← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

ملفات القضية الفلسطينية.. مآس متجددة العلو الكبير (١/ ٢) من خيمة الذل ... إلى حصن الجبروت دور القوى الكبرى في التمكين لليهود عبد العزيز كامل قضى الله - تعالى - قضاءً لا مرد له، بأن تظل أمة اليهود في ذلة مقيمة بعد أن حلَّت عليهم لعنة الله - تعالى - بسبب كفرهم وتكرار جرائمهم مع الأنبياء والمصلحين، وتأكد هذا بعد بعثة رسول الله ﷺ ، ولكن هذه الذلة المقيمة معهم والمضروبة عليهم كالخيمة حيثما حلُّوا أُخضعت لاستثناءين أو حالتين ترفع فيهما: الحالة الأولى: أن يدخلوا في الإسلام فيستمدوا منه العزة المكتوبة لله ولرسوله وللمؤمنين. الحالة الثانية: أن تشملهم مظلة قوة من قوى الشر من البشر الذين يستغلونهم أو يستعملونهم لأجل أغراض ومصالح مشتركة؛ وهذا ما قرره القرآن العظيم في وضوح جليٍّ تام، في قوله : [ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون] [آل عمران: ١١٢] . والمتأمل في تاريخ بني (إسرائيل) كله بعد عصور الاصطفاء يجد أن تلك الأمة اليهودية لم تخرج عن هذا القضاء الإلهي قيد شعرة؛ فطوال عهود تمكين الإسلام لم يحظ يهودي بعزة وأمان إلا بدخوله بصدق في الإسلام وانضمامه إلى ركب المؤمنين، أو بخضوعه لحكم المسلمين والنزول تحت حمايتهم، وهذا ما كان طيلة التاريخ الإسلامي، وخاصة خلال فترة وجود اليهود في الأندلس، ثم في تركيا؛ حيث لم يجدوا الأمان إلا في كنف المسلمين. أما في عصور ضعف المسلمين، وخاصة في العصر الحديث فقد انتقل اليهود إلى الاحتماء بقوى الطغيان الكبرى التي كانت تسمى بقوى الاستعمار. وقبل إبراز هذه الحقيقة من خلال استعراض دور القوى الكبرى في إيجاد كيان اليهود ودعمه وتثبيته، تجدر بنا الإشارة إلى حقيقة أخرى مهمة، وهي أن هناك قضاءاً إلهياً آخر يخص المسلمين في هذا الشأن، وهو أن الأصل فيهم أن يكونوا أعزة، فكما ضربت الذلة على اليهود فقد كتبت العزة للمؤمنين، ونص القرآن واضح في هذا. قال تعالى: [ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين] [المنافقون: ٨] وقال: [كتب الله لأغلبن أنا ورسلي] [المجادلة: ٢١] والمقصود هنا الرسل وأتباعهم الناصرون لدينهم، كما قال - سبحانه -: [ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز] [الحج: ٤٠] . فعزة المؤمنين ... والمسلمين هي الأصل، ولكن قد يعرض استثناء من الذلة إذا تخلفت موجبات العزة، وفي هذا يقول الرسول ﷺ : (إذا تبايعتم بالعِينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم) [١] . وقال عمر بن الخطاب ﵁ (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام؛ فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله أذلنا الله) [٢] ، وصدق الفاروق، فقد جرب العرب الاعتزاز بالقوميات والوطنيات وغيرها من الرايات، فما زادتهم إلا ذلة وخبالاً. ونعود إلى الكلام عن ذلة اليهود؛ فقد شاء الله - سبحانه - أن يشهد عصرنا علواً آخر كبيراً لهم، والعلو بالباطل ليس عزة في الحقيقة بل هو بغي وطغيان وتجبر، ومع ذلك فإن هذا العلو، لم يرتفع اليهود إليه إلا فوق رافعات من قويً أخرى غير يهودية كان لها الأثر الأكبر في ظهورهم وفجورهم. إن الوقائع المعاصرة تصدِّق هذه السُّنَّة الإلهية التي نطق بها القرآن بشأن اليهود، كما تصدق في أحوال المسلمين. ولكن الذي يعنينا في هذا المقال هو حال اليهود من حيث خروجهم من دائرة الذلة: كيف خرجوا؟ وبم خرجوا؟ وعلى يد مَنْ خرجوا؟ إن الجواب على ذلك كفيل بأن يكشف لنا ملامح المصير الذي سيؤول إليه صراعنا معهم، وقمين بأن يبين مزيداً من معالم سبيل المجرمين في الكيد لهذا الدين. فرنسا الاستعمارية، والتجربة الأولى: سبقت فرنسا إنجلترا في الاهتمام بشأن اليهود، ولفتت أنظارهم إلى إمكانية العودة إلى الأرض المقدسة في فلسطين قبل مئتي عام، في ظل بوادر ضعف إسلامي متزايد؛ فقد أطلق نابليون بونابرت دعوته لليهود بالهجرة إلى فلسطين في إبريل من عام ١٧٩٩م للميلاد، وعرض تعاون الحركة الاستعمارية الفرنسية معهم، لتمكينهم من السيطرة على أرض بيت المقدس؛ ولهذا فإنه بعد أن غزا مصر عمد إلى غزو الشام، وخاض معارك كبيرة هناك، إلا أنها انتهت بهزيمته في عكا في معركة أبي قير، مما أجهض مشروعه الإجرامي لتمكين اليهود في فلسطين في ذلك الوقت المبكر الذي سبق ميلاد الحركة الصهيونية المعاصرة بنحو مئة عام؛ ولكن فرنسا ظلت محتفظة بالتزامها بالتعاون مع اليهود بصور تظهر تارة وتختفي تارة، وكان من أبرز صور التعاون معهم بعد إقامة دولتهم المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م، والأظهر من ذلك تمكين دولة اليهود من تصنيع القنبلة النووية بتعاون فرنسي إسرائيلي وثيق منذ نهاية الخمسينات. بريطانيا تشد الحبال الأولى: جدلت بريطانيا لليهود حبل الخروج، فكانت أول (حبل من الناس) لنصرتهم وانتشالهم من ذلتهم في القرون الأخيرة، وقد استفادت من إخفاقات نابليون في تحقيق هذا الغرض، وسارت في خطوات حثيثة وخبيثة لإنجاح المشروع الذي لم تفلح فيه فرنسا. وقد تكلل هذا المسعى المشؤوم بالنجاح - بكل أسف - في نهاية المطاف، ووُلدت دولة اليهود على يد القابلة البريطانية بعد نحو مئة عام أخرى من موعد بدئه؛ فالمشروع الإنجليزي لتمكين اليهود في فلسطين بدأ عام ١٨٤٠م، وأثمر قيام الدولة عام ١٩٤٨م؛ فكيف كان ذلك؟ لقد بدأت بريطانيا مشروعها بتصدير رجال دين نصارى لهذه المهمة؛ حيث رأت أن رجال السياسة لن يصلحوا لمرحلة البداية التي تحتاج إلى تحفيز روحيٍّ وعقديٍّ، ولهذا فإن أول من أذنت له بريطانيا ببذل مساعيه لإحياء المشاعر الدينية عند اليهود بخصوص العودة لفلسطين هو القس (وليام هشلر) الذي تحرك في دول أوروبا من أجل الإقناع بهذا الهدف. وبينما كان القس يهيئ الأجواء لقبول المشروع البريطاني، كان الساسة يرتبون للتحرك على محاور أخرى لاستثمار نتائج مساعيه أولاً بأول، وأصبحت بريطانيا تنادي علناً بحماية حقوق الأقليات الدينية في العالم، ولم يكن يهمها في الحقيقة من هذه الأقليات سوى الأقليات اليهودية لجمع شتاتها المبعثر في العالم، وحشْره في بيت المقدس. وعندما آتت هذه المساعي شيئاً من أكلها بانتعاش الأقلية اليهودية في فلسطين انتقلت بريطانيا في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر إلى جلب يهود آخرين إلى أرض فلسطين من خارجها، واستغلت خبرتها العريقة في اغتصاب الشعوب باسم (الاستعمار) لتضعها تحت تصرف اليهود باسم (الاستيطان) ، أي تحويل أرض الغير إلى وطن. وقد أرادت بريطانيا بذلك المسعى أن تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهي من ناحية تحقق ذلك الهدف المشبوه من مشروع تمكين اليهود في بيت المقدس بعد تيه قارب الألفي عام، ومن ناحية أخرى، تضع خنجراً في خاصرة العالم الإسلامي، لتكرس حالة الوهن التي وصل إليها بعد ضعف الدولة العثمانية، وذلك حتى لا يقوم لهذا العالم كيان عالمي يحاول النهوض من جديد. وقد جعل وزير خارجية بريطانيا (اللورد بالمرستون) مهمته الأولى هي السير قدماً في وضع السياسات الكفيلة بتحقيق هذين الهدفين. ولكن برامج (بالمرستون) ظلت مجمَّدة حتى انتهت الحرب العالمية الأولى التي نتج عنها هزيمة الدولة العثمانية؛ حيث استغل الإنجليز نتائجها وسارعوا إلى اغتنام فرصة الفراغ والبلبلة الناشئة عنها، ونادوا بضرورة فرض الحماية البريطانية على فلسطين، ولم تكن هذه الخطوة إلا تطبيقاً لأفكار بالمرستون للإمعان في تهيئة الأوضاع في فلسطين للتمكين لليهود فيها بالتنسيق مع فعاليات الحركة الصهيونية العالمية التي كانت قد بلغت في ذلك الوقت مرحلة من النضج التنظيمي الذي يؤهلها للقيام بدور فاعل في هذه التطورات المصيرية في المنطقة. وهنا نقف وقفة مع (خيمة الذل) المضروبة على اليهود، فنتساءل: هل كان بإمكان تنظيمات الحركة الصهيونية وحدها أن تقفز هذه القفزة، لولا (الحبل) الإنجليزي، الذي أُلقي إليها لتتسلق عليه إلى الأرض المقدسة؟ ! لقد شهدت البدايات الأولى للقرن التاسع عشر تلاقياً ظاهراً بين أهداف الحركة اليهودية العالمية وأهداف بريطانيا زعيمة العالم النصراني في ذلك الوقت؛ وكأن أحقاد التاريخ كله قد اجتمعت على موعد لتصفية حسابات قرون مضت لليهود والنصارى مع الإسلام في عقر داره. لقد توَّجت بريطانيا هذا التلاقي بإصدار حكومتها وعداً رسمياً لليهود بإقامة (وطن) - لا مستوطنات - ولم يكن هذا الوعد الصادر في نوفمبر عام ١٩١٧م مجرد وعود تشجيعية، وإنما كان بمثابة حكم قضائي، سخرت لتطبيقه القوى المتنفذة في ذلك الوقت، فوعد (بلفور) كان يعني بتعبير آخر، تعهد بريطانيا بتحويل فلسطين إلى وطن لليهود، ولم يكن هذا التعهد قابلاً للتنفيذ عن بُعد، ولهذا أقدمت بريطانيا على احتلال القدس بعد صدور الوعد بشهر واحد. وهكذا، وبعد عشرين عاماً من اجتماع قادة الصهيونية في (بال) بسويسرا فتحت لهم بريطانيا مصاريع أبواب فلسطين لكي يلج منها مشروعهم التآمري ضد المسلمين، بل ضد البشرية جمعاء. لقد سعى اليهود بعد ذلك من خلال منظماتهم النشطة سياسياً إلى تحويل وعد بلفور إلى النطاق الدولي الواسع بدلاً من النطاق البريطاني الضيق، وذلك بعد أن عرضت الحركة الصهيونية مشكلتها على مؤتمر السلام الدولي المنعقد في باريس - ١٩١٩م حيث أوجد هذا المؤتمر الأرضية المناسبة لقرار الحلفاء بوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ومع تحول القضية إلى الصفة الدولية حرصت بريطانيا على الاحتفاظ بدورها الخاص في إكمال مسعاها المشؤوم إلى نهايته؛ فإثر تسلمها مهمة الانتداب عينت صهيونياً هو (هربرت صموئيل) مندوباً سامياً أول لبريطانيا في فلسطين، وبوصفه يهودياً وبريطانياً فقد قام بما أُسند إليه بدقة وإخلاص، ولم يضيِّع فرصة يمكن أن يستفيد منها اليهود. كانت فترة الانتداب (١٩١٧- ١٩٤٧م) كافية لتوفير المعطيات اللازمة وإعطاء المسوغات الكافية للإعلان عن بلوغ الحركة اليهودية مرحلة التأهل الكامل لإعلان الدولة، فعبر سياسات اغتصاب الأراضي وطرد أهلها أو التحايل لشراء الأراضي منهم أو سن القوانين لنزع ملكيتها، تم تدبير العنصر الأول من عناصر الدولة وهو (الأرض) . وعن طريق تدبير الهجرة لليهود والتهجير للعرب، تم طبخ العنصر الثاني من عناصر الدولة وهو (الشعب) ، وأصبحت أرض فلسطين مهيأة لتطبيق العنصر الثالث من مقومات الدولة وهو (السيادة) وهو ما تم بإعلان الدولة فعلياً عام ١٩٤٨م، بعد ثلاثين عاماً من العمل المتواصل والمتكامل بين يهود العالم ونصارى بريطانيا تحت مظلة الانتداب الدولية. وبميلاد دولة اليهود بدأت الإمبراطورية البريطانية في العالم تنحسر، وكأن عمرها قد مُد فيه لتكون محلاًّ لسخط الله والناس بإنجاز هذا المشروع المعادي للإنسانية (إسرائيل) . فقد أنهت وجودها في القارة الهندية في العام نفسه، ثم سحبت جيوشها بعد ذلك من البلاد العربية التي كانت تحتلها. لقد سلَّمت بريطانيا الشجرة الصغيرة التي زرعتها إلى من يرعاها وينميها حتى تستوي على عودها، وتزاول مهمة إنتاج الثمرات الخبيثة. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الحاضنة الجديدة، حيث رعت دولة اليهود وثبتتها في مراحلها المختلفة حتى بلغت الرشد، وشبت عن الطوق، بل وخرجت عن السيطرة، ولهذا فقد كانت (الحبل) الثاني من حبال الناس التي خرج بها اليهود من الذلة إلى حين. ولكن الحبل الأمريكي كان أشد وثاقاً، وأحكم صنعة، حتى إنه جرَّ اليهود جراً إلى مقدمة قوى الطغيان الدولي؛ ولكن قبل أن نبدأ في تفصيل ذلك لا بد من وقفة مع (الأداة) التي استعان بها البريطان ومن بعدهم الأمريكان في بناء الحصون التي احتمى بها اليهود طيلة سنوات الصراع الماضية، إنها (الأمم المتحدة) فإلى جانب وضع الولايات المتحدة كل إمكاناتها تحت خدمة العلو اليهودي، فقد استغلت الأممَ المتحدةَ المنظمة الدولية في القيام بدور آخر، لم تستطع الولايات المتحدة نفسها، ولا بريطانيا القيام به، وهو دور إسباغ (الشرعية الدولية) على الوجود والسيطرة اليهودية في بلاد المسلمين، ولهذا فلا بد لنا من وقفات مع هذا الدور الذي قامت به وتقوم به تلك المنظمة في تمكين اليهود في منطقتنا الإسلامية؛ بحيث أصبحت هي الأخرى حبلاً آخر مساعداً للخروج اليهودي الاستثنائي من خيمة الذل الأبدي، وإن بدا للناس خلاف ذلك. الأمم المتحدة.. وإرادة الكبار: لا توجد إرادة مستقلة باسم (الأمم المتحدة) ولكن هذه المنظمة الدولية منذ نشأت لا تعكس إلا إرادة القوى العالمية المتنفذة في تحديد العلاقات الدولية، وإن كان لها سلطة فإنها موجهة من تلك القوى وليست نابعة من نظمها أو ميثاقها، ولذلك فإنه فيما يتعلق بقضية فلسطين جرى فرض إرادة الدول الكبرى على معالجة الأمم المتحدة لها، ولم تكن هذه المعالجة سوى تثبيت للخطط المسبقة والمتفق عليها من تلك الدول؛ فقبل أن يتم إعلان قيام دولة اليهود مهدت الأمم المتحدة لقيامها بصدور قرار الجمعية العامة التابعة لها في ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧م برقم ١٨١، وهو القرار الذي أوصى بتقسيم فلسطين بين اليهود وعرب فلسطين بنسبة ٥١% إلى ٤٩%. ولم يضيِّع اليهود الفرصة، فراحوا يتسابقون لاستكمال اللمسات الأخيرة للدولة التي قررتها لهم (الشرعية الدولية) في الأرض التي اغتصبوها بالاحتيال والإرهاب. وقرار التقسيم هذا هو الذي رفضته الدول العربية وقت صدوره، وهو نفسه الذي يمثل الآن أقصى ما يحلمون بتحقيقه لإعلان الدولة الفلسطينية بعد أن اجتاح اليهود في حروب تالية بقية فلسطين التي تسمى حتى الآن (الأراضي المحتلة) ! وقد أعلنت الأمم المتحدة قبول دولة (إسرائيل) عضواً فيها بعد عام من إعلان ميثاقها، ولم يكن هناك بالطبع وجود لدولة أخرى على الشطر الثاني من فلسطين، فتعاملت الأمم المتحدة مع قضية الشعب الفلسطيني على أنها مجرد قضية (لاجئين) واكتفت بتشكيل وكالة إغاثة دولية لهم، وظلت القضية تعامل داخل أروقة الأمم المتحدة على هذا الأساس مدة عشرين عاماً في ظل إصرار إسرائيلي على عدم عودة أي لاجئ إلى أرضه، وظل الأمر على ذلك حتى حدثت حرب (النكسة) ١٩٦٧م، فأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة [٣] عدة قرارات تؤكد فيها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ومن ذلك ما صدر في ١٠-١٢-١٩٦٩م، حيث وصف القرار حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بأنه غير قابل للتصرف. وعندما أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين في نوفمبر ١٩٨٨ م ... مستثمراً نتائج انتفاضة الحجارة، اعترفت الجمعية العامة بهذا القرار، ولكن مجلس الأمن الذي يفترض أنه جهة تنفيذية ظل متعاجزاً عن اتخاذ أي موقف عملي لتنفيذ قراراته فضلاً عن قرارات الجمعية العامة بما في ذلك القرار ٢٤٢ الداعي إلى انسحاب (إسرائيل) من الأراضي التي احتلتها في عام ١٩٦٧م، واكتفى هذا المجلس بإصدار قرارات الإدانة والشجب لممارسات الدولة اليهودية المتصادمة مع القرارات والمواثيق الدولية، تلك القرارات التي اتخذ الكيان اليهودي منها موقفاً واحداً لا يتغير ولا يتبدل وهو: التعالي والازدراء، أو على الأقل التجاهل وعدم المبالاة؛ ففي تحدٍّ ظاهر تجاهلت (إسرائيل) نحو خمسة وأربعين قراراً دولياً بالإدانة أو الشجب أو الاستنكار، بين أعوام ١٩٥٣م إلى ١٩٩٥م، واستخفت وسخرت من نحو خمسة وثلاثين مطلباً دولياً ومناشدة في تلك المدة. وسأضرب مثالاً بقضية واحدة ضمن قضايا عديدة صدرت بشأنها القرارات الدولية وهي قضية القدس؛ فقد صدرت بشأنها قرارات متعددة لم تنفذ (إسرائيل) واحداً منها؛ ففي عام ١٩٥٨م صدر القرار (١٢٧) يطالب (إسرائيل) بأن توقف فوراً اعتبار القدس منطقة نفوذ إسرائيلية، ولكنها لم تذعن، وفي عام ١٩٦٨م صدر القرار ٢٥٠ يدعوها إلى عدم إقامة عروض عسكرية فيها، فلم ترعوِ، وصدر بعد ذلك مباشرة قرار بالإدانة لرفضها الإذعان فلم تأبه به، وفي القرار ٢٥٢- ١٩٦٨م، طالبت المنظمة الدولية (إسرائيل) بالعدول عن قرار اتخاذ القدس عاصمة موحدة لها، فرفضت القرار، ثم صدر القرار ٢٦٧ لعام ١٩٦٩م يطالبها بإيقاف عمليات تغيير معالم القدس، فلم تُلق دولة اليهود له بالاً، ثم أتبعته المنظمة الدولية بقرار آخر برقم (٢٧١- ١٩٦٩م) يدين عدم الإذعان، ويكرر المطالبة بإيقاف تهويد القدس، ولكنها لم تلتفت إليه أيضاً، وبعد ذلك بعامين صدر القرار (٢٩٨- ١٩٧١م) يكرر الإدانة والمطالبة بشأن قضية القدس، ولكنه لحق بما سبق من التجاهل الذي استمر طيلة عقد السبعينيات وجاء عقد الثمانينيات، فصدر القرار (٤٧٦-١٩٨٠م) مطالباً حكومة اليهود بإلغاء خطواتها المتخذة بشأن تهويد القدس بعد أن اعتبرتها الأمم المتحدة لاغية، ولكن أحداً من المسؤولين الإسرائيليين لم يُصْغِ لهذا القرار، بل ردت عليه (إسرائيل) بأن أعلنت في قانونها الأساس أن القدس عاصمة موحدة وأبدية لدولة (إسرائيل) مما جعل الأمم المتحدة تصدر قراراً آخر هو القرار (٤٧٨) لعام ١٩٨٠م، تستنكر فيه بشدة عناد (إسرائيل) في تنفيذ القرارات الدولية السابقة كلها! وتتكرر القضية طيلة عقد الثمانينيات والتسعينيات، بشكل يصور المنظمة العالمية بصورة هزلية وهزيلة؛ إذ إنها تطالب العالم كله باحترام (الشرعية الدولية) والخضوع لقراراتها، وتسارع لفرض ذلك. العقوبات وضرب الحصار، وحشد القوى الدولية ضد كل من يخرج عن شرعيتها، باستثناء دولة واحدة، لم يصدر بشأنها إجراء عملي واحد لردعها هي دولة (إسرائيل) ، ويحدث هذا كله تحت سمع وبصر الدول الكبرى التي ما كان لدولة اليهود أن تتصرف على هذا النحو إلا بإغماض منها في الظاهر وتشجيع في الباطن. ولهذا كله؛ فإن من البلاهة والبلادة، بل من الحمق والغباء أن يُظن أن الذين صنعوا لليهود دولة في عقر ديارنا، ومكنوهم من التفوق على مجموع قوتنا وجيوشنا يمكن لهم في يوم من الأيام أن يقفوا معنا ضدهم أو يمكنونا من صدهم أو إضعافهم، هيهات هيهات؛ فالله - تعالى - يقول: [والذين كفروا بعضهم أولياء بعض] [الأنفال: ٧٣] ، والعجيب أن كثيراً من العرب يتصورون أنه لا حل للأزمة مع اليهود إلا بكسب صداقة (أصدقاء اليهود) والمراهنة على (الضغوط) التي تمارسها ضدهم الدول الكبرى والمنظمات الدولية، وهذا وهم آخر، فالله - تعالى - يقول: [يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين] [المائدة: ٥١، ٥٢] . فاللهم ائت بالفتح أو أمرٍ من عندك ... حتى تمكن للمؤمنين وتوهن كيد الكافرين.. آمين.

стр. 3292

ملفات القضية الفلسطينية.. مآس متجددة اللاجئون بين العودة والتوطين د. يوسف الصغير لا شك أن عملية زرع دولة لليهود في فلسطين كانت معدَّة ومرتبة بإتقان؛ فقد تتابعت الأحداث من وعد بلفور إلى فرض الانتداب الإنجليزي على فلسطين الذي كان هدفه تهيئة الأوضاع لقيام وطن لليهود؛ ولهذا فقد صرح وزير المستعمرات البريطاني عام ١٩٢١م، (ونستون تشرشل) وهو من الصهاينة غير اليهود: أنه إذا صار اليهود أغلبية في البلاد في غضون عدة أعوام فمن الطبيعي أن يتسلموا الحكم فيها، ومع ذلك فإنه في عام ١٩٤٧م كان اليهود يؤلفون أقل من ثلث عدد السكان و ٩٠% منهم من المهاجرين ولم يكتسب الجنسية الفلسطينية إلا ثلث هؤلاء المهاجرين. وكان الضغط الأمريكي على أعضاء هيئة الأمم المتحدة عاملاً حاسماً في تمرير قرار التقسيم عام ١٩٤٧م الذي أعطى اليهود غالبية المناطق الخصبة والمنتجة، ولم يحدث في مكان آخر غير فلسطين أن يسمح لمهاجرين أجانب أن يدمروا السلامة الإقليمية للبلاد التي وفدوا إليها لكي يعيشوا فيها. ومن الملاحظ أن قرار التقسيم أقام دولة لليهود في أراضي أغلب سكانها من العرب؛ فقد كانت دولة اليهود المقترحة تضم سكاناً مجموع عددهم في ذلك الوقت ١. ٨٨٠٠٠٠ منهم ٥٠٩. ٧٨٠ من العرب؛ و ٤٩٩. ٠٢٠ من اليهود. وقد خصص التقسيم أحسن أراضي فلسطين وأكثرها خصوبة للدولة اليهودية ٥٦% من أراضي فلسطين، وقد ارتفعت النسبة إلى أكثر من ٧٠% بعد حرب ١٩٤٨م مما ضاعف مشكلة التوازن السكاني بين الفلسطينيين واليهود. وقد اعتمد اليهود في حل هذه المشكلة على أسلوبين: الأول: تصفية الوجود الفلسطيني: يقول الوسيط الدولي الكونت برنادوت في تقريره المنشور قبل اغتياله من قِبَلِ اليهود: إن نزوح عرب فلسطين جاء نتيجة للرعب الذي خلقه القتال الدائر في مجمعاتهم، وللشائعات المتعلقة بأعمال الإرهاب الحقيقية أو المزعومة أو بفعل الطرد (وإن كل السكان العرب تقريباً هربوا أو طردوا من المنطقة الواقعة تحت الاحتلال اليهودي) [١] . وقد استعمل اليهود أساليب متعددة لطرد الفلسطينيين منها: ١- الإرهاب: مثل نسف المنازل، وإلقاء المتفجرات على تجمعات الناس، وتدمير القرى، والمجازر المخطط لها مثل مجزرة دير ياسين التي نفذتها منظمة أرجون بقيادة مناحيم بيجن الذي تبجح في أحد كتبه بقوله: (ما كانت إسرائيل لتقوم لولا النصر العسكري في دير ياسين) [٢] . ٢- الطرد: لقد تم طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم بالقوة وسيقوا إلى الدول العربية؛ كما حدث لأهالي مدن حيفا وطبريا واللد والرملة ويافا وعكا وسكان بئر السبع والجليل وغيرها. ٣- الحرب النفسية: لقد شن اليهود حرباً عسكرية نفسية ضد الفلسطينيين وصفها الدكتور جون ديفيز الذي شغل منصب المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين وتشغيلهم مدة خمس سنوات بقوله: (إن مقدار الوحشية التي استخدمها الإسرائيليون في طرد أهل فلسطين باعتبارها جزءاً من خطة مدبرة متعمدة هو أمر لم يقدر حق قدره، وإن فكرة الصهيونية لإنشاء الدولة اليهودية قد دعت إلى طرد السكان العرب الأصليين من ديارهم. ثم وصف الأسلوب بقوله: ... (إنه تفاوت بين حرب نفسية دبرها خبراء وبين طرد بالقسوة وبلا رحمة) . وقد عمدتْ إدارة القسم العربي الخاص في الهاجاناه إلى إرسال يهود يتكلمون العربية ويرتدون الزي العربي لنشر الإشاعات. وقد استعمل اليهود سيارات جيب مزودة بمكبرات الصوت تدور في مناطق الفلسطينيين وتبث تسجيلات الرعب، وتضمنت التسجيلات الصراخ والعويل للنساء العربيات وللأطفال وزعيق صفارات الإنذار، وكان يقاطعها صوت بالعربية ينادي: (يا جميع المؤمنين أنقذوا أرواحكم وانجوا بحياتكم؛ اليهود يستعملون الغاز السام والأسلحة الذرية! أسرعوا إلى الفرار ناجين بأنفسكم) لقد كانت هذه الدعايات والوسائل الساذجة تؤثر كثيراً على البسطاء من أهل القرى مع دعاية أخرى توحي لهم بأن الهجرة مؤقتة وأنهم سيعودون مع الجيوش العربية القادمة لإبادة اليهود؛ ولهذا فكثير منهم خرجوا وهم يحملون مفاتيح منازلهم وما زال كثير منهم يحتفظ بها بعد أكثر من خمسين عاماً. ونتيجة لسياسة التفريغ السابقة فقد هجرت مئات القرى وكثير من المدن وبدأ اليهود تنفيذ خطة لمصادرة هذه الأملاك وإعطائها لليهود ويعلق دافيد بن جوريون في مذكراته بتاريخ ٥-٦-١٩٤٨م بقوله: (يجب أن نعد العدة فوراً لاستيطان القرى الفلسطينية المهجورة بمعونة الصندوق القومي اليهودي) . [٣] ... ومن أجل تنفيذ هذه الخطة تم إصدار القوانين التي منها: ١ - قانون أملاك الغائبين لعام ١٩٥٠م وقد صدر هذا القانون لتوضع أملاك العرب تحت الحراسة ويحق للحارس بيع هذه الأملاك لقاء ثمن تحدده السلطات الرسمية. ٢ - قانون استملاك الأراضي لعام ١٩٥٢م وهو يعطي السلطات حق مصادرة الأراضي العربية بحجة استخدامها في أغراض التعمير والتنمية أو لأسباب أمنية. ٣ - قانون التصرف العام ١٩٥٣م وهو يشترط على صاحب الملك أن يتصرف بأملاكه تصرفاً فعلياً بشخصه هو مباشرة؛ والمقصود طبعاً إبطال حقوق الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم. ولوزير المالية وفق هذا القانون وضع اليد على هذه الأملاك والتصرف فيها. ٤ - قانون تقادم العهد ١٩٥٧م؛ ونص هذا القانون بأن المالك لأرضه لا يحق له الاحتفاظ بها إلا إذا قدم إثباتات تؤكد تصرفه بها طيلة ٢٥ عاماً وإلا أصبحت ملكاً لدولة (إسرائيل) . والمقصود بالطبع إسقاط حقوق المطرودين؛ إذ كيف يتصرف في أرضه وهو ممنوع من العودة إليها؟ لقد بلغ عدد اللاجئين في ذلك الوقت ما بين ٦٠٠ و ٧٠٠ ألف، منهم ١٢٠ ألف بقي في فلسطين ولكن بدون أراضي أو أملاك، وصنفوا من قِبَل الأمم المتحدة على أنهم لاجئون. أما البقية فقد وزعوا على عدة دول عربية، وبعضهم انتقل إلى أطراف بعيدة وقد انضم إلى اللاجئين آلاف مؤلفة أخرى بعد حرب ١٩٦٧م. وعلى الجانب الآخر عمل اليهود بعد قيام دولتهم على تشجيع اليهود على القدوم، وفي مقابل القوانين السابقة في حق الفلسطينيين فقد سن اليهود قانون العودة الذي ينص على أن لكل يهودي الحق في المجيء إلى هذه الدولة، وأضيف قانون ينص على أن لكل يهودي الحق في الجنسية الإسرائيلية حتى لو لم يتخل عن جنسيته الأصلية. واتسمت الهجرة بعد قيام الكيان الصهيوني بارتفاع كبير نتيجة نقل يهود الدول العربية. فمثلاً بلغت أعداد المهاجرين من ١٩٤٨م إلى ١٩٥٢م كما يلي: - ١٩٤٨م: ١٠١. ٨٣٧ - ١٩٤٩م: ٢٣٩. ٩٥٤ - ١٩٥٠م: ١٦٩. ٧٢٠ - ١٩٥١م: ١٧٤. ٠١٤ - ١٩٥٢م: ١٣. ٥٠٠ واستمر على هذا المعدل المنخفض حتى عام ١٩٥٥م ليرتفع من جديد نتيجة أحداث الجزائر والمجر، ثم عاد للانخفاض. لقد نص قرار الأمم المتحدة رقم ١٩٤ لعام ١٩٤٨م في إحدى فقراته: (تقر الأمم المتحدة وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود، أو مصاب وفقاً لمبادئ القانون والإنصاف وأن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قِبَلِ الحكومات أو السلطات المسؤولة) . يتلخص القرار في حق العودة لمن يشاء والتعويض لمن تتعذر عودته، وقد حاولت الولايات المتحدة في دورة خريف عام ١٩٩٣م حذف هذه الفقرة من صلب القرار. لقد كان من الواضح أن أكبر عقبة في تصفية القضية الفلسطينية هو هذا العدد الكبير من اللاجئين؛ فقد عملت الولايات المتحدة منذ البداية على تصفية هذه المشكلة، وقد قال الرئيس الأمريكي ترومان في خطاب ألقاه عام ١٩٥١م: (ما لم يجد هذا العدد الضخم من المشردين بيوتاً جديدة وفرصاً اقتصادية فإنهم سيؤلفون قوة في استطاعتها أن تصبح هدامة في هذه البقعة من العالم ذات الأهمية الحيوية لنا) . وقد سارعت الأمم المتحدة بدلاً من الإصرار على عودة اللاجئين إلى إنشاء وكالة تسمى وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بتاريخ ٨-١٢- ١٩٤٨م. وحددت أعمالها بما يلي: ١ - إطعام المشردين وإغاثتهم. ٢ - إيجاد المشاريع الزراعية والصناعية المختلفة لتوطين اللاجئين في البلاد العربية، وإقامة مشاريع في سوريا ولبنان والأردن، وقد أخفق المشروع بسبب مقاومة اللاجئين لهذه المشروعات؛ لأنهم يعرفون أن معناها تصفية قضيتهم وإقفال أمل العودة نهائياً. وتقوم الوكالة بتسهيل هجرة الشباب الفلسطيني إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واستراليا وتهيئة فرص العمل لهم بشرط أن يتنازلوا عن جنسيتهم الفلسطينية، وما تزال الولايات المتحدة تقوم بدفع نصف تكاليف الأونروا. والآن وبعد حوالي ٥٠ عاماً على أول طرد جماعي للفلسطينيين فما هي خريطة توزيع اللاجئين؟ وما هي الحلول المطروحة؟ لقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين حوالي خمسة ملايين نسمة. ويتوقع أن يصل العدد إلى ثمانية ملايين عام ٢٠٠٥م، ويتوزع اللاجئون الفلسطينيون بصورة تقريبية على البلدان الآتية [٤] : البلد ... عدد اللاجئين المسجلين لدى الأونروا [٥] المجموع الكلي ------------------------------------------------ الأردن ... ... ١.٤٣٧.٠٠٠ ... ... ... ٢.٣٣٠.٠٠٠ سورية ... ... ٣٦١.٠٠٠ ... ... ... ... ٤٤٥.٠٠٠ ... ... ... لبنان ... ... ... ٣٦٢.٠٠٠ ... ... ... ... ٨٠٨.٠٠٠ الضفة الغربية ... ٥٥٠.٠٠٠ ... ... ... ... ------- قطاع غزة ... ... ٧٦٠.٠٠٠ ... ... ... ... ------- مصر ... ... ... ----- ... ... ... ... ٤٠. ٥٠٠ دول الخليج ... ... ----- ... ... ... ... ٤١٥.٠٠٠ ليبيا ... ... ... ----- ... ... ... ... ٧٥.٠٠٠ العراق ... ... ... ----- ... ... ... ... ٧٥.٠٠٠ شمال وجنوب أمريكا ----- ... ... ... ... ٤٠٠.٠٠٠ دول متفرقة ... ... ----- ... ... ... ٢٢٠.٠٠٠ فلسطين المحتلة ١٩٤٨ ----- ... ٢٠٠-٣٠٠ ألف لاجئ إن قضية العودة مطلب رئيس للاجئين تحملوا في سبيله البقاء في مخيمات تنعدم فيها الخدمات وتقل فيها فرص العمل؛ ويعيشون على فتات الأونروا التي تتعرض لمحاولات جادة لإلغائها ونقل مسؤولية خدماتها إلى الدول العربية المضيفة. والذي لا شك فيه أن العودة لن تحصل إلا بتصفية الوجود اليهودي في فلسطين، ولن يعودوا إلا برفقة الجيوش الإسلامية المنصورة، وليس هذا على الله بعزيز. ولا ننسى في هذا المجال التذكير بحديث الرسول ﷺ حول قتال اليهود: (حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعالَ فاقتله) [٦] . إن الإحداث والتحركات الحالية تصب في حل قضية اللاجئين بعدة طرق يمكن تطبيقها مجتمعة ومنها: أولاً: السماح بعودة عدد محدود جداً إلى فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م، وستكون عودتهم إلى مناطق تجمع وليس إلى المناطق التي أُخرجوا منها، وقد تراجع العدد الذي صرح اليهود بإمكانية عودتهم من ١٠٠ ألف عام ١٩٤٨م إلى بضعة آلاف في الوقت الحاضر، وعندما تثمن الإدارة الأمريكية موافقة (إسرائيل) على لمِّ شمْل عدد محدود من اللاجئين مع حرصها على إلغاء حق العودة أو التعويض في قرار ١٩٤؛ فإنه يتبين أن حل المشكلة سيكون أساساً على حساب الدول العربية، وستكون مشاركة دولة اليهود رمزية. ٢ - توطين جزء من الفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي خاصة الضفة الغربية؛ حيث إن هناك أفكاراً في نقل بعض سكان غزة إلى الضفة لتخفيف الكثافة السكانية العالية جداً في غزة، وتقدر مصادر أمريكية إمكانية توطين حوالي ٧٥٠ ألف لاجئ أغلبهم من لبنان والأردن في مناطق السلطة. ٣ - تسوية أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الذين لم يحصلوا على الجنسية الأردنية وذلك إما بالعودة إلى الضفة أو تجنيسهم، وهناك مفاوضات جادة في هذا المجال ويبدو أن أكبر عائق هو الاتفاق على الثمن النقدي لهذا الإجراء؛ حيث يشاع أن الأردن يطالب بمبلغ معين مقابل كل لاجئ يتم تجنيسه. وقد بدأ طرح عطاءات الأعمال الاستشارية لمشروع كلفته ٩٨٠ مليون دولار لتحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة في المخيمات. ٤ - تنشط المشاورات السياسية مع سوريا في الوقت الحاضر من أجل تطبيع العلاقات مع اليهود وحل مشكلة اللاجئين. ولفرنسا دور كبير في هذا المجال لعلاقاتها المتميزة مع كل من سوريا ولبنان، وتشير مصادر أمريكية إلى إمكانية تجنيس الفلسطينيين المقيمين في سوريا بصورة جماعية. ٥ - تفترض الإدارة الأمريكية أن على دول الخليج ومصر والعراق ودول المغرب العربي إعطاء حق المواطنة للفلسطينيين المقيمين فيها والذين يقدر عددهم بحوالي ٩٦٥ ألف نسمة. ٦ - تقوم الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بتوطين ٩٠٠ ألف فلسطيني. ٧ - تبقى قضية الفلسطينيين في لبنان حساسة جداً؛ حيث إنه في البداية في عام ١٩٤٨م، تم التعامل معهم بحذر؛ حيث تم تجنيس عدد كبير من النصارى، أما الأكثرية وهم السُّنَّة فقد تم توزيعهم على مختلف الأراضي اللبنانية مع عدم السماح لهم بالإقامة قرب الحدود. وفي استطلاعات حديثة تبين أن عموم الفلسطينيين في المخيمات يعارضون التوطين ويقاومونه، ولتصفية هذه المعارضة فقد بدأت السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع (إسرائيل) بإحياء دور فتح في المخيمات؛ حيث بدأت في تجنيد المسلحين وفتح المكاتب تمهيداً لتصفية أي معارضة للحل النهائي؛ ويتوقع قيام حرب فلسطينية فلسطينية جدية داخل المخيمات لإسدال الستار نهائياً على قضية اللاجئين في لبنان. إن الموقف من التوطين حساس لخصوصية لبنان بغض النظر عن الموقف من السلام مع (إسرائيل) وهذا الموقف يتلخص في الآتي: - النصارى يعارضون التوطين بشدة؛ لأنه يخل بالتوازن على حسابهم؛ ولهذا فقد صرح الرئيس الهراوي لوفد كنديٍّ ناقش معه قضية التوطين أن من يريد الفلسطينيين فليأخذهم، وأن هناك ملايين من المهاجرين من أصل لبناني في البرازيل أحق بالجنسية. ويطرح في لبنان تجنيس الفلسطينيين مع تجنيس المهاجرين الذين يغلب فيهم النصارى، وذلك لحفظ التوازن. - يرحب السنة عموماً بتجنيس الفلسطينين؛ لأنه يمثل سنداً لهم في التوزيع الطائفي. - يعارض الشيعة التوطين؛ لأنه يخل بالتوازن مع السنة داخل المجتمع غير النصراني. - لا يهتم الدروز بالتوطين بشرط أن يكون بعيداً عن مناطقهم. وأخيراً: عندما تحل مشكلة العودة بتذويب اللاجئين يبقى موضوع التعويضات والأملاك الفلسطينية التي سيحرص اليهود على ابتلاعها وطي صفحتها، وقد حرصت (إسرائيل) عن طريق أمريكا على إلغاء بنود العودة والتعويضات ... من القرار ١٩٤، ولما أخفقوا بدأ الكلام عن حق عودة اليهود الذين خرجوا من الدول العربية وحقهم بالتعويض؛ حيث إن القرار ١٩٤ وأوسلو أيضاً ينصان على عودة اللاجئين ولكن لم يذكر قط لفظ اللاجئين الفلسطينيين وبذلك فهو يشمل اليهود أيضاً، ولا يستبعد أن يحصل اليهود على تعويضات كبيرة عن أملاكهم في العراق واليمن ومصر وليبيا؛ وقد صرح أحد السياسيين اليهود أن على الدول العربية أن تقوم بتوطين الفلسطينيين ونقوم نحن بتوطين اليهود. وتحاول (إسرائيل) في الوقت الحاضر إلغاء مرجعية قرارات الأمم المتحدة والتي تنص على عودة اللاجئين وحق العودة أو التعويض وانسحاب (إسرائيل) من أراضي عربية محتلة والتأكيد على أن المرجعية هي التراضي والتفاوض بدون شروط، وأنَّ ما وقَّع عليه رابين لا يلزم نتنياهو، وما وقَّع عليه الجميع لا يناسب باراك، وبكلمة أخرى: (إن كلام الليل يمحوه النهار) فمتى يعي مدمنو الحلول السلمية وسياسة التنازل خطوة خطوة أنه سيأتي اليوم الذي لا يجدون فيه شيئاً يتنازلون عنه؟ ! يومها سيتبين لهم قيمتهم الحقيقية عند أبناء عمهم.

стр. 3293

ملفات القضية الفلسطينية.. مآس متجددة أخطبوط الاستيطان الصهيوني في فلسطين باسل يوسف النيرب بدأت عملية الاستيطان اليهودي منذ أواخر القرن التاسع عشر للميلاد من خلال خطوات مدروسة، ولم تخلُ التسويغات الاستيطانية الصهيونية من العنصر الديني؛ فقد استوطن اليهود المدن الفلسطينية القديمة (صفد، طبريا، الخليل، القدس) وخلال هذه الفترة نشأ العديد من المستوطنات في القرى الزراعية المحاذية للقرى الفلسطينية دون أن تثير أي مشاكل لدى الفلسطينيين، وإثر وضوح النوايا في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن - ببروز دعم الانتداب والدول الأوروبية لمشروع الاستيطان، وظهور عمل العصابات الصهيونية على استملاك الأراضي بالشراء من بعض الإقطاعيين المستملكين أراضي من فلسطين وضحت أبعاد المسألة، ومع ذلك لم تتجاوز النسبة ٦. ٥% من مجموع مساحة فلسطين، مما جعل الفلسطينيين يأخذون حذرهم من الخطر الصهيوني. الدور الأوروبي: تتحمل الدول الأوروبية الدور الأكبر في منح فلسطين لليهود؛ فبريطانيا منحتهم وعد بلفور المشؤوم ١٩١٧م مدعية أن تلك الأرض لا سكان فيها، وكانت قبل ذلك في عام ١٨٧١م قد سهلت قيام فرع منظمة الأليانس العالمية - الاتحاد الإسرائيلي العالمي - لمساعدة (المضطهدين) اليهود والمشاركة بشكل رسمي لإنشاء الدولة العبرية. عمد رئيس وزراء بريطانيا آنذاك (بالمرستون) ، إلى الطلب من سفيره في إسطانبول أن يحاول إقناع السلطان العثماني بفتح أبواب الهجرة إلى فلسطين، وبعد مؤتمر بال ١٨٩٧م، أقيم العديد من الجمعيات الاستيطانية ومنها صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار، وشركة أنجلو فلسطين المحدودة، وشركة أنجلو ليفتين المصرفية المحدودة، والصندوق الثقافي اليهودي، وشركة المكابي للأراضي المحدودة. كما ساعدت بريطانيا على بناء العديد من المستوطنات بخلفية الشعور الديني القائم على المذهب البروتستانتي؛ فالمذهب البروتستانتي يرى في قيام (إسرائيل) علامة على قرب عودة المسيح المنتظر، مما دفع أتباع هذا المذهب للمساعدة على قيام (إسرائيل) . ولم تختلف مساعي فرنسا ومشاعرها كثيراً عن بريطانيا؛ ونجد هذا واضحاً في النداء الذي أرسله نابليون إلى اليهود أثناء حصار عكا قائلاً: (يا ورثة فلسطين الشرعيين ندعوكم للمساهمة في السيطرة على بلادكم من أجل بناء أمتكم، وحتى تصبحوا أسياد فلسطين الشرعيين) كما أن مؤسسة الإليانس كانت نشأتها الأولى في فرنسا عام ١٨٦٠م. وتُعَدُّ ألمانيا هي صاحبة الدور الأبرز في بناء المستوطنات، وصاحبة فكرة مستوطنات الهيكل وصاحبها فوتمبرج WUTTEMBERG، وأعلنت ألمانيا موقفها من لجنة التحقيق لعام ١٩٣٧م، بأنها ليست مع قيام دولة يهودية تحت الانتداب البريطاني؛ لأنها لا تستطيع استيعاب جميع يهود العالم؛ ولكنها توافق على أن تكون فلسطين قاعدة قانونية لدولة اليهود. وتذكر الوثائق التاريخية أن أول قطعة أرض امتلكها اليهود في فلسطين كانت في عهد السلطان عبد المجيد (١٨٣٩ ١٨٦١م) عام ١٨٥٤م، وهي التي أقيم عليها حي مونتفيوري، وكان قد اشتراها موسى مونتفيوري الذي شجع فكرة الاستيطان ونشر التعليم الزراعي بين يهود فلسطين. مراحل الاستيطان: مرت العمليات الاستيطانية بأربع مراحل: المرحلة الأولى: كانت في العهد العثماني؛ حيث قامت الحركة الصهيونية بزرع عدد من المستوطنات فكانت كالجزر المعزولة وسط المناطق العربية، وأصبحت فيما بعد نقاط ارتكاز، فبعد أن كان عدد اليهود عام ١٨٨٢م ٢٤ ألف يهودي قفز في عام ١٩١٧م إلى أكثر من ٨٥ ألف يهودي، وبلغ عدد المستوطنات عام ١٨٨٤م خمس مستوطنات في كل منها ١٠٠ مستوطن، أقيمت ثلاث منها في جوار يافا، وواحدة في الحولة وأخرى في حيفا، وارتفع عدد المستوطنات عام ١٩٠٠م إلى ٢٢ مستوطنة ضمت ٥٤١٠ من المستوطنين، ومعظم هذه المستوطنات في السهل الساحلي حيث بلغ عددها فيه ١٢ مستوطنة، وفي الجليل ٧، وفي القدس اثنتين، وواحدةً في الغور. بلغ عدد المستوطنات وفي عام ١٩١٤م ٤٧ مستوطنة: منها: ٢٦ مستوطنة في السهل الساحلي، و١٢ في الجليل، ومستوطنتان في القدس، وواحدة في كل من الغور ومرج بني عامر، وبلغ عدد المستوطنين ١١٩٩٠ مستوطن، وحتى نهاية عام ١٩١٨م كان بحوزة اليهود من أراضي فلسطين ٤١٨ دونم. المرحلة الثانية: ترافقت مع الانتداب البريطاني على فلسطين واقتطع الانتداب أخصب الأراضي في مرج ابن عامر ووادي الحوارث وغيرها من المناطق، ووصل عدد اليهود إلى٤٦٩. ٦٠٠ يهودي في آخر فترة الانتداب. وقد عملت سلطات الانتداب على تكثيف الهجرة لتحقيق التوازن العددي بين السكان الأصليين والمستوطنين، وحرصت على زيادة المساحات التي في حوزة اليهود وخاصة الأراضي الزراعية، وقلب الوضع الاقتصادي بالاستيلاء على المرافق الحيوية والصناعات الناشئة في ذلك الوقت، وتغيير الوضع بالنسبة للأماكن المقدسة. بلغ عدد المستوطنات المقامة من ١٩١٨ - ١٩٤٨م نحو ٣٦٣ مستوطنة، وأزيلت خمس قرى في قضاء صفد وحولت إلى مستعمرات ومثلها في طبريا، وأربع في قضاء بيسان، وعشر في قضاء الناصرة، وست في قضاء عكا، وعشرون في قضاء حيفا، وخمس في قضاء يافا، وبلغت مجموع القرى التي محيت إحدى وستين قرية. المرحلة الثالثة: مع قيام الدولة اليهودية بدأت مرحلة أخرى من الاستيطان من الجليل شمالاً حتى النقب جنوباً وجرت خلال هذه المرحلة عمليات ترحيل ... (ترانسفير) وطرد منظم للسكان العرب من فلسطين. وأوضح ما يبين هذه الصورة رسالة موشي شاريت إلى ناحوم جولدمان عام ١٩٤٨م التي يقول فيها: إن إخراج العرب هو حدث رائع في تاريخ (إسرائيل) كما يعتبر الحدث - وفق مفهوم معين- أروع من إقامة دولة (إسرائيل) نفسها، إضافة إلى ما كتبه الكونت برنادوت الذي اغتيل على يد عصابات الهاجاناه: (إن عرب فلسطين لم يغادروا ديارهم ويهجروا ممتلكاتهم طوعاً أو اختياراً؛ بل نتيجة لأعمال العنف والإرهاب) ، وأعلن ابن غوريون بأن على (إسرائيل) عمل كل شيء لضمان ألا يعود أحد من ... الفلسطينيين المطرودين إلى بيوتهم. المرحلة الرابعة: وجاءت إثر عدوان حزيران سنة ١٩٦٧م واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وهنا اختلف الاستيطان عن ذي قبل، وأخذ طابعاً جيوسياسياً مغلَّفاً بالدوافع القومية الدينية. وضعت السلطات الإسرائيلية العديد من القوانين التي تمنع عودة أصحاب الأراضي إليها، ويُعرف عن هذه القوانين أنها تشكل إحدى الدعامات التي مهدت للاستيلاء على الأرض، ومنها قانون (حارس أملاك الغائبين) وحاولت (إسرائيل) من خلال هذا القانون إقناع الرأي العام العالمي أن الهدف هو الحفاظ على أملاك الغائبين، وصدر الأمر العسكري رقم ٥٨ لسنة ١٩٦٧م، الذي ينظم عمل قانون ... (حارس أملاك الغائبين) والمناط به حق التصرف في أملاك الغائبين، وأن يتخذ الإجراءات الضرورية لذلك، ولحارس أملاك الغائبين الحق بالموافقة أو عدم الموافقة على بيع وشراء وتأجير أي صفقة ينطبق عليها قانون أملاك الغائبين، ثم عملت هذه السلطات على مصادرة الأراضي لأغراض عسكرية: للرماية، والتدريبات، واعتبرتها مناطق أمن للجيش، وكان الصندوق القومي اليهودي ومؤسسة هيمنوتا التابعة للصندوق يقومان قبل عام ١٩٧٩م بالشراء، ثم أصدرت السلطات العسكرية أمراً عسكرياً بمنع المحاكم من النظر في مسألة بيع الأراضي وتحويل تسجيلها إلى لجنة خاصة، وبعد عام ١٩٧٩م سمحت السلطات الإسرائيلية بالشراء للأفراد، وكانت أغلب الصفقات عبارة عن بيوع مزيفة، كما أعلنت العديد من الأراضي أراضي حكومية لا يجوز التصرف بها إلا من قِبَل الدولة. القدس والاستيطان: يجب التأكيد في البداية على أن الاختلاف القائم بين اليهود على الاستيطان ليس ضد التوسيع أو البناء؛ لكن ضد التوقيت الذي يعلن فيه عن قيام المستوطنة؛ ففي القدس يحظى الاستيطان بإجماع عام داخل الأحزاب الدينية والعلمانية؛ فبعد الانتهاء من حرب ١٩٦٧م، أصدر ليفي أشكول رئيس الوزراء الأسبق قراراً بتوحيد القدس، وأشار إلى أن (إسرائيل) مستعدة لإعادة الجولان وسيناء مقابل السلام، أما بالنسبة إلى القدس فقال: إننا مستعدون للموت دون التنازل عنها، ثم أعلنت (إسرائيل) العديد من القوانين واتخذت الإجراءات الكافية لضم القدس، ثم شرعت في البناء، وعملت على خلق واقع ديمغرافي جديد. يبلغ عدد المستوطنين حالياً في القدس الشرقية ما يزيد عن ١٧٠ ألف، والمدقق في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين يخرج بنتيجة أكيدة وهي: إجماعهم على أنه لا (إسرائيل) بدون القدس وأنها يجب أن تبقى عاصمة أبدية (لدولتها) وهذا تنفيذ لمقولة مؤسس (إسرائيل) بن غوريون: (من الواجب جلب يهود إلى القدس بأي ثمن، من الواجب توطين عشرات الآلاف من اليهود هناك في غضون فترة قصيرة) . تصنيف المستوطنات: تصنف المستوطنات من حيث المساحة إلى أربع فئات: الفئة الأولى: مساحتها أكثر من ١٥٠٠ دونم، وتمثل ما نسبته ٧. ٥٨%. الفئة الثانية: مساحتها بين ١٠٠٠ - ١٤٩٩ دونم. الفئة الثالثة: مساحتها بين ٥٠٠ - ٩٩٩ دونم وتشكل ما نسبته ٧. ٦%. الفئة الرابعة: وهي المستوطنات المحاذية للخط الأخضر، ومساحتها الإجمالية ١٥١٣٠ دونم، ويبلغ عددها ١٧ مستوطنة. تتشكل أغلب البؤر الاستيطانية في ألوية القدس، ورام الله، والخليل، ونابلس؛ فالاستيطان فيها قائم على أسباب استراتيجية وديمغرافية ضمن سياسة عزل وتفتيت المناطق العربية بعضها عن بعض بواسطة الكتل الاستيطانية. وتنتشر المستوطنات المخصصة للسكان في الضفة الغربية بنسبة ٧٦. ٧% وقطاع غزة بنسبة ٧٣. ٤٥% إضافة إلى بعض المستوطنات الزراعية في أريحا، وبيت لحم، ونابلس. أما القدس فتضم العدد الأكبر من المستوطنات وعددها ٨٤ مستوطنة، وتضم الأراضي الاستيطانية ٤٥٦١٥ دونم، ثم يتبعها محافظة نابلس وتبلغ المساحة العمرانية للمستوطنات ٢٠٦٣٨ دونم، ثم محافظة الخليل، وتشكل مستوطنات لواء القدس ٥. ٧٦%، ثم رام الله ١. ٩%، ونابلس ١. ٦، وبيت لحم ١. ٥%. التسوية والاستيطان: تشير إحصاءات المكتب المركزي للإحصاءات الفلسطينية أن المستوطنات التي بناها الليكود تقارب ٧٠. ١% في حين ساهم حزب العمل في بناء ٢٩. ٩٥ % من المستوطنات، ومعظم هذه المستوطنات تم بناؤها بين أعوام ١٩٧٦ ١٩٨٢م، و١٩٨٩- ١٩٩١م، ثم توقف تقريباً بناء المستوطنات لتبدأ عمليات توسيع وتسمين المستوطنات المقامة واستمر حتى ما بعد توقيع اتفاق أوسلو. ويعتبر الاستيطان مشكلة من المشاكل الكبرى في طريق التسوية النهائية الجارية حالياً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن خلال المفاوضات الجارية ستعمل (إسرائيل) على المحافظة على المستوطنات باعتبارها عموداً فقرياً لها ومصاحباً (للدولة) في كل مراحل تطورها، إضافة إلى الإجماع الرسمي والحزبي على أن المستوطنات تشكل مورداً استراتيجياً ثابتاً يجب المحافظة عليه وتوسعته. بدأت أولى مراحل البحث عن حلول لمشكلة الاستيطان بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع في عام ١٩٦٧م، عبر مشروع (إيغال آلون) والذي اقترح ضم غور الأردن إلى (إسرائيل) بشكل رسمي وتكثيف الاستيطان فيه، ثم قدَّم البروفيسور الإسرائيلي (إبراهام فاكمان) مشروعاً في عام ١٩٦٩م عرف باسم (الخطة الفقرية المزدوجة) ، كما طرح (معهد ديفيس) التابع للجامعة العبرية اقتراحاً بتحديد الحدود من خلال ضم المناطق الغربية من الخط الأخضر الفاصل بين المناطق المحتلة ١٩٤٨م وبين المناطق المحتلة ١٩٦٧م، وهي المناطق التي تضم أكبر عدد من المستوطنات، وتوالت الاقتراحات التي تدور حول هذا الطرح من خلال صياغة خارطة تأخذ بالحسبان تحديد الحدود لحزام المستوطنات المقامة وضمان المياه والديمغرافيا والأمن. كما صمم فريق من جامعة حيفا برئاسة أرنون سوفير رئيس قسم الجغرافيا خارطة مقترحة وقُدمت لحزبي العمل والليكود تنص على تعديل الخط الأخضر، ووضعت مناطق تستوعب الكتل الاستيطانية التي كانت في ذلك الوقت تضم ٥٠ ألف مستوطن، وما يزيد عن ١٤٥ ألف مستوطن في منطقة القدس الشرقية، وتسمح هذه الخارطة لـ (إسرائيل) بالسعي من خلال ثلاثة ممرات واسعة للوصول إلى الخط الفاصل مع الأردن، وتمنحها معظم مصادر المياه في الجبال الوسطى من الضفة الغربية، ثم عُدِّلت الخارطة لتربط المسجد الإبراهيمي بالحرم القدسي الشريف، على أن تكون مسؤولية سلامة اليهود في الخليل بيد الفلسطينيين، وفي القدس تكون مسؤولية سلامة العرب بيد اليهود. قدم شارون اقتراحاً نص على: إبقاء سلسلة من الجيوب بيد الفلسطينيين في الضفة والقطاع وضم المناطق الأخرى باعتبارها مراكز ونقاطاً استيطانية لاحقة لـ (إسرائيل) ، كما صدرت عن (جمعية سبل الاتفاق الوطني) مقترحات، ومنها: أن تبقى في يد (إسرائيل) السيطرة الكاملة على كل من القدس الكبرى وغوش عتصيون وغور الأردن وشمال البحر الميت، وضم الكتل الاستيطانية غير المأهولة بالسكان العرب. تُجْمِعُ قوى اليمين واليسار حالياً في (إسرائيل) على وثيقة عرفت باسم (وثيقة العمل والليكود) ، التي تنص على أن لا عودة لحدود الرابع من حزيران ١٩٦٧م، وأن معظم المستوطنات ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية مع الحفاظ على تواصل بين المستوطنات عبر ربطها بالكتل الاستيطانية، كما نصت الوثيقة على: أن المستوطنات التي سيتم ضمها لـ (إسرائيل) ستحظى بترتيبات خاصة ومتفق عليها في إطار يحافظ من خلاله المستوطنون على الجنسية الإسرائيلية ويحافظون على حقهم في المرور الآمن إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. يشكل الاستيطان عامل انقسام داخل القوى السياسية الإسرائيلية، فترى أحزاب الوسط واليسار إمكانية وجود مستوطنات داخل الدولة الفلسطينية مقابل عدم تفكيكها، وثمة رأي آخر داخل هذا التيار يقف مع تفكيك بعض المستوطنات الصغيرة، وفي المقابل تعزيز المستوطنات في غور الأردن والمنطقة الشرقية من الخط الأخضر وحول القدس. والتيار الآخر الذي يتزعمه الجناح اليميني وأحزاب الوسط يطالب بتعزيز المستوطنات حتى داخل التجمعات الفلسطينية مع البحث عن دور وظيفي للفلسطينيين في إدارة شؤونهم المدنية دون السيطرة على الأرض والموارد الطبيعية، ولذلك أقيمت الطرق الالتفافية حول المستوطنات وربطت بعضها ببعض، ثم خصصت الميزانيات الضخمة لتسمين المستوطنات حتى وإن كانت غير مأهولة. إن الحل السياسي المطروح حالياً لا يضمن إزالة المستوطنات التي أقيمت على الرغم من معارضة القانون الدولي لذلك، بل يضمن بقاء المستوطنات ضمن المدن والقرى في مناطق الإدارة الفلسطينية وفق ترتيبات تعد الآن، كما أن المستوطنين لن يخرجوا من الأراضي الفلسطينية؛ فقد عملت (إسرائيل) على زيادة زخم الاستيطان وإقامة الحقائق على الأرض؛ لأن جميع الاتفاقيات بدءاً من أوسلو وحتى واي ريفر ٢ أخفقت في منع (إسرائيل) من استغلال المرحلة النهائية، مما يعني أن الحل السياسي الدائر حالياً سيصب في المصلحة الإسرائيلية. ... إن الحديث عن موضوع الاستيطان متشعب وفيه الكثير من الآراء؛ ولكن علينا أن لا ننسى أن المستوطنين هم الذين أسسوا الحركات السرية لملاحقة الفلسطينيين وحملهم على الخروج من أراضيهم، ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما نشر في عهد حكومة إسحاق شامير ١٩٩٠م، وكان تحت عنوان: (دليل المستوطنين) ، وفيه توصيات وتوجيهات لكيفية أداء العمليات الانتقامية ضد السكان العرب، ويدعو الدليل إلى استخدام الذخيرة الحية، والعمل على سرقة الأسلحة واستخدامها، ويقول الدليل: (طوبى لك إذا قررت القيام بعملية مدبرة، وتهانينا لك إذا قمت بتنفيذ العملية) ويشرح الدليل كيفية التصرف إذا اعتقل المستوطن، وسوَّغ التقرير أفعال المستوطنين بأنها رد على كل حجر يلقيه عربي، فعلى المستوطنين القيام بعمليات انتقامية سرية أو بعمليات جماعية، وإلحاق الخسائر الفادحة بالممتلكات العربية. وختاماً لا بد من التأكيد على أن المستوطنات التي أقيمت فوق الأرض الفلسطينية استولت على المياه والموارد الطبيعية والأرض، وقطعت القرى الفلسطينية عن المدن، وفصلت الاتصال العمراني بين المناطق الفلسطينية، كما أثرت على الاقتصاد الفلسطيني بأن جعلت العمال الفلسطينيين يعملون في البناء والزراعة داخل المستوطنات مما جعل مصدر الرزق الوحيد العمل داخلها، وساهمت المستوطنات في إبقاء الفلسطينيين بلا بُنية تحتية وتحت رحمة (إسرائيل) .

стр. 3294

ملف فلسطين القضية الفلسطينية.. مآس متجددة د. عبد الفتاح العويسي خالفنا نهج الرسول ﷺ في الاتجاه إلى القدس - الدكتور عبد الفتاح العويسي يعمل أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية بجامعة استيرلينج في بريطانيا، وأحد المؤسسين لمجمع البحوث الإسلامية في المملكة المتحدة، وهو مجمع متخصص ببيت المقدس، واختير أميناً عاماً لهذا المجمع، وأيضاً يرأس تحرير مجلة دراسات القدس الإسلامية. وقد كان لمجلة معه هذا الحوار حول المجمع وأهدافه ودوره. ينصبُّ اهتمامكم على التركيز على قضية المسجد الأقصى؛ وهذا يستدعي أن نطرح على فضيلتكم السؤال الآتي: كيف وصلتم إلى القناعة بأن قضية المسجد الأقصى المزمنة بحاجة الآن إلى المزيد من دراسات متخصصة عن بيت المقدس؛ فقمتم مع إخوانكم بتأسيس مجمع البحوث في بريطانيا؟ وهل من الممكن إعطاؤنا فكرة مختصرة عن المؤسسين لهذا المجمع؟ دعني في البداية أربط الحدث مع قضيتين تاريخيتين: القضية الأولى: هي نهج الرسول ﷺ في التعامل مع قضية القدس؛ فالفتح الإسلامي لمدينة القدس - في السنة الخامسة عشرة للهجرة النبوية الشريفة - لم يتم دفعة واحدة؛ إنما سبقه خطوات عملية هيأت لعملية الفتح الإسلامي. بدايةً هيأ الرسول ﷺ وعبأ النفوس حول هذه المدينة المقدسة بالآيات التي وردت في كتاب الله عن هذه البقعة، ثم بما تحدث به؛ بحيث إن القلوب والعقول أصبحت تحن إلى بيت المقدس وهو واقع تحت الاحتلال الروماني قبل أن تتم عملية الفتح. لقد كانت الخطوة الأولى - وهي التعبئة للنفوس والعقول المسلمة لتبدأ بالتحرك عملياً تجاه القدس، وقد حدث هذا وأهل الإسلام في مكة مستضعفون قبل الهجرة إلى المدينة - تلك الخطوة تعني أنه حتى في مراحل الضنك والألم التي عاشها المسلمون في مكة كانت آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم توجههم نحو هذه المدينة المقدسة، ثم بعد ذلك تبعتها الخطوات العملية بعد الإسراء بالرسول ﷺ من مكة إلى القدس ومعراجه من بيت المقدس إلى السماوات العلى بعد ذلك. وبعد هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة بدأت الخطوات العملية نحو تحرير القدس من الاحتلال الروماني لها؛ فكانت معركة مؤتة أول صراع مع الرومان، وكانت الخطوة الثانية في الطريق إلى تحرير القدس، ثم بعد ذلك كانت غزوة تبوك؛ فقد كانت بمثابة تتبع للروم. وجاءت بعدها معركة اليرموك، وأستطيع أن أقول: إنه لولا اليرموك ما كانت قدس، وكذلك من باب المقارنة: لولا حطين في زمن صلاح الدين ما كانت قدس؛ وهذا يعطينا - حقيقة - درساً تاريخياً مهماً مُفَادُه: أنه قبل معركة القدس الكبرى، وقبل تحرير القدس لا بد أن تُسبَق بمعركة في الشام في منطقة وادي الأردن؛ لأن اليرموك وحطين حدثتا في تلك المنطقة، ثم بعد ذلك تم الفتح الإسلامي في السنة الخامسة عشرة لهجرة الرسول ﷺ على يد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ وهذا ما بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه المقدمة التاريخية تخبرنا أنه لا بد من خطوات عملية، ولا بد أن تُهيأ الأمة للتحرك تجاه هذه المدينة. للأسف الشديد! واقعنا العربي والإسلامي يقول: إننا نتحرك نحو القدس دون أن تتعلق قلوبنا بها؛ فنحن خالفنا طريق الرسول ﷺ الذي انتهجه تجاه القدس. نحن نتصور أننا يجب أن ندخل في صراع مسلح مع المحتلين لهذه المدينة المقدسة وتنتهي الأمور! لا ... لا بد أن يسبق ذلك إعداد؛ فتنفيذ قول الله تعالى: [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم] [الأنفال: ٦٠] وربط القلوب والعقول بهذه المدينة هي الخطوة الأولى للتعلق بها والحنين إليها، وحب المرابطة فيها، وحب الجهاد بها. القضية الثانية: أنه أحزننا أنْ مرت ذكرى أربعة عشر قرناً على الفتح الإسلامي للقدس والعالم العربي والإسلامي لم ينتبه لهذه المناسبة العظيمة. والفتح الإسلامي للقدس كان نقطة تحوُّل ليس في تاريخ القدس وحدها؛ وإنما في تاريخ المشرق العربي الإسلامي؛ إضافة إلى الأمة الإسلامية جمعاء. وهنا نتساءل: لماذا تحدث القرآن الكريم كثيراً عن المسألة التاريخية؟ هل هي من باب إضاعة الوقت أو من باب التسلية - حاشى لله -؟ لا ... إنما بهدف أخذ العبرة والدرس للانطلاق للمستقبل، وإن أردت أن تعرف التاريخ ففي القرآن الكريم علم الماضي والحاضر والمستقبل؛ لأنك تصنع الحاضر في ضوء الماضي وتستشرف المستقبل في ضوء فهمك للماضي والحاضر؛ فكان مرور أربعة عشر قرناً على الفتح الإسلامي لبيت المقدس ١٩٩٤م نقطة أردنا أن نحتفل بها، ليس على طريقة الاحتفالات التقليدية، وإنما في إطار حضاري إسلامي مميز يأخذ هذه القضية ويدفعها إلى إطارها الواسع. أحببت أن أعطي هذين الإطارين التاريخيين حول هذا الموضوع لنفهم لماذا تم إنشاء مجمع البحوث الإسلامية. أما إذا أردت أن أوضح الأمر بشكل مباشر حول مجمع البحوث فأقول: إن لكل عصر متطلباته التي تختلف عن العصر الذي يسبقه؛ فما كان يصلح للخمسينيات والستينيات لا يصلح في التسعينيات؛ لا أقصد أن المبادئ لا تصلح؛ ولكن أقصد الوسائل التي تصل بنا لتحقيق هذه الغايات؛ فالإسلام بدأ من ١٤٠٠ عام وهو صالح لكل زمان ومكان؛ ولكن أقول: الوسيلة التي نستعملها لتحقيق هذه الغاية تختلف من عصر إلى آخر. البيئة التي نعمل بها هنا بيئة غربية؛ فعلينا أن ندرس البيئة؛ فالرسول ﷺ قبل الهجرة للمدينة درس البيئة التي هاجر إليها مما ساعده في تنظيم الدولة الإسلامية الأولى في المدينة. كان ينقصنا معرفة البيئة التي نتحرك بها؛ ولذلك فقد قمنا بدراسة البيئة التي نحن بها في هذه البلاد الغربية ولا سيما في بريطانيا فوجدنا أن هنالك فجوة خلاف عميقة جداً فيما يخص موضوع القدس على صعيدين: فالدراسات الأكاديمية المتوافرة في الغرب إما دراسات توراتية، أو دراسات استشراقية من ناحية، ولا يوجد دراسات إسلامية متعمقة أو جدية حول القدس، ومن ناحية أخرى؛ فإن الدراسات الإسلامية المتوافرة هي دراسات عاطفية لا تعتمد المنهج العملي في الحوار. إسلامنا علمنا أن نواجه الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق؛ ولكن للأسف! عندما نناقش قضية القدس نناقشها بعاطفة، حتى هذه العاطفة غير واضحة وغير مبنية على أسس؛ إذن عمَلُنا الأكاديمي في الغرب هنا أثبت لنا أن هنالك فجوة كبيرة في الدراسات المتوافرة عند العرب والمسلمين، وعند الغربيين في دراساتهم الأكاديمية. النقطة التي تلي ذلك: أننا نعيش في عصر التخصص، وللأسف الشديد! فإن المؤسسات الإسلامية تحب أن تدعي أنها تفهم في كل شيء، وفي نهاية المطاف لا تبني أي شيء؛ ولذا فإن علينا أن نعي أننا في عصر التخصص؛ فالأطباء الآن لا يتخصصون (أنف وأذن وحنجرة) ؛ بل يتخصصون في جزء من أجزاء الأنف؛ هذا التخصص الدقيق جداً أيضاً معرفة؛ ونحن غير مختصين بالقضية الفلسطينية؛ نحن مختصون فقط بجانب بيت المقدس؛ قضية القدس من جميع جوانبها: الشرعي، التاريخي، الجغرافي، الجيولوجي، أي موضوع له علاقة بموضوع القدس حتى الموضوع الطبي البيئي، أي شيء له علاقة بموضوع القدس يجب أن نهتم به. إذن هذه هي الخلفية الفكرية التي دفعت إلى إنشاء مجمع البحوث الإسلامية، وإن أردت أن أُلخِّص الهدف من نشأة مجمع البحوث الإسلامية أقوله في جملة واحدة فهي أن مجمع البحوث الإسلامية يهدف إلى تأسيس مرجعية جديدة حول القدس. نود ولو إشارة بسيطة حول هذا المجمع؛ لأن هناك - كما هو ملاحظ في مجلة دراسات القدس الإسلامية - كادراً كبيراً وشخصيات متميزة يعملون به، وبعضهم من الغربيين؛ فما الجانب الذي كنتم تودون لو تصوغون فيه المجلة؟ أو ما هي الفكرة من مثل هذه المجلة؟ علينا أن نعود إلى معرفة البيئة التي نعمل فيها؛ فنحن لا نعمل بانعزال عن البيئة الغربية التي نقيم بها، وقد قلنا: إن الدراسات المتوافرة هنا دراسات توراتية أو استشراقية؛ ولكنْ هناك عدد من الأكاديميين المتعاطفين الذين يبحثون عن الحقيقة. ولكن لا ندعي أن جميع من يعمل في السلك الأكاديمي متعاطفون؛ بعضهم يريد أن يصل إلى الحقيقة، هؤلاء هم الذين تعاونا معهم. قلنا: إن بعض الأكاديميين الغربيين الذين يُظهرون نوعاً من التعاطف ونوعاً من البحث عن الحقيقة قمنا بالتعاون معهم؛ علماً بأن عضوية مجمع البحوث الإسلامية ليست مقتصرة على المسلمين. ونحن نسعى لجعل المجمع مؤسسة مؤثرة لدى صانعي القرار في هذا البلد؛ فالعمل الأكاديمي هو الذي يصنع العقول، ويدفع إلى الانطلاق نحو تشكيل هذه المرجعية الجديدة التي تكلمت عنها. ولعلِّي في هذه المناسبة أذكر المؤرخة الإنجليزية كارن أرمسترونج التي نشرنا لها مقالة في المجلة واستضفناها في المؤتمر الأكاديمي الدولي الأول عن القدس في عام ١٩٩٧م، ونستغرب الكلام الذي قالته عن القدس، وخلاصة رأيها: أنها بعد أن درست تاريخ القدس منذ بدء الخليقة حتى الآن وجدت أن القدس قائمة على مفهوم العدل، وبمعنى أصح: إن من يحقق العدل في القدس تدوم سيطرته على تلك المدينة، وخلصت بالقول بعدما درست المتغيرات المختلفة، ووجدت أن القدس في العهد الإسلامي تمتعت بالعدل وتميزت بالتسامح والمساواة بين الجميع مما أدى إلى ازدهار المؤسسات العلمية والثقافية وهو الدور الكبير الذي دفع إلى الاستقرار في المنطقة، وتحقيق السلام. أشرتم إلى أهمية التخصص الأكاديمي بالذات لمثل هذه الدراسات؛ ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تعتقدون أننا سنصل بهذه الطريقة - أيْ طريقة الحوار الهادئ والدليل المقنع - إلى شيء يفيد القضية؟ ثم هل تجدون أُذناً صاغية في الجانب الآخر: المسيحي، واليهودي؟ مرة أخرى نعود إلى قضية الأهداف التي نسعى إليها؛ لأن هذه قد توضح جزءاً من الإجابة على هذا السؤال. نحن نهدف في هذه المؤسسة إلى ما نسميه تحقيق الوعي الحضاري من خلال بناء سقف حضاري معرفي، وتأصيل عمل مميز عن بيت المقدس من جانب، ومن جانب آخر: احتضان الطاقات المبتعثة المختصة وتهيئتها ومساعدتها في إطلاق إمكانياتها، كما أننا نريد أن يكون المجمع منبراً عالمياً لمناقشة القضايا المتعلقة بالقدس وملتقى للعلماء المهتمين بهذه القضية، أو بمعنى أوضح وأشمل: نريد أن نخرج بقضية القدس من دائرة رد الفعل إلى دائرة صناعة الفعل؛ فحتى هذه اللحظة في كل القضايا التي يعاني منها العالم الإسلامي نحن نقوم بردود أفعال؛ ففي قضية كوسوفا كان العالم الإسلامي يقوم برد فعل على جرائم تُرتكب هناك؛ ولكننا لا نصنع الفعل. (نحن في مجمع البحوث) نريد أن نصنع الفعل تجاه قضية القدس، هذا جزء من أهداف المجمع؛ وليس الرد على الدراسات التوراتيتة والاستشراقية؛ لأننا لو أخذنا جزءاً من وقت المجمع في الرد على الدراسات التوراتية والاستشراقية لبقينا في دائرة رد الفعل؛ ولكننا أردنا أن نصنع الفعل من خلال المحاورة، من خلال المؤتمرات الأكاديمية التي نعقدها، من خلال المجلة الأكاديمية، ومن خلال الندوات، والمحاضرات. اطرح وجهة نظرك، ولْيطرح الآخر وجهة نظره؛ فتلك هي المحاورة الحضارية الهادئة التي أمرنا بها القرآن الكريم عندما نتكلم في محاوراتنا مع غير المسلمين. قال الله - تعالى -: [وجادلهم بالتي هي أحسن] [النحل: ١٢٥] في كل القضايا نحن نريد أن نطبق هذا الشعار، في قضية القدس نحاورهم بالتي هي أحسن على ألاَّ نُجَرَّ فيصبح عملنا رداً لفعلهم؛ ولكننا نصنع الفعل. المؤتمر عندما يعقد فإننا نضع فعلاً جديداً حول القدس، وعندما نصدر مقالة فإننا نؤسس مرجعية جديدة، ونقوم بصناعة الفعل بطريقة هادئة، والطريقة الهادئة تنتج في الغرب أكثر من الصراخ والغوغائية والعاطفية؛ وأستطيع أن أدَّعي أننا منذ ١٩٩٤م وحتى هذه اللحظة كسبنا إلى صفنا من الغربيين لصالح قضية القدس أكثر مما كنا نتوقع، وبهذه الطريقة الحضارية. يتوجه أغلب المصْلحين لمخاطبة الجماهير الغفيرة بلغة بسيطة يفهمها الجميع؛ فلماذا توجهتم هذا التوجه الأكاديمي البحت؟ ثم هل وجدتم تجاوباً من المؤسسات والجهات العلمية المهتمة بهذا مع مشروعكم؟ أولاً: لعلِّي من خلال المقدمة التي أعطيتها القارئ نلاحظ أنه ليس لدينا مختصون في موضوع القدس، وإن كان لدينا فعددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة؛ بل أستطيع أن أدعي أنهم يقلون عن عدد أصابع اليد الواحدة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولذا فإننا إذا أردنا أن نخاطب الجماهير فسنكون اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة؛ فكيف نستطيع أن نخاطب العالم الإسلامي والعالم الغربي؟ هذا الأكاديمي سيصاب بجهد كبير من السفر والمتابعة، وسيذهب جميع وقته في اللقاءات والمحاضرات ... إلى آخره؛ مما يعني أنه لن يكون هنالك إنتاج؛ ولكن نحن قلنا: نعم! لن نغفل هذا الجانب في مخاطبة الجماهير المسلمة؛ ولكن في الوقت نفسه نريد أن نعدَّ قطاعات علمية أكاديمية متخصصة في موضوع القدس، وهذه القطاعات هي التي ستحمل على عاتقها مشروع مخاطبة الجماهير المسلمة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. نحن نتمنى أن يكون هناك - على الأقل - متخصص واحد في كل قطر عربي؛ حتى يحمل هذه الأمانة، وهذه الراية في مخاطبة الجماهير. إذن الهدف في المرحلة الحالية هو تكوين مجموعات أكاديمية متخصصة تعرف الحقائق من جميع نواحيها حول موضوع القدس لتتولى مخاطبة الجماهير؛ ولكن عملية إعداد هذه النوعيات ليست عملية سهلة، ويجب أن نتعاون مع المؤسسات العلمية والإسلامية والسياسية في العالم العربي؛ لدعم ذلك المشروع. الآن لدينا ٦ طلاب يحضِّرون الدكتوراه في مواضيع مختلفة حول موضوع القدس: طالب يحضر حول القدس بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، والثاني: حول الفتح الإسلامي الأول للقدس، والثالث: عن المؤسسات العلمية الإصلاحية في القدس في الفترة الأيوبية، الرابع: حول الاستيطان في القدس منذ عام ١٩٤٨ منذ قيام دولة اليهود، والخامس: عن القدس في الصراع العربي الإسرائيلي، أما السادس: فعن نظرية جديدة في تفسير العمارة الإسلامية في القدس؛ فجميع الدراسات الاستشراقية حتى الآن وحتى العربية والإسلامية تقول: إن العمران في القدس هو نسخة طبق الأصل من المعمار البيزنطي، هذا الطالب الآن يحضر رسالة الدكتوراه في الهندسة المعمارية في القدس، ليؤكد أن العمارة في القدس في الصدر الأول للإسلام إنما بنيت انبثاقاً من فهم القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم. وبطبيعة الحال ما كان ليتم هذا لولا المكرمة التي تسجل بأحرف من نور للشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم حاكم دبي الذي تفضل مشكوراً بتبني خمسة طلبة يُحضِّرون الدكتوراه في المواضيع التي ذكرتُها بعد أن رأى جدِّيَّة المشروع الأكاديمي الذي نقوم به، كذلك قمنا قبل عدة أسابيع بالسفر إلى دبي؛ لزيارة الشيخ حمدان، وقمنا أيضاً بمقابلة الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات ولجامعة زايد، ووزير التعليم العالي في الإمارات العربية المتحدة: الشيخ مبارك آل نهيان الذي أمر بتقديم كل الدعم اللازم لمجمع البحوث الإسلامية للانطلاق لتحقيق هدفه السامي من أجل الحفاظ على القدس عربية إسلامية. ولعلي أستغل هذه المناسبة لأوجه هذا النداء لقراء هذه المجلة الرائدة (مجلة) لنقول لهم: إننا خطونا خطوة أولى على الطريق الصحيح نحو القدس، ونحن نسعى بجميع ما لدينا من إمكانيات ووقت وتخصص وعلم؛ لكي ننطلق في هذا المجال؛ ولكننا نريد من أهل الخير في عالمنا العربي والإسلامي أن يقدموا لنا الدعم المادي والمعنوي؛ فجميع هذه النشاطات لا يمكن أن تتم إلا من خلال الدعم المادي والمعنوي. نحن بحاجة إلى أن نرفع من عدد المنح الدراسية التي نقدمها في المجمع لنُكَوِّنَ هؤلاء الخبراء الذين ينطلقون لنشر هذه الرسالة العظيمة ونأمل في الاتصال بنا ليقولوا لنا: إننا نريد أن نتبنى طالباً، اثنين، عشرة، أي عدد يستطيعونه لدراسة الدكتوراه في مجال موضوع القدس مثلاً، ويسرنا أن نتعاون معهم في أي مجال آخر، فمن أراد أن يتبنى مالياً المؤتمر والمصاريف التي ننفقها على المؤتمر الأكاديمي السنوي الذي نعقده في لندن فجزاه الله خيراً، أو إن أراد أن يتبنى طباعة المجلة العلمية الأكاديمية (مجلة دراسات القدس الإسلامية) التي نطبعها فأهلاً وسهلاً، أو إن أراد أن يترك له صدقة جارية في وصيته بعد مماته وقفاً جارياً عنه لننتفع به في هذه القضية، أو إن أراد أن يدعم بعض المشاريع التي نقوم بها في القدس نفسها من خلال ترميم بعض الأماكن التاريخية الإسلامية الآيلة للسقوط في داخل المدينة المباركة المقدسة؛ فالمجال مفتوح للتعاون على البر والتقوى. نعود للحديث عن أهم النشاطات التي يقوم بها مجمع البحوث الإسلامية، ولعل من أبرزها: مجلة دراسات القدس الإسلامية؛ فما هي أهم الموضوعات التي تتطرق لها المجلة؟ مجلة دراسات القدس الإسلامية هي مجلة تصدر مرتين في السنة باللغتين العربية والإنجليزية، وهي مجلة أكاديمية محكَّمة. بمعنى أصح: إن أي مقالة تصل إلينا لا بد أن نرسلها إلى اثنين من المختصين في مجال القدس، فإن وافقوا على نشرها يتم نشرها في المجلة، وهذا يساعد في بناء الشخصيات العلمية المختصة؛ لأن النشر في تلك المجلة يساعد على الترقيات العلمية الأكاديمية؛ فالباحث الذي يريد أن يرقى أكاديمياً من درجة أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك، ثم إلى أستاذ لا بد أن ينشر في مجلات أكاديمية محكَّمة، وهذا ما نسعى إليه في الوقت الذي ننشر فيه مقالات حول القدس، كما أننا نريد أن نتيح لإخواننا نشر مقالات متخصصة تساعدهم على الترقيات العلمية في حياتهم الدنيوية. هذا تعريف عام بمجلة دراسات القدس الإسلامية، وحتى الآن صدر من المجلة أربعة أعداد يُتناول بها جملة من القضايا المختلفة والمتعددة؛ فمثلاً: في العدد الأول كان هناك مقالة للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حول القدس في الوعي الإسلامي، وأيضاً مقالة أخرى للدكتور محسن صالح عن جهود علماء فلسطين في رعاية المقدسات الإسلامية في القدس وحمايتها من سنة ١٩١٨ إلى سنة ١٩٣١م. ومن المناسب أن نقول: إن الدكتور محسن صالح فاز بجائزة بيت المقدس للعلماء المسلمين الشباب، وهي الجائزة التي يتبناها المجمع سنوياً ويقدمها لأفضل الباحثين في هذا المجال، وفي العدد الثاني - نتكلم عن المقالات باللغة العربية -: كانت هنالك مقالة حول تخريج أحاديث فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى للأستاذ أحمد يوسف أبو حلبية، وكان فيه أيضاً وثيقة عن موقف حزب العمال البريطاني من قضية القدس. العدد الثالث كانت فيه ترجمة للمقالة المهمة جداً التي أود أن يطلع عليها القارئ - وهي باللغة العربية - للمؤرخة الإنجليزية (كارن أرمسترونج) بعنوان: (مكان مقدس: قدسية القدس الإسلامية) ومقالة أخرى بعنوان: (القدس نقطة مركزية في حياة صلاح الدين) لمؤرخ إنجليزي آخر بالإضافة إلى المقالات الإنجليزية الأخرى، أما العدد الرابع فيتضمن مقالاً عن مركزية القدس في الإسلام للأستاذ الدكتور: إبراهيم زيد الكيلاني، ومقالاً آخر عن أهمية القدس عند المسلمين للدكتور: مروان أبو خلف. كما هو ملاحظ فإن مجلتكم تخاطب الطرف المقابل باللغة الإنجليزية؛ فهل توجد شريحة مهمة في المجتمع البريطاني تشارك في الحوار الهادئ وتوجهون لها الخطاب حول هذه القضية؟ لا شك أن هذه المجلة هي مجلة محترمة في جميع الأوساط الأكاديمية وجميع الجامعات الغربية والأمريكية والبريطانية، وهذه المقالات التي تنشرها تهدف إلى تعميق هذا الحوار حول موضوع القدس، وقد يكون من الجميل في هذا الإطار أن يكتب المقالات المفيدة للحقل الإسلامي باحثون وعلماء مشهورون في العالم الغربي؛ مما يؤثر إيجابياً على عقلية الإنسان الغربي. فمثلاً: عندما يقرؤون مقالة لكارن أرمسترونج وهي معروفة جداً في مجال التأريخ، فإن هذا يؤثر جداً في العقلية، ولعلي أقول: إن بعض السياسيين البريطانيين الذين يحضرون المؤتمرات دهشوا من الكم الهائل للمعلومات الإيجابية التي قالتها كارن أرمسترونج حول موضوع القدس، وعلق أحدهم قائلاً: إننا نجهل الجانب الآخر عن القدس وهو الجانب الإسلامي، وقال: إنه لا يمكن حل قضية القدس دون الأخذ بعين الاعتبار البعد الإسلامي لهذه المدينة. إذاً هذا الحوار الذي بدأ منذ أربع سنوات حول قضية القدس أستطيع أن أدعي أننا بدأنا نقطف ثماره بعد تزايد عدد المهتمين والمؤيدين والمتخصصين من الجانب الغربي بقضية القدس. حقيقةً الإشارة إلى المؤتمرات التي هي من مجالات عمل مجمع البحوث مهمة؛ فهل لكم أن تحدثونا أكثر عن المؤتمر الأول والثاني وما تنوون عقده من مؤتمرات في المستقبل القريب إن شاء الله؟ المؤتمرات أيضاً تدور في نفس الهدف لمجمع البحوث وهو: تأسيس مرجعية حول موضوع القدس، فوجدنا أن الحوار عن طريق المجلة والمحاضرة قد لا يكفي؛ ولذلك فنحن نريد أن نجمع جملة من المهتمين والمختصين من العالم الإسلامي والغربي؛ ليطرحوا قضية القدس للمناقشة؛ فكانت فكرة المؤتمر الأكاديمي الدولي عن القدس الإسلامية. وأريد أن أركز على أننا نستطيع أن ندعي أننا طرحنا مفهوماً جديداً حول القدس كان غائباً في الغرب والعالم الإسلامي وهو: (مصطلح القدس الإسلامية) هذا المصطلح له أهميته؛ كنا نسمع: القدس اليهودية، القدس النصرانية، القدس العربية؛ ولكن أن نطرح القدس بهذا البعد في بلد غربي فهذا مفهوم جعل الكثير من الغربيين الأكاديميين والسياسيين يعيدون النظر في هذه القضايا. وهذه من بركات المؤتمر الذي يعقد - عادة - في فصل الصيف قبل العودة للحياة الأكاديمية، وعادة يكون في كلية الدراسات الشرقية الإفريقية بجامعة لندن. وفي المؤتمر الأول عام ١٩٩٧م كان الحضور مميزاً، وكان الحاضرون على مستوى عالمي من العالم العربي والإسلامي، وأصبح لدينا سُنة - نسأل الله أن تكون سنة حسنة - أن يُفتتح المؤتمر من شخصية سياسية بريطانية لنقل التأثير إلى المؤسسة السياسية. والكلمة التي ألقيت في المؤتمر الأكاديمي الأول سنة ١٩٩٧م كانت من شخصية سياسية بريطانية لنقل التأثير الأكاديمي للدوائر السياسية، وهذا حقيقة ما صنعه الطرف الآخر يعني اليهود؛ فقد استطاع أن يؤثر في صناعة القرار في البلاد الغربية؛ مما أدى إلى تحول الغرب تجاه دعم قضيتهم؛ وقد افتتح المؤتمر الأول (إرني روس) رئيس مجلس الشرق الأوسط في حزب العمال البريطاني رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني. والمؤتمر الأول في سنة ١٩٩٧م كان مؤتمراً عاماً تحت عنوان: (القدس الإسلامية) أما سنة ١٩٩٨ م فكان المؤتمر متخصصاً أكثر وكان عنوان المؤتمر: (مركزية القدس في الإسلام) وأيضاً شاركت فيه نخبة من العالم الغربي هنا، وأيضاً افتتح من الدكتورة (فلس استاكي) نائبة رئيس مجلس الشرق الأوسط في حزب العمال ورئيسة اللجنة البرلمانية لجميع الأحزاب السياسية في البرلمان البريطاني. وفي ٧-٩-١٩٩٩م انعقد المؤتمر هذا العام تحت عنوان: (العلاقات الإسلامية المسيحية في القدس) ومن المتوقع أن يَفتتح المؤتمر هذا العام وزير الدولة في وزارة الخارجية البريطانية، وأيضاً سندعو له جملة من المختصين والمهتمين بموضوع القدس إن شاء الله ونسأل الله أن يعيننا على نقل بعض هذه المؤتمرات إلى العالم العربي، ونحن على استعداد لأن نتعاون مع أي مؤسسة أكاديمية بحتة أو جامعة من جامعات الوطن العربي لعقد مؤتمرات مماثلة في أي قطر أو بلد عربي إن شاء الله تعالى. فضيلة الدكتور: هل لكم اتصالات مباشرة مع بعض الجهات الأكاديمية في القدس أو في فلسطين؟ وهل تساعدكم هذه في الحصول على معلومات أو مخطوطات علمية تساعدكم في دراستكم حول القدس؟ نعم! نحن على اتصال مع المؤسسات الأكاديمية في القدس نفسها وبعض المدن الفلسطينية؛ فالطلبة الذين يحضِّرون للدكتوراه هم من القدس أو من المدن الفلسطينية، وهم سيكونون بإذن الله ﵎ خير سفراء لنا في جلب الوثائق والمخطوطات المتعلقة بالقدس. ومن جانب آخر نحن أيضاً على اتصال بالمؤسسات المهتمة بموضوع القدس. ودعَوْنا في العام الماضي مدير المعهد العالي للآثار الإسلامية بجامعة القدس في داخل القدس للحديث حول القدس في المؤتمر، أيضاً لنا اتصال مع المؤسسات المهتمة بالترميم داخل القدس، ولا سيما جمعية الأقصى لرعاية المؤسسات الإسلامية التي يرأسها الشيخ (رائد صلاح) الذي كان له دور كبير جداً في الحفاظ على المسجد الأقصى، وأخص هنا الدور الكبير التي قامت به هذه الجمعية في تحويل التسوية الشرقية للمسجد الأقصى والتي تعرف حالياً بالمصلى المرواني التي تبلغ مساحتها خمسة آلاف متر مربع، وكانت خالية يُمنع الدخول إليها إلا بإذن، فعندما اكتشفت جمعية الأقصى أن اليهود يسعون إلى عمل نفق يربط حائط البراق (الذي يسمونه حائط المبكى) بتلك التسوية بادرت تلك الجمعية إلى العمل في داخل هذه التسوية فتم تبليطها وترميمها وفرشها، والآن أصبحت مصلى يصلي فيه أهل الإسلام في فلسطين، وهذه الحال لم تكن كذلك منذ الاحتلال في عام ١٩٦٧م. فنحن على اتصال دائم داخل القدس مع المؤسسات العلمية والأكاديمية والشخصيات التي نأمل أن تكون عناصر في هذا المجال، بالإضافة إلى المؤسسات التي تتولى ترميم ورعاية وحماية المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس بصفة عامة. نود أن نسأل عن نشاطاتكم الأخرى من خلال مجمع البحوث، وما هي طموحاتكم لتطوير المجمع؟ بالإضافة للمؤتمر الأكاديمي الدولي السنوي، والمجلة، والمنح الدراسية لدينا سنوياً معارض فوتوغرافية حول موضوع القدس؛ وكل معرض يحمل مفهوماً نريد أن نوصله إلى من يشاهده؛ ففي السنة الأولى - على سبيل المثال - عملنا (درة المدينة المقدسة) ، وكنا نريد أن نغير مفهوماً خاطئاً في عقلية المسلم والغربي في نفس الوقت، وأردنا أن نقول: إن المسجد الأقصى ليس قبة الصخرة، وإنما القبة جزء من المسجد الأقصى. المعرض الثاني كان لتوضيح فكرة التواصل المستمر للمسلمين مع القدس منذ الفتح الإسلامي حتى هذه اللحظة، وأن الوجود والصفة الإسلامية حول هذه المدينة صيغت مباشرة بعد الفتح الإسلامي للقدس. ونحن في الطريق إلى إعداد المعرض الثالث بإذن الله إضافة إلى أن لنا نشرة تصدر أربع مرات في السنة باللغة العربية والإنجليزية: وهي نشرة إخبارية نخاطب بها عامة المسلمين والغربيين، ونحاول أن نوصل لهم أحدث الأخبار التي لا تنشر في الصحافة حول موضوع القدس باللغة العربية وتسمى: (نداء العلماء) وباللغة الإنجليزية تسمى: (The Holy Sity) . هذه نبذة مختصرة حول ما نقوم به لتأسيس المرجعية الجديدة حول موضوع القدس بأسلوب حضاري مميز نأمل تحقيقه، وأشياء كثيرة جداً؛ ولكن طموحنا في إطار المعقول، وليس طموحاً فيما لا يمكن أن نحققه. نحن منذ إنشاء المجمع ١٩٩٤م نخطو خطوات دقيقة وبطيئة وهادئة بعيدة عن أي صخب أو ضوضاء؛ وهذه الطريقة تعطينا مصداقية في عالمنا العربي والإسلامي والعالم الغربي، ونأمل - إذا ما توافر لدينا الدعم المالي اللازم - إلى زيادة عدد المنح الدراسية وزيادة المعارض. والمجلة تصدر أربع مرات في السنة، ونقوم بطباعة بعض الوثائق حول موضوع القدس، وعقد مؤتمرات في البلاد الغربية كذلك لتوعية ونقل هذا الاهتمام الحضاري إلى عالمنا العربي، ونأمل كذلك في توثيق علاقتنا بالجامعات العربية والجامعات الإسلامية ومراكز البحث العلمي في تلك البلاد، ولكن كثيراً من المشاريع التي ناقشناها في مجمع البحوث وتوقفنا عن تنفيذها كان بسبب عدم توفر الدعم المالي. نحن على استعداد أن نناقش جميع المشاريع التي لدينا مع أي جهة خير أو فرد يريد أن يدعم هذه المشاريع بإذن الله تعالى فالمشاريع كثيرة؛ والطموحات كثيرة؛ ولكننا نريد أن نكون واقعيين في تعاملنا فلا نريد أن نطرح قضايا كثيرة جداً وهي بحاجة إلى دعم كبير، ونريد أن نتعامل مع ما هو متوافر لدينا؛ فإن توافر لنا الدعم فمن المؤكد أننا سننطلق في مشاريع كثيرة جداً تشمل بقية أوروبا وأمريكا والعالم العربي والإسلامي. أريد أن أذكر نقطة وهي: نشر الكتب، فلقد قمنا مؤخراً بنشر كتاب وثيقة حول حائط البراق الشريف الذي أصدرته اللجنة الدولية عام ١٩٣٠م وصادقت عليه الحكومة البريطانية وعصبة الأمم عام ١٩٣١م بعد ثورة البراق ١٩٢٩م، وهذه الوثيقة لمن يريد أن يتكلم بالشرعية الدولية والقانون الدولي نقول بكل وضوح: إن حائط البراق هو ضمن أوقاف المسلمين وإن ملكيته تعود إلى المسلمين، والكتاب باللغتين العربية والإنجليزية. وأختتم حديثي بأننا بفضل الله - تعالى - على قناعة بهذا المشروع، ولقد وافقت الجامعة التي أعمل بها على طرح مقرر أتولى تدريسه حالياً اسمه: (القدس الإسلامية) ليدرس لطلبة البكالوريس؛ فهذا إنجاز كبير. والحمد لله رب العالمين.

