← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

نص شعري كوسوفا الحزينة عبد الله موسى بن بيلا أكوسوفَ هل من قبلُ أسعدك الدهرُ؟ وهل كنتِ بستاناً يسيل به النهرُ؟ وهل كنت مثل الطفل يفترُّ ضاحكاً ليبسم في أحشائه الخير والبِشرُ؟ وهل كنتِ قبل اليومِ للشرِّ مرتعاً؟ وهل عاش فيك الضَيْمُ والجَوْر والغدرُ؟ فما كنت إلا روضةً مطمئنةً فزمجر في آفاقها الصربُ والفقرُ فماذا جنى الإسلام حتى تواطؤوا عليه، فما يُخشى وليس له أمرُ كأني أرى الإسلام يندب حظَّه ويذكر تاريخاً يزيِّنُهُ النصرُ ويَلطِمُ وجهاً طالما عزَّ شأنه وطار له صيتٌ وعانقه الفخرُ فقلت له: كفكف دموعك ... إنَّما صخور البوادي لا يُحرِّكها النقرُ فلو كان للإسلام عزٌّ ومنعةٌ لما هان يوماً أو تمالكه الذُعرُ فقد كان طوداً شامخاً لا تهزُّه رياح الأعادي أو تخوِّفه السُّمرُ وما هان دينُ الله بل هان أهله وذلُّوا ... فما يغني المَقامُ ولا الذِكرُ فقد عاث فينا الصرب سراً وجهرةً ومُكِّن منَّا الظُلم والبطشُ والأسرُ أكوسوفَ مهما طال ليلٌ سينجلي ليَنفُر عَنك العسرُ يطرُدُه اليُسرُ فويلاه يا ويلاه مِن حالِ أمةٍ تَشبَّث فيها الخوفُ والذلُ والعَفْرُ فكيف لنا صبرٌ وفي القلبِ حُرقةٌ يهون على كتمانها الموت والقبرُ فمن للثكالى فاضَ دمعُ عيونها ومن لوليدٍ فاض من عينه الجمرُ فكيف لهم أن يهتكوا عرضَ غادةٍ وحوريةٍ حسناء يحسدها البدرُ مآسٍ يَعِزُّ الصبر عند وقوعها ويعجز عن وصفٍ لها القولُ والشعرُ إلى الله نشكو ما ألمَّ بحالنا ونسأله فتحاً فقد نَفِدَ الصبرُ وما كنت أرجو أن تحين منيَّتي وأرضُ بني الإسلام يغصبها الكفرُ ولكن إذا شاء القدير مشيئةً فليس لها ردٌّ وليس له قهرُ سلامٌ على الشهداء في كلِّ مشهَد يردده التاريخ ينشده الدهرُ سأنظمه كالطيبِ يغسل روحكم عليكم سلامُ الله ما انهمر القطْرُ

стр. 3222

الإسلام لعصرنا الانفراط العظيم الأسباب والآثار أ. د. جعفر شيخ إدريس ما زلنا نستعرض بعض ما جاء في كتاب الانفراط العظيم لعالم السياسة الأمريكي الشهير فوكوياما. الأسباب: يبدأ الكاتب في شرحه للأسباب التي أدت إلى ذلك التمزق في المجتمعات الغربية بمقدمة منهجية معقولة هي أنه ما دامت مظاهر هذا التمزق عامة في كل الدول الغربية الصناعية، وما دامت قد حدثت مجتمعة، وفي فترة زمنية محددة، فإن هذا يدعونا لأن نبحث لها عن أسباب في أمر أو أمور مشتركة بين هذه الأقطار، لا في الأسباب الخاصة ببعضها دون بعض. ويرى تبعاً لذلك أن السبب الأساس لها كان تحولاً ثقافياً، تحولاً قيمياً تمثل في اشتداد النزعة الفردية، وأن أعظم ما أثرت فيه هذه النزعة الفردية هو العلاقات بين الجنسين، والأسرة على وجه الخصوص. وأن مظاهر ذلك الانفراط أو التمزق نشأت كلها تقريباً عن التفكك الذي أصاب الأسرة. لكنه يعود فيقول: إن القول بأن عزو سبب الانفراط إلى تغير في الثقافة -في القيم- مصادرة على المطلوب؛ إذ إن السؤال ما يزال باقياً: لماذا حدث هذا التغير في القيم في كل هذه البلاد المتقدمة صناعياً، وفي فترة معينة من الزمان؟ ويعترف بأن التحولات القيمية لها أسباب كثيرة؛ لكنه يرى أن أهم أسبابها في هذه الفترة التي يدرسها أمران جاء بهما التطور العلمي، هما: حبوب منع الحمل، والإجهاض الآمن. يقول: إن حبوب منع الحمل وتوفُّر الإجهاض أَذِنا للنساء - لأول مرة في التاريخ - بأن يتعاطين الجنس بلا خوف من العواقب، وأن هذا جعل الذكور يشعرون بالتحرر من القيم التي كانت تفرض عليهم مسؤولية العناية بالنساء اللاتي حملن منهم. ويقول: إن الذي كان يمنع النساء من استبدال زوج يناسبهن مكان الزوج الذي يعشن معه، ويكتشفن أنه لا يناسبهن هو أنهن لم يكُنَّ قادرات على الإنفاق على أنفسهن بسبب أنهن لم يكن يعملن، فلما عمل النساء وصارت دخولهن تزداد باطراد وجدن أنه بإمكانهن أن يربين أطفالهن من غير عون من الأزواج، لكن إنجاب الأطفال يقلل من فرص المرأة في العمل؛ فلكي تنجب المرأة فإما أن لا تعمل إطلاقاً، وإما أن تتوقف عن العمل لفترات، فإذا كانت حريصة على العمل فإنها ستلجأ إلى الحد من الإنجاب، ثم إن قلة الأطفال تزيد بدورها من احتمالات الطلاق؛ لأن الأطفال هم (الرأسمال المشترك) بين الزوجين. ويقول: إن هناك دلائل تجريبية كثيرة تؤكد الصلة بين الدخول العالية للنساء وبين الطلاق والإنجاب خارج نطاق الزوجية، ثم إن ازدياد معدلات الطلاق يؤدي بدوره إلى عدم ثقة النساء باستمرار الحياة الزوجية، ويدفعهن إلى تأهيل أنفسهن للعمل، كي يضمَنَّ مستقبلهن. ثم إن التحول من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات زاد من فرص النساء في العمل؛ وذلك لأن الأعمال ذوات الرواتب العالية لم تعد تلك التي تحتاج إلى جهد جسدي لا يقوى عليه إلا الرجال، بل تلك التي تحتاج إلى جهد عقلي، كالعمل في مجال الحاسوبات، وهو أمر ينافس فيه النساءُ الرجالَ. الآثار: يذكرنا الكاتب بما قال في بداية كتابه من أن الجريمة وانهيار الأسرة وتناقص الثقة هي معايير سلبية لما سمي بالرأسمال الاجتماعي (معايير سلبية بمعنى أن زيادتها تدل على نقص في رأس المال هذا) ، وكيف أثر ذلك التغيير في القيم على رأس المال الاجتماعي هذا؟ وكيف أثر في مقدرة الناس على الاجتماع لتحقيق غايات تعاونية؟ وكيف أثر على مستوى الثقة بينهم؟ يذكر الكاتب آثاراً نوجزها فيما يلي: ١ - إن نصف السكان في أوروبا واليابان ستكون أعمارهم أكثر من خمسين عاماً في غضون العقدين القادمين، وسيؤدي هذا - بالإضافة إلى ما يصحبه من نقص في عدد السكان - إلى نقص في الدخل القومي، ثم يؤدي هذا كله إلى ضعف هذه الأقطار وقلة تأثيرها على المسرح العالمي. ٢ - وأن الدول الاسكندنافية التي هي الأعلى في نسبة التفكك الأسري، هي الأعلى أيضاً في نسبة التوحد؛ إذ إن خمسين بالمائة من البيوت صارت تتكون من شخص واحد، بل إنه في مدينة أوسلو (عاصمة السويد) بلغت النسبة خمساً وسبعين بالمئة! ٣ - أثبتت كثير من الدراسات في الولايات المتحدة أن تأثير الأسرة والأقران على أداء الطلاب أعظم مراراً من كل العوامل التي هي بيد السياسة التعليمية العامة كرواتب المدرسين، وأحجام الفصول الدراسية، والصرف على التسهيلات الطلابية؛ لكنه يرى أن النساء لسن هن المسؤولات عن هذا، وأن الحل لا يكون بعدم خروجهن إلى مكان العمل. لكنه يرى في الوقت نفسه أن قائدات الحركة النسوية قد بالغن في إطراء عمل المرأة، وغفلن عن تأثيره على الأطفال، وهو تأثير لازم وواقع، وسيستمر كذلك حتى يتطور العلم فيريحهن من عبء الحمل والإنجاب! ! ٤- إن ضرر الجريمة لا يقتصر على من يقع ضحية لها، بل يتعداه إلى المجتمع كله، وذلك أن انتشار الجريمة يقلل من ثقة الناس بعضهم ببعض، ويعوق أو يحول دون تعاونهم؛ بل إن الجريمة لتؤدي إلى جعل المجتمع مجتمعاً ذرياً يحصر كل إنسان فيه اهتمامه في نفسه وفي أقرب الناس إليه. من ذلك - مثلاً - أن الجيران كانوا يتعاونون جميعاً على تربية أولادهم، وأما الآن - وبعد أن كثر الاعتداء على الأطفال - فإذا رأى والد شخصاً يؤنب ولده فالاحتمال الأقرب أن يتصل بالشرطة. ما المخرَج؟ هل كان الانفراط هذا ضربة لازب؟ هل كان أمراً حتَّمه التطور التقني، أم أنه كان بملك الناس أن يتفادوه؟ يرى الكاتب أن الوسائل الاختيارية المتاحة للناس للتأثير في سير أحداثهم الاجتماعية تتمثل في أمرين، هما: السياسات العامة (يعني ذلك التي ترسمها وتنفذها الجهات المسؤولة) ، والثقافة الشائعة بين المواطنين وما تتضمنه من قيم، ويقول: إن كوريا واليابان وبعض الدول الكاثوليكية استطاعت أن تقلل من تأثير التطور التقني بسبب اختلاف ثقافاتها عن الثقافة الشائعة في المجتمعات الغربية؛ لكنه يرى أن محاولاتهم هذه إن أخرت حصول تلك النتائج التي حصلت في البلاد الغربية، فلن تستطيع الحيلولة دون وقوعها، ثم يتساءل: هل معنى ذلك أن المجتمعات الليبرالية المعاصرة صائرة لا محالة إلى مستويات أدنى فأدنى من الانحطاط الخلقي والفوضى الاجتماعية حتى تنفجر من الداخل؟ يرى أن الأمر ليس ميئوساً منه إلى هذه الدرجة وأن هنالك حلاً. فما هو؟ نجيب عن هذا في مقالنا القادم - إن شاء الله -.

стр. 3223

وقفات أُخَيَّتِي.. كفى عجزاً أحمد بن عبد الرحمن الصويان المرأة المسلمة قلعة من قلاع الإسلام، وحصن من حصونه المنيعة، لها دور عظيم في صيانة الأمة وتربيتها وحمايتها من كل ألوان الفساد والرذيلة. استقامتها على الحق صيانة للمجتمع كله، وصلاحها وعفتها رعاية للأمة من الانحدار والتردي في دروب الهوى. لذا حرص أعداء الله - تعالى - من المستغربين والعلمانيين على انتهاك هذا الحمى الكريم، واستباحة هذه البيضة العفيفة، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم لانتزاع البقية الباقية من ديانة المرأة وتقواها، وسعوا إلى اختراق إعلامي واسع النطاق يقوم على تزيين الفواحش، ونشر ثقافة الرذيلة، والمتاجرة بالأعراض، ويهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية والفكرية للأمة المسلمة. وذلك كله ليس بغريب على الإطلاق؛ فذلك ديدنهم وهجِّيراهم [١] ، ولكن: ألا يحق لنا أن نتساءل بكل صدق: أين دعاتنا من هذا الحِمَى الكريم؟ ! وأخص بالذكر هاهنا نساءنا الصالحات؛ فهن أوْلى بذلك من غيرهن. إنَّ علينا أن نعترف بأن واقعنا الاجتماعي والدعوي أدى إلى إهمال جلي واضح للدعوة في أوساط النساء، فغلب على صالحاتنا - فضلاً عن عامة نسائنا- العجز والقعود، وأصبحن يتعذرن بمعاذير واهية يُسوِّغن بها قصورهن وتفريطهن. نعم.. أُدرك أن العوائق الدعوية التي تواجه المرأة أضخم من تلك التي تواجه أخاها الرجل، ولكن أيصح أن يكون ذلك حابساً للمرأة عن الإقدام والنهوض؟ ! أيصح أن تغفل المرأة الداعية وتصاب بالوهن والفتور..؟ ! دعينا نتأمل خبر أبي هريرة حينما يحدثنا: (أن امرأة سوداء كانت تقمُّ (وفي رواية: تلتقط الخرق والعيدان) من المسجد، ففقدها النبي ﷺ فسأل عنها بعد أيام، فقيل له: إنها ماتت. فقال: هلاَّ كنتم آذنتموني؟ قالوا: ماتت من الليل ودفنت، وكرهنا أن نوقظك - قال: فكأنهم صغروا أمرها - فقال: دلّوني على قبرها، فدلوه، فأتى قبرها فصلى عليها) [٢] . سبحان الله.. امرأة ربما كان بعض الناس يزدريها وينظر إليها نظرة لا مبالاة .. ولكنها عند رسول الله ﷺ عزيزة كريمة يسأل عنها ويصلي عليها. قامت هذه المرأة بعمل - قد نظنه يسيراً - ولكنه عند الله - تعالى - عمل عظيم يستحق تقدير النبي ﷺ واهتمامه. إنها الفاعلية التي دفعت هذه المرأة لخدمة المسلمين والسعي في حاجتهم.. صورة عظيمة تتجلى فيها صورة المرأة المستضعَفة عند الناس، لكن قلبها عامر بالطاعة، حفَّزها على البذل والعطاء دون أن تهن أو تضعف. إنها الفاعلية التي اطمأنت بها ذوات القلوب المرهفة الحية، فقدَّمْنَ ما يَقْوَيْنَ عليه ابتغاء وجه الله - تعالى - دون أن يشعرن بالاتكالية والاعتماد على الآخرين. وكم يحز في النفس أن يرى المرء ذلك التمرد الأخلاقي الذي يعصف بنا من كل صوب، ثم يجد من بعض صالحاتنا عزوفاً أو انشغالاً عن تلك المسؤولية العظيمة؟ ! فيا - سبحان الله - لمن تتركن الميدان؟ ! ومن تنتظرن أن يقوم بهذا الدور..؟ ! ألا يكتوي قلبك حين ترين تلك الوحوش الكاسرة التي كشرت عن أنيابها الفضائية ومخالبها الصحفية، وراحت تعبث في أخواتك، وتنتهك عفتهن وكرامتهن؟ ! ألا يتفطر فؤادك وأنت ترين التفسخ والانحلال يستشري في نسائنا، وينتشر في بيوتنا انتشار النار في الهشيم؟ ! أيطيب لك طعام أو شراب وأنت ترين الفتاة تلو الفتاة وقد رمت بحجابها وراحت تركض هنا وهناك ملبية نداء تلك الأبواق الخاسئة التي ملئت بكل ألوان الدهاء والفتنة ... ؟ ! يا الله ... ! ! كيف تقوى نفسك على القعود وأنت تملكين - بفضل الله - القدرة على تحصين أخواتك من حبائل المفسدين ومكائد العابثين ... ؟ ! أيرقأ لك دمع؟ أم هل يسكن لك قلب؟ آلله - تعالى - يرضى لك بذلك..؟ ! أخيتي في الله: إما أن تتقدمي أنت.. وإلا فإن أولئك القوم لنا بالمرصاد، وبقدر تقصيرك يكون إقدامهم، ومن أيقنتْ بعظيم مسؤولياتها هانت عليها كل العقبات التي تواجهها .. ومن صدق الله صدقه. ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رَعْيَها الأسَدُ

стр. 3224

قضية للمناقشة من سُنَّة الله في الخلق اختلاف الناس في معارفهم وأفهامهم، وليس بالضرورة أن يكون هذا الاختلاف محصوراً في دائرة الصواب والخطأ فقط؛ بل قد يكون اختلافاً في التنوع تظهر فيه درجات من الاجتهاد والنظر اقتضاها اختلاف زاوية النظر والتأمل، أو الاطلاع على دائرة أوسع من العلوم، أو الانفتاح على أفق أرحب من الفهم والفقه، أو اقتضاها اختلاف النظر إلى المآل والعاقبة المتوقعيْن للأمر نفسه. ومن سنة الله تجدد الحوادث والوقائع في الحياة، ولذا: كان الاجتهاد المنضبط بالأصول الشرعية أحد مميزات الشريعة الإسلامية السمحة، ولذلك أيضاً: ظهر الخلاف في النوازل والمستجدات بين أئمة المسلمين بدءًا من عصر الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - حتى عصرنا الراهن، وهو خلاف قد يُنظر إليه على أنه ثراء في الرأي وتنوع في الوقائع، بل قد ينظر إليه بعض أهل العلم على أنه فسحة في العمل ورحمة للخلق! على أرضية هذه المفاهيم كلها تفتح مجلة البيان باب المناقشة لنازلة جديدة على المسلمين، ألا وهي مسألة مشاهدة المواد التلفزيونية، سواءًا أكانت عن طريق البث المباشر أو المشفر أو عن طريق الفيديو أو الإنترنيت أو غيرها من التقنيات، والبيان تطرح على صفحات هذا العدد مشاركتين قد تبدوان لدى بعض القراء أنهما تحملان وجهتي نظر مختلفتين، وقد يبدو لقرَّاء آخرين أن كلاَّ منهما يعالج القضية من زاوية نظر مختلفة وليست متعارضة، وقد يبدو لآخرين أن كلاًّ منهما موجَّه إلى واقعيْن متغايريْن ووسطيْن مختلفيْن. وأيًّا كانت نظرة القارئ إلى المقالين فإن تطرحهما وتفتح باب المناقشة حول الموضوع والاجتهادات فيه. ولكن عندما نتحدث عن (اجتهادات) فلا يفوتنا أن نتذكر أن الاجتهاد مهما علا قدر صاحبه فليس له أن يصادم نصاً محكماً، أو هدْياً ثابتاً، فبوسع المجتهدين علمياً أو فكرياً في قضيةٍ ما أن يعددوا التحليلات والاستنباطات والاستنتاجات؛ ولكن ليس من حق أحد أن يُخضِع مُحكَمات الشريعة للنظر بالرأي؛ فما كان ديناً وشريعة منذ أن نزل الوحي هو دين وشريعة إلى أن تقوم الساعة، نقول نعم لاقتحام مشاكل العصر، ولكن بشرط ألا نتقحم المحرمات أو نتخطى الحدود إلى الشبهات. التلفاز أو الفيديو أو الإنترنت أو غير ذلك تعرض أشياء على الأسماع والأبصار والقلوب، وهذه الأشياء التي تُعرض متفاوتة في نفعها وضرها، في جدها أو هزلها، في عمقها أو سطحيتها؛ ولكن الذي لا ينبغي أن تتفاوت فيه الأفهام ولا الاجتهادات هو أن تلك الأسماع والأبصار والقلوب هي محل إظهار العبودية لله في أمره ونهيه: [إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا] [الإسراء: ٣٦] . ونحن مع أي حل لمعضلة من معضلات العصر بشرط أن لا يحل حراماً، أو يفتح على المسلمين المزيد من أبواب الفتنة؛ فماذا يفيد المسلم إذا أصلح دنياه وخسر آخرته؟ وماذا تستفيد الدعوة إن أصلحت شريحة من العامة في مقابل خسارة الخاصة من المصلحين الذين إذا أُفسدوا أوشك الله أن يعم الجميع بعقاب؟ ! لا شك أن القضية معقدة ومتشابكة، ولها تداخلاتها وتفاعلاتها؛ ولهذا كانت تلك المبادرة من (البيان) إلى فتح باب النقاش لتفكيك تعقيداتها، وإلقاء الضوء على أبعادها المختلفة. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3225

دراسات إعلامية ماذا تعرف عن: العجل الفضي [*] محمد بن أحمد إسماعيل أعدها للنشر:إسلام دعدوشة إن أمتنا - إلا من عصم الله - تعيش اليوم مع التلفاز وتوابعه في محنةٍ لم تُكْره عليها؛ بل رغبت فيها، واستشرفت لها، وفتحت ذراعيها وتشبثت بأذيالها؛ لأن بعض المسلمين في حالة رغبة فيما يفسد دينهم ويخرب دنياهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. فما أشبه حال المنجذبين نحو التلفاز، والقابعين باستمرار لمتابعة الأطباق الفضائية، ما أشبه حال هؤلاء بحال الفَراش الذي يتساقط في النار لجهله واعتقاده النفع في النار المهلكة. لكن: هل الناس اليوم في غفلة عما يعرض في التلفاز؟ وهل يجهلون ما يبث لهم ليلاً ونهاراً عبر البث المباشر؟ ألم يشاهدوا الآثار التي طفحت على المجتمعات، وانعكست على شبابنا وفتياتنا؟ ! كلا؛ إنهم على علم، وربما سمعوا القصص المخجلة، وذاقوا الآثار المدمرة لأجهزة التلفاز؛ لكنهم مبهورون، أسكرتهم الرغبة، وأعمتهم الشهوة؛ فلم يحركوا ساكناً! ولسوف نعرض لآثار هذا الكابوس من خلال العناوين الآتية: الناس على دين التلفزيون: استولى التلفزيون على زمام التربية والتوجيه حسبما خطط لها وما يبث فيها، وهجم الفيديو ليهدد الثروات، ويقتل الساعات، ويعرض المحرمات، وأطلت فتنة البث المباشر لتضييع أوقاتنا، وتعبيدنا لغير ربنا [١] ، واستذلالنا لننضم إلى القطيع الهائم الذي تردى في هاوية الرذيلة، وغرق في مستنقع الشهوات. لقد صدرت عشرات الدراسات العلمية الجادة التي تكشف مخاطر التلفاز وآثار البث المباشر الخطيرة، وحذرت من مسخ هويتنا التي يميعها الغزو الفكري والثقافي من خلال برامج التلفاز، واللغة المحلية التي يفسدها التلفاز، والذوق الاجتماعي الذي يشوهه، والروح الاستهلاكية التي يشجعها وقليلة هي الدراسات التي تتناول مشكلة التلفاز من منظور شرعي، على أساس الحلال والحرام، والولاء والبراء، والصلاح والفساد. اعرفْ هذا العدو من نعوته وأسمائه: نحن لا نعجب أن فُتن بنو إسرائيل (بالعجل الذهبي) وأُشربوا في قلوبهم حبه كما قال تعالى: [وأشربوا قلوبهم العجل بكفرهم] [البقرة: ٩٣] . لكن نعجب من مسلمين موحدين حنفاء أشربت قلوبهم حب (العجل الفضي) فقطعوا الساعات الطوال أمام الشاشة الفضية، عاكفين في محرابه في صمت ومتابعة مستمرة، فلا يبالون بالصلوات المضيَّعة، وقد شُغِلت عيونهم بمتابعة مشاهد الفسوق والعصيان، استدبروا قبلة الحنفاء واستقبلوا قبلة العجل الفضي. أحسب أنه ما دخل بيتاً إلا أذن بخرابه، وإذا اقتناه متدين بدأ العد التنازلي في التزامه، وإذا اقتناه فاسق مفرط بدأ العد التصاعدي في فسوقه وعصيانه، وبقدر التصاقه وعكوفه عليه بقدر ما يزيغ عن صراط الله المستقيم، ويذوب في صراط المغضوب عليهم والضالين. وصدقني أنك لو تأملت أحوال المنتكسين والمتنكبين الصراط المستقيم، فغالباً ما تجد أن التعلق بالعجل الفضي قاسم مشترك بين أولئك الناكصين على أعقابهم. إن التلفزيون وتوابعه قد يكون مدرسة الإجرام [٢] ، فمن خلال برامجه التي تخدم أهدافاً خبيثة محددة صار مدرسة تربي، وأستاذاً غير أمين يدفع بالأجيال إلى الجريمة والفساد، فيشيع الفاحشة، وينفث روح الجريمة ويقلب القيم رأساً على عقب، ويدرِّب الصغار على الجريمة والانحراف، وينشئ الأبناء على قبول الانحراف والتعايش معه، والانخراط في سلك أهله، فيمتصون هذه المفاهيم، ويستلهمون هذه القيم: يُعَلِّمُهم أن اللصوصية بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والعنف هو أقصر الطريق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرر، وبر الوالدين ذل، وطاعة الزوج رق واستعباد، والنشوز حق، والعفة كبت، والدياثة فن راقٍ رفيع! لقد اهتم أستاذ الإجرام بأساليب نشر الفساد، وكشف للشباب الساذج والفتيات البريئات عن طرق الاتصال بين أهل الأهواء، ولقنهن طرق التحايل على الأهل وخداعهم، وعرض لهم الفواحش بطريقة تحريضية مثيرة. وقد توصلت الدراسات التحليلية إلى (أن التلفاز بما يعرضه من أفلام ومناظر إجرامية أو انحلالية [٣] قد يؤدي إلى انحراف كثير من النشء عن طريق ما تخلفه من خيالات يعيشها. كما تبين من مجموعة ذكور منحرفين قد تناولتهم تلك الدراسة أن أحد الأفلام أثارت فيهم الرغبة في حمل السلاح، وعلمتهم كيفية ارتكاب السرقات وتضليل البوليس، وشجعتهم على المخاطرة بارتكاب الجرائم) . حتى الفتاة لم تسلم من وسوسته وتأثيره الذي أفسد فطرتها، وشوَّه هويتها، فشاع التحرر من القيود الأخلاقية، وظهر التمرد على الأسرة. وأما تأثيره على النشء باغتيال براءتهم ووداعتهم، وإفساد فطرتهم فحدِّث ولا حرج! كيف لا؟ وقد صار موجهاً في عصر يعيش فيه الأطفال يُتماً تربوياً هو المربي والقائد! فشاع الاستخفاف بكل القيم، والسخرية بالمثل الروحية، وأشبع الأطفال بالروح الإجرامية والميول العدوانية. ففي ولاية (ميامي) هاجم اثنان من الفتيان الصغار امرأة فضرباها على رأسها بمؤخرة المسدس، وما إن أغمي عليها حتى قاما بركلها بأرجلهما تماماً مثلما شاهدا في الأفلام البوليسية [٤] . وفي (واشنطن) قام أحد الصغار بسحب وقود سيارة جارهم وصبه عليه وهو نائم، ثم أشعل الثقاب ورماه على الجار الذي أخذ يركض والنار تلتهمه، وكان عمر هذا الصغير ست سنوات [٥] ! ! ملوّث البيئة الأخلاقية: إن أثر التلفزيون وتوابعه يكاد يكون من أخطر أنواع التلوث الأخلاقي، وأعمقها في نفوس البشر خصوصاً الشباب والأطفال. يقول (يوري ديو زيكوف) أخصائي الاجتماع: (إدمان مشاهدة التلفاز وباء سيكولوجي جديد يعم كوكبنا؛ إنه إذ يسلِّينا يلوث طبيعتنا السيكولوجية والحِسِّية) [٦] . مخرّب البيوت: إن التلفاز له دوره في تحطيم الاستقرار الأسري، والتفريق بين المرء وزوجه؛ فمن وسائله ووسائل توأمه الفيديو في تنغيص الحياة الزوجية ما يلي: ١ - يدفع الزوجات إلى المقارنة بين حياتها ومستواها المعيشي وبين ما تراه على الشاشة من الكذب والمَشَاهِد، فتنقم على حياتها، وتزدري نعمة الله عليها، وتجحد فضل زوجها عليها، وتنسى المسكينة أن ما تراه ما هو إلا (تمثيل) . ... ٢ - التزوير العاطفي من إبراز الزوجة (التلفزيونية) في غاية الرقة واللطف في معاملة زوجها التلفزيوني، وإبراز الأخير في صورة العاشق الموله بزوجته، فتنبعث مشاعر الحسرة والألم من قلب الزوج المشاهد، والزوجة المشاهدة، وينسى الاثنان أن هؤلاء لا يعرفون حياة (الأسرة) ولا قيمها، وإنما يتقنون فقط ... تمثيلها [٧] ! ٣ - افتتان المشاهدين والمشاهدات بما يرون من صور؛ حيث قال أحدهم لمجالسيه وهو يحدق في صورة المذيعة: (بالله عليكم أهذي امرأة، وأم فلان - يعني زوجته - امرأة؟) [٨] . ٤ - إشاعة الأفكار الهدامة المعادية للإسلام من خلال التمثيليات والأفلام التي يكتبها من لا خلاق لهم، فيسوغون الخيانة، وتبرير الفاحشة، ونفث سموم ما يسمى بالحرية الشخصية بمفهومها الإباحي، وتحريض المرأة على التمرد على أبيها وزوجها، والتنفير من أحكام الشريعة المطهرة في قضايا: الحجاب، والطلاق وتعدد الزوجات، ونحوها. هاتك الأستار: الإسلام دين الستر، ندبنا إلى ستر العورات الحسية والمعنوية على المستوى الفردي والجماعي، وحرم الإسلام إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، قال - تعالى-: [إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون] [النور: ١٩] وأحاط الخلوة بين الزوجين بالسرية والاحتشام والستر، فجاء (هاتك الأسرار) ليمزق الحجب، ويقتحم الأعين البريئة فيغتال براءتها، ويفسد فطرتها، فيتولى الإلحاح في عرض صور النساء في أبهى زينة وأكمل فتنة. وبينما يحرم الإسلام هتك أسرار الزوجية المغيَّبة، إذا بـ (هاتك الأستار) يحول الغيب شهادة، والخبر معاينة، قال ﵊: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها!) [٩] . إن من أسوأ آثار التلفاز وأضرار توابعه هو خدش الحياء، وتحطيم القيم، ونشر الرذيلة، وقتل الغيرة على حرمات الله التي هي مادة حياة القلب. ولا ريب أن توالي هذه المشاهد المسموعة وتكرارها يجعلها مع الوقت شيئاً عادياً، فيروِّض المشاهِد على غض الطرف عن الفضائل وقبول الخيانة الزوجية، إلى غير ذلك من الأحوال، ألا ترى أن السذج صاروا يقبلون أن يحتضن رجل بنتاً شابة؛ لأنه يمثل دور أبيها! فلم يعودوا يستنكرونه. وتعجب أن ترى الزوج المسلم يجلس مع زوجه وبناته وأبنائه في محراب العجل الفضي وهم يرون ما يعرضه من مشاهد إباحية، وتسكر أهله تلك المشاهد، ويلذ لزوجته وبناته وأبنائه هذه المناظر وهو قرير العين، قد استنوق، ثم هو يضحك ملء فيه، وينام ملء جفنه! وهكذا تتعود القلوب رؤية مناظر احتساء الخمور والتدخين، وإتيان الفواحش [١٠] ، والتبرج والاختلاط، وتألف النفوس هذه الأحوال ويكون ... (التطبيع) مع المعاصي والكبائر والدياثة؟ ! محرقة الحياء: إن من أخطر مفاسد التلفاز هو القضاء على ذلك الخلق الفطري الأصيل لدى العذراوات. فجاس الممثلون والفنانات والراقصات خلال تحصيناتنا الأخلاقية فدمروها تدميراً، وصاروا هم الأساتذة والموجهين و (الأبطال) وكان (إحراق الحياء) وتبخيره هو أول مقاصد القوم بأبنائنا وفتياتنا. قال العلاَّمة عبد الله بن حميد: (هل ينتظر من النساء قطرة من الحياء وهن كل ليلة ينسللن من كل حدب إلى حيث تمثل روايات الغرام المهيجة على شاشة التلفاز؛ حيث ترى المرأة بعينيها كيف يعمل العاشق مع معشوقته وما يقع بينهما من الآثام والكلمات الغرامية، وتبادل كلمات التلاقي والشوق المبرح، ترى المرأة هذا وتسمعه بأذنها، وترى ويرى الرجال الرقص الخليع والمخاصرة وغير ذلك، ولو أنها لا ترى هذا إلا مرة واحدة في حياتها لكفى في فسادها أبد الدهر، ولكنها تراه كل ليلة يتكرر على سمعها وبصرها وهي امرأة ضعيفة.. فما قولك في امرأة هذه حالتها؟ أيبقى شيء من الحياء والعفة؟ فالنفوس مولعة بالتقليد خصوصاً نفوس النساء) . وحينما يُدخِل الأب التلفاز إلى بيته، فإنه يكون قد أحضر لأبنائه وبناته مدرساً خصوصياً مقيماً في البيت، وهو بارع في تلقينهم فنون العشق والغرام، وأصول الفسق والفجور، فينشأ الفتيان على الاستهانة بالخلق، والفضيلة، والشرف، والعفة، وصيانة العرض، فيصور هذه القيم على أنها تافهة لا يتمسك بها إلا السذج والرجعيون [١١] فهل آن لهذا الكابوس أن يرحل عن بيوتنا؟ ألا فليتذكر أولو الألباب [١٢] ؛ فإنه من يُعْط ِمن نفسه أسباب الفتنة أولاً، لم ينجُ آخراً وإن كان جاهداً. آثاره على الصحة: للتلفاز وتوابعه آثار ضارة على الصحة الجسمية والنفسية للعاكفين أمامه. أما أضراره على الصحة البدنية فمنها: ١ - الأمراض التي تنشأ عن ركود الدورة الدموية بسبب تقييد حركة الجسم، وحرمانه من الرياضة والنشاط العضلي. ٢ - الترهل والسمنة التي هي بحق (أم الأمراض) والتي تنشأ نتيجة للطعام التلفزيوني المتميز بالالتهام السريع، والازدراد النهم لكميات كبيرة من المأكولات والمسليات. ٣ - التعود على السهر أمام الشاشة المرتعشة وما يترتب عليه من: أ - تضييع صلاة الفجر: إما بالتخلف عن الجماعة، أو بقضائها في غير وقتها، أو بأدائها في جماعة دون خشوع بسبب الإعياء والنعاس. ب - التقصير في الواجبات الوظيفية: بالحضور إلى العمل متأخراً وفوت المحاضرات الأولى على الطلاب، أو جلوسهم على الكراسي كالكراسي. ج - قلب نظام الفطرة: حيث ينام بالنهار، ويسهر ليلاً مما يترتب عليه تضييع وقت حيوي ثمين قال - تعالى -: [وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا] [النبأ: ١٠، ١١] كما يُحرَمون بركة وقت قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (بُورك لأمتي في بكورها) [١٣] . ٤ - أظهرت الفحوص الطبية للأطفال المتقدمين للمدارس المغرمين بالجلوس الطويل أمام التلفاز إصابتهم بانحناء الظهر وضعف البصر [١٤] . ٥ - الأخطار الناجمة عن التعرض للأشعة الصادرة عن الشاشة التلفزيونية، وفي دراسة تشير أصابع الاتهام إلى دور التلفاز الفعال في إحداث (السرطان) مرض العصر الذي حار فيه الأطباء [١٥] . وقد وجَّهت صحيفة الأهرام للأمهات الحوامل تحذيراً [١٦] من الجلوس أمام التلفزيون كي لا يصاب الجنين بإشعاعاته فقالت: (أكدت نتائج بحث علمي مصري أن تعرض الأم الحامل لمصادر الإشعاع الشديد الموجودة حولنا في كل مكان ينتج عنه تشوهات في الأجنة قد تتسبب في موت الجنين قبل أو بعد الولادة) [١٧] . وينصح الدكتور (محمد منصور) رئيس وحدة بحوث المناعة والطفيليات بالمركز القومي لتكنولوجيا الإشعاع - ينصح السيدات الحوامل وكذلك الأطفال ... (بعدم الجلوس لفترات طويلة أمام أجهزة التلفزيون الملون الموجودة حالياً في معظم البيوت المصرية؛ إذ به مصدر للإشعاع القاتل للجنين، كما أنه يؤدي إلى ضعف الإبصار عند الأطفال إضافة إلى تأثيره على عدسة زجاج النظارة الطبية ومن ثَمَّ درجة ملاءمتها لقوة العين) ا. هـ. وأضاف الدكتور (كروب) قبل موته: (إن شركات التلفزيون تكذب وتخدع الناس عندما تزعم أن هناك حداً أدنى للطاقة الإشعاعية لا تضر.. فالعلم بعد التجارب العديدة يقول: إن أية كمية من الإشعاع مضرة بالجسم على درجات متفاوتة وذلك حسب نسبة التعرض والجلوس أمام التلفزيون) . وأيّد كل من د. هاسل، ود. لامب أقوالَ د. كروب. وطالبت مجلة (الاقتصاد) التي نقلت هذه المعلومات في نهاية مقترحاتها أن على كل أب وكل أم أن يتناولوا مطرقة ضخمة، ويحطموا بها كل ما لديهم من أجهزة تلفزيونية [١٨] . أليس فيما أكدته تلك الدراسات مدعاة إلى إعادة النظر في تلك العلاقة الحميمة الآثمة بالتلفاز ووليده الخبيث الفيديو؟ وهل يحسب العاقل الذي يتهاون في حفظ نعمة العافية ويفرط فيها أنه غير مسؤول عن هذا التفريط؟ ألم يسمع لقول الصادق المصدوق: (لا ضرر ولا ضرار) وقوله ﵊: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه فيمَ فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه؟) [١٩] . ثانياً: أخطاره على الصحة النفسية: يظهر أثر التلفاز وخطره على أهم شريحتين في الأمة: وهما: الأطفال وهم مستقبل الأمة، والشباب حاضرها وعدَّتها. فماذا يبقى للأمة إذا تشرَّب أبناؤها القيم الهابطة، والآفات الفكرية، والعاهات النفسية من المهد إلى اللحد؟ ! - تكاد الدراسات العلمية التي أجريت لدراسة آثار التلفاز على الصحة النفسية أن تجمع كلها على أنه يدرب مشاهديه على الكسل الذهني، ويشيع فيهم روح السلبية، ويجعلهم إمَّعات يميلون مع الريح حيث مالت، وأنه ينفث في روعهم روح (عدم المسؤولية) والاستسلام، والانهزامية، ويصرفهم عن معالي الأمور، ويشغلهم عن الأهداف السامية، ويزيد رقعة الخواء الفكري في نفوسهم [٢٠] . - كما أنه يولد الغلظة في المشاعر، والبلادة في الحس، كما تؤثر المسلسلات البوليسية ومشاهد العنف والقتل على نفسية الأطفال [٢١] ، كما أنه يظهر للصغار أن الكبار يحيون حياة حافلة بالصراع والتنافس فيشوه مفاهيمهم مبكراً. - التعود على الضجيج والصخب الذي يضر بحاسة السمع فيسبب كثيراً من حالات الصداع والاضطرابات العصبية والتوتر. ومن أضراره النفسية: تعلق قلب الشباب المراهقين بمذيعة أو ممثلة أو مغنية حسناء، وابتلاؤه بمعصية العشق الذي يتلف الدنيا والدين، والأخطار نفسها يخشى منها على الفتيات اللائي هن أضعف قلوباً وأسرع استجابة لداعية الهوى. المخدر الكهربي: لقد كتب الكثيرون محذرين من إدمان المخدرات والسموم البيضاء، وما أقل الذين انتبهوا لمخاطر إدمان مشاهدة الفيديو والتلفاز، وها هي وسائل الإعلام تنشر سموم هذا المخدر العجيب، إنه يعتبر أمضى وسائل تخدير الشعوب. إن المخدر الكهربائي يعتبر - على حد تعبير (جيري ماندر) (ورقة عمل جاهزة للطغاة والمستبدين) [٢٢] ، يستعبدون بها رعيتهم عن طريق عزل الناس عن فهم أنفسهم، وعن ماضيهم وتراثهم، وتقليل العلاقات الشخصية بين الناس، وفصل عقول الناس عن أجسادهم، ثم إحباط التفكير الحر بكل الوسائل.. بل ربما زرع (المخدر الكهربي) في نفوسهم أن المخدرات والخمر والتدخين هي الوسيلة المثلى للهروب من المعاناة. فتراهم يُهرعون إلى التدخين أو الخمر أو المخدرات لا إلى صلاة الاستخارة أو ذكر الله وقراءة القرآن والدعاء. فهو يسرق سمعك وبصرك وفؤادك، ويجوب بك المراقص والمسابح، والحانات والمسارح، ويطوف بك في المسلسلات والأفلام التي تدور حول قطب واحد هو قيم الحب والغرام، والعشق والهيام وكأن هذه هي المشكلة اليتيمة التي تمزق من الأمة الأوصال، وتتفتت في سبيلها أكباد الرجال، فضلاً عن ربات الحجال! هكذا يجري قتل الإنسان اليوم: بالمهرجانات، بالرقص الخليع، بالأفلام، باللهو الماجن، وبالضحك الهستيري يميت القلب مصداق قوله - عليه الصلاة والسلام -: (لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) [٢٣] . وهكذا يجري مسخ الإنسان وتحويله إلى حيوان مستهلك، أو حيوان قاتل، أو حيوان كاسر، لا فرق [٢٤] . ومن عقاقير الهلوسة التي يوفرها (المخدر الكهربي) لمدمنيه عقار (المجنونة المستديرة) التي في سبيلها تُنفق الأموال، وتشد الرحال، وتهدر الأوقات ويتخاصم الإخوان، وتحترق الأكباد، وتسكب العبرات، وتتعالى الصيحات من الأحشاء الملتهبة. إن عقار (الهلوسة الكروية) نقل عقول الأمة إلى أقدامها، وتعاطاه الرجال والنساء، والشباب والشيبة، والمراهقون والأطفال وفي سبيله خُرِّبت المساجد، وهُجرت حِلَقُ الذكر واشتعلت النزاعات العائلية، وضُيِّعت الواجبات الدينية والالتزامات الوظيفية. فمن المسؤول عن هذا (الخبل الكروي) الذي طغى على عقول أكثر الناس اليوم؟ إنها - بلا شك - (الشاشة المخدرة) التي تذل الناس بهذا العقار، وتستعبدهم بهذا الإدمان [٢٥] ! إن أمة هذه حالها تحتاج بالضروة إلى تحليل نفسي، وعلاج قلبي، وتحويل جذري إلى وجهة أخرى نحو معالي الأمور، إنها بحاجة إلى من ينقذها من هذا (الإدمان) لتقوم من رقدتها، وتفيق من غفلتها، إنها بحاجة إلى أن تعرف أعداءها الرابضين خلف الشاشة الذين يُهرِّبون من خلالها هذا العقار الخبيث في غير كتمان وخفاء، بل في وضوح وجلاء، ليصدوهم عن ذكر الله وعن الصلاة، وليشغلوهم بهذا اللهو عن حقوقهم وواجباتهم، ليعيشوا انتصارات وهمية، وهزائم خيالية بعيداً عن واقع الحياة، بعيداً عن الرسالة التي حملتها خير أمة أخرجت للناس. يا أحفاد أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي وصلاح الدين إن (البطل) ليس الذي يتقن اللهو الباطل واللغو الفارغ لتكون راية فريقه العليا، ولكن البطل هو الذي يعمل بالإسلام، ويغيظ أعداء الله، ويجاهد في سبيل الله لتبقى كلمة الله هي العليا. يا أصحاب بدر، والقادسية، وحطين، والقسطنطينية! القدس تستصرخكم، والأقصى يناديكم، وإخوانكم في العقيدة مشردون في الأرض، وحرمات الله تنتهك، والفقر والجهل والمرض يخيم في أكثر بقاعكم، وأنتم تستغيثون ربكم - بلا حياء- في ساحات اللهو: (يا رب - يا رب) ! هلم نصنع المجد في المساجد، ثم المدارس والجامعات، والمعامل والمصانع حتى نخرج من وهدة التخلف، ونطهر بلادنا من وحل المعاصي، ومستنقع الفن العفن. هيا نمضي إلى الهدف: (إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) . دوره في التغريب: تطورت أساليب الغزو الفكري وتنوعت طرائقه؛ ففي دراسة أجراها اليونسكو تذكر: (إن إدخال وسائل إعلام جديدة وخاصة التلفزيون في المجتمعات التقليدية أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى مئات السنين، وممارسات حضارية كرسها الزمن) [٢٦] . وفي تعليقه على دخول البث المباشر إلى تونس قال الأستاذ فهمي هويدي: (خرج الاستعمار من شوارع تونس عام ١٩٥٦م ولكنه رجع إليها عام ١٩٨٩م لم يرجع إلى الأسواق فقط، ولكنه رجع ليشاركنا السكن في بيوتنا، والخلوة في غرفنا، والمبيت في أسِرَّة نومنا. رجع ليقضي على الدين واللغة والأخلاق، كان يقيم بيننا بالكره، ولكنه رجع لنستقبله بالحب والترحاب، نتلذذ بمشاهدته، والجلوس معه، إنه الاستعمار الجديد لا كاستعمار الأرض وإنما استعمار القلوب، إنه الخطر الذي يهدد الأجيال الحاضرة والقادمة، يهدد الشباب والشابات والكهول والعفيفات، والآباء والأمهات) [٢٧] . إن أهداف البث المباشر الذي يجوس خلال ديار المسلمين نلخصها في النقاط الآتية: ١ - تسميم الآبار الفكرية التي يستقي منها شباب المسلمين، وإضعاف مناعتهم عن طريق تسويق القيم والسلوكيات الغربية لتذويب انتمائهم الإسلامي. ٢ - تجميل الوجه القبيح للحضارة الغربية، وإخفاء حقيقة هذه المجتمعات التي وإن تقدمت في الحضارة المادية - فإنها انتكست بالإنسان إلى أحط من مستوى القردة. يقول حمدي قنديل: (المعروف أن القردة هي التي تقلد الإنسان، ولكن إنسان العالم الثالث قد اختار أن يقلد قردة أوروبا) [٢٨] . ٣ - القضاء على الأخلاق الإسلامية كالحياء والطهارة والعفة عن طريق نشر الخنا والرذيلة وتزيين السلوك البهيمي للغربيين. ومن ثم لا يتعذر عليك جواب التساؤلات الآتية: - لماذا تحرص أمريكا وأوربا - وبخاصة فرنسا - على دعم البث المباشر في بلاد المسلمين؟ - ولماذا يقدمون هذه الخدمة المجانية وينفقون عليها من أموال شعوبهم الراضية بذلك؟ ففي الوقت الذي يشجع فيه الغرب البث المباشر إلى بلاد المسلمين تتعالى صرخات مفكريهم وساستهم شفقاً من الغزو الأمريكي مع انتمائهم إلى ملة واحدة وحضارة مادية واحدة! [٢٨] . فهل آن الأوان أن يفر المسلمون من دجال العصر، ويطهروا بيوتهم من هذا الرجس والنجس، ولا يُفْرِطُوا في الثقة بأنفسهم أنهم لن يتأثروا بفتنته؛ فإن البطولة ليست أن تتعرض للفتن وتثبت؛ ولكن البطولة هي ألا تتعرض للفتن أصلاً. آثار التلفاز الاجتماعية والنفسية على الأطفال: إليك أقدم الآثار المرعبة على أطفالنا من جراء هذه الأجهزة الشيطانية: ١ - يحرم الطفل من التجربة الحياتية الفعلية التي تتطور من خلالها قدراته إذا شغل بمتابعة التلفاز. ٢ - (يحرم الطفل ممارسة اللعب الذي يعتبر ضرورياً للنمو الجسمي والنفسي فضلاً عن حرمانه من المطالعة والحوار مع والديه) [٢٩] . ٣ - التلفاز يعطل خيال الطفل لأنه يستسلم للمناظر والأفكار التي تقدم له دون أن يشارك فيها، فيغيب حسُّه النقدي وقدرته على التفكير [٣٠] . ٤ - يستفرغ طاقات الأطفال الهائلة وقدرتهم على الحفظ في حفظ أغاني الإعلانات وترديد شعاراتها. ٥ - يشبع التلفاز في النشء حب المغامرة، كما ينمي المشاغبة والعدوانية عن طريق محاكاة الممثلين ويزرع في نفوسهم التمرد على الكبار والتحرر من القيود الأخلاقية [٣١] . ٦ - يقوم التلفاز والفيديو وكذا البث المباشر - نافذة المجون والضياع - بإثارة الغرائز البهيمية مبكراً عند الأطفال، وإيقاظ الدوافع الجنسية قبل النضوج الطبيعي [٣٢] مما ينتج أضراراً عقلية ونفسية وجسدية. ٧ - يدعو التلفاز وتوابعه النشء إلى الخمر والتدخين والإدمان ويلقنهم فنون الغزل والعشق. ٨ - للتلفاز دور خطير في إفساد اللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وتدعيم العجمة، وإشاعة اللحن. ٩ - تغيير أنماط الحياة - الإفراط في السهر، فأفسد الدنيا والدين كما يرسخ في الأذهان أن الراقصات والفنانات ونجوم الكرة أهم من العلماء والشيوخ والدعاة والمبتكرين [٣٣] . ماذا يقول العقلاء والمنصفون؟ إن أي عاقل يتفكر في أضرار هذه الأجهزة ومفاسدها لا يتردد في اتخاذ القرار الحاسم بوضع حد لآثارها السلبية وعربدتها الشيطانية في البيوت. فقد ناشد (هيلموت شميت) مستشار ألمانيا الغربية السابق (الآباء والأمهات أن يغلقوا أجهزة التلفزيون على الأقل يوماً واحداً خلال الأسبوع، وقد رفض رئيس جمهورية فنزويلا أن يسمح بإدخال التلفزيون الملون إلى بلاده، زاعماً أنه سيكون دافعاً جديداً لزيادة الروح الاستهلاكية المحقونة) [٣٤] . ذهب الكاتب الأمريكي (جيري ماندر) في كتابه (أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون) الذي أودعه خلاصة تجربته في حقل الإعلام إلى القول: (ربما لا نستطيع أن نفعل أي شيء ضد الهندسة الوراثية والقنابل النيوترونية، ولكننا نستطيع أن نقول (لا) للتلفزيون ونستطيع أن نلقي بأجهزتنا في مقلب الزبالة؛ حيث يجب أن تكون، ولا يستطيع خبراء التلفزيون تغيير ما يمكن أن يخلفه الجهاز من تأثيرات على مشاهديه، هذه التأثيرات الواقعة على الجسد والعقل لا تنفصل عن تجربة المشاهدة) [٣٥] . وأضاف: (إنني لا أتخيل إلا عَالَماً مليئاً بالفائدة عندما أتخيل عَالَماً بدون تلفزيون، إن ما نفقده سيعوض عنه أكثر بواسطة احتكاك بشري أكبر، وبعث جديد للبحث والنشاط الذاتي) [٣٦] . حكى الأستاذ مروان كجك أن صديقاً له زار أستاذه الجامعي في بيته وكان هذا الأستاذ نصرانياً، فلاحظ الأخ أنه ليس لدى أستاذه تلفزيون فسأله عن سبب ذلك فأجاب: (أأنا مجنون حتى آتي إلى بيتي بمن يشاركني في تربية أبنائي؟) [٣٧] . يقول الكاتب محمد عبد الله السمان مشيراً إلى حلقة تلفزيونية استضيف فيها بعض طلبة مدرسة معروفة للمتفوقين يقول الكاتب: (كان المتوقع أن تكون الحلقة إلى آخر دقيقة فيها من الحلقات الجادة التي يتلقى منها سائر الطلبة دروساً في التفوق. وسأل مقدم البرنامج الطلبة واحداً واحداً عن مثله الأعلى في الحياة، وكانت الإجابات مذهلة؛ فالمثل الأعلى لدى الطلبة المتفوقين هم على الترتيب ولست أدري أهو ترتيب تصاعدي أم تنازلي؟ : عبد الحليم حافظ، بليغ حمدي، نزار قباني، محمد عبد الوهاب، أنيس منصور. قلت تعقيباً على هذه الإجابات: لم أكن أنتظر من هؤلاء المتفوقين أن يقولوا: إن مثلنا الأعلى هو أبو بكر أو عمر أو علي أو خالد بن الوليد، بل كنت أتوقع أن يقول واحد منهم: إن مثلي الأعلى هو: أبي) [٣٨] . ألم يَأْنِ للبيوت المسلمة الواعية المستنيرة أن لا يدخلها تلفزيون بعد اليوم؛ فهذه الأجهزة لا تساهم في تربية مستقيمة صالحة تعيننا على صياغة رجال الغد، وأمهات المستقبل (إنني أُطمئن الذين يستعدون للتخلي عن تلك القنوات الفضائية بأنهم لن يخسروا شيئاً ذال بال) [٣٩] بل ستربح أسرهم كثيراً، فليس من العقل أو الإنصاف بعد كل هذا احتمال هذا الكم الهائل من الضرر في دين المرء ودنياه مقابل تلك الفوائد التي لا تكاد تذكر أمام هذا الركام المدمر من البرامج السيئة القصد. فيا قومنا إن هذه الأجهزة ليست عفوية؛ بل هي أجهزة تربوية وتعليمية بالغة الخطورة، تعمل على نسف الأسس الصحيحة للتربية السليمة، إنها - والله - معاول هدم وتدمير للتحصينات الأخلاقية. يا قومنا إن من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولاً لم ينج آخراً وإن كان جاهداً، وهل إن تحكمت في هذا الجهاز أثناء وجودك فهل تضمن أن تنضبط الأمور عند غيابك حين يكون الجهاز بين يدي أهلك وأولادك؟ ! فعلى المسلم الحقيقي أن يحتاط لدينه، وعرضه، وتربية أسرته وأولاده، ولا يتأتى ذلك إلا بإبعاد هذا الخطر الداهم، وهذا الكابوس الجاثم على أنفاس البيت والأسرة. وأي خطر على العرض والشرف والأخلاق أكبر وأعظم من البرامج والسموم التي تنفثها هذه الأجهزة لمسخ هويتنا والقضاء على قيمنا [**] . نحن لا نرفض التقنية، ولكننا نرفض المحتوى الإعلامي الهدام، وإننا لندعو الله أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه البشرية أن تفيد من هذه المخترعات الفذة كالفيديو والتلفاز والكمبيوتر، وأن تقف مع البشرية لا مع أعدائها، ولن يتأتى ذلك إلا حين تصبح المؤسسات الإعلامية في أيد أمينة شديدة الإحساس بما ينفع ويضر.

