← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

المسلمون والعالم صراعات القرن الإفريقي وعودة العلاقات الإرتيرية السودانية جلال الدين محمد صالح تعقدت الأوضاع في القرن الإفريقي، وازدادت سوءاً إلى الحد الذي سلبه استقراره السياسي، وَحَوَّلَهُ إلى بؤرة صراع عسكري وتوتر أمني لا يسوقه إلا إلى نكبة من وراء أخرى، وليس فيما يظهر ما يبشر بقرب الانفراج، أو يوحي بتخفيف الأزمات فضلاً عن الذهاب بها إلى حيث لا رجعة؛ فالصومال الحزين ما زال ينزف دماً من جراء الاقتتال القبلي، ويُدفَع به من هاوية إلى أخرى من دون أن تجدي في إطفاء حريق الحرب كلُّ محاولات المساعي الحميدة وغير الحميدة من وسطاء عرب وغير عرب، وبلغ به الانهيار والتردي إلى الدرجة التي جعلت منه أفضل ميدان تصطفيه القوى الإقليمية المتصارعة لتصفية حساباتها وخدمة استراتيجياتها تماماً كما يفعل النظامان الإرتيري والإثيوبي باللعب في تناقضاته القبلية، وإغراقه بكميات من مختلف الأسلحة دعماً لمن تتطابق معه مصالحهما من الفصائل المتحاربة سواءاً من المعارضة الإثيوبية التي تتلقى دعماً عسكرياً من النظام الإرتيري، أو أطراف النزاع الصومالي؛ حيث تنحاز إرتيريا نحو عيديد، وإثيوبيا نحو عثمان علي عاتو الذي ندد مؤخراً بالتصرف الإرتيري وذلك بعد وصول سفينة محملة بالسلاح من إرتيريا لدعم المعارضة الأرمية الكامنة في الصومال تحت مظلة (عيديد) للانطلاق من هناك في ضرب الأهداف الإثيوبية، وتذكر مصادر صحفية أن قتالاً نشب بسبب النزاع على تقاسم هذه الأسلحة التي تم تفريقها بحضور (عيديد) وإشرافه. وكتب مدير مركز القرن الإفريقي للدراسات الإنسانية في مقديشو نقلاً عن الصحف المحلية (أن وفداً عسكرياً إرتيرياً قام بزيارة معسكرات التدريب للثوار الصوماليين والأرميين في وقت سابق من الشهر الماضي للوقوف على مستوى التدريب ومدى القدرات القتالية لدى الثوار) [١] . ويتوقع المدير المذكور أن إثيوبيا سوف تتخذ هذا ذريعة لاجتياح الصومال كما اجتاحته من قبل لضرب ما أسمته بأوكار الأصولية القابعة هناك، وأورد أنها عقب هذا النشاط الإرتيري دعت حلفاءها الصوماليين إلى اجتماع طارئ للاتفاق على استراتيجية تحبط المخطط الإرتيري. وهذا التفكك الصومالي بالرغم من أنه أنهى دور الصومال باعتبارها دولة مؤثرة، وأتاح لإثيوبيا فرصة العبث به إلا أنه من زاوية أخرى عاد عليها نتيجة غياب الحكومة المسؤولة بكثير من المساوئ مما أوجب عليها القيام بمبادرات إصلاحية تمثلت في تنظيم اجتماع (سودري) لتسوية الوضع المأساوي في هذا البلد؛ ولكن على النحو الذي يجعل منه كياناً مطواعاً تمسك به من خطامه وتجره من أنفه إلاَّ أنها عجزت عن كسب ثقة كل الفصائل، وبخاصة (عيديد) الذي وقف معارضاً لكل ما انبثق عن اجتماع (سودري) من لجان وقرارات معتبراً ذلك نمطاً من أنماط التدخل الإثيوبي في الشؤون الصومالية، وهكذا انحصر هذا الاجتماع في ستة وعشرين فصيلاً خرجوا بتكوين مجلس أطلق عليه: (مجلس الإنقاذ الوطني الصومالي) ومن أبرز رجاله (عثمان عاتو) . ومهما كان حظ (عيديد) من الصدق في تشخيص النوايا الإثيوبية من وراء تنظيم هذا اللقاء فإن التأثير القبلي والمصلحي في القيادات الصومالية بات عقبة صعبة التجاوز، فلم تعد مثل هذه المواقف الرافضة خاصةً بإثيوبيا ومبادراتها؛ وإنما أيضاً مصير كل مبادرة لا يجد فيها طرف من الأطراف ما يُخَصُّ منها بنصيب الأسد، حتى ولو كانت من المحيط العربي والإسلامي، كما كان الأمر مع لقاء القاهرة الذي تم في ٢٢-١٢-١٩٩٧م بعد اجتماع (سودري) وحضره ... (عيديد) لكنه جُوبِهَ بمعارضة قيادات أخرى كالكولونيل عبد الله يوسف، واللواء آدم عبد الله اللذين أعلنا فور وصولهما إلى أديس أبابا من القاهرة معارضتهما لكل ما ينجم عنه من قرارات. والكولونيل المذكور حسب إفادة مصادر مطلعة حليف قوي لإثيوبيا، ويقود منظمة تدعى (الجبهة الصومالية للإنقاذ) وقام بتشكيل حكومة محلية في مناطق الشمال الشرقي من البلاد، ولا ريب أن اتساع رقعة التنافر والتدابر بين هذه القيادات يعد مؤشراً جلياً على أن الصومال سيبقى بعيداً عن بر الأمان ملتهباً ومتقرحاً يندب حظه، وتتساقط عليه جراثيم الصراع الإقليمي لتعمق من جراحاته إلى أجل غير مسمى، وهو بالقدر الذي يمثله بوضعه الحالي من وصمة عار على جبين بنيه يعكس من جانب آخر ضعف المنظمات الإقليمية عربية وإفريقية في حل معضلات الشعوب لافتقارها إلى آليات فرض ما تراه مناسباً. الصراع الإثيوبي الإرتيري: من ناحية أخرى أدى تطور الخلاف الحدودي بين إرتيريا وإثيوبيا إلى اندلاع حرب شاملة بينهما، وتلبية لمتطلبات هذه الحرب شرع كل منهما في العمل على تصعيد الموقف بالشكل الذي يقيه شر الهزيمة، ويفل قدرات خصمه؛ الأمر الذي حفز أحزاب المعارضة المسلحة في كلا البلدين إلى استثماره وتوظيفه لصالح أهدافها ومراميها؛ فأقبلت تعمل في ترتيب صفوفها وتجميع قواها؛ فعلى الصعيد الإثيوبي أعلن مقاتلو (كدوجابين) عن توحدهم، وأعربوا عن استعدادهم لقبول مختلف الدعم العسكري والسياسي من مختلف الجهات في سبيل إحراز استقلال الإقليم وفصله عن إثيوبيا، ومن المؤكد أن هذا مما يصب في مصلحة السياسة الإرتيرية التي أخذت على نفسها دعم اتجاهات كهذه ما دامت تشغب على إثيوبيا وتصرف مجهودها الحربي إلى قضايا جانبية تحول دون تركيزها على جبهة القتال الناشب بينها وبين إرتيريا، كما أن إثيوبيا لم تهمل من طرفها هذا الجانب فقد رحبت بالمعارضة الإرتيرية في أديس أبابا، وأجازت لها ممارسة نشاطها السياسي، ومن آثار هذا النزاع واستقطاباته أن جيبوتي وجدت ذاتها في معمعة بحكم المجاورة وتداخل المصالح مما فرض عليها في نهاية الأمر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إرتيريا. وفي الحقيقة أن هذه النهاية جاءت نوعاً من أنواع التعبير الصريح عن عدم رضى الطرفين بسياسة كل منهما نحو الآخر، وقد أصابها الوهن منذ إنهاء إثيوبيا ارتباطها بميناء عصب الإرتيري، ولجوئها عوضاً عنه إلى ميناء جيبوتي، ثم تنامت إلى أن وصلت إلى حد القطيعة الكاملة باتهام الرئيس الإرتيري (إسياسي أفورقي) جيبوتي بالانحياز المكشوف نحو إثيوبيا في حربها مع إرتيريا، ... وطالب بإبعاد رئيسها السابق (حسن جوليد) عن لجنة الوساطة الإفريقية التي شكلتها منظمة الوحدة الإفريقية. ومن جانبه وصف (جوليد) الرئيس الإرتيري بالخروج على أسس الدبلوماسية الراشدة، ومجانبة العقلانية ومنطق الاتزان في معالجة مشكلاته مع جيرانه بشكل عام ومع جيبوتي بشكل خاص. ورغبة في الضغط على جيبوتي اختارت القيادة الإرتيرية مد حبال التواصل مع المعارضة الجيبوتية والقيام بتزويد أجنحتها المسلحة بالمؤن العسكرية، وتفيد تقارير صحفية مطلعة نقلاً عن مصادر جيبوتية أن مجموعة الزعيم أحمد ديدني قامت (بضرب إحدى المجموعات العسكرية الحكومية الصغيرة في مناطق العفر بجنوب وشمال جيبوتي) [٢] ويبدو أن إرتيريا لا تجيد أي مهارة أخرى غير هذا الخيار الذي يصنفها في خانة المشاغبين ليس إلا، وهو خيار ينم عن قصور في التجربة السياسية، وجفاف في ينابيع التفكير السياسي لدى القيادة الإرتيرية، وتطرف في استعمال العنف العسكري ليس له من تفسير سوى أن هذه القيادة ما زالت تعاني من تشابه وتشابك في الخطوط الفاصلة ما بين العهد الثوري بخصائصه ومتطلباته والعهد الدولي الذي لا يمكن أن يستجيب لتطبيقات العهد الثوري، وقد أظهر هذا الخلط بين الخطوط النظام الإرتيري بمظهر عدواني ارتد إليه في نهاية المطاف بالعزلة الإقليمية إلى الحد الذي صار يتخوف فيه من نشوء تحالفات جديدة بين مَنْ يعاديهم ويعادونه من دول المنطقة تعمل للإطاحة به، والتخلص منه، ويمكن أن نسبر عمق التضجر الإقليمي من سياساته بالتصريح الذي أدلى به وزير خارجية إثيوبيا (سيوم مسفن) الذي حمله (مسؤولية خلق الأزمات مع جيرانه) [٣] ، وأكد عدم استعداد بلاده للتعايش معه ما دام يريد أن يفرض ذاته (سوبرمان في المنطقة عن طريق الضغط على جيرانه بالقوة) [٤] وكذلك تصريح وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان إسماعيل الذي نعت فيه أفورقي في أديس أبابا أمام الصحافة المحلية والدولية (بهتلر إفريقيا الجديد) [٥] وليس بمستبعد أن تكون تلك القمة الثلاثية بين الرئيس السوداني عمر البشير، ورئيس الوزراء الإثيوبي ... (ملس زيناوي) ، والرئيس الجيبوتي (إسماعيل عمر جيله) التي عقدت بمناسبة تنصيب الأخير رئيساً على جيبوتي خلفاً (لجوليد) خطوة أولى إلى تأسيس تحالف يقلم أظافر (أفورقي) باعتبار أن ذلك بات ضرورة من ضروريات مواجهته، وفي هذه القمة أطلع الرئيس السوداني نظيره الإثيوبي والجيبوتي على المساعي القطرية في تحسين العلاقات السودانية الإرتيرية وطمأنهما بأن (التقارب بين الخرطوم وأسمرا لن يكون على حساب العلاقات السودانية الإثيوبية) [٦] ، وناقش الرؤساء الثلاثة قضايا تهم المنطقة وخرجوا بنتائج قالت عنها الصحافة: (أحيطت بتكتم شديد) [٧] ولا ريب أن ذلك مما يقلق النظام الإرتيري الذي وجد نفسه بعد سلسلة من الأخطاء الكبيرة محجوراً عليه في زاوية ضيقة. وفيما يبدو لي أن خروجه من نطاق هذه العزلة بعد أن فقد مصداقيته سيكلفه الكثير، ولا أظن أن أحداً من دول الجوار سيمنح ثقته (لأفورقي) ، وقد أسفر الرئيس الجيبوتي السابق عن هذه القناعة عند تعليقه على المساعي المبذولة لتطبيع العلاقات السودانية الإرتيرية بقوله: (الذي أعرفه أن إقامة علاقة مع أفورقي مكلفة الثمن، وأي جهة تقدم على إقامة العلاقات مع أفورقي يجب أن تضع في حسبانها الربح والخسارة) [٨] . القرن الإفريقي والدور العربي: وأياً كان ما سيتمخض عن تلك التحالفات الجديدة في القرن الإفريقي فإن العرب لا محالة معنيون بكل غاشية تغشى القرن الإفريقي وتقلب موازين تحالفاته بحكم ارتباطهم به: أمنياً؛ واقتصادياً، ومن الطبيعي أن تكون لهم مشاركات في ترتيب أمنه ورصد أحداثه صوناً لمصالحهم من القرصنة، وتأكيداً لوجودهم في بقعة من الأرض لها تأثيرها المباشر على استراتيجياتهم الإقليمية والدولية، وتضم دولاً تربطها معهم مواثيق الحماية، وعهود المناصرة، ومن ثم لا بد أن نرى دولاً عربية كمصر والسعودية والإمارات تتقدم بمبادرات إصلاحية لإخماد فتنة الصومال وإعادة بناء دولته، وبغض النظر عن حجم هذه المبادرات وأثرها الملموس فإنها نوع من التعبير عن إدراك أهمية القرن الإفريقي بالنسبة للأمن العربي، ولكي تكون فعالة ومثمرة لا بد أن تتسم بالتتابع والتناسق ودقة الرؤية التي تخدم فقط مصالح الاستراتيجية العربية بشكل عام، وإلا فلن تقطف ثمار أي طارئ سياسي يشهده القرن الإفريقي إن لم تجلب الضرر؛ والحرب الإرتيرية الإثيوبية مثلها مثل أحداث الصومال تهم الأمن العربي وخطط التنمية العربية، ولهذا سارع الليبيون ومعهم اليمنيون إلى إطفاء فتيلها، إلاَّ أن عناد الطرفين الإرتيري والإثيوبي حال من أول وهلة دون نجاح المساعي اليمنية الليبية، بيد أنه بعد اضطرار الرئيس الإرتيري إلى الإذعان للمبادرة الأمريكية الرواندية التي ظل يرفضها قبل تمكن القوات الإثيوبية المهاجمة من إجلائه عن (بادمي) -المنطقة المتنازع عليها - نشطت الدبلوماسية الإرتيرية بفعالية أكثر نحو العواصم العربية حاثَّةً العرب إلى دفع إثيوبيا نحو تفهم الرغبة الإرتيرية في إنهاء النزاع معها سلمياً، ونجحت في أن تدخل مصر للعمل في جمع الطرفين على مائدة التحاور ليس على أساس مبادرة جديدة وإنما - كما أكد وزير الخارجية المصري عمرو موسى - (في إطار الجهود الإفريقية وإقناع البلدين بها) [٩] ولكن كما كان متوقعاً فإن المصريين لم ينجحوا في إقناع الإثيوبيين بالجلوس مع الإرتيريين والتنازل عن شروطهم المطالبة بانسحاب الإرتيريين الكامل أولاً من كل ما يحتلونه من الأراضي الإثيوبية، ثم تعويض الخسائر الإثيوبية الناجمة من الاعتداء الإرتيري حسب تفسيرهم، وإزاء هذا الموقف المتصلب لم يملك المصريون إلا أن يقولوا: (إن الخلافات حادة بين إرتيريا وإثيوبيا، وإن مسار تسوية الأزمة الحدودية بين البلدين لم يتحدد بعد) [١٠] ، وتعذر هذا بما صرح به الرئيس الإرتيري مؤخراً في احتفال يوم الاستقلال ٢٤-٥-١٩٩٩م إذ قال: (إن كل الجهود السلمية التي بذلت لم تثمر حتى الآن) [١١] ، ومما يظهر أن الإثيوبيين يعملون في تطويق مساعي الدبلوماسية الإرتيرية، ويحاولون مزاحمة (أفورقي) في كسب المحيط العربي، ومن المناسب أن أشير هنا إلى أن صحفاً إثيوبية كانت قد اتهمت مصر بالميل نحو إرتيريا مما حمل سفيرها في أديس أبابا على الإنكار، كما أن رئيس قطاع الموارد المائية بوزارة الري الإثيوبي (محمد أحمد هاجرسي) دعا مصر إلى عدم إهدار مياه النيل، وأثنى على الخبرة الإسرائيلية في إنشاء السدود، وطالب بالاستفادة منها في كلمته التي ألقاها في مؤتمر النيل [١٢] ، وإني لا أفهم من هذا إلا توجيه رسالة تحذيرية إلى مصر خشية أن تنحاز إلى إرتيريا، ولفت نظرها إلى أن مصالحها في إثيوبيا أهم من أي إغراء تلوِّح به إرتيريا، وأن بإمكان إثيوبيا أن تفعل في مياه النيل بالتنسيق مع (إسرائيل) ما ليس في مصلحة مصر، كذلك انتقدها الرئيس الإرتيري - من قبل - في خلافه مع اليمن حول أرخبيل حنيش تضايقاً مما لمسه فيها من مساندة اليمن على حساب الحق الإرتيري على حد قوله، ومرة في فجر الاستقلال الإرتيري؛ إذ صرح بأن مصر غير راضية بما تم إنجازه في الساحة الإرتيرية و (أن المصريين تورطوا مع الفرنسيين في التخطيط لفكرة إيجاد نزاع قبلي في كل المنطقة) [١٣] واستفزهم مرات باعتقال عددٍ من صياديهم في البحر الأحمر، ورماهم بخيانته والتخلي عنه بعد توريطه في مواجهة السودان. الوساطة الليبية القطرية بين السودان وإرتيريا: وعلى كلٍ ولكون النظام الإرتيري حديث عهد بالسياسة الدولية والتواءاتها فإنه لم يحسن السير في ساحتها، وتاهت به السبل إلى أن أدرك أن لا بد من العودة إلى طريق السودان لا سيما في هذه اللحظة الحرجة بالنسبة له، اتقاء مضاعفات حربه مع إثيوبيا التي لا بد أن يكون ضررها عليه كبيراً إذا ما خاضها دون حليف مجاور، أو جار مسالم. وتأتي هذه العودة بعد فترة من الهجران أعلنتها إرتيريا متذرعة بأن المد الإسلامي القادم من السودان صار يهدد أمنها، وأن السودان بدعمه لحركة الجهاد الإسلامي صار مصدر خطر عليتها، ورتبت على ذلك قطع العلاقات الدبلوماسية، وفي مخالفة صارخة للعرف الدبلوماسي سلمت مقر السفارة السودانية إلى المعارضة واندفعت بحماس منقطع النظير إلى إعلان عزمها على إسقاط نظام البشير في الخرطوم إلا أنها بوغتت بانكسار جدار العلاقة الإرتيرية الإثيوبية، وبه دارت الدائرة على أفورقي نفسه فأمسى مقصوداً في بقائه كما تتناقل وسائل إعلامه، وأخذ يعيب على الإثيوبيين هذه النزعة المناقضة للشرعية الدولية وعرفها المألوف؛ ففي مقابلة له خص بها مجلة (النبض) الموالية لنظامه قال: (فالتحدث علناً بمسعاك لإسقاط نظام سياسي ما منافٍ للأعراف السياسية، فيمكنك أن تكره نظاماً معيناً، ولكن أن تفكر في إزالته ومحوه من الوجود فغير مقبول في هذا العصر) [١٤] . وهذه الإدانة من (إسياس) للتفكير الإثيوبي إزاء نظامه بالتأكيد من غير جدال تنسحب منطقياً على تفكيره هو إزاء السودان يوم كان يفصح عن عزمه من غير تورية ولا تعمية أنه لن يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى في المضي إلى تغيير نظام الإنقاذ، وكأنه كان في عصر غير هذا العصر؛ ففي مقابلة له مع الحياة ٢٢-١-١٩٩٨م قال: (مشكلة إسقاط هذا النظام السوداني لا مجاملة من جانبنا فيها، ونحن لا نعمل في الخفاء إزاء هذا الأمر، فإذا كان التجمع يحتاج إلى أسلحة فسندعم المعارضة السودانية من دون أي تردد بالأسلحة، ليس لدينا أي مشكلة في هذا الأمر) [١٥] . وكلفته هذه الغاية الكثير من الخسائر البشرية والمادية؛ حيث غزا السودان من بوابته الشرقية، والجنوبية أيضاً، والآن بعد تورطه في الحرب مع إثيوبيا التفت إلى ثورة الإنقاذ متصالحاً لا مسقطاً، واستبدل مفرداته السابقة بمفردات أخرى تتحدث - كما يقول - في: (البحث عن الحلول السلمية، وعدم التدخل في شؤون الغير، ونبذ أسلوب تصدير الأيديولوجيات، واحترام التقاليد، والأعراف الإقليمية والدولية) [١٦] . وهذا الخطاب مهما تباينت فيه وجهات النظر فإنه ما كان معهوداً من إسياس، وفيه من الدلالة ما يمكن أن يفهم منه أن بوادر الإفاقة بدأت تسري في عروق الرجل بعد أن سقط خارج حلبة الصراع، وانفض عنه من حوله ليواجه إثيوبيا وحيداً فريداً. وكان السودان من باب مجازاة السيئة بمثلها قد خفض للمعارضة الإرتيرية جناحه، وقد أكسبت هذه السياسة قوى المعارضة الإرتيرية منافع كثيرة، وبخاصة حركة الجهاد الإسلامي بقيادة أبي سهيل التي استطاعت تنمية قدراتها وتوغلت في عمق الموَاطِن الحصينة من الساحل الشمالي من إرتيريا، ومن هنالك استطاعت أن تصد أكثر من مرة هجمات الجبهة الشعبية الحاكمة، كما تداعت كل فصائل المعارضة إلى عقد مؤتمر في الخرطوم خرج بتحالف يحمل اسم (التجمع الوطني الإرتيري) وأجمع على إسقاط نظام (أفورقي) . وشعوراً من (أفورقي) بخطورة هذه المواقف عليه وهو مشغول بالجبهة الإثيوبية طار إلى ليبيا وقطر حتى يُنْهِيَا ما بينه وبين السودان من جفوة وخصومة، وأثمر سعيه عن لقاء بالبشير تحت رعاية القذافي، وبالرغم من أن (أفورقي) صرح بأن ذلك كان بمبادرة من القذافي؛ فإن الرغبة الإرتيرية كانت من وراء تحريك هذه المبادرة التي توجت أخيراً بعد تنسيق مع قطر بتوقيع اتفاقية الدوحة بين الرئيسين تحت رعاية الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر، ونصت الاتفاقية على (إعادة العلاقات الدبلوماسية، واحترام الأعراف والمواثيق الدولية، والاحتكام إلى سياسة حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم إقامة تدابير إقليمية ضد الآخر) [١٧] . وهذه الاتفاقية وإن كانت في جانب منها كسباً للسياسة السودانية ودليلاً على إخفاق (إسياس) في سياسته المعلنة ضد السودان إلا أنها من جانب آخر نجاح يحسب له؛ لكونه ما أراد منها أكثر من تقييد السودان عن الدخول في تحالف إقليمي يجمعه مع إثيوبيا وجيبوتي في مواجهته، وجاءت في وقت هو في أشد حاجة إلى تحييد السودان، وساعده عليها (كارت) المعارضة السودانية الموجودة في أسمرا فأجاد استغلاله، ومع أنه أكد أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على حساب المعارضة إلا أنه في النهاية يبقى مجرد كلام لا يغير من الحقيقة شيئاً. وإذا ما بحثنا عن المتضرر الأكبر من هذه الاتفاقية في المعارضة السودانية فإنه ليس إلا الشوعيين وبعض التجمعات الناشئة حديثاً في شرق السودان التي ما كانت تقبل بأقل من إسقاط نظام الخرطوم وتفكيك مؤسساته، ومن المتوقع أن ينعدم تأثيرها إذا ما نجحت الحكومة السودانية في الوصول إلى صيغة مصالحة مُرْضية بينها وبين الحزبين الكبيرين بقيادة المهدي، والمرغني، وهذا ما ترجحه معطيات الأحداث؛ إذ خرج المهدي بتفاؤل كبير بعد لقائه في جنيف مع صهره رئيس البرلمان والمؤتمر الحاكم الدكتور حسن الترابي، كما عاد رئيس السودان السابق جعفر محمد نميري من منفاه ليمارس نشاطه السياسي من الداخل. المعارضة الإرتيرية وعودة العلاقات السودانية الإرتيرية: وحتماً فإن السودان بموجب هذه الاتفاقية سوف يقلص من نشاط المعارضة الإرتيرية ويحده في نطاق لا يوقعه في حرج مع الحكومة الإرتيرية، إن لم يلزمها بما ألزمها به من قبل من لزوم الصمت والكف عما يثير (أفورقي) . وأياً فعل فلا أعتقد أن تأثير ذلك على المعارضة يضاهي تأثير القرار الإرتيري على المعارضة السودانية لأسباب من أهمها: أولاً: أن إثيوبيا هي بديل السودان الجاهز، وستجد فيها المعارضة من المتسع ما يعوضها عما تفقده في السودان. ثانياً: أن الحدود الإرتيرية السودانية أكبر من أن تسيطر عليها أجهزة الأمن السودانية أو الإرتيرية، وفيها من الفسحة ما يمكِّن كلا معارضي البلدين من التحرك بعيداً عن عيون المراقبة، وحيث إن المعارضة السودانية الشرقية جزء من تحالف كبير فستفقد تأثيرها على النظام السوداني إذا لم تنصع لما سيصل إليه الحزبان الكبيران - الأمة، والاتحادي - من مصالحة مع الإنقاذ، فلن تبقى إلا المعارضة الإرتيرية المسلحة تتحايل، وتماطل. ثالثاً: لم يكن الجهاز العسكري في المعارضة السودانية - باستثناء جناح جون قرنق - قوياً بذاته وإنما بمشاركة الجيش الإرتيري؛ في حين أن الجهة المقاتلة في المعارضة الإرتيرية وهي حركة الجهاد الإسلامي الإرتيري بقيادة أبي سهيل شبَّت عن الطوْق، وأعيت النظام وأعجزته عن القضاء عليها بالرغم من خوضه ضدها عدة معارك ضارية وعنيفة. ولا جدال أن السودان له كامل الحق في أن يرتب أموره الأمنية على النحو الذي يحفظ به كيانه القائم من الانقسام، ويعيد إليه استقراره الأمني والسياسي؛ ولكن لا بد أن يعي أن هرولة (إسياسي) نحوه إنما جاءت لحاجة في نفسه أمْلتها أزمته الحادة مع حلفاء البارحة، وأنه قد يعود إلى غيه، وغدره إذا ما سنحت له سانحة، ولدى السودان تجربة ذاخرة وعامرة بكثير من العبر والفوائد في التعامل معه أحسبها كافية في أن تجعل حكومة السودان تفكر بعمق وروية قبل الإقدام على اتخاذ أي خطوة عملية بشأن المعارضة الإرتيرية، وإلا فستفقدها ساعة الحاجة إليها، ولا أظن أن يغيب عن السودان مهمته في حماية بوابته الشرقية.

стр. 3327

المسلمون والعالم العلو الكبير (٢-٢) أمريكا ... عالم جديد، لعلو جديد عبد العزيز كامل لليهود في هذا العصر هدفان كبيران كانا حلمين قديمين، وهما كما يبدو والله أعلم قَدَرَانِ مكتوبان على الأمة الغضبية حتى تستكمل معالم العلو الكبير، وربما الأخير. فبعد الإفسادين الكبيرين المذكورين في أول سورة الإسراء [١] ، وبعد أن قال الله تعالى لهم: [وإن عدتم عدنا] [الإسراء: ٨] أي لو عدتم إلى الإفساد عدنا عليكم بالعقوبة [٢] ، عاد اليهود إلى الإفساد، فعاد الله عليهم بالعقوبة: مرة على يد الفرس، ومرة على يد المسلمين في المدينة، ومرة على يد الألمان في العصر الحديث، وها هم يعودون لعلو آخر كبير كبير، وإفساد في الأرض عريض خطير يتجلى في الهدفين الكبيرين اللذيْن يسير اليهود نحوهما سيراً حثيثاً، وهما: أولاً: السيطرة على الأرض المقدسة، ومن ثم على ما حولها. ثانياً: السيطرة على العالم كله بعد ذلك، وتسييره بعد تسخيره لصالحهم عن طريق السيطرة على أكبر قوة عالمية فيه. وقد قام النصارى الإنجليز بدورهم الشرِّير لتحقيق الهدف اليهودي الأول بمنتهى الدقة والإخلاص؛ فهم أول من زرع نبتهم، وروى شجرتهم، ورعى ثمرتهم، ثم ترك الإنجليز للأمريكان إكمال الأشواط الباقية في مسيرة الطغيان اليهودي في أراضي المسلمين. ومن العجب أن يكون للإنجليز أيضاً (فخر) القيام بالدور الأساس للبدء في تحقيق الهدف الثاني لليهود وهو السيطرة على العالم؛ فكيف كان ذلك؟ إن طلائع المهاجرين الإنجليز إلى القارة الأمريكية بعد اكتشافها؛ قد اصطحبوا معهم إبَّان هجرتهم أفواجاً من اليهود للاستيطان في تلك الأرض الجديدة (أمريكا) ، وهم قد اصطحبوا قبل ذلك موروثاتهم الدينية وترهاتهم العقدية التي تمجد (الشعب المختار) وتضفي عليه هالة من التقديس الغامض، انطلاقاً من التغيرات التي أصابت النصرانية على يد (البروتستانت) الذين ينتمي إليهم الإنجليز. ربما لم تكن النظرة المستقبلية لما يمكن أن يحدث مع اليهود في أمريكا تدور بخلد أحد من قدامى المهاجرين إلى تلك القارة، ولكن ما حدث ولا يزال يحدث يبرز حقيقة مفادها: أن اليهود ساروا أو سُيِّروا في طريق جديد من العلو في الأرض ممتطين فيه ظهور (الجويم) أو (الأمميين) أو الكفار، كما يحلو لهم أن يرددوا. إنه لأمرٌ لافت جداً أن نرى العلو اليهودي يتكرر في التاريخ مرة أخرى وبشكل ربما يفوق كثيراً ما كانوا عليه في مرات علوهم السابقة؛ لكونه عالمياً هذه المرة وذلك بعد أن مُدَّ لهم من قارة (العالم الجديد) حبل جديد، يتمادى غِلَظاً، كي يتسلقوا عليه إلى قمة العلو بالباطل والغلو في الإفساد. إسرائيلان ... لا إسرائيل واحدة! أطلق المهاجرون الأوائل من اليهود على القارة الأمريكية (صهيون الجديدة) ، وأخلد أكثرهم إلى اتخاذها وطناً دنيوياً ينافس الوطن الديني في الأرض المقدسة التي لم يكونوا قد عادوا إليها بعد. وظل الوطنان يتنافسان فيما بعد على جذب اليهود للهجرة حتى أصبحا أكبر موضعين في العالم يضمان يهود. لقد كان التناقض يبدو صارخاً عندما نسمع عن عدم رغبة اليهود الأمريكيين في الهجرة إلى الأرض المقدسة كغيرهم، حتى بعد أن أقيمت فيها دولة لهم بعد غياب أكثر من ألفي عام، ولكن هذا العجب يزول والتناقض يرتفع عندما نعلم أن من ضمن عقائد اليهود عقيدة تبشر بالسيطرة اليهودية على العالم كله بعد استكمال السيطرة على الأرض المقدسة في آخر الزمان. جاء في التوراة التي في أيديهم عمَّا يعتقدون أنه ملك آخر الزمان: (يولد لنا ولد، ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفيه ويدعى اسمه عجيباً، مشيراً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام لنمو رياسته، وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد) [٣] ويذكرون في رؤى دانيال في حكايته عن هذا الملك: (كنت أرى في الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى، وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض) [٤] . إذن، لا بد من تقسيم اليهود للقيام بالمهمتين: مهمة السيطرة الدينية على (أرض الميعاد) ، ومهمة السيطرة الدنيوية على شعوب العالم. وقد علم الجميع كيف قام اليهود بمؤازرة من النصارى بالسيطرة على الأرض المقدسة؛ فهل ينتبه الناس إلى سعيهم الآن للسيطرة على العالم عن طريق السيطرة على أعظم قوة فيه؟ ! بعبارة أخرى: إذا كانت أمريكا تقود العالم، واليهود يتحكمون أو يكادون في قيادة أمريكا فهل نحن بعيدون عن عصر العلو الكبير؟ ! لندع الحقائق تتحدث: نقض المنطق! مجموع اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية حسب إحصاءات ١٩٩٢م يبلغ خمسة ملايين ونصف، ويمثلون بالنسبة لمجموع السكان ٢. ٤% فقط من إجمالي عدد الشعب الأمريكي البالغ (٢٥٧.٥٩٥.٠٠٠) نسمة. ويفترض أن هذه الأقلية؛ ... يصعب عليها أن تلفت نظراً، فضلاً عن أن تثبت وجوداً، ولكن الواقع أن هذه الأقلية التي تمثل مع بقية اليهود ثمانية أجزاء من العشر في المئة تتجه بسرعة نحو السيطرة على الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم تهدف للسيطرة على العالم. وسنحاول إيراد إشارات بارزة وخطوط عريضة توضح كيف أن كل خيط من خيوط التآمر اليهودي يستحيل في أمريكا حبلاً مشدوداً، سرعان ما يتلوى نافثاً سموم الأفاعي وجراثيم الخراب. ١ - المجال السياسي: لم يعد الدور الذي تقوم به المنظمات اليهودية في التغلغل في الأوساط السياسية الأمريكية خافياً على أحد؛ فاليهود يتبرعون عادة بأكثر من نصف الهبات التي تدخل صناديق الحملات الانتخابية، وخاصة للحزب الديمقراطي الذي وجدوا فيه بوابة ولوج لخدمة المصالح اليهودية، فألقوا بثقلهم خلفه وأعطوه تأييد أكثر من ٩٠% من مجموع اليهود الأمريكيين. أما الحزب الجمهوري فقد أصعد اليهود وأنصارهم من النصارى الصهيونيين عدداً من مرشحيه إلى سدة الحكم وعضوية الكونجرس. وهم يركزون على الكونجرس باعتباره المفتاح المتحكم في المخصصات المالية الخارجية ومبيعات الأسلحة لمختلف دول العالم؛ فعن طريقه يستطيع اليهود التحكم في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية. وليس كل أعضاء الكونجرس من اليهود بداهة، ولكن جُل أعضائه صهاينة، وإن كانوا نصارى ومع هذا، فإن ... ١٠ % من أعضاء الكونجرس يهودٌ خلَّص، و ٨% من أعضاء مجلس النواب من اليهود، ولو قارنا هذه النسبة بنسبة إجمالي عدد اليهود الأمريكيين إلى ... إجمالي الشعب الأمريكي وهي (٢.٤%) لأدركنا أن اليهود يتصدون للخطاب نيابةً عن شطر كبير من الشعب الأمريكي؛ وبالذات الأغلبية الصامتة، خاصة أن في الولايات المتحدة ٣٨ منظمة يهودية تضم تحت عضويتها نحو ٤.٥ مليون يهودي أمريكي (أي ما يوازي عدد اليهود في الأرض المحتلة) . هذه المنظمات النشطة قد جرى توحيدها تحت مظلة واحدة عام ١٩٥٤م تحت مسمى: (اللجنة الصهيونية الأمريكية العامة) ثم غُيِّر اسمها إلى (اللجنة الإسرائيلية العامة) ، وهي المعروفة اختصاراً باسم: (آيباك) وكان الهدف من توحيد تلك المنظمات ممارسة الضغوط على الكونجرس لحمله على إصدار التشريعات والقرارات الضامنة لمصالح اليهود داخل الولايات المتحدة وخارجها. ومن أبرز الشواهد وأحدثها على تحكم اليهود في قرارات الكونجرس الأمريكي فيما يتعلق بالسياسات الأمريكية ذلك القرار الذي أصدره الكونجرس في (٢٤-١٠-١٩٩٥م) بإلزام الرئيس الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية في (إسرائيل) من تل أبيب إلى القدس، وهو القرار الذي صدر بأغلبية ٤٠٦ صوت مقابل ١٧ صوتاً، وأيضاً امتناع الكونجرس مؤخراً عن الموافقة على معاهدة الحد من أسلحة الدمار الشامل. ولمنظمة (آيباك) دورها البارز في الانتخابات الأمريكية، فهي وإن كانت غير مؤهلة قانونياً لتقديم المساعدات المالية المباشرة للحملات الانتخابية إلا أنها تتحايل على ذلك بتنسيق عملها مع ما يزيد عن ٨٠ لجنة نشاط سياسي منتشرة في أنحاء الولايات المتحدة؛ وتعمل كلها على حشتد التأييد لكل توجه يناصر اليهود، وبهذا أصبحت (آيباك) أقوى لجنة سياسية في الولايات المتحدة؛ لأنها تقوم بتنظيم عدة لجان سياسية مستقلة تابعة لها سراً. وتزودها بالتبرعات التي تُمرر إلى حملات المرشحين الأكثر استعداداً لخدمة مصالح اليهود، وبهذا نفهم كيف أصبحت الغالبية الساحقة من أعضاء الكونجرس الأمريكي من المؤيدين علناً لـ (إسرائيل) ولو كانوا من غير اليهود. وقد بلغ التغلغل اليهودي في السياسة الأمريكية مداه في عهد الرئيس الحالي بيل كلينتون؛ فقد أحاط نفسه في الفترتين الرئاسيتين بجَوْقَة من اليهود في أدق المناصب وأخطر الوزارات؛ فوجوه اليهود الكالحة تطل من شرفات المكاتب الوزارية والإدارية في البيت الأبيض: ففي الخارجية (مادلين أولبرايت) وفي الدفاع (وليام كوهين) ومستشار الأمن القومي (صمويل برجر) ووزير الزراعة (دان جليكمان) والخزانة (روبرت روين) ورئيس وكالة الاستخبارات المركزية (جورج تنيت) بالإضافة إلى العديد من المستشارين والمساعدين ورؤساء المجالس ومدراء المكاتب في أنحاء الهيكل التنظيمي الحكومي. على أننا نشير إلى أن من يدعون أنفسهم: (الصهيونيين المسيحيين) يكملون النقص الذي لم يسده اليهود الخٌلَّص، بل إن بعضهم أشد صهيونيةً من اليهود أنفسهم. وفيما يتعلق بالشرق الأوسط بالذات تكوَّن في عهد كلينتون فريق عمل من الصهيونيين وعلى رأسهم (مارتن إنديك) الصهيوني الشهير الذي يشغل منصب نائب وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهو صاحب سياسة الاحتواء المزدوج، ولا يفوقه في الخبث إلا (دنيس روس) منسق عملية السلام في الشرق الأوسط. أما في المجال العسكري والأمني، فمن الحقائق المعلنة أن صهاينة أمريكا الحكوميين يقدمون لصهاينة (إسرائيل) سنوياً ثلاثة مليارات من الدولارات التي يدفعها المواطن الأمريكي ضرائب، (١.٨) منهتا مساعدات عسكرية، و (١.٢) مساعدات اقتصادية، ولولا هيمنة (الأسياد) اليهود على صناعة القرار في أمريكا لما سمح المواطن العادي في أمريكا زعيمة (العالم الحر) بأن يُستعبد شعبها، ويدفع هذه المبالغ الباهظة كل عام من جيبه الخاص، ليست معونات إنسانية لشعب فقير، ولكنها إتاوات جبرية لمستكبر حقير يريد أن يجتاح بالسلاح حقائق التاريخ والجغرافيا في أراضٍ مغتصبة. لم تكتف الولايات المتحدة بالتبرع بتسليح دولة اليهود منذ قامت وإلى الآن بكل أنواع الأسلحة الحديثة، ولكنها أيضاً تعوضها عما تخسره أولاً بأول؛ وذلك ما حدث في حرب عام ١٩٧٣م عندما أقامت جسراً جوياً إلى (إسرائيل) نُقل خلاله ٢٢ ألف طن من العتاد العسكري لتعويضها عما خسرته من الأيام الأولى من تلك الحرب. وقد أقامت أمريكا مع (إسرائيل) علاقة خاصة لم تقمها مع غيرها من الدول، وذلك منذ عهد الرئيس الأسبق (لندون جونسون) في الستينيات الميلادية التي شهدت بداية الانحياز المطلق لليهود، بدءاً من حرب ١٩٦٧م. وقفزت تلك العلاقة قفزة أكبر في عهد الرئيس (رونالد ريجان) الذي وقَّع مع دولة اليهود في سنة ١٩٨١م ما عرف بـ (اتفاقية التعاون الاستراتيجي) التي تحولت عام ١٩٨٣م من اتفاقية (تعاون) إلى اتفاقية (دفاع) استراتيجي، وهي التي تم بموجبها التعهد بشراء ما قيمته ٢٠٠ مليون دولار سنوياً من السلاح الإسرائيلي، وقد تحولت اتفاقية (الدفاع) في عهد كلينتون إلى اتفاقية (تحالف) استراتيجي عسكري وأمني جعلت (الصهيوني الأخير) [٥] يقول بعدها: (سوف نساعد الإسرائيليين في صياغة المعاهدات الأمنية المشتركة التي ستضع أمن (إسرائيل) مع أمن الولايات المتحدة سواءاً بسواء. وقد كان كلينتون أول رئيس أمريكي يحضر بنفسه اجتماعاً وزارياً في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وذلك في عهد بيريز. أما في مجال التعاون النووي: فمن الحقائق المعروفة أن الفرنسيين هم أول من ساعد اليهود على امتتلاك أول مفاعل نووي بتصنيع فرنسي، ولكن ما يخفى على كثير من الناس أن أمريكا هي التي وفرت لهذا المفاعل مادة نشاطه وبرامج نظامه وخبرات تشغيله وتقنياته، فإذا كانت فرنسا قد صنعت لهم (المخبز) فإن أمريكا زودتهم بالطحين والوقود ... والخبازين أيضاً، وكان أول من كشف هذه التفاصيل الصحفي الأمريكي (ستيفن جرين) في كتابه: (علاقات أمريكا السرية مع إسرائيل) حيث كشف الحقائق المتعلقة بتسريب الأسرار النووية (لإسرائيل) وتزويدها باليورانيوم المخصب والمعلومات التقنية، وكشف أيضاً عن تغاضي الأمريكان الرسمي في عهد (جونسون) عن سرقة الإسرائيليين لكميات من اليورانيوم عالي التخصيب من شركة المعدات والمواد النووية الأمريكية ما بين سنوات ١٩٦٢م، ١٩٦٥م. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت رقابة على مفاعل (ديمونا) الإسرائيلي لضبط النشاط النووي ل (إسرائيل) والحد من جموحه، إلا أن هذه الرقابة أُوقفت منذ عام ١٩٦٩م. ومع أن دولة اليهود من الدول القليلة جداً التي لم توقع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، إلا أن مجلتس الأمن القومي الأمريكي في عهد نيكسون أوصى بعدم ممارسة الضغوط عليها لكي توقع على هذه المعاهدة! وقد أظهرت اعترافات الفني النووي الإسرائيلي (مردخاي فعنونو) إضافة إلى العديد من الأبحاث والكتب الصادرة بعد تلك الاعترافات أن (إسرائيل) تمتلك ما بين ٢٠٠ إلى ٣٠٠ قنبلة نووية، وهذا بلا شك لم يكن ليتم دون علم الأمريكان وتأييدهم، وهو ما يدل صراحة على أن يهود (أمريكا) يقولون بلسان الحال ليهود (إسرائيل) : عليكم بالعرب، وعلينا بالغرب! وقد صدر في عام ١٩٩٠م كتاب يتحدث عن فضيحة تستُّر أمريكا على الأنشطة النووية الإسرائيلية بعنوان: (المحاكمة والخطأ) وصدر بعده كتاب: (الخيار شمشون) من تأليف (سيمور هيرش) ليكشف الدور الأمريكي في التواطؤ مع (إسرائيل) في المجال النووي خلال العهود المتوالية للرؤساء الأمريكيين، وكشف بالإضافة إلى ذلك دور الإدارات الأمريكية المختلفة في منع أو عرقلة أي مشروع عربي لتملك السلاح النووي، بل ومساعدة الأمريكان لـ (إسرائيل) في ضرب المفاعل النووي العراقي عام ١٩٨١م، عن طريق تزويدها بصور سرية التقطتها الأقمار الصناعية الأمريكية. وقد أرغم الأمريكيون بضغوطهم الثقيلة على الأمم المتحدة الدول العربية على التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، بعدما حاولت مصر قيادة اتجاه للامتناع عن التوقيع ما لم توقع عليها (إسرائيل) . من الناحية الاقتصادية: لم يعد سراً أن اليهود الأمريكيين يمسكون بكثير من مفاتيح خزائن الاقتصاد الأمريكي، ويكادون يصبغون هذا الاقتصاد بصبغة الجشع اليهودي المالي الاحتكاري. ويلاحظ خبراء في الاقتصاد أن هناك تحولاً حدث في السنوات الأخيرة في الرأسمالية الأمريكية؛ حيث انتقلت من التركيز على الصناعة والإنتاج إلى رأسمالية المضاربات التي يحسن اليهود فنون اللعب والنصب بها في (وول استريت) حيث يتاجرون بالنقد، ويكسبون منه الملايين على حساب عامة الناس. واليهود الأمريكان، بما يملكون من ثروات وبنوك؛ يغترفون ثم يغدقون على إخوانهم الإسرائيليين، بما يجعل من الدولة اليهودية مثالاً شاذاً في الدول [٦] ؛ فهي دولة مهجر للمال والرجال؛ فكما أن شعبها غاصب وافد فاقتصادها مغتصب وافد. إن دولة اليهود تُصنَّف على أنها دولة صناعية، ومع ذلك فإن نسبة الإعانات للمشروعات الصناعية تصل أحياناً إلى ٤٠% من قيمة الناتج الصناعي، ولذلك فإن المستوى المعيشي مرتفع جداً بالنسبة إلى ناتج الادخار القومي الذي تسد المعوناتُ الفجوةَ بينه وبين الاستثمار [٧] . إن مصادر هذه المعونات الاقتصادية لا يمكن حصرها، أو بالأحرى لا يمكن كشف تفاصيلها على حقيقتها خاصة وأنها تتعلق بسر تضخم الكيان اليهودي، وعلوه في هذا العصر، وإذا ضربنتا صفحاً عن المعونات الألمانية والإنجليزية والفرنسية التي ضخت الدم في عروق (إسرائيل) إبَّان نشأتها فإننا لا نستطيع تجاوز التبني الكامل من الولايات المتحدة لها في مرحلة عنفوانها وفتوتها؛ فأمريكا التي منحت دولة اليهود بعد أسابيع من إعلانها قرضاً قيمته ١٠٠ مليون دولار [٨] ، هي التي حولت القروض في السنوات التي تلت ذلك إلى مساعدات، ثم حولت المساعدات بدءاً من الثمانينيات إلى منح لا ترد تصل إلى ثلاثة مليارات من الدولارات سنوياً، وقد أوصلت بعض التقديرات هذه المنح إلى ما بين خمسة ونصف إلى ستة ونصف من المليارات سنوياً، وتقدر المساعدات التي وصلت إلى (إسرائيل) منذ قيامها بنحو ٦٠٠ مليار دولار. ﴿جريدة الحياة: ١٢-١٢-١٩٩٩م﴾ . أما ضمانات القروض التي تطلبها (إسرائيل) فإن الحكومة الأمريكية في حال الموافقة عليها تُلزم نفسها بسدادها نيابة عن (إسرائيل) ، ولهذا فلا عجب أن نرى (شامير) يطالب الرئيس (بوش) في أعقاب حرب الخليتج في انتهازية ظاهرة بضمانات قروض قيمتها عشرة مليارات من الدولارات! وقد حاول بوش أن يظهر تصلباً واستقلالاً في القرار فرفض هذا المطلب، أو طلب تأجيله، فكان مصيره أن خرج من أقرب بوابات البيت الأبيض. والذي أريد قوله هنا: إن أموال اليهود التي تحولها المنظمات اليهودية الأمريكية [٩] ليست هي وحدها التي تخدم مصالح اليهود في (إسرائيل) ؛ ولكن اقتصاد الدولة الأمريكية نفسه يسخَّر لخدمة هذه المصالح ويوضع رهن إشاراتها. إنه (حبل) من ذهب يمد شعب السُحت والبُهت بأسباب البقاء. من الناحية الإعلامية والثقافية: الإعلام الأمريكي يكاد يسيطر على الإعلام الدولي، واليهود يسيطرون على الإعلام الأمريكي، فبأي حال تجري صناعة الرأي الأعمى العالمي؟ ! وإذا كان الإعلام الإلكتروني قد زحزح الإعلام المقروء عن مكان الصدارة فإن الاهتمام قد توجه إلى الشبكات التلفزيونية التي تقرن الصورة بالصوت، والحدث باللحظة، وتربط اللحظة بالرأي والتحليل، وتربط ذلك كله بالقناعات المملاة والآراء الموجَّهة. إن هناك خمس شبكات تلفزيونية كبرى في الولايات المتحدة تبث ما نسبته ٩٥% من مجموع الأخبار المحلية والدولية، وهذه الشبكات الخمس مملوكة ليهود، أو خاضعة لإداريين يهود، فشبكة (ABS) يملكها (مايكل ايزنار) وهو يهودي، وشبكة (NBC) يرأس قطاع الأخبار فيها (أندورلاك) وهو يهودي، وشبكة (CBS) يرأسها (إيرواير) وهو يهودي، وشبكة (فوكس) وهي أحدث الشبكات الكبرى في أمريكا يملكها الإعلامي اليهودي العالمي (ميردوخ) . وغير خافٍ أن بضاعة السينما في هوليود من صناعة اليهود، وتظهر بعض الإحصاءات أن نسبة الكتاب والمنتجين والمخرجين السينمائيين اليهود تعدت الخمسين بالمائة من مجموع العاملين في هذا المجال، هذا فضلاً عن (نجوم) الفن والتمثيل والغناء والثراء والبغاء الذين يملؤون أثير الفضاء بظلمات بعضها فوق بعض، والعجب يزيد عندما نعلم أن ثمانية من ضمن عشر دور سينما كبرى في الولايات المتحدة يديرها يهود، وأن أكبر خمس شركات إنتاج سينمائي هناك يقوم على إدارتها يهود. ومن المعلوم أن ما يسمى بـ (صناعة السينما) هو في الحقيقة تصنيع للأذواق والآراء والتقاليد بمواصفات يهودية، همها السعي لإفساد إنسانية الإنسان حتى يصير حيواناً ذلولاً خاضعاً للراكبين. أما في مجال الإعلام المقروء فيكفي أن نعلم أن هناك أكثر من ١٥٠٠ صحيفة يومية تطبع أكثر من ٥٥ مليون نسخة يومياً، ومن ضمن هذا العدد يستقل اليهود بملكية أو إدارة ١١٠٠ منها، أما المؤسسات الصحفية الكبرى ذات الصبغة العالمية فإن الثلاثة الكبرى منها يملكها يهود، وهي صحيفة (نيويورك تايمز) التي يتولى رئاستها (آرثر أوكس) اليهودي، ويشغل منصب المدير العام (فاكس فرانك) وهو يهودي، أما مدير التحرير، فهو (جوزيف ليفليد) اليهودي، وصحيفة (الواشنطن بوست) وهي الجريدة السياسية الأولى في أمريكا تملك (كاترين مائير) اليهودية أكبر حصة فيها، ويشغل ابنها (دونالد مائير) منصب الرئيس العام لها، أما الصحيفة الثالثة فهي (دول ستريت جورنال) وهي صحيفة المال والأعمال فتملكها شركة (داجونز) التي يرأسها (بيتركان) اليهودي، وبالنظر إلى المجلات الأمريكية الكبرى فإن أوسعها شهرة مجلة (تايم) و (نيوزويك) و (يو إس نيوز) ولليهود صلة قوية بخيوط ملكيتها وإدارتها جميعاً، علماً بأنها كلها توزع دورياً (٨.٧) مليون نسخة. وأخيراً: نذكِّر بأن يهود الولايات المتحدة الأمريكية يمثلون ما يقرب من ٤٤ % من يهود العالم، وهي نسبة أعلى من نسبة اليهود في (إسرائيل) الذين يمثلون ٣٤% من مجموع يهود العالم، ومع هذا ينظر إلى يهود أمريكا على أنهم يهود (سوبر) بالنسبة ليهود (إسرائيل) ، ولا عجب فمهمة اليهود الأمريكيين أوسع وأخطر من مهمة اليهود الإسرائيليين؛ لأن ساحة الإسرائيليين هي عالم العرب، وساحة الأمريكيين عالم الغرب، بل العالم أجمع. وهذا لا يمنع من تعاونهما معاً لإفساد الأرض كلها، كما قال سبحانه: [ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين] [المائدة: ٦٤] . اللهم! إنهم قد عادوا للإفساد كما أخبرت، وعلوا علواً كبيراً كما ذكرت، فعد عليهم بالعقوبة كما توعدت، وانصر المسلمين عليهم كما وعدت، وسلِّط عليهم عباداً لك أولي بأس شديد يجوسون خلال الديار، ويمسحون عنا الذل والعار آمين.