стр. 3295

ملفات القضية الفلسطينية.. مآس متجددة مستقبل العمل الإسلامي في فلسطين عبد الملك محمود لا شك في الدور الضخم للانتفاضة في فلسطين الذي أخاف أعداء الأمة من يهود ونصارى، وقد خطط الأعداء طويلاً ومكروا مكر الليل والنهار، خصوصاً عندما رأوا تأثير الانتفاضة حتى توصلوا إلى أفكار ومشاريع مختلفة. هؤلاء الأعداء المتربصون كثر، وعلى رأسهم الحلف اليهودي النصراني الدنس. وكان من أبرز ما تمخض عن مشروعات الأعداء للمنطقة (اتفاقية أوسلو للسلام) ، هذا المشروع الذي أقيم أصلاً للمحافظة على مصالح دولة (إسرائيل) . وهي مصالح لا تتحقق إلا بضرب كل ما يمت للإسلام بصلة وصد الناس عن دين الله، فالتقت مصالح اليهود والعلمانيين من السلطة وغيرها، فتعاونوا على حرب تلك الانتفاضة. وقامت هذه الحرب على عدة محاور: ١- إنهاء الانتفاضة ورموزها. ٢- القضاء على النشاط الإسلامي وتجفيف منابعه. ٣- شن حرب شرسة على الأخلاق، ويرتبط بها سياسة التجويع والتجهيل. ٤- إنهاء أي صورة من صور المعارضة لمشاريع السلام ومحاولة ضرب الإسلاميين بشتى الوسائل. ولعلنا نشير فيما يلي إلى بعض النقاط حول طبيعة المعركة الحالية، ثم بعد ذلك نعرج على الموضوع الأهم وهو حديث في النقد الذاتي داخل البيت الواحد، ونريد من إخواننا العاملين في فلسطين على كافة اتجاهاتهم أن تتسع صدورهم للحديث؛ فهم منا ونحن منهم، ونحن نثق بإخواننا ونقول لهم: لسنا أوصياء عليكم ولكنها النصيحة الواجبة علينا وما يهمكم يهمنا. لذا سنتحدث قليلاً عن بعض المراجعات والدروس نظراً لعدم اتساع المقام - ثم نشير إلى بعض المسائل الإيجابية التي يجب أن تُنمى ويركز عليها. القضاء على الانتفاضة وبذورها: كانت هناك محاولات ومخططات للقضاء على الانتفاضة، وأخيراً توقفت الانتفاضة، ووقف شمعون بيريز بعد عام من اتفاق أوسلو في الكنيست يدافع عن الاتهامات الموجهة له ولحزبه بالتسرع في الاتفاق مع السلطة الفلسطينية، فقال: ... (إلى من يعترض على برنامج حكومتنا أقول شيئين: الأول: نحن إذا رجعنا بالذاكرة إلى الوراء فسنرى أنه لم يكن أمامنا إلا خياران: إما أن نأتي بالمنظمة الضعيفة ونسلب منها كل مقومات المقاومة ونتفاوض معها وهي ضعيفة بشروطنا، أو أن نذهب إلى حماس ونتفاوض معها وهي قوية وتلقى قبولاً لدى الناس والشارع الفلسطيني ونضطر إلى مفاوضتها بشروطها هي. الثاني: اذهبوا إلى غزة الآن وانظروا إلى حال المرأة الفلسطينية في غزة وكيف حجابها؟ من يستطيع أن يقول إن المرأة كانت تستطيع نزع الحجاب أيام الانتفاضة) ؟ لقد كانت حال المجتمع الفسلطيني خلال الانتفاضة تمثل نوعاً من التكافل والترابط والعودة إلى الدين. كانت هناك صورٌ جيدة من التكافل والنظافة الاجتماعية وربما كان ذلك بسبب التماسك في وجه العدو المشترك ومشاركة الذين فقدوا أبناءهم أو أصيبوا بما أصيب به كل بيت. لم تكن تسمع عن حالات الفجور التي نراها الآن. ولم تكن هناك قوات ردع أو شرطة تجبر الناس على الحجاب؛ فقد كانت الأخلاق بصورة عامة منضبطة نوعا ما. ومثالٌ على هذا: اتجه الناس أيام الانتفاضة إلى تبسيط الأعراس وعدم البذخ؛ فكان مبلغ ٥٠٠ دينار كافياً لإقامة الزواج وحفلته. أما الآن فإن ظاهرة التنافس في الأعراس في فلسطين أصبحت لا تطاق من مغالاة في المهور، فضلاً عن مظاهر البذخ والانحلال والتقليعات الجديدة والفساد في الحفلات مثل استئجار عدد كبير من السيارات والذهاب إلى البحر في غزة أو غيرها، أو موضة الذهاب إلى مطار رفح والتقاط الصور في صالة المطار ... وعادات أخرى عجيبة بدائية، وتضييع للأموال والأوقات والانشغال بأشياء تافهة؛ وبهذه الطريقة لا يفكر الناس باليهود ولا بما يقومون به. بينما يقوم اليهود في بناء المستوطنات وتفريغ القدس والاستيلاء على مزيد من الأراضي. القضاء على النشاط الإسلامي، وسياسة تجفيف المنابع: لقد نصت الملاحق السرية لاتفاقية أوسلو على محاربة الإسلام والنشاط الإسلامي، وبذلت السلطة في ذلك جهوداً كبيرة شملت تصفية رموز الإسلاميين ومطاردتهم خصوصاً أصحاب الجناح العسكري، كما شملت تشديد الخناق والاعتقالات والتعذيب. ومن جهة أخرى عملت السلطة على إقفال الجمعيات والمؤسسات الإسلامية على الساحة، وإبعاد الخطباء النشطين، حتى إن الخطيب لا يسمح له بالقيام بخطبتي جمعة متتاليتين. لقد بدأت السلطة باكراً بهذه السياسة، ومن المفارقات أن يكون من أولويات السلطة إنشاء المعتقلات والسجون والتشديد الأمني قبل أن تبدأ بأي شيء من البنى التحتية التي يفتقدها الناس. إن سجلات عرفات طوال أكثر من ٥ سنوات كلها خزي؛ فمن حصيلة إنجازاته: إنشاء ٣٠ مركز توقيف واعتقال، و١٧ سجناً و٤٠ ألف شرطي! ! لقد بدأت المنظمة باكراً بهذه العملية مع استلامها للسلطة فبادرت بعمليات الاعتقال وإغلاق الجمعيات وتجفيف المنابع، وأخذت خلاصة خبرات الأنظمة القمعية في هذا المجال. من المفارقات - وللحق - أن المسلمين في المناطق التي يحتلها اليهود (مناطق عام ١٩٤٨م) هم أفضل حالاً ممن يرزحون تحت سلطة عرفات. وخلال الأشهر الأولى من عام ١٩٩٦م تعرض الكيان اليهودي لموجة انفجارات عنيفة هزت أركان المجتمع اليهودي وأثارت مخاوفه وقلقه، وكان عقب ذلك تشديد آخر ضخم، وتعقُّب لعناصر حماس وتصفيات جسدية واعتقالات في مناطق ما يسمى بالحكم الذاتي! كان لها تأثير بالغ. - ولن نتحدث هنا عن مظاهر الفساد الإداري والاختلاسات والرشاوى التي يقوم بها أباطرة السلطة ورجالاتها؛ فهذه القصص حديث الناس اليومي. تحالف يهودي - أمريكي - عرفاتي - عالمي: أما عن تعاون السلطة مع اليهود فهو واضح وأدلته كثيرة؛ فقد تكلم بيريز مع نتنياهو عندما سأله: لماذا لا تترك الخليل؟ فقال نتنياهو: لماذا لم تنسحب أنت في الفترة السابقة؟ قال: لم أنسحب؛ وذلك بناء على طلب عرفات. وهذه رواية ثابتة عنه. بل إن الخلافات بين (إسرائيل) والمنظمة على مواضيع المفاوضات تبدو وكأنها خلافات داخل الأسرة الواحدة، وكما صرح نتنياهو ذات مرة بأن (الأصدقاء في الأسرة الواحدة يختلفون ثم يتصالحون!) . أما الأنظمة الأخرى، فلا شك أن السباق بينها الآن محموم لإقامة علاقات مع (إسرائيل) وإنهاء الحالة السابقة، والمنطقة كلها تهرول نحو السلام. ... وعلى سبيل المثال فإنه عقب فوز باراك في الانتخابات بدأت سوريا تتخلى عن الفصائل المعارضة التي كانت تستخدمها ورقة ضغط، وأرسلت إليها إشارات واضحة بضرورة التفاهم مع السلطة والتخلي عن خيار هذه الورقة - حتى لو كان ذلك عبارة عن مجرد تصريحات على الورق - كما أن هناك مساعيَ لإكمال سلسلة العلاقات المغاربية الإسرائيلية بإيجاد علاقات مع الجزائر؛ وقد بدرت لذلك عدة بوادر منها: مصافحة الرئيس الجزائري لباراك، ومقابلة صحيفة إسرائيلية مع بوتفليقة، وإشارات متفرقة أخرى. وما لا يتم في هذه السنة فسوف يتم في التي بعدها، وما لا يمكن إحرازه على هذه الجبهة يمكن أن يحرز في جبهة أخرى، لكنْ هناك اتفاق على قضايا ومحاور أساسية من أبرزها محاربة (التطرف) الإسلامي، كما حدث في اتفاق شرم الشيخ الذي أطلق عليه: (مؤتمر مكافحة الإرهاب) . نظرة إلى مسيرة المفاوضات: بمجرد فوز باراك في الانتخابات أطلق لاءاته الأربعة الشهيرة: لا للانسحاب من القدس، لا للدولة الفلسطينية، لا لعودة اللاجئين، لا لإزالة المستوطنات. ومع هذا فلا زالت السلطة ومن حولها تلهث خلف المفاوضات، وهي مفاوضات تسير على وتيرة واحدة. فهناك سلسلة صعبة مما تم تأجيله في المفاوضات كقضية القدس والمعتقلين واللاجئين. ولو سلمنا جدلاً بأن المفاوضات عبارة عن حل وسط فما هو الحل الوسط المطروح في قضية القدس؟ وما هو الحل الوسط في قضية اللاجئين؟ في كل جولة تثار قضايا جانبية ثم تؤجل المفاوضات لفترات ربما تمتد لشهور طويلة ثم تعود ثانية وهكذا. ولننظر على سبيل المثال إلى نموذج من فنون المماطلة اليهودية في قضية النازحين إذا ما تمت الموافقة على بدء الحوار فيها، ولا ندري متى يتم ذلك؛ فإن هناك بعض الطروحات الإسرائيلية ومنها: ١ - تعريف من هو النازح. ٢ - كم عدد النازحين. ٣ - تشكيل لجنة دولية لإجراء إحصاء لمعرفتهم. ٤ - النازحون هم الذين نزحوا عام ١٩٦٧م من الضفة وغزة وليس أبناءهم أو ذويهم. شكلت لجنة فنية لتعريف من هو النازح أولاً، وانشغلت اللجنة بستة اجتماعات ثم توقفت بموت رابين، وجاء اقتراح بيريز بأن تتم عودة النازحين - في حال الموافقة - بصورة مبرمجة لكيلا يحدث انفجار سكاني في منطقة السلطة [١] ، والطريف في الأمر أن هذا البرنامج المقترح يعني أن النازحين ستتم عودتهم في مدة وجيزة لا تتجاوز ٣٠٠ سنة فقط (! !) . وأحياناً تدور المفاوضات حول قضايا معينة مثل مسألة ميناء غزة ومسألة فتح شارع الشهداء في الخليل وربما تكون على مستوى آخر كمسألة الممرات الآمنة، وهكذا تؤجل القضايا الأساسية الضخمة؛ فهناك حرب إسرائيلية شاملة شرسة لتفريغ القدس من أهلها المسلمين، والمستوطنات تزداد رسوخاً (ربما يسمح بإزالة بعض بيوت الصفيح المتنقلة) وعدد اليهود القادمين إلى فلسطين يزداد (تقرير في مجلة المجتمع العدد الأخير أوائل نوفمبر ١٩٩٩م تحدث عن قرب هجرة ٢٤٠ ألف من اليهود الروس خصوصاً عقب الحرب في الشيشان) وهكذا فالعدو الإسرائيلي الماكر يبرمج الحلول كما يشتهي، والسلطة تقابل ذلك بمسيرة تنازلات والرضى بأي شيء: ممر آمن، أو غيره [٢] . وما لقاء أوسلو الجديد في أوائل نوفمبر ١٩٩٩م سوى استمرار للمسيرة نفسها، ولا ينسى عرفات في التوقيت نفسه (ذكرى مقتل رابين) أن ينحني ليقبل يد زوجة رابين كأنها إشارة إلى مسلسل الانحناء والذل لليهود. مثال: قضية المعتقلين: يقدر عدد المعتقلين بنحو ٧٠٠٠ معتقل، وقد أطلق سراح بعض المتهمين في قضايا جنائية، وفي العام الماضي طالبت المنظمة بإطلاق سراح ٧٥٠ من أعضاء فتح والجبهات العلمانية فأطلق سراح ٢٥٠ منهم: ١٥٠ جنائي، و١٠٠ سياسي، ومنذ نحو شهر ونصف أطلق سراح ٢٠٠ والباقي نحو ٣٠٠ من فتح والعلمانيين من المتهمين بقتل يهود أو المساهمة في العمليات، أما الإسلاميون فيقدر عددهم بنحو ٣٠٠٠ مَن أُخرج منهم حديثاً بعضهم اقتربت نهاية محكوميته، ومن الطريف أن هناك شخصاً بقي له أسبوع فقال: اتركوني حتى ينتهي الأسبوع وخذوا مكاني آخر. (إسرائيل) غير مستعدة لمناقشة موضوع الإسلاميين في السجون، بل وغير الإسلاميين ممن ثبت أنه سفك الدم اليهودي (المقدس) . والحقيقة أن المنظمة ليس لديها القوة للمطالبة بهؤلاء، بل لا بد من موافقة مكتب الـ (سي آي إيه) في غزة بناءاً على اتفاقات أوسلو، وهو مكتب قوي له إمكانات واتصالات وحسابات، وهو موجود لحل بعض المعادلات والوصول إلى الأسماء والمعلومات المطلوبة. ومن الجدير بالذكر أن عبد العزيز الرنتيسي المعتقل لدى السلطة وهو من قادة حماس ممنوع إطلاق سراحه بناء على طلب (إسرائيل) وأمريكا على خلفية أنه رجل قوي الشخصية وإداري، ووجوده خارج السجن يعني قوة لحماس وكلامه مقبول، وهناك اتفاق مسبق بين المنظمة و (إسرائيل) بعدم إطلاق سراح هؤلاء، فالمعادلة إذن محسومة. حرب على الأخلاق: من أبرز أهداف المشروع اليهودي الغربي للمنطقة محاربة الأخلاق؛ فهو يحرض على نشر الفساد والرذيلة، وقد ركز الأعداء على هذا الأمر؛ لأن الانهيار الأخلاقي مفتاح استسلام الشعوب وقبولها للذل والتبعية والتغريب. وبمجرد استلام رجال المنظمة للسلطة تم استيراد بعض فرق الباليه من روسيا ومن مصر، فضلاً عن استقدام الفنانات؛ بينما أهملت البنية التحتية: الكهرباء، والماء. كما قامت السلطة بعمل ترميم وبناء لدور السينما التي دمرت خلال الانتفاضة وكانت هدفاً للإسلاميين [٣] ، فبدأت سينما النصر في غزة تعمل بعد ترميمها، ولكن الله قدر أن تخرب مرة أخرى أثناء أحداث ١٨ نوفمبر الماضي، كما تستعد السلطة لافتتاح سينما الجلاء في غزة. وفي إطار إنجازاتها قامت السلطة بتشييد الكازينوهات مثل: كازينو زهرة المدائن، وكازينو النورس وعددها في ازدياد، وقد كان لسهى الطويل زوجة عرفات دور أساس في إنشاء هذه الكازينوهات ورعايتها، كما تقوم قوات الشرطة الفلسطينية بحراسة هذه الكازينوهات؛ لأنهم خائفون على هذه الإنجازات من العبث أو الغضب الشعبي. ويكفي أن نذكِّر بأحد منجزات السلطة وهو مشروع الكازينو الضخم في أريحا ويحوي صالة من أكبر صالات القمار في العالم، وعُملت له دعاية ضخمة، واستُقدمت إحدى الممثلات الأمريكيات لافتتاحه، وهكذا وكأن الشعب الفلسطيني لا ينقصه إلا مشاهدة الأفلام والكازينوهات؛ وهذا شيء بسيط من إفرازات أوسلو أو الاتفاقات اليهودية الفلسطينية. والذي عايش الأوضاع في فلسطين قبل خمس سنوات يرى الآن صوراً كثيرة من الفجور والسرقات وغيرها من الأخلاق السيئة. العمل الإسلامي آمال وآلام: لا شك أن النشاط الإسلامي المعاصر في فلسطين له تاريخ عريق بدأ منذ أوائل القرن، وما ثورة القسام إلا صورة من صورها المشرقة، ورغم المؤامرات الضخمة وتكالب الشرق والغرب إلا أن النشاط الإسلامي انتعش وقوي بحمد الله - تعالى - وكان أوج نشاطه أيام الانتفاضة. وبعد الانتفاضة كان حقاً علينا أن ندرس واقعنا بصورة أكثر عمقاً وبعداً عن السطحية، دراسة لنقاط القوة والضعف، وللإمكانات والفرص الضائعة والمتاحة. لذا كانت هذه بعض الإشارات التي ينبغي علينا الانتباه إلى واقعنا من خلالها، مثل: - الأزمة الأخلاقية التي تحدثنا عنها قبل قليل. - الجهل والغفلة والبدع. حدثني أحد الإخوة من شخصيات حماس عن بعض الأمور العجيبة من انتشار الدجل والشعوذة والسحر، ومن يذهب إلى هناك لفترة قصيرة فسيسمع عشرات القصص المضحكة المبكية عن صور من الدجل الذي يتم. وذكر لي هذا الأخ قصة أناس مرض أحد أبنائهم فذُكر لهم أن فلاناً يمكن أن يكون عنده العلاج، فشدوا الرحال إلى خان يونس وقال لهم المشعوذ: دوروا حول هذا الشيء الذي جعله لهم في وسط المجلس، فأخذوا يدورون وهو يقول لهم: أخرجوا كل شيء من جيوبكم وضعوه على الأرض فيقوم هو بأخذ ما يحتاجه فقط وهو الأموال (!) وبعد اللفات العلاجية يطلب منهم أن يأخذوا هوياتهم وأوراقهم الهامة التي رموها على الأرض حتى لا يواجهوا صعوبة من اليهود أثناء عودتهم، ويسألونه إن كان يريد مالاً فيعتذر الرجل؛ لأن عمله لله! ولا أحد يستطيع سؤاله عن الأموال التي سرقها وهم يدورون كحمار الرحى! ! كما حدثني هذا الأخ عن انتشار البدع الصوفية والأفكار المنحرفة بتشجيع ودعم من السلطة وحمايتها، مثلاً: إذا وُلِدَ لإنسان ولد فإنهم يذهبون به إلى ما يسمى مقام الخضر في (دير البلح) ويذبحون عند الخضر ويلطخون رأس الولد بالدم! فهل هذا إلا صورة من الجاهلية الأولى؟ ! ضعف في العلوم الشرعية وسياسة التجهيل: الشعب الفلسطيني عموماً بقدر تقدمه في العلوم المادية وحيازته أعلى الشهادات فإنه يعتبر فقيراً جداً في العلوم الشرعية؛ ولذلك فلا بد من إيجاد مشاريع لإنشاء معاهد ومدارس للتربية وتعليم العلوم الشرعية وإنشاء مكتبات: مكتبات عامة، ... مكتبات في المساجد، وحلقات علمية؛ وتزويدها بما تحتاجه من الكتب والمراجع. مراجعات: ونحن نقصد بهذه المراجعات ضرورة النقد الذاتي ومحاسبة أنفسنا؛ فهو نقد داخل البيت الواحد، ونحن ننتقد أنفسنا، وهذا العمل منا ونحن منه، والأخطاء أخطاؤنا قبل أن تكون أخطاء غيرنا. ومن جهة أخرى فمما لا شك فيه أن الذي يعمل ويتحرى الحق خير من القاعد، ونحن أمة واحدة كالجسد الواحد، كما أن المسلمين ينصح بعضهم بعضاً ويسعون إلى الاستفادة من الدروس، والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين. لقد تضخم العمل الإسلامي في فلسطين - وفي أماكن كثيرة أخرى في بلادنا- وكثيراً ما كان التضخم والتوسع بدون دراسة - ونحن لا نقصد الجانب القدري الكوني في المسألة - نقول هذا للإشارة إلى مشكلة الترهل التي تصاحب كثيراً من الجماعات الإسلامية التي تسلك السبيل نفسه، وهي تذكرة لنا ولإخواننا؛ والحر تكفيه الإشارة. ولعل هذا يدفعنا إلى دراسة كيفية الانتشار ووسائله، والتوسع والتوثيق بين العاملين، ومعرفة حقيقة حجمنا حتى تبنى الأمور على قواعد معلومات دقيقة. والشيء بالشيء يذكر؛ فإنه رغم الدور الضخم للإسلاميين في تفعيل الانتفاضة إلا أنه للإنصاف لا بد من تقدير حجم ودور التيارات الأخرى الموجودة والظروف التي رافقت عملية الانتفاضة. فهل بالغنا في تقدير قوة حماس وقيمتها أيام الانتفاضة؟ هل كانت حماس هي صاحبة الانتفاضة أم أنها كانت رقماً كبيراً؟ ألم يكن ثمة دور لأبي جهاد وفتح في العملية؟ القيادة والمسؤولية: ربما يكون هناك أناس طيبون فيهم صلاح أو إخلاص ولكن صلاحهم هذا لا يعني أن يتولوا دفة القيادة أو أن يكونوا ناطقين باسم المجموع، وكم جرَّت مثل هذه الأخطاء أو المجاملات على العمل الإسلامي من ويلات. إنك ترى أحياناً بعض من يشار إلى أنهم قادة يصرحون تصريحات أو تُجرى معهم مقابلات غير موفقة ومحرجة؛ ولقد شاهدنا في أكثر من بلد أناساً كانوا في السجون وخرجوا منها، كأن أحدهم خرج من القبر وبعث بعد سنين فهو لا يدري كيف تسير الأمور ثم يتحدث بالأعاجيب، وهناك يبدأ الأصحاب والأتباع في البحث عن التسويغات والمعاذير التي لا تجدي شيئاً للخروج من الإحراج. فهم الواقع بصورة أكثر دقة: وقد أشير فيما سبق إلى شيء من ذلك، ونود هنا الإشارة إلى أهمية معرفة دور عرفات ورجاله وخططه، إن زعيم السلطة يقدم مصلحته فوق كل مصلحة، وإذا رأى أن هناك إمكانية للصلح بسجن أعضاء حماس والجهاد الإسلامي فإنه لن يتردد في سجنهم كلهم. وكمثل كثير من تجاربنا الإسلامية قطف عرفات وجماعته من العلمانيين والنفعيين ثمرة الانتفاضة. ونود التذكير بأهمية المنطلقات والتركيز على كونها شرعية تماماً؛ فلقد لمسنا في لهجة بعضهم الكلام عن أرض فلسطين وتراب فلسطين، والوطنية، وهذا لا يتناسب مع إسلامية القضية، كما رأينا من بعضٍ آخر عدم الانتباه إلى خطورة الرافضة والحرص على بناء علاقات متينة معهم. ومن فهم الواقع حقيقة أن ننطلق فيه من خلال مبادئ ثابتة. ونعيد هنا التركيز على أهمية المنطلقات، وضرورة أن تكون سليمة هي ووسائلها حتى لا يكون هناك غبش في الرؤية. ولنأخذ على ذلك مسألتين: ١ - علاقة الإسلاميين بإيران: نحن نعلم أن الكثير من الإسلاميين في فلسطين لا يكنون الود للرافضة، لكن حدثت بعض الأمور والعلاقات التي أزعجت عامة التيار الإسلامي، ومنهم كثير من الإسلاميين في فلسطين، وقد كان واضحاً أن مسألة تبني منهج أهل السنة والموقف الشرعي من الرافضة لم تأخذ بعداً منهجياً واضحاً عند قيادة حماس؛ رغم أن عامة شعبنا في فلسطين يذكر تماماً ما فعله رافضة لبنان في المخيمات. ٢ - العلاقة مع السلطة: لقد كانت العلاقة مع السلطة مذبذبة وغير واضحة، رغم أن السلطة كانت ظالمة للإسلاميين منذ البداية، ونحن نقدر تماماً التوازنات التي يحاول الإسلاميون تقديرها هناك، ولكن هذا لا يعني بأي صورة أن يكون هناك مداهنة أو موالاة. وللأسف فإن بعض التصريحات والمقابلات التلفزيونية والصحفية مع بعضهم أعطت إشارات سلبية في هذه القضية، ولذا فإننا نحذر إخواننا من محاولة جر السلطة لهم لحقل الألاعيب السياسية، ومحاولات تفريغ العمل من حقيقته. ونرجو ألا يكون هناك مستقبلاً أي استغلال من السلطة للإسلاميين؛ فلقد قطفت السلطة ثمرة الانتفاضة، ولا نريد أن يكون هناك مزيد من الخسائر أو أن نفاجأ بجر الإسلاميين بالألاعيب السياسية ودهاليز الوزارات، ومن الضرورة فهم من هم أعداؤنا، ومعرفة حجمهم وأدوارهم وفضح المنافقين. إن التحالف القائم، وإن لم يكن قد تم بصورة رسمية مع الأمريكان واليهود والعلمانيين إلا أننا نعلم ذلك يقيناً، ولسان الحال ينطق بذلك؛ فهو حلف تشترك فيه كل التيارات العلمانية، ومن رموزه: الجبهة الشعبية (جورج حبش) ، ... والديمقراطية (نايف حواتمة) وقد رأينا اتصالات المنظمة للحوار مع هذه التيارات ... والوعود بإعطائها بعض المناصب، وهذه الجبهات متعدة الوجوه؛ حيث تقوم بأدوار تمثيلية عدة، فتلبس لكل حالة لبوسها، ومثل هذه الجبهات المتعددة؛ الأقنعة التي تلبس لكل سياسة قناعاً لا يمكن إقامة أي نوع من التحالف أو التعاون معها. الأمل والمستقبل: هناك صراع طويل وكبير بين الإسلام واليهود، والنصوص الشرعية تشير إلى هذا. نعم! ربما ليست لدينا القوة على التغيير حالياً، ولكن لدينا القدرة بإذن الله على الإعداد لهذا التغيير. وهذا الصراع والهجمة العالمية دخل فيها أطراف وتحالفات من النصارى الأمريكان - على وجه الخصوص - وأنظمة مرتدة ودول تحمي وتدعم بطرق مختلفة؛ صراع تنوعت فيه الأدوات والوسائل، وجند فيه نظام العولمة والإنترنت، وسخرت الإمكانات الضخمة لخدمة اليهود. وبرغم هذا فإن المسلمين ما خرجوا إلا من منطلق: لا يزيدهم هذا الأمر إلا إيماناً وتسليماً بموعود الله كما في سورة الأحزاب: [وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا] [الأحزاب: ١٠] ألا ما أشبه الليلة بالبارحة! الإسلاميون يقولون: هذا [ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله] [الأحزاب: ٢٢] إنه وعد لا يشك فيه أحد. وسواء توقفت العمليات الجهادية ضد اليهود حالياً أو لم تتوقف فإن مشروع الجهاد لا تملكه السلطة بل ولا حماس ولا غيرها، إنه وسيلة الأمة كلها، لدفع العدوان ودحره والله - سبحانه - هو الذي يختار ويصطفي وهو الذي وعد بأن يبعث على اليهود إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب من المسلمين أو من الألمان أو من غيرهم، ونحن نوقن أيضاً بأن سنة التدافع خير للأمة وفيها مفاتيح الفرج للمسلمين إن شاء الله. نعم! إن الوضع العام الغالب يدل على الضعف، وهذا صحيح؛ حيث رمانا الأعداء عن قوس واحدة، وهناك من توجد عنده سلبية أو ينظر بتشاؤم، ولا زلنا حتى اللحظة نعاني صوراً من القصور والضعف والتشتت؛ ولكتن أغلب الإسلاميين يقولون: وصدق الله ورسوله، ويوقنون بأنه لا بد من الابتلاء والتمحيص والفتنة، ويشعر الكثيرون أننا نحن لضعفنا لا زلنا في مرحلة لم نتأهل بعدُ لنصر الله، وسلعة الله غالية، ولو انتصر المسلمون الآن على ما فيهم من ضعف وقصور ربما كان الأمر أشد فتنة. - لا بد من تنمية الخير الموجود في النفوس. ولا بد للطاقات من أن تُنمَّى وتوجَّه بصورة سليمة حسب الظروف التي يراها العاملون هناك بالحكمة. - لا بد من التركيز على إنشاء المراكز والمعاهد الشرعية ومدارس تحفيظ القرآن، ونحن نعلم أن هناك بوادر جيدة في هذا الإطار للأعمال الإغاثية وطلاب العلم ورعاية الأيتام والأرامل، ولكنها مشاريع بحاجة إلى تركيز ودعم ودراسة أكثر. وهذه مناسبة نطلقها إلى الجميع لتبني قضايا المسلمين في فلسطين، وهي دعوة للمحسنين في بلاد المسلمين للإنفاق ولدعم إخوانهم المحاصَرين من كل جهة لدعم مراكزهم ومساجدهم وطلاب العلم لديهم، ومن العجب أن السلطة المفلسة لما رأت هذا النوع من النشاط بدأ ينتشر صارت تنافس الجمعيات الخيرية في انتشار حلقات التحفيظ في المساجد [٤] ، والأوقاف أنشأت بعض مشروعات تحفيظ القرآن الكريم، وما ذلك إلا لأنهم شعروا بأن الجمعيات الخيرية تنشط في الحلقات وتحاول سحب البساط. ولعل هذا مصداق سنة التدافع التي جعلها الله - سبحانه - لصالح عباده وعمارة الأرض. - ونعيد التأكيد هنا على مسألة بث العلم الشرعي وتصحيح مفاهيم الناس من خلال الخطب والمحاضرات والحلقات القرآنية والندوات والمراكز الصيفية. - توحيد الصفوف والبعد عن الحزبية الضيقة وعدم إثارة الخلافات، وهي وإن كانت قليلة - بحمد الله - مقارنة بما في غيرها من البلاد، إلا أنه لا بد من السعي للتنسيق على الأقل بين جميع العاملين المخلصين. - فهم الواقع بصورة أكثر دقة وشمولية، وقد سبقت الإشارة قبل قليل إلى شيء من هذا. - التركيز على مسألة التربية ثم التربية، وهي تشمل التربية الجهادية وغيرها. دور المسلمين: إن شعبنا في فلسطين تحيط به (إسرائيل) من جميع الجهات، وله حق كبير في النصرة والدعم والتأييد خصوصاً في ظل أجواء التجويع والبطالة الموجودة. الدعم المعنوي مطلوب من دعاءٍ ونصيحةٍ وتواصلٍ وكذلك الدعم المادي للمشاريع الخيرية التي قامت وتقوم - بحمد الله وفضله - من بناء المساجد والمراكز الصيفية والحلقات القرآنية والمدارس ونشر الكتاب والشريط الإسلامي.

стр. 3296

المسلمون والعالم حزب الله.. رؤية مغايرة! ! (٣) البناء بالحرب! ! عبد المنعم شفيق في ١٨ فبراير من عام ١٩٧٤م، وقبل بداية الحرب الأهلية اللبنانية بعام تقريباً، وقبل اندلاع الثورة الإيرانية بسنوات قليلة، وقف موسى الصدر أمام حشد كبير من شيعته ليقول: (إن اسمنا ليس المَتَاوِلة، إننا جماعة الانتقام، أي هؤلاء الذين يتمردون على كل استبداد، حتى إذا كان ذلك سيكلفنا دمَنا وحياتنا، إننا لم نعد نريد العواطف، ولكن نريد الأفعال، نحن تعبون من الكلمات والخطابات، لقد خطبت أكثر من أي إنسان آخر، وأنا الذي دعا أكثر من الجميع إلى الهدوء، ولقد دعوت إلى الهدوء بالمقدار الذي يكفي، ومنذ اليوم لن أسكت أبداً، وإذا بقيتم خاملين، فأنا لست كذلك) [١] . (لقد اخترنا اليوم فاطمة بنت النبي، يا أيها النبي، يا رب، لقد اجتزنا مرحلة المراهقة، وبلغنا عمر الرشد، لم نعد نريد أوصياء، ولم نعد نخاف، ولقد تحررنا، على الرغم من كل الوسائل التي استخدموها لمنع الناس من التعلم، ولقد اجتمعنا لكي نؤكد نهاية الوصاية، ذلك أننا نحذو حذو فاطمة، وسننتهي كشهداء) [٢] . وبهذا الإعلان (الثوري) كانت بداية جديدة للحركة السياسية الشيعية في لبنان، وكانت نقطة الانطلاق التي اتفق فيها الصدر مع فضل الله. (أمل) تبعث الأمل: قصة البداية: بعد حرب العام ١٩٤٨م لجأ إلى لبنان أكثر من ١٥٠ ألف فلسطيني، وفي منتصف السبعينات الميلادية وصل هذا العدد إلى أكثر من ٤٠٠ ألف، وفي أعقاب الصدام العنيف في (أيلول الأسود) من عامي ١٩٧٠، ١٩٧١م بين المنظمات الفلسطينية، والسلطات الأردنية، لجأ كثير من هذه المنظمات إلى لبنان، وبطبيعة الحال فإن هذه المنظمات كانت أفضل تسليحاً وتنظيماً من أي قوة أخرى في الجنوب، في ذلك الوقت كان المجتمع الشيعي في حالة صحوة كما مر، واجتمع للشيعة عدة عوامل تزيد من عدم رغبتهم في هذا الوجود الفلسطيني، ومنها: ١ - عامل التاريخ: وهو ذلك العداء القديم لأهل السنة؛ فهاهم الآن في معقل من معاقلهم (جبل عامل) وبقوة مسلحة تستطيع تهديدهم بشكل مباشر ولهذا كان الشيعة أول من سارع لمساندة الجيش اللبناني (الموارنة) في الاشتباكات ... التي جرت مع المنظمات الفلسطينية، بل ومساعدة اليهود في ذلك أيضاً؛ ... فالموارنة لا يريدون تكثير (السنة) لأجل إنشاء دولتهم النصرانية، واليهود لا يريدون الفلسطينيين في لبنان لئلا يتهدد أمنهم من الشمال، والشيعة لا يريدونهم كذلك؛ لأنهم يمثلون عائقاً أمام تحقيق وجودهم وكيانهم الذي يسعون من أجله. ٢ - عامل الجغرافيا: وهو الرغبة في عدم إثارة الدولة اليهودية (الجارة) ... وهذه الإثارة تنتج عن مهاجمة المنظمات الفلسطينية لأي أهداف إسرائيلية سواء من داخل لبنان أو خارجها، وذلك أن دولة اليهود دأبت على تأديب سكان الجنوب كلما حدث ذلك لتزيد من النقمة الشيعية على الفلسطينيين. ٣ - عامل الأيديولوجيا الثورية: حيث إن الشيعة في حال جديدة رغبة في التطلع لوضع سياسي واجتماعي يدفعهم نحو الدولة الحلم في لبنان، والتمكين للطائفة في الواقع اللبناني، وحيث إن الجنوب هو معقلهم التاريخي، فلا مناص إذاً من التخلص من هذا العائق الكبير الذي يقف أمام هذا الحلم. ولهذا فقد كان من الضروري التعامل مع هذه القضية الشائكة بحذر وجدية في الوقت ذاته. فالحذر: كان لاعتبار تلك النداءات التي أطلقها الصدر من أنهم يحملون هَمَّ القضية الفلسطينية وأنها قلب دعوتهم كما جاء في ميثاق حركته: (فلسطين، الأرض المقدسة التي تعرضت - ولما تزل - لكل أنواع الظلم، هي في قلب حركتنا وعقلها، وإن السعي إلى تحريرها أول واجباتنا، وإن الوقوف إلى جانب شعبها وصون مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها) [٣] . كما كان من دواعي الحذر أن الصدام السريع مع المنظمات الفلسطينية سوف يكون لصالحها لا محالة. وأما الجدية: فكانت في إيجاد حركة مسلحة تستطيع تحقيق الأمن الذي تحتاجه الطائفة الشيعية، والتخلص من هذا الهمِّ الجاثم على صدورهم، وكان أن أُعلن عن إنشاء (اتحاد محرومي لبنان) [٤] أو (أفواج المقاومة اللبنانية) والتي عرفت فيما بعد باسم (أمل) . ومن العجيب أن هذا الاسم الأخير (أمل) كان من اقتراح ياسر عرفات على موسى الصدر [٥] ، وكانت هذه الحركة هي (الجناح المسلح) لحركة المحرومين التي تم التدثر بها ابتداءاً. (ومضى الصدر إلى أبعد من مجرَّد الدفاع الداخلي عن حقوق طائفته، فنراه يقيم علاقات وثيقة مع المقاومة الفلسطينية، وهكذا نجده يخرج عن تحفظه في موضوع العلاقات بين الدولة اللبنانية والمنظمات المسلحة التي كانت تعمل ضدّ (إسرائيل) بدءاً من جنوب لبنان، وكان تحالفه معها يتيح لرجل الدين الإيراني أن يستفيد من دعم عسكري لكي يقف بقوة أمام الرؤساء التقليديين لجبل عامل، وأن يجد بعد عام ١٩٧٥م دعماً شخصياً (كتقديم أسلحة، وتدريب) عندما أسست الميليشيا العسكرية لحركة أمل) [٦] . وكما تدربت ميليشيا أمل على يد (فتح) فقد كانت المنظمة تقدم خدماتها بهذه الصورة إلى ما هو أكبر وأوسع من دائرة أمل، فقد وسعت هذه الخدمة لتشمل النشاط الشيعي على مختلف الأصعدة، وكأنهم يقولون لهم: هكذا تذبحوننا! ! [٧] . وعندما وجد الصدر من جماعته القوة التي تستطيع أن تواجه المنظمة التي دربته قلب لها ظهر المجن، فبعد أن اشتعلت الحرب المدنية اللبنانية، بدأ الصدر يغير موقفه بشكل واضح من المنظمات الفلسطينية، وقد نقل عنه كلمات قاسية جداً ضدها، قالها - قبل أن يختفي - لأحد رجال السياسة الموارنة القريب من الطلائع المارونية: (إن المقاومة الفلسطينية ليست بثورة، إنها لا تقبل البرهان على قضيتها بالشهادة. إن هذه مكنة عسكرية ترهب العالم العربي؛ فمع السلاح يحصل عرفات على المال، وبواسطة المال يمكنه أن يغذي الصحافة، وبفضل الصحافة يستطيع أن يجد آذاناً صاغية في الرأي العالمي، إن المنظمة (فتح) عامل اضطراب في الجنوب، وقد نجح الشيعيون بالتغلب على عقدة نقصهم تجاه المنظمة الفلسطينية [٨] . في الوقت ذاته كان الصدر لا يريد أن يفقد علاقته مع حلفائه من الموارنة في السلطة الحاكمة فأعلن أن (أمل) عون ومدد للجيش اللبناني في الجنوب في التصدي للهجمات الإسرائيلية! ! وبهذا الفعل حصل الصدر على عدة مكاسب: ١ - اكتساب شرعية لميليشياته من الدولة اللبنانية، وعدم خسارة العلاقة معها. ٢ - إضعاف سلطة الفلسطينيين في الجنوب بوجود قوة أخرى (لبنانية) ... مشتركة، وكان التعاون بينهم في هذا الجانب واضحاً [٩] . ٣ - كان هناك كذلك مكسب هام وإن كان إعلامياً وهو الادعاء بأنه مازال يدافع عن القضية الفلسطينية، وها هي قواته تقاتل في الجنوب ضد العدو الصهيوني، وهو ما اعتبره الصدر انتزاعاً لانفراد المنظمات الفلسطينية بالمواجهة، وعليه؛ فقد تم التفريق بين القضية الفلسطينية وبين مواجهة الفلسطينيين. ... الخروج إلى بيروت: بعد هذا الاستقواء الذي تم للحركة طالب الصدر أتباعه في خطاب جماهيري باحتلال القصور في بيروت، واعتبر الشيعة ذلك نداءاً مقدساً، واحتلوا من بيروت مناطق وقصور (أهل السنة) . يقول عبد الله الغريب: ويغلب على ظني أن استيطان الشيعة في بيروت في الستينات وقبلها كان عفوياً، أما بعد الستينات فكانت أهدافهم واضحة، وكان موسى الصدر مهندس هذه الخطة ومن ورائه النهج النصراني، ومن الأدلة على ذلك أن العمال والموظفين الءقادمين من الجنوب والبقاع والشمال كانوا يبنون منازلهم في جنوب بيروت على أملاك الغير، وكان ذلك يحدث تحت سمع السلطة وبصرها، بل وكان أصحاب الأراضي من أهل السنة يطالبون الأجهزة المسؤولة بوضع حدٍ لهذا العبث، ورغم ذلك فالسلطة تترك قُطَّاع الطرق يفعلون ما يشاؤون. ولو كان هذا الذي يحدث في بيروت الشرقية أو في أي منطقة من مناطق النصارى لما صمت قادة الموارنة لحظة واحدة. وعندما سأل الصحفيون نبيه بري عن الأسباب التي دفعته إلى احتلال بيروت الغربية أجاب: بيروت الغربية عاصمة لبنان وملك لجميع المواطنين وليست حكراً على أهل السنة [١٠] . وشاع في وسط المهجرين الخروج عن القوانين العامة وعن الأعراف، مثال ذلك: أن ٨٨% من الـ ٤٤٠٠ مبنى التي أحصاها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالرمل العالي والأوزاعي وشاتيلا والجناح، وهي من نواحي الحركة الإسلامية (الخمينية) ، شيّدت في الأملاك العامّة أو في أملاك الغير (اغتصبت عنوة) ، وهذه الحال استمرت على الوجه نفسه إلى العام ١٩٩٦م، وسوف يستمر هذا الاغتصاب حتى يتم إنجاز ما يسمّى مشروع (اليسار) وبناء هذا الجزء من ضواحي بيروت بناءاً جديداً في نصف العقد الآتي، ومع استهلال الألف الثالثة، فإن ما يقرب من ٢٠% من المقيمين ببيروت الغربية كانوا منذ العام ١٩٨٦م واستمر معظهم على حاله إلى ١٩٩٥ ١٩٩٦م يقيمون في منازل تسلّطوا عليها واحتلّوها احتلالاً (١٤%) ، أو ينزلون مؤقتاً ببيوت يملكها أقارب أو أصحاب (٥. ٨%) [١١] . غياب الصدر: وصل الصدر إلى ليبيا مع اثنين من رفاقه هما الشيخ محمد شهادة يعقوب، وشفيع عباس بدر الدين في ٢٥ أغسطس عام ١٩٧٨م في زيارة غير محددة المدة والغرض. وقد صرح أحد رفاق الصدر القريبين منه بأن الزيارة كانت استجابة لدعوة من الزعيم الليبي معمر القذافي، وقَبِل الصدر هذه الدعوة على أساس أنها سعي نحو تحقيق السلام في لبنان. وكثرت الروايات حول أسباب اختفاء الصدر، ولعل من أبرز الأسباب هو ما تمحور حول مسألتين: الأولى: طموح الصدر؛ فقد سُئل علي الجمال، وهو أحد المقربين لموسى الصدر، ومن كبار ممولي حركته بالمال والسلاح، سُئل عن طموح الصدر فقال: أما طموحه فكان الوصول إلى الأمانة العامة للطائفة الشيعية في العالم [١٢] . الثانية: وهي نتيجة للأولى وسبب مباشر لها؛ حيث إن هذا الطموح لم يكن خافياً على الخميني مما اعتبره منافساً قوياً وخطيراً له كما أشار بذلك الخبراء والقريبون من مصادر المعلومات الجيدة [١٣] . على الرغم من أن الغموض الذي يحيط باختفاء الصدر لا يزال قائماً، فإن هذا الاختفاء شكل أهمية رمزية لحركة أمل؛ فقد ارتفع الصدر إلى مرتبة الشهيد القومي عند العديد من الشيعة اللبنانيين، وتصدرت صوره افتتاحيات صحف أمل، كما أعيد طبع خطبه وتعليقاته مصاحبة بصوره، وأطلق أعضاء الحركة على أنفسهم من حين لآخر (الصدريين) . لقد حقق اختفاء الصدر فوائد عدة لحركة أمل؛ فقد وجد العديد من الشيعة في (الإمام المختفي) رمزاً ملزماً للتعبير عن عدم الرضا الذي يشعرون به، وقد أكمل اختفاء الصدر هذا المزاج السياسي للشيعة وغذاه، وكان وسيلة ملائمة للتعبير عبر الحركة التي خلفها وراءه. كما أن هناك بعضاً من قادتهم من يسلم بأن اختفاءه كانت له قيمة كبيرة في التعبئة السياسية لجماهير الشيعة، لم يكن يحققها وجوده ذاته، كما أدى أيضاً إلى قلة حدة الانتقادات التي توجه للحركة بسبب تبجيلها لذكراه واعتباره رمزاً لها [١٤] . وهكذا فقد حقق اختفاء الصدر هدفين في وقت واحد: التخلص من طموحه، وإعطاء دفعة معنوية لحركة أمل إلى حين. كمون (حزب الله) : كان حسين فضل الله في ذلك الوقت يمارس دوره بهدوء بعيداً عن ضوضاء الصدر وحركته، وكانت عناية فضل الله كما ذُكر قبل متوجهة إلى التربية المنهجية لإعادة العِلم الإمامي الديني وتوطينه وتطويره، ولم تكن تلك المهمة لتمتد أكثر من ذلك، فقد بدأ الزرع يُخرج بعض الثمار، فبدأ (أبناء فضل الله) بالانتشار في نسيج المجتمع اللبناني، ومد أذرعهم في جنباته، وبالرغم من هذه الخطوة إلا أنهم لم يستطيعوا الإعلان عن هويتهم؛ إذ ما زال فيهم من الضعف ما يمنعهم من ذلك، فكان لا بد من الاحتماء بـ (أمل) . (فكانت الحركة الصدرية واقي أنصار الدعوة والإسلاميين الخمينيين في حال ضعفهم، وحتى إعلانهم الاستقلال السياسي والعسكري، إلا أنهم في هذه الأثناء كانوا يعملون عملاً حثيثاً على بناء النواة التي في مستطاعهم إنشاء معقلهم حولها) [١٥] . وبالرغم من هذا الاحتماء بـ (أمل) إلا أنه لم يكن في حسبان الحركة الشيعية في لبنان أن تكون (أمل) هي صورتها الدائمة والمستقبلية ولا قائدة مسيرتها؛ إذ الصورة المطلوبة هي ذلك المثال (الإيراني) لا المثال (العلماني) الذي تدين به أمل، ولسوف يأتي اليوم الذي يخرج فيه الطائر ويكسر (قشرة البيضة) التي احتضنته لا محالة. وفي ذلك الوقت لم تكن كذلك قد تبلورت الأفكار والمناهج والتصورات السياسية لـ (حزب الله) بل لم تكن تسمت هذه المجموعة بهذا الاسم، إلا أنها كانت تعيش أهم مستلزمات العمل الثوري، وهو ما أسمته الحركة بـ (الحالة الجهادية) أو (الحالة الثورية) أو (الذهنية الثورية) وكان الوصول إلى هذه الحال أساس التعليم الإمامي في الحوزات والحسينيات، فكان (لا بد للعلم من جهاد يكمله ويتكامل معه) وكان من لوازم التخرج من الحوازات العلمية أن تنتقل به إلى ... (ساحات الجهاد) وأصبحت هذه (الحالة الجهادية) هي الحال التي يتمنى كل فرد منهم الوصول إليها؛ إذ هي تصل بصاحبها لـ (الشخصية المتكاملة) ولقد كان السعي لها لتتحقق أمنية الأماني: التمتع برؤية (الإمام الحسين) ! ! فهذا (أبو هادي) كان على هذه الحال، وهو فتى في الثالثة عشرة، سمع أحد العلماء يتكلم عن استقبال الحور العين للشهيد حين يسقط على الأرض مضرجاً بدمه، فصرخ في العالم، وقال: (دع الحور العين لك أنت وحدك، أما أنا فحدثني كيف وأين أرى الإمام الحسين) ! ! ويعلق وضاح شرارة على ذلك فيقول: وهذه أي رؤيا الحسين هو ما يردد الرغبة فيه كل شهداء المقاومة الإسلامية بلبنان، وما يعربون عن الأمل في الحصول عليه، ويقاتلون في سبيله، ويرون فيه ثمناً لبذلهم دمهم وحياتهم [١٦] . الخروج من الشرنقة: أولت الحركة الإسلامية الخمينية في لبنان أمر المساجد والمدارس الدينية الاهتمام الكبير؛ إذ هي في تلك المرحلة محاضنها وبيوتها التي تحميها من حمأة الانصهار في جحيم المجتمع بحربه المستعرة والحركة ما زالت في مهدها (الثوري) ، وإذ هي مدارس العلم وحوزاته كذلك. ولهذا فقد اتخذت الحركة طريقها الأول عند الخروج من الشرنقة لعمل حزام من الحسينيات والمصليات تتحصن بها، ولتؤدي من خلالها دورها المنوط بها من تحويل المجتمع إلى وجهة أخرى، وكان لهذا الحزام دور هام في انتشار الحركة وتوسعها على ما نرى. كما أن هذا الحزام ساعد أبناء الحركة على مد أيديهم لإخوانهم من الشيعة بإحلالهم محال غيرهم ومنازلهم. أما المصليّات فكانت أربعة: المصلى الأول: (الإمام الباقر) ناحية الروشة، غير بعيد من الصخرة، أقيم مكان مقصف وعلبة ليل رخيصة كانت تحفهما فنادق ومطاعم ومقاهٍ، بعد أن اتخذها الفلسطينيون المسلحون موئلاً ومعقلاً وملجأ، ولم يكد الفلسطينيون يخلونها حتى حل في أبنيتها التي لم تكتمل بعض أهالي الجنوب، وتبعهم أهالي كيفون، والقماطية، والبلدتان سكانهما من الشيعة وتقعان بدائرة (عاليه) الانتخابية التي يقتسمها الدورز والموارنة والأرثوذكس، ووقعت عشرات الأبنية ومنها ثلاثة فنادق سابقة في قبضة المسلحين، فأسكن المسلحون الشيعة المهاجرين والمهجّرين من الضاحية، وأنشؤوا مصلى الإمام الباقر في وسط المهجرين الشيعة، ونصبوا مذياعاً للصلوات والأدعية، وأقاموا من أنفسهم مطوعة أو (شرطة أخلاق) ، فمدوا طرفهم إلى المطعم القريب، وحرّموا تناول المشروبات الكحولية في شهر رمضان، وفي الأيام العشرة الأولى من محرم، وزينوا المصلى بالأعلام والصور، واتخذوه قاعدة للدعوة بالصورة والصوت. أما المصلى الثاني (الإمام الصادق) فكان في بناء من أبنية الحمراء يقع خلف سينما ستراند، في شارع احتُل بعضُ أبنيته الجديدة التي لم يتم إنشاؤها، وبعضُ أبنية المنطقة القديمة التي كانت شققها مكاتب تجارية أو مكاتب مهن حرة، وأُنزل فيها الأهالي الذين نزحوا من حي فرحان ومن حي (ماضي) ، وأُخليت إحدى الشقق في بناء يقع بالطرف الغربي من بناء صالة ستراند، وأُخرج مكبر صوت إلى الشوارع التجارية الكبيرة وإلى الأبنية التي يقيم في معظم شققها من بقي من مسيحيي رأس بيروت، ومن الأرمن والسنَّة. وأقيم المصلى الثالث (الإمام الحسين) في ناحية القنطاري غير بعيد من برج المر. وأقيم المصلى الرابع (المصطفى) بعين المريسة، في وسط ناحية يتنازعها السنة الذين سبقوا إليها، والدورز، والشيعة الذين وجدوا بها ملاذاً شعبياً رخيصاً في العقد الخامس، ثم طرأ على الناحية تغير عميق من جراء انتشار الفنادق الفخمة والشقق المفروشة والمقاهي والمقاصف وعلب الليل. وهذه الفنادق والشقق أخلتها الأعمال الحربية ودمرتها وأسكنت في بقاياها وبين أنقاضها الذين قسروا على النزوح من برج حمود والنبعة ... إلخ. ولا تقتصر شبكة الحركة (الخمينية) على المساجد والنوادي الحسينية والمصليات البيروتية هذه، فانضمت إليها حسينيات وادي أبو جميل ومدينة الكرامة (حي السلم) ، وبرج البراجنة، ومسجد الطيونة؛ إلا أن هذه الأماكن لا يرد ذكرها ولا يشار إلى استعمال الحركة (الخمينية) لها إلا في معرض خطبة أو تأبين، وقلما يتجاوز الخبر هذا المعرض إلى غيره. أما خارج بيروت، فيدور نشاط الخمينيين على عدد من المساجد والحسينيات التي يتولى الصلاة فيها أو يرعى شؤونها دعاة الحركة من علماء الدين، وغالباً ما يتفق الاحتفال في البلدة مع سقوط أحد أفراد الحركة من أهل البلدة فتكون إحياء ذكراه جسراً إلى أقربائه وإلى أهالي بلدته. وتتصدر بلدات الجنوب اللبناني بمساجدها وحسينياتها نشاط الدعاة الخمينيين؛ ففي صور؛ حيث مدرسة من المدارس الدينية الإيرانية حسينية تستقبل على الدوام تظاهرات (الخمينيين) ، ونادي الإمام الصادق الذي يقوم مقام حسينية ثانية. وتعد صور من بين الأرياف اللبنانية الفقيرة التي تأخرت هجرة أهلها إلى بيروت، لكن هجرة أهل الساحل هذا كانت مبكرة جداً إلى فلسطين وإلى المهاجر الإفريقية والأمريكية، وإلى ذلك؛ فقد أدت هجرة الريف الصوري إلى صور إلى طبع المدينة البحرية بطابع سكاني وطائفي جديد؛ فبعد أن غلب السنة والمسيحيون على المدينة، انتقلت الغلبة إلى الشيعة المهاجرين من الأرياف العاملية القريبتة على نحو حاد، من غير أن تملي المدينة الصغيرة على المهاجرين إليها التطبع بطباع مدنية أو التأدب بآداب جديدة. ولم يبق من أهل صور الأولين إلا ضعفاؤهم وفقراؤهم وغير القادرين منهم على (الاختلاط بالأشغال مع المسيحيين في بيروت وصيدا وجبل لبنان) . أما في البقاع فتتصدر بعلبك نشاط الإسلاميين قبل مقدم الحرس الثوري في صيف ١٩٨٢م وبعده. هذه الخريطة لأبرز المساجد والحسينيات والمصليات التي يتخذ منها الخمينيون (خلايا) دعوة وتعبئة) [١٧] . الانقلاب على (أمل) ! ! يقول ميثاق حركة أمل: (إن حركة أمل ليست حركة دينية، وميثاق الحركة الذي تمت صياغته في عام ١٩٧٥م، من قِبَل ١٨٠ مثقف لبناني معظمهم من المسيحيين! ! يدعو إلى إلغاء النظام الطائفي في البلاد وإلى المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز) [١٨] . وعندما نجحت الثورة الإيرانية، كانت نقطة تحول كبيرة في الحركة الشيعية في لبنان؛ فقد تحقق جزء كبير من حلم الدولة الثلاثية، وأصبحت هناك دولة دينية شيعية آلت على نفسها منذ اليوم الأول لها تصدير ثورتها لنصرة المستضعفين في كل مكان. وكان على هذه الدولة الجديدة أن ترد الجميل لأهلها في لبنان، فقد احتضنوهم بالمأوى والتدريب، وكان رد الجميل سريعاً، فأمدوهم بعد الدفعة المعنوية الكبيرة بنجاح الثورة بالمال والسلاح والرجال والتخطيط. وهكذا - وبسرعة أيضاً - تم الإسفار عن الوجه المطلوب إظهاره في لبنان، وهو ذلك الوجه الكامن المختبئ إلى حين، وجاء موعد خروجه من كمونه، ولكن ما زالت (أمل) هي الصورة الواضحة في لبنان كممثل رسمي لشيعته، ولكن (أمل) بهذه الوجهة (العلمانية) أصبحت مرحلة مضت يجب تجاوزها؛ لأنها ستمثل عائقاً في طريق إكمال السعي للأهداف الجديدة، وبما أن الهدف من إيجاد (أمل) كان إخراج الفلسطينيين وحماية الشيعة منهم؛ فها هو الاحتلال الإسرائيلي لبيروت قد أخرج الفصائل المسلحة منها، كما أنه قد تمت تصفية عدد كبير منهم في مذابح مروعة قام بها اليهود والموارنة والشيعة. وهكذا لم يعد لأمل دور تستطيع الدفاع عنه أو تنازع حوله، وعلى هذا فقد تم اتخاذ فرامانات عدة لزحزحة أمل من قلب الصورة إلى هامشها، وكان من ذلك: ١ - الضلوع في إخفاء الصدر أو قتله كما مر لإضعاف الحركة في أحد مراحلها. ٢ - بروز خلافات (علنية) بين نبيه بري، ومحمد مهدي شمس الدين الذي كان نائباً لرئاسة المجلس الشيعي الأعلى؛ حيث كان الصدر الغائب لا يزال الرئيس، وسبب ذلك: عدم القبول بتصرفات بري ومنهجه (العلماني) ! ! وقد نقل راديو (صوت لبنان الكتائبي) أن المكتب الخاص لنائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى أعلن أنه لم تعد للقيادة الحالية لحركة أمل أي علاقة مع سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وقد أُبلغت القيادة الحالية لحركة أمل بهذا القرار في حينه [١٩] . ٣ - تصفية بعض الرموز المهمة في حركة أمل، أمثال: مصطفى شمران الذي كان له دور بارز في الحركة، وكان المسؤول التنظيمي فيها، كما تسلم إدارة المدرسة المهنية في جبل عامل التي أشرفت على تخريج كوادر أمل العسكرية بعدما حضر إلى لبنان يحمل خطاب تزكية من الخميني [٢٠] . وبعد أن قامت الثورة استدعي لشغل منصب وزير الدفاع في إيران، وتم قتله أثناء زيارة للجبهة في الحرب مع العراق في ظروف غامضة [٢١] . ٤ - كان الخط الذي اتبعته (أمل) منذ بداياتها مع الصدر هو مد حبال الصلة مع الحكومة اللبنانية، وتمسكها (الظاهري) بشرعية الدولة، والسعي من خلال هذا الطريق لاستنقاذ حقوق الشيعة وكان الاستمرار على هذه الطريقة هو مما يتعارض والهدف الجديد للحركة الشيعية في لبنان. وجاء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ودعا الرئيس اللبناني وقتها إلياس سركيس إلى اجتماع (هيئة الإنقاذ الوطني) وكان نبيه بري عضواً فيها، وقبلت القيادة الدينية حضور بري [٢٢] باعتبار أن هذه الهيئة ستتحول إلى حكومة وطنية، وهو أحد أهداف بري وحركته في أن يكون لهم تواجد حكومي قوي. وهنا أعلن أحد أبناء الحركة الخمينية الكامنة والمتدثرة بـ (أمل) انشقاقه عن (أمل) ورفضه ... لهذه المشاركة وأعلن (أمل الإسلامية) وكان هذا الرجل هو: حسين الموسوي، نائب رئيس حركة (أمل) وبهذا الانشقاق تم تفريغ (أمل) من كوادرها الخمينيين الذين انضموا إلى (أمل الإسلامية) وكان ذلك الإعلان الرسمي الذي تحول فيما بعد إلى (حزب الله) . لماذا استمر بري [٢٣] بـ (أمل) ! ؟ السؤال الذي يطرح نفسه: إن كان تم الانقلاب على (أمل) بهذه الطريقة، فلماذا استمر بري في صدارة الصورة (السياسية) الشيعية، بل لا زالت (أمل) لها من الوجود نصيب؟ هناك قاعدة هامة يجب الالتفات إليها أولاً، وهي: أن معيار الظهور السياسي الشيعي في لبنان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران ومطالبها في لبنان، وذلك حسب الخيارات والأهداف المرحلية التي تنتهجها [٢٤] . ثانياً: استخدام إيران لبري بعد الصدر [٢٥] كان لعدة اعتبارات: ١ - كان هناك إقرار وموافقة من قِبَلَ (الفقهاء) أصحاب السلطة الحقيقية- على بري ومنهجه والدور الذي سيؤديه، وإلا لما كان له وجود ابتداءاً باعتبار اليد الطولى للملالي. ٢ - أن الواقع الطائفي اللبناني أفرز عدداً من الشخصيات الشديدة التعصب لمذهبها، وإن لم تكن (متدينة) في سلوكها، وكان بري من تلك النماذج، وهو ما تقتضيه المرحلة. ٣ - هذه المرحلة تحول فيها الشيعة إلى العمل المسلح الظاهر، وأضحى هدفهم بالتخلص من الفلسطينيين (السنة) معلناً، وكان من الصعب أن تلصق المذابح التي أعدوا لها وقاموا بها بأحد الآيات أو الحجج، كيف ذلك وهم ينادون بالتقارب مع أهل السنة وإزالة الحواجر، وعندما وقعت ألصقت بـ (علمانيي) المنهج. وعلى ما سبق فالود باق مع بري، ولا نُغفل هنا عقيدة (التقية) التي هي من أصول دين الإمامية، وعلى هذا فيبقى في الأخير أن الأدوار توزع حسب الحالة، وليس أدل على ذلك من البيان الذي صدر في ٨-١٠-١٩٨٣م؛ حيث أعلن عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري الممتاز باسم المجلس الشيعي الأعلى ما يلي: (إن حركة أمل هي العمود الفقري للطائفة الشيعية، وإن ما تعلنه (أمل) نتمسك به كمجلس إسلامي شيعي أعلى، وبالتالي فإن ما يعلنه المجلس الشيعي تتمسك به الحركة) [٢٦] . وجاء هذا الإعلان بعد البيان الذي أذيع في ٢٧-٢-١٩٨٣م من أن حركة أمل لم يعد لها علاقة بالمجلس الشيعي الأعلى! ! ٤- جاء هذا التأييد السابق للحركة بعد الانشقاق الذي خرجت به (أمل الإسلامية) وبعد (الحضور الفعلي) لحزب الله على أرض الصراع. ٥- كان للسياسة الإيرانية في لبنان خطان تستعملهما في تحقيق أهدافها: خط أول: يتلمس سبل طي الحرب المستمرة والمقيمة ولو من خلال التفاوض مع ممثل (القوات اللبنانية) ، وفي رعاية وسيط أمكنه من القيام بالوساطة احتلالٌ إسرائيلي يطوق بيروت والقصر الجمهوري ويرزح بثقله على الجنوب وعلى الجبل. وخط آخر: رأى في الاحتلال وفي ما حفَّه من أدوار سياسية ودبلوماسية أمريكية وأوروبية وعربية ذريعة إلى تجديد الحرب، وإلى اختبار الاستراتيجية الإيرانية في ميدان غير إيران. وبينما أملت الخط الأول عصبية شيعية لبنانية حفظت من الروابط المحلية والعالمية ومن اعتدال النخبة الصدرية الأولى قسطاً كان لم يزل فاعلاً، فقد أملت الخط الثاني نزعة إلى توسيع النزاع، وإلى تأجيجه وتوجيهه وجهة ضم جبهة لبنان إلى جبهة الخليج والجبهات الإقليمية المشرقية، وإلى استدراج القوى الغربية التي تلعب دوراً راجحاً في النزاع الإقليمي، ولو من غير الاشتراك في الاشتباك مع المجابهة المباشرة [٢٧] . ونختم هنا بكلام لحسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، يقول: إننا حريصون على علاقة طيبة مع (أمل) ونحن نعمل على تطوير هذه العلاقة، وهناك لجنة ثنائية من أحد قادة (أمل) مع أخيه في حزب الله ينظرون في كل الأمور المشتركة سياسية وعسكرية، وسياستنا تقول: إن الموضوعات التي نتفق عليها نتعاون معاً، وما نختلف عليه لا يؤدي الخلاف في وجهة النظر إلى نزاع، حتى الخلافات تم تنظيمها، الطابع العام لعلاقتنا الإيجابية والتنسيق والتعاون، وقبل أسابيع حضرت لقاء مع الرئيس (بري) لتثبيت هذه الصيغة وتفعيلها [٢٨] . وبهذا يتضح أنه لم يكن هناك إبعاد كبير للحركة بقدر ما هو زحزحة من الصورة (العسكرية) والمواجهة إلى الساحة (السياسية) واستبقاؤها لأدوار أخرى تتوافق والمتغيرات السياسية لإيران وملفاتها في لبنان. ثورة تحمي.. الثورة: إذا أراد شخص ما أن يحقق لعمله الهدوء والاستقرار، والأشخاص المحيطيون به لا يوفرون له ذلك، بل لا يريدون له ذلك، فلا بد من التفكير والسعي لأن يصنع لهم شيئاً يشغلهم عنه ويلتهون به، وهذا ما فعلته إيران بعد ثورتها. (فمنذ بداية انتصار الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م، طالب التيار الداعي لتصدير الثورة باعتبار تصدير الثورة إحدى سبل حمايتها في الداخل، وبعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للنموذج الإيراني بل بتقديم مساعدات ودعم لقوى سياسية خارج إيران، وخاصة القوى الراديكالية المعادية للنظم القائمة في العالم الإسلامي لإنشاء حكومات على النمط الإيراني. وقد طالب الخميني منذ البداية بتكرار ثورة إيران في البلدان الإسلامية الأخرى، باعتبارها خطوة أولى نحو التوحد مع إيران في دولة واحدة يكون مركزها إيران في المواجهة مع من أسماهم بأعداء الإسلام في الشرق والغرب. والتزم بتدمير من أسماهم بالأنظمة الفاسدة التي تقمع المسلمين واستبدالها بما اعتبره حكومات إسلامية، كما ربط بين تصدير الثورة وبين مواجهة الإمبريالية وتحرير فلسطين. وأضفى الخميني على رؤيته قدراً من الواقعية عندما ذكر أن عدم تصدير إيران لثورتها سيضعفها أمام أعدائها. وقد سوَّغ الدكتور حسن آيات أحد منظري الحزب تدخل الثورة الإيرانية في شؤون الدول الإسلامية الأخرى بأن على إيران نصرة المستضعفين في كل مكان حتى يتم ضمان استمرارية الثورة واتساع دائرة إشعاعها. وقد جاءت تصريحات لعدة مسؤولين إيرانيين لتؤكد أن إيران لن تأمن من مؤامرات الدول الكبرى إلا إذا حدثت ثورات مماثلة في العالم الإسلامي، ووعدت بمساعدة كل حركات التحرير والحركات الإسلامية الراديكالية في أي مكان في العالم) [٢٩] . كما بذلت إيران ما في وسعها منذ قيام الثورة لإدماج الأقليات الشيعية الأجنبية سياسياً تحت قيادة الإمام، وهكذا دعمت في فترة أولى تمتد حتى عام ١٩٨٢م، كافة الحركات الشيعية الصرفة مثل حركة أمل في لبنان. بعد ذلك راحت تطلب المزيد من الراديكالية والمزيد من التخلّي - في آن معاً- عن المرجعية الوطنية والاندماج في بنى إيرانية محضة، وهذه الفترة الثانية هي الفترة التي بدأ فيها ظهور الأحزاب التي دُعيت بأنها أحزاب الله، سواء في لبنان أو أفغانستان، وإلى قيام تنظيمات باسداران لدى الشيعة. وهكذا، فإن السفارة الإيرانية في بيروت أصبحت بمثابة قيادة الأركان الشيعية الحقيقية في لبنان؛ حيث شرع حزب الله وأمل الإسلامية التي نشأت عام ١٩٨٢م في معارضة حركة أمل، مع الابتعاد عن رجال الدين الأكثر تقليدية (مثل الشيخ محمد مهدي شمس الدين) . أما المرحلة التالية فكان قوامها توجيه المجموعات الشيعية لشنّ هجمات ضد خصوم إيران وهي المرحلة التي حولت لبنان بخاصة إلى ساحة حرب ضد الرعايا الغربيين (تدمير مركز قيادة الأركان الفرنسية والأمريكية عام ١٩٨٣م) [٣٠] . وتفلسف أحد قادة الحركة في لبنان وهو إبراهيم الأمين وقال: إن تصدير الثورة لا يعني تسلط النظام الإيراني على شعوب منطقة الشرق الأوسط، وإنما المفروض أن تعيش هذه المنطقة الإسلام من جديد! ! أي إسلام؟ فيكون المتسلط على هذه الشعوب الإسلام وليس الإنسان، على هذا الأساس نحن نعمل في لبنان من خلال المسؤولية الشرعية ومن خلال القناعة السياسية أيضاً، حتى يصبح لبنان جزءاً من مشروع الأمة في منطقة الشرق الأوسط، ولا نعتقد أنه من الطبيعي أن يكون لبنان دولة إسلامية خارج مشروع الأمة [٣١] . وكان الحرس الثوري الإيراني هو المؤسسة الرسمية الرئيسة التي تحمي وترفع راية مبادئ الثورة الإسلامية ومُثُلها التي حددها الخميني، وقد لعب الحرس دوراً هاماً في ترسيخ أفكار الثورة وزعيمها [٣٢] . وانطلاقاً من هذه السياسة الإيرانية بعد نجاح الثورة وبلوازم الدور الذي يقوم به الحرس الثوري لتصدير هذه الثورة، ولتحقيق الأمل الآخر بقيام الدولة الأخرى في لبنان فقد ساعدت مفرزة الحرس في لبنان على تأسيس (حزب الله) ، وعلى تدريبه ودعمه فيما بعد، بهدف إقامة جمهورية إسلامية في ذلك البلد، وعموماً كانت قيادة مفرزة الحرس وأفراده في لبنان وقوامها ٢٠٠٠ مقاتل تضم أكثر رجال الحرس راديكالية من الناحية العقائدية وإلى جانب المساندة والتدريب العسكريين المباشرين لحزب الله لعب الحرس دوراً عقائدياً وسياسياً كبيراً في وادي البقاع اللبناني؛ حيث بثوا معتقداتهم بين السكان المحليين وأسسوا المدارس والمستشفيات والمساجد والجمعيات الخيرية، واكتسبوا التأييد للثورة الإسلامية وأمدوا حزب الله بالمجندين. كما لعب السفير الإيراني السابق في سوريا ووزير الداخلية علي أكبر محتشمي، وهو أحد المتشددين البارزين، دوراً فاعلاً بالتعاون مع الحرس في تشكيل حزب الله، ويبدو أنه لا يزال يتمتع بنفوذ قوي في لبنان. كما تسعى السفارتان الإيرانيتان في سوريا ولبنان مع وزارة الخارجية الإيرانية وبعض الزعماء الإيرانيين، إلى السيطرة على أنشطة الحرس والسياسة الإيرانية في لبنان [٣٣] . البناء بالحرب! ! حين وصلت الحركة الجديدة إلى (الحالة الثورية) كان لا بد من الاستجابة للنداء المقدس من ضرورة تحويل لبنان إلى دولة أخرى، وحيث الروح المعنوية عالية، والمدد المادي والعسكري والتنظيمي متوفر بكثافة وبكرم يفوق الخلق العربي فكان لا بد من الخروج الكلي والإعلان الواضح عن الحركة، وكان من الطبيعي أن يتوجه الجهد العسكري لمحاربة الاحتلال وتطهير الأرض اللبنانية من (رجس اليهود) والسعي إلى إخراجهم من (الأرض المقدسة) إلا أن ذلك لم يكن هدف الحركة! ! يقول وضاح شرارة: لم يصرف الإسلاميون اللبنانيون - والقيادة الإيرانية من ورائهم - جهدهم إلى عمليات ضد الإسرائيليين وقوات احتلالهم، في الأشهر الأولى التي أعقبت صيف ١٩٨٢؛ فمصدر الخطر الأول على (مجتمع الحرب) ... أو (الحالة الجهادية) ، يومذاك ليس الاحتلال الإسرائيلي! ! فكان المصدر الذي يتهددها هو استقرار الدولة اللبنانية وحملها اللبنانيين على تسليم أمورهم وشؤونهم إليها وإقرارهم بشرعيتها، وهذا أي التسليم والإقرار بالشرعية ما كان يبعد أن يحظى به الاحتلال الإسرائيلي. ويبرز الفرق جلياً بين الإسلاميين وبين الأحزاب والقوى السياسية التي أمدت المقاومة الوطنية اللبنانية بالمقاتلين والسلاح والخطط، في هذه المسألة، وما احتجاج الشيوعيين اللبنانيين على سبقهم في هذا الميدان إلا إمعاناً في الغلط، وفي التعامي عن الاختلاف في تقدير الأوضاع؛ فذهب الحزب الشيوعي اللبناني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعض فصائل حركة (أمل) ، والمرجح أن قسماً من الفلسطينيين تابعهم على رأيهم، إلى أن الأمر الملحّ والداهم هو عرقلة الاحتلال الإسرائيلي، والحؤول دون استتبابه، والمضي على المقاومة التي جابهت العملية الإسرائيلية، ولو اختلف في تقويم هذه المقاومة؛ وعقدت الأحزاب والمنظمات آمالها على قيامها بـ (حرب التحرير) هذه، ورجت أن تقطف ثمار عملها قوة جديدة تمكنها من أخذ موقع سياسي راجح في الميزان اللبناني. اطَّرح (الإسلاميون) هذا الرسم من غير مواربة ولا تأخر، فقدَّموا على سائر المهمات والأعمال مهمة الحؤول بين الأبنية السياسية والإدارية اللبنانية وبين انتزاع الاعتراف بشرعيتها من جديد؛ والسبب في ذلك أن مثل هذا الاعتراف يحكم على الإسلاميين وفيهم، وعلى غيرهم، بالخروج على الشرعية، وعلى ما هو مُجمَع عليه، ويدينهم بعرقلة مسيرة السلم والعودة إلى الحياة السياسية الآمنة. ودفع الإسلاميين لهذا الإطراح عواملُ كثيرة، منها: أنفتهم من تناول الأمور تناولاً وطنياً ومحلياً، ومنها بروز الوجه الإقليمي والدولي للحرب الإيرانية والعراقية، واختبار قادة طهران جدوى التعبئة الجماهيرية عسكرياً وسياسياً وانتقالهم بعد ربيع وصيف ١٩٨٢م إلى مرحلة الهجوم، وسعيهم إلى انتزاع مكاسب إقليمية ثابتة في نهاية هجومهم المأمولة. ولم يكن خافياً أن استقرار أبنية الدولة اللبنانية تبع لمساعدة أمريكية وأوروبية تحوط هذه الأبنية، وترعى ذراعها المسلحة، وتحول بين القوى الإقليمية والمحلية وبين بعثها المعاقل التي تقطع جسم الدول. ولما كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، من وجه آخر، تقف عائقاً دون إحراز القوات الإيرانية انتصارات عسكرية تقوض النظام الإقليمي في الخليج، تحالفت السياسة الإيرانية والسياسة السورية، والمصالح المحلية على ضرب القوة الأوروبية والأمريكية التي تملك حوط الدولة اللبنانية وإحباط الانتصارات الإيرانية معاً. وضربُ مثل هذا الغرض القوات المتعددة الجنسية [٣٤] قمين إذا ما أفلح - بحرمان الدولة اللبنانية الرعاية التي لا قيامة لها من دونها، وبإباحة لبنان أرضاً ومجتمعاً للمعاقل المختلفة، وهو قمين أيضاً بإطلاق اليد السورية في غير ناحية من لبنان، وبتعويض التراجع الذي منيت به القوات السورية في صيف ١٩٨٢م، وبمد جسر إيراني إلى قلب المشكلات العربية يحول دون تأليب الإسلام العربي (السني) عليها، وتحويل إيران إلى قوة عربية عن طريق محاربة القوات الإسرائيلية والعلاقة بالمنظمات الفلسطينية على أرض دولة عربية [٣٥] . ويعني هذا الأمر، بعبارة أخرى، وفي ضوء الثورة الإسلامية الإيرانية وتجربتها يومذاك، أن الحرب وحدها في مستطاعها أن تظلل إنشاء المعقل الإسلامي، وأن ترد عنه غائلة حياة اجتماعية وسياسية وثقافية مستقرة، لذا كان الإسلاميون الشيعة ذوو الهوى الإيراني والخميني في الصفوف الأولى من كل أعمال الكر والهجوم على (العدو العام) : على القوات الإسرائيلية، وعلى الوحدات الأمريكية والفرنسية، وعلى (القوات اللبنانية) ، وعلى الجيش اللبناني، وعلى المواطنين اللبنانيين المسيحيين والمواطنين الأجانب، وعلى (جيش لبنان الجنوبي) ، وعلى السفارات الأجنبية والعربية، وعلى القوات الدولية، وعلى بعض المواطنين اللبنانيين المسلمين الذين يخالفون الإسلاميين في الهوى والمشارب، وعلى المراقبين السوريين الذين سبق قدومهم الانتشار السوري في بيروت أواخر شباط ١٩٨٧م، وعلى مسلحي (أمل) بالضاحية الجنوبية في صيف ١٩٨٨م، وعلى المسلحين الفلسطينيين المتحالفين مع (أمل) في حروب المخيمات الطويلة (١٩٨٥ ١٩٩٠م) فهؤلاء كلهم، الذين كانوا أو ما زالوا هدفاً لأعمال الخمينيين الحربية، تسهم حربهم في إنشاء الجيب الإسلامي الإيراني وفي إطالة الأمد الذي يحتاج إليه أصحابه من أجل إرسائه على أسس يظنونها ثابتة. فإلى الدور الذي تضطلع به هذه الحرب الكثيرة الوجوه في الوصول بمآرب السياسة الإيرانية إلى غاياتها الإقليمية والدولية، تضطلع بدور آخر لا يقوم الدور الأول إلا به، وهو تشييد أبنية المجتمع الإسلامي الذي تتعهده ولاية الفقيه ويتعهده وكلاؤه) [٣٦] . بهذه البدايات المتفجرة بدأ (حزب الله) إثبات وجوده في الساحة اللبنانية طبقاً للأهداف الإيرانية، وعلى الجهة الأخرى كانت سوريا على الخط اللبناني الساخن، واستخدمت سوريا (حزب الله) كما استخدمت أمل من قبل، فهل ينجح حزب الله في خدمة سيدين! ؟ وعلى الصعيد الداخلي اللبناني كان على (حزب الله) وسادته أن يقوموا بتأمين المجتمع وإغراقه (بالإحسان) والخدمات الاجتماعية ليكسبوا التأييد الشعبي للحزب، فما هي هذه الخدمات؟ وهل حققت أهدافها؟ وما هي النجاحات التي حققها (حزب الله) في الصراع المتبادل مع اليهود؟ كما يطرح سؤال مهم نفسه: مع تغير اللهجة الإيرانية واتباعها للمنهج البراجماتي في سياستها الجديدة، ومع خوض سوريا في مفاوضات تسوية، هل يستمر حزب الله في الدور نفسه الذي بدأ به؟ كل هذه الأسئلة وغيرها نجيب عليها - بإذن الله - في الحلقة الرابعة والأخيرة.

