائغة، حائرة بين الغرفة التي يكابد فيها أبوه السكرات، والحجرة التي ترقد فيها زوجه تعاني الزفرات ترقباً للحظة الولادة، ودنت منه حماته وهمست: - كان من الأفضل أن تلد في بيت أمها بدل الحالة التي يعيش فيها البيت هنا. - من كان يعرف أنه سيحدث ما حدث! ودخلت قابلة القرية البيت قائلة: - كيف حال الشيخ المريض الآن؟ - ندعو الله أن يلطف به. وأسرعت القابلة إلى غرفة زوجه وقد دوَّت صيحات الألم المبرح: - ماءاً حاراً يا أولاد.. بسرعة. وأحضرت بعض النسوة الماء الساخن في إناء نحاسي تتصاعد منه أبخرة تكاد تحرق من شدة غليانه، واستمرت القابلة تصدر أوامرها في حزم، والجميع مذعن مطيع. - إنا لله وإنا إليه راجعون. أخذ عماد يحوقل ويتلو آيات من القرآن الذي كان قد حفظه في صباه في الكتّاب، وظل يقرأ حتى وقف عند قوله - تعالى -: [لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا] [الطلاق: ٧] حتى خنقته العبرات، والنسوة يخرجن ويدخلن غرفة زوجه. - كيف الحال؟ هل آن الأوان؟ الصمت مخيم على المكان، والترقب يضرب بأطنابه، وأنَّات المرأة تكاد تقطع قلب من تصل إليه؛ لكم جاهد ليتزوجها رغم عدم رضا والديه، استحالت صالة المنزل إلى ساحة سوداء يتخللها رؤوس نسوة بين جالسة تترقب، ورافعة يديها إلى السماء تلهج بالدعاء، أخذ يدور في البيت ينظر إلى السقف.. هل يعد خشبات السقف أم يلهج قلبه بالدعاء أن يعين الله زوجه ويوفقها. ازداد خفقان قلبه، وهو يدور في البيت في حركة لا إرادية، يذهب ليلقي نظرة على أبيه ثم أخذ يتمتم بكلمات لا تفهم منها سوى كلمة واحدة.. يا رب.. يا رب. دوَّت صرخة اهتزت لها جنبات المكان، إنه صوت طفل يبكي، هرول إلى غرفة الزوجة وهو يردد: - الحمد لله. الحمد لله ... وفي الغرفة الكبيرة دوَّى صوت أمه الثكلى، فضم أمه إلى صدره مواسياً ومسلِّياً لها قائلاً: - إنه قضاء الله ولا راد لقضائه. - الحمد لله.. ربنا يبارك فيكم يا ابني.

стр. 3160

نص شعري لا تجزعي علي جبريل أمين لا تجزعي لا تجزعي؟ إن البلا أن تجزعي! لا تجزعي يوما ولا تستسلمي أو تخنعي لا تجزعي.. وعلى طريق جهادنا فلتسرعي لا تجزعي.. إني أقول مرددا - كيما تعي -: لا تجزعي! أماه إن طال العذاب على فؤادك فاضرعي ولئن تراقصت الخطوب على ثراك البلقع ولئن رمى الأعداء عرضك بالسباب المقذع فاستأنسي بالله! - يا أماه - لكن.. اسمعي: لا تجزعي! كم قد جفاك بنوك في ليل الشتاء الأقطع! بل كم رموا بك في هجير الصيف في مستنقع ولكم أصابك ما أصابك في الخريف المفزع وأتى الربيع يقول يا أماه - كيما تمرعي -: لا تجزعي! يا ويلهم! قتلوك بالهم الكئيب الأفظ ذبحوا وريدك وانثنوا يبكون! يا للأدمع قتل القتيل وكان في يوم الجنازة لا يعي! ! هم مثله.. لكن دماؤك سطرت في المطلع: لا تجزعي! قد أظلمت أرجاء دنيانا تؤرق مضجعي والبدر قطَّب وجهه، والنجم لما يسطع! تاهت رؤى قلبي وراء الأفق بين الزعزع لكن تلألأ - فجأة! - نجم.. وسطرها معي: لا تجزعي! أماه: هذا جيل صحوتنا فلا تتوجعي أحفاد خالد والمثنى الشهم وابن الأكوع! جاؤوك بالقرآن يسقيك الهدى.. فتضلعي ونشيدهم في ظلمة الليل البهيم المروع: لا تجزعي! إيهِ ثَرى البلقان.. إن مكروا فلا تتزعزعي آه ليالي البؤس.. كوسوفا تئن فأقشعي يا أرض كوسوفا الحزينة يومهم في مصرع سنعيدها! وهتافنا يعلو هدير المدفع: لا تجزعي! يا أمتي.. صبرا إذا ذرفت دموع المدمع! يا أمتي اعتصمي بربك ذي الجلالة واركعي لا تجزعي! وصدى الهتاف مجلجل في الأربع: لا تجزعي لا تجزعي.. أماه لا! لا تجزعي!

стр. 3161

نحو تطوير الذات خطوات في طلب العلم عبد الله الشرقاوي ركن جديد يعكس من زاويته ثمرة خبرات وأفكار تفتق عنها العقول وتمنحها التجارب فتأتي بمثابة مرشد أمين في عملية (تطوير الذات) الملحة في شتى أقطاب العملية التنموية المتكاملة: الفكرية، والمعرفية، والشخصية، والأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية، من خلال نقاط مركزة تصلح لأن تكون محاور لدراسة مطولة. ونرحب بمشاركات القراء التي تثري هذه الزاوية. ١ - اعلم أن صحة المنطلق هي الأساس للوصول إلى المسار الصحيح في العلم والتعلم، والقاعدة تقول: (من صحت بدايته استقامت طريقه وصحت نهايته، ومن فسدت بدايته اعوجَّت طريقه وساءت نهايته) . ٢ - تعلّمْ آداب طالب العلم، والتزم بها حتى لا تكون عن أخلاق أهل الإسلام بمعزل. ومن هذه الأخلاق: الإخلاص فلا يكن في قلبك محل يراد به غير الله - تعالى -. الصدق في النيات والاعتقادات والأقوال والأفعال، فكن صادقاً في انتسابك للإسلام وطلب العلم. الجدِّيَّة في الطلب مع حفظ الوقت من الباطل وفضول المباح، مع التوازن في العلاقات الاجتماعية، وتذكر أن: (من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة) ، و (بقدر ما تتعنّى تنال ما تتمنّى) . التكامل والتوازن في: (الأخلاق والصفات، والعلوم، والقول والعمل) . حسن الخلق في التعامل مع المعلم والزميل، وعامة الناس؛ لأنك تدعو ... بسلوكك كما تدعو بلسانك. الربانية؛ أي: كن دائم الصلة بالله ذا قلب حي ذاق حلاوة الإيمان؛ فهو مطمئن به، ولْتظلَّ قريباً من كل طاعة بعيداً من كل معصية. اتباع هدي السلف والتمسك بالكتاب والسنة فهماً وتطبيقاً وحكماً عند الاختلاف. أن تكون صالحاً في نفسك مصلحاً لغيرك، واقفاً نفسك على خدمة الدين، يجدك الله تعالى حيث أحب، ويفقدك حيث نهى. ٣ - كن متوثّباً للأعالي متشوّقاً للمعالي، ولتكن نفسك توّاقة كلما أدركت مرتبة تاقت لما فوقها، ولا تقل: (كم ترك الأول للآخر؟) ، ولكن قل كما قال ابن مالك في التسهيل: (وإذا كانت العلوم مِنَحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يُدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف) . ٤ - أدم النظر في كتب آداب الطلب، فاقرأ - على سبيل المثال - في الكتب الآتية: (تذكرة السامع والمتكلم - حلية طالب العلم - ثماني قواعد للمتفقهين - صفحات من صبر العلماء) . أخي طالب العلم! كيف تحقق أهدافك؟ إذا أردت تحقيق أهدافك فلا بد من تحديدها أولاً، والوسيلة إليها ثانياً، والسعي إليها ثالثاً. اجلس لحظة تفكر فيها خالياً مع ربك ذاكراً مستغفراً مستهدياً، ثم تأمّل شريط حياتك لتعرف أين أصبت وأين أخطأت، فإذا عرفت نفسك وماذا تريد من هذه الحياة فحاول وضع خطة لتحقق أهدافك، ولا تنس أن تسأل نفسك: (من أنا؟ وما هدفي في الحياة؟ وما الطريق لتحقيق هدفي؟ وما هويتي؟ وهل أنا عبد لله حقاً؟ وهل حققت مظاهر العبودية لله - تعالى -؟ وهل أسير في طريق الهداية والرضوان؟ وإن متّ الآن فأين سأكون؟ ما أخطائي؟ وأين يكمن ضعفي؟ وما الخلل في شخصيتي؟ كيف أجد إيماني وحياة قلبي؟ وهل تتحقق فيّ صفات طالب العلم؟ وما الصعوبات التي تواجهني؟ وكيف أحقق ما سبق؟ وكيف أتجاوز العقبات؟ وما برنامجي المقبل لتحقيق كل ذلك؟) . كرّر الجلسة حتى يتبين لك الطريق وتعرف هدفك. إذا صعب عليك الأمر فلا بأس أن تجالس أخاً ناصحاً تستهدي برأيه ومشورته يساعدك على وضع خطتك الطموحة لتحقيق أهدافك وتحديد أولوياتك. احرص على حسن التخطيط لتضمن أحسن استفادة من الوقت، وتذكر أنك أيام؛ إذا ذهب يومك ذهب بعضك. إشارات تربوية: هذه إشارات وقائية تقيك بإذن الله من الزلل: استحضر دائماً هدفك الأسمى والوسيلة إليه؛ فمن عرف شرف مطلوبه هان عليه ما يجد في سبيله. وتذكر قول شيخ الإسلام: (العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن. والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب) . تذكر الواجبات لتحاسب نفسك: ما مدى إحسانك وإتقانك لها؟ تذكر المنهيات لتحاسب نفسك: ما مدى بعدك عنها؟ حدد حاجاتك العلمية منطلقاً من الكتاب والسنة، وتذكّر قول المقرّي في قواعده: (والواجب الاشتغال بحفظ الكتاب والسنة وفهمهما والتفقه فيهما، والاعتناء بكل ما يتوقف عليه المقصود منهما) . فابدأ بالأهم فالمهم، وبالأصل قبل الفرع. استحضر قِصَر العمر وكثرة المشاغل وعِظَم الهدف، وليكن شعارك: (الواجبات أكثر من الأوقات) . وطّن نفسك على الإقلال من المباحات وترك توافه الأمور وسفاسفها؛ فقد نُهينا عن كثير من الإرفاه. ومن النعم التي كان ينوِّه بها أبو الوفاء ابن عقيل ما ذكره في قوله: (وعصمني من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطت لعّاباً قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم) ، وليكن شعارك: (الدنيا ساعة فاجعلها طاعة) . نوِّع زادك العلمي حتى لا يتسلل إليك الملل والكلل. ضع أمامك سورة العصر ولا تنسها، وحاول تطبيقها باستمرار. أزهار تجمّل بها برنامجك! ١ - إحسان تلاوة القرآن تجويداً وترتيلاً. ٢ - وِرْد يومي لقراءة القرآن وختمه كل شهر على الأقل. ٣ - وِرْد يومي لحفظ القرآن الكريم، مع قراءة تفسير ما تحفظ من تفسير متوسط الطول. ٤ - القراءة في كتاب السنة كمختصر صحيح مسلم أو رياض الصالحين مثلاً. ٥ - القراءة في كتاب للسيرة النبوية، أو التربية السلوكية كمختصر منهاج القاصدين مثلاً. ٦ - قسِّم يومك مراعياً تفاضل الساعات في الفضل والبركة على نحوٍ مما يلي: اجعل لنومك (٦) ساعات، ولا ترهق جسدك بالسهر. اشتغل بالذكر بعد صلاة الفجر، ثم اقرأ وردك من القرآن حتى شروق الشمس ثم صلّ ركعتين. اغتنم ما تبقى من الوقت حتى موعد الدراسة بالدرس العلمي، وقدّم ما يحتاج لفهم وصفاء ذهن. احرص على القيلولة لتجدد نشاطك باقي اليوم. وزّع ما بعد صلاة العصر من أيام الأسبوع في قضاء حوائجك وعلاقاتك الاجتماعية ونشاطاتك غير العلمية، ولا يذهب الوقت كله في ذلك؛ بل خصص جزءاً منه لبرنامجك العلمي. استكمل بعد صلاة المغرب ما تبقى من برنامجك، وخصص آخره لتناول العشاء. ضع الأعمال القصيرة في الأوقات المحصورة، وأما الأوقات الطويلة فخصصها للمطالعة والبحث والتفكير. فقراءة حديث من (رياض الصالحين) مع شرحه من (نزهة المتقين) مثلاً لا يستغرق وقتاً طويلاً فضعه بين العشاءين أو قبل عمل طويل. لا تنس أن توتر قبل أن تنام إن كنت لا توتر من آخر الليل. وصايا عامة: - حافظ على صحتك العامة، ونوّع طعامك، وتجنب الفضول منه. - حافظ على صحتك النفسية واطرد القلق والاكتئاب عن نفسك بكثرة الذكر والعبادة. - مرّن ذهنك على التفكير حتى لا يصاب بالخمول. - إذا كان يشق عليك تطبيق برنامجك اليومي فعليك أن تتواصى مع زميل لك جاد على تنفيذه. تذكر قول الشاعر: إذا كان يؤذيك حر المصيف ... ويبس الخريف وبرد الشتا ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذُك للعلم قل لي متى؟

стр. 3162

حوار المستشرق الروسي د. ليونيد سوكيانن في حوار مثير مع البيان (١-٢) السياسة يجب أن تخضع لمعايير الشريعة وليس العكس حاوره في الرياض: خالد محمد أبو الفتوح لماذا هذا الحوار؟ من يملك الحقيقة لا يخشى الحقائق لعله أول حوار تجريه مجلتكم (البيان) مع شخص غير مسلم، ولعل بعض قرائنا الأعزاء يستغربون هذه الخطوة؛ ولكن لم الاستغراب وكتاب ربنا - تعالى - وسنة نبينا ﷺ وسير علمائنا ملأى بالحوارات مع الكفار؟ بل مع الطغاة والفراعنة؟ على أن محاورنا يعلن أنه - رغم عدم إسلامه - نصير للإسلام وللشريعة الإسلامية، ولم يصل إلى المحادة؛ بل قد يعتبر بعضى القراء آراءه أفضل من كتير من آراء علمانيين يحملون أسماء إسلامية؛ لذلك لم يكن الحوار معه للمحاجة والمناظرة، بل كان لاستطلاع الآراء والمواقف واستجلاء الحقائق، فليس مناسبا لمن يهتم بأمر المسلمين أن يجهل واقعهم في البلاد الأخرى، أو يغفل عن نظرة الآخرين إلى الإسلام والمسلمين، أو يهمل معرفة كيف يفكر هؤلاء الآخرون، وكيف يتطور هذا التفكير تجاهنا وتجاه العالم؛ بل وتجاه القيم والمبادئ. وضيفنا في هذا اللقاء هو الدكتور ليونيد سوكيانن أحد أبرز المستشرقين الروس المهتمين بدراسة الشريعة الإسلامية وواقعها في العالم الإسلامي. درس الاقتصاد وتخرج في معهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية الروسية، متخصص في الدراسات القانونية والتشريعية، وهو حاليا أستاذ في معهد الدولة والقانون بأكاديمية العلوم الروسية، يتحدث العربية بطلاقة، وله عدة مؤلفات ونشاط ملموس في وسائل الإعلام الروسية فيما يخص العالم الإسلامي والشريعة الإسلامية، ويعد أحد المستشارين المهمين في هذا الخصوص هناك.. ولا شك أن المجلة في هذا الحوار - شأن معظم الحوارات - قد تتفق معه في أمور ذكرها وقد تختلف في أمور أخرى - لعل أبرزها: رأيه في اتفاق النظم التشريعية في معظم تشريعاتها، ولكننا نورد الحوار بغير تعليق؛ ثقة منا في نضج قارئ البيان ورفعا لوصاية فكرية كثيرا ما تمارس على شباب الصحوة؛ لأننا نعتقد أن الحوار الحر من أبرز السبل لإبراز حقيقة الإسلام، وأن: من يملك الحقيقة لا يخشى الحقائق. - البيان- - د. ليونيد سوكيانن: ما الذي دفعكم للاهتمام بالشريعة الإسلامية؟ - كان اختياري لهذا الموضوع عفويا، لأني كنت أدرس اللغة العربية في معهد العلاقات العربية، وأحببت هذه اللغة من أول درس، وبعد دراسة اللغة العربية لم أتصور مستقبلي في أي تخصص بعيدا عن اللغة العربية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت من ضمن المواد التي أدرسها في المعهد نفسه بعض المواد القانونية، وأنا أحببت العلوم القانونية لما فيها من منطق قانوني، ولهذا شعرت بميول تجاه القانون إضافة إلى اللغة العربية، ونقطة الالتقاء بين اللغة العربية والعلوم القانونية هي الشريعة الإسلامية، فكان طبعيا أن أدرس الشريعة الإسلامية. أنا حقوقي ولست مسلما ولست فقيها؛ لذا: فأنا أدرسها دراسة مقارنة بصفتي حقوقيا قبل كل شيء، ولكني لا أقف عند حدود المقارنة السطحية للشريعة الإسلامية والنظم القانونية الأخرى، بل أحاول التعمق في دراسة الشريعة الإسلامية واستيعابها بالرجوع إلى أصولها وأمهات الكتب فيها. - هل واجهتم مشكلات نتيجة دراستكم للشريعة في بلادكم؟ - بإمكانكم تصور حجم المشاكل التي تواجه باحثا يبدأ دراسة الشريعة الإسلامية في بداية السبعينات في روسيا، حينئذ كان النظام الشيوعي برئاسة بريجينيف قائما، ويمكن أن نطلق على هذا النظام بدون مبالغة نظام الإلحاد، وكل الدراسات المتعلقة بالشريعة والإسلام كانوا يعتبرونها متعلقة ببعض الأوهام، أو كما كانوا يقولون بـ (أفيون الشعوب) ، وكانت هذه الصفة تلصق بجميع الدراسات المتعلقة بالإسلام وبالشريعة الإسلامية، بل وبأي دين، ولكن نظرا لبعض العوامل السياسية الخارجية تهيأت الظروف للاهتمام بمثل هذه الأبحاث؛ فالعلاقات الروسية مع العالم الإسلامي تطلبت بعض الدراسات المتعلقة بالإسلام بما في ذلك البعد الشرعي لهذه العلاقات. وبعد مرور سنوات تثار الآن في روسيا قضية الشريعة الإسلامية ليس باعتبارها موضوعا للدراسات الأكاديمية فحسب، ولكن باعتبارها قضية عملية واقعية. - من أي وجه برز أنها قضية علمية؟ - يكفي أن نضرب مثلا بقضية الشيشان؛ فالشيشان لا تزال جمهورية تحت الاتحاد الروسي؛ وهي مثار فيها قضية تطبيق الشريعة.. - عفواً هذه القضية سوف نتناولها في وقت لاحق.. حتى إذا تركنا جانباً قضية التجربة الشيشانية وهي تستحق المناقشة المفصلة الخاصة ففي بعض المناطق والجمهوريات الروسية الأخرى كذلك تناقش قضية الشريعة الإسلامية من منطلق أنها قضية تشريعية عملية، فمثلاً: الآن في جمهورية تتارستان وهي قلب الأمة الإسلامية في روسيا يناقش قانون حرية المعتقدات الدينية والمنظمات الدينية، ومشروع هذا القانون ينص على الاعتراف بالأوقاف على سبيل المثال، وهذا ما أبرز أهمية الدراسات الشرعية الإسلامية في روسيا، وتثار كذلك في بعض الجمهوريات الأخرى في شمال القوقاز مثل هذه المسائل. - ولكن د. ليونيد.. هل تظن أنه قد يأتي يوم يطلب فيه النظام الروسي بعض المساعدة من حضرتكم لاقتباس بعض النظم من الشريعة الإسلامية؟ يجب أن أشكركم على هذا السؤال، هذا السؤال في صلب الموضوع، وكان ولا يزال يوجه إليَّ كثيراً في روسيا. بصراحة أقول: منذ فترة طويلة من الزمن وحتى الآن لم أشعر أن معارفي مطلوبة، ليس فقط لزملائي الباحثين ولكن للسياسة العملية في روسيا، ولكن التغيرات التي طرأت على روسيا في الآونة الأخيرة على المستوى الثقافي والديني والاقتصادي والسياسي ألزمتنا في روسيا أن نولي موضوع الشريعة الإسلامية أهمية باعتبارها موضوعاً عملياً، فمنذ أقل من شهرين دُعيت للمشاركة في عضوية المجلس الاستشاري لوزارة الخارجية الروسية، وعندما حضرت الجلسة التأسيسية لهذا المجلس استفسرت من نائب وزير الداخلية الروسية: أنت مسؤول عن مكافحة الإجرام الجماعي والمافيا وكذلك الإجرام الاقتصادي، وتدعوني للمشاركة في هذا المجلس في حين أني متخصص في الشريعة الإسلامية؛ فما هي العلاقة بين مهمتكم وتخصصي؟ قال: عندما دخلنا مناطق شمال القوقاز وهي مناطق مسلمة أصلاً وبدأنا نحقق في كثير من أصول الجرائم تأكدنا أن هناك علاقة مباشرة بين التقاليد والأعراف العرقية والطائفية والأحكام الدينية وغيرها وبين مستوى الإجرام، واقتنعنا أننا لا نستطيع أن نستأصل جذور الإجرام في هذه المناطق دون دراسة عميقة للإسلام ومعرفة البعد القانوني فيه، وهو الشريعة الإسلامية. ومن هذا المنطلق نستطيع إذا فكرنا بشكل هادئ وعميق أن نجد كثيراً من نقط الالتقاء بين مشكلة الأعراق والتقاليد وبين أصول الإجرام الآن في شمال القوقاز.. وهكذا يمكن الاستفادة من هذا التراث الفقهي لاستئصال الإجرام، ولكن طبعاً لا نستطيع أن نعتبر الشريعة الإسلامية وحدها الوسيلة لحل أي قضية على الرغم من أهميتها، ولكنها عنصر من العناصر. وعلى هذا الأساس: لا أستطيع أن أتصور شخصياً مستقبل تطور النظم التشريعية في روسيا وخاصة في المناطق المسلمة في روسيا بدون الاستفادة من الشريعة الإسلامية. - على ذكر الشريعة وتطبيق الشريعة, باعتباركم متخصصاً في الشريعة الإسلامية، وفي الوقت نفسه لا تنتمي إلى الإسلام، ما هي نظرتكم إلى دعوات تطبيق الشريعة في هذا العصر؟ .. هناك من يقول: إن الشريعة لا تصلح لجميع المجتمعات أو لهذا الزمان، ما قولكم من خلال دراستكم للشريعة؟ - طبعاً الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن تكون طويلة جداً؛ لأن السؤال نفسه فيه كثير من الأبعاد والمستويات، وبصراحة القول: الشريعة الإسلامية طوال القرون من بدايتها وحتى يومنا هذا اكتسبت الكنوز من الفكر القانوني والقواعد والمبادئ والحلول المختلفة.. هذا النظام ليس نظاماً جامداً، فهو لم يبق على صورته التي كان عليها في أول نشأته في عصر النبوة، ولكنه دائماً يتطور على القواعد الأساسية له ويفرِّع عليها، وأنا أفهم نظام الشريعة الإسلامية على أنه ليس فقط نظاماً إلهياً يعتمد على الوحي فإذا انقطع الوحي توقفت استجاباته ومرونته، ولكني أستطيع القول: إن لهذا النظام دعامتين: الوحي الإلهي، واجتهاد البشر، وعن طريق الاجتهاد ساير التشريع الإسلامي الزمن وواكب الظروف المختلفة، ولذلك: أنا لا أشك في أن التشريع الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، ولكن مع ملحوظة مهمة هي أن التشريع الإسلامي تكمن فيه الإمكانات والكفاءات لأن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، أما الاستفادة من هذا الاحتياط والرصيد الكامن فيتوقف على البشر، على المسلمين أنفسهم، وعلى هذا الأساس: إذا أخفق تطبيق الشريعة الإسلامية في ناحية من أنحاء العالم فليست الشريعة هي التي أخفقت، ولكن لم تفلح التجربة المعينة لبعض الذين ربما يطبقونها بشكل خاطئ. ففي الحقيقة أنا مؤمن بأن المبادئ القانونية الأساسية في الشريعة الإسلامية مثل مقاصدها وكلياتها تمثل قيماً أبدية خالدة. مثل: لا ضرر ولا ضرار، هذا المبدأ المستخلص من الحديث النبوي يصلح دون شك لكل مكان وزمان، ولكل إنسان: مسلماً كان أو غير مسلم؛ مثل هذه المسائل أبدية.. كل نظام قانوني يعتمد على مثل هذه المبادئ الأساسية. ومن الضروري هنا ألا نخلط بين السياسة واستعمال الشعارات المتعلقة بالإسلام أو بالشريعة الغراء وبين الأغراض والأهداف والغايات السياسية التي يمكن أن تطمح إلى تحقيقها بعض الجهات أو بعض الأفراد لاعتبارات سياسية أو مصالح شخصية تحت هذا الشعار، والأخطاء أو العواقب السيئة على تطبيق الشريعة الإسلامية يجب أن نُحمِّلها الذين يستعملونها استعمالاً غير صحيح؛ وليس على الشريعة الإسلامية؛ فهم لا يستعملونها لأنها قيمة في ذاتها؛ ولكن باعتبارهم لها وسيلة.. والدين أو الشريعة لا ينبغي أن تكون وسيلة، رغم أنها إطار قانوني يمكن من خلاله أن تُحلَّ كثير من القضايا؛ ولكن ينبغي أن يكون هذا على أساس المبادئ والقواعد الأساسية الراسخة. وأشير هنا إلى نقطة مهمة، وهي أننا إذا ظننا أن التشريع الإسلامي يكتفي بقطع يد السارق أو رجم الزاني أو منع شرب الخمور وتحريم لحم الخنزير أو إباحة تعدد الزوجات ... وإهمال الأبعاد الأخرى رغم أهمية هذه الأحكام الجزئية نكون مخطئين، فإذا كان هذا النظام شاملاً فضروري أن يكون الموقف منه شاملاً أيضاً لكل هذا النظام؛ فالسياسة يجب أن تخضع لهذه المعايير وليست هذه المعايير هي التي تستعمل لتعليل بعض الممارسات السياسية لبعض الجهات؛ فهذه مشكلة. - من خلال دراستكم للشريعة دراسة مقارنة مع التشريعات الأخرى، ما هي أهم التمايزات التي لاحظتموها في الشريعة الإسلامية وتفترق عن النظم التشريعية الأخرى؟ - إذا رغبتم في جوابي الصريح كل الصراحة، فأنا كثيراً عندما أطلع على المراجع بما فيها المراجع التي كتبها الفقهاء المسلمون أقرأ الفقرات الخاصة بالفوارق بين النظم، أنا أفضل أن أقف أمام التشابه والاشتراك أكثر بكثير من الفوارق؛ لأن رأيي الشخصي أن نقاط التشابه والاشتراك أكثر بكثير من الفوارق .. الفوارق موجودة، وهي جلية وواضحة، ولكن هذه الفوارق: عددها، وطبيعتها يجب ألا تطغى على نقاط التشابه؛ مما يُمكِّن من الحوار والتفاعل والتواصل بين الأنظمة القانونية المختلفة من غير وجود تمييز قاطع بين النظم، وهذا يساعد على نمو العلاقات الخارجية والتعاون في مجالات كالتجارة ... - ولكن إذا تحدثنا عن نقاط الاتفاق، فقد يكون عموم نقاط الاتفاق صحيحاً، إلا أننا عند الدخول في هذه النقاط نجد التفاصيل مختلفة كثيراً، فمثلاً: إذا قلنا: إن جميع النظم القانونية تحرص على العدل وعلى احترام الإنسان باعتباره قيمةً في حد ذاته.. فإننا نجد أن صورة العدل تختلف في هذا النظام عن ذاك.. كيفية احترام الإنسان هنا تختلف عما هناك.. أشياء كثيرة عند الدخول في التفاصيل تجعل من هذه النقاط مجرد لافتات عريضة؛ فما رأيكم؟ - نعم.. أنا يمكن أن أشاركك الرأي جزئياً فقط في هذا المعنى، فأنتم ضربتم مثالاً على حقوق الإنسان أو مكانة الفرد أو الإنسان في هذا النظام.. صحيح أن كل نظام قانوني يدعي أنه يقدس الإنسان باعتباره قيمة، ولكن كيفية تحقيق هذا المبدأ تختلف، ولكني مقتنع أنه حتى في هذا المجال تتجاوز نقاط الاتفاق نقاط الفوارق، مثلاً: إذا اطلعنا على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقارنَّا بين هذا الإعلان ووثيقة حقوق الإنسان التي صدرت عن المؤتمر الإسلامي في أغسطس عام ١٩٩٠م نجد أن نقاط الاتفاق أكبر بكثير من الفوارق.. الفوارق موجودة ولا أهملها، ولكن موقفي الأساس وفكرتي الأساسية ألا نبالغ في هذه الفوارق، فإذا ركزنا على الفوارق فستكون الخطوة التالية هي التمييز، ليس بين الأحكام القانونية، بل في القيم الإنسانية والمجتمعات والحضارات والثقافات والشعوب والأديان وغيرها.. أنا أفضل أن أركز على النقاط الأخرى، نقاط التشابه والاتفاق بين الأنظمة، لماذا؟ ربما هناك بعض الأسباب الذاتية لمثل هذا الموقف؛ لأن عندنا في روسيا كنا ولا نزال نشعر بهذه الآثار حتى الآن.. الرؤية الخاصة بالإسلام هناك أن الإسلام نظام رجعي، والشريعة ليست بقانون؛ بل هي خليط من أحكام دينية وأحكام قانونية غير متطورة تماماً، فيها تسويغ العنف وخرق حقوق الإنسان وعدم المساواة بين حقوق الرجل وحقوق المرأة.. وغير ذلك، إذن: عندما بَدَأْتُ دراسة الشريعة الإسلامية واجهتُ وما أزال مثل هذه التصورات والمفاهيم عن الشريعة الإسلامية، فمثل هذه الصورة المزيفة غير الصحيحة عن الإسلام دفعني لأن أبرز البعد الآخر: أن هذا النظام متطور وراقٍ، هذا النظام صالح لكثير من البيئات؛ بل لمعظمها؛ بل جميع البيئات الاجتماعية والجغرافية، وطبعاً هذا يتطلب استخلاص القواعد الكلية، والتمييز بينها وبين الجزئيات التي قد تلائم زماناً ولا تلائم أحوالاً أخرى، فالقواعد الكلية هي الثوابت، والجزئيات تصنف على أنها متغيرات؛ لأنها تتغير بتغير الزمان والمكان. وعلى هذا الأساس: نجد أنه يمكن استفادة الأنظمة القانونية بعضها من بعض، فمثلاً فكرة صياغة القانون في مواد مأخوذ من نظم قانونية غير إسلامية، وعلى هذا يمكن الاستفادة من مكتسبات النظم القانونية الأخرى. - هناك نقطة مهمة جداً يا دكتور ليونيد في هذا الموضوع يتطرق إليها كثير من الباحثين، وهي مصدر التشريع في كلا النظامين. تعلمون أن المصدر في التشريع الإسلامي ليس إلى مجلس شعب أو برلمان.. إلخ، قد يصوغ البرلمان القانون، ويجتهد في مناسبته للواقع؛ ولكن لا ينشئ القانون أصلاً، بينما في الأنظمة الأخرى تقوم كل الأنظمة على حق الشعوب في التشريع من الأصل، وهذا بعض الباحثين إلى الربط بين الحكم الثيوقراطي وهذا النظام الإسلامي في التشريع .. فما رأيكم في هذه النقطة الجوهرية؟ إذا أخذنا هذه النقطة مثالاً، فيجب أن ندرسها دراسة مفصلة. صحيح أنه في بعض الأحيان يقال: إن مصدر التشريع الإسلامي مصدر إلهي: الوحي وليس البشر، أما الأنظمة الأخرى فمصدرها نشاطات البرلمان والهيئات البشرية، هذا من حيث المبدأ صحيح، ولكن إذا استمررنا في التفكير في هذا الفارق فسنتوصل إلى بعض النتائج التي ربما تختلف إلى حد ما عن نقطة الانطلاق الأولى، وهي أن التشريع الإسلامي نفسه على الرغم من أن مصدره الوحي الإلهي فهو لا يقتصر على نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية؛ بل يعتمد كذلك على الأدلة الأخرى، منها: الأدلة العقلية إلى جانب الأدلة النقلية، مع إقرارنا بأن العبادات منصوص عليها في القرآن والسنة، أما المعاملات، وهذا هو مجال المقارنة، ففي هذا المجال نجد أن الأحكام القانونية القرآنية محدودة جداً. مثلاً: البيع أربع آيات فقط؛ أما الباقي فهو من نتاج الاجتهاد، والاجتهاد إنتاج بشري؛ فالفقهاء هم الذين صاغوا هذه الأحكام، طبعاً في حدود القواعد العامة للشريعة، وعلى هذا الأساس هم لم ينشئوه وإنما استنبطوه؛ ولكن في النهاية هم بشر. إذا رجعنا إلى المُشرِّع الوضعي فهل يمكن القول: إنه لا يتقيد بأي شيء عند إصدار القانون؟ لا.. هناك كذلك بعض القيود. ما هذه القيود؟ قبل كل شيء القيم السائدة في المجتمع. ومعروف أن الإنجيل أثَّر تأثيراً عميقاً جداً على الفكر القانوني الأوروبي: القانون الجنائي الذي يعاقب على الزنا، ويعاقب على السرقة، وكثير من الجرائم الأخرى مصدره كذلك - إلى حد ما - إلهي حتى في دول أوروبية؛ فالقيم الأخلاقية والدينية تلعب دوراً كذلك في القانون الوضعي، ربما ليس الدور نفسه؛ ولكن لن تجد هنالك البشر الذي يجلس ويفكر ويخرج القوانين من رأسه، هو كذلك يتقيد، والمجتمعات غير المسلمة عندها كذلك الأخلاق والقيم الأخلاقية والدينية التي ربما لا تظهر بشكل مباشر. أنا لا أهمل ولا أنسى الفوارق بينها وبين الشريعة الإسلامية باعتبار أن مصدرها الوحي الإلهي؛ ولكن كذلك من الضروري أن نتذكر هذه النقطة أيضاً في التشريعات الأخرى. هناك شيء آخر أود التنبيه إليه: أمس استعرت أحد الكتب المعاصرة المؤلَّفة في الشريعة الإسلامية، وفيه فصل خاص للمقارنة بين القانون الروماني والشريعة الإسلامية، هذا الموضوع قديم جداً: هل اقتبست الشريعة الإسلامية من القانون الروماني أم لا؟ سأقول لك شيئاً ربما يعرضني لنقد بعض القراء؛ ولكن صدقني أنا أعرف جيداً الفكر القانوني الغربي؛ ليس هنالك الآن من الباحثين الغربيين من يلتزم بفكرة أن التشريع الإسلامي أُخذ من القانون الروماني، هذا كان في القرن التاسع عشر، كانت الفكرة موجودة عند بعض الباحثين الغربيين؛ الآن الفكر القانوني الغربي يعترف بدون أي قيود ولا شروط أن التشريع الإسلامي نظام قانوني مستقل، لم يتأثر بالقانون الروماني. ما أريد الإشارة إليه أنه حتى كتابات وخواطر الفقهاء المسلمين يوجد بها كثير من النقاط المتشابهة، وهذا يعود إلى أن العقل الإنساني كان يبحث ويجد الحلول المتشابهة. الفقهاء والمجتهدون المسلمون عندما كانوا يستنبطون أحكاماً عن طريق المصالح وغيرها، والفقهاء غير المسلمين في المناطق الأخرى البعيدة تماماً عندما كانوا يبحثون الأحكام كانوا ينظرون كذلك إلى المصالح، والمصالح للناس في كثير من الأحيان متشابهة تقريباً، ولا شك أن هناك اختلافاً في أشكالها وصيغها، ولكن المضمون والطبيعة تتفق في معظم الأحوال. وأخيراً لو سمحتم عندنا الآن في روسيا ينتهي العمل من مشروع مهم جداً، وهو إصدار موسوعة الفكر القانوني العالمي (خمسة مجلدات) يحتوي كل مجلد على (٦٠٠) أو (٧٠٠) صفحة، بُحثت فيها الأفكار القانونية من مصر القديمة حتى عصرنا الحاضر، وأنا رئيس التحرير للمجلد الأول، وهو يحتوي على: نماذج من الفكر القانوني في مصر الفرعونية، واليونان القديمة، والقانون الروماني، والفكر الياباني، والفكر الصيني القديم والفكر المنغولي، والفكر الإيراني قبل دخول الإسلام. أنا حقوقي دكتور في الحقوق منذ أكثر من عشر سنوات تعرفت عن قرب على نماذج الأفكار القانونية المختارة من هذه الحضارات والثقافات المختلفة، استغربت! ليس هناك فوارق كبيرة بين هذه الأفكار؛ ولكنَّ هناك تشابهاً بينها، كنت أتصور أن هناك اختلافاً كبيراً بين القانون الروماني والقانون الياباني أو الفكر القانوني الصيني والإسلامي؛ ولكن لم أجد ما توقعت. وهذا شيء غريب جداً! - قبل أن نترك هذه النقطة، هناك إشارة يسيرة إلى موضوع تغيُّر القيم: هذا أمر في الإسلام يختلف عن بقية الحضارات والتشريعات؛ فمثلاً: الآن في بعض الدول الأوروبية شرَّعوا إباحة زواج الشواذ، وأصبح شيئاً مشروعاً وقانونياً.. فالقيم في بعض المجتمعات والأنظمة تكون متحركة ومتغيرة كثيراً، وهذا يوجِد كثيراً من الفروق بين الأنظمة القانونية. فما رأيكم؟ نعم.. الآن يشاهد العالم على قولكم تغير القيم، والظواهر التي نتعامل معها الآن ظواهر طبيعية وعملية، وكانت تعتبر منذ عدة سنوات خيالية وغير ممكنة، مثل هذه الأشكال من الزواج غير الطبيعي المقننة في بعض البلدان الأوروبية، مثل المخدرات، وللأسف الشديد! المخدرات ليست موجودة فقط في الغرب؛ ولكنها أيضاً في الشرق، بل في الشرق الإسلامي؛ بل في كثير من الأحيان تكون هي المصدر.. - ولكن ما تزال تعتبر فيها جريمة.. نعم.. صحيح، أنا معكم، بصراحة أنا بصفتي إنساناً لا أستطيع أن أقبل مثل هذه القيم الجديدة، وهي ليست في الحقيقة قيماً. طبعاً عندي بعض الأسباب والدوافع التي دعت إلى تقنين مثل هذه التشريعات الخاصة في هذا المجال، تغيير القيم موجود ونحن نشاهده في العالم كله؛ ولكن في الوقت نفسه مثل هذه الحركة (حركة تغير القيم) وأنا لا أتكلم عن تغير القيم الرديئة الرجعية التي كانت موجودة في الماضي لتحل محلها القيم الصحيحة فهو تغير مطلوب ولكن هناك تغيرات أخرى في الإنسانية.. في بعض الأحيان هذه التغييرات لهذه القيم كل واحد يلاحظها: في التلفزيون، في الإعلام؛ ولكن هناك القيم الأخرى الجيدة التي لم تكن موجودة في الماضي. على سبيل المثال: في أوروبا في بداية هذا القرن؛ بل قبل الحرب العالمية الثانية كانت الحرب أسلوباً شرعياً لحل النزاعات الدولية قبل الأمم المتحدة. ... الآن: أي حرب تعتبر ممنوعة تماماً؛ فهذا تغيُّر في القيم.. حقوق الإنسان: نحن وقفنا أمام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية في ذلك، هل هذا أتى بقيم جديدة لرفع مستوى الإنسان؟ بدون شك هناك قيم جديدة كحماية البيئة؛ من أجل ذلك عندما ننظر إلى جانب تحرك القيم نحو الأسوأ يجب أن ننظر إلى الحركة الأخرى، الحياة ليست أسود وأبيض، الحياة صورة ملونة؛ وعلى هذا الأساس أقول: نعم مثل هذا التغير في القيم موجود في روسيا أيضاً.. المخدرات مثلاً أصبح تناولها في بعض المدن شيئاً عادياً جداً. مشكلة كبيرة! فكيف نواجهها؟ نواجهها بالتربية، بالعناية، بزرع القيم، وبسلوكنا أنفسنا. - ولكننا نتحدث بخصوص مبادئ قانونية ولا نتحدث بخصوص تدين عام أو إنجازات بشرية عامة، ألا ترى أن هذا الكلام عام ويبعد بعض الشيء عن المبادئ القانونية وأثر تغير القيم فيها؟ نعم.. تغير القيم والمبادئ! .. كما يقال: لا جديد تحت الشمس، كل هذه القضايا كانت موجودة في الإنسانية سابقاً، ربما تتذكر والدك يقول: ما هذا الجيل الناشئ؟ كان آباؤنا يعيشون حياة أخلاقية مختلفة وملتزمين أخلاقياً، وبعد ذلك يمكن أن تقول أنت الكلام نفسه لابنك أو ابنتك.. هذه قضية عامة في كل مجال.. الفوارق بين الأجيال.. ولكن من الضروري أن نميز دائماً بين الثوابت والمتغيرات، القواعد العامة الراسخة الأبدية والجزئيات.. ما هي الأخلاق؟ الأخلاق يجب أن تكون قيماً ومعايير. ومنطقياً لا يمكن أن تكون الأخلاق سيئة؛ فإذا كانت سيئة فهي ليست بأخلاق. الأخلاق بمعنى القيم هي المعايير التي تقاس عليها معاملات الإنسان وسلوكه، والأخلاق هذه كانت موجودة ومعروفة وليست كالاختراعات: احترام الإنسان، احترام الوالدين، عدم إلحاق الأذى بالغير، وحب الخير للإنسان، والحفاظ على حياته وعرضه وماله ونفسه؛ ولكن هذا داخل في الصراع بين الشر والخير.. دائماً هذا الصراع موجود؛ ولكن الصورة تختلف. طيب! لم يكن مثل هذا الشكل من الزواج موجوداً في القرون الوسطى؛ ولكن كانت هناك ذبائح طائفية ودينية موجودة، الحملات الصليبية كانت موجودة، وكان هناك الكثير من الضحايا في هذه الحروب وغيرها.. كان الإنسان يموت جوعاً ويموت مرضاً، وعلى هذا الأساس: فالصراع كان موجوداً بين الشر والخير، ولكن تختلف الأشكال. - د. ليونيد سوكيانن: لو تكلمنا عن الاستشراق، فهل تعتبر مدرسة الاستشراق الروسية مجرد امتداد للاستشراق الأوروبي عموماً؟ لا.. علم الاستشراق الروسي له تاريخه وتقاليده وجذوره البعيدة، كان علم الاستشراق الروسي ولا يزال يعكس خصوصيات روسيا التي تميزها عن الدول الأوروبية، روسيا دولة أوروبية؛ ولكنها ليست كأي دولة أوروبية أخرى، هي دولة آسيوية أوروبية، المسلمون في روسيا جزء من مقومات الشعب الروسي، عمر الإسلام في روسيا ألف عام، بينما المسلمون في أوروبا أو في أمريكا من المهاجرين الذين لا يتعدون الجيلين في أحسن الأحوال. كل هذا كان ينعكس على علم الاستشراق الروسي، فهو بالطبع له علاقات قوية ومباشرة مع علم الاستشراق الأوروبي الغربي، هذا صحيح؛ لأن ثقافة المثقفين والعلماء الروس في معظم الأحيان أوروبية، ولكن نظراً للاعتبارات والخصوصيات المميزة للوضع الروسي السابق ذكرها إضافة إلى العلاقات الخارجية لروسيا المختلفة عن علاقات غرب أوروبا.. كل هذا كان يؤثر على علم الاستشراق. وعلم الاستشراق الروسي كان متطوراً لا بأس به، وكان مُعتَرفاً به من قِبَل أوروبا، وحتى الآن أنا أعتبر علم الاستشراق الروسي علماً متطوراً على الرغم من كثير من الصعوبات التي تواجه. هذا العلم في الوقت الراهن تأثر كثيراً بسبب الظروف العامة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في روسيا؛ فهي بالطبع تؤثر على مستوى الدراسات العلمية بما في ذلك مجال الدراسات الاستشراقية. وبصورة مركَّزة أقول: إن علم الاستشراق الروسي له روابط مع أوروبا؛ وله خصائص مميزة في هذا العلم بالذات. - مثل أي شيء؟ قبل كل شيء كان هذا العلم عاطفياً لا يعتبر الإسلام والشرق موضوعاً مقتصراً على الدراسة، بينما في أوروبا هذا موضوع للدراسة فقط؛ أما في روسيا فكان موضوعاً وجزءاً من العالم الخارجي للباحث نفسه؛ فهو يعيش في هذا العالم؛ لأنه يعيش في دولة شبه غربية شبه أوروبية شبه شرقية. علم الاستشراق الأوروبي كان يدرس غيرَه بينما علم الاستشراق الروسي كان يدرس غيره وذاته في الوقت نفسه؛ مما ينعكس على الاستنتاجات والمواقف والأفكار والتيارات واختيار الموضوعات لهذه الدراسة إلى حد كبير. - هل تغيرت أهداف الاستشراق الروسي أو وسائله أو مناهجه من روسيا القيصرية إلى الشيوعية إلى المعاصرة؟ نعم! في روسيا القيصرية كان يمكن التمييز بين الاتجاهين الرئيسين لعلم الاستشراق: الاتجاه الأكاديمي العلمي البحت الموضوعي المنصف المحايد، والاتجاه الآخر الذي كان يخدم السياسة القيصرية في المناطق الشرقية المسلمة في آسيا الوسطى مثلاً، وهذا لا يعني تلقائياً أن هذا الاتجاه كان هو السائد أو كان غير علمي. أضرب لكم مثالاً: في روسيا القيصرية صدر كثير من الكتب في الشريعة الإسلامية مترجمة من اللغات المختلفة التركية أو الفارسية أو الإنجليزية التي كانت واسطة عن اللغة العربية. ما هي الأغراض والدوافع لهذه الأعمال؟ أَطَّلِعُ الآن على بعض الكتب التي صدرت في طشقند قبل الثورة، أجد مثلاً كتاب (هداية المرغيناني) ، وهو من أهم المراجع في المذهب الحنفي، معروف ومحترم جداً في آسيا الوسطى، وهذا الكتاب صدر تحت رعاية الجنرال المحافظ، إذن هو الممثل لقيصر هناك، نجد أنه يقول بشكل مباشر في المقدمة: إنه لأغراض السياسة الاستعمارية للقيصر من الضروري أن نعرف أعراف وتقاليد الرعية والشعوب القاطنة. اعتراف مباشر بهذه الأغراض؛ ولكن النتيجة: اختيار المرجع الصحيح وترجمته ترجمة جيدة. بعد الثورة البلشفية بقيت بعض الدراسات الاستشراقية العلمية وكانت موجودة حتى في ذروة النظام الشيوعي، ربما كانت محدودة ضيقة تتأثر بالأفكار السائدة في المجتمع السوفييتي في تلك الآونة، ولكنها كانت علمية؛ بمعنى أن لها قيمة علمية؛ ولكن إلى جانب ذلك برز بعد الثورة الاتجاه الآخر: الاتجاه غير العلمي الذي يقوم على خدمة الفكر الشيوعي فقط. أضرب لكم مثالاً شخصياً بسيطاً: في أواخر الثمانينات بعد بداية البروسترويكا ولكننا كنا ما نزال نعيش في ظل الأفكار الشيوعية ذهبت إلى دوشنبيه بجمهورية طاجيكستان (الآن جمهورية مستقلة) وألقيت محاضرة في كلية الحقوق بالجامعة الطاجيكية عن الشريعة الإسلامية، موقفي من الشريعة واضح لكم: كيف أستعرض هذه الشريعة ثقافةً قانونيةً متطورةً ذات إمكانات بلا حدود وقيم ومبادئ قانونية في غاية التطور. بعد أن انتهيت من المحاضرة قام أحد الأساتذة الطاجيك المسلمين مسلمين طبعاً اسماً؛ ولكن من الذين نشؤوا في هذا المجتمع، وأنا من موسكو ولست مسلماً قال هذا البروفيسور: نحن الآن نستضيف الدكتور البروفيسور من موسكو، وهو يدعونا لدراسة علمية موضوعية للتشريع الإسلامي، نحن عندنا موقف يختلف اختلافاً كبيراً عن ذلك، نحن لا ندرس الشريعة الإسلامية؛ ولكن نحن ننتقدها، وأنا استفسرت: هل أنت يمكن أن تنتقدها قبل دراستها؟ حتى إذا كنت تريد نقد أي ظاهرة فقبل كل شيء من الضروري علمياً لإنجاح نقدها أن تدرسها. هذا كان مثالاً لأهداف علم الاستشراق في روسيا الشيوعية؛ ولكن من الضروري ألا ننسى أنه كانت حتى في تلك الآونة توجد دراسات جيدة جداً، إلى جانب هذه الدراسات الدعائية التي كانت تخدم التيار الفكري الشيوعي وتخضع له. أما الآن: فالمشكلة عندنا أنه ليس هناك أي توجه ولا أي ضوابط، وأيضاً ليس هناك أي قيود ولا شروط؛ فالحرية كاملة، وهذا شيء جيد للإبداع العلمي؛ فالإبداع العلمي يثريه حرية الرأي واختلاف وجهات النظر، هذا من ناحية؛ ولكن من ناحية ثانية: عدم وجود ضوابط أو اتجاهات معينة يسير عليها البحث العلمي قد يكون مضراً له؛ كالسفينة إذا كانت مربوطة من جميع جوانبها فإنها تقف، ولكن إذا ألقيناها في البحر دون أي خارطة أو ضوابط فإنها تغرق آجلاً أم عاجلاً؛ فكلا الطرفين غير مقبول؛ ولكن المشكلة الأساسية في علم الاستشراق الحالي ليست في المجال الواسع للخيار والحرية. المشكلة التي تؤثر الآن تأثيراً مباشراً على الاستشراق الروسي تكمن في الظروف الصعبة جداً للباحثين وبقاء مثل هذا العلم من خلال اعتباره علماً. - هل نعتبر أن الاستشراق الروسي يغرق الآن؟ نعم.. نعم.. - إذن: ما سبل إنقاذه في رأيكم؟ هناك عدة سبل، أول شيء: الاعتماد على الذات، ثم روح الإبداع، وإخلاص الباحثين أنفسهم لموضوع بحثهم، ولكن هذه العوامل وحدها غير كافية، من الضروري تأييد البحث العلمي ودعمه من الاتجاهات المختلفة، وقبل كل شيء يجب أن تدعم الدولة جميع البحوث العلمية بما في ذلك الأبحاث والدراسات الاستشراقية؛ للأسف الشديد! ميزانية الحكومة الآن ضعيفة، ليست كافية لمعاشات كبار السن، فكيف بالنسبة للمنح الدراسية، ومن الصعب أن نأتي في هذه الظروف ونطلب من الحكومة دعم الدراسات الاستشراقية، فمن الضروري أن ندرس كيفية استعمال إمكانات القطاع الخاص والأهلي والخيري والشركات التجارية لدعم الدراسات العلمية عامة والاستشراقية خاصة، وهذه أيضاً مهمة صعبة؛ لماذا؟ لأنا نحن العلماء الباحثين لم نتعود أن نبحث عن هذا الدعم من هذه الجهات، نحن تعودنا على تأليف الأبحاث والتعامل مع المراجع أو ترجمتها، ولكن البحث عن هذا الدعم يتطلب بعض الكفاءات والإمكانات الأخرى، ومثل هذه المؤسسات التي يمكن أن تتولى هذه الرسالة التنظيمية غير موجودة للأسف الشديد! هناك الأساليب الأخرى: أساليب اللجوء إلى دعم هذه الدراسات من بعض المؤسسات أو الأجهزة خارج روسيا التي يمكن أن تأخذ موقفاً إيجابياً من هذه الدراسات للأهداف الحضارية والثقافية والعلمية، وبصراحة: بعض المؤسسات الخارجية تدعم الآن الدراسات الأكاديمية في روسيا بما في ذلك إلى حد محدود جداً الدراسات الاستشراقية. بالنسبة لعلم الاستشراق ربما لا يستفيد من هذا الدعم مثل القطاعات الأخرى للعلوم، فالعلوم الأخرى: كالفيزياء، والرياضيات، وغيرها من العلوم التجريبية، هناك دوافع للاهتمام بها، أما بالنسبة للاستشراق فنحن نشعر بنوع من الدعم؛ ولكن مع الأسف الشديد! هو دعم محدود جداً، وليس كافياً للحفاظ على هذا التراث العلمي. النقطة ولو سمحتم أن أركز الاهتمام على هذه النقطة.. أنا باعتباري مستشرقاً متخصصاً في الدراسات الإسلامية والشرعية كثيراً ما ألتقي مع زملائي المسلمين من البلدان العربية سواء في المؤسسات الحكومية أو الأهلية والشعبية أو غيرها وأتفاهم معهم بشكل كامل، وكثيراً ما أشعر باهتمامهم بحال المسلمين والإسلام في روسيا، وكثيراً ما ألمس أن مثل هذا الاهتمام مخلص ينطلق من الصدق وحسن النية والرغبة في المساعدة لحال المسلمين، وفي الحقيقة نحن نُسَرُّ بمثل هذا الدعم. مثلاً: مساجد تبنى، معاني القرآن الكريم باللغة الروسية تترجم وتطبع وتوزع، الطلاب الروس الدارسون في الجامعات الإسلامية بالعشرات، فهذا كله من الدعم للإسلام والمسلمين في روسيا، ونحن نقدر هذا الدعم تقديراً كبيراً؛ ولكن هناك نقطة مهمة: إذا سمعت أي أحد يقول إنه يهتم بصدق وإخلاص بحال المسلمين ووضع الإسلام في روسيا ويرغب في أن تكون هذه الحال أفضل، وفي الوقت نفسه لا يعي أهمية العناية بالدراسات الأكاديمية العلمية، فمعنى ذلك: أنه ربما لا يفهم فهماً صحيحاً الصورة الموضوعية الحقيقية للإسلام في روسيا. تفصيل ذلك أقوله لكم: الآن عندما نريد حل القضايا الأساسية للمسلمين في روسيا بعد المرحلة الأولى للصحوة الإسلامية.. نحن مررنا بهذه المرحلة بسرعة، الآن المساجد موجودة، المصحف الشريف موجود يباع ويوزع مجاناً في كل مكان، عدد الحجاج في عهد الشيوعية كان سنوياً ربما (٥) أو (١٠) أشخاص، الآن (٢٠) ألف، ولكن بعد هذه المرحلة التي مررنا بها بسرعة نحن نواجه المرحلة الجديدة اللاحقة لتطوير وتغيير أحوال المسلمين نحو الأفضل، وهذه المرحلة ستتوقف قبل كل شيء على معاملة المجتمع غير المسلم للإسلام والمسلمين، وتتوقف على كون الإسلام وثقافته ومنجزات حضارته جزءاً من الثقافة الروسية العامة. فكرتي أننا لا نستطيع أن نقصر الجهود داخل المسلمين، لا نستطيع أن نرفع مستواهم والمجتمع الروسي لا يقبلهم على سبيل المثال أو عنده صورة مشوهة عن الإسلام، لا نستطيع أن نرفع مستوى المسلمين دون استصدار القرارات السياسية والتشريعية بحق المسلمين. من يتخذ مثل هذه القرارات؟ المسلمون؟ .. لا، السلطات الرسمية هي التي تتخذها: البرلمان، الحكومة، الوزارات. وعلى هذا الأساس: من الضروري أن نتعامل مع هذه الهيئات إقناعاً لها بضرورة حل هذه القضايا لمصلحة المجتمع الروسي كله؛ فمن يمكن أن يحمل هذه الرسالة في روسيا؟ للأسف الشديد! الكفاءات والمؤهلات الضرورية لمثل هذه الرسالة غير موجودة عند المسلمين في روسيا.. العلماء والباحثون هم الذين في إمكانهم أن يعملوا على أن يكون التراث الإسلامي جزءاً من الثقافة الروسية. أضرب لكم مثالاً شخصياً بسيطاً: عندنا في كليات الحقوق الروسية يوجد مقرر تاريخ الفكر القانوني العالمي، منذ سنتين صدر الكتاب الدراسي المقرر ولأول مرة في تاريخ روسيا يحتوي على الباب الخاص للفكر القانوني الإسلامي، أنا ألفته وهذا إسهامي اليسير جداً، فإذا كان هناك أي فقيه مسلم يمكن أن يقوم بذلك فأهلاً وسهلاً، ربما كانت هذه النقطة بسيطة ولكنها تعكس الصورة العامة بأن الخطوات اللاحقة لرفع المستوى ومعالجة قضايا المسلمين في روسيا تتوقف على كون الإسلام والثقافة الإسلامية يمثلان عنصراً وجزءاً لا يتجزأ من الحضارة والثقافة الروسية بمجملها؛ كي يقترب المجتمع الروسي بتدرج ويتعرف على منجزاتهما ومكتسباتهما، ليس المجتمع بفئاته فقط؛ بل أيضاً الأجهزة الحكومية الرسمية، وهذا ربما أهم. فبدون المستشرقين وبدون العلماء الباحثين إذا خفتم من كلمة مستشرقين لا يستطيع غيرهم حل مثل هذه القضايا للأسف! فرأيي الشخصي وربما أكون مخطئاً فيه وأنا أتحمل المسؤولية عنه: أنه بدلاً من منح بعثات لمئة طالب مسلم روسي مثلاً لأي كلية إسلامية في أي دولة عربية أو مسلمة، ربما يكون الأفضل تأهيل تسعين فقط، والمخصصات التي كانت ستنفق على العشرة الآخرين يتم تخصيصها لدعم الدراسات، والنتيجة ستكون أكثر فاعلية بلا شك، أنا مقتنع بذلك؛ لأن عندي إحصائيات ودراسات عن ذلك، عندي اقتناع كامل بهذا. الخرِّيج في أي كلية هل يمكن أن ينشر المقالات رأساً في الصحف والمجلات في روسيا لتوعية أو تثقيف الرأي العام الروسي؟ لا.. أنا وزملائي نقدر على ذلك؛ ولكن ليس عندنا الوقت الذي نخصصه لهذه العملية، نحن نتحرك باستمرار ليل نهار لكسب عيشنا.. إذا كان هناك اهتمام مخلص بقضية المسلمين فربما تكون هنالك إمكانية الاستفادة من المخصصات نفسها ولكن بفاعلية أكثر ومردود أكبر عندما توجه إلى هذا الاتجاه. - لو قلنا إن الاستشراق عموماً سواءً الروسي أو غيره، كان له في بداية النشأة كما تفضلتم ارتباطات استعمارية.. الآن وقد تغير الشكل القديم للسيطرة على الأقل، فهل تطور الاستشراق بتطور أشكال السيطرة؟ شكراً على هذا السؤال المصيب.. نعم! بصراحة بالنسبة للحالة الراهنة لعلِّي لا أستطيع أن أعطيكم رؤية شاملة لمجالات الاستشراق بشكل عام، أما بالنسبة لمجال الدراسات الشرعية فأنا أعرف الحقيقة جيداً عن علم الاستشراق الأوروبي أو الغربي، أنا اشتركت في ندوتين: مؤتمرين دوليين بخصوص الشريعة الإسلامية، أولهما: انعقد سنة ١٩٩٤م بهولندا بمدينة ليدن، والثاني: انعقد عام ١٩٩٧م في غرناطة بالأندلس (إسبانيا) ، وعندي صورة كاملة لمستوى دراسات الشريعة الإسلامية في البلدان الغربية؛ فقد اشترك في المؤتمر الأول والثاني في حدود (٤٠) باحثاً أكاديمياً من معظم البلدان الغربية.. مستوى رفيع جداً، متطور للغاية، أنا استغربت، لم أتصور مثل هذا المستوى: الرجوع إلى آلاف المراجع، عندهم الإمكانات، في كندا في أمريكا في بريطانيا في فرنسا في هولندا، عندهم تقاليد، عندهم التراث.. كثير من العرب يعملون هنالك، يقومون بالدراسات الاستشراقية، وليس العرب وحدهم، ولكن أيضاً هناك شباب أصحاب مستوى رفيع جداً. على هذا الأساس أقول: الأغراض الاستعمارية كانت وما زالت باقية وموجودة في علم الاستشراق؛ ولكن صدقني! العلماء الجادون لا يعرفون حتى أسماء هؤلاء الذين ينشرون المقالات الدعائية الاستعمارية، أبداً، إطلاقاً، في العلم الجاد لا توجد مثل هذه الأسماء، في العلم الجاد يعرف كل واحد منهم زملاءه فيه، أما أسماء الذين ينشرون المقالات السطحية أو الدعائية للأغراض السياسية لتأمين السيطرة الفكرية وغيرها، فهؤلاء ليسوا علماء. ولكن عموماً: هذا الاتجاه موجود، عند الاطلاع على الصحف والمجلات العامة غير الأكاديمية الجامعية نجد بعض المقالات والمنشورات ذات الطابع الدعائي المحض مكتوبة للأغراض السياسية البحتة دون شك ونجد هذه المقالات موجودة في الصحف الروسية، وهنا أذكر نقطة مهمة جداً: هؤلاء في كثير من الأحيان لا يوقعون على هذه المقالات بأسمائهم الحقيقية. النقطة المهمة التالية: في بعض الأحيان يركز بعض زملائي الباحثين والعلماء والفقهاء على الدور الاستعماري لعلم الاستشراق الغربي وهذا التركيز صحيح من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يحجب هذا التركيز البعد الآخر.. أنا مقتنع شخصياً بالاستنتاج التالي: إذا كان العالم الغربي غير المسلم بما في ذلك روسيا يعرف شيئاً مَّا موضوعياً حقيقياً عن الإسلام فالفضل يعود إلى علم الاستشراق، ليس إلى المؤلفين أو العلماء المسلمين، هذه حقيقة أكيدة أدافع عنها في أي محكمة! .. نعم هناك صورة مزيفة؛ ولكن إذا كانت هناك دراسات منصفة؛ فمن يؤلفها؟ للأسف الشديد! العلماء المسلمون يقتصرون على المجتمع المسلم والقارئ المسلم ولا يتوجهون إلى المجتمع غير المسلم، وإذا كان طلاب كليات الحقوق الروسية يعرفون شيئاً ما عن الشريعة الإسلامية فقد أخذوها من الكتاب الدراسي في تاريخ الفكر القانوني العالمي، وللأسف الشديد! في بعض الأحيان تترجم بعض الكتب وبعض المراجع من العربية إلى الروسية وتنشر وتوزع بعد ذلك في روسيا، وتكون النتيجة نظراً للخطأ في اختيار الكتب المترجمة أو لكون الترجمة ضعيفة جداً.. تكون النتائج لهذا النشاط معاكسة للأهداف الدافعة لها، وعندي نماذج في مكتبي بعمادة كلية البحث العلمي.. أنا لا أقيِّم المضمون ولكن الترجمة الروسية لا أجد أي سطر بدون أخطاء.. ما هو الانطباع لأي قارئ يطلع على هذه الكتب؟ .. سلبي طبعاً.