стр. 3328

المسلمون والعالم حزب الله.. رؤية مغايرة! ! (٤) فدائيون أم.. عملاء؟ عبد المنعم شفيق في الوقت الذي كانت إحدى مجلات اليسار الثوري المتطرف تتوب فيه من اليسار، والثورة، والتطرف، أوردت مقالاً بعنوان: (حزب الله.. فدائيون أم عملاء؟) ووصلت كاتبة المقال في نهايته إلى الافتراض السلبي أي: إنهم عملاء، وذلك في وقتٍ لم تمنع أُخُوة المذهب أحد الكتّاب أن يطلق على (حزب الله) ... لقب: (خدم الأسياد) ، وتلطف كاتب بريطاني وأطلق عليه: (الوكلاء) ، بل ... ... إن أمينه العام اعتبر الحزب.. (ورقة وأداة) . في جميع الأوصاف السابقة إشارات واضحة باتهامات وإدانات لحزب الله، وهنا لن نتبنى وصفاً معيناً مما سبق، وإن صدَّرنا واحداً منه ولكن سنعرض تفاصيل الاتهامات وما يتعلق بها، ثم نترك القارئ يجيب عن السؤال الذي تقدَّم في صدر المقال. هل كان الإحسان خالصاً؟ (إننا يمكن أن نأتي بالتغيير في لبنان بتعليم الشعب وتنويره داخل المؤسسات الاجتماعية) . (إن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ، إنهم ينفذون أوامرنا لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس في تحقيق مطالبهم) [١] . بهذه الكلمات الموجزة يُبين محمد حسين فضل الله الزعيم الروحي لحزب الله إحدى الوسائل الهامة التي يسعون من خلالها إلى تحويل لبنان إلى دولة شيعية، أو على الأقل مجتمع شيعي؛ فلم تقتصر وسائل التغيير لدى (حزب الله) على نمط واحد، بل تعددت وتشعبت في أركان لبنان، وكل وسيلة تغرس غرساً وتجني ثمراً. وكان للخدمات الاجتماعية التي يقدمها (حزب الله) دور كبير في ترسيخ القناعة بأحقيته بأن يكون صوت العشيرة وراعيها الساهر على راحتها، الساعي إلى قضاء حوائجها في وقت تقطعت فيه أوصال المجتمع اللبناني، وانهارت مؤسساته بعدما حل بالبلد ما حل. وفي الوقت الذي سعى فيه (حزب الله) لأن يكون رأس الحربة في الساحة اللبنانية، وفي مقدمة الطائفة الشيعية كان لا بد من النظر إلى عامة الشيعة نظرة تشعرهم بالاهتمام بهم، والسعي لرفع الفقر والحاجة التي طالما عانوا منها، فكان للحزب سعيان: سعي بالسلاح، وسعي بالإحسان؛ فالمبادئ والمثل والحقائق تبقى عند كثير من الناس بلا تأثير إن لم يروا لها واقعاً حياً يتحرك بها بينهم. ولم يكن هذا الإحسان خالصاً كله؛ فقد كان يرمي فيما يرمي إلى خلق جبهة خلفية تتبنى الدفاع الأدبي والمعنوي عن الحزب، كما أنها تمثل المدد البشري الذي يدين بالولاء والطاعة؛ فليس جزاء الإحسان إلا الإحسان! ! هدف الخدمات الاجتماعية ودورها: تنهض هذه المنظمات الاجتماعية بالصلة بعامة الشيعة، والمقصد منها: إنشاء دوائر أوسع من التأييد، وكلها تفترض علاقة وثيقة ومتينة لسياسة الحركة وعملها. إن الهيئات المختلفة تعمل على الإحاطة بكل وجوه الحياة الاجتماعية لإنشاء مجتمع نقيض للمجتمع العام والظاهر؛ فينبغي لجمهور الحركة الشيعية وأنصارها أن يظلوا من المهد إلى اللحد، هم وأهلهم والصغار منهم والكبار من غير الخروج عن مرافق (ذلك المجتمع) مهما كانت الذريعة [٢] . مؤسسة (الشهيد) : وكان من أبرز المؤسسات الشيعية التي قامت بأدوار اجتماعية بارزة: ... (مؤسسة الشهيد) . وهي تضطلع برعاية (عوائل الشهداء) التي لا تقتصر على المواساة والعاطفة الصادقة؛ بل تتعداها إلى القيام بعبء مالي كبير، بعضه عيني يتمثل في تعويض ثابت ودوري، وبعضه الآخر خدمات مدرسية وصحية وتربوية ودينية [٣] . والمؤسسة مسؤولة عن عوائل من يسقطون في المعارك والأسرى خدمةً ورعايةً، بما في ذلك القتلى المدنيون من غير المقاومين، والمؤسسة منتشرة في معظم المناطق اللبنانية وتتولى فيما تتولى: الاهتمام بتعليم أبناء الذين قضوا نحبهم. وتصل الكلفة الإجمالية للفرد حوالي ٢٥٠٠ دولار شهرياً [٤] . المؤسسات الصحية: افتتحت (الهيئة الصحية) في مطلع ١٩٨٧م وبتمويل من (مؤسسة الشهيد) صيدلية في حي السُّلَّم أسمتها: (صيدلية الشهيد الشيخ راغب حرب) تضطلع بمد يد العون إلى المستضعفين كافة، وتبيع الدواء بأسعار معتدلة ومدروسة، ولا شك أن الإقدام على مثل هذه الخطوة يخرج الجناح الشيعي الخميني من إطار جمهوره السياسي والحزبي إلى دائرة أصحاب الحاجات اليومية والعامة، وهم عامة الناس في الأحياء والشوارع التي يقطنها الشيعة بشكل كثيف [٥] . ومن المهمات التي تقوم بها الهيئة الصحية: الرعاية الصحية الأولية، مثل: الإرشاد، والوقاية، وإقامة دورات في المناطق النائية، وتنظيم محاضرات، كما تقوم بإجراء حملات التلقيح ضد الشلل، وقد استفاد منها عام ١٩٩٨م حوالي٥٠ ألف شخص، وتملك الهيئة: ٢١ مستوصفاً و ٩ مراكز صحية كبيرة و ١٣ عيادة تجول في ٤٥ قرية في البقاع و ٢٥ قرية في الجنوب، وقد خرجت ٣٦٠ متطوعة عام ١٩٩٨م و ١١٩ مسعفاً انضموا إلى جهاز واسع لـ (الدفاع المدني) يبلغ عدد أعضائه الآلاف، كما يوجد مستشفى الجنوب في النبطية التابع للهيئة، وكذلك مستشفى دارة الحكمة في البقاع، وقد استقبلا ما يزيد عن مئتي ألف مريض خلال عام ١٩٩٨م. وتقدم الهيئة تسهيلات صحية للمواطنين. وقد استفاد ٢٢٢ ألف لبناني من ذلك بمبالغ فاقت المليون دولار: ما بين دواء مجاني، أو دخول للمستشفى لعمليات جراحية، وغيرها من الخدمات الصحية. مؤسسة الجرحى: تقدم المؤسسة العناية الكاملة لجرحى المقاومة، والجرحى المدنيين بشكل (شبه كامل) أما بالنسبة لجرحى المقاومة فالعناية شاملة من لحظة دخول المستشفى حتى لحظة الخروج، والمسؤولية عن المعاقين تشتمل على: مخصص شهري، سكن، صحة، تربية، تكاليف العائلة.. إلخ. كما تعمل المؤسسة على إيواء الجرحى، ورعايتهم ضمن العائلة والمجتمع. مؤسسة جهاد البناء: جمعية (مؤسسة جهاد البناء الإنمائية) تأسست في لبنان سنة ١٩٨٨، شعارها: (إسرائيل تقصف يومياً ونحن نرمم يومياً) وقد اقتصر عملها بعد التأسيس في ظل غياب الدور الخدمي للدولة على رفع النفايات وتأمين المياه والكهرباء، وما شابه ذلك من قضايا تهم اللبنانيين في حياتهم اليومية وتفاصيلها. ... (جهاد البناء) وجدت نفسها مدعوة إلى (ردم الهوة التي تريد إسرائيل إيجادها بين المقاومة والناس) . و (ردم الهوة) بات يعني تحديداً: القيام بأعمال الترميم بعد الاعتداءات. ويُقَدر عدد المنازل والوحدات السكنية المتضررة في كل من عدواني يوليو ١٩٩٣م وإبريل ١٩٩٦م بخمسة آلاف منزل، وأمكن في المرتين إتمام الترميم خلال ٣ إلى ٤ أشهر، ثم إعادة البناء تماماً لكل ما تهدم، كما أن المؤسسة عاملة على بناء مدارس ومستشفيات ومستوصفات وملاجئ، وعلى القيام بتمديدات كهربائية بعد القصف وعلى حفر آبار ارتوازية، ويزداد يوماً بعد يوم، وللمؤسسة دورها في التنمية الزراعية؛ فهي تقوم بإرشاد زراعي وبتسليفات وتضع صيدلياتها وتعاونياتها في الجنوب والبقاع في خدمة المزارعين [٦] . وقد قامت المؤسسة حتى أوائل تموز عام ١٩٩٤م، بإنشاء تسع وعشرين مدرسة أو تأهيلها، وترميم نحو خمسة آلاف وثلاثمائة منزل، كما تم رفع خمسة عشر مسجداً وأُهِّل ثلاثة وخمسون، وشُيد سبعة عشر نادياً حسينياً (حسينية) [٧] . وكان الشيخ نبيل قاووق، رئيس شورى الجنوب، نوه في أواخر أيلول عام ١٩٩٣م، أي بعد عملية (تقديم الحساب) بنحو شهرين، بترميم (جهاد البناء) ١٧٥٠ منزلاً في إحدى وثلاثين قرية جنوبية، وأسهم في إنجاز ذلك خمسة آلاف ومئة إداري ومهندس وعامل [٨] . المدرسة: يقول نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله إن لدى الحزب ٥٠ مدرسة موزعة على مناطق لبنان [٩] . ونأخذ من هذه المدارس نموذجاً لنرى ما الذي يُقدَّم من خلالها، وهي مدرسة (شاهد) : المدرسة من حيث المبدأ هي لأبناء القتلى والأسرى، والمبدأ المتبع فيها كما في مؤسسة الشهيد هو عدم عزل هؤلاء عن الآخرين؛ فعددهم في (شاهد) هو ١٨٠ من أصل ٦٧٥ طفل موزعين على الصفوف حتى الرابع الابتدائي [١٠] . وهكذا نرى أن الخدمات الاجتماعية كانت شاملة لجميع الاحتياجات الاجتماعية ... ... وهي خدمات لا تستطيع جماعة بمفردها القيام بها؛ إذ إنها مساعدات لا تقدر عليها إلا دول أو جماعات تمدها دول، وقد كان الهدف من تلك الخدمات هو ... (حصار) الناس ضمن إطار مذهبي شيعي لا يشذ عنه أحد، وكما قيل: من المهد إلى اللحد. من أين لك هذا؟ سؤال يرد بلا شك على ذهن أي مطَّلع على حجم هذه الخدمات التي تُقدم، وسنورد حجم المبالغ التي تُنفق على (حزب الله) لينفقها بدوره على مشاريعه وأهدافه، وسنرى كيف أن المورد الذي اعتمد عليه (حزب الله) كان سخياً؛ فهل كان وراء هذا الكرم سر؟ بالنظر إلى جانب المدارس الدينية وحجم الإنفاق على الطلبة والمدرسين فيها، سنجد أن راتب الطالب العازب المقيم في المدرسة نفسها ألف وخمسمائة ليرة لبنانية (في صيف ١٩٨٦م) [١١] ، أما راتب المتزوج فيبلغ ألفين وخمسمائة ليرة، ارتفع الراتب الأول إلى نحو مئتي دولار (في العام ١٩٩٥م) ، والثاني إلى نحو ثلاثمائة. أما المدرس فيُجرى عليه بقدر حاجته وأعبائه، ويرجح أن ما يتقاضاه المدرس لا يقل عن خمسة آلاف ليرة نقداً (١٩٨٦م) ، وصار متوسط راتب المدرس نحو خمسمائة إلى ستمائة دولار [١٢] . وليس لدينا إحصاء لعدد المدرسين أو الطلبة. فإذا نظرنا إلى جانب آخر من المصروفات كتكلفة الجهاز العسكري المحترف، والرواتب العديدة، وتكلفة الجهازين السياسي والأمني، وجهاز الإعلام، فسوف يترجح تقدير الميزانية. بين العشرين مليون دولار والمئة والستين مليون دولار [١٣] . ويقدر زين حمود دخل (حزب الله) المالي النقدي من إيران بثلاثة ملايين دولار ونصف المليون في الشهر الواحد، وذلك منذ ١٩٩٠م، أما علي نوري زاده فذهب إلى أن دخل الحزب الخميني بلغ عشرين مليون دولار في عام ١٩٩٢م، وخمسين مليون عام ١٩٩١م، وقُدِّر بمئة وعشرين مليوناً في ١٩٩٢م، ومئة وستين في ١٩٩٣م [١٤] . وتشير بعض المصادر إلى ارتفاع ميزانية (حزب الله) في عهد رفسنجاني إلى ٢٨٠ مليون دولار [١٥] . وقد تواتر الخبر واستفاض العلم للقاصي والداني عن هذا الدعم الإيراني غير المحدود لحزب الله [١٦] . ولم تكن إيران وحدها على خط الدعم العام لحزب الله؛ فقد كانت سوريا شريكاً وحليفاً قوياً لإيران، وكان لهذا التحالف أثره على (حزب الله) دعماً ومساندة ... سياسية، واستخداماً بما يتوافق مع أهداف الحليفين. لقد كان لهذا التحالف دور هام في تحديد مسار (حزب الله) ، ولذلك فمن الضروري إلقاء نظرة عليه وقراءة لأوراقه. الحلفاء وقصة التحالف: كانت نظرة الأسد إلى الشيعة أكثر إيجابية وتأييداً، وكان كفاح الشيعة من أجل حصة أكبر في الدولة اللبنانية نسخة من كفاحه هو في سوريا، وفي إحدى المناسبات في أوائل الثمانينيات طلب وفد من زعماء المسلمين السنة في بيروت مساعدة الأسد ضد جموع الفلاحين الشيعة التي تزحف على مدينتهم وتهدد بتغيير طابعها، فلم يظهر الأسد تعاطفاً مع هذا الطلب، وذكَّر زائريه بأنه هو نفسه كان فلاحاً أطاح بسلطة وجهاء المدن [١٧] . وكان حزب البعث مدركاً منذ وصوله إلى السلطة عام ١٩٦٣م للقاعدة الضيقة للنظام؛ فإن علويي سورية (النصيرية) سعوا للوصول إلى توازن قلق بين الحصول على الاعتراف بوضعهم المعلن ذاتياً فرعاً من المذهب الشيعي الإثني عشري وبين الحفاظ على هويتهم. لذا فإن الدور السياسي للعلويين بصفتهم قاعدة للسلطة الحزبية قد ساعد في إبراز مشكلة (إضفاء الشرعية) العلوية، وأضاف بعدا إلى السياسة السورية، ومن هنا كانت أهمية العلاقات مع شيعة لبنان وإيران على التوالي. بالنسبة للشيعة اللبنانيين فإن البحث العلوي عن الشرعية كان يسير في توازٍ مع حاجة الشيعة إلى حليف خارجي يُعتمد عليه، ولقد تعززت هذه العلاقة من وقت لآخر بفعل الروابط الشخصية الحميمة بين قادة الطرفين، كما تمثلت العلاقة بين الرئيس السوري وموسى الصدر في أوائل السبعينيات، ويمكن النظر إلى فتوى الصدر باعتبار العلويين اللبنانيين المحليين شيعة في أيلول ١٩٧٣م على أنها إيماءة شخصية وسياسية على درجة عالية في الوقت ذاته باتجاه القيادة السورية، هذه الإيماءة تناغمت بشكل بارع مع هدف الصدر في الحفاظ على روابط قوية مع سورية بصفتها ثقلاً موازناً قوياً للأطراف الأخرى في المرجل اللبناني، وكانت هامة أيضاً في سياق اهتمام سورية الخاص بالطائفة الشيعية اللبنانية البادئة النمو والتجذر. إن الفحوى السياسية لقضية الشرعية قد لعبت دوراً هاماً في تطور العلاقات السورية الإيرانية، ويمكن في الواقع النظر إليه على أنه المحرك الرئيس لنشوء التحالف بين البلدين. لقد ساعدت هذه الصلة في تأسيس لبنان باعتبارها نقطة تقاطع هامة بين العنصر الاجتماعي الديني للعلاقات الشيعية العلوية والمصالح الإقليمية والاستراتيجية لكل من سورية وإيران [١٨] . وقد قدم موسى الصدر خدمة جليلة للنظام السوري أثناء حربه مع القوات الوطنية المتحالفة عام ١٩٧٦م؛ حيث طالب الشيعة بعدم الانضمام إلى هذه الجبهة، أما حركته حركة أمل فكفت يدها عن النصارى والنصيريين! ! وبذلك فقدت الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينيون أحد الدعائم التي كان من الممكن أن تغير الوضع في لبنان [١٩] . وعلى نهج الصدر سار نبيه بري من بعده في التحالف مع سورية؛ فها هو يقول: إننا اتخذنا خيارنا مع سورية: نعيش معاً أو نموت معاً [٢٠] . إن حركة أمل لم تتسلم شيئاً على الإطلاق من أي إنسان خارج سورية التي حصلنا منها على السلاح، أخذنا أسلحة ودبابات من سورية، وإمداداتي العسكرية كلها من سورية، أنا لا أنكر ذلك [٢١] . وهذا الارتباط السوري مع شيعة لبنان جزء من ارتباط أكبر مع إيران صاحبة اليد العليا التي تنفق وتخطط، ومن المهم استعراض هذا التحالف وأسبابه وأهدافه. بين طهران ودمشق: منذ اللحظة التي تسلم فيها الخميني السلطة في أوائل عام ١٩٧٩م اعتبر الأسد مصادقته شيئاً تقتضيه مصالحه العليا. وبوقوفه إلى جانب دولة خارج الأسرة العربية، ومع حركة إسلامية ثورية تتحدى المؤسسات السنية أظهر الأسد تحرراً غير معهود من التقاليد، وأعاد رسم قواعد نظام القوى في الشرق الأوسط. وكانت هناك أسباب استراتيجية هامه لتحركه. رحب الأسد باستيلاء الخميني على السلطة في طهران ببرقية تهنئة حارة، وبعد ذلك بأسابيع قليلة أرسل له نسخة من القرآن مزخرفة بالذهب والأحرف الساطعة، هدية حملها إلى (قم) وزير إعلامه في ذلك الوقت أحمد إسكندر أحمد، وبعد تقبيل المصحف شكر آية الله سورية على عرضها له بالنزول في ضيافتها في أكتوبر سنة ١٩٧٨م، وقام وزير خارجية الأسد في ذلك الوقت عبد الحليم خدام بزيارة طهران في أغسطس سنة ١٩٧٩م، وأعلن بشيء من المبالغة والغلوّ أن الثورة الإيرانية هي (أعظم حدث في تاريخنا المعاصر) ، وافتخر بأن سورية قد دعمتها (قبل قيامها وأثناء اندلاعها وبعد انتصارها) [٢٢] . بالإضافة إلى ما ذكر من الترابط العقدي بين سورية العلمانية بعدما سيطر حزب البعث على النظام فيها، وبين إيران الثورية الخمينية؛ فإن هناك عوامل أخرى كانت دافعاً لكل طرف لكي يوثق التحالف مع الآخر، وقد تشعبت هذه العوامل وكثرت. بالنسبة للسوريين فقد كان توقيت الثورة الإيرانية أكثر ملاءمة لهم؛ حيث تفاقم إحساس سورية بالعزلة وكونها عرضة للخطر الاستراتيجي بشكل متزايد نتيجة لتخلي مصر عن الصراع ضد (إسرائيل) وتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد في عام ١٩٧٩م، وقد كانت سورية قلقة أيضاً لكون مصر وقد أصبحت في المعسكر (المؤيد للغرب) بثبات سوف تجر في أعقابها أطرافاً عربية أساسية أخرى بما في ذلك الأردن مما يؤدي إلى زيادة عزلتها وإضعاف موقعها إزاء (إسرائيل) . إن الموقف السوري من إيران قد تحول إلى موقف منطقي محسوب يقوم على اعتبارات القوة والتوازن مع النظام المنافس في العراق من ناحية، وبالمفهوم الإقليمي الأوسع من ناحية أخرى. إن دور إيران في تقييد حرية الحركة العراقية كونها ثقلاً موازناً ضد أطراف عربية أخرى، بما في ذلك مصر هذا الدور يمكن أن يكون قد أضاف بعداً إلى الحوافز السورية لإعادة نظرها في موقفها نحو إيران. وتأتي اهتمامات إيران من ناحيتها لتعكس عدداً من العوامل المستقلة والمتداخلة؛ فكانت إيران في حاجة إلى حليف يعتمد عليه أكثر إلحاحاً بشكل كبير بسبب رغبتها في الحفاظ على موطئ قدم هام في المعسكر العربي، وحاجتها لإبقاء الضغط على العراق. إن الحفاظ على علاقات جيدة مع سورية قد منح إيران فائدة أخرى هي تحديداً: الوساطة السورية الممكنة مع عدد من الدول الهامة الأخرى في المنطقة العربية. وعلى الصعيد الدولي كانت روابط سورية الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي قد منحت إيران قناة لا تقدر بثمن إلى القوة العظمى الأخطر على حدود إيران المباشرة؛ فإن إيران كانت مدركة لحاجتها إلى الحفاظ على علاقات الدولة بالدولة مع الاتحاد السوفييتي بشكل نِدِّي لعدد من الأسباب السياسية والاقتصادية والطائفية والاستراتيجية. أدت مساعي سورية الحميدة في بعض الأحيان إلى تسريع الاستجابة السوفييتية للمطالب الإيرانية، كما كان الحال ظاهرياً بالنسبة للشحنات العسكرية السوفييتية العابرة إلى إيران عن طريق سورية. لقد عكس هذا التحالف عدداً من الاعتبتارات، منها: تراخي الضغط على صدام حسين؛ فالدعم السوري لإيران كان يعتمد على الخلاف مع العراق، وزاد من احتمال الانتقام العراقي ضد سورية إذا ما سنحت الفرصة لذلك؛ إذ إن انهيار التحالف مع إيران سيكون له تأثير ضئيل في تهدئة صدام حسين في هذه المرحلة، وقد تكون سورية رأت أن من الأفضل الإبقاء على إيران ثقلاً موازناً للعراق بدلاً من التعويل على الاعتراف العراقي بالجميل مقابل تغير متأخر في العلاقة مع طهران. لقد ساعد الغزو العراقي لإيران في أيلول ١٩٨٠م في تحضير الأساس لتحالف رسمي بين سورية وإيران أثناء المرحلة الأولى من الحرب ما بين ١٩٨٠، ١٩٨٢م. بالنسبة للإيرانيين: قدم السوريون وسيلة غير مباشرة للضغط العسكري على العراق ومصدراً مباشراً للسلاح للقوات المسلحة الإيرانية المنغمسة في الحرب. بعد أحداث مدينة حماة ولاحظ المناسبة سارعت الدولتان باتجاه تحالف رسمي؛ فقد تم توقيع بروتوكول تجاري واقتصادي بعيد المدى بين البلدين من قبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في طهران في مارس ١٩٨٢م. الغزو الإسرائيلي للبنان.. والتحالف: كان لغزو ١٩٨٢م تأثير عميق على وجود إيران في لبنان عن طريق توسيع دورها في الصراع العربي الإسرائيلي؛ فإن الغزو قد وفر الفرصة للمساهمة الإيرانية المباشرة الأولى في المجهود الحربي الداعم للحركة الشيعية في لبنان على شكل وحدة عسكرية صغيرة نسبياً مكونة من ١٥٠٠ عنصر من الباسداران (الحرس الثوري الإيراني) الذي سُمح لهم بالدخول عن طريق سورية إلى البيئة الصديقة في وادي البقاع. وقبل ذلك الوقت كانت الجهود الإيرانية لإقامة وجود عسكري مستقل في لبنان قد صُدَّت من قِبَلِ الأسد نفسه، لكن الموقف السوري بعد الغزو الإسرائيلي ربما أضحى أقل مقاومة لعروض المساعدة الإيرانية من ذي قبل. من وجهة نظر إيران فإن وجودها الجديد في لبنان أنتج نقطة التَّماسِّ المباشر الأول بين النظام الثوري وطائفة شيعية كبرى في العالم العربي، ومنذ ذلك الحين غدت إيران لاعباً قيادياً في شؤون هذه الطائفة التي تمثِّل قاعدة ممكنة لمدّ نفوذها إلى قلب الصراع العربي الإسرائيلي. في ذلك الوقت بدأ تقاطع المصالح والتوجهات بين سورية وإيران بالاتساع؛ ففي حملتها لإخراج الإسرائيليين من لبنان كانت الدوافع المباشرة لسورية دوافع استراتيجية؛ فالوجود العسكري الإسرائيلي في النصف الجنوبي من لبنان وعلى الأخص في وادي البقاع قد وضع العمق السوري تحت تهديد مزدوج؛ فلأول مرة كانت دمشق معرضة لخطر مزدوج محتمل من الجولان والمواقع الإسرائيلية الأمامية في لبنان، إضافة إلى ذلك؛ فقد كان هناك التهديد الجيوسياسي النابع من وجود نظام موالٍ لـ (إسرائيل) وموال للغرب في لبنان. إن القلق السوري حول إمكانية العزلة الإقليمية ومخاطر الصفقات الثنائية العربية الإسرائيلية المستقلة كان آنذاك المحدد الأساس لسياستها الخارجية؛ فوجود لبنان في الفلك الإسرائيلي الأمريكي سوف يزيد من ترجيح كفة التوازن الإقليمي المائل أصلاً بشكل غير مرغوب فيه عن طريق إكمال التهديدات العراقية والإسرائيلية بتطويق محتمل من الغرب. كما أن ارتداد لبنان سوف يضيف ثقله إلى خسارة مصر، ومع الأخذ بعين الاعتبار الموقف المشكوك فيه للأردن، وفي ظل هذه الظروف فإن رغبة سورية في تقوية روابطها مع إيران ليست مفاجئة. استطاعت سورية الاعتماد على إيران لتأمين المساعدة المادية على شكل معونة اقتصادية، وقوة بشرية على شكل جماهير محلية مهيأة، وتحريض يمثل وجهة نظر راديكالية معادية لـ (إسرائيل) وللغرب، ومصدر جديد للضغط والتهديد المحتمل لإلهاء كل خصوم سورية الإقليميين والدوليين تقريباً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة مادية وتاريخية كافية لتفادي أن تصبح قوية أكثر مما يجب أو مستقلة أكثر مما يجب على الحلبة الداخلية لسورية. وبين أغسطس ١٩٨٨، وأغسطس ١٩٩٠م كان هناك عدد من التطورات التي أثرت على العلاقة السورية الإيرانية؛ فمع انتهاء الحرب الإيرانية العراقية بدت قوة العراق بشكل ملحوظ في وجه كل من سورية وإيران؛ فالعراق لم ينجح فقط في فرض نهاية مذلة للحرب، بل كان في موقع جيد جداً لجني أفضل فائدة من التأييد الدولي والعربي الواسع للقيام بدور القوة العربية الكبرى المتربعة على الخليج والمشرق، لذلك فقد قويت دوافع إيران للتمسك بالتحالف مع سورية بفعل تضافر عدة عوامل، والتي منها: ضعفها مقابل القوة العراقية والانتشار العسكري الأمريكي في الخليج والعزلة الإقليمية والدولية. وبالمثل فقد كانت سورية مدفوعة بمصلحتها التقليدية في احتواء العراق والحفاظ على دورها الفريد في لبنان؛ بيد أن عوامل أخرى كانت تفعل فعلها، أولها وأهمها: التغيرات في علاقات الشرق بالغرب، وإبعاد التنافس الأمريكي السوفييتي من المنطقة؛ فقد بدأت علاقات سورية السياسية والاستراتيجية الطويلة الأمد مع الاتحاد السوفييتي بالتآكل مع مجيء الرئيس غورباتشوف في منتصف الثمانينيات والامتناع السوفييتي المتزايد عن إمداد المجهود الحربي لسورية أو تدعيم اقتصادها المتوعك [٢٣] . هذا الحلف الإيراني السوري كان له مركز هام لإظهار نتائجه، فكان لبنان هو مطبخ هذا الحلف الذي تشتم منه رائحة الصفقات والاتفاقيات، وبهذا فقد تم ربط لبنان بهذا الحلف شاء أم أبى. فهذا وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في محادثات مع نظيره السوري فاروق الشرع يقول: إن مصير إيران وسوريا ولبنان في مجال السياسات التي يتخذها البلدان الثلاثة مترابط بعضهم مع بعض [٢٤] . كما كان من الطبيعي أن يكون (حزب الله) ورقة بين أطراف هذا الحلف، أو الطرفين القويين: إيران، وسوريا، وكان عليه أن ينسجم مع أهدافهما؛ فوجوده ونشاطه مرتهن بتوجهاتهما السياسية، ولكن هل ينجح حزب الله في الاستمرار في دوره على هذه الحال من الانجذاب بين طرفين؟ مُجبر.. لا بطل: رسم الظهور العلني لحزب الله خطاً فاصلاً جديداً من وجهة نظر سورية، وكان هذا التطور إشكالياً؛ فمن ناحية شكلت العناصر الراديكالية الموالية لإيران ذراعاً فعالاً للنشاط بالوكالة ضد (إسرائيل) والولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى فإن المناداة بجمهورية إسلامية في لبنان وإخضاع إرادة (حزب الله) لأوامر طهران الروحية والسياسية، كل ذلك كان يشكل تناقضاً مباشراً بشكل محتمل مع المصالح السورية الوطيدة. كان نجاح إيران حزب الله في منع سورية من تنفيذ سياستها في لبنان بمثابة رسالة خطيرة بخصوص السلطة النسبية لكل عنصر فاعل على الساحة اللبنانية؛ فقد كان الدافع السوري قوياً أيضاً لرسم حدود ثابتة ومفهومة بشكل متبادل لهذه السلطة في أعقاب الحملة المشتركة لعامي ١٩٨٣م ١٩٨٤م؛ إذ لم يُبد تحمُّل سورية لنشاط حزب الله المعادي لـ (إسرائيل) في جنوب لبنان أي تغير في هذه الفترة، وظل بدون انتقاص حتى اليوم، إن تحدي حزب الله للهيمنة السورية بين الشيعة في لبنان يتجاوز الخلافات العملياتية حول الفلسطينيين والحرب في الجنوب، ومن الممكن أن يضرب في عمق النفوذ والهيبة للسوريين بالذات. فسورية لم تكن مستعدة للوقوف مكتوفة الأيدي في حين كانت قوة (حزب الله) ونفوذه يتوسعان في لبنان، وهذا أدى في شباط ١٩٨٧م إلى أن اصطدمت القوات السورية مباشرة مع (حزب الله) في ضاحية بيروت الجنوبية. إن السيطرة السورية في لبنان، ومقدرتها على منع أية تحركات إيرانية ذات شأن في هذه الساحة من المكانة التي تجعل أي تحدٍ مباشر لمصالح سورية الحيوية من قِبَلِ (حزب الله) أو إيران لن يؤدي إلى أي مكسب إيجابي لإيران. في الواقع: إن الفقدان المحتمل لحرية الوصول إلى الشيعة اللبنانيين يمكن أن يكون رادعاً لأي دور تخريبي إيراني، إضافة إلى كونه حافزاً كبيراً بالنسبة لإيران على تشجيع (حزب الله) على التقيد بقوانين التحالف. وعلى هذا فقد تحاشى (حزب الله) مهما كلفه الأمر وغلا الثمن تحاشى الخلاف المعلن مع السياسة السورية، بل سعى إلى مزاوجة ولاءيه: الخميني الإيراني من وجه أول والسوري من وجه ثان من غير انفصال. فالولاء الخميني هو مصدر التحزب والداعي إليه ومنشئ هذه الجماعة على الصورة التي هي عليها؛ وعلى هذا الولاء مرجع تماسك الحزب، وتَدِينُ المنظمة الخمينية إلى ولائها هذا بنهجها وطريقتها التي ميزتها عن غيرها، وتدين للدولة الخمينية بالإعداد والتجهيز والعتاد والموارد والملجأ والحماية و (الذراع الطويلة) . أما الولاء السوري فهو شرط بقاء الجهاز الخميني المادي (بقاءاً مادياً) بلبنان واستمراره على خطته ونهجه، وهو بهذا الاستمرار مسوَّغٌ دوره. وفي ظلال الولاءين: الخميني والسوري ووفاقهما وتنسيقهما وعقدهما لم يكن على (حزب الله) إلا المضي في مقاتلة الدولة العبرية، والتمتع بامتيازات سياسية تحول دون استقرار الدولة اللبنانية؛ وعلى هذا فاليد العليا: معنيً ومورداً هي لإيران، واليد العليا: سياسة وشرطاً مادياً هي لسورية، ويسعُ (حزب الله) البقاء وهو يخدم سيدين لا سيداً واحداً! ! [٢٥] . المتغيرات وأثرها على الحزب: من الصعوبة بمكان، بل من الاستحالة أن تستمر الأمور على نسق واحد من بداياتها إلى منتهاها، بل إن المتغيرات التي تطرأ على الأحداث تجعل من الحكمة إعادة النظر في السياسات الاستراتيجية والأهداف بعيدة المدى وإعادة صياغتها بما يتناسب مع الوقائع الجديدة، وكان هذا المنطق واضحاً بشكل كبير لدى إيران التي أنشأت حزب الله ورعته حتى أصبح كياناً له وزنه المعتبر في لبنان، وكانت التحولات التي طرأت على إيران تفرض لا محالة تغيرات جذرية على سياسة (حزب الله) ومنهجه وعمله. فعقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية عبَّر عن رفضه فرض الثورة على المسلمين خارج إيران، بينما طالب الحركات الإسلامية خارج إيران باتخاذ الثورة الإيرانية قدوة ومثالاً لها، وبالسعي لإيصال صوت الثورة إلى الناس؛ وأضاف أن إيران ستصدر أفكارها في القوانين الدولية. والواقع أن التحول نحو السياسة البراجماتية داخلياً وخارجياً قد ارتبط في جزء من دوافعه بانتهاء الحرب مع العراق والإحساس بالاختناق الاقتصادي وبالحاجة للانفتاح على العالم، خاصة اجتذاب استثمارات الغرب وتكنولوجيته لإعادة تعمير إيران مما تطلَّب اعتدالاً في السياسة الخارجية. ومنذ عام ١٩٨٦م كانت إيران قد بدأت تمارس ضغوطاً على التنظيمات المسلحة الموالية لها في لبنان للإفراج عن الرهائن الغربيين مقابل تحقيق مصالح وأهداف (للثورة الأم) في إيران. وشهدت فترة رئاسة رفسنجاني لإيران تقليص المساعدات العسكرية والمالية لحزب الله. كما أن إيران مارست ضغوطاً على حزب الله لضبط النفس عقب اختطاف ... (إسرائيل) في ٢٩-٧-١٩٨٩م للشيخ عبد الكريم عبيد، أحد قياديي حزب الله في الجنوب اللبناني، وعدم الإصرار على استبداله برهائن غربيين خلال صفقات لاحقة بين إيران والدول الغربية، وكذلك الشيء نفسه بعد اغتيال (إسرائيل) للشيخ عباس الموسوي زعيم حزب الله في هجوم بالهليكوبتر في فبراير ١٩٩٢م فأين الانتقام للشهداء؟ ! كما ساهمت إيران في إقناع حزب الله بالانضمام للهجوم الشامل بالتعاون مع سورية ضد العماد ميشيل عون في بيروت الشرقية في ١٤-٨-١٩٨٩م [٢٦] . ولا شك أن حزب الله اللبناني ساهم بدور الرافعة للدور الإيراني في المشرق العربي، مما أعطى لإيران وزناً استراتيجياً أكبر من حجمها، وتم استغلاله منذ تدهور قوتها التقليدية. ويمكن لحزب الله أن يظل أحد مصادر التأثير السياسي لإيران، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت طهران تشجعه على التفكير في أدائه المستقبلي. وبغض النظر عن الجانب الأيديولوجي والترابط العضوي؛ فإن حزب الله اللبناني يمثل حالياً رافعة هامة لسوريا التي تعد أحد أهم اللاعبين الرئيسيين في منطقة الشرق الأوسط، والتي تعد إيران بحكم التعريف الجغرافي ليست جزءاً منها [٢٧] . ولهذا فقد كان التحول إلى وجه آخر وتبديل السياسات أمر لا مفر منه لحزب الله [٢٨] . إن الاتجاه الأكبر داخل حزب الله مدرك للحاجة إلى التكيف مع وقائع التسوية الممكنة بين (إسرائيل) وكل من سورية ولبنان، ولقيود السعي لبسط الحكم ذي النمط الذي يدعو إليه في البلد الأكثر تنوعاً من حيث الطوائف والأديان في المنطقة . وقد انعكس هذا في استعداد حزب الله للمشاركة في النظام السياسي اللبناني، بالإضافة إلى إظهار رغبة الحزب بالالتزام بقوانين النظام السياسي اللبناني المنبعث مجدداً ونقل نشاطاته السرية إلى مجال غير موجه ضد الدولة بحد ذاتها. إن نقلة من هذا النوع في سياسة (حزب الله) وموقفه تعتمد كثيراً على توازن الآراء ضمن الحركة والموقف النهائي الذي تتخذه إيران، إضافة إلى موقف حزب الله مع سورية. وتتمتع القيادة الرسمية لحزب الله، بما فيها الأمين العام الحالي الشيخ حسن نصر الله بعلاقات جيدة مع كل من سورية وإيران، ومن المرجح أن تستجيب لمتطلبات وحساسيات الأولى بقدر استجابتها لمتطلبات وحساسيات الأخيرة [٢٩] . ومن خلال هذا المنطلق، فقد صرح السفير السوري في واشنطن وليد المعلم أن حزب الله حركة مقاومة وطنية ولن تكون عقبة في طريق السلام إذا كان يلبي المصالح السورية واللبنانية، إن قيادة الحزب تدرك بأن أي اتفاق مقبول من سورية ولبنان يكون ملزماً لها على السواء [٣٠] . بل لقد استبق حسن نصر الله الجميع باعترافه بأنهم أداة في يد المفاوضين في عملية السلام، فقال: إن المقاومة ورقة ضغط بيد المفاوض العربي. والغريب أن باراك يريد أن يفاوض ومعه طائرات حربية أمريكية جديدة، ومئات الملايين من الدولارات من أمريكا، وهذا مسموح به، بينما المطلوب أن تذهب الوفود العربية مجردة من عناصر قوتها، وعنصر المقاومة هو الأهم [٣١] . وإمعاناً في التحول تلبية للإرادة الجديدة، فقد قام (حزب الله) بتوسيع قاعدة المشاركة في عملياته العسكرية انطلاقاً من ذوبانه في الحالة اللبنانية، فقام بإنشاء (سرايا المقاومة) التي فتح فيها الباب لجميع شرائح المجتمع اللبناني بما فيهم النصارى لكي تنضم إلى صفوفه، فقد أصبح الهدف الآن: تحرير التراب اللبناني! ! [٣٢] . حقيقة النجاح العسكري: على الجانب العسكري الذي برز من خلاله نشاط حزب الله، فمن الواضح اليوم لكل ذي عقل أو على الأقل يجب أن يكون واضحاً أنه في حرب العصابات التي تدور اليوم في جنوب لبنان لا توجد فرصة للانتصار بالنسبة للإسرائيليين؛ وذلك لعدة اعتبارات: أولاً: أنه لم يتغلب مطلقاً بأي شكل من الأشكال في العالم جيش نظامي على مقاتلي حرب عصابات. ثانياً: أن (حزب الله) يعرف الميدان والمنطقة أفضل من جنود (إسرائيل) وأفضل من جيش نظامي بعتاده وإعداده. ثالثاً: أن أتباع (حزب الله) يعملون في أوساط سكان متعاطفين معهم ويمنحونهم مزايا كثيرة كما سبق الإشارة إليها ابتداءاً. رابعاً: أن جيش جنوب لبنان تحول من جيش أجير الذي كان من المفروض أن يقوم بالعمل الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي إلى أداة مكسورة هشة، والتي بدون حماية (إسرائيل) وحضورها فإنه يصبح بدون فائدة. خامساً: أن الوجود الجسدي على أرض لبنان يحول (حزب الله) من تنظيم إرهابي إلى مقاتلين من أجل الحرية وشرعيين في أعين العالم، وبذلك تُخلى مسؤولية لبنان وسورية من الدم المسفوك [٣٣] . كذلك فإن جزءاً كبيراً من الذين يخدمون في جهاز أمن جيش جنوب لبنان الذي تستخدمه (إسرائيل) هم من الدروز والشيعة سكان الحزام الأمني، ولقد مارس حزب الله معهم أساليب مختلفة ليجندهم، وفي الوقت ذاته هناك افتراض بأن الدروز في جهاز الأمن لا يرون أن هناك أي مشكلة في إطلاع أعضاء الحزب التقدمي الاشتراكي التابع لوليد جنبلاط على المعلومات التي لديهم، وهؤلاء يتعاونون مع حزب الله [٣٤] . إن القليل فقط ينتبه إلى أنه في العام الأخير طرأ انخفاض في عدد قتلى جيش الدفاع الإسرائيلي في جنوب لبنان. وبصفة عامة فإن من الممكن القول بأنه في أربعة مجالات أساسية لم ينجح حزب الله حتى اليوم في تحقيق أهدافه: فهو لم يحتل حتى اليوم موقعاً لجيش الدفاع الإسرائيلي، ولم ينهر بسببه جيشُ جنوب لبنان على الرغم من أن ذلك يمثل هدفاً أساساً لحزب الله، وعلى الرغم من جهود (حزب الله) فلم ينجح التنظيم في اختطاف جنود لجيش الدفاع الإسرائيلي ورغم كل محاولات (حزب الله) فإنه لم تسقط حتى اليوم طائرة هليوكوبتر واحدة أو طائرة للسلاح الجوي الإسرائيلي [٣٥] . ولقد أعلن زعماء (حزب الله) في الماضي أنهم سيواصلون محاربة ... (إسرائيل) حتى (تحرير القدس) ، ولكنهم قالوا مرات كثيرة ما هو عكس ذلك، أي أن هدفهم هو تحرير الأرض اللبنانية، وليس من شأنهم مواصلة العمل ضد ... (إسرائيل) بعد تحقيق هذا الهدف. من الناحية العملية، وعلى النقيض من المنظمات الفسلطينية التي حاربت ... (إسرائيل) نفسها، تجد أن حزب الله لم يبادر أبداً بعمل ضد أراضي (إسرائيل) المحتلة قبل ٥ يونيو (حزيران) عام ١٩٦٧م، وقصر هذا النشاط على الأراضي اللبنانية التي احتلت بعد ذلك التاريخ. ورغم أن مقاتلي حزب الله قد وصلوا عدة مرات إلى خط الحدود، إلا أنهم لم يتسللوا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان يمكنهم أن يفعلوا ذلك بدون شك [٣٦] . وهكذا نرى أن النجاحات التي يدندن حولها حزب الله لم تكن على مستوى لائق بهذا الزخم الضخم من الضجيج الإعلامي. وأخيراً: لا بد أن السؤال المطروح في صدر المقال قد أجيب عنه، وبغض النظر عن النتيجة التي سيصل إليها قارئ هذه الحلقة، تبقى تجربة (حزب الله) تستحق الاهتمام؛ حيث إن كثيراً من الناس، بل من المتابعين لشؤون الحركة السياسية الإسلامية لم يكونوا على اطلاع على هذه التجربة. فعلى الحركة الإسلامية (السنية) أن تنظر إلى هذه التجربة بشكل عملي للاستفادة من الإيجابيات والسلبيات؛ فقد كان من أجلَى إيجابيات (حزب الله) أو التجربة الشيعية في لبنان هو ذلك النفس الطويل في العمل والحركة، مما أدى في نهاية التجربة إلى الوصول إلى نتيجة مُرْضية جداً؛ مقارنة بالأهداف المرسومة أولاً، كما أن من الإيجابيات التي ينبغي النظر إليها باهتمام شديد: الإعداد العلمي الهادئ الذي استمر مدة زمنية طويلة؛ حيث كان أساس الحركة ومنطلقها. أيضاً؛ فقد تميزت التجربة بالاهتمام بعامة الناس بشكل كبير، واصطفافها وراء الحزب عاطفة وتأييداً ودعماً ومساندة؛ بيد أن الملحظ هنا أن الحزب خُلِّيَ بينه وبين الناس، وهو ما لم يتوفر للحركات السنية، وهذه الأخيرة لا يسعها ما وسع (حزب الله) من انحرافات وتقلبات في المنهج العلمي والحركي، ولا يسعها تبدل الولاءات، ولا أن تكون (أداة أو ورقة) في يد من له يد طولى في الواقع الذي تحياه، فلا يسعها إلا أن تكون راية تحت لواء الشريعة الحاكمة من قبل أهل الولاية الشرعية. ونشير هنا إلى أن كثيراً من مباحث هذه الدراسة تم عرضه بشكل مختصر، ليناسب مساحة النشر، كما أن هناك مباحث أخرى لم يُتطرق إليها في هذا العرض. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3329

مرصد الاحداث يرصدها: حسن قطامش يفهم أفضل منك! ! أكد الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد إثر لقاء مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تفهم الأخير عزم جاكرتا إقامة علاقات تجارية مع (إسرائيل) . وقال وحيد الذي كان يجيب بالعربية عن سؤال بهذا الشأن في مؤتمر صحفي عقب اللقاء: إن قصدنا من العلاقات التجارية مع إسرائيل هو تأييد موقف منظمة التحرير الفلسطينية، والرئيس عرفات يعبر عن فهم لهذا الموقف. أوضحت للرئيس عرفات أن العلاقة التجارية بين إندونيسيا و (إسرائيل) ستتجه إلى تدعيم موقف منظمة التحرير. إن المجتمع الإسرائيلي ينقسم إلى فئات، وهناك فئة ترى أن مصير (إسرائيل) في إقامة علاقات طيبة مع جيرانها، ومع البلاد المسلمة، وعلى هذا يجب علينا تدعيم تلك الفئة، ولذلك قمت بالاشتراك في تأسيس مركز شمعون بيريز للسلام؛ لأنني أعرف أن بيريز غير بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق. وخلص وحيد إلى القول: لهذا يجب علينا دعم (الإسرائيليين) الذين لهم اهتمام في تطوير العلاقة مع جيرانهم، ونرجو في المستقبل أن ينظر جميع الإسرائيليين إلى أن العلاقة الطيبة مع جيرانهم هي مفتاح للسلام في هذه المنطقة. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٤١٠) ﴾ هي لنا.. ولا تقبل القسمة ١ - أشار تقرير حقوقي صادر عن مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية أن الحكومة الإسرائيلية تواصل سياسة نهب الأراضي والأملاك العربية في المدينة عبر وسائل غير قانونية وأن ما لا يقل عن ٣٤% من أراضي الدولة باتت مصادرة تماماً. وقال التقرير الذي يتناول أوضاع حقوق الإنسان في القدس العربية: إن (إسرائيل) اعتبرت نحو ٥٢% من مناطق المدينة مناطق خضراء يحظر البناء فيها لتشكل احتياطاً استراتيجياً للتوسع الاستيطاني الإسرائيلي في المدينة ولم تبق سوى ١٤% من مساحة المدينة للسكان مقام عليها المنازل. وأضاف التقرير: إن (إسرائيل) هدمت ما يزيد على ٤٤١ منزلاً، وأخطرت بهدم ٤٠٠ منزل آخر بالهدم خلال السنوات الخمس الماضية. ﴿مجلة الإصلاح، العدد: (٤١٨) ﴾ ٢ انتقد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الموقف الإسرائيلي المتمسك بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل معتبراً أنه يقوم على سياسة الإقصاء وقال: إنها تتسع لعاصمتين: فلسطينية، وإسرائيلية، وأن تكون للعالم كله في الوقت نفسه. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٤١١) ﴾ كانت دولة الخلافة! الزلزال الكبير الذي حدث في منطقة مرمرة التركية كان فرصة لأن ينقل المنصِّرون نشاطاتهم إلى الشارع التركي. إن الموقف الذي اتخذته حكومة بولنت أجاويد من المنظمات الشعبية ذات الصفة الإسلامية عقب تدفق المساعدات الضخمة منها إلى المناطق المنكوبة كان له دور في ازدياد النشاطات التنصيرية في المنطقة، وكانت منظمة تنصيرية قد وزعت مئات الآلاف من الكتيبات، وبلغ عدد الكتيبات الموزعة في منطقة اسطنبول وحدها أكثر من مائتي ألف، وألقت مديرة المنظمة محاضرة للتعريف بالنصرانية في فندق مرمرة ذي النجوم الخمسة، هذا وقد لوحظ أيضاً أن الكتيب الذي يحوي عناوين وأرقام هواتف مراكز المنظمة في مختلف البلدان يوزع على منكوبي الزلزال قبل تقديم الطعام أو المأوى لهم. ﴿جريدة الرياض، العدد: (١١٤٧٣) ﴾ ما زال الحقد مستمراً بدأت زمالة الكنائس التنصيرية في إثيوبيا ببرنامج واسع لتنصير المسلمين، يشمل البرنامج إنشاء أربع مراكز إقليمية للتدريب على كيفية تنصير المسلمين، وقد تم تنفيذ ذلك، وسيتخرج كل عام ٥٠ شخصاً من مدربي المنصرين المختصين في تنصير المسلمين، وكل واحد منهم سوف يدرب عشرين شخصاً، وبالتالي كل واحد من هذه المجموعة سيدرب عشرة أشخاص؛ حيث يكون للكنيسة عشرة آلاف شخص متخصص ومدرب على تنصير المسلمين في إثيوبيا سنوياً. ومن الناحية النظرية سيكون بالإمكان للكنيسة أن تصل إلى كل المسلمين في إثيوبيا. دورية الكوثر، العدد: (٢٤) ﴾ والله لتفتحن عدَّد المونسينيور جوزيبي برنارديني أسقف أزمير (تركيا) ، الإيطالي الأصل ما ادعى أنه مراحل تؤكد عزم المسلمين على فتح أوروبا. وزعم أن العالم الإسلامي سبق أن بدأ ببسط سيطرته بفضل دولارات النفط. وأضاف: إن هذه الدولارات لا تستخدم لخلق فرص عمل في الدول الفقيرة في إفريقيا الشمالية أو في الشرق الأوسط؛ بل لبناء مساجد ومراكز ثقافية للمسلمين المهاجرين إلى دول مسيحية بما في ذلك روما عاصمة المسيحية، وتساءل: كيف يمكننا أن لا نرى في كل ذلك برنامجاً واضحاً للتوسع وفتحاً جديداً. إن كلمات الحوار والعدل والمعاملة بالمثل، أو مفاهيم مثل: حقوق الإنسان والديمقراطية تتضمن معاني تختلف تماماً عن مفهومنا لها. إن ذلك قد يجعل من الحوار بين المسيحيين والمسلمين (حوار طرشان) إن الجميع يدرك أنه يجب التمييز بين الأقلية المتعصبة والعنيفة والأكثرية الهادئة والمعتدلة. لكن علينا ألا ننسى بأن الأكثرية ستقف وقفة الرجل الواحد وستستجيب دون تردد لأوامر تصدر باسم الله أو القرآن. لا يمكن للمسيحيين أن يكونوا متشائمين؛ لأن النصر النهائي سيكون للمسيح. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٠٢) ﴾ لماذا تقدمونها؟ ! بعض المساعدات التي نقدمها تذهب إلى جيوب الحكام، ويوظفونها في بنوك سويسرية، وهذا أمر لا يخدم مصالح الناس ولا مصالح فرنسا. ﴿وزير التعاون الفرنسي، مجلة الوسط، العدد: (٣٨٥) ﴾ لو أنهم أولادكم؟ ! بلغ عدد الأطفال العراقيين المتوفَّيْن في عام ١٩٩٧م بنحو ١٥٠ ألف طفل بسبب الحصار، وقد ارتفع هذا العدد إلى ١٨٠ ألفٍ وذلك عام ١٩٩٨م، بزيادة نسبتها ٦٦% مقارنة بعام ١٩٨٩م، كما ارتفع عدد الأطفال الذين توفوا بسبب سوء التغذية إلى نحو مليوني طفل منذ فرض الحصار على العراق قبل تسع سنوات، أي بنسبة زيادة بلغت ٢٠٠٠% قياساً بعام ١٩٩٠م. كما أن هناك ارتفاعاً خطيراً في عدد الولادات لأطفال من ذوي البنية الضعيفة نتيجة أوزانهم المنخفضة؛ إذ ارتفعت نسبة المواليد دون وزن ٢.٥ كيلو جرام من ٥.٤ % عام ١٩٩٠م إلى ٢٣.٥ % عام ١٩٩٨م، بالإضافة إلى حدوث ارتفاع كبير في عدد الأطفال المصابين بالأمراض الانتقالية: كالحصبة، والتيفوئيد، ... والسعال الديكي بنسبة ٨٠٠ %. وقد سُجلت نسبة كبيرة لتفشي الإصابة بأمراض أخرى كانت اختفت من العراق منذ مدة طويلة كالجرب والكوليرا؛ إذ سُجل ٤٠ ألفاً و٣٦٠ إصابة بهذين المرضين عام ١٩٩٨م، بعد ما كانت تُعادل الصفر عام ١٩٨٩م، علاوة على حدوث ارتفاع كبير في عدد المواليد المعوقين جراء نقص الأغذية والأدوية وتأثيرات الأسلحة المحرمة التي استخدمت ضد العراق خلال حرب الخليج. ﴿جريدة الخليج، العدد: (٧٤٥٣) ﴾ الحق معهم أظهرت دراسة لمعهد غالوب أن الشعوب في أنحاء العالم تشتبه في نزاهة حكوماتها وفي مراعاتها حقوق الإنسان. وجاء في الدراسة أن النتائج تبين أن كلمتي: (فاسدة) و (بيروقراطية) أكثر الأوصاف استخداماً بين الناس لدى وصف حكوماتهم، وأظهر المسح الذي أجري في أكثر من ٥٠ بلداً في أوروبا وإفريقيا وآسيا والأميريكتين أن حوالي ٤١% من المشاركين فيه يعتقدون أن حكوماتهم فاسدة، في حين يرى ٤٠% أن حكوماتهم بيروقراطية، ويظن أقل من ١٠% فقط أن حكوماتهم تتسم بالكفاءة. ﴿جريدة الحياة، العدد (١٣٤١١) ﴾ بعدما قلََّّ الناصر بلغ عدد اللاجئين المسلمين الشيشانيين في أنجوشيا وحدها (١٧٥ ألف نسمة) منتشرين بين مخيمات اللاجئين وقطارات السكك الحديدية، التي لم تستوعبهم، فاتجه الباقون إلى حظائر الماشية، ويعيش الجميع في ظروف بالغة البؤس. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٦٥) ﴾ قرن الدم مع أن إنسان هذا القرن استطاع أن يفجر القنبلة النووية (١٩٤٥م) ويسير على سطح القمر (١٩٦٩م) ويستنسخ النعجة دوللي (١٩٩٨م) إلا أن المجازر التي ارتكبها، والحروب التي شنها، والثورات التي أطلقها، جعلت من هذا العصر خزاناً للعنف الدموي، ونزاعاً متواصلاً للمواجهات السياسية والدينية والعرقية، ويقدر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زيغنيو بريزنسكي في كتابه (انفلات الضوابط) رقماً مخيفاً؛ إذ يقدر عدد ضحايا حروب القرن العشرين العالمية منها والإقليمية والداخلية بنحو ١٨٧ مليون نسمة، وهو يضيف إلى أرقام القتلى العسكريين والمدنيين خلال الحربين العالميتين عدة ملايين فقدوا في حروب صغيرة. كما يضيف بريزنسكي إلى قائمة العنف ضحايا التصفيات الستالينية فيقدر عددها بأكثر من ٢٠ مليون نسمة بينهم ١٢ مليون ماتوا في المعتقلات النائية، أو في عمليات التطهير خلال الثلاثينيات. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٤١٢) ﴾ مرصد الأرقام - تفيد أكثر الإحصاءات تفاؤلاً بأن نحو ٩٠٠ مليون شخص يعانون من الجوع، و١. ٣ مليار شخص يعيشون في فقر مدقع. ﴿جريدة الأنباء، العدد (٨٤٠٨) ﴾ - تم التوقيع بين ممثلين من وزارتي الدفاع الأمريكية والإسرائيلية على اتفاق تبيع الولايات المتحدة بموجبه ٥٠ طائرة من طراز (إف ١٦ آي) ضمن صفقة مقدارها ملياران و ٤٦٠ مليون دولار. ﴿جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٠٣) ﴾ - ذكرت وكالة الطاقة الأمريكية أن (إسرائيل) أصبحت القوة السادسة في مجموعة الدول الكبرى نووياً، وتمتلك (إسرائيل) ما بين ٣٠٠ و ٥٠٠ كيلو جرام من البلوتونيوم الصالح لصنع الأسلحة. ﴿جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٦٣) ﴾ - كشف استطلاع رأي أجرته نقابة المعلمين في (إسرائيل) أن حوالي ربع المعلمين الإسرائيليين تعرضوا للضرب، أو لشكل آخر من العنف على أيدي ... تلاميذهم. جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٦٤٤) ﴾ - يفيد برنامج الأمم المتحدة للإيدز أن ٢٢.٥ مليوناً من أصل ٣٣ مليون مصاب بفيروس الإيدز نهاية العام ١٩٩٨م في العالم هم من منطقة إفريقيا جنوب الصحراء. ومنذ ظهور هذا المرض في الثمانينيات أصيب ٣٤ مليون شخص بالفيروس في إفريقيا جنوب الصحراء وتوفي ١١.٥ مليوناً منهم من جراء هذه الإصابة، وتضم هذه القارة ٦٨% من إيجابيي المصل في العالم رغم أن سكانها يشكلون ١٠% فقط من مجموع سكان العالم. جريدة الحياة، العدد: (١٣٣٦٥) ﴾ - احتفظت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوضعها أكبر سوق سلاح في العالم العام الماضي بينما زاد الإنفاق العسكري ٧% إلى ٦١ مليار دولار، وعززت الولايات المتحدة مكانتها باعتبارها مورداً للأسلحة في العالم وسلمت شحنات أسلحة ومعدات عسكرية في عام ١٩٩٨م قيمتها ٢٦. ٥ مليار دولار وهو ما يمثل حصة نسبتها ٤٩% من السوق. ﴿جريدة الأنباء، العدد: (٨٤١٨) ﴾

