← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

حوار المستشرق الروسي د. ليونيد سوكيانن في حوار مثير مع البيان (٢ - ٢) في الاستشراق تيارات تخدم الأهداف الاستعمارية حاوره في الرياض: خالد محمد أبو الفتوح تطرق الحوار في الحلقة السابقة إلى الحديث عن الشريعة الإسلامية وطبيعتها والعلاقة بينها وبين الواقع الروسي وأوجه الاختلاف أو الاتفاق بينها وبين النظم القانونية الأخرى، ثم تناول الحوار تاريخ الاستشراق الروسي وأهدافه وواقعه المعاصر.. وفي هذه الحلقة يستكمل الحديث عن الاستشراق، ويتطرق إلى موضوعات أخرى. ونود لفت نظر القارئ إلى أن الحوار أجري منذ شهر ذي القعدة ١٤١٩هـ وتأجل نشره لظروف فنية خاصة بطبيعة النشر في المجلة، لذا: سيجد القارئ أن بعض الأحداث والشخصيات قد تغيرت، كالحديث عن الحرب الكوسوفية أو عن بريماكوف باعتباره رئيساً لوزراء روسيا. - البيان - - تطوُّرُ الاستشراق المعاصر يجرنا إلى الحديث عن علاقة الاستشراق بالصحوة الإسلامية: هناك دراسات كثيرة خصوصاً في فرنسا وفي أمريكا لمتابعة الصحوة الإسلامية، وبعض الباحثين يقولون: إن الاستشراق الآن يتركز بصورة كبيرة على ما يخص هذه الصحوة، فما رأيكم في هذا الكلام؟ أنا أقترح أن نناقش هذا الموضوع على ضوء النموذج الروسي عندنا: هل هناك علاقة بين الصحوة الإسلامية وعلم الاستشراق؟ نعم، توجد علاقة مباشرة، وقد صدرت أبحاث كثيرة - بعضها لا بأس به - تعكس الصحوة الإسلامية وتحلل نتائجها وأسبابها وآفاقها المستقبلية. إذا سألتم عن موقفي من هذه الدراسات فأنا لست من أنصار الدراسات التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالصحوة الإسلامية؛ على الرغم - طبعاً - من وجود بعض المؤلفين ذوي الخبرة والقلم السيَّال وغالباً ما يكون سطحياً الذين يرسمون صورة كما يرونها: أسماء المنظمات، أسماء الأشخاص، الأرقام، الإحصائيات، هذه دراسات قيِّمة ومفيدة في بعض الأحيان، ولكنها تبتعد عن إيضاح الإسلام باعتباره نظاماً وديانة، عندما أقول كلمة (الإسلام) وأنا نادراً ما أقول هذه الكلمة؛ لأن كلمة (الإسلام) و (الشريعة) كلمة تستحق ألا تتكرر عفوياً عندما أقول (الإسلام) و (الشريعة) .. ما هي المترادفات؟ هل مرادف الإسلام: الحزب السياسي، أو الحركة السياسية، على الرغم من وجود السياسة في الإسلام؟ لا، ولكن قبل كل شيء يترادف مع الإسلام: الروح، الأخلاق، الضمير، المعتقدات، الدنيا، الآخرة.. للأسف الشديد نحن نبالغ في تحليل الإسلام من خلال هذه الحركات والتيارات والمنظمات والأصولية والراديكالية ... إلخ، وذلك إيماناً بأن الإسلام - قبل كل شيء - ديانة وروح، وأخلاق وقيم، ومصير للحياة، وهدف ومحتوى حياة الإنسان.. عندنا مفكر روسي قانوني كان يقول: لا تبحثوا عن الجديد، ابحثوا عن الخالد، الأبدي، الباحث يجب أن يبحث قبل كل شيء عن الثوابت. وعلى هذا الأساس: إذا قصدنا العلاقة بين الاستشراق والصحوة الإسلامية - بمعنى ردود الفعل لهذه الصحوة - وانعكاساتها في المؤلفات والأبحاث.. فإن هذا الانعكاس موجود، ولكني لست من أنصار هذا الأسلوب في الكتابة عن الإسلام والشريعة رغم اعترافي بوجود مثل هذا الاتجاه. يوجد البعد الآخر للعلاقة بين الصحوة الإسلامية والدراسات الاستشراقية، البعد الذي تناولناه، إذا كانت الصحوة الإسلامية التي نشاهدها الآن تدخل المرحلة الجديدة وتهدف إلى رفع مستوى المسلمين وثقافتهم وإدخال منجزات الثقافة الإسلامية إلى المجتمع الروسي بمختلف جوانبه، في البرامج الدراسية وغيرها، وإذا كانت الدراسات الاستشراقية تسهم في هذه العملية وتساعد في تحقيقها - وهذا شيء ضروري؛ لأنه ليست هناك جهات أخرى يمكن أن تقوم بهذه المهمة - ففي هذه الحالة يجب أن تكون مثل هذه العلاقة بين الصحوة الإسلامية والدراسات الإسلامية موجودة. وعلى هذا الأساس: يمكن أن نميز بين الأبعاد المختلفة للعلاقة بين الصحوة الإسلامية وعلم الاستشراق. ولكني لست من أنصار نظرية هنتنجتون حول تصادم الحضارات، لا، أنا لا أؤمن بأن أمامنا خطراً ولا أفكر بتصادم الحضارات.. الفوارق موجودة؛ ولكن المصالح المشتركة أكبر، المصالح المشتركة بين الحضارات تتجاوز هذه العداوة الثنائية في بعض الأحيان. إذن لماذا في رأيكم تظهر مثل هذه الدعوات، ولماذا الترهيب من الصحوة الإسلامية بالذات رغم أن هناك تياراً عاماً في العالم كله يدعو إلى الرجوع للدين عموماً؟ لماذا التخويف من الإسلام خصوصاً والتركيز عليه وحده؟ أقول لك الأسباب: السبب الأول: أنا أعتقد أن هناك بعض التيارات في علم الاستشراق تخدم الأغراض السياسية الاستراتيجية، وهي تخدم هذه السياسة الاستراتيجية للسيطرة على الحضارات والشعوب الأخرى، وطبعاً هي تسوِّغ مثل هذا الاتجاه وتقول: إن هذا العالم الإسلامي عدوُّنا، ومن الضروري أن نعد أنفسنا للقتال ضده ومكافحة هذه القيم، وتقول أيضاً: إن هذا العالم يكبر، وعدد سكانه يزداد باستمرار، وبعد (١٠) سنوات ستكون غالبية العالم مسلمين، ومن الضروري أن نوقف ذلك بأي طريقة من الطرق. هناك سبب آخر: وهو ينطلق من العالم الإسلامي نفسه، فنحن لا نستطيع أن نهمل وننكر وجود الأحداث والتيارات والنداءات والشعارات والأهداف والإجراءات التي تعلل مثل هذه الصورة للإسلام.. هناك الرهائن، هناك الاقتتال، هناك خطف الطائرات، هناك الحوادث المؤسفة جداً.. أنا لا أتناول أسبابها، هذا شيء آخر، ولكن الصورة الظاهرية التي تربط الإرهاب بالمسلمين موجودة.. أكرر مرة أخرى: لا أتدخل الآن في الأسباب، ربما هناك رد فعل شرعي على كثير من الأمور.. نعم.. صحيح، ولكن أنا - فقط - أؤكد على حقيقة أن مثل هذه الأشياء موجودة. عندنا - مثلاً - بعض الأحزاب السياسية أو المنظمات الإسلامية ذات الطابع السياسي تقول في برامجها المكتوبة والمنشورة: علينا أن نخضع فقط لإرادة الله - تعالى - ولن نخضع لأي قوانين وأي دستور إطلاقاً، ولا نعترف بأي سلطة دنيوية .. فكيف يمكن للقارئ غير المسلم أن يقيِّم مثل هذه الشعارات؟ وكيف يتفهمها؟ النتيجة حتماً ستكون سلبية.. يمكن المناداة بالقيم الإسلامية، ولكن كيف يمكن تفهم المناداة بإسقاط النظام والدستور وعدم احترام القوانين؟ لا توجد أي دولة يمكن أن تقبل مثل هذه الشعارات. د. سوكيانن، رأينا بعض الحوادث الإرهابية الأخرى مثل: حادث أوكلاهوما، أو الحوادث التي نفذتها جماعة الحقيقة المطلقة باليابان، أو بعض الجرائم التي قام بها مستوطنون يهود، ومع ذلك تعامل معها الإعلام العالمي بصورة جرائم محدودة، ولم تأخذ البعد العام، ولم يقولوا: الأصولية المسيحية، أو الأصولية اليهودية.. إلخ، ولم يهاجموها؛ فهناك أيضاً أفعال في الطرف الآخر قد تُجَرَّم ويُنظر إليها على أنها أعمال عنف وإرهاب! ولكن لا تتجاوز قدرها على أنها جريمة؛ بينما في الحالة الإسلامية نرى خلاف ذلك؛ فقد لا تثبت الجريمة أصلاً ويُهاجَم الإسلام والمسلمون والصحوة الإسلامية ابتداءً. نعم.. الرد في رأيي بسيط على هذا السؤال: إنها السيطرة الإعلامية الغربية على العالم، هذه حقيقة؛ إنك إذا ذهبت لأي دولة لتشاهد البرامج التلفزيونية، وإذا فتحنا أي قناة عفوياً فمن بين (١٠) برامج ستكون (٩) أفلام أمريكية أو برامج مستوردة عموماً. هناك سيطرة كاملة على الشبكة الإعلامية في العالم، وهي تؤثر تأثيراً مباشراً دون أي شك، حتى الصحفيون المخلصون المنصفون الذين لا توجد لديهم أي مواقف سلبية مسبقة نحو الإسلام يتأثرون بهذه الصورة. أنا كثيراً ما ألتقي مع الصحافيين في روسيا ويقولون لي بعد الحوار معهم: كيف يا ليونيد؟ لم نتصور أن الإسلام كما تقول! لم نتصور أن الشريعة هكذا! . إذن: السيطرة الاستعمارية الغربية على العالم كله، بل العالم الإسلامي بالذات، لها أثر كبير دون شك. إلى جانب ذلك يمكن القول: إن المسلمين أنفسهم في بعض الأحيان لا يستعملون كل قدراتهم لإزالة ذلك؛ مثلاً: من ينشر المقالات الأساسية في الصحف الروسية لتصحيح صورة الإسلام؟ الباحثون الأكاديميون وليس المسلمين، ولا يساهم المسلمون في ذلك. أنا من أنصار الإسلام والشريعة منذ زمن بعيد، ولكن أنا أحمِّل المسلمين أنفسهم جزءاً من المسؤولية عن هذه الصورة المشوهة دون شك، هم يكتفون بالشكوى، ولكن أين الجهود؟ قد يقولون: لن تنشر مقالاتنا، ولكن الحقيقة أنه كما إن عندنا صحفاً موالية للغرب ولليهود؛ فإنه توجد في الوقت نفسه صحف كثيرة موالية للديمقراطية، وأنا عندما أكتب أي مقالة فإنها تنشر فوراً، ولم أقل كلمة ضد الإسلام إطلاقاً؛ بالعكس أنا متهم دائماً بالدفاع عن الإسلام أكثر من المطلوب، ومع ذلك تنشر مقالاتي، والمسلمون عندنا في روسيا يشْكون فقط. طبعاً أنا أعرف أنه قد لا تتوفر لديهم الكفاءات المؤهلة للكتابة؛ ولكن قد تتوفر لديهم الإمكانات المادية، عندنا كثير من رجال الأعمال المسلمين، لماذا لا يقتربون من المتخصصين والأكاديميين ويطلبون منهم تخصيص بعض أوقاتهم لكتابة مقالات وأبحاث موضوعية حقيقية عن الإسلام ويساعدونهم مادياً لتحقيق هذا الهدف؟ .. وهذه الصورة ينبغي ألا تكون في روسيا فقط.. هل يمكن القول: إن كل المفكرين والمثقفين ورجال الأعمال المسلمين القاطنين في العالم الإسلامي والمسلمين عموماً استعملوا كل إمكاناتهم لإزالة مثل هذه الصورة، ولاستعراض حقيقة الإسلام؟ أنا لا أقتنع بأنهم قاموا بذلك. الحديث عن السيطرة الإعلامية يجرنا إلى الحديث عما يسمى بـ (العولمة الثقافية) .. كيف ترون مستقبلها؟ وكيف ترون تأثيرها على الثقافات المحلية؟ العولمة الثقافية ظاهرة موضوعية لعالمنا الراهن بدون شك.. كلمة (العولمة) تتكرر الآن في جميع أنحاء العالم، ولهذه الظاهرة العالمية أبعاد مختلفة، بعضها إيجابية والأخرى سلبية؛ الأبعاد الإيجابية واضحة كل الوضوح: التقارب والتسامح والتحاور بين الحضارات والثقافات، وهذا شيء جيد، ليس فقط لتعرِّف الناس بعضهم ببعض، ولكن لإزالة كثير من العداوات المتبادلة بين الدول والشعوب، وهو تلقائي لا نستطيع إيقافه؛ فالعولمة ليست قرار أحد الأفراد كان يفكر وأصدر قراراً: غداً سنبدأ العولمة! هذه ظاهرة طبيعية لحياتنا؛ فالتقارب والتواصل التجاري والمعلوماتي وغيره يؤدي تلقائياً إلى العولمة، ويستفيد من هذه العولمة كثير من الباحثين والعلماء؛ بل تستطيع بعض بلاد المسلمين الاستفادة من العولمة الثقافية والإنترنت وغيرها أكثر من روسيا؛ نظراً لتوفر الإمكانات المادية في بعض البلاد العربية. ولكن إلى جانب ذلك توجد أيضاً الجوانب السلبية، وهي متعلقة بالسيطرة الإعلامية التي أصولها تقنية قبل كل شيء، مما يؤدي إلى السيطرة الفكرية والثقافية. فمن النتائج والآثار لهذه العولمة السلبية: فرض الثقافة الواحدة على الثقافات الأخرى، أنا لا أقصد فقط سيطرة الثقافة الغربية على العالم الإسلامي، ولكن أقصد سيطرة أي ثقافة، فإذا افترضنا الصورة المعاكسة وكانت الثقافة الإسلامية هي التي ستسيطر أنا أيضاً سأرفض ذلك، فكل واحد يجب أن يكون له حقه في اختيار نمط حياته ومعتقداته. ولكن العولمة تعد من خصائص عالمنا الراهن، يجب نقل التيار الفلسفي إلى العلوم الحديثة العالمية؛ الفلاسفة هم الذين يفكرون في خصوصيات عالمنا الراهن، وهم يميزون بعض الخصائص لحضارة العالم المعاصر بخمسة أو ستة مميزات: منها: الثورة المعلوماتية وتبادل المعلومات، مما يرتبط إلى حد بعيد مع العولمة الثقافية، هناك القضايا الخاصة بحماية البيئة، هذه القضية لم تكن موجودة في أي مراحل الإنسانية، ومن الخصوصيات المميزة لعالمنا الراهن وربما يكون هذا لأول وهلة غريباً: التسامح، والتعددية، التعددية في كل شيء، في الأفكار، في الأشكال، في الثقافات، في الحضارات، والعالم الغربي يتميز بهذين التيارين، من ناحية: السيطرة والضغط الثقافي الغربي على باقي العالم، وفي الوقت نفسه التسامح الموجود في المجتمع الغربي نفسه، في واشنطن عاصمة أمريكا، أمام البيت الأبيض هناك المسجد، هناك الكنيسة المسيحية، هناك المعبد البوذي. - ولكن اسمح لي يا دكتور في هذه النقطة بالذات.. صحيح هناك مظاهر للتعدد والتسامح في المجتمع الغربي، ولكن في الوقت نفسه نجد على سبيل المثال في فرنسا التي خرجت منها شعارات (الحرية والإخاء والمساواة.. إلخ) نجد أنهم لا يقبلون تلميذات لمجرد ارتدائهن حجاباً، فكيف يتفق ذلك مع التسامح والتعددية؟ نعم! هذا صحيح، ولكن لكل مثال يمكن ضرب المثال المقابل، أقول لكم إن الخميني قائد الثورة الإيرانية كان يعيش في باريس وكان يزاول نشاطاته منها ويحرك هذه الثورة من فرنسا، والعالم كله يعرف ذلك.. - عفواً، قد نتفق في ظل الاختلافات التي نستعرضها أن هناك تسامحاً في المجال الشخصي الذي يخص التعبد والشعائر، ولكن ليس هناك تسامح في النظام الاجتماعي العام، بمعنى أن النظام الاجتماعي يفرض نفسه على الجميع. طبعاً.. كل شخص يتأثر بالمجتمع وبالبيئة المحيطة حوله في كثير من الأمور، وربما حتى في الدولة الواحدة توجد بعض مناطق بها تميزات، وبالنسبة للتلميذات المسلمات في فرنسا: أنا أعرف هذه الصورة، ولكن إذا ذهبت أيضاً إلى بعض العواصم العربية تجد الأوروبيات يلبسن ملابس محتشمة تتماشى مع تقاليد هذه المجتمعات، وهذا ليس خيارهن، بل يتأثرن بالمجتمع المحيط.. هذا جزء من إجابتي على سؤالكم، وعلى هذا الأساس من الضروري ألا ننسى كذلك مثل هذه الأشياء.. - نعم، ولكن هذا المثال وذاك يقول إن التعددية محدودة ... ليست محدودة، هي واسعة، حتى هذا الحوار الذي يدور بيننا يدل على أن التعددية لا بأس بها وموجودة، طبعاً كل شيء في العالم نسبي، لا توجد أشياء مطلقة في هذا العالم، ولكن قياساً على ظروف العالم منذ قرن ومنذ عشرات السنين: التعددية والتسامح في نمو، هل يمكن القول: إنه في بداية هذا القرن كانت التعددية أوسع من ذلك؟ لا.. إذن ينبغي ألا نقيس التعددية على مثال في أذهاننا، من الضروري أن نقيسها على الواقع العملي، كيف كان العالم يعيش منذ عشر سنوات، منذ نصف قرن، منذ قرن، قرنين؟ هناك حركة وتطور وتقدم، ليس تقدماً تصاعدياً دائماً ولكن قد تعتريه بعض الصعوبات والعوائق، ولكن عموماً: الحركة موجودة بدون أي شك في هذا الاتجاه.. - ننتقل إلى موضوع آخر، نتحدث عن روسيا: تعرضتم لصورة الإسلام في روسيا، وأنها قد تكون مشوهة، وتعرضتم لأسباب وجود هذه الصورة، سواء من المسلمين أنفسهم أو من خارجهم، هل تعتقدون أن الأحداث السياسية الأخيرة كالحرب السوفييتية الأفغانية أو الحرب الشيشانية أثرت على هذه الصورة للإسلام عند المواطن الروسي؟ بالنسبة للحرب السوفييتية الأفغانية: لا أعتقد أن هناك الآثار الملحوظة على مستوى صورة الإسلام في الرأي العام؛ لأن هذه الحرب لا تعد في رأي الشعب الروسي حرباً ذات علاقة مع العالم الإسلامي، إطلاقاً.. حركة الطالبان حركة جديدة، ظهرت بعد توقف الحرب، وأنا لم ألتق أي فرد من الشعب الروسي ووجدته يربط هذه الحرب بالإسلام ولا كان يحلل هذه الحرب من زاوية الصراع الديني. بالنسبة للحرب الشيشانية: فالصورة تختلف: في بداية هذه الحرب لم يلاحَظ العامل الإسلامي إطلاقاً، ولا بـ (١%) ، أنا مقتنع بذلك، فلم يذكر هذا العامل. بدأ ذكر اسم الإسلام والعالم الإسلامي والتعاون مع العالم الإسلامي أو وجود من يسمونهم بالمرتزقة من بعض البلدان الإسلامية، بدأ تداول كل ذلك بعد مرور أشهر بل سنوات من بداية هذه الحرب؛ فما هو سبب دخول الإسلام عاملاً في هذه الحرب؟ على ما أعتقد هناك عدة أسباب: السبب الأول: يعود إلى السياسة الفيدرالية للسلطات الروسية. لا نناقش الآن بداية هذه الحرب؛ ولكن في رأيي الشخصي أنه اتخذت خطوات خاطئة كثيرة أدت إلى تهيئة الظروف المناسبة لبلورة العامل الإسلامي في هذه الحرب؛ فمثلاً: بعض الإعلانات التي ألقيت في بداية هذه الحرب تحمل رفضاً كاملاً لوجود العامل الديني أو الطائفي في هذا الصراع، وكان التركيز في بعض وسائل الإعلام على عدم وجود أي علاقة لهذا العامل.. ولكن المجتمع الروسي تعوَّد على تبني رد الفعل المعاكس للبيانات والتصريحات الرسمية. مثلاً: إذا أدلى وزير المالية الروسي بتصريح للإذاعة أو التلفزيون نافياً اتخاذ قرارات بتغيير قيمة العملة، فإن المواطن الروسي يفهم ذلك على أنه - عاجلاً أم آجلاً - ستتخذ مثل هذه القرارات.. وعلى هذا أعطى التركيز المستمر على أن هناك بعض القوى التي تحاول إدخال العامل الديني وتحوِّل هذا الصراع السياسي إلى صراع طائفي ديني، ونفي ذلك أدى إلى إدخال هذا العامل بالفعل. هذا من جانب السلطات الفيدرالية. أما من جانب الشيشان: فإنه عندما بدأت هذه الحرب، اكتسبت وبسرعة صفة الحرب في سبيل الاستقلال باعتبارها حرباً ضد الاستعمار، فكان من الواجب البحث عن كل العوامل التي تساعد على تعبئة الشعب كله نحو هذا الهدف. ما هي الشعارات القوية في مثل هذه الظروف التي تحقق هذا الهدف؟ الإسلام كان أقرب وسيلة لتعبئة صفوف المجاهدين أو المقاتلين أو غيرهم، هذا إضافة إلى الأخطاء السياسية والعسكرية للسلطات الروسية التي أثرت تأثيراً سلبياً على سمعة روسيا والجندي الروسي في الشيشان.. الشيشان الآن يقولون: إنهم انتصروا في الحرب ضد روسيا.. وهذا شيء غير صحيح، من المستحيل الانتصار على الجيش الروسي من قِبَلِ الجيش الشيشاني، الجيش الروسي يملك عسكرياً من الإمكانات والقدرات أن يصل إلى نقاط بعيدة حتى خارج حدوده، وهذا الإخفاق في الشيشان ليس هزيمة عسكرية إطلاقاً، بل هزيمة سياسية. وكذلك هناك العامل الخارجي: الشيشان في ذروة الحرب كانوا يزورون كثيراً من البلدان الإسلامية طلباً لدعمها وتأييدها؛ فتحت أي شعار تدعمهم؟ الإسلام بالطبع.. أخفقوا في بعض الأماكن في الحصول على هذا الدعم المادي أو المعنوي، ولكن نجحوا مع بعض البلدان، وبعض الأفراد، وبعض القادة. على هذا الأساس: كانت الظروف موضوعية للصدام بين روسيا والمنطقة المناضلة في سبيل استقلالها، بين الاستعمار والشعب الذي يناضل في سبيل حريته، كانت هذه هي الصورة الظاهرة لهذه الحرب، وإلى جانب ذلك ظهرت السلطة الروسية بمثابة سلطة عدوانية، والسلطة الشيشانية بمثابة سلطة مدافعة عن حريتها واستقلالها. خطوة بسيطة: هذه السلطة المسيحية، وهذه الإسلامية. وحتماً آجلاً أو عاجلاً كان سيظهر هذا العامل في الشيشان رغم أن بذور الإسلام وأصوله في الشيشان سطحية. الشيشان آخر منطقة في شمال القوقاز اعتنقت الإسلام، واعتناق الإسلام في المجتمع الشيشاني سطحي.. ما يسود في الشيشان ليس الإسلام الصحيح، بل الأعراف والتقاليد والطرق الصوفية، وحتى الطرق الصوفية التي في الشيشان بعيدة جداً عن الإسلام، بل هناك شك في مدى إسلاميتها في رأيي الشخصي. ولكن سياسياً ودعائياً وفكرياً لا يزال الإسلام شعاراً وصيغة وشكلاً يلعب حتى الآن دوراً هناك. نحن نعود إلى بداية حديثنا: أننظر إلى الإسلام باعتباره قيمة أم باعتباره أسلوباً؟ غايةً أم وسيلةً؟ الإسلام في الشيشان الآن - للأسف الشديد - ليس إلا وسيلة، وهو وسيلة في الصراع داخل الشيشان أكثر منه في الصراع بين الشيشان وروسيا. الإسلام الآن يستعمل سلاحاً بين مسعدوف رئيس الشيشان والمعارضة له، هم يتصارعون، وكل واحد يلجأ إلى حجة الإسلام.. - قبل أن نترك هذه النقطة، هل يعني هذا أنكم ترون الدعوات المثارة لتطبيق الشريعة في الشيشان مجرد مزايدات؟ يجب أن نميز بين عدة أبعاد لهذه الحقيقة، وقد سبق لي أن كتبت بعض المقالات في الصحف الروسية قائلاً: إن الطموح نحو تطبيق الشريعة الإسلامية من المستحيل أن يكون خاطئاً في المجتمع المسلم، كل مجتمع مسلم يطمح نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، ولا نستطيع القول إن مثل هذه المناداة خاطئة، هذا شيء طبيعي، أما ما يمكن أن يكون خاطئاً فهو أسلوب أو كيفية تطبيق الشريعة الإسلامية؛ والتجارب الملموسة لتطبيق قانون العقوبات الشيشاني الجديد تقول ذلك؛ فهذا القانون هو مجرد ترجمة حرفية لقانون العقوبات السوداني، وعندما استفسرت من الشيشانيين: لماذا اقتبستم قانون العقوبات السوداني والشيشان من الشوافع بينما قانون السودان مالكي؟ قالوا: وهل هناك فوارق؟ ما معنى المذهب الشافعي والمالكي؟ ومما يدل على أنه ترجمة حرفية أضرب لكم مثالاً مدهشاً: عندي نسخة لهذا القانون الشيشاني، وهو ترجمة روسية ضعيفة، ولكن مما يدل أن هذه الترجمة حرفية أنني قابلته بالقانون الجنائي السوداني فوجدته ترجمة حرفية إلا فرقاً واحداً: الغرامة (الدية) تقدر في السودان بالإبل وفي الشيشان بالبقر؛ لأنه لا توجد في الشيشان إبل، بل توجد مادة في القانون الشيشاني نسيت رقمها تحدد الغرامة المالية وتقدرها بالجنيهات، والجنيهات موجودة في السودان ولا توجد في الشيشان.. كيف يمكن استيراد قانون وزرعه في بيئة مختلفة وتطبيقه على هذا النحو، هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى نتائج جيدة؟ - كيف ترون مستقبل هذه التجربة في ضوء: الوضع الاجتماعي الشيشاني وخصوصاً مع عدم وجود علماء أو فقهاء كما أشرتم من قبل لاستصدار وتطبيق هذه القوانين، وأيضاً في ضوء الوضع القانوني الشيشاني بالنسبة لروسيا، وفي ضوء الواقع الإقليمي، كيف ترون مستقبل هذه التجربة؟ المستقبل غامض في رأيي، ليس فقط على مستوى العلاقات بين الشيشان والسلطات الفيدرالية، ولكن بالنسبة لمستقبل الشيشان نفسها، أنا لا أستطيع أن أتصور هذا المستقبل، ولكني أراه غامضاً للأسف الشديد. ولو سمحت أن أعود إلى موضوع تخصصي، بالنسبة للتشريع الإسلامي أو الإسلام في الشيشان أوضح لكم أمراً: منذ شهر تقريباً عندما تفاقمت هذه الصراعات والتنافس بين مسعدوف والمعارضة، وبدأت المعارضة تطالب باستقالة الرئيس وحل البرلمان وإنشاء مجلس الشورى بدلاً منه، تحت شعار تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ورداً على ذلك استبقهم مسعدوف وأصدر قراراً بتشكيل مجلس الشورى وتكليف البرلمان بإعداد الدستور الجديد خلال شهرين على أساس القرآن الكريم والسنة النبوية.. كيف يمكن خلال شهرين؟ ! أي مُلِمٍّ بالشريعة الإسلامية يعرف أنه من غير الممكن إنجاز تلك المهمة خلال شهرين؛ فهي تحتاج لسنوات، ولكن مسعدوف أعلن أنه خلال شهرين ينتهي من هذه المهمة، وأعلن في الشيشان الحكم الإسلامي، فما معنى ذلك؟ ! من جهة أخرى: المعارضة تقول: إنه إذا أعلن الحكم الإسلامي يجب أن نحل البرلمان ونلغي الدستور ونستبدل مجلس الشورى بالبرلمان.. لماذا؟ هل الحكم الإسلامي يمنع وجود البرلمان بصفته هيئة استشارية جماعية؟ .. لا، هل الحكم الإسلامي يمنع منصب رئيس الجمهورية؟ أبداً! على هذا الأساس: لا الرئيس ولا المعارضة يعرفون معنى الحكم الإسلامي وكيفية تطبيقه، ولكن كل واحد ينافس الآخر في كسب عامل الشريعة إلى جانبه. المعارضة هي التي بادرت إلى ذلك، ومسعدوف رد على ذلك مُجْبَراً، فهذا ليس خياره، ولكن المعارضة كانت تضغط على الرئيس تحت شعار تطبيق الشريعة كسباً للدعم الشعبي، فهل يرد مسعدوف بقوله: أنا أرفض تطبيق الشريعة؟ هذا يعد انتحاراً سياسياً منه، فهو أُجبر على الرد على ذلك باتخاذ هذه الخطوات، وهذا إن دل على شيء فيدل مرة أخرى على استعمال الشريعة في الشيشان وسيلة وليس غاية. في ظل هذه الظروف يبرز سؤال: ما هي الآثار المترتبة على إعلان الحكم الإسلامي، وتشكيل مجلس الشورى، وتكليف البرلمان بصياغة الدستور على أسس شرعية؟ ما هي آثار ذلك على العلاقات بين الشيشان وروسيا؟ هناك بعض التعليقات التي كانت تقول: إن مثل هذه الإعلانات للحكم الإسلامي غايتها إلى جانب الغايات الأخرى الابتعاد النهائي عن روسيا؛ لأن روسيا لن تعترف إطلاقاً بهذا الحكم الإسلامي.. عميد معهدنا معهد الدولة والقانون طلب مني تحرير تقرير علمي والاستنتاجات لهذا الأمر، أنا كتبت أن مثل هذه الإعلانات بالحكم لا تضيف شيئاً جديداً على العلاقات الموجودة الآن مع روسيا، الشيشان الآن لا تخضع للدستور والقوانين الروسية، السلطات الرسمية الروسية لا تسيطر على الأمور هناك، فقط الإعلانات وحدها لا تضيف جديداً إلى هذه الصورة، ويجب ألا تمنع مثل هذه الشعارات استمرار الحوار بين السلطات الروسية والسلطة الرسمية في الشيشان (مسعدوف نفسه) ؛ لأنه ربما يكون من أغراض المعارضة باتخاذها هذه الخطوات وضع الحواجز في العلاقات بين مسعدوف وموسكو توقعاً لرفض موسكو أي إعلان للحكم الإسلامي، أنا قلت: لا، أبداً، بالعكس، من الضروري معاملة هذه الإعلانات معاملة ذكية معقولة، ليس بقطع العلاقات مع الشيشان، ولكن بالعكس: إدخال هذا الموضوع إلى جانب كثير من الموضوعات التي يتم مناقشتها الآن، إدخال موضوع الشريعة والإسلام عنصراً مكوناً للحوار بين موسكو ومسعدوف؛ دعماً لمواقف القوى المعتدلة، وقبل كل شيء مسعدوف نفسه: دعمه في الصراع ضد المعارضة المتطرفة، على الرغم من أن قبول فكرة هذا الحوار صعبة جداً، بل فُرَصُه محدودة للغاية للأسف الشديد؛ ربما تكون أفضل في ظل رئاسة بريماكوف للحكومة، ولكن للأسف ما زال الحوار محدوداً جداً. ورأيي الشخصي أنه من الضروري ألا نقطع هذا الحوار، بل على العكس: نطوره ونحركه ونثريه، وإلى جانب مناقشة الموضوعات السابقة نناقش الشريعة ومحاولة إيجاد الحلول الوسط بالنسبة لهذه الأمور. السؤال المحوري الأساس الآن: هل في السلطات الروسية المهارات والكفاءات والذكاء الكافي لذلك؟ وهل في السلطات الرسمية الشيشانية كذلك الكفاءات نفسها لإجراء الحوار الهادئ للتوصل إلى الحلول الوسط المقبولة؟ يجب عدم الخوف من أي إعلانات؛ لأن إعلان الحكم الإسلامي وحده بدون التفاصيل والتطبيق العملي لا يعني شيئاً. وإعداد الدستور على أساس القرآن الكريم وحده! بصراحة بالنسبة لسلطة الدولة في القرآن الكريم ثلاث أو أربع آيات فقط: مبدأ الشورى، مبدأ العدل، مبدأ المساواة، وطاعة أولي الأمر.. فقط، هل من الممكن الاعتماد على هذه الآيات الأربع فقط بدون الاجتهاد، بدون تفصيل لصياغة الدستور، هذا الأمر يتطلب الخلفية والمقدمات والكليات والمقاصد. - المقصود طبعاً بالقرآن ما يحتويه أيضاً من قواعد كلية أساسية سواء في الكتاب أو السنة، وليس النصوص المحددة فقط. صحيح، ولكن صياغة الدستور على هذا الأساس..! طيب..! ! إذا شطبنا بعض المواد فيمكن أن نعتبر الدستور الروسي دستوراً يستجيب لنظام الحكم الإسلامي، هل تتصور أن الفارق المبدئي..؟ ! ! عندي مشاريع الدستور الإسلامي المصاغة في جامعة الأزهر وفي كثير من الجهات الأخرى، المشاريع مصاغة وموجودة في كتاب منشور، إذا اطلعنا عليها نجد نظاماً عادياً، نظام رئاسة وبرلمان.. المستقبل بصراحة لا أراه بوضوح لا للعلاقات ولا للشيشان نفسها، أنا خائف! إن شاء الله لا يكون ذلك، ولكن خائف من أن تتحول الشيشان إلى مثال ... أفغانستان، هذا احتمال موجود، والجميع يعرفون مشكلة أفغانستان، ولا نرى نهاية لها.. - أخيراً: بالنسبة للوضع الروسي، نرى هناك كما ينقل الإعلام صراعاً بين ثلاثة تيارات في روسيا: التيار القومي، والتيار الشيوعي، واللوبي الصهيوني الذي يمثله بيريزوفسكي، ما مستقبل روسيا في ضوء هذا الصراع؟ أولاً: بالنسبة للتمييز بين هذه التيارات الثلاثة، ذكرتم التيار القومي والشيوعي والصهيوني، وعندما ذكرت هذه التيارات كنت أفكر وبرزت في مخيلتي صور لرجال السياسة الأساسيين في روسيا، وكنت أضع كل واحد في تيار من هذه التيارات، ولكن يبقى خارج هذه التيارات الثلاثة كثير من أصحاب النفوذ السياسي. - مثل بريماكوف مثلاً؟ بريماكوف، هل هو قومي؟ هل هو شيوعي؟ أو صهيوني..؟ - أنا أعتبره من خارج التيارات الثلاثة، ولكن في الوقت نفسه: النفوذ والتأثير واضحٌ أنه لهذه التيارات الثلاثة.. بصراحة القول: أنا لا أربط مستقبل روسيا بالتيار الشيوعي رغم أن الشيوعيين عندهم نفوذ عميق جداً، عندهم أغلبية نسبية في البرلمان، والأزمة المستمرة في روسيا تلعب لمصلحتهم دون أي شك؛ لأنه في ظل هذه الأزمة بإمكانهم تحقيق مكاسب أكثر وأكثر في أسواق الناخبين. بالنسبة للتيار القومي، هو موجود، ولكن داخله تيارات فرعية كثيرة، بل في بعض الأحيان تتنافس فيما بينها بشدة، والتيار القومي موجود ولكن احتمال فوزه في الانتخابات البرلمانية لا أثق فيه، سيكون له تمثيل في البرلمان ولكن لا أعتقد أنه سيحقق أغلبية. الشيوعيون كذلك، أنا لا أعتقد أنهم سيحصلون - ربما - على أكثر من (٣٠ %) ، وهذا ليس بكاف لتشكيل الحكومة، ولكن بالطبع يعتبر ثقلاً. المشكلة الأساسية أن كل القوى الأخرى متفرقة تتصارع فيما بينها. - لم نتحدث عن النفوذ الصهيوني.. بالنسبة للتيار الصهيوني: بصراحة القول - وهذه ملاحظة شخصية -: أنا أفضل التسمية الأخرى وليس ربط هذا التيار بالصهيونية.. الأصل اليهودي لبيريزوفسكي وحده غير كافٍ؛ هذا لا يدل على أنه إذا كان أحد الأشخاص أصله يهودي فهو صهيوني؛ بحيث نقول: النفوذ الصهيوني، إطلاقاً، وأنا لا أعتقد أنه يوجد عندنا في الحقيقة تيار صهيوني قوي، ربما أنا مخطئ، أنا أعرف أن هناك آراء أخرى، ولكن هذا رأيي الشخصي، لا أعتقد أن هناك تياراً صهيونياً بالمعنى الصحيح للكلمة، بالمعنى العلمي للصهيونية.. النفوذ اليهودي موجود، عندنا أصحاب البنوك، ولكن أصحاب البنوك اليهود يتصارعون فيما بينهم أكثر من صراع أي روسي مع اليهود؛ لأن كل مصرفي عنده مصالحه المصرفية الخاصة تسود على أي عواطف. بيريزوفسكي.. إذا رغبت موقفي الشخصي من بيريزوفسكي: أنا لا أعادي بيريزوفسكي بشكل عام، أنا أعترف بكفاءته الجيدة جداً، هو عنده كفاءات إدارية واقتصادية وحوارية جيدة جداً، هو شخصية ذكية، عنده إمكانات، عنده نفوذ، ولا يعني ذلك أنه يستفيد من هذا النفوذ لشيء شخصي، ولكن من الطبيعي أن يستعمل هذه الإمكانات، وهذا النفوذ حسبما يرى، هذا رأيي الشخصي. أنا لا أثق أن تياراً من هذه التيارات الثلاثة أو ربما تيارات أخرى تساويها في القوة أو تقل عنها ستفوز في الانتخابات، بمعنى الحصول على غالبية الأصوات، ستكون الصورة في هيكلة البرلمان الروسي متشابهة تقريباً للصورة الحالية، هناك الشيوعيون، هناك القوميون، هناك كذلك تيار آخر يتبلور الآن، التيار الذي يمثل مراكز القوى في الأقاليم المختلفة خارج موسكو، هذا التيار يطمح الآن إلى تجميع جهوده في كتلة واحدة، وإذا نجح في ذلك وتجاوز بعض التنافسات الشخصية، فسيكون هذا التيار قوياً جداً، وهو ليس قومياً ولا شيوعياً ولا صهيونياً، بل هو يمثل مصالح الوحدات الإقليمية، والمنتجين، وبعض الفئات البعيدة عن العاصمة.. للأسف مثل هذا التيار غير متبلور عندنا. والمستقبل في روسيا الآن يتوقف على الأشهر القليلة القادمة لتحقيق برنامج بريماكوف، إذا نجح بريماكوف في بعض الإصلاحات التي بدأت ببطء واعترضتها صعوبات وبعض المعوقات فهذا سيكون ضد الشيوعية، ربما سيدعم بعض الحركات الأخرى، أما إذا أخفق بريماكوف في هذه الإصلاحات فستكون فرصة فوز الشيوعيين في الانتخابات قوية. نحن الآن في شهر مارس، والانتخابات البرلمانية في نهاية هذا العام (١٩٩٩م) ، وفي رأيي أنه بعد الصيف تقريباً ستكون أرضية الاستنتاجات أكثر دقة وأكثر وضوحاً، وإذا سألتني لصالح من ستصوِّت في الانتخابات البرلمانية القادمة فليس عندي جواب الآن، أنا لن أصوِّت لصالح الحزب الشيوعي ولا للقوميين.. ولكن ليس هناك خيار حالي، وعلى هذا الأساس فالناس في بعض الأحيان لا يصوتون لصالح، بل يصوتون ضد. لكن عفواً د. ليونيد.. ما فائدة تمثيل تيارات قوية للأقاليم أو المنتجين أو القطاع الخاص، ويستطيع الرئيس مثلاً أن يحل البرلمان كما فعل سابقاً أو يستطيع أن يعطي رئيس الوزراء إجازة ليتصرف هو، فقد تكون هناك قوى انتخابية ولكن ليس لها تأثير فعلي كما هو حادث بالنسبة للتيارات التي نتحدث عنها.. نعم.. القضية الأساسية الآن أنه ليس عندنا جهاز لآلية السلطة الراسخة المتطورة المتبلورة ذات التقاليد والأصول، إذا كان النظام الاقتصادي عندنا يعاني من آثار الانتقال من مرحلة إلى أخرى؛ فإن الشيء نفسه يحدث على المستوى السياسي، وهذا بخلاف دول أخرى كبريطانيا مثلاً؛ حيث كل شيء واضح، هناك حزبان رئيسان ويبقى الخيار فقط: هل هذا الحزب سيبقى، أم سيحل الآخر محله بعد الانتخابات؟ الشيء نفسه في أمريكا؛ إذ لا تؤثر مثل هذه التغييرات على الحالة الاقتصادية أو السياسية إلا تأثيرات محدودة ومتوقعة، أما في روسيا وفي ظل ظروف عدم تبلور مثل هذه الثقافة السياسية البرلمانية واضطراب العلاقات بين القوى وعدم ترسيخ العلاقات المبدئية بين الرئيس والسلطة التشريعية والحكومة.. فإننا لا نستطيع أن نتصور كيف سيكون الوضع في البلاد بعد عدة أشهر، وليس في العقود القادمة. بالنسبة لحل البرلمان.. في رأيي وقوع هذا الاحتمال ضعيف جداً مستقبلاً، بل ربما يكون صفراً. لن يُحل البرلمان بمعنى حله دستورياً، هذا ليس في مصلحة أي أحد ولا حتى الرئيس، وذلك على الرغم من وجود صراع كلامي بينهم، ولكنهم جميعاً يعرفون أن حل البرلمان ليس في مصلحة أي واحد منهم. وأيضاً يجب ألا نهمل مشكلة وضع الرئيس؛ فحالته الصحية ليست بجيدة وذلك معروف للجميع، ومن الصعب تصور مدى تأثيره العملي على السياسة ودوره فيها الآن.. ولكن في النهاية أقول: روسيا بلاد العجائب! ما أثر هذا الصراع بين القوى على العلاقات مع العالم العربي والإسلامي؟ فمثلاً: هل له أثر على مشكلة كوسوفا؟ أنا لا أرى الآثار العميقة لهذا الصراع على العلاقات مع العالم العربي والإسلامي؛ لأن عندنا مواقف قريبة تقريباً لهذه التيارات من قضية مثل هذه. هذه التيارات تختلف وتتصارع حول المشكلات الداخلية في روسيا، أما بالنسبة لقضية يوغسلافيا فكانت مواقفها قريبة جداً، ومواقفها معروفة: أول شيء: رفض التدخل العسكري لحلف الناتو في يوغسلافيا، وإيجاد الحلول السلمية السياسية، وهذه النقطة مُجمع عليها من كافة القوى تقريباً، وعند تصويت البرلمان حول هذه النقطة كان من بين حوالي (٤٥٠) نائباً ثلاثة أو أربعة فقط لهم مواقف مختلفة، الرأي المتفق عليه: رفض التدخل العسكري للناتو؛ لأن هذا التدخل من وجهة نظرنا لن يحل المشكلة، ومن ناحية ثانية: لا نستطيع أن نسمح لكتلة عسكرية إقليمية أن تقرر مصير شعب أو تحل محل قانون العالم، هذا من صلاحية الأمم المتحدة ومجلس الأمن وليس للقوة والجبروت العسكري، هذا الموقف مجمع عليه من كافة القوى. النقطة الثانية: طبعاً التأييد العلني والمباشر في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى المتخفي أو المتحفظ ليوغسلافيا تحت شعارات أن يوغسلافيا دولة مسيحية، بل أرثوذوكسية، وفي بعض الأحيان يقول الشيوعيون: إخواننا في يوغسلافيا.. عندكم تميزون بين الدول العربية والأجنبية، ومثل هذا التمييز موجود في روسيا أيضاً، ويظهر في صورة مطالبة بالدعم المباشر، وفي بعض الأحيان تطالب بعض التيارات مثل جيرونوفسكي بإرسال الجنود الروس والجيش لتأييد يوغسلافيا عسكرياً. ولكن كيف يقول الشيوعيون: إخواننا في يوغسلافيا، وهم حسب معتقداتهم ليس لهم دين، ثم يؤيدونهم بدعوى الأرثوذوكسية؟ الآن هم يعترفون بالدين باعتباره ثقافةً وقيماً أخلاقية، ولكنهم لا يزورون الكنائس، في هذا المجال حدث تغير كبير جداً من الشيوعية السابقة إلى برنامج الحزب الشيوعي الراهن عندنا في روسيا. يعني أصبحت الأرثوذوكسية كأنها قومية. هناك بعض الملامح تشير نحو تحول المسيحية إلى نوع من القومية؛ فمثل هذه الملامح موجودة على الرغم من أن نتائج هذا التحول قد لا تكون إيجابية في رأيي، ولكن من الضروري الاعتراف بوجود مثل هذه الملامح بالتحول التدريجي للمسيحية إلى أن تكون قومية. حتى على نطاق الشيوعيين؟ نعم.. حتى على هذا النطاق، ولكن الشيوعيين لا يلعبون دوراً محركاً في هذه التحولات؛ فهناك بعض القوى الأخرى التي تلعب ذلك الدور، كالقوميين، وكذلك السلطات الرسمية، فينبغي على الشخصيات الرسمية التي يعلن دستورها أنها منفصلة عن الدين أن ينفصلوا عن المشاركة في الشعائر الدينية، باعتبارهم مواطنين يمكن أن يقوموا بهذه الشعائر، ولكن عندما يكونون رسميين يجب ألا يشاركوا، فإذا كنتُ مثلاً رئيساً لهذه الدولة فلا ينبغي أن أزور كنيسة ولا مسجداً إذا كان الدستور يقول إن الدولة منفصلة عن الدين، ومن ثَمَّ تنفصل عنه هيئة الدولة وعلى ذلك: ينبغي ألا أدخل مسجداً ولا كنيسة، أو إذا دخلت كنيسة فعليَّ أن أدخل المسجد والمعبد البوذي والكنيس اليهودي على حد سواء دون تمييز، والأفضل الامتناع عن ذلك. يمكن أن نهنئ بالمناسبات الدينية أصحاب كل دين ولكن دون المشاركة الشخصية، هذا إذا كانت الدولة علمانية، ولكن في بعض الأحيان تحدث تجاوزات لهذه الحدود عندنا.

стр. 3187

الانفراط العظيم أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة ليس من العقلانية ولا من الأمانة نسيان المشكلات الكبرى لدى الغرب في خضم الدعوة للاقتداء به والسير على منواله الانفراط العظيم: اسم كتاب جديد لعالم الاجتماع والمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما [١] الذي كان قد ذاع صيته بعد أن أصدر كتابه: (نهاية التاريخ) الذي كان قد زعم فيه أن النظام الغربي: الليبرالي في السياسة، والرأسمالي في الاقتصاد هما وحدهما النظامان اللذان يتناسبان مع الفطرة الإنسانية؛ لأنهما اللذان يحققان ما في تلك الفطرة من نشْدَانٍ للكرامة؛ فهما يمثلان لذلك نهاية التاريخ في هذا المجال، أعني مجال النظم السياسية والاقتصادية، وأن هذا هو الذي يفسر سير العالم كله نحوهما [٢] . لكن فوكوياما كتب في هذا العام - بعد عشر سنوات من صدور كتابه ذاك - مقالاً تراجع فيه عن تلك الفكرة، وعزا تراجعه إلى أن فكرة الكتاب كانت قائمة على افتراض الثبات في الفطرة الإنسانية، وأن تتبعه للتطورات التي حدثت في علم الأحياء في هذه السنوات العشر، ولا سيما في مجال هندسة الجينات، أقنعته بأن العلم الطبيعي يمكن أن يغير الطبيعة البشرية! وإذا كانت الطبيعة البشرية متغيرة فإن النظم السياسية والاقتصادية المناسبة لها ستكون أيضاً متغيرة. ولا يدري المرء: أيعجب أكثر من فكرة الكتاب الأولى، أم من السبب الذي دعاه للتراجع عنها؟ أما في هذا الكتاب الجديد فإن الكاتب يناقش قضية من أخطر القضايا التي لا تقتصر أهميتها على المجتمعات الغربية التي هي موضوع الكتاب؛ بل تهم أو ينبغي أن تهم كل المعنيين بقضايا القيم الخلقية، وصلتها بالفطرة، وبما يحدث في المجتمع من تغيرات تقنية. إن دعاة التغريب في بلادنا ينظرون إلى الغرب نظرة مثالية تغض الطرف عن كل ما يحدث فيه من مشكلات؛ لأنهم يخشون أن تكون معرفة تلك المشكلات صادة للناس عن السير في طريقه الذي هو مبتغاهم. وهذا - كما ترى - ليس من العقلانية، بل ولا من الأمانة في شيء. إن غاية المواطن الأمين ينبغي أن تكون السعي لمصلحة بلده. والسعي للمصلحة يدخل فيه التحذير من الطرق التي تؤدي إلى الضرر؛ لكن إذا كان المستغربون عندنا يحاولون إخفاء هذه الحقائق، فما هكذا يفعل عقلاء المفكرين الغربيين الحريصين على مصالح مجتمعاتهم وأقوامهم. إننا في العالم الإسلامي - كما هو الحال في بقية العالم - نسير في طريق الغرب في كثير من نواحي حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء بضغط من الغرب نفسه، أو بتشجيع من أولئك المستغربين المبهورين به، أو لأسباب أخرى. فالاهتمام بما يحدث في الغرب من مشكلات هو إذن اهتمام بمستقبلنا؛ لأن مشكلات الغرب الآنية هي مشكلاتنا المستقبلية إذا ظللنا نسير في طريقه غير معتبرين بمزالقه. وإذا أردنا الاعتبار فإن مما يساعدنا عليه كثيراً هو الحقائق التي ينشرها علماء الغرب ومفكروه أنفسهم. لكن استفادتنا من الحقائق لا تعني بالضرورة قبولنا لتفسيراتهم لها، ولا للحلول التي يقترحونها. نعم! قد نستفيد من تفسيراتهم ومن حلولهم؛ لكن يجب أن نفكر لأنفسنا فنجتهد في التفسير والحل مسترشدين بديننا ومعتبرين بما حدث لنا ولغيرنا في تاريخهم وتاريخنا، والكتاب الذي بين أيدينا من الكتب النافعة في هذا المجال. يبدأ الكتاب بإعطائنا ملخصاً للحقائق الإحصائية لما أسماه بالانفراط العظيم في مجال القيم الخلقية فيقول: ازدياد في الجريمة وفي تفكك النظام الاجتماعي جعل أواسط المدن في أغنى البلاد على وجه الأرض أماكن لا تكاد سكن. التدهور في علاقات القربى باعتبارها مؤسسة اجتماعية ظلت قائمة منذ أكثر من مئتي عام [٣] ازداد زيادة كبيرة في النصف الثاني من القرن العشرين في كل البلدان الغربية الصناعية. انحط معدل الإنجاب في معظم الدول الأوروبية وفي اليابان إلى درجة من الدنو يجعلها عرضة لتناقص عدد سكانها في القرن القادم إذا لم تكن هنالك هجرة إليها، قلَّ الزواج وقلَّ الإنجاب، وتفاقمت معدلات الطلاق، بلغت نسبة الأولاد غير الشرعيين الثلث في الولايات المتحدة والنصف في الدول الاسكندنافية. وأخيراً فإن الثقة في المؤسسات ظلت تتناقص تناقصاً كبيراً لمدة أربعين عاماً. في الخمسينات عبَّر أغلبية الناس في الولايات المتحدة وفي أوروبا عن ثقتهم في حكوماتهم وفي زملائهم؛ لكن أقلية ضئيلة هي التي عبَّرت عن مثل هذه الثقة في التسعينات. تغيرت اهتمامات الناس بشؤون بعضهم بعضاً، ومع أنه لا يوجد دليل على تناقص في الصلات بين الناس؛ إلا أن العلاقات بينهم صارت أقل دوماً، وأقل جاذبية، ومع عدد أقل من الناس [٤] . يقول الكاتب: إن هذا التدهور في العلاقات الاجتماعية في هذه البلدان الغربية الصناعية في الفترة ما بين أواسط الستينات إلى أوائل التسعينات كان مواكباً لانتقالٍ في هذه البلاد من العصر الصناعي إلى العصر الذي سمي بما بعد الصناعي تارة، وبعصر المعلومات أخرى. فهل هناك من علاقة سببية بين ذلك التدهور وهذا التطور؟ يجيب بأنه يفترض هذا، ويقول: إن تدهوراً كهذا أعقب الثورة الصناعية في الغرب. ما الحل إذن؟ يجيب بأنه ليس في الدين كما يظن المحافظون. فِيمَ إذن؟ هنا يعود الكاتب إلى فكرة الفطرة البشرية، فيقول: إن البشر هم بطبعهم مخلوقات اجتماعية تهديهم أعظم نوازعهم وغرائزهم أصالة إلى أن يُنشِئوا قواعد خلقية تربط بينهم فتحيلهم إلى مجتمعات. وهم كذلك عقلاء، وعقلانيتهم تجعلهم يُحْدِثون طرقاً للتعاون التلقائي بينهم. سنكتفي الآن بهذا التلخيص لفكرة الكتاب، ثم نعود لمناقشته في حلقات قادمة بإذن الله. لكن يحسن أن نبدأ قبل ذلك ببيان السبب الذي يدعو أمثال هؤلاء الكتاب الاجتماعيين إلى العناية بقضايا القيم الخلقية الآن. لقد كان الرأي الشائع عند أمثال هؤلاء العلماء، والذي ما زال كذلك عند عامة المثقفين الغربيين، أن القيم أمور نسبية، وأنها تختلف لذلك من ثقافة إلى أخرى، ومن زمان إلى زمان. وأن كلاً منها مقبول في إطار الثقافة التي توجد فيها، والزمان أو المكان الذي توجد فيه؛ فلا مجال إذن للحكم عليها بالخيرية أو الشرية، ولا خوف إذن من تغيرها وتبدلها. ثم إنه تبين لبعض علماء الاجتماع والاقتصاد أن الصورة ليست كما يرسمها هذا الرأي الشائع؛ بل إن هنالك قيماً لا بد منها لكل مجتمع بشري. لماذا؟ لأن الناس إذا اجتمعوا فإنما يجتمعون ليتعاونوا على تحقيق مصالحهم؛ لكن هذا التعاون لا يتأتى إلا بالتزام المجتمع ببعض القيم الخلقية: قيم الصدق في القول، والوفاء بالعهد، وحسن تبادل المنافع، وتوفر الثقة التي يقول فوكوياما عنها: إنها بمثابة الشحم الذي يجعل عجلة التجمعات والمنظمات البشرية تجري بطريقة أكثر كفاءة؛ فالقيم هذه ليست - إذن - أموراً نسبية ولا (مجرد قيود تحكمية على الاختيارات الفردية؛ بل هي شرط سابق لأي عمل تحكمي) إنه لا بد لكل مجتمع من نظام سياسي ونظام اقتصادي، لكن النظم السياسية والاقتصادية لا تعمل ولا تنجح إلا في مجتمع متماسك. ولكي يتماسك المجتمع فإنه بحاجة إلى تلك القيم التي صار الاقتصاديون وعلماء الاجتماع يطلقون عليها اسم: الرأسمال الاجتماعي.

стр. 3188

وقفات عندما عرفت قدري ! أحمد بن عبد الرحمن الصويان حدثني صاحبي قائلاً: كنت في رحلة دعوية إلى الحدود البرية بين دولتي السنغال وموريتانيا؛ حيث يوجد عدد كبير من اللاجئين النازحين من موريتانيا. كان الطريق وعراً موحشاً أصابنا فيه شدة وتعب، قطعنا فيه المفازة بعد المفازة، ولا نرى أمامنا إلا أمواجاً من السراب، تزيد من هَمِّ الإنسان وتطلعه إلى النهاية. لا نصل إلى قرية من القرى المتناثرة هنا وهناك إلا نجد من يحذرنا من قُطَّاع الطرق ولصوص الصحراء. تسع ساعات مرت وكأنها لا تريد أن تنتهي، ثم يسَّر الله لنا الوصول إلى مواقع اللاجئين وقد أسدل الليل ظلامه. وجدت صاحبي قد أعدَّ لنا خيمة وضع فيها فراشاً بالياً هيأه لنومي، ولكن ما أجمله من فراش بعد أن هدَّ منا السفر ما هدّ. ألقيت بنفسي على الفراش من شدة التعب، ثم رحت أتأمل رحلتي هذه. أتدري ما الذي خطر في نفسي؟ ! شعرت بشيء من الاعتزاز والفخر، بل أحسست بالعجب والاستعلاء! فمن ذا الذي سبقني إلى هذا المكان؟ ! ومن ذا الذي يصنع ما صنعت؟ ! ومن ذا الذي يستطيع أن يتحتمل هذه المتاعب؟ ! وما زال الشيطان ينفخ في قلبي حتى كدت أتيه كبراً وغروراً - والعياذ بالله - إلا أن الله رحمني فنامت عيني، ورحت أغط في سبات عميق. خرجنا في الصباح الباكر نتجول في أنحاء المنطقة، حتى وصلنا إلى بئر يبعد حوالي كيلو متراً واحد عن منازل اللاجئين يروي منه الناس ويستقون، فرأيت مجموعة من النساء يحملن على رؤوسهن قدور الماء، ولفت انتباهي امرأة بيضاء من بين هؤلاء النسوة، كنت أظنها - بادي الرأي - واحدة من نساء اللاجئين مصابة بالجذام المنتشر بين بعض الناس هناك، لكني فوجئت بأنها منصِّرة: شابة في الثلاثينيات من عمرها من أقاصي شمال أوروبا، من النرويج! ! قال لي مرافقي: منذ ستة أشهر وهي مع نسائنا، تلبس لباسنا، وتأكل طعامنا، وترافقنا في أعمالنا، جاءت إلينا وهي تعرف لغتنا القبلية وبعض عاداتنا. في بعض نهارها تداوي المرضى من النساء والأطفال، ومعها صاحبتها تعلمهن الخياطة وبعض الأعمال اليدوية، وفي أول الليل تجتمع بعض الفتيات يتجاذبن معها أطراف الحديث، وتعلمهن قواعد القراءة والكتابة، وقد خصصت لهن بعض الليالي لتعليم الرقص. أحبها الناس كباراً وصغاراً لتواضعها وخدماتها التي لا تنقطع؛ فكم من يتيم مسحت على رأسه! وكم من مريض خففت من ألمه! عجبت - والله - أشد العجب من هذه المرأة، فما الذي دعاها إلى هذه القفار النائية وهي على ضلالها؟ ! وما الذي دفعها لتترك حضارة أوروبا ومروجها الخضراء؟ ! وما الذي قوَّى عزمها على البقاء مع هؤلاء العجزة المحاويج وهي في قمة شبابها؟ ! تسابقت هذه الأسئلة إلى خاطري، ثم تذكرت ما كنت أفكر فيه ليلتي السابقة، لقد شعرتُ بالتعاظم والعُجْب لليلة واحدة قضيتها في هذا المكان، أما الآن وبعد أن رأيت هذه المنصِّرة تصاغرتُ نفسي، وأحسست بمهانتي وضعفي؛ فهذه المنصِّرة المضلِّلة تقدِّم كل هذا العمل بكل جَلَدٍ وصبر، وهي على الباطل، وأما أنا فسرعان ما انتفشتُ لعمل يسيرٍ لا أدري: أيكتب في الصالحين أم لا! ! ولا أقول هذا إعجاباً بهذه المرأة، أو أنها في محل القدوة - عياذاً بالله - لكني أعجب كيف يصبر هؤلاء القوم على نشر باطلهم، ويعجز بعضنا، أو تصيبه السآمة والملل منذ بداية الطريق! لقد هزني هذا الموقف هزاً عظيماً، ورأيت كم يضحي هؤلاء الضُّلاَّل لنشر ضلالهم، وأيقنت بأننا - معاشرَ الدعاة - أحوج ما نكون إلى الإخلاص والاحتساب، أحوج ما نكون إلى البذل والتضحية، وبقدر انتصارنا على أنفسنا وإحساسنا بمسؤوليتنا الدعوية، فإن الله تعالى سيبارك في أعمالنا. قال الله تعالى: [إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ] [النساء: ١٠٤] .