стр. 3163

الإسلام لعصرنا ليسوا عقلانيين.. وإنما هم أهل أهواء أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة شاع في عصرنا اصطلاح (العقلانيين) وصفاً لأصحاب المناهج المنحرفة عن المنهج الصحيح لفهم الدين وتفسير نصوصه واستخلاص النتائج منها. وهذا مصطلح غير سديد. أولاً: لأن فيه اعترافاً ضمنياً بأن العقل يمكن أن يكون مخالفاً للشرع؛ هذا مع أن المستعملين لهذا الاصطلاح يؤمنون بموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول. فلماذا إذن نستعمل اصطلاحاً يتضمن تقريراً لأمر ننكره؟ ثانياً: لأننا لا نجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ أن إنساناً ضل بسبب عقله، وإنما نجد أن الضالين هم الذين لا يعقلون ولا يتدبرون ولا يتفكرون ولا ينظرون، وأن المهتدين هم أصحاب العقول وأولو الألباب: [أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب] [الزمر: ١٨] . ثالثاً: لأن هنالك فرقاً بين العقل والهوى؛ فالإنسان يضل بهواه لا بعقله، ولذلك كان السلف يسمون المعتزلة وأمثالهم أهل الأهواء لا العقلانيين كما يسميهم الآن بعض المعاصرين تقليداً لبعض المستشرقين. رابعاً: ولأن هنالك فرقاً بين الرأي والعقل، فما كل رأي هو على مقتضى العقل حتى لو كان صاحبه مجرداً عن الهوى، وإنما الرأي رأيان: رأي صائب فهو موافق للعقل ضرورة، ورأي غالط فلا يمكن أن يكون من مستلزمات العقل. خامساً: لأن وصف أمثال هؤلاء بالعقلانيين فيه فتنة لهم؛ فقد يزيد أحدهم غروراً فيذهب يقول متباهياً: أجل نحن العقلانيون، نحن المفكرون، وما أنتم إلا حشوية جامدون مرددون لما لا تفقهون. سادساً: لأن أئمة أهل السنة من أمثال أبي سعيد الدارمي وابن تيمية لم يكتفوا بالكلام المجمل في أن المذهب الحق هو الموافق للعقل؛ بل بينوا ذلك بياناً مفصلاً شافياً، كما ساقوا البراهين العقلية الدالة على مخالفة أهل الأهواء لمقتضيات العقل، ودللوا على أن ما ادعوا بأنه عقليات إنما هو جهليات، ما أنزل الله بها من سلطان عقلي ولا شرعي. سابعاً: لأن كل أمر من أمور الدين يمكن أن يُستدل عليه بدليل عقلي! أكرر: (كل أمر) سواء كان في الاعتقاد أو في العبادات أو في المعاملات، وسواء كان في أصول الدين أو في الفروع الفقهية. وعليه فإن العقلانيين حقاً هم أصحاب المنهج الحق، مذهب أهل السنة والجماعة. إن الاقتناع بالدليل العقلي يعتمد على أمرين: أولهما: أن يكون المخاطَب عاقلاً، فإذا لم يكن كذلك فلا سبيل إلى مجادلته أو إقناعه، وثانيهما: أن تكون مقدماته صحيحة مؤدية إلى النتيجة المبتغاة. لكن المقدمات منها ما هو بيِّن بنفسه يدرك العاقل صحته ببداهة عقله، ومنها ما يعتمد هو نفسه على دليل آخر. وهذا هو الذي يحدد طول دليلك أو قصره مع من تخاطب. قد يسلِّم من تخاطب بأول مقدمة من دليلك فيكون الدليل قصيراً، وقد يحتاج إلى أن تدلل له على صحة بعض مقدماتك، إذا كان لا يسلِّم بها فيكون الدليل طويلاً. فمن الأدلة القرآنية القصيرة جداً دليل على وجود الخالق يقوم على مقدمتين بدهيتين لدى كل عاقل، ولا يماري فيهما إلا مكابر. وهما: أنه لا شيء يأتي من العدم المحض، ولا شيء يخلق نفسه: [أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون] [الطور: ٣٥] ؛ لكن هب إنساناً زعم أن البعث أمر مستحيل كما كان بعض منكريه من العرب يدعون. ستقول له ما قرر القرآن: إن الذي خلقه أول مرة قادر على إعادته؛ لكن هذا الدليل يعتمد على تسليمه بأن الله - تعالى - هو الذي خلقه. فإذا أنكر ذلك احتجت لأن تبرهن له على وجود الخالق. قد تقول: هذه أمثلة بدهية واضحة؛ لكن ما كل مسائل الدين كذلك؛ بل منها ما نسلم به مجرد تسليم! وأقول: لكن التسليم نفسه هو مقتضى العقل؛ فكيف يكون ذلك؟ وعلى أي شيء تبني تسليمك بأن المغرب ثلاث ركعات مثلاً؟ إنك تبنيه على أن هذا ما أمر به الرسول ﷺ . لكنك لو شئت لمددت حجتك فقلت: والرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى؛ فكل ما أمر به فهو من أمر الله، والله - تعالى - لا يقرر إلا حقاً، ولا يأمر إلا بخير: [وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا] [الأنعام: ١١٥] . إن كل عاقل يسمع ما تقول يدرك أن مقدماتك التي ذكرت تؤدي إلى وجوب التسليم بأن المغرب ثلاث ركعات. أقول: إذا كان عاقلاً منصفاً فسيرى هذا حتى لو لم يكن يؤمن بما تؤمن به من مقدمات. وأما إذا أراد أن يسلِّم بما سلمت به فسيسألك الدليلَ على صحة بعض مقدماتك. كأن يقول لك: ما الدليل على أن الرسول قال ما نسبتَ إليه؟ أو: ما الدليل على أن محمداً رسول الله؟ وهكذا وكل هذه أسئلة عليها أدلة عقلية إن علمتها ذكرتها لصاحبك، وإن لم تعلمها أحلته على من هو خبير بها. قد تقول: لكن هب أن صاحبي قال: إنه لا يريد دليلاً يقوم على مثل هذه المقدمات الدينية؛ بل يريد دليلاً مباشراً! فأقول: إن صاحبك لا يكون إذن عاقلاً. إن النتائج إنما تبنى على المقدمات التي تناسبها، والتي من شأنها أن تؤدي إليها، فإذا كان مسلِّماً بها سلَّم بالنتيجة، وإذا لم يكن مسلِّماً بها كان من حقه أن يطلب الدليل على صحتها. ليس له إلا هذا. قل لصاحبك هذا: ما الدليل على أن ٤ × ٥ =٢٠؟ فإذا بدأ يقول لك إن ٤ × ٥ معناها ٤ + ٤ + ٤ + ٤ + ٤ فقل له: أنا لا أريد دليلاً مبنياً على الجمع، بل دليلاً مباشراً. سيقول لك: فكرة الضرب مبنية على فكرة الجمع، وإذا كنت لا تعرف الأخيرة ولا تسلم بها فلا يمكن أن أعطيك دليلاً على الأولى. وكذلك الأمر بالنسبة لعدد ركعات المغرب؛ فإن الدليل عليها مبني على التسليم بأن محمداً رسول الله ﷺ ، وعلى الإيمان بالله. ذلك هو موقفنا من العقل. فما موقف أصحاب الأهواء؟ لقد أجاب أئمة أهل السنة عن هذا السؤال بكثير من التفصيل فيما يتعلق بأصحاب الأهواء في عصرهم، وبقي علينا نحن أن نفعل الشيء نفسه بالنسبة لمن في عصرنا، ولا نكتفي بوصفهم بالعقلانيين للأسباب التي ذكرتها. وقد أبلى بعض مفكرينا المعاصرين في هذا بلاء حسناً، وكنتُ قد رددتُ في مقال سابق في هذه الزاوية على مفهوم بعضهم الغالط لقاعدة صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وربما تعرضتُ في مقالات لاحقة إلى بعض دعاواهم ومبادئهم الأخرى إن شاء الله تعالى وإذا كان لبعض إخواننا القراء من اقتراحات في هذا المجال فأرجو أن لا يبخلوا علينا بها، ولهم منا الشكر، ومن الله الأجر إن شاء الله.

стр. 3164

وقفات ضيق الأفق أحمد بن عبد الرحمن الصويان من الأدواء الفكرية المنتشرة عند كثير من الناس: ضيق الأفق، والنظر إلى المسائل المختلفة بسطحية مفرطة؛ فكم ينقبض صدر المرء حينما يرى من بعض الناس أن القضايا المصيرية العظيمة في مسيرة الأمة تؤخذ بعين الغفلة والسذاجة وقلة الفهم والبصيرة! ومن أبرز أسباب ضيق الأفق: ١ - الجهل وقلَّة البضاعة؛ فكم جرَّ الجهل على أصحابه من المهالك والمفاسد! والجهل دركات بعضها أسوأ من بعض، وكلما ازداد المرء جهلاً ازداد تهالكاً وانحرافاً، وهل رأيت جاهلاً يقوى على إدراك حقائق الأشياء ومقاصدها، أو يقدر على قراءة الواقع واستشراف المستقبل؟ ! ! ٢ - قلة الفهم والوعي؛ وهما أمران زائدان على مجرَّد الجهل، فرب صاحب علْمٍ لا يفيده علمه كبيرَ فائدةٍ بسبب ضعف فهمه وعسر إدراكه؛ لأنَّه وقف عند حروف الألفاظ، ولم ينفذ إلى معانيها ومراميها. والفهم بضاعة نادرة لا يؤتاها إلا أصحاب العقل الراسخ والبصر النافذ. وصاحب الفهم يفتح الله عليه من إدراك النصوص والوقائع ما لا يخطر على بال غيره. قال ابن القيم ﵀: ... (ربّ شخص يفهم من النص حكماً أو حكميْن، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين) [١] . ٣ - الرتابة في التفكير ورؤية المسائل، والاعتماد على المألوف المعتاد فقط، وهذا بالتأكيد يجعل الإنسان أسيراً في بيت مغلق، كما يجعله في عزلة فكرية يحبس فيها عقله، فلا يقوى على النظر والإبداع والتجديد. ٤ - التقليد الأعمى الذي يسد منافذ التفكير، ويجعل المرء مجرد تابع لغيره، فلا يستطيع أن يبني رأيه وفكره بناءً صحياً متجرداً؛ ولهذا تجد أنَّ المقلد لشيخ أو لمذهب أو لطائفة من أكثر الناس ضيقاً في الأفق؛ وذلك لأنه لم ينظر إلا من نافذة واحدة، ولم يفكر إلا من زاوية محدودة، وتراه يتنقل بين سراديب ضيقة تنتهي به أخيراً إلى بلادة ذهنية تعصف بتفكيره وتجعله أحياناً يقتنع بالشيء ونقيضه في آن واحد..! ٥ - الاكتفاء بالنظر إلى ظواهر الأمور المجردة، والتعلق بقشورها القريبة، دون النفاذ إلى أعماقها، أو النظر إلى أبعادها ومقاصدها، ويؤدي ذلك إلى الاغترار بالشكل والبهرج على حساب الحقائق والمضامين، مما يحجب الرؤية بغمامة معتمة تطغى على البصيرة، وكم من الأشياء من حولنا نراها في مظهرها الخارجي رؤية معينة؛ ولكننا إذا تجاوزنا ذلك إلى دواخلها، وأزلنا القشرة الرقيقة التي تحيط بها تبينت لنا صورة أخرى مختلفة وبعيدة كل البعد عن الصورة الأولى. وانظر إلى صفة المنافقين في القرآن: [وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ... ] [المنافقون: ٤] ، فهل تكفي هذه الصفة الظاهرية لأجسامهم وأقوالهم في إعطاء تصور صحيح متكامل عن هؤلاء القوم؟ ! بالتأكيد لا تكفي؛ فالقرآن يوضح حقيقة هذا المظهر: [ ... هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون] [المنافقون: ٤] . ونظير ذلك أيضاً: الاغترار بالكم على حساب الكيف، وانظر مثلاً إلى قول الله تعالى: [ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا] [التوبة: ٢٥] ، ثم قارن ذلك بقوله تعالى: [إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين] [الأنفال: ٦٥] ، ويتضح من ذلك أن معاني الأمور ومقاصدها الصحيحة تتجلى في حقائقها ومعادنها الأصيلة. وليس المقصود هنا أن الشكل الظاهري أو الكم مرفوضان كلية؛ ولكن المقصود التحذير من الاكتفاء بهما، أو الوقوف عند حدودهما فحسب. ٦ - النظرة الجزئية الضيقة التي تختزل المسائل الكبيرة إلى إطار محدود صغير، مما يؤدي - بالتأكيد - إلى تكوُّن تصور هزيل مبتور لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة؛ بل قد يؤدي هذا التصور إلى تشويه الحقيقة بسبب نقصها وافتقارها للنظرة الشمولية المتكاملة. ٧ - الخلط في تقدير المصالح والمفاسد، والجهل في ترتيب الأولويات، مما قد يؤدي إلى التعلق بالمصلحة القريبة العاجلة، وإن ترتب عليها مفاسد كبيرة في العاجل أو الآجل، أو يؤدي إلى تقديم المصالح المفضولة على حساب المصالح الفاضلة.

стр. 3165

المسلمون والعالم الفاتيكان والقضية الفلسطينية تهويد (الكاثوليكية) إرضاءً لإسرائيل..! ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمود سلطان كانت حركة الإصلاح الديني البروتستانتي التي أسسها الألماني (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر أول حركة اضطلعت باستكشاف الأفكار الصهيونية المتعلقة باستعادة ما يسمى: (الأمة اليهودية) واستعادة فلسطين (وطناً لليهود) ؛ إذ كان لوثر أول من دعا عام ١٥٢٣م في بداية حياته إلى دراسة اللغة العبرية، وركز على دور التوراة في الحياة المسيحية، وفضل المبادئ اليهودية البسيطة على تعقيدات اللاهوت الكاثوليكي، حتى وُصفت حركته بأنها (بعث عبري) أو ... (يهودي) [١] تولدت عنه وجهة نظر جديدة عن الماضي والحاضر اليهودي وعن ... مستقبله بشكل خاص، مهدت الرأي العام الغربي خاصة في إنجلترا، ثم في الولايات المتحدة فيما بعد إلى أن يقبل التفسير اليهودي للعهد القديم، خاصة التفسير القائل بارتباط زمن نهاية العالم بعودة المسيح الثانية، وأن هذه العودة مرتبطة بمُقدمة تشير إلى عودة اليهود إلى فلسطين [٢] . وإذا كان (لوثر) قد عبَّر في المرحلة الأخيرة من حياته عن كرهه لليهود، وألَّف عام ١٥٤٤ كتابه (فيما يتعلق باليهود وأكاذيبهم) وطالب بطردهم من إنجلترا فإن هذا المطلب كان الهدف منه وكما كشف ذلك لوثر نفسه هو حثهم على العودة إلى ما أسماه (أرضهم يهودا فلسطين) [٣] ولقد اعتذر أتباعه بعد مرور نحو (٤٠٠) عام على ما ورد في مؤلفاته الأخيرة من تعبيرات (فظة وقذرة) بشأن اليهود، وذلك عندما اجتمع الاتحاد العالمي للوثريين في ١١-٧-١٩٨٣م، في مؤتمر عقد في (استوكهولم) في السويد، وأعلن الحاضرون عن (عدم التزامهم بكل ما صدر من لوثر بشأن اليهود) وفي الشهر نفسه عقد نحو ١١٠٠ شخص يمثلون أكثر من ٢.٧ مليون لوثري أمريكي (رؤساء الكنيسة اللوثرية الأمريكية) ... مؤتمراً في مدينة (سانت لويس) وأعلنوا عن أسف اللوثريين وعدم علاقتهم بالملاحظات المتطرفة التي سبق لمارتن لوثر أن أبداها تجاه اليهود [٤] . وإذا كانت الكنيسة البروتستانتية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية لا زالت على موقفها المؤيد لمخططات اليهود في فلسطين بدعوى أنها إحدى علامات قرب العودة الثانية للمسيح؛ فإن الفكر الكاثوليكي التقليدي قبل عهد الإصلاح الديني لم يكن فيه أدنى مكان لاحتمال العودة اليهودية إلى فلسطين، أو لأية فكرة عن وجود (أمة يهودية) وكان يُعتقد أن الفقرات الواردة في التوراة وبخاصة في العهد القديم التي تشير إلى عودة اليهودة إلى (وطنهم) لا تنطبق على اليهود؛ بل على الكنيسة المسيحية مجازاً. أما اليهود فإنهم طبقاً للعقيدة الكاثوليكية الرسمية اقترفوا إثماً فطردهم الله من فلسطين إلى منفاهم في بابل، وعندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر نفاهم الله ثانية، وبذلك انتهى وجود ما يسمى (الأمة اليهودية) إلى الأبد، ولذلك فليس لليهود مستقبل قومي جماعي؛ ولكن باعتبارهم أفراداً، كما يعتقد الكاثوليكيون يستطيعون أن يجدوا الخلاص الروحي (بارتدادهم إلى المسيحية) . أما النبوءات المتعلقة بعودة اليهود فإنها كانت تُؤَوَّلُ على أنها عودة الإسرائيليين من المنفى في بابل، وأنه تحقق ذلك في القرن السادس قبل الميلاد حين أعادهم (قورش) إلى فلسطين [٥] . ولذلك ظل التناقض قائماً بين الحركة الصهيونية منذ مؤتمر (بازل) عام ١٨٩٧م والعقيدة الكاثوليكية بمركزها الديني في الفاتيكان. وقد أكد على ذلك البابا (بيوس العاشر) في لقائه مع الزعيم الصهيوني (هرتزل) عام ١٩٠٤م؛ حيث أعلن البابا معارضته للحركة الصهيونية ولهجرة اليهود إلى فلسطين، ثم اعترضت الكنيسة الكاثوليكية على وعد بلفور عام ١٩١٧م. وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وبسبب الدعاية الصهيونية حول ما يسمى: (معاناة اليهود خلال الحكم النازي) تعاطف بعض الكاثوليك مع الفكرة ... الصهيونية؛ إلا أن موقف الفاتيكان انحسر في الإعلان عن تأييد مسألة (تدويل القدس) ، وفق الخطة التي أقرتها الأمم المتحدة حول فلسطين عام ١٩٤٧م، وكان موقف الفاتيكان من قيام (إسرائيل) عام ١٩٤٨م هو الحياد؛ أي (لا اعتراف ولا إدانة) مع تزايد الاهتمام بتدويل القدس ومسألة اللاجئين العرب [٦] وفي عام ١٩٨٥م، وبعد تولي البولندي (وتيلا) كرسي البابوية تحت اسم (البابا يوحنا بولس الثاني) بثلاث سنوات شرع الفاتيكان في تقديم مجموعة من التنازلات إزاء اليهود، اعتبرت تمهيداً لتخليه عن القضية الفلسطينية وتوطئة لدخوله في ... مصالحة روحية وسياسية مع اليهود؛ حيث فاجأ بابا الفاتيكان العالم بتبرئة اليهود من خطيئة تعذيب وصلب وقتل السيد المسيح ﵇، كما يعتقد المسيحيون، وذلك من خلال وثيقة أقرها الفاتيكان؛ حيث دعت الوثيقة إلى ما أسمته بـ ... (تصحيح علاقة) المسيحيين واليهود، والعمل على إعادة النظر في التراث ... الكنسي نفسه، وتعديل ما يمكن تعديله بقصد نزع كل ما يؤدي إلى تكوين وعي معاد لليهود داخل الكنيسة الكاثوليكية. ولتمثيل الحوار المسيحي الكاثوليكي اليهودي، ولنزع كل ما هو (معاد) لليهود أنجز البابا خطوة مهمة بزيارة المعبد اليهودي (سينفوغا) في العاصمة روما، وطالب بإعادة تفسير العلاقة المسيحية اليهودية بدءًا من إعادة دراسة الكتاب المقدس والعهد القديم والطقوس والشعائر والصلوات والتراتيل التي تمارس داخل الكنائس بقصد إعادة تأويلها بما يفيد تبرئة اليهود من (خطيئة قتل المسيح وصلبه) وإعادة صيغة التراث الكاثوليكي، والكتاب المقدس بما يناسب النظر إلى اليهود نظرة جديدة (أكثر تفهماً وتسامحاً) والتأكيد على الأصول المشتركة للدينيْن، وعلى الأصل اليهودي للسيد المسيح [٧] ولم يكن إصدار تلك الوثيقة الفاتيكانية خطوة أخيرة، بل تبعتها خطوات لاحقة في الإطار نفسه؛ حيث اعترف الفاتيكان عام ١٩٩٣م بالكيان الصهيوني. وفي نوفمبر من عام ١٩٩٧م وفي إطار استعداداته لاحتفالات الألفية الثالثة عقد الفاتيكان مؤتمراً حضره (٦٠) شخصية من أبرز رجال الكنائس العالمية لتدشين مجموعة من الاقتراحات تمهيداً لصدورها في وثيقة تحت عنوان: (جذور معاداة اليهود في الأوساط المسيحية) وصف البابا بولس الثاني الهدف منها بأنه (إجراء عملية ترتيب وتنظيف للذاكرة المسيحية من الشوائب والأفكار المعادية للشعب اليهودي) ، وفي ١٢-٣-١٩٩٨م، وقَّع بابا الفاتيكان على وثيقة باسم: (نحن نتذكر) وصادق الفاتيكان على محتوياتها رسمياً يوم ١٦-٣-١٩٩٨م ووصفها البابا بأنها: (طلب غفران للأخطاء التي ارتكبها بعض المسيحيين في حق اليهود) ... ووصفها الكاردينال (إدوارد كاسيدس) رئيس لجنة العلاقات اليهودية المسيحية بأنها: (إقرار بالشعور بالندم، واعتراف بالخطيئة التي ارتكبها بعض المسيحيين في حق اليهود) [٨] . وأعلن الفاتيكان (أن توبة المسيحيين تجاه اليهود يجب أن تكون فردية وجذرية وشاملة، وأنه لا تكفي التصريحات الصحافية والمراجعات النقدية لمحو خطايا الماضي التي أدت إلى المحرقة النازية) [٩] . وصرح أحد أعضاء لجنة الصياغة لهذه الوثيقة لصحيفة الفاتيكان الرسمية (المراقب الروماني) أن الفاتيكان سيراجع ويعدِّل عدة نصوص دينية في العهد الجديد لتحاملها على اليهود، كما سيتم تعديل في إنجيلي متَّى وبولس وقصة الحواريين برمتها إرضاءًا: لليهود. والأخطر من ذلك أن المؤتمر المشار إليه سابقاً أشار إلى أن المسيحيين واليهود يتقاسمان الاعتقاد في (الإله يهوه الرب اليهودي) وأن المسيح والحواريين وُلدوا يهوداً وعاشوا على ارتباط عضوي بالكنيس اليهودي. ولعل (الفاتيكان) بتلك (الوثيقة) قد خطا خطوات واسعة نحو (تهويد ... ... الكاثوليكية) ، بعد (تهويد البروتستانتية) على يد (لوثر) في القرن السادس عشر؛ إذ إن الاعتذار الفاتيكاني الأخير، دعا المسيحيين صراحة إلى مد جسور التواصل مع تعاليم العهد القديم، وألح على التعاطي مع اليهودية السياسية الراهنة، كوريثة روحية للسامية، ودعا أيضاً إلى إنهاء الفصل الذي طالما أجرته ... الكاثوليكية بين التاريخ الديني اليهودي القديم واليهود الحاليين، مما يجعل فكرة (الحلم اليهودي) أو (العودة إلى أرض الميعاد فلسطين) من ثوابت ... التعينات العقدية الكاثوليكية في المستقبل؛ ولذلك لم تكن مصادفة بريئة أن يبرم الفاتيكان في نوفمبر ١٩٩٧م وهو التوقيت نفسه لانعقاد مؤتمره الذي ناقش فيه وثيقة الاعتذار لليهود اتفاقاً لأول مرة مع الكيان الصهيوني يمنح الكنيسة الكاثوليكية ومؤسساتها في القدس وضعاً قانونياً واستقلالاً إدارياً في الداخل؛ غير أن الاتفاق قضى بتطبيق القانون الإسرائيلي في علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالعالم الخارجي، وهو ما يعد اعترافاً ضمنياً من قِبَلِ الفاتيكان بأن مدينة القدس هي (عاصمة ... الكيان الصهيوني) . ويبقى أن نشير إلى أن الوثيقة الفاتيكانية، قد جاءت استجابة للتيار الأساس السائد في العالم الغربي الآن، والذي يزداد يوماً بعد يوم ولعاً بفكرة (الصدام الحضاري) وأن الإسلام هو (العدو) البديل للغرب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

