البيان الأدبي
تائهٌ في الظلام
عبد الله عطية عبد الله الزهراني
عاش بعيداً عن نور الهداية، محتاجاً إلى من يرشده إلى دربها.
رَسَمَ الْهَمُّ في عُيُوني طُلُولا ... فكأنِّي أَصْبَحْتُ فيها قتيلاً
وكأني في عالمٍ قد تَدَاعى ... صار فيهِ الضياءُ أمْراً مَهُولا
أَظْلَمَ الليلُ، وَاسْتحَالَتْ هُمُومي ... عَلْقماً مَزَّق الفُوادَ العَليلا
أَظْلَمَ الليلُ، ما لِطًَرْفِي جَمُودٌ؟ ... يزْدَري الغمْضَ والرُّقادَ الطويلا
أَوْقفَ الليلُ سَيْرَهُ لم يُغادِرْ ... نحْوَ فجْرٍ، ولمْ يُجاوزهُ ميلا
أيُّها الليلُ: سِرْ تحرَّك فإني ... في سواد الدُّجى سأبقى هزيلا
أنتَ يا ليلُ مُوْحِشٌ ولِّ عَنِّي ... سُمْتَني الخسْفَ والرَّدَى والنكولا
كيف لي أن أسيرَ عنك بعيداً ... نحْوَ صُبْحٍ، وقد فقدْتُ الدليلا؟
ليس لي مؤنِسٌ وهمِّي عَظيمٌ ... أتشكّى اللظى، وأشكو الذبُولا
تائهٌ بين أنجُمٍ ودُرُوبٍ ... أطلبُ النُّور والضياء القليلا
أيُّها التَّائهُ الْحزينُ تَقَدَّمْ ... واسْعَ في هِمَّةٍ سَتَلْقَى سَبيلا
جَدِّدِ العزْمَ في خِضَمِّ حياةٍ ... تورثُ الْقَهْرَ والشجا والعويلا
أيُّها التَّائهُ الْحَزِينُ تَعَلَّمْ ... سُنَّةَ المصطفَى، وشرْعاً جليلا
خُذْ لُبابَ العُلومِ عن كلِّ شهْمٍ ... وتجنَّبْ مَنْ كانَ خِبًّا عميلا
لا تخفْ سَطْوَةَ الظلامِ وَرَدِّد ... سُورَة المُلْك إنَّ فيها دليلا
أيُّها التَّائهُ الْحزينُ أَجِبْني ... فَلَعَلِّي أَقُولُ قَوْلاً جميلا
هَلْ فَهِمْتَ الإسْلام ديناً قويماً؟ ... هل تَذَكّرْتَ جنَّةً ورحيلا؟
إنَّ مَنْ ذاق عِزَّةَ الدِّين دوْماً ... فلعمْري لَسَوفَ يحْيا نبيلا
стр. 3257
البيان الأدبي
اصنع ما شئت
سليمان بن عبد العزيز الربعي
أزري الروائي المغربي محمد شكري في مقابلة أجرتها معه صحيفة الحياة
اللندنية مؤخرا بقرار وقف الجامعة الأمريكية بالقاهرة تدريس روايته (الخبز
الحافي) لسفورها الأخلاقي، ذاهبا إلى أن ذلك يندرج في إطار محاربة الإبداع الذي لا سبيل له في نظره إلى توافره على الإمتاع الفني، إلا بالتحرر من الفكرة الأخلاقية.
وإذ ليس غريبا في شيء أن ينهج شكري في روايته تلك كما في غيرها منحى
غرزيا [١] يصل في أحيان كثيرة إلى المستوى البهمي المقزز، ولا أن يلازم بين
الإبداع والفوضوية بمعناها المتحرر من كل قيد ويجعلهما في قرن واحد في المقابلة
آنفة الذكر؛ لأن الرجل ينطلق كما يبدو من عقيدة تتكئ على رؤية (أبيقورية)
مندفعة تحيل إلى الشهوة اطرادا مرجعية تفسير الظاهرة الكونية والإنسانية بعموم؛
بحيث تشكلت الرؤى الفكرية آثارا تابعة لها، أعني تلك التي نراها طافحة في
إنتاجه الروائي من النزعة العدمية الشمولية، والسخرية الغلية بالقدر، والتطرف
في العقوق الأبوي منه بوجه خاص، والجفاء الاجتماعي المتلون بالأنوية [٢]
المسيطرة، والهزيمة النفسية المتشعبة في مواقفه الوطنية والمحلية، والتردد
الإسقاطي بين العقل الفاعل والباطن خشية المواجهة، والتماهي [٣] الاحتفالي
بالواقع المنحط هروبا من حالات اليقظة النادرة، والغاشية المادية التي تحيل موقفه
من الآخر إلى عدوانية فعلية أو فكرية اشتركية، والتفكك السيكولوجي إذ يزمن في
دواخله [٤] الفارغة من قيم الروح، وغير ذلك من الخصائص التي انطلقت من
موقف خلقي غالبا، فإنما المدهش حقا والغريب موضوعا أن يحاول فرض تجربته
الخلقية والاجتماعية تلك على مؤسسات التعليم في البلاد العربية، احتجاجا بالحرية
الفكرية وإطلاق ملكات الإبداع.
مدهش ذلك في ظل معرفتنا بخميرة (الخبر الحافي) المتعلقة بدءا، وإدراكنا
لحجم ضرر المبادئ الذي ينوف ثانيا على الخطر الصحي الجسدي حال استمرار
الدعاية الكاذبة لها، وإدراكنا لحجم ضرر المبادئ الذي ينوف ثانيا على الخطر
الصحي الجسدي حال استمرار الدعاية الكاذبة لها، ولكنه الإرهاب الفكري يتوسل
به خبازها هو وغيره إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، معتمدين على بعض
أحدث صوره من إثارة الاستقطاب الشعبي شعوريا، والإجلاب الصاخب لتوريج
مكرهم الكبار، والتصنيف المجاني للمخالفين والإستعداد عليهم، خاضعة في تأويلها
إلى مقامات الأحوال وظروف الوقائع، كالتنور، والفكر المبدع، والتحرر النهوض
... إلخ.
ونحن إذا أردنا أن نبحث مع شكري عن الرواية العربية الناجحة حين تنعتق
من الشرط الخلقي، فلسنا نجد تجردا إلاركاما من الانحراف ذاته الذي يزهي
بتجسيد إنتاجه له؛ فعلى سبيل المثال تحمل جل روايات نجيب محفوظ وهي في
موقع الهرمية هم في موقع الهرمية هم الفكرة الوجودية والترويج لها، وإطلاق
العنان للمذهب التشكيكي في الحقيقة العقدية، وتسهم بدرجة فائقة في وزر إزالة
حواجز النقد عن المقدس وحيا وعالم غيب، وتؤكد على إسناد المكنة في الأفعال
إلى الأسباب الطبيعية البحتة، كما صورت المجتمعات الإسلامية خلاعية ماجنة لا
هم لأفرادها إلا إشباع نهمهم الغريزي إلى غير ذلك من مقومات النجاح بحسبهم،
ولكنها بحسب التوصيف الموضوعي لا تمثل سوى معوقات ثقافية تعمل على
تكريس مشكلات الوعي الفردي والجمعي، وتزيد من واقع التخلف في المناحي
العقدية والسلوكية والسياسية والحضارية وغيرها، وهو ما ينسحب مع شديد الأسف
على كثير من النتاج الروائي العربي اليوم.
وفي الجانب الآخر، نجد أن ثمة قيمما إبداعية عالمية كثيرة عرت هذه الشبهة
الحاضرة في جل حوارت (النخب العربية المثقفة) في إلزام ما لا يلزم من الفصام
النكد بين الإبداع والأخلاق، مع كون بعض تلك القمم ينتسب إلى عقائد محرفة
ضالة، وبعضها الآخر إلى حضارات خرافية وثنية؛ إذ حازت على ما هو أدل من
جائزة نوبل مع حصولها عليها، وذلك بالانتشار الجماهيري، لما تحملة من تجارب
إنسانية ثرة لا حضور فيها للمنزع الجنسي، وهي في الوقت عينه منتمية إلى
تراثها، مخلصة لجذورها المعرفية والاجتماعية والدينية التقليدية.
وإذن، فليس هناك ما يدعو شكري إلى الجمع بين الحشف بابتذال القيم في
روايه من وجه، وسوء كيلة بالمطالبة بتضمينها المنهج التعليمي باعتبارها قيمة
فكرية وتجربة مفيدة من وجه آخر، إلامنهج (البراغماتي) الذي سيماه القفز على
المحظور القيمي والتشريعي على السواء. وإن بدرجات متفاوتة تبعا للموقف
والظرف والحاجة، عدم المبالاة بالرفض الفج للقواعد الشرعية الضرورية في الدين
والدنيا، بل وإعلان العصيان المعنوي والفكري على الأسس العلمية التي تشترط
لأتتاج مجتمع متحضر ولو على المستوى الإنساني البحت.
ولئن تقولب هذا الجانب عند شكري من خلال جنس الرواية بدافع الموهبة
والإتقان فنيا، فإنه عند عديد من مشاكليه من الكتاب المنتسبين إلى بيئات أخرى
لايمكن أن يأخذ شكلا آخر سواها وإن كانوا أبعد ما يكونون عن امتلاك أدني
أبجدياتها. وبتعبير آخر: فأن الرواية بالنسبة إلى شكري قيمة فنية قادرة على
الإنباء عن قناعاته من خلال آلية إمتاعية، أما عند أولئك فهي منبر بلاغ فحسب؛
بحيث يتجاوز فيها الكاتب العري السلوكي إلى مظاهر الانسلاخ على مستوى القيم
بصورة عامة. أي إنها تتحول بتعبير ثالث من منجز إبداعي منحاز إلى الشكل
محايد في الموضوع، إلى وسيلة إجرائية منحازة التوظيف في كلا المحورين،
وصولا إلى مطلب تكامل الشروط الاحترازية في التعبير عن الأفكار، بعيدا عن
القيود التي تلحق الأجناس الأخرى، عند أولئك.
وإنه ليس مسوغا بحال الاحتجاج بأن الرواية المنتشية بردئ القول والفعل
تمثل رصدا لحقب تأريخية حقيقية ذاتية لا ضير من إعلانه؛ لأن المعيار التشريعي
وهو ذو غاية حضارية وإنسانية أيضا يجب أن يحكم التجربة حينئذ، وذلك بالعمد
إلى طلب الستر بحيث تكون الآثار السلبية لازمة خاصة. وأما المجاهرة بالرذيلة
فهو تعد على قيم المجتمع الإسلامي الثابتة، وعقبة كؤود في وجه مشروعه
الحضاري التنموي، وإنذار بالتحلل المربع الذي لايلوي على شيء، الأمر الذي
قعد لردع مجسديه عقوبات تعزيرية مادية، وأوصافا معنوية تشي بهم وتحيلهم إلى
ركن الخجل ومن ثم الكف عن الغي، لو كانوا يعقلون، نقرأ في بعضها قوله صلى
الل علية وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما
شئت) . [٥]
стр. 3258
متابعات
تعقيب على مشاركة د. عبد الكريم بكار
تجديد البعد العقلي
أُسَيد بن عبد الرحمن الأثري
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فلقد طالعت ما نشرته مجلتكم الرائدة الماتعة في العدد (١٣٦) للأخ الدكتور
عبد الكريم بكار تحت عنوان: (تجديد البعد العقلي) .
فأحببت أن أعقب عليه بهذا التعقيب، راجياً من الله التوفيق والسداد للجميع.
فإنني لا أبخس الدكتور الفاضل حقه، ولا أنقص فضله؛ فإنه معروف لدى
الجميع بجودة الطرح وسلامة الفكر وعلمية الإصلاح، لكن ثمة تنبيهات
واستدراكات أحببت أن أناقش أخي الفاضل فيها وأعرضها عليه.
أولاً: عدم التوافق بين العنوان الموسوم والمضمون المرقوم؛ فإن البعد
العقلي لا يملكه كثير من الناس، حتى ممن علم وشاد وساد وتفقه وتأدب؛ إذ إن
البعد العقلي يعني تملّك أصول التفكير السليم، وحيازة النفسية الصابرة البارعة التي
تشق الآفاق وتتجاوز حدود الحس والزمان والمكان، وهذا قد لا يكتسب بمفاهيم
الأهلية العلمية، وقد لا يتأتى بطول الخبرة الزمانية إلا لنفوس قليلة، إما أنها نالته
هبةً وفضلاً من الباري - جل وعلا - أو أنها حصلت لها من الصفات الجسمانية
والنفسانية التي تشبثت بأنوار العلم والهدى ما توّجها الفقهية الواعية، والعقلية
المتناهية، وهذا قليل.
لذا فإن الوصول للبعد العقلي لم يحصل إلا لفئات معدودة، ولعل أبرز هذه
الفئات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وسرُّ ذلك ما أودعه الله فيهم من مكنونات
العلم والنور والحكمة التي سارت مسار الإعجاز والتحدي لسائر الأمم والشعوب،
فسقطت أمامهم كل القوى العقلية وتلاشت جميع الجهود المفكرة.
وهنا أقرر أن الأنبياء امتلكوا النهاية العقلية، بل حدتها ونضجها وسموها
وعلياءها، لا سيما في المجالات الشرعية والدعوية التي من خلالها يحرِّرون
البشرية ويبثون النور، ويدحضون الباطل والخرافة.
ومما يدل على أن التفوق العلمي قد لا يحقق البعد العقلي على كل حال ما نراه
في الأوساط العلمية من غياب (العقلية الموضوعية المعتدلة) ، وتجاهل لأدبيات
الردود والحوار، وانسياق وراء حظوظ النفس ومراميها، ولذا لا يُجهل صراع
الأقران وتناطح العلماء من القرون الأولى، وما جرى للبخاري من أقرانه وابن
تيمية من خصومه أبينُ برهان على ذلك، ولو تأملنا التاريخ الممتد السحيق لأدركنا
أمثلة غزيرة وفيرة تُجمع في مجلدات.
وهذا ما نراه في العصر الراهن ولعله صورة مبينة جلية للغثائية الفكرية
والسطحية العقلية التي تعيشها الأمة وتتذوق ضرها ووهجها وأوجاعها.
حتى بين المنتسبين للدعوة والإصلاح تجدهم يشتطون كثيراً في علومهم
وآرائهم وتصوراتهم. وفشوُّ الردود والنزاعات الجائرة التي تزعمها الهوى مما لا
يخفى، وطمسُ النبلاء والعقول الثاقبة مما لا يغيب عن جماهير الأمة في هذا
العصر المتلبد بتيارات الظلم والتقهقر والاستبداد.
بل حتى المنابر الدعوية والدروس العلمية لا تزال ضاربة في أعماق التقليد
والتبعية، وتفتقر إلى كثير من النهضة الفكرية والإصلاحية، وكذلك المرونة
الذهنية والممارسات النقدية، ولا زالت تتشبث بكثير من التقوقع والجمود وعدم
الانفتاح. ولعلي أقرر ذلك (بمنبر الجمعة) الذي تأوي إليه أفئدة الأمة المسلمة جمعاء
للتعلم والتبصر والتبين؛ فهو مع تقصيره في ترسيخ تعاليم الإسلام وتأسيس الأزلية
الحقة له، لم يمتلك إلى الآن (النضج الفكري الصحيح) للرقي بعقول الأمة
وتطويرها، في حين أفلحت مصادر مثقفة في بلورة عقولهم وتحويلها لمقاصد ذميمة
ذات مساس بأصول الإسلام وشرائعه المحكمة، لما تحلّت به من حسن عرض،
وتنوع، وجاذبية، ولطافة.
ولذا ينبغي للداعية والخطيب أن يمتلك القسط الوافر من الوعي، والقدر البالغ
من الفكر الذي يصيّره للرقي والتجديد بالمنبر، فيطور العقول، ويصحح المفاهيم،
ويلامس حياة الناس في عقلية أخاذة تحتشد بالنصوص والأمثلة والشواهد، وتسير
في هدوء وحكمة وأناة، ولست بهذا المقال أقلل من شأن أفذاذ فضلاء أدركوا أهمية
ذلك، ولكن أشير لخطأ كثيرين في هذا الباب - والله الموفق.
حتى دعاة تعظيم العقل بل تحكيمه من (العقلانيين العصريين) استبانت لنا
مزالقهم وعثراتهم الشديدة، التي لا تنبئ عن بُعد عقلي متميز، بل عن تهافت عقلي
سار على غير هدي من الله.
فمع ابتغائهم التجديد والتطوير لم يفلحوا في قضايا كثيرة؛ بل إن الأضرار
التي أورثوها والمآثم التي حملوها أبلغ من أن يُذكر لهم فضل ومحاسن، فتشويههم
للدين وانحدارهم بمفاهيمه لمواكبة العصر مما لا يرتاب فيه أحد، وموقفهم السيئ
الفاسد من السنة النبوية أصبح حديث القاصي والداني؛ بل لم يتردد رموزهم -
تقليداً لأسلافهم - بأن يصرحوا بتقديم العقل ورجحانه على النقل، وذلك كافٍ في
بلوغ ذروة التردي والانحراف.
وأسلافهم من المعتزلة وغيرهم (رواد المنهج العقلي) جعلوا العقل حاكماً
وسلطانًا على النصوص، فهووا في مهاوي التيه والضلال، وانحرفوا عن الصراط
المستقيم؛ بل إنهم مع تعظيمهم للعقل فقدوا ذلك في كثير من أحوالهم وممارساتهم،
ومحنة خلق القرآن شاهد متين على ذلك، ففيها تُوّج القبيح، وأُسقِط النبيل،
وأصبح الباطل البغيض ممدوحاً محموداً - والعياذ بالله.
فالمهم أن هؤلاء كان منهم من نبغ في العلوم وامتطى العقل رائداً له؛ لكن لم
يظفروا ولو باتزان عقلي صحيح، فضلاً عن تحقيق البعد العقلي أو تجديده
وتطويره وتنويره.
فهذا - يا دكتور! مثالٌ لأنبل الفئات عند الناس، ومع ذلك لم يلتزموا الاتزان
العقلي ولو في صورته البدهية المتواضعة، مع دعواهم التعلم والتعقل والسلامة؛
فكيف يتم لهم تحقيق البعد العقلي؟ !
لذا فإن هذا المصطلح (البعد العقلي) أكبر من أن يُصاغ بتلك المفاهيم المذكورة، وأبعد من أن يصوّر بتلك الصفات المنثورة، وقد لا نبالغ عندما نقول: إن الظفر
بالبعد العقلي في هذا الزمن قد يصبح من المثالية البعيدة والأمور المستحيلة؛ فكيف
يتأتى لنا إدراكه وتجديده وتحسينه؟
إن البعد العقلي قدرة فكرية تكشف حقائق الأمور وأبعادها ومقاصدها، وتبين
مرامي الأشياء وبواطنها وأسرارها بعقلية حاذقة جبارة، وهذا أوفق ما يكون بهذا
المصطلح.
أما تلك الأفكار المطروحة، فلا أرى أنه من اللائق نعتها (بتجديد البعد
العقلي) إلا أن يكون هذا من باب التفاؤل والمبالغة، ومع هذا فليس مقبولاً ومرضياً
لما تم تقريره، وقد عرفنا الدكتور في كتاباته بالوضوح والصفاء وحسن تمييز
الأشياء ودلالاتها، ولذلك أحسن ما يُعبَّر به ذلك المبحث الجيد، - في رأيي - هو
(الأساس العقلي) من جهة أنه بناء قاعدة تهدي العقل مجراه الطبيعي الصحيح، ومن
ثم ذلك التأسيس ذريعة للنماء والتطوير والتحسين، أو يعبر عنه (بالنضج العقلي
المتزن) لأنه علامات تكوّنٍ صحيح لعقلية سوية بعيدة عن التعصب والتخبط
والتخلف؛ إذ نحن في عصرٍ داءُ التخلف والسذاجة مُستشرٍ فيه ولا يزال كثير منا
في غيبوبة فكرية محتفَّة بالجمود والسطحية؛ إذ قد سلبت عقول كثيرين، ووُظفت
على خلاف ما ينبغي أن تكون، واستعمرت لأغراض مخصوصة، أفقدتها
الإنتاجية الفكرية والعلمية والبنائية، والناجي من ذلك محاصر بفوارس البتر
والتعطيل والإبادة.
ولذا فنحن في زمن، نود الحصول على أسهل معاني التفكير السليم ودلائله؛
لأن الأمة تعيش إشكاليات عديدة، لعل من أبرزها غياب الفكرية السليمة، التي
تهديها وتحقق إرادتها الصحيحة، ووجهتها المستقيمة، ولا أدلَّ على فقدانها ذلك من
الانحراف الفكري الذي تعيشه في كثير من التصورات ليست الدنيوية فحسب بل
الدينية؛ فإنها تعيش تغييباً خطيراً عن حقيقة دينها ومقومات مجدها، وهذا التغيب
يسلك نمطية التلهية والتعمية والتجهيل والتخدير. والفكرية المنشودة هي التي
ستحل وتعالج شيئاً من ذلك، إذا رشدت بالعلم الشرعي، وحصَّلت التصور
الصحيح، وظفرت بالوعي المنشود.
وللدلالة على الانحراف الفكري الموجود الانفجار الإعلامي والثقافي المتدفق
الذي لم يعالج أسقام الأمة ولم يحل إشكالاتها، ولم يهدها أقوم الطرق؛ بل على
العكس من ذلك؛ فإن مساهماته في التغييب المذكور آنفاً أعظم من أن توصف أو
يحاط بها - والله المستعان.
ومحصل الكلام أننا إلى الآن لم نحُز (العقلية الراشدة المنضبطة) في أكثر
أحوالها، وبما أن الأمة لا زالت مفتقرة إلى ذلك، فمن الصعوبة بمكان حيازتها
للبعد العقلي أو التجديد فيه! وكيف تملك الأمة بُعداً عقلياً وهي لا زالت تعاني من
سطحية التفكير وتبعية التصور؟ ولا زالت تعاني بعدها عن دينها، ولا زالت
تعاني سوء الفهم للقضايا الشرعية! ولا زالت جامدة لا تعرف الإنكار والتغيير
والتجديد والمشاركة؟
إن ثمة أموراً كثيرة حائلة من تمتعها بالبعد العقلي - إن صح لها نيله والفوز
به - بل هي محتاجة الآن (لمفاتيح العقلية الصحيحة) التي تستطيع من خلالها فهم
الحياة الدنيا ودورها تجاه دينها وحالها من أعدائها.
أليس من المؤسف يا دكتور! أن كثيراً من المسلمين يسير في تفكيره من غير
منطلق شرعي كأنه لا يعرف كتاباً ولا سنة، ولا يؤمن بأصول ومسلَّمات راسخة لا
يجوز بحال من الأحوال تقليبها أو النظر فيها؟ أليس ذلك عقبة كؤوداً تحول دون
التفكير الناضج؟ !
والأعجب: مَنْ يحلِّل قضايا شرعية، ويفتي في مسائل علمية، بمحض
الرأي والاجتهاد دون الرجوع للنصوص والأدلة الشرعية! !
عجباً لقد جاء شيئاً فرياً!
إن أمتنا بالصورة الواقعية بحاجة لترشيدها طرق التفكير المعتدل الذي يديم
تميزها واستقلاليتها واستقامتها؛ فإن أسباب تخلفها وسطحيتها راجع إلى بعدها عن
منهج الكتاب والسنة وطريقة السلف الصالح ﵃ وعدم صفاء منابع
التلقي والتعليم؛ فلقد أصبحت تأخذ عن كل من هب ودب، دون تفهم وتبصر
وتمييز، بل إنها تُصنع على طرق معينة ومقاصد معروفة - والله المستعان.
إن فضلاء الأمة في العلم والفهم لا يزالون يمارسون السياسة القمعية التي
تضيق مسارات البعد العقلي في طروحاتهم ولقاءاتهم ومصنفاتهم؛ بل لا يحاولون
وضع الأسس النامية المنضبطة التي تقود العقول لبر الفسحة والأمان والازدهار.
فإذا كان هذا المسلك متلبساً به فئة كبيرة من البارعين، فما بالك بمن دونهم أو
من ينطلق في تفكيره من دوافع شخصية، أو نوازع انتمائية لا تخدم الحق المقصود
ولا الصواب المحمود؟ ! لا تزال تلك (الفئة المرموقة) تعيش مضايق التفكير، ولم
تتحرر بعدُ من البدائية العقلية ولا الصناعة الفكرية. حتى المسائل الشرعية
والقضايا الدعوية لم نمنحها بعد الأفق الواسع الذي يتيح لها أن تُبحث وتُناقش
بطريقة علمية رفيعة، وعقلية متزنة، وفقهية متأدبة تمنع كل معكرات الهوى،
وأدوار التعصب، وألوان الضحالة، وتصدها.
إن كثيرين من هؤلاء يرفضون البتة مناقشة آرائهم وبحوثهم والنظر فيها،
ولا يرتضون سماع النقاد الناصحين الذين غايتهم الإصلاح والبناء والتقدم، بل
يرون (مبدأ النقد الصحيح) افتئاتاً عليهم، وانتقاصاً لأقدارهم. لذا فقد منحوا أنفسهم
طوقاً متيناً من الحماية والقداسة، يمنع كل محاولة لتحريك الفكر ونشر الحق وتبادل
الحوار.
فأمة لا يزال أرقى مثقفيها ذوي حساسية شديدة من سماع النقد المثمر الصحيح؛ كيف لها أن تدرك العقلانية السامية الرشيدة؟ ! إن هذا الشيء محال!
ومن هؤلاء فئام - وإن حاولوا ارتسام العقلانية - إلا أنهم غالوا في حبها
واستحسانها وتطبيق كل معاييرها، ويُخشى من انجرافهم إلى هوة الجهل والتطاول
كأسلافهم.
قال الإمام ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر) : (ولقد أنس ببديهة العقل
خلق من الأكابر أولهم إبليس؛ فإنه رأى تفضيل النار على الطين فاعترض) .
ورأينا خلقاً ممن نُسب إلى العلم قد زلوا في هذا واعترضوا، ورأوا أن كثيراً
من الأفعال لا حكمة تحتها! والسبب هو الأنس بنظر العقل في البديهة والعادات،
والقياس على أفعال المخلوقين.
ثانياً: أما بالنسبة للشروط التي ذكرها الدكتور الفاضل للتجديد فهي صحيحة
في الجملة؛ لكن أرى أنه ينبغي أن يزاد عليها شروط أخرى مهمة منها:
١ - سير التفكير من وجهة شرعية مستضيئة بعلم شرعي صحيح تعظم الحق
وتنشده: لأنه حتى مع إيماننا بالثوابت وعدم المجادلة فيها، وامتلاكنا للخيال الفسيح، وإيقاننا بالتغيير نخطئ في جوانب من التفكير، مع أن الخطأ حينئذٍ أهون مما لو
فُقدت الشروط المذكورة.
وثمة أخطاء في تفكير كثيرين من مُدعي العقلانية والوعي والحذاقة؛ فثمة
أناس يفكر أحدهم - مثلاً - في جوانب سلوكية من واقع تذوقه أو ميوله أو مجتمعه، مما يجعله يفقد صواب الرأي ويضطرب في مسألة التحسين والتقبيح.
فنحن نعلم جميعاً سعة الشريعة الإسلامية، في مخاطبتها أكثر طبقات المجتمع، ونعلم شموليتها في تقييم شؤون الحياة، وضبط مناحيها وأدوارها. فالنصوص مع
وفرتها في جانب الاعتقاد تجدها لا تقل في جوانب التربية والسلوك والاجتماع
والاقتصاد والإدارة. ولذلك تكلم كثيرون في هذه المجالات دون دلالات النصوص
ونصاعة الأدلة، فجاءت تصوراتهم وتحليلاتهم مجانبة للدلائل الشرعية. فأورث
ذلك عدم الدقة في التفكير واستخلاص النتائج؛ فبعض هؤلاء أطلق أحكاماً بناءاً
على تصور صحيح في الجملة، دون الالتفات للنصوص فأخطأ، وآخرون
تصوروا اعتماداً على نظريات وأبحاث ودراسات غربية لا مساس لها بالشريعة،
فجانبت الصواب وخالفت العلم الصحيح.
٢ - الوسطية العقلية: فمع حصول التفكير ينبغي ألا يُغالى في العقل ويُعتمد
عليه ويُعطى صلاحيات فوق قدرته وأكبر من إمكاناته، وأن يكون في جميع
محاوره خاضعاً للنقل والنص، فلا يُفتأت على النصوص برجاحة العقول وروائع
الأفكار وصحيح الفهوم.
وهذا قيد أراه في غاية الأهمية لتحقيق العمق العقلي والتجديد فيه، وما وقع
الزلل والانحراف لكثير من الفرق والأفراد إلا بتخلف هذا الشرط عن مناهجهم.
فهذا العصر قد تلاطمت فيه الثقافات وتزاحمت المعارف والاكتشافات وأصبحت
السيادة للعلم دون الاهتمام بسلامة منابعه ومصادره، أو موافقته لمنهج الله - تعالى- فتلقف من تلقف من المسلمين ذلك، دون تمحيص ومعارضة، فوقع الغلط
والشطط واللغط.
فلا بد هنا من الانضباط العقلي، بأن تُسلك العقلانية بتعقل وتنتهج بتمهل،
وتصبح في سائر أحوالها تابعة وعائدة للنقل. والعقول السليمة تعلم وتدرك حاجتها
للنصوص الصحيحة، وأنها تهتدي بهديها وتستضيء بنورها، ولا يمكنها التسيد
والترفع عليها؛ بل إنها تكون مجاورة للنصوص، تأييداً، وتبييناً، وتأكيداً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (العقل الصحيح دائماً موافق
للرسول ﷺ لا يخالفه قط؛ فإن الميزان مع الكتاب، والله أنزل
الكتاب بالحق والميزان؛ لكن قد تقصر عقول الناس عن معرفة تفصيل ما جاء به،
فيأتيهم الرسول بما عجزوا عن معرفته وحاروا فيه، لا بما يعلمون بطلانه؛
فالرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - تخبر بمحارات العقول، لا تخبر بمحالات
العقول) ا. هـ.
وما أحسن ما قاله بعضهم:
علمُ العليمِ وعقلُ العاقل اختلفا ... مَنِ الذي فيهما قد أحرز الشرفا؟
فالعلم قال: أنا أحرزت غايته ... والعقل قال: أنا الرحمن بي عُرفا
فأفصح العلم إفصاحاً وقال له: ... بأيِّنا الله في قرآنه اتصفا
فأيقن العقل أن العلم سيّدُه ... فقبَّلَ العقلُ رأسَ العلم وانصرفا
وأما دعوى تعارض العقل الصريح مع النقل الصحيح فهي باطلة مردودة
فنَّدها الأئمة الأعلام طولاً وعرضاً، كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في
(درء تعارض العقل والنقل) ، والإمام ابن القيم ﵀ في (الصواعق
المرسلة على الجهمية والمعطلة) . فليراجعها من أراد ذلك.
والمقصد هنا ضبط العقل على مساراته الصحيحة المعتدلة، دون غلو أو
إجحاف؛ فمع تحذيرنا من رفعه فوق قدره، ننهى كذلك عن إزرائه وإقصائه عن
دوره المطلوب.
٣ - نشدان الحق والفائدة: فلا بد أن يكون التجديد وسيلة لغاية نبيلة، وأن
يتمحض فيها طلب الحق والبحث عنه، وأن لا يُتراخى في المؤثرات التي تحاول
التقليل من شأنه أو إهداره بالكلية. وأن لا يُخضع الحق لنظريات الواقع ومعالمه
التي أكثرها منابذ لروح الشريعة الحقة، فلا تطغى سياسة الأمر الواقع عن تبيين
الحق ونشره، وإبرازه للناس، مهما عظم الباطل وانتفخ، وتكاثرت أجناده؛
فتحليل قضية مَّا الحقُّ فيها نيّر مبين والواقع أن ٩٩% على خلافها لا يعني التسامح
والإغضاء والتنازل والإخفاء، قال تعالى: [قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو
أعجبك كثرة الخبيث] [المائدة: ١٠٠] ، وقال تعالى: [وإن تطع أكثر من في
الأرض يضلوك عن سبيل الله] [الأنعام: ١١٦] .
فإهمال هذا الشرط تجنٍّ على الحق، وانهزام عن حمل معانيه وأهدافه، وإثم
ما أعظم خطره! ولو غٌلِّف ذلك بأنماط الحضارة والتقدم أو أشكال المصلحة المهنية؛ فقد رأينا زلل أولئك في قضايا خطيرة: كالربا والموسيقى والتصوير والعهود
والمواثيق وأشباهها، ولم يظفروا بشيء مما أرادوا، بل تضاعف الشر شرين،
وكِيلَ لهم بمكيالين، وانغرَّ العوام والسذج، وفقد أولئك منازلهم وصلاحياتهم. والله
المستعان.
٤- النضوج الفكري: وهو بمثابة القاعدة الأساسية، والطريق الموصلة
لحركة التجديد؛ فإن التجديد معنى زائد على مسألة النضج، والنضج هنا لا بد أن
يتجاوز فيه الناس حواجز الضحالة والجمود والأخطاء، ويمتلكوا منهجاً فكرياً
صحيحاً مركَّزاً يتسم بالسعة والسمو والفهم مدركاً آليات التجديد ومقوماته، دون
تعثر وانحسار وتخبط.
٥- الصفاء: إن عملية التجديد لا تسوغ في جوٍ ملبَّد بعجاج السقم والدخن
والهوى، فلا بد من تصفية النهج، وتنقيته من غوائل التفكير وشوائب النفس،
حتى تُمارَس التجديدية في أفق رحب خال من المكدرات والموانع التي تحول دون
حصوله ونجاحه وتمامه، والصفاء داعٍ مؤثر للإنجاز والإبداع والإفادة.
٦- الشمولية والتكامل: امتلاك النظرة الشاملة والعميقة المتقصية المتكاملة
ضرورية لازمة للتجديد؛ إذ بالتصور الشامل تُكشف الأبعاد والغايات وتُدرك
الأخطاء والانحرافات، ويتم استخلاص النتائج الواضحة الصحيحة، وإبراز
جوانب النقد والتصحيح في ذلك، لكي تُباشر العملية على أتم وجه وأحسنه، بعيداً
عن الضيق والانغلاق والجزئية.
ولذلك حتى تتحقق مسألة التجديد - إذا تأتى لها زمنها الخصب - فلا بد من
توافر جميع هذه الشروط، حتى تخدم الوجود الإسلامي المتميز.
وأما الشروط المقررة من الدكتور فهي لا تعدو أن تكون أوليات لازمة لتفكير
المسلم، فلا بد من وجودها في كل مرحلة تمهيدية للتفكير، بل نرى فرضيتها حتى
في بدهيات التفكير وأشكال الحياة المختلفة.
وأخيراً
فإن هذا المقال المتواضع مشاركة في الرأي والفكر غايته التبني
والتصحيح، ولا يعني التقليل والتنقص والتشاؤم، وإنما الإيقاظ والتنبّه والمسارعة، واستنفار جميع القوى العلمية النابهة، والقوى الفكرية السامية للسباق بكل أوجه
التغيير، والتخلي عن كل وسائل التخدير، والتضحية البالغة لنشر مراكب الإنقاذ،
وتقريب أدوات الإسعاف للنهضة والرقي والسلامة، حتى تعود الأمة لرشدها،
وتعي وجودها وأهميتها.
وليعلم الإخوة القراء الكرام أن ما رقمه الدكتور البكار الموفق في هذا الباب
من أحسن ما قرأت وطالعت، والموضوع يعتبر من القضايا الشائكة الخطيرة التي
يخوض فيها كثيرون، وهو من أخطر ما يكون في هذه الحياة على أمتنا الإسلامية،
والتداعي لبحثه وتناوله باستفاضة وموضوعية على نطاق واسع مطلب لكل
المصلحين ذوي الفكر والنباهة.
والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.
стр. 3259
وقفات
الكنز المفقود
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
أكثر من سبعين عاماً عاشها المسلمون في روسيا وآسيا الوسطى تحت أسوار
القفص الحديدي الشيوعي.. أكثر من سبعين عاماً من القهر والاستبداد والتسلط..
أكثر من سبعين عاماً صبَّ فيها الشيوعيون كل ألوان الطغيان والقتل.. أكثر من
سبعين عاماً مُحي فيها التاريخ بالقوة، ومسخت الهوية، وأصبح مجرَّد الانتساب
إلى الإسلام جريمة عظمى ليس لها عقوبة إلا الإعدام.
وفجأة يتحطم ذلك القفص، وتتمزق أجزاء تلك الإمبراطورية الحمراء،
وتنطلق كل الأعراق والأجناس في البحث عن هويتهم المنتزعة، وتاريخهم المفقود، حتى الروس أنفسهم عادوا إلى الاعتزاز بالقيصرية الروسية، وراحوا يشيدون
الكنائس الأرثوذكسية، ويظهرون معالم الصليب. وانطلق المسلمون - من حيث
الجملة - مع من انطلق في تلك العودة، وعادت المآذن - بحمد الله - تعلو من
جديد، وسمع الناس أصوات التكبير تعطر الأجواء.
عاد الناس بعاطفتهم المتشوقة إلى الإسلام، يحدوهم الحنين والتطلع إلى ماضٍ
عريق عاشته أمة الإسلام في ديارهم.
ذهب أحد الدعاة إلى ريف من أرياف المسلمين هناك، وأعطى نسخة من
القرآن الكريم لعجوز مسلمة ربما جاوزت الستين عاماً، ففتحت عينيها مستغربة،
تملؤها الدهشة، ثم جالت في نفسها ألوان من الأفكار والمشاعر، وفجأة أجهشت
بالبكاء، وأخذت تقبِّل المصحف وتقلِّبه على وجهها، ثم راحت تجري تنادي أبناءها، وتتحدث معهم بلهفة، وكأنها تعرِّفهم بكنز مفقود طالما انتظروا الحصول عليه،
ثم التفتت إلى الداعية وقالت له: لقد كان أبي يُحدثنا أن جدَّه كان يملك نسخة من
القرآن الكريم يتلو فيها على أبنائه..! !
وبعد أحاديث عابرة أراد صاحبنا أن ينصرف مع رفاقه، فأبت عليهم،
وألحَّت عليهم إلحاحاً شديداً إلاَّ دخلوا بيتها، فقَبِلوا دعوتها تطييباً لخاطرها، ثم
قالت على استحياء: هل يتيسّر لكم أن تعلِّموا أبنائي سورة الفاتحة، أما أنا فقد
ذهب عمري..؟ ! ولمَّا أرادوا الانصراف قالت لهم: ليس عندي ما أجازيكم عليه، ولكن أرجو أن تقبلوا هذا - وأخرجت عملة روسية (الروبل) - عرفاناً بجميلكم
ووفاءاً بحقكم..! !
إنها عاطفة بدأت تدبُّ فيها الحياة من جديد، لكنها في أغلب الأحوال عاطفة
غير موجهة التوجيه الصحيح، وغير مستثمرة الاستثمار الأمثل؛ فالجهل يضرب
بأطنابه في عقول الناس، ولهذا أصبح الانتماء إلى الإسلام عند كثير من الناس
جزءاً من الانتماء العرقي والتاريخي، وأدى ذلك إلى انسياق عامتهم وراء حملات
التغريب والعلمنة التي قادتها أمريكا وأوروبا التي افتتن فيها الناس جميعاً بمختلف
أديانهم وأعراقهم، بعد أن تخلصوا من جحيم الكبت والذلة. لقد حرص الغرب على
تصدير الحضارة الأخلاقية والاجتماعية الغربية إلى روسيا والجمهوريات المختلفة،
واعتبرها سوقاً استهلاكية يسهل غزوها والتأثير عليها.
بل إن حملات التنصير الكاثوليكية والبروتستانتية لما وجدت الصدود
والاستنكار من الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا الاتحادية وغيرها، وجَّهت حملاتها
التنصيرية إلى مناطق المسلمين خاصة في كازاخستان وأوزبكستان وطاجكستان،
ووجدت فيها أرضاً خصبة يسهل غزوها والتأثير عليها.
إنَّ المسلمين في روسيا الاتحادية وآسيا الوسطى يمثلون عمقاً استراتيجياً في
غاية الأهمية، كما يمثلون ثقلاً بشرياً لا يمكن الاستهانة به على الإطلاق، ولكن
مع الأسف الشديد كان الملتفت الأكبر لهم من المسلمين: تركيا العلمانية،
وإيران..! ! فهل ندرك أهمية تلك المناطق أو نطويها كما طويت مناطق أخرى من مناطق المسلمين....؟ ! وهل نسعى بجد إلى إعادة الهوية الضائعة إلى المسلمين..؟ ! وهل نستغل تلك العاطفة المتقدة في نفوسهم، أم ننساهم كما نسينا غيرهم..؟ !
стр. 3260
الإسلام لعصرنا
الانفراط العظيم الأسباب
والآثار
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
هذا أوان أن نرجع إلى الانفراط العظيم ونتساءل: ما الذي سيحدث بعد هذا؟
هل كُتب علينا أن ننحدر إلى مستويات أدنى فأدنى من الفوضى الاجتماعية والخلقية؟ أم أن هناك سبباً معقولاً يدعونا لأن نتوقع بأن هذا الانفراط حالة طارئة، وأن
الولايات المتحدة والدول الأخرى التي عانت منه ستنجح في أن تكون لها قيم من
جديد؟ وإذا حدثت هذه الإعادة للقيم، ففي أي صورة ستكون؟ هل ستحدث تلقائياً،
أم أنها ستتطلب تدخل الدولة عن طريق السياسات العامة؟ أم أنه لا بد لنا من أن
ننتظر حدوث بعث ديني لا يمكن التكهن بمداه، ولا يمكن السيطرة عليه، لنعيد
القيم الاجتماعية؟
هكذا بدأ الكاتب الأمريكي فوكوياما الفصل الأخير من كتابه (الانفراط العظيم)
الذي كان قد قدم له بعدة فصول استغرقت أكثر من مائة صفحة، كان قد ذكر فيها
مصادر النظام الاجتماعي، وحصرها في أربعة هي: الطبيعة البشرية، والتنظيم
الذاتي، والدين، والسياسة، ثم تساءل هنا: عن أي مصدر منها سنستمد في
المستقبل؟ سنذكر فيما يلي رأي الكاتب ملخصاً مع تعليقات على بعض فقراته.
هل سيستمر الانحدار؟ يجيب الكاتب بأن الانفراط العظيم الذي حدث في
المدة التي حددها ليس نهاية المطاف، بل إنه ستكون عودة إلى القيم اللازمة
للمجتمع. لماذا؟
لأنه قد حدث مثل هذا الانفراط من قبل في التاريخ الأوروبي والأمريكي، بل
وفي اليابان؛ لكنه لم يستمر؛ بل عاد الناس بعده إلى الالتزام بالقيم الضرورية لكل
مجتمع إنساني. فهل سيحدث مثل هذا الرجوع إلى تلك القيم الآن كما حدث من قبل؟ يتفاءل الكاتب بأن هذا سيحدث، بل يرى أنه بدأ يحدث فعلاً؛ فمعدلات الزيادة
في الجريمة، والطلاق، والأطفال غير الشرعيين، وفقدان الثقة، بدأت تتباطأ
كثيراً في التسعينات، بل إن بعضها انعكس. كما أنه حدث تحول بقدر مائة
وثمانين درجة في آراء الأكاديميين بالنسبة للقيم؛ فهم الآن يقولون: إن القيم
وتركيب الأسرة تؤثر تأثيراً كبيراً في ما يحدث في المجتمع. إن فترة تعاظم الفردية
قد انتهت، وبعض القيم التي محتها فترة الانفراط بدأت تعود، وبدأت أصوات
مؤثرة تنادي بضرورة الانضباط في السلوك وتحمل مسؤوليات الأسرة والأطفال.
وهذه الأصوات أشد ما تكون مخالفة لما كان يقوله المعالجون النفسيون للناس في
الستينات والسبعينات. لقد كانوا ينصحونهم بمماشاة شهواتهم، وأن لا يلقوا بالاً
للضوابط الاجتماعية التي تقف في طريق " نموهم الشخصي ".
وهو يرى أن هذا الاتجاه سيستمر. لماذا؟ لأن الناس بطبيعتهم حيوانات
اجتماعية، وهم إلى ذلك صناع عقلانيون للقيم الحضارية. والفطرة والعقلانية يعين
كلاهما على نمو الفضائل العادية مثل: الأمانة، والثقة اللذين يكونان أساس
الرأسمال الاجتماعي. ويضرب مثلاً على ذلك بالقيم المتعلقة بالأسرة. لقد حدث
تغير هائل بعد الستينات في القيم التي تضبط سلوك الرجال والنساء فيما يتعلق
بالأسرة، تغيرٌ كانت نتيجته الإضرار بمصالح الأطفال: فالرجال عزفوا عن الأسر، والنساء أنجبن بطريقة غير شرعية، والأزواج تفارقوا لأتفه الأسباب. وكثيراً ما
تضاربت مصالح الآباء والأبناء؛ فالوقت الذي يُقضى في أخذ الولد إلى المدرسة أو
الملعب، يكون على حساب وقت يُقضى في وظيفة، أو مع صديقة، أو في أي
نشاط ترفيهي. لكن الوالدين لهم مصلحة فطرية في العناية بأطفالهم، فإذا ما بُيِّن
لهم أن سلوكهم هذا يضر بأولادهم، فمن المحتمل أن يغيروا سلوكهم تغييراً يكون
فيه عون للأولاد. لكن الوصول إلى مثل هذا القرار العقلاني لا يتأتى آلياً؛ ففي
فترة الانفراط العظيم أفرزت الثقافة العامة صوراً إدراكية أعمت الناس عن رؤية
الآثار الضارة لسلوكهم حتى على أقرب الناس إليهم؛ فقد كان علماء الاجتماع
يقولون لهم: إن النشأة في أسرة مفككة ليس بأضر من النشأة في أسرة متماسكة.
بينما كان المختصون في معالجة المشكلات الأسرية يطمئنونهم بأنه من الأفضل
للأطفال أن يتفرق الوالدان بدلاً من أن يبقيا متشاكسيْن. وقالوا لهم بأن سعادة أبنائكم
في سعادتكم، فلا بأس عليكم من أن تقدموا مصلحتكم على مصلحتهم. هذا وكانت
الثقافة العامة تصبُّ على الوالدين وابلاً من الأفكار التي تبرز الجنس بطريقة فاتنة،
وتصور الحياة العائلية التقليدية بأنها مرتع للنفاق، والقهر والخبث. إن تغيير هذا
كله يحتاج إلى نقاش، وحجج، بل وحروب ثقافية.
لكن الكاتب يذكرنا بأن النظام الاجتماعي لا يعاد تكوينه بجهود الأفراد وحدها، بل لا بد من أن تساعد عليه السياسة العامة للدولة، عن طريق قوات الأمن وعن
طريق التعليم.
يبدو من هذا الذي ذكره الكاتب أن السبب الحقيقي للانفراط لم يكن في التطور
التقني كما تقول نطريته التي بسطها في بداية كتابه، وإنما كان في بعض الأفكار
الضالة التي قُدِّمت للناس باسم بعض العلوم فصدقوها. وهذا يعني أنه لو كانت قد
شاعت بين الناس أفكار صحيحة فلربما لم يكن للتطور التقني تلك الآثار التي ذكرها. كان بإمكان الناس أن يستفيدوا من حبوب منع الحمل مثلاً من غير أن تشجعهم
على الإباحية الجنسية.
يتساءل الكاتب: إلى أي مدى ستستمر هذه العودة إلى القيم؟ من المحتمل -
فيما يرى - أن نرى تغيراً في مستويات الجريمة، ومستوى ثقة الناس بعضهم
ببعض وبالمؤسسات والحكومات، أكبر مما نرى في القيم المتعلقة بالجنس،
والإنجاب، والحياة الأسرية؛ لأن التطور التقني والاقتصادي جعل الرجوع إلى
القيم السابقة بالنسبة لهذه الأخيرة أمراً في غاية البعد؛ لأن الخوف من الحمل قد
زال بسبب الحبوب، ولأن الخوف من أن يعيش الطفل غير الشرعي حياة بائسة قد
زال بسبب عمل المرأة وبسبب الإعانات الحكومية. وقلة الإنجاب لن تتغير؛ لأن
الوالدين يريان أن من مصلحة أولادهم أن لا تكثر أعدادهم.
وما يقوله الكاتب هنا مبني على تصور غالط لمضار العلاقات الجنسية غير
الشرعية. إن مضارها ليست محصورة فيما ذكر؛ بل إنها لتؤثر على العلاقة بين
الزوجين وتتسبب في الطلاق، وفي اختلاط الأنساب، كما تؤثر على العلاقة بين
الوالدين وأبنائهم، بل إن هذه الفاحشة لتؤثر تأثيراً نفسياً سيئاً على كل مرتكب لها.
والفردية التي عدها الكاتب من أسباب الانفراط لا علاقة ضرورية بينها وبين
التطور التقني، بل كان بإمكان الناس أن يبقوا على أريحيتهم وهم يتطورون تقنياً.
لكن الذي يرجوه الكاتب هو أن تتغير القيم المتعلقة بعمل المرأة. إن القيم
السائدة الآن - ولا سيما في البلاد الاسكندنافية - تعلي من قدر المرأة التي تعمل،
وتنظر باحتقار إلى التي تبقى في البيت. فإذا ما تبين أن عدم بقاء الأم مع أطفالها
الصغار ضار بهم فإن هذه القيمة الشائعة الآن قد تتغير فيما يرى. وقد يساعد
عصر المعلومات في حل إشكال عمل المرأة بأن يمكنها من أن تعمل من داخل بيتها.
وكما كان للدين تأثير في إعادة بناء المجتمع في الماضي فيتوقع أن يكون له
تأثير الآن، لكن الرجوع إلى الدين هذه المرة لن يكون رجوعاً إلى التصديق
بالوحي، بل سيكون رجوعاً إليه بسبب تأثيره الحسن على الحياة الاجتماعية.
يبدو أن الكاتب ليس رجلاً متديناً؛ لكنه مع ذلك يعترف في كتابه بما للدين
من تأثير في ما سمي بالرأسمال الاجتماعي. فالدين في رأيه هو الذي جعل القيم
قيماً إنسانية عالمية، لا قيماً فردية أو أسرية أو قبلية. لكنه يعتقد - كما رأينا -
بأنه من غير المحتمل أن ترجع المجتمعات الحديثة إلى التصديق بحقائق الدين.
لكن قيم الدين مبنية على الإيمان بحقائقه؛ فهي تابعة لهذا الاعتقاد ومنبثقة عنه،
فإذا ضعف أو انعدم الإيمان بحقائقه ضعف أو انعدم الإيمان بالقيم الخلقية المتصلة
به. إن مشكلة الغربيين أنهم يفترضون أن كل ما يصدق على الدين الذي عرفوه
يصدق على الأديان الأخرى، فكأن الأديان كلها عندهم دين واحد هو الدين
النصراني. ومن البداهة أن هذا ليس بصحيح، وإذن فإن التطور العلمي والعقلاني
الذي أدى إلى ضعف الإيمان بالنصرانية لن يؤدي بالضرورة إلى ضعف الإيمان
بالإسلام، بل المتوقع أن يؤدي إلى الإيمان به، لما يجده فيه من يعرفه من عدم
التناقض مع مقتضيات العقل، أو المخالفة لحقائق العلم. فلماذا لا يكون الرجوع
إلى القيم اللازمة للمجتمعات عن طريق هذا الدين الذي لا يجد الشخص المعاصر
مشكلة في الإيمان بحقائقه؟ هذا الذي نتوقع أن يحدث: [سنريهم آياتنا في الآفاق
وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق] [ ﴿فصلت: ٥٣] .﴾
يختم المؤلف كتابه بتخوفه على المجتمعات الليبرالية السائدة في الغرب الآن؛
وذلك لسببين:
أولهما: القيم الخلقية الوحيدة التي تقدمها الليبرالية للمجتمع هي قيم التسامح
والاحترام المتبادل. لكن حين تتحول هذه القيم إلى عودة إلى التعدد الثقافي بدلاً من
التسامح معه، وحين تصل النسبية الخلقية إلى غايتها، فإن الليبرالية تكون قد بدأت
تتسبب في انهيار الأرض التي تقف عليها.
وثانيهما: أن التطور قد يجعل الالتزام ببعض القيم عسيراً مع أنها لازمة
للمجتمع، فإذا ما تسارع هذا التطور لم يعط الناس فرصة للتكيف، فتكون النتيجة
تأثيراً سيئاً على المجتمعات.
ونختم نحن تعليقنا بتكرار القول بأن في الحقائق التي ذكرها الكاتب ما يؤكد
أن علة العلل بالنسبة للمجتمعات الغربية ليست في التطور التقني متسارعاً كان أم
متباطئاً، وإنما هي في بعدهم عن الدين الحق الذي يمدهم بالقيم الفاضلة،
واستعاضتهم عنه بأفكار قد ثبت الآن بطلانها وعقمها الخلقي. وعليه فلا حل
لمشكلة التدهور الخلقي الذي صحب التطور العلمي والتقني إلا في الاستمساك بدين
لا تتناقض مقرراته مع الحقائق العلمية ولا تتنافى مع القوانين المنطقية.
والله الهادي إلى سواء السبيل
стр. 3261
من ثمرات المنتدى
المنتدى الإسلامي
في ربيعه الخامس عشر
عام دعوي خيري جديد يتخطاه معكم المنتدى الإسلامي يُكمل به من عمره
خمسة عشر عاماً قضاها بفضل الله وحده، ثم بإرشاد أهل العلم ونصحهم، وبدعم
أهل الفضل ومؤازرتهم - قضاها في الدعوة إلى توحيد الله واتباع سبيله بالحكمة
والموعظة الحسنة، وفي نشر العلم الشرعي وفق منهج السلف الصالح، وإغاثة
الملهوفين وذوي الحاجة من إخوانكم المسلمين في أصقاع كثيرة من عالمنا الإسلامي.
وكما كنا وعدناكم من قبل فإن المنتدى لا يكتفي بمجرد العمل، بل يحرص
على مراجعة أعماله وتقويمها واستشراف المستقبل والتخطيط له؛ إذ يعدُّ المنتدى
ذلك من البصيرة التي أُمر أتباع الرسول ﷺ بسلوكها في العمل
الدعوي، وهذا ما تجدون أثره - إن شاء الله تعالى - في هذا التقرير.
وهكذا تجدون في الصفحات التالية عرضاً لأنشطة علمية ودعوية وإغاثية
حققت نجاحاً وتوفيقاً فاستمرت، وأخرى كانت في طور الإنشاء والتأسيس
فاستُكملت، وغيرها نُظِرَ في مسيرتها فعدِّلت وقوِّمت.. وكل ذلك إنما هو من ثمار
تعاون محبي الخير على البر والتقوى: تعاونهم بالرأي والنصيحة، أو بالبذل
والعطاء، أو بالابتهال والدعاء، فعطاؤنا من عطاء هؤلاء.
ولأن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، ولأن خيريتها تنبثق من الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، ولأنها أمة خاتم النبيين؛ فلن ينقطع
الخير فيها ما دام على الأرض من يوحِّد الله ويؤمن به، وسيكون فيها - بإذن الله -
من يبذل العطاء ليتواصل هذا الخير، لذا: فإننا متفائلون بمستقبل مشرق رغم
ظلمة في الحاضر سيبددها - بإذن الله - مسلمون مخلصون لا يكتفون بالبذل لهذا
الدين من فضلة اهتماماتهم وأوقاتهم وأموالهم، بل يبذلون كل غالٍ ونفيس لرفعة هذا
الدين وأهله وليظل العطاء له مستمراً.. جعلنا الله وإياكم منهم.
المنتدى والتعليم
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من سلك طريقاً
يلتمس فيه علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة) أخرجه الإمام أحمد: ٢/٣٢٥.
يحرص المنتدى الإسلامي على نشر العلم الشرعي وتسهيل الوصول إليه بعدة
طرق؛ في محاولة إيصال العلم إلى كل فرد رغم تغير ظروف المتلقي وإمكانات
المنتدى؛ فمن هذه الطرق: إنشاء المدارس والمعاهد وتشغيلها، أو تشغيلها فقط،
وكفالة بعض مدرسي اللغة العربية والعلوم الإسلامية في المدارس الحكومية،
وطباعة المناهج الدراسية، وإقامة الدورات التأهيلية للمعلمين والعاملين في سلك
التعليم.
المدارس:
أنشأ المنتدى العديد من المدارس في مراحل التعليم المختلفة، كما قام بتشغيل
مدارس كثيرة، علماً بأن التشغيل وحده يشمل: كفالة مدرسي المدرسة وإدارييها،
وتوفير المناهج والكتب لطلابها، والتكفل بجميع مصاريفها الأخرى باستثناء إنشاء
مبانيها، وكان اهتمام المنتدى بالمدارس على النحو التالي:
أ - التعليم النظامي:
في العام الماضي تم بحمد الله إنشاء وتشغيل (١٠) مدارس في مراحل التعليم
المختلفة، إضافة إلى تشغيل (٢٩) مدرسة في مختلف مراحل التعليم، واستفاد من
جميع هذه المدارس (٠١٧، ١١) طالباً وطالبة.
ب - التعليم الشرعي:
رغبة من المنتدى في تخصيص العلم الشرعي بمزيد من العناية فقد تولى
تشغيل ثانوية البيان الإسلامية للعلوم الشرعية في دولة نيجيريا التي يبلغ عدد
طلابها (٩٤) طالباً، وقد تم تخريج دفعتين من الثانوية.
المعاهد:
يتولى المنتدى تشغيل معهدين شرعيين أنشأهما بنك التنمية الإسلامي في
الصومال: أحدهما للمرحلتين المتوسطة والثانوية يبلغ عدد طلابه (٢٤٠) طالباً،
والآخر: معهد متخصص لإعداد المعلمين يبلغ عدد طلابه (١٣٢) طالباً، إضافة
إلى معهدين لإعداد الدعاة سيتم افتتاحهما في الفترة القادمة بمشيئة الله تعالى أحدهما
في إثيوبيا يخدم منطقة شرق إفريقيا، والآخر في مالي يخدم منطقة غرب إفريقيا.
==
المنتدى ونشر العلم الشرعي
تعيين الدعاة:
يحرص المنتدى الإسلامي على اختيار دعاته وفق أسس ومعايير محددة، بما
يخدم الأهداف التي يسعى لتحقيقها، وأهم هذه الأسس:
١- سلامة المنهج معتقداً وسلوكاً.
٢- الكفاءة العلمية والشرعية.
٣- الكفاءة الدعوية.
ويتم معرفة ذلك من خلال عقد امتحان تحريري وشفهي للمتقدم، بعد التعرف
على سيرته وأخلاقه.
وضماناً للمحافظة على مستوى الدعاة والارتقاء به: فقد أعد المنتدى
الإسلامي بفضل الله تعالى منهجاً شاملاً لكافة أبواب العلم، يلتزم الدعاة بدراسته
وإتقانه، كما هيأ لهم دورات مكثفة لرفع قدراتهم العلمية والدعوية، وفي نهاية كل
دورة يعقد امتحان تحريري وشفهي لقياس التحصيل العلمي لكل داعية ومدى جديته
في طلب العلم.
وقد استطاع المنتدى بفضل الله تعالى كفالة (٤٥٩) داعية في العام الماضي
وفق هذه الأسس.
إلقاء الدروس والمحاضرات:
بحمد الله ومنته فقد وفق هؤلاء الدعاة المكفولين من قِبَل المنتدى الإسلامي من
إلقاء (٧١٨، ٤) درساً وكلمة في كل أسبوع، إضافة إلى إلقاء (٨٢٨) محاضرة
كل أسبوع، ليكون مجموع الدروس والمحاضرات والكلمات التي ألقيت أسبوعياً في
العام الماضي عن طريق دعاة المنتدى حوالي (٥٣٧، ٥) درساً ومحاضرة، نسأل
الله أن ينفع بها كل ملقٍ لها ومتلقٍ.
توزيع المصاحف والكتب والأشرطة:
في محاولة من المنتدى الإسلامي لتكوين بنية من العلم الشرعي على أسس
راسخة لمن يريد التفقه في الدين، تبنى عبر مكاتبه الفرعية في العام الماضي وحده
توزيع (١٥.٠٦٨) مصحفاً في (١١) دولة، كما وزع (٣٦.٧٢٧) كتاباً باللغة
العربية و (١٨٩.١٩٣) كتاباً مترجماً و (٥٦.٨٣٣) كتاباً منهجياً دراسياً في
(١١) دولة.
وكان عدد الأشرطة التي تم توزيعها في (٨) دول هو (١٧.٨١٢) شريطاً.
أما بالنسبة لتكوين المكتبات: فإنه يتبع مكاتب المنتدى (٥٢) مكتبة للاطلاع
العام في (٩) دول، كما قامت هذه المكاتب بتوزيع (٤٤٧) مكتبة طالب علم
باللغتين العربية والإنجليزية على مدار العام الماضي في (٩) دول.
دورات متخصصة في التطوير والتدريب
تعد المراجعة والتجديد والتطوير من أهم عوامل نجاح أي عمل، ولأن عمل
المنتدى الإسلامي يقوم على أكتاف صفوف من الرجال أصحاب قدرات وإمكانات
مناسبة تؤهلهم للقيام بهذه الأعمال بصورة لائقة ... فإن المنتدى يحرص على
تطوير هذه القدرات والإمكانات والنهوض بها لكي تلائم طبيعة هذه الأعمال
وتواكب تطورها ...
ومن هذا المنطلق نظم المنتدى في العام الماضي وحده عدداً من الدورات
الشرعية والإدارية بلغت (٤٩) دورة شرعية، استفاد منها (٢.٤٠٠) داعية وإمام
وطالب علم في (١١) دولة، و (١٢) دورة إدارية استفاد منها (٣٦٨) إدارياً في
(٦) دول، كما نظم عدداً من الملتقيات الدعوية للتعارف وتبادل الخبرات والعلوم،
بلغت (٣٣) ملتقى، استفاد منها (٥٣٦) داعية في (٥) دول.
ولقد شارك في أكثر هذه الدورات الشرعية مجموعة من العلماء وطلاب العلم
من خارج تلك الدول مما كان له أكبر الأثر في نجاح تلك الدورات؛ فلله الحمد،
ولهم من المنتدى أبلغ الشكر.
الدروس والمحاضرات في لندن
يعنى المنتدى الإسلامي في لندن بإقامة الدروس والمحاضرات الإسلامية في
مختلف العلوم الشرعية لتوعية الجالية المسلمة، ومن أبرز الدروس الأسبوعية:
١- درس في العقيدة الإسلامية في شرح كتاب (القول المفيد في شرح كتاب
التوحيد) .
٢- درس في الحديث في كتاب (فتح الباري) . ٣ - درس في أصول الفقه.
كما ينظم المنتدى العديد من الدروس العلمية الأسبوعية باللغة الإنجليزية،
ومن أهمها:
١- درس خاص بالمسلمين الجدد تدرس فيه أصول الإسلام العامة،
والعبادات، والأخلاق والآداب الإسلامية.
٢- درس في أصول العقيدة والتوحيد.
٣- درس في السيرة النبوية.
٤- درس في فقه السنة.
٥- درس في التفسير.
كما يعقد المنتدى في لندن لقاءاً أسبوعياً للحوار المفتوح، يدلي فيها الحضور
بآرائهم ومداخلاتهم، تحت إدارة المشرف الثقافي، تُعالج فيه قضايا تمس حاجات
الناس وهمومهم، ومن أهم الموضوعات التي نوقشت:
١- مشكلات الزواج من غير المسلمات.
٢- الدعوة الإسلامية بين التسالم والتصادم.
٣- الحجاب الإسلامي في الأنظمة العلمانية.
٤- أزمة الجزائر ما بعد الانتخابات الرئاسية.
٥- لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم..؟ !
ومن المحاضرات الشهرية التي يسَّر الله - تعالى - إقامتها في مركز المنتدى بلندن:
١- من ثمرات التوحيد.
٢- المنهج الإسلامي في التعامل مع الناس.
٣- الأوضاع الراهنة في كوسوفا وآخر التطورات.
٤- الدروس المستفادة من غزوة حنين.
هذا بالإضافة إلى العديد من المحاضرات والدروس العلمية التي ينظمها
المنتدى في المدن والمراكز الإسلامية المختلفة في بريطانيا.
دعاة المستقبل.. مشروع تأهيل خريجي ثانوية البيان الإسلامية:
مشروع يهدف إلى تأهيل طاقات علمية ودعوية لخدمة الإسلام، حيث تم
انتقاء (٢٠) طالباً متميزاً من خريجي ثانوية البيان الإسلامية في نيجيريا - التابعة
للمنتدى الإسلامي - والتي تُعنى بتدريس العلوم الشرعية، وتم توفير محضن
تعليمي وتربوي لهم للنهوض بمستواهم خلال فترة دراستهم في المرحلة الجامعية،
ويتولى مكتب المنتدى وضع برنامج علمي وتربوي ودعوي مكثف داخل المحضن
وخارجه، يشرف عليه نخبة من طلاب العلم والمربين، بالإضافة إلى إقامة العديد
من الدورات الشرعية والدورات التدريبية.
دورة في السياسة الشرعية
أقيمت - بحمد الله تعالى - دورة في السياسة الشرعية في المبنى الرئيس
للمنتدى الإسلامي في لندن، استمرت لمدة أربعة أيام. وقد حظيت هذه الدورة
بقبول طيب واستحسان جيد. وقد يسر الله - تعالى - ترجمة ما أُلقي في الدورة
ترجمة فورية إلى اللغة الإنجليزية لكي يستفيد منها الناطقون بالإنجليزية.
وقد أقيمت الدورة نفسها في مدينة شيفلد في مسجد قباء بالتنسيق مع مركز
الرسالة، وترجمت مادتها كذلك إلى الإنجليزية. كما أقيم على هامش الدورتين عدد
من المحاضرات العامة.
الدورة الشرعية المشتركة الثانية لدعاة المنتدى في (غانا - توجو - بنين)
في إطار العناية بالدعاة وإتاحة الفرصة لهم لتبادل الخبرات والمهارات عقد
مكتب المنتدى الإسلامي في غانا في مقر مجمع الفاروق التعليمي في مدينة (ونشيى)
التابع للمنتدى الدورة الشرعية المشتركة والتي شارك فيها (٤٦) داعية من دعاة
المنتدى الجامعيين في دول (غانا، توجو، بنين) وقد استمرت الدورة لمدة (٢١)
يوماً ألقي فيها عشرات المحاضرات والدروس العلمية في العلوم الشرعية والأساليب
الدعوية والفوائد التربوية والأسس الفكرية إضافة لبرنامج التدريب العلمي، نسأل
الله - تعالى - أن ينفع بها.
الدورة الطلابية الثانية في دولة مالي
حرصاً من المنتدى الإسلامي على سد حاجة الطلاب في الجانب الثقافي ورفعاً
لمستواهم الفكري، ومحاولة تدريبهم على الجانب الدعوي أقام المنتدى دورة علمية
لطلاب المرحلة الثانوية في مدينة (باماكو) عاصمة دولة مالي، شارك فيها (٦٠)
طالباً من المتميزين صاحبهم خلالها (٧) من الأساتذة المحاضرين لمدة (١٢) يوماً،
وقد حفلت الدورة بالعديد من البرامج الهادفة والدروس النافعة، ومن أبرز المواضيع
الملقاه:
- التربية الإسلامية وأثرها في التهذيب.
- الانحلال الخلقي والحلول المقترحة.
- دور الشباب في العمل الإسلامي.
(كلية لندن المفتوحة)
حرصاً من المنتدى الإسلامي على نشر العلم الشرعي بين الجميع (العلم
الشرعي القائم على الكتاب والسنة وهدي سلف هذه الأمة) ، واستجابة لقوله -
تعالى -: [فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا
رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] ﴿التوبة: ١٢٢﴾ ، وقوله ﷺ فيما رواه
عنه البخاري: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ، فقد تبنى المنتدى إنشاء
كلية لندن المفتوحة لتقوم بتدريس العلوم الشرعية عن بعد ابتداءاً من شهر شوال
١٤٢٠هـ الموافق شهر يناير ٢٠٠٠م. والتعليم عن بعد طريقة حديثة في التدريس
تقوم على إيصال العلوم إلى الدارسين حيثما كانوا بوسائل الاتصال الحديثة،
وبطريقة ميسرة.
تمنح الكلية درجة الدبلوم والبكالوريوس حالياً باللغتين العربية والإنجليزية في
الدراسات الشرعية في العقيدة والقرآن، والحديث، والفقه، واللغة العربية، وتوجد
هيئة للإشراف العلمي على الكلية مكونة من مجموعة من المختصين في العلوم
الشرعية.
ويتولى التدريس في الكلية مجموعة من المدرسين المؤهلين في تخصصاتهم،
باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، كما يقومون بإجراء الامتحانات في المواد، ثم
الامتحان النهائي الشامل المطلوب للحصول على الدرجة العلمية.
وقد راعى المنتدى أن تكون كلفة الدراسة مناسبة مقارنة بنظيراتها من الكليات
والجامعات، وذلك لتشجيع الدارسين، كما أن هناك منحاً للمتفوقين.
نسأل الله - تعالى - أن تكون مفتاحاً من مفاتيح العلم الشرعي، وأن يعمّ
نفعها الجميع.