стр. 3189

صهلة الإباء محمد الخزمري يقول لي صاحب: أين الحبيب ... ... ... ... ... ... وهل هزت رياح الهوى في القلب أشجارا؟ أقبل إلى لذة طابت موائدها ... ... ... ... ... ... واكتب على صفحة الأشواق تذكارا حطم قيودا وقم للحسن منطلقاً ... ... واعزف على رقصة الغزلان قيثارا فقلت: كلا، ولن يسري الهوى بدمي ... ... ... ... ... شيدت بيني وبين الفحش أسوارا وما أزال بدرع الدين متشحاً ... ولم أكن في سماء الزيغ طيارا ولم أكن راتعا في الوحل منتشياً ولم أكن في ديار الفحش ديارا ولم أبع لغرام زائف شرفا ... ولم أكن بحكايا الحب ثرثارا يا صاحبي! العشق أسقام وتهلكة ... ولم يزل بصروح الطهر دمارا وتسلب العقل بعد القلب نقمته ... إني أخاف على العشاق أخطارا طرقت باب الرزايا فانبرى قلمي ... من حبره تصرخ الأوزان إنذارا تبغي الهوى، أم تريد الرشد، أيهما؟ فلا تكن في اختيار الحق محتارا مجنون ليلى رأى في العشق راحته ... فراح يجمع فوق البيد أصفارا! قارورة العشق سجن إن سقطت بها ... غطاؤها لم يهب رمحا ومنقارا وسوف ينفك إن وجهت قافلة ... نحو الإله وسال الدمع مدرارا بدل رماد الخنا للبر مزرعة ... واحفر لسقيا حقول الخير آبارا فهل تطيق مع الغسلين مسغبة ... إذا التهمت على دنياك أوزارا هذا الزمان عجوز قد فتنت بها ... ونمت في لؤلؤ الأثواب شخارا فافرد شراعاً وسافر في مدى ألق ... من الصلاح ليغدو الشوك أزهارا

стр. 3190

أتاتوركيٌّ يُقَرِّرُ مُتّهَماً ..! د. محمد بن ظافر الشهري ألا يا أيها الصّابي ... أقر قبيل إغضابي بأنك ترفعُ الإسلام ... فوق هدى حمورابي وترفضُ أن يُساسَ الناسُ ... وفق شريعة الغاب وأنت أبٌ لطالبةٍ ... قد استترت بجلباب ولستَ بحالقٍ ذقناً ... ولا مرخ لأثواب فتلك جرائمٌ جُنِيَت ... بكل برود أعصاب وكل جريمة تكفي ... لتجعل منك إرهابي

стр. 3191

رسالة إلى كوفي عنان عبد العزيز عبد الله الحميضي الشرق مذ فقد الأمانْ ... يرنو إلى كوفي عنانْ! إذ لم يعد في وسعه ... إلا التذلل والهوانْ وقبول ما حكمت به ... نزوات هاتيك اللجان ويحاً له ما باله ... فقد الهوية والكيان؟ ! من بعدما شابت ليا ... ليه وزال العنفوان وبكت عليه عيوننا ... دمعاً غزيراً كالجمان ويحاً له ما باله ... دوماً يُروَّع بالشنان؟ ! ويحاً له كيف استكان ... وما استقر على مكان؟ ! وهو الذي يعنو له ... من قبلُ ذان الخافقان حتى إذا جمع الورى ... لقتاله خسر الرهان وبدا يقول على لسان ... ذوي الفصاحة والبيان لمفوض ليست له ... في حل أزمته يدان بُوركت يا بطل الوغى ... من فارس ملك العنان لولاك يا كوفي لما ... بقي العراق على الزمان ولما نضونا عن شعاع ... الصبح ثوب الطيلسان ولعنّ يومٌ يا ... عنان على البرية أَرْوَنَان [١] ولأصبحت بغداد في ... ظل الطغام الأمركان ولخضب الغرب الأثيم ... أديمها بالأرجوان

стр. 3192

دموع القريض [ ١] أيمن إبراهيم شحاتة قد صار عيشُ الناس عيشَ متاعِ ... وغدا البيانُ مشتت الأتباعِ شَغل الورى أمرُ المعاش فلم يعد ... صوغ القريض يروق للأسماعِ حُرِمَ القوافيَ، بل تقطَّع أسطراً ... فَقَدَ البحورَ، وعَجَّ بالأنْواعِ ما بين (حرٍ) لا أكاد أُسيغُه ... جمِّ المثالب، مُبهمِ الأوضاعِ أو (مُرْسَلٍ) ما كان شعراً، إنَّما ... هو أقرب الأشياء للأسجاعِ سمُّوه شعراً إن أردتم بيد أنْ ... نِي لن يخط الترهاتِ يراعي فبحور شعري لجةٌ أرتادها ... بلباب فكري، وهو خيْر شراعِ ومشاعري تبْرٌ يُزيِّن حِليتي ... وبريقُها ما كان برقَ خداع الشعرُ نبعٌ لا يجف مَعِينُه ... لا يرتضي بضحالة الإبداعِ لو أن صوغ الشعر سهلٌ في الورى ... لغدا القليلُ العلمِ خيرَ صَناعِ [٢]

стр. 3193

المسلمون والعالم السلاح النووي الصهيوني تهديد مستمر ولكن! باسل يوسف النيرب عن مصدر رسمي أمريكي: لدى العدو الصهيوني أسلحة أكثر تطوراً مما هو في أمريكا. التعاون النووي بين اليهود والهندوس منذ أكثر من عقدين من الزمان. كشف الجاسوس الصيهوني بولارد أن هناك أهدافاً عربية تجسستْ واشنطن عليها لصالح تل أبيب. مدخل: تعود بدايات الاهتمام الإسرائيلي بالتسلح النووي إلى عام ١٩٤٨م، حين هاجر إلى إسرائيل علماء من الدول الأوروبية، وكان على رأسهم أرنست دييد بيرجمان الذي أصبح فيما بعد مدير لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية، وبعد ثلاثة أشهر من قيام إسرائيل أصبحت مؤسسة الطاقة الذرية حقيقة واقعة تشرف عليها وزارة الدفاع فرع البحث والتخطيط لاكتشاف مصادر اليورانيوم في صحراء النقب بدأت أنشطة البحث والتطوير في معهد وايزمن لاستخراج اليورانيوم من خامات الفوسفات، وأقامت وحدة لإنتاج الماء الثقيل، وكان لفرنسا اليد العليا في تطوير قدرات إسرائيل النووية بعد أن ساهم عملاء إسرائيل من اليهود الشرقيين في شمال إفريقيا بتزويد فرنسا بمعلومات هامة عن مستعمراتها في تلك المناطق، وأدت حرب السويس ١٩٥٦م، إلى زيادة علاقات التعاون بين البلدين مما سهل على إسرائيل الطلب من الجانب الفرنسي تزويدهم بالمعلومات عن المفاعلات النووية غير أن الذي دفع إسرائيل إلى هذا الطلب الموقف الكندي من الهند، ومساعدتها على بناء مفاعل نووي متوسط، وفي الوقت نفسه كان شمعون بيريز الذي أوجد فكرة السلاح النووي في إسرائيل مساعداً لرئيس الوزراء دييد بن غوريون ووزيراً للدفاع، وقام مع العالم النووي بيرجمان بمقابلة أعضاء لجنة الطاقة النووية الفرنسية، وتم التفاهم على أن تقوم فرنسا بتقديم مفاعل نووي لـ إسرائيل في أيلول ١٩٦٧م. مع انتهاء حرب السويس عقد اجتماع سري بين وزيرة الخارجية غولدا مائير وشمعون بيريز، وبين وزير الخارجية ووزير الدفاع الفرنسي كريستيان بينو، وموريس بورجيه مانوري، وقد تم الاتفاق في النهاية على أن تدعم فرنسا المشروع النووي الإسرائيلي من خلال تطويرِ رادعٍ نووي. ساعد الاقترابَ الفرنسي الإسرائيلي ابتعادُ فرنسا عن حلف شمال الأطلسي في عام ١٩٦٠م مما ساهم في بناء مفاعل ديمونا وحيازة إسرائيل تقنيةَ السلاح النووي والإمكانات والمواد اللازمة حتى أصبحت إسرائيل خلال مدة بسيطة قوة نووية في الشرق الأوسط [١] بُني المفاعل سراً تحت الأرض في ديمونا بصحراء النقب، وبناه المقاولون الذين بنوا مفاعل ماركول الفرنسي، ثم قامت إسرائيل بشراء الماء الثقيل من النرويج التي باعتها ٢٠ طناً سنة ١٩٥٩م، ومع وضوح النوايا الإسرائيلية وخاصة أن منطقة النقب كانت تعج بالعلماء والمهندسين، ورغم معرفة وكالة الاستخبارات الأمريكية أن هذا البناء عبارة عن مفاعل نووي مع ذلك كله ادعت إسرائيل بأن البناء عبارة عن مصنع تسليح ومصنع مغنسيوم. وفي عام ١٩٥٦م حذر عالمان أمريكيان (أ. رابي وجيروم ويستل) الحكومة الإسرائيلية من قيامها بتطوير أسلحتها النووية؛ لأن ذلك سيكون خطراً شاملاً تضع إسرائيل نفسها فيه إذا اتخذت أية خطوات نحو إنتاج أسلحة نووية في منطقة الشرق الأوسط. وأما الضغوطات التي وجهتها حكومة ديغول لإيقاف بناء المفاعل في ديمونا؛ فقد أدَّتْ إلى تعهد إسرائيل بعدم إنتاج أسلحة نووية، إلا أن العمل في الإنتاج النووي استمر؛ ولكن مع الرفض الإسرائيلي لأي مراقبة على المفاعلات النووية ولتحسين صورة إسرائيل أمام العالم قبلت الحكومة الإسرائيلية التفتيش على الأسلحة النووية من قِبَلِ الولايات المتحدة فقط، وشمل التفتيش المباني التي فوق الأرض، وبدأ التفتيش في عام ١٩٦٢م، واستمر لخمس سنوات فقط. انتهى العمل من بناء منشآت ديمونا النووية بين عامي ١٩٦٤ ١٩٦٥م، وتؤكد الدلائل أن إسرائيل امتلكت أول قنبلة نووية في نهاية عام ١٩٦٦، وكان لديها قنبلتان ذريتان عند اندلاع حرب ١٩٦٧، وعند نشوب حرب ١٩٧٣م، كان لديها عشرون رأساً نووياً مركَّبة على صواريخ يريجو ١ [٢] . يعرف عن منطقة ديمونا أنها منطقة شديدة الصرامة من الناحية الأمنية؛ فقد أسقطت أجهزة الدفاع المحيطة بمنطقة المفاعل طائرة ميراج إسرائيلية؛ لأنها حلَّقت خطأً فوق المنطقة عام ١٩٦٧م. لم يكن السلاح النووي الإسرائيلي بعيداً عن حرب ١٩٧٣م، فقد تناولت الكتابات العربية حجم العمليات العسكرية عند العرب والقوة النووية الإسرائيلية، وأكد بعض الباحثين مخاوف العرب لو أن جيوشهم قامت بمهاجمة صلب دولة إسرائيل، فإنها ستدمر ترسانتها النووية؛ مما أسهم في وضع أهداف محددة للعرب. هذا وقد أشارت مجلة التايم الأمريكية إلى الاستخدام الإسرائيلي للسلاح النووي في ١٢ إبريل ١٩٧٦م في تقرير بعنوان: (كيف حصلت إسرائيل على السلاح النووي؟) جاء فيه إن إسرائيل وخلال الأيام الأولى من الحرب أعدت أسلحتها النووية (١٣) قنبلة من طراز ناجازاكي حُملت على قاذفات إف وبعض الصواريخ أرض أرض للاستخدام الفعلي، ولكن موشي ديان وفي مذكراته نفى بشدة أن هذا قد حدث. وتشير معظم المصادر تقريباً إلى أنه في مساء ٨ أكتوبر وخلال اجتماع عقده مجلس الوزراء الإسرائيلي عقب عودة وزير الدفاع الإسرائيلي من جولة على جبهات القتال أن التأهب تم مساء يوم ٧ أكتوبر لظروف خاصة باحتمالات تطور القتال على الجبهة المصرية، وتقرر أن تستخدم إسرائيل أسلحتها النووية في إطار حرب محدودة وليست فقط أسلحة ملاذ أخير. ومن الاحتمالات التي أخذها القادة العسكريون الإسرائيليون بعين الاعتبار احتمال تعرض الجيش الإسرائيلي للإبادة على إحدى جبهات القتال، على افتراض أن إسرائيل كانت تعلم أنه ليس من أهداف الحرب الدخول إلى عمقها، ولكنَّ التهديد النووي جاء لوقف تقدم العرب. وفي هذا السياق لا بد من التأكيد على أن إسرائيل لم تضع في حساباتها استخدام السلاح النووي في الحرب؛ لأن حدود الحرب لم تتجاوز خط حرب ١٩٦٧م، وربما كان الهدف الضغط واستعجال وصول المساعدات الأمريكية التي تأخرت بسبب سرعة الضربة العسكرية؛ ولكن السلاح النووي الإسرائيلي لم يكن بعيداً عن حرب السادس من أكتوبر ١٩٧٣م على أية حال. الكشف عن السلاح: اللافت للنظر في موضوع السلاح النووي الإسرائيلي أن إسرائيل لم تنفِ ولم تؤكد امتلاكها للسلاح النووي، كما أنها لم توقع اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، وحتى عام ١٩٨٦م نشرت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية بعض الصور التي زودها بها عالم الذرة الإسرائيلي مردخاي فانانو للمفاعل النووي الإسرائيلي تحت الأرض، ونظراً لحجم المعلومات التي كشفتها الصحيفة فقد توصل الخبراء إلى أن المفاعل ينتج سنوياً ٨٨ رطلاً من البلوتونيوم، إضافة إلى أن إسرائيل تمتلك ما بين ١٥٠-٢٠٠ قنبلة نووية، وأن طاقة المفاعل زيدت من ٢٦ ميغاوات إلى ١٥٠ ميغاوات، كما قوبل الكشف عن السلاح النووي الإسرائيلي بصمت الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت ضد امتلاك أسلحة الدمار الشامل لكل من الهند وكوريا الشمالية وباكستان، مع العلم أن المخابرات المركزية الأمريكية تملك الأدلة على امتلاك إسرائيل للسلاح النووي. (حظيت الأسلحة النووية الإسرائيلية بالمظلة الأمريكية، ويسجل موقف الرئيس كندي الذي خطب بعد تفجير الاتحاد السوييتي قنبلة نووية مبيناً حجم الأخطار التي قد تتسبب في العالم من خلال انتشار الأسلحة النووية الآن؛ فإن عدد الدول التي ستملك هذا السلاح عام ١٩٧٠م قد يصل إلى عشر دول، وفي عام ١٩٧٥م ما بين ١٥ إلى ٢٠ دولة؛ وهذا أكبر خطر يواجه العالم [٣] . إن مبدأ الازدواجية في التعامل مع هذا الموضوع والكيل بمكيالين ساعد إسرائيل على البقاء خارج دائرة الرقابة؛ فقد صرح مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ريتشارد مورفي أنه لن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط ما لم تتم السيطرة على أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، وفي مقدمتها الأسلحة النووية الإسرائيلية، ويندرج هذا التصريح في إطار المجاملة؛ فكل الشواهد تشير إلى الموقف الأمريكي والدولي المتراخي إزاء الأسلحة النووية الإسرائيلية، ويمكن مشاهدة الإخفاق في السياسة الخارجية الأمريكية من خلال الموقف العربي إبان المؤتمر الاقتصادي الرابع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المنعقد في قطر يوم ١٨/١١/١٩٩٧م، بعد إخفاق الولايات المتحدة في الضغط على إسرائيل لقبول التفتيش على الأسلحة النووية. وهناك شاهد آخر على سياسة الازدواجية هو الموقف الأمريكي من ضرب المفاعل النووي العراقي ١٩٨١م، والموقف الأمريكي بإصدار قرار ٦٧٨ الذي منح لجنة خاصة من الأمم المتحدة مراقبة قدرات العراق النووية والكيمياوية والبيولوجية والبالستية؛ مع أن العراق عضو في معاهدة عدم الانتشار النووي، وأصدرت الولايات المتحدة وبالتعاون مع مجلس الأمن تصريحاً يتضمن أن انتشار أسلحة تدمير شامل يشكل تهديداً للسلام والأمن الدولي، مما سمح هذا النص بإعطاء الشرعية على استخدام القوة وتطبيقها على الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه طالب الرئيس الأمريكي جورج بوش أن يكون مجلس الأمن هو الطرف الرئيس والأساس لعدم الانتشار النووي ويكون في الوقت نفسه مركز القرار لتقديم العون مباشرة إلى كل بلد عضو في معاهدة عدم الانتشار النووي. كما صرح الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في هذا المجال أن الولايات المتحدة في موقف ضعيف؛ فعلق بعد التفجيرات النووية التي أجرتها الهند أن الولايات المتحدة في موقف ضعيف نظراً لرفض واشنطن تقليص ترساناتها النووية إضافة إلى أنه من الصعب أن نقول للهند ألا تمتلك أسلحة نووية، نحن نحتفظ بنحو ٨٠٠٠ سلاح نووي، ونحن غير مستعدين لخفضها. لعب شمعون بيريز دوراً كبيراً في بناء المفاعل النووي الإسرائيلي وتطويره، وقد أنشأ جهازاً اسمه «لاكام» أي: مكتب الارتباط العلمي خُصِّص لشراء ما يحتاجه العلماء وبأي وسيلة، كما أوجد ملحقين علميين في السفارات الإسرائيلية المنتشرة في دول العالم وفي أواخر الثمانينات قام عدد كبير من العلماء الإسرائيليين العاملين في البرامج النووية الإسرائيلية التابعة لمعاهد ومراكز التخنيون وناحال سوريك وديمونا بزيارة مختبرات لوس ألاموس وليفومور الأمريكية، واستطاعوا جمع المعلومات الخاصة بعمليات الانشطار الإلكترومغناطيسية التي استخدموها فيما بعد بتخصيب اليورانيوم. كما أن رئيس مجموعة علماء الكيمياء الكهربائي الإسرائيلي أمضى ستة أسابيع في مختبر لوس ألاموس بهدف الاطلاع وإجراء البحوث في هذا المجال، ثم عاد يطبق خبراته في عملية تصنيع اليورانيوم كما أمضى العالم الإسرائيلي يهوذا باتروم وهو أحد مصممي القنبلة النووية الإسرائيلية أمضى خلال الفترة ١٩٨٥- ١٩٩٠م مدة ٥٧ أسبوعاً في مختبرات لوس ألاموس، ورافقته زوجته إيليا، وهي المسؤولة عن تطوير الصاروخ بريجو، ويعتقد أن بانزون والعالم الإسرائيلي يهوذا غاني تمكنا من الوصول إلى حواسيب كرادي التي تُجري آلاف الملايين للعمليات الحسابية المعقدة والهامة جداً في التقنية النووية بالإضافة إلى تصميم مفجرات السلاح النووي والتأثيرات في التفجيرات النووية أما إيليا فقامت بأبحاث عن هدرجة السوائل في الأنابيب وشراء بعض الأجهزة من حواسيب كونتام ١١١ وهي من الحواسيب المتقدمة، ومع نهاية عام ١٩٩٢م كانت إسرائيل تمتلك ٢٠٠ قنبلة نووية [٤] . جاء في تقرير صادر عن معهد دراسة التحليل الدفاعي الأمريكي في إبريل ١٩٨٧م، أن لدى إسرائيل بعض الأسلحة الأكثر تطوراً من مثيلها في الولايات المتحدة، إضافة إلى أن قدرة مركز سوريك على دعم الدفاع الاستراتيجي والتقنيات النووية توازي تقريباً قدرات المراكز الأمريكية، وأن الإسرائيليين يقومون بتطوير مجموعة من الرموز والقواعد ستمكنهم من صنع قنبلة هيدروجينية. المفاعل حالياً وما أثير حوله مؤخراً: نشرت الصحف الإسرائيلية طلباً تقدم به النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي عبد الوهاب دراوشة لعقد مؤتمر دولي عاجل، لبحث موضوع كارثة قد تصيب المفاعل النووي الإسرائيلي من جراء مرور ٣٥ عاماً على إنشاء المفاعل دون رقابة دورية وصيانة، وثبت أن المفاعل يعاني من اهتراء وتشقق، وقد أكد ذلك علماء إسرائيليون ضمن برنامج بثه التلفزيون الإسرائيلي أعربوا فيه عن تخوفهم من زلزال قد يضرب المنطقة ويؤدي إلى تسرب الإشعاعات النووية وكانت إيران تقدمت بطلب إلى الهيئة الدولية للطاقة النووية لإخضاع المفاعل للمراقبة خاصة أن موقعه قريب من الأخدود السوري - الإفريقي، وأن حدوث زلازل في المنطقة بقوة ٦ درجات قد يؤدي إلى تسرب إشعاعي من المفاعل. يعتبر مفاعل ديمونا من النوع الحراري، ويتكون من: قلب المفاعل - وهو الجزء الذي توجد فيه قضبان الوقود النووي - والمهدئ وهو من الجرافيت، وعاكس النترونات - وهي من مادة توضع حول الوقود لمنع هروب النترونات إلى خارج قلب المفاعل - ويبلغ عدد قطع الجرانيت الموجودة في المفاعل ١٤٩٠٢ قطعة، وهي من الأجزاء المهمة في المفاعل، والتي تشيخ وتعرض المفاعل للكوارث. يقوم نظام التبريد الموجود في المفاعل على سحب الحرارة الناتجة عن انشطار داخل قلب المفاعل باستمرار ليحافظ على درجة حرارة ثابتة بقلب المفاعل، وقد يتم عن طريق تمرير المادة المبردة إلى داخل قلب المفاعل؛ فيكتسب الطاقة الحرارية من الوقود، ويتم استخدام هذه الحرارة في توليد البخار مباشرة إلى قلب المفاعل أو عن طريق مبادلات حرارية مصممة لهذا الغرض، ويستخدم الماء الثقيل في تبريد المفاعل، أما الطاقة الممتصة فتستخدم في إدارة التوربينات، وقضبان التحكم وهي للتحكم في معدل التفاعل الانشطاري وفي قدرة التفاعل؛ وذلك عن طريق امتصاص النترونات بواسطة قضبان من مادة الكاديوم أو البورون، ويتم التحكم من خلال إدخال القضبان وإخراجها كلياً أو جزئياً إلى قلب المفاعل. يحيط بقلب المفاعل درع من الصلب يعمل وعاءًا لاحتواء المفاعل ودوائر التبريد فيه، إضافة إلى درع خرساني يحيط بالمفاعل من جميع جوانبه بسمك مترين ليتحمل كل الكوارث المحتملة، ولمنع نفاذ الإشعاعات الذرية إلى الوسط الخارجي. مفاعل ناحال سوريك: يقع هذا المفاعل بالقرب من البحر الأبيض المتوسط، وقد أنشئ عام ١٩٦٠م، ويعمل بالوقود وهو مزيج من اليورانيوم والكربون، ويبرد بالماء العادي، وتبلغ طاقاته التزويدية من ١- ٥ ميغاواط الهدف المعلن من المفاعل هو تحضير النظائر المشعة بطرق آمنة وتطوير البحث في هذا المجال، كما استعمل المفاعل لاكتساب الخبرات العلمية وخصوصاً في مجال فصل اليورانيوم وتنقيته من الوقود المحترق باستخدام المذيبات العضوية أو المبادلات الأيونية. تقوم المفاعلات النووية الإسرائيلية بتحلية مياه البحر، وقد أقيمت محطات لهذا الغرض، إضافة إلى أن الإسرائيليين طوروا وحدات لتحلية مياه البحر بطاقة عشرة ملايين جالون يومياً، وقد جرى بناء أول محطة طاقة نووية في النقب إضافة إلى خطط لبناء أربعة محطات نووية أخرى ستكون جاهزة مع نهاية القرن الحالي، ويذهب رئيس الجمعية النووية الإسرائيلية شمعون يفتاح إلى أن لدى إسرائيل من الكوادر العلمية والفنية ما يؤهلها لبناء قرابة ٦٠% من المفاعل. استخدمت التقنيات النووية في مجالات التعقيم وعمليات الحفر الهيدروجينية وتلوين الماس، وقد أُسست شركة سورفان التي تركز نشاطاتها في تطوير التطبيقات بالأشعة المؤينة، التي نجحت في إنتاج أشعة أليكس للتحكم في تدفق السوائل بالجسم، وجهاز فليكس بلو للتحكم في تدفق السوائل لأوقات وبكميات محددة سلفاً، كما تستخدم الشركة ساعاتها الإلكترونية وجهاز أشعة كوبالت ٦٠ الذي يعد من أحدث الأجهزة في العالم لإنتاج أشعة غاما، وتستخدم هذه الأجهزة في تعقيم البلاستيك، والأدوات الطبية، ومواد التضميد، وزجاجات بلاستيك للأدوية، وآلات فحص، وأدوات جراحة، وملاءات المستشفيات، وملابس غرف العمليات. الذرائع الإسرائيلية: في مناخ السلم الذي يدور الحديث عنه منذ توقيع اتفاق أوسلو وتوقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية واتفاق طابا ثم انعقاد بعض المباحثات على الجانب السوري صرح شمعون بيريز في كانون الأول ١٩٩٥م، قائلاً إن إسرائيل مستعدة للتخلي عن الخيار النووي بعد إحلال سلام شامل في الشرق الأوسط، فإن أعطونا السلام فسوف نتخلى عن ذلك الخيار، وإن الدولة العبرية مستعدة للمشاركة في عملية نزع السلاح في الشرق الأوسط بعد مرور سنتين على إحلال سلام شامل مع الدول العربية شرط أن يطبق هذا القرار على إيران. وفي هذا السياق لا بد من ذكر ما نشر في صحيفة الأندبنت البريطانية وبصدر الصفحة الأولى التي تضمنت مواقع انتشار أكثر من مائة صاروخ إسرائيلي موجه نحو الدول العربية، وجاء في التعليق على الخارطة أن إسرائيل تمارس الضغوط على إدارة الرئيس بيل كلينتون لتمارس الضغط على موسكو لوقف مساعداتها لكل من الدول العربية، وإيران إن الخيار النووي الإسرائيلي - كما يزعم شمعون بيريز - ذريعة للوصول إلى السلام، وليس إلى ما وصلت إليه هيروشيما. فطالما أن الخيار النووي الإسرائيلي خيار دائم في كافة الحروب فإن التسلح النووي الإسرائيلي يهدف إلى ردع الهجمات التقليدية وغير التقليدية التي من الممكن أن تقوم بها الدول العربية وغير العربية، كما هي محاولة سباق الضربات النووية قبل أي هجوم قد تتعرض له إسرائيل، لتشكل هذه الضربات محاولات إجهاض أي هجوم نووي محتمل، كما أن الهدف الإسرائيلي هو للاستخدام ضد الحرب النووية، ويبقى خيار شمشون الانتحاري وارداً على طاولة البحث في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. العلاقات الإسرائيلية مع الهند: تتناول التقارير الإعلامية العلاقات الإسرائيلية الهندية في مجال التسليح النووي؛ فالتعاون قائم منذ أكثر من عقدين من الزمن، وتم خلال هذه الفترة تبادل الخبراء النوويين بين البلدين. نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريراً عن التعاون العسكري بين البلدين، أشار إلى أن برهاما تشاليني البروفيسور والباحث في معهد نيودلهي كتب أن الهند وإسرائيل تقيمان تعاوناً في قضايا الدفاع وخاصة في الموضوع التقني الذي عُبِّر عنه بزيارة قائد الجيش الهندي إلى إسرائيل وتبادل الخبراء [٥] . من الناحية الرسمية الهندية والإسرائيلية فإن هناك مصلحة مشتركة لإقامة تعاون عسكري بين البلدين حسب النموذج التركي الإسرائيلي الذي بات يغير موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط. فالتعاطف الهندي مع إسرائيل ليس وليد هذه الأيام، بل الهند سمحت للخبراء الإسرائيليين بالعمل في أراضيها وإن كانت معظم الصفقات التي تمت كانت تتسرب أنباؤها من مصادر إعلامية غير إسرائيلية أو هندية؛ فهذا الصمت والتكتم عن العلاقات بين البلدين يدل على مدى الحساسية الكبيرة التي تغطي الموضوع وبخاصة في المجال الأمني؛ علاوة على مشاريع بناء سفن حربية ودورية من نوع ديورا وسوبر ديورا وتزويدها بطائرات بدون طيار من نوع هارفي التي تتحطم داخل أهداف إشعاعية مثل أجهزة الرادار، وبيع الهند صاروخ براك) ومجال آخر للتعاون والتشجيع كان في زيارة رئيس الأركان الهندي الجنرال فوردفار كاش صليك الذي زار إسرائيل ضيفاً على الجيش الإسرائيلي، وتجول في مواقع الصناعات الأمنية مبدياً اهتمامه بتحسين الطائرات الحربية والطائرات بدون طيار واستخدام أشعة الليزر، إضافة إلى ابتياع أجهزة اتصال إسرائيلية تبلغ قيمتها ١٠٠ مليون دولار، وتحسين دبابات تي ٧٢. وقد قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ٦٥٠ مليون دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة، ولم يشمل هذا الرقم الصادرات الأمنية. الهند داخلياً وكما أسلفت هي مع إقامة علاقات وتعاون أمن مع إسرائيل؛ فرئيس الحزب الوطني كريشنا أدفاني أكد خلال جولاته الانتخابية أن حزبه سيكون على استعداد للتعاون مع إسرائيل في مجال السلاح النووي، وكان قد زار إسرائيل بعد إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين في آذار ١٩٩٢م وهو واحد من الشخصيات البارزة الثلاث كوزير الداخلية وقوى الأمن ورئيس الحكومة والجدير بالذكر أن ما يحدد خطاب الحكومة الهندية هو وزير الداخلية ورئيس الحكومة. وقد نشرت الواشنطن تايمز تقريراً للبروفيسور تشاليني عن العلاقات الهندية الإسرائيلية أكد فيه على أن العلاقات بقيت سرية حسب طلب الهند التي تعد ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان المسلمين، وأكثر من مليون هندي يعملون في العالم العربي، إضافة إلى أن إيران ودول الخليج العربي هما المزودان الوحيدان للهند بالنفط. العلاقات مع جنوب إفريقيا: كشفت المصادر الصحفية الإسرائيلية أن إسرائيل ساعدت جنوب إفريقيا على تطوير سلاحها النووي في بداية الثمانينات؛ وكانت الصحف الإسرائيلية قد أجرت مقابلة مع وزير الخارجية وقائد هيئة الأركان لقوات جنوب إفريقيا بين عامي ١٩٨٠-١٩٨٥م، إضافة إلى أن جنوب إفريقيا أجرت تجربتها النووية الأولى عام ١٩٧٩م جنوب المحيط الأطلسي في جزر الأمير إدوارد، واعترفت بأن إسرائيل اشترت من جنوب إفريقيا ٥٥٠ طناً من اليورانيوم. ألقت رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنظير بوتو خطاباً أمام البرلمان في مايو ١٩٩١م، أكدت فيه أن ياسر عرفات كشف لها بأن إسرائيل تخطط لتدمير المنشآت النووية الباكستانية، وبعد شهر من ذلك اختطفت جماعة إسلامية باكستانية إسرائيليين كانوا يتنزهون في كشمير. اعتمدت الصحف الباكستانية على مجموعة من التقارير الأجنبية، كما وصل تحذير إلى السلاح الجوي الباكستاني من احتمال قيام الطيران الإسرائيلي بضرب المفاعل النووي؛ ولذلك نقلت القيادة العامة مباشرة طائرات إلى قاعدة سرور في كراتشي، مما دل على أن عملية النقل عبارة عن رسالة إلى الهند، وسيكون الرد بضرب المفاعل النووي الهندي في قاعدة بومباي الهندية، وفي الوقت نفسه أكدت الصحف الباكستانية أن الولايات المتحدة وراء تسريب الإشاعة. أمراض الشيخوخة: كشف صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية وجود ترسانة نووية إسرائيلية مخزَّنة في كفار زاخاريا مع بعض الرؤوس الحربية تطلق من صواريخ أريحا ٢، وكشفت مصادر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن نظام التوجيه لصواريخ أريحا ٢ يحتوي على تصورات لبعض الأهداف والمراكز السكانية والصناعية في كل من ليبيا، سوريا، العراق، إيران، وحقول النفط في المملكة العربية السعودية ومدينتي الظهران والرياض، وكان الجاسوس جوثان بولارد قد كشف أن الكثير من الأهداف في الدول العربية تجسست عليها واشنطن لصالح تل أبيب [٦] . إن العمر الافتراضي للمفاعل النووي حوالي ١٥ سنة، ويجري بعد ذلك تجديدٌ لمعظم أجزاء المفاعل، ويتم التأكد من صلاحية الجسم الخرساني المحيط بالمفاعل والتفتيش على قطع الجرافيت وسلامتها واستبدال التالف منها، عدا قياسات دورية لمستوى الإشعاع في المنطقة في الجو والبحر وتحت سطح الأرض. وفي ضوء معلومات كشفتها الصحف العبرية عن حجم امتلاك إسرائيل للسلاح النووي؛ فقد أوردت صحيفة يديعوت أحرونوت بعض المطالب لإيقاف العمل في مفاعل ديمونا خاصة أن عمره الآن حوالي ٣٥ عاماً، وطالبت بإخضاعه للتفتيش من قِبَلِ الهيئة الدولية للطاقة النووية للتأكد من سلامته، وهو الأمر المرفوض إسرائيلياً. ومع ذلك يبدو خطر تعرض المفاعل إلى الدمار وارداً خاصة بعد أن عمل تلك الفترة وفي طاقته القصوى والشاهد في ذلك حجم الترسانة النووية الإسرائيلية؛ فقد يصل مدى تأثر المنطقة من جراء الانفجار أو التشقق إلى دائرة نصف قطرها ٥٠ كم تصيب الإنسان والحيوان والنبات بشكل مباشر أما التأثيرات الضارة على البيئة والناتجة عن الإشعاعات فتصل إلى دائرة نصف قطرها ١٠٠ كم؛ إذ تتلوث المياه الجوفية والبحار والأراضي؛ وهذا حسب اتجاهات الرياح. لقد أصيبت سياسة الغموض النووية الإسرائيلية بالانكسار، وخاصة بعد أن كشف مردخاي فانانو صوراً لمواقع ديمونا، وتؤكد تقارير معهد جافي للدراسات الاستراتيجية في إسرائيل أن ما كشف عنه فانانو أضر بسياسة إسرائيل النووية بنسبة ٨٠%، وإذا كشف عن ٢٠% الباقية فسيعرض المعونة التي تحصل عليها إسرائيل من الولايات المتحدة ومقدارها ثلاثة بلايين دولار سنوياً للخطر، وربما تضر بالجهود التي تحول دون امتلاك العرب وإيران للقنبلة النووية. ويؤكد عضو الشؤون الخارجية في الكنيست الإسرائيلي أنه كلما ازددتَ غموضاً كلما كانت قدرتك على الردع أفضل، وعندما تزداد الضغوط على الزعماء الإسرائيليين فإنهم يكررون مقولة صيغت بدقة وهي أن إسرائيل ليست أول من أدخل السلاح النووي إلى المنطقة؛ فما زال الموضوع النووي عند الإسرائيليين محاطاً بهالة من الغموض، ولغزاً لم تفك عقده؛ فبواسطة هذه الأسلحة حصلت إسرائيل على التفوق النوعي. وفي المقابل زادت احتمالات الانفجار في المنطقة بعد تصاعد الحديث مجدداً عن القدرات النووية الإسرائيلية، كما أن الخوف الإسرائيلي من القنبلة الإسلامية والتقارب العربي الإيراني يشكلان عاملاً آخر من جملة المخاوف الإسرائيلية التي تشكل تهديداً لهم، فضلاً عن الوعد الإلهي بتدميرهم على يد الفئة المسلمة التي ما زالت إسرائيل تخشاها إلى الآن؛ بل وتحرض أعداء الصحوة ضدهم.

стр. 3194

حزب الله رؤية مغايرة أصول وجذور عبد المنعم شفيق (المديح) الإعلامي الضخم كان سبباً في رسم صورة خيالية عن حزب الله كيف ولماذا تم (التحول) من (الانتظار) إلى قوافل (الثوار) ؟ (الوهابيون رجس من عمل الشيطان، سننتقم من الوهابيين، لن تمر هذه الجريمة دون عقاب كانت هذه عبارات مكتوبة ومحمولة على لافتات في تظاهرة أخرجها (حزب الله) في الجنوب اللبناني عقب اتفاق الطائف الذي كان من أسباب وقف الحرب الأهلية التي كانت تدور في لبنان. في المظاهرات تخرج الكلمات دائماً من القلب، منطوقة أو مكتوبة. على جانب آخر كانت هناك كلمات أخرى خرجت من القلب كذلك ترسم صورة أخرى مغايرة. فيقول أخو العشيرة عن الحزب: إنهم صفوة الصفوة، وطليعة الأمة، ومرشدوها، وباعثو دينها وحضارتها ومجدها، ومعلموها، ورساليوها، وأنبياؤها) [١] إن المقاومة الإسلامية في لبنان تمثل لنا ضوءاً باهراً في الأفق المعتم، وصوتاً جسوراً وسط معزوفة الانكسار، وقامة سامقة تصاغر إلى جوارها دعاة الانبطاح والهرولة، إنهم يدافعون بهذا الدور البطولي الذي يقومون به عن شرف الأمة العربية وعن الأمل في أعماق كل واحد فينا، إنهم يرفعون رؤوسنا عالياً ويرصِّعون جبين أمتنا [٢] . إن حزب الله يقوم بدور رائد في إيقاظ الأمة وتقديم الدليل على قدرتها لصد العدوان [٣] . فالمقاومة الإسلامية لحزب الله واحدة من أبرز معالم نهضة الأمة وأكبر دليل على حيويتها [٤] . لماذا حظيت المقاومة الإسلامية في لبنان بهذا القدر الهائل من التضامن الشعبي العربي والإسلامي؛ بل من كل المستضعفين في العالم؟ وهل يتحول الطرح السياسي والحضاري لتلك المقاومة إلى أيديولوجية للمحرومين في كل مكان في العالم في مواجهة النمط الحضاري والقيمي الغربي الذي يهدد العالم بأسره؟ لماذا نجحت المقاومة اللبنانية في أن تصبح طليعة لكل قوى التحرر العربي على اختلاف مشاربها الدينية والطائفية والسياسية والطبقية؟ ! وبصيغة أخرى: لماذا نجحت المقاومة اللبنانية في الخروج من مأزق الطائفية الضيق إلى رمز للتحرر لكل إنسان مسلماً كان أم مسيحياً عربياً أم عالمياً، أبيض أو أسود؟ لماذا كانت المقاومة وحزب الله بالتحديد هي الجزء الحي في النسيج العربي الذي اهترأت الكثير من أجزائه وأطره الفكرية والتنظيمية؟ [٥] صورتان متناقضتان تثيران أسئلة كثيرة عن قصة الحقيقة، ولا يُخفي بعض الناس شدة الحيرة التي تنتابه مع هذه الصور المتباينة الشديدة التنافر؛ فبين مُسلَّمات عقدية راسخة، وأصول مستقرة، وبين واقع ضاغط على الفكر والشعور، تضطرب الرؤى وتحار العقول. وحزب الله في لبنان جزء من قصة طويلة وصراع مرير، والحديث عنه وعن حقيقته وأهدافه أمر ضروري في وقت بدأ فيه تحول كبير في دور الحزب، بعد أن تحقق جزء كبير من أهدافه، وكذلك في وقت بدأت فيه (عودة الروح) لمسار السلام السوري واللبناني، والذي يمثل (حزب الله) ورقة تفاوضية هامة فيه؛ بيد أن المسألة متشعبة شديدة التعقيد فرضتها عوامل شتى؛ لذا كان من المهم استعراض التفاصيل وتفاصيلها. لبنان أي أرض أي دولة؟ لن نذهب في التاريخ بعيداً، وإنما سنذكر صورة منه، أو نتيجة لصراعه وأحواله في لبنان، فقد قامت الدولة اللبنانية على ركيزة أساسية هي (الطائفية) ، وولد الاستقلال والميثاق في أحضانها، وورث الاستقلال نهجاً يجسد التفسخ الوطني في إطار علاقات سياسية تعمل على إبقاء هذا الأمر واستمراريته. هذا النهج السياسي وقف عائقاً أمام تطوير الواقع الطائفي ومحاولة تجاوزه، وحمل الاستقلال معه كل أمراض التخلف والتعصب والتفرقة؛ لأن أبطاله لم يعملوا على استئصال الرواسب وإقامة الوطن على قاعدة الانتماء إليه؛ بل اكتفوا بوحدتهم الفوقية وتركوا التشتت الطائفي في القاعدة؛ فقام لبنان على قاعدة تعدد الطوائف المتعايشة على أرض واحدة تقتسم المغانم فيما بينها. إن الاستقلال والدستور قد قاما على ركيزتين أساسيتين هما. تجميع الطوائف وتجميع المناطق؛ وشتان ما بين التجميع والانصهار. لقد استبدلت الوحدة الوطنية كما هو الحال في الدول الأخرى بوحدة الطوائف المتعايشة، ورعت دولة الاستقلال المؤسسات الطائفية لتوسع نشاطاتها ولتزيد من انقسام المواطنين. ففي الحقل التربوي بقي لكل طائفة مؤسساتها التربوية لتلقن المواطنين ثقافات مختلفة، وعلى الصعيد التنظيمي السياسي صار لبعض الطوائف مجالس مِلّية تحولت إلى مؤسسات سياسية تسهم في السلطة بدرجة أو بأخرى. وعلى الصعيد السكاني بقيت المدن الكبرى ذات طابَع طائفي؛ وعلى الرغم من احتوائها على اختلاط سكاني من مختلف الطوائف إلا أنها تمتعت بغالبية سكانية من طائفة معينة، أو تضمنت أحياء سكانية لكل طائفة، أو لكل مذهب حي يجمع أبناء المذهب نفسه، وهذا الأمر قد سهَّل فيما بعد الانقسام الجغرافي؛ حيث هجَّرت كل منطقة الأقليات الموجودة فيها من الطوائف الأخرى؛ مما جعل السلطة عبارة عن حكم بين مختلف الأطراف (الطوائف) لا سلطة دولة بيدها المبادرة والقرار الذي تستطيع فرضه على الجميع. في لبنان ازدواجية سلطوية. قامت سلطة الدولة وتساكنت جنباً إلى جنب مع سلطة الطائفة، وكثيراً ما أذعنت سلطة الدولة إلى سلطة الطائفة البارعة في توظيف التمايزات الدينية لأغراض سياسية. والطائفة هنا تلعب دور الحزب السياسي المُدافِع عن مصالح الأفراد، وتحل مشكلة انتماء الفرد طالما أنه لا توجد أطر أخرى أكثر فعالية لتنظيم حياته وضمان توازنه المادي والنفسي، وهكذا يندفع الفرد إلى أحضان الطائفة؛ فالتخلي عنها يبدو كأنه ضياع لآلية التضامن الأسري والعائلي إذا لم يسنده ظهور مؤسسات تضامن جماعي نقابي ومدني أعلى، كما يعني العزلة للأفراد، ويعني الاغتراب النفسي والاجتماعي كذلك. لقد عجزت الدولة اللبنانية عن بناء الإطار الفكري والسياسي والإداري والاقتصادي الذي يوحد الأمة ويبني إجماعاً؛ إنها لم تمتلك رسالة اجتماعية تسمح لها بأن تكون دولة الأمة لا دولة الجماعات وبدلاً من أن ترتفع باعتبارها مؤسسة سياسية وسلطة. فوق التمايزات والتناقضات انخرطت هي نفسها بفعل طبيعة بنيتها وتركيبتها العصبية في التناقضات التي أخذت تمزقها، أو بالأحرى تبرز تمزقها الداخلي المستور بأيديولوجيا الوفاق والتعايش. لقد اعترفت الدولة القانونية في لبنان بتعدد القوى السياسية، ومنحتها حق التنافس الحر حتى بلغ حد الفوضى المسلحة؛ فالتدريب والتسلح غير المشروع، وقيادة الجيوش غير النظامية، وتخريج دفعات من الميليشيات اللبنانية كان يتم في احتفالات علنية تنقلها الصحف اليومية تحت سمع الدولة وبصرها. إن نشوب الحرب بهذه الضراوة والشراسة، وقدرتها على الاستمرار لأعوام طويلة ما كان يمكنها لولا وجود ميليشيات قد أنشئت أصلاً لأن لها دوراً يُنتظر أن تلعبه. وإثر الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين داخل الأراضي اللبنانية منحتهم الدولة حق الدفاع عن أنفسهم ضد الاعتداءات الخارجية عليهم بدلاً من أن تكون هي المسؤولة عن حماية كل من يقطن داخل حدودها سواء بالطرق السلمية أو بالقوة؛ فالدولة عادة كل دولة تقدم نفسها مركز استقطابٍ وحيد لممارسة العنف القانوني في المجتمع؛ فعنف الدولة له أساليبه. أي قانونيته. لكن الدولة اللبنانية بتركيبتها الضعيفة سلطوياً قد سمحت لنباتات العنف اللاشرعي أي الخارج عن إطار الدولة أن تنمو على جوانبها، ومهدت للاحتراب بين اللبنانيين عندما وقفت شاهد زور من استعداداتهم للحرب، وهي بتركيبتها الطائفية الحساسة لم تستطع التعامل مع القضية الفلسطينية كما تعاملت معها سائر الدول العربية، فمهّدت بذلك لحرب الآخرين على الأرض اللبنانية. حتى الأحزاب التي تؤكد أنها غير طائفية من حيث المبدأ والغاية، وتلك التي ترفع شعار العلمنة والديموقراطية والمساواة لا تفلت من فخ الطائفية إلا قليلاً. والظاهرة البارزة التي نشأت في ظل الحرب هي تعدد الأحزاب والمنظمات والحركات بشكل لم يسبق له مثيل. واللافت للنظر أن إمعان الأحزاب والمنظمات في تحديد هويتها الطائفية ربما كان لاستقطاب أكبر عدد من الأتباع أو لإبراز خصوصيتها. وفي جميع الأحوال انخرطت تلك الأحزاب في لعبة الطائفية نفسها التي استخدمها الإقطاع السياسي لإحكام سيطرته وتثبيت مواقعه. أما الأحزاب العلمانية فإن كلاً منها قد اتخذ صبغة القطاع الطائفي الكانتون الذي يوجد داخل حدوده. وحددت الأحزاب والميليشيات مناطق نفوذ لها، وأخذت تثبت مواقعها داخلها؛ واعتباراً من عام ١٩٨٤م أخذت الخطوط الفاصلة بين مناطق النفوذ تتضح؛ ففي بيروت وضواحيها وفي جزء من جنوب لبنان هناك سيطرة لقوات أمل الشيعية وحلفائها، وفي ضاحية بيروت الجنوبية وبعض مناطق البقاع والهرمل هناك سيطرة لقوات حزب الله الشيعية، وفي بيروت الشرقية وضواحيها وبعض مناطق الجبل هناك سيطرة للقوات اللبنانية المارونية على جزء منها، وسيطرة فئة من الجيش اللبناني على الجزء الآخر في عام ١٩٩٠م، وفي الشوف سيطرة لقوات الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزية وحلفائها، وفي الشمال سيطرة لقوات المرَدة المارونية المعادية للقوات اللبنانية، وفي أقصى الجنوب هناك الحزام الأمني الذي صنعته إسرائيل بينها وبين جنوب لبنان، يسيطر عليه (جيش لبنان الجنوبي) المدعوم من قِبَلِ إسرائيل. فماذا بقي للدولة وسط هذه. البانوراما السلطوية. حتى تسيطر عليه؟ من جهة أخرى، شكلت الطائفية أفق الدولة اللبنانية الذي استوحت منه تصوراتها للمجتمع والكون ونمط الوجود، وللتنظيم الاجتماعي، والتوزيع البيروقراطي، كي تجند لا جيشاً عقلانياً عسكرياً واحداً وجيشاً مدنياً منظماً واحداً البيروقراطيين وموظفي الدولة بل جيوشاً طائفية مرتهنة لجماعاتها المتنطعة والمتوجهة عقلياً وعاطفياً نحو الذات الطائفية المنغلقة. (ثم بدأ طرح إلغاء الطائفية السياسية؛ لأنها سبب البلاء، ولأنها تمنع الانصهار الوطني، وتحقيق المواطنة الحقة. والمطالبون بإلغاء الطائفية السياسية أغلبهم في مواقع طائفية بعضها شديد العصبية؛ فالأحزاب المطالبة بإلغاء الطائفية أحزاب طائفية بتركيبتها، وبدهي أن المطلب الصادر من موقع طائفي هو طائفي أياً كان التعبير اللفظي عنه، ومطلب إلغاء الطائفية يعني تحديداً: استبدال ديمقراطية عددية تعني سيطرة على الحكم والإدارة بحكم العدد أو بحكم ما يظن من غلبة عددية بالديمقراطية الإصلاحية المركبة المعقدة أساساً للعيش المشترك اللبناني. [٦] هذا الواقع المأزوم والمَرَضِي مثَّل مرتعاً خصباً لأحلام كل طائفة في السيطرة وفي لبنان خصوصاً لا تمثل قوة الطائفة إلا بمددها الخارجي وتبعيتها الدينية والسياسية والمالية. وكانت الطائفة الشيعية التي يمثلها (حزب الله) سياسياً وعسكرياً موضوع حديثنا من تلك الطوائف التي أرادت أو بالأصح أريد منها أن تحقق الحلم بتكوين دولة تقوم على تبني المذهب الجعفري الاثني عشري منهجاً ونظاماً؛ فلبنان أريد به أن يكون. إما دولة نصرانية عربية بميول غربية وسط تجمع مسلم ضخم، وإما دولة شيعية عربية بميول فارسية وسط تجمع سني ضخم كذلك. والدولة الأولى: النصرانية لعل لها حديثاً آخر، أما المراد الآخر فلا بد من الوقوف فيه أولاً على بعض المرتكزات؛ حتى تتضح الصورة من بداياتها وصولاً إلى منتهاها. لبنان وإيران قصة العلاقة: حين استولى الصفويون على حكم إيران، في مطلع القرن السادس عشر، وجعلوا من التشيع الإمامي دين الدولة والأمة، وحصنوا إيران به بإزاء الفتح العثماني (التركي السني) كان التشيع يذوي ويتلاشى، إنْ في مدارس النجف أو في مدارس خراسان، فعمد الشاه إسماعيل إلى استقدام علماء من جبل عامل جنوب لبنان لتدريس الفقه الإمامي، فكان منهم: (بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد، ٩٥٣-١٠٣١هـ) الذي أصبح شيخ الإسلام في أصفهان في عهد الشاه عباس الكبير، والمحقق الكركي علي بن الحسين ابن عبد العالي العاملي، ت٩٤٠هـ - ١٥٣٣م الذي قَدِم النجف ثم رحل إلى بلاد العجم لترويج المذهب، والسلطان حينئذ الشاه إسماعيل الصفوي الذي مكنه من إقامة الدين وترويج الأحكام، وكان يُرغِّب عامة الناس في تعلم شرائع الدين ومراسم الإسلام، ويحثهم على ذلك بطريق الالتزام، وكان أن جعل في كل بلدة وقرية إماماً يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الدين، وبالغ في ترويج مذهب الإمامية؛ بحيث لقبه بعضهم بمخترع مذهب الشيعة. [٧] ومنطقة جبل عامل أو عاملة في قلب جنوب لبنان كانت أهم مرجعية شيعية في العالم بين القرنين الميلاديين الرابع عشر والسادس عشر، ومع بداية هذا التعاون مع الدولة الصفوية أُبيد الآلاف من السُنّة من العامة والعلماء؛ ففي تبريز العاصمة وحدها كان السُنّة فيها لا يقلون عن ٦٥% من السكان، وقد قتل منهم في يوم واحد ٤٠ألف سني! ! كما أُجبر الألوف على التحول القسري إلى مذهب الإمامية [٨] كما كانت هناك مؤامرات عديدة وتعاون مع قوى غربية على إسقاط الدولة العثمانية، وهي من الأمور غير الخافية عبر التاريخ [٩] . وقد استهوت التجربة الصفوية الشيعية (المضطهدين) في العراق وجبل عامل جنوب لبنان والبحرين، وذهب العلماء بالخصوص ليدعموا تأسيس الدولة الشيعية (الصفوية) الوليدة [١٠] . ونستطيع أن نتجاوز حقبة زمنية بعيدة حتى نصل إلى صورة قريبة تبين تلك العلاقة الحميمة والوطيدة التي يحاول نفر من الناس فصلها وتزييف الواقع ووقائعه. فقد قيل لـ حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله: إن دور حزبه لن ينتهي؛ لأنه حزب مستورد من الخارج، (سوريا أو إيران) فقال: لنكن واضحين ونحكي الحقائق: الفكر الذي ينتمي إليه (حزب الله) هو الفكر الإسلامي، وهذا الفكر لم يأت من (موسكو) أيام الاشتراكية ولا من (لندن وباريس) ولا حتى من (واشنطن) في زمن الليبرالية، هو فكر الأمة التي ينتمي إليها لبنان، إذن نحن لم نستورد فكراً، وإذا كان من يقول: إن الفكر إيراني. أقول له: إن هذه مغالطة؛ لأن الفكتر في إيران هو الفكر الإسلامي الذي أخذه المسلمون إلى إيران، وحتى هذا الفكر خاص بعلماء جبل عامل. اللبنانيون هم الذين كان لهم التأثير الكبير في إيران على المستوى الحضاري والديني في القرون السابقة؛ أين هو الاستيراد؟ هذا الحزب كوادره وقياداته وشهداؤه لبنانيون [١١] . وفي إحدى الاحتفالات التأبينية التي تقام في لبنان قال إمام جمعة مسجد الإمام المهدي الشيخ حسن طراد: إن إيران ولبنان شعب واحد وبلد واحد، وكما قال أحد العلماء الأعلام: إننا سندعم لبنان كما ندعم مقاطعاتنا الإيرانية سياسياً وعسكرياً [١٢] . وفي مناسبة تأبينية أخرى قال الناطق باسم حزب الله ذاك الوقت إبراهيم الأمين: نحن لا نقول: إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران [١٣] . ويقول محمد حسين فضل الله المرشد الروحي لحزب الله: إن علاقة قديمة مع قادة إيران الإسلامية بدأت قبل قيام الجمهورية الإسلامية، إنها علاقة صداقة وثقة متبادلة، ورأيي ينسجم مع الفكر الإيراني ويسير في نفس سياسته [١٤] . ويقول حسن نصر الله: إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام والدولة التي تناصر المسلمين والعرب. وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما إن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا ونضالنا [١٥] . ويُؤَمِّن على كلام أمين الحزب مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والإفريقية، د. محمد صدر فيقول: إن السيد حسن نصر الله يتمتع بشعبية واسعة في إيران كما تربطنا به علاقات ممتازة [١٦] . وقد حذر علي خامنئي مرشد الثورة من إضعاف المقاومة الإسلامية وقال: إنه يجب التيقظ ومنع الأعداء من ذلك، إن شعلة المقاومة يجب أن لا تنطفئ؛ لأن أولئك الأبطال واجب على إيران مساعدتهم [١٧] . فهكذا يتبين الترابط المتكامل بين إيران الثورة وحزب الله وشيعة لبنان، فقد أصبحت إيران الأم الرؤوم والمحضن الدافئ والمرعى الخصيب والنموذج الذي يتطلع إليه عموم الشيعة؛ فهي القبلة الدينية والسياسية لهم. المنتظرون إلى متى! ؟ نتعرض هنا لقضية مهمة حول (التبديل) الكبير الذي حدث في عقيدة ومنهج الشيعة الاثني عشرية والذي حوَّلهم من طائفة على هامش التاريخ بفعل (نظرية الانتظار) ، بعد دخول محمد بن حسن العسكري السرداب وغيابه على حد قولهم إلى طائفة ثورية تريد تغيير العالم كله ومواجهة قوى الاستكبار في العالم وإنارته بالإسلام (الصحيح) ، وتطهير الأرض من رجس يهود! ! وقد كان لحزب الله نصيب وافر من هذه الشعارات الرنانة والمواجهة المدَّعاة. وتقوم نظرية (الانتظار والتَّقِيَّة) على تحريم الثورة والإمامة والجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة؛ فقد تأثر الفكر السياسي الشيعي تأثراً كبيراً بنظرية وجود الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري داخل السرداب، واتسم لقرون طويلة بالسلبية المطلقة؛ وذلك لأن هذه النظرية قد انبثقت من رحم النظرية الإمامية التي تحتم وجود إمام معصوم معيَّن مِنْ قِبَلِ الله، ولا تجيز للأمة أن تعيِّن إماماً أو تنتخبه؛ لأنه يجب أن يكون معصوماً، وهي لا تعرف المعصوم الذي ينحصر تعيينه من قِبَلِ الله؛ ولذلك اضطر الإماميون إلى افتراض الإمام الثاني عشر، بالرغم من عدم وجود أدلة علمية كافية على وجوده. وقد كان من الطبيعي أن يترتب على ذلك القول بانتظار الإمام الغائب، تحريم العمل السياسي، أو السعي لإقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث أحجم النواب الخاصون بالإمام عن القيام بأي نشاط سياسي في فترة الغيبة الصغرى، ولم يفكروا بأية حركة ثورية، في الوقت الذي كان فيه الشيعة الزيدية والإسماعيلية يؤسسون دولاً في اليمن وشمالي إفريقيا وطبرستان. لقد كانت نظرية انتظار الإمام الغائب بمعناها السلبي المطلق تشكل الوجه الآخر للإيمان بوجود الإمام المعصوم، ولازمة من لوازمها؛ ولذلك فقد اتخذ المتكلمون الذين آمنوا بهذه النظرية موقفاً سلبياً من مسألة إقامة الدولة في عصر الغيبة، وأصروا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج المهدي الغائب. وقد نسبوا إلى رسول الله ﷺ أنه قال: (أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله . يعنون به خروج الغائب المنتظر، وجعلوا الانتظار أحب الأعمال إلى الله، والمنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان [١٨] . وبالرغم من قيام الدولة البويهية الشيعية في القرن الرابع الهجري، وسيطرتها على الدولة العباسية، فإن العلماء الإماميين ظلوا متمسكين بنظرية الانتظار وتحريم العمل السياسي، وقد قال محمد بن أبي زينب النعماني (توفي سنة ٣٤٠هـ) في كتابه الغيبة: (إن أمر الوصية والإمامة بعهد من الله تعالى وباختياره، لا من خلقه ولا باختيارهم؛ فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله سبحانه ورد مورد الظالمين والمنافقين الحالِّين في ناره) . (كل راية تُرفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله) . (كل بيعة قبل ظهور القائم فإنها بيعة كفر ونفاق وخديعة) . (واللهِ لا يخرج أحدٌ منا قبل خروج القائم إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به) [١٩] . وجاء في كتاب بحار الأنوار عن المفضل بن عمر ابن الصادق أنه قال: يامفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع والمبايَع له) [٢٠] . وكما أثَّرت قضية الإمامة والولاية فكذلك أَثَّرتْ نظرية (الانتظار) على موضوع حديثنا، العمل الثوري (الجهاد) فتعطل، وكان مُحرَّماً. وقد نتج عن الالتزام بنظرية الانتظار، وتفسير شرط الإمام المُجمَع عليه في وجوب الجهاد أنه الإمام المعصوم أن تَعَطَّلَ الجهاد في عصر الغيبة؛ فقد اشترط الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط في وجوب الجهاد اشترط ظهور الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه، أو حضور مَنْ نصَّبه الإمام للقيام بأمر المسلمين، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الإمام ظاهراً، ولا مَنْ نصَّبه الإمام حاضراً، وقال: (إن الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، وإن أصاب لم يؤجر وإن أصيب كان مأثوماً) . واعتبر ابن إدريس: (أن الجهاد مع الأئمة الجُوّار أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، إن أصاب لم يؤجر وإن أُصيب كان مأثوماً) ، وقال: (إن المرابطة فيها فضل كبير إذا كان هناك إمام عادل ولا يجوز مجاهدة العدو من دون ظهور الإمام) . وصرح يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع بحرمة الجهاد من دون إذن إمام الأصل، و (أن وجوبه مشروط بحضور الإمام داعياً إليه أو من يأمره) . وبالرغم من قيام الدولة الشيعية الصفوية تحت رعاية المحقق الكركي الشيخ علي بن الحسين، فإنه رفض تعديل الحكم في عصر الغيبة، وحصر في كتاب (جامع المقاصد في شرح القواعد) وجوب الجهاد بشرط الإمام أو نائبه، وفسَّر المراد بالنائب بـ (نائبه المنصوص بخصوصه حال ظهور الإمام وتمكنه، لا مطلقاً) . وأغفل الشيخ بهاء الدين العاملي بحث الجهاد في كتابه: (جوامع عباسي) وفسر سبيل الله في عصر الغيبة ببناء الجسور والمساجد والمدارس. ولا يذكر أحدٌ من العلماء المعاصرين - كالكبايكاني والشاهرودي والخونساري والخوئي والقمي والشريعتمداري الذين يعلقون على العروة الوثقى - لا يذكرون شيئاً عن الجهاد أو تفسير كلمة سبيل الله به. ومن هنا - وإذا استثنينا عدداً محدوداً جداً من الفقهاء الذين شككوا في تحريم الجهاد، وربطه بالإمام العادل المعصوم - يكاد يكون إجماع الفقهاء الإمامية عبر التاريخ ينعقد على تحريم الجهاد، بمعنى الدعوة للإسلام والقتال من أجل ذلك، وخاصة لدى العلماء الأوائل منهم [٢١] وقد قال الخميني: (في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام ﵇ إلا البدأة بالجهاد [٢٢] . فهكذا كانت هذه النظرية (العقدية) والسياسية عائقاً كبيراً أمام الشيعة الإمامية في الانطلاق إلى تحقيق عقيدة الثأر الكربلائية، والانتقام ممن قتل الحسين - ﵁ وإن كان هذا الموقف ظاهرياً يُخفي خلفه أحلاماً توسعية فارسية [٢٣] ؛ فقد بدأ الانقلاب على البدعة ببدع أخرى؛ ولكنها هذه المرة تساعد على الخروج من هذه الشرنقة القاتلة التي وضعوا أنفسهم فيها بعد أن ضاقت عليهم بدعتهم وقال قائلهم: اللهم طال الانتظار وشمت بنا الفجار وصعب علينا الانتظار [٢٤] . الأطوار المنسوخة [*] : والمنهج الشيعي مر بأطوار يختلف بعضها عن بعض بشكل كبير؛ فبعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري بغير ولد اضطرب الشيعة وتفرق جمعهم؛ لأنهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين لهم بلا إمام؛ لأنه هو الحجة على أهل الأرض، وبالإمام عندهم بقاء الكون؛ إذ (لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت) وهو أمان الناس (ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) ولكن الإمام مات بلا عقب، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث، فتحيرت فرق الشيعة واختلفت، فادعت طائفة منهم أن الحسن له ولد غائب حفاظاً على المكاسب الأدبية والمادية، وأن له نواباً هم الواسطة بينه وبين الناس، وكانوا أربعة، وكانوا يجمعون الأموال من الناس لإيصالها لهذا الغائب، وكانت لهم الطاعة، فلهم ما للإمام، ولقولهم صفة القداسة والعصمة، وهم مخولون كذلك بالتشريع، ثم كان أن توفي رابع النواب، ولم يوص بنائب خامس بعده، وأخرجوا مرسوماً موقعاً من الإمام الغائب يقول فيه. (أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله) . فانتهت بذلك ما تسمى الغيبة الصغرى وبدأ تطور جديد بتفويض أمر النيابة عن الإمام المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم بعد النواب، وقد أفاد هذا التطور الشيعة في تخفيف التنافس على منصب البابية وبدأت الغيبة الكبرى [٢٥] . وكل هذا العنت كان لربط الناس بأحلام مستمرة عن قيام دولة شيعية، وكلما اقتربت مرحلة التخدير النفسي من النهاية، بدأ تطور آخر وأحلام أخرى حتى لا يتفلت الناس من هذه البدع وإن كان هذا قد حدث بالفعل مع نهاية كل مرحلة وبداية كل تطور جديد. وكانت نظرية (ولاية الفقيه) التي تنازل فيها الفكر الإمامي عن شرط العصمة والنص في الإمام، وسمح بالنيابة الواقعية للفقهاء عن الإمام، والتي تسمح لهم بممارسة القضاء وتوجب التقاضي إليهم، وهو ما كان محرماً عندهم من قبل، وفتح باب الاجتهاد الذي كان محرماً كذلك، والقول بالقياس، وانسحبت أشكال التطور أو (التبديل) على كافة محرمات (نظرية الانتظار) كالعمل المسلح (الثورة) والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة ... الجمعة؛ فقد طالت غيبة الإمام وتوالت القرون دون أن يظهر، والشيعة محرومون من دولة شرعية حسب اعتقادهم، فبدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي تداعب أفكار المتأخرين؛ فهذا الخميني يقول: (قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا ... المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، فهل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ القوانين التي صدع بها نبي الإسلام ﷺ وجهد في نشرها، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ. ثم يقول: (إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف) [٢٦] . ويقول: (وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام حال غيبته، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر؛ فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير) [٢٧] . وإذا كانت حكومة الآيات والفقهاء لا مثيل لها في العدل كما يقول فما حاجتهم بخروج المنتظر إذاً؟ وهو يرى أن ولاية الفقيه الشيعي كولاية رسول الله ﷺ . يقول: (فالله جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً ومن بعده كان الإمام ولياً، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع) ثم يقول: نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه، بفارق واحد هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم؛ لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية) [٢٨] . (وإن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم) [٢٩] . هذا الانقلاب يعتبر نسخاً لكل ما انبنى عليه دين الإمامية، أو على حد قول من قال: إن الخميني أخرج (المهدي المنتظر) عند الروافض [٣٠] من الانتظار إلى الثوار: والفكر السياسي الإمامي هو فكر ثوري بطبيعته، وانتقامي من نشأته إلى منتهاه، وكما يقول قائلهم. الشيعة هم التيار الثوري على مدار تاريخ المسلمين، لديهم عقدة ذنب متأصلة منذ مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء على يد زبانية يزيد بن معاوية ثاني حكام الدولة الأموية، عقدة سببها أنهم تخلوا عن الحسين الذي خرج يطلب الإمارة، وخذلوه؛ بل وسلمه نفر منهم إلى عدوه اللدود، ليمثل بجثته ويسبي أهله وذويه، وقد أتاح لهم الزمن (عدواً جديداً) ! ! يعوضون في جهاده وقتاله والثأر منه ما اقترفوه في كربلاء؛ وبالفعل هم يقاتلون بكل الهموم والآلام والأحزان والاضطهاد الذي جثم على صدورهم طيلة ما يقرب من ١٣٠٠ سنة، يجاهدون ضده بعقيدة متماسكة وشعار حاد (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء) ، وإذا لم تكن الدماء قد جرت في كربلاء دفاعاً عن الحسين، فلتَسِلْ أنهاراً يغسلون بها العار عن الأرض ويستعيضون بها عن الشرف الضائع [٣١] . وتمت المبالغة في تحويل نظرية: (الانتظار) السلبية إلى نظرية ثورية، كما قال عبد الهادي الفضلي: إن الذي يُفاد من الروايات في هذا المجال هو أن المراد من الانتظار هو وجوب التمهيد والتوطئة بظهور الإمام المنتظر. وإن التوطئة لظهور الإمام المنتظر تكون بالعمل السياسي عن طريق إنارة الوعي السياسي والقيام بالثورة المسلحة! ! [٣٢] . وإن كانت الدولة النبوية في المدينة التي أقامها المصطفى ﷺ هي أمنية الأماني التي يُسعى لتحقيقها باعتبارها أنموذجاً ومثالاًَ يُقتفى أثره ويُرجى الوصول إلى صورته فإن هذا النموذج لم يكن هو المثال والهدف الذي يسعى إليه الإمامية؛ بل كان مثالهم دائماً وحتى يظهر مهديهم المنتظر هذه (المصيبة) الكربلائية التي هي دائماً ماثلة أمامهم. (فالأمة الحسينية أمة متصلة قوام اتصالها بـ (المصائب) المتعاقبة عليها، ومواقف الثورة الكربلائية التي لم تنقطع، هناك تدرك تماماً أنك تعرفهم فرداً فرداً منذ آلاف السنين، قاتلت معهم وقاتلوا معك، واستشهدتم سوياً في كربلاء، هناك تدرك تماماً أن المهدي ليس بعيداً وأنه في مكان ما على الجبهة) [٣٣] . وإذا غدا استمرار الثورة ودوامها من بعد حدوثها إنجاز الثورة الأعظم أوجب تجديد الإعجاز كل يوم، والقيام بالثورة من غير انقطاع ولا تلكؤ، ولا يُرتب تجديد الإعجاز حين تتصل الثورة الإسلامية الخمينية بين كربلاء وبين ظهور المهدي، إلا إظهار الدلائل على قيام الثورة، وحفظ معناها، والحؤول بين هذا المعنى وبين الاضمحلال والضعف. ولا يتم ذلك إلا بالإقامة على الحرب وفي الحرب. وينبغي لهذه الحرب أن تكون الحرب الأخيرة، ولو طالت قروناً؛ لأنها تؤذن بتجديد العالم كله، وبطيِّ صفحة الزمان [٣٤] . فلم تكن الحرب بضواحي البصرة وعلى ساحل شط العرب إلا مقدمة حروب كثيرة أوكلت إليها القيادات الخمينية الشابة التمهيد لـ (فَرَج) المهدي صاحب الزمان من غيبته الكبرى، ولبسطه راية العدل على (الأرض) كلها، وتوريثه ملك الأرض للمستضعفين [٣٥] . وهذا المفهوم الثوري المستمر كان له في الحركة السياسية الشيعية اللبنانية ... نصيب وافر؛ فقد ترجمه خطباء الحركة الخمينية بلبنان وينقلونه إلى (اللبنانية) ، أو الكلام السياسي اللبناني، بعبارة (الحالة الجهادية) أو (الثورية أو الإسلامية) ، وهي تعني الخروج من كل أشكال الإدارة التي تمتُّ بصلة إلى الدولة ومؤسساتها وقوانينها عامة، وإلى كيانها الحقوقي خاصة. لذا يحرص أبناء (حزب الله) على استمرار التشرذم والتجاذب والتخبط حرصهم على حدقات عيونهم. ويرفعون هذه الحال إلى مرتبة المثال. ويخاطب محمد حسين فضل الله جمهور المصلين في مسجد بلدة النبي عثمان قائلاً: وعلينا أن نخطط للحاضر والمستقبل؛ لنكون مجتمع حرب! ! ويضيف الخطيب: إن الحرب هذه (مفروضة) ، شأن كل الحروب التي يحل خوضها للإماميين، ولا يحل لهم خوض غيرها [٣٦] ، والحرب (المفروضة) هي النظير الإيراني لحرب التطويق السو. ياتية. فكلُّ ما يوقف توسع أصحاب مجتمع الحرب عدوانٌ عليهم. بين بداية القرن ونهايته: كانت الحالة الدينية السياسية الشيعية في بداية هذا القرن الميلادي حالة منكمشة إلى حد ما، وكان هناك تهميش واضح للشيعة باعتبارهم (طائفة) ، وكان ذلك التهميش الذي عاناه (جبل عامل) والشيعة عامة خلال فترة الانتداب على لبنان، وفترة بناء الدولة والاستقلال حال دون احتلال مواقع في الدولة تسمح أو تدفع بالمشاركة في سباق ادعاء رموز تاريخية مؤسسة لها من الطائفة الشيعية [٣٧] . وعلى مستوى الحالة الدينية، فقد ضعف دور العلماء وعزف الشيعة اللبنانيون عن العمامة أي طلب العلم الشيعي الديني وانزوى المسجد، وقد شهد أحدهم على هذا الواقع فقال: فهذه القرى العاملية لا تذكر اسم الله تعالى في ليل ولا نهار، برغم سخاء المهاجرين على بناء المساجد وكان يوجد وقتها ١٩٢٠ ١٩٣٠م ما يزيد على الأربعمائة مسجد بين مسجد كبير وصغير [٣٨] . وتزامنت هذه الحالة الرثة والهامشية مع تغيرات عالمية ضخمة، فكان سقوط الخلافة العثمانية، وبدايات الدعوة إلى القومية العربية عقب الدعوة الطورانية التركية، والحرب العالمية الأولى، ثم كانت الدولة البهلوية (العلمانية) وكانت هذه الظروف وغيرها مجتمعة أدت إلى أن كانت بدايات النهضة الحديثة للشيعة الإمامية التي انتهت في ١٩٧٩م، بقيام الجمهورية الإسلامية ورغبة في قيام جمهوريات أخرى على غرار المثال الأم. وبين هذه النهضة في بداية القرن وقيام الدولة وسعيها إلى إنشاء دول أخرى، خاصة في لبنان كانت هناك جهود كبيرة لذلك، وكان (حزب الله) مرحلة من مراحل ينبغي أن نقف عليها. أما كيف كانت بدايات النهضة السياسية والدينية الشيعية اللبنانية على يد موسى الصدر وفضل الله وغيرهما؟ وكيف أصبحت (الطائفة) الشيعية رقماً مهماً في الحسابات اللبنانية؟ وكيف صنعوا (قوافل الانتحاريين) ؟ فهذا وغيره موضوع حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله.