стр. 3166

المسلمون والعالم معركة الإسلام في إندونيسيا في مواجهة هجمات التبشير النصراني توفيق محمد علوان الإسلام في إندونيسيا يخوض معركة فاصلة في مواجهة شرسة مع شراذم المبشرين النصارى، مدعومة بكل التأييد السياسي والمعنوي والمادي من دول الغرب على اختلاف مشاربها، وفي فترة وجودي في إندونيسيا، وبحكم عملي أستاذاً للتفسير في الجامعة الإسلامية الحكومية هناك، فقد تبينت لي كثير من الحقائق المفزعة، والتي أرى لزاماً عليَّ تبليغها لتكون في عنق من بلغته أمانة يُسأل عنها يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين. إن الإسلام الذي اكتسح إندونيسيا في وقت بالغ القِصَر ببركة القرآن العظيم، وتصديقاً لحديث النبي ﷺ : (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار) [١] ، إنما يواجه في هذا الجيل حرباً طاحنة تهدف في الدرجة الأولى إلى زعزعة سيطرته الكاملة على دولة هي أكثر دول الإسلام قاطبة من جهة تعداد سكانه؛ فإن حشداً من المسلمين يبلغ مائتي مليون نسمة يجتمعون في هذا الركن من العالم، والذي علم النصارى أنه ناءٍ فركزوا دعايتهم على أطرافه لتقطيع أوصاله؛ حيث علموا أن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية. وبعد بحث عميق ودقيق وجدنا أن الأسباب الكامنة وراء ذلك هي ما يلي: أولاً: الأسباب الجغرافية: ١ - السبب الأول: تتكون إندونيسيا من ما يقارب ١٧٠٠٠ جزيرة تترامى في مناطق شاسعة تملأ المساحة بين قارتي آسيا وأستراليا مما يجعل الأسفار الداخلية حتى بالطائرات الحديثة ربما يستغرق أياماً. إن الجزر التي انقطعت بها السبل ولا وسيلة فاعلة لها للاتصال مع إخوانها تنهار مناعتها؛ حيث الشعور بالعزلة والانفراد، وكذلك يصير من العسير إنقاذها حال تعرضها إلى خطر داهم يهدد دينها الذي هو عصمة أمرها. ومن هنا فإن المبشرين بما لديهم من قدرة فائقة على الخداع والمكر قد أدركوا هذه النقطة البالغة الأهمية، فركزوا حملتهم بهذا الإصرار على إندونيسيا دون سواها من دول العالم الإسلامي؛ حيث لم يوجد مَثَلٌ لهذه الحملة وبهذا الحجم إلا في بعض الدول المغمورة في مجاهل إفريقيا. ٢ - السبب الثاني: هو قرب إندونيسيا نسبياً من أمريكا واستراليا والفلبين؛ حيث لا يفصل بينها وبينهم إلا بحار يمكن قطعها مباشرة ودون أية عوائق جغرافية وسياسية يمكن أن تمنع الوصول إليها. ومن المعلوم أن المرض إنما يصيب العضو الأقرب له في حالة انعدام وسائل المناعة والدفاع، وإن أوروبا وأمريكا هما اللتان تتوليان كِبْر الحملة الصليبية التبشيرية؛ حيث يمكن للمبشرين منهما دون عائق يُذكر الوصول بإمكاناتهم المادية والمعنوية لافتراس ما يستطيعون من جَهَلَةِ المسلمين. ثانياً: الأسباب التاريخية: إن إندونيسيا شأنها شأن غيرها من دول العالم الإسلامي قد تعرضت لحملة عسكرية استعمارية جبارة أدت إلى السيطرة على مقدراتها وامتصاص دمائها وسحب بريق الحياة من جنباتها، وإن الأفعى المتوحشة التي قامت بهذا الدور باسم الاستعمار في هذه البقعة من العالم الإسلامي هي هولندا التي اقتحمت إندونيسيا بالقوة بعد اقتحام البرتغال وأسبانيا لها، وكذلك إنجلترا بصورة مؤقتة، وقد ساعدت هذه الدول بغير هوادة عمليةَ التنصير التي جرت على قدم وساق زاعمة أن دعوتها هي دعوة سلمية وادعة بينما تلجأ إلى أشد التدابير فظاظة وضراوة عند الضرورة. ولكي يُفهم ما نعنيه من ذلك نضرب مثالاً واحداً: إن محافظة تيمور الشرقية هي منطقة إندونيسية من الرأس إلى القدم، ومع أن إندونيسيا قد حصلت على استقلالها جميعها في عام ١٩٤٥م، فإن القوات البرتغالية عادت مهرولة إلى تيمور الشرقية متشبثة بها؛ فبقيت وحدها دون إندونيسيا تحت الاحتلال الصليبي البرتغالي، ولقد حاول الأهالي المقاومة بما لديهم؛ ولكن القوة كانت غير متكافئة، وبقي الأمر على هذا الوضع الشاذ، والذي يسمح باستقلال دولة بكاملها إلا ما يقل عن نصف بالمائة من سكانها حتى عام ١٩٧٤م، حين وافق البرتغاليون لأول مرة على (حق تقرير المصير لشعب تيمور) ، ولكنهم خلَّفوا وراءهم حكومة ذات أقلية شعبية مما أدى إلى نشوب حرب أهلية لم تلبث أن انتهت باتحاد الأحزاب كلها في تيمور من أجل الانضمام إلى إندونيسيا. وفي يوم ٣١-٥-١٩٧٦م وتحت ضغط المقاومة تم إجراء استفتاء عام قرر فيه أهالي تيمور الانضمام إلى إندونيسيا، وأعلنت النتيجة رسمياً في ١٥-٧- ١٩٧٦م، وبناء عليه عادت لتصير المحافظة رقم ٢٧ في إندونيسيا مثل أخواتها. وإنما سردت هذه النُبذة المختصرة عن تاريخ تيمور بالذات ليعلم الذي لا دراية له بالأمر الدور الرهيب في التنصير المدعم بالقوة المسلحة، ليس في القرنين : السادس عشر، والسابع عشر، وإنما في أواخر القرن العشرين. إن تاريخ المستعمر الهولندي والأسباني والبرتغالي والإنجليزي قد قام على دعامة التفرقة والتنصير، وحماية ذلك الهدف باستخدام أشد وسائل القمع ضراوة وعنفاً. ثالثاً: الأسباب الثقافية: لقد تبين بعد دراسة متأنية أن عمليات التبشير تبلغ أشدها حيث تستشري الجهالة والعماية، وبحيث يعيش الناس حياة أقرب لحياة الحيوان؛ ففي بعض حالاتهم يعيشون عراة كما ولدتهم أمهاتهم رجالاً ونساءًا في غابات نائية وجزر متفرقة، تفترسهم الأزمات والمجاعات والأمراض مع الجهل المطبق بالإسلام، وإن كانوا يُحْسَبون من الناحية الإحصائية في عداد المسلمين، فيمكن من غير جهد وبحفنات قليلة من الأرز أو الذرة تحويلهم إلى قطعان تسير وراء المنصِّرين الذين يتيهون فخراً بهذا النصر العقائدي. رابعاً: الأسباب السياسية: إن سياسة الحكومة الإندونيسية تقوم على عدم التمييز بين الإسلام وغيره من الديانات، ومن ذلك: منح إجازة رسمية للبوذيين والهندوسيين في أعيادهم على ندرتهم جداً في إندونيسيا، وأما أعياد المسيحيين فتدق لها الطبول وتتوقف الأعمال وتتم الدعاية الصاخبة لها في كافة القنوات المرئية والمسموعة والمقروءة حتى يظن الجاهل أن البلاد كلها من المسيحيين برغم أنهم أقلية نادرة. إن هذه الدعاية تعطي صورة غير واقعية عن قوة التبشير وكفاءته، بل إن الدولة تسلك طريقاً غير عادلة بين المسلمين والنصارى في مساعداتها الخاصة بالعبادات، كما نورده بأدق وأحدث الإحصائيات الآتية: حقائق مؤسفة بالأرقام: في عام ١٩٩٦ - ١٩٩٧م: قدمت الحكومة مساعدات مالية لأهل الديانات المختلفة لأجل بناء دور العبادات الخاصة بها في جميع أنحاء البلاد، وهي كما يلي: - مساعدة للمسلمين لبناء ٢٣٠٠ مسجد. - مساعدة للنصارى البروتستانت لبناء ١٠٢ كنيسة. - مساعدة للنصارى الكاثوليك لبناء ٢٠٢ كنيسة. - مساعدة للهندوس والبوذيين لبناء ١٤٦ معبداً، مع ٥٤ داراً للعبادة. جملة ما بنته الدولة بنفسها من دور العبادة حتى السنة الثالثة من الدورة الرئاسية السادسة من فترة حكم سوهارتو (قرابة أربعين سنة) هو (٦٦٩٧٠٠) دار عبادة مقسمة كما يلي: ١ - ٥٩٧٥٠٠ مسجد. ٢ - ٣٠٧٠٠ كنيسة بروتستانتية. ٣ - ١٣٧٠٠ كنيسة كاثوليكية. ٤ - ٢٣٨٠٠ معبد. ٥ - ٤٠٠٠ مكان صغير للعبادة. توزيع الكتب الدينية: في عام ١٩٩٦ ١٩٩٧م: قامت الحكومة الإندونيسية بطباعة وتوزيع عدد (٨١٤٩٠٠) نسخة من الكتب المقدسة مقسمة كما يلي: ١ - ٦٥٠٦٠٠ نسخة من القرآن الكريم. ٢ - ٤٦٨٠٠ إنجيل لطائفة البروتستانت. ٣ - ٥٠٥٠٠ إنجيل لطائفة الروم الكاثوليك. ٤ - ٤٠٠٠٠ من الكتاب المقدس لطائفة الهندوس. ٥ - ٢٧٠٠ تريبيتاكاسي (كتاب البوذيين) . وحتى السنة الثالثة من الفترة الرئاسية السادسة لحكم سوهارتو (قرابة أربعين سنة) ، كانت جملة الكتب المقدسة المطبوعة بمساعدة الحكومة ٢. ٤ مليون كتاب مقدس مقسمة كما يلي: ١ - ١. ٩ مليون نسخة من القرآن الكريم. ٢ - ١٧٣٨٠٠ إنجيل لطائفة البروتستانت. ٣ - ١٦٣٥٠٠ إنجيل لطائفة الكاثوليك. ٤ - ١٢٤٥٠٠ كتاب مقدس للهندوس. ٥ - ٧٨٠٠٠ كتاب مقدس للبوذيين. هذا إلى جانب إطلاق حرية الطباعة والنشر كاملة لجميع الطوائف، وبما يتاح لكل طائفة من إمكانات ذاتية أو ما يمكنها الحصول عليه من إمكانات بوسائلها المختلفة. تحليل الإحصاءات المذكورة والتعليق عليها: بالنظر إلى الإحصاءات المذكورة (وهي إحصاءات حكومية، وبغضِّ النظر عن نصيبها من الحقيقة) فإننا نجد أنفسنا في حالة ظلم صارخ على المسلمين، وذلك بناء على تحليل النتائج السابقة واستخلاص النتائج اللازمة منها؛ ذلك أن المال الذي تدفعه الحكومة لطبع الكتب وبناء أماكن العبادة لغير المسلمين إنما يتحصل من أموال المسلمين التي تستوفيها الحكومة منهم طوعاً أو كرهاً. وبحسب الإحصاء المذكور فإن عام ١٩٩٦ ١٩٩٧م وحده قد شهد بناء عدد كلي للمساجد هو ٢٣٠٠ مسجد في جميع أنحاء إندونيسيا، بينما شهد نفس العام بناء كنائس عددها: ٣٠٣ كنيسة (كاثوليك وبروتستانت) ، ٢٠٠ معبد وغيره، أي إن دور العبادة غير الإسلامية في جملتها هي: (٥٠٣) ، ويتبين منه أن نسبة المساجد (الإسلام) إلى نسبة الكنائس والمعابد (غير الإسلام) هي: ٤.٥ - ١، وبه يظهر أن نسبة دور العبادة غير الإسلامية تبلغ ٢٠ - ٢٥%، فإذا علمنا أن عدد السكان في إندونيسيا هو (مائتا مليون) بحسب الإحصاءات الحكومية أيضاً منهم ١٥ - ٢٠ مليوناً (على أقصى التقديرات النصرانية كما سيرد بتفاصيله في موضعه إن شاء الله) ديانات غير إسلامية (غالبيتهم من النصارى البروتستانت والروم الكاثوليك) فتكون نسبة النصارى إلى المسلمين على أقصى الفروض أقل من ١-١٠ بينما مساعداتهم المالية وميزانياتهم من الحكومة لبناء دور العبادة وللطباعة والنشر وغير ذلك في جملتها تصل إلى ٤٠% من جملة المساعدات الحكومية إذا علمنا ذلك أدركنا أن هذا العدد القليل من النصارى إنما يحصل على مال المسلمين لبناء الكنائس وتمهيد السبل للمبشرين حتى يعيثوا فساداً في أراضي المسلمين بأموال المسلمين. كذلك يلاحظ أن هذه النسبة الكبيرة من الإنفاق على النصارى من أموال المسلمين إنما تركزت في السنوات الأخيرة، وخاصة عام ١٩٩٦ ١٩٩٧م، مما يدل على تنامي النفوذ النصراني على المستوى السياسي بما يضمن هذه المصالح النصرانية. إن أموال المسلمين إنما دفعها المسلمون لحماية دينهم وتقوية عقائدهم، لا لحماية ديانات النصارى والبوذيين والهندوس، وتثبيت عقائدهم، هذا إذا كان المسلمون في حالة من المنعة والقوة، فكيف والنصارى يتلقون نسبة من الدعم المالي من كافة دول الأغنياء من الغرب مما هو ظاهر ومعلوم، فضلاً عن الدعم العسكري من دول الاستعمار الآتية لامتصاص دماء المسلمين وبذلها للنصارى. إن التبشير في إندونيسيا إنما يتقوى ويستشري اعتماداً على المساعدات المالية غير المحصورة من العالم النصراني، علاوة على المساعدات المعلنة من الحكومة التي يفترض أنها تمثل المسلمين وعقائدهم، إنها الأسباب السياسية التي تضمن وتمكِّن النفوذ النصراني، سواء بضغط السياسة الخارجية، كما خُطط لفصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا، وهي القضية التي شغلت بال سكرتير عام الأمم المتحدة الحالي (كوفي عنان) رغم الأحداث الجسام التي تنتاب العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة. كل هذا لم يشغل سكرتير عام الأمم المتحدة عن القضية الهائلة الخطيرة: قضية فصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا لتكون شوكة جديدة مسمومة تضاف إلى غيرها من الأشواك التي ما زالت تدمى لها أطراف الجسد الإسلامي المثخن بالجراح. لقد كانت محاولات فصل تيمور عن الوطن الإندونيسي الأم تجري على قدم وساق وجنباً إلى جنب مع تركيز نفوذ النصارى في جميع أنحاء مراكز التأثير في البلاد. يتبين لنا ذلك بيسر من حجم المطبوعات غير الإسلامية التي طبعت على نفقة المسلمين؛ ففي عام ١٩٩٧م وحده كانت جملة المطبوعات النصرانية والبوذية والهندوسية ٢٥% من جملة الميزانية فيما تمثل نسبتهم مجتمعين أقل من ١٠% من تعداد السكان (هذا في حالة التسليم بصدق الأرقام التي تهيمن عليها الحكومة محاباة للنصارى رغبة ورهبة) . وباختصار فإن ربع الميزانية يعطى للأقلية، أما الفترة الماضية (حوالي أربعين عاماً) فقد ظلت نفس النسبة قائمة: ١.٩ مليون مصحف إلى ٥٢٨٨٠٠ كتاب دين غير إسلامي، (أي نسبة ٢٥% تقريباً) ، وهي نسبة مجحفة وظالمة للمسلمين في حالة السماح للنصارى بطبعها من نفقتهم الخاصة؛ والمسلمون هم الذين يدفعون النفقات. هذا في حالة المسالمة والموادعة فكيف بالحرب المعلنة صريحةً داميةً من المستعمرين منذ ثلاثمائة عام للتمكين للنصرانية؟ وكيف بحرب التبشير على كافة القنوات التي يبصرها ويعلمها كل من عاش على أرض إندونيسيا؟ إن الأسباب السياسية - داخلياً وخارجياً - ضالعة في الكارثة العقدية التي حوَّلت ١٠% من سكان أكبر دولة إسلامية من جهة تعداد السكان إلى النصرانية. نسأل الله أن يحفظ الإسلام في إندونيسيا المسلمة وفي كل بقاع العالم، وأن يرد كيد أعدائه إلى نحورهم. آمين.

стр. 3167

المسلمون والعالم المجاعة الفكرية في إفريقيا الحسن عمر الفاروق جارا قد لا نحتاج إلاَّ إلى جهد قليل ليتبين لنا أن الدول المتنافسة على إفريقيا قد وضعت القضاء على الوجود الثقافي على رأس القائمة التي تضم أهدافها الاستراتيجية - عندما شرعت في احتلال المناطق الإسلامية - لأن ذلك الوجود الثقافي هو الدرع الواقي للشعوب المسلمة. وكانت الدول المتنافسة تعي وتدرك الدور الخطير والحيوي الذي يمكن أن تلعبه قنوات التواصل الممتدة بين منطقة غربي القارة، ودول شمال إفريقيا التي يُنظر إليها على أنها المعبر الذي بواسطته وصلت حركة المد الإسلامي منطقة جنوب القارة. وبناء على هذا التحليل كانت أولى الخطوات هي سد المنفذ الجنوبي الذي يمثل بوابة ثقافية مهمة بالنسبة لغرب إفريقيا، وذلك إذا نظرنا إلى الموضوع في ضوء العلاقات الثقافية النشطة التي كانت قائمة بين المنطقتين كما سبق ذكره وإلى هذه الحقيقة أشار الدكتور عبد الله عبد الرزاق عندما قال: (كانت الموجة الاستعمارية تتركز في المقام الأول على المسلمين في شمال القارة، باعتبارهم الحصن الحصين، والدرع المتين الذي يدافع عن الإسلام وعن المسلمين ... ) [١] . فالعنصر الثقافي في كل الأحوال يبقى عاملاً حاسماً؛ حيث لعب دوراً مزدوجاً تَمَثَّلَ في كونه رأس الحربة التي وظَّفها الاستعمار بشكل كبير بغية إيجاد موطئ قدم له في ربوع هذه البلاد، والتوغل في النسيج الاجتماعي لمسلمي غرب إفريقيا، محطِّماً أسسهم الحضارية. إن الأداة التي استخدمها الاستعمار لاختراق المنطقة كانت تتمثل في المحاور الثلاثة: - الكنيسة. - المدرسة. - الجيش. وكانت المدرسة أكثر الثلاثة خطورة، باعتبارها الوسيلة التي أبقت على الوجود الاستعماري حتى وقت رحيله؛ بينما كان دور الجيش ينحصر في التركيع الآنيِّ [٢] ، ثم كان العنصر الثقافي هو الأداة التي استُخدمت مرة أخرى عند الرحيل للمحافظة على الولاء، ولرعاية المصالح عندما أصبح من المتعذر الإبقاء على الوجود المادي المباشر؛ وفي الجانب المقابل وعى المسلمون في وقت مبكر جداً خطورة الهجمة الثقافية التي كانت تستهدف في المقام الأول كيانهم الحضاري. ووُلد ذلك الوعيُ الإيجابي الذي تزايد نضجاً مع مرور الزمن وشراسةِ الهجمة؛ ليكون رد فعلٍ عملي على تلك الهجمة. وقبل تناوُل الأثر الثقافي لتنافُس الدول الكبرى في الحقبتين الأولى والثانية، ينبغي أن نوضح أن هذا الأثر قد تتفاوت درجات عمقه من مجتمع لآخر؛ تبعاً لظروف خاصة، ولعوامل معينة، مثل: درجة الوعي الشعبي، أو وجود زعامات قومية ذات ولاء للوطن، ثم طبيعة القوة الأجنبية المسيطرة ... كما قد يكون هذا التأثير في بعض جوانبه في حالة من التمدد مما يجعل عملية تتبعه مهمة لا تتسم بالسهولة، وذلك تبعاً للنظرية القائلة بأن منطقة غرب إفريقيا مرشحة لمزيد من التنافس، مما يعني صوراً أخرى من التأثير الخارجي، وتنبني هذه النظرية - التي ترشح المنطقة لأن تشهد مزيداً من التنافس مما يستتبع مزيداً من التوتر، وصوراً أخرى من الآثار السلبية - على مؤشرات كثيرة منها: - أن المنطقة تختزن أرصدة جيدة من ثروات باطن الأرض. - الوضع الاستراتيجي الذي يزداد أهمية في ضوء المستجدات العالمية. حركة الوعي الديني التي تستقطب قطاعاً عريضاً من الشباب المثقف عبر المؤسسات الأكاديمية ذات الجذور الغربية بشكل خاص. ونستطيع حصر برنامج التخريب الثقافي الذي تبنته الدول المستعمرة والمهيمنة، في المحاور الرئيسة الآتية: نسف أسس المؤسسات (المجالس العلمية والثقافية) التي كانت قائمة وتؤدي دوراً فكرياً واجتماعياً متميزاً، وذلك باعتبارها مصدر الإشعاع الثقافي الوحيد الذي كان في أيدي المجتمعات المسلمة بالمنطقة عن طريق تخريج الأئمة والقضاة والمثقفين، وكان مشروع التخريب الذي تم إعداده يتكون من شقين: الشق الأول: الحيلولة دون نمو وتطور هذه المؤسسات على المستويين: الكمي، والكيفي، بمعنى الحد من انتشارها، وممارسة ضغط نفسي ومادي على القائمين عليها من أجل جعل المستوى العلمي يتجه نحو الانحدار تمهيداً للقضاء عليها عن طريق سد المنافذ العلمية والمصادر الثقافية كما سيتضح لاحقاً. الشق الثاني: السعي الجادّ إلى جعل المدرسة الاستعمارية التي كانت ذات مضمون تنصيري صِرف تحل محل المؤسسات الإسلامية الثقافية (المجالس) لأنهم كانوا يشعرون تجاه هذه الأخيرة بقلق كبير من جراء نفوذها الاجتماعي، ودورها في خلق الوعي الجماهيري، وصَقل الرؤية الوطنية التي تنادي بالمقاومة ورفض الهيمنة الخارجية، وفي هذا الإطار جاءت فكرة تأسيس المدارس الثلاثة المعروفة: تمبكتو (بمالي) ، وبُتَلْميت (بموريتانيا) ، وسان لويس (في السنغال) . ولقد كان لهذه المدارس أثر سيئ على مستقبل الثقافة الإسلامية في المنطقة؛ يستنتج ذلك من الاستراتيجية التي تم رسمها، والأهداف التي سعت إلى تحقيقها: عندما بدأت المدرسة الفرنسية تأخذ طابعها النهائي في إفريقيا الغربية كان في تلك البلاد عدد كبير من المدارس العربية التي تأسست في الماضي، وبعضها كان له شهرة كبيرة وقديمة مثل مدرستي: تمبكتو - وجنى، اللتين بلغتا مرتبة الجامعات في أيام الأسكيين على الخصوص؛ ولم يكن من صالح الاستعمار الفرنسي إغلاق تلك المدارس التي أُنشئ لها فروع في عديد من الجهات، كما لم يكن من صالحه أبداً تركها تؤدي دورها كما كانت تعمل في الماضي [٣] . وأما المخطط الذي وضع لتسير عليه هذه المدارس لتصل إلى النتيجة التي تخدم مصالح المستعمر فقد ارتكز على المحاور الثلاثة الآتية: المحور الأول: تغيير برنامج هذه المدارس تغييراً نهائياً: فلا تصبح جامعات إسلامية، وإنما مدارس فرنسية عربية، يغلب فيها اللسان الفرنسي والعلوم الفرنسية أكثر فأكثر، وذلك على حساب اللغة العربية، والعلوم العربية (الثقافة الإسلامية) . المحور الثاني: فرض حصار ثقافي شامل على المنطقة: وسارت هذه الخطة في خط موازٍ لخطة تخريب المؤسسات الثقافية الإسلامية؛ لأنها هي المكملة لها؛ وتمثل الحصار في سدِّ تلك القنوات التي كانت بمنزلة روافد ثقافية تمد الحركة الثقافية في المنطقة بما تحتاج إليه من مصادر؛ وكان من بين الوسائل العلمية التي استخدمت: فتح مكاتب للمراقبة بحيث يجب أن تمر من خلالها كل المطبوعات التي يتم إدخالها إلى المنطقة، وكان الذين يشرفون على جهاز المراقبة غالباً ما يكونون من اليهود؛ وفي خطوة مرادفة تم السماح بدخول نوعٍ معين من الكتب لاستغلال ما تحمله من أفكار وآراء تتعارض مع الخط الإسلامي الأصيل الذي يرفض الخضوع للهيمنة الخارجية التي تحمل في نظر مسلمي المنطقة - وفي الحقيقة كذلك - طابع الكفر وتريد فرضه عليهم بالقوة [٤] . ويلخص أحد أقطاب الاستعمار الفرنسي موقفهم بشكل لا لبس فيه عندما يصرح بقوله: (نحن لا نعترف في غرب إفريقيا إلا بثقافة واحدة، وهي ثقافتنا) [٥] . المحور الثالث: يتمثل في ضرب اللغة العربية باعتبارها وسيلة فعالة في المعركة الثقافية الدائرة بين الجانبين: (فلقد بدأ الصراع بين الثقافتين: العربية (الإسلامية) ، والأوروبية (الاستعمارية) في القارة الإفريقية غير العربية (غرب إفريقيا خصوصاً) ، وكان محل التنازع (اللغة) التي هي وسيلة نقل الثقافة؛ فلقد أثر الاستعمار تأثيراً كبيراً على ثقافات الشعوب التي يحتل أراضيها قبل أن تنال هذه الشعوب استقلالها، ولجأ إلى نوعية من الأساليب الثقافية لفرض نفوذه على المناطق التي يتحكم في مصيرها، ثم اتبعت فرنسا سياسات الدمج والاستيعاب على المستويين اللغوي والثقافي) [٦] . ولقد لخص الحاكم الفرنسي لمنطقة غرب إفريقيا سياسته تجاه اللغة العربية عندما قال بالحرف الواحد: (نحن نريد أن نبعد التشجيع على استخدام اللغة العربية) [٧] ويجدر هنا تسجيل الملاحظات الآتية عن وضعية اللغة العربية: ١ - إن اللغة العربية كانت اللغة الحية المكتوبة الوحيدة التي كانت تعرفها المنطقة يوم حل بها الاستعمار، وبذلك كانت إلى جانب كونها الأداة الثقافية الوحيدة لغة الإدارة والوسيلة الوحيدة في مجال التبادل الاقتصادي حتى لغير المسلمين. ٢ - بحكم المركز المتميز الذي كانت تحتله اللغة العربية اضطر الاستعمار إلى استعمالها من خلال استراتيجية ذكية استهدفت الاستفادة منها لتثبيت أركان وجوده مع وضع خطة للقضاء عليها تدريجياً. ٣ - تحمل اللغة العربية بالنسبة لسكان المنطقة بما فيهم غير المسلمين سجلاً تاريخياً ضافياً، يتصف بالحيوية ويشمل الفترتين: ما قبل الاستعمار وما بعده، ويمثل مصدراً تاريخياً فريداً [٨] . لهذا كله كان من الأمور الجوهرية أن يتم توجيه ضربة قاضية للغة العربية، وزحزحتها عن مكانتها العالية في النفوس، وفي الواقع العملي؛ لكن ذلك لا يكون ارتجالاً، إنما يتم وفق خطوات محسوبة بدقة كما يقول جورج هاردي J. Hardie: (وبكلمة واحدة: فإن اللغة العربية لم يصبح لها من ذلك التاريخ في برنامج المدارس الفرنسية العربية (E. F. A) أكثر من الدور والمكانة التي تحتلها اللغات الأجنبية في الثانويات الفرنسية) [٩] . ولتكون سياسة ضرب اللغة العربية في المنطقة نافذة تم العمل على ناحيتين أساسيتين: أولاً: تهميش أصحاب الثقافة الإسلامية ذات الجذور العربية (اللغة) ووضعهم في حالة مادية متدنية ومزرية داخل مجتمعهم حتى يردع ذلك من تسول له نفسه تعلم اللغة العربية [١٠] . وتكاملت هذه السياسة مع غيرها من الخطط التي تهدف كلها في النهاية إلى نسف دعائم الثقافة الإسلامية في المنطقة مستهدفة الوجود الإسلامي بشكل عام على المدى البعيد. وكما كان متوقعاً فإن الاستعمار اكتشف حقيقة مهمة، وهي مدى شدة ارتباط الثقافة الإسلامية، وتعلق مسلمي غرب إفريقيا برافدها الأصلي (اللغة العربية) فكان لا مفر من اللجوء إلى القوة والقانون معاً، فبدأت حملة سن التشريعات التي تسعى إلى جعل سياسة الحصار الثقافي أمراً واقعاً، فإن تغلب المسلمون على الألاعيب الاستعمارية أرغموا على الرضوخ لقوة القانون أو لقانون القوة. يقول فروليش FROLECH: (الرخصة التي كان يخضع لها أولئك الذين يرشحون لفتح مدرسة عربية مرفوضة أحياناً ... ) [١١] . ثانياً: محاولة تحديد حركة الابتعاث تمهيداً لإيقافها نهائياً؛ ففي العقود الثلاثة الأخيرة من الوجود الاستعماري في المنطقة نشطت حركة الابتعاث إلى البلدان الإسلامية لطلب العلم بعد أن كان هذا النوع من الرحلات الثقافية ينحصر في دائرة المنطقة المحيطة بموريتانيا والسنغال ومالي، وكان الشباب يسعى إلى الوصول إلى التعليم النظامي الذي يقتصر داخل المنطقة على المؤسسات التعليمية الغربية. ويضاف إلى ذلك أن وطأة التضييق على المؤسسات التقليدية بدأت تشتد؛ فكان لا بد من البحث عن مُتنفس جديد، وهنا سارع الاستعمار مرة أخرى إلى محاولة سد هذه القناة التي كان يرى فيها الخطر الداهم، وخاصة في ضوء تلك الحركة الثقافية التي كانت تزداد قوة وتقوم على دعامتين: - الدعامة الأولى: عودة إلى أصول الإسلام وتبنيه باعتباره مشروعاً حضارياً في كلٍ من المشرق العربي والشمال الإفريقي. - الدعامة الثانية: تزعم الاتجاه الذي يرى في الاستعمار والدول الغربية عموماً مصدر الشرور التي كان يُعاني منها العالم الإسلامي، وخاصة مسلمي منطقة غرب إفريقيا، ومن ثَمَّ انطلق في تعامله معه من مبدأ الرفض الصارخ، وما يتبع ذلك من صور المقاومة. وفي الحقيقة فإن طبيعة المشكلة كانت تقتضي التركيز على التخريب الثقافي الذي مارسته الدول الأوروبية بشكل عام دون مراعاة للفواصل والخصوصيات التي تتميز بها كل من الحقبتين: الأولى: الاستعمار المباشر. والأخرى: ما يطلق عليه بعض الكتاب الذين عالجوا المسألة: حقبة التنافس؛ وذلك نظراً لأن بعض شركاء الاستعمار لا يزالون أطرافاً في اللعبة وبشكل أخص (فرنسا) . وأما إذا حصرنا الحديث في إطار الحقبة الثانية (التنافس) فيمكننا أن نجد صورة الموقف على النحو الآتي: - رأينا فيما سبق أن التغير الجذري في الإشكالية هو نزول قوى جديدة لتحتل الساحة وتكاد تهيمن عليها في بعض أجزاء المنطقة، مما يجعل البعض يتصور أن التنافس قد انحصر داخل قطب ثنائي هو الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ويمكن اعتبار الولايات المتحدة إلى حد ما امتداداً للثقافة الإنجليزية التي كانت بريطانيا تمثلها، ثم بدأ ظلها ينحسر رويداً رويداً، بينما مثَّل الاتحاد السوفييتي - آنئذٍ - ثقلاً جديداً وخطاً منفصلاً، وعاملَ تنافسٍ خطير في مواجهة المعسكر الغربي عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً. وبالرجوع مرة أخرى إلى مرحلة التكالب ابتداء من مؤتمر برلين (B. CONERENCE) بغية فهم التركيبة الجديدة التي ولدت في حقبة التنافس التي ليست في الواقع إلا نتيجة مباشرة لحقبة الاستعمار المباشر بمراحله المختلفة، نجد النتيجة المحزنة بالنسبة لإفريقيا عموماً وجزئها الغربي خصوصاً، والتي تمخض عنها المؤتمر عندما تم تقاسم المنطقة على طريقة توزيع التركة، بعد جرد الموجودات. ويتضح أن الجغرافية السياسية للمنطقة تشكلت من جديد بصورة تجعل ثلاث لغات عالمية: (الفرنسية - الإنجليزية - البرتغالية) تحمل ثقافات مختلفة وتنطلق من أسس فكرية متباينة بالرغم من القاسم الديني المشترك، وتتحرك داخل منطقة لا يتجاوز قطرها بضعة آلاف من الكيلومترات المربعة، وكان مستوى التواصل بين شعوبها يكاد يصل إلى درجة الشعب الواحد، كما نرى الوضع في مثلث: (غينيا بيساو - وجامبيا - والسنغال) . لكن مأساة مسلمي المنطقة لم تكن لتنتهي عند هذا الحد، وإنما جاءت الشيوعية لتحل محل الثقافة البرتغالية والفرنسية في كل من غينيا بيساو، وغينيا كوناكري، وإلى درجة ما في جمهورية مالي عقائدياً واستراتيجياً مع بقاء اللغتين البرتغالية والفرنسية محلهما، مما ولَّد مزيداً من التنافس والتمزق الثقافييْن في صفوف المسلمين بشكل أخص. وفي حقبة التنافس عملت الدول المشتركة في اللعبة في اتجاهات رئيسة أربعة يمكن توضيحها في الآتي: ١ - ما يمكن أن يوصف بـ (التصدير الثقافي) ، وهو ما يعني إغراق المنطقة بصور مختلفة من الدعاية الثقافية القائمة على الترويج، ويكاد الاتجاه الأمريكي يهيمن على الموقف في هذا الجانب، ويمكن إعطاء المثال على ذلك: التعدد الكبير في الأفلام الأمريكية التي تقدمها التلفزيونات في المنطقة في بلد فرنكوفوني مثل: غينيا وغيرها، وهكذا أصبحت دعاية (السوبرمان) الأمريكي تلقى صدى واسعاً في أوساط الشباب المسلم، وتؤثر في سلوكه بشكل ظاهر، ويضاف إلى ذلك الموسيقى الأمريكية (أنغام الديسكو) إلى جانب تداول بعض المصطلحات الأمريكية ذات الدلالات الخطيرة بين الشباب والتي خلطوها باللغة التي يتحدثون بها سواء كانت فرنسية أو محلية [١٢] . ويضاف إلى ذلك موجات القنوات التلفزيونية التي بدأت تغزو الفضاء الإعلامي في المنطقة والتي للجانب الفرنسي منها نصيب الأسد منها (قناة أوريزون Canal Horizon: قناة بليس (أي +) Canal Plus t.f.٥. ٢ - تشكيل منابر ثقافية (روابط) ذات مضمون حضاري، وأهداف سياسية وعلى الأخص: رابطة الدول الناطقة باللغة الإنجليزية (الكومنولث) [١٣] ثم جاءت: مجموعة الدول الناطقة باللغة الفرنسية (الفرنكوفونية Francophone) [١٤] رداً على هذا التحدي، ورأت الولايات المتحدة بدورها في هذه الخطوة خطراً يجب احتواؤه، فتبنت أسلوباً مماثلاً تمثَّل في اللقاء الذي جمع عدداً كبيراً من الدول الإفريقية والأفارقة الأمريكيين، وتم عقد اللقاء الأول بساحل العاج عام ١٩٩٢م. ثم نُظِّم الملتقى الثاني بجمهورية الجابون في صيف ١٩٩٣م، ولوحظ الاهتمام الكبير والدعاية الواسعة اللذين حظي بهما الملتقى سواء من جانب الإدارة الأمريكية وهو ما بينه مستوى الوفد الممثل لها، أو من قِبَلِ الصحافة العالمية التي غطت فعاليات الملتقى، وفي ذلك الملتقى حُدّد موعد اللقاء الثالث الذي قُرِّر أن يتم في لاغوس بنجيريا عام ١٩٩٥م [١٥] . ونشير هنا إلى الدور الخطير الذي تلعبه: Association collaboration cltrlle et TECHNIQUE (A. C. C. T) وكالة التعاون الثقافي والفني التابعة للفرنكوفونية [١٦] . ٣ - الابتعاث: ولقد استفاد الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي عموماً يومئذٍ من هذه السياسة التي نشطت بشكل ملفت للنظر خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات، وكذلك تميز الخط اليساري بالتغلغل إلى حد ما داخل الوسط الشعبي عن طريق: - استغلال الطبقة المتوسطة التي تضم المدرسين وصغار الموظفين التي كانت على اتصال مباشر بالجماهير نتيجة وجودها في الأرياف والقرى. - توظيف الفنون الشعبية، كالأغاني الفولكلورية، والمسرحيات، وكان لهذه الوسيلة أثر كبير في جعل الشباب ينتقد بعض المعتقدات الدينية باسم الثقافة - كوضع المرأة والمساواة والحرية. ٤ - ربط الدعم الاقتصادي والتنموي بالمصالح الثقافية، ويشتد التنافس في هذا المجال بشكل فريد بين الولايات المتحدة وفرنسا، حتى إن الأمريكيين ليضطرون - نتيجة الثقل الذي تمثله (الفرنكوفونية) في غرب إفريقيا [١٧] أن يلجؤوا إلى اللغات واللهجات المحلية ويتبنوا البرامج لدعمها للحد من النفوذ الفرنسي؛ ثم لتحقيق هدف تنصيري في الوقت ذاته. وتجدر الإشارة إلى الدور الذي تلعبه كل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (U. S. A. I. D) International. Development؛ وفيالق السلام الأمريكية (CORPS DE PAIX) في دول غرب إفريقيا، وقد تم إنشاؤها أساساً عام ١٩٦١م للعمل في مجال التعليم والتدريب في دول ما وراء البحار؛ وفي هذا المجال أيضاً لم يتخلف الاتحاد السوفييتي عن منافستها، وقد أراد أن يستغل بيعه صفقة الأسلحة لنيجيريا، فأرسل آلاف الطرود الملأى بالكتب العربية التي تم توزيعها بواسطة (جمعية الصداقة الروسية - النيجيرية) ومن بينها كتاب بعنوان: (الإسلام، نشوءه ومستقبله) الذي ألفه الملحق الروسي (ي. كليموتنش) وطبع في موسكو عام ١٩٦٨م، وفيه شتم وإنكار لنبوة محمد ﷺ ، وقد لاقى استنكاراً واسعاً من رجال العلم والثقافة في نيجيريا، لما تضمنه من أفكار هدامة [١٨] . ويمكننا رسم صورة للنتائج المباشرة التي تمخض عنها هذا التنافس على الوضعية الثقافية لمسلمي منطقة غرب إفريقيا: - الحصار الفكري والمصادرة الثقافية اللذيْن أديا إلى ضياع قطاع عريض من الشباب المسلم الذي تغربت أخلاقه، وسلوكياته ونظرته إلى المجتمع من حوله؛ ثم لما تسلم السلطة قاد سفينة المجتمع بعيداً عن المحيط الإسلامي الذي يمثل إطاره الصحيح. - التبعية الثقافية التي أصبحت واقعاً لا مفر منه؛ فالشاب المسلم في المنطقة يخرج من عداد المثقفين ما لم يتحدث بإحدى اللغات الأجنبية. - نشوء ما يمكن أن نسميه بثقافة (الدجل) التي انتشرت بفعل الحصار الفكري الذي استمر لفترة طويلة، تم فيها نشر عدد كبير من الكتب التي تعتبر ذات مفعول ثقافي مخدر؛ من ذلك: كتب الشعوذة، والطلاسم، والفكر الصوفي المتطرف. - تواري اللغة العربية عن الساحة الثقافية، لصالح اللغات الأخرى مما أدى إلى خلل ثقافي كبير في أوساط المسلمين، باعتبارهم الضحايا المستهدفين من المؤامرة؛ وذلك لأن اللغة العربية أصبحت في ذيل القائمة التي تضم اللغات الأجنبية، كما أشار إلى ذلك جورج هاردي. - تفشي الأمية، وانتشارها بمعدلات وبائية بين صفوف المسلمين، مقارنة مع الأقليات المسيحية التي فتحت لها المدارس التنصيرية أبوابها، في حين تم تدمير المؤسسات التعليمية الإسلامية، أو تفريغها من محتواها. ويمكن هنا إعطاء هذا النموذج الذي له دلالة كبرى: - في سنة ١٩٦٠م تم القيام باستفتاء في المناطق الريفية بالمنطقة، فوجد أن نسبة ٢٥% من السكان يعرفون القراءة والكتابة بالعربية، ولكن ما إن جاءت سنة ١٩٦٨م، حتى انقلب الوضع نتيجة أن المتعلم باللغة العربية لم يعد يعتبر مثقفاً. ولقد استفاد أعداء المسلمين من رفض المدارس التنصيرية والعلمانية لمن يعرفون اللغة العربية لفترة طويلة، وامتدت هذه النظرة الرافضة حتى نهاية الستينات، وبداية السبعينات في مناطق كثيرة. وما كان ذلك إلا لقطع الروابط الثقافية والروحية التي كانت تربط المسلمين في المنطقة بإخوانهم خارجها. وكان ذلك هدفاً رئيساً لاستراتيجية الحصار الثقافي، وتشجيع دائرة الانحرافات العقائدية وتوسعتها على المستوى الشعبي، وقد أدى ذلك إلى انتشار موجة من الإلحاد بين الشباب المسلم الذي دخل الجامعات والمعاهد العليا التي كان للفكر الماركسي في فترة الستينات والسبعينات شبه الهيمنة المطلقة عليها.