стр. 3297

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش إخوة الجهالة (غنى اللبناني (مارسيل خليفة) قصيدة للشاعر محمود درويش تتضمن آيات قرآنية، وأحيل إلى المحكمة بناءً على إدانة مفتي لبنان لهذا العمل) . ١ - إن ما يحدث لمارسيل خليفة اليوم ليس سوى حلقة في مسلسل العنف الذي تمارسه المجموعات المعادية للمجتمع المدني التي تبرر إرهابها باسم الدين زوراً وبهتاناً على المبدعين والمفكرين العرب، بوصفهم طليعة المجتمع المدني، وفاتحي أفق الحق والخير والجمال لمجتمعاتهم التي تحلم بالحرية والعدل والتقدم. ما يتكرر حدوثه في هذه السنوات من ممارسات التعصب والتطرف والإرهاب التي تهدف إلى الإطاحة بإمكانات الدولة المدنية الواعدة لا يعرف قيم التسامح التي تعرفها الأديان الكبرى وتؤكدها، ولا يعترف بحضور المجتمع المدني الذي يسعى إلى تدمير وعوده. وأول هذا التدمير إشاعة الرعب في نفوس المبدعين والمفكرين، وتثبيت تقاليد الاتباع المعادية لكل اجتهاد أو تجريب، وإشاعة روح العداء للخروج على المألوف أو المعتاد، أو التحرر من قيود الثبات أو أسر الضرورة في الفكر والإبداع، والمطاردة المستمرة والملاحقة القمعية للمبدعين والمفكرين الذين يبحثون عن المغايرة في كل مكان. قضية مارسيل خليفة، حلقة من حلقات القمع المستمر على الإبداع في كل مكان من هذا الوطن العربي الذي لا يكاد يخرج من كارثة من كوارث التعصب إلا ليقع في غيرها. ﴿د. جابر عصفور، جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٧٤) ﴾ ٢ - إننا من خلال تضامننا مع مارسيل خليفة نتضامن مع العلمانية ضد الجهل والخرافة، ولم نعد نخشى أن نشهر علمانيتنا وأن نعتز بها ونكافح بها في وجه الجهل والخرافة، وعندما نتضامن مع مارسيل فإننا نتضامن مع أنفسنا لرغبتنا في بناء حياة جديدة مليئة بكل أشكال التنوير والحداثة، وتجاوز القتامية والظلامية التي يُحاوَل فرضها علينا. ﴿ياسر عبد ربه، وزير الثقافة والإعلام الفلسطيني، جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٨٦) ﴾ دين أدونيس الشعر تحديداً: انشقاق، أو لأكرر ما يراه (نيتشه) بعبارة أخرى: يكون الشعر مضاداً أو لا يكون. الشعر انفجار متواصل في تصدعات زمنية متواصلة، وهو لذلك ضد كل ما هو سائد، أو راسخ، ضد المعتقدات والتقاليد! وضد كل ما هو عام، لقد كان الفكر العربي في مختلف اتجاهاته فكراً أصولياً، وتعود أصوليته إلى أنه ينطلق دائماً من أفكار ومعتقدات يعدها مسلمات وحقائق نهائية، ولا يطرح عليها أي سؤال، إن العمل الأول للفكر هو نقد أصله أو أصوله، هو نقد المسلَّمات، لا نقدها وحسب، وإنما الخروج منها كذلك، كل شيء يجب أن يخضع للسؤال والبحث، عندما يمارس الفكر العربي هذه الحرية يمكن القول عنه آنذاك: إنه فكر خرج من الأصولية ويمكن أن نسميه آنذاك فكراً بحصر المعنى. ﴿أدونيس، مجلة الوسط، العدد: (٤٠٥) ﴾ وحيد.. زمانه! ! ١ - شاءت المقادير أن أقتربَ من السيد (عبد الرحمن وحيد) في أكثر من مناسبة في مؤتمر أمستردام كان الرجل يردد مقولات المستشرقين عن الإسلام فيما يتعلق بالشريعة والمرأة والحدود وغير المسلمين، وكلها آراء سلبية يعرفها الجميع لا ترى في الإسلام فضيلة ولا تنسب إليه فضلاً، وقبل هذا وذاك فإن السيد عبد الرحمن كان له موقفه العلماني الحاسم الذي يدعو إلى عزل الدين عن المجتمع وحصره أو حصاره في الأخلاق والعبادات والتوحيد أما المعاملات وشؤون الدولة وغير ذلك ففي رأيه أنه ينبغي ألا يكون للدين بها علاقة. وهو كلام يطرب الغربيين لا ريب، لأنه يسمعهم ما يريدون ويتمنون، ولذلك فإنهم اعتبروا الرجل زعيماً إسلامياً معتدلاً ومستنيراً للغاية، وقدموه في المؤتمر وفي غيره من المحافل بهذه الصفة. هذه هي المرة الأولى في حدود علمي على الأقل التي يقدَّم فيها رجل علماني بحسبانه زعيماً إسلامياً يتبعه ملايين البشر ممن انخرطوا في جماعة مصنفة تاريخياً باعتبارها إسلامية محافظة. ذلك أن السيد عبد الرحمن وحيد يرأس جماعة (نهضة العلماء) التي أسسها جدُّه في عام ١٩٢٦م، وتضم أعضاءاً يصل عددهم إلى أكثر من ٢٠ مليون شخص. عندما التقيته في بيته، كرر الكلام نفسه عن الشريعة وظل عند موقفه منها، لكن حديثه في السياسة كان جديداً، بالنسبة لي على الأقل؛ إذ وجدته شديد الحماس لـ (إسرائيل) والإعجاب بشعبها وبما اعتبره تقدماً على أصعدة مختلفة فيها. ثم اكتشفت أنه عضو مؤسس في معهد بيريز للسلام بتل أبيب، وعلمت منه أنه زار (إسرائيل) ثلاث مرات، وأنه اعتذر عن عدم تلبية دعوة رابعة بسبب انشغاله بالانتخابات في بلاده! وبسبب علاقاته التي أقامها مع (إسرائيل) ، لم يكن مستغرباً أن يحتفي الزعماء الإسرائيليون بتوليه رئاسة أكبر دولة إسلامية، وهو ما عبر عنه تقرير نشرته صحيفة (جاكرتا بوست) التي يملكها تجمع مسيحي أندونيسي متعاطف مع (إسرائيل) ونقلت فيه تصريحاً لرئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريز أدلى به لصحيفة (يديعوت أحرونوت) قال فيه: إن عبد الرحمن وحيد صديق حميم لـ (إسرائيل) وهو يمثل (الإسلام المستنير) (!) كما أنه رجل مبادئ وروحاني كما نقل ما نشرته صحيفة (هاآرتس) أن الرجل زار (إسرائيل) عدة مرات، وشارك في مؤتمر هناك ضد الإرهاب (الفلسطيني لا غيره) ! وقال: إن الإسلام دين سلام مع الجميع. أضاف تقرير (جاكرتا بوست) أن عبد الرحمن وحيد كان قد أدلى بحديث صحافي للإذاعة الإسرائيلية قبل عدة أشهر، أعرب فيه عن إعجابه بالشعب اليهودي، وقال: إنه تلقى علاجاً في تل أبيب، وأنه يتطلع إلى اليوم الذي تقام فيه العلاقات الدبلوماسية بين إندونيسيا وإسرائيل) . ﴿فهمي هويدي جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٣٦) ﴾ ٢ - ذكرت وكالة الأنباء الرسمية (أنتارا) : أن إندونيسيا ستمضي قدماً في خطتها لإقامة علاقات تجارية مع (إسرائيل) على رغم المعارضة العامة؛ ونقلت الوكالة عن وحيد قوله: (أدعو الذين يعارضون ذلك أو لا يريدون التفهم أن يفهموا) وأضاف أن على إندونيسيا أن تتمكن من إقامة علاقات اقتصادية مع أي دولة في العالم، بما في ذلك (إسرائيل) ، إلا أنه لم يشر إلى أنه سيعترف بـ (إسرائيل) ... في المستقبل القريب. وتابع وحيد: إن عدداً من الدول الإسلامية التي تستبعد علانية إقامة علاقات مع (إسرائيل) ، تقيم من دون ضجة علاقات تجارية مع تل أبيب؛ وقال: (دعونا من النفاق) وزاد: إن الغرض من إقامة علاقات تجارية مع (إسرائيل) هو التمتع بمزايا اقتصادية. وأعلنت الحكومة الإندونيسية أن خطة إقامة علاقات تجارية مع (إسرائيل) جزء من الضغط على تل أبيب فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية! ! ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٩٢) ﴾ تواطؤ عربي على الأقصى كشف الشيخ رائد صلاح رئيس بلدية أم الفحم ورئيس الحركة الإسلامية النقاب عن وجود مباحثات سرية تجري بين الحكومة الإسرائيلية وأطراف عربية لوضع حلول لبناء الهيكل المقدس لدى اليهود. وهذه المباحثات السرية جرت في النمسا وفرنسا ودول عربية لم يعلن عن اسمها من أجل بلورة حل لقضية المسجد الأقصى وبناء الهيكل إلى جانبه. وعدَّدَ صلاح ثلاثة مقترحات لبناء الهيكل تتم دراستها، وهي: إقامته في الأماكن التي تقع في أسفل المسجد الأقصى، بينما يبقى المسجد الأقصى والقبة مع المسلمين على قاعدة: (ما فوق التراب للمسلمين، وما تحته لليهود) . والمقترح الثاني: بناء قواعد ضخمة جداً وسط الآثار الأموية والأيوبية الواقعة في القسم الجنوبي والجنوبي الغربي للمسجد الأقصى المبارك مشتركة بين اليهود والمسلمين. وينص الاقتراح الثالث على بناء الهيكل بصورة مباشرة في ساحات المسجد الأقصى. وأوضح الشيخ رائد صلاح أنه منذ توقيع اتفاقية أوسلو وحتى الآن - بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفسلطينية - ازدادت عمليات الاعتداء على المسجد الأقصى؛ بحيث بلغت ٧٢ محاولة، في حين كانت بلغت ٤٠ اعتداءً في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٦٧م و ١٩٩٠م، وكان أخطرها في العام ١٩٨٤م وهي محاولة تفجير الأقصى. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٦٩) ﴾ ترى هل يسمعون؟ أهابت الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي - في نداء أصدرته - بأصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك ورؤساء وأمراء الدول الإسلامية والمنظمات والهيئات والمؤسسات والشعوب الإسلامية للتضامن مع شعب الشيشان في المحنة الأليمة التي يعيشها منذ أن شنت القوات الروسية أبشع عدوان عسكري عليه. إن القوات الروسية أحرقت الأرض، ونفذت استراتيجية الإبادة الجماعية وحملت مئات الآلاف من الشيشان على الفرار والهرب، إننا نطالب جميع المسلمين بالمسارعة إلى تقديم أشكال العون المادي والعيني لشعب الشيشان المنكوب استجابة للاستغاثة التي أطلقها الشيشانيون للمسلمين وملوكهم ورؤسائهم. ﴿جريدة الرياض، العدد: (١١٤٥٩) ﴾ أساؤوا.. وأخطأت قال سعيد عبد المسلموف السكرتير الصحافي للرئيس الشيشاني أصلان مسعادوف: إن الأخير قد بعث برسالة إلى البابا يوحنا بولس الثاني طلب منه ومن العالم المسيحي حماية الشعب الشيشاني من إبادة لا علاقة لها إطلاقاً بالإرهاب والجريمة، إن الأحياء السكنية تحترق، وقال مسعادوف في الرسالة: إنه لم يوجه رسالته إليه إلا بعد ما تأكد من أن العالم الإسلامي لا يكترث بمأساة الشعب الشيشاني ونداءاته المتكررة! ! جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٨٣) ﴾ أين أونسكوم؟ أفادت وكالات الأنباء أن القوات الروسية أطلقت صواريخ من قاعدة عسكرية بالقرب من فلاديقفقاس تصنف على أنها أسلحة دمار شامل، وأن ثلاثة من هذه الصواريخ أصابت سوق جروزني. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٦٦) ﴾ حتى متى؟ ! أعلن وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين أن الولايات المتحدة ستعزز قواعدها الجوية في الكويت لتتمكن من الرد بأسرع ما يمكن في حالة الطوارئ، وأعلن كوهين في مؤتمر صحافي عقده في الكويت: ما نريده هو زيادة قدرة قواعدنا على استيعاب قوات والتأكد من أن لدينا مجالاً أوسع للطائرات وتسهيلات أخرى لاستقبال عدد كبير من الطائرات، على سبيل المثال، في الحالات الطارئة أو حدوث ما هو غير متوقع. وقال: إن كلفة المشروع قرابة ١٧٣ مليون دولار، ولم نناقش كيف ستتوزع الكلفة بين الولايات المتحدة والكويت. وأضاف كوهين سنتوزع النفقات، ثم قال: (إن الشعب والحكومة في الكويت كانا في غاية الكرم في دعمهما للمشاركة في أهداف الولايات المتحدة في المنطقة ونأمل في أن نستمر في تلقي دعم الشعب الكويتي) . ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٣٦) ﴾ الحرب المستعرة قال الرئيس التركي سليمان ديمريل: إن الإسلام بالمفهوم المعاصر لا يتناقض مع العلمانية وإنه لا يفهم سبب خوف بعضٍ من أن يعلنوا بأنهم مسلمون. لقد تغير الكثير خلال ألف وأربعمائة عام، وإن هناك بعض الأحكام في القرآن لا يمكن تطبيقها الآن مثل تعدد الزوجات، وإن أفضل شيء في هذا الموضوع استبعاد آيات الأحكام من التطبيق وعدد هذه الآيات ثلاثمائة وثلاثون آية أو يزيد! ! - على حد قول الرئيس التركي. جريدة الرياض، العدد: (١١٤٥٦) ﴾ كلام لا يُشرف قال قائد الجيش الباكستاني الجنرال برويز مشرف: إن الزعيم التركي الراحل كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة (مصدر وحي كبير) له، مشيراً إلى ما تردد في الدوائر السياسية بباكستان حول تشابه صيغة (مجلس الأمن القومي الباكستاني) التي أعلن عنها مع النموذج الأتاتوركي العلماني. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٣١) ﴾ بين المنع والإباحة ١ - منعت حكومة جزر المالديف الإسلامية عرض فيلم (أمير مصر) الذي يُظهر أمريكياً في دور سيدنا موسى ﵇ وسبق لهم أن منعوا فيلم (بن خور) و (التعاليم العشرة) لنفس السبب وهو ظهور ممثلين يتقمصون دور أحد أنبياء الله مما يتعارض مع تعاليم القرآن، وقد سبق لحكومة المالديف أن طردت بعض المنصرين الغربيين وسجنت بعض المرتدين عن الإسلام. ﴿دورية الكوثر، العدد: (٢٣) ﴾ ٢ - قام وفد من البطريركية الأرثوذكسية في القدس، على رأسه البطريرك اليوناني ثيودوروس الأول الآتي بدعوة رسمية تستمر ٣ أيام من أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في أول زيارة يقوم بها لقطر، شكر خلالها الأمير على دعوته ومبادرته بالموافقة على بناء أول كنيسة هناك. وقال تيماثاوس: في قطر التي زارها وفد أرثوذكسي مصغر قبل عامين للاطلاع على أوضاع الرعايا من أبناء الطائفة فيها أكثر من ١٠ آلاف مسيحي، معظمهم من الأرثوذكس القادمين من لبنان وفلسطين والأردن ومصر، وبعض الدول المسيحية، كاليونان وروسيا وصربيا والهند وسواها، وهؤلاء كانوا يطالبون دائماً بمكان للعبادة هناك، تدعمهم جهود بذلها بعض الدبلوماسيين الأجانب في الدوحة، فأجريت اتصالات خلال العام، تبعتها دعوة رسمية من الأمير لثلاثة أيام، شكروه خلالها على تبرعه بأرض لبناء أول كنيسة أرثوذكسية منذ ١٣٠٠سنة في الدوحة، من دون أن يشرح كيف كانت هناك كنيسة أرثوذكسية في ذلك العصر بقطر. جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٤٩) ﴾

стр. 3298

متابعات المسلمون والإعلام الفضائي مروان كجك تتعاظم آثار الإعلام التلفزيوني يوماً بعد يوم؛ تبعاً لتعاظم الشبكة الفضائية التي غدت من أكبر مشاغل الناس، ومن أعظم همومهم. وإذا كانت جموع المؤمنين ترفع أكفها إلى السماء ليسقيها ربها ماءاً غدقاً فإن أكثر مَنْ في الأرض يُرهفون أسماعهم، ويوسِّعون حدقات عيونهم، ويُبيحون حِماهم لاستقبال رسائل مستعمري الفضاء التي لا يحمل أكثرها إليهم إلا ما يؤدي إلى عبودية الإنسان للإنسان، واستغلال الأقوياء للضعفاء، والأغنياء للفقراء، وسيادة الكذب، وتواري الصدق، والدعوة للإسراف في كل شيء إلا الخير. وهذا ما يدعونا إلى إعادة النظر في هذا الجهاز المتربع على عرش الإعلام بكل أبعاده ومقاييسه وأخطاره، تحذيراً للغافل وتعليماً للجاهل، وبياناً للحق في هذه المسألة التي تشغل أذهان الآباء والمربين وقلوبهم وهم يرون ما لهذا الجهاز من السيطرة على عقول الناشئة، وما له من الآثار على الشخصية السوية والمسلمة منها خاصة وهي الشخصية التي نرجو لها أن تسود العالم بما تحمله من الأهداف النبيلة التي يشمل خيرها الصديق والعدو، والإنسان والحيوان، والنبات والجماد. وإن التطور المذهل في وسائط الاتصال وآلياته وأساليبه يستدعينا - نحن المسلمين - أن نسارع إلى استدراك ما فاتنا من هذا التطور الذي ارتضينا أن نكون من زبائن تُجَّاره ورعايا فُجَّاره، وكأن هزيمتنا وخضوعنا لأعدائنا على وجه الأرض لم يكفنا حتى غدونا عبيد الفضاء وأذلاء الأثير، حتى إننا أجَّرنا قمرنا (عرب ساتنا) لـ (ألدِّ أعدائنا) ولم يعد لنا من حول ولا طَوْل إلا أن نقول بألستنا ما لا نعقده في قلوبنا: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وكأننا نرائي الله بأقوالنا كما يرائي بعضنا بعضاً؛ واللهُ يعلم أن قولتنا هذه لا تجاوز حناجرنا، ولو علم الله منا صدقاً في الإيمان بمدلول هذه الكلمة كما يقتضيه لسان العرب لانتصر لنا من أعدائنا. إن استخدامات التلفزيون، في صورته الراهنة، ومن خلال المؤسسات العالمية التي تمارس التوجيه المشبوه من خلاله، تشكل عقبة تؤثر في العملية التربوية المنوطة بالأسرة والمدرسة والمجتمع، وتنحرف بالعملية التربوية عن مسارها الطبيعي وتقود المجتمع نحو الهاوية. ولعلّ الدراسات المستفيضة التي قامت في السنوات الأخيرة حول الآثار السلبية للتلفزيون تدعونا - نحن المسلمين - أن نكون أول من يتنبه وينتصب ليدافع عن حضارته وهويته، ويسد المنافذ على المفسدين الذين لا يرون في جموع البشر - ومنهم المسلمون - غير مجموعات استهلاكية لبضاعتهم الفكرية والتجارية، أو فئران تجارب تخضع لاختبارات التأثير المباشر لغاياتهم وأهدافهم. إن الأضرار الناجمة عن كثير من برامج التلفزيون مؤكدة تحمل البراهين الدالة على أنه - بما وراءه من أهداف - يُستخدم ليكون مِعْوَل هَدْمٍ وأداة تراجع في المفاهيم الإنسانية النبيلة. ولو لم يكن لهذا الجهاز من الآثار الضارة - فيما يقدمه - إلاّ ما يقع منها على أطفالنا لكان ذلك كافياً لكل أب عاقل وأم رؤوم أن يختطفا أبناءهما من بين أيدي المحطات الداعرة حرصاً على إنقاذ فلذات الأكباد من مجونٍ إعلامي عاهر يضع المثل الأعلى لأطفالنا في ممثلين وممثلات أجَّروا أنفسهم لوكالات العهر والتخريب، أو في شخصيات خيالية غير مقبولة شرعاً ولا عقلاً تبني شخصيات أبنائنا على تقبُّل صُوَرِ الزيف والباطل، وتقودهم إلى مسارب الذل والهوان، فلا يرون في الصَّغار إلاَّ عظمةً، ولا في الذل إلا عزاً، ولا في التخلُّف إلاّ تقدماً. إن أباطرة الإعلام وهم يتربعون على عرش التوجيه الثقافي والروحي لعصرٍ سمِّي في إصداره الأحدث: (النظام العالمي الجديد) هؤلاء الأباطرة لا يتورعون عن اتباع شتى الأساليب التي تضمن لهم عالَماً يُساق إلى الذل في موكب خادع ماكر يأخذ بتلابيب الجميع من غير رحمة أو شفقة أو تأثر بأي معنى من معاني الإنسانية الفطرية. إن ساعة زمنية من ساعات البث التلفزيوني تحتاج إلى تكاليف باهظة يعجز عن تسديدها كثيرٌ من حكومات العالم الفقيرة؛ ومع ذلك فإن أفراداً بأعيانهم - وكثير منهم من اليهود - يمتلكون محطات عالمية ومحلية للإرسال التلفزيوني يبذلون في سبيلها كثيراً من الأموال قد تبلغ الملايين من الدولارات؛ مما يتيح لهم تسخير مختلف أنواع الأقمار الصناعية واستخدامها للَّعب بأهواء الشعوب واجتذابها بشتى صنوف البرامج الجادة منها والهازلة، ولكنها في النهاية تتوجه إلى ترقيص الجميع على إيقاعها الإلكتروني ومشاهدها الساحرة، محرِّكةً للغرائز الشهوانية لتكتب ولو سطراً واحداً على قلوب مشاهديها الذين لا يدرون أن هذا السطر قد داخلهم فعلاً دون أن يحسوا له دبيباً! نعم! إن قطاعات عريضة من شعوبنا الإسلامية قد أدركت اللعبة قبل غيرها؛ وإن كنا نعلم أن بُؤَراً اجتماعية في الغرب نفسه قد أفزعتها هذه المحطات التي لا تفرق في استعبادها للبشرية بين غربي أو شرقي أو مسلم أو نصراني؛ فالكل في نظرها قطعان تستهلك الطعام والجنس تقايضه بحريتها وكرامتها دون أن تتاح لها الفرصة للتفكر أو إعادة النظر في مجريات حياتها؛ فالزخم الإعلامي غامر، والجدران الحصينة تنشق وتتفجر ليطل من خلالها على العالم مواليد إعلامية جديدة تتيح للُّصوص والمنحرفين والشواذ السطو على البيوت والمنتديات؛ ولا أدل على ذلك من شبكة الإنترنيت التي لن تكون آخر صيحة ولا نهاية مطاف لما يتفتق عنه العلم، وما إن يظهر جيل من أجيال الكمبيوتر أو المستحدثات الأخرى حتى يظهر جيل آخر أكثر تقدماً وأعظم خطراً؛ بل إن شركات الكمبيوتر تُعِدُّ دفعة واحدة أنواعاً من هذه الأجهزة المختلفة في قدراتها والتي يلغي بعضها بعضاً فتسربها إلى السوق الواحد تلو الآخر بحسب قدراتها ومواصفاتها؛ بحيث يندفع الباحثون عن الجديد والأحدث إلى اقتنائها والفوز بقصب السبق في عالم متغير مع كل نقلة لعقرب الثواني في عصر العولمة الجديد. وأضع أمام ناظِرَيِ القارئ الكريم خبرين طازَجين يدعوان إلى إعادة النظر في معالجة مسألة الإعلام المرئي المسموع واستنفار أصحاب الغيرة في الأمة من علماء الدين، والعلماء الاختصاصيين، والمربين الغيورين، وأهل الأموال الخيرين، وأصحاب الخبرة التربوية والإعلامية والدعاة المرهفين إلى المبادرة الجادة مجتمعين ومنفردين للعمل الجاد لملاقاة هذه المداهمات والتصدي لمخاطرها، والإفادة من إمكاناتها في التوجيه الصحيح والبناء الصالح للفرد والجماعة، وألا نضع أنفسنا في مواقع التوجس منتظرين كشف الكاشفين؛ فإذا العالم كله يتقدم ويقوى ونحن على حالنا منتظرين حالمين مستهترين. الخبر الأول نقلته كثير من الصحف قبل أيام من كتابة هذه السطور، وأُورِدُ رواية صحيفة الرياض السعودية في عددها الصادر يوم ٨-٨-١٩٩٩م تحت عنوان: (شاشة عالية الوضوح على إبهامك) : (توصلت شركة أمريكية مقرها في ولاية كاليفورنيا إلى إنتاج شاشة صغيرة وعالية الوضوح ارتفاعها حوالي سنتيمتر واحد من السهل أن يضعها الشخص على إبهامه. ومن غير المتوقع أن تستخدم هذه الشاشة بالطريقة التقليدية؛ فلن يجلس الشخص أمامها في غرفة المعيشة ليشاهد التلفزيون أو يستعمل الكمبيوتر، وإنما توضع هذه الشاشة داخل أجهزة رؤية توضع أمام العين مباشرة مثل النظارات الطبية. وتؤكد الشركة أن درجة الوضوح التي توفرها الميكرو شاشة تتفوق على درجة الوضوح التي توفرها شاشة مساحتها ١٩ بوصة) اهـ. فما الذي يعنيه هذا الخبر؟ وما الذي سينتج عنه؟ وهل يثير مثل هذا الاختراع في المسلمين شيئاً أو يحرك ساكناً؟ هذا الخبر يعني - دون ريب - تضيُّق مساحة الرقابة التربوية على الآباء والمربين ورجال الأمن؛ وفي كثير من الأحوال انتفاء هذه الرقابة واستحالتها؛ فقد أصبح بمقدور أي شخص صغير أو مراهق أو كبير إخفاء هذه الأداة عن الأعين الشفيقة الحانية؛ فقد يواريها الفتى طية من طيات ثيابه، أو كتاباً من كتبه، أو تحت فراشه أو مخدته، وهذا ما يشير إلى تعطُّل جزء كبير ومهم من وسائل الرقابة التربوية التي كانت فعالة إلى حد كبير. الخبر الثاني نقلته مجلة الشباب في عددها السادس الصادر في جمادى الأولى ١٤٢٠هـ تحت عنوان: (الإنترنيت تطلِّق الكمبيوتر) . قالت المجلة: (بعد شهور قريبة سيرثي الكمبيوتر فراق الإنترنيت؛ حيث أعلنت شركة الهواتف (vsest) عن خططها لإطلاق أجهزة هاتفية تسمح للمستخدمين بإرسال البريد الإلكتروني وتصفح الإنترنيت بدون الحاجة إلى استخدام الكمبيوتر؛ وبذلك تنتهي مشكلة أولئك الذين يعانون من صعوبة التعامل مع الحاسوب ويرونه عقبة تقف أمام دخولهم على الشبكة العالمية (الإنترنيت) . وهذه الفئة من الناس ليست بالقليلة؛ حيث قدَّرتهم الشركة بـ ٥٠ %. ويتضمن ذلك الهاتف الجديد شاشة ملونة تسمح للمستخدم بتصفح الإنترنيت عن طريق التأشير ولمس أيقونات معينة. كما يمكن إرسال البريد الإلكتروني عن طريق طباعة الرسالة على لوحة المفاتيح الخاصة بهذا الهاتف. والجميل فعلاً أن من أهداف هذا الاختراع الجديد أن يقدَّم بسعر مناسب لا يتجاوز ١٠٠٠ - ١٥٠٠ ريال سعودي؛ وذلك يوفر عليك أضعاف هذا المبلغ لشراء جهاز الكمبيوتر) . ا. هـ. وهذا الخبر ماذا يعني لنا أيضاً؟ وما الذي يعنيه للمربين؟ بل ما الذي يعنيه بالنسبة لإمبراطورية الكمبيوتر التي كان يتراءى لها وللعالم أنها وضعت شبكة الإنترنيت تحت إبطها؟ إن هذا الخبر يعني الكثير بالنسبة لنا خاصة وللعالم عامة. إنه يعني أن هذه الإنجازات المذهلة سوف تكون مطارق تسحق قِيَمنا ومعاول تهدم ما بقي من صروحنا إن لم نأخذ أهبتنا لها لا بإغماض أعيننا واستهجان استخدامها ومستخدميها واستبعاد الزمن الذي تدخل فيه بلادنا أو تطأ ترابنا. أما ما يعنيه هذا المخترَع بالنسبة للمربين فهو الحيرة والذهول، ثم البحث عن وسائل تضطلع بمهمة شاقة لم تكن منتظرة. أما إمبراطورية الكمبيوتر فسوف يساورها الشك في استحوازها على أكبر قدر من وسائط الاتصال بعد اليوم. إنه عالم متغير حقاً مع كل قفزة من قفزات عقارب الساعة. فما العمل اليوم؟ في عام ١٩٨٦م تساءلتُ في كتاب: (الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون) بالسؤال نفسه، وكان جوابي قبل أربعة عشر عاماً الذي تبع العنوان: (المخرج حاضراً) : (إننا نرى أن على الأسرة المسلمة اليوم أن تتخلى عن التلفزيون نهائياً، وألا تدع له مكاناً بين أفرادها مادام موجهاً نحو أغراض تناقض ما أحبه الله لخلقه ... والتلفزيون على ما هو عليه الآن من هيمنة جهات معينة لا تقيم للدين وزناً، فتوجهه الوجهة المعاكسة للتربية القويمة المتوازنة فإنه بالتمحيص والدراسة المتأنية نجد وبشكل يثير القلق أن مضاره تدفعنا إلى اختيار الدعوة إلى الإحجام عن استعماله أو الركون إليه ولو مؤقتاً إلى أن تنحاز برامجه إلى جانب الحق، ويغلب خيرُه شرًَّه) ﴿ص ٢٥٦، ٢٥٧﴾ . ومما قلته تحت عنوان: (المخرج مستقبلاً) : (ليست دعوتنا الأسرة المسلمة إلى التوقف عن تشغيل التلفزيون تعني طلب الإعدام لهذا الجهاز أو إلقائه في مقلب الزبالة كما اقترح الكاتب الأمريكي جيري ماندر ... ولكن تقديرنا أن المؤسسة التلفزيونية في بلدان العالم الثالث - والشعوب الإسلامية جزء من هذا التصنيف - هذه المؤسسة تبدو صورة من صور السلطة وجانباً هاماً من مرتكزاتها التي لا تنفصل عن حقيقتها، هذا التقدير جعلنا نتوجه باقتراحنا هذا مباشرة إلى الأسرة لإدراكنا بأن شعوب العالم الثالث قد هُذِّبت على ألاَّ تطلب في واقعها شيئاً بل عليها انتظار الإنعام ... فما هي الوسيلة التي تجعلنا نفيد من هذا المختَرَع الرهيب العجيب ونسخِّره للخير بعد أن ظل زمناً طويلاً منذ اختراعه مستخدَماً في ضروب شتى من التخريب وإضاعة العمر في متابعة ترهاته وخزعبلاته؟ هذه الوسيلة تكمن في التلفزيون السلكي أو التلفزيون الجماعي، وهو ما يسمَّى بالتلفزيون الكابلي ... وقد أصبح وسيلة اتصال قائمة بذاتها ولمحطاته القدرة على البث في نحو مائة قناة مرة واحدة، وما تزال الأبحاث جارية لزيادة عدد القنوات هذه) . ﴿ص ٢٥٧.٢٥٨﴾ وما يزال للتلفزيون الكابلي دوره المتميز على الرغم من مزاحمة الفضائيات له؛ فقد أشارت الدكتورة عواطف عبد الرحمن أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة إلى هذه الحقيقة في مقالة لها في صحيفة الحياة تحت عنوان: (وظائف الإعلام العولمي بين شمال وجنوب) قالت فيها: (تشير خريطة الفضائيات التي تسيطر عليها كل من الولايات المتحدة واليابان والدول الأوربية إلى أنه يوجد في العالم - أي حتى كتابة المقالة تلك - ٢٦، ١ بليون جهاز تلفزيون منها ٢٠٠ مليون جهاز بالكابل..) ﴿الحياة ١٥-٧-١٩٩٨م﴾ وقد يبدو العدد قليلاً؛ إذ إن نسبته إلى المجموع الكلي هي السدس؛ إلا أننا إذا عدنا إلى التفكُّر بالطبقة العلمية والاجتماعية التي تأخذ عادة بهذه الأساليب الراقية فإننا نستطيع أن نتخيل أن الطبقة الفاعلة المؤثرة في مجريات العصر الذي نحياه هي الأعلى نسبة بين مستخدمي هذا الصنف من شبكات التلفزيون. أما اليوم وفي أيامنا الراهنة هذه فقد تبدلت الصورة عما كانت عليه قبل ما يقرب من سدس قرن تبدلاً يكاد يكون جذرياً، واتسع الخرق على الراقع، ولم يعد المجال مناسباً للاقتصار على الدعوة إلى الابتعاد عن الجهاز أو الإقلال من قربانه، أو محاولة ترويض النفس على المشاهدة الانتقائية التي لا يستطيع تحملها إلاَّ القلة النادرة أمام الإغراءات الطاغية التي تأخذ بتلابيب المرء ولا تدعه حتى يصبح مدمن تلفزيون من فئة خمسة نجوم؛ مما يستدعي إعادة التفكير في حل مناسب للمسلمين خاصة، وللبشر عامة؛ فما هي الدواعي للبحث عن حل؟ وما هو الحل؟ دواعي البحث عن حل: إن دواعي البحث عن حل كثيرة، ولو جئنا ننقب عنها لوجدناها تحوم حولنا وتحف بنا وتحيا معنا، تمر بنا ونمر بها، تغيب عن أذهاننا لتغوص في أعماقنا؛ فإن أطلت ثانية جاءتنا بثوب جديد، وفلسفة مستحدثة، ولون مبهر، وطلاء أخاذ؛ ومعظمُ الغيورين ينشدون حلولاً تناسب العصر ولا تخرج بنا عن عقيدتنا وأعرافنا القيمة التي انبنت على هذه العقيدة ونبتت بين ظهرانيها؛ ولذلك فإننا نذكر أهم دواعي البحث عن حل يتناسب وواقع الأمة بمجملها: ١ - سيادة البث الفضائي القسري، وتسلحه بأرقى ما توصل إليه فن الإعلام وتقنية الاتصال، واستناده إلى رأسمال ضخم يبتلع الأخضر واليابس. ٢ - خروج البث التلفزيوني من قبضة الحكومات إلى قبضايات الرأسمالية التي لا تفرق بين الحلال من المال أو الحرام منه؛ فبإمكان المال شراء ما يشاء من قنوات البث التلفزيوني والذمم المعروضة للبيع أو التأجير بدون شروط مسبقة إلا توفر الفلوس. ٣ - توجُّه أصحاب الأيديولوجيات المنحرفة عن الحق والمعادية له من يهودية ونصرانية وإلحادية إلى امتلاك الأقنية التلفزيونية والإذاعية في شتى بقاع العالم، وتوجيه العديد منها إلى العالم الإسلامي بقصد زعزعة عقيدته تمهيداً لرد المسلمين عن دينهم، أو فصل حياتهم عن دينهم بعد أن تمكنوا في معظم بلاد المسلمين من فصل الدين عن الدولة. ٤ - تصدُّر البث التلفزيوني بصورة عامة والفضائي منه خاصة المنابر التربوية، وهيمنته على الأطر التربوية التقليدية من خلال: الأسرة والمدرسة، وأمكنة العبادة؛ بل يكاد التلفزيون يلغي التأثير التربوي لتلك الأمكنة ويزيح القائمين عليها من الآباء والمدرسين والخطباء والوعاظ، ويمهد لتشكيل شخصية عالمية لا يجمع بينها سوى شدة النهم لكل دواعي الغرائز والشهوات، شخصية استهلاكية أنانية فردية لا يعنيها غير تحقيق رغباتها والاستجابة إلى نزواتها. ٥ - استحالة التصدي الفعلي لمحطات البث الفضائي، أو إيقافها أو التحكم فيها من قِبَلِ الدول المستقبلة لها، مما يعني استفحال المشكلة، وخروجها عن نطاق التحكم فيها، أو تصفيتها وترشيحها وتنقيتها (الفلترة) ، أو حجب بعض برامجها؛ فلها سلطانها الذي يحميها، وهي في منأى عن قوانين وأنظمة البلاد التي تستقبل الإرسال، ولا تخضع إلا لسلطة البلد الذي تعمل فيه أو القمر الصناعي الذي تعيد البث من خلاله نحو أصقاع شتى. ٦ - بداية عصر الاستقبال الفضائي دون الحاجة إلى الأطباق والدشوش؛ مما يعني إمكان إخفاء مظاهر التعامل مع هذا الاستقبال مما يقطع الصلة بالناس المحتاجين للإرشاد والتوجيه والنصيحة؛ ليصبحوا فريسة طيعة للشيطان والإرسال الشاذ. هذه بعض أسباب ودواعي البحث عن حل؛ وذلك بمقتضى المستجدات والمتغيرات التي طرأت على آليات البث التلفزيوني وزادت من آثاره وأخطاره؛ وهذا ما يدعونا دون إبطاء أو تمهل إلى المبادرة إلى الأخذ بمنهج الإقلال من مخاطر البث التلفزيوني عامة، والفضائي منه على وجه الخصوص؛ دون إغفال الاهتمام بالإنترنيت؛ متصدين للمخاطر محاولين الإقلال من المفاسد إلى أقصى حد ممكن؛ مع العمل على زيادة الإفادة من الجوانب الإيجابية إلى أقصى حد ممكن أيضاً وتوظيفها لخدمة الإنسانية لتتمكن من السير في دروب العبودية ولا للشهوات والطواغيت ودعاة الباطل. وحيال هذا السيل الطامي من التدفق الإعلامي من خلال البث المباشر المتَّسم بالأهداف غير الإنسانية فإن من الحكمة الأخذ بالمعطيات الخيِّرة للتلفزيون، ولن يتأتى ذلك إلاَّ بتصدي نخبة العلماء والعقلاء والفضلاء لهذا الأمر والوقوف له متعاونين متعاضدين باذلين ما وسعهم الجهد للتلاقي بين أجهزة الإعلام الوطنية وبين العلماء والمربين والتنسيق فيما بينهم للتخفيف - إلى أي حد مستطاع - من آثار هذه الهجمة الإعلامية الشرسة. الحل المقترح: لعل من المفيد الإشارة إلى بعض الأساليب التي يمكن أن تساهم في الحد من الآثار السلبية لسوء استخدام هذه المخترعات الفائقة التأثير على مسيرة البشرية جمعاء وهي: ١ - إنشاء محطة بث إسلامية عربية تشترك فيها كافة البلدان الإسلامية، ويمكن التقاطها في أية بقعة من الأرض، وتعمل على مدى أربع وعشرين ساعة يومياً. ٢ - إنشاء شركات إعلامية إسلامية أهلية خاصة مساهمة تتبنى المنهج التربوي الإسلامي في الإعلام بأصنافه المختلفة وعلى رأسها الإعلام التلفزيوني الفضائي والإنترنيت. ويمكن لهذه الشركات والمحطات التعويل على الإعلانات التجارية التي لا تتعارض مع التربية الإسلامية في سد جانب كبير من متطلباتها المالية، والعمل علي تنميتها بحيث تتمكن من تمويل نفسها بنفسها ثم الانتقال إلى تطويرها بما يتناسب وكل مرحلة جديدة لتؤدي رسالتها بثقة وقوة، وللوقوف في وجه ما يمكن أن تتعرض له من أساليب المحاربة والتخريب المحتمل؛ على أن تحمل الإعلانات التي تُبث من خلالها الروح الإسلامية التي تروِّج للحلال وتبتعد عن الحرام. ٣ - العمل على إيجاد منهج تربوي إسلامي جديد يتناسب والعصر الإعلامي الذي نحياه؛ مع الأخذ في الحسبان التطور المتوقع على مدى مستقبلي للأجيال الحاضرة والمستقبَلة؛ فمما يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال:) رَبُّوا أبناءكم غير تربيتكم؛ فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم (فإن الدفاع الذاتي خير وأجدى من كل أنواع الدفاع؛ فمن امتلك العقيدة وعرف أسسها وخطوطها العريضة حتى أصبحت له عقيدة وقضية كان أقوى على الصمود في وجه الشبهات ودحضها والانتصار عليها، ثم التحول إلى الانتصار للحق قولاً وعملاً. ٤ - الإكثار من المنتديات التي تهتم بعرض الأفلام التسجيلية الصالحة مساهمةً في البناء التربوي للشخصية دينياً وعلمياً وحضارياً. ٥ - قيام صناعة وطنية في البلاد الإسلامية لأجهزة التلفزيون مبرمجة بشكل متوافق مع محطات الإرسال الوطنية والإسلامية لا غير. ٦ - التنسيق بين أجهزة البث التلفزيوني الإسلامي والعربي لتحقيق الأهداف والغايات المتفق عليها فيما بينها. ٧- إنشاء قنوات بث إسلامية بمختلف لغات الشعوب الإسلامية على أن يكون من أهم برامجها تعليم اللغة العربية لتلك الشعوب بأساليب تربوية ميسرة. ٨ - إنشاء محطات بث إسلامية موجهة لغير المسلمين يمكن التقاطها في أية بقعة من الأرض، وناطقة بلغات الشعوب الموجهة إليهم. ٩ - إنشاء صناديق تبرعات دائمة في كافة أنحاء العالم الإسلامي لتقوية الرسالة الإعلامية، وإصدار طوابع مالية وبريدية بقِيَمٍ رمزية تُوَجَّهُ حصيلتها لتحقيق أغراض الإعلام الإسلامي. ١٠ - حث رجال المال والأعمال المسلمين وأهل الخير على البذل الخيري في الجانب الإعلامي، وتخصيص وقف إسلامي للعلم والإعلام. ١١ - مسارعة المؤسسات الإسلامية وسَبْقُها إلى تعرُّفِ أيِّ مخترع جديد مفيد، والتدرُّب عليه وتهيئة الأشخاص والظروف المواتية للإفادة منه بشكل جدي وسريع؛ وهذا يستدعي قيام مؤسسة إسلامية لمتابعة ورصد المخترعات والمبتكرات والمكتشفات وبرامج الكمبيوتر والإنترنيت الجديدة التي تخدم الشعوب الإسلامية. ١٢ - القيام بوضع أفلام تسجيلية تبرز الدور العلمي للعرب والمسلمين حين كان الغرب يغط في الظلام، وإبراز دور الأندلس والمشرق العربي أثناء الحروب الصليبية في بعث الروح العلمية لدى الغربيين؛ وذلك لإعادة الثقة إلى نفوس أبنائنا وتعريفهم بفضل أمتهم على العالم. ١٣ - إنشاء مكتبة مركزية عامة (سمعية - بصرية) حكومية ومؤسسية في جميع المدن والأحياء الإسلامية تساهم في إعارة ونسخ الأفلام والبرامج الجادة المتفقة مع شريعتنا وتقاليدنا؛ مع عناية هذه المكتبة بإنشاء ملفات إحصائية لما يُتداول من البرامج الخاصة بكلٍّ من الفيديو والكمبيوتر على المستوى الوطني لكل بلد من بلدان المسلمين، وإنشاء لجان تربوية مختصة لدراسة هذه البرامج وتقييمها وتبادل هذه الدراسات بينها. ١٤ - إنشاء مؤسسة إسلامية عالمية تقوم بإنتاج برامج تلفزيونية تخدم المسلمين، وتساعدهم على الوصول إلى ما يتطلعون إليه في دينهم ودنياهم، وترجمة هذه الأفلام (الدبلجة) إلى جميع لغات المسلمين. ١٥ - إنشاء مؤسسة إسلامية عالمية لإنتاج برامج الكمبيوتر مما يخدم أغراض المسلمين، ويحقق أهدافهم الدينية والدنيوية. ١٦ - إنشاء مجلس إعلامي يضم عضواً واحداً على الأقل من كل كلية من كليات الإعلام في جميع البلدان الإسلامية؛ للتنسيق بينها في مجال المناهج والمستجدات العلمية في أساليب الاتصال والأخذ بالمفيد منها، ورصد المناهج المضادة للنهج الإسلامي والعمل على التصدي له. وبعد إيراد هذه البنود التي أجد أن من الأمانة إبلاغها لمن يدخلون تحت قوله ﷺ :) كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته) [١] ؛ فالخطاب بتلك المقترحات وإن خص أناساً لمواقعهم ودرجة مسؤوليتهم فإنه يعم كل بني الإسلام؛ فحاجة الجميع إلى تربية إسلامية صحيحة أعظم من أن يتلهى عنها أحد في عصر فَغَرَ فاه ليبتلع كل شيء ويحوله إلى ركام وسماد يُستزرَع عليه طغيان لا ينجو منه ابن البيضاء ولا السوداء ولا الحمراء ولا الصفراء في عصر عولمة الشر والضنك والافتئات على خلق الله. وأخيراً فإنه لا بد من التذكير بأن تضافر الجهود الخيِّرة، وتآزر الهمم المتطلعة لسيادة الحق وهزيمة الباطل كفيلة - بعد توفيق الله وتسديده - بأن تصل بخير أمة أخرجت للناس إلى بر الأمان، وامتلاك ناصية الأمر، وتخليص الإنسانية من كابوس طغيان المادة، وتحكُّم الذين يسيئون وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً.

стр. 3299

في دائره الضوء العولمة بين منظورين د. محمد أمحزون إن الصراع الذي يميز التاريخ الإنساني وما يزال هو الصراع بين ضروب العولمة، أو بين الصور النموذجية للإنسان في الحضارات المختلفة. والمتأمل في الحِقَب أو الفترات المهمة في التاريخ الإنساني يلحظ أنها كانت عالمية، وتعود إلى من بيدهم الأدوات التي تمكنهم من فرض خواصهم على الآخرين. وبهذا المعنى؛ فالعولمة فعل تاريخي متواصل، وهو حصيلة المعركة الجارية بين العالميات أو النماذج الحضارية المختلفة التي يؤمن أصحابها بأن لهم رسالة تحدد المثال الإنساني الأعلى. وفي هذا الإطار فإن (العولمة) صفة لفعل الإنسان الصانع للتاريخ. عالمية الدعوة الإسلامية: إن الإسلام منذ أيامه الأولى كان واضح المعالم بأنه دين عالمي غايته تقديم رسالة الحضارة الإسلامية بوصفها ضرباً [١] روحياً خلقياً ومادياً لا يتنافى فيه الدنيوي والأخروي تنافياً انقسامياً يجعل الإنسان ممزقاً بين عالمين: أحدهما تحكمه القوانين الطبيعية الصماء، والثاني تحكمه القوانين الخلقية العزلاء. ولقد كان واضحاً كل الوضوح في لغة القرآن المكي عالمية الدعوة الإسلامية وإنسانية هذا الدين الذي يخاطب الإنسان جنس الإنسان بغضِّ الطرْف عن وطنه وقومه كما في قوله - تعالى -: [إن هو إلا ذكر للعالمين] [التكوير: ٢٧] ، وقوله - جل ثناؤه -: [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين] [الأنبياء: ١٠٧] ، وقوله - جل ذكره -: [وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا] [سبأ: ٢٨] . وهذا الخطاب موجه للناس كافة في شتى بقاعهم ومختلف أزمانهم، وبكل أجناسهم وقومياتهم وألوانهم. وخلال الحوار الذي دار في بيت أبي طالب بين كبار قريش وبين النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم) [٢] أي: كلمة لا إله إلا الله. وفي مطلع السنة السابعة للهجرة باشر النبي ﷺ عمله في المجال العالمي حينما أرسل رسله من (الحديبية) يحملون كتبه إلى ملوك وأمراء عصره يدعوهم إلى الإسلام، وعلى رأسهم قيصر ملك الروم وكسرى ملك الفرس [٣] . ثم بدأ بعد ذلك الاحتكاك بالروم البيزنطيين في غزوة مؤتة وتبوك على مشارف بلاد الشام؛ إذ كانت هذه المنطقة ضمن الإطار الحيوي الاستراتيجي للأمة الإسلامية. ولم يلتحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى حتى كان العرب جميعاً قد دانوا بالإسلام، ووضعت الدعوة الإسلامية خطوات ثابتة ومدروسة في طريق التبليغ العالمي. وقد ألقيت هذه المهمة الثقيلة على كاهل الخلفاء الراشدين الذين ابتدؤوا الفتوحات الإسلامية لإنقاذ الشعوب من الاستبداد السياسي والاستغلال المالي والتفكك الاجتماعي والفساد الأخلاقي. خصائص العولمة الإسلامية: لقد انطلقت العولمة الإسلامية من منطلقات فكرية وعملية قوية، مما جعلها تلقى القبول لدى الأهالي في البلدان المفتوحة وتتجلى خصائصها في أنها: - تحمل ميزاناً دقيقاً للحقوق والواجبات حسب الشريعة الإسلامية. - تحرص على بناء مجتمع العدل والقوة. - تنطلق من مبدأ المساواة بين البشر دون اعتبار للثروة والجاه أو اللون أو العرق. - تتخذ الشورى أساساً للنظام السياسي. - تُربّي الناس على الإبداع والإتقان من خلال دعوتها إلى العمران. - تجعل العلم فريضة على الجميع لتفجير الطاقات الإنسانية لمواصلة التقدم والرقي. الملكية العقارية بين الفرس الساسانيين والخلفاء الراشدين: لنقتصر على نموذج واحد في المجال الاقتصادي لرصد العلاقة بين أشكال استثمار الأرض الزراعية في العهد الساساني والتحول النوعي في العهد الإسلامي. لقد كان الفلاحون في سواد العراق أيام الدولة الساسانية يرتبطون بالأرض، وجلهم في حالة رق واستعباد، خاصة في ضياع الدهاقين والنبلاء، وتروي المصادر أن هؤلاء دأبوا على جباية الأموال واغتصابها من أصحابها لتدعيم مدخراتهم وإثراء كنوزهم، حتى يُروى أن (كسرى خسرو) الثاني اعتلى كرسي الملك وفي خزينته (٢. ٦٨) مليون مثقال ذهبي لترتفع بعد ثلاثة عشر عاماً من الحكم إلى (٨٠٠) مليون مثقال ذهبي مما دفع الفلاحين إلى هجر الأرض نتيجة الإرهاق الضريبي، واللجوء إلى الأديرة طمعاً في الترهب وفراراً من الظلم [٤] . ولكن بعد الفتح الإسلامي اعتُبروا أحراراً، واقتصرت السياسة الإسلامية في عهد الراشدين على إبقاء الأراضي في أيديهم بدافع تشكيل القوى المنتجة من جهة، وتحديد مساحات تلك الأراضي بهدف ضبطها فنياً واقتصادياً، مما سهل أعمال جباية الخراج، وأنصف أصحاب الأرض العاملين فيها من جهة أخرى [٥] . تأثير الحضارة الإسلامية في أوروبا المسيحية: في ضوء الدور الحضاري المتجدد والمتطور للمسلمين خلال العصر الأموي والعصر العباسي، أمكن للحضارة العربية الإسلامية أن تقدم مثالاً من الكونية ونموذجاً من العولمة يتسم بالتأثير على أوروبا المسيحية عبر معابر الحضارة في الأندلس وصقلية ودمشق وفاس وغيرها من الحواضر الإسلامية تأثيراً إيجابياً؛ إذ لم يحتكر المسلمون المنهج التجريبي الذي اكتشفوه، بل تركوا المجال مفتوحاً أمام البعثات الطلابية التي كانت تأتي من أوروبا إلى الحواضر الإسلامية لتستفيد من الاكتشافات الإسلامية في مختلف فروع العلوم: في الكيمياء، والطب، والهندسة، والطبيعة، والرياضيات، والزراعة، وعلم الاجتماع، والحسبة.. إلخ، كما ساهمت أيضاً حركة الترجمة عن العربية - التي كانت لغة العصر - إلى اللغات الأوروبية وخاصة اللاتينية في نقل مناهج المبحث الإسلامي والكثير من نتائجها العلمية [٦] . التسامح في التعامل مع غير المسلم: لقد مثَّل الإسلام فتحاً في تقاليد العولمة من حيث التعامل مع غير المسلم؛ إذ كان المخالف (المُعارض) في أوروبا يُقتل أو يُطرد؛ بينما جاء الإسلام ليقبل الآخر المختلف معه في العقيدة أو الدين، ورتب له أوضاعاً قانونية وحقوقية تحفظ له وجوده، وتحفظ له ممارسة عقيدته، ويكفي أن نعرف أن غير المسلمين الذين عاشوا في المجتمعات الإسلامية قد ازدهرت حياتهم ولم يعانوا أية مشكلة؛ وعلى سبيل المثال فإن العثمانيين اتجهوا نحو التسامح مع الأقليات الدينية والعرقية، وتناقل المسيحيون عبارة قالها (لوكاس ناتوراس) الزعيم الديني البيزنطي في القسطنطينية حيث قال: (إنه خير لنا أن نرى العمامة في مدينتنا القسطنطينية من أن نرى فيها تاج البابوية) [٧] . كما كانت الدولة العثمانية ملاذاً للهاربين من الاضطهاد الديني في أسبانيا وفي أوروبا؛ يقول المؤرخ البريطاني (توينبي) في هذا الشأن: (إنها لأول مرة في التاريخ استطاعت أن تتوحد الكنيسة الأرثوذكسية في ظل هذه الدولة التي كانت استراتيجيتها: (وحِّدْ واحْكُمْ) ، بينما كانت الاستراتيجية الاستعمارية تتبنى مبدأ: (فَرِّق تَسُدْ) [٨] . الاستعمار ووسائل التغريب: عندما بدأ التخلف يطرق أبواب العالم الإسلامي لجملة من الظروف لا مجال لذكرها هنا، وأخذت موازين القوى تميل لمصلحة الأوروبيين مع إرهاصات النهضة، وبدأت أوروبا تسعى إلى تطويق العالم الإسلامي وإضعافه بكل الوسائل، فلم ينته القرن التاسع عشر الميلادي إلاّ وقد عظم شأن الاستعمار الغربي واستفحل، وسقطت أكثر البلدان الإسلامية تحت سيطرته أو نفوذه مستغلاً ضعف السلطنة العثمانية. لكن الذي ينبغي ذكره هنا هو أن الاستعمار الغربي يدخل في نطاق العولمة السلبية؛ لأن مهمته كانت تقتصر على استغلال الموارد الطبيعية، وتوفير المواد الخام لصناعاته، والأيدي العاملة التكميلية، وتأمين سوقٍ مفتوحة لبضائعه. على أنه كان ينتظر الوقت الذي يستطيع فيه أن يستغني عن القوة العسكرية والتدخل المباشر ليعتمد في حراسة مصالحه على ما يسميه: (الصداقة) . وكان منح الاستقلال للمحميات أو المستعمرات بعد المواجهات الدامية وسيلة تخدم هدفاً مزدوجاً هو: إيجاد التواصل وإنشاء علاقة مستقرة ظاهرها الود والتفاهم وأساسها حراسة مصالح المستعمر، وتطوير السبل الكفيلة بدعم برامج التغريب (Westernigation) التي تطمح إلى طبع البلدان المختصة بطابع الحضارة الغربية [٩] . وقد شمل التغريب كل الميادين، فتغلغل في السلوك الفردي، والفنون والآداب، والمناهج والبرامج والدراسية والإعلام، والاقتصاد، والقوانين ... إلخ. على أن العولمة الغربية تتكون من المراحل الآتية: أ - عولمة التصفية الجسدية: ويدخل ذلك في نطاق ما تفعله القبيلة البدائية الغالبة بالقبيلة المغلوبة. وهو ما فعله همج الغزاة الأوروبيين في أمريكا من تصفية جسدية لأصحاب الأرض المحتلة (الهنود الحمر) . ب - عولمة الاستعباد الرقيقيِّ: وقد كانت تتمثل في ضرورة البحث عن حل لما يترتب على تلك التصفية باستيراد العبيد من القارة الإفريقية لمن يعتقدون في أنفسهم تمثيل النوع الأرقى (الرجل الأبيض) . ج - عولمة الاستعمار الاقتصادي: وكانت تتمثل في ضرورة التوسع دون تصفية واستعباد، لإيجاد مصادر للمواد الخام، والأيدي العاملة التكميلية، وأسواق مفتوحة للبضائع. د - عولمة الاستتباع الحضاري: وتتمثل في جعل المستعمَرين توابع يفضلون بأنفسهم مستعمراً على مستعمر آخر دون حسبان للمصالح، بل يسعون لنوع من الاندماج الحضاري في قيم الغالب المفضَّل، وهو ما يمكن أن نسميه: اقتسام العالم إلى مناطق نفوذ ثقافي. هـ - والمرحلة الأخيرة هي عولمة التصفية الروحية: عندما يصبح التابعون يجدون في سيدهم المثال الأعلى؛ بحيث يصبح همهم الوحيد أن يكونوا مثله مع الاعتقاد بأنهم لن يصبحوا كذلك إلا بنفي كل ما يميزهم عنه، وهو ما يمكن أن نطلق عليه: (الانتحار الروحي فيسخرون من لغتهم وأدبهم وتاريخهم وقيمهم؛ وهو ما يعني إبادتهم الحضارية، وهذا الذي أصبح غالباً على جلّ النخب العربية، وخاصة التابع منها للمافيات الحاكمة الفاسدة المفسدة) [١٠] . خصائص العولمة المعاصرة: جاءت العولمة (Glabolisation) لتكريس توجه الهيمنة ولتفرض أنماطاً حضارية جديدة في إطار الليبرالية الجديدة، بهدف تقوية الرأسمالية العالمية وخدمة مصالحها. وقد جرى استخدام مصطلح: (عولمة) في هذا العِقْد على نطاق واسع، وتنبع خطورة هذا المفهوم وأهميته من أنه تحوّل كلية إلى سياسات وإجراءات عملية ملموسة في كل المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، وأضحى عملية تطرح في جوهرها هيكلاً للقيم تتفاعل كثير من الاتجاهات والاستراتيجيات في الغرب على فرضه وتثبيته، وقسر مختلف شعوب المعمورة - وخاصة المسلمين - على تبنّي تلك القيم وهيكلها ونظرتها للإنسان والكون والحياة. فما هي العولمة إذن في صورتها المعاصرة؟ ... إنها ظاهرة تتداخل فيها أمور السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والسلوك، وتحدث فيها تحولات على مختلف الصور تؤثر في حياة الإنسان على كوكب الأرض أينما كان. ويسهم في صنع هذه التحولات ظهور فعاليات جديدة هي الشركات متعددة الجنسيات التي تتسم بالضخامة وتنوع الأنشطة والانتشار الجغرافي والاعتماد على المدخرات العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة المنبثقة عنها كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي [١١] . وهي وسيلة للهيمنة أو هي نمط من الاحتلال الجديد احتلالاً جدد آلياته وأساليبه بفعل التقدم التقني، فلم يعد قائماً على احتلال الأرض؛ بل أصبح قائماً على تحويل العالم كلّه إلى سوق استهلاكية للأفكار والمنتجات الغربية، أو بعبارة أخرى: فهي تمثل عصا استعمارية جديدة بحكومة عالمية خفية لها مؤسساتها: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ولها أدواتها: الجات، والسبعة الكبار. والولايات المتحدة - مهندسة هذا النظام العالمي الجديد - أخذت بمساندة احتكارات الشركات متعددة الجنسيات ودعمها في اختراق مجتمعات عالم الجنوب أو العالم الثالث، وإخضاع شعوبها لأنماط المعيشة الغربية وتحديداً: الأمريكية. مجالات العولمة: عولمة الاقتصاد: قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها دعت الولايات المتحدة حلفاءها لمؤتمر عقد في مدينة (بريتون وودز) عام ١٩٤٤م، للتفكير في الأسس التي سيدار على أساسها النظام الاقتصادي العالمي. وقد سيطرت على سير أعمال المؤتمر توازنات القوى التي نجمت عن الحرب، فكان من البدهي أن تصوغ أمريكا للعالم هذا النظام بما يحقق مصالحها. وقد تمخص هذا المؤتمر عن ميلاد عدد من المؤسسات تشكل في مجملها الركائز التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الدولي وهي: - صندوق النقد الدولي، ويقوم بدور الحارس على النظام النقدي العالمي. - البنك الدولي: ويعمل على تخطيط التدفقات المالية طويلة المدى. - الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة والتي تعرف اختصاراً باسم: (الجات) ، التي تمخضت عن إنشاء المنظمة العالمية للتجارة [١٢] ، وهي الشريك الثالث لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي في وضع السياسات العالمية، كما عبّر عن ذلك مدير عام الاتفاقية (بيتر سذرلاند) [١٣] . ويعتبر الهدف الرئيس من الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة تمكين الدولة العضو من النفاذ إلى الأسواق لباقي الدول أعضاء الاتفاقية، وقيام كل دولة بتثبيت بنود تعريفاتها الجمركية إلى حدود مقبولة من باقي الأطراف المتعاقدة بالاتفاقية، بحيث لا يتم تغيير هذا الربط (التثبيت (إلا بعد الرجوع إلى بقية الأطراف وتعويض المتضررين منها بهذا التغيير [١٤] . لكن التفاوت الكبير في القوة السياسية والمنافسة الاقتصادية يجعل بنود الاتفاقية تصبّ في مصلحة الدول الكبرى؛ فقد أعلنت الولايات المتحدة عزمها على استغلال حق المطالبة بالتعويض أو فرض العقوبات التجارية في حالة الإخفاق في الوصول إلى حلّ مع المخالفين. بل والأخطر من ذلك: أنه لأول مرّة في التاريخ الاقتصادي للأمم تصبح السياسة التجارية للدول المستقلة شأناً دولياً وليس عملاً من أعمال السيادة الوطنية؛ إذ أصبحت مقيدة بمجموعة من القواعد الملزمة وآليات التحكم الإجبارية؛ حيث إن منظمة التجارة العالمية تحدّ من قدرة دول الجنوب على التصرف المطلق ضمن حدودها الوطنية، وتملك حق تشريع قوانين دولية وسلطة قضائية تلاحق الحكومات التي لا تنصاع لقراراتها، وقوة شرطية تمارس حق التفتيش داخل الدول [١٥] . ومن جهة أخرى، فقد وضع الغرب آليات التحكم في الاقتصاد العالمي بناءً على ثلاثة محاور: أولها: النظام النقدي العالمي: من خلال هيمنة الدولار الأمريكي على وسائل الدفع العالمية؛ حيث يمثل وسيلة الدفع العالمية المقبولة التي حلّت محل الذهب لتغطية إصدارات معظم عملات الدول، وبخاصة دول العالم الثالث. وتتحكم في هذا النظام المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بوضع السياسات النقدية التي تخدم هيمنة رؤوس الأموال الغربية على اقتصاديات دول الجنوب والكتلة الشرقية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا بزعامة الاتحاد السوفييتي [١٦] . ثانيهما: التحكم في حركة رؤوس الأموال: من خلال أسواق المال العالمية التي تتركز في الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، وأوروبا بالدرجة الثانية، واليابان بالدرجة الثالثة، وهذه الحركة لرؤوس الأموال تتم السيطرة عليها من خلال السياسات التي تضعها المؤسسات المالية الأمريكية التي تتحكم بدورها في المؤسسات المالية الأوروبية واليابانية من خلال تملّكها لمعظم أسهم تلك المؤسسات. ومن أجل ذلك نجد الدعوة التي تتبناها المؤسسات المالية الدولية بتشجيع التخصيص، وبالسماح لرؤوس الأموال الأجنبية بتملك أسهم الشركات والسندات التي تصدرها الحكومات المحلية، ما هي إلا وسيلة لتحقيق الهيمنة الاقتصادية الغربية على اقتصاديات تلك الدول [١٧] . وقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة بإجبار دول العالم الإسلامي على إعادة هيكلة اقتصادياتها وفقاً لهذه السياسة الليبرالية، فاتجهت هذه الدول إلى الخارج لجذب رأس المال الأجنبي، وتبني مفهوم القطاع الخاص من خلال استخدام آليات السوق الحرة، وما يتطلبه ذلك من تحجيم واضح للملكية العامة وزيادة الفوارق الاجتماعية، ورهن أجيال المستقبل بالديون الخارجية. ثالثها: الشركات متعددة الجنسيات: وهي تمثل أهم مظاهر عولمة الاقتصاد، والإحصاءات الآتية توضح مدى خطورة تمركزها الرأسمالي: - إن إيرادات أكبر خمسمائة شركة في العالم بلغ في عام ١٩٩٤م نحو (١٠) تريليون و (٢٥٤) مليار دولار، أي ما يقارب نصف الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم في سنة ١٩٩٣م. - إن مبيعات أكبر ٢٠٠ شركة تجاوزت مداخيل اقتصاديات (١٨٢) دولة ما عدا أكبر [٩] دول؛ فقد وصل دخل (١٨٢) دولة إلى مستوى (٦. ٩) تريليون دولار، بينما وصلت مبيعات أكبر (٢٠٠) شركة إلى (٧. ١) تريليون دولار. - إن حجم المبيعات لأكبر ثلاث شركات متعددة الجنسيات (إكسون، شل، موبيل) عام ١٩٨٠م فاق حجم الإنتاج الوطني الإجمالي لكل دول العالم الثالث عدا سبع دول: (الصين، البرازيل، الهند، المكسيك، نيجيريا، الأرجنتين، أندونيسيا) . - في عام (١٩٩٦م) تعدى حجم المبيعات السنوية لأكبر (٢٠) شركة (٦٧) مليار دولار. أما بالنسبة لكل شركة على حدة: - فليب مورس التي احتلت المركز (٦٩) ؛ فإن حجم مبيعاتها تجاوز حجم اقتصاد نيوزيلندا، ولها فروع في (١٧٠ دولة) . - متسوبيشي: المركز (٢٢) : حجم نشاطاتها الاقتصادية أكبر من حجم النشاط الاقتصادي لأندونيسيا التي تحتل المركز الرابع على المستوى العالمي من حيث تعداد السكان. - جنرال موتورز: المركز (٢٦) : أكبر من الدانمارك في حجمها الاقتصادي. - فورد: المركز (٣١) أكبر من جنوب إفريقيا اقتصادياً. - تويوتا: المركز (٣٦) : أكبر من النرويج في نشاطها الاقتصادي. وجدير بالإشارة أن مجال عمل هذه الشركات تجاوز الميدان الاقتصادي إلى العمل على التأثير في القرارات السياسية وثقافة الناس وطرائق عملهم، مما جعل كثيراً من الاقتصاديين والمهتمين بظاهرة هذه الشركات يخلُص إلى أنها نوع من الاستعمار بأسلوب يناسب وعي الشعوب وتطورها. وكانت طموحاتها التجارية محفوفة بالنتائج الدبلوماسية العالمية في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، ونذكر على سبيل المثال: الدور الذي قامت به الشركة الأمريكية [١٤] في أحداث ١٩٧٢م في الشيلي التي أدت إلى سقوط نظام (سلفادور إلَّندي) ذي التوجه الماركسي، أو العمل الذي قامت به (British feroling) عام ١٩٥٣م في إسقاط حكومة (مصدق) في إيران حين أمّم مصافي النفط وآباره. وفي عام ١٩٩٧م شاركت (إلف الفرنسية) التي تسيطر على ثلثي إنتاج النفط في الكونغو في الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب (باسكال ليسوبا) ؛ لأنه أراد كسر عملية الاحتكار التي تقوم بها (إلف) بالتفاوض مع شركات النفط الأمريكية. بل في بعض البلدان كنيجيريا، فإن شركة النفط (شل) هي الحكومة الفعلية؛ ففي مقابلة مع (د. أوين سراويو) شقيق (كن سراويو) الذي أعدمته السلطات النيجيرية بسبب انتقاده لشركة (شل) ، سألته مجلة (ملتنشيونال مونتر) في عددها الصادر في يوليو ١٩٩٦م السؤال الآتي: إذن (شل) هي التي تحكم وليست الحكومة؟ فأجاب: نعم (شل) بطبيعة الحال هي التي تحكم فعلياً، هذا معروف جداً (أي في نيجيريا) [١٨] . ويقول (بيير أوجين) رئيس منظمة الشفافية العالمية، وهي منظمة تهتم بمراقبة الفساد المالي والإداري على المستوى العالمي: (إن نسبة كبيرة من الفساد المنتشر في دول العالم الثالث هي من صنع الشركات المتعددة الجنسيات التي تتركز مقارها في الدول الصناعية، وتعمل على تقديم رشاوى كبيرة لمسؤولي الدول المختلفة من أجل الفوز بالصفقات) [١٩] . العولمة الإعلامية والثقافية: لقد تطور الإعلام بدرجة أدت إلى غزو جميع ميادين الأنشطة البشرية؛ حيث وُجدت بنيً أساسية عالمية تنتشر وكأنها نسيج عنكبوتي يمتد عبر العالم أجمع، مستفيداً من التقدم الحاصل في تقنية الرقميات وثورة المعلومات، ومن التداخل الحاصل بين قطاعات الاتصال والهاتف والتلفاز والحاسوب وشبكة المعلومات الدولية (إنترنت) . ونظراً للترابط القوي بين عولمة الثقافة ووسائل الإعلام، فإن الإحصاءات تشير إلى أن الاتصالات اللاسلكية تمثل سوقاً تُدرّ (٥٢٥) مليار دولار سنوياً، وأن هذه السوق تزداد بنسبة ٨ إلى ١٢% سنوياً. ففي عام ١٩٨٥م بلغ الوقت الذي استهلكه مستخدمو الاتصالات في العالم على شكل إرسال معلومات أو حديث أو فاكس (١٥) مليار دقيقة. وفي عام ١٩٩٥م بلغ (٦٠) مليار دقيقة [٢٠] . ولأهمية قطاعات الاتصال في نشر وترويج أنماط معينة من الثقافة، قامت الولايات المتحدة بوضع ثقلها كله في معركة تحطيم الحواجز لتصبح الاتصالات قادرة على الانتقال دون عوائق تُذكر عبر العالم كلّه، كالريح فوق صفحة المحيطات. ومن أجل ذلك انعقدت أربع مؤتمرات دولية (جنيف ١٩٩٢م، بيونس أيرس ١٩٩٤م، بروكسل ١٩٩٥م، جوهانسبورج ١٩٩٦) نجح خلالها الأمريكان من تسويق فكرتهم حول: (مجتمع المعلومات العالمي) والضغط لفتح حدود أكبر عدد ممكن من البلدان أمام التدفق الحرّ للمعلومات [٢١] . ولعل هذا هو ما حدا بباحث من وزن (نعوم تشومسكي) الأكاديمي الأمريكي المعروف أن يقول: (إن العولمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف أي على العالم كله) [٢٢] . ونلاحظ هذا من خلال قطاع الاتصالات الثقافية للنظام العالمي الذي أخذ يتطور طبقاً لتدفق المعلومات من منطقة المركز - الولايات المتحدة؛ أول منتج للتقنية الحديثة - إلى الأطراف - دول العالم الثالث خاصة - وهو ما يؤيده انتشار لغة بمفردها هي اللغة الإنجليزية. وفي هذا الإطار عبّرت دول متقدمة داخل المنظومة الحضارية الغربية نفسها مثل: فرنسا، وكندا (مقاطعة كيبيك) عبرت عن التوجس الشديد من المخاطر الناجمة عن الهيمنة الأمريكية على الإعلام والثقافة تحت ستار العولمة؛ إذ إن وسائل الإعلام الأمريكية تسيطر في الواقع على ٦٥% من مجمل المواد والمنتجات الإعلامية والإعلانية والثقافية والترفيهية، بل إن فرنسا تقاوم سيطرة اللغة الإنجليزية على شبكة الإنترنت؛ وذلك لأن ٩٥% من حجم تداول المعلومات والاتصالات على الإنترنت باللغة الإنجليزية، في حين أن ٢% فقط باللغة الفرنسية. وفي هذا الصدد يقول وزير العدل الفرنسي (Jack tobon) : (إن الإنترنت بالوضع الحالي شكْل جديد من أشكال الاستعمار، وإذا لم نتحرك فأسلوب حياتنا في خطر) [٢٣] . ولذلك رفعت فرنسا خلال مناقشات ثقافة (الجات) الأخيرة شعار: (الاستثناء الثقافي) . وفي المقاطعات الكندية بلغت الهيمنة الأمريكية في مجال تدفق البرامج الإعلامية والتلفاز إلى حدّ دعا بعض الخبراء إلى التنبيه إلى أن الأطفال الكنديين أصبحوا لا يدركون أنهم كنديون لكثرة ما يشاهدون من برامج أمريكية [٢٤] . ولعل تمكُّن الولايات المتحدة من تدعيم هيمنتها على العالم عبر قدرتها على التحكم في المنظومات المعلوماتية وتقنيات الاتصال هو ما دفع الباحثين إلى التعبير عن العولمة أنها: (أمركة) ؛ إذ تستهدف بشكل خاص إشاعة وتعميم وتسييد أسلوب الحياة الأمريكية وقيمها من خلال: ١ - قرية المواصلات الأمريكية. ٢ - وحدة السوق الأمريكية. ٣ - حضارة الاستهلاك الأمريكي. ٤ - وحدة النمط المعيشي. ٥ - الديمقراطية الأمريكية [٢٥] . وهذا التصور يعبر عنه بوضوح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بقوله: (إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا التزاماً مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا) [٢٦] . وتنبع خطورة عولمة الإعلام من كونها وسيلة للسيطرة على الإدراك وتسطيح الوعي وتنميط الأذواق وقولبة السلوك، وهدف ذلك كلّه هو تكريس نوع من الاستهلاك لنوع معين من المعارف والأفكار والسلع تشكل في مجموعها ما يطلق عليه د. محمد عابد الجابري: ثقافة الاختراق. ونختم هذا الحديث عن العولمة الإعلامية والثقافية بكلام أحد الباحثين الغربيين في كتابه: (تغريب العالم) ينقل لنا فيه كيف تتم عملية الغزو الثقافي في بلدان العالم، يقول: (ينطلق فيض ثقافي من بلدان المركز، ليجتاح الكرة الأرضية، يتدفق على شكل صورة.. كلمات ... قيم أخلاقية، قواعد قانونية ... مصطلحات سياسية ... معايير ... كفاءة ... ينطلق كل ذلك ليجتاح بلدان العالم الثالث من خلال وسائل الإعلام، المتمثل في إذاعات وتلفزيونات، وأفلام وكتب، وأسطوانات فيديو، وأطباق استقبال فضائية، ينطلق عبر سوق المعلومات التي تحتكرها الوكالات العالمية الأربع: أسوشيتدبريس ويونايتدبريس (الولايات المتحدة) ، رويتر (بريطانيا) ، وفرانس بريس (فرنسا) ، وتسيطر الولايات المتحدة على (٦٥%) من تدفق هذه المعلومات. هذا الفيض من المعلومات يشكل رغبات وحاجات المستهلكين - أو بتعبير اخر: الأسرى السلبيين - يشكل أنواع سلوكهم، عقلياتهم، مناهج تعليمهم، أنماط حياتهم، وبذلك تذوب الهويات الذاتية في هذا الخضمِّ من الغزو؛ لأن مواد الغزو تُصنع في معامل الغرب وفق معاييره ومواصفاته المعينة) [٢٧] . ومن المؤكد أن المستهدَف خاصة بهذا الغزو الثقافي هم المسلمون: العرب منهم خاصةً، والمسلمون عامة، وذلك لعاملين اثنين: أولهما: ما تملكه بلادهم من مواد أولية هائلة يأتي على رأسها النفط والغاز وثروات طبيعية أخرى. ثانيهما: ما ثبت لهم عبر مراكز بحوثهم وجامعاتهم ومستشرقيهم أن هذه الأمة مستعصية على الهزيمة إذا حافظت على هويتها الإسلامية، ومن ثم فالطريق الوحيد هو القضاء على تفرد شخصيتها وإلغاء دينها الذي يبعث فيها الثورة والرفض لكل أشكال الاحتلال والسيطرة. العولمة الاجتماعية: تتحدد معالم هذه العولمة ومظاهرها من خلال مؤتمرات دولية كان الغرض منها تأطير الأنماط السلوكية الشاذة التي تتعارض مع الفطرة الإنسانية ونشرها، والتسلُّل لاحتواء موارد الدول الفقيرة واستغلالها لصالح المؤسسات المالية الغربية. ففي شهر سبتمبر (أيلول) لعام ١٩٩٤م عُقد في القاهرة المؤتمر العالمي للسكان والتنمية، وفي شهر سبتمبر (أيلول) لعام ١٩٩٥م عقد في بكين مؤتمر المرأة، وفي شهر يونيو (حزيران) ١٩٩٦م انعقد في إستانبول مؤتمر الإيواء البشري. وهذه المؤتمرات أطَّرتها منظمة الأمم المتحدة، وهي الذراع التنفيذي لمخططات الولايات المتحدة وحليفاتها في أوروبا. وإن كانت الشعارات التي دأبت الأمم المتحدة على رفعها وفق دعايتها هي تحسين أوضاع العالم الاقتصادية والتجارية والعمرانية والاجتماعية، لكن حقيقة الأمر بخلاف ذلك؛ بل إن هذه المؤتمرات أداة ووسيلة تستخدمها الليبرالية الجديدة للسيطرة على العالم فكرياً واقتصادياً من خلال تأطير السلوك الاجتماعي، واستبعاد الجوانب الأخلاقية في السلوك الاقتصادي وفق منظور خاص يخدم مصالحها الأيديولوجية والاقتصادية. على أن الإجراءات التنفيذية التي رسمتها هذه المؤتمرات تدل دلالة واضحة على ذلك؛ ففي مؤتمر الإيواء البشري في إستانبول تم الاتفاق على مجموعة من الالتزامات تتضمنها وثيقة المؤتمر منها: أ - التأكيد في البنود رقم: ١٤٠، ١٤٧، ١٥٠ من الوثيقة على ربط (السلطات المحلية) بالسوق المالي الدولي، ومؤسسات الإقراض الخاصة بالشؤون البلدية، مع العمل على توفير البنية التي تسمح للاقتصاد الدولي بالنمو والمساهمة في بناء البنية التحتية لمشاريع الإيواء وتكوين المراكز الحضارية [٢٨] . ب - تغيير قوانين الملكية الخاصة بالأراضي: سواء الزراعية أو السكنية، وقوانين الإسكان والإيجارات، وفتح باب سوق شراء وبيع العقارات، وإزالة جميع العوائق الخاصة بتوفير المناخ الملائم لحرية السوق العقاري (البند رقم ٥٦ من الوثيقة) [٢٩] . ج - توسيع نظام الإقراض، وتمكين المؤسسات المالية العالمية من التغلغل في دول العالم الثالث من خلال عمل شبكة من البنوك، وربط تمويل توفير المباني والبنية التحية لمشاريع الإسكان بالإقراض الخارجي (البند رقم ٣٠) [٣٠] . ويتضح من خلال هذه البنود أن ما يحصل من أساليب إجرائية متعددة الأشكال لحل مشاكل اجتماعية واقتصادية هو تمكين لمراكز النظام الرأسمالي من إعادة احتواء دول العالم المتخلفة وإعادة امتصاص قواها طبقاً لمنطق تراكم رأس المال في تلك المراكز. والأخطر من ذلك أن هذه الإجراءات تؤدي حتماً إلى تآكل السيادة الوطنية التي تعدّ عاملاً كبيراً من عوامل تميز الهوية القومية للشعوب والأمم. والحقيقة التي يجب أن تُذكر هنا هي أن هذه الأوضاع الجديدة ستعمق الهوة بين الفئات الاجتماعية وتزيد من معاناة الفقراء والمعوزين في مجتمعاتنا، ذلك أن آليات السوق التي تقوم عليها الفكرة الأساس للرأسمالية أو الليبرالية هي: أن من لا يستطيع كسب قوته يجب أن يموت؛ فهناك أصوات في الغرب تنادي بأن المليار من فقراء العالم الثالث زائدون عن الحاجة؛ وعليه فلا مسوِّغ لوجودهم ولا حاجة إليهم ضمن مفهوم فلسفة: البقاء للأقوى. ولذا نجد الدعوة المستمرة لتغيير مفهوم الأسرة، والدعوة إلى الإجهاض، وقتل العَجَزة، وغير ذلك من الدعوات غير الأخلاقية وغير الإنسانية التي ما هي إلا نتيجة العبثية الرأسمالية العلمانية [٣١] . أما في مجال الأسرة التي تعدّ النواة الرئيسة لبناء المجتمع فنجد أنفسنا في مؤتمر بكين للمرأة أمام توصيات تدعو إلى نشر التعليم الجنسي، وإدماج كل أشكال الانحراف من الزنا إلى الشذوذ لتصبح أوضاعاً طبيعية [٣٢] . وقد تم تعبيد الطريق لهذه التوصيات لتتحول إلى قرارات ملزمة في مؤتمر الإيواء البشري الذي انعقد بعد ذلك بسنة في إستانبول؛ حيث ينص البند رقم (١٨) من وثيقة المؤتمر على شمول الإيواء لمختلف أشكال الأُسَر؛ والمقصود من ذلك منح الشاذين جنسياً الذين يكوِّنون فيما بينهم أُسَراً، وتلك الأشكال من العلاقات بين الرجال والنساء الذين لا يرتبطون بعلاقات شرعية منحهم جميعاً مساكن للإيواء [٣٣] . وفي الختام أقول: إن أخطر أنواع العولمة هي تلك (العولمة الطوعية) التي يدخل فيها الفرد باختياره وبملء إرادته؛ إذ توجد عولمة لا شعورية تلقائية يصل فيها المرء باختياره إلى الانهزامية والاستلاب في مواجهة النموذج الغازي، ولعل ذلك هو ما يقرره ابن خلدون في (مقدمته) أن المغلوب مولَع بتقليد الغالب. لذلك ينبغي أن نفرِّق بين هزيمة الجيوش في ساحة المعارك، وانكسار الأمم والشعوب في مجال الأفكار والقيم؛ إذ إنّ الأولى في بُعدها العسكري هي تعبير عن طبيعة الحروب؛ فالمعارك ما هي إلا كرّ وفرّ وفقاً للسنة الإلهية: [وتلك الأيام نداولها بين الناس] [آل عمران: ١٤٠] . أما انكسار الأمم وهزيمة الشعوب النفسية فهي قاصمة الظهر. ولعلّ ذلك ما علمتنا إياه تجربة التاريخ في حروب الفرنجة: (الحروب الصليبية) ؛ فعلى الرغم مما حققته تلك الحروب خلال غزواتها المتعددة ومكوثها في بلادنا بين القرنين السابع والتاسع للهجرة الموافق للقرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد، فقد استطاعت تلك الحملات الهمجية أن تُعمِلَ السيف في رقاب مئات الألوف، واستطاعت أن تمزق وتجزِّئ وتفسد في الأرض الإسلامية، ولكن الشيء الذي لم تستطع أن تفعله هو تخريب النمط العقدي والفكري والاجتماعي والحضاري ذي الطابع الإسلامي للبلاد؛ وهو الأمر الذي أبقى السلطة الفرنجية خارج المجتمع، على الرغم من أن حربها وسيوفها تغلغلت في داخل المجتمع الإسلامي. لقتد أثبتت تلك التجربة أن الإسلام حين يبقى في قلوب الناس وفي شرايين حياتهم يشكل حالة مقاومة مستمرة تجعل الاحتلال أمراً مرفوضاً ومؤقتاً مهما بلغت سطوته ووصلت درجة قوته. ولعل هذا ما يفسر موقف نابليون حين اجتاح مصر بجيوشه؛ فقد وجد نفسه في وجه (صَدَفَة مغلقة) لم يستطع أن ينفذ إلى داخلها، ولهذا تظاهر بإعلان إسلامه كذباً حتى يجد له مكاناً في الداخل ليجعل حكمه أمراً قابلاً للاستثمار. وهكذا كل محتل في ظل العولمة لا بد له من تحطيم مقومات المجتمع الأصلي (ثوابت، مبادئ، قيم) ثم استحداث مجتمع آخر مكانه يحمل الرؤى الحضارية نفسها؛ وذلك لأن الهمينة الكاملة غير ممكنة ما لم تُحطَّم المقومات العقدية والحضارية، وتحلّ محلها مقومات التبعية من خلال إقامة المجتمع الاستهلاكي التابع، وبذلك تدخل الشعوب في مضمار العولمة الطوعية، وهي أخطر أنواع العولمة [٣٤] . ومما لا ريب فيه أنّ المخرج من هذه التبعية التي تكرسها العولمة يوماً بعد يوم ينحصر في أمرين: الأول: هو استعادة الوعي بالهوية الإسلامية، وتحصين العقل المسلم من الاختراق الثقافي والاستلاب الفكري في مجال القيم والمبادئ والأصول الثابتة التي لا غنى عنها في مواجهة خطط تذويب الذات وتدمير البنية التحتية العقائدية والفكرية التي تحفظ للأمة تحصينها واستقلالها، علماً بأن الهوية تعتبر الآن عنصراً هاماً واستراتيجياً بالنسبة لأمن الأمم والدول في إدارتها للصراع والتنافس مع الدول الأخرى. والمطَّلع على خطط الدول سواءاً الأمنية أو التنموية يلحظ أن مسألة الهوية تحظى بعناية خاصة؛ لأنها خط الدفاع الأول عن ذاكرة الأمة ولغتها وتاريخها وقيمها الحضارية. والثاني: الانفتاح على الحضارات الأخرى في مجال نقل التقنية وعلوم الوسائل حرصاً على امتلاك القوة في المجالات الاقتصادية والإعلامية والعسكرية لدعم التنمية الشاملة في بلادنا، وذلك بالربط المباشر بين السياسات الفعلية والتربوية وبين سياسات التنمية الشاملة في تلك القطاعات، لتفجير الطاقات الكامنة في المجتمع. فالتقدم الحقيقي لا يمكن إحرازه إلا بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، أو بعبارة أخرى بين الثابت والمتغير: ثابت يجب الحفاظ عليه ويتضمن اللغة والتاريخ وقيم التنشئة الاجتماعية، ومتغير يفتح المجال للتفاعل مع علوم العصر مع خلق المناخ الملائم للابتكار والإبداع والتجديد. والنموذج الآسيوي (خاصة الياباني) خير مثال على ذلك؛ فاليابان بدأت الطريق إلى التقدم ببناء الإنسان أولاً، ودرس الحضارة الغربية بالنسبة لحاجاتها وضروراتها، وليس بالنسبة لكمالياتها وشهواتها. فالفارق العظيم بين صلة اليابان بالحضارة الغربية وبين صلتنا بها: أن اليابان وقفت من الحضارة موقف التلميذ، ووقفنا منها نحن موقف الزبون! إنها استوردت منها الآليات والوسائل بوجه خاص، ونحن استوردنا منها الأشياء بوجه خاص. والأمة العربية الإسلامية إذا أرادت التقدم ورغبت أن تدخل حلبة السباق الحضاري فإنه لا سبيل لها إلا أن تقف هذا الموقف المتوازن، فتستفيد مما عند الغرب من تقدم مادي وعلمي، وفي الوقت ذاته تحذر من الذوبان في شخصية الغرب وهويته، وتتفاعل مع قيمها وهويتها الإسلامية.