стр. 3226

دراسات إعلامية قراءات هادئة.. في القنوات الفضائية عبد العزيز بن محمد الخضر منذ زمن بعيد وفي السنوات الأولى من هذا القرن، وقبل أن تعرف البشرية هذا الحجم من التقدم التقني، وقبل أن تظهر مخترعات عديدة كانت هناك قصة من قصص الخيال العلمي اسمها: (الآلة تتوقف) رسم فيها الكاتب رؤية مستقبلية يتخيل ويحلم بعالم توجد فيه شبكة إلكترونية يرتبط بها كل فرد؛ حيث يجلس الناس في غرفهم ويحكمون إغلاقها، ولا تنقطع الصلات بينهم مع أنهم في هذه الغرف المغلقة! ! شيء غريب أن لم تعد هذه القصة الخيالية غريبة! ! ما زال العالم يتجه إلى مغامرة معرفية غير مسبوقة في التاريخ لها خصائصها المتجددة، وغير محدودة الأفق، وأصبحت حدود الزمان والمكان متداخلة بسبب تكنولوجيا المعلومات والطرق السريعة لها؛ حيث تشبه الثوراتُ الدوائرَ؛ إذ ليس لها بدايات أو نهايات، وهي عبارة عن سيل لا ينقطع من التغيير انطلاقاً من الماضي الذي يقع خلف حدود الذاكرة وانتهاء بالمستقبل الذي يقع خارج حدود التصور. وتبدو ثورة الاتصالات عبارة عن فكرة تحدد كوناً من التغيير الذي انطلقت حركته بفعل التوسع الإلكتروني للمعرفة البشرية والتجربة البصرية لشعوب العالم كافة تقريباً ضمن بُعد حدود الزمان والمكان؛ إذ - ولأول مرة في التاريخ - نجد الغني والفقير، الأمي والمتعلم، عامل المدينة وفلاح الريف يتصلون معاً عبر صور الحياة العالمية، ومن الجار المحلي إلى أبعد مدينة [١] . لقد شاء الذي [يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير] [الملك: ١٤] أن تصل البشرية إلى هذه المرحلة! في هذا الوقت: أين هي تصوراتنا المستقبلية ورؤيتنا الاستراتيجية؟ ما هي طرق التفكير في التعامل مع هذا الواقع الذي يحيط بنا؟ ما هي الأسس العلمية والمنهجية التي نملكها؟ وما هي الدراسات والتأملات العميقة التي تفكك هذه الظاهرة؟ وهل آن الأوان لرسم خطوط جديدة في العقل والرؤية للأمور لرفع قدراتنا على التقييم: أين المصلحة والمفسدة في المدى القريب والبعيد؟ قراءة في المحتوى (تحليل كمي) : إن هذا التسارع في حركة الاتصالات والبث الفضائي الذي أصاب بالحيرة عقولاً كبيرة من العلماء والمفكرين، يشير بخطورة الانعزال، وعدم الفهم الواضح لمحتوى هذه الفضائيات، والتغيرات السلبية والإيجابية التي قد تحدثها، والاكتفاء بالآراء العامة واجترارها على مدار الأعوام، والشجب العاطفي الذي لن يساهم في تفعيل جهود المصلحين في التعامل مع هذا الواقع المتغير في كل لحظة. وهذه محاولة لوضع تصور عام عن هذا المحتوى لبعض أهم القنوات في العالم العربي، والقيام بتحليل كمي بعيد عن الانتقائية والتصيد للأخطاء، وإنما بصورة موضوعية تُعَد خطوة رئيسة لفتح آفاق أخرى تساعد على رسم حلول ومقترحات للتعامل مع هذا الواقع. وفي هذه الدراسة الموجزة يبدو أن الإحاطة بمضمون جميع القنوات الفضائية التي تبث في فضاء العالم العربي خارج السيطرة؛ لأنها بدأت بالتكاثر بصورة ملفتة للنظر، ويصعب استقصاء الكثير منها، وستقتصر هذه الدراسة على أهم هذه القنوات على قمر عرب سات. ويمكن تقسيم القراءة في المحتوى بما يلي: أولاً: واقع البث الفضائي: تطور الاستخدام العربي للاتصالات تطوراً مثيراً خلال السنوات الماضية؛ فبعد إطلاق القمر الصناعي الأول لعرب سات الذي تعاملت معه الدول العربية بتحفظ شديد في مجال الاستخدام التلفزيوني في البداية تدافعت هذه الدول بعد ذلك لاستئجار ما بقي من قنوات الجيل الأول، ودفعت مقدماً مقابل استئجار قنوات الجيل الثاني، ثم دخلت المؤسسات غير الحكومية الحلبة ونافست القنوات الحكومية [٢] وتم بنجاح مؤخراً إطلاق الجيل الثالث لـ (عرب سات ٣ - أ) . وتبث البلدان العربية الآن من خلال (٢٠) قناة فضائية مفتوحة، وقناتين مشفرتين من داخل البلدان العربية، ومن خلال (٤) قنوات مفتوحة و (٨) قنوات مشفرة من خارج البلدان العربية. إضافة إلى قناة واحدة لكل بلد من البلدان الآتية: المغرب، الجزائر، تونس، السودان، اليمن، عمان، قطر، البحرين، الكويت، الأردن، سورية، موريتانيا، (mbc) . وهناك قناتان لكل من مصر والسعودية art، ولبنان orbit، وأربع قنوات للإمارات العربية المتحدة، وهناك أقنية مشفرة لمصر ولبنان، و orbit وشبكة الأخبار العربية ANN (٢) . ويزداد عدد القنوات العربية باستمرار مع دخول بلدان جديدة مجال استئجار قنوات فضائية أو زيادة بعض البلدان قنواتها، (كما هو الحال في النايل سات) إضافة إلى أن القنوات القائمة تنحو دائماً إلى زيادة ساعات البث؛ ويبلغ مجموع البث بالقنوات العربية حوالي ٣٠٠ ألف ساعة سنويا [٣] . وقد تجنبت معظم الدول العربية اتخاذ موقف محدد إزاء استقبال البث الفضائي، كما تجنبت معظمها إعلان موقف السماح أو المنع، ولم تحدد موقفاً واضحاً محدداً من الصحن اللاقط (الدش) ، ولذلك هي لم تمنعه؛ ولكنها لم تسمح به، ومن المؤكد أن هذا الموقف لا يعود إلى (ضعفٍ ما) أو إلى (عجزٍ مَّا) لحسم الموقف إزاء قضية محددة كهذه بقدر ما يعود إلى اعتبارات متداخلة يفرضها واقع الحياة [٤] . ويطول المقام لو تم التوسع في إعطاء تفصيلات لواقع البث الفضائي في الوقت الحاضر، خاصة مع انتشار أقمار متعددة تبث القنوات الروسية والتركية والأوروبية وقنوات شرق آسيا، إضافة إلى القنوات المشفَّرة. وهذه الدراسة الموجزة مقتصرة على القنوات التي تشاهدها الأكثرية في مجتمعاتنا. ثانياً: تحليل كمي: ما هي المادة التي تشكل مضمون هذه القنوات التي تتسلل إلى عقل المجتمع الذي يستقبله؟ سؤال يصعب الإحاطة به، وهو يحتاج إلى جهود ضخمة من عدة باحثين، وسأقدم هنا تصوراً عاماً وموجزاً عن مضمون بعض القنوات التي تحظى بمتابعة ليست قليلة في العالم العربي. وقد أمضيت وقتاً طويلاً في التفكير حول الأسلوب المناسب والموضوعي لتقييم المضمون لأي قناة، بعيداً عن الآراء الشخصية، بسبب ما يصاحب البث التلفزيوني من تداخلات ومتغيرات يختلف عن أسلوب التقييم لمجلة أو صحيفة. ولتقسيم الموضوعات كانت هناك قائمة طويلة لتوزيع البرامج وتصنيفها لإعطاء تصور مفصل عن المادة التي تُبث، ولكن لكثرة التداخلات وصعوبة التقسيم من الناحية العملية، ووجود تغيرات متجددة كان التقسيم للبرامج وفقاً لقائمة الإطار العام الذي توضع فيه، والذي يبدو كافياً في هذه الدراسة لوضع صورة عامة من قبيل أن تكون خطوة مبدئية ربما تحتاج لتفصيلات أكثر دقة لكافة ما يبث. والتقسيم الذي تم اختياره يتوزع إلى أربعة فروع رئيسة تضم كافة البرامج: القسم الأول: يمكن وضعه في خانة البرامج الجادة: ويضم الأخبار والتحاليل السياسية، والبرامج العلمية والاقتصادية والثقافية والدينية والفكرية، والحوارات التي تهتم بالقضايا الجوهرية في حياة الشعوب. القسم الثاني: يشكل البرامج الفنية: ويضم الأفلام والمسلسلات والأغاني والحوارات الفنية. القسم الثالث: ما يتعلق بالعائلة مما يخص المرأة والطفل. القسم الرابع: يلحق بالمنوعات: كالمسابقات والرياضة والسياحة والتسلية. هذا التقسيم للمحتوى في الحالات العادية، وليس في أوقات المناسبات كالأعياد والمواسم الدينية. والنتائج التقريبية التي ظهرت لنا من خلال التحليل الكمي لبعض أهم القنوات السائدة في فضاء العالم العربي هي ما يلي: ١ - قناة دبي: تمثل البرامج الجادة حوالي ٦٨، ٤٦%، البرامج الفنية حوالي ٩٦، ٣٥%، البرامج العائلية حوالي ٩٣، ٩%، البرامج المنوعة حوالي ٣١، ٨%. ٢ - قناة عجمان: تمثل البرامج الجادة حوالي ٧٥، ٣%، البرامج الفنية حوالي ٥، ٣٢%، البرامج العائلية حوالي ٢٠% البرامج المنوعة حوالي ٧٥، ٤٣%. ٣ - قناة مصر الفضائية: تمثل البرامج الجادة حوالي ١٦، ٢٤%، البرامج الفنية حوالي ٩٥، ٤٣%، البرامج العائلية حوالي ١٢٥، ١٣%، البرامج المنوعة حوالي ٧٦، ١٨%. ٤ - قناة LBC: تمثل البرامج الجادة حوالي ٩٧، ٧%، البرامج الفنية حوالي ٣، ٤٤%، البرامج العائلية حوالي ٦٧، ٢٢%، البرامج المنوعة حوالي ٠٥، ٢٥%. ٥ - قناة المستقبل: تمثل البرامج الجادة حوالي ٦٧، ٧%، البرامج الفنية حوالي ٣٢، ٤٢%، البرامج العائلية حوالي ٥، ٢٨%، البرامج المنوعة حوالي ٥، ٢١%. ٦ - قناة mbc: تمثل البرامج الجادة حوالي ٢٣، ١٨%، البرامج الفنية حوالي ٢٤، ٥٥%، البرامج العائلية حوالي ٩، ٩%، البرامج المنوعة حوالي ٦٣، ١٦%. ٧ - قناة الجزيرة: تمثل البرامج الجادة حوالي ٥٧، ٩٠%، البرامج الفنية حوالي ٥٩، ٠%، البرامج العائلية حوالي ٥٩، ٠%، البرامج المنوعة حوالي ٢٣، ٨%. ٨ - قناة الشارقة: تمثل البرامج الجادة حوالي ٣، ٧٣%، البرامج الفنية حوالي ٣٨، ٦%، البرامج العائلية حوالي ٧٦، ١٠%، البرامج المنوعة حوالي ٥٢، ٩%. ثالثاً: تقييم عام للمحتوى الكمي: قد يكون من الأفضل في التقييم للمحتوى الكمي في البرامج الفضائية أن يكون من خلال قراءة عمودية تتعمق في أجزائها، ولكن للقراءة الأفقية فوائدها التي ترسم الصورة العامة لواقع كبير ومتشعب الجوانب. ومن خلال الاستعراض الموجز لواقع بعض أهم القنوات العربية كانت تلك أهم محتويات المادة التي تغطي ساعات البث دون وضعها تحت مجهر نقدي علمي لمحتوياتها، والنتيجة التي يصل إليها الناقد تعتمد على المنهج الذي ينطلق منه لتقييم مادة البث، وما هي المعايير التي يرجع إليها كمقياس يحكم من خلالها على نجاح أو إخفاق هذه البرامج، ونتيجة " لم ينجح أحد! " قد تكون طبيعة لأكثر القنوات لو تم اعتماد معايير ومفاهيم إسلامية دقيقة. إن القراءة التحليلية المنهجية تحتاج تفصيلات طويلة لا تناسب هذه الدراسة، ولذا سأكتفي بوضع نقاط عامة وملاحظات تكشف بعض الجوانب حول التحليل الكمي السابق: ١- بعد سنوات قليلة من بداية البث الفضائي بدأت في الانتشار ظاهرة القنوات المتخصصة في الأفلام والأغاني والرياضة والأطفال، وهي قنوات مشفَّرة وبرسوم معينة، وعلى النايل سات توجد باقات من القنوات للتعليم بالمراحل الابتدائية والإعدادية والثانوي والفني وتعليم اللغات والجامعة، وقنوات متخصصة بالصحة والأسرة والثقافة، وبدأت مؤخراً القناة الجامعية للتعليم عن بعد لمجموعة art، وقناة المناهج، وستبدأ قريباً قناة خاصة بالشعر الشعبي، وبدأت أيضاً قناة اقرأ في البث. ٢ - يلاحظ أن القنوات الحكومية التقليدية في العالم العربي لها نمط متشابه في النسق العام لبرامجها، وهي تتميز بالقطرية باهتماماتها وخطها الإعلامي الدعائي، والابتعاد عن حاجات الجمهور وواقعه، مما يعفي من الدخول في تفصيلات هياكلها البرامجية، والاختلاف الذي يجدر ذكره فيما بينها هو في معايير الرقابة على الأفلام لبعض المشاهد وبعض الأفكار الثقافية والسياسية. وقد انقطع حبل السرة الذي يربط محطات التلفزيون العربية العامة بالجمهور، وهذا تعبير الشكوى من أحد المسؤولين العرب من كثرة القنوات المتاحة، بل حتى داخل الأسرة الواحدة تعددت الاتجاهات؛ فلكل واحد منهم قناة خاصة [٥] . ٣ - هناك أهمية خاصة لمعرفة حجم المشاهدين، ويربط عاد بحصص وحجم الإعلانات، وتوجد دراسات متعددة في بعض المجلات على مدار السنوات الماضية حول حجم الإعلان لبعض القنوات، ولكن التغيرات تحدث سنوياً في هذا الشأن، وقد أشارت مؤخراً مجلة الاقتصاد والأعمال، تحت عنوان: (الإعلام المرئي والمأزق المخفي) الذي يبدو فيه أن جميع القنوات تعاني من أزمة في هذا الشأن؛ حيث تدنت أسعار الإعلان بصورة كبيرة نظراً للتنافس الشديد، وأيضاً لتدني أسعار النفط بالفترة الأخيرة؛ حيث أشارت إلى أن حصة الأسد تتوزع على منافسين هم: mbc، LBC، المستقبل تبالغ كثير من المحطات الفضائية بالتركيز على الترفيه والإغراءات بالمعنى المبتذل، art، أوربت، شوتايم، الجزيرة، وهناك من يضيف قناة دبي والفضائية المصرية [٦] ويُلاحظ في المستقبل، LBC، حجم أكثر في الإعلانات لعدة أسباب منها منهجها الإعلامي القائم على إثارة الغرائز. أما القنوات الإخبارية فلا يمكن لها أن تنافس في الإعلانات التي تخص المرأة والطفل. ٤ - إن التحليل الكمي للبرامج من خلال عينة زمنية لمدة أسبوع أو شهر أو أكثر ربما لا يسعف كثيراً في إيجاد دلالات عميقة ما لم توضع المعطيات ضمن إطار تحليل النسق من أجل استيعاب الكيفية التي يقوم عليها هذا المضمون أصلاً وفروعاً [٧] ، خاصة أنه يلاحظ عدم وضوح الأهداف والوظائف لدى المحطات، مما أدى إلى استحالة وضع خطة برامجية شاملة ومتوازية في القنوات الفضائية؛ خطة قادرة على تحديد نسب متوازية لمواد البرامج المختلفة حسب أولويات معروفة مسبقاً. لهذا يلاحظ في الدورة البرامجية لقنوات عديدة أن ما يخصص للثقافة - مثلاً- يختلف كلياً بين دورة وأخرى، سواء من حيث الزمن المخصص أو من حيث المواضيع المطروحة، والأمر نفسه بالنسبة للمواد الأخرى، ويلاحظ أن النسبة ترتفع أحياناً للمادة وتنخفض أحياناً أخرى دون سبب واضح؛ لذا فإن تذبذب الأولويات في الدورات البرامجية وعدم تناسب البرامج مع حاجات التنمية واضح؛ وكثيراً ما تلعب المصادفة أو مدى توفر مادة معينة دولاً في زيادة حجم المواد المخصصة لموضوع ما؛ لذا فهي تتميز بالعشوائية والمصادفة لبعض القنوات، ومع هذا فالتغيرات ليست كبيرة، والنسق العام للبرامج لقنوات مضت عليها سنوات عديدة يعطي التوجه والاستراتيجية العامة لهذه القناة أو تلك. ٥ - النسب العامة التي سبق استعراضها تشير بوضوح إلى الحضور الكبير للبرامج الفنية وما يلحق بها من أفلام وأغانٍ ومسلسلات تقترب من نصف ساعات البث، وهي مؤشر واضح إلى العجز الكبير الذي تعانيه هذه القنوات في إنتاج برامج متنوعة وجادة تغطي ساعات البث الذي تلتزم بها كل قناة. وهناك حضور لا بأس به للبرامج الجادة، ويمكن اعتبارها نسبة ضئيلة إذا تم توزيعها على عدة أنواع من البرامج في الدين والقضايا السياسية والاقتصادية والثقافية، ويستثنى منها الحضور القوي لقناة الجزيرة باقترابها من أن تكون إخبارية متخصصة، وما تحويه من مضامين جادة تصل إلى ٩٠%، وقد شكلت قفزة نوعية كبيرة في عالم الفضائيات العربية أربكت استراتيجيات مستقبلية لدى قنوات أخرى، وساهمت في تحسن بعض القنوات الأخرى من أجل المنافسة، والنخبة المثقفة في المجتمع هم أكثر المتابعين لها. أما البرامج العائلية والخاصة بالمرأة والطفل، والبرامج المنوعة، فلا يبدو أن هناك إشكالية في الوقت المخصص لها، إلا أن بعض المضامين تحتاج شيئاً من المراجعة. ٦ - تبالغ الكثير من المحطات الفضائية العربية في التركيز على جوانب الترفيه والتسلية - بالمعنى المبتذل لمفهوم الترفيه - مع التركيز على جانب الأفلام والمسلسلات وإبراز شخصيات فنية، وبالمقابل يحدث نقص واضح في الاهتمام بجوانب تهمُّ المواطن العربي بما يتعلق بالتنمية ومشكلاته الحياتية. وفي العالم النامي تسود عقلية من أصحاب القطاع الخاص في الابتعاد عن الأشياء الجوهرية والميل إلى القضايا الهامشية، بمعنى أن الهرم مقلوب كما هي عادتنا في كثير من الأمور! ٧- التحليل الكمي ربما يعطي صورة موضوعية بوجه عام، إلا أن تقارب النسب بين بعض القنوات في هيكلة برامجها، لا يدل على تقارب مضمونها السلبي أو الإيجابي فيما بينها؛ لأن بعض القنوات كالمستقبل، و LBC غالبية برامجهما تملك منهجاً تغريبياً واضحاً وبنسبة كبيرة في كافة ما يُبث حتى في البرامج العائلية والأطفال. ٨ - هناك أوقات ميتة تتخلل البث اليومي وأوقات حية يدركها صاحب الرسالة الإعلامية، لذا تتركز معظم البرامج الرئيسة لكل قناة في الوقت الذهبي، أما الأوقات الميتة فيتم استغلالها في إعادة البرامج، وبرامج أخرى ليست جماهيرية، والوقت الذهبي يكون عادة فيما بين الساعة السادسة والساعة العاشرة مساء بتوقيت جرينتش، ويلاحظ أن هذه الفترة الحية كانت تشكو في بدايات نشوء هذه القنوات في أول التسعينات من طغيان المادة الفنية والترفيهية إلى حد التخمة، وتدريجاً بدأت تزداد المساحة في هذه الفترة للبرامج الجادة والحوارية؛ نظراً للملل الذي أصاب المتابع، ولظهور قنوات متخصصة وأخرى جادة مما أشعر بعض القائمين أن المشاهد لا تستهويه دائماً المواد الهابطة، حتى بدأ يلاحظ أنه - في وقت واحد - تبث عدة برامج حوارية جادة على الهواء مباشرة في أكثر من قناة. وهذا التحسن يبقى محدوداً؛ خاصة مع إصرار بعض القنوات على جعل المواد الدينية دائماً في الأوقات الميتة، واستغلال هذه الفترة الذهبية في عرض برامج وأفلام تتكئ على إثارة الغرائز. ٩ - وجود عدد كبير من البرامج الحوارية المباشرة وغير المباشرة، وهي تأخذ مساحة واسعة من الوقت يصعب عادة وضع ميزان دقيق لها وتصنيفها من خلال عينة زمنية محددة؛ لأن البرامج الحوارية قد يكون ضيوفها من أصحاب الفن من الممثلين والمغنين والعاملين في المجال الفني، أو شخصية سياسية أو عسكرية، أو شخصيات ثقافية أو دينية، إلا أن توجه القناة العام من خلال سنوات عديدة يعطي مؤشراً على نسبة الضيوف ونوعيتها، ولكن المتابع يجد أن أغلب القنوات التي يطغى التوجه الفني على برامجها هو التركيز على الضيوف من أهل الفن بكافة تخصصاتهم، لدرجة أن الشخصية الفنية ربما أُجريت لها مقابلات متعددة في أكثر من قناة في أوقات متقاربة، ولا تُترك شاردة ولا واردة إلا قيلت في حياة الفنان، مما يشعر المشاهد بالتشبع حتى لمن يهوى الجانب الفني. ١٠ - من الأشياء التي لا تخفى على المتابع أن البث الفضائي الأجنبي أكثر تنظيماً ولا يعمل في فراغ، ولديه حسابات تبعده عن التسلية المجردة لإنجاح مشاريعه، وهي تمثل أفكار مالكيها من دول أو مؤسسات أو أفراد، ووجود هذا البث بما يملكه من آليات وتكنولوجيا متقدمة ظاهرة موضوعية نتيجة اختلاف موازين القوى في العالم لصالح الجانب الغربي. والبث الأجنبي يحتاج إلى وقفة مستقلة لحصر القنوات الأجنبية التي يصل بثها إلى المنطقة العربية. ففي عرب سات توجد قناة الـ CNN الأمريكية وهي قناة إخبارية تمثل الثقافة والسياسة الأمريكية، وقناة TV٥ الفرنسية وهي أيضاً قناة إخبارية تمثل الثقافة والسياسة الفرنسية، وللقناتين جمهور محدود من النخب، ويغلب عليهما البرامج الجادة التي تهتم بالشؤون العالمية. والقنوات المشفرة التي تعرض الأفلام الأجنبية بدأت تأخذ مساحة متزايدة في الساحة العربية، وهي تحمل مخاطر تستحق الدراسة خاصة أن بعض هذه القنوات تقوم بالترجمة إلى اللغة العربية، وهذا يعني أن الخطورة لا تقتصر على المشاهد الفاضحة وإنما الأفكار والمضامين التي تصل إلى عقل المشاهد البسيط. لا تكاد تفرق بين الإعلام العربي والغربي لتداخل مفاهيم عدة في ظل غياب الميزان الأخلاقي. ومما يؤسف له أنك قد لا تجد فوارق كبيرة بين ما يبثه الإعلام العربي والإعلام الغربي؛ حيث تداخلت مفاهيم عديدة في ظل غياب الوعي الإسلامي الذي يحافظ على القيم والأخلاق، وغياب القدرة على إنتاج مواد محلية لتغطي ساعات البث الذي يزداد بصورة عشوائية؛ حيث تشير أرقام اليونسكو إلى أن المحطات التلفزيونية في العالم النامي تستورد أكثر من ٥٠% مما تقدمه، وأن أكثر من ٧٥% من هذه المادة المستوردة من منشأ أمريكي [٨] . وبعيداً عن أدبيات اتهام الآخر فإن الثقافة أصبحت صناعة وسلعة تُنتج وتُباع وتُشترى ويتم تبادلها، وتسيطر عليها الشركات المتعددة الجنسيات، وتَحوَّل الجمهور إلى سوق واسعة يجب استثمارها، وظهرت أسواق تجارية لمحاصيل ثقافية وفيرة وجاهزة، ففي ١٩٩١م بلغت قيمة صادرات بريطانيا من المواد الثقافية ٢٥ مليار دولار - المرتبة الثانية في الدخل القومي بعد السياحة - بينما الصناعة تحتل المرتبة الخامسة. وفي العام ذاته بلغت قيمة الصادرات الأمريكية ٦٠ مليار دولار، وهو رقم قريب من صادرات السلاح. ١١ - مع حقيقة طغيان المواد السطحية في الإعلام العربي، إلا أنه توجد برامج رصينة وبرامج حوارية ذات فائدة، خاصة أن أغلبها ليست مغلقة، وإنما أصبحت ندوات مفتوحة للجميع على الهواء مباشرة، وتطرح فيها قضايا هامة للمجتمع العربي، فلم يعد الضيف الذي يختاره معد البرنامج داخل غرفة مغلقة يقول ما يريد دون أن يأخذ في حساباته أن التحليل والمعلومة الخاطئة يمكن تعديلها من أحد المتصلين للمشاركة، فأصبح المشاهد في كل مكان رقيب على ما يقوله الضيوف في مثل هذه البرامج، وهذه الأنواع من البرامج تجعل التلفزيون يتجه إلى أن يكون تفاعلياً وليس من طرف واحد. قراءة في التأثيرات: ليس من السهل في هذه القراءة الموجزة استعراض النظريات الرئيسة التي توصلت إليها الدراسات في وسائل الإعلام وتأثيراتها، والتي مرت بثلاث مراحل خلال هذا القرن؛ حيث (لا توجد نظرية واحدة متفق عليها عن كيفية عمل وسائل الإعلام وعن تأثرها وتأثيراتها في الأفراد والنظم والمؤسسات الاجتماعية المختلفة؛ وإنما يوجد عدد من النظريات الاجتماعية التي تقدم لنا تصورات مختلفة عن العملية الإعلامية وآثارها الاجتماعية) [٩] . (ولا يختلف اثنان في أن وسائل الإعلام تقوم بدور رئيس في كثير من القضايا، غير أننا لا نعرف حتى الآن تفسيراً علمياً كاملاً عن طبيعة تأثيرات وسائل الإعلام، وعن النظم الاجتماعية العامة من ثقافة وفكر وسلوك ممارَس؛ لأن طبيعة هذه التأثيرات والنظم لها جذور تاريخية واجتماعية ضاربة في القِدَم. ومما يقلل من معرفتنا عن تأثيرات وسائل الإعلام أنه من غير المنطقي أن نتحدث عن وسائل الإعلام وكأنها عنصر فاعل واحد؛ فالحقيقة هي أن العملية الإعلامية تمثل مجموعة كبيرة ومتنوعة من الرسائل والصور والأفكار التي لا يكون مصدرها الوسائل الإعلامية ذاتها؛ فمعظم هذه الرسائل والصور والأفكار تنبع من المجتمع وإليه تعود) . إنه من المهم أن ندرك (أن مضمون الإعلام ليس له تأثير الحقنة التي يحقن بها المريض تحت الجلد فتحدث تأثيراتها المباشرة عليه بكل بساطة. وتأثير التلفزيون هو ثمرة التفاعل الواقعي الحيوي بين خصائص التلفزيون وخصائص مشاهديه، وليس من الإنصاف والموضوعية العلمية أن ننظر إلى التلفزيون على أنه السبب الوحيد في الانحراف؛ لأن الانحراف سلوك معقد للغاية ينجم عن مؤثرات متشابكة لها جذورها في الأسرة والأقران والمدرسة.

стр. 3227

المسلون والعالم ماذا يحدث في داغستان عثمان أمين عيسى أصبحت روسيا - بعد سقوط الاتحاد السوفييتي - بلداً مثيراً، وغير مفهوم، وغدت الدولةالروسية جمهورية محيرة، ليس فقط للذين يعيشون خارجها، أو للأجانب المقيمين فيها؛ بل كذلك لكثير من أهل روسيا أنفسهم. والأحداث التي جرت في داغستان مؤخراً تدخل في إطار تلك الأوضاع المضطربة؛ إذ لا يمكن فهم ما يجري هناك وفي الشيشان دون فهم ما يجري في روسيا؛ فكلامنا عن أوضاع روسيا مفتاح لفهم كثير مما حدث ويمكن أن يحدث في داغستان وغيرها من الجمهوريات الإسلامية التي كانت خاضعة للاتحاد السوفييتي السابق. وقبل الخوض في الأوضاع الروسية من حيث تأثرها بالسياسات الخارجية للدول العربية يحسن بنا أن نلقي نظرة مختصرة على بلاد الداغستان التي تقطنها أغلبية مسلمة: ما شأن هذه البلاد؟ وأين أصبحت داغستان بين الأمس واليوم؟ تقع داغستان في شمال القوقاز [١] وتبلغ مساحتها حوالي ٥٠ ألف كم مربع، وعدد سكانها ٢ مليون نسمة، ٧٠% منهم يسكنون المناطق الجبلية القروية، ٣٠% يسكنون المدن، ويمثل المسلمون نسبة ٨٠% من إجمالي عدد السكان معظهم من السُّنَّة، وتضم داغستان نحو ٣٠ قومية عرقية أبرزها (الأفار) الذين يمثلون ربع السكان، ثم (الدارغيون) ويمثلون ربع السكان. دخل الإسلام بلاد الداغستان في عصر خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وظل أهلها يتكلمون اللغة العربية حتى ألغاها الروس وأحلوا بدلاً منها اللغة الروسية. وتتسم داغستان بأهمية استراتيجية خاصة؛ لأنها المعبر الذي يتم خلاله نقل الجزء الأساس من نفط قزوين إلى (نوفور سيسك) الروسي على البحر الأسود عبر الشيشان وروسيا الجنوبية، وهذا هو (الخط الجنوبي) وهناك خط آخر يمر بشمال داغستان فالشيشان وصولاً إلى (نوفور سيسك) قادماً من كازاخستان، وكانت تحصل روسيا على عائدات سنوية من هذا النفظ تصل إلى خمسة مليارات دولار؛ أما الآن ومع تعطل الخط من الشيشان فهي تحصل على أقل من مليار دولار، وربما تفقد روسيا نهائياً الوصول إلى هذا النفط مع التهديد الذي يواجهها بسبب خطر استقلال الداغستان. ومن المعروف أن منطقة قزوين هي أهم ثاني منطقة حاوية للنفط في العالم، توازي في ذلك منطقة الخليج العربي، بل أحياناً يطلق على منطقة قزوين (الخليج الثاني) ؛ فاحتياطي النفط في قزوين يبلغ ٢٠٠ مليار برميل، يساوي أربعة آلاف مليار دولار. وكما سبق بيانه فإن فهم أوضاع داغستان مربوط بمعرفة ما يجري في روسيا، من تصارع وتناحر على السلطة بين الأحزاب الروسية المختلفة ودور الروس المسلمين الذين هم من أهم العناصر المؤثرة والتي تحرص مختلف الاتجاهات السياسية الروسية للاستفادة من إمكاناتها، ويظهر ذلك من خلال أمرين هامين وهما: أولاً: أن المسلمين يشاركون في سياسة روسيا من خلال مشاركتهم في الانتخابات بكل مستوياتها، وعدد المسلمين الروس يبلغ خمسة عشر إلى عشرين مليون نسمة، وهذا يعني أن عددهم يبلغ ١٢% من عدد سكان روسيا. ثانياً: أن السياسة الروسية تستخدم المسلمين لتحقيق بعض ما تريده باستغلالها لأوضاعهم وحاجاتهم ومطالبهم الأساسية. وقبل الخوض في بيان طريقة تأثير المسلمين بمختلف قومياتهم في الوضع السياسي الروسي يجدر بنا تسليط بعض الضوء على وضع القيادة الروسية الحالية ومقاطع التقاء المصالح بينها وبين الغرب واليهود لنخرج بعد ذلك بفهم واضح لوضع الداغستان ومن قبلها الشيشان ومن بعدها القوقاز كله. إن من الواضح أن مرض الرئيس الروسي (بوريس يلتسين) وإصابته بنوع من عدم التوازن العقلي والنفسي جعل الحديث يكثر في السنة الأخيرة عمن سيخلفه؛ فقد بدأ السياسيون فعلاً بالعمل على إعداد خليفة يلتسين في وقت تنامى فيه التعاطف الشعبي مع الحزب الشيوعي ورئيسه (زجانوف) أملاً في الخروج بروسيا من الوضع الاقتصادي المتردي، وإنهاء حالة الفساد المالي الذي استشرى خلال السنتين الماضيتين، والناجم عن سيطرة مجموعات معينة في نظام يلتسين على الأموال. وحتى المحيطون بالرئيس الروسي لهم مخططاتهم للإعداد لمرحلة ما بعد يلتسين الذي لا يريد أن يتخلى عن الرئاسة بشكل يدعو للاستغراب؛ فكيف لرجل لا يكاد يمكث خارج المستشفى بضعة شهور أن يظل متشبثاً بكرسي الرئاسة على هذا النحو، بل يمارس صلاحيات شبه مطلقة في التولية والعزل بمسوغات غير مفهومة لغير المتابع؟ إن هناك أسباباً يمكن رصدها تقف وراء تمسك يلتسين بالسلطة حتى الرمق الأخير؛ فمن ذلك: مخاوفه من التعرض للمحاكمة - في ظل نظام رئاسي جديد - على الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها هو ومقربوه، بل لقد تقدم برلمانيون بالفعل بطلبات لمحاكمته وهو في منصبه لأسباب عديدة من أبرزها مسؤوليته عن أحداث الشيشان. ومن جهة أخرى كان يلتسين والمقربون إليه ينظرون بتوجس للتعاطف الشعبي المتزايد مع الحزب الشيوعي ورئيسه بعد أن حقق هذا الحزب فوزاً متميزاً على الأحزاب الأخرى في الانتخابات البرلمانية. وحتى الأمريكان والأوروبيون يقلقهم هذا، ولا يخفون انزعاجهم من احتمال أن يُنتخب (زجانوف) رئيس الحزب الشيوعي رئيساً لروسيا، مما يعني عودة الشيوعية بكل مشاكلها المزعجة للغرب؛ فروسيا لا تزال تملك أسلحة ذرية موجهة للغرب، وسوق الروس الآن معتمد على منتجات الغرب، مقابل مواد خام أو شبه مصنعة رخيصة تتدفق على الغرب من روسيا يلتسين بأسعار أقل من الأسعار العالمية. ومما يزيد في أهمية بقاء يلتسين في السلطة في نظر الغرب أنه ليس هناك بديل له؛ لما للرئيس الحالي من شهرة وشعبية نسبية يستطيع بها أن يضبط الأمور في ذلك البلد الكبير. ولكل هذا تجمعت رغبات الغرب مع رغبات المحيطين بيلتسين لتتحد في عمل مشترك يهدف إلى تحقيق خطوتين: الأولى: الإبقاء على يلتسين رئيساً لروسيا والحيلولة دون إسقاطه حتى إيجاد البديل المناسب. الثانية: انتقاء شخص مقرب جداً من يلتسين ممن ينتمي إلى اللوبي اليهودي ليحل محله ضامناً مصالح الغرب واليهود. لذا فإنهم بدؤوا يخططون لذلك ويستغلون الأحداث؛ بل يصنعونها لتصب في تحقيق الأمرين المهمين وهما: إبقاء يلتسين حتى يجهز البديل المناسب لذا فقد استغل حزب الرئيس ومستشاروه حادثة النائب الداغستاني الذي رُفعت عنه الحصانة في البرلمان الروسي لزعزعة الوضع في مناطق الداغستان تمهيداً لإعلان حالة الطوارئ وقطع الطريق على معارضي الرئيس. والقصة - باختصار - هي أنه منذ أكثر من سنة تقدم المدعي العام لروسيا بطلب إلى مجلس البرلمان الروسي لرفع الحصانة عن النائب الداغستاني (نادر حشكلايف) تمهيداً لمحاكمته عن مخالفات قانونية، وبالفعل تم التصويت على رفع الحصانة ولتقديمه للمحاكمة على معاملات وتصرفات له؛ ولكن النائب الداغستاني هرب إلى داغستان؛ حيث تتمتع عائلته بوضع عشائري قوي داخلها، واعتقد أنه أصبح في وضع حماية؛ ولكن السلطات الروسية طلبت من السلطات الداغستانية أن تقبض عليه وتسلمه ليحاكم في روسيا، فاستجابت السلطة الداغستانية، ولما حاولت القبض عليه وقعت صدامات عشيرة حشكلايف بالسلطات في داغستان، وهنا تطور الأمر بصورة غير متوقعة وظهر وجه آخر له - هل هو بتدبير أم لا؟ الله أعلم - حيث بدأ النائب (نادرحشكلايف) يهاجم السلطة الداغستانية باسم الإسلام متهماً إياها بأنها خارجة عن نهج الإسلام! ودعا إلى تطبيق الشريعة في داغستان، وتحول نادر حشكلايف النائب في البرلمان الروسي إلى داعية للإسلام! وأصبح من مناصري الحركة الإسلامية الداغستانية بزعامة الشيخ بهاء الدين الذي يقود مجموعة من الشباب الصادق في وجهته والصالح في منهجه - نحسبهم كذلك والله حسيبهم - وهم يُلَقَّبون في الأوساط الداغستانية بـ (الوهابيين) وقد حدثت بينهم وبين الاتجاهات الصوفية المنحرفة والمتعاونة مع السلطة منازعات كثيرة انتهت بتضييق الخناق على الشيخ بهاء الدين مما أدى إلى هروبه إلى الشيشان. وبالمناسبة فإننا نذكر هنا أن الشيخ لم يكن موافقاً على ما كان يدور في الشيشان أثناء الحرب، وكان يرى أن هذه الحرب ليست دينية، ومع ذلك فقد شارك طلابه دعاةً أول الأمر، ثم أصبحوا مشاركين بالقتال فيها مع الشيشانيين في حربهم ضد الروس، ووقفوا بجانب القائد الشيشاني شامل باسييف ولم يحاول الداغستانيون إظهار دورهم في حرب الشيشان، ولكن السلطة الروسية كانت تعلم بذلك وتتكتم عليه، وكان هذا من أخطاء المجاهدين الداغستانيين؛ إذ إن عدم ظهور دورهم في الحرب الشيشانية ساهم في نزع الصبغة الدينية عن تلك الحرب، وجعلها تبدو وكأنها حرب قومية خالصة. والشاهد هنا أن الشيخ بهاء الدين هرب إلى الشيشان مؤخراً بعد أن أصبح مطارداً من السلطة الداغستانية هو وأتباعه والمتعاطفون معه، ومنهم حشكلايف، وظل في الشهور الأخيرة يعد الرجال والسلاح لمواجهة السلطة في داغستان، واللافت للنظر هنا أن نشاطات الشيخ بهاء الدين في الإعداد للمواجهة كانت تجري تحت سمع وبصر السلطة الشيشانية والداغستانية، وقد غضوا جميعاً الطرف عن النشاط الجهادي الداغستاني لأسباب متباينة. أما السلطة الشيشانية فقد رأت في ذلك فرصة للقضاء على القائد العسكري الشيشاني (شامل باسييف) وهو رجل ذو ميول إسلامية وله شعبية واسعة بين الشيشانيين؛ لما له من روح دينية صادقة واتجاه جهادي، وكان له دوره البارز في الحرب الشيشانية، وقد أصبح شوكة في حلق النظام الرئاسي في الشيشان بزعامة (مسعادوف) الذي يسير في حكم الشيشان على طريقة ترقيعية تحاول إرضاء المسلمين وإرضاء الروس. وأما الروس فقد غضوا الطرف عن نشاطات الشيخ بهاء الدين في مرحلة الإعداد الأخيرة للاستفادة منها أثناء معركة الرئاسة الروسية - كما مر بنا - لتمديد فترة بقاء يلتسين وجمع الشعب عليه ومنه جانب آخر فقد غضت السلطة الداغستانية بدورها الطرف عن ذلك بغرض استدراج الشيخ بهاء الدين إلى معركة غير متكافئة يلقى فيها نهايته؛ فترتاح من نقطة توتر قوية ومؤثرة على أوضاع القوقاز كله. إذن، فاستدراج الإسلاميين إلى مواجهته في داغستان كان قاسماً مشتركاً بين أطراف عديدة، لكل منها أهدافه الخاصة. ويأتي الروس في مقدمة هذه الأطراف، فكيف حاولت روسيا استغلال نشاط الحركة الإسلامية؟ هنا نرجع إلى الخطتين اللتين أعدهما يلتسين ورفقاؤه لمعركة الرئاسة: الخطة الأولى: هي افتعال مشكلة قومية لروسيا، وتصويرها على أنها تهدد وحدة البلاد، وكان الوضع متوتراً في القوقاز ومرشحاً - بعد تفجيره - ليكون ممثلاً لهذه المشكلة القومية، لكي تستغل في إعلان حالة الطوارئ أو تأجيل الانتخابات، أو بأي طريقة أخرى لتصوير الحال على أنها ظرف ضروري وعامل قهري لبقاء يلتسين في الحكم، وفي الوقت نفسه للتخلص من شامل باسييف أو تقليم أظافره لمصلحة روسيا ورئيس الشيشان، إضافة إلى إيقاف نشاط الإسلاميين ذوي المنهج الصحيح في الداغستان لصالح الطوائف الصوفية المتعصبة والسلطات الداغستانية، مع إظهار هؤلاء الإسلاميين بصورة المنتمين إلى دين عدواني دموي لا يعرف الرحمة والتسامح! وللوصول إلى نجاح هذه الخطة حدث ما يلي: ١ - ركز الإعلام الداخلي في روسيا، وتبعاً له الإعلام العالمي على إظهار القائمين بالجهاد على أنهم متمردون شيشانيون من فصائل شامل باسييف، وأن دَوْرَ الداغستانيين جزئي محدود، وركز الإعلام كذلك على أن من بين (المتمردين) عرباً وطاجيك وأفغان، إضافة إلى مجموعات أسامة بن لادن، كل ذلك لإبراز ما يحدث على أنه بمثابة غزو من خارج داغستان وبمساعدة جهات أجنبية تريد التدخل في الشؤون الداخلية الداغستانية. ٢ - التعتيم الكامل من السلطات الشيشانية والداغستانية والروسية على دور الشيخ بهاء الدين ومجموعته، مع أنهم هم الأساس في هذه المعارك، وأن شامل باسييف وغيرهم جاؤوا لنصرتهم فقط - وهذه هي الحقيقة - وللأسف فقد ساهم الشيخ بهاء الدين في تجسيد هذا التصوير الروسي لدور الشيشانيين في الأحداث بحرصه على إخفاء دوره، وفات على الشيخ أن إظهار المعركة بهذه الصورة سيفقده مساندة الداغستانيين؛ لأنهم لا يقبلون بفكرة غزو الشيشان لهم حتى ولو كانوا مسلمين صادقين؛ فالوعي الديني عند غالبية الناس غائب، حتى إنهم لا يفهمون قضية حق المسلم على المسلم في النصرة، فيفهمونها على أنها غزو خارجي! وللأسف فقد اتبع الشيخ بهاء الدين تكتيكاً خطأً مرة أخرى بعمله في الظل مرة ثانية، وكانت نتائج المعارك تنشر من خلال المكتب الإعلامي للمقاتلين الشيشان في جروزني وباسمهم، ليؤكد العنصر الشيشاني أنه هو العنصر الأساس في هذه المعارك وليس الداغستانيين، وكان على الشيخ بهاء الدين ومن معه - إذا كانوا مصرِّين على القيام بتلك المعارك - أن يعلنوا في بداياتها عن هويتهم وأنهم داغستانيون، ويبينون الأسباب لذلك والأهداف من وراء القتال، ثم يعلنون انضمام الشيشانيين لمساعدتهم من خلال منظور الأخوة الإسلامية، وبذلك تنتهي قضية تصوير هذه المعركة على أنها معركة قومية. ومن نتائج هذا الخطأ أيضاً، ظهور شامل باسييف في صورة من يقحم نفسه فيما لا يخصه، وهذا يفقده تعاطف الشيشانيين الذين يمكن أن يستحسنوا قضية إقامة دولة إسلامية في داغستان ولكنهم لن يحاربوا من أجلها. ٣ - كانت الطريقة التي عالجت بها روسيا إدارة هذه المعارك في بدايتها هي الطريقة نفسها التي عالجت بها معارك الشيشان، وذلك بإسناد مهمة المواجهة إلى وزارة الداخلية الروسية بدلاً من الجيش؛ مع علم الروس أن شامل عنده أسلحة ثقيلة من الصواريخ والهاونات والمدرعات وغيرها، وأنهم ليسوا مجرد مجموعة متمردين يحملون رشاشات يسهل القضاء عليهم بقوات الأمن الداخلي. وكذلك تعمدت السلطات الروسية إرسال أعداد غير كافية في بداية المواجهة لإظهار المواجهة في بدايتها على أنها محدودة. ٤ - ظهر حرص القيادة الروسية على عدم إنهاء المعارك بسرعة من عدم سماحها باستخدام الجيش الروسي - بعد انتقال قيادة العمليات إليه - للأسلحة المتطورة التي يمكن أن تنهي القتال بسرعة، ولكن المطلوب كان إبقاء حالة الحرب قائمة حتى تستخدم ورقة في المعركة الرئاسية. وهنا يأتي سؤال مهم وهو: إلى متى تستمر هذه الحرب؟ وهل في استمرارها مصلحة لمسلمي داغستان؟ أم سيجني الروس والنظامان الشيشاني والداغستاني منها ما يريدون؟ والإجابة والله أعلم: أن هذه المعارك ستستمر في الغالب إلا إذا تيقن يلتسين ومجموعته أن ورقة الحرب في القوقاز لن تنفع في معركة الرئاسة، أو إذا غاب يلتسين نفسه - بموت أو غيره - قبل بداية الانتخابات الرئاسية. وكذلك سيحرص الرئيس الشيشاني مسعادوف والرئيس الداغستاني على استثمار هذه الحرب لأقصى درجة لمصالحهما الشخصية، وهنا يبرز سؤال آخر مهم، وهو: هل يمكن أن يستغل الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية هذه المعارك لمصالح تخصهم؟، والجواب: إن الغرب يريد تفتيت روسيا، ولكنه وإن كان يرغب في التعجيل بذلك فإنه لا يريد أن يكون ذلك على أيدي الإسلاميين، كما حدث مع الاتحاد السوفييتي، والغربيون لا يريدون في الوقت نفسه ذهاب يلتسين الآن دون بروز بديل يضمن مصالحهم، وإلا فإن البديل القوي والجاهز الآن هم الشيوعيون؛ والغرب وأمريكا لا يريدون للشيوعية أن تعود إلى روسيا، وهذا سبب إضافي سيجعل موقف الغرب من الحرب منحازاً للطرف الروسي، أو على الأقل غير مبالٍ بما يحدث في داغستان من أمور تدخل في انتهاكات حقوق الإنسان، والغربيون - إضافة إلى كل هذا - يتخوفون من تحول المسلمين في روسيا إلى مركز قوة يضاهي أو ينافس اللوبي اليهودي المسيطر هناك سياسياً واقتصادياً؛ ففرصة المسلمين لاحتلال موقع متميز داخل روسيا ليست صغيرة؛ لأن عددهم داخلها يبلغ أربعة أضعاف عدد اليهود في أمريكا، ونسبتهم في روسيا أكبر من نسبة اليهود في أمريكا؛ لأن عدد سكان أمريكا يزيد على عدد سكان روسيا بنسبة ٥٠%. نعود إلى الخطة الثانية والمعدة بصورة متوازنة مع الخطة الأولى وهي أنه في حال إخفاق حرب القوقاز في تحقيق أهدافها ونتائجها المرجوة لدى الأطراف المستفيدة منها - وهي بقاء يلتسين أطول فترة ممكنة والتخلص من خصومه الآخرين أو إضعافهم - فإن هناك خطة بديلة يتضح للمراقب أنها تنتظر التنفيذ، وتعتمد الخطة البديلة على انتقاء شخص مقرب جداً من يلتسين ممن ينتمون إلى اللوبي اليهودي، فيسير على منهج يلتسين نفسه. وفي الواقع، فإن تلك الخطة يمهد لها منذ سنوات، فمنذ عام ١٩٩٤م عُين أحد الشخصيات من ذوي الميول اليهودية وهو (لشكوف) عمدة لمدينة موسكو، بمباركة من اللوبي الصهيوني في الغرب، وقد حقق هذا الشخص إنجازات كثيرة وبارزة في مدينة موسكو جعلته مشهوراً فيها، إلا أن شهرته لم تتعد العاصمة، وكان ذلك عقبة في سبيل تلميعه وإبرازه على مستوى روسيا كلها؛ فالصلاحيات الممنوحة له محدودة بحدود المدينة (موسكو) ، ولم يكن ممكناً إعطاؤه منصباً أكبر في الحكومة حتى لا تنسحب عليه أخطاؤها، فهو يعد ليُبرَز رجلاً بعيداً عن التورط في أي أخطاء سابقة، ولمزيد من التقوية لموقع (لشكوف) عندما يأتي دوره يتم بين حين وآخر حرق الرجال الأقوياء في الحكومة، بتعيينهم في منصب رئاسة الوزراء ثم إقالتهم، ويتم من جهة أخرى تجسيم وإبراز شخصية لشكوف البديل القوي ليلتسين عندما يرحل، ويجري أيضاً إظهاره على أنه شخصية مضطهدة من رجالات الحكومة الحالية بما فيهم يلتسين، مما يضع حوله هالة من التعاطف، مشفوعة بالإعجاب الناشئ عن إصلاحاته في المدينة الكبرى موسكو، مما يؤهله لإصلاحات أكبر على مستوى روسيا كلها. وقد بدأ (لشكوف) من الآن في الاستعداد للمرحلة المعد لها، فهو ينفصل عن حزب الرئيس يلتسين (ييتنا روسيا) ويكوِّن حزباً يسمى (الأم) حتى لا يتحمل سلبيات الحزب الحاكم، ويحاول في الوقت نفسه جذب شخصيات مرموقة إلى حزبه من الأحزاب الأخرى. أما عن علاقة (لشكوف) بما يجري في القوقاز، فيذكر هنا أنه معارض لهذه الحرب، مع تأكيده على وحدة روسيا وعدم انفصال داغستان أو غيرها عنها، وهو بذلك يحاول اكتساب مشاعر الشعب، ويسترضي الشيوعيين والقوميين وحتى الغربيين بانحيازه إلى الموقف الذي يميلون إليه من تلك الحرب. فهل يتم إخراج (لشكوف) اليهودي الميول من وراء الكواليس إلى واجهة المسرح السياسي في روسيا؟ وهل يكون لبرزوه دور في تفاعلات حرب القوقاز، أم سيستمر مسلسل الاستدراج للإسلاميين هناك على يد يلتسين وزمزته؟ ! الله أعلم؛ ولكن الذي يهمنا في هذه الأحداث هو: إلى متى والمسلمون يُستخدمون أداةً لتحقيق مصالح الآخرين ويُجعلون الطرف الأهون على الجميع والأقل قيمة؟ ألم يحن الوقت لأن نعرف ما يحاك ضدنا؟ وإلى أي طريق تقاد أمتنا؟ هل نحن بحاجة إلى شواهد أخرى ومآسٍ حتى نعرف موطن أقدامنا؟ إننا - بصراحة - بحاجة إلى الرجوع إلى منهج الرسول ﷺ في الدعوة والجهاد لنتلمس منه طريقنا ونعرف عيوبنا ونواقصنا ونسردها كيف لا يكون ذلك والله يقول: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا] [الأحزاب: ٢١] . والدعاة - والقادة على وجه الخصوص - بحاجة إلى إعادة النظر في معرفة سنن الله الشرعية والكونية والتي جعلها الله أسباباً في النصر والفلاح. إن الفترة المكية جديرة بأن يُعاد دراستها دراسة متأنية وعميقة لنستلهم منها المنهج ونحدد معالم الطريق الصحيح الذي سيقود - بعون الله - إلى علو الحق وأهله وزهوق الباطل وجنده وأوليائه. إننا على يقين بأن مكر الكفار يدور عليهم، وأن كيدهم سيرتد إليهم. وصدق قاهر الجبارين حيث يقول: [إنهم يكيدون كيدا. وأكيد كيدا. فمهل الكافرين أمهلهم رويدا] [الطارق: ١٥-١٧] . اللهم نصرَك لإخواننا المستضعفين في داغستان وما حولها؛ إنك على كل شيء قدير.