(مجلة الجمعة بالإنجليزية)
تواصل مجلة (الجمعة) الصادرة باللغة الإنجليزية عن المنتدى الإسلامي
مسيرتها العلمية والدعوية؛ حيث صدر العدد الأخير (المجلد ١١ العدد ٥- ٦)
متميزاً بمستواه العلمي والفني؛ حيث احتوى الموضوعات الآتية:
١ - موضوع الغلاف الرئيس: (ما ينبغي على كل مراهق أن يتعلمه من
الآداب الجنسية) .
في كافة أرجاء المجتمعات الغربية يعرض الجنس والعلاقات الجنسية لعامة
الأفراد دون قيود. وفي هذه الظروف من الانحلال الجنسي والبذاءة الأخلاقية، يجد
الآباء أنهم ملزمون بتحصين أبنائهم المراهقين وذلك بتربيتهم جنسياً.
التربية الجنسية مصطلح مخيف للآباء، وعادة لا يريدون الخوض في حديثها
مع أبنائهم. ولكن في حالة عدم وجود مثل هذه التربية من الآباء، فإن الأبناء
سوف يستقونها من أقرانهم وزملائهم، وهو الأمر الذي قد تكون عاقبته وخيمة. في
هذا المقال نصائح للآباء عن الطرق الشرعية لتربية أبنائهم المراهقين جنسياً.
٢ - موضوع الغلاف الثاني: (المدارس الإسلامية) .
تواجه المدارس الإسلامية في الدول الغربية تحديات مشتركة ومصاعب
مستمرة. وفي الوقت نفسه لا يمكن للمرء أن يغفل عن منجزات هذه المدارس
الإسلامية وذلك أن هذه المدارس تنبئ عن مستقبل منير - إن شاء الله -.
٣ - عرض لكتاب: (فقه وخطب الجمعة للشيخ جمال الدين زربوز) .
٤ - أساسيات عقود التجارة، وفيه تعليم لأساسيات الأموال اللازمة لعمل
تجاري ناجح.
هذا بالإضافة إلى ركن خاص بالفتوى، ومقالات أخرى متعددة في السيرة
والتاريخ، والأسرة المسلمة، والأخلاق والآداب، وغيرها.
ويسعد المنتدى الإسلامي التواصل الجيد من قراء المجلة، والقبول المبارك
الذي تلقاه المجلة، نسأل الله - تعالى - أن يبارك فيها.
ماذا تعرف عن المراكز الإسلامية؟
المراكز الإسلامية أحد أهم الأنشطة المتكاملة التي يقوم عليها العمل الدعوي
أو الخيري؛ نظراً لتعدد منشآتها وخدماتها؛ فكل مركز يتكون غالباً من:
- مسجد جامع كبير، ملحق به مصلى خاص بالنساء.
- مدرسة تستغل في تدريس مقررات منهجية أو عقد الدورات.
- مكاتب إدارية.
- قاعة محاضرات.
- مكتبة عامة يلحق بها في الغالب قسم للمكتبة السمعية والمرئية.
- جناح للضيافة (للدعاة وطلاب العلم الزائرين) .
- مستودع.
وقد قام المنتدى الإسلامي بحمد لله ومنته ببناء عدد من المراكز الإسلامية في
إفريقيا وآسيا وأوروبا، بيانها الآتي:
١ المركز الإسلامي الرئيس في بريطانيا (لندن) ، وأنشئ عام ١٤٠٦هـ.
٢ مركز الإمام مسلم في بنجلاديش (فريدبور) ، وأنشئ عام ١٤١٦هـ.
٣ مركز الإمام البخاري في بنجلاديش (غاريبو تونغي دكا) وتم الانتهاء من
بنائه عام ١٤١٨هـ.
٤ مركز المنتدى الإسلامي في غانا (أكرا) ، وقد تم افتتاحه عام ١٤١٧هـ.
٥ المركز الإسلامي في نيجيريا (كانو) ، وقد افتتح عام ١٤١٨هـ، ويقع هذا
المركز قرب جامعة بايرو؛ لإتاحة الفرصة أمام طلابها للاستفادة من برامج المركز
الدعوية والتربوية المتنوعة.
٦ مركز المنتدى الإسلامي في السودان (بور سودان) ، التابع لمشروع عيون
الحياة الخيري لحفر الآبار الجوفية القائم الآن وقد تم افتتاحه في شوال عام ١٤١٩
هـ.
٧ مركز المنتدى الإسلامي في بنين (كوتونو) ، وتم افتتاحه في شهر ربيع
الأول ١٤٢٠هـ.
٨ مركز المنتدى الإسلامي في توجو (لومي) ، وهو في لمساته الأخيرة.
٩ مركز ابن عبد البر في مالي (كاي) ، وقد تم الانتهاء منه.
١٠ مركز ابن أبي زيد القيرواني في مدينة موبتي بدولة مالي (تحت الإنشاء) .
١١ مركز مصعب بن عمير في مدينة كاتي بدولة مالي (تحت الإنشاء) .
١٢ مركز المنتدى الإسلامي في جيبوتي. (تم بناؤه) .
١٣ مركز الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ للمهتدين الجدد في دولة كينيا
وهو تحت الإنشاء.
١٤ مركز التوحيد في بنين في إقليم الشمال في مدينة كندي وهو تحت الإنشاء.
١٥ مركز المهتدين الجدد في مدينة جوس بدولة نيجيريا وهو تحت الإنشاء.
هذا بالإضافة إلى عدة مراكز كان المنتدى الإسلامي قد مولهما لحساب
جمعيات خيرية موثوقة أخرى، وهي:
١ مركز أنصار السنة المحمدية، بالسودان في مدينة كسلا وقد افتتح في شهر
جمادى الأولى عام ١٤٢٠هـ.
٢ مركز جمعية الهدى، بإندونيسيا.
٣ مركز الفرقان في اليمن (حضرموت) .
٤ مركز الإيمان في اليمن (صنعاء) .
٥ مركز الفرقان في مدينة أم درمان بالسودان.
(٩٤٠١) طالب يحفظون القرآن في (٣٠٥) حلقة للمنتدى
القرآن العظيم هو كتاب الله - تعالى - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه، أنزله الله رحمة للعالمين، وأمرهم بتلاوته وتدبره وحفظه؛ فهو الأساس
الذي تحيا به الأمة، ويرفعها من الذلة إلى العزة، ومن المهانة إلى القوة.
وقد بلغ عدد حلقات تحفيظ القرآن الكريم التابعة للمنتدى الإسلامي في العام
الماضي (٣٠٥) حلقة، استفاد منها (٩٤٠١) طالب من مختلف الأعمار، وذلك في
أكثر من بلد. ويُعنى المنتدى عناية فائقة بانتقاء المدرسين وتدريبهم على طرق
التدريس والتربية، وقد أعد المنتدى كتاباً بعنوان: (المدارس والكتاتيب القرآنية ... ) طبع قبل سنتين، ثم طبع مختصراً في هذه السنة ليسهل تناوله والاستفادة منه.
كما يحرص المنتدى على أن تكون الحلقات القرآنية محضناً تربوياً وعلمياً
يجد فيها الطالب ما يُرغّبه في الاستمرار والاستفادة، ولهذا أعد المنتدى منهجاً
متكاملاً يلتزم به مدرسو الحلقات.
ومن البرامج التربوية التي يحرص المنتدى على تطبيقها: برامج الاعتكاف
في رمضان، ومن ذلك أن مكتب المنتدى في (التوجو) أقام برنامجاً للاعتكاف في
رمضان الماضي لبعض طلاب الحلقات، شارك فيه (٥٠) طالباً، وكان له أثر
تربوي ملموس ولله الحمد.
ونعرض لأهم تلك الحلقات في الجدول المقابل:
----------------------------------------------
الدولة ... ... عدد الحلقات ... ... عدد المستفيدين
----------------------------------------------
غانا ... ... ... ... ٧٢ ... ... ... ... ١٧٢٤
الصومال ... ... ... ٨٣ ... ... ... ... ٢٤٩٠
توجو ... ... ... ... ٣٣ ... ... ... ... ١٥٠٠
بنين ... ... ... ... ٣٢ ... ... ... ... ١٢٨٠
كينيا ... ... ... ... ١٨ ... ... ... ... ١١٠٦
بنجلادش ... ... ... ٤٥ ... ... ... ... ٤٥٠
نيجيريا ... ... ... ١٣ ... ... ... ... ٦٣٥
مالي ... ... ... ... ٧ ... ... ... ... ... ١٧٥
جيبوتي ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ٢٠
أثيوبيا ... ... ... ١ ... ... ... ... ... ٢١
----------------------------------------------
٤٠٠ حافظ للقرآن في شمال الصومال
أتم أكثر من أربعمائة دارس ودارسة حفظ كتاب الله - تعالى - هذا العام في
الحلقات القرآنية التابعة لمكتب المنتدى في شمال الصومال، وتجري الإعدادات
لإجراء المسابقة القرآنية السنوية الخامسة لحفَّاظ كتاب الله.
وسيشارك - بالإضافة إلى هؤلاء - أكثر من ثلاثمائة آخرين أتموا حفظ
القرآن العظيم قراءة وتجويداً في الحلقات المنتشرة في الشمال والشمال الشرقي من
الصومال.
وقد أعد المنتدى أكثر من أربعين منظِّماً من محفظي القرآن في مكتب المنتدى
لإجراء الاختبارات للمشاركين، وستعقد المسابقة بإذن الله في أربع مناطق في شمال
الصومال في منتصف شهر رمضان المبارك.
وبحمد الله - تعالى - فقد كان لهؤلاء الحفاظ أثر بالغ في إمامة المسلمين
ودعوتهم وتعليمهم نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وقلوبهم.
إصدارات جديدة
أصدر المنتدى الإسلامي خلال هذا العام عدداً من الإصدارات في مجالات
متعددة علمية وفكرية، وقد حظيت هذه الإصدارات - ولله الحمد - بقبول حسن من
القراء، ممَّا جعلنا نعيد طباعتها مرة أخرى، وهذه الإصدارات هي:
١ - دمعة على التوحيد (دراسة في واقع الأضرحة والقبورية في العالم
الإسلامي) ، شارك في كتابته عدد من الباحثين.
٢ - منهج التلقي والاستدلال بين أهل السنة والمبتدعة، تأليف الأستاذ أحمد
الصويان.
٣ - نحو أداء متميز لحلقات تحفيظ القرآن الكريم، إعداد اللجنة العلمية في
المنتدى.
٤ - تجربة المنتدى في العمل الدعوي، إعداد اللجنة العلمية في المنتدى.
٥ - الالتزام بالإسلام: مراحل وعقبات، تأليف الدكتور عبد الله الخاطر -
﵀.
٦ - الدعوة إلى الله: توجيهات وضوابط، تأليف الدكتور عبد الله الخاطر -
﵀.
وأخيراً صدر كتاب: (حمى سنة ٢٠٠٠) تأليف: الأستاذ عبد العزيز بن
مصطفى كامل.
ويصدر حديثاً بإذن الله - تعالى - عدد من الكتب، منها كتاب: (أعياد
الكفار) ، تأليف الأستاذ إبراهيم الحقيل.
حلاوة الإيمان باللغة الإنجليزية
تم ترتيب دورة في العقيدة الإسلامية باللغة الإنجليزية في مركز المنتدى بلندن
بعنوان: (حلاوة الإيمان) ، وكانت مادتها الدراسية كتاب: (لمعة الاعتقاد للإمام ابن
قدامة المقدسي) ، وقد استفاد من هذه الدورة جمّ غفير من الرجال والنساء.
ونظم المنتدى على هامش هذه الدورة محاضرتين باللغة الإنجليزية: الأولى
بعنوان: (الافتقار إلى الله) ، والأخرى بعنوان: (الأمة ووعد الله) .
وللمنتدى نشاط شبابي
إضافة إلى المدارس وحلقات تحفيظ القرآن الكريم يحرص المنتدى على توفير
مناخات تربوية أخرى يتحول العلم فيها إلى عمل ومعايشة، ومن هذه المناخات:
المراكز الصيفية والمخيمات الطلابية، وفي العام الماضي أقام المنتدى (٧)
مخيمات، استفاد منها (٤٥٥) داعية وطالباً وطالبة في (٣) دول، ويحرص المنتدى الإسلامي في هذه المخيمات على التركيز على طلاب الجامعات التجريبية والمثقفين باللغة الإنجليزية أو الفرنسية.
ولا شك أن احتكاك هؤلاء الشباب في هذه المخيمات بقرنائهم ومن هم أكثر
علماً منهم من المعروفين لديهم أو الزائرين.. لا شك أن له أطيب الأثر في نفوسهم
وخبرتهم وتثقيفهم وترسيخ أقدامهم.
المنتدى يعيد اكتشاف جزر ومدن القارة السوداء
يعيش كثير من الناس حالة من القلق والاضطراب، ويتعطشون إلى الحق
والهدى، فإذا تيسر لهم الوقوف على كلمة التوحيد الخالص فرحوا بها، وعضوا
عليها بالنواجذ، ودخلوا في دين الله أفواجاً، ومن أجل ذلك حرص المنتدى على
بث قوافل دعوية منظمة إلى المناطق التي تفتقر غالباً إلى مراكز دعوية ثابتة،
ومعظمها قرى ومناطق نائية، وقد تكون هذه المناطق ذات أغلبية مسلمة فيكون جهد
الدعاة فيها مُرَكَّزاً على تصحيح العقائد ونبذ الخرافات والبدع والدعوة إلى منهج أهل
السنة والجماعة وفضائل الأعمال والتحذير من المعاصي، وقد تنتشر في المناطق
المستهدفة الديانات الباطلة والوثنية، فيقوم الدعاة بالدعوة إلى التوحيد والتعريف
بالإسلام.
ويرافق هذه القوافل أحياناً طبيب يعرض خدماته العلاجية على أهل هذه
المناطق، كما يحمل الدعاة معهم كميات من المواد الإغاثية لإظهار سماحة الإسلام
وتأليف قلوب المدعوين.
وخلال الشهور الاثني عشر الماضية سيَّر المنتدى الإسلامي (٢٤٣) قافلة
في (٩) دول، وقد أسلم بفضل الله ومنته أثناء سير هذه القوافل (٢٧٦) شخصاً، فضلاً عن الذين هداهم الله إلى السنة ممن كان ينتسب إلى الإسلام. علماً بأن المنتدى يتابع المسلمين الجدد؛ حتى لا يكون إسلامهم مجرد انتساب خالٍ من الحقيقة المطلوبة، وحتى لا تحدث انتكاسة لهم - لا قدر الله -. وتلك المتابعة تختلف صورتها باختلاف عدد المسلمين الجدد كثرة أو قلة، وهي تتراوح بين:
١ - معاودة تسيير قوافل أخرى بانتظام إلى القرية أو المنطقة التي فيها
مسلمون جدد.
٢ - تعيين داعية يقيم في القرية أو المنطقة لمتابعة المسلمين الجدد.
٣ - إنشاء مركز دعوي للمهتدين، يُعنى بمتابعتهم الدورية المركزة؛ فعلى
سبيل المثال يقوم المنتدى حالياً بإنشاء مركز الإمام عبد العزيز بن باز ﵀
- للمهتدين الجدد في دولة كينيا.
وكل ذلك بالإضافة إلى تنظيم دورات لهؤلاء المهتدين وإهدائهم الكتب
والأشرطة المناسبة لهم بلغاتهم المحلية.
وقد أعدت اللجنة العلمية بالمنتدى منهجاً علمياً وتربوياً متدرجاً يرتقي بمستوى
المسلمين الجدد، ويعالج المشكلات الاجتماعية التي تواجههم بعد نقلتهم المباركة.
وهذه بعض بيانات هذه القوافل:
ومن أبرز قصص المسلمين الجدد على المستوى الفردي: إسلام قس من أكبر
قساوسة غانا، وسمى نفسه: (محمد مصطفى) ، وهو من الذين تتلمذ على يده كثير
من دعاة الكنيسة في غرب إفريقيا، وأبدى ندماً شديداً على ما قدمه من حرب
الإسلام، ولكن استبشر خيراً حين علم أنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله.
وكان مطلبه الرئيس أن يعجَّل بتعليمه حتى يقف داعياً إلى الإسلام، كما كان
يقف ضده، وتم إرساله إلى إحدى القرى المسلمة، وقضى بها شهراً كاملاً تحت
إشراف أحد الدعاة.
ومن أهم الرحلات الدعوية التي تمت - بحمد الله تعالى - خلال هذا العام:
(اكتشاف جزر بحيرة تشاد) ، حيث وصل الفريق الدعوي للمنتدى إلى جزر البحيرة
في ١٠-٣-١٤٢٠هـ، وتعد هذه الزيارة ذات أهمية قصوى لأنها الثانية من نوعها؛ فلقد كانت الأولى قبل (١٢ قرناً) عندما وصلها عمر بن أبي ليلى الذي يعدّ أول
من اكتشفها وأدخل إليها الإسلام.
واستُقبل الفريق بالترحيب من سلطان المنطقة وأعيانها وسكان الجزر النائية،
واطلع الفريق على أحوال المسلمين، وعلى النشاط الكنسي الذي استغل الفقر
والجهل والمرض ليبث سمومه بين المسلمين. وزار الفريق جزر كناسروم، وديبوة، ومدغشكر، وكمبيلوا.
وقد وجد الفريق تعطشاً كبيراً للإسلام ورغبة صادقة لتعلم العلوم الشرعية،
ومحبة كبيرة للدعاة؛ فأكثرهم لأول مرة يرى رجلاً أبيض مسلماً يزوره من بلاد
الإسلام.
كما بدأ المنتدى الإسلامي يخطو بحرص لنشر الدعوة الإسلامية في جنوب
تشاد؛ حيث الأغلبية النصرانية والوثنية؛ إذ أرسل وفداً قام برحلة لمدة أسبوعين
شملت المدن الآتية: (كيلو، وبالا، ومندو) ، وكان الهدف من الزيارة: توزيع
الدعاة في مناطق المهتدين، وإقامة عدد من الدورات المركزة، كما ألقى الوفد عدداً
من المحاضرات العلمية والتربوية على الرجال والنساء.
стр. 3262
اسم المدرسة ... الدولة ... مراحل الدراسة ... عدد طلابها ... علاقتها بالمنتدى
--------------------------------------------------------------
مدرسة المنتدى بريطانيا ... روضة، ابتدائي ... ١٦٠ ... ... إنشاء وتشغيل
الإسلامي
٢٤ مدرسة ... كينيا ... ... ابتدائي، متوسط ... ٧٢١١ ... ... ... تشغيل فقط
مدرسة التوحيد كينيا ... ... ... ابتدائي ... ٢٥٠ ... ... ... إنشاء وتشغيل
مجمع الصديق غانا ... ... ابتدائي، متوسط، ... ٩٤٨ ... ... ... إنشاء وتشغيل
التعليمي ... ... ... ... ... ثانوي
مجمع الأنصار ... غانا ... ... روضة، ابتدائي، ... ٥٠٩ ... ... ... تشغيل فقط
التعليمي ... ... ... ... ... ... متوسط
مجمع الفاروق ... غانا ... ... ابتدائي، متوسط ... ٥٠٠ ... ... ... إنشاء وتشغيل
التعليمي
مدرسة الطيبة ... بنغلاديش ... ابتدائي ... ... ١٥٠ ... ... ... إنشاء وتشغيل
مدرسة البراء ... بنغلاديش ... ابتدائي ... ... ١٣٠ ... ... ... إنشاء وتشغيل
بن مالك
مركز الهدى ... بنغلاديش ... ابتدائي ... ... ١٠٠ ... ... ... إنشاء وتشغيل
ثانوية ابن ... مالي ... ... ثانوي ... ... ٤٠ ... ... ... إنشاء وتشغيل
عبد البر
فصول الصديق مالي ... ... محو الأمية ... ٧٠ ... ... ... إنشاء وتشغيل
لمحو الأمية
مدرسة عمر بن مالي ... ... ابتدائي ... ... ١٠٧ ... ... ... تشغيل فقط
الخطاب
مدرسة طارق بن مالي ... ... ابتدائي ... ... ٢٠٧ ... ... ... إنشاء وتشغيل
زياد
مدرسة دار ... الصومال ... ابتدائي ... ... ٢٢٨ ... ... ... تشغيل فقط
الحنان
مدرسة أبخ ... جيبوتي ... ... ابتدائي ... ... ٣١٠ ... ... ... ... تشغيل فقط
الإسلامية
مدرسة السلام ... جيبوتي ... ... ابتدائي ... ... ٩٧ ... ... ... ... تشغيل فقط
من الجهود الدعوية
استثمار الوسائل الإعلامية
يسعى المنتدى إلى استثمار كل فرصة تسنح للدعوة إلى دين الله بصورة
واسعة غير محدودة، ومن هذا السعي محاولة إيصال كلمة الحق عبر الوسائل
الإعلامية واسعة الانتشار: كالتلفاز والإذاعة والصحف ... ولما كانت تكاليف هذه
الوسائل كبيرة والعوائق الإدارية - في الدولة التي تسمع بإنشاءها للأفراد والهيئات-
كثيرة، فقد حرصت بعض المكاتب الفرعية على إيصال الهدى باستثمار الفرصة
المتاحة في الوسائل القائمة بالفعل، وبالطبع تختلف هذه الفرص من مكان لآخر.
وإضافة إلى آلاف من نشرك المنتدى الأسبوعية والشهرية التي توزعها بعض
المكاتب باللغات المحلية والعربية، استطاع القائمون على بعض المكاتب تنفيذ عدد
من البرامج الإذاعية والتلفازية وعدد من المشاركات الصحفية في بلادهم، وهذا
بيان بأهم هذه الأعمال خلال فترة التقرير:
الدولة ... تلفاز إذاعة ... صحافة ... ... المجموع
-------------------------------------------------
مالي ٩ ٥٤٨ ١٢ ... ٥٦٩
كينيا ... ٤ ١٦٨ ٢ ... ١٧٤
توجو ... - ... ٨٨ ... - ... ... ٨٨
غانا ... - ... ٢٤ ... ٧ ... ... ٣١
جيبوتي ... ٣ - ... - ... ... ٣
بنين ... ... - ... - ... - ... ٣
الصومال - ... - ... ... ١ ... ١
-------------------------------------------------
المجموع ١٦ ٨٢٨ ٢٢ ٨٦٩
المنتدى يسعى لإحياء رسالة المسجد
يحرص المنتدى الإسلامي على استعادة المسجد لدوره الذي كان عليه في
صدر الإسلام، فيقوم بتعيين داعية مؤهل يؤم الناس في الجُمع والجماعات،
ويتولى ترتيب عدد من حلقات تحفيظ القرآن الكريم والدروس والمحاضرات للرجال
والنساء والأطفال، وكذلك يقوم بجولات دعوية في القرى المجاورة انطلاقا من
المسجد ويرعى بعض الشؤون الاجتماعية لأهالي منطقة المسجد ... ويتولى أقرب
مكتب للمنتدى متابعة الداعية من خلال المشرفين المسؤولين.
ولأجل إيصال مساهمات المسلمين إلى هدفها المأمول فإن المنتدى يحرص
على بناء المسجد على تحقيق عدة أمور منها:
١- اختيار الموقع المناسب بواسطة لجنة المساجد في فرع المنتدى في تلك
الدولة ويراعي في الموقع ما يلي:
- توسط موقعه بين بيوت المسلمين؛ بحيث يستفيد منه عدد كبير من المصلين.
- ألا يكون قريبا من مسجد آخر يسهل الوصول إليه.
- ألا يكون لأهل البدع يد على المسجد.
- أن تكون الأرض وقفية، أو يتم التنازل عنها، وتسجل رسميا باسم المنتدى
الإسلامي في غالب الأحيان.. ولا تشتري الأرض إلا عند الضرورة القصوى.
٢- يتم الاتفاق على مقاول يتولى تنفيذ، وتصرف له التكلفة حسب مراحل
البناء، وتقوم لجنة المساجد في المنتدى بالإشراف ومتابعة التنفيذ.
٣- تضاف أحيانا - حسب الحاجة والإمكانات - بعض الملحقات مثل:
دورات المياة، بئر، مكتبة، مسكن للإمام، غرفة (خلوة) لتحفيظ القرآن الكريم
للأطفال أو النساء، مصلى للنساء.
ولقد بلغ إجمالي عدد المساجد التي بناها المنتدى حتى الآن ٤٠٦ مساجد،
أنشيء منها (٣٨) مسجدا خلال العام الماضي وحده، وكانت على النحو الآتي:
في بنغلاديش (١٠) مساجد، وثلاثة مساجد في كل من: التوجو، وجيبوتي،
ونيجيريا، وفي كل من: مالي، وكينيا مسجدان. وفي كل من: الصومال،
وإثيوبيا، وبنين مسجد واحد.
وفي خطوة لمد يد التعاون بين المنتدى الإسلامي وبعض الجمعيات الإسلامية
الموثوقة وذات المنهج الصحيح في الدول التي ليس للمنتدى فيها مكتب فرعي بنى
المنتدى الإسلامي بالتعاون مع تلك الجمعيات:
(٥) مساجد في اليمن، (٣) مساجد في السودان، ومسجدان في الهند،
ومسجدان في كردستان.
إطعام الطعام
تحقيقا لحديث رسول الله ﷺ : (من فطر صائما كُتب له
مثل أجره إلا أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء ... ) أخرجه السبعة، حرص
المنتدى الإسلامي أن يكون من مصارفه: إفطار الصائمين خلال شهر رمضان
سنويا، ويصاحب هذا الإفطار دروس تعليمية وتربوية ووعظية للرجال والنساء
يقوم بها دعاة المنتدى الإسلامي، وبلغت في العام الماضي (١٣. ٣٠٣) برنامج
دعوي، استفاد منها قرابة (٩٨٢,٦٢٩) شخصا، وقد أعدت اللجنة العلمية
بالمنتدى سلسلة من الدروس العقدية والفقهية والتربوية تعتبر مرجعا للدعاة في
دروسهم.
وقد بلغ عدد الوجبات في العام الماضي وحدة (٣٤٦,٧٠٠) وجبة، استفاد
منها ٤٠٩,٠٠٣, ١صائما في (٣٩) دولة، وهي الدول التالية:
مالي - جيبو تي - فلسطين - باكستان - أوغندا - إثيوبيا - إريتريا -
البوسنة والهرسك - إندونيسيا - السودان - اليمن - كمبوديا - تايلاند - الكاميرون
- الصومال - الفلبين - نيجريا - نامبيا - موزمبيق - مجموعة دول الكاريبي -
ليبيريا - غنيا بيساور - لبنان - بنين - كينيا - كردستان - كشمير - فيتنام -
غانا - سيرلانكا - سيراليون - سوريا - جنوب إفريقيا - توجو - تنزانيا - تشاد
- تركيا - بنغلاديش - الهند.
ومن خيرات هذا المشروع إسلام (٣٢٩) شخصا، استفادوا من الدروس
الدعوية المصاحبة لبرامج إفطار الصائمين والبيئة المؤثرة المصاحبة للإفطار - ولله
الحمد والمنة.
كما قام المنتدى بتنظيم مشروع ذبح الأضاحي وتوزيعها على الفقراء
والمحتاجين المسلمين في أكثر من ٢١ دولة، وبلغ عدد أضاحي العام الماضي
(٣٠٥٣) أضحية استفاد منها حوالي (٠٠,٣٥) شخص.
وقد تم تركيز على الدول المنكوبة والتي تعاني من الفقر الشديد كالصومال.
وفي هذا العام (١٤٢٠هـ) قام المنتدى بعمل إغاثي عاجل في (مدينة هرجيسة)
عاصمة شمال الصومال، لإغاثة ١٨٠ أسرة تضررت بسبب بعض العواصف،
نسأل الله السلامة.
كما كان للمنتدى الإسلامي وقفة مع إخواته المتضريين من السيول
والفيضانات في السودان بالطعام والدواء والكساء.
مسابقة علمية كبرى في مالي
أقام مكتب مالي مسابقة ثقافية خلال شهر رمضان واشترك فيها ما يزيد على
(٤٠٠) أربعمائة متسابق على مستوى الدولة وأقيم بهذه المناسبة حفل تكريمي
للفائزية وغطتها إعلاميا الإذاعات المحلية والتلفاز الوطني.
وحضرها كبار المسؤولين وأئمة المساجد ورؤساء الجمعيات الإسلامية
ومديرو المدارس العربية الإسلامية ووزع فيها ثلاثون جائزة على المتفوقين وجوائز
على الشخصيات الدعوية البارزة.
في كل ذات كبد رطبة أجر
يعد (مشروع حفر الآبار) من أكثر المشروعات التي يُقبل عليها أهل الخير،
نظرا لكونها من (الصدقة الجارية) ، وأيضا لحصول الأجر - إن شاء الله تعالى -
حتى ولو كان المستفيد منها حيوانا يروي ظمأه.
وقد وقع هذا الإقبال على حاجة ملحة في كثير من بلاد المسلمين، حيث
تعاني كثير منها من الجفاف والتصحر.. وإضافة غلى هذا الهدف الجوهري فإن
المنتدى يعتبر حفر بئر من أكبر العوامل لتأليف القلوب، كما أنه يُعد مركزا لتجمع
كثير ممن يقصدونه، ويحرص المنتدى على أن يكون المتابع لتشغيل البئر أحد
الدعاة.
ولذا: كان حفر الآبار أحد أهم المشاريع الإغاثية في المنتدى الإسلامي، ويعد
مشروع (عيون الحياة) لحفر الآبار الارتوازية في السودان من أبرز المشاريع
القائمة حاليا، وقد بلغ عدد الآبار المحفورة لهذا المشروع حتى الآن (١١٩) بئرا
ارتوازيا، و (٣١٥) بئرا سطحيا، في (٩) دول، ليكون مجموع الآبار
(٤٩٥) في (١٠) دول.
وإضافة إلى مشاريع الآبار أقام المنتدى الإسلامي (مشروع سلسبيل) للسقيا
في منقطة شرقي السودان، وهي منطقة تعاني من جفاف شديد، وهو مشروع قائم
على نقل المياة من مصادرها بخزانات كبيرة متنقلة، وتوزيعها على خزانات مياة
أصغر ثابة في أماكن التجمعات البشرية المحتاجة، ويقدر عدد المستفيدون من هذا
المشروع بما لا يقل عن ٠٠٠,٥٠ شخص.
كافل اليتيم
عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة
هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا) (متفق عليه) .
كفالة المسلمين لأيتامهم إضافة إلى كونها واجبا شرعيا وإنسانيا فإنها أيضا
تشكل حصنا ضد وقوع هذا اليتيم في براثن المنظمات التنصيرية والتغريبية.
ومع إدراك القائمين على هذا المشروع بأنهم مهما قدموا لليتيم من مساعدة
ودعم فلن يعوضوه الحنان والعطف والرعاية التي فقدها فقد أحد والديه أو كليهما..
فإنهم لا يستقلون إدخلا البهجة والسرور والرعاية الاجتماعية والتعليمية على اليتيم
وأسرته من خلال هذا المشروع، وهذا ما يلحظونه في عيون هذه الأسر.
وقد استطاع المنتدى - بفضل الله تعالى - كفالة (٣٥٥) يتيما في العام
الماضي وحده، شاملة الغذاء والكساء والتعليم، تفصيلهم الآتي
الدولة ... ... عدد الأيتام
----------------------
الصومال ... ٢٢٨
بنجلاديش ... ٣٠
كينيا ... ... ٤٣
توجو ... ... ٤٠
بنبن ... ... ٥
مالي ... ... ٨
جيبوتي ... ... ١
----------------------
المجموع ... ... ٣٥٥
كما يقوم المكتب بالتعاون مع بعض الجمعيات الخيرية الموثوقة في دعم كفالة
الأيتام لدى هذه المؤسسات.
مخيمات مكافحة العمى
تم - بحمد الله - بالتعاون مع مؤسسة البصر الخيرية العالمية، (وهي
مؤسسة إسلامية طبية متخصصة في مكافة العمى) إقامة مخيمين لمكافة العمى
خلال العام الماضي وحده في كل من مالي - الصومال؛ حيث تقوم مؤسسة البصر
بتوفير الطاقم الطبي والأدوية، ويقوم المنتدى الإسلامي بالترتيبات الإدراية
والنظامية مع الجهات المعنية، كما يقوم مكتب المنتدى كذلك في الدولة المقام فيها
المخيم بتنظيم دعوي يستمر طوال فترة إقامة المخيم.
ومتوسط فترة إقامة هذه المخيمات ما بين أسبوع إلى عشرة أيام يجري فيها
فحص آلاف المرضى وتجرى عمليات جراحية للمئات منهم، كما توزع فيها آلاف
النظارات وآلاف الأدوية وكانت على النحو الآتي:
- عدد الكشوفات الطبية (٨. ٥٠٠) حالة
- صرف الأدوية (٣. ٥٠٠) دواء
- عدد النظارات الطبية الموزعة (٢. ٨٩٢) نظارة
- عدد العمليات الجراحية (٩٢٠) عملية.
هذا وتم إيواء وتغذية المرضى خلال فترة المخيم.
ويعزم المنتدى بالتعاون كذلك مع مؤسسة البصر الخيرية على إقامة مخيمين
لمكافحة العمى في كل من بنين ومالي.
стр. 3265
المسلمون والعالم
تيمور الشرقية..
ذئاب الصليبية تفترس الغنمة القاصية
د.توفيق محمد علوان [*]
كنا قد تعرضنا في مقال سابق - معركة الإسلام في إندونيسيا (العدد ١٤١) -
إلى تيمور الشرقية في إندونيسيا باعتبارها مثالاً فاجعاً على نوع من أشد أنواع
التنصير ضراوة وخبثاً، ولم نكن نظن أن الأحداث سوف تتداعى بهذه السرعة
المذهلة لتثبت - دون ريب - ما ذهبنا إليه، وما أطلقناه حينئذٍ من صرخة مدوية
كي يستيقظ المسلمون من غفوتهم المدمرة؛ ذلك أن التعامي عن الخطر الماثل في
هذه القضية لم يعد تخاذلاً معيباً فحسب، بل هو فاقرة مدمدمة وكارثة عقدية بالمعنى
الحرفي للكلمة. إن الاستعمار البرتغالي والهولندي والإنجليزي المتتابع لهذه البلاد
قد خلف التلمظ الصليبي على أشرس حالاته تعطشاً وافتراساً؛ يضاف إلى ذلك
الهيمنة الأمريكية المتغطرسة والمنحازة دون مواربة أو خجل وبصورة دائمة إلى
صف الصليبية واليهودية، مع ما تستدعيه الحالة المزرية التي انتهت إليها بعض
أقطار العالم الإسلامي من الغفلة المميتة.
العار.. مسلمون يباركون غزو الصليب:
والأشد من ذلك عاراً وخيانة تلك الحالة المشينة من انحياز بعض الأبواق
المنسوبة للإسلام لصف الصليبية من غير تورع أو حياء، بل راحت - مع الأسف- تردد الدعاوى الصليبية الحاقدة، في الصحافة الغربية عند تناولها لهذه القضية
دون تفكير.
ومن أمثلة ذلك: تصدير إحدى المجلات العربية تناولها لقضية تيمور الشرقية
بقولها:
(كان ينبغي ألا يربح دعاة الاستقلال التام الاستفتاء من أجل أن يحافظوا
على حياتهم) (في تعريض صريح بالجهود المستميتة لمن أرادوا أن يستبقوا تيمور- كما هو مفترض - جزءاً لا يتجزأ من إندونيسيا المسلمة وسط تدخلات دولية
جبارة وظالمة وضغوط غربية على غاية الضراوة) ، وقالت: (الحل الذي ارتآه
الجيش على ما يبدو هو الوقوف وراء الميليشيات المعادية للاستقلال والتستر على
ما تقوم به من انتهاكات) (وكأن تدخل الأمم المتحدة المتحدثة الرسمية باسم أمريكا،
وتدخل الفاتيكان، وتدخل دول الجوار الصليبي كأستراليا، وتدخل دول غرب
أوروبا جماعياً في تقرير مصير واحدة من محافظات عددها سبع وعشرون محافظة
في دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، كل هذا لم تعتبره المجلة
الموقرة (انتهاكات) ، أما قتال المسلمين في تيمور المهددين بالفناء الكامل والإبادة
الجماعية والمذابح والاغتصاب - في حال إعلان الاستقلال - بما هو معلوم من
(عدالة) المجتمع الدولي تحت علم الأمم المتحدة والمجربة على أفدح صورة وأبشعها
في البوسنة ومن بعدها كوسوفا، وغير ذلك مما لا يخفى على مبصر؛ فإنه -أي
ذلك القتال- في نظر المجلة الموقرة هو (الانتهاك والقتل والتدمير) وقالت: ...
(وكان سلوك الجيش الإندونيسي مريباً على امتداد هذه التجربة السوداء - لا سيما
بعدما جزم الصحفيون الغربيون ومراقبو الأمم المتحدة بأن عسكر جاكرتا لا يكف
عن استفزازهم بغرض ترحيلهم إلى خارج تيمور) ، كما وصفت المجلة الجيش
الإندونيسي الذي يقوم بأخص واجبات أي جيش في أية دولة ألا وهو ضبط النظام
والأمن عند اشتعال الفوضى في أية بقعة من البلاد وصفته المجلة الموقرة بأنه
(جيش الاحتلال لتيمور منذ عام ١٩٧٥م) (المجلة الموقرة يبدو أنها مصابة بعمى
الألوان حتى إنها تعتبر تدخل جيش دولة للسيطرة على الأمور المتردية فيها
(تجربة سوداء) بينما وجود الصحفيين والأجانب وإقحام أنفسهم في هذه القضية
الداخلية تعتبره نوعاً من التصرف الذي لا يثير أي نوع من الريبة أو الغضاضة؛
فالمجلة الموقرة التي اعتبرت هذه التجربة الداخلية سوداء كان عليها أن تنظر فقط
إلى أحوال المسلمين تحت الحماية الدولية في كوسوفا، وأن تنظر إليهم في داغستان
وفي فلسطين وفي لبنان وفي كشمير تحت القوى الهمجية المختلفة لكي تميز بدقة
الفرق بين الألوان وخاصة اللون (الأسود) منها؛ خصوصاً بعد أن أكدت المجلة
الموقرة ذاتها:
(أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد حذر الحكومة الإندونيسية أن عليها في
حال فشلها في تيمور أن تستعين بقوات خارجية) ، وبينما أدلى الأمين العام للأمم
المتحدة كوفي أنان مهدداً بإجراءات دولية، وحمَّل الرئيس البرتغالي جورجي
سامبايو الأمم المتحدة ومجلس الأمن مسؤولية ما قد تؤول إليه أوضاع تيمور؛
فالمجلة الموقرة لا ترى في هذا الهجوم المتعدد الأذرع على مستوى الصيليبيين بدءاً
من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس البرتغالي جورجي سامبايو، مع التهديد
السافر بالتدخل في شؤون دولة عضو في الأمم المتحدة، لم تجد المجلة الموقرة في
هذا ما يدعو للاستنكار أو العتب، ولا عجب بعدما تحولت بعض الأقلام والأبواق
(المسلمة) إلى ببغاوات تردد من دون وعي أو تدبر ما ينطق به السادة الصليبيون
في الغرب، وهو ما يمثل أبشع فصول هذه المأساة وأشدها شناعة؛ إذ تمزق
أطراف الجسد الإسلامي بمباركة أقلام وألسنة إسلامية؛ فإذا نحن أمام صورة قاتمة
كئيبة على غاية المرارة والألم [١] .
ولما كان الحكم على أي قضية فرع من تصورها، ولما رأينا الكثيرين من
المفكرين والكتاب حال تناولهم لهذه المسألة - وبغض النظر عن إخلاصهم أو عدمه - قد شاب تناولهم القصور نظراً للجهل بالمعلومات الأولية عن هذا الركن من العالم، ومن واقع تجربتي الذاتية من خلال عملي أستاذاً للتفسير في الجامعة الإسلامية
الحكومية في إندونيسيا LAIN، ومن واقع معايشتي لواقع هذه المسألة المؤلمة
وغيرها مما خفي وكان أعظم من أحوال إندونيسيا مع الصليبية والأطماع الوحشية
التي لا حد لها في تنصير إندونيسيا، فلسوف أبدأ بإعطاء القارئ الكريم معلومات
مجردة عن تيمور سواء من ناحية التاريخ أو الجغرافيا أو الثروات يقيناً بأن هذا هو
الأصل الأول الذي تنبني عليه أية رؤية راشدة لتلك المسألة الشائكة المصيرية.
المكان والسكان:
- المساحة: ١٤. ٨٧٤ كيلو متر مربع.
- العاصمة: ديلي.
- الحدود الجغرافية: بحر باندا ومضيق ويتار شمالاً، بحر تيمور جنوباً،
محافظة نوساتيجارا الشرقية غرباً، بحر مالوكا شرقاً.
- الأنهار: نهر لاشو، نهر سيشال، نهر سوماسي، نهر ماروبو، نهر
بيلوليك.
- الجبال: جبل تارومان، جبل موندو بيرديدو، جبل لاكولو.
- البحيرات: بحيرة سوروبيل، بحيرة مالاي.
- درجة الرطوبة في الجو: ٨٣%.
- درجة غزارة الأمطار: ١٢٠٠ - ١٣٠٠ مليمتر في السنة.
- الثروة الحيوانية والنباتية:
النبات: أنواع أخشاب متميزة، الخشب الأحمر، خشب الرقائق، وغيرها
من أنواع الأخشاب.
الحيوان: القرود والخيل والبقر وبعض الحيوانات المميزة لإندونيسيا.
- عدد السكان: ٧١٩، ٨٣٩ نسمة (حسب إحصاء ١٩٩٥م) .
- كثافة السكان: ٥٦ شخصاً لكل كيلو متر مربع.
الديانات:
- مسلمون: ١.٧ %.
- بروتستانت: ٢.٧ %.
- الروم الكاثوليك: ٩١.٤%.
- الهندوس: ٠.٣ %.
- البوذيون: ٠.١ %.
المنتجات الرئيسة:
- المنتجات الزراعية: الأرز، الذرة، البن، وغيرها.
- المنتجات التجارية: الزيت، الكاكاو.
- الحيوانات الأليفة: الأبقار، الجاموس، الخيل، الأغنام، الدجاج،
الخنزير.
- الثروة السمكية: التونا، وغيرها من الأسماك البحرية.
- الغابات: أنواع الأخشاب.
- أعمال يدوية: حرف في نقش المعادن، النسيج.
- البترول (النفط) حيث ظهر مؤخراً.
- الأماكن السياحية:
حديقة مينا ياتور، شواطئ باسير بوتيه، شواطئ ليكيسا، أماكن الحرب
العالمية الثانية.
- الخدمات الفندقية: ٢٢ فندقاً خمسة نجوم فأقل (حسب إحصاء ١٩٩٤م) .
الإسلام والصليبية وجهاً لوجه: هيئة الأمم المتحدة الأمريكية:
ببالغ الأسف والمرارة، يتبين لنا عند مراجعة الإحصاءات الرسمية أن
الهجوم التنصيري الصليبي المتواصل وطوال أربعة قرون ماضية يمضي مصحوباً
بحرب عنصرية جبارة من دول البرتغال وأسبانيا وهولندا، والآن عن طريق
الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مجتمعة مع الفاتيكان، وتسخير الأمم المتحدة
كما سيأتي بيانه من أجل تمزيق الجسد الإسلامي في إندونيسيا وقطع تيمور الشرقية
نهائياً منه لتتحول إلى دولة نصرانية عنصرية متعصبة لبث الفرقة والفوضى في
هذا الجزء العزيز النائي من الوطن الإسلامي الأكبر، وحتى تنهال عليها الإمدادات
العسكرية والاقتصادية لتكون رأس جسر مسموم لتحقيق الأمل الصليبي الذي لم يفلح
في تنصير إندونيسيا المسلمة؛ حيث إن جميع الوثائق التي بثتها مؤتمرات التنصير
قد رشحت إندونيسيا لأن تكون أول دولة إسلامية تتحول إلى النصرانية، بل إنهم
قد حددوا عام ٢٠٠٠م لتحقيق هذا الحلم المحموم، فلما جاءت سنة ٢٠٠٠م ولم
تزدد إندونيسيا إلا ارتباطاً بالإسلام والمسلمين جن جنون عصبة القساوسة
والمنصرين في الفاتيكان والدول الغربية الوالغة في دماء المسلمين، وقد بدا ذلك
على صورته الشنعاء في تهديدات الرئيس كلينتون، وتوجيهات الفاتيكان، واتحاد
دول أوروبا مجتمعة لفصل تيمور، كما بدا في اللهجة الهجومية المتوعدة التي ليس
لها سابقة من سكرتير عام الأمم المتحدة، ذلك الذي لزم الصمت المخزي إزاء
اندفاع قوات الأطلنطي في كوسوفا، والصمت المخزي طوال فترة الحصار على
العراق، والصمت المخزي طوال فرض الحصار على ليبيا، والصمت المخزي
طوال عربدة (إسرائيل) في عهد نتنياهو، وفي العهد الحاضر في فلسطين ولبنان،
هذا الصامت الأبدي، الآن قد نطق فجأة وفي أفصح لسان وبأقوى العبارات
المتعصبة المتوعدة للحكومة الإندونيسية، المهددة بالويل والثبور وعظائم الأمور،
الداعية دون رحمة لمنع بيع السلاح إلى إندونيسيا قاطبة، المعاتبة الرئيس
الأمريكي على رقته ووداعته وتدليله للحكومة الإندونيسية، السكرتير العام للأمم
المتحدة الذي لزم السكوت التام إزاء المجازر المتتابعة لدماء المسلمين في كشمير
وداغستان وجمهوريات الاتحاد السوفييتي الهالك، الصامت إزاء العدوان الهمجي
الأمريكي دون سبب على السودان، الصامت على التحريض الغربي المستمر
للشرذمة المثيرة للفساد في جنوب السودان، الآن تفوه بأقسى العبارات المزمجرة
لفصل تيمور عن إندونيسيا ولاتهام الحكومة الإندونيسية بالتدخل في الحريات
الشخصية. إن السكرتير العام الناطق باسم أمريكا والعالم الغربي بأسره قد أفصح
معبراً عن أشد الوجوه الصليبية ضراوة، أولئك المتمسحون بعدم التدخل في
الشؤون الداخلية للبلاد، فقضوا باستبعاد واغتصاب وتمزيق أطراف المسلمين في
صربيا العاتية المجرمة الجبارة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لروسيا، فقضوا
بالحرب التي لا هوادة فيها على داغستان، والشيشان من قبل ومن بعد، وغيرها
من الجمهوريات الإسلامية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للهند فقضوا بسحق
الفئة المسلمة في كشمير. الآن أصبح التدخل الدولي السريع بالقوات الدولية
المقترحة تحت قيادة أستراليا عملاً من أعمال العدل وإقرار السلام العالمي ورحمة
وحماية الأقليات، تمزيق الجسد الإسلامي إرباً إرباً حماية للسلام العالمي والأمن
العالمي، هذا هو المنطق الصليبي الجبار الذي كشف اليوم عن أشد الأنياب تهجماً
وضراوة.
لماذا غَيَّر الغرب وجهه؟
هل تكون هذه هي الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل الصليبي الدامي في أحشاء
الجسد الإسلامي ولقهر المسلمين وإخضاعهم طوعاً أو كرهاً للمقررات الصليبية
الجائرة التي أصابتهم بالخسائر الفادحة في عقائدهم وديارهم بعدما واتت الفرصة
الكاملة الآن لتغيير مواقف الغرب بصورة فاجعة بعد أن كان الغرب نفسه أول من
عزز القوات الإندونيسية في عهد الرئيس السابق سوهارتو ورفض انفصال تيمور
عن إندونيسيا، وبعد أن قرر شعب تيمور في الاستفتاء الرسمي عام ١٩٧٦م
الانضمام إلى إندونيسيا الوطن الأم؟
إن سبب هذا التحول الجذري في مواقف الغرب يرجع إلى أسباب:
١ - أن القوات التي كانت تطالب سابقاً بتحرير تيمور إنما كانت قوات
شيوعية تابعة للمعسكر الشرقي إبان قوة الاتحاد السوفييتي السابقة؛ فالغرب وإن
كان قد بذل جهوداً كبرى على مستوى التنصير وكذلك على مستوى الغزو العسكري
المباشرة للاستئثار بتيمور وغيرها من الجزر الإندونيسية المتفرقة، إلا أن
الشيوعيين قد ركبوا موجة التحرر، فكان من الحكمة آنذاك إبقاء إندونيسيا وتيمور
جسداً واحداً يتم فيه استئناف جهود التنصير وبث الفتنة، وذلك عند الغرب خير من
فصل تيمور تحت حكومة موالية للاتحاد السوفييتي آنذاك.
٢ - وجود المعسكر الشرقي بكامل قواه المتحدية للمعسكر الغربي، وقيام
الحرب الباردة بين المعسكرين كان عنصراً كابحاً وملجماً للرغبات الشريرة للغرب
الصليبي في تتويج جهود المنصِّرين لأربعة قرون عن طريق دولة صليبية مستقلة
في تيمور الشرقية.
٣ - الأمم المتحدة آنذاك كانت بصورة أو بأخرى تمثل رغبات جميع
الأطراف المشاركة فيها بغض النظر عن توجهاتهم؛ مستبقيةً على الحد الأدنى من
التوازن الظاهري ومانعة من استئثار طائفة دون أخرى بالمقررات والعقوبات
والتهديدات والتدخلات في شؤون الدول الأخرى.
٤ - تخوُّف الولايات الأمريكية بالذات من الأعمال المتهورة والتصرفات
الطائشة التي بدأت تمارسها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتحسبها من الإقدام
على أعمال تكلفها غالياً سواء من المواجهة المباشرة من الدول المعنية أو الرغبة
المبدئية في المعارضة من المعسكر الشرقي دون النظر إلى الموضوع.
٥ - اجتماع الطبيعة العدوانية، والتعصب الصليبي، والانحراف الأخلاقي،
والرغبة في احتقار الدول الإسلامية، مع انتفاء عوامل الخوف من العواقب
الانتخابية كلها جميعاً مع الظروف الدولية المواتية في رئيس واحد هو الرئيس
الأمريكي بيل كلينتون الذي وجد نفسه مطلق اليد وهو الذي لا يحول بينه وبين
رغباته وازع من ضمير، مع رغبته الدفينة في إذلال المسلمين مع مواقفه السابقة
خصوصاً في العلاقات بين (إسرائيل) والعرب المؤدية إلى أشد حالات التحيز
ظهوراً، وتعصبه الأعمى لليهودية والنصرانية، مع انتفاء الخوف مع الانتخابات
القادمة حيث قضى سنواته في الرئاسة كاملة، كل هذه العوامل عجلت بتحقيق الحلم
الصليبي على يديه ووجود البوق الدولي الخاضع دون حيلة لمقررات أمريكا في
صورة الأمم المتحدة وأمينها العام الخاضع للأذقان.
هذه هي الأسباب المتراكمة التي تذهب بكل عجب من تخلي الغرب عن
مواقفه السابقة بالكامل وتبنيه السياسات المعتمدة عنده من تمزيق أطراف الجسد
الإسلامي دون رحمة؛ ومن شاء دليلاً دامغاً على ذلك فليراجع وقائع محاكمات
المفكر الفرنسي روجيه جارودي الذي أشهر إسلامه وأعلن أسرار المخطط الغربي
لتمزيق الدول الإسلامية المحيطة بـ (إسرائيل) وشرذمتها إلى دويلات تمكن
(إسرائيل) من التسيد على جيرانها من الدول الإسلامية ممهورة بالخرائط المبينة
للخطط الكاملة للتقسيم التي شملت: مصر وسوريا والعراق ولبنان، وغيرها من
الدول.
وقد نشرها بنصها مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام بمصر فمن شاء
فليراجعها، فهي عظيمة النفع في هذا المقام للتعريف بالطابع الإجرامي المتعمد
لمخططات الغرب البالغة التعصب، وكذا فليراجع تصريحات رئيس الوزراء
البريطاني الأسبق جون ميجور الذي أعقب تاتشر في رئاسة الوزارة البريطانية إبان
أزمة البوسنة والهرسك، فإن وضوحها في هذا المقام لا يحتاج إلى بيان حاشا من
طَمَسَ اللهُ على بصيرته وأعمى قلبه فلا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً.
أولاً: ذئاب جائعة وغنم قاصية:
لقد تركز الهجوم الصليبي الكاثوليكي على تيمور ضمن الهجوم الشامل على
إندونيسيا المسلمة من أقصى الشرق؛ حيث عانت هذه المنطقة من نقاط ضعف
بالغة الخطر أحالتها إلى فريسة سهلة أمام الذئاب الصليبية المتعطشة للافتراس وهذه
النقاط كما يلي:
١ - بعدها الجغرافي الشاسع عن مناطق التجمعات الإسلامية الحاشدة في
جاوة وسومطره وكاليمنتان وغيرها من حاضرات الإسلام التي يحتشد فيها تسعون
بالمائة من تعداد السكان البالغ مائتي مليوناً من المسلمين، مما أضعف تأثير الإسلام، وحال دون النجدة في حال الرغبة الإسلامية في ذلك، وكذلك تعرضها للنسيان
والإهمال نظراً للمسافات الهائلة التي تفصلها عن سائر الجسد الإسلامي.
٢ - المسألة الخطيرة وهي: قربها دون أي حائل من مراكز التنصير الهائلة
في هذه المنطقة من العالم (أستراليا والفلبين على سبيل المثال) والتي لا تألو جهداً
في اقتحام هذه الدولة الإسلامية، وإمداد المنصرين بكل احتياجاتهم ومتطلبات
دعواتهم الهدامة؛ فإن تيمور الشرقية (المسلمون ١.٧ % من عدد السكان،
والكاثوليك ٩١.٤ %، والبروتستانت ٢.٧ %) تشترك مع نوساتنجارا الشرقية ... (المسلمون ٩.١٢ % من عدد السكان، والكاثوليك ٥٢.٨٩ % والبروتستانت ٣٣.١٦ %) سيأتي الكلام عليها فيما بعد؛ حيث إن هذه هي فريسة المستقبل التالية لتيمور لا سمح الله إنهما تقعان في ركن واحد من إندونيسيا في مجموعة من الجزر، وعاصمة تيمور هي (ديلي) ، وعاصمة نوساتنجارا هي (كوبانج) وتقع في الجنوب الغربي للمنطقة، وكما يتبين لك من الأرقام فقد تم للصليبية السيطرة الكاملة على الشمال والجنوب قسمة بين البروتستانت والكاثوليك، أما الأمر البالغ الأهمية فهو الموقع الجغرافي للجزيرة بكاملها؛ فإنها تقع في أقصى الشرق والجنوب من إندونيسيا، ليس وراءها جزر أخرى، ولا يفصلها عن استراليا إلا (بحر تيمور) ، فغدت فريسة سهلة، وهذا سبب جوهري في سقوط تيمور على هذا الوضع المأساوي، وليست وحدها التي واجهت هذا المصير (من وراء ذلك: سولاويسي إيريان جايا وغيرها) ، وسنأتي على ذكر الأخطار الداهمة التي تنتظرها في مقام آخر - إن شاء الله - وغني عن البيان شرح أسباب المصير المحتوم الذي كان ينتظرها مع بعدها في أقصى طرف إندونيسيا بحاجز مائي مع مركز صليبي حاقد ينفث السموم ويؤلب الفتن بالليل والنهار، فواجهت هذا المصير المؤلم في غيبة الوعي والنجدة وأدنى حاجات الإنقاذ من الجسد الإسلامي المثخن بالجراح.
ثانياً: من مناجم الذهب إلى أرض الديناصورات:
بالنظرة الفاحصة لسبب اختيار الصليبيين لهذه الجزيرة بالذات مكثفين
جهودهم لمدة تناهز ثلاثة قرون وحصولهم على النتائج الحالية، نجد أن هذه
الأراضي لها من الخصائص الطبيعية ما يؤدي دون عنت إلى الفهم الكامل لسبب
المأساة الراهنة، وبيان ذلك ما يلي:
أولا: جزء من الاختيار قد ركز على الثروات الطبيعية؛ ففي تيمور الشرقية
ثروة من الأخشاب المتميزة بنوعيتها وأثمانها الغالية، وعلى الرغم من أن معظم
أجزاء إندونيسيا تغطيها الغابات، إلا أن تيمور الشرقية بها من الأخشاب المتنوعة
التي توفر ثروة كبيرة (ربما لا يستطيع السكان مع بدائيتهم الاستفادة من الثروات؛
حيث إن تيمور هي ثاني أفقر محافظة في إندونيسيا من ناحية دخل الفرد؛ غير أن
مقصود القوى الصليبية البحث عن إمكانات الثروة؛ حيث يمكن بعد ذلك دون جهد
استغلالها حسب مقتضيات المخطط الصليبي) .
ثانياً: الموقع الاستراتيجي لاستغلال تيمور التي تعتبر رأس جسر لمواصلة
العملية التنصيرية من أجل التمزيق النهائي لإندونيسيا، ويكفيك دليلاً على أن تيمور
لها هذا الموقع البالغ الحساسية أنها كانت هي المرتكز للقتال بين الحلفاء والمحور
في الحرب العالمية الثانية؛ بحيث صارت بقايا هذه المواقع الحربية آثاراً تتميز بها
تيمور الشرقية باعتبارها مناطق أثرية يطالعها الزائرون من كل مكان؛ وإذن، فهي
قاعدة نموذجية لمن أراد الارتكاز والهجوم أو الارتكاز وبث الفتن والقلاقل، وقد تم
بنجاح تجربة ذلك في الحرب العالمية الثانية كما بينا.
ثالثاً: كون المكان نائياً وبعيداً عن المدنية والتحضر؛ حيث تنعدم المقاومة
ويفشو الجهل وتنتشر العماية والتخلف بين سكانها؛ بحيث يسهل توجيههم دون
مراجعة، فإن أهالي هذه المنطقة من إندونيسيا يعيشون في حالة من الجهالة المطبقة، كما أن حياتهم بالغة البدائية (يسمونها في إندونيسيا) (bedi) (بدوي) (أي بدائي: وهي كلمة إندونيسية من أصل عربي) فبعضهم قبائل شبه عراة حفاة بريون لا يعرفون عن العالم من حولهم شيئاً، وإنَّ استمالتهم بأقل الهدايا والعطايا له التأثير البالغ نظراً لبعدهم عن العمران وحياتهم البدائية المفرطة، وهي مجاهل وأحراش تتناوشها أمراض قاتلة، فإن نوساتنجارا الشرقية (التي تعد تيمور الشرقية جزءاً منها) هي أقل جزيرة من ناحية سقوط الأمطار على مستوى إندونيسيا بكاملها وينتشر فيها الضعف وفقر الإمكانات؛ فالأهالي الذين تحولوا إلى النصرانية في هذه المنطقة من إندونيسيا لم يتحولوا حباً في النصرانية، وإنما حباً في هدايا وعطايا الأرز والقمح؛ حيث يعيشون حياة برية وسط أحراش قاحلة وجزر متباعدة متفرقة (نوساتنجارا الشرقية تتكون من ١١١ جزيرة مساحتها الكلية ٤٨٠٠٠ ... كيلو متر مربع) بمعنى أن مساحة الجزيرة الواحدة منها في المتوسط من ٤٥٠ - ٤٨٠ كيلو متر مربع) وأكبر هذه الجزر هي تيمور الشرقية.
ولنا أن نتصور هذه الجماعات المتفرقة على هيئة قبلية في عدد يزيد على
مائة جزيرة متباعدة يطحنهم الفقر لندرة الأمطار وتفشو فيهم الجهالة والبدائية،
وكأنهم يعيشون ما قبل التاريخ، وبالفعل فإن مناطقهم على مستوى إندونيسيا هي
الوحيدة التي ما زالت ترتع فيها أنواع الزواحف العملاقة الشبيهة بالديناصورات،
وهي لا توجد في أي منطقة أخرى في العالم، حتى أصبحت مزاراً لمن أراد أن
يرجع بذاكرته إلى عهد الديناصورات الأولى.
ثالثا: الخنجر المسموم: الدولة المسخ.. ولا مؤهلات:
لقد عرف الصليبيون هذه الصفات فنزلوا هناك ومعهم الأرز والهدايا فأحالوا
هذه الأحراش الموحشة إلى النصرانية دون مقاومة تذكر، ثم ها هم اليوم يحيلون
هذه الأحراش الموحشة إلى دولة مستقلة ذات سيادة ستنضم إلى أسرة الأمم المتحدة
أسرع من البرق ثم تنهال هناك الإمدادات العسكرية والمالية، ليس لأهلية الأهالي
لأن يكونوا دولة مستقلة، ولا حتى لأهليتهم لأن يكونوا إقليماً ذا حكم ذاتي، وإنما
لأهلية المنطقة بكاملها لأن تكون خنجراً مسموماً لطعن الجسد الإسلامي المثخن
بالجراح في إندونيسيا المسلمة؛ ومن هنا فإننا نرفع اليوم عقيرتنا مرة أخرى
لتحذير المسلمين في أنحاء العالم بأن ما يحدث اليوم في تيمور الشرقية - إن تم
التغاضي عنه، ومر دون رد فعل إسلامي مناسب (لا سمح الله) - فستسمعون
قريباً عن نظائره الكثيرة في هذه الرقعة النائية المنسية من عالمنا الإسلامي الكبير،
وكل المناطق قبل تيمور كانت في الخطر الداهم؛ فكيف وبعد قيام دولة صليبية
مستقلة تتولى كبر الأحقاد البابوية، أحقاد الرهبان ذوي الأنياب الدامية المتخفية
خلف أشد الوجوه مسالمة وسماحة، وجوه الرهبان أصحاب العيون الوادعة والشفاه
المبتسمة، أصحاب القلوب الميتة المريرة الزرقاء.
ولما كان الجسد الإسلامي من أوله إلى آخره وحدة لا تنفصم لها عرى، فهذا
نداء من القلب إلى الدعاة الربانيين من كل جانب، الذين يفزعون عند كل صيحة
ينصرون الله ورسوله.
إنه نذير مبين من أقصى الأرض وحجة دامغة على كل من سمعه من أتباع
محمد ﷺ ، أن يقولوا يوم القيامة: إنا كنا غافلين، أو يقولوا: ما
كان لنا بذلك من علم.
إن الأرقام المؤلمة لتنطق بحقائق دامية، وعلى كل داعٍ إلى الله - تعالى -
وكل كاظم يريد الله ورسوله والدار الآخرة أن يضعها عصائب على عينيه، فلا
ندري: ربما انقذف من ظهر الغيب جيل باهر يدافع دون تراخٍ عن جهاد
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فكانوا نبوءة محمد صلى الله عليه
وسلم وقد بعثت حية تنطق بعد أكثر من ألف عام.
ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد!
стр. 3266
المسلمون والعالم
في المغرب جدل بين الإسلاميين والعلمانيين
حول قضايا المرأة والأسرة
البشير العوني - محمد إكيج
يسود الساحة المغربية هذه الأيام نقاش بين المدافعين عن الهوية الإسلامية
وبين بعض الجمعيات اليسارية حول مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية الذي
أعدته كتابةُ الدولة للرعاية الاجتماعية والطفولة والأسرة في مارس ١٩٩٩م.
ويحتدم النقاش المغربي على الخصوص حول الجانب المتعلق بمدونة الأحوال
الشخصية وهي القانون المغربي الأوحد المنبثق كليةً من الشريعة الإسلامية، وينظم
الأسرة في الزواج والطلاق والميراث.
ومن بين التعديلات المقترحة على المدونة:
١- منع تعدد الزوجات: يقول مشروع الخطة: (تشكل هذه المؤسسة تهديدا
للاستقرار الأسري، وقد تعرضت التجاوزات المتولدة عن هذه المؤسسة ومؤاخذة
عدة مفكرين وعدة منظمات نسائية، اعتباراً من جهة لروح النص القرآني الذي
يعلن ويقر بكل وضوح أنها مصدر لا عدالة بين النساء، لذلك يجب حذفها لا
تقييدها فقط، كما يجب إخضاع الحالات الاستثنائية لقبول الزوجة الأولى ولتقييم
القاضي) . (ص ١٢٩) .
٢- جعل الطلاق بيد القاضي: يقول مشروع الخطة عن الطلاق: (يجب
على المشروع أن يخص أيضاً هذه المؤسسة التي تمثلهما ﴿أي الرجل والمرأة﴾
بالنسبة للنظام العائلي وللنظام الاجتماعي على السواء إلى أن يقول:) وبإقرار
الطلاق القضائي وسيلةً وحيدة لفسخ عقد الزواج يساهم المشرع المغربي في تعزيز
مؤسسة الزواج) (ص ١٢٨ - ١٢٩) .
٣ - رفع سن الزواج بالنسبة للفتاة إلى ١٨ سنة: يقول مشروع الخطة:
(الرفع من سن الزواج إلى ١٨ سنة، وذلك طبقاً للاتفاقية الدولية المتعلقة بحقوق
الطفل التي صادق عليها المغرب في يونيو ١٩٩٣م بدون تحفظ) (ص ١٢٨) .
٤ - إلغاء الولاية عند عقد الزواج: يقول مشروع الخطة: (يجب أن يكون
إلزام اللجوء إلى الولي أثناء عقد الزواج ثانوياً؛ بحيث يسمح للفتاة الرشيدة أن تعقد
زواجها دون سُلْطة الولي إذا رغبت في ذلك، ويستمد مبدأ الوصاية جذوره من
التقسيم الجنسي للمجال الذي عرفه المجتمع المغربي التقليدي، لذا فالطابع الإلزامي
للولاية لم يعد له مبرر بمرجع إلى الأدوار الجديدة للنساء في المجتمع من جهة،
وإلى تأخر سن الزواج من جهة أخرى) (ص ١٢٨) .
٥ - توزيع الممتلكات مناصفة عند الطلاق: يقول مشروع الخطة: (احتراما
للعدالة باعتباره مبدأ مؤسساً للإسلام، واعترافاً بتضحيات المرأة طول الحياة
الزوجية على القاضي الذي يعلن الطلاق أن يفصل في توزيع الممتلكات المحصلة
خلال فترة الزواج، وأن يسمح للمرأة المطلقة بنصف هذه الممتلكات التي ساهمت
فيها سواء من خلال عملها داخل البيت أو عن طريق عمل مأجور) (ص ١٣٠) .
٦ - عدم إسقاط الحضانة عن المطلقة بسبب بعدها، وإحداث محكمة خاصة
بمشاكل الأسرة.
ردود فعل الهيئات العلمية:
وقد جاء الرد الأول قوياً من قِبَل اللجنة العلمية التابعة لوزارة الأوقاف
والشؤون الإسلامية التي أوضحت أن مراجعة المدونة يجب أن تسند إلى العلماء
المختصين؛ حيث يوجد من بينهم الرجال والنساء، ثم توالت بعد ذلك البيانات من
هيئة العلماء ومنها:
- جمعية رابطة علماء المغرب، التي أصدرت بياناً جاء فيه: (إن علماء
المملكة المغربية ينددون بما تضمنته بنود الخطة المقترحة، وديباجتها من استخفاف
بالتشريع الإسلامي وتهديد استمرارية الإسلام الذي تضمنته تلك البنود المناهضة
لأصول الأحكام الإسلامية كتاباً وسنة) .
ويضيف البيان: (إن مشروع الخطة المقترح - حسب ما تبين فيه - يؤدي
إلى المزيد من دفع الشباب للعزوف عن الزواج، ويفتح الباب في وجه الانحلال
الخلقي والتفسخ العائلي، ويشيع الفساد والفجور في المجتمع، ويؤدي أيضاً إلى
القضاء على الغيرة والشرف؛ هذان العنصران الهامان اللذان قال عنهما أمير
المؤمنين - يقصدون الملك الحسن الثاني - في كتابه: (ذاكرة ملك) : (أما عندنا -
نحن المسلمين - فإن الحفاظ على شرفنا يمتزج مع الحفاظ على عقيدتنا، وإن
الإنسان بدون شرف هو مخلوق منعدم الكرامة يفتقد العناصر المكونة للشخصية،
ويصبح مرتزقاً ينعدم فيه أدنى حس أخلاقي، ويمكن التشكك في جميع تصرفاته)
(ص ١٤٧) .
- ثم جمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية التي أهابت في بيانها
بالضمير الإسلامي أن يستيقظ من سباته، ويتحرك في اتجاه تصحيح ما أفسدته
الأمية والجهل من جمال الشريعة الإسلامية، والعمل على حماية المرأة من الانزلاق
إلى الهاوية التي وضعها على حافتها من أخذوا على أنفسهم إغواءها وإغراءها
ليصنعوا منها عدواً، لدينها وتاريخها وحضارتها.
وقد اندهش البيان من قول المشروع في إحدى فقراته: (إذا أردنا اتخاذ
التشريعات الإسلامية مرجعاً ينبغي أن تأخذ هذه الشريعة بعين الاعتبار التحولات
الاجتماعية ... قائلاً: (إن من يقرأ هذه الصيغة لا يمكنه إلا أن يعبر عن استغرابه
لهذه الجرأة على الله وعلى الاستخفاف بمقدسات الأمة ومشاعرها، إضافة إلى ما
تشعر به من إنذار بالإعراض عنها وتهديد بالمقاطعة والبحث عن البديل المناسب
إن لم تبادر هذه الشريعة إلى تغيير ملامحها) .