стр. 3168

المسلمون والعالم حمَّى سنة ٢٠٠٠ ألِهذا يهيِّئون العالم؟ ! عبد العزيز كامل بعد أن وصلت سلسلة مقالات (حمى سنة ٢٠٠٠) إلى هذه الحلقة. رأت أسرة تحرير (البيان) أن يضيف الكاتب إليها ما لم يكن له متسع في الحلقات السابقة، لتتحول السلسلة بعد ذلك إلى كتاب بالعنوان نفسه (حمى سنة ٢٠٠٠) ، يصدر قريباً إن شاء الله. (إنني مؤمن من كل قلبي أن الله يرعى أناساً مثلي ومثلكم لإعداد العالم لعودة ملك الملوك وسيد الأسياد) . بهذه العبارة اختصر الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريجان) الإطار العقدي الذي يحكم تفكير كثير من قادة السياسة والفكر والدين في الغرب، وسواء كان هؤلاء الزعماء من اليهود أو من النصارى؛ فإن القاسم المشترك بين اهتماماتهم هو (التهيئة) ؛ نعم التهيئة والإعداد لقدوم المنتظَر الموعود! ولو كانت هذه العبارة التي قالها ريجان [١] قد صدرت من واعظ في كنيسة أو حاخام في كنيس لقلنا: إنها من العبارات التي تصوغها العواطف في لحظات الانفعال الروحي، أو الافتعال الحماسي؛ ولكن العبارة صدرت من شخص كان هو الرجل الأول في العالم منذ عقد واحد من الزمن. إن العالم يعيش منذ قرن كامل في ظل سيطرة تلك القوى التي تؤمن كما يؤمن ريجان بأنها تُعِدُّ العالم لمقدم المسيح. وإذا كان أمثال ريجان يُعِدُّون العالم كما يقولون لاستقبال المسيح الذي يؤمن به النصارى، فإن القوى التي أوصلت ريجان وأشباهه إلى الحكم تعمل هي الأخرى لإعداد العالم لمقدم مسيح آخر؛ فلليهود أيضاً مسيحهم المنتظر الذي يجتهدون في هذا العصر لتجهيز الدنيا لاستقباله. الألفية وعقيدة الإعداد: وإيمان أهل الديانتين بأن هناك منتظراً وشيك القدوم وأنه لا بد من التهيئة لهذا القدوم هذا الإيمان يرجع إلى عقيدة مشتركة بينهم تعرف بـ (العقيدة الألفية) وهي ترجمة لكلمة (Millenarianist) ومعناها: محتوى الألف، وهي في الأصل عقيدة يهودية يؤمن أصحابها بأنه على رأس كل ألف لا بد أن يشهد العالم أحداثاً كبرى، وستظل تتتابع حتى تجيء الألف الأخيرة التي يأتي بصحبتها (الملك الألفي) الذي يحكم العالم كله بعد فترة من الاضطرابات والحروب والفتن؛ فالمسيح سيعود حسب معتقد اليهود قبل يوم السبت، أي: قبل اليوم السابع الذي يعني الألف السابعة من عمر الدنيا، وجماعات اليهود تعتقد أننا نقترب منها وهذا يعني كما يقول (إيمانويل هيمان) أننا دخلنا مرحلة الاضطرابات السابقة على عودة المسيح [٢] . وقد انتقلت تلك العقيدة إلى النصارى بحكم إيمانهم بالتوراة التي جاء الإنجيل ليكملها فقط، ومما يدل على عمق إيمان النصارى بالعقيدة الألفية أنهم قد أصابتهم الحمى الألفية على رأس الألف الأولى، وظهر أثر ذلك في الحملات الصليبية الشرسة التي اندفعوا بها نحو الشرق للاستيلاء على القدس عاصمة المبعوث الألفي، ولما لم يظهر، ولم يَعُدْ استأنفوا الانتظار للألف التي تليها. اليهود والملك المنتظر: قد يظن ظان أن الكلام عن العقائد الألفية والدورات السبعة للدنيا يقتصر على اهتمامات الشريحة الموغلة في التديُّن فقط من اليهود؛ وهذا الظن غير صحيح؛ بل الصحيح أن معظم ساسة اليهود يعتبرون دولة إسرائيل حجر الأساس في مملكة الألف الأخيرة، هذا على المستوى الرسمي والدولي؛ ويدل على ذلك أبلغ دلالة أن الشعار الرسمي لدولة اليهود منذ قامت هو (الشمعدان) ذو الفروع السبعة التي يتوسطها الفرع السابع المنفرد الذي يرمز لـ (إسرائيل) في ألفيتها السابعة! أي: إن دولة (إسرائيل) بمعنى آخر هي الدولة التي ستمتد لتتحول إلى المملكة التي ستحكم العالم من القدس تحت قيادة ملك السلام المنحدر من نسل داود. وقد استمد اليهود معتقدهم في مجيء ملكهم المنتظر من النص الآتي من التوراة التي في أيديهم: (ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا أورشليم، هو ذا ملكك يأتي إليك، وهو عادل ومنصور، وديع وراكب حمار، وعلى جحش ابن أتان!) [٣] . ويطلقون على هذا الملك: (الماشيِّح) وهو اسم عبري مشتق من (مشح) أي مُسح بالزيت المقدس، وهم يعتقدون بمقتضى التوراة أيضاً أن ذلك الملك سوف يجمع بقية اليهود المشتتين في أنحاء العالم بعد أن يهتف له اليهود الذين عادوا بالفعل إلى القدس. وهذا الترقب الحالم يفعل فعله في نفوس اليهود كلما تفاعل حدث أو جدَّ جديد يشعرهم بقرب المجيء. ويذكر مؤلف كتاب (الأصولية اليهودية) : أنه قابل أحد الحاخامات اليهود وتحادثا عن شأن المسيح المنتظر فقال له الحاخام: (نحن بالتأكيد على مشارف عهد مجيء المسيح المنتظر، والتوراة تؤكد ذلك؛ ففي الإصحاح الثلاثين من سفر التثنية نجد هذا النص: (فإن ردَّدت في قلبك بين جميع الأمم الذين طردك الرب إلهُك إليهم ورجعت إلى الرب إلهِك وسمعت لصوته حسب كل ما أنا أوصيك به اليوم أنت وبنوك، يرد الرب إلهك سبيلك ويرحمك ويعود فيجمعك من جميع الشعوب الذين شردك إليهم الرب إلهك) . وهذه العودة للدين هي التي يتوقع الحاخامات أنها ستتضاعف كلما اقتربت (الأيام الأخيرة) وسوف تكون سبباً في مزيد من الفوضى في العالم) . يقول الحاخام (موشى كوفمان) : (إن دولة (إسرائيل) ليست هي التي ستعلن نهاية العالم، وإنما عودة قطاع عريض من الشباب اليهودي إلى الدين هي التي ستؤدي إلى ذلك) [٤] ! إن تلك الأجيال التي بدأت تأخذ مكانها بل تفرض نفسها في المجتمع اليهودي هي كتائب من حَمَلَة التوراة ودارسي التلمود الذين يتقربون اليوم إلى الله بتقريب يوم مجيء المسيح، وكيف لا يفعلون ذلك والتلمود الذي يؤمنون به يقول: (يجب على كل يهودي أن يسعى لأن تظل السلطة في الأرض المقدسة لليهود دون سواهم، وقبل أن يحكم اليهود نهائياً باقي الأمم يجب لاحظ أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم، وسيأتي المسيح الحقيقي ويحقق النصر القريب) ؟ ! ويستحث التلمود أتباعه على العمل لإخراج المسيح: (اطلبوا المسيح بإخلاص وهو سيستجيب ويجيء) [٥] . والتلمود الذي يُعَدُّ شريعة شفوية عند اليهود في مقابل الشريعة المكتوبة التي تمثلها التوراة يعج بالخرافات والأساطير التي تدور حول محور واحد وهو: (المسيح المنتظر) . يقول الدكتور جوزيف باركلي بعد دراسته لكتاب التلمود: (إن قضية المسيح هي أهم قضايا اليهود فيه) [٦] ومع ذلك فإن تلك الخرافات والأساطير هي الدين الذي يدين به اليهود ويتفانون في خدمته في وقت لا يبذل المنتسبون للدين الحق عُشر معشار ما يبذله اليهود. خذ مثالاً على تلك الخرافات الدينية المنتظرة، والتي يتوق لها اليهود: يقول التلمود: (حين يأتي المسيح تطرح الأرض فطيراً وملابس من الصوف وقمحاً حبه بقدر كلاوي الثيران الكبيرة) (أرض إسرائيل ستنبت الخبز والأقمشة من أجود أنواع الصوف، وستنبت القمح في لبنان عالياً مثل أشجار النخيل وَسَيَهُبُّ هواء يجعله دقيقاً فاخراً) [٧] ! وقد يتصور البعض أن هذا المعتقد قد نُسي وطمرته القرون منذ أن وُضِعَ التلمود منذ آلاف السنين؛ ولكن مصادر اليهود المعاصرة تدل على أن ذلك المعتقد لا يزال حياً، ويأتي على رأس تلك المصادر: (بروتوكولات حكماء صهيون) . فقد تحدثت أيضاً عن المنتظر الموعود؛ ولكن على طريقتها التخطيطية التدبيرية المبرمجة، ومما جاء فيها: (إن حكومتنا ستحيل مظهر الثقة الأبوية في شخص مَلِكنا وستعتده أمتنا ورعايانا فوق الأب الذي يُعنى بسد كل حاجاتهم ويرعى أعمالهم ويرتب جميع معاملات رعاياه بعضهم مع بعض، وبهذا سينفذ الإحساس بتوقير الملك بعمق بالغ في الأمة، حتى لن تستطيع أن تقدم غير عنايته وتوجيهه. إنهم لا يستطيعون أن يعيشوا في سلام إلا به، وسيعرفون في النهاية أنه حاكمهم الأوتوقراطي المطلق) [٨] ، (ويوم يضع ملك إسرائيل على رأسه المقدس التاج الذي أهدته له كل أوروبا سيصير البطيرك لكل العالم) [٩] ، (إن ملك إسرائيل سيصير البابا الحق للعالم: بطريرك الكنيس الدولي) [١٠] ، (إن ملكنا سيكون مختاراً من عند الله، ومُعَيَّناً من أعلى كي يدمر كل الأفكار التي تغري بها الغريزة لا العقل، إن هذه الأفكار قد دمرت كل النظم الاجتماعية مؤدية بذلك إلى حكم ملك إسرائيل، ولكن عملها سيكون قد انتهى حين يبدأ ملكنا، وحينئذ يجب علينا أن نكنسها بعيداً حتى لا يبقى أي قذر في طريق ملكنا، وحينئذ سنكون قادرين على أن نصرخ في الأمم: صلوا لله واركعوا أمام ذلك الملك الذي يحمل آية التقدير الأزلي للعالم، والذي يقود الله ذاته نجمه، فلن يكون أحد آخر إلا هو نفسه قادراً على أن يجعل الإنسانية حرة من كل خطيئة) [١١] ، (وفي البروتوكول الرابع والعشرين وهو الأخير من البروتوكولات المترجمة، يقول المتحدث فيه: (والآن سأعالج الأسلوب الذي تُفدى به دولة الملك داود حتى تستمر إلى اليوم الآخر) ثم تختم البروتوكولات حديثها بهذه العبارة: (إن قطب العالم في شخص الحاكم العالمي الخارج من بذرة إسرائيل ليطرح كل الأهواء الشخصية من أجل مصلحة شعبه، إن ملكنا يجب أن يكون مثال الجبروت) . توقيع ممثلي صهيون من الدرجة الثالثة والثلاثين [١٢] . والتهيئة لمجيء المسيح ليست مما يتعارض مع (العلمانية) الإسرائيلية التي تحتفظ بطابع خاص يميزها عن كل العلمانيات، وخاصة العلمانيات العربية؛ فالعلمانيون اليهود كانوا دائماً خدماً لدولة (إسرائيل) الدينية، ولكن احترام التخصص والكفاءة هو الذي دفع بالشخصيات (العلمانية) إلى مِقْوَد القيادة في عقود التأسيس الأولى فيما عُرف باتفاق: (الوضع الراهن) [١٣] ؛ فهي مرحلة ستعود بعدها القيادة للدينيين بعد أن يستكملوا تأهيلهم ويبنوا كوادرهم. يقول الفيلسوف الأرثوذكسي اليهودي (آفراهام رافينسكي) من الجامعة العبرية في القدس: (قبل ١٩٦٧م كان الصهيونيون العلمانيون هم الذين في السلطة، وكانت تتكون منهم الطبقة السياسية الحاكمة، وكانوا على رأس الجيش، أما الأرثوذكس فكانوا حراس الشريعة والتوراة، ولكن الاستيلاء على حائط المبكى جعل الدينيين هم حَمَلَة العَلَم لصهيونية تضمن استمرارها المستوطنات الدينية) [١٤] . والمتدينون الفعليون [١٥] هم الذين يأخذون الآن وضع الجاهزية الوجدانية الروحية لتصديق أي تطور يبشر بقرب المجيء المترقب؛ بل لتصديق أية فكرة (جريئة) بشأن المسيح، ولو كانت فكرة الادعاء بظهوره بالفعل؛ فمنذ سنوات قليلة جداً، وبالتحديد في عام ١٩٩٤م، توفي حاخام يهودي كان قد التف حوله الآلاف من اليهود بعد أن ادعى أنه هو المسيح المنتظر! ! وملخص قصة هذا الرجل: أن جماعة دينية يهودية تطلق على نفسها اسم حبد [١٦] دخلت الانتخابات الإسرائيلية عام ١٩٨٨م، تأييداً لحركة (أجودات إسرائيل) الدينية، وقد ارتفع عدد نوابها في البرلمان مما مكنها من تأسيس حزب جديد هو: (هيجيل هاتوراة) ، ومع انخراطها في السياسة، أخذت حركة (حبد) أو اللوبافيتس اتجاهاً يبشر بعودة المسيح القريبة، وأعطى حاخام الحركة نفسه الحق في الاشتراك في كل الحملات الانتخابية الإسرائيلية للتركيز على القضية الأساسية وهي قرب مجيء المسيح وضرورة تجهيز الأرض اليهودية لاستقباله. وحيث أعلنت تلك الحركة عن قرب مجيء المسيح فقد أصبح أتباعها ينظرون إلى أنفسهم أنهم جنود جيش المسيح المنتظر في جميع أنحاء العالم، وأعلنوا أنهم سيركزون جهودهم للإسراع بمجيء المسيح مخلِّص الإنسانية، وانطلق شباب منهم لابسين السواد للانتشار بدعوتهم في نيويورك، ولندن، وباريس، وكذلك في مدريد وجنيف، ويركزون خلال ذلك على غزو أحياء اليهود لدفعهم بقوة للعودة للدين والتوبة التي ستسرِّع لحظة الرؤية السامية للجميع! ووسط أجواء محمومة بالتبشير بالعودة إذا بشيطان إنسي منهم يظهر فيهم، ويطرح نفسه على أنه المسيح! إنه الحاخام (مناحيم شنيرسون) ذلك الرجل المبهم الذي استطاع أن يسترعي أنظار العميان، ويستجلب رضا المغضوب عليهم بثقافته التوراتية العميقة، وعبقريته العلمية المتنوعة، ومنطقه المقنع، وحماسه المبهر، ومهارته في فك الألغاز والأحاجي بين سطور الأساطير، إضافة إلى مركزه العلمي الأكاديمي المشيد فوق هرم من شهادات الدكتوراه، مما صنع منه في نظر آلاف الأتباع (الرجل الأسطورة) . وبدأ رعاع اليهود ينسجون حول الرجل أقاصيص الكرامات وأساطير المعجزات مما جعل مقره في مدينة بروكلين قبلة يؤمها المريدون اليهود من كل أنحاء العالم! ومع بداية التسعينات كثر أتباعه المصدقون بأنه هو المسيح، ولم يشأ الخبيث أن ينفي عن نفسه هذه الصفة؛ بل شجع من ينظرون إليه هذه النظرة، بل حاول تأكيدها بنسبته إلى الجيل السابع (المقدس) من مؤسس حركة (حبد) والجيل السابع مفضل دائماً عند اليهود، واستغل صفة أخرى وُجدت فيه ليزيد أتباعه فتنة، وهي دعواه أنه من نسل داود! ولكن الرجل الذي دعا نفسه ودعاه أتباعه بـ (المخلِّص) قد خلُص إليه الموت قبل أن يخلِّص أحداً مما أذهل أتباعه المهووسين به، ودفع بعضهم إلى الاعتقاد أنه هو المسيح القادر على أن يعود مرة أخرى ليظهر أمام العالم بملابسه البيضاء؛ ليكون ذلك أدعى للتصديق به! [١٧] . إن العبرة المستمدة من هذه الأهزولة اليهودية الحادثة منذ سنوات قليلة هي أن أتباع المسيح اليهودي المنتظر موجودون الآن قبل أن يخرج إليهم وهم على أتم الاستعداد لتجييش الآلاف بل الملايين حوله إذا ما صرخ فيهم الشيطان بأنه قد خرج! إن الجماعات الدينية التي تمتلئ بها الساحة الإسرائيلية اليوم [١٨] ، والتي تحرص كل الحكومات على استرضائها وشراء أصواتها ليست فيما بينها على وفاق أو اتفاق في مجمل قضايا الاهتمام الديني، ومن ضمنها مسألة انتظار المسيح؛ فالأمر بينهم كما قال الله سبحانه: [تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى] [الحشر: ١٤] ؛ فهم يختلفون في ترتيب العلامات التي ستسبق مجيء المسيح، ويختلفون في موعد عودته وفي مدة لبثه، ولكن الشيء المتفق عليه من الجميع هو تجاوز تلك الخلافات والقفز فوقها إلى صيغة موحدة تضمن الحد الأدنى من الوحدة في العمل لتهيئة الشعب اليهودي لمجيء المسيح [١٩] ، وليكن بعد ذلك ما يكون. يقول إيمانويل هيمان: (كل التيارات الأرثوذكسية المختلفة، تتبع طريقا سيؤدي بها في المستقبل إلى أرضية مشتركة، ألا وهي: اقتناعها جميعاًِ بقرب مجيء المسيح المنتظر، فإذا كان المُخَلِّص على وشك الظهور؛ فإن كل التناقضات الظاهرية تكون مُبَرَّرَةً؛ لأنها تهيئ العالم والأرض المقدسة لاستقبال مبعوث الله) [٢٠] . القوى السرية ومساعي التهيئة: إذا كانت تهيئة العالم لمجيء المسيح قضية محورية لدى الجماعات الدينية العاملة في العلن داخل الأرض المقدسة فإن القوى اليهودية السرية التي تعتبر العالم كله ساحة لنشاطاتها كانت تعمل بدأب ولا تزال للغاية نفسها؛ ولكن على طريقتها هي: طريقة المؤامرات، والثورات، والمخططات الطويلة والقصيرة والمتوسطة المدى، وقد مر ذكر بعض نصوص البروتوكولات الصريحة في ذلك؛ فطوال القرن المنصرم وربما قبله لم تكف تلك القوى عن اختراقاتها للمعسكرات الدولية والتغلغل فيها شرقاً وغرباً بغرض فرض السيطرة اليهودية على الاقتصاد العالمي والإعلام العالمي والسياسة العالمية والمؤسسات الدولية، ويكابر الحقيقة ويعاندها من ينكر النجاح الكبير الذي أحرزه اليهود في ذلك. يقول (وليام كار) في مؤلفه الشهير: (أحجار على رقعة الشطرنج) : (إن اليهود اختاروا فلسطين لتكون المركز الجغرافي المناسب لخطتهم العامة في السيطرة على العالم وتنصيب أميرهم أمير السلام ملكاً على العالم) ويقول: (إن هذه القوى تستعمل الأموال الكثيرة التي في حوزتها لشراء المراكز الحساسة بهدف خلق النزاعات بين الأمم من أجل الوصول إلى خطتهم بعيدة المدى والتي تهدف إلى الإعداد لمجيء مسيح اليهود) [٢١] هذا في العقود الماضية من القرن المنصرم، أما في القرن الحادي والعشرين، فإن الهدف هو (إنجاز) المزيد من النبوءات وتحقيق المزيد من الأساطير، ما دامت الساحة خالية. يقول إيمانويل هيمان: (إن الهدف الكبير ليهودية القرن الواحد والعشرين سيكون محاولة اختراع المستقبل مع استمرار الإخلاص للماضي) [٢٢] . هذا عن الهدف الكبير لليهود، فماذا عن الهدف الكبير للنصارى، وما المستقبل الذي يُعِدُّون له؟ ! النصارى والمسيح المنتظر! إذا كان عهد اليهود بانتظار مسيحهم قد طال بطول زمن التوراة، فإن انتظار النصارى لمسيحهم ظل مستمراً منذ زمن الإنجيل. يقول وول ديورانت في كتابه المشهور: (قصة الحضارة) : (كان ثمة عقيدة مشتركة وحدت الجماعات المسيحية المنتشرة في أنحاء العالم، وهي: أن المسيح ابن الله، وأنه سيعود لإقامة مملكته على الأرض وأن كل من يؤمن به سينال النعيم المقيم في الدار الآخرة) [٢٣] . والجماعات النصرانية التي وحدت بينها تلك العقيدة كما قال ديورانت لم تكتف بالاعتقاد، بل لم تقف عند حد الانتظار، وإنما تفاعلت مع ذلك المعتقد مُحاوِلةً تحقيق علاماته واستدعاء مقدماته؛ فالطوائف الرئيسة من أصحاب تلك الديانة وهم الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت جميعهم يؤمنون بعودة المسيح ثانية، ويتوقع الكثيرون منهم منذ قرن كامل مجيئه على رأس الألفية التي نحن مقدمون عليها، بعد أن خابت آمالهم في مجيئه على رأس الألفية الأولى. ولقد تواطأت التوراة والإنجيل معاً ليكوِّنا عند النصارى خاصة البروتستانت عقيدة لا تتزحزح عن عودة المسيح ابن مريم إلى الأرض في آخر الزمان، وعلى رأس ألفية، وزاد النصارى على ذلك في معتقدهم أن اليهود الذين سيكونون قد تجمعوا في القدس قبل عودة عيسى ﵇ سيتنصَّرون فور عودته. تقول الكاتبة الأمريكية (لي أوبرين) : (إن المذاهب اللاهوتية لكثرة من البروتستانت تصف إنشاء دولة إسرائيل بأنه تحقيق لنبوءة توراتية، وهي تذهب أيضاً إلى أن تجمع اليهود هو مجرد تمهيد لتنصيرهم قبل المجيء الثاني للمسيح) [٢٤] . وعندما انعقد المجمع العالمي للكنائس النصرانية في (أفناتون) عام ١٩٥٤م، قدمت له اللجنة المختصة ببحث علاقة اليهود بالكنيسة تقريراً جاء فيه: (إن الرجاء المسيحي بالمجيء الثاني للمسيح لا يمكن بحثه عبر فصله عن رجاء شعب إسرائيل الذي لا نراه بوضوح فقط في كتاب العهد القديم؛ بل فيما نراه من عون إلهي دائم لهذا الشعب، ولا نرتاح قبل أن يقبل شعب الله المختار المسيح بصفة ملك) وأصدر الأساقفة المجتمعون في ذلك المؤتمر البيان الآتي: (إننا نؤمن أن الله اختار إسرائيل الشعب المختار لكي يتابع الخلاص للبشرية، ومهما كان موقفنا فلا نتمكن من نكران أننا أغصان قد تطعمت على الشجرة القديمة (إسرائيل) ؛ ولذلك فإن شعب العهد الجديد لا يمكن أن ينفصل عن شعب العهد القديم.. إن انتظارنا لمجيء المسيح الثاني يعني أملنا القريب في اعتناق الشعب اليهودي للمسيحية، وفي محبتنا الكاملة لهذا الشعب المختار) [٢٥] . ماذا تخفي هذه المحبة؟ ! يعجب الإنسان عندما يكتشف أن تلك المشاعر الدينية الحميمة من النصارى تجاه اليهود، هي مشاعر في حقيقتها مزيفة أو مصلحية على أقل تقدير فيبدو أن نصارى الغرب قد درجوا على تقديم المصلحة في كل شيء حتى في الدين؛ فاليهود عندهم هم القنطرة التي سيعبرون فوقها نحو أمجاد الأيام الأخيرة، فلن يأتي المسيح ولن يقيم مملكة الرب (النصرانية) إلا بعد أن يُعاد اليهود إلى فلسطين ويسكنوا القدس ويبنوا الهيكل. ثم ماذا.. ثم يخرج مسيحهم المنتظر (أي مسيح اليهود) ليعيث في الأرض فساداً ويملأها كفراً وإجراماً، ثم يأتي عيسى ﵇ ليذبحه ويقتل ثلثي اليهود ويبقى ثلث يتوجب تنصيرهم! ! فهل يؤمن النصارى بمسيح آخر سيأتي في وقت مجيء المسيح ابن مريم؟ نعم! إنهم يؤمنون بذلك.. ويسمون ذلك المسيح (Anti - chrest) أي ضد المسيح، أو (المسيح الدجال) ! ! النصارى والمسيح الدجال: يعتقد النصارى خاصة البروتستانت أن هناك عدواً كافراً طاغياً قاسياً سيخرج قبيل عودة عيسى ﵇، وأنه سوف يكون من اليهود؛ فأمه أمرأة يهودية وستلتهم جيوشه العالم بعد أن يخرج من شمال إسرائيل، أو بالتحديد من سوريا من قبيلة (دان) . ويؤمنون أيضاً أنه سيبدأ بدعوى الصلاح وينتحل شخصية المسيح المخلِّص، ثم لا يلبث أن يتحول إلى دعوى الربوبية التي سيتبعه عليها أكثر الناس نظراً للخوارق التي ستُجرى على يديه، والتي سيقلد بها أفعال الإله في الإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات الزرع.. إلخ، ويؤمنون أيضاً، بأنه سيعتلي منبر الهيكل بعد إعادة بنائه، وسيهدم مقر البابوية في روما، وسيضطهد (المؤمنين) ويضيق عليهم حتى يبلغ البؤس مداه، وعند ذلك يتدخل الإله، وينزل المسيح ابن مريم لينقذ بقايا المؤمنين بعد أن يقتل المسيح الدجال، ويقاتل أتباعه من اليهود وقوم (يأجوج ومأجوج) ، ويتفرغ بعد ذلك لإقامة مملكة الرب التي سيسودها السلام. فاليهود على هذا شر لا بد منه، والدجال قدر لا بد من مواجهته، وهذا الدجال الذي تؤمن النصارى بحتمية خروجه، قد وردت بشأنه الأخبار في مصادرهم؛ ففي الإنجيل - في رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي - هذا النص: ... (لا يخدعنكم أحد على طريقة ما؛ لأنه لا بد أن يسبق الارتداد أولاً، ويظهر إنسان الخطيئة ابن الهلاك؛ حتى إنه يجلس في هيكل الله كإله مظهراً نفسه أنه إله) [٢٦] والنص هنا يذكر الارتداد، فلا بد إذن أن تكون ردة، ولكن ردة مَنْ؟ وعن ماذا؟ ! إن النصارى أنفسهم يتقاذفون اليوم التهم بهذه الردة التي يقول الإنجيل إنها لا بد أن تسبق أولاً، ولهذا فهم يتبادلون التكفير بين طوائفهم بحيث إن كل طائفة تتهم الأخرى بأنها ستكون من أنصار الـ (إنتي كريست) أو الدجال عدو المسيح؛ فالنصارى الشرقيون العرب مثلاً وأكثرهم من الأرثوذكس يعتقدون أن طوائف الكاثوليك الغربيين هم نصارى بالاسم فقط، وأنهم سيكونون مع الدجال ومع أعداء المسيح. يقول القس (هنري ايرنسايد) في تفسيره لسفر دانيال: (مما لا شك فيه أن المسيحية المرتدة سيعاد توحيدها، ولكن هذا الاتحاد سيكون خالياً من تعاليم المسيح، ستتحد جميع الأنظمة المرتدة [٢٧] ، ستستعيد الكنيسة البابوية نفوذها وسلطانها، وستشكل جميع كنائسها هيئة عظيمة واحدة تضم جميع أجزاء النصرانية.. هذه الكنائس ستكون مستمدة قوتها من البابوية، وستكون خادمة للوحش أي المسيح الدجال) . والغريب أن البروتستانت ينظرون أيضاً إلى كاثوليك أوروبا هذه النظرة، فهم يؤمنون أن (الوحش) الذي ورد ذكره في سفر الرؤيا يعني أنه سيكون هناك اتحاد قوي من عشر دول أوروبية سوف تنهض في الأيام الأخيرة، وأن قيام المجموعة الأوروبية المكونة من عشر دول هي تحقيق لهذه النبوءة، وهذا في نظرهم دليل على أننا نعيش فعلاً الأيام الأخيرة؛ لأن هذه القوى الأوروبية العشرة قائمة الآن وستكون معادية للمسيح؛ لأنها ستكون مرتدة عن المسيحية التي بشر بها! ! [٢٨] . ومع اتهام طوائف النصارى بعضهم بعضاً بأنهم أتباع الدجال عندما يخرج فإنهم يُجمعون على أن اليهود هم طليعة أنصاره، ورأس حربته، وهم الذين سيقودون معسكر أعداء المسيح. يقول مفسر سفر دانيال: (سينصِّب المسيح الدجال نفسه الإله الوحيد الجدير بالعبادة، وله سيبدي المسيحيون المرتدون ولاءًا مطلقاً، وسينتحل لنفسه أمام اليهود صفة مسيحهم الموعود به منذ عهد بعيد على ألسنة الأنبياء، ويقبل اليهود ادعاءاته ويقولون: هذا هو حقاً المسيح الذي طالما انتظرناه، وهذا هو الذي يتكلم كتابنا المقدس عنه) [٢٩] . إن المرء ليعجب أن يكون هذا حديث نصارى عن نصارى، أو حديث نصارى عن يهود، ولكن العجب يزول عندما نتذكر قول الله - تعالى-: [ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون] [المائدة: ١٤] ، وقال - تعالى -: [وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب] [ ﴿البقرة: ١١٣﴾ ] . إن من حقنا أن نعجب، ومن حقنا أن نتساءل: إذا كانت كل طائفة تدعي أن المخلِّص منها وأنهم أتباعه وأنصاره، وتدعي في مبغضيها أنهم أتباع الدجال وأنصاره، فمن إذن هم الأتباع الحقيقيون للدجال الذي يتبرأ منه الجميع الآن، فإذا جاء كانوا أول المسارعين لنصرته والإيمان به؟ ! لمن سيخرج الدجال؟ نحن لا نشك أن اليهود بمجموعهم سيكونون طليعة أنصار الدجال؛ فهو منهم وإليهم، وخاصة يهود الشرق الذين سيخرج فيهم [٣٠] . أما النصارى، فعلى رغم أنهم يزعمون أنهم سيكونون في جيوش المسيح الحق ضد المسيح الدجال؛ فالله يعلم أنهم بجميع طوائفهم هم الذين هيؤوا أنفسهم بأنفسهم لكي يكونوا أول المصدقين بِدَعِيٍّ من البشر يدَّعي الألوهية. أليسوا هم الذين اعتنقوا عقيدة (المسيح الإله القادر على كل شيء) ؟ ! والمسيح الدجال سيقول: أنا المسيح الإله القادر على كل شيء! فما الذي سيكون مستغرباً في دعوة الدجال على مسامع النصارى الذين لا يستهجنون ولا يستبعدون أن يتجسد الإله في صورة إنسان! وخاصة أنه يمنعهم ومعهم اليهود من مشاركته في فرض السيطرة النهائية على العالم باعتبارهم أتباعه. إن النصارى اليوم على اختلاف طوائفهم يشكلون ما يقرب من ثلث سكان العالم، ويعلم الله كم سيبلغون إذا خرج فيهم من يهيئون الدنيا لمقدمه ظناً منهم أنهم يهيئونها للمسيح عيسى بن مريم ﵇، إن هؤلاء مع مسيحيتهم كفار بنبوءة عيسى وعبوديته، ولهذا سيسارعون بتصديق من يقول إنه هو المسيح الإله! ولهذا فإن الله تعالى سوف يزيل هذه الغمة بإنزال عيسى نفسه، لإقامة الحجة على الناس وعندها سيسقط في أيدي من ضلوا وأضلوا كثيراً من البشر عبر القرون مدعين أنه إله أو ابن إله، وسيدفعون دفعاً إلى الإيمان بأن عيسى نبي الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ليس بإله ولا ابن إله، إنما هو كما قال الله عنه: ... [إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل] [الزخرف: ٥٩] ، وعند نزوله سيرون ذلك رأي العين، ويسمعون منه كلامه الفصل كما قال سبحانه: ... [وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا] [النساء: ١٥٩] . أما بقية القطعان البشرية الوثنية من ملايين البوذيين والهندوس والملحدين واللادينيين ونحوهم، فإنه لا حجاب بينهم وبين الإيمان بالدجال إذا خرج وقال لهم: إني أنا الإله؛ فهؤلاء وهؤلاء لن تزيدهم عقائدهم الوثنية التي تؤله الأحجار والأشجار والأنهار والأبقار إلا فتنة بالبشر المخلوق للفتنة إذا جاء وقال لهم: إني أنا الإله، وشرع يجذب أبصارهم بالخوارق، وأسماعهم بالشبهات، وبطونهم وفروجهم بالشهوات! نحن نؤمن أيضاً أن المسيح ابن مريم سيعود، ونؤمن معهم أن الدجال سيخرج [٣١] ، ولكن شتان بين إيمان وإيمان [٣٢] وبين عودة وعودة؛ فإيماننا: أن عودة عيسى ﵇ هي القدر الإلهي الحكيم الذي سيضع النهاية للاختلاف الذي عم الأمم حوله، ولا يمكن أن ينتهي ذلك الاختلاف في شأنه إلا بعودته. يقول ابن كثير ﵀: (إن عيسى ﵇ سينزل إلى الأرض، ويؤمن به أهل الكتاب الذين اختلفوا فيه اختلافاً بيناً، فمن مدعٍ إلهيته كالنصارى، ومن قال فيه قولاً عظيماً أنه ولد ريبة وهم اليهود، فإذا أنزل قبل يوم القيامة تحقق كل من الفريقين كذب نفسه فيما يدعيه من الافتراء) [٣٣] . أما الدجال، فلا نشك في خروجه، وإن كنا لا نعلم موعده، ولكن مقصودنا هنا التنبيه على أن اليهود والنصارى يستعدون لخروجه، ومع ذلك فهو مسيح الضلالة الذي تُعَاقَبُ به أمَّتا الضلالة الذين تكبروا عن الإيمان بمحمد سيد الرسل عليه صلوات الله وسلامه وفضلوا أن يبقوا على ديانات منسوخة لم تلبث أن تحولت إلى ديانات ممسوخة بالافتراء على الله والكذب على أنبياء الله، يقول ابن تيمية ﵀: (اليهود يتأولون البشارة بالمسيح على أنه ليس هو عيسى بن مريم، بل هو آخر ينتظرونه، وهم في الحقيقة إنما ينتظرون المسيح الدجال؛ فإنه الذي يتبعه اليهود ويخرج معه سبعون ألف مطيلس [٣٤] من يهود أصبهان) [٣٥] . ويقول ابن القيم ﵀: (فالمسلمون يؤمنون بالمسيح الصادق الذي جاء من عند الله بالهدى ودين الحق الذي هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، والنصارى إنما يؤمنون بمسيح دعا إلى عبادة نفسه وأمه، وأنه ثالث ثلاثة، وأنه الله أو ابن الله، وهذا هو أخو المسيح الكذاب لو كان له وجود [٣٦] فإن المسيح الكذاب (الذي ينتظره النصارى) يزعم أنه الله، والنصارى في الحقيقة أتباع هذا المسيح، كما أن اليهود إنما ينتظرون خروج مسيح، وهم يزعمون أنهم ينتظرون النبي الذي بشروا به، فعوضهم الشيطان من الإيمان به بعد مجيئه انتظاراً للمسيح الدجال.. وهكذا كل من أعرض عن الحق يعوض عنه بالباطل) [٣٧] . الانتظار الانتظار إذن.. هو الموقف الراهن، ومع ازدياد الهوس الألفي باقتراب المسيح المخلِّص، تتكثف الدعوات من خلال نشرات دورية تنقل عبر شبكات الإنترنت، فتبث الأحاديث المثيرة عن أحداث آخر الزمان. ومن أغرب المواقع المصابة بـ (الفيروس الألفي) موقع بعنوان: (كاميرا المسيح) وهو موقع مسلط من خلال كاميرا فيديو تبث صورة حية على مدار الساعة على البوابة الشرقية في القدس القديمة (الباب الذهبي) حيث يؤمن الإنجيليون بأنها ستكون موقع ظهور المسيح عند عودته الثانية إلى الأرض، وقد وضعت تلك الكاميرا إحدى الجمعيات الدينية البريطانية وأخفوها في مكان سري قريب من البوابة، والغريب أن الجمعية وضعت الكاميرا بإذن خاص من بلدية القدس، وباتفاق مع اللجنة المسؤولة عن احتفالات بيت لحم ٢٠٠٠! إن وضع الكاميرا الآن، يدل حسب قول المشرفة على مشروع الكاميرا (كريستين دارج) أن المسيح قد اقتربت عودته، سواء هذا العام، أو الذي بعده) ! ! (الشرق الأوسط -٦-١٩٩٩م) . إن اليهود والنصارى يتعجلون اليوم أَمْر الساعة أكثر من أي يوم مضى، ولا ندري ما هي الخطط المخبأة وراء تلك العجلة، ولا ندري أيضاً الأقدار وراء تلك الخطط. إن أهل الإيمان الحق ليسوا على عجلة من أمرهم في شيء؛ وهم يعلمون أن الله لا يعجل بعجلة الناس، ويعلمون أن أمر الساعة شيء عظيم، ولهذا فهم لا يتعجلونها ولا يتعجلون أماراتها؛ لأنهم يخشون الابتلاء والفتنة ولا يعرف أحدهم هل ينجو في أيام (الفتن والملاحم) فيكون من المهتدين، أم يسقط في الفتنة إذا اشرأبت له فيكون من الهالكين؟ وما نحن وأهل الكتاب والساعة إلا كما قال الله عز وجل: [يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد] [الشورى: ١٨] . فاللهم اهدنا إلى سواء الصراط ونجنا من سبل الهلاك. [اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين] [الفاتحة: ٦ - ٧] .

стр. 3169

مرصد الأحداث حسن قطامش الأحقاد الهندية في كشمير قال الدكتور يونس النجرامي عميد كلية اللغة العربية بالهند: إن العمليات الوحشية للجيش الهندي في ولاية جامو وكشمير المسلمة من يناير ١٩٩٠م، حتى نهاية ١٩٩٨م، أدت إلى استشهاد (٥٩١٧٠) من مسلمي كشمير، رجالاً ونساءاً وأطفالاً، وعدد الشهداء من القادة السياسيين (٣١٥) ، ومن العلماء والمشايخ (٣٣٥) ، والجرحى من الرجال والنساء والأطفال (٧٥٠٢٠) ، والمسجونون من الشباب المسلم في السجون الهندية (٥٠٠٠) ، والمسجونون رجالاً ونساء في ولاية جامو وكشمير (٧٠٦٠٠) ، وعدد المسلمين الذين أُحرقوا أحياء في بيوتهم (٦٢٠) ، والمهاجرون الذين هاجروا من كشمير المحتلة، والمصابون على الحدود (٣٧٠٠٠) ، والنساء المسلمات اللاتي انتهكت أعراضهن (٤٠١٤) ، والنساء اللاتي وُجدت جثثهن في نهر جهلم (١٤١٧) والمصاحف والكتب الدينية التي أحرقت (٢٨٥٠٠) ، والمسلمات الشابات اللاتي استشهدن بسبب هتك أعراضهن (٤٠٧) ، والمساجد التي دمرت أو أحرقت (٨١) ، والبيوت والدكاكين والمستشفيات والمدارس التي أحرقت (٣٠٠٣٩) ، والأنعام التي أحرقت حية (٢٦٤٢) ، والقوارب السكنية في بحيرة (دل) في سرينجار التي أحرقت (٥٥٣) . [مجلة الإصلاح، العدد: (٤١٠) ] أخوة الدين قال ثلاثة من أعضاء الكونجرس الأمريكي أثناء زيارة لمناطق يسيطر عليها المتمردون في جنوب السودان إنهم سيبذلون جهودهم من أجل الحصول على مساعدة مالية لـ (الجيش الشعبي لتحرير السودان) بقيادة العقيد جون قرنق، وأوضح رئيس الوفد السناتور الجمهوري (سام براونباك) في ختام زيارة للمنطقة التي يسيطر عليها (الجيش الشعبي) استمرت يومين: (يجب حمل الخرطوم على وقف قصف الأهداف المدنية) . واتهم أعضاء الكونجرس الخرطوم بـ (ممارسة إرهاب الدولة) في الخارج وارتكاب فظائع ضد السكان في الجنوب، وقال براونباك: (لا أرى سبباً للخجل إزاء الحكومة السودانية، إنها نظام إرهابي، وهذا أسوأ وضع إنساني في العالم) ، وقال الأعضاء الثلاثة: إن الولايات المتحدة لها مصالح استراتيجية مهمة في السودان أكثر مما لها في كوسوفو، وإن الأزمة الإنسانية تتطلب دعماً نشطاً لـ (الجيش الشعبي) وحلفائه في (التجمع الوطني الديموقراطي المعارض) . [جريدة الحياة، العدد: (١٣٢٤٠) ] مسلمات للبيع! ! أكدت سليمة ساروار، رئيسة جمعية تنمية المجتمع في بنجلاديش، أن الفتيات اللواتي يسافرن إلى الهند من أجل العمل وإعالة عائلاتهن الفقيرة، غالباً ما يخدعن ويتم الإيقاع بهن وبيعهن للدعارة أو الاسترقاق، وقد أشارت التقارير الأمنية أن عملاء تجار الجنس الهنود يشترون الفتاة البنجلاديشية بمبلغ ١٨٥ دولاراً أمريكياً فقط، أو أقل، وأن الأسباب التي تدفع البنجلاديشيات للتدفق على الهند تكمن في الظروف الاقتصادية السيئة، والفقر الشديد، وتعدد الزوجات والطلاق، وتعذيب الزوجات للحصول على المهر، وسوء المعاملة في المنزل. [مجلة الجديدة، العدد: (٦٧٧) ] المحنة المنسية أكدت سليمة ساروار، رئيسة جمعية تنمية المجتمع في بنجلاديش، أن الفتيات اللواتي يسافرن إلى الهند من أجل العمل وإعالة عائلاتهن الفقيرة، غالباً ما يخدعن ويتم الإيقاع بهن وبيعهن للدعارة أو الاسترقاق، وقد أشارت التقارير الأمنية أن عملاء تجار الجنس الهنود يشترون الفتاة البنجلاديشية بمبلغ ١٨٥ دولاراً أمريكياً فقط، أو أقل، وأن الأسباب التي تدفع البنجلاديشيات للتدفق على الهند تكمن في الظروف الاقتصادية السيئة، والفقر الشديد، وتعدد الزوجات والطلاق، وتعذيب الزوجات للحصول على المهر، وسوء المعاملة في المنزل. [مجلة الجديدة، العدد: (٦٧٧) ] ومن يعتني بالفقراء..؟ ! ١ - ينشغل المجلس الأوروبي الذي اشتهر بدفاعه عن حقوق الإنسان هذه الأيام بحقوق الإوز. فقد طالب المجلس المزارعين الأوروبيين بتوفير أقفاص واسعة للإوز تسمح لها بأن تحرك أجنحتها بحرية في الهواء حتى تكون (على طبيعتها) . وتستهدف الأحكام الأوروبية الجديدة بشكل خاص الإوز الذي يكدسه مربوه في أقفاص ضيقة لتغذيته مع منع حركته بغرض تسمينه واستخدام أكباده في صناعة معجون الكبد المربح. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥١٣) ] ٢ - (سافر وتمتع بإجازتك ولا تشغل فكرك؛ فإننا سوف نعتني بكلبك أثناء غيابك على أيدي أخصائيين ذوي خبرة) هذه صيغة الإعلان الذي وزعه منتجع خاص بالكلاب في دبي يستقبل نزلاءه مقابل ٥٠ درهماً (نحو ١٣ دولاراً أمريكياً) لليلة الواحدة ويقدم القائمون عليه خدمة تسلُّم الكلاب من أصحابها قبل السفر وإعادتها إليهم بعد انتهاء إجازاتهم. ويقدم المنتجع، الذي يسمى: (بت لاند) أو (أرض الحيوانات الأليفة) خدماته للحيوانات المنزلية الأليفة الأخرى مثل القطط والطيور والزواحف والحيوانات الفرائية، كما يقدم استشارات خاصة لحل مشاكلها في المنازل أيضاً. وتشتمل التسهيلات المتوفرة في المنتجع على مناطق مكيفة الهواء وإشراف بيطري على مدار الساعة ووجبات طعام محضرة حسب رغبة النزلاء (بناء على طلب أصحابها) ، وتستخدم في المنتجع المياه المعدنية المعبأة في زجاجات ويتضمن حمامات لتنظيف الكلاب ومعالجتها ضد الحشرات والطفيليات ومراوح شفط لتجديد هواء الحجرات، بل تتمتع الحيوانات التي تحل في المنتجع بمشاهدة التلفزيون والألعاب كي لا تشعر بالضجر والوحدة جراء غياب أصحابها عنها! [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٢٦) ]

стр. 3170

في دائرة الضوء التدين في المجتمع الأمريكي د. عبد الرزاق بن حمود الزهراني والتدين في أمريكا قديم، صَاحَبَ الدولة منذ نشأتها؛ فكثير من المهاجرين القدماء جاؤوا بعقائدهم معهم، وحاولوا المحافظة عليها وزراعتها في العالم الجديد. يقول (ريتشارد لينجمن) : (كان جميع الراكبين على ظهر السفينة (مي فلاور) حين وصول المهاجرين إلى بلايموث في ١٦٢٠م قد وقَّعوا ميثاقاً اتفقوا فيه على طاعة قوانين المجتمع والطقوس الدينية) (لينجمن، ١٩٨٩، ٩٦) . ويقول في مكان آخر: (كان هناك العديد من المناقشات الدينية العنيفة، وكان لدى المتزمتين احترام عميق للكلمة الحرفية في الإنجيل، وكان الوعاظ يلقون خطباً دينية تستغرق ساعات، وكان هناك دائماً أقلية متأهبة تجلس على مقاعد القضاء القاسية متحمسة للنقد والتعليق، وقد كانت تندلع الخلافات الدينية بتكرار؛ مما أدى إلى انقسام المجتمع إلى مجموعات متعارضة، ويمكن للنزاع أن يتشكل احتجاجاً على تفسيرات الكاهن للكتاب المقدس) (المصدر السابق: ٩٨) . واعتقد كثير من الأمريكيين لمدة قرن بعد إعلان الدستور أنهم يعيشون في دولة نصرانية، ولمزيد من التحديد: في دولة بروتستانتية (Sarna ٣٧١١٩٩٢) . ومن جهة أخرى وافقت المحكمة العليا (The Spreme Cort) في عام ١٨٩٢ م على أن أمريكا أمة نصرانية، والقاضي الذي كتب ذلك القرار ديفيد برور، D. Breer وهو ابن لأحد دعاة النصرانية، دافع عن وجهة نظره في محاضرة منشورة عنوانها: (الولايات المتحدة أمة نصرانية) ١٩٠٥م، ولقد عارض اليهود هذه الفكرة وحاربوها بشدة؛ ولكن نجاحهم كان محدوداً (Ibid ٣٧٢) . أما المفهوم التقريبي الذي يرى أن أمريكا دولة (يهودية نصرانية) والذي يشير إلى القيم والمعتقدات المشتركة بين اليهود والنصارى فلم يتشكل إلا في القرن العشرين، ويرى (مارك سلك، (M. Silk أن استعمال هذا المفهوم بدأ في الثلاثينات من هذا القرن، ويرى أنه استعمل لمحاربة الفاشية؛ فالفاشيون كانوا يعتبرون أنفسهم نصارى، ولهذا استخدم الفريق المعادي مصطلح (يهودي نصراني) ليفرقوا بين أنفسهم وبين الفاشيين. وبمرور الزمن أصبح هذا المفهوم يعكس القيم الغربية المشتركة، (Silk ١٩٨٨) . وفي عام ١٩٢٠م اجتمع قادة البروتستانت والكاثوليك واليهود والتمسوا من الشعب الأمريكي المساعدة في دعم الحرية الدينية وتجنيبها التعصب والعنصرية والتَّزمُّت، وبعد سنوات أُسس المؤتمر الوطني لليهود والنصارى (National Conference of Jes and Christians NCJC) ، ويشترك في رئاسته ثلاثة أشخاص: بروتستانتي، وكاثوليكي، ويهودي، وينظم المؤتمر كثيراً من اللقاءات والبرامج المشتركة، ودُعِم هذا المفهوم بعدد من الكتابات أشهرها: كتاب ظهر في عام ١٩٥٥م كتبه يهودي اسمه (ول هربرج، (W. Herberg يذكر فيه أن أمريكا أصبحت بوتقة انصهار ثلاثية؛ إشارةً إلى الأديان الثلاثة: الكاثوليكية، والبروتستانتية، واليهودية، ومن يخرج عن أحدها فلا يعتبر أمريكياً (Sarna ١٩٩٢ ٣٧٣-٣٧٤) . وواجه مفهوم (اليهودية النصرانية) ومفهوم (البروتستانتية الكاثوليكية اليهودية) الكثير من الصعوبات بسبب تزايد الأديان التي لا تدخل تحت هاتين المظلتين، ويأتي الإسلام في مقدمة تلك الأديان، وهو أحد أسرع الأديان انتشاراً في أمريكا. هذا وقد وجد عالما الاجتماع (ويد روف، ووليم مكيني (W. C. Roof W. Mckinney في عام ١٩٨٥م أن غير اليهود وغير النصارى في المجتمع الأمريكي يشكلون ضعف عدد اليهود، وهناك شخص واحد من كل عشرة أمريكيين لا يؤمن بدين، وهذا يعني أن هناك على الأقل ١٣% من الأمريكيين لا تنطبق عليهم معايير التدين الأمريكية، وهذا يمثل تضاعفاً في النسبة بمقدار أربع مرات في ثلاثين سنة فقط، وتتوفر أسباب كثيرة للإيمان بأن هذه النسبة سوف تتزايد بسرعة في المستقبل. (Roof Mckinney ١٩٨٧ ١٧) وفي الأربعينات والخمسينات من القرن الميلادي الحالي وكما يقول (نيل هاريس) : ظلت روح التَّزمُّت الديني قوية وفقاً للعديد من الفنانين والنقاد الذين اعترفوا بأنه كانت هناك رقابة شديدة وصارمة على المواد التي تستثير الجنس، وبعض الأعمال الأدبية المهمة لم يمكن نشرها بسبب مقاييس الرقابة الصارمة، واستمر سماع الشكوى من قلة الاحتشام وفقدان الاحترام التي لاحظها كثير من علماء الاجتماع في ذلك الوقت (هاريس، ١٩٨٩: ١٥٥) . ويؤكد هذه الملاحظة (نورمان كوروين) في بحثه عن (الترفيه ووسائل الإعلام) حيث يقول: (ولم تكن أمريكا اليافعة بهذا التحرر؛ لأن الدراما ولوقت طويل تعتبر من قِبَلِ المتزمتين الذين ازدهروا في بوسطن وفيلادلفيا طريقاً سريعاً إلى جهنم، وفرض قانون طبق في بنسلفانيا في هذه الفترة غرامة ٥٠٠ دولار لأي فرد يُقدِّم أو ُيمثِّل في مسرحية) (كوروين، ١٩٨٩م: ٢٠٠) وكان يُنظر للمسرح في أواسط القرن الماضي على أنه مدرسة للرذيلة والفساد، والذي يمر الآلاف من خلاله إلى أحضان الحماقة واللهو والإسراف والخلاعة والخزي والدمار، وكثير من أصدقاء الرئيس (لنكولن) كانوا يتمنون لو أنه قُتل في أي مكان غير المسرح (المصدر السابق: ٢٠٣) . ولا صحة لما يدعيه الأمريكيون من فصل الدين عن الدولة؛ فكثير من رؤسائهم كان له اهتمامات دينية؛ بل إن الدين يؤثر في سياساتهم وقراراتهم، وكان (جورج واشنطون) يرى أن (الدين والمعنوية) دعامتان توأمان للمجتمع تقف عليهما الشخصية والحضارة، وكان (فرانكلين) يحترم ما تحمله الكنائس بإجماع (مارتي، ١٩٨٩م، ٣٣٣) ، وكان الرئيس (ريجان) يؤمن بنبوءات الكتاب المقدس، وكان يستخدم بعض المفاهيم والمصطلحات الدينية في خطبه وتصريحاته، وكان يُنظر للرئيس (كارتر) على أنه من المتدينين والمحافظين، ومعظم الرؤساء يذهبون إلى الكنائس في أيام الأحد، ويشهدون الاحتفالات الدينية. ومما يميز أمريكا عن كثير من البلدان الغربية الأخرى أن أمريكا توفر حرية التدين للجميع، وبدون قيود أو حدود، ما لم يهدد ذلك الأمن الوطني، فبإمكان الشخص أنه يدعي أنه نبي، وأن يكون له أتباعه وجماعته الدينية، وأن يعبد ما شاء من الآلهة: الأصنام المادية والمعنوية، ولن يتعرض له أحد بالعقاب أو المساءلة، وهذا ما أسماه عالم الاجتماع (توماس لكمان) : (الخصوصية في التدين) ، وهذه الظاهرة واضحة لكل من يزور أمريكا ويعيش بين ظهراني أهلها، ويذكر (مارتن مارتي) أن المظهر الأكثر تميزاً في الديانة الأمريكية هو (تعدد المعتقدات) والتحولات الدينية وتعدد الأشكال؛ فأحد الكتب السنوية يعدد في أمريكا أكثر من (٢٢٠) مائتين وعشرين تسمية للطوائف الدينية، وموسوعة حديثة لم تجد صعوبة في ذكر (١٢٠٠) ألف ومائتي مجموعة دينية في أمريكا (مارتي، ١٩٨٩م: ٣٢٧) . ويواصل (مارتي) حديثه عن ظاهرة التدين في المجتمع الأمريكي فيقول: ... (ويشاهد المستطلعون والسياسيون الحقيقة بأن الأمريكيين يريدون أن يكونوا متدينين أو أن يفكروا في أنفسهم باعتبارهم أمةً (تحت رعاية الرب) فهم يرون الديانة بطريقة ما مفيدة للحضارة والشخصية الخاصة والمدنية.. وكلا القطاعين العام والخاص أشارا إلى تقديرهم للقوة الدينية في أمريكا؛ ففي خلال ازدهار العقارات في منتصف القرن أصبح من خواص السماسرة الإعلان عن الأحياء الجديدة، والمناطق الجديدة، واحتوائها ليس فقط على المدارس؛ ولكن مع وفرة بالكنائس أيضاً (المصدر السابق: ٣٢٥ - ٣٢٦) . ويرى (كيال) أن الاستيعاب في المجتمع الأمريكي يعني أن يدخل المهاجر في أحد الأديان الثلاثة: البروتستانتية، أو الكاثوليكية، أو اليهودية، (كيال، ١٩٨٥: ٩١) . ويجد القادم إلى أمريكا جهوداً مكثفة - وخاصة من الفرق النصرانية - في جذب القادمين الجدد إلى أمريكا إلى مذاهبهم؛ فتكثر المنشورات، وتكثر الزيارات الشخصية إلى المنازل في محاولات جادة لإقناع الآخرين إلى الانضمام إلى المذهب الذي يؤمنون به. ويمكن من كل ما تقدم أن نخلص إلى أن المجتمع الأمريكي مجتمع متدين في مجمله، وينتمي غالبية السكان إلى مذاهب وفرق دينية مختلفة. وإذا كان المفهوم التقريبي الذي يرى أن أمريكا دولة (يهودية نصرانية) بدأ استعماله في الثلاثينات من هذا القرن فإن هناك مفهوماً جديداً بدأ يتشكل الآن وهو أن أمريكا دولة (يهودية نصرانية إسلامية) فالإسلام ينتشر بسرعة كبيرة هناك، وسوف يصبح في المستقبل القريب الديانة الثانية بعد النصرانية، والعقلاء من الأمريكيين يسعون إلى ترسيخ هذا المفهوم؛ لأن فيه مصلحة للبلاد، فسوف يؤدي إلى مزيد من الأمن والاستقرار فيها، وسوف يساعد على مد مزيد من الجسور بين الأمة الأمريكية والأمة الإسلامية التي يشكل سكانها ربع سكان العالم تقريباً، وإذا كان هناك فئة سوف تقف ضد هذا المفهوم فهم اليهود الذين يودون أن يتفردوا بالعلاقة مع الشعب الأمريكي؛ ليستمروا في استخدام قدراته وإمكاناته ضد العرب والمسلمين.

стр. 3171

المنتدى الباز والرحيل المُرُّ فارس المحمد البراك إن من أعظم المصائب وأشدها وقعاً فقْدَ العلماء المصلحين؛ فقد قال - تعالى -: [وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون] [يونس: ٤٦] ، [أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب] [الرعد: ٤١] قال ابن عباس: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضاً: هو موت العلماء، وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ: حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة قال: أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه: الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها ... متى يمت عالم منها يمت طرف كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها ... وإن أبى عاد في أكنافها التلف فلقد رُزئت الأمة الإسلامية في جميع أقطار العالم بفقد فذٍ من أفذاذها ورجل من رجالها ومنارة من منارات العلم، وإمام أهل السنة والجماعة في هذا العصر، المجاهد في سبيل الحق ونشر الدين، ألا وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. لعمرك ما الرزية فقد مالٍ ... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد فذٍ ... يموت بموته خلق كثير إلاَّ أن ما يعزينا فيه أن العلماء وإن غابت شخوصهم فآثارهم موجودة؛ فحياة العلماء حياة للأمة؛ فهم ورثة الأنبياء. كان ﵀ تقياً ورِعاً زاهداً كريماً، وكان محباً للمساكين وَقاضياً للحوائج، وأحسبه ممن وُضِع له القبول في الأرض. انظر يا أخي الحبيب! إنه منظر عظيم حين توالَى الناس، واكتظت الشوارع بالأنفاس، وشهدت بكةُ مشهداً عظيماً من أجل الصلاة عليه، إنه مشهد سطَّر له التاريخ ودخل بأوسع أبوابه، فلم يأت ذلك إلا بعلمه ومكارم أخلاقه ومن ثم وضع له القبول في الأرض؛ فلا تجد عاميّاً ولا متعلماً إلا يعرفه، ولا صغيراً ولا كبيراً إلا ويبكي لفراقه، ولكنْ إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربَّنا، وإنا لفراقك لمحزونون. ختاماً أردد شعر فضيلة الشيخ سعود الشريم: ربّ العباد ألا فاجعل منازله ... علو الجنان له قصر به نهر واجعل مقاعده تروي مراقده ... ومدّ ملحده فيما حوى البصر إنَّ العزاء لبيت الباز في علمٍ ... عُوضتموا خلفاً والله فاصطبروا فرحم الله شيخنا رحمة واسعة، وأسأل الله أن يكتبه في عليين.