стр. 3195

رؤية في مخططات التقسيم في الشرق الأوسط العراق.. البداية حسن الرشيدي (المعارضة الشيعية في العراق ترفض التعاون مع أمريكا ظاهراً؛ وتتعاون معها باطناً؛ أليس هذا هو التقية عينها. (هكذا خطط الغرب لإسقاط صدام؛ ولكن هل ستنجح الخطة؟ !) (خط وهمي في البداية، ثم يزداد الإلحاح ويسقط الخط الوهمي على الأرض ويشتد الضغط؛ وإذا الخط الذي وقع على الأرض يتحول إلى رسم، ثم إذا الرسم يتحول إلى شرخ يظهر في البداية مثل شعرة، ثم يجري تعميقه إلى فَلْق وإلى كسر.) هكذا وبهذا الأسلوب يراد تمرير مخططات الغرب في المنطقة، وإعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تثبت فيها (أمريكا) هيمنتها على العالم وتحقق من خلالها مصالحها الاستراتيجية المعلنة. ومن المعروف أن هذه المنطقة بشكلها الحالي قد رسمت في وقت سابق وفي ظروف مغايرة؛ حيث كانت موازين القوى مختلفة والصراع الدولي له أطرافه وأقطابه. وثمة مؤشرات تدل على أن هناك اتجاهاً لإحداث تغييرات استراتيجية في هذه المنطقة. والسؤال الآن: ما هي هذه المؤشرات؟ وما كنه هذه التغييرات التي تُراد للمنطقة؟ أولاً: المؤشرات: ١- الزيارات المتكررة التي يقوم بها مارتن إنديك مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية وويليام كوهين وزير الدفاع الأمريكي إلى دول المنطقة، ورغم أن الأهداف المعلنة لهذه الزيارات - إن أُعلن عنها - لا تعبر غالباً عن الحقيقية ولا عن فحوى المحادثات التي تُجرى؛ ولكن يمكن استنتاج ما يدور خلال المباحثات من خلال بعض التصريحات التي يحاول أصحابها التملص من المواقف الأمريكية حتى ولو اقتصر الأمر على الأقوال وليس الأفعال. وفي هذا السياق نجد أن تصريحات المسؤولين في بعض الدول التي سبق أن هاجمت النظام العراقي عادت تعلن تمسكها بوحدة العراق كتصريحات محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، ووزير دفاع الإمارات الذي (خرج مباشرة بعد اجتماعه مع المبعوث الأمريكي مارتن إنديك ليحذر من أن ما تخطط له أمريكا تحت لافتة إسقاط النظام العراقي سيقود إلى تقسيم العراق وتفجير حرب أهلية [١] . ٢- عدم رد (إسرائيل) على العمليات الأخيرة من حزب الله في الجنوب اللبناني ... رغم أن الانتخابات الإسرائيلية كانت آنذاك على الأبواب، والفرصة كانت أمام نتنياهو ليعزز من شعبيته أمام الناخب الإسرائيلي المتعطش لدماء العرب عبر عملية أشبه بمذبحة قانا التي قام بها بيريز في الجنوب اللبناني قبل الانتخابات السابقة؛ ولكن نتنياهو لم يفعل، ولم يرد على الاستفزاز مما يعزز الأنباء التي تحدثت عن ضغوط أمريكية مدروسة على نتنياهو انتظاراً لأهداف إسرائيلية ستتحقق بأيد أمريكية وثمار سيجنيها الشعب اليهودي أكثر فائدةً من عمليات عسكرية في لبنان لا يكاد يحصد اليهود منها نتائج ذات بال. ٣- اعتقال أوجلان: تحدثت الأنباء عن مشاركة أمريكية يهودية في عملية الاعتقال تلك عن طريق أجهزة المخابرات الأمريكية في كلتا الدولتين ويعزز من هذه الفرضية أن اعتقاله تم في نيروبي وهي معقل المخابرات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة ? ويمكن اعتبار أن أوروبا قد شاركت بدور في عملية الاعتقال عبر رفضها الدؤوب استضافته على أراضيها مما يدفع المرء إلى التساؤل عن هذا التوافق بين هذه الدول في خطفها لأوجلان رغم اختلافها في كثير من السياسات؛ ولكن ماذا تجني أمريكا و (إسرائيل) من هذا الاعتقال. نعتقد أن هناك عدة أهداف من وراء هذا الاعتقال. أولاً: تقديم خدمة لتركيا نظير ما تقوم به لصالح أمريكا، ولعل زيارة طارق عزيز لتركيا ثم تصريحات أجاويد رئيس وزراء تركيا التي تشكك في جدوى الهجمات الجوية الأمريكية ضد العراق خاصة أن الطائرات تطلع من قاعدة أنجرليك التركية، ثم تراجع عن تصريحاته بعد اعتقال أوجلان الذي اعتبر فيها أن على العراق الالتزام بالشرعية الدولية، والمقصود بها شرعية الهجمات الأمريكية. هذا التراجع يقدم مؤشراً على موافقة تركيا على عملٍ مَّا في شمال العراق تقوم به أمريكا؛ وقد تواردت أنباء في الفترة الأخيرة عن) موافقة تركيا على عرض أمريكي يسمح بقيام دولة فيدرالية (كردية - تركمانية) في شمال العراق توضع تحت وصاية تركيا) [٢] . لقد نجحت أمريكا في تبديد الخوف التركي التقليدي من تغيير الحدود في العراق المجاور. ثانياً: تسببت عملية اعتقال أوجلان في قيام مظاهرات كبيرة للأكراد في أوروبا ومصادمات مع الشرطة هناك، وتناقلت أجهزة الإعلام المرئية صور الشباب الكردي الذي يتسابق على حرق نفسه احتجاجاً على الظلم الذي يحيط بالأكراد مما جعل قضية الأكراد تقفز إلى الواجهة العالمية وينطبع في ذهن الرأي العام العالمي وجود شعب وقضية يدافع عنها مما يمهد الأجواء لقبول وضعٍ مَّا جديد للأكراد في المنطقة. ٤- اغتيال الصدر: يأتي اغتيال محمد صادق الصدر ليشكل منعطفاً جديداً في البلبلة داخل العراق، والصدر ينحدر من أسرة ذات مكانة دينية شيعية، ويحتل مكاناً بارزاً في سلم المرجعيات الدينية، وله شبكة واسعة من المقلدين وبنية مؤسساتية راسخة قوامها مئات من الجوامع وما يسمى الحسينيات وهي شبكة تكتسب أهميتها من عوامل: أولها: أنها تمثل هوية شيعية دفاعية في وجه سلطة عاتية. والثاني: أنها تمثل أداة حماية وخدمات في ظروف الحصار المريعة [٣] . ومحمد الصدر هذا يعتبر مثالاً لعالم الشيعة الذي يجيد التقيَّة ويتلون حسب الظروف خدمة لطائفته الضالة؛ ففي أثناء ثورة الشيعة على صدام بعد حرب الخليج في مارس ١٩٩١م أصدر بياناً بارك فيه هذه الثورة وحض الثائرين على مواصلة الجهاد - على حد زعمه - وبعد الانتفاضة اعتقله جهاز الأمن العراقي وواجهه ببيانه فاعتذر وتذرع بأنه كتبه تحت تهديد السلاح، فقبلت السلطة اعتذاره ظاهرياً على أن يظهر عبر التلفزيون وهو يدين الانتفاضة [٤] ويبدو أن الصدر قد خضع لاعتبارات تكتيكية؛ إذ كان ينوي من ورائها بناء قاعدته الجماهيرية لتحقيق هدفه المتمثل في الإطاحة بالنظام، وإقامة جمهورية شيعية مكانها؛ لذلك ظل يحافظ على روابط مع النظام في بغداد لتمرير بعض المعاملات الرسمية، ومنها: تمديد إقامات الطلاب الأجانب في الحوزات الشيعية، إعفاء بعض العراقيين الطلاب في الحوزة العلمية من الخدمة العسكرية، الحصول على إجازات طباعة الكتب الدينية، وما إلى ذلك [٥] . ولكن في الآونة الأخيرة - ولسبب لا يبدو مفهوماً لأول وهلة - بدأ الصدر ينتقد النظام انتقاداً لاذعاً وخاصة في خطب الجمعة التي هي معطلة - حسب ما يعتقدونه في مذهبهم [*]- ثم بدأ المسؤولون العراقيون يُملون عليه شروطهم الخاصة بالدعاء لصدام حسين؛ لكن الصدر رفض ذلك. وفي شهر صفر الماضي أفتى الصدر بوجوب الذهاب مشياً إلى كربلاء وهو الأمر الذي تقمعه السلطة [٦] لقد قام الرجل بجهد دؤوب في الاستغاثة والتحريض في خطب الجمعة التي كان يحضرها أكثر من مائة ألف شيعي في بعض التقديرات، ويبدو أن جهة استخباريةً مَّا قد شجعته على هذا العمل ترقباً لعملية كبرى قريبة يخطط لها أن تجري في العراق، ولكن صدام - وفقاً لسياسة الوتر المشدود الذي يتبعها - استبق الأحداث؛ ولعل استعراض علماء الشيعة الذين يبدو أن صدام قد قتلهم في الثمانية أشهر الأخيرة: مرتضى البرجردي، وعلي الغروي، ومحمد أمين زين الدين [٧] يظهر لنا أن هؤلاء لم يتحركوا لإثارة الشيعة وقيادتهم ضد صدام فجأة؛ ولكنهم تورطوا في ذلك عندما شعروا أو أشعرهم طرفٌ مَّا أن الأوان قد حان لتمزيق العراق. ٥- الدور الشيعي المشبوه الذي يقوم به باقر الحكيم زعيم ما يسمى بالمجلس الأعلى للثورة؛ فقد أعلن رفضه قبول مساعدات أمريكية؛ ولكن مصادر صحفية أفادت (أنه تلقى مساعدات من الولايات المتحدة، واستُقبل في الكويت أثر عملية ثعلب الصحراء وتلقى مساعدة قدرها (١٢٥) مليون دولار، ثم قابل كبار المسؤولين الكويتيين للتنسيق، ثم حملته طائرة أمريكية خاصة إلى إيران) . (الخليج ٢٣/١/ ١٩٩٩م) (وقد اعترف مسؤول أمريكي مؤخراً بوجود اتصالات مع المعارضةالشيعية في جنوب العراق) [٨] . ٦- تواصل الهجمات الجوية الأمريكية: فمنذ عملية ثعلب الصحراء (نفذت أمريكا ٣٢٢٤ غارة على العراق حتى نهاية فبراير ١٩٩٩م [٩] . ٧- تهميش دور مجلس الأمن: تعمدت أمريكا أثناء عملية ثعلب الصحراء تسريب أنباء تجسس المفتشين على المقرات الأمنية العراقية عبر الصحف والمجلات ذات الصلة الوثيقة بالمخابرات الأمريكية؛ مما جعل رجوعهم مرة أخرى أشبه بالمستحيل، ولقد تعمدت أمريكا هذا الموقف لإثبات الهيمنة وإفهتام العالم أجمع أن الشرق الأوسط بصفة خاصة قد أصبح محمية أمريكية تتصرف فيه كيفما تشاء دون الرجوع إلى أحد حتى ولو كانت شرعية دولية مزيفة. ٨- صفقة السلاح الأمريكية لمصر: فبعد انتهاء زيارة كوهين الأخيرة لمصر (أعلن عن موافقة بلاده على صفقة عسكرية ضخمة لمصر بقيمة ٣. ٢ مليار دولار لتزويدها بنحو ٢٤ طائرة مقاتلة من طراز إف ١٦ ودبابات حديثة) [١٠] ولم تظهر تفاصيل المقابل الذي تريده أمريكا لقاء هذه الصفقة، والمرجَّح أن يكون أحد جوانبه السكوت عن الترتيب الذي تنويه أمريكا في العراق. ثانياً: التغيرات المحتملة: من الملاحظ أنه يوجد شبه تعتيم إعلامي غربي وسياج لحجب جزء كبير من المعلومات والحقائق الخاصة بالعالم الإسلامي وما يتعلق به من أسرار وقضايا، ولعل المقصود من هذا عبر أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها اليهود منع المسلمين من الوصول إلى الحقائق واستشراف المستقبل والاطلاع على المخططات التي تُكاد لهم، وأمر آخر أن الغرب منذ القدم قد اعتاد على إطلاق مسميات لأفعاله غير مسماها الحقيقي وذلك للتمويه والتغطية ظناً منه أن العرب والمسلمين اعتادوا على السطحية والخداع؛ لذلك يجب في البداية رصد الأهداف الأمريكية بالنسبة لمنطقتنا حتى يتسنَّى تحديد آليات تنفيذ هذه الأهداف. أهدافهم في الشرق الأوسط: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور أمريكا قوةً عالمية على الساحة بدأت الأطماع الأمريكية تظهر في منطقة الشرق الأوسط، وتبلورت أهداف أمريكا في هذه المنطقة في عدة أهداف رئيسة: الأول: تأييد (إسرائيل) ودعم أهدافها في المنطقة لتحقيق غايات الحلم اليهودي في المنطقة. والحديث عن التحيز الأمريكي لـ (إسرائيل) بات حديثاً مكرراً ومعروفاً خاصة عند فهمه في ضوء النشاط البروتستانتي المحموم لتهيئة الظروف المناسبة لعودة المسيح وإقامة الهيكل في مكان المسجد الأقصى نفسه؛ حتى إنه من الثابت تاريخياً أن هؤلاء البروتستانت كانوا يدعون إلى إنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين في القرن الثامن عشر في حين أن اليهود أنفسهم كانوا يرفضون هذه الفكرة حينها [١١] . ثانيا: ضمان استمرار تدفق منابع النفط? يمثل النفط العربي نقطتين حيويتين بالنسبة لأمريكا من زاويتين: الأولى: أنه يشكل أكبر احتياطي من النفط في العالم فإن (أكبر مخزون للنفط في العالم هو منطقة الخليج عامة والمملكة العربية السعودية خاصة؛ حيث لا يقل هذا الاحتياطي عن ٦٠% من الاحتياطي العالمي كله، وإذا استمر الإنتاج في معدله الحالي فإن المخزون السعودي من المتوقع أن يستمر ١٢٥ سنة، والكويت ١٤٤ سنة، والعراق ٩٨ سنة، والإمارات ١٢٠ سنة) في الوقت الذي بدأت فيه الاحتياطات العالمية في النفاد. الثانية: أنه يُستخدم ورقة في يد أمريكا لإخضاع الدول الصناعية الكبرى التي تعتمد في اقتصادياتها على النفط العربي للدخول في حظيرة السياسات الأمريكية، ومن هذه الدول: اليابان، والصين، وغيرهما. ثالثاً: إثبات الهيمنة والزعامة الأمريكية: لا شك أن منطقة الشرق الأوسط ذات موقع استراتيجي مؤثر في العالم كله، كما أنها مهد الديانات السماوية، وتعج بمختلف القوميات والأديان والأعراق؛ فضلاً على أنها محط أطماع الإمبراطوريات والممالك منذ القدم، والسيطرة عليها تتطلب قوة غير عادية؛ ولذلك فإن الذي يحقق الهيمنة عليها فكأنه قد سيطر على العالم كله. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة ظهرت أمريكا قوةً وحيدة مهيمنة؛ ولكن هذه الزعامة كانت تبدو غير مكتملة، ويتخللها الكثير من نقاط الضعف، وتعرضت الهيبة الأمريكية لبعض الهزات والسقوط في العديد من الأماكن كان آخرها في أزمة الحصار الأمريكي على العراق في يناير عام ١٩٩٨م، بعدها سارع خبراء السياسة الأمريكيون بصفة خاصة ومن يدور في فلكهم من البريطانيين ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في العكوف على وضع الحلول والخطط الاستراتيجية التي تمكن الغرب بزعامة أمريكا من تثبيت هيمنتها، ووضعت عدة سيناريوهات لتنفيذها في المنطقة. إن أمريكا يهمها هذه الفرضيات: الأولى: إعادة ترتيب هيكل النظام الدولي بحيث تثبت نفسها على قمة هذا النظام. والثانية: التحكم في إدارة الصراع والتفاعل وضبط الأزمات الناشئة بين وحدات هذا النظام. أما الثالثة: فهي تحطيم أي قوة تقف في وجه هذه الهيمنة؛ ففي عدد مجلة التايم الأمريكية (فبراير ١٩٩٩م) (أطلقت تسمية: صبيان العالم المشاكسين أو أوغاد العالم الذين يهددون مصالح الغرب وقيمه وطريقته في الحياة الذين يجب إخضاعهم لتهديد حقيقي لإيقافهم عند حدهم) [١٢] . ويعتبر الشرق الأوسط مكاناً مناسباً لضبط هذه الأمور، ثم تجيء منطقة البلقان في المرتبة الثانية باعتبارها منطقة تظهر فيها أمريكا وتثبت هذه الفرضيات. ورأى أغلب المحللين ضرورة تفتيت العالم العربي وإعادة رسم خرائط جديدة له؛ ليسهل السيطرة عليه وتحقيق الأهداف الغربية، وتلاقت هذه الأهداف مع الرغبات الإسرائيلية، وكان العراق هو البداية. في التاسع عشر من ديسمبر الماضي نشرت صحيفة الصانداي تليجراف أي قبل أن يتوقف العدوان البريطاني الأمريكي الأخير على العراق مقالاً مهماً: يقول كاتبا المقال وهما آلان كلارك ? وزير الدفاع البريطاني في الفترة ١٩٨٩-١٩٩٢م - وديفيد ديفيس - وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية من ١٩٩٥-١٩٩٧م إن كل سبل واستراتيجيات التعامل مع العراق أخفقت سواء تلك التي تمَّتْ في إطار الأمم المتحدة أو التي اتبعتها أمريكا وبريطانيا، وهذا كله لا جدوى منه، ولن يحقق هدف الإطاحة بالنظام العراقي؛ فما العمل إذن؟ يطرح المقال تصوراً محدداً وواضحاً غاية الوضوح يعبر عنه عنوانه: (الآن استولوا على الجنوب) . إن أفضل خيار أمامنا هو ما وصفه شارل ديجول ذات مرة بقطع الذراع، ويعني هذا: اقتطاع جزء من أراضي العراق، وإقامة دولة خليجية تكون تحت حماية الولايات المتحدة في البداية، ثم على المدى البعيد تحت حماية الأمم المتحدة والدول العربية، ويجب أن تشمل هذه الأراضي المقتطعة من العراق (البصرة) التي هي المدينة الثانية في العراق بمواردها الغنية من النفط والبتروكيماويات والصناعات الغذائية والإنشائية وميناء (أم قصر) الميناء المجاور لها، ويجب كذلك أن تشمل الجزء العراقي من شط العرب الاستراتيجي كما يجب أن تشمل الأراضي الزراعية الخصبة في محافظة البصرة. بالنسبة لصدام سيكون مثل هذا الحل قاتلاً له؛ حيث سيمثل ضربة قاصمة لمركز قوته؛ وذلك بفقدانه شريانه البحري الحيوي الوحيد؛ مما سيجعله معتمداً بشكل كلي على الأردن، وعلى هذه الدولة الجديدة في تجارته، وليس هناك من جدوى لفكرة أن وحدة أراضي العراق وسلامتها مهمة جداً ليكون ثقلاً موازياً لإيران؛ فالدولتان ضالعتان في مؤامرة لإحباط محاولات الغرب منع أسلحة الدمار الشامل) [١٣] . في ١٦سبتمبر الماضي، استدعت لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأمريكي خبيراً مهمّاً في شؤون المنطقة ليدلي بشهادته حول الموقف من العراق والسياسة التي يجب أن تتبعها أمريكا. الخبير هو بول ولفرتيز عميد كلية بول نتيز للدراسات الدولية في جامعة جون هوبكنز. قال الرجل: إن أساس استراتيجيتنا هو إقامة منطقة محررة في جنوب العراق شبيهة بما فعلته أمريكا في الشمال. إن إقامة هذه المنطقة المحررة سوف يحقق ما يلي: - سوف يتيح المجال لتشكيل حكومة مؤقتة للعراق الحر ?المعارضة? تبدأ في تنظيم صفوفها وتروِّج لبرنامجها السياسي حول مستقبل العراق، وتسعى لكسب اعتراف دولي. - سوف يتيح لهذه الحكومة السيطرة على أكبر حقل نفطي في العراق واستغلاله مما سيوفر لها موارد مالية ضخمة لتمويل العمليات العسكرية والسياسية. - سيتيح إقامة منطقة آمنة تشجع وحدات من الجيش العراقي على أن تنضم إلى قوات المعارضة مما سيجعل من الممكن تحرير مزيد من الأراضي تدريجياً. في عدد شهر فبراير من مجلة فورين أفيرز أو الشؤون الخارجية نشر ثلاثة من الخبراء الأمريكيين دراسة تناقش ? هل يمكن إسقاط صدام حسين؟ وكيف؟ ناقش الخبراء التفاصيل الآتية: - الدعوة إلى اقتطاع المناطق الجنوبية في العراق الواقعة غرب الفرات وإعلانها عراقاً محرراً. - إقامة حكومة في الشمال وفي الجنوب والاعتراف بها حكومةً شرعية للعراق. - رفع العقوبات الاقتصادية عن مناطق الشمال والجنوب، ومنح هذه الحكومة الشرعية الأرصدة العراقية المجمدة في الخارج. - مساعدة المعارضة العراقية على تجنيد وتسليح ما بين ١٠-٢٠ ألف فرد، وإقامة منطقة آمنة لهذا الغرض في الدول المجاورة للعراق في البداية إن أمكن، وفي داخل العراق بعد ذلك. - تحت حماية القوة الجوية الأمريكية المباشرة يمكن تشجيع قوات المعارضة هذه على شن حرب على غرار ما فعله المجاهدون الأفغان أو الكونترا في نيكاراجوا، وتشجيعها على القيام بعمليات تخريب للمواقع والمنشآت العامة [١٤] . (ويبقى السؤال: ما دامت الأساطيل الأطلسية موجودة في مياه الخليج تفرض الحصار على العراق؛ وما دامت (إسرائيل) تحتفظ بتفوقها العسكري والتقني والسياسي فلماذا الترتيبات الجديدة في المنطقة؟ وما حاجة التحالف البروتستانتي اليهودي لإعادة تقسيم المنطقة وتغيير الحدود؟ الجواب: أن أمريكا لا تأمن أي تغيُّرات فجائية يمكن أن تحدث في المنطقة، وأن يستيقظ المارد النائم وأن يصحو من سباته، ونعني به الجهاد في نفوس شعوب المنطقة والمرجح أنه سيظهر؛ بل كل العلامات والإرهاصات تؤيد ذلك؛ ولهذا لا بد من تفتيت هذه الكيانات إلى مناطق أصغر وحيز أضيق (كونتونات) حتى عندما تستيقظ الشعوب على صيحات الجهاد ونداء الإسلام تجد من الصعب عليها القيام من جديد، ويسهل ضربها؛ بل تظل تحيا في نزاعات وصراعات فيما بينها، كما أن القطاع الضعيف هذا لا يستطيع أن يقوى على امتلاك سلاح بيولوجي أو كيميائي فضلاً عن تطويره، وبذلك يكون التحالف البروتستانتي اليهودي قد نجح في كسر شوكة أي مقاومة محتملة، ومهَّد الأجواء لهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل. لا شك أنه يمكن اعتبار تقسيم المنطقة وتفتيتها أحد الخيارات المطروحة؛ ولا يقتصر الأمر على العراق وحده، ولكن السودان بات على وشك الاعتراف بفصل الجنوب عنه؛ نتيجة للضغوط الدولية وبخاصة الأمريكية، وكذلك مصر؛ فالكيان القبطي هناك أضحى له حزب - وإن لم يعلن - له مخططاته وبرامجه لإقامة دولة قبطية نصرانية، وبقية دول المنطقة تعج بالأقليات والطوائف التي ستنتهز الفرصة المناسبة لتعلن عن نفسها كيانات مستقلة. إنه التقسيم ... الحلم اليهودي منذ فترة طويلة؛ ولطالما صُنعت خرائط وجُهزت الرسوم وحُضِّرت الأذهان لتقبُّله؛ ولم يبق غير التنفيذ، والأيام المقبلة تحمل في طياتها الكثير? والله أعلم.

стр. 3196

مرصد الأحداث حسن قطامش المتقربون إلى اليهود ١- قال مسؤولون أمريكيون: إن الرئيس بيل كلينتون رفض التحدث في جلسة افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لأنها تتزامن مع يوم عطلة عيد الغفران اليهودي، وقالوا: إن الرئيس شدد على أن عيد الغفران من أقدس الأعياد اليهودية بالنسبة لمدينة نيويورك " مكان إلقاء الخطاب " وأن ذلك سيكون له أثر سلبي على السكان. (جريدة الخليج، العدد: ٧٣٧٧٠) ٢- عرض الرئيس التركي سليمان ديميريل على إسرائيل إمدادها بملايين الأتار المكعبة من الياه التركية سنويا، في الوقتا الذي أهدى فيه للفلسطينيين ثلاث سجادات! ! ورحبت إسرائيل بالعرض التركي السخي الذي يحل مشكلة كبيرة للدولة العبرية. (جريدة الحياة، العدد: ١٣٢٧٨) ٣- اقترحت شركة إيرباص لصناعة الطائرات على شركة العال الإسرائيلية توريد طائرات للشركة مقام بها كنيس يهودي يضم عشرة مقاعد وقوسا دوارا يمكن المصلين من الاتجاه إلى القدس من أي مكان تكون فيه الطائرة. (جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٥٤٣) صبر جميل والله المستعان لست متحجرا في أفكاري لقضية أو لأخرى، نحن نطور مواقفنا حسب تطور الأوضاع ولو كان الإسرائيليون في وضع الفلسطينيين الآن لوقفت الجزائر إلى جانبهم، لكن لا زلت أترقب تطور الأحجاث، وأنتظر بصبر جميل، ولن أغض بصري عما هو واقع ومفروض على الجميع، فأنا لست من دعاة الحرب أو التوتر من أجل التوتر. (الرئيس الجزائري بوتفليقة، جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٥٣٧) ما زال التجفيف مستمر ١- اتخذت تركيا خطوة جديدة في محاربتها للتوجهات الإسلامية لدى مواطنيها، بعد أن أقر البرلمان قيودا وشروطا خاصة للالتحاق بدور تعليم القرآن الكريم في البلاد بحصر الالتحاق بها في تلاميذ السنة الخامسة من المرحلة الابتدائية، عندما يبلغ التلميذ الثانية عشرة من عمره، وهو ما لم يكن محددا في السابق. (جريدة الخليج، العدد: ٧٣٧٠) ٢- قررت وزارة الداخلية الماليزية عدم السماح لأي حزب يضم اسمه كلمة الإسلام. (جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٥٥٦) لن نعجب قال مسؤول فلسطيني: إن تاريخ الاتصاللات الإسرائيلية العربية لم يكتب بعد، وإن نشره مستقبلا سيثير ذهول القراء العرب. (مجلة الوسط، العدد: ٣٩٢) جيء بهم لفيفا ١- ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست أن إسرائيل استقدمت حوالي ١٤٠٠ يهودي أثيوبي، ويذكر أن غالية اليهود الأثيوبيين الذين يبلغ عددهم ٧٠ ألفا هاجروا إلى إسرائيل في عمليتي موسى ١٩٨٥ وسليمان ١٩٩١م. (جريدة الرياض، العدد: ١١٣٥٩) ٢- قال المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل: إن هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل زادت زيادة كبيرة في النصف الأول من عام ١٩٩٩م، وأضاف المكتب أن ١٢١٩٠ يهوديا من روسيا قدموا إلى إسر\ئيل بزيادة نسبتها ١٣٠% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. (جريدة الخليج، العدد: ٧٣٧٦) ٣-أكد مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي أن عدد المستوطنين اليهود القاطنين في المستوطنات القائمة في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة سجل خلال العالم الماضي ١٩٩٨م ارتفاعا تراوحت نسبته بين ٨ ١٢%، وطبقا لمعطيات مكتب الإحصاء الحكومي فقد بلغ عدد المستوطنين اليهود الذين كانوا يعيشون في الضفة الغربية مع نهاية العام الفائت ١٦٦ ألفا و١٠٠ مستوطن، وهذا يشكل زيادة بنسبة ٦ ٧% مقارنة مع نهاية عام ١٩٩٧م، وبلغ عدد المستوطنين الذين أقاموا في قطاع غزة مع نهاية العام الماضي ٦٤٠٠ مستوطن وهو ما يشكل حسب معطيات المصدر ذاته زياة بنسبة ١٢% بالمقارنة مع عدد المستوطنين الذين أقاموا في قطاع غزة حتى نهاية عام ١٩٩٧م السابق. وعلقت مصادر مجلس المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة بقولها: إن أرقام مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي هذه ليت دقيقة، وأشارت إلى أن عدد المستوطنين اليهود القاطنين في مستوطنات الضفة والقطاع سيصل خلال صيف العام الحالي إلى نحو ٢٠٠ ألف مستوطن. يشار إلى أن هذه الإحصاءات والأرقام لا تشمل حوالي ١٥٠ألف مستوطن يهودي يقيمون في المستوطنات التي أقامتها إسرائيل في مدينة القدس العربية المحتلة وضواحيها بعد حرب عام ١٩٦٧م. (جريدة الخليج، العدد: ٧٣٣٦) العرق دساس ١- إننا نتطلع إلى اليهوم الذي تصبح فيه القدس موطنا لسفارة الولايات المتحدة ودول أخرى، إن القدس توحدت مجددا بعد حرب ١٩٦٧م، ن ذلك يجب أن لا يتغير، وأعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تقف إلى جانب إسرائيل كما يفعل أي صديق حميم. (هيلاري كلينتون، جريدة الحياة، العدد: ١٣٢٩١) ٢- كتبت مجلية فوروارد اليهودية الأسبوعية الصادرة في نيويورك أن هيلاري كلينتون لها صلة قرابة باليهود تعود إلى جدتها، كما اعتنقت إحدى خالاتها اليهودية. (جريدة الحياة، العدد: ١٣٣٠٠) اللهم رجلا كصلاح الدين يرى يعكوف احمئير، الكاتب ومقدم البرامج ف التلفزيون الإسرائيلي في إحدى مقالاته أن إحياء ذكرى معركة حطين إنما يخلد في نفوس العرب ونشئهم عدم تقبل دولة إسرائيل، والحديث عن الحروب الصليبية وحطين إنما يغذي الصراع ويشعل جذوته بكثير من اللهب، والبروفيسور يهشوع بورات المؤرخ الإسرائيلي يتفق مع كل ما جاء به احمئير ويطالب بأن يحال بين الطلاب العرب وبين تعلم سيرة صلاح الدين الأيوبي الذي يقول عنه بورات: إنه أصبح رمزا للإباء الإسلامي وقائدا لا يقبل الجور الذي يلحق بأمته، صلاح الدين يمثل الطراز النادر من القادة الذين لا يقبلون التعايش مع الغزاة. (صالح النعامي، الشرق الأوسط، العدد: ٧٥٥٧) دور مهم إن المنظمة (الأمم المتحدة) سبق أن شهدت مراحل تهميش على غرار ما دث أثناء الحرب الباردة، ولكن الأمم المتحدة هي المنتدى الوحيد الذي يقدم إمكانية للدول الصغيرة والدول النامية لإسماع صوتها والتعبير عن تطلعاتها ومطالبها وإحباطاتها، وإن تعزيز الأمم المتحدة سيسمح للدول الصغيرة والمجموعات المهمشة في المجتمع الدولي سواء كانوا من الأطفال أم النساء بالحصول على حماية واهتمام. (بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٥٢) غربة الحداثة أقيمت ندوة لمناقشة كتاب شعر الحداثة في مصر.. الابتداءات.. الانحرافات.. الأزمة، ورغم أن الندوة تناقش قضيية الشعر الحداثي في مصر، وهي من القضايا التي تشغل الوسط الثقافي، إلا أن الندوة تخلف عن حضورها معظم المحاضرين والجماهير أيضا، وبعد طول انتظار بدأت الندوة بأحد عشر حاضرا وصحفيا وعامل بوفيه. (جريدة الأسبوع، العدد: (١٢٤)) أموالهم ردت إليهم أفاد مسؤولو مجموعة السبع أن عدد الدول المؤهلة للاستفادة من تخفيف الديون في النظام الجديد سيرتفع من ٢٩إلى ٣٦ دولة وأنه قد يتم تخفيض ديون حجمها ٨٠ مليار دولار تقريبا أو شطبها بالكامل، وقال الوزراء: إنهم وافقوا على تمويل الخطة جزئيا من خلال بيع بعض احتياطات صندوق النقد الدولي من الذهب، وستتكلف الخطة ٢٧ مليار دولار لو تم حسابها على أنها مبلغ سيقدم دفعة واحدة إلى الدول المستفيدة من البرنامج. (جريدة الخليج، العدد: ٧٣٢٩) يورثها من يشاء قال بابا الفاتيكان: إن أوربا يجب أن تكون خالصة للنصرانية، وأن تبنى على القيم النصرانية. كرر البابا هذه المقولة ثلاث مرات خلال زرارته الأخيرة لموطنه بولندا متجاهلا بذلك حقيقة أن أوربا ليست مقصورة على النصارى وحدهم؛ إذ يعيش بها ما يقرب من ٢٥ مليون مسلم. (مجلة المجتمع، العدد١٣٥٦) الأيام دول ياأولبرايت قالت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت: إننا في الوقت الحالي حقا لا يمكن الاستغناء عنا في السياسات العالمية فبدوننا لا شيء يسير. (جريدة الخليج، العدد: ٧٣٧١) حرصا أمر خوفا تعهد قادة القارة الإفريقية في القمة الخامسة والثلاثين التي عقدت في الجزائر بدفن الانقلابات، وعدم الاعتراف بأي حكم في القارة يصل إلى السلطة بانقلاب عسكري مستقبلا. (مجلة الوسط، العدد: ٣٩٠) تكاليف حب الاستطلاع قرر الكونجرس الأمريكي إضافة مبلغ ١. ٥ مليار دولار إلى موازنات ١٣ وكالة استخبارات أمريكية وذلك لأغراض التجسس والتنصت على المكالمات الهاتفية واعتراض رسائل الفاكس والبرقيات. (مجلة الوسط، العدد: ٣٩٠) مرصد الأرقام - يبلغ عدد سكان مستوطنة كريات أربع خمسة آلاف مستوطن يحصلون على مياه توازي ما يحصل عليه ١٧٠ ألف عربي. (جريدة الخليج، عدد: ٧٣٧٠) - ارتفعت الديون الخارجية لدول جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا بدرجة مذهلة من ثلاثة بلايين دولار في عام ١٩٦٢م إلى ٢٥٠ بليون دولار الآن. (جريدة فينانشيال تايمز البريطانية (مترجم)) - بلغ عدد النزاعات الداخلية والثنائية في إفريقيا إلى ٢٧ نزاعا، كما بلغ عدد اللاجئين إلى ٦ ملايين لاجئ بسبب هذه النزاعات، ويوجد ١٢٠ ألف شاب دون ١٨ سنة في هذه النزاعات، فضلا عن المصابين بمرض الإيدز الذين تناهز نسبتهم ٦٠% من مجموع المصابين في العالم. (مجلة الوسط، العدد: ٣٩٠) - ذكر تقرير قدمته وزارتا الدفاع والخارجية إلى الكونجرس أن واشنطن باعت أسلحة بقيمة ٤٠ مليار دولار أمريكي إلى ١٦٥ دولة العام الماضي. (جريدة الخليج، العدد: ٧٣٦٤) - يبلغ حجم الماء المهدر في الدول العربية سنويا ما يقارب ١٥٥ بليون متر مكعب. (جريدة الحياة، العدد: ١٣٢٩٩) - في تقرير للأمم المتحدة خاص بشؤون الأطفال ذكر أ، هناك مليوني طفل قتلوا خلال العقد الأخير نتيجة النزاعات المسلحة في كافة أنحاء العالم، كما أن نصف اللاجئين ال١٣ مليونا في العالم هم من الأطفال. (جريدة الرياض، العدد: ١١٣٦) - تتجاوز الثروة المجمعة لأغنى ثلاثة أشخاص في العالم مجمل الناتج الإجمالي لمجموعة الدول الأقل فقرا والتي تضم ٦٠٠ مليون شخص. - شراء جهاز كمبيوتر يكلف ما يعادل دخل مواطن بنجلاديش ف ثماني سنوات، وهو ما يعادل دخل شهر واحد لأمريكي. - تعمقت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في العالم؛ حيث ارتفعت إلى نسبة ١: ٤٧ عام ١٩٩٧م مقابل ١: ٣٠ في العام ١٩٦٠م. (جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٥٣٢) - ذكر رئيس الإدارة المدنية المؤقتة للأمم المتحدة ف كوسوفا أن المقابر الجماعية المنتشرة في الإقليم تضم نحو ١١ ألف جثة. (جريدة الأنباء، العدد: ٨٣٣٨) - توجد في إسرائيل ١٦ مدينة وبلدة تحمل لقب منكوبة بالبطالة لكن اللافت للنظر أن أكثر من ٨٠% منها عربية. (جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٥٥١) - لن يتمكن ١٣٠ مليون طفل في سن الدراسة الابتدائية من الحصول على التعليم الأساسي؛ لأنهم يعيشون في فقر أكثر حدة، وصحة أكثر تدنيا. (جريدة الجيل، العدد: ١٣٢٨٥) - وافق مجلس النواب الأمريكي على تخصيص ١. ٤ مليون دولار لحماية السفارات الأمريكية من الإرهاب الدولي. (جريدة الحياة، العدد: ١٣٢٨٥)