كما ركز البيان على تغييب العلماء كلياً عن هيئة إعداد المشروع، وتجاهلهم
إمعاناً في التنكر لدورهم في إصلاح أحوال المجتمع، وحتى عندما اقتضى السياق
في إحدى فقرات المشروع الإشارة إليهم، تعمد واضعوه تجريدهم من وصفهم
الشرعي والتاريخي الذي هو (علماء الشريعة) وذكروهم بوصف (اختصاصيين
في الشريعة) ؛ في حين لم يبخلوا على فئات ذات تخصصات أخرى بوصف ...
العلم: (علماء الاجتماع وعلماء النفس) كما جاء في البيان.
ثم تعرض البيان للمحتوى الفقهي للخطة وما تضمنته من دعوة صريحة
لتغيير أحكام الشريعة، رغم أنف النصوص القطعية، والاستعداء عليها بالمنظمات
النسائية والهيئات الدولية، والدعوة إلى اتخاذ القوانين العلمانية شرعة ومنهاجاً.
ثم خلص البيان إلى أن العلماء يتحفظون إزاء ما ورد في الخطة لمنافاته
القواعد الشرعية، ولصدوره من جهات غير مختصة في الشريعة ولا هي من أهلها.
- أما الهيئة الوطنية لعدول المغرب (العدول هم محررو وثائق الزواج
والطلاق والإرث) فقد أصدرت بدورها بياناً اعتبرت فيه نفسها معنية أكثر من
غيرها بما تضمنه هذا المخطط العلماني الصرف، بحكم احتكاكها اليومي مع قضايا
المواطنين في الأسرة وغيرها، واطلاعها عن كثب على كبريات المشاكل الأسرية
دقها وجلها، وتعيش مع هموم المرأة والرجل والطفل صباح مساء وفي كل لحظة
من لحظات حياتهم.
وأعلنت رفضها القاطع لهذا المشروع شكلاً ومضموناً؛ فمن حيث الشكل لعدم
دستوريته (إذ خرق قاعدتين كبيرتين من القواعد الدستورية المغربية الكبرى،
أولها: قاعدة إسلامية الدولة المغربية المنصوص عليها في الفصل السادس من ... الدستور المغربي. وثانيها: قاعدة عدم مرجعية النصوص المتعلقة بالدين الإسلامي ولو في شكل استفتاءات شعبية، وتلك منصوص عليها في الفصل ١٠٦ من الدستور المغربي) . أما من حيث المضمون: (فلأن المشروع بصفة عامة من حيث آثاره المرتقبة - لا قدر الله - يمس بقوة عمق الفطرة التي فطر الناس عليها، ويزلزل كيان الإنسان المغربي واستقراره النفسي، ويؤدي إلى شيوع الرذيلة والفساد، ويعرض مؤسسة الزواج الشرعي إلى الزوال والاندثار، ويفتح الباب على مصراعيه للإباحية لاتخاذ الخليلات وسوق الدعارة) .
وهنا نسجل باعتزاز كبير، وافتخار شديد هذا الدور الريادي الذي قام به
العلماء في توعية الناس بمخاطر هذا المشروع، وإسهامهم الإيجابي في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر.
ردود فعل الحركة الإسلامية:
تجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى جمعيات العلماء، فإن عدداً غير يسير من
الجمعيات ذات التوجه الإسلامي تصدت كذلك للمشروع، وفي مقدمتها حركة
التوحيد والإصلاح التي أصدرت بياناً مشتركاً مع حزب العدالة والتنمية - ذي
التوجه الإسلامي - أكدت فيه على أن الخطة تميزت بأحادية التناول والمعالجة،
والاعتماد الأساس على المرجعية الغربية، ودعت إلى ضرورة اعتماد المرجعية
الإسلامية والتقيد بها إطاراً وموجهاً لأي خطة ولأي إصلاح في هذا المجال، وفي
غيره من المجالات، ثم دعت كل المعنيين بالدفاع عن الشريعة الإسلامية أفراداً
ومؤسسات وهيئات إلى القيام بواجبهم في صيانة الأسرة المغربية المسلمة.
وقد لاحظت الجمعيات والهيئات التي تعارض مشروع الخطة، أن المشروع
يتسم بما يلي:
١- الإقصاء الممنهج لعدد من الفعاليات أثناء إعداد الخطة: وعلى رأس الذين
تم إقصاؤهم: جمعيات العلماء، الحركات الإسلامية، وعدد من الجمعيات النسائية
وهيئات من المجتمع المدني.
٢ - الطابع العام للخطة تغريبي: ولا يشير إلى المرجعية الإسلامية التي
تشكل أساس عقيدة الشعب المغربي برمته منذ أن دخله الإسلام، ويكرس هذا
الطابع التغريبي اعتراف الخطة بكونها ممولة من قبل منظمات دولية غربية، فقد
ورد في ديباجة المشروع ما يلي: (تم إعداد مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج
المرأة في التنمية تحت إشراف كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة
والطفولة، بمساهمة من البنك الدولي) .
٣ - كثير من المقترحات الواردة في مشروع الخطة تتعارض مع الشريعة
الإسلامية: وتعتبر الجهات التي تتصدى لمشروع الخطة أن ما تطرحه من قضايا:
محاربة الأمية والتشغيل والمدرس وإشراك المرأة في التنمية، هي قضايا مشروعة
وتعاني فيها المرأة المغربية الكثير من الحيف والظلم وتستدعي إجراءات مستعجلة
لحلها ومعالجتها؛ لأنها ترفض المساس بثوابت الدين المنصوص عليها في أحكام
الشريعة الإسلامية الغراء.
ردود فعل الهيئات السياسية:
أما على الصعيد السياسي فإن مسؤولين بارزين من حزب العدالة والتنمية
بزعامة أحد رموز الحركة الوطنية المغربية - منهم الدكتور عبد الكريم الخطيب -
أشاروا إلى أنهم سوف يتصدون لهذا المشروع بكل الوسائل المتاحة.
وفي بلاغ لمنظمة المرأة الاستقلالية التابعة لحزب الاستقلال المعروف بالتوجه
السلفي لمؤسسة الأستاذ علال الفاسي أنه لا يمكن حل مشاكل المرأة إلا إذا احترمت
المقومات الأساسية المغربية وتوسعت دائرة المشاركين في اتخاذ القرارات. ومن
المعلوم أن حزب الاستقلال يعتبر أحد عناصر التحالف الحكومي الحالي.
وجاء في بيان منظمة تجديد الوعي النسائي: (نرفض أي تدخل أجنبي في
شؤون بلادنا سواءاً منها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ونرفض أن تزاوَل
المخططات الدولية في بلادنا دون أي اعتبار لهويتنا الدينية والثقافية) ، وأهابت في
آخر بيانها بكل الهيئات والشخصيات الغيورة على حدود الله والتي تؤمن أن للمرأة
قضية يجب أن تؤازر فيها وتناصر دون نكث لعهود الله، أهابت بها أن تضم
أصواتها إلينا في إطار الحوار الشامل الذي ننادي به) .
وقالت الأستاذة (ندية ياسين) من جماعة العدل والإحسان: (نحن متفقون
جميعاً على تشخيص الداء: مظلومية المرأة، لكننا نختلف تماماً مع اليساريات
المطالبات بتغيير المدونة بخصوص الدواء؛ لأننا نريد الإصلاح، والآخر يبحث
عن التقليد الأعمى لأنماط الحياة الغربية) .
والجدير بالذكر أن تحركاً مشابهاً من قِبَل جمعيات نسائية يسارية كان قد
حصل في بداية التسعينات، وقد تم التصدي له من قِبَل قوى المجتمع المدني
المدافعة عن هوية الشعب المغربي المسلم، وكوَّن الملك الراحل الحسن الثاني آنذاك
لجنة من العلماء والمختصين للنظر في الموضوع؛ حيث أفضت أشغال هذه اللجنة
إلى بعض التغييرات في المدونة دون المساس بالثوابت الشرعية.
ويأمل الشعب المغربي المسلم من حزب العدالة والتنمية التصدي لهذه الخطة
كما كان الشأن بالنسبة لقانون السُّلفات الصغرى الذي صادق عليه البرلمان المغربي، فقد نشط الحزب في كل ربوع البلاد لشرح موقفه من هذا القانون الذي يبيح الربا
ولا يعترف بالصيغ الشرعية لتمويل المشاريع الصغرى.
وفي إطار تحركات حزب العدالة والتنمية من أجل بيان خطورة هذا المشروع
نظم يوماً دراسياً حول الموضوع في ١٧-٤-١٤٢٠هـ - ٣١-٧-١٩٩٩م،
استدعى له عدداً من المختصين في مجالات: الشريعة والقانون والاقتصاد
والاجتماع والطب لتحليل ومناقشة مضامين الخطة.
وقد أجمع كل المشاركين على ضرورة رفض المشروع لاستناده إلى المرجعية
الغربية في تصوراته وتقريراته ووسائله الإجرائية، وإهمال المرجعية الإسلامية في
حل مشاكل المرأة والأسرة المغربية.
ففي مجال الصحة الإنجابية - مثلاً - وترسيخاً للزنا في المجتمع حدد مشروع
الخطة للوقاية من الأمراض المتنقلة جنسياً الوسائل الإجرائية التالية:
- توزيع العازل الطبي بالمخادع الهاتفية ونقط بيع الجرائد والصحف.
- تعميم الموزع الأوتوماتيكي للعازل الطبي.
- القيام بالإظهار الصريح والمباشر للعازل الطبي عبر وسائل الإعلام.
مما جعل الدكتور سعد الدين العثماني يقول: (إن الغاية والقصد من كل هذه
الدعاية المفرطة للعازل الطبي ليس هو المحافظة على صحة المواطن ووقايته من
الأمراض كما يُدَّعى ظاهراً، ولكن استدرار أموال الجهات الأجنبية والدوائر
المخططة من الخارج لجهات التنفيذ والتنزيل في بلادنا) .
وأعلن المدافعون عن الهوية الإسلامية للمغرب استعدادهم لكل حوار هادئ
حول كل القضايا المصيرية للأمة بما فيها قضايا المرأة والأسرة، إلا أنهم في الوقت
نفسه مستعدون لكل الاحتمالات إذا ما تم تجاوز وتجاهل نداءاتهم ومطالبتهم بعدم
إقرار المشروع.
ويبقى السؤال المطروح: ما هو مصير المشروع؟ وهل سيستطيع الحكماء
من الطبقة السياسية المغربية تجاوز هذه الأزمة؟ ذلك ما ستبينه الأيام القادمة.
стр. 3267
مرصد الاحداث
يرصدها: حسن قطامش
وأعمى أبصارهم
الدين شيء والسياسة شيء آخر، والأديان السماوية نزلت لتهذيب الأخلاق،
ولجعل العلاقة بين المسلم والخالق علاقة مباشرة، وهذه العلاقة حينما تدخل في
السياسة فإنها ستتشوه؛ لأن السياسة بكل بساطة هي: كذب وغش ومراوغة وخداع؛ ولهذا فإنني أرفض تطبيق الشريعة الإسلامية؛ فالنظام الدستوري أفضل من
النظام الإسلامي، والدستور واضح والقوانين واضحة، والدين الإسلامي من
الممكن أن نستعين به في الأحوال الشخصية مثل: الزواج، والطلاق.
﴿د. شملان العيسى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت،
جريدة الأنباء، العدد: (٨٤٠٥) ﴾
سلاح المفاوضات العربية!
تلقى رئيس وزراء (إسرائيل) إيهود باراك هدية من أحد مساعدي الرئيس
المصري حسني مبارك وهي عبارة عن ٣ أشرطة لمطربين عرب.
ويعتبر باراك هذه الهدية التي قدمها إليه مستشار الرئيس المصري للشؤون
السياسية، الدكتور أسامة الباز غالية؛ لأنها لمطربين مفضلين لديه، وهم: محمد
عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وتسلم باراك هذه الهدية خلال
توقيع اتفاق (واي ٢) في منتجع شرم الشيخ، وقال في برنامج تلفزيوني لليهود
الشرقيين: إن لهذه الهدية وقعاً خاصاً في نفسه؛ فهو يحب الأغاني الشرقية،
ويعتبرها (عبق الحياة ورحيقها) . وقال (هذه النوعية من الأغاني تبعث في الروح
أملاً وحيوية مميزين) . وقد غنى لعبد الحليم حافظ أغنية (بحلم بيك) كاملة خلال
برنامج تلفزيوني بث عشية الانتخابات الأخيرة لرئاسة الحكومة الإسرائيلية.
﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦١٣) ﴾
وما زال الحقد مستمراً
نشبت أزمة جديدة في ألمانيا حول الموقف من القيام بمهنة التدريس مع ارتداء
غطاء الرأس الإسلامي؛ حيث أكدت وزارة التعليم في ولاية نيدرساكسن رفضها
لارتداء المدرسات لغطاء الرأس خلال التدريس في المدارس الابتدائية. وقالت
سونيا ماركغراف المتحدثة باسم الوزارة: (إن الأمر يتعلق بحيادية الدولة،
والمسألة واضحة بالنسبة لنا، إذا ما أصرت على ارتداء غطاء الرأس فلن يجري
تعيينها) ، وادعى القاضي أن النساء غير ملزمات حسب الشرع الإسلامي بارتداء
غطاء الرأس، وأنّ (غطاء الرأس لا يعد رمزاً دينياً عضوياً كما الصليب في
المسيحية، وإنما هو انطباع عن موقف ثقافي - سياسي) كما قال وذكر بأن
الحجاب يرتبط في العالم الغربي بالتمييز ضد المرأة، واعتبر أن تأثيرات هذه
الصورة السلبية لا تتفق (مع وظيفة القدوة لمهنة التعليم) - على حد تعبيره.
﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٢٢) ﴾
يالشقاء الإنسان!
أكد تقرير للأمم المتحدة أن عدد الأفراد العاملين في مجالات السلاح بجميع
أنحاء العالم يصل إلى ٨٣ مليون شخص تقريباً، وهو رقم أكبر بكثير من عدد
جميع المدرسين في جميع مدارس ومعاهد وجامعات العالم، وقال التقرير: إن عدد
الجنود المحترفين في جيوش العالم يصل إلى ٢٢ مليون جندي، بالإضافة إلى ٦٠
مليون شخص يعملون في الصناعات العسكرية والخدمات المرتبطة بالجيوش
والقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه أشار التقرير الدولي إلى أن متوسط النفقات
التي تدفعها دول العالم لتدريب جندي واحد على القتال يصل ٥٦٠٠ دولار، بينما
لا تتجاوز نفقات تعليم طفل ٤٥٠ دولاراً فقط، ومما يوضح الثمن الفادح الذي تدفعه
البشرية للمعارك والحروب أن المبالغ التي أنفقت طوال عشر سنوات للقضاء على
مرض الجدري في آسيا وإفريقيا بلغت ٨٣ مليون دولار وهو مبلغ لا يكفي لشراء
قاذفة قنابل استراتيجية واحدة.. كما بلغت نفقات العالم على التسلح ٣ مليارات
دولار يومياً، وهو مبلغ من المؤكد أنه يمكن أن يحل مشكلات بعض الدول التي
يموت سكانها جوعاً في إفريقيا وآسيا وأمريكيا اللاتينية.
﴿مجلة الدعوة، العدد: (١٧٠٩) ﴾
ولو بعض الحياء! !
١- قالت مصادر فلسطينية مطلعة أن عقيداً فلسطينياً يعمل في لجنة الارتباط
العسكري المشترك تعرض منذ فترة لإجراءات إدارية وعقوبات متواصلة على
خلفية حادثة وقعت منذ فترة عندما رفض مصافحة مسؤول أمني إسرائيلي كبير عند
نقطة التماسّ بين قطاع غزة و (إسرائيل) .
وإثر هذه الحادثة اتخذت إجراءات إدارية واضحة ضده تمثلت في سحب
صلاحيات عديدة منه، ونقله من موقع حساس كان يشغله إلى مهمة إدارية هامشية
لا تتوافق مع مكانته العسكرية والوظيفية وفسرت هذه الإجراءات بأنها محاولة إذلال
للعقيد.
﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٠٦) ﴾
٢- قالت مصادر فلسطينية: إن الشرطة الإسرائيلية سلمت أخيراً السلطة
الفلسطينية أربعة ضباط فلسطينيين يعملون في الارتباط العسكري عند حاجز ايريز
وهم عراة.
وحسب رواية المصادر فإن الضباط الأربعة وهم برتبة عقيد داهمتهم الشرطة
الإسرائيلية في مدينة إسرائيلية مع بنات الهوى في حالة تلبس، فنقلتهم في نفس
الحالة التي اعتقلوا فيها إلى حاجز معبر بيت حانون (ايريز) الفاصل بين (إسرائيل)
وغزة وسلمتهم لمسؤولي السلطة الفلسطينية.
﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٠٩) ﴾
ليست تيمور!
أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية جيمس روبن عدم صحة
التكهنات في شأن حدوث تغيير في سياسة واشنطن الرافضة استقلال إقليم كوسوفا،
ووصف ما تداولته وسائل الإعلام بأنه (خاطئ وغير صحيح) . وأوضح أن الدعم
الأمريكي لإقامة هياكل إدارية وقانونية خاصة في كوسوفا (يهدف إلى إعادة
مواطني هذا الإقليم إلى حياتهم الطبيعية في ظل ديمقراطية حكم ذاتي واقتصادي
ناجح) .
﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٥٠) ﴾
المتآمرون
أكدت صحيفة الكفاح العربي اللبنانية أن رئيس مجموعة شركة والت ديزني
قد اتصل برئيس وزراء دولة شرقية سابق ووكيل شركة والت ديزني بالشرق
الأوسط استفسر فيه عما إذا كان العرب صادقين في اتخاذ قرار بمقاطعة منتجات
الشركة؛ إلا أن رئيس الوزراء السابق نفى له أن يكون العرب قادرين على اتخاذ
مثل هذا القرار. وأشارت المعلومات إلى أن هذه النصيحة كانت وراء تراجع
شركة والت ديزني عن وعدها للجامعة العربية بالتراجع عن إثارة موضوع القدس
في الجناح الإسرائيلي.
أين يذهبون بها! ؟
استجابت المحكمة الدستورية التركية لمطالب الصحافة العلمانية فحذفت جريمة
زنا المرأة من قائمة الجرائم وجعلت المرأة مساوية للرجل حتى في حرية ممارسة
الزنا، وكان قانون العقوبات التركي قبل التعديل الأخير ينص على معاقبة المرأة
الزانية دون الرجل الزاني، وكانت النية في أول الأمر أن تلاحظ المحكمة أمر
المساواة بينهما لتشمل العقوبة الرجل الزاني إلى جانب المرأة الزانية، لكن المحكمة
فعلت العكس وحذفت فعل الزنا من قائمة الجرائم بصورة كلية، ومن الغريب حقاً
أن قانون العقوبات التركي ينص على معاقبة الرجل الذي يتزوج بأخرى زواجاً
شرعياً؛ حيث يعتبر هذا القانون أن مثل هذا الزواج غير قانوني وأن الرجل في
هذه الحالة يعتبر زانياً؛ حيث يعطي للزوجة الأولى حق طلب العقوبة بزوجها
بالإضافة إلى طلب الطلاق.
﴿جريدة الرياض، العدد: (١١٤١٦) ﴾
تهديد
في قلب جاكرتا نفسها أنذر وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين بشدة الجيش
الإندونيسي بوجوب الامتناع عن تشجيع عناصر الميليشيا في تيمور الشرقية، وإلا
تعرضت إندونيسيا (لضرر كبير) ، وأضاف (إلا أن عناصر في الجيش ساعدوا
وشجعوا خلال الأشهر الأخيرة على ارتكاب أعمال عنف في تيمور الشرقية، ولقد
أبلغت الجنرال ويرانتو أن الجيش في وضع حرج الآن) . وقال: (أما إذا غض
العسكريون الإندونيسيون الطرف أو شاركوا علنا أو سراً وشجعوا على ارتكاب
أعمال العنف في تيمور الشرقية فإنهم بذلك يرتكبون خطأ عظيماً حيال الوطن الذي
أقسموا على حمايته) . وأضاف: (إنني أطالب الجنرال ويرانتو بإصرار على
القيام بالخيار الصحيح) .
﴿جريدة الأنباء، العدد: (٨٣٩٧) ﴾
سؤال وجيه.. ولكن! !
إذا كان اليهود يتقاضون إلى الآن كل التعويضات، وإذا كانت إيطاليا ومعها
اسكوتلندا قد استعادتا كنوزهما وآثارهما التاريخية المسروقة، فلماذا لا يتأهل
الأفارقة لنفس ذلك الواقع من خلال رفع دعاوى ضد الأوروبيين لاسترقاقهم في
حقبة زمنية تفوق الخمسمائة عام سقى خلالها دم الأفارقة وعرقهم أوروبا والعالم
الجديد الذي بُني وعُمِّر اقتصاده بسواعد الأفارقة من دون مقابل؟ ومن عجب أن
اليهود يلقون كل ذلك التعاطف ويحصدون كل تلك الأموال وهم طرف أصيل في
تجارة الرقيق في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٥٩٨) ﴾
مرصد الأرقام
- تفيد الأرقام العامة التي تشمل المنطقة العربية أن عدد الأميين العرب انتقل
من ٥٩.٨ مليون نسمة في عام ١٩٨٥م إلى ٦٥.٥ مليون نسمة في عام ١٩٩٥م، وهو مرشح للتصاعد إلى ٦٩. ٤ مليون نسمة عام ٢٠٠٥م.
﴿مجلة الوسط، العدد: (٣٩٩) ﴾
- قدر بعض المسؤولين في المؤسسة الاتحادية الألمانية لعلماء الجيولوجيا
والمعادن أن الاحتياطات المتوفرة من النفط تسد حاجة الاستهلاك العالمي منه حسب
المعدلات الحالية لمدة ٤٣ سنة.
﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٢٨) ﴾
- بلغ عدد الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية ١٣ جهازاً.
﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٠٥) ﴾
- قتلت الحروب أكثر من ١٠٩ ملايين شخص خلال القرن الحالي، ومن
بين هؤلاء ٣٢ مليون مدني قتلوا في الحرب العالمية الثانية.
﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦١٨) ﴾
- ستنفق الهند وباكستان حوالي ١٥ بليون دولار خلال السنوات العشر المقبلة
للحفاظ على ترسانتهما من الأسلحة، والمبلغ يكفي لإطعام وتعليم أكثر من ٣٧.٥
مليون طفل في جنوب آسيا.
﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٣٩) ﴾
- ٣٤ مليوناً مصاب بمرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) موجودون حالياً
في القارة الإفريقية، وتوفي نحو ١٢ مليوناً نتيجة إصابتهم بهذا المرض منذ انتشاره
في نهاية السبعينات. وتوفي خلال العام الماضي فقط مليونا أفريقي. ويتوقع أن
يرتفع عدد الأطفال الأيتام الذين توفي والدوهم بسبب إصابتهم بفيروس (الإيدز)
إلى ١٣ مليون طفل خلال الأشهر الـ ١٨ المقبلة.
﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٤٣) ﴾
- أكثر من ٢٠ شخصاً معظهم من الأطفال والمسنين يموتون يومياً بسبب
الجوع في مناطق الجفاف والمجاعة في الصومال.
﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦١٥) ﴾
стр. 3268
مقالات مترجمة
السياسة الخارجية الأمريكية
والحملة ضد الإسلام [*]
ت رجمة: د. حامد عبد الماجد
جاء في الدورية:
مع انتهاء الحرب الباردة تغيرت طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية؛ فقد
أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الوحيدة، وأصبح في الإمكان أن
تتدخل حيثما ووقتما تريد، وحسبما تفرض مصالحها الداخلية فقط.
وقد أصبحت قضية القوى الدولية الجديدة الصاعدة التي يحتمل أن تشكل
تهديداً في المستقبل للسيطرة الأمريكية - أصبحت أكثر ما يهم صانعي السياسة
الأمريكية (اليابان، والنمور الآسيوية، الصين، العالم الإسلامي ... إلخ) .
والحلفاء الأوربيون لم يعودوا بحاجة الآن إلى المظلة الأمريكية النووية، ومن
ثم فلن ينقادوا للإرادة الأمريكية كما كان الأمر - نسبياً - من قبل؛ وفي هذا الصدد
أصبحت التجارة على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية.
انقلاب في التعامل مع الإسلام:
ما حدث مؤخراً يمثل نقلة نوعية في التعامل الأمريكي مع الإسلام؛ ففي
معظم فترات الحرب الباردة كان المسلمون حلفاءنا؛ فالأنظمة الإسلامية بطبيعتها
كانت تعادي الشيوعية الملحدة، وقد استغلت الولايات المتحدة تلك المسألة خاصة
في أفغانستان؛ حيث تلقَّى المجاهدون ما يقرب من ثلاثة بلايين من الدولارات من
المخابرات الأمريكية الـ (سي. آي. إيه) ، وذلك في جهادهم لطرد الروس،
وصار مقاتلو الحرية هؤلاء بمثابة الأبطال في الإعلام الأمريكي لدرجة أن هذا
التحالف غير الرسمي بين المجاهدين والإدارة الأمريكية أدى إلى تجاوز وتغيير
الموجة المعادية لإيران التي انتشرت عقب إسقاط الشاه واحتجاز الرهائن ... ! !
فما الذي حدث الآن؟
كيف يصور الإعلام الأمريكي الإسلام على أنه متطرف وغير ديموقراطي
ومعادٍ للغرب؟
يقضي المنطق أنه ما دام المسلمون يمثلون خُمس سكان العالم فيجب أن
تحرص الإدارة الأمريكية على إيجاد علاقات طيبة مع بلاد المسلمين من إندونيسيا
إلى المغرب.
غير أن ما يحدث هو عكس ذلك؛ فنرى حملة موجهة ضد حركات الصحوة
الإسلامية في البلاد الإسلامية - ويتم إغفال الفروق الموضوعية بينها - ويركز
على النبوءة القديمة الراسخة في الوعي الغربي وهي حتمية الصراع بين الإسلام -
الذي يستيقظ - وبين الغرب.
وبصدد الوقائع والأحداث فمن المتصور أن تتعامل الأجهزة المناط بها تنفيذ
القانون مع العنف ضد الأبرياء على أنه عمل إجرامي ولا دخل لديانة المجرم في
القضية؛ فلنتذكر أن المسيحية لم تصبح هي المدانة في حادثة الانتحار الجماعي
حرقاً في واكو بولاية تكساس، أو في حادثة التفجير بمدينة أوكلاهوما، واليهودية
لم تصبح هي القضية حينما قتل جولد شتاين ٢٩ مصلياً فلسطينياً في الحرم
الإبراهيمي، وعليه فلا ينبغي أن يصبح الإسلام هو القضية عندما يرتكب مسلمون
أعمال عنف.
عملياً فإن للمعتقدات الشخصية تأثيراً باعتبارها عاملاً في إطار بقية العوامل
التي تشكل الدافع لأي فعل من هذا القبيل.
الواقع أنه بمجرد تلاشي الحرب الباردة تغيرت صورة الإسلام لدى بعض
الكتاب الذين شكلوا فيما مضى فرسان الكتابة في الحرب الباردة، فقد أبدى صامويل
هنتنجتون في مقالته الشهيرة عن صدام الحضارات تفهماً لفكرة ضرورة تكيف
الغرب مع حضارات تختلف معه في القيم والمصالح؛ ولكن تكيفه كان من باب
الإعداد للصراع من خلال التأكيد على المخالفة والاعتماد على التفوق العسكري
الأمريكي خاصة في بلدان شرق وجنوب غرب آسيا (قلب الإسلام) ، وتختلف رؤية
صامويل هنتنجتون - مع رؤية المفكر الإسلامي المعروف د. حسن الترابي الذي
يرى أن الذين يتمتعون بالمكاسب والمزايا في ظل النظام العالمي الحالي سواء من
خلال: التقنية، التسليح، العلاقات الاقتصادية، الأمم المتحدة ... إلخ سيرون أن
الإسلام يمثل تحدياً لهم؛ لأنه يسعى إلى العدل، كما أن المسلمين لن يقبلوا أن
يتشكل العالم في قالب واحد وشكل واحد للديمقراطية والنظام الاقتصادي ... إلخ،
فلمصلحة الإنسانية يجب أن نسمح بمزيد من التعددية، والحرية، والتنوع، ومن
خلال الحوار والتفاعل نسعى لتحقيق أقصى درجة من الاتساق والتعايش.
جذور الحملة المعادية للإسلام:
إن هؤلاء القادة والرؤساء والزعماء الذين يشعرون بأنهم في بلدانهم مهددون
من قِبَلِ شعبية الحركات الإسلامية المدنية في الجزائر وتونس ومصر و (إسرائيل)
هم الذين يشجعون بشدة الاتجاه الأمريكي نحو فكرة التهديد الإسلامي أو الأصولي.
فالنظام الجزائري يواجه أكبر التهديدات وأعمقها منذ قام بإلغاء أول انتخابات
حرة عام ١٩٩٢م للحيلولة دون وصول جبهة الإنقاذ إلى السلطة، أما الديمقراطيات
الغربية فقد تقبلت هذا العمل الصارخ بصمت وربما بتشجيع من طرف خفي،
وكانت النتيجة أكبر حرب أهلية دامية في التاريخ العربي الحديث قتل فيها ما يزيد
عن ثلاثين ألفاً من أبناء الجزائر، وما زال مسلسل القتل مستمراً.
وقد اشتركت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع بعض الدول العربية في
حربهم ضد الأصولية الإسلامية عامة؛ ووصف حاييم بارام من القدس موقف
الزعماء اليهود عام ١٩٩٤م قائلاً:
(إن الإسلام هو العدو الذي نخشاه ونحترمه في آن معاً) وخطتنا الدعائية
هي إظهار وحشية المسلمين (وهو المنطلق نفسه الذي كان يستخدم ضد القوميين
والوطنيين الفلسطينيين، وكان بنيامين نتنياهو زعيم كتلة الليكود يقوم بالتجوال في
أرجاء العالم لكي ينشر هذه الفكرة التي مفادها بالنسبة له أن عرفات لم يعد خطراً أو
مهمّاً؛ فالمشكلة الحقيقية هي في المد الإسلامي الثوري الذي يجد جذوره في إيران،
وهي سياسة متناقضة؛ إذ إن زعيم الليكود نفسه كان يرى عرفات - وإلى وقت
قريب - باعتباره التهديد الأساس الذي تواجهه إسرائيل؛ بل والعالم الغربي كله.
ولكن زعيم الليكود وجد خطاً لربط أو إيجاد صلة بين القديم والجديد في العداء؛ فعرفات الآن غير ذي أهمية؛ لأن الإسلاميين سوف يستولون على السلطة
ويحكمون الشعب الفلسطيني، ولذا فإن أية تنازلات على الأرض غير مجدية،
والأكثر طرافة فإن إيران هي الشيطان الأكبر الذي يستطيع أن يهدد الغرب بقنابله
النووية.
أما سورية ولبنان فسوف تشهدان ثورة إسلامية قريباً، وبذا سيكفان عن
مداهنة الأمريكان، والنتيجة لكل ذلك أن (إسرائيل) سوف تستعيد وضعها الأساس
والأصلي باعتبارها الركيزة الاستراتيجية للغرب في المنطقة، وعليه فإن الضغوط
عليها لتقديم التنازلات الإقليمية والتوافق مع جيرانها سوف تتضاءل، وعدد
الإسرائيليين المستعدين لقبول وتصديق هذا الهراء غير معقول.
وللأسف فإن رابين ومن بعده بيريز كانا يتبنيان هذه الطريقة في التفكير.
إن منطق (القادة الإسرائيليين) هو أن الخطر الإسلامي يوازي خطر الشيوعية
أثناء الحرب الباردة وأن إيران تمثل التهديد نفسه الذي كانت تمثله موسكو من قبل.
الحملة في أمريكا: The Camaign in America
يشير زخم الحملة ضد الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تبني اللوبي
اليهودي لوجهة نظر القيادة الإسرائيلية بصدد الموضوع؛ فالحملة واسعة النطاق
موجهة للرأي العام الأمريكي ولصناع القرار الأمريكيين أيضاً، والأمثلة كثيرة.
يقول موريتمر زاكرمان رئيس تحرير مجلة الأخبار الأمريكية والنشرة
العالمية US. Nes World Reort متبنياً الفكرة نفسها: (إن التطرف
الإسلامي المسلح على وشك أن يحل محل الشيوعية عدواً لنا، فالقِيَم التي يحتويها
تناهض الأساس الذي تقوم عليه الديموقراطية الغربية) .
ويستغل فرجاس بوردويتش أعمال العنف الدائرة في إطار الحرب الأهلية
بالجزائر ليثبت فكرته الأساسية عن الأصولية الإسلامية في مقالته في مجلة
Readr ص s Digest والمسماة الجهاد قادم إلينا A holy ar heads or ay
ويعتمد في إثبات رأيه على اثنين من أقوى مؤيدي إسرائيل في أمريكا وهما روبرت
ساتلوف الذي يشغل منصب المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى
السياسية، ودانيل بابيبس المدير السابق لمعهد أبحاث السياسة الخارجية بفيلاديلفيا
يقول بابيبس: (الأصوليون ليسوا بأي حال مسلمين تقليديين عاديين، والمتطرفون
ليسوا مجرد مجرمين لكنهم عقديون متحمسون، وعندما يحسون بأنهم مقبولون أو
شركاء في العملية السياسية فسوف يفصلون بين الجناح السياسي والجناح العسكري
لديهم، وبذلك يستطيعون استنكار أعمال العنف التي تقوم بها فصائلهم السرية) .
- يقول عاموس بيرلموتر Amos erlmter أستاذ العلوم السياسية بالجامعة
الأمريكية ومحرر مجلة الدراسات الاستراتيجية في كتاب له صدر ١٩٩٥م:
(لا تمثل مرحلة ما بعد الحرب الباردة نظاماً عالمياً جديداً، بل هي عالم
يمتلئ بالقوميين المتطرفين الانفصاليين؛ فإن الأيديولوجية الفاشية والنازية التي
سادت في الثلاثينات لها ما يوازيها من بعض الجوانب في الأصولية الإسلامية؛
فهي حركة شمولية معادية للغرب تأمل في أن تلقن الصليبيين الجدد دروساً لا تنسى
، وليست مصادفة أن تكون مناطق الأزمات الدائمة والمشتعلة وبؤر التوتر في العالم
هي نفسها مناطق الأصوليين دعاة الوحدة والخلافة الإسلامية، والغرب لن يسمح
باستبدال شمولية بأخرى: النموذج السوفييتي بالنموذج الإسلامي) .
وقد صور ستيفن إيمرسون في برنامجه حول (الجهاد في أمريكا) والذي ركز
على حادثة تفجير مركز التجارة العالمي على أنه بالرغم من أن المتطرفين المسلمين
ليسوا إلا أقلية ضمن غالبية المسلمين إلا أن الناقد التلفزيوني (والترجودمان) أظهر
أهدافه في إدانة الجميع عندما قال: إنه حتى المنظمات الإسلامية المحترمة المعتدلة
لها علاقة ما بجماعات العنف، وقد رفض المسلمون في أنحاء أمريكا تصوير
برنامج عن الإسلام يبرز هذا التصور الدموي ورفعت قضايا أمام المحاكم عليه.
وقد صرح فيليب ويلكوكس المسؤول عن قسم مقاومة الإرهاب في المباحث
الفيدرالية الأمريكية ١٩٩٥م بقوله: (بالرغم من الاتصالات غير الرسمية بين قادة
الجماعات الإسلامية؛ حيث يجد قادتها المقيمون في الخارج الملجأ الآمن
والإمكانيات الضخمة، إلا أنه ليس هناك دليل مادي قوي على وجود شبكة أو تنظيم
دولي بين تلك الجماعات، ولم تعط تحريات الأجهزة المنوط بها المراقبة وتنفيذ
القانون دليلاً لزعم إيمرسون بوجود شبكة من الخلايا (الجماعات الإسلامية في
أمريكا) .
وفي مقالة مطولة كرر إيمرسون في ١٢-٦-١٩٩٥م أفكاره السابقة نفسها بأن
الجماعات الإسلامية المتطرفة أنشأت بنية وهياكل سياسية ومالية، وفي بعض
الأحيان علمية في الولايات المتحدة، وأن الـ FBT يعتبر تلك الشبكة من أولوياته، ولكن مصادر معلومات إيمرسون مشكوك فيها وغير جديرة بالثقة، وقد اتضح
تصميم إيمرسون في نشر مقولاته حينما ظهر على شاشة التلفاز الأمريكي أثناء
انفجار أوكلاهوما في ١٩-٤-١٩٩٥م والذي ظهر فيما بعد أن الذي قام به
أمريكيون من اليمين الأمريكي وكان مصمماً على أن المتطرفين الإسلاميين وراء
الحادث، ومما قاله في هذا الصدد:
(إن انفجار أوكلاهوما له العلامات المميزة نفسها التي كانت لانفجار بيونس
أيرس، والمركز التجاري العالمي؛ فقد كانت سيارة ملغومة المقصود منها قتل أكبر
عدد من الناس؛ وهذا النوع من العمليات لم تعرفه أمريكا قبل فترة الإرهاب
الإسلامي، ولكن الحقيقة أن بعض الجماعات الإسلامية تحرك هذه الأحداث من
وراء ستار، ويجب أن يزج بهم في معتقلات التعذيب.
وقد تسببت تلك العبارات غير المسؤولة بلا شك في المضايقات التي تعرض
لها المسلمون الأمريكيون فيما تلا هذا الحادث) .
وعلى صعيد آخر كتب ليزلي جيلب في النيويورك تايمز معبراً عن تعاطفه
مع آراء محادثيه الإسرائيليين رابي ديفيد هارتمان، وبيهوشفات حركبي بأن:
(الإسلام لا يعترف بالتعايش مبدأً؛ فالتعايش يتنافى مع مفهوم الإسلام للنظام
العالمي) .
وهناك كتَّاب آخرون يعتمدون على الحكومات شرق الأوسطية ويهتمون دائماً
بها خاصة: إيران والسودان، ومنهم (ستيفن هولمز) فقد كتب من واشنطن عن
كيفية تحول علاقات القوى نتيجة للأصولية في الشرق الأوسط مكرراً موضوع
معسكرات التدريب العسكري التي تقوم بها إيران على أرض السودان إلى جانب
العلاقات العسكرية والاقتصادية السودانية الإيرانية؛ ولكنه لم يعط أي دليل على
أقواله، أو أي سبب يجعل التعاون بين دولتين متقاربتي التفكير شيئاً مثيراً للتساؤل.
وهناك عديد من الصحفيين يتبنون بغير نقد الرؤية الرسمية الأمريكية في أن
الدول العاصية أو الشاذة تصدر الثورة التي لا يحددونها أبداً، وعادة ما يتجاهلون
الاستفزازات الإسرائيلية وما تفعله الأنظمة العربية الحاكمة مع شعوبها، كما أنهم لا
يستمعون إلى الطرف الآخر من زعماء الحركات الإسلامية؛ فإن بعضهم - نتيجة
تعليمه ولغته - لا يستطيع التعامل معهم، وحتى في بعض الحالات عندما حاورَتْ
(جوديث ميللر) حسن الترابي وغيره فإنها ارتكبت خطأ التعميم إذ قالت: (تقريباً
كل الإسلاميين أنصار للعنف، ويعارضون الديموقراطية والتعددية وكلهم سيظلون
معادين للغرب ولأمريكا ولإسرائيل) . وأضافت في تعبير متعالٍ ينم عن استعلاء
ثقافي: (إن فكرة الدولة الإسلامية كما يعتنقها معظم مؤيديها لا تنسجم مع القيم
والحقائق التي عتبرها الأمريكان ومعظم الغربيين حقائق مسلَّمة ولا تحتاج لإثبات؛
لأنها واضحة بذاتها) .
وتخلُص ميللر إلى نتيجة وهي: (أن أي حوار أمريكي مع تلك القوى
الإسلامية يعتبر مضيعة للوقت) .
ومن أبرز دور الفكر التي ساهمت في إذكاء المقولات عن الخطر الإسلامي
دار الميراث المحافظ في مدينة واشنطن التي نوقش فيها في ٢١-٦-١٩٩٤م
موضوع الخطر الإسلامي على شمال إفريقيا، وكان ضمن المتحدثين: خالد
ديوران زميل دانئييل بابيس، وستيفن إيمرسون الذي ساعده ديوران، وقد اقترح
بابيس الذي يرفض الحوار مع الأصوليين المعتدلين منهم والمتطرفين على السواء،
اقترح أربعة نصائح للسياسة الأمريكية لمقاومة الخطر الأحمر الجديد هي:
أ - مواجهة الأصوليين.
ب - الضغط على إيران والسودان للتخفيف من سياستهما المتطرفة.
ج - مساندة الحكومات التي تتصدى للأصولية في المنطقة مثل حكومة
الجزائر وغيرها.
وقد شبه بابيس ذلك الصراع بالحرب الباردة قائلاً: إن اليمين الأمريكي هو
الذي كسب الحرب الباردة بوقوفه في وجه الاتحاد السوفييتي، وهو يستطيع القيام
بالشيء نفسه بالنسبة للإسلام.
ومن الواضح أن بابيس لم يوضح كيفية تساوي النظام السوفييتي الاستبدادي
مع الحركات الإسلامية المعارضة لأنظمة حاكمة موغلة في استبداديتها.
وعلى أي حال فإن موقفه لا يختلف كثيراً عن موقف مارتين شيرمان المفكر
السياسي الإسرائيلي الذي كتب قائلاً: (إن الحرب العالمية الثقافية التي تدور بين
الإسلام والليبرالية الغربية هي المعركة ذاتها التي كانت تدور ضد الشيوعية
والنازية) .
وهناك بعض المفارقات المثيرة عن الروابط بين هؤلاء الأفراد والجماعات
بعضهم ببعض؛ فقد صرح إيمرسون ستيفن للواشنطن بوست أنه قد حصل على
جزء كبير من الـ ٣٢٥٠٠٠ دولار لتمويل فيلم الجهاد في أمريكا Jihad in
America في مؤسسة برادلي في ميلوكي. ويذكر روبرت كابلان في مقدمة كتابه
عن العرب - وهو كتاب عن خصائص الشرق الأوسط مسانداً (إسرائيل) -: أن
الكتاب لم يكن ليطبع لولا المساعدة التي قدمتها مؤسسة برادلي، وتمت إدارة تلك
الأموال عن طريق معهد بحوث السياسة الخارجية التابع لدانييل بابيس.
وتتضح الأمور أكثر إذا علمنا أن مجلة هذا الأخير والتي تصدر ربع سنوية
والمسماة Middle East Qartoly يقوم القناصلة الإسرائيليون بتوزيعها بالمجان. ...
أما الأصوات الأكثر إقناعاً والتي تعارض التعميمات والتبسيط الزائد فهي
أصوات الأكاديميين الذين يدرسون جوانب عدة في الإسلام، ويضم هؤلاء العالم
الفرنسي فرانسوا بورجا الذي يقول: الإسلاميون ليسوا أكثر من أناس يربطون
الإسلام بالحوار السياسي، ومن هنا فإننا نفهم الآراء ابتداءاً من الفاشي حتى
التحرري المتطرف.
ويؤكد علماء أمريكيون من جامعات شتى أن عدم التفرقة بين الحركات
الإسلامية المختلفة وتنميط المسلمين بتصويرهم على أنهم متطرفون يميلون إلى
العنف سيقوي المتطرفين على حساب الأغلبية المسلمة المعتدلة والمسؤولة.
إلى جانب ذلك فإن الأخطاء في توصيل وتمثيل حقيقة الحركات الإسلامية
تجعل قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على وضع سياسة خارجية بناءة عملية معقدة، ومما يثبت ذلك تصريحات بعض الزعماء البارزين مثل (نيوث جنجريتش) R.
G. A الذي حث الولايات المتحدة الأمريكية على تبني سياسة متسقة لمقاومة
الاستبداد الإسلامي! ! (ومثل السكرتير العام لحلف الناتو (ويللي كلايس) الذي
يزعم أن الأصولية الآن تمثل الخطر نفسه الذي كانت تمثله الشيوعية من قبل) .
التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية:
١ - تأتي الحملة الضارية والعامة للحكومة الأمريكية ضد الإسلام على حساب
قدرتها على انتهاج سياسة مرنة وبناءة تجاه الحركات الإسلامية؛ فالتصريحات
السياسية للمسؤولين الأمريكيين تهزأ من فكرة أن هناك إسلاماً موحداً يواجه الغرب، ولكنها لم تترك شكاً في أن الولايات المتحدة ستعارض أية حركة إسلامية تحاول
الوصول إلى السلطة حتى ولو كان ذلك عن طريق صندوق الاقتراع؛ وتعبر عن
ذلك كلمات إدوارد جيرجيان مساعد وزير الخارجية الأسبق: (نحن لا نساند
شخصاً واحداً وصوتاً واحداً وتوقيتاً واحداً) إشارة إلى أن الحركات الإسلامية لا
تؤمن بالتعددية! ! وكأن الأنظمة العربية الحاكمة تؤمن - أو تسمح - بالانتخابات
الحرة.
٢- سياسة الاحتواء الثنائي للعراق وإيران من قِبَل الولايات المتحدة الأمريكية
قد أكدتها وثبتتها العقوبات ضد العراق واستمرار عملية فرضها، وإلغاء اتفاق
كونوكو مع إيران الخاص بالعلاقات التجارية لإيران والتي أعلنها الرئيس كلينتون
في ٣٠-٤-١٩٩٥م وذلك عقب الحملة الدعائية الشرسة التي شنتها لجنة الشؤون
العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC إيباك - وهي تجمُّع للوبي الإسرائيلي
الأمريكي المشترك على إيران.
٣ - تساند الولايات المتحدة الأمريكية بشكل تام حكومات كل من مصر
وتونس وذلك في حربها ضد الحركات الإسلامية فيهما؛ وخلال ذلك تتغاضى عن
انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول مؤخراً
أن تلعب دوراً هامشياً في إيجاد أرضية مشتركة بين الحكومة الجزائرية والزعماء
الإسلاميين الذين لا يستخدمون العنف؛ وذلك بعد أن وافقت في صمت على إلغاء
الجيش الجزائري للانتخابات.
وعلى الجانب الدعائي يمكن أن نذكر:
أ- ظهور الرئيس كلينتون أثناء زيارته لإندونيسيا ١٩٩٤م في المسجد
الرئيس في العاصمة جاكرتا مصرحاً بوضوح أنه بالرغم من وجود مشاكل مع
الإرهاب إلا أنها لا تمتد ولا ترتبط بالإسلام باعتباره ديناً وثقافة.
وصرح كلينتون في زيارته للأردن قبل ذلك بقليل قائلاً: (ترفض أمريكا
قبول فكرة أن حضارتنا لا بد أن تتصادم مع الإسلام، نحن نحترم الإسلام) ، وقد
قامت الإدارة الأمريكية بجهود جديرة بالثناء وإن كان يتخللها كثير من الشك في دفع
اتهام المسلمين في حادثة تفجير أوكلاهوما وذلك على خلاف بعض المعادين للإسلام، وبالرغم من المشاعر الطيبة التي عبر عنها كلينتون وإدارته فإنه ما زال ثمة
شوط بعيد في الفهم المتبادل بين إدارته وبين الإسلاميين.
وبسبب التخويف المستمر الذي تبثه الأصوات المعادية للإسلام تأثرت حتى
بعض الأمور البسيطة، ومنها: منح تأشيرات السفر والدخول؛ فعلى سبيل المثال: دُعي الشيخ راشد الغنوشي - زعيم حزب النهضة التونسي المُبعد وأحد المعتدلين
البارزين في الصحوة الإسلامية - لحضور الحوار حول الإسلام الحديث الذي أقامته
جامعة جنوب فلوريدا بالاشتراك مع شركة الدراسات الإسلامية والعالمية في يناير
١٩٩٤م وهو حوار أجري قبل ذلك مرتين مع د. حسن الترابي ١٩٩٢م، ود.
خورشيد أحمد من باكستان ١٩٩٣م، ويعطي الحوار فرصة للعلماء الأمريكيين
لمناظرة المثقفين الإسلاميين، وفي التجربتين السابقتين حضر أكاديميون أمريكيون
بارزون، ونشر الحوار للجمهور الأمريكي، وقد أثنى الجميع على تلك الحوارات،
وكان اختيار الغنوشي لحوار ١٩٩٤م ذا دلالة واضحة لما يحدث في شمال إفريقيا،
وإذا كانت تونس قد حكمت على الغنوشي غيابياً بالإعدام فإن إنجلترا منحته حق
اللجوء السياسي ١٩٩٣م، وعندما تقدم الغنوشي للحصول على التأشيرة رفضت
الإدارة الأمريكية منحه إياها، ولذلك فإن حوار مايو ١٩٩٤م تأجل مراراً حتى
يونية ١٩٩٥م، وظهر أن تونس اعترضت على فعل الإدارة الأمريكية، وكان هذا
الاعتراض قد ظهر علناً في مايو ١٩٩٤م في جريدة نيويورك اليهودية والمعروفة
باسم (فورد وارد) فكتبت لوسيت لاجنادور في عناوين الصفحة الأولى الرئيسة:
الشيخ الإرهابي، وآية الله المستقبل يطلب الدخول إلى أمريكا) .
وأضافت أن: (الغنوشي أيد العنف ضد الأمريكيين وحلفائهم، وحاول إفساد
مسيرة السلام في الشرق الأوسط) .
وأشارت المقالة إلى أن دانييل بابيس يقول بأن: (الغنوشي حضر مؤتمرات
في السودان وإيران مع كتاب متطرفين آخرين، وقد صور بابيس تلك المؤتمرات
باجتماع إسلامي عالمي؛ حيث يتفق الزعماء على المقت الشديد لأمريكا والغرب
وإسرائيل. والمقصود اجتماعات المؤتمر الشعبي الإسلامي في الخرطوم.
وفي ٢٤-٦-١٩٩٤م نشرت أوليمبيا سنو ممثلة وعضوة في وزارة الخارجية
الأمريكية نداءاً تطالب فيه وزير الخارجية كريستوفر برفض إعطاء تأشيرة
للغنوشي لملفه الواسع في النشاط الإرهابي.
ولكن الاعتراض الأكبر على راشد الغنوشي جاء على لسان مارتن كريمر
مساعد رئيس مركز ديان للدراسات الشرق أوسطية في جامعة تل أبيب الذي أصدر
تقريراً باسم olicy Watch من خلال معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الذي
يقف وراءه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية إيباك، لم يذكر كريمر في
تقريره شيئاً عن الإرهاب، ولم يسع لإبطال أو تقديم أدلة لبطلان إعطاء حق
اللجوء السياسي الذي منحته الحكومة البريطانية للغنوشي، ولكنه ركز على موقفه
المعارض للسعودية وأمريكا في حرب الخليج واعتراضه على الاتفاق بين منظمة
التحرير الفلسطينية وإسرائيل التي طالما أسماها: خطة يهودية أمريكية تستهدف
إخلاء المنطقة من كل مقاومة وفتح المجال للنشاط الاقتصادي والثقافي اليهودي الذي
يمهد للسيطرة الكاملة لليهود من مراكش حتى كازاخستان، وقد صرح كريمر أن
الولايات المتحدة الأمريكية لو أعطت الغنوشي تأشيرة الدخول فإن ذلك يبين مدى
اختلاط الأمور عليها حتى إنها لا تعرف عدوها من صديقها.
إذن يستطيع أحد الأساتذة الإسرائيليين أن يكون في الوضع الذي يسمح له
بتوجيه النصح للحكومة الأمريكية بأنها يجب أن لا تعطي تأشيرة دخول الأجانب
الذين يعارضون السياسات الخارجية الأمريكية والإسرائيلية، وهكذا نجحت الحملة
ضد الإسلام في منع الحوار بين أحد المفكرين الإسلاميين والعلماء والأكاديميين
الأمريكيين، ولكن يبدو أن الأمر يعد أكبر من ذلك؛ فالمسلمون في أمريكا
معرضون بشكل عام لأن يوصفوا بالخيانة والعداء المحتمل لأمريكا خاصة بعد
تصريحات كلينتون وأوامره في ٢٤-١-١٩٩٥م وذلك بمنع جمع التبرعات
والمساعدات للإرهابيين الذين يهددون عملية السلام في الشرق الأوسط ومنع فتح
الحسابات الخاصة بأسماء عشرين منظمة إسلامية.
وقد أثبتت الأحداث ذلك عقب انفجار أوكلاهوما: فمثلاً - نشر صحفي شاب
في ٢٨ - ٢٩-٥-١٩٩٥م في صحيفة التامبا تريبيون أن هناك مجموعة في تامبا
تتعاطف - وربما يقول - مع حركات الجهاد وحماس الإسلامية ويتزعمها د. سامي
العريان في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني وهو أستاذ في جامعة فلوريدا، وقد
نشرت صورة د. سامي العريان بجانب صورة القتلى في انفجار أتوبيس تل أبيب
الذي حدث في ١٩-١٠-١٩٩٤م، والذي راح ضحيته ٢٣ إسرائيلياً.
وقد استشهدت المقالات بكلام استيفن إيمرسون والصحفي الإسرئيلي روني
شاكيد، وباحث مجهول من مركز وايزنتال ومارتن كريمر، وكان من أكثر
الاتهامات غير المسؤولة تلك التي قالت بأن هناك علاقة بين مسجد محلي في
فلوريدا يحتوي على مدرسة ابتدائية وبين حماس؛ لأنه مُسمًّى باسم عز الدين القسام
وهو زعيم مسلم بارز قُتل بيد الإنجليز ١٩٣٥م، وقد عرضت المقالة صورة
المسجد وعنوانه مما ولَّد الخوف لدى الأطفال والمدرسين؛ حتى إن الجالية
الإسلامية استأجرت رجال الأمن لحمايته، وقد هيجت تلك المقالات بعض اليهود
النشطين في المنطقة، وبعد فحص تلك الاتهامات أعلنت بيتي كاستور رئيسة جامعة
جنوب فلوريدا أنه لا توجد أية مخالفات في الجامعة وردت على قلق الجالية اليهودية
بأنها ترحب بوجودهم ولكنها ترحب بالآخرين أيضاً.
وعلى الصعيد العالمي تظهر الولايات المتحدة الأمريكية على أنها عدو للإسلام ... فحكومات إسرائيل والجزائر ومصر وتونس وحكومات أخرى في المنطقة تخشى
صعود حركات الصحوة الإسلامية وتلك الحكومات صديقة للولايات المتحدة
الأمريكية، وكما قال أحد السفراء الأمريكيين: إننا يجب أن نتغاضى عن
الممارسات العنيفة للحكومة المصرية ضد المصريين في الصعيد، والتي سجلها
روبرت فيسك في تقاريره؛ لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع المتعصبين.
إن سياسات القوى العظمى - يشير إلى الولايات المتحدة الأمريكية - يجب
ألا يحددها تجاه خُمس سكان العالم على الأقل تهديداتٌ تواجهها إحدى الحكومات من
مواطنيها المقهورين رغم اتفاقنا مع وجهة نظر هذه الحكومات، كما أن سياستنا
على المدى الطويل لا ينبغي أن يحددها أفعالُ قلة من الإرهابيين.
والواقع أن عدم اكتراث أمريكا الواضح بمقتل مائتي ألف مسلم في البوسنة
وحرب الإبادة ضد الشيشان وما يحدث في كشمير والهند والضفة الغربية وغزة
والعقوبات الاقتصادية ضد إيران ... إلخ كل هذا قد أقنع كثيراً من المسلمين أن
الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإسلام.
وقد أضاف الأستاذ جيمس بيل: (الوضع خطير حينما يجد المسلمون أنفسهم
ملقبين بالإرهابيين وعندما تشجع الحكومات الغربية حكوماتهم العلمانية في الشرق
الأوسط على مواجهة الحركات الإسلامية بالعنف) .
وقد أصر الرئيس كلينتون على أنه ليس ضد الإسلام، ولكن أفعاله وتردده
وتخاذله في إقامة حوار حقيقي مع المفكرين الإسلاميين يشير إلى عكس ذلك،
وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تشجع الحوار مع المفكرين الإسلاميين وهؤلاء
بدورهم عليهم أن يستنكروا الإرهاب والظلم الذي تمارسه بعض الحكومات
الإسلامية وغير الإسلامية - إذا كان الحوار سيؤتي ثماره.
ولمن يصر على تشبيه الموقف الآن بظروف الحرب الباردة يقول الصحفي
الإيرلندي فاليه تحول: (في قمة الحرب الباردة كان الغرب يحاول بحيوية فهم
النظام الشيوعي والفكر الماركسي، ولكن تلك الجهود لا تبذل الآن مع الإسلام،
وبغير الحوار لا يمكن أن يكون هناك بديل سوى المواجهة!) .
стр. 3269
قضايا ثقافية
من مواقف طه حسين
تجاه التراث الإسلامي
خالد بن سعود العصيمي
كانت الحلقة الأولى عرضاً لما سجَّله طه حسين من آراء ومواقف معادية
للتراث الإسلامي من خلال كتبه. وفي هذه الحلقة يحلل الكاتب تلك الآراء
والمواقف مفصحاً عن مواردها ودوافعها وما تحمل في طياتها من اعتقاد وفكر؛
لتستبين سبيل طه حسين وسبل من اقتفى أثره.
- البيان -
آراء طه حسين بين الجدة والقدم:
إن ما طرحه طه حسين من آراء، وما ادعاه من نظريات ليست وليدة أفكاره
بالجملة، بل جاءت تقليداً في بعض الأحيان، ومسخاً وتشويهاً في أخرى، وسرقة
وسطواً في ثالثة.
ففكرة بشرية القرآن وأنه من عمل محمد الذي عاش حياة خاصة، وهي حياة
المكيين مأخوذة من المستشرق جب في كتابه: (المذهب المحمدي) ، وقد قام الدكتور
محمد البهي ﵀ بعقد موازنة بين ما ذكره جب في (المذهب المحمدي)
وما ذكره طه حسين في (في الشعر الجاهلي) [١] واستخلص ما توافقا فيه، واختلفا
فيه، فأما ما اتفقا فيه، فأُوردها بإجمال:
١ - أن الحياة الجاهلية قبل الإسلام كانت حياة حضارية، وكانت حياة حافلة
بالكياسة والسياسة، والنشاط الاقتصادي والنهضة الدينية.
٢ - أن محمداً - أو الإسلام أو القرآن - استغل المقدسات في مكة. وظاهرة
استغلال هذه المقدسات - كما يرى صاحب المذهب المحمدي - تكمن في أن ثورة
محمد أو الإسلام أخذت طابع الدين دون الطابع الاجتماعي، أما صاحب كتاب (في
الشعر الجاهلي) فيرى أن ظاهرة استغلال المقدسات برزت عند محمد أو الإسلام في
قبول قصة إسماعيل وتعليمه العربية اضطراراً مع أنها أسطورة أثبتت الحقائق
العلمية - بزعمه - عدم وقوعها.
٣ - أن القرآن لم يكن جديداً كل الجدة على العرب، فما فيه من عقائد كانت
تعرفها قلة، ويعرفها العرب في شبه الجزيرة، ولكن صاحب كتاب (المذهب
المحمدي) يرى أن دليل معرفتهم لذلك هو عدم معارضة المكيين له، وما ظهر من
معارضة أرجعه إلى المنافسة السياسية والخشية من انهيار اقتصادهم، بينما يرى
صاحب كتاب (في الشعر الجاهلي) أن دليل ذلك هو قبول من قَبِلَ منهم، ومعارضة
من عارض من بينهم، فلو لم يكن مألوفاً لديهم لما عارض من عارض ولا قَبِلَ من
قَبِلَ، ولا حفل به أحد ولا كان له أي خطر.
٤ - أن دعوة الإسلام دعوة محلية في جماعة خاصة وفي حياة خاصة؛
فالقرآن أو الإسلام انطباع واضح لهذه الجماعة الخاصة [٢] .
أما الفرق بين الكتابين في عرض بشرية القرآن فيمكن تلخيصه من كلام
الدكتور البهي فيما يأتي:
١- أن كتاب (المذهب المحمدي) يصف القرآن ويصف صلته بالعرب بقوله:
- فيه (أي القرآن) ما أخذ من الوثنية العربية.
- وفيه ما أخذ من المسيحية العربية.
- وفيه رد على اليهودية العربية [٣] .
وواضح مدى تأثره وتقليده لجب حتى في الأمور التي ظاهرها المخالفة.
أما فكرة كتاب (على هامش السيرة) فما هي إلا تقليد لكتاب (على هامش
الكتب القديمة) لجيل لومتير كما ذكر طه حسين في كتاب (الإسلام والغرب) الصادر
عام ١٩٤٦م في باريس، وقد وصفه بقوله: (وهذا الكتاب من عمل المخيلة
اعتمدت فيه على جوهر بعض الأساطير ثم أعطيت نفسي حرية كبيرة في أن أشرح
الأحداث وأخترع الإطار الذي يتحدث عن قربٍ إلى العقول الحديثة، مع الاحتفاظ
بالطابع القديم) [٤] .
وقد ذكر الأستاذ محمود شاكر في حديثه عن سطو طه حسين على كتابه
(المتنبي) أنه (حين قرأت شهادة الدكتور طه حسين على جيلنا المفرغ من ثقافة أمته
في سنة ١٩٣٥م: توهمت بحسن الظن أنه سوف يبدأ عهداً جديداً في تفكيره وأنه
سيفارق السُّنة التي سنها هو والأساتذة الكبار، أعني: سنة السطو، وسنة
التلخيص) [٥] ، (لكن سرعان ما تحقق الشك والريب فيما كتبه الدكتور طه، على الوجه الذي فصلته تفصيلاً صريحاً، وكان ما كان، ورجعت ريمة إلى عادتها القديمة، كما يقال في المثل، بل هي لم تفارق عادتها قط ولا تملك أن تفارقها ضربة لازب) [٦] .
أما كتاب (في الشعر الجاهلي) فقد تمثل فيه عدة أهداف:
الأول: محاولة تأكيد نظرية مسمومة ملخصها: أن الشعر الجاهلي موضوعٌ
جله - إن لم يكن كله - بعد الإسلام [٧] .
الثاني: نفي كون الأدب العربي مرتبطاً بالفكر الإسلامي لا ينفصل عنه،
ويلتزم بقيمه الأخلاقية ومفاهيمه العقائدية [٨] .
الثالث: الدعوة إلى تخلي الأديب عن العاطفة الدينية والقومية، ودراسة
الأدب كما يُدرس العلم الطبيعي [٩] .
الرابع: محاولة الادعاء بأنه اعتمد على نظرية الشك التي أذاعها
ديكارت [١٠] .
والنظرية في مجموعها مسروقة سرقة كاملة من المستشرق اليهودي
مارجليوث، نشرها في المجلة الملكية الآسيوية (الإنجليزية) عدد يوليو
عام ١٩٢٥م، وهو بحث في ٢٢ صفحة بعنوان: (نشأة الشعر العربي) .
وكان موقف مارجليوث هو موقف الاشتباه والشك والترجيح، أما موقف طه
حسين فهو موقف الحسم بأن هذا الشعر وُضِعَ بعد الإسلام [١١] ولهذا سمَّى
بعضُهم [١٢] كتابه: (الشعر الجاهلي) الحاشية الصغرى على مقالة مارجليوث، وكتابه: (في الأدب الجاهلي) الحاشيةَ الكبرى على تلك المقالة.
وإذا كانت آراء طه حسين - كما رأينا - تقليداً ومسخاً لأفكار بعض
المستشرقين وغيرهم، فيمكن أن نجيب عن قوله: (تأثري بالمستشرقين شديد جداً؛ ولكن لا بآرائهم؛ بل بمناهجهم في البحث) [١٣] نجيب (بأن عبارة: تأثره
بالمستشرقين شديد جداً صحيحة من كل وجه، أما استدراكه بأنه لم يتأثر بآرائهم
فليست صحيحة؛ لأنه ثبت بالبرهان الواقعي تطابق وجهات النظر في كثير من
الآراء التي لا يمكن أن تكون من باب وقع الحافر على الحافر.
الانتماء عند طه حسين:
عبَّر الدكتور السيد أحمد فرج عن ظاهرة طه حسين وأمثاله في الفكر
الإسلامي العام (بغسيل المخ) [١٤] ، وذلك أنهم أُشرِبوا حُبَّ الثقافة الغربية،
وتعاظمت صورتها عندهم حتى لم يعد لثقافتهم العربية والإسلامية أدنى درجات
الاعتزاز والافتخار، وظهرت في كتابات طه حسين الفكرة الصليبية القائلة: إن
زمام الأمر بيد حضارتها، والغربي وحده هو الذكي المتفوق، أما العرب فهم
قطعان بربرية مفتقرة للذكاء، والعربي المسلم محكوم عليه بعدم الاقتدار على
التغيير لكون ذلك صفة كامنة فيه [١٥] .
وتولد عن هذه الفكرة (عقيدة سخيفة فاشية في الشرق، وهي أن الأوروبي لا
يخطئ أبداً) [١٦] ولهذا (كان عنده قناعة كاملة للاستجابة لمنطق الأوروبة بطريق
ترك الماضي الإسلامي كله، والذوبان في الثقافة الأجنبية والفكر السياسي
الأوروبي) [١٧] .
وولاؤه العظيم للغرب جعله يوظف القضايا التاريخية المتصلة بالأمة الإسلامية
لحضارة الغرب البائدة؛ فالدولة الإسلامية ورثت سياسة اليونان والفرس
وحضارتهم [١٨] .
و (لقد كانت لفلسفة أرسطاطاليس الأثر الأكبر في تكوين العقل العربي
الإسلامي) [١٩] .
و (المسلمون أخذوا بأسباب الحضارة الفارسية واليونانية) [٢٠] .
و (وظيفة المحتسب في الإسلام تشبه ما كان شائعاً عند اليونان ومعروفاً من
أمر تأديب العامة، ومراقبة أعمالهم) [٢١] .
ونتائج العقل الإسلامي كلها (تنحلُّ إلى آثار أدبية وفلسفية وفنية متصلة
بحضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن) [٢٢] .
ولو حاولنا استنطاق التاريخ عن بداية الحملة التغريبية على الأمة الإسلامية،
لجاءتنا الإجابة بارتباط حملة التغريب مع الاحتلال الإنجليزي لمصر؛ فقد أعد
الإنجليز أبواقاً لهم تنطق بالعربية؛ فكان نصارى العرب - وبخاصة الشام - أشهر
من شارك في تنفيذ هذا المخطط، وكانت مصر معدة أكثر من غيرها من الدول
العربية والإسلامية لقيادة خطط التغريب؛ ففي أوائل القرن العشرين كانت سمة
التفكير العام هي اتباع الأوروبيين في كل شيء [٢٣] .
وقد ساعد على نجاح هذه الخطة انبهار المهزومين المغلوبين بالغالب القوي،
فهبُّوا يقلدون الغرب، وينادون بترك موروث العرب المسلمين.
ولخص الدكتور محمد محمد حسين برامج التغريب في قاعدتين ساسيتين:
الأولى: هي اتخاذ الأولياء والأصدقاء من المسلمين وتمكينهم من السلطة
واستبعاد الذين يعارضون مشاريعهم ووضع العراقيل في طريقهم وصد الناس عنهم
بمختلف الطرق، والقاعدة الأخرى: هي التسلط على برامج التعليم وأجهزة الإعلام
والثقافة عن طريق من نصبوهم من الأولياء، وتوجيه هذه البرامج لتطوير الإسلام، وإيجاد تفسير جديد له يخدم أهدافهم ويدعم صداقتهم) [٢٤] .
والغريب أن طه حسين لا يداهن ولا يجامل في مسألة الدعوة إلى تقليد الغرب
والسير على خطاهم، وأخذ ما عندهم من خير وشر دون تمييز؛ فهو يقول تحت
عنوان: (وجوب الصراحة في الأخذ بأسباب الحضارة الأوروبية) : (وهي واحدة
فذة ليس لها تعدد وهي: أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها حلوها ومرها، ما يحب منها
وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب) [٢٥] .
وفي كتابه: (مستقبل الثقافة في مصر) أصر كل الإصرار على أن مستقبل
الثقافة في مصر مرتبط بماضيها البعيد، ويدعي أن ماضيها مرتبط بالحضارة
اليونانية الأولى، وأن العقل المصري اتصل بالعقل اليوناني منذ عصوره الأولى
اتصال، تعاون وتوافق، وأنه: (إن تأثر بشيء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض ... المتوسط، وإن تبادل المنافع على اختلافها فإنما يتبادلها مع شعوب البحر الأبيض المتوسط) [٢٦] ، وأن مصر أمة غربية وليست أمة شرقية، وأنها كانت غربية منذ عهد الفراعنة حتى اليوم، ولم تكن يوماً ما شرقية، ولم تطق أن تكون ... يوماً ما شرقية [٢٧] .
وهو يعني بالغرب أوروبا، ويعني بالشرق الهند والصين واليابان، ويتجنب
أن يذكر غيرها من الأمم إلا تلميحاً.
وقد كان طه حسين معجباً بفرنسا إعجاباً صوَّره بنفسه، ولو قاله غيره عنه
لما صُدِّق، فهو يقول: (كل شيء في فرنسا يعجبني، ويرضيني: خير فرنسا
وشرها، حلو فرنسا ومرها، نعيم فرنسا وبؤسها، كل ذلك يروقني ويلذني،
وتطمئن إليه نفسي اطمئناناً غريباً. إني لأحس نفسي تسبق القطار إلى باريس على
سرعة القطار) [٢٨] .