стр. 3330

متابعات إشكالية التعامل مع الآخر في فكر ابن تيمية عبد الله محمد الأمين النعيم من المصلحين من لا يستطيع الخروج عن إطار عصره، فيركن إلى التوافق الاجتماعي بدل تغيير ما يمكن تغييره من الأفكار والعادات؛ لكن القليل من رجال الإصلاح من تكون له الشجاعة على تحدي العقبات التي تعترضه، فيخرج عن الإلف والعادة ومسايرة الرأي العام، فينتقد الأسس الفكرية الفاسدة والمسلَّمات المتواضع عليها، ويكشف العيوب الكامنة في تاريخ الأمة، ويبين المنهج الصحيح في الإصلاح، ولعل من هؤلاء القليل تقي الدين أحمد بن تيمية الذي عاش في النصف الثاني من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن الهجري أي في عصر ابتُلي فيه المسلمون بفتن من الداخل والخارج لم يسبق أن ابتلوا بمثلها [١] . مدخل: يأخذ الآخر وهو غير المسلم مساحة واسعة في القرآن والسنة النبوية والفكر الإسلامي عموماً؛ وإذا كان الوحي بشقيه قرآناً وسنة قد حدد الأسس والمعايير للتعامل مع الآخر إلا أن كثيراً من الدراسات الإسلامية قد انحرفت عن هذه الأصول الفكرية، ولقد لعبت عوامل عديدة لا محل لذكرها هنا دورها في إحداث هذا الانحراف الفكري نحو الضالين والمغضوب عليهم. وقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدوث هذه الانحرافات في العلاقة بين المسلمين والآخرين؛ حيث قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) [٢] . وقال في حديث آخر: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومَنِ الناس إلا أولئك؟) [٣] ، غير أن الأمة لا تتردى بمجموعها إلى هذه الهاوية؛ فقد أخبر ﷺ أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة [٤] ، وأخبر كذلك أن هذه الأمة لا تجتمع على الضلالة [٥] . وابن تيمية الذي عاش في عصر شبيه بعصرنا الحالي حاول في كتابه: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) تأصيل العلاقة مع الآخر مستنداً إلى الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، وقد استطاع إخراج دراسة شرعية على الرغم من أن العصر الذي عاش فيه كان عصر استضعاف للمسلمين؛ إذ كانت الغلبة في الديار الإسلامية للصليبيين والتتار ومتى ما كان هناك استضعاف وذل للمسلمين فثمة بدع وضلالات ومذاهب باطلة [٦] . فإذا كان ابن تيمية استطاع إخراج كتاب اقتضاء الصراط وكتابه الآخر: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في عصر هيمن فيه الآخر وعلا في أرض المسلمين، وإذا كان ذلك العصر شبيه بعصرنا فإن هذا يدق إسفيناً في فكر الاستتباع للآخر؛ حيث يجري تسويق الآخر في ديار المسلمين حتى يمكن التعايش معه في ظل النظام العالمي الجديد. في هذه الدراسة سأحاول تقديم خلاصة لأفكار ابن تيمية في التعامل مع الآخر مع ملاحظة الآتي: أولاً: إن عصر ابن تيمية وإن كان شبيهاً بالعصر الحالي إلا أن هناك اعتبارات سياسية وعسكرية وغيرها من الاعتبارات يجب وضعها في الاعتبار؛ فلا يمكن معايرة ذلك العصر بعصرنا تمام المعايرة، وإن وجدت المشابهة في الظروف العامة. ثانياً: إن دراسة ابن تيمية وإن كانت دراسة أصولية استندت إلى الوحي وفكر السلف الصالح إلا أنه استصحب معه في دراسته واقعة المعاش مما يجعل السقف المعرفي لدراسته في بعض جوانبها محدوداً بظروف ذلك العصر وملابساته، ويتضح ذلك جلياً في اهتمام ابن تيمية بالآخر الموجود داخل ديار المسلمين؛ دون أن يضع كثير اعتبار للآخر الموجود خارج ديار المسلمين وهو الأخطر على المسلمين؛ لأن الجهل أو عدم الفهم وهو الذي يولد العداوة بين المسلمين تقل خطورته إلى حد مَّا بحكم معايشته للمسلمين؛ وهذه المعايشة قد توجِد نوعاً من الألفة. ثالثاً: إن ابن تيمية وإن اهتم بالآخر في ديار المسلمين إلا أن دراسته جاءت شاملة لجميع الضالين؛ فلم تقتصر على الكتابيين؛ بحيث تدرج دراسته ضمن الدراسات المتعلقة بأهل الذمة وأحكامهم، وهو وإن تطرق في دراسته لهذه الجوانب إلا أنه توسع؛ بحيث وضع الأسس والمعايير للتعامل مع الآخر، وأشار إلى أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتُليت بها الأمة وذلك ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم على حد قوله. ويذكر بأنه عدد أشياء من منكرات دينهم لما رأى طوائف من المسلمين قد ابتلي بها وجهل كثيراً منهم دين النصارى المحرف [٧] . هذه الملاحظات لا بد منها لكي توضع في الحسبان؛ فلا شك أن هناك من يود اقتفاء أثر ابن تيمية في معالجاته الفكرية، وهناك من يود الابتعاد عن معالجاته ومما لا شك فيه أن هناك عوامل عديدة تؤثر سلباً أو إيجاباً على المفكر. كيف عالج شيخ الإسلام ابن تيمية إشكالية التعامل مع الآخر؟ إن ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم عمل على تشخيص بعض أنواع البدع والشركيات التي ابتليت بها الأمة، وأوضح أثر التشبه بالآخر على الأمة، ووضع قواعد أساسية في التشبه، وأوضح فئات الناس التي نهينا عن التشبه بها والنهي عن سماتهم وعن الأعياد والاحتفالات البدعية والرطانة ومفهوم البدعة وزيارة القبور ونحو ذلك، ونبه المؤلف على أصلين هما: الأصل الأول: إخبار الرسول ﷺ القاطع الأكيد بأن أمته ستتبع سنن الأمم التي سبقتها من اليهود والنصارى وفارس والروم شبراً بشبر وذراعاً بذراع. الأصل الثاني: إخباره ﷺ القاطع والأكيد أيضاً بأن الله تعالى تكفل بحفظ الدين وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة [٨] . في بيان أسباب مخالفة المغضوب عليهم: إن ابن تيمية وهو بصدد بيان دواعي مخالفة المغضوب عليهم والضالين يوضح بأن الانحراف نحو الكفار قد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ [٩] ، ويؤكد بأن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب من اعتقادات وإرادات وغير ذلك، وأمور ظاهرة من أقوال أو أفعال قد تكون عبادات وقد تكون أيضاً عادات في الطعام واللباس والنكاح.. وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينها ارتباط ومناسبة؛ فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أموراً ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعوراً وأحوالاً، وقد شرع الله لنبينا من الأعمال والأحوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر؛ وإن لم تظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور منها [١٠] : ١ - أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا الأمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم ... إلخ. ٢ - أن المخالفة في الهدي الظاهر تؤدي إلى مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين. وكلما كان القلب أتم حياة وأعرف بالإسلام كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهراً أتم، وكان بعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد. ٣ - أن مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميُّز ظاهراً بين المهديين المرضيين والمغضوب عليهم والضالين؛ إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية. هذا إذا لم يكن ذلك الهدي إلا مباحاً محضاً لو تجرد من مشابهتهم. فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم؛ فهذا أصل ينبغي التفطن له. ويؤكد ابن تيمية بأن الأمر بموافقة قوم أو مخالفتهم قد يكون لأن موافقتهم مصلحة، وكذلك قصد مخالفتهم أو مخالفتهم نفسها مصلحة بمعنى أن ذلك الفعل يتضمن مصلحة أصولية للعبد أو مفسدة، وإن كان ذلك الفعل الذي حصلت به الموافقة أو المخالفة لو تجرد عن الموافقة أو المخالفة لم يكن فيه تلك المصلحة أو المفسدة، ولهذا نحن ننتفع بمتابعتنا نفسها لرسول الله ﷺ والسابقين في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد كان لا يكون لنا مصلحة؛ لما يورث من محبتهم وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، ويدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى؛ إلى غير ذلك من الفوائد. كذلك قد نتضرر بمتابعتنا الكافرين في أعمال لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها، وقد يكون الأمر بالموافقة والمخالفة؛ لأن ذلك الفعل الذي يوافق فيه أو يخالف متضمن للمصلحة أو المفسدة ولو لم يفعلوه. لكن عبر عن ذلك بالموافقة والمخالفة؛ على سبيل الدلالة والتعريف، فتكون موافقتهم دليلاً على المصلحة [١١] ومن تابع غيره في بعض أموره فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني؛ أي: أنا من نوعه وهو من نوعي؛ لأن الشخصين لا يتَّحِدان إلا بالنوع [١٢] . ويذهب ابن تيمية إلى القول بأن مشاركة الكفار في الظاهر ذريعة إلى الموالاة إليهم وليست فيها مصلحة كما في المباينة والمقاطعة؛ حيث يقول: (والموالاة وإن كانت متعلقة بالقلب لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومباينتهم. ومشاركتهم في الظاهر إن لم تكن ذريعة أو سبباً قريباً أو بعيداً إلى نوع من الموالاة والموادة فليس فيها مصلحة المقاطعة والمباينة مع أنها تدعو إلى نوعٍ ما من المواصلة كما توجبه الطبيعة وتدل عليه العادة ولهذا السبب كان السلف يستدلون بهذه الآيات (المائدة ٥١، ٥٥، ٥٦. المجادلة: ١٤، ٢٢. الأنفال: ٧٢، ٧٥) على ترك الاستعانة بهم في الولايات [١٣] . وإذا كانت مخالفة المغضوب عليهم والضالين أمر مقصود للشرع فذلك لا ينفي أن يكون الفعل نفسه الذي خولفوا فيه ينطوي على مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم؛ فإن هنا شيئين [١٤] : أحدهما: أن المخالفة ذاتها لهم في الهدي مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم. وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان. والثاني: أن ما هم عليه نفسه من الهدى والخلق قد يكون مضراً أو منقصاً، فيُنهى عنه ويؤمر بضده لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا وهو: إما مضر أو ناقص؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة ونحوها مضرة وما بأيديهم مما لم ينسخ أصله؛ فهو يقبل الزيادة والنقص؛ فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصله على وجه الكمال ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملاً قط، فإن المخالفة لهم تنطوي على منفعة وصلاح لنا في كل أمورنا، حتى فيما هم عليه من إتقان بعض أمور دنياهم؛ إذ قد يكون مضراً بأمر الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا؛ فالمخالفة فيه صلاح لنا. وبالجملة: فالكفر بمنزلة مرض القلب، ومتى كان القلب مريضاً لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة؛ وإنما الصلاح أن لا تشبه مريض القلب في شيء من أموره؛ وفساد الأصل لا بد أن يؤثر في القلب، وإن جميع أعمال الكافر فيها خلل يمنعها أن تتم بها منفعة، ولو فرض صلاح شيء من أموره صلاحاً تاماً لاستحق بذلك ثواب الآخرة، ولكن أموره إما فاسدة وإما ناقصة.. فالحمد لله على نعمة الإسلام؛ فقد تبين أن مخالفتهم نفسها أمر مقصود للشارع في الجملة. الدعوة إلى ترك إكرامهم: بعد أن أكد ابن تيمية على عدم التشبه بهم دعا إلى عدم إكرام أصحاب الجحيم وإلى إلزامهم الصَّغار الذي شرعه الله تعالى (فاتفق عمر ﵁ والمسلمون معه وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله من ولاة الأمور على منعهم من أن يُظهروا في دار الإسلام شيئاً مما يختصون به مبالغة في أن لا يُظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين؛ فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها؟ ومن المعلوم أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها نوع من إكرامهم؛ فإنهم يفرحون بذلك ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل) [١٥] . ولقد منع عمر رضي الله عنه استعمال كافر أو ائتمانه على أمر الأمة وإعزازه بعد أن أذله الله [١٦] . النهي عن الرطانة: ومن القضايا التي نعايشها إشكالية اللغة، وموقف ابن تيمية هو أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً؛ فإن اللغة العربية نفسها من الدين، ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب [١٧] . واستدل ابن تيمية بأحاديث عمر ﵁ إذ نهى عن رطانة الأعاجم وقال: إنها خب، أي أنها لغة خديعة ونفاق أو أن اعتيادها يورث النفاق، وحديثه الآخر: (لا تَعَلَّموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم؛ فإن السخط ينزل عليهم) [١٨] . ولهذا النهي شواهد من السنة النبوية: (من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية؛ فإنه يورث النفاق) [١٩] . لهذا كانت الكراهية للحديث بغير العربية. المخالفة في الأعياد: في مسألة الأعياد يذكر ابن تيمية الآتي: أولاً: (إن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك [لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه] [الحج: ٦٧] فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج؛ فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشرائع؛ فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تُنهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. أما العيد وتوابعه فإنه من الدين المحرَّف؛ فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه. ثانياً: إن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنه: إما محدَث مبتدَع، وإما منسوخ، وأحسن أحواله ولا حسن فيه أن يكون بمنزلة صلاة المسلم إلى بيت المقدس، هذا إذا كان المفعول مما يتدين به. ثالثاً: إنه إذا سوّغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس بل عيداً حتى يضاهى بعيد الله بل قد يزاد عليه حتى يكاد يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام مثل عيد القيامة (شم النسيم) . رابعاً: إن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم؛ ولهذا جاءت بها كل شريعة. خامساً: إن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل خصوصاً إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصَّغار فرأوا المسلمين قد صاروا فرعاً لهم في خصائص دينهم؛ فإن ذلك يوجب قوة قلوبهم وانشراح صدورهم واستذلال الضعفاء. سادساً: إن ما يفعلونه في عيدهم منه ما هو كفر، وما هو حرام، وما هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة وجنس الموافقة وهنا يلبس على العامة دينهم حتى لا يميزوا بين المعروف والمنكر. سابعاً: إن الله تعالى جبل بني آدم وسائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين؛ وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط. فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي؛ فمشابهتهم في أعيادهم ولو بالقليل هو سبب لنوع مَّا من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة؛ وكل ما كان سبباً لهذا الفساد فإن الشارع يحرمه. ثامناً: إن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر؛ وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة؛ والمحبة والموالاة لهم تنافيان الإيمان. الخاتمة: لقد جرى ويجري تسويق الآخر حتى أمكن تقبله والتعايش معه بدون حرج مما شكل خطورة على الدين الإسلامي ذاته، ومما يؤسف له أن يشارك علماء السوء في تحسين الوجه القبيح للآخر لا سيما اليهود والنصارى مستدلين بآيات منسوخة أو أحاديث ضعيفة لإضفاء الشرعية الدينية على آرائهم وفتاويهم، ولقد تخوَّف رسول الله ﷺ على أمته من هؤلاء الأئمة المضلين [٢٠] . إن المسلمين وهم يعايشون مرحلة تداعت فيها الأمم عليهم تداعي الأكلة على قصعتها لا سبيل أمامهم للخروج من هذه الحالة إلا من خلال: ١ - التمسك بالهوية الإسلامية وعدم الذوبان في الآخر؛ مع ملاحظة أن التمسك بالهوية لا يعني الانكماش والانغلاق على الذات؛ لأننا أمة الدعوة الخاتمة ومطالبون بالتعامل مع الآخر لا من أجل أن نكون جزءاً منه؛ وإنما من أجل استنقاذه وإخراجه من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام. وإن ثمة ممارسات خاطئة أدت إلى تعويق الدعوة الإسلامية كانت وليدة تدين سلبي؛ إذ آثر بعض المتدينين الابتعاد عن الاختلاط بالضالين بحجة أن الاختلاط بهم سيؤثر سلباً على تدينهم، وتناسى هؤلاء الناس أنهم سيخالطون هؤلاء الضالين وهم مستعلون بالإيمان الذي يقي صاحبه من العودة إلى الكفر بعد أن استنقذه الله منه. ٢ - التمسك بالمصطلحات الشرعية في التمييز بين الناس حسب عقيدتهم؛ فهناك المؤمن، والكافر، والمنافق، والفاسق.. إلخ فهذه المصطلحات من شأنها ترسيخ الأسس والمعايير الإسلامية في العقل المسلم، فلا يتعامل مع الآخر إلا من خلال التمايز العقدي. ولقد كان من شأن تجاهل هذه المصطلحات الشرعية حدوث اضطراب في التعامل مع الآخر. وهنا يجدر التنبيه إلى أن العالم الغربي الصليبي يستعمل مصطلح (المسلمين) في أي صراع يخوضه ضد أي دولة إسلامية، وبدا هذا واضحاً في حرب البوسنة والهرسك والشيشان وغيرها مما أدى إلى تكاتف الضالين والمغضوب عليهم. هذا في الوقت الذي يستخدمون ونحن من ورائهم المصطلحات القومية لمناصريهم حتى يوهموا الناس بأن هذه الصراعات ليست دينية؛ فالعداء إذن في البلقان بين الصرب والمسلمين وفي الشيشان بين الروس والمسلمين وهلم جرّاً؛ فلنتفكر. ٣ - الاهتمام باللغات الأجنبية ومقارنة الأديان في كليات الدعوة وأصول الدين؛ فلا يمكن أن نخاطب الآخر بلغة لا يفهمها مع الجهل بعقيدته. فإذا كان النهي قد ورد بعدم استعمال اللغة الأجنبية فإن النهي المقصود به التحدث بهذه اللغات لغير ما ضرورة؛ لكن متى ما كانت هناك ضرورة فإن المحظور ينتفي. وإن عالمية الدعوة الإسلامية تستدعي فهم اللغات الأجنبية. ٤ - الحذر من الأئمة المضلين الذين يدعون للحوار بين الأديان متناسين أن الدين عند الله هو الإسلام. ٥ - الاستفادة من الاختلافات في صفوف الآخر؛ إذ إنهم شيع وأحزاب؛ فهذا قد يحقق الكثير للمسلمين. ٦ - عدم الترويج في وسائل الإعلام لعقائدهم الباطلة وأعيادهم الفاسدة أو التعطل عن العمل فيها ومشاركتهم طقوسها؛ إذ إن هذا من المفاسد التي نهت عنها الشريعة. [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون] [آل عمران: ٦٤] . ندعو الله سبحانه أن يحقق للأمة خيريتها وشهادتها على الناس؛ إنه نعم المولى ونعم النصير.

стр. 3331

قضايا ثقافية موقف العصرانيين من الفقه وأصوله محمد حامد الناصر بعد أن شكك العصرانيون بحجِّية السنة النبوية راحوا يهاجمون الفقه والفقهاء، ويدعون إلى تطوير أصول الفقه (وخاصة في المعاملات) زاعمين ظاهراً فتح باب الاجتهاد، ولكن ليس هو الاجتهاد كما عرفه الفقهاء استنباطاً من النصوص، وكشفاً وإظهاراً لحكم الله، وإنما هو عندهم اجتهاد لتخطي النص، بل وتخطي سنة رسول الله ﷺ . ولكتَّاب المدرسة العصرانية أقوال عحيبة حول تجديد أصول الفقه مآلها الفصل بين الدين والدولة، ومحاولة تمييع العلوم المعيارية للوصول إلى الفوضى، والتمهيد لتطبيق القوانين الوضعية الغربية تحت مظلة الإسلام. يقول الدكتور أحمد كمال أبو المجد: (والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ليس اجتهاداً في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول) [١] . ودعا الدكتور حسن الترابي إلى تطوير أصول الفقه، للوفاء بحاجات المسلمين المعاصرة فقال: (إن علم الأصول التقليدي لم يعد مناسباً للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء؛ لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها) [٢] . ويقول موضحاً فكرته: (إن الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيراً من قضايا الحياة العامة، إنما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة، ولذلك كانت الحياة العامة تدور بعيداً عنهم، والنمط الأشهر في فقه الفقهاء والمجتهدين كان فقه فتاوى فرعية، وإن العلم النقلي الذي كان متاحاً في تلك الفترة كان محدوداً مع عسر في وسائل الاطلاع والبحث والنشر، بينما تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة بأقدار عظيمة) [٣] . وإنها لدعوى غريبة أن يزعم الدكتور الترابي أن العلم النقلي من نصوص الكتاب والسنة كان محدوداً في زمن نشأة الفقه وازدهاره! وما البديل لدى الدكتور الترابي؟ ! البديل عنده أن يشارك الشعب في الاجتهاد على طريقة دعاة الديمقراطية الغربية! ! يقول: (الاجتهاد مثل الجهاد، وينبغي أن يكون منه لكل مسلم نصيب) . ويضيف: (واتسم فقهنا التقليدي بأنه فقه لا شعبي، وحق الفقه في الإسلام أن يكون فقهاً شعبياً) [٤] . ويتابع الدكتور محمد عمارة زملاءه في حملتهم على الفقه والفقهاء ودعوتهم إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لكل مدعٍ وعامي لا علم له بالكتاب والسنة. ويقول: (إن الاجتهاد يجب أن يخرج وأن نخرج به من ذلك الإطار الضيق الذي عرفه تراثنا الفقهي، والفقهاء ليسوا وحدهم المطالَبين بالاجتهاد؛ بل إن المطالَب به هم علماء الأمة وأهل الخبرة العالية فيها، ومن كل المجالات والتخصصات؛ لأن ميدانه الحقيقي هو أمور الدنيا ونظم معيشتها، وليس إلحاق فروع الدين بأصولها ... ) [٥] . (فالمجتهد عند عمارة يمكن أن يكون بلا علم بالقرآن والسنة واللغة والأصول؛ لأن مجال المجتهد هو) أمور الدنيا (ولا يشترط لها كل هذا من العلوم الشرعية، وإنما يشترط لها أن يكون المرء (مستنيراً عقلانياً) تقدمياً ثورياً حضارياً؛ فمن جمع هذه الصفات فهو شيخ الإسلام حقاً؛ وقد بنى كلامه على باطل، هو التفريق المزعوم بين الدين والدنيا، وما بُني على باطل فهو باطل) [٦] . ومن غرائب الاجتهاد العصراني أن بعضهم دعا إلى صهر المذاهب الفقهية في بوتقة واحدة، وجعلها مستمَداً لا ينضب معينه، وذلك بالتسليم بكل ما قالت به المدارس الفقهية على اختلافها وتناكرها، بغض النظر عن أدلتها، ثم اختزانها في مدونة منسقة الأبواب كمجموعة (جوستينان) وأعْنِي كل ما أعطت المدارس: الإباضية والزيدية والجعفرية والسنية، وذلك بجعل هذه الثروة الفقهية منجماً لكل ما يجدُّ ويحدث) [٧] . (وهذه الدعوة التي تطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد ليفتح الباب على مصراعيه للقادرين وغير القادرين، ولأصحاب الورع وأصحاب الأهواء، حتى ظهرت الفتاوى التي تبيح الإفطار لأدنى عذر.. وتبيح الربا إلا ربا النسيئة أو أصنافاً معينة وظهرت آراء تحظر تعدد الزوجات وتحذر من الطلاق؛ وبذلك تحوَّل الاجتهاد في آخر الأمر إلى تطوير للشريعة الإسلامية، يهدف إلى مطابقة الحضارة الغربية) [٨] . والنتيجة التي يود هؤلاء أن يصلوا إليها من تطوير الشريعة هو تحكيم القوانين الوضعية، وفي ذلك تنفيذ لمخططات أعداء الإسلام، الذين زعموا أن الفقه الإسلامي مأخوذ من الفقه الروماني. وردد هذه المقولة - مقولة المستشرق اليهودي (جولد زيهر) - الدكتور محمد فتحي عثمان نقلاً عن أستاذه السنهوري الذي يقول: ... (الفقه الإسلامي هو من عمل الفقهاء صنعوه كما صنع فقهاء الرومان وقضاته القانون المدني، وقد صنعوه فقهاً صحيحاً؛ فالصياغة الفقهية، وأساليب التفكير القانوني واضحة فيه وظاهرة) [٩] . والغاية من كلام السنهوري، وإقرار تلميذه له أن يخضع الفقه الإسلامي لإشراف القانون الوضعي، ويكيِّف نفسه حسبما يقتضيه ذلك الخضوع. (وغني عن القول أن كل أصل من الأصول الفقهية ثبتت حجيته بالكتاب والسنة، وقد بيَّن أهل العلم أدلة كلٍ من: الإجماع والقياس والمصلحة وحجية ذلك.. فهي ليست مبتدعة كما يزعم هؤلاء؛ بل هي منهج الاستنباط الشرعي الذي هو من الدين) [١٠] . إن دعوة العصرانيين هذه ما هي إلا علمانية جديدة تود تسويغ تحكيم القوانين الوضعية في ديار المسلمين، أو للتهوين من شأنها، ومن ثَمَّ مساواتها بأحكام شريعة السماء. وقد خرج هؤلاء علينا بفقه غريب شاذ يريد تسويغ الواقع المعاصر بانحرافاته، وإليك أخي القارئ نماذج من شذوذات العصرانيين في مسائل الفقه ... المختلفة. شذوذات العصرانيين في ميادين الفقه المختلفة: موقفهم من الحدود: حاول العصرانيون تسويغ رفضهم لإقامة الحدود الشرعية بحجج واهية كالشفقة على المجرمين، وأن قطع اليد أو الرجم ما هي إلا قسوة ووحشية لا تناسب العصر الحاضر؟ ! فالشيخ عبد الله العلايلي مثلاً: يرى أن إقامة الحدود ينبغي أن لا تتم إلا في حال الإصرار، أي: المعاودة تكراراً ومراراً؛ إذ إن آخر الدواء الكي، وبلغ من استهزائه بالحدود الشرعية أن قال: (إن إنزال الحد لا يتفق مع روح القرآن الذي جعل القصاص صيانة للحياة، وإشاعة للأمن العام، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين: هذا مقطوع اليد، والآخر مقطوع الرجل، أو مفقوء العين، ومصلوم الأذن، أو مجدوع الأنف) . أما الرجم: فيقول فيه بمذهب الخوارج: (لا رجم في الإسلام كما هو مذهب الخوارج عامة) [١١] . والزاني والزانية - في عرف هؤلاء - لا يقام عليهما الحد إلا أن يكونا معروفيْن بالزنا، وكان من عادتهما وخلقهما؛ فهما بذلك يستحقان الجلد [١٢] . ولحسين أحمد أمين فتوى عجيبة في حد السرقة عندما يقول: (لقد كان الاعتداء على الساري في الصحراء بسرقة ناقته بما تحمل من ماء وغذاء وخيمة وسلاح في مصافِّ قتله، لذلك كان من المهم للغاية أن تقرر الشريعة عقوبة جازمة رادعة لجريمة السرقة في مثل هذا المجتمع) [١٣] . إباحة الربا في البنوك: وقد بدأ ذلك الاجتهاد الشيخ محمد عبده، وتابعه في ذلك تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، وكانت الحجة هي الحفاظ على اقتصاد البلاد. والربا المحرم عند هؤلاء هو الربح المركب، أي الذي يكون أضعافاً مضاعفة [١٤] . وممن قال بذلك من المعاصرين: الشيخ عبد الله العلايلي، وهو يكرر ما قاله أسلافه، يقول: (ما دام المصرف لا يزيد على أنه مقر سمسرة بتقاسم المردود مشاركةً مع من أسلم إليه مالاً، مفوضاً إياه ليعمل به حيث قضت خبرته، ولا قائل بحرمة عمولة السمسار! ! [١٥] . فحرمة الربا واضحة، ونصوصه قطعية في الكتاب والسنة، وتحريم السرقة في الكتاب والسنة، وطُبِّق الرجم على عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ﵃ ولذلك فمن فضول القول أن نناقش الفتاوى السابقة؛ لأنها واضحة الضلال والانحراف، وخارجة عن إجماع فقهاء الأمة خلال عصورها المفضلة. يقول الشيخ محمد الشنقيطي ﵀ في هذه الفتاوى المنحرفة: (أما النظام الوضعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض كدعوى تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأن الرجم والقطع ونحوها أعمال وحشية لا يسوغ فِعْلها بالإنسان ... إلخ) [١٦] . ويكفي أن نعلم أن الأمم عندما ألغت القصاص شاعت فيها الجرائم، وضجت المحاكم وابتليت المجتمعات، فشاعت الفوضى ونضب معين الأمن. موقفهم من قضية المرأة: اهتم العصرانيون بقضية ما يسمى بتحرير المرأة وإعطائها حقوقاً سياسية كالمرأة الغربية، ودعوا إلى الثورة على الحجاب وتعدد الزوجات وإباحة الطلاق؛ لقد أكمل هؤلاء المؤامرة على المرأة المسلمة التي قادتها الحركة النسائية بعد قاسم أمين وأعوانه. لقد اعتبر العصرانيون مسألة تعدد الزوجات التي شرعها الله من سمات عصر الإقطاع. يقول محمد عمارة: (إن تعدد الزوجات، وتتابع الزواج واتخاذ السراري والجواري من سمات عصر الإقطاع والدولة الإقطاعية) [١٧] . ويرى هؤلاء أن الحجاب الشرعي قيد يجب التخلص منه، ثم راحوا يسوِّغون الاختلاط بين الرجال والنساء بعد أن زينوا للمرأة الخروج من بيتها وحصنها الأمين. فالدكتور محمد عمارة يرفض أن تعود المرأة مكبلة بحجابها ويؤكد (أن جذور هذه القضية ترتبط بالتمدن والتحضر والاستنارة أكثر مما هي مرتبطة بالدين) [١٨] . وهذا حسين أحمد أمين يقرر أن الحجاب (وهمٌ صنعه الفرس والأتراك، وليس في القرآن نص يحرم سفور المرأة أو يعاقب عليه) [١٩] . والدكتور الترابي يقصر الحجاب على نساء النبي ﷺ فقط. والاختلاط مباح في عرف العصرانيين؛ إذ (ليست الحياة العامة مسرحاً للرجال وحدهم، ولا عزل بين الرجال والنساء في مجال جامع) . (وتجوز المصافحة العفوية التي يجري بها العرف في جو طاهر وذلك عند السلام كما يزعم) [٢٠] . وفي ذلك مخالفة لأحاديث صحيحة وصريحة؛ فقد جاء في الحديث الشريف عن أميمة بنت رقيقة قالت: (جئت النبي ﷺ في نسوة نبايعه، فقال لنا: (فيما استطعتن وأطعتن؛ إني لا أصافح النساء) [٢١] . ويرى الترابي كذلك أن للمرأة أن تسقبل ضيوف الأسرة وتحدثهم وتخدمهم وتأكل معهم) [٢٢] . ويدعو الدكتور محمد فتحي عثمان إلى ما يسميه الاختلاط المأمون؛ لأن المجتمع الذي يلتقي فيه الرجال والنساء في ظروف طبيعية هادئة، لن يغدو مثلُ هذا اللقاء قارعة تثير الأعصاب؛ إذ سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثتها، وستألف المرأة بدورها الرجل، وتتجمع لدى الجنسين خبرات وحصانات وتجارب [٢٣] . وواقع المرأة المزري في ديار الغرب مما ينقض هذا الرأي. ودعا العصرانيون إلى مشاركة المرأة في السياسة والقانون والتجارة والاقتصاد بلا قيود، ويرون جواز مشاركتها في الانتخابات والمجالس النيابية؛ بل ويرى بعضهم ولاية المرأة للقضاء، وحتى الولاية العامة جائزة عند العصرانيين بإطلاق [٢٤] . إلغاء أحكام أهل الذمة: لقد أكثر العصرانيون من الحديث حول حقوق أهل الذمة وزعموا أن أحكام أهل الذمة كانت لظروف خلت وأن تطور العصر يرفضها، وممن تصدى لهذه المسألة وخصّص لها كتاباً: فهمي هويدي بعنوان: (مواطنون لا ذميون) نقتطف منه بعض آرائه؛ حيث يقول: (أليس غريباً أن يجيز الفقهاء أن يفرض المسلمون الحرب دفاعاً عن أهل ذمتهم، ثم يحجب البعض عن هؤلاء حق التصويت في انتخابات مجلس الشورى مثلاً؟) ، ثم يقول: (أما تعبير أهل الذمة فلا نرى وجها للالتزام به إزاء متغيرات حدثت. وإذا كان التعبير قد استخدم في الأحاديث النبوية فإن استخدامه كان من قبيل الوصف، وليس التعريف، ويبقى هذا الوصف تاريخياً لا يشترط الإصرار عليه دائماً) [٢٥] فالكاتب يحاول إلغاء الأحكام بلا دليل، وكأن الاجتهاد في الإسلام تحوَّل إلى لعب أطفال وأوهام مبتدعة، وأمزجة منحرفة. وفي فصل (الجزية التي كانت) يقول: (ومن غرائب ما قيل في هذا الصدد تعريف ابن القيم للجزية بأنها هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً، وأن هذا يتنافى مع روح الإسلام، ودعوته للمسامحة بين الناس جميعاً: إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [٢٦] . لقد حكمت الشريعة الإسلامية بضعة عشر قرناً من عمرها، لم يعرف في التاريخ عدلاً وإنصافاً ورحمة بأقليات دينية كما عرفت في تلك القرون تحت مظلة الشريعة، بل كانت الطوائف تفر من بطش أبناء دينها لتنعم بالأمن في ظل عدل الإسلام وإنصاف المسلمين، إلا أنها التبعية والتزلف الذي تناسى أصحابه أحقاد اليهود والنصارى التي ما زالت والغة في دماء المسلمين. ولكن: يا ليت قومي يعلمون! حقيقة العصرانية: علمانية جديدة: لاحظنا فيما سبق من حلقات أن العصرانيين يلحُّون على تطوير الشريعة محاولين التسلل نحو تحكيم القوانين الوضعية (وخاصة في قضايا المعاملات وسياسة الحكم، وشؤون المجتمع) . وزعموا أن القوانين الوضعية لا تخالف الشريعة الإسلامية، كما دعوا إلى التوفيق بين الشريعة وتلك القوانين، أي أنهم دعوا إلى الفصل بين الدين والدولة، وهذه هي العلمانية بأجلى مظاهرها. فالعلمانية مصطلح غربي يعني إقامة الحياة على غير الدين على مستوى الفرد والأمة، وقد ساد هذا المذهب أوروبا رد فعلٍ على تسلط الكنيسة ومبادئها المحرَّفة إثر صراع دام بين الكنيسة والعلم. والعلمانية فكرة مستوردة بعيدة عن مناهجنا وتراثنا وهي تعني بداهة: الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين، وهي نظام جاهلي بعيد عن دائرة الإسلام، قال تعالى: [من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون] [المائدة: ٤٤] . وقد سلك العصرانيون لتحقيق هدفهم هذا سبلاً متعددة منها: ١ - محاولاتهم الجادة لتنحية الشريعة: لقد هاجم العصرانيون الفقه والفقهاء، وشككوا في حجية السنة النبوية، واتفقوا باسم الاستنارة على ضرورة تجديد الإسلام ذاته، بمعنى تعديل أحكامه وتشريعاته أو اقتلاعها من الجذور. فالدكتور محمد أحمد خلف الله: (يرى ضرورة انعتاق الأحكام من إسار الشريعة إلى بحبوحة القوانين الوضعية، وأن خروج المعاملات من نطاق الشرع إلى نطاق القانون قد حقق لها ألواناً من الحرية والانطلاق، لم يكن لهم بها عهد من قبل) [٢٧] . (وهو يعجب من الجامدين الذين يتمسكون بتلك المعايير البالية لمجرد أنها وردت في القرآن والسنة) [٢٨] . ويعتبر الدكتور محمد عمارة أن الشريعة ما عادت تلائم قضايا العصر فيقول: (إن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عند ما يقرره نبي لعصره) [٢٩] . ويدعو كذلك إلى مدنيَّة السلطة، وجعل حق التشريع في يد جمهور الأمة عندما يقول: (فأصحاب السلطة الدينية قد احتقروا جمهور الأمة عندما سلبوها حقها في التشريع وسلطاتها في الحكم) على حين قرر القائلون بمدنيَّة السلطة (أن الثقة كل الثقة بمجموع الأمة؛ بل جعلوها معصومة من الخطأ والضلال) [٣٠] . أما الدكتور أحمد كمال أبو المجد (فهو يتعجب ويتأفف من هؤلاء المسرفين الذين يرون ضرورة إسقاط القوانين الوضعية، ومن ثم يدعو إلى زلزلة قواعد الشريعة؛ حيث لا يُقتصر الاجتهاد على الفروع فحسب، بل والأصول أيضاً) [٣١] . إن الأقوال السابقة تدعو صراحة إلى إسقاط الأحكام الشرعية. والشريعة الإلهية هي حكم الله، والقانون الوضعي حكم جاهلي كله سفه ونقص وعجز وقصور. والشريعة الإلهية فصّلها الله الذي خلق الإنسان، وهو أعلم به؛ فهي ثابتة باقية إلى يوم القيامة، أما القانون الوضعي فهو صناعة بشرية من أناس يتصفون بالعجز والنقص والتحريف، وتتحكم فيهم الشهوات [٣٢] . إلا أنها التبعية عند العصرانيين الجدد الذين يرون التقدم في القوانين الأجنبية منذ أقدم العصور، يقول محمد فتحي عثمان: (وعلينا ألا نتنكر لأنظمة مرت بمراحل تقدمية كبرى في الفكر والتطبيق، قبل أن نتطور بثروتنا الفقهية التي تكدس عليها غبار القرون من التعطيل والتجميد) [٣٣] . ولنا أن نتساءل عن هذه المراحل التقدمية؟ ! ! يقرر البحث العلمي أن مراحل القانون الوضعي تبدأ بقانون (حمورابي) وقانون (مانو) وقانون (أثينا) والقانون (الروماني) والقانون (الكنسي الأوروبي) مأخوذ من القانون الروماني ومما شرعه الرهبان، ثم قانون نابليون، وهذه هي المراحل التقدمية الكبرى في الفكر والتطبيق عند المؤلف [٣٤] . يقول تعالى: [أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم ... يوقنون] [المائدة: ٥٠] . ٢ - تأييد سقوط الخلافة: لقد تكالب الأعداء على إسقاط الخلافة، وكان من أهم شروط اتفاقية (سايكس بيكو) ١٩١٥م، أن اشترط الحلفاء (إلغاء نظام الخلافة وطرد السلطان العثماني خارج الحدود، ومصادرة أمواله، ثم إعلان علمانية الدولة) [٣٥] . وهاجم العصرانيون نظام الخلافة متبعين في ذلك كبيرهم الشيخ علي عبد الرازق، صاحب كتاب: (الإسلام وأصول الحكم) الذي وصف الخلافة بأنها ... (خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها، وليس لنا حاجة إليها في أمور ديننا ولا دنيانا، ولو شئت لقلنا أكبر من ذلك؛ فإنما كانت الخلافة، ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد) [٣٦] وهو يستعير في عرضه هذا آراء المستشرقين من قساوسة صليبيين ويهود حاقدين وأن الإسلام دين لا دولة، وكان التوقيت لصدور كتابه هذا خبيثاً؛ ذلك أنه أصدره عام ١٩٢٥م لإجهاض محاولات إحياء الخلافة آنذاك بعد إلغائها على يد كمال أتاتورك [٣٧] . ويقول محمد أحمد خلف الله: (والفكر السياسي في نظام الحكم هو فكر بشري خالص، وتستطيع المؤسسات العلمية من أمثال كليات العلوم السياسية أن تجتهد فيه) [٣٨] . ويرى محمد فتحي عثمان (أن الخلافة الإسلامية كانت صورة تاريخية، ولم تعش طويلاً، فعلى المسلمين ألا يفكروا فيها مرة أخرى) [٣٩] . ويقول محمد عمارة: (لم تكن الدولة هدفاً من أهداف الوحي، ولا مهمة من مهام النبوة والرسالة، ولا ركناً من أركان الدين وإنما اقتضتها ضرورة حماية الدعوة الجديدة) [٤٠] ، (إن موقف الإسلام في مجال السياسة والدولة ينكر وجود سلطة دينية لبشر خارج نطاق الموعظة والإرشاد، ولم يحدد نطاقاً معيناً للحكم) [٤١] . وهذه آراء علي عبد الرازق وسادته من المستشرقين الحاقدين نفسها. لقد كان منصب الخلافة شوكة في حلوق أعداء الإسلام، وهدفاً طالما تحالفوا لإسقاطه، وتمزيق ديار المسلمين، وها هم تلامذة اليهود والنصارى ينادون بما خطط لهم سادتهم، والويل والصَّغار للمرْجفين. ٣ - دعوتهم الصريحة إلى علمانية الحكم: يصرح بعض العصرانيين بحقيقة دعوتهم في الحكم وفصل الشريعة عن قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويدعون إلى علمانية مصبوغة بمفهومهم عن الإسلام. فالدكتور حسن حنفي يرى أن العلمانية هي أساس الوحي ويقول: (العلمانية هي أساس الوحي؛ فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ) [٤٢] . ويقول الدكتور محمد عمارة: (أما إسلامنا فهو علماني، ومن ثم فإن مصطلح العلمانية لا يمثل عدواناً على ديننا، بل على العكس يمثل العودة بديننا إلى موقفه الأصيل) ويقول: (فالسياسة والحكم والقضاء وشؤون المجتمع ليست ديناً وشرعا يجب فيها التأسي والاهتداء بما في السنة من وقائع؛ لأنها عالجت مصالح هي بالضرورة متطورة ومتغيرة) [٤٣] . إذا لم تكن العلمانية هي ما يقوله العصرانيون فماذا ستكون؟ ! فهم بفصلهم الدين عن شؤون الدولة والحياة، يدعون إلى علمانية قد يسمونها إسلامية، ولكنها في الحقيقة أشد بعداً عن الدين من العلمانية اللادينية؛ لأن هؤلاء يخدعون العامة باسم الإسلام، وتحت أسماء: (المفكر الإسلامي، الداعية الإسلامي، العقلاني المستنير) . ويريد هؤلاء الكتاب حكماً علمانياً، وفي أحسن أحواله ديمقراطياً برلمانياً على طريقة الغرب في أن يكون للأمة حق التشريع. رغم أن واقع الديمقراطية الغربية يشهد بإفلاس شعاراتها عند التطبيق، كما يريد بعضهم حكماً اشتراكياً يسارياً، باسم اشتراكية الإسلام أو اليسار الإسلامي [٤٤] . ويقول محمد فتحي عثمان: (واليسار المسلم يتمسك بالديمقراطية؛ إذ هي حكم الله في المصالح والعلاقات الإنسانية؛ حيث لا يكون النص الإلهي الملزم القاطع) [٤٥] . والحقيقة: (أن الفاصل بين العصرانيين والعلمانيين إن وجد دقيق جداً، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، واسمان لمسمى واحد. وقد استفاد العصرانيون مما واجهه العلمانيون من استنكار، فراحوا يغيرون ويبدلون في المسميات، ويبحثون عن الشبه والزلات، ليلبسوا العلمانية ثوباً إسلامياً مزوراً، ويضفوا عليها صفة الشرعية، ويتمكنوا من التمويه على العوام، والتلبيس على أهل الإسلام ولو إلى حين) [٤٦] . إن تنحية الشريعة عن شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين الحديثة؛ وإلاَّ؛ فما الفرق بين قول قريش في جاهليتها: يا محمد! اعبد آلهتنا سنة ونعبد آلهتك سنة، وبين قول العلمانيين لفظاً أو واقعاً: نعبد الله في المسجد، ونطيع غيره في المتجر أو البرلمان أو الجامعة؟ ! وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: (إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين) وقال رحمه الله: (من اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكم الرسول ﷺ وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، فلا ريب أنه كفر) [٤٧] . وقال ابن تيمية ﵀ في (منهاج السنة) : (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر؛ فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر) . ومن الخطأ أن تنقل تجربة غريبة هجينة في التصور والاعتقاد إلى ديار المسلمين. (إن الغلطة من الأصل هي محاولة وضع الإسلام وتطبيقاته على ميزان التجربة الأوروبية، واستخدام المصطلحات الغربية ذات الدلالات المحلية البحتة، كأنها اصطلاحات عالمية تصلح للتطبيق على أي شيء، وفي أي مكان، دون النظر إلى الفروق الجوهرية بين الاصطلاحات التي وضعها البشر في ظروف معينة، والمصطلحات التي أنزلها الله لتحكم الحياة، أو اجتهد المجتهدون بها، وهم ملتزمون بما أنزل الله) [٤٨] . ولقد تميزت العصرانية بتبني الآراء الشاذة، والأقوال الضعيفة، واتخاذها أصولاً كلية الهدف منها عند أصحابها هدم القديم أكثر من بناء أي جديد؛ إذ دأبوا على محاولاتهم لتطويع الإسلام بكل وسائل التحريف والتأويل كي يساير الحضارة الغربية فكراً وتطبيقاً، ومن أجل ذلك دعوا إلى التقريب بين الأديان والمذاهب، وهوَّنوا من أمر الجهاد وقصروه على جهاد الدفاع فقط، ولكن الله غالب على أمره، والعاقبة للمتقين.