стр. 3300

قضايا ثقافية البراجماتية نشأتها وأثرها على سلوك المسلمين د. أحمد بن عبد الرحمن الشميمري ابتُليت الأمة الإسلامية عبر تاريخها بتيارات هدامة تسعى إلى الفتك بجسمها وتشتيت فكرها وإهدار كرامتها، وتمزيق هويتها، والحيلولة بينها وبين الوصول إلى أهدافها وغايتها. وقد تدرجت تلك التيارات في خطورتها وضلالتها كما تدرجت وتباينت في خفائها وتلبيسها على أبناء هذه الأمة. وإن من تلك التيارات التي بدأت تتشكل وتستشري بين أفراد هذه الأمة ومثقفيها (التيار البراجماتي) الذي يدعو إلى الذرائعية، وتمييع المفاهيم، وتقديس الواقعية، وتسويغ الوسائل للوصول إلى الغايات العملية. هذا الفكر الدخيل وجد أتباعاً ومريدين بل ودعاة ومروجين له ولو لم يسمعوا به من قبل أو يخطر لهم على بال. وهذا البحث المختصر يلقي الضوء على نشأة هذا التيار وأسباب انتشاره وأثره على سلوك المسلمين وتوجهاتهم الأدبية والإعلامية والاقتصادية. ما هي البراجماتية؟ إن البراجماتية اسم مشتق من اللفظ اليوناني براجما (Pragma) ، وتعني (العمل) . وعرفها قاموس ويبستر العالمي (Webster) (بأنها تيار فلسفي أنشأه شارلز بيرس [١] (eirce) ووليام جيمس [٢] (William James) يدعو إلى أن حقيقة كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتجربة العلمية) [٣] . أما ديوي [٤] (Deey) فقد وصف البراجماتية بأنها (فلسفة معاكسة للفلسفة القديمة التي تبدأ بالتصورات، وبقدر صدق هذه التصورات تكون النتائج، أما البراجماتية فهي تدعُ الواقع يفرض على البشر معنى الحقيقة، وليس هناك حق أو حقيقة ابتدائية تفرض نفسها على الواقع) [٥] . وكما يؤكد جيمس الذي طور هذا الفكر ونظر له في كتابه (البراجماتية) (Pragmatism) ، فإن البراجماتية لا تعتقد بوجود حقيقة مثل الأشاء مستقلة عنها . فالحقيقة هي مجرد منهج للتفكير كما أن الخير هو منهج للعمل والسلوك؛ فحقيقة اليوم قد تصبح خطأ الغد؛ فالمنطق والثوابت التي ظلت حقائق لقرون ماضية ليست حقائق مطلقه، بل ربما أمكننا أن نقول: إنها خاطئة [٦] . ما بين العلمانية والعقلانية: يخلط من يعتبر البراجماتية مصطلحاً مرادفاً للعقلانية؛ فالبراجماتية تقرر أن الحقيقة أو التجربة أو الواقع يتغير، أما الواقع والحقيقة في نظر العقلانية فهي قائمة منذ الأزل؛ فبمقدار ما ينظر العقلانيون إلى الماضي يعتد البراجماتيون بالمستقبل وحده. أما العلمانية أو (اللادينية) بتعريفها العلمي الدقيق فقد كانت، وما تزال منهجا ... فكرياً هداماً تسللت من خلاله أفكار الغرب وقيمهم التي حملها وكان من أخلص دعاتها بَعْضٌ من أبناء هذه الأمة وفلذات كبدها. إلا أن تيار الصحوة الإسلامية الذي اجتاح بفضل الله ورحمته بقاع الأرض تصدى لهذا الفكر الفاسد وعرَّى دعاته ورد كيد مروِّجيه؛ فلم يعد للعلمانية في عدد من ديار المسلمين التي نضجت فيها الصحوة ونمت وأثمرت مشاعل خير وهدى، لم يعد لها بريق أخاذ كما كانت في الماضي؛ فقد أصبحت الأصوات المنادية بأفكارها نشازاً، ودعاتها منبوذين، واستبانت للجماهير (سبيلُ المجرمين) وطرقُهم. فلم يعد مقبولاً في أكثر بلاد المسلمين أن ينعق أحد بالقول: (ما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟) ، (وما للإسلام وزي المرأة؟) ، (وما للإسلام والأدب؟) ، (وما للإسلام والاقتصاد؟) . لكن هذه الأصوات تجد آذانا صاغية بل وأتباعاً ومريدين ومؤيدين حينما تنهج الفكر البراجماتي فتقول: (إنه لا بأس بوجود القنوات الفضائية العربية الماجنة طالما أنها تصرف المشاهدين المسلمين عن القنوات الكفرية المنحلة) ، أو تنادي بأن التمكين في الأرض واستخلافها يسوِّغ بعض الربا إذا ما أدى إلى انتعاش موارد الأمة وقوة اقتصادها. كما أنه ليس في بعض الكفر والإلحاد بأس إذا ما أنتج الأدب إبداعاً ثقافياً مميزاً. فهذا المذهب الذرائعي البراجماتي ربما كان مطية يمتطيه أصحاب الفكر العلماني للوصول إلى مآربهم وأهدافهم في تمييع شرائع الدين ونقض أصوله وثوابته. والحق أن البراجماتية على هذا النحو تعد أكثر خطراً على سلوك المسلمين وعامتهم من العلمانية في وقتنا المعاصر. كما أن دعاتها الذين استمرؤوا هذا الفكر ودافعوا عنه، وروجوا له وحسنوه في أعين الناس، وارتضوه معتقداً ومنهجاً لسلوكهم ليسوا مجرد عُصاة، بل مبتدعة ومحدثون يسري فيهم قول المصطفى ﷺ : (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) [٧] وقوله ﵊: (من أحدث فيها أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) [٨] . وهم أشد من مرتكبي المعاصي المقصرين والمعترفين بذنوبهم وآثامهم، فكما قال سفيان الثوري: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) [٩] . فخطرهم قد امتد إلى كثير من نواحي الحياة ولم يقتصر على السلوك الشخصي لأبناء الأمة بل تجاوزه إلى التغلغل إلى معاملاتهم الاقتصادية وتوجهاتهم الأدبية ومناهجهم السياسية ومنطلقاتهم الإعلامية. البراجماتية في الأدب: إن التزام المسلم فيما يكتب ويقول يعد مبدأ هامّاً من المبادئ المقررة في الشريعة وهو (الالتزام) الذي تدعو إليه أدبيات الدعوة، وسيرة السلف الصالح. فحياة المسلم وأفكاره ومنطلقاته لا تسير عبثاً ولا تتشكل ارتجالاً، بل قوامها ومرجعها الثوابت الأساسية والشرائع الربانية التي تعد الإطار العام الذي ينظم للمسلم منطلقاته وتوجهاته العلمية والأدبية والسياسية والاقتصادية وسائر حياته العامة. والناظر إلى المذاهب الأدبية المتعارضة والمتناقضة يجد أنها كانت نتاج أزمات وردود أفعال زمنية مَرَضِيَّة مرتبطة بالحالات والأزمان التي عايشتها. لذا فقد ظهرت تلك الأفكار ونمت تلك الاتجاهات الأدبية المريضة وما يقابلها من اتجاهات معاكسة وانبثقت من المجتمعات التي تسودها الأنانية المطلقة والحرية الفردية التي تقدس الوحدوية، وتسعى إلى نقل ذلك التقديس الفردي إلى ما يصدر عن ذلك الفرد من أقوال لا ترتبط بثوابت ولا بقيم. وقد كان للاتصال بالغرب والتتلمذ على أيديهم الأثر الكبير في تبني تلك المذاهب الأدبية المنحرفة، فبدافع الواقعية أو البراجماتية في الاستفادة من العلوم الغربية ومحاكاة الغرب والتنافس معه في طلب العلم والمعرفة أقبل الأدباء والمفكرون المسلمون على تبني تلك المناهج الأدبية المنحرفة وسايروا توجهاتهم الفكرية والأدبية، ونقلوها على علاتها وأسقامها، فظهر المتبنون للمناهج الأدبية التي منها تلك المناهج التي تجعل كاتب النص أو مستقبله يترفع عن المبادئ والقيم التي تحكم المجتمع، فيقرأ المستقبل للنص وهو يشارك القائل الحرية في معناها الإنساني دون أن يكون للنص علاقة بصاحبه أو بمظاهر الحياة أو قيمها التي تسود في ذلك الزمن الذي صدر فيه النص. كما ظهر أولئك المسايرون للمذاهب الحداثية في دراسة النصوص، فاعتنوا بالشكل دون المضمون، وأصبحت دراسة النص لديهم تنْحو المنحى التحليلي المعتمد على الدلالات والرموز والطلاسم والإشارات المتحررة من جميع النزعات الدينية أو السياسية أو المذهبية، وتخلَّوْا عن مصطلحات النقد العربي إلى المصطلحات الغربية ليضفوا على توجهاتِهم الشرعيةَ والعلميةَ فتحوَّل المجاز في اللغة إلى (انحراف) ودلالات الألفاظ إلى ... (سيميوتيكا) [١٠] والإشارات الموحية إلى (سوسيولوجيا) [١١] وقواعد اللغة إلى زوايا وخطوط، وتقاطعات وتداخلات هندسية، وحلت هذه المصطلحات محل ... مصطلحات النقد الأدبي الموروث ليختلط بذاك المعنى مع التركيب مع الدلالة ولتصبح إبداعاً وابتكاراً وتجديداً يختلط فيه الصحيح مع السقيم والحق مع الباطل والخير مع الشر دونما رابط، أو محدد أو إطار ينظم ذلك الإبداع ويقوِّمه. ... البراجماتية في الإعلام: خلافاً للأدب الذي كانت بداياته وأصوله الإسلامية حسنة منذ زمن طويل، فإن ولادة الإعلام في كثير من بلاد المسلمين كانت على يد المستعمر الأجنبي الذي أنشأ تلك الوسائل الإعلامية التي من أهدافها أن تديم وتبقي استعماره، وترسخ سيطرته وسطوته؛ ولذلك فقد كانت منطلقات الإعلام وأهدافه لا تمت بصلة لخدمة قضايا الأمة، ولا ترتبط بتراثها الأصيل؛ فالإذاعة على سبيل المثال بدأت في بلادنا العربية كمحطات أهلية صغيرة متفرقة في مصر هدفها خدمة الاستعمار، فلما تحولت إلى مؤسسات حكومية ظلت تقلد الغرب وتعتمد على الترجمة والاقتباس والنقل الأعمى لما تبثه إذاعات الغرب ووسائله، وهكذا كان الحال في معظم البلاد العربية والإسلامية، وما يسري على الإذاعة يسري كذلك على التلفاز والمسرح والسينما التي تنافست في تشتيت هوية الأمة، وإهدار فكرها، وتمزيق وحدتها، وإفساد أخلاقها. وعلى هذا فقد بُني أغلب إعلامنا لخدمة الغرب ومبادئه، وغلب عليه الانفصام بين الدين والدنيا، والبعد عن الأصالة، والإيغال في التقليد الأعمى، ولم تكن الحركات الإصلاحية الرسمية ذات أثر فعال سوى فيما يحقق أهدافها ومآربها من توجهات إعلامية ترضيها، وتعمل على تقديسها وإضفاء الشرعية المطلقة لأحكامها وأوامرها. ولما هيأ الله لهذه الأمة صحوة مباركة أيقظت أبناءها من السبات العميق، والغفلة الغارقة أدرك المصلحون الحاجة إلى صياغة أخرى للإعلام الإسلامي وخدمة قضايا الأمة وأهدافها السامية؛ حينها ظهرت المحاولات الجادة (لأسلمة) الإعلام، وجعله أداة داعية إلى الخير العام للإنسانية، ومعيناً على عمارة الأرض والاستخلاف فيها، ومحققاً للعبودية الخالصة لله كما قال - تعالى -: [قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين] [الأنعام: ١٦٢] ، وظهر في الساحة الإسلامية أولئك المتبنون والمتحمسون لتقديم إعلام إسلامي رزين، يكون بديلاً لتلك المعاول الهدامة والوسائل المفسدة، ولكنها لم تكن سوى بدايات متواضعة واجتهادات بسيطة أمام ذلك الفساد الجارف، ونشأ بين هؤلاء وأولئك البراجماتيون الذين خلطوا السم بالدسم ليقدموا إعلاماً هجيناً مشوَّهاً يختلط فيه الحق بالباطل والخير بالشر؛ فظهرت تلك الصحف والمجلات والقنوات الفضائية التي جعلت الترويج والترفيه هدفاً أساساً وغاية كبرى للإعلام الإسلامي البديل، فخلطت المفاهيم، ومُيِّعت القضايا باسم الإسلام ونصرته ونشر مبادئه السمحة؛ فليس هناك غضاضة لدى القائمين عليها من أن تعرض تلك القنوات أفلاماً عربية ساقطة ومفسدة للأخلاق بحجة أنها البديل الأفضل والأهون ضرراً على المشاهد العربي المسلم من تلك الأفلام الأجنبية الغربية الخليعة. كما أنه لا بأس في عصر الحضارة والتقدم أن تنبري بعض الماجنات والمتغربات مظهراً ومخبراً لتقديم الفتاوى الإسلامية ومناقشة القضايا الدينية والاجتماعية في حياة أبناء وبنات هذه الأمة. فكان هذا التوجه البراجماتي الخطير نذير شؤم على تصحيح مسار الإعلام الإسلامي النبيل، فدعاته هم أولئك الذين يملكون السبل المادية والإمكانات البشرية التي يحلو لها الرقص على ما يثير نزواتها وشهواتها. البراجماتية في الاقتصاد: يقول الدكتور محمد عزيز سالم: (إن البراجماتية تعبير صادق عن الفلسفة الأمريكية) [١٢] ، فهي تدعو إلى (العملية) وتتخذ من (العمل) مقياساً للحقيقة، لتوافق بذلك ما يدعو له النظام الرأسمالي الذي يربط بين الحقيقة من جهة، والذاتية والنفعية من جهة أخرى. وأصبحت البراجماتية منذ ذلك الحين المبدأ الإداري والاقتصادي الحكيم الذي يتعامل مع الواقع وما يحيط به من ظروف متغيرة بصورة عملية تحقق الأهداف القائمة على مبدأ المنافسة الحرة بكفاءة واقتدار. وأصبح المصطلح البراجماتي مفهوماً مرتبطاً بالإدارة والاقتصاد وتسلل هذا المفهوم إلى مبادئ الاقتصاديين والإداريين المسلمين وسلوكيات التجار وأصحاب الأموال والاستثمارات، فتساهل الممارسون للأعمال التجارية في استخدام جميع الوسائل بغض النظر عن شرعيتها للوصول إلى ما يعتقدونه هدفاً سامياً، وغاية حسنة تسوغ الوسائل كلها، فظهر من ينادي بحِلِّ بعض أنواع الربا حتى تتمكن البنوك الإسلامية من مقارعة مثيلاتها الغربية الكافرة ومنافستها، واستحلال اليانصيب لجمع الأموال وإنفاقها في وجوه الخير، كما ظهر من لا يرى غضاضة في استخدام الأساليب الإعلامية والإعلانية الشهوانية تقليداً للغرب؛ وذلك بحجة جذب المستهلكين إلى الصناعات المسلمة وصرفها عن صناعات أعدائها؛ فأصبح من المضحك المبكي أن ترى من لا يجد بأساً في ظهور الفتيات الفاتنات يعرضن إعلاناً لأحد المنتجات العربية ما دمن متحجبات الحجاب العصري الجديد. كما ظهرت في بلادنا العربية تلك الاستثمارات السياحية المشبوهة والاحتفالات المختلطة التي يسوِّغ دعمها صرف الشباب المسلم عن الوقوع فريسة السياحة الغربية الكافرة. والأمثلة كثيرة على تلك الاستثمارات التجارية المتنامية في بلاد المسلمين التي تقوم على أسس براجماتية وذرائعية. أسباب انتشار البراجماتية: إن أسباب انتشار الفكر البراجماتي كثيرة ومتعددة، كما أن العوامل التي ساهمت في نموه وقبول فئة من الناس له مختلفة ومتداخلة. وإجمالاً للقول: فإن من تلك الأسباب الكثيرة التي يحسن إلقاء الضوء عليها: أولاً: قلة العلم الشرعي. ثانياً: اتباع الهوى. ثالثاً: اتساع الفجوة بين العلماء والمفكرين. رابعاً: التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أولاً: قلة العلم الشرعي: لعل من أبرز عوامل بروز هذه الظاهرة هو: قلة العلم والعلماء المختصين بالعلم الشرعي وندرتهم لسد حاجة الأمة؛ فقد أتى على المسلمين زمن ضعفت فيه همم الشباب عن طلب العلم الشرعي والتخصص فيه ومتابعة علومه، واكتفى كثير منهم بالعلم السطحي المادي مسايرة للتقدم الحضاري الغربي، فظهرت الفجوة الكبيرة والنقص الواضح في المرجعية والتخصص العلمي، وظهرت طبقة جديدة من المثقفين وجيل جديد من المختصين الحاملين للشهادات العلمية البراقة والأسماء العلمية اللامعة التي لا تحمل في جعبتها من العلم الشامل إلا القليل؛ فانتشرت بذلك ... (الجهالة المقنعة) ، وترأَّس أولئك المثقفون والمفكرون المعاهد والأقسام، وتصدروا ... مجالس الفتوى ومنابر الفكر، ونعتهم الإعلام بالمفكرين المثقفين؛ فصاروا مرجعاً للعلم والإفتاء، فخلطوا الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، فصدق قول المصطفى ﷺ فيهم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [١٣] ، فلا غرو والحالة هذه أن نرى في وسائل الإعلام من يتخبط بالقول منكراً أن يكون للمسلمين علاقة دينية بالمقدسات الفلسطينية، أو أن نسمع فتاوى تروِّج لها وسائل الإعلام المكتوبة تبيح ربا البنوك اليوم بحجة أنه ليس من (الربا القرآني المحرم) ، أو أن يخرج علينا فقيه عصري يحل أموال اليانصيب والمشاركة فيها تفويتاً لاستغلالها من قِبَلِ الكفار. وكان من أولئك المفكرين من أعمل العقل في كل شيء، وجعل النقل تابعاً لاستنباطات العقل ومداركه وما يراه عملياً في عصره وبيئته، فقدموا عقولهم المحدودة على النقل، وحكَّموها في قبول النصوص الصحيحة الصريحة وردها، وظهرت المدرسة العقلية من جديد ولكنها عبر الذرائعية لتكثر المناقشات والمجادلات والمواقف العلمية الشاذة والشبهات العقلية المنحرفة والتأملات الفكرية المنكرة. ومن ذلك ما ذكر عن أحد المفكرين الذي ملأت سمعته الأصقاع أنه عندما خرج إلى رمي الجمار في منى فشاهد زحام الناس الشديد عليها وقف قريباً من خيمته وقال لمن معه: إن الله لم يكلف نفساً إلا وسعها، وإن الغاية من الرمي تجسيد عداوة الإنسان للشيطان، فتعالوا نرمي هنا، فرمى حصى الجمرات بجوار خيمته! [١٤] أو تسمع عن ذلك الإمام الإسلامي الكبير الذي أجاز لأتباعه في أمريكا الشمالية أن يؤدوا صلاة الجمعة يوم الأحد بدلاً من يوم الجمعة، وذلك كي يتمكن المسلمون من الحضور واستماع الخطبة نظراً لارتباطهم بأعمالهم يوم الجمعة! ثانياً: اتباع الهوى: يقول المولى : [واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون] [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] . يقول سيد قطب ﵀ في الظلال: (والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وزمان، وفي كل بيئة.. حتى إنه لتمر فترات كثيرة، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مَثَلُه؛ فيما عدا الندرة النادرة ممن عصم الله، ممن لا ينسلخون من آيات الله، ولا يخلدون إلى الأرض، ولا يتبعون الهوى، ولا يستزلهم الشيطان.. ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً، ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر. ورأينا من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس، ويخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه) [١٥] . وما ظهور الاتجاه الذرائعي في الفتوى والأحكام والمعاملات إلا من بعد أن ركن هؤلاء الدعاة إلى ما تميل إليه نفوسهم وترغبه وتهواه من أمور تسوِّغ لهم تصرفاتهم، وتحقق لهم مصالحهم، وتزكي لهم أعمالهم. وكانت مجالستهم واختلاطهم بالنفعيين المتزلفين وأصحاب الأهواء فتيلاً أجج نار الهوى لديهم؛ فاعتدُّوا بآرائهم واستحسنوها ووجدوا من أتباعهم من تروق له هذه الأفكار والأحكام والاتجاهات ومن باركوها وتتلمذوا عليها. وظهر من ينادي بأن (الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان) ويحتج بأن العلماء غيَّروا فتاواهم عندما تغيرت أماكنهم وأزمانهم، كما كان من الإمام الشافعي ﵀ عندما ذهب إلى مصر فصار يفتي بغير ما كان يفتي به في الشام حتى صار له مذهبان: أحدهما قديم، والآخر جديد. وهكذا حتى وجدوا تخريجاً لكل ما تهوى أنفسهم من أفعال وأقوال. ومن أكبر تبعات اتباع الهوى إضلال الآخرين وإبعادهم عن الطريق الحق؛ فالهوى لا يقتصر خطره على صاحبه بل كثيراً ما يتعداه إلى غيره من الناس؛ فقد قال المولى - عز وجل -: [وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم] [الأنعام: ١١٩] ؛ فعامة الجماهير لا تفرق بين الحق وقائله، فتعرف الحق بالرجال؛ فإن صدر ممن اشتهر بين العامة بالعلم أخذوا منه كل ما قال، وإن اشتهر بعمل الخير سوَّغوا له كل ما عمل وقلدوه في كل أمر، وهكذا حتى انتشر المذهب الذرائعي البراجماتي بين الناس بزلات أهل العلم والاختصاص واتباعهم لأهوائهم. ثالثاً: اتساع الفجوة بين العلماء والمفكرين: لقد استيقظت الأمة الإسلامية من غفلتها وسباتها وقد سبقها الغرب إلى ركب الحضارة والتقدم والمعرفة، فلم يكن لأبنائها بد من السعي الحثيث لاقتفاء أثر المعرفة الدينية والدنيوية في معاقل الغرب ومعاهدهم، فنشأ جيل من المفكرين والمثقفين الذين تتلمذوا وتعلموا على أيدي الغرب ومناهجهم، وكان منهم من يستهجن آراء بعض العلماء وفتاويهم وتصريحاتهم ومحاضراتهم ويكثر من العبارات المنتقصة لوعيهم وإحاطتهم بالواقع المعاصر، وظهرت المصطلحات الساخرة ... (كدعاة الجمود) و (التحجر الفكري) و (غلق باب الاجتهاد) . وفي المقابل فقد كان لانغلاق العلماء الشرعيين في حدود بيئتهم الضيقة سبب في اتساع هذه الفجوة؛ فقد ترفع بعض هؤلاء العلماء عن مخالطة المفكرين والرد عليهم والاطلاع على آرائهم وكتبهم، واكتفى بعضهم بالحكم على بعض أقوال المفكرين أحكاماً عامة لا تَشْفِي غليل الأجيال الناشئة التي كانت الضحية الأولى لهذه الفجوة. ففي حين ظهر تيار شعبي رافض لجميع وسائل الحوار والرد والتصدي لمثل هذه الأفكار ومناقشتها بحجة الحكم مسبقاً على أصحابها بالضلالة ظهر تيار آخر من تلك الأجيال الناشئة راقت له هذه الآراء وتبناها وعمل بها ودعا إليها دون تمحيص أو تقييم فزاد هذا التقسيمُ الفجوةَ اتساعاً يصعب الآن ترقيعه. رابعاً: التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي بعث الله بها الرسل أجمعين. وبإقامته كما أمر الله استحقت هذه الأمة أن تكون خير أمة أخرجت للناس؛ حيث قال المولى : [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله] [آل عمران: ١١٠] ؛ وإن من أشق ما تواجه الأمة اليوم هو الغبش والغموض في مدلول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعناه الشامل الذي يقتضي (استبانة سبيل المجرمين) وإظهار الحق ومناصرته ودحض الباطل وتعريته. وقد كان لاختلاط المسلمين بالمجتمعات الغربية أثر واضح في تمييع المفاهيم الإسلامية والتساهل في بعض الأحكام، بل وردها أحياناً مجاراةً لتحقيق التعايش وتبادل المصالح وتقارب الأفكار. فلم يعد مستغرباً أن نستمع الآن إلى خطيب يستنكر على أصحاب العقول المتحجرة أنهم يصرحون بدخول النصارى النار، محتجاً بأن القرآن امتدحهم وأن بعضهم قدّم للإنسانية أجمع أعمالاً جليلة في حين يرتكب بعض المسلمين جرماً وآثاماً تعجز عن حملها الجبال ولا يحكم عليه بدخول النار! كما أنه لم يعد مستغرباً اعتراض بعض الكتاب على الحجاب الإسلامي واعتباره مسألة هامشية ينبغي أن لا تعيق المرأة من مشاركتها في تنمية المجتمع والمساهمة في بنائه أسوة بمثيلاتها في الغرب. ومن ذلك أيضاً احتجاج بعضهم بالقاعدة الدعوية المعروفة (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا ًفيما اختلفنا فيه) فوسعوا هذه القاعدة حتى شملت إعذار من لا يشك في كفره وضلاله، واختلط الأمر على بعض المسلمين الذين عاشوا بين ظهراني الغرب واعتادوا على التعاون معهم فاختلط عليهم معنى التعاون والمودة والإعذار؛ فالتعاون مع الكفار لرد الشر والباطل بشتى أنواعه وطرقه أمر مجاله فسيح وبابه واسع؛ لكن مودتهم ومحبتهم لا تحل لمسلم لقول المولى : [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون] [المجادلة: ٢٢] ؛ فالإنكار عليهم واجب، وإعذارهم لا ينبغي؛ فمحل الإعذار بين أهل السنة من المسلمين وليس مكانه بينهم وبين غيرهم. وأخيراً فإن البراجماتية ستبقى مستشرية في جسد هذه الأمة ناخرة في عقول أبنائها إن لم يتصدَّ العالمون بحقيقتها وسبيلها بواجبهم في الإنكار على مروِّجيها وسالكي سبلها، وبيان خطرها على تراث الأمة ودينها؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) وفي رواية أخرى لمسلم: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [١٦] ؛ وإذا كان هذا الخطاب للمسلمين عامة فإنه على العلماء العارفين أوجب. فالأحرى بمن ملك العلم منهم أن يخرج من العزلة المعنوية والمحلية الضيقة إلى العالمية الفسيحة والمعايشة الدائمة لمشكلات العالم الإسلامي المعاصرة، وأن يتخذ من الأساليب الحديثة طرقاً للحوار والاتصال بالمفكرين ووسائل الإعلام. كما أنه من الواجب على أصحاب الفكر والمثقفين الرجوع إلى فتاوى وآراء أهل العلم الشرعي والاستماع لهم ومناقشتهم وسد النقص الذي لديهم، فإن حسن نواياهم وسلامة مآربهم وإخلاص أعمالهم لا تشفع لهم أخطاءهم واجتهاداتهم الفكرية الشاذة. والله أعلم.

стр. 3301

بأقلامهن أنصاف العلماء.. وأنصاف الفقهاء .. نجوى الدمياطي ليس من شك أن كثيراً من مظاهر الاختلاف والفرقة في واقعنا الإسلامي المعاصر إنما مردها إلى القول على الله بلا علم، وأن أحد أهم الأسباب التي يرجع إليها التفرق (هو الجهل بمقاصد الشريعة والتخرُّص على معانيها بالظن من غير تثبت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول) [١] . ذلك أنه عندما يضعف العلم يصبح الأمر فوضى، وعندما يغيب تتسع دائرة الشقاق والفرقة.. ومعظم البلاء في واقعنا الإسلامي إنما يأتي من أنصاف العلماء، وأنصاف الفقهاء، الذين يتعجل الواحد منهم ممارسة ما لا يصلح له من العلوم دون تأهل، ويخوض الواحد منهم فيما لم يحصل رتبته ولم يبلغ درجته! ! ويفتي الواحد منهم في دين الله بغير علم، فتعظم في فتاويه الصغائر، وتصغر العظائم كمن تنازعوا قديماً في دم البعوضة، واستباحوا دم أصحاب رسول الله ﷺ . إن من تمام فقه الفقيه أن يعرف قدر نفسه فلا يتعداه، وأن يعرف مجاله العلمي فلا يخرج عنه، ولا يتصدى لما ليس له بأهل، فإذا (سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب عنها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب) [٢] كما قال مالك ﵀: (أمّا أن يكره أن يُسأل عما لا يعرف فيقول: لا أدري، فهذا من الخطأ والجهل.. ولهذا صح عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون) .. وقال ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: [قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين] ... [ص: ٨٦] . إن المسلم الصادق مع ربه قبل أن يُقْدِم على أي قول أو فعل ينظر في مبلغ علمه الذي يؤهله أن يتخذ قراراً ينبني عليه اعتقاد أو عمل سيوضع في ميزانه أمام الله يوم القيامة، وسيحمل حسنات أو سيئات من اتبعه على هذا القرار.. فإذا لم يكن أهلاً للحكم فيه رجع إلى أهل الذكر والاختصاص فشاورهم ولم يستقل بالجواب ذهاباً بنفسه وارتفاعاً بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم؛ فهذا من الجهل! ! إن المسلم لا يمكنه الخروج عن الظلم والجهل إلا بالرؤية العلمية السليمة التي تميز بين الأفكار؛ وتتعرف على مميزاتها وعيوبها، فتستفيد من جزئياتها الصحيحة وتترك ما فيها من الانحراف. ولا يمكن أن تتوفر هذه الرؤية إلا لصاحب العلم المستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والذي يمد صاحبه بالبصيرة فيعلم ماذا يأخذ؟ وماذا يدع؟ ويدرك أنه لا بد له من أن يعلم، ولا بد مع العلم من معرفة: متى وأين وكيف يقول بالعلم؟ ! إن على المسلم ألاَّ يتعجل في قول أو عمل قبل أن يثبت له أنه الحق؛ فإذا تيقن منه أقدم على القول به والعمل بمقتضاه، وإلا توقف عن القول على الله بلا علم، وبدأ في طلب العلم.. العلم النظري وتراث السابقين من أهل الذكر وخبراتهم.. والعلم بالواقع والفحص الدقيق لجزئياته..

стр. 3302

المنتدى اتباع الجنائز أم اتباع المناهج ؟ إبراهيم بن علي العريني كم من المقالات سُطِّرت، وكم من العبرات سُكِبَت، وكم من القوافي نُظمت حين فقدت الأمة كوكبة مضيئة من علمائها في أيام قلائل، ومع ذلك لم تفِ الكلمات ولا الشعر بحق تلك الثلة من بقية السلف وحملة العلم وهداة الأمة، بل وعجزت الدموع أن تعبّر عن مقدار الحزن الذي خيّم على القلوب والألم الذي حاصر النفوس بفقد أولئك الجهابذة، ويا سبحان الله! لكأنما هو عقْدٌ انفرط نظامه فتساقطت درره واحدة بعد أخرى، وهذه هي سنة الله في خلقه: [إنك ميت وإنهم ميتون] [الزمر: ٣٠] . وبقدر الألم والحزن اللذين شَعَر بهما مُحِبّو أولئك العلماء، بقدر ما عمتهم الفرحة والاستبشار عند رؤية الألوف المؤلفة تتبع جنائز أولئك العلماء، بل من الناس من تكبّد المصاعب وتحمل المشاق والعناء ليشارك في جنازة أحدهم، والآن، وقد برد الحزن، وخف الألم وتسللت الدنيا إلى قلوبنا مرة أخرى لتحتل المكانة التي ألفتها، يأتي السؤال الكبير: هل نسينا علماءنا؟ أهذا ما يريده العلماء الراحلون منا؟ إن أجر اتباع الجنازة قد وعد به الصادق المصدوق ﷺ ، واتباع جنازة عالم ليس كاتباع جنازة غيره؛ لأن فيه إظهاراً لقيمة العلم ورفعاً لمنزلة العلماء، وهو اللائق بهم، ولكن: كم من تلك الجموع التي سارت خلف جنائز علمائها واصلت السير بعد فراق العالم على منهجه وطريقته في طلب العلم ونشره، وفي الدعوة إلى دين الله، وفي الصبر والمثابرة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي العبادة والزهد؟ أهي ردود أفعال، أم تعزية نفس، أم تبرئة ذمة؟ ماذا يا تُرى سيكون حال الأمة لو قام من تلك الحشود مكان كل عالم يُوَدَّع رجلٌ واحد فقط يسُدُّ مكانه فيعوِّض الله به الأمة ما فقدت؟ أم كيف يكون حال الأمة إذا قام مكانَ كل عالمٍ رجال يسعون في الخير والعلم والدعوة والجهاد كما سعى عالمهم؟ إن فرحة المسلم بتلك الجموع التي شيعت علماءها لم تلبث أن تلاشت حين رأت أكثر المشيّعين ما إن نفضوا أيديهم عن تراب علمائهم حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من كسل لا يليق بمسلم، وهدر للوقت لا يرتضيه عامل، وصدود عن العلم والدعوة والجهاد ليس له مثيل، وأكثر تلك الجموع غرّها التزامها الظاهر بهدي الإسلام حتى صَنّفُوا أنفسهم طلاب علم ودعاة وهم عن هذين الوصفين أبعد ما يكون. فيا شباب المسلمين وشيبهم، ويا رجالهم ونساءهم (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [١] . فهلاَّ منكم مشمِّر عن ساعد الجد طلباً للعلم ودعوة للحق وجهاداً في سبيل الله حتى يعوض الله به الأمة ما فقدت ويحميها من الضلال؟

стр. 3303

المنتدى ماذا بعد وفاة العلماء ؟ ! عبد الإله محمد العسكر عاش المسلمون في الفترة الماضية أياماً محزنة، وذلك بوفاة عدد من علمائهم العاملين ودعاتهم المصلحين؛ ففقْد العلماء لا شك في أنه خسارة كبيرة ورزية عظيمة لا سيما في عصر تلاطمت فيه أمواج الفتن وكثرت فيه أسبابها ودوافعها. قال الله - تعالى -: [أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب] [الرعد: ٤١] ، قال ابن عباس ومجاهد: (ننقصها من أطرافها) : موت علمائها وصلحائها. لقد رحل أولئك العلماء، والأمة الإسلامية في أمسِّ الحاجة إلى العلماء العاملين، يقول الشاعر: لعمرك ما الرزية فقْد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقْد فذٍّ ... يموت بموته خلق كثير لقد كان أول عالم ودَّعته الأمة الإسلامية هذا العام فضيلة الشيخ صالح بن علي بن غصون عضو هيئة كبار العلماء في السعودية، وأحد العلماء البارزين الذين ملؤوا بعلمهم الأرض، ثم بعد وفاته ﵀ بمدة قصيرة فجعت الأمة الإسلامية بوفاة عالمها الجليل ومحدثها وفقيهها إمام أهل السنة والجماعة في عصره الحبر العلاَّمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي يعجز الواحد منا أن يحصي أعماله وفضائله في خدمة الإسلام والمسلمين، ثم ما لبثنا إلا أياماً قليلة وإذا بنا نسمع خبر وفاة الداعية الأديب الشيخ علي الطنطاوي ﵀، ثم بعد ذلك بأسبوعين نسمع خبر وفاة الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀، وما هي إلا أيام وإذا بخبر وفاة الشيخ مناع القطان نسمعه ونقرؤه عبر وسائل الإعلام، وما كادت تجف دموعنا بوفاة ذلك الشيخ وإذا بنا نسمع خبر وفاة الشيخ محمد عطية سالم المدرس بالمسجد النبوي الشريف في اليوم التالي لوفاة الشيخ مناع القطان؛ ثم جاءت أنباء وفاة محدِّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فأحسن الله عزاء الأمة وجبر مصابها وعوضها خيراً وصدق الرسول ﷺ حيث قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء) [١] . لا شك أن وفاة أولئك العلماء ثلمة في الأمة الإسلامية؛ فالناس في حاجة ماسة للعلماء أكثر من حاجتهم للطعام والشراب؛ بل إن العلماء كالشمس للدنيا وكالعافية للناس كما قال الإمام أحمد بن حنبل عن الإمام الشافعي بأنه كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، قال إبراهيم بن أدهم: ... إذا ما مات ذو علم وتقوى ... فقد ثلمت من الإسلام ثلمة وموت الحاكم العدل المولَّى ... بحكم الأرض منقصة ونقمة إن وفاة أمثال هؤلاء العلماء الأجلاء ليؤكد ضرورة يقظة المسلمين والتنبه لما يخططه الأعداء لهم؛ لأن الأعداء يكونون أشد فرحاً بوفاة علماء المسلمين؛ فهم يعلمون أن المسلمين أقوياء بعلمائهم؛ حيث يوجهونهم ويبصرونهم ويبينون لهم؛ وهم على يقين - أعني الأعداء - بأنهم مخفقون فيما يخططون له؛ لأنهم أمام سد منيع من العلم والعلماء؛ وبوفاة العلماء ينهار ذلك السد، ويحدث فراغ في الأمة يتسلل من خلاله الأعداء إلى جسدها ليبثوا سمومهم وينشروا أفكارهم؛ لذلك يجب على المسلمين مواجهة هذا الخطر ودفع هذا العدوان بالوقوف أمام مخططاتهم والتصدي لها، ولن يحدث ذلك إلا بطلب العلم والتسلح به، وبذلك يمكن سد الفراغ الذي تحدثه وفاة العلماء، ويمكن بإذن الله أن نواجه الأعداء بهذا السلاح ونحبط محاولاتهم، وليس طلب العلم سلاحاً نتسلح به فقط، بل له فضل عظيم ذكره الصحابي الجليل معاذ بن جبل ﵁ حيث يقول: (تعلموا العلم؛ فإن تعلمه حسنة، وطلبه عبادة، وبذله لأهله قربة، والعلم منار سبيل أهل الجنة، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء والزيْن عند الأخلاء والسلاح على الأعداء؛ يرفع الله به قوماً فيجعلهم قادة أئمة تُقتفى آثارهم ويُقتدى بفعالهم) ، والله نسأل أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3304

المنتدى تعقيب على مقال: أخيتي كفى عجزاً سارة بنت عبد الله الزامل (أخيتي.. كفى عجزاً) ما إن وقع نظري على هذا العنوان وأنا أتصفح محتويات مجلة البيان العدد (١٤٣) ، حتى تجاوزت ما سواه إليه؛ فكثيراً ما تدفعني نفسي للبدء بقراءة مثل هذه الوقفات العاجلة مستفتحة بها قراءة المجلة، ومن ثم أَعْبُر منها إلى غيرها من الموضوعات الأخرى - التي تهمني -. أما هذه المرة فقد وجدت نفسي لا تحتمل مغادرتها إلى غيرها حتى أبث لصاحبها بعض ما جال في خاطري حيال كلماته التي أحسبها كلمات ناصحة مشفقة صادقة. أخي الفاضل: إن المرأة كما ذكرتم قلعة من قلاع الإسلام، وحصن من حصونه، ومن المعلوم وكما بينتم أن أعداء هذا الدين حريصون ساعون ليل نهار على انتهاك هذا الحمى الكريم، ومن ثم تساءلتَ - كما هي عادة الغيورين -: أين دعاتنا؟ وأين هن نساؤنا الداعيات؟ ! وإن كان السؤال كبيراً على هذا القلم إلا أنه أبى إلا المشاركة! أخي - حفظك الله ورعاك -: النساء الصالحات كثير، والداعيات إلى الله كثر، وللمصلحات وجودهن في كثير من الأوساط النسائية؛ لذا فالمشكلة ليست في الوجود والمشاركة، إنما تبقى مشكلتنا في الكيف، والفن، والإتقان، والإبداع في تطوير وسائل الدعوة وأدواتها، ومدى تأثيرها على فتاة اليوم، وتلمُّس حاجات هذه الفتاة المسكينة، وتتبُّع مراحل تطورها الثقافي، والفكري، والاجتماعي، ليسهل عندها التأثير، والنصح، والبيان، ولتصل إليها دعوة التوحيد دعوة النجاة على طبق تفهمه وتقبله وتتحلى به عقيدةً، وشعائر، وسلوكاً، وهي مرفوعة الرأس، لا تطأطئه لناعق محترف، ولا إلى منافق مرد، والأدهى من ذاك والأمرُّ: عند مناقشة أخواتنا الطيبات حول موضوع الدعوة والنظر في وسائلها، و.... و.... .، فإنك تصدم بإجابة لا تأمل بعدها شفاءاً لصاحبتها! مما قد يضطر بعضهن إلى ترك مقعد الدعوة اضطراراً لا اختياراً، ولا عجزاً، ولا يأساً من الحال ولا جهلاً بها، ولكن: إما مع الخيل يا شقراء، وإلا فلست منا! ! هذه هي المعضلة! فهلاَّ صنعتم لها حلاً رحمكم الله!

стр. 3305

الورقة الاخيرة من أجل دعوة إنسانية خالد أبو الفتوح هل تأملتَ يوماً سيارة قديمة أُنتجت منذ عشرات السنين وقارنتها بسيارة حديثة الصنع؟ لا بد أنك لاحظتَ مدى التقدم في التقنية التي عليها السيارة الحديثة؛ من حيث المظهر والقوة والرفاهية، وقد يجول بخاطر بعضنا مدى التخلف الذي عليه السيارة القديمة، وقد يقطع آخرون بأنه لم يعد لهذه السيارة مكان إلا في أفران الحديد ومصانع الصلب، أو في أحسن الحالات تُوجَّه إلى إحدى القاعات في متحف للمواصلات، وقد يكون ذلك ما يمليه الواقع بالفعل. ولكن الحقيقة الغائبة أن هذه السيارة القديمة ليست متخلفة بل (بدائية) ، وأن السيارة الحديثة ليست إلا سيارة (متطورة) ، وأن هذا التطور ما كان ليحدث لو لم يُستفد من تجربة السيارة البدائية ويبنى عليها؛ فإهدار التجارب السابقة والبدء دوماً من نقطة الصفر يعتبر عبثاً وإهداراً للأعمار. فالاستفادة من التجارب السابقة والبناء الواعي عليها هو أحد أسرار التقدم الإنساني، وهو ميزة إنسانية محضة؛ فعلماء الاجتماع يقولون: إن من الخصائص المميزة للإنسان كونه حيواناً ذا ذاكرة، بمعنى أنه - بخلاف الحيوانات الأخرى - يمتلك القدرة الذهنية على اختزان التجارب والمعلومات ثم استرجاعها مرة أخرى عند الحاجة إليها أو في مواقف مشابهة للاستفادة منها في تجارب جديدة وأيضاً نقلها إلى آخرين. وهذا ما حض عليه القرآن الكريم عندما دعا في أكثر من آية إلى الاعتبار وأخذ العبرة بتأمل الآيات الكونية والأحداث التاريخية، وبيّن أن ذلك من سمات أولي الأبصار وأولي الألباب وأصحاب الخشية: [يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار] [النور: ٤٤] ، [لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب] [يوسف: ١١١] ، [فكذب وعصى. ثم أدبر يسعى. فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى] [النازعات: ٢١ - ٢٦] . وأصل معنى (العبرة) و (الاعتبار) من العبور، وهو الانتقال من جانب إلى آخر، كعبور النهر أو الطريق؛ ففي هذه الآيات وأمثالها حث القرآن على تأمل الآيات والأحداث، ثم الانتقال منها وبها إلى الواقع والمستقبل، يقول ابن فارس في قوله - تعالى -: [فاعتبروا يا أولي الأبصار] [الحشر: ٢] : (كأنه يقول: انظروا إلى مَنْ فعل ما فعل فعوقب بما عوقب به، فتجنبوا مثل صنيعهم لئلا ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك) [١] . فالاستفادة من التجارب السابقة ومراعاة نتائجها عند الشروع في العمل إحدى السمات التي تميز أولي الأبصار: [إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار] [آل عمران: ١٣] ، بينما فَقْدُ ذلك يجذب الإنسان نحو عالم الأنعام [لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون] [الأعراف: ١٧٩] . ومن هذا المنطلق ينبغي أن نلاحظ أنفسنا في تجاربنا التربوية والدعوية؛ فالمربي الذي لا ينقل خلاصة علمه وتجاربه إلى من يربيه فإنه يتركه في الحقيقة ليبدأ من نقطة الصفر أو قريب منها، وبمعنى آخر: يدعه يعيد إنتاج (السيارة البدائية) ، وكذلك يفعل بنفسه من يتربى إذا لم يكن حريصاً على (عصر) المربي للاستفادة منه. وأي مجموعة دعوية تنقطع عن التجارب الدعوية الأخرى - الناجحة والمخفقة، الماضية والمعاصرة - فإنها تهدر أعماراً يمكن إضافتها إلى عمرها، بما تحويه هذه الأعمار من علوم ومعارف وتجارب ورصيد في الواقع؛ وهذه أمور بُذِلَ من أجلها الغالي والنفيس من تضحيات ومعاناة. لا بد من حرص متبادل على استثمار التجارب الأخرى وتركيزها في الأجيال الجديدة، وأن يتم ذلك بقصد ووعي وليس بعفوية وكيفما اتفق؛ لأن تواصل الأجيال ضمانة ضد الإخفاق، وفضلاً عن كونه حاجة إنسانية فإنه ضرورة قرآنية.

стр. 3306

شوال - ١٤٢٠هـ فبراير - ٢٠٠٠م (السنة: ١٤)

стр. 3307

كلمة صغيرة رمضان على مشارف الألفية الثالثة ..! انقضى شهر عظيم من شهور الله المباركة، ولكن بصورة أخرى ما كنا نعهدها من قبل في الأعوام السالفة؛ ففي مطلعه كانت طبول الاستعداد العالمي تُدقُّ لدخول ما يُسمى بـ (الألفية الثالثة) ، وفي وسطه بدأت الاحتفالات الصاخبة تطغى على كافة الأجواء الفكرية والإعلامية والاجتماعية، ولا زال الضجيج يصمّ الآذان، ويسيطر على العقول والأفئدة. كان الجميع يسعى للتميز زعموا! فهذه المناسبة لا تكرر عليهم كثيراً.. لم نعجب كثيراً من هذا الصخب الغربي، ولكن العجب لا ينقضي من تلك التبعية الفكرية والإعلامية لبعض المنتسبين إلى الإسلام الذين سلبت عقولهم، ومسخت هويتهم..! ! لقد انتُهكت حرمة شهر رمضان، ومسخت لياليه المباركة بليالي الرقص والخمر والمجون، وسقطت الأقنعة الكالحة، وراح دهاقنة العلمنة وأباطرة الإعلام ودعاة الرذيلة يستبيحون المحرمات، ويلهثون وراء الشهوات، ويزيِّنونها بكل ألوان الفتنة والإغراء، ويُلبسون الحق بالباطل. نعم! حصل ذلك كله، وهو أمر عظيم، ولكن الأعظم منه ذلك الخلل العقدي العريض الذي ظهرت بعض معالمه في موالاة الكفار، ومحبتهم، والتشبه بهم، ومجاراتهم في أعيادهم وشعاراتهم وأخلاقهم، والسقوط في أحضانهم، وها هنا مكمن الداء نسأل الله السلامة. إنَّ التقليد الأعمى للغرب ومجاراته في ضلاله آية من آيات الهزيمة النفسية والفكرية التي تسيطر على بعض النفوس الضعيفة، ولهذا روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟ !) . إن هذه الظاهرة من أهم النوازل التي يجب دراستها وتحديد معالمها، ثم معالجتها برؤية شرعية متكاملة. نسأل الله تعالى أن يعيذنا من مضلات الأهواء والفتن.

стр. 3308

الافتتاحية أعطوا الحرب فرصة! ! الشيشانيون.. لا بواكي لهم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: للمسلمين مع الروس تاريخ طويل من القهر والاستعباد، والنفي والتشريد، والتجهيل والتضليل سواء من قِبَلِ روسيا القيصرية (النصرانية) ، أو من قِبَلِ روسيا الشيوعية، أو حتى من قِبَلِ روسيا الديمقراطية! ! حيث تشهد اليوم فصولاً من المأساة الشيشانية. وقد سطَّر المسلمون تاريخاً طويلاً من الجهاد والاستشهاد في مقاومة الروس ودفع عدوانهم وبغيهم، وسجلوا مواقف بطولية نادرة فداءاً لدين الله وحماية لأعراض المؤمنين. [عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا] [ ﴿النساء: ٨٤] . وقد كتب الله لنا اليوم أن نشهد فصولاً من الجهاد الشيشاني؛ حيث بدأت الأحداث بإعلان جوهر دوادييف الضابط السابق في الجيش الروسي، ورئيس الشيشان الاستقلال عن روسيا، ولم يكن الرد الروسي بالاستفتاء الشعبي حول الانفصال من عدمه، ولا بمنحهم حق تقرير المصير! ! ولكن بتحرك الآليات العسكرية الروسية المدمرة، وحلقت الطائرات لتمطر أرض الشيشان بأنواع القنابل لتأتي على الأخضر واليابس على مدى عشرين شهراً ١٩٩٤- ١٩٩٦م والعالم كله يتفرج على ما يجري على أرض الشيشان وكأن الأمر لا يعنيه! ولكن - وبفضل الله تعالى ثم بثقة المجاهدين بربهم وحسن توكلهم عليه بعد اتخاذ الأسباب الشرعية - استطاعت الفئة قليلة العدد والعتاد دحر الظالمين وتكبيدهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، خرجوا على إثرها من أرض الشيشان الأبية صاغرين يجرون أذيال الهزيمة. واتجهت الشيشان لتحكم نفسها وتتحرر من ربقة العبودية لغير الله، فأُعلن فيها تطبيق الشريعة الإسلامية، فانتشرت المحاكم الشرعية في أنحاء البلاد، وأقيمت الحدود والتعزيرات الشرعية، ورُدَّت المظالم، وأُخِذَ على أيدي المجرمين، فقرّت عيون أهل الشيشان بالأمن والاستقرار الذي لم تشهده البلاد منذ زمن، وانتشرت الدعوة والمعاهد الشرعية، وكثر طلاب العلم مما كان له كبير الأثر في رفع الجهل عن الشعب الشيشاني وتبصيره بدينه. وقامت اللجان الاحتسابية بمنع المنكرات من الأسواق والأماكن العامة؛ فكسرت أواني الخمر، وأقيم الحد على شاربيها، وبدأ الحجاب ينتشر، وبدأ الشباب يتجه إلى ربه، وأصبحت عينك ترى المرأة المحجبة والشاب الملتحي، وأعيد بناء المساجد، وانتشرت حلقات تعليم القرآن، ورأى الناس ثمار جهادهم على أرض الواقع في أمن مستتب، وحرية مطمئنة وشعائر إسلامية ظاهرة، مع ضعف صوت الباطل وقلة أنصاره. ولكن الروس أزعجهم ما يجري على أرض الشيشان، وأقلقهم نجاح التجربة الشيشانية في الاستقلال مما يحدو باقي الجمهوريات لاتباعها، وبدلاً من أن يدفع الروس تعويضاً عن التدمير الذي لحق بالشيشان من جراء الاحتلال، وبدلاً من أن يساعد في إعادة تعمير البنية التحتية للبلاد؛ سعى الروس عن طريق عملائهم في البلاد إلى زعزعة الأمن والاستقرار في الداخل، ومحاولة إحداث الفتن والخلافات بين الفصائل الشيشانية، وبثوا الجواسيس داخل صفوف المجاهدين بهدف الإيقاع بينهم واغتيال قادتهم، فكشفهم الله وفُضِحوا وأُعلِنت اعترافاتهم في وسائل الإعلام، وباءت محاولات الروس بإحداث الفتنة داخل الشيشان بالإخفاق، فأخذوا يضيقون على الشيشان ويحاصرونها، ومنعوا فتح المطار والاتصال بالعالم الخارجي، وحالوا بينها وبين الاستفادة من مواردها الطبيعية؛ وكل ذلك لم يثن الشيشانيين عن الاستمرار في التجربة الفريدة. وها هم الروس اليوم تحركوا لتدمير هذا البلد الآمن باجتياح الشيشان للمرة الثانية واختلاق المعاذير لذلك، واتخذوا سياسة جديدة في الحرب مستفادة من الغرب بتكثيف القصف على المدن والمناطق الآهلة وإحداث أكبر قدر من التدمير والقتل والتهجير، وهددوا بل استخدموا المواد الكيماوية في قتالهم للشعب الأعزل إلا من سلاح الإيمان، وها هم الآن يجتاحون المناطق ويدمرونها بمساندة الغرب الكافر واليهود ما بين صمت وتعتيم على ما يجري، وبين دعم مادي ودعم معنوي بالكوادر العسكرية والاستشارات. ولنا ها هنا وقفات: ١ - في هذا العالم الذي يتغنى بالديمقراطية وحق تقرير المصير وتحرير الشعوب المضطهدة يبقى المسلمون ليس من حقهم هذا؛ فلكم سمعنا من المصطلحات الدولية والأعراف والأنظمة العالمية حين كانت قضية تيمور الشرقية، والنداءات الدولية تصخ الأذان، والضغوط الأمريكية والأوروبية (النصرانية) تتتابع على إندونيسيا حتى تأثر كثير منا بالإعلام ورأى أن من حق تيمور الشرقية (المضطهدة) أن تستقل، واستقلت بالفعل! ! ولكن هذه كلها صارت أدراج الرياح في قضية الشيشان، وذابت النداءات كما يذوب الملح في الماء لا على المستوى الرسمي الدولي ولكن حتى على المستوى الإعلامي والإنساني (الهيئات التي تُعنى بحقوق الإنسان) . والغرب (الكافر! !) يقول: (نحن نتفهم أسباب ضرب روسيا للشيشان ونقدرها) ويقول: (الحرب في ... الشيشان شأن داخلي) ! ! ويقول مندوب الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين بعد زيارة اللاجئين الشيشان في أنغوشيا: (إن أوضاعهم لم تصل إلى درجة الكارثة) ! ! ٢- إنه يمكن لنا أن نفهم معنى سكوت الغرب، ودعمه لما يجري في الشيشان من قتل للمدنيين وتدمير القرى على أهلها (المسلمين) . لكننا لا نفهم موقف منظمة المؤتمر الإسلامي الذي صرح (بأنه يؤيد وحدة الأراضي الروسية) يا عجباً وحدة الأراضي الروسية! ! ألا يدخل هذا في مظاهرة الكافرين على المسلمين؟ ! المستجير بعمرٍو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار نريد أن نفهم: لِمَ كل الحماس على جميع المستويات الذي حظيت به قضية كوسوفا وهي شبيهة إلى حد كبير بقضية الشيشان الذي لم يقتصر على المستوى الرسمي في بلاد المسلمين حيث تدور معظم الأنظمة في فلك (النظام العالمي ... الجديد) بل حتى على مستوى الجمعيات والمؤسسات الخيرية وبعض الأئمة والخطباء والدعاة والعلماء؟ ! ما الفرق بين القضيتين بالنسبة لنا نحن المسلمين؟ ! إن الفرق المؤثِّر هو أن للغرب مصالح في ضرب الصرب والتدخل باسم حماية حق شعب كوسوفا. ونحن بالطبع نتفاعل ونخطب ونقنت لتحقيق مصالحنا! لا عفواً بل لتحقيق مصالح الغرب من حيث لا نشعر! ! ٣ - بتنا على ظهر العراء وبين أنياب المنون نصحو على قصف المدافع، والمجازر بالمئات وننام والخوف الرهيب يلفنا بالطائرات أمٌّ هناك وطفلة.. وأب تمزقه الشظايا المحرقات تبكي وقصف الطائرات يسوقها نحو الممات حتى متى يا أمتي..؟ ! وإلى متى..؟ ! حتى تُهدَّمَ دورنا وديارنا؟ ! حتى تقطع للعدا أشلاؤنا؟ ! حتى يشرّد أهلنا.. أطفالنا؟ ! حتى تُقادَ عفيفةٌ بالأمس كانت لا تقاد؟ ! إنا نصيح ولا مجيب..! إنا نئن.. ولا طبيب..! فأين.. أين المسلمون؟ ! بل أين بعض المسلمين؟ ! بل أين أهل العلم منهم من بقايا الصالحين لاذوا بأسوار السكوت لم يمنحوا إخوانهم حتى كليمات القنوت؟ ! وعلى كل حال فمهما تخلى المسلمون عن إخوانهم فإن الله ناصرهم ومؤيدهم، والذي يظهر لنا والله أعلم أن الحرب ستطول، وسيسيطر الروس على جميع مدن الشيشان؛ ولكنهم لا يستطيعون الاستمرار فيها والمحافظة عليها؛ حيث ستستمر حرب العصابات، والنتيجة أن يخرج الروس من خلال سيناريو يحفظ ماء الوجه لتقوم دولة حرة مسلمة على أرض القوقاز بإذن الله ما لم يتدخل الغرب لمنع قيام دولة إسلامية، كما في البلقان حين أُجهِضت آمال المسلمين بقيام دولة لهم على أرض البوسنة باتفاق دايتون الذي لم يكن في حقيقته إلا تبديداً للنجاح الذي حققه المسلمون على الصرب. وعلى كل حال فقد وُعِدْنا وعداً لا يخلف: [ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين] [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦] . لكنه النصر القريب بإذن علام الغيوب مهما تواترت الخطوب والنصر آتٍ فوق أشلاء الكماة المخلصين والنصر آتٍ خلف إمداد الكرام الباذلين والنصر آتٍ بالدعاء وبالبيان آتٍ بإذن الله رغم غواية الغاوي وهذرمة الجبان