стр. 3172

المنتدى فاضت العينان علي بن حسن بن علي الرديني قلمي يَئِنُّ وجرحه ما زالا ... والحبر فجَّر هاهنا شلالا فاضت قرائحه وحار بأمره ... ورمى بأوراقي وسَلَّ سؤالا جاءت مع الغسق البهيم مقولة ... دارت وسارت فنّدت أقوالا عبد العزيز الباز في الدنيا غدا ... كالبدر في أفق السماء تلالا سيف توارى برقه في غمده ... بعد العراك وبعدما قد صالا حمل المشاعل في السواري وابتغى ... رفع الظلام فأفحم الضُّلالا من لي بجامعة تسير بهمّةٍ ... في ذي الديار جنوبها وشمالا زهد وعلم كيف لا؟ وتواضع ... وسماحة ومناقب تتوالى سرت الفتاوى من لسانك بلسماً ... لما أتاك السُّؤْلُ ينشد حالا هذي الرياض بدت تُرى في حلة ... بيضاء لما أوقف الترحالا لكنها بكت الحبيب؛ لأنه ... قصد الحجاز لكي يرى الأحوالا كل المشارق والمغارب قد بدت ... خرساء عند سماعها الزلزالا نشكو إلى المولى مصاباً هزّنا ... ودهى الدنا نشكو إليه تعالى طلابه زواره أحبابه ... نحو المطاف توافدوا أرتالا في العدل واروه التراب لبرزخٍ ... نرجو الإله له الجنان مآلا يا ربنا الرحمن إني سائل ... إياك سؤلاً أبتغيه نوالا في جنة الخلد اجتماعاً دائماً ... بالشيخ لا نبغي له إبدالا

стр. 3173

المنتدى دموع على فقيد الأمة محمد بن إبراهيم الشيبان القلب يبكي ودمع العين هتّانُ وخيّمت في ربانا اليوم أحزانُ قالوا (ابن باز) هوى في الأرض كوكبه جلّ المصاب فذا أمرٌ له شانُ سعون عاماً قضاها في مجاهدةٍ ... فما استكان ولم ينهدَّ بنيانُ مضى وخلّف ذكراً عاطراً وله في كل مسألة رأيٌ وتبيانُ همٌّ طواني فبات القلب منكسراً مما ألمّ، وملء القلب أشجانُ إن كان جسمك واراه التراب أسيً ... فإن أجفاننا للروح أكفانُ ما زال ذكرك عطراً في مجالسنا والشعر في ذكرك الميمون يزدانُ إن تاه بالزهد قوم مُدّعون له فأنت للزهد والإصلاح عنوانُ شمختَ بالحق تُعلي من مكانته لم يثنِ عزمك مفتونٌ وفتانُ تلك الملايين تبكي حرقةً وجوى يبكي الأحبةَ أصحابٌ وخلانُ سبحانك الله! نرضى ما قضيت به ... بذاك يأمرنا دين وإيمانُ فنحن نعلم أن الدار فانيةٌ وليس يخلد فوق الأرض إنسانُ ونسأل الله أن يجزيك مغفرةً ورحمةً، وبدار الخلد رضوانُ

стр. 3174

ردود الأخ: عبد العزيز العبيسي: نشكر لك ثناءك على مجلتك، ونبادلك حباً بحب. وعن المعلومات عن الإنترنت فهي كثيرة جداً ومتوفرة في كتب ومجلات، يمكن الحصول عليها بيسر من الأسواق. الأخ: ماجد بن إبراهيم الماجد: اقترح أن تخصص زاوية للشباب وهمومهم، وهو اقتراح جيد ونحن بقدر الإمكان نتعرض لقضايا الشباب لأهميتها، وفقك الله لكل خير. الأخت: أم عمار البراهيم: أرسلت ملاحظات حول اللوحات الإعلانية المنشورة في الطرق وذكرت بعضاً من مخالفاتها الشرعية، فجزاها الله خيراً على متابعاتها وغيرتها. الأخ: خميس بن عبد الرحمن الزهراني: أرسل يقترح أن يكون لون أرضية المجلة فاتحاً حتى يتمكن من قراءته، وهذه الملاحظة ستكون محل عنايتنا إن شاء الله. الأخ: فهد الموسى: وصلتنا مشاركتكم: وقفة تأمل، وتحتاج إلى اختصار مع إعادة الصياغة ونرحب بك مشاركاً في مجلتك. الإخوة والأخوات: مصعب السحيباني، وليد الرحيمي، صالح محمد الوهيبي، عبد الله محمد الربيعي، عمر الرماش، الربيع مليجي، جمال الدين الديب، منصور الزغيبي، خالد الحمودي، أم حمزة: وصلتنا مشاركاتكم الطيبة، وسعدنا بتواصلكم الطيب مع مجلتكم، ونتمنى دوام التواصل، وتمنياتنا لكم بالتوفيق في مرات قادمة، وجزاكم الله خيراً. الإخوة: أحمد أشرف أمين، عبد الله التميمي، مسلم ناصح، د. مهدي علي قاضي، بدر السحيل، أحمد مسفر العتيبي، عمر الرماش (مرض قسوة القلوب) عبد الرحمن الأحمد، عبد العزيز اللاحم، عبد الله عياد العنزي: سعدنا كثيراً بمشاركاتكم، ويسعدنا كذلك دوام تواصلكم ودوام مشاركتكم ونفيدكم بأن مشاركاتكم ستنشر إن شاء الله في المنتدى. الإخوة: سليمان الطفيل، فرست مرعي الدهوكي، إسماعيل بن عتيق، عبد الكريم الشهري، سالم فرج سعد، ياسين طه الشرجبي، أسيد عبد الرحمن الأثري: وصلتنا مشاركاتكم وأسعدتنا، فجزاكم الله خيراً، وسوف تنشر هذه المشاركات إن شاء الله في وقت لاحق.

стр. 3175

الورقة الأخيرة كيف نبرئ الذمة ؟ عادل بن أحمد الماجد لا زالت مشاعر الغضب حارة في قلوب المؤمنين على أولئك الذين سقطت في عصرهم (الأندلس) كيف فرّطوا بها بعد ثمانية قرون ... وأين كان ساستهم؟ وأين كان علماؤهم..؟ أين المصلحون فيهم والمجاهدون؟ بل أين الشعب كله؟ لِمَ رضوا بالتفرق والتطاحن؟ لِمَ سكتوا على موالاة الكفر؟ لِمَ لم يستنفروا الأمة للجهاد؟ ومئات الأسئلة نود أن نسألها أولئك، ومئات أخرى من التهم ستوجه إليهم دون سماع لردودهم على التهم؛ لأنه لا رد لهم؛ فقد أفضوا إلى بارئهم الذي لا تزول عنده قدم قبل السؤال. ويشتعل الغضب مرة أخرى عند تذكر (سقوط بغداد) على أيدي التتار بفصول مسرحية غريبة فيها من الذل والخذلان ما يتقطع له القلب. كيف ذل المسلم للتتري حتى لا يقاوم قبل أن يُقتل؟ وكيف رضوا بحياة الرقص والغناء والخنا؟ أين كان العلماء والمصلحون مرة أخرى؟ ! لِمَ سكت (أهل السنة) حين كان رجال من فرق الضلال يشغلون المناصب الحساسة في دولتهم، ولِمَ لم يحذروا من ذلك؟ ! لِمَ لم يفضحوا أولئك المرتزقة؟ وثالثة عند سقوط الدولة العثمانية؛ إذ يزفر القلب بآلاف التساؤلات عن دور العلماء والمصلحين والصالحين والأمة جميعاً! ونُحاكم أولئك: لِمَ لم يقضوا على مظاهر الشرك والدجل، ولِمَ لم يحذِّروا من الصوفية التي تفتك بالأمة حينئذ؟ أين هم من سليمان القانوني وغيره عندما استحدث القانون الفرنسي بدل الشريعة؟ أين كانوا من اليهود والنصارى الذين عاثوا بقصور الخلفاء فساداً؟ أين هم يومئذٍ من مقاومة الإنجليز والألمان والهولنديين والإيطاليين وهم يستولون على أرض المسلمين منطقة بعد أخرى؟ وفي فورة الغضب نتذكر آحاد الناس الذين نقل التاريخ احتجاجهم ولو شعراً كأبي البقاء الرندي: لكل شيء إذا ما تمَّ نقصانُ ... فلا يُغَرَّ بطيب العيش إنسانُ ومن رثاء بغداد: من ذا أصابك يا بغداد بالعين ... ألم تكوني يوماً قرة العين ونتذكر أن آلافاً آخرين كانوا منكِرين في صمت، وكارهين في سكوت - عفا الله عنهم -. واليوم.. نعم اليوم تجتمع مآسي الأمة وتزداد وتتنوع: فالشرك في الأمة كثير: من عبادة القبور والطواف حولها، ومن دعاء الأولياء من دون الله، ومن شرك الأدباء والمفكرين باعتقاد المذاهب الكفرية والدعوة إليها في وسائل النشر والإعلام المختلفة، ومن تغيير القوانين في بلاد المسلمين ومحاربة الشرع علناً من دون تورية. ومظاهر موالاة الكفر وأهله ومعاداة الإسلام وأهله لا حاجة لبرهان عليها يعرفها الصغير قبل الكبير! ! ويموت آلاف المسلمين جوعاً وحرباً فلا ناصر ولا مُطْعِمَ غير جمعيات الصليب، وجهود إسلامية صغيرة. ويتفشى الجهل بالدين في الأمة حتى لا يحسن الملايين منهم الصلاة؛ بل الشهادتين، ثم لا يجدوا معلماً ولا مفقهاً! واقتصاد العالم يزداد ثراءً؛ والمسلمون يزدادون فقراً، رغم أن أرضهم هي الذهب والفضة والخصوبة والزراعة، والأعداد الكثيرة والاستثمار الأفضل؛ ولكن الكافر يأخذ ما يريد من فوق أيدينا لنشتريه بدراهمنا المعدودة من تحت رجليه! ثم تنظر إعلام المسلمين فترى أشكالاً من الكفر والمجون والدجل، والدعوة إلى السفور والتبرج والفسق من الدين والسخرية بأهله. وأمام هذا الواقع أين الغضب؟ وهل سنرضى أن تغضب علينا الأجيال إلى يوم الدين؟ ! أم إن الغضب عليهم والعذر لنا، ومشكلات الأمة هي من صنيع السابقين ويجب على اللاحقين حلها ولنا التأفف والحوقلة؟ لا نشك في أن ملايين المسلمين لا يريدون هذا الواقع، ولا يرضونه؛ ولو قُدِّر أن أُعدَّت عريضة إبراء ذمة لتجاوز العدد عشرات الملايين؛ ولكن أين هؤلاء الملايين من التغيير والإصلاح؟ ! إن هذا العدد أكبر بأضعاف المرات من الأعداد التي بَنَتِ الأمةَ خلال الألف الهجرية الأولى مجتمعةً. فهل نترك للتاريخ ما تبرأ به الذمة؟ وهل يكفي قصيدة شعرية أو خطبة عصماء مؤثرة؟ !

стр. 3176

جمادى الآخرة - ١٤٢٠هـ أكتوبر - ١٩٩٩م (السنة: ١٤)

стр. 3177

المنتدى سيد العصر محمد بن عائض القرني أي سهم غرسته في فؤداي ... حين ناديت أيهذا المنادي! مات رمز الهداة.. رحماك ربي ... لمصاب يعبث في الأكباد! مات (ابن باز) مات؛ من كان براً ... هكذا الموت دونما ميعاد كان رمزاً ومرجعاً وإماماً ... كان طوداً لدحر أهل العناد كان حراً برأيه مستمداً ... نيِّرَ الفكر من إمام الرشاد [١] لم يكن همُّه من العيش إلا ... دحرَ فسق ونشرَ رأي سداد قوله الفصل، كيف لا وهو يمضي ... في سنى (أحمد) وفي نور (صاد) ؟ ! كان غيثاً على قلوب الحيارى ... ورشاداً لراغبٍ في الرشاد كان نهراً من المكارم سحاً ... بأياد فريدة في الأيادي هو بحر من الفضائل ير ... توي من نميره كل صادي داره مرتع العُفاة فمن ذا ... بعده آذن لهم بارتياد؟ كيف ننسى مجالس الذكر؟ كانت ... جنة الروح قبل يوم المعاد! كنت مهوى قلوبنا ودليلاً ... لخطانا بقربنا والبعاد تجمع الشمل في الحياة فلما ... مِتَّ ضمت يداك كل الأيادي طاب حياً وطاب بالموت نفساً ... حين ناداه للقاء المنادي فإلى الله سيره وإليه ... كان مأواه بعد طول الجهاد رب فاخلف على العباد بخير ... في الملمات والخطوب الشداد

стр. 3178

كلمة صغيرة من ينقذ السودان ظلت مشكلة الجنوب السوداني شوكة مؤلمة تواجه كافة الحكومات السودانية منذ عهد الاستقلال، ولعل من أهم إنجازات الحكومة الحالية أنها استطاعت أن توقف المدّ الجنوبي نسبياً مقارنة بالحكومات السابقة ولكن ممَّا يجب التنبه له كثيراً أنَّ غزواً مضاداً من النصارى الجنوبيين للشمال السوداني بدأ يظهر بشكل جلي في السنوات الأخيرة، دون أن تتخذ إجراءات حاسمة لصدّه أو التقليل من آثاره، وقد تمثل ذلك في أمور منها: أولاً: هجرة كثير من الجنوبيين إلى الشمال السوداني، خاصة حول العاصمة الخرطوم، بحجة الفرار من الحرب الدائرة في الجنوب، ويقدر عددهم بأربعة ملايين جنوبي، وكوًَّن هؤلاء المهاجرون طوقاً محكماً يحيط بالعاصمة، وهذا سوف يؤدي بالتأكيد إلى إحداث خلخلة في التوازن السكاني دينياً وعرقياً، كما أنَّ هؤلاء المهاجرين يمثلون قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، ويمكن أن يسببوا تهديداً حقيقياً للعاصمة، خاصة أن نسبة النمو السكاني للقبائل الجنوبية يصل إلى ٨.٧ %، بينما نسبة النمو في القبائل العربية المسلمة ٢. ١% فقط، وفي ظل غياب البرامج التعليمية والدعوية الرسمية والأهلية الموجهة إلى هؤلاء يتبيَّن لنا عمق الخطر على المدى البعيد. ثانياً: هجمة كبيرة للمنظمات الكنسية والتنصيرية التي بدأت تعمل في أوساط الجنوبيين خاصة، كما تعمل في أوساط المسلمين الشماليين، مستغلة الفقر الشديد الذي يضرب بأطنابه في مختلف أنحاء السودان، وأمام الهجمة الإعلامية على الحكومة السودانية التي تتهمها بالإرهاب والتطرف! خطت الحكومة خطوات غير مسبوقة لنفي التهمة، وأظهرت التسامح مع بعض المنظمات النصرانية، وأزاحت من طريقها كثيراً من العقبات مما أدى إلى زيادة ملحوظة في النشاط التنصيري. وقد بلغ عدد المنظمات النصرانية تسعاً وثلاثين منظمة، هذا بالإضافة إلى بعض المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة وغيرها التي أصبحت معقلاً من معاقل التنصير! وأما عدد الكنائس في السودان فقد تجاوز ١٤٣٨ كنيسة حتى عام ١٩٩٧ م منها ٤٠٠ كنيسة في ولاية الخرطوم وحدها، ويعمل في هذه الكنائس ٥٠٠ قسيس أجنبي، فضلاً عن المنصِّرين الذين يعملون في المنظمات التنصيرية بل إن هذا العدد في تزايد مستمر؛ حيث يوجد في العاصمة ثلاثة معاهد للاَّهوت تُخرِّج أعداداً كبيرة من القساوسة كل عام من السودانيين وغير السودانيين. إنها مشكلة حقيقية تواجه السودان، نرجو ألا تكون منسية من الجهات الرسمية والجمعيات الخيرية والدعوية الإسلامية.

стр. 3179

الافتتاحية وجاءت الهجمة على الأخلاق.. ثم ماذا ؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فإن تراجع الهجمة العقدية على مستوى الساحة العالمية أمر مشاهد ومحسوس بعد أن فقدت الدعوات العقدية الغربية من نازية وشيوعية واشتراكية بريقها، وأصبحت الساحة رهينة للعبة السوق التي تتدثر بالليبرالية رداء حين تقدم الى مستهلكي الأفكار- مع ما تقدمه من بضائع - تحت لافتة خادعة تسمى (العولمة) . وهذه العولمة هي - باختصار-: افتراس المنتصر المتوحش لضحاياه الأقل شراسة وقدرة على البقاء؛ حين تضمن للقوي تصدير سلعته وخدماته وأفكاره بحجة حرية السوق وحرية المعتقد وحرية الثقافة، وليت هذه الثقافة أو تلك الحرية تكون أصيلة أو حقيقية وهي ليست كذلك؛ فمع مرور الوقت يتضح جليا أن العولمة لا تحوي فكرا متكاملا أو عقيدة منطقية بقدر ما تمثل مجموعة من القيم الغربية السلوكية الفجة تختفي وراء شعار فضفاض يطالب بالحرية الدينية للنصارى في بلاد الإسلام، بينما يمنع ارتداء غطاء الرأس للمسلمة في دياره، أو يرفض الاعتراف بالجاليات المسلمة التي تشكل في الدول الغربية الرئيسة الجالية الثانية بعد النصارى، ويسلبهم حقوقهم المدنية، أو يشن عليهم حربا قذرة، وكل ذلك ضمن القانون القابل للتمدد والانكماش حسب معتقد المتهم ودينه! ! يصنف بعض المفكرين وأصحاب الرأي المرحلة التالية لانهيار الإمبراطورية السوفييتية وانعكاس هذا الانهيار على الساحة العربية والإسلامية إلى مراحل رئيسة ثلاث تبدأ بحرب الخليج وما أفرزته تلك الحرب من عملية سلام زائف تم تمريره عبر شعارات براقة (الشرق أوسطية) سرعان ما أدت إلى مرحلة الهوان الحالية التي تتحدى حكومة الصهاينة من خلالها شعوب الجوار وحكوماتها والعواصم الدولية دون أن تتصور وجود مقاومة لغطرستها عدا تلك المشاعر المتأججة في الصدور وهذه العقيدة التي يشكل معتنقوها آخر حائط صد في وجه الطوفان الأمريكي / الصهيوني. لم يبق بالفعل سوى الإسلام عقيدة ومنهجا على الساحة العربية يمنحها شيئاً من الصمود وقليلا من المقاومة بمقاييس المادة والنزال الدنيوي. لقد استطاعت تلك القوى من خلال التحالف البشع مع دولة اليهود أن تجرم أي نشاط إسلامي سياسي على مستوى المنطقة عموما، وذلك تحت شعار محاربة الإهاب، وأصبح أمام المسلم طريق واحد إذا ما هو فكر في ممارسة واجبه الشرعي في الحفاظ على هويته وكيانه أو القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي استطاعت تلك القوى أن تضعه في لائحة التجريم والملاحقة إلى جانب جريمة ترويج المخدرات! ! وإن كان أعداء الإسلام قد صرحوا منذ البداية أن الإسلام دين عنف، متخلف، وغير حضاري، وأن القضاء عليه مطلب ضروري من أجل أن تنعم البشرية بحياة هانئة بعيدة عن القلق والاضطراب، وإن كان الأعداء الوقحون قد كشفوا ما في صدورهم فإن فئة أخرى تشاركهم نمط الحقد نفسه والضغينة نفسها غلفت هذا العداء بشعار تجفيف المنابع، وخرجت بنظربة كرتونية تربط بين عود الأراك وفوهة الكلاشنكوف، ووصلت إلى علاقة طردية بين أداء الصلاة وتهديد قداسة أصنام العلمانية، وبين ظهور شعر العارضين وانفجارات أوكلاهوما وانخفاض مستوى أسعار النفط! أصبحت الأصولية والإسلام الإرهابي والظلام وغيرها من عبارات، العهر الفكري هي (النظرية) التي تفسر كل ما أصاب الأمة وشعوبها من إحباط وخيبة وأنماط تخلف وفساد وتحلل، بل إن أحط الفئات خلقا وسيرة خرجت للجماهير العربية بنظرية: أن محاربة (طيور الظلام) لا تتم إلا من خلال نشر أوكار الدعارة، ونشر الثقافة الجنسية الفاجرة حتى يتعرف الإرهابيون والمخدوعون بالإسلام أن هناك حياة أنقى من التزام شرع الله تتمثل في الخنا والفجور والذوبان في مجتمع العولمة وانسلاخ الذات! إن سياسة تجفيف المنابع كشفت بلا مواربة أن الحرب الآن على الإسلام باعتباره عقيدة وشريعة وسلوكا؛ فبعد أن حُد من الجانب الاحتسابي الذي يظهر وجهة النظر الإسلامية في القضايا السياسية والاقتصادية الكبرى فإن الدور الآن على الجوانب الاجتماعية التي تحكم علاقات وسلوكيات المسلمين. إنها حرب غير أخلاقية لمحاصرة الجوانب الأخلاقية من قيم ومبادئ ومثل وممارسات يومية، وأخطر ما استخدم في هذه الحرب هو الخطاب الإعلامي المتفسخ، وتوظيف انفجار الثورة الإعلامية وتقنية الاتصالات ببث الرسائل التافهة، وترسيخ العولمة بنكهة الكوكاكولا والهامبورجر بترجمة عربية رديئة تجعل من المطربات والمطربين والراقصات ولاعبي الكرة (نجوم) المرحلة و (منظري) العولمة اليعربية. وتغذى القوم - بحكم خلو الساحة من حق المقاومة - بوقود الدعم الكبير حتى بدءوا يحتفلون مباهين بأن بلدا عربيا لا يتجاوز سكانه بضع ملايين أخذ يقدم لكل ١٠٠٠ مواطن مطربا آو مطربة في الوقت الذي تبلغ نسبة الأطباء لكل مواطن في هذا البلد نسبة مخجلة لا تجعل المقارنة في صالح حزب تجفيف المنابع! ! إن ما يحصل الآن من انفجار فضائي وإعلامي هو مؤشر لحالة السعار التي تريد أن تقضي على مظاهر التميز، بل الوجود؛ بحجة اللحاق بالركب العالمي، وهو ركب تتركه اليوم الأمم التي تحترم نفسها ولا تضع حاضرها ومستقبلها لعبة تتسلى به الأفاعي الدولية! وبحجم الهجمة فإن دعاة الإسلام ورموزه لم يستوعبوا بعد حجم التأثير وقوة الغزو الخبيث الذي ينطق بلساننا ويتخفى بأسمائنا. وأمام تلك الهجمة فدعاة الإسلام أقسام: - قسم لا زال يقاوم الهجمة المحدثة بأساليب قديمة وخطوات لا تناسب الظروف الحالية، وهو - على كل حال - مخلص في هدفه مستقيم على منهجه! - وقسم يحاول أن يقاوم الهجمة بأدواتها الماكرة وذلك من خلال تحديث أسلحة المعركة وتطوير وسائل حماية الشعوب من مكر الليل والنهار وهو - على كل حال - ضعيف في قدراته مجتهد في وسائله ملتزم بمنهجية واضحة.. - وقسم ثالث يحاول أن يصد الهجمة وقد أصابته بحالة من الذهول حتى غدا الدخول في المعركة هدفا بحد ذاته وإثبات وجود الصوت المسلم مطلبا تهون أمامه الثوابت ولا ينضبط حينها بقيد شرعي أو ضابط منهجي.. - وصنف رابع تحتار أن تصفه: هل هو عدو لك أم متعاطف معك! ؟ ! أعماله وقود لتسعير الشهوة وتجديد وسائل اقتلاع الأخلاق، وكلامه البارد يتحدث عن توقير القيم وسيلة للدعوة، ولا تدري أي دعوة تلك أمام ذلك التناقض المريب؟ إن الهجمة الفضائية الشهوانية المستعرة اليوم التي تتعرض لها أجيالنا بخاصة تتطلب من الدعاة والمصلحين والأفراد والجماعات وقفات عدة: - وقفة لتقويم رسالة العدو ورصدها وتحليلها وتأثيرها على فئات المجتمع الأقل إدراكا ومناعة، كما تقتضي مراجعة أساليبنا في الوصول إلى الواقع المسلم بأصوات جديدة وقوالب جذابة تجتذب الفئات المستلبة بالبريق الخادع كما تقتضي دعم البرامج الدعوية التي أثبت نجاحها لفئات معينة مع العمل على دعمها وتطويرها رغم أنها وسائل تقليدية إلا أنها تبقى قوية فاعلة أمام أخطر التحديات حين يقدم الإسلام للمسلم البسيط الذي تجرد من الإسلام قطعة قطعة وأصبح مولودا ممسسوخا لا يمت للإسلام بصلة سوى بعض الأماني الكاذبة والرؤى الضبابية في صدور أولئك الذين يعتقدون أنما الأعمال بالنيات وكفى! فيقدمون أبشع وأحط الأعمال التي تفسد أمجاد شعوب استنادا إلى نوايا في صدورهم لا تؤثر في الواقع؛ بل إنها تقدم أعذارا لأسراب الهالكين بأن القائمين على هذا الفساد والفجور هم من أصحاب النيات الطيبة، وبعض هؤلاء قد يتمادى فيهاجم أولئك القابضين على دينهم المتصدين للهجمة الإعلامية الفاسدة بوسائل نظيفة تتهمهم بأنهم (رجعيون) لا يفهمون لغة العصر ولا يفقهون عناصر الرسالة الإعلامية التي يجب أن لا تفرق بين الوسائل الإسلامية وسواها إلا من خلال المضمون أما الشكل، فلا ضير أن لا يكون إسلاميا أو أخلاقيا، لأن علينا أن نثق بنيات وأسماء هؤلاء الرموز العقلانيين الذين لهم وحدهم حق التنظير والتفكير وتوزيع الخطأ والصواب (يمنة ويسرة) حتى في أدق الأمور الشرعية وأكثرها حاجة لعالم بصير بالقواعد والنصوص والواقع! إن من حقنا على أولئك المجتهدين - وقد أثمرت اجتهاداتهم أخطاء شرعية ومواجع واقعية - أن نقول لهم: إن الهجمة على أهل الإسلام ودينهم ورموزهم أكبر من أن ينضم إليها أولئك الذين كان ينتظر منهم أن يعتلوا المنابر لا أن يشاركوا في تلك (المواخير) التي تجمع بين التحدث عن الإسلام ومهاجمته واتهامه بأقصى التهم في الوقت ذاته. والله نسأل أن يجعل لأمتنا من أمرها رشدا، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

стр. 3180

دراسات في العقيدة والشريعة الإسلام والمجتمعات الإقليمية الدولية د. عثمان جمعة ضميرية مقدمة: (خلق الله تعالى الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، فيرجع كل منهم إلى قبيلته كما يرجع إلى الشعب الذي تتفرع عنه القبيلة؛ لأن الشعوب أعم من القبائل، فقال الله تعالى [يّا أيُّها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم] [الحجرات: ١٣] فكان هذا تنبيهاً على أن الجميع في الشرف بالنسبة إلى آدم وحواء عليهما السلام سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية؛ وهي. طاعة الله، ومتابعة رسوله ﷺ . وفي هذا المقال نتناول نظرةَ الإسلام إلى العالم مقارنةً بنظرة الغربيين، ثم تعريفَ دار الإسلام ودار الحرب باعتبارهما مجتمَعَيْن دوليَّيْن، ثم نوضح أساسَ هذا التقسيم للعالم، وشرعيَّتَهُ، والردَّ على الشبهاتِ التي أُثيرت حياله. أولاً: نظرة الغربيين إلى العالم: ابتدع العالم الغربي على مر القرون عديداً من الوسائل لتقسيم الجنس البشري؛ فقد قسم اليونانيون العالم إلى: يونانيين، وبرابرة، كما قسم اليهود العالم إلى: يهود، وأمم أخرى. وفي فترة متأخرة ابتكر اليونانيون أيضاً تصنيفاً جغرافياً يظهر فيه العالم على أنه مكوَّنٌ من قارات هي: قارتهم أوروبا، وآسيا التي تقع على الجانب المواجه لبحر إيجه، وخلف الشاطئ الإيجي عند نهاية المنطقة التي أطلق عليها اسم آسيا الصغرى كانت تبدو آسيا الكبرى. ولقد كان اسم آسيا يعطي امتداداً أوسع، وبمرور الوقت تم تجزئة آسيا (اللا أوروبية) إلى أقسام. أما الجزء الذي يقع على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط فقد أُطلق عليه أسماء يونانية لاتينية جديدة؛ إذ أُطلق عليه أولاً: ليبيا، وفيما بعد أطلق عليه: إفريقيا. أما بالنسبة للأوروبيين فإن العالم خلال فترة العصور الوسطى كان مقسَّماً بين المسيحيين والوثنيين، ثم بعد ذلك بين الممالك المسيحية والملكية. ولقد تبنَّى العالم الحديث مفهوم دولة الشعب على أنه تصنيف أساسٌ مُحدِّد للهوية والولاء [١] . ثانياً: أساس تقسيم العالم في الإسلام: ألمحنا فيما سبق إلى أن الإسلامَ دعوةٌ عامةٌ موجهة للناس كافةً، وأنَّ أحكامه تخاطب الناس جميعاً، لا يختصُّ بها قومٌ دون قومٍ، ولا جنسٌ دون جنسٍ، ولا إقليمٌ دون إقليم، وبذلك تهدف الشريعةُ الإسلامية إلى تكوين مجتمع إنساني واحدٍ يخضع لنظامٍ واحد. لكن لمَّا لم تمتدَّ الشريعةُ وأحكامها إلى كافة أرجاء العالم، ولم تكن لها السيادة الفعلية على العالم كله، فقد قضتْ ظروف المكانِ والواقعِ أن لا تُطبَّق الشريعة إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد، فكانت - من حيث الواقع - إقليمية تطبَّق على البلاد التي تخضع لسلطة المسلمين. وقد نظر الفقهاء إلى هذا الاعتبار فأوجدوا تقسيماً للعالم كله ينطوي على قسمين اثنين لا ثالث لهما: الأول: يشمل كل بلاد الإسلام، ويسمى (دار الإسلام) . والثاني: يشمل كل البلاد الأخرى، ويسمى (دار الحرب) ؛ لأن القسم الأول يجب فيه تطبيقُ الشريعة الإسلامية، أما القسم الثاني فلا يجب فيه تطبيقها؛ لعدم إمكان هذا التطبيق [٢] . وعلى هذا فإن كلمة (الدار) في الفقه الإسلامي تطلق على الإقليم الذي يشكِّل عنصراً من عناصر الدولة في القانون الدستوري والقانون الدولي؛ فالدولة بالتعبير المعاصر يطلق عليها الفقهاء اسم: (الدار) [٣] ، والدولة المسلمة يطلقون عليها اسم: (دار الإسلام) في مقابل: (دار الحرب) . وفي هذا يقول العلاَّمة ابن عابدين: (المراد بالدار الإقليم المختصّ بقهر ملك إسلام أو كفر ... فليس المراد دار السكنى) [٤] . ثالثاً: دار الإسلام: دار الإسلام هي البلاد التي تكون تحت سلطة المسلمين، وتظهر فيها أحكام الإسلام ويَأْمَنُ فيها المسلمون، ويستوي أن يكون سكانها المقيمون على أرضها كلُّهم من المسلمين أو من غير المسلمين الخاضعين لسلطة الدولة الإسلامية (الذميين) أو من المسلمين وغير المسلمين. وظهورُ أحكامِ الإسلام يعني: أن تكون هي الغالبة التي تعلو على غيرها، فتكون لها السيادة والهيمنة؛ لأن أصل مادة الكلمة (ظهر) تفيد معنى المعونة والعلوِّ والظَّفَرِ. وبهذا يظهر أن بعض البلاد الأوروبية التي يقيمُ فيها المسلمون صلاةَ الجمعة والأعياد، ويعلنون فيها إسلامهم، وهم في أمْنٍ مِنْ أن يُفْتَنوا في دينهم لا تعتبر دار إسلام؛ لأن السلطان فيها ليس للمسلمين، والأحكام لا تنفذ هناك بقوة المسلمين، وهذه المعاني في معنى دار الإسلام (الدولة الإسلامية بالمفهوم المعاصر) هي ما يؤخذ من تعريف الفقهاء لها، كقول الإمام السَّرَخْسِيّ: (إن دار الإسلام اسم للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين، وعلامة ذلك: أن يأمن فيه المسلمون) . ... وكذلك قال أبو يَعْلَى الفرَّاء الحنبليّ: (هي كلُّ دارٍ كانت الغَلَبةُ فيها لأحكامِ الإسلامِ دون أحكام الكفر) . رابعاً: دار الحرب: أما دار الحرب: فهي البلاد التي ظهرت فيها أحكام الشرك عند غَلَبَة أهل الحرب عليها. فالموضع الذي لا يأمن فيه المسلمون على أنفسهم، ولا تجري فيه أحكام الإسلام هو من جملة دار الحرب. ولذلك جاء تعريفها عند بعض الفقهاء بأنها (ما يجري فيه أمر رئيس الكفار من البلاد. أو هي ما خافوا فيه من الكافرين) . وعرَّفها بعض فقهاء الحنابلة فقال: هي ما غلب عليها أحكام الكفر. وقالوا: الحربي منسوب إلى الحرب وهو القتال والتباعد والبغضاء أيضاً، ودار الحرب هي دار التباعد والبغضاء؛ فالحربيُّ سمي بذلك بالاعتبار الثاني. وليس من غرضنا هنا أن نقف طويلاً عند تعريفات الفقهاء لكل من الدَّارَيْن، فحَسْبُنَا هذه الإشارات التي تجمع ما اتفقوا عليه في ذلك [٥] . خامساً: مناط الحكم على الدار: يمكن أن نخرج من استقراء آراء الفقهاء في معنى دار الإسلام ودار الحرب بخلاصة جامعة في العلَّة التي بُنِي عليها تقسيمُ العالم إلى دار إسلام ودار كفر هي مناط الحكم [٦] على الدار ووصفها بإحدى الصفتين. فقد أصبح ظاهراً جلياً أن هذا المناط هو. غلبة الأحكام وظهورها بحيث تكون لها السيادة، فإذا كانت الغلبة والسيادة لأحكام الإسلام فالبلاد دار إسلام، وإذا كانت الغلبة والسيادة لأحكام الكفر فهي دار حرب أو كفر. ولا فرق بين دار الكفر ودار الحرب، ولم يكن سبب التسمية بدار الحرب هو حالة وقوع الحرب فعلاً؛ بل تسمى بذلك ولو لم تكنْ حربٌ فعلية، باعتبار ما بينهما من تباعد، ولذلك يسمونها دار كفر أو دار شرك أو دار حرب، ويعنون بها حقيقة واحدة. وهذا المعنى نصَّ عليه جمهور الفقهاء فيما نقلناه عنهم في تعريف الدار، ومن ذلك قول السَّرَخْسِيّ: (إن الدار إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغَلَبة) [٧] . وهو الذي بسطه الكَاسَانِيُّ فقال: (فإذا ظهرت أحكام الكفر في د ار فقد صارت دار كفر، وتصير الدار دار كفر بظهور أحكام الكفر) [٨] . ولم يعتبروا وقوع حالة الحرب لتصحَّ التسمية بذلك، ولهذا قال الحنابلة. (الحربيُّ منسوب إلى الحرب وهو القتال، والتباعد والبغضاء أيضاً، ودار الحرب. أي دار التباعد والبغضاء، فالحربي سمي بذلك بالاعتبار الثاني أي التباعد والبغضاء) [٩] . سادساً: رأْي بعض المعاصرين في تقسيم العالم: عمد بعض الكاتبين المعاصرين إلى مهاجمة تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب. وكان أول من اتجه هذا الاتجاه هم غير المسلمين؛ حيث اعتبره بعضهم ناشئاً عن تصور يتطابق مع نزعةٍ تميل إلى السيطرة العالمية، لا ينسجم مع مبدأ المساواة القانونية بين الأمم، ثم قال: وفي وقت كانت هذه الفكرة مرفوضة من أولئك الذين دخل الإسلام معهم في صراع نَجَمَ التقسيمُ الأساس للعالم إلى (دار الإسلام) و (دار الحرب) ، مع ما يتفرع عنه من تقسيم قابل للتطبيق في القانون الداخلي وفي الخارج على السواء، ألا وهو: تقسيم الناس إلى مؤمنين وكفار على أنه لا بد من القول بأن هذا التصور لم يكن متَّسقاً مع الإسلام، وإن كان منسجماً تماماً مع أفكار العصر الذي أنتجه. وقد انتهت هذه الثنائية الواضحة بالانفجار على المستوى الدولي، وتمثلت برد فعل ضد مفهوم الإمبراطورية النصرانية آنذاك، وارثة فكرة السلم الروماني [١٠] . ثم عمق هذا الاتجاه بعضُ الكُتَّاب المسلمين المعاصرين وحاولوا دعمه ببعض التعليلات وبأقوال الفقهاء. ويمكن أن نوجز خلاصة رأيهم في تقسيم الدنيا إلى دارين بما يلي في نقاط متتابعة. ١- إن هذا التقسيم مبني على أساس الواقع لا على أساس الشرع، وهو من محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري. ٢- إنه تقسيم طارئ بسبب قيام حالة الحرب، فهو ينتهي بانتهاء الحرب والأسباب التي دعت إليه، ودار الحرب هي التي لم تكن في حالة سلم مع الدولة الإسلامية. وهذا أمر عارض يبقى بقيام حالة الحرب. ٣- إن الدنيا - بحسب الأصل - هي دار واحدة، كما هو رأي الشافعي؛ ولذلك قال الشافعي مع جمهور الفقهاء: إن الحدود تجب على المسلم أينما وقع سببها. ٤- أما الحنفية فإنهم اعتبروا أن الدنيا داران؛ ولذا لم يوجبوا إقامة الحدود على المسلم في دار الحرب. ٥- إن الأحكام التي اختلفت بسبب وصف الدار إنما كانت أثراً من آثار الحرب الدائرة بين المسلمين وغيرهم، أو بسبب مجرد قيام حالة الحرب [١١] . ٦- والخلاصة في رأيهم: (أن أساس اختلاف الدارين هو انقطاع العصمة، وأن مناط الاختلاف هو الأمن والفزع كما بينه أبو حنيفة؛ فالدار الأجنبية أو دار الحرب. هي التي لم تكن في حالة سلم مع الدولة الإسلامية، وهذا أمر عارض يبقى بقيام حالة الحرب وينتهي بانتهائها) . ثم ينتهي إلى النتيجة التي يريد تقريرها فيقول: (وبذلك يلتقي القانون الدولي والشريعة الإسلامية في اعتبار أن الدنيا دار واحدة، وأن الحرب أمر عارض يقيم حالة عداء مؤقت بين بلدين، فإذا ما انتهت الحرب زالت معها هذه الحالة، وحينئذ يتضح لكل إنسان أن كلمة (الحربي) - بحسب اصطلاح الفقهاء المسلمين - لا يلزم أن ترادف كلمة (عدو) دائماً) [١٢] . سابعاً: شرعية التقسيم والرد على المنكرين: تلكم هي خلاصة القول في رأيهم في تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، لم يكن لنا فيها أي إضافة أو نقص، وإنما جعلناها مرتَّبة متسلسلة لنعود إليها بإبداء بعض الملاحظات حيالها، لنرى مدى دلالتها على ما يريدون الوصول إليه أو عدم الدلالة على ذلك. ١- إن هذا التقسيم الذي وضعه الفقهاء للعالم تقسيم أصيل وإن لم يجرِ به الاصطلاح في عهده ﷺ ؛ فهو لم يكن ابتداعاً ابتدعه الفقهاء، بل إن أصوله في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، شأنه في ذلك شأن كثير من التقسيمات في الفقه الإسلامي. ففي القرآن الكريم نجد تقسيم الناس إلى مؤمنين وكفار، ولكل من هذين القسمين بلاد أو دار تجمعهم، كقوله تعالى. [والَّذين تبوَّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم] [الحشر: ٩] وقوله [سأريكم دار الفاسقين] [الأعراف: ١٤٥] ، وقوله [تمتعوا في داركم ثلاثة أيام] [هود: ٦٥] وغيرها من الآيات كثير. وفي السُّنَّةِ النبوية وفي الآثار عن الصحابة جاء هذا المعنى واضحاً باسم دار الشرك ودار السُّنَّة، ودار الإسلام، ودار الهجرة، وهذه الثلاثة الأخيرة تعني حقيقة واحدة، وتنوعت فيها التسمية بتنوع الوصف. وهذه طائفة من الأحاديث والآثار في ذلك: - عن جابر بن زيد قال: قال ابن عباس ﵄: (إن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر كانوا من المهاجرين؛ لأنهم هجروا المشركين، وكان من الأنصار مهاجرون؛ لأن المدينة كانت دار شرك، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ ، ليلة العقبة) [١٣] . - وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه، ثم قال: (وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادْعُهُمْ إلى ثلاث خصال، فَأَيَّتُهُنَّ ما أجابوك فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقْبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهُمْ إلى التحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين ... ) [١٤] . فالدار الأولى هي دار المشركين، والثانية هي دار المهاجرين وهي دار الإسلام، التي جاءت في رواية الإمام محمد بن الحسن للحديث بلفظ، فقال: ... (وادعوهم إلى التحول إلى دار الإسلام) . - وعن سليمان بن بريدة أن عمر ﵁ بعث سلمة بن قيس على جيش فقال: (فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال. ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة ... ) [١٥] . - وعن ابن عباس، ﵄، أن عبد الرحمن بن عوف قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين: إن الموسم (أي: الحج) يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإني أرى أن تمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسُّنَّة [١٦] . - وفي كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة: (وجعلتُ لهم: أيما شيخٍ ضَعُفَ عن العمل، أو أصابته آفة، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دِينِه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعِيلَ من بيت مال المسلمين وعيالُه ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم) [١٧] . (ففي هذه الأحاديث والآثار وفي غيرها أيضاً جاء اسم (دار الهجرة) و (دار الإسلام) ، و (دار السنَّة) ، و (دار الشرك) كما رأينا، فقد كانت هذه المسميات موجودة منذ عهد الرسول. وعهد الصحابة، وحتى لو لم تستعمل مصطلحاً شائعاً مشتهراً، فإن الأحكام التي طبقها الفقه بعد ذلك على الوحدة التي سماها (دار الإسلام) ، والأخرى التي سماها (دار الحرب) كانت موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم، واستمد الفقه منها تقنينه لما أُطلق عليه كلٌّ من الاسمين، فلا دلالة إذن للقول بأن هذه التسمية طارئة مستحدثة، ولا سند للقول بعدم شرعية تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب) [١٨] . ٢- ومن استقراء أقوال الفقهاء في تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب يظهر أنه لا علاقة لحال الحرب بأصل التقسيم؛ إذ هو كما سبق عند جمهور الفقهاء مبني على سيادة الأحكام، ولذلك فإن بناء التقسيم على أصل العلاقات سلماً أو حرباً فيه عكس للقضية؛ فإن العلاقات إنما تتحدد بناءًا على وصف الدار وموقف أهلها من الإسلام ودعوته؛ ولذلك فإن (تقسيم الدور الأصلية ثابت عند الفقهاء ومحل إجماع، وليس له علاقة بقضية الحرب والسلم حتى يمكن أن تتغير الأوصاف؛ فإن الأوصاف الأصلية وهي: دار الإسلام، ودار الكفر لا تزال ما دام هناك مسلمون وهناك كفار، فلا يجوز أن تُخلط هذه المفاهيم بعضها ببعض) [١٩] . ٣- وأما أن الدنيا دار واحدة عند الشافعي كما نقله الدّبُوسِيّ عنه واحتج به بعض المعاصرين فهذا من حيث الأحكام التي وقع الخلاف فيها بينه وبين الحنفية؛ فهي دار واحدة من حيث التزام المسلم بالأحكام أينما كان، ويوضح هذا ويؤكده أن الشافعية يقسمون الديار إلى: دار إسلام، ودار كفر، ويقولون بوجوب الهجرة أحياناً من دار الكفر إلى دار الإسلام، وأحياناً باستحبابها حسب حاله، ويتحدثون عن مسائل اختلاف الدارين وأنه لا يؤثر في الأحكام، وعلى هذا فالتقسيم عندهم متفق عليه، وكتبهم كلُّها شاهدة بذلك. ٤- أما اختلاف بعض الأحكام بين دار الإسلام ودار الحرب عند القائلين بذلك كالحنفية فلا علاقة له بقيام الحرب كما هو ظاهر واضح؛ فإن الحنفية لما قالوا بامتناع تطبيق العقوبة على المسلم الذي ارتكب موجبها وهو في دار الحرب، عللوا ذلك بأنه لا ولاية للحاكم المسلم على دار الحرب، وتطبيق العقوبة يقتضي الولاية، فلما وقعت الجريمة غيرَ موجِبَةٍ للعقوبة وقتَها لم تجبِ العقوبةُ بعد عودته؛ لأنها وقعت أصلاً غَيْرَ موجِبة. ٥- ويزكِّي هذا الذي تقدم ويؤيده أن رأي الحنفية في درء الحد عن المسلم الذي ارتكب ما يوجب العقوبة في دار الحرب لا يختلف باختلاف حال الحرب وحال السلم والأمن أو الموادعة؛ فهو قد يكون آمناً عندهم بعقد الأمان ولا يؤثر ذلك على درء الحد، بل غالباً ما لا يكون دخوله إلا بأمان، وعندئذ يظهر أن اختلاف الأحكام لم يكن بسبب قيام حالة الحرب، وإنما بسبب عدم الولاية والسلطة. ٦- أما توفر الأمن والسلام فإنه لا يؤثر في التقسيم أيضاً؛ إذ قد يكون المسلم آمناً في دارهم بعقد أمان، ومع ذلك فإن دارهم دار كفر وحرب، ولا فرق في التسمية، وإن كان بعضهم قد جعلها دار كفر لا دار حرب اسماً. واشتراط الإمام أبي حنيفة الأمان للمسلمين لتكون الدار دار إسلام، لا ينصبُّ على أصل وصف الدار وتقسيم العالم إلى دارين، وإنما هو في شروط تغير صفة الدار من دار إسلام إلى دار كفر؛ حيث قال: لا تصبح دار كفر إلا بالشروط الثلاثة مجتمعة؛ فإذا بقي المسلمون آمنين بالأمان الأول لم تصر الدار دار حرب؛ فهما قضيتان مختلفتان لا يجوز الخلط بينهما، ولا يدل رأيه على ما أراده المعاصرون أو فهموه من رأيه في ذلك. ٧- أما أن كلمة (الحربي) فلا يلزم أن ترادف كلمة (عدو) كما انتهى إليه بعض المعاصرين فهذا كلام عجيب غريب، يصادم آيات القرآن الكريم ومدلولات اللغة العربية؛ فإن الحربي عدو للمسلمين، وعدو المسلمين محارب لهم حقيقة أو حكماً؛ ولذلك فإن محاولة تأويل النصوص وتمييع الأحكام من أجل أن نظهر أمام أعدائنا من الكفار بأننا أصدقاء لهم، هذا كله يتناقض مع أحكام الدين، وهو في الوقت نفسه لا يقنع أولئك القوم، ويعرفون أنه مجاملة أو انهزامية فحسب؛ فهم قد (درسوا قضية ديار الحرب وديار الإسلام، وكيف يقسم الفقهاء المسلمون الدار إلى دارين، وهل لدى المسلمين استعداد لأن يتنازلوا عن هذه القسمة ويعترفوا بالنظام العالمي الجديد؟) [٢٠] . والأمر الذي ينبغي أن يكون واضحاً هو أنه (لا مكان لما يسمى بالنظام العالمي الجديد أمام القسمة الثابتة التي تجعل للمسلمين دارهم وشريعتهم وولاءهم وتميزهم وتوجههم) [٢١] . وقد ألمحنا في مناسبات سابقة إلى خطورة المنهج التسويغي في البحث ومحاولة التقريب ولو بالتعسُّف والتَّمَحُّل بين القانون والشريعة، هذه المحاولة التي تنم عنها النتيجة التي وصل بعضهم إليها فقال: (وبذلك يلتقي القانون الدولي والشريعة الإسلامية في اعتبار أن الدنيا دار واحدة) . ثامناً: دار العهد والموادعة: ألمحنا فيما سبق إلى اتفاق العلماء على أن البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام وتخضع للسيادة الإسلامية تكون دار إسلام. وهذا يشمل ما إذا أسلم أهل البلاد وأقاموا بدارهم، وما إذا فتحت البلاد عنوة وأجرى المسلمون فيها أحكام الإسلام، وما إذا دخل أهل البلاد في ذمة المسلمين وخضعوا لأحكام المسلمين؛ فإن أهل الذمة من أهل دار الإسلام، ويشمل أيضاً البلاد التي فتحت صلحاً على أن تكون الأرض للمسلمين ويُقَرَّ أهلها فيها ويوضع عليهم الخراج، وما عدا ذلك من البلاد فهي دار كفر أو حرب. واتفقوا أيضاً على تقسيم العالم أو الديار إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما، هما. دار الإسلام، ودار الحرب، ولا دار لغيرهما [٢٢] . ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام. أن دار الحرب تقسم إلى قسمين. دار حرب لا يوجد بيننا وبينها معاهدة أو موادعة وميثاق، ودار حرب بيننا وبينهم موادعة ومعاهدة، وهذه يجعلها الإمام محمد ابن الحسن الشيباني وغيره من الفقهاء ﵏ من جملة دار الحرب، ويجعلها بعض الكاتبين المعاصرين داراً مستقلة يسميها دار العهد [٢٣] . تاسعاً: رأي الإمام الشيباني: تناول الإمام محمد بن الحسن الموادعة والمعاهدة في أبواب كثيرة [٢٤] ، وتحدث عن أهل الموادعة، وأن دار الموادعة ليست داراً مستقلة، بل هي دار حرب، وبنى على ذلك مسائل فقهية كثيرة، وجاء تعليلها عند السرخسي بأن دار الموادعة دار حرب. قال الإمام محمد بن الحسن: (لو أن أهل دار من دور الحرب وادَعوا المسلمين على أن يؤدوا إليهم كل سنة خراجاً، أو شيئاً معلوماً في كل سنة على أن لا يُجْرِيَ المسلمون عليهم أحكام الإسلام، ولا يكونوا ذمَّة لهم، ثم إن رجلاً منهم خرج إلى دار الإسلام بأموال كثيرة على تلك الموادعة فهو آمِنٌ) . (ويعلل السَّرَخْسِيُّ ذلك بأن هذا الرجل الذي خرج إلى دار الإسلام حربيٌّ على حاله إلا أنه آمِنٌ، ولم يَصِرْ ذمِّياً؛ لأن حكم المسلمين غير جارٍ على أهل الموادعة ولم تصرِ الدارُ دارَ إسلامٍ بتلك الموادعة؛ لعدم جريان حكم الإسلام، فكانت دار حرب) [٢٥] . ويقول الإمام محمد أيضاً: (لو أن رجلاً من الموادعين قتل رجلاً منهم في دار الموادعة لم يكن عليه القصاص، ولو قتل مستأمِنٌ مستأمَناً في دارنا يجب عليه القصاص) . ويعلِّل السرخسي ذلك فيقول: (لأن أهل الموادعة لم يلتزموا شيئاً من حكم الإسلام، فإنهم وَادَعُونَا على أن لا تجري عليهم أحكامُنا، فكانت دارهم دار حرب على حالها) [٢٦] . ويقول أيضاً: (لأنهم بالموادعة ما خرجوا من أن يكونوا أهل حرب وإن كانوا موادعين حين لم ينقادوا لحكم الإسلام، ألا ترى أنهم بعد مضي مدة الموادعة يعودون حرباً للمسلمين؟) [٢٧] .