стр. 3332

في دائرة الضوء مأزق الفكرالدفاعي د. محمد يحيى يلاحظ المتابع لساحة الفكر والكتابة الإسلامية على مدى السنوات الماضية بروز تيار من الكتابات والطروحات يمكن تسميته بالتوجه الدفاعي أو الاعتذاري أو التسويغي كان من المظنون أن الفكر الإسلامي قد تجاوزه منذ عقود ثلاثة أو أربعة من الزمان، وأنه عاد إلى الحجم الطبيعي الذي ينبغي له ليبدو مجردَ مكوَّن صغير الحجم داخل الكم الفكري العام أو الطرح الثقافي في مجمله. ويمثل هذا التطور في تصوري ردة إلى مطلع هذا القرن الميلادي عندما ساد تيار فكري دفاعي التوجه وإن كانت هناك اختلافات جوهرية. إننا نستطيع القول بصورة مجملة - وربما إلى حد التبسيط المخل -: إن التيار الدفاعي الفكري يعود إلى القرون الأولى للإسلام؛ لكنه في ذلك الوقت كان ينصبُّ على الدفاع عن العقيدة الإسلامية في وجه ما سمي بشبهات تثار ضدها من جانب أفراد أو جماعات تعيش داخل الأمة الإسلامية وتتألف في غالبها من فلول أصحاب العقائد والمذاهب السابقة على الإسلام، أو أناس لا عقيدة لهم أو ملة، أو مسلمين حدث لهم ضلالٌ في الفكر أو زيغ عن قويم الاعتقاد. أما في طرحه الحديث فإن الفكر الدفاعي قد اتخذ منحى يمكن تسميته بالاعتذاري أو التسويغي، وكان جل توجهه صوب (اتهامات وليس شبهات) تأتي من خارج الأمة الإسلامية، وبالتحديد من دوائر التنصير والاستشراق الأوروبية ثم الأمريكية، وهي في القرون: الثامن عشر، والتاسع عشر، والعشرين الميلادية طليعة حركات الغزو الاستعماري والسيطرة الإمبريالية في الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية. هذا التحول والاختلاف في الفكر الدفاعي نحو الاعتذارية ونحو الخارج التنصيري الاستعماري كان سمة المرحلة التي عاصرت مطلع هذا القرن أو نحوه والتي شهدت صعود نجم هذا الفكر بل وتحوله إلى (نجم) الفكر الإسلامي عموما بمعنى توليه صدارة طروحات هذا الفكر. غير أن التيار العام للفكر الإسلامي الذي استعاد ثقته بالنفس واعتداده بالعقيدة والدين مع مضي عقود هذا القرن تجاوز السقوط في أسر هيمنة الفكر الدفاعي، بل وأصبح إيجابي النزعة (هجومياً) إن جاز التعبير بمعنى أنه أخذ يطور من نظراته وتحليلاته لشتى نواحي الحياة في ثقة واعتزاز بالنفس دون الوقوع في الدائرة المفرغة لضرورة الدفاع عن النفس أمام الاتهامات الأجنبية، وقد بلغ هذا التوجه الإيجابي (الهجومي) الذروة في عقدي السبعينيات والثمانينيات مع صعود قوة الحركات والأفكار الإسلامية ونشاطها، وقوة المؤسسات الدينية الإسلامية وتهاوي الأطروحات المضادة الواقعة تحت مظلة العلمانية والتغريب التي عرفت في مذاهب سياسية وفكرية متنوعة يساراً ويميناً، وساد نتيجة لهذا تصورٌ بأن مرحلة فقدان الثقة بالذات على أفضل الأحوال مرحلة الاضطرار إلى تسويغ العقيدة والشريعة الإسلامية في وجه الطروحات العلمانية والتنصيرية والاستشراقية القادمة من الغرب قد ولت. ولكن حدثت تحولات معروفة في دنيا السياسة وأحداثها صبت جميعها في توجه ضرب الحركات والطلائع الإسلامية السياسية والفكرية وصولاً نحو ضرب أوضاع الإسلام نفسه ووجوده التاريخي والجغرافي الثابت. ولم يحدث هذا في أطراف عالم الإسلام بل في مواقع القلب منه وفي بلدان تعتبر بؤرة عالم الإسلام وعقله. وإذا كانت ما تسمى بالنخب السياسية والثقافية والاجتماعية في هذه البلدان الإسلامية هي التي تولت كبر هذا التدبير دفاعاً عن مصالحها ووجودها إلا أن الغرب الذي تتصل به هذه الدوائر وتستمد منه التوجه والتوجيه والدعم بأنواعه - ولا نقول الوجود - كان له الباع الأكبر في تحديد هدف ضرب الحركات الإسلامية وأساليبه ومعها الدين نفسه. وقد أصبحت هذه كلها الآن أموراً معروفة تحت عناوين الخطر الأخضر أو الأصولي، أو صراع الحضارات والثقافات، أو مكافحة إرهاب الإسلام والمسلمين، أو معركة تحديث وعصرنة الرجعية الإسلامية ... إلخ وكان من أبرز تدبيرات الغرب وأتباعه بين ظهراني المسلمين في خضم هذه المعارك عملية خبيثة هدفت في غايتها إلى إعادة إحياء النزعة الدفاعية بطابع اعتذاري تسويغي سلبي منكسر، وإحلالها محل طروحات الفكر الإسلامي الإيجابي التي أخذت تملأ الساحة الفكرية والسياسية والاقتصادية والأدبية والثقافية والقانونية في بلاد الإسلام. كانت الصورة التي أَقَضَّتْ مضاجع الغربيين والدوائر اللادينية المتسلطة على المسلمين في بلادهم هي تهاوي أطروحات الفكر العلماني المتغرب على كثرتها وقوة النفوذ المستخدم في ترويجها وإفلاسها تاركة الساحة لفكر إسلامي جديد يملؤها بأطروحات إيجابية فعالة وهو ممتلئ الثقة بالنفس، ومعتد بما لديه وليس منكسراً أو متخاذلاً أمام ما يأتي به العلمانيون والغرب، ولهذا كان الهدف الاستراتيجي الأعلى إعادة الصورة القديمة إلى ما كانت عليه قبل حوالي القرن من الزمان. كان المطلوب هدفاً عامّاً هو إخلاء الساحة من الفكر الإسلامي الصاعد والواثق من نفسه والإيجابي ليحل محله فكر متخاذل متراجع سلبي ذليل لا يقدم سوى الاعتذارات والتسويغات في وجه طروح علمانية وتغريبية يعاد بث الحياة فيها بعد موتها، ويعاد طرحها على الساحة، أو قل: فرضها فرضاً بعد أن أثبتت الأحداث على مدى سنوات طويلة تهافتها، وبعد أن انفض من حولها من انفض إلا القليل جداً ممن آمنوا بها. ولا حاجة بنا إلى ذكر الوسائل التي أصبحت معروفة ومستخدمة في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي العام، وقد شملت الأساليب غير الموضوعية من ضربات قمعية وأمنية، ومنع وحظر، وملاحقة للنشاطات الفكرية الإسلامية، ومصادرات لكتب ومجلات، ولجوء إلى وسائل الإعلام والتسلية القوية لتشويه السمعة وطمس الصورة المشرقة وتضليل الجماهير، والدفع برموز مطعون فيها ومشبوهة وسقيمة الولاء والعقيدة لكي تتحول في الإعلام إلى (مفكرين إسلاميين) يوصفون بالعقلانية والاستنارة ويُستفتون في كل الشؤون! غير أن أبرز أدوات هذه العملية كانت طرح سيل من (الاتهامات) (وليس الشبهات أو الأسئلة) من جانب أجهزة الإعلام الغربية ومراكز الأبحاث والجامعات ودوائر السياسة والكنائس وغيرها؛ بحيث تصبح هذه الاتهامات هي المحرك والباعث والمسوِّغ للتيار الدفاعي الاعتذاري المراد إحياؤه كي ينطلق. إن المسألة اتخذت طابعاً (تعاونياَ) مريباً؛ فالغرب يستمر في توجيه الاتهامات بشكل مستمر أشبه بالطقوس الدينية، ولا يحول دون توجيه هذه الاتهامات السيل المستمر من الردود عليها. وعلى الجانب الآخر يبرز أرباب الفكر الاعتذاري ليستمروا في اجترار بضاعة (الردود) على الاتهامات ولا يحول دون الاجترار أن هذه الاتهامات قد قُتلت رداً وتفنيداً منذ مطلع القرن. لكن التفسير لهذه الدائرة المفرغة من الاتهامات والردود هو أنها ليست في الحقيقة عملية طبعية من شبهات تثار ثم يرد عليها ويغلق الملف، ولكنها عملية مدبرة ومخططة يقصد بها في نهاية المطاف تسويغ إحياء الفكر الاعتذاري التراجعي ليحل محل الفكر الإيجابي الواثق في الساحة الإسلامية؛ وإلا، فمتى يرد على اتهامات الأجانب؟ هذه هي الخلفية لصعود الفكر الدفاعي في السنوات الأخيرة، وهو فكر يتسم كما قلنا لا بالرد على شبهات تثار في الداخل حول العقيدة بل لاتهامات وترهات ترد من الخارج في إطار تدبير معين، وهو فكر لا يظهر ليحتل وضعاً طبعياً داخل منظومة متكاملة من الطروحات الفكرية الإيجابية ولكن يشغل الحيز الأكبر وإن لم يكن الوحيد داخل الإنتاج الفكري الإسلامي، وهو فكر لا يأتي ليبني على الإنجازات الكبيرة التي تحققت للفكر والفعل الإسلامي بل ليحدث ردة وانكساراً واستخذاءاً وتراجعاً يظهر معه الإسلام وكأنه موضوع في قفص اتهام يعاني من مشاكل خطيرة أو كأنه دين مطعون فيه مليء بالعيوب والنواقص تؤكدها ولا تنفيها ردود الفعل للفكر الدفاعي التسويغي، وهذا الفكر في طرحه الأخير يعاني من مأزق أو قل مآزق جسيمة فوق ما سلف ذكره من عيوب نوجزه في أنه: يهدم وينقض من حيث ادَّعى البناء، ويتراجع وينتكس من حيث أراد الدفاع في زعمه، ويثبت التهمة من حيث أراد أن ينفيها، ويقر بجهة الاتهام ويؤكدها من حيث زعم أنه أراد تخطئتها. وعلى ضوء خلفية الفكر الدفاعي التي بسطناها يتحدد مأزقه أو مآزق الفكر الدفاعي في عدة محاور يحسن تسليط الضوء عليها؛ لأن هذا التوجه أصبح الآن مفروضاً، وكأنه اتجاه شبه وحيد للفكر الإسلامي. وأبرز مشكلة لهذا التوجه ... الاعتذاري هي أنه حوَّل المسألة الفكرية والثقافية إلى ما يشبه القضية الجنائية أو الإجرامية؛ فهناك في طروحات هذا الفكر ثنائية حاكمة هي ثنائية الادعاء أو النيابة والدفاع، هناك جهة توجه الاتهام تلو الاتهام ولا تني وهي جهة الغرب ودوائره المختلفة تقابلها جهة تزعم أنها تدافع عن هذه الاتهامات وتدحضها، ومن الجلي أن التيار الدفاعي قد فرط منذ البداية بعنصر التساوي والتكافؤ؛ حيث أقر للغرب بشعبه وجهاته بحق توجيه الاتهام وشرعية ذلك، ثم وضع نفسه ومعه الإسلام الذي يدعي تمثيله في موضع الطرف الأضعف والموصوم منذ البداية بالاتهامات المتنوعة. ومن الواضح ألا تكافؤ هناك بين المدعي والمدعى عليه، ولا سيما أن المتهم قد أقر بشرعية سلطة الادعاء وأحقيتها في توجيه التهم. ولا أتصور أنه يمكن في إطار تحويل المسألة الفكرية إلى شبه محاكمة جنائية ذات طرفين: قوي، وضعيف أن تكون هناك قيمة تذكر لأي أطروحات تتمخض عنها، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الفكر الدفاعي قد وضع نفسه تحت رحمة اتهامات الغرب وحصر جهوده في الرد المزعوم عليها، تاركاً للغرب أو من يمثلونه الحرية في تحديد نطاق هذه الاتهامات ورسمها، بينما سجن نفسه هو في قفص الرد عليها دون أن تكون له حرية طرح أي قضايا أخرى، أو حتى رد التهم على من يطلقونها، وإلا تعرض لاتهام آخر بالتعصب وعدم الموضوعية. ولعلنا نذكر هنا بالمناسبة أن ما يعيب العملية المسماة الآن بالحوار بين الأديان والتي أصبحت الشغل المفروض على بعض المؤسسات الدينية الإسلامية في عالمنا العربي هو أنها تجري في إطار هذا الفكر الدفاعي، وتحكمها قيوده؛ وعليه فلا حوار هناك حقيقة؛ بل سيطرة من طرف يفرض شروط العملية ومحدداتها، وإذعان من طرف آخر لا يملك إلا رد الفعل على التهم المحددة الموجهة. ... وإذا كان الفكر الدفاعي أو بالأصح الاعتذاري الصادر من الجانب الإسلامي المزعوم قد نسف أسسه منذ البداية بالتخلي عن حرية الحركة وحصر نفسه في دائرة الرد على الاتهامات التي يوجهها من اعترف وأقر لهم بسهولة بمشروعية توجيهها فإنه يعاني بعد هذا العيب القاتل من عيب آخر، وهو: إثبات التهمة من حيث أريد نفيها؛ ذلك لأن السمة الغالبة على هذا الفكر الدفاعي الإسلامي (زعماً) هي القول بفصلٍ بين الإسلام والمسلمين، ثم بين الإسلام (الصحيح) كما يقولون - والإسلام الموجود في كتب الفقه والشريعة والدراسات الدينية وهو مجرد (تفسير) للإسلام حسب الادعاء الرائج. وإذا كانت الاتهامات الغربية توجه الآن بالأكثر إلى مجالات الشريعة الإسلامية أو التاريخ الإسلامي القريب والحديث أو تراث المسلمين وعاداتهم (بينما كانت في الماضي توجه ضد العقيدة نفسها وهو ما لم يعد مقبولاً كثيراً هذه الأيام في ظل ادعاء الغرب بالتسامح وعدم تحقير الأديان) فإن الأسلوب المفضل والغالب عند الفكر الدفاعي في الرد على هذه الاتهامات هو القول بأنها بالفعل صحيحة وثابتة، ولكن ذلك بسبب ممارسات الغالبية العظمى أو كل المسلمين الذين خرجوا عن الإسلام (الصحيح) ؛ فالمسلمون عند الفكر الدفاعي مدانون بالتهم التي يطلقها الإعلام الغربي (من التعصب والإرهاب إلى اضطهاد النساء وإنكار حقوق الإنسان) ، ولكن هؤلاء المسلمين لا يمثلون الإسلام (الصحيح) أو يمثلون على الأقل تفسيرات سيئة ورجعية للإسلام! أما إذا حاولنا أن نعرف ما هو ذلك الإسلام الصحيح أو ذلك التفسير التقدمي للإسلام الذي لا تنطبق عليه الاتهامات الغربية فسنجد في كتابات الاعتذاريين أنه مسخ معلن متغرب يطلقون عليه اسم الإسلام الحقيقي الذي اكتشفوه هم بعد أربعة عشر قرناً من المسلمين بعلمائهم وعامتهم! وهكذا ينتهي بنا الفكر الدفاعي ليس فقط إلى إثبات التهم على المسلمين وتاريخهم بحجة أنهم لا يمثلون الإسلام الأصلي أو التفسير (الصحيح) و (التقدمي) للإسلام؛ بل إنه يصل إلى نتيجة خطيرة وهي أن الإسلام الحقيقي أو تفسيره السليم والعصري هو الذي يماثل آراء أهل الغرب ومذاهبهم وقيمهم: أي من تصدر عنهم الاتهامات. إن التصور المنطقي العام الذي نخرج به من تأمل مقولات أصحاب الفكر الدفاعي وكتاباتهم هي أنهم - وقد انطلقوا بزعم رد اتهامات معينة أو بتصحيح (صورة الإسلام) في الغرب حسب تعبيرهم الشائع ينتهون إلى إثبات التهم على المسلمين مع نفيها عن الإسلام؛ لكنهم عندما يتحدثون عن هذا الإسلام الذي ينفون عنه التهم نجد أنهم يقدمون - باسم (التفسير) و (التأويل) للدين صورة هي شبه متطابقة مع قيم الغرب المعاصر وعاداته ومذاهبه وحتى القديم منها. ولعل أشهر الأمثلة على هذه النهاية ما عرفناه على امتداد العقود الماضية من دعاة يزعمون - مثلاً - أن التفسير (الصحيح) لمقولات الشريعة الإسلامية في شؤون الأسرة يدل على خطر تعدد الزوجات ومنع إيقاع الطلاق من جانب الرجل، وتقييد قوامة الرجل على أهل بيته وكلها عادات أو ممارسات تطابق الفكر المسيحي الليبرالي الوضعي الذي هيمن على الغرب في القرن التاسع عشر وليس في القرن العشرين! الفكر الاعتذاري يبدأ بإقرار واعتراف ساذج وغير نقدي بسلطة الغرب واتخاذها مرجعيةً أعلى وأنضج فكرياً في توجيه الاتهامات ضد الطرف الأدنى (وهذا هو رأي الفكر الدفاعي الضمني في الدين الذي يفترض أنه يمثله) ، وهذا الفكر لا يجهد نفسه في تمحيص الفكر والوضعية الغربية التي تصدر الاتهامات ولا يتعمق في خلفية مضامين هذه الاتهامات وحقيقتها، ولا يجول في خاطره بحث الأسباب والبواعث غير الموضوعية وغير الفكرية (سياسية وتآمرية ودعائية) التي تكمن وراء هذه الاتهامات، ولا يسعى لتحليل المؤسسات والدوائر الغربية التي توجهها، إنه لا يفعل أياً من هذا ولا يوجه تهماً مماثلة أو حتى انتقادات متبصرة لأوضاع الغرب الفكرية والاجتماعية والتاريخية، بل إنه يتقبل الاتهامات على علتها حتى مع صدور معظمها عن دوائر - وبالذات الإعلام السيار - أصبحت موضع شك وطعن في الغرب ذاته، وبعد هذا التقبل (المجاني) للاتهامات بروح الفكر الدفاعي يفندها كما يتصور؛ فلا يخرج على الناس إلا بمبدأ ساذج وغريب، وهو أنه لا علاقة بين الإسلام والمسلمين؛ فالأول بريء، وأما الآخرون فمدانون بهذه التهم. والإسلام البريء من هذه الاتهامات الغربية الجزافية في صحفهم الشعبية أو مؤسساتهم ذات التدبيرات الخفية ليس هو الإسلام الذي عرفه المسلمون طيلة القرون؛ فهذا الآخر مدان؛ لأنه كتلة من تفسيرات الفقهاء المنحازين أو المتأثرين ببيئات غابرة وأوضاع متخلفة. إن الإسلام (البريء) في عرف جمهرة الدفاعيين هو إسلام جديد عصري تقدمي يخرج على الناس لأول مرة وهو - وللمصادفة البحتة - يكاد يتطابق مع قيم وتوجيهات وشرائع وأفضليات أهل الغرب ومشاربهم في الشؤون السياسية والاجتماعية والفكرية؛ فهو إسلام ليبرالي (مستنير) عقلاني (نسوي) رأسمالي يقدس حقوق الإنسان كما يفهمها الغرب ويبجل أديان الغرب. إن النهاية التي يصل إليها الفكر الاعتذاري في طرحه الجديد حسب تصور هذا الكاتب أو ذاك وبشكل عام مجرد تؤدي بنا إلى سقوط الفكر الدفاعي واختفائه؛ فأي دفاع يتبقى بعد أن تثبت التهمة على جمهور المسلمين والفقهاء والعلماء على مر ... التاريخ من ناحية، وتنفى عن مخلوق في علم الغيب يسمونه بالإسلام التقدمي أو التفسير الصحيح؟ ! لكنه يتضح بعد رسم الملامح والخطوط أنه يتطابق مع طروحات وتيارات الغرب السائدة، أقول: أي (دفاع) يتبقى بعد الإقرار بصحة الاتهامات من ناحية، ثم (تبرئة) الإسلام المعلمَن المتغرب من ناحية أخرى؛ في تأكيد غريب وشاذ بالمرجعية العليا والمشروعية والصحة للغرب؛ بحيث إن (الإسلام) لا يمكن أن ينجو من التهم والشبهات إلا إذا قدمت له (صورة) هي طبق الأصل أو قريبة جداً من الممارسات والتصورات الغربية؟ ! لقد قال ماركس عن الرأسمالية: (إنها تحمل بين طياتها بذور فنائها) ونستطيع الآن القول بأن الفكر الدفاعي - لو سلمنا بصحة النوايا - يحمل في طياته بذور فنائه كما أوضحنا. ولطغيان الفكر الدفاعي الاعتذاري على ساحة الكتابة الإسلامية في السنوات الأخيرة خلفية وسمات؛ فقد اكتشفنا أنه يعاني من مأزق أساس وهو أنه لا ينتهي في الحقيقة إلى دحض شبهات حول الدين تصدر هنا وهناك بقدر ما ينغمس - بوعي أو بدون وعي - في لعبة سقيمة تنصبها بعض الدوائر الغربية والإعلام هناك بأهداف تحويل الفكر الإسلامي عن مسار الاهتمام والإبداع الإيجابي تطويراً لمفاهيم هذا الدين، وبسطاً لها على مختلف جوانب الحياة، ورداً للطاقات الفكرية الإسلامية إلى الاجترار العقيم لمقولات مملة ما تزال تتردد في جوهرها وإن اختلف الأسلوب منذ قرن، وقلنا: إن الطابع الاعتذاري التراجعي الذي يطغى على هذا الفكر قد وسم بنوع من الخوف - ولا أقول الاستخذاء - وعقد النقص والدونية أمام الطروحات والاتهامات الغربية والعلمانية المحلية التي تتكرر بأسلوب يشبه الطقس الديني؛ بحيث إنه أصبح يسلم بالتهم ولا ينفيها ويقبلها على علتها دون أن يدحضها؛ بل يسارع إلى الخروج (بتفسيرات) للإسلام تعترف ضمناً بالاتهامات لكنها تسعى من خلال تقديم صورة معلمنة ومتغربة و (تقدمية) و (عصرية) و (مستنيرة) للدين إلى أن ترضي الغربيين والعلمانيين أصحاب الاتهامات، والواقع أننا بدل الحديث عن مأزق يعاني منه الفكر الدفاعي الاعتذاري يجدر بنا أن نتحدث عن (جنايات) ينتجها هذا الفكر على الفكر الإسلامي. إن أبرز هذه الجنايات هو رد الفكر الإسلامي من مواقع الطرح الإيجابي الواثق العريض المساحة والواسع الاهتمام إلى مواقع التراجع والارتداد وتضييق الجبهة وتقليص الاهتمام وزعزعة الثقة، والأمثلة على هذا كثيرة لا تعد؛ ففي العقود القليلة الماضية كان هناك إنتاج كبير في ميادين الدراسات الاقتصادية والإنسانية للخروج بفلسفات ومواقف ونظريات إسلامية فيها. أما الآن فالكتابة الغالبة أو التي تحظى بالترويج الإعلامي الرسمي والغربي هي التي لا تقدم مثل هذه الدراسات؛ بل التي تقتصر على الجانب التسويغي المتراجع وعلى زوايا ضيقة إلى حد يبعث على الريبة. فبدل تكوين نظرية اقتصادية إسلامية وجدنا الخطاب الاعتذاري الذي فُرض على الساحة يركز في السنوات القلية الماضية على نقاط مثل إباحة الفوائد الربوية المصرفية. وبدل طرح المفاهيم الإسلامية المتكاملة في مجال الأسرة كي تهدي وتعالج ملايين الحائرين في خضم فتن العصر وإباحيته نجد الفكر الدفاعي يفرض على الأمة مسائل مثل: إلغاء رخصة تعدد الزوجات، وتقييد حق الرجل في الطلاق مع منح المرأة حق إيقاع الطلاق بكل سهولة، ثم تقييد حق الرجل في القوامة على أهل بيته أو حتى إلغائه؛ وكل ذلك بحجج واهية من التمشي مع العصر، أو مراعاة حقوق الإنسان، أو إنصاف المرأة، أو تحقيق (روح) الدين؛ بينما الهدف النهائي هو أن تتحول تعاليم الأسرة وأحكامها في الإسلام إلى نسخة من نظيرتها في القوانين الغربية المسيحية والوضعية. وبدل الحديث عن النظام السياسي في الإسلام يطرح الفكر الدفاعي بعد أن ينكر وجود مثل هذا النظام قضيةً وحيدة تقول: إنه لا خلافة ولا حكومة في الإسلام؛ بل نظام حزبي فقط أشبه بالنظم الليبرالية الغربية. وبدل الحديث عن النظام القانوني في الإسلامي - أي تطبيق الشريعة - يخرج الفكر الدفاعي بمفهوم شاذ يقول: إن الشريعة في المحك الأخير ليست سوى نظام قانوني وضعي يصاغ وفق الاحتياجات المتغيرة للناس - حسب ما يزعمون -، ونكتشف رغم ذلك أن ما يريدونه حقاً هو نظام وضعي يساير نظام الغرب ونماذجه، وليس احتياجات المسلمين، والأمثلة كثيرة ولكن في هذا كفاية. ومن الجنايات الأخرى التي يرتكبها الاتجاه الدفاعي الاعتذاري في حق الفكر الإسلامي القضاء على روح الابتكار والخلق والنقد والبحث الواثق؛ فهذا الاتجاه كما قلنا يحصر الفكر في قضايا معدودة ما زالت تتكرر منذ القرن الماضي، وهو يتقبل اتهامات الغرب على علتها دون أن يمارس أي نقد أو حتى تمحيص لها، وهو يتقبل الغرب مشروعيةً فكريةً عليا دون أن يدرس هذا الزعم بموضوعية وإدراك بالعوامل التاريخية ودورها. إن الغرب نفسه لم يعد يقبل أن يمنح مدارسه الفلسفية والفكرية وضع المرجعية العليا التي تسمو على النقد والمراجعة، لكن الفكر الدفاعي وفي جهل غريب ومريب بكل التطورات الفكرية في الغرب نفسه والتي أسقطت مفهوم المرجعية المطلقة لمدارسهم ومذاهبهم التي أسست الفكر النقدي يروح في سذاجة أو ذيلية يعلي من شأن الفكر الغربي في شتى اتجاهاته، ويجعل له مشروعية توجيه الاتهامات، ثم يتقبل هذه الاتهامات باعتبارها حقاً مطلقاً قبل أن يتولى (الرد) عليها بالطريقة التي وصفناها سابقاً. وعلى سبيل المثال: نجد الفكر الدفاعي عندما يستمع للاتهامات الغربية حول اضطهاد الإسلام للمرأة يتقبل هذه الاتهامات ولا يفكر حتى في اتخاذ موقف نقدي بسيط وأولي، يرى فيها مجرد إسقاط لمفاهيم وممارسات غربية بحتة وتاريخية نابعة من ثقافتهم وظروفهم الخاصة على عالم وحضارة الإسلام. وحتى إذا تجاهلنا الحديث عن الطابع الكيدي والمغرض لهذه الاتهامات وصدقنا أنها تصدر بحسن نية فإننا لا نستطيع أن ننكر على أنفسنا اتخاذ موقف نقدي بسيط يفحص هذه الاتهامات، ويرى أنها تعبر عن موقف ورؤية ومفهوم خاص بالغرب ونابع من ظروفه التاريخية والثقافية الخاصة المختلفة عن عقيدة الإسلام والمسلمين ودينهم وتاريخهم وحضارتهم، كما يرى هذا الموقف النقدي أن الاتهامات الغربية تنبع من صورة للإسلام تنطبع في تلك الحضارة عن الإسلام باعتباره لديهم عدواً تاريخياً وعقدياً لهم منذ أيام الحروب الصليبية. لكن الفكر الدفاعي الاعتذاري وفي غمرة تراجعه وتقبله المطلق للغرب لا يفكر في اتخاذ حتى أبسط المواقف النقدية، أو الفاحصة. ... وفي نهاية المطاف تنعكس هذه المثالب الناجمة عن فرض الاتجاه الدفاعي الاعتذاري ممثلةً توجهاً طاغياً أو وحيداً في ساحة الفكر الإسلامي على جمهور المشتغلين بالفكر والثقافة في الساحة الإسلامية؛ حيث يؤدي إلى إشاعة الظن بأن ذلك التوجه بعيوبه هو القدوة الوحيدة التي تحتذى، وبحيث يعتقد المشتغل بالفكر أو القارئ أنه مطالب بتقديم تسويغ ودفاع واعتذار أمام محكمة الغرب عن كل فكرة تطرأ على باله أو فعل يمارسه أو عادة يعتادها، ولعلنا نشبه هذا الموقف بمن يمشي وهو يتلفت وراءه حتى يظنه الناس مريباً؛ كما تغيب عن أذهان المشتغلين بالفكر الإسلامي نتيجة لسيادة التوجه الدفاعي كل الإنجازات والطروحات الإيجابية التي أفرزتها الصحوة الإسلامية وصعود الإسلام في السنوات الماضية؛ وهذا في حد ذاته هو المستهدف من وراء تلك (الهجمة) لفكر الدفاع والاعتذار والتسويغ التي تحتاج إلى وعي كامل بها وبأبعادها حتى نستطيع أن نفوِّت الفرصة على من فرضوا هذا الفكر وجعلوه تياراً شبه وحيد على الساحة، ومهدوا له كي يخدم أغراضاً هي أبعد ما تكون عن الدفاع حقاً عن الإسلام أو تصحيح صور مشوهة عنه يقال لنا: إنها تسود في الغرب. وتبقى كلمة أخيرة وهي أن بعضاً منهم أصبح الآن مهتماً قبل أي شيء آخر بما يسمونه تصحيح صورة الإسلام المشوهة في الغرب، وتبلغ بهم الوقاحة حد الزعم بأن السبب في هذه الصورة الشائهة هم المسلمون أنفسهم وليست أية توجهات أو مكائد غربية، وهذا هو أحدث أو آخر ما أنتجه الفكر الدفاعي من مثالب؛ حيث انتهى به الأمر إلى اختزال كل جهود الفكر الإسلامي في تصحيح لصورة إعلامية بعد اتهام المسلمين بالمسؤولية عنها رغم أنها محض (صورة) في إعلام غربي تافه سوف يظل يكررها عشرات السنين مهما حدث لها من تصحيحات وتسويغ ودفاع؛ لأن المقصود بترويجها ليس طلب التصحيح؛ بل التشويه والكيد والإساءة، وتنفير الناس من الإسلام.

стр. 3333

مصطلحات الحضارة خالد أبو الفتوح لم يدُر بخَلَدَي قبل أن أشرع في الكتابة عن مصطلح (الحضارة) أن مصطلحاً بمثل هذا الانتشار يكتنفه غموض وإبهام كالذي رأيت؛ فهذا المصطلح غير العربي نشأةً أحد الترجمات لمفردتين في اللغات الأوروبية منبثقتين عن جذرين لاتينيين يختلف كل منهما عن الآخر، وقد نقل بعض (المثقفين) العرب معاني هاتين المفردتين الأوروبيتين إلى اللغة العربية وفرغوها في ألفاظ عدة حسب فهمهم لهذه المعاني وتلك الألفاظ، كان منها: (الحضارة) . فإذا علمنا أن الكلام على (الحضارة) يتشعب في كتب التاريخ والاجتماع والفلسفة والآداب والسياسة والجغرافية والعلوم ... ، وإذا أضفنا إلى ذلك أن عالمي الإنثروبولوجي (علم الإنسان) ألفريد كروبر، وكلايد كلوكهون كانا قد أحصيا سنة ١٩٥٢م ما يزيد عن (١٦٤) تعريفاً لـ (الحضارة) في اللغات التي نشأت دلالة المصطلح وتطورت فيها.. اتضح لنا حجم الاختلاف في تحديد مفهوم هذا المصطلح. ولأن المصطلح نشأ وتطور خارج البنية اللغوية العربية فليس من المناسب أن نذهب كما يفعل بعض الباحثين في مثل هذه المصطلحات إلى المعاجم العربية لنبحث في مادة (ح ض ر) ثم نلوي بعض المعاني العربية لتتسق مع هذا المفهوم أو ذاك، أو نبتسر بعض هذه المفاهيم الغربية لتتفق مع معنى اللفظ العربي، ولكن ينبغي أن نذهب إلى المصطلح في لغته الأم، لنحاول الوقوف على معانيه الأصلية، ثم على المفاهيم التي انبثقت من هذه المعاني وتطورت عنها، وعلينا بعد ذلك أن ننظر في مدى مطابقة هذه المفاهيم للفظ العربي، وأن نبحث في مدى موافقتنا على هذه المفاهيم والمعاني، وفي أنسب الألفاظ لهذه المعاني والمفاهيم. الحضارة في اللغات الأوروبية: انتقل المفهوم الغربي إلى لفظ (الحضارة) العربي، وأيضاً إلى لفظي (المدنية) ... و (الثقافة) عبر ترجمة لفظ Civilization التي تعود إلى اللفظ اللاتيني Civits، وأيضًا عبر ترجمة لفظ Cltre التي تعود إلى الجذر اللاتيني Cltra؛ لذا علينا البحث في معاني هذين اللفظين: أولاً: تطور مفهوم (Civilization) : اشتقت Civilization من اللاتينية Civis التي تعني المدني أو المواطن الساكن في المدينة، وهذا المعنى قريب من المعنى المقصود في كلام الفلاسفة العرب الذين تأثروا بالترجمات اليونانية عندما كانوا يذكرون أن (الإنسان مدني الطبع) ، ويعنون بذلك: أنه (اجتماعي) ، فمدني هنا كانت تعني: (أهلي) ، أي: إنه غير وحشي، وكان هذا الاشتقاق غير متداول حتى القرن الثامن عشر، غير أن الكلمة Civilization لم تنتشر بوصفها اصطلاحاً على (الحضارة) خلال هذا القرن، حتى إن أحد الكتاب رفض إدخالها في قاموس لغوي كان يؤلفه مفضلاً المصطلح القديم Civility الذي يحمل معنى الكياسة واللطف، وفي الوقت نفسه يعكس احتقار أهل المدن للريفي وللبدائي الهمجي. وفي القرن الثامن عشر أيضاً استخدمها الموسوعيون الفرنسيون قبل صياغة كلمة (رأسمالية) لتناقض النظام الإقطاعي، وهي أيضاً قريبة من أصل المعنى؛ حيث تتناقض المدينة وحركتها الصناعية التجارية مع الإقطاع، كما أن صفة الانعتاق والتحرر تتعلق بكلمة Civilization التي قد تعني التقدم والسير إلى الإمام. وقد عنت Civilization عند اشتقاقها: عملية (اكتساب) الصفات المحمودة، وبخاصة الألطاف الفردية والاجتماعية، ثم تطورت لتدل على النتيجة الحاصلة، أي: حالة الرقي والتقدم في الأفراد والمجتمعات (التحضر) . وفي القرن العشرين ساعد أوزفالد إشبنجلر وأرنولد توينبي وآخرون على إعطاء معنى آخر لـ Civilization إضافة إلى عملية (التحضر) وهو كون الكلمة تدل على وحدة حضارية تاريخية معينة؛ فالمعنى الأول مقصود به التقدم أو التحول الإنساني بشكل عام من مستوى إلى مستوى آخر أكثر تعقيداً أو تطوراً من حيث التقنية المستخدمة أو الثقافة السائدة، وفي هذا السياق يقال: حضارة بدائية، أو حضارة الآلة، أو حضارة دينية.. أما المعنى الثاني فيعني حضارة شعب بعينه أو منطقة بذاتها، فيقال: الحضارة الفرعونية، أو حضارة قبائل المايا، أو الحضارة الصينية ... وعموماً فإن الكلمة تستخدم اليوم في اللغات الغربية في الأغلب بصورة مطلقة لكلا المعنيين، وإن اختلفوا في ماهية المقصود منها؛ فهي عند الباحثين الإنجليز تعني الحضارات العليا، ويستعملها الفرنسيون بمعناها الشامل (المادي والمعنوي) ، أما عند الباحثين الأمريكيين والألمان فهي تعني الجوانب المادية أو التكنولوجية من الحضارة، وغالباً ما يستعمل الألمان Civilization للدلالة على أن الحضارة في طريقها إلى الاحتضار.. ولكنهم جميعاً يتفقون على أن الكلمة تدل على: نمط ما من الحياة الاجتماعية مكتسب ومشتق من المدينة. ثانياً: تطور مفهوم: (Cltre) : أُخذت Cltre عن اللفظة اللاتينية (Cltra من فعل Colere) بمعنى حرث أو نمّى، وقد ظلت اللفظة مقترنة بمعنى حراثة الأرض وزراعتها طوال العصرين: اليوناني، والروماني، ومع أن شيشرون استعملها بالمعنى المجازي داعياً الفلسفة: (Cltra mentis) أي: زراعة العقل وتنميته، إلا أن هذا الاستعمال ظل نادراً في اللغة اللاتينية. وفي القرون الوسطى أُطلقت الكلمة في فرنسا على الطقوس الدينية، وفي عصر النهضة الأوروبية اقتصر مفهوم Cltre على مدلوله الفني والأدبي، وبدأت الكلمة في أوائل العصور الحديثة تستعمل في الإنجليزية والفرنسية بمدلوليها المادي والعقلي، مع إضافة الشيء المقصود بالتنمية (ذكاء معرفة مهارة زراعة ... ) . فلما كان القرن الثامن عشر أطلق الكتاب الفرنسيون اللفظة إجمالاً دون إضافتها إلى شيء معين، وأصبحت تدل على تنمية العقل والذوق، ثم انتقلت إلى حصيلة هذه التنمية من مكاسب عقلية وذوقية، وفي أواخر هذا القرن انتقلت اللفظة بما استقرت عليه من معانٍ من الفرنسية إلى الألمانية، ثم اكتسبت في الألمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين مضموناً اجتماعياً؛ حيث أصبحت تدل على التقدم الفكري الذي يحصل عليه الفرد أو المجموعات أو الإنسانية بصفة عامة، ويعتبر جوستاف كليم (١٨٠٢- ١٨٦٧م) مؤسس علم الإنثروبولوجيا (علم الإنسان) من أوائل من استعمل الكلمة لتدل على ظواهر اجتماعية عند أي جماعة من مهارات سلوكية و (دين) وفن وعلم وأنظمة للسلام والحرب. أما في الإنجليزية، فحسب معجم أكسفورد فإن أول استعمال لهذه الكلمة بمعنى قريب من ذلك يعود إلى سنة ١٨٠٥م، وإضافة إلى ذلك فقد انطلق المفكرون الإنجليز في المسائل السياسية والدينية لينظروا إلى Cltre من زاوية تطبيقاتها العملية، وفي عام ١٨٧١م وضع الإنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد تايلور (١٨٣٢ ١٩١٧م) تعريفاً لمفهوم هذه الكلمة تأثر به معظم من جاء بعده؛ فهي عنده: ذلك الكل المركب الذي يشتمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع. وعرفها الفيلسوف الأمريكي جون ديوي بأنها: حصيلة التفاعل بين الإنسان وبيئته، ويعرفها كل من كروبر وكلوكهون بأنها: مجموعة طرائق الحياة لدى شعب معين، أي: الميراث الاجتماعي الذي يحصل عليه الفرد من مجموعته التي يعيش فيها. وإجمالاً فإننا نستطيع القول: إن مفهوم Cltre يتضمن حصيلة التنمية المعرفية والأخلاقية والذوقية والتنظيمية وثمرتها المكتسبة الظاهرة في مجتمع ما، نتيجة التعليم والنظام والخبرة الاجتماعية والعوامل الاقتصادية. ومن الملاحظ تبادل مفاهيم (Civilization و Cltre) في اللغات الأوروبية من بيئة معرفية إلى أخرى. انتقال مفهومي Civilization و Cltre إلى العربية: لعل ترجمة كتاب: (إتحاف الملوك الألبا بسلوك التمدن في أوروبا) في عهد محمد علي باشا أوائل القرن التاسع عشر الميلادي شهد ظهور أول ترجمة لكلمة Civilization بمفاهيمها الغربية الحديثة إلى العربية. وواضح أن لفظ (المدنية) صيغ في هذه الفترة مقابلاً لها للدلالة على المجالين المادي والمعنوي، وقد ذكر رفاعة الطهطاوي في كتابه: (مناهج الألباب المصرية) ما يوضح ذلك، أي: إن (التمدن) و (المدنية) كانتا تطلقان إطلاقاً شاملاً، وكذلك صيغت اللفظة نفسها في ترجمات كتب القانون، خصوصاً ما أطلق عليه: (القانون المدني) ، وظل هذا المفهوم الشامل (للمدنية) مستخدَماً طوال القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين. في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين صيغت كلمة (حضارة) ترجمة لـ (Civilization) ، وربما كان علي مبارك ومن بعده أحمد لطفي السيد أول من استخدم كلمة (حضارة) للدلالة على مفاهيم (Civilization) ، وابتداءاً من الربع الثاني من القرن العشرين شاع استخدام كلمة (الحضارة) بديلاً عن (المدنية) بمعناها الشامل. في عشرينيات هذا القرن أطلق سلامة موسى لفظ (ثقافة) على مفاهيم (Cltre) قاصداً بها: المعارف والعلوم والآداب والفنون، يتعلمها الناس ويتثقفون بها؛ بينما أطلق (الحضارة) مقابلاً لكلمة (Civilization) قاصراً مدلولها على الأمور المادية والمحسوسة. وفي أواخر الخمسينيات أُطلقت لفظة (المدنية) على الظواهر المادية في حياة المجتمع ترجمة لـ (Civilization) ، بينما ترجمت Cltre إلى (حضارة) للدلالة على الظواهر الثقافية والمعنوية، وقد ساهمت في ذلك ترجمات علماء الاجتماع والإنثروبولوجيا العرب. وفي النصف الثاني من القرن العشرين أخذت المعاجم والقواميس تترجم Civilization إلى (حضارة) ، مع نقل التعريفات والمفاهيم المرتبطة بالكلمة الأوروبية كما هي في بيئتها. ومن خلال هذا الاستعراض يتضح لنا أن هناك شقين في المفهوم الغربي الذي أراد بعض المثقفين العرب نقله إلينا من خلال ترجمة (Civilization) و (Cltre) : شق مادي محسوس، وشق معنوي ومعرفي. وقد انتقل التداخل والتضارب في مفاهيم اللفظين عند الأوروبيين إلى الترجمات العربية؛ حيث عبرت (المدنية) أحياناً عن الشقين معاً، وأحياناً أخرى عبرت (الحضارة) عنهما، وأحياناً عبرت (المدنية) عن الشق المادي، و (الحضارة) عن الشق المعنوي، وأحياناً أخرى عبرت (الحضارة) عن الشق المادي، تاركة للشق المعنوي المعرفي كلمة (الثقافة) .. وهكذا اضطرب ارتباط المفهوم مع المصطلح، وإن كان يكثر في السنوات المتأخرة إطلاق لفظ (الحضارة) على الشقين المادي والمعنوي، مع بعض الميل إلى استخدام (المدنية) في الجوانب المادية، تاركاً (الثقافة) لجهود الفرد في تنمية وعيه ومعارفه وذوقه؛ بخلاف (الحضارة) التي تتسم بالجماعية. نقد المفهوم الغربي: بادئ ذي بدء: فإننا غير ملزمين بقبول محتوى المفهوم ولا بالتمسك بمصطلح ارتآه بعض المثقفين إلا بقدر ما يوافق قناعاتنا، وهذا مقتضى إسلامنا، بل مقتضى كوننا عقلاءَ وأحراراً، ومن هنا: وجب علينا مناقشة المفهوم وتمحيص المصطلح؛ فمن خلال مناقشة المفهوم الغربي الذي يعد مرجعاً للمفكرين العرب الذين نقلوه إلينا نستطيع التعرف على فحوى المصطلح ومدلولاته وملابساته التي تسللت إلى المصطلح العربي، ونستطيع أيضاً استيضاح مدى توافق ذلك المفهوم مع مفاهيمنا الإسلامية الأصيلة. لقد اتضح من خلال العرض السابق أن المفهوم الغربي خرج من كلمتين تدل إحداهما في أصل معناها على الفلاحة (غرس، ثم إنماء، ثم حصد) ، وتدل الأخرى على النسبة إلى المدينة، بينما خرج المصطلح العربي (حضارة) من منطلق أن (الحضر) بخلاف البدو، وعليه: فإن الكلمة (حضارة) تدل على الاستقرار الذي تنشأ عنه المدينة التي هي أصل Civilization، ويمكن مناقشة ذلك فيما يلي: أولاً: ارتباط مفهوم (الحضارة) بالمدن والنظرة الأوروبية للتطور أخرج مجتمعات بشرية مما يسمى بالمجتمعات البدائية من دائرة الحضارة، وهذا لا يستقيم إنسانياً؛ فالحضارة ميزة إنسانية نظراً لتفرد تكوين الإنسان العقلي والنفسي والعضوي، وهذا ما عناه ابن خلدون في مقدمته عندما أدخل البدو (بدون مدن) في مراحل العمران، وقريب من ذلك تقريرات علماء الإنثربولوجيا؛ فهم يقصدون بالحضارة: جماع حياة أي مجتمع بدائي أو متقدم؛ فلكل جماعة إنسانية من النشاط (الحضاري) ما تهيأ لها لتتكيف مع بيئتها وتحقق غايتها من التحسين والسعادة، وهكذا يكون لكل جماعة إنسانية حضارتها التي أبدعتها، وكما أنه ليست هناك جماعات كاملة التحضر كذلك لا توجد جماعات وحشية أو بدائية تماماً. فالبدو مثلاً ليسوا خلواً من (الحضارة) ، وقد كان لهم في بلاد العرب قبل الإسلام أعرافهم وقيمهم الأخلاقية التي ترتكز في تقريرها وتنفيذها على إعمال فكر، وكان لهم شِعْر يحمل كثيراً من الحكمة والتأمل والخبرة، كما كانت لهم خبرات عن النجوم والرياح والمطر بنيت على الملاحظة والاستقراء. وقد أشار علماء الأجناس الجدد حسب الموسوعة البريطانية إلى أن شعوباً بدون مدن مثل قبائل بولينيزيا والهنود الحمر في أمريكا الشمالية كانوا على درجة عالية من (الحضارة) ، بمعنى أنه عند التدقيق وجد أنه كانت لديهم لغات، وفنون أصيلة، بشكل يثير الإعجاب لظروفهم ومؤسساتهم المتطورة، وكان لديهم أيضاً ممارساتهم الاجتماعية والسياسية والدينية، وأساطيرهم الوثيقة التي هي ليست بأحسن ولا بأسوأ من كثير من تلك التي تسود اليوم بين دول أوروبا. وقد قدمت (الحضارات الماضية) في أطوارها المتعددة إنجازات تعتبر الأساس الذي شيد عليه البناء الحضاري الأوروبي، كاكتشاف النار، وصهر المعادن، وتدجين الحيوانات، والكتابة، والعجلة، وابتكار الصفر ... بل قدمت جماعات بشرية بدائية اختراعات كانت أنفع للإنسان من الصعود إلى القمر، وهل يقارن هذا الصعود من جهة نفعه للبشرية باختراع رغيف الخبز مثلاً؟ ! ونخلص من كل ذلك إلى أن الحضارة نسبية، وأنها تراكمية، كما أنها أيضاً كلمة محايدة لا تحمل في ذاتها مدحاً ولا ذماً. ثانياً: إن مفهوم (الغرس، ثم الإنماء، ثم الحصد) جعل كثيراً من الباحثين ينظرون إلى (الحضارة) على أنها تسير في خط تصاعدي دوماً، حتى إن بعض المفكرين كهيجل وكانت وفيكو على فروق بينهم قسموا التاريخ إلى ثلاث مراحل: مرحلة الهمجية، ومرحلة البربرية، ومرحلة (الحضارة) ، وبناءاً على ذلك المفهوم تكرست النظرة إلى أحوال المجتمع الأوروبي المعاصر على أنها (الحضارة) ، بينما المجتمعات الأخرى الماضية أو المعاصرة مجتمعات همجية، أو في أحسن الأحوال في مرحلة متدنية من (الحضارة) ، ولذلك: ظهرت عبارات مثل: المجتمعات المتخلفة، المجتمعات النامية، اللحاق بركب الحضارة، تضييق الفجوة،.... وفي الوقت نفسه: أعطى هذا المفهوم تصوراً عن قيم المجتمع الأوروبي الذي تسنم قمة (الهرم الحضاري) ومعتقداته وأنماط سلوكه ووسائل حياته.. أنها الأرقى والأصلح، بينما عدت قيم المجتمعات الأخرى ومعتقداتها وأنماط سلوكها رجعية ومتخلفة، ومن ثم: ظهرت عبارات مثل: رسالة الرجل الأبيض، اتباع الحضارة الغربية بحلوها ومرها، الدور التحضيري لأوروبا.. وبالفعل فقد تعاظم الدور الأوروبي في المجتمعات الأخرى، وأخذ الأوربيون في (غرس) قيمهم وأفكارهم ونمط معيشتهم، والعمل على (إنمائها) وسط هذه المجتمعات، والتطلع والصبر لـ (حصد) ثمرتها، وهو ما نعده نحن غزواً حضارياً بينما يدعي بعضهم أنها مجرد عملية (تحضير) قسري. ثالثاً: إن هذا المفهوم بخلفياته التاريخية الأوروبية ولّد نوعاً من فكر التبعية تجاه الغرب؛ فنسق التطور الأخير للمدينة الأوروبية أوجد مدناً كبيرة بمثابة مراكز عالمية تمثل بؤراً تتشابك حولها مدن مختلفة رغم تباعدها، غير أنها ترتبط بالمدينة (الأم) ، وتكون هذه المدن أخوات في المدينة الأم، وهذه هي النظرة الإغريقية نفسها تجاه المدينة الأم (أثينا) ، ولكن طبيعة العلاقات المعاصرة أوجدت أنماطاً من الارتباطات مختلفة عن تلك التي كانت على عهد الإغريق، ومن هنا تكرست النظرة إلى طبيعة العلاقة المفترضة بين دول العالم (النامي) ودول العالم (المتحضر) بأنها علاقة تبعية، ثم نشأت المحاور والأحلاف والعلاقات الخاصة مع المراكز (الحضارية) الأوروبية. ومن جهة أخرى: فإن انبهار العالم (النامي) بحضارة أوروبا ونظرة كثير من مثقفيه المهزومين نفسياً إلى كون الحضارة: نقلاً وغرساً وإحلالاً، أوجد بيئة خصبة للدعوة إلى استبعاد الثقافة والمعارف بل والقيم المحلية وتنحيتها؛ بوصفها رجعية متخلفة، لتفسح المجال لـ (الثقافة الجديدة) و (ثقافة اليوم) و (ثقافة المستقبل) ، ومن ثم: للحضارة الجديدة. رابعاً: إن المفهوم الأوروبي مستمد من القيم والأخلاق والأنماط التي أوجدتها المدينة الأوروبية بعد تطورها الأخير، ولذلك فإن هذا المفهوم ينسب إلى (المدينة) ؛ فالمدينة في الغرب مصدر للقيم والسلوك، القيم والسلوك اللذين ظهرا في القرن السابع عشر والثامن عشر الميلاديين؛ حيث تطورت المدينة الأوروبية وانتشر فيها نمط حياة الترف وما صاحبه من أفكار وعلاقات اجتماعية وسياسية مستحدثة، وهذا بخلاف التصور الإسلامي، بل والتاريخ الإسلامي اللذين يختلفان عن التصور والتاريخ الأوربيين؛ فالمدينة إسلاميّاً هي التي خرجت من رحم القيم والسلوكيات الإسلامية وليس العكس؛ فهي مدينة؛ لأنها ذات شرعة (دين) وسلطان (دان) ؛ فهي إحدى صور تشكلُّ حياة المسلمين، وهكذا كانت حضارة الإسلام وليدة هذا الدين، ولذلك صاحب تغيير الرسول ﷺ لاسم (يثرب) إلى (المدينة) إعادة تشكيل المجتمع الجديد وفق القيم الإسلامية، وربما لذلك أيضاً كان من علامات النفاق إطلاق اسم (يثرب) على (المدينة) ؛ حيث يحمل إطلاق هذا الاسم القديم رغبة في العودة إلى العقائد والقيم والنظم القديمة التي محاها تأسيس (المدينة) النبوية. ومن هنا: رأينا اختلاف المجتمع الأوروبي (المتحضر) عن المجتمع الإسلامي في شتى المجالات حتى المادية منها؛ حيث تسيطر أدوات الحضارة (الأشياء) على الأول، يدور حولها ويعمل من أجلها؛ لأنها غايته، بينما يوظف المجتمع الإسلامي هتذه الأدوات لخدمة عقيدته ومبادئه ومنهجه. خامساً: صاحَبَ نشوء المفهوم الأوروبي أو سبقه انفكاك المدينة الأوروبية من هيمنة الكنيسة حيث كانت الكنيسة مركز المدينة الأوروبية والمسيطرة عليها أو بالأحرى: انفكاك المجتمع الأوروبي من الدين، وعلى ذلك قامت حضارة أوروبا المعاصرة، ونتج عن ذلك أمران مهمان: أما الأمر الأول: فهو بروز مفهوم (الحضارة) أو (المدنية) على أنه عكس مفهوم (الدينية) ، ومن هذا التصور ظهرت عبارات: الدولة المدنية، والقانون المدني، والثقافة المدنية، في مقابل: الدولة الدينية، والقانون الديني، والثقافة الدينية، وهكذا انتقلت (اللادينية) إلى مجتمعاتنا عبر (المدنية) رغم التباين الكبير بين دين النصرانية ودين الإسلام. والأمر الثاني: نشوء القومية الحديثة على أطلال الانتماء الديني أو المذهبي، ومن ثم ربطت الحضارة بالأرض أو القومية؛ ولهذا السبب لا نجدهم يطلقون اسم (الحضارة المسيحية) على حضارتهم رغم اشتراكهم في الانتساب إلى (المسيحية) ، إضافة إلى سبب آخر هو أن انكماش المساحة التي يتحرك فيها دينهم وأي دين خلاف الإسلام جعلهم لا يتركون للدين إلا ركناً ضيقاً، هو كونه أحد مكونات الشق المعنوي في (الحضارة) أو (المدنية) ، وهذا بخلاف الإسلام الذي تتأبى طبيعته على الانكماش أو الانزواء؛ فهو أوسع من أن تحتويه دائرة في (الحضارة) أو حتى كل الحضارة؛ لأنه يشمل الحياة كلها، ولذا خرجت منه الحضارة وانتسبت إليه وليس العكس؛ وهذه خصيصة إسلامية فريدة. تمحيص المصطلح العربي: ارتكز من روج لمصطلح الحضارة على أن الحضر لغة بخلاف البدو، مما يعطي دلالة على الاستقرار الذي هو شرط للحضارة، وأيضا: على الاستعمال العربي ل (حاضرة) بمعنى مدينة أو قرية. ورغم أن المعاجم العربية تورد (الحضر) على أنها خلاف البدو، وأن الحضارة الإقامة في الحضر، إلا أن الاقتصار على هذا المعنى لاتخاذه مصطلحا غير مسلم به؛ فقد أورد ابن الأنباري في كتابه (الأضداد) وكذا أورده قطرب في الأضداد أيضا أن الحضارة من الأضداد؛ حيث قال: (ومن الأضداد قولهم: فلان من أهل الحضارة، إذا كان من أهل الحضر، ومن أهل الحضارة، إذا كان من أهل البادية [١] . وإذا ضربنا صفحا عن دلالة ما ذكره ابن الأنباري فإننا بالتأكيد لا نستطيع الزعم بأن أهل العربية قصدوا من لفظ الحضارة المفاهيم نفسها التي يقول بها علماء الإنثروبولوجيا المعاصرون؛ لأن اللفظ العربي لا يحتمل تلك المفاهيم لغة، كما أن الحضارة إذا اعتبرناها من حاضرة بمعنى مدينة لا تدل لغة على الشق المعنوي والقيمي الذي ارتبط بالمفاهيم الحديثة ل (الحضارة) ، إلا إذا أضفنا إليها مفاهيم Civilization الغربية، وهذا لا يستقيم لغة ولا تاريخا كما بينا. وقد حاول الأستاذ نصر محمد عارف [٢] توسيع مفهوم الحضارة عربيا ليتسع لمعان إسلامية كثيرة، عن طريق ربطه بمعنى الشهادة، وحاول ذلك أيضا من خلال التفريق بين الحضور والوجود؛ حيث أعطى للحضور معنى طرح نموذج إنساني للاقتداء به، أو للتبشير به بغض النظر عن مضمون هذا النموذج. ولا شك أن هناك رابطا بين الحضور والشهود، ولكن هذا الرابط لا يصل إلى حد أن تكون الكلمتان مترادفتين، بنحيث نذهب لنستنطق المعاني المستنبطة من شهد ثم نسقطها تلقائيا على حضر كما فعل الاستاذ نصر، فأصل معنى شهد لغة: علم وبين، وهذا المعنى لا يشترط دوما في الحضور، وهذا على ما بينا، والحضور لا يقتضي العلم، ألا ترى أنه يقال: حضره الموت، ولا يقال شهده الموت؛ إذ لا يصح وصف الموت بالعلم [٣] وهذا يعني أن الشهادة أعم من الحضور، فكل من شهد حضر، وليس بلازم أن يكون كل من حضر شهد. فنحن إذن بإزاء ثلاث كلمات: الوجود: وهو ضد العدم، وهو ممكن مع الغيبة، والحضور: وهو ضد الغيبة، لذا فهو غير ممكن مع الغيبة، ولا يستلزم العلم والبيان. والشهود: وهو أعلى من الحضور؛ إذ يقتضي حصول العلم والبيان، وقد يعني هنا: المراقبة وأداء الرسالة.. وهذا التفريق بين الكلمات الثلاث يجعلنا نخرج أصحاب حضور مثل التتار الذين كان لهم نظم ودساتير وتأثير في حركة التاريخ من الشهود؛ حيث كان لهم حضور ولكن لم يكن لهم شهود. فإذا كان مصطلح الحضارة لا يكفي للدلالة على المفهوم المراد رغم التحفظات الموردة عليه فما هو اللفظ الذي يمكن أن يطرح بديلا له؟ قبل أن نبحث في المصطلح البديل علينا أولا أن نحدد المفهوم، وإذا كان مقال كهذا لا يحتمل البحث في تعريف جامع مانع للمفهوم، فسوف أحاول تقديم ملامحه من خلال التعرف على العناصر والخصائص والشروط ودوائر النشاط المشكلة له. فالمفهوم يبحث في نشاط الإنسان وإنجازاته في فترة زمنية، بما يحقق ذاته وسعادته ويكيفه مع بيئته ويميزه عن غيره، باعتباره مخلوقا اجتماعيا مختلفا عن الحيوان.. ومن هنا نستطيع القول: إن عناصر المفهوم هي: الإنسان، والبيئة'، والزمن.. والإنسان: عقل، وجسد، وروح، يتميز عن الحيوان عندما يكون إنسانا بأن عقله: يستطيع التأمل والنظر، والتحليل والتركيب، والربط بين المتشابهات والتفريق بين المتنافرات، واختزان التجارب والمعارف ثم تذكرها والاستفادة منها.. وبأن جسده: يحتوي إضافة إلى غرائزه على مخ كبير الحجم، له جهاز عصبي معقد التركيب، قامته منتصبة مما حرر يديه، يداه تمكمنانه من القبض على الأشياء بقوة، لسانه وحباله الصوتية مكنته من إخراج أصوات مختلفة، عيناه في وجهه مما يمنانه من الرؤية في مجال بصري واسع، طفولته الجسدية والعقلية والنفسية طويلة.. وبأن روحه: تبحث عن الطمأنينة والسكن والتجانس والجمال مع جنسه ومع بيئته، تسمو بالغرائز، وتبحث دائما عن معبود تألهه. وأما البيئة فمقصود بها: العناصر والإمكانات المادية المتاحة لاستغلال الإنسان، والعوامل الجغرافية (تضاريس، وموقع ومناخ) التي يعيش فيها ويتأثر بها ويحاول السيطرة عليها. وأما الزمن: فهو امتداد الوقت الذي ينشط فيه الإنسان: الماضي الذي يستمد منه خبرته، والحاضر الذي يعايشه ويستغله، والمستقبل الذي يستشرفه ويخطط له. ولكن هذه العناصر الثلاثة: (الإنسان، والبيئة، والزمن) لا تعمل وحدها؛ إذ لا بد أن يكون هناك غاية (هدف) يسعى إليه، وتعاون اجتماعي يعمل على تحقيق هذا الهدف وتلك الغاية، ولإخراج هذا الهدف إلى الواقع لا بد من الاستقرار والاستمرار إضافة إلى التعاون، ولقيام هذا التعاون لا بد من وجود نوع من أدوات الاتصال (اللغة والكتابة مثلا) ولا بد من وجود نوع من العلاقات الاجتماعية، ونوع من الحكم المنظم والسلطة المؤثرة وقوانين (أو أعراف) منظمة. ومن هنا: نجد أن الإنسان في سعيه لتحقيقف هدف راحته وسعادته (الجسدية والعقلية والنفسية والروحية) يعمل في دوائر نشاط متعددة ومتداخلة، نتجت من طبيعة الإنسان وتفاعله جماعيا مع بيئته خلال الزمن، هذه الدوائر هي: دائرة النشاط المعنوي والمعرفي، وتشمل: الجوانب العقدية والروحية والفكرية، ودائرة النشاط المادي، وتشمل: الجوانب الاقتصادية والتقنية والمعمارية..، ودائرة النشاط الإداري، وتشمل: النظم والمؤسسات السياسية والإدارية. فما هي الكلمة التي تصلح أن تدل على هذه المفاهيم؟ في رأيي وبدون تعصب فكري أو سلفية شكلية أن أقرب كلمة تدل على هذه المفاهيم هي الكلمة التي اختارها العلامة ابن خلدون (العمران) ، فهي أقرب الكلمات في اللغة العربية، وأقربها إلى الاستعمال القرآني، بل لا تدانيها حسب علمي لفظة أخرى في اللغات الأجنبية للدلالة على هذه المفاهيم.. فأصل مادتها واشتقاقاتها تتضمن الجانبين: المادي، والمعنوي، وتتضمن أيضا: البقاء (الاستمرار) ، والامتداد الزمني، والاجتماع، والكثرة (أو الانتشار) ، والعلو (السمو والتقدم) .. وإليك بيان ذلك: يقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: (العين والميم والراء، أصلان صحيحان، أحدهما يدل على: بقاء [٤] ، وامتداد زمان [٥] ، والآخر على: شيء يعلو [٦] ..... ومن الباب: عمارة الأرض [٧] ، يقال: عمر الناس الأرض ... عمارة ... ) ، ويقول الأزهري في تهذيب اللغة (وانظر أيضا لسان العرب لابن منظور) : ( ... عن ابن الأعرابي أنه قال: عمرت ربي أي عبدته [٨] ، وفلان عامر لربه، أي: عابد، قال: ويقال: تركت فلانا يعمر ربه، أي يعبده، وقال الله [هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها] [هود: ٦١] أي: ... أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها [٩] ... ورجل عمار، وهو الرجل القوي الإيمان الثابت [١٠] في أمره.. قال: والعمار: الزين [١١] في المجالس مأخوذ من العمر، وهو القرط، والعمار: الطيب الثناء والطيب من ... الروائح..... [١٢] ) ، ويقول أيضا: (وعمار: المجتمع الأمر اللازم ... للجماعة [١٠] الحدب على السلطان [١١] ، مأخوذة من العمارة، وهي القبيلة المجتمعة على رأي واحد [١١] ، قال: وعمار: الرجل الحليم الوقور في كلامه وفعاله ... [١٢] ، وعمار مأخوذ من العمر، وهو البقاء [٤] فيكون باقيا في إيمانه وطاعته وقائما بالأمر والنهي إلى أن يموت، وقال: وعمار: الرجل يجمع [١٠] أهل بيته وأصحابه على أدب رسول الله ﷺ والقيام بسنته..) . وعلى هذا تكون (العمران) التي هي مصدر عمر يعمر كلمة محايدة أيضا لا تفيد مدحا، ولا ذما، فقد يكون عمران قوم فاسدا أو باطلا، وقد يكون صالحا أو حقا، وقد يكون فيه جانب من هذا أو جانب من ذاك.. تماما مثل كلمة دين التي قد تعني دين الحق أو تعني دينا باطلا. وبمثل الاستعمال اللغوي جاء الاستعمال القرآني: يقول الله تعالى: [أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها] [الروم: ٩] ، وقد بين لنا القرآن في مواضع أخرى بعض أنماط هذا العمران الأقوام؛ فقوم عاد قال لهم نبيهم هود عليه السلام: [أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين] [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠] ، وقوم ثمود الذين قال لهم نبيهم صالح ﵇ في معرض التذكير بمنة الله عليهم: [هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروا ثم توبوا إليه ... ] [هود: ٦١] قال لهم في موضع آخر في معرض المنة أيضا: [واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا ... ] [الأعراف: ٧٤] ، وقال أيضا: [أتتركون ما هاهنا آمنين. في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين] [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٩] . ومن الاستعمال القرآني بمعنى العبادة (الشق المعنوي) قوله تعالى في العمران الحق: [إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر] [التوبة: ١٨] ، وقوله تعالى في العمران الباطل: [ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر] [التوبة: ١٧] . ومن الاستعمال بمعنى التشييد والإعمار المادي قوله تعالى: [أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله] [التوبة: ١٩] ، ومن الاستعمال بمعنى الامتداد الزمني قوله تعالى: [أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير] [فاطر: ٣٧] قوله تعالى: [يود أحدهم لو يعمر ألف سنة] [البقرة: ٩٦] . وأخيرا: فقد يبدوا استعمال مصطلح (العمران) غربيا ومهجورا، وقد ينظر إلى مصطلح (الحضارة) من منطلق: خطأ شائع خير من صحيح مهجور، ولكن مصطلح (الحضارة) أو (المدينة) كان مهجورا أكثر منه، ولم يثبت ويعرف إلا حين استخرجه من استخرجه ثم استعمله وأكثر الآخرون من استعماله، وهكذا أصبح متداولا معروفا، ويمكن لمصطلح (العمران) إذا رأى فيه أصحاب الرأي والفكر صلاحيته لأن يكون مصطلحا لهذا المفهوم أن يفرض نفسه ويأخذ السيرة نفسها بكثرة استعماله وتدواله أيضا. أهم مراجع المقال: الحضارة الثقافة المدنية ...دارسة لسييرة المصطلح ودلالة المفهوم.. نصر محمد عارف. في معركة الحضارة ... قسطنطين زريق. معجم علم الاجتماع ... تحرير: دينكن ميتشيل، ترجمة ومراجعة: د. إحسان محمد الحسن. الحضارة.. د. أحمد حمدي محمود. الحضارة.. دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها.. د. حسين مؤنس. مؤشرات حول الحضارة الإسلامية ... د. عماد الدين خليل. مصطلحات فكرية.. سامي خشبة. تأملات.. مالك بن نبي. مقدمة ابن خلدون.. ابن خلدون.