стр. 3228

المسلمون والعالم حزب الله.. رؤية مغايرة! ! (٢) من هامش الحياة إلى نسيجها عبد المنعم شفيق (النظام اللبناني غير شرعي ومجرم) و (من الضروري تسلُّم المسلمين الحكم في لبنان كونهم يشكلون أكثرية الشعب) [١] . فَتْوَيَانِ: الأولى خمينية، والأخرى خامنئية، وضعتهما الحركة الشيعية في لبنان في بؤرة القلب وبؤبؤ العين، ورفعتهما إلى مرتبة الهدف الذي يُسعى لتحقيقه. كما أفتى رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، مهدي شمس الدين بذلك أيضاً حين قال: إن الدولة وجدت نتيجة لعقْدٍ، هذا العقد تبرمه الأكثرية من المواطنين بإرادتهم الحرة، فينتج عن إبرامه كيان الدولة، ومن المؤكد أن التنازل عن الهوية الثقافية والدينية ومظاهرها في المؤسسات والقوانين يتنافى مع موجبات هذا العقد، ولا يؤثر على موجبات هذا العقد موقف الأقلية التي توافق على التنازل عن هذه الهوية؛ فإن على الأقلية في هذه الحال أن تخضع للأكثرية [٢] . وفي معرض رده على الأسئلة الموجهة إليه في أحد البرامج قال محمد حسين فضل الله الزعيم الروحي لحزب الله - هكذا يلقب -: لم يكن هؤلاء الذين حكموا العالم الإسلامي في الماضي يحكمون باسم الإسلام؛ فنحن لا نعتقد - على سبيل المثال - أن الحكم العثماني كان عادلاً وحراً وإسلامياً! ! [٣] ، [٤] . وهكذا يُخرج الفقهاء الشيعة فتاويهم دون اعتبار لعامل التاريخ أو الجغرافيا ومن دون تقية كذلك. ولأثر التبديل فقد احتل الفقهاء والآيات والحجج مكانة عالية بلغت درجة التقديس، وأضحت الفتاوى الصادرة عنهم، بل حتى الكلام المجرد من القداسة الدينية، يتمتع بمرتبة القداسة في نفوس أتباعهم. وكما مر - في الحلقة السابقة - فقد دأب الفكر الإمامي على ربط (الأمة) الجعفرية برموز غير قابلة للنقد أو التجريح، وأعطاهم - أو أعطوا لأنفسهم - صلاحيات وصلت إلى خصائص الإمام الغائب المعصوم، المعيَّن من قِبَلِ الله - تعالى -! ! ولقد تجاوزت هذه الصلاحيات ما كان يتمتع به الشاه المستبد الطاغية الدكتاتور عميل الإمبريالية والصهيونية! ! فقد أقر مجلس الخبراء الإيراني إعطاء الولي الفقيه صلاحيات تفوق ما كان مخولاً به للشاه السابق، ونص على ذلك في المادة (١٠٧) [٥] والفقرة (١١٠) من الدستور الإيراني [٦] . (الثورة الإسلامية في لبنان) هذه العبارة هي آخر ما تقرؤه على علم (حزب الله) في لبنان. والثورة بهذا الوصف محاولة استنساخ للثورة الأم في قم وكلتاهما ثورة آيات، أي أن العلم الديني الإمامي هو أساس التصور والحركة؛ فالثورة - بحسب المعلن - ثورة دينية: إمامها فقيه، رئيسها فقيه، وزيرها فقيه؛ فالمثال الذي ينبغي وضعه نصب العين هو إرادة الفقهاء، ولهذا فقد كان للحوزات والحسينيات دور هام في غرس مفاهيم التقديس، وفي إمداد الثورة بالوقود البشري. الملالي.. ومدارج المعالي: مع نهاية الغيبة الصغرى المدَّعاة للمهدي وجد علماء الشيعة أنفسهم في حيرة شديدة؛ وذلك خوفاً من انكشاف حقيقة أمر الغيبة والمهدي ودعاوى أخرى كثيرة لا تمتُّ إلى الحق بسند ولا نسب، فأخرجوا مرسوماً منسوباً إلى مهديهم الغائب يقول فيه: أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله. ثم أتبعوه بمرسوم آخر يقول فيه: أما من الفقهاء من كان صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً مولاه فللعوام أن يقلدوه [٧] . ولهذا فقد وَسِعَ إمامهم المعاصر أن يقول: إن الفقهاء (هم الحجة على الناس كما كان الرسول ﷺ حجة عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك، وعلى كلٍ فقد فوَّض الله إليهم جميع ما فوض إلى (الأنبياء) وائتمنهم على ما ائتمنوا عليه) [٨] . (فإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي ﷺ ، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا) [٩] . وقد نسب إلى النبي ﷺ أنه قال: (وعلماء أمتي كالأنبياء ... السابقين) [١٠] بل إنه لم يجد حَرَجاً في أن يقول: (الفقيه الرافضي بمنزلة موسى ... وعيسى) [١١] ! ! ولهذا لم يكن مستغرباً أن يقول أحد المسؤولين الإيرانيين: إن الخميني أعظم من النبي موسى وهارون [١٢] . وترتفع وتيرة التجاوزات في إعطاء الصلاحيات لفقهاء المذهب حين كتب آية الله آزاري قمي يقول: ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتاً عن الصلاة والصيام والحج.. أو حتى الإيمان بالتوحيد! ! [١٣] . ويستمر التضليل بمحاولة الإقناع أن الفقهاء لا دخل لهم في وظائفهم وخصائصهم؛ بل إن (الفقهاء معينون ضمناً من قِبَل الله) [١٤] وبذلك تكون سلطة الفقيه سلطة إلهية. وبهذه المراسيم والقوانين والتحذيرات والتهديدات أصبحت سلطة الفقهاء فوق كل السلطات ولا تخضع لأي سلطة كانت، وكما يقول الخميني: وإذا كان السلاطين على جانب من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم عن الفقهاء، وفي هذه الحالة، فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء، ويكون السلاطين مجرد عمال لهم [١٥] . ولم يخرج محمد حسين فضل الله عن هذا الخط الساخن الرافع أقدار الفقهاء إلى منازل النبيين. حيث يقول: إن رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي الأشياء شرعية بصفته نائباً عن الإمام، والإمام هو نائب النبي ﷺ ، وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فالإمام هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والفقيه العادل هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم [١٦] . والواقع أن شرعية كل الأمور تنطلق من إمضاء الفقيه لها، وهذا يعني أن رئيس الجمهورية لا يستمد سلطانه من الشريعة الإسلامية، أو الدولة الإسلامية - من انتخاب الناس له - وإنما من إمضاء الفقيه لرئاسته، والأمر ذاته يطبق بالنسبة للنواب في مجلس الشورى والخبراء في مجلس الخبراء وغيرها من المؤسسات الدستورية في الدولة [١٧] . وقد حرصت السياسة الإيرانية على الاستحواذ الكامل على إعداد (رجال الدين الشيعة) في لبنان، كما حرصت على إيلائهم دوراً متصدراً في الساحة اللبنانية؛ فهؤلاء وحدهم الذين يُضمَنُ ولاؤهم للقيادة الإيرانية ولسياستها، كما يَظهرون بأنهم القادرون وحدهم على صبغ المجتمع الشيعي اللبناني بصبغة عميقة تحصنه من التأثيرات المخالفة للنفوذ الإيراني والمنافسة له. وتتوسل طهران وقم بالتعليم الديني لتأطير الاجتماع الشيعي اللبناني تأطيراً متيناً، فتحل نخب ثقافية جديدة محل النخب المدنية التي تدين بعقائد سياسية أخرى، كما حدث بإحلال (حزب الله) محل ... (أمل) . وبهذا فقد تحقق نجاح كبير في إنجاز أحد أكبر الأهداف، وهو تأطير (الأمة) الشيعية بسياج الآيات وتجييشها تحت قيادة واحدة؛ وعليه فلا عجب أن نرى قوافل متوالية من الشباب الشيعي يضحون بأنفسهم في سبيل طاعة الفقهاء، وهذه الطاعة والسيطرة المطلقة كانت نتيجة لجهد كبير بذله الفقهاء على مر التاريخ الإمامي. يقول د. موسى الموسوي معللاً كيفية سيطرة الفقهاء الشيعة على الأمة الإمامية: لقد استغلّت الزعامات المذهبية والفقهاء عبر التاريخ - ومنذ أن بدأت تُحكِم علينا الطوق - سذاجتنا - نحن الشيعة الإمامية - وحبَّنا الجارف لأهل بيت رسول الله ﷺ ، فأحدثت في مذهبنا بدعاً وتجاويف وتجاعيد كل واحدة منها تخدم مصالحهم، وفي الوقت نفسه تضر بنا بل تنسفنا نسفاً. إن كل واحدة من هذه البدع أُدخلت في عقيدتنا - نحن الشيعة الإمامية - لإحكام طوق العبودية علينا والتحكم فينا كما يشاء الفقهاء؛ إذن السذاجة وحدها لم تلعب الدور الكافي، بل استغلال الفقهاء حبَّ الشيعة لأهل بيت رسول الله ﷺ مضافاً إليه البدع التي أحدثوها في العقيدة جعلت من الشيعة أداة طيعة للفقهاء، يضحون في سبيل مآربهم في ساحات الوغى مرة وفي ساحات البلاء مرة أخرى، ولم يكن الفقهاء وحدهم هم الذين لعبوا هذا الدور الخطير في انحراف الشيعة عن نهجها الصحيح القويم المتمثل في تبعيتهم لفقه الإمام الصادق، بل كان للفقهاء أجنحة أخرى استمدّوا قوتهم منها وهم الرواة ورجال الحديث والمفسرون الذين نسبوا إلى أئمتنا الكرام - زوراً وبهتاناً - روايات وأحاديث كلها تؤيد البدع والتجاويف والتجاعيد التي أدخلوها في العقيدة الشيعية لصالحهم، وتفسير الآيات القرآنية حسب أهوائهم بصورة تخدم أهواء الفقهاء، وبهذين الجناحين استطاع الفقهاء أن يحكموا قيود الاستغلال والاستبداد على أعناق الشيعة عبر التاريخ. كان فقهاؤنا على علم كامل بالنفسية الشيعية التي كانت مهيأة للخضوع إلى ما يُطلب منها في عهد الظلام؛ فنصبوا أنفسهم أولياء وأوصياء عليهم. وأعتقد جازماً أن فقهاءنا لم يقصدوا من استعبادنا - نحن الشيعة الإمامية - بالسيطرة الروحية والفكرية علينا فحسب، بل كانوا يخططون لأمرين كل واحد منهما أخطر من الآخر: كانوا يخططون للسيطرة على أموال الشيعة، ومن ثم الاستيلاء على مقاليد الحكم. فأدخل الفقهاء تلك البدعة الكبرى في العقيدة الشيعية، وفسروا الآية الكريمة التي تقول: [واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ... ] [ ﴿الأنفال: ٤١] ﴾ ، بأن هذه الآية نزلت في أرباح المكاسب في حين أن المفسرين وأرباب الأحاديث والفقهاء أجمعوا على أنها نزلت في غنائم الحرب ولا علاقة لها بأرباح المكاسب، ثم أفتوا بوجوب تسليم هذا الخمس إلى يد الفقهاء، وأضافوا أن الشيعة إذا لم تسلِّم خمس أرباحها إلى يد المجتهد أو الفقيه فإن صلاتهم باطلة وصومهم باطل وحجهم باطل ... وهكذا دواليك، وخضعت الشيعة المسكينة إلى هذه الفتوى التي ما أنزل الله بها من سلطان. وها هم عبر التاريخ يقدمون إلى الفقهاء خُمس أرباح مكاسبهم، ولم يحدث قط أن نفراً منهم قد سأل هؤلاء الشركاء الذين لا يشاركون الشيعة في رأس المال ولا في التعب والكد والجهد؛ بل يشاركونهم في الأرباح فقط: من الذي جعلكم شركاء في أرباحنا؟ وما الأدلة التي تستندون عليها؟ ولماذا نكدح ونكافح نحن، وأنتم قاعدون تجنون ثمار تعبنا؟ لقد خضعت الشيعة لهذه الضريبة الجائرة بلا سؤال ولا ضجر، فاحتلبهم الفقهاء كما تُحتلب الناقة الطيعة. ولم يقنع الفقهاء بمشاركتهم في أرباح الشيعة، بل زعموا أنهم ولاة عليهم يجب إطاعتهم، ومن خرج عليهم فقد خرج على الله، ومن رد عليهم فهو كالراد على الله يجب قتله وقمعه من الوجود. فخضع كثير من الشيعة لهذه الفاجعة الفكرية وقبلوها وآمنوا بها وضحوا بأنفسهم وأولادهم في سبيل هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم السلطة الإلهية وبدون أن يساندهم دليل أو يقف معهم برهان؛ بل إن الذي يدَّعونه لا يتناقض مع عقيدة التوحيد والشريعة الإلهية فحسب، بل يتناقض مع مبادئ العقل والبدهيات الأولية، حقاًّ إنه من الأمور المحزنة أن تواجه الشيعة محنة فكرية كهذه، وكثير منهم يؤمنون بها، ويتفانون في سبيلها [١٨] . لا عزاء للملة.. ولا للملالي: قام النائب الشيعي الجنوبي رشيد بيضون يصيح في جلسة البرلمان اللبناني في ١١-٥-١٩٤٤م، مطالباً بمنح الطائفة الشيعية حقوقها قائلاً: امنحوها حقها في الوظائف، وفي العلوم والمعارف، مدوا الطرقات وسهلوا المواصلات في أرجائها المحرومة، عززوا فلاحيها وعمالها، تعهدوها بالعناية اللازمة انظروا إليها نظرة احترام كما تنظرون إلى غيرها [١٩] . كانت هذه الحال وصفاً لواقع الحياة الشيعية السياسية في ذلك الوقت، أما في الجانب التعليمي، فبالرغم من هذا الإحكام الشديد لطوق السيطرة الدينية الشيعية على الناس، إلا أن الوضع الديني والاجتماعي والتعليمي بلغ في لبنان وضعاً مزرياً، (فهذه القرى العاملية لا يُذكر فيها اسم الله - تعالى - في ليل ولا نهار، ولا فرق عند أهلها بين رمضان وشوال، أما مكانة عالم الدين فانحطت إلى أسفل الدركات: فهذا يموت جوعاً ولا يشعر به إنسان، وذاك تتهجم السفهاء على كرامته، فلا يجد ناصراً ولا معيناً، وآخر يتحزب للبيك والنائب ليأكل الرغيف) [٢٠] ، وقد دفعت هذه الحال الحاج سليمان البزي - أحد وجهاء الجنوب - إلى الشيخ محمد حسين الكاظمي - أشهر علماء العرب في العراق وقتها - يطلب أحد اثنين: السيد إسماعيل الصدر، أو السيد مهدي الحكيم، وقَبِلَ الحكيم المجيء على أن يُرسَلَ له مئتا ليرة عثمانية ذهباً. كما عزف أبناء علماء كبار أمثال: محسن الأمين، وعبد الحسين شرف الدين وغيرهم عن طلب العلم الإمامي، بل وقد خلع بعضهم العمامة ولم يكمل العلم الشرعي وانصرف لغيره. ولا يُخفي جواد مغنية مرارته حين يقول: إن ثلة من خيرة الشباب العاملي قضوا في طلب العلم والدين سنوات طوالاً، وبعد أن اجتمعت لهم الشروط تحولوا عنه مغتبطين حين وجدوا الفرصة للتحرر والانطلاق، هذه الظاهرة آيات بينات على عدم الثقة بمصير العلم ورجال الدين [٢١] . وكان طالب العلم في النجف يقيم مدة تؤهله لإصلاح إحدى القارات الخمس، فإذا عاد إلى بلده لم يحصل له من المال ما يتناوله حارس أو موظف بريد، فانحطت مكانة عالم الدين الاجتماعية والأدبية انحطاطاً ذريعاً، حتى لقد أخذ بعضهم على أهل جبل عامل ضنهم على العالم بالرغيف [٢٢] ! ! وقد تسببت هذه الحال في حسرة ومرارة شديدة لدى الشيعة؛ حيث مثلت هذه الحال حائطاً كبيراً أمام تحقيق الأحلام المنشودة، ولهذا يقول وضاح شرارة: ولا شك أن انصراف طلبة العلم الديني الإمامي إلى غيره وإحجام وَلَدِ من استووا أعلاماً على التشيع - ليس في جبل عامل أو لبنان وحده؛ بل في العالم العربي والإسلامي " الشيعي " كله - عن اقتفاء سنة آبائهم، ظهر ذلك بمظهر تنكب تاريخ برمته، ولما كانت الجماعة العاملية التي جرى مثقفوها من علماء وأفندية وأساتذة على تسميتها بـ (الأمة) أناطت بتشيعها وببلائها وبلاء علمائها في حفظ التشيع ورعايته واستمرارها واستقلالها، وقع انقطاع المنقطعين عن طلب العلم النجفي عليها وعلى مثقفيها وقوعاً قاسياً وأليماً [٢٣] . وقد كان من أسباب اضمحلال التعليم الإمامي في لبنان والعزوف عنه أنه كان يؤخذ على جامعة النجف - إضافة إلى البعد المكاني - انزواؤها وانكفاؤها، وبعدها عن العالم المحيط بها ومشكلاته وقضاياه، وإذ تركها من تركها منهم أقبل على السياسة وعلى الحياة السياسية إقبال النهم، وباشرها كتابة ودعاوى وتظاهراً وتنظيماً، أما من لم يتركها فقدم الدعوة إلى الإصلاح. واعتبر بعضهم أن أصل البلاء: هو عجز العلماء عن مماشاة العصر، وقال: (تطورت الحياة وجمدنا، وتكلم العصر وخرسنا، إن على العالم أن يتصل بجميع طبقات الشعب اتصالاً وثيقاً ويحيط بأحوالها مباشرة، ويسير بحسب التطور مع المحافظة على الدين الحقيقي) [٢٤] . وبهذا فقد تمثلت المأساة الإمامية في لبنان في أمور عدة نوجزها بالآتي: ١ - غياب القيادة الدينية التي تمثل مرجعية واعية لتحقيق أحلام الطائفة. ٢ - انكفاء العلم الإمامي على نفسه وعدم مواكبته لمتطلبات العصر. ٣ - انحطاط مكانة العلم والعلماء بين عامة الناس وخواصهم. ٤ - بُعد المدارس الدينية الشيعية الكبرى التي يتطلب شدُّ الرحال إليها والتحصيلُ العلمي منها مبالغَ مالية كبيرة، وهو ما لم يكن في مستطاع الكثير من الناس وقتها. ٥ - انصراف أبناء العائلات الدينية الكبيرة والمشتهرة بأنها (بيوت علم ودين) عن طلب العلم الإمامي. وهكذا اكتملت صورة المأساة للواقع الشيعي في لبنان، ولكن مع نهاية منتصف هذا القرن الميلادي كانت هناك بدايات جديدة لحياة جديدة. التثوير قبل الثورة: دفعت هذه المرارة علماء الشيعة إلى النظر بجدية للواقع اللبناني، كما كان النظر منصرفاً لحال بقية الأمة الشيعية؛ فخلال الفترة السابقة للثورة كانت الأفكار الثورية حول الحكم تتطور وتفصل في أوساط القوى المعارضة للشاه في عملية ملحوظة من التفاعل الشيعي الشامل. إن المدارس الدينية مثلت في قم بإيران وفي النجف بالعراق (وخاصة الأخيرة) دوراً جاذباً ونقطة التقاء للعلماء والفقهاء من إيران ولبنان والعراق؛ حيث أُرسيت الأسس من أجل رؤية عالمية مماثلة - وإن لم تكن متطابقة تماماً - وشبكة من الصداقات الشخصية والولاءات السياسية الدينية التي كان لها أثر هام على المنطقة بأسرها. إن العلاقة بين الإمام موسى الصدر ورجال الدين الشيعة اللبنانيين الآخرين والخميني قد ساعدت في تأسيس الروابط التي سهلت فيما بعد دخول إيران الثورية إلى الساحة اللبنانية، وعلى الرغم من الطبيعة الشيعية الخاصة بمدرسة النجف، فإن هذه التجمعات ربما تكون قد ساعدت على التخفيف من حدة الطائفية الضيقة للعقيدة الثورية الجديدة [٢٥] . وهكذا فقد مثلت المدارس الشيعية الكبرى بؤراً أساسية لتجميع الملالي وتوحيد الأفكار الثورية، التي كان على رأسها إقامة دولة شيعية كبرى تضم إيران والعراق ولبنان في بداية الأمر. وعندما نظر علماء هذه المدارس إلى الحال اللبنانية التي هي أحد أضلاع مثلث الحلم، كان لا بد من تذليل العقبات الكبرى التي تواجه تحقيق هذا الحلم، وكان التركيز العلاجي متوجه لحل الإشكاليات الخمس السابقة الذكر، وكان ذلك بسلوك خطين متوازيين في وقت واحد يلتقيان في مرحلة ما؛ فيشكلان نقطة انطلاقة واحدة، وكان الخطان هما: التثوير السياسي، والتثوير العلمي الديني، ثم ينتهيان إلى الثورة المسلحة. التثوير السياسي: عندما توفي المرجعية العلمية لشيعة لبنان عبد الحسين شرف الدين (ت ١٩٥٨م) طلب آل شرف الدين من أحد أقربائهم المجيء إلى مدينة صور لخلافة عبد الحسين في هذه المرجعية؛ حيث إنه قد نص على هذا الشخص لخلافته [٢٦] ، وكان جد هذا القادم هو عبد الحسين العاملي من بين مجموعة من علماء جبل عامل الذين التحقوا ببلاط الدولة الصفوية ليساعدوها في ترسيخ المذهب الشيعي في إيران. ولد المرجع في قم بإيران عام ١٩٢٨م، ووافق آية الله محسن الحكيم على إرساله إلى لبنان [٢٧] ، كما كان والده أحد الآيات الكبار في إيران، وتخرج هذا (المرجعية العلمية) من جامعة طهران، كلية الحقوق والاقتصاد والسياسة، وبالرغم من ذلك فقد حصل على لقب (الإمام) . كان هذا الرجل هو موسى الصدر الذي تربطه صلة مصاهرة مع الخميني؛ فابن الخميني أحمد متزوج من بنت أخت الصدر، وابن أخت الصدر مرتضى الطبطبائي متزوج من حفيدة الخميني، كما يُذكر أن الصدر تتلمذ على يد الخميني في قم، وعندما قدم الصدر إلى لبنان وكان ذلك في عام ١٩٥٨م، وكان عمره آنئذٍ ثلاثين عاماً فحصل على الجنسية اللبنانية مباشرة بناء على قرار جمهوري أصدره الرئيس شهاب (١٩٥٨م ١٩٦٤م) [٢٨] وكان هذا القرار فريداً من نوعه؛ لأن إعطاء الجنسية اللبنانية لغير النصارى أمر في غاية المشقة، فكان ذلك القرار بمثابة التمكين لأقدام الصدر في لبنان. وكانت شخصية الصدر وبداياته ودوره وتحالفاته مثار كثير من التساؤلات؛ إذ أحاط بها الغموض الشديد وعلامات الاستفهام الكثيرة [٢٩] . ومما يُعرف عن الشاه محمد رضا بهلوي - وهو شيعي أيضاً - أنه كان يقمع الحركات الدينية الشيعية داخل إيران، ويدعم توسعها خارجها وقد دعم الشاه حركة الدعوة التي يقودها (محمد باقر الصدر) في العراق، وموسى الصدر في لبنان [٣٠] . وقد ذكر شهبور بختيار - الذي قلده الشاه السلطة في إيران حينما تركها - أن الشاه محمد رضا بهلوي كانت له أحلام توسعية كبيرة، فأرسل موسى الصدر إلى لبنان من أجل تعزيز مشروع إنشاء دولة شيعية تضم إيران والعراق ولبنان، ووعده الشاه بخمسمائة ألف دولار مقابل ذلك [٣١] . واللافت للنظر والذي يؤكد التواطؤ الواضح لتنفيذ مشروع الدولة الشيعية الكبرى ذلك التوافقُ الزمني للبدايات في الدول الثلاث؛ فالخميني في إيران، ومحمد باقر الصدر في العراق، وموسى الصدر في لبنان، فهكذا كانت الأمور مرتبة ومعدة. والآن نقف على الإنجازات التي حققها موسى الصدر للشيعة في لبنان، فقد حقق الصدر لشيعة لبنان عدة إنجازات تحولوا بها من هامش الحياة السياسية اللبنانية إلى نسيجها، بل وإلى عناوين موضوعاتها، وكان من أهم تلك الإنجازات: ١ - تحديث القيادة الشيعية: آذن النهج الذي نحاه موسى الصدر في بناء القيادة الشيعية في العقد السابع بتحول كبير في أسلوب هذه القيادة وفي ترتيب معاييرها. فتصدى الشاب ذو الثلاثين ربيعاً لمثل هذه المهمة: مهمة القيادة من غير ادعاء علم يفوق فيه أقرانه، ومن غير الإدلال بإجازات ولا بتآليف أو اجتهادات. ولم يعنِ ذلك عزوفاً عن الخوض في المطالب الدينية. فهو توسل إلى غاياته بالعمل السياسي الجماهيري، وبتكثير العلاقات ونسج الروابط التي تجعل منه وسيطاً وطرفاً في شبكة الروابط اللبنانية والإقليمية. فتوجت مكانته وإمامته فلاحَ نهجه في إظهاره من يتكلم باسمهم بمظهر القوة السياسية والاجتماعية التي ينبغي احتسابها في المشاريع العامة المختلفة، وانضوى إليه وإلى حركته معظم العلماء الشيعة اللبنانيين واعتزلته جماعات منهم. إلا أن الدور السياسي لم يورث مرجعية دينية وفقهية، وقد بدا أن الصدر لا يوليها اهتماماً كبيراً، برغم حرصه وحرص شرف الدين - الذي قَدَّمَ الصدر ليخلفه - على تكثير العلماء، وتمهيد سبل إعدادهم. فتصدر الشيعة اللبنانيين تصدراً متنازعاً رجلُ دين لم يُجمِع أقرانه عليه، ولم يسعَ هو إلى مثل هذا الإجماع. لذا خلت مسألة المرجعية من كل مضمون، وجلاّ عنها كل إلحاح، فأثر موسى الصدر في إخلاء مسألة المرجعية من مضمونها وإلحاحها، برغم أن السياسة الخمينية تنهض في وجه من وجوهها على إنشاء سلك علمي وديني واسع ومتماسك تسوسه على نحو مركزي [٣٢] . وبهذا فقد قضى الصدر على الزعامات الشيعية التقليدية التي لم تكن لها تطلعات ثورية، وارتضت واقع العيش اللبناني، والتمسك بالمكاسب الخاصة دون النظر لتطلعات وآمال وآلام الأمة الشيعية. ٢ - وضوح التميز الطائفي: اتخذ الصدر لإجلاء صورة الطائفية الشيعية أمرين مهمين: الأول: تأسيس حركة المحرومين: أخذت هذه الحركة في بدايتها السمة الاجتماعية، والمناداة بتحسين أحوال الشيعة في لبنان، وخاصة سكان الجنوب، ووضع لها الصدر شعارات براقة، كالإيمان بالله والحرية والعدالة الاجتماعية والوطنية وتحرير فلسطين، وأن الحركة لجميع المحرومين وليست خاصة بالشيعة، فنزعت هذه السياسة مع موسى الصدر إلى استدراك ما فات الشيعة اللبنانيين من لحمة ومن قوة، وذلك من طريق وصل ما انقطع بين المقيمين بالأرياف وبين النازلين المدن، وعن طريق تقريب ما تباعد بين أهل جنوب لبنان وبين أهل بقاعه أو شماله الشرقي، وكان على حركة الصدر أن تصور الفروق الاجتماعية والثقافية المتعاظمة في صفوف الشيعة في صورة الأمر الهين والثانوي، ولما كان (كلّ) الشيعة - شأن (كلّ) أو (جميع) أي جماعة - لا كيان لهم إلا متخيّلاً ومتوهماً ومرموزاً إليه، عمل موسى الصدر على نصبه وتجسيمه في شارات تقربه من المخيّلات، وتحمله على الحقيقة. فكانت التظاهرات الكبيرة التي تجمع عشرات الألوف من الناس، وتضمّ أجنحة الشيعة اللبنانيين، في الجنوب والبقاع، وفي الريف والمدينة، وكان رفع (الحرمان) شعاراً ليميز الشيعة أنفسهم [٣٣] . وكان العديد من الشباب الشيعي قد انضم إلى جماعات مختلفة، مثل التنظيم البعثي الموالي لسوريا والحزب القومي الاجتماعي السوري، وجبهة التحرير العربية التي يدعمها العراق، وبعض التنظيمات الماركسية المتعددة، ولقد كان من أسباب هذا الانضواء تحت هذه المذاهب المختلفة خلو الساحة السياسية من حركة شيعية تجمع هذا الشتات الكبير، كما أن هذه التنظيمات كانت تدفع رواتب مجزية لأعضائها، وقد كانت الحال الاجتماعية للشيعة شديدة في فقرها. وعندما أعلن موسى الصدر عن حركة المحرومين، دخلها من دخلها من هؤلاء بما هم عليه من أفكار هذا الشتات الفكري والمنهجي، وكما ضمت الحركة تلك التشكيلة المختلفة، ضمت كذلك في ثناياها (الجماعة الإسلامية) أو الخمينية والإيرانية الولاء لاحقاً، وكانت هذه الأخيرة أكثر الجماعات المنضوية تحت عباءة الحركة، وقد سعت للاستيلاء على الحركة من داخلها والسيطرة عليها، فكانت حركة المحرومين هي (العباءة) التي لبستها وتسترت بها قبل أن يحين خلعها والسفور عن هوية سياسية ومنظمة مستقلة، ويبدو في تلك المرحلة أن الهم الأكبر كان جمع هذا الشتات الشيعي بأي شكل كان، تحت قيادة جديدة تستطيع المحافظة على هذا الجمع إلى حين. وكذلك ذهب الصدر إلى علاج ما يلح عليه أهل الطائفة الشيعية من احتياجهم إلى مرافق يتوسلون بها إلى ما فاتهم من تحديث التعليم والإعداد المهني والرعاية الصحية والاجتماعية، فأنشأ مدرسة الخياطة والتفصيل، ومدرسة التمريض، ومدرسة جبل عامل المهنية التي تخرج منها أهم كوادر المقاومة المسلحة لحركة أمل فيما بعد، كما شهد بذلك نبيه بري - زعيم الحركة بعد الصدر -[٣٤] كما أنشأ مبرة الزهراء ومستشفى الزهراء فيما بعد. الثاني: تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: جاهد الصدر كثيرا لضم الشتات المبعثر لشيعة لبنان، وما إن بدأ الالتئام حتى سعى إلى الانفصال التام بالشيعة باعتبارها طائفة مستقلة عن المسلمين (السنة) في لبنان، فقد كان للمسلمين في لبنان مفت واحد ودار فتوى واحدة، وكان المفتي وقتها هو الشيخ حسن خالد ﵀ وادعى الشيعة أن الشيخ حسن خالد رفض التوصل إلى عمل مشترك معهم [٣٥] ، وفكر الشيعة في إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام ١٩٦٦م ووافق مجلس النواب اللبناني على إنشائه واختير الصدر رئيسا للمجلس، وبهذا أصبح الشيعة طائفة معترفا بها رسميا في لبنان كالسنة والموارنة. وأصبح هذا المجلس المرجعية السياسية والدينية الجديدة التي تهتم بكل ما يتعلق بالشيعة اللبنانيين وبجميع شؤون حياتهم ومماتهم! ! وتحولت المرجعية بهذا المجلس من مرجعية فردية إلى مرجعية مؤسسية، وإن لم يتم التخلي عن دور المرجع الشخصي. إلى هنا سنترك الصدر بهذين الإنجازين وسنعود إليه عندما يلتقي مع محمد حسين فضل الله في نقطة الانطلاق الثالثة. التثوير العلمي والديني: الدور الذي قام به الصدر حل بعض الإشكالات التي تواجه التجمع الشيعي بأمراضه المزمنة؛ ولكن بقيت بعض الإشكالات الأخرى التي لا يصلح لها الصدر ولا أمثاله، فبقيت قضية العلم الديني الإمامي: تدريسه، وتطويره، وتقريبه للناس، والترغيب في العودة إلى حِلَقه في الحوزات والحسينيات، ثم ربط ذلك كله بالهدف الأساس، وهو تحويل المجتمع الشيعي اللبناني إلى مجتمع حرب - على حد قول فضل الله نفسه - ليمهد للثورة وتحويل لبنان إلى دولة شيعية. ولد فضل الله في عين عطا بالقرب من الحدود الإسرائيلية، وتلقى تعليمه في النجف على يد محمد باقر الصدر ومحسن الحكيم، ويدعي فضل الله دائماً أنه ليس قائداً لأي حزب أو حركة، ولكنه يتمتع بنفوذ خاص بين جماهير الشيعة، وفضل الله رجل زئبقي التصورات والأفكار، ويجيد المراوغة الكلامية والتلاعب بالألفاظ، ولكن يبقى أن كل هذه المؤهلات لا تستطيع الحياد به أو أن يحيد هو بها عن هدفه الأساس في لبنان، ومن هذه الأفكار التي تبدو متناقضة متنافرة نراه يقول: أنا في الحقيقة رجل حوار، ولي كتب ومدرسة للحوار، وأطلب من الناس أن يحلو مشاكلهم عبر الحب والتفاهم وليس عبر استخدام العنف [٣٦] . وسئل في حوار معه قريب [٣٧] : بالأمس دعوتم إلى التدرب على الحب (كما تدربنا على السلاح في لبنان) فهل يعني ذلك أن زمن السلاح قد ولى برأيكم؟ فأجاب: ليس من الضروري أن يكون زمن السلاح في المطلق ولى؛ لأن الحياة تحتاج بحسب طبيعتها إلى حركية السلاح وترتبط بها في الجانب الإيجابي أو السلبي، لكن المسألة التي أحب أن أؤكد عليها دائماً أن قضية الحب هي قضية الحياة؛ بحيث إنك عندما تملك السلاح - يجب أن تعيش معنى الحب في حركة السلاح في يدك؛ بحيث لا تحركه إلا من خلال خدمة الإنسان وخدمة الحياة بدلاً من أن تحركه لإسقاط الحياة. ومن المؤسف أن الناس لا يتدربون على الحب؛ بل إنهم يتدربون على البغض والحقد حتى أصبحنا نتحدث عن الحقد المقدس وعن البغض الإنساني. هذا الكلام يجب أن نتذكر معه قول فضل الله وهو يخاطب جمهور المصلين في بلدة النبي عثمان قائلاً: وعلينا أن نخطط للحاضر والمستقبل؛ لنكون مجتمع حرب! ! [٣٨] . ثم يحاول الهروب من دوره في تعبئة الناس للحرب والتأكيد على دوره في ذلك في آن واحد بقوله: لا بد للشعب أن يعبر عن نفسه ويأتي التعبير إما عبر الوسائل التقليدية، أو بغير الوسائل التقليدية؛ ولهذا نجده اختار الهجوم الانتحاري، وهذا شكل آخر من أشكال الصراع، ويعتقد من يفعل ذلك أنه يصارع إذا حول نفسه إلى قنبلة حية، ويصارع أيضاً لو كانت هناك بندقية في يده، ولا فرق أن تموت بقنبلة في يدك أو أن تفجر نفسك، وهذه المفاهيم التي أتحدث عنها مفاهيم عقلية! ! في مواقف الصراع، أو في الحرب المقدسة، عليك أن تجد أفضل الوسائل لتحقيق أهدافك، نعم إنني أتحدث عن الشعب الذي يواجه الخطط الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، لكنني لم أقل لهم على وجه الخصوص: (فجروا أنفسكم) وقد سمعت من يتهمني بأنني أبارك الهجوم، أنا في الواقع أدعو إلى الحرية، إنني أدعو إلى التحرر من الاستعمار. إذا كان الاستعمار يظلم الناس فعلى الناس أن يحاربوه، أما أن نقول: إني أتزعم الناس في أعمال عنف فلا. ثم يلتفت ويستدير للوجهة الأخرى من سياسته ويقول: إننا يمكن أن نأتي بالتغيير في لبنان بتعليم الشعب وتنويره داخل المؤسسات الاجتماعية، وهناك طرق أخرى يمكنك أن تلجأ إليها: أن تبدأ بإقناع الناس، وهي نفس الطريقة التي يعظ بها المسيحيون، أو يفعلها الماركسيون - حتى لا يكون شاذاً في عرضه - إنك حين تقنع الأغلبية السائدة بأن تهتدي بالإسلام يكون وقتها لدينا الظروف السياسية المناسبة، ووقتها تستطيع أن توجد جمهورية إسلامية. ثم يعرج على الدور الهام للخدمات الاجتماعية الكبيرة التي يقدمونها للناس بقوله: إن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ إنهم ينفذون أوامرنا؛ لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس في تحقيق مطالبهم [٣٩] . فهذه عجالة من أفكار الرجل التي يُبَيّنُ أهدافها الواقع، كما تَبِينُ مراوغاتها الفكرية، وقد حقق فضل الله - كالصدر - عدة نجاحات هامة للشيعة في لبنان نوجزها فيما يلي: ١ - توطين العلم الإمامي: كانت إحدى الإشكالات الكبرى التي كانت تواجه المجتمع الشيعي اللبناني، بُعد المدارس الدينية الكبرى، وكثرة المعوقات التي تحول دون الالتحاق بها، وكان من أكثرها تعويقاً للاتصال بها تلك المعاناة المالية التي لا بد أن يتحملها الطالب وأهله طوال مدة طلبه للعلم الإمامي، لذا كان الدور الذي أُنيط بـ (فضل الله) عند عودته من النجف أن ينقل معه هذه المدرسة في صورته وصورة مهدي شمس الدين، وتم اعتماد ذلك على أنه بمثابة السفر إلى النجف أو إلى قم، فأنشأ فضل الله (المعهد الشرعي الإسلامي) وبدأ التدريس فيه، وأنشأ كذلك جمعية أسرة التآخي وحسينية الهدى، ثم بدأت المدارس في الانتشار فيما بعد على نحو ما سيأتي. كما تم اعتماد سياسة تعليمية تسهل الالتحاق بهذه المدارس، وقامت هذه السياسة الجديدة على: أ - تكثير المدارس ونشرها في الأرياف الشيعية والضواحي؛ حيث تجتمع كثرة الشيعة. ب - إجراء وظيفة أو رواتب للطالب. ج - قبول الطلبة من غير شرط مدرسي أو شرط يتعلق بالسن [٤٠] . وقد ساعدت هذه السياسة التعليمية على الخروج من سيطرة الأهل، من أفكارهم وأموالهم، كما ساعدت كذلك على تكثير سواد الطلبة الجدد. ٢ - تطوير العلم الإمامي: كانت التقليدية والجمود الذي أصاب العلم الإمامي إحدى الإشكالات التي كان ينبغي التوجه إلى علاجها والتأكيد عليها، وكان مما قاله الخميني في ذلك: قدموا الإسلام للناس في شكله الحقيقي، حتى لا يتصور شبابنا أن وظيفة رجال الدين أن يجلسوا في أحد أركان النجف أو قم لتدارس أمور الحيض والنفاس بدلاً من شغل أنفسهم بالسياسة، ومن ثم يستنتج الشباب أنه يجب فصل الدين عن السياسة [٤١] . والمعهد الشرعي الإسلامي سعى إلى إخراج (العلم) الإمامي بلبنان من شرنقة العائلات الدينية التقليدية، وقصد إلى جلاء صورة جديدة لرجل الدين تميل به عن صورة (الشحّاذ) ، العاطل عن العمل، أو واعظ الناس (مواعظ تقليدية) ، ومحدّثهم في الصلاة والصوم، ومرغبهم في الجنة إلى صورة بل إلى حال مختلفة يصح معها نزوعه إلى دور الولاية العامّة، وإلى محلّ الصدارة في ميادين النظر والعمل كافة، فأقبل على المعهد الشرعي الإسلامي طلاب حرص بعضهم حرصاً شديداً على الظهور بمظهر محصّلي العلم (العصري) وعلى النجاح أو التفوق في مضماره، ورمى الطلاب ومرشدوهم من وراء ذلك إلى رفع ما لحق رجل الدين التقليدي من ازدراء، وإلى محو وصمة البطالة والفراغ والجهل عنه؛ فلا يؤول ذلك إلى نفض الغبار عن دوره فحسب، بل تحلّ قوة العلم في دعوته وفي كلامه ومواقفه، ويشق الطريق أمام المحتذين بمثاله والمقتدين به، فيتكاثر عدد السالكين طريق علوم الدين. وجمع طلاب المعهد بين التحصيل الديني وبين أنشطة حياة عادية ووجوهها. ومثل هذا الجمع ضروري وحيوي للدعوة وحزبها [٤٢] . وقد صب هذا التطوير للتعليم الديني في مجرى تحقيق الهدف الأساس من تحويل المجتمع اللبناني الشيعي إلى دولة شيعية قد تتوافق بداياتها مع البدايات الإيرانية أو تلحق بها فيما بعد فلا تقتصر السياسة على الوجه المتصل بالمدارس والتدريس، وعلى سلك العلماء وإعدادهم؛ فهي تعد الجسم الديني بغية تأطير (المجتمع الإسلامي) وقيادة المعقل الشيعي؛ فما العلماء والطلبة من بعدهم وورائهم إلا المبلغون عن الثورة، وعن مرشدها، ودولتها، وحوزاتها، وقد أوْلى التراث الشيعي العلماء والمبلغين والدعاة دوراً خطيراً، وأناط بهم نقل العلم الإمامي، أو الأدلة إليه؛ فكان التشيع الإمامي بين أُولى الفرق التي برعت في إعداد الدعاة وتنشئتهم ووضع رسوم عملهم. وكان لا بد لهذا التطوير بعد هذا التأطير للمجتمع الشيعي من أن يصب في مجرى آخر للالتقاء مع حركة الصدر من أجل الثورة بعد التثوير. فيقول الشيخ محمد إسماعيل خليق - ممثل الشيخ حسين منتظري في لبنان -: إن الحوزات العلمية على مدى العصور كانت منطلقاً للثورات ضد الظالمين؛ فهي مشعل لانتصار الإسلام والمسلمين في كل العالم، ومعين الطلبة الذين يشتركون في العمليات الجهادية [٤٣] . وقد تم التوسل برباط (العلم) الإمامي الذي ينبغي أن يتعالى عن الأقوام والأهل واللغات، وأن يلحق المدارس الدينية والحوزات بـ (خط الإمام) . وحملة (العلم) وأصحابه على (العمل) ووحدت بين العمل وبين (الحرب والقتال والشهادة، وتوّجته بالدم) ، فاستعادت من غير ملل، ولا خشية من التكرار المقارنة التي عقدها التراث الإمامي بين حبر العلماء وبين دم الشهداء، ومزجت بينهما، وجعلت مِزَاجهما عنواناً قاطعاً على وحدة " الشخصية الإسلامية " وعلى فرادتها، فاستحال عالم الدين إلى أحد وجهين متلازمين لكل مناضل إسلامي. أما الوجه الآخر فهو المقاتل أو المجاهد. فإذا اجتمع العلم والقتال والشهادة في شخص واحد ارتفع الشخص إلى مرتبة الولاية والمثال، وكما قال أحد شبابهم: لا بد للعلم من جهاد يكمله ويتكامل معه [٤٤] . ولهذا فقد افتخر محمد حسين فضل الله بأن هذا الجيل الذي يمثله الآن (حزب الله) قد تربى على يديه [٤٥] . وإلى هنا اتفق فضل الله مع الصدر في نقطة الانطلاق التي هي مدار حديثنا في الحلقة القادمة - إن شاء الله تعالى -.

стр. 3229

المسلمون والعالم جنوب السودان الجذور التاريخية والأبعاد السياسية وآفاق المستقبل حسن أبو حلو مدخل: في ١٥ أغسطس عام ١٩٥٥م وبينما السودان يجهز نفسه ويستعد لإعلان الاستقلال عن الحكم الإنجليزي الذي تم بعد خمسة شهور من هذا التاريخ صدرت الأوامر لفرقة عسكرية جنوبية بالتوجه شمالاً للاشتراك في احتفالات الاستقلال، وكانت هذه الفرقة تضم ١٧٠٠ وضابط تعسكر في مدينة (توريت) ، وكان عليها أن تسافر إلى جوبا ثم تواصل مسيرتها إلى الخرطوم، وترددت القوة في تنفيذ الأوامر، وعندما طلبت تزويدها بالذخيرة رُفِضَ طلبها؛ فازدادت المخاوف وانطلقت إشاعة: بأن ضابطاً شمالياً أطلق النار على جندي جنوبي فقتله؛ وكانت الشرارة، فهاجم الجنوبيون مساكن لشماليين، وقتلوا من فيها، ووقعت مذبحة بشعة؛ لتبدأ ما نطلق عليه: (عمليات تمرد الجنوب على الشمال في السودان) وبذلك ظهرت قضية من أخطر القضايا التي تواجه عالمنا الإسلامي، وأصبحت خنجراً في ظهر المسلمين ضمن عشرات الخناجر التي يعاني منها الجسد الإسلامي، وتستنزف قواه وإمكانياته وتفاعلت الأزمة لتؤثر فيها معطيات كثيرة داخلية وخارجية، وتدخلت فيها قوى بقصد استثمارها لتحقيق مخططاتها وأهدافها الاستراتيجية، وتعددت أطراف الحرب وتناقضت وتشابكت مواقفها. وتتناول هذه الدراسة بُعدين من أبعاد هذه المشكلة هما: التركيبة الداخلية للشعب السوداني، والدور الأمريكي في زيادة حدة المشكلة. التركيبة الجغرافية والعرقية واللغوية والدينية للسودان: يرجع السودان بحدوده الحالية إلى اتفاقية ١٨٩٩م أو ما يعرف باتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا، ومساحته حوالي ٢. ٥ مليون كيلو متر مربع؛ أي أكبر دولة في أفريقيا مساحةً، ويليها الجزائر، وهذه المساحة تبلغ نحو مرتين ونصف من مساحة مصر، وما يقرب من مساحة أوروبا الغربية. هذه المساحة الشاسعة للسودان أتاحت لأهله سكنى مناطق متفرقة بصورة هائلة؛ فنجد - مثلاً - شعب مصر - وهم أكثر من ضِعْفِ سكان السودان - يعيشون في حوالي خمسة آلاف قرية بينما نجد السودانيين يعيشون في أكثر من ستين ألف قرية مما زاد من ضَعْف السلطة المركزية وتحكمها على مجمل مساحتها، وهذا الضعف أوجد صعوبة أمام الحكومة في حسم أي تمرد مسلح يقع في أراضيها وبخاصة المنطقة الجنوبية التي تتركز فيها الغابات والمستنقعات. ينقسم السودان عموماً إلى إقليمين: الإقليم الشمالي: ويضم ٦ ولايات: الشمالية وعاصمتها الدامر، وكسلا وعاصمتها كسلا، والنيل الأزرق وعاصمتها وادي مدني، والخرطوم وعاصمتها الخرطوم، وكردفان وعاصمتها الأبيض، ودارفور وعاصمتها الفاشر. الإقليم الجنوبي: ويشمل ثلاث ولايات: أعالي النيل وعاصمتها مالكال، وبحر الغزال وعاصمتها واو، والاستوائية وعاصمتها جوبا. تبلغ مساحة الجنوب حوالي ٦٥٠. ٠٠٠ كيلو متر مربع أي حوالي ربع مساحة السودان، وفي سنة ١٩٩٧م كان عدد سكان السودان حوالي ٣٠. ٣ مليون نسمة، بينما كان عدد سكان الجنوب حوالي ٧. ٢ مليون نسمة أي ربع سكان السودان تقريباً. ووفق إحصاء عام ١٩٩٢م كان عدد المسلمين ٨٣% من مجموع السكان بينما الوثنيون ١٤% والنصارى ٣%. أما في الجنوب فتبلغ نسبة الوثنيين ٦٠% والنصارى ١٧% والمسلمين ٢٣%، أي نسبة المسلمين أكبر من نسبة المسيحيين حتى في الجنوب. ولعل المرء يندهش ويتعجب من مطالبة الدول المجاورة للسودان والدول الأوربية بدولة للمسيحيين في الجنوب ونسبتهم الأقل، وتزداد الدهشة والعجب حينما نعلم أن نسبة البروتستانت في الجنوب من عدد المسيحيين ٢٠% والباقي كاثوليك، بينما نجد أن الذي يطالب بهذه الدولة المسيحية المزعومة هو مجلس الكنائس العالمي الذي تسيطر عليه الكنيسة البروتستانتية. يصل عدد القبائل في السودان إلى ٢٥٧ قبيلة تندرج تحت عدة قوميات أهمها: ١ - عرب: وهم حوالي ٤٠% ويتركزون في الشمال بصفة خاصة، وأهم قبائلهم الكبابيش والبقارة. ٢ - بجاة: حوالي ١٢% وتعيش في حوض أركويت في الشرق وهم يمتازون بالشدة، ويوجد منهم فصيل يسمى مؤتمر البجا يخوض الآن حرباً ضد الحكومة مطالباً بالانفصال. ٣- نوبيون: حوالي ٣% وهؤلاء خلاف النوبيين الذين يعيشون في مصر، وقلة منهم اعتنقت الإسلام وآخرون اعتنقوا المسيحية بفضل البعثات التبشيرية، وتخوض جماعة منهم - تسمى جبهة تحرير النوبة - قتالاً ضد الحكومة. ٤ - الفور: حوالي ١٢% وهم سكان دارفور غرب السودان وتراجعوا إلى جبال مرة نتيجة صدامهم بالعرب، واعتنقوا الإسلام وتشبهوا بالعرب في ملابسهم؛ ولكن اللغة العربية لم تتمكن منهم، وقامت أيضاً فيهم حركة تطالب بالحكم الذاتي وتقاتل الحكومة من أجله. ٥ - الزنوج: ٣٠% ويتركزون في الجنوب ويندرجون تحت ثلاث مجموعات سلالية رئيسة هي: النيليون - النيليون الحاميون - المجموعة السودانية. وأهم مجموعاتهم هي (النيليون) : وتضم قبائل الدينكا والنوير والشلوك وغيرها من القبائل الفرعية، ويصل مجموع النيليين إلى حوالي ثلثي سكان الجنوب، ويتركزون في منطقتي بحر الغزال وأعالي النيل، وتعد قبيلة الدينكا أهم قبائلهم؛ بل أهم قبائل الجنوب على الإطلاق؛ حيث يزيد عددها وحدها عن ثلث سكان الجنوب ويعيشون في قسمين: حول بحر الغزال، وحول النيل الأبيض، ويفصل بينهما جيب كبير تحتله قبائل النوير، وتكثر المستنقعات في هذا الجيب الذي يعيش فيه قبائل النوير التي تعتبر ثاني أكبر مجموعة نيلية بعد الدينكا؛ حيث يصل عدد أفرادها إلى نصف الدينكا، ونتيجة للحواجز الطبيعية التي تمثلها المستنقعات فإن اختراق منطقتهم بواسطة العالم الخارجي كان دائماً أمراً محفوفاً بالمخاطر، وقد زاد ذلك من عزلتهم ونزوعهم إلى الاستقلال والاعتزاز بالنفس. أما قبائل الشلوك فهي أصغر قبائل النيليين عدداً؛ ولكنهم أكثر المجموعات النيلية من حيث تطور نظامهم الاجتماعي والسياسي. ومن الأهمية بمكان دراسة هذا التنوع العرقي في الجنوب لفهم طبيعة الصراع هناك، وخاصة فهم الانشقاق الذي حدث في جسد الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة (جون جارانج) الفصيل الرئيس الذي يقاتل الحكم منذ ١٦ عاماً؛ ففي أغسطس ١٩٩١م انشق جناح الناصر بزعامة ريك مشار وهو من قبائل النوير، ولام أكول وهو من الشلوك عن جون جارانج وهو من قبيلة الدينكا مما يجعل البعد القبلي ذا أثر كبير في توجهات المشكلة ومسارها. حقيقة الدور الأمريكي: كانت أمريكا تدرك أهمية منطقه شرق إفريقيا والقرن الإفريقي؛ فكان (إعلان دالس) وزير الخارجية الأمريكي في أواخر الخمسينات: (إن اعتبارات الأمن في منطقة البحر الأحمر هي التي حكمت علينا أن نضم إرتيريا إلى الحبشة) . ومع نهاية الحرب الباردة بدأ السودان يدخل على الأجندة الأمريكية. ولكن ما حقيقة الدوافع الأمريكية في النظر إلى السودان؟ يقع السودان في موقع قريب من منطقة القرن الإفريقي، وتمثل هذه المنطقة أهمية حيوية للتحكم في الملاحة في البحر الأحمر تبعاً لما يلي: هذا البحر تمر به نسبة كبيرة من تجارة العالم خاصة ناقلات النفط القادمة من الخليج إلى أوربا وأمريكا. والمعروف أن تدفق البترول والتحكم فيه وفي أسعاره كان دائماً ورقة ضغط أمريكية على أوربا واليابان والصين تُلوِّح بها في وجه هؤلاء الكبار الذين يريدون الخروج عن السياسة الأمريكية وأهدافها في العالم، فضلاً عن أن أمريكا تعد منطقة القرن الإفريقي العمق الاستراتيجي لقواتها الموجودة في المنطقة. كما يمثل البحر الأحمر عمقاً حيوياً لـ (إسرائيل) ؛ حيث يطل السودان عليه؛ وأمن (إسرائيل) يعد من أولويات السياسة الأمريكية وأهدافها استراتيجياً. إن السودان مدخل مهم إلى منطقة البحيرات العظمى؛ حيث قامت أمريكا بمحاولة ترتيب الأوضاع هناك، فقامت بدعم قبيلة التوتسي التي استولت على الحكم في زائير (الكونغو) ، وفي تقرير للبنتاجون نشر مؤخراً اعتبر أن منطقة البحيرات العظمى هي مصدر استراتيجي مهم لا يمكن الاستغناء أو التنازل عنه؛ باعتبار أن هذه المنطقة تمثل حلقة الوصل الرئيسة بين الدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط، إضافة إلى أن من يتحكم في هذه المنطقة سيحدد - إلى حد كبير - الآثار الاستراتيجية والسياسية لمنطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا، وأكد التقرير أن النهج الاستقلالي الذي تسعى دول المنطقة إلى تبنيه ممثلاً في السعي إلى إنشاء السوق الإفريقية المشتركة سوف يؤثر على المصالح الأمريكية، وأن السودان والحكم الإسلامي فيه سوف يحدث بلبلة في المنطقة، وأن الهدف الأمريكي هو إحداث تغيير سياسي سريع في السودان وعلمنة الحكم ليرتبط مع بقية دول البحيرات العظمى في إطار تحالف قوي يضم أوغندة وإثيوبيا وإرتيريا والكونغو والسودان الجديد، ومن ثم التحكم في منطقة حوض النيل لإخضاع الدول الواقعة عليه للسياسات الأمريكية. إيقاف المد الإسلامي وانتشاره في إفريقيا: فقد صرحت أولبرايت في ٥-١-١٩٩٨م: (لا ينبغي أن تترك هذه المنطقة (تقصد شرق إفريقيا) دون توجيه استراتيجي أمريكي من شأنه أن يؤدي إلى نتائج في مقدمتها قيام عدة دول إسلامية في الشرق الإفريقي) . وفي حديث لوزير الخارجية السوداني مصطفى إسماعيل نشر مؤخراً قال: (إن السياسة الأمريكية الآن تحاول أن تصنع عدواً لتخيف به الآخرين، وآلياتها الإعلامية والسياسية تصب في هذا الاتجاه، ومن ثم فهي تدعو الأطراف الأخرى - في ضوء ذلك - للاعتماد عليها. وأمريكا تصور السودان الآن على أنه العدو) . في ضوء هذه الأهداف السابقة بدأت أمريكا في رسم السياسات التي تمكنها من الوصول إلى هذه الأهداف. والمتتبع للسياسة الأمريكية في أي بقعة أو بؤرة من بؤر التوتر في العالم يلحظ خاصية هامة يجب علينا فهمها والاهتمام بها وهي: الاستدراج البطيء والتعامل الهادئ مع الخصم الممزوج بالتصعيد التدريجي، أي (سياسة الشد والإرخاء) حتى إذا تهيأت الظروف دفعت الأحداث إلى إحكام الطوق والحصار العسكري بالأساطيل والجيوش والحلفاء، ثم يتبع بعدها أسلوب ساعة الحسم. إن عدم فهم هذه الخاصية وإدراكها يوقعنا في الحيرة والاضطراب ووصف السياسة الأمريكية بالتناقض والارتباك، وهي ليست كذلك في كل وقت؛ ولكن يحدث أحياناً خلاف بين صانعي القرار الأمريكي حول وصول الوضع إلى ساعة الحسم وهنا قد يحدث نوع من الاجتهادات المختلفة التي تؤثر بدورها على المواقف التي تتخذها أمريكا. ومثال ذلك: ما حدث بالنسبة للسودان في قرار إعادة الدبلوماسيين الأمريكيين إلى السفارة الأمريكية في الخرطوم، فبعد أسبوع واحد تراجعت الخارجية الأمريكية عن القرار. وحديثنا عن السياسة الأمريكية تجاه السودان يسير وفق أربعة محاور: ... المحور الأول: (سياسة الاسترخاء) ، ومن ذلك: - صدور تقارير صحفية تفيد اعتزام الإدارة الأمريكية بحث إمكانية إسقاط النظام السوداني من قائمة الدول الراعية للإرهاب تمهيداً لإتمام الصفقة النفطية بين الحكومة السودانية ومؤسسة (أوكسيدنتال) النفطية الأمريكية. - الترحيب الرسمي الأمريكي باتفاق السلام الموقع في ٢١-٤-١٩٩٧م بين الحكومة السودانية وست من فصائل المعارضة الجنوبية. - زيارة وفد أكاديمي أمريكي للسودان، وبحث المشكلات التي تعيق تطوير علاقاته بالولايات المتحدة. - إقرار صندوق النقد الدولي اتفاق المرحلة الأولى من الإصلاح الاقتصادي ابتداءًا من أواخر يونيه ١٩٩٧م. - إعراب الإدارة الأمريكية عن انزاعجها مما نسب إلى الرئيس الإرتيري حول وجود مشاركة إرتيرية في القتال الدائر بشرق السودان. وفي تصريح لمسؤول في مجلس الأمن القومي الأمريكي: " إن أمريكا لا تؤيد الدعوة لتقسيم السودان، وترغب في أن يحافظ على وحدته ضمن صورته الحالية المعترف بها من المجموعة الدولية. السماح للسودان باستيراد المواد الغذائية من الخارج؛ حيث إنها غير مدرجة في العقوبات. المحور الثاني: (سياسة الشد) : - صدور عدة تقارير من وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي التي قدمت إلى الكونجرس في الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر ١٩٩٦م والتي أجمعت على اعتبار السودان بين الدول الأشد خطراً. - تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي في ديسمبر ١٩٩٦م التي تؤكد أن استراتيجية الإطاحة بالنظام السوداني هي أفضل الخيارات المتاحة. - في أواخر عام ١٩٩٦م صدر إعلان من جماعة التحالف النصراني وجماعات ضغط أخرى قريبة منها عن رغبتها في إجازة قانون في الكونجرس يفرض عقوبات سياسية واقتصادية على دول يتهمها التحالف باضطهاد الأقليات النصرانية، ومنها: مصر، والسودان، والصين، والسعودية، وحيث إن فرض عقوبات اقتصادية يضر بالمصالح الأمريكية في هذه البلدان فإن السودان أصبح عند بعض صانعي القرار الأمريكي المثال الأقل تكلفة لبيان اهتمام الإدارة في واشنطن بالموضوع وترضيته جماعات الضغط المسيحية. - في ٢٤-١١-١٩٩٧م قررت الولايات المتحدة سحب البعثة الدبلوماسية من السودان. - تصريح مادلين أولبرايت أثناء جولتها في المنطقة بأن الولايات المتحدة تسعى لإسقاط النظام في الخرطوم سلماً أو حرباً. المحور الثالث: (سياسة إحكام الطوق) : - في عام ١٩٩٦م تم تخصيص مبلغ ٢٠ مليون دولار في صورة مساعدات عسكرية لثلاث دول إفريقية تتعاون لإسقاط النظام السوداني، وهي: إرتيريا، وأوغندة، وإثيوبيا، وهو ما أكدته السفارة الأمريكية. - في ١٥-١٢-١٩٩٧م اتهم البشير أمريكا بأنها حرضت حركة التمرد على إلغاء ما تم التوصل إليه، وألقت بكل مبادئ منظمة الإيغاد في سلة المهملات دعماً لاستمرار القتال. - عملت إدارة كلينتون على شق الصف الإفريقي عبر صنع لوبي بين الدول الموالية لواشنطن يتبنى فكرة إقرار آلية متعلقة بتشكيل قوة عسكرية من هذا اللوبي تتولى التدخل لفض ما تسميه واشنطن بالصراعات في القارة، وهي الآلية التي تشرف عليها واشنطن في أوغندة. - الجولات المتتالية للمسؤولين الأمريكيين في المنطقة بدءاً من كلينتون ومروراً بأولبرايت وانتهاءًا بسوزان رايس مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون القرن الإفريقي، ويسعى هؤلاء المسؤولون إلى القضاء على أي تعارض في الأهداف، وإلى تخفيض حدة التنافس بين زعماء المنطقة. - حاولت أمريكا ترتيب لقاء يجمع بين جارانج والمنشقين عنه في نيويورك؛ ولكن المفاوضات بين الأطراف وصلت إلى طريق مسدود. المحور الرابع: (مؤشرات لحظة الحسم) : بعد إتمام الحصار على السودان كان الوضع مهيأ لزحف عسكري من تحالف المعارضة مدعوماً بجيوش دول الجوار (إثيوبيا، وإرتيريا، وأوغندة) وخاصة بعد أن أصبحت مصر على الحياد بعد المحاولة التي لم تفلح لاغتيال الرئيس حسني مبارك في إثيوبيا، والتي اتهمت بها السودان وبدا النظام السوداني شبه معزول، وظهر أن هذا التوقيت هو الأنسب لتوجيه تلك الضربة القاصمة للنظام؛ ولكن سرعان ما حدثت تطورات كان من أبرزها: تورط أوغندة في الصراع الذي اندلع مجدداً في الكونغو، واندلاع قتال ضارٍ بين الحليفين: إثيوبيا وإرتيريا، وتغير الموقف المصري من النظام السوداني بعد أن أعاد حساباته في الاستراتيجية وأصبح يقف حجر عثرة في سبيل هذه المخططات. وهنا بدأت أمريكا تغير من سياساتها تجاه السودان لتبدأ مرحلة جديدة من أهم خصائصها: - تقليل الاعتماد على دول الجوار نظراً لتشتتها وتشرذمها. - محاولة إضعاف الدور المصري في السودان وممارسة الضغوط على النظام المصري لرفع يده من القضية السودانية. - تحريك الأساطيل الأمريكية تجاه السودان، واستخدام أساليب القصف الصاروخي لضرب منشآت حيوية كما حدث في ضرب مصنع الشفاء في الخرطوم. - إرسال المبعوثين إلى الجنوب كما حدث في زيارة عضوي الكونجرس إلى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، ثم عودتهم ومطالبتهم الإدارة الأمريكية بالتدخل. - افتعال القضايا التي تستحوذ على اهتمام الرأي العام العالمي، وإلصاق الاتهامات بحكومة البشير مثل قضايا: المجاعة، وتجارة الرقيق ... - التحرك نحو إيجاد مناطق معزولة ضد الطيران السوداني على غرار شمال وجنوب العراق تمهيداً لانفصاله. - تعيين مبعوث خاص بالسودان، وذلك للتركيز على هذه القضية والدلالة على أنها بؤرة الاهتمام الأمريكي. إن الحالة السودانية تشبه من وجوه كثيرة المسألة العراقية بالنسبة للولايات المتحدة؛ مما جعلها بين خيارين: ١ - الاحتواء: وذلك بجعل السودان في حالة حصار دائم ليساعد ذلك على انهيار النظام، أو ثورة الشعب عليه. ٢ - التفكيك: أي تجزئته إلى دويلات عدة تحت أي صبغة أو مسمى من المسميات مثل: حق تقرير المصير، أو الكونفدرالية. وقد ذكرت جريدة الأسبوع المصرية في ٢٢-١٢-١٩٩٧م أن أولبرايت استشارت جيمي كارتر الخبير في الشؤون السودانية، والقرن الإفريقي (الرئيس الأمريكي الأسبق) فأشار بتفتيت السودان؛ للسيطرة على المنطقة، وإزالة النظم المعادية وبالذات التي لها توجه إسلامي. إن الفترة القادمة سوف تشهد تطورات لاحقة في المنطقة خاصة بعد انتهاء أمريكا من حرب البلقان التي أسفرت عن أطلسة أوروبا ودخولها في الحظيرة الأمريكية، وباتت منطقة الشرق الأوسط هي الآن المنطقة المرشحة للأطلسة الأمريكية لتأمين منطقة جنوب البلقان وأوربا، والعراق والسودان هما أكثر دولتين في المنطقة المرشحة للأطلسة الأمريكية كما فُعِلَ بيوغسلافيا. ولعل تسارع الحكومة السودانية وحرصها على إجراء المصالحة مع أطراف المعارضة المختلفة، وتحسين العلاقات مع دول الجوار يوحي بأن الحكومة تريد استباق الأحداث لإحباط هذه المحاولات. ولكن العامل الحاسم ليس في يد طرف خارجي أو داخلي ولكنه في الرجوع إلى الله؛ فبقدر تمسك النظام في السودان بإيمانه بالله واحتكامه إليه يكون ثباته وصموده أمام أي عدوان أو قوة مهما بلغت هيمنتها وغطرستها: [يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون] . ﴿التوبة: ٣٢﴾ . المراجع: - دراسات في الجغرافية البشرية للسودان، د. عبد العزيز كامل، دار المعارف مصر. - حوار حول مشكلة الجنوب السوداني، تحرير عمر مرسي - مركز المحروسة. - جنوب السودان وصناعة التآمر ضد ديار المسلمين، د. عبد العظيم الديب، مكتبة السنة.

стр. 3230

مرصد الأحداث حسن قطامش من أجل عيون (تيمور) إن أعين العالم تتركز على نقطة صغيرة وعلى معاناة ناس أبرياء فقراء، إن الولايات المتحدة ستعيد النظر في روابطها الاقتصادية والتجارية مع إندونيسيا، إن دعمنا لأية مساعدة اقتصادية من الأسرة الدولية مستقبلاً رهن بالطريقة التي تسيطر بها إندونيسيا على الوضع من الآن فصاعداً. وإن الحفاظ على إندونيسيا قوية مزدهرة وديمقراطية من مصلحة الجميع. على الحكومة والعسكريين الإندونيسيين وضع حد لأعمال العنف وإعادة الوضع إلى ما كان عليه والسماح بعودة اللاجئين إلى ديارهم وتطبيق نتائج الاستفتاء والسماح لقوة دولية بإعادة الأمن. ﴿الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، جريدة الوطن، العدد: (٨٤٧٠) ﴾ تفسير جديد س: بم تفسر فضيلتك الوجود الأمريكي والغربي بهذه الكثافة في المنطقة العربية، وما هي الآثار السلبية لهذا الوجود الأجنبي؟ ج: أخالفكم الرأي، فما نراه في المنطقة العربية ليس كياناً غربياً، ولكنه لون من ألوان التعامل السياسي والاقتصادي العالمي، وبالقدر نفسه فإن ملايين العرب والمسلمين يقطنون أوروبا وأمريكا ويزاولون نشاطهم! ! غاية ما في الأمر أن الوجود الغربي هنا أكثر أثراً وأكثر تنظيماً، وهو لذلك أشد فائدة لأصحابه. ﴿د. محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر، جريدة الجيل، العدد: (٤٢) ﴾ الوجه الغربي في كوسوفا ١ - وجه برنار كوشنير المسؤول الإداري للأمم المتحدة في كوسوفا تحذيراً شديد اللهجة إلى جيش تحرير كوسوفا وقال: لن أسمح في المستقبل أن يحرق عشرة أو خمسة عشر منزلاً صربياً حتى ولو أدى ذلك إلى الدخول في نزاع مع جيش تحرير كوسوفا، لقد قلت: إن صبري كاد ينفد، إن الأمن هو أولويتنا؛ ولكن للأسف لسنا قادرين على حماية الصرب ١٠٠%، إن الحقد وصل إلى حد نحن بحاجة فيه إلى وضع شرطي لحراسة كل صربي! ! وهذا مستحيل، نحن في انتظار تعزيزات يبلغ عددها خمسة آلاف جندي تقريباً، إذا غادر الصرب كوسوفا فسنكون قد انهزمنا، إن الحرب عندها ستكون من أجل لا شيء. ٢ - اعتبر وزير الخارجية الإيطالي لامبرتو ديني أن استقلال كوسوفا يشكل عامل عدم استقرار لمنطقة البلقان، وقال: إذا بدأنا في إقامة دويلات من مليون أو مليوني نسمة في البلقان فسيكون لدينا قريباً عشرون دويلة، وإن التحالف الدولي سيطلب من قواته في الإقليم أن يتحرك بشكل أكثر حزماً لحماية الصرب، وهم الآن بدورهم ضحايا قسم من ألبان كوسوفا. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٣٩٢) ﴾ جمهورية كردية من وراء الكواليس ١ - قال بولنت أجاويد رئيس الوزراء التركي أن ثمة فراغاً سياسياً وأمنياً في شمال العراق؛ حيث تسعى القوى المحلية والدولية في ملء هذا الفراغ من أجل تحقيق استراتيجيتها في المنطقة، ولواشنطن سياسة محددة في هذه المنطقة، وربما تسعى لإقامة دولة كردية. وقد أقدم مسعود البرزاني على اتخاذ علم جمهورية مهاباد الكردية - التي تأسست عام ١٩٤٦م - ونشيدها الوطني علماً وشعاراً لنفسه توطئة لإعلان الجمهورية الكردية، كما يستعد لطبع عملة خاصة بهذه الجمهورية. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٦٥) ﴾ ٢ - كما وافق حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه جلال الطالباني على تشكيل حزب يهودي يسمى حزب يهود كردستان، وسيكون مقر الحزب الجديد - ويرمز له باسم (حيك) - سيكون بمدينة السليمانية في شمال العراق وستقوم إسرائيل بدعمه. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٣٨٨) ﴾ خذوا حذركم وضعت (مايكروسوفت كوربوريشن) التابعة للبليونير الأمريكي بل جيتس لصناعة أجهزة الحاسب الآلي (I. B. M) وضعت باباً سرياً خلفياً في برمجياتها يمكن من خلاله للاستخبارات الأمريكية أن تتجسس على أجهزة الكمبيوتر التابعة ... للحكومات ورجال الأعمال والأفراد في أنحاء العالم. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٣٠) ﴾ أذلة على الكافرين عرفات شخص مهذب وشهم، وقد درج على أن يناديني (ابن عمي) أينما التقينا يجعلني دائماً أتقدمه، ويسير هو تسع خطوات خلفي، دائماً أقول له: تقدم؛ ولكنه يرد: أرجوك تفضل! ! ﴿ديفيد ليفي وزير خارجية (إسرائيل) ، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٥٨) ﴾ الخصم والحكم لا زالت الدول الإسلامية العربية صامتة بشأن الاعتراف بالشيشان حتى تعترف روسيا، وقد وقعنا وثيقة سلام بيننا وبين الرئيس الروسي عام ١٩٩٧م، وبهذه الوثيقة أنهينا حرباً قامت بيننا وبين روسيا قرابة ٤٠٠ عام، ومع ذلك لم تكن هذه الوثيقة شافية وكافية لاعتراف الدول الإسلامية والعربية. ﴿رئيس الشيشان، رسلان مسعادوف، جريدة الأنباء، العدد: (٨٣٤٥) ﴾ لا بواكي لهم دخل رجال الشرطة الكينية إلى مسجد أنس بن مالك في ممباسا كينيا في ١- ٥-١٤٢٠هـ، وقتلوا تسعة أشخاص من بينهم إمام المسجد، كما جرحوا خمسة عشر آخرين، وقبل التحقيق صرح وزير أمن الدولة بأن المسلمين هم السبب في هذه الحادثة، ودافع عن الحكومة الكينية. ﴿مكتب المنتدى الإسلامي في نيروبي كينيا﴾ الأقربون أولى.. بالملايين! ! قالت مصادر فلسطينية: إن السلطة الفلسطينية أوجدت منذ قيامها عام ١٩٩٤ م حوالي ٤٠٠ مليونير معظمهم من موظفي السلطة والمسؤولين الكبار فيها، بينما غالبية المواطنين تعيش تحت خط الفقر. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٧٤) ﴾ التأخر إلى متى! ؟ ينبغي أن تكون مواقف اليهود دافعاً لنا على مواصلة الجهاد من أجل تحرير القدس، والجهاد لا يعني حمل السلاح ومهاجمته المغتصبين والمحتلين، فهذه مرحلة أخيرة لا ينبغي أن نلجأ إليها إلا عندما تخفق الوسائل الأخرى، والذي أعنيه الآن هو الجهاد السياسي والاقتصادي. ﴿د. نصر فريد واصل، مفتي مصر، جريدة الخليج، العدد: (٧٣٩٧) ﴾ . الموالاة أولى من المعاداة حصل المخرج السينمائي المصري نبيل عبد العليم السيد فوده على موافقة الجهات المختصة بتأسيس جمعية للصداقة المصرية - الإسرائيلية. وقال فوده: إن هدف الجمعية هو (نشر ثقافة السلام ومد جسور الصداقة بين الشعبين المصري والإسرائيلي) . وضمت لائحة أسماء المؤسسين ٢٩ عضواً. وتهدف الجمعية إلى مد جسور الصداقة والتعاون بين الشعبين من خلال نشر ثقافة التسامح والسلام، والدعوة إلى التعاون على أساس الاحترام والثقة بين طرفين متكافئين، وإزالة العوائق النفسية والحواجز والعقبات التي تعوق حركة النشاط والتعاون بين البلدين. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣١٣) ﴾ أنقذوا الفقراء حسب تقديرات البنك الدولي عام ١٩٩٥ للفقر الحاد فإن ٣٠% من سكان جنوب الصحراء الإفريقية يعيشون في فقر مدقع. وكذلك الأمر بالنسبة لـ ٢٩% من سكان جنوب آسيا و ٢١% من سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. و١٢% من سكان أمريكا اللاتينية. و ٩% من سكان شرق آسيا وجنوب شرقها. و ٤% من سكان أوروبا الشرقية. وبسبب الفقر في عالمنا يموت ١٤٠٠ طفل دون الخمس سنوات كل ساعة بسبب سوء التغذية وأمراض الطفولة التي يمكن الوقاية منها، من بينهم ٥٠٠٠ طفل يلاقون حتفهم كل يوم بسبب الجوع وحده. ويموت ٢٠ مليوناً من البشر كل عام نتيجة سوء التغذية أو الحرمان منها. بينما يعاني غيرهم من أمراض التضخم والإفراط في الأكل، ويتم إعدام أطنان من الغذاء لأسباب تجارية بهدف زيادة الكسب. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٣٨٤) ﴾ من يشتري روسياً بدولارين! ! كشفت مصادر روسية عن ازدهار ما وصفته بـ (تجارة الرق) بين جنود القوات الروسية في المناطق المجاورة للشيشان وشمال القوقاز. وقالت: إن آخر هذه الحوادث جرى في أوسيتيا الشمالية؛ حيث باع الملازم ف. خ تسعة من جنوده إلى تجار الرق الشيشان بسعر الجملة مقابل خمسين دولاراً للجندي الواحد. وبلغ الأمر بقائد أحد فصائل من قوات الأمن الداخلي في فلاديقوقاز (عاصمة أوسيتيا الشمالية) إلى حد بيع جنوده مقابل خمسين روبلاً (أي ما يعادل دولارين فقط) لقاء الجندي الواحد، وبأحد الرقباء المدمنين إلى حد بيع اثنين من جنوده هما: سيرجي ستيبانوف، والكسندر ليفنتشوك مقابل عشرة جرامات من الهيروين، ويدعي القادة أن جنودهم هربوا من الوحدات العسكرية، إضافة إلى تأجير بعضهم للعمل لدى الفلاحين المحليين أو في أعمال البناء مقابل دولار واحد في بعض الأحيان يومياً. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٨٤) ﴾ أخلاق القساوسة ألقت الشرطة النمساوية القبض على قس (٣٣ عاماً) يعمل مدرساً للتربية الدينية في مدرسة ثانوية بالنمسا العليا متلبساً بجرم بيع صور خليعة لأطفال مأخوذة من الانترنت وذلك بالتعاون مع شابين آخرين يعملان في شركة كمبيوتر؛ إذ يقومون باختيار الصور وطبعها ثم بيعها. هذا وقد وجدت الشرطة بحوزة القس - الذي كان يستخدم الكمبيوتر الخاص بمدرسته - وجدت ١٣٠ ألف صورة لصبيان تتراوح أعمارهم ما بين ٤ - ١٦ عاماً. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٦٤) ﴾ ويبقى وجه ربك شهدت العاصمة الرومانية بوخارست مزاداً علنياً فريداً من نوعه عرضت فيه للبيع مخلفات الزعيم الشيوعي السابق نيكولاي تشاوتشيسكو الذي حكم البلاد بالحديد والنار لسنوات طويلة حتى الإطاحة به وإعدامه في خضم ارتداد بلدان أوروبا الشرقية على أنظمتها الشيوعية المستبدة في أواخر الثمانيات. ومن المقتنيات الثمينة لتشاوتشيسكو التي عرضت في المزاد - إضافة إلى التحف والسجاجيد والملابس وقطع الأثاث - سيارات قديمة ذات أهمية خاصة أهداها له زعماء من مختلف بلاد العالم. ﴿مجلة المجلة، العدد: (١٠١٩) ﴾ مرصد الأرقام - ارتفع عدد محطات الإذاعة والتليفزيون الموجهة التي تبث دعاية أمريكية باللغتين العربية والفارسية ليصل إلى عشر محطات. ﴿مجلة الوسط، العدد: (٣٩٥) ﴾ - تضاعف حجم الاستيطان اليهودي في مدينة القدس أربع مرات منذ تسلم إيهود باراك مقاليد الحكم عنه في زمن سلفه نتنياهو. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٠٧) ﴾ - يعاني اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أوضاعاً صحية حرجة؛ حيث يوجد لكل ١٠ آلاف لاجئ ٠. ٨٧ طبيب و ٢. ٥ ممرض بينما تنص القوانين الدولية على وجود طبيب لكل ألف نسمة حداً أدنى، ويعاين الطبيب ثمانين مريضاً في اليوم بمعدل أقل من ٤ دقائق للحالة الواحدة. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٢٤) ﴾ - أظهر تقرير أعدته هيئة الإحصاء الحكومية في روسيا أن ربع الأطفال يولدون غير شرعيين. ﴿جريدة الحياة العدد: (١٣٣٢٤) ﴿ - ذكرت دراسة رسمية بريطانية أن عدد النساء المجرمات القابعات في السجون البربطانية تضاعف خلال الأعوام الستة الماضية؛ إذ أصبح خُمس مجموع المجرمين في السجون من النساء. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٧١) ﴾ - بلغ عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية حتى نهاية مارس ١٩٩٨م (٣٤٨٥) أسيراً، وقد بلغ عدد الأسرى الإداريين طوال سنوات الاحتلال وحتى وقتنا الحاضر ٥٣ ألف أسير، كما بلغ عدد من توفوا داخل سجون الاحتلال منذ ١٩٦٧م، وحتى ١-١٩٩٥م، ١٦٨ أسيراً، وجميعهم سقطوا نتيجة التعذيب والضرب أثناء التحقيق. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤١١) ﴾ - خلال الشهور الثمانية الماضية أطلق الطيارون الأمريكيون والبريطانيون ألفاً ومئة صاروخ على ٣٥٩ هدفاً عراقياً. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٦٥) ﴾ - بلغ عدد المساجد التي دمرت في كوسوفا ما يزيد على مئة مسجد، في حين أصيب نحو ٢٠٠ مسجد بأضرار. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٣٩١) ﴿