стр. 3197

الكنائس الشرقية ساندت الصليبيين في غزو المشرق الإسلامي فرست مرعي إسماعيل بدأت بعض الدراسات والبحوث في قسم من الجامعات ومراكز البحوث العربية تضفي نوعاً من الشفافية والمصداقية على أهل الذمة من النصارى (النصارى الوطنيين حسب المصطلح التنويري الجديد!) الذين عاشوا في كنف الدولة الإسلامية أيام الحروب الصليبية وقبلها، وكيف أن النصارى بشتى طوائفهم من أرثوذكس وسريان ونساطرة وموارنة وأرمن تعرضوا مثلما تعرض المسلمون إلى ويلات الغزو الصليبي الغربي، وأنهم لم يساعدوا إخوانهم في العقيدة النصرانية الصليبيين الغربيين أتباع الكنيسة الكاثوليكية - بقدر ما وقفوا ضدهم خلال محاولتهم السيطرة على المشرق الإسلامي واسترجاع ما يعتقدون أنه القبر المقدس للمسيح - ﵇ من أيدي البرابرة المسلمين - حسب زعمهم - على أساس وجود خلافات عقائدية وتاريخية وقومية بين الجانبين، وأنهم - أي النصارى - تمتعوا في ظل الدولة الإسلامية بالحرية والعدالة أكثر مما تمتعوا بها خلال حكم إخوانهم في العقيدة الإمبراطورية البيزنطية التي أذاقتهم الويل والثبور لخروجهم على تعليمات الكنيسة الجامعة وأنهم أصبحوا مهرطقين [١] . هذه الدراسات والبحوث في حقيقة الأمر كانت واقعة تحت التأثير التغريبي للدراسات التنصيرية الاستشراقية من جهة، وتحت الضغط السياسي والإعلامي للمد القومي العلماني الذي ساد الساحة العربية بعد منتصف القرن العشرين بقليل من جهة أخرى؛ مع مراعاة اعتبار أن أغلب رواد الفكر القومي العلماني والاشتراكي كانوا من النصارى: (ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث) ، (أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري) ، (جورج حبش أحد مؤسسي حركة القوميين العرب) ، (نايف حواتمة زعيم الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين!) ، (قسطنطين زريق أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة الأمريكية ببيروت) وغيرهم كثير. وبعد أن تبوَّأ بعض هؤلاء وتلامذتهم كراسي الأستاذية في كثير من الجامعات العربية بدؤوا عملية تغيير منظمة ومبرمجة في العلوم الاجتماعية عامة والتاريخية خاصةً، إضافة إلى أن وزارات الثقافة العربية والتعليم العالي في الدول ذات الأنظمة الاشتراكية الراديكالية قامت بالعملية نفسها ولكن على نطاق واسع لكي تواكب تغييراتُها المرحلةَ العربية الثورية! مرحلة الإنجازات القومية الاشتراكية التي أهدتها للجماهير العربية المغلوبة على أمرها والتي طالما صفقت لها كثيراً، مثل نكسة الانفصال بين مصر وسوريا عام ١٩٦١م، ونكسة حزيران عام ١٩٦٧م، وغيرها كثير! واستناداً إلى هذه المتغيرات تم إحلال مصطلحات بديلة لكي يتربى عليها النشء الجديد ابتداءًا من رياض الأطفال وانتهاءً بالدراسات العليا في الجامعات ومراكز الدراسات؛ حيث تم إلغاء مصطلحات: الجهاد، الحروب الصليبية، الفتح الإسلامي، الشريعة الإسلامية، أهل الذمة، الجزية..، وحلت محلها مصطلحات: الصراع العربي الفرنجي، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، تحرير الأرض العربية، نشر قيم السماء، النصارى الوطنيين، الضرائب [٢] . وعلى أي حال فإن الجامعات الأمريكية ومراكز الدراسات الأوروبية لا زالت تستعمل مصطلحات الحروب الصليبية والجهاد المقدس! ومما يؤسف له أن هذه المصطلحات التنويرية العصرانية! لا زالت تستعمل في كثير من أروقة الجامعات الأوروبية حتى اليوم بالرغم من اعتراف دهاقنة الفكر القومي والماركسي بإخفاق مشروعهم الثوري الاشتراكي على جميع الأصعدة: السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والتربوية. فالصراع في واقع الأمر لم يكن بين العرب والفرنجة بقدر ما كان صراعاً بين القوى النصرانية بشقيها: الغربي، والشرقي من جرمان ولاتين ونورمان وإغريق وسلاف، إضافة إلى مساعدة النصارى من أهل الذمة لهم بشتى فرقهم، وبين القوى الإسلامية: من تركمان، وسلاجقة، وكرد، وعرب، وفرس. واستناداً إلى مجريات الصراع الإسلامي النصراني في زمن الحروب الصليبية التي استغرقت قرنين من الزمان يستطيع الباحث أن يؤكد أن أغلب قادة حركة الجهاد الإسلامي ضد الحملات الصليبية كانوا من المسلمين غير العرب أمثال: عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود (تركمان) ، صلاح الدين الأيوبي (كردي) ، ... بيبرس البندقداري، الناصر قلاوون، الأشرف خليل (مماليك) . ... وكانت مجلة البيان قد نشرت في عددها ١٣٨ في يونيو (حزيران) ١٩٩٩م مقالاً تحت عنوان: (صراع بين كنيستين.. الخلفية الدينية لضرب الصرب) ، وبالرغم من أهمية المقال في هذه الظروف التي تمر بها الأمة الإسلامية وشعب كوسوفا يتعرض إلى أكبر عملية إبادة دينية وعرقية تحت سمع وبصر العالم الأوروبي المتحضر! إلا أنه لا يخلو من معلومات جانبت الصواب في عدة مواضع: أولاً: في الصفحة ٧٧ جاء ما يلي: (وخلال الفتح الإسلامي كانت القرى الأرثوذكسية تنضم إلى الجيوش الإسلامية نكاية بالكاثوليك الذين أذاقوا الأرثوذكس ويلات العذاب ... ) [٣] والصحيح أنه أثناء عمليات الفتح الإسلامي لبلاد الشام كانت القوى السريانية (اليعقوبية) المنوفستيين تُبدي فرحها بهزيمة الدولة البيزنطية صاحبة المذهب الملكاني (مذهب الملك) أو مذهب الطبقيين، ولم يكن مصطلح الأرثوذكسية - الذي يعني الطريق المستقيم - قد شاع آنذاك وإنما ظهر إلى الوجود في أعقاب الانفصال الكبير بين الكنيستين: الغربية التي سميت بالكاثوليكية - أي الأغلبية - والشرقية التي سميت بالكنيسة اليونانية أو كنيسة الروم الأرثوذكس؛ لذا كان أنصار الكنيسة السريانية والقبطية يُعتَبرون هراطقة من وجهة نظر الكنيسة الرومانية التي أطلق عليها العرب المسلمون تسمية الكنيسة الملَكية نسبةً إلى ملك القسطنطينية. ثانياً: جاء في الصفحة نفسها: (بينما تم فتح مصر بسلاسة عجيبة؛ لأن أقباط مصر كانوا واقعين تحت ظلم الكاثوليك حتى أعلنت كنيسة مصر انفصالها عن كنيسة روما) [٤] والصحيح أن المصريين أو الأقباط كانوا واقعين تحت ظلم الدولة البيزنطية وليس الكاثوليك، والكنيسة المصرية أعلنت انفصالها عن كنيسة القسطنطينية وكنيسة روما في آنٍ واحدٍ؛ حيث جاء في كتاب تاريخ الأمة القبطية ما نصه: (ولما طرق مسامع المصريين ما لحق ببطرِيَرْكِهم) ديسقورس (من الحرمان والعزل هاجوا وغضبوا، واتفقوا على عدم الاعتراف بقرار المجمع الذي أصدر هذا الحكم، وأعلنوا رضاهم ببقاء بطريركهم رئيساً عليهم، ولو أنه محروم مشجوب، وأن إيمانه ومعتقده هو عين إيمانهم ومعتقدهم، ولو خالفه فيها جميع حكام القسطنطينية وبطاركة رومية) [٥] . ثالثاً: جاء في الصفحة نفسها: (ولما جمعت أوروبا الغربية (ذات الجمهور الكاثوليكي) قواها لغزو الأرض الإسلامية فيما يعرف بالحروب الصليبية لم تساندها الكنيسة الشرقية، وتكرر الغزو دون أثر للأرثوذكس؛ لأن الكنيستين كل واحدة منهما تكفِّر الأخرى) [٦] ، والصحيح أن الكنيسة الشرقية كانت مشرفة على الكنائس التي تضمها الإمبراطورية البيزنطية التي عاصمتها القسطنطينية، وكان للدولة البيزنطية القِدْح المعلَّى في دعم الصليبيين مادياً ومعنوياً؛ بل يستطيع الباحث القول دون موارية: إن استنجاد البيزنطيين بالعالم الأوروبي - خوفاً من الخطر السلجوقي بعد معركة (ملاذ كرد) الفاصلة التي خسروها وأسر امبراطورهم رومانوس الرابع - كان السبب الحقيقي للدعوة التي قام بها البابا أدريان الثاني عام ١٠٩٥م للقيام بحرب صليبية لإنقاذ الأماكن المقدسة النصرانية - كما زعموا - من أيدي البرابرة المسلمين! [٧] . وتأكيداً على التعاون الذي جرى بين الإمبراطورية البيزنطية - التي تعتبر الرأس الأعلى للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية - وبين ملوك وزعماء الغرب الأوروبي ندرج أدناه نص رسالة وجهها الإمبراطور البيزنطي القسيس كومنين الأول إلى روبرت الأول إمبراطور الأراضي الواطئة (هولندة الحالية) حوالي سنة ١٠٨٨م: (من إمبراطور القسطنطينية إلى السيد الأجلِّ اللورد روبرت أمير الأراضي الواطئة، وإلى جميع كبار رجال المملكة المؤمنين بالعقيدة المسيحية، وإلى رجال الدين والدنيا: تحية وسلاماً.. أيها السيد العظيم حامي العقيدة المسيحية: أود أن احيطك علماً بما وصل إليه تهديد البجاناكية والأتراك للإمبراطورية الإغريقية المسيحية المقدسة؛ فهم يعملون فيها السلب والتخريب كل يوم، ويتوغلون في أراضيها دون انقطاع، وكم من مذابح وتقتيل وجرائم تفوق حد الوصف يقترفونها ضد المسيحيين الإغريق؛ فضلاً عن السخرية والتحقير! فإنهم يذبحون الأطفال والشباب داخل أماكن التعميد؛ حيث يريقون دماء القتلى محتقرين بذلك المسيح. لقد استولى أولئك القوم على كل البلاد الواقعة بين بيت المقدس وبلاد الإغريق؛ إذ امتُلكت بلاد اليونان كلها، بما في ذلك أجزاؤها العليا ... لذا: أستحلفك بمحبة الله وباسم جميع المسيحيين الإغريق أن تمد لنا وللمسيحيين الإغريق يد العون والمساعدة، وذلك بتقديم جميع الجنود المسيحيين من كبير وصغير، فضلاً عن العامة ممن يتسنى جمعهم من بلادك. وبناءً على ذلك يجب أن تحاربوا بكل ما أوتيتم من قوة وشجاعة قبل سقوط القسطنطينية، وستُسعدون ويكون لكم في السماء أجراً عظيماً (كذا) ومن الأفضل أن تكون القسطنطينية في حوزتكم وليست في قبضة الأتراك ... ) [٨] . ومن الجدير ذكره أنه كان للنصارى المستقرين داخل حدود الدولة الإسلامية دور خياني كبير في فتح أبواب الوطن الإسلامي أمام جحافل الصليبيين بالرغم من المعاملة الحسنة التي لاقوها من المسلمين أمراءَ وشعوباً؛ فقد ساعد الأرمنُ النصارى الذين كانوا يتركزون في شرق آسيا الصغرى وشمال الجزيرة الفراتية - ساعدوا الصليبيين في احتلال عدة مدن وإنشاء أول إمارة صليبية على يد الأمير البولوني بلدوين؛ حيث فتح الملك الأرمني طوروس بن هيثوم أبواب الرها ورحب به؛ ودخل بلدوين المدينة واستقبل استقبال الفاتحين وسط ترحيب أهلها وحاكمها ورجال الدين الأرمن فيها واغتباطهم البالغ بذلك [٩] . وعندما حاصر الصليبيون مدينة انطاكية استنجد أميرها باغي سيان بالقوى الإسلامية القريبة والبعيدة للعمل على إنقاذ أنطاكية والوقوف كتلة واحدة أمام الخطر الصليبي الذي يهدد الجميع، فاجتمعت له قوات إسلامية كثيرة عند بلدة حارم إلى الشرق من أنطاكية، وكانت خطة المجاهدين المسلمين في هذه المرحلة أن يهاجموا هذه الجيوش الصليبية المحيطة بأنطاكية فجأة، وفي الوقت نفسه يخرج الجيش الذي يقوده أمير انطاكية باغي سيان من أنطاكية، مما يجعل الصليبيين بين فكي كماشة، غير أن النصارى في حلب وحارم - خاصة السريان والأرمن - أبلغوا الصليبيين بهذه الخطة، فلما اشتبك الفريقان حلت الهزيمة بالمسلمين قبل أن ينفذوا خطتهم، واستولى الصليبيون على حارم بمساعدة أهلها السريان والأرمن [١٠] . ولما طال حصار انطاكية من قِبَلِ الصليبيين، وضاقت بهم الحال استقر رأي قادتهم على أن يقوم أحدهم بالاستيلاء بالقوة على أحد حصونها الواقع على ناحية نهر العاصي، وتقرر أن يحاصر كل قائد منهم هذا الحصن مدة أسبوع بالتتابع؛ وكان على الحصن أحد القادة من قِبَل الأمير باغي سيان، يُدعى فيروز، وكان فيروز هذا قد اعتنق الإسلام ونال ثقة باغي سيان، فعهد إليه باغي سيان بحراسة أحد أبواب المدينة في الجبهة الجنوبية، ولم يلبث هذا الأرمني - النصراني الأصل- أن غلبت عليه روح الخيانة، فاتصل ببعض الأرمن الذين كانوا متعاونين مع الصليبيين وتوسطهم لمراسلة القائد الصليبي بوهيمند، وأنه مستعد لتسليم انطاكية إن أمَّنوه وأعطوه ما أراد، فراسله الصليبيون وتوثقت عرى الصداقة بينه وبين القائد بوهيمند بعد أن أغراه بالأموال والحظوة إذا اعتنق النصرانية مرة ثانية، فوثق فيروز بقوله، واتفق معه على أن يفتح له أحد الأبراج التي يتولى حراستها، ومنحه مالاً كثيراً، واحتفظ بوهيمند لنفسه بسر هذه المؤامرة عن أصحابه، فلما كانت نوبته في محاصرة البرج المذكور فتح له فيروز شباكه ليلاً، فدخل الصليبيون منه وهدموا جزءاً من السور ودخلوا البلد ودوَّت الصيحة في أحياء المدينة ورفع بوهيمند رايته على نقطة مواجهة لقلعة انطاكية، وقتل الصليبيون في اليوم التالي من صادفوه بالمدينة من المسلمين وسبوا من النساء والأطفال عدداً لا يُحصى [١١] . وبناءً على ما تقدم يستطيع القارئ الحصيف أن يخرج بنتيجة وهي أن جميع الفرق والكنائس النصرانية: من كاثوليكية، وأرثوذكسية، وبروتسانتية، وكنائس المشرق من سريان ومارون ونساطرة يتوحدون عندما يجابهون عثرة في وجه أطماعهم كالإسلام، أو عندما يقومون بغزو ديار الإسلام وهذا لا ينفي وجود خلافات عميقة فيما بينهم حتى إنَّ مذاهبهم أصبح يُطلق عليها اصطلاح الدين: كالدين الكاثوليكي، والدين البروتستانتي [١٢] .

стр. 3198

الاستلهام الإبداعي لمفهوم التكريم الإنساني د. أحمد عطية السعودي ينعم الإنسان في الإسلام بمكانة لا نظير لها في الديانات والفلسفات والمذاهب التي تدّعي حماية حقوقه، وصون كرامته، وإعلاء شانه. لقد خلق الله الإنسان متميزاً ومتفرداً في تكوينه وتركيبه وتكليفه، وجعله جِبلَّة من الروح والعقل والجسم. [وإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ (٢٨) فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ] [الحجر: ٢٨، ٢٩] . فهو قبضة من طين الأرض تتمثل فيها عناصر الأرض الماديّة ورغائبها وضروراتها، ونفخة من روح الله تتمثل فيها إشراقة الروح الصّافية وقوّة الوعي المدركة وقدرة النفس المريدة [١] . وهذا الكيان المؤلف من قبضة الطين ونفخة الروح يمتزج امتزاجاً عجيباً، ويرتبط ببعضه ارتباطاً وثيقاً، فتصدر عنه الأفعال بإرادة اللهومشيئته الذي ألهمه الاستعداد الفطريّ لعبادته وحدَه، والقيام بمسؤولية الخلافة، وكرّمه وشرّفه ورزقه، وسخّر له ما في السموات والأرض وفضّله على كثير من الخلق: [ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] [الإسراء: ٧٠] . مظاهر التكريم الإنساني: ومظاهر هذا التكريم والتشريف كثيرة لا تُحصى، عظيمة لا توصف؛ لما فيهامن لطائف التدبير، ودقائق التقدير، وبدائع الخلق والتكوين، وعجائب الإحكام والإنشاء، وروائع الكمال والجلال. ومن ذلك التكريم: ١ - تميّز الإنسان بالعنصر الرّوحي: فقد أودع الله - سبحانه - بين جنبي الإنسان قبساً علوياً منه ونفخة روحيّة إلهية جعلت الملائكة تنحني له إجلالاً وإكباراً لأمر الله - جلّت قدرته -: [إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ (٧١) فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ] [ص: ٧١، ٧٢] . وهذه النفخة الروحيّة ليست خاصّة بآدم أبي البشر؛ بل هي في بنيه ونسله، وهذا التكريم لشخص - آدم ﵇ هو تكريم للنوع الإنساني في شخصه [٢] ، قال - تعالى -: [ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ] [السجدة: ٨، ٩] . والروح سرّ الحياة في الإنسان قد اختصّ الله - سبحانه - بعلمها، وصارت معرفتها أمراً محيّراً للبشرية منذ أقدم العصور؛ فلم يستطع أحد، ولن يستطيع أن يعرف كنهها أو يجلو سراًّ من أسرارها؛ لأنها من أمر الله: [ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ومَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً] [الإسراء: ٨٥] . ٢ - خُلِقَ الإنسان في أحسن تقويم: خلق الله - جل شأنه - الإنسان في أجمل صورة، وأحسن تقويم، وأعدل قوام؛ إذ جعل الله بقدرته وتدبيره الطين بشراً مدركاً مفكراً سميعاً بصيراً، وخلق له زوجه، وجعله متناسلاً، وجعل نسله من ماءٍ مهين، وخلقه في أطوار عجيبة من غير حول له ولا قوة: [ولَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ] [المؤمنون: ١٢ - ١٦] . وخلق له الأعضاء والحواس، وجعل له الرأس والوجه واللسان والأسنان والفم والحلق والحنجرة، والأظفار واليدين والرجلين، والبطن والصدر والظهر، واللحم والجلد، والدّم والأعصاب والعروق، وجعل له الأجهزة الكثيرة التي تعمل في تناسق وانتظام بوظائف مختلفة. وخلق الإنسان قائماً منتصباً معتدلاً غير مكبوب على وجهه، ولا مُلقى على ظهره ليباشر أعماله بيديه وجوارحه: [يَا أَيُّهَا الإنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ] ... [الانفطار: ٦ - ٨] . وجعل حياته في مراحل متعاقبة من طفولة وشباب وكهولة وشيخوخة، وفترات ضعف وقوّة، وجعل له أجلاً مسمًّى: [هَوَ الَذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ومِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [غافر: ٦٧] . [الله الَذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ] [الروم: ٥٤] . وأبحاث العلم الحديث تؤكّد أن أصل الإنسان ومعدنه الأساس من طينة الأرض، وأنّ الإنسان لو أعيد إلى عناصره الأولية لكان أشبه بمنجم صغير يشترك في تركيبه (٢٢) عنصراً تتوزّع بشكل رئيس على: ١ - أوكسجين (O) ، وهيدروجين (H) على شكل ماء بنسبة ٦٥ - ٧٠% من وزن الجسم. ٢ - كربون (C) ، وهيدروجين (H) وأوكسجين (O) وتشكّل أساس المركبات من سكريات ودسم، وبروتينات، وفيتامينات، وهرمونات أو خمائر. ٣ - مواد جافة يمكن تقسيمها إلى: أ - سبع مواد هي: الكلور (CL) ، والكبريت (S) ، والفسفور (P) ، والمغنيزيوم (Mg) ، والكلس (CA) ، والبوتاسيوم (K) ، والصوديوم (NA) وهي تشكل ٦٠ - ٨٠% من المواد الجافة. ب - سبع مواد أخرى بنسبة أقل هي: الحديد (FE) ، والنحاس (CU) ، واليود (I) ، والمنغنيز (MN) ، والكوبالت (CO) ، والتوتياء (ZN) ، والمولبيديوم (MO) . ج - وستة عناصر بشكل زهيد: الفلور (F) ، والألمنيوم (AL) ، والبورون (B) ، والسيلينيوم (SE) ، والكادميوم (CA) ، والكروم (CR) [٣] . وهذه بعض الحقائق الموجزة المجملة التي وقف عليها العلم الحديث في خلق الإنسان وما فيه من الآيات البينات ليزداد تبصرة ومعرفة بنفسه [٤] : - الدماغ: وجد فيه ثلاثة عشر مليار خلية عصبية، ومائة ألف مليارخلية دبقية استنادية تشكل سداًّ منيعاً لحراسة الخلايا العصبية من التأثر بأية مادة، ويحتاج الدماغ يومياً إلى كمية من الدم لا تقل عن ألف لتر! - العين: وجد في العين الواحدة نحو مائة وأربعين مليون مستقبل حساس للضوء، ويخرج من العين نصف مليون ليف عصبي ينقل الصورة بشكل ملون، ويتم تنظيف العين عن طريق إفراز الغدد الدمعية سوائل مالحة تُدِرُّ حسب الحاجة إليها! - الأذن: وهي أهم من العين لوظائفها الكثيرة التي يُعتمد عليها فيتوجيه النطق، والبصر، والحركة والتوازن، والانتباه من النوم، والتعلم والتربية. وقد ورد السمع مقدماً على البصر في مواضع كثيرة في القرآن الكريم [٥] . ويوجد في الأذن نحو ثلاثين ألف خلية سمعية، وتفرز الغدد السمعية سائلاً لزجاً مراًّ لحماية الأذن وتنظيفها من الغبار! - الأنف: يستطيع أن يميز نحو أربعة آلاف رائحة مختلفة: منها الكريهة ومنها الطيبة. - اللسان: يوجد فيه تسعة آلاف خلية ذوقية لتمييز الطعم الحلو والحامض والمر والمالح. - المعدة: فيها خمسة وثلاثون مليون غدة معقدة التركيب لأجل الإفراز! - القلب: عضلة تزن نحو ثلاثمائة وخمسة وعشرين غراماً، وتعمل على ضخ الدم عبر مائة ألف كيلو متراً من الأوعية الدموية يومياً! - يستهلك الجسم من خلاياه نحو مائة وخمسة وعشرين مليون خلية في الثانية الواحدة. ويتشكل العدد نفسه في الثانية الواحدة. - وجد تحت سطح الجلد بين خمسة إلى خمسة عشر مليون مكيّف لحرارة البدن! - يتنفس الإنسان كل يوم نحو خمسة وعشرين ألف مرة يسحب فيها مائة وثمانين متراً مكعباً من الهواء يتسرب منها نحو ستة أمتار ونصف من الأوكسجين للدم! - وفي بنان الإنسان سر وإعجاز؛ إذ لا يمكن للبصمة أن تتطابق أو تتماثل في شخصين في العالم حتى في التوائم المتماثلة التي أصلها من بويضة واحدة. وصدق الله العظيم: [أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ] [القيامة: ٣، ٤] . وسبحان الله الذي قدر فهدى، والذي خلق فأتقن، وصوَّر فأحسن: [رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [آل عمران: ١٩١] . ٣ - تكريم الإنسان بالعقل والإدراك: العقل هو أشرف ما في الإنسان، وهو موضع الحكمة، ومعدن العلم، ومنهلا لتدبير، ومناط الأمر والنهي، والحركة والتحكم. وهو الذي يقود الجسم، ويضبط الجوارح، ويمده بالإحساس والحيوية، ويعينه على التمييز بين النفع والضرر، والتفريق بين الحسن والخبيث، وإدراك ما لا يدرك بالبصر: -[قُلْ هُوَ الَذِي أَنشَأَكُمْ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ] [الملك: ٢٣] . -[أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ] [الحج: ٤٦] . والعقل - على لطافته من حيث الخلق - أقوى قوة على سطح الأرض، وأنفع قوة، وأخطر قوة، ولا قيمة للإنسان إلا برجاحة عقله؛ لأنه الميزان الحساس الذي يفرق بين الخير والشر، ويختار لصاحبه الأحسن من كل شيء والأفضل من كل خُلق [٦] . ٤ - تكريم الإنسان بالعلم والتعلم: زود الخالق - جل وعلا - الإنسان بملكة العلم والتعلم، وعلمه القدرة على معرفة الأشياء والحقائق، وفهم الأسرار والدقائق، وجلب المنافع والمصالح، واستخراج ما في الأرض من خيرات وكنوز وذخائر، واستكشاف مجاهيلها وخفاياها، واستنباط سننها وقوانينها: [اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] [العلق: ١ - ٥] . ٥ - تكريم الإنسان بالإرادة والاختيار: وذلك بما أودع فيه الخالقُ ﷻ من الإرادة والاختيار، والاستعداد للعبادة، واكتساب الخير والشر، والقدرة على توجيه الإرادة في الجوارح، والتحكم بالأعمال والأفعال وتقبل الخُلق القويم، والخلق الذميم، وفعل الخيرات والمنكرات : [هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً (١) إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِراً وإمَّا كَفُوراً] [الإنسان: ١ - ٣] . ٦ - استخلاف الإنسان في الأرض: ومن تكريم الله ونعمته على الإنسان أن جعله سيداً للكون، خليفة في الأرض يعمرها ويصلحها، ويعبد الله - تعالى - فيها على بصيرة من شريعة الله وسننه الكونية، فإذا أحسن وعمل صالحاً ظفر بالنعيم المقيم، وإذا أساء وأعرض كان مصيره إلى نار الجحيم: [وهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] . [الأنعام: ١٦٥] . ٧ - تسخير الكون للإنسان: وقد هيأ الله - سبحانه - للإنسان في الأرض مستقراً ومتاعاً، وسخر له كل شيء في السموات والأرض: من نجوم وكواكب، وبحار وأنهار، وسهول وجبال، وأودية وقفار، ونبات وحيوان، وليل ونهار، وهواء وغذاء: [اللَّهُ الَذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (٣٢) وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ (٣٣) وآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ الإنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ] إبراهيم: ٣٢ -٤٣ [. الأديب المسلم وأصالة التكريم الإنساني: إن التكريم الإلهي للإنسان يشمل جميع البشر من لدن آدم ﵇ وحتى آخر مخلوق تقوم عليه الساعة. والإنسان المسلم هو أكثر الناس تنعماً بهذا التكريم؛ لأنه يقوم بمقتضياته، ويدرك حدوده وأبعاده وفيض نعمائه. والأديب المسلم هو أكثر الناس تمتعاً بروائع التكريم؛ وعجائبه، وإحساساً بلطائف الصنع ودقائقه، واستغراقاً في أداء شكره وتأمل أسراره، يستمد منه أصالته برؤية الإنسان السويّ، وبصيرة المسلم الصالح، وريشة الأديب المبدع. ويصدر عنه في نظرته لنفسه، ونظرته لبني جنسه وذلك في جوانب مهمة: ١ - لقد أنعم الله - سبحانه - عليه بنعمة البيان ليميزه عن سواه من الكائنات، ويعبّر به عما في ضميره، ويفهم عن غيره ما في نفسه، ويخرج به المعاني في ألفاظ حسنة رائقة، وتراكيب منسجمة متوازنة، وأفكار منظمة متسقة، ويستجلي الدقائق المستترة، واللطائف المستكنّة. وقد جُعل له هذا البيان وسيلة للإدراك والتفكير، والحركة والتدبير والاتصال والتواصل، والإقناع والتأثير، والإعراب عن المشاعر والأحاسيس، وعما يعتمل في الفؤاد من خلجات وسوانح، وخواطروفواتح. قال - تعالى -:] الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ القُرْآنَ (٢) خَلَقَ الإنسَانَ (٣) عَلَّمَهُ البَيَانَ [] الرحمن: ١ - ٤ [. والأديب المسلم يسخر هذه الملكة البيانية في صيانة لسانه وتحلية جنانه بالفضائل والمكرمات، واجتناب البذاء والفحش والسوء، كما يسخره فيتعلم الكتاب العزيز وتعليمه، والوقوف على مواطن البلاغة والإعجاز فيه، وفي حب اللغة العربية وتعلمها وتعليمها، والمساهمة في نشرها، والوقوف في وجه الأعداء المتربصين بها، كما يسخره في الدعوة إلى الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ٢ - ومن واجب الأديب المسلم المكرَّم الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وأكمل هيئة، وأعظم كيان، أن يحافظ على هذا التكريم، والخلق القويم؛ بأن يُسلم وجهه وقلبه لله رب العالمين، ويعمل الصالحات، ليظل كريماً طيباً مشرَّفاً عند الله، وليؤتى أجراً عظيماً:] وَالتِّينِ والزَّيْتُونِ (١) وطُورِ سِينِينَ (٢) وهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [. ] التين: ٤ - ٦ [. ٣ - ومن واجب الأديب المسلم المكرَّم بالعقل والإدراك والعلم أن يدرك وجود بارئه، وروعة مصوِّره، وعظمة خالقه. وأن يسخِّر علمه في معرفة الله ﵎ وخشيته والاهتداء إليه، ويخضع لحكمه وأمره، ويتقرب إليه بالمعرفة المستنيرة والعمل الصادق. ٤ - ومن واجب الأديب المسلم المكرَّم بالإرادة والاختيار أن يختار طريق الإيمان ويتَّبع سبيل الحق، ويوجه إرادته وطاقته إلى الخير والفضيلة، وأن يعبد ربه كما علمه، ويُخلص له في الإسرار والإعلان، ويرجوه في الشدة والرخاء، ويطيعه في المنشط والمكره، ويعظمه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وأن يتزود من دنياه الزائلة لآخرته الباقية، ويدين نفسه، ويخالف هواها، ويعد ليوم الحساب:] ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ مَآباً [] النبأ: ٣٩ [. ٥ - ومن واجب الأديب المسلم المكرم بالنعم الجزيلة والعطاء الوفير أنيشكر الله - تعالى - على نعمه وخلقه، وأفضاله وآياته؛ بأن يحمده ويثني عليه، ويديم ذكره، ويعرف قدره، ويصرف نعمه فيما ينفعويفيد:] واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ ] النحل: ٧٨ [. ٦ - ومن واجب الأديب المسلم أن يجاهد نفسه ليردها إلى الطريق السوي، والهدي النبوي الذي لا يضل من تمسك به ولا يخيب من سار عليه. ومن كل ذلك سيجد الأديب المسلم حلاوة الإيمان، وسعادة الاطمئنان، ورسوخ الهداية، والفوز في النهاية:] فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [] آل عمران: ١٨٥ [.

стр. 3199

البيروقراطية سامي تيسير سلمان مصطلح يعبر عن سلوك ومدرسة إدارية في آن واحد. يرجع تاريخ هذا المصطلح إلى الإغريق؛ حيث استُقي من كلمة (Kratia) التي تعني القوة، ثم تحولت إلى الفرنسية واستقت منها مصطلح (Bureaucracy) المتداول حالياً والذي يتكون من جزأين: الأول (Bureau) يعني المكتب (أي المنضدة) والثاني (Carcy) ويقصد به الحكم. وعليه فيمكن فهم أصل كلمة البيروقراطية على أنها حكم المكتب، أو الحكم عن طريق المكتب [١] . لقد كان الفرنسيون أول من استخدم كلمة بيروقراطية وكان ذلك في القرن الثامن عشر الميلادي، ثم تداولها الألمان، وعرفت هناك بـ (Burokratie) . وفي منتصف القرن الثامن عشر وصلت إلى الساحة الأكاديمية عبر علماء الاجتماع الذي منه ولد علم الإدارة آنذاك، وأصبحت مدرسة إدارية منظِّرة لها سماتها وأهميتها، واعتبرت أول نموذج متكامل للمنظمات، والأساس الأول لنظرية التنظيم العالمي، وسمي عالم الاجتماع الألماني الذي شارك في هذه الصياغة ماكس فيبر بأبي البيروقراطية. لقد كان للفترة التي عاشها ماكس فيبر (١٨٦٤ ١٩٢٠م) الأثر الأكبر في التأثير على صياغة هذه المدرسة؛ فقد تزامنت مع نهاية عصر الإقطاع والتحلل من النظم التي سخرت العبيد للعمل في المزارع إلى نظام الأجور وظهور المصنع والآلة وبداية العلاقة الحقيقية بين الرئيس والمرؤوس والحاجة إلى التخصص في أنماط العمل وغيرها من متطلبات عصر الآلة ولم تكن هذه الملابسات في المصنع فقط؛ بل شملت الاستقلال السياسي وظهور الدول الحديثة وتشكُّل أجهزة الحكومات التي أُنيط بها عبء التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واعتُبر آنذاك أن الاعتماد على دور الحكومات والحاجة إلى السلطة والمركزية في اتخاذ القرار ضرورة للقيام بهذا الدور؛ إذ إن القطاع الخاص لم يكن قد قدَّم تجربة تذكر في مجال التغيير والتنمية. لقد ساهمت هذه الملامح وغيرها في صياغة المدرسة الإدارية الأولى التي نادت بما يلي: ١ - التحديد الدقيق والتعريف الجديد للسلطة الرأسية الهرمية. ٢ - تقييم العمل على أساس مبدأ التخصص وتحديد المسؤوليات. ٣ - وجود نظام واضح للقوانين والأنظمة الخاصة بحقوق وواجبات الموظفين. ٤ - وجود نظام إجرائي دقيق لمعالجة الحالات الإدارية. ٥ - العلاقة بين العاملين علاقة عملية موضوعية، ولا دور للعلاقات الشخصية. ٦ - اختيار المتقدمين للعمل وترقية الموظفين ومكافأتهم على أساس الكفاءة والمعرفة فقط. كان لهذه المدرسة مؤسسون تجدر الإشارة إليهم: ريتشارد هول R. Hall، فريدريك Fredrik، بارسون Parsons، برجر Berger. وغيرهم. وكان من وصف هذه المدرسة بخصائص ثلاث، وعرفت بذلك حتى يومنا: (هيدي Heedy ١٩٨٤م: ١ - الهرم الوظيفي (السلطة الإدارية والهيكل الهرمي) . ٢ - التخصص (تقسيم العمل) . ٣ - التأهيل أو الكفاية، (اختيار الأشخاص المؤهلين) [٢] . لقد تربعت هذه المدرسة حقبة طويلة من الزمان وكانت الدول النامية تستقي التجربة من الدول المتقدمة الغربية التي تأسست فيها البيروقراطية ابتداءًا، وكان لها بعض المزايا التي نتجت من تطبيقاتها وهي: تحديد المسؤوليات، ووجود أنظمة سير العمل والمعاملات، وتحديد الصلاحيات بيد الطبقات العليا من التنظيم وعدم السماح بالتسيب والمرونة في اتخاذ القرار حرصاً على ضبط الأمور، وسيطرة القانون لا البشر العاملين، وغيرها من ملامح الإدارة البيروقراطية. كل هذا وغيره من الملامح والسمات جعل هذه المدرسة تُعرَف عبر السنوات بما يسمى: (نظام المركزية في الأعمال الرسمية) إشارة إلى انتشارها في الدوائر الحكومية. وليس من الغريب أن تجد في معجم ومصطلحات الاقتصاد والمال وإدارة الأعمال هذا التعريف لمصطلح البيروقراطية Bureqacrcy: «نظام يعتمد المركزية في الأعمال الحكومية الرسمية، ويقر التدرُّج الطويل في السلطة والمسؤولية وتعدد الأقسام في الدائرة الواحدة وارتباطها برئيس واحد» [٣] . وبعد هذه المقدمة؛ هل يمكن أن نصل إلى خلاصة لهذا المصطلح؟ أحسب أن هذا المصطلح يصف بالعموم مدرسة إدارية استطاعت أن تطبع المنظمة أو الجهاز بالآتي: (تنظيم رسمي يرتكز على التنظيم الهرمي للسلطة، وعلى قوانين وقواعد دقيقة لإجراءات العمل وعلاقات الأفراد العاملين) . لقد كان لهذه المدرسة عيوب عدة يراها أصحاب المدرسة الإدارية الحديثة؛ فما هي هذه العيوب؟ وبماذا ينادي أصحابها؟ وهذا - حقيقةً هو ما يعنينا من طرح هذا المصطلح. عيوب البيروقراطية: ١ - عدم الاهتمام بتنمية الفرد وتطوير الشخصية الإنسانية الناضجة. ٢ - عدم إعطاء أي اعتبار للتنظيم غير الرسمي، وعدم القدرة على معالجة المشاكل الطارئة وغير المتوقعة. ٣ - عدم استثمار الطاقات البشرية التي تعمل في الجهاز البيروقراطي استثماراً جيداً بسبب انتفاء الثقة والاعتماد على القوانين والعلاقات غير الإنسانية، والخوف من الوقوع في الخطأ والانتقام ... إلخ. ٤ - لا يتضمن النموذج البيروقراطي وسائل كفيلة بحل الخلافات والنزاعات بين المراتب المختلفة أو بين المجموعات الوظيفية المتباينة. ٥ - عدم قدرة التنظيم البيروقراطي على استيعاب التكنولوجيا الحديثة والفنيين والعلماء. ٦ - قِدَمُ نظم الرقابة والسلطة التي نص عليها التنظيم، وكونها نظماً مُستهلَكَة. ٧ - عدم توفير العملية القضائية الكافية. ٨ - عدم توفر قنوات سليمة للاتصال داخل المنظمة نظراً للتنظيم الهرمي (الهيراركي) . ٩ - المساهمة في تطور نمط موحد علماً بأن البيروقراطية ذات توجه جماعي. ١٠ - تدعو إلى الآلية في العمل والكسل والخمول بسبب سيطرة القوانين والنظم وعدم توفر الأجواء المناسبة للابتكار والإبداع [٤] . وقبل شروعنا في الحديث عن الوجه الآخر للبيروقراطية وبما ينادي به أصحابها لا بد من الإشارة إلى أن مدرسة البيروقراطية لم تبق على الساحة الإدارية بمفردها، ولم تكن وحدها في الستينيات والسبعينيات؛ بل قدَّم اليابانيون مدرسة التنظيم المصفوف، وقدَّم الأمريكيون الشبكات الإدارية. وليس المجال هنا للحديث عن المدارس الإدارية والحقبة الزمنية التي مرت بها وحتى تاريخه؛ إلا أن من المهم الإشارة إلى شعارات الإدارة الحديثة التي نادت بثورة إدارية تدعو إلى التحرر من شبح البيروقراطية، ونادت بإدارة متحررة بعيدة عن الهرم الإداري. يحضرني في هذا المجال كتابان جيدان كلاهما بعيد عن الرغبة الشديدة إلى تأكيد الحاجة للتحرر من قيود البيروقراطية، وكلاهما يصف الدوافع بعد أن ظهرت آثار العيوب التي لخصناها سابقاً جلية على مدى العشرين عاماً السابقة. وليس هذا فحسب؛ بل إن مستجدات اليوم من التغيرات جذرية سريعة ومتتابعة على جميع الأصعدة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية؛ بما في ذلك ثورة المعلومات والتقدم التكنولوجي الهائل في عالم الاتصالات وما يسمى اليوم بـ (العولمة) كلها شكلت عوامل رئيسة في إعادة صياغة النظم الإدارية لتصبح أكثر مرونة وتحرراً، وبعيدة عن ملامح البيروقراطية التي يعبر عنها اليوم بالإدارة البائدة [٥] . إذاً: ماذا لدى أصحاب الإدارة الحديثة؟ أختصر ذلك بالعناوين الآتية: ١ - البساطة تكسب: شعار جديد ينادي بالأخذ بالبساطة؛ فالبعد عن تعقيدات ومتاهات الإدارة البروقراطية أظهرت الدراسات أنه يمكن أن يعاد تبسيط بناء الإدارات ومهامها والإجراءات المطلوبة لإنجاز العمل مما يؤدي إلى تخفيض في التكاليف وسرعة في الإنجاز وجودة في الخدمة. لقد نجحت أجهزة حكومية وشركات كبيرة في إعادة دراسة عملياتها، وأثبتت الإجراءات المرنة واللامركزية أن البساطة تكسب. ٢ - الإدارة المتحررة نهاية الهرم الإداري في التسعين: يقول مؤلف كتاب هذا عنوانه [٦] : (كلما زادت الصناديق والنظم والإجراءات الإدارية وعلت الهياكل التنظيمية في الشركة، كلما مالت ثقافتها إلى التقليد وقيادتها إلى السيطرة وأداؤها إلى التباطؤ. إن ما تدعو إليه الإدارة المتحررة هو البعد عن المستويات الإدارية المتعددة واستبدالها بفِرَق عملٍ متجانسة تدرك هاجس السرعة وتدعو إلى الإبدع والتجديد) . إن المسؤولية هنا مرتبطة بالصلاحية؛ ولكنها بِيَدِ فريق لا فرد واحد أو أفراد؛ كلٌ في دائرته بعيداً عن الآخرين. لقد نادت الإدارة الحديثة بوضع مزيد من السلطة أسفل الهرم الإداري حرصاً على تمكين الأفراد الذين يقدمون الخدمة ويباشرون العمل اليوم بمزيد من القدرة على اتخاذ القرار وقد كان لذلك الأثر الناجح؛ حيث قام مثل هذا الدور بتحفيز العاملين على العمل وحب الابتكار وسرعة الأداء وهو ما يتطلبه واقع اليوم.

стр. 3200

أبو جهل نموذج للهمة العالية ولكن في الاتجاه المعاكس عبد الله إبراهيم الملا حديثي ليس عن أبي بكر ولا عن عمر؛ ولكنه عن أبي جهل. نعم عن ذلك الرجل الهمهيم ولكن في الشر والفساد، الذكي ولكن في الكيد للحق وأهله، القوي ولكن على أولياء الله وحزبه. نعم سوف أروي مواقف لهذا الرجل وأقص بعضاً من سيرته، وسوف أقف مع موقفين له، لنتبين مدى قوته وبأسه وعظيم كيده؛ فكان بحق كما قال رسول الله ﷺ : (أبو جهل فرعون هذه الأمة) [رواه أحمد، ح/٣٨١٤] : الوقفة الأولى: يرويها لنا المغيرة بن شعبة فيقول: أول مرة لقيت فيها رسول الله ﷺ إني كنت أمشي مع أبي جهل في أحد أسوقة مكة، فلقينا رسول الله ﷺ فقال: هيه يا أبا الحكم! أما آن لك أن تجيب داعي الله ورسوله؟ هلم إلى دعوة الله! فقال أبو جهل: يا محمد! هل تريد أن نشهد أنك قد بلَّغت؟ فإنك قد بلَّغت. والله! لو أعلم أن الذي معك حق ما تبعته. قال المغيرة: ثم مضى رسول الله ﷺ ومضيت مع أبي جهل، فقال لي أبوجهل: يا مغيرة! والله إني لأعلم أن الذي معه الحق. إنا تنافسنا وعبد مناف الشرف، قالوا: فينا الندوة، قلنا: نعم. قالوا: فينا اللواء، قلنا: نعم. قالوا: فينا السقاية. قلنا: نعم. ثم أطعموا فأطعمنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاكَّت الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء؛ فمن أين نأتي بهذه؟ لا والله! لا نؤمن به ولا نصدقه أبداً. الوقفة الثانية: لما انتهت معركة بدر قال رسول الله ﷺ : من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فتفرق الناس في طلبه فوجده عبد الله بن مسعود - ﵁ وبه آخر رمق، فوضع رجله على عنقه، وأخذ لحيته ليحتز رأسه وقال: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال أبو جهل: أخبرني: لمن الدائرة اليوم؟ قال: لله ورسوله. وبعد أن دار بينهما الكلام احتز ابن مسعود رأسه، وجاء به إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! هذا رأس عدو الله أبي جهل. فقال: آلله الذي لا إله إلا هو؟ فرددها ثلاثاً ثم قال: الله أكبر. الحمد لله صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. انطلقْ أرِنيه. فانطلقنا فأريته إياه فقال: هذا فرعون هذه الأمة. ففي الوقفة الأولى نرى أن الرجل يعلم علماً يقيناً أنه يتصدى للحق وينصر الباطل، إنه يعلم أن الذي يدعوه إليه رسول الله هو الحق المبين، فلم يكن الذي رده عن الإسلام هو الجهل أو الشك في الرسالة؛ ولكنه العناد والحسد. ومن هنا انطلق أبو جهل بكل قوته وفكره وذكائه يعادي الدين وأهله ويحارب الله ورسوله، واستمر على هذا المبدأ طوال حياته مستخدماً كل حيله ودافعاً بماله وصحته بل وأخلاقه فداءاً للعداء لهذا الدين. فمرة يدفع المال لمن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة أخرى يتعرى من كل معاني الرجولة التي كان يتحلى بها الرجل العربي فيقتل امرأة لأنها قالت: لا إله إلا الله، والعرب كانوا يأنفون من خصام المرأة فضلاً عن قتالها، ولكن أبا جهل نسي كل هذه المعاني؛ لأن فكره وعقله وجميع جوارحه مشغولة عن كل ذلك بالعداء والكيد والحرب لهذا الدين، وينجح في كل هذه الأمور التي كان يصبو إليها؛ ولكن الله ناصر حزبه ودينه. وتأتي غزوة بدر التي كانت فيها نهاية الطاغية أبي جهل؛ لقد كان في هذه المعركة كالأسد يجول بين الصفوف ويحمس جنده على القتال؛ وهو الرجل الكبير في قومه القوي الفارس الشجاع. ولكن الله أذل أنفه وأخزاه أمام قومه فيقتله أصغر القوم معاذ ومعوّذ ابنا عفراء، ويقضي عليه راعي الغنم عبد الله بن مسعود. وفي آخر لحظات حياته وهو يلفظ أنفاسه لم يرجع عن مبدئه وهو المبدأ الباطل وهو الذي يعلم الحق، هكذا كانت نهاية أبي جهل. أفلا يكون لك أيها المسلم درس في سيرة هذا الرجل الذي أفنى عمره كله، وضحى بكل ما يملك مقابل مبدئه وديانته، وهو لا يجهل بطلان ما يعمل وما يصنع، إنه لحري بك أن تنهج هذا النهج وأنت الذي تسير على الحق وتعلمه، إنه لحري بك أن تقدم كل ما تملك مقابل هذا المبدأ وهذا الدين حتى تموت عليه صامداً قوياً كما كان أبو جهل؛ ولكنك تفرح بهذه النهاية التي مردُّها إلى الجنات والنعيم ونهاية أبي جهل وأمثاله إلى النيران والجحيم قال - تعالى -: [ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] [النساء: ١٠٤] .

стр. 3201

مصابيح الدجى عبد العزيز بن عبد الله العزاز الأرض أخفت نورها وسناها ... وبكت من الأدنى إلى أقصاها ما الأمر ما الخطب الجسيم ويا ترى؟ ! ... ماذا أصاب نفوسنا ودهاها؟ هذا ابن باز ذو السماحة والندى ... ربَّى فأسمى الروح إذ رباها هو للعلوم منابر ومنائر ... ما كان أحسن نورها وضياها! علم وفضل غامر وكرامة ... كم نعمة للناس قد أسداها يا ساعياً في العلم بين بحاره ... فسبرت منها غورها ومداها يا من ملأت قلوبنا بمحبة ... قد كنت من بين الورى ولاها يا من تفارقنا بشاشة وجهه بصفائها ونقائها ... وشذاها يا آمراً بالعرف تحمل همَّه تنهى عن الآثام لا ترضاها أوقفت علمانيَّة خدَّاعة ... فكففت عنا سُمَّها وأذاها ووهبت نفسك للإله إنابة ... لما كبحت جماحها وهواها ودعوت حين دعوت قومك مخلصاً لا تبتغي مالاً بها أو جاها يا أيها الفذ الوحيد بعصره نقّى الفؤاد ونفسه زكاها هو همة هو قمة هو أمة نال الفضائل كلها وحواها سَقَت السحائبُ مُرْوِيَاتٍ قبره وهمت بوافر ودقها ونداها وجزى الإله صنيعه خير الجزا جنات عدن ما ألذ جناها!

стр. 3202

إن في الأخلاق نصراً محمد عبد السلام الباشا نحن أسرى للمآسي ... كم نعاني من ضرر بأسنا فينا شديدٌ ... ما اتقينا بالحذر والأعادي كم تمنتْ ... أنْ تُغطينا الحفر إنَّ إسرائيلَ حَقد ... حلَّ فينا واستقر صار يستعلي علينا ... في الأماسي والسحر طفلُ لبنان اشتكى بل ... كمْ يُلاقي مِنْ كَدر ضاعت الأخلاقُ فينا ... والتجني قد حضر صارتِ الأخلاقُ تبكي ... كلُّنا لامَ القدر قد أرى في الناسِ ذلاً ... قد تمادى وانتشر لو رجعنا للسجايا ... قد أعادتْ ما انحسر لا تكنْ إلا مع الأخلا ... ق تبني ما انكسر إن في الأخلاقِ نصراً ... نالَهُ مَنْ قَدْ صَبَر لو رجعنا نبتغي العل ... ياءَ لا نخشى الخطر وانتظرنا الخيرَ يبدو ... سافراً فيه العبر عيبُنا فينا فكنْ في ال ... حربِ عنوانَ الظفر واستعنْ بالله دوماً ... لا تكنْ أعمى البصر هكذا الأجدادُ كانتْ ... عندما طالَ الشجر أنْ أرى أمجادنا عزاً ... بأوطاني ازدهر حينها تبدو المعاني ... في التهاني والسّمَر

стр. 3203

الآيات القرآنية أسمى من الأهداف الإعلانية حمدي محمد الهلال ضمن السلسلة اللامتناهية من الأساليب الدعائية، طالعتُ مؤخراً أسلوباً جديداً ومبتكراً، ربما يشكل سابقة خطيرة في هذا المجال، فقد صدَّرت إحدى الصحف العربية في إحدى صفحاتها إعلاناً مؤطراً احتل مساحة إعلانية كبيرة تساوي الربع الأخير من الصفحة، كان استهلال الإعلان مكتوباً كما يلي: بسم الله الرحمن الرحيم: [إنا فتحنا لك فتحا مبينا] صدق الله العظيم، ثم تعاقبت بقية كلمات الإعلان بخط أعرض قليلاً: ترقبوا بمشيئة الله - تعالى - الافتتاح الكبير لقصر الـ (....) للأثاث، وتلتها مجموعة من الكلمات المتراقصة الأخرى: أحدث التصميمات العالمية.. مودرن.. استيل.. من أفضل الخامات الطبيعية ... إلخ. المتفحص لهذا الإعلان سيجد فيه استغلالاً صارخاً لكلمات الله ومحاولة سافرة لاستخدام الآيات القرآنية في أغراض دعائية أراد المعلن من خلالها مخاطبة مشاعر الجمهور ووجدانه، مستغلاً العوامل الدينية التي تلعب دوراً كبيراً في توجيه سلوك الفرد وحثه على قبول فكرةٍ مَّا بمجرد الإيحاء له أنها دينية تخدم دينه الإسلامي وعقيدته الحنيفة، وتم الربط بين الفتح المبين الذي ورد ذكره في كتاب الله وبين افتتاح محل الأثاث المعلن عنه.

стр. 3204

الفتور.. لماذا ! ؟ أم عبد الله - الرياض عندما تسمو الأهداف يسري في الجسد حماس لا ينطفئ ونشاط لا يخبو؛ لأن الأهداف السامية ترقى بك في درجات الهمة العالية والرفعة درجةً درجة تجعلك دائماً تتطلع إلى الأعلى؛ فحينما يضطلع الداعية همَّ الدعوة ويكون هدفه الأسمى رضى الله فإن نشاطه وحماسه لا يخبو، وسيجد في نفسه شعوراً بالتقصير تجاه الدعوة يدفعه إلى استنفار كل طاقاته وإمكاناته المادية والمعنوية، فتجده يجود بماله وبدمه وبوقته في سبيل الدعوة إلى الله متدرعاً بالصبر مبتغياً ما عند الله غير آبه ولا مُكترث لما قد يحدث له أو ما قد يفوته من حظوظ الدنيا، تجده في عمله في غاية السعادة بالرغم من الصعاب أو العوائق أو المثبطات التي تواجهه في ليله ونهاره، والتي قد تجعله أحياناً حبيساً، أو أن تكبل دعوته وتقطع وسائلها؛ بل تكون هذه الصعاب شاحذة لهمته، لا يعرف الملل ولا الإدلال بالعمل إليه طريقاً، ويظل نور ذلك الهدف السامي يبعث في جوانحه أملاً ببلوغ الخير للناس وإن طال الزمن محسناً الظن بالله: [ «ولا تيأسوا من روح الله] [يوسف: ٨٧] . أمَّا ذلك الصنف من الذين أحبوا الدعوة ومنحوها كثيراً من إمكاناتهم ثم بعد فترة بدأ الفتور يدب في أوصالهم، وضعفت الهمة وفقد الحماس للدعوة؛ فهل كانت أهدافهم سامية أم أن سلوك طريق الدعوة كان يحقق لهم بعض الشعور بالرضى، أي إنهم يبحثون عن أنفسهم من خلال العمل للدعوة؛ فهذا الصنف يدب الملل في أوصاله إن لم يجد ما كان يحلم به، أو ما كان ينتظره من الناس، أو إن عرضت له بعض المثبطات، أو شعر بما يهدد أسباب معيشته أو راحته، أو إذا تعرض للنقد؛ لأنه باحث عن نفسه في كل حركاته بالرغم من أنه يشعر في نفسه أنه يخدم الدعوة في سبيل الله، لكن إحساسه بمصلحته أعظم من شعوره تجاه الدعوة، فتضيع جهوده التي يعتقدها في الدعوة في ثنايا البحث عن مصلحته الشخصية، فلا غرابة أن يرى التخاذل بعد الجهد والعمل؛ لأن الهدف هو وقود الحركة، فكلما كان الهدف سامياً كلما كان وقود العمل يتجدد ولا ينضب، وكذلك كلما كان الهدف دنيوياً فإن الوقود سوف يكون زائفاً، فلا يستمر الحماس ويذبل العمل ويقف السائر على درب الدعوة في الطريق. هذا إن لم تصحح الأهداف والنوايا: [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم] [الرعد: ١١] .

стр. 3205

النجم والأشباح أحمد عبد الله محمد العاطفي (حَدَث) : يتدفق ضوء النجم يكشف عن وجه الليل الكالح ... يفضح سِرَّهْ! تجتمع الأشباح ... تبحث أمر النجم الساطعْ من يَئِدُ النجم؟ ! من يُغْمِضُ عين الصحراءْ؟ ! ... ... ... *** (استشراف) : لو حبس النجم بسجن الليل ... لو لُفِّعَ أغلالاً وقيوداً لو صودر كُلُّ ثمينْ فالنجم له قلب يخفق! ! وسيرسل حُزَم الضوء ... ... تخترق الأغلالَ تمزق شِدْق الصمت المزعومْ! وستروي بَذْر النصرْ.. في رَحِمِ الصحراء المُحْرِقْ! ! فوليد الصحراء أصيل ... فوليد الصحراء أصيل ... *** (أَمَلْ) : تنفك قيود النجم يعلو في أفق الصحراء تلتفُّ على النجم نجوم ... تكثر.. تكثر تصبح شمساً! ! تبزغ شمس الصحراءْ تسكبُ شلالَ ضياءْ وتمزِّق أروقة الليل.. كي تبقى للعالم دوماً.. نبعَ صفاء! !

стр. 3206

استئناف التوبة بعد الطاعة وشكر الله على توفيقه لأدائها تركي بن سعيد الزهراني مهما اجتهد العبد في أداء العبادة فلن يوفيها حقها؛ لذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يُنجي أحداً منكم عملُه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمة. سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا) [١] . فلا بد أن يختلج العبادة خلل ويعتريها نقص تختلف وتتفاوت مراتبه. والاختلاف والخلل حسب الأشخاص واجتهادهم في أدائها. والخلل قد يكون مفسداً للعمل من أصله كما قال الله في عمل المشركين: [وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا] [الفرقان: ٢٣] ، أو يكون الخلل في العمل نفسه إذا لم يكن موافقاً لسنة الرسول ﷺ كما قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) [٢] . وهذان الأصلان هما شرطا قبول العمل؛ فالخلل في الأول مفسد لجميع الأعمال، والخلل في الثاني مفسد للعمل نفسه. ومن الأعمال ما يسقط عنها بعض الخلل بما يجبره كسجود السهو في الصلاة، أو القضاء في الصيام، أو الدم في بعض أعمال الحج. فلا يسلم أحد من خلل يعتري أداء العبادة، أو إتمامها بكاملها في أقل الأحوال؛ فهو إذن بحاجة إلى أمرين: الأول: أن يستغفر الله فيسأله الغفران مما أخل أو أنقص في عمله؛ فلا بد له هنا من استئناف التوبة. الثاني: أن يذكر الله شكراً على ما أنعم به عليه من تمام العبادة. قال ابن القيم ﵀: (ومنزلة التوبة والاستغفار أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقها العبد السالك، ولا يزال فيها إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل بها واستصحبها معه ونزل بها) [٣] .

стр. 3207

يا قوم أجيبوا تفلحوا ماجد بن عيد الحربي سرني ما تناقلته وكالات الأنباء بشأن القرارالذي اتخذ من قبل نقابتَيِ، الصيادلة في كل من مصر والأردن القاضي بمقاطعة الأدوية المصنعة في أمريكا وبريطانيا، ومبعث سروري لا يكمن في كون القرار المذكور سيلحق الضرر المطلوب باقتصاد هاتين الدولتين؛ فكلنا يعلم أن هذا القرار وحده لا يكفي لتحقيق طموحات الأمة بردع غطرسة أعدائها وإضعاف هيمنتهم على بلدان المسلمين؛ فكما هو معروف أن أمريكا - على سبيل المثال - لا تمثل الأدوية من تجارتها في البلاد الإسلامية أكثر من واحد بالألف، وهذه النسبة أعتقد أنها لن تحدث أي ضرر قد يؤدي إلى تغيير سياستها مع المسلمين؛ ولكن مبعث سروري وسرور كل مواطن تهمه مصلحة أمته وكرامتها هو أن هذا القرار صدر عن دوائر فاعلة - أعني النقابات الممثلة للأمة بكل شرائحها التخصصية - فهذه النقابات تقيس نبض الشارع الإسلامي، وتعبر عما يفكر به المواطن، وتتخذ القرارات المناسبة لصيانة مصالح الأمة، بعيداً عن مراكز السلطة. فمن المؤكد أنه لو التزمت جماهير الأمة بما التزم به الإخوة في نقابتي الصيادلة في القاهرة وعمان وقاطعت جميع المنتوجات الأمريكية للمسنا أثر ذلك على سياسة الدولة الأقوى في العالم، ومن بديهيات الأمور أن يأتي عظماؤها إلى بلادنا وهم أذلة، ووقتها نستطيع أن نملي عليهم ما نرغب إلغاءه من بنود معاهداتهم الظالمة مثلما أتى زعماء قريش إلى نبينا ﷺ وطلبوا منه تعديل بنود الحديبية، فدعونا نفترض أن ستمائة مليون مسلم قاطعوا المنتوجات الأمريكية وهذا العدد يمثل نصف تعداد المسلمين ونفترض أيضاً أن متوسط ما يتبضع به كل فرد يعادل دولاراً واحداً في اليوم لوجدنا بالنهاية أن أمريكا تخسر في تجارتها الخارجية مع المسلمين ما قيمته مائتان وتسعة تريليون دولار بالسنة. قطعاً لن تتحمل الإدارة الأمريكية هذه الخسارة وسوف تضحي بجميع الامتيازات التي حصلت عليها من أمتنا أيام تخاذلها؛ لأنها ستعلم وقتها أننا أمة تستطيع أن تدافع عن حقوقها وتعتز بانتمائها لدينها.

стр. 3208

الهروب إلى الأمام د. شاكر عبد الرحمن السروي إنّ مما نعانيه على نطاق واسع في عالمنا الإسلامي اليوم هو ظاهرة لوم الآخر وتحميله المسؤولية تجاه ما يصيبنا وما يحدث من حولنا في محاولة يائسة للهرب من مواجهة الحقائق، فلا تحلُّ بنا مصيبة أو تنزل بنا كارثة حتى نسارع إلى كيل السباب والشتائم لأعدائنا، رافعين أكف الضراعة مستجيرين بربنا أن يمحق عدونا، وأن يرفع رايتنا، وأن يعز ديننا. وإلى هنا تقف بنا ردة الفعل لنبقى في عالم التيه، ندور في حلقة مفرغة، ننتظر قارعة أخرى لنعيد الكرّة تلو الكرّة، كرّات تُورث الحسرة وتسكب العبرة من كل قلبٍ فَقِهٍ فَطِنٍ. ومما لا شك فيه أن حتمية الصراع بين دين الحق (دين الإسلام) وبين غيره من الأديان والمشارب والأفكار قائم، وأن كيدهم لهذا الدين وأهله واقع مُشاهَد. إلا أن الغرابة تكمن في نسياننا أو تناسينا دورنا السلبي وخللنا الذاتي في حدوث تلك المصائب والأخطاء، ومن ثَمَّ تعميقها والعمل - بقصد أو بدون قصد - على استفحال أمرها. إنّ مبدأ لوم النفس والسعي للتعرف على أخطائها - في محاولة لتجاوز العوامل الداخلية لأسباب النكسات - هو أمر قد قررته الشريعة الإسلامية منذ أوائل العهد الإسلامي، وذلك يوم أن نزل القرآن مخاطباً جيل الصحابة بعد أن أصيبوا في أحد: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [آل عمران: ١٦٥] . لقد صارت ظاهرة الهروب من مواجهة الواقع ومحاولة التملص من تبعاته من الانتشار والتنوع بحيث صار من اللازمة على العلماء والدعاة وقادة الأمة أن يسعوا في علاجها، ويعملوا على إزالة موجباتها من عقول أفراد الأمة على اختلاف مستوياتهم. إن الاستمرار في هذه السلبية - المغلّفة - هي غاية ما يتمناه أعداؤنا؛ بل وما يسعون لتأصيله في واقعنا؛ لنبقى أسراء القولة المشهورة: (ليس في الإمكان أحسن مما كان) . إن مشروع إحياء موات الأمة وإيقاظها من سباتها يستلزم بعث روح الشجاعة في أفرادها على مواجهة ذواتهم وتقويم أحوالهم لتشخيص أدوائهم حتى يتسنى لهم بعد ذلك التداوي والعلاج، قال الله تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] . إن الأمة إن فعلت ذلك فإنها ستكون أقدر على الانتصاب من ضجعتها، والانطلاق بسرعة هاربةً من وهدتها؛ ولكنْ - هذه المرة - قُدماً إلى الأمام.