стр. 3334

المنتدى العيد.. وكلمة الروح أسامة طه الشافعي يأتي يوم العيد ببُشريات متجددة كل عام؛ ففي المغزى الاجتماعي والمعنى الإنساني لهذا اليوم سرّ الفرح، وروعة الانتقال من طور إلى طور؛ إذ هو يوم الخروج من الزمن إلى زمن جديد، زمن قصير ضاحك بين الحين والحين؛ ليكون يوماً طبيعياً في هذه الحياة التي تعقدت وانتقلت عن طبيعتها! ! يوم يعمّ فيه الناسَ ألفاظُ الدعاء، والتهنئة ليرتفعوا فوق منازعات الحياة وجاذبيات التراب. يوم سنّ فيه الإسلام الثياب الجديدة إشعاراً للجميع بأن الوحي الإنساني جديد في هذا اليوم، فلا معنى فيه للأخلاق البالية من القطيعة والقسوة. في هذا اليوم الجديد الأطفال هم المعلمون لنا على نحو ما قال (الرافعي) ﵀، فلِمَ لا نجتلي حالهم لنتعلم منهم أن الحياة وراء الحياة وليست فيها؟ ! هؤلاء السّحرة الصغار الذين يخرجون لأنفسهم معنى الكنز الثمين من دراهم معدودة. هؤلاء الأطفال هم السهولة قبل أن تتعقد، يأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها قانعين يكتفون بالتمرة ولا يحاولون اقتلاع الشجرة التي تحملها، فهلاّ تعلمنا منهم! ؟ إن العبرة بروح النعمة لا بمقدارها، فإذا لم تكثر الأشياء في النفس كثرت السعادة ولو من قلة؛ فالطفل يقلّب عينيه في نساء كثيرات، ولكن أمه هي أجملهن، وإن كانت شوهاء؛ فأمه وحدها هي أم قلبه، ومن ثم فلا معنى للكثرة في هذا القلب، هذا هو السرّ، فهلاَّ أخذه الكبار عن الصغار؟ ! يا إلهي! ما أبعدنا عن سر الخلق وعن كلمة الروح بأطماعنا وآثامنا! وما أبعدنا عن البهجة بهذه الغرائز التي لا تؤمن إلا بالمادة، ولا تستقر إلا بإحراز أوفر الأنصبة منها! فيا أسفا علينا نحن الكبار، وما أبعدنا عن حقيقة الفرح وسر الحياة!) . إذا كانت كلمة الروح في ذلك اليوم هي تذكير للناس بسهولة الحياة قبل أن تتعقد فهي أيضاً تذكير للناس بحق الضعفاء والعاجزين حتى تشمل الفرحة بالعيد كل بيت، وحتى لا نرى النموذج البائس (الجائع العاري) ، وإلى هذا المغزى الاجتماعي العظيم يرمز تشريع صدقة الفطر، ونحر الأضاحي في عيد الأضحى، إطلاقاً للأيدي الخيّرة في مجال البر، حتى لا تشرق شمس العيد إلا والبسمة تعلو شفاه الناس جميعاً. فهلاَّ أرينا الله من أخلاقنا ما يحب! إن ألوف المؤمنين والمؤمنات تعوّدوا السماحة وبذل الخير وصنائع المعروف، وتلك من سمات الخير في أمتنا، فإنما يتسرّب الشقاء إلى الناس عندما يحيون متقاطعين لا يعرفون إلا أنفسهم ومطالبها فحسب؛ فمن أراد معرفة أخلاق أمة فليراقبها في أعيادها؛ إذ تنطلق فيها السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف على حقيقتها، والمجتمع السعيد هو الذي تسمو أخلاقه الاجتماعية في العيد إلى أرفع ذروة، ويمتد شعوره الإنساني إلى أبعد مدى، وذلك حين يبدو متماسكاً متراحماً فيخفق فيه كل قلب بالحب والمرحمة. إن الفقر محنة، إذا لصقت بالإنسان أحرجته وربما هبطت به دون المكانة التي كتب الله - تعالى - للبشر، وقضية الإيمان قديماً وحديثاً أن يرهب الإنسان ربه في أمثال هؤلاء البائسين، وأن يذكر مصائب إخوانه من الأقطار الأخرى المشردين في هوان، وامتدت إليهم الأيادي الآثمة الملوثة لتنفرد هي بالحياة! ! إن من حقنا أن نفرح، لكن من واجبنا أن نذكر فواجعنا.. نذكر أطفالنا في إفريقيا وفي شتى البقاع. إن دنيانا تمتلئ بالكوارث والأرزاء، فلنظهر بمظهر الأمة الواعية التي لا يحُول احتفالها بذكرياتها الحبيبة وأعيادها دون الشعور بمصابها. وقالها الدكتور مصطفى السباعي ﵀: (فلنقتصد في لهونا، ولنخفف من سرَفنا؛ لنشعر بالإخاء قوياً حتى تقوى العزائم، وهنا روح الإيمان الحي ولُباب المشاعر الرقيقة التي يكنّها المسلم لإخوانه، حتى إنه ليحيا بهم ويحيا لهم، فكأنهم أغصان انبثقت من دوحة واحدة، أو روح واحدة حلت في أجسام متعددة، وحتى يوقن المرء بهذه المعاني في هذا اليوم كانت صلاة العيد تجمع الناس صفاً وراء صفٍ، ونسقاً على نسق كالسنبلة ليس فيها على الكثرة حبة متميزة! ! فلنعش بهذه الروح، ولنمحُ ساعة بساعة، فالزمن يمحو الزمن، والعمل يغير العمل، ودقيقة باقية في العمر هي أمل كبير في رحمة الله) .

стр. 3335

المنتدى أنت.. وإن قيل إبراهيم المشرف أنت أيها الداعية رأس طبقات المجتمع بنص قول الله تعالى: [ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين] ﴿فصلت: ٣٣﴾ ، وراية الفصائل الإسلامية بقرار: (وذروة سنامه) ، فمهما سمعت من نقد، أو هجوم فابقَ شامخاً لا تهزك الرياح، ولا تنكسك العواصف، بل تزيدك رسوخاً في طريق الدعوة. وإن ما تشهده الأطروحة الفكرية المعاصرة من دعوة إلى (النقد الذاتي) بكل صوره ومفرداته يجب فيه أمران: أولاً: أن لا تخرج عن ميزان: [ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط] [الإسراء: ٢٩] وأن تنضوي تحت [اعدلوا هو أقرب للتقوى] [المائدة: ٨] فلا إفراط ولا تفريط. ولكن الذي نراه أن الورقة النقدية في توسع وثراء، والعمل الدعوي في فقر وضمور. ألا فليتق الله كاتب يرمي بسهامٍ طائشة، وعبارات مجحفة حارقة، باسم النقد الهادف البناء زعموا معرضاً عن المحاسن، غير مقدر للجهود، وربما زين له الشيطان الجهر بالسوء من القول، تحت مظلة: (الحق أغلى من الرجال) . لله كم كانوا سبباً في صروح دعوية تقوَّض بناؤها! وكم كانوا سبباً في دعاة تساقطوا وآثروا السلامة! وكم كانوا سبباً في مشاريع دعوية ذهبت أدراج الرياح! وكم كانوا سبباً في صرف عامة الناس عن قنوات إرشادية دعوية إلى غير بديل! بل قد تلقفتهم قنوات الشر الهابطة، كل ذلك [وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا] [الكهف: ١٠٤] . ثانياً: أن لا يضيق الداعية بذلك ذرعاً؛ ففي كثير من تلك الأطروحات أفكار هادفة، وأقلام صادقة تحترق للدعوة، وتشعر بآلامها بعاطفة حية، وشعور جياش، غاية مسعاها تصحيح المسيرة وترتيب الأوراق ورص الصفوف؛ فإن خانها الأسلوب، ولم يسعفها التعبير فلا تثيرنك المواقف، واجعل الحكمة ضالتك، واستقبلها على الرحب والسعة، فإني أراك طالما احتفيت بأن المؤمن يستفيد من كلٍ حتى من عدوه، وطالما رأيتك تتغنى: عِداتي لهم فضل عليَّ ... ومنَّةٌ فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا همُ بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا فإن كان هذا هو منهجك مع نصال شانئة، وأقلام حاقدة تترصد للدعوة، وتناصبها العداء، فأنت مع أولياء الإسلام وأنصاره أوْلى وأحرى؛ فهلم نفتش عن تصحيح، ونبحث عن توجيه، ونغض الطرف عن إساءة لأدب النقد، أو خلل في أخلاقيات الحوار. ليس الغبي بسيد في قومه ... لكنَّ سيد قومه المتغابي

стр. 3336

المنتدى نريد رجالاً كهؤلاء محمد العيسى إن المتبصر في أحوال أمتنا الإسلامية لا يستطيع أن ينكر مدى ما تعيشه من خذلان ومدى ما تلاقيه وتعانيه من أنواع الإذلال والقهر؛ فها هي تعيش في مؤخرة الركب، وتأكل من فتات موائد الأنذال اللئام، وتتوالى عليها الصفعات تلو الصفعات؛ فما تكاد تفيق من واحدة إلا وتأتيها أخرى، ونحن ننظر إلى الأمة وهي تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة؛ فأي شباب نحن؟ وأي جيل هذا الجيل؟ إن واجبنا تجاه أمتنا وعقيدتنا لا يحتاج إلى مزيد شرح وبيان؛ فطالما تكلم بذلك المتكلمون والدعاة إلى الله - سبحانه - ولكن وللأسف صُمَّت الآذان، فقد استمرأنا الهوان وظللت سماءنا سحب الخَوَر والإحباط! ! أخي! إنني أدعوك أن تقلِّب معي دفتر الذكريات وصفحات التاريخ لننظر سوياً إلى رجال ذلك الجيل الذي علت فيه الأمة وسادت؛ فما أحوجنا إلى رجال أمثالهم يقودون السفينة التي عصفت بها ريح الكفر وهبت عليها أعاصير الحقد والكراهية للإسلام وأهله! لذا كان هذا الموضوع: (نريد رجالاً كهؤلاء) . الصبر على قدر الله: امرأة يُقتل أبوها وزوجها وأخوها يوم أحد فلما أتاها خبرهم قالت: ما فعل الله برسول الله؟ قالوا: بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظره، فلما رأته صاحت من أعماق قلبها: كل مصيبة صغيرة بعدك يا رسول الله! إنه الصبر الجميل على قدر الله، إنه الصبر الذي افتقده كثير من رجال زماننا، الصبر مدرسة تخرج الأبطال الأشداء الذين يثبتون عندما تزل الأقدام ويحتسبون عندما ييأس أصحاب العزائم الخاملة؛ فبالصبر تنال المكرمات. نعم نريد رجالاً كهذه المرأة في صبرها. شجاعة وإقدام: عندما وصل سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى شاطئ دجلة وجد على مد البصر مدينة المدائن في عظمتها وقصر كسرى في بهائه، وانتهى به الرأي أن يعبر مع رجاله على خيولهم وكان هذا أمراً غريباً وجديداً عليهم؛ فلم يلبث أن تقدم عاصم بن عمرو ومعه ستمائة من أهل النجدة، فساروا حتى بلغوا شاطئ دجلة يريدون أن يعبروا أولاً ليحموا الشاطئ، فلما وجد بعض رجاله يترددون تلا قول الله تعالى: [وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا] [آل عمران: ١٤٥] ثم رفع رأسه فاقتحم النهر واقتحمه زملاؤه؛ فلما رأى القعقاع الكتيبة الأولى تتقدم في سبحها، ونظر فإذا العدو في الجانب الآخر يتأهبون لردها أمر سائر أصحابه الستمائة فدفعوا خيولهم إلى النهر فدخلوه كما دخله عاصم وأصحابه، وتولى العدوَّ العجبُ لهذا الصنيع، فأرسلوا فرسانهم ليمنعوهم من الخروج وليقاتلوهم على الماء، وصاح عاصم: (الرماحَ الرماحَ أسرعوها وتوخوا العيون) ، وخرجت كتيبة الأهوال سالمة. وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام نعم نريد رجالاً كهؤلاء.

стр. 3337

المنتدى من تاب فربي ينجيه محمد عبد السلام الباشا يسعى الانسان بلا كلل ... والدنيا ماذا تعطيه تعطيه طعاما او شرابا ... وقليل من ذا يكفيه جهد وجهاداً يا كبدى ... يتوارى دوماً فى التيه عجلات تسرى من دهرى ... من يرفض هذا يأتيه ثمرات تنضج يقطفها ... إن خابت حتما تشقيه يا من لا تدرى ساعتها ... سارع فالأمر بتاليه ندماً لايشدى صاحبه ... ودقيق حساب يرديه حضر أشيائك ولتغنم ... من عمرك يكفى باقيه ألطاف الله بنا حلت ... من تاب فربى ينجيه التوبة تلغى ماضينا ... والشكر لربي نزجيه التوبة ميلاد يأتى ... وصلاح المرأ سيعليه

стр. 3338

المنتدى الصلاة أسامة أنور عيسى كيف الحياة لمن نسى ركعات ... والخير ينبض فى ربا الصلاوات وعلا ألآذان فلا مجيب لدعوتى ... هل قد نسيت روائع الحسنات نادى المؤذن هل رميت بلذة ... ومضيت نحو مجامع البركات أدميتني حرقت كل مشاعري ... باللهو في الحركات والسكنات فإذا ذهبت إلى الصلاة تعطلت ... لغة الهدوء ومجت بالهفوات وإذا إنتهيت أبحت كل تشاجر ... بالكف والإقدام والكلمات واذا أتاك من الاحبة ناصح ... ألقيت نفسك فى خضم سبات قف ي أخى لا لا تظل معفراً ... باللهو عند إقامة الصلاوات لا تلقى بالنفس الكريمة للدجى ... فى هفوة من أقبح الهفوات وتأمل الخير الوفير بركعة ... وبسجدة يا روعة الركعات قف ثم قم نحو الصلاة معطراً ... بالذكر والتسبيح والعبرات إن الصلاة بها الصلاح جميعه ... وفسادها يفضى إلى النكبات تنهى الصلاة عن التفاحش والهوى ... والميلنحو براثن العثرات فإظفر بها متمسكا بخشوعها ... تنل الجنان وروعة الحسنات

стр. 3339

المنتدى نوم ونشاط فتحى الجندي القلب ينشط للقبيح ... وكم ينام عن الحسن يا نفس ويحك ما الذى ... يرضيك فى دنيا العفن أولى بنا سفح الدموع ... وأن يجلببن الحزن أولى بنا أن نرعوى ... أولى بنا لبس الكفن فأمامنا سفر بعيد ... بعده يأتى السكن أقسمت ما هذي الحياة ... بها المقام أو الوطن فلم التلون والخداع ... لما الدخول على الفتن يكفي مصانعة الرعاع ... مع التقلب في المحن تبا لهم من معشراً ... ألفوا معاقرة النتن بيننا يدبر للأنين ... أو الخيانة يأتمن تبا لمن يتملقون ... وينطون على دخن تبا لهم فنفاقهم ... قد لطخ الوجه الحسن تبا لمن باع الجنان ... لأجل خضراء الدمن [١]

стр. 3340

المنتدى تعقيب على العدد ١٤٤ ... ... ... ... ... ... ... ... أبو عبد الله التميمي قال ﷺ : (الدين النصيحة) فهذه ملحوظات على العدد ١٤٤ شعبان ١٤٢٠هـ. أولاً: في غلاف العدد: جعلتم أو شبهتم السُّنَّة بذلك الجدار الذي تنكسر عليه الأقلام، والسُّنَّة أعلى وأرفع من أن تشبه بمثل هذا الجدار الذي يمكن أن يهدم بالأيدي. ثم إن هذا الجدار به خروم وتكسير في بعض نواحيه؛ فهل السُّنَّة هكذا؟ لا والله، فإن السنة محفوظة بإذن الله، ولها رجال يدافعون عنها. ثانياً: تجعلون الصفحة الأولى في الغالب وهذا العدد منها عن الحديث في أمور السياسة وهذا غير محذور؛ ولكن افتتاحيتنا وأول نظرة تكون على أمريكا وأخواتها. فلو كانت البداية من ديننا الحنيف آية وتفسيرها أو حديث ومعناه، أو كلام لأهل العلم من أهل السنة والجماعة، ثم يتم في الصفحات التي تليها ما ترغبون من سياسة وغيرها. والله يحفظكم ويسدد خطاكم.

стр. 3341

الورقة الأخيرة الدمعة الألبانية محمد بن سليمان المهنا جاءني خبر وفاة الشيخ العلامة أمير المؤمنين في الحديث في هذا العصر محمد ناصر الدين الألباني بُعيد صلاة المغرب من ليلة الأحد الثالثة والعشرين من الشهر السادس من عام ١٤٢٠هـ، فنكأ الجرح، وبعث الحزن الذي تجرعته أنفسنا خمسة أشهر منذ وفاة شيخنا شيخ الإسلام والمسلمين عبد العزيز بن باز رحمه الله وغفر لنا ولهم. آمين. نعم! قبض في خمسة أشهر رأسا الأمة وإماما الحديث والسنة الرجلان اللذان رَبَّيا النشء المبارك من شباب الإسلام على الأخذ بالكتاب والسنة وتعظيمهما وعلى اطِّراح التقليد ونبذ العصبية المذهبية والرجوع إلى كتب السنة قراءة وعناية وحفظاً. ما إن جاءني هذا الخبر حتى تلفَّتُّ يمنةً ويسرةً: ماذا أصنع؟ ومن أُعزِّي؟ ثم انطلقتُ أنا وإخواني يُعزي بعضنا بعضاً، وقصدنا بالتعزية كبار علمائنا وجمعاً من طلبة العلم الذين عُرفوا بالعناية المتميزة بآثار الشيخ ﵀. ثم عمدت إلى أشرطة للشيخ كنت اقتنيتها قديماً، فجمعتها لأجدد العهد به وأتعزى ببقاء عمله خالداً إلى ما شاء الله. واستمعت إليها وكان من بينها شريط محاضرة لم يتبين لي مكان إلقائها ولا تاريخه إلا أنها كانت بعد العصر فيما أظن والله أعلم. والعجيب من تلك المحاضرة فاتحتها وسائرها مُعْجِبٌ فقد بُدئت بمقدمة ألقاها شاب حسن الصوت والأسلوب، وكانت كغيرها من مُقَدمات المحاضرات شكراً للشيخ وثناءً عليه وعلى علمه ودعاءً له بالخير والإثابة. ولم يكن في المقدمة شيء من الإطراء والمبالغة في المدح، وإنما اشتملت على مدح يسير وثناء متواضع على الشيخ وعلمه وجهاده، ثم ختم المقدم كلامه ليبدأ الشيخ محاضرته. بدأ الشيخ بخطبة الحاجة، وفي صوته ضعف، وفي لسانه حَبْسة، ثم قال: (أشكر الأخ على كلمته وعلى ثنائه، وليس لي ما أقوله لقاء ذلك الثناء إلا الاقتداء بالخليفة الأول أبي بكر الصديق الذي كان الخليفة الحق والأول لرسول الله) ، ولم يكن صوت الشيخ يزداد إلا تقطعاً وضعفاً واحتباساً، ثم قال: (ومع ذلك، فكان إذا سمع ﵁ شخصاً يثني عليه خيراً وأعتقد أن ذلك الثناء مهما كان صاحبه قد غلا فيه، فما دام أنه خليفة رسول الله فهو بحق ومع ذلك ... ) وهنا انقطع صوت الشيخ وبكى طويلاً وسمعته يقول مُخافتاً: (الله المستعان) ثم سكت ونشج وانتحب ثم أكمل فقال: (ومع ذلك كان يقول: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون) ، ثم سكت، ثم أكمل: (واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون) وهنا انقطع صوته مرة ثانية، وبكى، ثم قال: (هذا يقوله الصدِّيق الأكبر؛ فماذا نقول نحن من بعده؟ فأقول اقتداءً به: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، ... واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون) ثم أضاف الشيخ وهو يبكي فقال: (الحقُّ والحقَّ أقول: لست بذلك الموصوف الذي سمعتموه آنفاً من أخينا الفاضل؛ وإنما أنا طالب علم لا شيء آخر) . ما أن سمعت تلك الكلمات الصادقات التي اختلطت بالدموع والعبرات حتى أيقنت بما كنت مؤمناً به من قبل من صدق الشيخ، ونصحه لله ورسوله وللمسلمين أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكِّي على الله أحداً، حتى أيقنت أن الشيخ لم يكن يردُّ على المخالف وربما أغلظ عليه إلاَّ غيرة على الدين ونصرة لشرعة رب العالمين، فلم يكن قصده الصعود على أكتاف العلماء، ولا التنقص من ذواتهم، ولا التفكه بالنيل من أعراضهم، وإنما كان غيوراً وربما دفعته الغيرة إلى شيء من الغلظة والفظاظة. وهذا وإن لم يُستحسن أحياناً إلا أن وراءه نية صالحة وقصداً حسناً؛ والله لا يضيع أجر المحسنين. هذا اليقين بصدور الشيخ عن قصد حسن بعيداً عن الانتصار للنفس وحب الشهرة والظهور لم يُستفد من هذه الواقعة آنفة الذكر فحسب؛ وإنما استفاده المنصفون من تاريخ طويل وسيرة عريضة سارها الشيخ في خدمة السنة والذود عن حياض الشريعة، وليست هذه الواقعة إلا مثالاً من أمثلة كثيرة تشهد على تواضع هذا الرجل العظيم، وتدل على ما ينطوي عليه قلبه من خير وصدق وهضم للنفس، وإلاَّ؛ فعلامَ البكاء الذي قطع كلام الشيخ وأخفى صوته؟ ثم لماذا نفى تلك الأوصاف التي مدحه بها المقدِّم مع أنه يستحقها وأكثر منها؟ ثم لم يكتف بذلك؛ بل نفى أن يكون من العلماء، وقال: (إنما أنا طالب علم لا شيء آخر) . إنها والله أخلاق الصادقين من العلماء، ولقد تذكرت بها الإمام الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني ﵀ الذي كان آية في التواضع والخشوع مع شدة متناهية على أهل الأهواء؛ فانظر ما يحدِّث به عنه تلميذه الإمام الحَبر الهمام ابن القيم ﵀ يقول: (ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: (ما لي شيء، ولا مني شيء ولا فيَّ شيء) وكان يتثمل كثيراً بهذا البيت: أنا المُكدِّي وابن المُكدِّي ... وكذاك كان أبي وجدي وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: (والله إني لأجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعدُ إسلاماً جيداً) ، وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه: أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده ياتي ثم ذكر بعدها تسعة أبيات ملئت تواضعاً وخضوعاً وإخباتاً لله تعالى. هكذا فليكن العلماء، وبهذا فليتأدب الطلاب، والحمد لله الذي أرانا في علمائنا الأنموذج الصادق ليكونوا للناس أئمة وهداة. اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها.. اللهم صلِّ على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 3342

ذو القعدة - ١٤٢٠هـ مارس - ٢٠٠٠م (السنة: ١٤)

стр. 3343

الافتتاحية الطور الثاني لدولة يهود كان مقتل (رابين) - رئيس وزراء (إسرائيل) السابق وزعيم حزب العمل - عام ١٩٩٥م أثناء إحدى جولاته الانتخابية على يد أحد المتطرفين اليهود علامة واضحة على مدى التنافر القائم بين مختلف الأطراف في مجتمع الكراهية اليهودي في فلسطين المغتصبة؛ ولهذا فليس من المستغرب تركيز (أيهود باراك) في برنامجه الانتخابي على شعار إعادة اللّحمة إلى (المجتمع الإسرائيلي) بعد أن فرقتهم سياسات الليكود؛ ولهذا سُمي التحالف بين حزب العمل وحركتي (غيشر وميماد) التي قادها في الانتخابات بقائمة: (إسرائيل واحدة) . إن من يتابع الانتخابات اليهودية تتكشف أمامه جوانب من شخصية اليهودي النمطية، ويتبين مقدار النجاح والإخفاق في محاولة جمع شتات اليهود في مجتمع متجانس. والذي يهمنا هو توضيح بعض الصور التي انطبعت في الذهن بعد أسابيع من المتابعة للنشاط الانتخابي في (إسرائيل) وإليك بعضها: أولاً: التغطية الإعلامية: استغل اليهود نفوذهم الإعلامي في إبراز ديمقراطية النظام في (إسرائيل) وتفرده في المنطقة، وبالغوا في متابعة العملية الانتخابية حتى تخال نفسك تتابع الانتخابات الأمريكية. ومن الغريب أن هناك شبه إجماع على الوقوف ضد نتنياهو حتى إنه اشتكى من الحملة الإعلامية ضده، ومما لا شك فيه أن للإعلام دوراً مهماً في إسقاط شخص نتنياهو ثم الليكود. وهنا لا يفوتنا الإشارة إلى أنه على الرغم من غياب الديمقراطية في العالم العربي فإن الملاحظ هو تعاظم الاهتمام الإعلامي الرسمي فيه بهذه الانتخابات وما يمكن أن تؤدي إليه! ثانياً: ظهور الأحزاب الفئوية: تُعتبر الأحزاب اليهودية الأولى في فلسطين المحتلة امتداداً لأحزاب قائمة في أوروبا الشرقية وروسيا؛ فمثلاً تشكل حزب العمل الموحد في روسيا عام ١٨٩٧م، وحزب مرزاحي في المجر عام ١٩٠٢م، وحزب اغودات (إسرائيل) عام ١٩١٢م وكانت الحركة الصهيونية تشجع قيام هذه الأحزاب لتنظيم اليهود في العالم. وقد نص عليه برنامج قيام هذه الأحزاب لتنظيم اليهود في العالم، وقد ذكره برنامج مؤتمر بال ١٨٩٧م، وهكذا بلغ عدد الأحزاب عام ١٩٤٨م (١٢) حزباً ارتفع بعد عام واحد فقط إلى (٢٤) حزباً، ووصلت القوائم الحزبية وغير الحزبية إلي (٣١) قائمة في عام ١٩٨١م؛ ومن الملاحظ سيطرة اليهود الغربيين (الأشكناز) على النشاط السياسي؛ فهم زعماء جميع الأحزاب وينظرون إلى أنفسهم أنهم بناة الدولة، ولا يخفي بعضهم الضيق من اليهود الشرقيين (السفارديم) الذين يُتهمون بالتخلف؛ وبالمقابل فإن اليهود الشرقيين الذين هاجروا بعد قيام الدولة يحسون بالغبن وبالتحيز ضدهم، وأن نسبتهم في المناصب القيادية لا تكاد تذكر مقارنة مع عددهم الذي يتجاوز نصف عدد اليهود مع تزايد النسبة نظراً لتناسلهم السريع مقارنة مع الأشكناز الذين يرون في هجرة الروس الحل الوحيد لمعالجة هذا الخلل مما أوجد حالة من التنافر الشديد بين اليهود الشرقيين - ويمثلهم حزب شاس - والمهاجرين الروس - ويمثلهم حزب المهاجرين الجدد (يرائيل بعاليه) . لقد تمكن حزب شاس من استقطاب اليهود الشرقيين؛ ولا أدل على ذلك من ارتفاع عدد نوابه من ١٠ نواب عام ١٩٩٦م إلى ١٧ نائباً في هذه الانتخابات وحل في المرتبة الثالثة بفارق بسيط بعد الليكود، وكان هذا الحزب متحالفاً مع الليكود ومسيطراً على وزارة الداخلية التي استغلها في تقديم الخدمات لأتباعه مع محاربة المهاجرين الروس وذلك بالتشكيك في يهوديتهم وحرمانهم من الامتيازات، واتهامهم بأنهم وراء تجارة المخدرات والجنس ونشرها في المجتمع؛ ولهذا فإن المهاجرين الروس يهاجمون شاس ويطالب حزبُهم بوزارة الداخلية لخدمة قاعدتهم الانتخابية. فهل يأتي اليوم الذي يجد فيه المهاجرون الأوائل من الأشكناز أنفسهم مضطرين إلى تشكيل حزب خاص بهم من أجل الحفاظ على مصالحهم؟ ثالثاً: من الذي سقط: الليكود أم نتنياهو؟ لا شك أن لنتنياهو دوراً كبيراً في سقوط تجمع الليكود وحلفائه؛ فقد أجمعت الدوائر الداخلية والخارجية على وجوب إزاحة نتنياهو؛ إذ لم يعد وجوده يُحتمل؛ فقد ساءت العلاقة بينه وبين اللوبي اليهودي المتنفذ في أمريكا، وكان مصدر حرج كبير للزعماء العرب المتعاملين مع (إسرائيل) . ولا ننسى كيف أغضب أقرب الأصدقاء العرب عندما نفذ الموساد بأمر منه عملية اغتيال خالد مشعل التي لم يفلحوا بها في عمان؛ أما داخل حزبه فقد خرج ثلاثة من أقطابه وأكثرهم شعبية وهم (دان مريدور، وإسحاق مردخاي، وبني بيجن) بسبب خلافاتهم الشخصية مع نتنياهو، وانضموا للمعارضة وساهموا في إسقاطه. وقيادات حزب العمل أيضاً يعترفون بهذه الحقيقة؛ فمثلاً يقول غوري برعام: (يجب ألا نضلل أنفسنا؛ لقد كانت نتيجة الانتخابات بمثابة حجب ثقة عن نتنياهو وليس تأييداً ليهود باراك) . وكان انسحاب المرشحين لصالح باراك آخر ضربة توجه لنتنياهو. وقد استقال نتنياهو من الليكود وسيترك البرلمان (الكنيست) ويسافر إلى أمريكا مما يعني نهاية مستقبله السياسي. رابعاً: باراك في الانتخابات: قامت حملة العمل الانتخابية على ثلاث ركائز أساسية تتلخص فيما يلي: ١- أن الانتعاش الاقتصادي في عهد رابين وبيريز انقلب إلى ضائقة بسبب سياسات نتنياهو وتعطيله عملية التطبيع مع العرب مما أفقد (إسرائيل) كلاً من الاستثمارات الأجنبية والأسواق العربية المنتظرة في حال نجاح ما يسمى بعملية السلام. ٢- أنه لا توجد فروق في المواقف السياسية وبخاصة في المسار التفاوضي مع الفلسطينيين، وأن باراك قادر على ضمان تحقيق المصالح الاستراتيجية والأمنية بصورة أفضل من نتنياهو. وكما يقول أحد منظّري اليمين في (إسرائيل) البروفيسور (يهوشع بورات) في معرض تسويغه تأييد باراك: (إنني على يقين أن ما يحققه نتنياهو بثمن كبير تدفعه دولة (إسرائيل) يحققه باراك وأكثر منه دون أن نخسر شيئاً يُذكر) . وكان يهود باراك يكرر كثيراً أن المرء يحتاج إلى ميكروسكوب لكي يدرك الفروق الأيديولوجية بين حزبي العمل والليكود. ٣- التركيز من ناحية على عيوب نتنياهو الشخصية: وكانت وسائل الإعلام تبرز أن نتنياهو كان كاذباً ومستعداً لعمل أي شيء من أجل تحقيق مصالحه الشخصية، وأنه يدبر الدسائس حتى لأقرب الناس إليه، وأخيراً فإنه لا يستطيع ادعاء الطهر بعد اعترافه بالخيانة الزوجية، ومن ناحية أخرى فقد قدم باراك نفسه بوصفه الضابط الذي حصل على أكبر قدر من الأوسمة تقديراً لعملياته ضد الفلسطينيين، وأبرز شهادات قادة سابقين في الجيش والمخابرات يشيدون فيها بتجربته قائداً، ويثنون على صفاته الشخصية، وكما يصف نفسه في كرّاسٍ انتخابيّ مكتوب بالروسية وموجه للمهاجرين الروس الجدد ويحمل عنوان: (أيهود باراك الجندي رقم واحد في إسرائيل) . تحدث فيه عن عمليات قادها باراك؛ منها: عملية اغتيال قادة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام ١٩٧٣م، وهم كمال ناصر وكمال عدوان ويوسف النجار؛ حيث يقول: (لقد اطلقت النار على رؤوسهم، وقد تطاير بياض عيونهم على قبعتي) ومنها أيضاً: عملية اغتيال (أبو جهاد) ، وقصف مقر المنظمة في تونس، والتخطيط لتدمير المفاعل النووي العراقي، وكما يقول أحد الصحفيين الإسرائيليين المعارضين لهذا النهج فإن باراك يعرض نفسه على أنه (مقاول قاتل) . خامساً: باراك رئيساً للوزراء: لقد صَدَمَ باراك في أول تصريحاته بعد الفوز المتفائلين من العرب عندما أطلق لاءات تؤكد ثوابت دولة اليهود، والتي تتلخص فيما يلي: - أن القدس هي العاصمة الأبدية والوحيدة لدولة (إسرائيل) والشعب اليهودي. ولتجاوز اتفاقية أوسلو حول الوضع النهائي للقدس اتفق حزب العمل مع السلطة على إطلاق تسمية القدس على ضاحية أبو ديس؛ أما القدس الشرقية والغربية فتبقى تحت السيادة (الإسرائيلية) لأن اسمها أورشليم! - لا وجود لجيش عربي على الضفة الغربية لنهر الأردن. - عدم إزالة مستوطنات يهودية قائمة في الضفة الغربية؛ بل توسيع المستوطنات القائمة. - رفض إعادة اللاجئين الفلسطينيين المشردين مطلقاً. إن حكومته ستعمل - كما يقول - من أجل سن ميثاق بين اليهود المتدينين والعلمانيين؛ ولهذا فإن فكرة تشكيل حكومة موسعة لا يُستثنى فيها أحد تسيطر عليه، وقد تباحث مع كثير من الأحزاب الممثلة في الكنيست من أقصى اليمين حتى أقصى اليسار؛ فهو بالإضافة إلى محادثاته مع حلفاء العمل التقليديين من اليسار والوسط فقد تباحث مع رئيس الليكود الجديد (شارون) الذي لم يخفِ باراك إعجابه الشديد بنهجه العسكري، وتحاور مع حزب شاس ومع نقيضه حزب شيتوي الذي يسعى لإخراج الأحزاب الدينية من الحياة السياسية وقد واجه مشكلات كبيرة في محاولته؛ فلكل شروطه التي تصل إلى اشتراط استبعاد أحزاب أخرى منافسة مما اضطر باراك للتهديد بالعدول عن هذا النهج والعودة إلى خيار الاقتصار على الأحزاب اليسارية والعربية؛ ولكن رئيس الدولة ضغط عليه للاستمرار. والذي يبدو من الاستقراء أنه سواء تكونت حكومة موسعة أم لا؛ فإن النظام السياسي وصل إلى درجة من التفتت بحيث يصعب ثبات أي حكومة؛ فبعض الأحزاب إذا خرج من الحكومة فإنه يعارض مشاريع الحكومة، وإذا دخلها فإن سيفه المصلت هو تهديده بالخروج منها إذا لم تحقق مطالبه؛ ولهذا فهناك خوف دائم شبيه بحال الحكومات الإيطالية غير المستقرة. وأخيراً فإن فترة باراك لن تختلف كثيراً عن فترة نتنياهو؛ فهما يمثلان جيلاً واحداً هو ثمرة الاحتلال من المولودين داخل فلسطين ممن خلف الجيل السابق الذي عاصر بناء الدولة مما يمكننا أن نطلق على هذه المرحلة: الطور الثاني الذي تستقر فيه الدولة وتحس بالأمن مما يعجل بظهور التناقضات الداخلية؛ وصدق الله تعالى حيث يقول في كتابه العزيز: [بَاًسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ] [الحشر: ١٤] .

стр. 3344

كلمة صغيرة ماذا بعد إفلاس الخطاب العلماني ؟ ! ظاهرة الزندقة من الظواهر القديمة التي تتجدد وتتلون، وتلبس لكل عصر لبوسه. وفي هذا العصر نشطت حركة الزندقة في مناح شتى من أخطرها الهجوم على الشريعة الإسلامية، والجرأة في نقد النصوص الشرعية، والعبث في تأويلها وتبديلها عن مواضعها؛ فصار التراث الإسلامي حمى مستباحا يلغ فيه كل مفسد بحجة (البحث العلمي) (وحرية الرأي!) وأصبح الهجوم على الأصولية والتطرف سبيلا للهجوم على ثوابت الأمة ومسلماتها الشرعية، حتى قال قائلهم: (إن الثابت الوحيد هو حرية النقد) . وقال آخر مبينا استراتيجية في التصدي للمد الإسلامي: (من أهم عناصر الحل: إزالة حاجز الخوف الذي لا يجعلنا نفصح بوضوح عن موقفنا بكاملها تجاه هذا التيار المتطرف، إن بعضنا يخشى استخدام كلمة العلمانية، وهي ليست مخيفة، يجب نكتب بوضوح مثلا في مسألة صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، أي أن نقول: إنه ليس هناك في أمور البشر ما يسمى قاعدة من هذا النوع.) إن تشنج التيار العلماني واضطرابه في نقد التيار الإسلامي يدل على تنامي الصحوة الإسلامية من جهة، وعلى إفلاس الاتجاه العلماني من جهة أخرى. ولكن السؤال الكبير هو: هل يستطيع الخطاب الإسلامي المعاصر أن يقف بثبات أمام هذا الكم الهائل من الانحراف؟ ! وهل يرتقي الخطاب كي يكون أكثر عمقا وأصالة؟ وهل يتضح وتتسع آفاقه ليملك القدرة على مخاطبة الأمة باعتزاز واتزان بعيدا عن الغلو والميوعة؟ نحسب أن هذا هو التحدي الكبير الذي يجب أن يتبنى رايته العلماء والمفكرون ورجالات الدعوة الإسلامية، [ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز] [الحج: ٤٠] .

стр. 3345

الافتتاحية اللغة والفكر الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته وسلم، وبعد: فلا شك أن اللغة وعاء الفكر؛ ولذا كانت عناية السلف عظيمة بالحفاظ على لغة القرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، وازداد حرصهم ذلك بعد دخول الأعاجم في دين الله وإقبالهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فكان منهم من لا يعرف الألفاظ في أصل اللغة ولا قانونها، كما كان منهم وهذا هو الغالب والأخطر من لا يعرف مراد الشارع بالألفاظ؛ لأنه لا يعرف سنته في الخطاب ولا يحيط بجميع النصوص الوارجة في الموضوع محل الفهم أو البحث. ومن جهة أخرى اهتم بعض أهل البدع باللغة العربية، فبرز منهم أكثر من عالم لغوي؛ لأن الوجوه اللغوية كانت طريقهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه وبابهم إلى التأويل عندما أعياهم الاستدلال على بدعهم بنصوص ثابتة في القرآن والسنة، فأخذوا يبحثون في ضعيف اللغة وشاذها ومرجوحها عما يشوشون به على الأصول الصحيحة التي لم تستسغها عقولها أو أهواؤهم، حتى شاع بين بعض النحاة قولهم: (إن نزل رغيف من السماء مكتوب عليه حرام، قلنا لغيرنا) ، دلالة على مقدرتهم في صرف أوضح الكلام وأشده صراحة إلى معنى آخر غير المعنى الظاهر. وعندما انفتح الفكر الإسلامي على فلسفات الأمم الأخرى ونتاجهم العقلي دخلت على المسلمين أفكار جديدة عبر ألفاظ عربية أخذت مفاهيم محدثة أضيفت على المعنى اللغوي الأصلي أو انحرفت به، كالجوهر والفرد والمحدث والقديم ... وهكذا رأينا أن المعركة الفكرية بين أهل السنة وسائر الفرق كانت معركة لغوية في جانب كبير منها. وبالأداة نفسها (اللغة) نفشت مفاهيم جديدة كالعلمانية والوطنية والقومية والتقدمية والرجعية في عقول المسلمين العرب في العقود المتأخرة؛ فلقد كان من رواد النهضة العربية الحديثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي بعض المتضلعين في اللغة والباحثين في علومها من النصارى وأصحاب الزيغ من تلاميذ المستشرقين، أمثال: بطرس وسليم البستاني، وناصيف وإبراهيم اليازجي، ولويس شيخو، ولويس معلوف.. بل حاول بعضهم كس هذا الوعاء الفكري تماما من خلال دعوات مشبوهة إلى استبدال العامية بالفصحى في لغة الكتابة كما رأينا عند أحمد لطفي السيد (أستاذ الجيل كما يسميه العلمانيون) ، أو استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية كما رأينا عند سلامة موسى، وهذا ما فعله أتاتورك لقطع صلة تركيا بالعروبة والإسلام. وإضافة إلى الأهداف السابق ذكرها للاهتمام باللغة ظهر في هذه المرحلة الزمنية وما بعدها التوجه إى الطعن في الإسلام من خلال أبحاث لغوية، كما في كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين، وعند أمين الخولي ومحمد أحمد خلف الله في كتاب: (الفن القصصي في القرآن الكريم) ثم في كتابات التلاميذ المعاصرين أمثال سيد حامد النساج، ونصر أبو زيد.. وغيرهم. كما ظهر التوجه أيضا إلى امتلاك ناصية الأشكال التعبيرية الجديدة: كالمقال، والقصة، والرواية، والمسرحية لاستخدامها أداة لإيصال الأفكار الجديدة؛ فلمعت أسماء: كفرح أنطون، وجوجي زيدان، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ. وبتحويل أعمال أمثال هؤلاء إلى أعمال فنية (إذاعية وسينيمائية وتلفزيونية) انتشرت الأفكار التي أرادوا الترويج لها على نطاق واسع بين عوام الأمة وخاصتهم. وما زال هذا الأسلوب (استخدام اللغة لتقرير أفكار مستهدفة) متبعا ومؤثرا حتى وقتنا الراهن، ومن الأمثلة الحية على ذلك: معالجة الأستاذ حسين معلوم لمفاهيم القومية والحكم والتقدم على صفحات جريدة الحياة [١] . وإذا كان المقام لا يتسع هنا لمناقشة جميع ما ورد في هذه المقالات فإنه لا يسعنا إلا أن نشير إلى مأخذين على مقال واحد هو مقال: الإسلام والقومية: أولا: انطلق الكاتب في قبول فكرة القومية المعاصرة من التحليل اللغوي والاستعمال القرآني لمادة قوم، مما جعله يعد القوم بطونا وعائلات، وتارة شعب مصر، وطورا الملة الموسوية، وهذا كله حق، ولكنه ليس كل الحق في الموضوع الذي يعالجه؛ فإن الدعوة إلى القومية في منشئها وحاضرها لم تهدف إلى الاقتصار على هذا المعنى اللغوي فقط، ولكنها أرادت جعل القومية رابطة يجتمع عليها مجموعة من البشر تذوب فيها جميع الروابط الأخرى ومنها الدينية بحيث تعلو القومية وتقدم عليها وكأنها عقيدة أخرى، فإذا قدمنا عليها أي ولاء آخر كالإسلام مثلا لم يصبح لهذه القومية أي معنى عندهم، وهذا ليس كلامنا ولكنه تقرير روادها أنفسهم. يقول الدكتور نبيه أمين فارس: (لقد غرس هؤلاء (الرواد الأوائل) بذرة القومية والوطنية، وبعثوا حركة مستوحاة من تاريخ العرب ومآثرهم تستهدف مثلا قومية بدلا من المثل الدينية والطائفية) [٢] ، وهكذا فإن القومية عند دعاتها تجمع بالإخاء المسلم مع النصراني واليهودي أو مع البوذي والهندوسي إذا كانوا يعيشون في إطار واحد لقوم أو قطر، ولكنها تفرقه عن أخيه المسلم وقد يعاديه إذا كان من قوم آخرين. ثانيا: يقرر الكاتب أن الفكرة هي ابنة واقعها الاجتماعي (وهذا كلام صحيح في العموم، ولكننا نعجب أنه لم يطبق ذلك على فكرة نشوء القومية ذاتها، بل ذهب عند تطبيقها إلى فكرة أخرى مترتبه عليها هي كون القومية نوع من أنواع العصبية المرفوضة في الإسلام) ، فهو يرى أن هذه الفكرة الأخيرة سكنت الفكر الإسلامي عن طريق سيد قطب الذي نقلها بدوره عن أبي الأعلى المودودي رحمهما الله وهذا الأخير كان متأثرا بواقعه الاجتماعي في الهند؛ حيث كانت فكرة القومية سبيلا لسيطرة الأغلبية الهندوسية على الأقلية المسلمة هناك (هذا بالإضافة إلى أنه رآها بمحتواها العلماني أيديولوجية معادية للإسلام) . وإذا كنا هنا لا نناقش ولا نهتم بضحة دعوى التأثير والتأثر بين المفكرين الإسلاميين المذكورين فإننا نذكر بأن فكرة القومية بمعناها المضاد للإسلام سكنت الفكر العربي القومي قبل مولد المودودي وسيد قطب رحمهما الله، بل كان هذا المعنى مصاحبا لهذه الفكرة منذ مولدها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي على يد بعض نصارى الشام أمثال بطرس البستاني وناصيف اليازجي، وهذه حقيقة يقررها كتاب علمانيون ونصارى قبل أن يقررها الكتاب الإسلاميون، ومن يراجع على سبيل المثال كتابات ألبرت حوراني وجورج أنطونيوس وساطع الحصري لا يخالجه شك في ذلك، فلم يكن الواقع الاجتماعي في الهند هو الذي أعطى هذا التصور عن القومية العربية بل كان تنظير المفكرين القوميين العربي وخاصة في الشام هو الذي نحا هذا المنحى؛ رغبة في قطع الروابط مع المسلمين غير العرب (العثمانيين) ؛ حيث كانوا جميعا منضوين تحت لواء دولة واحدة في إطار الرابطة الإسلامية. كما أن فكرة القومية بهذا المعنى مضادة بطبيعتها وليس بواقعها فقط للإسلام الذي جاء فيه: [إنما المؤمنون إخوة] [الحجرات: ١٠] أيا كانت أجناسهم وقومياتهم، وفيه أيضا: [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم] [المجادلة: ٢٢] . وبعد: فهل أمثال هذه المقالاتتعد تطبيقا لدعوات تكتيكية صدرت من بعض القوميين واليساريين للمزاوجة بين الفكر القومي والإسلام، لتجديد الدعوة القومية، وكسب الشارع العربي والاستفادة من طاقات الإسلاميين ورصيدهم الشعبي؟ إذا كان الأمر كذلك فالواضح أنهم يريدون أن تكون القوامة في هذا التزاوج للفكر القومي، وأن تكون اللغة والتاريخ شاهدي زور على ذلك! !