стр. 3231

قضايا ثقافية من مواقف طه حسين تجاه التراث الإسلامي (١ /٢) خالد بن سعود العصيمي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن أعظم ما تصاب به الأمة أن يكون مصابها بأبنائها؛ إذ يكون وقع ذلك شديداً عليها؛ لأن الأم الرؤوم لا تنتظر من أبنائها إلا البر والإحسان، فتفاجَأ بالعقوق والعصيان، ولقد أصيبت الأمة الإسلامية بأبناء لها على مر التاريخ ممن تنكبوا الطريق، وضلوا سواء السبيل؛ فهذا الجهم بن صفوان يحرِّف الكتاب، ويلوي عنق النصوص لياً، وهذا - أيضاً - واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري ﵀ يعتزل حلقته ويعلن بدعة شنعاء يبقى أثرها في الأمة ردحاً من الزمن، ويظهر ابن الراوندي يلوّح بزندقته في مصنفات، أما أهل الفلسفة فيدَّعون فيما يدَّعون: أن النبوة اكتساب لا اصطفاء، ويعلن الحلاج الصوفي قوله بوحدة الوجود. وهذه السلسلة الخبيثة باعُها في التاريخ طويل، تبدأ بإبليس يوم عصى رب العالمين ورفض السجود، وتظهر اليوم في مثل سلمان رشدي وحامد نصر أبو زيد وغيرهم. وطه حسين أحد عُقَد هذه السلسلة التي كانت غصة في حلق الأمة، ولما كان أحدَ الذين ذاع صيتهم في هذا العصر، وراجت أفكارهم وآراؤهم، وكانت تلك الأفكار والآراء ذات صبغة مضللة، ولما كان تلاميذه وتلاميذهم - وما زالوا - يشيدون به وبهم، فقد رأيت أن أعرض بعض مواقف طه حسين من التراث الإسلامي ثم أُعقبها بالمناقشة. وليست الكتابة في فكر طه حسين من قبيل الكتابة عن موضوعات عفا عليها الزمن - كما يظن بعض الناس - لأنه وإن تغير الأشخاص الذين ينخرون بجسم الأمة ويقوضونها من الداخل، وإن تغيرت أسماؤهم ولغتهم وأسلوبهم، إلا أن مضامين أفكارهم تتكرر مرة بعد مرة، وحمل المقالات المتشابهة بعضها على بعض أمر لا يشق على المؤمن الفطن. أهم مواقفه المعادية للتراث الإسلامي: أولاً: ادعاؤه بشرية القرآن: ١ - لخطورة التصريح بما يعمل على بثه فإن موقفه من القرآن الكريم كان متأرجحاً؛ فهو حين يقول في القرآن: إنه (المعجزة الكبرى التي آتاها الله رسوله الكريم ﷺ آيةً على صدقه فيما يبلِّغ عن ربه) [١] تجده يشير إلى التشكيك في إلهية القرآن الكريم بتلميح فاضح؛ إذ يقول: (ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن الكريم قد تأثر بشعر أمية بن أبي الصلت أو لا يكون. ثم يقول: لِمَ لا يكون أمية بن أبي الصلت قد أخذ من النبي ﷺ طالما أن مصادر أمية ومحمد واحدة وهي قصص اليهود والنصارى؟) [٢] . فهو كي يرد تهمة تأثر القرآن بشعر أمية بن أبي الصلت يأتي بحجة تؤكد بشرية القرآن، وهي أن مصادر أمية ومصادر محمد ﷺ في القرآن واحدة، وهي قصص اليهود والنصارى. ٢ - دعا إلى جعل الكتب المقدسة ومنها القرآن الكريم تحت مجهر النقد لكل من قرأها، فإذا (كان من حق الناس جميعاً أن يقرؤوا الكتب المقدسة ويدرسوها ويتذوقوا جمالها الفني، فلِمَ لا يكون من حقهم أن يعلنوا نتائج هذا التذوق والدرس والفهم، ما دام هذا الإعلان لا يمس مكانة هذه الكتب المقدسة من حيث إنها كتب مقدسة، فلا يغض منها ولا يضعها موضع الاستهزاء والسخرية والنقد، وبعبارة أوضح: لِمَ لا يكون من حق الناس أن يعلنوا آراءهم في هذه الكتب من حيثُ هي موضع للبحث الفني والعلمي، بقطع النظر عن مكانتها الدينية؟) [٣] . وقد طبق هذه الفكرة فعلاً مع تلاميذه في كلية الآداب؛ حيث طلب منهم أن ينقد كل واحد منهم القرآن الكريم، وأن يكشف عن الآيات الضعيفة فيه والآيات القوية [٤] . بل إن الدكتور طه حسين طبق نموذجاً على الآيات القرآنية يصرح فيه أن في القرآن أسلوبين مختلفين: أحدهما: جاف وهو مستمد من البيئة التي نزل فيها القرآن أول ما نزل في مكة؛ ففي هذا الأسلوب تهديد ووعيد وزجر. وأسلوب آخر عندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة واتصل ببيئة اليهود، وهو أسلوب فيه شيء كثير من الليونة والانطلاق [٥] . ٣ - يتجاوز طه حسين قضية التشكيك، فينكر بعبارة لا التواء فيها إبراهيم وإسماعيل ﵉ وقصة مهاجرهما إلى مكة، ويعدُّ هذه أسطورة لفَّقها العرب بعامة وقريش بخاصة ليحتالوا بها على من عندهم من فرس وروم؛ ليؤكدوا أن لهم أصلاً قديماً يرتبط بتأسيس إبراهيم وإسماعيل للكعبة، ثم جاء القرآن فصدَّق هذه الأسطورة؛ ليحتال على اليهود ليؤلف قلوبهم؛ إذ مرجعهم إبراهيم جميعاً [٦] . ونقد الشيخ محمد الخضر حسين منهجه في أفكار هذه القصة بقوله: (ومن حاول الجهر بإنكار ما تتداول نَقْلَه أمةٌ، ويقرره كتاب تدين بصدقه أمم، كان حقاً عليه أن يسلك مسلك ناقدي التاريخ فيبين للناس كيف كان نبأ الواقعة مخالفاً للمعقول أو المحسوس أو التاريخ الثابت الصحيح؛ ولكن المؤلف لم يسلك في إنكار هذه القصة طريقة نقد التاريخ؛ إذن لم يكن مع المؤلف سوى عاطفة غير إسلامية تزوجت تقليداً لا يُرى، فحملت بهذا البحث وولدته على غير مثال) [٧] . ٤ - قلل طه حسين من شأن القرآن حينما قال في (الأيام) [٨] : إن نسخة من ألفية ابن مالك تعدل خمسين نسخة من القرآن الكريم. ثانياً: جَعْلُهُ السيرة النبوية بمثابة الأسطورة: كتب (على هامش السيرة) تقليداً لكتاب: (على هامش الكتب القديمة) لجيل لومتير، وقد صرح بهذا في كتابه: (الإسلام والغرب) بعد سنوات من صدور (على هامش السيرة) ، وملخص سبب تأليفه له من كلامه: أنه قد ساءه أن يكون لليونان أساطيرهم، وللرومان أساطيرهم، والناس يقبلون برغبة ملحة على هذه الأساطير، ثم لا يجد الراغبون في القراءة والمتعة أساطير للعرب يتناقلها الناس، ولأجل هذا أُلِّف هذا الكتاب، ليكون أسطورة عربية [٩] . ويقول في موضع آخر من كتابه: (وأحب أن يعلم الناس أيضاً أني وسَّعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع ما لم أجد به بأساً) [١٠] . حتى قال صديقه الدكتور محمد حسين هيكل عاتباً عليه صنيعه: (وأستميح الدكتور طه حسين العذر إن خالفته في اتخاذ النبي ﷺ وعصره مادة لأدب الأسطورة) [١١] . ثالثاً: التلاعب بالحقائق التاريخية المتعلقة بسيرة النبي ﷺ عصره: ١ - أراد أن يثبت أن النبوة كانت اعتقاداً معروفاً في مكة، والناس يتشوَّفون ظهور النبي، بل إن كل فتى في مكة كان يتطلع ويسعى ليكون صاحب هذا الفضل [١٢] ، وفي هذا تجنٍّ على الحقيقة والتاريخ أي تجنٍّ. ٢ - ضخَّم الحوادث المتصلة بحياة المصطفى ﷺ قبل البعثة وملأها بالأحاديث الموضوعة؛ حتى ليظن القارئ أن أهل مكة كانوا يعلمون أن محمداً ﷺ سيكون نبياً [١٣] . وأطال النَّفَس في سرد قصته ﷺ مع خديجة - رضي الله عنها - وميسرة والراهب وورقة بن نوفل، وجلَّلها بثوب الأسطورة الذي قدّه أطول منه، فخلط ما صح من معجزات للنبي ﷺ في ذلك بما لم يصح [١٤] . ٣ - رد أحاديث صحيحة؛ لأنها خالفت هوى في نفسه، فمثلاً يقول: (فلا حاجة إذن إلى أن نخترع الأحاديث لإثبات ما لا حاجة إلى اتباعه، كالحديث الذي يروى من أن العباس عرف الموت في وجه النبي ﷺ ، وكان يعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب [١٥] ) مع أن الحديث مخرج في صحيح البخاري [١٦] . وردَّ الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ لبعض أصحابه في مرضه الذي توفي فيه: (ايتوني بصحيفة أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبداً) [١٧] . وردَّ استسقاء عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس بن عبد المطلب- ﵁ وأن هذا تكلُّف مصدره التملق لبني العباس أثناء حكمهم [١٨] ، والحديث في صحيح البخاري [١٩] . ويسوِّغ ردَّه للأحاديث التي لا توافق هواه بأن (من الواجب على كل مسلم حين يُروى له الحديث عن النبي ﷺ أن يحتاط قبل الأخذ به، وأن يعرضه على القرآن، فإن كان لا يناقض القرآن في قليل ولا كثير، ولا يناقض المألوف من سيرة النبي ﷺ وعمله أخذ به، وإلا وقف فيه) [٢٠] . ولا شك أن رد السنة الصحيحة بدعوى أنها تخالف القرآن أو السير المألوفة طريقة غير علمية ولا منضبطة؛ ولهذا جَرَّأَتْ قليلي البضاعة من العلم والموتورين إلى أن يتكلموا في دين الله، ومنهجُ العلماء الراسخين قبول الروايات الثابتة، وجمع النصوص الواردة في باب واحد، وبيان المطلق فيها والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ. وكتبُ شروح الأحاديث الجارية على هذا متوافرة. ولله الحمد. رابعاً: الطعن في الصحابة الكرام: ١ - وصف طه حسين عمر بن الخطاب ﵁ بالعصبية حينما أنكر على حسان بن ثابت ﵁ إنشاد الشعر في المسجد، فقال حسان: إليك عني يا ابن الخطاب، فوَ اللهِ لقد كنت أنشد في هذا المكان وفيه مَن هو خير منك (فيفسرها طه حسين بأن الأنصار كانوا يعتزون بنصرهم للنبي صلى الله عليه وسلم وانتصافهم من قريش، وعمر كان قرشياً، تكره عصبيته أن تُزدرى قريش، وتذكر ما أصابها من هزيمة في غزوة بدر [٢١] . وهذا كذب؛ إذ إن عمر ﵁ كان صاحب الرأي القائل بقتل أسرى بدر، ونزل القرآن بموافقته. ٢ - وتطاول على عثمان ﵁ ووصمه بالظلم والطغيان وأنه ما زال يضرب ابن مسعود حتى كسر أضلاعه [٢٢] . ٣ - وكذب على عائشة ﵂ وزعم أنها وقفت على جملها يوم الجمل تخطب الناس وتحثهم على القتال بلسان زلق، ومنطق عذب، وحجة ظاهرة [٢٣] . ٤ - ويتناول خالدَ بن الوليد ﵁ من غير استحياء ويصفه بثلاث من البهتان: فخالد عنيف وفي سيفه رهق؛ لأنه يحب القتل، وخالد يحب التزوج، وخالد وعشيرته معروفون بالعُجْب والخُيَلاَء [٢٤] . ٥ - وشتم طه حسين معاوية بن أبي سفيان ﵁[٢٥] . ٦ - جعل طه حسين حَبْرَ هذه الأمة عبدَ الله بن عباس (لصاً) يأخذ ما في بيت المال في البصرة ويهرب إلى الحجاز [٢٦] . ٧ - وصف أصحاب الشورى الذين اجتمعوا ليختاروا خليفة المسلمين بعد عمر ﵁ بإيثار الدنيا ومحبتها [٢٧] ، بل وصف بها جملة الصحابة الذين كانوا - كما زعم - ينافقون في عهد خلافة عمر ﵁ وأنهم كانوا يظهرون شظف العيش إذا دخلوا عليه، وإذا خلوا إلى أنفسهم عادوا إلى لين الحياة [٢٨] . وهذه التهم التي ألصقها طه حسين بالصحابة فرادى وجماعات هي حق البهتان العظيم الذي لا يمتري فيه أي مسلم. وهذا البهتان جناية في حق التاريخ الإسلامي، بل في حق التاريخ الإنساني؛ إذ لا يُعرف جيل كجيل الصحابة في كمال الاستعدادات الفطرية ولا في تمام الصفات الخُلقية التي أهَّلتهم لاصطفاء الله لهم لحمل رسالته إلى العالمين، وليس وراء تهمة الصحابة ووصمهم بالشنائع إلا إسقاط محبتهم وتوقيرهم من النفوس، مما يؤدي إلى القدح في عدالتهم، ومن ثَمَّ رد مروياتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم التي هي الدين. وقد تنبه علماء الأمة إلى هذه القضية منذ ظهورها عند بعض المبتدعة، فصنفوا في فضائل الصحابة، وفي حكم سبهم أو سب أحد منهم [٢٩] . خامساً: ادعاءاته ضد نظام الخلافة: ١ - زعم أن نظام الخلافة ليس إلهياً (وأن الحكم أيام النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شرعياً لا رأي للناس فيه؛ وإذا كان الأمر ﴿كذلك﴾ أيام النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يتنزل عليه الوحي فأحرى أن يكون الأمر كذلك أيام صاحبيه بعد أن تقطَّع عن الناس خبر السماء) [٣٠] . ٢- ونظام الحكم الإسلامي - عنده - يشبه إلى حد بعيد نظام الحكم الروماني أيام الجمهورية؛ فقد كان الرومانيون يختارون قناصلهم على نحو يوشك أن يشبه اختيار المسلمين لخلفائهم [٣١] . ٣ - وليؤكد أن نظام الخلافة ليس إلهياً، وإنما هو نظام إنساني تأثر بالدين، يذكر أنه قام على عنصرين [٣٢] : الأول: عنصر معنوي وهو الدين؛ فالخليفة يصدر عن وحي أو شيء يشبه الوحي في كل ما يأتي وما يدع، وهو مقيد بما أمر الله به من إقامة الحق وإقرار العدل، وهذا العنصر تلاشى - كما يدعي - بمقتل عمر ﵁. الثاني: الارستقراطية التي ائتلف منها هذا النظام، وقوامها: الاتصال بالنبي ﷺ أيام حياته والإذعان لما كان يأمر به وينهى عنه في غير تردد؛ والبلاء في سبيله، واختُص بها الأقربون من رسول الله ﷺ وهم قريش. ٤ - حكم على نظام الخلافة في الإسلام بأنه قد أخفق، وأن تجربة الحكم الإسلامي انتهت أيضاً بالإخفاق، أما نظام الشورى الذي وضعه عمر - رضي الله عنه - لاختيار الخليفة فلا يخلو - عنده - من نقص، بل من نقصٍ شديد [٣٣] . سادساً: التعبير عن الفتوح الإسلامية بأنها استعمار: ١ - يقول - مثلاً -: (فلما كان الفتح ورأت جيوش المسلمين الكثير من حقائق هذه البلاد، ثم استقرت فيها، واستقر المستعمرون العرب فيها كذلك) [٣٤] ، ويقول - أيضاً -: (فلما جاء الإسلام سكت الناس عن الخمر حيناً، صرفهم عنها الدين، وصرفهم عنها جِد الخلفاء، وصرفهم عنها الفتح والاستعمار) [٣٥] . ٢ - وإذا كانت فتوح الأقاليم تُعد - في تعبير طه حسين - استعماراً فإن فتح مصر عدوان، يقول: (إن المصريين قد خضعوا لضروب من البغض وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان، وجاءتهم من العرب والترك والفرنسيين) [٣٦] . ٣ - أما العثمانيون فهم - عند طه حسين - مستعمرون، وهم السبب في إيقاف سير الحركة العقلية في مصر؛ إذ إن الترك العثمانيين لو لم يوقفوا سير الحركة العقلية في مصر مدة طويلة لكان الذهن المصري من تلقاء نفسه ملائماً للأذهان الأوروبية في الأعصر الحديثة [٣٧] . ٤ - وفي مقابل ما سبق تجده يصف الإنجليز - المستعمرين الحقيقيين - بأنهم أصدقاء، ما جاؤوا إلى مصر إلا ليحموا القناة من المعتدين؛ فهو يقول: (نحن نريد أن نضارع الأمم الأوروبية في قوتها الحربية لنرد عن أنفسنا غارة المغير؛ ولنقول لأصدقائنا الإنجليز بعد أعوام: انصرفوا مشكورين فقد أصبحنا قادرين على حماية القناة) [٣٨] . سابعاً: دفاعه عن المتربصين بالإسلام والمسلمين: ١ - تولى طه حسين المحاماة عن الغوغاء الذين أثاروا الفتنة ضد عثمان بن عفان ﵁ إذ إن (الذين ضاقوا بهؤلاء العمال الذين ولاَّهم عثمان وثاروا عليهم، ونقموا من عثمان توليتهم لم يكونوا مخطئين) [٣٩] . ٢ - يبدو تناقضه في شأن عبد الله بن سبأ اليهودي ودوره في أحداث الفتنة، فيدعي مرة أنه شخصية وهمية منحولة؛ لأنه لم يَرِدْ ذكره في طبقات ابن سعد ولا في أنساب الأشراف للبلاذري [٤٠] ، ويثبت وجوده مرة ثانية، ويشكك في أمره ثالثة [٤١] . ٣ - يدافع عن أصحاب عبد الله بن سبأ الذين أثاروا الفتنة في الجمل فيصفهم بأنهم أنصح الناس لعلي ﵁ وأوفاهم بعهده، وأطوعهم لأمره (فلم يأتمروا ولم يسعوا بالفساد بين الخصمين وإنما سمعوا وأطاعوا وأخلصوا الإخلاص كله) [٤٢] . ٤ - ويدافع عن الزنادقة في عهد بني العباس - قائلاً -: (ومن الخلفاء العباسيين من غلا في امتحان بعض الناس وأسرف في قتلهم، يأخذ بعضهم بالشبهة والوشاية وسوء القالة، كالذي صنع المهدي في تتبع الزنادقة) [٤٣] . ومن هذا القبيل فقد ادعى: (أن سبب قتل الحلاَّج وصلبه ليست زندقته، وإنما كان اتصال رجال الدين والغلاة منهم في الرأي بالسلطان وسيطرتهم عليه) [٤٤] .

стр. 3232

بأقلامهن الأطروحات الدعوية الموجهة للمرأة المسلمة وقفة.. ودعوة للمراجعة! فاطمة بنت عبد الله البطاح تظهر من حين لآخر بعض الأطروحات الدعوية الموجهة للمرأة المسلمة.. ما بين مسموعة أو مقروءة. ولا يسعنا حقيقة إلاّ أن نستبشر بها؛ فهي دلالة لوعي حضاري يؤمن بضرورة إنماء وعي المرأة وتشكيل فكرها والحفاظ على هويتها وانتمائها! كما لا يسعنا أيضاً أن نتجاوز عن بعض العثرات المنهجية التي من شأنها أن تقلل من فاعلية هذه الأطروحات وحجم تأثيرها! ومن هنا انبثقت فكرة هذه المقالة التي لا ترقى عن كونها إضاءات عابرة أرجو أن يُكتب لها النفع! وإلا فإن مسؤولية البحث الجاد والمعالجة الرصينة تبقى معلقة على أعناق الدعاة، ومختبئة في أغماد أقلام ذوي الفكر والرأي! وإنّا لهم جميعاً لمنتظرات! ! ١ - مثالية الحلول: المراقب لأطروحاتنا الإسلامية الموجهة للمرأة المسلمة سيضع يده على إشكالية الحلول المثالية الجاهزة التي تُعرض إزاء جملة من قضايا المرأة. ولو تأملنا في دوافع هذه الحلول المثالية فلن نجدها إلاّ هروباً ذكياً تتكئ عليه أطروحاتنا لتبتعد عن أجواء القضية وتعقيداتها! ولتعيش تحت وهم تأدية الدور وإبراء الذمة! خصوصاً أن الحل المثالي يُريح صاحبه من مسؤوليات وتبعات النظر والتأمل والاجتهاد! ويُؤَمِّن له الراحة والدعة؛ إذ لن تجد من يُعارض مشروعية الحل المثالي؛ فهو متفَقٌ على صحته! ومتفق أيضاً على جاهزيته للعرض حتى عند رجل الشارع البسيط الذي لن يجد أدنى صعوبة تذكر في تقديم قائمة طويلة لحلول مثالية. أوَ ما ترون أطروحاتنا الدعوية تعرض قرار المرأة في بيتها باعتباره معالجة مثالية مغرقة في الحيطة والحذر للتخلص من بعض المزالق التي قد تعترض المرأة عند خروجها! ويبدو أن هذه الأطروحات لم تنتبه بعدُ إلى أن هذا الحل سيبقى حلاً مؤقتاً لا يملك القدرة على مقاومة ومنازلة تطورات الحاضر والمستقبل التي يفترض أن نواجهها ونقتحمها متزودين بثوابت الماضي وقيمه الراسخة! ! وإلاّ فستظل جملةٌ من قضايا المرأة المعاصرة ومشاكلها معلّقةً إلى حين تنزل الأطروحات الإسلامية من برجها العاجي.. وتلامس جذور القضايا، وتستقرئ أبعادها؛ حتى لا تفقد ثقة المتلقين بأهليتها لتقديم معالجات اجتهادية ملائمة تساهم في تغيير شيءٍ من ملامح حاضر المرأة المعاصرة، وفي دفعها خطوةً إلى الأمام، وفي بناء مستقبلها وتشكيل فكرها ووعيها! ولن يكون ذاك إلا إذا تخلصت هذه الأطروحات من هروبها التقليدي المثالي الذي قلَّل من إمكانية بلورة رؤية إسلامية شاملة وواقعية لكل أزمات المرأة المعاصرة وقضاياها الشائكة! ٢ - الاصطدام مع نفسية المرأة وطبيعتها: يفترض في الطرح الدعوي الموجه للمرأة المسلمة أن يهتم بالاعتبارات النفسية والفطرية للمرأة والتي هي من الثبات بما لا يجادل فيها إنسان! إلاّ أن واقعنا الدعوي ما يزال يُعاني من ضمور الإحساس بتأثير هذه الاعتبارات على تلقي المرأة وتفاعلها، وكذلك إنماء أو إهدار طاقات النهوض لديها! فالمرأة مثلاً ما تزال تُطالَب بالتعامل العقلاني مع قضية التعدد وفق نظرة الرجل ومشاعره واحتياجاته هو، لا وفق نظرة نسائية تتوافق مع أنوثة المرأة وطبيعتها! وربما سمعت أو قرأت طرحاً دعوياً يُطالب المرأة بأن تتصدر بعاطفتها وعقلها طابور المؤيدين للتعدد! ! دون مراعاة إنسانية لمشاعر المرأة التي لا تُلام عليها شرعاً ولا عقلاً؛ فهي مشاعر طبيعية غير مستنكرة! ما أشد حاجتنا للطرح النابة لقضايا المرأة الذي يراعى فيه نفسية المرأة كما كان يفعل. ليس مقبولاً أن يترك الدعاة الحديث عن مشروعية التعدد أو ذكر ما له من منافع وفوائد بحجة عدم الاصطدام مع المرأة! كما أنه ليس من موضوعية الطرح أن يكرر الدعاة ثناء عائشة رضي الله عنها على سودة بنت زمعة ﵂ مستدلين به على أن المأمول من المرأة أن تتعامل مع التعدد بصورة عقلانية مجردة من العاطفة! بينما يغضون الطرف عن مواقف حياتية كثيرة نقلتها كتب السير والسنن مارست فيها أرجح نساء المؤمنين عقلاً وفهماً! مارست ضرباً من ضروب الاعتراض العاطفي لمجرد ذكر الرسول ﵇ لزوجته الأولى ورفيقة الدرب الدعويّ الأول خديجة بنت خويلد ﵂. ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (اسْتأذنتْ هالة بنتُ خويلد - أختُ خديجة - على رسول الله ﷺ فَعَرفَ استئذانَ خديجة فارْتاح لذلك. فقال: (اللهُمَّ! هالة بنت خويلد) فَغِرتُ فقلتُ: وما تذكرُ من ... عجوز من عجائزِ قُريشٍ، حمراءَ الشِّدْقين هلكتْ في الدَّهْر فأبدَلك الله خيراً منها) . كم تحاصرك الدهشة وأنت تتأمل قارئاً اعتراض عائشة الذي لم يكن تلميحاً نسائياً تستفز فيه زوجة مشاعر زوجها وحسب! بيد أنه تصريح يبدو لك منه حجم الاندفاع القوي الذي حرم المرأة حتى رهافة حسها، ورقة لفظها تلك اللحظة! ولو كانت هذه الكلمات: (عجوز، هلكت، خيراً منها) قيلت عن امرأة حية يغدو إليها الرسول ﷺ ويروح، بحيث تشتد وطأة الغيرة بين المرأتين لتبددت دهشتك! لكن أن تتفوه أم المؤمنين بهذه الكلمات عن امرأة ماتت! والميت كما تعي عائشة أشد حرمةً من الحي! فإنّ هذا يشير إلى أنها لمست من الطرف الآخر ليناً وسماحة ورحابة أفق وفهم بعيد وعميق لنفسية المرأة وفطرتها! ممّا قد يشعرك بحجم الأمن العاطفي الذي كانت عائشة ﵂ تعيش في ظلاله في بيت الدعوة والعلم والنبوة! ما أشد حاجتنا لطرح دعوي نابه يؤمن بأن الإفراط في الحديث عن التعدد بلا حاجة قد يحرم المرأة شيئاً من أمنها النفسي الذي نحتاجه كثيراً لبناء قاعدة الاستقرار الأسري في مجتمعاتنا الإسلامية! ٣- تضخيم دور المرأة: تضطلع المرأة المسلمة بدور كبير داخل الأسرة، وليس في وسعنا إلاّ أن نعترف بعظم المسؤوليات التي تتحملها المرأة حيناً.. وتُطَالَب بها أحياناً أخرى! إلاّ أن الملاحظ على أُطروحاتنا الدعوية الإسلامية تضخيم دور المرأة بصورة تقذف في ذهن المتلقي شعوراً بأنّ المرأة عنصر مسؤول مسؤولية مباشرة عن نشوء أيّ مشكلة أُسرية! (فتأخر الأبناء دراسياً وأخلاقياً، والأزمة المادية، وهروب الرجل المتكرر من المنزل، و....) عقبات كثيرة تعترض استقرار الأسرة، ويشترك في تكوينها أطراف وعناصر مختلفة منها: الرجل، المرأة، والمجتمع أيضاً! ومع هذا ما نزال في أطروحاتنا نشير بأصبع الاتهام للمرأة وحدها! ممّا يعين الطرف الآخر على التنصل من أدوار خصصت له؛ ويفترض ألاّ يقوم بها أحدٌ غيره! كما أنّ هذا التضخيم يفقد المرأة المتلقية قدراً من ارتياحها النفسي، وقدراً من ثقتها بموضوعية الطرح ومصداقية مضامينه. ليس من الموضوعية في شيء أن ترتفع أصوات بين الحين والآخر تطالب المرأة المسلمة بأن تكون في أسرتها مربية، ودودة، صابرة، متنازلة،....) ! دون أدنى إشارة منصفة لحالات استثنائية كثيرة يترفع فيها رب الأسرة عن تأدية أدنى حق من حقوق زوجته عليه! ولو استفسرت المرأة فلن يكون الرد إلاّ تذكيرًا مجرداً بالصبر والمصابرة! وبـ (ألاّ تذوق غمضاً حتى يرضى) ! ممّا يشعرك بحجم المسافة الكيفية التي تفصل واقع المرأة المعاصرة وواقع مثيلتها في صدر الإسلام؛ إذ لو كان المجتمع النبويّ يحاصر المرأة في زاوية (المسؤول عن استقرار الأسرة أو انهيار بنيانها) ؛ لما امتلكتْ خولة ﵂ قدراً كافياً من الجرأة في تقديم شكواها في زوجها إلى نبي الرحمة عليه الصلاة السلام! ولولا ضرورة الإيمان بمدى حاجة المرأة لمنهج دعوي موضوعي يُنصفها ويدع تحميلها ما لا تحتمل؛ لما أعطى القرآن خولة حقها فنزلت في شأنها آيات تتلى إلى يوم القيامة: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ﴿المجادلة: ١﴾ . وثمةَ حقيقة لا يسعنا تجاوزها أو إغفالها وهي ضرورة منح المرأة قدراً من الثقة بالذات والقدرات عن طريق الإشارة إلى جوانب مضيئة في حياتها وفكرها وسلوكها وهذا مع ما فيه من منافع لا تخفى؛ فقد يكون مدخلاً لبقاً يلزم الدعاة بالحديث عن المنكرات أو السلبيات التي تنتشر بين النساء ويريدون علاجها! !

стр. 3233

المنتدى أين نحن من العالم ماجد بن عيد الحربي لفت نظري وأنا أتصفح إحدى المطبوعات المحلية خبر مفاده: أن المجلس النيابي بإحدى الدول العربية شكل لجنة للتحقيق في مقتل أكثر من خمسة آلاف من مواطنيهم في دولة عربية أخرى. إلى هذا الحد والخبر طبيعي ولا غبار عليه، إنما الملفت والمضحك المبكي في آن واحد أن هذه الحادثة مضى عليها حوالي عشر سنوات لم تبحث خلالها من أي جهة بالدولة صاحبة الشأن، سواءًا كان على المستوى الرسمي أو الشعبي، وكل ما هنالك أنه ورد ذكر تلك المذبحة على شكل خبر في بعض الصحف، وقد بادرت الحكومة إلى التعتيم عليه واعتباره من الأخبار المخلة بالأمن القومي، وبعد مضي عشر سنوات يُبعث الموضوع وتشكل اللجان النيابية لدراسته تمهيداً للتقدم به للجهة المختصة في الدولة، ومطالبتها بتقديم شكوى لمجلس الأمن بطلب محاكمة رئيس الدولة التي جرت المذبحة على أرضها بتهمة ارتكاب جرائم ضد البشرية. سبحان الله! كل هذه المدة تمضي ولم يُثَرْ موضوع بهذه الأهمية راح ضحيته خمسة آلاف وستمائة من أفراد الأمة! أين الحكومة المسؤولة عن رعاية مصالح الأمة؟ أين المجالس النيابية الممثلة للشعب؟ أين منظمات حقوق الإنسان التي لو قتل كلب في إحدى الدول الغربية لأقامت الدنيا ولم تقعدها حتى يؤخذ بثأر الضحية؟ ولماذا أثير الموضوع في هذا الوقت بالذات؟ هل لأن مجلس النواب استيقظ ضميره من سباته العميق؟ أم أن السلطة في البلد آلت إلى رجل صالح آلى على نفسه أن لا يطيب له عيش حتى يقتص لكل مظلوم ويعيد لكل ذي حق حقه؟ أم لأن جماهير الأمة المغيبة عادت من غيبتها الطويلة، ومارست حقها بالضغط على الحكومة حتى استجابت لمطالبها؟ قطعاً لا شيء من جميع ما ذكر؛ فالمجالس النيابية لم تتغير، والسلطة هي السلطة لم تتغير أيضاً، والجماهير لا زالت مغيبة. وكل ما هنالك أن صاحب السلطة في هذا البلد كانت تربطه علاقة من نوع ما بصاحب السلطة في البلد الآخر تقتضي التعتيم على الموضوع بغضِّ النظر عن أي اعتبارات أخرى، حتى ولو كان الأمر يتعلق بقتل هذا العدد من المواطنين ما دامت مصلحة النظام تقتضي ذلك، أما وقد ساءت علاقة النظامين ببعضهما، وانتهت مصالحهما المشتركة فلا بد من البحث في الأوراق القديمة والتنقيب عن قضايا تدعم حجة النظام وتبطل ادعاءات أعدائه، وبهذا تكون قضية ما سمي وقتها بالنعوش الطائرة تمثل القضية المثالية لخدمة رأس النظام أمام شعبه؛ حيث تظهره بمظهر البطل الذي لا يفتأ ينافح عن حقوق المواطنين. إن السكوت على قتل هذا العدد من المواطنين كل هذه المدة ثم استخدامه بعدئذٍ ورقةً رابحة لمصلحة النظام لا يمكن أن يحدث إلا في نظام الجاهلية القبلية التي نسأل الله أن يرفعها عن أمة محمد ﷺ ، وأن يبدلنا خيراً منها خلافة إسلامية تسير على نهج الخلافة الراشدة. وإننا لواثقون من تحقيق هذا الوعد متى أذن الله بذلك.

стр. 3234

المنتدى الخيال والأمل ميسون بنت رشدي عبد الرحمن ليس للخيال حدود؛ ولكن ماذا يعني الخيال؟ ! بعجالة بسيطة - هو في أحد جوانبه الأمل والنظرة المستقبلية، هذا هو الخيال، عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما خط في الأرض خطاً ثم رسم مربعاً ورسم داخله أسهماً، وأخرج الخط خارج المربع فكان المربع أجل الإنسان، والخطوط هي النوازل يحميه الله منها. أما الخط فهو الخيال الذي يمتد بالإنسان إلى خارج حدود أجله ومملكته، وكم مات من مات دون أن يحقق هذا الخيال! ! الأمل خيال ونظرة في الأفق البعيد؛ لكن هل يمكن أن يستغل في خدمة الإسلام؟ ! نرى الأمل ينقسم إلى أنواع حسب آمال الناس وطموحهم؛ فهذا أمله محصور في شهادة، وذاك في تجارة، وآخر في مهنة وعمارة، وأولئك في المكسب الكثير والملبس الوفير، وهكذا ... أما المسلم فهو طموح وله خيال وله أمل؛ لكنه ممتد إلى خارج الأفق البعيد يرسم صورة جمالية له؛ بل لكل من حوله ومن يحمل مثله اسم مسلم ... إنه يأمل للمسلم مثله ويخطط أن يراه سعيداً ويحب ذلك، يطمح في سد جوعه وعريه ومرضه وأهم من ذلك جهله وما يعيش فيه من بعد عن الدين بسبب انشغالنا عنه. يأمل ويطمح، ويالها من كلمة جميلة لو استغلها المرء في خدمة دينه لتجاوز حدود الكون وأرجائه مثل إسلامه تماماً لا حدود له، ومثل إخوانه أينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك القطر من صلب أوطاني. خيال المسلم وأمله يسبح في بحر الإسلام وخدمته والتفنن فيما يسعده ويكمله لا يقتصر على نفسه وأهله؛ بل يتعدى آفاق الكون إلى ما لا نهاية له ولا حدود. فمتى يصبح الخيال من أجل الإسلام؟ ومتى يكون بلا حدود؟ ومتى تفنى الأفكار في خدمة الدين؟ ومتى نستغل كل كبيرة وصغيرة من أجل ذلك؟ ! الأمر ليس ببعيد وما زلنا في الحياة، ولعل نظرة تفاؤل تحل محل نظرة التشاؤم والتبعية، لتشرق شمس الهمة والجد والعمل للإسلام من جديد.

стр. 3235

المنتدى ابتلاء ومحاسبة عبد الكريم علي الشهري قال تعالى: [أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون] [العنكبوت: ٢] وقال: [ولا تزر وازرة وزر أخرى] [الإسراء: ١٥] ، ففي حال سنة الله القائمة وهي سنة الابتلاء والامتحان هناك تنبيه منه - جل وعلا - يقرر في النفوس الضعيفة التي لا تجيد فن الانقياد لله والسيطرة على نفسها تنبيه بأنه ولا تزر وازرة وزر أخرى فالمحاسبة فردية والعقاب لا يتحمله أحد عن أحد مهما كانت قوة النسب، وأشار إلى أنه [وكلهم آتيه يوم القيامة فردا] ... [مريم: ٩٥] ، فإذا كان هذا حال الوقوف بين يدي الله إذاً لا عذر لمن يتبع غيره في أمر من الأمور، إنما النفس هي المحاور الوحيد أمام رب البرايا- جل وتبارك - وكلهم آتيه يوم القيامة فردا لا مجال للتهرب فالذي أقَرّ البلاء سنة على الخلق هو الذي سيحاسب كلاً حسب عمله وصبره وجهاده لنفسه، وليس هناك مجال للتسويغ أو التجاهل؛ فالقضية جادة غاية الجد. هناك ابتلاء وامتحان، المؤمن معرَّض له في ماله أو في أهله أو في قلبه ضريبة للإيمان، وهناك في المقابل حساب فردي دقيق يحتاج إلى استعداد وإصلاح للقلوب: [يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم] [الشعراء: ٨٨-٨٩] ، فالقلوب تحتاج إلى تخلية من الأمراض الفتاكة: كالحسد، ... والحب في غير الله - جل وتبارك - وغيرها من الأمراض، ثم تحلية بالإيمان، والإخلاص، وحينها تكمل السعادة وتتحقق، والله! إنه: [ما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم] [فصلت: ٣٥] .

стр. 3236

المنتدى تبصرة وذكرى عبد العزيز بن عبد الله العزاز هدى للمتقين وبيناتُ ... وبشرى للأنام ومعجزاتُ هو النهج القويم فلا اعوجاج ... هو النور المبين به العظاتُ هو الحبل المتين به شفاء ... إذا المرء اعترته النائباتُ هو الذكر الحكيم ومن حكيم ... به قصص الأوائل مشرقاتُ لنا بالحق أنزله خبير ... به عبَرٌ بحق نيراتُ كتاب الله تبصرة وذكرى ... تزول له الجبال الراسياتُ فمن ألقى له قلباً وسمعاً ... فقد كانت له فيه الحياةُ فرتِّل من كتاب الله آياً ... معانيها الفضائل والسماتُ ورتل من كتاب الله آياً ... بها العز السني ومكرماتُ كتاب الله تحكيم وعدل ... بقرع وعيده قُمِعَ الطغاةُ كتاب الله يا قومي ضياء ... تنير به شموس ساطعاتُ فيا قومي خذوه أخذ عزم ... ولا تطغوا كما يطغى العصاةُ قفوا عند الأوامر والنواهي ... ولا تبغوا فتأتي العاقباتُ إذا ماتت قلوب القوم يوماً ... ففي القرآن للقلب الحياةُ وإن رمتم لأنفسكم نجاة ... ففي القرآن يا قومُ! النجاةُ

стр. 3237

المنتدى الخطيب والمنبر جابر الراشد الفهيد لله كم للمنبر في نفوس المسلمين من هيبة وجلالة عظيمة! ما إنْ يتصور الشخص نفسه خطيباً قد ارتقى المنبر حتى تصيبه قشعريرة تهتز لها جميع أعضائه وأطرافه. فالمنبر مرتقيً صعب، وموطئ شريف، ولذلك حق لعبد الملك بن مروان حينما قيل له: عجَّلَ عليك الشيب، فقال: كيف لا يعجل عليَّ وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ ! [١] . لقد كانت علاقتنا مع المنبر قديمة، ولكن ما إن جاء المبعوث عليه الصلاة والسلام - حتى كان له شأن آخر، حتى يقول عنه أحد علماء الغرب: (ليس العجيب أن يبعث بعد الأربعين فيكون أفصح فصيح، وأعظم مفتٍ، وأقوى قائد في العالم) لقد كان ﷺ أعظم خطيب طرق أسماع العالم وفيه يقول أحمد شوقي: وإذا خطبت فللمنابر هزة ... تعروا الندى وللقلوب بكاء فلم يقف على منابر الدنيا أفضل من الرسول ﷺ ، كان يخطب وكأنه منذر جيش يقول (صبَّحكم ومسَّاكم) فيعظ القلوب ويستثير الهمم ويحرك المشاعر. إننا بحاجة إلى الخطيب المؤثر والخطيب المفكر. (ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع لا رجال في أيديهم سيوف من خشب) [٢] . فالمنبر سلطة دعوية قوية، ومركز كبير قوي، وقد تركه صلى الله عليه وسلم للمسلمين بمبدأ الشريعة، فإذا حسن استغلاله وكان الداعية بصيراً حكيماً وصل إلى قلوب الناس. فحقيق على الخطيب أن يتكلم عن موضوعات الإسلام، ويعطي كل مسألة حجمها؛ لأن الناس أتوا يوم الجمعة ليسمعوا حلولاً لمشاكلهم وأطروحات لما يحدث في مجتمعاتهم [٣] .

стр. 3238

المنتدى دعوها عباس شعيب حسن دعوا عيني تجود بدمعتيها ... دعوها عل قلبا يفتديها دعوها ترسل الآهات حرى ... إلى الأمل القتيل ألا دعوها أتسألني عن العبرات جهلا ... كأنك لا ترى ما يعتريها؟ أتبصر؟ تلك أنقاض لداري ... وتحت النقض أمي مع بنيها نجوت من الدمار وليت نفسي ... لنفس أبي وأمي أفتديها أرد الطرف أحينا لماض ... وأيام مضت قد عشت فها فما ذنبي أشرد؟ أخبروني ... وما ذنب البراءة قتلوها؟ فبربكم أما فيكم أبي ... يذود عن الحياض لوارديها تثلم سيفنا وانهد حزنا ... لأن الحرب مات مسعروها ستدمع مقلتي ويضيق صدري ... وأرسل آهتي.. فلتسمعوها عقيدتكم تمزق في البرايا ... وتصرخ حسرة فلتدركوها

стр. 3239

المنتدي وانتحرت القربى علي بن أحمد الزهراني إن القرابة الحقة القائمة على مبدأ المحبة والتواد والصفاء والنصح لجانب الخير، والعتاب واللّوم للوقوع في الشر والمعصية - هذه القرابة تُعَدُّ من أقوى الأسس المعينة للعبد على طاعة المعبود، ولا سيما إذا توحّدت أواصر القرابة، وركّزت جُلَّ هدفها في التنشئة الدينية الصحيحة، وإذا تحقق هذا المبدأ، وقُوِّيت تلك الأواصر، وتوحّدت هذه الصِّلات؛ رأينا في وجوه المولودين منها الخير والنفع، وأضحت حياتهم هنيئة سعيدة في ظل العقيدة حتى وإن شذَّ عن هذه القاعدة بيتٌ مَّا أو شخص بعينه، ولو قلَّبنا صفحات التاريخ بوجهيه المشرق والمظلم (النور والجهل) لكانت الأمثلة جمّة والبراهين واضحة والأدلة ملموسة، وعلى النقيض من ذلك تأتي أسوأ قرابة وأرذل صلة - ينبذها الدين ويكرهها كل عاقل ومدرك - إنه النسل القريب (شكلاً) البعيد مضموناً؛ حيث تنشأ القرابة في ظلمٍ مستميت بعضها لبعض، فيأكل القوي الضعيف، ويعيش أفرادها في حقد وحسد وبغض، ومن ثم يبدأ التفاخر والمضايقة، وتظهر المواجهة القبيحة والمشاجرة العلنية، ولا غرابة حينها أن ترى ألوان الظلم وأشكال التحايل، وصنوف العصيان التي تتوارثها الأجيال تلو الأجيال - إلا من رحم ربك - لأن السبب المباشر في بزوغ مثل هذه الظواهر السيئة عدم تمحور هذه القرابة في سلك الخير ومجانبتها دروب الشر؛ فينشأ عن ذلك تباعُدُ أفرادها عن تطبيق منهج العقيدة السمحة التطبيق الصحيح، واستسلامها لأهواء النفس ونزغات الشيطان. ولك أن تلحظ تلك الحياة التعيسة المريرة التي يعيشها أولئك الأفراد، وخاصة أطفالهم الذين لا ذنب لهم سوى اتصالهم بأبناء عمومتهم وذويهم؛ ليلاقوا وقتئذ الشتم والتوبيخ والتأنيب فيتبلوروا عليها ويعيشوا من أجلها، ولا أغفل أو أنسى قدرة القادر في إخراج التقي من صلب البغي ليكون منها الناصح المرشد والصابر الموجه المتحمل قسوتها والمفادي بنفسه وماله لحفظها، والمقرب لودها وإن أصابه ما أصابه.

стр. 3240

المنتدى الإنسان والبحث عن الحقيقة طاهر عبد الله الثقفي أن من متاعب الإنسان المخيفة تلك الوحدة التي تطل بهامتها في كل مكان وزمان. وكان الإنسان لا يأنس بشيء ولا يطمئن إلى شيء؛ فمع الوحدة تتمثل مخاطر المجهول التي لا أول لها ولا أخر. هرب الإنسان من هذه الوحدة إلى الوثنية باحثا عمن يملأ عليه ضعفه وعجزه ويضيء له طريقه التي لا يملك منها خطوة واحدة، وكأنهم عاجزون عن المسير، بينما الدرب تنطوي من تحت أقدامهم طوعا أو كرها، فما تراءى للإنسان لمعة قوة إلا وق ود نفسه متذللا جاعلا عقله وقلبه أسيرين لتلك القوة التي سوف تنتشله ن الخوف والجوع والمرض والحرمان، وكأنه طفل أوى إلى حضن أمه في ليلة جوعت وبرد وخوف. ولكن الوثنية أعلنت عجزها وظل الإنسان كما هو ذلك المفزوع المحروم يدور في حلقة مفرغة، ومع ذلك فلم يعلن الوثنيون اعترافهم بهذا لعدم قدرتهم على مصارحة أنفسهم بالإخفاق خوفا من انقطاع الأمل. ولما لم يجدوا فيها من الهم فرجا كابروا ولم يعترفوا بالإخفاق؛ فسعوا بأيديهم وأرجلهم إلى سن القوانين الوضعية لتكون مخرجا من ذا وذاك، وغيروا وبدلوا وما زالوا. اتخذوا من العنصرية والشعوبية والقومية سلما لإثبات الذات، ودعوا السيطرة والتوسع في النفوذ والإقطاع والتسلطية هاجسهم ليل نهار. تفننوا في العلوم والفنون والآداب، ومارسوا العمل دأبا، صغيرهم والكبير، الذكر منهم والأنثى، حتى عبد العمل منهم من عبد. نادوا بالحرية والقضاء على الفساد الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي، والحفاظ على البيئة. فالخطوات التي سار الإنسان بغير هدى من الله إنما هي إلى الوراء وقد زجت بأجيال في غياهب الظلمات: [ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور] [النور: ٤٠] ولكن [الله نور السموات والأرض] [النور: ٣٥] ، لا وثنية ولا شهوات ولا عنصرية ولا غيرها يمكن أن يطمئن بها القلب ويأمن من الروع، ولكن فقط [بذكر الله تطمئن القلوب] [الرعد: ٢٨] .

стр. 3241

الورقة الاخيرة الشوق الفاعل عبد الهادي الحسيني ذابل كغصون الخريف يقتلعُ خطاه من الأرض اقتلاعاً، تتبعثر نظراته في ترقب من يُعيد الحياة لقلب الحياة، نقيٌ كشمس مكة، طاهرٌ كزمزمها، ومكة غارقة في طوفان من الأوثان يحرسها ملأ يخاف منهم الخوفُ، وفي يوم جاشت نفس الكهل المبصر بعصاه، فزفرت بتلك الأمنية العجيبة: (يا ليتني فيها جذعاً) ! تُرى لِمَ كل هذه اللهفة المؤرقة للعودة للوراء! ! ؟ لِمَ تلك الأشواق لوقت القوة والعافية! ؟ أللذة؟ ! للمتعة! ؟ لاقتناص شيء من العبث الأحمر فاته؟ ! كلا، ولا يحق لنا طرق مثل هذه التساؤلات؛ لأن أحرف الجملة أبت أن تختمها النقطة (ليتني أكون حياً؛ إذ يخرجك قومك، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً) [١] نعم! فما ورقة من اللهو، ولا اللهو منه! ! هزّه الشوقُ هزاً عنيفاً، فبعث فيه من الطموح والهمة وإرادة الخير والسعي لتحقيقه ما لم يكن له نظير، ... فتمنى أن يعود دولاب العمر للوراء، تمنى أن يسابق الزمن لنصرة دين جديد- قادم كالمستقبل - يتربص به الإجهاض، وإن لم يكن فالوأد في دروب مكة وخلف شجيراتها! حقاً لقد ارتقى ورقة رُقيًّا عجيباً حين طمع في نصرة دين في مجتمع تراقُ فيه الدماء عشرات السنين لأجل ناقة! فما بالك بمن يهدد الآلهة التي تُنحر لها عشرات النياق؟ ! وأي نصر؟ ! (مؤزراً) وهذا يكفي! (ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي) [٢] وطُوِيَ بساطُ عمره فجوزي بذياك الشوق والإيمان والتأييد، بالخلود في دار حملة المشاعل، و (لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين) [٣] . وبعد تلك اللقطات العجلى من الأخبار الصحيحة يتحدد المسار وتتضح المعالم: فمما هو معلوم بداهة أن إتقان العمل وإنجازه يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بنوعية النفسية المقبلة عليه؛ فماذا لو تعاملنا مع الدعوة إلى الله - تعالى - ليس على أنها تبعة وحمل نلقيه عن كواهلنا، أو على أنها إعذار إلى ربنا؟ لا، لا ينبغي ذلك! بل علينا أن نُقْبل عليها بنفسية المحب الشغوف للعمل، فنغلِّبُ عنصر الشوق المجنح على تلك العناصر الأخرى فتكون نتيجة المعادلة: إحسان العمل وإنجازه وإتقانه، بل البحث عن الأفضل دوماً، فتستهلك روح الشوق في الفاعلية واستغلال الفرص ومضاعفة العطاء ولتصعيد الهمة والطموح، دون أن نجعل من ذياك الشوق تصعيداً للعواطف، أو رفرفة في أحلام اليقظة بالنصر والتمكين تحوِّله إلى خَدَر لذيذ! فما سبق عواطف جوفاء لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث! أو خروج تلك العواطف والأشواق في قالب إنجاز لحظي وقتي عشوائي؛ فما كان نجاح الدعوة أبداً فورة ولا وثبة كوثبة نار القش تَشِبُّ في لحظة وتخمد في أخرى! لا؛ فإن ذاك غير مطلوب؛ بل المطلوب هو تحويل العواطف إلى عزيمة وهمة وطموح وثَّاب يتغلب على الانكسارات النفسية التي يصدمنا بها الواقع، فتستبدل العواطف ببرامج عمل واقعية مرسومة. فلو تأملنا حال ورقة لوجدنا عجباً؛ فهو يعلم يقيناً أن المسألة مسألة بلاء، وغربة، وعناء؛ ورغم ذلك كله نجد شوقه يسابق الزمن، وأتبع ذلك بأن وضّح للنبي ﷺ مَعْلَمَ طريقه حين قال: (إذ يخرجك قومك) فقال النبي ﷺ : (أوَ مخرجيَّ هم؟ قال: نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي) فإن لم يكن ثمة عمل في المستقبل فلا أقل من بعث الهمة وتوضيح المسار للسالكين وإسداء النصح للمسترشدين. والذي نحتاجه ليس البرود، ولا مشي السلحفاه، ولا حرق المراحل، والقفز فوق المعطيات، إنما تقدير الأمور التقدير الصحيح؛ فالانطلاق - فقط - من تلهُّب الإحساس بالواقع المرير للأمة دون منهج صحيح في التغيير في حد ذاته حرق واستهلاك لخطوات الدعوة التقدمية ف (العاطفة ليست مرحلة من المراحل وإنما هي مناخ نفسي وروحي يشحن الفعل الإسلامي في كل حين وينتشلها من مواقف البلادة والجمود والتردد واللامبالاة ويمدُّها بالوقود اللازم - إن صح التعبير - الذي يحرك كل طاقات البذل والعطاء وفعل الخير) [٤] . فوجود تلك الروح - روح الشوق للعمل - تجعل الداعية في حالة من التوتر الحيوي الصحي الضروري للعمل، وتدفع من تتضرم في قلبه تلك الأحاسيس إلى الإبداع، ومن ثم الابتكار في مجالات الدعوة. ونهاية المطاف في هذا الشوق: أن نكون مدججين بآليات البناء الجاد والعطاء المتقد، وفاعلية الشعور، ويقظة المشاعر! وبعدُ - يا ملح الدنيا! هذه دعوة لكل من ذبلت أشواقه فغدت صفراء واهنة مهترئة إلى أن يبدلها بأشواق خضراء كأشواق (ورقة) عسى أن يصاحبه في جنة الخلد!

стр. 3242

شعبان - ١٤٢٠هـ ديسمبر - ١٩٩٩م (السنة: ١٤)

стр. 3243

كلمة صغيرة سياسة أمريكا العمياء لم يعد سرا أن السياسة الأمريكية في جنوب آسيا ترتكز على التعامل مع الهند باعتبارها حليفا استراتيجيا، والتعامل مع باكستان خادما ومنفذا للمشاريع الأمريكية في المنطقة، وهذا يفسر الحساسية الشديدة لأي مشروع باكستاني يوصي بتحرير كشمير أو يؤدي إليه. كانت المطالب والضغوط الأمريكية على باكستان لا تقيم أي وزن للمصالح العليا الباكستانية أو كرامتها الوطنية. ولقد كان حرص رئيس الوزراء السابق نواز شريف على البقاء في السلطة واعتقاده أهمية الغطاء الأمريكي عاملا حاسما في تتابع أخطائه ومن ثم سقوطه. وقد أحست أمريكا بعد أحداث كشمير الأخيرة أنها قد عرّت رئيس الوزراء الباكستاني وأضعفته وتمادت في إثبات خضوعه لها؛ فبينما رفض رئيس وزراء الهند السفر لأمريكا تم استدعاء نواز شريف إلى البيت الأبيض؛ حيث أجبر على التسليم لمطالب الهند وطعن الجيش الباكستاني ومجاهدي كشمير من الخلف. نعم سرعان ما أحست أمريكا أنها تمادت! ولهذا راحت تحذر الجيش من القيام بأي انقلاب عسكري والإطاحة برئيس وزراء باكستان. إن تصرفات أمريكا الهستيرية بعد الانقلاب وفرضها الحظر الدولى على أفغانستان وفرض عقوبات أمريكية على باكستان - على الرغم من النقد الشديد في الكونجرس للسياسة الأمريكية مع باكستان والاعتراف بتحيزها - يؤكد أن النظام الجديد - أيا كان - لن يتلاءم مع المصالح الأمريكية، وهذا يعني بالتأكيد أنه أصلح لشعب باكستان وادعى للتوازن في المنطقة.