وهذا الولاء والمحبة لفرنسا جعل من (الفكر الفرنسي بالنسبة لطه حسين أكثر
من مدرسة أو من مَعين، لقد كان جزءاً من حياته، وجزءاً من إنتاجه، حتى تكاد
تحسب من خلال قراءة ما كتبه عن فرنسا، وعن أرجاء فرنسا، وعن تاريخ فرنسا، ما يقنعك بأن هذا الأثر لا ينتجه إلا من كان فرنسياً فكراً وثقافة وإحساساً؛ فعلاقته
بالفكر الفرنسي ليست علاقة أخذ فقط) [٢٩] .
ورافق هذه المحبة للغرب ولفرنسا بخاصة تبعية سياسية ودفاع عن الاستعمار؛ فبعد أن أوقعت فرنسا عدوانها على سوريا ولبنان، ويوم عقدت الجامعة العربية
دورتها الطارئة لمواجهة هذا الحدث أوائل عام ١٩٤٥م، ووفدت وفود البلدان
العربية إلى مصر ومن بينها وفدان يمثلان سوريا ولبنان؛ وإذا الدكتور طه يقول
في مقال له: (إن تصرف المستر تشرشل مع الجنرال ديجول لم يكن ملائماً للتقاليد
الدبلوماسية؛ لأنه أعلن رسالته إلى الجنرال في لندن قبل أن تصل إلى الجنرال في
باريس، وأن هذا التصرف قد عقَّد الأمر بين الفرنسيين والبريطانيين) [٣٠] .
ويعلق خليل تقي الدين على مقال الدكتور طه هذا بقوله: (إذن فلعينيك أيتها التقاليد
الدبلوماسية، وفي سبيلك يجب أن تُضرب دمشق إكراماً لعيون اللباقة والسياسة،
ولا بأس من تهديم بضع مئات من المنازل، وتقتيل بضع مئات من
الأبرياء ... ) [٣١] .
ولم ينس الغرب - والفرنسيون منهم بخاصة - هذا الولاء من طه حسين لهم، فأجزلوا له المكافأة، فكانت خطة توليه منصب مراقب الثقافة في وزارة المعارف
في مصر ١٩٣٩م، ثم توليه المستشار الفني للوزارة ١٩٤٢م، وأصبح بعد ذلك
وزيراً للمعارف ١٩٥٠م [٣٢] .
ومن محاولات تكريمه لقيامه بالدور الذي صنع لأجله، منحه الدكتوراه
الفخرية من جامعة ليون عام ١٩٣٨م، وإعطاؤه نيشان اللجيون دونور من درجة
أوفيسيه، ثم توالت عليه الدكتوراهات الفخرية، فجاءته من جامعة مونبيليه ... ١٩٤٦ م، وجامعة روما ١٩٥١م، وجامعة أوكسفورد ١٩٥٠م وجامعة باريس ١٩٥٠ [٣٣] ، وقرر د. ريمون فرنسيس في مقال له بعنوان: (طه حسين والأدب الفرنسي) قرر أن طه حسين خادم الفكتر المخلص العبقري ... العظيم [٣٤] .
وبإزاء هذا نجد أن اليهود قد لقوا عند طه حسين كل تقدير، فكتاب: (في
الشعر الجاهلي) ليس بحثاً علمياً كما يزعم طه حسين ولكنه كان يخدم زعماً عبرانياً
بعثه اليهود؛ إذ يزعم العبرانيون أنهم وحدهم ذرية إبراهيم، ولهذا نفى وجود
إبراهيم وإسماعيل ﵉ وقيامهما ببناء الكعبة، وعليه فليس لدين
إبراهيم ﵇ نفوذ في العرب قبل الإسلام، فهم مدينون لليهود في
حظهم من الحضارة [٣٥] .
بل إن الدكتور عبد الحميد سعيد أشار في مارس عام ١٩٣٢م إلى أن طه
حسين كان يكلف بعض تلاميذه بأن ينقدوا بعض آيات القرآن الكريم يعيِّنها لهم،
ويطلب منهم إثبات هذا النقد في كراسات يتلونها عليه، وأنه - أي الدكتور عبد
الحميد - وجد في كراسة لأحد تلاميذه قولاً عزاه لطه حسين وهو: إشارته إلى أن
صلة النبي ﷺ باليهود في المدينة قد أدخلت على عبارات القرآن
الكريم بعد الهجرة إلى المدينة ليونة ورِقَّة) [٣٦] .
وأقام طه حسين محاضرات عديدة بعد عام ١٩٣٥م تؤكد أن لليهود دوراً في
الحياة العربية، وفي تقديمه لأطروحة (إسرائيل) لولفنسون اليهودي، التي هي
بعنوان: (تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام) يقول طه:
(ليس من شك أن هذه المستعمرات اليهودية قد أثرت تأثيراً قوياً في الحياة العقلية
والأدبية للجاهليين من أهل الحجاز) [٣٧] .
وقد لقي طه حسين من اليهود ما لقيه من الفرنسيين، فقوبلت محاضراته
وكتاباته بشيء غير قليل من الإطراء والإعلان؛ فقد علَّقت مجلة الشمس اليهودية
الصادرة في (٧ يناير ١٩٤٤م) على محاضرة ألقاها طه حسين في دار المدارس
الإسرائيلية بالإسكندرية؛ حيث تقول: (كانت محاضرة الدكتور طه عن اليهود
والأدب العربي آية على يقظة الشرق وعنايته بتراثه، ومظهراً عملياً من تعاطف
وتساند بين أبناء العروبة، وقد جاءت في الوقت المناسب تذكِّر بما كان لليهود في
العصور الخوالي من أيام بيضاء، وفضل عظيم في نشر النور والعرفان، وكانوا
الواسطة إلى نقل الثقافة اليونانية إلى الشرق كما نقلوا ثقافة العرب إلى
أوروبا) [٣٨] .
وجعل اليهود في مصر طه حسين أحد المقربين لهم، فأوكلوا له رئاسة تحرير
(الكاتب المصري) التي صدرت في مصر سنة ١٩٤٥م وكانت تُموَّل من قِبَلِ أسرة
هراري اليهودية، وشاركه كتَّاب يمالئون اليهود كتوفيق الحكيم، ولويس عوض،
وسهير القلماوي، وحسين فوزي [٣٩] .
وفي مقابل هذا الولاء للغرب واليهود، وهذه المحبة الجياشة للفرنسيين
والحضارة الأوروبية، نجد الجفاء لكل ما يتصل بماضي الأمة العربية والإسلامية
وحاضرها، ونجد الحط من شأن العرب وثقافتهم؛ فطه حسين يطلب ممن يقرأ له
أن ينسى عروبته وإسلامه بذريعة البحث العلمي المجرد؛ حيث يقول: (يجب حين
نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخِّصاتها، وأن
ننسى ديننا وكل ما يتصل به، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية، وما يضاد هذا
الدين ... يجب ألا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي
الصحيح) [٤٠] .
ويطلب عزل الإسلام عن الحياة؛ لأن الأديان لا تضع أسساً للأخلاق
والأحكام مع بزوغ عصر النهضة الحديث؛ فالدين الإسلامي يجب أن يعلم فقط
باعتباره جزءاً من التاريخ القومي، لا ديناً إلهياً منزلاً بين الشرائع للبشر؛
فالقوانين الدينية لم تعد تصلح في الحضارة الحديثة أساساً للأخلاق والأحكام؛ ولذلك
لا يجوز أن يبقى الإسلام في صحيح الحياة السياسية، أو أن يتخذ منطلقاً لتجديد
الأمة؛ فالأمة تتجدد بمعزل عن الدين) [٤١] .
وهذه هي العلمانية التي تفصل الحياة عن الدين، وهذا أثر من الآثار التي
تركتها الثقافة الفرنسية في نفسه، وجعل يطبقها على الدين الإسلامي فيقول: (ومن
الذي يستطيع أن يكلفني أن أدرس الأدب لأكون مبشراً بالإسلام أو هادماً للإلحاد،
وأنا لا أريد أن أبشر ولا أريد أن أناقش الملحدين) [٤٢] ، ويقول أيضاً: (الأدب
في حاجة إذن إلى هذه الحرية، هو في حاجة إلى ألا يعتبر علماً دينياً ولا وسيلة
دينية، وهو في حاجة إلى أن يتحرر من هذا التقديس) [٤٣] .
وازدراؤه لكل ما يمت للإسلام بصلة جعله يسلِّط مِعْوَل الشك على تاريخ الأمة
من غير تحقيق أو تمحيص، وإنما اتباعاً للهوى، وتقليداً للمستشرقين وأذنابهم؛
فهو يشك في كل ما روي من أحداث عصر الشيخين: الصدِّيق والفاروق - رضي
الله عنهما -[٤٤] ، ويتهم الرواة الذين عن طريقهم وصلتنا السنة النبوية ووصلتنا
السيرة والتاريخ الإسلامي بأنهم: (يتكثَّرون في بعض الحديث، ويختلفون فيما
يتكثرون فيه باختلاف نزعاتهم السياسية) [٤٥] .
وهكذا تجد جُلَّ بل كل ما كتبه رفعاً لشأن الأوروبي، وحطاً من شأن العربي
المسلم، لماذا؟ لأن المحبة القلبية لهؤلاء غلبت، فطغت، فأخرجت غثاءاً بَلْهَ
صديداً. يقول مصطفى صادق الرافعي - وقد صدق -: (فإنه - أي طه حسين -
لا يكتب ولا يفكر إلا لغرض واحد يبتغي له وسائله وأسبابه بكل ما استطاع وهو
توهين أمر الإسلام وصدْعه من مفاصله، وتفكيك العقد المحكمة التي يتماسك بها في
تاريخه، وناهيك به دائباً يجمع من هنا وهناك من أثينا إلى مكة ... !) [٤٦] .
стр. 3270
متابعات
من مناقب العلامة الألباني
محمد عيد العباسي
وأخيراً تُوفي أستاذنا الإمام العلاَّمة محمد ناصر الدين الألباني بعدما أمضى
نحو سنتين يعاني من المرض؛ بل عدة أمراض، وأسلم روحه إلى بارئها، وانتقل
إلى جوار ربه الكريم الرحيم.
لقد ذاع اسم الشيخ، وانتشر ذكره بين طلبة العلم في مختلف الأقطار
والأمصار، ووُضِعَ له القَبول بين الناس، وما ذلك إلا لصفات اتصف بها وخصال
اختُص بها، مما جعله أحد العلماء الربانيين والمجددين المصلحين في هذه الأمة
التي هي خير أمة أخرجت للناس.
وحيث إني أحد تلامذته المقربين وقد لازمته منذ خمسة وأربعين عاماً فقد
عرفت منه هذه الصفات بجلاء تام، ولذلك كان يزداد حبي له وتقديري وإجلالي
يوماً بعد يوم رغم الحملات الشديدة التي كان يشنها عليه خصومه وشانئوه، ورغم
الإشاعات الكثيرة التي كان يذيعها مخالفوه وحاسدوه.
والحديث عنه وعن صفاته طويل وشيِّق، ولا تتسع له هذه المقالة، فأكتفي
بذكر بعضها راجياً الله - تعالى - أن ييسر لي كتابة كتاب في ذلك أسرد فيه
ذكرياتي عنه وتحليلاً لأخباره؛ ليفيد من ذلك طلبة العلم والناس؛ فمن صفاته
الجميلة الحميدة - رحمه الله تعالى -:
١- إخلاصه لله ﵎ وقصدُه وجهَه الكريم في عمله وعلمه:
وقد يقول قائل: إن الإخلاص سر من أسرار الله - تعالى - لا يطلع عليه إلا
الله؛ فكيف يعرف؟ والجواب: إن الأمر كما قلتَ، ولكن الإخلاص له علامات
وأحوال تدل عليه، ويستطيع الدارس والملاحظ تبيُّنَها إذا أوتي فراسة وذكاء وخبرة
وتجربة. أرأيت أمر الساعة؟ فقد اختص الله - تعالى - نفسه بمعرفتها، ولكنه
جعل لها علامات وأشراطاً، يحكم المتأمل والناظر بقرب وقوعها الوشيك جداً.
وهكذا؛ فكان الشيخ في سلوكه العام والخاص وابتعاده عن المحرمات
والمكروهات، ومسارعته إلى الطاعات، وصبره على البليات مثالاً يحتذى،
واستمر على ذلك طول عمره، لم تفتنه المناصب، ولم يغره المال، ولم تجتذبه
الدنيا، وليس لذلك تفسير عند العقلاء إلا في الإخلاص والصدق مع الله وابتغاء
وجهه.
كنا نرافقه في أسفاره إلى بعض المدن السعودية وإلى الأردن في سيارته
للدعوة والتدريس وزيارة الإخوة، فكان كلما احتاجت السيارة لملئها من البنزين
يبادر بدفع ثمنه، ونحاول جهدنا أن نسبقه فما كان يسمح لنا؛ بل يعزم علينا ألا
نفعل رغم حرصنا، ويقول: دعوا تكاليف السيارة عليَّ لتكون خالصة لله - تبارك
وتعالى - وفي خدمة دينه.
٢- جده ودأبه وصبره على المطالعة والدراسة والتعليم والدعوة والكتابة
والتأليف:
فقد كان ينفق الساعات الطوال التي تنوف على العشر ساعات يومياً في
مطالعة الكتب والرسائل المطبوعة والمخطوطة في المكتبة الظاهرية وغيرها،
ونسخ ما يحتاجه منها، وكان يأتي إلى ظاهرية دمشق منذ أن تفتح أبوابها، ويستمر
حتى نهاية الدوام المسائي، وكان يطلب موظفوها منه إذا حان وقت انصرافهم،
وأراد أن يكمل بحثه أن يغلق أبوابها إذا أراد الانصراف، وكان كثيرون من روادها
يظنونه موظفاً من موظفيها لطول مكثه فيها.
وقد بلغ الذورة في الصبر والتحمل حينما صام أربعين يوماً متواليات ليلاً
ونهاراً عن كل شيء إلا الماء تطبباً، وطلباً للشفاء من بعض الأمراض التي كان
يعاني منها، بعد أن قرأ كتاباً لأحد الأطباء يشرح فيه أن كثيراً من الأمراض يُشفى
منها بالصوم، فكان - رحمه الله تعالى - يواظب خلال هذه المدة على عمله
ودروسه وتأليفه، ويمارس كل النشاط الذي كان يقوم به في الأيام العادية، بما في
ذلك الأسفار وإلقاء الدروس والمحاضرات، وإن هذا - لعمر الله - قمة في مضاء
العزيمة، والصبر على المكاره، وعجيبة من عجائب الدهر.
٣ - زهده وميله للبساطة وعدم التكلف:
وهذا خلُق من أخلاق النبوة، فقد آثر الآخرة على الأولى، ولذلك كان يقنع
بالقليل من الرزق، ويكتفي بالميسور من الطعام والمتاع، ولا يعتاد التنعم والرفاه،
كما زهد في المناصب، وترفع عن التزلف لأصحاب الجاه والغنى والسلطان، بل
كان عزيز النفس لا يطلب من أحد شيئاً ولو كانت به حاجة، كما كان يؤثر الابتعاد
عن المناسبات الرسمية والأضواء، ويؤثر البساطة والعيش مع كتبه وطلابه
ودروسه، ولا يتركها إلا مُكْرَهاً، كما أنه تجنب الصحافة والإذاعة المسموعة
والمرئية مع أنه دُعي للظهور فيها، وذلك لما يرى فيها من التكلف والتصنع الذي
يمجه بفطرته، ولما يوجد في كثير من وسائل الإعلام من تحريف وبتر للكلام
وتشويه ومخالفة للأمانة في النقل.
٤ - أمانته العلمية وإنصافه:
وهذه صفة عزيزة تقتضي من العالم الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه،
والتخلي عن الهوى والغرض، وهي أمور صعبة وشديدة على النفس، كما تقتضي
منه إذا سئل عن مسألة لا يعرفها أن يعترف بعدم معرفته لها. وكل ذلك من الأمور
التي أمر بها الإسلام، ويكفي فيها قوله - تعالى -: [ولا تقف ما ليس لك به علم
إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا] [الإسراء: ٣٦] .
كان أستاذنا إذا سئل عن بعض المسائل - وخاصة تلك التي تتعلق بالفرائض
والمواريث - لا يجيب، ويقول: لا أدري، وليس لي فيها دراسة، كما كان يطلب
ممن يطلع على خطأ أو وهم في كتبه أن يبين له ذلك، ويدل عليه، وقد ذكر بعضَ
هؤلاء في بعض كتبه، وشكرهم على صنيعهم، وأخذ برأيهم، وكان يعلن ترحيبه
بذلك بشرط أن يكون المنتقد مخلصاً ويعرض ذلك بأدب الإسلام والحجة والبينة،
وكان دائم المطالعة والمراجعة للجديد من الكتب يستفيد منها، ولذلك كان دائم
التعديل والإضافة للطبعات الجديدة من كتبه، ويعلن ذلك في الدروس والكتب، ولا
تحمله العزة بالإثم والكبر على الإصرار على الخطأ وكتمان الحق، بل كان يتراجع
عن خطئه بكل سهولة وسماحة، وترى ذلك - مثلاً - في مقدمة كتابه: (مختصر
الشمائل المحمدية) ومقدمة كتابه: (سلسلة الأحاديث الضعيفة) .
وبالإضافة إلى ذلك كان في حكمه على الأشخاص - قدماء ومعاصرين -
يميل إلى الإنصاف والعدل كما أمر الله - تعالى - ويجنح إلى التوسط والاعتدال،
فلا يبالغ في الثناء، كما لا يفرط في الذم، وأكبر مثال على ذلك رأيه في الكاتب
الإسلامي الذي كثر فيه القيل والقال بين المغالين والجافين عنه، أعني الأستاذ سيد
قطب - رحمه الله تعالى -، وله شريط قال رأيه فيه بإنصاف ودون تحامل أو حقد، أو مجافاة للحقيقة، أو محاباة لأحد على حسابها.
٥ - سعة الصدر والسماحة وخاصة في المناظزة والمناقشة:
كان شيخنا - رحمه الله تعالى - نادرة زمانه في المناظرات العلمية
والمناقشات الفكرية؛ فكان يبدأ نقاشه بتحرير موضع الخلاف بينه وبين مناقشه؛
لأن كثيراً ممن يتناقشون يكون بينهم خلاف لعدم مراعاتهم بيان ذلك أو لاختلافهم في
المصطلحات، فيضيع جهدهم سدى، ويكتشفون فيما بعد أنهم على وفاق، ثم يطلب
من محاوره الكلام وعرض رأيه مع بيان الدليل والبرهان ويستمع بكل أدب وإصغاء
وانتباه إلى حديثه ودون أن يتدخل أو يقاطع، وما أكثر من رأينا من المتناقشين
يكثر المقاطعة والتدخل! ويكون فكره مهتماً بالرد، فيصرفه ذلك عن الانتباه
والوعي لكلام محاوره، فيحدث الشجار والخصام؛ فإذا انتهى محاوره من عرض
رأيه وبيان دليله، أخذ الشيخ بتلخيص كلام محاوره، ثم رد عليه نقطة نقطة بكل
وضوح وجلاء، وإذا أورد الآخر شبهة جديدة، أو جواباً على كلامه عاد فاستمع
إليه ثم أجابه، وهكذا، وقد حضرت بعض مناظراته؛ فكان محاوره كثيراً ما يحيد
عن الجواب حينما يجد الحجة القوية، فيعيده الشيخ إلى الموضوع والنقطة التي
وصل الكلام إليها بكل لطف وأدب.
وقد تعلمنا منه أدب الحوار، وطريقة النقاش، وإن كنت أعترف أنني
وغيري لم نبلغ معشار ما كان عليه من الهدوء والسماحة والانضباط.
٦ - نشاطه وحماسته في الدعوة ونشر العلم:
كانت الدعوة السلفية في بلاد الشام قبله ينقصها الفهم الواضح الشامل السديد،
كما كانت تفتقد إلى الحيوية والنشاط والاندفاع اللائق بها؛ فقد كان هناك بعض
المشايخ والدّعاة المؤمنين بعقيدة السلف ومنهجهم في الجملة؛ ولكن كان ينقصهم
الوضوح والصراحة والجرأة؛ فكانوا يبثون الدعوة بين محبيهم وتلامذتهم في نطاق
ضيق ومحدود وعلى تخوُّف واستحياء، كما كانوا غير متمكنين في علم الحديث،
فكانت الدعوة محصورة بين القليل من طلاب العلم، وفيها بعض الغبش.
ولما جاء أستاذنا الألباني جهر بها بين ظهراني الناس جميعاً، وأعلن بكل قوة
وجرأة، ولم يخش في الله لومة لائم، وتحمَّل في سبيل ذلك أنواعاً من الإيذاء
والاستنكار والإشاعات الباطلة والحملات الظالمة، والسعي للوشاية به إلى الحكام،
وكثيراً ما مُنع من الفتوى والتدريس، والاجتماعات، واستُدعي للجهات الأمنية،
كما أنه قد سجن مدة طويلة أكثر من مرة، وأُخرج من أكثر من بلد، ومع ذلك فقد
ظل ثابتاً كالطود، لا يضعف، ولا تلين له قناة، ولا تنثني له عزيمة حتى لقي
ربه ﵎.
كان يجول في المدن والبلدان داعياً إلى منهج السلف واتباع الدليل، يجادل
ويناظر، ويكتب ويدرِّس، دون خور أو ضعف، ودون كلل أو ملل.
وبمثل ذلك تنتصر الدعوات وتنتشر؛ وهكذا فقد انتشر ما كان يحمله من
الدعوة إلى التوحيد واتباع السنة وإيثار الدليل، ومحاربة البدع والمحدثات، ونشر
الأحاديث الصحيحة، ومحاربة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقريب السنة إلى
الأمة، كما انتشر تلاميذه ومحبوه في كل مكان، وصارت الدعوة إلى منهج السلف
حديث الناس، وموضع اهتمامهم ودراستهم.
هذه جوانب قليلة من صفات الشيخ الجليل، وهي غيض من فيض: [ذلك
فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] [الجمعة: ٤] .
رحم الله أستاذنا الألباني وإخوانه الذين سبقوه، سماحة الإمام العلاَّمة صديقه
الوفي المخلص الحميم عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وأسكنهم جميعاً فسيح جناته، وخلفنا من بعده على خير، وآجرنا في مصابنا، وعوض المسلمين عما فقدوه
خير العوض، إنه أكرم مسؤول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه،
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3271
المنتدى
الوعد القادم.. إننا قادمون
طارق مجاهد
(ويل لكم) .. نعم هذه الكلمة هي التي سمعتها من أحدهم عندما أخذ يعدُّ أفراد
أسرتي وسأل عن أسمائهم فوجد عددهم كثيراً - في نظره - وذكَّرتْه أسماؤهم
بأسماء بعض صحابة رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم - فلطم
وجهه بيديه حنقاً، وغيظاً والتفت إلى جندية بجواره قائلاً لها: يا ويلي علينا.. يا
ويلي علينا.. يا ويلي علينا!
نعم هكذا وبكل وضوح ... أمر غريب جداً! لقد دهشت؛ ولكن كان عليّ أن
أكمل الطريق لاستكمال إجراءات التفتيش على نقطة العبور.
موقف عجيب يحتاج إلى وقفة للتأمل؛ لأن هذا اليهودي يتنبأ بهلاكه وهلاك
قومه على أيدي المسلمين بمجرد رؤية أطفالهم، وبمجرد تذكر أسماء الصحابة
الكرام؛ فلعله تذكر خيبر أو بني قريظة أو غيرهم من أجداده.
لقد ذعر وارتعد بمجرد السماع والتذكر ولطم خده غيظاً. إنه ينتظر الوعد
بهلاكه وهلاك قومه على أيدي المسلمين؛ والعجيب في الأمر أن كثيراً من أبناء
المسلمين لا ينتظر هذا الوعد؛ بل لربما نسيه أو تناساه؛ بل إن بعضهم لا يعرف
عنه شيئاً وكأن المعركة انتهت والصراع توقف عند هذه النقطة السوداء: القدس
بأيديهم، وبأيدينا الفتات والسراب، لقد تخدرت مشاعر بعض المخدوعين بالوعود
المعسولة والآمال المنشودة والكلمات الرنانة عن التعايش السلمي والحب والوئام
وانتهاء الحروب، إلا أننا:
قد مللنا الوعود من كل ... وغد وعميل وخائن ومرابي
رفعوا راية الجهاد وأغفى ... جمعهم بين قينة وشرابِ
والملايين ترقب النصر حتى ... غدوا بين مهمه وسرابِ
واليهود هم اليهود قتلة الأنبياء والأبرياء؛ فهم يثبتون للجميع يوماً بعد يوم
أنهم شعب حقير يوقد نار الحرب ويسعى لذلك كلما سنحت له الفرصة وكلما لاحت
في الأفق بوادر الخلاف؛ فهم كما أنبأنا الله بخبرهم: [كلما أوقدوا نارا للحرب
أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين] ﴿المائدة: ٦٤﴾ فهم
المفسدون الذين يسعون سعياً حثيثاً للإفساد فيها بكل الصور والوسائل.
لقد أصبحت القدس الأسيرة من أبعد الآمال عند كثير من ضعفاء النفوس، إن
لم تكن أصبحت خيالاً مضى كان يداعب فكرهم في زمن مضى أيضاً.
ولكن الأمل يحدونا ونحن على علم أن الليل يعقبه النهار، وأنه عند اشتداد
الظلمة يقترب الفجر، وأن أشد الساعات حلكة هي التي يعقبها الضياء والعاقبة
للمتقين. والأمة إن ضُيِّق عليها في دينها وأهينت مقدساتها؛ فهي تغلي وتقذف
بغضبها وتصبه على أعدائها انتقاماً للدين الذي ارتضاه لها ربها.
وإن فرط من فرط وتخاذل من تخاذل وضعف من ضعف وتولى من تولى
فهناك من لا يفرط ولا يتنازل ولا يتخاذل ولا يضعف ولا يتولى، بل يقدم ويتمسك
ويقوى كلما ازداد العدو كيداً وحرباً، والنصوص الصحيحة الصادقة تعدنا بذلك،
والتاريخ يشهد، والأيام دول، قال - تعالى -: [وتلك الأيام نداولها بين الناس] ﴿آل عمران: ١٤٠﴾ ولنا ألف عودة وعودة، قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) [١] .
إن الأعداء يذكون ناراً تستعر وستحرقهم عما قريب.. يوقدونها بالدماء
وانتهاك الحرمات والمقدسات والتشريد والهدم والمصادرة والاستهتار بالقيم
والمشاعر والمراوغة والحصار، كل هذا لن يمر سديً ولن يُتركوا عبثاً؛ فلهم
موعد ويوم أسود بسواد قلوبهم وأيديهم وصفحاتهم عبر التاريخ.
إن البشائر بالانتصار عليهم كثيرة جداً؛ بل هي مستقرة في نفوس بعضهم
أكثر من نفوس بعض أبناء المسلمين مع الأسف؛ فمتى يستيقظ أبناء الأمة؟
стр. 3272
المنتدى
التفكير العلمي
عبد العزيز اليحيى
التفكير: إعمال العقل لحل قضية أو لاقتراحات أخرى يتلمس منها ما بمكامنها
من خفايا أو خبايا سلباً أو إيجاباً، وما تخلف هذه القضية بعد ذلك ليخرج بعدها
بحلول أو اقتراحات لتلك القضية تنتج له عصارة فكر متميز ليحولها إلى واقع
وتطبيق عملي تسعد به الأمة ليَحْيَا لها مجدها التليد الذي ضاع على أيدي أناس
يفكرون بطريقتهم؛ فلنفكر نحن لنعيد الذي أخذ منا بتفكير.
قال ابن القيم ﵀: إن مبدأ كل علم نظري أو عمل اختياري هي
الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات،
والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة. ا. هـ.
والله وهب الإنسان فكراً ونظراً وعقلاً ميزه عن كثير من
مخلوقاته، يستطيع من خلاله إنشاء أعمال عظيمة كانت بدايتها فكرة أو لربما
خاطرة.
قال البخاري ﵀: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال رجل من
أصحابنا: ألا تعملون كتاباً يجمع الأحاديث الصحاح؟ - ولم يكن قبل ذلك كتاب
يجمع الصحاح فقط - فكانت فكرة لي حتى كتبت الصحيح. أ. هـ.
تأمل أخي الكريم! كيف أن البخاري ألف كتاباً سارت به الركبان وشرقت
وغربت، كانت بدايته بداية بسيطة كبداية أي عمل، إنها فكرة، وكم قدم البخاري
بعد هذا باستغلال الفكرة! ولذا فلا بد من استغلال الأفكار الإبداعية كما استغلها
البخاري ﵀. إن أكثر الناجحين من العلماء أو المفكرين أو الأثرياء
والمبدعين إنما تميزوا باستغلال الأفكار الإبداعية.
وقرر علماء النفس والإدارة أنه لا بد من أن يجعل الإنسان لنفسه وقتاً خاصاً
للتفكير ولو كانت دقائق معدودة أو ثواني محدودة.
ومن الملاحظ أن الإنسان كثيراً ما يستخدم حواسه ويستخدم جوارحه؛ ولكن
غالباً ما يكون معطلاً للعقل إلا في التفكير الساذج. إما في عيش البهمية [أولئك
كالأنعام بل هم أضل] ﴿الأعراف: ١٧٩﴾ أو حياة الذل والهمجية، ولو رجعتُ بك
قليلاً لتقليب صفحات الذكريات وشريط الحياة لأقول لك: يا تُرى! كم قدمت لأمتك
ولدينك من خلال تفكيرك؟ لذهلت ولرأيت أمراً عجباً؛ فتأمل هنا لترى حقاً ذلك
الوضع البئيس الذي نعيشه ويعيشه معظم المسلمين اليوم، ومع كل هذا التعطيل
لملكة التفكير ففي المقابل يستطيع البشر أن يقيدوا الأيدي والأرجل بالسلاسل
والأغلال وأن يكمموا الأفواه ولكن لا يستطيعون أبداً أن يعطلوا عقلك عن التفكير
إلا بإذهاب عقلك.
أخي الحبيب! أضرب لك مثالاً مشاهداً ملموساً يعقله كل ذي عقل وبصيرة أو
من ألقى السمع وهو شهيد: شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك الرجل الذي استحق لقب
شيخ الإسلام، سجنه أعداؤه في سجن القلعة في دمشق لما رأوه ينكر المنكر ويعرِّف
بالمعروف، وعُذِّب وأوذي في الله وابتلي ليخرج مؤمناً حقاً شيخاً جليلاً.
أخي الحبيب! قد تتساءل: لماذا كل هذا التعذيب والاضطهاد لشيخ الإسلام؟
فأقول لك: إنه إن كان معطلاً عن العمل في كل شيء فهو لم يعطل عن التفكير،
إنه يفكر. إن كل هذا التعذيب والاضطهاد والخوف من ذلك الشيخ - مع كل ما به
- كان لأنه يفكر.
يقول ﵀: (أنا جنتي وبستاني في صدري) ، نعم إن الجنة
والبستان للمؤمن ليس في اليد ولا في الرجل، وإنما في القلب.
إن شيخ الإسلام مع أنه سجين إلا أنه يفكر، أما أنت - يا طيب الجسم - مع
أن الله أعطاك قدرات ومواهب وطاقات إلا أنك مع ذلك لست تفكر إلا في سفاسف
الأمور وسفسافها!
إن الأمة الإسلامية تحتاج إلى تفكير وإلى أناس يفكرون، وإن ما وصل إليه
الأعداء من أعمال وابتكارات ما هي إلا المرحلة الثانية بعد التفكير؛ فتجدهم
يفكرون طويلاً ليخرجوا لنا بابتكارات وأعمال تخدم دنياهم.
وهم على ضلال يفكرون. أما نحن مع أننا على الحق إلا أن كثيراً منا لا
يفكر.
أضرب لك مثالاً: في المؤتمر الذي عقد عام ١٨٩٧م وضع اليهود مخططات
لقيام دولة (إسرائيل) بعد ٥٠ سنة، وفعلاً تحققت لهم بعد ذلك.
أتعلم من الذي يفكر؟ إنهم اليهود الجبناء الذين [لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى
محصنة أو من وراء جدر] ﴿الحشر: ١٤﴾ ومع كل هذا الجبن والخور المتأصل فيهم
إلا أنهم يفكرون ... ؟ ! ولو أن شباب الإسلام في مدينة واحدة بدؤوا يفكرون بعد
تأمل وتألم في واقعنا وفي مستقبلنا فكم سيكون لدينا من المشاريع الخيرة الناجحة؟
مع أنهم في مدينة واحدة فكيف لو أن كل مسلم فكر؟ حينئذ: نعيد ماضينا ومجدنا
السليب بالتفكير ثم بعد ذلك بالعمل.
وبعد؛ فإن التفكير لا بد أن يخلف آثاراً نفسية على الإنسان ترغمه أن يحول
تلك الأفكار إلى واقع وحال، إلا من سلب روح العمل. والفكرة بلا تطبيق كالزهرة
بلا رحيق.
فبعد أن تتوصل إلى منتهى مراميك وغاية مقاصدك في التفكير.. فهناك:
تحول تلك الأفكار إلى واقع مشاهد ليخرُج لنا جيل يفكر ويعرف كيف يفكر،
ولنقول للغرب بلسان حالنا: نحن - المسلمين - الذين حرروا العقول بالأمس من
تخبط الجاهلية العمياء، ونحن - المسلمين - الذين يحررون العقول اليوم - إن
شاء الله - من تخبط الجاهلية المعاصرة.
نسأل ذلك من العلي القدير، وليس ذلك على الله بعزيز.
стр. 3273
الورقة الأخيرة
المشهد الأخير من رحيل الألباني .. ﵀
د. محمد محمود أبو رحيم
لقد ذكرني المشهد الأخير من جنازة الشيخ أبى عبد الرحمن بأول لقاء معه
﵀ قبل ثلاثين عاما؛ حيث كنت يومها متدثرا بلباس التصوف، أمرغ الخد
على أعتاب أشياخه.
يومها كان الجهل قد غرر كانون٢ بكسب كان للأشياخ نصيبا مفروضا في
صناعته، لم يكن جهلا بالحلق والذكر والخلوات البدعية؛ فقد أتقنها حتى غاليت
في بعضها، فوجدتني قد نذرت للرحمن صوما إلا عن شيخي في الطريقة الذي ولد
في نفسي قدرته المزعومة على فتح المغاليق إلى ملك لا يبلى.
يومها كنت جاهلا بما يدور حولي، وحول من تدور عليهم دعاوى التجهيل
والتضليل؛ فكان ما كان مني نحو الشيخ أبي عبد الرحمن ومنهجه من كوامن ضدية
دفعتني لسؤاله وأنا تحت تأثير خلفيات التحدي: لماذا تحارب الأئمة الأربعة؟ هكذا
كان يشيع من لم يرقهم طريقته السلفية.
لم يكد يخرج السؤال من بين شفتي وأنا شاب في السنة الأولى في كلية
الشريعة حتى وجدت برد كفه الناهم يأخذ بكفي نحو مقعد جانبي يحاورني بكل هدوء.
خرجت من عنده وقد علتني دهشة دفعني فضولها إلى مواصلة لفائه والتعرف
على ما عنده ﵀ فإذا كانون٢ أقف على عالم متخصص، ومحاور عنيد،
يحيي السنة ويميت البدع، داعية إلى التوحيد الخالص، حرب على الشرك بأنواعه، تعلوه نضرة الحديث.
شهوده زواجي من فتاة سورية اختارها لي زوجته خديجة قادري، وشهد لي
بمتابعة الدراسة العالية في جامعة أم القرى شهادة مكتوبة حفظت في ملفي الشخصي.
انقطعت لطلب العلم، ولم انقطع عن الشيخ ﵀ وفي أثناء ذلك وجدت
الشيخ قد اصطدم بثلاث فئات من الناس:
الفئة الأولى: فئة العلماء الذين يقرون له بالفضل والسبق في العلم؛ حيث
ناقشوه مناقشة العالم للعالم، لم يخرجهم خلافهم معه عن حسن الأدب للتقدير للشيخ
﵀ كان منهم: الشيخ العلامة ابن باز ﵀ والشيخ الأنصاري، والشيخ
عمر فلاتة، وغيرهم كثر.
الفئة الثانية: فئة المتسلقين من الأصاغر الذين وجدوا في كتف الشيخ رحمه
الله ورعايته وتوجيهه مخرجا مقنعا لهم وفجوة يعبرون من خلالها لتحقيق أحلامهم
وتعويض إخفاقهم على مقاعد الدراسة.
الفئة الثالثة: فرق الضلال وأهل الانحراف فقد أوجعوه تجديعا، يحدوهم
التعصب والهوى والتقليد الأعمى، فصال عليهم ﵀ بحجته: قال الله، قال
رسوله. فبدد شمل أدلتهم، وبين قصر فهمهم، وأعاد الراحلة إلى جادة الطريق.
استغل هؤلاء والحاسدون بعض كبوات الشيخ ﵀ ظنا منهم أن الفارس
قد هوى، وغاب عنهم أن اجتهاد العالم مأجور عليه غير مأزور؛ لكنه العمى أطفأ
نور الحق من الصدور فغابت عنهم أشياء وأشياء.
وقبل انسدال المشهد الأخير من حياة الشيخ دفعني الشوق إلى عيادته في
مرض موته مع جمع من أهل العلم والفضل، فرأيت جسدا قد علته صفرة
الرحيل وغلبه النحول وتمكن داء الهرم، قبلت يده ورأسه فرد بصوت خافت هادئ
ينبئ عن ذهن حاضر لم يختلط، حمل بعضنا أمانة إبلاغ سلامة إلى أحبابه، وما
هي إلا أيام معدودة حتى فاضت روحه فأدركته يوم الدفن، وانسدل الستار على
جسد إمام من أئمة المسلمين ليلحق بمن سبقه من علماء الأمة العاملين.
اللهم ارحم عبدك الألباني، وأكرم نزله ووسع قبره مد بصره، وتجاوز عما
بدر منه اجتهادا أخطأ فيه؛ إنك سميع مجيب الدعاء.
стр. 3274
رمضان - ١٤٢٠هـ
يناير - ٢٠٠٠م
(السنة: ١٤)
стр. 3275
كلمة صغيرة
انفعال الصورة
مع تكرار الأحداث الدامية في الشيشان كانت كل صور المأساة مكررة:
المكان مكرر، والشعب المذبوح مكرر، والعدو الحاقد، القتل والتهجير والهدم
والخراب مكرر، إلا أن الشيء الوحيد الذي لم يتكرر هو انفعال المسلمين مع
الأحداث، وهو ما يثير التساؤل: لماذا لم نتفاعل مع الأحداث الجارية في
(الشيشان) بالدرجة نفسها التي تفاعلنا بها مع (الشيشان) قبل ذلك! ؟ ولماذا كان
التفاعل أكثر مع أحداث كوسوفا برغم أن جميع الأحول متطابقة على الجانبين؟
أنقول بأننا قد اعتدنا على تكرار المآسي، ومشاهد القتل والتهجير وتدمير
المدن؟ أم تبلدت أحاسيسنا فلجأنا إلى الحوقلة والاسترجاع؟
لا نبرئ أنفسنا من هذه العادة السيئة؛ فها هي ذي القضية الفلسطينية بمآسيها
المتكررة قد اعتدنا عليها، ولم نعد نتفاعل معها.
إن درجة التفاعل مع الأحداث - ويا للأسف - مرتبطة بشكل كبير بحجم
العرض الإعلامي؛ فكلما ضغط الإعلام بصوره وتقاريره، وتضخيمه للحدث كلما
كان تفاعلنا أكثر، والعكس بالعكس.
لا زلنا نذكر أن تفاعلنا مع مأساة الصومال كان إيجابياً، ثم تلاشى عندما
انتهى العرض الإعلامي، وما زالت المأساة الصومالية مستمرة مكررة بشتى
صورها وفصولها.
إننا نخشى أن يكون تفاعلنا وتأثرنا بالأحداث، كذاك الذي يشاهِدُ عرضاً
سينمائياً درامياً فيتأثر ويبكي إلى أن ينتهي العرض!
إننا نحتاج إلى إعادة النظر بشكل جاد في هذه المأساة الجديدة والمتكررة
للمسلمين، ولا نقول مأساة الشيشان أو الصومال وكشمير فحسب، وإنما مأساة
(انفعال الصورة) .
стр. 3276
الافتتاحية
رسالة مفتوحة إلى..
قادة الجهاد الأفغاني القدامى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فمنذ أكثر من عشر سنوات، وبعد عهود طويلة من انحسار روح الجهاد
الإسلامي، كنتم أيها المجاهدون سبباً في أن تكون بلادكم أفغانستان محط أنظار
العالم، عندما سمع هذا العالم وشاهد بالصوت والصورة الانهيار المدوِّي لكيان
الطغيان الشيوعي، بعد أن دقت سواعدكم آخر مسمار في نعشه. حينها قد تنفس
العالم بعد صُعداء، وهو يرى ذلك الغول الأحمر، يجر أذيال خيبته منسحباً من
أرضكم ذليلاً كسيراً، بعد أن كان يتهيأ للانقضاض منها على أراضي المياه الدافئة
والحقول الغنية.
نعم! فقد كنتم تخاطبون العالم كله في ذلك الوقت بخطاب الشجاعة والشمم،
وبنبرة الحق وصوت القوة ... حقاً لقد استطعتم وقتها - بفضل الله - أن تعيدوا
للإسلام أحد جوانب وَضَاءته التي طال تغييبها، وهي العزة والإباء، وبدت
أفغانستان تحت قيادتكم هي الأمل والمنطلق لدى الملايين من المستضعفين في عالم
إسلامي يضج من المظالم ويئن من القهر، في كثير من أنحائه، ويحن إلى الحرية
والكرامة.
وراحت مدرستكم الجهادية تفتح فصولاً تلو فصول، لمن أراد أن يعبَّ من
دروس البذل والفداء.
عِقْد واحد من الزمان - أيها المجاهدون - رفعتم فيه رؤوس المسلمين إلى
الثريا، وقربتم إليهم نجوم المجد حتى كادوا يبتدرونها بأيديهم ثم ... ثم ماذا؟ ! ثم
كان ما كان مما لم يَدُرْ بخَلَدٍ أو حسبان، عندما دارت عجلة التغيرات لتدوس
الأماني، وتدعس الأحلام، وتسحل في غير رحمة نَبتات الأمل وزهرات
الطموح..!
فُتحت كابل فتذكر الناس أيام مجد الفتوح.. ولكنها دُكَّت بعد ذلك دكاً دكاً
بالصواريخ التي بقيت من عتاد الجهاد، فتلوَّث الجهاد وتلطَّخ وجهه الوضَّاء على
الأيدي نفسها التي كانت قد أخرجته من حواشي الكتب وأصداء الخطب، وكيف لا
يتلوث جهادكم؛ وقد تجاوز عدد ضحايا الأفغان المدنيين على أيدي بعضكم أضعاف
ضحايا البوسنة على أيدي الصرب، أو الشيشان على أيدي الروس! ! تعالَوْا - في
هذا الشهر المبارك - نفتح معكم ملفاً طال إغلاقه، ولكنكم تصرون على فتحه
بتصرفات بعضكم المتجاهلة لكل أثر مدمر، أو فتنة محبطة لكل المسلمين في
الأرض:
تفرغ بعضكم لـ (لعبة الكراسي الموسيقية) السياسية، فراحوا يتبادلون
المناصب في احتفالات صاخبة تحت أزيز الطائرات وهدير المدافع، متجاهلين
نَصَب الناس وتعبهم الذي طال بانتظار الفرج بقدومكم!
لَبِس بعضكم بزة السطان، وراح يجوب البلدان فرحاً بألقاب الفخامة والسعادة
والسيادة، مبدياً كل التفهم أو (الإذعان) لمسعى اللئام في مطلب (التعاون) لمكافحة
دعوى الإرهاب! ! وأنتم أول من يعلم من المعنيون بالإرهاب.
نسي المتعاونون منكم أن من تُعاوِنون على تسليمهم أو سُلِّموا بالفعل ما كانوا
ليوصَموا بالإرهاب ويوصفوا بالأصولية لولا ذهابهم إليكم ووقوفهم إلى جانبكم، مع
أنهم كانوا بالأمس القريب رفاق السلاح وإخوة الجهاد الذين منيتموهم بالشراكة في
جني ثمرات الجهاد.
ثمرات الجهاد هذه لمن أطعمتموها أيها المجاهدون؟ !
لعلكم ستقولون: إن الأمريكان سرقوها وتآمروا مع باكستان علينا! ! ولكننا
نعلم - وأنتم تعلمون - أنكم أطعمتموها للأمريكان ولمن هم أسوأ من الأمريكان.
وهل هناك أسوأ من الأمريكان؟ ! نعم! إنهم الروس الملحدون الذين صادقتموهم
بعد أن قاتلتموهم، والهنود الوثنيون الذين هادنتموهم والتجأتم إليهم.
ها هي أعوام خمسة تمر وأنتم تصرون على الحرب حتى آخر حمامة سلام
في أفغانستان!
إننا نخاطبكم بخطاب الدين الذي قمتم لنصرته أول مرة: احذروا حبوط العمل، واخشوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، فوالله! إن أحدكم مهما جاهد وعمل فإنه لا
يقوى على الوقوف يوم التغابن أمام طفل بُترت ساقه أو فُقئت عينه، أو وليدة فقدت
أمها أو غاب أبوها، أو عجوز تهدم مأواها أو أُقعد عائلها..
انظروا إلى تغيُّر الأمور حولكم؛ فلعل فيها عبرة؛ فإن المسلمين جميعاً كانوا
أنصاركم بالأمس، فمن أنصاركم اليوم؟ ! المؤمنون كانوا جميعاً يدعون لكم
بالأمس فمن يدعو لكم اليوم؟ !
إن بعضكم لا يزال يلوم المسلمين على صفحات الجرائد والمجلات؛ لأنهم
تخلوا عن (الجهاد الأفغاني) ، ألا يعلم هؤلاء أنهم هم أول من تخلى عن هذا الجهاد
وخذله يوم استبدلوا بالراية الإسلامية الجهادية راية عِمِّيَّة عنصرية، ويوم استنكفوا
عن قبول النصيحة التي أسداها المشفقون من كبار علماء الأمة ودعاتها الذين تجشم
بعضهم صعوبة الوصول إليكم للإصلاح، ولكنكم أبيتم إلا مداراتهم ثم مخالفتهم؟
ولا ينسى هؤلاء المسلمون الذين تتهمونهم الآن بالتخلي عن الجهاد، يوم
اجتمعتم في أشرف البقاع في مكة المكرمة، وحينها قال الناس مستبشرين: لعل
جلال المكان وهيبة الموقف تعيد الصواب إلى العقول، والصلاح إلى النفوس،
ولكن - وبكل أسف - تبخرت تلك الآمال، وذهبت أدراج رياح الفتنة التي هبت
من جديد.
وفتنة القتال المتجدد بينكم - أيها الإخوة - لم تنته باختياركم، بل انتهت لمَّا
سُحب البساط من تحت أرجلكم، وعندها عز على عناد بعضكم أن يلقي سلاح
التناحر، فبدأ بإشعال نار (المعارضة) بعد أن خبا دخان المصارعة.
قد يقول قائلكم: هَبْ أننا جاهدنا ثم انتصرنا، ثم اختلفنا فتحاربنا، ثم انقلب
بعضنا على أعقابه وارتمى في أحضان أعدائه، فما دخل منتقدينا والناقمين علينا؟
أليست هذه قضايا خاصة، ومسائل داخلية؟ ! ولماذا ينقم علينا ما لا ينقم على
غيرنا؟
والجواب: إن الجهاد الأفغاني الذي كانت نصرته واجبة علينا وعلى جميع
المسلمين - كما أفتى علماء الأمة وقتها - هو الجهاد الذي أُهدرت فيه الأرواح
والأموال بلا حدود، وهذا الجهاد ليس من حق بضعة أفراد أن يحتكروا تحديد
مصيره وتوجيه نهايته مهما كان أمرهم. هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية: فإن الأمة التي ناصرتكم في الدين هي التي ناصحتكم فيه،
ولهذا فإن قضية أفغانستان (الإسلامية) التي رُفعت فيها راية الإسلام من أول يوم
ليست كأي قضية من القضايا التي رُفعت فيها الرايات العلمانية.
ومن جهة ثالثة: فإن المسلمين الذين كانوا يفاخرون بكم الدنيا، أصبحت
الدنيا تعيِّرهم بكم على مستوى الشعوب والجماعات، وحتى الأفراد، فلا يكاد مسلم
يلتزم بالدين، أو يدعو إلى نصرته، أو الجهاد من أجله في مكان من العالم، إلا
ويقال له: هل نسيت أفغانستان؟ !
إن كل قضية إسلامية جهادية - بعد تجربتكم - قد أُضِيرت أشد الضير بسبب
ممارساتكم، بدءاً من قضية البوسنة، ومروراً بكوسوفا، وانتهاء بالشيشان،
الشيشان التي يتفرج العالم عليها اليوم وهي مخذولة من جل المسلمين عامتهم
وخاصتهم، دون أن يرف لهم جفن، أو يتحرك فيهم ساكن لأجل آلاف الضحايا
والمشردين، فلماذا هذا الخذلان؟ ! لأنهم قاموا باسم الجهاد في داغستان،
والناس - بسببكم - قد سئموا حديث الجهاد! ! وتشاءموا من عاقبة المجاهدين.
إننا - أيها المجاهدون - كان بوسعنا أن نواصل السكوت سنوات أخرى، فلا
نُقْدم على خدش مشاعركم، ومس أحاسيسكم، ولكنكم أصررتم في الآونة الأخيرة،
على حفر الخنادق في مشاعر كل مسلم، عندما طيرت الأنباء خبرين فجَّرا الغيظ
في قلوبنا، فسالت له أقلامنا، وأخرجت التحفظ معكم من قائمة اهتمامنا.
الخبر الأول: هو إعطاء الأمريكان الضوء الأخضر للروس لكي يدعموكم بلا
حدود إلى النهاية، ضمن حلف ثلاثي في المنطقة لـ (محاربة ما يسمونه بالإرهاب) ! ولكي تعودوا إلى السلطة في أفغانستان، ونحن نعلم أن هذه العودة لن تكون - إذا
كانت - إلا فوق الجماجم والأشلاء.
والخبر الثاني: أن أسدكم الهصور دعا علانيةً في حديث خاص مع إحدى
الصحف الناقمة على (الأصوليين) إلى طرد جميع من أسماهم (الإرهابيين) ! من
جميع أنحاء أفغانستان! !
فإذا كانت هذه عودتكم فلا مرحباً بعودتكم إلى حكم أفغانستان إذا كانت لا تمر
إلا عبر الكرملين، والبيت الأبيض، ولا مرحباً بعودتكم إذا كان المستضعفون هم
قربانكم على عتبات المجرمين.
وأخيراً: نعلم أن كلماتنا هذه ثقيلة وشديدة: ثقَّلتها مسؤوليةُ الكلمة، وشدَّدتها
أمانة النصيحة؛ فما جرى ولا يزال يجري أشد على القلوب، وأثقل في النفوس.
وحسبنا الله لديننا، ولدماء شهدائنا، وأعراض إخواننا، وتضحيات أمتنا،
أما أنتم - أيها المجاهدون - فعودوا.. عودوا إلى الجهاد الأكبر؛ فباب التوبة
مفتوح، وهو خير لكم من أبواب موسكو، ودلهي، وواشنطن، وطهران.
عودوا - كما وعدتم - إلى جهاد أعداء الدين الحقيقيين، فلا زلنا نذكر وعدكم
بألاَّ تتوقف راياتكم حتى تُنْصَب بإيلياء! ! فهل تذكرون؟ !
والسلام ... السلام عليكم ما دمتم مجاهدين صادقين، وإنا لله، وإنا إليه
راجعون.
стр. 3277
إشراقات قرآنية
سورة القمر
وما فيها من إعجاز البيان وبديع النظام
د. محمد أسد سبحاني
هناك حقيقةٌ ظاهرة ثابتة، حقيقةٌ صدع بها الأصدقاء وشهد بها الأعداء،
حقيقة يؤمن بها المؤمنون ويعترف بها المعاندون ألا وهي أن هذا القرآن الكريم -
كتاب الله الخالد - يحتلّ ذروةً عاليةً وقمةً سامقةً من بلاغة الأسلوب وإعجاز البيان؛ بحيث لا يجارى ولا يبارى ولا يُشقّ له غبار.
فما هي ميزة القرآن التي أعجزت فرسان الكلام وفحول البيان؟
من الواقع المرّ الذي لا بدّ أن نعترف به أن الكتب التي أنشئت لإبراز بلاغة
القرآن وإعجاز أسلوبه - مع جلالة قدرها وعلو مكانتها - تعجز عن الإجابة
الواضحة القاطعة الحاسمة على هذا السؤال.
ولا نرى لذلك سبباً إلا الغفلة عن نظام الآيات ورباط معانيها؛ فإن من غفل
عن نظام الآيات أو تناوله تناولاً قاصراً عابراً لا يمكنه أن يستمتع بجمال القرآن،
ولا يمكنه أن يدرك ميزته التي تخصّه من بين سائر أنواع الكلام.
والحق الذي يحق أن يعلن ويقال: إن سرّ إعجاز القرآن هو هذا النظام.
فهذا النظام هو الذي جعل من تلك الآيات التي لا نرى فيها من ضروب
البلاغة إلا التجنيس والطباق والحذف والتكرار وما شابه ذلك، جعلنا نرى فيها
عالَماً عجيباً من الروعة والجمال، وبحراً زاخراً من المعاني والحكم؛ بحيث تهتز
لها النفس اهتزازاً وتمتلئ بها بهجة وسروراً، ولا تدري كيف تعبّر عمّا تجد فيها
من لطائف البلاغة وروائع البيان.
وقد أسهبت في بيان نواحي الروعة والجمال والبلاغة وحسن البيان المشتملة
عليه خواتيم آل عمران في كتاب بعنوان: (البرهان في نظام القرآن) .
وأما هذا المقال فهو مخصص لتسليط الأضواء على سورة القمر وإماطة اللثام
عمّا فيها من إعجاز البيان وبديع النظام، فنقول وبالله التوفيق:
إن هذه السورة الكريمة المباركة تشتمل - كأخواتها - على أبواب كثيرة
متنوعة من البلاغة وحسن العبارة، ولكنّها تبدو وكأنها ما زالت رِتاجاً مُرْتَجاً [١]
لقلة من عُني بنظامها وقلة من درس رباط معانيها.
ولا نرى من أئمة التفسير وعلماء البيان من تذوّق تلك السورة الكريمة
واستمتع بها مثلما تذوقها واستمتع بها المفسِّر والأديب البارع الموهوب الأستاذ سيد
قطب ﵀ حيث يقول:
(هذه السورة من مطلعها إلى ختامها حملة رعيبة مفزعة عنيفة على قلوب
المكذبين بالنذر، بقدر ما هي طمأنينة عميقة وثيقة للقلوب المؤمنة المصدقة.
وهي مقسمة إلى حلقات متتابعة كل حلقة منها مشهد من مشاهد التعذيب
للمكذبين، يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزُّه ويقول له: ... [فكيف كان عذابي ونذر] [القمر: ١٦] .
ثم يرسله بعد الضغط والهزِّ ويقول له: [ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من
مدكر] [القمر: ١٧] .
ومحتويات السورة الموضوعية واردة في سور مكيّة شتى؛ فهي مشهد من
مشاهد القيامة في المطلع، ومشهد من هذه المشاهد في الختام، وبينهما عرض
سريع لمصارع قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وَمَلَئِه.
وكلها موضوعات تزخر بها السور المكية في صور شتى.
ولكن هذه الموضوعات ذاتها تُعْرَضُ في هذه السورة عرضاً خاصاً يحيلها
جديدة كل الجدّة؛ فهي تُعرَض عنيفةً عاصفةً، وحاسمة قاصمة، يفيض منها الهول
ويتناثر حولها الرعب، ويظلّلها الدمار والفزع والانبهار!
وأخص ما يميزها في سياق السورة أن كلاً منها يمثّل حلقة عذاب رهيبة
سريعة لاهثة مكروبة يشهدها المكذبون، وكأنما يشهدون أنفسهم فيها، ويحسون
إيقاعات سياطها؛ فإذا انتهت الحلقة وبدؤوا يستردّون أنفاسهم اللاهثة المكروبة،
عاجلتهم حلقة جديدة أشد هولاً ورعباً؛ وهكذا حتى تنتهي الحلقات السبع في هذا
الجو المفزع الخانق؛ فيطل المشهد الأخير في السورة وإذا هو جوٌّ آخر ذو ظلال
أخرى.
وإذا هو الأمن والطمأنينة والسكينة. إنه مشهد المتقين: [إن المتقين في
جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر] [القمر: ٥٤، ٥٥] ﴾ ، في وسط
ذلك الهول الراجف والفزع المزلزل والعذاب المهين للمكذبين [يوم يسحبون في
النار على وجوههم ذوقوا مس سقر] [القمر: ٤٨] .
فأين وأين؟ مشهد من مشهد؟ ومقام من مقام؟ وقوم من قوم؟ ومصير من
مصير؟) [٢] .
هذا ما نجده عند المفسر والأديب سيد قطب ﵀ وهو على روعته
وجلالة قدره لا يزيد على أن يكون لمحة خاطفة إلى محاسن تلك السورة ومميزاتها،
وإلا فهي تزخر بمحاسن التعبير ولطائف البلاغة بحيث لا نقضي منها العجب.
والجدير بالذكر أن هذه البلاغة وتلك المزايا يرجع معظمها إلى حسن النظام.
فمن كان يريد أن يدرك هذه المحاسن أو يتذوق تلك البلاغة فلا عليه إلا أن
يتدبر السورة متمسكاً بنظام آياتها ورباط معانيها؛ فإن ذلك سيمده بكثير مما لم
يخطر بباله ولم يتشمم رائحته عند غيره.
ونذكر هنا بعض ما لمسناه نحن من لطائف البلاغة فيها حتى يكون ذلك حافزاً
لمن تطلّع إلى الفحص عن بقيتها.
فكلما تدبرنا السورة وأنعمنا النظر في نظامها رأينا من شأنها عجباً؛ حيث
وجدناها مثالاً رائعاً لبراعة الاستهلال، وندرة الاستدلال وروعة الانتقال وسرعة
الالتفات، وحسن التلميح وجمال المقطع ودقة التصوير وشدة التأثير وكمال الإبلاغ
وعجيب الاستدراج وما إلى ذلك من دلائل الإعجاز.
براعة الاستهلال:
فأما براعة الاستهلال فيها فيكفينا لإدراكها أن نتذكر أواخر سورة النجم؛
حيث قال - تعالى -: [هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من
دون الله كاشفة. أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون. وأنتم سامدون. فاسجدوا لله واعبدوا] [النجم: ٥٦ - ٦٢] .
فلما كان أعداء الله في غاية السمود [٣] ؛ حيث كانوا يعجبون إذا قيل لهم: [أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة] [النجم: ٥٧، ٥٨] وكانوا يضحكون ولا يبكون ويستهزئون ولا يخافون قرعتهم سورة القمر وهزّتهم هزّاً عنيفاً حتى ينتبهوا من رقدتهم ويفيقوا من هوسهم: اقتربت الساعة وانشق القمر.
أي: جاءتكم الساعة. الساعة التي كنتم تعجبون منها وتضحكون. جاءتكم
بكل ما فيها من ويل وثبور وشرور وأهوال؛ وهذي أشراطها قد ظهرت وتحققت؛
فقد انشق القمر ولم يبق مجال لإنكار من أنكر.
وفضّل هنا هذا الأسلوب أسلوب المفاجأة والمباغتة، حتى يدركوا أن الساعة
ستأتيهم هكذا بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردّها ولا هم ينظرون، وعندئذ يندمون
ويصطرخون، كما قال تعالى: [واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار
الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين] [الأنبياء: ٩٧] .
ولكن: ماذا يجديهم الندم، وقد فاتهم الزمن؟ !
وكان هذا الأسلوب ولا شك بحيث تتخشع له الجبال، وتتصدع له الصخور.
ولكنه لم يكن لينجع في قوم أعماهم الجهل والسمود عن النظر في عواقبهم. وكانوا
كما قال الله فيهم: [إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن
تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا] [الكهف: ٥٧] .
فلم يكونوا ليفيقوا من هوسهم. وإنما الذي كان يخشى منهم أن يزدادوا عتواً
إلى عتوهم وعناداً إلى عنادهم، ويقولوا كما قال أشياعهم من قبل: [فأت بآية إن
كنت من الصادقين] [الشعراء: ١٥٤] .
فجاءت الآية: [وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر] [القمر: ٢] .
وهذا من عجيب أسلوب القرآن؛ حيث إنه كثيراً ما يأتي بمعنيين ترى بينهما
فجوة، وما هي بفجوة، وإنما هي من لطائف بلاغة القرآن؛ إنه يأتي بمعنيين
متنائيين في بادئ النظر ويترك للذهن أن يملأ الفراغ بينهما، وإن شئت فقل: إنه
يجعل التفكر جسراً بينهما.
ومثل هذه المواطن تكون مظنة الحيرة، إلا أن رعاية النظام تعالجها بسهولة.
فكأنه قيل: إنهم الآن ينذرون ويلات الساعة، فلا ينتبهون ولا يرتعدون
ويدّعون بآية يستدلون بها على صدق هذه النبوءة.
ولو ظهرت لهم الآية تحقيقاً لطلبهم ونظراً إلى رغبتهم لأعرضوا وقالوا:
سحر مستمر، كما جاء في موضع آخر: [وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان
خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم] [الأحقاف: ١١] .
وأيضاً كما ورد في موطن آخر: [فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا
أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران
تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون] [القصص: ٤٨] .
ثم قال: على أية حال؛ فإنهم كذبوا بالساعة ولم يعتمدوا في تكذيبهم هذا على
دليل رصين أو أساس متين، وإنما اتبعوا أهواءهم. فهل تكذيبهم هذا يغيّر الوضع
ويبدّل القول؟ لا؛ فكل أمر له موعد مضروب وأجل محتوم.
فإذا جاء الموعد وحان الأجل وقعت الواقعة واستقر الأمر.
ومما يدعو إلى العجب أنهم يعرضون، مع أنهم جاءهم من الأنباء ما يكفي
لردعهم وزجرهم! !
جاءتهم أحاديث كلها حكمة بالغة وموعظة رادعة؛ ولكن هذه النذر كلها
ضاعت، كأنها كانت صيحة في وادٍ أو نفخاً في رماد!
روعة الالتفات:
وهنا يلتفت الخطاب إلى النبي ﷺ : [فتول عنهم يوم يدع
الداع إلى شيء نكر. خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر.
مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر] [القمر: ٦ - ٨] ﴾ .
ولعمري إنه التفات عجيب ومليح؛ فإن الكلام ما زال متصلاً بالكافرين
ومتوجهاً إليهم؛ فكأنه من قبيل (إياكِ أعني واسمعي يا جارة) .
ولا يخفى ما لهذا الالتفات من وقع وتأثير في النفوس إن كان قد بقي فيها
رمق من حياة!
حسن المقابلة:
ثم نلاحظ في تلك الآيات مقابلة جميلة رائعة لا ينتبه لها إلا من يهتم بنظام
الآيات: فاليوم هم [سامدون] [النجم: ٦١] ، وغداً تراهم [خشعا أبصارهم]
[القمر: ٧] .
واليوم تراهم معرضين عن الداعي: [وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر
مستمر] [القمر: ٢] ﴾ .
وغداً تراهم: [مهطعين إلى الداع] [القمر: ٨] .
واليوم تراهم يكذبون: [وكذبوا واتبعوا أهواءهم] [القمر: ٣] .
وغداً يصدِّقون، حين لا ينفعهم تصديقهم: [يقول الكافرون هذا يوم عسر]
[القمر: ٨] .
واليوم تراهم يتبجحون ويقولون: [نحن جميع منتصر] [القمر: ٤٤] .
وغداً يخرجون من الأجداث: [كأنهم جراد منتشر] [القمر: ٧] .
وما أروع المقابلة بين [جميع منتصر] [القمر: ٤٤] . وبين [جراد
منتشر] [القمر: ٧] .
ثم تبلغ هذه المقابلة غايتها من الحسن والروعة والجمال حينما نستمع إلى
القرآن مرة أخرى وهو يقول: [أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع
ويولون الدبر] [القمر: ٤٤، ٤٥] ﴾ .
وما أشبه الجيش المنهزم بجراد منتشر! !
ثم نجد أنفسنا أمام تلك الآيات: [كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا
مجنون وازدجر. فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر
. وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح
ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر. ولقد تركناها آية فهل من مدكر. فكيف
كان عذابي ونذر] إلى قوله - تعالى -: [ولقد جاء آل فرعون النذر. كذبوا
بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر] [القمر: ٩ - ٤٢] .
ينظر الناظر إلى تلك الآيات ويمر بها وكأنها ليست إلا عبارات عادية لا
يقصد بها إلا توعّد الكافرين بسوء مصيرهم في الدنيا، شأن من خلوا من قبلهم،
كما صرّح به القرآن بعدما انتهى من تلك القصص؛ حيث قال: [أكفاركم خير من
أولائكم أم لكم براءة في الزبر. أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع
ويولون الدبر] [القمر: ٤٣ - ٤٥] .
ولكننا حينما نقيم على تلك الآيات ونطيل القيام عليها، ونتملاّها في ضوء
نظامها نقضي منها العجب لكثرة ما تشتمل عليه من عجائب البلاغة من ندرة
الاستدلال على مجيء الساعة وعجيب الاستدراج إلى أهوالها، ثم من سرعة
الالتفات ولطيف الانتقال ودقة التصوير وشدة التأثير وأشياء أخرى قد يدركها
المتأمل المتوسم ويعجز عن وصفها.
وهنا نُلمح إلى بعض ما تتضمنه تلك الآيات من روائع البلاغة ومحاسنها.
ندرة الاستدلال:
ننظر أولاً إلى ندرة الاستدلال على مجيء الساعة وهي من ناحيتين:
الأولى: أنهم كانوا يستبعدون الساعة من جهة إمكانيتها.
وكانوا يطلبون آية يستدلون بها على وقوعها.
إنهم كانوا يقيسون القدرة القادرة المطلقة بقدراتهم الضئيلة الهزيلة العاجزة،
وكانوا يتعجبون ويتساءلون:
كيف ينشق القمر؟ كيف تنفطر هذه السماء؟ وكيف تسير تلك الجبال؟
وقد أشار القرآن إلى شبهاتهم هذه؛ حيث قال: [لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا]
[طه: ١٠٧، ١٠٨] .
فقد جمع القرآن في ثنايا تلك القصص عدداً من الحوادث الكونية الكبرى،
التي ستظهر حين قيام الساعة.
فإن كان الله قادراً في فترة قوم نوح على أن يفتح أبواب السماء، وعلى أن
يفجّر الأرض عيوناً فما وجه الاستغراب إذن إذا قيل في أشراط الساعة: [وفتحت
السماء فكانت أبوابا] [النبأ: ١٩] أو [وإذا البحار فجرت] [الانفطار: ٣] .
ثم إن كان الله قادراً على أن يرسل صيحة واحدة على ثمود فيكونوا كهشيم
المحتظر، فما وجه الاستبعاد إذن إذا قيل: [إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم
جميع لدينا محضرون] [يس: ٥٣] ؟
ثم انفلاق البحر وانشقاقه بضربة بالعصا ليس أقل غرابة من انشقاق القمر في
وقت قيام الساعة فما وجه الاستغراب إذن إذا قيل: [اقتربت الساعة وانشق القمر] [القمر: ١] ؟
الناحية الثانية: أن تلك الحلقات المتتابعة المتلاحقة للأحزاب التي حلّ عليها
سخط الله بسبب عصيانها وطغيانها تدل دلالة واضحة على أن رب العرش ليس
غافلاً عن خلقه، وهو يراقبهم في حركاتهم وسكناتهم ويعاملهم حسب تصرفاتهم؛
فيهلك العصاة الطاغين؛ ويرحم عباده الشاكرين.
فهي في الواقع شواهد على الدينونة الإلهية الحاسمة الكبرى التي ستظهر وقت
قيام الساعة على وجه أتم وأشمل؛ فإن هذه الدنيا ليست دار الجزاء وإنما هي دار
البلاء، وما يظهر فيها من وقائع الجزاء ليس إلا تلميحاً إلى ما يتبعه من الجزاء
الأوفى الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
عجيب الاستدراج:
ومما يزيد في روعة هذه الآيات ويرفع من قيمتها الأدبية البلاغية أنها نموذج
رائع لعجيب الاستدراج، كما أنها نموذج رائع لندرة الاستدلال.
فهي لا تصرّح بأدلة وقوع الساعة حتى ينفر منها من لا يؤمن بها، بل
تتضمنها في ثناياها وتخفيها في غضونها؛ فهي تمشي في عروقها كما يمشي الماء
في عروق الشجرة وأغصانها.
فالسامع يستمع إلى تلك القصص واحدة واحدة؛ وما يكاد ينتهي منها حتى
يلين وينكسر من حيث لا يشعر، ويتوجس في نفسه خيفة الحساب وخيفة الجزاء؛
مع أنه كان منكراً للحساب ومنكراً للجزاء.