стр. 3309

خير الهدي من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه عبد اللطيف بن محمد الحسن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن سنة النبي ﷺ أنوار هادية إلى الصراط المستقيم، وأضواء كاشفة عن سبل العوج والانحراف والنقص والزلل. وفي كلمة من مشكاة النبوة يرسم النبي ﷺ مَعْلماً من معالم النجاة، بل يحدد أمارة للفلاح والسداد يقيس بها المرء نفسه، ويعرف بها مقدار قربه أو بعده عن الجادة، فيقول ﵊: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) [١] . وهذه وقفات مع معنى هذا الحديث وفقهه وآفاق تطبيقه تصلح لأن تكون معالم في طريق تزكية النفس وتربيتها. حديث جامع: هذا حديث جامع لمعانٍ عظيمة لا غنى للمسلم عن فهمها وامتثالها، وهو من روائع جوامع كلمه ﷺ ، وقد تعددت عبارات الأئمة في بيان منزلته من الدين، فقال ابن أبي زيد: (جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث ... ) وذكره منها [٢] . وعدّه حمزة الكناني ثلث الإسلام [٣] ، وذكر ابن القيم أن النبي ﷺ جمع الورع كله في هذا الحديث [٤] ، وقال ابن رجب عنه: (أصل عظيم من أصول الأدب) [٥] ، وذكر أبو داود أنه يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث، وذكره منها [٦] . والحديث قاعدة عظيمة فيما يأتي الإنسان وما يذر، وفيه تنبيه على الركن الأول في تزكية النفس، وهو جانب التخلية بترك ما لا يعني، ويلزم منه الركن الثاني وهو التحلية بالانشغال بما يعني. وتزداد الحاجة لفهم مثل هذا الحديث والعمل بمقتضاه في زمن تزاحمت فيه الواجبات، وتنازعت فيه الأولويات، وصعبت الموازنة.. فكانت الخطوة الأولى هي تركيز الاهتمام فيما ينفع، وترك كل ما لا يعني، وهي أولوية تربوية ملحّة في تربية النفس، وفي تربية الآخرين. دعوة لتحسين الإسلام: في الحديث بيان أن ترك ما لا يعني من أسباب حسن الإسلام. (والإسلام عند الإطلاق يدخل فيه الإيمان والإحسان، وهو شرائع الدين الظاهرة والباطنة. والمسلمون منقسمون في الإسلام إلى قسمين كما دل عليه فحوى هذا الحديث: فمنهم المحسن في إسلامه، ومنهم المسيء؛ فمن قام بالإسلام ظاهراً وباطناً فهو المحسن [ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا] ﴿النساء: ١٢٥﴾ فينشغل هذا المحسن بما يعنيه ... ومفهوم الحديث: أن من لم يترك ما لا يعنيه فإنه مسيء في إسلامه) [٧] . يرتبط مفهوم حسن الإسلام بمفهوم زيادة الإيمان بالعمل الصالح، ومفهوم مرتبة الإحسان الذي هو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فيتولد ترك ما لا يعني من مراقبة الله [٨] . (وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كله فقد كمل حسن إسلامه) [٩] . ففي الحديث معيار وعلامة يُعرف بها حسن الإسلام من ضده، وأسباب كل منهما. فضل حسن الإسلام: جاءت الأحاديث بفضل منزلة حسن الإسلام، وما يكرم الله تعالى به من أحسن في إسلامه، ومن ذلك: ١- مضاعفة الحسنات: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها، حتى يلقى الله) [١٠] . ٢- الإثابة على الحسنات التي فعلها قبل الإسلام: كما في أحاديث، منها: حديث حكيم بن حزام حين قال له النبي ﷺ : (أسلمت على ما أسلفتَ من خير) [١١] . ٣- التجاوز عن سيئات ما قبل إسلام المرء: يدل عليه حديث ابن مسعود ﵁ قال: قلنا يا رسول الله! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: (أما من أحسن منكم بعد الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام) [١٢] . وما ثبت من أن الإسلام يجبُّ ما كان قبله من الذنوب ويهدمها [١٣] فهو محمول على الإسلام الكامل الحسن؛ جمعاً بين الحديثين [١٤] . ٤- تبديل سيئاته التي عملها وقت كان مشركاً إلى حسنات: يشهد لذلك قول الله تعالى: [إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما] [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] . وظاهر الآية شامل لتبديل المعاصي بطاعات مكانها يوفقهم الله لها، وشامل أيضاً لتبديل السيئات التي عملوها نفسها بحسنات يُجزون بها [١٥] . وكذا حديث الرجل الذي تعرض عليه صغار ذنوبه يوم القيامة، ثم تبدل حسنات، فيتمنى أن تبدل كبائره كلها حسنات قائلاً: (يا رب! قد عملت أشياء لا أراها ها هنا) [١٦] . وذلك والله أعلم؛ لأن صادق التوبة والندم (يتجرع من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعاف ما ذاق من حلاوتها عند فعلها، ويصير كل ذنب من ذنوبه سبباً لأعمال صالحة ماحية له) [١٧] . وهذا هو حال الموفقين المهتدين الصادقين في توبتهم، فانظر إلى عمر الفاروق ﵁ لما راجع النبي ﷺ في صلح الحديبية، ورأى أنه قد أساء، قال: (فعملت لذلك أعمالاً) [١٨] ، أي: أعمالاً صالحة أكفِّرُ بها ما فعلت. ومن كانت هذه حاله فإنه كلما كان أكثر إساءة في الجاهلية وكان صادق التوبة كان أكثر إحساناً في الإسلام. الإعراض عن اللغو صفة الجادين: وصف الله المؤمنين بالإعراض عن اللغو في غير ما آية، فقال: [والذين هم عن اللغو معرضون] [المؤمنون: ٣] . واللغو: الباطل، وهو يشمل الشرك، والمعاصي، وكل ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال [١٩] ، والاهتمامات والشعور [٢٠] . ومن اللغو: الاشتغال بما لا يعني من أمور الناس [٢١] . (والإعراض عن جنس اللغو من خلق الجد. ومن تخلق بالجد في شؤونه كملت نفسه، ولم يصدر منه إلا الأعمال النافعة؛ فالجد في الأمور من خلق الإسلام) [٢٢] . أي شيء هو الذي لا يعنيك؟ قول الحبيب ﷺ في هذا الحديث: (ما لا يعنيه) أي: ما لا يهمه [٢٣] ، ولا يفيده في دينه ولا دنياه. والشيء الذي يعني المرء هو ما تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية: شدة الاهتمام بالشيء، يقال: (عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه) [٢٤] . والفعل أصله من (عنى) الدال على (القصد للشيء بانكماش فيه، وحرص عليه ( [٢٥] . (وعناه الأمر يعنيه عناية وعُنِياً: أهمَّه. وقوله: [لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه] [عبس: ٣٧] . وقرئ: يَعنيه، فمن قرأ يعنيه بالعين المهملة، فمعناه: له شأن لا يهمه معه غيره، وكذلك: شأن يغنيه، أي لا يقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره) [٢٦] . والمرء إنما ينبغي له أن يهتم أصلاً بما به نجاته وخلاصه وسعادته، وذلك منحصر فيما يجلب له مصالح آخرته، ويدفع عنه مفاسدها، وأيضاً فيما يجلب له مصالح دنياه، ويدفع عنه مضارها؛ لأن له في صلاح دنياه وسيلة لصلاح آخرته. وهذا ما دعا النبي ﷺ إلى الحرص عليه بقوله: (احرص على ما ينفعك) [٢٧] . وما سوى ذلك فإنه لا يعنيه ولا يهمه، وذلك شامل لجميع أنشطة الإنسان وأعماله، من الأقوال والأفعال، كما هو شامل للمحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها [٢٨] ، وكلها مما يحاول الشيطان إيقاع العبد فيه متدرجاً من الأشد إلى الأخف. وما لا يعني قد يكون في أمور الآخرة، كالتفكير فيما يكون عليه حال الأرض بعد انقضاء الأمر، وهل يخلق الله خلقاً آخرين يكلفون ويبتلون ويُرسَل إليهم رسل؟ فإن هذا مما لا يعني الإنسان [٢٩] . وما لا يعني أيضاً جزءان [٣٠] : جزء في أمور لا تعني الإنسان ولا تهمه في أصلها، كشؤون الآخرين وخصوصياتهم في كيفيات معايشهم وجهات تحركاتهم ومقدار تحصيلهم من الدنيا، وكذا الانشغال بالقصص والوقائع والمشاهدات التي لا تتعلق بقصد صحيح. وجزء في حاجات تهم الإنسان في أصلها كشؤون المعايش من الطعام والشراب والمنام والكلام والخلطة والنظر والحركة، وما لا يعني فيها هو الزيادة فيها على قدر الحاجة، وهو ما يعرف بـ (فضول المباحات) . ... قال ابن القيم: (قد جمع النبي ﷺ الورع كله في كلمة واحدة، فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ، فهذا يعم الترك لما لا يعني من: الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع) [٣١] . لذا فإن الذي ينبغي ألا يكون المقياس لمريد الكمال والرفعة في فعله وتركه هو حصول الإثم أو عدمه؛ فذلك حال يشعر بضعف الإيمان، بل الأنجح له أن يكون الدافع حصول الأجر وبلوغ مرضاة الله، والدافع إلى تركه عدم ذلك؛ ليكون دائراً في فلك الإحسان، أو حائماً حوله، ومن كانت هذه حاله فهو من أبعد الناس عن دائرة الظلم. الضابط في معرفة ما يعني وما لا يعني: الضابط في معرفة ما يعني الإنسان مما لا يعنيه هو الشرع المطهر؛ فلا يجوز أن يكون للهوى دخل فيه [٣٢] . واليوم يفهم كثير من الناس أن المراد بما لا يعني: شئون الغير على الإطلاق. وهو خلط في المفاهيم، ولبس في فهم المراد؛ فإن من شئون الغير ما يعني الإنسان مباشرة، ومن ذلك ما كان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ من الخطأ المبين التذرع بمثل هذا الحديث للتوصل إلى ترك هذه الشعيرة العظيمة. كما أن مما يعني الإنسان بدرجة كبيرة شؤون المسلمين وقضاياهم في أي صقع كانوا. نعم إن للآخرين خصوصياتهم وشؤونهم التي لا تعني الإنسان، كأحوالهم في بيوتهم، ومراكبهم، ومكاتبهم، وأوراقهم، ومتاجرهم، وطرائقهم في العمل والمعيشة، ومقدار مكاسبهم وأرباحهم، و (رواتبهم) ومدخراتهم، مع مراعاة حقوق القرابة كالأب مع ابنه، علماً بأن استرسال الأبوين في التدخل في شؤون أبنائهما المتزوجين خاصة ينجم عنه مفاسد لا تخفى، وهي بالنسبة للتدخل في شؤون البنت المتزوجة أظهر وأكثر. حفظ الأبواب الأربعة: قال ابن القيم: (من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات. فينبغي أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، يلازم الرباط على ثغورها؛ فمنها يدخل العدو، فيجوس خلال الديار، ويتبر ما علا تتبيراً ... وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة) [٣٣] . وكذا انشغاله بما لا يعنيه؛ فإنه يلج من هذه الأبواب، ولذا فلا بدَّ من الوقوف معها: أولاً: النظر: لا غنى للإنسان عن بصر ينظر به طريقه، ويعرف به مكانه، ويدرك به حاجته، ويتأمل به في خلق ربه.. لكن المتأمل في واقعنا يرى مدى التجاوز بهذه النعمة العظيمة إلى ما لا يعني، من التوسع في النظر المركز إلى المباحات من بيوت ومراكب ومتاجر ولوحات.. مما يعيق الناظر عن التقدم [لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر] [المدثر: ٣٧] ويتطلب من الجادين مجاهدة للنفس في تركه واجتنابه. هذا فضلاً عن المكروهات من النظر للقراءة في غثِّ الكتب والمجلات، كالقصص الخيالية والبوليسية التي ليس فيها إلا مجرد الاستمتاع النفسي بتصور الأحداث، وكالزوايا المفرغة من المحتوى المفيد كأخبار الرياضة والفنّ، وأخبار الكلاب ونحو ذلك. والأشد: النظر في المحرمات والعورات. ثانياً: الخواطر والأفكار: باب الخواطر والأفكار من الأمور التي تستحق العناية؛ لما لها من أثر ظاهر في أقوال المرء وتصرفاته وأفعاله. وأنفع الخواطر ما كان لله والدار الآخرة، كالتفكير في معاني آيات القرآن الكريم وفهم مراد الله منه، والتفكير في آيات الكون المشهودة والاستدلال بها على أسماء الله وصفاته وحكمته، والتفكير في آلائه وإحسانه وإنعامه، والتفكير في عيوب النفس وآفاتها وعيوب العمل ونقصه، والتفكير في واجب الوقت ووظيفته [٣٤] . وما عدا ذلك فإن الواجب ضبط الذهن، وعدم ترك المجال له يسترسل في الخواطر والشطحات والخيالات الواسعة التي تقلب صاحبها في أودية الدنيا وشعابها، وتنقله من شيء إلى آخر غير أنها لا توقفه على ما يهمه، وهذا شأن التفكير الفوضوي غير المنظم. أما التفكير المنظم المدروس فهو حاجة ماسة للعبد، ومطلب ملح للأمة تنتقل به نقلات في طريق الريادة. ثالثاً: اللسان: وكما أن الأمور التي لا تعني الإنسان تكون في أفعاله، فإنها تكون في أقواله أيضاً، فإنها من عمل الإنسان، وهذا ما يغفل عنه أكثر الناس، فلا يعتبرون أقوالهم جزءاً من عملهم. قال عمر بن عبد العزيز: (من عدّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه) [٣٥] . بل إن (أكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام) [٣٦] ، يشهد لذلك قول النبي ﷺ : (إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) [٣٧] . يكفي دافعاً لحفظ ألفاظ المرء قول الله تعالى: [ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد] [ق: ١٨] ، وقول النبي ﷺ : (وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم إلاَّ حصائد ألسنتهم) [٣٨] . و (حفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة؛ بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوت بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه. وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان؛ فإنه يُطْلِعُ على ما في القلب، شاء صاحبه أم أبى ... ) [٣٩] . وحدّ الكلام فيما لا يعني: أن يتكلم بكلام لو سكت عنه لم يأثم، ولم يتضرر به في حال ولا مآل، كذكر أخبار الأسفار والوقائع اليومية والأطعمة والألبسة، وسؤال الغير عن عبادته، وعن مكانه الذي كان فيه، وعن كلامه الذي قاله لفلان. مما يوقع المسؤول في الحرج أو الكذب [٤٠] . والواقع أن الإنسان يحتاج قدراً من الكلام بشكل غير مباشر، وذلك ما كان من باب المباسطة على سبيل التودد لبلوغ مصلحة، أو دفع مفسدة.. لكن لا شك أنه باب يشق ضبطه إلا على الجادّين الموفقين، وقليل ما هم. ومن الكلام الذي لا يعني: الزيادة فيما يعني على قدر الحاجة [٤١] ، وهو أمر نسبي. وكلام الأئمة في التحذير مما لا يعني من فضول الكلام كثير جداً. وسئل لقمان عما بلغ به مكانته، فقال: (صدق الحديث، وطول السكوت عما لا يعنيني) [٤٢] . رابعاً: الحركات والخطوات: إذا نظرت في اهتمامات الناس وأعمالهم تعرف مدى انشغالهم بما لا يعنيهم من أنواع اللهو والألعاب المسلية، وهوايات جمع الطوابع، والتحف، والنوادر، والعملات، والمسابقات التافهة، وكتب الطبخ والأزياء، وأسفار السياحة، وتتبع الأخبار العالمية الدقيقة التي لا تعني إلا أصحابها، وقراءة الصحف والمجلات ... الهابطة، وجلسات السمر، والدراسات المفرغة من النفع عديمة الجدوى.. ... وغيرها كثير مما قد ينهى عنه لكونه يلهي أو يطغي، ناهيك عن المحرمات الواضحة كمسابقات عارضات الأزياء، وملكات الجمال، وسماع المحرمات والنظر إليها من خلال الشاشات المتنوعة. حقيقة مرّة.. وتزداد مرارة؛ حيث تنظر في كثير من اهتمامات بعض من أنعم الله عليه بالهداية، فتراه ما بين اهتمام بدنيا، أو انشغال بما لا يعني! ولهؤلاء يتوجه الخطاب أولاً بأن يراجعوا أنفسهم قبل نفاد العمر. قال ابن القيم: (وأما الخطوات: فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له، ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله، فتقع خطاه قربة) [٤٣] ، وهكذا سائر حركات الجوارح وأعمال البدن. قال قتادة: (كان يقال: لا يُرى المسلم إلا في ثلاث: في مسجد يعمره، أو بيت يُكنُّه، أو ابتغاء رزق الله من فضل ربه) [٤٤] . وفي أبواب العلم أيضاً أمور لا تعني: ضمن أبواب العلم ومباحثه ومسائله أمور لا تعني ولا تفيد دارسها في شيء، ولا تعدو أن تكون ضرباً من إضاعة الوقت والاشتغال عن المهم؛ وذلك ما نبه عليه بعض أهل العلم محتجين بهذا الحديث. فالاشتغال بعلم الكلام والفلسفة [٤٥] لم يَجْنِ منه أصحابه إلا كدّ العقول وإهدار الأوقات وتبديد الجهود وإحلال الفرقة والتناحر، كما صرح كبار ... أساتذتهم بعد عمر طويل، كالرازي والشهرستاني، والغزالي والجويني [٤٦] . ومن المسائل التي لا تنفع بل لا يجوز الكلام، ولا التفكير فيها: كيفيات ... صفات الله تعالى؛ فإن هذا مما لا يعني في شيء، ولا يمكن أن يدرك بالعقل؛ فإن الله [ليس كمثله شيء وهو السميع البصير] [ ﴿الشورى: ١١] . كذلك من المسائل التي لا تنفع: الانشغال بالبحث عن أسماء وأعداد وأوصاف أشياء ذكرت في القرآن على عمومها دون تقييد، مثل: تحديد الطيور الأربعة التي ذبحها إبراهيم ﵇، وعدد أصحاب الكهف، وصفة كلبهم، وجزء البقرة المضروب بقتيل بني إسرائيل ... ومن المسائل التي ينبغي إيجاز بحثها: مسألة التفضيل بين الملائكة والأنبياء [٤٧] ، ومسألة رؤية النبي ﷺ لربه [٤٨] ، ومبحث الروح [٤٩] ، وكل ما كان من قبيل التكلف كالسؤال عن صفة كفتيِّ الميزان [٥٠] ، وكذا المسائل الافتراضية المستحيلة أو النادرة جداً [٥١] . وفي هذه المسائل ونحوها من مُلَحِ العلم يقول الإمام الشاطبي ﵀ تعالى: (كل مسألة لا ينبني عليها عمل؛ فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي. وأعني بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح، من حيث هو مطلوب شرعاً. والدليل على ذلك استقراء الشريعة؛ فإنا رأينا الشارع ُيعرض عما لا يفيد عملاً مكلفاً به؛ ففي القرآن الكريم: [يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] [البقرة: ١٨٩] ، فوقع الجواب بما يتعلق به العمل؛ إعراضاً عما قصده السائل ... وقال تعالى بعد سؤالهم عن الساعة: أيان مرساها: [فيم أنت من ذكراها] [النازعات: ٤٣] ، أي: إن السؤال عن هذا سؤال عما لا يعني؛ إذ يكفي من علمها أنه لا بد منها، ولذلك سئل ﵊ عن الساعة فقال للسائل: (ما أعددت لها؟) [٥٢] ؛ إعراضاً عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق بها مما فيه فائدة، ولم يجبه عما سأل. وقال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم] [المائدة: ١٠١] .. ومن هنا نهى ﵊: (عن قيل وقال، وكثرة السؤال) [٥٣] ؛ لأنه مظنة السؤال عما لا يفيد..... وقرأ عمر بن الخطاب: [وفاكهة وأبا] [عبس: ٣١] ، وقال: (هذه الفاكهة، فما الأبّ؟ ، ثم قال: نهينا عن التكلف) . وفي القرآن الكريم: [ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي] [الإسراء: ٨٥] ، وهذا بحسب الظاهر يفيد أنهم لم يجابوا، وأن هذا مما لا يحتاج إليه في التكليف) . ثم ذكر أوجهاً في كون الخوض في هذا النوع من العلم غير مستحسن، ومنها: أولاً: أنه شغل عما يعني من أمر التكليف بما لا يعني؛ فهو غير مفيد في أجر أخروي، ولا رزق دنيوي. ثانياً: أن الشرع بيَّن ما تصلح به حياة العباد؛ فما لم يبينه فلا مصلحة فيه، بل قد يجر إلى المفسدة، وهذا واقع مشاهد في حال المفترقين الذين أُتِيَ كثير منهم من قبيل انشغاله بما لا يعنيه. ثالثاً: أن الاهتمام بالنظر في كل شيء وتطلب عمله من شأن الفلاسفة المنحرفين. ثم ناقش الاعتراضات الواردة على هذا الأمر [٥٤] . ولعل النهي عن الإكثار من السؤال في صدر الإسلام كان ضرباً من التوجيه إلى ترك ما لا يعني، وسداً للذرائع الموصلة إليه؛ إذ التوجيه إلى الانشغال بما يعني وبيانه هو مهمة الرسول في البلاغ، وحسْب الإنسان أن يفعل ما يوعظ به. وهذا باب تربوي ينبغي للمربين العناية به؛ اهتماماً بما اهتم به الشرع. لماذا الانشغال بما لا يعني؟ إنه يعني بالدرجة الأولى التفرغ من الانشغال بما يعني ويفيد؛ فهذا إنسان فارغ بطَّال لا هو في أمر دنياه ولا في أمر آخرته، وكفى بهذه رادعاً للعاقل اللبيب عن الغي والعبث. قال عمر ﵁: (إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً ﴿أي: فارغاً﴾ لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة) [٥٥] . إن اشتغال الإنسان بما لا يعنيه ولا ينفعه إنما يدل في واقع الأمر على جهل الإنسان بمصالحه، وجهله بحقيقة نفسه وحقيقة الخلق والكون والحياة، أو يدل على غفلته عن السنن ونواميس الكون، أو يدل على محاولته التهرب من المسؤوليات، وذلك دليل عجزه وأمارة ضعفه في علاقته مع الله تعالى؛ فإن المؤمن القوي يكتسب قوته من حرصه على ما ينفعه مع استعانته بالله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ... ) الحديث [٥٦] . أما الكلام فيما لا يعني فيبعث عليه أمور [٥٧] : - الرغبة في معرفة ما لا حاجة له فيه، وهو ما يعرف بـ (حب الفضول) ، وربما سُوِّغ ذلك فسمي (حب استطلاع) ، وحب الاستطلاع بهذا المعنى مذموم. - المباسطة في الكلام على سبيل التودد. وهذا إذا كان له قصد صحيح؛ كتأليف القلب وإحلال المحبة ودوام المودة، توصلاً إلى نصيحة أو توجيه أو تربية.. وإلا كان ضرباً من إضاعة الأوقات. وقد يقع هذا حتى بين الإخوان المجتمعين من غير هدف، كما سماه ابن القيم ﵀ (اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت) [٥٨] . - تزجية الأوقات، وقضاء الفراغ الناتج عن ضعف فهم حقيقة العبودية وغاية الخلق. للمسلم شغل عما لا يعنيه: إن فيما كلف به الإنسان شغل شاغل عما لا يعنيه، وعساه أن يقوم به. قال ابن العربي: (هذا الحديث إشارة إلى أن الإنسان لا يقدر أن يشتغل باللازم؛ فكيف أن يتعداه إلى الفاضل) [٥٩] ، وقال قتادة في قوله تعالى: [والذين هم عن اللغو معرضون] [المؤمنون: ٣] : (أتاهم والله من أمر الله ما وقذهم عن ذلك) [٦٠] . (إن للقلب المؤمن ما يشغله عن اللغو واللهو الهذر.. له ما يشغله من ذكر الله، وتصور جلاله وتدبر آياته في الأنفس والآفاق. وكل مشهد من مشاهد الكون يستغرق اللب، ويشغل الفكر ويحرك الوجدان.. وله ما يشغله من تكاليف العقيدة: تكاليفها في تطهير القلب وتزكية النفس وتنقية الضمير، وتكاليفها في السلوك ومحاولة الثبات على المرتقى العالي الذي يتطلبه الإيمان، وتكاليفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصيانة حياة الجماعة من الفساد والانحراف، وتكاليفها في الجهاد لحمايتها ونصرتها وعزتها والسهر عليها من كيد الأعداء.. وهي تكاليف لا تنتهي، ولا يغفل عنها المؤمن، ولا يعفي نفسه منها، وهي مفروضة عليه فرض عين أو فرض كفاية. وفيها الكفاية لاستغراق الجهد البشري والعمر البشري. والطاقة البشرية محدودة، وهي إما أن تنفق في هذا الذي يصلح الحياة وينميها ويرقيها، وإما أن تنفق في الهذر واللغو واللهو. والمؤمن مدفوع بحكم عقيدته إلى إنفاقها في البناء والتعمير والإصلاح. ولا ينفي هذا أن يروِّح المؤمن عن نفسه في الحين بعد الحين. ولكن هذا شيء آخر غير الهذر واللغو والفراغ) [٦١] . الإنسان مع اهتماماته بين الربح والخسارة: قرن النبي ﷺ توجيهه إلى ترك ما لا يعني الإنسان ببيان علة ذلك وفائدته فهو طريق إلى تحسين الإسلام، وزيادة الإيمان، والترقي في سلم درجات الكمال ومراتبه التي يُحرَمها من انشغل بما لا يعنيه. قال الإمام ابن تيمية: (فإذا خاض فيما لا يعنيه نقص من حسن إسلامه، فكان هذا عليه؛ إذ ليس من شرط ما هو عليه أن يكون مستحقاً لعذاب جهنم وغضب الله، بل نقص قدره ودرجته عليه) [٦٢] . كيف لا وقد انشغل بغير ما خلق له، وأضاع وقته فيما لا يقربه من مرضاة ربه؟ فإن إضاعة الوقت في غير فائدة انشغال بغير العبودية [٦٣] . قال ذو النون: (من تكلف ما لا يعنيه ضيع ما يعنيه) [٦٤] . وقال سهل التُستَري: (من تكلم فيما لا يعنيه حُرِم الصدق، ومن اشتغل بالفضول حرم الورع، ومن ظن السوء حُرم اليقين، ومن حُرم هذه الثلاثة هلك) [٦٥] . في حين أن انشغاله بما يعنيه دون ما لا يعنيه يرقيه في درجات الكمال، ويقربه من مولاه. قال ابن خلدون: (الأفعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا في ديننا الذي فيه صلاح آخرتنا، أو في معاشنا الذي فيه صلاح دنيانا ... وإن لم يكن مهماً علينا ولا فيه ضرر فلا أقل من تركه قربةً إلى الله، فإن (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) [٦٦] . وترك ما لا يعني حصن للعبد من المكروهات، فضلاً عن المحرمات؛ فمن ترك ما لا يعنيه ترك المحرمات من باب أوْلى [٦٧] . إن تربية النفس على ترك ما لا يعني معين على تركيز الذهن والفكر والشعور والنظر والقول والعمل في الاهتمامات الواجبة والمستحبة، بدلاً من تشتيته في أودية وشعاب لا حصر لها؛ فإن السمع والبصر رسولان للقلب ينفذ من خلالهما الكلام والصور، فتنطبع في القلب وتشغله بتحليلها حتى يمتلئ بالفضول؛ فلا يبقى فيه مكان لهمّ فاعل مفيد. بالانشغال بالمفيد ينال الإنسان الحكمة، (قيل للقمان: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل عما قد كُفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني) [٦٨] . وبه يُدرَك الحِلْم. قال معاوية لرجل: (ما بقي من حلمك؟ قال: لا يعنيني ما لا يعنيني) [٦٩] . وتلك هي السيادة حقاً، (قيل للأحنف: بِمَ سُدْت قومك، وأنت لست بأنقبهم ولا أشرفهم؟ قال: أني لا أتناول أو قال: لا أتكلف ما كُفيت، ولا أضيع ما وليت) [٧٠] . إذا كانت هذه سعادة المحيا فإن هذا الأمر مجلبة لسعادة الممات. قال زيد بن أسلم: دُخل على ابن أبي دجانة وهو مريض، ووجهه يتهلل، فقال: (ما من عملي شيء أوثق في نفسي من اثنتين: لم أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي للمسلمين سليماً) [٧١] . أول الطريق: وختاماً: فإن الأمر ليس باليسير، ومما يُعين عليه: - استفراغ الوسع في معرفة ما يجب على المرء، والاجتهاد في أدائه: ففي ذلك شغل شاغل عما سواه. قال شميط العنسي: (من لزم ما يعنيه أوشك أن يترك ما لا يعنيه) [٧٢] . - دوام مجاهدة النفس: قال مورِّق العجلي: (أمرٌ أنا في طلبه منذ عشر سنين، لم أقدر عليه، ولست بتارك طلبه ... قالوا: ما هو يا أبا المعتمر؟ قال: الصمت عما لا يعنيني) [٧٣] . ولا بد من محاسبتها، وربما اقتضى الأمر الزيادة عليها مما يفيدها لتألفه، ومن السلف من عاقب نفسه في ذلك: (مرَّ حسان بن أبي سنان بغرفة، فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه، فقال: تسألين عما لا يعنيك، لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها) [٧٤] . - الاستعانة بالله تعالى ودعائه والتضرع إليه ولا بد من ذلك للسالكين؛ فها هي مالك يوم الدين ﴿الفاتحة: ٤﴾ تتلى في كل ركعة، وها هو نبي الهدى صلى الله عليه وسلم يقول: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) [٧٥] . - دوام مراقبة الله : وعظ عطاء بن أبي رباح أصحابه فقال: (إن من قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها، أتذكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين، عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؟ أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته؟) [٧٦] . ومن استحضر موقف الحساب [يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه. وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه] [عبس: ٣٤ - ٣٧] وتخيل حقيقة الإفلاس إلا من عمل الصالحات أخذ الأمر بمأخذ الجد، وتأهب بما يجب. والله المستعان، وإليه المرجع والمآب.

стр. 3310

دراسات في الشريعة والعقيدة عِلْمُ المُنَاسَبَات في القرآن محمد بن عبد العزيز الخضيري من المألوف لدى كل قارئ لكتب التفسير أن يجد المفسِّر يكاد ألاَّ يغفل عن ذكر المناسبة بين الآية والتي بعدها، أو السورة والتي تليها، أو الحكم وما قارنه من أسماء الله وصفاته، ونحو ذلك، ولم يدُرْ بخلد كثير من القراء أن هذا العلم علم عظيم حظي بعناية العلماء واهتمامهم، وأفردوا له المؤلفات تحقيقاً، أو تطبيقاً. وفيما يلي أخي القارئ إطلالة عابرة تبين لك جوانب هذا العلم، وتعرفك بمقاصده، وتكشف لك أنواعه وتاريخه وأهم المؤلفات فيه. تعريفه: المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة [١] . ويعرف اصطلاحاً بأنه: علم تعرف به وجوه ارتباط أجزاء القرآن بعضها ببعض، وقولُنا: (أجزاء القرآن) شامل للآية مع الآية، والحكم مع الحكم، والسورة مع السورة، والقصة مع القصة، وكل جزء من القرآن مع ما قارنه. أهميته وأقوال العلماء فيه: لقد أبان العلماء فيما سطروه بجلاءٍ عن أهمية هذ العلم وعظيم الفائدة بمعرفته حتى قال الفخر الرازي: (أكثر لطائف القرآن مودَعة في الترتيبات والروابط) [٢] . وقال الزركشي: (واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول) [٣] . أما القاضي أبو بكر بن العربي فقد كشف عن منزلة هذا العلم بقوله: (ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكون كالكلمة الواحدة متسعة المعاني، منتظمة المباني ... علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلَةً ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه) [٤] . وقال الرازي: (علم المناسبات علم عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول) [٥] . وقال في تفسير سورة البقرة: (ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضاً بسبب ترتيبه ونظم آياته) [٦] . وقال البقاعي مبيناً فائدة جليلة من فوائد معرفة هذا العلم: (وبهذا العلم: يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب؛ وذلك أنه يكشف أن للإعجاز طريقتين: إحداهما: نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب. والثانية: نظمها مع تاليتها بالنظر إلى الترتيب. والأول أقرب تناولاً وأسهل ذوقاً؛ فإن كل من سمع القرآن من ذكي وغبي يهتز لمعانيه وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره، ثم إذا عبر الفطن من ذلك إلى تأمُّل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد، فظن أنها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزّ والبسط، ربما شككه ذلك وزلزل إيمانه؛ فإذا استعان بالله وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوقوف بأنه في الذروة من إحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى، فانفتح له ذلك الباب، ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقص ... الفكر منه طرباً، وشاط لعظمة ذلك جنانه، ورسخ من غير مرية إيمانه) [٧] . ... أول من أظهره، وأهم المؤلفات فيه: يعد العلماء أبا بكر النيسابوري (ت ٣٢٤هـ) أول من أظهر علم المناسبات في بغداد، وكان يزري على علماء بغداد لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات، وكان إذا قرئت عليه آية أو سورة يقول: لِمَ جُعلت هذه الآية إلى هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة [٨] . وهذه الأولية إنما هي باعتبار شدة العناية والتعليم؛ وإلا فالمتتبع لتفاسير السلف حتى من الصحابة يجدهم يتحدثون أحياناً عن المناسبات في بعض المواطن وإن كانت قليلة. وقد ذكرنا آنفاً كلمة ابن العربي حين تكلم في هذا العلم وشكواه من بطالة النقلة. أما المؤلفات فيه فهي على ثلاثة أقسام: القسم الأول: من أفرده بالتصنيف، ومن أشهرهم: ١ - أبو جعفر بن الزبير الأندلسي (ت ٨٠٧ هـ) في كتابه: (البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن) . ٢ - السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه: (تناسق الدرر في تناسب السور) . ٣ - عبد الله الغُمَاري في كتابه: (جواهر البيان في تناسب سور القرآن) . وأعظم من كتب في هذا العلم وأشفى على الغاية القصوى فيه، وغدا مرجعاً لا يستغنى عنه فيه هو برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ) في كتابه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) حيث ذكر المناسبات بين آيات القرآن وسوره كلها وبلغ كتابه اثنين وعشرين مجلداً. القسم الثاني: الذين جعلوه نوعاً من علوم القرآن الكريم وتحدثوا عنه في باب من كتبهم، ومن أشهرهم: ١ - الزركشي في كتابه: (البرهان في علوم القرآن) فقد جعله النوع الثاني من كتابه الكبير. ٢ - السيوطي في كتابه: (الإتقان) وقد جعله في النوع الثاني والستين. القسم الثالث: المفسرون الذين عُنُوا بذكر المناسبات في تفاسيرهم، ومن أشهرهم: ١- الفخر الرازي في تفسيره الكبير: (مفاتيح الغيب) . ٢- أبو السعود في تفسيره: (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) . ٣- سيد قطب في كتابه: (في ظلال القرآن) حيث كان يفتتح تفسير السورة بذكر موضوعها العام، ثم يربط بين مقاطع السورة على ضوء ما ذكره من موضوعها وجوّها العام. فوائد هذا العلم: لهذا العلم فوائد، ومن أهمها: ١- أنه يزيل الشك الحاصل في القلب بسبب عدم التأمل في دقة النظم وإحكام الترتيب، وقد تقدم كلام البقاعي في هذه القضية [٩] . ٢ - أنه يفيد في معرفة أسرار التشريع وحِكَم الأحكام وإدراك مدى التلازم التام بين أحكام الشريعة؛ فإذا قرأت قوله تعالى: [قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم] [النور: ٣٠] وتعرفت على المناسبة بين الأمر بغض البصر وحفظ الفرج علمت ما بينهما من التلازم والتلاؤم؛ فحفظ الفرج لا يتم إلا بغض البصر، ومن أطلق بصره في الحرام فحري أن تزلَّ قدمه في الآثام. ٣- أنه يعين على فهم معنى الآيات وتحديد المراد منها، ومن ذلك: خلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: [والصافات صفا] [الصافات: ١] ، فقال قوم: هي الملائكة، وهذا قول الجمهور، وقال آخرون: هي الطير، والصحيح الأول؛ وذلك لأنا لو بحثنا عن المناسبة بين أول السورة وخاتمتها لوجدناه ذكر في الخاتمة في معرض حديث الملائكة عن أنفسهم: [وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون] [الصافات: ١٦٥، ١٦٦] . ٤- وبه يتبين لك سر التكرار في قصص القرآن، وأن كل قصة أعيدت في موطن فلمناسبتها ذلك الموطن، ولذلك ترى اختلافاً في ترتيب القصة ونظمها بحسب المناسبة وإن كانت متحدة في أصل المعنى [١٠] . قواعد في علم المناسبات: علم المناسبات كغيره من العلوم له قواعد وضوابط ينطلق منها المتحدثون فيه، ومنها: الأولى: في كيفية التعرف على المناسبات في السورة جملة: قال المشرالي المغربي: (الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها؛ فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلاً بين كل آية وآية في كل سورة) [١١] . وقد لخص البقاعي تجربته في التعرف على المناسبة فقال: (تتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو) [١٢] . والمتأمل لما كتبه سيد قطب في ظلاله يجده سار على هذا المنوال في بيان أوجه الربط بين مقاطع السورة. الثانية: قال الزركشي: (وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً ووعيداً؛ ليكون ذلك باعثاً على العمل بما سبق، ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه؛ ليُعلم عظم الآمر والناهي، وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك) [١٣] . الثالثة: المزاوجة بين الوعد والوعيد، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب؛ وفي ذلك من الحكمة والمناسبة ما هو بيِّن لكل متأمل. الرابعة: قال السيوطي: إن عادة القرآن إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد؛ حيث يعرض يوم القيامة أردفه بذكر الكتاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملاً وتركاً، كما قال في سورة الكهف: [ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ... ] [الكهف: ٤٩] إلى أن قال: ... [ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل.....] [الكهف: ٥٤] . والقواعد في هذا الباب كثيرة ومثيرة، وليس هذا موطن استقصائها. ... أنواع المناسبات: [١٤] للمناسبات في القرآن ثلاثة أنواع: الأول: المناسبات في السورة الواحدة. الثاني: المناسبات بين السورتين. الثالث: مناسبات عامة. ولكل نوع من هذه الأنواع أقسام كثيرة وسنقتصر في هذه العجالة على بعضٍ منها، مما يتضح به المقصود وينفتح به الباب للطالب الراغب. النوع الأول: المناسبات في السورة الواحدة، ويتضمن أقساماً ومنها: أولاً: المناسبة بين أول السورة وخاتمتها: مثاله: قوله تعالى: في أول سورة البقرة: [الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون] [البقرة: ٣] ، ثم قال في آخر السورة: [آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ... ] [البقرة: ٢٨٥] فهو في أول السورة يذكر صفات المتقين التي يتميزون بها وفي آخر السورة يبين أن الرسول ﷺ والذين آمنوا معه قد امتثلوا تلك الصفات وتحلوا بها. مثال آخر: في سورة (المؤمنون) افتتح السورة بذكر فلاح المؤمنين [قد أفلح المؤمنون] [المؤمنون: ١] ، واختتمها بنفي فلاح الكافرين [ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون] [المؤمنون: ١١٧] . ثانياً: المناسبة بين الآية والتي تليها. مثاله: قوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: ٥] فإنه لما ذكر في أول السورة استحقاق الله تعالى لكل المحامد، وكونه رباً للعالمين، وهو الرحمن الرحيم، وهو مع كل هذا الملك المتصرف في اليوم الذي لا ملك فيه لأحد إلا لله.. كان من شأن كل عاقل أن يُقبِل على مَنْ هذه صفاته وتلك عظمته معترفاً بالعبودية له والذل الكامل لجنابه العظيم ملتجئاً إليه طالباً منه العون والمدد، ثم إنه لما حمد وأثنى ومجّد واعترف بالعبودية ناسب أن يستشرف للطلب من ذلك الرب المستعان، فيقول: [اهدنا الصراط المستقيم] [الفاتحة: ٦] . ثالثاً: المناسبة بين حكمين في الآيات أو الآية: وذلك كما في آيات الاستئذان حين أعقبها بالأمر بغض البصر؛ فإن الاستئذان إنما جعل من أجل أن لا يقع بصر المستأذن على عورة، ولو صادف أن وقع فإن على المستأذن أن يغض البصر، ثم إن العلاقة بين الحكمين بيِّنة؛ إذ فيهما ذكر ما تكون به العفة وحفظ العورات في المجتمع المسلم. والمناسبة بين الأمر بحفظ الفرج والأمر بغض البصر تقدمت فيما سبق، وهما حكمان في آية واحدة. رابعاً: المناسبة بين اسم السورة ومضمونها: مثاله: المناسبة بين مضمون سورة الكهف واسمها؛ فإن السورة قد ذكرت أنواع الفتن التي تمر بالمرء؛ إذ ذكرت فيها الفتنة في الدين في قصة الفتية، وفتنة الجلساء في قوله: [واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ... ] [الكهف: ٢٨] ، وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم في قصة موسى والخضر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين، وفتنة القوة والكثرة في خبر يأجوج ومأجوج، وذكرت هذه السورة المخرج من كل واحدة من هذه الفتن؛ فكأنها كهف لمن اعتصم بها من الفتن، وقد قال رسول الله ﷺ : ... (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) [١٥] . النوع الثاني: المناسبات بين السورتين: ويتضمن أقساماً منها: أولاً: المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمة التي قبلها: مثاله: في آخر سورة الإسراء قال تعالى: [وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ... ] [الإسراء: ١١١] ، وفي أول سورة الكهف التي تليها قال: [الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا....] [الكهف: ١] . مثال آخر: في آخر سورة الطور قال: [ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم] [الطور: ٤٩] ، وفي أول سورة النجم قال: [والنجم إذا هوى] [النجم: ١] . ثانياً: المناسبة بين مضمون السورة والتي تليها: مثاله: في سورة الضحى ذكرٌ للنعم الحسية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سورة الشرح ذكر للنعم المعنوية عليه. مثال آخر: في سورة البقرة ذكر للطوائف الثلاث: المنعم عليهم ويمثلهم المسلمون، والمغضوب عليهم ويمثلهم اليهود، والضالون ويمثلهم النصارى. وقد ذكر في سورة البقرة الطائفتين الأوليين بما هو ظاهر، وفي سورة آل عمران ذكر الطائفة الثالثة فيما يزيد على (١٢٠) آية من أولها. النوع الثالث: مناسبات عامة: وهي المناسبات التي يذكرها العلماء مطلقة في القرآن وهي كثيرة جداً أذكر منها نموذجاً للبيان. - افتُتحت سورتان بقوله: يا أيها الناس وهما: سورتا النساء، والحج، وذكر في الأولى بدء الخلق والحياة للإنسان: [يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء] [النساء: ١] ، وفي سورة الحج ذكر لنهاية هذه الحياة وبداية حياة أخرى: [يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم] [الحج: ١] . شبهة وجوابها: قد يقول قائل: كيف تطلب المناسبات بين الآيات والسور علماً بأنها نزلت مفرقة كل واحدة منها في زمن يخالف زمن الأخرى، وفي قضية مغايرة لمضمون ما جاورها؟ وقد أجاب عن هذا التساؤل الزركشي فيما نقله عن بعض مشايخه المحققين فقال: (قد وهم من قال: لا يطلب للآية الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة؛ وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً وعلى حسب الحكمة ترتيباً؛ فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف) [١٦] . ويزيد هذا الجواب إيضاحاً الشيخ محمد عبد الله دراز فيقول: (إن كانت بعد تنزيلها جمعت عن تفريق فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع، كمثل بنيان كان قائماً على قواعده فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته ثم فُرِّق أنقاضاً، فلم تلبث كل لبنة أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصاً يشد بعضه بعضاً كهيئته أول مرة) [١٧] . وبعدُ أخي القارئ فهذه كلمات وجيزة أردت بها تعريفك بعلم تفيدك معرفته والاطلاع على حقيقته، واللهَ أسأل أن أكون موفقاً في بلوغ الهدف وتحقيق المقصود.

стр. 3311

دراسات في الشريعة والعقيدة أهمية علم مصطلح الحديث ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي لعلم مصطلح الحديث أهمية عظيمة؛ وقد أشار إلى أهمية هذا الفنِّ عددٌ من العلماء الأجلاَّء أذكر منهم: الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي في أول (شرح ألفيته) التي ... لخص فيها (كتاب ابن الصلاح) في هذا الفن؛ حيث قال: (وبعد؛ فعلم الحديث خطير وقعه، كبيرٌ نفعُه، عليه مدار أكثرِ الأحكامِ، وبه يعرف الحلال والحرام، ولأهله اصطلاحٌ لا بُدَّ للطَّالب من فهمه؛ فلهذا نُدِب إلى تقديم العناية بكتابٍ في علمه) [١] . فإذا علم هذا فلا شك أن الإسناد وتأريخ الرواة، ووفياتهم، ونقد الرواة، وبيان حالهم من تزكية أو جرح، وسبر متن الحديث ومعناه، وعلم الجرح والتعديل، وعلم علل الحديث: هي شعب كبرى من (علم مصطلح الحديث) ؛ فهو المَقسِم العام، وتلك أقسام منه. وذلك أن (علم مصطلح الحديث) هو مجموع القواعد والمباحث الحديثية المتعلقة بالإسناد والمتن، أو بالراوي والمروي حتى تقبل الرواية أو ترد، التي بدأ تأسيسها في منتصف القرن الأول للهجرة حتى تكاملت، ونضجت، وانصرفت في أواخر القرن التاسع لحفظ حديث رسول الله ﷺ من الدس والتزوير، والخطأ والتغيير، وهي تتصل بضبط الحديث سنداً، ومتناً، وبيان حال الراوي والمروي ومعرفة المقبول والمردود، والصحيح والضعيف، والناسخ والمنسوخ، وما تفرع عن ذلك كله من الفنون الحديثية الكثيرة، وكل ذلك يسمى: (علم مصطلح الحديث) أو (علم أصول الحديث) ، أو (علم المصطلح) اختصاراً، كما سيأتي بيانه إن شاء الله [٢] . وللأستاذ الشيخ سليمان الندوي ﵀ كلمة مهمة في بيان أهمية الرواية، وضرورة نقد المرويات أحببت أن أوردها هنا؛ ففيها خير تعريف لعلم أصول الحديث. قال ﵀ وهو يتحدث عن (تحقيق معنى السنة ومكانتها) : (الرواية أمر ضروري؛ لا مندوحة عنه لعلم من العلوم، ولا لشأن من شؤون الدنيا عن النقل والرواية؛ لأنه لا يمكن لكل إنسان أن يكون حاضراً في كل الحوادث. فإذاً لا يُتصور علم الوقائع للغائبين عنها إلا بطريق الرواية شفاهاً، أو تحريراً. وكذلك المولودون بعد تلك الحوادث لا يمكنهم العلم بها إلا بالرواية عمن قبلهم. هذه تواريخ الأمم الغابرة والحاضرة، والمذاهب والأديان، ونظريات الحكماء والفلاسفة، وتجارب العلماء واختراعاتهم: هل وصلت إلينا إلا بطريق النقل والرواية؟ ولما كانت الأحاديث أخباراً وجب أن نستعمل في نقدها وتمييز الصحيح من غيره أصول النقد التي نستعملها في سائر الروايات والأخبار التي تبلغنا؛ فهذه القواعد، وأشباهها استعملها المحدثون في نقد الأحاديث، وسموها: (أصول ... الحديث، وبذلك ميزوا الأحاديث الصحيحة من غيرها) [٣] . نشأة علم مصطلح الحديث: نشأت علوم الحديث مع نشأة الرواية ونقل الحديث في الإسلام، وبدأ ظهور هذه الأصول بعد وفاة الرسول ﷺ حين اهتم المسلمون بجمع الحديث النبوي خوفاً من ضياعه، فاجتهدوا اجتهاداً عظيماً في حفظه وضبطه، ونقله، وتدوينه، وكان من الطبعي أن يسبق تدوين الحديث علم أصول الحديث؛ ذلك لأن الحديث هو المادة المقصودة بالجمع والدراسة، وأصول الحديث هي القواعد والمنهاج الذي اتبع في قبول الحديث أو رده، ومعرفة صحيحه من ضعيفه. وقد اتبع الصحابة والتابعون وتابعوهم قواعد علمية في قبول الأخبار من غير أن ينصوا على كثير من تلك القواعد، ثم جاء أهل العلم من بعدهم فاستنبطوا تلك القواعد من مناهجهم في قبول الأخبار، ومعرفة الذين يُعتد بروايتهم أو لا يعتد بها، كما استنبطوا شروط الرواية وطرقها، وقواعد الجرح والتعديل، وكل ما يلحق بذلك؛ فقد لازم نشوء علم أصول الحديث نقل الحديث وروايته، وهذا أمر طبعي؛ فما دام هنالك نقل للحديث فلا بد من وجود مناهج وطرق لذلك النقل. ثم ما لبثت علوم الحديث أن تكاملت، وأصبحت علماً مستقلاً له شأنه بين العلوم الإسلامية [٤] . ومن خلال هذا نعلم أن بدء تدوين مبادئ هذا العلم، وكذا تسجيل بعض مسائله كان ببدء تدوين التاريخ للرجال، والتصنيف للحديث في الكتب، وكان قبل ذلك محفوظاً في الصدور متردداً على الألسنة، ومع ذلك فإنه لم يؤلف فيه تأليف خاص جامع في الجملة إلا في القرن الرابع، وما جاء قبل ذلك كان رسائل مستقلة، ونتفاً وجملاً منثورة، ورسائل في بعض المسائل منه تجيء بها المناسبات. وفي أواخر القرن الثاني بُدئ بتأليف بعض المباحث منه على شكل أبواب مستقلة في موضوعها، يجمع الموضوعَ الواحد منها جزءٌ، أو أجزاءٌ تكون كتاباً لطيفاً بمقاييسنا اليوم [٥] . وإذا كان كما نقل النووي عن الخطيب لعلي بن المديني مئتا مصنف في الحديث فمعنى ذلك أن هذا المذكورَ من مؤلفاته وقد بلغت (٢٩) كتاباً غيضٌ من فيض من تصانيفه في خدمة الحديث، فلا شك أن هناك أنواعاً أخرى ألف فيها، وانقرضت كُتُبها، ولكن أصحابه وتلامذته تلقوها عنه، واستفادوا منها، وأفادوا بها مَنْ بعدهم. وهكذا نرى أن علي بن المديني ألف في جملة كبيرة من أنواع المصطلح وفنونه، وهو من أهل القرن الثاني وأوائل الثالث. وهكذا كانوا يؤلفون أول الأمر لكل فن من فنون علم الحديث كتاباً، ثم لما تقعدت المسائل، ونضجت المباحث، واستقرت الاصطلاحات جعلوا كل نوع باباً من أبواب المصطلح، كما هو الحال في كتاب الإمام ابن الصلاح: (معرفة أنواع الحديث) ، وقد يطول النوع أو يقصر بحسب ما كتبوا فيه، وما دخل تحته من مسائل وفروع وفوائد وتنبيهات. ويمكن أن يقال: إن الإمام الشافعي ﵀ (١٥٠ - ٢٠٤هـ) ، هو أول من دوَّن بعض المباحث الحديثية في كتابه: (الرسالة) ، فتعرض فيه لجملة مسائل هامة مما يتصل بعلم المصطلح، كذكر ما يشترط في الحديث للاحتجاج به، وشرط حفظ الراوي، والرواية بالمعنى، وقبول حديث المدلس، واشتهر عنه موقفه من (الحديث المرسل) ، واستعمل (الحديث الحسن) كما ذكره الحافظ العراقي في حاشيته على (مقدمة ابن الصلاح) [٦] . أطوار علوم الحديث: لقد اعتاد الباحثون في علوم السنة تقسيم كتب علوم الحديث إلى طورين: الأول: طور ما قبل كتاب ابن الصلاح (معرفة أنواع علم الحديث) . الثاني: طور كتاب ابن الصلاح، وما بعده [٧] . الطور الأول: أما بدء الطور الأول لهذا العلم فلا شك أن الإمام الشافعي ﵀ (١٥٠- ٢٠٤هـ) أول من نعلمه تكلم عن بعض علوم مصطلح الحديث كلام تقعيد وتأصيل في كتابه المشهور بـ (الرسالة) . وإليك طرفاً مما قاله الإمام الشافعي ﵀ في (الرسالة) مما يتصل أوثق اتصال بمصطلح الحديث. قال ﵀ في (باب خبر الواحد) [٨] : (قال لي قائل: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة) . فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي ﷺ ، أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً: منها أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يُحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه: لم يَدْرِ: لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبقَ وجهٌ يخافُ فيه إحالته الحديث. حافظاً إذا حدث به مِنْ حفظه، حافظاً لكتابه إذا حدث من كتابه، إذا شَرِكَ أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم، بريئاً من أن يكون مدلساً: يحدِّث عمن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ . ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي بالحديث موصولاً إلى النبي ﷺ ، أو إلى من انتهى به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مثبتٌ لمن حدثه، ومثبتٌ على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت ... إلخ) . ونقل الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمته لكتاب (لسان الميزان) [٩] ، كلامَ الشافعي هذا، ثم قال: (وقد تضمن كلام الشافعي هذا جميع الشروط المتفق عليها بين أهل الحديث في حدِّ من تُقبل روايته) انتهى. وقد علق الشيخ أحمد شاكر على كلام الشافعي في (الرسالة) بقوله: ( ... ومن فِقْهِ كلام الشافعي في هذا الباب وُجِدَ أنه جمع كل القواعد الصحيحة لعلوم الحديث المصطلح) ، وأنه أول من أبان عنه إبانة واضحة، وأقوى من نصر الحديث، واحتج لوجوب العمل به، وتصدى للرد على مخالفيه، وقد صدق أهل مكة وبروا إذ سموه: (ناصر الحديث) ، ﵁ [١٠] . ثم تبعه الإمام الحافظ عبد الله بن الزبير الحميدي (٢١٩هـ) شيخ البخاري والذهلي وهذه الطبقة؛ فقد روى عنه الحافظ أبو بكر بن الخطيب في مواضع من كتابه: (الكفاية في علم الرواية) كلمات هامة في مصطلح الحديث يمكن أن تعد رسالة لطيفة في الموضوع، فيها التعريف الكاشف للحديث الصحيح المحتج به، ولحكم الحديث المعنعن، وما يعد جرحاً عاماً في الراوي، وما لا يُعد إلا جرحاً في بعض حديثه، وغير ذلك مما له أهميته [١١] . وكذا في (الجامع الصحيح) للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ (١٩٤ - ٢٥٦ هـ) جملٌ كثيرةٌ في مسائل مصطلح الحديث، وكذلك في مجموع كتبه ك (التاريخ) ، و (الضعفاء) ، فَيُلتَقَط منها جمل جمة من عل وم الحديث، لا سيما مباحث الجرح والتعديل. ثم تبعه الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج ﵀ (٢٤٠ - ٢٦١هـ) ؛ حيث قدم لكتابه: (الجامع الصحيح) ، مقدمة نفيسة تضمنت جملة صالحة من علم المصطلح، وجاءت هذه المقدمة الحديثية الاصطلاحية بالغة الروعة في ... لغتها، وقوتها ومضمونها، وأمثلتها. وهناك من الأئمة المحدثين من كان يشير إلى بعض قواعد علوم الحديث من تصحيح، أو تضعيف، أو تعليل خلال كلامه على الحديث، كثيراً كان أو قليلاً. فمن المكثرين: الإمام الحافظ محمد بن سورة الترمذي ﵀؛ ففي كتابه المشهور بـ (الجامع) جملة كبيرة من علوم الحديث نجدها مبثوثة في أبوابه، وعند الكلام على أسانيده. قال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ في كتابه: (عارضة الأحوذي) [١٢] : (وليس في قدر كتاب أبي عيسى مِثْلُهُ حلاوةَ مَقْطَعٍ، ونَفَاسَةَ مَتْرَعٍ، وعذوبةَ مشرعٍ، وفيه أربعة عشر علماً فرائد: صنَّف أي الأحاديث على الأبواب وذلك أقرب للعمل وأسند، وصحَّح، وأشهر، وعدد الطرق، وجرَّح، وعدَّل، وأسمى، وأكنى، ووصل، وقطع، وأوضح المعمول به والمتروك، وبين اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله، وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، فرْد في نصابه) . وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد ﵀: (هذا الذي قاله القاضي أبو بكر رحمه الله تعالى في بعضه تداخل، مع أنه لم يستوف تعديد علومه، ولو عدد ما في الكتاب من الفوائد بهذا الاعتبار لكانت علومه أكثر من أربعة عشر؛ فقد حسَّن، واستغرب، وبيَّن المتابعة والانفراد، وزيادات الثقات، وبين المرفوع من الموقوف، والمرسل من الموصول، والمزيد في متصل الأسانيد، ورواية الصحابة بعضهم عن بعض، ورواية التابعين بعضهم عن بعض، ورواية الصاحب عن التابعي، وعدد من روى هذا الحديث من الصحابة، ومن تثبت صحبته ومن لم تثبت، ورواية الأكابر عن الأصاغر، إلى غير ذلك. وقد تدخل رواية الصاحب عن التابع تحت هذا، وتاريخ الرواة. وأكثر هذه الأنواع قد صُنِّف في كل نوع منها، وفي الذي بيناه ما هو أهم للذكر) انتهى. وقد ختم الترمذي أيضاً (جامعه) ، بجزء نفيسٍ للغاية، ألحقه به، وعُرِف أخيراً بكتاب: (العلل الصغير) ، جاءت فيه المباحث الكثيرة الهامة: في الجرح والتعديل، ولزوم الإسناد، والرواية عن الضعفاء، ومتى يحتج بحديثهم، ومتى لا يحتج؟ وفي الرواية بالمعنى، كما ذُكِر فيه شيء من مراتب بعض المحدثين الكبار، ... وصور التحمل والأداء، ومن حُكْم الحديث المرسل، واصطلاح الترمذي في وصفه الحديث بالحسن، أو الغريب في كتابه. ومن المقلين الإمام الحافظ سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي المشهور بأبي داود ﵀ (٢٧٥هـ) ؛ حيث حفظ لنا قدراً حسناً من مسائل هذا العلم في (رسالته في وصف سننه) إلى أهل مكة. وكذا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي ﵀ (٣٠٣هـ) ، لم يخل كتابه: (السنن) من بعض مباحث علوم الحديث. ففي خلال القرن الثالث اتضحت معالم هذا العلم علوم الحديث بما ذُكِر من مسائله في كتب الرجال، أو في كتب الحديث، أو في كتب مستقلة ذات موضوع واحد، مثل كتب الإمام علي بن المديني، وأكثرَ الكاتبون في مسائله: فمنهم: الإمام الحافظ الحجة أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (١٨١ - ٢٥٥هـ) في المقدمة النفيسة لكتابه: (السنن) ، وهو أحد شيوخ الأئمة المحدثين الكبار كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم الرازي، وهذه الطبقة العالية الشأن. فإن هذه المقدمة نفيسة الموقع كل النفاسة؛ إذ تعرض فيها للتعريف بصاحب السنة الشريفة سيدنا رسول الله ﷺ ، وما كان الناس عليه قبل مبعثه، كما تعرض لذكر أول شأنه ﵊ وما أكرمه الله به من معجزات، وما خص به من الصفات المحمدية، والأخلاق النبوية، ولذكر وفاته، وللزوم اتِّباعه، والأدب مع سنته، وأوامره، ونواهيه. وتوجد أيضاً جملة من ألفاظ الجرح والتعديل، والمصطلح، في كتاب ... (الثقات) للعجلي: أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي ثم الطرابلسي (٢٦١هـ) ﵀. وكذلك في كتاب: (تاريخ أبي زرعة الدمشقي) (٢٠٠ - ٢٨١هـ) ﵀ كلام كثير جداً في الرجال، ومسائل من علوم المصطلح، بل هو محشو حشواً بتلك الفوائد والمسائل، حتى إن تلميذه أبا بكر الخلال أحمد ابن أحمد بن هارون (٣١١هـ) سمى كتاب شيخه هذا: (كتاب التأريخ وعلل الرجال) ؛ ففيه نُقُول في مسائل هامة من علم مصطلح الحديث من كلام أئمة القرن الثاني والثالث، كالإمام التابعي محمد بن شهاب الزهري (١٢٤هـ) ﵀، وكلام الإمام الأوزاعي (١٥٧هـ) ﵀، وكلام الإمام مالك (١٧٩هـ) ﵀ ومن كلام كثير سواهم. وقد جاء في كلام هؤلاء الأئمة: التوثيق، والتضعيف، والجرح والتعديل، والتفضيل لبعض الرواة الثقات على بعض، وذكر من يدلس، ومن لا يدلس، والمفاضلة بين الحافظ والأحفظ، والفقيه وغير الفقيه ... ، وحكم التحديث، والإخبار، والإجازة، والقراءة على العالم والسماع منه، وكيف يروى عنه في ذلك، وذِكْر مصطلح بعض المحدثين كدحيم شيخ أبي زرعة الدمشقي، وذِكْر من حظي بالصحبة واللقاء، والإدراك للنبي ﷺ وعدمه، وذِكْر الموالي ومواليهم، والأسماء المتفقة والمفترقة، وأنساب الرواة، وألقابهم، وكناهم، وبيان مواليدهم، ووفياتهم، وبعض شيوخهم، والجرح ببدعة القدرية والخوارج، وبالزندقة، وباللصوق بالسلطان والخروج عليه، وغير ذلك من المسائل الهامة المفيدة. وكذلك في كتاب (المعرفة والتأريخ) للحافظ الإمام يعقوب بن سفيان الفَسَوي (٢٠٠ - ٢٧٧ هـ) جملة صالحة من علوم المصطلح منثورة في خلال بحوثه، يقف عليها الباحث المتتبع بيسر وسهولة. وكذا للحافظ العلامة أبي بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزَّار (٢٩٠ هـ) جزءٌ في معرفة من يُترك حديثه، أو يقبل، ذكره الحافظ العراقي، ونقل عنه في شرحه (للألفية) . وهكذا تعددت التآليف، وتنوعت التصانيف، وكثرت الروافد والأصول، حتى جاء في القرن الرابع الهجري أئمة أعلام لم يفتؤوا من العناية، والكلام عن الحديث ومصطلحاته، ومباحثه. وفي منتصف القرن الرابع توجهت أنظار بعض العلماء إلى جمع تلك المباحث والقواعد المتفرقة في كتاب جامع ناظم لمسائل هذا العلم العظيم علوم الحديث. فقد كتب الإمام الحافظ الناقد ابن حبان البُستي مقدمة صحيحه: (التقاسيم والأنواع) ، ومقدمة كتابه الآخر: (المجروحين) ، ومقدمة كتابه الثالث: (الثقات) ... وتعد هذه المقدمات وخاصة مقدمة الصحيح والمجروحين من أهم ما كُتبَ في علوم الحديث لما حوته من مباحث مهمة، وقواعد لا يستغنى عن العلم بها. وفي القرن الرابع أيضاً كتب الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (٣٨٨ هـ) مقدمة كتابه: (معالم السنن) ، ومع كونها صغيرة إلا أنها تعتبر أول باكورة في تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. ثم كتب أيضاً الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي (٤٠٣ هـ) مقدمة كتابه: (مختصر الموطأ عن مالك) ، المعروف بـ (الملخَّص) تناول فيها مسائل في: الاتصال والانقطاع، وصيغ الأداء، والرفع وأنواعه، ونحوها. وهكذا تتابع العلماء كتابةً في هذا الفن علوم الحديث وما زالوا على هذا المنوال حتى تصدى بعض أهل العلم للكتابة والتدوين لهذا الفن استقلالاً. التدوين استقلالاً: ومن أول من دوَّن فيه تدويناً مستقلاً الحافظ القاضي الإمام البارع الذواقة أحد أئمة هذا الشأن دون شك: أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاَّل الفارسي الرَّامَهُرْمُزي، (٢٦٥ - ٣٦٠ هـ) ﵀، فألَّف فيه كتابه الرائد الماتع الشهير بـ (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) ، وهو كتاب جليل عظيم النفع جمع فيه مادة ضخمة منوعة في فنون الرواية وآدابها. وكذلك نجد كتاب: (المحدث الفاصل) معتمداً الاعتماد كله على كلام أئمة النقد من أئمة الحديث في القرن الثالث الهجري؛ حيث بيَّن فيه منهجهم في مسائل (علوم الحديث) . وكذلك لأبي عبد الله بن منده الحافظ (٣٩٥هـ) ﵀ (جزء) في شروط الأئمة في القراءة، والسماع، والمناولة، والإجازة ذكره الحافظ سبط ابن العجمي في كتابه: (التبيين لأسماء المدلسين) . وكذا قام الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ﵀ (٤٠٥هـ) بتأليف كتاب مستقل فيما نحن بصدده، وذلك هو كتابه العظيم: (معرفة علوم الحديث) . فجاء كتاب الحاكم وكأنه مختص بما كان أهمله كتاب الرَّامَهُرْمُزي ﵀ من الاعتناء بمصطلح الحديث، وشرح معناه، وضرب الأمثلة له. وقد تكلم ﵀ عن العالي والنازل، والموقوف والمرسل والمنقطع، والمعنعن، والمعضل، والصحيح، والسقيم، وغير ذلك من الأنواع، التي بلغت عنده اثنين وخمسين نوعاً. وكتابه هذا صريح كله بأنه ناقل لما عليه أئمة الحديث من شيوخ الحاكم ومَنْ قبلهم، وخاصة أئمة القرن الثالث الهجري. وعلى هذا المنهج نفسه في الأغلب صنف الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ... (مستخرجه على معرفة علوم الحديث للحاكم) [١٣] ؛ لأن طبيعة المستخرجات تُلزم بذلك. وهنا ننتهي من الكلام على مصنفات علوم الحديث في القرن الرابع، وندخل في القرن الخامس الهجري؛ إذ تتابع فيه التأليف، وتعدد فيه التصنيف، فألف فيه حافظ المشرق الخطيب البغدادي أبو بكر أحمد بن علي ابن ثابت (٣٩٢ -٤٦٣ هـ) فأكثر، وأوعبَ، وأطالَ، ونَوَّعَ؛ وقد قال عنه ابن نقطة الحنبلي: (له مصنفات في علوم الحديث لم يُسبق إلى مثلها ولا شبْهها عند كل لبيب. إن المتأخرين من أصحاب الحديث عيالٌ على أبي بكر الخطيب) [١٤] . انتهى. وعنه قال ابن حجر: (قلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً) [١٥] ؛ إلا أن أجلَّ كتبه، وأنفعها في علوم الحديث هو: (الكفاية في علم الرواية) . أما منهجه في كتابه هذا فقد صرح به الخطيب ﵀ في مقدمته تصريحاً واضحاً؛ حيث قال: (وأنا أذكر بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب: ما بطالبِ الحديث حاجةٌ إلى معرفته، وبالمتفقه فاقةٌ إلى حفظه، ودراسته من بيان أصول علم الحديث وشرائطه، وأشرح من مذاهب السلف الرُّواة والنَّقلة في ذلك ما يكثر نفعه. ومن أعيان هذا القرن الخامس الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي (٤٤٦ هـ) ؛ فقد كتب في مقدمة كتابه: (الإرشاد في معرفة علماء الحديث) مقدمة نفيسة تعرض فيها لمصطلحات مهمة بالشرح والتمثيل لها، وكلامه فيها من معين المحدثين، ومن صافي مشاربهم، ولا أثر فيها لأي علم غريب. وكتب أيضاً في هذا القرن الإمام البيهقي (٤٥٨هـ) ، ﵀ كتابه: (المدخل إلى السنن الكبرى) . وقد طبع القسم الثاني من هذا الكتاب، وهو الموجود من مخطوطته، وبقية الكتاب شبه مفقودٍ، فكان مما فقدنا من هذا الكتاب القسم الذي خصَّه البيهقي لعلوم الحديث، ومصطلحاته، وأصوله والله أعلم! وقد جعل الحافظ ابن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ) ﵀ كتاب البيهقي هذا مرجعه الثاني بعد كتتاب ابن الصلاح في كتاب: (اختصار علوم الحديث) كما ص رح بذلك في مقدمة كتابه [١٦] . غير أن محقق كتاب البيهقي: الشيخ محمد ضياء الرحمن الأعظمي قد جمع مجموعة من النقول عن القسم المفقود من (المدخل إلى السنن) من كتب علوم الحديث المتأخر مصنفوها عن الإمام البيهقي [١٧] . فـ (المدخل إلى السنن الكبرى) عبارةٌ عن كتابٍ لإسناد أقوال أئمة الحديث في القرن الرابع فما قبله المتعلقة بأصول الرواية وقواعدها. كما ألف فيه أيضاً حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر الأندلسي: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، (٣٦٨ - ٤٦٣هـ) ، وذلك فيما أودعه في مقدمته النفيسة الواسعة الشاملة لكتابه العُجاب الفريد: (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) في ستين صفحة. وقد نقل الحافظ ابن الصلاح ﵀ كلام الحافظ ابن عبد البر في علم المصطلح في غير موضع من كتابه: (معرفة أنواع علم الحديث) . فإذا انتهينا من مقدمة ابن عبد البر نذكر تبعاً قرينه أبا محمد ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي الظاهري، (٤٥٦هـ) ، وإنما قلت: تبعاً؛ لأنه تعرض لعلوم الحديث في كتابه: (الإحكام في أصول الأحكام) ، وهو كتابٌ في أصول الفقه لا في علوم الحديث، ولا مقدمة لكتاب في الحديث! والكتاب، بعد ذلك وعلى هذه الشاكلة، يمثل قواعد ابن حزم ﵀ ومصطلحه، لا قواعد الحديث، ومصطلحه عند أهله! وجاء بعد الحافظين الكبيرين الخطيب البغدادي، وابن عبد البر الأندلسي الحافظ القاضي عياض اليحصبي (٤٧٩ - ٥٤٤ هـ) ﵀ فألف كتابه الماتع: (الإلماع إلى معرفة أصول الرِّواية وتقييد السَّماع) . ولهذا الإمام تعرُّضٌ واسع لأبوابٍ من علوم الحديث، في كتابين له هما: (الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) ، ومقدمة كتابه: (إكمال المعلم بفوائد مسلم) للمازري. إلا أن كتابه الأول (الإلماع) كتاب مختص بأصول الرواية (طرق التحمُّل وحجيتها) ، وتقييد السماع (كألفاظ الأداء) ، وما يتعلق بذلك، وبعض الآداب وما شابهها. فليس في الكتاب اهتمام بالمصطلحات الحديثية لأقسام الحديث التي هي مدار حديثنا! أما كتابه الآخر: فهو شرح لمقدمة الإمام مسلم لصحيحه، وحيث تعرض الإمام مسلم في مقدمته لصحيحه لبعض القضايا المهمة في علوم الحديث تناولها القاضي عياض بالشرح. وبما أن القاضي عياض ﵀ فقيه وأصولي لذلك فقد حشا كتابه: (إكمال المعلم) بالنقل عن الفقهاء، والأصوليين، والمتكلمين حتى غلب النقل عنهم على المتحدثين [١٨] ! ثم جاء بعده قاضي الحرمين أبو حفص الميَّانِشيّ: عمر بن عبد المجيد بن عمر القرشي، نزيل مكة (٥٨٣ هـ) ﵀ وكتب رسالته الصغيرة المسماة بـ (ما لا يسع المحدث جهله) ، وهي رسالة مختصرة جداً، وغالبها نقل واختصار من كتابَيْ: (معرفة علوم الحديث) للحاكم، و (الكفاية) للخطيب، ولم تَخلُ من فائدةٍ. وقد أغفل الحافظ ابن حجر أيضاً في سلسلة من كتبوا، أو ألفوا في (المصطلح) : الإمام مجد الدين أبا السعادات مبارك بن محمد المشهور بابن الأثير، (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ) وما كتبه في مقدمة كتابه: (جامع الأصول في أحاديث الرسول) وذلك في الباب الثالث في بيان أصول الحديث وأحكامها، وما يتعلق بها [١٩] . وقد بلغ هذا الباب (١١١) صفحة فهو كتاب وليس بباب صاغه الإمام ابن الأثير ﵀ بفصاحة عبارته، وجمال أسلوبه، ودقة صياغته، واستوفى فيه أهم مباحث المصطلح تقريباً. واستخلص ذلك من كتب الترمذي، والحاكم، والخطيب، البغدادي وغيرهم، كما أشار إلى ذلك في فاتحة ذلك الباب. وبقي في هذا الطور مشاركات عدة مما بلغنا، وما فُقِدَ فأكثر! لكن ما بلغنا من هذه المشاركات: إما أنه لم يقصد إلى شرح مصطلحات، وإنما اعتنى ببيان بعض القواعد، والأصول، أو أنه نقل محض تندر فيه الإضافة المؤثرة. ومن أمثلة تلك المشاركات: كتاب: (شروط الأئمة الستة) لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي (٥٠٧ هـ) . ومقدمة كتاب: (الوجيز في ذكر المجاز والمجيز) لأبي طاهر أحمد بن محمد السلفي (٥٧٦ هـ) . وكتاب: (شروط الأئمة الخمسة) لأبي بكر محمد بن موسى الحازمي (٥٨٥هـ) . وبهذا نكتفي بما ذكر مما ألف في هذا الطور طلباً للاختصار، وما ذُكر فيه كفاية والله أعلم. الطور الثاني: وهذا الطور لا شك أنه أخذ حجماً كبيراً، وميداناً واسعاً في كثرة التأليف في فن (علم الحديث) ، حتى إنك قد تعجز عن حصر الكتب التي اعتنت بهذا الفن، لذا لن نتوسع في ذكر كتب المصطلح التي صنفت في هذه الحقبة الزمنية خشية الإطالة والخروج عن مقصدنا؛ ومنه سنكتفي إن شاء الله بذكر كتابين عظيمين، وكذا ما تعلق بهما سواءاً اختصاراً، أو شرحاً، أو تنكيتاً، أو تعليقاً؛ لأنَّ في ذكرهما وذكر ما تعلق بهما كفاية، ووفاية والله أعلم، وهما: الأول: كتاب: (معرفة أنواع علم الحديث) ، للإمام ابن الصلاح ﵀. الثاني: كتاب: (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) ، للإمام ابن حجر ﵀. كتاب: (معرفة أنواع علم الحديث) : ثم بعد هذا وذاك جاء الحافظ ابن الصلاح: أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشَّهْرَزُورِي، الشافعي (٥٧٧ - ٦٤٣ هـ) ، فألف كتابه العظيم في علوم الحديث المسمى بـ (معرفة أنواع علم الحديث) ، وقد اشتهر أخيراً بـ (مقدمة ابن الصلاح) ، ووقف التأليف في (علوم الحديث) ، عند كتابه هذا، فإنه جمع فيه عيونه، واستوعب فيه فنونه. وغدا هذا الكتاب لمحاسنه الجمة، وتفوقه على كل من سبقه المنهل العذب المورد في المصطلح لكل حديثي ومحدث وعالم، وتوجه العلماء من بعده إليه بشرحه، أو اختصاره، أو تحشيته، أو نظمه. قال الحافظ السيوطي ﵀ عنه: ( ... إلى أن جاء الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، فجمع (مختصره) المشهور، فأملاه شيئاً بعد شيء لما ولي تدريس دار الحديث الأشرفية بدمشق فهذب فنونه، ونقح أنواعه، ولخصها، واعتنى بمؤلفات الخطيب، فجمع متفرقاتها، وشتات مقاصدها، فصار على كتابه المعوَّل، وإليه يرجع كل مختصر ومطول) . انتهى. وعنه يقول الحافظ ابن حجر: (فهذب فنونه، وأملاه شيئاً بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب، وضم إليها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرِك عليه ومقتَصر، ومعارضٍ له ومنتصر!) [٢٠] . فإذا علم هذا فإننا نجد أهل العلم لم يألوا جهداً في العناية بكتاب ابن الصلاح هذا ولذا تضافرت جهودهم في الاهتمام به شرحاً، أو نظماً، أو اختصاراً، أو تنكيتاً، أو تعليقاً، أو تعقيباً، وهكذا لم يبرحوا عن متابعة خدمة هذا الكتاب الجليل، وهو كذلك؛ فقد أتعب ابن للصلاح ﵀ من بعده، وحاز سعده؛ حيث أصبح كتابه همّاً للاحقين، ومفزعاً للطالبين، والله يؤتي الفضل من يشاء من العالمين، والحمد لله رب العالمين. هذا، وبقي كتاب الحافظ ابن الصلاح: (معرفة أنواع علم الحديث) المنهل الوحيد المفضل في علم المصطلح نحو مائتي سنة حتى جاء الإمام الحافظ ابن حجر ﵀ فألف رسالته المختصرة التي سماها: (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) ، كما سيأتي الكلام عنها إن شاء الله. نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: لقد ألف الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، المشهور بابن حجر ﵀ (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) أمير المؤمنين في الحديث، رسالته المختصرة الجامعة التي سماها: (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر) ، ثم شرحها بالكتاب الذي اشتهر أيضاً باسم: (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر) ، فاتجهت أنظار العلماء إليه، وعوَّلوا في علم المصطلح عليه؛ لاختصاره وتنسيقه، وتمحيصه وتحقيقه، واحتوائه لزيادة جملة هامة ... من أنواع علم الحديث خلت عنها مقدمة الحافظ ابن الصلاح؛ فمن ثم صارت ... (نخبة الفكر) وشرحها محل الدرس والنظر من علماء الأثر، فكثر شراحها ومختصروها، وكاتبوا حواشيها، وناظموها، كثرة بالغة كادت تبلغ ما بلغته مقدمة ابن الصلاح؛ فلا يحصى كم ناظم لها ومختصر، ومستدرك عليها ومقتصر، ومعارض لها ومنتصر [٢١] ! ومن خلال ما ذكرناه عن كتاب ابن حجر ﵀ فإنه لم يكن أقل حظاً من كتاب ابن الصلاح؛ لذا نجد أهل العلم أيضاً لم يألوا جهداً في العناية به؛ حيث تضافرت جهودهم في الاهتمام به سواءاً: شرحاً، أو نظماً، أو اختصاراً، أو تنكيتاً، أو تعليقاً، أو تعقيباً.

стр. 3312

قضايا دعوية نحو استثمار أفضل لفائض الوقت د. مصطفى السيد يسعى المسلم يومياً مع الملايين من إخوانه في مناكب الأرض إعماراً لها، وإعمالاً لمواهبه، إنتاجاً وإبداعاً، وبعضهم يضرب في طلب الرزق أجواء الفضاء، وآخرون يركبون متون البحار والأنهار يعملون وكلهم يشتهون غداً أفضل، ومستقبلاً أجمل لأمتهم وأوطانهم. والأمة التي تجعل العمل من مقومات وجودها، وهدفاً أساساً لها في الحياة لن تحصد بفضل الله ثم بعملها إلا مجداً باهراً، وازدهاراً ساطعاً، وحُق لأمة تكون كذلك أن تكون لها سويعات ترفيه، وأوقات راحة تخلد فيها إلى الهدوء، أو تركن إلى صحبة تتعاطى معها نشاطاً ذهنياً أو رياضياً يتجدد من خلالها نشاطها، وتتنمى عبرها مواهب قد لا يتمكن العاملون من إشباعها أوقات الدوام. هكذا تكون الحياة السوية سمواً عبر العطاء، ومثاقفة بناءة في ساعات الترويح والاسترخاء. تعالوا أيها الأحبة نسائل أنفسنا: أين نحن من ذلك في حياتنا بشطريها: العامل، والمستريح؟ لا أنكر ابتداءاً أنه يوجد بيننا من حولوا ساعات العمل بفضل الله ثم بفضل ما طبعوا عليه من تربية؛ حولوها إلى زيادة في رصيد حسناتهم، وإلى نتاجات فكرية أو مادية استفاد منها البلاد والعباد. كما يوجد من بيننا من حوّل ساعات الترفيه والاسترخاء إلى وجه آخر من وجوه الحضور للمسلم المنتمي إلى عصره ومجتمعه انتماء مشاركة، وتعاون على البر والتقوى، وتفكر وتدبر في كل دقيقة، وكيف تملأ بما يكفل عائداً مجزياً ومردوداً مريحاً؛ وذلك عندما يوفق في قضاء ساعات راحته مع فئة من الناس تتبسط بغير استهتار، وتتحادث بغير إسفاف، لا تخلع العذار في مزاحها، ولا تسقط الحياء في لهوها، تتهادى الكلمة الطيبة، وتتبادل الأفكار التي تفتح للأمل أبواباً، وتوصد من اليأس مثلها، يحضرهم سمر النبي ﷺ عند أبي بكر ﵁ الذي كان سمراً في مصالح المسلمين، وقول عمر رضي الله عنه: (إنه لم يعد له من أرب في العيش لولا محادثة أهل الفضل والمروءة) . إن مثل هذه النماذج المباركة جعلت من لقاءات الترفيه والسمر مدارس تبث الكلمة النافعة، وتضخ الخبرة الناضجة لجُلاّسها؛ لأنها: - لم تفهم الترفيه تحرراً من المسؤولية، وتحللاً من الفضيلة مرددة مقولة جاهلية ومأثورة شيطانية: (ساعة لك وساعة لربك) ، أو: (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) . - لم تفهم الترفيه هروباً إلى رفقة سوءٍ رأت في الحياة عبءاً، والعمر هماً جاثماً على الصدر، فتفننت في التخلص منهما، والتحلل من مستلزماتهما. - لم تفهم الترفيه هروباً إلى العكوف بين يدي متحدث عليم اللسان، فارغ الجنان، اختزل الحياة بساقط النكات والقهقهة العابثة التي رأت في سخف القول والعمل سقفاً للعيش، ومضماراً للهو والطيش. - لم تفهم الترفيه هروباً من الأسرة وحقها في أوقات تأخذ من الأب تجربته، كما يلقي الأب السمع إلى أفكار ورؤى أبنائه وبناته، لا يتركهم تحتبس الكلمات في صدورهم، والأسئلة في عقولهم، يغيب عنهم وعن زوجته ليحل محله يأس طاغ، أو رفيق سوء باغ، أو جلوس إلى قنوات فضائية تتسمر أعينهم في صورها، يلتهمون سمها الزعاف وفكرها القاتل. - لم تفهم الترفيه استقالة من معالي الأمور، وانتحاراً بطيئاً غير مباشر من تبعات الحياة، حتى صار هؤلاء القوم يقدمون الاستراحة على البيت، وروادها على الأسرة، والحياة الهاربة من كل التزام جاد على الحضور الذي تتحقق به ومعه أهداف الحياة، حتى إن بعضهم ليحسب أنما خلق عبثاً للعيش بلا دور سوى حضور باهت على هامش الحياة معطلاً فيه عقله، معلقاً رجولته بخيوط العجز واللامبالاة، مؤكداً حضوره بتثاؤب مكدود، عيناه باتتا موانئ للذباب، وروحه ملاعب لجيوش اليأس والإحباط. - لم تفهم الترفيه سخرية لاذعة من الإصلاح والمصلحين، والجد والجادين، بل رأت في الترفيه والسمر فرصاً لرفعه إلى مستويات الجد من خلال دعاء لحاكم ومحكوم بالتوفيق والنجاح، أو من خلال جمع بعض المال تفك به أزمة مأزوم، أو بالتداول في طرائق النصح لمنحرف ضل الطريق، وهكذا كانت أوقات الترفيه استمراراً لأوقات الجد واستكمالاً لساعات العمل. إذا كان الناس يتداعون لشهود صلاة الجنازة على ميت مات فما العمل إزاء شريحة كبيرة من أفراد الأمة باتوا أحياءاً أمواتاً، وأصبحوا حاضرين غائبين، همشوا أنفسهم، أو همشتهم ثقافة الإقصاء التي تجرعوها، توارثوها من أسر لا تمسك علماً، ولا تنبت قيماً. شريحة تعيش في الحضيض، وإخوانهم من شياطين الجن والإنس يمدونهم بالغي ثم لا يقصرون، يوهمونهم أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم في قلب الحياة، والحق أنهم لم يدخلوها إلا بشهواتهم، ولم يحضروا إلا في أطرافها النائية. هل هؤلاء الذين ارتضوا من الغنيمة بالإياب، ومن الحياة بالفتات؟ هل هؤلاء ضحايا أم خاطئون؟ برءاء أم مسؤولون؟ هل هم نتاج الثقافة الزائفة؟ هل هم دلائل ساطعة على إخفاقنا، وإخفاق المؤسسات العامة والخاصة في استيعابهم؟ وهل حسبُنا أن نطرح السؤال فقط؟ أو أن نشخص الأوجاع فحسب؟ إن ذلك فهم، ولكن الأهم أن ننتفض انتفاضة نفسية وعقلية لمواجهة النزف والهدر في هذه الشرائح، وأطْرها على الحق من خلال كل الوسائل المتاحة والمباحة؛ لأن الأمة لن تقدر على نهضة جادة وفي خواصرها جروح نازفة يأساً، راعفة إحباطاً، هاذرة في الملمات، هائمة في وقت الحاجة الماسة إلى التركيز.