стр. 3244

الافتتاحية ومات الساعي الحثيث في إعلاء راية الحديث شهد العام الحالي والذي قبله رحيل ثلة من أفاضل علماء الأمة ومتقدميها ممن امتازوا بوصف العاملين الذين تلقى بصمات أيديهم في شتى بقاع الأرض وأطرافها شاهدة لهم، مذكرة بهم، داعية الأجيال للسير على منوالهم. فقد شهد عامنا هذا رحيل الشيخ العلاَّمة عبد العزيز بن باز ﵀ وإخوانه الشيخ ابن غصون، والشيخ علي الطنطاوي، والشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ عطية سالم، والشيخ مناع القطان ﵏ ثم تأتي وفاة الشيخ العلاَّمة محمد ناصر الدين الألباني ﵀ لتتوضح بعض ملامح ما نحن مقبلون عليه من قَبْضِ العلم؛ فلم يكن في يوم من الأيام من يقين المسلمين إلا أن العلم يرحل بحامليه؛ فقد بيَّن ذلك النبي ﷺ لأمته حين قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد؛ ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [١] . ومما يخفف من وطأة فَقْدِ أحدهم أن يكون قد ترك علماً تنتفع به الأمة فلا ينقطع الوصل، ولا يخمد الود، ولا يتوقف العطاء؛ فقد أبلغ الصادق المصدوق ﷺ أنه (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [٢] . ولقد أودع الشيخ الوقور ﵀ بيننا علماً جماً وتَرِكةً غالية ثمينة وأثراً تؤكد مجرياته ومناحيه أنه زادٌ سوف يسير مع الأجيال القادمة - إن شاء الله - فقد كشف الشيخ عن مكنونٍ ثمين وسلعة غالية لعلها من أهم محرِّكات الصحوة الإسلامية الحاضرة؛ فقد نبه الشيخ ﵀ إلى أهمية الأصل الثاني من أصول الدين وهو الحديث النبوي الشريف؛ ولا غرو في ذلك؛ فالسنة النبوية هي الشارحة للقرآن؛ فلا يفهم إلا من خلالها، ولا يُتوصل إلى مراميه إلا في سياقها؛ ولذلك كان اهتمام العلامة الألباني المبكر بالحديث الشريف وأخذه على عاتقه تصفيته من الشوائب وتعريف الأمة بصحيحه من سقيمه، كل ذلك من خلال تتبُّعه الدؤوب لما كتبه علماء الحديث على مر العصور، وكأنما أخذ ما أُنجِز خلال عمر الأمة من مؤلفات ومجلدات ووضعه أمامه وراح ينقب فيه ورقة ورقة وسطراً سطراً بل كلمة كلمة، حتى أخرج لأبناء أمته في شتى أقطارها وامتداد أمصارها أسفاراً فيها عبق النبوة وأنفاس السلف، منبهاً فيها إلى أساسَيْ نهضة الأمة التي لا تقوم إلا بهما وهما النيِّران الطيِّبان: كتاب الله ﷻ وسنة نبيه ﷺ . ومن نظر إلى ما قام به الشيخ - طيب الله ثراه - وعاد إلى ما كان عليه علم الحديث في أوائل عصرنا الراهن من الإهمال والنسيان لم يجد مبالغة إذا اعتبرنا الشيخ ﵀ باعث علم الحديث في هذا العصر؛ فقد بقي كثير من العلماء المعروفين - وحتى وقت قريب - لا يبالون من أين أتاهم الحديث؛ فالمهم عندهم أن يُسبق الكلام بعبارة: (قال رسول الله) دون اهتمام بسند ولا متن؛ ما دام ما اعتبره أحدهم حديثاً نبوياً مؤيداً لرأي أطلقه في بحثه أو على منبره أو في درسه أو موعظته. ولكم حفظنا أحاديث من خلال بعض المؤلفات الحديثة والقديمة فلما وقعت أيدينا على كتب الشيخ الألباني ﵀ تبين لنا أن كثيراً مما حفظنا لم يَعْدُ أن يكون ضعيفاً أو موضوعاً مكذوباً؛ مما دفعنا إلى مراجعة ما نحفظ من حديث والتأني في تناولها والتعامل معها قبل التحقق من صحتها وصدق نسبتها إلى النبي ﷺ . لقد أشاعت طريقة الشيخ الألباني ﵀ في الباحثين روحاً جديدة في البحث عن الدليل والسعي إلى التأصيل، حتى قاربت كتابة الإسلاميين أن تأخذ منحيً أكاديمياً في طريقة تناول الشواهد الحديثية وغيرها من حيث عزوها والتأكد من صحة نسبتها إلى قائلها ومصدرها، ولم يعد مقبولاً أن يورد الكاتب حديثاً دون عزْوِه إلى مصدره، وصار في طلبة العلم من يتتبع إغفال بعض الكتاب والخطباء والوعاظ لصحة ما يوردون من أحاديث. وأصبح يندر اليوم أن تقف على كتاب يستشهد بالحديث أو رسالة جامعية في علوم الإسلام إلا وللألباني فيها ذكر من تصحيح حديث أو تضعيفه، وأصبحت تصانيفه أمهات في أبوابها، وغدا للشيخ تلامذة ومريدون في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقتصر تأثيره على بلاد الشام التي نشأ فيها، ولا في بلاد الحرمين التي مارس تدريس الحديث في جامعاتها وعاش طرفاً من حياته في ربوعها؛ ويكاد يكون جُل طلبة علم الحديث اليوم في مختلف بلاد المسلمين ينتمون إلى مدرسة الشيخ الألباني في التأصيل والاهتمام بالدليل. ولقد امتاز ﵀ بالدأب والصبر وكان لا يكل ولا يمل باحثاً منقباً، أو كاتباً أو مولفاً أو مدرساً؛ فقد كان عالي الهمة يُقْبِل على بحثه إقبال المنهوم أو من أُقِّتَ له إنجاز عمله فعمل راغباً في الأجر أو خائفاً من العقوبة. تعلَّم من والده صنعة إصلاح الساعات التي يسرت له دخلاً مناسباً، وأغنته عن الوظيفة؛ إلا أنه عندما بدأ الاهتمام بالحديث وعلومه اضطر إلى الاكتفاء من عمله بما يقوم بنفقاته اليومية؛ فأصبح عمله اليومي في إصلاح الساعات لمدة ساعة أو ساعتين ينتقل بعدها إلى جنته الدنيا (المكتبة الظاهرية) لينكبَّ على المخطوطات منقباً باحثاً دارساً، وتمتد به ساعات البحث لتصل أحياناً إلى خمس عشرة ساعة متواصلة ينسى معها الأكل، ولا يقطعها سوى الصلاة أو غيرها من شيء ضروري. ولقد أهَّله هذا الدأب والتحصيل الصالح لعلوم السنة أن ينال إجازة في الحديث من علاَّمة حلب يومها الشيخ راغب الطباخ ﵀ الذي تتلمذ عليه وأخذ عنه. إلا أن الشيخ الألباني ﵀ كان يُعَدُّ بحق عصامياً؛ فما عدا الشيخ الطباخ لم يتلق الألباني العلم إلا عن والده ﵀ الذي كان شيخاً أيضاً، وما تلقاه على الشيخ سعيد البرهاني ﵀. ولكن مثابرته واجتهاده وابتغاءه الحق في العلم ومهمته في بعث ما خمد من علوم الحديث، وحرصه على نشره، وتنبيهه علماء الشام - وأكثرهم آنئذ من الصوفية - إلى ضرورة الاهتمام بصحة الحديث ونفي زائفه والإعراض عن ضعيفه، كل ذلك جعله عالم عصرنا في الحديث الشريف والسنة النبوية المطهرة؛ مما جعل علماء المسلمين المنصفين الأوفياء للحق يشيرون إلى منزلته؛ ولا أدل على ذلك مما يروى من إشادة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ به؛ حيث قال: (ما رأيت تحت أديم السماء عالماً بالحديث في هذا العصر الحديث مثل العلاَّمة محمد ناصر الدين الألباني) . ومما امتاز به الشيخ الألباني ﵀ أنه كان متواضعاً كما ينبغي للعالم أن يكون، ولا يتردد في قبول زيارة من يزوره، ولا يبخل ببذل العلم لطالبيه، ولم يجعل بينه وبين الناس حاجباً، ولا تأخذه في الله ولا في ما يراه حقاً لومة لائم، ولم يكن يتترس بحاكم ولا سلطان؛ فهاجر بدينه وعلمه وغادر مدرج طفولته وشبابه وكهولته (دمشق) وجنة علمه (المكتبة الظاهرية) إلى أرض الله الرحبة التي أتاحت له متابعة مهمته العلمية وفتحت الباب إليه ليزوره ويلتقي به العديد من المهتمين بالإسلام من مختلف أصقاع الأرض. وإن المرء ليعجب كيف أتيح لهذا الرائد الحصيف الجمع بين هذا الانفتاح على الناس وبين الإنتاج العلمي الغزير؟ وما ذلك - كما يتراءى للمطلع على سيرته أو جانب منها - إلا أن يدرك أن لدأبه وجده وصدق توجهه لخدمة الرسالة المحمدية بحرص وأمانة أكبر الأثر في هذا النجاح الكبير في المهمة التي أخذ على عاتقه القيام بها ألا وهي: (التصفية) ويعني بها قبل كل شيء: تصفية السنة النبوية مما علق بها مما ليس منها. وبقيت الأخرى: (التربية) ويعني بها: تربية الناس على التمسك بشرائع الإسلام، التي نأمل من الله أن يوفق تلامذته الذين كانوا لصيقين به وتلقوا منه عن كثب أن يتابعوا الطريق التي رباهم عليها وعلى رأسها ابتغاء وجه الله ونشدان الحق مهما كان وأين كان والصبر عليه؛ وعند ذلك يمكن أن يتحقق تصوره ﵀ للوسيلة التي كان يرى فيها صلاح الأمة. وقد كان الشيخ ﵀ حريصاً على تربية تلاميذه القريبين منه والبعيدين عنه على الأخذ بمكارم الأخلاق وأرقى المعاملات؛ ومن ذلك أنه رباهم على خلق الاعتراف بالخطأ والبعد عن المكابرة؛ فإذا اختلف اثنان منهم عمد المخطئ إلى الاعتراف بخطئه والتلفظ بكلمة: (أخطأت) التي رباهم عليها، فتنطفئ الفتنة ويُخزى الشيطان. أما هو ﵀ فقد تجلى هذا الخلق في كتبه ومؤلفاته، ولطالما تراجع عن رأي في حديث أو رأي علمي أثبته في أحد كتبه ثم جاء في طبعة تالية ليخطِّئ نفسه فيه مثبتاً للصواب الذي تبدَّى له مذعناً للحق؛ فالحق أحق أن يُتَّبع، ولم يكن يجد غضاضة في التراجع عن خطأ علمي أو منهجي ظهر له الصواب في غيره؛ وهذه سيما العلماء من الرعيل الأول، وما أكثر ما يُقرأ لأحدهم أن هذا رأيه اللاحق وذاك رأيه السابق؛ فلقد علموا أن الرجوع عن الخطأ ليس منقصة وإنما هو فضيلة لا يُحرَمها إلا مكابر معاند أو رجل تقوقع الإيمان في قلبه؛ وخاصة إذا كانت المسألة مما يخص العقيدة ومما ينبغي تنزيه الرسالة عنه فعند ذلك يصبح الرجوع عن الخطأ ديناً لا رأياً؛ فإن ذلك من الأمانة الدينية والعلمية، وهذا دأب المحققين الأوفياء لدينهم الحريصين على إيصال كلمة الحق إلى الناس خالصة من كل شائبة وعائبة. ولكن قد يتساءل متسائل: ما الذي دفع الشيخَ للاهتمام بالسنة النبوية المطهرة والذب عنها، ولم يكن في الناس حوله من يشغله ذلك أو يُعنى به؟ وفي هذا الصدد يروي تلميذه فضيلة الشيخ محمد عيد عباسي - حفظه الله - السبب المباشر في ذلك، فيقول: (في أحد أعداد مجلة المنار قرأ للشيخ رشيد رضا ﵀ مقالاً عن كتاب (إحياء علوم الدين، للغزالي) يبين فيه كثيراً من محاسن الكتاب ومنها أنه كتاب علمي وتربوي؛ إلا أنه يعيبه أمران: ١ - احتواؤه على شطحات صوفية. ٢ - امتلاؤه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة. وقد أشار الشيخ رشيد رضا إلى أن الحافظ العراقي قد بين أحوال الأحاديث الواردة فيه من حيث الصحة أو الضعف أو الوضع. ولقد لفت كلام الشيخ رشيد رضا انتباه الشيخ الألباني وأثار اهتمامه بالكتاب وبمسألة تلك الشطحات والأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ فسارع إلى سوق المسكية في دمشق وكان يُعدُّ شارع المكتبات؛ ليستأجر المجلد الأول من الكتاب؛ فلم يكن بمقدور الشيخ الشاب أن يقتني الكتاب شراءاً وتملكاً، وأقبل على الكتاب قراءةً وتفحصاً؛ إلا أن همه انصبَّ على الأحاديث الواردة فيه؛ فنقل إلى كراساته متون الأحاديث وإلى جانب كل حديث تخريجات الحافظ العراقي وتعليقاته؛ حتى تشكَّل له كتاب خالص محض للحديث كان مدرسته الأولى ومنهجه الذي لازمه طيلة مسيرته العلمية التي حفَّزته على سلوك هذا السبيل المبارك بالإضافة إلى قراءاته ومراجعاته المتعددة) . ولقد كان الشيخ ﵀ دقيقاً في عمله أميناً في مهمته حريصاً على صورة واضحة لعمله تمكِّن لطالب العلم الإفادة منها بيسر وسهولة؛ ولعل لمهنته في إصلاح الساعات أثراً فيما صدر عنه من أعمال تميزت بالدقة والإحاطة والاستعداد للتراجع عن الخطأ الذي يشبه من أحد وجوهه خطأ الساعة القابلة للإصلاح. لم تتطاول الساعات الزمنية في عمر الشيخ ﵀ ولم تتقزَّم؛ بل بُورك له فيها لأنه كان حريصاً على إفنائها في مرضاة الله؛ فبورك له في وقته، وهُيئت له سبل البحث مع استعصامها في ذلك الوقت على كثير من أبناء الأمة وطلبة العلم. ولطالما كان العلامة الشيخ الألباني ﵀ المدافع القوي عن دين الله، والساعي الحثيث في إعلاء شأن الحديث. وحين نتحدث عن الشيخ ﵀ فإننا لا نتحدث عن معصوم وإنما عن عالم بزَّ لِداته، وفاق أقرانه وتميز عنهم، واختط لنفسه ولغيره من بعده طريقاً رأى فيها خدمة الدين علماً وعملاً، وأشاع في الأوساط العلمية نهجاً جديداً يستند إلى التأصيل والرجوع إلى الدليل، وأبرز مكانة السنة النبوية الصحيحة وأثرها الحسن في نهضة الأمة في شتى مناحيها الفكرية والعملية؛ كما فضح السنة المنحولة وحذر من أثرها السيئ على الأمة، وكان مثلاً للعالم العامل المؤثِّر الذي يخالط الناس فلا يستعلي على أحد منهم ولا يحتجب عنهم، ويفتح صدره وبيته للسائلين علماً يُنتفع به يقربهم إلى الله، ويوطِّئ كنفه لكل طالب علم يرجو منفعة في دينه ودنياه. رحم الله شيخ السنة والحديث، وجعله في عليين مع الأنبياء والشهداء والصديقين؛ وحَسُن أولئك رفيقاً، وعوَّض الأمة أمثاله ومن هو خير منه، والحمد وأولاً وآخراً، وإنا ووإنا إليه راجعون.

стр. 3245

دراسات في الشريعة والعقيدة التعريف بمنكري السنة النبوية د. عبد المُهدي عبد القادر عبد الهادي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين. وبعد: فإن من عظمة الإسلام أن نصوصه خالدة، تحافظ على إنسانية الإنسان وسموِّه، وتعالج مشاكل الحياة في كل زمان ومكان، فلا توجد مشكلة إلا ونصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية تحددها، وتصف الدواء لها، والدواء هنا شافٍ كافٍ. ومن هنا فحينما نسمع الذين ينكرون السنة النبوية فإننا لا نستغرب. نعم! لا نستغرب؛ بل إننا نزداد إعظاماً للإسلام، ولكتاب ربنا، وسنة نبينا؛ ذلك أن القرآن الكريم قد بيّن أنه ستوجد طائفة لا تقبل الفكر المستقيم ولا الهَدْي القويم، وإنما هي حريصة على الباطل والضلال، تتمسك به، وتدعو إليه، وتوهم الناس أن القرآن الكريم يشهد لفكرها! ! كما أن السنة النبوية قد بينت أنه سيظهر من ينكر السنة، وأنه سَيَلُفُّون باطلهم بثوب من القرآن الكريم، ليُعمُّوا على الناس، وليُضلوا أتباعهم. إن إنكار السنة خطأ جسيم، إلا أنه لا يُخْشى على الإسلام منه؛ فشأن الإسلام أن السهام توجه إليه، فتعود إلى صدر راميها، ويظل الإسلام عالياً، لا ينال منه عدوه مهما كان. حديث القرآن عن منكري السنة: يقول الله - تعالى -: [وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون] [الأنعام: ١١٢، ١١٣] . والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمد - أعداءاً يخالفونك، ويعاندونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضاً أعداءاً، فلا يحزنك ذلك. إن شياطين الإنس والجن يعاندون أهل الحق في كل زمان ومكان، يساعد بعضهم بعضاً بالقول المزوق، وباللفظ المزخرف الذي يفتن به من لا يعرف حقيقة الأمر. إن الله لو شاء لمنعهم من ذلك، لكنه - سبحانه - يتركهم اختباراً وابتلاء لترتفع درجة الصادقين بثباتهم على الحق، فدعهم وما يكذبون، دعهم وافتراءاتهم؛ فإن الله سيكفيكهم وسينصرك عليهم. ثم يقول - سبحانه -: [ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة] أي إن هذا الباطل الذي يتعاون في ابتكاره شياطين الإنس والجن، هذا الباطل ستميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ليرضوه، أي: وسيقبلون عليه، يحبونه ويريدونه وليقترفوا ما هم مقترفون أي: وليعملوا ما هم عاملون. وهكذا تبين الآيتان الكريمتان أن هناك في الكون شياطين من الإنس والجن، يتعاونون في إلباس الباطل ثوب الحق مزوقاً، يزخرفون القول، ويتظاهرون بالعلم، ويدّعون أنهم على الحق، ويحاولون الأخذ بيد الناس إلى ما هم عليه من الضلال، إلا أن باطلهم هذا لا يقبله إلا أمثالهم من أصحاب القلوب المريضة، والفِطَر المنكوسة. وفي الآيتين تحذير لكل مسلم من دعوة الضلال، ومن فكر الأبالسة الذين يزينون القول، ويبهرجون المنطق [١] . على كل مسلم أن يحذر، فليس كل فكر يقبل، وليس كل كلام مفيداً؛ إن الله قال عن طائفة من الناس: [وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون] [البقرة: ١١ - ١٣] . رفضوا أن يكون الإفساد صفة لهم فأثبته الله عليهم! ووصفوا الصالحين بالسفه، فسجل الله السفه وصفاً لهم. وفي آية أخرى يقول ربنا ﵎: [وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون] [الأنعام: ١٢١] . إن أتباع الشياطين تلقنهم شياطينهم الكثير من الأباطيل، يجادلون، ويُلبسون الباطل ثوب الحق في إشهاره، ومن اتبع هؤلاء الضُّلاَّل فقد أشرك؛ فإن الحكم والأمر والنهي إنما هو لله وحده، ومن اتبع غير حكم الله فقد أشرك [٢] . وها هو المختار بن أبي عبيد الثقفي [٣] ، الكذاب الذي ادعى النبوة، ها هو يدّعي أنه يوحى إليه، ويَبلُغ ذلك بعض الصحابة الكرام، فيصدقون أنه يُوحى إليه، لكنه يوحى إليه من الشياطين، ويقرءون هذه الآية: [وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ... ] [الأنعام: ١٢١] . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه قيل له: إن المختار الثقفي يزعم أنه يوحى إليه، فقال ابن عمر: صدق، ثم تلا الآية: [وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ... ] [٤] . وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن أبي زميل قال: كنت قاعداً عند ابن عباس، وحج المختار بن أبي عبيد، فجاء رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق. فنفرت، وقلت: يقول ابن عباس: صدق! ؟ فقال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله، ووحي الشيطان؛ فوحي الله - تعالى - إلى محمد ﷺ ، ووحي الشياطين إلى أوليائهم، ثم قرأ: ... [وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ... ] [٥] . إن ابن عمر وابن عباس ﵄ لم يستغربا أن يوحى إلى هذا الكذاب، إلا أنه يوحى إليه من الشياطين، ونحن أيضاً لا نستغرب أن يدعي بعض منكري السنة أنه نبي! ! فلقد ادعى رشاد خليفة أنه نبي، وكان اسمه محمد رشاد خليفة، فحذف (محمد) من اسمه، وسمى نفسه رشاد خليفة، وحينما زاره أحمد صبحي منصور في أمريكا اختلفا على ادعاء النبوة. كما أننا لا نستغرب أن يدعي أحدهم أنه وحده القادر على تفسير القرآن الكريم!! فلقد ادعى د. محمد سعيد مشتهري، وهو حاصل على دكتوراه في الدراسات الاقتصادية، ادعى أنه ليس في طوق رسول الله ﷺ أن يفسر القرآن، ولا في طوق أبي بكر وعمر ﵄ ولا في طوق الطبري والقرطبي، ولا في طوق ابن كثير والألوسي، ليس في طوق هؤلاء وأمثالهم تفسير القرآن، وإنما هو وحده الذي يفسر القرآن الكريم! كما أننا لا نستغرب أن يدعو بعضهم إلى ترك هَدْي رسول الله! فها هو أحمد صبحي منصور، وعدد من أعضاء مركز ابن خلدون في القاهرة، وإسماعيل منصور، وجمال البنا، ومحمد شبل، هؤلاء يدعون الناس للاقتداء بهم في فهم الإسلام، بعيداً عن سنة رسول الله، وفهم رسول الله ﷺ للإسلام! إننا لا نستغرب من كل ذلك؛ فلقد أعلمنا ربنا ذلك في كتابه، فلا نستغرب وإنما نحتاط ونحذر. ويقول الله - تعالى -: [وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد] [الحج: ٥٢، ٥٣] . والمعنى: أن الأنبياء والمرسلين يدعون الناس إلى صراط الله، وإن الشياطين تعارض ذلك، فيدعون الناس إلى الضلال والردى، ولا يقبل ما تلقيه الشياطين إلا المنافقون أصحاب القلوب المريضة، والكافرون أصحاب القلوب القاسية، أما أهل الإيمان فيعلمون أن ما جاءهم به الرسول ﷺ فإنما هو الحق، فيؤمنون به، وتطمئن له قلوبهم، والله يوفقهم إلى الصراط المستقيم. وهكذا تبين الآية بجلاء أن الشياطين أعداء الرسل، وأعداء الدين الحق، وأعداء الدعاة إلى الله - تعالى - يعارضون دعوتهم، ويحاولون صرف الناس عنهم، فيستجيب لهم المنافقون والكفار، ويقبلون ضلالهم. أما المؤمنون فهم المتبعون لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . ويقول الله - تعالى -: [يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم] [المائدة: ٤١] . يقول الحافظ ابن كثير - في تفسير هذه الآية وما بعدها: نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله : من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، هم المنافقون ومن الذين هادوا أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم سماعون للكذب أي: مستجيبون له، منفعلون عنه سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي: يستجيبون لأقوام آخرين، لا يأتون مجلسك يا محمد، أو أنهم يستمعون الكلام ويُنهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك يحرفون الكلم من بعد مواضعه أي: يتأوّلونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون [٦] . تخبر الآيات الكريمات عن وجود أناس يقولون: آمنا، لكنهم يقولون ذلك بأفواهم، أما قلوبهم فلم تؤمن؛ هؤلاء يحذر القرآن منهم؛ فهم لا يفهمون كلام الله بقلوب خاشعة، وأفكار متزنة، وإنما دفعهم نفاقهم إلى تأوُّل كلام الله على غير حقيقته، وأدّت بهم قساوة قلوبهم إلى حمل كلام الله على ما تميل إليه طباعهم السقيمة. أناس يحرصون على حمل الآيات القرآنية على غير معناها، همتهم التضليل، وغايتهم صرف الناس عن الإيمان بالله تعالى. إنهم أناس قلوبهم مريضة، يُظهرون غير ما يبطنون، يبذلون الحيل لإقناع الناس بباطلهم، ويتلوّنون لإضفاء القبول على باطلهم، يجتهدون في إذاعة أفكارهم، ويداومون على معاداة الحق الناطق بعكس ضلالتهم. ويكفينا أن الله - تعالى - قد عَرّف بهم، وحذّر من طريقهم، ويكرر المسلم فاتحة الكتاب الكريم في كل ركعة، داعياً ربه ﷻ : [اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين] [الفاتحة: ٦، ٧] . إنه بقراءة هاتين الآيتين يقرر أن هناك طرقاً متعددة، منها: الصراط المستقيم أي (الطريق القويم) وهو طريق الذين أنعم الله عليهم، ورضي عنهم. وهناك طرق أخرى تختلف عنه تماماً، إنها طرق المغضوب عليهم، والضالين؛ أما المغضوب عليهم فهم الذين يعرفون الحق ويبتعدون عنه، وأما الضالون فهم الذين لا يعرفون الحق ولا يتبعونه. إن وجود هاتين الآيتين في سورة الفاتحة التي تُقرأ في كل ركعة دليل على أهمية أن يعرف المسلم أن الطرق متعددة، والطريق السليم منها هو طريق المرسلين، طريق الصالحين، أما غير هذه الطريق فإنها ليست موصلة إلى رضوان الله، وإنما هي موصلة إلى غضب الله وسخطه. ومن هنا فلا غرابة أن يظهر أناس ينكرون السنة النبوية. إن العيب فيهم، والداء في قلوبهم، وقد عرّفَنا الله بهم أنهم يعادون الحق، ويكرهون الصدق، ومن هنا يعادون القرآن والسنة، ويكرهون طريق المؤمنين، ويبغضون عباد الله الصالحين، وقد قال الله - تعالى -: [ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى. ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى. ونصله جهنم وساءت مصيرا] [ ﴿النساء: ١١٥] . الرسول ﷺ يخبر عن منكري السنة: ومن ضلال هؤلاء المنحرفين عن صراط الله المستقيم إنكار السنة النبوية، وهؤلاء أخبر رسول الله ﷺ أنهم سيظهرون، وحذر منهم: فعن أبي رافع عن النبي ﷺ قال: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) [٧] . وقوله ﷺ : (لا ألفين) أي: لا أجدن. وهذا نهي عن تلك الحالة على سبيل المبالغة، و (أريكته) أي: سريره المزين بأنواع الزينات، وفيه إشارة إلى أن إنكار الحديث إنما يأتي من المترفين، وهؤلاء شأنهم حب الشهوات، وعدم المبالاة بأحكام الشريعة، وشأنهم أيضاً عدم الاهتمام بالعلم، إنه صلى الله عليه وسلم ينهى عن هذه الحالة، يعني: حالة عدم قبول السنة، وترك العمل بها، ينهى عن هذه الحالة نهياً شديداً واضحاً فيه الغضب منه ﷺ على من فعل هذا. وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله؛ فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله) [٨] . إنه ﷺ يبين أنه سيظهر من ينكر السنة النبوية، ويتعلل بأنه يتبع القرآن، ثم يبين ﷺ بأن ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه حكم ما حرمه الله؛ فإنه ﷺ ما حرمه إلا بأمر الله - وكذلك ما أحله؛ فإنه ما أحله إلا بأمر الله - تعالى - اكتفى بذكر أحد المتقابلين عن الآخر. إن إخباره ﷺ بهذه الحال عَلَمٌ من أعلام نبوته، ودليل من أدلة وحي الله إليه وعصمته. ولذا يورد البيهقي هذين الحديثين في كتابه (دلائل النبوة) تحت عنوان: (باب ما جاء في إخباره بشبعان على أريكته يحتال في رد سنته بالحوالة على ما في القرآن من الحلال والحرام دون السنة فكان كما أخبر، وبه ابتدع من ابتدع وظهر الضرر) [٩] . السلف ومنكرو السنة: ولقد تكلم السلف عن منكري السنة، وأبانوا أنهم ضلال، وأنهم ليسوا على ملة الإسلام. إنهم سيتركون الكثير من الدين، فسيتركون الصلاة وأحكامها، وسيعجزون عن امتثال أمر الله - سبحانه -: [ ... وآتوا الزكاة ... ] [ ﴿المزمل: ٢٠] ، وسيهجرون الكثير مما هو معلوم من الدين بالضرورة. يقول أيوب السختياني [١٠] : (إذا حدّثت الرجل بالسُّنَّة فقال: دعنا من هذا، وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل) [١١] . قال الأوزاعي [١٢]- معلقاً على كلام أيوب السابق -: (يقول الله - تعالى -: [وما آتاكم الرسول فخذوه] [الحشر: ٧] ، [من يطع الرسول فقد أطاع ... الله] [النساء: ٨٠] ويدعوه إلى تأويل القرآن برأيه) [١٣] ! وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (من كفر بالرجْم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب) [١٤] . وقال ابن حزم: (ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة) [١٥] . وهكذا يتضح أن الله ﵎ بيّن لنا أن للحق أعداءاً، وأن للباطل دعاة! ! وبيّن رسول الله ﷺ أن من الناس من سيتنكر لسنته صلى الله عليه وسلم. وثبت السلف على كتاب الله وسنة نبيه، وحكموا على من أنكر السنة بالخروج عن الملة، وتعجبوا منهم: كيف لا يقبلون بيان القرآن من رسول الله ﷺ ، ويقبلون بيانه من عند أنفسهم. معلوماتي عن منكري السنة: ظهر في هذه الآونة عدد من الحريصين على إنكار السنة، وعلى الرغم من قلَّتهم إلا أنهم يكتبون كثيراً، ولقد حرصت على جمع معلومات عنهم، فكانت صورتهم كما يأتي: ١ - ليسوا من علماء الإسلام: فليس هناك عالم من علماء الإسلام ينكر السنة، وإنما هم جميعاً يعرفون قدرها، ويعملون بها، أما منكرو السنة فإنهم ليسوا من علماء الإسلام، ولم نعرف لهم مؤلفات في خدمة الدعوة الإسلامية، ولا في أي فرع من فروع الدراسات الإسلامية. بل إنهم بعيدون كل البعد عن ذلك؛ فمنهم من هو كاتب أمام محكمة، ومنهم من دراسته في الهندسة، ومن دراسته في التجارة، ومن دراسته في الفلسفة، ومن يعمل بالقانون، ومن كان يعمل في العسكر. وباحترام التخصص فهؤلاء لا قيمة لرأيهم، بل كان الأحرى بهم أن لا يكتبوا؛ فإن كل عِلْم يؤخذ من أهله، يعرف ذلك كل عاقل. ويبدو أنهم يُختارون بعناية؛ بحيث تتوافر فيهم صفات تُعَمِّي على المسلم العامي، أو الذي لا يعرفهم؛ فهذا ابن شيخ كبير، وآخر شقيق داعية فاضل! ويحملون ألقاباً تتفق مع ألقاب العلماء، فيكون أحدهم حاصلاً على دكتوراه في علم غير علوم الإسلام، أو يحمل لقب أستاذ، فيلقب نفسه بـ (دكتور) أو ... (أستاذ) مما يجعل بعض الناس يظن أنه يحمل الدكتوراه أو الأستاذية في علوم الإسلام. ولو أنصفت الجامعات لمنعت استعمال الألقاب العلمية إلا إذا كتب الأستاذ في تخصصه. وعليه فاستعمال (دكتور) أو (أستاذ) لا قيمة لها في مؤلفاتهم؛ فإنهم كتبوا في غير تخصصاتهم. فكيف يقبل قول قسيس في القرآن والسنة؟ وكيف يُقبَل كلام مهندس لا يحفظ القرآن الكريم؟ كيف يُقبَل قوله في مسائل في غاية الدقة في الإسلام؟ وكيف يقبل كلام رجل أمضى عمره في خدمة القوانين، ولم يُعرف عنه في الإسلام علم ولا عمل كيف يقبل قوله حينما يعيب علماء الإسلام السابقين واللاحقين؟ إن عمله بالقانون لا علاقة له بالدراسات الإسلامية، اللهم إلا أنه زاده جرأة على الحق، وتعالياً على الخلق، مع ما فيه من قدرة على الهمز واللمز، وحسبنا الله ونعم الوكيل. إن كتابة ألقاب كهذه نوع من التضليل، تنطق بكذبهم، وهي دليل كامل على افترائهم وتزويرهم. وليت أحدهم حينما كتب (دكتور) ، أو (أستاذ بجامعة كذا) كتب تخصصه ليعرف الناس تخصصه، وليعرف الناس أنه لا علاقة له بالتخصص في العلوم الإسلامية. إن الألقاب لا تؤهل في حد ذاتها؛ فالأستاذ في الهندسة لا يستطيع أن يفتح عيادة لاستقبال المرضى، ولو فعلها ما ذهب إليه عاقل، ولو ذهب إليه جاهل فإنه يضره ولا ينفعه. إن أنظمة الدنيا لا تسمح بفتح عيادة الأستاذ في الهندسة، ولا دكتور في الاقتصاد، لكن لست أدري كيف يتكلم هؤلاء في دين الله؟ ! إن رجل القانون حسبه القانون. أما أن يذهب فيكتب في دين الله، ويعيب الأئمة الأعلام فهذا ضلال، وبُعد عن الفكر السليم والمنهج القويم. وفي هذه الأيام ظهرت ألقاب لا أصل لها، قُصِد بها التعمية على المسلمين مثل: (الكاتب الإسلامي) ، و (المفكر الإسلامي) وهذه ليست مستنداً يؤهل للكتابة في أمور الدين. أما لقب (صحفي) فتطاول به البعض لينتقد الصحابة الأخيار، والأئمة الأبرار، فتحْت ستار عنوان: (كاتب صحفي) ينتقد أحدهم أئمة الإسلام الأجلاء أمثال: الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، ولست أدري كيف صار لقب (كاتب صحفي) مؤهِّلاً لأن ينصِّب صاحبه ناقداً وحكماً على فكر الأئمة الأخيار، فيعترض على هذا، ويعيب هذا؟ بل غالى أحدهم فعاب الأمة بأسرها، وانتقد أهل السنة والجماعة! ! ألا ليت كل إنسان يعرف قدره، ويخاف سيئاته ووزره! ! ٢ - في كتاباتهم تلبيس على غير المتخصص في السنة: فيوهمون القارئ بأنهم سيتبعون (الأسلوب العلمي) و (الفكر الحر) و (النظر الثاقب) و (تحرير المسائل) ، و (التدقيق في كل أمر) ، و (الحيدة) ، و (النزاهة) إلى غير ذلك من الكلمات البراقة التي توهم القارئ أنهم سيحققون في المسائل تحقيقاً لم يسبقهم إليه أحد. وإنك لتعجب حينما تسمع لحامل دكتوراه في علوم التجارة يتحدث أنه لا يستطيع رسول الله ﷺ أن يفسر القرآن، ولا أبو بكر الصديق، ولا عمر الفاروق، ولا الطبري، ولا ابن كثير وإنما هذا الدكتور وحده هو الذي يستطيع أن يفسر القرآن الكريم! ! سبحان الله! ! هل هذا فكر؟ هل هذا احترام التخصص؟ بل هل هذا عقل؟ أرجلُ التجارة يفسر القرآن ورسول الله ﷺ لا يفسره؟ وفي هذه الأيام ظهر نوع آخر من التلبيس؛ حيث يستعمل أصحابه النظريات التي درسوها في كتاباتهم لتكون فوق أسلوب القارئ فيظن أنهم من العلماء، وأن تفسيرهم للقرآن برأيهم له قيمته. إلا أن هذا التلبيس وهذا الخداع لا ينطلي على من درس السنة النبوية، فإنه- بادئ ذي بدء - يتجلى له زيف كلامهم، وباطل مدعاهم. ٣ - افتراءاتهم مزورة: إن أعداء الإسلام قديماً قد افتروا وكذبوا على الإسلام، فجاء منكرو السنة المعاصرون فأخذوا أقوال أعداء الإسلام السابقين، وراحوا يرددونها على أنها طعنات للإسلام عامة، وللسنة خاصة، وينسبونها لأنفسهم زوراً، يدرك ذلك من قرأ كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي الذي أجاب فيه على فرية إنكار السنة، والتي كانت قد ظهرت بمصر وهي جزء من الحملة المعادية للإسلام. إن الفرية هي هي يرددها المعاصرون من منكري السنة، لم تتغير منذ زمن الشافعي الذي عاش في القرن الثاني الهجري وتوفي سنة ٢٠٤ هـ، ومن راجع هذا الكتاب عرف الجواب. ومن مصادر افتراءاتهم أيضاً أن يقرؤوا كتب أئمة الإسلام، فإذا صوَّر الأئمة إشكالاً وأجابوا عليه أخذ هؤلاء الإشكال ورددوه في كتبهم، وقد تنكروا للجواب. ومن زورهم أنهم يكذبون في إيراد الحقائق: قرأت لأحدهم خبراً نقله من كتاب الإحكام لابن حزم مفاده: أن عمر بن الخطاب حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدرداء في المدينة على الإكثار من الحديث، فلما راجعت الإحكام (ج ٢، ص ٢٤٩، ٢٥٠ طبعة العاصمة) وجدت عجباً، وجدت ابن حزم ذكر الخبر وحكم عليه بالكذب، فإذا بعَدوِّ السنة يأخذه ليستدل به [١٦] ! ! وهذا يدل على أنهم يتعمدون الكذب في سبيل بلوغ غايتهم! ! ٤ - افترءاتهم لا تنطلي إلا على السذج: وافتراءات أعداء السنة هزيلة، تزول بقراءة موضوعها في كتب السنة، شأنها شأن الافتراءات على الإسلام عموماً؛ فإنها لا تُقبل إلا عند من ليست عنده دراية، ولا فطانة. أما الدارسون للإسلام، أو حتى من عندهم ذكاء ودربة فكرية فإن افتراءات أعداء الإسلام لا تجد عندهم قبولاً. فمثلاً: يكثرون الكلام عن كتابة السنة، ويقولون: إنها لم تدوّن إلا على رأس المائة الأولى وإن علماً ظل مائة عام بدون كتابة لا بد أن يدخله الزيادة والنقص. هذا كلام ينطلي على من ليس عنده دراية بتاريخ السنة، وليس عنده دربة فكرية. أما من عنده مجرد دربة فكرية فإنه لا يقبله؛ إذ يقول - بادئ ذي بدء -: إن السنة النبوية مصدر الإسلام مع القرآن الكريم فلا بد أن تحافظ عليها الأمة، وأمة الإسلام بحمد الله كثيرة، والحفظ كان قوياً فلا بد أن السنة وجدت من يحفظها ويصونها، ومحال أن تفرط الأمة في مصدر دينها. أما الدارس لتاريخ السنة فيقول: نعم إن السنة لم تدون إلا على رأس المائة الأولى الهجرية إلا أن هذا لا يفيد أنها لم تكتب طيلة هذا القرن؛ فالتدوين شيء والكتابة شيء آخر. فالتدوين: ترتيب المعلومات، بمعنى أن ترتب الأحاديث على موضوعاتها أو بحسب الراوي الأعلى، وكل ديوان فمعناه الكتاب الذي رتبت مادته. أما الكتابة فهي: مطلق خط الشيء [١٧] . وعليه فقول العلماء: إن السنة لم تدون إلا على رأس المائة الأولى، معناه أنه لم تظهر الكتب المرتبة، والمراجع المصنفة. أما مطلق الكتابة - يعني دون ترتيب على الأبواب - فهذا موجود ومتوفر للسنة في مجالس رسول الله؛ فلقد كتب ﷺ كتباً وأرسلها إلى حكام البلاد المجاورة، وكتب كتباً لعماله بيّن فيها الكثير من الأحكام، وكتب الصحابة أمامه، وأقرهم ﷺ ، وأمر بالكتابة لبعضهم. إن افتراءهم هذا يزول سريعاً أمام التعقل أو العلم، كما أن النور يزيل الظلام، والشمس تملأ الوجود ضياء. ٥ - منهجهم مختل: لاحظت كثيراً على أعداء السنة اختلال منهجهم، واعوجاج خطهم: فتجدهم يطلبون الشيء من غير بابه، يدرسون الإسلام من كتب أعداء الإسلام! ! إن دراسة الشيء كلما اقتربت من مصدره عظمت ووثق بها، وكلما بعدت ضعفت وقلَّت الثقة بها، فمن أراد دراسة الإسلام فعليه بالقرآن والسنة وعلومهما؛ فالقرآن في قراءته من أهل الدراية بقراءات القرآن، وفي فهمه من علماء التفسير الذين جمعوا علوماً متعددة حتى استطاعوا أن يفسروا القرآن الكريم، والسنة تؤخذ من علمائها: إنْ درايةً فمن علماء الدراية الذين يعرفون كلمات كل حديث، بل وحروف كل حديث، وإن روايةً فمن علماء الرواية الذين يعرفون روايات كل حديث، ومعنى كل حديث، وما يستفاد من الحديث. هذا هو المنهج السليم، أما أعداء السنة فهم عكس ذلك تماماً، لا يقرؤون كتب أئمة الإسلام، وإنما يقرؤون الإسلام من خلال كتب أعدائه! ! وتجد فكر الواحد منهم في أول الكتاب يختلف عنه في آخر الكتاب. قرأت كتاباً لأحدهم ففي أول الكتاب أنكر السنة تماماً، وفي وسط الكتاب يثني على أئمة السنة، ويعترف بقدرهم! ! أما دراسة المسائل فحدِّث عن اعتلال منهجهم فيها ولا حرج. فيقول: هذا خاص بنساء النبي ﷺ ، ولا دليل لهم على الخصوصية. ويخصصون آية بدون مخصص، ويخطئون في فهم النصوص، وينكرون حجية الإجماع. يفترون العلل للآيات، لتفسر في ضوء ما افتروه، ويعلقون الحكم على شيء ثم يلغون المعلق عليه؛ يتضح هذا كثيراً لمن قرأ كتبهم. وجهلهم بأصول الكتابة والتأليف واضح، فيقتبسون من تعليق ويعزونه إلى الكتاب والأصل. ويسوقون الدعوى والدليل، إلا أن الدليل لا يؤيد الدعوى! ! ويسوقون الدعوى ولا دليل! ! ويسوقون الدعوى والدليل ضدها! ! والخروج عن وقار العلم شائع فيهم، فما بين تجريح ودس، وما بين وقيعة وخبث. لا يعرفون أدب طالب العلم ولا أخلاق العلماء، بل إن بينهم وبين ذلك بوناً شاسعاً. ٦- ليسوا طلاب حق: أعداء السنة ليسوا طلاب حق، وإنما هم مقيمون على عداء السنة والكيد لأهلها، يرددون فكرهم كأنهم ببغاوات، مهما أقمت لهم من حجج وبراهين لا يقبلون، جُندوا لذلك وعليه حريصون. ناقشت أحدهم رجاء أن يتضح له الحق، لكنه على الرغم من وضوح الحق باعتراف الحاضرين لم يُسلِّم، وإنما أصر على باطله، وظهر منه أنه لا يستطيع إلا ذلك فأعرضت عنه. يجعلون فكرهم هو الأساس وله تُطوى كل الحقائق، وتُقصف أعناق النصوص. فإذا كان المجال مجال اللغة فلا يهمه ماذا تقول كتب اللغة، وإنما المهم أن يفسر الشيء حسبما يقتضيه فكره. وإذا كان المجال مجال حكم شرعي فليس يعنيه أن يرجع إلى كتب الفقه، وإنما يعنيه أول ما يعنيه أن يفرض باطله، وإن خالف الكثير من النصوص. قرأت لأحدهم أنه إذا كانت الآية: [للذكر مثل حظ الأنثيين] [النساء: ١١] . أي أن الولد يرث ضعف البنت لما عليه من مسؤوليات تجاه الكثيرين من أم وأخوات، وخالات وعمات. قرأت لأحدهم يقول: إن الولد الذكر يرث ٦٦. ٦ بحد أقصى، والبنت ترث ٣٣. ٦ بحد أدنى. ولست أدري من أين جاء بحد أقصى في الذكر وبحد أدنى في البنت! ! ثم راح يقول: ويجوز لنا أن نقربهما من بعضهما فلو أعطينا الذكر ٦٠% والبنت ٤٠% فهذا جائز. إن المهم عنده مخالفة الآية والأحاديث التي في الموضوع. ولو كان طالب حق لقال بما قرره الله ثم قال به علماء الإسلام على مر التاريخ: للذكر ضعف ما للبنت. وآخر منهم يقول: نترك هذه الآية: [للذكر مثل حظ الأنثيين] [النساء: ١١] . ونأخذ بالآية الأخرى: [للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا] [النساء: ٧] . يقول: فنسوي بين الذكر والأنثى في الميراث، وأتعجب من هذا الفهم، أنترك الآيات التي حددت الأنصبة: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما. ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ... ] [النساء: ١١، ١٢] . إننا نلاحظ أن الآيات حددت الأنصبة بدقة وبشروط فكيف نعرض عنها إلى الآية التي أثبتت أصل الميراث؟ أيُّ فهم هذا؟ ! [للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون] [النساء: ٧] . على فهم هذا الخارج عن سبيل المؤمنين يصبح كل الرجال وكل النساء سواسية في الميراث من الأبوين والأقربين! ! فيرث الابنُ كما يرث ابن الأخ، كما يرث ابنُ الأخت كل على درجة سواء! وترث البنتُ عن أمها كما يرث خالها كما ترث خالتها كما ترث بنتُ خالتها فهل هذا يعقل؟ أترث البنت من أمها كما ترث بنت خالتها؟ إن هؤلاء يريدون إخراج الأمة من دينها بكل حيلة! ! وصدق الله العظيم إذ يقول: [ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون] [الصف: ٧ - ٩] . ٧ - مصادر بحوثهم مصطنعة: ومنكرو السنة يكتبون ويضعون لكتاباتهم مصادر، إلا أنه يلاحظ أن مصادرهم لا تُوثِّق بحوثهم؛ بل تشهد بخطئها: فما قيمة كتاب يأخذون منه ويعتبرونه مصدراً لدراساتهم الإسلامية بينما مؤلف هذا الكتاب غير مسلم؟ ! ! وما قيمة كتاب كتبه عدو للإسلام؟ وما قيمة كتاب كتبه إنسان لا يعرف الإنصاف؟ إن الكثير من مصادرهم لمستشرقين، من النصارى، واليهود. وكثير منها لفرق تُحسب على الإسلام ظلماً. وكثير منها لمؤلفين معروفين بالضلال والزيغ. ومنكرو السنة في هذه الآونة جعلوا من أنفسهم مصادر لهم؛ فهذا يأخذ عن هذا وهذا وهذا، وذاك يأخذ عن هذا وهذا وهذا، وهكذا يؤيد كل منهم كلامه بكلام أمثاله، وهم جميعاً لا قيمة لكلامهم من المنظور الشرعي؛ فليس كل من تكلم يُقبل كلامه، ولا كل من كتب تقبل كتابته، وإنما يقبل علم التقي الورع الملتزم بالقرآن والسنة الذي يشهد له علماء الأمة بالاستقامة والفضل قال الله - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] [الحجرات: ٦] . وأجد مصادر لهم مؤلفها حُكم بردته وكثير من مصادرهم حكم علماء الإسلام بضلال مؤلفيها، وهم - منكري السنة - يقبلون على هذه المصادر بكل حرص، مما أفقد مؤلفاتهم وزنها، وأبان عوار كتبهم وزيفها، وأظهر بطلان أفكارهم وضلالها. وختاماً: فأسأل الله الكريم أن يشرح صدري وصدور القراء، وأن يكون من خلال هذا البحث قد اتضح أنه لا غرابة في ظهور من ينكر السنة، ويعادي الإسلام؛ فلقد بيّن ربنا ذلك في كتابه، وحذّرنا رسول الله ﷺ منهم، وفهِمَ السلف مسلك هؤلاء فخالفوهم وحذّروا منهم. إن وجودهم ليس مشكلة، بل ربما كان نفعاً للإسلام وللمسلمين؛ فالإسلام هو الدين الحق، نصوصه ثابتة، وأحكامه واضحة، وأهله يثقون به، وإنما وجود هؤلاء يجعل أهل الإسلام يدرسونه أكثر، ويتمسكون به أعظم، وما أشبههم إلا بالتطعيم الذي يقدم للناس تحصيناً لهم، وحرصاً على سلامتهم. ومسلك المؤمن تجاه هؤلاء أن يعتز بدينه، وأن يتعلمه، حتى لا يقبل شبهة، ولا تنطلي عليه حيلة، فإذا لم يستطع الرد على شبهة فلا ينزعج، وإنما ليقدمها إلى أحد العلماء، فإنه يرد عليها سريعاً. وهناك كتب تحصن المسلم ضد شبه هؤلاء، أذكر منها: ١- السنة المحمدية لمحمد بن نصر المروزي. ٢- السنة النبوية: مكانتها وعوامل بقائها وتدوينها، د. عبد المُهدي عبد القادر. ٣- الحديث والمحدثون، د. محمد أبو زهو. ٤- حجية السنة، د. عبد الغني عبد الخالق. ٥- المدخل إلى السنن الكبرى، للحافظ البيهقي. ٦- دراسات في علوم الحديث والمحدثين، د محمد علي العمري. ٧- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، د. مصطفى السباعي. ٨- المدخل إلى السنة النبوية، د. عبد المُهدي عبد القادر. ٩- مختصر الصواعق المرسلة، للإمام ابن قيم الجوزية. ١٠- دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، د. الأعظمي. ١١- دلائل التوثيق المبكر للسنة النبوية، د. امتياز أحمد. ١٢- الموافقات للشاطبي. وهذه الكتب موجودة في المكتبات الإسلامية، فإذا لم تستطع الحصول عليها فاسأل العلماء أو طلاب العلم فإنهم سيرشدونك إلى هذه المكتبات. إن الإسلام دين فوق الشبهة، وأصالة علومه تستولي على العقل المنصف، ولا يمكن لأعداء الإسلام أن يشككوا المسلم إلا إذا كان يجهل دينه، فإذا تعلمتَ الإسلام، وعملتَ بما فيه من عقائد وأحكام، فأنت ضد هذه الشبهات، وأنت تردها بسهولة بتوفيق الله - تعالى -. جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ورزقنا الحسنى وزيادة، وختم لنا بالخير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 3246

دراسات في الشريعة والعقيدة تدبر القرآن.. لماذا وكيف ؟ إبراهيم بن عبد الرحمن التركي القرآن هادي البشرية ومرشدها ونور الحياة ودستورها، ما من شيء يحتاجه البشر إلا وبيَّنه الله فيه نصاً أو إشارة أو إيماءاً، عَلِمه مَنْ عَلِمه، وجهله من جهله. ... ولذا اعتنى به صَحْبُ الرسول ﷺ وتابعوهم تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً. وعلى ذلك سار سائر السلف. ومع ضعف الأمة في عصورها المتأخرة تراجع الاهتمام بالقرآن وانحسر حتى اقتصر الأمر عند غالب المسلمين على حفظه وتجويده وتلاوته فقط بلا تدبر ولا فهم لمعانيه ومراداته، وترتب على ذلك ترك العمل به أو التقصير في ذلك، (وقد أنزل الله القرآن وأمرنا بتدبره، وتكفل لنا بحفظه، فانشغلنا بحفظه وتركنا تدبره) [١] . وليس المقصود الدعوة لترك حفظه وتلاوته وتجويده؛ ففي ذلك أجر كبير؛ لكن المراد التوازن بين الحفظ والتلاوة والتجويد من جهة وبين الفهم والتدبر. ومن ثم العمل به من جهة أخرى كما كان عليه سلفنا الصالح - رحمهم الله تعالى -. ولذا فهذه بعض الإشارات الدالة على أهمية التدبر في ضوء الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح. أما التدبر فهو كما قال ابن القيم: (تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله) [٢] . وقيل في معناه: (هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة) [٣] . أولاً: منزلة التدبر في القرآن الكريم: ١- قال الله - تعالى -: [كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب] [ص: ٢٩] في هذه الآية بين الله - تعالى - أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها. قال الحسن البصري: (والله! ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآنُ في خُلُق ولا عمل) [٤] . ٢- قال - تعالى -: [أفلا يتدبرون القرآن....] [النساء: ٨٢] . قال ابن كثير: (يقول الله تعالى آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: أفلا يتدبرون القرآن) [٥] ، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب. ٣- قال - تعالى -: [الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به] [البقرة: ١٢١] . روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: (والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله) [٦] . وقال الشوكاني: (يتلونه: يعملون بما فيه) [٧] ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر. ٤ - قال - تعالى -: [ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون] [البقرة: ٧٨] . قال الشوكاني: (وقيل: (الأماني: التلاوة) أي: لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون تفهم وتدبر) [٨] ، وقال ابن القيم: (ذم الله المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني) [٩] . ٥ - قال الله - تعالى -: [وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا] [الفرقان: ٣٠] . قال ابن كثير: (وترك تدبره وتفهمه من هجرانه) [١٠] . وقال ابن القيم: (هجر القرآن أنواع ... الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه) [١١] . ثانياً: ما ورد في السنة في مسألة التدبر: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) [١٢] . فالسكينة والرحمة والذكر مقابل التلاوة المقرونة بالدراسة والتدبر. أما واقعنا فهو تطبيق جزء من الحديث وهو التلاوة أما الدراسة والتدبر فهي- في نظر بعضنا - تؤخر الحفظ وتقلل من عدد الحروف المقروءة فلا داعي لها. ٢ - روى حذيفة ﵁: (أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فكان يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ) [١٣] . فهذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ. ٣ - عن أبي ذر ﵁ قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: [إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم] ) [المائدة: ١١٨] [١٤] . فهذا رسول الله ﷺ يقدم التدبر على كثرة التلاوة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة. ٤ - عن ابن مسعود قال: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن) [١٥] . فهكذا كان منهج النبي ﷺ في تعليم الصحابة القرآن: تلازم العلم والمعنى والعمل؛ فلا علم جديد إلا بعد فهم السابق والعمل به. ٥ - لما راجع عبد الله بن عمرو بن العاص النبي ﷺ في قراءة القرآن لم يأذن له في أقل من ثلاث ليالٍ وقال: (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) [١٦] . فدل على أن فقه القرآن وفهمه هو المقصود بتلاوته لا مجرد التلاوة. ٦ - وفي الموطأ عن أنس بن مالك ﵁ (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس صلاة يجهر فيها فأسقط آية فقال: يا فلان! هل أسقطت في هذه السورة من شيء؟ قال: لا أدري. ثم سأل آخر واثنين وثلاثة كلهم يقول: لا أدري، حتى قال: ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فما يدرون ما تلي منه مما ترك؟ هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بني إسرائيل فشهدت أبدانهم وغابت قلوبهم؛ ولا يقبل الله من عبد حتى يشهد بقلبه مع بدنه) . ثالثاً: ما ورد عن السلف في مسألة التدبر: ١ - روى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً) [١٧] . وطول المدة ليس عجزاً من عمر ولا انشغالاً عن القرآن؛ فما بقي إلا أنه التدبر. ٢ - عن ابن عباس قال: (قدم على عمر رجل فجعل عمر يسأل عن الناس فقال: يا أمير المؤمنين! قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة. قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه! فانطلقت لمنزلي حزيناً فجاءني، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفاً؟ قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتقوا - يختصموا: كلٌ يقول الحق عندي - ومتى يحتقوا يختصموا، ومتى اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، فقال عمر: لله أبوك! لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها) [١٨] ، وقد وقع ما خشي منه عمر وابن عباس ﵄ فخرجت الخوارج الذين يقرؤون القرآن؛ لكنه لا يجاوز تراقيهم. ٣ - عن ابن عمر ﵁ قال: (كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به. وفي هذا المعنى قال ابن مسعود: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به) [١٩] . ٤ - قال الحسن البصري: (إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، وما تدبُّر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً وقد - والله! - أسقطه كله ما يُرى القرآن له في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَسٍ! والله! ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الوَرَعة متى كانت القراء مثل هذا؟ لا كثَّر الله في الناس أمثالهم) [٢٠] . ٥ - وقال الحسن أيضاً: (نزل القرآن ليُتَدَبَّر ويعمل به؛ فاتخذوا تلاوته عملاً [٢١] . أي أن عمل الناس أصبح تلاوة القرآن فقط بلا تدبر ولا عمل به) . ٦ - كان شعبة بن الحجاج بن الورد يقول لأصحاب الحديث: (يا قوم! إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن) [٢٢] . وفي هذا تنبيه لمن شغلته دراسة أسانيد الحديث ومسائل الفقه عن القرآن وتدبره أنه قد فقد توازنه واختل ميزانه. ٧ - عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: (لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ (إذا زلزلت) و (القارعة) لا أزيد عليهما أحب إليَّ من أن أهذَّ القرآن ليلتي هذّاً. أو قال: أنثره نثراً) [٢٣] . ٨ - قال ابن القيم: (ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وقواطيع الطريق وآفاته، وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة. فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما يختلف فيه العالم، وتعطيه فرقاناً ونوراً يفرق به بين الهدى والضلال، وتعطيه قوة في قلبه وحياة واسعة وانشراحاً وبهجة وسروراً فيصير في شأن والناس في شأن آخر؛ فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها؛ لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتناديه كلما فترت عزماته: تقدمَ الركبُ، وفاتك الدليل، فاللحاقَ اللحاقَ، والرحيلَ الرحيلَ) . فاعتصم بالله واستعن به وقل: (حسبي الله ونعم الوكيل) [٢٤] . وحتى نتدبر القرآن فعلينا: ١- مراعاة آداب التلاوة من طهارة ومكان وزمان مناسبين وحال مناسبة وإخلاص واستعاذة وبسملة وتفريغ للنفس من شواغلها وحصر الفكر مع القرآن والخشوع والتأثر والشعور بأن القرآن يخاطبه. ٢- التلاوة بتأنٍ وتدبر وانفعال وخشوع، وألا يكون همه نهاية السورة. ٣- الوقوف أمام الآية التي يقرؤها وقفة متأنية فاحصة مكررة. ٤- النظرة التفصيلية في سياق الآية: تركيبها - معناها - نزولها - غريبها- دلالاتها. ٥- ملاحظة البعد الواقعي للآية؛ بحيث يجعل من الآية منطلقاً لعلاج حياته وواقعه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به. ٦- العودة إلى فهم السلف للآية وتدبرهم لها وتعاملهم معها. ٧- الاطلاع على آراء بعض المفسرين في الآية. ٨- النظرة الكلية الشاملة للقرآن. ٩- الالتفات للأهداف الأساسية للقرآن. ١٠- الثقة المطلقة بالنص القرآني وإخضاع الواقع المخالف له. ١١- معايشة إيحاءات النص وظلاله ولطائفه. ١٢- الاستعانة بالمعارف والثقافات الحديثة. ١٣- العودة المتجددة للآيات، وعدم الاقتصار على التدبر مرة واحدة؛ فالمعاني تتجدد. ١٤- ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة. ١٥- التمكن من أساسيات علوم التفسير. ١٦- القراءة في الكتب المتخصصة في هذا الموضوع مثل كتاب: (القواعد الحسان لتفسير القرآن) للسعدي، وكتاب (مفاتيح للتعامل مع القرآن) للخالدي، وكتاب (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله لعبد الرحمن حبنكة الميداني، وكتاب (دراسات قرآنية) لمحمد قطب [٢٥] . وبعد: فما درجة أهمية تدبر القرآن في عقولنا؟ وما نسبة التدبر في واقعنا العملي فيما نقرؤه في المسجد قبل الصلوات؟ وهل نحن نربي أبناءنا وطلابنا على التدبر في حِلَق القرآن؟ أم أن الأهم الحفظ وكفى بلا تدبر ولا فهم؛ لأن التدبر يؤخر الحفظ؟ ما مقدار التدبر في دروس العلوم الشرعية في المدارس، خاصة دروس التفسير؟ وهل يربي المعلم طلابه على التدبر، أم على حفظ معاني الكلمات فقط؟ تُرى: ما مرتبة دروس التفسير في حِلَق العلم في المساجد: هل هي في رأس القائمة، أم في آخرها - هذا إن وجدت أصلاً؟ ما مدى اهتمامنا بالقراءة في كتب التفسير من بين ما نقرأ؟ لماذا يكون همُّ أحدنا آخر السورة، وقد نهانا رسولنا ﷺ عن ذلك؟ ومتى نقتنع أن فوائد التدبر وأجره أعظم من التلاوة كهذ الشعر؟ أسئلة تبحث عن إجابة؛ فهل نجدها لديك؟