ثم حينما ينتهي السياق من تلك القصص المخيفة المرجفة لا يباغتهم بوعيد
الساعة، بل يراعي ذلك الاستدراج، ويأخذ الجانب الذي كان من الوضوح بحيث
لا يحتمل المراء، ويوجه إليهم سؤالين اثنين: [أكفاركم خير من أولائكم أم لكم
براءة في الزبر] [القمر: ٤٣] .
وكان هذان السؤالان من القوة وإلزام الحجة بحيث لا يسعهم إلا أن يجيبوا
عليها بـ (لا) ..
فأردفهما سؤالاً آخر بدون أن يقف عندهما وينتظر الجواب عليهما: [أم
يقولون نحن جميع منتصر] [القمر: ٤٤] .
وكان في الموقف احتمال أن تستيقظ فيهم نوازع الأنفة والحمية الجاهلية،
وكان من المحتمل أن يسارعوا بالجواب عليهم بـ (نعم) فأزاح عنهم حجاب
الغرور، وهزهزهم بالواقع المرّ: [سيهزم الجمع ويولون الدبر] [القمر: ٤٥] .
سرعة الالتفات:
ثم الذي يبين شأن هذه الآيات ويُظهر مدى مستواها الأدبي البلاغي هو سرعة
الالتفات.. سرعة الالتفات مع عجيب الاستدراج.. سرعة الالتفات من الغيبة إلى
الخطاب، ثم إلى الغيبة؛ حيث قال تعالى: [ولقد جاء آل فرعون النذر. كذبوا
بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر. أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في
الزبر. أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة
موعدهم والساعة أدهى وأمر] [القمر: ٤١ - ٤٦] .
علماً بأننا لأول مرة نرى في تلك السورة هذا الخطاب المباشر إلى الكفار..
نراه بعدما قطعنا ثلاثة أرباع السورة ودخلنا في الشوط الأخير منها.
ثم هذا الخطاب يفاجئهم بسرعة مذهلة ويمضي، بحيث يتحرك له الوجدان
وتهتز له المشاعر.
فما هو السر في هذه المفاجأة المذهلة أو هذا التحول السريع يا ترى؟
ما نظن هذا السؤال يمكن عليه الإجابة إلا بعد ترداد النظر وإمعانه في نظام
تلك الآيات.
لقد أسلفنا أن الله راعى في تلك القصص نوعاً عجيباً من الاستدراج؛ فما يكاد
السامع ينتهي من تلك القصص بشرط أن لا يكون مطموساً إلا وهو يتوجس الروع
ويداخله الفزع من حيث لا يشعر، ويجد نفسه مدفوعاً مضطراً إلى أن يراجع
سلوكه ويفكر فيما يؤول إليه أمره.
وهنا ينتهز السياق تلك الفرصة السانحة ويوجَّه إليه هذا السؤال بسرعة
كسرعة البرق، حتى يكون ذلك له معواناً على مراجعة نفسه: [أكفاركم خير من
أولائكم أم لكم براءة في الزبر] [القمر: ٤٣] .
علماً بأنه لم يكن مهيأً نفسيّاً قبل هذا حتى يوجّه إليه هذا الخطاب المباشر.
هذا، وكان هناك وراء هؤلاء الجماهير فريق من قادة الكفر الذي قد بلغ من
السمود غايته، ولم يكن مهيأً بعدُ حتى يوجه إليه الخطاب المباشر؛ فإنه على الرغم
من هذا القرع المزلزل العنيف مصرّ على سموده واستكباره، نشوان ثمل من قوته
وشدة بطشه، ويتلوى ويتبجح في غروره:
على أية حال؛ فنحن جميع منتصر!
وهنا يبادر النص القرآني بردّ هذا الغرور في وجه أصحابه مع الإعراض
عنهم: [سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر]
[القمر: ٤٥، ٤٦] .
ولا شك أن هذا الإعراض يزيد أحياناً في شدة الوعيد، ويكون أوقع في
النفس وأنجع في التقريع.
ومما يشير إلى هذا الفرق أن السياق لا يقول في آية الخطاب:
أيها الكفار أأنتم خير أم أولئكم؟
بل يعدل عنه إلى قوله: [أكفاركم خير من أولائكم] [القمر: ٤٣] .
وعلى هذا فيكون تأويل الآية هكذا: أيها الناس، هل ترمقون قادتكم
وطواغيتكم هؤلاء: أهم خير وأقوى من أولئك الذين سحقوا قبلهم ودمّروا؟
وهل ترون هؤلاء يفلتون من عذابنا، إذا أُخِذوا وحوسبوا؟
وإلا فكيف أخذتم طريقهم وربطتم مصيركم بمصيرهم؟
أم هل تحسبون أن ربكم كتب لكم صك العفو والغفران وصك البراءة من
النيران وأعطاكم الرخصة للفجور والعصيان؟
براعة الترجيع:
نرجع مرة أخرى إلى القصص ونتأمل من خلالها في ترجيع قوله تعالى: [ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر] [القمر: ٤٠] .
فقد رُجِّعَت هذه الآية في تلك السورة أربع مرات، رُجِّعَت بعد كل مشهد من
مشاهد المثُلات.
فما الفائدة من هذا الترجيع يا ترى؟
هل يضيف هذا الترجيع شيئاً جديداً إلى موحيات هذه السورة؟ وهل له دور
ملحوظ ملموس في جمال السورة وفي إيقاعاتها؟
أم هو تكرار محض وليس وراءه شيء ملحوظ مذكور يتصل بجمال السورة
وموحياتها؟
تلك أسئلة وجيهة هامة تفرض علينا أن نمعن النظر في نظام الآيات، إن
الجواب عنها يكمن في نظامها، ومن أراد الإجابة عليها ساهياً عن نظامها فلا نعتقد
أنه يختلف في جوابه عن الإمام الشوكاني ﵀ حيث يقول: (لعل وجه تكرير
تيسير القرآن للذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل
عن شكرها) [٤] .
بينما التأمل في نظام تلك الآيات لا يدعنا نقف عند هذا الحد الأدنى بل يفتح
أمامنا آفاقاً واسعة في الموضوع، ويجسِّم لنا جمال هذا الترجيع ويشخِّص لنا بلاغته
وإعجازه من عدة وجوه، وهي كما يلي:
الوجه الأول: هذا الترجيع يسبغ على تلك المشاهد الرهيبة المخيفة المفزعة
ثوباً ضافياً فضفاضاً من الرقة والعذوبة والرحمة، فنشعر كلما ينتهي مشهد من هذه
المشاهد المرجفة كأن ربنا تجلّى لنا برأفته.
وهو يحذرنا أن نتورط فيما تورط فيه أولئك المتمردون من الخزي والعذاب
والخسران، وينادينا بحنوّ وتأكيد وإصرار:
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر؟
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟
الوجه الثاني: هذا الترجيع بما فيه من تكرار ضمير الجلالة (نا) يبين لنا
مدى رأفة الله بعباده، ويقرّبنا حتى يجعلنا نستشعر كأننا في كنف ربنا، ونسمع
صوته في آذاننا وهو يدعونا وينادينا: [فهل من مدكر ... فهل من مدكر ... ]
[القمر: ٤٠] .
الوجه الثالث: هذا الترجيع يجعل كل حلقة من تلك الحلقات مشهداً مستقلاً
بنفسه. ويبرز كلاً منها وهي وحدها تكفي للعظة والتذكار.
وكم كان الله بعباده رحيماً، وكم كان عليهم حنوناً؛ إذ قصّ عليهم تلك
القصص تباعاً، حتى لو فاتتهم قصة أيقظتهم أخرى:
ولقد صدق نبينا ﵊ إذ قال: (ولا يهلك على الله إلا
هالك) [٥] .
الوجه الرابع: هذا الترجيع يجعل كل حلقة من تلك الحلقات متميزة من
صاحبتها، ويجعل لكل واحدة منها إيحاءاً يخصها، ويدعونا إلى أن نطيل المكث
عند كل واحدة منها ونستوعب إيحاءاتها.
ثم إذا رجعنا إلى تلك الحلقات وعشنا مع تلك الآيات المباركات وتأملنا فيها
من هذه الناحية وجدناها كذلك، وسنفصّل فيه القول بإذن الله.
فلننظر كيف كشف لنا التأمل في نظام تلك الآيات عن نواحي الجمال والروعة
والإشراق في هذا الترجيع.
والآن فلا نبالغ إذا قلنا: إن هذا الترجيع تعرَّض في تلك السورة تعرُّض أثناء
الوشاح [٦] المفصّل، وإن شئت فقل: إنه يتلألأ فيها كما يتلألأ الثريا في كبد
السماء.
تميز وتماثل:
والآن نأتي لنرى تميز تلك القصص في إيحاءاتها مع تماثلها في جوّها
وصياغتها.
وتلك ناحية عجيبة من بلاغة أسلوب القرآن، وما يفطن لها إلاّ من كان مهتماً
بنظام الآيات، وكان عاكفاً على التأمل فيها والتشبع بعلومها وكنوزها، فنقول وبالله
التوفيق:
القصة الأولى: وهي قصة نوح، يغلب عليها لون رعاية الله لعباده الأنبياء.
ألا ترى كيف بدأ القصة بقوله: فكذبوا عبدنا.
ولا ندري كيف نعبر عما تفيض به كلمة عبدنا من حفاوة ومودة تأخذ القلوب
وتملك الشعور، وخاصة في هذا الجو الخانق المكروب قالوا مجنون وازدجر.
ثم نلاحظ كذلك أنه ما تتحرك شفتا نوح بإظهار ضعفه وعجزه أمام ربه،
حتى يسرع إليه ربه بعطفه ورعايته، ويحرك له الكون كله للانتصار من أعدائه:
[فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا
الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر] [القمر: ١٠ - ١٢] .
ولننتبه لضمير الجلالة هنا: ففتحنا وفجرنا فإن التصريح بضمير الجلالة هنا
يشعر أنه - تعالى - قد تولى أمر نوح بنفسه ولم يسنده إلى غيره اهتماماً بشأن
عبده!
ثم نرى نوحاً يحمله ربه على ذات ألواح ودسر، وهي تجري بأعينه وفي
ظلّ رعايته !
وكان هذا جزاءاً وإكراماً لمن كفر به قومه فأكرمه ربه وأسبغ عليه فضله: ... [وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر]
[القمر: ١٣، ١٤] .
والمراد بذات ألواح ودسر هو السفينة كما هو معروف ومفهوم؛ إلا أن النص
القرآني عدل عن كلمة السفينة إلى قوله: ذات ألواح ودسر حتى يصوّر لنا ذلك
المشهد الفذ الجميل، ويجعله حاضراً شاخصاً أمام أعيننا.
فنشعر كلما تلونا تلك الآية الكريمة كأننا واقفون أمام تلك الألواح وهي تحمل
نوحاً في رعاية ربه، والأمواج الصاخبة حوله تريد أن تصل إليه ولكن بدون
جدوى؛ فإنه في رعاية ربه، وربه يرعاه بنفسه!
وهكذا نرى السياق يبرز في هذه القصة مشهد الحماية والرعاية والكرامة.
وأما المشهد الأخير وهو مشهد الإهلاك والإغراق فيطويه طيّاً، ويكتفي بالإشارة
إليه: [فالتقى الماء على أمر قد قدر] [القمر: ١٢] .
ثم تأتي الحلقة الثانية: وهي قصة قوم عاد، وتلك القصة بأكملها تمثل سوء
عاقبة المستكبرين، كما أن القصة الأولى كانت عبارة عن تأييد الله للمرسلين.
فهي تنذر من يغتر بقوته أنه سيصرع صرعاً فظيعاً، وما يستطيع من قيام
ولو لطرفة عين؛ فإن جنود الله الجبارين يمرِّغون أنوف المستكبرين في التراب،
مهما بلغت قوتهم، ويلصقون جباههم بالرغام مهما عظمت شوكتهم.
فتلك عاد شمخوا بأنوفهم أمام ربهم: [وقالوا من أشد منا قوة]
[فصلت: ١٥] .
فسلط الله عليهم ريحاً صرصراً عاتية، فألقتهم صرعى كأنهم أعجاز نخل
خاوية.
[كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر. إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر. تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر. فكيف كان عذابي
ونذر] [القمر: ١٨ - ٢١] .
فنرى السياق يذكر هلاكهم الفظيع بكل سرعة وإيجاز وينتهي ولا يتعرض
لشيء بعده.
ثم تأتي الحلقة الثالثة: قصة ثمود؛ وهي وإن كانت في لونها العام شبيهة
بقصة عاد، إلا أنها متميزة منها من جهة، فإنها تحذير للكافرين على طلبهم آية
العذاب، وتنبيه إلى أن الأمة إذا طلبت آية العذاب، ثم هتكت حرمتها فلا تمهل
بعدها.
فالآية قد تكون حسرة وندامة في حق من يطلبها، ويكون موعد ظهورها هو
موعد هلاك تلك الأمة: [كذبت ثمود بالنذر. فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا
لفي ضلال وسعر. أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر. سيعلمون غدا
من الكذاب الأشر] ... [القمر: ٢٣ - ٣٢] .
ثم تأتي الحلقة الرابعة: قصة قوم لوط؛ وهي وإن كانت شبيهة بقصة قوم
نوح على طريق العود على البدء، إلا أنها متميزة عنها؛ حيث إنها تبشر بتنجية
المؤمنين كافة، وتنادي بحسن جزاء الشاكرين قاطبة.
إنها تصرح بتنجية آل لوط كلهم، ولا تقتصر على ذكر نجاة نبي الله لوط
وحده.
علماً بأن القصة الأولى لا تذكر إلا نجاة نبي الله نوح: [وحملناه على ذات ألواح ودسر]
وكذلك تناولت هذه القصة هلاك المجرمين بنوع من التفصيل، بينما القصة
الأولى لم تتناوله بتفصيل وإنما أشارت إليه إشارة عابرة خاطفة: [كذبت قوم لوط
بالنذر. إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك
نجزي من شكر ... ] [القمر: ٣٣ - ٣٩] .
ثم تأتي الحلقة الخامسة: وهي قصة آل فرعون، وهذه القصة تنبه إلى أن
وفرة العتاد والأوتاد أو كثرة الجيوش والجنود لا تغني من ذي الجلال والجبروت؛
فإنه يقصف الطغاة ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر: [ولقد جاء آل فرعون النذر.
كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر] [القمر: ٤١، ٤٢] .
إلا أن هذه الحلقة تختلف عن أخواتها؛ بحيث إنها ليست في الحقيقة حلقة
مستقلة، وإنما هي معْبرة لطيفة للتخلص من حديث الغابرين إلى واقع الحاضرين.
ولذلك ترى الآذان والأذهان تنتظر بعد ذكر آل فرعون ذلك الترجيع
المألوف: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر.
فإذا بها قد فوجئت بسؤال يهز الوجود ويرجف القلوب: [أكفاركم خير من
أولائكم أم لكم براءة في الزبر. أم يقولون نحن جميع منتصر. سيهزم الجمع
ويولون الدبر. بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر] [القمر: ٤٣ - ٤٦] .
ثم هناك ظاهرة أخرى تميز المشهد الأخير عن أقرانه هي أن المشاهد الأخرى
جاءت مفصولة بعضها عن بعض؛ بحيث لا يربطها رابط من واو الوصل: فقال
تعالى: كذبت ثمود ... كذبت قوم لوط....
بينما نرى المشهد الأخير جاء بواو الوصل؛ حيث قال تعالى: [ولقد جاء
آل فرعون النذر] [القمر: ٤١] وتلك لمحة مليحة إلى أن المشهد الأخير يختلف
عن سائر المشاهد في نوعيته وطبيعته ودلالته.
وتلك لطائف عجيبة من لطائف أسلوب القرآن، بحيث يتحرك لها الوجدان
وتهتز لها حاسة البيان، ولا يمكن العثور عليها إلا بعد ترداد النظر في تصاريف
النظام.
براعة الترتيب في القصص:
لا يخفى على الباحث المتأمل أن القرآن ليس له عادة معلومة أو قاعدة مطردة
في ذكر القصص والأخبار، بل له في ذلك مناحٍ وأساليب في غاية الدقة.
فأحياناً يسرد القصص سرداً حسب ترتيبها في الزمان، وأخرى يعدل عنه إلى
ترتيب آخر تقتضيه حكمة البيان.
فلنرجع إلى ما كنا فيه من سورة القمر، ولنمعن النظر في ترتيب قصصها
عسى أن ندرك ما فيه من الحكمة البالغة والبلاغة الساحرة المعجزة.
من المعلوم أن هذا الترتيب الذي نلاحظه في هذه السورة جاء على وفق
الزمان.
فذكر السياق أولاً قوم نوح ثم عاداً ثم ثمود ثم قوم لوط ثم آل فرعون.
ولا شك أننا إذا مررنا على مصارع هؤلاء الأحزاب، هكذا على ترتيبهم في
الزمان؛ حيث يتبع بعضهم بعضاً، تمثلت لنا سنة الله التي عملت عملها دائماً،
وغلب على حِسِّنا أن أيَّ أمة من الأمم - على مدار التاريخ - لما ركبت مركب
الكفر والمعصية ذاقت وبال أمرها، وكان عاقبة أمرها خسراً.
فهذا النظم له دور بارز ملموس في إعداد هذا الجو الرهيب المفزع.
والآية التالية لتلك القصص قد نجد فيها نوعاً من التأييد لهذا القول؛ فإنه لماّ
تهيأ هذا الجو وتمكن من القلوب الروع تقدم النص خطوة أخرى، وهزّ أعداء الله
هزاً [أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في الزبر] [القمر: ٤٣] .
أي: إذا كانت تلك سنة الله في الأمم، وكانت سنة قائمة على مرّ الزمان؛
بحيث لم تركب أمة من الأمم هذا المركب الخشن إلا جنت الندم، ودارت عليها
دائرة المحن، فما بالكم يا طغام الأحلام أمنتم على أنفسكم وتجرأتم على ربكم؟
أأنتم خير من أولئكم؛ فلا تمسكم نفحة من عذاب ربكم؟ أم كتب لكم ربكم)
صك (البراءة والغفران؛ فلا تقطفون ثمار كفركم وإنكاركم؟ !
ولمثل هذا النظم نظائر أخرى وشواهد تترى في القرآن، ولكن الأمر ليس
بحاجة إلى أن نفيض فيه الكلام ونقيم عليه البرهان.
براعة المقطع:
وأخيراً نأتي على مقطع من السورة غاية في الحسن والروعة: [إن المتقين
في جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر] [القمر: ٥٤، ٥٥] .
ولكي ندرك روعة هذا المقطع لا بد لنا أن نضع في اعتبارنا ذلك الجو
الرعيب المكفهر الذي يسود السورة، والذي مررنا عليه قبل قليل.
ويزداد هذا الجو تجهماً ويشتد حين تستقبلنا هذه الآيات: [إن المجرمين في
ضلال وسعر. يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر. إنا كل شيء
خلقناه بقدر. وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر. ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر
. وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر] [القمر: ٤٧ - ٥٣] .
يا لهول المصير! ! ويا لخطورة الموقف! ! [وكل شيء فعلوه في الزبر. وكل صغير وكبير مستطر] [القمر: ٥٢ - ٥٣] .
فكأن هذا العذاب البئيس الذي دمرهم ومزقهم وجعلهم كهشيم المحتظر لم
يحسب في حسابهم ولم ينقص من أوزارهم؛ بل كل صغير وكبير مسطور في
زُبُر [٧] أعمالهم؛ وهم سيحاسبون عليه واحداً بعد واحد.
والنتيجة واضحة معلومة؛ فهم يُسحبون في النار على وجوههم؛ وكل شيء
حولهم يسخر منهم ويقرعهم.
ذوقوا أيها السامدون! ذوقوا مسّ سقر!
في مثل هذا الجو العبوس القمطرير ترد هاتان الآيتان: [إن المتقين في
جنات ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر] [القمر: ٥٤، ٥٥] .
يا لروعة هذه الكلمات في هذا الجو المكفهر القاتم!
فوالله! إنها لأروع من كوكب دريّ كريم يضيء في ليل بهيم! وهي أغلى
في نفس المؤمن من كل كنز ثمين ومن كل متعة ونعيم!
وتجيء سورة القمر لتفصِّل تلك المصارع بأسلوب ينطق بقدرة الله وملكه
وتفرده بالسلطان دون غيره؛ فله الملك وله الحكم؛ يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد؛
يبطش بالطغاة وينتصر من البغاة؛ ويأخذ من يشاء أخذ عزيز مقتدر.
ثم هذا ليس نهاية المطاف؛ بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ؛ فهم
يسحبون في النار على وجوههم ولا يجدون لديهم من يشفع لهم أو يخفف عنهم من
عذاب ربهم.
وأما المتقون فهم ينعمون ويفرحون وهم اليوم في شغل فاكهون: [في جنات
ونهر. في مقعد صدق عند مليك مقتدر] [القمر: ٥٤، ٥٥] .
فاليوم يومهم والمليك مليكهم.
فهم اليوم في عزة وسرور وفي سعادة وحبور.
والمليك يُتوِّجهم بتاج العز والكرامة، ويخلع عليهم حُلل الشرف والسعادة،
ويرفع شأنهم حتى يجلسهم حول عرشه وينزلهم في كنفه؛ فإنهم عرفوا لصاحب
الملك ملكه، وخشعوا له وسجدوا، وأوذوا في سبيله فصبروا، وقَتَلوا وقُتِلوا.
وأما الذين عدلوا عن المليك وتعلقوا بأهداب الشفعاء فلهم الويل كل الويل؛
فإنهم أسخطوا المليك ولم ينفعهم البديل.
وما أروع مشهد المتقين؛ حيث ينعمون في جنات ونهر في مقعد صدق عند
مليك مقتدر.
ما أروع هذا المشهد إذا قسناه إلى مشهد الكفار وهم يُسحبون على وجوههم
ويمثُلُون إلى نيرانهم؛ وكأن الملائكة الذين كان يحلم هؤلاء بشفاعتهم يتبرؤون منهم
ويعنفونهم: ذوقوا مس سقر.
ثم تدهشنا روعة هذا المقطع وبراعته من ناحية أخرى إذا قسناه إلى سورة
الرحمن؛ وبيانه أن سورة القمر تطفح بلهيب الإنذار وتجيش بغضب الجبار؛ فقد
تكررت فيها كلمة (النذر) و (الإنذار) اثنتي عشرة مرة، وتكررت كلمة العذاب
سبع مرات؛ وهذا شيء يخص سورة القمر دون سائر السور؛ حيث لم تتكرر
هاتان الكلمتان بهذا الشكل في أية سورة من السور.
ولعل هذا القدر من الكلام يكفينا لإدراك ما نحن بصدده من أن هناك جوانب
وأطرافاً من البلاغة القرآنية العالية المعجزة لا يطّلع عليها إلا من يدمن النظر في
نظام الآيات، ويلتمس الوشائج التي تربط المعاني بعضها برقاب بعض.
ومما يروى في كتب السيرة أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام
والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو
يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه وكلٌّ لا يعلم مكان
صاحبه؛ فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا؛ فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا؛ فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه
شيئاً ... [٨] .
لقد كانت تمر بنا تلك القصة وأمثالها في كتب السيرة فكنا نتحيّر: كيف كان
يحرص الأعداء على سماع القرآن مع شدة عداوتهم، وحنقهم على الإسلام؟
وما الذي كان يسوقهم إليه سوقاً في جنح الظلام؟
وكيف كانوا يؤخذون بروعة آياته وجمال أسلوبه مع أنّ العداوة تعمي العيون
وتصم الآذان؟
ولكن لم يطُلْ بنا الزمان حتى تعرفنا على فكرة النظام فانقشعت عنا الحيرة،
وعرفنا أن هذا القرآن ينطوي في نظام آياته ورباط معانيه على عالم عجيب من
الروعة والجمال؛ بحيث لا يكاد يصبر عنه من يتذوق اللسان ولو قد جعلته العداوة
من أعمى العميان.
فسبحان ربنا الرحمن الذي كرّمنا بهذا القرآن وفضلنا به على سائر الأقوام.
стр. 3278
دراسات في الشريعة والعقيدة
إحياء سنة الوقف
نحو مؤسسة وقفية تمويلية تنموية
سليمان الطفيل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى
آله وصحبه، أما بعد:
فقد طرحت افتتاحية مجلة البيان في عددها ذي الرقم (١٣٨) تحت عنوان: ... (صحونا.. فلننهض) بعض الإنجازات التي حققتها الدعوة في مرحلة الصحوة، ثم
تساءلت: ما الذي عليها أن تستعين بالله في إنجازه فيما يستقبل من مراحل؟
مطالبة في ختام كلمتها أنه آن لنا أن ننتقل من مرحلة (الصحوة) إلى مرحلة ... (النهضة) لذلك عمدتُ - بعد توفيق الله تعالى - إلى الإسهام في تجلية حقيقة طالما
غابت ولعقود طويلة عن أذهان كثير من المسلمين، هذه الحقيقة لها شأن عظيم وأثر
بالغ في نهضة الإسلام وانتشاره في القرون الأولى، ألا وهي (سنة الوقف) تلك
السنة الخيرية التي امتاز بها المجتمع الإسلامي الأول لقول جابر: (لم يكن أحد من
الصحابة له مقدرة إلا وَقَفَ) [١] ، ولقد ذكر التاريخ الإسلامي في المجال التطبيقي
لفكرة الوقف كثيراً من الأوقاف التي تبارى المحسنون من المسلمين في كل أقطارهم
وعصورهم وعلى اختلاف مذاهبهم في إنشائها على جهات البر الكثيرة التي ما زال
كثير منها قائماً حتى اليوم. وهذه الأوقاف مما اختُص به المسلمون؛ لقول الإمام
الشافعي ﵀: (لم يحبس أهل الجاهلية - فيما علمته - داراً ولا أرضاً
تبرراً بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام) [٢] ، وإلا فقد ورد أنهم كانوا يحبسون؛
ولكن بقصد الفخر والخيلاء؛ بل إن فكرة حبس المال والاستفادة من ريعه معروفة
من قديم الزمان وحديثه، وإن لم يسم بالاسم المتعارف عليه عند المسلمين وهو
الوقف.
تعريف الوقف:
الوقف لغة: يطلق على الحبس [٣] ، كما أنه يطلق على المنع [٤] ، فأما
الوقف بمعنى الحبس فهو مصدر قولك: وقفتُ الدابةَ، ووقفتُ الأرضَ على
المساكين، أي جعلتها محبوسة على ما وقفت عليه ليس لأحد تغييرها أو التصرف
فيها. وأما الوقف بمعنى المنع فلأن الواقف يمنع التصرف بالموقوف.
وأما في اصطلاح الفقهاء، فقد عُرِّف الوقف بتعاريف كثيرة تبعاً لاختلاف
المذاهب والأقوال في مسائل الوقف، وأقرب تلك التعاريف لمعنى الوقف ما ذكره
ابن قدامة في المقنع بأنه: (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة) [٥] ، لكونه مقتبساً
من قول أفصح البشر لساناً وأبلغهم بياناً ﷺ ، حينما سأله عمر بن
الخطاب عن أرض أصابها بخيبر، فقال له: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت
بها) [٦] .
الأصل في مشروعية الوقف:
الأصل في مشروعيته: الكتاب والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وكذلك إجماع الأمة.
أما الكتاب: فقول الله - تعالى -: [لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون]
[آل عمران: ٩٢] .
أما السنة: فقد ورد في صحيح البخاري [٧] عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - قال: (أصاب عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي ﷺ فقال:
أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت
حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث
وإنما هي صدقة في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه) ، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات الإنسان
انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو
له) [٨] .
وأما الإجماع: فقد اشتهر اتفاق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - على
الوقف قولاً وفعلاً [٩] ؛ ومن ذلك قول الصحابي جابر بن عبد الله السابق ذكره،
وكذا قول الإمام الشافعي ﵀: (بلغني أن أكثر من ثمانين رجلاً من
الصحابة من الأنصار وقفوا) [١٠] . وذكر الخصاف أن فعل أصحاب رسول الله
ﷺ ، وما وقفوه من عقاراتهم وأموالهم إجماع منهم على أن الوقوف
جائزة ماضية [١١] .
أركان الوقف: أركانه أربعة، هي [١٢] :
١- الواقف: وهو الحابس للعين.
٢- الموقوف: وهي العين المحبوسة.
٣- الموقوف عليه: وهي الجهة المنتفعة من العين المحبوسة.
٤- الصيغة: ويقصد بها لفظ الوقف وما في معناه. وهناك ألفاظ صريحة
وألفاظ كناية. أما الألفاظ الصريحة فهي كقولك: وقفت، وحبست، وسبَّلت، وأما
ألفاظ الكناية فهي كقولك: صدقة محرمة، أو صدقة محبسة، أو صدقة مؤبدة.
أنواع الوقف:
ينقسم الوقف باعتبار الجهة الأولى التي وُقِفَ عليها إلى نوعين [١٣] :
١- الوقف الأهلي.
٢- الوقف الخيري.
يُقصد بالوقف الأهلي: وقف المرء على نفسه، ثم على أولاده، ثم على
ذريته، ثم على جهة خيرية من بعدهم. أما الوقف الخيري: فهو الوقف على جهة
بر ومعروف، كالمساجد والمدارس والمستشفيات، وسمي وقفاً خيرياً لاقتصار نفعه
على المجالات والأهداف الخيرية العامة.
الحكمة من مشروعية الوقف:
لتشريع سنة الوقف حِكَمٌ عظيمة أبرزها: إيجاد مصدر تمويلي دائم لتحقيق
مصالح خاصة ومنافع عامة، وعلى أساس هذه الحكمة يمكن وصف الوقف بأنه
وعاء يصب فيه خيرات العباد، ومنبع يفيض بالخيرات على البلاد والعباد تتحقق
به مصالح خاصة ومنافع عامة؛ ولا ريب أن هذه الخيرات تكون من أموال
المسلمين وممتلكاتهم وأن حصولهم عليها يكون من جهةٍ حلال ومن طيب المال.
مؤسسة الوقف والنهضة بشؤون الإسلام:
بعد هذه المقدمة القصيرة حول تعريف الوقف وأنواعه والحكمة منه، نجد أن
الفقه الإسلامي ينظر إلى الوقف على أنه مؤسسة تمويلية تنموية لها شخصيتها
الاعتبارية، وأن مكونات هذه الشخصية لا تنحصر في التركيز على أعيان الوقف
وإنما على الجهة (الخاصة أو العامة) التي رُصدت الأوقاف لمصلحتها، وبهذا تكون
مؤسسة الوقف مصدراً مالياً من مصادر الأمة الإسلامية تستطيع - بأمر الله - تعالى- أن تنقلها من مرحلة الإعداد (الصحوة) إلى مرحلة البناء (النهضة) . بمعنى أن
مرحلة الوعي والالتزام بالدين الإسلامي (الصحوة الإسلامية) يترتب عليها عودة
كثير من المسلمين إلى طريق الرشد والاستقامة - منهج أهل السنة والجماعة -
هذه المرحلة تدفع كثيراً من المسلمين - المقتدرين - إلى الإنفاق والبذل في جهات
البر والخير المختلفة، ومن ثم قيام مؤسسات خيرية منها مؤسسة الوقف، هذه
المؤسسات تسعى إلى دعم مجالات التنمية المختلفة، فتبدأ حينئذ حركة البناء
والنهضة تظهر وتنتشر في أرجاء المجتمع الإسلامي؛ وهذا ما فعله رسول الله
ﷺ عند بزوغ فجر الإسلام؛ حيث أوقف ﷺ
الحوائط السبعة في المدينة [١٤] ، وقال عمر بن الخطاب: كان لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ثلاث صفايا [١٥] ، وكانت بنو النضير حبساً لنوائبه، وكانت
فدك [١٦] لابن السبيل، وكانت خيبر قد جزأها ثلاثة أجزاء: جزئين للمسلمين
وجزءاً كان ينفق منه على أهله؛ فإن بقي فضلٌ رده على فقراء المهاجرين [١٧] ...
وقال عبد الله بن كعب: حبس المسلمون بعد رسول الله ﷺ على ...
أولادهم وأولاد أولادهم [١٨] . وذكر الطرابلسي: حبست عائشة ﵂
- وأختها أسماء وأم سلمة وأم حبيبة وصفية أزواج النبي ﷺ ،
وحبس سعد ابن أبي وقاص وخالد بن الوليد وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر
وعبد الله بن الزبير وغيرهم ﵃ أجمعين [١٩] ، وقال الشافعي:
وأكثر دور مكة وقف [٢٠] .
وعليه: إذا كانت المجتمعات الإسلامية عاشت حياة الصحوة مع بداية هذا
القرن الخامس عشر الهجري ونهاية القرن العشرين الميلادي؛ فإن المناداة إلى
عودة الوقف للإسهام في تمويل مجالات الدعوة ورعاية المؤسسات الخيرية،
والإنفاق على القائمين عليها (تمويلاً للنهوض بشؤون الإسلام) يعد فرصة مواتية
لإعادة الاعتبار لهذه السنة بما يتلاءم مع مستجدات العصر الحالي؛ لأن مؤسسة
الوقف لها أهداف تتعلق بشبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، تسعى دائماً لنشر الخير، وتنمية المجتمع الإسلامي، وإشاعة روح السخاء والبذل
الذي يحرك أبناء الأمة الإسلامية ويقودهم إلى ساحات التكافل والتعايش، وبذل
المعروف والإحسان، ويبعث في نفوسهم معاني الإسلام؛ تمهيداً للمستقبل المشرق
الواعد، وتوطئة لمقدم جيل إسلامي صميم أشد أخذاً بالإسلام في نهضته الحديثة
الراقية [٢١] .
ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إن ظهور هذه المؤسسة الوقفية وانتشارها داخل
المجتمعات الإسلامية كفيل - بعد الله تعالى - بأن تقوم بالدور الريادي للأمة
الإسلامية خلال هذا القرن الهجري الجديد، بجانب المؤسسات الإسلامية الأخرى؛
ذلك أن مؤسسة الوقف بمثابة الكيان الحسي والمعنوي الذي ينسج داخل جسم
المجتمع الإسلامي خيوطاً محكمة في التشابك، وعلاقات قوية من الروابط يغذي
بعضها بعضاً، تبعث الروح في خلايا المجتمع حتى يصير كالجسد الواحد إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. ويصدق على ذلك قول
الرسول ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم
مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٢٢] .
الوقف مؤسسة تمويلية تنموية:
لقد أثبتت التجربة التاريخية عبر القرون الإسلامية الماضية، الدور الكبير
والعطاء المتميز لمؤسسة الوقف في تمويل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية
والصحية والمجتمعية، وفي رعاية المساجد والمكتبات، ... إلخ، مما ساعد على
نمو الحضارة الإسلامية وانتشارها؛ حيث انتشرت بسببها المدارس والمكتبات
والأربطة وحِلَق العلم والتأليف، وتحسنت بدعمها الأحوال الصحية للمسلمين
وازدهر علم الطب، وأنشئ ما عرف قديماً بالبيمارستانات أو المارستانات
(المستشفيات) ، إضافة إلى دور هذه المؤسسة في دعم الحركة التجارية والنهضة
الزراعية والصناعية وتوفير البنية الأساسية من طرق وقناطر وجسور.
والمتأمل في أساليب الانتفاع الاقتصادي لمؤسسة الوقف في العصور
الإسلامية الأولى سيجد أنه شمل أنواعاً مختلفة من مصادر ثروة المجتمع تمثلت في
أراض زراعية وحدائق وبساتين إلى مختلف العقارات والدكاكين وأدوات الإنتاج
فضلاً عن السفن التجارية والنقود.
أما عن الآثار التنموية لمؤسسة الوقف التي تظهر في حياة المجتمع فهناك آثار
اقتصادية أبرزها: الأثر على التشغيل والتوظيف وتوزيع الثروة وتشجيع
الاستثمارات المحلية، كما أن لها آثاراً اجتماعية، أهمها: تحقيق التكافل
الاجتماعي والترابط الأسري، وبناء المساكن للضعفاء، ومساعدة المحتاجين،
وتزويج الشباب، ورعاية المعوقين والمقعدين والعجزة، وبناء القبور وتجهيز لوازم
التغسيل والتكفين للموتى.
إضافة إلى ذلك فإن لهذه المؤسسة الإسلامية العريقة الأثر الواضح في عملية
التنمية البشرية التي تعنى ببناء الإنسان بجميع جوانبه (الروحية والعقلية
والجسمية) ، وذلك من خلال تركز أموال الوقف في بناء المساجد والجوامع ... (دور العبادة وتركيزها على جانب الروح) ، والمدارس والجامعات والمكتبات وكفالة الدعاة (دور التعليم وتركيزها على جانب العقل) ، والمستشفيات والمراكز الصحية (المارستانات أو البيمارستانات) وتركيزها على جانب الجسم.
وما أحوج المجتمعات الإسلامية في هذا العصر إلى وجود مؤسسات وقفية
تتولى كثيراً من شؤون حياتهم؛ فقد تتوفر متطلبات الحياة في مكان بينما نجد أماكن
أخرى يعيش أهلها في شظف من العيش.
стр. 3279
دراسات في الشريعة والعقيدة
فهم القرآن وتدبره
د.أحمد بن شرشال
القرآن الكريم لم ينزل لمجرد التلاوة اللفظية فحسب؛ بل نزل من أجل هذا
ومن أجل ما هو أعم وأكمل؛ وهو فهم معانيه وتدبر آياته ثم التذكر والعمل بما فيه، وهو المنصوص عليه في قوله - تعالى -: [ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو
عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم] [البقرة: ١٢٩] .
إن تلاوة كتاب الله - تعالى - تعني شيئاً آخر غير المرور بكلماته بصوت أو
بغير صوت، إنها تعني تلاوته بفهم وتدبّر ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد
ذلك وسلوك.
إن تلاوة كتاب الله لا تعني الحرص على إقامة المدّ والغنّة ومراعاة الترقيق
والتفخيم فحسب؛ وإنما تعني ذلك مع ترقيق القلوب وإقامة الحدود.
وقد عد شيخ الإسلام ابن تيمية المبالغة والحرص في تحقيق ذلك وسوسة
حائلة للقلب عن فهم مراد الله - تعالى -[١] .
والأمر الجامع لذلك: كما أننا مُتعبدُون بقراءة ألفاظ القرآن صحيحة وإقامة
حروفه على النحو الذي يرضيه - جلّ وعلا - متعبدون بفهم القرآن والتفقه فيه
دون سواه، والاستغناء به عن غيره. قال رسول الله ﷺ : (ما
اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم
السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) [٢] .
قال - تعالى -: [الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته] [البقرة:١٢١] وقد فسر قتادة أن الصحابة هم الذين كانوا يتلونه حق تلاوته [٣] .
والتلاوة لها معنيان:
أحدهما: القراءة المرتلة المتتابعة، وقد أمر الله بها رسوله صلى الله عليه
وسلم في قوله تعالى: [وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن]
[النمل: ٩١، ٩٢] . وكان يتلوه على كفار قريش قال - تعالى -: [قل لو شاء الله ما تلوته عليكم] [يونس: ١٦] .
والثاني: الاتباع؛ لأن من اتبع غيره يقال تلاه؛ ومنه قوله - تعالى -: ... [والقمر إذا تلاها] [الشمس: ٢] ، روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: (يتبعونه حق اتباعه) ، ثم قرأ: [والقمر إذا تلاها] أي: اتبعها [٤] .
ونقل القرطبي عن عكرمة قوله: (يتبعونه حق اتباعه باتباع الأمر والنهي
فيُحلون حلاله، ويحرمون حرامه ويعملون بما تضمنه) [٥] ، أقول: والجمع بين
المعنيين هو المتعين، ويصح فيها جميعاً؛ فالتلاوة بإقامة الألفاظ وضبط الحروف،
ثم العمل بما تضمنته الآيات المتلوة، وعبّر عن الفهم والتدبر بالتلاوة حق التلاوة
ليرشدنا إلى أن ذلك هو المقصود من التلاوة، وليس مجرد التلاوة وتحريك اللسان
بالألفاظ بدون فهم وفقه واهتداء.
وقد بين عبد الله بن مسعود ﵁ معنى حق التلاوة فقال: (والذي
نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يُحِلَّ حلالَه، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله،
ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوَّل منه شيئاً على غير تأويله) [٦] ، وهذا
البيان من عبد الله بن مسعود ﵁ واسع وجامع لمعنى التلاوة، وهي
قراءته كما أنزل، وفهمه وتفسيره والعمل به.
ولهذا كان الصحابة ﵃ لا يتجاوزون خمس آيات أو عشراً
حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل.
قال أبو عبد الرحمن السلمي - أحد أكابر التابعين -: حدثنا الذين كانوا
يُقرِئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا
من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من
العلم والعمل، قالوا: (فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً) [٧] .
وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كان
الرجلُ منَّا إذا تعلمَ عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرفَ معانيهن والعمل بهن) [٨] ، وهذا يدلُّ على أن الصحابة ﵃ نقلوا عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة [٩] ؛ فبين لأصحابه معاني القرآن
كما بين لهم ألفاظه: [وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم]
[النحل: ٤٤] فنقل معاني القرآن عنه ﷺ كنقل ألفاظه سواء، ... بدليل قوله - تعالى -: [وما على الرسول إلا البلاغ المبين] [النور: ٥٤] ، ٠ ... (وهذا يتضمن بلاغ المعنى، وأنه في أعلى درجات البيان) [١٠] .
قال ابن تيمية وابن القيم: (والصحابة ﵃ أخذوا عن
الرسول ﷺ لفظ القرآن ومعناه) [١١] .
وهكذا تلقى الصحابة ﵃ هذا القرآن لفظاً ومعنى، وكان
التعلم والتعليم عندهم مبناهما على التفقه في القرآن دون سواه.
ذكر الحافظ ابن كثير عن الضحاك فقال: (قال الضحاك في قوله - تعالى -: [كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون] [آل عمران: ٧٩]
قال: (حقٌّ على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً) ومعنى تَعْلَمون: تفهمون
معناه، وقرئ: تعلمون بالتشديد من التعليم وبما كنتم تدرسون تحفظون ألفاظه، والجمع بين القراءتين متعيَّن، فكانوا يَعْلَمونه ويُعلِّمونه ولا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم [١٢] .
قال الرازي: (ودلّت الآية على أن العلمَ والتعليم والدراسة توجب كون
الإنسان ربانياً؛ فمن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيُه وخاب عملُه) [١٣] .
ونقل هذا المعنى رشيد رضا وقال: (فبعلم الكتاب ودراسته وتعليمه للناس
ونشره والعمل به يكون الإنسان ربانياً مَرضِيّاً عند الله) [١٤] . هكذا كان دأبُ
الصحابة ﵃ كما ذكره ابن القيم فقال: (ولم يكن للصحابة كتابٌ
يدرسونه وكلامٌ محفوظ يتفقهون فيه إلاَّ القرآن وما سمعوه من نبيهم صلى الله عليه
وسلم، ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك) [١٥] .
فكان القرآن عندهم هو العلمُ الذي به يعتنون حفظاً وفهماً وتفقهاً.
وقد فسر حَبْرُ الأمة ابن عباس الحكمة بفهم القرآن وفقه ما فيه من علوم.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله - تعالى -: [يؤتي الحكمة من يشاء
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا] [البقرة: ٢٦٩] قال: (المعرفة بالقرآن:
ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه،
وأمثاله) [١٦] .
وفسرها الحافظ ابن كثير بالسنة وعزا ذلك إلى غير واحد من السلف وهو ما
أُخِذَ عن الرسول ﷺ سوى القرآن، كما قال ﷺ :
(ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) [١٧] .
ونزع ابن عباس في تفسيره للحكمة إلى المعرفة بالقرآن وفقه ما فيه من
العلوم، وهو من أوسع التفسيرات، وهو لا ينافي من فسّر الحكمة بالسنة؛ لأن بها
يحصل بيانُ القرآن وفهمُه وفقهُه؛ فهي المفسّرة والمبيّنة للقرآن، وتعني - من بين
ما تعنيه - الفقه والفهم، يدلّ على ذلك قوله - تعالى -: [وآتيناه الحكمة وفصل
الخطاب] [ص: ٢٠] .
قال مجاهد: (يعني الفهم والعقل والفطنة) [١٨] ومن أعطاه الله ويسّر له فقه
القرآن وعلومَه والعمل به فقد حاز فضلاً عظيماً وخيراً جزيلاً.
قال القرطبي: (إن من أُعْطِيَ الحكمة والقرآن فقد أُعطي أفضل مما أُعطي
مَنْ جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها) [١٩] .
فكتاب الله حكمة، وسنة نبيّه ﷺ حكمة، وأصل الحكمة ما
يُمتنَع به من السفه، ومن ثَمَّ اشتركت الحكمة في نسق تعليم الكتاب: [ويعلمهم
الكتاب والحكمة] [البقرة: ١٢٩] وقد حث الله على التدبر
والاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ فقال: [كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا
آياته وليتذكر أولوا الألباب] [ص: ٢٩] ، وقال: [أفلا يتدبرون القرآن أم على
قلوب أقفالها] [محمد: ٢٤] ، وقال: [ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل
مثل لعلهم يتذكرون] [الزمر: ٢٧] ففي مثل الآيات ونحوها دليل على وجوب
معرفة معاني القرآن والاتعاظ بمواعظه وفقه ما فيه من الهداية والرشاد، ولا يقال
لمن لا يفهم تفسيره: اعتبر بما لا فهم لك به، ولا يقال ذلك إلا لمن كان بمعاني
القرآن بصيراً وبكلام العرب عارفاً [٢٠] .
وأقول: وتدبر القرآن مرحلة تالية لمرحلة الفهم، ولا يمكن أن يتأتى التدبر
لمن لم يفهم معاني القرآن.
قال القرطبي: (وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل
على أن الترتيل أفضل من الهذّ؛ إذ لا يصحّ التدبر مع الهذّ) وقد شكا رسول الله
ﷺ إلى ربه من هجر قومه للقرآن فقال: [وقال الرسول يا رب
إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا] [الفرقان: ٣٠] .
وهجر التفسير والفهم والتدبر نوع من أنواع هجره. قال ابن القيم وابن كثير: ... (ترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه،
وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى
غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من
هجرانه) [٢١] .
قال ابن تيمية: (وأما في باب فهم القرآن فهو ﴿أي: قارئ القرآن﴾ دائم
التفكر والتدبر لألفاظه واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس،
وإذا سمع شيئاً من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن؛ فإن شهد له بالتزكية
قَبِلَهُ وإلا ردّه) [٢٢] .
ويشهد لما تقدم ما رواه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري حيث قال: (والله
ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كلَّه ما
يُرى له في خُلُقٍ ولا عملٍ) [٢٣] .
فكلام ابن كثير يدل على أن انصراف الطلاب إلى طلب العلم في غير القرآن
نوع من أنواع هجره، وكلام شيخ الإسلام يدل على أن الواجب على الطلاب أن
يستغنوا بمعاني القرآن وأحكامه عن غيره من كلام البشر، ويدل لهذا ما ذكر ابن
أبي الحواري أن فضيل بن عياض قال لقوم قصدوه ليأخذوا عنه العلم: لو طلبتم
كتاب الله لوجدتم فيه شفاءاً لما تريدون، فقالوا: تعلمنا القرآن، فقال: إن في
تعلُّمكم القرآن شغلاً لأعماركم وأعمار أولادكم، قالوا: كيف يا أبا علي؟ قال: (لن
تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه - تفسيره وبيانه - ومحكمه ومتشابهه وناسخه
ومنسوخه، فإذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة) [٢٤] .
فهذا فضيل بن عياض اعتبر التفقه في غير القرآن شغلاً لا طائل من ورائه،
ثم هو يصحّح لهؤلاء الطلاب التوجهات الصحيحة لطلب العلم في زمنه ويردهم إلى
طلب التفقه في القرآن نفسه.
وهكذا كان بعض السلف يقدمون القرآن وعلومه وتفسيره على أي علم آخر؛
فقد وجد من يمنع طلب علم الحديث وكتابته قبل حفظ القرآن، وكانوا يختبرونهم
في بعض معانيه؛ فهذا عبد الله بن المبارك يختبر من جاء يطلب الحديث عنده في
القرآن وبعض علومه [٢٥] .
وذكر ابن عبد البر عن علي قوله: (أعزم على كل من كان عنده كتاب إلاّ
رجع فمحاه؛ فإنما هلك الناس حيث يتبعون أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم) ،
وذكر عن عمر: (أن قوماً كانوا يكتبون كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب
ربهم) [٢٦] ، نقل ابن القيم عن الإمام البخاري قوله: (كان الصحابة إذا جلسوا يتذاكرون كتاب ربهم وسنةَ نبيهم، ولم يكن بينهم رأي ولا قياس، ولم يكن الأمر بينهم كما هو في المتأخرين: قوم يقرؤون القرآن ولا يفهمونه، وآخرون يتفقهون في كلام غيرهم ويدرسونه، وآخرون يشتغلون في علوم أخرى وصنعة اصطلاحية، بل كان القرآن عندهم هو العلم الذي به يعتنون حفظاً وفهماً وتفقهاً) [٢٧] .
ما أشبه الليلة بالبارحة! والقصة نفسها تتكرر في بعض طلبة هذا الزمن؛ إذ
يهجرون حفظ القرآن وفهمه وتفسيره والتفقه فيه إلى كتب فلان وفلان، وإنك
لتعجب من بعضهم؛ إذ انحرف في الطلب، فتجده لا يحفظ من القرآن إلا قصار
السور ونحوها ولا يفهمها، وتجد له جرأة عجيبة على اقتحام علم الجرح والتعديل
ونحوه؛ فمثل هذا وأمثاله لم يستوعب التصور الصحيح لمنهج التربية والتعليم الذي
رسمه القرآن وبيَّنه.
فليزن طلاب علم هذا الزمن تعليمهم بهذا المنهج الذي رسمه القرآن وفعله
السلف، ولينظروا أين مكانهم من فهم القرآن والتفقه فيه، وما حظهم من هدايته؟
стр. 3280
قضايا دعوية
الدعاة
تأملات في أسباب غياب البعد الزمني وآثاره
منصور طه الحاج آدم
استطاع النبي ﷺ أن يحوِّل مجتمعاً كاملاً من جاهلية وشر
وفرقة وشتات ودماء وتارات إلى مجتمع رشيد بقيم الحق معافيً يمثل قدوة في
العالمين في فترة لا تتعدى ثلاثاً وعشرين سنة، وقد بدأ العد التصاعدي للدعوة
النبوية ببزوغها والإيذان بها، وبدأ العد التنازلي لدعوة الكفر التي غدت تفقد كل
يوم أرضاً وضَيْعةً من ضيعاتها، بينما كانت الجاهلية تسعى جاهدة لتطويق الدعوة
وإماتتها في مهدها بشتى السبل والطرق؛ لمعرفتها ما يترتب من تحولات قادمة
تحسب لها الحسابات عبر رصدها لتحركات النبي ﷺ وجماعته،
ولكنها أخفقت وخاب مسعاها؛ لأن الدعوة منصورة بالله، ثم لأن النبي صلى الله
عليه وسلم عمل بالأسباب الواجبة المقتضية لتحقيق تمكينها في الأرض.
ولأهل الباطل عداوات شديدة ورصد كبير لأهل الحق ودعاته، ولا يفتؤون
يبذلون ما في وسعهم لضرب الدعوة وأهلها؛ مما يوجب عليهم ذلك نظراً بصيراً
وتحركاً محكماً ينطلق من تقييم صحيح وسليم، وتعرُّف على مآلات الخير والشر
ودرجات كل منهما، وكما يقال: (ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن
العاقل من يعرف خير الخيْرين وشر الشرَّيْن) كما يوجب عليهم الإفادة من الزمن
لتحقيق المفاجأة وتغيير موازين القوى؛ فإن عامل المفاجأة وتغيير الموازين في
الصراع يستند إلى قدرة الجماعة على بذل طاقاتها مع اختزال للجهد والزمن بأقصى
ما يمكن لتحقيق التفوق على الخصم؛ فإن صراع الجماعات والأمم صراع على
أرضية الزمن، وكيفية كسبه وتحقيق أعظم إنجاز بأقل جهد وزمن، وهذا ما
نلاحظه في دعوة النبوة: عظمة الإنجاز مع قلة الزمن.
وأمام أهل الحق جبهات ثلاث مفتوحة علمياً وعسكرياً وسياسياً من قِبَل
التيارات الآتية:
١ - التيارات الكفرية والشركية.
٢ - تيارات النفاق من العلمانيين والشيوعيين وغيرهم الذين يتلوَّنون بكل
لون، ويدفعون كل راية حسب مقتضى الحال، ويكشفون عورات المسلمين.
٣ - الفِرَق والجماعات الضالة الحديثة والقديمة في أصولها.
وتستخدم هذه التيارات هيئات متخصصة لدراسة ورصد القوى الإسلامية،
وتعد خططاً ومناهج فكرية وسياسية وعسكرية لضربها وقطع الطريق أمام العودة
الإسلامية الرشيدة للأمة؛ ومما تستخدمه من وسائل محاربة:
١- إفراغ محتوى دعوات الإصلاح بتحوير مناهجها ومقاصدها عبر
الإسقاطات الفكرية المختصة.
٢- التشويش الفكري والعقدي، والتشكيك في عقائد الإسلام ومنهجه.
٣- إدخال الجماعات الإسلامية في معارك استنزافية فكرية وسياسية
وعسكرية.
٤- بث وتوسيع الخلافات الداخلية والاستفادة من وضعية التشرذم الداخلي.
٥- إيجاد الشرعية لضربها وإنهائها، والتحرش بها عبر وصمها ... بالألقاب الآتية: الأصولية، الإرهاب، المتاجرين بالدين، أصحاب العاهات العقلية والنفسية.
٦ - إضعاف السند والالتفاف الشعبي حول الدعوة - أو استخدام سياسة
الاستفراد بالجماعات باستثمار أخطائها.
وفي مقابل هذه العداوات المرصودة، وبكل شراسة ضد جماعات الدعوة
الإسلامية نجد تشرذم البيت الإسلامي وانشغاله بقضايا بيئية، بينما الواقع المعاش
لأمة الإسلام يلقي بأحمال وتبعات ثقيلة على دعاة الحق، وإنه لينوء بها من ينوء
إلا ذوي العزائم وكبار النفوس المتوكلين على ربهم.
المطلوب:
١ - مرجعية علمية وعملية واحدة، أو معالجة أحوال النخبة:
من الاهتمامات الكبرى الضرورية في الدعوة المعاصرة تشكيل المرجعية
العلمية والعملية الواحدة بمعالجة أحوال النخبة من علماء وطلبة علم ليمثلوا حالة
الوحدة في المرجعية العلمية وضبط منهجية العمل الدعوي ومقاربتها في إصلاح
الواقع في تصوره ومطالبه، وفقه التعامل والإنزال فيه، ومعالجته معالجة منهجية
بعيداً عن الفوضى والارتجال العلمي والعملي التي يعاني منها الواقع الإسلامي
المعاصر الذي أدى إلى ظهور تيارات مغالية أو مجافية، وبدون أفكار نشاز زادت
من أزمة البيت الإسلامي؛ حيث انطلقت من رد فعل أزمة الواقع واتساع مطالبه
وفقدان المرجعية الموجهة والضابطة علماً وعملاً. إن توحيد أو مقاربة المرجعية
العلمية القائدة هي نقطة أولى لرأب الصدع وتوحيد الجهود.
٢ - مراجعات منهجية في العلم والعمل:
مما يؤدي إلى سلامة مسلك الدعوة في أقوالها وأفعالها تحريرُ منهاجها على
قواعد وضوابط وأصول أهل السنة والجماعة: العلمية والعملية، ثم يتبع ذلك
مراجعات منهجية في جانب العلم والتصور والفهم؛ لئلا يحيد عن الوسط ويصاب
بعاديات البدع والانحراف؛ فإن الأصول ربما تكون سليمة ولكن تعتري العلة بعض
الجوانب أو بعض المسائل التي توجب فتنة للاختلاف والشقاق فيها، وقد تكون تلك
من الآثار التي عبر عنها ابن تيمية - رحمه الله تعالى - نتيجة المعصية، وهي:
خفاء الحق عند أقوام أو أحوال ومواطن فيضيِّقوا ما وسَّع الشارع، أو يتوسطوا
فيما ضيَّق فيه من الحرام، ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن [١] .
فلا بد إذاً من تنقية المنهج العلمي وتصحيح المسلك العملي ومراجعته ليكون
على مشروعية صحيحة، كما أنه يجب أن نستوعب قواعد السياسة الشرعية
وأصولها في النظر إلى الوضع القائم وتقييمه، وفي ضبط مسلك الدعوة في الواقع
المحيط بمختلف مكوناته العضوية والعلمية والفكرية دوراً وموقفاً نتوخى في ذلك كله
جلب كل صلاح مستطاع ودرء كل فساد مقدور عليه، ولنؤمِّن طريق الدعوة من
المعارك الاستنزافية التي يكيد بها الخصماء، والتي تفقد فيها كثيراً من القدرات
والطاقات، وتهدم فيها المكتسبات.
٣ - تجديد خطاب الدعوة المعاصرة وإصلاحه:
الذي يتابع خطاب النبوة في عصر الدعوة الأول يرى تنوعه وتطوره بحسب
المراحل التي تمر بها الجماعة والمطالب التي تقتضيها المرحلة؛ فالخطاب في مكة
غير الخطاب الموجه في المدينة، والخطاب في المدينة ممتد عن الخطاب الموجه
في مكة تفصيلاً وتوضيحاً وإضافة [٢] .
والواقع المعاصر أشد حاجة إلى هذا التنوع والمرحلية في الخطاب لتلبية
حاجات المرحلة ومطالب الواقع في الأعيان والأحداث والأحوال تنوعاً ينتظم تحت
دائرة كلية واحدة يقتضي بعضها بعضاً وتتضافر فيها المفاهيم في مسلك واحد
ولتحقيق غاية واحدة وهي تحقيق العبودية لله. إن تجديد أساليب الخطاب المعاصرة
وإصلاحها لتعالج قضايا الأمة وفق منظور شرعي واستراتيجية عملية ناضجة
ضرورة لتحقيق التغيير الإسلامي المنشود، وإن أشد ما يعاني منه الواقع الدعوي
المعاصر ذلك الخطاب الذي يعرض صورة منحرفة أو جزئية ناقصة أو سطحية
تنطلق من رأي هذا أو ذاك، أو فهم هذا أو ذاك مقدماً على الحق كما أن الخطاب
الذي اقتصر على مرحلة أو جزئية معينة وثباته حولها عامل من عوامل الشلل
الدعوي، وهو ما يفسر موت كثير من الأنشطة الدعوية المعاصرة وتجاوز الزمن
لها.
٤ - بناء الكفاءات والقدرات:
إن مراعاة البعد الزمني للدعوة تتطلب الإعداد الضروري الذي يؤهل
للوصول إلى المستقبل المُستَشْرَف، وكل مرحلة وطور لها متطلباتها ووسائلها التي
ينبغي الإعداد لها، وكل مرحلة تؤدي إلى الأخرى في تتابع وانتظام ثابت؛ فالذي
يجب أن يرافق الاستشراف المستقبلي إعداد وتطوير الوسائل والإمكانات والقدرات
التي تشكل ذلك المستقبل المتطور وتصوغه.
إن كثيراً من الفروض العامة غائبة لغياب المؤهلين الذين يقومون بها مما أقعد
الأمة عن ممارسة دورها الحضاري، وهذا لا يُعفي العاجزين عن أدائها، بل
يُلزمهم أمراً آخر وهو تهيئة القادرين عليها ودفعهم لإتقانها [٣] ؛ فإن الأفراد قد
جُبِلتْ فيهم خَلْقاً مختلفُ القدرات والإمكانات الذاتية التي يُسِّروا لها (فكل ميسر لما
خلق له) فإما أن تموت فيهم، وإما أن تحيا فيهم فيكون لها دورها في حياتهم وفي
حياة أمتهم؛ فلذلك لا بد من العناية بالتنشئة السليمة لناشئة الإسلام التي تُخرج فيهم
كوامن القدرات والطاقات، وتسعى إلى بنائها وتطويرها، وتدفع بكل واحد إلى ما
هيئ له بوفور القدرة عليه ليحوز العلوم والآداب التي تناسب ما هو ناهض به،
وإن تأهل لغيره أُعِينَ عليه.
إن الدعوة الإسلامية المعاصرة تفتقر إلى كثير من القدرات والمؤهلات والبناء
الداخلي المؤسس، مما يؤدي إلى ثغرات وعوامل ضعف فيها في المرحلة الراهنة،
وتلك القدرات هي أهم ما تفتقر إليه القيادات الدعوية الرشيدة التي تملك قدرة التأثير
وزمام المبادرة في القيادة والإصلاح والتربية. ومما يؤخذ على الجماعات الإسلامية
المعاصرة عندما تخوض المعترك السياسي أو المعترك العسكري أنها تضعف أو
تشل قدرتها في التربية والإصلاح، وتتناقص عضويتها الصفوية، وتتحول إلى
تيارات شعبية عامة، مما ينحرف بمسارها، وتتحول أهدافها وتفقد هويتها.
وأخيراً:
هل يعي دعاة الحق ويتفهمون تحديات الواقع وينهضون قياماً بالواجب
وإصلاحاً في الأرض؟ إن القيادات والدعاة الربانيين هم أدلاَّء الخير وقادة الإصلاح، تعلو بهم راية الحق وتبطل بهم رايات الباطل، والأرض الإسلامية عموماً خصبة
تنبت ما يزرع فيها نبتاً صالحاً، وقد توارت كثير من رايات الباطل إما زوالاً وإما
كيداً خفياً من وراء الشعارات الإسلامية. وإن كانت الأرض مهيأة لقبول ما يزرع
فيها فثمة تحدٍّ يتمثل في فقدان دعاة الحق؛ وهي حال قد تدفع بالتيار العام
للانحراف وراء دعوات خبيثة أو إمامات ضعيفة ناقصة تؤدي إلى فتنة داخلية؛
فإن ما يلحظ أن كثيراً من التيارات المتغربة التي تلبس لبوس الإسلام وأخرى
باطنية خبيثة لها مبادراتها وطروحاتها وأفكارها تعالج بها كثيراً من قضايا الواقع
وتنتج كمًّا هائلاً من الفكر مما يلقي بثقله على أصحاب الحق من الواجبات العظيمة
التي تنوء دونها الجبال.
إن تعقُّد الواقع وامتداداته الداخلية والخارجية تستوجب من أهل الدعوة أن
يكونوا في مستوى المطالب والمقاصد فهماً وهمة وإصلاحاً وعملاً وتضحية
وتخطيطاً وتنظيماً للجهود والطاقات؛ فإن إصلاح الأمة إنما يتم بجهاد وحركة
علمية ناضجة ونشطة تجدد ما اندرس من معالم النبوة وآثارها، وتبعث مناهج
السلف وأصولهم وهديهم علماً وعملاً وممارسة وسلوكاً. ومن الله وحده العون وعليه
التكلان.
стр. 3281
تأملات دعوية
العادات بين طرفين
محمد بن عبد الله الدويش
تنتشر العادات والتقاليد والأوضاع الاجتماعية في كثير من المجتمعات،
ويرتبط التمسك بها والإصرار عليها بمستوى ثقافة المجتمع وتعلمه، وبمدى الترابط
الاجتماعي فيه.
فالمجتمعات المتعلمة والمثقفة أكثر جرأة على تجاوز العادات والتخلي عنها من
المجتمعات الأمية، وتزداد الجرأة على تجاوزها كذلك كلما قلَّ الترابط الاجتماعي؛
فمجتمعات المدن أقل تمسكاً بها من البوادي والمجتمعات القبلية.
وحين تستقر هذه العادات والأوضاع لدى الناس ويتشربونها يقع الخلط بينها
وبين الأحكام الشرعية؛ وأبرز مثال على ذلك: العادات المرتبطة بقضية المرأة.
وقد يختلط الأمر على بعض الغيورين فيدافعون عن بعض العادات ويصرون
على التمسك بها والتشبث بها ظناً منهم بأنها جزء من الدين، والدين إنما مرجعه
الوحيان وما استُنبط منهما.
وثمة طائفة أخرى يهمهم شأن الإسلام، ويسعون إلى جعله مقبولاً بين
الآخرين، ومن ثَمَّ، فهم يسعون إلى أن يُبْعِدوا وينفوا عنه أي صفة من صفات
القصور والنقص؛ حتى ولو كان معيار القصور والنقص هو ما يراه رجال الغرب
الذي لا يدين بالإسلام.
ومن ثم يشن هؤلاء حرباً شعواء على العادات والأوضاع الاجتماعية لا لأنها
ليست من الدين، بل هي - لدى هؤلاء - تشوِّه صفاءه ونقاءه.
وكما أن حرص الطرف الذي يصر على التمسك بها والتشبث غير كاف في
سلامة موقفه؛ فحرص هذا الطرف أيضاً على إبراز الإسلام بصورة صافية لدى
الآخرين ليس كافياً هو الآخر.
والغلو ومجانبة الاعتدال في المواقف أياً كان اتجاهه أمر مذموم؛ فالوسطية
سُنَّةُ الله في خلقه وشرعه.
ومن ثَمَّ، فالإصرار على التمسك بالعادات والأوضاع الاجتماعية التي لم يأت
بها شرع منزل أمر مرفوض.
ويزداد الأمر رفضاً حين تخالف أدباً شرعياً، كالتعود على نمط من الضيافة
يدخل صاحبه في دائرة السرف، أو يُحمِّله فوق ما يطيق، ولو دُعي للإنفاق في
سبيل الله لما بذل عُشْرَ ذلك.
وفي المقابل ثمة عادات لم ينص الشرع على اعتبارها، لكنه مع ذلك لم ينص
على إلغائها؛ فالأمر فيها ليس منكراً يُغلَّظ فيه على صاحبه ويَشدَّد عليه، ما لم
يعتقد ارتباطها بشرع الله وينزلها منزلته.
والعجب أن طائفة ممن يبالغ في الوقوف ضد هذه العادات لا يجد غضاضة
فيما يسمى بالأعراف الدبلوماسية، والبروتوكولات الرسمية، وهي - في الأغلب
- تقليد ليس له مسوِّغ موضوعي، ومع ذلك يلتزم بها ويحافظ عليها، بل يعيب من
يخالفها ويتجاوزها؛ فلِمَ تكون عادات الساسة وبروتوكولاتهم جديرة بالاحترام دون
عادات رجال القبائل؟
ومن العادات والأوضاع الاجتماعية ما يندرج تحت باب الشيم ومعالي
النفوس؛ فهو مما ينبغي أن يُحافَظ عليه ويُرعى؛ فالإخلال به لدى أهله إخلال بالمروءة.
ومنها ما يندرج تحت مقاصد الشرع العامة كمحافظة المرأة على ما تقتضيه
آداب الشريعة، وتوقير الكبير وتقديره؛ فعدم نص الشرع عليه بخصوصه ليس
مسوغاً للتخلي عنه بحجة كونه عادة.
стр. 3282
قضايا دعوية
سبق درهم مائة ألف درهم!
عبد الخالق القحطاني
من نافلة القول أن الدعوة إلى الله من أجلِّ الأعمال وأشرفها؛
فهي مهمّة الرسل - عليهم الصلاة السلام - وقد خُصَّت بها هذه الأمة من بين سائر
الأمم من لدن آدم ﵇ حتى بعثة محمد ﷺ .
غير أن الناظر إلى الساحة اليوم يجد انصرافاً - إن لم يكن إعراضاً - عن
هذه المهمّة العظيمة من قِبَلِ أناسٍ كان يُفترض فيهم أن يكونوا هم أهل الميدان
المنتظرين، وقادته المبرّزين.
هؤلاء الأفراد على مستويً عالٍ من التربية الإسلامية والفهم الصحيح،
ويجمعون إلى ذلك ذكاءاً وَقَّاداً ومعرفة بالعلوم الشرعية لا يستهان بها.
ولكنّ المعادلة غير المفهومة تنشأ عندما نرى هذه الفئة من المؤهلين تدير
ظهرها لهذه المهمّة -أعني الدعوة إلى الله- وتنشغل بما ينشغل به عامَّة الناس من
الانخراط في الوظيفة والعمل الدنيوي، وقد يجمعون إلى جانب انشغالهم ذاك توزيع
كتاب أو شريط إسلامي أو القيام بعمل دعوي محدد أيّاً كان - كأثرٍ من آثار الضغط
الذي تفرضه عليهم التربية التي تلقوها في سنين ماضية - ظانين بذلك أنهم قد أدّوا
ما عليهم تجاه الفكرة التي يحملونها.
هذا الفراغ الهائل الذي خلّفه هؤلاء النفر، دفع أناساً ممّن ليست لديهم الخبرة
الكافية ولم يبلغ علم أحدهم النصاب الشرعي [١]-وربما لم ينخرط الواحد منهم في
أي برنامج تربوي طيلة حياته - إلى أن ينزلوا إلى ميدان الدعوة وليس لديهم عُدَّة
سوى العاطفة الصادقة، والإحساس بالمسؤولية تجاه الدين الذي هم به يؤمنون.
إن هذه الصورة غير المتوازنة تثير في النفس الشعور بالأسى والإعجاب في
آن واحد:
- الأسى لواقع أولئك المتخلفين عن قافلة الدعوة مع قدرتهم وتمكنهم.