стр. 3313

قضايا دعوية الداعية المطلوب محمد بن عبد الله التميمي إن مضمار الدعوة إلى الله - تعالى - هو المضمار الذي تتسابق إليه النفوس الطموحة والعقول الواعية المفكرة لخوضه وكسب قصب السبق فيه - إي وربِّي! نعم إنها لكذلك، وإنها لأجلُّ من ذلك ... فلكم قُدِّمت لأجلها رؤوس ... وأُزهقت أنفس ... وأُدميت أعقاب ... وذرفت دموع! ... إنها (صناعة الحياة) والآسي [١] المضمِّد لجراحات الأمة (وما أكثرها!) وهي المهندس الذي يبني (قلعة) الإسلام ويُرمِّمُ بِنْيَة جدارها الذي يُريد أن ينقضَّ، وهي الضوء والخرِّيت [٢]- الذي يشق العُبابات ويجلي الغبش عن نواظر الأمة ليَمدَّ لها طريقاً في الأفق يبدأ من منطلق: [واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا] [النساء: ٣٦] عبر محور: [فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين] [التوبة: ١٢٢] مروراً بمبدأ: [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون] [السجدة: ٢٤] كل هذا يصاغ ببوتقة: [ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك] [آل عمران: ١٥٩] ، [ولا تصعر خدك للناس] [لقمان: ١٨] . أَجْمِلْ بالداعية وهو يصعد عالي البحار وسافل الوهاد يَجُوبُ الأرض قائلاً: [يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم ... ] [النساء: ١] مذكراً كلَّ مدَّكرٍ، ومعلماً كل جاهل، ويداً حنونة تعطف على من تنكَّب الجادَّة، ومَنْهلاً روِيًّا يطفئ غليل كل طاغية.. وابتسامة متفائلةً في وجه كل الصعوبات، وأمام كلِّ العقبات ... وثباتاً على المبدأ عند المنعطفات وتحت وطأة كل التيارات؛ أجل ... فالدعوة هي سُلَّمُ النهوض بالأمة الإسلامية من سباتها العميق ومشهدها الدامي الحزين! ! والداعية هو البطل الذي سَيَنْتَشِلُ قرة عينه (الأمة الإسلامية) من كَنَفِ الرذيلة، وحمأة الضلالة، ومنعطفات الغواية، ومن شؤم المعصية إلى حلاوة الإيمان وزورق الحياة السعيدة وجمال الحسنة وبَرِّ الأمان؛ حداؤه في برنامجه الدعوي: ... [ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين] [فصلت: ٣٣] ليحوز الخيرية (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) [٣] . لكن (العمل الدعوي) ليس باباً مفتوحاً على مصراعيه، أو ماءاً الناسُ فيه شركاء، لا، ثم لا.. فإن صُنَّاع الحياة لا بد لهم من معايير ومقاييس يسيرون على ضوئها؛ ومن أبرزها: - الإخلاص والمتابعة (شرطان لذاتهما ولغيرهما) . - المصداقية في القول والعمل. - ترجمة (الأوامر والنواهي) إلى واقع محسوس في حياة الداعية، ثم إلى مسرح الحياة. - الصبر. وفي الحديث: (والصبر ضياء) [٤] قال الشاعر: أحرى بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... وُمْدمِنِ القرع للأبواب أن يلِجا بل إنَّ مدارالإمامة في الدين على الصبر واليقين كما قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى - مصداقاً لقول الله - سبحانه -: [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون] [السجدة: ٢٤] . - (التأصيل العلمي) وجمع المسائل العلمية [٥]- وإن كان هذا المعيار تدور حوله القضية الساخنة (العلم، والدعوة، والصراع) [٦] إلا أننا ندرك أن الدعوة إلى الله - تعالى - دائرة حول (الأحكام التكليفية والوضعية) وهي مفتقرة إلى الدليل الذي يدعم حكمها - قلَّ أو كثُر - قال ﷺ : (بلِّغوا عني ولو آية) [٧] وقال: (رُبَّ حاملِ فقه لا فقه له) [٨] . - صب الاهتمام بكليات المسائل من غير إذابة لجزئياتها عملاً بقاعدة: (إذا تزاحمت المصالح قُدِّمَ الأعلى منها) . وهذه (المقاييس والمعايير) هي السلاح الذي يغدو به (الداعية إلى الله) صانعاً للحياة مؤدياً رسالته على الوجه المطلوب. وجماع هذه المقاييس والمعايير محوران: (التحصيل العلمي الصحيح) ... و (المخزون الإيماني) بجانب - الخلق الدمث النبيل - وإن لم تكن هذه (المقاييس والمعايير) في جعبة الداعية فما عليه إلا أن يتنحى عن الطريق لغيره؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

стр. 3314

تأملات دعوية وما عليك ألا يزكى محمد بن عبد الله الدويش لقد كان النبي ﷺ يحمل عاطفة صادقة، كان يحب الخير للناس كلهم، ومن ثم كان يحزنه ويؤلمه ما هم عليه من الكفر والضلال، ويكاد أن يهلك نفسه حزناً على ما هم عليه، وحرصاً منه ﷺ على إسلامهم وإيمانهم. وفي القرآن آيات عدة تحكي ما كان عليه ﷺ من ذلك؛ ففي سورة الأنعام يقول ﵎: [وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين. إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون] [الأنعام: ٣٥، ٣٦] . وفي سورة الكهف قال ﵎: [فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا] [الكهف: ٦] وفي سورة الشعراء: [لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين] [الشعراء: ٣] . إن حرص الداعية على اهتداء الناس، وحزنه على ضلالهم وإعراضهم دليل على محبته الخير لهم، وعلى صدقه في دعوته، وها هو صاحب أهل القرية حين مات ورأى ما أعده الله له في الجنة تمنى أن يعلم قومه بما جُوزي به، حتى يهديهم الله، ويقبلوا عليه [قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين] [يس: ٢٦، ٢٧] . لكن هذا الحرص ينبغي ألا يتجاوز حد الاعتدال، وإلا كان أمراً منهياً عنه. إنه حين يتجاوز هذا القدر يولِّد آثاراً سلبية، منها: ١- شعور الداعية بأنه مسؤول عن هداية الناس، وإصلاحهم بينما واجبه البلاغ، والهداية إنما هي بيد مَنْ قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء، ولئن كانت مهمة النبي ﷺ تقف عند واجب البلاغ؛ فغيره من باب أوْلى. ٢- انشغال الداعية أحياناً بشخص يطمع في هدايته، أو شخص انحرف بعد صلاحه واستقامته، وهذا الانشغال يصبح في أحيان كثيرة على حساب الآخرين، فيأخذ وقت الداعية ويشغله عمن هو أحوج منه إلى بذل الجهد والوقت؛ فالمقبلون على الله الصادقون في الاستجابة أوْلى من هؤلاء المعرِضين، ولقد عاتب الله ﵎ نبيه ﷺ في ذلك فقال: [أما من استغنى. فأنت له تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأما من جاءك يسعى] [عبس: ٥ - ٨] . ٣- انشغال فكر الداعية وقلقه، مما يشغله عن التفكير بما هو أهم من ذلك وأوْلى. إن الشعور بأن لكل مشكلة حلاً إن صح في ميادين فإنه لا يصح في الميادين الإنسانية؛ فالمربي والداعية قد يستطيع أن يخطو خطوةً مَّا، ويتخذ حلاً لمشكلة تؤرقه، لكنه لا يستطيع بحال أن يضمن استجابة الطرف الآخر وتقبله؛ فالدعوة والتربية ليسا عملاً من طرف واحد. وفي سِيَر الأنبياء وهم الذين بلغوا الغاية والقمة في دعوة الناس والتأثير عليهم نماذج تدل على صدق هذه القضية. فها هو نوح ﵇ يجتهد في دعوة ابنه دون يأس من استجابته حتى آخر لحظة، فيناديه وهو في الفلك: [يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين] [هود: ٤٢] . وها هو إبراهيم ﵇ يبذل جهده في دعوة والده ونصيحته دون يأس. وها هو خاتم الرسل محمد ﷺ يأتي إلى عمه وهو في مرض الموت قائلاً له: (كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله) [١] . ومع ذلك الجهد من هؤلاء الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه عليهم فلم يستطيعوا هداية هؤلاء الذين هم من أقرب الناس إليهم، وماتوا على الكفر كما ماتت زوج نوح وزوج لوط ﵉ على الكفر وقيل لهما: [ادخلا النار مع الداخلين] [التحريم: ١٠] . فلنبذل جهدنا في دعوة الناس وتربيتهم وإصلاحهم، لكن لنعلم أن الثمرة والهداية بيد الله ؛ فحين لا تتحقق النتيجة التي نريد فلا ينبغي أن نضجر ونبالغ في التألم والتحسر.

стр. 3315

دراسات تربوية وصايا محب بليغ المشاعل الحمد لله رب العالمين ... أخي الحبيب: كم يعتريني خجل وحياء كلما رأيت قلمي يداعب الورقة لكتابة رسالة إليك، فأنا كالمدين الذي جاء يسدد الدين بعد فوات الأجل، تراه يسير بجانب الجدار ثم يطرق الباب، وهو يسأل الله ألا يفتحه الدائن بل أحد أبنائه الصغار، فيعطيه ما معه وينصرف سريعاً ليختفي عنه ردحاً من الدهر.. وأحسب أني لا أختلف كثيراً عن ذلك المدين؛ فكم أتمنى أن أرسل هذه الرسالة مع أحد معارفك أو زملائك، أو لعل ريحاً تأتي فتحمل تلك الرسالة إليك وتريحني من عناء اللقاء المشوب بخجل المداينة؛ لكن طمعي وأملي في جميل طبائعك وكريم سجاياك سيجعلني أتجرأ لأقف بالرسالة بين يديك فأعطيكها دون خوف الدَّين والمدين. مشاعر غريبة جداً اعتلجت في صدري حينما قرأت ما كتبته إليَّ حول طلبك النصيحة مني: أهي شعور بالفرح لاستمرار الثقة والمودة بيننا؟ أم شعور بالخوف من عدم القدرة على أداء هذه المهمة؟ أم شعور محبط بنقصي الذي يمنعني من نصح من هم على مستوى عالٍ من الخلق والدين. وبقيت أياماً لا أستطيع تحديد حقيقة مشاعري وموقفي تجاه تلك الرسالة، حتى استقر شأني على أمرين لا ثالث لهما: إما أن أكتب الرد، أو لا أكتبه. وكان لكلٍ من هذين الأمرين داعيه الذي يلح عليَّ بالإجابة فأقف حائراً بينهما، ولكني عزمت على الكتابة أداءً للحق الواجب شرعاً بين المؤمنين، ولعلَّ الله - تعالى - أن ينفعني وإياك بهذه الوصايا: الوقفة الأولى: رفيق الدرب! أخي الفاضل ... ما أشق الطريق وأبعد الغاية على الذين يسافرون وحدهم من غير صاحب يخفف عنهم عناء الطريق، ويدفع عنهم جهد السفر، والمسلم في هذه الحياة مسافر يحتاج إلى أنيس في سفره ومعين في جهاده حتى يصل لغايته وهدفه، ويا لسعادة ذلك المسافر إن كان رفيق دربه كيّساً تقياً! ويا لتعاسته إن كان غير ذلك! إن المؤمن قوي بإخوانه ضعيف وحده، ولا يزال العبد في قوته ما دام آخذاً برفقة الخير والجلساء الصالحين (فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) [١] . كم أشعر بالغباوة وأنا أسترسل في ذكر أهمية الأخ الصادق والرفقة الطيبة وهي حقيقة أصبحت من آكد المسلَّمات! قد يستنكر بعض الشباب الذين قطعوا شوطاً كبيراً في الهداية حينما توصيه بالتزام الرفقة الصالحة والعض عليها بالنواجذ، وهم مخطئون بذلك الاستنكار؛ فالمؤمن في كل حال ومهما بلغ يظل محتاجاً لإخوانه، بل هذا نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم يوصيه ربه فيقول: [واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا] [الكهف: ٢٨] . فيا لغباء المستكبرين! ! الوقفة الثانية: وللرفيق بريق: من الخطأ بل من السذاجة أن نعتقد أن الشيطان سينسحب من المعركة في أول هزيمة له أو أنه سيتركنا مع أول وقفة جادة لنا مع أنفسنا. ولئن أشرت إلى أهمية الرفقة الصالحة قبل قليل فلا بد من الإشارة إلى مزلقين هامين يحرص الشيطان على نصبهما لنا كثيراً: المزلق الأول: أن نعتقد أنَّا قد وجدنا الرفيق الصالح بمجرد رفقتنا لمجموعة صالحة، ومن ثمَّ يعتقد الإنسان أنه مع جليس صالح بمجرد أن يكون مع رفقة بعمومها صالحة، وننسى أن النفع الأكبر إنما يكون من خاصة أولئك الصالحين، فبعض الناس ينتقي أردى الأصحاب ليقتبس أخلاقه ويتطبع بطباعه، ويهمل الأخيار والمتميزين منهم؛ لأنه في رفقةٍ الغالبُ عليها الصلاح، ولا يزال يتردى وينحط مع خليله ذاك حتى ينسى نفسه، ويفقد خيراً كثيراً. وقد أشار الإمام ابن القيم إلى آفات الاجتماع بالإخوان فقال: (الاجتماع بالإخوان قسمان: أحدهما: اجتماع مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت. الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات: تزيين بعضهم لبعض، والكلام والخلطة أكثر من الحاجة، وأن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود) [٢] . المزلق الثاني: الاكتفاء بدور الأستاذ المربي، ومع شرف هذه المهمة وأهميتها إلا أن الاهتمام بمعاشرة أهل الفضل والعقل والتقوى من الجانب الآخر أمر مهم؛ لكي لا يكون عقل الرجل مع مرور الوقت عقل صبي في جسم رجل. والتوسط في كل الأمور حسن ومطلوب. الوقفة الثالثة: حياة بلا روح: ما أقبح الحياة بلا روح! بل لا حياة بلا روح.. وكل مبتغٍ للحياة استمراراً من غير روح فهو كمن يرجو المحال.. يقول تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: ٥٢] . سبحان الله! فقد سمَّى الله القرآن العظيم بالروح، فلا حياة حقة من غير كتاب الله ، ولا نعيم في الدنيا والآخرة من غير كتاب الله؛ فهو لذة المتلذذين ونعيم المتنعمين، وهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم. إن خير ما يربي به المرء نفسه وخير ما يربي به المربون أبناءهم جلسة خاشعة مع كتاب الله خالية من كدر الدنيا، وخالصة من شوائب الحياة، وما أجمل الصلة بحبل السماء يوم تنقطع حبال الأرض! وما أجمل ولوج أبواب السماء يوم تغلق أبواب الأرض! وأعظم ما يكون الأُنس بكتاب الله تعالى حينما تهدأ العيون ويغط الناس بنومهم، فيقوم الصالحون يتلون كتاب الله تعالى بخشوع صادق، وإخبات تام، تحفهم الملائكة بالرحمة، [وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا] [الإسراء: ٧٨] . احرص على قراءة كتاب الله وتفسيره وحفظه وتدبره والعيش معه في ورد خاص، ولا تقطع صلتك بكتاب الله، بعيداً عن كل ملهيات الدنيا وصوارف الحياة. [وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم] [فصلت: ٣٥] . الوقفة الرابعة: أرحم الناس بالناس: أخي الكريم: كم تكون شفيقاً حينما تشاهد منكوباً يتألم، فتتألم لألمه وتبكي لبكائه. وكم تكون رحيماً حينما تمد يدك بصدق من أجل مساعدته. وكم تكون أرحم ممن سبق حينما تجهد نفسك في عونه ومساعدته، وتؤثره على نفسك. لكن اعلم رحمك الله أنك من أرحم الناس بالناس يوم تدعوهم إلى الله، يوم تقدم لهم نور الهداية، وتنقذهم من ظلمة الغواية. إن الدعوة إلى الله هي مهمة الأنبياء والمرسلين من قبلنا، ولنا الشرف يوم نسلك مسلكهم ونسير على طريقهم، واعلم أن من أعظم الدعوة إلى الله تربية النشء على حب الله وحب رسوله ﷺ ، وإبعادهم عن مستنقعات الرذيلة؛ أقول كلامي هذا في وقت انتقص فئام من الناس مهمة المربين ووصموهم بقصر النظر وسطحية التفكير، وتعليم الصبيان. أخي المحب: إن تربية الشباب على الطاعة والتقوى من أعظم أوجه الدعوة إلى الله التي لا يبصر نتائجها إلا أهل البصيرة الثاقبة الذين وفقهم الله لفهم هذه الأمور، ولْيرتع أصحاب الفكر السطحي وطالبو النتائج السريعة في حمأة سذاجتهم ولْيتركوا هذا الأمر لرجاله. إن المربين هم صُنَّاع الرجال، وهم بنّاؤو الحضارة، ومغيرو مسيرة التاريخ. والدعوة التي تمتلك أكبر قدر من المربين الصادقين هي الدعوة التي يكتب لها البقاء، وترسخ أقدامها في أعماق الأرض، فلا تضرها فتنة إلا أن يشاء الله. الوقفة الخامسة: لا تكن شمعة! مسكينة هي الشمعة، كم هو مؤلم أن تحترق ويستفيد الناس من نورها..! وكم هو مؤلم أن يحترق الداعية للناس فيستنيرون ويذبل هو..! ما أعنيه هنا هو إهمال المرء تربية نفسه ببلوغه مرحلة من العمر؛ فقد يعتقد بعضنا أن كبر سنه يغنيه عن التربية الفردية لنفسه، أو أن ممارسته لنشاط دعوي يغنيه عن الانتباه لنفسه، وهذا مزلق خطير؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، والداعية في مقام القدوة دائماً فلا بد من أسلوب التربية الذاتية، والحرص على بناء الإيمان، وتعهد القلب بالصلاح وإنماء الورع، حتى لا نكون مثل الشمعة تحترق وغيرنا يتمتع بالإضاءة. الوقفة السادسة: ميراث الأنبياء! مع أهمية ما أسلفت من دعوة إلى الله وعبادة صالحة له، إلا أنها قد تكون وبالاً على صاحبها إذا خلت من أساسها المتين ومادتها الأصيلة وهي العلم الشرعي، قال الله تعالى: [قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين] [يوسف: ١٠٨] . إن كل دعوة مهما بلغت من نشاط هي دعوة جوفاء إذا خلت من العلم الشرعي الرصين، بل ربما تكون دعوة إلى الجهل، وما نشأت الجماعات الضالة إلا بسبب الدعوة المفرَّغة من العلم الصحيح. وكل عبادة على غير هدي النبوة مهما بلغت من كثرة هي نقص وخلل وخاصة إذا خلت من العلم الشرعي، وما نشأت فرق الزهاد الضالة إلا بسبب الجهل العريض الذي اكتنف تلك الفرق. إن في العلم حياة لا يعرف قدرها إلا من ذاق حلاوتها، واستطعم لذتها، وما أحسب أن هناك صفوة في أي مجتمع إلا وكان أهل العلم هم روادها، [إنما يخشى الله من عباده العلماء] [فاطر: ٢٨] . الوقفة السابعة: إخلاص يحتاج إلى إخلاص: يقول الله : [ليبلوكم أيكم أحسن عملا] [الملك: ٢] لقد جعل الله أساس التفاضل هنا الحسن، ولم يجعله الكثرة؛ فالمسألة ليست مسألة كثرة، بل هي نوع وجنس صالح. وأكمل ما يعين على تحسين العمل ووصفه بالحسن: (إخلاص العمل لله عز وجل) بل هو مادة العمل الحقيقية، ومن غيره فوجود العمل وعدمه سواء. أخي الكريم: كم يعاني الصادقون من قضية الإخلاص، لكن لا بأس؛ فأول خطوات الوصول (المعاناة) لكن لا بد من الصبر والمصابرة والمجاهدة حتى يصل المرء إلى غايته ومطلوبه ولو بعد حين، وإياك والاغترار بالعمل فقد قال بعض السلف: (من ظن أن في إخلاصه إخلاصاً، فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص) . أخي الفاضل: إن ما ذكرته سابقاً من وصايا أنا والله من أحوج الناس إليها قد تثير في نفسك همة العمل وشِرَّة [٣] الإنتاج، وهذا ما أرجوه، لكن قد يعجز المرء في أول أمره فلا بأس، فليعاود ثم ليجاهد ثم ليصابر حتى يبلغ مراده ولا تحسبن أن الأمر سهل ميسر، بل هو غاية قُطِعَتْ من أجلها رقاب وأزهقت أنفس، فأرخص الغالي لها سددك الله: [والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا] [العنكبوت: ٦٩] . ختاماً: أخي الكريم! أعتذر إليك إن كنت قصرت في نصحك أو أسأت الأدب في وعظك؛ فهذا جهد المقل وأرجو التجاوز والصفح، واعلم يا رعاك الله أني ما كتبت هذا الكلام إلا بعد تردد لعلمي بقصور ذاتي وقلة علمي. وأسأل الله أن يعينني وإياك على تحقيق مرادنا، وأن يتجاوز عنا جهلنا وإسرافنا في أمرنا.

стр. 3316

قراءة في كتاب أزماتنا ... كيف نديرها؟ الإبداع يخنق الأزمات رؤية جديدة في إدارة الأزمات عرض وتلخيص: أحمد عثمان المؤلف: عبد الله بن عبد الرحمن البريدي. دار النشر: بيت الأفكار الدولية، ١٩٩٩م. عدد الصفحات: ١٧٨ من القطع المتوسط. مدخل: كانت الحياة ولا تزال تعصف بها ألوان من المشاكل، وأشكال من الأزمات، وكان الإنسان ولا يزال يقاوم أحداثها، وينازل أطرافها، ويكابد نتائجها، يستمر تارة، وينقطع تارة، يبلغ به ذكاؤه إلى أهدافه حيناً، ويقصر به حيناً، ينجح مرة، ويخفق أخرى. وأخذت الأزمات تتنوع في مجالاتها، وتشتد في خطرها، فجعل الإنسان يستفيد من تجاربه - الناجحة والمخفقة على السواء - وأخذ يصهر ركام خبراته بالنقد البناء، ثم تلقف بعد ذلك اللبنات الصالحة الباقية فشيّد بها بناءاً علمياً تراكمت أجزاؤه عبر الأبحاث العلمية الرصينة والخبرات الحياتية الرائدة، فعلا بناؤه في فضاء المعرفة الإنسانية، واصطُلح على تسميته بـ (إدارة الأزمات) . وبِلُغة ميسرة وأسلوب رصين يهدف المؤلف بكتابته في هذا الموضوع الذي نحن بصدده الآن إلى محاولة إكساب القارئ منهجية إدارة الأزمات من خلال الإجابة على سؤالين رئيسين هما: ١ - كيف ندير الأزمات التي تواجهنا بشكل مباشر في مختلف مناحي حياتنا: في شركتنا، منظمتنا، جامعاتنا، منطقتنا، بيتنا؟ ٢ - كيف نحلّل الأزمات التي لا تواجهنا مباشرة ولا نشارك في إدارتها، ولكن نتائجها تهمُّنا وتؤثر علينا في أشكالها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، والسياسية. وبعد هذه المقدمة السريعة، ومن أجل الإفادة من بعض أجزاء الكتاب، يمكنني الولوج إلى الموضوع عبر تلخيص بعض النقاط محافظاً في أكثر المواطن وبشكل كبير على أسلوب المؤلف المتميز (مع الإشارة إلى الموطن الذي أنقل منه بين قوسين) : بعد تجوال في إشكالية التعريف ينتهي المؤلف إلى تعريف مختار للأزمة قائلاً: (الأزمة هي فترة حرجة أو حالة غير مستقرة يترتب عليها حدوث نتيجة مؤثرة، وتنطوي في الأغلب على أحداث سريعة وتهديد للقيم أو للأهداف التي يؤمن بها من يتأثر بالأزمة) . ثم يعرج المؤلف على أنواع الأزمات: فيبين أن تصنيف الأزمات وتقسيمها يفيدنا في تعميق التفكير في الأزمة ويلفت الانتباه إلى بعض القضايا الهامة، كأن يقال: هذه أزمة شاملة، أزمة جزئية، أزمة عنيفة، هادئة ونحوها، كما يفيدنا هذا التصنيف في توحيد المفاهيم والمصطلحات عندما نفكر أو نتناقش في أزمة معينة، أما في حالة غياب مثل ذلك التوحيد، فسيكون التفكير الجماعي والنقاش حينذاك كمن يتكلمون بلغات مختلفة غير مفهومة، ومن ثم سيظفر أولئك المتناقشون بـ (لا شيء) ! ! وبعد أن يستعرض المؤلف (دور حياة الأزمة) التي يشبهها بالكائن الحي في ولادته ونموه وفتوته ثم ضعفه واضمحلاله، ينتقل بنا في الفصل الثاني إلى معالجة مصطلحين مرتبطين بالأزمات وهما: إدارة الأزمات أم الإدارة بالأزمات؟ ثمة فرق بين هذين المصطلحين يمكن توضيحه عبر التعريف بهما، وذلك كما يلي: فإدارة الأزمات بعبارة يسيرة هي: معالجة الأزمة على نحو يمكن من تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف المنشودة والنتائج الجيدة. من يدير الأزمة: مدير أم فريق الأزمة؟ والأزمة يجب ألا تدار فقط من خلال المدير الخارق (السوبرمان) ، وإنما من خلال فريق خاص يُختار أعضاؤه بعناية فائقة، ليتم بعد ذلك تدريبهم ورفع مستوياتهم وإكسابهم المهارات اللازمة لإدارة الأزمة. من هو مدير الأزمة الفعال؟ ومع ضرورة إدارة الأزمة من خلال فريق متكامل، إلا أن مدير الأزمة بذاته يكتسب أهمية خاصة، ويلزم اتصافه بصفات معينة من أهمها أنه ينبغي أن يكون: - قوي الإيمان بقضية الأزمة، شديد التحمل، ماضي الإرادة. - يمتلك القدرة على التفكير الإبداعي. - يتسم بالمهارات القيادية في إدارة فريق الأزمة، وفي الاتصال مع كافة الأطراف ذات الصلة بالأزمة بما في ذلك الطرف الآخر (أو الخصم) . أما الإدارة بالأزمات فمصطلح يشير إلى: (افتعال أزمة من أجل تحقيق هدف معين) . ومن هذين التعريفين ندرك أنه في (الأزمات المفتعلة) يستخدم مفتعل الأزمة (الإدارة بالأزمات) في حين أن الطرف الآخر يلجأ إلى (إدارة الأزمات) وهذا ... لا يعني أن جميع الأزمات مفتعلة من قبل أحد أطراف الأزمة؛ بل قد تكون الأزمة حدثت من جراء عوامل خارجة عن سيطرة ونطاق طرفي الأزمة، ومن ثم يلجأ كلاهما إلى (إدارة الأزمات) . وفي الفصل الثالث يدخل بنا المؤلف إلى صلب الموضوع الهام والذي عنون به الكتاب (الإبداع يخنق الأزمات) كيف ندير أزماتنا؟ إنه يصل بنا إلى كيفية إدارة الأزمات، والتي يقرر أنها ليست أكثر من أن تكون لوناً من ألوان التفكير الإبداعي الذي: - يتفهم طبيعة الأزمة وإفرازاتها، ويدرك أنواعها ودورة حياتها. - يتعرف على استراتيجيات التعامل معها وكيفية رسم سيناريوهاتها. - ويستبطن الوصايا المرعية في إدارة الأزمات. إذاً فإدارة الأزمات - في رأي المؤلف - تفكير إبداعي واعٍ، ومن ثم يجب التعرف على هذا اللون من التفكير، ونرى الاكتفاء بتلخيص أبرز النقاط المتعلقة بهذا اللون من التفكير، وذلك كما يلي: التفكير الإبداعي هو: (عملية ذهنية مصحوبة بتوتر وانفعال صادق ينظم بها العقل خبرات الإنسان ومعلوماته بطريقة خلاقة تمكنه من الوصول إلى جديد مفيد) . ويتميز المبدع بمزايا عقلية ونفسية كثيرة، من أبرزها: الخصائص العقلية: أ - الحساسية في تلمس المشكلات. ب - الطلاقة. ج - المرونة. د - الأصالة. هـ - الذكاء. الخصائص النفسية: أ - الثقة بالنفس. ب - قوة العزيمة وحب المغامرة. ج - القدرة على نقد الذات. د - الإيمان غالباً بأنه في (الإمكان أبدع مما كان) . هـ - البذل بإخلاص وتفان. و دائم التغلب على (العائق الوحيد) . ز - حب الاستكشاف والاستطلاع بالقراءة والملاحظة والتأمل. ح - الميل إلى الانفراد في أداء بعض أعماله، مع مهارات اجتماعية. وفي الفصل الرابع يبدأ المؤلف في تناول كيفية إدارة الأزمات والتي تنتظم خمس خطوات بتفصيل معقول كما يلي: أولاً: تشخيص الأزمة وتحديد أسبابها: في هذه الخطوة يجب تحديد الأزمة بدقة، وهنا يجب أن نفرق بين (الأزمة الظاهرية) و (الأزمة الحقيقية) ، فالأولى قد يفتعلها الخصم من أجل المناورة وكشف بعض الأوراق بل ربما من أجل استنزاف الموارد وإنهاك القوى. ومدير الأزمة المبدع يمتلك حساسية بالغة تجاه المشاكل والأزمات، كما أنه يعايشها بصدق وحرارة؛ ليستكشف بهذه المعايشة جوهرها وأبعادها، ويستبصر اتجاهها ومراحلها، ويتلمس أسبابها ونتائجها. ويُفضّل عند تحديد الأزمة أن تُصاغ في ظل أسوأ الاحتمالات وأفضلها، مما يساعد على الاستعداد لها ورسم كافة السيناريوهات الممكنة. كيف نشخص الأزمة؟ يفهم من كلام المؤلف أن الأزمة في حقيقتها ليست أكثر من مرض خطير هاجم جسداً فوجده منهك القوى ضعيف المقاومة، ومن ثم كان بدهياً القول بأن التشخيص السليم للأزمة هو بداية الاهتداء للأسلوب الأمثل للتعامل معها، ويمكن تشخيص الأزمة عبر ما يسمى بـ (المنهج الشامل) الذي يقوم على المحاور الآتية: ... ١ - استقراء تاريخ الأزمة وتصنيفه إلى مراحل. ٢ - عند وصف المراحل التاريخية للأزمة وتحليلها يمكن تفكيك الأزمة إلى الأجزاء المنطقية التي تفاعلت على نحوٍ معين أدى إلى حدوثها، وهذا التفكيك يعرف (بمنهج النظم) . ثانياً: تحديد الأهداف (لماذا ندير الأزمة؟) ماذا نريد؟ لماذا ندير هذه الأزمة ونتحمس لمواجهتها؟ سؤال محوري وخطير يستلزم إجابة دقيقة من خلال سلوك المنهج العلمي في تحديد الأهداف، ومثل هذه الإجابة قد تبين لنا في بعض الأزمات التي نديرها أن الأهداف التي يمكن تحقيقها متواضعة، ومن ثم فهي لا تستحق الجهد المبذول والتكلفة المتوقعة. وعند (صناعة الأهداف) في أجواء الأزمة، يجب التأكد من أنها: واضحة ودقيقة، متناسقة، متكاملة، واقعية، قابلة للقياس، وأن تكون الأهداف من نوع واحد (استراتيجية أو تكتيكية) . ثالثاً: الحد من تفاقم الأزمة: يقضي التفكير العلمي - بعد تحديد الأهداف - أن نحدّد البدائل الممكنة، غير أن تصاعد أحداث الأزمة يفرض على فريق الأزمة التفكير في (آلية للحد من تفاقمها) من خلال تحديد بدائل (أولية) ، أو (علاجات مسكّنة) بغية السيطرة ... على (فيروس الأزمة) بقدر المستطاع والذي ينشر (الخلايا السرطانية) ويعمل على تضخمها. وهذه الخطوة يجب ألا ننظر إليها على أنها مستقلة عن خطوة تحديد البدائل؛ وذلك أن الأزمة تتصاعد أحداثها بشكل سريع ومخيف، مما يحتم علينا محاولة دمج هاتين الخطوتين عبر طريقتين هما: ١- قيام الفريق بـ (التفكير الآني) في كلا العلاجين المسكّن والأساس في وقت واحد أو في أوقات متعاقبة. ٢ - تقسيم فريق الأزمة إلى قسمين: يتولى أحدهما العلاج المسكّن، ويتولى الآخر - في الوقت ذاته - العلاج الأساس. رابعاً: تحديد البدائل الممكنة: في هذه الخطوة سجل كل ما يعن لك من أفكار، ولا تستعجل في محاكمتها وإعدامها، فلقد أثبتت بعض الدراسات المعنية بالأزمات أن كثيراً من الأفكار والبدائل الجيدة التي نفذت في بعض الأزمات قد هوجمت في البداية ووصفت بأنها مثالية أو مجنونة! ! وعند تحديد البدائل يجب على فريق الأزمة أن يطرحوا على أنفسهم بعض الأسئلة التي تعين على توليد أكبر قدر ممكن من البدائل، ومن تلك الأسئلة مثلاً ما يلي: - ماذا لو فعلنا - أو لم نفعل - كذا.......... .؟ - هل نغير زاوية التفكير؟ هل (نفكر رأساً على عقب) ؟ - هل نستطيع تنفيذها؟ وهل الوقت مناسب لتنفيذها؟ ومن يستطيع ... مساعدتنا؟ ومدير الأزمة - بل فريق الأزمة - المبدع هو الذي يتخلص من أقفال الإبداع التي تحاول أن توحي لفريق الأزمة بإيحاءات سامة تنتشر في جو الأزمة، فيُخنق الإبداع ويخلفه الجمود ويعتل الجو بالبلادة. عصف الأزمة ذهنياً: وقد تتطلب بعض الأزمات حلولاً كثيرة، مما يؤيد استخدام ما يسمى ... (العاصفة الذهنية) وتتلخص في طرح أزمة أو مشكلة معينة على مجموعة من الأفراد، وتمر هذه العاصفة بالمراحل الآتية: أ - توضيح الأزمة وتجزئتها. ب - توليد الأفكار وعرضها. ج - تقويم الأفكار المطروحة. خامساً: اختيار أفضل البدائل: بعد تحديد البدائل الممكنة يجب إخضاعها لدراسة علمية، يشترك فيها مجموعة من الخبراء والمتخصصين (فريق الأزمة + بعض المستشارين - إن لزم الأمر) . ويمكن تقييم كل بديل من خلال مجموعة من الأسئلة مثل: - هل يمكن تطبيقه عملياً؟ وهل نملك القدرة والموارد الكافية لتطبيقه؟ - ما هي تكلفة تطبيقه؟ وكم سيستغرق من الوقت؟ - ما هي الآثار والمخاطر المتوقعة؟ وما هي ردة الفعل المتوقعة للخصم؟ وإذا تم اختيار البديل المناسب فثمة أسئلة أخرى نجيب عليها هي: - من الذي سيشارك في تنفيذ كل خطوة؟ ومتى؟ وكيف؟ وكم ستستغرق هذه الخطوة من الوقت؟ - ما هي المشكلات التي يمكن أن تنشأ بين الأشخاص بسبب التنفيذ؟ - ما هي استراتيجيات التعامل مع الأزمات؟ وبعد أن عرفنا الكيفية التي تدار بها الأزمات يجب أن نتعرف على الاستراتيجيات المتاحة للتعامل معها، وفي الفصل الخامس يناقش المؤلف هذه القضية بإسهاب، ويمكننا عرضها كما يلي: إدارة الأزمات يجب أن تتم في ضوء استراتيجية معينة، بحيث يقتنع فريق الأزمة بضرورة إدارة الأزمة في ضوئها. واستراتيجيات التعامل مع الأزمة كثيرة، ولذا كان من الواجب عند اختيار الاستراتيجية مراعاة الأمور الآتية: - تحديد الموقف من الأزمة: من هو صانع الأزمة؟ ومن هو المستهدف بها؟ - اختيار الاستراتيجية التي تناسب طبيعة الأزمة وإفرازاتها. - التأكد من أن الاستراتيجية المختارة يمكن تطبيقها في ظل الإمكانات المادية والبشرية المتاحة. - التعرف على استراتيجية الطرف الآخر. ثم تناول المؤلف أهم الاستراتيجيات على النحو الآتي: ١- كبت الأزمة: وتقضي هذه الاستراتيجية بالعنف في التعامل مع الأزمة ومع الطرف الآخر، وذلك بالتدخل السريع ومحاولة وقف أحداثها والقضاء على (مولّداتها) كالأزمة الطلابية التي حدثت في الصين في صيف ١٩٨٩م. ٢ - تفريع الأزمة: وهذه الاستراتيجية تعتبر امتداداً لما قبلها، إلا أن الفارق بينهما يكمن في أن الاستراتيجية الأولى تهدف إلى القضاء نهائياً على الأزمة دفعة واحدة، بينما الثانية تروم القضاء عليها تدريجياً لقناعة مستخدمها بضرورة التدرج: إما لتماسك الطرف الآخر وقوته وكثرة أتباعه، أو للظهور إعلامياً بمظهر المتسامح، أو لغير ذلك من الأسباب. ٣ - إنكار الأزمة أو بخسها: أي أنه لا يتم الاعتراف بوجود الأزمة أصلاً أو التقليل من شأنها بحيث تصور على أنها مجرد (فقاعات هواء) لا تلبث أن تتبدد، ومن ثم فإن هذه الاستراتيجية يصاحبها: - تعتيم إعلامي لتفويت الفرصة على الطرف الآخر لإقناع بعض من المستهدفين بالأزمة وبخطورتها. - تحصين الأفراد من هذه الحملات الإعلامية، وإقناعهم بعدم وجود أي أزمة أو التهوين من شأنها. ٤ - عزل قوى الأزمة: هذه الاستراتيجية تؤمن بالحكمة التي تقبع في (اللاشعور الإنساني) والتي تقضي بقطع (رأس الحية) بغية التخلص من شرها! ! وعبر هذه الاستراتيجية يتم تصنيف قوى الأزمة إلى: أ - القوى الصانعة. ب - القوى المؤيدة. ج - القوى المهتمة بالأزمة. وبعد هذا التصنيف يتم عزل القوى الصانعة بطريقة أو بأخرى. ٥ - احتواء الأزمة: وتهدف هذه الاستراتيجية إلى (محاصرة الأزمة) والعمل على عدم استفحالها، عبر امتصاص الضغط المولد لها؛ ففي الأزمات العمالية - مثلاً - يمكن اتباع ما يلي: - إبداء الرغبة في معرفة مطالب العمال عبر مفاوضات ذكية. - مطالبة العمال باختيار ممثل لهم في هذه المفاوضات، ومن ثم مطالبة الممثل بتوحيد الرغبات؛ حيث إنها متعارضة، أو المطالبة باستبعاد بعضها؛ لتعذر تنفيذها دفعة واحدة. - التفاوض مع الممثل بذكاء والخلوص إلى نتائج جيدة. ٦ - تصعيد الأزمة: وذلك بالعمل على زيادة حدة الأزمة إلى درجة معينة، ويتم اللجوء إلى هذه الاستراتيجية في حالات خاصة ولتحقيق أهداف محددة، مثلاً: - في حالة الغموض الشديد في الأزمة وعدم ظهور أطراف الأزمة الحقيقية. - عند الرغبة في تصنيف قوى الأزمة. ٧ - تفريغ الأزمة من مضمونها: ليس ثمة أزمة بلا مضمون، ومضمون الأزمة قد يكون دينياً أو ثقافياً أو سياسياً أو اقتصادياً، أو اجتماعياً أو خليطاً، وهذه الاستراتيجية تقضي بـ (خنق الأزمة) وذلك بامتصاص مضمونها، وجعلها تتنفس بلا هواء، أو بهواء بلا رئة! ! استراتيجية (التفريغ) كثيراً ما تستخدم في الأزمات الدينية والثقافية؛ ذلك أن الدين والثقافة يستعصيان على العنف والإكراه في الأغلب، وهو ما يضطر أحد الطرفين إلى تفريغ الأزمة من مضمونها والادعاء بأنها لا تمت إلى الدين أو الثقافة بأدنى صلة، لتبقى بعد ذلك مهمة الطرف الآخر منحصرة بالتأكيد على هذا المضمون، بل ربما امتدت مهمته إلى إيجاد مضامين جديدة لتشتيت خصمه تقكيراً وتنفيذاً. وكلام المؤلف العميق حول هذه الاستراتيجية يجعلني أبادر إلى تقرير أن قضية فلسطين وما انتهجه اليهود تجاهها تعد مثالاً جيداً على هذه الاستراتيجية؛ ذلك أن اليهود ما برحوا منذ بدء الأزمة يصورون الصراع على أنه مسألة سياسية لا عقدية وأن الحل تستحيل بلورته وإنضاجه إلا عبر مجلس الأمن وما يسمى بـ ... (الشرعية الدولية) ، حتى مصطلح الأزمة ذاته بات يمارس دوره التضليلي؛ فالصراع القائم هو (الصراع العربي الإسرائيلي) ! ! ثمة وصايا يلزم اصطحابها: بعد أن تعرفنا فيما سبق على ماهية الأزمة، وعلى خصائص فريق ومدير الأزمة الفعال، وبعد أن استعرضنا كيفية إدارة الأزمات في ضوء استراتيجية معينة، بعد هذا كله نكون قد أنهينا أغلب مفردات الإطار النظري لإدارة الأزمات، ليكون من المنطقي في هذا الجزء أن نتعرف على ما هناك من وصايا يلزم اصطحابها عند إدارتنا لأزماتنا. يقول المؤلف: إن الأزمة بطبيعتها تخلق جواً مفعماً بالضيق والتوتر والانفعال - وربما صاحبه شيء من الشعور بفقد السيطرة على مجريات الأحداث - جواً مشحوناً بالمعلومات المتضاربة والآراء المتناقضة، جواً ربما يبعث بعض الناس على الانكفاء على الذات والانطواء على مصالحه الخاصة. من هذا الجو (الخانق) تتجلى أهمية استصحاب وصايا تعيد إلى العقول رشدها وإلى النفوس طمأنينتها وإلى الإدارة حكمتها. وهذه الوصايا نستنبطها من النصوص الشرعية، ونفيد مما هو مبثوث في أدبيات إدارة الأزمات، وهي كثيرة، غير أن من أهمها ما يلي: (ذكر المؤلف في الفصل السادس عشر وصايا نذكر منها ثماني وصايا على سبيل الاختصار) : ١- ما أصابك لم يكن ليخطئك: هذه الوصية تجعلك تظفر بثمرة (الإيمان بالقضاء والقدر) ؛ فالأزمة في حقيقتها مصيبة يبتلينا ربنا بها تمحيصاً للذنوب ورفعة للدرجات، قال - تعالى -: [إنا كل شيء خلقناه بقدر] [القمر: ٤٩] ، وقال: وكان أمر الله قدرا مقدورا [الأحزاب: ٣٨] ، وفي حديث جبريل ﵇ أخبرنا الرسول ﷺ عن الإيمان بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره) [١] ، ولذا فإن من الواجب على المؤمن ... ... (المتأزم) أن يؤمن بأن أزمته لم تكن لتخطئه، ليستجمع بعد ذلك قواه ويسترد رشده ويلتقط أنفاسه من أجل الشروع في مواجهة أزمته بعد الاستعانة بالقوي الحكيم العليم - جل وعلا -. ٢- لا تغضب! لِمَ تغضب وعلامَ تطيش إن كنت أيقنت حقيقة بأن أزمتك لم تكن لتخطئك؟ ! يجب أن تؤمن بأنه ليس ثمة سبيل إلى التفكير السديد في حالة (انقلاب الأعصاب) و (تسرّب الحِلْم) و (تبخّر الهدوء) وقد تقول: لا بد أن أغضب؛ فهذه أزمة، ثم كيف لا أغضب؟ بكل بساطة أقول لك: إن أردت ألا تغضب فلا تغضب!! ليست هذه فلسفة ولا سفسطة، وإنما توجيه نبوي كريم؛ فعن أبي هريرة أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني! فقال ﷺ : (لا تغضب) فردد مراراً؛ قال: (لا تغضب) [٢] . ٣- كن واقعياً؛ فقد لا تستطيع تحقيق كل أهدافك: بعد أن يثوبَ إليك رشدُك وتُمسِك زمامَ عقلك، عليك أن تبادر نفسك بالسؤال: ما هدفي؟ ماذا أريد بالضبط؟ وبعد أن تحدد أهدافك بدقة احذر من المثالية التي قد توهمك أحياناً بأنك قادر على تحقيقها كلها وفي كل أزماتك التي تديرها، غير أن الواقعية تقضي بغير ذلك؛ فكثيرٌ من الناس - ولعلك كنتَ واحداً منهم - حدَّدوا أهدافاً جيدة ولكنها غير واقعية: إما في عددها أو في مضمونها، ثم راحوا يديرون أزمتهم ويتعبون أنفسهم بغية تحقيقها ثم ما لبثوا أن اكتشفوا أنهم كانوا يحلُمون! ! وربما كان ذلك سبباً في عدم تحقيق شيء من أهدافهم! ! إذاً فكن واقعياً من البداية وحدد ما تستطيع تحقيقه من أهدافك في ظل الظروف الراهنة وفي ضوء قدراتك المادية والبشرية. ٤- لا تحرج خصمك! من الأصول المستقرة في إدارة الأزمات (عدم إحراج الخصم) ؛ ذلك أن الخصم في أغلب الأزمات يعتبر شريكاً لا مناص من التنازل له ببعض الأمور، ويرجع هذا إلى عدة أمور من أهمها: - انتشار الوعي الإداري والإلمام بأصول إدارة الأزمات. - الثورة المعلوماتية أتاحت لطرفي الأزمة معلومات مهمة عن الأزمة وملابساتها. ليس ذلك فقط هو الذي يدعو إلى (عدم إراقة ماء وجه الخصم) ، بل إن إحراج الخصم قد يؤدي به في بعض الأحيان إلى موجة من التهور والطيش تكون سبباً في احتدام الأزمة وإشعال فتيلها. ويتفرّع عن هذه الوصية ويلزم منها وصية أخرى مفادها: دع خصمك يتنفس! ذلك أن الاستعجال في مبادرة الخصم قد يلجئه إلى شيء من الاستعجال الذي قد يصاحبه شيء من التهور؛ وذلك من أجل تقديم الدليل على كامل قدرته على الرد الحاسم والمدروس! ! ٥- صعّد تدريجياً: من الطبيعي في خضم الأزمة أن يحدد كل طرف بدائل متعددة، وتقضي إدارة الأزمات بالبدء بالأخف منها ثم التدرج فيها حتى البديل الأقوى، ومثل هذا التدرج يفيد في: - إعطاء الخصم انطباعاً بأنك قادر على الاستمرار في الأزمة بل والتصعيد، مما قد يحمله على التنازل وإنهاء الأزمة بالصورة المطلوبة. - تجنب توجيه الأزمة نحو العنف. وهذا يقودنا إلى التأكيد على ضرورة الاقتصاد في استخدام الموارد المتاحة؛ وذلك أن بعض صانعي الأزمة قد يفتعل في البداية أزمة وهمية (كمين) بقصد استنزاف الموارد وإنهاك القوى، لتظهر بعدُ الأزمة الحقيقة التي قد لا تكفي الموارد الباقية والقوى الخائرة لمواجهتها! ! ٦- وسّع نطاق استشاراتك: قال - تعالى - مبيناً أهمية الاستشارة: [وشاورهم في الأمر] [آل عمران: ١٥٩] ، وتنبثق هذه الأهمية من كونها تتيح لمدير الأزمة أن ينظر للأزمة بعقلانية أكثر وطرائق تفكير متعددة، ومن زوايا متعددة، وبنفسيات تختلف تفاؤلاً وتشاؤماً. إن بعضاً ممن يعانون من الأزمات يستشير الكثير من الناس في أزماتهم، غير أنهم في الحقيقة لا يستشيرون إلا أنفسهم ولا يصدرون إلا عن عقولهم. إنهم أولئك الذين يستشيرون من يحاكونهم في طريقة التفكير والتخصص والخلفية الثقافية والاهتمامات! ! ٧ - تلمّس دعماً أكبر: مدير الأزمة الناجح هو من يتلمس دعماً أكبر: - باستبقاء المؤيدين بقوة من خلال إقناعهم بالقرار الذي تم اتخاذه وبأهمية تأييدهم للقضية التي آمنوا بمشروعيتها واقتنعوا بضرورتها. - وبجذب أكبر عدد ممكن من المترددين والعمل على زيادة تأييدهم؛ وذلك بإطلاعهم على كافة الجوانب التي تزيل اللبس وتقنعهم بسمو القضية، وبالنتائج الطيبة التي ستسفر عنها الأزمة. - وبتحييد أكبر عدد ممكن من المعارضين. ٨ - استخر واستعن: لم يبق لك إلا أن تستخير الله - تعالى - وتستعين به؛ فلقد حكى لنا جابر أن رسول الله ﷺ كان يعلّمهم الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، ولاحظ أنه قال: (في الأمور كلها) هكذا، أي في عظيم الأمر وحقيره؛ فما بالك بقرار يتعلق بأزمة، وها هو ﷺ يقول لنا: (إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك) الحديث [٣] . ثم ختم المؤلف كتابه بفصلين هامين: الأول: (وهو الفصل السابع) تحدث فيه عن سيناريوهات الأزمة التي عرفها بأنها: (مسلسل متوقع للأحداث والنتائج تجاه قضية معينة) ، متناولاً في هذا الفصل كيفية صناعة السيناريوهات وعوامل نجاح مثل هذه الصناعة. الثاني: (وهو الفصل الثامن) : وهو من أهم فصول الكتاب؛ وذلك لأنه يتعلق بالتطبيق العملي، وقد عرض فيه لبعض التطبيقات العملية الناجحة والمخفقة في إدارة الأزمات؛ فقد عرض في التطبيقات الناجحة: - أزمة بلقيس (قصة سليمان ﵇ مع ملكة سبأ وكيف استطاع أن ينجح في إدارة تلك الأزمة الرهيبة) . - أزمة دواء التلينول (وقعت أحداثها في الثمانينيات الميلادية وهي أزمة مثيرة) . - أزمة الصواريخ الكوبية والتي تعد الأزمة النموذجية في عالم السياسة والتي وقعت أحداثها في عام ١٩٦٢م بين القطبين آنذاك. أما التطبيقات غير الناجحة فقد استعرض المؤلف أزمة واحدة فقط هي (أزمة إدارة الأزمات العربية) ! ! وما تم عرضه من الكتاب لا يغني عن قراءته واقتنائه لاكتساب المنهجية العلمية في إدارة الأزمات والتعمق في فهم مفرداتها وخطواتها. والله ولي التوفيق.

стр. 3317

رسائل جامعية الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر (دراسة نقدية) عبد العزيز بن محمد المسلم كتب الشيخ سعيد بن ناصر الغامدي أطروحة علمية لنيل درجة الدكتوراه بهذا العنوان: (الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر) (دراسة نقدية) . والباحث صاحب عطاء علمي متميز وإنتاج دعوي أصيل؛ حيث ألَّف رسالة في حقيقة البدعة، كما أعدّ مؤلفاً عن حزب البعث، ونشر كتاباً عن زغل الدعاة وغيرها من المشاركات العلمية والفكرية النافعة. وتأتي هذه الرسالة ضمن الجهود المباركة التي قام بها أهل السنة حكاماً وعلماء تجاه الزنادقة والمارقين، فإذا كان الخليفة المهدي مثلاً قد تتبع الزنادقة في عهده بالسيف، فإن الدكتور سعيداً قد تتبع زنادقة هذا العصر بقلمه بالتعرية والتحذير من شرورهم. وتتكون الرسالة من مقدمة وتمهيد وأربعة أبواب وخاتمة وفهارس، وقد زادت صفحات الرسالة عن ألف وسبعمائة صفحة. ذكر الباحث في مقدمة الرسالة عظم انحراف الحداثيين وشدة وطأتهم، فكان مما قاله: (قضيتهم الكبرى استيراد الآراء النظرية المتناقضة، وتخدير إحساس الأمة بآلاف الدواوين والمسرحيات والرسوم والمقالات النقدية وغير النقدية، من خلال الإثارة والجاذبية والمتعة الفنية في الشعر والرواية والقصة، وتهريج للمسرح وأصباغ الرسوم، وإذا بنا نرى كل طائفيٍّ يحمل أحقاده التاريخية على الإسلام يخفي دمامة معتقده تحت فلسفة الحداثة والعلمنة، ويخرج سمومه القاتلة من أكمام الثوب الأدبي الفضفاض) . وتحدث الكاتب عن اهتماماته ومتابعاته لهذا الموضوع قائلاً: (هذا وقد بدأتُ بهذا الموضوع معتنياً بجمع الكتب فيه منذ أيام الدراسة الجامعية، يوم شعرتُ أن بعض الطلاب قد تأثرت عقائدهم بشكوكٍ قادت بعضهم إلى الانحراف الصريح، وبعضهم إلى الشك في وجود الله تعالى والنبوات والمعاد، وكانت لي معهم جولات في القضايا الكبرى. وفي عام ١٤٠٧هـ سجلت على شريطين مادة علمية في هذا الاتجاه بعنوان: (الحداثة حقائق ووثائق) وكانت ذات أثر بالغ بينت فيها حقيقة هذا الاتجاه وفضحته؛ ولله الحمد. وفي أثناء هذه المسيرة الطويلة من المرحلة الجامعية وحتى تسجيل هذا البحث جمعت كميات كبيرة من كتبهم ومجلاتهم وقصاصات كثيرة من صحفهم وملاحقهم الأدبية، ولما جئت لكتابة هذا البحث وجدت أمامي ركاماً هائلاً مما هو في ملكي، فضلاً عما في الأندية الأدبية الكبيرة، فعمدت إلى كتب وروايات ودواوين أكابر عتاة هذه النِّحلة، وأعرضت عن التلاميذ الصغار، وقد قرأت بعد تسجيلي لهذا البحث ما يزيد على خمسة عشر ألف صفحة من كتبهم) . وبيّن الباحث أن عنوان البحث في موضوعه يتجه لمعالجة الحداثة، وبداية الحداثة العربية على يد السيّاب أو نازك الملائكة حسب اختلاف الحداثيين وكلاهما ظهر في حقبة واحدة ما بين ١٣٦٦ ١٣٨٠هـ. ورتب الباحث فصول رسالته على ذكرٍ إجمالي لمعتقد أهل السنة في القضية المتناولة، ثم يذكر الجذور الفكرية للانحرافات العقدية عند أهل الأدب العربي المعاصر، ثم يورد أوجه الانحرافات والشواهد عليها ويعقب ذلك بالنقد والنقض، أو يتركها من غير تعقيب لظهور انحرافها للعيان. وذكر الباحث الأوصاف التي يستحقها أولئك القوم مثل أوصاف: الضلال، والزيغ، والإلحاد، والسخف، والانحدارات الغثائية. وساق الباحث في المقدمة الدراسات السابقة لهذا الموضوع؛ حيث عرّفها ونقدها، وتحدث في تمهيد البحث عن شمول الإسلام لكل أعمال الإنسان ومناشطه رداً على تمرد الحداثيين على شرع الله تعالى زعماً منهم أن هذا الشرع المنزّل ليس شاملاً لكل الأعمال والمناشط الحياتية، وتحدث أيضاً عن علاقة الأدب بالاعتقاد، وقرر الباحث بعد دراسة واستقراء أن كل عمل أدبي لا بد أن ينشأ من عقيدة، وينتج من فكر معيّن وفلسفة معينة للكون والحياة والإنسان والخالق . ثم سطّر الباحث نبذة عن الانحرافات العقدية المعاصرة في مجال الثقافة والفن والأدب، وأشار في ثنايا هذه القضية إلى الخطوط العامة في مسيرة الانحراف الثقافي والأدبي: كالحملة الفرنسية، والتخلف الاعتقادي والحضاري، وسلطة محمد علي باشا وأثرها، والاحتلال البريطاني الاستعماري. وأما الباب الأول فعنوانه: (الانحرافات المتعلقة بالله ، ويتكون من أربعة فصول؛ ففي الفصل الأول تحدّث الباحث عن الانحرافات المتعلقة بالربوبية، ولخّص هذه الانحرافات بما يلي: ١ - نفي وجود الله تعالى والتشكيك فيه. ٢ - نفي كون الله تعالى رباً خالقاً مدبراً. ٣ - نسبة الأبدية للمخلوق والقول بأزلية العالم. ٤ - الزعم بأن الوجود عبث. ٥ - نسبة الخلق إلى غير الله تعالى وتسمية غير الله خالقاً. ٦ - نسبة الربوبية إلى غير الله تعالى. ٧ - السخرية والاستخفاف بالخالق جل وعلا. ثم بسط الباحث تلك الانحرافات بالأمثلة والشواهد من كتابات الحداثيين، وأتبعها بالمناقشة والتعقيب، واستنفد هذا الفصل قرابة مائة وخمسين صفحة. وأما الفصل الثاني فعنوانه: المؤلفات المتعلقة بالألوهية؛ حيث كشف المؤلف تلك الانحرافات من خلال عدة مظاهر ومن أبرزها: ١ - نفي ألوهية الله تعالى مطلقاً. ٢ - نفي بعض خصائص الألوهية. ٣ - جحد حق العبودية لله والسخرية بالعبادة ومظاهرها. ٤ - العبودية لغير الله تعالى. ٥ - تأليه غير الله ووصف غيره بالألوهية. ٦ - الحيرة والشك في الغاية من الحياة ووجود الإنسان والزعم بأن وجوده ... عبث. ٧ - السخرية والاستخفاف بألوهية الله تعالى. ٨ - معاداة السماء ويريدون بها الله ﷻ والوحي والدين والشريعة. ٩ - احترام الكفر والإلحاد والوثنية والماركسية والعلمانية وامتداحها، ونحوه من نِحَل الكفر والاعتراف بالانتماء إليها، وبلغت صفحات هذا الفصل ما يربو على مائة وسبعين صفحة. والفصل الثالث؛ حيث كان موضوعه عن الانحرافات المتعلقة بالأسماء والصفات ومظاهرها، ومن ذلك: وصف الله وتسميته بأسماء وأوصاف النقص، ووصفه بما لم يصف به نفسه، ووصفه بما نفاه عن نفسه، والسخرية بأسماء الله وصفاته ومخاطبته بما لا يليق بجلاله. ومما يحسن ذكره في هذا المقام ما قاله الباحث: (إن من عبث الكلمات والتلاعب بالمصطلحات وغبش المضامين أن يُمتدح المستهزئ بالله والساخر من دينه؛ فإذا قال غيور على دين الله: لِمَ هذا؟ قالوا: نثني على جماليات أدبية، وتراكيب إبداعية. فليس الإبداع أو الجمال أو التجديد خيراً لذاته، وليس دليلاً على العبقرية؛ لأن الذي يُبدع أو يأتي بعمل من الفن ليس ممدوحاً لذاته، بل إن كان إبداعه وجمالياته على وجه الحق ومن أجل الحق والخير والتوحيد أساس كل ذلك فهو محمود، وإن كان إبداعه وجمالياته في صفة الباطل والشر، وتنطوي على الإلحاد والكفر فهو مذموم مخذول. وسطّر يراع المؤلف الفصل الرابع من التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة، وأطال النفس فيه؛ حيث دوّن أكثر من مائتي صفحة في هذا الفصل، ومما قاله في مقدمة هذا الفصل: (قضية تأثر الحداثيين العرب بالعقائد الوثنية واليهودية والنصرانية من أوضح الواضحات، وأجلى المضامين الحداثية في الشعر والدراسة والنقد والرواية) . وتتبُّع كل شواهد هذه القضية مما يعسر ويصعب؛ ولكن نقول قولاً إجمالياً، ثم نتبعه بشيء من التفصيل: أما الإجمال فإنه يمكن القول: إنه لا يخلو حداثي من التأثر بهذه العقائد الباطلة، إمّا في مجمل اتجاهه وفلسفته، وإما في جزئيات عباراته. وقد قسم المؤلف الحداثيين العرب إلى ثلاثة أقسام: ١- النصارى العرب. ٢ - الطائفيين ممن لهم نزعة باطنية أو رافضية. ٣ - الشعوبيين؛ حيث أثبت المؤلف أن الحداثيين هم الامتداد الحقيقي للشعوبية؛ إذ أظهروا بغضهم للعرب أمة وجنساً ولغة، مع بغض سافر للإسلام، وإلحادٍ مكشوف. ومما حرره الكاتب في هذا الفصل: (المسألة الجوهرية أن الحداثيين يسعون جاهدين لتبديل دين الأمة وتحويلها من أمة موحدة إلى أمة وثنية، ومن أمة صاحبة رسالة ودين إلى أمة بلا دين ولا رسالة) . وساق الباحث الشواهد والأمثلة على الوثنية الصارخة في فكر الحداثة والحداثيين، ومن ذلك أن عصابة (شعر) قد اتخذت في سبيل مشروعها الأسطوري الوثني مصطلح الشعراء التمُّوزيين؛ حيث إن (تمُّوز) وثن أسطوري استخدم عند الآشوريين على اعتباره رباً للمحاصيل! ! ومما يجدر نقله في هذا الصدد ما قاله الكاتب: (من آثار اعتناقهم للأسطورة وارتوائهم من آبارها، مع وجود أرضية شاكّة في الدين أو جاحدة له: عمدوا إلى الحقائق الثابتة في الوحي المعصوم في القرآن والسنة الصحيحة فجعلوها من الأساطير، أو من الفلكور الشعبي! !) . وقد تحدث المؤلف عن التصورات الحداثية المتأثرة باليهودية، وبالنصرانية، وبالفرق المنتسبة إلى الإسلام من الباطنية والصوفية الفلسفية والخوارج والمعتزلة والشعوبية والزنادقة، وكشف الباحث بالحقائق عن باطنية طائفة من الحداثيين كأدونيس النصيري، وتوفيق زياد الدرزي، كما بيَّن الباحث الأثر الباطني في شعر البياتي ونزار قباني، وخلص المؤلف في شأن الشعر الصوفي إلى (أن للصوفية تأثيراً واضحاً في أدب الحداثة، وخاصة التصوف الفلسفي المنحرف، وما فيه من عقائد وحدة الوجود والاتحاد وغيرها من الانحرافات الصوفية، ونجد أن أشهر رموز هذا الاتجاه ينالون الحظوة الكبرى عند الحداثيين وخاصة ابن عربي وابن الفارض والحلاج والسهروري والنفري) . واستوعب هذا الباب ثلاثمائة صفحة. وشرع المؤلف في الباب الثاني تحت عنوان: الانحرافات المتعلقة بالملائكة والكتب المنزلة والأنبياء، وكانت الانحرافات المتعلقة بالملائكة ﵈ موضوع الفصل الأول، ويتمثل انحراف الحداثيين في شأن الملائكة بما يلي: ١ - نفي وجود الملائكة. ٢ - وصف الملائكة بما لا يليق بهم والتهكم والسخرية بهم. ٣ - إلحاق أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم. يقول الباحث في شأن سخرية الحداثيين من الملائكة ﵈: (ومن أساليب أهل الحداثة أنهم يستعيضون عن الأفكار الصريحة بالسخرية والتهكم والاستهزاء، كما أنهم يستخدمون أسلوب الأوصاف الهابطة وغير اللائقة بالشيء الذي يريدون جحده أو التشكيك فيه تحت شعار: (تدنيس المقدس) الذي يعتبرونه أحد أهم إنجازات الحداثة وأهم مشاريعها) . وأما الانحرافات المتعلقة بالكتب المنزلة عامة وبالقرآن خاصة فكانت موضوع الفصل الثاني؛ حيث ذكر الباحث أوجه الانحرافات التي اقترفها المصابون بداء الحداثة حول قضية الوحي، وأنها تدور على ثلاثة محاور: ١ - انحرافات متعلقة بالتلقي. ٢ - انحرافات متعلقة بالفهم. ٣ - انحرافات متعلقة بالتطبيق. وبسط الباحث الحديث عن جحد الوحي عند الحداثيين والتشكيك في ثبوته، أو ثبوت بعضه، وإرادة القضاء عليه، ومثَّل لهذه القضية مع التفصيل بكلٍّ من: حسن حنفي، وأركون، ونصر أبو زيد، وجابر عصفور، ونزار قباني، وأدونيس، وعبد الرحمن المنيف. وأما موضوع الفصل الثالث من هذا الباب فعنوانه: الانحرافات المتعلقة بالرسل ﵈؛ حيث ذكر أوجه انحرافهم على النحو الآتي: ١ - جحد الرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم. ٢ - البغض والاستهانة والسخرية بالرسل وأعمالهم وأقوالهم. ٣ - جعل الرسل والرسالات مناقضة للعقل وسبباً للتخلف. ٤ - اتهام الرسل بأقوال الديانات المحرفة. ٥ - إطلاق أسماء الرسل وأوصافهم وخصائصهم على غيرهم. وعرض الباحث في الباب الثالث الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر والقدر، وبلغت صفحات هذا الباب أكثر من مائتي صفحة. وكشف في الفصل الأول منه عن انحرافاتهم المتعلقة باليوم الآخر؛ حيث لخّصها في ثلاثة مظاهر رئيسة: ١ - جحدهم لليوم الآخر، وما وراءه، ونفي البعث، واعتبار موت الإنسان فناءاً لا شيء بعده. ٢ - قولهم بأبدية الدنيا أو بعض ما فيها. ٣ - سخريتهم واستخفافهم باليوم الآخر وما وراءه. ومما كتبه الباحث في المظهر الأخير قوله: (إن عبارات السخرية والاستهزاء التي يطلقها هؤلاء ليس في حقيقة الأمر إلا عجزاً يلبس ثوب القدرة، وضعفاً يرتدي رداء القوة، وخوفاً من غلب الحق يأخذ شكل الاستهانة والتحدي والاستخفاف، وهالة مصطنعة تأتي في ألبسة التقريرات الجوفاء والشتائم الهابطة) . وأما الفصل الآخر فقد تحدث الباحث فيه عن الانحرافات المتعلقة بالقدر، ومن انحرافاتهم فيه: ١ - نفي وجود القدر، ونفي قدرة الله، وجعل القدر خرافة وكذباً. ٢ - ذم القدر والاعتراض عليه، وجعل الإيمان به سبباً للتخلف والتحجر ... والمهانة والسذاجة. ٣ - التهكم بالسخرية بالقضاء والقدر وبالمؤمنين به. ٤ - نسبة التقدير والقدر إلى غير الله تعالى، وزعم القدرة على تغيير مجرى القدر المكتوب. ٥ - نسبتهم الشرك إلى الله تعالى وتسويغ الرذائل والانحرافات بالقدر. وتحدث الباحث في الفصل الثالث عن الانحرافات المتعلقة بالغيبيات الأخرى. وأشار الباحث إلى واقعية الحداثيين التي أوقعتهم في شذوذٍ وجنس وصراع حيواني ونهم وجشع دنيوي هابط؛ وهربوا من الروح الرقراقة التي تميز الإنسان عن الحيوان، لقد أصبحوا واقعيين، نعم! ولكن على مستوى الحيوان. لقد كان فرارهم من كل ما له علاقة بالغيب والروح جعلهم يرتكسون في هذا الخوض الآسن) . وتتجلى انحرافاتهم في هذا الموضوع في عدة أوجه: ١ - جحد الغيبيات الحقيقية الثابتة التي جاء بها الإسلام. ٢ - جعل الإيمان بالغيبيات الحقيقية تخلفاً ورجعية. ٣ - السخرية بالغيبيات الحقيقية وبالمؤمنين بها. ٤ - الإيمان بغيبيات تناسب أهواءهم وضلالاتهم. وتحدّث الباحث في الوجه الأخير عن الإيمان بما وراء الحس وأنه حاجة فطرية في الإنسان، ولما أعرض الحداثيون عن الإيمان الحق وعن الإقرار بالغيبيات الثابتة اشتغلوا بغيبيات خرافية وتصورات وثنية، كما هو ظاهر في رواياتهم وأشعارهم، وكما بسطه الباحث في الفصل الرابع من الباب الأول (التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة) . وختم الباحث أبواب الرسالة بالباب الرابع تحت عنوان: (الانحرافات المتعلقة بالأحكام والسلوك ونظام الحياة) ، واستوعب هذا الباب قرابة مائتين وخمسين صفحة، وتحدّث الباحث في الفصل الأول منه عن عبثهم بالمصطلحات والشعائر الإسلامية، ثم بيّن محاربتهم الحكم الإسلامي والدعوة إلى تحكيم غيره كما في الفصل الثاني حيث بيّن أوجه محاربتهم الحكم الإسلامي من خلال ما يلي: ١ - رفض حكم الإسلام ورَدُّه جملة وتفصيلاً. ٢ - زعمهم بأنه لا حكم في الإسلام. ٣ - زعمهم بأن أحكام الإسلام لا تلائم العصر ولا يمكن اعتماد الإسلام ... نظاماً للحكم. ٤ - الزعم بأن حكم الإسلام سبب للتخلف وعائق في وجه التقدم. ٥ - زعمهم بأن أحكام الشريعة بشرية وليست إلهية. ٦ - قولهم بوجوب فصل الدين عن الدولة وعن الحياة. ٧ - تفسيرهم الإسلام تفسيراً عصرياً. ٨ - السخرية بأحكام الإسلام. وأورد الباحث في الفصل الثالث سخرية الحداثيين من الأخلاق الإسلامية والدعوة إلى الانحلال والفوضى الخلقية. وساق الباحث في الفصل الرابع انحرافات الحداثيين في القضايا الاجتماعية والنفسية كالسعي في إفساد المجتمع، وإسقاط مفاهيم الأخلاق من المجتمع، ونفي قيام مجتمع على أساس ديني، والمضادة للأسرة ونظام العائلة. وختم الباحث هذا الباب بفصل خامس عن انحرافات الحداثيين في القضايا السياسية والاقتصادية؛ حيث استقرأ جملة من انحرافاتهم في القضايا السياسية والاقتصادية فذكر دعوتهم إلى تطبيق النظم السياسية والاقتصادية الجاهلية وإخضاع الأمة لها كالماركسية والليبرالية الديمقراطية الرأسمالية، ثم بين انتماء الحداثيين لأعداء الإسلام والمسلمين ومؤسساتهم مثل مؤسسة فرانلكين وأثرها في الاتجاه الحداثي، ومجلة شعر وعمالتها للغرب، ودور الجوائز الأدبية والثقافية في اجتذاب أصحاب القلوب المريضة. وفي خاتمة الرسالة ذكر الباحث نتائج البحث، وبيان أسباب الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر، ومقترحات لمعالجة الانحراف العقدي في الأدب العربي المعاصر مثل: تحصين أبناء المسلمين بالعلم النافع، والاهتمام بالأدب الإسلامي، وقيام العلماء بدورهم في كشف زيوف تلك الانحرافات، وفضح الرموز المنحرفة، وترسيخ مبدأ الولاء والبراء والمناقشة والحوار مع المغرَّر بهم، والحصول على فتاوى من علماء الإسلام البارزين عن حكم الإسلام في تلك الانحرافات. لقد تميزت هذه الرسالة بسعة اطلاع كاتبها وتمام نضجه وكمال إدراكه لهذه النازلة المترامية الأطراف، كما أن الرسالة ذات أسلوب أدبي رفيع، ولغة فصيحة وقد أجاد الباحث في وصف هؤلاء الزنادقة بما يستحقونه من أوصاف الضلال والزيغ. وليت الباحث تقدّم خطوة أخرى فبيّن حكم الله تعالى في مقالاتهم، وهل يُستتابون أم لا؟ وقد وُفق الباحث في منهجه؛ حيث سار على طريقة منضبطة، وعُني بحشد الشواهد الكثيرة والأمثلة المشهورة لكل مسألة يوردها، ولو أن الباحث أعطى خلاصة في نهاية كل مسألة كما فعل ببعضها لكان أرفق بالقارئ وأيسر، وكذا لو عمد إلى ترتيب بعض الفصول إلى مباحث ومطالب لكان أنفع وأكمل، وليت الباحث عقد بحثاً مستقلاً عن العقوبات والمثلات التي حلّت بالكثير منهم [وما هي من الظالمين ببعيد] [هود: ٨٣] . إن هذه الرسالة لا تعد تصوراً مهماً ومرجعاً ثرياً في رصد فكر الحداثيين فحسب، بل هي وثيقة علمية رصينة في تاريخ الأدب العربي المعاصر، كما أنها مصدر نافع في التعريف بجملة هائلة من المصطلحات الفكرية والأدبية والتراجم الموثقة لأدباء الحداثة، كما أبدع الباحث في مناقشة الذين يحسنون الظن بالحداثيين، والذين يجادلون عن الذين يختانون أنفسهم. وأخيراً: فهذه الرسالة قُدِّمت إلى قسم العقيدة، والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد ابن سعود سنة ١٤١٧هـ، ثم نوقشت هذا العام ١٤٢٠هـ عن طريق كوكبة من أهل العلم والاختصاص؛ حيث كان سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام السعودية مقرراً، وكان أعضاء المناقشة كلاً من: فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد، وفضيلة الشيخ ناصر بن عبد الكريم المشد، وسعادة الدكتور حسن بن فهد الهويمل. فجزى الله الباحث كل خير على ما قدّم، وأعانه الله على المبادرة في نشرها بأقرب فرصة، وبالله التوفيق.

стр. 3318

إصدارات تتوالى الإصدارات الحديثة حاملة بين طياتها الجديد في عالم الدراسات الإسلامية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. ورغبةً منَّا في إطلاع قراء على ما يتيسر لنا من هذه المطبوعات الجديدة التي نرى فيها الفائدة لقارئها ... سيكون لنا بإذن الله وقفات مع بعض تلك الإصدارات بين عدد وآخر، والله الموفق. - التوضيح لتوحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية (مجلد لطيف) ، للعلاَّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تصحيح: محمد البسام، دار عالم الفوائد، ١٤٢٠هـ. الكافية الشافية قصيدة جامعة - لابن قيم الجوزية - اشتملت على ما لم يشتمل عليه كتاب في فن التوحيد والعقائد والأصول، واحتوت على تفاصيل كثيرة لا توجد في سائر الكتب - حتى كُتُب مؤلفها - اكتفى المؤلف بشرح الأبيات المتعلقة بالتوحيد منها؛ اهتماماً منه بما تمس إليه الحاجة، وقد أكثر من النقل لعبارات المؤلف في كتبه؛ لأن أحسنَ ما شُرِحَ به النظمُ هو كلامُ ناظمه. - معالم في منهج الدعوة (مجلد) ، للشيخ د. صالح بن عبد الله بن حميد، دار الأندلس الخضراء، ١٤٢٠هـ. عشر من الرسائل تندرج تحت وحدة موضوعية متقاربة، في ثناياها: مفهوم الحكمة، ونماذج القدوة، وثمرات التعاون، وأثر التوجيه، وأدب الخلاف، وأصول الحوار، ومواقف العزة، وكشف اللبس، وتعليم الخطابة، وأحكام الأذان. - الأحكام فيما يختلف فيه الرجال والنساء من الأحكام (رسالة دكتوراه - مجلدان) ، د. أحمد بن عبد الله العمر، دار ابن عفان، ١٤٢٠هـ. يهدف الكتاب لتنقية الفكر من نتن دعوات مساواة المرأة بالرجل في كل شيء، رغم الاختلاف الحقيقي في التركيب الجسمي والعقلي والوظيفة المناطة بكل منهما، جمع المؤلف الفروق بينهما في أحكام العبادات ضمن أبواب أربعة في دراسة فقهية، فجاءت الدراسة لبنة في بناء صرح علمي فكري متين. - الطريق إلى الصحة النفسية عند ابن قيم الجوزية وعلم النفس (بحث تكميلي في مجلد لطيف) لعبد العزيز بن عبد الله الأحمد، دار الفضيلة، ١٤٢٠ هـ. الصحة النفسية مطلب تشتد حاجة الناس إليه - لا سيما في وقتنا الراهن - وتزدان مادته حين يدرس من خلال إمام فذّ كابن القيم. قدم الباحث قواعد وتفسيرات ومبادئ تهم الباحثين والعامة، من خلال المقارنة بين تقريرات هذا الإمام وبين المبادئ النفسية المعاصرة؛ وذلك في أسلوب سهل قريب المنال؛ فجاءت الدراسة نموذجاً للتأصيل الإسلامي في هذا الفن الذي نشأ في غيبة عن المنهج الرباني. - الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير - مجلد) ، لخالد بن عبد الله المصلح، دار ابن الجوزي، ١٤٢٠هـ. ترغيب المشتري في الشراء من خلال الوسائل والأساليب التسويقية المعاصرة من: الهدايا والتخفيضات والمسابقات والإعلانات والدعايات وإمكانية رد السلعة والضمان والصيانة والاستبدال من نوازل العصر الملحّة، كيف تخرّج أحكامها؟ وما الضوابط الشرعية العامة للمعاملات؟ هذا ما جاء البحث مجيباً عنه، ووقع على حاجة صارت ظلاً للتجارة المعاصرة لا تفارقه! - مقالات في التربية - المجموعة الأولى (غلاف) ، محمد بن عبد الله الدويش، دار طيبة، ١٤٢٠هـ. تجني الصحوة اليوم بعض ثمرات جهود تربوية مباركة، تشدّ الأمة إلى الإصرار على التربية، وتدعوها إلى تفعيلها، ولما كانت التربية ضرورة لنقل الأحكام الشرعية من مجرد العلم إلى العمل كان إثراؤها بالدراسات ضرورة أيضاً، وقد جاءت هذه المقالات استجابة لها، من خلال العناوين الآتية: صفات المربي، وافتقار العمل التربوي للضوابط الشرعية - النجباء والموهوبون - أخطاء في علاج الأخطاء؛ بقلم معروف باهتماماته التربوية. - المال المأخوذ ظلماً وما يجب فيه في الفقه والنظام (رسالة دكتوراه- مجلدان) ، د. طارق بن محمد الخويطر، دار إشبيليا، ١٤٢٠هـ. تأتي الدراسة في وقت تفاقمت فيه مظالم الأموال بالسرقة والاختلاس والنصب والرشوة والخيانة واحتكار الأموال العامة، فوصَّف الباحث تلك الأفعال، وكيّف أوصافها، وحرر شروطها، ودلف إلى ما يترتب على كلٍ من الأحكام الشرعية، والقضائية - مكتفياً بالنظام السعودي -. - المحْكمات في الشريعة الإسلامية وأثرها في وحدة الأمة وحفظ المجتمع (غلاف) د. عابد بن محمد السفياني، دار ابن الجوزي، ١٤٢٠هـ. تتحقق مقاصد الشريعة من خلال ما أحكمته الشرع الحنيف، وأوضحه وحفظه من المحكمات التي ترعى ضرورات: الدين والنفس والعرض والعقل والمال التي يُحفظ بها المجتمع وتتوحد بها الأمة، ومن خلال المحكمات والأساسيات ينبغي تقديم الإسلام في التطبيق والدعوة؛ منعاً للتفرق المذموم على ما يسع فيه الخلاف. الدراسة تكشف عن أهمية الموضوع من الناحية العلمية الأصولية، والتطبيقية الفقهية يدبجها مختص ذو باع.

стр. 3319

البيان الادبي الخطيئة د. خالد بن سعود الحلبي إن المسلم في صراع دائم مع نفسه الأمَّارة بالسوء، يجاهدها ويكشف خططها ومؤامراتها، ويلجم جموحها بزمام المراقبة لله، والخشية منه؛ وقد عبر ... الشاعر الراحل عمر بهاء الدين الأميري ﵀ عن ذلك في صور شعرية مختلفة، ومن ذلك قوله [١] : تسول لي نفسي بأن ذنوبها ... تخفف من أطماعها وغرورها ولو أن نفسي صح في الله عزمها ... لما بطنت ثوب التقى بفجورها فيا نفس خل المكر عنك وسارعي ... إلى رحمة قد لاح بارق نورها وقد عمد الشاعر هنا إلى أسلوب التجريد البلاغي؛ حين جرد من نفسه شخصاً آخر؛ ليكيل لها اللوم والتقريع؛ وربما ليومئ إلى الاعتراف بالذنب المبطن بالاعتذار بالطبيعة البشرية، والنفس الأمارة بالسوء، والتي تقررت طبيعتها في الآية الكريمة: [وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم] [يوسف: ٥٣] . ولكنه يدعوها إلى الاقتراب من رحمة الله، والتعرض لمغفرته. وتجلى لنا الصراع أقوى ما يكون في مواجهة الرغبة الجامحة في المعصية في قول الأميري في مقطوعته (لفح السعير) [٢] : أحس اختناقا بأعماق روحي ... إذا طاف بي طائف المعصيه كأن الجبال على أضلعي ... ولفح السعير بأنفاسيه مران البراكين في غور قلبي ... تثور، وتنفث في قلبيه فأبغي نجاتي ولو بمماتي ... لأعتق من شهوة عاتية وألقي كياني إلى من براني ... لترتاح نفسي من نفسية وكما نرى في هذه الأبيات فإن الشاعر لم يتأثر بالفكر النصراني المندس في الشعر المعاصر؛ حيث راح بعض شعراء العربية حتى من المسلمين يقلدون الغرب الصليبي في استيحاء الفكرة الباطلة التي تقرر: توارث بني آدم خطيئة أبيهم؛ وأن (الخلاص) يكون عن طريق (المسيح) ﵇، ولذلك كثر في شعرهم الرمز بالصليب والمسيح ونحو ذلك؛ كما نجد عند نزار قباني، ومحمود درويش، وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي الذي يقول [٣] : خطيئة ما برحت نارها ... تطلب من موقدها المغفرة لو عاد للعالم أمواته ... لاحتضنوا في أرضنا المزهرة ألف يسوع في جراحاته ... مات لتحيا فكرة نيرة وتعجُّبي: كيف يقول مسلم ببقاء خطيئة غفرها الله بنص قوله تعالى: ... [فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم] [البقرة: ٣٧] ؟ وكيف يؤمن مسلم بصلب المسيح ﵇، وقد قال تعالى: [وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم] [النساء: ١٥٧] ؟ وغير خفي إعراض الشاعر حتى عن اسم المسيح ولقبه في القرآن، إلى اسمه في كتب النصارى. فإن الأميري برؤيته الإسلامية الناصعة حسم هذا الموقف بقوله [٤] : كانت الزلة والتو ... بة والعفو الرحيم فالزلة حدثت من (آدم) ﵇، والتوبة أعقبتها منه، وتلاهما العفو الإلهي الرحيم. وخُتِمَ الأمر، ولم يبق إلا الإغراء الشيطاني، ونزغات النفس الأمارة بالسوء، أما أسطورة الخطيئة والتكفير فلا وجود لها في الإسلام الذي قرر: [ألا تزر وازرة وزر أخرى] [النجم: ٣٨] . وما كان لعيسى ﵇ أن يؤثِّر في العالم بعد أن رفعه الله إليه، إلى أن ينزل في آخر الزمان.