стр. 3247

دراسات في الشريعة والعقيدة أعياد الكفار وموقف المسلم منها إبراهيم بن محمد الحقيل في الحلقة الأولى: تحدث الكاتب عن معرفة المسلم لأعياد الكفار، ثم عرض لبعض هذه الأعياد عند: الفراعنة، واليونان، والرومان، واليهود، والنصارى. وفي هذه الحلقة يستكمل بقية الموضوع من خلال عناصره. - البيان- تشبه المسلمين بالكفار في أعيادهم: تعريف التشبه: الشبه في اللغة المثل، وشابهه وأشبهه: ماثله وتشبه فلان بكذا وتشبه بغيره: ماثله وجاراه في العمل. والتشبيه: التمثيل. وفي اللغة ألفاظ مقاربة للفظ التشبه، منها: المماثلة، والمحاكاة والمشاكلة، والاتباع، والموافقة، والتأسي، والتقليد [١] ، ولكل منها معنى يخصه، ولها اشتراك مع لفظ التشبه. وأما في الاصطلاح فعرّف الغزي الشافعي التشبه بأنه: عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به، وعلى هيئته وحليته ونعته وصفته وهو عبارة عن تكلّف ذلك وتقصده وتعمله [٢] . حكم التشبه بالكفار: إن من الأصول العظيمة التي هي من أصول ديننا الولاء للإسلام وأهله، والبراءة من الكفر وأهله، ومن مُحتِّمات تلك البراءة من الكفر وأهله تميز المسلم عن أهل الكفر، واعتزازه بدينه وفخره بإسلامه مهما كانت أحوال الكفار قوة وتقدماً وحضارة، ومهما كانت أحوال المسلمين ضعفاً وتخلفاً وتفرقاً، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تتخذ قوة الكفار وضعف المسلمين ذريعة لتقليدهم ومسوغاً للتشبه بهم كما يدعو إلى ذلك المنافقون والمنهزمون؛ ذلك أن النصوص التي حرمت التشبه بالكفار ونهت عن تقليدهم لم تفرق بين حال الضعف والقوة؛ لأن المسلم باستطاعته التميز بدينه والفخر بإسلامه حتى في حال ضعفه وتأخره. والاعتزاز بالإسلام والفخر به دعا إليه ربنا ﵎ واعتبره من أحسن القول وأحسن الفخر؛ حيث قال: [ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين] [فصلت: ٣٣] . ولأهمية تميز المسلم عن الكافر أُمر المسلم أن يدعو الله - تعالى - في كل يوم على الأقل سبع عشرة مرة أن يجنبه طريق الكافرين ويهديه الصراط المستقيم: [اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين] [الفاتحة: ٦ - ٧] ، وجاءت النصوص الكثيرة جداً من الكتاب والسنة تنهى عن التشبه بهم، وتبين أنهم في ضلال؛ فمن قلدهم فقد قلدهم في ضلالهم. قال الله - تعالى -: [ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون] [الجاثية: ١٨] ، وقال تعالى: [ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق] [الرعد: ٣٧] وقال تعالى: ... [ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات] [آل عمران: ١٠٥] ويدعو الله - تعالى - المؤمنين إلى الخشوع عند ذكره - سبحانه - وتلاوة آياته، ثم يقول: [ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون] [الحديد: ١٦] . وما من شك أن مشابهتهم من أعظم الدلائل على مودتهم ومحبتهم، وهذا يناقض البراءة من الكفر وأهله، والله - تعالى - نهى المؤمنين عن مودتهم وموالاتهم، وجعل موالاتهم سبباً لأن يكون المرء - والعياذ بالله - منهم؛ يقول ... الله - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم] [المائدة: ٥١] ، وقال - تعالى -: [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم] [المجادلة: ٢٢] ، يقول شيخ الإسلام ابن ... تيمية - رحمه الله تعالى -: (المشابهة تورث المودة والمحبة والموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر) [٣] ، وقال - أيضاً - تعليقاً على آية المجادلة: فأخبر - سبحانه - أنه لا يوجد مؤمن يواد كافراً؛ فمن واد الكفار فليس بمؤمن؛ والمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة [٤] ، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) [٥] . قال شيخ الإسلام: (وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى: [ومن يتولهم منكم فإنه منهم] ) [المائدة: ٥١] [٦] . وقال الصنعاني: (فإذا تشبه بالكافر في زيٍّ واعتقد أن يكون بذلك مثله كَفَر، فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء: منهم من قال يكفر، وهو ظاهر الحديث، ومنهم من قال: لا يكفر؛ ولكن يؤدب) [٧] . ويذكر شيخ الإسلام: (أن من أصل دروس دين الله وشرائعه وظهور الكفر والمعاصي التشبه بالكافرين، كما أن أصل كل خير المحافظة على سنن الأنبياء وشرائعهم) [٨] . والحديث عن التشبه بالكفار يطول؛ ولعل فيما سبق إيراده من نصوص ونُقُول يفي بالغرض المقصود. صور التشبه بالكفار في أعيادهم: للكفار على اختلاف مللهم ونحلهم أعياد متنوعة: منها ما هو ديني - من أساس دينهم أو مما أحدثوه فيه - وكثير من أعيادهم ما هو إلا من قبيل العادات والمناسبات التي أحدثوا الأعياد من أجلها، كالأعياد القومية ونحوها، ويمكن حصر أنواع أعيادهم فيما يلي: أولاً: الأعياد الدينية التي يتقربون بها إلى الله - تعالى - كعيد الغطاس والفصح والفطير، وعيد ميلاد المسيح ﵇ ونحوها، ومشابهة المسلم لهم فيها تكون من وجهين: ١ - مشاركتهم في تلك الأعياد، كما لو احتفلت بعض الطوائف والأقليات غير المسلمة في بلاد المسلمين بعيدها فشاركهم فيها بعض المسلمين، كما حدث في وقت شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي، وهو ما يحدث الآن في كثير من بلاد المسلمين، وأقبح منه ما يفعله بعض المسلمين من السفر إلى بلاد الكفار بقصد حضور تلك الأعياد والمشاركة في احتفالاتها، سواء أكانت دوافع هذا الحضور شهوانية أم كانت من قبيل إجابة دعوة بعض الكفار كما يفعله بعض المسلمين الحالِّين في بلاد الكفار من إجابة تلك الدعوات الاحتفالية بأعيادهم، وكما يفعله بعض أصحاب رؤوس الأموال ومُلاك بعض الشركات الكبرى من إجابة تلك الدعوات مجاملة لأصحاب الدعوة أو لمصلحة دنيوية؛ كعقد صفقات تجارية، ونحو ذلك؛ فهذا كله محرم ويخشى أن يؤدي إلى الكفر لحديث (من تشبه بقوم فهو منهم) وفاعل ذلك قصد المشاركة فيما هو من شعائر دينهم. ٢ - نقل احتفالاتهم إلى بلاد المسلمين؛ فمن حضر أعياد الكفار في بلادهم وأعجبته احتفالاتهم مع جهله وضعف إيمانه وقلة علمه، فقد يجعله ذلك ينقل شيئاً من تلك الأعياد والشعائر إلى بلاد المسلمين كما يحصل الآن في أكثر بلاد المسلمين من الاحتفال برأس السنة الميلادية، وهذا الصنف أقبح من الصنف السابق من وجه وهو نقل هذه الأعياد إلى بلاد المسلمين؛ حيث لم يكتف أصحابه بمشاركة الكفار في شعائرهم؛ بل يريدون نقلها إلى بلاد المسلمين. ثانياً: الأعياد التي كان أصلها من شعائر الكفار، ثم تحولت إلى عادات واحتفالات عالمية وذلك مثل الأعياد الأولمبية عند اليونان (الأولمبياد) حيث تظهر في هذا العصر على أنها مجرد تظاهرات رياضية عالمية، والمشاركة فيها تكون على وجهين أيضاً: ١ - حضور تنظيماتها ومراسمها وشعائرها في بلاد الكفار كما تفعله كثير من الدول الإسلامية من إيفاد وفود رياضية للمشاركة في ألعابها المختلفة. ٢ - نقل هذه الأعياد إلى بلاد المسلمين كما لو طلبت بعض الدول الإسلامية تنظيم الألعاب الأولمبية في بلاد المسلمين. وكلا الأمرين: المشاركة فيها، أو تنظيمها محرم في بلاد المسلمين لما يلي: أ- أن أصل هذه الألعاب الأولمبية عيد وثني من أعياد اليونان كما سبق ذكره، وهو أهم وأعظم عيد عند الأمة اليونانية، ثم ورثه عنهم الرومان، ثم النصارى. ب - أنها تحمل الاسم ذاته الذي عرفت به لما كانت عيداً لليونان. وكونها تحولت إلى مجرد ألعاب رياضية لا يلغي كونها عيداً وثنياً؛ باعتبار أصلها واسمها؛ والدليل على ذلك ما رواه ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ : (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : أوفِ بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) [٩] . فاعتبر النبي ﷺ الأصل، وأصل هذه الدورة الرياضية عيد. قال شيخ الإسلام: (وهذا يقتضي أن كون البقعة مكاناً لعيدهم مانع من الذبح بها وإن نذر، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظم الكلام وحسن الاستفصال، ومعلوم أن ذلك إنما هو لتعظيم البقعة التي يعظمونها بالتعييد فيها أو لمشاركتهم في التعييد فيها، أو لإحياء شعار عيدهم فيها، ونحو ذلك؛ إذ ليس إلا مكان الفعل أو الفعل نفسه أو زمانه ... ، وإذا كان تخصيص بقعة عيدهم محذوراً فكيف عيدهم نفسه؟) [١٠] . ومسألتنا هنا في عيد الأولمبياد ليست في زمان العيد أو مكانه، بل هو العيد عينه على أصل تسميته وما يجري فيه من أعمال، كإشعال الشعلة الأولمبية، وهي شعار العيد، وهو زمانه أيضاً؛ لأنه عند اليونان يقام كل أربع سنوات، وكذلك هو الآن يقام كل أربع سنوات؛ فهو عيد بأصله وتسميته وأعماله وزمانه؛ فالاشتراك فيه اشتراك في عيد وثني ثم نصراني، وطلب تنظيم تلك الألعاب الأولمبية في بلاد المسلمين هو نقل لذلك العيد الوثني إلى بلاد المسلمين. ثالثاً: الأيام والأسابيع التي ابتدعها الكفار وهي على قسمين: ١ - ما كان له أصل ديني عندهم ثم تحول إلى عادة يرتبط بها مصلحة دنيوية، وذلك مثل عيد العمال الذي أحدثه عُبَّاد الشجر، ثم صار عيداً وثنياً عند الرومان، ثم انتقل إلى الفرنسيين وارتبط بالكنيسة إلى أن جاءت الاشتراكية فنادت به، وأصبح عالمياً ورسمياً حتى في كثير من الدول الإسلامية؛ فلا شك في حرمة اتخاذه عيداً وتعطيل الأعمال فيه لما يلي: أ - كونه عيداً دينياً وثنياً في أصل نشأته. ب - ثبوته في يوم من السنة معلوم وهو الأول من مايو. ج - علة التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم. ٢ - أن لا يكون له أصل ديني، كيوم الصحة العالمي؛ ويوم مكافحة المخدرات، ويوم محو الأمية، ونحوها من الأيام والأسابيع المحدثة؛ فلا يخلو حينئذ من أحد حالين: أ - أن يكون يوماً أو أسبوعاً ثابتاً معلوماً من السنة للعالم كله، يعود إذا عاد ذلك اليوم بعينه وذلك كعيد البنوك وما شابهه من الأيام الثابتة وهذا فيه علتان: كونه ثابتاً يعود كلما عاد ذلك اليوم بعينه. علة التشبه بالكفار؛ حيث هو من إحداثهم. وهل يتسامح في الأيام التنظيمية العالمية التي فيها خير للإنسانية كلها، ولا مفر للمسلمين من مشاركة العالم فيها؛ إذ لهم مصالح تفوت بعدم المشاركة كيوم الصحة العالمي ويوم مكافحة المخدرات، وهي ليست من باب الديانات بل هي من قبيل التنظيمات وإن أخذت صفات العيد في كونها تعود كل عام وفي كونها محل احتفال واحتفاء؟ هذا فيما يظهر لي محل بحث واجتهاد تُقَدَّر فيه المصالح والمفاسد؛ إذ لا مشورة للمسلمين فيها ولا اعتبار لرأيهم؛ بل هي مفروضة على العالم كله، والمسلمون من الضعف والذلة بما يُعلم. ب - أن لا يكون يوماً أو أسبوعاً ثابتاً في السنة وإنما متنقل حسب تنظيم معين أو مصلحة ما، فهذا انتفت عنه علة العيد وهي العَوْد في يوم محدد، ولكن بقيت فيه علة التشبه فيما إذا كان مبتدعه الكفار ثم نقله عنهم المسلمون، فهل ذلك من التشبه المحرم؟ أم هو من التشبه الحلال فيكون كسائر التنظيمات الإدارية ونحوها وكأيام الجرد السنوية بالنسبة للشركات والمؤسسات ونحوها؟ هذا أيضاً محل بحث ونظر، وإن كان الظاهر لي ابتداءاً أنه لا بأس بها لما يلي: - عدم ثباتها في أيام معينة تعود كلما عادت؛ فانتفت عنها صفة العيد. - أنها لا تسمى أعياداً ولا تأخذ صفة الأعياد من حيث الاحتفال ونحوه. - أن الهدف منها تنظيم حملات توعية وإرشاد لتحقيق أهداف نافعة. - أنه يلزم من منعها منع كثير من التنظيمات والاجتماعات التي تعود بين حين وآخر، ولا أظن أحداً يقول بهذا؛ وذلك مثل الاجتماعات الأسرية والدعوية والوظيفية ونحوها. - ليس فيها علة تحرمها إلا كون أصلها من الكفار وانتقلت إلى المسلمين، وعَمَّت بها البلوى وانتشرت عند الكفار وغيرهم، فانتفت عنها خصوصية الكفار بها بانتشارها بين المسلمين. والخلاصة: أنها ليست من دين الكفار ومعتقداتهم، وليست من خصائص عاداتهم وأعرافهم، ولا تعظيم فيها ولا احتفال، وليست أعياداً في أيام معلومة تعود كلما عادت فأشبهت سائر التنظيمات على ما فيها من مصلحة راجحة. رابعاً: من صور التشبه بالكفار قلب أعياد المسلمين إلى ما يشبه أعياد الكفار: فإن أعياد المسلمين تميزت بكون شعائرها تدل على شكر الله - تعالى - وتعظيمه وحمده وطاعته، مع الفرح بنعمة الله - تعالى - وعدم تسخير هذه النعمة في المعصية، وعلى العكس من ذلك أعياد الكفار فإنها تميزت بأنها تعظيم لشعائرهم الباطلة وأوثانهم التي يعبدونها من دون الله - تعالى - مع الانغماس في الشهوات المحرمة، ومع بالغ الأسف فإن المسلمين في كثير من الأقطار تشبهوا بالكفار في ذلك، فقلبوا مواسم عيدهم من مواسم طاعة وشكر إلى مواسم معصية وكفر للنعمة وذلك بإحياء ليالي العيدين بالمعازف والغناء والفجور وإقامة الحفلات المختلطة وما إلى ذلك مما يعبرون به عن بهجة العيد، على غرار ما يفعله الكفار في أعيادهم من فجور ومعصية. وجوب اجتناب أعياد الكفار: أ - اجتناب حضورها: اتفق أهل العلم على تحريم حضور أعياد الكفار والتشبه بهم فيها؛ وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة [١١] لأدلة كثيرة جداً منها: ١ - جميع الأدلة الواردة في النهي عن التشبه وقد سبق ذكر طرف منها. ٢ - الإجماع المنعقد في عهد الصحابة والتابعين على عدم حضورها؛ ودليل الإجماع من وجهين: أ - أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية يفعلون أعيادهم التي لهم والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس، ثم لم يكن على عهد السابقين من المسلمين من يشركهم في شيء من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة كراهة ونهياً عن ذلك لوقع ذلك كثيراً؛ إذ الفعل مع وجود مقتضيه وعدم منافيه واقعٌ لا محالة، والمقتضي واقع، فعلم وجود المانع؛ والمانع هنا هو الدين، فعلم أن الدين - دين الإسلام - هو المانع من الموافقة وهو المطلوب [١٢] . ب - ما جاء في شروط عمر ﵁ التي اتفق عليها الصحابة وسائر الفقهاء بعدهم أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام: فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؛ أوَ ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهراً لها؟ [١٣] . ٣ - قول عمر ﵁: (لا تَعَلَّموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم) [١٤] . ٤ - قول عبد الله بن عمرو ﵄: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) [١٥] . قال شيخ الإسلام: وهذا عمر نهى عن تعلم لسانهم وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم؛ فكيف بفعل بعض أفعالهم، أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم؟ أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟ أوَ ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟ وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم في العمل أو بعضه؛ أليس قد تعرض لعقوبة ذلك؟ [١٦] . وعلق على قول عبد الله بن عمرو: (حشر معهم) فقال: وهذا يقتضي أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار وإن كان الأول ظاهر لفظه [١٧] . ب - اجتناب موافقتهم في أفعالهم: قد لا يتسنى لبعض المسلمين حضور أعياد الكفار لكنه يفعل مثل ما يفعلون فيها، وهذا من التشبه المذموم المحرم. قال شيخ الإسلام: (لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة. وبالجملة: ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام) [١٨] . وقال الذهبي: (فإذا كان للنصارى عيد ولليهود عيد كانوا مختصين به فلا يشركهم فيه مسلم، كما لا يشاركهم في شرعتهم ولا قبلتهم) [١٩] . وذكر ابن التركماني الحنفي جملة مما يفعله بعض المسلمين في أعياد النصارى من توسع النفقة وإخراج العيال، ثم قال عقب ذلك: (قال بعض علماء الحنفية: من فعل ما تقدم ذكره ولم يتب فهو كافر مثلهم، وقال بعض أصحاب مالك: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيراً) [٢٠] . ج - اجتناب المراكب التي يركبونها لحضور أعيادهم: قال مالك: (يكره الركوب معهم في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم لنزول السخطة واللعنة عليهم) [٢١] . وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه [٢٢] . د - عدم الإهداء لهم أو إعانتهم على عيدهم ببيع أو شراء: قال أبو حفص الحنفي: (من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله - تعالى -) [٢٣] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكره ابن القاسم للمسلم يهدي للنصارى شيئاً في عيدهم مكافأة لهم، ورآه من تعظيم عيدهم وعوناً لهم على مصلحة كفرهم؛ ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئاً من مصلحة عيدهم؟ لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيءٍ من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن عونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره: لم أعلمه اختلف فيه) [٢٤] . وقال ابن التركماني: (فيأثم المسلم بمجالسته لهم وبإعانته لهم بذبح وطبخ وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم) [٢٥] . هـ - عدم إعانة المسلم المتشبه بهم في عيدهم على تشبهه: قال شيخ الإسلام: (وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك؛ بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته؛ خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه، ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر) [٢٦] . هـ - عدم تهنئتهم بعيدهم: قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: (وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه؛ فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب؛ بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرْج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، وهو لا يدري قبح ما فعل. فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنباً لمقت الله وسقوطهم من عينه) . ا. هـ[٢٧] . وإنما كانت تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية حراماً وبهذه المثابة التي ذكرها ابن القيم؛ لأن فيها إقراراً لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضى به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر لنفسه؛ لكن يحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره؛ لأن الله - تعالى - لا يرضى بذلك كما قال - تعالى -: [إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم] [الزمر: ٧] وقال - تعالى -: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا] [المائدة: ٣] وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا، وإذا هنؤونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعياد لنا ولأنها أعياد لا يرضاها الله - تعالى - لأنها إما مبتدعة في دينهم وإما مشروعة؛ لكن نسخت بدين الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق، وقال فيه: [ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين] [آل عمران: ٨٥] ، وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم به لما في ذلك من مشاركتهم فيها، ومن فعل شيئاً من ذلك فهو آثم سواء فعله مجاملة أو تودداً أو حياءاً أو لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه من المداهنة في دين الله ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم [٢٨] . مسألة: لو أراد المسلم أن يحتفل مثل احتفالهم لكنه قدّم ذلك أو أخره عن أيام عيدهم فراراً من المشابهة؟ هذا نوع من التشبه وهو حرام؛ لأن حريم الشيء يدخل فيه، وحريم العيد ما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون فيها أشياء لأجله أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله، أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء من ذلك؛ فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم كيوم الخميس [٢٩] والميلاد، ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع أو الشهر الآخر وإنما المحرك على إحداث ذلك وجود عيدهم ولولا هو لم يقتضوا ذلك، فهذا أيضاً من مقتضيات المشابهة [٣٠] . هـ - اجتناب استعمال تسمياتهم ومصطلحاتهم التعبدية: إذا كانت الرطانة لغير حاجة مما يُنهى عنه لعلة التشبه بهم فاستخدام تسميات أعيادهم أو مصطلحات شعائرهم مما هو أوْلى في النهي عنه، وذلك مثل استخدام لفظ (المهرجان) على كل تجمع كبير وهو اسم لعيد ديني عند الفرس. فقد روى البيهقي: (أن علياً ﵁ أُتي بهدية النيروز، فقال: ما هذه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين! هذا يوم النيروز، قال: فاصنعوا كل يوم فيروزاً، قال أبو أسامة: كره ﵁ أن يقول: نيروزاً) [٣١] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما علي ﵁ فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل) [٣٢] . وقد مضى بيان أن هذا اللفظ ليس بعربي، وفي العربية ما يغني عنه وما هو خير منه. و حكم قبول هديتهم في أعيادهم: تقرر سابقاً أن الإهداء لهم في عيدهم لا يجوز؛ لأنه من إعانتهم على باطلهم، وأيضاً عدم جواز هدية المسلم المتشبه بهم في عيدهم؛ لأن قبولها إعانة له في تشبهه وإقرارٌ له وعدمُ إنكارٍ عليه الوقوع في هذا الفعل المحرم. وأما قبول هدية الكافر إذا أهدى للمسلم في وقت عيد الكافر فهو مثل الهدية في غيره؛ لأنه ليس فيه إعانة على كفرهم، والمسألة فيها خلاف وتفصيل ينبني على مسألة قبول هدية الكافر الحربي والذمي. علماً بأن هديتهم على نوعين: ١ - ما كان من غير اللحوم التي ذبحت لأجل عيدهم كالحلوى والفاكهة ونحوها فهذا فيه الخلاف المبني على مسألة قبول هدية الكافر عموماً، والظاهر الجواز، لما مضى أن علياً ﵁ قبلها، ولما ورد أن امرأة سألت عائشة ﵂ قالت: (إن لنا أطياراً من المجوس؛ وإنه يكون لهم في العيد فيهدون لنا، فقالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم) [٣٣] . وعن أبي برزة ﵁: (أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان غير ذلك فردوه) [٣٤] . قال شيخ الإسلام: (فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم؛ بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم) [٣٥] . ٢ - أن تكون هديتهم من اللحوم المذبوحة لأجل عيدهم فلا يأكل منها؛ لأثَرَيْ عائشة وأبي برزة السابق ذكرهما، ولأنه ذبح على شعائر الكفر. ز - تخصيص أعياد الكفار بالصيام مخالفة لهم: اختلف العلماء في ذلك: ١ - فقيل بعدم كراهة صيام أعيادهم لأجل مخالفتهم وهذا ضعيف. ٢ - والصواب عدم جواز تخصيص أعيادهم بالصيام؛ لأن أعيادهم موضع تعظيمهم فتخصيصها بالصيام دون غيرها موافقة لهم في تعظيمها. قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: (وقال أصحابنا: ويُكره إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان بالصوم؛ لأنهما يومان يعظمهما الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكُرِهَ كيوم السبت؛ وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم) [٣٦] . (وهذا الحكم فيما إذا قصد تخصيصه بالصوم؛ لأنه عيدهم. أما لو وافق نذراً أو صيام تطوع أو نحوه من دون قصد موافقة عيدهم فلا بأس به) [٣٧] . وضابط مخالفتهم في أعيادهم: أن لا يُحدِث فيها أمراً أصلاً، بل يجعل أيام أعيادهم كسائر الأيام [٣٨] ، فلا يعطل فيها عن العمل، ولا يفرح بها ولا يخصها بصيام أو حزن أو غير ذلك. وذكر شيخ الإسلام ما يمكن أن يضبط به التشبه فقال - رحمه الله تعالى -: ... (والتشبه: يعم مَن فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضاً، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه؛ ففي كون هذا تشبهاً نظر، لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة) [٣٩] . وبناءاً على ما ذكره شيخ الإسلام فإن موافقتهم فيما يفعلون على قسمين: ١ - تشبه بهم وهو ما كان للمتشبه فيه قصد التشبه لأي غرض كان وهو المحرم. ٢ - مشابهة لهم وهي ما تكون بلا قصد، لكن يُبين لصاحبها وينكر عليه، فإن انتهى وإلا وقع في التشبه المحرم، قال عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) وفي رواية فقال: (أأمك أمرتك بهذا؟) قلت: أغسلهما؟ قال: (بل احرقهما) [٤٠] . قال القرطبي: (يدل على أن علة النهي عن لبسهما التشبه بالكفار) [٤١] . فظاهر الحديث أن عبد الله ﵁ لم يعلم بأنه يشبه لباس الكفار، ومع ذلك أنكر عليه النبي ﷺ وبيّن له الحكم الشرعي في ذلك. هذا إذا كان أصل الشيء من الكفار، أما إذا لم يعلم أنه من أصلهم؛ بل يفعلونه ويفعله غيرهم، فكأنه لا يكون تشبهاً؛ لكن يرى شيخ الإسلام ابن تيمية النهي عنه سداً للذريعة وحماية للمسلم من الوقوع في التشبه، ولما فيه من قصد مخالفتهم. المنافقون وأعياد الكفار: ١ - طالب حزب البعث الاشتراكي في إحدى الدول العربية بإلغاء الأضحية بحجة الجوع والجفاف، ووضع دعاته لافتة كبيرة مكتوباً عليها: من أجل الجوعى والفقراء والعراة تبرع بقيمة خروف الأضحية [٤٢] ، ومضى عيد الأضحى بسلام وضحى المسلمون في ذلك البلد، ثم لما أزف عيد الميلاد وعيد رأس السنة بدأت الاستعدادات للاحتفالات، ثم جاء الميلاد ورأس السنة فكانت العطلات الرسمية في ذلك البلد والحفلات الباهظة والسهرات الماجنة، وفي مقدمة المحتفلين قادة حزب البعث الاشتراكي الذين أنستهم الفرحة بأعياد النصارى ومجونها حال الجوعى والفقراء والعراة؛ فهم لا يتذكرون أحوالهم إلا في أعياد المسلمين! ! ٢ - كتب أحدهم في زاويته الأسبوعية تحت عنوان (تسامح) [٤٣] كلاماً ينبئ عن مرض قلبه وضعف دينه، وهذا التسامح الذي يريده كان بمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة النصرانييْن فكان مما قال هذا المتفيقه المتحذلق: (فهذه الأخوة الإنسانية تعم البشر جميعاً ولا تكون التفرقة والمعاداة إلا عند الاقتتال وحين يناوئ جماعة المسلمين جماعة أخرى عندئذ تكون المقاتلة والعداوة للدفاع المشروع عن النفس رغم أن بعض المتشددين والجماعات الإرهابية تحاول إطفاء هذا الوهج بإشاعة تفاسير وآراء تحض على الكراهية بين البشر ومقاطعة العالم، يضجون بها في المناسبات العامة التي يحتفي بها العالم جميعه ويعتبرون تهنئة الآخرين بها جنوحاً عن الإسلام؛ والصواب - لعمري - هو إشاعة المحبة لا البغض والتقريب لا التنفير) ويمضي الكاتب في سلسلته التسامحية المتميعة المنهزمة والتي امتدت على ثلاث حلقات لتغطي جميع أيام العيدين النصرانيين الذي أشرب قلبه حبهما فيقول في الثانية منهما: (فالأصل هو البر أي التسامح والعدل؛ أما العداوة فهي على الذين أعلنوا القتال علينا. أما الاختلاف في الأديان فالأمر فيه لعدل الله ورحمته يوم القيامة، والقول بأن ذلك التسامح موالاة لغير المسلمين فقد ردّ عليه العلماء بقولهم: إن الممنوع هو موالاة المحاربين للمسلمين في حرب معلنة فيكون حينئذ خيانة عظمى، ولا يحل للمسلم حينذاك مناصرتهم واتخاذهم بطانة يفضي إليهم بالأسرار) . فهل هذا الكلام إلا عين الضلال، والشك في الإسلام، وتصحيح كفر الكفار؟ ! والعياذ بالله من ذلك. ثم في حلقته الثالثة يكيل التهم الرخيصة المستهلكة من الإرهاب والتطرف وسفك الدماء على كل من لم يوافقه على فقهه الصحفي، كما هي عادة هذه الذئاب المتفرنجة في افتتاحيات مقالاتهم وخاتمتها. وما كنت أظن أن الحال بالأمة سيصل إلى هذا الحد المخزي، ولا أن التبعية والانهزام سيصير إلى هذا الأثر المخجل، ولكن ماذا كنا نتوقع ما دام أن كثيراً من المنابر الإعلامية والصحفية يتربع عليها أمثال هؤلاء الموتورين المهووسين، وإلى الله المشتكى من أمة يقرر ولاءَها وبراءها ويرسم طريقها ومنهجها عبر الإعلام والصحافة أناسٌ ما تخرجوا إلا من الملاحق الفنية والرياضية، جلُّ ثقافتهم أسماء الممثلات والمغنيات والراقصات والرياضيين. ثم يا ترى ماذا سيكتبون بعد أسابيع عن احتفالات نهاية الألفية الميلادية الثانية التي توشك على الانتهاء؟ ! إنهم وكالمعتاد سيدعون جماهير المسلمين إلى المشاركة فيها حتى لا يتهم الإسلام بالرجعية والظلامية، ولكي يثبتوا للعالم أنهم متحضرون بما فيه الكفاية حتى يرضى عنهم عباد الصليب وعباد العجل، والويل ثم الويل لمن أنكر مشاركة المسلمين في تلك الاحتفالات العالمية الألفية، إنه سيتهم بالأصولية والتطرف والإرهاب وسفك الدماء. ولن تعدم من منهزميهم فتاوى معممة جاهزة بجواز المشاركة، يتلقفها صحفيون يكذبون عليها ألف كذبة لإقناع المسلمين أن الإسلام بلغ من تسامحه وأريحيته إجازة المشاركة في شعائر الكفر؛ حتى لا نجرح مشاعر الكفار، ونكدر عليهم صفو احتفالاتهم التي كانت خاتمة لقرن شهد دماءاً إسلامية غزيرة نزفت في أرجاء المعمورة بأيدي اليهود والنصارى في حروب عقائدية دينية غير متكافئة، وما أنباء كوسوفا عن تلك الاحتفالات ببعيدة؛ إذ هي في آخر عام من تلك الألفية النصرانية المتسامحة! !

стр. 3248

تأملات دعوية من صور التهرب من المسؤولية محمد بن عبد الله الدويش مما لا شك فيه أن التطلع للصدارة والبحث عن المسؤولية أمر ذمه الشرع ونهى عنه، وهو دليل على نوع من الهوى في نفس صاحبه، أو إفراط في ثقته بنفسه واعتماده عليها؛ لذا فهو حين يفعل ذلك يُوكَل إلى نفسه، كما قال صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفِّر عن يمينك وائت الذي هو خير) [١] . وكان ﷺ في سيرته العملية يتجنب تولية الذين يبدو منهم حرص على الولاية أو يسألونها؛ فعن أبي موسى ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمِّرنا يا رسول الله! وقال الآخر مثله، فقال: (إنا لا نولِّي هذا من سأله ولا من حرص عليه) [٢] . وأخبر أن الأمة ستحرص عليها وأنها ستكون خزياً وندامة، فقال: (إنكم ستحرصون على الإمارة؛ وستكون ندامة يوم القيامة؛ فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة) [٣] . لذا دأب الصالحون والمخلصون على البعد عن تولي المسؤوليات والولايات لما يعلمون من أنها مغرم لا مغنم، وهذا أمارة خير بإذن الله لكن بعض الناس قد يمتد الأمر لديه فيؤدي إلى وقوعه في محظور آخر. وكثيراً ما يحجم بعض الصالحين عن تولي المسؤوليات والأعباء الدعوية، ودافعهم إلى ذلك الورع والبعد عن الشهرة - نحسبهم كذلك والله حسيبهم - وهو مسلك حسن. لكنه يتحول عند بعضهم إلى سلوك يسيطر عليه، فيعتذر عن تولي أي مسؤولية أو القيام بها، ويظن أن هذا أسلم له وأنه يعفيه من التبعة، وليس الأمر كذلك؛ فلو أنه جلس قعيد بيته، واشتغل بشأنه الخاص أتراه يسلم من التبعة والأمانة؟ إن مسؤولية حمل الدين وتبليغه أمانة شرعية حمَّلها الله ﵎ عباده؛ فقد أوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جعله مع الإيمان مناط خيرية هذه الأمة. ويرد في مواطن كثيرة ضمن صفات المؤمنين أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وجعل النبي ﷺ أضعف الإيمان أن ينكر المرء المنكر بقلبه، وأنه ليس وراء ذلك حبة خردل. ومن يتأمل واقع الأمة اليوم وغلبة الجهل، وفشوَّ المنكرات، وبُعْدَ الناس عن الدين فإنه لا يشك أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد غدا فرض عين على كل مسلم قادر، فضلاً عمن آتاه الله شيئاً من العلم والوعي والبصيرة. وثمة أمر آخر هو أن كثيراً من هذه المسؤوليات والأعمال التي يحجم عنها هؤلاء ليس فيها مغنم في الدنيا ولا أمر يُسعى إليه، بل هي تعاون على البر والتقوى، وأمر تطوعي خيري، بخلاف من يتولى ولايات المسلمين، ويتحمل تبعاتهم. والأمر مناطه على القلب، فرُبَّ معتذر عن تحمل المسؤولية لينعم بفراغ الوقت فيزجيه كيف شاء وأين شاء، ويسلم من المشقة والتعب؛ فهذا فرار من العمل لا من الولاية والإمارة. ورب معتذر من عمل وهو يخشى أن يبدو في توليه له ما يجهله الناس عنه من ضعف قدرةٍ وعطاء؛ فيقل شأنه وقدره. ورب معتذر ورعاً فهو: مجتهد مخطئ له أجر واحد، أو مصيب له أجران. لكن ما لا ينبغي الإخلال به: هو إصلاح القلب وتفقده؛ لأنه المناط والأساس، والاجتهاد في العمل للدين والدعوة إليه، وأن يشعر المرء أنه إن أعفاه البشر من المسؤولية فسيلقى الله ويسائله؛ فماذا هو قائل؟ جعلنا الله هداة مهتدين، وحمانا من الهوى وحظوظ النفس؛ إنه سميع مجيب.

стр. 3249

دراسات تربوية صفات المربي.. دراسة تحليلية أحمد فهمي في الحلقة الأولى تعرض الكاتب للعوامل المؤثرة على المتربي من أسرة ومجتمع ومتعلقاتهما الاقتصادية والثقافية، ويرى أن تأثير ذلك كله على المتربي تأثيرٌ عشوائي، ومن ثم يبقى دور المربي فعالاً وسط هذه العوامل إذا ما اتصف بمقومات أساسية قسمها الكاتب إلى: مقومات البدء والانطلاق، مقومات الإتقان، مقومات الاستمرار، وقد أفاض في الحلقة الأولى في معالجة المقوم الأول (البدء والانطلاق) ، ويبسط القول من خلال هذه الحلقة في المقومين الآخرين: (الإتقان والاستمرار) . البيان ثانياً: مقومات الإتقان: وهي مجموعة القدرات النفسية والعملية الأساسية التي تساعد المربي - عند اكتسابها - على رفع مستوى الأداء التربوي. وهذه القدرات المختارة هي قدرات جامعة للعديد من المهارات والأنماط السلوكية التربوية التي تندرج تحتها وتشكل في مجموعها - وبتفاصيلها - الجهد التربوي للمربي في حالة الرشد. القدرة الأولى: فهم الشخصية وتحليلها: وما نحتاجه هنا مما يتعلق بهذه القدرة الإجابة عن سؤالين هامين: أ - لماذا (ومتى) نحتاج إلى فهم شخصية المتربي؟ (الدواعي) . ب - كيف نفهم شخصية المتربي؟ (وسائل جمع المعلومات) . أ - لماذا (ومتى) نحتاج إلى فهم شخصية المتربي؟ (الدواعي) . وللإجابة نقول: ١ - للانتقاء: وهذا أمر لا عوج فيه؛ فإن الطاقات محدودة، فمن ثَمَّ ينبغي اختيار من يصلح لإعطائه مزيداً من الجهد والتركيز، وقد كان هذا ديدن سلفنا في اختيار تلاميذهم ومن يحيطون برعايتهم وعنايتهم. يقول الحافظ ابن جماعة: " كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم " [١] . ٢ - لتحديد الميول والإمكانات، ومن ثم ما يصلح له من العمل، والناس متفاوتون في ذلك تفاوتاً قدرياً من عند الله، وهناك عناصر ثلاثة يتحدد على ضوئها ما يصلح له المتربي من العمل، فبالإضافة إلى الميول والإمكانات هناك احتياجات العمل الدعوي؛ والذي يحدث في كثير من الأحيان أن مسار المتربي - في ميدان العمل الإسلامي - يتحدد وفق العنصر الأخير، والصحيح اعتبار الجميع. ٣ - لتحديد مستوى أمثل للتعامل يراعي النفسيات والمشاعر والفروق الفردية (القدرات العقلية) : إن توحيد أسلوب التعامل مع كل الشخصيات أمر غير صواب؛ إذ إنه يفترِض التماثل في النفسيات والعقول وهذا غير متحقق، بل النفس الواحدة متغيرة، كما أن العقول أيضاً متفاوتة، والمربي الذي يتعامل مع مجموعة من المتربين ينبغي عليه أن يراعي ذلك في تعامله معهم، وأول خطوة في هذا الاتجاه: فهم هذه النفوس والعقول وتحليلها، ثم بعدها يحدد أسلوب التعامل مع كلٍّ. ٤ - لمعرفة التغير في مستوى المتربي التربوي وتقويمه من فترة لأخرى؛ وذلك للتأكد من أن العمل التربوي يحقق أهدافه؛ على أن يتم ذلك وفق معايير موضوعية تقاس عليها المعلومات المتحصلة من تحليل شخصية المتربي ورصدها ومتابعة تطورها، مع ملاحظة عدم الاقتصار على جوانب محدودة مثل: الجانب العلمي، الجانب الفكري، والغفلة عن بقية الجوانب مثل: المستوى الإيماني، والأخلاقي، والحركي. ب - كيف نفهم شخصية المتربي؟ (وسائل جمع المعلومات) : هناك وسائل كثيرة لذلك نذكر أهمها: ١ - السؤال والتحري: لمن يعرفه أو يعلم حاله؛ فذلك يوفر وقتاً وجهداً كبيرين على المربي؛ خاصة لو كان خلفاً لسلف له من المربين عملوا مع الأشخاص أنفسهم؛ فهنا يتحتم عليه سؤالهم وإلا فهي الفوضى. وكان من علماء السلف من يتحرى عن تلامذته ليتحقق من حالهم؛ فعن معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي أنه قال: كان زائدة لا يُحدِّث أحداً حتى يمتحنه؛ فإن كان غريباً قال له: من أين أنت؟ فإن كان من أهل البلد قال: لا تعودن إلى هذا المجلس، فإن بلغه عنه خيراً أدناه وحدثه. ٢ - الكلام والحوار: فاللسان يعبر عن صاحبه ويبين حاله، ومهما تحفظ الرجل أظهر لسانه حاله ولو بعد حين؛ إذ اللسان يغرف من القلب، وما أسرَّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على قسمات وجهه وفلتات لسانه؛ فهو بحق ترجمان العقل والنفس. وكان بعض الفلاسفة يسأل تلامذته ويستنطقهم ويشجعهم على السؤال، فرأى يوماً أحد تلامذته صامتاً، فقال له: تكلم حتى أراك. ٣ - الاختبارات: وغالب استخدام هذا الأسلوب للتحقق من مستوى الجوانب المعلوماتية، ولكن يمكن تفعيله في جوانب أخرى عملية أو نفسية باستخدام صور متطورة منه مثل الاختبارات النفسية - وذلك حسب الظروف - التي من الممكن إجراؤها في قوالب غير مباشرة: كالمسابقات، والمباريات الثقافية. ويرسِّخ ابن جماعة أهمية الاختبار فيقول: " إن الشيخ ينبغي له إن جَهِل حال تلميذه أن يختبره بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى ذهنه قابلاً وفهمه جيداً نقله إلى كتاب يليق بذهنه وإلا تركه " [٢] . ٤ - المواقف المفتعلة ومعرفة رد الفعل: وقد يكون ذلك بتتبع ردود أفعاله في مواقف سابقة من النوعية التي تظهر مكنونات النفس وجوانب القوة والضعف في الشخصية، وقد يكون أيضاً بمحاولة الافتعال لبعض المواقف التي تظهر هذه الخبايا. قال ابن الجوزي: " حدثنا محمد بن إسحاق قال: قال لقمان لابنه: يا بني! إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره " [٣] . ٥ - الاحتكاك والمعاشرة: وبهما تتضح جوانب من الشخصية يصعب أن تتضح بغيرهما، ولتوضيح ذلك نضرب مثالاً: في كل خلاف بين زوجين لو سألت أحدهما لقال لك - غالباً -: إنه قد اكتشف في شريكه عيوباً لم يكن يعلمها من قبل، ولو علمها ما اقترن به، فلو قارنت بين ذلك وبين حالهما في بداية الزواج لوجدت أنهما لم يتزوجا بداية إلا وقد اقتنع كل منهما بالآخر ورضي به بعد سؤال وتمحيص، فما الذي طرأ؟ إنها معرفة الاحتكاك والمعاشرة. ٦ - الفراسة: ونعني بها أن يدرب المربي نفسه على معرفة خبايا النفوس ومشاعرها من خلال قسمات الوجه والسمت العام. قال عثمان بن إبراهيم الجمحي وهو من فضلاء التابعين -: " إني أعرف في العين إذا أنكرت، وإذا عرفت، وإذا هي لم تعرف ولم تنكر: إذا عرفت تَحُوص - أي تضيق - وتعود لطبيعتها لارتياحها بالفهم بعد تحملقها للإنكار والاستفهام - وإذا أنكرت تجحظ - أي تبرز وتقسو، وإذا لم تعرف ولم تنكر تسجو - أي تسكن - " [٤] . وجلس بعض العلماء يحرر يوماً في مشكلة، والطلبة به محدقون، فقال لهم: فهمتم؟ قالوا: نعم، قال: لا، لو فهمتم لظهر السرور على وجوهكم [٥] . القدرة الثانية: الإقناع: والإقناع لغة: الإرضاء [٦] ، وفي العرف يراد به: نقل حالة القبول أو الرفض لأمر ما من شخص لآخر، ويكون بالكلام أو الفعل، والأول أغلب. والمربي يحتاج هذه القدرة إلى درجة كبيرة؛ فهو يحتاج دوماً إلى تعديل وتغيير قناعات المتربين. وهذه بعض وسائل الإقناع: ١ - استحضار الأفكار وترتيبها: فالقول دون تفكير سمة الجهال والفوضويين . قال المنصور لبعض ولده: " خذ عني اثنتين: لا تقل من غير تفكير، ولا تعمل من غير تدبير. وينبغي في هذه الخطوة تجنب التفكير الأحادي الذي يجعل المتحاور سجين فكرة واحدة دون النظر لمنظومة الأفكار الأخرى " [٧] . ٢ - حسن العرض للحجة: فالعبرة ليست بحشد الكلمات والألفاظ وسكب الأفكار في ذهن المتربي. ٣ - نقض الدوافع أو إثارتها: وهناك فرق بين محاولة إقناع المتربي باعتبار ظاهر فعله وكلامه وبين إقناعه بالنظر إلى دوافعه؛ فالتعامل معه في الثانية أشد أثراً وعمقاً، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؛ ففي محاورته مع الشاب الذي جاء يطلب الإذن بالزنا مثال عملي على ذلك. ٤ - الجواب الحاضر المفحم: فهو يغني عن كثير الكلام في أحيان عديدة. ٥ - التدرج: وهو قاعدة هامة تندرج في معظم وسائل التربية، بل هو أصل من الأصول الهامة، وبعض المربين تأخذه الحماسة فيريد أن ينقل للمتربي كل قناعاته العلمية أو النظرية التي تكونت لديه على مَر الزمن دفعة واحدة، فلا يجادل ولا يناقش، وهذا بالطبع أمر مُتعسر، ولو كان ذلك كذلك لكان أوْلى به الصحابة - رضوان الله عليهم - أفضل هذه الأمة؛ فعلى الرغم من فضلهم وإيمانهم فقد نزلت عليهم الأحكام مُنجَّمة؛ بل أحياناً كان الأمر الواحد يُحرَّم عليهم بالتدريج - كما في الخمر - فما الظن بغيرهم ممن لا يبلغ عشر معشارهم في فضل ولا علم؟ ٦ - نقض الأفكار المضادة: افتخر أحد خلفاء بني أمية يوماً بقريش فقال: " إن الله حبا قريشاً بثلاث: فقال لنبيه ﷺ : [وأنذر عشيرتك الأقربين] [الشعراء: ٢١٤] ونحن عشيرته الأقربون، وقال - تعالى -: [وإنه لذكر لك ولقومك] [الزخرف: ٤٤] ونحن قومه، وقال: [لإيلاف قريش. إيلافهم] [قريش: ١، ٢] ونحن قريش. فأجابه رجل من الأنصار، فقال: على رِسْلِكَ؛ فإن الله تعالى يقول: [وكذب به قومك وهو الحق] [الأنعام: ٦٦] وأنتم قومه، وقال: [ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون] [الزخرف: ٥٧] وأنتم قومه، وقال - تعالى -: [وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا] الفرقان: ٣٠ [وأنتم قومه، ثلاثة بثلاثة ولو زدتنا لزدناك "] ٨ [. ٧ - إتقان الصمت والاستماع: فذلك يعطي المربي فرصة لكشف أفكار المتربي ومنطلقاته، وكذا فرصة للتفكير والتركيز. ومن المقولات التي يرددها خبراء اللغويات النفسية أننا نفكر بأضعاف السرعة التي نتكلم بها، ولذلك فإننا حين ننصت تكون عقولنا في سباق] ٩ [؛ فحسن الاستماع يتخطى مجرد الصمت وهز الرأس، بل يستلزم قدرات خاصة باستيعاب ما يُقال وتخزينه في الذاكرة بصورة منتظمة لاسترجاعه في الوقت المناسب في الحوار] ١٠ [. ٨ - يمكن اعتبار الأساليب الواردة في القدرة التالية من وسائل الإقناع: القدرة الثالثة: استخدام أساليب غير مباشرة لتبليغ المفاهيم الشرعية الدعوية حتى ترسخ في النفس والواقع: يشكو بعض المربين من عدم استجابة كثير ممن يربونهم لتوجيهاتهم بدرجة تتناسب مع كثرة تكرار هذه التوجيهات، وبنظرة فاحصة لأسلوبهم في التربية تجعلنا نكتشف قصور مفهوم التربية لديهم وانحصاره في التلقين والتكرار الحرفي للمفاهيم؛ واختزالُ التربية في هذه الصورة أشبه بالتعبير عنها بحرف واحد من حروفها، كما أن التكرار بهذه الصورة قد يُحدث أثراً عكسياً يُفقد الكلام جدته وهيبته. أما توسيع الدائرة واعتماد أساليب غير مباشرة في التربية فله أثر قوي وفاعلية بإذن الله، كما أنه يجعلنا نجتني فائدة التكرار مع تجنب عيبه، وأيضاً فهو يتناسب مع كون التربية تحتفي بالبناء الرأسي في العمق قبل البناء الأفقي. وفيما يلي طائفة من هذه الأساليب - وإن كان المطلوب من المربي أن يبدع ويأتي بالنادر الطريف ولا يكتفي بالنسج على منوال الآخرين: ١ - استخدام الحكايات: وقد سبق الكلام عنها في صفة حسن السمت؛ فلها أثر عجيب في النفس، ويكفي أن القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية ممتلئان بها، وقد تعدل حكاية صغيرة في سطرين كلاماً طويلاً في صفحات، فضلاً عن أنها تفوقه أثراً وثباتاً في النفس والعقل، قال البرقي: " الحكايات حبوب تُصطاد بها القلوب "] ١١ [. ٢ - ضرب المثال: ويقصد به: ادعاء التماثل الجزئي أو الكلي بين شيئين أو حالين طلباً لإثبات أو إيضاح أحدهما اعتماداً على ثبوت أو وضوح الثاني. فهو يُستخدم إذن في تقريب المعنى وإيضاحه والإقناع به والحث على الفعل ونحو ذلك، وله في ذلك تأثير عظيم، وهو أسلوب شائع الاستخدام في الكتاب والسنة. قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث " النخلة ": " وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة "] ١٢ [. وله صور عديدة: فقد يكون تشبيهاً رمزياً للبشر وأحوالهم بالنبات أو الحيوان أو الجماد. وقد يكون هذا المثال الرمزي مُعَايَناً، كما في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أخذ النبي ﷺ غصناً، فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فانتفض (لاحظ الانتفاض في الثالثة) قال: " إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ينفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها "] ١٣ [. وقد يكون المثال الرمزي " تخيُّلياً " كقوله تعالى:] مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا [] ﴿الجمعة: ٥﴾ [. ومثله: كان الإمام أحمد يقول لبعض أصحابه: " كم يعيش أحدنا: خمسين سنة؟ ستين سنة؟ كأنك بنا قد متنا، ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط "] ١٤ [. وقد يكون المثال تشبيهاً بأحوال البشر وأفعالهم: فيكون افتراضياً؛ فعن يعلى بن عبيد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: " لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا: لا، قال: فإن معكم من يرفع الحديث ... يعني إلى الله "] ١٥ [. وقد يكون حقيقياً؛ فقد قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصري وكلاهما من التابعين -: " يا أبا سعيد! أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه، فقال الحسن: يا ابن أخي! كم يد عقرت الناقة؟ قلت: واحدة، قال: أليس قد هلك القوم جميعاً برضاهم وتمالئهم؟ "] ١٦ [. ٣ - افتعال المواقف: ومَثَلُه حديث جبريل ﵇ لما حاكى فعل الغريب السائل الطالب للعلم، فقدم وجلس وسأل ومضى؛ فالنظر إلى أثر افتعال هذا الموقف وما ذكر فيه العلماء من الفوائد يُبين أهمية هذه الوسيلة، وأنه لو كان المطلوب مجرد تلقين المعلومات لأجلسهم النبي ﷺ ، وعرَّف لهم الإسلام والإيمان والإحسان وذكر علامات الساعة وانتهى الأمر. ٤ - الحث على السؤال وفتح المجال له: ففيه تنشيط للذهن ودفع لتمام الاستيعاب وسد ثغرات الفهم بالسؤال، قال عكرمة يوماً لتلاميذه يحثهم على السؤال: ما لكم لا تسألوني؟ أأفلستم؟ ٥ - التلغيز: وهو السؤال المحير للفهم المشكل على سامعه ومنه حديث النبي ﷺ الذي رواه ابن عمر قال: " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت - لصغر سني - ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة "] ١٧ [. قال ابن حجر في فوائده: " وفيه امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفي مع بيانه لهم إن لم يفهموه "] ١٨ [. وقال أيضاً: " وفيه أن المُلغِّز ينبغي له ألا يبالغ في التعمية بحيث لا يجعل للمُلَغَّز له باباً يدخل منه، بل كلما قَرَّبه كان أوقع في نفس سامعه "] ١٩ [. ٦ - الكناية عن الأمر بعاقبته: ومعلوم ما في ذلك من دوام الترهيب أو الترغيب واستحضاره في النفس وتذكره على الدوام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر لأصحابه يحثهم على القتال: " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض "] ٢٠ [. ٧ - إذكاء روح التنافس في الخير: من الثابت في علم النفس أن المنافسة وسيلة فعالة لرفع المستوى وتنمية الموهبة، وأن انعدامها بين الأفراد من شأنه أن يُبطئ ذلك. وقد كان النبي ﷺ المربي الأول - يستخدم هذا الأسلوب في تربية الصحابة، وهناك السباق المشهور في الخير والطاعات بين أبي بكر وعمر ﵄ الذي كان النبي ﷺ يحفزه ويشجعه، وقد فاز أبو بكر بهذا السباق حتى قال عمر: والله! لا أسابقك بعدها إلى شيء أبداً. ٨ - استخدام الحِيَل: فقد تستعصي بعض المفاهيم على القبول لدى بعض الأشخاص فلا بأس من استخدام الحيل المشروعة لتحقيق ذلك. ومن ذلك احتيال عبد الله بن المبارك لكي يغير فكرة الأوزاعي عن أبي حنيفة ؛ فقدم له بعض مؤلفاته من غير أن يكون عليها اسمه الحقيقي، فلما أعجب بها أخبره بأنها من تأليف أبي حنيفة، فتغيرت فكرته عنه وصار يُجِلُّه] ٢١ [. القدرة الرابعة: الاحتواء النفسي: وهو أن تنشأ بين المربي والمتربي علاقة نفسية قلبية قوية من الحب في الله، يكون المربي هو المُوَجِّه فيها بحيث يرتبط المتربي به ارتباطاً نفسياً يرفع من مستوى قبوله وامتثاله لتوجيهات مُربيه ويُيسر عملية التربية. ويمكن تلخيص كيفية اتصاف المربي بهذه القدرة في: أن يهتم بالتفعيل القوي لحقوق الأخوة بمعناها الشامل، مع التركيز على الجوانب ذات التأثير النفسي القوي، حتى يكون له تواجد مؤثر على خريطة المتربي النفسية - بدون اقتحام فيما لا يعنيه -. والمربي يلزمه قبل ذلك أن يتحلى بأمور لها تأثير فعال على تحقق هذا الاحتواء النفسي - وإن كانت غير مباشرة - وهذه الأمور مثل: حرصه على أن يتصف بسلامة النية وتجنب المسالك الملتوية في التعامل مع الناس. يقول ابن حزم: " احرص على أن توصف بسلامة الجانب، وتحفَّظ من أن توصف بالدهاء فيكثر المتحفظون منك "] ٢٢ [. وأيضاً يتصف بحسن معاملة الناس، فيعاملهم بمكارم الأخلاق، والإيثار وترك الاستئثار، والتحلي بالإنصاف وترك الاستنصاف، وشكر التفضل] ٢٣ [، مع التنزه عن الاستعانة بأحد من تلاميذه في مصلحة خاصة به، " وقد كان منصور بن المعتمر لا يستعين بأحد يختلف إليه - يعني لطلب العلم - في حاجة "] ٢٤ [ وغيرها من الصفات المشابهة. وبتأملنا مسلك السلف في التعامل مع تلاميذهم يتبين لنا أنه كان لهم منهج واضح في مشاركة تلاميذهم مشاكلهم وسعيهم في مساعدتهم؛ بحيث إن الشيخ كان له تأثير عظيم في نفسية تلميذه وهذه بعض ملامح هذا المنهج: كانوا يُظهرون الاهتمام والإقبال على جلسائهم وتلاميذهم: يقول ابن عباس ﵄: " أكرم الناس جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إ ليَّ، لو استطعت أن لا يقع الذباب عليه لفعلت "] ٢٥ [. الاهتمام بالتعرف عليهم وعلى ظروفهم. يقول ابن جماعة: " وينبغي أن يتعلم أسماءهم وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم ويكثر الدعاء لهم بالصلاح "] ٢٦ [. الحنو عليه والرفق به، يقول ابن جماعة: " ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو والشفقة عليه والإحسان إليه "] ٢٧ [. مساعدته في تذليل الصعاب والتغلب على الظروف المعوقة لطلب العلم، ومن ذلك أن أسد بن الفرات كان يريد السماع على محمد بن الحسن الشيباني، فحضر إليه وقال: " إني غريب - من القيروان - قليل النفقة والسماع منك نَزْر، والطلبة عندك كثير، فما حيلتي؟ فقال له: اسمع مع العراقيين بالنهار، وقد جعلت لك الليل وحدك، فتبيت عندي وأسمعك، قال أسد: وكنت أبيت عنده وينزل إليَّ، ويجعل بين يديه قدحاً فيه ماء، ثم يأخذ في القراءة، فإذا طال الليل ونعست، ملأ يده ونضح وجهي بالماء فأنتبه، حتى أتيت على ما أريد من السماع عليه. كما كان يتعهده بالنفقة إذا نَفدت نفقته "] ٢٨ [. ثالثاً: مقومات الاستمرار: وهذه المقومات يجمعها لفظ الصبر، ويُفَرِّقُها وينوعها مجالاته. ولأن العمل التربوي هو في مجمله محاولة للتأثير في نفس وسلوك الإنسان فإن ذلك يقترن - ولا بد - بكمٍّ من الصعوبات والمعوقات - تنبعث من تعقد النفس البشرية وتردِّي الظروف المحيطة - تحتاج من المربي أن يعالج نفسه بالصبر ليقدر على مواصلة الجهد - وبالمستوى نفسه إن لم يكن أرقى - وإن من أهم الوسائل التي تُعين المربي على التصبر أن يتذكر دائماً اقتران الأجر الأوفى بالصبر، وكذا اقتران النتائج الكبيرة به أيضاً، كما يتذكر أن الله قد ذكر على لسان نبيه أن أحب العمل إليه ما استمر عليه صاحبه ولم يقطعه وصبر عليه وإن قلَّ؛ لأنه بذلك تزداد احتمالات الوصول للأهداف الموضوعة لهذا العمل:] واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ... [] الكهف: ٢٨ [. وليتأمل المربي في واقعنا العام والعمل الإسلامي على وجه الخصوص، ليجد هناك ظاهرة فوضوية تشوب الكثير من أعمالنا، وهي ظاهرة أحجار الأساس؛ حيث نكتفي في أعمالنا بوضع حجر الأساس ولا بأس بحجر آخر أو حجرين معه - ونعتبر ذلك إنجازاً -. إنها ظاهرة الأعمال المبتورة التي لا تكتمل؛ ولو أجرينا إحصاءاً لمرات البدء في الأعمال المختلفة في ميدان العمل الإسلامي ثم أحصينا كم من الأعمال بلغت منتصف الطريق، ثم تفقدنا الأعمال التي بلغت نهايتها المرجوة أو كادت، فكم يا تُرى يكون حجم التفاوت العددي في الحالات الثلاث؟ ! فالمربي يحتاج إذن إلى الصبر وإلى مجاهدة النفس عليه في مجالات كثيرة، أهمها: الصبر على البذل والتضحية. والمربي يحتاج إلى مداومة البذل والصبر عليه، البذل من وقته وراحته وبيته وماله، وقد سبق كيف كان السلف ينفقون من أموالهم على تلاميذهم - خاصة النجباء منهم - وعدم تضجرهم من ذلك إن استطاعوا. وقال محمد بن سلام - شيخ البخاري - " أنفقت في طلب العلم أربعين ألفاً، وأنفقت في نشره أربعين ألفاً "، ومثل هذا - ولا شك - يحدث كثيراً في عصرنا ولكن بقلب " أنفقت " إلى " جمعت ". وكان النبي ﷺ يجتمع بالصحابة في دار الأرقم لتعليمهم وتربيتهم، وأحياناً بمنزله ﷺ ، ثم كان الصحابة يفتحون بيوتهم لتلامذتهم مثل عبد الله بن عباس ﵄ ومن بعده مالك بن أنس، وقبيصة بن ذؤيب، وأبي غطفان بن طريف المري ... وغيرهم كثير] ٢٩ [، وقد مر كيف فتح محمد بن الحسن بيته لابن الفرات فكان يؤويه ويعلمه وينفق عليه. والمربي أيضاً يحتاج إلى الصبر على تأخر ثمرة العمل التربوي - نسبياً - فضلاً عن احتمالات ضياع بعضها أو تلفها. ويحتاج أيضاً إلى الصبر على جفاء بعض الطباع وخشونة التعامل؛ فهذا نبينا ﵊ وقد أقيمت الصلاة حين يأتي أعرابي فيأخذ بثوبه ويقول: إنما بقي من حاجتي يسيرة وأخاف أنساها، فيقوم ﷺ معه حتى يفرغ من حاجته - والصلاة مقامة - ثم أقبل فصلى] ٣٠ [. وقد ذكر ابن جماعة أن من أدب المعلم مع تلميذه: " الصبر على جفاءٍ ربما وقع منه أذى لا يكاد يخلو الإنسان عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بقدر الإمكان، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف وتعسف، قاصداً بذلك حسن تربيته "] ٣١ [. وأخيراً: نختم بذكر الأمر الثاني الذي ينبغي توافره في النموذج المعتدل للمربي، وهو: أن يكون تحقق الصفات والمؤهلات السابقة فيه حدٌّ أدنى لا يتأهل الداعية بالنزول عنه للعمل التربوي. وهنا ملاحظات غير عابرة: أولاً: هذا الحد الأدنى يختلف باختلاف الظروف والأحوال؛ فهو يتغير من بيئة دعوية إلى أخرى، وحسب تعقُّد العمل وتوفر الكفاءات، كما أنه يتغير بتغير حجم المسؤولية التربوية؛ فالذي يتولى تربية عدد كبير ليس كمن يعمل مع أشخاص محدودين، كما أن الذي يربي أشخاصاً حديثي عهد بالدعوة، ليس كمن يعمل مع دعاة متمرسين. ثانياً: لتحقيق قدر من المرونة والواقعية - ونظراً لضعف عملية التنمية البشرية - قُسمت المقومات وفق ابتداء تأثيرها، وهذا يعني أن أهمية تحقق كل قسم منها في بداية العمل في شخص المربي متفاوتة؛ فمقومات البدء لا مفر من تحققها تماماً - وفق البند السابق - ومقومات الإتقان يمكن التجاوز فيها قليلاً، على أن يبدأ سد الخلل فيها بعد البدء مباشرة وإلا ظهر أثر ذلك على العمل التربوي. وأما مقومات الاستمرار فيمكن العمل على تنميتها وترسيخها أثناء ممارسة العمل التربوي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3250

دراسات تربوية وادع إلى ربك عبد العزيز بن ناصر الجليل تحدثت في مقال سابق عن المقصود بالدعوة مذكِّراً بأن دعوة النفس أوْلى بالبدء، ثم الأقرب فالأقرب. وهنا مسألة مهمة تتعلق بالإخلاص في الدعوة إلى الله- عامة وهي مسألة قلما نتنبه إليها أو ننبه عليها. وجُلُّ ما نفهمه من معنى الدعوة إلى الله هو أن الداعية إنما يدعو إلى ربه وإلى سبيله وتوحيده وطاعته، وإلى إقامة دينه. ولا شك أن هذه معانٍ صحيحة وأهداف سامية للدعوة إلى الله - سبحانه - لكنَّ هناك معنيً لطيفاً ومسألة عظيمة يتضمنها مفهوم الدعوة إلى الله - تعالى - يتعلق بإخلاص الدعوة له - سبحانه - وهو ما أشار إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - في (مسائل باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) وهو من أبواب كتاب التوحيد؛ حيث يقول: (المسألة الثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه) . يا لها من مسألة عظيمة يغفل عنها الكثير منّا، وإنها لمن الدقة واللطف بحيث توجد عند البعض منا دون أن يشعر بوجودها، وإن لم يفتش الداعية عنها في نفسه ويبادر إلى التخلص منها فإنها قد تكون سبباً في حبوط العمل وضياع الجهد - عياذاً بالله - تعالى - وهناك علامات ومظاهر يدل وجودها على تلوث القلب بهذه الآفة الخطيرة منها: ١- الحزبيّة المقيتة التي تدفع بصاحبها إلى عقد المحبة والعداوة على الأسماء والأشخاص والطوائف. ٢- حب الشهرة والصدارة والتفاف الناس، وكراهية الدعاة الآخرين والانقباض والضيق من تجمع الناس حولهم؛ لا لشيء إلا لأن في ذلك منافسة وحسداً في القلب. ٣ - التزهيد في أعمال بعض الدعاة وتحقيرها وتشويهها حتى ولو كان هذا العمل قد ظهر خيره وصلاحه، فلا ترى صاحب القلب المريض الذي يدعو إلى نفسه - وليس إلى الله تعالى إلا مستاءاً من ذلك، ولو كان الأمر إليه لأوقف كل عملٍ خيِّرٍ يقوم به غيره. وهذا من علامات الخذلان - عياذاً بالله - تعالى - لأن العبد المخلص في دعوته إلى الله تعالى يحب كل داعية إلى الخير - ولو لم يعرفه أو يره - ويدعو له بظهر الغيب، ويفرح بأي باب من الخير يفتحه الله تعالى على يد من كان من عباده، ويفرح بأي باب من الشر يُغلق على يد من كان؛ لأن في ذلك صلاحاً للعباد وإسهاماً في هدايتهم وتعبيدهم لرب العالمين، وكفى بذلك هدفاً وثمرة تثلج صدر الداعية المخلص سواء تحقق ذلك على يديه أو على يد غيره من الداعين إلى الله تعالى. ٤ - الوقوع في غيبة الدعاة أو السعي بالنميمة والوشاية لإلحاق الأذى بهم أو إشاعة ما هم منه برآء في الناس حتى ينفضُّوا من حولهم ويلتفوا حوله. والأمثلة كثيرة، وكل إنسان أدرى بنفسه، وهو على نفسه بصيرة، والمقصود التنبيه على هذه الآفة الخطيرة التي تمحق بركة الأعمال في الدنيا، وتذهب بأجرها في الآخرة.