стр. 3346

دراسات في الشريعة والعقيدة أحكام الصيد عبد الله بن سعد المحارب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فمن نعمة الله تعالى على الإنسانية أنه أنزل دستوراً محكماً يحكم حياتها، ومنهجاً قويماً ينظم سلوكها شمل في تعاليمه وآدابه مجمل تعاملات الناس بعامة؛ ونظم حياة الإنسان مع نفسه، ومع خالقه، ومع خلقه الإنس وغيرهم نظاماً دقيقاً شاملاً كاملاً لا يوجد في غيره. هذه التعاليم وتلك الآداب تتمثل في هدي هذا الدين الإسلامي العظيم بما أنزله الله علينا في كتابه المبين، وعلى لسان رسوله الأمين ﷺ . لذا كانت تعاليم هذا الدين العظيم أعظم النعم التي يمتن الله تعالى بها على عباده؛ حيث يقول: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً] [المائدة: ٣] . فمن هذه الأحكام التي بينتها لنا شريعتنا الغراء: تعامل الإنسان مع أجناس الحيوانات على اختلاف أنواعها وألوانها، سواء كان ذاك التعامل بالاستفادة منها في المعيشة، وطرق الكسب لقوله تعالى: [والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً] [النحل: ٨] . ... والاستفادة منها بأكل لحومها لقوله تعالى: [فكلوا منها] [الحج: ٢٨] ، أو كان ذاك التعامل لفوائد أخرى، ولو كان للاستئناس بالنظر إليها والترنم بسماع صوتها؛ فالله تعالى قرن ركوب الحيوان والاستفادة منه في الآية السابقة بقوله تعالى [وزينة] ، والذي يفهم من الآية أنه كما أباح لنا الركوب والاستفادة من هذه الحيوانات أباح لنا اتخاذها زينة؛ وهذا من سعة فضل الله تعالى على خلقه. والأصل في ذلك أي الاستفادة أن جميع المخلوقات التي يراها الإنسان ويتعايش معها مخلوقة له، ميسرة له، يقول تعالى: [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ... ] [البقرة: ٢٩] ، وهذا في سياق الامتنان على العباد بالإباحة كما سيأتي. والكلام في هذا الباب يطول؛ وحسبنا أن نقتصر على جانب منه هو من أهم فروعه المتفرعة منه وأوْلاها بالاهتمام، لا سيما أن شريحة عريضة من الناس يعايشونه، ألا وهو: أحكام صيد الحيوان في الشريعة الإسلامية، وهذا الموضوع في الحقيقة بابه واسع ومسائله متعددة، وسأعرِّج على بعض مسائله الهامة، وألحقها بتنبيهات لطيفة؛ وكل ذلك في إطار الاختصار ليستفيد منها القارئ المبتدئ، ولا يملها المنتهي. أولاً: تعريف الصيد: الصيد لغة: هو مصدر صاد يصيد صيداً، ثم أُطلق الصيد على المصيد نفسه، تسمية للمفعول بالمصدر كقوله تعالى: [لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم] [المائدة: ٩٥] أي المصيد، واستخدم ذلك في أكثر من موضع في القرآن. ومعناه أي الصيد لغة: هو الاقتدار على ما كان ممتنعاً ولا مالك له [١] . والصيد شرعاً: هو اقتناص حيوانٍ حلالٍ متوحشٍ طبعاً غير مملوك ولا مقدور عليه [٢] . فقولنا: حيوان: يدخل فيه حيوان البر والبحر والحيوانات والطيور، وخرج الآدمي وما ليس بحيوان. حلال: خرج به الحيوان الذي لا يحل أكله كالخنزير والسباع، والمستقذرات من الحيوانات. متوحش طبعاً: خرج به من الحيوانات الداجنة الأليفة، كبهيمة الأنعام. غير مملوك: خرج به ما يكون في حوزة الغير. ولا مقدور عليه: خرج به ما كان في القدرة، سواء قبل إصابته أو بعدها، فلا يجوز صيده حينئذ، ويكون رميه بالسلاح محرماً، وإن صِيد فلا يجوز أكله، بل لا بد من تذكيته تذكية شرعية. ثانياً: حكم الصيد: للصيد ثلاثة أحكام: الأول: الإباحة، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، والإجماع؛ فمن الكتاب قوله تعالى: [قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ] [المائدة: ٤] ، وأما السُّنة فوردت أحاديث كثيرة مشتهرة منها حديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة الخشني، المتفق عليهما وسيأتي ذكر بعضها في ثنايا البحث. وأما الإجماع فقد قام على إباحة الصيد [٣] ؛ وهذا الحكم هو الأصل؛ فالأصل في الصيد أنه مباح لدفع الحاجة، والانتفاع بلحمه، ويدل عليه قوله تعالى: [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] [البقرة: ٢٩] ، قال الإمام الشوكاني عند هذه الآية: (وفيه دليل أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله تعالى: [جميعا] أقوى دلالة على هذا) [٤] ، وقوله تعالى: [خلق لكم] معناه: من أجلكم، كما قاله جماعة من السلف [٥] . ... الثاني: الكراهة. وذلك إذا كان القصد منه التلهي به والمفاخرة، ولأنه والحالة هذه يشغل الإنسان عما هو أنفع منه من الأعمال الدينية والدنيوية، ثم هو يضيع الأوقات ويأخذ بعقل المشتغل به، حتى يشغف به، ومن ثَمَّ يلهيه عن الواجبات، ويدل لذلك قوله ﷺ : (من بدا جفا، ومن تبع الصيد غفل) [٦] . الثالث: التحريم؛ ويحرم الصيد في حالتين: الأولى: إذا ترتب عليه ظلم للناس بالعدوان على زروعهم، وبساتينهم وأموالهم وأراضيهم، وممتلكاتهم؛ لأن ذلك من الاعتداء على أموال الغير؛ ولأن المقاصد لها أحكام الوسائل. الثانية: إذا كان الصيد في الحرم، أو في حال التلبس بالإحرام. أما الصيد في الحرم فلقوله تعالى: [أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً] [العنكبوت: ٦٧] ، ولقوله ﷺ : (ولا ينفَّر صيدها) [٧] وتنفير الصيد: إزعاجه عن موضعه، وتهييجه. فالنهي عن الصيد يكون من باب أوْلى في الحرمة. أما تحريم الصيد في حال الإحرام فلقوله تعالى: [حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً] [المائدة: ٩٦] وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنتُمْ حُرُمٌ] [المائدة: ٩٥] [٨] . ثالثاً: شروط حل الصيد (المصيد) : ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن الصيد لا يحل إلا بجملة من الشروط: الشرط الأول: أن يكون الصائد من أهل الذكاة. فإن كان وثنياً، أو مرتداً كتارك الصلاة عمداً أو من غير المسلمين وأهل الكتاب لم يُبَحْ صيده؛ لأن الشارع لم يُبِحْ لنا غير ذبيحة المسلم، أو أهل الكتاب، فكذا في الصيد. أو كان مجنوناً، أو صغيراً لا يميّز، فلا يحل صيده كذلك؛ لأن الصيد من جملة الأفعال التي تحتاج إلى نية الفعل، وفاقد العقل ومن لم يبلغ سن التمييز لا يمكن أن تصح منه النية. الشرط الثاني: أن يسمي عند إطلاق آلة الصيد، سواء أكانت تلك الآلة حيواناً جارحاً كالكلب، أو طيراً كالصقر، أو كانت آلة جامدة كالسهم والرمح والبندقية، أو غيرها من الآلات التي تقتل الصيد بالجرح وتنهر الدم. وللعلماء رحمهم الله تعالى في حكم التسمية ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب التسمية على الصيد مطلقاً، فلو ترك التسمية عامداً أو ناسياً فإن صيده لا يحل، وهذا هو المعتمد عند الحنابلة، وقال به الجماعة من أهل العلم كالشعبي، وأبي ثور، وداود، ورجحه ابن قدامة [٩] ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [١٠] . واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: أ - قوله تعالى: [ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه] [الأنعام: ١٢١] . ب - قوله تعالى: [فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا ا\سم الله عليه] [المائدة: ٤] . ووجه الدلالة من الآيتين السابقتين واضح؛ ففي الأولى نُهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، والنهي يقتضي التحريم. وفي الثانية أمر بالتسمية، والأمر يقتضي الوجوب، أي: وجوب التسمية. ج - حديث عدي بن حاتم ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: (وإذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه فكُلْ. قلت: أرسلُ كلبي فأجد معه كلباً آخر؟ قال: (لا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسمِّ على الآخر) [١١] . د - حديث أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلَّم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلَّم. فأخبرني: ماذا يصح لي؟ قال: (أمَّا ما ذكرت أنكم بأرض صيد، فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل) [١٢] . القول الثاني: أن التسمية واجبة مع الذكر، وتسقط مع النسيان، فلو ترك التسمية عند الصيد عمداً فلا تحل، أما لو تركها سهواً فإن الصيد يحل. وبهذا قال الحنفية [١٣] والمالكية [١٤] وهو رواية عن الإمام أحمد [١٥] واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: أ - حديث عائشة ﵂ قالت: إن ناساً قالوا: يا رسول الله! إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذُكر اسم الله عليه أم لا؟ ! قال: (سموا أنتم وكلوا) قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر [١٦] . وجه الدلالة: لو كانت التسمية واجبة لم يُرخص لهم ﷺ إلا مع تحققها. وهذا في التذكية، فيقاس عليها الصيد. وأجيب: (بأن الحديث يدل على الوجوب؛ لأن الصحابة فهموا أنها لا بد منها، وخشوا ألا تكون وُجِدتْ من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بما يخصهم من التسمية عند الأكل) [١٧] . وأجيب أيضاً: (بأنا لو سلمنا لكم ذلك فإن هذا في التذكية لا في الصيد، وبينهما فارق. قال ابن قدامة ﵀:) والفرق بين الصيد والذبيحة: أن الذبح وقع في محله، فجاز أن يتسامح فيه، بخلاف الصيد ( [١٨] . ب - قوله ﷺ : (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) [١٩] . وأجيب: (بأن الحديث يدل على سقوط الإثم عن الناس، لا جعل الموجود كالمعدوم. بدليل ما لو نسي شرطاً من شروط الصلاة فإن الصلاة حينئذ تبطل، ولا ينظر في سهوه أو عمده) [٢٠] . القول الثالث: أن التسمية سنة مؤكدة. وعليه فلو ترك التسمية عند الصيد عمداً أو سهواً فإن الصيد حلال، وبهذا قال الإمام الشافعي ﵀ [٢١] . واستدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها: أ - قوله ﷺ : (المسلم يذبح على اسم الله، سمى أو لم يسم) [٢٢] . ب - قوله ﷺ حينما سُئل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي؟ فقال: (اسم الله في قلب كل مسلم) [٢٣] . وأجيب عن هذا الأحاديث: (بأن الأول مجمع على ضعفه) [٢٤] . والآخر ضعيف كذلك؛ لأنه مُرْسَل، فلا تقوم بهما حجة، ولو صحت فهي في الذبيحة خاص ة لا الصيد. قال ابن قدامة: (وأما أحاديث أصحاب الشافعي، فلم يذكرها أصحاب السنن المشهورة، وإن صحت فهي في الذبيحة، ولا يصح قياس الصيد عليها؛ لما ذكرنا، مع ما في الصيد من النصوص الخاصة) [٢٥] . الترجيح: والذي يترجح من هذه الأقوال والله تعالى أعلم هو القول الأول؛ لقوة الأدلة الصحيحة الصريحة في وجوب التسمية. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وهذه نصوص صحيحة لا يُعَرَّج على منْ خالفها) [٢٦] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وهذا أظهر الأقوال؛ فإن الكتاب والسنة قد علَّقا الحِلَّ بذكر اسم الله عليه في غير موضع) [٢٧] . وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله عن الصيد الذي لم يسمَّ عليه؟ فأجاب: (إنها تُرمى ولا تُؤكل) . ونوقش بأن هذا من إضاعة المال، والشارع نهى عن إضاعة المال؟ فأجاب قائلاً: (جوابنا على ذلك أن نقول: إن الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها ليست بمال؛ لأنها محرمة، وما كان محرماً فليس بمال، وعلى هذا فلا تدخل في نهي النبي ﷺ عن إضاعة المال. بل إن ترك أكلها طاعة لله حيث قال تعالى: [ولا تأكلوا مما لم يذكر ا\سم الله عليه] [الأنعام: ١٢١] [٢٨] . وقال فضيلة الشيخ د. صالح الفوزان: (فالقرآن والسنة قد علَّقا الحِلَّ بذكر اسم الله على الذبيحة في غير موضع، ولم يصح ما يخصصها بحالة دون حالة، أو يصرفها عن الوجوب إلى الاستحباب) [٢٩] . وبهذا يتبين رجحان وجوب التسمية عند الصيد، وأنه يتوقف عندها الحِل من عدمه. وإنما بسطت هذه المسألة بأدلتها وردودها، لأهميتها، ولتوقف حل الصيد عليها؛ ولأنه غالباً ما يسأل الصيادون عنها، وغالباً ما يلتهي عنها من يشتغل بالصيد. الشرط الثالث: النية: أي يقصد الصيد: بأن يرسل الجارحة على الصيد أو يطلق البندقية أو السهم عليه. أما إذا استرسلت الجارحة بنفسها فقتلت فلا تحل، وكذا لو رمى سهماً عبثاً هكذا، فأصاب صيداً، فإنه لا يحل الصيد حينئذ، لعدم النية؛ لكن لو لحق به قبل أن يموت وذكاه وسمى عليه فإنه يحل. الشرط الرابع: أن يكون الجارح معلَّماً. سواء أكان صقراً أم كلباً؛ لقوله تعالى: [ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ] [المائدة: ٤] ؛ ولحديث أبي ثعلبة الخشني السابق ﵁. ما يُعرف به المعلَّم من غيره ثلاث: - إذا أرسله الصياد استرسل. - وإذا زجره انزجر. - وإذا أمسك لم يأكل. ويتكرر منه هذا مرة بعد أخرى، حتى يصير معلماً في حكم العرف [٣٠] . وقد اختُلف في صيد الكلب الأسود البهيم أي الخالص فالجمهور على حله؛ لعدم الفارق عن غيره من الكلاب. والحنابلة على تحريمه؛ لأن الكلب الأسود البهيم أُمِرَ بقتله [٣١] . الشرط الخامس: ألاَّ يأكل الجارح الكلب أو الصقر من الصيد. فإن أكل لم يُبَحْ صيده في أصح القولين، وروي هذا عن جمع من الصحابة والتابعين، لقوله تعالى: [فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه] [المائدة: ٤] ، ولحديث أبي ثعلبة: (إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك. فقلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل. إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون أمسكه على نفسه) [٣٢] . وهذا إذا وجد الصياد صيده ميتاً، أما إن وجده حياً فيه رمق الحياة فسمَّى وذكَّاه، فحيئذ يجوز الأكل منه. الشرط السادس: أن تكون آلة الصيد حادة تنهر الدم من أي موضع في الحيوان ويموت بها، فإن مات خوفاً، أو جزعاً فلا يحل، وإن مات غرقاً بأن سقط في الماء فينظر في سبب الموت، فإن كان السبب هو الماء فلا يحل، وإن كان جرحه موجباً بحيث نعلم أن الماء لم يؤثر فيه فإنه حلال، وإن شُكَّ في ذلك فيغلَّب جانب الحرمة، فلا يجوز أكله لقوله ﷺ : (وإن وقع في الماء فلا تأكل) [٣٣] . ويدل على هذا الشرط ما رواه البخاري عن عباية بن رفاعة عن جده قال: يا رسول الله! ليس لنا مِدى جمع مُدية وهي السكين فقال: (ما أنهر الدم، وذكر اسم عليه فَكُلْ، ليس السن والظفر) [٣٤] . وعلى هذا فلا يجوز أكل ما قُتِلَ بمُثَقَّلٍ أو بمعراض السهم، أو قتلتِ الآلةُ بثقلها، وبهذا نعلم أنه لا يجوز القتل بما يسمى (بالنباطة) أو (المقلاع) لأنها تقتل بالثقل [٣٥] . ولا يجوز كذلك أكل ما لم يخرج منه دم؛ لأنه قُتل بثقل الآلة؛ فإنها من الموقوذة المحرمة. وأما اشتراط خروج الدم، فللرواية السابقة: (ما أنهر الدم فكل) . ولأن الدم المتحجر في الحيوان من جراء قتله بمثقّل يُفسِد الدم، ويكون ضاراً للإنسان، وإذا خرج الدم المسفوح فإن الجراثيم والميكروبات تخرج منه فيكون اللحم طبيعياً، وهذا ثابت في الطب الحديث، وهو من أسرار هذا الشريعة، وحِكَمِها البالغة. الشرط السابع: أن يكون الصيد مأذوناً في صيده زماناً ومكاناً، فلا يحل صيد المُحرِم، أو الصيد في الحرم؛ لقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم] [المائدة: ٩٥] . الشرط الثامن: أن يكون الحيوان مأكول اللحم. والأصل في جميع الحيوانات برية أو بحرية الحل، إلا ما جاء الشرع بتحريمه، ومن ذلك الخنزير والحمار والبغل، وكل ذي ناب من السباع: أي التي تأكل اللحوم كالذئب والأسد والكلب والنمر وغيرها من المفترسات [٣٦] ؛ وكل ذي مخلب من الطيور كالعقاب والباز والصقر، وكذا ما استخبث من الحيوانات وما استقبح منها كالخنافس والحشرات والوزغ، وهوامّ الأرض، وما كان مضراً كالحيوانات السامة كالحية والعقرب وغيرها. وما عدا هذه الأنواع فإن الأصل فيها الحل. رابعاً: آداب يجب التحلي بها لمن أراد الصيد: ١- عدم التهاون بالصلوات المفروضة، وأداؤها في وقتها المحدد جماعة إن كانوا جماعة؛ لأن صلاة الجماعة واجبة فلا تسقط في أشد الظروف وأقساها: في حال الحرب، وحال لقاء العدو، فكيف بحال الصيد؟ ! ٢ - ألاّ يكون الصيدُ شُغْلَ الإنسان الشاغل لمن كان لا يعتمد في رزقه واكتسابه عليه؛ لقوله ﷺ : (من تبع الصيد غفل) [٣٧] . ٣ - ينبغي للإنسان أن يتجنب صيد الحيوانات والطيور المستقرة والثابتة في مكان، والتي لها صغار تأوي إليها وتطعمها، وقد سُئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين عن صيد الطيور التي تكون حولها صغار، فأجاب حفظه الله: (إذا علمنا أن هذا الطير المعيَّن له أولاد يضيعون بصيده فإن الأوْلى بل شك ألاّ يُصاد؛ لأنه أخشى أن يكون هذا من جنس فعل المرأة التي كانت لها هرة، فحبستها حتى ماتت جوعاً، فرآها ﷺ تعذب في النار، إلا إذا كان يعلم أين يكون أولادها، ليذهب إليهم، فيأخذهم فينتفع بهم؛ فإن هذا لا بأس به) [٣٨] . ٤ - ينبغي كذلك للصياد أن يتجنب أذية الناس بالمرور في أراضيهم، أو من بين زروعهم، وأشجارهم وممتلكاتهم؛ فإن الصيد في هذه الحالة يكون محرماً كما سبق ذكره؛ وذلك لأن فيه أذية للناس، والله تعالى حرم الاعتداء على الناس، وفيه نوع تمتع بأموال الناس بدون إذن، ومال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس منه. ٥ - ينبغي للصياد أن يحرص على التسمية وألاّ يتهاون بها؛ لأنه يتوقف عليها حل الصيد من عدمه. وإني بهذه المناسبة أقترح على كل صياد أراد الصيد أن يضع ما يذكّره بالتسمية، كأن يجعل لفظه (بسم الله) على البندقية أمام عينه حينما يستعد للإطلاق؛ ليكون في تلك اللحظة الأخيرة متذكراً، فيسمي ثم يطلق. ٦- ينبغي للصياد كذلك أن يكون في صحبته سكين حال الصيد؛ ليجْهز على الحيوان، أو الطير الذي أصابه بالرمي ولم يمت؛ فإنه لا يحل قتله حين الاقتدار عليه إلا بالذكاة الشرعية، وهذا من أعظم الأمور التي تحتاج إلى تنبيه؛ حيث إن كثيراً من الصيادين يجهزون على الصيد وهو بين أيديهم بما معهم من سلاح، وهذا أمر لا يجوز، ولا يحل أكل الصيد حينئذ، بل لا بد من الذكاة الشرعية، كما مر معنا. ٧ - ينبغي كذلك ألا يكون هذا الصيد هواية فقط، بمعنى: أن يصيد الصياد لا للأكل بل للتسلية؛ فإن الصيد يكون حراماً، وقد سُئل فضيلة الشيخ محمد العثيمين حفظه الله عن صيد الحيوان فقط، ثم ترك الصيد ميتاً بعد ذلك لا يستفيد منه هو ولا غيره؟ ! فأجاب حفظه الله: (الصيد لهواً وعبثاً محرم؛ لما في ذلك من اللهو والغفلة عن ذكر الله؛ ولأن ذلك يوجب ضياع المال في غير فائدة، وقد صرح بعض العلماء بكراهته، ولكن قواعد الشريعة تقتضي تحريمه، لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال) [٣٩] . ٨ - كذلك يباح للصياد إذا بلغ مسافة القصر أن يترخص برخص السفر؛ لأن هذا السفر لأمرٍ مباح، فيقصر الرباعية، ويباح له الفطر في رمضان، وعليه التأدب بآداب السفر من الأدعية الواردة وغيرها. ٩- ينبغي للصياد ألا يخرج للصيد وحده، بل الأوْلى أن يكون في صحبة أحد من أصحابه، خصوصاً إذا كان محل الصيد بعيداً بحيث يبلغ مسافة القصر؛ لأن الوحدة يحصل فيها أخطار؛ ولأن السفر مفرداً منهي عنه؛ فالمسافر شيطان، والمسافران شيطانان، والثلاثة ركب، كما ورد في الحديث. ١٠ - ينبغي كذلك للصيادين أن يتجنبوا عند اجتماعهم المزح بالسلاح؛ وذلك بأن يرفع أحدهم السلاح على الآخر، أو يرمي من جانبه ليروعه، أو غير ذلك من أنواع المزح بالسلاح التي تصْدُر أحياناً من الصيادين إذا اجتمعوا، وهذا الفعل محرم من جهتين: إحداهما: أن حمل السلاح في وجه المسلم حرام كما وردت بذلك السُّنَّة. ثانياً: أن ضرره واضح للعيان، بل ومتحقق؛ فكثيراً ما نسمع بتلك القصص الدامية التي راح ضحيتها نفوس بريئة سببها المزح الثقيل الذي ليس في بابه، وكثيراً ما نسمع بأن أحدهم وجَّه البندقية إلى صاحبه يظنها فارغة فإذا بها ترميه وتلقيه صريعاً على الأرض؛ فما أحلى الامتثال لأمر الله وأمر رسوله! وقد سُئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين عن رفع السلاح على وجه المسلم من باب المزاح؟ ! فأجاب حفظه الله: (لا يجوز رفع السلاح على المسلم سواء كان ذلك من باب المزاح، أم من باب الجد؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال ﷺ : (لا يُشِرْ أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار) [٤٠] . وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه) [٤١] . ١١ - كذلك ينبغي للصياد أن ينتبه لثيابه وملابسه حال الصلاة؛ خشية أن يكون أصابها شيء من دم الحيوان أو الطير؛ لأن الدم الذي ينزف من الصيد بعد رميه نجس، فلا بد من إزالته وتطهيره، ولأن الله تعالى حينما ذكر المحرمات ذكر منها [أو دما مسفوحا] [الأنعام: ١٤٥] وهو الدم المنهمر منه. ١٢ - كذلك ينبغي ألاَّ يترك السلاح بين الأطفال إذا كان معه أطفال؛ لأن ذلك قد يسبب أخطاراً ومن ثم يقع في الحرج والإثم من جراء تفريطه فيه. ١٣- كذلك ينبغي للصياد أن يصطحب معه ما يحفظ به صيده من التعفن؛ فبعض الصيادين ربما يصيد صيداً كثيراً ويتركه في سيارته أو في مكان جلوسه، فإذا ما جلس مدة فإذا بالصيد يصيبه العفن، فتعافه نفسه فيرميه، وهذا من التفريط في حفظ المال، وكما سبق معنا في الحديث بأنا قد نُهينا عن إضاعة المال. نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً بالاقتداء، والاهتداء بالسنَّة، وأن ينفع بهذه الأسطر كاتبها وقارئها؛ إنه على كل شيء قدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 3347

دراسات في الشريعة والعقيدة الأبعاد التربوية للحج د. حمدي شعيب [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ] [البقرة: ١٩٧] . سُئل رسول الله ﷺ : (أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور) [١] . تشكِّل الآية السابقة مع حديث رسول الله ﷺ ملمحاً يفتح للمسلم باباً عظيماً في الفقه نحن في أمس الحاجة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهو فقه ترتيب العقلية المسلمة، أو (فقه الأولويات) ، وهو ما يُعرف بفقه مراتب الأعمال؛ حيث يتعلم منه المسلم أن للأعمال مراتب متباينة ومتفاضلة في أهميتها وفي ثوابها وفضلها، وأن لكل عمل وقتاً معيناً، وأولوية متقدمة على سائر الأعمال، وهو ما يُعرف بـ (واجب الوقت) . وعلى ضوء ذلك يمكن إعادة ترتيب العقل المسلم وصياغته، فيدرك من خلاله أن فقه الأولويات: هو مراعاة النسب بين الأعمال والتكاليف الشرعية، والإخلال بها يُحدث ضرراً بليغاً بالدين والحياة. والعقيدة في الإسلام مقدمة على العمل. والأعمال متفاوتة تفاوتاً بعيداً، وهي تتفاضل عند الله سبحانه وليست على درجة واحدة؛ فالنافلة لا يجوز تقديمها على الفريضة، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية. ومما ينبغي أن نعرفه: القضايا التي هي أوْلى بالاهتمام فتُعطى الجهد والوقت أكثر مما يُعطى غيرها، وأن نعرف أوْلى الأعداء بتوجيه قوانا الضاربة، وتركيز الهجوم عليه، وأي المعارك أوْلى بالبدء؟ وأجاب ابن القيم ﵀ عن أي العبادات أفضل: هل الأفضل منها: الأشق؟ أو الأفضل: المتعدية النفع؟ ثم رجَّح أنه لا يوجد أفضل بإطلاق؛ وإنما لكل وقت عبادة تكون هي الأفضل بالنسبة له [٢] . ولا ننسى وصيته ﷺ عندما رتب أولويات الإنفاق، فقال: (وابدأ بمن تعول) [٣] . وكذلك عندما قص علينا ﷺ أوضح مثال لعاقبة عدم ترتيب الأولويات بما حدث لجريج العابد عندما قدَّم الأولوية لعمل صالح مرجوح على عمل صالح آخر أرجح؛ حيث قدم الاستمرار في صلاته، ولم يلبِّ نداء أمه ثلاثاً، فأغضبها، ودعت عليه دعوة استجاب سبحانه لها فيها، وهي أن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات، فاتهمته إحدى البغايا بالزنا والفجور، ولكن الحق سبحانه أنجاه بتوبته وصلاحه [٤] . والداعية أوْلى الناس بامتلاك تلك العقلية المرتبة، فيعرف حق الوقت، ويفقه أولوياته، ويربأ بنفسه أن يكون تعامله مع القضايا تعاملاً مختلاً، مثل ذلك السفيه الذي استجار به غريق فاشترط أولاً أن يستر هذا الغريق المسكين عورته، حتى ينقذه! إشارة نبوية: تنمية روح الجندية والانضباط: وتبدأ هذه الرحلة المباركة من أماكن معينة، تعرف بالميقات المكاني للحج، وهي خمسة حدود مكانية؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يَلمْلَمْ. قال: (فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج، أو العمرة. فمن كان دونهن فمَهَلُّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها) [٥] . ولا يجوز تجاوزها بغير إحرام إذا نوى العبد الحج أو العمرة، ومن تجاوزها فإنه يجب عليه أن يعود إليها ويحرم منها، وإلا فعليه دم يذبحه ويوزعه على فقراء الحرم. من هذه الشعيرة الخاصة يمكننا أن نضع أيدينا على مغزى بعيد لها، وبُعْدٍ تربوي تستشعره النفس من خلال تدبرها، وهو أن يتعود المسلم دوماً أن لكل عمل ولكل أمر حدوداً معينة لا يجوز تجاوزها، بل إن تجاوزها قد يكون من الخطورة بمكان؛ حيث ينعكس أثره على صحة العمل نفسه، وقبوله عند الحق سبحانه. وهذا المغزى الانضباطي التربوي البعيد يكاد يكون سمة بارزة من سمات المنهج الإسلامي التي يُربَّى المسلم عليها؛ حيث توجد عنده هذه الروح، وينميها في حسه، فتعوِّده على حب النظام والانضباط، والطاعة للأوامر، والتزام حدود كل عمل فلا يتجاوزه، وهي كلها جوانب تندرج تحت صفات الجندية المنشودة. وكذلك كانت روح كل الشعائر والأعمال الخاصة بركن الحج. وتدبر كيف أن لهذا الركن العظيم أركاناً أربعة هي: الإحرام، وطواف الإفاضة، والوقوف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة؛ فمن ترك ركناً لم يصح حجه، ولا يتم إلا به. وتدبر أيضاً أن لهذا الركن واجبات؛ فمن ترك واجباً فعليه دم لفقراء الحرم. وهي أيضاً روح كل العبادات والشعائر. ويمكننا أن نأخذ مثالاً واحداً وهو الصلاة، وكيف أن لها شروطاً، وفرائض، وسنناً معينة، كلها توقيفية لا يجوز الزيادة عليها. والمقام لا يتسع هنا إلى التفصيل أكثر من هذه الإشارات. وكذلك كانت روح علاقات المسلم كلها. فسلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، ومع أهله له ضوابط محددة، وهي حقوق في عنقه: (إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه) [٦] . من هنا نخلص إلى أن الانضباط والتزام حدود الله تعالى من صفات المسلم الحق. وعكس هذا هو عدم النظام والتسيب، والمخالفة، والتعدي. بل إن تلك القضية لها آثار خطيرة داخل النفوس وكذلك داخل الصف. ولنتدبر هذه النصيحة العظيمة من الحبيب ﷺ التي تبرز تلك الرابطة بين النظام في الظاهر، والنظام في الداخل؛ فما هي إلا إشارة حمراء تحذر العاملين، وتبين أن الاختلاف الظاهري ينتج اختلافاً بين القلوب. قال صلى الله عليه وسلم: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) [٧] . والداعية أوْلى بالالتزام بصفات الجندية، وهو اللبيب الذي بالإشارة يفهم؛ فما بالك إذا كانت تلك الإشارة نبوية واضحة جلية؟ إنذارٌ للنمل! فضل إعلان الهوية: من عند هذه المواقيت المكانية، وفي أثناء تلك المواقيت الزمانية يُحْرِم المسلم إذا نوى الحج أو العمرة؛ وذلك بأن يخلع ثيابه التي يلبسها، ويرتدي ثياب الإحرام، وهي تتكون من رداء وإزار أبيضين نظيفين، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب المباحة غير ثياب التبرج والزينة، ويستحب للإحرام الاغتسال والتطيب ونظافة الملبس. وإذا أحرم المسلم كان عليه أن يرفع صوته بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) . ثم يلتزم باجتناب محظورات الإحرام المعروفة. وبتدبرنا لهذا العمل من أعمال الحج والذي يُصنَّف ركناً من أركانه، وكذلك واجباً من واجباته، وذلك من الجانب الذي يهمنا هنا وهو البعد التربوي لهذه الشعيرة، ودورها المهم؛ حيث تستشعر النفس أن هذا العمل يرمز إلى معنى رفيع وهو قضية جهد الإنسان في التغيير وفعاليته في صنع الأحداث، فشرارة البداية في التحولات الحضارية، هي محاولة تغيير النفس: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] . [الرعد: ١١] . ومع قناعتنا بأن التغيير المنشود هو التغيير الداخلي أي تغيير النفس والجوهر الإنساني، ورغم يقيننا بأن الحق سبحانه لا يعامل الناس بظواهرهم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [٨] . ولكن البعد التربوي للإحرام يوجهنا إلى منحى آخر مهم، وإلى دلالة عظيمة هي: أن من أراد التغيير الداخلي فلا يهمل التغيير الخارجي؛ فالإنسان كلٌّ لا يتجزأ، وأي خلل ظاهري له تأثير بعيد داخلياً؛ وذلك كما أشرنا إلى وصية الحبيب ﷺ التحذيرية: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) [٩] وكذلك كما نهتم بتسوية الصفوف، خوفاً من تأثيرها على الداخل: (لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) [١٠] . والإحرام رمز للانسلاخ من مرحلة إلى أخرى، ويعتبر عهداً بين المسلم وربه، وتأكيداً على صدق نية التغيير والالتزام بذلك ظاهرياً بلبس الإحرام، وإعلان ذلك برفع الصوت بالتلبية حتى يعلم الناس جميعاً بهذا الميثاق، وبتوابعه وهي اجتناب محظوراته، بل إن البعد التربوي لهذه التلبية ودلالاتها نستشعرها من تدبر قوله ﷺ : (ما من ملبٍّ يلبي إلا لبَّى ما عن يمينه وشماله من شجر وحجر حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا يعني عن يمينه وشماله) [١١] . وتدبر ذلك النداء ورفع الصوت بالتلبية وأثره الكوني والباطني، وتواصله مع ذلك النداء الذي رفعه مؤسس هذا المشروع العظيم الخليل ﵇ عندما أمره الحق سبحانه أن يؤذن في الناس، فيبلغهم ويدعوهم، ووعده بالإجابة: [وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] [الحج: ٢٧] (أي نادِ في الناس بالحج داعياً إياهم إلى الحج، إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذُكِر أنه قال: يا رب كيف أبلغ صوتي ولا ينفذهم؟ فقال: نادِ؛ وعلينا البلاغ. فقام على مقامه وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس وقال: يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتاً، فحجوه. فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك) [١٢] . وهو رمز لإعلان الهوية، وما يدل عليه من أن هذا المشروع مشروع كوني يهش ويبش له كل الخلائق، ويتجاوب معه الوجود كله، ويباركه رب هذه الخلائق ورب هذا الوجود كله سبحانه. وهو رمز التميز الذي يفرق بين أصحاب هذا المشروع الرباني العظيم وأصحاب المشاريع الأرضية المغايرة؛ يفرق بين المشروع الذي يتجاوب له الوجود وتأنس إليه الفطرة وبين المشاريع الأخرى التي وإن لم تصطدم فهي تتنافر مع الوجود، وتأنف منها الفطرة الإنسانية. وهو أيضاً عنوان التحدي الذي يشمخ به أصحاب هذا المشروع على غيرهم من أصحاب المشاريع المناوئة؛ التحدي بالركون إلى الحق سبحانه، إلى القوة التي تباركه وتزكيه وتباهي بأصحابه ملائكة السماء؛ حيث روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه خرج على حِلَقٍ من أصحابه، فقال: (ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام ومَنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة) [١٣] . ومن هنا ندرك كم لهذا العمل العظيم من أعمال الحج من آثار كونية! وكم له من آثار باطنية تأخذ بتلابيب النفس، ويتراقص لها القلب لهفة وحباً وشوقاً! وذلك استجابة لدعاء الخليل ﵇ الذي رفعه ذات يوم من أيام هذا المشروع العظيم: [رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ] [إبراهيم: ٣٧] . لذا فهو إعلان مادي بالالتزام بعهد الانسلاخ، والتحول من الماضي بكل سلبياته والدخول إلى المستقبل المنشود من خلال بوابة الحاضر. والدعاة العاملون يعون جيداً مغزى هذا العمل، ودلالاته الكثيرة، وأهمية تلك النقلة، والعبور من مرحلة التفلُّت إلى مرحلة العمل من أجل أداء هذه الشعيرة الإسلامية الكبرى. لبنة التربية: عند هذه المواقيت المكانية، وأثناء المواقيت الزمانية للحج يبدأ المسلم رحلته المباركة، ويحدد نيته فيختار أحد الأنساك الثلاثة: إما التمتع، أو الإفراد، أو القِران. وكذلك عندما ينهي رحلته يكون على أحد الخيارين: إما التعجل في نهاية اليوم الثاني عشر وقبل غروب شمسه، أو أن يتأخر إلى اليوم الثالث عشر. وبتدبر هذه الخيارات سواء في بداية الرحلة أو في نهايتها التي بينها الرسول ﷺ ولم ينكرها أي من الأئمة، وكذلك في اختلاف الفقهاء في أفضلية أي من الأنساك على غيرها، وبتدبر هذه الرحمة الإلهية في قوله سبحانه: [فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ] [البقرة: ٢٠٣] ، وبالنظرة الشمولية العامة، والغوص في المغزى البعيد للنصوص، وعدم قصرها على موضوع الحج، بل بالتوسع في معناها البعيد، ومن هذا المنطلق المنهجي نجد أن هذه النظرة لهذه الركيزة القائمة على تدبر الخيارات في رحلة الحاج تفتح باباً عظيماً في المنهج، وتكشف أضواءاً على قضيةٍ طالما شغلت الكثيرين في مختلف العصور؛ ألا وهي (قضية تعدد الصواب) ، وهي من أهم جوانب إعادة صياغة العقلية المسلمة وركائزها التي ندعو إليها ليزيد رصيدنا من هذه العقليات التي تفقه وتعي (فقه الموازنات) أو فقه الترجيح، وهو الفقه الذي على أساسه يقوم بنيان (السياسة الشرعية) . ولا ننسى الفقه الآخر المرتبط بهذا الفقه ويلازمه وقد يتداخل معه؛ ألا وهو (فقه الأولويات) . فعلى أساس هذين الفقهين يتم الترجيح والموازنة بين الاختيارات على أساس الأصوب والأوْلى. وفي النهاية نخلص إلى أن ذلك من علامات سعة المنهج ومرونة الشريعة، وكذلك من علامات نضج حاملي هذا المنهج وثقتهم في سمو فكرتهم التي يدعون إليها وعلوها، وهي أيضاً دلالة بارزة على سعة أفق دعاة مشروعه الحضاري. وإذا كان لهذه القضايا أهميتها في الماضي فإن هذه الأهمية تتضاعف في حلقة الصراع والتدافع الحضاري المعاصرة أمام تيارات ومشاريع مناوئة يُلقي حاملوها بالتهم جزافاً على حاملي المشروع الحضاري الإسلامي، ويتهمونهم بالجمود والتحجر وأحادية النظرة. آلامٌ ... وآمال: ضرورة إيجاد محور تغييري واحد: ثم يبدأ الحاج طوافه، فيبدؤه باستلام الحجر الأسود بيده اليمنى ويقبِّله، فإن لم يتيسر تقبيله قبَّل يده إن استلمه بها، فإن لم يتيسر ذلك، فإنه يستقبله ويشير إليه بيده إشارة ولا يقبِّلها، قائلاً: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءاً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ . ثم يستلم الركن اليماني بيمناه، ويكمل سبعة أشواط مع مراعاة سُنَّتَيْ الاضطباع والرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى. وحول هذا الركن من أركان الحج، ومن خلال تأملاتنا التي تدور من الجانب الذي يعنينا في هذه الدراسة وهو البعد التربوي له نجد أننا أمام عدة قضايا مهمة: أولها: عندما يرنو المسلم إلى هذه الأعداد الغفيرة من كل جنس ولون، ومن كل أرض وصقع، ومن كل لسان ولغة، وكيف توحدت في زيها، وفي خطواتها ونداءاتها. لذا فإننا نؤكد أن هذا الدين هو الفكرة الموثوق بها والوحيدة المرشحة من قِبَلِ الحق سبحانه ركيزةً لتجميع الأمة كل الأمة بعد إخفاق الأفكار الأخرى التي استوردت على أيدي حفنة من بني جلدتنا، فكانت كالنباتات الشيطانية الغريبة على تربتنا. ثانيها: أهمية وجود القضية المحورية التي لا بد منها لإيقاظ الأمة كل الأمة لتكون مشعلاً يبث الحماسة، وعاملاً يحرك مشاعر الجميع سواء الفرد أو الأمة. فبرغم توحد اللباس والخطوات والكلمات لهذه الجموع الغفيرة إلا أن المشكلة هي وجود القضية أو الفكرة التي توحد اهتمامات الأمة، وتحرك جماهير الشارع. ولقد حاول المخلصون مراراً أن يوجدوا المشروع الذي يجمع شمل الأمة، والذي يشعل حماس أبناء الأمة؛ فإن أمة لا يجمعها قضية خطيرة ومصيرية مثل ضياع أوَّل قبلتيها ومعراج رسولها الخاتم ﷺ وموطن مقدسات كل الرسالات السماوية فلن تجمعها قضايا أخرى. وللأسف يغفل كثير من أبناء الأمة الإسلامية عن هذه القضية التي لا يختلف عليها اثنان لتعبئة الأمة حوله، ولتوجيه الأنظار للخطر المحدق بالجميع، ومن أجل مناهضة المشروع الصهيوني الغربي الذي يهدد كل الأمة. أما بالنسبة للفرد المسلم فالكل يطوف ظاهرياً حول محور واحد، والكل يردد الكلمات نفسها، والكل يسكب عبراته، ولكن كلٌ يبكي على ليلاه، حقاً: (إنما الأعمال بالنيات) [١٤] . ثالثها: أهمية التنظيم؛ وهو ما يُعرف بفقه تنسيق الجهود وتوفير الطاقات، وتوظيف الإمكانات. وهذه القضية تبدو واضحة في كل أعمال الحج؛ ففي وقت معين وفي أماكن معينة تسير هذه الجموع المليونية في سلاسة وفي يسر وفي نظام عجيب ومعجز، وما كان هذا ليتأتى إلا بالتنظيم الجيد والدقيق الذي وضعه صلى الله عليه وسلم عندما حج سنة عشر من الهجرة، وتبعه المسلمون حتى يومنا هذا دون تبديل أو تحريف. رابعها: عندما ينظر الداعية إلى هذه الجموع المليونية نظرة ذات بُعد كمي؛ فيملأ جوانحه الأمل، ويتذكر مؤسس هذا المشروع العظيم؛ يتذكر الخليل عليه السلام وهو يقف وحيداً، ويؤذن بالحج كما أمره الحق سبحانه (نادِ وعلينا البلاغ) ، فتكون النتيجة هي هذه الجموع التي لا تُحصى، والتي تأتي من كل حدب وصوب، حتى قيام الساعة، مشاة وراكبين، وكلهم شوق وبقلوب تهوي إلى هذا المكان الطاهر. وهذا ما يؤكد أهمية فقه الدور المطلوب وأجره الموعود؛ فالداعية عليه البلاغ، والحق سبحانه يرعى النتائج بعد ذلك، ويبارك في الأجر العظيم الذي ينتظر الداعية عند القيام بوظيفته البلاغية. وكذلك حَمَلَةُ الفكرة الربانية العظيمة، ودعاة هذا المشروع الحضاري، لقد كلفهم الحق سبحانه بوظيفة، أو دور معين، ووعدهم بالأجر العظيم على حسن أداء تلك الوظيفة. ولا نريد أن نكرر هنا ما أكدنا عليه ووضحناه آنفاً، ولكننا نذكِّر الداعية أن يفقه وظيفته من حيث ماهيتها، ومنهجية تنفيذها، والأجر المترتب عليها، وكيفية تلقي التكاليف، وحسن تنفيذها، وحسن عرض البضاعة الربانية العظيمة، وضرورة أن يصل إلى درجة البلاغ المبين للفكرة، ثم وهذا هو الأهم عليه أن يستشعر هذا التفاعل والتعاضد الفريد بين دور البشر، ودور المدد الرباني في تنفيذ جمع شمل الأمة المنشود، وكيف أن هذه النقطة هي النبراس الذي يعطي الأمل للعاملين، وهو العلامة الفارقة التي تميزهم عن غيرهم من أصحاب المشاريع المغايرة. خامسها: عندما يُتْبِع الداعية هذه النظرة، بنظرة أخرى ذات بُعدٍ نوعي؛ فيملأ قلبه الأسى عندما يتأمل ذلك الفارق الشاسع بين ثقل تلك الأعداد القليلة التي كانت تطوف معه ﷺ وأثرها في صنع أحداث الكون حولها، ودورها في صنع حركة التاريخ، وبين ثقل هذه الجموع المعاصرة، وهم يطوفون الطواف نفسه، ويرددون الكلمات نفسها، ولكن أصابهم مرض العصر، مرض الغثائية، أو الإمَّعية، وكيف تداعت عليهم أرذل الأمم، فشتتت جموعهم، وأصبحوا على هامش الأحداث. وهي مرحلة القصعة التي حذر منها ﷺ : (يوشك أن تتداعى الأمم عليكم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ ! قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) [١٥] . ويعود الداعية بعد تدبره لهذا الملمح التربوي، إلى نظرة واقعية يراجع بها منهجيته، فيدرك أهمية التركيز على التربية، ويهتم بالتقييم النوعي لثماره، ولا يغتر بالتجمعات الغثائية القطيعية. سادسها: عندما يستلم المسلم الحجر الأسود، تعاوده السكينة، ويطمع في وعده ﷺ : (إن مسحهما يحطَّان الخطايا حطّاً) [١٦] . سابعها: عندما يتأمل الداعية مشروعية سُنَّة الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى، ويدرك مغزى حرصه ﷺ أن يكون سلوك المسلمين وحركتهم بمنهجهم عنواناً يرد كيد الأعداء، ويطمس الشبهات، ويزيل الإشاعات التي رددتها يهود حول حُمَّى يثرب التي أصابت المسلمين. ثم يأسى على واقع أمته وكيف أن مجرد تلك الإشاعات حول الوهن الصحي الظاهري الذي زعموا أنه أصاب الصحابة رضوان الله عليهم قد استحالت إلى حقيقة مُرَّة وهو إصابة مسلمي عصرنا بوهن أخطر، وهو الوهن الباطني، والهزيمة الداخلية النفسية. ومن خلال تلك القضايا التي ذكرنا طرفاً منها يتبين للداعية مدى أهمية المشاركة في جولة التدافع الحضارية المعاصرة، وذلك بحمل المشروع الحضاري الإسلامي؛ فبه وبه وحده تستطيع أمتنا أن تجابه المشروع الصهيوني الغربي. فهو المشروع الذي به تتوحد اهتمامات الأمة وجهودها، فيكون تمحورها وطوافها حول محور تغييري واحد، وذلك للخروج من مرحلة القصعة؛ فلعل هذه المشاركة تزيل الوهن والغثائية، وتُري أعداء الأمة من المشاركين معنى القوة والعزة. ساعة ... وساعة: تنمية خُلق التيسير: بعد إتمام الطواف، وقبل أن يبدأ السعي، يُسن للحاج أن يصلي ركعتين جاعلاً مقام إبراهيم ﵇ بينه وبين الكعبة ولو بَعُدَ، وإن لم يتيسر له صلَّى في أي موضع، ويُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (الكافرون) ، وفي الثانية (الإخلاص) . بعد ذلك يُستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها، ويصب على رأسه، وإن تيسر له رجع وكبَّر واستلم الحجر الأسود. ولو تدبرنا نوعية تلك السنن وموضعها لوجدناها تتكرر بصفات أخرى طوال رحلة الحج، ونجدها أيضاً تفصل بين كل عملين شاقين. أو بمعنى آخر كأنها لحظات لالتقاط الأنفاس قبل الشروع في الأعمال التي تتطلب جهداً ومشقة. وتدبر جلسات الاستراحة الإيمانية المتعددة تلك، والتي تأتي على هيئات مختلفة عملاً ووقتاً مثل يوم التروية قبل الخروج إلى عرفة، والمبيت بالمزدلفة قبل أعمال يوم النحر الشاقة من رمي ونحر وحلق وطواف. وهذا الملمح التربوي يفتح باباً عظيماً في المنهج، ويدلنا على سمة عظيمة من سمات ذلك المشروع الحضاري، وهو مراعاة الطبيعة البشرية، ومراعاة قدرات المشاركين في حمله، وكذلك يدل على يسر هذا المنهج وواقعيته وملاءمته للجميع. وتدبر كيف أن الحبيب ﷺ قد راعى قدرات أصحابه رضوان الله عليهم، فجعل ذروة سنام الدين وهو الجهاد درجات ومراتب، فلم يُحرَم أحد من شرف القيام به، حتى وإن قصرت همته، وضعفت قدراته، بل وإن اعترف بها؛ وذلك لأن الجهاد هو سبيل الأمة ومصدر عزها، ولا بد من أن يشارك الجميع في الركب؛ لذا صُنِّف الحج على أنه جهاد الضعفاء، فعن الحسن بن علي ﵄ قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني جبان، إني ضعيف، فقال ﷺ : هَلُمَّ إلى جهادٍ لا شوكة فيه: الحج) [١٧] . وكان منهجه ﷺ هو الوسطية، بمراعاة الفطرة الإنسانية، وحدود الاستطاعة البشرية: (مَهْ، عليكم بما تُطيقون، فوالله! لا يملُ الله حتى تملوا) [١٨] . وذلك روح الدين، وأساس القاعدة الربانية التي يقوم عليها المنهج الإسلامي: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] [البقرة: ١٨٥] . ويخرج الداعية من هذه الركيزة، بأن يراعي الطبيعة البشرية، وقدرات المشاركين، ويوظف كلاًّ في مكانه، ولا يُشعر أحداً بأفضلية مكانته على الآخر. وإن كان الركب يحتاج إلى طلائع قوية، ودعائم صلبة تتحمل التبعات فإن الصف أيضاً يضم بجانب هؤلاء الرواحل آخرين من أنصاف الرواحل، والأقل منهم درجة، أو درجات، ولكل قدراته وطاقته التي توضع في عين الاعتبار، ولكل دوره الذي لا يستطيع أحد غيره القيام به، ولكل ثغره الذي لا يستطيع أن يحرسه غيره، بل ولكل فضله ومكانته التي لا يمكن لأحد بخسها. وعلى الداعية كذلك ألا يهمل فترات الترويح على النفس، ولكن بشرط أن تنضبط بشرعيتها مع الأهداف والغايات الربانية للمسيرة؛ فهو المجاهد الذي لا ينسى قضيته حتى وإن استراح لبعض الوقت، وكذلك يجب ألا تطول فترات الراحة المباحة والاستجمام البريء فتنسيه مهمته. وهو من باب الوسطية؛ أو التوازن والاعتدال، كما في نصيحته صلى الله عليه وسلم: (يا حنظلة! ساعةً وساعةً) [١٩] . الشقائق: دور المرأة في المشروع الحضاري: بعد ذلك يتجه الحاج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا تلا قوله سبحانه: [إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ومَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ] [البقرة: ١٥٨] ، ثم يقول: (نبدأ بما بدأ به الله) . ثم يبدأ من الصفا فيرتقي ثم ينظر إلى الكعبة، فيكبر ويوحد، ويدعو ثلاثاً من خيري الدنيا والآخرة، ثم يبدأ السعي متجهاً إلى المروة ويذكر الله ويدعو وهو يمشي. ويركض هرولة بين الميلين. ثم يمشي حتى يأتي المروة فيرتقي عليها، ويصنع كما صنع على الصفا. ثم يعود إلى الصفا ويكرر ذلك سبعاً. وعندما نتأمل هذا العمل العظيم من أركان الحج أو واجباته وذلك من زاوية بحثنا المتواضع، ومغزاه التربوي من حيث دلالاته باعتباره ركيزة من ركائز المشروع الحضاري فإننا نرى بدايةً أنه قد شُرع للأمة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي) [٢٠] ، شُرع ليربط الأمة بتاريخها الناصع، ويذكر الأمة بجذورها، وأصالتها تذكرة دائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، يذكرها بتلك التجربة العظيمة، والجهد الشاق الذي قامت به هاجر الصابرة المؤمنة المثابرة، ﵍ وهي تبحث عن الماء لرضيعها ولها بعد أن نفد الماء الذي كان معها، و (عطشت، وعطش ابنها أي انقطع لبنها فعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أي يبكي ويتقلب، وفي رواية: يتلبط أي يتمرغ ويضرب الأرض برجليه، وفي أخرى: يتلمظ أي يخرج لسانه فيبل به شفتيه وكانت سنه حينئذ سنتين، فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، أي قميصها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة، فقامت عليه، فنظرت: هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵄: فذلك سعي الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً؛ فقالت: صهٍ تريد نفسها ثم تسمَّعت، فسمعت أيضاً! فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ، أي ساعدني لأني سمعتك فإذا هي بالمَلَكِ أي جبريل ﵇ عند ماء زمزم فبحث بعَقبهِ أي عظم مؤخر القدم أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء) [٢١] . وبتدبر هذه التجربة العظيمة نستطيع أن نتلمس بعض الملامح التربوية حول بعض القضايا الفرعية، ثم حول القضية العظيمة والمغزى الرفيع الذي نخلص إليه وذلك في الحلقة التالية إن شاء الله.

стр. 3348

تأملات دعوية حدثوا الناس بما يعرفون محمد بن عبد الله الدويش إن ثمرة دعوتنا للناس وخطابنا لهم تتحقق حين يفهمون الخطاب ويعقلونه، ثم يتحول الأمر إلى سلوك عملي واستجابة. وما لم يكن الخطاب مناسباً للناس تبلُغُه عقولهم وتدركه أفهامهم فلن يتحقق المقصود منه. لذا صح عن علي ﵁ أنه قال: (حدِّثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟) [١] . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) [٢] . وتحديث الناس بما يعرفون له جانبان: الأول: يتعلق بأسلوب الخطاب؛ وذلك بأن يُخاطب الناس بلغة سهلة واضحة، وأن يبتعد المتحدث عن التقعُّر والتكلُّف والبحث عن الألفاظ الغريبة، وقد ذم النبي ﷺ هذا المسلك فقال: (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها) [٣] . وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ... (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق) [٤] ... ... قال الترمذي: والعي قلة الكلام، والبذاء: هو الفحش في الكلام، والبيان: هو كثرة الكلام، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيوسعون في الكلام ويتفصحون فيه من مدح الناس فيما لا يرضي الله. وأحياناً يدفع التكلف صاحبه إلى هجر المصطلحات الشرعية، والبحث عن مصطلحات حادثة. الثاني: يتعلق بمضمون الخطاب، فليس كل ما يُعلم يقال، والعامة إنما يُدعون للأمور الواضحة من الكتاب والسنة، بخلاف دقائق المسائل سواء أكانت من المسائل الخبرية، أم من المسائل العملية. وما يسع الناس جهله ولا يكلفون بعلمه أمر نسبي يختلف باختلاف الناس، وهو في دائرة العامة أوسع منه في دائرة طلبة العلم. وها هو النبي ﷺ إمام الدعاة وقائدهم حين يأتيه رجل يسأله عما يدعو إليه، أو يسأله عما يجب عليه أن يفعله، يجيبه النبي صلى الله عليه وسلم بالجمل الثابتة الظاهرة من دعوته ﷺ : توحيد الله تبارك وتعالى، إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، الصوم، الحج، صلة الأرحام، كسر الأوثان ... إلخ، ولم يَدْعُ النبي ﷺ أمثال هؤلاء إلى مسائل فرعية أو خفية. ومن ذلك ترك تحديث الناس بما يُشكِلُ عليهم فهمُه، أو يُخشى أن ينزلوه على غير تنزيله ويتأولوه على غير تأويله. قال الحافظ ابن حجر في شرحه لخبر علي ﵁: (وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة. وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي) [٥] . فحري بالدعاة إلى الله ﵎ أن يتدارسوا هذه الآداب، ويعتنوا برعايتها وتطبيقها.