- والإعجاب بأولئك المتقدمين - على قلة بضاعتهم - وأذكر عن أحد هؤلاء
المتقدمين قوله لأحد الزملاء: (أنا قليل الفهم في العلم الشرعي؛ ولكنني أستطيع
أن أقف على باب المسجد وأوزّع على الناس أشرطة أو كتيبات، أليس الدال على
الخير كفاعله؟) لقد قلت في نفسي: هو - والله - أفقه من كثيرٍ ممن لديهم الكثير
من العلم الشرعي!
قال رسول الله ﷺ : (سبق درهم مائة ألف درهم: رجلٌ له
درهمان أخذ أحدهما فتصدّق به، ورجلٌ له مالٌ كثير فأخذ من عرض ماله مائة
ألفٍ فتصدَّق بها) [٢] .
وهكذا سبق درهم الفقير مائة ألف الدرهم التي للغني؛ لأنَّ الدرهم كان نصف
مال الفقير، ومائة ألف درهم كانت شيئاً من مال ذلك الغني.
وبالمثل حال أولئك النفر من الناس الذين يملكون قدرات ومواهب ولا
يستثمرون منها إلا النزْر اليسير يجعلونه لدعوتهم، وحال أولئك الذين ليس لديهم إلا
القليل من المعرفة والفهم ولكنهم قد بذلوه كله في سبيل دعوتهم؛ فإن درهم هؤلاء لا
شك يسبق دنانير أولئك المكدّسة!
فإلى إخواننا الذين هجروا الميدان قبل أن يلجوه، وظنّوا أنهم قد أدَّوْا ما عليهم
وزيادة، إليكم ما قاله أبو مالك ﵀: (كم من رجلٍ يرى أنه قد أصلح
شأنه، قد أصلح قربانه، قد أصلح همّته، قد أصلح عمله، يُجْمَع ذلك يوم القيامة
ثم يُضرَب به وجهه!) [٣] .
قال - تعالى -: [وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم]
[محمد: ٣٨] .
стр. 3283
نص شعري
وقفة أمام عام الحزن
د. عبد الرحمن بن صالح العشماوي
لمن يتدفَّق النَّغَمُ؟ ... وماذا يكتب القَلَمُ؟ !
ومَنْ ترثي قصائدُنا؟ ... وكيف يُصوَّر الألمُ؟
إذا كان الأسى لَهَباً ... فقُلْ لي: كيف أبتسمُ؟
وقُلْ لي: كيف يحملني ... إلى آفاقه الحُلُمُ؟
إذا كانتْ مَوَاجعُنا ... كمثل النَّارِ تضطرمُ
فقُلْ لي: كيف أُطْفِئُها ... وموجُ الحزن يَلْتِطم؟ !
أَعامَ الحُزْنِ، قد كَثُرَتْ ... علينا هذه الثُّلَمُ
كأنَّك قد وعَدْتَ المَوْ ... تَ وعداً ليس ينفصمُ
فأنتَ تَفي بوعدكَ، ... وهوَ يمضي مسرعاً بِهِمُو
ألستَ ترى رِكَاب المو ... تِ بالأَحباب تنصرمُ؟ !
ألستَ ترى حصونَ العلمِ ... رَأْيَ العينِ تنهدم؟
نودِّع ها هنا عَلَماً ... ويرحل من هنا عَلَمُ
جهابذةُ العلوم مضوا ... فدمعُ العين ينسجم
مضوا وجميعُ مَنْ وردوا ... مناهلَ علمهم وَجَموا
تكاد الآلةُ الحًدْبَا ... ءُ، والأَقدام تزدحِم
... تطير بهم إلى الأعلى ... وبالجوزاءِ تلتحمُ
أكادُ أقول: إنَّ الشِّعرَ، ... لم يَسْلَمْ له نَغَمُ
وإنَّ عقاربَ الساعا ... تِ لم يُحْسَبْ لها رقمُ
تشابهتِ البدايةُ والنهاية ... واختفتْ (إرَمُ)
ونفَّذ سَدُّ مَأْرِبَ كلَّ ... ما نادى به (العَرِمُ)
هوى نجمُ الحديثِ كما ... هوتْ من قبله قِمَمُ
وكم رجلٍ تموتُ بمو ... تهِ الأَجيالُ والأُمَمُ
أَناصرَ سُنَّة المختا ... رِ، دَرْبُكَ قَصْدُه أَمَمُ
رفعتَ لواءَ سنَّتنا ... ولم تَقْصُرْ بك الهِمَمُ
قَضَيْتَ العمرَ في عملٍ ... به الأَوقاتُ تُغْتَنَمُ
خَدَمْتَ حديثَ خيرِ النَّا ... سِ، لم تسأمْ كمن سئموا
حديثُ المصطفى شُرِحَتْ ... به الآياتُ والحِكَمُ
فنحن بنور سنَّته ... إلى القرآنِ نحتكمُ
خَدَمْتَ حديثَ خير النَّا ... سِ، لم تُنْصِتْ لمن وَهِمُوا
ولم تُشْغَلْ بما نثروا ... من الأهواءِ أو نظموا
سَلِمْتَ بعلمك الصافي ... من (البَلْوَى) وما سَلموا
غَنِمْتَ بما اتجهْتَ له ... ومَنْ نشروا الهدى غَنموا
ومَنْ جعل العُلا هَدفاً ... فلن ينتابَه السَّأَمُ
أَناصرَ سنَّة الهادي ... سقاكَ الهاطلُ العَمَمُ
بكتْكَ الشَّامُ وَيْحَ الشَّا ... مِ أخفتْ بَدْرَها الظُّلَمُ
وخيَّم فوق (أَرْدُنِها) ... سحابٌ غَيْثُه الأَلمُ
بكتْ (ألبانيا) لعبتْ ... بها أحقادُ من ظلموا
وعشَّش في مرابعها ... بُغاثُ الطير والرَّخَمُ
بكاكَ المسجدُ القُدْسيُّ ... والمدَنيُّ، والحَرَمُ
بكتْكَ سلاسلُ الكتبِ ... التي كالدُّرِّ، تنتظم
فسلسلةُ الأحاديث ... التي صحَّتْ لمن فهموا
وسلسلةُ الأحاديث ... التي ضَعُفَتْ لمن وَهموا
... وتحقيقُ الأسانيد ... التي ثبتتْ لمن علموا
علومٌ كلُّها شَرَفٌ ... تعزُّ بعزِّها القِيَمُ
أناصرَ سنَّةِ الهادي ... لنا من ديننا رَحِمُ
لقيتُكَ دونَ أن ألقا ... كَ، تُورق بيننا الشِّيَمُ
... لقيتُكَ في ظِلالِ العلمِ ... والأزهارُ تبتسم
تجمِّعنا محبَّةُ خير ... مَنْ سارتْ به قَدَمُ
خَدَمْتَ جَلال سنَّته ... فيا طُوبى لمن خَدَموا
رحلْتَ رحيلَ مَنْ أخذوا ... من الأمجادِ واقتسموا
كأنَّك لم تُدِرْ قلماً ... ولم يُجْرِ الحديثَ فَمُ
حزنَّا، كيف لم نحزنْ ... وشِرْيانُ القلوبِ دَمُ؟
ولكنَّا برغم الحزنِ ... لم يشطحْ بنا الكَلِمُ
... نعبِّر عن مَواجعنا ... وبالإسلام نلتزمُ
ولولا أنَّ أَنْفُسَنا ... بربِّ الكون تعتصمُ
لَمَاجتْ بالأسى وغدتْ ... أمام الحزن تنهزمُ
стр. 3284
نص شعري
رسالة من سفح الجبل ! ؟ [*]
جمال الحوشبي
مقاتل من الشيشان.. متوشّح سلاحه.. وعلى قسمات وجهه علامات الصمود
وآثار المأساة. رأيته يرفع يديه.. يناجي ربه بحرقة، ويسأله النصر على الأعداء
قبل أن ينطلق مع إخوانه على جبهة القتال، وعلمت أن له حكاية طويلة كغيره من
المجاهدين وأنه لو تملّك زمام الكلمة لأرسل رسالة إلى من وراءه يصوّر بها حاله
ويتأسى على من فقد من الأهل والولد.. فصوّرت رسالته بلسان حاله قائلاً:
سقى الله قومي بالغمام غواديا ... وأغدق أرضي فوق تلك الروابيا
وأردفها شوقي لداري وصبيتي ... وأهطل منها سكبة من مآقيا
ألا ليت شعري كم عزيز فقدته ... وكم طلل في الحي قد بات خاليا
وكم لبيوت الله بعد خرابها ... أبيّ يبيع النفس لله غازيا
ولله خِلوٌ كان يرعى شبابه ... دهته قلوب ينتحبن بواكيا
فإذا المطايا يستبقن ركابه ... وإذا المنايا يستحلن أمانيا
تقاطر جيراني فشدوا رحالهم ... وآذنهم داعٍ إلى البين حاديا
وقالوا: هلم اليوم فالخطب نازل ... فقلت: سيقضي الله ما كان قاضيا
فواللهِ! ما أرخيت للروس هامتي ... وإنّي على المكروه صعْبٌ قياديا
وتاللهِ! لن أرضى لنفسي هوانها ... فزادي كفاحي والظلام ردائيا
ولست بنَزَّال على الناس حاجتي ... كفى بالذي أرجوه عوناً وهاديا
تولَّيت عنهم والظلام يلفني ... وأمنع نفسي أن يزيد الهوى بيا
وليس الذي أشكوه أنِّي مهاجر ... إلى الله؛ لكنْ من تركت ورائيا
صغاراً عن المكروه في حجر أمهم ... وشيخاً بركن الدار قد بات ثاويا
أودعهم والعين تذكي دموعها ... أصبّرهم والخوف ألاَّ تلاقيا
إذا عز في دارٍ مُقامٌ وعِشرةٌ ... فجهّز لبين الدار إن شئت حاديا
فلا قرَّب الرحمن دار مذلة ... ولا شق لي في لجة الضعف واديا
وجاوزت.. حتى لاح لي نار إخوتي ... على جبل يؤوي الكماة الغوازيا
رقَيْت لهم والليل يرخي سدوله ... وأنجمه في الأفق ثكلى كما هيا
فلما رأوني قام كلٌ يضمني ... ويسألني عمن تركت ورائيا
وهل جزت في سَفْري الغداةَ ديارَهُ ... وهل أهلهُ والدارُ سِلْمٌ كما هيا؟
ورحت أقوِّي عزمهم وجهادهم ... وأتلو من القرآن آياً مثانيا
فما إن فرغنا من أداء صلاتنا ... إذا بالرزايا ينتظمن عواليا
وإذا الشظايا مستطير شرارها ... وإذا الجبال الصم دوت شواكيا
وحَلَّقتِ الأشباح فوق رؤوسنا ... كغيلان ليل يستبقن عواديا
ركضت إلى كِنّ على جرف صخرة ... لعل ظلاماً منه يخفي مكانيا
ولاذ سريعاً كل إلفٍ عرفتُه ... وبات خيال الموت في السفح ثاويا
تذكرت أجدادي غداةَ تُخُرِّموا ... فأشهرت رشاشي وزال الذي بيا
وصوبت مني طلقة بعد أختها ... على طائرات الروس طلقاً مؤاتيا
وقلت: إلهي لست أرمي رصاصتي ... فأنت الذي ما زلت يا رب راميا
وأنت ترى ما يصنع الكفر بيننا ... وأسْلَمَنا حتى الأعزُّ مواليا
ودوى ضجيج هالني بُعدُ ضوئه ... ينوِّر من أضوائه تلك واديا
وكبَّر إخواني فأيقنت أنني ... غداة دعوت الله لبَّى دعائيا
وأن انتصاري ليس في جنب قوتي ... ولكن لأن الله يخزي الأعاديا
فقولوا لمن قد باع بالرخص دينه: ... أجيبوا امرأً للعز والمجد داعيا
وحَتَّامَ لا ترعون عهداً وذمة ... ألم تعلموا يا إخوة الدين ما بيا؟
وربي دهانا الروس لما رأوكمُ ... نياماً وأمري عنكمُ بات نائيا
وردنا حياض الموت كُرْهاً وأنتمُ ... وردتم على اللذات واللهو ناديا
وبأسكمُ يا قوم بين صفوفكم ... ونيرانكم تُصلون فيها المواليا
فعودوا ... لعل الله يكشف ما بنا ... وتوبوا.. تروْا نصر المهيمن دانيا
стр. 3285
وقفات
كيف نخاطب الجماهير..؟
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
درج عدد كبير من رموز الصحوة الإسلامية على مخاطبة الجماهير من خلال
المنابر المختلفة، ووجد كثير منهم - ولله الحمد - إقبالاً واسعاً، والتفَّت الجموع
بين أيديهم، وهذه نعمة عظيمة يفتقدها كثير من رموز الفكر والأدب والثقافة
الآخرين. ولهذا أحسب أنَّه من الواجب على الإسلاميين إعادة النظر في طروحاتهم
وطريقتهم في الخطاب وتقويمها، لتحصيل أعلى المصالح ودرء المفاسد قدر
الإمكان، والاستفادة من التجربة الماضية. وهاهنا أمور أرى أنه ينبغي مراعاتها
في هذا الأسلوب أضعها بين أيديكم للحوار وتبادل الرأي حولها:
أولاً: الإيمان بالهدف:
مرَّ على الناس في العصور التاريخية المختلفة عدد من المصلحين والمفكرين
ودعاة التغيير، سواء أكانوا من المسلمين أم من غيرهم. وبتتبع سيرهم وأخبارهم
نجد أن صلة الجماهير بهم تزداد وترسخ مع الوقت إذا اطمأنوا إلى صدقهم وجديتهم
وإيمانهم العميق بأهدافهم التي ينادون بها، واستعدادهم القوي على تحمل تبعات تلك
المبادئ، والتضحية من أجلها. وفي المقابل نجد أن الجماهير تنفضُّ وتتفلت من
تلك الرموز إذا رأت فيها العجز والهوان، أو أحست ضعف مصداقيتها وجديتها،
وقديماً قال الرافعي: (رؤية الكبار شجعاناً هي وحدها التي تخرج الصغار شجعاناً،
ولا طريقة غير هذه في تربية شجاعة الأمة) [١] .
ثانياً: الحذر من الخيلاء وحب الرياسة:
محبة الناس للمصلح وتجمُّعهم بين يديه فتنة عظيمة قد تطغى على بعض
النفوس الضعيفة، وتُنبت فيها الخيلاء والاستكبار وحب الرياسة، وتصرفها عن
كثير من معالي الأمور. وكم من الرموز التي تساقطت ولفظتها الجماهير، أو
تناستها، حينما غلبت عليها تلك الشهوة، وقد قال رسول الله ﷺ :
(ما ذئبان جائعان أُرسِلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال
والشرف لدينه) [٢] .
ولهذا قال ابن تيمية: (كان شداد بن أوس يقول: يا بقايا العرب، يا بقايا
العرب، إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية. قال أبو داود صاحب السنن:
الشهوة الخفية: حب الرياسة. وذلك أن حب الرياسة هي أصل البغي والظلم) [٣] . وقال أيضاً: (وكثيراً ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق
محبتها لله وعبوديتها له) [٤] .
وملاحظة النفس ومراجعتها من أعظم أبواب المجاهدة التي ينبغي للمرء أن
يأخذ بها، والغفلة عن ذلك قد تؤدي إلى الزلل، ومن تعلَّق قلبه بحبِّ الظهور
صغرت نفسه، وغلبت عليه الأهواء الشخصية وتردَّى في سلسلة من الانحرافات
التي تزيد بزيادة تلك الآفة القلبية، وما أحسن قول الرافعي: (إذا أسندت الأمة
مناصبها الكبيرة إلى صغار النفوس كبرت بها رذائلهم لا نفوسهم) [٥] .
ثالثاً: الحذر من الانسياق الأعمى خلف العامة:
حينما يتصدر المرء لمخاطبة الجماهير قد يقع - من حيث لا يشعر! - في
دائرتهم، فيقودونه ويدفعونه لمحبوباتهم، ويزداد تأثره بمشاعرهم الجياشة عند كثرة
الهتاف والتصفيق، وتأخذه النشوة بكثرة الحشود؛ ومعلوم أن نسبة كبيرة من أولئك
العامة لا ينظرون إلى أبعد من مواقع أقدامهم، ولا يحيطون بكثير من التداخلات
الفكرية والسياسية، ولا يَزِنون ردود الأفعال بالموازين العلمية.
وأحسب أن التأثر بالجماهير نوعان:
الأول: التأثر الإيجابي:
وهو في غاية الأهمية؛ لأنهم يشعرون بالتفاعل والاهتمام، ويحسون بأهمية
آرائهم، وقيمتهم المعنوية، كما يحسون بدورهم في البناء والتغيير، ممَّا يزيدهم
ارتباطاً بدعاة الإصلاح، ويحفزهم إلى المزيد من التجاوب والتعاون.
الثاني: التأثر السلبي:
حيث ينساق المرء وراء عواطفهم، ويقع في شراكهم، ويصبح برنامجه
الإصلاحي مرتبطاً برغباتهم، وخطته العملية متأثرة بأهوائهم، وتكون النتيجة أن
الجماهير هي التي تقوده، وهو يحسب أنه يقودهم..! !
رابعاً: الدقة في الخطاب:
الخطيب الذي يتصدر لمخاطبة الجماهير لا يسلم من الخطأ والزلل، حاله
كحال غيره من المتحدثين، (وليس صنف من الناس إلا وله حشو وشوْب) [٦] .
ولكن خطأ الخطيب يكون على رؤوس المنابر يسمعه الناس كبيرهم وصغيرهم،
وقد يطير خطؤه في الآفاق. وبعض أصحاب النفوس المريضة يكون همه أن
يتصيد العثرات، ويتسقَّط الزلات، وتكون فاكهته التي يتندر بها ويفرح، ولهذا قال
عمر بن الخطاب: (ما كانت على أحد نعمة إلا كان لها حاسد، ولو كان الرجل
أقوم من القدح لوجد له غامزاً) [٧] . ولمَّا قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد! ... إنَّ هاهنا قوماً يحضرون مجلسك ليتتبعوا سقط كلامك! فقال الحسن: (يا هذا!
إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت، وأطمعت نفسي في الحور العين فطمعت، وأطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع، إني لمَّا رأيت الناس لا يرضون
عن خالقهم علمت أنهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم) [٨] .
إنَّ على من يتصدر لمخاطبة الناس أن يعتني بما يصدر عنه اعتناءاً شديداً،
وينتقي عباراته انتقاءاً دقيقاً، ويحرص حرصاً كبيراً على أن يخرج كلامه بدقة
وإتقان، حتى ينفع سامعيه ويسد - قدر الطاقة - منافذ الهوى عند بعض الناس،
ومع ذلك كله لن يسلم أحد من الخطأ مهما بلغ حرصه، ويعجبني المتحدث الذي
يملك الجرأة والشجاعة على مراجعة أقواله، ويوضح ما استشكله الناس عليه،
ويعترف بخطئه إن كان ثمة خطأ.
стр. 3286
الاسلام لعصرنا
آيات الصيام.. والدعوة إلى الإسلام
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
الإسلام دعوة ومنهاج: دعوة إلى الله، ومنهاج لتبليغ هذه الدعوة، سواءاً كان
التبليغ لأناس مؤمنين، أو لأناس لم يؤمنوا بعد، ومنهاج البلاغ هذا ليس مبيناً
بالوصف فقط كما في مثل قوله تعالى: [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن] [النحل: ١٢٥] ، بل وبالمثال أيضاً. والمثال
يكون بالطريقة التي يدعو بها الخالق عباده - كما سنرى في
آيات الصيام - وبالطريقة التي يدعو بها الرسلُ أقوامهم، كما في مثل قوله تعالى
عن نوح: [ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ... ] [هود: ...
٢٥ - ٣٤] والتي يدعو بها الذين ساروا على سنتهم من الإنس كما في مثل قوله -
تعالى - عن مؤمن آل فرعون: [وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه..] ... [غافر: ٢٨ - ٣٤] ، بل ومن الجن كما في قوله تعالى: [وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ... ] [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢] .
ومثل الدعوة في هذا كمثل الصلاة والصيام والحج؛ فكما أننا نعرف الصلاة
والصيام والحج معرفة علمية نظرية، ثم نصلي كما عَلِمْنا كيف كان الرسول صلى
الله عليه وسلم يصلي، ونأخذ عنه مناسك حجنا، فكذلك نعرف طرق الدعوة معرفة
نظرية علمية، ثم نعرفها معرفة عملية بمعرفتنا للطرق التي دعا بها أنبياء الله -
تعالى - ودعا بها سائر عباده الصالحين الذين قص الله - تعالى - علينا قصصهم
في هذا المجال. لكن المسائل التي بُينت لنا طرقُها العملية نوعان: نوع لا يتأتى
فعله إلا من العباد كالصلاة والزكاة، ونوع نسترشد فيه إلى جانب ذلك بالطريقة
التي يعامل الله - تعالى - بها عباده، كطريقة الدعوة إليه، وآياتُ الصيام التي هي
موضوعنا في هذا المقال خيرُ مثال على هذا النوع الأخير.
إن الغاية من هذه الآيات هي أمر المسلمين بصيام شهر رمضان، ولو شاء
الله - تعالى - لأمرنا بها أمراً مجرداً لا استعطاف فيه ولا تعليل؛ فهو الرب ونحن
عبيده، ومن حقه أن يأمرنا بما شاء، ومن واجبنا أن نطيعه بغير سؤال ولا مراء.
لكن الله - تعالى - أعلم بطبيعة النفوس التي خلقها، وبأحسن الطرق إلى هدايتها
وعطفها على قبول الحق والعمل به. لذلك نراه - سبحانه - لا يأمر عباده بالصيام
أمراً مجرداً بل يسوق كل الحقائق التي من شأنها أن تعطف قلوبهم إلى الخير الذي
يأمرهم به.
يقول - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ... ] [البقرة:
١٨٣- ١٨٧] فيخاطبهم بأحب أوصافهم إليهم. وهذا الخطاب وإن كان خطاباً عاماً
إلا أنه يجعل المستمع الفرد يُؤَمِّل في الدخول في سلك هؤلاء الذين شهد الله - تعالى- لهم بالإيمان. وهل بعد الشهادة الإلهية من شهادة؟ وإذا كان يرجو أن يكون
مؤمناً حقاً بعمله بما كتب الله عليه، فما أقل الصيام من ثمن لهذا الإكرام!
كما كتب على الذين من قبلكم: بما أن الإنسان قد يتردد في الإقدام على أمر
يراه صعباً ولا يرى له فيه سلفاً، فإذا تبين له أن الأمر قد جربه أناس قبله، فأغلب
الظن أنه سيقول لنفسه: إذا كان الصيام قد كتب على من قبلنا فصاموا، فما الذي
يمنعنا نحن من أن نصوم؟ وإذا لم نكن أول من جرب الصيام بل جربه أناس قبلنا
ونجحوا في التجربة، فما الذي يمنعنا نحن من أن ننجح كما نجحوا؟
[لعلكم تتقون] : فالغاية من الصيام ليست تعذيب الإنسان بمنعه من الطعام
والشراب والنكاح، وإنما أتى هذا المنع وسيلة ضرورية لغاية شريفة هي التقوى،
والتقوى هي سبيل النجاة من عذاب الله؛ وهي من ثَمَّ سبيل الفوز بجزائه ومرضاته، ولهذا كانت التقوى هي الغاية التي تحققها كل عبادة من العبادات التي أمرنا الله -
تعالى - بها.
[أياما معدودات] : لم يكلفنا الله - تعالى - بصيام السنة كلها ولا بأكثرها، وإنما هي ثلاثون يوماً من أيام العام التي تبلغ أكثر من ثلاثمائة وخمسين يوماً. وكلمة معدودات تعبر عن قلة هذه الأيام. والمؤمن يقول لنفسه: ولماذا لا أصوم أياماً معدودات وأكسب التقوى التي وعد الله بمنحها لمن يصومها؟
[فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] : ولأن الغرض من الصيام هو التقوى لا مجرد تعذيب البدن؛ فإن الله - تعالى - قد أعفى من صيام هذه الأيام المعدودات من كان مريضاً أو على سفر؛ لما قد تسببه هاتان الحالتان من مشقة زائدة على الأمر العادي.
[شهررمضان الذي أنزل فيه القرآن] : والأيام المعدودات التي أمرنا الله بصيامها هي أيام شهر لا كسائر الشهور، إنه شهر رمضان الذي شرفه الله - تعالى- بأن أنزل فيه القرآن، وذلك أنه كما أن الله - تعالى - أعلم حيث يجعل رسالته بالنسبة للبشر، فهو - سبحانه - أعلم حيث ينزل رسالته بالنسبة للأزمنة؛ لأنه كما أن بعض البشر أفضل من بعض فإن بعض الأزمنة والأمكنة أفضل من بعض [وربك يخلق ما يشاء ويختار] [القصص: ٦٨] . ولهذه المناسبة القوية بين القرآن وشهر رمضان، فإن النبي ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل في كل رمضان، ثم إنه عرضه عليه مرتين في العام الذي توفي فيه ﷺ . ولهذه المناسبة أيضاً فإنه يستحب لنا الإكثار من تلاوة القرآن ولا سيما في صلاة التراويح.
[هدى للناس وبينات من الهدى] : والفرقان هذه أهم خصائص القرآن، الكتاب الذي أنزله الله في شهر رمضان. إنه هدى للناس، وإنه بينات، بينات من الهدى ومن الفرقان.
[يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] : إنها لحكمة بالغة أن تنزل هذه الآية الكريمة ضمن آيات الصيام. إن في الصيام شيئاً من المشقة، ما في ذلك من شك؛ لكن الآية تؤكد لنا أن هذه المشقة ليست مرادة لذاتها، وإنما هي مشقة قليلة محتملة تجلب تيسيراً روحياً كبيراً، هو نيل التقوى؛ فهي إذن ثمن قليل يدفعه الصائم لنيل عوض كبير. ولما كان المراد من أوامر الله ونواهيه كلها هو اليسر لا العسر؛ فقد أذن - تعالى - بالفطر لمن كان في حال يكون الصيام فيه عليه عسيراً.
لكن اليسر ليس شيئاً متروكاً لأهواء الناس الذين لا يحيط علمهم بكل عواقب
الأعمال والتروك، وإنما ينظرون إلى بعض جوانبها دون بعض، وإلا فلو ترك
أمر اليسر لتقديرات الناس لقال أكثرهم: إن الصيام عسر لا يسر، وما دام الأمر
كذلك وما دامت أوامر الله - تعالى - ونواهيه مبنية كلها على اليسر، فإن المنهج
الصحيح للاختيار بين آراء المجتهدين هو أن يختار ما دل الدليل على أنه أقرب
للحق؛ لأن ما كان أقرب إلى الحق فهو الأقرب إلى اليسر. أعني أنه لا ينبغي
للعالم أن يجعل ما يعتقده يسراً هو المعيار الذي يفضل به اجتهاداً على اجتهاد؛ لأن
ما يظنه يسراً قد يكون في الحقيقة عسراً، بل عليه أن يبذل جهده في النظر في أدلة
المجتهدين ليفضل ما كان منها أقرب للحق موقناً بأن ما كان أقرب للحق؛ فهو
الأقرب إلى اليسر.
أعاننا الله وإياكم على صيام شهر رمضان، وجعلنا وإياكم من خير الدعاة إلى
الإسلام.
стр. 3287
مواقف
ودوا لو تكفرون كما كفروا ..
صور من جهود المنصرين في إفريقيا
مراسل المجلة في إفريقيا
تتوالى جهود المنصرين العاملين في أوساط المسلمين في القارة الأفريقية
وتتنوع أساليبهم في ظل إمكانات مالية وبشرية وإدارية ضخمة، ومؤازرة واضحة
من الدول الغربية والمؤسسات العالمية، مما جعل مخاطرهم على المسلمين -
وخصوصاً الفقراء والنساء والأطفال - تتعاظم يوماً بعد آخر في ظل أمية طاغية،
وجوع مدقع، ومرض مؤلم، وشبهات فاتنة، وشهوات ملهية، وهو ما يوجب على
المسلمين مناصرة إخوانهم والسعي إلى رفع الجهل والجوع والمرض عنهم،
وسأكتفي هنا بإيراد بعض جهود المنصرين المكثفة والقصص الواقعية التي لا تمثل
إلا غيضاً من فيض، وقطرات من بحر؛ فلعل في ذلك عبرة وذكرى، ودفعاً للهمم
لنصرة دين الحق، والوقوف في وجه أهل الباطل، وسُبُلِهِم التي يبثون شبهاتهم عن
طريقها، ومن ذلك:
١- استطاعت الكنيسة في نيروبي في كينيا تنصير شاب عربي اسمه حسن،
وحين ارتدَّ عن الإسلام جعلته الكنيسة من زعمائها، وأخذت تطوف به المدن
والقرى لتغري به السفهاء قائلة: إن هذا الشاب عربي ولد في الإسلام ونزل القرآن
بلغته، ولكنه اختار النصرانية، وقد ارتدَّ بسببه حتى الآن ٨٥ شخصاً، وحين تتبع
الدعاة حاله وجدوا أن الجامعة الكاثولوكية تدرب طالباتها على كسب شباب المسلمين
وخاصة العرب فوقع هذا الشاب في حبال إحداهن.
٢- تمكنت الكنيسة في ولاية لامو ذات الأغلبية المسلمة في كينيا من بناء
أكثر من ٣٠٠ كنيسة حتى الآن علماً بأن هذه الولاية حتى عام ١٩٧٤م لم يكن فيها
أكثر من كنيستين، ويرجع السبب في ذلك إلى أن الكنيسة سعت في توطين أتباعها
في تلك الولاية، ووقعت مع مؤسسة (G. T. Z) الألمانية اتفاقية تم بموجبها بناء
مدارس من مرحلة الروضة إلى المرحلة الثانوية.
٣- في منطقة سيولو في كينيا استطاع النصارى بناء ١٢ مدرسة وكنيسة،
ويشترطون على أبناء المسلمين الراغبين في الدراسة التنصر وإلا حُرموا من التعليم، وقد تنصر حتى الآن أكثر من ٥٠ أسرة فقيرة لا تستطيع دفع رسوم أبنائها
الدراسية ولا قيمة تغذيتهم وملابسهم التي تبلغ ١٤٠ دولار للفرد سنوياً، وهم الآن
تحت إشراف منظمة (F. F. H) التي كانت تزعم في بداية تواجدها بأنها تعمل
للإنسانية جمعاء، وحين تعرفت على واقع المجتمع تنكرت لمنهجها السابق
وأظهرت هويتها.
٤- قامت بعض المنظمات التنصيرية في دولة مالي ذات الأغلبية الإسلامية
بترجمة كتاب (الآيات الشيطانية) لسلمان رشدي إلى اللغة المحلية (البمبارا) التي
يتحدث بها أكثر من ٨٥% من السكان، وتم طباعة هذه الترجمة وتوزيعها بأعداد
هائلة، فأسفر ذلك عن نتائج مؤلمة تمثلت في نشر الفهم الخاطئ والتصور غير
الصحيح عن الإسلام في أوساط الكثير وخصوصاً طلبة الجامعات والمثقفين ثقافة
غربية.
٥- في بداية عام ١٩٩٩م تمكنت الكنيسة في دولة مالي من امتلاك أرض
كبيرة تقع في حي من أرقى أحياء باماكو العاصمة، وذلك لبناء كنيسة ومركز
تنصيري ومكتبة عامة، وتقدر كلفة بناء المشروع بـ ٦ ملايين دولار أمريكي،
ويتوقعون أن ينتج عن ذلك تنصر كثير من أبناء المسلمين إما اغتراراً بتضليلات
المنصرين، وإما طمعاً فيما يقدمونه إليهم من مساعدات مادية في ظل احتياجات
ماسة إلى الطعام والدواء والتعليم، خيب الله توقعاتهم!
٦- قامت الكنيسة في جوس في نيجيريا بتجهيز أربعة مواقع: ثلاثة منها
لإيواء أبناء المسلمين الفقراء وخصوصاً المهاجرين (وهم طلبة الكتاتيب القرآنية
التقليدية) ، ورابعها للمعاقين، ويتم في هذه المواقع الأربعة تقديم الطعام ثلاث
مرات يومياً ودعوتهم إلى الدخول في النصرانية، وقد تنصر عدد منهم ولبس
الصليب، وبخاصة الشباب، ناهيك عن أعداد كبيرة تشككت في دينها.
٧ - أنشأت الكنيسة في مدينة جوس في نيجيريا كُلِّيةً لتأهيل المنصرين في
مجال الدراسات الإسلامية ليتم إرسال طلبتها بعد التخرج إلى المدارس الحكومية
لتدريس الإسلام لأبناء المسلمين.
٨- أصاب مرض شديد امرأة من المسلمين تدعى (هند) فعجزت عن تكاليف
العلاج البالغ مقدارها (٥٠٠ دولار) ، فقامت الكنيسة بتولي علاجها، فارتدت المرأة
عن الإسلام وتنصرت، فقام المنصرون بتوظيفها، وزوجوها من أحد الأطباء،
ومنعوا الدعاة من اللقاء بها، وعندما حاول أحدهم اللقاء بها نقلها المنصرون إلى
مدينة أخرى خوفاً من أن تنجح محاولات الدعاة في الوصول إليها.
٩- أقامت الكنيسة في جمهورية التوجو العديد من المراكز الصحية التي تعالج
الناس مجاناً أو بثمن زهيد، وتشترط إدارتها على كل من يأتي للعلاج فيها بأن
يشاهد قبل الكشف والعلاج فيلماً عن حياة المسيح لمدة لا تقل عن ساعة.
١٠ - في دولة بنين أقامت الكنيسة في شمال البلاد ذات الأغلبية الإسلامية
مراكز تنصيرية ضخمة على مساحات شاسعة، وكان من أبرز أنشطتهم استقطاب
اللقطاء وأبناء الفقراء إلى هذه المراكز بدعوى كفالتهم وتعليمهم وتقديم المعونات
المادية لهم، وتسديد الرسوم الدراسية عنهم، ونحو ذلك.
كما أنهم جعلوا من هذه المراكز قاعدة للانطلاق إلى القرى والأدغال النائية
لتكثيف دعوتهم وبث باطلهم.
стр. 3288
فتاوى اعلام الموقعين
صور من الجهاد بالمال
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
في المملكة العربية السعودية
فتوى رقم (١٢٦٢٧) وتاريخ ١١-٢-١٤١٠هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الأسئلة المقدمة من د.
عبد الله الخاطر [*] إلى سماحة الرئيس العام، والمحالة إليها برقم (٧٢٤٨) وتاريخ
١٦-١١-١٤٠٩هـ، وأجابت عن كل منها عقبه فيما يلي:
تمهيد: الجهاد في سبيل الله إعلاءاً لكلمته - سبحانه - ونصرة لدينه، ونشراً
لشرائعه عقيدة وعملاً، وتذليلاً لما قد يكون في طريق ذلك من عقبات واجب على
المسلمين، وذلك مما يختلف باختلاف أحوالهم واختلاف أحوال أعدائهم فيما يكيدون
به للإسلام والمسلمين، قال الله تعالى: [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن
رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم
وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون] [الأنفال: ٦٠] ،
فأوجب سبحانه على المسلمين إعداد ما استطاعوا من العدة عموماً: من قوة جيش
وتوفير مال للإنفاق على ظروف الجهاد: قتالاً أو بياناً قولياً أو كتابياً، وقد ثبت
عن النبي ﷺ أنه قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم
وألسنتكم) [١] . فذكر ﵊ أنواعاً من الجهاد في سبيل الله
وعلى هذا يجاب عن الأسئلة:
السؤال الأول: نعلم أنكم تدفعون الزكاة للدعاة، ولكن هل يجوز دفع الزكاة
لموظفي المركز الذين لا يقوم المركز إلا على مثلهم؛ مع العلم بأن هؤلاء الموظفين
ليس لديهم دخل مادي آخر ولكنهم يستطيعون العمل في مكان آخر، ولكن المركز
سيصبح مشلولاً ومعطلاً عن العمل؟ أمثلة من الموظفين: سكرتير، مدير إداري،
حارس وطباخ، مسؤول إعلانات عامة، مدرسون في المدرسة، مدير للمدرسة.
والجواب: إذا كان أعداء الإسلام يحاربونه بالقوة الفكرية: بإلقاء الشبه،
وتحريف الآيات، والإلحاد في الدين وجب على علماء المسلمين أن يحاربوهم
بجنس السلاح: بإقامة الحجة وإزاحة الشبهة وإيضاح الحق وبيانه بدليل يدمغ
الباطل ويدحضه، ويهدي إلى سواء السبيل، كما كانت الحال قبل مشروعية الجهاد
بالقتال وبعده؛ فقد كان النبي ﷺ يفعل ذلك قبل الهجرة وبعدها
فيلتقي الوافدين إلى بيت الله الحرام، ويبلغهم دعوة الإسلام، ويقف في بعض
المشاعر وينادي بأعلى صوته: يا معشر قريش! حتى إذا اجتمعوا بلَّغهم كلمة
التوحيد، وكان يسافر إلى بعض الجهات كالطائف؛ ليبلغ من فيها دعوة الإسلام،
وقد أرسل إلى بعض البلاد كالمدينة دعاة يرشدون أهلها ويعلمونهم القرآن، وأرسل
بعض القرَّاء إلى بعض القبائل كرعل وذكوان، وبعث معاذاً وغيره من الصحابة
إلى اليمن، وكتب إلى عظماء الدول وكبراء الأمم كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام.
وبالجملة: جاهد في سبيل الله بالقول والكتابة والبعوث قبل الجهاد بالسيف والرمح
والنبال ومعه، بل أمر حسَّاناً أن ينازل المشركين بالشعر حينما أخذوا يحاربون
المسلمين حرب أعصاب فأمره أن يجيبهم، وأمر الصحابة أن يجيبوا من قال من
الكافرين: لنا العزَّى ولا عُزَّى لكم، وعلمهم كيف يجيبونهم، وكان بعض الكفار
مثل كعب بن الأشرف يؤلب الكفار على المسلمين، ويوقد نار الفتنة، فرأى النبي
ﷺ أن يندب بعض الصحابة لقتله، تخلصاً من سعيه جاهداً في
إيقاد نار الحرب؛ فكل حرب تقابل بما يناسبها: الشبهة تقابل بالحجة الواضحة،
والسيف بالسيف، والدعاية بالدعاية، والتمويه بحسن البيان وإظهار الحق؛ فإنفاق
المال على من يقوم من الدعاة بمثل هذه الأعمال وفيما يلزم لهم في أداء مهمتهم
إنفاقٌ له في الجهاد في سبيل الله؛ فيجوز أن ينفق في ذلك من أموال الزكاة لكونه
من مصارفها.
السؤال الثاني: على المركز ديون تحمَّلها القائمون عليه وهي في ذمتهم،
وهذه الديون هي بعض قيمة المركز؛ فهل يجوز دفع الديون من الزكاة؟ وتوجد
زكاة لدى المركز مدفوعة من أهل الخير لصرفها في مصارفها؛ فهل تدفع من هذه
الزكاة الموجودة لدى المركز؟
السؤال الثالث: هل يجوز صرف الزكاة لمصاريف المركز الأخرى مثل
كهرباء - تدفئة - هاتف - ضرائب؟
والجواب (٢-٣) : إذا كان دعاة المنتدى الإسلامي بلندن ينهجون في دعوتهم
منهج أهل السنة والجماعة فيرجعون في الأحكام والمواعظ إلى كتاب الله وسنة
رسوله؛ ويعتمدون في مراجعهم على كتب السلف، واضطروا إلى مبنى يكون
مركزاً لهم يجمع شتاتهم، ويكون مقراً لمن يحتاجون إليه من الموظفين، ويعقدون
فيه جلساتهم للتشاور بينهم في شؤون الدعوة والتخطيط لنجاحها وقوة انتشارها فلا
بأس من دفع قيمة ذلك المبنى مما تجمَّع لدى المسؤولين عنه من الزكاة، وكذا يجوز
دفع مصاريف الكهرباء لإنارة المنتدى وتدفئته، ودفع ما لزم من الضرائب
ومصاريف الهاتف مما تجمَّع من الزكاة لدى المسؤولين عن المنتدى.
السؤال الرابع: هل يجوز دفع الزكاة لطلبة يدرسون في الخارج علوماً مادية
(ليست شرعية) في حالة انقطاع المنح عنهم؛ مع العلم بأنهم يمكن رجوعهم إلى ...
بلدهم فيعملون بما عندهم من تحصيل علمي؟ وكيف يكون الأمر عمن لا يستطيع
الرجوع إلى بلده؟
والجواب: إذا كان هؤلاء الطلاب يدرسون علوماً مادية مباحة كالطب يحتاج
إليها الدعاة ومن يقوم بخدمتهم من الموظفين، أو يحتاج إليها المسلمون وانقطعت
عنهم المنح وليس لديهم ما ينفقونه لإتمام تلك الدراسة أو تعذر عليهم الرجوع إلى
بلادهم ليرتفقوا بما لهم فيها من عقار ونحوه جاز أو تدفع نفقاتهم من الزكاة لإتمام
دراستهم لحاجتهم وحاجة دعاة المركز أو المسلمين إليهم.
السؤال الخامس: تجتمع لدى المركز أموال من الزكاة؛ فهل يجوز تأخير صرفها لأكثر من سنة نظراً للحاجة؟
والجواب: يجوز إذا لم تَدْعُ الحاجة إلى تعجيل صرفها لمستحقيها، وكان
تأخيرها لمصلحة متوقعة تقتضي إنفاقها فيها، وذلك في حدود سنة فأقل.
السؤال السادس: توجد لدى المركز صدقات تبرُّع؛ فهل عليها زكاة إذا حال
عليها الحول ولم تصرف؟
والجواب: لا تجب فيها الزكاة إذا حال عليها الحول ولو بلغت نصاباً؛ لأنها
ليست ملكاً لمعين؛ بل هي مرصودة لتنفق في وجوه البر التي تُبُرِّعَ بها لتصرف
فيها، لكن ينبغي التعجيل بصرفها لمستحقيها حينما يوجد المستحق.
السؤال السابع: هل يجوز إرسال كتب أو مجلات إسلامية كمجلة البيان وهي
إسلامية إن شاء الله إلى البلاد الفقيرة لتعليم أهلها ونشر الإسلام فيها من أموال
الزكاة؟
والجواب: إرسال الكتب الإسلامية التي تبين الحق بالدليل عقلاً ونقلاً ...
وتنتصر له ونشر المقالات الإسلامية في المجلات والصحف هدايةً إلى الصراط
المستقيم، ودحضاً للباطل، وردّاً على الشبه من طرق الدعوة إلى الله والجهاد في
سبيله، فيجوز صرف الزكاة في ذلك؛ نصرةً لدين الله، وإعانةً على نشر العقيدة
الصحيحة والأحكام الشرعية التي يشهد لها الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى
الله عليه وسلم. وبالله التوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة
نائب رئيس اللجنة ... ... ... ... الرئيس
عبد الرزاق عفيفي ... ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 3289
ملف فلسطين
القضية الفلسطينية.. مآس متجددة
ليست للبيع بأي ثمن
في خنادق الفنادق، وسرادقات المنتجعات المحمية، بدأت مفاوضات حل
القضية الفلسطينية على الطريقة العلمانية حلاً نهائياً تتحلل فيه كل المعتقدات
والمبادئ والأخلاق والأعراف.
فها هم أشاوس الكفاح المسلح الذين رفعوا لواء (ثورة حتى النصر) و (ما
أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة) ها هم يبيعون القضية الفلسطينية بكل قداستها بثمن
بخس، وما أخذ منهم بالقوة يحاولون استرداده بالمفاوضات وهيهات هيهات! !
إن الزمرة التي تولت أمر القضية الفلسطينية زمرة معزولة عن آمال الأمة
وآلامها. زمرة لا يحق لها أن تنوب عن المسلمين في بيع أراضيهم المقدسة لليهود.
تأتي المفاوضات النهائية لتنتهي بها المفاوضات، كل المفاوضات، فلن نسمع
بعد ذلك عن القدس شيئاً، لن نسمع بعد ذلك عن اللاجئين شيئاً، لن نسمع بعد ذلك
عن الاستيطان شيئاً، ولن نسمع عن العمل (الجهادي) شيئاً، فوقتها لن يكون إلا
إرهاب خالص نقي خالٍ من شوائب التسويغات، فالأرض لم تعدْ محتلة! !
ووقتها لن نعجب حين يضاف لعدد الدول في الجامعة العربية واحدة أخرى.
ومع بداية هذه المفاوضات يأتي ملفنا هذا: (القضية الفلسطينية.. مآس
متجددة) ، للتذكير بالقضية بكل ما ألمَّ بها من آلام، وبكل ما نتطلع إليه من آمال،
تذكير نطرق به على ذاكرة الشعوب الإسلامية باستمرار حتى لا ننسى فلسطين التي
يريدون بيعها، يريدون علمنتها بقداستها ومقدساتها الطاهرة، تذكيراً للمسلمين
بمنزلة قضيتهم وصراعهم مع اليهود، تذكيراً بوعد الله الحق وسننه في خلقه.
كما أنه تذكير لأولئك الباعة المتجولين بأن فلسطين ليست للبيع بأي ثمن.
стр. 3290
ملفات
القضية الفلسطينية.. مآس متجددة
بين القومية العربية والقومية اليهودية
عبد الناصر الشعراني
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده.. وبعد:
فقد خلق الله آدم أبا البشر ﵇ ثم خلق من
آدم حواء، ثم جعل في ذريتهما البنين والبنات، وذلك مذكور في القرآن الكريم،
في قوله : [يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس
واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به
والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا] [النساء: ١] ، فالنفس الواحدة هي آدم،
والزوج هي حواء، أما الرجال فهم الأبناء والأحفاد، والنساء هن البنات والحفيدات.
وقد سار آدم - ومَن بعده - على تقوى من الله، ثم بدأت الفُرقة التي نفث
فيها الشيطان - لعنه الله - بعدما كثر الناس، وانتشروا في الأرض، وبدأ التعصب
للقبائل في الظهور، حتى أدى إلى الاقتتال بحميَّة الجاهلية، والافتخار بالانتساب
إلى المفهوم القبلي الضيق، ولكن الله لم يرضَ عن تلك الجاهلية العمياء التي تجعل
الانتماء الفردي للجماعة الصغيرة، أو المجتمع الكبير هو أساس كل شيء، فلا
تتعدى ذلك إلى الانتماء الرحب، الذي يتعدى الفرد والجماعة الصغيرة إلى الدولة
الكبرى التي تضم الأفراد والجماعات والقبائل؛ ولذلك قال الله : [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير] [الحجرات: ١٣] ، فالتعارف وسيلة من
وسائل عمران الدنيا، وأكرم الخلق أتقاهم.
وبدا ذلك جلياً في دولة الإسلام الفتيَّة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه
وسلم عندما كان يخاطب الأمة كلها، ولم يفرق بين أوس وخزرج ومهاجرين،
ويمن وحبشة، بل الكل عباد الله، ولم يترك للشيطان مجالاً أو ثغرة ليجتالهم،
وكان خير مثال غضبه من الفتنة التي أُثيرت بين جناحي الأنصار الأطهار (الأوس
والخزرج) ، واعتبرها دعوة جاهلية، وكذلك نجد الخطاب القرآني موجهاً إلى
الناس جميعاً، وإذا خص المؤمنين خاطبهم جميعاً، ولم يؤلب طائفة ضد أخرى،
ولم يرفع قبيلة أو جماعة، ويخفض أخرى، بل هي دعوة نورانية تسعى لتوحيد
الناس تحت راية التوحيد، وتعتبر أن التعصب الأعمى - للجنس أو العرق أو
غيرهما - جاهلية مقيتة، ودعوة مُنْتنة يجب أن توضع تحت أقدام المؤمنين.
ولقد حفل تاريخنا الإسلامي بصور مدمرة ورهيبة للدعوات الجاهلية، التي
أرادت تدمير أمة الإسلام، وقد أطلق عليها كلمة: (الشعوبية) ، التي كانت في
بدايتها شعوبية فارسية، ثم تعددت أصولها، وهي نزعة - في العصر العباسي -
تنكر فضل العرب، وتحاول الحطّ منهم، فتخفَّت تلك الدعوة الجاهلية خلف
العلويين والعباسيين؛ لتقوض حكم العرب الذين هم مادة الإسلام كما قال عمر بن
الخطاب؛ فقد كان وجود العرب المسلمين حاكمين من أكبر العوامل المحافظة على
انتشار الإسلام، وانتشار اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) ، وإن حدث منهم
تعصب فذلك مردود عليهم، ولا يقره الإسلام.
بل لم يجد المسلمون حرجاً - في الماضي - من أن يقولوا: (نحن عرب) ،
وذلك بمفهوم الاعتزاز بالإسلام، وليس بغرض الانسلاخ منه، كما تدعو القومية
العربية والدعوات القطرية الجاهلية.
بل خاطبهم الرسول ﷺ محذراً إياهم من قرب خروج ...
(يأجوج ومأجوج) ، قائلاً: (ويل للعرب من شر قد اقترب) .
إن الإسلام عندما أشرق على شعوب الأرض جمع بين أمرين قد يبدوان
متناقضين:
الأمر الأول: إذابة كل الأعراق والأجناس والانتماءات في رسالة واحدة،
وهي الإسلام.
والأمر الآخر: عدم إلغاء انتماء الأفراد والجماعات للقبائل والأعراق
والأجناس واللغات، فهذا عربي وهذا بربري، وهذا كردي ... ، لهم لغاتهم
ولهجاتهم وأصولهم الموروثة، ولكن كل ذلك في إطار الإسلام، ولا فرق بينهم إلا
بالتقوى.
وقد استمرت تلك السُّنَّة في الخلافة الإسلامية، حتى بدأ الوهن يدب في الدولة
العثمانية - آخر دول الخلافة الإسلامية - فانقضَّت جماعة (الاتحاد والترقِّي)
التركية اليهودية على الدولة العثمانية، فقضت عليها، وأعلنت الجاهلية الطورانية
التركية، فكانت دعوة لإحياء التعصب الجاهلي للجنس التركي على حساب العرب
والأكراد وغيرهم، فكان رد الفعل في الطرف الآخر (العرب) - المدعوم باليهود
والأوروبيين - هو إحياء الجاهلية العربية في النصف الآخر من القرن التاسع عشر
الميلادي؛ اتباعاً للأوروبيين الذين قد تعصبوا - في الماضي - لجنسهم، ثم أُزيل
التعصب ظاهرياً، وصار تعاوناً على الإثم والعدوان، والله يقول:
[تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون] [الحشر: ١٤] .
وفي الوقت نفسه الذي كان العرب ينْقضون عُرى الخلافة الإسلامية عُروة
عروة - كان اليهود يواصلون مخططاتهم التي بدأت منذ العودة من السبي البابلي
(٥٨٦ - ٥٣٨ ق. م) ، وسميت الحركة التي تنفذها حركة: (المكابيين) ، وأول أهدافها العودة إلى صهيون، وبناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد
الأقصى (الأسير) .
وبعد القضاء على الخلافة الإسلامية ظهرت بوضوحٍ الدعوة القومية العربية
الجاهلية، وتقابلها الدعوة القومية اليهودية الجاهلية، وإن كانت تلك دعوات،
وليست دعوة واحدة لكلتيهما؛ لأن داخل القومية العربية قوميات صغيرة (وطنية أو
قُطرية) ، وقد تُختزل تلك الدعوات، حتى نرجع إلى نظام القبائل، الذي صهره
الإسلام كما ذكرت سالفاً.
وكذلك نجد تفرق الجماعات اليهودية، وقد ذكر الرسول - عليه الصلاة
والسلام - افتراقهم إلى إحدى وسبعين فرقة، وقال الله - تقدست أسماؤه - عنهم:
[تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون] [الحشر: ١٤] ، ولكنني
أذكرهما بصفتهما كتلتين خاضتا معارك حامية الوطيس، فخسرت الأولى خسراناً
مبيناً، أما الآخرة فانتصرت انتصاراً عظيماً - لضعف الأولى - حتى يقضي الله
أمراً كان مفعولاً.
العنصر الأول: الأسس النظرية لكل قومية.
العنصر الثاني: البرامج والشعارات.
العنصر الثالث: حصاد كل قومية.
أولاً: الأسس النظرية:
قبل الحديث عن هذه الأسس لا بد من تمهيد لُغوي ومصطلحي لمعرفة هاتين
القوميتين.
يقول صاحب (القاموس المحيط) : (القوم: الجماعة من الرجال والنساء ...
معاً، أو الرجال خاصة، أو تدخله النساء على تبعية، ويؤنَّث، (ج) أقوام، (جج) أقاوم وأقاويم وأقائم، وقام قوماً وقومةً وقياماً وقامةً - انتصب، فهو قائم من قُوَّم وقُيَّم وقُوَّام وقُيَّام،.. والقَوَام - كسَحَاب - العَدْل، وما يُعاش به،
وبالضم: داء في قوائم الشاء، وبالكسر: نظام الأمر وعماده..) [١] .
إن القومية هي مصدر صناعي من (قوم) ، وهي: (وعي قومي يمجد أمة
معينة، ويضع التوكيد على تعزيز ثقافتها ومصالحها) [٢] ؛ فهي دعوة لتمجيد أمة
معينة من خلال الاعتزاز بكل ماضيها القائم على الباطل، بل هناك قوميات تحارب
غيرها؛ لتعيش على أنقاضه، ولا تكتفي بإبراز هويتها، كاليهود والصرب
والهندوس والروس والبوذيين والأوروبيين والأمريكيين، أو باختصار: كل الكفار
والمشركين والملحدين والمنافقين.
وكما يقول د. محمد السيد سعيد: (القومية تنتمي إلى طائفة من الظواهر
التي تتعلق بعملية تحديد هوية أو انتماء جماعات من الناس؛ فالناس قد يحددون أو
تتحدد هويتهم على أساس مجموعة من العوامل والعلامات مثل الدين والعنصر
العرقي واللغة والمنطقة الجغرافية والحضارة، أو أي تفرعات من هذه
العوامل) [٣] ، وإذا فحصنا تلك العوامل، التي ذُكرت سالفاً فسنجد أن تطبيقها - في غياب الإسلام - يعني القضاء على القومية الأخرى المقابلة، وقد ضربت بعض الأمثلة للقوميات المتعصبة فيما سبق؛ ولذلك يخبرنا التاريخ والواقع أن كل دعوة غير الإسلام وبال على المسلمين، وأفضل مثال على غرابة فكرة القومية قول أحد كبار الدارسين لها - وهو فردريك هرتز -: (ما الذي منح القومية تلك ... القوة الكبرى في العصر الحديث؟ !) ، ويجيب: (نحن - في الحقيقة - لا ...
نعلم!) [٤] ، ولكننا - نحن المسلمين - في الحقيقة نعلم أنهم اليهود!
١- القومية العربية:
إن القومية العربية هي: (حركة سياسية فكرية متعصبة تدعو إلى تمجيد
العرب، وإقامة دولة موحدة لهم على أساس من رابطة الدم والقربى واللغة والتاريخ، وإحلالها محل رابطة الدين، وهي صدى للفكر القومي، الذي سبق أن ظهر في
أوروبا) [٥] .
وكانت تلك الدعوة الجاهلية الجامحة تدبر وتخطط منذ عام ١٨٤٧م؛ ولذلك
نجد أنها تآمرت من ذلك العام إلى عام ١٩١٤م، من خلال خمس عشرة جماعة
سرية وعلنية، وكان يقودها الكافرون - وبعض مَن ينتسبون إلى الإسلام - أمثال
ميشيل عفلق النصراني الذي أسس حزب البعث العربي الاشتراكي في إبريل
(نيسان) عام ١٩٤٧م في العراق وسورية، وهناك صراع بين جناحيه على حساب
البلدين الشقيقين، ومن أكبر دعاة القومية العربية ومنظِّريها ساطع الحصري
(١٨٨٠ - ١٩٦٨م) ، وهو من أصل سوري.
وقد برزت تلك الدعوة - بشدة - في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
الذي استغل بها مشاعر الناس، ثم سقط - وهي معه - سقوطاً مروعاً، وهناك مَن
يحاول إحياءها، ولكن هيهات هيهات!
ولم تقم تلك الدعوة إلا على أسس ومبادئ تقوم على محاولة القضاء على
الإسلام دون غيره من المِلَل والنِّحَل السابقة، ومن هذه المبادئ:
١ - إعلاء الفكر القومي من شأن رابطة القربى والدم على حساب رابطة
الدين.
٢ - يرى دعاة الفكر القومي - على اختلاف بينهم في ترتيب مقومات هذا
الفكر - أن أهم المقومات التي تقوم عليها القومية العربية هي: اللغة والدم والتاريخ
والأرض والآلام والآمال المشتركة.
٣ - أن العرب أمة واحدة لها مقومات الأمة، وأنها تعيش على أرض واحدة
هي الوطن العربي الواحد الذي يمتد من الخليج إلى المحيط.
٤ - كما يرون أن الحدود بين أجزاء هذا الوطن حدود طارئة ينبغي أن تُزال، وينبغي أن تكون للعرب دولة واحدة وحكومة واحدة تقوم على أساس من الفكر
القومي اللاديني.
٥ - يدعو الفكر القومي إلى تحرير الإنسان العربي من الخرافات والغيبيات
والأديان - كما يزعمون.
٦ - يتبنَّى الفكر القومي شعار (الدين لله، والوطن للجميع) ! ، والهدف من
هذا الشعار إقصاء الإسلام عن أن يكون له أي وجود فعلي من ناحية، وجعْل أُخوّة
الوطن مقدَّمة على أخوة الدين من ناحية أخرى.
٧ - يرى الفكر القومي أن الأديان والإقليميات والتقاليد الموروثة عقبات
ينبغي التخلص منها؛ من أجل بناء مستقبل الأمة.
٨ - يقول عدد من قادة هذا الفكر: نحن عرب قبل عيسى وموسى ومحمد! ، من أجل إقصاء مبادئ الإسلام التي جاء بها هؤلاء الرسل - عليهم الصلاة
والسلام -.
٩ - يقرر الفكر القومي أن الوحدة العربية حقيقة، أما الوحدة الإسلامية فهي
حُلم!
١٠ - أن فكرة القومية العربية من التيارات الطبيعية التي تنبع من أغوار
الطبيعة الاجتماعية، لا من الآراء الاصطناعية التي يستطيع أن يبدعها الأفراد.
ويتمثَّل دعاة الفكر القومي كثيراً قول الشاعر القروي:
هبوني عيداً يجعل العرب أمة ... وسيروا بجثماني على دين بَرْهَمِ
سلام على كفر يوحد بيننا ... وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ!
١١- يقول بعض دعاة الفكر القومي: إن العبقرية العربية عبرت عن نفسها
بأشكال شتى، فمثلاً عبرت عن نفسها بشريعة حمورابي، ومرة أخرى بالشعر
الجاهلي، وثالثة بالإسلام! (وكأن الإسلام دين من وضع البشر!) . ...
١٢ - قال أحد مشاهيرهم: لقد كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب
محمداً!
١٣ - يرى دعاة الفكر القومي أن من الإجرام أن يتخلى العربي عن قوميته،
ويتجاوزها إلى الإيمان بفكرة عالمية أو أممية.
١٤ - يقول بعض مفكري القومية العربية: إذا كان لكل عصر نبوته المقدسة
فإن القومية العربية هي نبوة هذا العصر!
١٥ - ويقول آخرون منهم: إن العروبة هي ديننا نحن العرب المؤمنين
العريقين - من مسلمين ومسيحيين - لأنها وُجدت قبل الإسلام وقبل المسيحية،
ويجب أن نغار عليها كما يغار المسلمون على قرآن النبي، والمسيحيون على إنجيل
عيسى.
١٦ - يقرر بعضهم الآخر أن المرحلة القومية في حياة الأمة مرحلة حتمية،
وهي آخر مراحل التطور، كما أنها أعلى درجات التفكير الإنساني.
١٧ - التعاون مع الشيوعيين لمقاومة الرأسمالية الغربية، والعكس صحيح،
(عبد الناصر وغيره) .
١٨ - مساعدة أي ثورات أو تمردات أو انقلابات من أي اتجاه.
١٩ - قمع الإسلاميين ومحاربة الأنشطة الإسلامية.
٢٠ - الاستسلام لليهود (الضفة الغربية، سيناء، الجولان..) .
ولتلك الأسس النظرية الكفرية جاء وصف الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه
الله - في (نقد القومية العربية (أنها) دعوة جاهلية إلحادية تهدف إلى محاربة
الإسلام، والتخلص من أحكامه وتعاليمه) و (هي دعوة باطلة، وخطأ عظيم،
ومكر ظاهر، وجاهلية نكراء، وكيد سافر للإسلام وأهله) [٦] .
٢- القومية اليهودية:
اختلطت اليهودية - وهي دين سابق دخله التحريف - بالصهيونية، التي هي: ... (حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فِلَسطين، تحكم
من خلالها العالم كله) ، واشتُقت الصهيونية من اسم (جبل صهيون) في القدس،
حيث تطمع الصهيونية أن تشيد فيها هيكل سليمان، وتقيم مملكة لها تكون القدس
عاصمتها، وقد ارتبطت الحركة الصهيونية بشخصية اليهودي النمساوي (تيودور
هرتزل) الذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني الذي تقوم على آرائه الحركة
الصهيونية في العالم [٧] ؛ ولذلك يلقى هذا الاختلاط بين اليهودية والصهيونية قبولاً
وتأييداً من أحبار اليهود، لكل مَن شارك في إقامة الكِيان المغتصب على أرض
فلسطين المحتلة، ولو كان من الملحدين! فالصهيونية هي الجناح السياسي ...
والعسكري لليهود.
وقد ظهرت تلك القومية - الممثِّلة للدين المحرَّف - منافسة للقوميات الأُخرى؛ ولذا فكلمة (يهودي) في أي دولة أوروبية أو أمريكا - تعني (قومية) ، أي تقابل
كلمة (أمريكي، فرنسي، بريطاني.. الخ) ، ولا يشعر اليهود بأدنى حرج من
إظهار هويتهم، وتعصُّبهم الأعمى لتلك الحركة الصهيونية، وإن كان هناك مَن
يعارضها؛ في انتظار عودة مسيحهم المنتظر!
وتنطلق تلك القومية اليهودية الصهيونية من العهد القديم (التوراة المحرفة
وأسفار الأنبياء) والكتابات الأخرى (المزامير والأمثال وأيوب..) ، والتلمود،
وهو روايات شفوية تناقلتها الحاخامات، حتى جمعها الحاخام يوضاس سنة ١٥٠م
في كتاب سماه: (المشنا) ، أي الشريعة المكررة لها في توراة موسى كالإيضاح
والتفسير، ثم أضاف إليها يهوذا سنة ٢١٦م تدويناً وزيادات شفوية، وقد تم شرح
هذه المشنا في كتاب سمي: (جمارا) ، ومن هذه المشنا والجمارا يتكون التلمود،
وله منزلة مهمة جداً تزيد على منزلة التوراة المحرفة [٨] .
إن الأسس النظرية لليهود تحدد تعاملهم الوحشي مع غيرهم، ولكنهم فيما
بينهم يختلفون تماماً؛ مصداقاً لقوله - تعالى -: [ومن أهل الكتاب من إن تأمنه
بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك
بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون] ...
[آل عمران: ٧٥] .
ومن الأسس النظرية للقومية اليهودية ما يلي:
يقول د. عبد المالك خلف التميمي عن بعض أهداف القومية اليهودية:
(بدأت فكرة الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ المؤتمر الصهيوني الأول الذي
عُقد في بازل في سويسرا عام ١٨٩٧م؛ حيث حدد هذا المؤتمر الأهداف
الاستيطانية - أقول: وهي من الأسس النظرية للقومية اليهودية، التي بدأت
بالسيطرة على مراكز اتخاذ القرارات العالمية، ثم الاستيلاء على فلسطين (مركز
الحلم اليهودي) ، واتخاذها نقطة انقضاض على العالم كله - على النحو الآتي:
١ - العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين
اليهود وفق أسس مناسبة.
٢ - تنظيم اليهودية العالمية، وربطها بواسطة منظمات محلية ودولية تتلاءم
مع القوانين المتبعة في كل بلد.
٣ - تقوية الشعور والوعي القومي اليهودي وتغذيته.
٤ - اتخاذ الخطوات العملية التمهيدية للحصول على الموافقة الحكومية
الضرورية لتحقيق غايات الصهيونية.
٥ - جعْل اللغة العبرية لغة رسمية للتخاطب بين اليهود في جميع ربوع
العالم [٩] .
٦ - تعتبر الصهيونية جميع يهود العالم أعضاء في جنسيةٍ هي الجنسية
الإسرائيلية.
٧ - تهدف الصهيونية إلى سيطرة اليهود على العالم، كما وعدهم يَهْوَه [١٠] ، وتعتبر المنطلق لذلك هو إقامة حكومتهم على أرض الميعاد التي تمتد من نهر
النيل إلى نهر الفرات.
٨ - يعتقدون أن اليهود هم العنصر الممتاز الذي يجب أن يسود، وكل
الشعوب الأخرى خدم لهم (نظرية نقاء النوع) .
٩ - الاستعانة بالثورات والانقلابات لتحقيق أطماعهم.
١٠ - يرون إقامة الحكم على أساس التخويف والعنف.
١١ - تسخير الحرية السياسية من أجل السيطرة على الجماهير.
١٢ - انتهاء سلطة الدين، وظهور سلطة الذهب (المال) .
١٣ - السياسة نقيض الأخلاق، ولا بد فيها من المكر والرياء، أما الفضائل
والصدق فهي رذائل في عرف السياسة؛ لذلك يغرقون غيرهم في الرذائل.
١٤ - بث الرعب في معارضي مؤامراتهم على العالم.
١٥ - استخدام الشعارات الجوفاء الخداعة (الحرية والمساواة والإخاء) .
١٦ - السيطرة على المال والعلم.
١٧ - السيطرة على الصحافة والثقافة والنشر لتوجيه العالم من خلالها.
١٨ - توسيع الشقة بين الحكام والشعوب؛ لكي يلجأ إليهم الحكام للدفاع عنهم
ضد ثورات شعوبهم.
١٩ - جعل السلطة هدفاً مقدساً لكل القوى المتصارعة.
٢٠ - تشكيل أندية وروابط سرية كالماسونية وأذرعها الهدامة (روتاري
وليونز.. إلخ) .
٢١ - إقامة مجتمعات منحلة مجردة من الإنسانية والأخلاق ناقمة على الدين.
٢٢ - إشاعة المتناقضات وإلهاب الشهوات وتأجيج العواطف.
٢٣ - تفكيك الأسرة، ونفخ روح الذاتية في كل فرد ليتمرد، والحيلولة دون
وصول ذوي الامتياز إلى الرُّتَب العالية [١١] .
ثانياً: البرامج والشعارات:
تمثل البرامج ما يسعى الفرد أو الجماعة لتحقيقه، أما الشعارات فقد تكون
كلمات نظرية لغايات معينة (غسيل مخ، خداع، حرب نفسية) .
ومن النظرة السريعة للقوميتين العربية واليهودية نلاحظ أن القومية العربية
سعت لتحقيق أهداف وأعلنت عن برامج - حققت الكثير منها - ولكن كل ذلك في
الاتجاه المعاكس للإسلام، مع ملاحظة أن بعض الأسس قد استُخدمت برامج
وشعارات، وكذلك بروز الشعارات الناصرية القومية (الشيوعية) ، التي ما زالت
تداعياتها إلى الآن، وقد استحوذت على جانب كبير من الدعاية المكثفة، أما القومية
اليهودية فقد حققت الكثير من برامجها وأهدافها، وما شعاراتها إلا لخدمة الأهداف
اليهودية، وليست للاستهلاك المحلي، كما يقولون، ومن هذه الشعارات:
١ - شعارات القومية العربية:
- الفكر القومي يعلو على الرابطة الدينية.
- الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج.
- القضاء على الرجعية.
- الدين لله والوطن للجميع.
- الحرية والاشتراكية والوحدة.
- القضاء على الاستعمار وأعوانه.
- إقامة جيش وطني قوي.
- معركتنا مع اليهود معركة عسكرية وضد ما يسمونه بالاستعمار، ولا علاقة
لها بالدين.
- إزالة آثار العدوان الصهيوني على فلسطين ومصر وسورية والأردن.
- حتمية الحل الاشتراكي.
- تحالف قوى الشعب العاملة.
- حرية المرأة.
٢ - شعارات القومية اليهودية:
- العودة إلى أرض الميعاد (فلسطين) .
- فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
- الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر.
- ضرب أي قوى عسكرية تمثل تهديداً - ولو بعيداً - لكِيَانهم المغتصِب.
- العناية باليهودي في كل مكان.
- السيطرة على مراكز اتخاذ القرارات في العالم؛ لخدمة أهدافهم.
- إقامة صناعة حربية متقدمة بإدخال السلاح النووي في الصراع مع العرب.
- تحسين صورة اليهود أمام العالم وتكثيف الدعاية ضد العرب المتوحشين ...
الأشرار.
- إقامة الدعايات ضد النازية للزعم بأنها قتلت ستة ملايين يهودي في أفران
الغاز (المحرقة أو الهولوكُست) أثناء حكم هتلر، والمطالبة بالتعويضات الباهظة
الدائمة من ألمانيا، وكل مَن اعتدى عليهم، كما يزعمون.