стр. 3209

رجب - ١٤٢٠هـ نوفمبر - ١٩٩٩م (السنة: ١٤)

стр. 3210

كلمة صغيرة نظرة في دمعة إن من دواعي سرور القائمين على البيان تفاعل قراؤها مع ما ينشر فيها وتواصلهم مع مجلتهم، أيا كان هذا التفاعل والتواصل، بالإعجاب والتعضيد أم بالنقض والتوجيه؛ فالكلمة الباردة وحدهها هي التي لا تلقى تفاعلا من قرائها، وتمر على بصره ولا تحرك بصيرته. ومن هذا التفاعل ما وصلنا من ردود أفعال حول ملف القبور والأضرحة الذي نشر على صفحات العددين (١٣١، ١٣٢) ، ثم نشر موسعا لاحقا في كتاب من إصدارات المنتدى الإسلامي بعنوان: (دمعة على التوحيد) ، وقد لاقى الكتاب بحمد الله استحسانا وقبولا من كثير من القراء، كما استقبله بعضهم بشيء من الفضول وأحيانا التوجس ليس اعتراضا على ما فيه وتفنيدا لما احتواه، لكن لاعتبارات أخرى تتعلق بطبيعة الموضوع محل النقاش، وإلى هؤلاء الأخوة العاتبين نقول بعد شكرهم على إيجابيتهم وتفاعلهم: إن موضوع الكتاب لا يمس مشكلة تاريخية مضت وانقضت، بل ما زال لها امتدادها وانتشارها في العالم الإسلامي، وكونهم لا يعايشون هذه المشكلة في واقعهم فإن هذا لا ينفي وجودها المستفحل في أماكن عديدة على امتداد العالم الإسلامي. إن موضوع الكتاب يعالج مسألة تمس أصل الدين الذي ينجو به المسلم، ولا يستوي ذلك بالطبع مع مناقشة مسألة فرعية أو فضيلة من فضائل الأعمال، ونظن أن المسلمين لا يختلفون على أن تحقيق التوحيد والبرءة من الشرك لا ينبغي تأجيله أو التغاضي عنه. والكتاب رغم كونه يركز على التعرض لقسم من أقسام التوحيد وما يضاده، إلا أنه لم يغفل الإشارة إلى الأقسام الأخرى والتنبيه على الارتباط بين أقسام التوحيد كله، كما أنه لا مانع من وجود نوع من التخصص العلمي والدعوي في تناول بعض القضايا ضمن نظرة شاملة متكاملة. صحيح أن كثير من العلماء تناول هذا الموضوع قديما وحديثا، ولكن هذا لا يمنع تناوله مجددا، ولو لم تجد هيئة التحرير أن في الملف ثم الكتاب جديدا تقدمه للقارئ لما أقدمت على نشره. وأخيرا فإننا في حاجة إلى العمل المتكامل والجهود المتضافرة؛ حتى تكون نهضتنا منقوصة أو مبتورة، وهذا ما تحاول البيان العمل على تحقيقه. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى

стр. 3211

الافتتاحية اقترب الفجر لا شك أن المحن التي تمر بالمسلمين اليوم شديدة، إلا أن انعدام الرؤية لانجلائها أشد على النفوس من المحنة ذاتها؛ فالمرء قد يسعه الصبر في المحنة، ويعينه على الثبات علمه أن للمحنة نهاية قريبة، أمَّا إن خفيت النهاية، فهنا قد يعبث اليأس بالصبر، ويحل القنوط. وقد لا تحتاج محن المسلمين إلى مزيد توصيف وتكييف أو حتى تزييف يبعدها عن حقيقتها. وواقع الأمة مليء بالشواهد والفواجع بما لا يحتاج إلى مزيد بيان في التفصيل. فأعظم محنة يمر بها المسلمون اليوم هي تنحية شرع الله - تعالى - عن الحياة: في الحكم والتشريع، والقضاء، والمعاملات، والسلوك، ولعل هذه المحنة هي ما انفردت به أمتنا في عصرنا الراهن، دون عصور إسلامية سبقت؛ فكم مرت بأمة الإسلام محن وشدائد! إلا أنهم كانوا يستظلون بحكم الله، وإن اعترى تطبيقه بعض القصور في بعض العصور. ثم تأتي الغربة على أهل الدين شديدة قاسية وهم بين ظهراني قومهم وعشيرتهم؛ فبعد غربة الدين في الحياة تأتي غربة أهله بارتضائهم له منهجاً للحياة وسلوكاً ينير دروبهم، وهو ما يتعارض مع واقع قطاع كبير من الأمة، وهنا منشأ الغربة. وكان من لوازم تلك الغربة أن نشأت عنها محنة أخرى تابعة لها هي محنة الابتلاء الشديد الواقع على الدعاة بمختلف صنوفه وصوره حتى طال كثيراً على السالكين طريق الدعوة، وكم هو مؤلم انتفاش الباطل وأهله وتقلبهم في البلاد! حقاً إنه مؤلم للنفوس الأبية، المستمدة قوتها من خضوعها لرب العزة. وتبع الدعاة ما هو أشد من ذلك عليهم، وهو لزوم الصمت والتوقف عن العمل لنصرة هذا الدين، مجبرين لا مختارين، مهادنين ومهدئين، وهو ما يصعب على أُناس كانت حركتهم للدعوة وقود حياتهم وماءها وهواءها. وإن توسعت بنا دائرة المحن، فسوف توصلنا إلى آلام الأمة من مشارقها إلى مغاربها؛ فهذا العزوف الشديد عن الدين والانخراط في تيار الغواية قد ضم قطاعاً كبيراً من المسلمين عاشوا على هامش الحياة. وقطاع آخر وقع عليهم البلاء الشديد من قتل وتشريد وانتهاك حرمات مما يدمي القلوب ويدمع العيون، ويملأ النفوس ألماً يزيد من لأوائها، مع قلة الناصر وهول المصيبة. ثم تأتي إحدى المحن الكبار بغياب عدد كبير من مصابيح الضياء، أعلام الهدى، أئمة الدين، العلماء العاملين، الذين يُؤْذِن موتهم بقبض العلم ونشر الجهل، فكان في موتهم مصيبتان: الأولى: فقدهم بعلمهم وعملهم وبركتهم على الأمة. الثانية: إرهاص بالمحنة التي تليهم، محنة الرؤوس الجُهَّال في كثير من البلدان. ولو تتبعنا محن الأمة لطال بنا المقام والكلام والآلام، وهذه الصورة القاتمة ينظر إليها بعض الناس ويتساءل: متى نصر الله؟ ولا شك أن شدة المحنة تصيب قطاعاً كبيراً من عامة الأمة باليأس والقنوط لضعف اليقين بوعد الله. وحينما يبلغ القنوط واليأس مبلغه، ينتكس بعض الناس على عقبيه شاكّاً في موعود الله الحق. ألا وإن في هذه الشدة الشديدة للمحنة منحاً كثيرة من الله - تعالى - لا تخفى؛ ولكن ما ينبغي النظر إليه هو أن المحنة دائماً في رحمها الفَرَجُ والنصر - بإذن الله- فقد روى الطبري عن قتادة أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين أجدبت الأرض، وقحط المطر، وقنط الناس! قال: إذن مطرتم ثم تلا قول الله - تعالى -: [وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته] [الشورى: ٢٨] [١] . وكان قبل ذلك يأس الرسل الذي حكاه الله - تعالى - في سورة يوسف مثالاً على أن الفَرَجَ من لوازم المحنة: [حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا] [يوسف: ١١٠] . وإن كانت شدة المحن لتنسي ما وراءها من الفرج والفرح، وأن العاقبة إلى خير. وكم من حادثة يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج إن هذه النظرة " الأَمَلِيَّة " الموقنة بصدق وعد الله لهي من مخففات المحن، وهي بلسم ليأسٍ يراود النفس عند شدة الآلام، كما أنه يلزم عدم اعتبار العامل الزمني الدنيوي مقياساً لزمن الانفراج. وقد ذكَّر الله - تعالى - نبيه وصحابته بذلك في قوله: [أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب] [البقرة: ٢١٤] . وعن أبي رزين قال: قال رسول الله ﷺ : ضحك ربنا من قُنوط عباده وقرب غِيَره، قلت: يا رسول الله! أوَ يضحك الرب؟ قال نعم! قلت: لن نعدم من رب يضحك خيراً [٢] . وذات يوم قال ولد لوالده: يا أبةِ! اشتدت ظلمة الليل. قال: يا بني! اقترب الفجر.

стр. 3212

إشراقات قرآنية وقفات مع قوله - تعالى -: (ألهاكم التكاثر) د. عبد الرحمن آل عثمان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد: الوقفة الأولى [١] : الإلهاء: الصرف إلى اللهو، من (لها) إذا غفل. وكل شيء شغلك عن شيء فقد ألهاك. يُقال: لها بالشيء: أي: اشتغل به، ولها عنه: إذا انصرف عنه. وهو: صرف الهمِّ بما لا يحسن أن يُصرف به من الإعراض عن الحق، والاشتغال بالمتع العاجلة عن الدار الباقية، والميل عن الجد إلى الهزل. وبالجملة: فكل باطل شغل عن الخير وعما يعني فهو لهو. وبهذا تعلم أن كل ما أشغل المرء عما يعنيه ويهمه فهو لهوٌ؛ وعليه فهو ملازم للغفلة - وقد فسره بعضهم بها - وإن كان شائعاً في كل شاغل. وقيده بعضهم بالشاغل الذي يسر المرء، وهو قريب من اللعب. الوقفة الثانية: قرن الله بين اللهو واللعب في آيات من كتابه كقوله: [وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو] [الأنعام: ٣٢] . وقوله: [وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب] [العنكبوت: ٦٤] . وقوله: [إنما الحياة الدنيا لعب ولهو] [محمد: ٣٦] . وقوله: [اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة] [الحديد: ٢٠] . وقوله: [وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا] [الأنعام: ٧٠] . وقوله: [الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا] [الأعراف: ٥١] . والعطف يقتضي المغايرة، وقد تعرَّض العلماء لبيان الفرق بين اللهو واللعب [٢] . فقال بعضهم: اللهو: صرف الهم بما لا يحسن أن يُصرف به. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يُطلب به. وقيل: اللهو: الاستمتاع بلذات الدنيا. واللعب: العبث. وقيل: اللهو: الميل عن الجد إلى الهزل. واللعب: ترك ما ينفع بما لا ينفع. وقيل: اللهو: الإعراض عن الحق. واللعب: الإقبال على الباطل. وقال العسكري: (الفرق بين اللهو واللعب: أنه لا لهو إلا لعب، وقد يكون لعب ليس بلهو؛ لأن اللعب يكون للتأديب ... ولا يقال لذلك لهو، وإنما اللهو لعب لا يعقب نفعاً، وسُمي لهواً؛ لأنه يشغل عما يعني، من قولهم: ألهاني الشيء، أي: شغلني، ومنه قوله - تعالى -: [ألهاكم التكاثر] [التكاثر: ١] ) اهـ[٣] . ومن تأمل هذه الأقوال تبين له مدى التقارب بين معنى اللهو واللعب، ولعل من أحسن الفروقات بينهما ما ذكره الحافظ شمس الدين ابن القيم ﵀ من أن اللهو للقلب، واللعب للجوارح، قال: (ولهذا يجمع بينهما) اهـ[٤] . الوقفة الثالثة [٥] : قوله: ألهاكم أبلغ في الذم مما لو قال: (شغلكم) لعدم التلازم بين اللهو والاشتغال؛ ذلك أن الإنسان قد يشتغل بالشيء بجوارحه وقلبه غير لاه به. بينما اللهو ذهول وإعراض. الوقفة الرابعة [٦] : اللهو عن الشيء: إن كان بقصد فهو محل التكليف، وإن كان بغير قصد - كقوله ﷺ في الخميصة: (إنها ألهتني عن صلاتي) [٧]- كان صاحبه معذوراً، وهو نوع من النسيان. الوقفة الخامسة [٨] : التكاثر: التباهي بالكثرة من المال والجاه والولد وغير ذلك مما سيأتي. فهو تفاعل من الكثرة. والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة: الأول: أن يكون بين اثنين فأكثر، فيكون من باب المُفَاعَلَة. الثاني: أن يكون من فاعل واحد لكن على سبيل التَكَلُّف، تقول: تحاملت على كذا، وتباعدت عن كذا، وتعاميت عن الأمر وتغافلت عنه. الثالث: أن يُراد به مطلق الفعل، كما تقول: تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه. والتكاثر هنا يحتمل الوجهين الأولين: فيحتمل أن يكون التكاثر بمعنى المفاعلة؛ لأنه تم من اثنين يقول كل واحد منها لصاحبه: [أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا] [الكهف: ٣٤] ، ويحتمل تكلُّفَ الكثرة وتطلُّبَها؛ فإن الحريص - مثلاً- يتكلف جميع عمره تكثير ماله. الوقفة السادسة [٩] : لم يعين المُكَاثَر به، بل ترك ذكره؛ إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء لا المتكاثَر به، كما يقال: شغلك اللعب واللهو. ولم يذكر ما يلعب ويلهو به. وإما لإرادة العموم؛ لأن حذف المقتضي يدل عليه كما تقرر في عِلْمَيِ الأصول والبيان [١٠] . ولا يخفى أن العموم والإطلاق أبلغ في الذم؛ لأنه يذهب فيه الوهم كل مذهب؛ فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام مما يتكاثر به المتكاثرون ويفتخر به المفتخرون من الأموال والأولاد والخدم والجاه والأعوان وغير ذلك مما يُقصد بالمكاثرة، وليس المقصود منه وجه الله كما سنبين في: الوقفة السابعة: يدخل تحت العموم المشار إليه كل ما يتكثَّر به العبد أو يكاثر به غيره سوى طاعة الله، قال ابن القيم ﵀: (التكاثر في كل شيء؛ فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية؛ فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال أو بالجاه، ومنهم من يلهيه التكاثر بالعلم، فيجمع العلم تكاثراً أو تفاخراً، وهذا أسوأ حالاً عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه؛ فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها) [١١] . ومعلوم أن التكاثر والتفاخر إنما يكون بالأمور التي يُتوسل بها إلى تحقيق السعادة مطلقاً، سواء كانت عاجلة أم آجلة، وسنقصر الحديث في هذه الوقفة على السعادة العاجلة، لأنها المقصودة في التكاثر المذموم. أما المطلوبات التي يتهافت عليها المتهافتون توسلاً إلى السعادة القريبة الفانية فهي نوعان: الأول: مطلوبات مادية من الأموال والمراكب والأثاث والرياش والدور والبساتين والغراس والخدم والأولاد وألوان الملبوسات والمطعومات، وكذا التكاثر في الكتب والتصانيف على حساب التحقيق فيها. وغير ذلك مما لا يُقصد به وجه الله؛ فالتكاثر به مذموم، وهذا النوع ذمه ظاهر لا يخفى. الثاني: مطلوبات معنوية، وذلك يشمل العلم الذي لا يُبتغى به وجه الله، كما يشمل ما يلحق بالعلم مما لا ينبني عليه اعتقاد ولا عمل كالمسائل الفرضية، وتكثير الأقوال من غير حاجة، وقطع الأوقات في الوقوف عند الأمثلة والتعريفات أو ما يُعرف بالخلاف الصوري، وكذا التكثُّر بالمسائل وتفريعها وتوليدها، وكمن يترك المهم من التفسير ويشتغل بالأقوال الشاذة، أو يترك المهم من الفقه ويشتغل بنوادر الفروع وعلل النحو وغيرها. أو يتكثر بالتخريجات أو الطرق للحديث الصحيح الذي لا يحتاج إلى هذه الطرق الزائدة أو الشواهد، ومثل هذا يُقال في كثرة العزو إلى الكتب المصنفة مع كون الحديث مخرجاً في الصحيحين أو أحدهما. ومن لطيف ما ورد في هذا المعنى ما أخرجه ابن عبد البر ﵀ في جامعه (٢-١٠٣٤) عن حمزة الكناني ﵀ قال: (خَرَّجت حديثاً واحداً عن النبي ﷺ من مائتي طريق أو من نحو مائتي طريق - شك الراوي - قال: فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل، وأعجبت بذلك، قال: فرأيت ليلة من الليالي يحيى بن معين في المنام فقلت له: يا أبا زكريا! خَرَّجتُ حديثاً واحداً عن النبي ﷺ من مائتي طريق، قال: فسكت عني ساعة ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت ألهاكم التكاثر. وقد ساق الشاطبي ﵀ هذه الحكاية في الموافقات [١٢] وعقبها بقوله: (وهو صحيح في الاعتبار؛ لأن تخريجه من طرق يسيرة كافٍ في المقصود منه، فصار الزائد على ذلك فضلاً) . وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ أن قوماً أكثروا جمع الحديث ولم يكن مقصدهم صحيحاً ولا أرادوا معرفة الصحيح من غيره بجمع الطرق؛ وإنما كان مرادهم العوالي والغرائب، فطافوا البلدان ليقول أحدهم: لقيت فلاناً، ولي من الأسانيد ما ليس لغيري، وعندي أحاديث ليست عند غيري ... وهذا كله من الإخلاص بمعزل؛ وإنما مقصدهم الرئاسة والمباهاة، ولذلك يتبعون شاذ الحديث وغريبه) اهـ[١٣] . ومما يدخل في هذا اللون من التكاثر المذموم: التكاثر بالجاه والشهرة والرئاسات وثناء الخلق! ! قال الإمام الزهري ﵀: (ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال فإذا نُوزِعَ الرياسة حامى عليها وعادى) [١٤] ! ! فكما أن المال: ملك الأعيان المنتفع بها فإن الجاه ملك القلوب المطلوب تعظيمها وطاعتها والتصرف فيها من تحصيل المنزلة في قلوب الخلق، وهو اعتقاد القلوب نعتاً من نعوت الكمال في هذا الشخص، إما من علم أو عبادة أو نسب أو قوة أو إعانة أو حسن صورة أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالاً؛ فبقدر ما يعتقدون له من ذلك تذعن قلوبهم لطاعته ومدحه وخدمته وتوقيره [١٥] . والحقيقة أن هذا اللون من المكاثرة أشد فتكاً وأعظم خطراً من المكاثرة بالأموال والأولاد مما يدخل تحت النوع الأول؛ ذلك (أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس وحب مدحهم؛ فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس رجاء المدح وخوفاً من الذم؛ وذلك من المهلكات) [١٦] . ولا يخفى أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفاً بالتردد إليهم والمراءاة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتاً إلى ما يعظِّم منزلته عندهم ويقتنص به قلوبهم! ! وهذا جذر النفاق وأصل الفساد [١٧] ؛ لأنه يحمل صاحبه على تقديم رضا الخلق على رضا الرب مما يؤدي إلى رقة الدين والعياذ بالله، فتجده إن أفتى الناس مال مع أهوائهم، وإن صلى إماماً لهم تلاعب بالصلاة مجاراة لأذواقهم من إخلال بالمواقيت، أو في الصفة؛ لا سيما في التراويح والقيام؛ حيث ترى أعاجيب متنوعة: من مقتصر على آية واحدة بعد الفاتحة في كل ركعة، ومن محوِّل الدعاء في القنوت إلى موعظة، ومن متكلف للبكاء [١٨] ، ومن مصلٍّ بهم في كل يوم بعدد مغاير في الركعات لليوم الذي قبله (حسب الطلب) ، ومن متكلف في الدعاء موافقة تسعة وتسعين اسماً من الأسماء الحسنى [١٩] ... وغير ذلك مما قد يُبتلى به العبد مكاثرة في المأمومين أو غير ذلك مما يدخل في عموم قوله: ألهاكم التكاثر وإنما لكل امرئ ما نوى. قال ابن الجوزي ﵀: (ومنهم - أي العلماء وطلاب العلم - من يفرح بكثرة الأتباع، ويلبِّس عليه إبليس أن هذا الفرح لكثرة طلاب العلم، وإنما مراده كثرة الأصحاب واستطارة الذكر، وينكشف هذا بأنه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممن هو أعلم منه ثقل ذلك عليه! ! وما هذه صفة المخلص في التعليم) اهـ[٢٠] . وقد كان السلف الصالح يَتَوَقَّوْن هذه المزالق أشد التوقي، ويتحاشَوْن الوقوع فيها؛ فعن سليمان ابن حنظلة قال: أتينا أُبي بن كعب ﵁ لنتحدث إليه، فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفه، فرهقنا عمر، فتبعه فضربه بالدرة! ! قال: فاتقاه بذراعيه. فقال: يا أمير المؤمنين ما نصنع؟ ! قال: أوَ ما ترى؟ ! فتنة للتابع مذلة للمتبوع [٢١] . ولما مشوا خلف علي ﵁ قال: (عني خَفْقَ نعالكم؛ فإنها مفسدة لقلوب نوْكَى الرجال) [٢٢] . وخرج ابن مسعود ﵁ من منزله فتبعه جماعة فالتفت إليهم وقال: علامَ تتبعوني؟ فواللهِ لو تعلمون ما أُغلق عليه بابي ما تبعني منكم رجلان. وفي بعض الروايات: ارجعوا؛ فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وكان أبو العالية ﵀ إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام! ! وكان خالد بن معدان ﵀ إذا عظمت حلقته قام وانصرف كراهة الشهرة. وقال شعبة: ربما ذهبت مع أيوب السختياني لحاجة فلا يدعني أمشي معه، ويخرج من ها هنا وها هنا لكي لا يُفطن له [٢٣] . وكان الإمام أحمد ﵀ - إذا مشى في الطريق يكره أن يتبعه أحد، وكان يقول: أشتهي مكاناً لا يكون فيه أحد من الناس [٢٤] . وكان يقول: (طوبى لمن أخمل الله ذكره) [٢٥] . وعن الحسن ﵀: (لا تغرنك كثرة من ترى حولك؛ فإنك تموت وحدك، وتُبعث وحدك وتحاسب وحدك) . وقال الفضيل بن عياض ﵀: (لو رأيت رجلاً اجتمع الناس حوله لقلت: هذا مجنون! ! من الذي اجتمع الناس حوله لا يحب أن يُجوِّد كلامه لهم؟) [٢٦] . وقال الأعمش: (جهدنا بإبراهيم حتى نجلسه إلى سارية فأبى) [٢٧] . وكان الحارث بن قيس الجعفي يجلس إليه الرجل والرجلان فيحدثهما فإذا كثروا قام وتركهم [٢٨] . وكان محمد بن سيرين إذا مشى معه الرجل قام فقال: ألك حاجة؟ فإن كانت له حاجة قضاها، وإن عاد يمشي معه قام فقال: ألك حاجة؟ ! [٢٩] وقال إبراهيم النخعي: إياكم أن تُوطَأ أعقابُكم [٣٠] . وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: قلنا لعلقمة: لو صليت في المسجد وجلسنا معك فتُسأل؟ ! قال: أكره أن يُقال: هذا علقمة [٣١] . وقال حماد بن زيد: كنت أمشي مع أيوب السختياني فيأخذ في طرق إني لأعجب له كيف يهتدي لها فراراً من الناس أن يُقال: هذا أيوب [٣٢] . وأخبار السلف في هذا كثيرة لا يسع المقام الاستطراد فيها بأكثر من هذا، وإنما أختم لك بهذا الخبر: قال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أجلس يوم الجمعة، فإذا كثر الناس فرحت، وإذا قلوا حزنت. فسألت بشر بن منصور، فقال: هذا مجلس سوء فلا تعدْ إليه، فما عدت إليه! ! [٣٣] . الوقفة الثامنة [٣٤] : علق الله - تعالى - الذم في الآية على التكاثر الملهي عن التزود للآخرة، لكن لو حصلت الكثرة من غير تكاثر لم تضر، وقد كان بعض الصحابة أهل كثرة في المال أو الولد، ولم تضرهم لكونها حاصلة من غير تكاثر كما لا يخفى. الوقفة التاسعة: بما مضى تبين أن الذم في الآية واقع على التكاثر في متاع الدنيا الزائل ولذَّاتها الفانية. أما التكاثر بأسباب السعادة الأخروية فهو مطلوب شرعاً [٣٥] : [وفي ذلك فليتنافس المتنافسون] [المطففين: ٢٦] وعليه فالتكاثر من حيث تعلُّق الذم والحمد قسمان: محمود، ومذموم. (فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكو، وتصير مفلحة، فلا تحب أن يكاثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها. فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد. وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم؛ فهذا تكاثر مُلْهٍ عن الله وعن الدار الآخرة، وهو جارٌّ إلى غاية القلة، فعاقبة هذا التكاثر: قلٌّ وفقر وحرمان. والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يُذكِّر بالله وبنعمه، وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى، وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولاً، وأحسن منه عملاً، وأغزر منه علماً، وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها، وليس هذا التكاثر مذموماً، ولا قادحاً في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات. وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج ﵃ في تصاولهم بين يدي رسول الله ﷺ ، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصرته. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر ﵄ فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: والله لا أسابقك إلى شيء أبداً) [٣٦] . فينبغي للمؤمن العاقل أن يكون سعيه في تقديم الأهم وهو ما يقربه من ربه - . أما التكاثر بما يفنى فهو تكاثر بأخس المراتب، والاشتغال به يمنع الإنسان من الاشتغال بتحصيل السعادة الأخروية التي هي سعادة الأبد، ويصرفه عن الجد في العمل، ويطفئ نور الاستعداد في نفسه وصفاء الفطرة والعقل والكمالات المعنوية الباقية [٣٧] . الوقفة العاشرة [٣٨] : قوله: ألهاكم التكاثر خبر يتضمن تقريعاً وتوبيخاً وتحسراً. الوقفة الحادية عشرة: (ألهاكم التكاثر خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف، وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله. فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر، ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه. وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان، على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان، كقوله: [وكان الإنسان عجولا] [الإسراء: ١١] ، [وكان الإنسان كفورا] [الإسراء: ٦٧] ، [إن الإنسان لربه لكنود] [العاديات: ٦] ، [وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا] [الأحزاب: ٧٢] ، ... [إن الإنسان لكفور] [الحج: ٦٦] ، ونظائره كثيرة. فالإنسان - أيُّ إنسانٍ - هو عارٍ عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله - سبحانه - هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه، وليس له ذلك من نفسه، بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمِنْ ربه، لا من نفسه. فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته التي هي له من نفسه، ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريداً للآخرة مؤثراً لها على التكاثر بالدنيا، فإن أعطاه ذلك وإلا فهو مُلْتَهٍ بالتكاثر في الدنيا ولا بد) [٣٩] .

стр. 3213

دراسات في الشريعة والعقيدة أعياد الكفار وموقف المسلم منها (١/ ٢) إبراهيم بن محمد الحقيل الصراع بين الحق والباطل دائم ما دامت الدنيا، واتباع فئام من الأمة المحمدية أهلَ الباطل في باطلهم من يهود ونصارى ومجوس وعباد أوثان وغيرهم، وبقاء طائفة على الحق رغم الضغوط والمضايقات، كل ذلك سنن كونية مقدرة مكتوبة، ولا يعني ذلك الاستسلام وسلوك سبيل الضالين؛ لأن الذي أخبرنا بوقوع ذلك لا محالة حذَّرنا من هذا السبيل، وأمرنا بالثبات على الدين مهما كثر الزائغون، وقوي المنحرفون، وأخبرنا أن السعيد من ثبت على الحق مهما كانت الصوارف عنه، في زمن للعامل فيه مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمل الصحابة - ﵃ كما ثبت ذلك في حديث أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه -[١] . ولسوف يكون من أمة محمد ﷺ أقوام ينحرفون عن الحق صوب الباطل يغيرون ويبدلون، وعقوبتهم أنهم سيُحجزون عن الحوض حينما يَرِده الذين استقاموا ويشربون منه كما قال ﵊: (أنا فرطكم على الحوض؛ وليُرفعن إليَّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني فأقول: أي رب! أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وفي رواية: (فأقول: سحقاً لمن بدَّل بعدي) [٢] . ومن أعظم مظاهر التغيير والتبديل، والتنكر لدين محمد ﷺ اتِّباع أعداء الله - تعالى - في كل كبيرة وصغيرة، باسم الرقي والتقدم، والحضارة والتطور، وتحت شعارات التعايش السلمي والأخوة الإنسانية، والنظام العالمي الجديد والعولمة والكونية، وغيرها من الشعارات البراقة الخادعة. وإن المسلم الغيور ليلحظ هذا الداء الوبيل في جماهير الأمة إلا من رحم الله - تعالى - حتى تبعوهم وقلدوهم في شعائر دينهم وأخص عاداتهم وتقاليدهم كالأعياد التي هي من جملة الشرائع والمناهج. والله - تعالى - يقول: [ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا] [المائدة: ٤٨] ، ويقول تعالى: [لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه] [الحج: ٦٧] أي: عيداً يختصون به. وإذا كان كثير من المسلمين قد اغتروا ببهرج أعداء الله - تعالى - خاصة النصارى في أعيادهم الكبرى كعيد ميلاد المسيح ﵊ (الكريسمس) وعيد رأس السنة الميلادية، ويحضرون احتفالات النصارى بها في بلادهم؛ بل نقلها بعضهم إلى بلاد المسلمين - والعياذ بالله - فإن البلية الكبرى والطامة العظمى ما يجري من استعدادات عالمية وعلى مستوى الدول النصرانية الكبرى للاحتفال بنهاية الألفية الثانية والدخول في الألفية الثالثة لميلاد المسيح ابن مريم ﵊. وإذا كانت الأرض تعج باحتفالات النصارى في كل رأس سنة ميلادية فكيف سيكون احتفالهم بنهاية قرن ميلادي (القرن العشرين) ؛ بل بنهاية ألف ميلادية هي الثانية؟ إنه حدث ضخم تستعد له الأمم النصرانية بما يناسب حجمه وضخامته. إن هذا الحدث النصراني لن يكون الاحتفال بليلة رأس السنة فيه كما هو المعتاد في بلاد النصارى فحسب وفي قبلة ديانتهم الفاتيكان؛ بل الاستعدادات جارية ليكون مركز الاحتفال الرئيس (بيت لحم) موضع مولد المسيح - عليه الصلاة والسلام - وسينتقل إليها أئمة النصارى السياسيون والدينيون: الإنجيليون منهم والمعتدلون؛ بل والعلمانيون لإحياء تلك الاحتفالات الألفية التي تنشط الصحافة العالمية في الحديث عنها كلما اقترب الحدث يوماً بعد يوم، ويتوقع أن يحضرها أكثر من ثلاثة ملايين من البشر في (بيت لحم) يؤمهم البابا يوحنا بولس الثاني، وستشارك بعض الدول الإسلامية المجاورة في هذه التظاهرة العالمية على اعتبار أن بعض شعائر العيد النصراني يقع في أراضيها وهو موقع تعميد المسيح - عليه الصلاة والسلام - حيث عمده يوحنا المعمدان (يحيى ﵊ في نهر الأردن، بل إن كثيراً من المسلمين سيشاركون في تلك الاحتفالات على اعتبار أنها مناسبة عالمية تهم سكان الأرض كلهم، وما علم هؤلاء أن الاحتفال بهذه الألفية هو احتفال بعيد ديني نصراني (عيد ميلاد المسيح وعيد رأس السنة الميلادية) وأن المشاركة فيه مشاركة في شعيرة من شعائر دينهم، والفرح به فرح بشعائر الكفر وظهوره وعلوه، وفي ذلك من الخطر على عقيدة المسلم وإيمانه ما فيه؛ حيث إن (من تشبه بقوم فهو منهم) [٣] كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ ، فكيف بمن شاركهم في شعائر دينهم؟ ! وذلك يحتم علينا الوقوف على حكم أعياد الكفار، وما يجب على المسلم تجاهها، وكيفية مخالفتهم التي هي أصل من أصول ديننا الحنيف، بَلْهَ التعرف على أنواع أعيادهم وشعائرهم فيها بقصد تجنبها والحذر والتحذير منها. لماذا علينا أن نعرف أعياد الكفار؟ ! من المتفق عليه أن المسلم لا يعنيه التعرف على أحوال الكفار، ولا يهمه معرفة شعائرهم وعاداتهم - ما لم يُرِدْ دعوتهم إلى الإسلام - إلا إذا كانت شعائرهم تتسرب إلى جهلة المسلمين فيقعون في شيء منها عن قصد أو غير قصد، فحينئذ لا بد من معرفتها لاتقائها، والحذر من الوقوع في شيء منها، وفي العصور المتأخرة يتأكد ذلك للأسباب الآتية: ١ - كثرة الاختلاط بالكفار سواء بذهاب المسلم إلى بلادهم للدراسة أو السياحة أوالتجارة أو غير ذلك، فيرى أولئك الذاهبون إليهم بعض شعائرهم وقد يُعجبون بها، ومن ثم يتَّبعونهم فيها، لا سيما مع هزيمتهم النفسية، ونظرتهم إلى الكافرين بإعجاب شديد يسلب إرادتهم، ويفسد قلوبهم ويضعف الدين فيها، ومن ذلك أن كثيراً من المثقفين المغتربين يصف الكفرة بالرقي والتقدم والحضارة حتى في عاداتهم وأعمالهم المعتادة، أو كان ذلك عن طريق إظهار تلك الأعياد في البلاد الإسلامية من طوائف وأقليات أخرى غير مسلمة فيتأثر بها جهلة المسلمين في تلك البلاد. ٢ - وزاد الأمرَ خطورةً البثُّ الإعلامي الذي به يمكن نقل كل شيء بالصوت والصورة الحية من أقصى الأرض إلى أدناها، وما من شك في أن وسائل إعلام الكفار أقوى وأقدر على نقل شعائرهم إلى المسلمين دون العكس؛ حيث أصبحت كثير من القنوات الفضائية تنقل شعائر أعياد الآخرين خاصة أعياد الأمة النصرانية، واستفحل الخطر أكثر وأكثر حينما تبنت بعض الأنظمة العلمانية في البلاد الإسلامية كثيراً من الاحتفالات بشعائر الكفرة والمبتدعة وأعيادهم، وينقل ذلك عبر الفضائيات العربية إلى العالم؛ فيغتر بذلك بعض المسلمين بسبب صدوره من بلاد إسلامية. ٣ - قد عانى المسلمون على مدى تاريخهم من تأثُّر بعضهم بشعائر غيرهم من جراء الاختلاط بهم مما جعل كثيراً من أئمة الإسلام يحذرون عوام المسلمين من تقليد غيرهم في أعيادهم وشعائرهم؛ منهم - على سبيل المثال -: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم، والحافظان: الذهبي، وابن كثير، وهم قد عاشوا عصراً واحداً كثر فيه اختلاط المسلمين بغيرهم خاصة بالنصارى، وتأثر جهلتهم ببعض شعائر دينهم خاصة أعيادهم، ولهذا أكثر الكلامَ عن ذلك هؤلاء العلماء في تضاعيف مصنفاتهم، وبعضهم أفرد لذلك كتاباً خاصاً، كابن تيمية في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) أو الذهبي في رسالته: (تشبيه الخسيس بأهل الخميس) ، وغيرهم. ولقد أطال ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في ذكر أعيادهم وأعمالهم فيها، وبين مدى تأثر جهلة المسلمين بها، ووصف أعيادهم وأنواعها وما يجري فيها من شعائر وعادات مما يستغني عن معرفته المسلمون، إلا أن الحاجة دعت إلى ذلك بسبب اتباع كثير من المسلمين أهل الكتاب في تلك الشعائر. وقد بيّن شيخ الإسلام أعيادهم وعرضها في مقام التحذير؛ حيث يقول - رحمه الله تعالى - بعد أن أفاض في الحديث عنها: (وغرضنا لا يتوقف على معرفة تفاصيل باطلهم؛ ولكن يكفينا أن نعرف المنكر معرفة تميز بينه وبين المباح والمعروف، والمستحب والواجب، حتى نتمكن بهذه المعرفة من اتقائه واجتنابه كما نعرف سائر المحرمات؛ إذ الفرض علينا تركها، ومن لم يعرف المنكر جملة ولا تفصيلاً لم يتمكن من قَصْدِ اجتنابه. والمعرفة الجُمَلية كافية بخلاف الواجبات) [٤] ، وقال أيضاً: (وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم لما رأيت طوائف من ... المسلمين قد ابتلي ببعضها، وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى الملعون هو وأهله، ولست أعلم جميع ما يفعلونه، وإنما ذكرت ما رأيت من المسلمين يفعلونه وأصله مأخوذ عنهم) [٥] . ٤ - أن بعض أعيادهم تحول في العصر الحاضر إلى اجتماع كبير له بعض خصائص عيدهم القديم، ويشارك كثير من المسلمين في ذلك دون علم كما في دورة الألعاب الأولمبية التي أصلها عيد عند اليونان ثم عند الرومان ثم عند النصارى، وكالمهرجانات التي تقام للتسوق أو الثقافة أو غير ذلك مع أن أصل المهرجان عيد من أعياد الفرس، وأكثر من يقيمون تلك الاجتماعات ويسمونها (مهرجانات) يجهلون ذلك. ٥- معرفة الشر سبب لاتقائه واجتنابه، وقد قال حذيفة ﵁: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن ... الشر مخافةَ أن يدركني) [٦] ومن المعلوم أن الشر العظيم والداء الوبيل أن يقع المسلم في شيء من شعائر الذين كفروا دون علمه أن ذلك من شعائرهم وأخص عاداتهم التي أُمرنا بمجانبتها والحذر منها؛ لأنها رجس وضلال. ٦ - كثرة الدعاوي وقوة الأصوات المنافقة التي تريد للأمة الخروج عن أصالتها، والقضاء على هويتها، والانصهار في مناهج الكفرة، واتباعهم حذو القذة بالقذة تحت شعارات: الإنسانية والعولمة والكونية والانفتاح على الآخر وتلقِّي ثقافته، مما حتَّم معرفة ما عند هذا الآخر - الكافر - من ضلال وانحراف لفضحه وبيان عواره وكشف التزوير وتمزيق الأغلفة الجميلة التي تغلف بها تلك الدعاوى القبيحة [ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة] [الأنفال: ٤٢] ولكي تقوم الحجة على أتباع محمد ﷺ فلا يغتروا وينخدعوا. أعياد الفراعنة: من أعياد الفراعنة: عيد شم النسيم [٧] وهو لتقديس بعض الأيام تفاؤلاً أو تزلفاً لمن كانوا يُعبدون من دون الله - تعالى - وقد ذكر الشيخ محفوظ ما يقع فيه - في زمنه - من المخازي والفجور مما يندى له الجبين؛ حيث تمتلئ فيه المزارع والخلوات بجماعات الفجار وفاسدي الأخلاق، ينزحون جماعات شيباً وشباناً ونساءً إلى البساتين والأنهار لارتكاب الزنا وشرب المسكرات، يظنون أن ذلك اليوم أبيحت فيه جميع الخبائث لهم. ومن أوهامهم فيه: وضع البصل تحت رأس النائم وتعليقه على الأبواب زاعمين أنه يُذهب عنهم الكسل والوخم. وهو معدود في أعياد الفراعنة وقيل: أحدثه الأقباط، ولا مانع أنه لكليهما وأنه انتقل من أولئك إلى هؤلاء، ولا زال كثير من أهل مصر - خاصة الأقباط - يحتفلون به ويشاركهم فيه كثير من المسلمين، وفي الآونة الأخيرة كتب عنه عدد من الكتاب العلمانيين داعين إلى أن يكون عيداً رسمياً إحياءً لتراث الفراعنة في الوقت الذي يصفون فيه شعائر الإسلام بالتخلف والرجعية والردة الحضارية. أعياد اليونان: أَشْهُر السنة عند اليونان كثيرة وكانت تسمى بأسماء أعيادهم، وكانت نفقات أعيادهم يتحملها الأغنياء منهم، وعامة أعيادهم لها صلات بشعائر دينهم الوثني المبني على تعدد الآلهة عندهم، وقد كثرت أعيادهم جداً بغية التخفف بتلك الأعياد من متاعب الحياة الرتيبة، وبلغ من كثرتها أنه ما خلا شهر من أشهرهم من عيد أو أعياد عدا شهر واحد عندهم هو شهر (ممكتريون) [٨] . واتسمت أعيادهم بالفحش والعهر والسكر وإطلاق العنان لغرائزهم الحيوانية تفعل ما تشاء، كما كان فيها شيء كثير من خرافاتهم وضلالهم: كزعم تحضير أرواح الأموات ثم إرجاعها أو طردها مرة أخرى بعد انتهاء العيد، وأهم أعيادهم: عيد الأولمبياد أو العيد الأولمبي ويقام في (إليس) وينعقد كل أربع سنوات، وكان الأولمبياد الأول المعترف به سنة (٧٧٦ ق م) وهذا الأولمبياد من أكبر أعيادهم وتجمعاتهم الموسمية، ومنذ ذلك التاريخ كان يطلق على تلك الألعاب (الأولمبياد) ، وكان لها صبغة وطنية، ومضامين قومية حتى قيل: إن اليونان كانت تفتخر بانتصاراتها الأولمبية أكثر من افتخارها بانتصاراتها في المعارك الحربية؛ فهو أكبر عيد في عالم الإغريق آنذاك [٩] . ولا تزال هذه الألعاب تقام وترعاها الأمم النصرانية بتسميتها القديمة نفسها وشعائرها الموروثة من إشعال الشعلة الأولمبية من أثينا ونقلها إلى البلد المنظم للدورة ونحو ذلك؛ ومع بالغ الأسف فإن كثيراً من المسلمين يشاركون فيها، ويفاخرون بتلك المشاركات، ويجهل كثيرون منهم أن أصلها عيد من أعياد الكفار الكبرى وأيام مقدسة في دينهم الوثني؛ فنعوذ بالله من الزيغ والضلال والتقليد الأعمى. وكان لليونان أيضاً أعياد عظيمة كأعياد الجامعة الهيلينية، وعيد الجامعة الأيونية وغيرها [١٠] . أعياد الرومان: من أكثر الأمم أعياداً الرومان؛ حيث كان عندهم في السنة أكثر من مائة يوم مقدس يعتبرونها أعياداً، من بينها اليوم الأول من كل شهر، وخصصت بعض هذه الأعياد لتقديس الموتى، وأرواح العالم السفلي، وكان يقصد بكثير من أعيادهم وما يقام فيها من احتفالات استرخاء الموتى وإقصاء غضبهم - حسب زعمهم. ومن المعلوم أن الإمبراطورية الرومانية سادت بعد اليونان؛ فورثت كثيراً من شعائر اليونان وعاداتهم وأعيادهم. ومن أشهر أعيادهم: عيد الحب: يحتفلون به في يوم (١٤) فبراير من كل سنة تعبيراً عما يعتقدونه في دينهم الوثني أنه تعبير عن الحب الإلهي، وأحدث هذا العيد قبل ما يزيد على (١٧٠٠ عام) في وقت كانت الوثنية هي السائدة عند الرومان، وقد أعدمت دولتهم أيام وثنيتها القديس (فالنتين) الذي اعتنق النصرانية بعد أن كان وثنياً، فلما اعتنق الرومان النصرانية جعلوا يوم إعدامه مناسبة للاحتفال بشهداء الحب، ولا زال الاحتفال بهذا العيد قائماً في أمريكا وأوروبا لإعلان مشاعر الصداقة، ولتجديد عهد الحب بين المتزوجين والمحبين، وأصبح لهذا العيد اهتمامه الاجتماعي والاقتصادي. ويبدو أن عيداً آخر نشأ من مفهوم هذا العيد ذلك هو عيد الزوجين أو الصديقين المتحابين يحتفل به الزوجان في يوم ذكرى زواجهما من كل عام لتأكيد المحبة بينهما، وانتقلت هذه العادة إلى المسلمين بسبب المخالطة حتى صار الزوجان يحتفلان بليلة زواجهما احتفالاً خاصاً في كثير من بلاد المسلمين؛ تشبهاً بالكفار؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أعياد اليهود: ١- عيد رأس السنة العبرية ويسمونه عيد (هيشا) وهو أول يوم من تشرين الأول، ويزعمون أنه اليوم الذي فُدِيَ فيه الذبيح إسحاق ﵇، - حسب معتقدهم الخاطئ؛ لأن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق - وهذا العيد هو بمنزلة عيد الأضحى عند المسلمين. ٢ - عيد صوماريا أو الكيبور وهو عندهم يوم الغفران. ٣ - عيد المظلل أو الظلل أو المظال يوم (١٥ تشرين) يستظلون فيه بأغصان الشجر ويسمونه أيضاً: عيد صوم مريم العذراء. ٤ - عيد الفطير وهو عيد الفصح يوم (١٥ نيسان) وهو بمناسبة ذكرى هروب بني إسرائيل من الاستعباد في مصر في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وقصة هذا العيد مروية في الإصحاح الثاني عشر من التوراة - سِفْر الخروج - ومدته ثمانية أيام يحتفلون به في فلسطين المحتلة، واليهود الإصلاحيون يحتفلون به في أقطارهم لمدة سبعة أيام، ولهم فيه احتفال يسمى (السيدار) وفيه تُقرأ قصة هروب بني إسرائيل من كتاب اسمه: (الحقادا) ويأكلون فيه خبزاً غير مخمر، على اعتبار أن بني إسرائيل لما هربوا أكلوه؛ إذ لم يكن عندهم وقت لتخميره، ولا يزال اليهود يأكلونه إلى اليوم في هذا العيد. ٥ - عيد الأسابيع أو (العنصرة) أو (الخطاب) ويزعمون أنه اليوم الذي كلم الله - تعالى - فيه موسى ﵊. ٦ - يوم التكفير في الشهر العاشر من السنة اليهودية: ينقطع الشخص تسعة أيام يتعبد فيها ويصوم وتسمى أيام التوبة. ٧ - الهلال الجديد: كانوا يحتفلون لميلاد كل هلال جديد؛ حيث كانت تنفخ الأبواق في بيت المقدس وتشعل النيران ابتهاجاً به. ٨ - عيد اليوبيل وهو المنصوص عليه في سِفْر اللاويين. ولهم أعياد أخرى من أشهرها: عيد الفوز أو (البوريم) وعيد الحنكة ويسمى (التبريك) [١١] . أعياد النصارى: ١ - عيد القيامة ويسمى عيد الفصح، وهو أهم أعياد النصارى السنوية، ويسبقه الصوم الكبير الذي يدوم أربعين يوماً قبل أَحَد الفصح، وهذا العيد يحتفون في ذكراه بعودة المسيح ﵇ أو قيامته بعد صلبه وهو بعد يومين من موته - على حد زعمهم - وهو خاتمة شرائع وشعائر متنوعة هي: أ - بداية الصوم الكبير وهو أربعون يوماً قبل أحد الفصح، ويبدؤون الصوم بأربعاء يسمونه أربعاء الرماد؛ حيث يضعون الرماد على جباه الحاضرين ويرددون: (من التراب نبدأ وإليه نعود) . ب - ثم بعده خمسون يوماً تنتهي بعيد الخمسين أو العنصرة. ج - أسبوع الآلام وهو آخر أسبوع في فترة الصوم، ويشير إلى الأحداث التي قادت إلى موت عيسى ﵇ وقيامته - كما يزعمون. د - أحد السعف وهو يوم الأحد الذي يسبق الفصح، وهو إحياء ذكرى دخول المسيح بيت المقدس ظافراً. هـ - خميس العهد أو الصعود ويشير إلى العشاء الأخير للمسيح واعتقاله وسجنه. و الجمعة الحزينة وهي السابقة لعيد الفصح وتشير إلى موت المسيح على الصليب - حسب زعمهم. ز - سبت النور وهو الذي يسبق عيد الفصح، ويشير إلى موت المسيح، وهو يوم الانتظار وترقب قيام المسيح أحد عيد الفصح. وتنتهي احتفالات عيد الفصح بيوم الصعود أو خميس الصعود؛ حيث تتلى قصة رفع المسيح إلى السماء في كل الكنائس، ولهم فيه احتفالات ومهرجانات مختلفة باختلاف المذاهب والبلاد النصرانية، ويسمون خميسه وجمعته السابقة له الخميس الكبير، والجمعة الكبيرة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -[١٢] وهو الخميس المقصود برسالة الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - (تشبيه الخسيس بأهل الخميس) ، وهذا الخميس هو آخر يوم صومهم ويسمونه أيضاً خميس المائدة أو عيد المائدة وهو المذكور في سورة المائدة في قوله - تعالى -: [قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ... ] [المائدة: ١١٤] . وكان لهم من الأعمال الغريبة في هذه الأعياد شيء كثير، ذَكَرَهُ كثير من المؤرخين، فمن ذلك جمع ورق الشجر وتنقيعه والاغتسال به والاكتحال، وكان أقباط مصر يغتسلون في بعض أيامه في النيل ويزعمون أن في ذلك رقية ونشرة. ويوم الفصح عندهم هو يوم الفطر من صومهم الأكبر، ويزعمون أن المسيح - ﵇ قام فيه بعد الصلبوت بثلاثة أيام وخلص آدم من الجحيم، إلى غير ذلك من خرافاتهم. وقد ذكر شمس الدين الدمشقي الذهبي أن أهل حماة يعطلون فيه أعمالهم لمدة ستة أيام، ويصبغون البيض، ويعملون الكعك، وذكر ألواناً من الفساد والاختلاط الذي يجري فيه آنذاك، وذكر أن المسلمين يشاركون فيه وأن أعدادهم تفوق أعداد النصارى - والعياذ بالله [١٣] . وذكر ابن الحاج: أنهم يجاهرون بالفواحش والقمار ولا أحد ينكر عليهم [١٤] ولعل هذا ما دفع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى إنكار ما رآه من المسلمين من تقليد النصارى في أعيادهم وشعائرهم؛ فإنه ذكر شيئاً كثيراً من ذلك في كتابه القيم الاقتضاء، وكذلك ألف الذهبي رسالته آنفة الذكر. ويحتفل به عامة النصارى إلى اليوم في أول أَحد بعد كمال الهلال من فصل الربيع في الفترة ما بين (٢٢ مارس و ٢٥ إبريل) والكنائس الشرقية الأرثوذكسية تتأخر عن بقية النصارى في الاحتفال به وهو بشعائره وصيامه وأيامه فصلٌ كامل من السنة النصرانية [١٥] . ٢ - عيد ميلاد المسيح ﵇ وعند الأوروبيين يسمى عيد الكريسمس وهو يوم (٢٥ ديسمبر) عند عامة النصارى، وعند الأقباط يوافق يوم (٢٩ كيهك) والاحتفال به قديم ومذكور في كتب التاريخ قال المقريزي: وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر جليلاً تباع فيه الشموع المزهرة وكانوا يسمونها الفوانيس [١٦] . ومناسبة هذا العيد عند النصارى تجديد ذكرى مولد المسيح ﵇ كل عام، ولهم فيه شعائر وعبادات؛ حيث يذهبون إلى الكنيسة ويقيمون الصلوات الخاصة. وقصة عيد الميلاد مذكورة في أناجيلهم (لوقا) و (متَّى) وأول احتفال به كان عام ٣٣٦م، وقد تأثر بالشعائر الوثنية؛ حيث كان الرومان يحتفلون بإله الضوء وإله الحصاد، ولما أصبحت الديانة الرسمية للرومان النصرانية صار الميلاد من أهم احتفالاتهم في أوروبا، وأصبح القديس (نيكولاس) رمزاً لتقديم الهدايا في العيد من دول أوروبا، ثم حل البابا (نويل) محل القديس (نيكولاس) رمزاً لتقديم الهدايا خاصة للأطفال [١٧] . وقد تأثر كثير من المسلمين في مختلف البلاد بتلك الشعائر والطقوس؛ حيث تنتشر هدايا البابا (نويل) المعروفة في المتاجر والمحلات التي يملكها في كثير من الأحيان مسلمون، وكم من بيت دخلته تلك الهدايا، وكم من طفل مسلم يعرف البابا (نويل) وهداياه! فلا حول ولا قوة إلا بالله. وللنصارى في هذا العيد شعائر منها: أن نصارى فلسطين وما جاورها يجتمعون ليلة عيد الميلاد في (بيت لحم) المدينة التي ولد فيها المسيح - عليه الصلاة والسلام - لإقامة قداس منتصف الليل، ومن شعائرهم: احتفالهم بأقرب يوم أحد ليوم (٣٠ نوفمبر) وهو عيد القديس (أندراوس) وهو أول أيام القدوم - قدوم عيسى ﵇ ويصل العيد ذروته بإحياء قداس منتصف الليل؛ حيث تزين الكنائس ويغني الناس أغاني عيد الميلاد وينتهي موسم العيد في (٦ يناير) . وبعضهم يحرق كتلة من جذع شجرة عيد ميلاد المسيح، ثم يحتفظون بالجزء غير المحروق، ويعتقدون أن ذلك الحرق يجلب الحظ، وهذا الاعتقاد سائد في بريطانيا وفرنسا والدول الاسكندنافية [١٨] . ٣ - عيد الغطاس: وهو يوم (١٩ يناير) وعند الأقباط يوم (١١ من شهر طوبة) وأصله عندهم أن يحيى بن زكريا - عليهما الصلاة والسلام - والمعروف عندهم بيوحنا المعمدان عمّد المسيح ابن مريم ﵊ في نهر الأردن، وعندما غسله اتصلت به روح القدس، فصار النصارى لأجل ذلك يغمسون أولادهم في الماء في هذا اليوم وينزلون فيه بأجمعهم [١٩] ، وقد ذكر المسعودي أن لهذا العيد - في وقته - شأناً عظيماً بمصر، يحضره آلاف النصارى والمسلمين، ويغطسون في نهر النيل ويزعمون أنه أمان من المرض ونشرة للدواء [٢٠] . وعلى هذا المفهوم تحتفل به الكنائس الأرثوذكسية، وأما الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية فلهم مفهوم آخر في الاحتفال به، وهو إحياء ذكرى تقديس الرضيع المسيح ﵊ على يد الرجال الثلاثة الذين قدموا من الشرق. وأصل كلمة (غطاس) إغريقية وهي تعني الظهور، وهو مصطلح ديني مشتق من ظهور كائن غير مرئي، وقد جاء في التوراة أن الله - تعالى - تجلى لموسى ﵊ على هيئة أجمة محترقة [٢١]- تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. ٤ - عيد رأس السنة الميلادية: وللاحتفال به شأن عظيم في هذه الأزمنة؛ حيث تحتفل به الدول النصرانية وبعض الدول الإسلامية، وتنقل تلك الاحتفالات بالصوت والصورة الحية من شتى بقاع الأرض، وتتصدر احتفالاته الصفحات الأولى من الصحف والمجلات، وتستحوذ على معظم نشرات الأخبار والبرامج التي تبث في الفضائيات، وصار من الظواهر الملحوظة سفر كثير من المسلمين الذين لا تقام تلك الاحتفالات النصرانية في بلادهم إلى بلاد النصارى لحضورها والاستمتاع بما فيها من شهوات محرمة غافلين عن إثم الارتكاس في شعائر الذين كفروا. وللنصارى في ليلة رأس السنة (٣١ ديسمبر) اعتقادات باطلة، وخرافات كسائر أعيادهم المليئة بذلك، وهذه الاعتقادات تصدر عن صُنّاع الحضارة الحديثة وممن يوصفون بأنهم متحضرون ممن يريد المنافقون من بني قومنا اتباعهم حذو القذة بالقذة حتى في شعائرهم وخرافاتهم لكي نضمن مواقعنا في مصافِّ أهل التقدم والحضارة، وحتى يرضى عنها أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء! ! ومن اعتقاداتهم تلك: أن الذي يحتسي آخر كأس من قنينة الخمر بعد منتصف تلك الليلة سيكون سعيد الحظ، وإذا كان عازباً فسيكون أول من يتزوج من بين رفاقه في تلك السهرة، ومن الشؤم دخول منزل ما يوم عيد رأس السنة دون أن يحمل المرء هدية، وكنسُ الغبار إلى الخارج يوم رأس السنة يُكنس معه الحظ السعيد، وغسل الثياب والصحون في ذلك اليوم من الشؤم، والحرص على بقاء النار مشتعلة طوال ليلة رأس السنة يحمل الحظ السعيد.... إلخ تلك الخرافات [٢٢] . ولهم أعياد سوى تلك: منها ما هو قديم، ومنها ما هو محدث، وأعياد أخذوها عمن سبقهم من اليونان والرومان، وأعياد كانت في دينهم ثم اندثرت، ومن هذه الأعياد ما هو كبير مهم لديهم، ومنها ما هو صغير تقتصر أهميته على بعض كنائسهم أو بعض مذاهبهم. ولكل أصحاب مذهب منهم أعياد تخصهم وتخص كنائسهم ورهبانهم وقساوستهم لا يعترف بها أهل المذاهب الأخرى، فالبروتستانت لا يؤمنون بأعياد الكنائس الأخرى [٢٣] ، ولكنهم يتفقون على الأعياد الكبرى كعيد الفصح والميلاد ورأس السنة والغطاس وإن اختلفوا في شعائرها ومراسم الاحتفال بها، أو في بعض أسبابها وتفاصيلها، أو في زمانها ومكانها. أعياد الفرس: ١ - عيد النيروز: ومعنى النيروز: الجديد، وهو ستة أيام؛ حيث كانوا في عهد الأكاسرة يقضون حاجات الناس في الأيام الخمسة الأولى، وأما اليوم السادس فيجعلونه لأنفسهم وخواصهم ومجالس أنسهم، ويسمونه النيروز الكبير، وهو أعظم أعيادهم [٢٤] . وذكر أصحاب الأوائل أن أول من اتخذ النيروز حمشيد الملك، وفي زمانه بعث هود ﵇ وكان الدين قد تغيّر، ولما ملك حمشيد جدّد الدين وأظهر العدل، فسُمي اليوم الذي جلس فيه على سرير الملك نيروزاً، فلما بلغ من عمره سبعمائة سنة ولم يمرض ولم يوجعه رأسه تجبر وطغى، فاتخذ شكلاً على صورته وأرسلها إلى الممالك ليعظموها، فتعبَّدها العوام، واتخذوا على مثالها الأصنام، فهجم عليه الضحاك العلواني من العمالقة باليمن فقتله كما في التواريخ [٢٥] . ومن الفرس من يزعم أن النيروز هو اليوم الذي خلق الله فيه النور. ويعتبر النيروز عيد رأس السنة الفارسية الشمسية ويوافق الحادي والعشرين من شهر مارس من السنة الميلادية [٢٦] ، وكان من عادة عوامهم إيقاد النار في ليلته ورش الماء في صبيحته. ويحتفل بعيد النيروز أيضاً البهائيون، وذلك في ختام صيامهم الذي مدته ١٩ يوماً وذلك في (٢١ آذار) [٢٧] والنيروز، أيضاً أول يوم من السنة عند القبط ويسمى عندهم عيد شم النسيم ومدته عندهم ستة أيام أيضاً تبدأ من (٦ حزيران) [٢٨] . وقد مضى ذكر شم النسيم عند الفراعنة فلا يمنع أن يكون الأقباط أخذوه من تراث الفراعنة وآثارهم، ولا سيما أن الجميع في مصر. ٢ - عيد المهرجان: كلمة (مهرجان) مركبة من (المهر) ومعناه: الوفاء، (جان) : السلطان، ومعنى الكلمة: سلطان الوفاء، وأصل هذا العيد: ابتهاج بظهور (أفريدون) على الضحاك العلواني الذي قتل (حمشيد) الملك صاحب عيد النيروز، وقيل: بل هو احتفال بالاعتدال الخريفي، ولا يمنع أن يكون أصله ما ذكر أولاً لكنه وافق الاعتدال الخريفي فاستمر فيه. والاحتفال به يكون يوم (٢٦ من تشرين الأول من شهور السريان) وهو كسابقه ستة أيام أيضاً، والسادس منها المهرجان الكبير، وكانوا يتهادون فيه وفي النيروز المسك والعنبر والعود الهندي والزعفران والكافور [٢٩] ، وأول من رسم هدايا هذين العيدين في الإسلام الحجاج بن يوسف الثقفي، واستمر إلى أن رفعه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى -[٣٠] . ومن عظيم ما ابتلي به المسلمون استخدام لفظ (المهرجان) على كثير من الاجتماعات والاحتفالات والتظاهرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؛ بل وحتى الدعوية فيقال: مهرجان الثقافة، ومهرجان التسوق، ومهرجان الكتب، ومهرجان الدعوة، وما إلى ذلك مما نرى دعاياته ونسمع عباراته كثيراً يتصدرها هذا المصطلح الوثني (المهرجان) الذي هو عيد عَبَدَة النار. ولهذا فإن إطلاق هذا الشعار الفارسي الوثني على اجتماعات المسلمين من مواطن النهي الجلي [٣١] يجب اجتنابه والنهي عن استعماله، وفي المباح من الألفاظ غنية عنه، واللغة العربية أغنى اللغات لفظاً ومعنى.