стр. 3251

قراءة في كتاب صناعة القرار السياسي الأمريكي عرض وتلخيص: حسن الرشيدي (دعونا ألاَّ ننشر غسيلنا القذر) . بهذه الكلمات المريرة ختم المتحدث باسم البيت الأبيض الأمريكي تصريحاته إلى الصحفيين، وكان يرد على سؤال وُجِّه إليه عن التناقض في تصرفات الإدارة الأمريكية حينما أعلنت عن عودة الدبلوماسيين الأمريكيين إلى السفارة الأمريكية في الخرطوم، وبعد ٢٤ ساعة عادت الإدارة لتتراجع عن كلامها السابق مما حدا بكثير من المراقبين إلى إرجاع ذلك إلى اختلاف وجهات نظر المسؤولين عن صناعة القرار داخل دوائر السياسة الأمريكية، وهو الأمر الذي جعل وزير خارجية السودان يصرح قائلاً: إن مستوى صناعة القرار في الولايات المتحدة قد تدنى إلى أقل درجة. إنه منذ عام ١٩٤٥م لم يعد القرار السياسي الأمريكي شأناً داخلياً خاصاً بأمريكا فقط؛ إذ امتد ليشمل دول العالم خاصة بعد الحرب الباردة وانتهاء معادلة القطبين ليسود ما يعرف بالقطب الواحد؛ وهو أيضاً قرار غير محايد؛ فهو يعتمد مبدأ أساساً هو المصلحة العليا للولايات المتحدة على حساب كل دول العالم وشعوبها؛ بل إن الولايات المتحدة قد تسلمت الراية: راية الصليب؛ لتقود الحملة الصليبية الجديدة على عالمنا الإسلامي، ولذلك تَحَتَّم دراسة هذا القرار ليس من الخارج ولكن من الداخل، أي: دراسة صنع القرار وليس القرار نفسه، وهو ما يعني الحركة التي تتحكم بخلفية السياسة التي تقود إلى إصدار هذا القرار. ومن هنا جاءت دراسة منصف السليمي (صناعة القرار السياسي الأمريكي) وهي في الأصل رسالة نال بها المؤلف درجة دبلوم الدراسات العليا ومنحتها له لجنة مكونة من أربعة أساتذة وفقهاء مرموقين بحقول معرفية متعددة. يقول المؤلف: ولقد تطلبت هذه الدراسة نَفَساً طويلاً؛ لأننا توخينا تجاوز الحالة الساكنة للمؤسسات والهيئات التي تشارك في صناعة القرارات وإن كانت هي الوعاء الذي تجري داخله العملية بحثاً عن السياقات التي تجري فيها العلاقات والاتصالات بين المؤسسات والأشخاص، وهي مسألة حفتها مصاعب وحواجز معرفية وأخرى منهجية جمة لا تقل عن تعقيد الشروط الموضوعية والتاريخية والنفسية التي تشكل بيئة القرار السياسي، ولا عن الغموض والسرية المقصودة وغير المقصودة التي تحيط بعمل المؤسسات والأشخاص والاتصالات. اعتمد المؤلف المستويات الآتية في بحثه: يركز الباب التمهيدي من هذا الكتاب على تعقب الإنجازات التي تحققت حول الموضوع في مختلف حقول المعرفة ومتابعتها: الفكر السياسي، والأنتروبولوجيا. وخصص الباب الأول لرصد حصيلة إنجازات العلوم الحديثة بفروعها الاجتماعية والقانونية، وأخيراً علم السياسة، كما يتضمن محاولات نقدية لهذه الإنجازات. وفي الباب الثاني يعرض المؤلف السياقين: التاريخي، والنظري لعملية صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة ليؤسس عليهما في الباب الثالث اجتهاده في تحليل الكيفية التي يجري بها صناعة القرار السياسي متسلحاً بأسلحة البحث السابقة. وسوف نقوم بعرض تلخيص للباب الثالث الذي هو لب البحث وغايته: في هذا الباب يحاول الكاتب توظيف الحصيلة النظرية التي استفاد بها في البابين الأول والثاني لدراسة مظاهر صناعة القرار الأمريكي، فيقول: ضمن السياق التاريخي والمجتمعي الذي يميز العملية السياسية الأمريكية يمكن فهم صناعة القرار السياسي؛ فهي نظام مركب من جملة الأدوار السياسية التي تقوم بها البنيات الدستورية والسياسية من أجل إيجاد حلول للقضايا السياسية. ثم يطرح الباحث السؤال الرئيس في هذا الباب: ما هي عناصر عملية صناعة القرار السياسي الأمريكي وخصائصه؟ يقول: هي إشكالية نحاول الإجابة عنها من خلال ثلاثة محاور أساسية: البنيات السياسية والدستورية (الفصل الأول) ، الأجهزة التنفيذية (الفصل الثاني) ، الهيئات والجماعات المؤثرة (الفصل الثالث) . الفصل الأول: البنيات السياسية والدستورية: يقول الباحث: تبنى مرجعية هذه البنيات على أسس متعددة: إما باعتبار صلاحيتها الدستورية والقانونية أو باعتبارها مصدر سلطة ونفوذ سياسي أو لاعتبارات تخصصية وظيفية تؤديها داخل النظام السياسي، ويمكن تعيين هذه الوحدات وفق التصنيف التالي: ١- الرئاسة: يعتبر رئيس الدولة هو الممسك الفعلي بزمام السلطة التنفيذية حسب الدستور الأمريكي في المادة (٢) وبحكم رئاسته للدولة والحكومة فهو يرسم السياسة العامة، وله سلطة البت والتقرير في مجموع خططها وبرامجها؛ ونظراً لبنية النظام الرئاسي فإنه لا وجود لمجلس وزراء يهيمن على مصالح الدولة، ولا وجود لمبدأ التضامن الوزاري عن القرارات والسياسة العامة، وهكذا فإن السلطة التنفيذية الفعلية تبقى في يد الرئيس، وأنه إذا استشار رئيس الدولة وزراءه فإن آثار الاستشارة تنحصر في مجرد المناقشة وتبادل الرأي، أما القرار النهائي فيتخذه رئيس الدولة بمحض اختياره وإرادته، ويستشهد الباحث بقول أبراهام لنكولن عندما لاحظ مخالفة وزرائه السبعة له: (إن سبعة في هذا المجلس يقولون: لا، وإن واحداً يعني نفسه يقول: نعم! إذن نعم تغلبت على لا) . ورغم أن الكونجرس يتمتع بسلطة إعلان الحرب فإنه لم يعلن الحرب إلا في خمس مناسبات، بينما نفذت القوات الأمريكية عشرات العمليات العسكرية بأوامر من السلطة التنفيذية (الرئيس) دون إعلان رسمي عنها من قِبَلِ الكونجرس. وفي مجال الإدارة يرأس الرئيس فعلياً الإدارة الفيدرالية، ويعين كبار موظفيها بعد إقرار الكونجرس. ويبلغ عدد موظفي الإدارة الفيدرالية حوالي ألفي موظف من كبار مسؤولي الدولة ورؤساء الوكالات والمصالح الإدارية، ونتج عن تضخم الجهاز التنفيذي تضخم كبير في سلطات الرئيس مقابل الكونجرس. وفي المجال الدبلوماسي يخول الدستور الرئيس سلطات واسعة؛ فهو الذي يحدد برامج السياسة الخارجية، ويعقد الاتفاقيات والمعاهدات، ويقوم بعملية التفاوض مع الدول وتعيين السفراء؛ ولكن في مجال المعاهدات فإن الدستور يقيد القرار الدبلوماسي للرئيس بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ في حالة عقد المعاهدات. إلا أن الرئيس يفلت في الواقع من مراقبة مجلس الشيوخ لقراراته في مجال السياسة الخارجية باللجوء إلى الاتفاقيات التنفيذية، ويعني الاتفاق التنفيذي اتفاقاً بين الرئيس ودولة أجنبية له قوة القانون وتشكل هذه الاتفاقات النسبة الغالبة من الاتفاقيات التي تبرمها الولايات المتحدة مع الدول الأجنبية، والمثال الواضح في عهد ريجان عام ١٩٨٦م، وفضيحة إيران جيت. أما في المجال التشريعي فلا يمنح الدستور الأمريكي الرئيس صلاحية التقدم بمشاريع القوانين؛ لكنه يتمتع بحق الاعتراض (الفيتو) على القوانين التي يقرها الكونجرس، ولا يسقط الاعتراض إلا في حالة التصويت مرة ثانية عليه بأغلبية الثلثين بعد قراءة جديدة، ويمكن للرئيس لفت نظر الكونجرس لقضايا تشريعية معينة وذلك من خلال النواب الذين يمثلون الحزب في المجلسين بحكم الوضع القيادي الذي يتوفر عليه الرئيس داخل الحزب. ويؤكد الباحث أن تكوين شخصية الرئيس تمكنه من توسيع مجالاته في إصدار القرار: كما أن للتكوين الديني والمسيحي تأثيراً على تقييم الأحداث؛ ويبدو ريجان مثالاً واضحاً لذلك؛ إذ كان يطلق عبارات وتقييمات أخلاقية على الأحداث؛ مثلاً: يصف الاتحاد السوفييتي بأنه الشر، وعرفت فترته صدور عدة قرارات على مستوى داخلي وخارجي لتشجيع النشاط الأصولي المسيحي، وكان يرفع الإنجيل خلال حملته الانتخابية. كذلك أثرت شخصية كلينتون وكونه من الطبقة الوسطى في تركيزه على القضايا الاجتماعية والاقتصادية؛ وهي القضايا التي تشكل محور اهتمام هذه الطبقة. والواقع أن العوامل الشخصية والظروف السياسية لها دور كبير في اتخاذ الرئيس الوضع الأقوى داخل صنع القرار؛ إذ إنه بالنظر إلى ٤٣ رئيساً لأمريكا منذ عهد جورج واشنطن إلى عهد كلينتون نجد أوضاعاً متباينة بالنسبة لسلطة الرئيس في قراره السياسي. ٢ - الكونجرس: يتألف الكونجرس من مجلسين: الشيوخ، والنواب. يمثل مجلس النواب السكان على أساس التمثيل العددي، ويضم ٤٣٥ عضواً، وتدوم ولايته النيابية سنتين. أما مجلس الشيوخ فيتساوى فيه تمثيل الولايات؛ حيث ينتخب الناخبون في كل ولاية نائبين بغض النظر عن عدد السكان. وعدد أعضاء مجلس الشيوخ مائة عضو، وتدوم مدة العضوية ستة أعوام يجدد ثلثهم كل سنتين. ويخول الكونجرس صلاحيات في مجالات عديدة: فالمجال التشريعي يختص به الكونجرس ويقدم مشروع القانون أحد أعضاء الكونجرس إلى المجلسين، ولكن مشاريع القوانين المتعلقة بالزيادة في الواردات يتم تقديمها إلى مجلس النواب فقط. ويحال مشروع القانون إلى لجنة منبثقة من الكونجرس التي تقوم بدراسته والموافقة عليه ثم يقدم إلى كل مجلس للموافقة عليه ليقدم في النهاية إلى الرئيس من أجل التوقيع، ويمنح مهلة عشرة أيام للتوقيع، ويمكنه استخدام النقض حق (الفيتو) خلال هذه المدة بإعادة النص إلى الكونجرس لمراجعته، وفي هذه الحالة يقتضي الحصول على ثلثي الأصوات في كل مجلس ليتفادى نقض الرئيس. لقد شكل الكونجرس حتى بداية القرن الحالي محور النظام السياسي الأمريكي والمرجع التقريري الأول في السياسة العامة للدولة مع وجود استثناءات في حال ظهور أدوار قيادية لبعض الرؤساء كالرئيس أبراهام لنكولن. والسنوات الخمسون (١٩٢٠-١٩٧٠م) شهدت تراجعاً في دور الكونجرس مقابل ظهور دور المؤسسة الرئاسية؛ ولكن الإصلاحات التي أقرها الكونجرس عامي ١٩٧٢، ١٩٧٤م أعادت له نسبياً مركزه داخل النظام السياسي؛ إذ أصبح يتوفر على إمكانيات وتقنيات تمكنه من المشاركة في قرارات الرئيس ومراقبة قرارات الجهاز التنفيذي؛ إذ أصبح عدد الموظفين والخبراء ثلاثة آلاف موظف وخبير، بينما يبلغ عدد المستخدمين لحساب النواب والشيوخ بشكل خاص أربع أمثال هذا العدد، ويتوفر للكونجرس أرشيف ومكتبة تضم ملايين العناوين، وتعد من أكبر المكتبات في العالم، ويبقى الجدل الذي يثور في أمريكا دائماً عن مدى استقلالية قرارات الكونجرس إزاء التحويلات المكثفة التي يتلقاها من جماعات الضغط التي تمارس نفوذها المباشر على البرلمانيين. ٣ - الجهاز القضائي: يتألف الجهاز القضائي في الولايات المتحدة من المحكمة العليا باعتبارها في أعلى هرم السلطة القضائية، ومحاكم الولايات - وهي محاكم عادية - تتولى النظر في قضايا القانون العام. كما توجد بعض المحاكم الفيدرالية المتخصصة مثل محكمة الادعاءات وهي محكمة فيدرالية مختصة بالنظر في الجرائم المرتكبة ضد الدولة، ومحكمة التجارة الدولية، ومحكمة الضريبة. وتتلخص وظيفة المحكمة العليا في البت في القضايا التي تنشأ بسبب النزاع أو الخلاف بين الولايات والحكم الفيدرالي على الخصوص، أو فيما يتعلق بتطبيق الدستور؛ لكنها لا تقوم بمراجعة قرارات محاكم الولايات المتعلقة بالقوانين الداخلية للولايات، ومنذ عام ١٨٠٣م أصبح النظام القضائي الأمريكي هو الحكم الفصل بين السلطات ومساوياً لها. ففي نهاية القرن التاسع عشر وإلى غاية منتصف الثلاثينات لعبت المحكمة العليا دوراً هاماً تجلَّى في منع تنفيذ قرارات حكومية كثيرة، وفي عام ١٩١٧م قال القاضي هيرز: نحن محكومون من قِبَلِ دستور؛ ولكن هذا الدستور هو ما نقول: إنه هو. وفي عام ١٩٣٦م ألغتْ المحكمة العليا عدداً من القوانين البرلمانية والتنظيمات التي سُنت في عهد الرئيس روزفلت، وعندما أثيرت فضيحة ووترجيت عام ١٩٧٤م كان لاجتهاد المحكمة العليا بعدم أحقية الرئيس الاحتفاظ بأسرار ومعلومات يكون لإعلانها أثر على سير العدالة ودورها في مجريات هذه القضية التي أدت إلى استقالة الرئيس نيكسون. الفصل الثاني: الأجهزة التنفيذية: تنبثق هذه الأجهزة من الرئاسة؛ فهي امتداد لها، ولقد أدى تشعب المسؤوليات الرئاسية إلى بروز دور هذه الأجهزة في صياغة القرار السياسي الأمريكي. وحاول الباحث التركيز على أهم هذه الأجهزة التي تتدخل بشكل ما في صناعة القرار. أولاً: الإدارة: هناك جملة من المميزات التي يمكن القول: إنها تميز الحياة الإدارية الأمريكية، وهي: الاتساع العددي لطاقم الموظفين العاملين في الأجهزة الإدارية الفيدرالية ليناهز الملايين، وكانت من ضمن أهداف كلينتون في حملته الانتخابية؛ حيث قال: (إن الإدارة الفيدرالية تتخللها بيروقراطية قائمة على التسلسل القيادي والمصالح الخاصة منبعها السلطة المترسخة والمال) . تسعى هذه البيروقراطية من خلال المعلومات التي تقدمها لدوائر القرار والتعقيدات والملابسات التي تحيط بها وظائفها - تسعى لممارسة ضغوط على الرئيس باتجاهات متعددة لتسير بالقرارات وفق آراء ومصالح معينة. كذلك تنشأ علاقات بين موظفي الإدارة والخبراء الحكوميين وبين أعضاء الكونجرس من جهة، ومن جهة أخرى مع المجموعات الصناعية والتجارية، تتبادل فيها المصالح والصفقات مما يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستوى عملية صناعة القرار. انسياب المعلومات وتدفقها من الأجهزة الإدارية وخصوصاً المؤسسات الاستراتيجية في الدولة لدوائر تشريعية أو مؤسسات خاصة. \يتجلى ثقل البيروقراطية في القرارات السياسية التي تعالج قضايا مزمنة كالبطالة والإصلاح الاقتصادي؛ نظراً للوقت الذي تستغرقه بلورة الاختيارات والبدائل التي تعتمد لاتخاذ القرار النهائي. ثانياً: مجلس الأمن القومي: أنشئ المجلس عام ١٩٤٧م بمقتضى قانون الأمن القومي، وتتمثل وظيفته الأساسية في تنسيق جميع أنشطة المصالح والمؤسسات المهتمة بالأمن القومي وتحديد الأهداف العامة والخطط المتعلقة بقضايا الأمن القومي. ويرأس رئيس الدولة بنفسه أعمال المجلس، ويضم وزير الخارجية والدفاع والخزانة ورئيس هيئة الأركان العامة، ويمكن دعوة عدد من كبار الموظفين حسب حاجة الموضوع محل الاهتمام. ويتولى مستشار الأمن القومي عملية تنسيق الأعمال التي يقوم بها المجلس، وخلال حرب الخليج كانت اجتماعات المجلس تضم في الغالب الرئيس بوش، وسكراو كرونت مستشار الأمن القومي، وجيمس بيكر وزير الخارجية، وديك تشيني وزير الدفاع، وكولن باول رئيس هيئة الأركان، ونائب وزير الدفاع ونائب مستشار الأمن القومي، ومدير المخابرات، ومدير مكتب البيت الأبيض؛ ونظراً لأهمية القضايا التي تطرح على مجلس الأمن القومي فهناك من يطلق عليه: مجلس وزاري ضيق، أو مجلس الحرب. وقد حدد مجلس الأمن القومي شروط قرار الأزمة من خلال جملة من المؤشرات: - ضيق الوقت وعدم إمكانية القيام بالإجراءات الروتينية لجمع المعلومات. - التهديد باستخدام القوة والعنف. - عدم توفر المعلومات الكافية للتوصل إلى حل أو تسوية. وقد قال كلينتون بعد انتخابه مباشرة: إن السنوات الأربع المقبلة ينبغي أن تكون حداً أقصى لوضع خطة جديدة لقيادة العالم، وإن انتهاء الحرب الباردة حتمت الحاجة إلى فريق في البيت الأبيض ليس هدفه مقاومة التغيير بل تحديد شكل التغيير ووضع سياسة جديدة للأمن القومي. ثالثاً: وكالة المخابرات المركزية (C. I. A) : تتلخص وظائف الوكالة في ثلاث وظائف رئيسة: - تقديم المعلومات والمعطيات في الميادين الاستراتيجية: العسكرية والسياسية والاقتصادية لمجلس الأمن القومي ولدائرة القرار في مجال السياسة الخارجية. - تقديم التحليلات والتقويمات والتقديرات للأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية في بلدان العالم بناء على طلب مجلس الأمن القومي أو الرئيس، أو عندما تتبلور لدى مسؤولي الوكالة تقويمات بشأن أوضاع بلد أو منطقة معينة في العالم. - القيام بأعمال أو عمليات سرية في الخارج لتنفيذ أهداف استراتيجية أو سياسية أو عسكرية محددة في إطار برنامج السياسة الخارجية الأمريكية. وأنشطة المخابرات تخضع بالكامل لسيطرة الرئيس وجهازه التنفيذي؛ ولكن الكونجرس يتابع هذه الأنشطة من مدخلين: - الاعتمادات المالية المخصصة لها. - التحقيق ومراقبة أعمالها، وذلك من خلال لجنة دائمة. كذلك فإن المحكمة العليا أقرت عام ١٩٧٣م أثناء فضيحة ووترجيت مبدأً وهو: أن الرئيس ليس مخولاً بالاحتفاظ بسرية معلومات من شأن الإعلان عنها التأثير على مجريات وحيثيات العدالة. إن قوة هذه الوكالة وتأثيرها على العملية السياسية الأمريكية تنبع من عاملين: ١- الإطار السري الذي يحيط بعملها الذي يحميه التشريع الأمريكي. ٢- الميزانية الضخمة التي تتوفر عليها (٣٠ مليار دولار سنوياً) وهذه تتجاوز ميزانية دولة مثل المغرب. ومن مظاهر تأثير الوكالة في صنع السياسة الخارجية: في عام ١٩٦١م عندما كشفت عن وجود منصات الصواريخ الروسية في كوبا وهو ما استند عليه الرئيس كنيدي في قراره بمحاصرة كوبا. أخفقت الوكالة في تقديراتها بالنسبة لفييتنام مما أدى إلى تورط أمريكا في حرب خاسرة. وبالنسبة للتعامل مع الحركات الإسلامية يجري تنفيذ استراتيجية أعدتها الوكالة، وقد فسر وليام كوانت مستشار الأمن القومي في عهد كارتر والمشرف على قسم دراسات الشرق الأوسط في معهد بروكنز للدراسات الاستراتيجية بواشنطن حالياً فسر هذه السياسة بقوله: (إن الاتصال بزعماء هذه الحركة لن يغير من استراتيجية الولايات المتحدة سواء في مواجهة خطر هذه الحركات أو دعمها للأنظمة الصديقة التي توجد بها، وغاية ما في الأمر أن الولايات المتحدة حريصة على الاتصال بمخالفيها الرأي لمعرفة ماذا ينوون فعله (وكان كوانت يرد على انتقادات مصرية وجهت للإدارة الأمريكية خلال عام ١٩٩٣م بسبب اتصالات جرت بين عناصر من الوكالة وزعماء إسلاميين مصريين. وتقيم الوكالة علاقات اتصال دائمة في منطقة الشرق الأوسط مع كبار المسؤولين في الدول. يقول الملك الحسن في مذكراته: إذا كان حبل التفاهم موصولاً بين الدول خارج القنوات الرسمية التقليدية بواسطة المخابرات فحينئذ يكون الاقتناع من أن الرسالة ستصل مباشرة دون أن تكون موضع تعليق أو تصل إلى شخص آخر، وتلك طريقة أمارسها مع عدد معين من البلدان. ولعبت اتصالات وكالة المخابرات المركزية مع منظمة التحرير الفلسطينية دوراً حاسماً في خلق أجواء الحوار الأمريكي - الفلسطيني التي كان من آثارها فيما بعد القرارات المتعلقة بتسوية قضية الشرق الأوسط. وإثر اغتيال كنيدي عام ١٩٦٣م برزت في الساحة الأكاديمية والسياسية الأمريكية نظرية تدعم اتجاه تحليل القرار السياسي الأمريكي من منطلق دورٍ رئيسٍ تقوم به الوكالة وتتحكم من خلاله في مختلف أطراف العملية السياسية، ويطلق على هذه النظرية: نظرية المؤامرة التي قوامها بناء الرأي عند تحليل الحدث أو الموقف أو القرار السياسي على المعلومات أو التقارير السياسية التي تقف وراء الحدث أو القرار، وأن المظاهر لا تعني سوى التمويه وإخفاء الفاعلين الأساسيين الحقيقيين (أي رجال المخابرات) . وجرى استخدام هذه النظرية في تحليل القرارات السياسية الأمريكية في عدد من مناطق العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط، ولكن - كما يوضح الباحث - فإن هذه النظرية تضفي على الولايات المتحدة هالة أسطورية خارقة من القوة تجعلها تتصرف في العالم كله، كما لو كان خاتماً في إصبعها. وهذا لا يقلل من خطورة الوكالة؛ فلم يرصد لها المبالغ الطائلة والقوة البشرية الهائلة لنشر النشاطات الثقافية في العالم؛ بل لتكون الجهاز التنفيذي الأكثر نجاعة وفعالية داخل عملية صناعة القرار السياسي الأمريكي في مختلف مراحله: إعداداً ودراسة وتقريراً ومتابعة وتنفيذاً. رابعاً: وزارة الدفاع: تتألف المؤسسة العسكرية من ثلاث وحدات رئيسة: قسم وزارة الدفاع التي يرأسها وزير مدني وهو المسؤول الإداري المكلف بشؤون الدفاع، ويخضع لرئيس الدولة مباشرة. قسم هيئة الأركان التي تتولى تقديم المشورة العسكرية لرئيس الدولة، وتشرف على هيئات وقادة جيوش البر والبحر وسلاح الجو. قسم القيادات المتمركزة في جميع أنحاء العالم التي يشرف عليها قائد القيادات وله صلة إدارية بوزير الدفاع ويخضع لإشراف واتصال من قِبَلِ رئيس هيئة الأركان المشتركة. وهي عشر قيادات: قيادة الأطلسي، القيادة المركزية، الأوروبية، قيادة القوات، الباسفيك، القيادة الحكومية، الفضاء، العمليات الخاصة، الجوية والاستراتيجية، النقليات. وأثناء الهجوم على ليبيا عام ١٩٨٦م صرح ريشارد ميرل مساعد وزير الدفاع آنذاك: بأن الولايات المتحدة ستستخدم قواعدها العسكرية حسب ما ترتئيه القيادة العسكرية دون الرجوع للحكومة. أما اتخاذ القرار العام بشأن المناورات في خليج ليبيا فقد اتخذ على مستوى آخر، وحسب صحيفة هيرالد تريبيون فإن البدء بالمناورات تقرر بناءاً على مداولات بين مسؤولين من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع والـ C. I. A والبيت الأبيض. وإذا كانت مساهمة المؤسسة العسكرية في صناعة القرار العسكري تعتبر محورية فإن دورها في القرارات السياسية ذات الطابع الدبلوماسي أو الاقتصادي لا يقل أهمية؛ حيث إن القرار السياسي الأمريكي هو نتاج تحالف نخبة عسكرية وبيروقراطية إدارية، وأصحاب الصناعات الكبرى الاستراتيجية تؤلف بمجموعها ما يصطلح عليه في أمريكا بمركب صناعي عسكري بيروقراطي، وتفسر عدة قرارات سياسية أمريكية على أساس صفقات عسكرية اقتصادية يبرمها تحالف اللوبي الصناعي والتكنولوجي والقيادات العسكرية في البنتاجون مع الدول الأجنبية فلا يكون أمام مسؤولي البيت الأبيض - وأحياناً وزير الدفاع نفسه - سوى الإذعان والتواطؤ. ومن أمثلة ذلك: صفقة الأسلحة التي تمت بين إدارة ريجان وإيران عام ١٩٨٦م. خامساً: الجهاز الدبلوماسي: ينقسم عمل وزارة الخارجية حسب التوزيع الجغرافي إلى إدارات: إدارة أوروبا، شؤون القارة الأمريكية، شؤون الشرق الأوسط وأدنى شرق آسيا، الشؤون الإفريقية، المنظمات الدولية. وحسب الناحية الفنية: الشؤون القانونية، الاقتصادية، المراسيم، الاتصال والإعلام، التخطيط السياسي، الأبحاث والاستخبارات. وتشكل سفارات الولايات المتحدة بالخارج حلقة أساسية لتنفيذ القرارات المتعلقة بالبلد المعنيِّ ومتابعة سير العلاقات وتطورها، وتُعتمد تقارير السفارات مصدراً رسمياً للمعلومات والتقييم والآراء. وأكبر مثال على تأثير العملية الدبلوماسية في القرار هو دور جلاسبي سفيرة الولايات المتحدة بالعراق؛ حيث أدى كلامها مع الرئيس العراقي قبل الغزو وقولها بعدم ممانعة الإدارة الأمريكية من مطالبة العراق بحقوقه من الكويت والإمارات، وأن الولايات المتحدة لا تتدخل في الصراعات العربية - العربية أدى هذا إلى اعتبار الرئيس العراقي ذلك بأنه ضوء أخضر أمريكي لتحرشاته بالخليج؛ ولكن مساهمة السفارات في تكوين الرأي لدى الإدارة المركزية يكون وفق معايير سياسية تتحدد بناء على اختيارات وأولويات البرامج السياسية للحكومة. ومثال ذلك: معيار حقوق الإنسان، ومعيار مكافحة الإرهاب والمخدرات؛ ولكن هذه التقنية الدبلوماسية تحفها في الواقع بعض الشروط التي تبعدها عن أهدافها، وظهر ذلك في عهد الرئيس بوش عندما خضع لضغط اللوبي اليهودي كي لا يُنشر تقرير أعدته السفارة الأمريكية بتل أبيب عام ١٩٩١م عن الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان الفلسطيني. ويتجلى المظهر الثاني في تطبيق المعايير من جانب الدول المعنية نفسها عندما تنهج إلى تكتيك سياسي ودعائي يتطابق مع المعايير السياسية المعنية كأن يركز الخطاب السياسي للدولة على حقوق الإنسان أو تثير الدولة مسألة الخصوصية الثقافية والحضارية فتظهر الولايات المتحدة حينها بمظهر تدخلي في الشؤون الداخلية للدولة. ولعبت شخصية وزير الخارجية دائماً دوراً كبيراً في توجيه القرار الأمريكي، ومثال ذلك: شخصية كيسنجر اليهودي الألماني الذي تولى منصب وزير الخارجية في عهد نيكسون الذي اشتهر بمساعدته الدائمة لإسرائيل على الخروج من مآزقها العسكرية والدبلوماسية. الفصل الثالث: الهيئات والجماعات المؤثرة: المبحث الأول: الأحزاب السياسية: يسيطر على النظام الحزبي في الولايات المتحدة حزبان: الحزب الديموقراطي معبراً عن فئات الطبقة الوسطى والاتجاه التحرري في القضايا الاجتماعية والحزب الجمهوري معبراً عن نزوع الفئات الميسورة التي تجمع بين السلطة الاقتصادية والنفوذ السياسي. ويرى بعض علماء السياسة أن السنوات الأخيرة اتسمت بتراجع دور الأحزاب في تشكيل الفريق التنفيذي الذي يعينه الرئيس. ويرى موريس ديفرجيه: (أن ظاهرة جديدة تميز الأحزاب الأمريكية: فبدل أن يصبح تأثيرها على البرلمانيين المنتمين للحزب يصبح البرلمانيون مصدر تأثير وتوجيه للحزب) . ويمكن القول: إن القضايا الخلافية بين الحزبين تظهر في ميادين السياسة الداخلية أكثر منها في حقل السياسة الخارجية، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال الاستمرارية التي طبعت قرارات الولايات المتحدة إزاء مفاوضات الشرق الأوسط وأزمة الخليج. المبحث الثاني: الجماعات الضاغطة (اللوبي) : هي إطار تنتظم فيه مجموعة ذات مصالح ومنافع مشتركة وتستهدف التأثير على صناعة القرار من أجل توجيهه بما يتوافق ومصالحها وأغراضها. وهناك المجموعات المرتبطة بالأصول الدينية والعرقية كاليهود والسود وذوي الأصول اليابانية والأسبانية، وهناك أيضاً جماعات المهن والبيئة ونقابات العمال واتحادات رجال الأعمال. وتستخدم هذه المجموعات مجموعة من أدوات النفوذ: القوة المالية، والقوة العددية أو النوعية، وتتوفر جماعات اللوبي على وضع شرعي من الناحية الواقعية والقانونية رغم أن عدداً من السياسيين والأكاديميين ينظرون إليها من منظور أخلاقي بازدراء، وقد أخذت أشكال عمل اللوبي صيغاً أكثر دقة وتطوراً في السنوات الأخيرة بحكم التقدم الحاصل في الميدانيْن التكنولوجي والتدبيري فأصبحوا يعتمدون على المعلومات ووسائل الاتصال الحديثة للوصول إلى أصحاب القرار. وتذهب حقيقة العملية السياسية الأمريكية إلى أن هنالك جماعات ضغط قوية جداً ذات تأثير قوي على القرار السياسي، وهنا يبرز دور اللوبي الإسرائيلي في صناعة القرار السياسي الأمريكي الذي تتجلى قوته في مظهرين أساسين: ١ - قوة موارده وضخامتها داخل الولايات المتحدة وخارجها: المالية منها والإعلامية. ٢ - نفوذه داخل المؤسسات الأمريكية إلى أعلى قمة هرم الدولة (البيت الأبيض) . المبحث الثالث: المؤسسات الاقتصادية: تمارس المؤسسات الاقتصادية دورها في صناعة القرار من خلال عدة مظاهر: ١ - الارتباط بين المؤسسة العسكرية وشركات الصناعة. ٢ - بروز دور قوي للشركات المتعددة الجنسيات وتأثيرها على مجريات الأوضاع داخل بلدان العالم الثالث ومن ثَمَّ على القرار في واشنطن. ٣ - ظهور دور المنظمات الدولية المتخصصة، وخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في توجيه القرار السياسي للبلدان النامية، وتعتبر الولايات المتحدة من أقوى الفاعلين داخل هذه المنظمات وتؤدي أكبر حصة مالية فيها. ٤ - قيام الولايات المتحدة بأدوار دولية ترتكز على الاقتصاد مثل مشروع مارشال في أوروبا؛ كما كان للعامل الاقتصادي الذي استخدمته الولايات المتحدة أثره الكبير في إضعاف الاتحاد السوفييتي، ومن ثم سقوطه. ٥ - تمدد نفوذ العائلات الغنية في أمريكا داخل مؤسسات السياسة الأمريكية مما جعلها ذات أثر في توجيه القرار الأمريكي بما يخدم المصالح الاقتصادية لهذه العائلات. مثلاً: عائلة روكفلر من أكبر مالكي شركات النفط وكان منها ريجينو بريجنسكي مستشار كارتر للأمن القومي، وكذلك بوش الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة (زاباتا أوفشور) النفطية في تكساس وهي التي مولت حملته الانتخابية وظهر أثرها على اهتمامه بالنفط خاصة إبان أزمة الخليج. المبحث الرابع: (الرأي العام) : مع مطلع الثلاثينات قام (كنت كوبر) مدير الوكالة الأمريكية للإعلام بشن حملة عنيفة على الإعلام العالمي؛ حيث كانت تحتكره حينذاك دول أوروبا فقال: (إنها - أي الدول الأوروبية - تستخدم احتكارها للأخبار الدولية لتحديد ما يسمح به من معرفة كل شعب عن الشعوب الأخرى واختيار ظلال المعاني التي يقدمون بها هذه المعرفة ... إن الروح الأمريكية الوثابة لم تظفر بحقها في العرض؛ وذلك بعد تبلور الاتجاهات الدولية عن سلسلة من الانطباعات والانحيازات التي أثارتها وكالات الأنباء) . لقد أضحت العملية الإعلامية صناعة كبرى؛ فحسب الأرقام الرسمية: توجد بالولايات المتحدة أكثر من عشرة آلاف صحيفة يومية أو أسبوعية، وعدد كبير من القنوات التلفزيونية مثل NBC وتمتلك الدولة أغلب أسهمها، و CNN التي يمتلك أسهمها القطاع الخاص، وقد حرصت الحكومة على أن لا يشمل الاتفاق التجاري مع أوروبا مجال المنتجات السمعية البصرية؛ لأن للأوساط السياسية النافذة في البيت الأبيض والبنتاجون ووزارة الخارجية علاقات استراتيجية كبيرة تمكنها من تطويع القرار في أمريكا بحسب ما تريده هذه المؤسسات. ويستطرد الباحث قائلاً: إن عصرنا الحالي يتميز بحجم التدفق الهائل والخطير للمعلومات وتقنية تكاليف الحصول عليها؛ وفي آخر الإحصائيات أن معالجة مليون عملية إعلامية أصبحت تكلف ٠. ٠٦ دولار وتستغرق ٥، ٠ ثانية بعدما كانت تستغرق ٥ دقائق بتكلفة قدرها ٣٠٠ دولار. إن هذا الحجم الهائل من التدفقات المعلوماتية جعلت العملية الإعلامية بيد الأكثر قدرة على التحكم في مصادرها؛ فمثلاً في حرب الخليج كانت الصحافة والقنوات التلفزيونية تدعم الإدارة الرسمية ومثلث البيت الأبيض والبنتاجون ووزارة الخارجية. ولتغيير وجه الحقيقة يلجأ صناع القرار للتركيز على مظاهر معينة توحي بوجود توازن والأخذ بالرأي المعارض؛ وبذلك فإن صناع القرار يستفيدون من المادة الإعلامية من خلال ثلاثة مظاهر رئيسة: الحصول على المعلومات المفيدة لصناعة القرار ومعرفة الآراء والمستجدات. إعلان القرار ومتابعته. تركيز الاهتمام وخلق مناخ مناسب لتلقي الآراء. المبحث الخامس: الجامعات ومراكز الأبحاث: تخصص الولايات المتحدة للأبحاث والتطوير سنوياً ١٠٠ مليار دولار؛ بينما يقدر إنفاق الدول النامية بمجموعها في المجال نفسه بخُمس الإنفاق الأمريكي. وقد لاحظ الدكتور سعيد سليمان (وزير تربية سعودي سابق وباحث بجامعة عجمان) : أن الجامعات الأمريكية ودور العلم والبحث فيها أقرب في تكوينها وتنظيمها إلى بيوت الخبرة منها إلى الجامعات التقليدية المألوفة، وقال معلقاً على أحداث الخليج: إن الذي حارب في الخليج بشكل مباشر هي الجامعات ومراكز البحوث؛ ولكن أي نوع من الجامعات، وأي نوع من مراكز البحوث؟ ويوجد بخلاف الجامعات معاهد ومراكز دراسات يتولى الإشراف عليها سياسيون سابقون ومن أشهرها: معهد بروكنز بواشنطن الذي يشرف عليه وليام كوانت مستشار الأمن القومي في عهد كارتر. وفي حكومة كلينتون الحالية من أصل ٢٢ منصباً تنفيذياً تم تعيين ثلثها من شخصيات علمية وأكاديمية سبق لهم أن تولوا وظيفة التدريس بالجامعات، وفي كتاب ألفه ستانفيلد تيرنر مدير الـ CIA في عهد كارتر قال: إن على المخابرات المركزية أن تركز على غير السياسيين في عملية تحليل المعلومات وتقييمها وخاصة من الأكاديميين؛ وذلك لأن المهم ليس جمع المعلومات بقدر ما هو تحليل تلك المعلومات وطرق الاستفادة منها.

стр. 3252

البيان الأدبي في حوار مع الدكتور عبده زايد: الأدب الإسلامي كان موجودا منذ أن نزلت سورة الشعراء حاوره: علي محمد الغريب لا يعرف كم كان عمره ندما انطلقت حنجرته مع الحناجر الصغيرة في كتاب القرية تردد آي اذكر الحكيم، لكنه يعي جيدا أن أول شيء طرق أذنيه الصغيرتين وقتئذ كان كلام الله فارتبط به منذ ذلك التاريخ وما زال فهو النموذج الأعلى أسلوبا ومضمونا، ثم عرف بع ذلك الحديث الشريف، والشعر الرفيع العالي الذي يمثل قيمه. وعندما التحق بالأزهر لم تكن النقلة بعيدة؛ لأنها كانت امتدادا لما تقدم؛ فدراسة الفقه، والتوحيد، والتفسير، والحديث الشريف، والنحو كلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقرآن الكريم. ولما ظهرت فكرة الأدب الإسلامي، واطلع عليها فكرة مطروحة بين الفكر، لم تكن غريبة عليه أيضا؛ لأنه يعيش في هذا المناخ منذ نعومة أظافره. ذلكم الدكتور أحمد محمد علي، الشهير بعبده زايد. ولد الدكتور عبده زايد بقرية القرنة إحدى أشهر القرى التابعة لمدينة الأقصر بصعيد مصر. أتم دراسته الأولية بالأقصر، والثانوية بمدينة قنا التي تبعد عن الأقصر عدة كيلو مترات. تخرج في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر؛ حيث حصل على الليسانس، ثم تابع دراسته العليا فحصل على درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها، والتي يعمل بها الآن أستاذا للبلاغة والنقد الأدبي. حول الأدب الإسلامي وعلاقته بغيره من الآداب، ودور الشاعر في المجتمع المعاصر، والعديد من قضايا الأدب كان لنا معه هذا الحوار. - كان لظهور مصطلح الأدب الإسلامي ردة فعل أثارت عددا من الإشكالات حول مفهوم المصطلح ودلالته، بل إن بعضهم دفعتهم الغيرة على الأدب العربي إلى أن قالوا: إنه لا داعي لوجود ما يسمى بالأدب الإسلامي فالأدب العربي جله أدب إسلامي، فما حقيقة الأدب الإسلامي وما مسوغات طرحه؟ هناك فرق بين أمرين - ابتداء -: بين المصطلح، ودلالة المصطلح. دلالة المصطلح قد تكون موجودة بشكل طبيعي دون أن نضع لها مصطلحا معينا أو اسما معينا إلى أن أتى الوقت الذين نظر فيه المشتغلون بالتقعيد والتقنين ووضع الضوابط لهذه الظالهرة فوضعوا لها الاسم المناسب، وهذا موجود في كل شيء: في الأدب، وفي شؤون الحياة المختلفة. فالناس مارسوا الحياة بشكل طبيعي منذ أن وجدوا على ظهر الأرض؛ لكن ما كانوا يسمون هذا كذا وذا كذا إلى أن جاء وقت سميت هذه الأشياء التي كانوا يمارسونها بأسمائها، والأدب الإسلامي كان موجودا من حيث هو واقع أدبي، منذ أن نزلت آية الشعراء [والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] [الشعراء: ٢٢٤-٢٢٧] . الآية قبل الاستثناء تتحدث عن الشعراء من حيث هم، والآية بعد الاستثناء تتحدث عن الفئة المستثناة، وهي التي لا تدخل في سياق النوع الأول، هي مشتركة مع الفئة الأولى في صفة الشاعرية لكن غاية شعر الفئة الأولى غير غاية الفئة الثانية، والتصور الذي تنطلق منه الفئة الأولى غير التصور الذي تنطلق منه الفئة الثانية. - فما جاء بعد الاستثناء يمثل مرحلة النجاة، والشعراء من الصحابة خافوا من الآية حينما نزلت، وذهبوا إلى رسول الله ﷺ يقولون له: لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم أنا شعراء، فقال: اقرؤوا ما بعدها [إلا الذين آمنوا] قال أنتم [وعملوا الصالحات] قال أنتم [وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا] قال أنتم. فهذه الفئة المستثناة لم تتحدث عن الشعر والشاعرية وإنما تحدثت عن التصور الذي ينطلق منه الشاعر وهو قضية الإيمان؛ فهم ينطلقون من منطلق غير الذي كان ينطلق منه الذين هم قبل الاستثناء الذين هم في كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون. الكلام هنا لا يتحدث عن الشعر، وإنما يتحدث عن التصور، وهؤلاء ما سموا شعراء إسلاميين، ولا سميي شعرهم شعرا إسلاميا؛ لأنه لم تكن هناك ضرورة لوضع الأسماء في ذلك الوقت واستمر الحال على ذلك لا توضع له أسماء، لماذا؟ لأن قضية الأمة كانت كلها قضية الإسلام. الذي يكتب شعرا والذي يكتب علما، والذي يكتب فقها، والذي يكتب أدبا. كل نواحي الحياة كانت تسير في هذا السياق. لكن عندما جئنا في العصر الحديث، ودخل الاستعمار أدخل معه تصورات جديدة، بعضها يتفق مع التصور الإسلامي ولكن بعضها يتضاد ويصطدم مباشرة مع التصور الإسلامي، هنا بدأ الشعراء والأدباء المسلمون يفزعون؛ لأن القضية أصبحت تأخذ مسارا آخر. قديما كان الخروج هينا.. واحد يكتب غزلا فاحشا، واحد يهجو الآخر ويمدح بالكذب، هذا أمر أخف، إنما في العصر الحديث بدأ الأمر يصل إلى صلب العقيدة والشريعة، وبدؤوا يخوضون في الثوابت؛ هنا بدأ الخطر، فبدأ الأدباء المسلمون يدعون إلى أن ينطلق المسلم من تصوره، لا ينجرف الأديب المسلم إلى تصورات الآخرين؛ لأن له تصوراته، وما دامت له تصوراته فلينطلق منها، وهذا هو بداية الحديث عن مصطلح الأدب الإسلامي. وحكاية التسمية نحن مسبوقون فيها؛ لأنه وجد مصطلح الأدب المسيحي قبل أن يوجد أو يطرح بيننا الأدب الإسلامي، ووجد مصطلح الأدب اليهودي، ووجد أيضا مصطلح الأدب العلماني، كل هذه المصطلحات وجدت وطرحت في الغرب وتعامل معها الناس. أكثر من هذا مصطلح أدب إسلامي ظهر في الغرب وطرح ف الغرب، والذين أرخوا للأدب العربي ظهر عندهم مصطلح أدب إسلامي، واستخدموه لكن استخدموه بغير الدلالة التي نعرفها الآن، إلا عند قلة استخدموه بمعنى الأدب الذي ينطلق أو يعبر عن الحضارة الإسلامية وبروكلمان استخدم هذا المصطلح وأسماه أدب عربي إسلامي في كتابه تاريخ الأدب العربي والمستشرق الأمريكي جرونبارم استخدم مصطلح أدب إسلامي في دراسة اسمها: روح الإسلام كما تبدو في الأدب العربي وأنا كتبت دراسة في هذا، وهي مفهوم الأدب الإسلامي عند المستشرق الأمريكي جرونباوم، ونشرت في مجلة المشكاة المغربية، وهذا الرجل استخدم مصطلح الأدب الإسلامي وبدلالة قريبة من الدلالة التي تستخدمها الآن. فالأدب الإسلامي هو الأدب الذي ينطلق من التصور الإسلامي للإله والكون الإنسان والحياة. الكون كلها في نظر الإسلام مسبح بحمد الله تعالى وكل المخلوقات تنسجم في هذه الخاصية [وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم] [الإسراء: ٤٤] . - ما معيار نسبة أي عمل أدبي إلى الإسلام؟ وهل الأدب الصادر عن مسلم أيا كان هذا المسلم يعد أدبا إسلاميا؟ - هذه القضية مطروحة منذ وقت طويل؛ لأن الذين عرفوا الأدب الإسلامي قالوا: هو الأدب الموافق للتصور الإسلامي، فبقض الناس قالوا: ما دام موافقا للتصور الإسلامي فهو أدب إسلامي أيا كان صاحبه. - حتى إن لم يكن مسلما؟ - بعضهم قال هذا؛ لكن هذا التصور لو رددناه إلى الأصول التي نعرفها في الإسلام، وهي أنه حتى يكون العمل صحيحا ومقبولا لا بد أن يكون مقرونا بنية صحيحة، فإذا جاءني إنسان غير مسلم وكتب شعرا فيه معاني الإسلام، وأعماقه غير هذا، فكيف أقول عنه إنه أدب إسلامي أو شعر إسلامي؟ لا يصح؛ لأنه حتى يتسم الفعل بأنه إسلامي لابد أن بكون صاحبه مسلما، حينها نقول: نعم هو مسلم وصدر عن تصور إسلامي، أما إذا كان غير مسلم فنقول عن شعره أو أدبه: إنه أدب موافق للأدب الإسلامي. والمشكلة أن الناس خلطت بين أمرين: بين قبول الأدب وبين كون الأدب إسلاميا أو غير إسلامي. الأدب يقبل حتى ولو صدر من غير مسلم، إذا كان يعلي من قيمة إنسانية رفيعة، وفيه إبداع حقيقي. من الممكن أن نتعامل معه، وممكن أن نتعلم ونستفيد منه، وهذا لا يجبرنا أن نسميه بالأدب الإسلامي؛ بل هو أدب مقبول ونمدحه أيضا، لصنعته وللقيمة الموجودة فيه لكن لا نسميه أدبا إسلاميا. - يرجع بعض المحللين ضعف حركة الإبداع إلى تخلف النقد عن مواكبة الإبداع، فيما يؤكد النقاد أنهم لا يجدون في كثير مما يسمى إبداعا أي مقومات للعمل الأدبي فأين الخلل؟ - أولا أريد أن أقول لك شيئا: كلا التصورين محتاج إلى مراجعة؛ لماذا؟ لأن الزهرة حينما تعطي أريجها لا تحتاج إلى مهندس، ولا إلى خبير زراعي حتى يعطيها الإذن لتعطي الأريج؛ هي تعطي الأريج لأنها بخلقتها يصدر عنها ذلك، هناك أناس يقدرون قيمة الأريج فأهلا وسهلا، وأناس يستفيدون من هذا أريج، وأناس لا يقدرون. هي تعطي أريجها لأنها مهيأة لهذا الأمر. والشاعر صاحب الموهبة الحقيقية مثل الزهرة في عطائها، سوف يصدر عنها الشعر بشكل طبيعي وبشكل تلقائي، صحيح أن الثقافة تزيده والتشجيع يزيده، لكن حتى لو لم يوجد هذا التشجيع، وما دامت الشاعرية موجودة في داخله تؤرقه وتقلقه فسوف يعطي وسيستمر. أما الشاعر الضعيف المحتاج إلى وخز بالإبرة ومحتاج إلى تشجيع، هو الذين نقول عنه: إن النقد يوجهه، هذه هو فقط. أما الشاعر الشاعر فيعطي ويتفوق وجد النقد أم لم يوجد. والناقد يختلف عن الشاعر؛ لأنه لا بد أن يكون هناك أدب حتى ينقد، إنما إذا لم يكن هناك أدب فماذا ينقد؟ لا ينقد شيئا. الشاعر والأديب لا يحتاجان إلى وجود الناقد، أما الناقد فمحتاج إليهما. - عرفنا الرمز في الأدب وسيلة لتجنب المباشرة والإيحاء بأكثر من مدلول للنص الواحد، فما الذي حوله لدى بعض المبدعين إلى نوع من الطلاسم؟ - بعض الناس خرج عن طبيعة الأدب، ووظيفته ورسالته، والأصل في الأدب أنه تعبير ذاتي الهدف منه أن يقوم بدور التواصل مع الآخرين، فليس هناك إنسان يكتب لنفسه أو يكتب لجماعة محدودة مغلقة، هو يكتب للآخرين سواء وجدوا أو لم يوجدوا. والرمز كما فهمه القدماء هو الارتفاع بمستوى الأداء الأدبي عن المباشرة حتى لا يكون شيئا مبتذلا بين الناس ويحتاج من الآخر أن يبذل جهدا حتى يفهم، لكن هذا الجهد المبذول له ضوابط، لا يكون جهدا ضخما مع حصيلة تافهة، لا بد أن يكون العمل نفسه له قيمة كبيرة تستحق الجهد المبذول في تحصيلها. وهذا بالضبط كالإنسان الذي يفتش ف الأرض عن شيء ضاع منه، ويأتي بالغربال ويغربل التراب ويقلب ويستمر على هذا ساعات طويلة جدا جدا فإذا ما وصل إلى الشيء ونظر إليه وجده قطعة من الماس أو الذهب، إذا هذا الشيء يستحق الجهد. لكن كان الذي وصل إليه بعد كل هذا الجهد عبارة عن خرزة مما يباع في السوق بثمن بخس، فسوف يضرب كفا بكف ويتهم الرجل بأنه غير عاقل؛ لأن المجهود الذي بذله لا يتناسب مع الحصيلة التي حصلها. والرمز ليس مطلوبا دائما؛ فالتعبير غير المباشر قد نحتاج إليه وربما لا نحتاج إليه، والقدرة الفنية تتجلى في أن يكون ما تكتبه داني القطوف بالنسبة للقارئ غير المتخصص، وفي الوقت نفسه يكون عميقا جدا جدا بالنسبة للقارئ المتعمق، والمثل الأعلى في هذا هو القرآن الكريم وفي شأن القرآن قال الله عز وجل [ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر] [القمر: ٣٢] ، والأديب الإسلامي مطلوب منه أن يكتب كلاما عميقا، لكن ليس ملغزا ولا غريبا. - بعض النقاد دعا إلى ضرورة وجود نظرية ترصد جماليات القبح فما قولك في هذه الدعوة؟ - جماليات القبح! ! القبح الأصل فيه أن يتعلم الناس كيفية تجنبه وابتعادهم عنه وهذا شيء جميل في حد ذاته. كالذي يعبر تعبيرا أدبيا ليحذر الناس من القبح ويبعدهم عنه، وهذا جمال أيضا، بالضبط كما يأتي الطبيب الوقائي ليحذر الناس بالوقاية وليس بالعلاج. لكن هل معنى هذا أن المرض المحذر منه أصبح جميلا؟ لا؛ فالذين يحذرون الناس من القبح ويصونون أذواقهم، ويحجبون عيونهم عن أن تقع على قبيح هذا شيء حسن وجميل. لكن الذين يشيعون القبح ويمدحونه ويقلبون المقاييس، فهذا تأباه الفطرة؛ لأن ذلك ليس جمالا وليس مصدرا للجمال أبدا، صحيح هناك أناس انتكست فطرتهم، فيذمون الشيء الحسن ويمدحون الشيء القبيح لكن هذا يسمى شذوذا، والشذوذ لا يقاس عليه، ولن يكون منهجا مطلقا. - لماذا تراجع دور الشاعر في المجتمع العربي، إذ كان قديما قائدا للرأي ومعبرا عن آمال أمته وآلامها، بل وعن روحها الساخرة، وهل يوجد من الشعراء من يستطيع أن يضطلع بهذا الدور أم أن ذلك وزع على مؤسسات حديثة؟ - الشاعر العربي في العصر الجاهلي كان صاحب مكانة؛ لأنه كان وحيدا، هو الوحيد الذي كان يعطي الفن الرائع، وكان يقوم بدور المدافع عن القبيلة، المدافع عن الأخلاق والقيم التي تواضعت عليها القبيلة، وما كان أحد يخرج عن القبيلة، وإذا خرج طردته القبيلة، ومن هنا نشأت جماعة الصعاليك. والصعاليك هم الذين طردوا من قبائلهم؛ لأنهم لم يلتزموا بضوابط القبيلة ومعايير القبيلة، وما كانوا موضع مدح من القبيلة وإنما كانوا منبوذين. في العصور الحديثة لم يعد الشاعر هو المعبر الوحيد؛ فوسائل التعبير تعددت: وجدت القصة ووجدت المسرحية، وجدت وسائل كثيرة جدا جدا، ولذلك كان هناك فرق بين أن تكون أنت الوحيد وبين أن يكون لك شركاء. حينما يكون لك شركاء يصبح دورك أقل؛ لأن الأمر توزع، كان على كاهلك وحدك فأصبح لك شركاء عديدون. اليوم البرنامج التلفزيون يشاهده عشرات الملايين ومئات الملايين بسبب القنوات الفضائية التي انتشرت ف كل البلاد، لكن الشاعر كم واحد يستمع إليه؟ قلة قليلة جدا؛ لكن دوره لم يسقط، وما زال موجودا؛ لأن ملايين الأطفال في المدارس يقرؤون شعر الشاعر ويحفظونه، ويتأثرون به ويستقر في وجدانهم، وبعض الشعر يبقى في عمق الذاكرة. الشعر موجود يتعلمه الأطفال، والأناشيد الموجودة على شرائط الكاسيت في كثير منها شعر موزون مقفى. فالشاعر لم يغب، ولكنه وجد من يشاركه دوره. - تميزت فترة الازدهار الأدبي في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين بظاهرة تعدد الرابطات الأدبية، مثل أبولو والديوان ... الخ. فهل تطمحون إلى تمثل رابطتكم استمرارا لذلك التفكير بأثره الإيجابي على حركة الإبداع؟ - إن كان المقصود الاستمرار والتأثير وإقامة روابط، نعم نطمح إلى أن تقوم رابطة الأدب الإسلامي بأدوار كهذه وأعظم؛ لأن هذه الروابط كانت محلية في ذاتها ومحدودة التأثير، نحن نطمح إلى ما هو أوسع؛ فرابطة الأدب الإسلامي موجودة الآن وجودا فعليا على مستوى العالم سواء في الكليات الأكاديمية، أو بأعضائها؛ فالمكاتب الآن منتشرة على مستوى الوطن العربي والوطن الإسلامي، فهناك مكاتب للرابطة خارج الوطن العربي، كتركيا وإندونيسيا وماليزيا وباكستان والهند، وللرابطة الكثير من المجلات العربية وغيرها من اللغات، ولها الكثير من الندوات والمؤتمرات الكثيرة جدا. ولعلك تتعجب أن هذه الظاهرة وصلت إلى الجامعات الأوروبية، وبعض الباحثين هناك جاء إلى هنا ليبحث عن هذا الشيء الذي يقال له: الأدب الإسلامي، وفتش عن أهل الاختصاص، وسألهم وأخذ منهم بعض الكتب والمجلات ليعرف ما هذه الظاهرة. هذه الظاهرة جديدة؛ لأن الذي كان قبل ذلك كان تقليدا للأدب الغربي وأوروبا وكان الشاعر يفخر بأنه امتداد لفلان وعلان من أدباء الغرب، إنما هذه الظاهرة تنبع من البيئة الإسلامية وليست تقليدا لاتجاهات شرقية واتجاهات غربية، وعندهم رسائل مسجلة حول هذا الموضوع، فنحن نطمح إلى ما هو أبعد مما حققته الروابط التي ظهرت في بداية القرن العشرين. - بالنسبة لإصدارات الرابطة سواء على مستوى الكتب أو المجلات نلحظ أن عدد الكتب الصادرة قليل جدا والمطبوعة التي تصدر عن الرابطة تصدر بشكل فصلي، وما يطبع منا لا يكفي القراء. ألا يوجد لديكم اتجاه لإصدار المجلة شهريا وبأعداد أكثر مما تطبع الآن؟ - نحن نتمنى ما تتمناه ونرجو ما ترجو، ولكن المشكلة ليست فيما ترغب، المشكلة في أمرين: في جانب الإعداد وجانب التمويل، ولعلك ولعل إخواننا لا يعرفون أن هذه الرابطة التي شرق اسمها وغرب وشرق أتباعها وغربوا ووجدوا في أماكن كثيرة من العالم، لعلك تعلم أو لا تعلم أنه لا يوجد شخص متفرغ لهذه الرابطة؛ لأن جميع الجهود المبذولة تطوعية من أناس لهم أعمال ولهم أشغال تشغلهم في البحث عن الرزق، ويعطون هذه الرابطة جزءا من وقتهم، يقتطعونه احتسابا لوجه الله. ومعنى أن يتفرغ شخص لها، فمن أين يأكل؟ ومن أين يعيش؟ فالرابطة لا تعطي أحدا شيئا إلا مجموعة قليلة جدا من الموظفين والإداريين هي التي تعطيهم أجرا. ويوم أن يكون لهذه الرابطة دخل ذاتي يكفيها ساعتها ننظر في أن نفرغ لها من يقوم على أمرها، أما الآن فمن الصعب جدا أن يتفرغ لها أحد، ولذا فنحن نفعل ما نستطيع ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وأقول لك شيئا: إن الله يبارك في المجهود فيتحقق به النتائج ما لا نحلم به؛ لأن الجهد المبذول لا يتناسب مع النتائج، ولذلك النتيجة فيها توفيق من الله سبحانه والله يعلم أن جهودنا لا نستطيع أن نفعل بها أكثر من هذا، فأعطانا التوفيق، وأعطانا من عنده ما يسدد به عجز جهودنا. وكما يقول سبحانه [أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون] [الواقعة: ٦٣-٦٤] . فنحن نحرث؛ أما النتائج والحصاد فبيد الله وحده.