- البراءة من الصلب - المزعوم - للمسيح ﵇ لتخفيف كراهية
النصارى لهم، ولتجميع القوى ضد المسلمين.
- أن اليهود هم شعب الله المختار، وكل الشعوب الأخرى خدم لهم (نظرية
نقاء النوع) .
- مَن يعاديهم أو يحاربهم فهو معادٍ للسامية، ويجب محاسبته، أو قتله.
- الأخلاق قيد لا معنى له.
ثالثاً: حصاد كل قومية:
إن الحصاد الذي جنته أمتنا من القومية العربية هو حصاد الهشيم، حصاد
الدمار، حصاد السراب، حصاد التبعية والذل.
أما القومية اليهودية فقد أقامت لها دولة العلو والفساد، وسيدمرها الله، يقول- تعالى -: [فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا
خلال الديار وكان وعدا مفعولا] [الإسراء: ٥] .
١- حصاد القومية العربية:
- نشر الأفكار الإلحادية المناقضة للدين.
- تفرق الدول العربية، بل الحرب الشديدة بين الدول التي أسسها الأفراد
أنفسهم (العراق وسورية) .
- ولاء للكافرين وبراء من المسلمين ومحاربتهم وقتلهم.
- إعلاء شأن اليهود والنصارى.
- عزل الإسلام عن المعركة، بل محاربة أهله.
- الكبت والشيوعية والانفصال بين الدول المتحدة ظاهرياً وإجبارياً (مصر
وسورية) .
- تمكين الأعداء من بلاد المسلمين.
- الهزيمة الساحقة لقوة مصر في عام ١٩٦٧م.
- احتلال سيناء والضفة الغربية (القدس) والجولان.
- الاستسلام للمخططات اليهودية.
- انتشار الأحقاد والعداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع والدول أيضاً بسبب
السياسات الشيوعية التي تحرض وتثير طبقات المجتمع بعضها ضد بعض.
- انتشار الرذيلة والدعارة بعد خروج النساء للعمل، وشعور المرأة بالقهر
وانتهاك كرامتها في الخارج.
٢ - حصاد القومية اليهودية:
- احتلال فلسطين.
- إقامة الجيش الإسرائيلي الذي استطاع إنهاك الجيوش العربية مراراً؛
بسبب ضعف العرب لبعدهم عن الإسلام وإبعادهم له عن المعركة.
- تدمير المفاعل النووي العراقي، وتهديد باكستان بضربها، وتحريض الهند
الهندوسية عليها؛ لإنهاك قوتها وإضعافها.
- السيطرة على مراكز اتخاذ القرارات في العالم؛ لخدمة أهدافهم.
- إقامة صناعة حربية متقدمة بإدخال السلاح النووي في الصراع مع العرب.
- تحسين صورة اليهود أمام العالم وتكثيف الدعاية ضد العرب المتوحشين
الأشرار.
- الحصول على التعويضات الباهظة الدائمة من ألمانيا، وكل مَن اعتدى
عليهم، كما يزعمون، ومحاربة من يشكُّون فيه (الرئيس النمساوي والأمين العام
للأمم المتحدة كورت فالدهايم - والمفكر الفرنسي رجاء غارودي) ، بل قتل واعتقال
مَن يشكون فيه.
- الحصول على براءة من الصلب المزعوم للمسيح ﵇ من
الفاتيكان، وهي كبرى هيئات التنصير الكاثوليكي في العالم.
- بث الرعب في معارضي مؤامراتهم على العالم.
- سيطرة أندية وروابط سرية كالماسونية وأذرعها الهدامة (روتاري وليونز
.. الخ) .
وما ذلك الحصاد المُرّ إلا لأن المسلمين قد تناسوا أن (للأمة الإسلامية أربعة
أبعاد لا ينفصل أحدها عن الآخر:
بُعد عقَدي: وهو الأصل والمعيار؛ فكل المسلمين أمة واحدة.
بعد إقليمي: فكل الأرض التي سرت عليها أحكام الإسلام يوماً مَّا هي أرض
الأمة الإسلامية، وعلى المسلمين أن يعيدوا ما سُلب منهم، وإلا أثموا جميعاً حتى
تعود.
بعد شخصي: فكل مَن دخل الإسلام - أياً كان مكانه على أرض الله - صار
من أبناء الأمة الإسلامية، دون نظر لجنس أو عرق أو لون، ودون نظر لعقيدته
السابقة على دخوله الإسلام، أو موطنه السابق.
بعد تاريخي: يفيد استمرارية وجود هذه الأمة - دون انقطاع - في كل
عصور التاريخ البشري، يقول الحق - جل شأنه -: [شرع لكم من الدين ما
وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن
أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه] [الشورى: ١٣] .
ويصف الله - تعالى - الأنبياء ومن اتبعهم من لدن نوح ﵇
حتى بُعث محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊
بوصف الأمة الواحدة، فيقول: [إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون] [الأنبياء: ٩٢] [١٢] .
من أجل ذلك شاء الله - جلت قدرته - أن يعود الكثير من أبناء الأمة إلى
دينهم، ويبدؤوا المسيرة المباركة من جديد؛ لكي يسودوا العالم بحكم الإسلام
ورحمته وعدله [ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو
العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون]
[الروم: ٤ - ٦] .
стр. 3291
ملفات
القضية الفلسطينية.. مآس متجددة
العلو الكبير (١/ ٢)
من خيمة الذل ... إلى حصن الجبروت
دور القوى الكبرى في التمكين لليهود
عبد العزيز كامل
قضى الله - تعالى - قضاءً لا مرد له، بأن تظل أمة اليهود في ذلة مقيمة
بعد أن حلَّت عليهم لعنة الله - تعالى - بسبب كفرهم وتكرار جرائمهم مع الأنبياء
والمصلحين، وتأكد هذا بعد بعثة رسول الله ﷺ ، ولكن هذه الذلة
المقيمة معهم والمضروبة عليهم كالخيمة حيثما حلُّوا أُخضعت لاستثناءين أو حالتين
ترفع فيهما:
الحالة الأولى: أن يدخلوا في الإسلام فيستمدوا منه العزة المكتوبة لله ولرسوله
وللمؤمنين.
الحالة الثانية: أن تشملهم مظلة قوة من قوى الشر من البشر الذين يستغلونهم
أو يستعملونهم لأجل أغراض ومصالح مشتركة؛ وهذا ما قرره القرآن العظيم في
وضوح جليٍّ تام، في قوله : [ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا
بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك
بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا
يعتدون] [آل عمران: ١١٢] .
والمتأمل في تاريخ بني (إسرائيل) كله بعد عصور الاصطفاء يجد أن تلك
الأمة اليهودية لم تخرج عن هذا القضاء الإلهي قيد شعرة؛ فطوال عهود تمكين
الإسلام لم يحظ يهودي بعزة وأمان إلا بدخوله بصدق في الإسلام وانضمامه إلى
ركب المؤمنين، أو بخضوعه لحكم المسلمين والنزول تحت حمايتهم، وهذا ما كان
طيلة التاريخ الإسلامي، وخاصة خلال فترة وجود اليهود في الأندلس، ثم في
تركيا؛ حيث لم يجدوا الأمان إلا في كنف المسلمين. أما في عصور ضعف
المسلمين، وخاصة في العصر الحديث فقد انتقل اليهود إلى الاحتماء بقوى الطغيان
الكبرى التي كانت تسمى بقوى الاستعمار.
وقبل إبراز هذه الحقيقة من خلال استعراض دور القوى الكبرى في إيجاد
كيان اليهود ودعمه وتثبيته، تجدر بنا الإشارة إلى حقيقة أخرى مهمة، وهي أن
هناك قضاءاً إلهياً آخر يخص المسلمين في هذا الشأن، وهو أن الأصل فيهم أن
يكونوا أعزة، فكما ضربت الذلة على اليهود فقد كتبت العزة للمؤمنين، ونص
القرآن واضح في هذا. قال تعالى: [ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين]
[المنافقون: ٨] وقال: [كتب الله لأغلبن أنا ورسلي] [المجادلة: ٢١] والمقصود هنا الرسل وأتباعهم الناصرون لدينهم، كما قال - سبحانه -:
[ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز] [الحج: ٤٠] . فعزة المؤمنين ... والمسلمين هي الأصل، ولكن قد يعرض استثناء من الذلة إذا تخلفت موجبات العزة، وفي هذا يقول الرسول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعِينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم) [١] .
وقال عمر بن الخطاب ﵁ (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله
بالإسلام؛ فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله أذلنا الله) [٢] ، وصدق الفاروق،
فقد جرب العرب الاعتزاز بالقوميات والوطنيات وغيرها من الرايات، فما زادتهم
إلا ذلة وخبالاً.
ونعود إلى الكلام عن ذلة اليهود؛ فقد شاء الله - سبحانه - أن يشهد عصرنا
علواً آخر كبيراً لهم، والعلو بالباطل ليس عزة في الحقيقة بل هو بغي وطغيان
وتجبر، ومع ذلك فإن هذا العلو، لم يرتفع اليهود إليه إلا فوق رافعات من قويً
أخرى غير يهودية كان لها الأثر الأكبر في ظهورهم وفجورهم.
إن الوقائع المعاصرة تصدِّق هذه السُّنَّة الإلهية التي نطق بها القرآن بشأن
اليهود، كما تصدق في أحوال المسلمين. ولكن الذي يعنينا في هذا المقال هو حال
اليهود من حيث خروجهم من دائرة الذلة: كيف خرجوا؟ وبم خرجوا؟ وعلى يد
مَنْ خرجوا؟ إن الجواب على ذلك كفيل بأن يكشف لنا ملامح المصير الذي سيؤول
إليه صراعنا معهم، وقمين بأن يبين مزيداً من معالم سبيل المجرمين في الكيد لهذا
الدين.
فرنسا الاستعمارية، والتجربة الأولى:
سبقت فرنسا إنجلترا في الاهتمام بشأن اليهود، ولفتت أنظارهم إلى إمكانية
العودة إلى الأرض المقدسة في فلسطين قبل مئتي عام، في ظل بوادر ضعف
إسلامي متزايد؛ فقد أطلق نابليون بونابرت دعوته لليهود بالهجرة إلى فلسطين في
إبريل من عام ١٧٩٩م للميلاد، وعرض تعاون الحركة الاستعمارية الفرنسية معهم، لتمكينهم من السيطرة على أرض بيت المقدس؛ ولهذا فإنه بعد أن غزا مصر عمد
إلى غزو الشام، وخاض معارك كبيرة هناك، إلا أنها انتهت بهزيمته في عكا في
معركة أبي قير، مما أجهض مشروعه الإجرامي لتمكين اليهود في فلسطين في ذلك
الوقت المبكر الذي سبق ميلاد الحركة الصهيونية المعاصرة بنحو مئة عام؛ ولكن
فرنسا ظلت محتفظة بالتزامها بالتعاون مع اليهود بصور تظهر تارة وتختفي تارة،
وكان من أبرز صور التعاون معهم بعد إقامة دولتهم المشاركة في العدوان الثلاثي
على مصر عام ١٩٥٦م، والأظهر من ذلك تمكين دولة اليهود من تصنيع القنبلة
النووية بتعاون فرنسي إسرائيلي وثيق منذ نهاية الخمسينات.
بريطانيا تشد الحبال الأولى:
جدلت بريطانيا لليهود حبل الخروج، فكانت أول (حبل من الناس) لنصرتهم
وانتشالهم من ذلتهم في القرون الأخيرة، وقد استفادت من إخفاقات نابليون في
تحقيق هذا الغرض، وسارت في خطوات حثيثة وخبيثة لإنجاح المشروع الذي لم
تفلح فيه فرنسا. وقد تكلل هذا المسعى المشؤوم بالنجاح - بكل أسف - في نهاية
المطاف، ووُلدت دولة اليهود على يد القابلة البريطانية بعد نحو مئة عام أخرى من
موعد بدئه؛ فالمشروع الإنجليزي لتمكين اليهود في فلسطين بدأ عام ١٨٤٠م،
وأثمر قيام الدولة عام ١٩٤٨م؛ فكيف كان ذلك؟
لقد بدأت بريطانيا مشروعها بتصدير رجال دين نصارى لهذه المهمة؛ حيث
رأت أن رجال السياسة لن يصلحوا لمرحلة البداية التي تحتاج إلى تحفيز روحيٍّ
وعقديٍّ، ولهذا فإن أول من أذنت له بريطانيا ببذل مساعيه لإحياء المشاعر الدينية
عند اليهود بخصوص العودة لفلسطين هو القس (وليام هشلر) الذي تحرك في دول
أوروبا من أجل الإقناع بهذا الهدف.
وبينما كان القس يهيئ الأجواء لقبول المشروع البريطاني، كان الساسة
يرتبون للتحرك على محاور أخرى لاستثمار نتائج مساعيه أولاً بأول، وأصبحت
بريطانيا تنادي علناً بحماية حقوق الأقليات الدينية في العالم، ولم يكن يهمها في
الحقيقة من هذه الأقليات سوى الأقليات اليهودية لجمع شتاتها المبعثر في العالم،
وحشْره في بيت المقدس.
وعندما آتت هذه المساعي شيئاً من أكلها بانتعاش الأقلية اليهودية في فلسطين
انتقلت بريطانيا في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر إلى جلب يهود آخرين إلى
أرض فلسطين من خارجها، واستغلت خبرتها العريقة في اغتصاب الشعوب باسم
(الاستعمار) لتضعها تحت تصرف اليهود باسم (الاستيطان) ، أي تحويل أرض
الغير إلى وطن.
وقد أرادت بريطانيا بذلك المسعى أن تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي
من ناحية تحقق ذلك الهدف المشبوه من مشروع تمكين اليهود في بيت المقدس بعد
تيه قارب الألفي عام، ومن ناحية أخرى، تضع خنجراً في خاصرة العالم الإسلامي، لتكرس حالة الوهن التي وصل إليها بعد ضعف الدولة العثمانية، وذلك حتى لا
يقوم لهذا العالم كيان عالمي يحاول النهوض من جديد. وقد جعل وزير خارجية
بريطانيا (اللورد بالمرستون) مهمته الأولى هي السير قدماً في وضع السياسات
الكفيلة بتحقيق هذين الهدفين.
ولكن برامج (بالمرستون) ظلت مجمَّدة حتى انتهت الحرب العالمية الأولى
التي نتج عنها هزيمة الدولة العثمانية؛ حيث استغل الإنجليز نتائجها وسارعوا إلى
اغتنام فرصة الفراغ والبلبلة الناشئة عنها، ونادوا بضرورة فرض الحماية
البريطانية على فلسطين، ولم تكن هذه الخطوة إلا تطبيقاً لأفكار بالمرستون للإمعان
في تهيئة الأوضاع في فلسطين للتمكين لليهود فيها بالتنسيق مع فعاليات الحركة
الصهيونية العالمية التي كانت قد بلغت في ذلك الوقت مرحلة من النضج التنظيمي
الذي يؤهلها للقيام بدور فاعل في هذه التطورات المصيرية في المنطقة.
وهنا نقف وقفة مع (خيمة الذل) المضروبة على اليهود، فنتساءل: هل كان
بإمكان تنظيمات الحركة الصهيونية وحدها أن تقفز هذه القفزة، لولا (الحبل)
الإنجليزي، الذي أُلقي إليها لتتسلق عليه إلى الأرض المقدسة؟ !
لقد شهدت البدايات الأولى للقرن التاسع عشر تلاقياً ظاهراً بين أهداف الحركة
اليهودية العالمية وأهداف بريطانيا زعيمة العالم النصراني في ذلك الوقت؛ وكأن
أحقاد التاريخ كله قد اجتمعت على موعد لتصفية حسابات قرون مضت لليهود
والنصارى مع الإسلام في عقر داره.
لقد توَّجت بريطانيا هذا التلاقي بإصدار حكومتها وعداً رسمياً لليهود بإقامة
(وطن) - لا مستوطنات - ولم يكن هذا الوعد الصادر في نوفمبر عام ١٩١٧م
مجرد وعود تشجيعية، وإنما كان بمثابة حكم قضائي، سخرت لتطبيقه القوى
المتنفذة في ذلك الوقت، فوعد (بلفور) كان يعني بتعبير آخر، تعهد بريطانيا
بتحويل فلسطين إلى وطن لليهود، ولم يكن هذا التعهد قابلاً للتنفيذ عن بُعد، ولهذا
أقدمت بريطانيا على احتلال القدس بعد صدور الوعد بشهر واحد.
وهكذا، وبعد عشرين عاماً من اجتماع قادة الصهيونية في (بال) بسويسرا
فتحت لهم بريطانيا مصاريع أبواب فلسطين لكي يلج منها مشروعهم التآمري ضد
المسلمين، بل ضد البشرية جمعاء.
لقد سعى اليهود بعد ذلك من خلال منظماتهم النشطة سياسياً إلى تحويل وعد
بلفور إلى النطاق الدولي الواسع بدلاً من النطاق البريطاني الضيق، وذلك بعد أن
عرضت الحركة الصهيونية مشكلتها على مؤتمر السلام الدولي المنعقد في باريس -
١٩١٩م حيث أوجد هذا المؤتمر الأرضية المناسبة لقرار الحلفاء بوضع فلسطين
تحت الانتداب البريطاني، ومع تحول القضية إلى الصفة الدولية حرصت بريطانيا
على الاحتفاظ بدورها الخاص في إكمال مسعاها المشؤوم إلى نهايته؛ فإثر تسلمها
مهمة الانتداب عينت صهيونياً هو (هربرت صموئيل) مندوباً سامياً أول لبريطانيا
في فلسطين، وبوصفه يهودياً وبريطانياً فقد قام بما أُسند إليه بدقة وإخلاص، ولم
يضيِّع فرصة يمكن أن يستفيد منها اليهود.
كانت فترة الانتداب (١٩١٧- ١٩٤٧م) كافية لتوفير المعطيات اللازمة وإعطاء
المسوغات الكافية للإعلان عن بلوغ الحركة اليهودية مرحلة التأهل الكامل لإعلان
الدولة، فعبر سياسات اغتصاب الأراضي وطرد أهلها أو التحايل لشراء الأراضي
منهم أو سن القوانين لنزع ملكيتها، تم تدبير العنصر الأول من عناصر الدولة وهو
(الأرض) .
وعن طريق تدبير الهجرة لليهود والتهجير للعرب، تم طبخ العنصر الثاني
من عناصر الدولة وهو (الشعب) ، وأصبحت أرض فلسطين مهيأة لتطبيق العنصر
الثالث من مقومات الدولة وهو (السيادة) وهو ما تم بإعلان الدولة فعلياً عام ١٩٤٨م، بعد ثلاثين عاماً من العمل المتواصل والمتكامل بين يهود العالم ونصارى بريطانيا
تحت مظلة الانتداب الدولية.
وبميلاد دولة اليهود بدأت الإمبراطورية البريطانية في العالم تنحسر، وكأن
عمرها قد مُد فيه لتكون محلاًّ لسخط الله والناس بإنجاز هذا المشروع المعادي
للإنسانية (إسرائيل) . فقد أنهت وجودها في القارة الهندية في العام نفسه، ثم سحبت
جيوشها بعد ذلك من البلاد العربية التي كانت تحتلها.
لقد سلَّمت بريطانيا الشجرة الصغيرة التي زرعتها إلى من يرعاها وينميها
حتى تستوي على عودها، وتزاول مهمة إنتاج الثمرات الخبيثة.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الحاضنة الجديدة، حيث رعت دولة
اليهود وثبتتها في مراحلها المختلفة حتى بلغت الرشد، وشبت عن الطوق، بل
وخرجت عن السيطرة، ولهذا فقد كانت (الحبل) الثاني من حبال الناس التي خرج
بها اليهود من الذلة إلى حين.
ولكن الحبل الأمريكي كان أشد وثاقاً، وأحكم صنعة، حتى إنه جرَّ اليهود
جراً إلى مقدمة قوى الطغيان الدولي؛ ولكن قبل أن نبدأ في تفصيل ذلك لا بد من
وقفة مع (الأداة) التي استعان بها البريطان ومن بعدهم الأمريكان في بناء الحصون
التي احتمى بها اليهود طيلة سنوات الصراع الماضية، إنها (الأمم المتحدة) فإلى
جانب وضع الولايات المتحدة كل إمكاناتها تحت خدمة العلو اليهودي، فقد استغلت
الأممَ المتحدةَ المنظمة الدولية في القيام بدور آخر، لم تستطع الولايات المتحدة
نفسها، ولا بريطانيا القيام به، وهو دور إسباغ (الشرعية الدولية) على الوجود
والسيطرة اليهودية في بلاد المسلمين، ولهذا فلا بد لنا من وقفات مع هذا الدور
الذي قامت به وتقوم به تلك المنظمة في تمكين اليهود في منطقتنا الإسلامية؛ بحيث
أصبحت هي الأخرى حبلاً آخر مساعداً للخروج اليهودي الاستثنائي من خيمة الذل
الأبدي، وإن بدا للناس خلاف ذلك.
الأمم المتحدة.. وإرادة الكبار:
لا توجد إرادة مستقلة باسم (الأمم المتحدة) ولكن هذه المنظمة الدولية منذ
نشأت لا تعكس إلا إرادة القوى العالمية المتنفذة في تحديد العلاقات الدولية، وإن
كان لها سلطة فإنها موجهة من تلك القوى وليست نابعة من نظمها أو ميثاقها، ولذلك
فإنه فيما يتعلق بقضية فلسطين جرى فرض إرادة الدول الكبرى على معالجة الأمم
المتحدة لها، ولم تكن هذه المعالجة سوى تثبيت للخطط المسبقة والمتفق عليها من
تلك الدول؛ فقبل أن يتم إعلان قيام دولة اليهود مهدت الأمم المتحدة لقيامها بصدور
قرار الجمعية العامة التابعة لها في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م برقم ١٨١، وهو القرار
الذي أوصى بتقسيم فلسطين بين اليهود وعرب فلسطين بنسبة ٥١% إلى ٤٩%.
ولم يضيِّع اليهود الفرصة، فراحوا يتسابقون لاستكمال اللمسات الأخيرة للدولة التي
قررتها لهم (الشرعية الدولية) في الأرض التي اغتصبوها بالاحتيال والإرهاب.
وقرار التقسيم هذا هو الذي رفضته الدول العربية وقت صدوره، وهو نفسه
الذي يمثل الآن أقصى ما يحلمون بتحقيقه لإعلان الدولة الفلسطينية بعد أن اجتاح
اليهود في حروب تالية بقية فلسطين التي تسمى حتى الآن (الأراضي المحتلة) !
وقد أعلنت الأمم المتحدة قبول دولة (إسرائيل) عضواً فيها بعد عام من
إعلان ميثاقها، ولم يكن هناك بالطبع وجود لدولة أخرى على الشطر الثاني من
فلسطين، فتعاملت الأمم المتحدة مع قضية الشعب الفلسطيني على أنها مجرد قضية
(لاجئين) واكتفت بتشكيل وكالة إغاثة دولية لهم، وظلت القضية تعامل داخل أروقة
الأمم المتحدة على هذا الأساس مدة عشرين عاماً في ظل إصرار إسرائيلي على عدم
عودة أي لاجئ إلى أرضه، وظل الأمر على ذلك حتى حدثت حرب (النكسة)
١٩٦٧م، فأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة [٣] عدة قرارات تؤكد فيها حق
الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ومن ذلك ما صدر في ١٠-١٢-١٩٦٩م،
حيث وصف القرار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بأنه غير قابل
للتصرف.
وعندما أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين في نوفمبر ١٩٨٨ م ... مستثمراً نتائج انتفاضة الحجارة، اعترفت الجمعية العامة بهذا القرار، ولكن
مجلس الأمن الذي يفترض أنه جهة تنفيذية ظل متعاجزاً عن اتخاذ أي موقف عملي
لتنفيذ قراراته فضلاً عن قرارات الجمعية العامة بما في ذلك القرار ٢٤٢ الداعي
إلى انسحاب (إسرائيل) من الأراضي التي احتلتها في عام ١٩٦٧م، واكتفى هذا
المجلس بإصدار قرارات الإدانة والشجب لممارسات الدولة اليهودية المتصادمة مع
القرارات والمواثيق الدولية، تلك القرارات التي اتخذ الكيان اليهودي منها موقفاً
واحداً لا يتغير ولا يتبدل وهو: التعالي والازدراء، أو على الأقل التجاهل وعدم
المبالاة؛ ففي تحدٍّ ظاهر تجاهلت (إسرائيل) نحو خمسة وأربعين قراراً دولياً
بالإدانة أو الشجب أو الاستنكار، بين أعوام ١٩٥٣م إلى ١٩٩٥م، واستخفت
وسخرت من نحو خمسة وثلاثين مطلباً دولياً ومناشدة في تلك المدة.
وسأضرب مثالاً بقضية واحدة ضمن قضايا عديدة صدرت بشأنها القرارات
الدولية وهي قضية القدس؛ فقد صدرت بشأنها قرارات متعددة لم تنفذ (إسرائيل)
واحداً منها؛ ففي عام ١٩٥٨م صدر القرار (١٢٧) يطالب (إسرائيل) بأن توقف
فوراً اعتبار القدس منطقة نفوذ إسرائيلية، ولكنها لم تذعن، وفي عام ١٩٦٨م
صدر القرار ٢٥٠ يدعوها إلى عدم إقامة عروض عسكرية فيها، فلم ترعوِ،
وصدر بعد ذلك مباشرة قرار بالإدانة لرفضها الإذعان فلم تأبه به، وفي القرار
٢٥٢- ١٩٦٨م، طالبت المنظمة الدولية (إسرائيل) بالعدول عن قرار اتخاذ
القدس عاصمة موحدة لها، فرفضت القرار، ثم صدر القرار ٢٦٧ لعام ١٩٦٩م
يطالبها بإيقاف عمليات تغيير معالم القدس، فلم تُلق دولة اليهود له بالاً، ثم أتبعته
المنظمة الدولية بقرار آخر برقم (٢٧١- ١٩٦٩م) يدين عدم الإذعان، ويكرر
المطالبة بإيقاف تهويد القدس، ولكنها لم تلتفت إليه أيضاً، وبعد ذلك بعامين صدر
القرار (٢٩٨- ١٩٧١م) يكرر الإدانة والمطالبة بشأن قضية القدس، ولكنه لحق بما
سبق من التجاهل الذي استمر طيلة عقد السبعينيات وجاء عقد الثمانينيات، فصدر
القرار (٤٧٦-١٩٨٠م) مطالباً حكومة اليهود بإلغاء خطواتها المتخذة بشأن تهويد
القدس بعد أن اعتبرتها الأمم المتحدة لاغية، ولكن أحداً من المسؤولين الإسرائيليين
لم يُصْغِ لهذا القرار، بل ردت عليه (إسرائيل) بأن أعلنت في قانونها الأساس أن
القدس عاصمة موحدة وأبدية لدولة (إسرائيل) مما جعل الأمم المتحدة تصدر قراراً
آخر هو القرار (٤٧٨) لعام ١٩٨٠م، تستنكر فيه بشدة عناد (إسرائيل) في تنفيذ
القرارات الدولية السابقة كلها!
وتتكرر القضية طيلة عقد الثمانينيات والتسعينيات، بشكل يصور المنظمة
العالمية بصورة هزلية وهزيلة؛ إذ إنها تطالب العالم كله باحترام (الشرعية الدولية)
والخضوع لقراراتها، وتسارع لفرض ذلك.
العقوبات وضرب الحصار، وحشد القوى الدولية ضد كل من يخرج عن
شرعيتها، باستثناء دولة واحدة، لم يصدر بشأنها إجراء عملي واحد لردعها هي
دولة (إسرائيل) ، ويحدث هذا كله تحت سمع وبصر الدول الكبرى التي ما كان
لدولة اليهود أن تتصرف على هذا النحو إلا بإغماض منها في الظاهر وتشجيع في
الباطن.
ولهذا كله؛ فإن من البلاهة والبلادة، بل من الحمق والغباء أن يُظن أن الذين
صنعوا لليهود دولة في عقر ديارنا، ومكنوهم من التفوق على مجموع قوتنا
وجيوشنا يمكن لهم في يوم من الأيام أن يقفوا معنا ضدهم أو يمكنونا من صدهم أو
إضعافهم، هيهات هيهات؛ فالله - تعالى - يقول: [والذين كفروا بعضهم أولياء
بعض] [الأنفال: ٧٣] ، والعجيب أن كثيراً من العرب يتصورون أنه لا حل
للأزمة مع اليهود إلا بكسب صداقة (أصدقاء اليهود) والمراهنة على (الضغوط)
التي تمارسها ضدهم الدول الكبرى والمنظمات الدولية، وهذا وهم آخر، فالله -
تعالى - يقول: [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم
أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين
في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي
بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين]
[المائدة: ٥١، ٥٢] .
فاللهم ائت بالفتح أو أمرٍ من عندك ... حتى تمكن للمؤمنين وتوهن كيد
الكافرين.. آمين.
стр. 3292
ملفات
القضية الفلسطينية.. مآس متجددة
اللاجئون بين العودة والتوطين
د. يوسف الصغير
لا شك أن عملية زرع دولة لليهود في فلسطين كانت معدَّة ومرتبة بإتقان؛ فقد
تتابعت الأحداث من وعد بلفور إلى فرض الانتداب الإنجليزي على فلسطين الذي
كان هدفه تهيئة الأوضاع لقيام وطن لليهود؛ ولهذا فقد صرح وزير المستعمرات
البريطاني عام ١٩٢١م، (ونستون تشرشل) وهو من الصهاينة غير اليهود: أنه
إذا صار اليهود أغلبية في البلاد في غضون عدة أعوام فمن الطبيعي أن يتسلموا
الحكم فيها، ومع ذلك فإنه في عام ١٩٤٧م كان اليهود يؤلفون أقل من ثلث عدد
السكان و ٩٠% منهم من المهاجرين ولم يكتسب الجنسية الفلسطينية إلا ثلث هؤلاء
المهاجرين.
وكان الضغط الأمريكي على أعضاء هيئة الأمم المتحدة عاملاً حاسماً في
تمرير قرار التقسيم عام ١٩٤٧م الذي أعطى اليهود غالبية المناطق الخصبة
والمنتجة، ولم يحدث في مكان آخر غير فلسطين أن يسمح لمهاجرين أجانب أن
يدمروا السلامة الإقليمية للبلاد التي وفدوا إليها لكي يعيشوا فيها. ومن الملاحظ أن
قرار التقسيم أقام دولة لليهود في أراضي أغلب سكانها من العرب؛ فقد كانت دولة
اليهود المقترحة تضم سكاناً مجموع عددهم في ذلك الوقت ١. ٨٨٠٠٠٠ منهم
٥٠٩. ٧٨٠ من العرب؛ و ٤٩٩. ٠٢٠ من اليهود.
وقد خصص التقسيم أحسن أراضي فلسطين وأكثرها خصوبة للدولة اليهودية
٥٦% من أراضي فلسطين، وقد ارتفعت النسبة إلى أكثر من ٧٠% بعد حرب
١٩٤٨م مما ضاعف مشكلة التوازن السكاني بين الفلسطينيين واليهود. وقد اعتمد
اليهود في حل هذه المشكلة على أسلوبين:
الأول: تصفية الوجود الفلسطيني:
يقول الوسيط الدولي الكونت برنادوت في تقريره المنشور قبل اغتياله من قِبَلِ
اليهود: إن نزوح عرب فلسطين جاء نتيجة للرعب الذي خلقه القتال الدائر في
مجمعاتهم، وللشائعات المتعلقة بأعمال الإرهاب الحقيقية أو المزعومة أو بفعل
الطرد (وإن كل السكان العرب تقريباً هربوا أو طردوا من المنطقة الواقعة تحت
الاحتلال اليهودي) [١] .
وقد استعمل اليهود أساليب متعددة لطرد الفلسطينيين منها:
١- الإرهاب: مثل نسف المنازل، وإلقاء المتفجرات على تجمعات الناس،
وتدمير القرى، والمجازر المخطط لها مثل مجزرة دير ياسين التي نفذتها منظمة
أرجون بقيادة مناحيم بيجن الذي تبجح في أحد كتبه بقوله: (ما كانت إسرائيل لتقوم
لولا النصر العسكري في دير ياسين) [٢] .
٢- الطرد: لقد تم طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم بالقوة وسيقوا إلى
الدول العربية؛ كما حدث لأهالي مدن حيفا وطبريا واللد والرملة ويافا وعكا وسكان
بئر السبع والجليل وغيرها.
٣- الحرب النفسية: لقد شن اليهود حرباً عسكرية نفسية ضد الفلسطينيين
وصفها الدكتور جون ديفيز الذي شغل منصب المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة
لغوث اللاجئين وتشغيلهم مدة خمس سنوات بقوله: (إن مقدار الوحشية التي
استخدمها الإسرائيليون في طرد أهل فلسطين باعتبارها جزءاً من خطة مدبرة
متعمدة هو أمر لم يقدر حق قدره، وإن فكرة الصهيونية لإنشاء الدولة اليهودية قد
دعت إلى طرد السكان العرب الأصليين من ديارهم. ثم وصف الأسلوب بقوله: ...
(إنه تفاوت بين حرب نفسية دبرها خبراء وبين طرد بالقسوة وبلا رحمة) .
وقد عمدتْ إدارة القسم العربي الخاص في الهاجاناه إلى إرسال يهود يتكلمون
العربية ويرتدون الزي العربي لنشر الإشاعات. وقد استعمل اليهود سيارات جيب
مزودة بمكبرات الصوت تدور في مناطق الفلسطينيين وتبث تسجيلات الرعب،
وتضمنت التسجيلات الصراخ والعويل للنساء العربيات وللأطفال وزعيق صفارات
الإنذار، وكان يقاطعها صوت بالعربية ينادي: (يا جميع المؤمنين أنقذوا أرواحكم
وانجوا بحياتكم؛ اليهود يستعملون الغاز السام والأسلحة الذرية! أسرعوا إلى الفرار
ناجين بأنفسكم) لقد كانت هذه الدعايات والوسائل الساذجة تؤثر كثيراً على البسطاء
من أهل القرى مع دعاية أخرى توحي لهم بأن الهجرة مؤقتة وأنهم سيعودون مع
الجيوش العربية القادمة لإبادة اليهود؛ ولهذا فكثير منهم خرجوا وهم يحملون مفاتيح
منازلهم وما زال كثير منهم يحتفظ بها بعد أكثر من خمسين عاماً.
ونتيجة لسياسة التفريغ السابقة فقد هجرت مئات القرى وكثير من المدن وبدأ
اليهود تنفيذ خطة لمصادرة هذه الأملاك وإعطائها لليهود ويعلق دافيد بن جوريون
في مذكراته بتاريخ ٥-٦-١٩٤٨م بقوله: (يجب أن نعد العدة فوراً لاستيطان
القرى الفلسطينية المهجورة بمعونة الصندوق القومي اليهودي) . [٣] ...
ومن أجل تنفيذ هذه الخطة تم إصدار القوانين التي منها:
١ - قانون أملاك الغائبين لعام ١٩٥٠م وقد صدر هذا القانون لتوضع أملاك
العرب تحت الحراسة ويحق للحارس بيع هذه الأملاك لقاء ثمن تحدده السلطات
الرسمية.
٢ - قانون استملاك الأراضي لعام ١٩٥٢م وهو يعطي السلطات حق
مصادرة الأراضي العربية بحجة استخدامها في أغراض التعمير والتنمية أو لأسباب
أمنية.
٣ - قانون التصرف العام ١٩٥٣م وهو يشترط على صاحب الملك أن
يتصرف بأملاكه تصرفاً فعلياً بشخصه هو مباشرة؛ والمقصود طبعاً إبطال حقوق
الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم. ولوزير المالية وفق هذا القانون وضع اليد
على هذه الأملاك والتصرف فيها.
٤ - قانون تقادم العهد ١٩٥٧م؛ ونص هذا القانون بأن المالك لأرضه لا
يحق له الاحتفاظ بها إلا إذا قدم إثباتات تؤكد تصرفه بها طيلة ٢٥ عاماً وإلا
أصبحت ملكاً لدولة (إسرائيل) . والمقصود بالطبع إسقاط حقوق المطرودين؛ إذ
كيف يتصرف في أرضه وهو ممنوع من العودة إليها؟
لقد بلغ عدد اللاجئين في ذلك الوقت ما بين ٦٠٠ و ٧٠٠ ألف، منهم ١٢٠
ألف بقي في فلسطين ولكن بدون أراضي أو أملاك، وصنفوا من قِبَل الأمم المتحدة
على أنهم لاجئون. أما البقية فقد وزعوا على عدة دول عربية، وبعضهم انتقل إلى
أطراف بعيدة وقد انضم إلى اللاجئين آلاف مؤلفة أخرى بعد حرب ١٩٦٧م.
وعلى الجانب الآخر عمل اليهود بعد قيام دولتهم على تشجيع اليهود على
القدوم، وفي مقابل القوانين السابقة في حق الفلسطينيين فقد سن اليهود قانون العودة
الذي ينص على أن لكل يهودي الحق في المجيء إلى هذه الدولة، وأضيف قانون
ينص على أن لكل يهودي الحق في الجنسية الإسرائيلية حتى لو لم يتخل عن
جنسيته الأصلية.
واتسمت الهجرة بعد قيام الكيان الصهيوني بارتفاع كبير نتيجة نقل يهود الدول
العربية. فمثلاً بلغت أعداد المهاجرين من ١٩٤٨م إلى ١٩٥٢م كما يلي:
- ١٩٤٨م: ١٠١. ٨٣٧
- ١٩٤٩م: ٢٣٩. ٩٥٤
- ١٩٥٠م: ١٦٩. ٧٢٠
- ١٩٥١م: ١٧٤. ٠١٤
- ١٩٥٢م: ١٣. ٥٠٠
واستمر على هذا المعدل المنخفض حتى عام ١٩٥٥م ليرتفع من جديد نتيجة
أحداث الجزائر والمجر، ثم عاد للانخفاض.
لقد نص قرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ لعام ١٩٤٨م في إحدى فقراته: (تقر
الأمم المتحدة وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في
العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات
الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود، أو مصاب وفقاً لمبادئ
القانون والإنصاف وأن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قِبَلِ الحكومات أو
السلطات المسؤولة) .
يتلخص القرار في حق العودة لمن يشاء والتعويض لمن تتعذر عودته، وقد
حاولت الولايات المتحدة في دورة خريف عام ١٩٩٣م حذف هذه الفقرة من صلب
القرار.
لقد كان من الواضح أن أكبر عقبة في تصفية القضية الفلسطينية هو هذا العدد
الكبير من اللاجئين؛ فقد عملت الولايات المتحدة منذ البداية على تصفية هذه
المشكلة، وقد قال الرئيس الأمريكي ترومان في خطاب ألقاه عام ١٩٥١م: (ما لم
يجد هذا العدد الضخم من المشردين بيوتاً جديدة وفرصاً اقتصادية فإنهم سيؤلفون قوة
في استطاعتها أن تصبح هدامة في هذه البقعة من العالم ذات الأهمية الحيوية لنا) .
وقد سارعت الأمم المتحدة بدلاً من الإصرار على عودة اللاجئين إلى إنشاء
وكالة تسمى وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بتاريخ
٨-١٢- ١٩٤٨م.
وحددت أعمالها بما يلي:
١ - إطعام المشردين وإغاثتهم.
٢ - إيجاد المشاريع الزراعية والصناعية المختلفة لتوطين اللاجئين في البلاد
العربية، وإقامة مشاريع في سوريا ولبنان والأردن، وقد أخفق المشروع بسبب
مقاومة اللاجئين لهذه المشروعات؛ لأنهم يعرفون أن معناها تصفية قضيتهم وإقفال
أمل العودة نهائياً.
وتقوم الوكالة بتسهيل هجرة الشباب الفلسطيني إلى الولايات المتحدة وكندا
وأوروبا واستراليا وتهيئة فرص العمل لهم بشرط أن يتنازلوا عن جنسيتهم
الفلسطينية، وما تزال الولايات المتحدة تقوم بدفع نصف تكاليف الأونروا.
والآن وبعد حوالي ٥٠ عاماً على أول طرد جماعي للفلسطينيين فما هي
خريطة توزيع اللاجئين؟ وما هي الحلول المطروحة؟
لقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين حوالي خمسة ملايين نسمة. ويتوقع أن
يصل العدد إلى ثمانية ملايين عام ٢٠٠٥م، ويتوزع اللاجئون الفلسطينيون بصورة
تقريبية على البلدان الآتية [٤] :
البلد ... عدد اللاجئين المسجلين لدى الأونروا [٥] المجموع الكلي
------------------------------------------------
الأردن ... ... ١.٤٣٧.٠٠٠ ... ... ... ٢.٣٣٠.٠٠٠
سورية ... ... ٣٦١.٠٠٠ ... ... ... ... ٤٤٥.٠٠٠ ... ... ...
لبنان ... ... ... ٣٦٢.٠٠٠ ... ... ... ... ٨٠٨.٠٠٠
الضفة الغربية ... ٥٥٠.٠٠٠ ... ... ... ... -------
قطاع غزة ... ... ٧٦٠.٠٠٠ ... ... ... ... -------
مصر ... ... ... ----- ... ... ... ... ٤٠. ٥٠٠
دول الخليج ... ... ----- ... ... ... ... ٤١٥.٠٠٠
ليبيا ... ... ... ----- ... ... ... ... ٧٥.٠٠٠
العراق ... ... ... ----- ... ... ... ... ٧٥.٠٠٠
شمال وجنوب أمريكا ----- ... ... ... ... ٤٠٠.٠٠٠
دول متفرقة ... ... ----- ... ... ... ٢٢٠.٠٠٠
فلسطين المحتلة ١٩٤٨ ----- ... ٢٠٠-٣٠٠ ألف لاجئ
إن قضية العودة مطلب رئيس للاجئين تحملوا في سبيله البقاء في مخيمات
تنعدم فيها الخدمات وتقل فيها فرص العمل؛ ويعيشون على فتات الأونروا التي
تتعرض لمحاولات جادة لإلغائها ونقل مسؤولية خدماتها إلى الدول العربية المضيفة.
والذي لا شك فيه أن العودة لن تحصل إلا بتصفية الوجود اليهودي في
فلسطين، ولن يعودوا إلا برفقة الجيوش الإسلامية المنصورة، وليس هذا على الله
بعزيز. ولا ننسى في هذا المجال التذكير بحديث الرسول ﷺ
حول قتال اليهود: (حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي
خلفي تعالَ فاقتله) [٦] .
إن الإحداث والتحركات الحالية تصب في حل قضية اللاجئين بعدة طرق
يمكن تطبيقها مجتمعة ومنها:
أولاً: السماح بعودة عدد محدود جداً إلى فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م،
وستكون عودتهم إلى مناطق تجمع وليس إلى المناطق التي أُخرجوا منها، وقد
تراجع العدد الذي صرح اليهود بإمكانية عودتهم من ١٠٠ ألف عام ١٩٤٨م إلى
بضعة آلاف في الوقت الحاضر، وعندما تثمن الإدارة الأمريكية موافقة (إسرائيل)
على لمِّ شمْل عدد محدود من اللاجئين مع حرصها على إلغاء حق العودة أو
التعويض في قرار ١٩٤؛ فإنه يتبين أن حل المشكلة سيكون أساساً على حساب
الدول العربية، وستكون مشاركة دولة اليهود رمزية.
٢ - توطين جزء من الفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي خاصة الضفة
الغربية؛ حيث إن هناك أفكاراً في نقل بعض سكان غزة إلى الضفة لتخفيف الكثافة
السكانية العالية جداً في غزة، وتقدر مصادر أمريكية إمكانية توطين حوالي ٧٥٠
ألف لاجئ أغلبهم من لبنان والأردن في مناطق السلطة.
٣ - تسوية أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الذين لم يحصلوا على الجنسية
الأردنية وذلك إما بالعودة إلى الضفة أو تجنيسهم، وهناك مفاوضات جادة في هذا
المجال ويبدو أن أكبر عائق هو الاتفاق على الثمن النقدي لهذا الإجراء؛ حيث
يشاع أن الأردن يطالب بمبلغ معين مقابل كل لاجئ يتم تجنيسه. وقد بدأ طرح
عطاءات الأعمال الاستشارية لمشروع كلفته ٩٨٠ مليون دولار لتحسين الخدمات
ورفع مستوى المعيشة في المخيمات.
٤ - تنشط المشاورات السياسية مع سوريا في الوقت الحاضر من أجل تطبيع
العلاقات مع اليهود وحل مشكلة اللاجئين. ولفرنسا دور كبير في هذا المجال
لعلاقاتها المتميزة مع كل من سوريا ولبنان، وتشير مصادر أمريكية إلى إمكانية
تجنيس الفلسطينيين المقيمين في سوريا بصورة جماعية.
٥ - تفترض الإدارة الأمريكية أن على دول الخليج ومصر والعراق ودول
المغرب العربي إعطاء حق المواطنة للفلسطينيين المقيمين فيها والذين يقدر عددهم
بحوالي ٩٦٥ ألف نسمة.
٦ - تقوم الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بتوطين ٩٠٠ ألف فلسطيني.
٧ - تبقى قضية الفلسطينيين في لبنان حساسة جداً؛ حيث إنه في البداية في
عام ١٩٤٨م، تم التعامل معهم بحذر؛ حيث تم تجنيس عدد كبير من النصارى،
أما الأكثرية وهم السُّنَّة فقد تم توزيعهم على مختلف الأراضي اللبنانية مع عدم
السماح لهم بالإقامة قرب الحدود.
وفي استطلاعات حديثة تبين أن عموم الفلسطينيين في المخيمات يعارضون
التوطين ويقاومونه، ولتصفية هذه المعارضة فقد بدأت السلطة الفلسطينية بالتنسيق
مع (إسرائيل) بإحياء دور فتح في المخيمات؛ حيث بدأت في تجنيد المسلحين
وفتح المكاتب تمهيداً لتصفية أي معارضة للحل النهائي؛ ويتوقع قيام حرب
فلسطينية فلسطينية جدية داخل المخيمات لإسدال الستار نهائياً على قضية اللاجئين
في لبنان. إن الموقف من التوطين حساس لخصوصية لبنان بغض النظر عن
الموقف من السلام مع (إسرائيل) وهذا الموقف يتلخص في الآتي:
- النصارى يعارضون التوطين بشدة؛ لأنه يخل بالتوازن على حسابهم؛
ولهذا فقد صرح الرئيس الهراوي لوفد كنديٍّ ناقش معه قضية التوطين أن من يريد
الفلسطينيين فليأخذهم، وأن هناك ملايين من المهاجرين من أصل لبناني في
البرازيل أحق بالجنسية. ويطرح في لبنان تجنيس الفلسطينيين مع تجنيس
المهاجرين الذين يغلب فيهم النصارى، وذلك لحفظ التوازن.
- يرحب السنة عموماً بتجنيس الفلسطينين؛ لأنه يمثل سنداً لهم في التوزيع
الطائفي.
- يعارض الشيعة التوطين؛ لأنه يخل بالتوازن مع السنة داخل المجتمع غير
النصراني.
- لا يهتم الدروز بالتوطين بشرط أن يكون بعيداً عن مناطقهم.
وأخيراً: عندما تحل مشكلة العودة بتذويب اللاجئين يبقى موضوع
التعويضات والأملاك الفلسطينية التي سيحرص اليهود على ابتلاعها وطي صفحتها، وقد حرصت (إسرائيل) عن طريق أمريكا على إلغاء بنود العودة والتعويضات ...
من القرار ١٩٤، ولما أخفقوا بدأ الكلام عن حق عودة اليهود الذين خرجوا من
الدول العربية وحقهم بالتعويض؛ حيث إن القرار ١٩٤ وأوسلو أيضاً ينصان على
عودة اللاجئين ولكن لم يذكر قط لفظ اللاجئين الفلسطينيين وبذلك فهو يشمل اليهود
أيضاً، ولا يستبعد أن يحصل اليهود على تعويضات كبيرة عن أملاكهم في العراق
واليمن ومصر وليبيا؛ وقد صرح أحد السياسيين اليهود أن على الدول العربية أن
تقوم بتوطين الفلسطينيين ونقوم نحن بتوطين اليهود.
وتحاول (إسرائيل) في الوقت الحاضر إلغاء مرجعية قرارات الأمم المتحدة
والتي تنص على عودة اللاجئين وحق العودة أو التعويض وانسحاب (إسرائيل) من
أراضي عربية محتلة والتأكيد على أن المرجعية هي التراضي والتفاوض بدون
شروط، وأنَّ ما وقَّع عليه رابين لا يلزم نتنياهو، وما وقَّع عليه الجميع لا يناسب
باراك، وبكلمة أخرى: (إن كلام الليل يمحوه النهار) فمتى يعي مدمنو الحلول
السلمية وسياسة التنازل خطوة خطوة أنه سيأتي اليوم الذي لا يجدون فيه شيئاً
يتنازلون عنه؟ ! يومها سيتبين لهم قيمتهم الحقيقية عند أبناء عمهم.
стр. 3293
ملفات
القضية الفلسطينية.. مآس متجددة
أخطبوط الاستيطان الصهيوني في فلسطين
باسل يوسف النيرب
بدأت عملية الاستيطان اليهودي منذ أواخر القرن التاسع عشر للميلاد من
خلال خطوات مدروسة، ولم تخلُ التسويغات الاستيطانية الصهيونية من العنصر
الديني؛ فقد استوطن اليهود المدن الفلسطينية القديمة (صفد، طبريا، الخليل،
القدس) وخلال هذه الفترة نشأ العديد من المستوطنات في القرى الزراعية المحاذية
للقرى الفلسطينية دون أن تثير أي مشاكل لدى الفلسطينيين، وإثر وضوح النوايا
في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن - ببروز دعم الانتداب والدول الأوروبية
لمشروع الاستيطان، وظهور عمل العصابات الصهيونية على استملاك الأراضي
بالشراء من بعض الإقطاعيين المستملكين أراضي من فلسطين وضحت أبعاد
المسألة، ومع ذلك لم تتجاوز النسبة ٦. ٥% من مجموع مساحة فلسطين، مما
جعل الفلسطينيين يأخذون حذرهم من الخطر الصهيوني.
الدور الأوروبي:
تتحمل الدول الأوروبية الدور الأكبر في منح فلسطين لليهود؛ فبريطانيا
منحتهم وعد بلفور المشؤوم ١٩١٧م مدعية أن تلك الأرض لا سكان فيها، وكانت
قبل ذلك في عام ١٨٧١م قد سهلت قيام فرع منظمة الأليانس العالمية - الاتحاد
الإسرائيلي العالمي - لمساعدة (المضطهدين) اليهود والمشاركة بشكل رسمي
لإنشاء الدولة العبرية.
عمد رئيس وزراء بريطانيا آنذاك (بالمرستون) ، إلى الطلب من سفيره في
إسطانبول أن يحاول إقناع السلطان العثماني بفتح أبواب الهجرة إلى فلسطين، وبعد
مؤتمر بال ١٨٩٧م، أقيم العديد من الجمعيات الاستيطانية ومنها صندوق الائتمان
اليهودي للاستعمار، وشركة أنجلو فلسطين المحدودة، وشركة أنجلو ليفتين
المصرفية المحدودة، والصندوق الثقافي اليهودي، وشركة المكابي للأراضي
المحدودة.
كما ساعدت بريطانيا على بناء العديد من المستوطنات بخلفية الشعور الديني
القائم على المذهب البروتستانتي؛ فالمذهب البروتستانتي يرى في قيام (إسرائيل)
علامة على قرب عودة المسيح المنتظر، مما دفع أتباع هذا المذهب للمساعدة على
قيام (إسرائيل) .
ولم تختلف مساعي فرنسا ومشاعرها كثيراً عن بريطانيا؛ ونجد هذا واضحاً
في النداء الذي أرسله نابليون إلى اليهود أثناء حصار عكا قائلاً: (يا ورثة فلسطين
الشرعيين ندعوكم للمساهمة في السيطرة على بلادكم من أجل بناء أمتكم، وحتى
تصبحوا أسياد فلسطين الشرعيين) كما أن مؤسسة الإليانس كانت نشأتها الأولى في
فرنسا عام ١٨٦٠م.
وتُعَدُّ ألمانيا هي صاحبة الدور الأبرز في بناء المستوطنات، وصاحبة فكرة
مستوطنات الهيكل وصاحبها فوتمبرج WUTTEMBERG، وأعلنت ألمانيا
موقفها من لجنة التحقيق لعام ١٩٣٧م، بأنها ليست مع قيام دولة يهودية تحت
الانتداب البريطاني؛ لأنها لا تستطيع استيعاب جميع يهود العالم؛ ولكنها توافق
على أن تكون فلسطين قاعدة قانونية لدولة اليهود.
وتذكر الوثائق التاريخية أن أول قطعة أرض امتلكها اليهود في فلسطين كانت
في عهد السلطان عبد المجيد (١٨٣٩ ١٨٦١م) عام ١٨٥٤م، وهي التي أقيم عليها
حي مونتفيوري، وكان قد اشتراها موسى مونتفيوري الذي شجع فكرة الاستيطان
ونشر التعليم الزراعي بين يهود فلسطين.
مراحل الاستيطان:
مرت العمليات الاستيطانية بأربع مراحل:
المرحلة الأولى: كانت في العهد العثماني؛ حيث قامت الحركة الصهيونية
بزرع عدد من المستوطنات فكانت كالجزر المعزولة وسط المناطق العربية،
وأصبحت فيما بعد نقاط ارتكاز، فبعد أن كان عدد اليهود عام ١٨٨٢م ٢٤ ألف
يهودي قفز في عام ١٩١٧م إلى أكثر من ٨٥ ألف يهودي، وبلغ عدد المستوطنات
عام ١٨٨٤م خمس مستوطنات في كل منها ١٠٠ مستوطن، أقيمت ثلاث منها في
جوار يافا، وواحدة في الحولة وأخرى في حيفا، وارتفع عدد المستوطنات عام
١٩٠٠م إلى ٢٢ مستوطنة ضمت ٥٤١٠ من المستوطنين، ومعظم هذه
المستوطنات في السهل الساحلي حيث بلغ عددها فيه ١٢ مستوطنة، وفي الجليل ٧، وفي القدس اثنتين، وواحدةً في الغور.
بلغ عدد المستوطنات وفي عام ١٩١٤م ٤٧ مستوطنة: منها: ٢٦ مستوطنة
في السهل الساحلي، و١٢ في الجليل، ومستوطنتان في القدس، وواحدة في كل
من الغور ومرج بني عامر، وبلغ عدد المستوطنين ١١٩٩٠ مستوطن، وحتى
نهاية عام ١٩١٨م كان بحوزة اليهود من أراضي فلسطين ٤١٨ دونم.
المرحلة الثانية: ترافقت مع الانتداب البريطاني على فلسطين واقتطع
الانتداب أخصب الأراضي في مرج ابن عامر ووادي الحوارث وغيرها من
المناطق، ووصل عدد اليهود إلى٤٦٩. ٦٠٠ يهودي في آخر فترة الانتداب.
وقد عملت سلطات الانتداب على تكثيف الهجرة لتحقيق التوازن العددي بين
السكان الأصليين والمستوطنين، وحرصت على زيادة المساحات التي في حوزة
اليهود وخاصة الأراضي الزراعية، وقلب الوضع الاقتصادي بالاستيلاء على
المرافق الحيوية والصناعات الناشئة في ذلك الوقت، وتغيير الوضع بالنسبة
للأماكن المقدسة.
بلغ عدد المستوطنات المقامة من ١٩١٨ - ١٩٤٨م نحو ٣٦٣ مستوطنة،
وأزيلت خمس قرى في قضاء صفد وحولت إلى مستعمرات ومثلها في طبريا،
وأربع في قضاء بيسان، وعشر في قضاء الناصرة، وست في قضاء عكا،
وعشرون في قضاء حيفا، وخمس في قضاء يافا، وبلغت مجموع القرى التي
محيت إحدى وستين قرية.
المرحلة الثالثة: مع قيام الدولة اليهودية بدأت مرحلة أخرى من الاستيطان
من الجليل شمالاً حتى النقب جنوباً وجرت خلال هذه المرحلة عمليات ترحيل ...
(ترانسفير) وطرد منظم للسكان العرب من فلسطين. وأوضح ما يبين هذه الصورة
رسالة موشي شاريت إلى ناحوم جولدمان عام ١٩٤٨م التي يقول فيها: إن إخراج
العرب هو حدث رائع في تاريخ (إسرائيل) كما يعتبر الحدث - وفق مفهوم معين- أروع من إقامة دولة (إسرائيل) نفسها، إضافة إلى ما كتبه الكونت برنادوت
الذي اغتيل على يد عصابات الهاجاناه: (إن عرب فلسطين لم يغادروا ديارهم
ويهجروا ممتلكاتهم طوعاً أو اختياراً؛ بل نتيجة لأعمال العنف والإرهاب) ، وأعلن
ابن غوريون بأن على (إسرائيل) عمل كل شيء لضمان ألا يعود أحد من ...
الفلسطينيين المطرودين إلى بيوتهم.
المرحلة الرابعة: وجاءت إثر عدوان حزيران سنة ١٩٦٧م واحتلال الضفة
الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وهنا اختلف الاستيطان عن ذي قبل، وأخذ
طابعاً جيوسياسياً مغلَّفاً بالدوافع القومية الدينية.
وضعت السلطات الإسرائيلية العديد من القوانين التي تمنع عودة أصحاب
الأراضي إليها، ويُعرف عن هذه القوانين أنها تشكل إحدى الدعامات التي مهدت
للاستيلاء على الأرض، ومنها قانون (حارس أملاك الغائبين) وحاولت (إسرائيل) من خلال هذا القانون إقناع الرأي العام العالمي أن الهدف هو الحفاظ على أملاك
الغائبين، وصدر الأمر العسكري رقم ٥٨ لسنة ١٩٦٧م، الذي ينظم عمل قانون ...
(حارس أملاك الغائبين) والمناط به حق التصرف في أملاك الغائبين، وأن يتخذ
الإجراءات الضرورية لذلك، ولحارس أملاك الغائبين الحق بالموافقة أو عدم
الموافقة على بيع وشراء وتأجير أي صفقة ينطبق عليها قانون أملاك الغائبين، ثم
عملت هذه السلطات على مصادرة الأراضي لأغراض عسكرية: للرماية،
والتدريبات، واعتبرتها مناطق أمن للجيش، وكان الصندوق القومي اليهودي
ومؤسسة هيمنوتا التابعة للصندوق يقومان قبل عام ١٩٧٩م بالشراء، ثم أصدرت
السلطات العسكرية أمراً عسكرياً بمنع المحاكم من النظر في مسألة بيع الأراضي
وتحويل تسجيلها إلى لجنة خاصة، وبعد عام ١٩٧٩م سمحت السلطات الإسرائيلية
بالشراء للأفراد، وكانت أغلب الصفقات عبارة عن بيوع مزيفة، كما أعلنت العديد
من الأراضي أراضي حكومية لا يجوز التصرف بها إلا من قِبَل الدولة.
القدس والاستيطان:
يجب التأكيد في البداية على أن الاختلاف القائم بين اليهود على الاستيطان
ليس ضد التوسيع أو البناء؛ لكن ضد التوقيت الذي يعلن فيه عن قيام المستوطنة؛
ففي القدس يحظى الاستيطان بإجماع عام داخل الأحزاب الدينية والعلمانية؛ فبعد
الانتهاء من حرب ١٩٦٧م، أصدر ليفي أشكول رئيس الوزراء الأسبق قراراً
بتوحيد القدس، وأشار إلى أن (إسرائيل) مستعدة لإعادة الجولان وسيناء مقابل
السلام، أما بالنسبة إلى القدس فقال: إننا مستعدون للموت دون التنازل عنها، ثم
أعلنت (إسرائيل) العديد من القوانين واتخذت الإجراءات الكافية لضم القدس، ثم
شرعت في البناء، وعملت على خلق واقع ديمغرافي جديد.
يبلغ عدد المستوطنين حالياً في القدس الشرقية ما يزيد عن ١٧٠ ألف،
والمدقق في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين يخرج بنتيجة أكيدة وهي: إجماعهم
على أنه لا (إسرائيل) بدون القدس وأنها يجب أن تبقى عاصمة أبدية (لدولتها)
وهذا تنفيذ لمقولة مؤسس (إسرائيل) بن غوريون: (من الواجب جلب يهود إلى
القدس بأي ثمن، من الواجب توطين عشرات الآلاف من اليهود هناك في غضون
فترة قصيرة) .
تصنيف المستوطنات:
تصنف المستوطنات من حيث المساحة إلى أربع فئات:
الفئة الأولى: مساحتها أكثر من ١٥٠٠ دونم، وتمثل ما نسبته ٧. ٥٨%.
الفئة الثانية: مساحتها بين ١٠٠٠ - ١٤٩٩ دونم.
الفئة الثالثة: مساحتها بين ٥٠٠ - ٩٩٩ دونم وتشكل ما نسبته ٧. ٦%.
الفئة الرابعة: وهي المستوطنات المحاذية للخط الأخضر، ومساحتها
الإجمالية ١٥١٣٠ دونم، ويبلغ عددها ١٧ مستوطنة.
تتشكل أغلب البؤر الاستيطانية في ألوية القدس، ورام الله، والخليل،
ونابلس؛ فالاستيطان فيها قائم على أسباب استراتيجية وديمغرافية ضمن سياسة
عزل وتفتيت المناطق العربية بعضها عن بعض بواسطة الكتل الاستيطانية.
وتنتشر المستوطنات المخصصة للسكان في الضفة الغربية بنسبة ٧٦. ٧%
وقطاع غزة بنسبة ٧٣. ٤٥% إضافة إلى بعض المستوطنات الزراعية في أريحا،
وبيت لحم، ونابلس.
أما القدس فتضم العدد الأكبر من المستوطنات وعددها ٨٤ مستوطنة، وتضم
الأراضي الاستيطانية ٤٥٦١٥ دونم، ثم يتبعها محافظة نابلس وتبلغ المساحة
العمرانية للمستوطنات ٢٠٦٣٨ دونم، ثم محافظة الخليل، وتشكل مستوطنات لواء
القدس ٥. ٧٦%، ثم رام الله ١. ٩%، ونابلس ١. ٦، وبيت لحم ١. ٥%.
التسوية والاستيطان:
تشير إحصاءات المكتب المركزي للإحصاءات الفلسطينية أن المستوطنات
التي بناها الليكود تقارب ٧٠. ١% في حين ساهم حزب العمل في بناء ٢٩. ٩٥
% من المستوطنات، ومعظم هذه المستوطنات تم بناؤها بين أعوام ١٩٧٦ ١٩٨٢م، و١٩٨٩- ١٩٩١م، ثم توقف تقريباً بناء المستوطنات لتبدأ عمليات توسيع
وتسمين المستوطنات المقامة واستمر حتى ما بعد توقيع اتفاق أوسلو.
ويعتبر الاستيطان مشكلة من المشاكل الكبرى في طريق التسوية النهائية
الجارية حالياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن خلال المفاوضات الجارية
ستعمل (إسرائيل) على المحافظة على المستوطنات باعتبارها عموداً فقرياً لها
ومصاحباً (للدولة) في كل مراحل تطورها، إضافة إلى الإجماع الرسمي والحزبي
على أن المستوطنات تشكل مورداً استراتيجياً ثابتاً يجب المحافظة عليه وتوسعته.
بدأت أولى مراحل البحث عن حلول لمشكلة الاستيطان بعد الاحتلال
الإسرائيلي للضفة والقطاع في عام ١٩٦٧م، عبر مشروع (إيغال آلون) والذي
اقترح ضم غور الأردن إلى (إسرائيل) بشكل رسمي وتكثيف الاستيطان فيه، ثم
قدَّم البروفيسور الإسرائيلي (إبراهام فاكمان) مشروعاً في عام ١٩٦٩م عرف باسم
(الخطة الفقرية المزدوجة) ، كما طرح (معهد ديفيس) التابع للجامعة العبرية اقتراحاً
بتحديد الحدود من خلال ضم المناطق الغربية من الخط الأخضر الفاصل بين
المناطق المحتلة ١٩٤٨م وبين المناطق المحتلة ١٩٦٧م، وهي المناطق التي تضم
أكبر عدد من المستوطنات، وتوالت الاقتراحات التي تدور حول هذا الطرح من
خلال صياغة خارطة تأخذ بالحسبان تحديد الحدود لحزام المستوطنات المقامة
وضمان المياه والديمغرافيا والأمن.
كما صمم فريق من جامعة حيفا برئاسة أرنون سوفير رئيس قسم الجغرافيا
خارطة مقترحة وقُدمت لحزبي العمل والليكود تنص على تعديل الخط الأخضر،
ووضعت مناطق تستوعب الكتل الاستيطانية التي كانت في ذلك الوقت تضم ٥٠
ألف مستوطن، وما يزيد عن ١٤٥ ألف مستوطن في منطقة القدس الشرقية،
وتسمح هذه الخارطة لـ (إسرائيل) بالسعي من خلال ثلاثة ممرات واسعة
للوصول إلى الخط الفاصل مع الأردن، وتمنحها معظم مصادر المياه في الجبال
الوسطى من الضفة الغربية، ثم عُدِّلت الخارطة لتربط المسجد الإبراهيمي بالحرم
القدسي الشريف، على أن تكون مسؤولية سلامة اليهود في الخليل بيد الفلسطينيين، وفي القدس تكون مسؤولية سلامة العرب بيد اليهود.
قدم شارون اقتراحاً نص على: إبقاء سلسلة من الجيوب بيد الفلسطينيين في
الضفة والقطاع وضم المناطق الأخرى باعتبارها مراكز ونقاطاً استيطانية لاحقة لـ
(إسرائيل) ، كما صدرت عن (جمعية سبل الاتفاق الوطني) مقترحات، ومنها: أن
تبقى في يد (إسرائيل) السيطرة الكاملة على كل من القدس الكبرى وغوش
عتصيون وغور الأردن وشمال البحر الميت، وضم الكتل الاستيطانية غير
المأهولة بالسكان العرب.
تُجْمِعُ قوى اليمين واليسار حالياً في (إسرائيل) على وثيقة عرفت باسم
(وثيقة العمل والليكود) ، التي تنص على أن لا عودة لحدود الرابع من حزيران
١٩٦٧م، وأن معظم المستوطنات ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية مع الحفاظ على
تواصل بين المستوطنات عبر ربطها بالكتل الاستيطانية، كما نصت الوثيقة على:
أن المستوطنات التي سيتم ضمها لـ (إسرائيل) ستحظى بترتيبات خاصة ومتفق
عليها في إطار يحافظ من خلاله المستوطنون على الجنسية الإسرائيلية ويحافظون
على حقهم في المرور الآمن إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
يشكل الاستيطان عامل انقسام داخل القوى السياسية الإسرائيلية، فترى
أحزاب الوسط واليسار إمكانية وجود مستوطنات داخل الدولة الفلسطينية مقابل عدم
تفكيكها، وثمة رأي آخر داخل هذا التيار يقف مع تفكيك بعض المستوطنات
الصغيرة، وفي المقابل تعزيز المستوطنات في غور الأردن والمنطقة الشرقية من
الخط الأخضر وحول القدس.
والتيار الآخر الذي يتزعمه الجناح اليميني وأحزاب الوسط يطالب بتعزيز
المستوطنات حتى داخل التجمعات الفلسطينية مع البحث عن دور وظيفي
للفلسطينيين في إدارة شؤونهم المدنية دون السيطرة على الأرض والموارد الطبيعية، ولذلك أقيمت الطرق الالتفافية حول المستوطنات وربطت بعضها ببعض، ثم
خصصت الميزانيات الضخمة لتسمين المستوطنات حتى وإن كانت غير مأهولة.
إن الحل السياسي المطروح حالياً لا يضمن إزالة المستوطنات التي أقيمت
على الرغم من معارضة القانون الدولي لذلك، بل يضمن بقاء المستوطنات ضمن
المدن والقرى في مناطق الإدارة الفلسطينية وفق ترتيبات تعد الآن، كما أن
المستوطنين لن يخرجوا من الأراضي الفلسطينية؛ فقد عملت (إسرائيل) على
زيادة زخم الاستيطان وإقامة الحقائق على الأرض؛ لأن جميع الاتفاقيات بدءاً من
أوسلو وحتى واي ريفر ٢ أخفقت في منع (إسرائيل) من استغلال المرحلة النهائية، مما يعني أن الحل السياسي الدائر حالياً سيصب في المصلحة الإسرائيلية. ...
إن الحديث عن موضوع الاستيطان متشعب وفيه الكثير من الآراء؛ ولكن
علينا أن لا ننسى أن المستوطنين هم الذين أسسوا الحركات السرية لملاحقة
الفلسطينيين وحملهم على الخروج من أراضيهم، ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما
نشر في عهد حكومة إسحاق شامير ١٩٩٠م، وكان تحت عنوان: (دليل
المستوطنين) ، وفيه توصيات وتوجيهات لكيفية أداء العمليات الانتقامية ضد السكان
العرب، ويدعو الدليل إلى استخدام الذخيرة الحية، والعمل على سرقة الأسلحة
واستخدامها، ويقول الدليل: (طوبى لك إذا قررت القيام بعملية مدبرة، وتهانينا لك
إذا قمت بتنفيذ العملية) ويشرح الدليل كيفية التصرف إذا اعتقل المستوطن، وسوَّغ
التقرير أفعال المستوطنين بأنها رد على كل حجر يلقيه عربي، فعلى المستوطنين
القيام بعمليات انتقامية سرية أو بعمليات جماعية، وإلحاق الخسائر الفادحة
بالممتلكات العربية.