стр. 3181

دراسات في العقيدة والشريعة من القواعد الفقهية (١ -٢) عبد اللطيف بن محمد الحسن بعد أن دُونت كثير من المسائل الفقهية والقواعد الأصولية، اعتنى الفقهاء بتدوين فن آخر نشأ بعد ذلك، وهو ما عرف بالقواعد الفقهية. والقاعدة الفقهية: (حكم شرعي في قضية أغلبية يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها) أو يقال: (هي أصل فقهي كلي يتضمن أحكاماً تشريعية عامة، من أبواب متعددة في القضايا التي تدخل تحت موضوعه) [١] نحو قاعدة: (الأمور بمقاصدها) ، و (اليقين لا يزول بالشك) ، و (الضرر يُزال) ، و (العادة ... محكمة) ، و (المشقة تجلب التيسير) ، وهذه هي القواعد الفقهية الكلية الخمس الكبرى، ودونها من القواعد الفقهية كثير. ونظراً للأهمية الكبيرة التي تمتاز بها هذه القواعد، فقد أحببت الوقوف مع بعضها، ممهداً لذلك بمباحث مهمة، من فوائد دراستها، وبيان مصادرها، ويحتوي هذا المقال عدداً من القواعد الكلية مع الإشارة إلى أصلها الذي بُنيت عليه، ثم ذِكْر لبعض فروعها، والتي هي بمثابة التمثيل لها ببعض المسائل الفقهية، وليس المقصود حصرها، ولكن ذكر القدر الذي تُفهم به القاعدة، ثم تكون الاستفادة منها بتخريج بقية المسائل المندرجة تحتها عليها، وإلحاقها بها، ولكي تتحقق الفائدة من عرض هذه القواعد فإني أحاول تقريب أمثلتها ما أمكنني ذلك لتكون ألصق بواقعنا المعاش، وهذا ضابط في اختياري هذه القواعد، والضابط الآخر هو التزام صحة القاعدة وثبوتها. واللهَ أسأل السداد والنفع. فوائد دراسة القواعد الفقهية: وتظهر أهمية دراسة القواعد الفقهية من خلال معرفة مهمتها في الفقه وفائدتها في فهم المسائل وحفظها، ويمكن تسجيل فوائدها في الأمور الآتية. ١- أن دراسة القواعد الفقهية وحفظها أيسر طريق لمعرفة أحكام المسائل الجزئية وتذكُّرِها؛ لأن من الصعب حفظ حكم كل جزئية على حدة، بينما يسهل حفظ القواعد، وفهم كيفية التفريع عليها، ومعرفة مستثنياتها، قال القرافي: (ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات) . [٢] ٢- أن دراسة الجزئيات بمعزل عن القواعد الفقهية الجامعة لها قد تُوقِِعُ في بعض الخطأ والخلط والاضطراب؛ لعدم الرابط الجامع، قال القرافي: (ومن جعلَ يُخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت) . [٣] ٣- أن دراستها تربي الملكة الفقهية، وتنمي القدرة على إلحاق المسائل وتخريج الفروع لمعرفة أحكامها، قال السيوطي: (اعلم أن فن الأشباه والنظائر، الذي تدخل فيه القواعد الفقهية، فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان) . [٤] ٤ -أن دراستها مما يعين على معرفة مقاصد الشريعة، بشكل قد لا يتيسر من خلال دراسة الجزئيات؛ حيث إن دارس الفقه قد لا يتفطن لها، بخلاف ما لو درس قاعدة (المشقة تجلب التيسير) ، فإنه يظهر له أن من مقاصد الشريعة: التيسير على المكلفين، وكذا لو درس قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) ، فإنه يتبين له أن من مقاصد الشريعة: دفع الضرر ورفعه ... وهكذا [٥] . ٥- أن دراسة القواعد الفقهية والإلمام بها تربِّي عند الباحث ملكة المقارنة بين المذاهب المختلفة، وتوضح له وجهاً من وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب؛ وذلك لأن القواعد الفقهية في أكثرها موضع اتفاق بين الأئمة المجتهدين، ومواضع الخلاف فيها قليلة، فتظهر الفائدة من دراسة هذا القليل وتأمله؛ حيث إنه سبب من أسباب الاختلاف. ٦- أن دراستها وإبرازها (تُظهر مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام، ومراعاته للحقوق والواجبات، وتُسهِّل على غير المختصين بالفقه الاطلاع على محاسن هذا الدين، وتُبطِل دعوى من ينتقصون الفقه الإسلامي، ويتهمونه بأنه إنما يشتمل على حلول جزئية وليس قواعد كلية) [٦] قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في منظومته في القواعد مبيناً بعض فوائد دراستها: فاحرص على فهمك القواعد ... جامعة المسائل الشوارد فترتقي في العلم خير مرتقى ... وتقتفي درب الذي قد وُفِّقَا [٧] مصادر القواعد الفقهية: تعد القواعد الفقهية وليدة الأدلة الشرعية والحجج الفقهية؛ إذ هي مؤسَّسَةٌ على ثوابت، مبنية على دعائم قوية، وغالبها مأخوذ من دلالات النصوص التشريعية العامة المعللة، ومنها ما هي من حيث ذاتها نصوص شرعية ثم جرت مجرى القواعد عند الفقهاء، مثل: (لا ضرر ولا ضرار) ، و (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، و (الخراج بالضمان) ، و (جناية العجماء جبار) . إذن: فالقواعد الفقهية إما أن يكون مصدرها النصوص الشرعية، أو يكون غير النصوص، وهو أنواع: فمنها: قواعد مصدرها الإجماع، كقاعدة: (لا اجتهاد مع النص) ، ومنها: قواعد أوردها الفقهاء،والمجتهدون مستنبطين إياها من أحكام الشرع العامة، ومستدلين لها بنصوص تشملها من الكتاب والسنة والإجماع ومعقول النصوص. (وقرين هذه قواعد أوردوها في مقام الاستدلال القياسي الفقهي؛ حيث تعتبر تعليلات الأحكام الفقهية الاجتهادية ومسالك الاستدلال القياسي عليها أعظم دليل لتقعيد هذه القواعد وإحكام صيغها عند استقرار المذاهب الفقهية) . [٨] لذا كان من الأهمية بمكان: مراعاة دليل القاعدة، وصحة تقعيدها. على أن القواعد الفقهية الكبرى قد جاوزت القنطرة، وكذا غالب القواعد الكلية، وإنما هناك بعض القواعد اليسيرة التي قد تبنى على عدد من الفروع الفقهية في مذهب معين، وقد يكون الراجح ثبوتها أو عكسه، لكون هذا المذهب في تلك المسألة راجحاً أو مرجوحاً. هل يجوز أن نجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي؟ هذه المسألة حساسة ومهمة، وعليها تنبني كثير من الأحكام، والراجح فيها أنه لا يجوز أن تجعل القاعدة الفقهية دليلاً يستنبط منه الحكم الشرعي؛ وذلك أن القاعدة مستثناة، وصفتها عدم الشمول، ونحن مطالبون بأن نستدل بدليل ثابت صفته الشمول والدقة. (نعم! إن لبعض القواعد صفة أخرى كأن تكون معبرة عن قاعدة أصولية، أو كونها حديثاً ثابتاً؛ فهنا نستند إلى صفتها، كأن تكون دليلاً قرآنياً أو سنة نبوية أو قاعدة أصولية؛ فيكون الاستدلال في حقيقة الأمر بالآية أو الحديث أو القاعدة الأصولية الثابتة لا بالقاعدة الفقهية) [٩] . قاعدة (الخروج من الخلاف مستحب) إنه لا إنكار في الاجتهادات، وإن الأمة يسع بعضها بعضاً فيما يسوغ فيه الخلاف، ولكن يجب أن لا ننسى أن الاختلافات العلمية تثير جدلاً أحياناً، وربما تؤثر في الألفة والتقارب، ولما كان قطع النزاع في الاجتهادات أمراً صعباً، وكان الخلاف شراً.. جاءت هذه القاعدة لتقرر أن الخروج من الخلاف مستحب مع مراعاة شروطه [١٠] . وهذا تأكيد على أن التقارب هو الأصل، ولذا حرص الإسلام على تسوية الصفوف في الصلاة؛ لئلا تختلف القلوب في الباطن (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) [١١] . ولهذه القاعدة سندها الشرعي، فهي ضرب من الورع المشروع، والاحتياط في الدين، وترك الشبهات، ليسلم للمرء دينه وعرضه. وقد ندب النبي- ﷺ -إلى ترك الشبهات، كما في حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول: (إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) [١٢] . بل إن أكثر مسالك الورع داخلة في هذه القاعدة. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا أبا هريرة: كن ورعاً تكن أعبد الناس) [١٣] قال يونس بن عبيد: (الورع: الخروج من كل شبهة) ، وقال بعض الصحابة: (كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام) وهو أمر ميسور لصاحب النية والهمة. قال سفيان الثوري: (ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه) [١٤] . ومن الشبهات التي يحيك في النفس أمرها ما اختلف أهل العلم في حله وتحريمه من طعام كالخيل، أو شراب كبعض الأنبذة، أو لباس كجلود السباع، أو مكسب كالتورُّق، سواء كان سبب الاختلاف تعارض الأدلة الشرعية، أو كون المسألة من مسائل الاجتهاد لا نص صريحاً فيها، فهذه وأشباهها مما يستحب الخروج من الخلاف فيها. ويكون الخروج من الخلاف بفعل ما اختلفوا في وجوبه، وترك ما اختلفوا في حرمته. ضوابط الاحتياط والخروج من الخلاف: هذا الباب قد يكون مزلقاً خطيراً، وباباً يولَج منه إلى الابتداع في الدين، أو التضييق على الناس، وسلب خاصية التيسير ورفع الحرج في كثير من الأحكام، خاصة في الصورة الأولى؛ لذلك فإن القول بالاحتياط والأخذ به يحتاج إلى عدة ضوابط هي: ١- أن يكون مأخذ المخالف - في المسألة التي نريد الخروج منها قوياً، فإذا كان ضعيفاً فلا يؤبه به، كقول ابن حزم بوجوب الفطر على المسافر، فلا يقال بأفضلية الفطر مطلقاً مراعاة لخلافه، بل الأفضل هو الأيسر. ٢- أن القول المعتبر في مشروعية الخروج من الخلاف في مسألة ما هو قول العالم القادر على الموازنة بين الأقوال. ٣- هذا العالم ليس له أن يفتي الناس بالاحتياط في كل مسألة، بل الواجب عليه الفتوى بما يدين لله به أنه الحق، وهو ما أداه إليه علمه بالدليل واجتهاده في المسائل، ولا يفتي بالاحتياط إلا حين يتساوى القولان عنده في المسألة؛ فهناك فرق بين فتواه وعمله لنفسه؛ فإن الشأن في عمله لنفسه أوسع؛ فله أن يحتاط لنفسه في كثير مما لا يسعه أن يفتي به الناس. ٤- أن لا تؤدي مراعاة الخروج من الخلاف إلى ترك سنة ثابتة، أو خرق إجماع، فمثلاً لو قيل ببطلان الصلاة برفع اليدين لم نعبأ بهذا الخلاف؛ لمعارضته للأحاديث الثابتة. ٥- أن لا تؤدي المراعاة إلى المنع من الاستكثار من عبادة ثابتة، فلا ينبغي ترك الاعتمار مراعاة لكراهة المالكية تكرار العمرة في السنة الواحدة، وكراهة الحنفية اعتمار المقيم بمكة في أشهر الحج، فلا تنبغي هذه المراعاة؛ لكونها يُفَوَّت بها خير كثير ثبت فضله بلا تقييد. ٦- ألا تُوقِعَ المراعاةُ في خلاف آخر، فنحتاج إلى الخروج منه، فيلزم الدوْر. أمثلة للقاعدة: - استحباب تبييت نية صوم النفل من الليل؛ لأن التبييت واجب عند المالكية، غير واجب عند غيرهم. - استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة والوضوء، باعتبار وجوبها عند بعض العلماء. - استحباب الدلك في الطهارة، واستيعاب الرأس بالمسح، وغسل المني بالماء، والترتيب في قضاء الصلوات، واجتناب استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة - مع وجود ساتر - كل ذلك خروجاً مِن خلاف مَنْ أوجب الجميع [١٥] . - استحباب الشرب جالساً، خروجاً من خلاف من أوجب الجلوس، واعتبر الوقوف خاصاً بالنبي [١٦] . - ترك أكل اللحوم المستوردة حين اشتباه حالها؛ نظراً لاختلاف أهل العلم فيها. - ترك الأخذ من الزكاة حين يشتبه حال الآخذ: هل هو من أهلها أم لا؟ كمن لديه فضل مال وعليه حاجات واختلف أهل العلم في حاله، فيكون الأفضل الترك. - ترك الأخذ من الأوقاف الموقوفة على أصحاب أوصاف معينة كالفقهاء أو القراء؛ فهناك المتمكنون والمبتدئون، فقد يشتبه حال الرجل؛ فيختلف فيه أهل العلم بناء على اشتباه حاله. قاعدة (إذا اجتمع الحلال والحرام غَلَب الحرامُ الحلالَ) وأصل هذه القاعدة قول المصطفى ﷺ : «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات أو مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه» [١٧] . كما أن حديث عدي بن حاتم يعتبر أصلاً لهذه القاعدة. قال: قلت يا رسول الله! أُرسِلُ كلبي وأُسَمِّي، فأجد معه على الصيد كلباً آخر لم أُسَمِّ عليه، ولا أدري أيهما آخذ؟ قال: «لا تأكل، إنما سميت على كلبك، ولم تُسَمِّ على الآخر» [١٨]- فنهاه عن أكل الصيد؛ لاحتمال أن يكون الكلب الآخر الذي لم يُسَمِّ عليه هو الذي قتل الصيد، وهذا فيه أمر باجتناب ما اختلط فيه الحلال بالحرام. ومن الأمثلة على القاعدة: - إذا صُبَّ ماء نجس على ماء طاهر أكثر منه في إناء فإنه ينجس. - إذا اشتبهت امرأته بامرأة أجنبية، حرمتا عليه حتى يميز امرأته من غيرها. - إذا ربح مالاً من تجارة فيها ربا وغش وخديعة حرم عليه الربح كله إذا لم يمكن تمييز الحلال من الحرام. قاعدة (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) وفي معنى هذه القاعدة، يقول - تعالى -[إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل] [النساء: ٥٨] . ويقول المصطفى ﷺ : «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» [١٩] ، ويقول ﷺ : «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة» [٢٠] . ومن فروع هذه القاعدة: إذا لم يوجد ولي للقتيل فالسلطان وليه، ولكن ليس له العفو عن القصاص مجاناً؛ لأنه خلاف المصلحة، بل إن رأى المصلحة في القصاص اقتص، أو في الدية أخذها [٢١] . قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور: أصل هذه القاعدة قول الله - تعالى -[فاتقوا الله ما استطعتم] [التغابن: ١٦] وما رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم» [٢٢] . ومن فروعها: - إذا كان مقطوع بعض الأعضاء يجب عليه غسل ما بقي جزماً. - إذا عجز عن ستر حميع العورة فعليه ستر القدر الممكن. - القادر على بعض الفاتحة يأتي به بلا خلاف. - من بجسده جرح يمنعه استيعاب الماء فعليه غسل الصحيح مع المسح على المكان الذي لم يغسله، أو التيمم عليه [٢٣] . قاعدة: العبادات كلها لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب، وقبل الوجوب، أو قبل شرط الوجوب: من فروعها: - الطهارة سبب وجوبها: الحدث. وشرط الوجوب: إرادة فعل العبادة المشترط لها الطهارة، فلا يجوز تقديمها على الحدث، ويجوز تقديمها على العبادة، ولو بالزمن الطويل بعد الحدث. - زكاة المال يجوز تقديمها من أول الحوْل بعد كمال النصاب، ولا تجزئ قبل كمال النصاب؛ لأنه سبب الوجوب. - كفارة اليمين يجوز تقديمها على الحنْث - وهو فعل خلاف ما حلف عليه -، بعد عقد اليمين - وهو سبب وجوب الكفارة -، مالية كانت أو بدنية. ويترتب على هذه القاعدة قاعدة: إذا عجَّل عبادة قبل وقت الوجوب، ثم تغير الحال بحيث لو فعل المعجل في وقت الوجوب لم يجزئه، فهل تجزئه؟ أم لا؟ هذا على قسمين: ١ - أن يتبين الخلل في العبادة نفسها؛ بأن يظهر بأن الواجب غير المعجل، ومن صوره: إذا كفَّر بالصوم قبل الحنث ثم حنث وهو موسر - يستطيع الإطعام أو الكسوة أو العتق كفارة ليمينه - أو صام المتمتع، ثم قدر على الهدي، لعل الصحيح أنه يجزئه لبراءة ذمته بفعله الأول. - وفي العبادات المالية: لو زكى قبل الحول ثم نمى المال، فإنه يجزئه ما أخرجه، ويلزمه أن يخرج عن الزيادة. ٢ - أن يتبين الخلل في شرط العبادة - والصحيح أنه يجزئه - ومن صوره: - إذا عجل الزكاة إلى فقير مسلم، ثم كفر أو استغنى قبل الحول. - إذا جمع بين صلاتين جمع تقديم بتيمم ثم وجد الماء في وقت الثانية. - إذا جمع مع القصر مسافراً ثم قدم في الوقت الثانية. قاعدة: (إذا فعل عبادة في وقت وجوبها، يظن أنها الواجبة عليه، ثم تبين أن الواجب كان غيرها، فإنه يجزئه) ولها صور: - إذا أناب العاجز عن نفسه من يحج عنه، ثم برئ: أجزأه. - إذا كفَّر العاجز عن الصوم، للإياس من برئه، ثم عوفي، لم يلزمه القضاء. - إذا صلى الظهر لعذر عن الجمعة، ثم زال العذر قبل تجميع الإمام لم تلزمه الإعادة. ويلتحق بها ما إذا خفي الاطلاع على خلل الشرط ثم تبين، فإنه يغتفر - في الأصح - ومن ذلك. - إذا أدى الزكاة إلى من يظنه فقيراً فبان أنه غني فإنها تسقط. - إذا صلى المسافر بالاجتهاد إلى القبلة، ثم تبين الخطأ فإنه لا إعادة عليه. قاعدة: (من تلبس بعبادة ثم وجد قبل فراغها ما لو كان واجداً له قبل الشروع لكان هو الواجب دون ما تلبس به، هل يلزمه الانتقال إليه أم يمضي ويجزئه؟) هذا على ضربين: الأول: أن يكون المتلبَّس به رخصة عامة شُرِعت تيسيراً، فلا يجب عليه الانتقال للأصل، كالمتمتع إذا شرع في الصيام، ثم وجد هدياً، لم يجب عليه الرجوع إلى الهدى. الثاني: أن يكون المتلبَّس به إنما شُرِعَ ضرورة للعجز عن الأصل وتعذُّره بالكلية فهذا يلزمه الانتقال للأصل عند القدرة عليه، ولو في أثناء التلبس بالبدل. ومثاله: ما لو عدم الماء، فشرع في التيمم، ثم وجد الماء فإنه يجب عليه استعماله، ولا يجزئه التيمم. وهناك أمثلة مترددة بين الضربين: منها: من شرع في صيام كفارة ظِهار أو يمين أو غيرهما، ثم وجد الرقبة. ومنها: المتيمم إذا شرع في الصلاة ثم وجد الماء.

стр. 3182

دراسات في الشريعة والعقيدة الإجماع.. حقيقته وحجيته (٢ -٢) محمد عبد العزيز الخضيري تطرق الكاتب في الحلقة الأولى إلى تعريف الإجماع، ووقف عند حدوده ومكانته، ثم ساق الأدلة على حجيته، ويواصل في هذه الحلقة بقية عناصره: البيان أقسام الإجماع: يُقسِّم الأصوليون الإجماع أقساماً متعددة باعتبارات مختلفة [١] : ١ - باعتبار ذاته: ينقسم إلى إجماع صريح، وإجماع سكوتي، وسيأتي تعريفهما. ٢ - وباعتبار أهله: ينقسم إلى إجماع عامة، وإجماع خاصة. والمراد بإجماع العامة: هو المعلوم من الدين بالضرورة؛ فإن هذا ينقله عامة المسلمين وخاصتهم، أما غيره فينقله الخاصة، وهم أهل العلم. ٣ - وباعتبار عصره: ينقسم إلى إجماع الصحابة ﵃ وإجماع غيرهم. ٤ - وباعتبار نقله إلينا: ينقسم إلى إجماع يُنقل بطريق التواتر، وإجماع يُنقل بطريق الآحاد. ٥ - وباعتبار قوته: ينقسم إلى إجماع قطعي، وإجماع ظني. فالقطعي مثل: المعلوم من الدين بالضرورة. والظني: كالإجماع السكوتي الذي غلب على الظن فيه اتفاق الكل. وسأقتصر في هذه المقالة على بحث قِسْمَيِ الإجماع باعتبار ذاته؛ لأهميته: القسم الأول: الإجماع الصريح: هو عبارة عن اتفاق كل مجتهدي الأمة المحمدية في عصر من العصور على حكم شرعي لواقعة، بأن يبدي كل واحد منهم رأيه صراحةً، أو يبين بعضُهم الحكم قولاً، ويفعل البقية على وفق ذلك القول؛ فهذا حجة قاطعة بلا نزاع [٢] ، وقد تقدمت الأدلة على ذلك. وجمهور الأصوليين على أن المجتهدين إذا اتفقوا في الفعل بما يدل على حكمه - وهو ما يسميه بعضهم الإجماعَ الفعليَّ الصريح - فهو حجة أيضاً، قياساً على أفعال النبي ﷺ ؛ حيث قالوا: إن العصمة ثابتة لإجماعهم كثبوتها للنبي ﷺ ، ولما كان فعلُه حجةً فكذلك اتفاقهم في الفعل حجة. القسم الثاني: الإجماع السكوتي: وهو أن يعمل بعض المجتهدين عملاً، أو يبدي رأياً في مسألة اجتهادية، قبل استقرار المذاهب فيها، ويسكت باقي المجتهدين عن إبداء رأيه بالموافقة أو بالمخالفة - بعد علمهم - سكوتاً مجرداً عن أمارات الرضا والسخط، مع مضي زمن يكفي للبحث والنظر [٣] . ومثله الإجماع الاستقرائي، وهو: (أن تُستَقْرأ أقوال العلماء في مسألة، فلا يُعلم خلاف فيها [٤] . وهذا يعني أنه لا يُسمى إجماعاً سكوتياً إلا ما توافر فيه الشروط الآتية [٥] : الأول: أن يظهر القول أو الفعل وينتشر، حتى لا يخفى على الساكت. الثاني: أن تمضي مدةُ التأمل والنظر في حكم الحادثة؛ لينقطع احتمال أنهم سكتوا في مهلة النظر. وتختلف المدة باختلاف الحوادث؛ ففي بعضها تكفي المدة القصيرة، وفي بعضها لا بد من مدة طويلة. الثالث: ألا تظهر من المجتهد أمارة إنكار مع القدرة عليه. الرابع: أن يكون السكوت مجرداً عن علامات الرضا والسخط؛ لأنه إن وجد ما يدل على الرِّضا كان من قبيل الإجماع الصريح؛ لأنه بمنزلة قولهم: رضينا بهذا القول، وإن وجد ما يدل على السخط لم يكن إجماعاً أصلاً. الخامس: أن يكون السكوت قبل المذاهب؛ لأنه إن كان بعدها لم يدل على موافقتهم؛ لأن الظاهر أنهم سكتوا اعتماداً على معرفة مذهبهم في تلك المسألة من قبل، كما إذا سكت الحنفي عن قولٍ للشافعية؛ فإن سكوته لا يعد موافقة؛ للعلم بخلافه ومذهبه في ذلك. السادس: أن تكون المسألة اجتهادية تكليفية؛ لأنها إن كانت قطعية كان السكوتُ فيها غير دال على الرضا بذلك؛ لما هو معلوم فيها من حكم؛ لأن الظاهر أنهم سكتوا اكتفاءً بما علم الناس فيها من حق، وإن كانت غير تكليفية كانت خارجة عن محل النزاع؛ لأن ما ليس تكليفياً ليس ديناً، والإجماع لا يكون إجماعاً يحتج به إلا في الأمور الدينية، كما لو قيل: أبو هريرة ﵁ أفضل من أنس ﵁ أو العكس، فالسكوت في هذا لا يدل على شيء؛ إذ ليس فيه تكليف، فلا يلزم النظر ولا الإنكار. حجية الإجماع السكوتي: اختلف العلماء في الإجماع السكوتي، وجمهور العلماء على القول بحجيته، على خلاف بينهم: هل هو حجة قاطعة أو ظنية؟ وسبب الخلاف: هو أن السكوت محتمِلٌ للرضا وعدمه، فمن رجَّح جانب الرضا وجزم به قال: إنه حجة قاطعة، ومن رجَّح جانب الرضا ولم يجزم به قال: إنه حجة ظنية، ومن رجح جانب المخالفة قال: إنه لا يكون حجة [٦] . تحرير محل النزاع: أولاً: لا خلاف بين العلماء القائلين بحجية الإجماع في أن الإجماع السكوتي حجة فيما تعم به البلوى، إذا اشتهر الحكم المجمَع عليه، وتكرر السكوت من مجتهدي عصر الإجماع؛ لأن السكوت مرة بعد أخرى يحصِّلُ علماً ضرورياً بالرضا بذلك القول، كما أن العادة تحيل السكوت في كل مرة من غير رضا به. ثانياً: لا خلاف بين العلماء أنه ليس بحجة، إذا حصل السكوت بعد استقرار المذاهب. ثالثاً: إذن فمحل النزاع فيما إذا كان السكوت في غير ما تعمُّ به البلوى، ولم يكن هناك مانع من إبداء الرأي، وكان السكوت قبل استقرار المذاهب، ومضت مدةٌ تكفي للنظر والتأمل بعد الفتوى أو القضاء، وكانت المسألة اجتهادية تكليفية [٧] . ومن أدلة الجمهور [٨] على حجية الإجماع السكوتي [٩] : أولاً: أنه لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد منهم لأدَّى إلى ألا ينعقد الإجماع أبداً؛ لتعذر اجتماع أهل العصر على قول يُسمع منهم، والمتعذر معفو عنه بالنص، قال الله - سبحانه -: [ «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ] [الحج: ٨٧] والمعتادُ في كل عصر أن يتولَّى الكبار الفتوى، ويسلِّم الباقون لهم. ... ثانياً: أنه قد وقع الإجماع على أن السكوت معتبر في المسائل الاعتقادية (أي يعتبر رضا، فلا يحل السكوت على باطل) ، فيقاس عليها المسائل الاجتهادية؛ لأن الحق في الموضعين واحد. ثالثاً: أن السكوت من بعض المجتهدين على حكم شرعي أفتى به آخرون من المجتهدين بعد مضي مدة التأمل، وتوفر باقي الشروط دليلٌ على موافقة الساكتين ورضاهم؛ لأن السكوت منهم حال المخالفة سكوت على مُنْكَرِ فيكون حراماً، وهذا ممتنع وقوعه من العدل. وقفة لا بد منها: إن المتأمل فيما ينقله ويحتج به عامة العلماء سلفاً وخلفاً من مفسرين وفقهاء وغيرهم من مسائل الإجماع يجد غالبه من قبيل الإجماع السكوتي أو الاستقرائي، باستثناء المسائل المجمع عليها مما هو من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة. أما الإجماع الذي يذكره الأصوليون بشروطه المعروفة في كتب الأصول، فإنه إجماع صحيح؛ لكنه نادر الوقوع، إن لم يكن عديمَ الوجود؛ وذلك لما تضمنه من شروط يستحيل معها وقوع الإجماع؛ لصعوبة تحققها مجتمعة، ويفضي إلى عدم الانتفاع بأصل الإجماع نفسه، هذا فضلاً عن كونه يفتح باباً لضعاف النفوس الذين يريدون هدمَ أصل الإجماع، وإغلاق بابه، بأن يطبقوا تلك الشروط التي ذكرها الأصوليون على ما يُحكى من الإجماع، فلا تنطبق عليه، فيعودوا على جملة عظيمة من المسائل المجمع عليها بالنقض. يقول الأستاذ الأشقر: (فتح القولُ بهذا النوع من الإجماع - يعني الإجماع الذي يذكره الأصوليون - بابَ شرٍّ على المسلمين؛ فبعض ضعاف النفوس الذين يريدون أن يلبسوا على المسلمين دينهم يجادلون وينازعون في قضايا مسلَّمة عند جمهور الأمة، وعندما يواجَهون ويحاوَرون يقولون: إن هذه المسائل خلافية ليس فيها إجماع، أثبتوا أن جميع علماء الأمة ذهبت هذا المذهب، أو قالت بهذا القول! ! فإذا لم نستطع إثبات ذلك جعل هؤلاء عدم قدرتنا على تلبية طلبهم ذريعةً لمخالفتهم ما سار عليه جمهور علماء الأمة، كما هو حادث في هذه الأيام) [١٠] . شروط الإجماع: ذكر العلماء شروطاً كثيرة في الإجماع والمجمعين، وسأقتصر في هذه المقالة على أهم تلك الشروط [١١] . الشرط الأول: أن يكون الإجماع عن مستند: المستند: هو الدليل الذي يعتمد عليه المجتهدون فيما أجمعوا عليه. والمراد أن يكون لدى المجمعين دليل قد اعتمدوا عليه في إجماعهم، وهذا قول جمهور العلماء، بل قال الآمدي: (اتفق الجميع على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها، خلافاً لطائفة شاذة) . ومن أدلتهم: أن الحكم في الدين بدون مستند خطأ؛ لكونه قولاً في الدين بغير علم، والأمة يمتنع إجماعها على الخطأ، فيكون قولهم دائماً عن دليل، وهو المطلوب. ويتصل باشتراط المستند للإجماع مسألتان: المسألة الأولى: نوع الدليل الذي يكون مُستنداً للإجماع. من العلماء من يرى أنه لا يكون مستند الإجماع إلا الكتاب والسنة. ومنهم من يرى أن الإجماع يمكن أن يستند إلى الاجتهاد أو القياس. وقد انتصر شيخ الإسلام ابن تيمية للقول الأول، فقال: (كلُّ ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصاً عن الرسول ﷺ ؛ فالمخالف لهم مخالفٌ للرسول ﷺ ، كما أن المخالف للرسول صلى الله عليه وسلم مخالف لله - تعالى -، لكن هذا يقتضي أن كل ما أُجمِعَ عليه قد بيَّنَهُ الرسول ﷺ ، وهذا هو الصواب، فلا يوجد قطُّ مسألةٌ مجمَع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ، لكن قد يخفى ذلك على بعض الناس، ويعلَم الإجماع فيستدل به، كما أنه يَسْتَدِلُّ بالنص من لم يعرف دلالة النص) إلى أن قال: (ولا يوجد مسألة متفق عليها إلا وفيها نص) [١٢] . ثم ذكر بعض الأمثلة التي قيل عنها: إن مستند الإجماع فيها الاجتهاد أو القياس، وبين النص الذي خفي عمَّن زعم ذلك [١٣] . ثم قال: (وعلى هذا فالمسائل المجمَعُ عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصاً، فقالوا: باجتهاد الرأي الموافق للنص، لكن كان النص عند غيرهم) . ويقول: (استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة، وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة) [١٤] . وهذا الخلاف يمكن إرجاعه إلى اللفظ؛ لأن كلاً من الفريقين أخبر بحاله؛ إذ كلٌّ منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم؛ فأحد الفريقين يستند إلى الاجتهاد؛ لأنه لا يدري النص، والآخر يحيل ذلك على النصوص العامة. وعلى كلٍّ فالجميع متفقون على ضرورة استناد الإجماع إلى دليل، وهذا الدليل قد يجعله بعضهم اجتهاداً ويجعله الآخرون نصاً [١٥] . المسألة الثانية: الاستغناء بنقل الإجماع عن نقل دليله: إذا ثبت نقلُ الإجماع فإنه يمكن الاستغناء به عن دليله؛ لأنه قد ثبت أن العلماء لا يُجمِعون إلا عن دليل؛ فإذا حُفظ الإجماع ونُسي الدليل أو لم يُعرف فإن ذلك لا يقدح في الإجماع الثابت. الشرط الثاني: أن يكون المجمعون من العلماء المجتهدين: ويكفي في ذلك الاجتهادُ الجزئي؛ لأن اشتراط الاجتهاد المطلق في أهل الإجماع يؤدي إلى تعذُّر الإجماع؛ لكون المجتهدِ المطلق نادر الوجود. والمعتبر في كل المسألة: من له فيها أثرٌ من أهل العلم المجتهدين. قال ابن قدامة: (ومن يَعرِفُ من العلم ما لا أثر له في معرفة الحكم، كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب، فهو كالعامي لا يُعتدُّ بخلافه؛ فإن كل أحد عامِّيٌّ بالنسبة إلى ما لم يُحصِّل علمَه، وإن حصَّل علماً سواه) [١٦] . الشرط الثالث: أن يكون الإجماع صادراً من جميع مجتهدي العصر: ومعنى ذلك: أنه إذا خالف واحد أو اثنان، فإن قول الباقين لا يعتبر إجماعاً، وهذا قول جمهور العلماء، خلافاً لمن اعتد بقول الأكثر فجعله إجماعاً، كأبي الحسين الخياط - من المعتزلة - وابن جرير الطبري، وأبي بكر الجصاص، وبعض المعتزلة، ورُوي عن الإمام أحمد، لكن الصحيح عنه موافقة الجمهور. ومن الأدلة على ذلك: الأول: أن المُتمَسَّكَ به في كون الإجماع حجة إنما هو النصوص الدالة على عصمة الأمة، ولفظ الأمة إنما يطلق حقيقةً على الجميع، وقول الأكثر ليس قولاً للجميع، بل هو قول مختلف فيه، وقد قال الله - جلَّ وتقدَّس -: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ] [النساء: ٩٥] . الثاني: وقوع اتفاق الأكثر في زمن الصحابة مع مخالفة الأقل لهم؛ فقد سوَّغوا لهم الاجتهادَ بلا نكير، فلو كان اتفاق الأكثر إجماعاً يلزم غيرهم أن يأخذوا به لأنكروا عليهم. وبعد: فإن ما تقدم من نصرة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، لا يعدو أن يكون تضعيفاً للقول بأن قول الأكثر إجماعٌ يجب اتباعه، وهذا لا يعني ألا يُلتفَت إلى قول الأكثر، بل إن اتباع الأكثر هو الأوْلى إذا لم يظهر أن الحق مع الأقل. الشرط الرابع: أن يكون المجمِعون أحياءاً موجودين: أما الأموات فلا يعتبر قولهم، وكذلك الذين لم يوجدوا بعدُ، أو وُجِدوا ولم يبلغوا درجة الاجتهاد حال انعقاد الإجماع؛ فالقاعدة أن المستقبَل لا يُنظر، كما أن الماضي لا يُعتبر. فالمعتبَرُ في كل إجماع أهلُ عصره من المجتهدين الأحياء الموجودين، ويدخل في ذلك: الحاضرُ منهم والغائبُ؛ لأن الإجماع قول مجتهدي الأمة في عصر من العصور. أما اعتبار جميع مجتهدي الأمة في جميع العصور فغيرُ ممكن؛ لأن ذلك يؤدي إلى ألا تجتمع الأمة، ولا يُنتفع بالإجماع. ويتصل بهذا الشرط مسألة اشتراط انقراض عصر المجمِعين أي: هل يشترط لصحة الإجماع أن ينقرض عصر المجمعين بموتهم أو بمرور زمن طويل على إجماعهم؟ ذهب الجمهور إلى عدم اشتراط انقراض العصر لصحة الإجماع، بل المعتبر في إجماع مجتهدي العصر الواحد اتفاقهم ولو في لحظة واحدة. قال الغزالي ﵀: (إذا اتفقت كلمة الأمة - ولو لحظة - انعقد الإجماع، ووجبت عصمتهم عن الخطأ) [١٧] . ومن أدلتهم على ذلك: الأول: أن الأدلة السمعية توجب حجيةَ الإجماع بمجرد اتفاق مجتهدي عصر ولو في لحظة؛ إذ الحجية تترتب على الاتفاق نفسه؛ لأنه مناط العصمة؛ فالاشتراط لا موجب له، بل الأدلة توجب خلافه. الثاني: أن الحكم الثابت بالإجماع كالحكم الثابت بالنص؛ فكما أن الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت، فكذلك الثابت بالإجماع. الثالث: أنه لو اشترط انقراض العصر لم يثبت الإجماع أصلاً؛ وذلك أنه كلما ولد إنسان وبلغ رتبة الاجتهاد، وقد بقي واحد من المجتهدين المجمعين السابقين له، فإنه يلزم - بناءًا على شرط الانقراض - اعتبار قول هذا المجتهد اللاحق في ذلك الإجماع المتقدم، ولَمَّا كانت الولادة باقية فلا ينتهي تلاحق المجتهدين، وعليه فلا يتحقق الإجماع. هذا ولا شك أن الداعي إلى اشتراط الانقراض عند القائلين به هو زيادةُ التثبت في نسبة قول المجمعين إليهم، وشدةُ استقرار أهل المذاهب على مذاهبهم، وهذا الأمر - وهو التثبت - حاصل في الإجماع الصريح، ولو في لحظة واحدة؛ لأن الظاهر من حال المجمِعين ألاَّ يصدرَ القولُ عنهم دون بحث ونظر؛ فإذا ثبت أنهم قالوا في مسألةٍ مَّا بقولٍ علمنا قطعاً أنهم غير مترددين في قولهم. لكن يبقى النظر في الإجماع السكوتي؛ لأنه لا تُعلم أقوالُ الساكتين من المجتهدين، ولا موقفهم من القول الذي يُحكى الإجماع عليه إلا بعد مُضي مدة طويلة يُعرف بها أن القول بلغهم، ونظروا فيه، ولم ينكروه - مع زوال ما يمنع إنكارَهم له -؛ ولذلك رأى بعض العلماء أن انقراض العصر شرط لصحة الإجماع السكوتي لهذه العلة، وحكى بعضهم أنه لا خلاف في ذلك. وهذا قول قوي في المسألة. الشرط الخامس: أن يكون المجمعون عدولاً: العدالة في اللغة: الاستقامة والاعتدال. وفي الاصطلاح: مَلَكَةٌ راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. وقد اختلف العلماء في اشتراط العدالة في المجمعين، والجمهور على القول بالاشتراط. وعليه؛ فلا يتوقف الإجماع ولا حجيته على موافقة غير العدل - مبتدِعاً كان أو فاسقاً - إذا بلغَ رتبةَ الاجتهاد، ولا تضرُّ مخالفته. وقد عزا ابن بَرْهان هذا القول إلى كافة الفقهاء والمتكلمين. وقد استدلوا على ذلك بأن الأدلة الدالة على حُجِّية الإجماع تتضمن العدالة، وبخاصة قول الله - تعالى -: [وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً] [البقرة: ٣٤١] إذ الوسطُ: العدل. ولأن غيرَ العَدْل أوجب الله التوقف في أخباره بقوله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا] [الحجرات: ٦] ، واجتهاده إخبارٌ بأن رأيه (كذا) ، فيجب التوقف في قوله. ومقتضى قول الجمهور عدمُ الاعتداد بقول المبتدع مطلقاً؛ ولذا فصَّل بعض العلماء في هذا فقالوا: إن كانت البدعة مكفرة فلا شكَّ في عدم اعتبار قوله، وحكى بعضهم نفي الخلاف في هذا. وإن كانت البدعة غير مكفِّرة، فإن كان داعياً: فقال بعضهم: لا يُعْتَدُّ بقول الداعي مطلقاً، وقال آخرون: بل لا يعتد بقوله في أمر البدعة التي يدعو إليها، ويعتبر قوله فيما سوى ذلك. وإن لم يكن داعياً إلى بدعته: فأكثرهم على اعتبار قوله، والاعتداد بمخالفته مطلقاً، وقيل: بل يُعتدُّ بقوله في غير بدعته [١٨] ، والله أعلم. حكم إجماع الصحابة على قولٍ مما اختلفوا فيه: اتفاق الصحابة على أحد أقوالهم، إما أن يكون قبل استقرار الخلاف بينهم - بأن قصر الزمن بين الاختلاف والاتفاق - وإما أن يكون بعد استقرار الخلاف؛ فهنا مسألتان: المسألة الأولى: اتفاقهم على أحد أقوالهم قبل استقرار الخلاف [١٩] . فقد حكى الشيرازي: أنه يزيل الخلاف ويصيِّر المسألة إجماعية، بلا خلاف. المسألة الثانية: اتفاقهم بعد استقرار الخلاف بينهم. وجمهور الأصوليين على أنه يجوز اتفاقهم مطلقاً [٢٠] . ودليلهم على ذلك: جواز اطلاعهم على مستند فيرجعون إليه جميعاً، وبذلك يكون لا عبرة باستقرار الخلاف بينهم؛ حيث وجد ما يحملهم على الرجوع. ومن أمثلة ذلك: ما رُوي أن علياً وابن عباس ﵄ كانا يقولان بحِلِّ الْمُِتْعة، ثم رجعا بعد ما رُوي لهما ما يدل على تحريم ذلك [٢١] ، وكذلك ما روي من رجوع ابن عباس ﵁ في مسألة ربا الفضل، لما روي له الحديث في ذلك [٢٢] . فدل ذلك على أن الرجوع - لأجل مستند ظهر بعد استقرار الخلاف - جائزٌ لا شيء فيه. حكم إجماع التابعين على أحد قَوْلَيِ الصحابة: لا يخرج اتفاقهم عن أن يكون قبل استقرار الخلاف أو بعده. فإن كان قبل استقرار الخلاف فجائز كما تقدم. وأمَّا إن كان بعد استقرار الخلاف بين الصحابة ففيه خلاف بين الأصوليين، والجمهور على المنع من الإجماع [٢٣] ، فإذا أجمع التابعون على أحد قولي الصحابة لم يَزُلْ بذلك خلافُ الصحابة، ويجوز لتابِعِي التابعين الأخذ بكلٍّ من قولي الصحابة، وهذا ما لم يرجع الصحابي عن قوله، أو تظهر مخالفته لنصٍّ صحيح صريح في المسألة. وبهذا قال الإمام أحمد، والأشعري، والقاضي أبو يعلى، والغزالي، وإمام الحرمين، وشيخ الإسلام ابن تيمية. وقال الشيرازي: (وهو قول عامة أصحابنا - يعني الشافعية) [٢٤] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإنهم - يعني السلف - أفضلُ ممن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خيرٌ وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم؛ فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه) [٢٥] . ومن أدلتهم على ذلك: أن أهل العصر قد اتفقوا ضمناً على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، فلو قلنا بأن إجماع التابعين حجة، لترتب عليه أن الحق محصور فيما أجمعوا عليه، والقول بهذا فيه مخالفة للإجماع السابق المتضمن جواز الأخذ بكل من القولين. وعليه؛ فمن ادعى وقوع إجماع في مسألة اختلف فيها الصحابة فلا يخلو ذلك من أحد ثلاثة أمور: الأول: أن الخلاف الذي وقع بين الصحابة لم يستقر بينهم، وما دام كذلك فإن الإجماع صحيح كما تقدم؛ إذ الممتنع هو وقوع الإجماع على مسألة استقر فيها الخلاف بين الصحابة. الثاني: أن المسألة التي اختلف فيها الصحابة غير المسألة التي أجمع عليها المتأخرون؛ لأن اختلاف الزمان قد يؤدي إلى تغير في صورة المسألة وبعض أوصافها، مما يجعل حقيقة المسألتين عند إمعان النظر مختلفة، فيكون من حق من جاء بعد الصحابة الإجماع على تلك المسألة. الثالث: أن تكون دعوى الإجماع غير صحيحة [٢٦] . ويتصل بهذه المسألة: ما إذا نقل عالمٌ الإجماع ونقل غيره الخلاف سواء سمى المخالف أم لم يُسمه؛ فإنه لا يقبل قول مدعي الإجماع [٢٧] ، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية [٢٨] ، وقد أيده بالأمور الآتية: الأول: أن ناقل الإجماع نافٍ للخلاف، وناقل النزاع مثبت له، والمثبت مقدَّم على النافي. الثاني: أنه إذا كان ناقلُ النزاع يمكن أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف، إما لضعف الإسناد، وإما لعدم الدلالة، فإمكان الغلط من ناقل الإجماع أوْلى وأحرى. الثالث: أن عدم علم الناقل للإجماع بالخلاف ليس علماً بعدم الخلاف. وعليه، فمتى نقل عالمٌ الإجماع، ونقل آخر النزاع، ولم يثبت واحدٌ منهما، فلا يجوز أن يُحتج بالإجماع. وإذا استوى الطرفان - نَقْلُ الإجماع والنزاع - عند المجتهد فلم يترجَّح لديه أحدهما، لزمه التوقف، فليس له أن يقدمه على النص، ولا يُقدَّم النص عليه؛ لعدم رجحان أحدهما عنده. حكم إحداث قول زائد على أقوال الصحابة: يرى جمهور العلماء أنه لا يجوز إحداث قول زائد على ما اختلف عليه الصحابة؛ لأن في ذلك نسبة الأمة إلى تضييع الحق والغفلة عنه، وخلوِّ الأرض من قائم لله بالحجة، وأنه لم يبقَ من أهل العصر أحد على الحق، وهذا كله من الباطل. وما يقال في الأحكام يقال أيضاً في تفسير القرآن وشرح الحديث؛ فإن المفسرين من الصحابة إذا اختلفوا على قولين أو أكثر في تأويل آية؛ فإن ذلك إجماعٌ منهم على أن الحق محصور فيها لا يتجاوزها، فلا يجوز لمن بعدهم الخروج عن أقوالهم، أو الزيادة عليها؛ لأن ذلك يتضمن أن الصحابة لم يفهموا القرآن، وأنهم كانوا ضالين جميعاً عن الحق في معرفة تأويله، وذلك باطل قطعاً [٢٩] . قال ابن القيم ﵀: (إن إحداث القول في تفسير كتاب الله الذي كان السلف والأئمة على خلافه يستلزم أمرين: إما أن يكون خطأ في نفسه، أو تكون أقوالُ السلف المخالفة له خطأ! ! ولا يشك عاقل أنه أوْلى بالغلط والخطأ من قول السلف) [٣٠] . وقال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀: (ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سُنَّة لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر) . إلا أن يكون المراد من إحداث تأويل لم يقل به الصحابة: إيرادَ معنى تحتمله الآية لم يتعرض له الصحابة، أو كان من قِبَلِ الاستنباط من دلالة الآية؛ فإن مثل هذا لا يقتصر على قوم، أو أهل عصر بعينهم، بل هو باق مستمر؛ إذ القرآن مَعِينٌ ثَرٌّ لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي دلالاته ومعانيه؛ ولذلك نرى أهل العلم يرجعون إلى القرآن الكريم للاستدلال به على معرفة حكم ما يستجد من النوازل على مرور الأعصار. قال الإسنوي فيما إذا أحدث أهل العصر الثاني تأويلاً آخر للدليل لم يذكره أهل العصر الذي قبلهم: (جاز على الصحيح، ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين؛ لأن الناس لم يزالوا على ذلك في كل عصر من غير إنكار، فكان ذلك إجماعاً) [٣١] . وكذلك إذا كان المرادُ من إحداث تأويل زائد للآية على ما فهمه السلف: إيراد معنى تحتمله الآية أو الحديث من غير حكم بأنه المراد؛ إذ ليس فيه نسبة الأمة إلى تضييع الحق، والغفلة عن الصواب، والإجماع على الخطأ، فالمحذور هو أن تكون الأمة قد قالت: إن هذه الآية أو الحديث لا يُراد بهما إلا هذا المعنى وهذا المعنى، فيكون القول الثالث تجويزاً لخفاء مراد الله عن كافة الأمة، وهذا ممتنع قطعاً [٣٢] . وعدم جواز إحداث قول ثالث مشروط بأن يكون الخلاف قد استقر [٣٣] . أما إحداث دليل لم يستدل به السابقون، فإن هذا جائز سائغ؛ لأن الاطلاع على جميع الأدلة ليس شرطاً في معرفة الحق، بل يكفي لمعرفة الحق في مسألة أو تأويلٍ بعضُ أدلته بل دليل واحد، ولا يتضمن إحداثُ دليل جديد - بحالٍ - نسبةَ الأمة إلى تضييع الحق، بخلاف مسألة إحداث قول ثالث في المسألة. وجمهور الأصوليين على أنه متى اختلف أهل عصر في مسألة على قولين أو أكثر، فإنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول آخر خارج عن أقوالهم، كالذي تقدم تقريره في اختلاف الصحابة، وأنه لا يجوز لمن بعدهم الزيادة على أقوالهم [٣٤] . ومن أدلتهم على ذلك: أن القول الآخر - عند القائلين بجوازه - إما أن يكون ناشئاً عن دليل أو عن غير دليل، فإن كان عن غير دليل امتنع قبولهُ، وإن كان عن دليل لزم منه وصفُ الأمة بتضييع الحق والغفلة عنه، وأدى لزاماً إلى القول بخلو العصر عن قائم لله بالحجة؛ وهذا كلُّه باطل. ولأن اختلاف الأمة في مسألة على قولين أو أكثر مع عدم التجاوز عنهما إجماعٌ منها من جهة المعنى على المنع من إحداث قول آخر؛ قالوا: لأن كل طائفة توجب الأخذ بقولها، أو بقول مخالفها، وتحرِّم الأخذ بغير ذلك. وقد فصَّل جماعةٌ من الأصوليين القول في المسألة، على نحو لا يعتبر إسقاطاً لقول الجمهور، بل فيه الجمعُ بين قول المانعين والمجيزين؛ فهو أشبه أن يكون خارجاً عن محل النزاع، فقالوا: إن القول الحادث إن لزم منه رفع القولين لم يجز إحداثه، وإلا جاز، وقد روي هذا التفصيل عن الشافعي، ورجحه جماعةٌ من الأصوليين، منهم: ابن الحاجب، والرازي، والآمدي، وغيرهم. الأحكام المترتبة على الإجماع: إذا صحَّ الإجماعُ ترتبت عليه جُملةٌ من الأحكام، وهذا بيانُ أهمها: الأول: وجوب اتباعه وحُرمة مخالفته [٣٥] ، وهذا معنى كونه حجة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام، لم يكن لأحدٍ أن يخرج عن إجماعهم) [٣٦] . ويترتب على هذا الحكم: أنه لا يجوز للمجمِعين مخالفة ما أجمعوا عليه، وأنه لا يجوز لمن يأتي بعدهم أن يخالفهم. الثاني: أن هذا الإجماع حق وصواب، ولا يكون خطأ، ويترتب على هذا الحكم ما يأتي: أولاً: لا يمكن أن يقع إجماعٌ على خلاف نص أبداً، ومن ادَّعى وقوع ذلك، فإما أن تكون دعوى الإجماع غير صحيحة؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ومخالفة النصِّ ضلالةٌ، وإما أن يكون النص - الذي يُدَّعى مخالفةُ الإجماع له - منسوخاً، فكان إجماع الأمة مستنداً إلى نص ناسخ له. قال ابن القيم: (ومحال أن تجتمع الأمة على خلاف نص إلا أن يكون له نص آخرُ ينسخهُ) [٣٧] . ثانياً: ولا يمكن أيضاً أن يقع إجماع خلاف إجماع سابق؛ فمن ادعى ذلك فلا بد أن يكون أحد الإجماعين باطلاً؛ لأن ذلك يستلزم تعارضَ دليلين قطعيين، وهو ممتنع. ثالثاً: ولا يمكن للأمة تضييع نص تحتاج إليه [٣٨] ، بل هي معصومة عن ذلك، وكونُ بعض المجتهدين يجهل بعض النصوص أمرٌ وارد، بل كثيرُ الوقوع، لكن يستحيل أن تجهل الأمة كلُّها نصاً تحتاج إليه، أو تغفل عن نقله. قال الشافعي ﵀: (سنن رسول الله لا تعزب عن عامتهم، وقد تَعزُب عن بعضهم) [٣٩] . رابعاً: حرمة الاجتهاد [٤٠] ، فمتى ثبت الإجماع وجب اتباعه؛ لأنه لا بد أن يستند إلى نص، ووجود النص وحده مُسقط للاجتهاد، فإذا انضم إلى النص الإجماع سقط الاجتهاد من باب أوْلى. الثالث: حُكم مُنكِر الحكم المجمَع عليه: إن كان الإجماع على أمر معلوم من الدين بالضرورة فإن مخالفه يكفر بلا شك. قال المحلي: (جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الزنا والخمر كافرٌ قطعاً؛ لأن جَحْدَه يستلزم تكذيب النبي ﷺ [٤١] . وأما إن كان الإجماع على غير ذلك فقد اختلف العلماء اختلافاً كثيراً في حكم جاحده أو خارقه. قال الآمدي: (مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الإجماع الظني غير موجب للتكفير) [٤٢] . والسبب في خلافهم: هو اختلافهم في حقيقة الإجماع، وشروطه وما يتصل بذلك. قال الغزالي ﵀: (فإن قيل: هل تُكَفِّرون خارِقَ الإجماع؟ قلنا: لا؛ لأن النزاع قد كَثُر في أصل الإجماع لأهل الإسلام، والفقهاء إذا أطلقوا التكفير لخارق الإجماع أرادوا به إجماعاً يستند إلى أصل مقطوع به من نص أو خبر متواتر) [٤٣] . وقد اشتدَّ نكيرُ العلماء على من أطلق القول بتكفير خارق الإجماع دون قيود أو ضوابط. قال أبو المعالي الجويني: (فَشَا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر، وهذا باطل قطعاً) [٤٤] . وفي غضون خلاف العلماء في كفر جاحد الحكم المجمَع عليه أو خارق الإجماع، يجدُ الباحث أن الأئمة يحكمون بكفر من يخرق الإجماع إذا انطبقت عليه جملة من الضوابط التي وضعوها لذلك. ومن ذلك: ما ذكره الجويني في كفر (من اعترف وأقر بصدق المجمِعين في النقل، ثم أنكر ما أجمعوا عليه) [٤٥] ، والسر في ذلك كما يقول ﵀ أن (هذا التكذيب آيلٌ إلى الشارع ﵇ ومن كذَّب الشارع كفر) [٤٦] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفرُ مخالفهُ كما يكفر مخالفُ النصِّ بتركه، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره) [٤٧] . هذا خاتمة ما أردت بيانه في هذا الأصل العظيم والدليل الكبير من أدلة الشريعة، والذي وقع بالتهاون في معرفته وبيان حقيقته خلط كبير في قضايا كثيرة، فالله المستعان.