стр. 3214

دراسات في الشريعة والعقيدة من القواعد الفقهية (٢-٢) عبد اللطيف بن محمد الحسن في الحلقة الأولى أشار الكاتب إلى أهمية القواعد الفقهية، وعلاقة الأحكام الجزئية بها، ثم شرع يعرض بعضاً منها ممثلاً بما يندرج تحتها من أحكام فقهية. ويستكمل الكاتب في هذه الحلقة عرض بقية مختاراته من هذه القواعد وبعض ما ينبثق عنها من أحكام وقواعد فرعية، وقد أخذ على نفسه ابتداءً ألا يعرض إلا للصحيح الثابت. - البيان - قاعدة: (لا عبرة بالظن البَيّن خَطَؤهُ) : الظن هو: إدراك الاحتمال الراجح الذي ظهر رجحانه على نقيضه بدليل معتبر. فإذا ازداد قوة حتى أصبح خلافه موهوماً فهو غالب الظن. معنى القاعدة: البناء على الظن صحيح؛ إذ هو أعلى مرتبة من الشك؛ فهو أقرب إلى اليقين. والأحكام الشرعية في غالبها مبنية على الظن، لكن قد يظهر خطأ ذلك الظن، ويتبين أنه خلاف الواقع، وحينئذ فإنه لا يجوز البناء عليه، لنزوله عن المرتبة المعتبرة، وبذلك ينتقض كل ما بني عليه من أحكام. وهذه القاعدة فرع من القاعدة الكلية الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك) . ووجه العلاقة بينهما أن القاعدة الكبرى تفيد أن الإنسان لا بد أن يبني أحكامه على اليقين، وهو الأمر المجزوم به، أو ما يقوم مقامه شرعاً وهو الظن الصحيح. أما الظن الخطأ فهو الذي تتحدث عنه هذه القاعدة [١] . من فروع القاعدة: - إذا توضأ بماء ظنه طهوراً، فبان أنه نجس بطلت طهارته، ولا عبرة بظنه: كونه طهوراً. - إذا صلى يظن الوقت دخل، فظهر خلافه، لم تصح صلاته. - إذا حج إنسان بولده يظنه بالغاً، والحال خلافه، لم تسقط عنه الفريضة. - لو صلى يظن نفسه متطهراً، ثم تبين له أنه محدث، فإنه لا عبرة بظنه الطهارة، ولا تصح صلاته. - إذا كان صائماً فأكل يظن الشمس قد غربت، ولم تغرب بعد؛ فلا عبرة بظنه، وعليه القضاء. - لو وجد في بيته أو مركبه مالاً ظنه له، فاستهلكه، فبان أنه لغيره، لزمه العوض. ومن الصور المستثناة من القاعدة: - لو صلى خلف من يظنه متطهراً، فبان أنه محدث: صحت صلاته. قاعدة: (الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته) : هذه القاعدة أيضاً من القواعد المندرجة تحت القاعدة الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك) ، ومعناها: أنه إذا وجد أمراً ما حادثاً، وأمكن أن يكون وقته قريباً أو بعيداً، ولا بيِّنة، فإن القاعدة هي أن وقته المعتبر هو القريب؛ لأنه هو المتيقن، والبعيد مشكوك فيه. من فروع القاعدة: - لو رأى في ثوبه منياً، يعلم أنه من أثر احتلام، ولم يذكر احتلاماً، فإنه يُرجعه إلى آخر نومة نامها، ويعيد الصلوات التي صلاها بعد تلك النومة. - لو ضرب إنسان بطن حامل فوضعت جنينها حياً، وبقي زمناً بلا ألم، ثم مات، فإن موته يُنسب إلى سبب آخر بعد الضرب، بخلاف ما لو وضعته ميتاً، أو حياً متألماً حتى مات، فإنه يُنسب إلى ضربه لها، فتجب فيه دية كاملة [٢] . قاعدة: (إذا اجتمع أمران من جنس واحد متفقا المقصد دخل أحدهما في الآخر غالباً) [٣] : من فروع القاعدة: - إذا حلف عدة أيْمان على أمر واحد دخل بعضها في بعض في الكفارة، وأجزأته كفارةٌ واحدةٌ، أما إذا حلف على أكثر من شيء فقد اختلف القصد، فيجب عليه كفارات بعدد الأيْمان. وكذلك إذا حلف على أمر ثم حنث وكفّر عنه، ثم حلف عليه ثانية، وحنث: وجب عليه كفارة ثانية؛ لأن الكفارة يجب أن تكون بعد الحلف. - إذا فعل عدة محظورات في الإحرام من جنس واحد، كأن قص أكثر من ظفر، فتكفيه فدية واحدة، ولكن إذا اختلف الجنس تعددت الفدية، كما لو قص ظفراً وشعراً وغطى رأسه عمداً. - لو كرر آية فيها سجدة، أو آيات فيها سجدات - للتعليم مثلاً كتطبيق التجويد - كفاه عنها سجدة واحدة. وقد عبر ابن رجب عن القاعدة بقوله: (إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد، في وقت واحد، متفقتا المقصد، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا عن طريق التبعية للأخرى في الوقت.. تداخلت أفعالهما، واكتفى فيها بفعل واحد) [٤] . وجعلها على ضربين: أحدهما: أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان جميعاً، ويشترط أن ينويهما جميعاً. وله صور عدة منها: - القارن يكفيه لحجه وعمرته سعي واحد، وطواف واحد. - إذا اغتسل الجنب اغتسالاً نوى به الطهارتين: حصلتا له. - المرأة إذا حاضت، وكانت جُنُباً كفاها عن حيضها وجنابتها غسل واحد. الثاني: أن يحصل له إحدى العبادتين بنيتها، وتسقط عنه الأخرى. وله عدة صور منها: - إذا دخل المسجد وصلى فريضة أو راتبة، دخلت فيها تحية المسجد. - إذا طاف الحاج عند خروجه من مكة طوافاً ينوي به الإفاضة والوداع أجزأه. - لو صلى فريضة أو نافلة بعد الطواف: كفته عن الركعتين - على قول. - طواف العمرة يجزئ عن طواف القدوم الذي هو سنة. - إذا اجتمع العيد مع الجمعة في يومها فأيهما قدم في الفعل أولاً سقط به الثاني [٥] . قاعدة: (التابع تابع) : وعبر عنها بعض العلماء بقوله: (يثبت تَبَعاً ما لا يثبت استقلالاً) ، ومعنى القاعدة: أن بعض المسائل يختلف حكمها في حال الانفراد، عن حكمها في حال التبع لغيرها؛ فلها حكم إذا انفردت، ولها حكم آخر إذا اتبعت غيرها [٦] . ويستدل لهذه القاعدة بالنهي عن بيع حَبَل الحَبَلَة، وهو الحمل في بطن أمه [٧] . ولكن يجوز بيعه مع أمه تبعاً لها، ويجوز أن يكون له أثر في الثمن، فثبت له تبعاً ما لم يثبت له استقلالاً. ومن أمثلة القاعدة: الصلاة لا تدخلها النيابة، ولكن بالنظر إلى أنها تابع للحج كما في ركعتي الطواف فإنها تدخلها النيابة بهذا الاعتبار وهو التبع للنيابة في الحج. ومن أمثلتها: شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ لا يجوز استقلالاً، ويجوز تبعاً لشد الرحال لزيارة المسجد النبوي، بأن ينويهما معاً كما صرح به بعض أهل العلم. ويدخل تحت هذه القاعدة قواعد، منها: ١ - التابع لا يفرد بالحكم، ما لم يصر مقصوداً، كالمفتاح يجوز بيعه دون القفل؛ لكونه صار مقصوداً بذاته، وكذا عجلة السيارة، وسائر قطع التبديل فيها، ونحو ذلك. ٢ - التابع يسقط بسقوط المتبوع، كمثل من فاتته صلاة في أيام الجنون - وقلنا بعدم القضاء - فإن س'ننها الرواتب تسقط تبعاً. وكالشروط المشترطة في عقد البيع أو النكاح تسقط ببطلانه. ٣ - التابع لا يُقدم على المتبوع، كالمأموم مع إمامه لا يجوز له تقدمه في المكان أو الأفعال. ٤ - يُغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها. ومن فروعها: سجود التلاوة في الصلاة يجوز على الراحلة تبعاً للصلاة، واختلف فيه استقلالاً. ومنها: وقوع الطلاق لا يثبت بشهادة امرأة، ولكنه يقع إذا شهدت المرأة بالرضاع. ومنها: ثبوت النسب: يثبت تبعاً لثبوت الولادة على الفراش بشهادة النساء، مع أن قولهن غير مقبول في النسب. ٥ - من مَلَك شيئاً مَلَك ما هو من ضروراته: كمن اشترى سيارة ملك عجلاتها، وعجلتها الاحتياطية وأدوات الإصلاح الموجودة فيها، ومن اشترى بيتاً أو استأجره ملك الانتفاع بأبوابه ونوافذه وبقية منافعه. قاعدة: (ما حرم استعماله حرم اتخاذه، وما حرم أخذه حرم إعطاؤه، وما حرم فعله حرم طلبه) : هذه القواعد الثلاث متقاربة المعنى، وكلها تفيد سد أبواب الحرام: استعمالاً واتخاذاً، وأخذاً وإعطاء، وفعلاً وطلباً [٨] . فالشيء الذي حرم الشرع استعماله - كآلات اللهو مثلاً - أو حرم أكله أو شربه فإنه لا يجوز اتخاذه؛ لئلا يكون اتخاذه وسيلة وذريعة إلى استعماله. وكذلك الشيء الذي منع الشرع من أخذه والاستفادة منه - كالربا مثلاً - فإنه يمنع من إعطائه للغير وتقديمه له، سواء كان على سبيل المنحة ابتداءاً، أم على سبيل المقابلة، لما في ذلك من الدعوة إلى المحرم أو الإعانة والتشجيع عليه، فيكون المعطي شريك الفاعل، وقد نهى الله ﵎ عن المعاونة على المحرم أياً كانت صورة ذلك التعاون، فقال - تعالى -: [وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان] [المائدة: ٢] . وأيضاً ما حرم الشرع فعله - كالرشوة مثلاً، وشرب الخمر والزنا - فإن طلب ذلك الفعل محرم أيضاً؛ إذ الحرام لا يجوز فعله، ولا الأمر بفعله. وهذه القواعد لا إشكال في صحتها لمن عرف عمومات نصوص الشريعة، ومقاصدها، ومع ذلك فقد ورد من الأدلة ما يؤيدها، ويشهد لها، كحديث: (لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها) [٩] ، وحديث: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجمَّلوها فباعوها) [١٠] ، وحديث لَعْن آكل الربا وموكله [١١] . أمثلة على القواعد الثلاث تباعاً: - على القاعدة الأولى: حرم الشارع اتخاذ آلات الملاهي، وأواني الذهب والفضة، والكلب لغير الصيد أو الحراسة، والخنزير، والفواسق، والخمر، والحرير، والحلي للرجال، وكل ذلك لئلا يجر الاتخاذ إلى الاستعمال. - وعلى القاعدة الثانية: حرم أخذ الربا، والرشوة، وأجرة النائحة، والمطرب، ومهر البغي (الفاجرة) ، وحلوان الكاهن (المنجِّم، ومدعي علم الغيب) ... والصدقة للقوي المكتسب، والعقل يدل على أن الأخذ لا يكون إلا من معطٍ؛ فتحريم الأخذ تحريم للإعطاء. - وعلى القاعدة الثالثة: يحرم طلب شرب الخمر، والزنا، والقتل وكل ما حرم الله فعله. وللقاعدة استثناءات [١٢] : - منها: جواز إعطاء الرشوة، لمن لا يستطيع أخذ حقه إلا بها، والإثم على الآخذ. - منها: جواز الاستقراض بالربا في حالة الاضطرار مع حرمة أخذه على الآخذ [١٣] . ... قاعدة: (الإيثار في القُرَبِ مكروه، وفي غيرها محبوب) : الإيثار نوعان: إيثار في الحظوظ الدنيوية، كالإيثار بطعام أو شراب أو لباس أو مركب، فهذا مطلوب محمود، قال : [ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة] [الحشر: ٩] ، وقد يصل إلى الإيثار بالنفس والحياة، وهو داخل تحت قاعدة: الأمور بمقاصدها. والنوع الثاني: إيثار في الطاعات والقُرْبَاتِ، وهذا يختلف حكمه باختلاف حكم الأمر المؤْثَر فيه، فقد يكون حراماً، أو مكروهاً، أو خلاف الأوْلى. فيكون حراماً إذا أدى إلى ترك واجب، مثل ما إذا آثر غيره بماء الطهارة؛ حيث لا يوجد غيره، أو ساتر العورة، أو آثره بمكان في جماعة، ويترتب عليه تأخيره للصلاة، أو آثره بمكان يسمع فيه خطبة الجمعة، بحيث تفوته هو. ويكون مكروهاً إذا أدى إلى ترك سنة، أو فعل مكروه. ومثال ما أدى إلى ترك سنة: إيثاره لغيره بالصف الأول، أو الأذان، أو القراءة على الشيخ، أو إيثاره بقلم أو ورق يكتب فيه درساً يفوت، أو مكان يسمع فيه خطبة العيد، بحيث لا يسمعها هو. ومثال ما أدى إلى فعل مكروه: أن يؤثره بإناء الشرب؛ بحيث لا يمكنه أن يشرب هو إلا قائماً - من صنبور الماء مثلاً -. ويكون خلاف الأَوْلى إذا أدى إلى ارتكاب خلاف الأَوْلى، كمن آثر غيره بمكانه - الأقرب للإمام - في نفس الصف، أو قدمه على نفسه في القراءة على الشيخ، وقد يقال في هذه المرتبة والتي قبلها بمشروعية الإيثار أو استحبابه بحسب ما يترتب عليه من دفع مفسدة، أو تحقيق مصلحة أرجح. سبب كون الإيثار بالطاعات مكروهاً: قد تشتبه هذه المسألة بمسألة: (إهداء ثواب الطاعات للأموات) ، وهي محل خلاف؛ فالحنفية والشافعية قالوا بجواز إهداء ثواب جميع الطاعات قياساً على ما ورد فيه النص، وجعلوا ما ورد في النص مثالاً يصلح القياس عليه، أما المالكية والحنابلة فقصروا الأمر على ورود النص من الحج والعمرة والأضحية والصدقة بخلاف بقية الطاعات - ولعله الراجح والله أعلم -. والمقصود: أنه إذا كان الإيثار بالثواب - الذي هو غاية العمل - جائزاً، فلماذا يمنع الإيثار بالقُرَبِ - وهي سبب الثواب -؟ ولماذا لا يمنع الإيثار بالثواب؟ وقد أجاب ابن القيم على هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة هي في الحقيقة أوجه الفرق بين الصورتين، ويتضح من خلالها سبب كراهة الإيثار بالقُرَب والطاعات، فقال: (أحدها: أنَّ حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة؛ لجواز أن يرتد الحي فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها وهذا قد أمن بالموت. فإن قيل: والمهدَى إليه أيضاً قد لا يكون مات على الإسلام باطناً فلا ينتفع بما يُهدَى إليه! وهذا سؤال في غاية البطلان؛ فإنَّ الإهداء له من جنس الصلاة عليه، والاستغفار له والدعاء له، فإن كان أهلاً انتفع به، وإلا انتفع به الدَّاعي وحده. الجواب الثاني: أن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها والتأخر عن فعلها، ولو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر، بخلاف إهداء ثوابها؛ فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به، أو ينفع به أخاه المسلم، فبينهما فرق ظاهر. الجواب الثالث: أن الله يُحبُّ المبادرة والمسارعة إلى خدمته والتنافس فيها؛ فإنَّ ذلك أبلغ في العبودية؛ فإن الملوك تحب المسارعة والمنافسة في طاعتها وخدمتها؛ فالإيثار بذلك منافٍ لمقصود العبودية؛ فإنَّ الله - سبحانه - أمر عبده بهذه القربة إما إيجاباً وإما استجاباً، فإذا آثر بها ترك ما أمره وولاه غيره، بخلاف ما إذا فعل ما أمره به طاعة وقربة، ثم أرسل ثوابه إلى أخيه المسلم. وقد قال - تعالي -: [سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض] [الحديد: ٢١] ، وقال: [فاستبقوا الخيرات] [البقرة: ١٤٨] ، ومعلوم أن الإيثار بها ينافي الاستباق والمسارعة. وقد كان الصحابة ﵃ يسابق بعضهم بعضاً بالقرب، ولا يُؤْثِرُ الرجل منهم غيره بها. قال عمر ﵁: والله ما سابقني أبو بكر ﵁ إلى خير إلا سبقني إليه، حتى قال: والله لا أسابقك إلى خير أبداً. وقد قال - تعالى -: [وفي ذلك فليتنافس المتنافسون] [المطففين: ٢٦] يقال: نافست في الشيء إذا رغبتُ فيه على وجه المباراة، ومن هذا قولهم: شيء نفيس، أي هو أهل أن يُتنافس فيه ويُرغب فيه، وهذا كله ضد الإيثار والرغبة عنه) [١٤] . وقد نقل عن بعض العلماء قوله: لا إيثار في القربات، فلا إيثار بماء الطهارة، ولا بستر العورة، ولا بالصف الأول؛ لأن الغرض بالعبادات التعظيم والإجلال لله فمن آثر به غيره فقد ترك إجلال الإله وتعظيمه، فيصير بمثابة من أمره سيده بأمر فتركه، وقال لغيره: قم به؛ فإن هذا يُستقبح عند الناس بتباعده من إجلال الآمر وقربه [١٥] . قاعدة: (الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً) : ومعنى هذا أنه: إذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، كالسفر أو المرض علة لجواز الفطر فإذا حصل السفر أو المرض جاز الفطر، وإذا لم يحصل لم يجز. وحتى تتم الاستفادة من القاعدة على الوجه الصحيح فإنه لا بد من بيان لمعنى العلة، وشروطها، والطُرُق التي يتوصل بها إلى معرفتها. هناك فرق بين العلة والحكمة: فإن الحكمة هي المصلحة التي قصد الشرع تحقيقها بتشريعه الحكم من جلب مصلحة للخلق أو دفع مفسدة عنهم، كما تقول مثلاً: الحكمة من تشريع القصاص: حفظ الحياة، ومن حِكَم تشريع الحج: شهود المنافع ... وهكذا. وأما العلة فيعرفها الأصوليون بأنها: الوصف الظاهر المنضبط الذي بُني عليه الحكم، ورُبط به وجوداً وعدماً؛ لأنه مظنة تحقيق المصلحة المقصودة من تشريع الحكم، والغالب هو تحققها، وإن تخلفت فعلى وجه الندرة، والعبرة بالغالب لا بالنادر. ثم إن ربط الأحكام بالعلل يؤدي إلى استقامة التكليف وضبط الأحكام واطرادها، واستقرار أوامر التشريع العامة ووضوحها، وهذه فوائد عظام لا يؤثر فيها فوات الحكمة في بعض الجزئيات والوقائع في بعض الأحيان؛ ذلك لأن الحكمة تكون أحياناً وصفاً غير منضبط، أي يختلف باختلاف الناس وتقديرهم، ولا يمكن بناء الحكم عليه؛ لأنه يؤدي إلى الاضطراب والفوضى في الأحكام، وتكثر الادعاءات للتحلل من الأحكام. ومثال ذلك: مسألة الفطر في رمضان، ربطها الشارع بالسفر أو المرض؛ لأنه مظنة المشقة، ولم يربطه بالمشقة؛ لأنه أمر يختلف باختلاف الناس وتقديرهم، والغالب في المشقة الحاصلة من غير السفر والمرض أنها محتملة؛ فاتضح أن ربط الحكمة بالعلة يحقق الحكمة غالباً. ولهذه العلة شروط عدة: ١ - أن تكون العلة وصفاً ظاهراً، كعلة الإسكار في الخمر؛ فهي أمر ظاهر مُدْرَكٌ. ٢ - أن تكون وصفاً منضبطاً لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال كالسفر والمرض، بخلاف المشقة. ٣ - أن تكون وصفاً مناسباً للحكم؛ بحيث يكون ربط الحكم به مظنة تحقق حكمة الحكم؛ فالسفر في رمضان وصف مناسب للحكْم بإباحة الإفطار؛ لأنه بهذا الربط يغلب تحقق حكمة الحكْم، أي دفع المشقة. ومعرفة علة الحكم تكون بالنص الدال عليها، أو بالإجماع، أو بنظر المجتهد بالسبر والتقسيم، أو بتنقيح المناط. وتطبيقات هذه القاعدة كثيرة جداً: فمن أمثلتها: أن التكليف علة لوجوب العبادات - على المكلف - وصحة العقود في المعاملات، ووجوب الحدود والعقوبات كلها؛ فهذه كلها معلقة بالتكليف تثبت بوجوده، وتنتفي بعدمه. ومنها: أن إسكار الخمر علة لتحريمها ونجاستها - عند الجمهور - فإذا زال إسكارها بتحولها خلاً زال تحريمها. ومنها: أن حصول الضرورة علة لإباحة المحظور: يباح بتحققها، ويحرم بانتفائها. ومنها: أن الإغماء والنوم والجنون أسباب لزوال التكليف وعدم نفوذ التصرف، فإذا زالت حصل التكليف ونفذ التصرف، وكلما عادت هي أو بعضها زال التكليف بزوال علته، وهي العقل الذي يزول بهذه الأمور. وجميع شروط الأحكام داخلة تحت هذا الأصل، فإذا تحققت الشروط - وهي علة ثبوت الحكم - ثبت الحكم، فإذا زالت أو بعضها زال الحكم [١٦] . قاعدة: (إعمال الكلام أوْلى من إهماله) : تظهر أهمية هذه القاعدة بمعرفة مرتبتها؛ فهي: أولاً: محل اتفاق بين العلماء. وثانياً: تتعلق ببعض المسائل الأصولية المتعلقة بالخطابات الشرعية، من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . وثالثاً: أنها تتعلق بالكلام الصادر عن المكلِّف من حيث كونه يجب صونه عن الإهمال والإلغاء؛ فهي إذن تتعلق بتصرفات المكلَّف القولية كلها وتصحيحها. معنى القاعدة: إعمال الكلام: أي إعطاؤه حكماً مفيداً حسب مقتضاه اللغوي. وإهماله يعني: عدم ترتب ثمرة عملية عليه بإلغاء مقتضاه ومضمونه، فلا يترتب عليه حكم. أصل القاعدة: يدل لها دليل عقلي صحيح وهو: أن إهمال الكلام يؤدي إلى أن يكون الكلام لغواً، وكلام الإنسان العاقل يصان عن اللغو ما أمكن ذلك؛ إذ الأصل فيه أن يكون له معنى يقتضيه اللفظ. من فروع القاعدة: - إن أوقف داراً على أولاده، وليس له إلا أولاد أولاد فإنه ينصرف إليهم؛ لئلا يهمل كلامه. - من حلف ألا يأكل من هذه النخلة شيئاً، ثم أكل من ثمرها أو نحوه مما يخرج منها، فإنه يحنث؛ لأن النخلة لا يمكن أكل عينها، فحُمل كلامه على ما يخرج منها. - وإذا حلف لا يأكل من القدر شيئاً، حمل على ما يطبخ فيه؛ حيث لا يمكن حمله على عين القدر. ويتفرع على هذه القاعدة عدة قواعد ترسم كيفية إعمال الكلام الذي أوجبته القاعدة، وتبين الطرق الراجحة المعقولة فيه. الأولى: الأصل في الكلام الحقيقة: المراد بالقاعدة: أن الراجح عند السامع أن يحمل كلام المتكلم على معناه الحقيقي. والحقيقة في الاصطلاح هي: اللفظ المستعمل في المعنى الذي وضع له في أصل اللغة. كلفظ السماء لكل ما علا وارتفع، ولفظ الجنة للبستان كثيف الأشجار، ولفظ النور للنور المعروف. والمجاز معناه: اللفظ المستعمل في غير المعنى الأصلي الذي وضع له في أصل اللغة لقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. كاستعمال لفظ النور للعلم أو الإسلام، وكاستعمال لفظ الأسد للقوي الشجاع. ويشترط فيه: وجود علاقة بين المعنى الأصلي، والمعنى المنقول إليه، كما يشترط وجود قرينة تدل على إرادة المتكلم للمعنى المجازي دون الحقيقي. فمعنى القاعدة إذن: أن إعمال كلام المتكلم (الشارع، أو المكلف العاقل) إنما يكون بحمل ألفاظه على معانيها الحقيقية، عند الخلو من القرائن التي ترجح إرادة المجاز. ومن أمثلة القاعدة: - ما لو أوقف شيئاً على أولاده، دخل فيهم الذكور والإناث؛ لأن لفظ الولد يشملهم حقيقة. وإذا قال شخص لآخر: وهبتك هذا الشيء، لم يحق له المطالبة بالثمن زعماً أنه أراد البيع؛ لأن الهبة تمليك بلا عوض، وإرادة البيع بها مجاز. الثانية: إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز: فيشترط في الحمل على المعنى المجازي وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، كاستحالة الحقيقة، أو تعذرها، أو يكون المعنى الحقيقي مهجوراً شرعاً أو عرفاً. - كما سبق في بعض الأمثلة على القاعدة الأصلية -. الثالثة: إذا تعذر إعمال الكلام يهمل: ومن أسباب إهمال الكلام وإلغائه: ١ - تعذر إرادة كل من المعنيين الحقيقي والمجازي جميعاً. ٢ - أن يكون اللفظ مشتركاً بين معنيين، ولا يوجد مرجِّح لأحدهما على الآخر. ٣ - تعذر صحة الكلام شرعاً. ٤ - أن يكذبه الظاهر، كمن ادعى على رجل أنه قتل شخصاً، فإذا هو حي. ٥ - أن يكون فيه مصادمة للشرع، كمن أقر بأن أخته ترث ضعفي حصته من تركة أبيه. الرابعة: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله: لأنه إذا لم يعتبر كله، أهمل الكلام وصار لاغياً؛ حيث إنه لا يقبل التجزئة. ومن أمثلتها: إذا طهرت المرأة من حيضها، أو نفاسها ولم يبق من وقت الصلاة إلا مقدار ما يمكنها من الاغتسال والتحريمة للصلاة فإنه يلزمها صلاة ذلك الوقت؛ لأن الواجب لا يتبعَّض. وكذلك الكافر إذا أسلم آخر الوقت. ومنها: إن تنازل الشريك عن جزء من حق الشفعة سقط كله. ومنها: أن يوجب على نفسه ركعة، فإنه يصلي ركعتين؛ لأن ذلك لا يتبعض. ومنها: لو عفا عن جزء من القصاص، سقط كله وانتقل إلى الدية، ولذا فإن الورثة إذا عفا أحدهم عن حقه من القصاص، انتقل منه إلى الدية، وليس لبقية الورثة القصاص من القاتل. الخامسة: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة: من فروعها: - إذا وكَّل شخصاً بشراء سيارة - ولم يقيدها بوصف أو لون - فاشتراها له حمراء أو زرقاء، فقال: أردت بيضاء، فإنه يلزم بما اشتراه الوكيل؛ لأن كلامه مطلق، فيجري على إطلاقه. - إذا أجّر شخصاً، أو أعاره شيئاً، فإنه يسوغ للمستأجر أو المستعير جميع وجوه الانتفاع، بالحدود المعتادة، فلا يتقيد الانتفاع بها بوقت أو مكان أو استعمال مما ليس عليه دليل. وتقييد الكلام يكون بأحد أمرين: ١ - النص: وهو اللفظ الدال على القيد، كأن يقول: بِع بمائة؛ فلا يسوغ له البيع بأقل مما حدد له. أو يقول: خذ السيارة - عارية - لتركبها، لكن لا تحمل فيها متاعاً، فينتفع كما حدد له. ٢ - الدلالة: وهي نوعان: أ - حالية: كما لو وكَّل طالب علم شرعي شخصاً آخر لشراء كتب، فإنه ينصرف إلى شراء كتب العلم الشرعي، لا الطب ولا الكيمياء كما تنبئ حاله عنه. ب - عرفية: ومثالها: لو أعاره كتاباً، كان له القراءة فيه والنسخ منه، وتصويره ما لم يتضرر الكتاب بخلاف الكتابة فيه وعلى هوامشة ... ، كما هو العرف السائد. السادسة: التأسيس أوْلى من التأكيد: التأسيس: إفادة معنى جديد. والتأكيد: تقوية معنى سابق. فإذا احتمل كلامٌ معنيين: أحدهما تأكيد لسابق، والآخر تأسيس لمعنى جديد كان حمله على التأسيس أوْلى من حمله على التوكيد؛ لأن التأسيس يضيف معنى جديداً. ومن أمثلة ذلك: - من حلف يمينين: ألاَّ يأكل من بيت فلان، فإن نوى بالثاني التأكيد للأول، فعليه كفارة واحدة، وأما إن نوى يميناً آخر، أو نوى التشديد على نفسه فعليه كفارتان، وكذا إذا لم ينوِ شيئاً فعليه كفارة يمينين؛ لأن التأسيس أوْلى من التأكيد. - وكذلك الحكم في الطلاق إذا كرره. السابعة: الوصف في الحاضر لغو، وفي الغائب معتبر: - هذه القاعدة تجري في سائر عقود المبادلة كالبيع والإجارة والنكاح؛ حيث يشترط لصحتها معرفة البدلين، وانتفاء الجهالة، وذلك يكون بتمييز الشيء عن غيره بجنسه ونوعه وصفته، ... فإذا كان هذا الشيء حاضراً فالعبرة لتعريفه بالإشارة؛ لأن التعريف بها أقوى من التعريف بالوصف، وأما إذا كان هذا الشيء غائباً، فإن العبرة بذكر أوصافه؛ إذ لا تمكن الإشارة إليه. من فروعها: - إذا قال: بعتك هذه السيارة البيضاء - وأشار إلى سيارة سوداء - وقَبِلَ المشتري، تم البيع؛ لأن وصفها بالبياض لغو، لأجل أنها حاضرة أمامه يراها، بخلاف ما لو باعه سيارة بيضاء وهي غائبة؛ فإن للمشتري خيار الفسخ. - إذا قال: زوجتك ابنتي هذه الطويلة، والزوج يعرف أنها قصيرة، وقَبِلَ، تم النكاح ولا فسخ له، بخلاف ما لو لم يكن يعرف أنها قصيرة. - إذا قال: أجَّرتك هذه الدار الجديدة بحديقتها - مع أنها لا حديقة لها - والمشتري يراها ويعرف ذلك، تم التأجير، ولا خيار للمستأجر، بخلاف ما لو وصف له داراً جديدة وذكر له أن فيها حديقة فإن للمستأجر فسخ العقد إذا تخلف الوصف. الثامنة: السؤال معاد في الجواب، أو كالمعاد في الجواب: فمن سئل: هل لفلان عليك دين؟ فقال: نعم، أو سئل: ألم تسرق كذا؟ فقال: بلى ... فإنه يكون إقراراً منه، كأنه قال: نعم لفلان عليَّ دين، وبلى سرقت كذا ... وقد يكون المراد بالسؤال أعم من الاستخبار والاستفهام، فيشمل الإخبار والإنشاء، كمن قيل له: باع فلان دارك، فقال: رضيت، صح البيع، واعتبر قوله إذناً، وكما في سائر العقود من الإيجاب والقبول، كما لو قال لآخر: بعتك هذا، فقال قبلت، أو نعم، تم البيع أو قال الولي: زوجتك فلانة، فقال: قبلت، تم العقد [١٧] .

стр. 3215

تأملات دعوية التربية الأسرية مطلب ملحٌّ محمد بن عبد الله الدويش لقد أسهم انفتاح العالم الإسلامي اليوم على المجتمعات الأخرى في انتشار ألوان من المؤثرات والمغريات، ولم يعد البيت ذاك الحصن الذي يتحكم راعيه فيما يدخله ويخرج منه؛ بل أصبح معرضاً متنوعاً لما ينتجه العالم بأسره من نتاج فكري، أو مادي لا يخلو هو الآخر من أبعادٍ فكرية، مما يفرض تحديات تربوية أكبر، ويزيد من عبء أولئك الذين يعنون بتربية أبنائهم ورعايتهم. وفي المقابل أفرزت التغيرات الاجتماعية نتائج أسهمت في تقليص دور الأسرة؛ فالأسرة التي كانت تسكن في بيت صغير يجتمع أفرادها فيه ويتحلقون ساعات عدة ويتبادلون ألوان الحديث تفرقوا في منزل شاسع يحتاجون معه لأجهزة اتصال داخلية. واستولت أجهزة الإعلام على جزء لا يستهان به من وقت الأسرة، حتى الوقت الذي يتناولون فيه الطعام أو الشاي، صاروا ينصتون فيه لما تبثه تلك الوسائل. وأدى الاعتماد على السائقين والخدم إلى تبديد جزء من الوقت الذي يقضيه الأولاد مع آبائهم وأمهاتهم. كل تلك المؤثرات أدت إلى تضاؤل وقت الأسرة ودورها، وصار من المألوف أن نرى هوة واسعة بين سلوك الآباء والأبناء. وهذا يدعو إلى إعادة النظر في دور الأسرة ومهمتها، وهل الأسرة المسلمة اليوم تترك أثرها في رعاية أبنائها؟ إننا نحتاج إلى أن يعتني الدعاة بأُسرهم، ويوفروا لهم جزءاً من أوقاتهم، ولا يسوغ أن تكون أسرهم ضحية لبرامجهم وانشغالاتهم الدعوية، ولا بد أن يفكروا بجد في تخصيص أوقات يشاركون فيها أبناءهم ويعايشونهم. ونحتاج إلى أن نعيد النظر في كثير مما أفرزته التغيرات الاجتماعية، وألا نستسلم ونستجيب لها بغض النظر عن آثارها؛ بل نقبل منها ونرفض وَفْقَ ما يحقق مصالحنا الشرعية، ويدرأ عنا المفاسد. ونحتاج إلى أن يتعاون الدعاة فيما بينهم، من خلال تنظيم برامج وزيارات أسرية مشتركة؛ فهم يعيشون واقعاً متقارباً، وتطلعات واحدة، وأن يتعاونوا من خلال مقترحات وبرامج متبادلة. ونحتاج إلى ترتيب برامج وأنشطة على مستوى الأسر والعائلات، وأن تدعم هذه اللقاءات ويُسعى لإحيائها. ونحتاج إلى بذل جهود واقتراح أفكار وبرامج تسهم في تطوير دور الأسرة التربوي، ولعل مثل هذه الدراسات العلمية أوْلى بالاعتناء من كثير مما يطرح في الساحة من نتاج مكرر أو لا يرقى إلى مستوى النشر. ونحتاج قبل ذلك كله إلى تصحيح الفهم حول الدور التربوي للأسرة الذي صار يقتصر - لدى فئة كبيرة من الناس - على الحماية والرقابة والأمر والنهي فقط، كما ينبغي أن يكون للأسرة دور في تربية النفوس على الإيمان والتقوى، وأن تعمر بذكر الله وما يرقق القلوب، وها هي قصة لقمان وحواره مع ابنه تبقى قدوة للناس أجمع، وها هو النبي ﷺ يولي هذا الجانب أهميته، فيُعنى بتربية مَنْ تحتَ يديه وتوجيههم؛ فعن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت) [١] . ومن بعده سار السلف على هذا المنوال؛ فعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه -ضي الله عنهما- قال: كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تُعلَّمُ الكتابة: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن نُرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر) [٢] .

стр. 3216

دراسات تربوية صفات المربي دراسة تحليلية (١-٢) أحمد فهمي إن تأمُّل تاريخ الدعوة يخبرنا أن كل من أحدث فتنة أو أثار مشكلة أو تنكَّب طريقاً كان - غالباً - من الذين لم ينالوا التربية الكافية الراشدة في أوائل أمرهم. وإذا اعتبرنا أن ركني التربية الأساسيين - من الناحية العملية -: منهج واضح شامل (يمثل الشق النظري) ، ومربٍ كفء (يمثل الشق العملي) ، وأن جوانب الخلل في العملية التربوية إنما تؤول في معظمها إلى الاختلال في هذين الركنين، فإن حديثاً عن صفات المربي ومؤهلاته يتناول - ولا شك - نصف قضية التربية وجانباً هاماً من أسباب مشكلاتها، بل لا نبالغ إذا قلنا: إنه النصف الأهم الذي بدونه يتحول الكلام عن المنهج إلى حبر على ورق. فمن ثم تبرز أهمية تحرير المواصفات الكاملة لشخصية المربي. وبادئ ذي بدء ينبغي استعراض بعض الملاحظات التحليلية الهامة وصولاً إلى تحديدٍ أمثل لهذه الصفات، وابتعاداً عن المغالاة أو التساهل. ١ - العوامل المؤثرة على المتربي: وهي تحدث تغييرات متفاوتة بالسلب والإيجاب في مستواه التربوي في مختلف جوانبه. أهم هذه العوامل: المجتمع الذي يعيش فيه، ويخضع لقواعده ونظمه، وتتحكم فيه أعرافه وتقاليده، ويؤثر فيه قربه أو بعده عن الإسلام، وكل ذلك يحتوي - غالباً - على الكثير من المؤثرات الفاسدة والمعوقات الفاعلة التي تعرقل نموه التربوي أو تؤخره أو تشوهه. وأيضاً هناك الظروف الشخصية مثل: الحالة الأسرية، والاقتصادية، والثقافية، والعلاقات الاجتماعية والشخصية. وأيضاً هناك المجتمع المتدين نفسه الذي يحتويه ويرتبط معه بعلاقات الأخوة والدعوة؛ فله تأثيراته المتفاوتة عليه. وهذه العوامل - مع اختلافها - يجمعها: أن تأثر شخصية المتربي بها يتسم بالعشوائية فيما صلح منها أو فسد؛ بحيث لو اعتمدنا نموه وَفْقَها فحسب، لوجدنا أنفسنا بعد فترة أمام شخصية تجمع متناقضات عديدة. وهنا يبرز دور المربي الذي يمثل الجهد التربوي الرشيد الذي يُصلح ما فسد، ويُبقي ويُنَقِّي ما صلح، ويرتقي بمستوى المتربي بصورة متوازنة بعيدة عن الاختلال والعشوائية. ولهذا نقول: إنه لا يصلح كل أحد أن يكون مربياً؛ فللمربي صفات تتناسب مع الدور الذي يقوم به. ٢ - المربي والداعية والقائد: يخلط الكثيرون بين أدوار الدعوة والتربية والقيادة، ومن ثَمَّ يخلطون بين الصفات اللازمة للقائم بكلٍ منها. ونحن نريد تحديداً علمياً لصفات المربي بعيداً عن مبدأ (كُلُّه خيرٌ) ، وبعيداً أيضاً عن نموذج الداعية الشامل - المسيطر إلى حد كبير في الأوساط الدعوية - الذي يصلح لأداء جميع الأدوار. فالمسلم منذ أن يضع قدمه على طريق الدعوة، ينبغي أن تلزمه صفات ومؤهلات عامة للقيام بهذه المهمة الجليلة مثل: الإخلاص، والعلم، والحكمة، ونحوها، أما إن أُريد تخصيصه في مجال التربية فلا بد عندها من البحث عن توفر مستويات وصفات إضافية يتطلبها أداء ذلك العمل، وهذه المستويات والصفات الإضافية هي موضوعنا لا غير. ونستطيع أن نقول: إن القائد هو الذي يتولى إدارة الأفراد وعملهم نحو تحقيق الأهداف الموضوعة، والمربي هو الذي يتولى إعداد الأفراد وتأهيلهم ليعملوا على تحقيق تلك الأهداف، ولقب الداعية يجمعهم وغيرهم من أصناف العاملين في إطار واحد. ويمكن أن نتلمس ذلك بوضوح في سيرة النبي ﷺ في منهج انتقائه من بين الصحابة لأدوار تربوية أو قيادية، فهو ﷺ قد رباهم على الإخلاص وعلمهم دينهم بداية، فكان الرجل منهم لا يألو أن يدعو إلى الإسلام ما استطاع، ثم كان ينتقي أشخاصاً بعينهم لأدوار تربوية - في المقام الأول - مثل اختياره مصعب بن عمير وإرساله إلى المدينة، واختياره معاذ بن جبل وإرساله إلى اليمن، ونعرف أثر كل منهما في المكان الذي أرسل إليه، ونعرف أيضاً أن الدور التربوي ظل ألصق الأدوار بهما. فإذا كان الدور يتطلب رجلاً قيادياً - في المقام الأول - كان له رجاله أيضاً، مثل اختياره عمرو بن العاص وأبا عبيدة بن الجراح ﵄ لقيادة بعض السرايا، ونعرف أيضاً أن الدور القيادي ظل ألصق الأدوار بهما. ٣ - المربي بين التساهل والمبالغة: هناك اتجاهان في انتقاء الشخصيات المربية: الأول: يقوم على المبالغة في تحديد الصفات الخاصة بالمربي، ولزوم تحققها فيه بمستويات عالية، فتغلب عليه المثالية في تصور حال المربي؛ بحيث ينتهي الأمر عند مطابقة هذه المواصفات واقعياً إلى أنه يكاد ألاَّ يكون هناك تربية ولا مربون، وإنما هو العبث وسد الخانات، ثم تبقى هذه المواصفات المثالية طي الأوراق بعيدة عن محاولة تحقيقها اكتفاءً بآهات الحسرة. الثاني: يقوم على التساهل في صفات المربي؛ بحيث تتسع الدائرة لتشمل أعداداً كبيرة لا يمثل الانتقاء معها مشكلة، ودافع ذلك الاتجاه تغليب احتياجات الدعوة وتبعات انتشارها وانفتاحها دون اعتبار حقيقي لحال المُنتقى. وكلا الاتجاهين لا يصلح منطلقاً لمعيار معتدل للمربي. فالاتجاه الأول يتجاهل أن (المثاليات تتفرق في نفوس شتى، ولا تجتمع في نفس واحدة كل المثاليات) [١] ، ولا يجتمع أغلبها إلا في نفوس معدودة و (إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) [٢] كما قال النبي ﵊ فربْط العمل التربوي بذلك تعطيل له، وإعاقة لجهود الارتقاء به، ومدعاة لكل من يعجز عن محاكاة الصورة المثالية أن يتراجع ويترك العمل، وهذا ما حذرنا منه عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ﵀ إذ لما استَعْمَل على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها ميمونَ بن مهران ﵀ صعب على ميمون أن يحاكي الوضع المثالي هناك، فكتب إلى عمر يستعفيه: كلفتني ما لا أطيق. فكتب إليه عمر: اجْبِ من الخراج الطيب، واقضِ بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فادفعه إليَّ؛ فإن الناس لو كان إذا كَبُر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا [٣] . ولذلك؛ فمهمة الصورة المثالية إذن: العلاج من الانحرافات على ضوئها، وكذلك هي التي تشجعنا على الصعود أولاً، ثم على العودة إلى الصعود بعد كل انتكاس، ومن هنا يلتقي الواقع بالمثال [٤] . أما الاتجاه الثاني الذي يتبنى شعار: (الجُود بالموجود) فيفوته أن اعتبار احتياجات العمل الدعوي مع الإعراض عن كفاءة المربي وصلاحيته خلل في التصور يتبعه خلل في العمل؛ إذ إن إتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية مهلكة لهم، فوق أنها مضيعة للعمل. وهنا يأتي السؤال: إذا كان النموذج المثالي استرشادياً، والنموذج الواقعي المنفتح لا يصلح للاسترشاد أو البدء به، فماذا نفعل؟ والجواب: أنه يلزمنا تحديد نموذج معتدل معياري للمربي يتوفر فيه أمران: الأول: صفات أساسية هي من لوازم عمل المربي تحديداً. الثاني: أن تتحقق هذه الصفات في المربي بمستوى معين - يختلف باختلاف الظروف والبيئة الدعوية - يمثل الحد الأدنى الذي يفصل بين اختلال عمل المربي، وبين عروجه على طريق الرشد التربوي، وبمعنى آخر يفصل بين النموذج الانفتاحي وبين النموذج المعتدل. وينبغي ألا تُسند للداعية أي مسؤوليات تربوية قبل موافقة حاله لهذا النموذج - وفق حده الأدنى - وإنما يحكم بذلك أهل العلم والخبرة بهذا الأمر، كما قرر الإمام مالك ﵀: (لا ينبغي للرجل يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه) [٥] ، ثم يأتي بعده التفاعل والارتقاء مع الهمة الذاتية واكتساب الخبرة والتمرس في العمل التربوي. والآن نصل إلى الكلام عن صفات المربي: وتجدر الإشارة هنا إلى الاعتماد على الأسلوب التحليلي في هذه الدراسة مع تجاوز اقتصار كتابات سابقة كثيرة على ذكر فضل الصفات وأهميتها، نتجاوز ذلك إلى تحديدٍ أدق لمعنى تلك الصفات تربوياً مع الخوض في كيفية الاتصاف بها وأثر كل صفة على العمل التربوي. الصفات الأساسية للمربي: وهذه الصفات المختارة - والتي هي من مؤهلات الداعية لممارسة العمل التربوي - يمكن تقسيمها وترتيبها - وفق ابتداء تأثيرها - إلى ثلاث مجموعات: الأولى: مقومات البدء والانطلاق، (العلم - حسن السمت وتمثل مستوى القدوة - الثقافة والتجربة - العمق الإيماني) . الثانية: مقومات الإتقان، (وهي مجموعة قدرات نفسية وعملية مهمتها رفع مستوى الأداء التربوي) . الثالثة: مقومات الاستمرار، (الصبر على.... و....... و......) . أولاً: مقومات البدء والانطلاق: الصفة الأولى: العلم: ويهمنا في تحلي المربي بهذه الصفة لا مجرد حفظ واستظهار مجموعة من الكتب - وإن كثرت - بل تحقُّق أمور بعينها تمثل ما نقصده من وصف المربي بالعلم، وهي: ١ - المنهجية في تحصيل العلم: وطبيعة عمل المربي وإن كانت لا تسمح له بالاستغراق في طلب العلم وبلوغ الغاية فيه، إلا أنه ينبغي أن يحرص على تعويض ذلك بأمرين: الأول: الشمول والتوازن في طلب العلم: وذلك بأن يحرص أن يكون له في كل مجال طلب، وفي كل علم قدم، ويأخذ من كل باب بقدر أهميته في مجال عمله التربوي، فيتجنب أن يكون هناك علوم لا يعلم عنها شيئاً البتة، أو أن يتعمق في مجال ما على حساب تسطيح مجالات أخرى، وضابطه في ذلك درجة تعلُّق ما يُحصِّل بما يعمل. الثاني: الضبط العلمي: ونعني به أن يتقن المربي أموراً مثل إسناد الأقوال لقائليها أو مواضعها أو مظانها، وبيان درجة الحديث من الصحة أو الضعف، وإتقان لفظ النص، وضبط التواريخ والأسماء ونحو ذلك، وقبيح بالمربي أن تكثر على لسانه عبارات مثل: أظن أن قائله فلان، أو أظنه صحيحاً، أو ما معناه، ونحوه.. فإنه إن كان (نصف العلم: لا أدري) ، ف (نصف الجهل: يُقال، وأظن) [٦] . واتصاف المربي بالضبط العلمي يعطي له سمت أهل العلم ولو كان قليل العلم نسبياً، في حين أن اتصافه بعدم الضبط العلمي يفقده هذا السمت وإن كان كثير القراءات متشعب الاهتمامات العلمية. وقد كان السلف - رضوان الله عليهم - يهتمون بضبط علمهم اهتماماً شديداً، فيكفي أن نتأمل في علوم الرواية لنرى مصطلحات كثيرة على شاكلة: الإملاء، العرض، المقابلة، وكلها تدور حول تحقيق الضبط العلمي لما يقولون ويكتبون. كما أن عدم الضبط يعني كثرة الخطأ، أي: تلقين المتربين معلومات أو أفكاراً خاطئة يحملونها، وقد لا يكتشفون خطأها إلا بعد فترات طويلة؛ بل قد ينقلونها إلى غيرهم على ما هي عليه مما يعني توارث الأخطاء. أسند الخطيب عن الرحبي قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحَّان، فكتب عن اللحَّان لحَّان آخر، فكتب عن اللحَّان لحَّان آخر، صار الحديث بالفارسية [٧] . ٢ - التفرقة بين تحصيل العلم للاستظهار والامتحان، وبين تحصيله لتبليغه وتربية الناس عليه: فطالب العلم في الحالة الأولى يهتم أساساً بحفظ الألفاظ وضبط الاختلافات، ويغيب عنه الكثير من المعاني والإشراقات والدلالات التي تحملها الألفاظ وتدعو إليها؛ بينما طالبه في الحال الثانية بغيته المُقَدَّمة تلك الدلالات والإشراقات، وليس أقوى في تمثُّل الحال الثانية من اتباع طريقة السلف في حفظ العلم عن طريق العمل به؛ فذلك مما يفتح على طالبه باباً عظيماً من فوائد العلم وإشراقاته إن عَلم فعمل؛ فقد روي عن السلف أنهم كانوا يقولون: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به) [٨] . ٣ - التوازن بين مذاكرة العلم واستمرار البناء العلمي وبين العطاء التربوي. فإذا كنا نشترط للمربي صفة العلم، فإن اتصافه بذلك مقترن باستمراره في المراجعة والطلب، فإذا توقف كان إلى الجهل أقرب. قال سعيد بن جبير: (لا يزال الرجل عالماً ما تعلَّم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون) [٩] . والذي يحتج بأن العمل التربوي لا يتيح له استمرار التعلم يغفل عن أن عمله ذلك لن يستمر إلا لمدة ثم لا يجد ما يعطيه؛ ففعله كفعل صاحب الحديث الذي يتشاغل عن مراجعته وطلبه بالتحديث ببعضه؛ فهو كما قال عبد الرحمن بن مهدي: (إنما مثل صاحب الحديث مثل السمسار: إذا غاب عن السوق خمسة أيام ذهب عنه أسعار ما في السوق) [١٠] . فلا يلبث إلا وقد نضب ما لديه من العلم، ثم يصل بعدها إلى مرحلة التحضير بالقطعة أو بالطلب، ثم إلى مرحلة الإعادة والتكرار، وقد يشعر المتربي بأن مربيه قد فرغ جرابه، مع ما في ذلك من أثر سيئ. وكان أهل العلم من السلف يحرصون على إيجاد هذا التوازن بين طلبهم ومذاكرتهم العلم، وبين تعليمهم إياه، ويتضح ذلك جلياً في قول ابن مهدي - رحمه الله -: (كان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه في العلم علَّمه وتواضع له، وإذا لقي من هو مثله في العلم، ذاكره ودارسه) [١١] . ٤ - وضع العلم في إطار من الهيبة والوقار عند إلقائه أو تدريسه: قال عمر ﵁: تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار [١٢] . فذلك من شأنه أن يجعل للعلم الأثر النفسي ثم العملي اللائق به، مما يوفر على المربي جهداً كبيراً، ويُقرِّب له التوفيق من عمله. قال أحمد بن سنان: (كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُتحدث في مجلسه، ولا يُبْرى قلم، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة، فإن تُحُدِّث أو بُري قلم صاح ولبس نعليه ودخل) [١٣] فما ظنك بأثر العلم الذي يتلقونه (في نفوسهم) وهم على هذه الحال؟ ! وفي المقابل: حين دخل ﵀ على الوليد بن يزيد - وهو خليفة - فقال له الوليد: يا ربيعة! حدثنا! قال: ما أحدِّثُ شيئاً. فلما خرج من عنده قال: ألا تعجبون من هذا الذي يقترح عليَّ كما يقترح على المُغنية: حدثنا يا ربيعة! [١٤] . الصفة الثانية: حسن السمت وتَمثُّلُ مستوى القدوة: عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (الهَدْي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة) [١٥] . فهذا الحديث يبين لنا أن الذي يتحلى بالسمت الصالح والهدي الصالح يُقتدى به ويحاكي بعض صفات النبوة، وكفى بذلك شرفاً. والسمت والهَدْي متقاربا المعنى؛ فالسمت بمعنى الطريقة أو هيئة أهل الخير [١٦] ، والهدي هو الطريقة أو السيرة [١٧] ، وهدي الرجل سيرته العامة ... والخاصة وحاله وأخلاقه [١٨] . فهذا يشمل إذن ما يتعلق بحال المسلم من كلام وفعال وتعاملات وملبس وهيئة وحركات وسكنات ونحوه، ولا يتسع المجال - بالطبع - لاستعراض تفاصيل ذلك، ولكن لكل علم مظانه [١٩] . والمراد: أن المربي أوْلى الناس بالاتصاف بحسن السمت والهدي والأدب؛ إذ إنه القدوة الأولى لمن يربيهم، وقدوة المرء من تسنن واقتدى به [٢٠] ، وإذا كان مجرد المخالطة والاجتماع تفتح مجالاً كبيراً لتبادل الطباع والأخلاق؛ إذ الطبع لص - كما يقولون - يسرق من غيره؛ فكيف بمن يجتمع في حقه أثر المخالطة مع أثر الاحترام والاعتراف بالفضل. ويكفي لتصور أهمية هذه الصفة بالنسبة للمربي أن نعلم أنه عندما ينزل عن مستوى القدوة الحسنة فيتدنى مستوى فعله عن مستوى كلامه فإنه يكون أشبه بمن يُمسك في إحدى يديه قلماً، وفي الأخرى ممحاة، فكلما كتب كلاماً بيمناه محته يسراه، (ومن لا يستطيع تصحيح أخطاء نفسه فلا يصح له أن يكون قيِّماً على أخطاء الآخرين يصحح لهم وينقد) [٢١] . ولبيان موقع القدوة الحسنة من التأثير التربوي نقول: إن الخطاب التربوي يمكن تجريده إلى ثلاثة أمور: الأول: الكلام النظري ونعني به: بيان الأمر مع الثواب أو العقاب. الثاني: حكاية الفعل ونعني به: ذكر مثال عملي لما سبق سواء كان معاصراً أو تاريخياً. الثالث: رؤية الفعل (عمل المربي) ونعني به: التنفيذ العملي الذاتي لما سبق فيما يُستطاع شرعاً وواقعاً. ولو نظرنا في أثر كل من هذه الثلاثة - منفرداً - في تكوين الدافعية للعمل، لوجدنا أن ثالثتها (رؤية الفعل) أشد أثراً وأبقى. فالنفس لديها استعداد للتأثر بما يلقى إليها من الكلام؛ ولكنه استعداد مؤقت في الغالب، ولذلك يلزمه التكرار. وحكاية الفعل وإن كانت تُقرب المسافة أكثر إلا أن أثرها بمفردها لا يكفينا لتحقيق ما نطمح إليه من رفع المستوى التربوي. وأما القدوة المنظورة الملموسة فهي التي تعلق المشاعر، ولا تتركها تهبط إلى القاع وتسكن بلا حراك، بل سرعان ما تترجمها إلى عمل. وفي هذا المثال من السيرة بيان ذلك: في صلح الحديبية: لما فرغ رسول الله ﷺ من قضية الكتاب (يعني الصلح) قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فلم يقم منهم رجل، حتى قال رسول الله ﷺ ذلك ثلاث مرات، فلم يقم أحد، فدخل على أم سلمة ﵂ فأخبرها الخبر، فقالت له: اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكلم منهم أحداً حتى فعل ذلك، فلما رأوا فعله ﷺ قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً [٢٢] . نرى في المثال أن الخطاب النظري أحدث أثراً في نفوس السامعين إلا أنه لم يترجم إلى عمل، ولما اقترن الأمر بممارسة الفعل سهل عليهم الامتثال والتنفيذ؛ فممارسة الفعل إذن هي بمثابة المرحلة الحاسمة والأخيرة التي تبرز قيمة ما سبقها وأثره، وتُخرج ما أحدثه من مشاعر نفسية إلى الوجود في صورة عملية، وبدونها يظل كَمٌّ كبير من مفاهيم الإسلام حبيس النفس في غياهب الإهمال أو النسيان. ومن الآثار التربوية المفيدة لتمثل المربي مستوى القدوة الحسنة: ١ - توفير الجهد التربوي عن طريق انتقال مفاهيم كثيرة - انتقالاً غير مباشر - بالمحاكاة والتقليد. عن الصَّلت بن بسطام التيمي قال: قال لي أبي: الزم عبد الملك بن أبجر فتعلَّمْ من تَوَقِّيهِ في الكلام؛ فما أعلم بالكوفة أشد تحفظاً للسانه منه [٢٣] . ٢ - تكون حال المربي تلك بمثابة المحفز والمنشط للكثيرين لمحاولة الوصول إليها، وبذل الجهد في ذلك؛ فإن النفس كلما اقتربت من الكمال في جانب صارت لها قوة جذب بحسب حالها تشد الناس إليها؛ فهذا عبد الله ابن عون ﵀ من أعلام السلف، كانت حاله نموذجاً يُحفز الكثيرين لمحاكاته. عن معاذ قال: حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد أنه قال: إني لأعرف رجلاً منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلَمَ له يوم من أيام ابن عون، فما يقدر عليه [٢٤] ، وورد مثل ذلك عن كثير من السلف في محاولتهم التأسي بحال ابن عون. ٣ - يكون له أثر عام يتعدى من يرتبط بهم من المتربين ارتباطاً مباشراً، فينتفع به آخرون بمراقبته أو بمعرفة حاله، ونحوه فيُسهم ذلك في إيجاد بيئة تربوية راشدة. قال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به وإن لم يرَ عمله ولم يسمع كلامه [٢٥] . ٤ - اكتساب كلامه وتوجيهاته قوة نفسية مؤثرة بحسب حاله، كان أبو العباس السرّاج من علماء نيسابور وعُبَّادها، وكان رجلاً تقياً حسن السيرة، وكان الناس يسمعون كلامه. قال الحاكم: سمعت أبي يقول: لما ورد الزعفراني وأظهر خلق القرآن سمعت السرّاج يقول: العنوا الزعفراني، فيضجُّ الناس بلعنه، فنزح إلى بُخارى [٢٦] . ولأن سوء سيرة المربي تُذهب بركة علمه وتفقده تأثيره كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء، وقال: اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تُذهب بركة علمه مني [٢٧] . كيف يُكتسب السمت الحسن؟ هناك عدة وسائل لذلك نذكر أهمها: ١- إصلاح الباطن: فأدب الظاهر عنوان أدب الباطن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [٢٨] . ٢ - إعلاء قيمة التأدب وجعله من الأولويات: وقد كان السلف ﵏ - منهم من ينفق في ذلك جزءاً كبيراً من عمره، ويعتبر أنه رابح لا خاسر. قال الحسن ﵀: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين [٢٩] ، ومكث يحيى بن يحيى عاماً كاملاً يأخذ من شمائل مالك ﵀ بعد أن فرغ من علمه [٣٠] . ٣ - الاطلاع على حكايات العلماء: قال أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء أحب إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم [٣١] . ٤ - لزوم الصالحين والقدوات الحسنة ومن يُستحْيى منه: فإن معاشرة هؤلاء ومخالطتهم تسهل على النفس الاقتباس عنهم والانضباط بوجودهم. قال أبو الدرداء ﵁: من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم [٣٢] . وقال عبدوس: رآني أبو عبد الله يوماً وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم [٣٣] . ٥ - التنفيذ الفوري لما يتعلمه: عن الحسن أنه قال: قد كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه، وهديه، ولسانه وبصره، وبره [٣٤] . ٦ - مجاهدة النفس وتعويدها على الخير: قال النبي ﷺ : (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يُعْطَهُ ومن يتَّق الشر يوقه) [٣٥] . وكان عبد الله بن مسعود يقول: تعوَّدوا الخير، فإنما الخير عادة. ٧ - معاقبة النفس والشدة عليها: قال الجيلاني: لا تهربوا من خشونة كلامي، فما رباني إلا الخشن في دين الله ومن هرب مني ومن أمثالي لا يفلح [٣٦] . وقال ابن وهب: نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم؛ فمِنْ حُبِّ الدراهم تركت الغيبة [٣٧] . الصفة الثالثة: الثقافة والتجربة: وذلك فيما يتعلق مباشرة بالعمل التربوي، أو ما له تعلق غير مباشر به، ونبدأ بالثاني، ونقصد به أمرين: الأول: الثقافة أو التجربة الواقعية المتعلقة بمعرفة أحوال الناس وطبائعهم وصفاتهم. ومصادر هذا النوع من الثقافة والتجربة متنوعة، يمكن استقاؤها من الأفراد مباشرة، كلٌّ بحسب حاله من خلال اغتنام لحظات الحوار العابر، أو توجيه السؤال والاستفسار مع تقوية ملكة جمع المعلومات الشفوية، وأيضاً يمكن استقاؤها من البحوث والدراسات التي تتناول هذه الموضوعات، وفي الجلوس مع الكبراء في السن وفي الخبرة فائدة لا تترك؛ قال المناوي: المجربون للأمور المحافظون على تكثير الأجور، جالسوهم لتقتدوا برأيهم وتهتدوا بهديهم [٣٨] . وعن أبي جُحيفة ﵁ قال: كان يقال: جالس الكبراءَ، وخالِلِ العلماءَ، وخالِطِ الحكماء [٣٩] . وأيضاً يمكن استمداد هذه الثقافة والتجربة من الكثير من مراجع التاريخ القريب أو البعيد؛ فإنه كما قال السخاوي: (من عرفه كمن عاش الدهر كله وجرب الأمور بأسرها وباشر تلك الأحوال بنفسه، فيغزر عقله، ويصير مجرباً غير غر ولا غمر) [٤٠] . الثاني: الثقافة العامة، بمعنى: الاطلاع السريع على العلوم الأساسية الطبيعية أو الإنسانية وأحدث التطورات العامة فيها. ويمكن جمع الفوائد التي تعود على المربي من هذين المجالين في النقاط الآتية: ١- معرفة سبل الخير وسبل الشر، وكيف يُسلك كلٌ منها؟ يصف ابن القيم ﵀ حال المؤمن المُجرب الذي يعرف الخير والشر كليهما فيقول: (وهذه حال المؤمن: يكون فطناً حاذقاً أعرف الناس بالشر وأبعدهم عنه، فإذا تكلم في الشر وأسبابه ظننته من شر الناس، فإذا خالطته وعرفت طويته رأيته من أبر الناس) [٤١] . ٢ - توسيع المدارك وتعميق الأفهام وتنشيط العقول: فهذه الثقافات من شأنها أن تنمي قدرة المربي على التفكير، وعلى القياس المستقيم، وربط الأسباب بمسبباتها، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في فائدة الاطلاع على مختلف العلوم كلاماً نفيساً: (ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا الصحيحة الصادقة والقياس المستقيم؛ فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك) [٤٢] . ٣ - زيادة قدرة المربي على التحدث والحوار الثنائي أو الجماعي؛ فالمربي يتعامل مع عقول مختلفة وثقافات متنوعة يحتاج إلى التواصل معها بكفاءة، والمربي محدود الثقافات أشبه شيء بمذياع الشيوعية القديم ليس فيه إلا محطة واحدة: إما أن تسمعها أو تغلقه، بينما المربي متنوع الثقافات: متعدد الموجات؛ فاحتمال غلقه غير وارد. ٤ - فهم ظروف المتربين المختلفة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً؛ انطلاقاً من فهمه لأحوال المجتمع الذي يعيشون فيه والتي تمثل الخلفية الدافعة للكثير من أقوالهم وتصرفاتهم. أما النوع الثاني: - وهي الثقافة والتجربة التربوية - فلا غنى عنها للمربي؛ فهي التي تصبغه بهذه الصبغة بداية وعن طريقها يتعرف منهج التربية وما يتضمنه من أهداف التربية ووسائلها ومراحلها وأساليبها ومشكلاتها ونحوه، وهو يتعرف على ذلك بوصفه إما كلاماً نظرياً مجرداً يعرض المفاهيم والمبادئ، وإما وصفاً أو نقداً للمحاولات التطبيقية: ظروفها ونتائجها. ويمكن استمداد تلك الثقافة والتجربة من مصدرين رئيسين: الأول: الكتب (المصادر المقروءة) : وهي مصدر أساس لتلقي المبادئ والمفاهيم التربوية، وكذا التجارب والخبرات التربوية. وهنا وقفة وهي: أنه قد يتحرَّج بعضٌ من الاستفادة من الكتب الدعوية الكثيرة التي تنقل خبرات وتجارب العديد من الدعوات والدعاة، وهذا أمر غير مستقيم؛ فالحكمة ضالة المؤمن، ومن العار أن تمنعنا مشاعر التعصب أو أخطاء الآخرين من الاستفادة من تلك التجارب؛ خاصة أن ذلك لا يعني إعطاءها الصلاحية المطلقة، بل كلا الأمرين وارد، ومفيد أن نعرف تجربة الصواب وتجربة الخطأ. قال الإمام أحمد ﵀: سمعت أن قَلَّ رجل يأخذ كتاباً ينظر فيه إلا استفاد منه شيئاً [٤٣] . الثاني: السماع والممارسة: والسماع يعني أن يسعى المربي للاستفادة من تجارب المربين الأقران له والسابقين عليه، مع إعطاء أهمية خاصة لقدامى المربين. والممارسة تعني: أن ينتفع المربي من تجربته الذاتية في العمل التربوي، فيستفيد من أخطائه وإصاباته السابقة فيما يُستجد من أعماله اللاحقة، وكما قيل: من التوفيق حفظ التجربة. الصفة الرابعة: العمق الإيماني: ونعني به ذلك النور وتلك الجاذبية التي تصدر عن المؤمن مع صلاح باطنه وقربه من الله فينعكس ذلك على جوارحه وعلى كلامه وأفعاله، والمربي إن كان كذلك فهو لإخوانه بمثابة البحر العميق تمخر فيه كبار السفن هادئة مستقرة، بينما الماء الضحل لا يسلك فيه مركب صغير فضلاً عن كبارها، وقد كان السلف يهتمون بذلك ويُرجعون كل قصور عن بلوغ الكلام مراميَه في القلوب إلى ضعف القلب الصادر عنه قبل اتهام قلوب السامعين. قال الحسن وقد سمع متكلماً يعظ فلم تقع موعظته من قلبه ولم يرقَّ لها -: يا هذا! إن بقلبك لشراً أو بقلبي [٤٤] . فتحقيق هذا العمق الإيماني إذن لا يكون بالكلام، أو بالتكلف والتحلي الزائف، بل ليس له إلا طريق واحد هو الإخلاص لله والتقرب إليه - سبحانه - فإذا اقترب المربي من ربه اقتربت منه قلوب العباد، وإن ابتعد عن ربه بعدت عنه القلوب. ومن أروع المشاهد التربوية الإيمانية التي تصور لنا أثر العمق الإيماني على التربية، ذلك المشهد الذي رسمه ابن القيم لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله - يقول: وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة [٤٥] .