стр. 3349

قضايا دعوية فتنة مسايرة الواقع عبد العزيز الجليل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن من علامة توفيق الله لعبده المؤمن أن يرزقه اليقظة في حياته الدنيا؛ فلا تراه إلا حذراً محاسباً لنفسه خائفاً من أن يزيغ قلبه، أو تزل قدمه بعد ثبوتها، وهذا دأبه في ليله ونهاره يفر بدينه من الفتن، ويجأر إلى ربه في دعائه ومناجاته يسأله الثبات والوفاة على الإسلام والسُّنَّة غير مبدل ولا مغير. وإن خوف المؤمن ليشتد في أزمنة الفتن التي تموج موج البحر والتي يرقق بعضها بعضاً، وما إخال زماننا اليوم إلا من هذه الأزمنة العصيبة التي تراكمت فيها الفتن، وتزينت للناس بلبوسها المزخرف الفاتن، ولم ينج منها إلا من ثبته الله وعصمه. نسأل الله أن يجعلنا منهم. وأجدها فرصة أن أتحدث عن فتنة شديدة تضغط على كثير من الناس فيضعفون أمامها، ألا وهي فتنة مسايرة الواقع وضغط الفساد ومسايرة العادات، ومراعاة رضا الناس وسخطهم، وهي فتنة لا يستهان بها؛ فلقد سقط فيها كثير من الناس وضعفوا عن مقاومتها، والموفق من ثبته الله كما قال تعالى: [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ] [إبراهيم: ٢٧] . يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذه الآية: (تحت هذه الآية كنز عظيم، من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم) [١] . وإذا كان الرسول ﷺ قد قال له ربه ﵎: ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً [] الإسراء: ٧٤ [فسواه من الناس أحوج إلى التثبيت من ربه تعالى، وفي هذا تأكيد على أهمية الدعاء وسؤال من بيده التثبيت والتوفيق وهو الله . ذكر بعض الصور لفتنة مسايرة الواقع والتقليد الأعمى: إن فتنة مسايرة الواقع والتأثر بما عليه الناس لتشتد حتى تكون سبباً في الوقوع في الشرك الموجب للخلود في النار عياذاً بالله تعالى؛ وذلك كما هو الحال في شرك المشركين الأولين من قوم نوح وعاد وثمود والذين جاؤوا من بعدهم من مشركي العرب، فلقد ذكر لنا القرآن الكريم أنهم كانوا يحتجون على أنبيائهم عليهم السلام عندما واجهوهم بالحق ودعوهم إلى التوحيد وترك الشرك بأنهم لم يسمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وكانوا يتواصون باتباع ما وجدوا عليه آباءهم ويحرض بعضهم بعضاً بذلك ويثيرون نعرة الآباء والأجداد بينهم. وسجل الله عن قوم نوح ﵊ قولهم:] مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [ ] المؤمنون: ٢٤ [. وقال تعالى عن قوم هود:] قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ... [] الأعراف: ٧٠ [، وقال ﵎ عن قوم صالح:] قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُواً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ... [ ] هود: ٦٢ [. وقال عن قوم فرعون:] قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [] يونس: ٧٨ [، وقال عن مشركي قريش: ] وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... [ ] البقرة: ١٧٠ [والآيات في ذلك كثيرة، والمقصود التنبيه إلى أن تقليد الآباء ومسايرة ما عليه الناس وألفوه لهو من أشد أسباب الوقوع في الكفر والشرك، وقد بين الحق للناس؛ ولكن لوجود الهوى وشدة ضغط الواقع وضعف المقاومة يُؤْثِرُ المخذول أن يبقى مع الناس، ولو كان يعتقد أنهم على باطل وأن ما تركه وأعرض عنه هو الحق المبين، وإلا فما معنى إصرار أبي طالب عم الرسول ﷺ على أن يموت على عقيدة عبد المطلب الشركية مع قناعته بأن محمداً ﷺ رسول الله والحق معه لولا الهوى ومسايرة ما عليه الآباء وخوفه من مصادمتهم وتضليلهم؟ نعوذ بالله تعالى من الخذلان. وإذا جئنا لعصرنا الحاضر وبحثنا عن أسباب ضلال علماء الضلال الذين زينوا للناس الشرك والخرافة والبدع الكفرية رأينا أن من أهم الأسباب مسايرتهم للناس، وميلهم مع الدنيا ومناصبها، وظنهم أنهم بمصادمة الناس سيخسرون دنياهم وجاههم بين الناس، فآثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وسايروا الناس مع اعتقادهم ببطلان ما هم عليه، وكذلك الحال في سائر الناس المقلدين لهم في الشرك والخرافة والسحر والشعوذة لو بان لأحدهم الحق فإنه يحتج بما عليه أغلب الناس، فيسير معهم، ويضعف عن الصمود أمام باطلهم إلا من رحم الله من عباده الذين لا يقدِّمون على مرضاة الله تعالى شيئاً، ولا يتركون الحق لأجل الناس، ولا يسايرونهم على ما هم عليه من ضلال وفساد؛ بل يتذكرون قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من التمس رضا الله في سخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) ] ٢ [. والأصل في مسايرة الناس على ضلالهم وتنكبهم الحق هو الهوى المتغلب على النفوس بحيث يطمس البصيرة، حتى ترى المتبع لهواه يضحي بروحه في سبيل هواه وباطله وهو يعلم نهايته البائسة، ومن كانت هذه حاله فلا تنفعه المواعظ ولا الزواجر كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: (فكذلك صاحب الهوى إذا ضل قلبه وأُشرب حبه لا تعمل فيه الموعظة ولا يقبل البرهان ولا يكترث بمن خالفه) ] ٣ [. أما ما يتعلق بما دون الكفر من فتنة مسايرة الواقع فهي كثيرة ومتنوعة اليوم بين المسلمين، وهي تترواح بين الفتنة وارتكاب الكبائر أو الصغائر، أو الترخص في الدين، وتتبع زلات العلماء لتسويغ المخالفات الشرعية الناجمة عن مسايرة الركب وصعوبة الخروج عن المألوف، واتباع الناس إن أحسنوا أو أساؤوا. ومَنْ هذه حاله ينطبق عليه وصف الإمَّعة الذي نهى النبي ﷺ عنه وحذَّر منه؛ حيث قال: (لا تكونوا إمَّعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا؛ ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا) ] ٤ [. قال الشارح في تحفة الأحوذي: (الإمعة هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد أنا معك؛ لأنه لا رأي له يرجع إليه، تابعاً لدين غيره بلا رؤية، ولا تحصيل برهان) . والفتنة بمسايرة الواقع وما اعتاده الناس كثيرة في زماننا اليوم لا يسلم منها إلا من رحم الله وجاهد نفسه مجاهدة كبيرة؛ لأن ضغط الفساد ومكر المفسدين وترويض الناس عليه ردحاً من الزمان جعل القابض على دينه اليوم المستعصي على مسايرة الواقع في جهاد مرير مع نفسه ومع الناس كالقابض على الجمر، ولعل هذا الزمان هو تأويل قول الرسول ﷺ : (يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر) ] ٥ [. وإن مما يعين العبد على هذه المشقة الشديدة والصبر العظيم هو عظم الأجر الذي يناله هذا القابض على دينه المستعصي على مسايرة الناس وضغط الواقع وما ألفه الناس، ويكفي في ذلك قوله ﷺ : (فإن من ورائكم أيام الصبر. الصبر فيه مثل قبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله وزادني غيره قال: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم) ] ٦ [. وفيما يلي ذكر بعض الصور لفتنة مسايرة الواقع في زماننا اليوم، وأخص بها فئة الدعاة وأهل العلم وما يجب أن يحذروه من هذه الفتنة: إن أهل العلم والدعاة إلى الله لمن أشد الناس تعرضاً لفتنة المسايرة؛ وذلك لكثرة الفساد وتنوعه وتسلط شياطين الإنس والجن على أهل الخير بالإيذاء والوسوسة وتأويل الأمور.. إلخ مما قد يعرض العالم أو الداعية إلى التنازلات والمداهنات إرضاءاً للناس أو اتقاءاً لسخطهم أو رضىً بالأمر الواقع سواء ذلك بتأويل أو بغير تأويل، وإن سقوط العالِم أو الداعية في هذه الفتنة ليس كسقوط غيره؛ ذلك أن غيره من عامة الناس لا تتعدى فتنته إلى غيره، وذلك بخلاف العالم أو الداعية؛ فإن فتنته تتعدى إلى غيره؛ لأن الناس يرون فيه القدوة والشرعية. إن الدعاة إلى الله وأهل العلم هم نور المجتمعات وصمام الأمان بإذن الله تعالى فإذا وقع منهم من وقع في مسايرة الواقع والرضا بالأمر الواقع فمَنْ للأمة ينقذها ويرفع الذل عنها؟ هذا أمر يجب أن يتفطن له كل منتسب إلى الدعوة والعلم، ويتفقد نفسه ويحاسبها ويسعى لإنجاء نفسه وأهله بادئ ذي بدء حتى يكون لدعوته بعد ذلك أثر على الناس وقبول لها عندهم، أما إذا أهمل الداعية نفسه، وسار مع ما ألفه الناس وصعب عليه الصمود والصبر فإن الخطر كبير على النفس والأهل والناس من حوله. إن المطلوب من الداعية والعالِم في مجتمعات المسلمين هو تغيير المجتمعات وتسييرها إلى ما هو أحسن لا مسايرتها ومداهنتها، فهذه والله هي مهمة الأنبياء والمصلحين من بعدهم، وهذه هي الحياة السعيدة للعالِم والداعية، وإلا فلا معنى لحياة الداعية والعالم ولا قيمة لها إذا هو ساير الناس واستسلم لضغوط الواقع وأهواء الناس. إن العالم والداعية لا قيمة لحياتهما إلا بالدعوة والتغيير للأحسن، ولا شك أن في ذلك مشقة عظيمة؛ ولكن العاقبة حميدة بإذن الله تعالى في الدارين لمن صبر وصابر واستعان بالله . وفي ذلك يتحدث أحد الدعاة المخلصين عن رجل العقيدة الذي يسعى لتغيير الواقع وتسييره في مرضاة الله وليس مسايرته في مرضاة النفس والناس فيقول: (وأهم شيء في الموضوع تكوين رجل العقيدة، ذلك الإنسان الذي تصبح الفكرة همه: تقيمه وتقعده، ويحلم بها في منامه، وينطلق في سبيلها في يقظته، وليس لدينا بكل أسف من هذا النوع القوي والعبقري؛ ولكن لدينا نفوس متألمة متحمسة مستعدة بعض الاستعداد، ولا بد للنجاح من أن ينقلب هؤلاء إلى مُثُلٍ قوية تعي أمرها، وتكمل نقصها ليتم تحفزها الذي ينطلق من عدم الرضا بالواقع والشعور بالأخطار التي تتعاقب، وينتهي باستجابة لأمر الله ونداءات الكتاب الحكيم ومراقبة وعد الله ووعيده، والتأسي بسيرة الرسول الكريم عليه صلوات الله وسلامه ولا بد لنا من وصف عاجل وتحديد مجمل لرجل العقيدة. إن السلوك الأول الفطري الذي يأتي به المخلوق إلى هذه الدنيا هو السلوك الغريزي، وهذا السلوك يظل لدى الإنسان فعالاً مؤثراً حياة المرء كلها. وفي مجتمع كمجتمعنا لا يليق بشخص محترم أن يحمل حاجاته إلى منزله مع أن ذلك مما يثاب المرء عليه، وفي مجتمع كمجتمعنا لا بد من التبذير ولا بد من الترف؛ فالأرائك في المنزل لا يحسن أن تكون من خشب رخيص وفراش بسيط؛ بل لا بد من المغالاة بأثمانها فهذا تبذير للأموال ووضعها في غير موضعها والتبذير محرم في عرف الشرع، ولكن سخط المجتمع أكبر عند بعض الناس من الحلال والحرام وقد قال ﵊: (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) ] ٧ [. ويتحكم المجتمع في الأزياء تحكُّماً يقارب عبادة الوثن. كثيرون أولئك الذين يعيشون من أجل رضا الناس والخوف من سخطهم، لا يستطيعون التفلت من هذه القيود حياتهم كلها، وهذا المستوى يرتبط بالمستوى الغريزي الأول؛ ذلك أن الإنسان اجتماعي بفطرته يعيش مع الناس ويحرص على رضاهم. وقليلٌ أولئك الذين يستطيعون أن يتجاوزوا هذا المستوى، يتخطونه إلى مستوى أعلى هو مستوى العقيدة، فيعيشون لعقيدة ويمضون في سلوكهم بما تملي به عليهم عقيدتهم سواء سخط الناس أم رضوا، وليس فوق هذا المستوى حين يندفع المرء بوحي عقيدته وإيمانه غير مبالٍ برضا راضٍ أو سخط ساخط، ليس فوق هذا المستوى مستوى أرفع منه] ٨ [. من خلال ما سبق بيانه عن رجل العقيدة ندرك أن أبرز صفاته أنه يعيش لعقيدته ويمضي في سلوكه بما تملي عليه هذه العقيدة غير مبالٍ بسخط الناس ولا رضاهم ولا بعاداتهم وتقاليدهم المحرمة، يغير واقع الناس ولا يسايره، يؤثر فيه ولا يتأثر، هذا ما ينبغي أن يكون عليه رجال العقيدة والدعوة والعلم، ولكن الناظر اليوم في واقع الأمة وما تعرضت له من التبعية والتقليد والمسايرة يجد أن الصفات المذكورة في رجل العقيدة والمشار إليها سابقاً لا تكاد توجد اليوم إلا في فئة قليلة من الداعين إلى الله نسأل الله أن يبارك في أعمالهم وأوقاتهم، أما السواد الأعظم فقد تأثر بشكل أو بآخر بفتنة مسايرة الواقع، ما بين مقل ومكثر وما أبرئ نفسي. ومن صور هذه الفتنة التي يجب أن يحذرها المسلمون عامة والمصلحون وأهل العلم خاصة ما يلي: ١- مسايرة الواقع وما ألفه الناس من عادات اجتماعية وأسرية وذلك أنه قد ظهرت في حياة الناس ومن سنوات عديدة كثير من العادات والممارسات الاجتماعية المخالفة للشريعة والمروءة بفعل الانفتاح على حياة الغرب الكافر وإجلاب الإعلام الآثم على تزيينها للناس فوافقت قلوباً خاوية من الإيمان فتمكنت منها وأُشربت حبها وكانت في أول الأمر غريبة ومستنكرة، ولكن النفوس ألفتها وسكنت إليها مع مرور الوقت وشدة الترويض وقلة الوازع، ومن أبرز هذه العادات والممارسات: ما انتشر في بيوت كثير من المسلمين اليوم من الخدم والخادمات حتى صار أمراً مألوفاً وصلت فتنته إلى بيوت بعض الدعاة وأهل العلم، مع أن بعض هؤلاء الخدم كفرة أو فَسَقَة، وأكثر الخادمات هن بلا محارم، وخضع الناس للأمر الواقع، وأصبحت ترى من ابتُلي بهذا الأمر يتعامل مع الخادمات وكأنهن إماء غير حرائر ولا أجنبيات، يتبرجن أمامه وقد يخلو بهن، وكذلك الحال مع الخادمين والسائقين؛ حيث قد ينفردون بالنساء اللاتي يتسامحن بكشف زينتهن أمام هؤلاء الخدم، وكأنهم مما ملكت اليمين، وكل هذا ويا للأسف بعلم ولي الأمر من زوج أو أب أو أخ، وإذا نُصح الولي في ذلك قال: نحن نساير الواقع وكل الناس واقعون في هذا، ومن الصعب مقاومة ضغط الأهل والأولاد ومطالبهم وإلحاحهم على مسايرة أقاربهم وجيرانهم! ! ما انتشر في بيوت كثير من المسلمين من أدوات اللهو والأجهزة الجالبة للفساد كالتلفاز وغيره، وكذلك ما امتلأت به البيوت من صور ذوات الأرواح من غير ضرورة حتى أصبحت هذه المقتنيات أمراً مألوفاً لا يمكن الانفكاك عنه، ومن ينكره من أولياء الأمور يعترف بضعفه أمام رغبات الزوجة والأولاد وسخط المجتمع من حوله، فيستسلم لمثل هذه المنكرات مسايرة للواقع وإرضاءاً للناس الذين لن يُغْنوا عنه من الله شيئاً، وكفى بذلك فتنة. ما ظهر في السنوات الأخيرة في بعض الدول من انتشار قصور الأفراح والفنادق وما يحصل فيها من منكرات وبخاصة في أوساط النساء كالتبرج الفاضح والغناء المحرم المصحوب بأصوات النساء المرتفعة، ناهيك عن المفاخرة والمباهاة في الملابس والمآكل ... إلخ. ومع ذلك فلقد أصبحت أمراً مألوفاً يُشَنَّع على من يخرج عليه أو يرفضه ويقاطعه، حتى أصبح كثير من الناس أسيراً لهذه العادات مسايراً للناس في ذلك إرضاءاً لهم أو اتقاءاً لسخطهم. مسايرة النساء في لباسهن وتقليدهن لعادات الغرب الكافر في اللباس والأزياء وصرعات الموضات وأدوات التجميل حتى أصبح أمراً مألوفاً لم ينج منه إلا أقل القليل ممن رحم الله من النساء الصالحات المتربيات في منابت صالحة تجعل رضا الله فوق رضا المخلوق، أما أكثر الناس فقد سقط في هذه الفتنة فانهزمت المرأة أمام ضغط الواقع الشديد، وتلا ذلك انهزام وليها أمام رغبة موليته، واستسلم هو الآخر، وساير في ذلك مع من ساير حتى صرنا نرى أكثر نساء المسلمين على هيئة في اللباس والموضات ينكرها الشرع والعقل وتنكرها المروءة والغيرة، وكأن الأمر تحول والعياذ بالله تعالى إلى شبه عبودية لبيوت الأزياء، يصعب الانفكاك عنها. وعن هذه العادات والتهالك عليها وسقوط كثير من الناس فيها يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى: (هذه العادات والتقاليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم، ثم لا يجدون لأنفسهم منها مفراً. هذه الأزياء والمراسم التي تفرض نفسها على الناس فرضاً، وتكلفهم أحياناً ما لا يطيقون من النفقة، وتأكل حياتهم واهتماماتهم، ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم، ومع ذلك لا يملكون إلا الخضوع لها: أزياء الصباح، وأزياء بعد الظهر، وأزياء المساء، الأزياء القصيرة، والأزياء الضيقة، والأزياء المضحكة! وأنواع الزينة والتجميل والتصفيف إلى آخر هذا الاسترقاق المذلّ: من الذي يصنعه؟ ومن الذي يقف وراءه؟ تقف وراءه بيوت الأزياء، وتقف وراءه شركات الإنتاج! ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك من الذين يعطون أموالهم للصناعات ليأخذوا هم حصيلة كدها! ويقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها!) ] ٩ [. مسايرة الناس في ما اعتادوه اليوم في التوسع في المساكن والمراكب والمآكل بشكل يتسم بالترف الزائد بل بالمباهاة والمفاخرة حتى ضعف كثير من الناس عن مقاومة هذا الواقع؛ فراح الكثير منهم يرهق جسده وماله، ويحمِّل نفسه الديون الكبيرة وذلك حتى يساير الناس ويكون مثل فلان وفلان، والمشكل هنا ليس التوسع في المباحات وترفيه النفس؛ فقد لا يكون بذلك بأس إذا لم يوقع في الحرام، لكن ضغط الواقع وإرضاء الناس ومسايرة عقول النساء والأطفال يدفع بعض الطيبين إلى تحميل نفسه من الديون الباهظة وذلك ليكون مثل غيره في المركب أو المسكن، ولن ينفعه مسايرة الناس من الأقارب والأباعد شيئاً إذا حضره الموت وديون الناس على كاهله لم يستطع لها دفعاً. ٢- مسايرة الناس فيما يطرحونه من استفتاءات حول بعض المخالفات الشرعية المعاصرة وذلك من قِبَلِ بعض أهل العلم الذين قد يرون مسايرة الواقع، ويفتون ببعض الأقوال الشاذة والمهجورة، أو يحتجون بقواعد الضرورة أو رفع الحرج أو الأخذ بالرخص ... إلخ، ولا يخفى ما في ذلك من السير مع أهواء الناس والرضا بالأمر الواقع، والتحلل من أحكام الشريعة شيئاً فشيئاً، والمطلوب من أهل العلم والفتوى في أزمنة الغربة أن يعظُوا الناس ويرشدوهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر بدل أن يحسِّنوا لهم الواقع ويسوِّغوا صنيعهم فيه. يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: (المقصد الشرعي مِن وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً) ] ١٠ [ويقول أيضاً: (إن الترخُّص إذا أُخذ به في موارده على الإطلاق كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد على الإطلاق، فإذا أخذ بالعزيمة كان حرياً بالثبات في التعبد والأخذ بالحزم فيه ... فإذا اعتاد الترخص صارت كل عزيمة في يده كالشاقَّة الحرجة، وإذا صارت كذلك لم يقم بها حق قيامها وطلب الطريق إلى الخروج منها) ] ١١ [. وقد لا يكون المفتي قاصداً مسايرة واقع الناس أو الميل مع أهوائهم؛ لكنه يغفل عن مكر بعض الناس وخداعهم، وذلك في طريقة استفتاءاتهم وصياغتها صياغة تدفع المفتي من أهل العلم إلى إجابته بما يهوى، وعن هذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (يحرم عليه أي على المفتي إذا جاءته مسألة فيها تحايل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده؛ بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاع، وكم من مسألة ظاهرها جميل وباطنها مكر وخداع وظلم! فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينفذ إلى مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقوذ، وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق! وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك) ] ١٢ [. ٣- مسايرة واقع الأنظمة ببعض التنازلات التي تضر بالدعوة وأهلها: وهذا من أخطر ما يتعرض له أهل الدعوة والعلم والإصلاح، وبخاصة حينما يكثر الفساد وتشتد وطأته على الناس ويبطؤ نصر الله ويتسلط الظالمون على عباد الله المصلحين، حينئذ يجتهد بعض المهتمين بالدعوة والإصلاح، ويظهر لهم أن التقارب مع أرباب الأنظمة والسلطان والالتقاء معهم في منتصف الطريق قد يكون فيه مصلحة للدعوة وتخفيف شر عن المسلمين، وكل ما في الأمر بعض التنازلات القليلة التي يتمخض عنها بزعمهم مصالح كبيرة! ! وليس المقام هنا مقام الرد والمناقشات لهذه الاجتهادات، فيكفي في فشلها وخطورتها نتائجها التي نسمعها ونراها عند من خاضوا هذه التنازلات ورضوا بالأمر الواقع؛ فلا مصلحة ظاهرة حققوها بتنازلاتهم، ولا مفسدة قائمة أزالوها؛ ولقد حذَّر الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الركون للظالمين المفسدين أشد التحذير؛ وذلك في قوله تعالى: ] وإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً [] الإسراء: ٧٣ - ٧٥ [. يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول ﷺ وأولها: محاولة فتنته عما أوحى الله إليه، ليفتري عليه غيره، وهو الصادق الأمين. لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم، ومنها: مساومة بعضهم له أن يجعل أرضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرمه الله، ومنها: طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء. والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصِّلها، ليذكِّر بفضل الله على الرسول ﷺ في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة. ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته لركن إليهم فاتخذوه خليلاً، وللقي عاقبة الركون إلى فتنة المشركين هذه، وهي مضاعفة العذاب في الحياة والممات دون أن يجد له نصيراً منهم يعصمه من الله. هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلاً عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة، ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته؛ لأنه يرى الأمر هيناً؛ فأصحاب السلطان لا يطلبون منه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسيراً، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيلاً، لا يملك أن يقف عند الذي سلم به أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء!] ١٣ [. ٤ - مسايرة ركب الغرب في بعض ميادين من قِبَلِ دعاة العصرانية من أبناء المسلمين: إن الحديث عن العصرانية والعصرانيين يطول ويطول] ١٤ [ولكن يكفي أن نذكر هنا ما يتعلق بموضوعنا وهو الحديث عن فتنة المسايرة ولا أحسب العصرانيين من بني قومنا إلا وقد ركسوا في هذه الفتنة وظهرت عليهم في أجلى صورها، وهم لا يعترفون بأنها مسايرة؛ ولكنهم يسمونها تجديداً وتطويراً يناسب العصر، وتحت هذا المسمى يقضون على كثير من الثوابت الشرعية ويتحللون من شرع الله باسم التطوير وهو في الحقيقة مسايرة للواقع الغربي وتقليد أعمى وانبهار بإنجازاته المادية بل الهزيمة النفسية أمامه؛ والغريب في أمر هؤلاء أنهم يرفضون التقليد ويشنعون على من يقلد سلف الأمة ويتبعهم، وعلى من يبقى على الموروث لا يتجاوزه ولا يطوره، ثم هم في الوقت نفسه يسقطون في تقليد الغرب ومحاكاته بصورة لا تدع مجالاً للريب والشك؛ وهم الذين يتشدقون بالعقلانية ورفض التقليد! ! ويعرِّف الدكتور الزنيدي العصرانية بقوله: (هي التأقلم مع المعطيات الاجتماعية والعلمية المتجددة في كل عصر، وربط الإنسان في فرديته وجماعيته بها في دائرة التصور البشري) ] ١٥ [. ويتحدث الأستاذ محمد حامد الناصر عن بعض شذوذات العصرانيين في ميادين الفقه فيقول: (لقد خرج العصرانيون علينا بفقه غريب شاذ يريد تسويغ الواقع المعاصر لإدخال كثير من القيم الغربية في دائرة الإسلام؛ ذلك أن موقفهم من النصوص الشرعية عجيب؛ فإذا كانت الآية واضحة الدلالة والأحاديث النبوية المتواترة قالوا: إن هذه النصوص كانت لمناسبات تاريخية لا تصلح لعصرنا الحاضر، وإذا كانت أحاديث آحاد قالوا لا يؤخذ من خبر الآحاد تشريع ولا تبنى عليه عقيدة، أو ألغوا بعض الأحاديث الصحيحة بحجة أنها سُنَّة غير تشريعية، ثم يتهمون الفقهاء بالجمود وضيق الأفق! ! إن هذه التجاوزات لو أخذ بها لن تترك من ثوابت الإسلام إلا وحاولت مسخه أو تشويهه. ومن شذوذاتهم: ١- رفضهم تطبيق الحدود التي فيها رجم أو قتل أو قطع عضو إلا بعد الإصرار والمعاودة والتكرار، ويأتون بِشُبَهٍ من هنا وهناك. ٢- إباحتهم الربا في البنوك بحجة الحفاظ على اقتصاد البلاد وأن الربا المحرم عندهم هو الربح المركب. ٣ - موقفهم من المرأة، والدعوة إلى تحريرها بزعمهم، ودعوتهم لها إلى محاكاة المرأة الغربية في عاداتها، وإلى الثورة على الحجاب الشرعي وتعدد الزوجات، يقول محمد عمارة: (إن تعدد الزوجات وتتابع الزواج واتخاذ السراري والجواري من سمات عصر الإقطاع والدولة الإقطاعية) والترابي يقصر الحجاب على نساء النبي ﷺ ، ثم راحوا يسوغون الاختلاط بين الرجال والنساء بعد أن زينوا للمرأة الخروج من بيتها. ٥ - أحكام أهل الذمة: كما يرى العصرانيون أن أحكام أهل الذمة كانت لعصر غير عصرنا وهي الآن لا تناسب عصرنا! !) ] ١٦ [. ولكن الأستاذ الناصر يوضح مفهومهم للتجديد والتطوير قائلاً: (إن مزاعم التجديد التي رفع هؤلاء لواءها كشفت الحقيقة جلية وهي أن التجديد لديهم يعني تطوير الدين على طريقة عصرنة الدين عند اليهود والنصارى) . ولذلك فإن التجديد عندهم يعني: هدم العلوم المعيارية: أي علوم التفسير المأثور وأصوله، وعلم أصول الفقه، وعلم مصطلح الحديث. ويعني: رفض الأحاديث الصحيحة جزئياً أو كلياً بحجة ضرورة ملاءمتها لعقولهم ولمصلحة الأمة، وظروف العصر الحاضر. ويعني: رفض السنة غير التشريعية أي: فيما يخص شؤون الحكم والسياسة وأمور الحياة والمجتمع عموماً. التجديد عندهم يعني: الانعتاق من إسار الشريعة إلى بحبوحة القوانين الوضعية، التي تحقق الحرية والتقدم، ولذلك هاجموا الفقه والفقهاء بلا هوادة. - الاجتهاد والتجديد عندهم يعني: تحقيق المصلحة وروح العصر] ١٧ [. مما سبق يتبين خطر هذه البدعة الجديدة وأن أصلها مسايرة الواقع والانهزامية أمام ضغطه مصحوباً ذلك بالجهل بالإسلام أحياناً، وبالهوى والشهوة أحياناً كثيرة. الآثار الخطيرة لمسايرة الواقع وسبل النجاة منها: إن لمسايرة الواقع وما ألفه الناس من المخالفات الشرعية من الآثار الخطيرة على المساير في دينه ودنياه ما لو انتبه لها الواحد منهم لما رضي بحاله التي أعطى فيها زمامه لغيره وأصبح كالبعير المقطور رأسه بذنب غيره، ومن أخطر هذه الآثار ما يلي: ١ - الآثار الدنيوية: وذلك بما يظهر على المساير من فقدان الهوية وذوبان الشخصية الإسلامية، وبما يتكبده من معاناة في جسده ونفسه وماله وولده، وهذه كلها مصادر عنت وشقاء وتعاسة بخلاف المستسلم لشرع الله الرافض لما سواه المنجذب إلى الآخرة فلا تجده إلا سعيداً قانعاً مطمئناً ينظر: ماذا يرضي ربه فيفعله، وماذا يسخطه فيتركه غير مبالٍ برضى الناس أو سخطهم. ٢ - الآثار الدينية: وهذه أخطر من سابقتها؛ وذلك أن المساير لواقع الناس المخالف لشرع الله يتحول بمضيِّ الوقت واستمراء المعصية إلى أن يألفها ويرضى بها ويختفي من القلب إنكارها، وما وراء ذلك من الإيمان حبة خردل. كما أن المساير لركب المخالفين لأمر الله لا تقف به الحال عند حد معين من المسايرة والتنازل والتسليم للواقع، بل إنه ينزل في مسايرته خطوة خطوة؛ وكل معصية تساير فيها الناس تقود إلى معصية أخرى؛ وهكذا حتى يظلم القلب ويصيبه الران أعاذنا الله من ذلك؛ ذلك أن من عقوبة المعصية معصية بعدها، ومن ثواب الحسنة حسنة بعدها؛ وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى] ١٨ [: (وقد ذكر في غير موضع من القرآن ما يبين أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، وكذلك السيئة الثانية قد تكون من عقوبة الأولى، قال تعالى:] ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وإذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً [ ... ] النساء: ٦٦ - ٦٨ [وقال تعالى:] والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [] العنكبوت: ٦٩ [وقال تعالى:] والَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [] محمد: ٤ - ٦ [، وقال تعالى:] ثم كان عاقبة الذين أساؤٍوا السوأى [] الروم: ١٠ [، وقال تعالى: ... ] كِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [] المائدة: ١٥، ١٦ [، وقال تعالى:] يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ويَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ [] الحديد: ٢٨ [، وقال تعالى: ] وفِي نُسْخَتِهَا هُدًى ورَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [] الأعراف: ١٥٤ [. ... وما أجمل ما قاله سيد قطب رحمه الله تعالى في النقل السابق حيث قال: (ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسيراً لا يملك أن يقف عند ما سلَّم به أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء) . الآثار الدعوية: إن الداعية الذي تظهر عليه مظاهر مسايرة الواقع يفقد مصداقيته عند نفسه وعند الناس، وإن لم يتدارك نفسه فقد ييأس ويخسر ويترك الدعوة وأهلها؛ إذ كيف يساير الواقع من هو مطالب بتغيير الواقع وتسييره؟ ! وكلما كثر المسايرون كثر اليائسون والمتساقطون؛ وهذا بدوره يؤدي إلى ضعف الدعوة وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. سبل النجاة أو الوقاية من هذه الفتنة: إنه لا ينجِّي من الفتن صغيرها وكبيرها ما ظهر منها وما بطن إلا الله عز وجل وقد قال لنبيه ومصطفاه ﷺ :] «ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً [] الإسراء: ٧٤ [فأول سبيل من سبل النجاة هو سؤال الله وصدق العزيمة والأخذ بأسباب الثبات ومنها: ١- فعل الطاعات وامتثال الأوامر واجتناب النواهي كما قال : ] ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً [] النساء: ٦٦ [فذكر سبحانه في هذه الآية أن شدة التثبيت تكون لمن قام بفعل ما يوعظ به من فعل الأوامر وترك النواهي، ويشير الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أثر الطاعة في الثبات فيقول: (فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت. ومادة التثبيت وأصله ومنشؤه من القول الثابت وفعل ما أُمِر به العبد، فبهما يثبِّت الله عبده؛ فكل ما كان أثبت قولاً، وأحسن فعلاً كان أعظم تثبيتاً قال تعالى:] ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتاً [فأثبت الناس قلباً أثبتهم قولاً، والقول الثابت هو القول الحق والصدق) ] ١٩ [. ٢ - مصاحبة الدعاة الصادقين الرافضين للواقع السيئ والسعي معهم في الدعوة إلى الله تعالى وتغيير الواقع السيئ في نفوسهم وأسرهم ومجتمعاتهم، واعتزال أهل الدنيا الراكنين إليها والمسارعين فيها والمتبعين لكل ناعق، وترك مخالطتهم إلا لدعوتهم أو ما تدعو الحاجة إليه؛ لأن المجالسة تؤول إلى المؤانسة والمجانسة. ٣ - التفقه في الدين والبصيرة في شرع الله لأن المسايرة عند بعض الناس تنبع من جهل بالشريعة وأحكامها ومقاصدها، مع أن أكثر المسايرين المخالفين للشريعة إنما يدفعهم إلى المسايرة الهوى والضعف. والمقصود: أن من كانت مسايرته بسبب جهله بالشرع فإن في العلم الشرعي دواءه ومنعه من المسايرة بإذن الله تعالى. وينبغي على طالب العلم الشرعي والمستفتي في دينه أن يسأل أهل العلم الراسخين فيه الذين يجمعون بين العلم والورع ومعرفة الواقع، وأن يحذر من أهل العلم الذين يسيرون على أهواء الناس وتلمس الرخص والآراء الشاذة لهم. ٤ - إفشاء المناصحة وإشاعتها بين المسلمين وبخاصة بين أهل الخير؛ لأن السكوت على المخالفات وضعف المناصحة بين المسلمين من أسباب التلبس بالمنكرات ومسايرة الناس فيها.

стр. 3350

دراسات تربوية من أسباب تساقط الشباب أحمد العميرة تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أهمية الدعوة وفضلها؛ فلن أستطرد في ذلك، وما دامت هذه الطاعة قد انتسبت إلى الإيمان فإنها معرضة لما يتعرض له الإيمان من الزيادة والنقص؛ فالإيمان يزيد وينقص كما هو معلوم، وأصبحت الدعوة باعتبارها من الإيمان ككل عمل إيماني يعلو فيصل الأوج والذروة أحياناً، اعتقاداً وحماساً، وينحدر متضائلاً تارة أخرى، والفائز الذي لا يغالي عند التعالي، ولا يسرف عند الهبوط، وذلك بأن يلزم هدي السنة النبوية الشريفة، كما ... قال النبي ﷺ : (لكل عمل شِرَّة ولكل شرة فترة؛ فمن كانت فترته إلى سُنَّتي فقد اهتدى) [١] ، وفي لفظ آخر: (ومن كانت شرته إلى سنتي ... فقد اهتدى) [٢] . ولعلنا نختصر أكثر فنقول: إن ما نريد طرحه نستطيع أن نسميه بـ (التساقط) ، ويجب أن نفرق بين عدة مصطلحات قد يحصل الخلط بينها (الردة ثم الانحراف والانتكاسة ثم الفتور ثم ضعف الإيمان ثم القعود عن الدعوة) والأخير هو الذي نسميه: (التساقط في طريق الشاب) . الأسباب: ١- عدم إخلاص النية لله، قال تعالى: [ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] . [البينة: ٥] . ٢- تخويف أعداء الله للعبد بقطع المعاش أو الفصل من الوظيفة ونحوها. قال تعالى: [إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] [آل عمران: ١٧٥] . ٣- خذلان أهل الحق والخير ممن كان يُؤمَّل فيهم نصرة الدعوة. قال الشاعر وما أحسن ما قال: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند ٤- قراءة الواقع قراءة سلبية تؤدي بالداعية للإحباط واليأس، فيترك طريق الدعوة. ٥- عدم القناعة الكافية بطريق الدعوة. ٦- تعلق قلب الداعية بالدنيا وكراهية الموت. ٧- الانفتاح على الأعمال التجارية والدنيوية دون الالتزام بوسائلها الشرعية. ٨- الأمراض النفسية كالعجب والغرور والحسد وغيرها. ٩- الحيل النفسية وهي كثيرة، منها: احتقار الداعية لنفسه، أو الخوف الموهوم، أو الخجل المذموم أو غيرها. ١٠- فقدان التربية الذاتية الجادة؛ فمجرد الابتعاد عن وسط من الأوساط قد يكون كفيلاً بأن يرجع الداعية الضعيف عما كان عليه من العمل الدعوي. ١١- غياب الأهداف الرئيسة للدعوة الإسلامية في هذا الوقت عن ذهن الشاب المسلم كالرجوع بالأمة الإسلامية إلى عزها ومكانتها، وإعادة حكم الله في الأرض، ونشر العقيدة الصحيحة، إضافة إلى الحرص على هداية الناس. ١٢ - تسرب فكرة (طلب العلم أولاً ولفترة معينة، ثم الانتقال إلى الدعوة إلى الله) ولم يبيِّن لنا أصحاب هذه الفكرة: إلى متى يطلبون العلم؟ وما هو الحد الذي إذا وصلوه سينتقلون منه إلى الدعوة إلى الله؟ وأصحاب هذه الفكرة بلا شك لم يستوعبوا طبيعة هذا الدين منذ أن نزل على رسول الله ﷺ للناس. يقول ﵌: (بلِّغوا عني ولو آية) [٣] . وقد ثبت أنه ﷺ استعاذ من علم لا ينفع؛ فقد ورد ذلك في حديث زيد بن أرقم وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهم: (اللهم أعوذ بك من علم لا ينفع) [٤] وعن جابر ﵁ أنه ﷺ قال: (سلوا علماً نافعاً، وتعوَّذوا بالله من علم لا ينفع) [٥] ، وعن سلمان ﵁ قال: (علم لا يُقَالُ به ككنز لا ينفق منه) [٦] ، وحين سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الهلال يبدو صغيراً ثم يكبر؟ نزل قول الله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأَن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا] [البقرة: ١٨٩] ، وحين سأل رجل النبي ﷺ : متى الساعة؟ قال له: (ماذا أعددتَ لها؟) [٧] . ... فماذا تعني بالله عليكم الاستعاذة من علم لا ينفع، والتوجيه إلى السؤال العملي الجاد؟ أليس يعني أن العلم ما لم يَقُدْ صاحبه إلى نتيجة عملية يعتبر من العبث، بل مما يُستعاذ منه؟ فحري بطلبة العلم أن يتربوا ويُرَبُّوا على أن لا يكون شحذ الذهن بالمعلومات هو الهدف النهائي والغاية القصوى، بل يكون التعلم للعمل والدعوة إليه، وأن يدركوا أن مجرد التعلم والانشغال به لا يغني عن تصحيح النية وإخلاصها لله وحده، إذاً فلا علم بلا دعوة، ولا دعوة بلا علم، وهذا هو دين الله، وعلى من يعترض علينا أن يأتي ببينة سليمة من سيرة السلف تشهد لكلامه. ١٣ - جهل الواقع والبعد عن فقهه ومعرفته فلا يستطيع التعرف على مشكلات مجتمعه وواقعه ويؤدي ذلك به إلى ترك الدعوة أو الضعف عنها. ١٤ - تأثير التفرق والاختلاف بين الدعاة والجماعات الإسلامية على الداعية، فيؤدي به ذلك إلى اجتناب طريق الدعوة قال تعالى: [ «ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . ١٥- قلة العلم وقلة التأصيل الشرعي للقضايا والمسائل الحادثة والنوازل؛ فهذا بدوره يُضعف الداعية عن المضي قدماً في دعوته. ١٦ - الإغراق في الجدل مع أصحاب الأهواء وإضاعة الوقت في ذلك، فهذا مما يضعف الهمة ويغفل عن جوانب أخرى كثيرة، وقد يتأثر بهم ويسقط معهم. ١٧ - عدم فقه المصالح والمفاسد وإدراك ظروف المرحلة التي تعيشها الدعوة، فيقدم المفضول على الفاضل، وهكذا. ١٨ - عدم الصبر عند وقوع الابتلاء والأذى في سبيل الله. ١٩ - عدم التعود على إنكار المنكر والنفرة منه ومجابهته، فيألف المنكر مما يسبب له التساقط والنكوص. ٢٠- التنازل عن أمور لا يجوز شرعاً التنازل عنها من الدعوة، فتقوده السلسلة من التنازلات إلى النكوص والتراجع. ٢١ -عدم التدرج في الدعوة؛ فيبدأ بأعمال غير مؤهَّل لها، فيصاب بشيء من الضعف نتيجةً لذلك. ٢٢ - عدم الانضباط مع الصحبة الصالحة التي هي الزاد للداعية في طريقه، وانعدام الاستشارة في الأعمال الدعوية أو قلتها. ٢٣ - الارتباط بصحبة بطَّالة أو مثبِّطة ذات اهتمامات دنيئة مما يضعف عزم الداعية. ٢٤ - استعجال الثمرة واعتقاد قربها. ٢٥ - ضعف اليقين بنصر الله لعباده المؤمنين قال تعالى: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] [غافر: ٥١] . ٢٦ - عدم الاعتراف بالأخطاء، وعدم تقبل النصيحة. ٢٧ - ارتكاب المعاصي والاستهانة بالصغائر من الذنوب. ٢٨ - قلة الاهتمام بالجانب العبادي لدى الداعية كقيام الليل والأذكار اليومية. ٢٩ - ترك الدعاء الذي هو سلاح المؤمن. ٣٠ - ضعف شخصية الداعية فيسهل التأثير عليها بأي شيء. ٣١ - عدم التنظيم للعمل الدعوي، وقلة التخطيط السليم. ٣٢ - التحريش بين الدعاة، وتحريض بعضهم على بعض. ٣٣ - تغير المجتمع أو الوسط الذي يعيش فيه وقد كان زاداً على الاستمرار في الدعوة. ٣٤ - العاطفة الزائدة والحماس المفرط الذي قد يؤدي للغلو في أمور كثيرة، وبعد فترة يجد نفسه متراجعاً عن كل عمل دعوي. كانت تلك أبرز أسباب التساقط اجتهدت فيها بالاختصار والدمج بين سببين في سبب واحد، وعدم التكرار في الصيغة النهائية لها. نسأل الله لنا ولكم التوفيق في الدارين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3351

فتاوى أعلام الموقعين الحكم بغير ما أنزل الله سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ الحكم بغير ما أنزل الله تعالى من النوازل التي عمّت وطمت، وكثر الخوض فيها ما بين غالٍ متشدد، ومفرِّط مداهن، والحق وسط بين الأمرين، وقد كتب سماحة العلاَّمة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله تعالى جواباً محققاً في هذه المسألة، فبيّن أحوال الحاكمين بغير ما أنزل الله تعالى وأحكامهم إجمالاً، وحالة المشرّعين للقوانين تفصيلاً، وفي هذا العدد ننشر هذه الفتيا لأهميتها ومتانتها: قال الله تعالى: [إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يَاأَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء: ٥٨، ٥٩] . - أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أياً كانت تلك الأمانة، فعمَّ سبحانه بأمره كلَّ مكلف وكلَّ أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحاً أم غير صحيح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم أوصى سبحانه من وُكلَ إليه الحكمُ في خصومة أو الفصل بين الناس في أمرٍ مَّا أن يحكم بينهم بالعدل سواء كان مُحكَّماً، أو وَليَّ أمر عام، أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ؛ فذلك الهدى، والنور، والصراط المستقيم. ثم أثنى سبحانه على ما أسداه إلى عباده من الموعظة إغراءاً لهم بالقيام بحقها، والوقوف عند حدودها. وختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله؛ من كمال السمع والبصر، ترغيباً في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيراً من مخالفة شرعه خوفاً من عقابه. ثم أمر تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ﷺ مطلقاً؛ لأن الوحي كله حق، وأمر بطاعة أولي الأمر فيما وضح أمره من المعروف؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ كما دلت عليه النصوص الثابتة الصريحة في ذلك. فإذا اشتبه الأمر ووقع النزاع وجب الرجوع في بيان الحق، والفصل فيما اختلف فيه إلى الكتاب والسنة. لقوله سبحانه: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ] [النساء: ٥٩] . وقوله: [ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ] [الشورى: ١٠] . وأمثال ذلك من نصوص الكتاب والسنة. فإن الرجوع إليهما عند الحيرة أو النزاع خيرٌ عاقبةً وأحسنُ مآلاً؛ وهذا إنما يكون فيما فيه مجال للنظر والاجتهاد. فمن بذل جهده ونظر في أدلة الشرع، وأخذ بأسباب الوصول إلى الحق فهو: - مأجورٌ أجرين إن أصاب حكم الله. - ومعذورٌ مأجورٌ أجراً واحداً إن أخطأه. - وله أن يعمل بذلك في نفسه، وأن يَحْكُمَ به بين الناس، ويُعَلِّمَه الناس مع بيان وجهة نظره المستمدة من أدلة الشرع على كلتا الحالتين بناءاً على قاعدة: (التيسير ودفع الحرج) وعملاً بقوله تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] [التغابن: ١٦] ، ولقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم) [١] ، ولقوله ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد) [٢] . حالات الحاكمين بغير ما أنزل الله: الأولى: مَنْ لم يبذل جهده في ذلك، ولم يسأل أهلَ العلم؛ وَعَبَدَ اللهَ على غير بصيرة، أو حكَمَ بين الناس في خصومة؛ فهو آثمٌ ضالٌّ، مستحقُّ العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته، قال الله تعالى: [ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً] [الإسراء: ٣٦] . الثانية: مَنْ عَلِمَ الحقَّ ورضيَ بحكم الله؛ لكن غلبه هواه أحياناً فعمل في نفسه، أو حكمَ بين الناس في بعض المسائل أو القضايا على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة مثلاً فهو آثم، لكنه غير كافر كفراً يُخرِج من الإسلام إذا كان معترفاً بأنه أساء، ولم ينتقص شرع الله، ولم يسئ الظن به، بل يحِزُّ في نفسه ما صدر منه، ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى. روى الحاكم عن بُريْدة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاضٍ عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاضٍ عرف الحق فجار متعمداً أو قضى بغير علم؛ فهما في النار) [٣] . الثالثة: من كان منتسباً للإسلام عالماً بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاماً، وهيأ لهم نظماً؛ ليعملوا بها ويتحاكموا إليها وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام فهو كافر خارج من ملة الإسلام. وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام. وكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره مع علمه بمخالفتها للإسلام؛ فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله. لكن بعضهم يضع تشريعاً يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبيّنة. وبعضهم بالأمر بتطبيقه، أو حمل الأمة على العمل به، أو وَلِيَ الحكم به بين الناس أو نفَّذ الحكم بمقتضاه. وبعضهم بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم ما لم يأذن به الله ولم ينزِّل به سلطاناً. فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصَدَّقَ عليهم إبليسُ ظنَّهُ فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ والإلحاد والكفر والطغيان ولا ينفعهم علمهم بشرع الله واعتقادهم ما فيه مع إعراضهم عنه وتجافيهم لأحكامه بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه، والتحاكم إليه، كما لم ينفع إبليسَ علمُه بالحق واعتقاده إياه مع إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه، وبهذا قد اتخذوا هواهم إلهاً؛ فصدق فيهم: قوله تعالى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ] ... [الجاثية: ٢٣] . وقوله: [أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ] ... [الشورى: ٢١] ، وقوله: [إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ] [المائدة: ٤٤] . الآيات. إلى قوله سبحانه: [وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ ومُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ ... ] [المائدة: ٤٨] . إلى قوله: [أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ] . [المائدة: ٥٠] . وقوله سبحانه: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً....] [النساء: ٦٠، ٦١] . إلى قوله: [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . إن هؤلاء قد صدوا عن تحكيم شرع الله انتقاصاً له، وإساءةً للظن بربهم الذي شرعه لهم، وابتغاءَ الكمال فيما سوَّلته لهم أنفسهم وأوحى به إليهم شياطينهم. وكان لسان حالهم يقول: إن شريعة الكتاب والسنة نزلت لزمان غير زماننا؛ لتعالج مشاكل قوم تختلف أحوالهم عن أحوالنا، وقد يُجدي في إصلاحهم ما لا يناسب أهلَ زماننا؛ فلكل عصر شأنه، ولِكُلِّ قومٍ حكم يتفق مع عروفهم ونوع حضارتهم وثقافتهم. فكانوا كمن أمر الله رسوله أن ينكر عليهم ويسكتهم بقوله: [أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً ... ] [الأنعام: ١١٤] إلى قوله: [وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ] [الأنعام: ١١٥] . وكانوا ممن حقت عليهم كلمة العذاب وحكم الله عليهم بأن لا خلاق لهم في الآخرة بقوله: [ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ] [آل عمران: ٨٥] . لقد استهوى الشيطان هؤلاء المغرورين فزَيَّنَ لهم أن يَسُنُّوا قوانينَ من عند أنفسهم ليتحاكموا إليها، ويَفْصلوا بها في خصوماتهم، وسوَّل لهم أن يسُنُّوا قواعد بمحض تفكيرهم القاصر وهواهم الجائر لينظموا بها اقتصادهم وسائر معاملاتهم محادةً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وانتقاصاً لتشريعه؛ زعماً منهم أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم، ولا يكفل لهم مصالحهم، ولا يعالج ما جَدَّ من مشاكلهم؛ حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي في المعاملات وكثرت المشكلات؛ فلا بد لتنظيم المعاملات والفصل في الخصومات من قواعد جديدة يضعها المفكرون من أهل العصر والواقفون على أحوال أهله المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها وطرق حلها؛ لتكون مستمدةً من واقع الحياة؛ فتتناسب مع أحوال الناس وظروفهم الحاضرة ومع مستوى ثقافتهم وحضارتهم. فهؤلاء قد طغى عليهم الغرور المكروه فركبوا رؤوسهم، ولم يَقْدُروا عقولهم قدرها، ولم ينزلوها منزلتها، ولم يَقْدُروا الله حَقَّ قدره، ولم يعرفوا حقيقة شرعه ولا طريق تطبيق منهاجه وأحكامه، ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علماً؛ فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل وأنه أنزل شريعة عامة شاملة وقواعد كلية مُحْكَمة، وقدَّرها بكامل علمه وبالغ حكمته؛ فأحسن تقديرها، وجعلها صالحة لكُلِّ زمان ومكان؛ فمهما اختلفت الطبائع والحضارات وتباينت الظروف والأحوال فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد، وتبادل المنافع بينهم، والفصل في خصوماتهم، وحل مشاكلهم وصلاح جميع شؤونهم في عباداتهم ومعاملاتهم. إن العقول التي منحها الله عباده ليعرفوه بها، وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل قد اتخذوا منها خصماً لدوداً لله، فأنكر (أحدهم) حكمته وحسن تدبيره وتقديره، وضاق صدره ذرعاً بتشريعه، وأساء الظن به فانتقصه وردّه، وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون؛ لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل. فكانوا من الأخسرين أعمالاً [الَذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً] . [الكهف: ١٠٤] . وكانوا ممن [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وبِئْسَ القَرَارُ] . [إبراهيم: ٢٨، ٢٩] . إن الله سبحانه كثيراً مَّا يُذَكِّرُ أناساً في القرآن أحوالَ المعتدين الهالكين، ويحثهم على أن يسيروا في الأرض؛ لينظروا ما كانوا فيه من قوة ورغد عيش وحضارة وبسطة في العلم نظر عظة واعتبار، ليتنكبوا طريقهم اتقاءاً لسوء مصيرهم، ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري؛ لشدة خطره، وبيّن أنه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم، ليعرفنا بقصور عقول البشر أنها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل، وليحذرنا من خطر الغرور الفكري الذي هلك به من قاوم المرسلين. قال تعالى: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وأَشَدَّ قُوَّةً وآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ العِلْمِ وحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ] [غافر: ٨٢ - ٨٥] . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 3352