стр. 3183

تأملات دعوية لو أقسم على الله لأبره محمد بن عبد الله الدويش إن لله عباداً اختصهم ﵎ بمنزلة وفضيلة ليست لغيرهم من الناس، ومن هؤلاء من أخبر عنه ﷺ بقوله: «رُبَّ أشعثَ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» [١] ، وقال أيضاً ﷺ : «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر» [٢] . وأعلى النبي ﷺ منزلة الضعفاء وشأنهم، فقال لسعد بن أبي وقاص ﵁ حين رأى أن له فضلاً على من دونه: «هل تُنصَرون وترزقون إلا بضعفائكم» [٣] ، وقال ﷺ في حديث ... آخر: «ابغوني ضعفاءكم؛ فإنما تُرزقون وتنصرون بضعفائكم» [٤] ، وقال ﷺ : «طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذَن له، وإن شَفَعَ لم يشفَّع» [٥] . وتفاضُلُ الناس إنما هو بمعيار واحد وميزان واحد هو التقوى، فأكرمهم عند الله أتقاهم. هذه الحقائق البدهية والمسلَّمات التي يعيها كل مسلم مهما كانت ثقافته وعلمه قد تغيب عن بعضنا بفعل مؤثرات أخرى. ومن ذلك: أن أرباب الأعمال، بل والدعاة إلى الله يعتنون بفئات معينة من الناس؛ فصاحب الذكاء، والرجل القيادي، وصاحب الشخصية الجذابة ... يجدون من التقدير والاعتبار لدى هؤلاء ما لا يجده غيرهم، ويبحثون عنهم ويعتنون بهم؛ لأنهم هم المؤهَّلون لتولي الأعمال والمسؤوليات، ويرى هؤلاء أن الرجل الصالح مهما بلغ من التقى والزهد والعبادة ما لم يكن يحمل مواصفات القيادية فليس هو المؤهل لتولي المسؤولية. وهذا أمر لا نزاع فيه؛ فقد قال - تعالى - على لسان ابنة شعيب: [إن خير من استأجرت القوي الأمين] [القصص: ٢٦] . وقال ﷺ لأبي ذر ﵁: «يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين على مال يتيم» ومع ذلك قال عنه ﷺ : «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من رجل أصدق لهجةً من أبي ذر» [٦] . وحين نفرق بين تأهيل شخص لتولي مسؤولية، أو الاعتناء بتربيته ورعايته وإعداده، وبين المحبة والولاء واعتقاد الفضيلة، فإننا نقف موقف الاعتدال في التعامل مع هذه القضية، ونضع النصوص الشرعية في موضعها. كما لا يسوغ أن يدعونا شعورنا بكون فلان أوْلى بهذه المسؤولية إلى التقليل من شأن الآخر، فضلاً عن أن ننظر بازدراء أو استخفاف لمن نعتقد أنَّا قد فُضِّلنا عليه بالعقل والإدراك؛ فهذا مزلق خطير، وهو من باب غمط الناس وازدارئهم، ولن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. بل والصحوة اليوم تحتاج لطائفة من الصالحين الصادقين الذين لا يأبه لهم الناس، ولو لم يتولوا مسؤوليات وأعباء؛ فلعلها تُنصر وتُوفق بدعائهم وصدقهم مع الله - تعالى -. نسأل الله ﵎ أن يرزقنا البصيرة والفقه في الدين، وأن يجعلنا من عباده المتقين، إنه سميع مجيب

стр. 3184

دراسات تربوية القناعة مفهومها.. منافعها.. الطريق إليها (٢-٢) إبراهيم بن محمد الحقيل استعرض الكاتب في الحلقة الأولى مفهوم القناعة وأهم فوائدها وآثارها، ثم عرج على صور من قناعته ﷺ في المأكل والمشرب وكذا أهل بيته. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة بقية الموضوع. البيان صور من قناعة الصحابة والسلف الصالح: وسار على منهج رسول الله ﷺ صحابتُه الكرام - رضي الله عنهم - والتابعون لهم بإحسان؛ فقد عاشوا أول الأمر على الفقر والقلة، ثم لما فُتحت الفتوح واغتنى المسلمون بقوا على قناعتهم وزهدهم، وأنفقوا الأموال الطائلة في سبيل الله - تعالى - وهذه نماذج من عيشهم وقناعتهم. أ- عن أبي هريرة ﵁ قال: (رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته) [١] . قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - قوله: (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة) يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين [٢] . ب - وعن عائشة ﵂ قالت: (من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم، فلما افتتح ﷺ قريظة أصبنا شيئاً من التمر والوَدَك) [٣] . ثم فتح الله على المسلمين وأصبح المال العظيم يرسل إلى عائشة رضي الله عنها فبقيت على قناعتها وزهدها وأخذت تفرق المال على محتاجيه؛ فقد بعث إليها معاوية ﵁ بمئة ألف درهم. قال عروة ابن الزبير: فوالله ما أمستْ حتى فرَّقتْها، فقالت لها مولاتها: لو اشتريت لنا منها بدرهم لحماً! فقالت: ألا قلتِ لي؟ [٤] لقد نسيت نفسها ﵂، وفرقت مالها، واستمرت على قناعتها بعد وفاة رسول الله. وعن أم ذرة قالت: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين يكون مائة ألف، فدعت بطبق، فجعلت تقسم في الناس، فلما أمست قالت: هاتي يا جارية فطوري، فقالت أم ذرة: يا أم المؤمنين! أما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم؟ قالت: لا تعنفيني، لو أذكرتني لفعلت [٥] . فهل تقتدي نساء المسلمين بعائشة ﵂ بدلاً من سَرَف الإنفاق على النفس وحظوظها واللباس والزينة؟ ! ج - وعن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع، قالوا: ما يجزعك يا أبا عبد الله، وقد كانت لك سابقة في الخير؟ شهدت مع رسول الله ﷺ ، مغازي حسنة وفتوحاً عظاماً! قال: يجزعني أن حبيبنا ﷺ ، حين فارقنا عهد إلينا قال: (ليَكْفِ اليوم منكم كزاد الراكب) فهذا الذي أجزعني، فجُمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر ديناراً، وفي رواية: خمسة عشر درهماً [٦] . د - وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم - رحمه الله تعالى - يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه فكتب إليه: قد رفعت حوائجي إلى مولاي، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك منها عني قنعت [٧] . أسباب تحول دون القناعة: ذكر الماوردي - رحمه الله تعالى - الأسباب التي تمنع القناعة بالكفاية، وتدعو إلى طلب الزيادة، وهي - على سبيل الاختصار-: ١- منازعة الشهوات التي لا تُنال إلا بزيادة المال وكثرة المادة، فإذا نازعته الشهوة طلب من المال ما يوصله إليها، وليس للشهوات حد مُتناهٍ، فيصير ذلك ذريعة إلى أن ما يطلبه من الزيادة غير متناهٍ، ومن لم يَتَنَاهَ طلبه استدام كدَّه وتعبه، فلم يفِ الْتذاذُه بنيل شهواته بما يعانيه من استدامة كده وأتعابه، مع ما قد لزمه من ذم الانقياد لمغالبة الشهوات، والتعرض لاكتساب التبعات، حتى يصير كالبهيمة التي قد انصرف طلبها إلى ما تدعو إليه شهوتها فلا تنزجر عنه بعقل، ولا تنكفُّ عنه بقناعة. ٢- أن يطلب الزيادة ويلتمس الكثرة ليصرفها في وجوه الخير، ويتقرب بها في جهات البر، ويصطنع بها المعروف، ويغيث بها الملهوف؛ فهذا أعذر، وبالحمد أحرى وأجدر متى ما اتقى الحرام والشبهات وأنفق في وجوه البر؛ لأن المال آلة المكارم، وعون على الدِّين، ومتألَّفٌ للإخوان. قال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً؛ فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال. وقيل لأبي الزناد: لِمَ تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: هي وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. وقال بعض الحكماء: من أصلح ماله فقد صان الأكرميْن: الدِّين والعِرض. ٣- أن يطلب الزيادة ويقتني الأموال ليدّخرها لولده، ويخلِّفها لورثته، مع شدة ضنه على نفسه، وكفه عن صرف ذلك في حقه، إشفاقاً عليهم من كدح الطلب وسوء المنقلب، وهذا شقي بجمعها مأخوذ بوزرها قد استحق اللوم من وجوه لا تخفى على ذي لب، منها: أ - سوء ظنه بخالقه: أنه لا يرزقهم إلا من جهته. ب - الثقة ببقاء ذلك على ولده مع نوائب الزمان ومصائبه. ج - ما حُرِم من منافع ماله وسُلِب من وفور حاله، وقد قيل: إنما مالك لك أو للوارث أو للجائحة؛ فلا تكن أشقى الثلاثة. د - ما لحقه من شقاء جمعه، وناله من عناء كده، حتى صار ساعياً محروماً، ... وجاهداً مذموماً. هـ - ما يؤاخذ به من وزره وآثامه ويحاسب عليه من تبعاته وإجرامه. وقد حُكي أن هشام بن عبد الملك لما ثَقُلَ بكى ولده عليه، فقال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما كسب، وتركتم عليه ما اكتسب، ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له! وقال رجل للحسن - رحمه الله تعالى -: إني أخاف الموت وأكرهه، فقال: إنك خلَّفت مالك، ولو قدَّمتَه لسرَّك اللحاق به. ٤- أن يجمع المال ويطلب المكاثرة، استحلاءً لجمعه، وشغفاً باحتجانه؛ فهذا أسوأ الناس حالاً فيه، وأشدهم حرماناً له، قد توجهت إليه سائر الملاوم. وفي مثله قال الله - تعالى -[والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم] [التوبة: ٣٤] [٨] . السبيل إلى القناعة: ١- تقوية الإيمان بالله - تعالى -، وترويض القلب على القناعة والغنى؛ فإن حقيقة الفقر والغنى تكون في القلب؛ فمن كان غني القلب نعم بالسعادة وتحلى بالرضى، وإن كان لا يجد قوت يومه، ومن كان فقير القلب؛ فإنه لو ملك الأرض ومن عليها إلا درهماً واحداً لرأى غناه في ذلك الدرهم؛ فلا يزال فقيراً حتى يناله. ٢- اليقين بأن الرزق مكتوب والإنسان في رحم أمه، كما في حديث ابن مسعود ﵁ وفيه: (ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد..) [٩] . فالعبد مأمور بالسعي والاكتساب مع اليقين بأن الله هو الرازق وأن رزقه مكتوب. ٣- تدبر آيات القرآن العظيم ولا سيما الآيات التي تتحدث عن قضية الرزق والاكتساب. يقول عامر بن عبد قيس: أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتُهن مساءً لم أبال على ما أُمسي، وإذا تلوتُهن صباحاً لم أبال على ما أُصبح: [مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا ومَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ] [فاطر: ٢] ، وقوله تعالى: [وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ] [يونس: ١٠٧] ، وقوله تعالى: [ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا ومُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ] [هود: ٦] ، وقوله - تعالى [سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً] [الطلاق: ٧] [١٠] . ٤- معرفة حكمة الله في تفاوت الأرزاق والمراتب بين العباد، حتى تحصل عمارة الأرض، ويتبادل الناس المنافع والتجارات، ويخدم بعضهم بعضاً قال - تعالى [أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] [الزخرف: ٣٢] ، وقال - تعالى -[وهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ] [الأنعام: ١٦٥] . ٥- الإكثار من سؤال الله القناعة، والإلحاح بالدعاء في ذلك؛ فنبينا محمد ﷺ ، وهو أكثر الناس قناعة وزهداً ورضىً وأقواهم إيماناً ويقيناً، كان يسأل ربه القناعة؛ فعن ابن عباس: ﵄ أن رسول الله ﷺ ، كان يدعو: (اللهم قنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير) [١١] ولأجل قناعته صلى الله عليه وسلم، فإنه ما كان يسأل ربه إلا الكفاف من العيش والقليل من الدنيا كما قال - ﵊: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) [١٢] . ٦- العلم بأن الرزق لا يخضع لمقاييس البشر من قوة الذكاء وكثرة الحركة وسعة المعارف، وإن كان بعضها أسباباً؛ إلا أن الرزق ليس معلقاً بها بالضرورة، وهذا يجعل العبد أكثر قناعة خاصة عندما يرى من هو أقل منه خبرة أو ذكاءًا أو غير ذلك وأكثر منه رزقاً فلا يحسده ولا يتبرم من رزقه. ٧- النظر إلى حال من هو أقل منك في أمور الدنيا، وعدم النظر إلى من هو فوقك فيها؛ ولذا قال النبي (انظروا إلى من أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله) [١٣] . وفي لفظ آخر قال عليه الصلاة والسلام: (إذا رأى أحدكم مَنْ فوقه في المال والحسب فلينظر إلى من هو دونه في المال والحسب) [١٤] . وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء، ومن هو أقل منه في أشياء؛ فإن كنت فقيراً ففي الناس من هو أفقر منك، وإن كنت مريضاً أو معذباً ففيهم من هو أشد منك مرضاً وأكثر تعذيباً، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك، ولا تخفضه لتبصر من هو تحتك؟ إن كنت تعرف من نال من المال والجاه ما لم تنله أنت وهو دونك ذكاءًا ومعرفة وخلقاً، فلِمَ لا تذكر من أنت دونه أو مثله في ذلك كله وهو لم ينل بعض ما نلت [١٥] ؟ ! ٨- قراءة سِيَر السلف الصالح وأحوالهم مع الدنيا والزهد فيها والقناعة بالقليل منها، وهم قد أدركوا الكثير منها فرفضوه إيثاراً للباقية على العاجلة، وعلى رأسهم محمد ﷺ ، وإخوانه من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم الصحابة الكرام ﵃ والتابعون لهم بإحسان؛ فإن معرفة أحوالهم، وكيف كانت حياتهم ومعيشتهم تحفز العبد إلى التأسي بهم، وترغِّبه في الآخرة، وتقلل عنده زخرف الحياة الدنيا ومتعها الزائلة. ٩- العلم بأن عاقبة الغنى شر ووبال على صاحبه إذا لم يكن الاكتساب والصرف منه بالطرق المشروعة، وقد قال النبي ﷺ : (لا تزول قدما عبد حتى يُسأل: عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه) [١٦] فمشكلة المال أن الحساب عليه من جهتين: جهة الاكتساب ثم جهة الإنفاق، وهذا ما يجعل تبعته عظيمة وعاقبته وخيمة إلا من اتقى الله فيه وراعى حرماته اكتساباً وإنفاقاً. ثم ليتفكر في أنه كلما تخفف من هذا المال وكان أقل كان حسابه أيسر وأسرع؛ وذلك كمن سافر في الطائرة وحمل متاعاً كثيراً؛ فإنه إذا بلغ مقصده احتاج وقتاً طويلاً لاستلامه وتفتيشه بخلاف من كان خفيفاً ليس معه شيء، وحساب الآخرة أعسر، والوقوف فيها أطول. ولينظر أيضاً إلى من كان المال والجاه سبب شقائه وأمراضه وهمومه وغمومه؛ فهو يشقى ويتعب في جمع المال ونيل المناصب ثم يحمل همَّ الحفاظ على المال والمنصب فيقضي عمره مهتماً مغتماً، ثم انظر ماذا يحدث له إذا خسر ماله أو أُقيل من منصبه، وكم من شخص كان ذلك سبباً في هلاكه وعطبه! نسأل الله العافية. ١٠- النظر في التفاوت البسيط بين الغني والفقير على وجه الحقيقة، فالغني لا ينتفع إلا بالقليل من ماله، وهو ما يسد حاجته وما فضل عن ذلك فليس له، وإن كان يملكه، فلو نظرنا إلى أغنى رجل في العالم لا نجد أنه يستطيع أن يأكل من الطعام أكثر مما يأكل متوسط الحال أو الفقير، بل ربما كان الفقير أكثر أكلاً منه، وبعبارة أخرى: هل يستطيع الغني أن يشتري مائة وجبة فيأكلها في آن واحد، أو مائة ثوب فليبسها في آن واحد؛ أو ألف مركبة فيركبها في آن واحد؛ أو مائة دار فيسكنها في وقت واحد؟ ! لا؛ بل له من الطعام في اليوم ثلاث وجبات تزيد قليلاً أو تنقص، وللمستور كذلك مثله، وله من اللباس ثلاث قطع تزيد قليلاً أو تنقص، ولا يستهلك من الأرض في وقت واحد إلا متراً في مترين سواء كان قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً. فعلام يُحسد وهو سيحاسب على كل ما يملك؟ ! وقد فهم هذا المعنى حكيم هذه الأمة أبو الدرداء ﵁ حينما قال: أهل الأموال يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر إليها معهم وحسابهم عليها ونحن منها برآء، وقال أيضاً: الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنون أنهم مثلنا عند الموت، ولا نتمنى أننا مثلهم حينئذ، ما أنصَفَنا إخوانُنا الأغنياء: يحبوننا على الدِّين، ويعادوننا على الدنيا [١٧] . بل جاء هذا المعنى في السنة النبوية. قال عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه -: أتيت النبي ﷺ ، وهو يقرأ [أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ] [التكاثر: ١] ، يقول: (يقول ابن آدم - مالي، مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟) [١٨] . إن القانع قد لا ينال من الطعام أطيبه، ولا من اللباس أحسنه، ولا من العيش أرغده؛ ولكنه ينعم بالرضى أكثر من الطمَّاع وإن كان الطماع أرغد عيشاً منه؛ لأن القانع ينظر إلى الموسر وما يملك فيراه لا ينتفع إلا بقليل مما يملك، لكنه سيحاسب عن كل ما يملك. ثم ليعلم العاقل أن كل حال إلى زوال، فلا يفرح غني حتى يطغى ويبطر، ولا ييأس فقير حتى يعصي ويكفر، فإنه لا فقر يدوم ولا غنى يدوم، وكم من رجال نشؤوا على فرش الحرير، وشربوا بكؤوس الذهب، وورثوا كنوز المال، وأذلوا أعناق الرجال، وتعبَّدوا الأحرار، فما ماتوا حتى اشتهوا فراشاً خشناً يقي الجنب عض الأرض، ورغيفاً من خبز يحمي البطن من قَرْص الجوع، وآخرون قاسوا المحن والبلايا، وذاقوا الألم والحرمان، وطووا الليالي بلا طعام، فما ماتوا حتى ازدحمت عليهم النعم، وتكاثرت الخيرات، وصاروا من سراة الناس، وسيسوِّي الموت بين الأحياء جميعاً: الغني والفقير؛ فدود الأرض لا يفرق بين المالك والأجير، ولا بين الصعلوك والأمير ولا بين الكبير والصغير، فلا يجزع فقير بفقره، ولا يبطر غني بغناه [١٩] ، وما أجمل القناعة! فمن التزمها نال السعادة، وما أحوج أهل العلم والدعوة للتحلي بها! حتى يكونوا أعلام هدى ومصابيح دجى، ولو تحلى بها العامة لزالت الضغائن والأحقاد، وحلت الألفة والمودة؛ إذ أكثر أسباب الخلاف والشقاق بين الناس بسبب الدنيا والتنافس عليها، وما ضعف الدين في القلوب إلا من مزاحمة الدنيا له، وصدق رسول الله ﷺ ، حينما قال: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسَطَ الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) [٢٠] ، فهل من مدَّكر؟ وهل من معتبر يجعل ما يملك من دنيا في يديه، ويحاذر أن تقترب إلى قلبه فتفسده؟ (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) .

стр. 3185

قضايا دعوية السلعة الغالية.. وثمنها الغالي عبد العزيز الجليل لا شك في أن غاية ما يرجوه المسلم من عبادته لربه - سبحانه - في هذه الدنيا هو الفوز برضوانه - تعالى - وجنته، والنجاة من سخطه والنار. ومن علامة توفيق الله - سبحانه - لعبده المؤمن أن يدله ويوفقه لأقرب الطرق وآكدها لتحصيل هذه الغاية العظيمة، ولا شك في أن الطريق إلى ذلك هي طاعته - سبحانه - بإخلاص ومتابعة وترك معاصيه. بإخلاصٍ ومتابعةٍ: هذا على وجه الإجمال. أما على وجه التفصيل والمفاضلة بين الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله وأرضاها له فإن المستقرئ لكتاب الله وما ورد فيه من صفات أهل جنته ورحمته ورضوانه ليجد شيئاً عجيباً جديراً بالتأمل والتدبر؛ ذلك أن جُلَّ ما ورد من الآيات التي يذكر فيها - سبحانه - ما أعد لأوليائه في الجنة والرضوان يسبقها في العادة صفات الموعودين بذلك. وبالتأمل في أوصافهم تلك نجدها تتحدث في الغالب عن المجاهدين والمهاجرين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والصابرين على المحن والابتلاءات في طريق الدعوة إلى الله. والآيات في ذلك كثيرة أذكر منها على سبيل المثال - لا الحصر - ما يلي: ١ - قوله - تعالى -: [إنَّ الَذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [البقرة: ٢١٨] . ٢ - قوله - تعالى -: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] . [البقرة: ٢١٤] . ٣ - قوله - تعالى -: [أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ] [آل عمران: ١٤٢] . ٤ - قوله - تعالى -: [ولَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ] [آل عمران: ١٥٧] . ٥ - قوله - تعالى -: [ولا تَحْسَبَنَّ الَذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ. الَذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَاناً وقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] . [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٤] . ٦ - قوله - تعالى -: [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وأُوذُوا فِي سَبِيلِي وقَاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّنْ عِندِ اللَّهِ واللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ] . [آل عمران: ١٩٥] . ٧ - قوله - تعالى -: [والَّذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ] [الأنفال: ٧٤] . ٨ - قوله - تعالى -: [الَذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ ورِضْوَانٍ وجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ] [التوبة: ٢٠ - ٢٢] . ٩ - قوله - تعالى -: [والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [التوبة: ٧١] . ١٠ - قوله - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] [الصف: ١٠، ١١] . ١١ - قوله - تعالى -: [إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ والْقُرْآنِ ومَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَذِي بَايَعْتُم بِهِ وذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] [التوبة: ١١١] . والآيات في هذا كثيرة؛ فهل من مشمِّر وبائع نفسه ابتغاء مرضاة الله وجنته؟