стр. 3320

نص شعري أحمد بن حنبل " ﵀ " د. محمد بن ظافر الشهري سيكون للديدان قوتاً في غدِ ... فاجلِدْهُ يا سجّانُ أو لا تَجْلِدِ قد بعتُ هذا الجسمَ واللهُ اشترى ... ومَن اشتراهُ اللهُ لم يَترددِ لو حرَّقوني لم أكن مستبدلاً ... ديناً مَرِيسِياً بدين محمدِ لو فُهتُ بالكفر اتّقاءَ عذابهم ... مَا حيلتي في ألفِ ألفِ مُقَلّدِ ما ضرني سجني ولا قيدي وفي ... قلبي أرى حريتي لا في يدي ظنوا سيوفهمُ تُبيد عقيدتي ... فقتلتُ بدعتهم بغير مُهنَّدِ حقٌ على العلماء ألاّ يكتموا ... ما جاء في القرآن أو في المُسندِ

стр. 3321

نص شعري هروب محمد ظافر الشهري رأى الناسُ فيما يرى النائمونَ ... وللنومِ في الشرع حكم الجنون كأنّ اليهود غداً يجنحونَ ... لسلْمٍ وبعد غدٍ يُسْلِمون وأنهُمُ يوقفون البناءَ ... وها همْ أولاءِ مضوا يبتنون وأن اليهودَ إذا غادروا ... سيخلفهم بشرٌ يَرْحَمون فلما صحوْا علموا أنهمْ ... رأوْا صُوراً أبداً لن تكون فَفَرُّوا إلى النوم أُنْساً به ... فقد وجدوا فيه ما يشتهون

стр. 3322

نص شعري دَعُونا نَراهُمْ بِخَفَّاقِنا محمد سعد دياب إذا ما شَبِعْنا فَيا ليْتَنا ... نُسافرُ هَمّاً ولكنْ لِمَنْ؟ لِسِرْبِ الجِّياعِ بَرَى جسمَهم ... جحيمُ الزَّمانِ وَلَيْلُ المِحَنْ سَرَى الجُوعُ يسحقُ أضلاعهم ... ونحنُ تَخِمْنا ببطنٍ يئنْ لقد داسَ أعناقَهم ذُلُّهُ ... مَراراتُهُ أنهرٌ مِنْ شَجَنْ هياكلُهُمْ ناتئٌ عظمُها ... فُؤادٌ كسيرٌ وَجَفْنٌ وَهِنْ أناخَ الشَّجا رَحْلَهُ ساكباً ... بحاراً تَدَفَّقُ مُرَّ الحَزَنْد يُطِلُّ الأسى مِلءَ شريانِهمْ ... فإنَّ الشَّقاءَ بِهِ مُرْتَهَنْ فلا الصُّبحُ صَبحٌ يُنِيرُ الدُّجَى ... ولا الدَّرْبُ إلا الضَّنَى والوَهَنْ يرون سواهُمْ تُحِيطُ بهم ... غدائرُ نُعْمَى وفجرٌ أغَنْ وهمْ كأسُهُمْ بَحْرُ صَابٍ هَمَى ... ودمعٌ غزيرُ الشَّجا ما وَهَنْ بِكُلِّ وريدٍ ثوَى عَلْقَمٌ ... أراقَ اللَّظَى في الحَشا وَاقتَرنْ حياةٌ هُنَيْهاتُها حَنْظلٌ ... مُقِيمٌ بأحْداقِهِمْ ما ظَعَنْ دَعُونا نُفَكِّرُ يا إخوتي ... نُحِسُّ بهم لحظةً من زمنْ دَعُونا نراهمْ بخفَّاقِنا ... ونعطيهمُ القوتَ مِنْ دون مَنْ؟ لنرحمَ طِفْلاً قَضَى لَيْلَهُ ... يُصارعُ عُمْراً غريبَ الإحَنْ نُقِيلُ بهِ عَثْرةً زعزعتْ ... يقيناً وقلباً عَسَى يَطْمَئِنْ وَيَبْقَى نَدَى الأَجْرِ نهفو لهُ ... فما ضاعَ للأَجْرِ يوماً وَطَنْ

стр. 3323

الاسلام لعصرنا الدعوة.. ووسائل الاتصال الحديثة أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة إن وسائل الاتصال الحديثة آية دالة على صدق النبوة المحمدية، وهي فرصة كبيرة لنشر الرسالة المحمدية، لكنها أيضاً أكبر تحدٍّ يواجه الدعاة إلى هذه الرسالة. أما كونها آية فلأنها جعلت بلدان العالم كلها بمثابة البلد الواحد الذي كان يرسل إليه كل نبي قبل محمد ﷺ ، وفي هذا دلالة علي أن الذي أرسل محمداً رسولاً للناس كافة لا لقومه خاصة هو الخالق سبحانه الذي كان يعلم أن العالم كله سيصير بمثابة القرية الواحدة، فلا يحتاج إلى تعدد المرسلين، ولا يحتاج إلى رسول بعد الرسول الذي تعم دعوته شعوب العالم أجمعين. لقد كان هذا التقارب بين بلاد العالم قد بدأ مع مبعث النبي الخاتم ﷺ ، لكنه ظل يزداد ويزداد مع تطور وسائل المواصلات والاتصالات، حتى وصل إلى ما وصل إليه في عصرنا، وربما تشهد العصور التي تلينا تقارباً أكبر، بسبب تطور أكثر في مجال الاتصالات. فمَنْ غيرُ الخالق سبحانه كان يعلم آنذاك أن هذا سيكون؟ إن الترابط بين شعوب العالم الذي أحدثه هذا التطور الكبير في وسائل الاتصال ليس إذن مجرد أمر دنيوي بالنسبة للمسلم، وإنما هو أمر يتصل بصميم عقيدته؛ لأن فيه دليلاً يضاف إلى الأدلة المشيرة إلى صدق رسوله ﷺ . وأما كونها فرصة لنشر الدعوة فأمر لا يكاد يحتاج إلى بيان. إن الكتب تطبع الآن بأسرع مما كانت تطبع به في الماضي، وتنتشر على نطاق أوسع مما كانت تنتشر به، والكلمات لم تعد تقتصر كتابتها بحبر على ورق، وإنما صارت الملايين منها تكتب في أقراص مدمجة يسهل حملها، ويسهل الوصول إلى المادة المكتوبة فيها. والكلمة المنطوقة لم يعد ينتهي صوتها بانتهاء النطق بها، وإنما صارت تسجل على أشرطة مسموعة وأخرى مرئية مسموعة، والرسائل لم تعد تحتاج إلى بريد بالجِمال أو بالسيارة أو الطائرة أو القطار، وإنما صارت ترسل في لحظات عبر الفاكس والبريد الإلكتروني. ثم الشبكة العالمية (الإنترنت) التي تجمع لك هذا كله، أعني: الكتابة والصوت والصورة والإرسال السريع والحفظ. وقد استفاد الدعاة بحمد الله تعالى من كل هذه الوسائل، فسُجِّل كتاب ربنا بأصوات عدد من كبار قرائنا، وسجلت بعض أحاديث الرسول ﷺ ، وها نحن اليوم نستمع إلى دروس كبار شيوخنا ومحاضراتهم حتى بعد وفاتهم، وأما الشبكة العالمية فقد استفادوا منها هي الأخرى أيما فائدة، وما تزال المواقع الإسلامية تفتح فيها يوماً بعد يوم، وما تزال المادة الإسلامية المعروضة فيها في ازدياد مطرد. وقد سمعت عن أناس ورأيت أناساً هداهم الله تعالى عن طريق هذه الوسيلة. وقد كان المسلمون في البلاد الغربية يشكون من أن الصحف والمجلات لا تفتح لهم مجالاً للنشر فيها حتى عندما يكون المقال رداً على افتراء على الإسلام، فإذا هم اليوم يكتبون ما يشاؤون على صفحات هذه الشبكة. لكنني ما زلت أرجو أن يزداد اهتمامنا بها واستفادتنا منها، وأرجو أن يأتي يوم قريب تكون فيه كل المراجع الإسلامية متيسرة فيها، وأرجو أن أرى فيها مقررات في شتى الفنون الإسلامية تأخذ بيد الراغب من المستوى الابتدائي وتتدرج به حتى توصله إلى المستوى الجامعي. وأرجو أن يأتي يوم تتحول فيه جامعتنا الأمريكية المفتوحة، وأختها كلية لندن المفتوحة، إلى جامعة إسلامية عالمية تضاهي الجامعات المفتوحة الكبرى كالجامعة البريطانية التي يبلغ عدد طلابها أكثر من مئتي ألف، أرجو أن يدرك المحسنون، وأن تدرك المنظمات الإسلامية في عالمنا الإسلامي أهمية مثل هذا التعليم الذي يسمى بـ (التعليم عن بعد) ، والذي يصفه بعض رجال التربية الغربيين بأنه نظام المستقبل، فيولونه عنايتهم ودعمهم حتى تكون الدراسة في جامعته مجاناً، وحتى يوفر العلم الشرعي للراغبين فيه أنَّى كانوا على وجه الكرة الأرضية. وأما كونها تحدياً عظيماً: فأولاً: لأنها كما يسرت لنا إيصال دعوة الإسلام إلى غير المسلمين، فقد سهلت لغير المسلمين ولا سيما الغربيين إيصال دعوتهم إلينا، وبما أن إمكاناتهم المادية هي اليوم أكبر من إمكاناتنا، وبما أن إدراكهم لأهمية هذه الوسائل الحديثة أكبر من إدراكنا فإن ما يوصلونه إلينا يفوق كثيراً ما نوصله إليهم، بل إنهم لا يحتاجون إلى الاقتصار على الخطاب المباشر من الغرب إلى الشرق الإسلامي؛ لأن لهم عملاء في بلادنا هم من بني جلدتنا ويعربون بألسنتنا، ويكتبون في صحفنا، ويتكلمون في إذاعاتنا ويظهرون في قنواتنا، ولا همَّ لهم إلا دعوتنا للسير في ركاب الغرب، في نظمنا السياسية، وأوضاعنا الاقتصادية، وقيمنا الخلقية، ونظرياتنا التربوية، وأساليبنا الأدبية، ونظرتنا التاريخية، بل وتصوراتنا الدينية، يعطون الكلمات العربية والمصطلحات الإسلامية مثل الأصولية معاني كلمات غربية ثم يكررونها بذلك المعنى الغربي على مسامعنا ليل نهار، واصفين بها كل مستمسك بدينه من الأفراد والدول والجماعات ليُدخلوا في روْع الناس أن مسلك هؤلاء وطريقهم هو الطريق الشاذ، وأن المسلم المعتدل إنما هو ذلك الشخص الذي يأخذ دينه مأخذ الغربي الليبرالي أو حتى العلماني للدين. وثانياً: لأنها لا تفتأ تذكِّر المسلم بأن أكثر الناس على وجه الأرض ليسوا مسلمين، وأن أقوى دول الأرض سلاحاً واقتصاداً وأكثرها لذلك تأثيراً ليست دولاً مسلمة، بل وأن معظم الدول الإسلامية قد نهجت نهجها العلماني في نظمها السياسية وقوانينها، وكثير من نواحي حياتها الأخرى. وفي البشر ضعف يجعل من الشاق عليهم مخالفة الأمر الشائع حتى لو كان في نطاق قرية، أو مجموعة محدودة متن الناس كما كان الأمر في الماضي، فكيف إذا أصبح مخالفة لأكثر سكان العالم وأكثر دوله؟ إن هذا الضعف قد يصل بالإنسان إلى مجاراة الأكثرية في إنكار أمر هو موقن بأنه حقيقة لا ريب فيها؛ ألم يقل الله تعالى لرسوله موسى ﵇: ... [فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى] [طه: ١٦] ، والإنسان قد يدفعه هذا الضعف إلى الضيق بما يعلم أنه الحق إذا رأى الناس يعترضون عليه باعتراضات مهما كانت واهية. ألم يقل الله تعالى لرسوله ﷺ : ... [فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل] [هود: ١٢] ، إن الله تعالى لا يرسل رسولاً تصده أهواء الناس عمَّا أوحى إليه ربه، أو تحمله اعتراضاتهم على الكف عن تبليغ بعض ما أنزل الله إليه، لكن في تذكير الرسل بعد الوقوع في مثل هذا النوع من الضعف دليل على أنه يقع من غيرهم، حتى لو كان من أتباعهم، وإذا كان الله تعالى يذكِّر رسله بعدم الاستسلام لمثل هذا الضعف فإن غيرهم أوْلى بأن يذكَّر ويذكِّر. لكن حتى هذه الجوانب التي تبدو ضارة في وسائل الاتصالات الحديثة لا تخلو من نفع فيما يبدو لي، بل يمكن أن يُسْتغَل كثير منها استغلالاً حسناً لمصلحة الدعوة إلى الإسلام، وأرجو أن أبين هذا في مقال قادم بإذن الله وتوفيقه.

стр. 3324

وقفات كيف نخاطب الجماهير..؟ (٢ -٢) أحمد بن عبد الرحمن الصويان ذكرتُ في الحلقة الماضية ضرورة إعادة النظر في خطابنا الجماهيري، وأثرت أربعة أمور، هي: (الإيمان بالهدف) ، و (الحذر من الخيلاء وحب الرياسة) ، و (الحذر من الانسياق الأعمى خلف العامة) ، و (الدقة في الخطاب) ، وفي هذه الحلقة أنبه إلى أمور أخرى إتماماً للموضوع: خامساً: الحذر من التعلق بالأشخاص: من الآفات المزمنة التي تظهر عند كثير من الجماهير؛ سواء أكان ذلك على المستوى الفكري أم الدعوي أم الاجتماعي أم الفقهي ... ونحوها: التعلق بالرموز والانكفاء عليها، والشعور بأن هؤلاء وحدهم القادرون على إحياء الأمة والنهوض بها من كبوتها، فإذا عجز هؤلاء أو حبسهم العذر أصيب الناس بالإحباط، وثارت في كوامنهم دواعي العجز والحيرة، ويؤدي التعلق بالأشخاص أحياناً إلى ازدراء مصلحين آخرين ربما لا يقلون عن غيرهم أصالة وفهماً وقدرة، وقد يؤدي هذا التعلق إلى طمر الإمكانات الكامنة في بقية الأفراد، أو عدم استغلال الفرص السانحة لهم. وقد يُرسِّخ هذا المفهوم بعض هؤلاء الرموز، ويدفع الناس إلى تقليده وتعظيمه، بلسان المقال حيناً، وبلسان الحال أحياناً أخرى. والتقليد قاصمة من القواصم التي تقتل كل ملكات الإبداع والتفكير، وتحول الجماهير إلى مجرَّد قطعان هائمة يسوقها الراعي ذات اليمين وذات الشمال، وهي تستجيب له بكل دعة وخنوع. والنجاح الحقيقي للمصلحين ليس بالقدرة على أن يصرفوا وجوه الناس إليهم فحسب، بل بالقدرة على إحيائهم واستنبات البصيرة في عقولهم؛ فمن تبعهم تبعهم بحجة وبرهان، ولذا فإن الواجب على هؤلاء المصلحين أن يرسخوا ضرورة ارتباط الناس بالمنهج الصحيح وليس بذواتهم. سادساً: وضوح الرؤية: تتم مخاطبة الجماهير عند بعض المصلحين بطريقة تلقائية رتيبة؛ حيث لا توجد لديهم رؤية واضحة، ولا يدرون خلالها ما الأهداف ذات المدى البعيد التي يريدون الوصول إليها؛ وقد ترى أن كثيراً من طروحاتهم الفكرية والدعوية مبنية على خواطر مشتتة تطرأ على أذهانهم من هنا أو هناك، بل تلمس أحياناً أن بعضهم لا يعطي لنفسه فرصة التفكير في برنامجه العملي، ولهذا تراه يجتر كثيراً من أقواله وأقوال غيره بدون بصيرة! إن وضوح الأهداف يعين كثيراً في الاعتبار بالماضي واستبصار الحاضر واستشراف المستقبل، ويدفع المرء إلى رسم أطر واضحة يعرف فيها بدقة: ما الموضوعات التي سوف يتحدث عنها؟ ! وما القواعد التي يريد بناءها؟ ! وما الأمراض الفكرية والمنهجية التي يقصد معالجتها؟ ! وما أنسب السبل لتحقيق ذلك؟ ويعرف في ذلك الأولويات التي ينبغي البدء بها، ويحدد طريقة المعالجة، ونحو ذلك مما يعدّ من البدهيات المنهجية التي لا غنى عنها. سابعاً: تلمس احتياجات المخاطبين: احتياجات الناس المنهجية والفكرية والعملية كثيرة جداً، ويتميز المصلح الجاد بقدرته على تلمس احتياجات الناس، وكم من الأشخاص الذين اعتادوا على مخاطبة الجماهير تراهم يشرِّقون ويغرِّبون، ويتحدثون عن أشياء كثيرة، لكنهم بعيدون عن نبض الشارع واهتمامات الناس. ومعلوم بأن المستمع قد يقترب من المتحدث كثيراً، ويألفه في بداية أمره، لكنه يبتعد عنه شيئاً فشيئاً إذا فقد المادة الأصيلة المتجددة التي تشبع حاجاته وطموحاته، ولا شك بأن الذي يشدُّ الجمهور ويوثق صلتهم بالمتحدث هو شعورهم بالحيوية والتجدد، وهذا فيما أحسب أحد المعايير الرئيسة للاستمرارية والبقاء. ثامناً: الحذر من الاكتفاء بالخطاب العاطفي: يغلب على كثير ممَّن يعتني بمخاطبة الجماهير اعتماد الخطاب العاطفي الذي يُبنى على استثارة المشاعر، ولا شك بأن هذا مطلوب ولا غنى للناس عنه، ولكنه وحده لا يكفي على الإطلاق، بل إن الاكتفاء به وحده قد يؤدي إلى خلل في البناء. نعم قد تجمِّع العاطفة أناساً كثيرين، ولكنها وحدها لا تحيي أمة، ولا تبني رجالاً، ولا تجعلهم يثبتون أمام الأعاصير والفتن. كثيرون أولئك الخطباء والمصلحون الذين يستطيعون تجميع الناس واستثارة عواطفهم، ولكنَّ القلة القليلة منهم هي القادرة على إعادة بنائهم وتشكيل عقولهم وصناعتهم من جديد. وإنَّ من أكبر التحديات التي تواجه دعاة الإصلاح: هي القدرة على توظيف الطاقات، واستثمارها في البناء والعطاء، وكم هي الطاقات المهدرة التي طالما استهلكت في التصفيق والصراخ والهتافات الساخنة أو الباردة! ولذا كان ممَّا ينبغي على دعاة الإصلاح إدراكه أنَّ من واجبهم التأثير الفكري والمنهجي على الجماهير، ورفع مستواهم الثقافي، وإحياء الوعي في صفوفهم، وتربيتهم تربية راسخة عميقة، والانتقال بهم من مرحلة تكثير السواد إلى مرحلة العطاء والوعي الإنتاجي. يخيَّل لبعض المصلحين حينما يرى أتباعه يحيطون به من كل جانب أنَّه لو دعاهم لتحرير القدس لما تخلف منهم رجل واحد، ولخاضوا ألوان المخاطر لتحقيق هذه الغاية العظمى، ولكنه يفاجأ بأنَّ كثيراً منهم سرعان ما يتخلف عنه ويتعذر بمعاذير واهية عند أول عقبة قد تواجهه في مسيرته! ولست هنا أدعو إلى ترك الجماهير أو عدم الثقة بهم، ولكنني أدعو إلى تغيير آلية الخطاب ليستوعب المتغيرات الاجتماعية والفكرية الحديثة. لقد ظلت الجماهير عقوداً متتابعة مغيَّبة يعبث بعواطفها أدعياء التحرر والوطنية، وها هنا يأتي دور المصلحين من جديد لإعادة تشكيل عقولهم وصناعة أفكارهم، ولا شك بأن هذا يتطلب جهداً كبيراً ونَفَساً طويلاً. تاسعاً: الارتقاء بمستوى الخطاب: كثير من الطروحات التي نسمعها من الخطباء وأمثالهم تعالج هموم العامة ومشكلاتهم، وتتوافق مع طموحاتهم وتطلعاتهم، ولا شك بأن هذه الطموحات محدودة، وتدور في أطر ضيقة، وقد يغفل بعض أولئك الخطباء عن مخاطبة طبقات أخرى في المجتمع، ولا بأس أن يوجد من يتخصص في مخاطبة العامة ويقصر اهتمامه في دائرتهم، ولكن ليس من المقبول على الإطلاق أن يتوجه أكثر خطبائنا إلى هؤلاء ويغفلوا عن الدوائر الأخرى! إننا نعيش في عصر الانفتاح الإعلامي الذي أدى إلى انفتاح اجتماعي وفكري عريضين، وأصبحت قوة الخطاب وجاذبيته والتزامه بالمنهجية العلمية من أهم أدوات التأثير الفكري، وأعتقد بأن الارتقاء بمستوى الطرح والمعالجة في غاية الأهمية، فما يصلح في المدرسة قد لا يصلح في الجامعة، وما يصلح في المسجد قد لا يصلح في وسائل الإعلام، وما يصلح في هذا البلد قد لا يصلح في البلد الآخر.. وهكذا. وأذكر أنني استمعت ذات يوم إلى برنامج حواري اشترك فيه أحد المفكرين الإسلاميين مع مفكر ليبرالي، فآلمني جداً أن صاحبنا كان يتحدث بلغة عاطفية خطابية هزيلة، بينما كان يتحدث ذلك الليبرالي بطريقة مركزة تتسم بالذكاء والمراوغة، شعرت من خلالها أنَّه يعرف ماذا يريد. ولا شك بأن الفتنة بمثل هذا كبيرة لجمهور عريض من العامة!

стр. 3325

المسلمون والعالم الحرب القذرة في الشيشان والمتواطئون د. يوسف الصغير يعيش العالم الإسلامي اليوم مرحلة مخاض صعبة تبشر بقرب ظهور الأمة الإسلامية على السطح من جديد مع مقاومة شديدة من قوى البغي المختلفة لظاهرة الانبعاث الجديدة؛ فأعداء الحق حريصون على بقاء العالم الإسلامي غائباً عن التأثير على مجريات الأحداث العالمية؛ بل والغياب حتى عن قضاياه الخاصة. لقد كانت الأمة غائبة تقريباً عن أحداث البوسنة وكوسوفا وكشمير وجنوب الفلبين وجنوب السودان والصومال وغيرها. ونقصد بالغياب: هو عدم القدرة على توجيه الأحداث والتأثير على مواقف الدول. ولنضرب مثالاً بسيطاً: في حالة البوسنة أجري استفتاء وأعلن على أساسه استقلال البوسنة عن الاتحاد اليوغسلافي، وقام الصرب بحرب إبادة ضد المسلمين، وكان دور الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التغطية على عملية الإبادة ومحاصرة المسلمين ومنع السلاح عنهم؛ ومع تطاول الحرب واستقتال المسلمين في البوسنة تكوَّن رأي عام ضاغط في العالم الإسلامي، وعقدت مؤتمرات إسلامية حرص الغرب على أن يرسل مندوباً سامياً يؤثر في مجريات الأحداث، ويمنع اتخاذ مواقف مؤثرة في رفع الظلم والحصار عن المسلمين. وكان غياب جنود من العالم الإسلامي عن تركيبة القوات الدولية العاملة في البوسنة في بداية الأحداث مقصوداً، وفي المقابل فبمجرد إجراء استفتاء فيما بعد في تيمور الشرقية على الاستقلال عن إندونيسيا تدخلت قوات تستظل بعلم الأمم المتحدة، واحتلت الإقليم، وفرضت استقلاله وانفصاله بدعوى تحقيق رغبة شعب تيمور الشرقية بالانفصال. إن نفاق من يسيِّر الأمم المتحدة ليس له حد ولا مثيل؛ فأين هذه القوات عما يحدث في بقاع كثيرة من بلاد المسلمين؟ وهل هناك شك في رغبة المسلمين في كشمير في الانفصال عن الهند؟ وهل هناك أدنى ريبة في تضحيات المسلمين الجسيمة في جنوب الفلبين وفطاني؟ ولكن السيد مشغول عن صيحات المسلمين بالإنصات إلى (جون قرنق) ومحاولة إقناعه بالتواضع في مطالبه ليمكن تحقيقها؛ فهو يريد حكم السودان بأجمعه، وهم يحاولون إقناعه بما يمكن تحقيقه بسهولة حسب ظنهم وهو الاقتصار على جنوب السودان. ولسائل أن يسأل: فما بال الشيشان؟ والجواب: أنه لا يختلف كثيراً؛ فهناك حضور قوي وتداعٍ من الأمم: إما للحفاظ على مصالحها، وإما للحصول على مغانم مستقبلية. ونقصد بالأمم ما يمكن أن يدعى (بالأَكَلَة) كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها) [١] فالأكلة حريصون على الحضور وتسجيل المواقف مع حرصهم في المقابل على منع أي حضور إسلامي قدر الإمكان إلا في حالة الاضطرار. ويمكن أن نقول: إن هناك تواطؤاً في حضور الأكلة على المائدة الشيشانية، وتواطؤاً في غياب الأقارب من المسلمين. لقد دخل الإسلام إلى بلاد القوقاز في صدر الإسلام، وعم في هذه المنطقة وتجذر فيها. وبدأت الاحتكاكات مع الروس عندما بدأت الإمبراطورية الروسية القيصرية في التوسع جنوباً؛ حيث بدأت جحافل الروس في الدخول إلى المنطقة بهدف احتلالها منذ القرن الثامن عشر الميلادي، ولم يستسلم المسلمون لهذه الغزوات بل واجهوها بكل قوة؛ حتى إن شجاعة الشيشان أصبحت مضرب المثل في روسيا ودخلت في أدبيات الروس، لقد كان ضعف الدولة العثمانية عاملاً مهماً في تمكُّن الروس من احتلال القوقاز وآسيا الوسطى، وكانت سياسة الروس القياصرة ومن بعدهم الشيوعيون تتلخص في تجويع الشعوب ومحاولة توطين الروس في هذه المناطق لضمان استقرارها، ولا ننسى أن جروزني كانت في الأساس قلعة أقامها الروس لترابط فيها قوات الاحتلال الروسي، وكانت علاقات الروس مع الشيشان سيئة على الدوام، وكان انعدام الثقة هو الأساس في التعامل بين الجانبين؛ ولهذا فقد قام (ستالين) باتهام الشيشان بالتعامل مع الألمان عند احتلالهم للقوقاز أثناء الحرب العالمية الثانية، وأمر بنفي الشعب الشيشاني. نعم! لقد تم نفي شعب بأكمله بتهمة أن بعض أفراده تعاون مع الألمان، وفي هذا الوقت فإن الشعب الشيشاني تدمر مدنه وقراه، ويجبر تحت التهديد بالإبادة على مغادرة أرضه؛ والحجة هي محاربة الإرهابيين، وهذه الحجة هي التي استخدمت منذ بداية الأحداث؛ فقد ركزت عليها الدعاية الروسية ورددها السياسيون والعسكريون الروس ولم يجدوا غيرها، ومع ذلك فقد كانت مؤثرة في مواقف الدول والشعوب التي يمكن تلخيصها فيما يلي: ١ - لقد تم تخويف الصين من أن ما يجري في الشيشان سيتكرر تماماً في تركستان الشرقية المسلمة التي تحتلها الصين؛ ولهذا فإن الصين تقف بقوة مع روسيا. ٢ - لقد سارعت (إسرائيل) إلى تأييد روسيا، وعرضت عليها المساعدة وتقديم الخبرة المكتسبة في التعامل مع الإرهاب في فلسطين وجنوب لبنان، وبدأ تسويق مقولات: إن روسيا ستقيم حزاماً أمنياً حول الشيشان يماثل الحزام الأمني في جنوب لبنان؛ وعلى الرغم من سقوط هذا الخيار وتجاوزه فإن (إسرائيل) تكرر مساندتها لروسيا فيما يسمى بحرب الإرهاب الإسلامي! ٣ - لقد ردد الروس أن لأسامة بن لادن دوراً في أحداث الشيشان والداغستان؛ وذلك من أجل استغلال حساسية أمريكا الشديدة، ولكن يبدو أن أمريكا تعرف أن ابن لادن بعيد عن أحداث الشيشان، إلا أنها في المقابل ترحب في تورط روسيا في الشيشان؛ وذلك لأن إضعاف الإسلاميين يصبُّ في مصلحة أمريكا، وإخفاق الروس المتوقع سيفتح المجال للنفوذ الأمريكي في هذه المنطقة الحيوية. والذي أراه أن أمريكا كانت ترغب في تورط الروس في هذه المنطقة، وكانت تردد أنه ليس فقتط من حق روسيا محاربة الإرهاب بل هذا من واجبها كما حصل في مؤتمر إستانبول الأخير. إن موقف أمريكا من الأحداث يتوقع له أن يتطور من أجل كسب شعوب المنطقة وتقبلها للحضور الأمريكي بعد طرد الروس. ٤ - لقد نجح الروس في البداية ولفترة مؤقتة في إبعاد الدول الإسلامية التي يتوقع أن يكون لها دور في الأحداث؛ وذلك باتهامها ابتداءاً بتأييد الإرهاب في القوقاز؛ وبالطبع سيسارع المتَّهم إلى نفي التهمة والتعامل بحذر حتى لا يعطي أي فرصة للروس لتأكيد هذه التهمة. ٥ - لقد سببت أحداث الشيشان الكثير من الحرج لإيران نظراً لعلاقاتها الوثيقة مع روسيا في جميع المجالات؛ ولهذا فقد سارعت لإرسال وزير خارجيتها على رأس وفد منظمة المؤتمر الإسلامي إلى موسكو. إن تصرفات الروس تشبه بتصرُّف من يقوم بتحطيم الكرسي الذي يريد الجلوس عليه؛ فقد ابتلع الروس الطعم الغربي بالتبشير بأسلوب الحرب الجديد الذي يناسب الجبناء والغرباء؛ حيث قام الروس بتقليد الأسلوب الأمريكي في الحرب الجوية والاستعمال الفائق للقوة، وفاتهم أن أمريكا استعملت هذا الأسلوب ضد أراضٍ تعتبرها عدوة مثل العراق وصربيا وكوسوفا؛ حيث تم تدمير البنى التحتية والمباني والجسور من أجل تحطيم قدرات الخصم على المقاومة ودفعه للخضوع. إن مشكلة الروس في الشيشان أنهم لا يواجهون زعيماً أو حكومة متمردة ولكنهم يواجهون شعباً يكرههم، ومجموعات مجاهدين تسعى لطردهم. إن تدمير المدن والبنى التحتية من مصانع وطرق وخدمات سيضعف قدرة الروس على الصمود أمام حرب عصابات طويلة الأمد؛ فأين يقيم الجنود الذين بلغ عددهم مائتي ألف حتى الآن، وكيف يتم تموينهم؟ إن خروج الروس قضية محسومة وليست بعيدة المنال؛ ولكن الذي يهمنا أن يقوم المسلمون بتبني هذه القضية واستغلالها وأن يزاحموا الأكلة ويطردوهم، وعلى المسلمين أن يفهموا أن حرب الشيشان بدأت مشروعاً قومياً شيشانياً خالصاً ولكنها تحولت إلى مشروع إسلامي؛ فقد استلم الإسلاميون بجدارة قيادة الشيشان أثناء الحرب الأولى، وبعد خروج الروس بدأ المشروع الإسلامي يقوى ويتجر في الشيشان، ولكن المشكلة الأساس هي حالة الحصار الذي تعيشه الشيشان، من قِبَلِ الروس وهاجس المستقبل؛ حيث نجح الروس في التملص من الاعتراف باستقلال الشيشان وأقنعوا الشيشان المرهقين من الحرب بتأجيل البت في هذا الموضوع لمدة خمس سنوات من عام ١٩٩٦م، وهذا يعني تأجيل الموضوع حتى تستقر الحكومة الروسية ويتعافى الاقتصاد الروسي ومن ثَمَّ يكون وضع الشيشان أصعب بكثير. والذي يبدو أن أحداث الداغستان أجبرت الروس على تطبيق مخطط كان مقرراً أن ينفذ بعد عام ٢٠٠١م؛ إذ لم تنجح المخابرات الروسية في اغتيال قيادات المجاهدين وترتيب حكومة عميلة أو على الأقل خاضعة للروس. إن حرب الشيشان الحالية ووضع الروس الصعب فيها فرصة لكل دولة إسلامية تريد أن تخرج من طوق العزلة والوصاية، وأن يكون لها ريادة العالم الإسلامي الجديد المشرِق والذي أراه أمامي من خلال الأحداث رغم قسوتها؛ فإنه المخاض.

стр. 3326

المسلمون والعالم صراعات القرن الإفريقي وعودة العلاقات الإرتيرية السودانية جلال الدين محمد صالح تعقدت الأوضاع في القرن الإفريقي، وازدادت سوءاً إلى الحد الذي سلبه استقراره السياسي، وَحَوَّلَهُ إلى بؤرة صراع عسكري وتوتر أمني لا يسوقه إلا إلى نكبة من وراء أخرى، وليس فيما يظهر ما يبشر بقرب الانفراج، أو يوحي بتخفيف الأزمات فضلاً عن الذهاب بها إلى حيث لا رجعة؛ فالصومال الحزين ما زال ينزف دماً من جراء الاقتتال القبلي، ويُدفَع به من هاوية إلى أخرى من دون أن تجدي في إطفاء حريق الحرب كلُّ محاولات المساعي الحميدة وغير الحميدة من وسطاء عرب وغير عرب، وبلغ به الانهيار والتردي إلى الدرجة التي جعلت منه أفضل ميدان تصطفيه القوى الإقليمية المتصارعة لتصفية حساباتها وخدمة استراتيجياتها تماماً كما يفعل النظامان الإرتيري والإثيوبي باللعب في تناقضاته القبلية، وإغراقه بكميات من مختلف الأسلحة دعماً لمن تتطابق معه مصالحهما من الفصائل المتحاربة سواءاً من المعارضة الإثيوبية التي تتلقى دعماً عسكرياً من النظام الإرتيري، أو أطراف النزاع الصومالي؛ حيث تنحاز إرتيريا نحو عيديد، وإثيوبيا نحو عثمان علي عاتو الذي ندد مؤخراً بالتصرف الإرتيري وذلك بعد وصول سفينة محملة بالسلاح من إرتيريا لدعم المعارضة الأرمية الكامنة في الصومال تحت مظلة (عيديد) للانطلاق من هناك في ضرب الأهداف الإثيوبية، وتذكر مصادر صحفية أن قتالاً نشب بسبب النزاع على تقاسم هذه الأسلحة التي تم تفريقها بحضور (عيديد) وإشرافه. وكتب مدير مركز القرن الإفريقي للدراسات الإنسانية في مقديشو نقلاً عن الصحف المحلية (أن وفداً عسكرياً إرتيرياً قام بزيارة معسكرات التدريب للثوار الصوماليين والأرميين في وقت سابق من الشهر الماضي للوقوف على مستوى التدريب ومدى القدرات القتالية لدى الثوار) [١] . ويتوقع المدير المذكور أن إثيوبيا سوف تتخذ هذا ذريعة لاجتياح الصومال كما اجتاحته من قبل لضرب ما أسمته بأوكار الأصولية القابعة هناك، وأورد أنها عقب هذا النشاط الإرتيري دعت حلفاءها الصوماليين إلى اجتماع طارئ للاتفاق على استراتيجية تحبط المخطط الإرتيري. وهذا التفكك الصومالي بالرغم من أنه أنهى دور الصومال باعتبارها دولة مؤثرة، وأتاح لإثيوبيا فرصة العبث به إلا أنه من زاوية أخرى عاد عليها نتيجة غياب الحكومة المسؤولة بكثير من المساوئ مما أوجب عليها القيام بمبادرات إصلاحية تمثلت في تنظيم اجتماع (سودري) لتسوية الوضع المأساوي في هذا البلد؛ ولكن على النحو الذي يجعل منه كياناً مطواعاً تمسك به من خطامه وتجره من أنفه إلاَّ أنها عجزت عن كسب ثقة كل الفصائل، وبخاصة (عيديد) الذي وقف معارضاً لكل ما انبثق عن اجتماع (سودري) من لجان وقرارات معتبراً ذلك نمطاً من أنماط التدخل الإثيوبي في الشؤون الصومالية، وهكذا انحصر هذا الاجتماع في ستة وعشرين فصيلاً خرجوا بتكوين مجلس أطلق عليه: (مجلس الإنقاذ الوطني الصومالي) ومن أبرز رجاله (عثمان عاتو) . ومهما كان حظ (عيديد) من الصدق في تشخيص النوايا الإثيوبية من وراء تنظيم هذا اللقاء فإن التأثير القبلي والمصلحي في القيادات الصومالية بات عقبة صعبة التجاوز، فلم تعد مثل هذه المواقف الرافضة خاصةً بإثيوبيا ومبادراتها؛ وإنما أيضاً مصير كل مبادرة لا يجد فيها طرف من الأطراف ما يُخَصُّ منها بنصيب الأسد، حتى ولو كانت من المحيط العربي والإسلامي، كما كان الأمر مع لقاء القاهرة الذي تم في ٢٢-١٢-١٩٩٧م بعد اجتماع (سودري) وحضره ... (عيديد) لكنه جُوبِهَ بمعارضة قيادات أخرى كالكولونيل عبد الله يوسف، واللواء آدم عبد الله اللذين أعلنا فور وصولهما إلى أديس أبابا من القاهرة معارضتهما لكل ما ينجم عنه من قرارات. والكولونيل المذكور حسب إفادة مصادر مطلعة حليف قوي لإثيوبيا، ويقود منظمة تدعى (الجبهة الصومالية للإنقاذ) وقام بتشكيل حكومة محلية في مناطق الشمال الشرقي من البلاد، ولا ريب أن اتساع رقعة التنافر والتدابر بين هذه القيادات يعد مؤشراً جلياً على أن الصومال سيبقى بعيداً عن بر الأمان ملتهباً ومتقرحاً يندب حظه، وتتساقط عليه جراثيم الصراع الإقليمي لتعمق من جراحاته إلى أجل غير مسمى، وهو بالقدر الذي يمثله بوضعه الحالي من وصمة عار على جبين بنيه يعكس من جانب آخر ضعف المنظمات الإقليمية عربية وإفريقية في حل معضلات الشعوب لافتقارها إلى آليات فرض ما تراه مناسباً. الصراع الإثيوبي الإرتيري: من ناحية أخرى أدى تطور الخلاف الحدودي بين إرتيريا وإثيوبيا إلى اندلاع حرب شاملة بينهما، وتلبية لمتطلبات هذه الحرب شرع كل منهما في العمل على تصعيد الموقف بالشكل الذي يقيه شر الهزيمة، ويفل قدرات خصمه؛ الأمر الذي حفز أحزاب المعارضة المسلحة في كلا البلدين إلى استثماره وتوظيفه لصالح أهدافها ومراميها؛ فأقبلت تعمل في ترتيب صفوفها وتجميع قواها؛ فعلى الصعيد الإثيوبي أعلن مقاتلو (كدوجابين) عن توحدهم، وأعربوا عن استعدادهم لقبول مختلف الدعم العسكري والسياسي من مختلف الجهات في سبيل إحراز استقلال الإقليم وفصله عن إثيوبيا، ومن المؤكد أن هذا مما يصب في مصلحة السياسة الإرتيرية التي أخذت على نفسها دعم اتجاهات كهذه ما دامت تشغب على إثيوبيا وتصرف مجهودها الحربي إلى قضايا جانبية تحول دون تركيزها على جبهة القتال الناشب بينها وبين إرتيريا، كما أن إثيوبيا لم تهمل من طرفها هذا الجانب فقد رحبت بالمعارضة الإرتيرية في أديس أبابا، وأجازت لها ممارسة نشاطها السياسي، ومن آثار هذا النزاع واستقطاباته أن جيبوتي وجدت ذاتها في معمعة بحكم المجاورة وتداخل المصالح مما فرض عليها في نهاية الأمر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إرتيريا. وفي الحقيقة أن هذه النهاية جاءت نوعاً من أنواع التعبير الصريح عن عدم رضى الطرفين بسياسة كل منهما نحو الآخر، وقد أصابها الوهن منذ إنهاء إثيوبيا ارتباطها بميناء عصب الإرتيري، ولجوئها عوضاً عنه إلى ميناء جيبوتي، ثم تنامت إلى أن وصلت إلى حد القطيعة الكاملة باتهام الرئيس الإرتيري (إسياسي أفورقي) جيبوتي بالانحياز المكشوف نحو إثيوبيا في حربها مع إرتيريا، ... وطالب بإبعاد رئيسها السابق (حسن جوليد) عن لجنة الوساطة الإفريقية التي شكلتها منظمة الوحدة الإفريقية. ومن جانبه وصف (جوليد) الرئيس الإرتيري بالخروج على أسس الدبلوماسية الراشدة، ومجانبة العقلانية ومنطق الاتزان في معالجة مشكلاته مع جيرانه بشكل عام ومع جيبوتي بشكل خاص. ورغبة في الضغط على جيبوتي اختارت القيادة الإرتيرية مد حبال التواصل مع المعارضة الجيبوتية والقيام بتزويد أجنحتها المسلحة بالمؤن العسكرية، وتفيد تقارير صحفية مطلعة نقلاً عن مصادر جيبوتية أن مجموعة الزعيم أحمد ديدني قامت (بضرب إحدى المجموعات العسكرية الحكومية الصغيرة في مناطق العفر بجنوب وشمال جيبوتي) [٢] ويبدو أن إرتيريا لا تجيد أي مهارة أخرى غير هذا الخيار الذي يصنفها في خانة المشاغبين ليس إلا، وهو خيار ينم عن قصور في التجربة السياسية، وجفاف في ينابيع التفكير السياسي لدى القيادة الإرتيرية، وتطرف في استعمال العنف العسكري ليس له من تفسير سوى أن هذه القيادة ما زالت تعاني من تشابه وتشابك في الخطوط الفاصلة ما بين العهد الثوري بخصائصه ومتطلباته والعهد الدولي الذي لا يمكن أن يستجيب لتطبيقات العهد الثوري، وقد أظهر هذا الخلط بين الخطوط النظام الإرتيري بمظهر عدواني ارتد إليه في نهاية المطاف بالعزلة الإقليمية إلى الحد الذي صار يتخوف فيه من نشوء تحالفات جديدة بين مَنْ يعاديهم ويعادونه من دول المنطقة تعمل للإطاحة به، والتخلص منه، ويمكن أن نسبر عمق التضجر الإقليمي من سياساته بالتصريح الذي أدلى به وزير خارجية إثيوبيا (سيوم مسفن) الذي حمله (مسؤولية خلق الأزمات مع جيرانه) [٣] ، وأكد عدم استعداد بلاده للتعايش معه ما دام يريد أن يفرض ذاته (سوبرمان في المنطقة عن طريق الضغط على جيرانه بالقوة) [٤] وكذلك تصريح وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان إسماعيل الذي نعت فيه أفورقي في أديس أبابا أمام الصحافة المحلية والدولية (بهتلر إفريقيا الجديد) [٥] وليس بمستبعد أن تكون تلك القمة الثلاثية بين الرئيس السوداني عمر البشير، ورئيس الوزراء الإثيوبي ... (ملس زيناوي) ، والرئيس الجيبوتي (إسماعيل عمر جيله) التي عقدت بمناسبة تنصيب الأخير رئيساً على جيبوتي خلفاً (لجوليد) خطوة أولى إلى تأسيس تحالف يقلم أظافر (أفورقي) باعتبار أن ذلك بات ضرورة من ضروريات مواجهته، وفي هذه القمة أطلع الرئيس السوداني نظيره الإثيوبي والجيبوتي على المساعي القطرية في تحسين العلاقات السودانية الإرتيرية وطمأنهما بأن (التقارب بين الخرطوم وأسمرا لن يكون على حساب العلاقات السودانية الإثيوبية) [٦] ، وناقش الرؤساء الثلاثة قضايا تهم المنطقة وخرجوا بنتائج قالت عنها الصحافة: (أحيطت بتكتم شديد) [٧] ولا ريب أن ذلك مما يقلق النظام الإرتيري الذي وجد نفسه بعد سلسلة من الأخطاء الكبيرة محجوراً عليه في زاوية ضيقة. وفيما يبدو لي أن خروجه من نطاق هذه العزلة بعد أن فقد مصداقيته سيكلفه الكثير، ولا أظن أن أحداً من دول الجوار سيمنح ثقته (لأفورقي) ، وقد أسفر الرئيس الجيبوتي السابق عن هذه القناعة عند تعليقه على المساعي المبذولة لتطبيع العلاقات السودانية الإرتيرية بقوله: (الذي أعرفه أن إقامة علاقة مع أفورقي مكلفة الثمن، وأي جهة تقدم على إقامة العلاقات مع أفورقي يجب أن تضع في حسبانها الربح والخسارة) [٨] . القرن الإفريقي والدور العربي: وأياً كان ما سيتمخض عن تلك التحالفات الجديدة في القرن الإفريقي فإن العرب لا محالة معنيون بكل غاشية تغشى القرن الإفريقي وتقلب موازين تحالفاته بحكم ارتباطهم به: أمنياً؛ واقتصادياً، ومن الطبيعي أن تكون لهم مشاركات في ترتيب أمنه ورصد أحداثه صوناً لمصالحهم من القرصنة، وتأكيداً لوجودهم في بقعة من الأرض لها تأثيرها المباشر على استراتيجياتهم الإقليمية والدولية، وتضم دولاً تربطها معهم مواثيق الحماية، وعهود المناصرة، ومن ثم لا بد أن نرى دولاً عربية كمصر والسعودية والإمارات تتقدم بمبادرات إصلاحية لإخماد فتنة الصومال وإعادة بناء دولته، وبغض النظر عن حجم هذه المبادرات وأثرها الملموس فإنها نوع من التعبير عن إدراك أهمية القرن الإفريقي بالنسبة للأمن العربي، ولكي تكون فعالة ومثمرة لا بد أن تتسم بالتتابع والتناسق ودقة الرؤية التي تخدم فقط مصالح الاستراتيجية العربية بشكل عام، وإلا فلن تقطف ثمار أي طارئ سياسي يشهده القرن الإفريقي إن لم تجلب الضرر؛ والحرب الإرتيرية الإثيوبية مثلها مثل أحداث الصومال تهم الأمن العربي وخطط التنمية العربية، ولهذا سارع الليبيون ومعهم اليمنيون إلى إطفاء فتيلها، إلاَّ أن عناد الطرفين الإرتيري والإثيوبي حال من أول وهلة دون نجاح المساعي اليمنية الليبية، بيد أنه بعد اضطرار الرئيس الإرتيري إلى الإذعان للمبادرة الأمريكية الرواندية التي ظل يرفضها قبل تمكن القوات الإثيوبية المهاجمة من إجلائه عن (بادمي) -المنطقة المتنازع عليها - نشطت الدبلوماسية الإرتيرية بفعالية أكثر نحو العواصم العربية حاثَّةً العرب إلى دفع إثيوبيا نحو تفهم الرغبة الإرتيرية في إنهاء النزاع معها سلمياً، ونجحت في أن تدخل مصر للعمل في جمع الطرفين على مائدة التحاور ليس على أساس مبادرة جديدة وإنما - كما أكد وزير الخارجية المصري عمرو موسى - (في إطار الجهود الإفريقية وإقناع البلدين بها) [٩] ولكن كما كان متوقعاً فإن المصريين لم ينجحوا في إقناع الإثيوبيين بالجلوس مع الإرتيريين والتنازل عن شروطهم المطالبة بانسحاب الإرتيريين الكامل أولاً من كل ما يحتلونه من الأراضي الإثيوبية، ثم تعويض الخسائر الإثيوبية الناجمة من الاعتداء الإرتيري حسب تفسيرهم، وإزاء هذا الموقف المتصلب لم يملك المصريون إلا أن يقولوا: (إن الخلافات حادة بين إرتيريا وإثيوبيا، وإن مسار تسوية الأزمة الحدودية بين البلدين لم يتحدد بعد) [١٠] ، وتعذر هذا بما صرح به الرئيس الإرتيري مؤخراً في احتفال يوم الاستقلال ٢٤-٥-١٩٩٩م إذ قال: (إن كل الجهود السلمية التي بذلت لم تثمر حتى الآن) [١١] ، ومما يظهر أن الإثيوبيين يعملون في تطويق مساعي الدبلوماسية الإرتيرية، ويحاولون مزاحمة (أفورقي) في كسب المحيط العربي، ومن المناسب أن أشير هنا إلى أن صحفاً إثيوبية كانت قد اتهمت مصر بالميل نحو إرتيريا مما حمل سفيرها في أديس أبابا على الإنكار، كما أن رئيس قطاع الموارد المائية بوزارة الري الإثيوبي (محمد أحمد هاجرسي) دعا مصر إلى عدم إهدار مياه النيل، وأثنى على الخبرة الإسرائيلية في إنشاء السدود، وطالب بالاستفادة منها في كلمته التي ألقاها في مؤتمر النيل [١٢] ، وإني لا أفهم من هذا إلا توجيه رسالة تحذيرية إلى مصر خشية أن تنحاز إلى إرتيريا، ولفت نظرها إلى أن مصالحها في إثيوبيا أهم من أي إغراء تلوِّح به إرتيريا، وأن بإمكان إثيوبيا أن تفعل في مياه النيل بالتنسيق مع (إسرائيل) ما ليس في مصلحة مصر، كذلك انتقدها الرئيس الإرتيري - من قبل - في خلافه مع اليمن حول أرخبيل حنيش تضايقاً مما لمسه فيها من مساندة اليمن على حساب الحق الإرتيري على حد قوله، ومرة في فجر الاستقلال الإرتيري؛ إذ صرح بأن مصر غير راضية بما تم إنجازه في الساحة الإرتيرية و (أن المصريين تورطوا مع الفرنسيين في التخطيط لفكرة إيجاد نزاع قبلي في كل المنطقة) [١٣] واستفزهم مرات باعتقال عددٍ من صياديهم في البحر الأحمر، ورماهم بخيانته والتخلي عنه بعد توريطه في مواجهة السودان. الوساطة الليبية القطرية بين السودان وإرتيريا: وعلى كلٍ ولكون النظام الإرتيري حديث عهد بالسياسة الدولية والتواءاتها فإنه لم يحسن السير في ساحتها، وتاهت به السبل إلى أن أدرك أن لا بد من العودة إلى طريق السودان لا سيما في هذه اللحظة الحرجة بالنسبة له، اتقاء مضاعفات حربه مع إثيوبيا التي لا بد أن يكون ضررها عليه كبيراً إذا ما خاضها دون حليف مجاور، أو جار مسالم. وتأتي هذه العودة بعد فترة من الهجران أعلنتها إرتيريا متذرعة بأن المد الإسلامي القادم من السودان صار يهدد أمنها، وأن السودان بدعمه لحركة الجهاد الإسلامي صار مصدر خطر عليتها، ورتبت على ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية، وفي مخالفة صارخة للعرف الدبلوماسي سلمت مقر السفارة السودانية إلى المعارضة واندفعت بحماس منقطع النظير إلى إعلان عزمها على إسقاط نظام البشير في الخرطوم إلا أنها بوغتت بانكسار جدار العلاقة الإرتيرية الإثيوبية، وبه دارت الدائرة على أفورقي نفسه فأمسى مقصوداً في بقائه كما تتناقل وسائل إعلامه، وأخذ يعيب على الإثيوبيين هذه النزعة المناقضة للشرعية الدولية وعرفها المألوف؛ ففي مقابلة له خص بها مجلة (النبض) الموالية لنظامه قال: (فالتحدث علناً بمسعاك لإسقاط نظام سياسي ما منافٍ للأعراف السياسية، فيمكنك أن تكره نظاماً معيناً، ولكن أن تفكر في إزالته ومحوه من الوجود فغير مقبول في هذا العصر) [١٤] . وهذه الإدانة من (إسياس) للتفكير الإثيوبي إزاء نظامه بالتأكيد من غير جدال تنسحب منطقياً على تفكيره هو إزاء السودان يوم كان يفصح عن عزمه من غير تورية ولا تعمية أنه لن يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى في المضي إلى تغيير نظام الإنقاذ، وكأنه كان في عصر غير هذا العصر؛ ففي مقابلة له مع الحياة ٢٢-١-١٩٩٨م قال: (مشكلة إسقاط هذا النظام السوداني لا مجاملة من جانبنا فيها، ونحن لا نعمل في الخفاء إزاء هذا الأمر، فإذا كان التجمع يحتاج إلى أسلحة فسندعم المعارضة السودانية من دون أي تردد بالأسلحة، ليس لدينا أي مشكلة في هذا الأمر) [١٥] . وكلفته هذه الغاية الكثير من الخسائر البشرية والمادية؛ حيث غزا السودان من بوابته الشرقية، والجنوبية أيضاً، والآن بعد تورطه في الحرب مع إثيوبيا التفت إلى ثورة الإنقاذ متصالحاً لا مسقطاً، واستبدل مفرداته السابقة بمفردات أخرى تتحدث - كما يقول - في: (البحث عن الحلول السلمية، وعدم التدخل في شؤون الغير، ونبذ أسلوب تصدير الأيديولوجيات، واحترام التقاليد، والأعراف الإقليمية والدولية) [١٦] . وهذا الخطاب مهما تباينت فيه وجهات النظر فإنه ما كان معهوداً من إسياس، وفيه من الدلالة ما يمكن أن يفهم منه أن بوادر الإفاقة بدأت تسري في عروق الرجل بعد أن سقط خارج حلبة الصراع، وانفض عنه من حوله ليواجه إثيوبيا وحيداً فريداً. وكان السودان من باب مجازاة السيئة بمثلها قد خفض للمعارضة الإرتيرية جناحه، وقد أكسبت هذه السياسة قوى المعارضة الإرتيرية منافع كثيرة، وبخاصة حركة الجهاد الإسلامي بقيادة أبي سهيل التي استطاعت تنمية قدراتها وتوغلت في عمق الموَاطِن الحصينة من الساحل الشمالي من إرتيريا، ومن هنالك استطاعت أن تصد أكثر من مرة هجمات الجبهة الشعبية الحاكمة، كما تداعت كل فصائل المعارضة إلى عقد مؤتمر في الخرطوم خرج بتحالف يحمل اسم (التجمع الوطني الإرتيري) وأجمع على إسقاط نظام (أفورقي) . وشعوراً من (أفورقي) بخطورة هذه المواقف عليه وهو مشغول بالجبهة الإثيوبية طار إلى ليبيا وقطر حتى يُنْهِيَا ما بينه وبين السودان من جفوة وخصومة، وأثمر سعيه عن لقاء بالبشير تحت رعاية القذافي، وبالرغم من أن (أفورقي) صرح بأن ذلك كان بمبادرة من القذافي؛ فإن الرغبة الإرتيرية كانت من وراء تحريك هذه المبادرة التي توجت أخيراً بعد تنسيق مع قطر بتوقيع اتفاقية الدوحة بين الرئيسين تحت رعاية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر، ونصت الاتفاقية على (إعادة العلاقات الدبلوماسية، واحترام الأعراف والمواثيق الدولية، والاحتكام إلى سياسة حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم إقامة تدابير إقليمية ضد الآخر) [١٧] . وهذه الاتفاقية وإن كانت في جانب منها كسباً للسياسة السودانية ودليلاً على إخفاق (إسياس) في سياسته المعلنة ضد السودان إلا أنها من جانب آخر نجاح يحسب له؛ لكونه ما أراد منها أكثر من تقييد السودان عن الدخول في تحالف إقليمي يجمعه مع إثيوبيا وجيبوتي في مواجهته، وجاءت في وقت هو في أشد حاجة إلى تحييد السودان، وساعده عليها (كارت) المعارضة السودانية الموجودة في أسمرا فأجاد استغلاله، ومع أنه أكد أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على حساب المعارضة إلا أنه في النهاية يبقى مجرد كلام لا يغير من الحقيقة شيئاً. وإذا ما بحثنا عن المتضرر الأكبر من هذه الاتفاقية في المعارضة السودانية فإنه ليس إلا الشوعيين وبعض التجمعات الناشئة حديثاً في شرق السودان التي ما كانت تقبل بأقل من إسقاط نظام الخرطوم وتفكيك مؤسساته، ومن المتوقع أن ينعدم تأثيرها إذا ما نجحت الحكومة السودانية في الوصول إلى صيغة مصالحة مُرْضية بينها وبين الحزبين الكبيرين بقيادة المهدي، والمرغني، وهذا ما ترجحه معطيات الأحداث؛ إذ خرج المهدي بتفاؤل كبير بعد لقائه في جنيف مع صهره رئيس البرلمان والمؤتمر الحاكم الدكتور حسن الترابي، كما عاد رئيس السودان السابق جعفر محمد نميري من منفاه ليمارس نشاطه السياسي من الداخل. المعارضة الإرتيرية وعودة العلاقات السودانية الإرتيرية: وحتماً فإن السودان بموجب هذه الاتفاقية سوف يقلص من نشاط المعارضة الإرتيرية ويحده في نطاق لا يوقعه في حرج مع الحكومة الإرتيرية، إن لم يلزمها بما ألزمها به من قبل من لزوم الصمت والكف عما يثير (أفورقي) . وأياً فعل فلا أعتقد أن تأثير ذلك على المعارضة يضاهي تأثير القرار الإرتيري على المعارضة السودانية لأسباب من أهمها: أولاً: أن إثيوبيا هي بديل السودان الجاهز، وستجد فيها المعارضة من المتسع ما يعوضها عما تفقده في السودان. ثانياً: أن الحدود الإرتيرية السودانية أكبر من أن تسيطر عليها أجهزة الأمن السودانية أو الإرتيرية، وفيها من الفسحة ما يمكِّن كلا معارضي البلدين من التحرك بعيداً عن عيون المراقبة، وحيث إن المعارضة السودانية الشرقية جزء من تحالف كبير فستفقد تأثيرها على النظام السوداني إذا لم تنصع لما سيصل إليه الحزبان الكبيران - الأمة، والاتحادي - من مصالحة مع الإنقاذ، فلن تبقى إلا المعارضة الإرتيرية المسلحة تتحايل، وتماطل. ثالثاً: لم يكن الجهاز العسكري في المعارضة السودانية - باستثناء جناح جون قرنق - قوياً بذاته وإنما بمشاركة الجيش الإرتيري؛ في حين أن الجهة المقاتلة في المعارضة الإرتيرية وهي حركة الجهاد الإسلامي الإرتيري بقيادة أبي سهيل شبَّت عن الطوْق، وأعيت النظام وأعجزته عن القضاء عليها بالرغم من خوضه ضدها عدة معارك ضارية وعنيفة. ولا جدال أن السودان له كامل الحق في أن يرتب أموره الأمنية على النحو الذي يحفظ به كيانه القائم من الانقسام، ويعيد إليه استقراره الأمني والسياسي؛ ولكن لا بد أن يعي أن هرولة (إسياسي) نحوه إنما جاءت لحاجة في نفسه أمْلتها أزمته الحادة مع حلفاء البارحة، وأنه قد يعود إلى غيه، وغدره إذا ما سنحت له سانحة، ولدى السودان تجربة ذاخرة وعامرة بكثير من العبر والفوائد في التعامل معه أحسبها كافية في أن تجعل حكومة السودان تفكر بعمق وروية قبل الإقدام على اتخاذ أي خطوة عملية بشأن المعارضة الإرتيرية، وإلا فستفقدها ساعة الحاجة إليها، ولا أظن أن يغيب عن السودان مهمته في حماية بوابته الشرقية.

стр. 3327

المسلمون والعالم العلو الكبير (٢-٢) أمريكا ... عالم جديد، لعلو جديد عبد العزيز كامل لليهود في هذا العصر هدفان كبيران كانا حلمين قديمين، وهما كما يبدو والله أعلم قَدَرَانِ مكتوبان على الأمة الغضبية حتى تستكمل معالم العلو الكبير، وربما الأخير. فبعد الإفسادين الكبيرين المذكورين في أول سورة الإسراء [١] ، وبعد أن قال الله تعالى لهم: [وإن عدتم عدنا] [الإسراء: ٨] أي لو عدتم إلى الإفساد عدنا عليكم بالعقوبة [٢] ، عاد اليهود إلى الإفساد، فعاد الله عليهم بالعقوبة: مرة على يد الفرس، ومرة على يد المسلمين في المدينة، ومرة على يد الألمان في العصر الحديث، وها هم يعودون لعلو آخر كبير كبير، وإفساد في الأرض عريض خطير يتجلى في الهدفين الكبيرين اللذيْن يسير اليهود نحوهما سيراً حثيثاً، وهما: أولاً: السيطرة على الأرض المقدسة، ومن ثم على ما حولها. ثانياً: السيطرة على العالم كله بعد ذلك، وتسييره بعد تسخيره لصالحهم عن طريق السيطرة على أكبر قوة عالمية فيه. وقد قام النصارى الإنجليز بدورهم الشرِّير لتحقيق الهدف اليهودي الأول بمنتهى الدقة والإخلاص؛ فهم أول من زرع نبتهم، وروى شجرتهم، ورعى ثمرتهم، ثم ترك الإنجليز للأمريكان إكمال الأشواط الباقية في مسيرة الطغيان اليهودي في أراضي المسلمين. ومن العجب أن يكون للإنجليز أيضاً (فخر) القيام بالدور الأساس للبدء في تحقيق الهدف الثاني لليهود وهو السيطرة على العالم؛ فكيف كان ذلك؟ إن طلائع المهاجرين الإنجليز إلى القارة الأمريكية بعد اكتشافها؛ قد اصطحبوا معهم إبَّان هجرتهم أفواجاً من اليهود للاستيطان في تلك الأرض الجديدة (أمريكا) ، وهم قد اصطحبوا قبل ذلك موروثاتهم الدينية وترهاتهم العقدية التي تمجد (الشعب المختار) وتضفي عليه هالة من التقديس الغامض، انطلاقاً من التغيرات التي أصابت النصرانية على يد (البروتستانت) الذين ينتمي إليهم الإنجليز. ربما لم تكن النظرة المستقبلية لما يمكن أن يحدث مع اليهود في أمريكا تدور بخلد أحد من قدامى المهاجرين إلى تلك القارة، ولكن ما حدث ولا يزال يحدث يبرز حقيقة مفادها: أن اليهود ساروا أو سُيِّروا في طريق جديد من العلو في الأرض ممتطين فيه ظهور (الجويم) أو (الأمميين) أو الكفار، كما يحلو لهم أن يرددوا. إنه لأمرٌ لافت جداً أن نرى العلو اليهودي يتكرر في التاريخ مرة أخرى وبشكل ربما يفوق كثيراً ما كانوا عليه في مرات علوهم السابقة؛ لكونه عالمياً هذه المرة وذلك بعد أن مُدَّ لهم من قارة (العالم الجديد) حبل جديد، يتمادى غِلَظاً، كي يتسلقوا عليه إلى قمة العلو بالباطل والغلو في الإفساد. إسرائيلان ... لا إسرائيل واحدة! أطلق المهاجرون الأوائل من اليهود على القارة الأمريكية (صهيون الجديدة) ، وأخلد أكثرهم إلى اتخاذها وطناً دنيوياً ينافس الوطن الديني في الأرض المقدسة التي لم يكونوا قد عادوا إليها بعد. وظل الوطنان يتنافسان فيما بعد على جذب اليهود للهجرة حتى أصبحا أكبر موضعين في العالم يضمان يهود. لقد كان التناقض يبدو صارخاً عندما نسمع عن عدم رغبة اليهود الأمريكيين في الهجرة إلى الأرض المقدسة كغيرهم، حتى بعد أن أقيمت فيها دولة لهم بعد غياب أكثر من ألفي عام، ولكن هذا العجب يزول والتناقض يرتفع عندما نعلم أن من ضمن عقائد اليهود عقيدة تبشر بالسيطرة اليهودية على العالم كله بعد استكمال السيطرة على الأرض المقدسة في آخر الزمان. جاء في التوراة التي في أيديهم عمَّا يعتقدون أنه ملك آخر الزمان: (يولد لنا ولد، ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفيه ويدعى اسمه عجيباً، مشيراً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام لنمو رياسته، وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد) [٣] ويذكرون في رؤى دانيال في حكايته عن هذا الملك: (كنت أرى في الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى، وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض) [٤] . إذن، لا بد من تقسيم اليهود للقيام بالمهمتين: مهمة السيطرة الدينية على (أرض الميعاد) ، ومهمة السيطرة الدنيوية على شعوب العالم. وقد علم الجميع كيف قام اليهود بمؤازرة من النصارى بالسيطرة على الأرض المقدسة؛ فهل ينتبه الناس إلى سعيهم الآن للسيطرة على العالم عن طريق السيطرة على أعظم قوة فيه؟ ! بعبارة أخرى: إذا كانت أمريكا تقود العالم، واليهود يتحكمون أو يكادون في قيادة أمريكا فهل نحن بعيدون عن عصر العلو الكبير؟ ! لندع الحقائق تتحدث: نقض المنطق! مجموع اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية حسب إحصاءات ١٩٩٢م يبلغ خمسة ملايين ونصف، ويمثلون بالنسبة لمجموع السكان ٢. ٤% فقط من إجمالي عدد الشعب الأمريكي البالغ (٢٥٧.٥٩٥.٠٠٠) نسمة. ويفترض أن هذه الأقلية؛ ... يصعب عليها أن تلفت نظراً، فضلاً عن أن تثبت وجوداً، ولكن الواقع أن هذه الأقلية التي تمثل مع بقية اليهود ثمانية أجزاء من العشر في المئة تتجه بسرعة نحو السيطرة على الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم تهدف للسيطرة على العالم. وسنحاول إيراد إشارات بارزة وخطوط عريضة توضح كيف أن كل خيط من خيوط التآمر اليهودي يستحيل في أمريكا حبلاً مشدوداً، سرعان ما يتلوى نافثاً سموم الأفاعي وجراثيم الخراب. ١ - المجال السياسي: لم يعد الدور الذي تقوم به المنظمات اليهودية في التغلغل في الأوساط السياسية الأمريكية خافياً على أحد؛ فاليهود يتبرعون عادة بأكثر من نصف الهبات التي تدخل صناديق الحملات الانتخابية، وخاصة للحزب الديمقراطي الذي وجدوا فيه بوابة ولوج لخدمة المصالح اليهودية، فألقوا بثقلهم خلفه وأعطوه تأييد أكثر من ٩٠% من مجموع اليهود الأمريكيين. أما الحزب الجمهوري فقد أصعد اليهود وأنصارهم من النصارى الصهيونيين عدداً من مرشحيه إلى سدة الحكم وعضوية الكونجرس. وهم يركزون على الكونجرس باعتباره المفتاح المتحكم في المخصصات المالية الخارجية ومبيعات الأسلحة لمختلف دول العالم؛ فعن طريقه يستطيع اليهود التحكم في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية. وليس كل أعضاء الكونجرس من اليهود بداهة، ولكن جُل أعضائه صهاينة، وإن كانوا نصارى ومع هذا، فإن ... ١٠ % من أعضاء الكونجرس يهودٌ خلَّص، و ٨% من أعضاء مجلس النواب من اليهود، ولو قارنا هذه النسبة بنسبة إجمالي عدد اليهود الأمريكيين إلى ... إجمالي الشعب الأمريكي وهي (٢.٤%) لأدركنا أن اليهود يتصدون للخطاب نيابةً عن شطر كبير من الشعب الأمريكي؛ وبالذات الأغلبية الصامتة، خاصة أن في الولايات المتحدة ٣٨ منظمة يهودية تضم تحت عضويتها نحو ٤.٥ مليون يهودي أمريكي (أي ما يوازي عدد اليهود في الأرض المحتلة) . هذه المنظمات النشطة قد جرى توحيدها تحت مظلة واحدة عام ١٩٥٤م تحت مسمى: (اللجنة الصهيونية الأمريكية العامة) ثم غُيِّر اسمها إلى (اللجنة الإسرائيلية العامة) ، وهي المعروفة اختصاراً باسم: (آيباك) وكان الهدف من توحيد تلك المنظمات ممارسة الضغوط على الكونجرس لحمله على إصدار التشريعات والقرارات الضامنة لمصالح اليهود داخل الولايات المتحدة وخارجها. ومن أبرز الشواهد وأحدثها على تحكم اليهود في قرارات الكونجرس الأمريكي فيما يتعلق بالسياسات الأمريكية ذلك القرار الذي أصدره الكونجرس في (٢٤-١٠-١٩٩٥م) بإلزام الرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية في (إسرائيل) من تل أبيب إلى القدس، وهو القرار الذي صدر بأغلبية ٤٠٦ صوت مقابل ١٧ صوتاً، وأيضاً امتناع الكونجرس مؤخراً عن الموافقة على معاهدة الحد من أسلحة الدمار الشامل. ولمنظمة (آيباك) دورها البارز في الانتخابات الأمريكية، فهي وإن كانت غير مؤهلة قانونياً لتقديم المساعدات المالية المباشرة للحملات الانتخابية إلا أنها تتحايل على ذلك بتنسيق عملها مع ما يزيد عن ٨٠ لجنة نشاط سياسي منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة؛ وتعمل كلها على حشتد التأييد لكل توجه يناصر اليهود، وبهذا أصبحت (آيباك) أقوى لجنة سياسية في الولايات المتحدة؛ لأنها تقوم بتنظيم عدة لجان سياسية مستقلة تابعة لها سراً. وتزودها بالتبرعات التي تُمرر إلى حملات المرشحين الأكثر استعداداً لخدمة مصالح اليهود، وبهذا نفهم كيف أصبحت الغالبية الساحقة من أعضاء الكونجرس الأمريكي من المؤيدين علناً لـ (إسرائيل) ولو كانوا من غير اليهود. وقد بلغ التغلغل اليهودي في السياسة الأمريكية مداه في عهد الرئيس الحالي بيل كلينتون؛ فقد أحاط نفسه في الفترتين الرئاسيتين بجَوْقَة من اليهود في أدق المناصب وأخطر الوزارات؛ فوجوه اليهود الكالحة تطل من شرفات المكاتب الوزارية والإدارية في البيت الأبيض: ففي الخارجية (مادلين أولبرايت) وفي الدفاع (وليام كوهين) ومستشار الأمن القومي (صمويل برجر) ووزير الزراعة (دان جليكمان) والخزانة (روبرت روين) ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية (جورج تنيت) بالإضافة إلى العديد من المستشارين والمساعدين ورؤساء المجالس ومدراء المكاتب في أنحاء الهيكل التنظيمي الحكومي. على أننا نشير إلى أن من يدعون أنفسهم: (الصهيونيين المسيحيين) يكملون النقص الذي لم يسده اليهود الخٌلَّص، بل إن بعضهم أشد صهيونيةً من اليهود أنفسهم. وفيما يتعلق بالشرق الأوسط بالذات تكوَّن في عهد كلينتون فريق عمل من الصهيونيين وعلى رأسهم (مارتن إنديك) الصهيوني الشهير الذي يشغل منصب نائب وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو صاحب سياسة الاحتواء المزدوج، ولا يفوقه في الخبث إلا (دنيس روس) منسق عملية السلام في الشرق الأوسط. أما في المجال العسكري والأمني، فمن الحقائق المعلنة أن صهاينة أمريكا الحكوميين يقدمون لصهاينة (إسرائيل) سنوياً ثلاثة مليارات من الدولارات التي يدفعها المواطن الأمريكي ضرائب، (١.٨) منهتا مساعدات عسكرية، و (١.٢) مساعدات اقتصادية، ولولا هيمنة (الأسياد) اليهود على صناعة القرار في أمريكا لما سمح المواطن العادي في أمريكا زعيمة (العالم الحر) بأن يُستعبد شعبها، ويدفع هذه المبالغ الباهظة كل عام من جيبه الخاص، ليست معونات إنسانية لشعب فقير، ولكنها إتاوات جبرية لمستكبر حقير يريد أن يجتاح بالسلاح حقائق التاريخ والجغرافيا في أراضٍ مغتصبة. لم تكتف الولايات المتحدة بالتبرع بتسليح دولة اليهود منذ قامت وإلى الآن بكل أنواع الأسلحة الحديثة، ولكنها أيضاً تعوضها عما تخسره أولاً بأول؛ وذلك ما حدث في حرب عام ١٩٧٣م عندما أقامت جسراً جوياً إلى (إسرائيل) نُقل خلاله ٢٢ ألف طن من العتاد العسكري لتعويضها عما خسرته من الأيام الأولى من تلك الحرب. وقد أقامت أمريكا مع (إسرائيل) علاقة خاصة لم تقمها مع غيرها من الدول، وذلك منذ عهد الرئيس الأسبق (لندون جونسون) في الستينيات الميلادية التي شهدت بداية الانحياز المطلق لليهود، بدءاً من حرب ١٩٦٧م. وقفزت تلك العلاقة قفزة أكبر في عهد الرئيس (رونالد ريجان) الذي وقَّع مع دولة اليهود في سنة ١٩٨١م ما عرف بـ (اتفاقية التعاون الاستراتيجي) التي تحولت عام ١٩٨٣م من اتفاقية (تعاون) إلى اتفاقية (دفاع) استراتيجي، وهي التي تم بموجبها التعهد بشراء ما قيمته ٢٠٠ مليون دولار سنوياً من السلاح الإسرائيلي، وقد تحولت اتفاقية (الدفاع) في عهد كلينتون إلى اتفاقية (تحالف) استراتيجي عسكري وأمني جعلت (الصهيوني الأخير) [٥] يقول بعدها: (سوف نساعد الإسرائيليين في صياغة المعاهدات الأمنية المشتركة التي ستضع أمن (إسرائيل) مع أمن الولايات المتحدة سواءاً بسواء. وقد كان كلينتون أول رئيس أمريكي يحضر بنفسه اجتماعاً وزارياً في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وذلك في عهد بيريز. أما في مجال التعاون النووي: فمن الحقائق المعروفة أن الفرنسيين هم أول من ساعد اليهود على امتتلاك أول مفاعل نووي بتصنيع فرنسي، ولكن ما يخفى على كثير من الناس أن أمريكا هي التي وفرت لهذا المفاعل مادة نشاطه وبرامج نظامه وخبرات تشغيله وتقنياته، فإذا كانت فرنسا قد صنعت لهم (المخبز) فإن أمريكا زودتهم بالطحين والوقود ... والخبازين أيضاً، وكان أول من كشف هذه التفاصيل الصحفي الأمريكي (ستيفن جرين) في كتابه: (علاقات أمريكا السرية مع إسرائيل) حيث كشف الحقائق المتعلقة بتسريب الأسرار النووية (لإسرائيل) وتزويدها باليورانيوم المخصب والمعلومات التقنية، وكشف أيضاً عن تغاضي الأمريكان الرسمي في عهد (جونسون) عن سرقة الإسرائيليين لكميات من اليورانيوم عالي التخصيب من شركة المعدات والمواد النووية الأمريكية ما بين سنوات ١٩٦٢م، ١٩٦٥م. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت رقابة على مفاعل (ديمونا) الإسرائيلي لضبط النشاط النووي ل (إسرائيل) والحد من جموحه، إلا أن هذه الرقابة أُوقفت منذ عام ١٩٦٩م. ومع أن دولة اليهود من الدول القليلة جداً التي لم توقع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، إلا أن مجلتس الأمن القومي الأمريكي في عهد نيكسون أوصى بعدم ممارسة الضغوط عليها لكي توقع على هذه المعاهدة! وقد أظهرت اعترافات الفني النووي الإسرائيلي (مردخاي فعنونو) إضافة إلى العديد من الأبحاث والكتب الصادرة بعد تلك الاعترافات أن (إسرائيل) تمتلك ما بين ٢٠٠ إلى ٣٠٠ قنبلة نووية، وهذا بلا شك لم يكن ليتم دون علم الأمريكان وتأييدهم، وهو ما يدل صراحة على أن يهود (أمريكا) يقولون بلسان الحال ليهود (إسرائيل) : عليكم بالعرب، وعلينا بالغرب! وقد صدر في عام ١٩٩٠م كتاب يتحدث عن فضيحة تستُّر أمريكا على الأنشطة النووية الإسرائيلية بعنوان: (المحاكمة والخطأ) وصدر بعده كتاب: (الخيار شمشون) من تأليف (سيمور هيرش) ليكشف الدور الأمريكي في التواطؤ مع (إسرائيل) في المجال النووي خلال العهود المتوالية للرؤساء الأمريكيين، وكشف بالإضافة إلى ذلك دور الإدارات الأمريكية المختلفة في منع أو عرقلة أي مشروع عربي لتملك السلاح النووي، بل ومساعدة الأمريكان لـ (إسرائيل) في ضرب المفاعل النووي العراقي عام ١٩٨١م، عن طريق تزويدها بصور سرية التقطتها الأقمار الصناعية الأمريكية. وقد أرغم الأمريكيون بضغوطهم الثقيلة على الأمم المتحدة الدول العربية على التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، بعدما حاولت مصر قيادة اتجاه للامتناع عن التوقيع ما لم توقع عليها (إسرائيل) . من الناحية الاقتصادية: لم يعد سراً أن اليهود الأمريكيين يمسكون بكثير من مفاتيح خزائن الاقتصاد الأمريكي، ويكادون يصبغون هذا الاقتصاد بصبغة الجشع اليهودي المالي الاحتكاري. ويلاحظ خبراء في الاقتصاد أن هناك تحولاً حدث في السنوات الأخيرة في الرأسمالية الأمريكية؛ حيث انتقلت من التركيز على الصناعة والإنتاج إلى رأسمالية المضاربات التي يحسن اليهود فنون اللعب والنصب بها في (وول استريت) حيث يتاجرون بالنقد، ويكسبون منه الملايين على حساب عامة الناس. واليهود الأمريكان، بما يملكون من ثروات وبنوك؛ يغترفون ثم يغدقون على إخوانهم الإسرائيليين، بما يجعل من الدولة اليهودية مثالاً شاذاً في الدول [٦] ؛ فهي دولة مهجر للمال والرجال؛ فكما أن شعبها غاصب وافد فاقتصادها مغتصب وافد. إن دولة اليهود تُصنَّف على أنها دولة صناعية، ومع ذلك فإن نسبة الإعانات للمشروعات الصناعية تصل أحياناً إلى ٤٠% من قيمة الناتج الصناعي، ولذلك فإن المستوى المعيشي مرتفع جداً بالنسبة إلى ناتج الادخار القومي الذي تسد المعوناتُ الفجوةَ بينه وبين الاستثمار [٧] . إن مصادر هذه المعونات الاقتصادية لا يمكن حصرها، أو بالأحرى لا يمكن كشف تفاصيلها على حقيقتها خاصة وأنها تتعلق بسر تضخم الكيان اليهودي، وعلوه في هذا العصر، وإذا ضربنتا صفحاً عن المعونات الألمانية والإنجليزية والفرنسية التي ضخت الدم في عروق (إسرائيل) إبَّان نشأتها فإننا لا نستطيع تجاوز التبني الكامل من الولايات المتحدة لها في مرحلة عنفوانها وفتوتها؛ فأمريكا التي منحت دولة اليهود بعد أسابيع من إعلانها قرضاً قيمته ١٠٠ مليون دولار [٨] ، هي التي حولت القروض في السنوات التي تلت ذلك إلى مساعدات، ثم حولت المساعدات بدءاً من الثمانينيات إلى منح لا ترد تصل إلى ثلاثة مليارات من الدولارات سنوياً، وقد أوصلت بعض التقديرات هذه المنح إلى ما بين خمسة ونصف إلى ستة ونصف من المليارات سنوياً، وتقدر المساعدات التي وصلت إلى (إسرائيل) منذ قيامها بنحو ٦٠٠ مليار دولار. ﴿جريدة الحياة: ١٢-١٢-١٩٩٩م﴾ . أما ضمانات القروض التي تطلبها (إسرائيل) فإن الحكومة الأمريكية في حال الموافقة عليها تُلزم نفسها بسدادها نيابة عن (إسرائيل) ، ولهذا فلا عجب أن نرى (شامير) يطالب الرئيس (بوش) في أعقاب حرب الخليتج في انتهازية ظاهرة بضمانات قروض قيمتها عشرة مليارات من الدولارات! وقد حاول بوش أن يظهر تصلباً واستقلالاً في القرار فرفض هذا المطلب، أو طلب تأجيله، فكان مصيره أن خرج من أقرب بوابات البيت الأبيض. والذي أريد قوله هنا: إن أموال اليهود التي تحولها المنظمات اليهودية الأمريكية [٩] ليست هي وحدها التي تخدم مصالح اليهود في (إسرائيل) ؛ ولكن اقتصاد الدولة الأمريكية نفسه يسخَّر لخدمة هذه المصالح ويوضع رهن إشاراتها. إنه (حبل) من ذهب يمد شعب السُحت والبُهت بأسباب البقاء. من الناحية الإعلامية والثقافية: الإعلام الأمريكي يكاد يسيطر على الإعلام الدولي، واليهود يسيطرون على الإعلام الأمريكي، فبأي حال تجري صناعة الرأي الأعمى العالمي؟ ! وإذا كان الإعلام الإلكتروني قد زحزح الإعلام المقروء عن مكان الصدارة فإن الاهتمام قد توجه إلى الشبكات التلفزيونية التي تقرن الصورة بالصوت، والحدث باللحظة، وتربط اللحظة بالرأي والتحليل، وتربط ذلك كله بالقناعات المملاة والآراء الموجَّهة. إن هناك خمس شبكات تلفزيونية كبرى في الولايات المتحدة تبث ما نسبته ٩٥% من مجموع الأخبار المحلية والدولية، وهذه الشبكات الخمس مملوكة ليهود، أو خاضعة لإداريين يهود، فشبكة (ABS) يملكها (مايكل ايزنار) وهو يهودي، وشبكة (NBC) يرأس قطاع الأخبار فيها (أندورلاك) وهو يهودي، وشبكة (CBS) يرأسها (إيرواير) وهو يهودي، وشبكة (فوكس) وهي أحدث الشبكات الكبرى في أمريكا يملكها الإعلامي اليهودي العالمي (ميردوخ) . وغير خافٍ أن بضاعة السينما في هوليود من صناعة اليهود، وتظهر بعض الإحصاءات أن نسبة الكتاب والمنتجين والمخرجين السينمائيين اليهود تعدت الخمسين بالمائة من مجموع العاملين في هذا المجال، هذا فضلاً عن (نجوم) الفن والتمثيل والغناء والثراء والبغاء الذين يملؤون أثير الفضاء بظلمات بعضها فوق بعض، والعجب يزيد عندما نعلم أن ثمانية من ضمن عشر دور سينما كبرى في الولايات المتحدة يديرها يهود، وأن أكبر خمس شركات إنتاج سينمائي هناك يقوم على إدارتها يهود. ومن المعلوم أن ما يسمى بـ (صناعة السينما) هو في الحقيقة تصنيع للأذواق والآراء والتقاليد بمواصفات يهودية، همها السعي لإفساد إنسانية الإنسان حتى يصير حيواناً ذلولاً خاضعاً للراكبين. أما في مجال الإعلام المقروء فيكفي أن نعلم أن هناك أكثر من ١٥٠٠ صحيفة يومية تطبع أكثر من ٥٥ مليون نسخة يومياً، ومن ضمن هذا العدد يستقل اليهود بملكية أو إدارة ١١٠٠ منها، أما المؤسسات الصحفية الكبرى ذات الصبغة العالمية فإن الثلاثة الكبرى منها يملكها يهود، وهي صحيفة (نيويورك تايمز) التي يتولى رئاستها (آرثر أوكس) اليهودي، ويشغل منصب المدير العام (فاكس فرانك) وهو يهودي، أما مدير التحرير، فهو (جوزيف ليفليد) اليهودي، وصحيفة (الواشنطن بوست) وهي الجريدة السياسية الأولى في أمريكا تملك (كاترين مائير) اليهودية أكبر حصة فيها، ويشغل ابنها (دونالد مائير) منصب الرئيس العام لها، أما الصحيفة الثالثة فهي (دول ستريت جورنال) وهي صحيفة المال والأعمال فتملكها شركة (داجونز) التي يرأسها (بيتركان) اليهودي، وبالنظر إلى المجلات الأمريكية الكبرى فإن أوسعها شهرة مجلة (تايم) و (نيوزويك) و (يو إس نيوز) ولليهود صلة قوية بخيوط ملكيتها وإدارتها جميعاً، علماً بأنها كلها توزع دورياً (٨.٧) مليون نسخة. وأخيراً: نذكِّر بأن يهود الولايات المتحدة الأمريكية يمثلون ما يقرب من ٤٤ % من يهود العالم، وهي نسبة أعلى من نسبة اليهود في (إسرائيل) الذين يمثلون ٣٤% من مجموع يهود العالم، ومع هذا ينظر إلى يهود أمريكا على أنهم يهود (سوبر) بالنسبة ليهود (إسرائيل) ، ولا عجب فمهمة اليهود الأمريكيين أوسع وأخطر من مهمة اليهود الإسرائيليين؛ لأن ساحة الإسرائيليين هي عالم العرب، وساحة الأمريكيين عالم الغرب، بل العالم أجمع. وهذا لا يمنع من تعاونهما معاً لإفساد الأرض كلها، كما قال سبحانه: [ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين] [المائدة: ٦٤] . اللهم! إنهم قد عادوا للإفساد كما أخبرت، وعلوا علواً كبيراً كما ذكرت، فعد عليهم بالعقوبة كما توعدت، وانصر المسلمين عليهم كما وعدت، وسلِّط عليهم عباداً لك أولي بأس شديد يجوسون خلال الديار، ويمسحون عنا الذل والعار آمين.