وختاماً لا بد من التأكيد على أن المستوطنات التي أقيمت فوق الأرض
الفلسطينية استولت على المياه والموارد الطبيعية والأرض، وقطعت القرى
الفلسطينية عن المدن، وفصلت الاتصال العمراني بين المناطق الفلسطينية، كما
أثرت على الاقتصاد الفلسطيني بأن جعلت العمال الفلسطينيين يعملون في البناء
والزراعة داخل المستوطنات مما جعل مصدر الرزق الوحيد العمل داخلها،
وساهمت المستوطنات في إبقاء الفلسطينيين بلا بُنية تحتية وتحت رحمة
(إسرائيل) .
стр. 3294
ملف فلسطين
القضية الفلسطينية.. مآس متجددة
د. عبد الفتاح العويسي
خالفنا نهج الرسول ﷺ في الاتجاه إلى القدس
- الدكتور عبد الفتاح العويسي يعمل أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية
بجامعة استيرلينج في بريطانيا، وأحد المؤسسين لمجمع البحوث الإسلامية في
المملكة المتحدة، وهو مجمع متخصص ببيت المقدس، واختير أميناً عاماً لهذا
المجمع، وأيضاً يرأس تحرير مجلة دراسات القدس الإسلامية. وقد كان لمجلة معه
هذا الحوار حول المجمع وأهدافه ودوره.
ينصبُّ اهتمامكم على التركيز على قضية المسجد الأقصى؛ وهذا يستدعي أن
نطرح على فضيلتكم السؤال الآتي: كيف وصلتم إلى القناعة بأن قضية المسجد
الأقصى المزمنة بحاجة الآن إلى المزيد من دراسات متخصصة عن بيت المقدس؛
فقمتم مع إخوانكم بتأسيس مجمع البحوث في بريطانيا؟ وهل من الممكن إعطاؤنا
فكرة مختصرة عن المؤسسين لهذا المجمع؟
دعني في البداية أربط الحدث مع قضيتين تاريخيتين: القضية الأولى: هي
نهج الرسول ﷺ في التعامل مع قضية القدس؛ فالفتح الإسلامي
لمدينة القدس - في السنة الخامسة عشرة للهجرة النبوية الشريفة - لم يتم دفعة
واحدة؛ إنما سبقه خطوات عملية هيأت لعملية الفتح الإسلامي.
بدايةً هيأ الرسول ﷺ وعبأ النفوس حول هذه المدينة المقدسة
بالآيات التي وردت في كتاب الله عن هذه البقعة، ثم بما تحدث به؛ بحيث إن
القلوب والعقول أصبحت تحن إلى بيت المقدس وهو واقع تحت الاحتلال الروماني
قبل أن تتم عملية الفتح.
لقد كانت الخطوة الأولى - وهي التعبئة للنفوس والعقول المسلمة لتبدأ
بالتحرك عملياً تجاه القدس، وقد حدث هذا وأهل الإسلام في مكة مستضعفون قبل
الهجرة إلى المدينة - تلك الخطوة تعني أنه حتى في مراحل الضنك والألم التي
عاشها المسلمون في مكة كانت آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه
وسلم توجههم نحو هذه المدينة المقدسة، ثم بعد ذلك تبعتها الخطوات العملية بعد
الإسراء بالرسول ﷺ من مكة إلى القدس ومعراجه من بيت
المقدس إلى السماوات العلى بعد ذلك.
وبعد هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة بدأت الخطوات العملية
نحو تحرير القدس من الاحتلال الروماني لها؛ فكانت معركة مؤتة أول صراع مع
الرومان، وكانت الخطوة الثانية في الطريق إلى تحرير القدس، ثم بعد ذلك كانت
غزوة تبوك؛ فقد كانت بمثابة تتبع للروم.
وجاءت بعدها معركة اليرموك، وأستطيع أن أقول: إنه لولا اليرموك ما
كانت قدس، وكذلك من باب المقارنة: لولا حطين في زمن صلاح الدين ما كانت
قدس؛ وهذا يعطينا - حقيقة - درساً تاريخياً مهماً مُفَادُه: أنه قبل معركة القدس
الكبرى، وقبل تحرير القدس لا بد أن تُسبَق بمعركة في الشام في منطقة وادي
الأردن؛ لأن اليرموك وحطين حدثتا في تلك المنطقة، ثم بعد ذلك تم الفتح
الإسلامي في السنة الخامسة عشرة لهجرة الرسول ﷺ على يد
الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ وهذا ما بشر به رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
هذه المقدمة التاريخية تخبرنا أنه لا بد من خطوات عملية، ولا بد أن تُهيأ
الأمة للتحرك تجاه هذه المدينة.
للأسف الشديد! واقعنا العربي والإسلامي يقول: إننا نتحرك نحو القدس دون
أن تتعلق قلوبنا بها؛ فنحن خالفنا طريق الرسول ﷺ الذي انتهجه
تجاه القدس. نحن نتصور أننا يجب أن ندخل في صراع مسلح مع المحتلين لهذه
المدينة المقدسة وتنتهي الأمور! لا ... لا بد أن يسبق ذلك إعداد؛ فتنفيذ قول الله
تعالى: [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله
وعدوكم] [الأنفال: ٦٠] وربط القلوب والعقول بهذه المدينة هي الخطوة الأولى
للتعلق بها والحنين إليها، وحب المرابطة فيها، وحب الجهاد بها.
القضية الثانية: أنه أحزننا أنْ مرت ذكرى أربعة عشر قرناً على الفتح
الإسلامي للقدس والعالم العربي والإسلامي لم ينتبه لهذه المناسبة العظيمة. والفتح
الإسلامي للقدس كان نقطة تحوُّل ليس في تاريخ القدس وحدها؛ وإنما في تاريخ
المشرق العربي الإسلامي؛ إضافة إلى الأمة الإسلامية جمعاء.
وهنا نتساءل: لماذا تحدث القرآن الكريم كثيراً عن المسألة التاريخية؟ هل
هي من باب إضاعة الوقت أو من باب التسلية - حاشى لله -؟ لا ... إنما بهدف
أخذ العبرة والدرس للانطلاق للمستقبل، وإن أردت أن تعرف التاريخ ففي القرآن
الكريم علم الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنك تصنع الحاضر في ضوء الماضي
وتستشرف المستقبل في ضوء فهمك للماضي والحاضر؛ فكان مرور أربعة عشر
قرناً على الفتح الإسلامي لبيت المقدس ١٩٩٤م نقطة أردنا أن نحتفل بها، ليس
على طريقة الاحتفالات التقليدية، وإنما في إطار حضاري إسلامي مميز يأخذ هذه
القضية ويدفعها إلى إطارها الواسع.
أحببت أن أعطي هذين الإطارين التاريخيين حول هذا الموضوع لنفهم لماذا
تم إنشاء مجمع البحوث الإسلامية.
أما إذا أردت أن أوضح الأمر بشكل مباشر حول مجمع البحوث فأقول: إن
لكل عصر متطلباته التي تختلف عن العصر الذي يسبقه؛ فما كان يصلح
للخمسينيات والستينيات لا يصلح في التسعينيات؛ لا أقصد أن المبادئ لا تصلح؛
ولكن أقصد الوسائل التي تصل بنا لتحقيق هذه الغايات؛ فالإسلام بدأ من ١٤٠٠
عام وهو صالح لكل زمان ومكان؛ ولكن أقول: الوسيلة التي نستعملها لتحقيق هذه
الغاية تختلف من عصر إلى آخر. البيئة التي نعمل بها هنا بيئة غربية؛ فعلينا أن
ندرس البيئة؛ فالرسول ﷺ قبل الهجرة للمدينة درس البيئة التي
هاجر إليها مما ساعده في تنظيم الدولة الإسلامية الأولى في المدينة.
كان ينقصنا معرفة البيئة التي نتحرك بها؛ ولذلك فقد قمنا بدراسة البيئة التي
نحن بها في هذه البلاد الغربية ولا سيما في بريطانيا فوجدنا أن هنالك فجوة خلاف
عميقة جداً فيما يخص موضوع القدس على صعيدين: فالدراسات الأكاديمية
المتوافرة في الغرب إما دراسات توراتية، أو دراسات استشراقية من ناحية، ولا
يوجد دراسات إسلامية متعمقة أو جدية حول القدس، ومن ناحية أخرى؛ فإن
الدراسات الإسلامية المتوافرة هي دراسات عاطفية لا تعتمد المنهج العملي في
الحوار.
إسلامنا علمنا أن نواجه الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق؛ ولكن للأسف!
عندما نناقش قضية القدس نناقشها بعاطفة، حتى هذه العاطفة غير واضحة وغير
مبنية على أسس؛ إذن عمَلُنا الأكاديمي في الغرب هنا أثبت لنا أن هنالك فجوة
كبيرة في الدراسات المتوافرة عند العرب والمسلمين، وعند الغربيين في دراساتهم
الأكاديمية.
النقطة التي تلي ذلك: أننا نعيش في عصر التخصص، وللأسف الشديد!
فإن المؤسسات الإسلامية تحب أن تدعي أنها تفهم في كل شيء، وفي نهاية
المطاف لا تبني أي شيء؛ ولذا فإن علينا أن نعي أننا في عصر التخصص؛
فالأطباء الآن لا يتخصصون (أنف وأذن وحنجرة) ؛ بل يتخصصون في جزء من
أجزاء الأنف؛ هذا التخصص الدقيق جداً أيضاً معرفة؛ ونحن غير مختصين
بالقضية الفلسطينية؛ نحن مختصون فقط بجانب بيت المقدس؛ قضية القدس من
جميع جوانبها: الشرعي، التاريخي، الجغرافي، الجيولوجي، أي موضوع له
علاقة بموضوع القدس حتى الموضوع الطبي البيئي، أي شيء له علاقة بموضوع
القدس يجب أن نهتم به. إذن هذه هي الخلفية الفكرية التي دفعت إلى إنشاء مجمع
البحوث الإسلامية، وإن أردت أن أُلخِّص الهدف من نشأة مجمع البحوث الإسلامية
أقوله في جملة واحدة فهي أن مجمع البحوث الإسلامية يهدف إلى تأسيس مرجعية
جديدة حول القدس.
نود ولو إشارة بسيطة حول هذا المجمع؛ لأن هناك - كما هو ملاحظ في
مجلة دراسات القدس الإسلامية - كادراً كبيراً وشخصيات متميزة يعملون به،
وبعضهم من الغربيين؛ فما الجانب الذي كنتم تودون لو تصوغون فيه المجلة؟ أو
ما هي الفكرة من مثل هذه المجلة؟
علينا أن نعود إلى معرفة البيئة التي نعمل فيها؛ فنحن لا نعمل بانعزال عن
البيئة الغربية التي نقيم بها، وقد قلنا: إن الدراسات المتوافرة هنا دراسات توراتية
أو استشراقية؛ ولكنْ هناك عدد من الأكاديميين المتعاطفين الذين يبحثون عن
الحقيقة.
ولكن لا ندعي أن جميع من يعمل في السلك الأكاديمي متعاطفون؛ بعضهم
يريد أن يصل إلى الحقيقة، هؤلاء هم الذين تعاونا معهم. قلنا: إن بعض
الأكاديميين الغربيين الذين يُظهرون نوعاً من التعاطف ونوعاً من البحث عن الحقيقة
قمنا بالتعاون معهم؛ علماً بأن عضوية مجمع البحوث الإسلامية ليست مقتصرة على
المسلمين. ونحن نسعى لجعل المجمع مؤسسة مؤثرة لدى صانعي القرار في هذا
البلد؛ فالعمل الأكاديمي هو الذي يصنع العقول، ويدفع إلى الانطلاق نحو تشكيل
هذه المرجعية الجديدة التي تكلمت عنها.
ولعلِّي في هذه المناسبة أذكر المؤرخة الإنجليزية كارن أرمسترونج التي نشرنا
لها مقالة في المجلة واستضفناها في المؤتمر الأكاديمي الدولي الأول عن القدس في
عام ١٩٩٧م، ونستغرب الكلام الذي قالته عن القدس، وخلاصة رأيها:
أنها بعد أن درست تاريخ القدس منذ بدء الخليقة حتى الآن وجدت أن
القدس قائمة على مفهوم العدل، وبمعنى أصح: إن من يحقق العدل في القدس تدوم
سيطرته على تلك المدينة، وخلصت بالقول بعدما درست المتغيرات المختلفة،
ووجدت أن القدس في العهد الإسلامي تمتعت بالعدل وتميزت بالتسامح والمساواة
بين الجميع مما أدى إلى ازدهار المؤسسات العلمية والثقافية وهو الدور الكبير الذي
دفع إلى الاستقرار في المنطقة، وتحقيق السلام.
أشرتم إلى أهمية التخصص الأكاديمي بالذات لمثل هذه الدراسات؛ ولكن
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تعتقدون أننا سنصل بهذه الطريقة - أيْ
طريقة الحوار الهادئ والدليل المقنع - إلى شيء يفيد القضية؟ ثم هل تجدون أُذناً
صاغية في الجانب الآخر: المسيحي، واليهودي؟
مرة أخرى نعود إلى قضية الأهداف التي نسعى إليها؛ لأن هذه قد توضح
جزءاً من الإجابة على هذا السؤال. نحن نهدف في هذه المؤسسة إلى ما نسميه
تحقيق الوعي الحضاري من خلال بناء سقف حضاري معرفي، وتأصيل عمل
مميز عن بيت المقدس من جانب، ومن جانب آخر: احتضان الطاقات المبتعثة
المختصة وتهيئتها ومساعدتها في إطلاق إمكانياتها، كما أننا نريد أن يكون المجمع
منبراً عالمياً لمناقشة القضايا المتعلقة بالقدس وملتقى للعلماء المهتمين بهذه القضية،
أو بمعنى أوضح وأشمل:
نريد أن نخرج بقضية القدس من دائرة رد الفعل إلى دائرة صناعة الفعل؛
فحتى هذه اللحظة في كل القضايا التي يعاني منها العالم الإسلامي نحن نقوم بردود
أفعال؛ ففي قضية كوسوفا كان العالم الإسلامي يقوم برد فعل على جرائم تُرتكب
هناك؛ ولكننا لا نصنع الفعل. (نحن في مجمع البحوث) نريد أن نصنع الفعل تجاه
قضية القدس، هذا جزء من أهداف المجمع؛ وليس الرد على الدراسات التوراتيتة
والاستشراقية؛ لأننا لو أخذنا جزءاً من وقت المجمع في الرد على الدراسات
التوراتية والاستشراقية لبقينا في دائرة رد الفعل؛ ولكننا أردنا أن نصنع الفعل من
خلال المحاورة، من خلال المؤتمرات الأكاديمية التي نعقدها، من خلال المجلة
الأكاديمية، ومن خلال الندوات، والمحاضرات. اطرح وجهة نظرك، ولْيطرح
الآخر وجهة نظره؛ فتلك هي المحاورة الحضارية الهادئة التي أمرنا بها القرآن
الكريم عندما نتكلم في محاوراتنا مع غير المسلمين. قال الله - تعالى -:
[وجادلهم بالتي هي أحسن] [النحل: ١٢٥] في كل القضايا نحن نريد أن نطبق هذا الشعار، في قضية القدس نحاورهم بالتي هي أحسن على ألاَّ نُجَرَّ فيصبح عملنا رداً لفعلهم؛ ولكننا نصنع الفعل.
المؤتمر عندما يعقد فإننا نضع فعلاً جديداً حول القدس، وعندما نصدر مقالة
فإننا نؤسس مرجعية جديدة، ونقوم بصناعة الفعل بطريقة هادئة، والطريقة الهادئة
تنتج في الغرب أكثر من الصراخ والغوغائية والعاطفية؛ وأستطيع أن أدَّعي أننا
منذ ١٩٩٤م وحتى هذه اللحظة كسبنا إلى صفنا من الغربيين لصالح قضية القدس
أكثر مما كنا نتوقع، وبهذه الطريقة الحضارية.
يتوجه أغلب المصْلحين لمخاطبة الجماهير الغفيرة بلغة بسيطة يفهمها الجميع؛ فلماذا توجهتم هذا التوجه الأكاديمي البحت؟ ثم هل وجدتم تجاوباً من المؤسسات
والجهات العلمية المهتمة بهذا مع مشروعكم؟
أولاً: لعلِّي من خلال المقدمة التي أعطيتها القارئ نلاحظ أنه ليس لدينا
مختصون في موضوع القدس، وإن كان لدينا فعددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة؛ بل أستطيع أن أدعي أنهم يقلون عن عدد أصابع اليد الواحدة في جميع أنحاء
العالم الإسلامي، ولذا فإننا إذا أردنا أن نخاطب الجماهير فسنكون اثنين أو ثلاثة أو
أربعة أو خمسة؛ فكيف نستطيع أن نخاطب العالم الإسلامي والعالم الغربي؟ هذا
الأكاديمي سيصاب بجهد كبير من السفر والمتابعة، وسيذهب جميع وقته في
اللقاءات والمحاضرات ... إلى آخره؛ مما يعني أنه لن يكون هنالك إنتاج؛ ولكن
نحن قلنا: نعم! لن نغفل هذا الجانب في مخاطبة الجماهير المسلمة؛ ولكن في
الوقت نفسه نريد أن نعدَّ قطاعات علمية أكاديمية متخصصة في موضوع القدس،
وهذه القطاعات هي التي ستحمل على عاتقها مشروع مخاطبة الجماهير المسلمة في
جميع أنحاء العالم الإسلامي. نحن نتمنى أن يكون هناك - على الأقل - متخصص
واحد في كل قطر عربي؛ حتى يحمل هذه الأمانة، وهذه الراية في مخاطبة
الجماهير.
إذن الهدف في المرحلة الحالية هو تكوين مجموعات أكاديمية متخصصة
تعرف الحقائق من جميع نواحيها حول موضوع القدس لتتولى مخاطبة الجماهير؛
ولكن عملية إعداد هذه النوعيات ليست عملية سهلة، ويجب أن نتعاون مع
المؤسسات العلمية والإسلامية والسياسية في العالم العربي؛ لدعم ذلك المشروع.
الآن لدينا ٦ طلاب يحضِّرون الدكتوراه في مواضيع مختلفة حول موضوع القدس:
طالب يحضر حول القدس بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، والثاني: حول
الفتح الإسلامي الأول للقدس، والثالث: عن المؤسسات العلمية الإصلاحية في
القدس في الفترة الأيوبية، الرابع: حول الاستيطان في القدس منذ عام ١٩٤٨ منذ
قيام دولة اليهود، والخامس: عن القدس في الصراع العربي الإسرائيلي، أما
السادس: فعن نظرية جديدة في تفسير العمارة الإسلامية في القدس؛ فجميع
الدراسات الاستشراقية حتى الآن وحتى العربية والإسلامية تقول: إن العمران في
القدس هو نسخة طبق الأصل من المعمار البيزنطي، هذا الطالب الآن يحضر
رسالة الدكتوراه في الهندسة المعمارية في القدس، ليؤكد أن العمارة في القدس في
الصدر الأول للإسلام إنما بنيت انبثاقاً من فهم القرآن الكريم وسنة الرسول صلى
الله عليه وسلم.
وبطبيعة الحال ما كان ليتم هذا لولا المكرمة التي تسجل بأحرف من نور
للشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم حاكم دبي الذي تفضل مشكوراً بتبني خمسة طلبة
يُحضِّرون الدكتوراه في المواضيع التي ذكرتُها بعد أن رأى جدِّيَّة المشروع
الأكاديمي الذي نقوم به، كذلك قمنا قبل عدة أسابيع بالسفر إلى دبي؛ لزيارة الشيخ
حمدان، وقمنا أيضاً بمقابلة الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات ولجامعة زايد، ووزير
التعليم العالي في الإمارات العربية المتحدة: الشيخ مبارك آل نهيان الذي أمر بتقديم
كل الدعم اللازم لمجمع البحوث الإسلامية للانطلاق لتحقيق هدفه السامي من أجل
الحفاظ على القدس عربية إسلامية.
ولعلي أستغل هذه المناسبة لأوجه هذا النداء لقراء هذه المجلة الرائدة (مجلة)
لنقول لهم: إننا خطونا خطوة أولى على الطريق الصحيح نحو القدس، ونحن
نسعى بجميع ما لدينا من إمكانيات ووقت وتخصص وعلم؛ لكي ننطلق في هذا
المجال؛ ولكننا نريد من أهل الخير في عالمنا العربي والإسلامي أن يقدموا لنا
الدعم المادي والمعنوي؛ فجميع هذه النشاطات لا يمكن أن تتم إلا من خلال الدعم
المادي والمعنوي. نحن بحاجة إلى أن نرفع من عدد المنح الدراسية التي نقدمها في
المجمع لنُكَوِّنَ هؤلاء الخبراء الذين ينطلقون لنشر هذه الرسالة العظيمة ونأمل في
الاتصال بنا ليقولوا لنا: إننا نريد أن نتبنى طالباً، اثنين، عشرة، أي عدد
يستطيعونه لدراسة الدكتوراه في مجال موضوع القدس مثلاً، ويسرنا أن نتعاون
معهم في أي مجال آخر، فمن أراد أن يتبنى مالياً المؤتمر والمصاريف التي ننفقها
على المؤتمر الأكاديمي السنوي الذي نعقده في لندن فجزاه الله خيراً، أو إن أراد أن
يتبنى طباعة المجلة العلمية الأكاديمية (مجلة دراسات القدس الإسلامية) التي نطبعها
فأهلاً وسهلاً، أو إن أراد أن يترك له صدقة جارية في وصيته بعد مماته وقفاً جارياً
عنه لننتفع به في هذه القضية، أو إن أراد أن يدعم بعض المشاريع التي نقوم بها
في القدس نفسها من خلال ترميم بعض الأماكن التاريخية الإسلامية الآيلة للسقوط
في داخل المدينة المباركة المقدسة؛ فالمجال مفتوح للتعاون على البر والتقوى.
نعود للحديث عن أهم النشاطات التي يقوم بها مجمع البحوث الإسلامية،
ولعل من أبرزها: مجلة دراسات القدس الإسلامية؛ فما هي أهم الموضوعات التي
تتطرق لها المجلة؟
مجلة دراسات القدس الإسلامية هي مجلة تصدر مرتين في السنة باللغتين
العربية والإنجليزية، وهي مجلة أكاديمية محكَّمة. بمعنى أصح: إن أي مقالة
تصل إلينا لا بد أن نرسلها إلى اثنين من المختصين في مجال القدس، فإن وافقوا
على نشرها يتم نشرها في المجلة، وهذا يساعد في بناء الشخصيات العلمية
المختصة؛ لأن النشر في تلك المجلة يساعد على الترقيات العلمية الأكاديمية؛
فالباحث الذي يريد أن يرقى أكاديمياً من درجة أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك، ثم
إلى أستاذ لا بد أن ينشر في مجلات أكاديمية محكَّمة، وهذا ما نسعى إليه في الوقت
الذي ننشر فيه مقالات حول القدس، كما أننا نريد أن نتيح لإخواننا نشر مقالات
متخصصة تساعدهم على الترقيات العلمية في حياتهم الدنيوية. هذا تعريف عام
بمجلة دراسات القدس الإسلامية، وحتى الآن صدر من المجلة أربعة أعداد يُتناول
بها جملة من القضايا المختلفة والمتعددة؛ فمثلاً: في العدد الأول كان هناك مقالة
للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حول القدس في الوعي الإسلامي، وأيضاً مقالة
أخرى للدكتور محسن صالح عن جهود علماء فلسطين في رعاية المقدسات
الإسلامية في القدس وحمايتها من سنة ١٩١٨ إلى سنة ١٩٣١م.
ومن المناسب أن نقول: إن الدكتور محسن صالح فاز بجائزة بيت المقدس
للعلماء المسلمين الشباب، وهي الجائزة التي يتبناها المجمع سنوياً ويقدمها لأفضل
الباحثين في هذا المجال، وفي العدد الثاني - نتكلم عن المقالات باللغة العربية -:
كانت هنالك مقالة حول تخريج أحاديث فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى
للأستاذ أحمد يوسف أبو حلبية، وكان فيه أيضاً وثيقة عن موقف حزب العمال
البريطاني من قضية القدس. العدد الثالث كانت فيه ترجمة للمقالة المهمة جداً التي
أود أن يطلع عليها القارئ - وهي باللغة العربية - للمؤرخة الإنجليزية (كارن
أرمسترونج) بعنوان: (مكان مقدس: قدسية القدس الإسلامية) ومقالة أخرى بعنوان: (القدس نقطة مركزية في حياة صلاح الدين) لمؤرخ إنجليزي آخر بالإضافة إلى
المقالات الإنجليزية الأخرى، أما العدد الرابع فيتضمن مقالاً عن مركزية القدس في
الإسلام للأستاذ الدكتور: إبراهيم زيد الكيلاني، ومقالاً آخر عن أهمية القدس عند
المسلمين للدكتور: مروان أبو خلف.
كما هو ملاحظ فإن مجلتكم تخاطب الطرف المقابل باللغة الإنجليزية؛ فهل
توجد شريحة مهمة في المجتمع البريطاني تشارك في الحوار الهادئ وتوجهون لها
الخطاب حول هذه القضية؟
لا شك أن هذه المجلة هي مجلة محترمة في جميع الأوساط الأكاديمية وجميع
الجامعات الغربية والأمريكية والبريطانية، وهذه المقالات التي تنشرها تهدف إلى
تعميق هذا الحوار حول موضوع القدس، وقد يكون من الجميل في هذا الإطار أن
يكتب المقالات المفيدة للحقل الإسلامي باحثون وعلماء مشهورون في العالم الغربي؛
مما يؤثر إيجابياً على عقلية الإنسان الغربي. فمثلاً: عندما يقرؤون مقالة لكارن
أرمسترونج وهي معروفة جداً في مجال التأريخ، فإن هذا يؤثر جداً في العقلية،
ولعلي أقول: إن بعض السياسيين البريطانيين الذين يحضرون المؤتمرات دهشوا
من الكم الهائل للمعلومات الإيجابية التي قالتها كارن أرمسترونج حول موضوع
القدس، وعلق أحدهم قائلاً: إننا نجهل الجانب الآخر عن القدس وهو الجانب
الإسلامي، وقال: إنه لا يمكن حل قضية القدس دون الأخذ بعين الاعتبار البعد
الإسلامي لهذه المدينة. إذاً هذا الحوار الذي بدأ منذ أربع سنوات حول قضية القدس
أستطيع أن أدعي أننا بدأنا نقطف ثماره بعد تزايد عدد المهتمين والمؤيدين
والمتخصصين من الجانب الغربي بقضية القدس.
حقيقةً الإشارة إلى المؤتمرات التي هي من مجالات عمل مجمع البحوث مهمة؛ فهل لكم أن تحدثونا أكثر عن المؤتمر الأول والثاني وما تنوون عقده من مؤتمرات
في المستقبل القريب إن شاء الله؟
المؤتمرات أيضاً تدور في نفس الهدف لمجمع البحوث وهو: تأسيس مرجعية
حول موضوع القدس، فوجدنا أن الحوار عن طريق المجلة والمحاضرة قد لا يكفي؛ ولذلك فنحن نريد أن نجمع جملة من المهتمين والمختصين من العالم الإسلامي
والغربي؛ ليطرحوا قضية القدس للمناقشة؛ فكانت فكرة المؤتمر الأكاديمي الدولي
عن القدس الإسلامية.
وأريد أن أركز على أننا نستطيع أن ندعي أننا طرحنا مفهوماً جديداً حول
القدس كان غائباً في الغرب والعالم الإسلامي وهو: (مصطلح القدس الإسلامية) هذا
المصطلح له أهميته؛ كنا نسمع: القدس اليهودية، القدس النصرانية، القدس
العربية؛ ولكن أن نطرح القدس بهذا البعد في بلد غربي فهذا مفهوم جعل الكثير من
الغربيين الأكاديميين والسياسيين يعيدون النظر في هذه القضايا. وهذه من بركات
المؤتمر الذي يعقد - عادة - في فصل الصيف قبل العودة للحياة الأكاديمية، وعادة
يكون في كلية الدراسات الشرقية الإفريقية بجامعة لندن.
وفي المؤتمر الأول عام ١٩٩٧م كان الحضور مميزاً، وكان الحاضرون على
مستوى عالمي من العالم العربي والإسلامي، وأصبح لدينا سُنة - نسأل الله أن
تكون سنة حسنة - أن يُفتتح المؤتمر من شخصية سياسية بريطانية لنقل التأثير إلى
المؤسسة السياسية. والكلمة التي ألقيت في المؤتمر الأكاديمي الأول سنة ١٩٩٧م
كانت من شخصية سياسية بريطانية لنقل التأثير الأكاديمي للدوائر السياسية، وهذا
حقيقة ما صنعه الطرف الآخر يعني اليهود؛ فقد استطاع أن يؤثر في صناعة القرار
في البلاد الغربية؛ مما أدى إلى تحول الغرب تجاه دعم قضيتهم؛ وقد افتتح
المؤتمر الأول (إرني روس) رئيس مجلس الشرق الأوسط في حزب العمال
البريطاني رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني. والمؤتمر الأول
في سنة ١٩٩٧م كان مؤتمراً عاماً تحت عنوان: (القدس الإسلامية) أما سنة ١٩٩٨ م فكان المؤتمر متخصصاً أكثر وكان عنوان المؤتمر: (مركزية القدس في الإسلام)
وأيضاً شاركت فيه نخبة من العالم الغربي هنا، وأيضاً افتتح من الدكتورة (فلس
استاكي) نائبة رئيس مجلس الشرق الأوسط في حزب العمال ورئيسة اللجنة
البرلمانية لجميع الأحزاب السياسية في البرلمان البريطاني.
وفي ٧-٩-١٩٩٩م انعقد المؤتمر هذا العام تحت عنوان: (العلاقات
الإسلامية المسيحية في القدس) ومن المتوقع أن يَفتتح المؤتمر هذا العام وزير الدولة
في وزارة الخارجية البريطانية، وأيضاً سندعو له جملة من المختصين والمهتمين
بموضوع القدس إن شاء الله ونسأل الله أن يعيننا على نقل بعض هذه المؤتمرات
إلى العالم العربي، ونحن على استعداد لأن نتعاون مع أي مؤسسة أكاديمية بحتة أو
جامعة من جامعات الوطن العربي لعقد مؤتمرات مماثلة في أي قطر أو بلد عربي
إن شاء الله تعالى.
فضيلة الدكتور: هل لكم اتصالات مباشرة مع بعض الجهات الأكاديمية في
القدس أو في فلسطين؟ وهل تساعدكم هذه في الحصول على معلومات أو
مخطوطات علمية تساعدكم في دراستكم حول القدس؟
نعم! نحن على اتصال مع المؤسسات الأكاديمية في القدس نفسها وبعض
المدن الفلسطينية؛ فالطلبة الذين يحضِّرون للدكتوراه هم من القدس أو من المدن
الفلسطينية، وهم سيكونون بإذن الله ﵎ خير سفراء لنا في جلب
الوثائق والمخطوطات المتعلقة بالقدس. ومن جانب آخر نحن أيضاً على اتصال
بالمؤسسات المهتمة بموضوع القدس.
ودعَوْنا في العام الماضي مدير المعهد العالي للآثار الإسلامية بجامعة القدس
في داخل القدس للحديث حول القدس في المؤتمر، أيضاً لنا اتصال مع المؤسسات
المهتمة بالترميم داخل القدس، ولا سيما جمعية الأقصى لرعاية المؤسسات
الإسلامية التي يرأسها الشيخ (رائد صلاح) الذي كان له دور كبير جداً في الحفاظ
على المسجد الأقصى، وأخص هنا الدور الكبير التي قامت به هذه الجمعية في
تحويل التسوية الشرقية للمسجد الأقصى والتي تعرف حالياً بالمصلى المرواني التي
تبلغ مساحتها خمسة آلاف متر مربع، وكانت خالية يُمنع الدخول إليها إلا بإذن،
فعندما اكتشفت جمعية الأقصى أن اليهود يسعون إلى عمل نفق يربط حائط البراق
(الذي يسمونه حائط المبكى) بتلك التسوية بادرت تلك الجمعية إلى العمل في داخل
هذه التسوية فتم تبليطها وترميمها وفرشها، والآن أصبحت مصلى يصلي فيه أهل
الإسلام في فلسطين، وهذه الحال لم تكن كذلك منذ الاحتلال في عام ١٩٦٧م.
فنحن على اتصال دائم داخل القدس مع المؤسسات العلمية والأكاديمية والشخصيات
التي نأمل أن تكون عناصر في هذا المجال، بالإضافة إلى المؤسسات التي تتولى
ترميم ورعاية وحماية المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس بصفة عامة.
نود أن نسأل عن نشاطاتكم الأخرى من خلال مجمع البحوث، وما هي
طموحاتكم لتطوير المجمع؟
بالإضافة للمؤتمر الأكاديمي الدولي السنوي، والمجلة، والمنح الدراسية لدينا
سنوياً معارض فوتوغرافية حول موضوع القدس؛ وكل معرض يحمل مفهوماً نريد
أن نوصله إلى من يشاهده؛ ففي السنة الأولى - على سبيل المثال - عملنا (درة
المدينة المقدسة) ، وكنا نريد أن نغير مفهوماً خاطئاً في عقلية المسلم والغربي في
نفس الوقت، وأردنا أن نقول: إن المسجد الأقصى ليس قبة الصخرة، وإنما القبة
جزء من المسجد الأقصى.
المعرض الثاني كان لتوضيح فكرة التواصل المستمر للمسلمين مع القدس منذ
الفتح الإسلامي حتى هذه اللحظة، وأن الوجود والصفة الإسلامية حول هذه المدينة
صيغت مباشرة بعد الفتح الإسلامي للقدس. ونحن في الطريق إلى إعداد المعرض
الثالث بإذن الله إضافة إلى أن لنا نشرة تصدر أربع مرات في السنة باللغة العربية
والإنجليزية: وهي نشرة إخبارية نخاطب بها عامة المسلمين والغربيين، ونحاول
أن نوصل لهم أحدث الأخبار التي لا تنشر في الصحافة حول موضوع القدس باللغة
العربية وتسمى: (نداء العلماء) وباللغة الإنجليزية تسمى: (The Holy Sity) .
هذه نبذة مختصرة حول ما نقوم به لتأسيس المرجعية الجديدة حول موضوع
القدس بأسلوب حضاري مميز نأمل تحقيقه، وأشياء كثيرة جداً؛ ولكن طموحنا في
إطار المعقول، وليس طموحاً فيما لا يمكن أن نحققه.
نحن منذ إنشاء المجمع ١٩٩٤م نخطو خطوات دقيقة وبطيئة وهادئة بعيدة عن
أي صخب أو ضوضاء؛ وهذه الطريقة تعطينا مصداقية في عالمنا العربي
والإسلامي والعالم الغربي، ونأمل - إذا ما توافر لدينا الدعم المالي اللازم - إلى
زيادة عدد المنح الدراسية وزيادة المعارض.
والمجلة تصدر أربع مرات في السنة، ونقوم بطباعة بعض الوثائق حول
موضوع القدس، وعقد مؤتمرات في البلاد الغربية كذلك لتوعية ونقل هذا الاهتمام
الحضاري إلى عالمنا العربي، ونأمل كذلك في توثيق علاقتنا بالجامعات العربية
والجامعات الإسلامية ومراكز البحث العلمي في تلك البلاد، ولكن كثيراً من
المشاريع التي ناقشناها في مجمع البحوث وتوقفنا عن تنفيذها كان بسبب عدم توفر
الدعم المالي. نحن على استعداد أن نناقش جميع المشاريع التي لدينا مع أي جهة
خير أو فرد يريد أن يدعم هذه المشاريع بإذن الله تعالى فالمشاريع كثيرة؛
والطموحات كثيرة؛ ولكننا نريد أن نكون واقعيين في تعاملنا فلا نريد أن نطرح
قضايا كثيرة جداً وهي بحاجة إلى دعم كبير، ونريد أن نتعامل مع ما هو متوافر
لدينا؛ فإن توافر لنا الدعم فمن المؤكد أننا سننطلق في مشاريع كثيرة جداً تشمل بقية
أوروبا وأمريكا والعالم العربي والإسلامي.
أريد أن أذكر نقطة وهي: نشر الكتب، فلقد قمنا مؤخراً بنشر كتاب وثيقة
حول حائط البراق الشريف الذي أصدرته اللجنة الدولية عام ١٩٣٠م وصادقت عليه
الحكومة البريطانية وعصبة الأمم عام ١٩٣١م بعد ثورة البراق ١٩٢٩م، وهذه
الوثيقة لمن يريد أن يتكلم بالشرعية الدولية والقانون الدولي نقول بكل وضوح: إن
حائط البراق هو ضمن أوقاف المسلمين وإن ملكيته تعود إلى المسلمين، والكتاب
باللغتين العربية والإنجليزية.
وأختتم حديثي بأننا بفضل الله - تعالى - على قناعة بهذا المشروع، ولقد
وافقت الجامعة التي أعمل بها على طرح مقرر أتولى تدريسه حالياً اسمه: (القدس
الإسلامية) ليدرس لطلبة البكالوريس؛ فهذا إنجاز كبير. والحمد لله رب العالمين.
стр. 3295
ملفات
القضية الفلسطينية.. مآس متجددة
مستقبل العمل الإسلامي في فلسطين
عبد الملك محمود
لا شك في الدور الضخم للانتفاضة في فلسطين الذي أخاف أعداء الأمة من
يهود ونصارى، وقد خطط الأعداء طويلاً ومكروا مكر الليل والنهار، خصوصاً
عندما رأوا تأثير الانتفاضة حتى توصلوا إلى أفكار ومشاريع مختلفة. هؤلاء
الأعداء المتربصون كثر، وعلى رأسهم الحلف اليهودي النصراني الدنس. وكان
من أبرز ما تمخض عن مشروعات الأعداء للمنطقة (اتفاقية أوسلو للسلام) ، هذا
المشروع الذي أقيم أصلاً للمحافظة على مصالح دولة (إسرائيل) . وهي مصالح لا
تتحقق إلا بضرب كل ما يمت للإسلام بصلة وصد الناس عن دين الله، فالتقت
مصالح اليهود والعلمانيين من السلطة وغيرها، فتعاونوا على حرب تلك الانتفاضة. وقامت هذه الحرب على عدة محاور:
١- إنهاء الانتفاضة ورموزها.
٢- القضاء على النشاط الإسلامي وتجفيف منابعه.
٣- شن حرب شرسة على الأخلاق، ويرتبط بها سياسة التجويع والتجهيل.
٤- إنهاء أي صورة من صور المعارضة لمشاريع السلام ومحاولة ضرب
الإسلاميين بشتى الوسائل.
ولعلنا نشير فيما يلي إلى بعض النقاط حول طبيعة المعركة الحالية، ثم بعد
ذلك نعرج على الموضوع الأهم وهو حديث في النقد الذاتي داخل البيت الواحد،
ونريد من إخواننا العاملين في فلسطين على كافة اتجاهاتهم أن تتسع صدورهم
للحديث؛ فهم منا ونحن منهم، ونحن نثق بإخواننا ونقول لهم: لسنا أوصياء عليكم
ولكنها النصيحة الواجبة علينا وما يهمكم يهمنا. لذا سنتحدث قليلاً عن بعض
المراجعات والدروس نظراً لعدم اتساع المقام - ثم نشير إلى بعض المسائل
الإيجابية التي يجب أن تُنمى ويركز عليها.
القضاء على الانتفاضة وبذورها:
كانت هناك محاولات ومخططات للقضاء على الانتفاضة، وأخيراً توقفت
الانتفاضة، ووقف شمعون بيريز بعد عام من اتفاق أوسلو في الكنيست يدافع عن
الاتهامات الموجهة له ولحزبه بالتسرع في الاتفاق مع السلطة الفلسطينية، فقال: ...
(إلى من يعترض على برنامج حكومتنا أقول شيئين: الأول: نحن إذا رجعنا
بالذاكرة إلى الوراء فسنرى أنه لم يكن أمامنا إلا خياران: إما أن نأتي بالمنظمة
الضعيفة ونسلب منها كل مقومات المقاومة ونتفاوض معها وهي ضعيفة بشروطنا،
أو أن نذهب إلى حماس ونتفاوض معها وهي قوية وتلقى قبولاً لدى الناس والشارع
الفلسطيني ونضطر إلى مفاوضتها بشروطها هي. الثاني: اذهبوا إلى غزة الآن
وانظروا إلى حال المرأة الفلسطينية في غزة وكيف حجابها؟ من يستطيع أن يقول
إن المرأة كانت تستطيع نزع الحجاب أيام الانتفاضة) ؟
لقد كانت حال المجتمع الفسلطيني خلال الانتفاضة تمثل نوعاً من التكافل
والترابط والعودة إلى الدين. كانت هناك صورٌ جيدة من التكافل والنظافة
الاجتماعية وربما كان ذلك بسبب التماسك في وجه العدو المشترك ومشاركة الذين
فقدوا أبناءهم أو أصيبوا بما أصيب به كل بيت. لم تكن تسمع عن حالات الفجور
التي نراها الآن. ولم تكن هناك قوات ردع أو شرطة تجبر الناس على الحجاب؛
فقد كانت الأخلاق بصورة عامة منضبطة نوعا ما.
ومثالٌ على هذا: اتجه الناس أيام الانتفاضة إلى تبسيط الأعراس وعدم البذخ؛ فكان مبلغ ٥٠٠ دينار كافياً لإقامة الزواج وحفلته. أما الآن فإن ظاهرة التنافس
في الأعراس في فلسطين أصبحت لا تطاق من مغالاة في المهور، فضلاً عن
مظاهر البذخ والانحلال والتقليعات الجديدة والفساد في الحفلات مثل استئجار عدد
كبير من السيارات والذهاب إلى البحر في غزة أو غيرها، أو موضة الذهاب إلى
مطار رفح والتقاط الصور في صالة المطار ... وعادات أخرى عجيبة بدائية،
وتضييع للأموال والأوقات والانشغال بأشياء تافهة؛ وبهذه الطريقة لا يفكر الناس
باليهود ولا بما يقومون به. بينما يقوم اليهود في بناء المستوطنات وتفريغ القدس
والاستيلاء على مزيد من الأراضي.
القضاء على النشاط الإسلامي، وسياسة تجفيف المنابع:
لقد نصت الملاحق السرية لاتفاقية أوسلو على محاربة الإسلام والنشاط
الإسلامي، وبذلت السلطة في ذلك جهوداً كبيرة شملت تصفية رموز الإسلاميين
ومطاردتهم خصوصاً أصحاب الجناح العسكري، كما شملت تشديد الخناق
والاعتقالات والتعذيب. ومن جهة أخرى عملت السلطة على إقفال الجمعيات
والمؤسسات الإسلامية على الساحة، وإبعاد الخطباء النشطين، حتى إن الخطيب لا
يسمح له بالقيام بخطبتي جمعة متتاليتين. لقد بدأت السلطة باكراً بهذه السياسة،
ومن المفارقات أن يكون من أولويات السلطة إنشاء المعتقلات والسجون والتشديد
الأمني قبل أن تبدأ بأي شيء من البنى التحتية التي يفتقدها الناس. إن سجلات
عرفات طوال أكثر من ٥ سنوات كلها خزي؛ فمن حصيلة إنجازاته: إنشاء ٣٠
مركز توقيف واعتقال، و١٧ سجناً و٤٠ ألف شرطي! ! لقد بدأت المنظمة باكراً
بهذه العملية مع استلامها للسلطة فبادرت بعمليات الاعتقال وإغلاق الجمعيات
وتجفيف المنابع، وأخذت خلاصة خبرات الأنظمة القمعية في هذا المجال.
من المفارقات - وللحق - أن المسلمين في المناطق التي يحتلها اليهود
(مناطق عام ١٩٤٨م) هم أفضل حالاً ممن يرزحون تحت سلطة عرفات. وخلال
الأشهر الأولى من عام ١٩٩٦م تعرض الكيان اليهودي لموجة انفجارات عنيفة
هزت أركان المجتمع اليهودي وأثارت مخاوفه وقلقه، وكان عقب ذلك تشديد آخر
ضخم، وتعقُّب لعناصر حماس وتصفيات جسدية واعتقالات في مناطق ما يسمى
بالحكم الذاتي! كان لها تأثير بالغ.
- ولن نتحدث هنا عن مظاهر الفساد الإداري والاختلاسات والرشاوى التي
يقوم بها أباطرة السلطة ورجالاتها؛ فهذه القصص حديث الناس اليومي.
تحالف يهودي - أمريكي - عرفاتي - عالمي:
أما عن تعاون السلطة مع اليهود فهو واضح وأدلته كثيرة؛ فقد تكلم بيريز مع
نتنياهو عندما سأله: لماذا لا تترك الخليل؟ فقال نتنياهو: لماذا لم تنسحب أنت في
الفترة السابقة؟ قال: لم أنسحب؛ وذلك بناء على طلب عرفات. وهذه رواية ثابتة
عنه. بل إن الخلافات بين (إسرائيل) والمنظمة على مواضيع المفاوضات تبدو
وكأنها خلافات داخل الأسرة الواحدة، وكما صرح نتنياهو ذات مرة بأن (الأصدقاء
في الأسرة الواحدة يختلفون ثم يتصالحون!) .
أما الأنظمة الأخرى، فلا شك أن السباق بينها الآن محموم لإقامة علاقات مع
(إسرائيل) وإنهاء الحالة السابقة، والمنطقة كلها تهرول نحو السلام. ...
وعلى سبيل المثال فإنه عقب فوز باراك في الانتخابات بدأت سوريا تتخلى
عن الفصائل المعارضة التي كانت تستخدمها ورقة ضغط، وأرسلت إليها إشارات
واضحة بضرورة التفاهم مع السلطة والتخلي عن خيار هذه الورقة - حتى لو كان
ذلك عبارة عن مجرد تصريحات على الورق - كما أن هناك مساعيَ لإكمال سلسلة
العلاقات المغاربية الإسرائيلية بإيجاد علاقات مع الجزائر؛ وقد بدرت لذلك عدة
بوادر منها: مصافحة الرئيس الجزائري لباراك، ومقابلة صحيفة إسرائيلية مع
بوتفليقة، وإشارات متفرقة أخرى. وما لا يتم في هذه السنة فسوف يتم في التي
بعدها، وما لا يمكن إحرازه على هذه الجبهة يمكن أن يحرز في جبهة أخرى، لكنْ
هناك اتفاق على قضايا ومحاور أساسية من أبرزها محاربة (التطرف) الإسلامي،
كما حدث في اتفاق شرم الشيخ الذي أطلق عليه: (مؤتمر مكافحة الإرهاب) .
نظرة إلى مسيرة المفاوضات:
بمجرد فوز باراك في الانتخابات أطلق لاءاته الأربعة الشهيرة: لا للانسحاب
من القدس، لا للدولة الفلسطينية، لا لعودة اللاجئين، لا لإزالة المستوطنات. ومع
هذا فلا زالت السلطة ومن حولها تلهث خلف المفاوضات، وهي مفاوضات تسير
على وتيرة واحدة. فهناك سلسلة صعبة مما تم تأجيله في المفاوضات كقضية القدس
والمعتقلين واللاجئين. ولو سلمنا جدلاً بأن المفاوضات عبارة عن حل وسط فما هو
الحل الوسط المطروح في قضية القدس؟ وما هو الحل الوسط في قضية اللاجئين؟
في كل جولة تثار قضايا جانبية ثم تؤجل المفاوضات لفترات ربما تمتد لشهور
طويلة ثم تعود ثانية وهكذا. ولننظر على سبيل المثال إلى نموذج من فنون
المماطلة اليهودية في قضية النازحين إذا ما تمت الموافقة على بدء الحوار فيها،
ولا ندري متى يتم ذلك؛ فإن هناك بعض الطروحات الإسرائيلية ومنها:
١ - تعريف من هو النازح.
٢ - كم عدد النازحين.
٣ - تشكيل لجنة دولية لإجراء إحصاء لمعرفتهم.
٤ - النازحون هم الذين نزحوا عام ١٩٦٧م من الضفة وغزة وليس أبناءهم
أو ذويهم.
شكلت لجنة فنية لتعريف من هو النازح أولاً، وانشغلت اللجنة بستة
اجتماعات ثم توقفت بموت رابين، وجاء اقتراح بيريز بأن تتم عودة النازحين -
في حال الموافقة - بصورة مبرمجة لكيلا يحدث انفجار سكاني في منطقة السلطة [١] ، والطريف في الأمر أن هذا البرنامج المقترح يعني أن النازحين ستتم عودتهم
في مدة وجيزة لا تتجاوز ٣٠٠ سنة فقط (! !) .
وأحياناً تدور المفاوضات حول قضايا معينة مثل مسألة ميناء غزة ومسألة فتح
شارع الشهداء في الخليل وربما تكون على مستوى آخر كمسألة الممرات الآمنة،
وهكذا تؤجل القضايا الأساسية الضخمة؛ فهناك حرب إسرائيلية شاملة شرسة
لتفريغ القدس من أهلها المسلمين، والمستوطنات تزداد رسوخاً (ربما يسمح بإزالة
بعض بيوت الصفيح المتنقلة) وعدد اليهود القادمين إلى فلسطين يزداد (تقرير في
مجلة المجتمع العدد الأخير أوائل نوفمبر ١٩٩٩م تحدث عن قرب هجرة ٢٤٠ ألف
من اليهود الروس خصوصاً عقب الحرب في الشيشان) وهكذا فالعدو الإسرائيلي
الماكر يبرمج الحلول كما يشتهي، والسلطة تقابل ذلك بمسيرة تنازلات والرضى
بأي شيء: ممر آمن، أو غيره [٢] . وما لقاء أوسلو الجديد في أوائل نوفمبر
١٩٩٩م سوى استمرار للمسيرة نفسها، ولا ينسى عرفات في التوقيت نفسه (ذكرى
مقتل رابين) أن ينحني ليقبل يد زوجة رابين كأنها إشارة إلى مسلسل الانحناء والذل
لليهود.
مثال: قضية المعتقلين:
يقدر عدد المعتقلين بنحو ٧٠٠٠ معتقل، وقد أطلق سراح بعض المتهمين في
قضايا جنائية، وفي العام الماضي طالبت المنظمة بإطلاق سراح ٧٥٠ من أعضاء
فتح والجبهات العلمانية فأطلق سراح ٢٥٠ منهم: ١٥٠ جنائي، و١٠٠ سياسي،
ومنذ نحو شهر ونصف أطلق سراح ٢٠٠ والباقي نحو ٣٠٠ من فتح والعلمانيين
من المتهمين بقتل يهود أو المساهمة في العمليات، أما الإسلاميون فيقدر عددهم
بنحو ٣٠٠٠ مَن أُخرج منهم حديثاً بعضهم اقتربت نهاية محكوميته، ومن الطريف
أن هناك شخصاً بقي له أسبوع فقال: اتركوني حتى ينتهي الأسبوع وخذوا مكاني
آخر.
(إسرائيل) غير مستعدة لمناقشة موضوع الإسلاميين في السجون، بل
وغير الإسلاميين ممن ثبت أنه سفك الدم اليهودي (المقدس) . والحقيقة أن المنظمة
ليس لديها القوة للمطالبة بهؤلاء، بل لا بد من موافقة مكتب الـ (سي آي إيه) في
غزة بناءاً على اتفاقات أوسلو، وهو مكتب قوي له إمكانات واتصالات وحسابات،
وهو موجود لحل بعض المعادلات والوصول إلى الأسماء والمعلومات المطلوبة.
ومن الجدير بالذكر أن عبد العزيز الرنتيسي المعتقل لدى السلطة وهو من قادة
حماس ممنوع إطلاق سراحه بناء على طلب (إسرائيل) وأمريكا على خلفية أنه
رجل قوي الشخصية وإداري، ووجوده خارج السجن يعني قوة لحماس وكلامه
مقبول، وهناك اتفاق مسبق بين المنظمة و (إسرائيل) بعدم إطلاق سراح هؤلاء،
فالمعادلة إذن محسومة.
حرب على الأخلاق:
من أبرز أهداف المشروع اليهودي الغربي للمنطقة محاربة الأخلاق؛ فهو
يحرض على نشر الفساد والرذيلة، وقد ركز الأعداء على هذا الأمر؛ لأن الانهيار
الأخلاقي مفتاح استسلام الشعوب وقبولها للذل والتبعية والتغريب.
وبمجرد استلام رجال المنظمة للسلطة تم استيراد بعض فرق الباليه من روسيا
ومن مصر، فضلاً عن استقدام الفنانات؛ بينما أهملت البنية التحتية: الكهرباء،
والماء.
كما قامت السلطة بعمل ترميم وبناء لدور السينما التي دمرت خلال الانتفاضة
وكانت هدفاً للإسلاميين [٣] ، فبدأت سينما النصر في غزة تعمل بعد ترميمها،
ولكن الله قدر أن تخرب مرة أخرى أثناء أحداث ١٨ نوفمبر الماضي، كما تستعد
السلطة لافتتاح سينما الجلاء في غزة. وفي إطار إنجازاتها قامت السلطة بتشييد
الكازينوهات مثل: كازينو زهرة المدائن، وكازينو النورس وعددها في ازدياد،
وقد كان لسهى الطويل زوجة عرفات دور أساس في إنشاء هذه الكازينوهات
ورعايتها، كما تقوم قوات الشرطة الفلسطينية بحراسة هذه الكازينوهات؛ لأنهم
خائفون على هذه الإنجازات من العبث أو الغضب الشعبي. ويكفي أن نذكِّر بأحد
منجزات السلطة وهو مشروع الكازينو الضخم في أريحا ويحوي صالة من أكبر
صالات القمار في العالم، وعُملت له دعاية ضخمة، واستُقدمت إحدى الممثلات
الأمريكيات لافتتاحه، وهكذا وكأن الشعب الفلسطيني لا ينقصه إلا مشاهدة الأفلام
والكازينوهات؛ وهذا شيء بسيط من إفرازات أوسلو أو الاتفاقات اليهودية
الفلسطينية. والذي عايش الأوضاع في فلسطين قبل خمس سنوات يرى الآن
صوراً كثيرة من الفجور والسرقات وغيرها من الأخلاق السيئة.
العمل الإسلامي آمال وآلام:
لا شك أن النشاط الإسلامي المعاصر في فلسطين له تاريخ عريق بدأ منذ
أوائل القرن، وما ثورة القسام إلا صورة من صورها المشرقة، ورغم المؤامرات
الضخمة وتكالب الشرق والغرب إلا أن النشاط الإسلامي انتعش وقوي بحمد الله -
تعالى - وكان أوج نشاطه أيام الانتفاضة. وبعد الانتفاضة كان حقاً علينا أن ندرس
واقعنا بصورة أكثر عمقاً وبعداً عن السطحية، دراسة لنقاط القوة والضعف،
وللإمكانات والفرص الضائعة والمتاحة. لذا كانت هذه بعض الإشارات التي ينبغي
علينا الانتباه إلى واقعنا من خلالها، مثل:
- الأزمة الأخلاقية التي تحدثنا عنها قبل قليل.
- الجهل والغفلة والبدع.
حدثني أحد الإخوة من شخصيات حماس عن بعض الأمور العجيبة من انتشار
الدجل والشعوذة والسحر، ومن يذهب إلى هناك لفترة قصيرة فسيسمع عشرات
القصص المضحكة المبكية عن صور من الدجل الذي يتم. وذكر لي هذا الأخ قصة
أناس مرض أحد أبنائهم فذُكر لهم أن فلاناً يمكن أن يكون عنده العلاج، فشدوا
الرحال إلى خان يونس وقال لهم المشعوذ: دوروا حول هذا الشيء الذي جعله لهم
في وسط المجلس، فأخذوا يدورون وهو يقول لهم: أخرجوا كل شيء من جيوبكم
وضعوه على الأرض فيقوم هو بأخذ ما يحتاجه فقط وهو الأموال (!) وبعد اللفات
العلاجية يطلب منهم أن يأخذوا هوياتهم وأوراقهم الهامة التي رموها على الأرض
حتى لا يواجهوا صعوبة من اليهود أثناء عودتهم، ويسألونه إن كان يريد مالاً
فيعتذر الرجل؛ لأن عمله لله! ولا أحد يستطيع سؤاله عن الأموال التي سرقها وهم
يدورون كحمار الرحى! !
كما حدثني هذا الأخ عن انتشار البدع الصوفية والأفكار المنحرفة بتشجيع
ودعم من السلطة وحمايتها، مثلاً: إذا وُلِدَ لإنسان ولد فإنهم يذهبون به إلى ما
يسمى مقام الخضر في (دير البلح) ويذبحون عند الخضر ويلطخون رأس الولد
بالدم! فهل هذا إلا صورة من الجاهلية الأولى؟ !
ضعف في العلوم الشرعية وسياسة التجهيل:
الشعب الفلسطيني عموماً بقدر تقدمه في العلوم المادية وحيازته أعلى
الشهادات فإنه يعتبر فقيراً جداً في العلوم الشرعية؛ ولذلك فلا بد من إيجاد مشاريع
لإنشاء معاهد ومدارس للتربية وتعليم العلوم الشرعية وإنشاء مكتبات: مكتبات عامة، ... مكتبات في المساجد، وحلقات علمية؛ وتزويدها بما تحتاجه من الكتب والمراجع.
مراجعات:
ونحن نقصد بهذه المراجعات ضرورة النقد الذاتي ومحاسبة أنفسنا؛ فهو نقد
داخل البيت الواحد، ونحن ننتقد أنفسنا، وهذا العمل منا ونحن منه، والأخطاء
أخطاؤنا قبل أن تكون أخطاء غيرنا. ومن جهة أخرى فمما لا شك فيه أن الذي
يعمل ويتحرى الحق خير من القاعد، ونحن أمة واحدة كالجسد الواحد، كما أن
المسلمين ينصح بعضهم بعضاً ويسعون إلى الاستفادة من الدروس، والمؤمن لا
يلدغ من جحر واحد مرتين.
لقد تضخم العمل الإسلامي في فلسطين - وفي أماكن كثيرة أخرى في بلادنا- وكثيراً ما كان التضخم والتوسع بدون دراسة - ونحن لا نقصد الجانب القدري
الكوني في المسألة - نقول هذا للإشارة إلى مشكلة الترهل التي تصاحب كثيراً من
الجماعات الإسلامية التي تسلك السبيل نفسه، وهي تذكرة لنا ولإخواننا؛ والحر
تكفيه الإشارة. ولعل هذا يدفعنا إلى دراسة كيفية الانتشار ووسائله، والتوسع
والتوثيق بين العاملين، ومعرفة حقيقة حجمنا حتى تبنى الأمور على قواعد
معلومات دقيقة.
والشيء بالشيء يذكر؛ فإنه رغم الدور الضخم للإسلاميين في تفعيل
الانتفاضة إلا أنه للإنصاف لا بد من تقدير حجم ودور التيارات الأخرى الموجودة
والظروف التي رافقت عملية الانتفاضة. فهل بالغنا في تقدير قوة حماس وقيمتها
أيام الانتفاضة؟ هل كانت حماس هي صاحبة الانتفاضة أم أنها كانت رقماً كبيراً؟
ألم يكن ثمة دور لأبي جهاد وفتح في العملية؟
القيادة والمسؤولية:
ربما يكون هناك أناس طيبون فيهم صلاح أو إخلاص ولكن صلاحهم هذا لا
يعني أن يتولوا دفة القيادة أو أن يكونوا ناطقين باسم المجموع، وكم جرَّت مثل هذه
الأخطاء أو المجاملات على العمل الإسلامي من ويلات. إنك ترى أحياناً بعض من
يشار إلى أنهم قادة يصرحون تصريحات أو تُجرى معهم مقابلات غير موفقة
ومحرجة؛ ولقد شاهدنا في أكثر من بلد أناساً كانوا في السجون وخرجوا منها، كأن
أحدهم خرج من القبر وبعث بعد سنين فهو لا يدري كيف تسير الأمور ثم يتحدث
بالأعاجيب، وهناك يبدأ الأصحاب والأتباع في البحث عن التسويغات والمعاذير
التي لا تجدي شيئاً للخروج من الإحراج.
فهم الواقع بصورة أكثر دقة:
وقد أشير فيما سبق إلى شيء من ذلك، ونود هنا الإشارة إلى أهمية معرفة
دور عرفات ورجاله وخططه، إن زعيم السلطة يقدم مصلحته فوق كل مصلحة،
وإذا رأى أن هناك إمكانية للصلح بسجن أعضاء حماس والجهاد الإسلامي فإنه لن
يتردد في سجنهم كلهم. وكمثل كثير من تجاربنا الإسلامية قطف عرفات وجماعته
من العلمانيين والنفعيين ثمرة الانتفاضة.
ونود التذكير بأهمية المنطلقات والتركيز على كونها شرعية تماماً؛ فلقد لمسنا
في لهجة بعضهم الكلام عن أرض فلسطين وتراب فلسطين، والوطنية، وهذا لا
يتناسب مع إسلامية القضية، كما رأينا من بعضٍ آخر عدم الانتباه إلى خطورة
الرافضة والحرص على بناء علاقات متينة معهم. ومن فهم الواقع حقيقة أن ننطلق
فيه من خلال مبادئ ثابتة. ونعيد هنا التركيز على أهمية المنطلقات، وضرورة أن
تكون سليمة هي ووسائلها حتى لا يكون هناك غبش في الرؤية. ولنأخذ على ذلك
مسألتين:
١ - علاقة الإسلاميين بإيران: نحن نعلم أن الكثير من الإسلاميين في
فلسطين لا يكنون الود للرافضة، لكن حدثت بعض الأمور والعلاقات التي أزعجت
عامة التيار الإسلامي، ومنهم كثير من الإسلاميين في فلسطين، وقد كان واضحاً
أن مسألة تبني منهج أهل السنة والموقف الشرعي من الرافضة لم تأخذ بعداً منهجياً
واضحاً عند قيادة حماس؛ رغم أن عامة شعبنا في فلسطين يذكر تماماً ما فعله
رافضة لبنان في المخيمات.
٢ - العلاقة مع السلطة: لقد كانت العلاقة مع السلطة مذبذبة وغير واضحة،
رغم أن السلطة كانت ظالمة للإسلاميين منذ البداية، ونحن نقدر تماماً التوازنات
التي يحاول الإسلاميون تقديرها هناك، ولكن هذا لا يعني بأي صورة أن يكون
هناك مداهنة أو موالاة. وللأسف فإن بعض التصريحات والمقابلات التلفزيونية
والصحفية مع بعضهم أعطت إشارات سلبية في هذه القضية، ولذا فإننا نحذر
إخواننا من محاولة جر السلطة لهم لحقل الألاعيب السياسية، ومحاولات تفريغ
العمل من حقيقته.
ونرجو ألا يكون هناك مستقبلاً أي استغلال من السلطة للإسلاميين؛ فلقد
قطفت السلطة ثمرة الانتفاضة، ولا نريد أن يكون هناك مزيد من الخسائر أو أن
نفاجأ بجر الإسلاميين بالألاعيب السياسية ودهاليز الوزارات، ومن الضرورة فهم
من هم أعداؤنا، ومعرفة حجمهم وأدوارهم وفضح المنافقين.
إن التحالف القائم، وإن لم يكن قد تم بصورة رسمية مع الأمريكان واليهود
والعلمانيين إلا أننا نعلم ذلك يقيناً، ولسان الحال ينطق بذلك؛ فهو حلف تشترك فيه
كل التيارات العلمانية، ومن رموزه: الجبهة الشعبية (جورج حبش) ، ...
والديمقراطية (نايف حواتمة) وقد رأينا اتصالات المنظمة للحوار مع هذه التيارات ...
والوعود بإعطائها بعض المناصب، وهذه الجبهات متعدة الوجوه؛ حيث تقوم
بأدوار تمثيلية عدة، فتلبس لكل حالة لبوسها، ومثل هذه الجبهات المتعددة؛ الأقنعة
التي تلبس لكل سياسة قناعاً لا يمكن إقامة أي نوع من التحالف أو التعاون معها.
الأمل والمستقبل:
هناك صراع طويل وكبير بين الإسلام واليهود، والنصوص الشرعية تشير
إلى هذا. نعم! ربما ليست لدينا القوة على التغيير حالياً، ولكن لدينا القدرة بإذن
الله على الإعداد لهذا التغيير. وهذا الصراع والهجمة العالمية دخل فيها أطراف
وتحالفات من النصارى الأمريكان - على وجه الخصوص - وأنظمة مرتدة ودول
تحمي وتدعم بطرق مختلفة؛ صراع تنوعت فيه الأدوات والوسائل، وجند فيه
نظام العولمة والإنترنت، وسخرت الإمكانات الضخمة لخدمة اليهود. وبرغم هذا
فإن المسلمين ما خرجوا إلا من منطلق: لا يزيدهم هذا الأمر إلا إيماناً وتسليماً
بموعود الله كما في سورة الأحزاب: [وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا] [الأحزاب: ١٠] ألا ما أشبه الليلة بالبارحة! الإسلاميون يقولون: هذا [ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله] [الأحزاب: ٢٢] إنه وعد لا يشك فيه أحد.
وسواء توقفت العمليات الجهادية ضد اليهود حالياً أو لم تتوقف فإن مشروع
الجهاد لا تملكه السلطة بل ولا حماس ولا غيرها، إنه وسيلة الأمة كلها، لدفع
العدوان ودحره والله - سبحانه - هو الذي يختار ويصطفي وهو الذي وعد بأن
يبعث على اليهود إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب من المسلمين أو من
الألمان أو من غيرهم، ونحن نوقن أيضاً بأن سنة التدافع خير للأمة وفيها مفاتيح
الفرج للمسلمين إن شاء الله.
نعم! إن الوضع العام الغالب يدل على الضعف، وهذا صحيح؛ حيث رمانا
الأعداء عن قوس واحدة، وهناك من توجد عنده سلبية أو ينظر بتشاؤم، ولا زلنا
حتى اللحظة نعاني صوراً من القصور والضعف والتشتت؛ ولكتن أغلب
الإسلاميين يقولون: وصدق الله ورسوله، ويوقنون بأنه لا بد من الابتلاء
والتمحيص والفتنة، ويشعر الكثيرون أننا نحن لضعفنا لا زلنا في مرحلة لم نتأهل
بعدُ لنصر الله، وسلعة الله غالية، ولو انتصر المسلمون الآن على ما فيهم من
ضعف وقصور ربما كان الأمر أشد فتنة.
- لا بد من تنمية الخير الموجود في النفوس. ولا بد للطاقات من أن تُنمَّى
وتوجَّه بصورة سليمة حسب الظروف التي يراها العاملون هناك بالحكمة.
- لا بد من التركيز على إنشاء المراكز والمعاهد الشرعية ومدارس تحفيظ
القرآن، ونحن نعلم أن هناك بوادر جيدة في هذا الإطار للأعمال الإغاثية وطلاب
العلم ورعاية الأيتام والأرامل، ولكنها مشاريع بحاجة إلى تركيز ودعم ودراسة أكثر. وهذه مناسبة نطلقها إلى الجميع لتبني قضايا المسلمين في فلسطين، وهي دعوة
للمحسنين في بلاد المسلمين للإنفاق ولدعم إخوانهم المحاصَرين من كل جهة لدعم
مراكزهم ومساجدهم وطلاب العلم لديهم، ومن العجب أن السلطة المفلسة لما رأت
هذا النوع من النشاط بدأ ينتشر صارت تنافس الجمعيات الخيرية في انتشار حلقات
التحفيظ في المساجد [٤] ، والأوقاف أنشأت بعض مشروعات تحفيظ القرآن الكريم، وما ذلك إلا لأنهم شعروا بأن الجمعيات الخيرية تنشط في الحلقات وتحاول سحب
البساط. ولعل هذا مصداق سنة التدافع التي جعلها الله - سبحانه - لصالح عباده
وعمارة الأرض.
- ونعيد التأكيد هنا على مسألة بث العلم الشرعي وتصحيح مفاهيم الناس من
خلال الخطب والمحاضرات والحلقات القرآنية والندوات والمراكز الصيفية.
- توحيد الصفوف والبعد عن الحزبية الضيقة وعدم إثارة الخلافات، وهي
وإن كانت قليلة - بحمد الله - مقارنة بما في غيرها من البلاد، إلا أنه لا بد من
السعي للتنسيق على الأقل بين جميع العاملين المخلصين.
- فهم الواقع بصورة أكثر دقة وشمولية، وقد سبقت الإشارة قبل قليل إلى
شيء من هذا.
- التركيز على مسألة التربية ثم التربية، وهي تشمل التربية الجهادية
وغيرها.
دور المسلمين:
إن شعبنا في فلسطين تحيط به (إسرائيل) من جميع الجهات، وله حق كبير
في النصرة والدعم والتأييد خصوصاً في ظل أجواء التجويع والبطالة الموجودة.
الدعم المعنوي مطلوب من دعاءٍ ونصيحةٍ وتواصلٍ وكذلك الدعم المادي للمشاريع
الخيرية التي قامت وتقوم - بحمد الله وفضله - من بناء المساجد والمراكز الصيفية
والحلقات القرآنية والمدارس ونشر الكتاب والشريط الإسلامي.