стр. 3186

حوار المستشرق الروسي د. ليونيد سوكيانن في حوار مثير مع البيان (٢ - ٢) في الاستشراق تيارات تخدم الأهداف الاستعمارية حاوره في الرياض: خالد محمد أبو الفتوح تطرق الحوار في الحلقة السابقة إلى الحديث عن الشريعة الإسلامية وطبيعتها والعلاقة بينها وبين الواقع الروسي وأوجه الاختلاف أو الاتفاق بينها وبين النظم القانونية الأخرى، ثم تناول الحوار تاريخ الاستشراق الروسي وأهدافه وواقعه المعاصر.. وفي هذه الحلقة يستكمل الحديث عن الاستشراق، ويتطرق إلى موضوعات أخرى. ونود لفت نظر القارئ إلى أن الحوار أجري منذ شهر ذي القعدة ١٤١٩هـ وتأجل نشره لظروف فنية خاصة بطبيعة النشر في المجلة، لذا: سيجد القارئ أن بعض الأحداث والشخصيات قد تغيرت، كالحديث عن الحرب الكوسوفية أو عن بريماكوف باعتباره رئيساً لوزراء روسيا. - البيان - - تطوُّرُ الاستشراق المعاصر يجرنا إلى الحديث عن علاقة الاستشراق بالصحوة الإسلامية: هناك دراسات كثيرة خصوصاً في فرنسا وفي أمريكا لمتابعة الصحوة الإسلامية، وبعض الباحثين يقولون: إن الاستشراق الآن يتركز بصورة كبيرة على ما يخص هذه الصحوة، فما رأيكم في هذا الكلام؟ أنا أقترح أن نناقش هذا الموضوع على ضوء النموذج الروسي عندنا: هل هناك علاقة بين الصحوة الإسلامية وعلم الاستشراق؟ نعم، توجد علاقة مباشرة، وقد صدرت أبحاث كثيرة - بعضها لا بأس به - تعكس الصحوة الإسلامية وتحلل نتائجها وأسبابها وآفاقها المستقبلية. إذا سألتم عن موقفي من هذه الدراسات فأنا لست من أنصار الدراسات التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالصحوة الإسلامية؛ على الرغم - طبعاً - من وجود بعض المؤلفين ذوي الخبرة والقلم السيَّال وغالباً ما يكون سطحياً الذين يرسمون صورة كما يرونها: أسماء المنظمات، أسماء الأشخاص، الأرقام، الإحصائيات، هذه دراسات قيِّمة ومفيدة في بعض الأحيان، ولكنها تبتعد عن إيضاح الإسلام باعتباره نظاماً وديانة، عندما أقول كلمة (الإسلام) وأنا نادراً ما أقول هذه الكلمة؛ لأن كلمة (الإسلام) و (الشريعة) كلمة تستحق ألا تتكرر عفوياً عندما أقول (الإسلام) و (الشريعة) .. ما هي المترادفات؟ هل مرادف الإسلام: الحزب السياسي، أو الحركة السياسية، على الرغم من وجود السياسة في الإسلام؟ لا، ولكن قبل كل شيء يترادف مع الإسلام: الروح، الأخلاق، الضمير، المعتقدات، الدنيا، الآخرة.. للأسف الشديد نحن نبالغ في تحليل الإسلام من خلال هذه الحركات والتيارات والمنظمات والأصولية والراديكالية ... إلخ، وذلك إيماناً بأن الإسلام - قبل كل شيء - ديانة وروح، وأخلاق وقيم، ومصير للحياة، وهدف ومحتوى حياة الإنسان.. عندنا مفكر روسي قانوني كان يقول: لا تبحثوا عن الجديد، ابحثوا عن الخالد، الأبدي، الباحث يجب أن يبحث قبل كل شيء عن الثوابت. وعلى هذا الأساس: إذا قصدنا العلاقة بين الاستشراق والصحوة الإسلامية - بمعنى ردود الفعل لهذه الصحوة - وانعكاساتها في المؤلفات والأبحاث.. فإن هذا الانعكاس موجود، ولكني لست من أنصار هذا الأسلوب في الكتابة عن الإسلام والشريعة رغم اعترافي بوجود مثل هذا الاتجاه. يوجد البعد الآخر للعلاقة بين الصحوة الإسلامية والدراسات الاستشراقية، البعد الذي تناولناه، إذا كانت الصحوة الإسلامية التي نشاهدها الآن تدخل المرحلة الجديدة وتهدف إلى رفع مستوى المسلمين وثقافتهم وإدخال منجزات الثقافة الإسلامية إلى المجتمع الروسي بمختلف جوانبه، في البرامج الدراسية وغيرها، وإذا كانت الدراسات الاستشراقية تسهم في هذه العملية وتساعد في تحقيقها - وهذا شيء ضروري؛ لأنه ليست هناك جهات أخرى يمكن أن تقوم بهذه المهمة - ففي هذه الحالة يجب أن تكون مثل هذه العلاقة بين الصحوة الإسلامية والدراسات الإسلامية موجودة. وعلى هذا الأساس: يمكن أن نميز بين الأبعاد المختلفة للعلاقة بين الصحوة الإسلامية وعلم الاستشراق. ولكني لست من أنصار نظرية هنتنجتون حول تصادم الحضارات، لا، أنا لا أؤمن بأن أمامنا خطراً ولا أفكر بتصادم الحضارات.. الفوارق موجودة؛ ولكن المصالح المشتركة أكبر، المصالح المشتركة بين الحضارات تتجاوز هذه العداوة الثنائية في بعض الأحيان. إذن لماذا في رأيكم تظهر مثل هذه الدعوات، ولماذا الترهيب من الصحوة الإسلامية بالذات رغم أن هناك تياراً عاماً في العالم كله يدعو إلى الرجوع للدين عموماً؟ لماذا التخويف من الإسلام خصوصاً والتركيز عليه وحده؟ أقول لك الأسباب: السبب الأول: أنا أعتقد أن هناك بعض التيارات في علم الاستشراق تخدم الأغراض السياسية الاستراتيجية، وهي تخدم هذه السياسة الاستراتيجية للسيطرة على الحضارات والشعوب الأخرى، وطبعاً هي تسوِّغ مثل هذا الاتجاه وتقول: إن هذا العالم الإسلامي عدوُّنا، ومن الضروري أن نعد أنفسنا للقتال ضده ومكافحة هذه القيم، وتقول أيضاً: إن هذا العالم يكبر، وعدد سكانه يزداد باستمرار، وبعد (١٠) سنوات ستكون غالبية العالم مسلمين، ومن الضروري أن نوقف ذلك بأي طريقة من الطرق. هناك سبب آخر: وهو ينطلق من العالم الإسلامي نفسه، فنحن لا نستطيع أن نهمل وننكر وجود الأحداث والتيارات والنداءات والشعارات والأهداف والإجراءات التي تعلل مثل هذه الصورة للإسلام.. هناك الرهائن، هناك الاقتتال، هناك خطف الطائرات، هناك الحوادث المؤسفة جداً.. أنا لا أتناول أسبابها، هذا شيء آخر، ولكن الصورة الظاهرية التي تربط الإرهاب بالمسلمين موجودة.. أكرر مرة أخرى: لا أتدخل الآن في الأسباب، ربما هناك رد فعل شرعي على كثير من الأمور.. نعم.. صحيح، ولكن أنا - فقط - أؤكد على حقيقة أن مثل هذه الأشياء موجودة. عندنا - مثلاً - بعض الأحزاب السياسية أو المنظمات الإسلامية ذات الطابع السياسي تقول في برامجها المكتوبة والمنشورة: علينا أن نخضع فقط لإرادة الله - تعالى - ولن نخضع لأي قوانين وأي دستور إطلاقاً، ولا نعترف بأي سلطة دنيوية .. فكيف يمكن للقارئ غير المسلم أن يقيِّم مثل هذه الشعارات؟ وكيف يتفهمها؟ النتيجة حتماً ستكون سلبية.. يمكن المناداة بالقيم الإسلامية، ولكن كيف يمكن تفهم المناداة بإسقاط النظام والدستور وعدم احترام القوانين؟ لا توجد أي دولة يمكن أن تقبل مثل هذه الشعارات. د. سوكيانن، رأينا بعض الحوادث الإرهابية الأخرى مثل: حادث أوكلاهوما، أو الحوادث التي نفذتها جماعة الحقيقة المطلقة باليابان، أو بعض الجرائم التي قام بها مستوطنون يهود، ومع ذلك تعامل معها الإعلام العالمي بصورة جرائم محدودة، ولم تأخذ البعد العام، ولم يقولوا: الأصولية المسيحية، أو الأصولية اليهودية.. إلخ، ولم يهاجموها؛ فهناك أيضاً أفعال في الطرف الآخر قد تُجَرَّم ويُنظر إليها على أنها أعمال عنف وإرهاب! ولكن لا تتجاوز قدرها على أنها جريمة؛ بينما في الحالة الإسلامية نرى خلاف ذلك؛ فقد لا تثبت الجريمة أصلاً ويُهاجَم الإسلام والمسلمون والصحوة الإسلامية ابتداءً. نعم.. الرد في رأيي بسيط على هذا السؤال: إنها السيطرة الإعلامية الغربية على العالم، هذه حقيقة؛ إنك إذا ذهبت لأي دولة لتشاهد البرامج التلفزيونية، وإذا فتحنا أي قناة عفوياً فمن بين (١٠) برامج ستكون (٩) أفلام أمريكية أو برامج مستوردة عموماً. هناك سيطرة كاملة على الشبكة الإعلامية في العالم، وهي تؤثر تأثيراً مباشراً دون أي شك، حتى الصحفيون المخلصون المنصفون الذين لا توجد لديهم أي مواقف سلبية مسبقة نحو الإسلام يتأثرون بهذه الصورة. أنا كثيراً ما ألتقي مع الصحافيين في روسيا ويقولون لي بعد الحوار معهم: كيف يا ليونيد؟ لم نتصور أن الإسلام كما تقول! لم نتصور أن الشريعة هكذا! . إذن: السيطرة الاستعمارية الغربية على العالم كله، بل العالم الإسلامي بالذات، لها أثر كبير دون شك. إلى جانب ذلك يمكن القول: إن المسلمين أنفسهم في بعض الأحيان لا يستعملون كل قدراتهم لإزالة ذلك؛ مثلاً: من ينشر المقالات الأساسية في الصحف الروسية لتصحيح صورة الإسلام؟ الباحثون الأكاديميون وليس المسلمين، ولا يساهم المسلمون في ذلك. أنا من أنصار الإسلام والشريعة منذ زمن بعيد، ولكن أنا أحمِّل المسلمين أنفسهم جزءاً من المسؤولية عن هذه الصورة المشوهة دون شك، هم يكتفون بالشكوى، ولكن أين الجهود؟ قد يقولون: لن تنشر مقالاتنا، ولكن الحقيقة أنه كما إن عندنا صحفاً موالية للغرب ولليهود؛ فإنه توجد في الوقت نفسه صحف كثيرة موالية للديمقراطية، وأنا عندما أكتب أي مقالة فإنها تنشر فوراً، ولم أقل كلمة ضد الإسلام إطلاقاً؛ بالعكس أنا متهم دائماً بالدفاع عن الإسلام أكثر من المطلوب، ومع ذلك تنشر مقالاتي، والمسلمون عندنا في روسيا يشْكون فقط. طبعاً أنا أعرف أنه قد لا تتوفر لديهم الكفاءات المؤهلة للكتابة؛ ولكن قد تتوفر لديهم الإمكانات المادية، عندنا كثير من رجال الأعمال المسلمين، لماذا لا يقتربون من المتخصصين والأكاديميين ويطلبون منهم تخصيص بعض أوقاتهم لكتابة مقالات وأبحاث موضوعية حقيقية عن الإسلام ويساعدونهم مادياً لتحقيق هذا الهدف؟ .. وهذه الصورة ينبغي ألا تكون في روسيا فقط.. هل يمكن القول: إن كل المفكرين والمثقفين ورجال الأعمال المسلمين القاطنين في العالم الإسلامي والمسلمين عموماً استعملوا كل إمكاناتهم لإزالة مثل هذه الصورة، ولاستعراض حقيقة الإسلام؟ أنا لا أقتنع بأنهم قاموا بذلك. الحديث عن السيطرة الإعلامية يجرنا إلى الحديث عما يسمى بـ (العولمة الثقافية) .. كيف ترون مستقبلها؟ وكيف ترون تأثيرها على الثقافات المحلية؟ العولمة الثقافية ظاهرة موضوعية لعالمنا الراهن بدون شك.. كلمة (العولمة) تتكرر الآن في جميع أنحاء العالم، ولهذه الظاهرة العالمية أبعاد مختلفة، بعضها إيجابية والأخرى سلبية؛ الأبعاد الإيجابية واضحة كل الوضوح: التقارب والتسامح والتحاور بين الحضارات والثقافات، وهذا شيء جيد، ليس فقط لتعرِّف الناس بعضهم ببعض، ولكن لإزالة كثير من العداوات المتبادلة بين الدول والشعوب، وهو تلقائي لا نستطيع إيقافه؛ فالعولمة ليست قرار أحد الأفراد كان يفكر وأصدر قراراً: غداً سنبدأ العولمة! هذه ظاهرة طبيعية لحياتنا؛ فالتقارب والتواصل التجاري والمعلوماتي وغيره يؤدي تلقائياً إلى العولمة، ويستفيد من هذه العولمة كثير من الباحثين والعلماء؛ بل تستطيع بعض بلاد المسلمين الاستفادة من العولمة الثقافية والإنترنت وغيرها أكثر من روسيا؛ نظراً لتوفر الإمكانات المادية في بعض البلاد العربية. ولكن إلى جانب ذلك توجد أيضاً الجوانب السلبية، وهي متعلقة بالسيطرة الإعلامية التي أصولها تقنية قبل كل شيء، مما يؤدي إلى السيطرة الفكرية والثقافية. فمن النتائج والآثار لهذه العولمة السلبية: فرض الثقافة الواحدة على الثقافات الأخرى، أنا لا أقصد فقط سيطرة الثقافة الغربية على العالم الإسلامي، ولكن أقصد سيطرة أي ثقافة، فإذا افترضنا الصورة المعاكسة وكانت الثقافة الإسلامية هي التي ستسيطر أنا أيضاً سأرفض ذلك، فكل واحد يجب أن يكون له حقه في اختيار نمط حياته ومعتقداته. ولكن العولمة تعد من خصائص عالمنا الراهن، يجب نقل التيار الفلسفي إلى العلوم الحديثة العالمية؛ الفلاسفة هم الذين يفكرون في خصوصيات عالمنا الراهن، وهم يميزون بعض الخصائص لحضارة العالم المعاصر بخمسة أو ستة مميزات: منها: الثورة المعلوماتية وتبادل المعلومات، مما يرتبط إلى حد بعيد مع العولمة الثقافية، هناك القضايا الخاصة بحماية البيئة، هذه القضية لم تكن موجودة في أي مراحل الإنسانية، ومن الخصوصيات المميزة لعالمنا الراهن وربما يكون هذا لأول وهلة غريباً: التسامح، والتعددية، التعددية في كل شيء، في الأفكار، في الأشكال، في الثقافات، في الحضارات، والعالم الغربي يتميز بهذين التيارين، من ناحية: السيطرة والضغط الثقافي الغربي على باقي العالم، وفي الوقت نفسه التسامح الموجود في المجتمع الغربي نفسه، في واشنطن عاصمة أمريكا، أمام البيت الأبيض هناك المسجد، هناك الكنيسة المسيحية، هناك المعبد البوذي. - ولكن اسمح لي يا دكتور في هذه النقطة بالذات.. صحيح هناك مظاهر للتعدد والتسامح في المجتمع الغربي، ولكن في الوقت نفسه نجد على سبيل المثال في فرنسا التي خرجت منها شعارات (الحرية والإخاء والمساواة.. إلخ) نجد أنهم لا يقبلون تلميذات لمجرد ارتدائهن حجاباً، فكيف يتفق ذلك مع التسامح والتعددية؟ نعم! هذا صحيح، ولكن لكل مثال يمكن ضرب المثال المقابل، أقول لكم إن الخميني قائد الثورة الإيرانية كان يعيش في باريس وكان يزاول نشاطاته منها ويحرك هذه الثورة من فرنسا، والعالم كله يعرف ذلك.. - عفواً، قد نتفق في ظل الاختلافات التي نستعرضها أن هناك تسامحاً في المجال الشخصي الذي يخص التعبد والشعائر، ولكن ليس هناك تسامح في النظام الاجتماعي العام، بمعنى أن النظام الاجتماعي يفرض نفسه على الجميع. طبعاً.. كل شخص يتأثر بالمجتمع وبالبيئة المحيطة حوله في كثير من الأمور، وربما حتى في الدولة الواحدة توجد بعض مناطق بها تميزات، وبالنسبة للتلميذات المسلمات في فرنسا: أنا أعرف هذه الصورة، ولكن إذا ذهبت أيضاً إلى بعض العواصم العربية تجد الأوروبيات يلبسن ملابس محتشمة تتماشى مع تقاليد هذه المجتمعات، وهذا ليس خيارهن، بل يتأثرن بالمجتمع المحيط.. هذا جزء من إجابتي على سؤالكم، وعلى هذا الأساس من الضروري ألا ننسى كذلك مثل هذه الأشياء.. - نعم، ولكن هذا المثال وذاك يقول إن التعددية محدودة ... ليست محدودة، هي واسعة، حتى هذا الحوار الذي يدور بيننا يدل على أن التعددية لا بأس بها وموجودة، طبعاً كل شيء في العالم نسبي، لا توجد أشياء مطلقة في هذا العالم، ولكن قياساً على ظروف العالم منذ قرن ومنذ عشرات السنين: التعددية والتسامح في نمو، هل يمكن القول: إنه في بداية هذا القرن كانت التعددية أوسع من ذلك؟ لا.. إذن ينبغي ألا نقيس التعددية على مثال في أذهاننا، من الضروري أن نقيسها على الواقع العملي، كيف كان العالم يعيش منذ عشر سنوات، منذ نصف قرن، منذ قرن، قرنين؟ هناك حركة وتطور وتقدم، ليس تقدماً تصاعدياً دائماً ولكن قد تعتريه بعض الصعوبات والعوائق، ولكن عموماً: الحركة موجودة بدون أي شك في هذا الاتجاه.. - ننتقل إلى موضوع آخر، نتحدث عن روسيا: تعرضتم لصورة الإسلام في روسيا، وأنها قد تكون مشوهة، وتعرضتم لأسباب وجود هذه الصورة، سواء من المسلمين أنفسهم أو من خارجهم، هل تعتقدون أن الأحداث السياسية الأخيرة كالحرب السوفييتية الأفغانية أو الحرب الشيشانية أثرت على هذه الصورة للإسلام عند المواطن الروسي؟ بالنسبة للحرب السوفييتية الأفغانية: لا أعتقد أن هناك الآثار الملحوظة على مستوى صورة الإسلام في الرأي العام؛ لأن هذه الحرب لا تعد في رأي الشعب الروسي حرباً ذات علاقة مع العالم الإسلامي، إطلاقاً.. حركة الطالبان حركة جديدة، ظهرت بعد توقف الحرب، وأنا لم ألتق أي فرد من الشعب الروسي ووجدته يربط هذه الحرب بالإسلام ولا كان يحلل هذه الحرب من زاوية الصراع الديني. بالنسبة للحرب الشيشانية: فالصورة تختلف: في بداية هذه الحرب لم يلاحَظ العامل الإسلامي إطلاقاً، ولا بـ (١%) ، أنا مقتنع بذلك، فلم يذكر هذا العامل. بدأ ذكر اسم الإسلام والعالم الإسلامي والتعاون مع العالم الإسلامي أو وجود من يسمونهم بالمرتزقة من بعض البلدان الإسلامية، بدأ تداول كل ذلك بعد مرور أشهر بل سنوات من بداية هذه الحرب؛ فما هو سبب دخول الإسلام عاملاً في هذه الحرب؟ على ما أعتقد هناك عدة أسباب: السبب الأول: يعود إلى السياسة الفيدرالية للسلطات الروسية. لا نناقش الآن بداية هذه الحرب؛ ولكن في رأيي الشخصي أنه اتخذت خطوات خاطئة كثيرة أدت إلى تهيئة الظروف المناسبة لبلورة العامل الإسلامي في هذه الحرب؛ فمثلاً: بعض الإعلانات التي ألقيت في بداية هذه الحرب تحمل رفضاً كاملاً لوجود العامل الديني أو الطائفي في هذا الصراع، وكان التركيز في بعض وسائل الإعلام على عدم وجود أي علاقة لهذا العامل.. ولكن المجتمع الروسي تعوَّد على تبني رد الفعل المعاكس للبيانات والتصريحات الرسمية. مثلاً: إذا أدلى وزير المالية الروسي بتصريح للإذاعة أو التلفزيون نافياً اتخاذ قرارات بتغيير قيمة العملة، فإن المواطن الروسي يفهم ذلك على أنه - عاجلاً أم آجلاً - ستتخذ مثل هذه القرارات.. وعلى هذا أعطى التركيز المستمر على أن هناك بعض القوى التي تحاول إدخال العامل الديني وتحوِّل هذا الصراع السياسي إلى صراع طائفي ديني، ونفي ذلك أدى إلى إدخال هذا العامل بالفعل. هذا من جانب السلطات الفيدرالية. أما من جانب الشيشان: فإنه عندما بدأت هذه الحرب، اكتسبت وبسرعة صفة الحرب في سبيل الاستقلال باعتبارها حرباً ضد الاستعمار، فكان من الواجب البحث عن كل العوامل التي تساعد على تعبئة الشعب كله نحو هذا الهدف. ما هي الشعارات القوية في مثل هذه الظروف التي تحقق هذا الهدف؟ الإسلام كان أقرب وسيلة لتعبئة صفوف المجاهدين أو المقاتلين أو غيرهم، هذا إضافة إلى الأخطاء السياسية والعسكرية للسلطات الروسية التي أثرت تأثيراً سلبياً على سمعة روسيا والجندي الروسي في الشيشان.. الشيشان الآن يقولون: إنهم انتصروا في الحرب ضد روسيا.. وهذا شيء غير صحيح، من المستحيل الانتصار على الجيش الروسي من قِبَلِ الجيش الشيشاني، الجيش الروسي يملك عسكرياً من الإمكانات والقدرات أن يصل إلى نقاط بعيدة حتى خارج حدوده، وهذا الإخفاق في الشيشان ليس هزيمة عسكرية إطلاقاً، بل هزيمة سياسية. وكذلك هناك العامل الخارجي: الشيشان في ذروة الحرب كانوا يزورون كثيراً من البلدان الإسلامية طلباً لدعمها وتأييدها؛ فتحت أي شعار تدعمهم؟ الإسلام بالطبع.. أخفقوا في بعض الأماكن في الحصول على هذا الدعم المادي أو المعنوي، ولكن نجحوا مع بعض البلدان، وبعض الأفراد، وبعض القادة. على هذا الأساس: كانت الظروف موضوعية للصدام بين روسيا والمنطقة المناضلة في سبيل استقلالها، بين الاستعمار والشعب الذي يناضل في سبيل حريته، كانت هذه هي الصورة الظاهرة لهذه الحرب، وإلى جانب ذلك ظهرت السلطة الروسية بمثابة سلطة عدوانية، والسلطة الشيشانية بمثابة سلطة مدافعة عن حريتها واستقلالها. خطوة بسيطة: هذه السلطة المسيحية، وهذه الإسلامية. وحتماً آجلاً أو عاجلاً كان سيظهر هذا العامل في الشيشان رغم أن بذور الإسلام وأصوله في الشيشان سطحية. الشيشان آخر منطقة في شمال القوقاز اعتنقت الإسلام، واعتناق الإسلام في المجتمع الشيشاني سطحي.. ما يسود في الشيشان ليس الإسلام الصحيح، بل الأعراف والتقاليد والطرق الصوفية، وحتى الطرق الصوفية التي في الشيشان بعيدة جداً عن الإسلام، بل هناك شك في مدى إسلاميتها في رأيي الشخصي. ولكن سياسياً ودعائياً وفكرياً لا يزال الإسلام شعاراً وصيغة وشكلاً يلعب حتى الآن دوراً هناك. نحن نعود إلى بداية حديثنا: أننظر إلى الإسلام باعتباره قيمة أم باعتباره أسلوباً؟ غايةً أم وسيلةً؟ الإسلام في الشيشان الآن - للأسف الشديد - ليس إلا وسيلة، وهو وسيلة في الصراع داخل الشيشان أكثر منه في الصراع بين الشيشان وروسيا. الإسلام الآن يستعمل سلاحاً بين مسعدوف رئيس الشيشان والمعارضة له، هم يتصارعون، وكل واحد يلجأ إلى حجة الإسلام.. - قبل أن نترك هذه النقطة، هل يعني هذا أنكم ترون الدعوات المثارة لتطبيق الشريعة في الشيشان مجرد مزايدات؟ يجب أن نميز بين عدة أبعاد لهذه الحقيقة، وقد سبق لي أن كتبت بعض المقالات في الصحف الروسية قائلاً: إن الطموح نحو تطبيق الشريعة الإسلامية من المستحيل أن يكون خاطئاً في المجتمع المسلم، كل مجتمع مسلم يطمح نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، ولا نستطيع القول إن مثل هذه المناداة خاطئة، هذا شيء طبيعي، أما ما يمكن أن يكون خاطئاً فهو أسلوب أو كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية؛ والتجارب الملموسة لتطبيق قانون العقوبات الشيشاني الجديد تقول ذلك؛ فهذا القانون هو مجرد ترجمة حرفية لقانون العقوبات السوداني، وعندما استفسرت من الشيشانيين: لماذا اقتبستم قانون العقوبات السوداني والشيشان من الشوافع بينما قانون السودان مالكي؟ قالوا: وهل هناك فوارق؟ ما معنى المذهب الشافعي والمالكي؟ ومما يدل على أنه ترجمة حرفية أضرب لكم مثالاً مدهشاً: عندي نسخة لهذا القانون الشيشاني، وهو ترجمة روسية ضعيفة، ولكن مما يدل أن هذه الترجمة حرفية أنني قابلته بالقانون الجنائي السوداني فوجدته ترجمة حرفية إلا فرقاً واحداً: الغرامة (الدية) تقدر في السودان بالإبل وفي الشيشان بالبقر؛ لأنه لا توجد في الشيشان إبل، بل توجد مادة في القانون الشيشاني نسيت رقمها تحدد الغرامة المالية وتقدرها بالجنيهات، والجنيهات موجودة في السودان ولا توجد في الشيشان.. كيف يمكن استيراد قانون وزرعه في بيئة مختلفة وتطبيقه على هذا النحو، هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى نتائج جيدة؟ - كيف ترون مستقبل هذه التجربة في ضوء: الوضع الاجتماعي الشيشاني وخصوصاً مع عدم وجود علماء أو فقهاء كما أشرتم من قبل لاستصدار وتطبيق هذه القوانين، وأيضاً في ضوء الوضع القانوني الشيشاني بالنسبة لروسيا، وفي ضوء الواقع الإقليمي، كيف ترون مستقبل هذه التجربة؟ المستقبل غامض في رأيي، ليس فقط على مستوى العلاقات بين الشيشان والسلطات الفيدرالية، ولكن بالنسبة لمستقبل الشيشان نفسها، أنا لا أستطيع أن أتصور هذا المستقبل، ولكني أراه غامضاً للأسف الشديد. ولو سمحت أن أعود إلى موضوع تخصصي، بالنسبة للتشريع الإسلامي أو الإسلام في الشيشان أوضح لكم أمراً: منذ شهر تقريباً عندما تفاقمت هذه الصراعات والتنافس بين مسعدوف والمعارضة، وبدأت المعارضة تطالب باستقالة الرئيس وحل البرلمان وإنشاء مجلس الشورى بدلاً منه، تحت شعار تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ورداً على ذلك استبقهم مسعدوف وأصدر قراراً بتشكيل مجلس الشورى وتكليف البرلمان بإعداد الدستور الجديد خلال شهرين على أساس القرآن الكريم والسنة النبوية.. كيف يمكن خلال شهرين؟ ! أي مُلِمٍّ بالشريعة الإسلامية يعرف أنه من غير الممكن إنجاز تلك المهمة خلال شهرين؛ فهي تحتاج لسنوات، ولكن مسعدوف أعلن أنه خلال شهرين ينتهي من هذه المهمة، وأعلن في الشيشان الحكم الإسلامي، فما معنى ذلك؟ ! من جهة أخرى: المعارضة تقول: إنه إذا أعلن الحكم الإسلامي يجب أن نحل البرلمان ونلغي الدستور ونستبدل مجلس الشورى بالبرلمان.. لماذا؟ هل الحكم الإسلامي يمنع وجود البرلمان بصفته هيئة استشارية جماعية؟ .. لا، هل الحكم الإسلامي يمنع منصب رئيس الجمهورية؟ أبداً! على هذا الأساس: لا الرئيس ولا المعارضة يعرفون معنى الحكم الإسلامي وكيفية تطبيقه، ولكن كل واحد ينافس الآخر في كسب عامل الشريعة إلى جانبه. المعارضة هي التي بادرت إلى ذلك، ومسعدوف رد على ذلك مُجْبَراً، فهذا ليس خياره، ولكن المعارضة كانت تضغط على الرئيس تحت شعار تطبيق الشريعة كسباً للدعم الشعبي، فهل يرد مسعدوف بقوله: أنا أرفض تطبيق الشريعة؟ هذا يعد انتحاراً سياسياً منه، فهو أُجبر على الرد على ذلك باتخاذ هذه الخطوات، وهذا إن دل على شيء فيدل مرة أخرى على استعمال الشريعة في الشيشان وسيلة وليس غاية. في ظل هذه الظروف يبرز سؤال: ما هي الآثار المترتبة على إعلان الحكم الإسلامي، وتشكيل مجلس الشورى، وتكليف البرلمان بصياغة الدستور على أسس شرعية؟ ما هي آثار ذلك على العلاقات بين الشيشان وروسيا؟ هناك بعض التعليقات التي كانت تقول: إن مثل هذه الإعلانات للحكم الإسلامي غايتها إلى جانب الغايات الأخرى الابتعاد النهائي عن روسيا؛ لأن روسيا لن تعترف إطلاقاً بهذا الحكم الإسلامي.. عميد معهدنا معهد الدولة والقانون طلب مني تحرير تقرير علمي والاستنتاجات لهذا الأمر، أنا كتبت أن مثل هذه الإعلانات بالحكم لا تضيف شيئاً جديداً على العلاقات الموجودة الآن مع روسيا، الشيشان الآن لا تخضع للدستور والقوانين الروسية، السلطات الرسمية الروسية لا تسيطر على الأمور هناك، فقط الإعلانات وحدها لا تضيف جديداً إلى هذه الصورة، ويجب ألا تمنع مثل هذه الشعارات استمرار الحوار بين السلطات الروسية والسلطة الرسمية في الشيشان (مسعدوف نفسه) ؛ لأنه ربما يكون من أغراض المعارضة باتخاذها هذه الخطوات وضع الحواجز في العلاقات بين مسعدوف وموسكو توقعاً لرفض موسكو أي إعلان للحكم الإسلامي، أنا قلت: لا، أبداً، بالعكس، من الضروري معاملة هذه الإعلانات معاملة ذكية معقولة، ليس بقطع العلاقات مع الشيشان، ولكن بالعكس: إدخال هذا الموضوع إلى جانب كثير من الموضوعات التي يتم مناقشتها الآن، إدخال موضوع الشريعة والإسلام عنصراً مكوناً للحوار بين موسكو ومسعدوف؛ دعماً لمواقف القوى المعتدلة، وقبل كل شيء مسعدوف نفسه: دعمه في الصراع ضد المعارضة المتطرفة، على الرغم من أن قبول فكرة هذا الحوار صعبة جداً، بل فُرَصُه محدودة للغاية للأسف الشديد؛ ربما تكون أفضل في ظل رئاسة بريماكوف للحكومة، ولكن للأسف ما زال الحوار محدوداً جداً. ورأيي الشخصي أنه من الضروري ألا نقطع هذا الحوار، بل على العكس: نطوره ونحركه ونثريه، وإلى جانب مناقشة الموضوعات السابقة نناقش الشريعة ومحاولة إيجاد الحلول الوسط بالنسبة لهذه الأمور. السؤال المحوري الأساس الآن: هل في السلطات الروسية المهارات والكفاءات والذكاء الكافي لذلك؟ وهل في السلطات الرسمية الشيشانية كذلك الكفاءات نفسها لإجراء الحوار الهادئ للتوصل إلى الحلول الوسط المقبولة؟ يجب عدم الخوف من أي إعلانات؛ لأن إعلان الحكم الإسلامي وحده بدون التفاصيل والتطبيق العملي لا يعني شيئاً. وإعداد الدستور على أساس القرآن الكريم وحده! بصراحة بالنسبة لسلطة الدولة في القرآن الكريم ثلاث أو أربع آيات فقط: مبدأ الشورى، مبدأ العدل، مبدأ المساواة، وطاعة أولي الأمر.. فقط، هل من الممكن الاعتماد على هذه الآيات الأربع فقط بدون الاجتهاد، بدون تفصيل لصياغة الدستور، هذا الأمر يتطلب الخلفية والمقدمات والكليات والمقاصد. - المقصود طبعاً بالقرآن ما يحتويه أيضاً من قواعد كلية أساسية سواء في الكتاب أو السنة، وليس النصوص المحددة فقط. صحيح، ولكن صياغة الدستور على هذا الأساس..! طيب..! ! إذا شطبنا بعض المواد فيمكن أن نعتبر الدستور الروسي دستوراً يستجيب لنظام الحكم الإسلامي، هل تتصور أن الفارق المبدئي..؟ ! ! عندي مشاريع الدستور الإسلامي المصاغة في جامعة الأزهر وفي كثير من الجهات الأخرى، المشاريع مصاغة وموجودة في كتاب منشور، إذا اطلعنا عليها نجد نظاماً عادياً، نظام رئاسة وبرلمان.. المستقبل بصراحة لا أراه بوضوح لا للعلاقات ولا للشيشان نفسها، أنا خائف! إن شاء الله لا يكون ذلك، ولكن خائف من أن تتحول الشيشان إلى مثال ... أفغانستان، هذا احتمال موجود، والجميع يعرفون مشكلة أفغانستان، ولا نرى نهاية لها.. - أخيراً: بالنسبة للوضع الروسي، نرى هناك كما ينقل الإعلام صراعاً بين ثلاثة تيارات في روسيا: التيار القومي، والتيار الشيوعي، واللوبي الصهيوني الذي يمثله بيريزوفسكي، ما مستقبل روسيا في ضوء هذا الصراع؟ أولاً: بالنسبة للتمييز بين هذه التيارات الثلاثة، ذكرتم التيار القومي والشيوعي والصهيوني، وعندما ذكرت هذه التيارات كنت أفكر وبرزت في مخيلتي صور لرجال السياسة الأساسيين في روسيا، وكنت أضع كل واحد في تيار من هذه التيارات، ولكن يبقى خارج هذه التيارات الثلاثة كثير من أصحاب النفوذ السياسي. - مثل بريماكوف مثلاً؟ بريماكوف، هل هو قومي؟ هل هو شيوعي؟ أو صهيوني..؟ - أنا أعتبره من خارج التيارات الثلاثة، ولكن في الوقت نفسه: النفوذ والتأثير واضحٌ أنه لهذه التيارات الثلاثة.. بصراحة القول: أنا لا أربط مستقبل روسيا بالتيار الشيوعي رغم أن الشيوعيين عندهم نفوذ عميق جداً، عندهم أغلبية نسبية في البرلمان، والأزمة المستمرة في روسيا تلعب لمصلحتهم دون أي شك؛ لأنه في ظل هذه الأزمة بإمكانهم تحقيق مكاسب أكثر وأكثر في أسواق الناخبين. بالنسبة للتيار القومي، هو موجود، ولكن داخله تيارات فرعية كثيرة، بل في بعض الأحيان تتنافس فيما بينها بشدة، والتيار القومي موجود ولكن احتمال فوزه في الانتخابات البرلمانية لا أثق فيه، سيكون له تمثيل في البرلمان ولكن لا أعتقد أنه سيحقق أغلبية. الشيوعيون كذلك، أنا لا أعتقد أنهم سيحصلون - ربما - على أكثر من (٣٠ %) ، وهذا ليس بكاف لتشكيل الحكومة، ولكن بالطبع يعتبر ثقلاً. المشكلة الأساسية أن كل القوى الأخرى متفرقة تتصارع فيما بينها. - لم نتحدث عن النفوذ الصهيوني.. بالنسبة للتيار الصهيوني: بصراحة القول - وهذه ملاحظة شخصية -: أنا أفضل التسمية الأخرى وليس ربط هذا التيار بالصهيونية.. الأصل اليهودي لبيريزوفسكي وحده غير كافٍ؛ هذا لا يدل على أنه إذا كان أحد الأشخاص أصله يهودي فهو صهيوني؛ بحيث نقول: النفوذ الصهيوني، إطلاقاً، وأنا لا أعتقد أنه يوجد عندنا في الحقيقة تيار صهيوني قوي، ربما أنا مخطئ، أنا أعرف أن هناك آراء أخرى، ولكن هذا رأيي الشخصي، لا أعتقد أن هناك تياراً صهيونياً بالمعنى الصحيح للكلمة، بالمعنى العلمي للصهيونية.. النفوذ اليهودي موجود، عندنا أصحاب البنوك، ولكن أصحاب البنوك اليهود يتصارعون فيما بينهم أكثر من صراع أي روسي مع اليهود؛ لأن كل مصرفي عنده مصالحه المصرفية الخاصة تسود على أي عواطف. بيريزوفسكي.. إذا رغبت موقفي الشخصي من بيريزوفسكي: أنا لا أعادي بيريزوفسكي بشكل عام، أنا أعترف بكفاءته الجيدة جداً، هو عنده كفاءات إدارية واقتصادية وحوارية جيدة جداً، هو شخصية ذكية، عنده إمكانات، عنده نفوذ، ولا يعني ذلك أنه يستفيد من هذا النفوذ لشيء شخصي، ولكن من الطبيعي أن يستعمل هذه الإمكانات، وهذا النفوذ حسبما يرى، هذا رأيي الشخصي. أنا لا أثق أن تياراً من هذه التيارات الثلاثة أو ربما تيارات أخرى تساويها في القوة أو تقل عنها ستفوز في الانتخابات، بمعنى الحصول على غالبية الأصوات، ستكون الصورة في هيكلة البرلمان الروسي متشابهة تقريباً للصورة الحالية، هناك الشيوعيون، هناك القوميون، هناك كذلك تيار آخر يتبلور الآن، التيار الذي يمثل مراكز القوى في الأقاليم المختلفة خارج موسكو، هذا التيار يطمح الآن إلى تجميع جهوده في كتلة واحدة، وإذا نجح في ذلك وتجاوز بعض التنافسات الشخصية، فسيكون هذا التيار قوياً جداً، وهو ليس قومياً ولا شيوعياً ولا صهيونياً، بل هو يمثل مصالح الوحدات الإقليمية، والمنتجين، وبعض الفئات البعيدة عن العاصمة.. للأسف مثل هذا التيار غير متبلور عندنا. والمستقبل في روسيا الآن يتوقف على الأشهر القليلة القادمة لتحقيق برنامج بريماكوف، إذا نجح بريماكوف في بعض الإصلاحات التي بدأت ببطء واعترضتها صعوبات وبعض المعوقات فهذا سيكون ضد الشيوعية، ربما سيدعم بعض الحركات الأخرى، أما إذا أخفق بريماكوف في هذه الإصلاحات فستكون فرصة فوز الشيوعيين في الانتخابات قوية. نحن الآن في شهر مارس، والانتخابات البرلمانية في نهاية هذا العام (١٩٩٩م) ، وفي رأيي أنه بعد الصيف تقريباً ستكون أرضية الاستنتاجات أكثر دقة وأكثر وضوحاً، وإذا سألتني لصالح من ستصوِّت في الانتخابات البرلمانية القادمة فليس عندي جواب الآن، أنا لن أصوِّت لصالح الحزب الشيوعي ولا للقوميين.. ولكن ليس هناك خيار حالي، وعلى هذا الأساس فالناس في بعض الأحيان لا يصوتون لصالح، بل يصوتون ضد. لكن عفواً د. ليونيد.. ما فائدة تمثيل تيارات قوية للأقاليم أو المنتجين أو القطاع الخاص، ويستطيع الرئيس مثلاً أن يحل البرلمان كما فعل سابقاً أو يستطيع أن يعطي رئيس الوزراء إجازة ليتصرف هو، فقد تكون هناك قوى انتخابية ولكن ليس لها تأثير فعلي كما هو حادث بالنسبة للتيارات التي نتحدث عنها.. نعم.. القضية الأساسية الآن أنه ليس عندنا جهاز لآلية السلطة الراسخة المتطورة المتبلورة ذات التقاليد والأصول، إذا كان النظام الاقتصادي عندنا يعاني من آثار الانتقال من مرحلة إلى أخرى؛ فإن الشيء نفسه يحدث على المستوى السياسي، وهذا بخلاف دول أخرى كبريطانيا مثلاً؛ حيث كل شيء واضح، هناك حزبان رئيسان ويبقى الخيار فقط: هل هذا الحزب سيبقى، أم سيحل الآخر محله بعد الانتخابات؟ الشيء نفسه في أمريكا؛ إذ لا تؤثر مثل هذه التغييرات على الحالة الاقتصادية أو السياسية إلا تأثيرات محدودة ومتوقعة، أما في روسيا وفي ظل ظروف عدم تبلور مثل هذه الثقافة السياسية البرلمانية واضطراب العلاقات بين القوى وعدم ترسيخ العلاقات المبدئية بين الرئيس والسلطة التشريعية والحكومة.. فإننا لا نستطيع أن نتصور كيف سيكون الوضع في البلاد بعد عدة أشهر، وليس في العقود القادمة. بالنسبة لحل البرلمان.. في رأيي وقوع هذا الاحتمال ضعيف جداً مستقبلاً، بل ربما يكون صفراً. لن يُحل البرلمان بمعنى حله دستورياً، هذا ليس في مصلحة أي أحد ولا حتى الرئيس، وذلك على الرغم من وجود صراع كلامي بينهم، ولكنهم جميعاً يعرفون أن حل البرلمان ليس في مصلحة أي واحد منهم. وأيضاً يجب ألا نهمل مشكلة وضع الرئيس؛ فحالته الصحية ليست بجيدة وذلك معروف للجميع، ومن الصعب تصور مدى تأثيره العملي على السياسة ودوره فيها الآن.. ولكن في النهاية أقول: روسيا بلاد العجائب! ما أثر هذا الصراع بين القوى على العلاقات مع العالم العربي والإسلامي؟ فمثلاً: هل له أثر على مشكلة كوسوفا؟ أنا لا أرى الآثار العميقة لهذا الصراع على العلاقات مع العالم العربي والإسلامي؛ لأن عندنا مواقف قريبة تقريباً لهذه التيارات من قضية مثل هذه. هذه التيارات تختلف وتتصارع حول المشكلات الداخلية في روسيا، أما بالنسبة لقضية يوغسلافيا فكانت مواقفها قريبة جداً، ومواقفها معروفة: أول شيء: رفض التدخل العسكري لحلف الناتو في يوغسلافيا، وإيجاد الحلول السلمية السياسية، وهذه النقطة مُجمع عليها من كافة القوى تقريباً، وعند تصويت البرلمان حول هذه النقطة كان من بين حوالي (٤٥٠) نائباً ثلاثة أو أربعة فقط لهم مواقف مختلفة، الرأي المتفق عليه: رفض التدخل العسكري للناتو؛ لأن هذا التدخل من وجهة نظرنا لن يحل المشكلة، ومن ناحية ثانية: لا نستطيع أن نسمح لكتلة عسكرية إقليمية أن تقرر مصير شعب أو تحل محل قانون العالم، هذا من صلاحية الأمم المتحدة ومجلس الأمن وليس للقوة والجبروت العسكري، هذا الموقف مجمع عليه من كافة القوى. النقطة الثانية: طبعاً التأييد العلني والمباشر في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى المتخفي أو المتحفظ ليوغسلافيا تحت شعارات أن يوغسلافيا دولة مسيحية، بل أرثوذوكسية، وفي بعض الأحيان يقول الشيوعيون: إخواننا في يوغسلافيا.. عندكم تميزون بين الدول العربية والأجنبية، ومثل هذا التمييز موجود في روسيا أيضاً، ويظهر في صورة مطالبة بالدعم المباشر، وفي بعض الأحيان تطالب بعض التيارات مثل جيرونوفسكي بإرسال الجنود الروس والجيش لتأييد يوغسلافيا عسكرياً. ولكن كيف يقول الشيوعيون: إخواننا في يوغسلافيا، وهم حسب معتقداتهم ليس لهم دين، ثم يؤيدونهم بدعوى الأرثوذوكسية؟ الآن هم يعترفون بالدين باعتباره ثقافةً وقيماً أخلاقية، ولكنهم لا يزورون الكنائس، في هذا المجال حدث تغير كبير جداً من الشيوعية السابقة إلى برنامج الحزب الشيوعي الراهن عندنا في روسيا. يعني أصبحت الأرثوذوكسية كأنها قومية. هناك بعض الملامح تشير نحو تحول المسيحية إلى نوع من القومية؛ فمثل هذه الملامح موجودة على الرغم من أن نتائج هذا التحول قد لا تكون إيجابية في رأيي، ولكن من الضروري الاعتراف بوجود مثل هذه الملامح بالتحول التدريجي للمسيحية إلى أن تكون قومية. حتى على نطاق الشيوعيين؟ نعم.. حتى على هذا النطاق، ولكن الشيوعيين لا يلعبون دوراً محركاً في هذه التحولات؛ فهناك بعض القوى الأخرى التي تلعب ذلك الدور، كالقوميين، وكذلك السلطات الرسمية، فينبغي على الشخصيات الرسمية التي يعلن دستورها أنها منفصلة عن الدين أن ينفصلوا عن المشاركة في الشعائر الدينية، باعتبارهم مواطنين يمكن أن يقوموا بهذه الشعائر، ولكن عندما يكونون رسميين يجب ألا يشاركوا، فإذا كنتُ مثلاً رئيساً لهذه الدولة فلا ينبغي أن أزور كنيسة ولا مسجداً إذا كان الدستور يقول إن الدولة منفصلة عن الدين، ومن ثَمَّ تنفصل عنه هيئة الدولة وعلى ذلك: ينبغي ألا أدخل مسجداً ولا كنيسة، أو إذا دخلت كنيسة فعليَّ أن أدخل المسجد والمعبد البوذي والكنيس اليهودي على حد سواء دون تمييز، والأفضل الامتناع عن ذلك. يمكن أن نهنئ بالمناسبات الدينية أصحاب كل دين ولكن دون المشاركة الشخصية، هذا إذا كانت الدولة علمانية، ولكن في بعض الأحيان تحدث تجاوزات لهذه الحدود عندنا.

стр. 3187

الانفراط العظيم أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة ليس من العقلانية ولا من الأمانة نسيان المشكلات الكبرى لدى الغرب في خضم الدعوة للاقتداء به والسير على منواله الانفراط العظيم: اسم كتاب جديد لعالم الاجتماع والمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما [١] الذي كان قد ذاع صيته بعد أن أصدر كتابه: (نهاية التاريخ) الذي كان قد زعم فيه أن النظام الغربي: الليبرالي في السياسة، والرأسمالي في الاقتصاد هما وحدهما النظامان اللذان يتناسبان مع الفطرة الإنسانية؛ لأنهما اللذان يحققان ما في تلك الفطرة من نشْدَانٍ للكرامة؛ فهما يمثلان لذلك نهاية التاريخ في هذا المجال، أعني مجال النظم السياسية والاقتصادية، وأن هذا هو الذي يفسر سير العالم كله نحوهما [٢] . لكن فوكوياما كتب في هذا العام - بعد عشر سنوات من صدور كتابه ذاك - مقالاً تراجع فيه عن تلك الفكرة، وعزا تراجعه إلى أن فكرة الكتاب كانت قائمة على افتراض الثبات في الفطرة الإنسانية، وأن تتبعه للتطورات التي حدثت في علم الأحياء في هذه السنوات العشر، ولا سيما في مجال هندسة الجينات، أقنعته بأن العلم الطبيعي يمكن أن يغير الطبيعة البشرية! وإذا كانت الطبيعة البشرية متغيرة فإن النظم السياسية والاقتصادية المناسبة لها ستكون أيضاً متغيرة. ولا يدري المرء: أيعجب أكثر من فكرة الكتاب الأولى، أم من السبب الذي دعاه للتراجع عنها؟ أما في هذا الكتاب الجديد فإن الكاتب يناقش قضية من أخطر القضايا التي لا تقتصر أهميتها على المجتمعات الغربية التي هي موضوع الكتاب؛ بل تهم أو ينبغي أن تهم كل المعنيين بقضايا القيم الخلقية، وصلتها بالفطرة، وبما يحدث في المجتمع من تغيرات تقنية. إن دعاة التغريب في بلادنا ينظرون إلى الغرب نظرة مثالية تغض الطرف عن كل ما يحدث فيه من مشكلات؛ لأنهم يخشون أن تكون معرفة تلك المشكلات صادة للناس عن السير في طريقه الذي هو مبتغاهم. وهذا - كما ترى - ليس من العقلانية، بل ولا من الأمانة في شيء. إن غاية المواطن الأمين ينبغي أن تكون السعي لمصلحة بلده. والسعي للمصلحة يدخل فيه التحذير من الطرق التي تؤدي إلى الضرر؛ لكن إذا كان المستغربون عندنا يحاولون إخفاء هذه الحقائق، فما هكذا يفعل عقلاء المفكرين الغربيين الحريصين على مصالح مجتمعاتهم وأقوامهم. إننا في العالم الإسلامي - كما هو الحال في بقية العالم - نسير في طريق الغرب في كثير من نواحي حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء بضغط من الغرب نفسه، أو بتشجيع من أولئك المستغربين المبهورين به، أو لأسباب أخرى. فالاهتمام بما يحدث في الغرب من مشكلات هو إذن اهتمام بمستقبلنا؛ لأن مشكلات الغرب الآنية هي مشكلاتنا المستقبلية إذا ظللنا نسير في طريقه غير معتبرين بمزالقه. وإذا أردنا الاعتبار فإن مما يساعدنا عليه كثيراً هو الحقائق التي ينشرها علماء الغرب ومفكروه أنفسهم. لكن استفادتنا من الحقائق لا تعني بالضرورة قبولنا لتفسيراتهم لها، ولا للحلول التي يقترحونها. نعم! قد نستفيد من تفسيراتهم ومن حلولهم؛ لكن يجب أن نفكر لأنفسنا فنجتهد في التفسير والحل مسترشدين بديننا ومعتبرين بما حدث لنا ولغيرنا في تاريخهم وتاريخنا، والكتاب الذي بين أيدينا من الكتب النافعة في هذا المجال. يبدأ الكتاب بإعطائنا ملخصاً للحقائق الإحصائية لما أسماه بالانفراط العظيم في مجال القيم الخلقية فيقول: ازدياد في الجريمة وفي تفكك النظام الاجتماعي جعل أواسط المدن في أغنى البلاد على وجه الأرض أماكن لا تكاد سكن. التدهور في علاقات القربى باعتبارها مؤسسة اجتماعية ظلت قائمة منذ أكثر من مئتي عام [٣] ازداد زيادة كبيرة في النصف الثاني من القرن العشرين في كل البلدان الغربية الصناعية. انحط معدل الإنجاب في معظم الدول الأوروبية وفي اليابان إلى درجة من الدنو يجعلها عرضة لتناقص عدد سكانها في القرن القادم إذا لم تكن هنالك هجرة إليها، قلَّ الزواج وقلَّ الإنجاب، وتفاقمت معدلات الطلاق، بلغت نسبة الأولاد غير الشرعيين الثلث في الولايات المتحدة والنصف في الدول الاسكندنافية. وأخيراً فإن الثقة في المؤسسات ظلت تتناقص تناقصاً كبيراً لمدة أربعين عاماً. في الخمسينات عبَّر أغلبية الناس في الولايات المتحدة وفي أوروبا عن ثقتهم في حكوماتهم وفي زملائهم؛ لكن أقلية ضئيلة هي التي عبَّرت عن مثل هذه الثقة في التسعينات. تغيرت اهتمامات الناس بشؤون بعضهم بعضاً، ومع أنه لا يوجد دليل على تناقص في الصلات بين الناس؛ إلا أن العلاقات بينهم صارت أقل دوماً، وأقل جاذبية، ومع عدد أقل من الناس [٤] . يقول الكاتب: إن هذا التدهور في العلاقات الاجتماعية في هذه البلدان الغربية الصناعية في الفترة ما بين أواسط الستينات إلى أوائل التسعينات كان مواكباً لانتقالٍ في هذه البلاد من العصر الصناعي إلى العصر الذي سمي بما بعد الصناعي تارة، وبعصر المعلومات أخرى. فهل هناك من علاقة سببية بين ذلك التدهور وهذا التطور؟ يجيب بأنه يفترض هذا، ويقول: إن تدهوراً كهذا أعقب الثورة الصناعية في الغرب. ما الحل إذن؟ يجيب بأنه ليس في الدين كما يظن المحافظون. فِيمَ إذن؟ هنا يعود الكاتب إلى فكرة الفطرة البشرية، فيقول: إن البشر هم بطبعهم مخلوقات اجتماعية تهديهم أعظم نوازعهم وغرائزهم أصالة إلى أن يُنشِئوا قواعد خلقية تربط بينهم فتحيلهم إلى مجتمعات. وهم كذلك عقلاء، وعقلانيتهم تجعلهم يُحْدِثون طرقاً للتعاون التلقائي بينهم. سنكتفي الآن بهذا التلخيص لفكرة الكتاب، ثم نعود لمناقشته في حلقات قادمة بإذن الله. لكن يحسن أن نبدأ قبل ذلك ببيان السبب الذي يدعو أمثال هؤلاء الكتاب الاجتماعيين إلى العناية بقضايا القيم الخلقية الآن. لقد كان الرأي الشائع عند أمثال هؤلاء العلماء، والذي ما زال كذلك عند عامة المثقفين الغربيين، أن القيم أمور نسبية، وأنها تختلف لذلك من ثقافة إلى أخرى، ومن زمان إلى زمان. وأن كلاً منها مقبول في إطار الثقافة التي توجد فيها، والزمان أو المكان الذي توجد فيه؛ فلا مجال إذن للحكم عليها بالخيرية أو الشرية، ولا خوف إذن من تغيرها وتبدلها. ثم إنه تبين لبعض علماء الاجتماع والاقتصاد أن الصورة ليست كما يرسمها هذا الرأي الشائع؛ بل إن هنالك قيماً لا بد منها لكل مجتمع بشري. لماذا؟ لأن الناس إذا اجتمعوا فإنما يجتمعون ليتعاونوا على تحقيق مصالحهم؛ لكن هذا التعاون لا يتأتى إلا بالتزام المجتمع ببعض القيم الخلقية: قيم الصدق في القول، والوفاء بالعهد، وحسن تبادل المنافع، وتوفر الثقة التي يقول فوكوياما عنها: إنها بمثابة الشحم الذي يجعل عجلة التجمعات والمنظمات البشرية تجري بطريقة أكثر كفاءة؛ فالقيم هذه ليست - إذن - أموراً نسبية ولا (مجرد قيود تحكمية على الاختيارات الفردية؛ بل هي شرط سابق لأي عمل تحكمي) إنه لا بد لكل مجتمع من نظام سياسي ونظام اقتصادي، لكن النظم السياسية والاقتصادية لا تعمل ولا تنجح إلا في مجتمع متماسك. ولكي يتماسك المجتمع فإنه بحاجة إلى تلك القيم التي صار الاقتصاديون وعلماء الاجتماع يطلقون عليها اسم: الرأسمال الاجتماعي.

стр. 3188

وقفات عندما عرفت قدري ! أحمد بن عبد الرحمن الصويان حدثني صاحبي قائلاً: كنت في رحلة دعوية إلى الحدود البرية بين دولتي السنغال وموريتانيا؛ حيث يوجد عدد كبير من اللاجئين النازحين من موريتانيا. كان الطريق وعراً موحشاً أصابنا فيه شدة وتعب، قطعنا فيه المفازة بعد المفازة، ولا نرى أمامنا إلا أمواجاً من السراب، تزيد من هَمِّ الإنسان وتطلعه إلى النهاية. لا نصل إلى قرية من القرى المتناثرة هنا وهناك إلا نجد من يحذرنا من قُطَّاع الطرق ولصوص الصحراء. تسع ساعات مرت وكأنها لا تريد أن تنتهي، ثم يسَّر الله لنا الوصول إلى مواقع اللاجئين وقد أسدل الليل ظلامه. وجدت صاحبي قد أعدَّ لنا خيمة وضع فيها فراشاً بالياً هيأه لنومي، ولكن ما أجمله من فراش بعد أن هدَّ منا السفر ما هدّ. ألقيت بنفسي على الفراش من شدة التعب، ثم رحت أتأمل رحلتي هذه. أتدري ما الذي خطر في نفسي؟ ! شعرت بشيء من الاعتزاز والفخر، بل أحسست بالعجب والاستعلاء! فمن ذا الذي سبقني إلى هذا المكان؟ ! ومن ذا الذي يصنع ما صنعت؟ ! ومن ذا الذي يستطيع أن يتحتمل هذه المتاعب؟ ! وما زال الشيطان ينفخ في قلبي حتى كدت أتيه كبراً وغروراً - والعياذ بالله - إلا أن الله رحمني فنامت عيني، ورحت أغط في سبات عميق. خرجنا في الصباح الباكر نتجول في أنحاء المنطقة، حتى وصلنا إلى بئر يبعد حوالي كيلو متراً واحد عن منازل اللاجئين يروي منه الناس ويستقون، فرأيت مجموعة من النساء يحملن على رؤوسهن قدور الماء، ولفت انتباهي امرأة بيضاء من بين هؤلاء النسوة، كنت أظنها - بادي الرأي - واحدة من نساء اللاجئين مصابة بالجذام المنتشر بين بعض الناس هناك، لكني فوجئت بأنها منصِّرة: شابة في الثلاثينيات من عمرها من أقاصي شمال أوروبا، من النرويج! ! قال لي مرافقي: منذ ستة أشهر وهي مع نسائنا، تلبس لباسنا، وتأكل طعامنا، وترافقنا في أعمالنا، جاءت إلينا وهي تعرف لغتنا القبلية وبعض عاداتنا. في بعض نهارها تداوي المرضى من النساء والأطفال، ومعها صاحبتها تعلمهن الخياطة وبعض الأعمال اليدوية، وفي أول الليل تجتمع بعض الفتيات يتجاذبن معها أطراف الحديث، وتعلمهن قواعد القراءة والكتابة، وقد خصصت لهن بعض الليالي لتعليم الرقص. أحبها الناس كباراً وصغاراً لتواضعها وخدماتها التي لا تنقطع؛ فكم من يتيم مسحت على رأسه! وكم من مريض خففت من ألمه! عجبت - والله - أشد العجب من هذه المرأة، فما الذي دعاها إلى هذه القفار النائية وهي على ضلالها؟ ! وما الذي دفعها لتترك حضارة أوروبا ومروجها الخضراء؟ ! وما الذي قوَّى عزمها على البقاء مع هؤلاء العجزة المحاويج وهي في قمة شبابها؟ ! تسابقت هذه الأسئلة إلى خاطري، ثم تذكرت ما كنت أفكر فيه ليلتي السابقة، لقد شعرتُ بالتعاظم والعُجْب لليلة واحدة قضيتها في هذا المكان، أما الآن وبعد أن رأيت هذه المنصِّرة تصاغرتُ نفسي، وأحسست بمهانتي وضعفي؛ فهذه المنصِّرة المضلِّلة تقدِّم كل هذا العمل بكل جَلَدٍ وصبر، وهي على الباطل، وأما أنا فسرعان ما انتفشتُ لعمل يسيرٍ لا أدري: أيكتب في الصالحين أم لا! ! ولا أقول هذا إعجاباً بهذه المرأة، أو أنها في محل القدوة - عياذاً بالله - لكني أعجب كيف يصبر هؤلاء القوم على نشر باطلهم، ويعجز بعضنا، أو تصيبه السآمة والملل منذ بداية الطريق! لقد هزني هذا الموقف هزاً عظيماً، ورأيت كم يضحي هؤلاء الضُّلاَّل لنشر ضلالهم، وأيقنت بأننا - معاشرَ الدعاة - أحوج ما نكون إلى الإخلاص والاحتساب، أحوج ما نكون إلى البذل والتضحية، وبقدر انتصارنا على أنفسنا وإحساسنا بمسؤوليتنا الدعوية، فإن الله تعالى سيبارك في أعمالنا. قال الله تعالى: [إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ] [النساء: ١٠٤] .

стр. 3189

صهلة الإباء محمد الخزمري يقول لي صاحب: أين الحبيب ... ... ... ... ... ... وهل هزت رياح الهوى في القلب أشجارا؟ أقبل إلى لذة طابت موائدها ... ... ... ... ... ... واكتب على صفحة الأشواق تذكارا حطم قيودا وقم للحسن منطلقاً ... ... واعزف على رقصة الغزلان قيثارا فقلت: كلا، ولن يسري الهوى بدمي ... ... ... ... ... شيدت بيني وبين الفحش أسوارا وما أزال بدرع الدين متشحاً ... ولم أكن في سماء الزيغ طيارا ولم أكن راتعا في الوحل منتشياً ولم أكن في ديار الفحش ديارا ولم أبع لغرام زائف شرفا ... ولم أكن بحكايا الحب ثرثارا يا صاحبي! العشق أسقام وتهلكة ... ولم يزل بصروح الطهر دمارا وتسلب العقل بعد القلب نقمته ... إني أخاف على العشاق أخطارا طرقت باب الرزايا فانبرى قلمي ... من حبره تصرخ الأوزان إنذارا تبغي الهوى، أم تريد الرشد، أيهما؟ فلا تكن في اختيار الحق محتارا مجنون ليلى رأى في العشق راحته ... فراح يجمع فوق البيد أصفارا! قارورة العشق سجن إن سقطت بها ... غطاؤها لم يهب رمحا ومنقارا وسوف ينفك إن وجهت قافلة ... نحو الإله وسال الدمع مدرارا بدل رماد الخنا للبر مزرعة ... واحفر لسقيا حقول الخير آبارا فهل تطيق مع الغسلين مسغبة ... إذا التهمت على دنياك أوزارا هذا الزمان عجوز قد فتنت بها ... ونمت في لؤلؤ الأثواب شخارا فافرد شراعاً وسافر في مدى ألق ... من الصلاح ليغدو الشوك أزهارا

стр. 3190

أتاتوركيٌّ يُقَرِّرُ مُتّهَماً ..! د. محمد بن ظافر الشهري ألا يا أيها الصّابي ... أقر قبيل إغضابي بأنك ترفعُ الإسلام ... فوق هدى حمورابي وترفضُ أن يُساسَ الناسُ ... وفق شريعة الغاب وأنت أبٌ لطالبةٍ ... قد استترت بجلباب ولستَ بحالقٍ ذقناً ... ولا مرخ لأثواب فتلك جرائمٌ جُنِيَت ... بكل برود أعصاب وكل جريمة تكفي ... لتجعل منك إرهابي
следующие страницы →