стр. 3328

المسلمون والعالم حزب الله.. رؤية مغايرة! ! (٤) فدائيون أم.. عملاء؟ عبد المنعم شفيق في الوقت الذي كانت إحدى مجلات اليسار الثوري المتطرف تتوب فيه من اليسار، والثورة، والتطرف، أوردت مقالاً بعنوان: (حزب الله.. فدائيون أم عملاء؟) ووصلت كاتبة المقال في نهايته إلى الافتراض السلبي أي: إنهم عملاء، وذلك في وقتٍ لم تمنع أُخُوة المذهب أحد الكتّاب أن يطلق على (حزب الله) ... لقب: (خدم الأسياد) ، وتلطف كاتب بريطاني وأطلق عليه: (الوكلاء) ، بل ... ... إن أمينه العام اعتبر الحزب.. (ورقة وأداة) . في جميع الأوصاف السابقة إشارات واضحة باتهامات وإدانات لحزب الله، وهنا لن نتبنى وصفاً معيناً مما سبق، وإن صدَّرنا واحداً منه ولكن سنعرض تفاصيل الاتهامات وما يتعلق بها، ثم نترك القارئ يجيب عن السؤال الذي تقدَّم في صدر المقال. هل كان الإحسان خالصاً؟ (إننا يمكن أن نأتي بالتغيير في لبنان بتعليم الشعب وتنويره داخل المؤسسات الاجتماعية) . (إن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ، إنهم ينفذون أوامرنا لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس في تحقيق مطالبهم) [١] . بهذه الكلمات الموجزة يُبين محمد حسين فضل الله الزعيم الروحي لحزب الله إحدى الوسائل الهامة التي يسعون من خلالها إلى تحويل لبنان إلى دولة شيعية، أو على الأقل مجتمع شيعي؛ فلم تقتصر وسائل التغيير لدى (حزب الله) على نمط واحد، بل تعددت وتشعبت في أركان لبنان، وكل وسيلة تغرس غرساً وتجني ثمراً. وكان للخدمات الاجتماعية التي يقدمها (حزب الله) دور كبير في ترسيخ القناعة بأحقيته بأن يكون صوت العشيرة وراعيها الساهر على راحتها، الساعي إلى قضاء حوائجها في وقت تقطعت فيه أوصال المجتمع اللبناني، وانهارت مؤسساته بعدما حل بالبلد ما حل. وفي الوقت الذي سعى فيه (حزب الله) لأن يكون رأس الحربة في الساحة اللبنانية، وفي مقدمة الطائفة الشيعية كان لا بد من النظر إلى عامة الشيعة نظرة تشعرهم بالاهتمام بهم، والسعي لرفع الفقر والحاجة التي طالما عانوا منها، فكان للحزب سعيان: سعي بالسلاح، وسعي بالإحسان؛ فالمبادئ والمثل والحقائق تبقى عند كثير من الناس بلا تأثير إن لم يروا لها واقعاً حياً يتحرك بها بينهم. ولم يكن هذا الإحسان خالصاً كله؛ فقد كان يرمي فيما يرمي إلى خلق جبهة خلفية تتبنى الدفاع الأدبي والمعنوي عن الحزب، كما أنها تمثل المدد البشري الذي يدين بالولاء والطاعة؛ فليس جزاء الإحسان إلا الإحسان! ! هدف الخدمات الاجتماعية ودورها: تنهض هذه المنظمات الاجتماعية بالصلة بعامة الشيعة، والمقصد منها: إنشاء دوائر أوسع من التأييد، وكلها تفترض علاقة وثيقة ومتينة لسياسة الحركة وعملها. إن الهيئات المختلفة تعمل على الإحاطة بكل وجوه الحياة الاجتماعية لإنشاء مجتمع نقيض للمجتمع العام والظاهر؛ فينبغي لجمهور الحركة الشيعية وأنصارها أن يظلوا من المهد إلى اللحد، هم وأهلهم والصغار منهم والكبار من غير الخروج عن مرافق (ذلك المجتمع) مهما كانت الذريعة [٢] . مؤسسة (الشهيد) : وكان من أبرز المؤسسات الشيعية التي قامت بأدوار اجتماعية بارزة: ... (مؤسسة الشهيد) . وهي تضطلع برعاية (عوائل الشهداء) التي لا تقتصر على المواساة والعاطفة الصادقة؛ بل تتعداها إلى القيام بعبء مالي كبير، بعضه عيني يتمثل في تعويض ثابت ودوري، وبعضه الآخر خدمات مدرسية وصحية وتربوية ودينية [٣] . والمؤسسة مسؤولة عن عوائل من يسقطون في المعارك والأسرى خدمةً ورعايةً، بما في ذلك القتلى المدنيون من غير المقاومين، والمؤسسة منتشرة في معظم المناطق اللبنانية وتتولى فيما تتولى: الاهتمام بتعليم أبناء الذين قضوا نحبهم. وتصل الكلفة الإجمالية للفرد حوالي ٢٥٠٠ دولار شهرياً [٤] . المؤسسات الصحية: افتتحت (الهيئة الصحية) في مطلع ١٩٨٧م وبتمويل من (مؤسسة الشهيد) صيدلية في حي السُّلَّم أسمتها: (صيدلية الشهيد الشيخ راغب حرب) تضطلع بمد يد العون إلى المستضعفين كافة، وتبيع الدواء بأسعار معتدلة ومدروسة، ولا شك أن الإقدام على مثل هذه الخطوة يخرج الجناح الشيعي الخميني من إطار جمهوره السياسي والحزبي إلى دائرة أصحاب الحاجات اليومية والعامة، وهم عامة الناس في الأحياء والشوارع التي يقطنها الشيعة بشكل كثيف [٥] . ومن المهمات التي تقوم بها الهيئة الصحية: الرعاية الصحية الأولية، مثل: الإرشاد، والوقاية، وإقامة دورات في المناطق النائية، وتنظيم محاضرات، كما تقوم بإجراء حملات التلقيح ضد الشلل، وقد استفاد منها عام ١٩٩٨م حوالي٥٠ ألف شخص، وتملك الهيئة: ٢١ مستوصفاً و ٩ مراكز صحية كبيرة و ١٣ عيادة تجول في ٤٥ قرية في البقاع و ٢٥ قرية في الجنوب، وقد خرجت ٣٦٠ متطوعة عام ١٩٩٨م و ١١٩ مسعفاً انضموا إلى جهاز واسع لـ (الدفاع المدني) يبلغ عدد أعضائه الآلاف، كما يوجد مستشفى الجنوب في النبطية التابع للهيئة، وكذلك مستشفى دارة الحكمة في البقاع، وقد استقبلا ما يزيد عن مئتي ألف مريض خلال عام ١٩٩٨م. وتقدم الهيئة تسهيلات صحية للمواطنين. وقد استفاد ٢٢٢ ألف لبناني من ذلك بمبالغ فاقت المليون دولار: ما بين دواء مجاني، أو دخول للمستشفى لعمليات جراحية، وغيرها من الخدمات الصحية. مؤسسة الجرحى: تقدم المؤسسة العناية الكاملة لجرحى المقاومة، والجرحى المدنيين بشكل (شبه كامل) أما بالنسبة لجرحى المقاومة فالعناية شاملة من لحظة دخول المستشفى حتى لحظة الخروج، والمسؤولية عن المعاقين تشتمل على: مخصص شهري، سكن، صحة، تربية، تكاليف العائلة.. إلخ. كما تعمل المؤسسة على إيواء الجرحى، ورعايتهم ضمن العائلة والمجتمع. مؤسسة جهاد البناء: جمعية (مؤسسة جهاد البناء الإنمائية) تأسست في لبنان سنة ١٩٨٨، شعارها: (إسرائيل تقصف يومياً ونحن نرمم يومياً) وقد اقتصر عملها بعد التأسيس في ظل غياب الدور الخدمي للدولة على رفع النفايات وتأمين المياه والكهرباء، وما شابه ذلك من قضايا تهم اللبنانيين في حياتهم اليومية وتفاصيلها. ... (جهاد البناء) وجدت نفسها مدعوة إلى (ردم الهوة التي تريد إسرائيل إيجادها بين المقاومة والناس) . و (ردم الهوة) بات يعني تحديداً: القيام بأعمال الترميم بعد الاعتداءات. ويُقَدر عدد المنازل والوحدات السكنية المتضررة في كل من عدواني يوليو ١٩٩٣م وإبريل ١٩٩٦م بخمسة آلاف منزل، وأمكن في المرتين إتمام الترميم خلال ٣ إلى ٤ أشهر، ثم إعادة البناء تماماً لكل ما تهدم، كما أن المؤسسة عاملة على بناء مدارس ومستشفيات ومستوصفات وملاجئ، وعلى القيام بتمديدات كهربائية بعد القصف وعلى حفر آبار ارتوازية، ويزداد يوماً بعد يوم، وللمؤسسة دورها في التنمية الزراعية؛ فهي تقوم بإرشاد زراعي وبتسليفات وتضع صيدلياتها وتعاونياتها في الجنوب والبقاع في خدمة المزارعين [٦] . وقد قامت المؤسسة حتى أوائل تموز عام ١٩٩٤م، بإنشاء تسع وعشرين مدرسة أو تأهيلها، وترميم نحو خمسة آلاف وثلاثمائة منزل، كما تم رفع خمسة عشر مسجداً وأُهِّل ثلاثة وخمسون، وشُيد سبعة عشر نادياً حسينياً (حسينية) [٧] . وكان الشيخ نبيل قاووق، رئيس شورى الجنوب، نوه في أواخر أيلول عام ١٩٩٣م، أي بعد عملية (تقديم الحساب) بنحو شهرين، بترميم (جهاد البناء) ١٧٥٠ منزلاً في إحدى وثلاثين قرية جنوبية، وأسهم في إنجاز ذلك خمسة آلاف ومئة إداري ومهندس وعامل [٨] . المدرسة: يقول نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله إن لدى الحزب ٥٠ مدرسة موزعة على مناطق لبنان [٩] . ونأخذ من هذه المدارس نموذجاً لنرى ما الذي يُقدَّم من خلالها، وهي مدرسة (شاهد) : المدرسة من حيث المبدأ هي لأبناء القتلى والأسرى، والمبدأ المتبع فيها كما في مؤسسة الشهيد هو عدم عزل هؤلاء عن الآخرين؛ فعددهم في (شاهد) هو ١٨٠ من أصل ٦٧٥ طفل موزعين على الصفوف حتى الرابع الابتدائي [١٠] . وهكذا نرى أن الخدمات الاجتماعية كانت شاملة لجميع الاحتياجات الاجتماعية ... ... وهي خدمات لا تستطيع جماعة بمفردها القيام بها؛ إذ إنها مساعدات لا تقدر عليها إلا دول أو جماعات تمدها دول، وقد كان الهدف من تلك الخدمات هو ... (حصار) الناس ضمن إطار مذهبي شيعي لا يشذ عنه أحد، وكما قيل: من المهد إلى اللحد. من أين لك هذا؟ سؤال يرد بلا شك على ذهن أي مطَّلع على حجم هذه الخدمات التي تُقدم، وسنورد حجم المبالغ التي تُنفق على (حزب الله) لينفقها بدوره على مشاريعه وأهدافه، وسنرى كيف أن المورد الذي اعتمد عليه (حزب الله) كان سخياً؛ فهل كان وراء هذا الكرم سر؟ بالنظر إلى جانب المدارس الدينية وحجم الإنفاق على الطلبة والمدرسين فيها، سنجد أن راتب الطالب العازب المقيم في المدرسة نفسها ألف وخمسمائة ليرة لبنانية (في صيف ١٩٨٦م) [١١] ، أما راتب المتزوج فيبلغ ألفين وخمسمائة ليرة، ارتفع الراتب الأول إلى نحو مئتي دولار (في العام ١٩٩٥م) ، والثاني إلى نحو ثلاثمائة. أما المدرس فيُجرى عليه بقدر حاجته وأعبائه، ويرجح أن ما يتقاضاه المدرس لا يقل عن خمسة آلاف ليرة نقداً (١٩٨٦م) ، وصار متوسط راتب المدرس نحو خمسمائة إلى ستمائة دولار [١٢] . وليس لدينا إحصاء لعدد المدرسين أو الطلبة. فإذا نظرنا إلى جانب آخر من المصروفات كتكلفة الجهاز العسكري المحترف، والرواتب العديدة، وتكلفة الجهازين السياسي والأمني، وجهاز الإعلام، فسوف يترجح تقدير الميزانية. بين العشرين مليون دولار والمئة والستين مليون دولار [١٣] . ويقدر زين حمود دخل (حزب الله) المالي النقدي من إيران بثلاثة ملايين دولار ونصف المليون في الشهر الواحد، وذلك منذ ١٩٩٠م، أما علي نوري زاده فذهب إلى أن دخل الحزب الخميني بلغ عشرين مليون دولار في عام ١٩٩٢م، وخمسين مليون عام ١٩٩١م، وقُدِّر بمئة وعشرين مليوناً في ١٩٩٢م، ومئة وستين في ١٩٩٣م [١٤] . وتشير بعض المصادر إلى ارتفاع ميزانية (حزب الله) في عهد رفسنجاني إلى ٢٨٠ مليون دولار [١٥] . وقد تواتر الخبر واستفاض العلم للقاصي والداني عن هذا الدعم الإيراني غير المحدود لحزب الله [١٦] . ولم تكن إيران وحدها على خط الدعم العام لحزب الله؛ فقد كانت سوريا شريكاً وحليفاً قوياً لإيران، وكان لهذا التحالف أثره على (حزب الله) دعماً ومساندة ... سياسية، واستخداماً بما يتوافق مع أهداف الحليفين. لقد كان لهذا التحالف دور هام في تحديد مسار (حزب الله) ، ولذلك فمن الضروري إلقاء نظرة عليه وقراءة لأوراقه. الحلفاء وقصة التحالف: كانت نظرة الأسد إلى الشيعة أكثر إيجابية وتأييداً، وكان كفاح الشيعة من أجل حصة أكبر في الدولة اللبنانية نسخة من كفاحه هو في سوريا، وفي إحدى المناسبات في أوائل الثمانينيات طلب وفد من زعماء المسلمين السنة في بيروت مساعدة الأسد ضد جموع الفلاحين الشيعة التي تزحف على مدينتهم وتهدد بتغيير طابعها، فلم يظهر الأسد تعاطفاً مع هذا الطلب، وذكَّر زائريه بأنه هو نفسه كان فلاحاً أطاح بسلطة وجهاء المدن [١٧] . وكان حزب البعث مدركاً منذ وصوله إلى السلطة عام ١٩٦٣م للقاعدة الضيقة للنظام؛ فإن علويي سورية (النصيرية) سعوا للوصول إلى توازن قلق بين الحصول على الاعتراف بوضعهم المعلن ذاتياً فرعاً من المذهب الشيعي الإثني عشري وبين الحفاظ على هويتهم. لذا فإن الدور السياسي للعلويين بصفتهم قاعدة للسلطة الحزبية قد ساعد في إبراز مشكلة (إضفاء الشرعية) العلوية، وأضاف بعدا إلى السياسة السورية، ومن هنا كانت أهمية العلاقات مع شيعة لبنان وإيران على التوالي. بالنسبة للشيعة اللبنانيين فإن البحث العلوي عن الشرعية كان يسير في توازٍ مع حاجة الشيعة إلى حليف خارجي يُعتمد عليه، ولقد تعززت هذه العلاقة من وقت لآخر بفعل الروابط الشخصية الحميمة بين قادة الطرفين، كما تمثلت العلاقة بين الرئيس السوري وموسى الصدر في أوائل السبعينيات، ويمكن النظر إلى فتوى الصدر باعتبار العلويين اللبنانيين المحليين شيعة في أيلول ١٩٧٣م على أنها إيماءة شخصية وسياسية على درجة عالية في الوقت ذاته باتجاه القيادة السورية، هذه الإيماءة تناغمت بشكل بارع مع هدف الصدر في الحفاظ على روابط قوية مع سورية بصفتها ثقلاً موازناً قوياً للأطراف الأخرى في المرجل اللبناني، وكانت هامة أيضاً في سياق اهتمام سورية الخاص بالطائفة الشيعية اللبنانية البادئة النمو والتجذر. إن الفحوى السياسية لقضية الشرعية قد لعبت دوراً هاماً في تطور العلاقات السورية الإيرانية، ويمكن في الواقع النظر إليه على أنه المحرك الرئيس لنشوء التحالف بين البلدين. لقد ساعدت هذه الصلة في تأسيس لبنان باعتبارها نقطة تقاطع هامة بين العنصر الاجتماعي الديني للعلاقات الشيعية العلوية والمصالح الإقليمية والاستراتيجية لكل من سورية وإيران [١٨] . وقد قدم موسى الصدر خدمة جليلة للنظام السوري أثناء حربه مع القوات الوطنية المتحالفة عام ١٩٧٦م؛ حيث طالب الشيعة بعدم الانضمام إلى هذه الجبهة، أما حركته حركة أمل فكفت يدها عن النصارى والنصيريين! ! وبذلك فقدت الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينيون أحد الدعائم التي كان من الممكن أن تغير الوضع في لبنان [١٩] . وعلى نهج الصدر سار نبيه بري من بعده في التحالف مع سورية؛ فها هو يقول: إننا اتخذنا خيارنا مع سورية: نعيش معاً أو نموت معاً [٢٠] . إن حركة أمل لم تتسلم شيئاً على الإطلاق من أي إنسان خارج سورية التي حصلنا منها على السلاح، أخذنا أسلحة ودبابات من سورية، وإمداداتي العسكرية كلها من سورية، أنا لا أنكر ذلك [٢١] . وهذا الارتباط السوري مع شيعة لبنان جزء من ارتباط أكبر مع إيران صاحبة اليد العليا التي تنفق وتخطط، ومن المهم استعراض هذا التحالف وأسبابه وأهدافه. بين طهران ودمشق: منذ اللحظة التي تسلم فيها الخميني السلطة في أوائل عام ١٩٧٩م اعتبر الأسد مصادقته شيئاً تقتضيه مصالحه العليا. وبوقوفه إلى جانب دولة خارج الأسرة العربية، ومع حركة إسلامية ثورية تتحدى المؤسسات السنية أظهر الأسد تحرراً غير معهود من التقاليد، وأعاد رسم قواعد نظام القوى في الشرق الأوسط. وكانت هناك أسباب استراتيجية هامه لتحركه. رحب الأسد باستيلاء الخميني على السلطة في طهران ببرقية تهنئة حارة، وبعد ذلك بأسابيع قليلة أرسل له نسخة من القرآن مزخرفة بالذهب والأحرف الساطعة، هدية حملها إلى (قم) وزير إعلامه في ذلك الوقت أحمد إسكندر أحمد، وبعد تقبيل المصحف شكر آية الله سورية على عرضها له بالنزول في ضيافتها في أكتوبر سنة ١٩٧٨م، وقام وزير خارجية الأسد في ذلك الوقت عبد الحليم خدام بزيارة طهران في أغسطس سنة ١٩٧٩م، وأعلن بشيء من المبالغة والغلوّ أن الثورة الإيرانية هي (أعظم حدث في تاريخنا المعاصر) ، وافتخر بأن سورية قد دعمتها (قبل قيامها وأثناء اندلاعها وبعد انتصارها) [٢٢] . بالإضافة إلى ما ذكر من الترابط العقدي بين سورية العلمانية بعدما سيطر حزب البعث على النظام فيها، وبين إيران الثورية الخمينية؛ فإن هناك عوامل أخرى كانت دافعاً لكل طرف لكي يوثق التحالف مع الآخر، وقد تشعبت هذه العوامل وكثرت. بالنسبة للسوريين فقد كان توقيت الثورة الإيرانية أكثر ملاءمة لهم؛ حيث تفاقم إحساس سورية بالعزلة وكونها عرضة للخطر الاستراتيجي بشكل متزايد نتيجة لتخلي مصر عن الصراع ضد (إسرائيل) وتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد في عام ١٩٧٩م، وقد كانت سورية قلقة أيضاً لكون مصر وقد أصبحت في المعسكر (المؤيد للغرب) بثبات سوف تجر في أعقابها أطرافاً عربية أساسية أخرى بما في ذلك الأردن مما يؤدي إلى زيادة عزلتها وإضعاف موقعها إزاء (إسرائيل) . إن الموقف السوري من إيران قد تحول إلى موقف منطقي محسوب يقوم على اعتبارات القوة والتوازن مع النظام المنافس في العراق من ناحية، وبالمفهوم الإقليمي الأوسع من ناحية أخرى. إن دور إيران في تقييد حرية الحركة العراقية كونها ثقلاً موازناً ضد أطراف عربية أخرى، بما في ذلك مصر هذا الدور يمكن أن يكون قد أضاف بعداً إلى الحوافز السورية لإعادة نظرها في موقفها نحو إيران. وتأتي اهتمامات إيران من ناحيتها لتعكس عدداً من العوامل المستقلة والمتداخلة؛ فكانت إيران في حاجة إلى حليف يعتمد عليه أكثر إلحاحاً بشكل كبير بسبب رغبتها في الحفاظ على موطئ قدم هام في المعسكر العربي، وحاجتها لإبقاء الضغط على العراق. إن الحفاظ على علاقات جيدة مع سورية قد منح إيران فائدة أخرى هي تحديداً: الوساطة السورية الممكنة مع عدد من الدول الهامة الأخرى في المنطقة العربية. وعلى الصعيد الدولي كانت روابط سورية الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي قد منحت إيران قناة لا تقدر بثمن إلى القوة العظمى الأخطر على حدود إيران المباشرة؛ فإن إيران كانت مدركة لحاجتها إلى الحفاظ على علاقات الدولة بالدولة مع الاتحاد السوفييتي بشكل نِدِّي لعدد من الأسباب السياسية والاقتصادية والطائفية والاستراتيجية. أدت مساعي سورية الحميدة في بعض الأحيان إلى تسريع الاستجابة السوفييتية للمطالب الإيرانية، كما كان الحال ظاهرياً بالنسبة للشحنات العسكرية السوفييتية العابرة إلى إيران عن طريق سورية. لقد عكس هذا التحالف عدداً من الاعتبتارات، منها: تراخي الضغط على صدام حسين؛ فالدعم السوري لإيران كان يعتمد على الخلاف مع العراق، وزاد من احتمال الانتقام العراقي ضد سورية إذا ما سنحت الفرصة لذلك؛ إذ إن انهيار التحالف مع إيران سيكون له تأثير ضئيل في تهدئة صدام حسين في هذه المرحلة، وقد تكون سورية رأت أن من الأفضل الإبقاء على إيران ثقلاً موازناً للعراق بدلاً من التعويل على الاعتراف العراقي بالجميل مقابل تغير متأخر في العلاقة مع طهران. لقد ساعد الغزو العراقي لإيران في أيلول ١٩٨٠م في تحضير الأساس لتحالف رسمي بين سورية وإيران أثناء المرحلة الأولى من الحرب ما بين ١٩٨٠، ١٩٨٢م. بالنسبة للإيرانيين: قدم السوريون وسيلة غير مباشرة للضغط العسكري على العراق ومصدراً مباشراً للسلاح للقوات المسلحة الإيرانية المنغمسة في الحرب. بعد أحداث مدينة حماة ولاحظ المناسبة سارعت الدولتان باتجاه تحالف رسمي؛ فقد تم توقيع بروتوكول تجاري واقتصادي بعيد المدى بين البلدين من قبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في طهران في مارس ١٩٨٢م. الغزو الإسرائيلي للبنان.. والتحالف: كان لغزو ١٩٨٢م تأثير عميق على وجود إيران في لبنان عن طريق توسيع دورها في الصراع العربي الإسرائيلي؛ فإن الغزو قد وفر الفرصة للمساهمة الإيرانية المباشرة الأولى في المجهود الحربي الداعم للحركة الشيعية في لبنان على شكل وحدة عسكرية صغيرة نسبياً مكونة من ١٥٠٠ عنصر من الباسداران (الحرس الثوري الإيراني) الذي سُمح لهم بالدخول عن طريق سورية إلى البيئة الصديقة في وادي البقاع. وقبل ذلك الوقت كانت الجهود الإيرانية لإقامة وجود عسكري مستقل في لبنان قد صُدَّت من قِبَلِ الأسد نفسه، لكن الموقف السوري بعد الغزو الإسرائيلي ربما أضحى أقل مقاومة لعروض المساعدة الإيرانية من ذي قبل. من وجهة نظر إيران فإن وجودها الجديد في لبنان أنتج نقطة التَّماسِّ المباشر الأول بين النظام الثوري وطائفة شيعية كبرى في العالم العربي، ومنذ ذلك الحين غدت إيران لاعباً قيادياً في شؤون هذه الطائفة التي تمثِّل قاعدة ممكنة لمدّ نفوذها إلى قلب الصراع العربي الإسرائيلي. في ذلك الوقت بدأ تقاطع المصالح والتوجهات بين سورية وإيران بالاتساع؛ ففي حملتها لإخراج الإسرائيليين من لبنان كانت الدوافع المباشرة لسورية دوافع استراتيجية؛ فالوجود العسكري الإسرائيلي في النصف الجنوبي من لبنان وعلى الأخص في وادي البقاع قد وضع العمق السوري تحت تهديد مزدوج؛ فلأول مرة كانت دمشق معرضة لخطر مزدوج محتمل من الجولان والمواقع الإسرائيلية الأمامية في لبنان، إضافة إلى ذلك؛ فقد كان هناك التهديد الجيوسياسي النابع من وجود نظام موالٍ لـ (إسرائيل) وموال للغرب في لبنان. إن القلق السوري حول إمكانية العزلة الإقليمية ومخاطر الصفقات الثنائية العربية الإسرائيلية المستقلة كان آنذاك المحدد الأساس لسياستها الخارجية؛ فوجود لبنان في الفلك الإسرائيلي الأمريكي سوف يزيد من ترجيح كفة التوازن الإقليمي المائل أصلاً بشكل غير مرغوب فيه عن طريق إكمال التهديدات العراقية والإسرائيلية بتطويق محتمل من الغرب. كما أن ارتداد لبنان سوف يضيف ثقله إلى خسارة مصر، ومع الأخذ بعين الاعتبار الموقف المشكوك فيه للأردن، وفي ظل هذه الظروف فإن رغبة سورية في تقوية روابطها مع إيران ليست مفاجئة. استطاعت سورية الاعتماد على إيران لتأمين المساعدة المادية على شكل معونة اقتصادية، وقوة بشرية على شكل جماهير محلية مهيأة، وتحريض يمثل وجهة نظر راديكالية معادية لـ (إسرائيل) وللغرب، ومصدر جديد للضغط والتهديد المحتمل لإلهاء كل خصوم سورية الإقليميين والدوليين تقريباً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة مادية وتاريخية كافية لتفادي أن تصبح قوية أكثر مما يجب أو مستقلة أكثر مما يجب على الحلبة الداخلية لسورية. وبين أغسطس ١٩٨٨، وأغسطس ١٩٩٠م كان هناك عدد من التطورات التي أثرت على العلاقة السورية الإيرانية؛ فمع انتهاء الحرب الإيرانية العراقية بدت قوة العراق بشكل ملحوظ في وجه كل من سورية وإيران؛ فالعراق لم ينجح فقط في فرض نهاية مذلة للحرب، بل كان في موقع جيد جداً لجني أفضل فائدة من التأييد الدولي والعربي الواسع للقيام بدور القوة العربية الكبرى المتربعة على الخليج والمشرق، لذلك فقد قويت دوافع إيران للتمسك بالتحالف مع سورية بفعل تضافر عدة عوامل، والتي منها: ضعفها مقابل القوة العراقية والانتشار العسكري الأمريكي في الخليج والعزلة الإقليمية والدولية. وبالمثل فقد كانت سورية مدفوعة بمصلحتها التقليدية في احتواء العراق والحفاظ على دورها الفريد في لبنان؛ بيد أن عوامل أخرى كانت تفعل فعلها، أولها وأهمها: التغيرات في علاقات الشرق بالغرب، وإبعاد التنافس الأمريكي السوفييتي من المنطقة؛ فقد بدأت علاقات سورية السياسية والاستراتيجية الطويلة الأمد مع الاتحاد السوفييتي بالتآكل مع مجيء الرئيس غورباتشوف في منتصف الثمانينيات والامتناع السوفييتي المتزايد عن إمداد المجهود الحربي لسورية أو تدعيم اقتصادها المتوعك [٢٣] . هذا الحلف الإيراني السوري كان له مركز هام لإظهار نتائجه، فكان لبنان هو مطبخ هذا الحلف الذي تشتم منه رائحة الصفقات والاتفاقيات، وبهذا فقد تم ربط لبنان بهذا الحلف شاء أم أبى. فهذا وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في محادثات مع نظيره السوري فاروق الشرع يقول: إن مصير إيران وسوريا ولبنان في مجال السياسات التي يتخذها البلدان الثلاثة مترابط بعضهم مع بعض [٢٤] . كما كان من الطبيعي أن يكون (حزب الله) ورقة بين أطراف هذا الحلف، أو الطرفين القويين: إيران، وسوريا، وكان عليه أن ينسجم مع أهدافهما؛ فوجوده ونشاطه مرتهن بتوجهاتهما السياسية، ولكن هل ينجح حزب الله في الاستمرار في دوره على هذه الحال من الانجذاب بين طرفين؟ مُجبر.. لا بطل: رسم الظهور العلني لحزب الله خطاً فاصلاً جديداً من وجهة نظر سورية، وكان هذا التطور إشكالياً؛ فمن ناحية شكلت العناصر الراديكالية الموالية لإيران ذراعاً فعالاً للنشاط بالوكالة ضد (إسرائيل) والولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى فإن المناداة بجمهورية إسلامية في لبنان وإخضاع إرادة (حزب الله) لأوامر طهران الروحية والسياسية، كل ذلك كان يشكل تناقضاً مباشراً بشكل محتمل مع المصالح السورية الوطيدة. كان نجاح إيران حزب الله في منع سورية من تنفيذ سياستها في لبنان بمثابة رسالة خطيرة بخصوص السلطة النسبية لكل عنصر فاعل على الساحة اللبنانية؛ فقد كان الدافع السوري قوياً أيضاً لرسم حدود ثابتة ومفهومة بشكل متبادل لهذه السلطة في أعقاب الحملة المشتركة لعامي ١٩٨٣م ١٩٨٤م؛ إذ لم يُبد تحمُّل سورية لنشاط حزب الله المعادي لـ (إسرائيل) في جنوب لبنان أي تغير في هذه الفترة، وظل بدون انتقاص حتى اليوم، إن تحدي حزب الله للهيمنة السورية بين الشيعة في لبنان يتجاوز الخلافات العملياتية حول الفلسطينيين والحرب في الجنوب، ومن الممكن أن يضرب في عمق النفوذ والهيبة للسوريين بالذات. فسورية لم تكن مستعدة للوقوف مكتوفة الأيدي في حين كانت قوة (حزب الله) ونفوذه يتوسعان في لبنان، وهذا أدى في شباط ١٩٨٧م إلى أن اصطدمت القوات السورية مباشرة مع (حزب الله) في ضاحية بيروت الجنوبية. إن السيطرة السورية في لبنان، ومقدرتها على منع أية تحركات إيرانية ذات شأن في هذه الساحة من المكانة التي تجعل أي تحدٍ مباشر لمصالح سورية الحيوية من قِبَلِ (حزب الله) أو إيران لن يؤدي إلى أي مكسب إيجابي لإيران. في الواقع: إن الفقدان المحتمل لحرية الوصول إلى الشيعة اللبنانيين يمكن أن يكون رادعاً لأي دور تخريبي إيراني، إضافة إلى كونه حافزاً كبيراً بالنسبة لإيران على تشجيع (حزب الله) على التقيد بقوانين التحالف. وعلى هذا فقد تحاشى (حزب الله) مهما كلفه الأمر وغلا الثمن تحاشى الخلاف المعلن مع السياسة السورية، بل سعى إلى مزاوجة ولاءيه: الخميني الإيراني من وجه أول والسوري من وجه ثان من غير انفصال. فالولاء الخميني هو مصدر التحزب والداعي إليه ومنشئ هذه الجماعة على الصورة التي هي عليها؛ وعلى هذا الولاء مرجع تماسك الحزب، وتَدِينُ المنظمة الخمينية إلى ولائها هذا بنهجها وطريقتها التي ميزتها عن غيرها، وتدين للدولة الخمينية بالإعداد والتجهيز والعتاد والموارد والملجأ والحماية و (الذراع الطويلة) . أما الولاء السوري فهو شرط بقاء الجهاز الخميني المادي (بقاءاً مادياً) بلبنان واستمراره على خطته ونهجه، وهو بهذا الاستمرار مسوَّغٌ دوره. وفي ظلال الولاءين: الخميني والسوري ووفاقهما وتنسيقهما وعقدهما لم يكن على (حزب الله) إلا المضي في مقاتلة الدولة العبرية، والتمتع بامتيازات سياسية تحول دون استقرار الدولة اللبنانية؛ وعلى هذا فاليد العليا: معنيً ومورداً هي لإيران، واليد العليا: سياسة وشرطاً مادياً هي لسورية، ويسعُ (حزب الله) البقاء وهو يخدم سيدين لا سيداً واحداً! ! [٢٥] . المتغيرات وأثرها على الحزب: من الصعوبة بمكان، بل من الاستحالة أن تستمر الأمور على نسق واحد من بداياتها إلى منتهاها، بل إن المتغيرات التي تطرأ على الأحداث تجعل من الحكمة إعادة النظر في السياسات الاستراتيجية والأهداف بعيدة المدى وإعادة صياغتها بما يتناسب مع الوقائع الجديدة، وكان هذا المنطق واضحاً بشكل كبير لدى إيران التي أنشأت حزب الله ورعته حتى أصبح كياناً له وزنه المعتبر في لبنان، وكانت التحولات التي طرأت على إيران تفرض لا محالة تغيرات جذرية على سياسة (حزب الله) ومنهجه وعمله. فعقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية عبَّر عن رفضه فرض الثورة على المسلمين خارج إيران، بينما طالب الحركات الإسلامية خارج إيران باتخاذ الثورة الإيرانية قدوة ومثالاً لها، وبالسعي لإيصال صوت الثورة إلى الناس؛ وأضاف أن إيران ستصدر أفكارها في القوانين الدولية. والواقع أن التحول نحو السياسة البراجماتية داخلياً وخارجياً قد ارتبط في جزء من دوافعه بانتهاء الحرب مع العراق والإحساس بالاختناق الاقتصادي وبالحاجة للانفتاح على العالم، خاصة اجتذاب استثمارات الغرب وتكنولوجيته لإعادة تعمير إيران مما تطلَّب اعتدالاً في السياسة الخارجية. ومنذ عام ١٩٨٦م كانت إيران قد بدأت تمارس ضغوطاً على التنظيمات المسلحة الموالية لها في لبنان للإفراج عن الرهائن الغربيين مقابل تحقيق مصالح وأهداف (للثورة الأم) في إيران. وشهدت فترة رئاسة رفسنجاني لإيران تقليص المساعدات العسكرية والمالية لحزب الله. كما أن إيران مارست ضغوطاً على حزب الله لضبط النفس عقب اختطاف ... (إسرائيل) في ٢٩-٧-١٩٨٩م للشيخ عبد الكريم عبيد، أحد قياديي حزب الله في الجنوب اللبناني، وعدم الإصرار على استبداله برهائن غربيين خلال صفقات لاحقة بين إيران والدول الغربية، وكذلك الشيء نفسه بعد اغتيال (إسرائيل) للشيخ عباس الموسوي زعيم حزب الله في هجوم بالهليكوبتر في فبراير ١٩٩٢م فأين الانتقام للشهداء؟ ! كما ساهمت إيران في إقناع حزب الله بالانضمام للهجوم الشامل بالتعاون مع سورية ضد العماد ميشيل عون في بيروت الشرقية في ١٤-٨-١٩٨٩م [٢٦] . ولا شك أن حزب الله اللبناني ساهم بدور الرافعة للدور الإيراني في المشرق العربي، مما أعطى لإيران وزناً استراتيجياً أكبر من حجمها، وتم استغلاله منذ تدهور قوتها التقليدية. ويمكن لحزب الله أن يظل أحد مصادر التأثير السياسي لإيران، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت طهران تشجعه على التفكير في أدائه المستقبلي. وبغض النظر عن الجانب الأيديولوجي والترابط العضوي؛ فإن حزب الله اللبناني يمثل حالياً رافعة هامة لسوريا التي تعد أحد أهم اللاعبين الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط، والتي تعد إيران بحكم التعريف الجغرافي ليست جزءاً منها [٢٧] . ولهذا فقد كان التحول إلى وجه آخر وتبديل السياسات أمر لا مفر منه لحزب الله [٢٨] . إن الاتجاه الأكبر داخل حزب الله مدرك للحاجة إلى التكيف مع وقائع التسوية الممكنة بين (إسرائيل) وكل من سورية ولبنان، ولقيود السعي لبسط الحكم ذي النمط الذي يدعو إليه في البلد الأكثر تنوعاً من حيث الطوائف والأديان في المنطقة . وقد انعكس هذا في استعداد حزب الله للمشاركة في النظام السياسي اللبناني، بالإضافة إلى إظهار رغبة الحزب بالالتزام بقوانين النظام السياسي اللبناني المنبعث مجدداً ونقل نشاطاته السرية إلى مجال غير موجه ضد الدولة بحد ذاتها. إن نقلة من هذا النوع في سياسة (حزب الله) وموقفه تعتمد كثيراً على توازن الآراء ضمن الحركة والموقف النهائي الذي تتخذه إيران، إضافة إلى موقف حزب الله مع سورية. وتتمتع القيادة الرسمية لحزب الله، بما فيها الأمين العام الحالي الشيخ حسن نصر الله بعلاقات جيدة مع كل من سورية وإيران، ومن المرجح أن تستجيب لمتطلبات وحساسيات الأولى بقدر استجابتها لمتطلبات وحساسيات الأخيرة [٢٩] . ومن خلال هذا المنطلق، فقد صرح السفير السوري في واشنطن وليد المعلم أن حزب الله حركة مقاومة وطنية ولن تكون عقبة في طريق السلام إذا كان يلبي المصالح السورية واللبنانية، إن قيادة الحزب تدرك بأن أي اتفاق مقبول من سورية ولبنان يكون ملزماً لها على السواء [٣٠] . بل لقد استبق حسن نصر الله الجميع باعترافه بأنهم أداة في يد المفاوضين في عملية السلام، فقال: إن المقاومة ورقة ضغط بيد المفاوض العربي. والغريب أن باراك يريد أن يفاوض ومعه طائرات حربية أمريكية جديدة، ومئات الملايين من الدولارات من أمريكا، وهذا مسموح به، بينما المطلوب أن تذهب الوفود العربية مجردة من عناصر قوتها، وعنصر المقاومة هو الأهم [٣١] . وإمعاناً في التحول تلبية للإرادة الجديدة، فقد قام (حزب الله) بتوسيع قاعدة المشاركة في عملياته العسكرية انطلاقاً من ذوبانه في الحالة اللبنانية، فقام بإنشاء (سرايا المقاومة) التي فتح فيها الباب لجميع شرائح المجتمع اللبناني بما فيهم النصارى لكي تنضم إلى صفوفه، فقد أصبح الهدف الآن: تحرير التراب اللبناني! ! [٣٢] . حقيقة النجاح العسكري: على الجانب العسكري الذي برز من خلاله نشاط حزب الله، فمن الواضح اليوم لكل ذي عقل أو على الأقل يجب أن يكون واضحاً أنه في حرب العصابات التي تدور اليوم في جنوب لبنان لا توجد فرصة للانتصار بالنسبة للإسرائيليين؛ وذلك لعدة اعتبارات: أولاً: أنه لم يتغلب مطلقاً بأي شكل من الأشكال في العالم جيش نظامي على مقاتلي حرب عصابات. ثانياً: أن (حزب الله) يعرف الميدان والمنطقة أفضل من جنود (إسرائيل) وأفضل من جيش نظامي بعتاده وإعداده. ثالثاً: أن أتباع (حزب الله) يعملون في أوساط سكان متعاطفين معهم ويمنحونهم مزايا كثيرة كما سبق الإشارة إليها ابتداءاً. رابعاً: أن جيش جنوب لبنان تحول من جيش أجير الذي كان من المفروض أن يقوم بالعمل الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي إلى أداة مكسورة هشة، والتي بدون حماية (إسرائيل) وحضورها فإنه يصبح بدون فائدة. خامساً: أن الوجود الجسدي على أرض لبنان يحول (حزب الله) من تنظيم إرهابي إلى مقاتلين من أجل الحرية وشرعيين في أعين العالم، وبذلك تُخلى مسؤولية لبنان وسورية من الدم المسفوك [٣٣] . كذلك فإن جزءاً كبيراً من الذين يخدمون في جهاز أمن جيش جنوب لبنان الذي تستخدمه (إسرائيل) هم من الدروز والشيعة سكان الحزام الأمني، ولقد مارس حزب الله معهم أساليب مختلفة ليجندهم، وفي الوقت ذاته هناك افتراض بأن الدروز في جهاز الأمن لا يرون أن هناك أي مشكلة في إطلاع أعضاء الحزب التقدمي الاشتراكي التابع لوليد جنبلاط على المعلومات التي لديهم، وهؤلاء يتعاونون مع حزب الله [٣٤] . إن القليل فقط ينتبه إلى أنه في العام الأخير طرأ انخفاض في عدد قتلى جيش الدفاع الإسرائيلي في جنوب لبنان. وبصفة عامة فإن من الممكن القول بأنه في أربعة مجالات أساسية لم ينجح حزب الله حتى اليوم في تحقيق أهدافه: فهو لم يحتل حتى اليوم موقعاً لجيش الدفاع الإسرائيلي، ولم ينهر بسببه جيشُ جنوب لبنان على الرغم من أن ذلك يمثل هدفاً أساساً لحزب الله، وعلى الرغم من جهود (حزب الله) فلم ينجح التنظيم في اختطاف جنود لجيش الدفاع الإسرائيلي ورغم كل محاولات (حزب الله) فإنه لم تسقط حتى اليوم طائرة هليوكوبتر واحدة أو طائرة للسلاح الجوي الإسرائيلي [٣٥] . ولقد أعلن زعماء (حزب الله) في الماضي أنهم سيواصلون محاربة ... (إسرائيل) حتى (تحرير القدس) ، ولكنهم قالوا مرات كثيرة ما هو عكس ذلك، أي أن هدفهم هو تحرير الأرض اللبنانية، وليس من شأنهم مواصلة العمل ضد ... (إسرائيل) بعد تحقيق هذا الهدف. من الناحية العملية، وعلى النقيض من المنظمات الفسلطينية التي حاربت ... (إسرائيل) نفسها، تجد أن حزب الله لم يبادر أبداً بعمل ضد أراضي (إسرائيل) المحتلة قبل ٥ يونيو (حزيران) عام ١٩٦٧م، وقصر هذا النشاط على الأراضي اللبنانية التي احتلت بعد ذلك التاريخ. ورغم أن مقاتلي حزب الله قد وصلوا عدة مرات إلى خط الحدود، إلا أنهم لم يتسللوا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان يمكنهم أن يفعلوا ذلك بدون شك [٣٦] . وهكذا نرى أن النجاحات التي يدندن حولها حزب الله لم تكن على مستوى لائق بهذا الزخم الضخم من الضجيج الإعلامي. وأخيراً: لا بد أن السؤال المطروح في صدر المقال قد أجيب عنه، وبغض النظر عن النتيجة التي سيصل إليها قارئ هذه الحلقة، تبقى تجربة (حزب الله) تستحق الاهتمام؛ حيث إن كثيراً من الناس، بل من المتابعين لشؤون الحركة السياسية الإسلامية لم يكونوا على اطلاع على هذه التجربة. فعلى الحركة الإسلامية (السنية) أن تنظر إلى هذه التجربة بشكل عملي للاستفادة من الإيجابيات والسلبيات؛ فقد كان من أجلَى إيجابيات (حزب الله) أو التجربة الشيعية في لبنان هو ذلك النفس الطويل في العمل والحركة، مما أدى في نهاية التجربة إلى الوصول إلى نتيجة مُرْضية جداً؛ مقارنة بالأهداف المرسومة أولاً، كما أن من الإيجابيات التي ينبغي النظر إليها باهتمام شديد: الإعداد العلمي الهادئ الذي استمر مدة زمنية طويلة؛ حيث كان أساس الحركة ومنطلقها. أيضاً؛ فقد تميزت التجربة بالاهتمام بعامة الناس بشكل كبير، واصطفافها وراء الحزب عاطفة وتأييداً ودعماً ومساندة؛ بيد أن الملحظ هنا أن الحزب خُلِّيَ بينه وبين الناس، وهو ما لم يتوفر للحركات السنية، وهذه الأخيرة لا يسعها ما وسع (حزب الله) من انحرافات وتقلبات في المنهج العلمي والحركي، ولا يسعها تبدل الولاءات، ولا أن تكون (أداة أو ورقة) في يد من له يد طولى في الواقع الذي تحياه، فلا يسعها إلا أن تكون راية تحت لواء الشريعة الحاكمة من قبل أهل الولاية الشرعية. ونشير هنا إلى أن كثيراً من مباحث هذه الدراسة تم عرضه بشكل مختصر، ليناسب مساحة النشر، كما أن هناك مباحث أخرى لم يُتطرق إليها في هذا العرض. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3329

مرصد الاحداث يرصدها: حسن قطامش يفهم أفضل منك! ! أكد الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد إثر لقاء مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تفهم الأخير عزم جاكرتا إقامة علاقات تجارية مع (إسرائيل) . وقال وحيد الذي كان يجيب بالعربية عن سؤال بهذا الشأن في مؤتمر صحفي عقب اللقاء: إن قصدنا من العلاقات التجارية مع إسرائيل هو تأييد موقف منظمة التحرير الفلسطينية، والرئيس عرفات يعبر عن فهم لهذا الموقف. أوضحت للرئيس عرفات أن العلاقة التجارية بين إندونيسيا و (إسرائيل) ستتجه إلى تدعيم موقف منظمة التحرير. إن المجتمع الإسرائيلي ينقسم إلى فئات، وهناك فئة ترى أن مصير (إسرائيل) في إقامة علاقات طيبة مع جيرانها، ومع البلاد المسلمة، وعلى هذا يجب علينا تدعيم تلك الفئة، ولذلك قمت بالاشتراك في تأسيس مركز شمعون بيريز للسلام؛ لأنني أعرف أن بيريز غير بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق. وخلص وحيد إلى القول: لهذا يجب علينا دعم (الإسرائيليين) الذين لهم اهتمام في تطوير العلاقة مع جيرانهم، ونرجو في المستقبل أن ينظر جميع الإسرائيليين إلى أن العلاقة الطيبة مع جيرانهم هي مفتاح للسلام في هذه المنطقة. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٤١٠) ﴾ هي لنا.. ولا تقبل القسمة ١ - أشار تقرير حقوقي صادر عن مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية أن الحكومة الإسرائيلية تواصل سياسة نهب الأراضي والأملاك العربية في المدينة عبر وسائل غير قانونية وأن ما لا يقل عن ٣٤% من أراضي الدولة باتت مصادرة تماماً. وقال التقرير الذي يتناول أوضاع حقوق الإنسان في القدس العربية: إن (إسرائيل) اعتبرت نحو ٥٢% من مناطق المدينة مناطق خضراء يحظر البناء فيها لتشكل احتياطاً استراتيجياً للتوسع الاستيطاني الإسرائيلي في المدينة ولم تبق سوى ١٤% من مساحة المدينة للسكان مقام عليها المنازل. وأضاف التقرير: إن (إسرائيل) هدمت ما يزيد على ٤٤١ منزلاً، وأخطرت بهدم ٤٠٠ منزل آخر بالهدم خلال السنوات الخمس الماضية. ﴿مجلة الإصلاح، العدد: (٤١٨) ﴾ ٢ انتقد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الموقف الإسرائيلي المتمسك بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل معتبراً أنه يقوم على سياسة الإقصاء وقال: إنها تتسع لعاصمتين: فلسطينية، وإسرائيلية، وأن تكون للعالم كله في الوقت نفسه. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٤١١) ﴾ كانت دولة الخلافة! الزلزال الكبير الذي حدث في منطقة مرمرة التركية كان فرصة لأن ينقل المنصِّرون نشاطاتهم إلى الشارع التركي. إن الموقف الذي اتخذته حكومة بولنت أجاويد من المنظمات الشعبية ذات الصفة الإسلامية عقب تدفق المساعدات الضخمة منها إلى المناطق المنكوبة كان له دور في ازدياد النشاطات التنصيرية في المنطقة، وكانت منظمة تنصيرية قد وزعت مئات الآلاف من الكتيبات، وبلغ عدد الكتيبات الموزعة في منطقة اسطنبول وحدها أكثر من مائتي ألف، وألقت مديرة المنظمة محاضرة للتعريف بالنصرانية في فندق مرمرة ذي النجوم الخمسة، هذا وقد لوحظ أيضاً أن الكتيب الذي يحوي عناوين وأرقام هواتف مراكز المنظمة في مختلف البلدان يوزع على منكوبي الزلزال قبل تقديم الطعام أو المأوى لهم. ﴿جريدة الرياض، العدد: (١١٤٧٣) ﴾ ما زال الحقد مستمراً بدأت زمالة الكنائس التنصيرية في إثيوبيا ببرنامج واسع لتنصير المسلمين، يشمل البرنامج إنشاء أربع مراكز إقليمية للتدريب على كيفية تنصير المسلمين، وقد تم تنفيذ ذلك، وسيتخرج كل عام ٥٠ شخصاً من مدربي المنصرين المختصين في تنصير المسلمين، وكل واحد منهم سوف يدرب عشرين شخصاً، وبالتالي كل واحد من هذه المجموعة سيدرب عشرة أشخاص؛ حيث يكون للكنيسة عشرة آلاف شخص متخصص ومدرب على تنصير المسلمين في إثيوبيا سنوياً. ومن الناحية النظرية سيكون بالإمكان للكنيسة أن تصل إلى كل المسلمين في إثيوبيا. دورية الكوثر، العدد: (٢٤) ﴾ والله لتفتحن عدَّد المونسينيور جوزيبي برنارديني أسقف أزمير (تركيا) ، الإيطالي الأصل ما ادعى أنه مراحل تؤكد عزم المسلمين على فتح أوروبا. وزعم أن العالم الإسلامي سبق أن بدأ ببسط سيطرته بفضل دولارات النفط. وأضاف: إن هذه الدولارات لا تستخدم لخلق فرص عمل في الدول الفقيرة في إفريقيا الشمالية أو في الشرق الأوسط؛ بل لبناء مساجد ومراكز ثقافية للمسلمين المهاجرين إلى دول مسيحية بما في ذلك روما عاصمة المسيحية، وتساءل: كيف يمكننا أن لا نرى في كل ذلك برنامجاً واضحاً للتوسع وفتحاً جديداً. إن كلمات الحوار والعدل والمعاملة بالمثل، أو مفاهيم مثل: حقوق الإنسان والديمقراطية تتضمن معاني تختلف تماماً عن مفهومنا لها. إن ذلك قد يجعل من الحوار بين المسيحيين والمسلمين (حوار طرشان) إن الجميع يدرك أنه يجب التمييز بين الأقلية المتعصبة والعنيفة والأكثرية الهادئة والمعتدلة. لكن علينا ألا ننسى بأن الأكثرية ستقف وقفة الرجل الواحد وستستجيب دون تردد لأوامر تصدر باسم الله أو القرآن. لا يمكن للمسيحيين أن يكونوا متشائمين؛ لأن النصر النهائي سيكون للمسيح. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٠٢) ﴾ لماذا تقدمونها؟ ! بعض المساعدات التي نقدمها تذهب إلى جيوب الحكام، ويوظفونها في بنوك سويسرية، وهذا أمر لا يخدم مصالح الناس ولا مصالح فرنسا. ﴿وزير التعاون الفرنسي، مجلة الوسط، العدد: (٣٨٥) ﴾ لو أنهم أولادكم؟ ! بلغ عدد الأطفال العراقيين المتوفَّيْن في عام ١٩٩٧م بنحو ١٥٠ ألف طفل بسبب الحصار، وقد ارتفع هذا العدد إلى ١٨٠ ألفٍ وذلك عام ١٩٩٨م، بزيادة نسبتها ٦٦% مقارنة بعام ١٩٨٩م، كما ارتفع عدد الأطفال الذين توفوا بسبب سوء التغذية إلى نحو مليوني طفل منذ فرض الحصار على العراق قبل تسع سنوات، أي بنسبة زيادة بلغت ٢٠٠٠% قياساً بعام ١٩٩٠م. كما أن هناك ارتفاعاً خطيراً في عدد الولادات لأطفال من ذوي البنية الضعيفة نتيجة أوزانهم المنخفضة؛ إذ ارتفعت نسبة المواليد دون وزن ٢.٥ كيلو جرام من ٥.٤ % عام ١٩٩٠م إلى ٢٣.٥ % عام ١٩٩٨م، بالإضافة إلى حدوث ارتفاع كبير في عدد الأطفال المصابين بالأمراض الانتقالية: كالحصبة، والتيفوئيد، ... والسعال الديكي بنسبة ٨٠٠ %. وقد سُجلت نسبة كبيرة لتفشي الإصابة بأمراض أخرى كانت اختفت من العراق منذ مدة طويلة كالجرب والكوليرا؛ إذ سُجل ٤٠ ألفاً و٣٦٠ إصابة بهذين المرضين عام ١٩٩٨م، بعد ما كانت تُعادل الصفر عام ١٩٨٩م، علاوة على حدوث ارتفاع كبير في عدد المواليد المعوقين جراء نقص الأغذية والأدوية وتأثيرات الأسلحة المحرمة التي استخدمت ضد العراق خلال حرب الخليج. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٥٣) ﴾ الحق معهم أظهرت دراسة لمعهد غالوب أن الشعوب في أنحاء العالم تشتبه في نزاهة حكوماتها وفي مراعاتها حقوق الإنسان. وجاء في الدراسة أن النتائج تبين أن كلمتي: (فاسدة) و (بيروقراطية) أكثر الأوصاف استخداماً بين الناس لدى وصف حكوماتهم، وأظهر المسح الذي أجري في أكثر من ٥٠ بلداً في أوروبا وإفريقيا وآسيا والأميريكتين أن حوالي ٤١% من المشاركين فيه يعتقدون أن حكوماتهم فاسدة، في حين يرى ٤٠% أن حكوماتهم بيروقراطية، ويظن أقل من ١٠% فقط أن حكوماتهم تتسم بالكفاءة. ﴿جريدة الحياة، العدد (١٣٤١١) ﴾ بعدما قلََّّ الناصر بلغ عدد اللاجئين المسلمين الشيشانيين في أنجوشيا وحدها (١٧٥ ألف نسمة) منتشرين بين مخيمات اللاجئين وقطارات السكك الحديدية، التي لم تستوعبهم، فاتجه الباقون إلى حظائر الماشية، ويعيش الجميع في ظروف بالغة البؤس. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٦٥) ﴾ قرن الدم مع أن إنسان هذا القرن استطاع أن يفجر القنبلة النووية (١٩٤٥م) ويسير على سطح القمر (١٩٦٩م) ويستنسخ النعجة دوللي (١٩٩٨م) إلا أن المجازر التي ارتكبها، والحروب التي شنها، والثورات التي أطلقها، جعلت من هذا العصر خزاناً للعنف الدموي، ونزاعاً متواصلاً للمواجهات السياسية والدينية والعرقية، ويقدر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زيغنيو بريزنسكي في كتابه (انفلات الضوابط) رقماً مخيفاً؛ إذ يقدر عدد ضحايا حروب القرن العشرين العالمية منها والإقليمية والداخلية بنحو ١٨٧ مليون نسمة، وهو يضيف إلى أرقام القتلى العسكريين والمدنيين خلال الحربين العالميتين عدة ملايين فقدوا في حروب صغيرة. كما يضيف بريزنسكي إلى قائمة العنف ضحايا التصفيات الستالينية فيقدر عددها بأكثر من ٢٠ مليون نسمة بينهم ١٢ مليون ماتوا في المعتقلات النائية، أو في عمليات التطهير خلال الثلاثينيات. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٤١٢) ﴾ مرصد الأرقام - تفيد أكثر الإحصاءات تفاؤلاً بأن نحو ٩٠٠ مليون شخص يعانون من الجوع، و١. ٣ مليار شخص يعيشون في فقر مدقع. ﴿جريدة الأنباء، العدد (٨٤٠٨) ﴾ - تم التوقيع بين ممثلين من وزارتي الدفاع الأمريكية والإسرائيلية على اتفاق تبيع الولايات المتحدة بموجبه ٥٠ طائرة من طراز (إف ١٦ آي) ضمن صفقة مقدارها ملياران و ٤٦٠ مليون دولار. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٠٣) ﴾ - ذكرت وكالة الطاقة الأمريكية أن (إسرائيل) أصبحت القوة السادسة في مجموعة الدول الكبرى نووياً، وتمتلك (إسرائيل) ما بين ٣٠٠ و ٥٠٠ كيلو جرام من البلوتونيوم الصالح لصنع الأسلحة. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٦٣) ﴾ - كشف استطلاع رأي أجرته نقابة المعلمين في (إسرائيل) أن حوالي ربع المعلمين الإسرائيليين تعرضوا للضرب، أو لشكل آخر من العنف على أيدي ... تلاميذهم. جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٤٤) ﴾ - يفيد برنامج الأمم المتحدة للإيدز أن ٢٢.٥ مليوناً من أصل ٣٣ مليون مصاب بفيروس الإيدز نهاية العام ١٩٩٨م في العالم هم من منطقة إفريقيا جنوب الصحراء. ومنذ ظهور هذا المرض في الثمانينيات أصيب ٣٤ مليون شخص بالفيروس في إفريقيا جنوب الصحراء وتوفي ١١.٥ مليوناً منهم من جراء هذه الإصابة، وتضم هذه القارة ٦٨% من إيجابيي المصل في العالم رغم أن سكانها يشكلون ١٠% فقط من مجموع سكان العالم. جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٦٥) ﴾ - احتفظت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوضعها أكبر سوق سلاح في العالم العام الماضي بينما زاد الإنفاق العسكري ٧% إلى ٦١ مليار دولار، وعززت الولايات المتحدة مكانتها باعتبارها مورداً للأسلحة في العالم وسلمت شحنات أسلحة ومعدات عسكرية في عام ١٩٩٨م قيمتها ٢٦. ٥ مليار دولار وهو ما يمثل حصة نسبتها ٤٩% من السوق. ﴿جريدة الأنباء، العدد: (٨٤١٨) ﴾

стр. 3330

متابعات إشكالية التعامل مع الآخر في فكر ابن تيمية عبد الله محمد الأمين النعيم من المصلحين من لا يستطيع الخروج عن إطار عصره، فيركن إلى التوافق الاجتماعي بدل تغيير ما يمكن تغييره من الأفكار والعادات؛ لكن القليل من رجال الإصلاح من تكون له الشجاعة على تحدي العقبات التي تعترضه، فيخرج عن الإلف والعادة ومسايرة الرأي العام، فينتقد الأسس الفكرية الفاسدة والمسلَّمات المتواضع عليها، ويكشف العيوب الكامنة في تاريخ الأمة، ويبين المنهج الصحيح في الإصلاح، ولعل من هؤلاء القليل تقي الدين أحمد بن تيمية الذي عاش في النصف الثاني من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن الهجري أي في عصر ابتُلي فيه المسلمون بفتن من الداخل والخارج لم يسبق أن ابتلوا بمثلها [١] . مدخل: يأخذ الآخر وهو غير المسلم مساحة واسعة في القرآن والسنة النبوية والفكر الإسلامي عموماً؛ وإذا كان الوحي بشقيه قرآناً وسنة قد حدد الأسس والمعايير للتعامل مع الآخر إلا أن كثيراً من الدراسات الإسلامية قد انحرفت عن هذه الأصول الفكرية، ولقد لعبت عوامل عديدة لا محل لذكرها هنا دورها في إحداث هذا الانحراف الفكري نحو الضالين والمغضوب عليهم. وقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدوث هذه الانحرافات في العلاقة بين المسلمين والآخرين؛ حيث قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) [٢] . وقال في حديث آخر: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومَنِ الناس إلا أولئك؟) [٣] ، غير أن الأمة لا تتردى بمجموعها إلى هذه الهاوية؛ فقد أخبر ﷺ أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة [٤] ، وأخبر كذلك أن هذه الأمة لا تجتمع على الضلالة [٥] . وابن تيمية الذي عاش في عصر شبيه بعصرنا الحالي حاول في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) تأصيل العلاقة مع الآخر مستنداً إلى الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، وقد استطاع إخراج دراسة شرعية على الرغم من أن العصر الذي عاش فيه كان عصر استضعاف للمسلمين؛ إذ كانت الغلبة في الديار الإسلامية للصليبيين والتتار ومتى ما كان هناك استضعاف وذل للمسلمين فثمة بدع وضلالات ومذاهب باطلة [٦] . فإذا كان ابن تيمية استطاع إخراج كتاب اقتضاء الصراط وكتابه الآخر: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في عصر هيمن فيه الآخر وعلا في أرض المسلمين، وإذا كان ذلك العصر شبيه بعصرنا فإن هذا يدق إسفيناً في فكر الاستتباع للآخر؛ حيث يجري تسويق الآخر في ديار المسلمين حتى يمكن التعايش معه في ظل النظام العالمي الجديد. في هذه الدراسة سأحاول تقديم خلاصة لأفكار ابن تيمية في التعامل مع الآخر مع ملاحظة الآتي: أولاً: إن عصر ابن تيمية وإن كان شبيهاً بالعصر الحالي إلا أن هناك اعتبارات سياسية وعسكرية وغيرها من الاعتبارات يجب وضعها في الاعتبار؛ فلا يمكن معايرة ذلك العصر بعصرنا تمام المعايرة، وإن وجدت المشابهة في الظروف العامة. ثانياً: إن دراسة ابن تيمية وإن كانت دراسة أصولية استندت إلى الوحي وفكر السلف الصالح إلا أنه استصحب معه في دراسته واقعة المعاش مما يجعل السقف المعرفي لدراسته في بعض جوانبها محدوداً بظروف ذلك العصر وملابساته، ويتضح ذلك جلياً في اهتمام ابن تيمية بالآخر الموجود داخل ديار المسلمين؛ دون أن يضع كثير اعتبار للآخر الموجود خارج ديار المسلمين وهو الأخطر على المسلمين؛ لأن الجهل أو عدم الفهم وهو الذي يولد العداوة بين المسلمين تقل خطورته إلى حد مَّا بحكم معايشته للمسلمين؛ وهذه المعايشة قد توجِد نوعاً من الألفة. ثالثاً: إن ابن تيمية وإن اهتم بالآخر في ديار المسلمين إلا أن دراسته جاءت شاملة لجميع الضالين؛ فلم تقتصر على الكتابيين؛ بحيث تدرج دراسته ضمن الدراسات المتعلقة بأهل الذمة وأحكامهم، وهو وإن تطرق في دراسته لهذه الجوانب إلا أنه توسع؛ بحيث وضع الأسس والمعايير للتعامل مع الآخر، وأشار إلى أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتُليت بها الأمة وذلك ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم على حد قوله. ويذكر بأنه عدد أشياء من منكرات دينهم لما رأى طوائف من المسلمين قد ابتلي بها وجهل كثيراً منهم دين النصارى المحرف [٧] . هذه الملاحظات لا بد منها لكي توضع في الحسبان؛ فلا شك أن هناك من يود اقتفاء أثر ابن تيمية في معالجاته الفكرية، وهناك من يود الابتعاد عن معالجاته ومما لا شك فيه أن هناك عوامل عديدة تؤثر سلباً أو إيجاباً على المفكر. كيف عالج شيخ الإسلام ابن تيمية إشكالية التعامل مع الآخر؟ إن ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم عمل على تشخيص بعض أنواع البدع والشركيات التي ابتليت بها الأمة، وأوضح أثر التشبه بالآخر على الأمة، ووضع قواعد أساسية في التشبه، وأوضح فئات الناس التي نهينا عن التشبه بها والنهي عن سماتهم وعن الأعياد والاحتفالات البدعية والرطانة ومفهوم البدعة وزيارة القبور ونحو ذلك، ونبه المؤلف على أصلين هما: الأصل الأول: إخبار الرسول ﷺ القاطع الأكيد بأن أمته ستتبع سنن الأمم التي سبقتها من اليهود والنصارى وفارس والروم شبراً بشبر وذراعاً بذراع. الأصل الثاني: إخباره ﷺ القاطع والأكيد أيضاً بأن الله تعالى تكفل بحفظ الدين وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة [٨] . في بيان أسباب مخالفة المغضوب عليهم: إن ابن تيمية وهو بصدد بيان دواعي مخالفة المغضوب عليهم والضالين يوضح بأن الانحراف نحو الكفار قد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ [٩] ، ويؤكد بأن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب من اعتقادات وإرادات وغير ذلك، وأمور ظاهرة من أقوال أو أفعال قد تكون عبادات وقد تكون أيضاً عادات في الطعام واللباس والنكاح.. وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينها ارتباط ومناسبة؛ فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أموراً ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعوراً وأحوالاً، وقد شرع الله لنبينا من الأعمال والأحوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر؛ وإن لم تظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور منها [١٠] : ١ - أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا الأمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم ... إلخ. ٢ - أن المخالفة في الهدي الظاهر تؤدي إلى مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهراً أتم، وكان بعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد. ٣ - أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميُّز ظاهراً بين المهديين المرضيين والمغضوب عليهم والضالين؛ إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي إلا مباحاً محضاً لو تجرد من مشابهتهم. فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم؛ فهذا أصل ينبغي التفطن له. ويؤكد ابن تيمية بأن الأمر بموافقة قوم أو مخالفتهم قد يكون لأن موافقتهم مصلحة، وكذلك قصد مخالفتهم أو مخالفتهم نفسها مصلحة بمعنى أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة أصولية للعبد أو مفسدة، وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة أو المخالفة لو تجرد عن الموافقة أو المخالفة لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة، ولهذا نحن ننتفع بمتابعتنا نفسها لرسول الله ﷺ والسابقين في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا مصلحة؛ لما يورث من محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، ويدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى؛ إلى غير ذلك من الفوائد. كذلك قد نتضرر بمتابعتنا الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها، وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة؛ لأن ذلك الفعل الذي يوافق فيه أو يخالف متضمن للمصلحة أو المفسدة ولو لم يفعلوه. لكن عبر عن ذلك بالموافقة والمخالفة؛ على سبيل الدلالة والتعريف، فتكون موافقتهم دليلاً على المصلحة [١١] ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني؛ أي: أنا من نوعه وهو من نوعي؛ لأن الشخصين لا يتَّحِدان إلا بالنوع [١٢] . ويذهب ابن تيمية إلى القول بأن مشاركة الكفار في الظاهر ذريعة إلى الموالاة إليهم وليست فيها مصلحة كما في المباينة والمقاطعة؛ حيث يقول: (والموالاة وإن كانت متعلقة بالقلب لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومباينتهم. ومشاركتهم في الظاهر إن لم تكن ذريعة أو سبباً قريباً أو بعيداً إلى نوع من الموالاة والموادة فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة مع أنها تدعو إلى نوعٍ ما من المواصلة كما توجبه الطبيعة وتدل عليه العادة ولهذا السبب كان السلف يستدلون بهذه الآيات (المائدة ٥١، ٥٥، ٥٦. المجادلة: ١٤، ٢٢. الأنفال: ٧٢، ٧٥) على ترك الاستعانة بهم في الولايات [١٣] . وإذا كانت مخالفة المغضوب عليهم والضالين أمر مقصود للشرع فذلك لا ينفي أن يكون الفعل نفسه الذي خولفوا فيه ينطوي على مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم؛ فإن هنا شيئين [١٤] : أحدهما: أن المخالفة ذاتها لهم في الهدي مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم. وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان. والثاني: أن ما هم عليه نفسه من الهدى والخلق قد يكون مضراً أو منقصاً، فيُنهى عنه ويؤمر بضده لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا وهو: إما مضر أو ناقص؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة ونحوها مضرة وما بأيديهم مما لم ينسخ أصله؛ فهو يقبل الزيادة والنقص؛ فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصله على وجه الكمال ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملاً قط، فإن المخالفة لهم تنطوي على منفعة وصلاح لنا في كل أمورنا، حتى فيما هم عليه من إتقان بعض أمور دنياهم؛ إذ قد يكون مضراً بأمر الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا؛ فالمخالفة فيه صلاح لنا. وبالجملة: فالكفر بمنزلة مرض القلب، ومتى كان القلب مريضاً لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة؛ وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره؛ وفساد الأصل لا بد أن يؤثر في القلب، وإن جميع أعمال الكافر فيها خلل يمنعها أن تتم بها منفعة، ولو فرض صلاح شيء من أموره صلاحاً تاماً لاستحق بذلك ثواب الآخرة، ولكن أموره إما فاسدة وإما ناقصة.. فالحمد لله على نعمة الإسلام؛ فقد تبين أن مخالفتهم نفسها أمر مقصود للشارع في الجملة. الدعوة إلى ترك إكرامهم: بعد أن أكد ابن تيمية على عدم التشبه بهم دعا إلى عدم إكرام أصحاب الجحيم وإلى إلزامهم الصَّغار الذي شرعه الله تعالى (فاتفق عمر ﵁ والمسلمون معه وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله من ولاة الأمور على منعهم من أن يُظهروا في دار الإسلام شيئاً مما يختصون به مبالغة في أن لا يُظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين؛ فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها؟ ومن المعلوم أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها نوع من إكرامهم؛ فإنهم يفرحون بذلك ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل) [١٥] . ولقد منع عمر رضي الله عنه استعمال كافر أو ائتمانه على أمر الأمة وإعزازه بعد أن أذله الله [١٦] . النهي عن الرطانة: ومن القضايا التي نعايشها إشكالية اللغة، وموقف ابن تيمية هو أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً؛ فإن اللغة العربية نفسها من الدين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [١٧] . واستدل ابن تيمية بأحاديث عمر ﵁ إذ نهى عن رطانة الأعاجم وقال: إنها خب، أي أنها لغة خديعة ونفاق أو أن اعتيادها يورث النفاق، وحديثه الآخر: (لا تَعَلَّموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم؛ فإن السخط ينزل عليهم) [١٨] . ولهذا النهي شواهد من السنة النبوية: (من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية؛ فإنه يورث النفاق) [١٩] . لهذا كانت الكراهية للحديث بغير العربية. المخالفة في الأعياد: في مسألة الأعياد يذكر ابن تيمية الآتي: أولاً: (إن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك [لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه] [الحج: ٦٧] فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج؛ فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشرائع؛ فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تُنهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. أما العيد وتوابعه فإنه من الدين المحرَّف؛ فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه. ثانياً: إن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنه: إما محدَث مبتدَع، وإما منسوخ، وأحسن أحواله ولا حسن فيه أن يكون بمنزلة صلاة المسلم إلى بيت المقدس، هذا إذا كان المفعول مما يتدين به. ثالثاً: إنه إذا سوّغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس بل عيداً حتى يضاهى بعيد الله بل قد يزاد عليه حتى يكاد يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام مثل عيد القيامة (شم النسيم) . رابعاً: إن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم؛ ولهذا جاءت بها كل شريعة. خامساً: إن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل خصوصاً إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصَّغار فرأوا المسلمين قد صاروا فرعاً لهم في خصائص دينهم؛ فإن ذلك يوجب قوة قلوبهم وانشراح صدورهم واستذلال الضعفاء. سادساً: إن ما يفعلونه في عيدهم منه ما هو كفر، وما هو حرام، وما هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة وجنس الموافقة وهنا يلبس على العامة دينهم حتى لا يميزوا بين المعروف والمنكر. سابعاً: إن الله تعالى جبل بني آدم وسائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين؛ وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط. فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي؛ فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع مَّا من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة؛ وكل ما كان سبباً لهذا الفساد فإن الشارع يحرمه. ثامناً: إن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر؛ وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة؛ والمحبة والموالاة لهم تنافيان الإيمان. الخاتمة: لقد جرى ويجري تسويق الآخر حتى أمكن تقبله والتعايش معه بدون حرج مما شكل خطورة على الدين الإسلامي ذاته، ومما يؤسف له أن يشارك علماء السوء في تحسين الوجه القبيح للآخر لا سيما اليهود والنصارى مستدلين بآيات منسوخة أو أحاديث ضعيفة لإضفاء الشرعية الدينية على آرائهم وفتاويهم، ولقد تخوَّف رسول الله ﷺ على أمته من هؤلاء الأئمة المضلين [٢٠] . إن المسلمين وهم يعايشون مرحلة تداعت فيها الأمم عليهم تداعي الأكلة على قصعتها لا سبيل أمامهم للخروج من هذه الحالة إلا من خلال: ١ - التمسك بالهوية الإسلامية وعدم الذوبان في الآخر؛ مع ملاحظة أن التمسك بالهوية لا يعني الانكماش والانغلاق على الذات؛ لأننا أمة الدعوة الخاتمة ومطالبون بالتعامل مع الآخر لا من أجل أن نكون جزءاً منه؛ وإنما من أجل استنقاذه وإخراجه من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام. وإن ثمة ممارسات خاطئة أدت إلى تعويق الدعوة الإسلامية كانت وليدة تدين سلبي؛ إذ آثر بعض المتدينين الابتعاد عن الاختلاط بالضالين بحجة أن الاختلاط بهم سيؤثر سلباً على تدينهم، وتناسى هؤلاء الناس أنهم سيخالطون هؤلاء الضالين وهم مستعلون بالإيمان الذي يقي صاحبه من العودة إلى الكفر بعد أن استنقذه الله منه. ٢ - التمسك بالمصطلحات الشرعية في التمييز بين الناس حسب عقيدتهم؛ فهناك المؤمن، والكافر، والمنافق، والفاسق.. إلخ فهذه المصطلحات من شأنها ترسيخ الأسس والمعايير الإسلامية في العقل المسلم، فلا يتعامل مع الآخر إلا من خلال التمايز العقدي. ولقد كان من شأن تجاهل هذه المصطلحات الشرعية حدوث اضطراب في التعامل مع الآخر. وهنا يجدر التنبيه إلى أن العالم الغربي الصليبي يستعمل مصطلح (المسلمين) في أي صراع يخوضه ضد أي دولة إسلامية، وبدا هذا واضحاً في حرب البوسنة والهرسك والشيشان وغيرها مما أدى إلى تكاتف الضالين والمغضوب عليهم. هذا في الوقت الذي يستخدمون ونحن من ورائهم المصطلحات القومية لمناصريهم حتى يوهموا الناس بأن هذه الصراعات ليست دينية؛ فالعداء إذن في البلقان بين الصرب والمسلمين وفي الشيشان بين الروس والمسلمين وهلم جرّاً؛ فلنتفكر. ٣ - الاهتمام باللغات الأجنبية ومقارنة الأديان في كليات الدعوة وأصول الدين؛ فلا يمكن أن نخاطب الآخر بلغة لا يفهمها مع الجهل بعقيدته. فإذا كان النهي قد ورد بعدم استعمال اللغة الأجنبية فإن النهي المقصود به التحدث بهذه اللغات لغير ما ضرورة؛ لكن متى ما كانت هناك ضرورة فإن المحظور ينتفي. وإن عالمية الدعوة الإسلامية تستدعي فهم اللغات الأجنبية. ٤ - الحذر من الأئمة المضلين الذين يدعون للحوار بين الأديان متناسين أن الدين عند الله هو الإسلام. ٥ - الاستفادة من الاختلافات في صفوف الآخر؛ إذ إنهم شيع وأحزاب؛ فهذا قد يحقق الكثير للمسلمين. ٦ - عدم الترويج في وسائل الإعلام لعقائدهم الباطلة وأعيادهم الفاسدة أو التعطل عن العمل فيها ومشاركتهم طقوسها؛ إذ إن هذا من المفاسد التي نهت عنها الشريعة. [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون] [آل عمران: ٦٤] . ندعو الله سبحانه أن يحقق للأمة خيريتها وشهادتها على الناس؛ إنه نعم المولى ونعم النصير.
следующие страницы →