стр. 3253

البيان الادبي خاطرة أدبية ليهنك الربح.. مسيلمة ! ! سالم بن عبد الله الشقي إنّ مما لا ينمحي من الذاكرة - في ركن الهوامش غير المفيدة منها - العبث الساذج الذي قاده في حقبة غابرة المأفون (مسيلمة) بخروجه عن دائرة المنطق المعقول إلى بيداء الضالين سبيلاً، المنصوصة بمقطوعاته المضحكة من (الضفدعة) أو (طبق الخبز) ، إنها الفقاقيع التي تتلاشى في هواء الحق والحقيقة حين تصّاعد، أو حين لا تتجاوز الحروف مخارجها، ولعل من عهده ذاك تأسست الشركة المعمّرة التي ظهرت في السوق منتجاتها مختومة باسم (الفقاقيع المسيلماتية الأدونيسية المتحدة) تلك المنتجات ذات الذات النتنة والرائحة المستقذرة التي تتهافت عليها الحشرات الهاربة من رائحة (الأترجة) وطعمها؛ إذ تنكب زبائن أغرار سبيل الفطرة السوية وطفقوا يتلقفون بنهمٍ جشعٍ تلك المنتجات حتى عسكروا إقداماً مراهقياً على وصيد (جحر الضب) ، يترقبون احتفال قص الشريط من سدنة (الشركة) فيدخلونه! كل ذلك سعي لا تباطؤ فيه على الطريق الممتدة إلى جنون العظمة أو عظمة الجنون! وهم إذ ذاك يتبايعون في سوق خاصة، تروج فيها سلع المدح والإطراء والثناء كيلاً لا تطفيف حتى لفائضه! معاطاة عن تراض بلا خيار! وتحركت كوامنهم إبَّانئذٍ (براً بأسلافهم) فشرعوا يبرزون الصور الدعائية، ظاهرها فيه (الإبداع، والحرية، والتجديد) وباطنها من قبله (الخروج عن نصوص الشرع، ونبذ القديم بما فيه الوحيان، وتغطية النقص بالغموض) ووصف حالهم لا يعدو كلمتين أنهم قوم (افتضحوا فاصطلحوا) وسرعان ما تقفز إلى مخيلتك قصة الغراب المضحكة في مشيته اللقيطة! إبداع أحدهم أن يحشد جمعاً من الكلمات الفواحة المتنافرة في الجمع أشبه ما تكون بخلط مختلف الأطباق في طبق واحد يحمل على الغثيان قبل وعكة البطن! وبشرط أن يتقن في طريق الإبداع - لعبة (القص والتلصيق) بين قصاصات مجزأة من معجمات اللغة الثرة؛ تلك الكلمات التي تأبى الترابط والاجتماع فتظل متثائبة ليس لها عمل في بناء معنى أو ربط جمل أو توصيل فكرة، وما تدري حينها أهي التي تتثاءب أم أنت؟ غير أنك ستذكر يوم أن أسلمتها إلى النوم وأخلدت إليه.

стр. 3254

البيان الأدبي إنذار قصة قصيرة عبد الجواد محمد الحمزاوي بين الحقول الممتدة الخضراء والسماء العالية الزرقاء، والأشجار الباسقة النضرة كان وائل وابن عمه ياسر يمتطيان حمارين قويين. نسمات رطبة من نسمات الصبح الباردة هبت، تحركت أغصان الأشجار وتصافحت أوراقها وعيدانها، ثم التفت على الجذع لتنفض عنه ما علق به من غبار الطريق، حفيف الأشجار وزقزقات العصافير كان شيئا جميلا رائعا. أطبق وائل عينيه في نشوة وترك الهواء ليدخل إلى رئتيه في شهيق، أما ياسر فإنه جمع ملابسه على جسده ليخفي عنقه بملابسه، ووجهه بيديه ويقول: آه هذه نسمة باردة، أخاف أن أصاب بالبر، تعال نرجع يا وائل. ضحك وائل في سعادة وقال: أنت لم تتعود هذا الهواء النظيف المنعش في المدينة يا ياسر، دع الهواء الطازج يدخل إلى رئتيك لتنتعش، ولا تخش شيئا. شيئا فشيئا، ابتدأ الحديث بين ابني العم يأخذ طابع التحدي، ياسر يصر على أن المدينة خير من القرية، ووائل يصر على أن القرية خير من المدينة، ياسر يقسم ويرفع صوته صارخا ليسمع العصافير والأشجار وكل شيء بأن الناس في المدينة خير من القرية؛ فهم متفتحون أذكياء، ووائل هو الآخر يقسم ويرفع صوته حتى يكاد صوته يبلغ أباه وأمه في المنزل بأن ناس القرية خير من ناس المدينة؛ فهم طيبون أوفياء لا يجدون في أنفسهم حسدا ولا حقدا لأحد. أخذ الصوت يرتفع ويرتفع والانفعال يزداد ويزداد، ففسد هدوء المكان وذهب جماله ... لم تستطع زقزقات العصافير ولا هديل الحمام أن يغطي أصوات الشجار، وكاد الأمر يتحول إلى عراك. فجأة صاح الحماران.. هاء.. هاء.. هاء. استطع النهيق أن يغطي أصوات الشجار، على الناحية الأخرى من الحقل، سمع النهيق فلاح كان يروي أرضه فصاح: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لم يستطع ياسر أن يصبر على نهيق الحمارين فصاح: أسكت يا وائل هذين الحمارين الغبيين.. بعد قليل سكت الحماران وعاد ابنا العم إلى المنزل ساكتين.. في الطريق نظر الحماران إلى بعضهما البعض وقالا: عجيب أمر ابن آدم يغضب من صوتنا العالي ولا يدرك هو أن صوته كان عليا مثلنا؟ لم نكن نتشاجر، بل كنا نحذره من الشيطان الذي كان يحوم حول المكان ويغريهما بمزيد من الشجار والعراك ليستعيذا بالله منه، وبدلا من أن يشكرانا فإنهما يشتماننا ويضرباننا.

стр. 3255

نص شعري حلم الأقصى نجاح عبد القادر سرور كل يعلق.. في جدار دراه وعند كل زاوية صورة.. للمسجد الأقصى في مدخل الأبواب في المجالس ترى هناك صورة كبيرة عالية للمسجد الأقصى هنا قام الفتى بوضعها إلى جوار مطرب وغانية وفوق أرفف الكتب وعند نافذة تطل نحو بيت جاره ترى هناك صورة دقت جوار صورة لذلك الفتى يحتضن قطا نائما في حجره ولوحة كبيرة قام الفتى بوضعها للمسجد الأقصى هناك على حدود سريره وهكذا يبدو الفتى مشاركا بالوهم في تحريره المسجد الأقصى يقول: متى يزول جيلكم بعاره متى يزول؟ ؟ لكي يجيء بعدكم جيل يحب الله يمضي وفق منهاج الرسول جيل بهي الطلعة جيل يصلي فجره كصلاة يوم الجمعة جيل يعيد الشمس فينا بعد أيام الأفول ويعيد في ميداننا صوت الأذان يصغي لصوت جهاده ينبعث من أحجاره يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتلع نبت النجاسة من أساس جذوره جيل سيحرق كل فرد من يهود بناره فمتى يزول جيلكم بعاره متى يزول؟ ؟

стр. 3256

البيان الأدبي تائهٌ في الظلام عبد الله عطية عبد الله الزهراني عاش بعيداً عن نور الهداية، محتاجاً إلى من يرشده إلى دربها. رَسَمَ الْهَمُّ في عُيُوني طُلُولا ... فكأنِّي أَصْبَحْتُ فيها قتيلاً وكأني في عالمٍ قد تَدَاعى ... صار فيهِ الضياءُ أمْراً مَهُولا أَظْلَمَ الليلُ، وَاسْتحَالَتْ هُمُومي ... عَلْقماً مَزَّق الفُوادَ العَليلا أَظْلَمَ الليلُ، ما لِطًَرْفِي جَمُودٌ؟ ... يزْدَري الغمْضَ والرُّقادَ الطويلا أَوْقفَ الليلُ سَيْرَهُ لم يُغادِرْ ... نحْوَ فجْرٍ، ولمْ يُجاوزهُ ميلا أيُّها الليلُ: سِرْ تحرَّك فإني ... في سواد الدُّجى سأبقى هزيلا أنتَ يا ليلُ مُوْحِشٌ ولِّ عَنِّي ... سُمْتَني الخسْفَ والرَّدَى والنكولا كيف لي أن أسيرَ عنك بعيداً ... نحْوَ صُبْحٍ، وقد فقدْتُ الدليلا؟ ليس لي مؤنِسٌ وهمِّي عَظيمٌ ... أتشكّى اللظى، وأشكو الذبُولا تائهٌ بين أنجُمٍ ودُرُوبٍ ... أطلبُ النُّور والضياء القليلا أيُّها التَّائهُ الْحزينُ تَقَدَّمْ ... واسْعَ في هِمَّةٍ سَتَلْقَى سَبيلا جَدِّدِ العزْمَ في خِضَمِّ حياةٍ ... تورثُ الْقَهْرَ والشجا والعويلا أيُّها التَّائهُ الْحَزِينُ تَعَلَّمْ ... سُنَّةَ المصطفَى، وشرْعاً جليلا خُذْ لُبابَ العُلومِ عن كلِّ شهْمٍ ... وتجنَّبْ مَنْ كانَ خِبًّا عميلا لا تخفْ سَطْوَةَ الظلامِ وَرَدِّد ... سُورَة المُلْك إنَّ فيها دليلا أيُّها التَّائهُ الْحزينُ أَجِبْني ... فَلَعَلِّي أَقُولُ قَوْلاً جميلا هَلْ فَهِمْتَ الإسْلام ديناً قويماً؟ ... هل تَذَكّرْتَ جنَّةً ورحيلا؟ إنَّ مَنْ ذاق عِزَّةَ الدِّين دوْماً ... فلعمْري لَسَوفَ يحْيا نبيلا

стр. 3257

البيان الأدبي اصنع ما شئت سليمان بن عبد العزيز الربعي أزري الروائي المغربي محمد شكري في مقابلة أجرتها معه صحيفة الحياة اللندنية مؤخرا بقرار وقف الجامعة الأمريكية بالقاهرة تدريس روايته (الخبز الحافي) لسفورها الأخلاقي، ذاهبا إلى أن ذلك يندرج في إطار محاربة الإبداع الذي لا سبيل له في نظره إلى توافره على الإمتاع الفني، إلا بالتحرر من الفكرة الأخلاقية. وإذ ليس غريبا في شيء أن ينهج شكري في روايته تلك كما في غيرها منحى غرزيا [١] يصل في أحيان كثيرة إلى المستوى البهمي المقزز، ولا أن يلازم بين الإبداع والفوضوية بمعناها المتحرر من كل قيد ويجعلهما في قرن واحد في المقابلة آنفة الذكر؛ لأن الرجل ينطلق كما يبدو من عقيدة تتكئ على رؤية (أبيقورية) مندفعة تحيل إلى الشهوة اطرادا مرجعية تفسير الظاهرة الكونية والإنسانية بعموم؛ بحيث تشكلت الرؤى الفكرية آثارا تابعة لها، أعني تلك التي نراها طافحة في إنتاجه الروائي من النزعة العدمية الشمولية، والسخرية الغلية بالقدر، والتطرف في العقوق الأبوي منه بوجه خاص، والجفاء الاجتماعي المتلون بالأنوية [٢] المسيطرة، والهزيمة النفسية المتشعبة في مواقفه الوطنية والمحلية، والتردد الإسقاطي بين العقل الفاعل والباطن خشية المواجهة، والتماهي [٣] الاحتفالي بالواقع المنحط هروبا من حالات اليقظة النادرة، والغاشية المادية التي تحيل موقفه من الآخر إلى عدوانية فعلية أو فكرية اشتركية، والتفكك السيكولوجي إذ يزمن في دواخله [٤] الفارغة من قيم الروح، وغير ذلك من الخصائص التي انطلقت من موقف خلقي غالبا، فإنما المدهش حقا والغريب موضوعا أن يحاول فرض تجربته الخلقية والاجتماعية تلك على مؤسسات التعليم في البلاد العربية، احتجاجا بالحرية الفكرية وإطلاق ملكات الإبداع. مدهش ذلك في ظل معرفتنا بخميرة (الخبر الحافي) المتعلقة بدءا، وإدراكنا لحجم ضرر المبادئ الذي ينوف ثانيا على الخطر الصحي الجسدي حال استمرار الدعاية الكاذبة لها، وإدراكنا لحجم ضرر المبادئ الذي ينوف ثانيا على الخطر الصحي الجسدي حال استمرار الدعاية الكاذبة لها، ولكنه الإرهاب الفكري يتوسل به خبازها هو وغيره إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، معتمدين على بعض أحدث صوره من إثارة الاستقطاب الشعبي شعوريا، والإجلاب الصاخب لتوريج مكرهم الكبار، والتصنيف المجاني للمخالفين والإستعداد عليهم، خاضعة في تأويلها إلى مقامات الأحوال وظروف الوقائع، كالتنور، والفكر المبدع، والتحرر النهوض ... إلخ. ونحن إذا أردنا أن نبحث مع شكري عن الرواية العربية الناجحة حين تنعتق من الشرط الخلقي، فلسنا نجد تجردا إلاركاما من الانحراف ذاته الذي يزهي بتجسيد إنتاجه له؛ فعلى سبيل المثال تحمل جل روايات نجيب محفوظ وهي في موقع الهرمية هم في موقع الهرمية هم الفكرة الوجودية والترويج لها، وإطلاق العنان للمذهب التشكيكي في الحقيقة العقدية، وتسهم بدرجة فائقة في وزر إزالة حواجز النقد عن المقدس وحيا وعالم غيب، وتؤكد على إسناد المكنة في الأفعال إلى الأسباب الطبيعية البحتة، كما صورت المجتمعات الإسلامية خلاعية ماجنة لا هم لأفرادها إلا إشباع نهمهم الغريزي إلى غير ذلك من مقومات النجاح بحسبهم، ولكنها بحسب التوصيف الموضوعي لا تمثل سوى معوقات ثقافية تعمل على تكريس مشكلات الوعي الفردي والجمعي، وتزيد من واقع التخلف في المناحي العقدية والسلوكية والسياسية والحضارية وغيرها، وهو ما ينسحب مع شديد الأسف على كثير من النتاج الروائي العربي اليوم. وفي الجانب الآخر، نجد أن ثمة قيمما إبداعية عالمية كثيرة عرت هذه الشبهة الحاضرة في جل حوارت (النخب العربية المثقفة) في إلزام ما لا يلزم من الفصام النكد بين الإبداع والأخلاق، مع كون بعض تلك القمم ينتسب إلى عقائد محرفة ضالة، وبعضها الآخر إلى حضارات خرافية وثنية؛ إذ حازت على ما هو أدل من جائزة نوبل مع حصولها عليها، وذلك بالانتشار الجماهيري، لما تحملة من تجارب إنسانية ثرة لا حضور فيها للمنزع الجنسي، وهي في الوقت عينه منتمية إلى تراثها، مخلصة لجذورها المعرفية والاجتماعية والدينية التقليدية. وإذن، فليس هناك ما يدعو شكري إلى الجمع بين الحشف بابتذال القيم في روايه من وجه، وسوء كيلة بالمطالبة بتضمينها المنهج التعليمي باعتبارها قيمة فكرية وتجربة مفيدة من وجه آخر، إلامنهج (البراغماتي) الذي سيماه القفز على المحظور القيمي والتشريعي على السواء. وإن بدرجات متفاوتة تبعا للموقف والظرف والحاجة، عدم المبالاة بالرفض الفج للقواعد الشرعية الضرورية في الدين والدنيا، بل وإعلان العصيان المعنوي والفكري على الأسس العلمية التي تشترط لأتتاج مجتمع متحضر ولو على المستوى الإنساني البحت. ولئن تقولب هذا الجانب عند شكري من خلال جنس الرواية بدافع الموهبة والإتقان فنيا، فإنه عند عديد من مشاكليه من الكتاب المنتسبين إلى بيئات أخرى لايمكن أن يأخذ شكلا آخر سواها وإن كانوا أبعد ما يكونون عن امتلاك أدني أبجدياتها. وبتعبير آخر: فأن الرواية بالنسبة إلى شكري قيمة فنية قادرة على الإنباء عن قناعاته من خلال آلية إمتاعية، أما عند أولئك فهي منبر بلاغ فحسب؛ بحيث يتجاوز فيها الكاتب العري السلوكي إلى مظاهر الانسلاخ على مستوى القيم بصورة عامة. أي إنها تتحول بتعبير ثالث من منجز إبداعي منحاز إلى الشكل محايد في الموضوع، إلى وسيلة إجرائية منحازة التوظيف في كلا المحورين، وصولا إلى مطلب تكامل الشروط الاحترازية في التعبير عن الأفكار، بعيدا عن القيود التي تلحق الأجناس الأخرى، عند أولئك. وإنه ليس مسوغا بحال الاحتجاج بأن الرواية المنتشية بردئ القول والفعل تمثل رصدا لحقب تأريخية حقيقية ذاتية لا ضير من إعلانه؛ لأن المعيار التشريعي وهو ذو غاية حضارية وإنسانية أيضا يجب أن يحكم التجربة حينئذ، وذلك بالعمد إلى طلب الستر بحيث تكون الآثار السلبية لازمة خاصة. وأما المجاهرة بالرذيلة فهو تعد على قيم المجتمع الإسلامي الثابتة، وعقبة كؤود في وجه مشروعه الحضاري التنموي، وإنذار بالتحلل المربع الذي لايلوي على شيء، الأمر الذي قعد لردع مجسديه عقوبات تعزيرية مادية، وأوصافا معنوية تشي بهم وتحيلهم إلى ركن الخجل ومن ثم الكف عن الغي، لو كانوا يعقلون، نقرأ في بعضها قوله صلى الل علية وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) . [٥]

стр. 3258

متابعات تعقيب على مشاركة د. عبد الكريم بكار تجديد البعد العقلي أُسَيد بن عبد الرحمن الأثري الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فلقد طالعت ما نشرته مجلتكم الرائدة الماتعة في العدد (١٣٦) للأخ الدكتور عبد الكريم بكار تحت عنوان: (تجديد البعد العقلي) . فأحببت أن أعقب عليه بهذا التعقيب، راجياً من الله التوفيق والسداد للجميع. فإنني لا أبخس الدكتور الفاضل حقه، ولا أنقص فضله؛ فإنه معروف لدى الجميع بجودة الطرح وسلامة الفكر وعلمية الإصلاح، لكن ثمة تنبيهات واستدراكات أحببت أن أناقش أخي الفاضل فيها وأعرضها عليه. أولاً: عدم التوافق بين العنوان الموسوم والمضمون المرقوم؛ فإن البعد العقلي لا يملكه كثير من الناس، حتى ممن علم وشاد وساد وتفقه وتأدب؛ إذ إن البعد العقلي يعني تملّك أصول التفكير السليم، وحيازة النفسية الصابرة البارعة التي تشق الآفاق وتتجاوز حدود الحس والزمان والمكان، وهذا قد لا يكتسب بمفاهيم الأهلية العلمية، وقد لا يتأتى بطول الخبرة الزمانية إلا لنفوس قليلة، إما أنها نالته هبةً وفضلاً من الباري - جل وعلا - أو أنها حصلت لها من الصفات الجسمانية والنفسانية التي تشبثت بأنوار العلم والهدى ما توّجها الفقهية الواعية، والعقلية المتناهية، وهذا قليل. لذا فإن الوصول للبعد العقلي لم يحصل إلا لفئات معدودة، ولعل أبرز هذه الفئات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وسرُّ ذلك ما أودعه الله فيهم من مكنونات العلم والنور والحكمة التي سارت مسار الإعجاز والتحدي لسائر الأمم والشعوب، فسقطت أمامهم كل القوى العقلية وتلاشت جميع الجهود المفكرة. وهنا أقرر أن الأنبياء امتلكوا النهاية العقلية، بل حدتها ونضجها وسموها وعلياءها، لا سيما في المجالات الشرعية والدعوية التي من خلالها يحرِّرون البشرية ويبثون النور، ويدحضون الباطل والخرافة. ومما يدل على أن التفوق العلمي قد لا يحقق البعد العقلي على كل حال ما نراه في الأوساط العلمية من غياب (العقلية الموضوعية المعتدلة) ، وتجاهل لأدبيات الردود والحوار، وانسياق وراء حظوظ النفس ومراميها، ولذا لا يُجهل صراع الأقران وتناطح العلماء من القرون الأولى، وما جرى للبخاري من أقرانه وابن تيمية من خصومه أبينُ برهان على ذلك، ولو تأملنا التاريخ الممتد السحيق لأدركنا أمثلة غزيرة وفيرة تُجمع في مجلدات. وهذا ما نراه في العصر الراهن ولعله صورة مبينة جلية للغثائية الفكرية والسطحية العقلية التي تعيشها الأمة وتتذوق ضرها ووهجها وأوجاعها. حتى بين المنتسبين للدعوة والإصلاح تجدهم يشتطون كثيراً في علومهم وآرائهم وتصوراتهم. وفشوُّ الردود والنزاعات الجائرة التي تزعمها الهوى مما لا يخفى، وطمسُ النبلاء والعقول الثاقبة مما لا يغيب عن جماهير الأمة في هذا العصر المتلبد بتيارات الظلم والتقهقر والاستبداد. بل حتى المنابر الدعوية والدروس العلمية لا تزال ضاربة في أعماق التقليد والتبعية، وتفتقر إلى كثير من النهضة الفكرية والإصلاحية، وكذلك المرونة الذهنية والممارسات النقدية، ولا زالت تتشبث بكثير من التقوقع والجمود وعدم الانفتاح. ولعلي أقرر ذلك (بمنبر الجمعة) الذي تأوي إليه أفئدة الأمة المسلمة جمعاء للتعلم والتبصر والتبين؛ فهو مع تقصيره في ترسيخ تعاليم الإسلام وتأسيس الأزلية الحقة له، لم يمتلك إلى الآن (النضج الفكري الصحيح) للرقي بعقول الأمة وتطويرها، في حين أفلحت مصادر مثقفة في بلورة عقولهم وتحويلها لمقاصد ذميمة ذات مساس بأصول الإسلام وشرائعه المحكمة، لما تحلّت به من حسن عرض، وتنوع، وجاذبية، ولطافة. ولذا ينبغي للداعية والخطيب أن يمتلك القسط الوافر من الوعي، والقدر البالغ من الفكر الذي يصيّره للرقي والتجديد بالمنبر، فيطور العقول، ويصحح المفاهيم، ويلامس حياة الناس في عقلية أخاذة تحتشد بالنصوص والأمثلة والشواهد، وتسير في هدوء وحكمة وأناة، ولست بهذا المقال أقلل من شأن أفذاذ فضلاء أدركوا أهمية ذلك، ولكن أشير لخطأ كثيرين في هذا الباب - والله الموفق. حتى دعاة تعظيم العقل بل تحكيمه من (العقلانيين العصريين) استبانت لنا مزالقهم وعثراتهم الشديدة، التي لا تنبئ عن بُعد عقلي متميز، بل عن تهافت عقلي سار على غير هدي من الله. فمع ابتغائهم التجديد والتطوير لم يفلحوا في قضايا كثيرة؛ بل إن الأضرار التي أورثوها والمآثم التي حملوها أبلغ من أن يُذكر لهم فضل ومحاسن، فتشويههم للدين وانحدارهم بمفاهيمه لمواكبة العصر مما لا يرتاب فيه أحد، وموقفهم السيئ الفاسد من السنة النبوية أصبح حديث القاصي والداني؛ بل لم يتردد رموزهم - تقليداً لأسلافهم - بأن يصرحوا بتقديم العقل ورجحانه على النقل، وذلك كافٍ في بلوغ ذروة التردي والانحراف. وأسلافهم من المعتزلة وغيرهم (رواد المنهج العقلي) جعلوا العقل حاكماً وسلطانًا على النصوص، فهووا في مهاوي التيه والضلال، وانحرفوا عن الصراط المستقيم؛ بل إنهم مع تعظيمهم للعقل فقدوا ذلك في كثير من أحوالهم وممارساتهم، ومحنة خلق القرآن شاهد متين على ذلك، ففيها تُوّج القبيح، وأُسقِط النبيل، وأصبح الباطل البغيض ممدوحاً محموداً - والعياذ بالله. فالمهم أن هؤلاء كان منهم من نبغ في العلوم وامتطى العقل رائداً له؛ لكن لم يظفروا ولو باتزان عقلي صحيح، فضلاً عن تحقيق البعد العقلي أو تجديده وتطويره وتنويره. فهذا - يا دكتور! مثالٌ لأنبل الفئات عند الناس، ومع ذلك لم يلتزموا الاتزان العقلي ولو في صورته البدهية المتواضعة، مع دعواهم التعلم والتعقل والسلامة؛ فكيف يتم لهم تحقيق البعد العقلي؟ ! لذا فإن هذا المصطلح (البعد العقلي) أكبر من أن يُصاغ بتلك المفاهيم المذكورة، وأبعد من أن يصوّر بتلك الصفات المنثورة، وقد لا نبالغ عندما نقول: إن الظفر بالبعد العقلي في هذا الزمن قد يصبح من المثالية البعيدة والأمور المستحيلة؛ فكيف يتأتى لنا إدراكه وتجديده وتحسينه؟ إن البعد العقلي قدرة فكرية تكشف حقائق الأمور وأبعادها ومقاصدها، وتبين مرامي الأشياء وبواطنها وأسرارها بعقلية حاذقة جبارة، وهذا أوفق ما يكون بهذا المصطلح. أما تلك الأفكار المطروحة، فلا أرى أنه من اللائق نعتها (بتجديد البعد العقلي) إلا أن يكون هذا من باب التفاؤل والمبالغة، ومع هذا فليس مقبولاً ومرضياً لما تم تقريره، وقد عرفنا الدكتور في كتاباته بالوضوح والصفاء وحسن تمييز الأشياء ودلالاتها، ولذلك أحسن ما يُعبَّر به ذلك المبحث الجيد، - في رأيي - هو (الأساس العقلي) من جهة أنه بناء قاعدة تهدي العقل مجراه الطبيعي الصحيح، ومن ثم ذلك التأسيس ذريعة للنماء والتطوير والتحسين، أو يعبر عنه (بالنضج العقلي المتزن) لأنه علامات تكوّنٍ صحيح لعقلية سوية بعيدة عن التعصب والتخبط والتخلف؛ إذ نحن في عصرٍ داءُ التخلف والسذاجة مُستشرٍ فيه ولا يزال كثير منا في غيبوبة فكرية محتفَّة بالجمود والسطحية؛ إذ قد سلبت عقول كثيرين، ووُظفت على خلاف ما ينبغي أن تكون، واستعمرت لأغراض مخصوصة، أفقدتها الإنتاجية الفكرية والعلمية والبنائية، والناجي من ذلك محاصر بفوارس البتر والتعطيل والإبادة. ولذا فنحن في زمن، نود الحصول على أسهل معاني التفكير السليم ودلائله؛ لأن الأمة تعيش إشكاليات عديدة، لعل من أبرزها غياب الفكرية السليمة، التي تهديها وتحقق إرادتها الصحيحة، ووجهتها المستقيمة، ولا أدلَّ على فقدانها ذلك من الانحراف الفكري الذي تعيشه في كثير من التصورات ليست الدنيوية فحسب بل الدينية؛ فإنها تعيش تغييباً خطيراً عن حقيقة دينها ومقومات مجدها، وهذا التغيب يسلك نمطية التلهية والتعمية والتجهيل والتخدير. والفكرية المنشودة هي التي ستحل وتعالج شيئاً من ذلك، إذا رشدت بالعلم الشرعي، وحصَّلت التصور الصحيح، وظفرت بالوعي المنشود. وللدلالة على الانحراف الفكري الموجود الانفجار الإعلامي والثقافي المتدفق الذي لم يعالج أسقام الأمة ولم يحل إشكالاتها، ولم يهدها أقوم الطرق؛ بل على العكس من ذلك؛ فإن مساهماته في التغييب المذكور آنفاً أعظم من أن توصف أو يحاط بها - والله المستعان. ومحصل الكلام أننا إلى الآن لم نحُز (العقلية الراشدة المنضبطة) في أكثر أحوالها، وبما أن الأمة لا زالت مفتقرة إلى ذلك، فمن الصعوبة بمكان حيازتها للبعد العقلي أو التجديد فيه! وكيف تملك الأمة بُعداً عقلياً وهي لا زالت تعاني من سطحية التفكير وتبعية التصور؟ ولا زالت تعاني بعدها عن دينها، ولا زالت تعاني سوء الفهم للقضايا الشرعية! ولا زالت جامدة لا تعرف الإنكار والتغيير والتجديد والمشاركة؟ إن ثمة أموراً كثيرة حائلة من تمتعها بالبعد العقلي - إن صح لها نيله والفوز به - بل هي محتاجة الآن (لمفاتيح العقلية الصحيحة) التي تستطيع من خلالها فهم الحياة الدنيا ودورها تجاه دينها وحالها من أعدائها. أليس من المؤسف يا دكتور! أن كثيراً من المسلمين يسير في تفكيره من غير منطلق شرعي كأنه لا يعرف كتاباً ولا سنة، ولا يؤمن بأصول ومسلَّمات راسخة لا يجوز بحال من الأحوال تقليبها أو النظر فيها؟ أليس ذلك عقبة كؤوداً تحول دون التفكير الناضج؟ ! والأعجب: مَنْ يحلِّل قضايا شرعية، ويفتي في مسائل علمية، بمحض الرأي والاجتهاد دون الرجوع للنصوص والأدلة الشرعية! ! عجباً لقد جاء شيئاً فرياً! إن أمتنا بالصورة الواقعية بحاجة لترشيدها طرق التفكير المعتدل الذي يديم تميزها واستقلاليتها واستقامتها؛ فإن أسباب تخلفها وسطحيتها راجع إلى بعدها عن منهج الكتاب والسنة وطريقة السلف الصالح ﵃ وعدم صفاء منابع التلقي والتعليم؛ فلقد أصبحت تأخذ عن كل من هب ودب، دون تفهم وتبصر وتمييز، بل إنها تُصنع على طرق معينة ومقاصد معروفة - والله المستعان. إن فضلاء الأمة في العلم والفهم لا يزالون يمارسون السياسة القمعية التي تضيق مسارات البعد العقلي في طروحاتهم ولقاءاتهم ومصنفاتهم؛ بل لا يحاولون وضع الأسس النامية المنضبطة التي تقود العقول لبر الفسحة والأمان والازدهار. فإذا كان هذا المسلك متلبساً به فئة كبيرة من البارعين، فما بالك بمن دونهم أو من ينطلق في تفكيره من دوافع شخصية، أو نوازع انتمائية لا تخدم الحق المقصود ولا الصواب المحمود؟ ! لا تزال تلك (الفئة المرموقة) تعيش مضايق التفكير، ولم تتحرر بعدُ من البدائية العقلية ولا الصناعة الفكرية. حتى المسائل الشرعية والقضايا الدعوية لم نمنحها بعد الأفق الواسع الذي يتيح لها أن تُبحث وتُناقش بطريقة علمية رفيعة، وعقلية متزنة، وفقهية متأدبة تمنع كل معكرات الهوى، وأدوار التعصب، وألوان الضحالة، وتصدها. إن كثيرين من هؤلاء يرفضون البتة مناقشة آرائهم وبحوثهم والنظر فيها، ولا يرتضون سماع النقاد الناصحين الذين غايتهم الإصلاح والبناء والتقدم، بل يرون (مبدأ النقد الصحيح) افتئاتاً عليهم، وانتقاصاً لأقدارهم. لذا فقد منحوا أنفسهم طوقاً متيناً من الحماية والقداسة، يمنع كل محاولة لتحريك الفكر ونشر الحق وتبادل الحوار. فأمة لا يزال أرقى مثقفيها ذوي حساسية شديدة من سماع النقد المثمر الصحيح؛ كيف لها أن تدرك العقلانية السامية الرشيدة؟ ! إن هذا الشيء محال! ومن هؤلاء فئام - وإن حاولوا ارتسام العقلانية - إلا أنهم غالوا في حبها واستحسانها وتطبيق كل معاييرها، ويُخشى من انجرافهم إلى هوة الجهل والتطاول كأسلافهم. قال الإمام ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر) : (ولقد أنس ببديهة العقل خلق من الأكابر أولهم إبليس؛ فإنه رأى تفضيل النار على الطين فاعترض) . ورأينا خلقاً ممن نُسب إلى العلم قد زلوا في هذا واعترضوا، ورأوا أن كثيراً من الأفعال لا حكمة تحتها! والسبب هو الأنس بنظر العقل في البديهة والعادات، والقياس على أفعال المخلوقين. ثانياً: أما بالنسبة للشروط التي ذكرها الدكتور الفاضل للتجديد فهي صحيحة في الجملة؛ لكن أرى أنه ينبغي أن يزاد عليها شروط أخرى مهمة منها: ١ - سير التفكير من وجهة شرعية مستضيئة بعلم شرعي صحيح تعظم الحق وتنشده: لأنه حتى مع إيماننا بالثوابت وعدم المجادلة فيها، وامتلاكنا للخيال الفسيح، وإيقاننا بالتغيير نخطئ في جوانب من التفكير، مع أن الخطأ حينئذٍ أهون مما لو فُقدت الشروط المذكورة. وثمة أخطاء في تفكير كثيرين من مُدعي العقلانية والوعي والحذاقة؛ فثمة أناس يفكر أحدهم - مثلاً - في جوانب سلوكية من واقع تذوقه أو ميوله أو مجتمعه، مما يجعله يفقد صواب الرأي ويضطرب في مسألة التحسين والتقبيح. فنحن نعلم جميعاً سعة الشريعة الإسلامية، في مخاطبتها أكثر طبقات المجتمع، ونعلم شموليتها في تقييم شؤون الحياة، وضبط مناحيها وأدوارها. فالنصوص مع وفرتها في جانب الاعتقاد تجدها لا تقل في جوانب التربية والسلوك والاجتماع والاقتصاد والإدارة. ولذلك تكلم كثيرون في هذه المجالات دون دلالات النصوص ونصاعة الأدلة، فجاءت تصوراتهم وتحليلاتهم مجانبة للدلائل الشرعية. فأورث ذلك عدم الدقة في التفكير واستخلاص النتائج؛ فبعض هؤلاء أطلق أحكاماً بناءاً على تصور صحيح في الجملة، دون الالتفات للنصوص فأخطأ، وآخرون تصوروا اعتماداً على نظريات وأبحاث ودراسات غربية لا مساس لها بالشريعة، فجانبت الصواب وخالفت العلم الصحيح. ٢ - الوسطية العقلية: فمع حصول التفكير ينبغي ألا يُغالى في العقل ويُعتمد عليه ويُعطى صلاحيات فوق قدرته وأكبر من إمكاناته، وأن يكون في جميع محاوره خاضعاً للنقل والنص، فلا يُفتأت على النصوص برجاحة العقول وروائع الأفكار وصحيح الفهوم. وهذا قيد أراه في غاية الأهمية لتحقيق العمق العقلي والتجديد فيه، وما وقع الزلل والانحراف لكثير من الفرق والأفراد إلا بتخلف هذا الشرط عن مناهجهم. فهذا العصر قد تلاطمت فيه الثقافات وتزاحمت المعارف والاكتشافات وأصبحت السيادة للعلم دون الاهتمام بسلامة منابعه ومصادره، أو موافقته لمنهج الله - تعالى- فتلقف من تلقف من المسلمين ذلك، دون تمحيص ومعارضة، فوقع الغلط والشطط واللغط. فلا بد هنا من الانضباط العقلي، بأن تُسلك العقلانية بتعقل وتنتهج بتمهل، وتصبح في سائر أحوالها تابعة وعائدة للنقل. والعقول السليمة تعلم وتدرك حاجتها للنصوص الصحيحة، وأنها تهتدي بهديها وتستضيء بنورها، ولا يمكنها التسيد والترفع عليها؛ بل إنها تكون مجاورة للنصوص، تأييداً، وتبييناً، وتأكيداً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (العقل الصحيح دائماً موافق للرسول ﷺ لا يخالفه قط؛ فإن الميزان مع الكتاب، والله أنزل الكتاب بالحق والميزان؛ لكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به، فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه، لا بما يعلمون بطلانه؛ فالرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - تخبر بمحارات العقول، لا تخبر بمحالات العقول) ا. هـ. وما أحسن ما قاله بعضهم: علمُ العليمِ وعقلُ العاقل اختلفا ... مَنِ الذي فيهما قد أحرز الشرفا؟ فالعلم قال: أنا أحرزت غايته ... والعقل قال: أنا الرحمن بي عُرفا فأفصح العلم إفصاحاً وقال له: ... بأيِّنا الله في قرآنه اتصفا فأيقن العقل أن العلم سيّدُه ... فقبَّلَ العقلُ رأسَ العلم وانصرفا وأما دعوى تعارض العقل الصريح مع النقل الصحيح فهي باطلة مردودة فنَّدها الأئمة الأعلام طولاً وعرضاً، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (درء تعارض العقل والنقل) ، والإمام ابن القيم ﵀ في (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) . فليراجعها من أراد ذلك. والمقصد هنا ضبط العقل على مساراته الصحيحة المعتدلة، دون غلو أو إجحاف؛ فمع تحذيرنا من رفعه فوق قدره، ننهى كذلك عن إزرائه وإقصائه عن دوره المطلوب. ٣ - نشدان الحق والفائدة: فلا بد أن يكون التجديد وسيلة لغاية نبيلة، وأن يتمحض فيها طلب الحق والبحث عنه، وأن لا يُتراخى في المؤثرات التي تحاول التقليل من شأنه أو إهداره بالكلية. وأن لا يُخضع الحق لنظريات الواقع ومعالمه التي أكثرها منابذ لروح الشريعة الحقة، فلا تطغى سياسة الأمر الواقع عن تبيين الحق ونشره، وإبرازه للناس، مهما عظم الباطل وانتفخ، وتكاثرت أجناده؛ فتحليل قضية مَّا الحقُّ فيها نيّر مبين والواقع أن ٩٩% على خلافها لا يعني التسامح والإغضاء والتنازل والإخفاء، قال تعالى: [قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث] [المائدة: ١٠٠] ، وقال تعالى: [وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله] [الأنعام: ١١٦] . فإهمال هذا الشرط تجنٍّ على الحق، وانهزام عن حمل معانيه وأهدافه، وإثم ما أعظم خطره! ولو غٌلِّف ذلك بأنماط الحضارة والتقدم أو أشكال المصلحة المهنية؛ فقد رأينا زلل أولئك في قضايا خطيرة: كالربا والموسيقى والتصوير والعهود والمواثيق وأشباهها، ولم يظفروا بشيء مما أرادوا، بل تضاعف الشر شرين، وكِيلَ لهم بمكيالين، وانغرَّ العوام والسذج، وفقد أولئك منازلهم وصلاحياتهم. والله المستعان. ٤- النضوج الفكري: وهو بمثابة القاعدة الأساسية، والطريق الموصلة لحركة التجديد؛ فإن التجديد معنى زائد على مسألة النضج، والنضج هنا لا بد أن يتجاوز فيه الناس حواجز الضحالة والجمود والأخطاء، ويمتلكوا منهجاً فكرياً صحيحاً مركَّزاً يتسم بالسعة والسمو والفهم مدركاً آليات التجديد ومقوماته، دون تعثر وانحسار وتخبط. ٥- الصفاء: إن عملية التجديد لا تسوغ في جوٍ ملبَّد بعجاج السقم والدخن والهوى، فلا بد من تصفية النهج، وتنقيته من غوائل التفكير وشوائب النفس، حتى تُمارَس التجديدية في أفق رحب خال من المكدرات والموانع التي تحول دون حصوله ونجاحه وتمامه، والصفاء داعٍ مؤثر للإنجاز والإبداع والإفادة. ٦- الشمولية والتكامل: امتلاك النظرة الشاملة والعميقة المتقصية المتكاملة ضرورية لازمة للتجديد؛ إذ بالتصور الشامل تُكشف الأبعاد والغايات وتُدرك الأخطاء والانحرافات، ويتم استخلاص النتائج الواضحة الصحيحة، وإبراز جوانب النقد والتصحيح في ذلك، لكي تُباشر العملية على أتم وجه وأحسنه، بعيداً عن الضيق والانغلاق والجزئية. ولذلك حتى تتحقق مسألة التجديد - إذا تأتى لها زمنها الخصب - فلا بد من توافر جميع هذه الشروط، حتى تخدم الوجود الإسلامي المتميز. وأما الشروط المقررة من الدكتور فهي لا تعدو أن تكون أوليات لازمة لتفكير المسلم، فلا بد من وجودها في كل مرحلة تمهيدية للتفكير، بل نرى فرضيتها حتى في بدهيات التفكير وأشكال الحياة المختلفة. وأخيراً فإن هذا المقال المتواضع مشاركة في الرأي والفكر غايته التبني والتصحيح، ولا يعني التقليل والتنقص والتشاؤم، وإنما الإيقاظ والتنبّه والمسارعة، واستنفار جميع القوى العلمية النابهة، والقوى الفكرية السامية للسباق بكل أوجه التغيير، والتخلي عن كل وسائل التخدير، والتضحية البالغة لنشر مراكب الإنقاذ، وتقريب أدوات الإسعاف للنهضة والرقي والسلامة، حتى تعود الأمة لرشدها، وتعي وجودها وأهميتها. وليعلم الإخوة القراء الكرام أن ما رقمه الدكتور البكار الموفق في هذا الباب من أحسن ما قرأت وطالعت، والموضوع يعتبر من القضايا الشائكة الخطيرة التي يخوض فيها كثيرون، وهو من أخطر ما يكون في هذه الحياة على أمتنا الإسلامية، والتداعي لبحثه وتناوله باستفاضة وموضوعية على نطاق واسع مطلب لكل المصلحين ذوي الفكر والنباهة. والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.

стр. 3259

وقفات الكنز المفقود أحمد بن عبد الرحمن الصويان أكثر من سبعين عاماً عاشها المسلمون في روسيا وآسيا الوسطى تحت أسوار القفص الحديدي الشيوعي.. أكثر من سبعين عاماً من القهر والاستبداد والتسلط.. أكثر من سبعين عاماً صبَّ فيها الشيوعيون كل ألوان الطغيان والقتل.. أكثر من سبعين عاماً مُحي فيها التاريخ بالقوة، ومسخت الهوية، وأصبح مجرَّد الانتساب إلى الإسلام جريمة عظمى ليس لها عقوبة إلا الإعدام. وفجأة يتحطم ذلك القفص، وتتمزق أجزاء تلك الإمبراطورية الحمراء، وتنطلق كل الأعراق والأجناس في البحث عن هويتهم المنتزعة، وتاريخهم المفقود، حتى الروس أنفسهم عادوا إلى الاعتزاز بالقيصرية الروسية، وراحوا يشيدون الكنائس الأرثوذكسية، ويظهرون معالم الصليب. وانطلق المسلمون - من حيث الجملة - مع من انطلق في تلك العودة، وعادت المآذن - بحمد الله - تعلو من جديد، وسمع الناس أصوات التكبير تعطر الأجواء. عاد الناس بعاطفتهم المتشوقة إلى الإسلام، يحدوهم الحنين والتطلع إلى ماضٍ عريق عاشته أمة الإسلام في ديارهم. ذهب أحد الدعاة إلى ريف من أرياف المسلمين هناك، وأعطى نسخة من القرآن الكريم لعجوز مسلمة ربما جاوزت الستين عاماً، ففتحت عينيها مستغربة، تملؤها الدهشة، ثم جالت في نفسها ألوان من الأفكار والمشاعر، وفجأة أجهشت بالبكاء، وأخذت تقبِّل المصحف وتقلِّبه على وجهها، ثم راحت تجري تنادي أبناءها، وتتحدث معهم بلهفة، وكأنها تعرِّفهم بكنز مفقود طالما انتظروا الحصول عليه، ثم التفتت إلى الداعية وقالت له: لقد كان أبي يُحدثنا أن جدَّه كان يملك نسخة من القرآن الكريم يتلو فيها على أبنائه..! ! وبعد أحاديث عابرة أراد صاحبنا أن ينصرف مع رفاقه، فأبت عليهم، وألحَّت عليهم إلحاحاً شديداً إلاَّ دخلوا بيتها، فقَبِلوا دعوتها تطييباً لخاطرها، ثم قالت على استحياء: هل يتيسّر لكم أن تعلِّموا أبنائي سورة الفاتحة، أما أنا فقد ذهب عمري..؟ ! ولمَّا أرادوا الانصراف قالت لهم: ليس عندي ما أجازيكم عليه، ولكن أرجو أن تقبلوا هذا - وأخرجت عملة روسية (الروبل) - عرفاناً بجميلكم ووفاءاً بحقكم..! ! إنها عاطفة بدأت تدبُّ فيها الحياة من جديد، لكنها في أغلب الأحوال عاطفة غير موجهة التوجيه الصحيح، وغير مستثمرة الاستثمار الأمثل؛ فالجهل يضرب بأطنابه في عقول الناس، ولهذا أصبح الانتماء إلى الإسلام عند كثير من الناس جزءاً من الانتماء العرقي والتاريخي، وأدى ذلك إلى انسياق عامتهم وراء حملات التغريب والعلمنة التي قادتها أمريكا وأوروبا التي افتتن فيها الناس جميعاً بمختلف أديانهم وأعراقهم، بعد أن تخلصوا من جحيم الكبت والذلة. لقد حرص الغرب على تصدير الحضارة الأخلاقية والاجتماعية الغربية إلى روسيا والجمهوريات المختلفة، واعتبرها سوقاً استهلاكية يسهل غزوها والتأثير عليها. بل إن حملات التنصير الكاثوليكية والبروتستانتية لما وجدت الصدود والاستنكار من الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا الاتحادية وغيرها، وجَّهت حملاتها التنصيرية إلى مناطق المسلمين خاصة في كازاخستان وأوزبكستان وطاجكستان، ووجدت فيها أرضاً خصبة يسهل غزوها والتأثير عليها. إنَّ المسلمين في روسيا الاتحادية وآسيا الوسطى يمثلون عمقاً استراتيجياً في غاية الأهمية، كما يمثلون ثقلاً بشرياً لا يمكن الاستهانة به على الإطلاق، ولكن مع الأسف الشديد كان الملتفت الأكبر لهم من المسلمين: تركيا العلمانية، وإيران..! ! فهل ندرك أهمية تلك المناطق أو نطويها كما طويت مناطق أخرى من مناطق المسلمين....؟ ! وهل نسعى بجد إلى إعادة الهوية الضائعة إلى المسلمين..؟ ! وهل نستغل تلك العاطفة المتقدة في نفوسهم، أم ننساهم كما نسينا غيرهم..؟ !

стр. 3260

الإسلام لعصرنا الانفراط العظيم الأسباب والآثار أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة هذا أوان أن نرجع إلى الانفراط العظيم ونتساءل: ما الذي سيحدث بعد هذا؟ هل كُتب علينا أن ننحدر إلى مستويات أدنى فأدنى من الفوضى الاجتماعية والخلقية؟ أم أن هناك سبباً معقولاً يدعونا لأن نتوقع بأن هذا الانفراط حالة طارئة، وأن الولايات المتحدة والدول الأخرى التي عانت منه ستنجح في أن تكون لها قيم من جديد؟ وإذا حدثت هذه الإعادة للقيم، ففي أي صورة ستكون؟ هل ستحدث تلقائياً، أم أنها ستتطلب تدخل الدولة عن طريق السياسات العامة؟ أم أنه لا بد لنا من أن ننتظر حدوث بعث ديني لا يمكن التكهن بمداه، ولا يمكن السيطرة عليه، لنعيد القيم الاجتماعية؟ هكذا بدأ الكاتب الأمريكي فوكوياما الفصل الأخير من كتابه (الانفراط العظيم) الذي كان قد قدم له بعدة فصول استغرقت أكثر من مائة صفحة، كان قد ذكر فيها مصادر النظام الاجتماعي، وحصرها في أربعة هي: الطبيعة البشرية، والتنظيم الذاتي، والدين، والسياسة، ثم تساءل هنا: عن أي مصدر منها سنستمد في المستقبل؟ سنذكر فيما يلي رأي الكاتب ملخصاً مع تعليقات على بعض فقراته. هل سيستمر الانحدار؟ يجيب الكاتب بأن الانفراط العظيم الذي حدث في المدة التي حددها ليس نهاية المطاف، بل إنه ستكون عودة إلى القيم اللازمة للمجتمع. لماذا؟ لأنه قد حدث مثل هذا الانفراط من قبل في التاريخ الأوروبي والأمريكي، بل وفي اليابان؛ لكنه لم يستمر؛ بل عاد الناس بعده إلى الالتزام بالقيم الضرورية لكل مجتمع إنساني. فهل سيحدث مثل هذا الرجوع إلى تلك القيم الآن كما حدث من قبل؟ يتفاءل الكاتب بأن هذا سيحدث، بل يرى أنه بدأ يحدث فعلاً؛ فمعدلات الزيادة في الجريمة، والطلاق، والأطفال غير الشرعيين، وفقدان الثقة، بدأت تتباطأ كثيراً في التسعينات، بل إن بعضها انعكس. كما أنه حدث تحول بقدر مائة وثمانين درجة في آراء الأكاديميين بالنسبة للقيم؛ فهم الآن يقولون: إن القيم وتركيب الأسرة تؤثر تأثيراً كبيراً في ما يحدث في المجتمع. إن فترة تعاظم الفردية قد انتهت، وبعض القيم التي محتها فترة الانفراط بدأت تعود، وبدأت أصوات مؤثرة تنادي بضرورة الانضباط في السلوك وتحمل مسؤوليات الأسرة والأطفال. وهذه الأصوات أشد ما تكون مخالفة لما كان يقوله المعالجون النفسيون للناس في الستينات والسبعينات. لقد كانوا ينصحونهم بمماشاة شهواتهم، وأن لا يلقوا بالاً للضوابط الاجتماعية التي تقف في طريق " نموهم الشخصي ". وهو يرى أن هذا الاتجاه سيستمر. لماذا؟ لأن الناس بطبيعتهم حيوانات اجتماعية، وهم إلى ذلك صناع عقلانيون للقيم الحضارية. والفطرة والعقلانية يعين كلاهما على نمو الفضائل العادية مثل: الأمانة، والثقة اللذين يكونان أساس الرأسمال الاجتماعي. ويضرب مثلاً على ذلك بالقيم المتعلقة بالأسرة. لقد حدث تغير هائل بعد الستينات في القيم التي تضبط سلوك الرجال والنساء فيما يتعلق بالأسرة، تغيرٌ كانت نتيجته الإضرار بمصالح الأطفال: فالرجال عزفوا عن الأسر، والنساء أنجبن بطريقة غير شرعية، والأزواج تفارقوا لأتفه الأسباب. وكثيراً ما تضاربت مصالح الآباء والأبناء؛ فالوقت الذي يُقضى في أخذ الولد إلى المدرسة أو الملعب، يكون على حساب وقت يُقضى في وظيفة، أو مع صديقة، أو في أي نشاط ترفيهي. لكن الوالدين لهم مصلحة فطرية في العناية بأطفالهم، فإذا ما بُيِّن لهم أن سلوكهم هذا يضر بأولادهم، فمن المحتمل أن يغيروا سلوكهم تغييراً يكون فيه عون للأولاد. لكن الوصول إلى مثل هذا القرار العقلاني لا يتأتى آلياً؛ ففي فترة الانفراط العظيم أفرزت الثقافة العامة صوراً إدراكية أعمت الناس عن رؤية الآثار الضارة لسلوكهم حتى على أقرب الناس إليهم؛ فقد كان علماء الاجتماع يقولون لهم: إن النشأة في أسرة مفككة ليس بأضر من النشأة في أسرة متماسكة. بينما كان المختصون في معالجة المشكلات الأسرية يطمئنونهم بأنه من الأفضل للأطفال أن يتفرق الوالدان بدلاً من أن يبقيا متشاكسيْن. وقالوا لهم بأن سعادة أبنائكم في سعادتكم، فلا بأس عليكم من أن تقدموا مصلحتكم على مصلحتهم. هذا وكانت الثقافة العامة تصبُّ على الوالدين وابلاً من الأفكار التي تبرز الجنس بطريقة فاتنة، وتصور الحياة العائلية التقليدية بأنها مرتع للنفاق، والقهر والخبث. إن تغيير هذا كله يحتاج إلى نقاش، وحجج، بل وحروب ثقافية. لكن الكاتب يذكرنا بأن النظام الاجتماعي لا يعاد تكوينه بجهود الأفراد وحدها، بل لا بد من أن تساعد عليه السياسة العامة للدولة، عن طريق قوات الأمن وعن طريق التعليم. يبدو من هذا الذي ذكره الكاتب أن السبب الحقيقي للانفراط لم يكن في التطور التقني كما تقول نطريته التي بسطها في بداية كتابه، وإنما كان في بعض الأفكار الضالة التي قُدِّمت للناس باسم بعض العلوم فصدقوها. وهذا يعني أنه لو كانت قد شاعت بين الناس أفكار صحيحة فلربما لم يكن للتطور التقني تلك الآثار التي ذكرها. كان بإمكان الناس أن يستفيدوا من حبوب منع الحمل مثلاً من غير أن تشجعهم على الإباحية الجنسية. يتساءل الكاتب: إلى أي مدى ستستمر هذه العودة إلى القيم؟ من المحتمل - فيما يرى - أن نرى تغيراً في مستويات الجريمة، ومستوى ثقة الناس بعضهم ببعض وبالمؤسسات والحكومات، أكبر مما نرى في القيم المتعلقة بالجنس، والإنجاب، والحياة الأسرية؛ لأن التطور التقني والاقتصادي جعل الرجوع إلى القيم السابقة بالنسبة لهذه الأخيرة أمراً في غاية البعد؛ لأن الخوف من الحمل قد زال بسبب الحبوب، ولأن الخوف من أن يعيش الطفل غير الشرعي حياة بائسة قد زال بسبب عمل المرأة وبسبب الإعانات الحكومية. وقلة الإنجاب لن تتغير؛ لأن الوالدين يريان أن من مصلحة أولادهم أن لا تكثر أعدادهم. وما يقوله الكاتب هنا مبني على تصور غالط لمضار العلاقات الجنسية غير الشرعية. إن مضارها ليست محصورة فيما ذكر؛ بل إنها لتؤثر على العلاقة بين الزوجين وتتسبب في الطلاق، وفي اختلاط الأنساب، كما تؤثر على العلاقة بين الوالدين وأبنائهم، بل إن هذه الفاحشة لتؤثر تأثيراً نفسياً سيئاً على كل مرتكب لها. والفردية التي عدها الكاتب من أسباب الانفراط لا علاقة ضرورية بينها وبين التطور التقني، بل كان بإمكان الناس أن يبقوا على أريحيتهم وهم يتطورون تقنياً. لكن الذي يرجوه الكاتب هو أن تتغير القيم المتعلقة بعمل المرأة. إن القيم السائدة الآن - ولا سيما في البلاد الاسكندنافية - تعلي من قدر المرأة التي تعمل، وتنظر باحتقار إلى التي تبقى في البيت. فإذا ما تبين أن عدم بقاء الأم مع أطفالها الصغار ضار بهم فإن هذه القيمة الشائعة الآن قد تتغير فيما يرى. وقد يساعد عصر المعلومات في حل إشكال عمل المرأة بأن يمكنها من أن تعمل من داخل بيتها. وكما كان للدين تأثير في إعادة بناء المجتمع في الماضي فيتوقع أن يكون له تأثير الآن، لكن الرجوع إلى الدين هذه المرة لن يكون رجوعاً إلى التصديق بالوحي، بل سيكون رجوعاً إليه بسبب تأثيره الحسن على الحياة الاجتماعية. يبدو أن الكاتب ليس رجلاً متديناً؛ لكنه مع ذلك يعترف في كتابه بما للدين من تأثير في ما سمي بالرأسمال الاجتماعي. فالدين في رأيه هو الذي جعل القيم قيماً إنسانية عالمية، لا قيماً فردية أو أسرية أو قبلية. لكنه يعتقد - كما رأينا - بأنه من غير المحتمل أن ترجع المجتمعات الحديثة إلى التصديق بحقائق الدين. لكن قيم الدين مبنية على الإيمان بحقائقه؛ فهي تابعة لهذا الاعتقاد ومنبثقة عنه، فإذا ضعف أو انعدم الإيمان بحقائقه ضعف أو انعدم الإيمان بالقيم الخلقية المتصلة به. إن مشكلة الغربيين أنهم يفترضون أن كل ما يصدق على الدين الذي عرفوه يصدق على الأديان الأخرى، فكأن الأديان كلها عندهم دين واحد هو الدين النصراني. ومن البداهة أن هذا ليس بصحيح، وإذن فإن التطور العلمي والعقلاني الذي أدى إلى ضعف الإيمان بالنصرانية لن يؤدي بالضرورة إلى ضعف الإيمان بالإسلام، بل المتوقع أن يؤدي إلى الإيمان به، لما يجده فيه من يعرفه من عدم التناقض مع مقتضيات العقل، أو المخالفة لحقائق العلم. فلماذا لا يكون الرجوع إلى القيم اللازمة للمجتمعات عن طريق هذا الدين الذي لا يجد الشخص المعاصر مشكلة في الإيمان بحقائقه؟ هذا الذي نتوقع أن يحدث: [سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق] [ ﴿فصلت: ٥٣] .﴾ يختم المؤلف كتابه بتخوفه على المجتمعات الليبرالية السائدة في الغرب الآن؛ وذلك لسببين: أولهما: القيم الخلقية الوحيدة التي تقدمها الليبرالية للمجتمع هي قيم التسامح والاحترام المتبادل. لكن حين تتحول هذه القيم إلى عودة إلى التعدد الثقافي بدلاً من التسامح معه، وحين تصل النسبية الخلقية إلى غايتها، فإن الليبرالية تكون قد بدأت تتسبب في انهيار الأرض التي تقف عليها. وثانيهما: أن التطور قد يجعل الالتزام ببعض القيم عسيراً مع أنها لازمة للمجتمع، فإذا ما تسارع هذا التطور لم يعط الناس فرصة للتكيف، فتكون النتيجة تأثيراً سيئاً على المجتمعات. ونختم نحن تعليقنا بتكرار القول بأن في الحقائق التي ذكرها الكاتب ما يؤكد أن علة العلل بالنسبة للمجتمعات الغربية ليست في التطور التقني متسارعاً كان أم متباطئاً، وإنما هي في بعدهم عن الدين الحق الذي يمدهم بالقيم الفاضلة، واستعاضتهم عنه بأفكار قد ثبت الآن بطلانها وعقمها الخلقي. وعليه فلا حل لمشكلة التدهور الخلقي الذي صحب التطور العلمي والتقني إلا في الاستمساك بدين لا تتناقض مقرراته مع الحقائق العلمية ولا تتنافى مع القوانين المنطقية. والله الهادي إلى سواء السبيل
следующие страницы →