стр. 3217

قضايا دعوية العمل المؤسسي ... معناه، ومقومات نجاحه عبد الحكيم بن محمد بلال لعل من أخطر ما تعانيه الأمة الإسلامية: غياب الروح الجماعية. ولقد انعكس هذا الواقع على الفكر - كما للأخير انعكاس عليه - فصار من عللنا الفكرية: ممارسة التفكير بطريقة فردية، ومنها أيضاً: نمو التفكير في شؤون الفرد على حساب التفكير بشؤون المجتمع. وعليه: فإن الفقه المتعلق بشئون الفرد وحركته وحقوقه وواجباته ظل أكثر نمواً من الفقه الذي يهم الجماعة، ففُصِّلت الفروض العينية، وبقيت الفروض الكفائية - والتي تصير عينية بالتقصير فيها - بقيت عند بعضهم عائمة، كمسألة: كفاية الأمة في كل جوانبها، وكمسألة: أهل الحل والعقد، وبيان تشكيلهم، ودورهم.. وبقيت الدراسات التي تتناول أبنية المجتمعات الإسلامية التاريخية ومشكلاتها وأطوارها محدودة؛ ونتيجة لذلك فقد رأينا سجل التاريخ حافلاً بالمآثر الفردية ضامراً في الأعمال الجماعية. والسبب أن الوعي المدني لم يتم تنظيمه بشكل كافٍ، فهو بحاجة إلى المؤسسات المختلفة [١] . ولقد تأصلت فكرة الفردية اليوم، ثم تأزم الموقف حين ورث كثير من الدعاة إلى الله-تعالى- ذلك المرض من أمراض التخلف الحضاري، فلا تزال ترى اليوم كثيراً من التجمعات الإسلامية محكومة بعقلية الفرد، تعيش مركزية القرار، رغم ازدياد التحديات، وتوالي المحن، وتفاعل الأزمات. ولئن كان بعض الدعاة في العقود الماضية يسعون إلى مجرد الانتشار الأفقي للدعوة، فإنه لا يقبل من أحد اليوم التفكير بعقلية تلك المرحلة؛ فلقد صارت الصحوة اليوم معادلة صعبة في الموازين العالمية، والخطر الأوحد أمام الأنظمة الغربية، بل نستطيع القول: إن كثرة الأتباع غير الواعين أصبح يمثل هاجساً للدعاة والمصلحين أنفسهم. وعليه فلا بد من مراجعة أساليب العمل الدعوي اليوم. كما أنه من الضروري العناية بتنمية الفكر الجماعي، وأسلوب العمل المؤسسي المحكم الذي صار أسلوب القوة والتحدي في هذا الزمان، ويكفي برهاناً من الواقع أن الدول الكبرى في الوقت الحالي دول مؤسسية ليست مرتبطة ارتباطاً كلياً بالأفراد؛ فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً هي بجملتها مؤسسة ضخمة تضم في ثناياها عدداً هائلاً من المؤسسات مختلفة التخصصات، ولا تتغير استراتيجياتها الرئيسة بتغير أفراد حكوماتها إلا من منطلق جماعي. وفي هذه المقالة: محاولة لتأصيل الفكر الجماعي، وبيان معنى العمل المؤسسي، وتحديد المراد به، ثم عرض شيء من مزاياه وفوائده، وبعض أسباب تقصير الدعاة في الأخذ به، ثم ذكر مقومات نجاحه. وما هذا الطرح إلا إثارة للموضوع؛ ليأخذ طريقه إلى حوار جاد [٢] . نحو وعي أعمق للروح الجماعية: إن تغيير واقع الأمة يتطلب في المستوى الأول تغيير النفوس، ومن عناصر ذلك التغيير: تعميق الفهم، وتجديد الفكر، وتصحيح المفاهيم التي من أهمها: مفهوم الفرد، والجماعة، وهو - بحمد الله - مفهوم في غاية الوضوح. إن الفرد هو العنصر الأساس في بناء الأمة، ولكن شرط قيامه بدوره الأكمل هو تعاونه مع بقية أفراد الأمة. والأمة التي يتعاون أفرادها هي أمة الريادة؛ لأن تعاونهم يضيف كل فرد إلى الآخر إضافة كيفية لا كمية، ومن ثم تتوحد الأفكار والممارسات من أجل تحقيق رسالة الأمة، وقد كان النبي ﷺ يربي صحابته على الروح الجماعية، روح الأمة، كما ضرب مثلاً - للمجتمع - بقوم أقلَّتهم سفينة، إن أراد أحدهم خرقها وجب على الجميع الأخذ على يده، وإلا غرقوا جميعاً [٣] ؛ فالمسؤولية في بلوغ الريادة تقع على الأمة جميعاً في مقابل أمة الكفر. والعودة بالناس إلى روح الأمة يستدعي إجراءات، أولها: فك الارتباط القائم بين العمل الإسلامي والأُطُر الحزبية الضيقة [٤] ؛ ليتقبل العمل الإسلامي الاستراتيجية الصائبة الموصلة إلى الهدف، سواء انبعثت من داخله أو خارجه. وهذا يجرنا إلى الإجراء الثاني المتمثل في تنمية الصفات التي تحقق التفاعل بين الأفراد وتعميقها، كالأخوة، والشورى، والتواصي بالحق وبالصبر، والعطاء المتبادل، والقدرة على التجميع، مع موالاة الأمة، لا الحزب. ولا بد في ذلك من تحقيق التوازن بين الروح الفردية والروح الجماعية، وهذه مهمة التربية المتوازنة التي لا تحيل الأفراد أصفاراً، وأيضاً لا تنمي فيهم الفردية الجامحة، بل توفر لهم المناخ المناسب لتنمية شخصياتهم، مع اختيار أساليب العمل التي تحول دون التسلط، وتنمي المبادرات الذاتية، وترسخ الشورى. ويكفل كلَّ ذلك إجراءٌ ثالثٌ يحوِّل العمل من أسلوب المركزية في اتخاذ القرار وتطبيقه ومراقبة تنفيذه إلى أسلوب المشاركة التي تُحسِّن الأداء وتنمي الشخصية، فيلتقي نموها مع روح الفرد التي أثمرها التعاون فيزداد التفاعل وتتكامل الجهود. إن الجماعة والتنظيم في الإسلام يعني كلٌ منهما: (التعاون) و (العلمية) أي تعاون الجهود في خطة يضعها العلم؛ فجوهر الجماعة وحقيقة التنظيم إنما ... هو التعاون بين المسلمين، والتكامل بين نشاطاتهم في طريق التمكين لشريعة الله، وإقامة دولة الإسلام، وإحياء الأمة الإسلامية [٥] . تعريف العمل المؤسسي: كل تجمع منظم يهدف إلى تحسين الأداء وفعالية العمل، لبلوغ أهداف محددة، ويقوم بتوزيع العمل على لجان كبرى وفرق عمل وإدارات متخصصة: علمية، ودعوية، واجتماعية؛ بحيث تكون لها المرجعية وحرية اتخاذ القرار في دائرة اختصاصها ... يعتبر عملاً مؤسسياً. وليس المراد بالعمل المؤسسي العمل الجماعي المقابل للعمل الفردي؛ إذ مجرد التجمع على العمل، وممارسته من خلال مجلس إدارة، أو جمعية أو مؤسسة لا يجعله مؤسسياً، فكثير من المؤسسات والمنظمات والجمعيات التي لها لوائح ومجالس وجمعيات عمومية إنما تمارس العمل الفردي؛ لأنها مرهونة بشخص منها فهو صاحب القرار [٦] ، وهذا ينقض مبدأ الشورى الذي هو أهم مبدأ في العمل المؤسسي. مزاياه وفوائده [٧] : ١ - تحقيق مبدأ التعاون والجماعية الذي هو من أسمى مقاصد الشريعة. ٢ - تضييق الفجوة بين عمل الدعاة، وردم الهوة بينهم بتحقيق ذلك المبدأ، وتأسيس الأعمال المشتركة بينهم؛ فإن ذلك يقلل التصادم والنزاع، وهي الطريقة المتبعة بين الدول في تأسيس اللجان والمجالس المشتركة، وهو ما لم يشعر بعض الدعاة بأهميته وضرورته بعد [٨] . ٣ - تحقيق التكامل في العمل، وذلك في عمل الفرد عزيز، فكثيراً مما يحصل من القصور في عمل الفرد يتلاشى في عمل المؤسسة؛ إذ المفترض حدوث التكامل باجتماع الجهود، والمواهب، والخبرات، والتجارب، والعلوم، مع التزام الشورى، والتجرد للحق. وأيضاً: فإن العمل الفردي يصطبغ بصبغة الفرد، بينما المفترض أن يخلو العمل المؤسسي من ذلك [٩] . ٤ - الاستقرار النسبي للعمل، بينما يخضع العمل الفردي للتغير كثيراً - قوة وضعفاً أو مضموناً واتجاهاً - بتغير الأفراد، أو اختلاف قناعاتهم. ٥ - القرب من الموضوعية في الآراء أكثر من الذاتية؛ حيث يسود الحوار الذي يَفْرض قيامُه وضعَ معايير محددة وموضوعية للقرارات تنمو مع نمو الحوار، في حين ينبني العمل الفردي على قناعة صاحبه. ٦ - دفع العمل نحو الوسطية والتوازن؛ إذ اجتماع الأفراد المختلفين في الأفكار والاتجاهات والقدرات يدفع عجلة العمل نحو الوسط، أما الفرد فلو توسط في أمر فلربما تطرف - إفراطاً أو تفريطاً - في آخر. ٧ - توظيف كافة الجهود البشرية، والاستفادة من شتى القدرات الإنتاجية؛ وذلك لأن العمل المؤسسي يوفر لها جو الابتكار والعمل والإسهام في صنع القرار، بينما هي في العمل الفردي أدوات تنفيذية رهن إشارة القائم بالعمل، ويوم أن أعرض المسلمون عن هذا العمل خسروا كثيراً من الطاقات العلمية والعملية، فانفرد أصحابها بالعمل، أو فتروا عنه [١٠] . ٨- ضمان استمرارية العمل - بإذن الله تعالى - لعدم توقفه على فرد يعتريه الضعف والنقص والفتور، ويوحشه طول الطريق وشدة العنت وكثرة الأذى. وللمثال: فقد كان من أقوى أسباب استمرار التعليم قوياً في الدولة الإسلامية - حتى في عصور الضعف السياسي -: قيامه على المؤسسات العلمية القوية التي تمدها الأوقاف، كما تمد سائر الجهود الدعوية والإغاثية - التي لم يُتجرأ عليها إلا في العصر الحديث - واليوم نرى استمرار المؤسسات الغربية قوية تساندها جمعيات كثيرة [١١] . ٩- عموم نفعه للمسلمين؛ لعدم ارتباطه بشخصية مؤسسه، وهذا بدوره ينمي الروح الجماعية الفاعلة، ويحيي الانتماء الحقيقي للأمة، وهذا مكمن قوتها. ١٠- مواجهة تحديات الواقع بما يناسبها؛ فإن الأمة اليوم يواجهها تحدٍّ من داخلها، في كيفية تطبيق منهج أهل السنة مع الاستفادة من منجزات العصر، دون التنازل عن المبادئ [١٢] ، كما يواجهها تحدٍّ من خارجها مؤسسي منظم؛ والقيام لهذا وذاك فرض كفاية لا ينهض به مجرد أفراد لا ينظمهم عمل مؤسسي، كما لا ينهض أفراد الناس لتحدي العمل المؤسسي في مجالات الحياة الاقتصادية، أو السياسية، أو الإعلامية، أو غيرها. ١١- الاستفادة من الجهود السابقة والخبرات التراكمية، بعد دراستها وتقويمها بدقة وإنصاف وحيادية، وبذلك يتجنب العمل تكرار البدايات من الصفر الذي يعني تبديد الجهود والعبث بالثروات. لماذا الإحجام عن العمل المؤسسي؟ ولسائل أن يقول: عَمَلٌ بهذه المزايا ما الذي حدا بالأمة اليوم أن تحجم عنه؟ ويجاب: بأن للأمر خلفيات وأسباباً، منها: ١ - طبيعة المجتمعات الإسلامية المعاصرة عامة، وعدم ترسخ العمل المؤسسي في حياتها؛ لما اعتراها من بُعد عن الدين أدى إلى تأصل الفردية، وضعف الروح الجماعية، والحوار والمناقشة والمشاركة، ولما حلّ بها من تخلف حضاري أقعدها عن الأخذ بأسباب الفاعلية والنجاح، فأصابها التأخر وتبدد الطاقات. ٢ - ضعف الملكة الإدارية لدى كثير من العاملين في الحقل الإسلامي، بسبب إهمال العلوم الإنسانية التي أفاد منها الغرب، وهذا مما ورثه العاملون عن مجتمعاتهم. وقد أدى هذا الضعف إلى الجهل بالعمل المؤسسي ومقوماته وأسباب نجاحه فتلاشت الخطط، وأغلقت دراسة الأهداف وإقامة المشاريع، وصار العمل مجرد ردود أفعال غير مدروسة أو عواطف غير موجهة [١٣] . ٣ - حاجة الدعوة إلى الانتشار، مع قلة الطاقات الدعوية المؤهلة؛ مما حدا بكثير من الدعاة إلى التركيز على الكم لا الكيف، والغفلة عن قدرة العمل المؤسسي على الموازنة بين الكم والكيف، وتحقيق أكبر قدر منهما. ٤ - الخلط بين العمل الجماعي والمؤسسي، والظن بأن مجرد قيام الجماعة يعني عملاً مؤسسياً، في حين أن كثيراً من التجمعات والمؤسسات لا يصدق عليها حقيقة هذا الوصف؛ لانعدام الشورى، والمركزية في اتخاذ القرار. ٥ - الشبهات العارضة التي يتذرع بها المانعون من العمل الجماعي، بحجة بدعيته؛ فأحجموا بذلك عن العمل المؤسسي انطلاقاً من هذه الشبهة. ٦ - حداثة العمل الإسلامي المعاصر، فإنه إذا ما قورن عمره بعمر المؤسسات الغربية بان قصيراً جداً. يقال هذا لئلا تُهضم الحقوق، ولكي نقترب بالحديث من الإنصاف لهذه الصحوة المباركة؛ حيث نرى بوادر الاهتمام بالمجالات الإدارية أكثر من ذي قبل. لكي ينجح العمل المؤسسي: للتربية الإيمانية المتكاملة أكبر الأثر في بناء الطاقات، وتنميتها، واستثمارها استثماراً مناسباً، وهذا عماد العمل المؤسسي، ويمكن تفصيل المقومات اللازمة لنجاحه على النحو الآتي: ١ - توفر القناعة الكافية بهذا الأسلوب من العمل؛ بإدراك ضرورته، وخاصة في زمن القوة، وبمعرفة مزاياه وثمراته، وفهم مقومات نجاحه للوصول به إلى المستوى المطلوب. ٢ - صدور القرارات عن مجالس الإدارة، أو اللجان ذات الصلاحية، حرصاً على خروجها من أدنى مستوى ممكن، لتكون أقرب إلى الواقعية وقابلية التنفيذ، ولا يجوز أن يكون المصدر هو الفرد أو المدير؛ فإنه يستمد صلاحياته - هو أيضاً - من المجالس، لا العكس، ويجب أن تملك المجالس واللجان صلاحية مراجعة قرارات المديرين ونقضها. ٣ - أن تكون مجالس الإدارة أو اللجان غير محصورة في بيئة واحدة محكومة بأطر تنشئة وتربية وتفكير محددة مما يؤثر على طبيعة اتخاذ القرار، فوجود أفراد من بيئات مختلفة ضمن هذه المجالس يثري العمل المؤسسي بتوسيع أنماط التفكير وتعديد طرق التنفيذ [١٤] . ٤ - أن تسود لغة الحوار، حتى تتلاقح الآراء للخروج بأفضل قرار، وأيضاً حتى يخضع الرأي الشخصي لرأي المجموعة. ويذكر هنا بالمناسبة: نزول النبي ﷺ على رأي أصحابه في أحد، وخروجه من المدينة تلبية لرغبتهم، مع ميله للبقاء في المدينة، وتأييد رؤياه لرأيه [١٥] ، وبعدما حصل ما حصل لم يصدر منه لَوْم لأولئك المقترحين للخروج. ٥ - تحديد ثوابت ومنطلقات مشتركة للعاملين في المؤسسة تكون إطاراً مرجعياً لهم، توجه خطة العمل، وتناسب المرحلة والظروف التي تعيشها المؤسسة. ٦ - التسامي عن الخلافات الشخصية، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، وهذا يتم بتحسين الاتصال والتواصل بين أفراد المؤسسة بعضهم مع بعض، وبينهم وبين سائر العاملين في الحقل الإسلامي. وهذا أساس قوي للنجاح؛ ففي استفتاء لعدد من القياديين الناجحين اتضح أن الصفة المشتركة بينهم هي القدرة على التعامل مع الآخرين [١٦] ، ولن يتم ذلك لأحد ما لم تتربَّ أنفسنا على العدل والإنصاف، ومعرفة ما لدى الآخرين من حق، ومحاولة فهم نفسياتهم من خلال نظرتهم هم لأنفسهم، لا من خلال نظرتنا نحن. ٧ - الاعتدال في النظرة للأشخاص؛ فإنه في حين يصل الأمر لدى المنحرفين عن أهل السنة والجماعة في نظرتهم للأشخاص إلى حد الغلو والتقديس، فإنَّا نجده عند بعض أهل السنة - الذين سلموا من الغلو - بالغاً إضفاء هالة على بعض الأشخاص تؤثر في مدى استعدادهم لمناقشة رأيهم، أو احتمال رفضه مع بقاء الاحترام الشخصي، وهؤلاء يشكلون ضغطاً على العمل المؤسسي وتوجيهاً غير مباشر للآراء [١٧] . وكأن هذا ما أراده عمر ﵁ حين عزل خالد بن الوليد - ﵁ خشية تعلق الناس به، وربطهم النصر بقيادته [١٨] . ٨ - إتقان التخطيط، وتحديد الأهداف لتنفيذها، وتوزيع الأدوار، وهذا يتطلب مستوى جيداً في إعداد القادة والمسؤولين، وتدريب العاملين مع الاستفادة من كل الإمكانات، وتوظيف جميع الطاقات، بعد التعرف عليها جيداً [١٩] . والمهم هو التركيز في جداول الأعمال على المنطلقات والأسس والخطوط العامة، دون الانهماك في المسائل الإجرائية، والتي قد لا تحتاج إلا لمجرد قرار إداري أو إجراء تقليدي، ودون المسائل التي يكثر الجدل والخلاف حولها. ولضبط الخطط، وإتقان تنفيذها، وبلوغ الأهداف، يراعى الآتي: أ - الأناة في التخطيط، والحماسة في التنفيذ [٢٠] ؛ فالأول: لمراعاة القدرات والإمكانات، ومعرفة التحديات وحسن تقدير العواقب، وتحاشي مخاطر السرعة، والثاني: لاستباق الخيرات، وكسب الزمان، واغتنام الهمة، ومبادرة العزيمة. ب - أهمية قيام المؤسسات بأداء أعمالها بأساليب علمية حكيمة تكفل استمرارها وأداءها لعملها على الوجه المطلوب، وحتى لا تتعرض لكيد الكائدين وأساليب المغرضين، ولا ينبغي أن يكون أهل النفاق أكثر حنكة منا؛ فكم نالوا أهدافهم من جمعياتهم وأعمالهم حتى بلغوا مناهم [٢١] . اللهم ألهمنا رشدنا، وأعذنا من شر أنفسنا [٢٢] .

стр. 3218

إصدارات تتوالى الإصدارات الحديثة حاملة بين طياتها الجديد في عالم الدراسات الإسلامية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. ورغبةً منَّا في إطلاع قراء على ما يتسير لنا من هذه المطبوعات الجديدة التي نرى فيها الفائدة لقارئها سيكون لنا بإذن الله وقفات مع بعض تلك الإصدارات بين عدد وآخر، والله الموفق. * التعليقات الرضية على الروضة الندية، للإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني، دار ابن عفان، القاهرة، ١٤٢٠هـ. تعليقات لطيفة أثبتها - حفظه الله - أثناء تدريس الكتاب، ولكنها لم تستوعب كل ما ينبغي التعليق عليه، فضلاً عن تغيُّر الاجتهاد في عدد منها، وهي ما بين شرح لغريب أو مصطلح، أو تخريج ونقد، أو مناقشة وتعقب، أو ذكر قاعدة، أو اختيار وترجيح. * مجموع فتاوى وبحوث، للشيخ عبد الله بن منيع، دار العاصمة، ١٤٢٠هـ. المؤلف فقيه أصولي، عضو في اللجنة الدائمة للإفتاء، وقد جمع في كتابه عدداً كبيراً من بحوثه العلمية، وفتاواه الشرعية، وأحاديثه الإذاعية فجاءت متنوعة وشاملة لأبواب عديدة في العقيدة والشريعة والأخلاق، فجاءت حديقة غنَّاء تسر الناظر، وتفيد المُطالع. * الحكم بغير ما أنزل الله: أحواله، وأحكامه، د. عبد الرحمن بن صالح المحمود، دار طيبة، ١٤٢٠هـ. بيّن المؤلف منزلة تحكيم الشريعة في العقيدة، وأورد الأدلة على وجوبه، وبين أحوال الحكم بغير ما أنزل الله ومتى يكون كفراً أكبر أو أصغر، وأورد نماذج لمواقف العلماء من المبدلين لشرع الله، مع تحرير مسائل الموضوع والرد على الشبهات فيه. دراسة متميزة، حسبها أنها بينت خطورة الأمر، وحذرت من الإعراض عن شريعة الله أما التطبيق على الواقع فيحتاج إلى توفر شروط وانتفاء موانع. * حول التربية والتعليم، د. عبد الكريم بكار، دار المسلم، الرياض ١٤٢٠ هـ، (٤٩٢ صفحة بالفهارس) . هذا الكتاب هو الخامس والأخير من السلسلة القيمة: (المسلمون بين التحدي والمواجهة) التي تهدف لإيجاد (فهم أعمق للواقع الإسلامي) ؛ (من أجل انطلاقة حضارية شاملة) ، و (للنهوض بالعمل الدعوي) في الطريق إلى (التنمية المتكاملة) أسعد الله القلوب بتحققها آمين. الكتاب يتحدث حول جوهر التربية وأهميتها، ويورد مبادئ وأساليب وأهدافاً تربوية، ويثنِّي بالحديث حول التعلم والتعليم والمعلم، ويخص بالذكر التعليم الشرعي والتعليم الجامعي. تجد في الكتاب بياناً لواقع التربية والتعليم، وتحديداً للمشكلة، ووصفاً للعلاج؛ ففي الكتاب: طرح متميز، ومعالجة جادة، وأفكار رائدة. * الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة، د. عبد الله بن محمد حسن السعيدي، رسالة دكتوراه، دار طيبة، ١٤٢٠هـ. دراسة علمية رصينة، تتكون من شقين، أولهما: تجلية ما يثار حول ربا القروض - الذي هو أساس العمل المصرفي - من شكوك وشبهات وتأويلات، بقصد إخراجه من إطار الربا، أو تسويغه على الأقل. وثانيهما: بيان المعاملات المصرفية التي ابتكرتها المصارف وسيلة لنشر الربا، كبطاقات الائتمان، وفتح الاعتماد البسيط، والمستندي، والكمبيالة ... بذكر جوانبها المصرفية والشرعية. وتبعهما بابان آخران، الأول: لبيان كيفية التصرف في المال الحرام، وحكم العمل والإيداع في البنوك الربوية، والثاني: لبيان مؤسسات العمل المصرفي التجاري - المروِّج للربا - والإسلامي - البديل المقبول. * أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، دراسة فقهية مقارنة، د. عثمان جمعة ضميرية، رسالة علمية لنيل العالمية (الدكتوراه) ، من الأزهر، نشر: دار المعالي، ١٤١٩هـ، الأردن. عنيت الرسالة ببيان أثر الإمام محمد في العلاقات الدولية في السلم والحرب، فكان البحث ذا شقين: الأول: مفهوم العلاقات الدولية وتطورها، والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، والمعاهدات الدولية، والسفارة والسفراء. الثاني: تعريف الجهاد ومشروعيته، وقواعد السياسة الحربية، والقواعد العليا في قانون القتال، وآثار الحرب. في البحث تجلية وتغطية موفقة لمجهود الإمام محمد في إرساء قواعد وأصول ما عرف بـ (القانون الدولي) ، تلك الظاهرة الحديثة ذات الجذور الموغلة في القِدَم، والذي صار علماً مستقلاً حديثاً مرتبطاً بالدول النصرانية الأوربية التي تحول تعصبها ضد المسلمين قانوناً دولياً! * قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية، دراسة أصولية في ضوء المقاصد الشرعية، تأليف: د. مصطفى بن كرامة الله مخدوم، رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية، نشر دار إشبيليا، الرياض، ١٤٢٠هـ. اشتملت الدراسة على خمسة أبواب: التعريفات، والمقدمات، والتقسيمات، وأحكام الوسائل، ثم القواعد الأصولية والفقهية المتعلقة بالوسائل خاصة وبيان وجه علاقتها، كقاعدة: سد الذرائع، ومقدمة الواجب، والاستصلاح، والاحتياط، ومن تعجل شيئاً قبل أوانه، كما ذكر البدع والأسباب والحيل، وبيّن علاقة كل منها بالوسائل. تميزت معالجة الباحث للموضوع بالمزاوجة بين علمي الفقه وأصوله وبين سائر العلوم الأخرى، وخرجت الرسالة تؤكد ثبات الشريعة وشمولها، من خلال موضوع ذي صلة بعلوم وأبواب شتى. * الجهاد والتجديد في القرن السادس الهجري، عهد نور الدين، وصلاح الدين، دراسة مقارنة مع الواقع المعاصر، للأستاذ محمد حامد الناصر، نشر مكتبة الكوثر ١٤١٩هـ، الرياض. تحدث المؤلف فيه عن أن التاريخ مرآة الشعوب، وحقل تجارب الأمم، وما من شك في أن استقراء التاريخ واستنطاقه يساعد على تحديد مساراتنا الحالية والمستقبلية. * فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري، دراسة دعوية للأحاديث من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة، د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ١٤٢٠هـ. دراسة تأصيلية في علم فقه الدعوة، مادتها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبين المنهج الدعوي النبوي المتعلق بالداعية والمدعو وموضوع الدعوة ووسائلها وأساليبها. * العلو للعلي الغفار وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها، جمع الإمام الذهبي، دراسة وتحقيق وتعليق: عبد الله بن صالح البراك، دار الوطن، الرياض، ١٤٢٠هـ. الكتاب موسوعة فذة في مسألة زلت فيها أقدام، جمع فيها الذهبي أقوال عدد كبير من الأئمة في إثباتهم كمال علو الله - تعالى - وفوقيته مع إثبات معية الله وقربه من عباده . وللذهبي كتاب آخر صدر هذا العام أيضاً بعنوان (العرش) وهو سابق في تأليفه على كتاب العلو وأخصر منه، حققه د. محمد بن خليفة التميمي. أما الدراسة فمختصرة وجيزة، وأما التحقيق فقد توسع المحقق في خدمة الآثار ودراسة أسانيدها دراسة مطولة.

стр. 3219

حوار د. محمد حرب في حوار مع (البيان) تشويه تاريخ العثمانيين.. تشويه لجزء من تاريخ الإسلام أجرى الحوار:وائل عبد الغني السيرة الذاتية: حاصل على دكتوراه في التاريخ العثماني من جامعة استانبول. أستاذ التاريخ التركي بجامعة عين شمس. رئيس المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالَم التركي والبلقان. عضو فخري في مجلس العلماء بأكاديمية العلوم في قازاقستان. من مؤلفاته: - مذكرات السلطان عبد الحميد. - المسلمون في آسيا الوسطى. - دور الكنيسة في هدم الدولة العثمانية. - يهود الدونمة. ١- في البداية: أنتم متخصصون في العالَم التركي والتاريخ العثماني، ولكننا لا نعرف حدود هذا العالم. العالَم التركي عالم كبير - مثل العالم العربي - له وحدة دينية.. مذهبية.. جغرافية.. عرقية.. لغوية مشتركة؛ فهو عالم يدين بالمذهب السني في عمومه. يمتد جغرافياً من حدود الصين شرقاً إلى حدود البوسنة والهرسك غرباً مروراً بآسيا الوسطى والفولجا والقوقاز، وهو من جهة العرق واحد؛ فهو كله من سلالة العرق التركي، وثقافته واحدة ولغته واحدة في مجمله، هذا العالم يحوي حوالي ٢٥٠ مليون نسمة. ٢- هناك سؤال كثيراً ما يلح على المرء منا: لماذا العثمانيون مكروهون بشكل ملحوظ لدى بعض الأوساط؟ وهل هناك ما يدعو لكل هذا الكره؟ كلامك هذا ذكَّرني بمقولة أستاذي (نهاد جتين) : (العثمانيون يُشتمون في كتب التاريخ العربي، وفي كتب التاريخ التركي، وفي كتب التاريخ الإيراني، وفي كتب التاريخ الأوروبي، وفي كتب التاريخ الروسي) . وربما نجد ما يسوِّغ هذا الكره لدى الأوروبيين أو الروس أو الشيعة، ولكن المسوِّغ لدينا - نحن العرب - أو لدى الأتراك غير موضوعي ويجافي الإنصاف؛ لأن الإنصاف يقتضي أن دولة بلغت كل هذا المجد، وتحقق لها كل هذا التمكين خلال أكثر من ستة قرون من الزمان، وامتدت رقعتها إلى ما لم تصل إليه دولة في تاريخ الإسلام، وحفلت بما لم تحفل له دولة في التاريخ البشري كله - بعد الدولة النبوية في المدينة - من حيث القوة والحضارة والعدل، ومع هذا يستحيل أن تكون بكل هذا السوء! فالغربيون والروس والشيعة قد ورثوا هذا العداء وراثة طبيعية؛ أما العرب والأتراك فقد رضعوه من النظرة الأوروبية. ٣ - إذن المسألة مسألة مصادر؛ فأين هي المصادر السليمة؟ المصادر غير متوافرة ليس لعدم وجودها وإنما لأسباب أخرى؛ فقد كان العثمانيون شديدي الولع بالتاريخ، مهتمين جداً بكتابة تاريخ دولتهم حتى إنه كان هناك مؤرخ رسمي للدولة له تلاميذه وطريقته في الكتابة، ولكن عدم توافرها ناتج عن عدم استطاعة الأجيال اليوم التعامل معها وقراءتها؛ لأنها مكتوبة بالحروف العثمانية التي ألغاها أتاتورك وبدَّلها بالحروف اللاتينية، وبهذا نجد أن الحضارة العثمانية لم تنل حظها من الدراسة لضخامة التعتيم العلمي والسياسي في الوقت الذي تُدرس فيه الحضارات القديمة وتُفك رموزها! والأجيال اليوم ظُلمت من هذا الباب. ومن جانب آخر تأثرت بالنظرة الغربية التي نقلتها الدراسات الأكاديمية التي تربى منظِّروها والمتخصصون فيها في الجامعات الأوروبية مثل أوكسفورد وكمبردج، وهم لا يعلمون أن هذه الجامعات كانت عبارة عن مدارس أنشئت في الكنائس لدراسة الحالة العثمانية - بعد أن توالت الهزائم الأوروبية أمام الجيوش العثمانية - من أجل فتح القلعة من الداخل، وهذه المدارس كان لها رصيدها العدائي لا للدولة العثمانية فقط وإنما للتاريخ الإسلامي كله، وإذا كانت قد نجحت في تشويه تاريخ أكثر من ستة قرون من تاريخ هذه الأمة فمعنى ذلك تشويه ما يقارب من نصف تاريخ الإسلام. ٤ - معلوم أن الاشتغال بالتاريخ يورث المشتغل خبرات واسعة، ومعارف كثيرة؛ وها أنت قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال؛ فما هي أبرز النتائج التي يمكنك أن تهديها للقارئ؟ يمكنني أن أوجز ذلك في أمرين: الأول: هو: من أين نستقي تاريخنا الإسلامي؟ أو ما هي مصادر الاطلاع عليه؟ لا بد أن يكون ذلك من مصادر موثوقة؛ لأن التاريخ الإسلامي على امتداده وامتلائه بكل عناصر القوة والسمو والإبداع نجد أن معالجاته المتأخرة قد ملأته بالتشكيك والتشويه، هذه المعالجات تأثرت بمنهجين منحرفين أو بأحدهما وهما: المنهج الشيعي، والمنهج الأوروبي. أما الشيعة فبرزوا في تشويه أكمل فترات التاريخ الإسلامي بعد عصر النبوة؛ حيث أوّلوا الأحداث تأويلاً شيعياً أضر بعلاقات المسلمين بالمسلمين وأفسدها، وهي إلى اليوم فاسدة! وأما الغرب فقد أثَّر ميراث عداوته للإسلام على منهجيته في دراسة تاريخنا الإسلامي؛ هذه المنهجية هي التي امتدت إلى جامعاتنا وباحثينا، ومن خلالها يُقَدَّم لنا التاريخ الإسلامي، والعثماني منه بالذات. ولهذا أقول: إنه متى استطعنا إبعاد أثر الشيعة والغرب على دراسة التاريخ استقامت كل أمورنا. أما الأمر الثاني: فهي تجربة شخصية تتعلق بكيفية تقديم التاريخ للناس؛ فقد وجدت أن التناول الأدبي للتاريخ وقضايا المسلمين يؤثر تأثيراً أقوى مما كنت أتصور، وأبلغ في إيصال الفكرة للجمهور من الدراسة الأكاديمية والبحثية. ٥ - في تاريخ أي دولة هناك نقاط تحوُّلٍ - صعوداً وهبوطاً - أثَّرت في شكل الدولة وقوتها ووجودها. نريد أن نعرف أبرز هذه النقاط في التاريخ العثماني؟ هذا سؤال يعجبني؛ لأنه يركِّز على أعظم النقاط خطراً في تاريخ الدول ويضيف إلى حصيلة الباحث تجارب كبيرة وعميقة. أما بالنسبة للتاريخ العثماني فنجد نقاطاً من هذا النوع مثل: - هجرة القبائل التركية من وسط آسيا والتحاقهم بالدويلة العثمانية، وقد استفاد القائد عثمان من هؤلاء المهاجرين في تنظيم إمارته على أساس شرعيٍّ سنِّي. - توحيد الإمارات العثمانية في الأناضول وجمعها في دولة واحدة مستقلة. - عبور أورخان بن عثمان إلى أوروبا - وكان ذلك في وقت مبكر من عمر الدولة - حيث استفاد من اشتداد الصراع الأوروبي - الأوروبي في فرض إثبات وجودهم على الساحة الأروربية. - كذلك فتحه لمدينة (أزنيق) التي كانت تحوي المجمع الكنسي الأوروبي، وتحويل المؤسسات الدينية إلى مدرسة عثمانية. - ثم فتح سليم الأول للبلاد العربية هذا الفتح الذي تصوِّره لنا الكتب اليوم على أنه استعمار. - ثم انتصاره على الشيعة وهي نقطة حيوية في التاريخ العثماني بعد أن أسس لمبدأ: (حسم الجبهة الداخلية مقدم على فتح جبهات جديدة مع أوروبا) . كل النقاط السابقة تمثل عناصر تحوُّل نحو القوة. - أما فتح القسطنطينية فقد كان نقطة تحول في اتجاهين: إيجاباً: لأن الدولة حققت بشارة النبي ﷺ وفتحت الباب إلى قلب أوروبا. وسلباً: كان في تغيُّر النظام السلطاني بعد محمد الفاتح تأثراً بأوروبا؛ فانعزل السلطان عن حاشيته؛ حيث كان يجلس خلف ستار يراقب مجلسهم وهم لا يرونه هذا فضلاً عن انعزاله عن الرعية مما أضعف أثر السلطة وفتح الباب أمام الانحراف. - اختراق الشيعة للطريقة البكتاشية التي تربت عليها الانكشارية مما أدى إلى الانحراف في العقائد والسلوك، وكانت النتيجة هي الانهيار الداخلي للجيش العثماني. - موقف السلطان عبد الحميد من اليهود وتضحيته بكرسيه في سبيل الحفاظ على الأرض الإسلامية. هذه المواقف مما ينبغي الوقوف عندها وتأملها للاستفادة منها باعتبارها تجارب يبقى أكثرها في دائرة التأثير حتى اليوم. ٦ - بسرعة نقفز من الماضي إلى المستقبل، ونتحول من الإمبراطورية المسلمة إلى أحد أقاليمها (البلقان) ونسأل عن كوسوفا وعن توقعاتكم؟ [١] أوروبا لن تسمح باستقلالٍ لألبان كوسوفا، على عكس ما يريدون، وهي تسعى لتهميش الوجود الإسلامي هناك بأن يبقى المسلمون على الأقل تحت حصار صربي يمكن أن يضمن عدم التطور نحو الإسلام، وهو الخطر الذي تخشاه أوروبا. ٧ - وهل يمكن للبلقان أن تفجر حرباً جديدة، أعني عالمية؟ من الصعب إن لم يكن من المستحيل؛ لأن أوروبا اليوم موحدة وهي تملك زمام الأمور، وهي تتبنى مبدأ كول: (الثقافة الأوروبية ثقافة نصرانية) . أوروبا وقفت ضد استقلال البوسنة والهرسك ذات الهوية الإسلامية، وحين أرادوها دولة أرادوها علمانية، وهي اليوم ضد استقلال كوسوفا؛ لأنها باستقلالها تشكل مع ألبانيا دولة (ألبانيا الكبرى) . وبالمناسبة فإن عدد الشعب الألباني خارج أرضه أكبر من عدده في الداخل، وهناك أقاليم ألبانية أخرى تطمح إلى الاستقلال مثل السنجق ومقدونيا والدول المحيطة بها، وهي حين تتجمع لا بد أن تقيم دولة إسلامية ممتدة تاريخياً وحضارياً إلى حيث تخاف أوروبا؛ لأنها ذهلت من ظهور جيل ألباني متمسك بالإسلام رغم النحت الأيديولوجي الذي قام به أنور خوجة. ٨ - وكيف ترى مستقبل البوسنة والهرسك؟ وإلامَ يتطلع المسلمون هناك؟ نظام دايتون المطبق الآن نظام غريب وجديد على العالم؛ لأن الحكم يتم بصورة غير معهودة من قبل؛ إذ تتعاقب الطوائف الثلاث على الحكم: فترة الرئيس عزت بيجوفيتش الأولى، ثم إلى صربي، وبعده ينتقل الحكم إلى رئيس كرواتي وهكذا ... ولهذا يصعب الحكم إلا بعد فترة من استمرار هذا النظام؛ فهل سيستمر أم لا؟ هذا مما يصعب التنبؤ به الآن، خاصة إذا تغير الوضع الأوروبي. أما تطلعات المسلمين هناك فهي إقامة مجتمع مسلم وليس دولة مسلمة. التيارات الإسلامية هناك في تنامٍ وهي رغم إيجابيتها قد ورثت نوعاً من التحزب من تيارات الجهاد التي جاءت من أفغانستان، ومع هذا فعامة الناس يحبون الإسلام، والسلوك العام زاد اقتراباً من الإسلام. في زيارتي الأخيرة كنت أصلي الفجر في مسجد (الشهداء) بموستار فأشعر بسعادة غامرة لامتلاء المسجد عن آخره بالمصلين الذين أكثرهم من الشباب. الجمعيات الخيرية لها دور مشكور في مجال التعليم والتوعية والتأهيل المهني، ومما أثر في نفسي كثيراً ما حكته لي إحدى موظفات جامعة موستار عن المذابح والجرائم الصربية فلما رأت تأثري قالت لي: نحن لسنا نادمين على ما جرى؛ لأن هذه الفترة بكل مرارتها أعادتنا إلى شيء جميل جداً اسمه (الإسلام) . ٩ - عفواً سأعود للوراء بسؤال عن الفتوحات: في رأيك ما سر بلوغ العثمانيين كل هذا النجاح في فتوحاتهم التي نجحت في غرس الإسلام ورسوخه في بلاد مثل البوسنة؛ ورغم رحيل العثمانيين عنها منذ وقت بعيد وتعرُّض المسلمين هناك للتصفية إلا أنهم ما زالوا على إسلامهم؟ هناك عدة أسباب منها: أن الدولة كلها كانت تتبنى المذهب السني بالإضافة إلى الإبداع العسكري المتمثل في إنشاء جيش نظامي متمثل في الانكشارية الذين تربَّوْا على الزهد وحب الجنة والجهاد في سبيل الله، وبذلك ارتفعت الروح لدى الجنود مما كان يرهب الجيوش المعادية. وهناك سبب يمثل بذاته عنصر إبداع قوي، وهو أن الدولة كانت تخطط لفتح المدن قبل فتحها بسنوات طويلة وتتخذ لذلك ترتيبات من أهمها: أنها كانت ترسل دعاة مسلمين فرادى وبعض عائلات مسلمة تستوطن تلك المدن وتقيم الإسلام في ذاتها، وتعامل الناس على أكمل وجه، فكان الناس ينبهرون بالإسلام مما يعزز من قبول الناس للفتح، ومن أعظم ما رسَّخ للحكم الإسلامي إقامةُ الدولة للعدل وترك الناس أحراراً، وإيجاد حل للمشاكل المستجدة من خلال ما يعرف بـ (قانون نامة) ، وهذا كان يدفع الناس إلى ترك حكم الكنائس والتحاكم إلى المحاكم الإسلامية. وهناك وثيقة مجرية تشيد بحكم الإسلام. والغريب حقاً أن كثيراً من سكان المجر والدول المحيطة ما زالوا يحبون العثمانيين ويعتزون بمآثرهم الحضارية التي ما زالت شاهدة على روح الإسلام التي استقرت في حس تلك الشعوب. ١٠ - نعود إلى البلقان وأزمته الراهنة: هل هناك بؤر أخرى مرشحة للانفجار سيأتي دورها؟ المسلمون عرفوا النتيجة مسبقاً، أوروبا تتركهم يقتلون ويقتلون ويقتلون، ولا تبدأ في حل المشكلة إلا بعد أن تضمن تدمير المسلمين أو تحقيق أدنى الحلول خطراً على وضعها وحساباتها. هناك أقليات في السنجق، والجبل الأسود، وفي بلغاريا، ولكن البلغار سمحوا أخيراً بإقامة حزب لهم، هذا الحزب جاء في المرتبة الثانية في الانتخابات رغم أن المسلمين هناك من الصعب أن يحلوا مشاكلهم من خلال الديمقراطية. هناك وجود إسلامي في تراقيا الغربية، وهو إقليم تركي لغة وعرقاً تخلت عنه تركيا لليونان، المسلمون هناك في حالة صعبة جداً، ويعاملون معاملة مواطنين من الدرجة الثالثة، الحكومة استولت على أوقافهم، وتمارس ضغطاً عليهم بشكل واضح، وإن كانوا قد استطاعوا أخيراً أن يوصلوا صوتهم للعالم. ١١ - هل لك أن تحدثنا عن جمهوريات آسيا الوسطى، وهل ماتت الشيوعية؟ وماذا كسب المسلمون، وماذا خسروا؟ وكيف ترى الوضع هناك؟ الشيوعية ولَّت؛ ولكن لصالح العلمانية، وإن كان المسلمون كسبوا هناك الاستقلال والحرية، إلا أنهم ما زالوا تابعين في حساباتهم السياسية لموسكو واستراتيجياً للولايات المتحدة. المنطقة هناك واعدة من حيث الطبيعة والسكان؛ بل من حيث الاقتصاد؛ حيث تسمى (خليج المستقبل) . هناك صراع أيديولوجي، وصراع اقتصادي وسياسي، هناك صراعات تركية أمريكية إسرائيلية خليجية إيرانية قوية. الكنائس لها أنشطة قوية، وإيران تلعب دوراً خطيراً، وإن كان المردود ضعيفاً من كليهما، والجامعات الأوروبية تقيم هناك مؤتمرات سنوية. إيران تقدم نموذجها الشيعي، ودول الخليج تقدم نموذجها السني، وتركيا تروِّج لتجربتها العلمانية بتأييد أمريكي. وإسرائيل تحقق مكاسب اقتصادية، ودبلوماسية قوية بمشاركة أمريكية - ... تركية. ونتيجة للنفوذ الأمريكي المبكر فقد سارعت الحكومة هناك بإعلان العلمانية على الطريقة التركية. ١٢ - ولماذا كانت (إسرائيل) أسبق إلى هناك؟ لإخفاق المسلمين والعرب من جهة؛ لأنهم لم يتبنوا استراتيجية ثابتة أو سياسات قوية لعدم شعورهم من قبلُ باحتياجهم إلى تلك المنطقة في المستقبل. ومن جهة ثانية: لأن (إسرائيل) نجحت في التسلل إلى هناك؛ لتكسر الحصار حولها وتقيم علاقات كاملة، هناك سفارات وتمثيل دبلوماسي، هناك تواجد للخبرة الإسرائيلية، هناك تبادل تجاري، و (إسرائيل) سارعت إلى إقامة خطوط طيران مباشرة إلى هناك بينما لا يوجد خطوط طيران بين تلك العواصم والعواصم العربية. وإلى هذا وذاك فإن هذه الدول تتقرب من (إسرائيل) ؛ لأنها أقرب طريق موصل إلى الولايات المتحدة. ١٣ - وماذا عن النفوذ الروسي؟ النفوذ الروسي يضعف يوماً بعد يوم في مقابلة ازدياد النزعات العرقية والوطنية على سبيل المثال: في أوزبكستان تتبنى الحكومة هناك سياسة استقلالية بتوطين اللغة الرسمية ضمن خطة تمتد حتى عام ٢٠١٦م؛ لإزالة جميع آثار الاحتلال الروسي. ١٤ - وماذا عن إقليم (أبخازيا) ؟ (أبخازيا) هو النطق الأوروبي أما النطق العربي الصحيح هو: (أباظة) هذا الإقليم المسلم يعاني من تسلط جورجيا النصرانية، ولهذا يجاهد أهله من أجل الاستقلال، ولكن الوضع مؤرجح نتيجة لضعف الحكومة الجورجية من جهة، ولضعف إمكانات المسلمين وقياداتهم من جهة أخرى. ١٥ - اقترنت المقاومة الإسلامية للشيوعيين بمناطق وشخصيات كان أبرزها الشيشان، وقائدها التاريخي الإمام (شامل) ، وقائدها المتأخر (دوداييف) فإلى أي حد يُظلل الإسلام التجربة الشيشانية اليوم؟ الشيشان هي الدولة الوحيدة القوقازية ذات الاستقلال الداخلي في روسيا الاتحادية وتتوق لأن تكون إسلامية ١٠٠% شعباً وحكومة، وعندما جاء دوداييف إلى السلطة استدعى بعض الإسلاميين العرب وقال لهم: أنا لا أفهم الإسلام بالقدر الكافي؛ لكني أعدكم إذا ما شرحتم لي ما هو الإسلام جيداً أن أطبقه. وكان هذا إيذاناً بإنشاء معهد الإمام الشافعي لتخريج الدعاة وتأثيره في واقع الحياة هناك، والمفتي العام لدولة الشيشان جعل مسخادوف عند توليه الرئاسة يقْسم على القرآن بإسلامية دولة الشيشان. وها هم الداغستانيون قد تحركوا أيضاً للسبب نفسه رغم تعدد لغات داغستان وأعراقها. ولن يكون عجباً إذا قام شعب أنجوشيا المجاور للشيشان ولداغستان بنفس العمل: إعلاء الإسلام. في الحقيقة التجربة الشيشانية تجربة فريدة؛ فبعد فراغ السلطة بمقتل دوداييف اختلف الناس حول مسخادوف حتى كادت أن تقع فتنة، وهنا بادر شيخ الإسلام في الشيشان لحل تلك الأزمة، فاشترط على الشعب - قبل الانتخاب - تأييد الرئيس الذي تختاره الأغلبية على إقامة الإسلام في البلاد، وأقسم الشعب على الولاء له شرط أن يطبق الإسلام، ولكن مسخادوف باعتباره رئيساً للبلاد لا يُعتبر في أعلى منصب؛ لأنه عضو في المجلس الرئاسي، هذا المجلس يرأسه شيخ الإسلام - هذا الرجل عنده أمل في أن يُكتب تاريخ الشيشان بأقلام إسلامية، وأن يُعَد مشروع تعليمي متكامل باللغة العربية لتعميمه في المدارس الشيشانية. ١٦- لعلك سبقتنا إلى الكلام عن دور الحركات الإصلاحية والدعاة هناك: كيف ترى دورهم؟ المؤسسات الإسلامية محجمة عن التعامل مع دول آسيا الوسطى. نعم! هناك تعامل ولكنه محدود إذا ما قورن بالمؤسسات الأوروبية والأمريكية والإسرائيلية. المؤسسات الإسرائيلية هناك واضحة الهوية، وهناك شريك تركي أمريكي محلي. ولا ننكر الدور المشكور الذي تقوم به بعض المؤسسات الخيرية؛ ولكن ينبغي أن تتميز الأنشطة ذات التأثير القوي والمردود الفعال وتتلافى سلبيات التجارب الماضية. مجال الاستثمار هناك واعد ويحتاج لرؤوس أموال إسلامية ترسخ للتواصل والانتماء، وعلى المؤسسات الدعوية هناك أن تعي المدخل السيكولوجي لهذه الشعوب وتصدير احتياجاتها الفعلية؛ فبعض المؤسسات وزعت ما يزيد على ربع مليون نسخة عربية من أحد كتب العقيدة مع أن هذا الرقم لو وُزع نصفه في تبسيط المفاهيم الإسلامية باللغات المحلية لرأينا لذلك تأثيراً قوياً. هناك عقبة قوية تعترض طريق الدعوة هي استعداء بعض الدعاة للحكومات وللصوفية هناك قبل أن تمهِّد لنفسها الطريق. وفي رأيي إذا نجح الدعاة في تقديم الإسلام بصورة ميسرة وقوية فلا أستبعد أن تنطلق الصحوة من هناك.

стр. 3220

نص شعري قالوا: السلام سليمان محمدي قفْ في الحياة مجاهداً متصبراً ... أو عشْ ذليلاً تحت أطباق الثرى لمَّا نظرت لقومنا وسباتهم ... عَصَر الأسى روحي وشِبْتُ لما أرى وسألت في التاريخ عن أجيالنا ... لِمَ ضيعوا أرضاً وباعوا العسكرا؟ ورنوتُ للأقصى يُضمخه الأسى ... يشكو بنيه من الرجوع القهقرى وسمعته بل هاجس في خاطري ... قطع الخواطر كي يزيل الأخطرا وأعاد لي الأملَ الضحوكَ فوارسٌ ... (يا سين أحمد) شمسهم أَسَدُ الشرى (ياسين) يا رجل المبادئ والنُّهى ... حيثُ المبادئُ قد تُباع وتُشترى لك في فؤاد المسلمين مكانة ... شمَّاء تُذكي في النفوس تحرراً أكبرتُ نُبلك حين قالوا: تغتدي ... حراً طليقاً ما تشا متبخترا لكن لنا شرط. أجبت مقاطعاً: ... سأظل في سجني ولن أتغيرا لا خير في عيش أظل منعماً ... ويبيت شعبي بائساً متحيرا لا، لن أخون قضيَّتي في مطمع ... أنا لن أكون بأمتي مستهترا أبغي العُلا أبغي الفخار لأمتي ... أعظ الأنام معلماً ومحذرا لما انتصرتَ على العدوِّ وكيده ... هتف الزمانُ مهللاً ومكبرا خلِّ السلام وخلِّ كل مخرف ... عشق الهوان فحيثما يُجرى جرى نفخوك يا طبلاً بحكمٍ تافه ... فغدوتَ مشدوهاً ورحْت مصفِّرا هذا - لعمركم - الصَّغَار بعينه ... حتى الحياء بمقلتيه تحجرا والمرء يعلو بالهدى، فإذا هوى ... عاش الحياة مطبلاً ومزمرا قالوا: السلام وجندُوا طاقاتهم ... فغدا السلامُ بأهله متعثرا قلبوا المبادئ طامسين ضياءها ... كم دنستْ عرضاً وجرَّتْ منكرا قلبوا الحقائق تاركين عقولهم ... حاشا الحقيقة أن تغيب وتُقْبرا قل في المناضل: مرعبٌ متوحشٌ ... سمِّ الجبانَ - إذا تشاءُ - غضنفرا وكذاك (ناتنياه) قل: هو عادل ... يسعى لخير شعوبنا ما قصرا قل في اللئيم: مفاوض متحضر ... طفل الحجارة سَمِّهِ المتهوِّرا كم في المحافل من قتيل لسانِه ... كان السكوت دواءَه لو فكرا لكنْ ستعلن فعلَكم أجيالُكم ... يا ويحَ من باع المبادئ واشترى الله أكبر في المصاب دواؤنا ... في يوم عشناها تملكْنا الورى الله أكبر صيحة علوية ... دانت لها فُرْسٌ وهدَّتْ قيصرا الله أكبر في العدو تدكه ... وتزلزل الباغي وما قد عمَّرا الله أكبر يا جبالُ فرددي ... هذا النشيدَ وأسمعيه الأعصرُا الله أكبر بالجهاد حياتنا ... ودمُ الشهادة خيرُ ريح عنْبرا والروحُ إنْ حنَّتْ لمقدم ربها ... تجد الشهادة مغنماً بل أكبرا

стр. 3221

نص شعري كوسوفا الحزينة عبد الله موسى بن بيلا أكوسوفَ هل من قبلُ أسعدك الدهرُ؟ وهل كنتِ بستاناً يسيل به النهرُ؟ وهل كنت مثل الطفل يفترُّ ضاحكاً ليبسم في أحشائه الخير والبِشرُ؟ وهل كنتِ قبل اليومِ للشرِّ مرتعاً؟ وهل عاش فيك الضَيْمُ والجَوْر والغدرُ؟ فما كنت إلا روضةً مطمئنةً فزمجر في آفاقها الصربُ والفقرُ فماذا جنى الإسلام حتى تواطؤوا عليه، فما يُخشى وليس له أمرُ كأني أرى الإسلام يندب حظَّه ويذكر تاريخاً يزيِّنُهُ النصرُ ويَلطِمُ وجهاً طالما عزَّ شأنه وطار له صيتٌ وعانقه الفخرُ فقلت له: كفكف دموعك ... إنَّما صخور البوادي لا يُحرِّكها النقرُ فلو كان للإسلام عزٌّ ومنعةٌ لما هان يوماً أو تمالكه الذُعرُ فقد كان طوداً شامخاً لا تهزُّه رياح الأعادي أو تخوِّفه السُّمرُ وما هان دينُ الله بل هان أهله وذلُّوا ... فما يغني المَقامُ ولا الذِكرُ فقد عاث فينا الصرب سراً وجهرةً ومُكِّن منَّا الظُلم والبطشُ والأسرُ أكوسوفَ مهما طال ليلٌ سينجلي ليَنفُر عَنك العسرُ يطرُدُه اليُسرُ فويلاه يا ويلاه مِن حالِ أمةٍ تَشبَّث فيها الخوفُ والذلُ والعَفْرُ فكيف لنا صبرٌ وفي القلبِ حُرقةٌ يهون على كتمانها الموت والقبرُ فمن للثكالى فاضَ دمعُ عيونها ومن لوليدٍ فاض من عينه الجمرُ فكيف لهم أن يهتكوا عرضَ غادةٍ وحوريةٍ حسناء يحسدها البدرُ مآسٍ يَعِزُّ الصبر عند وقوعها ويعجز عن وصفٍ لها القولُ والشعرُ إلى الله نشكو ما ألمَّ بحالنا ونسأله فتحاً فقد نَفِدَ الصبرُ وما كنت أرجو أن تحين منيَّتي وأرضُ بني الإسلام يغصبها الكفرُ ولكن إذا شاء القدير مشيئةً فليس لها ردٌّ وليس له قهرُ سلامٌ على الشهداء في كلِّ مشهَد يردده التاريخ ينشده الدهرُ سأنظمه كالطيبِ يغسل روحكم عليكم سلامُ الله ما انهمر القطْرُ

стр. 3222

الإسلام لعصرنا الانفراط العظيم الأسباب والآثار أ. د. جعفر شيخ إدريس ما زلنا نستعرض بعض ما جاء في كتاب الانفراط العظيم لعالم السياسة الأمريكي الشهير فوكوياما. الأسباب: يبدأ الكاتب في شرحه للأسباب التي أدت إلى ذلك التمزق في المجتمعات الغربية بمقدمة منهجية معقولة هي أنه ما دامت مظاهر هذا التمزق عامة في كل الدول الغربية الصناعية، وما دامت قد حدثت مجتمعة، وفي فترة زمنية محددة، فإن هذا يدعونا لأن نبحث لها عن أسباب في أمر أو أمور مشتركة بين هذه الأقطار، لا في الأسباب الخاصة ببعضها دون بعض. ويرى تبعاً لذلك أن السبب الأساس لها كان تحولاً ثقافياً، تحولاً قيمياً تمثل في اشتداد النزعة الفردية، وأن أعظم ما أثرت فيه هذه النزعة الفردية هو العلاقات بين الجنسين، والأسرة على وجه الخصوص. وأن مظاهر ذلك الانفراط أو التمزق نشأت كلها تقريباً عن التفكك الذي أصاب الأسرة. لكنه يعود فيقول: إن القول بأن عزو سبب الانفراط إلى تغير في الثقافة -في القيم- مصادرة على المطلوب؛ إذ إن السؤال ما يزال باقياً: لماذا حدث هذا التغير في القيم في كل هذه البلاد المتقدمة صناعياً، وفي فترة معينة من الزمان؟ ويعترف بأن التحولات القيمية لها أسباب كثيرة؛ لكنه يرى أن أهم أسبابها في هذه الفترة التي يدرسها أمران جاء بهما التطور العلمي، هما: حبوب منع الحمل، والإجهاض الآمن. يقول: إن حبوب منع الحمل وتوفُّر الإجهاض أَذِنا للنساء - لأول مرة في التاريخ - بأن يتعاطين الجنس بلا خوف من العواقب، وأن هذا جعل الذكور يشعرون بالتحرر من القيم التي كانت تفرض عليهم مسؤولية العناية بالنساء اللاتي حملن منهم. ويقول: إن الذي كان يمنع النساء من استبدال زوج يناسبهن مكان الزوج الذي يعشن معه، ويكتشفن أنه لا يناسبهن هو أنهن لم يكُنَّ قادرات على الإنفاق على أنفسهن بسبب أنهن لم يكن يعملن، فلما عمل النساء وصارت دخولهن تزداد باطراد وجدن أنه بإمكانهن أن يربين أطفالهن من غير عون من الأزواج، لكن إنجاب الأطفال يقلل من فرص المرأة في العمل؛ فلكي تنجب المرأة فإما أن لا تعمل إطلاقاً، وإما أن تتوقف عن العمل لفترات، فإذا كانت حريصة على العمل فإنها ستلجأ إلى الحد من الإنجاب، ثم إن قلة الأطفال تزيد بدورها من احتمالات الطلاق؛ لأن الأطفال هم (الرأسمال المشترك) بين الزوجين. ويقول: إن هناك دلائل تجريبية كثيرة تؤكد الصلة بين الدخول العالية للنساء وبين الطلاق والإنجاب خارج نطاق الزوجية، ثم إن ازدياد معدلات الطلاق يؤدي بدوره إلى عدم ثقة النساء باستمرار الحياة الزوجية، ويدفعهن إلى تأهيل أنفسهن للعمل، كي يضمَنَّ مستقبلهن. ثم إن التحول من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات زاد من فرص النساء في العمل؛ وذلك لأن الأعمال ذوات الرواتب العالية لم تعد تلك التي تحتاج إلى جهد جسدي لا يقوى عليه إلا الرجال، بل تلك التي تحتاج إلى جهد عقلي، كالعمل في مجال الحاسوبات، وهو أمر ينافس فيه النساءُ الرجالَ. الآثار: يذكرنا الكاتب بما قال في بداية كتابه من أن الجريمة وانهيار الأسرة وتناقص الثقة هي معايير سلبية لما سمي بالرأسمال الاجتماعي (معايير سلبية بمعنى أن زيادتها تدل على نقص في رأس المال هذا) ، وكيف أثر ذلك التغيير في القيم على رأس المال الاجتماعي هذا؟ وكيف أثر في مقدرة الناس على الاجتماع لتحقيق غايات تعاونية؟ وكيف أثر على مستوى الثقة بينهم؟ يذكر الكاتب آثاراً نوجزها فيما يلي: ١ - إن نصف السكان في أوروبا واليابان ستكون أعمارهم أكثر من خمسين عاماً في غضون العقدين القادمين، وسيؤدي هذا - بالإضافة إلى ما يصحبه من نقص في عدد السكان - إلى نقص في الدخل القومي، ثم يؤدي هذا كله إلى ضعف هذه الأقطار وقلة تأثيرها على المسرح العالمي. ٢ - وأن الدول الاسكندنافية التي هي الأعلى في نسبة التفكك الأسري، هي الأعلى أيضاً في نسبة التوحد؛ إذ إن خمسين بالمائة من البيوت صارت تتكون من شخص واحد، بل إنه في مدينة أوسلو (عاصمة السويد) بلغت النسبة خمساً وسبعين بالمئة! ٣ - أثبتت كثير من الدراسات في الولايات المتحدة أن تأثير الأسرة والأقران على أداء الطلاب أعظم مراراً من كل العوامل التي هي بيد السياسة التعليمية العامة كرواتب المدرسين، وأحجام الفصول الدراسية، والصرف على التسهيلات الطلابية؛ لكنه يرى أن النساء لسن هن المسؤولات عن هذا، وأن الحل لا يكون بعدم خروجهن إلى مكان العمل. لكنه يرى في الوقت نفسه أن قائدات الحركة النسوية قد بالغن في إطراء عمل المرأة، وغفلن عن تأثيره على الأطفال، وهو تأثير لازم وواقع، وسيستمر كذلك حتى يتطور العلم فيريحهن من عبء الحمل والإنجاب! ! ٤- إن ضرر الجريمة لا يقتصر على من يقع ضحية لها، بل يتعداه إلى المجتمع كله، وذلك أن انتشار الجريمة يقلل من ثقة الناس بعضهم ببعض، ويعوق أو يحول دون تعاونهم؛ بل إن الجريمة لتؤدي إلى جعل المجتمع مجتمعاً ذرياً يحصر كل إنسان فيه اهتمامه في نفسه وفي أقرب الناس إليه. من ذلك - مثلاً - أن الجيران كانوا يتعاونون جميعاً على تربية أولادهم، وأما الآن - وبعد أن كثر الاعتداء على الأطفال - فإذا رأى والد شخصاً يؤنب ولده فالاحتمال الأقرب أن يتصل بالشرطة. ما المخرَج؟ هل كان الانفراط هذا ضربة لازب؟ هل كان أمراً حتَّمه التطور التقني، أم أنه كان بملك الناس أن يتفادوه؟ يرى الكاتب أن الوسائل الاختيارية المتاحة للناس للتأثير في سير أحداثهم الاجتماعية تتمثل في أمرين، هما: السياسات العامة (يعني ذلك التي ترسمها وتنفذها الجهات المسؤولة) ، والثقافة الشائعة بين المواطنين وما تتضمنه من قيم، ويقول: إن كوريا واليابان وبعض الدول الكاثوليكية استطاعت أن تقلل من تأثير التطور التقني بسبب اختلاف ثقافاتها عن الثقافة الشائعة في المجتمعات الغربية؛ لكنه يرى أن محاولاتهم هذه إن أخرت حصول تلك النتائج التي حصلت في البلاد الغربية، فلن تستطيع الحيلولة دون وقوعها، ثم يتساءل: هل معنى ذلك أن المجتمعات الليبرالية المعاصرة صائرة لا محالة إلى مستويات أدنى فأدنى من الانحطاط الخلقي والفوضى الاجتماعية حتى تنفجر من الداخل؟ يرى أن الأمر ليس ميئوساً منه إلى هذه الدرجة وأن هنالك حلاً. فما هو؟ نجيب عن هذا في مقالنا القادم - إن شاء الله -.

стр. 3223

وقفات أُخَيَّتِي.. كفى عجزاً أحمد بن عبد الرحمن الصويان المرأة المسلمة قلعة من قلاع الإسلام، وحصن من حصونه المنيعة، لها دور عظيم في صيانة الأمة وتربيتها وحمايتها من كل ألوان الفساد والرذيلة. استقامتها على الحق صيانة للمجتمع كله، وصلاحها وعفتها رعاية للأمة من الانحدار والتردي في دروب الهوى. لذا حرص أعداء الله - تعالى - من المستغربين والعلمانيين على انتهاك هذا الحمى الكريم، واستباحة هذه البيضة العفيفة، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم لانتزاع البقية الباقية من ديانة المرأة وتقواها، وسعوا إلى اختراق إعلامي واسع النطاق يقوم على تزيين الفواحش، ونشر ثقافة الرذيلة، والمتاجرة بالأعراض، ويهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية والفكرية للأمة المسلمة. وذلك كله ليس بغريب على الإطلاق؛ فذلك ديدنهم وهجِّيراهم [١] ، ولكن: ألا يحق لنا أن نتساءل بكل صدق: أين دعاتنا من هذا الحِمَى الكريم؟ ! وأخص بالذكر هاهنا نساءنا الصالحات؛ فهن أوْلى بذلك من غيرهن. إنَّ علينا أن نعترف بأن واقعنا الاجتماعي والدعوي أدى إلى إهمال جلي واضح للدعوة في أوساط النساء، فغلب على صالحاتنا - فضلاً عن عامة نسائنا- العجز والقعود، وأصبحن يتعذرن بمعاذير واهية يُسوِّغن بها قصورهن وتفريطهن. نعم.. أُدرك أن العوائق الدعوية التي تواجه المرأة أضخم من تلك التي تواجه أخاها الرجل، ولكن أيصح أن يكون ذلك حابساً للمرأة عن الإقدام والنهوض؟ ! أيصح أن تغفل المرأة الداعية وتصاب بالوهن والفتور..؟ ! دعينا نتأمل خبر أبي هريرة حينما يحدثنا: (أن امرأة سوداء كانت تقمُّ (وفي رواية: تلتقط الخرق والعيدان) من المسجد، ففقدها النبي ﷺ فسأل عنها بعد أيام، فقيل له: إنها ماتت. فقال: هلاَّ كنتم آذنتموني؟ قالوا: ماتت من الليل ودفنت، وكرهنا أن نوقظك - قال: فكأنهم صغروا أمرها - فقال: دلّوني على قبرها، فدلوه، فأتى قبرها فصلى عليها) [٢] . سبحان الله.. امرأة ربما كان بعض الناس يزدريها وينظر إليها نظرة لا مبالاة .. ولكنها عند رسول الله ﷺ عزيزة كريمة يسأل عنها ويصلي عليها. قامت هذه المرأة بعمل - قد نظنه يسيراً - ولكنه عند الله - تعالى - عمل عظيم يستحق تقدير النبي ﷺ واهتمامه. إنها الفاعلية التي دفعت هذه المرأة لخدمة المسلمين والسعي في حاجتهم.. صورة عظيمة تتجلى فيها صورة المرأة المستضعَفة عند الناس، لكن قلبها عامر بالطاعة، حفَّزها على البذل والعطاء دون أن تهن أو تضعف. إنها الفاعلية التي اطمأنت بها ذوات القلوب المرهفة الحية، فقدَّمْنَ ما يَقْوَيْنَ عليه ابتغاء وجه الله - تعالى - دون أن يشعرن بالاتكالية والاعتماد على الآخرين. وكم يحز في النفس أن يرى المرء ذلك التمرد الأخلاقي الذي يعصف بنا من كل صوب، ثم يجد من بعض صالحاتنا عزوفاً أو انشغالاً عن تلك المسؤولية العظيمة؟ ! فيا - سبحان الله - لمن تتركن الميدان؟ ! ومن تنتظرن أن يقوم بهذا الدور..؟ ! ألا يكتوي قلبك حين ترين تلك الوحوش الكاسرة التي كشرت عن أنيابها الفضائية ومخالبها الصحفية، وراحت تعبث في أخواتك، وتنتهك عفتهن وكرامتهن؟ ! ألا يتفطر فؤادك وأنت ترين التفسخ والانحلال يستشري في نسائنا، وينتشر في بيوتنا انتشار النار في الهشيم؟ ! أيطيب لك طعام أو شراب وأنت ترين الفتاة تلو الفتاة وقد رمت بحجابها وراحت تركض هنا وهناك ملبية نداء تلك الأبواق الخاسئة التي ملئت بكل ألوان الدهاء والفتنة ... ؟ ! يا الله ... ! ! كيف تقوى نفسك على القعود وأنت تملكين - بفضل الله - القدرة على تحصين أخواتك من حبائل المفسدين ومكائد العابثين ... ؟ ! أيرقأ لك دمع؟ أم هل يسكن لك قلب؟ آلله - تعالى - يرضى لك بذلك..؟ ! أخيتي في الله: إما أن تتقدمي أنت.. وإلا فإن أولئك القوم لنا بالمرصاد، وبقدر تقصيرك يكون إقدامهم، ومن أيقنتْ بعظيم مسؤولياتها هانت عليها كل العقبات التي تواجهها .. ومن صدق الله صدقه. ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رَعْيَها الأسَدُ

стр. 3224

قضية للمناقشة من سُنَّة الله في الخلق اختلاف الناس في معارفهم وأفهامهم، وليس بالضرورة أن يكون هذا الاختلاف محصوراً في دائرة الصواب والخطأ فقط؛ بل قد يكون اختلافاً في التنوع تظهر فيه درجات من الاجتهاد والنظر اقتضاها اختلاف زاوية النظر والتأمل، أو الاطلاع على دائرة أوسع من العلوم، أو الانفتاح على أفق أرحب من الفهم والفقه، أو اقتضاها اختلاف النظر إلى المآل والعاقبة المتوقعيْن للأمر نفسه. ومن سنة الله تجدد الحوادث والوقائع في الحياة، ولذا: كان الاجتهاد المنضبط بالأصول الشرعية أحد مميزات الشريعة الإسلامية السمحة، ولذلك أيضاً: ظهر الخلاف في النوازل والمستجدات بين أئمة المسلمين بدءًا من عصر الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - حتى عصرنا الراهن، وهو خلاف قد يُنظر إليه على أنه ثراء في الرأي وتنوع في الوقائع، بل قد ينظر إليه بعض أهل العلم على أنه فسحة في العمل ورحمة للخلق! على أرضية هذه المفاهيم كلها تفتح مجلة البيان باب المناقشة لنازلة جديدة على المسلمين، ألا وهي مسألة مشاهدة المواد التلفزيونية، سواءًا أكانت عن طريق البث المباشر أو المشفر أو عن طريق الفيديو أو الإنترنيت أو غيرها من التقنيات، والبيان تطرح على صفحات هذا العدد مشاركتين قد تبدوان لدى بعض القراء أنهما تحملان وجهتي نظر مختلفتين، وقد يبدو لقرَّاء آخرين أن كلاَّ منهما يعالج القضية من زاوية نظر مختلفة وليست متعارضة، وقد يبدو لآخرين أن كلاًّ منهما موجَّه إلى واقعيْن متغايريْن ووسطيْن مختلفيْن. وأيًّا كانت نظرة القارئ إلى المقالين فإن تطرحهما وتفتح باب المناقشة حول الموضوع والاجتهادات فيه. ولكن عندما نتحدث عن (اجتهادات) فلا يفوتنا أن نتذكر أن الاجتهاد مهما علا قدر صاحبه فليس له أن يصادم نصاً محكماً، أو هدْياً ثابتاً، فبوسع المجتهدين علمياً أو فكرياً في قضيةٍ ما أن يعددوا التحليلات والاستنباطات والاستنتاجات؛ ولكن ليس من حق أحد أن يُخضِع مُحكَمات الشريعة للنظر بالرأي؛ فما كان ديناً وشريعة منذ أن نزل الوحي هو دين وشريعة إلى أن تقوم الساعة، نقول نعم لاقتحام مشاكل العصر، ولكن بشرط ألا نتقحم المحرمات أو نتخطى الحدود إلى الشبهات. التلفاز أو الفيديو أو الإنترنت أو غير ذلك تعرض أشياء على الأسماع والأبصار والقلوب، وهذه الأشياء التي تُعرض متفاوتة في نفعها وضرها، في جدها أو هزلها، في عمقها أو سطحيتها؛ ولكن الذي لا ينبغي أن تتفاوت فيه الأفهام ولا الاجتهادات هو أن تلك الأسماع والأبصار والقلوب هي محل إظهار العبودية لله في أمره ونهيه: [إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا] [الإسراء: ٣٦] . ونحن مع أي حل لمعضلة من معضلات العصر بشرط أن لا يحل حراماً، أو يفتح على المسلمين المزيد من أبواب الفتنة؛ فماذا يفيد المسلم إذا أصلح دنياه وخسر آخرته؟ وماذا تستفيد الدعوة إن أصلحت شريحة من العامة في مقابل خسارة الخاصة من المصلحين الذين إذا أُفسدوا أوشك الله أن يعم الجميع بعقاب؟ ! لا شك أن القضية معقدة ومتشابكة، ولها تداخلاتها وتفاعلاتها؛ ولهذا كانت تلك المبادرة من (البيان) إلى فتح باب النقاش لتفكيك تعقيداتها، وإلقاء الضوء على أبعادها المختلفة. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3225

دراسات إعلامية ماذا تعرف عن: العجل الفضي [*] محمد بن أحمد إسماعيل أعدها للنشر:إسلام دعدوشة إن أمتنا - إلا من عصم الله - تعيش اليوم مع التلفاز وتوابعه في محنةٍ لم تُكْره عليها؛ بل رغبت فيها، واستشرفت لها، وفتحت ذراعيها وتشبثت بأذيالها؛ لأن بعض المسلمين في حالة رغبة فيما يفسد دينهم ويخرب دنياهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. فما أشبه حال المنجذبين نحو التلفاز، والقابعين باستمرار لمتابعة الأطباق الفضائية، ما أشبه حال هؤلاء بحال الفَراش الذي يتساقط في النار لجهله واعتقاده النفع في النار المهلكة. لكن: هل الناس اليوم في غفلة عما يعرض في التلفاز؟ وهل يجهلون ما يبث لهم ليلاً ونهاراً عبر البث المباشر؟ ألم يشاهدوا الآثار التي طفحت على المجتمعات، وانعكست على شبابنا وفتياتنا؟ ! كلا؛ إنهم على علم، وربما سمعوا القصص المخجلة، وذاقوا الآثار المدمرة لأجهزة التلفاز؛ لكنهم مبهورون، أسكرتهم الرغبة، وأعمتهم الشهوة؛ فلم يحركوا ساكناً! ولسوف نعرض لآثار هذا الكابوس من خلال العناوين الآتية: الناس على دين التلفزيون: استولى التلفزيون على زمام التربية والتوجيه حسبما خطط لها وما يبث فيها، وهجم الفيديو ليهدد الثروات، ويقتل الساعات، ويعرض المحرمات، وأطلت فتنة البث المباشر لتضييع أوقاتنا، وتعبيدنا لغير ربنا [١] ، واستذلالنا لننضم إلى القطيع الهائم الذي تردى في هاوية الرذيلة، وغرق في مستنقع الشهوات. لقد صدرت عشرات الدراسات العلمية الجادة التي تكشف مخاطر التلفاز وآثار البث المباشر الخطيرة، وحذرت من مسخ هويتنا التي يميعها الغزو الفكري والثقافي من خلال برامج التلفاز، واللغة المحلية التي يفسدها التلفاز، والذوق الاجتماعي الذي يشوهه، والروح الاستهلاكية التي يشجعها وقليلة هي الدراسات التي تتناول مشكلة التلفاز من منظور شرعي، على أساس الحلال والحرام، والولاء والبراء، والصلاح والفساد. اعرفْ هذا العدو من نعوته وأسمائه: نحن لا نعجب أن فُتن بنو إسرائيل (بالعجل الذهبي) وأُشربوا في قلوبهم حبه كما قال تعالى: [وأشربوا قلوبهم العجل بكفرهم] [البقرة: ٩٣] . لكن نعجب من مسلمين موحدين حنفاء أشربت قلوبهم حب (العجل الفضي) فقطعوا الساعات الطوال أمام الشاشة الفضية، عاكفين في محرابه في صمت ومتابعة مستمرة، فلا يبالون بالصلوات المضيَّعة، وقد شُغِلت عيونهم بمتابعة مشاهد الفسوق والعصيان، استدبروا قبلة الحنفاء واستقبلوا قبلة العجل الفضي. أحسب أنه ما دخل بيتاً إلا أذن بخرابه، وإذا اقتناه متدين بدأ العد التنازلي في التزامه، وإذا اقتناه فاسق مفرط بدأ العد التصاعدي في فسوقه وعصيانه، وبقدر التصاقه وعكوفه عليه بقدر ما يزيغ عن صراط الله المستقيم، ويذوب في صراط المغضوب عليهم والضالين. وصدقني أنك لو تأملت أحوال المنتكسين والمتنكبين الصراط المستقيم، فغالباً ما تجد أن التعلق بالعجل الفضي قاسم مشترك بين أولئك الناكصين على أعقابهم. إن التلفزيون وتوابعه قد يكون مدرسة الإجرام [٢] ، فمن خلال برامجه التي تخدم أهدافاً خبيثة محددة صار مدرسة تربي، وأستاذاً غير أمين يدفع بالأجيال إلى الجريمة والفساد، فيشيع الفاحشة، وينفث روح الجريمة ويقلب القيم رأساً على عقب، ويدرِّب الصغار على الجريمة والانحراف، وينشئ الأبناء على قبول الانحراف والتعايش معه، والانخراط في سلك أهله، فيمتصون هذه المفاهيم، ويستلهمون هذه القيم: يُعَلِّمُهم أن اللصوصية بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والعنف هو أقصر الطريق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرر، وبر الوالدين ذل، وطاعة الزوج رق واستعباد، والنشوز حق، والعفة كبت، والدياثة فن راقٍ رفيع! لقد اهتم أستاذ الإجرام بأساليب نشر الفساد، وكشف للشباب الساذج والفتيات البريئات عن طرق الاتصال بين أهل الأهواء، ولقنهن طرق التحايل على الأهل وخداعهم، وعرض لهم الفواحش بطريقة تحريضية مثيرة. وقد توصلت الدراسات التحليلية إلى (أن التلفاز بما يعرضه من أفلام ومناظر إجرامية أو انحلالية [٣] قد يؤدي إلى انحراف كثير من النشء عن طريق ما تخلفه من خيالات يعيشها. كما تبين من مجموعة ذكور منحرفين قد تناولتهم تلك الدراسة أن أحد الأفلام أثارت فيهم الرغبة في حمل السلاح، وعلمتهم كيفية ارتكاب السرقات وتضليل البوليس، وشجعتهم على المخاطرة بارتكاب الجرائم) . حتى الفتاة لم تسلم من وسوسته وتأثيره الذي أفسد فطرتها، وشوَّه هويتها، فشاع التحرر من القيود الأخلاقية، وظهر التمرد على الأسرة. وأما تأثيره على النشء باغتيال براءتهم ووداعتهم، وإفساد فطرتهم فحدِّث ولا حرج! كيف لا؟ وقد صار موجهاً في عصر يعيش فيه الأطفال يُتماً تربوياً هو المربي والقائد! فشاع الاستخفاف بكل القيم، والسخرية بالمثل الروحية، وأشبع الأطفال بالروح الإجرامية والميول العدوانية. ففي ولاية (ميامي) هاجم اثنان من الفتيان الصغار امرأة فضرباها على رأسها بمؤخرة المسدس، وما إن أغمي عليها حتى قاما بركلها بأرجلهما تماماً مثلما شاهدا في الأفلام البوليسية [٤] . وفي (واشنطن) قام أحد الصغار بسحب وقود سيارة جارهم وصبه عليه وهو نائم، ثم أشعل الثقاب ورماه على الجار الذي أخذ يركض والنار تلتهمه، وكان عمر هذا الصغير ست سنوات [٥] ! ! ملوّث البيئة الأخلاقية: إن أثر التلفزيون وتوابعه يكاد يكون من أخطر أنواع التلوث الأخلاقي، وأعمقها في نفوس البشر خصوصاً الشباب والأطفال. يقول (يوري ديو زيكوف) أخصائي الاجتماع: (إدمان مشاهدة التلفاز وباء سيكولوجي جديد يعم كوكبنا؛ إنه إذ يسلِّينا يلوث طبيعتنا السيكولوجية والحِسِّية) [٦] . مخرّب البيوت: إن التلفاز له دوره في تحطيم الاستقرار الأسري، والتفريق بين المرء وزوجه؛ فمن وسائله ووسائل توأمه الفيديو في تنغيص الحياة الزوجية ما يلي: ١ - يدفع الزوجات إلى المقارنة بين حياتها ومستواها المعيشي وبين ما تراه على الشاشة من الكذب والمَشَاهِد، فتنقم على حياتها، وتزدري نعمة الله عليها، وتجحد فضل زوجها عليها، وتنسى المسكينة أن ما تراه ما هو إلا (تمثيل) . ... ٢ - التزوير العاطفي من إبراز الزوجة (التلفزيونية) في غاية الرقة واللطف في معاملة زوجها التلفزيوني، وإبراز الأخير في صورة العاشق الموله بزوجته، فتنبعث مشاعر الحسرة والألم من قلب الزوج المشاهد، والزوجة المشاهدة، وينسى الاثنان أن هؤلاء لا يعرفون حياة (الأسرة) ولا قيمها، وإنما يتقنون فقط ... تمثيلها [٧] ! ٣ - افتتان المشاهدين والمشاهدات بما يرون من صور؛ حيث قال أحدهم لمجالسيه وهو يحدق في صورة المذيعة: (بالله عليكم أهذي امرأة، وأم فلان - يعني زوجته - امرأة؟) [٨] . ٤ - إشاعة الأفكار الهدامة المعادية للإسلام من خلال التمثيليات والأفلام التي يكتبها من لا خلاق لهم، فيسوغون الخيانة، وتبرير الفاحشة، ونفث سموم ما يسمى بالحرية الشخصية بمفهومها الإباحي، وتحريض المرأة على التمرد على أبيها وزوجها، والتنفير من أحكام الشريعة المطهرة في قضايا: الحجاب، والطلاق وتعدد الزوجات، ونحوها. هاتك الأستار: الإسلام دين الستر، ندبنا إلى ستر العورات الحسية والمعنوية على المستوى الفردي والجماعي، وحرم الإسلام إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، قال - تعالى-: [إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون] [النور: ١٩] وأحاط الخلوة بين الزوجين بالسرية والاحتشام والستر، فجاء (هاتك الأسرار) ليمزق الحجب، ويقتحم الأعين البريئة فيغتال براءتها، ويفسد فطرتها، فيتولى الإلحاح في عرض صور النساء في أبهى زينة وأكمل فتنة. وبينما يحرم الإسلام هتك أسرار الزوجية المغيَّبة، إذا بـ (هاتك الأستار) يحول الغيب شهادة، والخبر معاينة، قال ﵊: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها!) [٩] . إن من أسوأ آثار التلفاز وأضرار توابعه هو خدش الحياء، وتحطيم القيم، ونشر الرذيلة، وقتل الغيرة على حرمات الله التي هي مادة حياة القلب. ولا ريب أن توالي هذه المشاهد المسموعة وتكرارها يجعلها مع الوقت شيئاً عادياً، فيروِّض المشاهِد على غض الطرف عن الفضائل وقبول الخيانة الزوجية، إلى غير ذلك من الأحوال، ألا ترى أن السذج صاروا يقبلون أن يحتضن رجل بنتاً شابة؛ لأنه يمثل دور أبيها! فلم يعودوا يستنكرونه. وتعجب أن ترى الزوج المسلم يجلس مع زوجه وبناته وأبنائه في محراب العجل الفضي وهم يرون ما يعرضه من مشاهد إباحية، وتسكر أهله تلك المشاهد، ويلذ لزوجته وبناته وأبنائه هذه المناظر وهو قرير العين، قد استنوق، ثم هو يضحك ملء فيه، وينام ملء جفنه! وهكذا تتعود القلوب رؤية مناظر احتساء الخمور والتدخين، وإتيان الفواحش [١٠] ، والتبرج والاختلاط، وتألف النفوس هذه الأحوال ويكون ... (التطبيع) مع المعاصي والكبائر والدياثة؟ ! محرقة الحياء: إن من أخطر مفاسد التلفاز هو القضاء على ذلك الخلق الفطري الأصيل لدى العذراوات. فجاس الممثلون والفنانات والراقصات خلال تحصيناتنا الأخلاقية فدمروها تدميراً، وصاروا هم الأساتذة والموجهين و (الأبطال) وكان (إحراق الحياء) وتبخيره هو أول مقاصد القوم بأبنائنا وفتياتنا. قال العلاَّمة عبد الله بن حميد: (هل ينتظر من النساء قطرة من الحياء وهن كل ليلة ينسللن من كل حدب إلى حيث تمثل روايات الغرام المهيجة على شاشة التلفاز؛ حيث ترى المرأة بعينيها كيف يعمل العاشق مع معشوقته وما يقع بينهما من الآثام والكلمات الغرامية، وتبادل كلمات التلاقي والشوق المبرح، ترى المرأة هذا وتسمعه بأذنها، وترى ويرى الرجال الرقص الخليع والمخاصرة وغير ذلك، ولو أنها لا ترى هذا إلا مرة واحدة في حياتها لكفى في فسادها أبد الدهر، ولكنها تراه كل ليلة يتكرر على سمعها وبصرها وهي امرأة ضعيفة.. فما قولك في امرأة هذه حالتها؟ أيبقى شيء من الحياء والعفة؟ فالنفوس مولعة بالتقليد خصوصاً نفوس النساء) . وحينما يُدخِل الأب التلفاز إلى بيته، فإنه يكون قد أحضر لأبنائه وبناته مدرساً خصوصياً مقيماً في البيت، وهو بارع في تلقينهم فنون العشق والغرام، وأصول الفسق والفجور، فينشأ الفتيان على الاستهانة بالخلق، والفضيلة، والشرف، والعفة، وصيانة العرض، فيصور هذه القيم على أنها تافهة لا يتمسك بها إلا السذج والرجعيون [١١] فهل آن لهذا الكابوس أن يرحل عن بيوتنا؟ ألا فليتذكر أولو الألباب [١٢] ؛ فإنه من يُعْط ِمن نفسه أسباب الفتنة أولاً، لم ينجُ آخراً وإن كان جاهداً. آثاره على الصحة: للتلفاز وتوابعه آثار ضارة على الصحة الجسمية والنفسية للعاكفين أمامه. أما أضراره على الصحة البدنية فمنها: ١ - الأمراض التي تنشأ عن ركود الدورة الدموية بسبب تقييد حركة الجسم، وحرمانه من الرياضة والنشاط العضلي. ٢ - الترهل والسمنة التي هي بحق (أم الأمراض) والتي تنشأ نتيجة للطعام التلفزيوني المتميز بالالتهام السريع، والازدراد النهم لكميات كبيرة من المأكولات والمسليات. ٣ - التعود على السهر أمام الشاشة المرتعشة وما يترتب عليه من: أ - تضييع صلاة الفجر: إما بالتخلف عن الجماعة، أو بقضائها في غير وقتها، أو بأدائها في جماعة دون خشوع بسبب الإعياء والنعاس. ب - التقصير في الواجبات الوظيفية: بالحضور إلى العمل متأخراً وفوت المحاضرات الأولى على الطلاب، أو جلوسهم على الكراسي كالكراسي. ج - قلب نظام الفطرة: حيث ينام بالنهار، ويسهر ليلاً مما يترتب عليه تضييع وقت حيوي ثمين قال - تعالى -: [وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا] [النبأ: ١٠، ١١] كما يُحرَمون بركة وقت قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (بُورك لأمتي في بكورها) [١٣] . ٤ - أظهرت الفحوص الطبية للأطفال المتقدمين للمدارس المغرمين بالجلوس الطويل أمام التلفاز إصابتهم بانحناء الظهر وضعف البصر [١٤] . ٥ - الأخطار الناجمة عن التعرض للأشعة الصادرة عن الشاشة التلفزيونية، وفي دراسة تشير أصابع الاتهام إلى دور التلفاز الفعال في إحداث (السرطان) مرض العصر الذي حار فيه الأطباء [١٥] . وقد وجَّهت صحيفة الأهرام للأمهات الحوامل تحذيراً [١٦] من الجلوس أمام التلفزيون كي لا يصاب الجنين بإشعاعاته فقالت: (أكدت نتائج بحث علمي مصري أن تعرض الأم الحامل لمصادر الإشعاع الشديد الموجودة حولنا في كل مكان ينتج عنه تشوهات في الأجنة قد تتسبب في موت الجنين قبل أو بعد الولادة) [١٧] . وينصح الدكتور (محمد منصور) رئيس وحدة بحوث المناعة والطفيليات بالمركز القومي لتكنولوجيا الإشعاع - ينصح السيدات الحوامل وكذلك الأطفال ... (بعدم الجلوس لفترات طويلة أمام أجهزة التلفزيون الملون الموجودة حالياً في معظم البيوت المصرية؛ إذ به مصدر للإشعاع القاتل للجنين، كما أنه يؤدي إلى ضعف الإبصار عند الأطفال إضافة إلى تأثيره على عدسة زجاج النظارة الطبية ومن ثَمَّ درجة ملاءمتها لقوة العين) ا. هـ. وأضاف الدكتور (كروب) قبل موته: (إن شركات التلفزيون تكذب وتخدع الناس عندما تزعم أن هناك حداً أدنى للطاقة الإشعاعية لا تضر.. فالعلم بعد التجارب العديدة يقول: إن أية كمية من الإشعاع مضرة بالجسم على درجات متفاوتة وذلك حسب نسبة التعرض والجلوس أمام التلفزيون) . وأيّد كل من د. هاسل، ود. لامب أقوالَ د. كروب. وطالبت مجلة (الاقتصاد) التي نقلت هذه المعلومات في نهاية مقترحاتها أن على كل أب وكل أم أن يتناولوا مطرقة ضخمة، ويحطموا بها كل ما لديهم من أجهزة تلفزيونية [١٨] . أليس فيما أكدته تلك الدراسات مدعاة إلى إعادة النظر في تلك العلاقة الحميمة الآثمة بالتلفاز ووليده الخبيث الفيديو؟ وهل يحسب العاقل الذي يتهاون في حفظ نعمة العافية ويفرط فيها أنه غير مسؤول عن هذا التفريط؟ ألم يسمع لقول الصادق المصدوق: (لا ضرر ولا ضرار) وقوله ﵊: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه فيمَ فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه؟) [١٩] . ثانياً: أخطاره على الصحة النفسية: يظهر أثر التلفاز وخطره على أهم شريحتين في الأمة: وهما: الأطفال وهم مستقبل الأمة، والشباب حاضرها وعدَّتها. فماذا يبقى للأمة إذا تشرَّب أبناؤها القيم الهابطة، والآفات الفكرية، والعاهات النفسية من المهد إلى اللحد؟ ! - تكاد الدراسات العلمية التي أجريت لدراسة آثار التلفاز على الصحة النفسية أن تجمع كلها على أنه يدرب مشاهديه على الكسل الذهني، ويشيع فيهم روح السلبية، ويجعلهم إمَّعات يميلون مع الريح حيث مالت، وأنه ينفث في روعهم روح (عدم المسؤولية) والاستسلام، والانهزامية، ويصرفهم عن معالي الأمور، ويشغلهم عن الأهداف السامية، ويزيد رقعة الخواء الفكري في نفوسهم [٢٠] . - كما أنه يولد الغلظة في المشاعر، والبلادة في الحس، كما تؤثر المسلسلات البوليسية ومشاهد العنف والقتل على نفسية الأطفال [٢١] ، كما أنه يظهر للصغار أن الكبار يحيون حياة حافلة بالصراع والتنافس فيشوه مفاهيمهم مبكراً. - التعود على الضجيج والصخب الذي يضر بحاسة السمع فيسبب كثيراً من حالات الصداع والاضطرابات العصبية والتوتر. ومن أضراره النفسية: تعلق قلب الشباب المراهقين بمذيعة أو ممثلة أو مغنية حسناء، وابتلاؤه بمعصية العشق الذي يتلف الدنيا والدين، والأخطار نفسها يخشى منها على الفتيات اللائي هن أضعف قلوباً وأسرع استجابة لداعية الهوى. المخدر الكهربي: لقد كتب الكثيرون محذرين من إدمان المخدرات والسموم البيضاء، وما أقل الذين انتبهوا لمخاطر إدمان مشاهدة الفيديو والتلفاز، وها هي وسائل الإعلام تنشر سموم هذا المخدر العجيب، إنه يعتبر أمضى وسائل تخدير الشعوب. إن المخدر الكهربائي يعتبر - على حد تعبير (جيري ماندر) (ورقة عمل جاهزة للطغاة والمستبدين) [٢٢] ، يستعبدون بها رعيتهم عن طريق عزل الناس عن فهم أنفسهم، وعن ماضيهم وتراثهم، وتقليل العلاقات الشخصية بين الناس، وفصل عقول الناس عن أجسادهم، ثم إحباط التفكير الحر بكل الوسائل.. بل ربما زرع (المخدر الكهربي) في نفوسهم أن المخدرات والخمر والتدخين هي الوسيلة المثلى للهروب من المعاناة. فتراهم يُهرعون إلى التدخين أو الخمر أو المخدرات لا إلى صلاة الاستخارة أو ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء. فهو يسرق سمعك وبصرك وفؤادك، ويجوب بك المراقص والمسابح، والحانات والمسارح، ويطوف بك في المسلسلات والأفلام التي تدور حول قطب واحد هو قيم الحب والغرام، والعشق والهيام وكأن هذه هي المشكلة اليتيمة التي تمزق من الأمة الأوصال، وتتفتت في سبيلها أكباد الرجال، فضلاً عن ربات الحجال! هكذا يجري قتل الإنسان اليوم: بالمهرجانات، بالرقص الخليع، بالأفلام، باللهو الماجن، وبالضحك الهستيري يميت القلب مصداق قوله - عليه الصلاة والسلام -: (لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) [٢٣] . وهكذا يجري مسخ الإنسان وتحويله إلى حيوان مستهلك، أو حيوان قاتل، أو حيوان كاسر، لا فرق [٢٤] . ومن عقاقير الهلوسة التي يوفرها (المخدر الكهربي) لمدمنيه عقار (المجنونة المستديرة) التي في سبيلها تُنفق الأموال، وتشد الرحال، وتهدر الأوقات ويتخاصم الإخوان، وتحترق الأكباد، وتسكب العبرات، وتتعالى الصيحات من الأحشاء الملتهبة. إن عقار (الهلوسة الكروية) نقل عقول الأمة إلى أقدامها، وتعاطاه الرجال والنساء، والشباب والشيبة، والمراهقون والأطفال وفي سبيله خُرِّبت المساجد، وهُجرت حِلَقُ الذكر واشتعلت النزاعات العائلية، وضُيِّعت الواجبات الدينية والالتزامات الوظيفية. فمن المسؤول عن هذا (الخبل الكروي) الذي طغى على عقول أكثر الناس اليوم؟ إنها - بلا شك - (الشاشة المخدرة) التي تذل الناس بهذا العقار، وتستعبدهم بهذا الإدمان [٢٥] ! إن أمة هذه حالها تحتاج بالضروة إلى تحليل نفسي، وعلاج قلبي، وتحويل جذري إلى وجهة أخرى نحو معالي الأمور، إنها بحاجة إلى من ينقذها من هذا (الإدمان) لتقوم من رقدتها، وتفيق من غفلتها، إنها بحاجة إلى أن تعرف أعداءها الرابضين خلف الشاشة الذين يُهرِّبون من خلالها هذا العقار الخبيث في غير كتمان وخفاء، بل في وضوح وجلاء، ليصدوهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وليشغلوهم بهذا اللهو عن حقوقهم وواجباتهم، ليعيشوا انتصارات وهمية، وهزائم خيالية بعيداً عن واقع الحياة، بعيداً عن الرسالة التي حملتها خير أمة أخرجت للناس. يا أحفاد أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي وصلاح الدين إن (البطل) ليس الذي يتقن اللهو الباطل واللغو الفارغ لتكون راية فريقه العليا، ولكن البطل هو الذي يعمل بالإسلام، ويغيظ أعداء الله، ويجاهد في سبيل الله لتبقى كلمة الله هي العليا. يا أصحاب بدر، والقادسية، وحطين، والقسطنطينية! القدس تستصرخكم، والأقصى يناديكم، وإخوانكم في العقيدة مشردون في الأرض، وحرمات الله تنتهك، والفقر والجهل والمرض يخيم في أكثر بقاعكم، وأنتم تستغيثون ربكم - بلا حياء- في ساحات اللهو: (يا رب - يا رب) ! هلم نصنع المجد في المساجد، ثم المدارس والجامعات، والمعامل والمصانع حتى نخرج من وهدة التخلف، ونطهر بلادنا من وحل المعاصي، ومستنقع الفن العفن. هيا نمضي إلى الهدف: (إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) . دوره في التغريب: تطورت أساليب الغزو الفكري وتنوعت طرائقه؛ ففي دراسة أجراها اليونسكو تذكر: (إن إدخال وسائل إعلام جديدة وخاصة التلفزيون في المجتمعات التقليدية أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى مئات السنين، وممارسات حضارية كرسها الزمن) [٢٦] . وفي تعليقه على دخول البث المباشر إلى تونس قال الأستاذ فهمي هويدي: (خرج الاستعمار من شوارع تونس عام ١٩٥٦م ولكنه رجع إليها عام ١٩٨٩م لم يرجع إلى الأسواق فقط، ولكنه رجع ليشاركنا السكن في بيوتنا، والخلوة في غرفنا، والمبيت في أسِرَّة نومنا. رجع ليقضي على الدين واللغة والأخلاق، كان يقيم بيننا بالكره، ولكنه رجع لنستقبله بالحب والترحاب، نتلذذ بمشاهدته، والجلوس معه، إنه الاستعمار الجديد لا كاستعمار الأرض وإنما استعمار القلوب، إنه الخطر الذي يهدد الأجيال الحاضرة والقادمة، يهدد الشباب والشابات والكهول والعفيفات، والآباء والأمهات) [٢٧] . إن أهداف البث المباشر الذي يجوس خلال ديار المسلمين نلخصها في النقاط الآتية: ١ - تسميم الآبار الفكرية التي يستقي منها شباب المسلمين، وإضعاف مناعتهم عن طريق تسويق القيم والسلوكيات الغربية لتذويب انتمائهم الإسلامي. ٢ - تجميل الوجه القبيح للحضارة الغربية، وإخفاء حقيقة هذه المجتمعات التي وإن تقدمت في الحضارة المادية - فإنها انتكست بالإنسان إلى أحط من مستوى القردة. يقول حمدي قنديل: (المعروف أن القردة هي التي تقلد الإنسان، ولكن إنسان العالم الثالث قد اختار أن يقلد قردة أوروبا) [٢٨] . ٣ - القضاء على الأخلاق الإسلامية كالحياء والطهارة والعفة عن طريق نشر الخنا والرذيلة وتزيين السلوك البهيمي للغربيين. ومن ثم لا يتعذر عليك جواب التساؤلات الآتية: - لماذا تحرص أمريكا وأوربا - وبخاصة فرنسا - على دعم البث المباشر في بلاد المسلمين؟ - ولماذا يقدمون هذه الخدمة المجانية وينفقون عليها من أموال شعوبهم الراضية بذلك؟ ففي الوقت الذي يشجع فيه الغرب البث المباشر إلى بلاد المسلمين تتعالى صرخات مفكريهم وساستهم شفقاً من الغزو الأمريكي مع انتمائهم إلى ملة واحدة وحضارة مادية واحدة! [٢٨] . فهل آن الأوان أن يفر المسلمون من دجال العصر، ويطهروا بيوتهم من هذا الرجس والنجس، ولا يُفْرِطُوا في الثقة بأنفسهم أنهم لن يتأثروا بفتنته؛ فإن البطولة ليست أن تتعرض للفتن وتثبت؛ ولكن البطولة هي ألا تتعرض للفتن أصلاً. آثار التلفاز الاجتماعية والنفسية على الأطفال: إليك أقدم الآثار المرعبة على أطفالنا من جراء هذه الأجهزة الشيطانية: ١ - يحرم الطفل من التجربة الحياتية الفعلية التي تتطور من خلالها قدراته إذا شغل بمتابعة التلفاز. ٢ - (يحرم الطفل ممارسة اللعب الذي يعتبر ضرورياً للنمو الجسمي والنفسي فضلاً عن حرمانه من المطالعة والحوار مع والديه) [٢٩] . ٣ - التلفاز يعطل خيال الطفل لأنه يستسلم للمناظر والأفكار التي تقدم له دون أن يشارك فيها، فيغيب حسُّه النقدي وقدرته على التفكير [٣٠] . ٤ - يستفرغ طاقات الأطفال الهائلة وقدرتهم على الحفظ في حفظ أغاني الإعلانات وترديد شعاراتها. ٥ - يشبع التلفاز في النشء حب المغامرة، كما ينمي المشاغبة والعدوانية عن طريق محاكاة الممثلين ويزرع في نفوسهم التمرد على الكبار والتحرر من القيود الأخلاقية [٣١] . ٦ - يقوم التلفاز والفيديو وكذا البث المباشر - نافذة المجون والضياع - بإثارة الغرائز البهيمية مبكراً عند الأطفال، وإيقاظ الدوافع الجنسية قبل النضوج الطبيعي [٣٢] مما ينتج أضراراً عقلية ونفسية وجسدية. ٧ - يدعو التلفاز وتوابعه النشء إلى الخمر والتدخين والإدمان ويلقنهم فنون الغزل والعشق. ٨ - للتلفاز دور خطير في إفساد اللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وتدعيم العجمة، وإشاعة اللحن. ٩ - تغيير أنماط الحياة - الإفراط في السهر، فأفسد الدنيا والدين كما يرسخ في الأذهان أن الراقصات والفنانات ونجوم الكرة أهم من العلماء والشيوخ والدعاة والمبتكرين [٣٣] . ماذا يقول العقلاء والمنصفون؟ إن أي عاقل يتفكر في أضرار هذه الأجهزة ومفاسدها لا يتردد في اتخاذ القرار الحاسم بوضع حد لآثارها السلبية وعربدتها الشيطانية في البيوت. فقد ناشد (هيلموت شميت) مستشار ألمانيا الغربية السابق (الآباء والأمهات أن يغلقوا أجهزة التلفزيون على الأقل يوماً واحداً خلال الأسبوع، وقد رفض رئيس جمهورية فنزويلا أن يسمح بإدخال التلفزيون الملون إلى بلاده، زاعماً أنه سيكون دافعاً جديداً لزيادة الروح الاستهلاكية المحقونة) [٣٤] . ذهب الكاتب الأمريكي (جيري ماندر) في كتابه (أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون) الذي أودعه خلاصة تجربته في حقل الإعلام إلى القول: (ربما لا نستطيع أن نفعل أي شيء ضد الهندسة الوراثية والقنابل النيوترونية، ولكننا نستطيع أن نقول (لا) للتلفزيون ونستطيع أن نلقي بأجهزتنا في مقلب الزبالة؛ حيث يجب أن تكون، ولا يستطيع خبراء التلفزيون تغيير ما يمكن أن يخلفه الجهاز من تأثيرات على مشاهديه، هذه التأثيرات الواقعة على الجسد والعقل لا تنفصل عن تجربة المشاهدة) [٣٥] . وأضاف: (إنني لا أتخيل إلا عَالَماً مليئاً بالفائدة عندما أتخيل عَالَماً بدون تلفزيون، إن ما نفقده سيعوض عنه أكثر بواسطة احتكاك بشري أكبر، وبعث جديد للبحث والنشاط الذاتي) [٣٦] . حكى الأستاذ مروان كجك أن صديقاً له زار أستاذه الجامعي في بيته وكان هذا الأستاذ نصرانياً، فلاحظ الأخ أنه ليس لدى أستاذه تلفزيون فسأله عن سبب ذلك فأجاب: (أأنا مجنون حتى آتي إلى بيتي بمن يشاركني في تربية أبنائي؟) [٣٧] . يقول الكاتب محمد عبد الله السمان مشيراً إلى حلقة تلفزيونية استضيف فيها بعض طلبة مدرسة معروفة للمتفوقين يقول الكاتب: (كان المتوقع أن تكون الحلقة إلى آخر دقيقة فيها من الحلقات الجادة التي يتلقى منها سائر الطلبة دروساً في التفوق. وسأل مقدم البرنامج الطلبة واحداً واحداً عن مثله الأعلى في الحياة، وكانت الإجابات مذهلة؛ فالمثل الأعلى لدى الطلبة المتفوقين هم على الترتيب ولست أدري أهو ترتيب تصاعدي أم تنازلي؟ : عبد الحليم حافظ، بليغ حمدي، نزار قباني، محمد عبد الوهاب، أنيس منصور. قلت تعقيباً على هذه الإجابات: لم أكن أنتظر من هؤلاء المتفوقين أن يقولوا: إن مثلنا الأعلى هو أبو بكر أو عمر أو علي أو خالد بن الوليد، بل كنت أتوقع أن يقول واحد منهم: إن مثلي الأعلى هو: أبي) [٣٨] . ألم يَأْنِ للبيوت المسلمة الواعية المستنيرة أن لا يدخلها تلفزيون بعد اليوم؛ فهذه الأجهزة لا تساهم في تربية مستقيمة صالحة تعيننا على صياغة رجال الغد، وأمهات المستقبل (إنني أُطمئن الذين يستعدون للتخلي عن تلك القنوات الفضائية بأنهم لن يخسروا شيئاً ذال بال) [٣٩] بل ستربح أسرهم كثيراً، فليس من العقل أو الإنصاف بعد كل هذا احتمال هذا الكم الهائل من الضرر في دين المرء ودنياه مقابل تلك الفوائد التي لا تكاد تذكر أمام هذا الركام المدمر من البرامج السيئة القصد. فيا قومنا إن هذه الأجهزة ليست عفوية؛ بل هي أجهزة تربوية وتعليمية بالغة الخطورة، تعمل على نسف الأسس الصحيحة للتربية السليمة، إنها - والله - معاول هدم وتدمير للتحصينات الأخلاقية. يا قومنا إن من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولاً لم ينج آخراً وإن كان جاهداً، وهل إن تحكمت في هذا الجهاز أثناء وجودك فهل تضمن أن تنضبط الأمور عند غيابك حين يكون الجهاز بين يدي أهلك وأولادك؟ ! فعلى المسلم الحقيقي أن يحتاط لدينه، وعرضه، وتربية أسرته وأولاده، ولا يتأتى ذلك إلا بإبعاد هذا الخطر الداهم، وهذا الكابوس الجاثم على أنفاس البيت والأسرة. وأي خطر على العرض والشرف والأخلاق أكبر وأعظم من البرامج والسموم التي تنفثها هذه الأجهزة لمسخ هويتنا والقضاء على قيمنا [**] . نحن لا نرفض التقنية، ولكننا نرفض المحتوى الإعلامي الهدام، وإننا لندعو الله أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه البشرية أن تفيد من هذه المخترعات الفذة كالفيديو والتلفاز والكمبيوتر، وأن تقف مع البشرية لا مع أعدائها، ولن يتأتى ذلك إلا حين تصبح المؤسسات الإعلامية في أيد أمينة شديدة الإحساس بما ينفع ويضر.
следующие страницы →