البيان الأدبي الهَجْمةُ على اللُّغةِ العربيّةِ إبراهيم بن سعد الحقيل توطئة: تنبَّه المستعمر الصَّليبي بعد طرده من ديار الإسلام بل وبعد نقل المعركة إلى عقر داره في أوروبا إلى أهمية الدين الإسلامي وأثرهِ في بقاء المسلمين أقوياء، فبدؤوا في غزوٍ فكري يحاول هدم أُسسِ الإسلام في نفوسِ المسلمين، وشنوا حملات مختلفة في جميع الميادين، فشكَّكوا في المسلَّمات الدينيّة، ونبشوا آثار الأمم الكافرة التي أزال الله بالإسلام دولهم وحضاراتهم، وشوهوا تاريخ الإسلام وسِيَر قدواته، وكانت الهجمة مركزةً على لغة الإسلام ولغة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم؛ لقطع حبال الاتصال بين حاضر المسلمين وماضيهم، ولجعل القرآن الكريم غريباً على آذانهم، وكذلك سنة رسوله ﷺ وتراث المسلمين المتنوع. فجردوا اللغة العربية من رداءِ القدسية، وحاولوا فصل اللغة العربية عن الإسلام. يقول طه حسين: (إن اللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين يُؤْمَنون وحدهم عليها، ويقومون وحدهم دونها، ولكنها ملكٌ للذين يتكلمونها جميعاً، وكلُّ فردٍ من هؤلاء الناس حرٌّ في أن يتصرف في هذه اللغة تصرف المالك ... ) [١] . وإذا فقدت اللغة العربية هذا الرداء المقدس، وفقدت أهميتها الدينيّة سارت إلى ما سارت إليه اللغات البائدة. وقد غفل من حارب اللغة العربية عن حياطة الله لها بالقرآن الكريم! واتخذ الهجوم على اللغة العربية لتدميرها عدة محاور هي: المحور الأول: الدعوة إلى العامية: نرى أوروبا مقسمة إلى دول كثيرة لا تزيد مساحة أكبرها عن نصف مليون كم٢، لكل بلدٍ لغته وتاريخه، وكذلك كادوا للمسلمين فطُبق التقسيم السياسي، وحاولوا حتى الآن تطبيق التقسيم اللغوي والتاريخي، فروَّجوا هذه الدعوة لينعزل كل جزءٍ من العرب في محيطهم بلغتهم العامية وتاريخهم الوثني القديم، وليصبحوا أُمماً شتى. كان المعجَبُ بالغرب رفاعةُ رافع الطَّهْطَاوي الذي أُرسل إماماً لأول بعثةٍ علميّةٍ إلى الغرب أولَ من دعا إلى استعمال العامية وتدوين قواعد لها. قال في كتاب أصدره عام ١٨٦٨م أسماه [٢] : (أنوارُ توفيق الجليل من أخبار توثيق بني إسماعيل) : إنَّ اللغة المتداوَلة المُسمَّاة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهمُ في المعاملات السائرة لا مانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ وتصنف بها كتب المنافع العمومية، والمصالح البلدية.. اهـ. ثم خرج علينا مندسٌّ من المستشرقين عاش في مصر مديراً لدار الكتب المصرية اسمه: (ولهلم سبيتا) بكتاب أسماه: (قواعد اللغة العامية في مصر) عام ١٨٨٨م، وذكر أنه قد جازف بذلك العمل لحبه لمصر وللمصريين [٣] . وأسرع صاحب صحيفة المقتطف فارس نمر فقرَّظ لهذه الدعوة، ودعا إلى تدريس العلوم وكتابتها باللغة التي يتكلم بها الناس [٤] . وبعد دخول المستعمر أصبحت المقتطف مداحة له، وأسرع الإنجليز ففرضوا الإنجليزية لغة التعليم، وأصبحت لغة رسمية، وأغلقوا مدرسة الألسن، ووجهوا جميع البعثات إلى بلادهم فقط. وذرَّ قرنُ (كارل فولرس) فكتب كتاباً اسماهُ: (اللهجة العامية في مصر) ، وكان لـ (ولكوكس) رأي مشابه بل وصفيق؛ فقد قال في محاضرةٍ له: إن ما يعيق المصريين عن الاختراع هو كتابتهم بالفصحى ... وما أوقفني هذا الموقف إلا حُبي لخدمةِ الإنسانية، ورغبتي في انتشار المعارف. وأعلن في آخر المحاضرة عن مسابقة للخطابة بالعامية، ومن تكون خطبته جيدة ناجحةً فله أربع جنيهات. كان ذلك عام ١٨٩٣. ومن العجب أن (ولكوكس) هذا كان يصدرُ مجلة اسمها: (الأزهر) ، وكان يدعو إلى العامية من خلالها [٥] . وخرج نفر كثيرٌ من هؤلاء يدعون إلى كل ما فيه هدم لأسس الإسلام في نفوس المسلمين، وكان منهم: (سلدان ولمور) الذي كتب عام ١٩٠١م كتاب: (العربية المحلية في مصر) ، قال فيه: ومن الحكمة أن ندع جانباً كل حكم خاطئ وُجِّه إلى العامية، وأن نقبلها على أنها اللغة الوحيدة للبلاد [٦] . وأسرع فارس نمر صاحب المقتطف يقرِّظ لهذا الكتاب. ووضع (ولمور) كتاباً آخر عام ١٩١٠م، سمَّاه: (لغة القاهرة) ، وجاء مضمونه كسابقه. لم يكن هذا الوباء في مصر وحدها؛ فهذا (إسكندر معلوف) [٧] اللبناني أنفق وقته في ضبط أحوال العامية وتقييد شواردها لاستخدامها في كتابة العلوم؛ لأنَّه وجد أسباب التخلف في التَّمسك بالفصحى، ونحا ابنه عيسى نحوهُ فيقول: إنَّ اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو أهمُّ أسباب تخلفنا رغم أنَّهُ من الممكن اتخاذُ أيِّ لهجةٍ عاميةٍ لغةً للكتابة؛ لأنها ستكون أسهل على المتكلمين بالعربية كافة. ولي أملٌ بأن أرى الجرائد العربية وقد غيّرت لغتها. وهذا أعدُّهُ أعظم خطوةٍ نحو النجاح، وهو غاية أملي [٨] . ومن العجب أنَّ من يدعو إلى العامية عضو في مجمع اللغة العربية؛ فأيُّ خير يُرجى من هذا المجمع وهذا من أعضائه؟ ونعود إلى مصر فنجد (سلامة موسى) [٩] يقول في كتابه: (البلاغة العصرية) : (إنها تبعثر وطنيتنا يقصد بذلك الفصحى وتجعلها شائعةً في القوميَّة العربية) . ويقول عن أستاذه أحمد لطفي السيد مفسد الجيل: وقام على أثره مُنشئ الوطنية المصرية الحديثة، فأشار باستعمال اللغة العامية، وبيّن أنَّ ما يشغل بال (ولكوكس) بل ويقلقه هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها. وأحمد لطفي السيد هذا تولى رئاسة مجمع اللغة العربية؛ فأيُّ مجمع هذا؟ وينعق الشاعر العراقي الهالك جميل صدفي الزهاوي فيقول [١٠] : فتَّشْتُ طويلاً عن انحطاط المسلمين فلم أجد غير سببين أولهما: الحجاب الذي عدَّدتُ في مقالي الأول مضاره، والثاني: هو كون المسلمين ولا سيما العرب منهم يكتبون بلغةٍ غير التي يحكونها. ونعود إلى مصر فإذا بـ (لويس عوض) [١١] الصليبي الشيوعي يدعو إلى العامية ويصنف كتاباً يهديه إلى (كريستوفر سكيف) الجاسوس الإنجليزي ويكتب ديوانه (بلوتو لاند) عام ١٩٤٧م الذي دعا فيه إلى كسر رقبة البلاغة العربية وإلى الكتابة بالعامية [١٢] . وكان للمغرب العربي نصيب من هذه الدعوة؛ فقد أصبحت اللغة العربية لغة ثانية بعد الفرنسية لغة المستعمر، وجاء في تقرير أعدته لجنة العمل المغربية الفرنسية: إنَّ أول واجبٍ في هذه السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها، بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمال إفريقيا [١٣] . وقد وضع علماء الاستعمار من المستشرقين كتباً في قواعد اللهجات الأمازيغية لتزاحم العربية، يقول (شحادة الخوري) : شعر المستعمر باستحالة اقتلاع اللغة العربية من أرض الجزائر وغرس اللغة الفرنسية مكانها، فلجؤوا إلى وسيلةٍ مُساعدةٍ أخرى وهي الإيحاء لأكبر عددٍ من أبناء الجزائر بأن اللغة العربية ليست لغة أصليَّة في الجزائر، وإنما اللغة الأصلية لسكان الجزائر هي اللغة البَرْبريَّة لغة الأمازيغ، وقد تطوع الفرنسيون لوضع أبجدية لها كيما يمكن كتابتها [١٤] . ونعود إلى الشام ولبنان خاصة؛ ف (مارون غصن) أصدر كتاباً قال فيه [١٥] : إنَّ كل لغةٍ سائرةٌ إلى الفناء؛ لأن الشعب كله متعلقٌ كل التعلق بلغة آبائه وأجداده، وما هذه اللغة إلا العامية، وأتبع ذلك بإصدار كتاب بالعامية عنوانه: (في متلوها لكتاب) عام ١٩٣٠م. ويتمنى (مارون غصن) أن يرى عاملاً عسكرياً سياسياً يفرض اللغة العامِّية [١٦] . وقد تزامن مع هذه الدعوة إصدار جرائد ومجلات وكتب باللهجات العامية، فقد صدرت سبع عشرة جريدة ومجلة عامية بحلول عام ١٩٠٠م [١٧] ، كما تحول المسرح من الفصحى إلى العامية مما دعا المنفلوطي إلى تسميته بـ (الملاعب الهزلية) [١٨] كما تسابق المستشرقون على إصدار دراسات عن اللهجات العامية مثل دراسة (نللينو) عن عامية مصر، و (سيانكو فسكي) عن عامية المغرب وتونس، و (إلياس برازين) عن عامية حلب، و (ليوريال) عن عامية الجزائر، وغيرها [١٩] . المحور الثاني: الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية: هذه الدعوة مرتبطةٌ بالدعوة السابقة؛ حيث أخذ الهجوم على الفصحى [٢٠] بالتدرج وتوحيد الجهود، وقد بدأ بذلك (سلدان ولمور) في كتابه: (العربية المحلية [٢١] المصرية) ، وهدَّد بأن العرب إن لم يفعلوا ذلك فإن لغة الحديث والكتابة ستنقرض، وستحل محلها لغة أجنبية. ويخرج علينا عضو في مجمع اللغة العربية ليكمل جوقة المحاربين للغة القرآن من مجمعها، وكان الأوْلى أن يُسمَّى: (مجمع محاربة اللغة العربية) . هذا العضو هو (عبد العزيز فهمي) [٢٢] ؛ فقد دعا عام ١٩١٣م لكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وأصدر كتاباً يوضح فيه طريقته، جاء فيه بالعجب العجاب؛ فقد جمعَ نماذجَ للكتابة، أُرسلت له ممن هب ودب يكتبها ويكتب تحتها ترجمتها بالحروف العربية، ويقول ناشر الكتاب: (ونجحت التجربة في تركيا وهم يقرؤون اللغة التركية بالحروف اللاتينية، ولكنَّ أصحاب الآراء المتحجِّرة رموهُ بالكفر والزندقة) [٢٣] . وقرأت أنه رجع عن دعوته تلك [٢٤] . ويستلم منه الراية (سلامة موسى) القبطي [٢٥] ليتبرأ من آثار العرب تاريخياً ولغوياً، ويدعو إلى ما دعا إليه المارقون قبله بشدةٍ وحماسةٍ. وطبق بعض المارقين ذلك النهج، فولدت محاولاتهم ميّتةً. مثل: (رفائيل نخلة اليَسُوعيّ) في كتاب أسماه: (قواعد اللهجة اللبنانية والسورية) ، مكتوب بالحروف اللاتينية، وطبعته المطبعة اليسوعيّة. وأما (أنيس فريحة الخوري) فلا يرضى بأن تكون العامية اللغة المعتمدة بل يدعو إلى كتابتها بالحروف اللاتينية لتكون لغة رسمية للعرب [٢٦] ؛ لأن الحرف العربي لا يصلح لتدوين اللهجة العامية ويقبلُ اقتراح عبد العزيز فهمي؛ لأنَّهُ يَضْبطُ لفظة اللغة مرةً واحدة لجميع الناس. والمُتسمِّي بـ (أدونيس) طبق ما يريد أستاذه (أنيس فريحة) فأصدر في عام ١٩٦١م ديواناً اسماه (ياره) كتب بالحروف اللاتينية [٢٧] . أما (انستاس الكرملي) الذي يُسميه الجهال: (الأب) فقد كان ماكراً في دعوته؛ حيث ابتدع طريقة للكتابة تحوي في تضاعيفها حروفاً لاتينية [٢٨] ، وذلك في مجلته: (لغة العرب) ، وكان يهاجم الداعين إلى استبدال الحرف العربي بحرف لاتيني، فهو يذرُّ رماداً في العيون لكي لا تراه ولا تنتبه لعمله، ولكنها رأته وأبطلت ما يصبو إليه. أما مجمع اللغة العربية فقد انشغل ثلاث سنوات يدرس اقتراح كتابة العربية بحروفٍ لاتينيةٍ [٢٩] استجابة لثلةٍ من أعضائه المارقين! ألم أقل: إنه مجمع محاربة اللغة العربية؟ ! المحور الثالث: الدعوة لإصلاح اللغة العربية: لو كانت تلك الدعوات قُصد منها إصلاحٌ وإيضاح كما فعل المتقدمون منهم وكثيرٌ من المحدثين لكان ذلك صواباً، ولكنَّ النيَّة السيئةَ هي مطيَّةُ القوم. ولكي يَصِلُوا إلى مرادهم وصموا العربية بالجمود والتعقيد والصعوبة. وكل من ذكرنا سابقاً وكثير من مثلهم قالوا ذلك. وكانت تلك الدعوات غطاءاً للهدم؛ فمنهم من دعا إلى إلغاء الإعراب مثل (قاسم أمين) عام ١٩١٢ [٣٠] ؛ حيث دعا إلى تسكين أواخر الكلمات عوضاً عن الإعراب. قال (سلامة موسى) [٣١] : والتأفف من اللغة الفصحى التي نكتب بها ليس حديثاً؛ إذ يرجع إلى ما قبل ثلاثين عاماً حين نعى (قاسم أمين) على اللغة العربية صعوبتها، وقال كلمته المشهورة: إن الأوروبي يقرأ لكي يفهم ونحن نفهم لكي نقرأ. فانظر إلى ترابط الهدم؛ إذ يتحدث عن إفساد المرأة ثم يدعو إلى إفساد العربية. ولمثل دعوته في ترك الإعراب دعا (عبد العزيز فهمي) [٣٢] وتبعهما كثيرون مثل: (يوسف الخال) [٣٣] الذي دعا إلى تحطيم بنيان اللغة والتخلص من العبء الثقيل وهو الإعراب، وكثيرون سواه دعوا إلى ذلك، ومن آخرهم أستاذ بجامعة الملك سعود بكلية الآداب عندما عرفتُ ما يدعو إليه في إلغاء الإعرا [٣٤] ... تذكرت ما كان يقوله لنا ونحن طلبة عنده من أنَّ عيبه عدم استطاعته إيصال ما يريد لطلابه لضعف لغته. وكانت لغته ضعيفة، ولسانه مطبوعاً على العامية لا يستطيع الفكاك منها. ومنهم من دعا إلى إصلاح قواعد الكتابة مثل: (أحمد لطفي السيد) [٣٥] ... الذي يقول: إن سبب تراجع الأمة العربية تمسكها بالتشديد والتنوين، ثم دعا إلى قواعدَ جديدةٍ ابتكرها مزهواً بذلك كأنه أبو الأسود أو الخليل رحمهما الله. كما كان لـ (أنستاس الكرملي) رأي ماكر في إصلاح الكتابة العربية دسَّ فيه حروفاً لاتينية أوضحناه آنفاً. أما (أنيس فريحة) فقد أصدر عام ١٩٦٦م كتاباً أسماهُ: (في اللغة العربية وبعض مشكلاتها) [٣٦] أهداه إلى كل معلِّم يدرّسُ العربية رونقه بحديثٍ في أوله عن مزايا العربية، ثم رنَّقهُ [٣٧] بوصم العربية بالعجز عن اللحاق بالعلوم والفنون، وجعل هجاءها من مشاكلها، ودعا إلى تيسير ذلك، وأخذ يحيي اقتراحاتٍ بائدةً لإصلاح ذلك. كما تأفف من مشكلات القواعد النحوية، واشتكى من الصرف ودعا في ثناياه إلى العامية! فماذا أبقى فريحة الخوري؟ وزعم (مارون غصن) وهو ممن يُدعون بـ (الأبّ) أنَّ اللغة العربية ضعيفة في كل شيءٍ؛ ولذلك هبَّ مسارعاً لتسهيل هذه اللغة فوضع كتاباً اسماه: (نحو عربية ميسرة) [٣٨] عام ١٩٥٥م، وكتب مقالاً عنوانه: (هذا الصرف وهذا النحو أمَا لهذا الليل من آخر؟) ، سخر فيه من قواعد العربية، ودعا إلى تركها [٣٩] . أما صاحب فجر الإسلام (أحمد أمين) فقد دعا إلى إصلاحٍ في متن العربية [٤٠] وانطلقت دعوته تلك من منبر مجمع اللغة العربية؛ فهو أحد أعضائه. وكل من تحدث عن الإصلاح يلوك مقولة ملْكية الجميع للغة ويتهمون كل مدافع عنها بأنه ممن يدَّعِي مُلْكَ اللغة؛ كما ذكرنا قول طه حسين آنفاً. المحور الرابع: إفساد الذوق السليم: لما عجز المستعمر وعجز ربائبه وأذنابه عن فرض العامية وكَلّت أقلامُهم في الدعوة إلى الحروف اللاتينية، وماتت تجاربهم في مهدِها، ولم يستطيعوا جرَّ العرب لتحطيم العربية بدعوى الإصلاح، عند ذلك لجؤوا إلى إفساد الذوق السليم لكي يعدمَ العربي ذوقه التي اعتاد عليه في الاستمتاع بما كتب به كتابه الكريم وسنة نبيه ﷺ ، وتراثه الأصيل، وحاضرهُ الزاخر. فانفتح الباب على كل عربي قارئ للآداب بمذاهب لا يعرف منها إلا اسمها سلخت من بلاد الغرب وزُجَّ بها في ساحة العربيةِ وطُوِّعت وسائل الإعلام المختلفة لكي تمتلئ بهذه المذاهب التي تهدمُ الدينَ وتحاربُ العربيةَ وتُفِسدُ الأخلاق. وترجمت كتب النقد الغربي لكي يُطبَّق على أدبنا. وأصبح لزاماً على الدارس في كثيرٍ من أقسام العربية في الجامعات أن يدرس هذا الأدب وهذا النقد، ولقد درستُ النقد الأدبي الغربي في المرحلةِ الجامعيةِ ولكنهم سمَّوه: (النقد الأدبي الحديث) . ودُعم كل ناعق بهذه الخزعبلات، فامتلأت الجرائد والمجلات وأرفف المكتبات بها، وخرج علينا في جميع وسائل الإعلام دعاة الحداثة وهم شرذمة قليلة، ودعوا إلى تحطيم الشعر. يقول (لويس عوض) [٤١] : (حطِّمُوا الشعر؛ لقد مات الشعر العربي عام ١٩٣٣م، مات بموت أحمد شوقي) . فصار الشعرُ طلاسم وأحاجي لا يفهمها حتى كاتبها. لكي يعدم الشاب النماذج التي يحاكيها. يقول الدكتور (عمر موسى باشا) [٤٢] : إنَّ مفهوم الحداثة في الأدب يعني حريَّة الأديب فيما يختص باستخدام اللغة، وأنَّ للأديب الحرية الكاملة في استخدام اللغة العامية المحلية، ونحن نعترض على إطلاق هذه الحرِّية ما دامت تُصدِّع صرح اللغة العربية. كما شجعت الآداب الشعبية لإفساد الذوق وحرف الناس عن أدبهم الفصيح، ولكي تسيطر العامية على الناس. يقول الدكتور: (محمد محمد حسين) ﵀ عن هذا الأدب: هو امتداد للدعوة إلى استبدال اللهجات المحلِّية العامِّية مكان اللغة الفصحى) [٤٣] . وأجزم أولاً أنَّ تدوينها والاهتمامَ بها ليتعلَّقَ الناس ويفسدَ ذوقهم ويعتادوها، ويعدموا النموذج الأصيل. يقول أنور الجندي [٤٤] : حاول الداعون بها أن يَوجِّهوا العنايةَ إلى الجمالِ الفنِّي الذي تمثلهُ الأمثالُ والقصصُ والأغاني التي يتداولها العامة، وقد دوَّنوا ما لم يكن مدوناً، فلما برزت الدعوة إلى العناية بالفنون الشعبية تمسَّح الداعون بهذه الدعوة بين العرب زاعمين أنَّ إهمال هذا اللون من الفنون ترفُّعٌ عن العناية بالطبقاتِ الفقيرةِ الكادحةِ، وما يتصل بها من شؤون. الخاتمة: بعد أن رصدنا رصداً سريعاً جوانب من هذه الهجمة نستخلص منها: ١ - كانت بدايةُ الهجمة بالمستشرقين تحت ظلال المستعمر، ثم نقلت إلى بني جلدتنا ليكون لما يقولون قبول أكثر. ٢ - جُلُّ من هاجم العربية بأي شكل هم من المستشرقين وغير المسلمين مثل: موسى سلامة، ولويس عوض، وعيسى معلوف وابنه إسكندر، ورفائيل نخلة، ومارون غصن، وأنيس فريحة، والكرملي وغيرهم، ومن هاجم العربية من غيرهم فهو من المارقين الذين تحلَّلوا من الإسلام مثل: قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وأشباههم. ٣ - اتخذ الهجومُ التدرجَ دعوةً إلى العامية ثم الحرف اللاتيني؛ فلما لم ينجحوا في ذلك دَعَوْا إلى إصلاح العربية؛ والقصدُ هو الإفساد؛ فلما سقطت دعوتهم فُتِحَ البابُ لإفساد الذوق السليم، وشُجعت الآداب العامية. ٤ - جوبهت تلك الدعوات الهدامة بردود ومعارك كتابية أرجعتها خائبة، كما أعرض العامة عنها ولم يعيروها أذناً صاغية، وكان تطبيقها حِكراً على الناعقين بها. ٥ - ساعدت تلك الهجمة في بث الروح والحياة في نفوس أهل العربية، فخرج شعراء كبار مثل: البارودي، وشوقي، وحافظ، والرصافي، وكُتَّاب كبار كالرافعي، والمنفلوطي، وباكثير، وغيرهم. والله ولي التوفيق

стр. 3353

البيان الأدبي وصول د. محمد زين العابدين مشى وحده حتى تعبت قدماه.. فالشلة لن تجتمع اليوم بسبب هذه الريح العاصفة القارسة البرودة؛ خاصة أن السماء ازدحمت فيها السحب الداكنة نذيراً بإشاعة الفوضى في أي برنامج.. كل واحد منهم اختبأ في بيته، وادخر طاقته ليوم آخر ذي جو أصفى.. أما هو فلم يستطع أن يمكث في بيته؛ فهو يحب الحياة حتى النخاع، ولا يتصور نفسه إلا طائراً بين أفيائها يتنسم عبير الزهر الناضر تارة، أو يلتهم الثمر الناضج أخرى؛ حسب الظروف! ! التعب ازداد حدة ولم يعد قادراً على مواصلة السير. أتمنى أن أجلس، ولكن أين؟ آه.. ها هو ذا مقهى على الضفة المقابلة من الشارع. حاول العبور لكنه لم يستطع بسبب سرعة السيارات وكثافة المارة.. سار على حافة الشارع متحيناً الفرصة للعبور حتى وصل النقطة المواجهة للمقهى، وانتظر.. لكن الانتظار طال وتضاعف معه تعبه وضجره اللذان زحفا إليه كما تزحف جيوش النمل الأبيض على جذوع الأشجار ... صوت حشرجة معدنية عالية انبعث فجأة من مكان ما فوق رأسه.. استطاع أن ينتفض على الرغم من إعيائه الشديد.. رفع نظره فرأى مكبراً للصوت فوق مئذنة لمسجد.. تعجب لوجود مسجد في هذا الشارع؛ فقد سار فيه مراراً ولم يلحظ المسجد أبداً.. المنظر في الداخل يبعث على الارتياح، والفرش على الأرض تغري ساقيه المتعبتين. لماذا لا أدخل لأجلس قليلاً؛ فالجلوس هنا أكثر راحة من المقهى، كما أنه لا يكلف شيئاً..؟ ابتسم وهو يخلع حذاءه؛ فهو لا يتذكر متى كانت آخر مرة دخل فيها مسجداً..! في محراب المسجد يجلس أحد الشيوخ يبدو أنه على وشك البدء في حديث مَّا.. استند إلى الحائط في نهاية المسجد، ومد رجليه.. انتشرت الراحة في جسده المنهك، وانتشت عضلاته المتعبة، وجال فكره بعيداً في الزمان والمكان يخطط جداوله للأيام القادمة، وكيف سيكون العبُّ من ملذات الحياة. يجب ألا يتكرر هذا الموقف السخيف ثانية؛ فهو من أنصار استثمار الشباب حتى الثمالة.. انتفض فجأة بسبب ارتفاع شديد في صوت الشيخ.. نظر حوله.. لقد امتلأ المسجد وغص بالحضور.. عدل من جلسته وثنى رجليه.. كان المتحدث يقول: الموت سهم فارق قوسه، ولا تعلم متى يصل إليك وهو لا يخطئ هدفه أبداً، جحظت عيناه، تدلى فكه، اندفع الدم الأحمر إلى وجهه؛ كأنه تلقى عليه صفعة قوية: الموت! ! يا لها من كلمة! إنه لا يريد أن يموت وأمامه الكثير ليفعله.. توترت أعصابه.. لم يعد يستطيع الجلوس.. أحس بالرغبة في تدخين سيجارة.. هب واقفاً بشكل أفزع الجالسين بجواره، وتخطى النفر القليل بينه وبين الباب بشكل عصبي، وما أن خرج للشارع حتى ملأ صدره من هوائه المشبع بالغبار وعادم السيارات فزاده غيظاً واختناقاً.. ذلك السهم أمَا من سبيل لتفاديه؟ ! متى سيأتي؟ وهل يمكن تضليله؟ تزاحمت الأسئلة واللعنات في عقله، واكفهرَّ صدره متحدياً الجو من حوله، ومبرزاً قدرة البشر الفذة على الإحساس بالضيق.. مشى على غير هدى.. قادته قدماه إلى البيت.. منزل كبير وطوابق عديدة وهو يحتل قمته. أجل إنه دائماً في القمة! ! صعد إلى غرفته فوق السطح.. دخل.. ندم على العودة، حاول الخروج.. ولكن إعياءه الشديد أجبره على الجلوس على الفراش.. خلع حذاءه بطريقة لا شعورية.. ضجة على السطح المقابل.. إنهما صبيَّان يصوِّبان بقوس ونشَّاب على أهداف وضعاها على السور القصير في نهاية السطح. اللعنة.. اللعنة.. سهام مرة أخرى، كان الهدف مواجهاً للشباك؛ بحيث يمكن أن تدخل السهام لو كانت بالقوة الكافية لعبور الشارع.. ضاعف ذلك ضيقه إلى حد الجنون.. صاح فيهما لكي يبتعدا، فسخرا منه.. ماذا يفعل لهذه الشياطين الصغيرة؟ لا شيء بيده.. استسلم للصفاقة الصغيرة ونام على السرير؛ لكنه لم يستطع؛ فقد اصطدم سهم بالحائط خارج الشباك بشكل أفزعه.. ماذا لو دخل أحد هذه السهام إلى الغرفة وأصابه؟ إنها خشبية وغير مدببة بما فيه الكفاية، لكنها قوية.. ماذا لو أصابت عنقه؟ ! أقلقته هذه الأفكار جداً؛ فوقف في منتصف الحجرة حائراً تتقافز نظراته يمنة ويسرة.. في النهاية تقدم إلى الشباك وأغلقه.. دقائق.. فتحه! ! لم يستطع أن يعيش داخل علبة مغلقة، لا بد من منفذ على الدنيا، إن الشباك هو أهم شيء في هذه الغرفة، لقد فضلها على عديدات غيرها أكبر وأرخص؛ لأنها تفتقر إلى مثله، تمدد على السرير ثانية لكن صوت العفاريت على السطح المقابل دفعه إلى القيام، جال بعينيه في وكره مرة ثانية.. وقع نظره على الدولاب الضخم الذي ورثه عن أبيه.. إنه يقف شامخاً كسائر أهل جيله مزهواً بصلابة خشبه ومتانته وكأنه يقول: أنا أقوى من الزمن.. خطرت بباله فكرة مجنونة لذَّت له فقام لينفذها على الفور: جمع ملابسه القليلة في الرف الصغير أعلى الدولاب، حمل اللحاف وبسط نصفه في أرض الدولاب، ثم نام فيه وغطى جسمه بالباقي، كان الدولاب بجوار الشباك وفي غرفة صغيرة، كان أحد المصراعين لا يفتح تماماً.. السماء فوق رأسه قاتمة تتصارع فيها وحوش رمادية ضخمة أو لعلها تتقافز مرحة سعيدة بالإحساس بالامتلاء بعد وجبة برنامج يومه الدسم الذي التهمته؛ وتركته خاوي الوفاض.. نظر إلى السحب بغيظ وحقد: الشؤم على هذا الشتاء وعلى هذه الشيطنة التي تستطيع اللعب في طقس كهذا.. استسلم جسمه للدفء والراحة، وعقله لسبات عميق.. اشتد الهواء في الخارج فأغلق مصراع الدولاب وأحكم غلقه تماماً.. أجفله الصوت؛ لكن السبات الذي يسيطر على عقله والظلمة منعاه من إدراك حقيقة الموقف.. على كلٍ ليس هناك ما يُخْشَى؛ فعند اللزوم يكفي أن يضرب المصراع بيده فيفتحه.. لا مشكلة.. الصبيَّان ما زالا يلعبان، ازدادت حدود الشيطنة وسئما الأهداف السهلة.. اقترح أحدهما التصويب لإدخال السهام خلال مقابض دولاب الجار المشاكس.. صوَّبا كثيراً لكن السهام لم تصل بسبب الريح.. تضاعفت الحماسة والرغبة لقهر هذا الهدف المتحدي. إنهما ماهران جداً.. تراهنا؛ وانطلقا يبحثان عن الأسهم المناسبة، ثم رجعا وبدآ في المحاولة من جديد؛ لكن بلا جدوى.. انتهت السهام؛ لكن أحدهما قرر استخدام سلاحه الأخير.. أخرج سيخاً حديدياً ووضعه في النشَّاب، وصوبه جيداً وأطلقه.. إنه ولد ماهر ماهر، لقد دخل سهمه من مقبض الدولاب الأول، ثم الثاني، ثم توقف، لقد أصبح القضيب الحديدي مزلاجاً على باب الدولاب. وعلى السطح المقابل تقافز الصبيَّان وهما يصيحان جذلين: لقد وصل السهم.. لقد وصل السهم.

стр. 3354

البيان الأدبي متى ينتهي العدوان على بنت عدنان شادي السيد أحمد عبد الله إنّ الله - تعالى - أنزل القرآن عربياً لا عُجْمة فيه، بمعنى: أنه جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب [١] ، قال الله : [إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [الزخرف: ٣] . وَمن أحبَّ اللهَ أحبَّ رسولَه المصطفى ﷺ ، ومَن أحبَّ النبيَّ العربيَّ أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العربَ أحبَّ اللغة العربية التي بها نزل أفضلُ الكتب على أفضل العَجَمِ والعَرَبِ [٢] . ومعلوم أنّ (تعلّم العربية وتعليمها) فرض على الكفاية، وكان السلف يُؤدّبون أولادهم على توقِّي اللحن؛ فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربيّ، ونصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناسُ على لحنهم كان نقصاً وعيباً؛ فكيف إذا جاء قومٌ إلى الألسنة العربية المستقيمة والأوزان القويمة فأفسدوها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للّسان، الناقلة عن العربية العرباء إلى أنواع الهذيان الذي لا يهذي به إلا قومٌ من الأعاجم الطماطم الصميان؟ ! ! [٣] . وقد رُوي عن عمر ﵁ أنه قال: (تعلموا العربية؛ فإنها تزيد في المروءة) [٤] . قال ابن فارس: (وقد كان الناسُ قديماً يجتنبون اللَّحْن فيما يكتبون أو يقرؤون اجتنابهم بعضَ الذنوب، فأمّا الآن فقد تجوّزوا حتى إنّ المُحدّث يُحدّث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب؛ وإنما نحن محدّثون وفقهاء، فهما يُسَرَّانِ بما يُسَاءُ به اللبيب) [٥] . ولا يخفى أن اللسانَ العربيَّ شعارُ الإسلام وأهله، واللغاتُ من أعظم شعائر الأمم التي يتميّزون بها [٦] . فما أجْدَرَ هذا اللسانَ بأنْ يُعتَنقَ ضَمّاً والتزاماً، كالأَحِبَّةِ لدى التوديعِ، ويُكْرَمَ بنقل الخُطُواتِ على آثاره حالةَ التشييع [٧] . وما أكثر ما يجري من العدوان على هذا اللسان الذي وَسِع الدين والقرآن من أولئك الذين يَهْرِفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يفعلون! فكثُر اللَّحْنُ مِن الخواصِ قبل العوامّ، وطغت الهُجْنَةُ حتى ضجَّتِ الهوامُّ! ! وسأضربُ مثالاً من هذا الرُّكام، وأزيح عنه اللِّثام: فما مِن كاتبٍ، ولا شاعرٍ، ولا خطيب، ولا أديبٍ - إلا مَن رحم ربي - إلا ويستخدم كلمة (بَسِيط) بمعنى: قليل، أو هَيِّن، أو يسير ... إلخ؛ فيقول: هذا شيء بسيط (بمعنى قليل) ، ورجل بسيط (بمعنى مُغفَّل، أو طيب القلب) وهذا الاستخدام غير صحيح؛ فقد وردتْ مشتقات هذه الكلمة في خمس وعشرين آية، وجاءت على هذا النحو في القرآن الكريم: بَسَطَ - بَسَطْتَ - تَبْسُطْها - يَبْسُطُ - يَبْسُطُه - يَبْسُطُوا - بَاسِط - بَاسِطُوا - البَسْط - بِسَاطاً - بَسْطَة - مَبْسُوطَتَان [٨] ؛ وليس فيها كلها معنى قليل، أو هَيِّن، أو مُغفّل ... إلخ. قال الفيروز آبادي: (بَسَطَهُ: نشره، وبَسَطَ يده: مَدَّهَا، وفلاناً: سَرَّه، والمكانُ القومَ: وَسعَهم، واللهُ فلاناً عليَّ: فَضَّلَهُ، والعُذْرَ: قَبِلَهُ. واللهُ يَبْسُطُ الرزقَ: يُوسِّعُه، والبِسَاطُ: ما بُسِطَ، والبَسِيطُ: المنبسط بلسانه، وأُذُن بَسْطَاء: عظيمة عريضة، وانْبَسَطَ النهارُ: امتدَّ وطال، والبَسْطَةُ: الفضيلة، والبَسْطَة في العلم: التوسُّع، وفي الجسم: الطول والكمال، والمَبْسَطُ: المُتَّسَعُ) [٩] . هذا: وإنني قد بسطتُ الكلام في هذا المقال، للتنبيه وضرب المثال؛ لصون اللسان عن الزلل في لغة القرآن، ودعوة لنبذ سقيم الكلام والأوزان، بعد أن (ازدادت المِحْنَةُ في هُجْنَةِ اللسانِ العربي، وطغت مولدات التغريب على لغة القرآن، ... فَعَظُمَ العُدْوان على بنت عدنان، وندر الآخذون بالثأر الموقظون لأمتهم عن تغريب اللسان) [١٠] . ورغم ذلك: فإن العلماء في لغة العرب - شكر الله سعيهم - قد بذلوا جهوداً مكثفة في القديم والحديث، فأنشؤوا سدوداً منيعة وحصوناً حصينة للغة القرآن عن عوادي الهُجْنة والدخيل، ويظهر ذلك في المجامع وهي كُثر، وفي كتب الملاحن وهي أكثر، فدبّ يراعهم، وسالتْ سوابق أقلامهم، وانتشرت سوابح أفكارهم في نقض الدخيل، ونفي المقرف والهجين، فحمى الله - سبحانه - اللغة حماية لكتابه [١١] . فهل إلى إصلاح لغتنا مِن سبيل؟ ! أفليس حراماً أن نهملها حتى يجهلها منا المتعلمون وأهل اللَّسَن والبيان ويلحنوا فيها؟ أليس حراماً أن يكون فينا من الخوارج على لغتنا من ينصر العاميّة المسيخة أو يكتب بها؟ أليس حراماً أن تسير على ألسنتنا مئات الألفاظ الأعجمية: الفرنسية، والإنكليزية ننطق بها تظرّفاً أو تحذلقاً، وعندنا عشرات الألفاظ التي ترادفها وتقوم مقامها؟ ! فيا أيها العرب لغتَكم. لغتَكم يا أيها العرب؛ تعلّموها وحافظوا عليها وانشروها) [١٢] . فهل مِن ملبٍّ للنداء؟ ! وهل مِن مجيبٍ للدعاء؟ !

стр. 3355

نص شعري إنسان عيني مشاعر أم نحو طفلها د. سعاد محمود نحلة هو زينة الدنيا وبسمتها به ... هو حبة القلب ارتوت برضابِهِ طفلي صباحة صبحنا ونسيمه ... عصفورنا الشادي برطب عِذابِهِ هو نعمة الرحمن تغدو بيننا ... هو عزمنا في عنفوان شبابِهِ شادٍ تحاكيه البلابلُ غيرةً ... ويشنِّف الآذانَ سحرُ جوابِهِ غضٌ نضيرٌ كالندَى في رقةٍ ... تغدو الوداعة كلُّها من بابِهِ ألْقَى الحياةَ بخيرِها وشرورها ... فيهونُ ما ألقاه عند خطابِهِ ويضمنا مرحُ الطفولةِ ساعةً ... أَنْسَى الحياةَ بها على أبوابِهِ ألهُو وأركضُ مثلَه في نشوةٍ ... وكأنني يا صحبُ من أصحابهِ وتُغرِّدُ الضحكاتُ من أعماقِنا ... يروي فؤادينا الصفا بلبابهِ [١] هو قطعةٌ مني من القلبِ الذي ... أنَّى يسيرُ يسيرُ في أعقابهِ فإذا بكى مُتضرراً من شوكةٍ ... ذابَ الفؤادُ تساؤلاً: ماذا بِهِ؟ وتمنَّت العينُ التي هو نورُها ... أن يحتويها الشوكُ قبل إهابِهِ إنسانُ عيني، مهجتي، ريْحانتي ... عمري الذي أحياه من أسبابهِ رباه! هذا عُمرنا وشبابُنا ... آمالُنا، أحلامُنا تحيا بِهِ فأَنِر له الأيامَ من أيامِنا ... واحفظه من شرِّ الزمانِ ونابِهِ واجعلني يا رب الفداءَ لدمعةٍ ... إن ساقها ألمٌ إلى أهدابِهِ هذا دعاءُ الوالدين تَضرُّعا ... بارك لنا اللهم في أعقابهِ

стр. 3356

نص شعري الهمجي أحمد حسبو بالأمس للسودان صدّرتَ الفناءْ ونزلتَ في الخرطوم شُؤما وقطرتَ لُؤْما وصببتَ حِقداً أسوداً فوق (الشفاء) ويداك يا للعار حطمتا الدواء **** واليوم عُدتَ إلى العِراق بُركان حقدٍ ثائرٍ يَرمي بدانات النفاق الشعب ضاق به الخناق ودمٌ يراق والطفلُ يَسألُ أمّهُ: هل من فواق؟ ! أمّاه: قد سرقوا الحليب زرعوا على دربي النحيب ناديت، لكن من يجيب؟ ! أين العرب؟ ! أين الأخوة والنسب؟ ! أين القريب؟ ! وطني سليب يومي سليب وغدي يُحاك له الردى بيد الصليب **** يا مجرماً حتى النخاع (مونيكا) مزقت القناع والحُلم ضاع وغدوت من سقط المتاع ألأجل إلهاء الأراذلِ والرعاع تلهو بشعبٍ من جياع؟ ! ... **** يا مسرفاً بغياً وليس يحفل بالقيم كلاَّ، ولم يَكُ محترم يا مُغرماً بمجازر ونزيف دم تحت العيون الزرق حقد مضطرم مستنقعٌ من خسَّة يعلوه ثغر مبتسم ... **** أتظنُّ أنك مُنقذٌ للكوكب الأرضي جاء؟ ! أو أنت شُرطيُّ العباد وكُلُّهم رهنُ الإشارة كَذِبٌ، هُراء محضُ ادّعاء لو كان في الدنيا عدالة أو كان فيها الحق فوق ضفافها يُلقي ظلاله أو رَقَّ فيها الأقوياء لبائِسٍ يرثُون حالَه لتوجَّهت لبني قُريظة ثعلبَ الصحراء تُسْمِعُهَا الرسالة لكنها سوق العمالة سوقُ النفاق مع الدياثة والنذالة لكن وعد الله آتٍ لا محالة فالنصر منتظرٌ رجالَه سَيَبِينُ ركبٌ المخلصينَ من الحُثالة وسَيَعرفُ الناسُ الدقيقَ من النُخالة

стр. 3357

وقفات هكذا ندعوهم إلى التعصب ..! أحمد بن عبد الرحمن الصويان نعتب كثيراً على بعض إخواننا، ونتهمهم أحياناً بالتعصب والحزبية والجرأة في ردّ الحق، والتكلف في التماس المعاذير والمسوغات لأنفسهم. وقد يكون بعض ذلك العتب حقاً، وقد يكون المرء مبالغاً في توصيفه وبيانه أحياناً، ولكن ألم نسأل أنفسنا يوماً: ما أسباب ذلك..؟ ! وهل لنا دور في ترسيخه وإثارته..؟ ! إنَّ الحق ولله الحمد واضح بيِّن، ولكن قد تخفى بعض معالمه على بعض الناس، وقد تلتبس بعض فصوله على آخرين، وهذه سُنَّة قديمة لا يسلم منها كثير من الناس، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مُشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس) [١] . وقد يسعى أحدنا إلى بيان الحق وإبراز دلائله وبراهينه، ويرد على مخالفيه ويفنِّد حججهم ومآخذهم في تبنِّيه، ولكنه يستعلي عليهم، ويُسفِّه آراءهم، ويزدري اجتهادهم، وقد يتعرض لأشياخهم وأئمتهم بالهمز واللمز، ويخلط كلامه بشيء من السخرية والاستخفاف والتعيير. وربما ظنَّ المرء أنه نصر الحق بذلك، وأقام الحجة على المخالفين، ولم يصبح أمامهم إلا قبول رأيه والتراجع عن آرائهم، ولكنه يفاجأ بأنَّهم لم يحفلوا برأيه، ولم يتراجعوا عن مواقفهم، فيعمد إلى اتهامهم بالتعصب والحزبية، وقد يتشنج في نقدهم وبيان أخطائهم، ونسي أن: (الحق يُصرع إذا عُمِد إلى إظهاره بالسباب والشتائم) [٢] . إن أسلوب الاستخفاف بالمخالف والقسوة المفرطة في تعنيفه وتخطئته قد يستفزه، ويستثيره للمعاندة، ويجره للمكابرة والتعصب، وقد تأخذه العزة بالإثم؛ فيزداد إصراره وتمسكه برأيه واعتداده بطريقته ومنهجه، وقديماً قال الغزالي: (أكثر الجهالات إنَّما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها) [٣] . وقال الإمام الشاطبي: (الطعنُ في مساق الترجيح يبين العناد أي يثيره من أهل المذهب المطعون عليه، ويزيد في دواعي التمادي والإصرار على ما هم عليه؛ لأن الذي غُضَّ من جانبه مع اعتقاده خلاف ذلك حقيق بأن يتعصب لما هو عليه ويظهر محاسنه، فلا يكون للترجيح المسوق هذا المساق فائدة زائدة على الإغراء بالتزام المذهب وإن كان مرجوحاً؛ فإن الترجيح لم يحصل) [٤] . إننا بهذا الأسلوب نضع سياجاً متيناً، ونحفر خندقاً عميقاً يحول بيننا وبين إخواننا ممَّن نرجو استقامتهم وصلاحهم على الطريق؛ وبيان الحق من أوجب الواجبات، ولا يجوز السكوت عنه على حساب أحدٍ كائناً من كان، ولكن الهدف من بيانه هو نصح الأمة، والرغبة الصادقة في صلاحها ونجاتها، والواجب أن يتلمس المرء أسلم السبل التي توصل إلى المقصود؛ ولهذا لمَّا أمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بالبلاغ أمره بأن يكون بلاغاً مبيناً، فقال : [فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ] [النحل: ٨٢] . ولهذا كان من شمائل النبي المصطفى ﷺ : أنه رؤوف رحيم، قال الله تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] ... [آل عمران: ١٥٩] . وانظر إلى ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد فتناوله الناس وفي رواية للبخاري: فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم النبي ﷺ : (دعوه، وهَريقوا على بوله سَجْلاً من ماء؛ فإنَّما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين) [٥] ، ونظائر هذا الأدب النبوي الرفيع كثيرة جداً، وها هي ذي عائشة ﵂ تصف خلق النبي ﷺ وصفاً جامعاً فتقول: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحِّشاً، ولا سَخَّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) [٦] .

стр. 3358

مراجعات في السيرة والتاريخ أصول وضوابط في دراسة السيرة النبوية الشريفة عبد اللطيف بن محمد الحسن يكفي دلالة على القناعة بأهمية دراسة السيرة تلك الكتابات المتكاثرة التي تحاول الإفادة من السيرة بأكثر من صورة. ولِمَا لمنهج الكاتب من تأثير في كتاباته فإن من المهم السعي إلى تحديد أطر منهجية ضابطة للدراسة والكتابة. وهذه محاولة لرسم بعض المعالم والضوابط أرجو بها النفع، وأن تتبعها دراسات أكثر نضجاً من ذوي الاهتمام والاختصاص [١] . أولاً: فهم حقيقة الإسلام ومنهجه المتكامل: يكتسب هذا القيد مكانته من جهة عجز من يفتقده عن قراءة أحداث السيرة قراءة موضوعية تمكنه من سلامة فهم الأحداث، وتقصِّي أسبابها، ومعرفة دوافعها، وتفسيرها بما يتفق مع روح الإسلام. فمن المهم (أن يُعنى بالجانب التشريعي الذي يحتكم إليه المجتمع، وتوضح الضوابط الخلقية والقانونية التي تحكم حركة الأفراد والمجتمعات، ولا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والعسكري، والجانب الخلقي والتشريعي، خاصة في القرون الأولى من تاريخ الإسلام؛ حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بالعقيدة تشابكاً وثيقاً بحيث يصعب فهم حركة التاريخ في تلك المرحلة دون فهم روح الإسلام ومبادئه) [٢] . إزاء هذا الضابط نرى أنفسنا أمام خطرين اثنين: أولهما: افتقاد بعض الباحثين والدارسين إلى المرجعية الشرعية. وثانيهما: قراءة السيرة بأنظمة معرفية أخرى: رأسمالية، واشتراكية، وعلمانية، وقومية من الخارج، ومحاولة تقطيعها والانتقاء من أحداثها، وفصلها عن نسقها المعرفي وسياقها ومناسباتها [٣] . ونظير هذا: قراءة السيرة بخلفية بدعية صوفية أو رافضية.. ونحوها؛ فالرافضة مثلاً: يحللون أحداث السيرة تحليلاً يتسق مع انحرافاتهم العقدية! ثانياً: ترك المنطق التسويغي: ينبغي أن تنطلق دراسة السيرة من اليقين بعزة الإسلام وأحقيته في الحكم والسيادة، وأن الله لا يقبل ديناً سواه، وأنه لا يفهم إلا من خلال دراسة السيرة. ولذا وجب البعد عن الروح الانهزامية في تحرير السيرة وتحليلها، وخاصة في الجهاد. ومن المواضيع التي ينهزم أمامها التسويغيون ولا يجدون لها مسوِّغاً على حد زعمهم مسألة قتل يهود بني قريظة لما قبلوا حكم سعد بن معاذ فيهم وكان حليفهم في الجاهلية فحكم فيهم بحكم الله: أن يقتل رجالهم، وتسبى نساؤهم وذراريهم! هنا يصعب الموقف على من في قلبه انهزامية، فيسعى للتشكيك في ثبوت القصة. وهي ثابتة بلا شك [٤] . ثالثاً: اعتبار القرآن الكريم مصدراً أولاً في تلقي السيرة وفهمها: لدراسة السيرة من خلال كتاب الله ميزات عدة، منها: - أن مدارسته عبادة عظيمة. - اشتمال القرآن على إشارات تفصيلية لا توجد في مصدر آخر، كما في أحداث زواج زينب ﵂. - دقة وصفه للأحداث والشخوص، حتى يصور نبضات القلب، وتقاسيم الوجه، وخلجات الفؤاد، وهذه خصيصة تنقل القارئ إلى جو الحدث ليعيش فيه. - تركيزه على خصائص سيرة النبي ﷺ مثل: كونه بشراً، وأن رسالته عامة، وأنه خاتم النبيين. ومنها: ربطه بين قصة الحدث وسيره وبين العقيدة والإيمان والقضاء والقدر. - بيانه حكمة الحدث ونتائجه وحكمة الله في تقديره، وهو الدرس التربوي المطلوب [٥] . وبدراسة السيرة من القرآن يتحول الحدث من قصة في زمان ومكان معينين إلى درس كبير متكامل يتعدى ظروفهما.. يُتلى إلى قيام الساعة [٦] . إن من يعيش السيرة من خلال القرآن وصحيح السنة لا تعود السيرة في حسه مجرد أحداث ووقائع، وإنما تصير شيئاً تتنامى معه مشاعره الإيمانية تجاه الجماعة المؤمنة، ووعيه الإيماني بالسنن الربانية [٧] . ومع أهمية هذا النوع من الدراسة فإنه لم يلق بعدُ اهتماماً يتناسب معه [٨] . رابعاً: تمحيص الصحيح من الأخبار فيما يتعلق بالعقيدة والشريعة: الناس في اشتراط تمييز الصحيح من الضعيف في روايات السيرة على قولين مشهورين: الأول: مَنْ لم يشترط التمحيص وأجاز إيراد كل مرويات السيرة، واحتج بأن كَتَبَة السيرة لم يعتمدوه ولم يحرصوا عليه. واستدلوا بما اشتهر عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: (ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير) [٩] . ويمكن نقاش دليلهم واستدلالهم من أوجه [١٠] : أ- أن ثبوت هذه المقولة عن الإمام أحمد موضع نظر [١١] ، ومن ذا الذي يقول: إنه لا يثبت شيء في مغازي المسلمين؟ فأين ما في الصحاح والسنن، وأين ما ذكره الإمام أحمد نفسه في مسنده؟ ب - وفي حال ثبوت الرواية فإنه لم يقل: لم يصح فيها شيء، ولكن قال: ليس لها أصول. وقوله: ثلاثة كُتُبٍ يدل على أن مراده: (كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القُصَّاص فيها) [١٢] . ج - أنه حتى لو نفى الصحة عنها فإن نفيها لا ينفي الحُسْن، ولا يستلزم الضعف أو الوضع. د - يحمل قوله على الحال الغالب؛ فإن هذه الفنون غالب رواياتها ليس لها أسانيد متصلة [١٣] . أما القول الثاني: فيمثله د. أكرم العمري؛ حيث يقول: (المطلوب اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها، ثم الحسنة، ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام ... وعند التعارض يقدم الأقوى دائماً.. أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغ الذي لا تسده الروايات الصحيحة والحسنة على ألا تتعلق بجانب عقدي أو شرعي؛ لأن القاعدة: (التشدد فيما يتعلق بالعقيدة أو الشريعة) [١٤] . ولا يخفى أن عصر السيرة النبوية والخلافة الراشدة مليء بالسوابق الفقهية، والخلفاء الراشدون كانوا يجتهدون في تسيير دفة الحياة وفق تعاليم الإسلام؛ فهم موضع اقتداء ومتابعة فيما استنبطوا من أحكام ونظم لأقضية استجدت بعد توسع الدولة الإسلامية على إثر الفتوح. أما الروايات التاريخية المتعلقة بالعمران: كتخطيط المدن، وزيادة الأبنية، وشق الترع.. أو المتعلقة بوصف ميادين القتال وأخبار المجاهدين الدالة على شجاعتهم وتضحيتهم فلا بأس من التساهل فيها) [١٥] . وهذا هو المنهج المعتبر عند الأئمة المحققين، يشهد به صنيع الذهبي في (تاريخ الإسلام) ، وابن سيد الناس في (عيون الأثر) ، [١٦] وابن حجر في (الفتح) [١٧] ، وكذلك ابن القيم وابن كثير. أما ما يؤخذ من الروايات التاريخية فهو ما اتفق عليه الإخباريون [١٨] . أما اشتراط الصحة في كل خبر تاريخي والذي مشى عليه بعض المؤلفين في السيرة فاختزلوا كثيراً من أحداثها فإن ذلك يترتب عليه تضييع ثروة علمية كبرى، وإهدار الاستفادة منها في مجالات تربوية وإدارية.. ونحوها؛ حيث تضعف الثقة في كل ما استنبط منها [١٩] . يبقى: كيف تدوّن السيرة على ضوء المنهج السابق: هل تذكر كل الأحاديث بنصوصها، أم يجمع بين الروايات في سياق واحد؟ الظاهر: هو الطريق الثاني؛ تحاشياً لتشوش القارئ، وتشتت ذهنه بانقطاع الأحداث، وتكرر بعضها، وعدم وضوح صورة متسلسلة متكاملة للسيرة، ثم إنه صنيع الزهري في روايته لحادثة الإفك التي رواها مسلم عنه [٢٠] . خامساً: معرفة حدود العقل في قبول النصوص وردها: يرى العديد من الدارسين وخاصة من المستشرقين أن علماء المسلمين أهملوا نقد المتون، وأن ذلك لغياب عقليتهم النقدية. وهذا مردود، وهذه بعض أمثلة لمحاكمات تاريخية مستندة إلى نقد المتن: ١- رفض ابن حزم العدد المذكور عن عدد جند المسلمين في أُحُد؛ بناء على محاكمة المتن وفق أقيسة عقلية بحتة. ٢- قدّم موسى بن عقبة غزوة بني المصطلق إلى السنة الرابعة خلافاً للأكثرين الذين جعلوها في السنة السادسة؛ لاشتراك سعد بن معاذ فيها، وهو متوفى عقب بني قريظة وهي في السنة الرابعة. وتابعه على تقديم تاريخها ابن القيم والذهبي. ٣- أخّر البخاري غزوة ذات الرقاع إلى ما بعد خيبر؛ نظراً لاشتراك أبي موسى الأشعري وأبي هريرة فيها، وقد قدما بعد خيبر، وتابعه على تأخيرها ابن القيم وابن كثير وابن حجر، خلافاً لرأي ابن إسحاق والواقدي في تقديمها. ٤- الخلاف حول تشريع صلاة الخوف معظمه مبني على محاكمة المتن. والأمثلة كثيرة؛ ولكن من المهم أن يقال: إن حفظ الروايات قد استنفد طاقة الأوائل، وأتى بعدهم من لخّص وذيّل عليها وانتقى منها، وهذا عمل نقدي. وفي مؤلفات متأخرة تَبْرُزُ محاكمات دقيقة للمتون، كما في: البداية والنهاية، وفتح الباري، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية. قال ابن تيمية ﵀: (الأحاديث التي ينقلها كثير من الجهال لا ضابط لها، لكن منها ما يعرف كذبه بالعقل، ومنها ما يعرف كذبه بالعادة، ومنها ما يعرف كذبه بأنه خلاف ما علم بالنقل الصحيح، ومنها ما يعرف كذبه بطرق أخرى) [٢١] . كما يحسب في عداد تقويم العقلية النقدية لدى المسلمين خدمتهم لنصوص أحاديث الأحكام خدمة بالغة، وجهودهم في كتب أصول الفقه التي تنبئ عن عقلية فذة. وإذا علمنا أن للمؤرخين القدامى كتباً في فنون أخرى لم يجز لنا أن نتهمهم بإهمال المتون، كما يجب مراعاة عنصر الزمن، فلا تقوّم جهودهم بمقاييس أنجزها التقدم العلمي اليوم؛ لئلا يُغمطوا حقهم. على أن علم مصطلح الحديث قد اشتمل على مباحث تشكل الجانب النظري لنقد المتون، ولكن القصور حصل في تطبيق ذلك على الرواية التاريخية، فلم تحظ بما حظيت به الأحاديث النبوية من العناية [٢٢] . لقد انزلق المطالبون بنقد المتون؛ حيث أجروا أحكام العقل في المتون الثابتة، وجعلوا ذلك أساساً للرد والقبول، وذلك أمر تتفاوت فيه العقول، وإنما يجيء الإشكال من جهة قصور العقل عن إدراك الخطاب للتوفيق بينه وبين النصوص الأخرى. وربما يُثبت من لم يلتزم منهج المحدثين حديثاً واهياً لصحة معناه، وقد يردُّ رواية الشيخين لظنه تعارضها مع مبادئ الإسلام وقواعده، وهذا تحكيم ضعيف للعقل [٢٣] . ومما وقعوا فيه خلال دراسة السيرة نفي المعجزات الثابتة بالنقل الصحيح، وهو في حقيقته انصياع للفكر المادي والفلسفات الوضعية، مع أن المسلم لا بد له من الاعتزاز الذي يحقق له الاستقلال التام في النظر والبحث العلمي [٢٤] . سادساً: فهم العربية ومعرفة أساليبها: (امتاز التأليف في العصور الأولى بقوة الأسلوب وفحولة المعاني وجزالة الألفاظ وإشراق الديباجة والتزام أساليب العرب ومذاهبهم في البيان) [٢٥] فدعت الحاجة لدارس السيرة إلى حسن فهم العربية وأساليبها؛ ليحسن التعامل مع روايات السيرة؛ إذ المطلوب في فهمها والاستنباط منها أن يتم وفق قواعد العربية وأساليبها دون تعسف أو تمحُّل في التفسير [٢٦] . سابعاً: الالتزام بالمصطلحات الشرعية: قسم الله ﵎ الناس ثلاثة أقسام: مؤمناً، وكافراً، ومنافقاً كما في صدر سورة البقرة وجعلهم حزبين: أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، فالواجب الالتزام بهذه التسميات، وعدم العدول عنها إلى مثل: يميني، يساري [٢٧] ، ليبرالي ... إلا عند الحاجة للتعريف باتجاهات بعض الأفراد الذين يترتب على معرفة ذلك منهم مصلحة، مع الحرص على التحديد ما أمكن. وفائدة التحديد في تقليل التمييع والتضليل الذي يسعى إليه المفسدون وأشياعهم؛ حيث يحرصون على التعمية وتجاهل الأسماء الشرعية التي يترتب عليها أحكام، وتستلزم ولاءاً أو براءً. ثامناً: صدق العاطفة: من أسس الكتابة في السيرة ودراستها توفر المحبة الصادقة لصاحبها صلى الله عليه وسلم والعاطفة الحية التي تُشعر بمدى الارتباط الحقيقي قلباً وقالباً، والتفاعل الحقيقي مع أحداث سيرته [٢٨] . ولقد عبر الشيخ محمد الغزالي عن عاطفته الجياشة فقال في مقدمة فقه السيرة [٢٩] : (إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه، ولست كما قلت مؤرخاً محايداً مبتوت الصلة بمن يكتب عنه) . ودراسة السيرة تعبُّداً لله وتقرباً إليه تنمي ذلك الحب، وتسقي تلك العاطفة. تاسعاً: الوفاء بحقوق المصطفى ﷺ دون غلو ولا جفاء: ينأى عن سنة النبي ﷺ ومنهج سلف الأمة في دراسة السيرة فريقان [٣٠] : ١ - قوم قصَّروا في حق النبي ﷺ وما يجب له من الإجلال والتوقير والتعظيم، فدرسوا سيرته كما يدرسون سائر الشخصيات الأخرى، فنظروا لجوانب العظمة البشرية والقيادة والعبقرية والبطولة والملك والإصلاح الاجتماعي، مغفلين الجانب الأعلى في حياته، وهو تشرفه بوحي الله وختم النبوة والرسالة. ولهؤلاء يحسن سياق خبر أبي سفيان يوم فتح مكة؛ حيث قال للعباس لما رأى كتائب الصحابة ﵃: والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم لعظيماً، فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذاً [٣١] . ٢ - وآخرون بالغوا في التعظيم وغلوا في منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يَرُقْ لهم وصفه بالبشرية، بل ربما خطر لبعضهم أنه ضرب من الجفاء! مع أن كونه ﷺ بشراً عبداً لله من مسلَّمات العقيدة، وخلافه ضرب من الضلال؛ فقد قال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) [٣٢] . فالحق وسط بين الطرفين؛ ولدراسة السيرة انطلاقاً من ذلك أثر كبير في العقيدة والعبادة والسلوك والدعوة والتأسي والاقتداء. عاشراً: تحديد هدف الكتابة والشريحة المخاطبة بها: على كاتب السيرة معرفة الشريحة المراد مخاطبتها، وفهم الأسلوب المناسب الذي تؤدى به. وعليه كذلك أن يعيِّن غرضه من الكتابة، وماذا يريد من: معالجة جديدة، أو طرح للأحداث بأسلوب جديد، أو تعليل لقضايا منغلقة، أو تركيز على أحداث أغفلها الكُتَّاب [٣٣] . فمثلاً المرحلة المكية مرحلة تربوية خصبة كتبت فيها كثير من الكتابات، ولا تزال بحاجة إلى بسط في بعض جوانبها وزواياها، ومن ذلك: ١- موقف الجاهلية من الدعوة والمؤمنين بها؛ فأعداء الدعوة ليسوا قريشاً وحدهم، بل كل الجاهلية.. ثقيف وهوازن وغيرهما. وإنما برزت قريش؛ لأنهم عشيرته ﷺ الأقربون، ولكن تخصيصهم بالحديث يوحي بمحلية الدعوة، وهو خطأ جسيم. ٢- موقف المؤمنين من الاضطهاد، بالمقارنة بين حالهم قبل الإسلام وبعده، وكيف صنعهم الإسلام حتى هان على المؤمنين من العقوبات ما كان أخفه هو غاية التهديد في الجاهلية كالطرد من القبيلة مثلاً. ٣ - الدور التربوي العظيم لدار الأرقم مدرسة المؤمنين السابقين الأولين، والمؤسف أن الأخبار عنها قليلة، مع أنها تميزت بإعطاء منهج تربوي متكامل [٣٤] . ولعل من الكتب المفيدة في دراسة المرحلة المكية: في ظلال القرآن، لسيد قطب ﵀ [٣٥] . حادي عشر: العناية بتحليل الأحداث والتعليق والموازنة: بذل العلماء المتقدمون جهوداً مضنية في حفظ العلم وروايته أشغلتهم في بعض الأحيان عن العناية بتحليل الأخبار ودراستها والنظر في أسباب الأحداث وملابساتها. ... وفي عصور الضعف لم يأخذ جانب التحليل والدراسة حقه؛ (بسبب النظرة التجزيئية للقضايا، والسطحية في التعامل مع الروايات، وعدم وضوح التصور الإسلامي لحركة التاريخ ودور الفرد والجماعة، والعلاقة الجدلية بين القدر والحرية وقانون السببية في الربط بين المقدمات والنتائج. فضلاً عن أن الكتب التاريخية القديمة لا تمدنا بمنحى واضح في التحليل والتصور الكلي؛ بسبب اعتمادها على سرد الروايات فقط؛ إذ قلَّما يشير المؤرخ الإسلامي القديم إلى السنن والنواميس والقوانين الاجتماعية التي تحكم حركة التاريخ، رغم أن القرآن الكريم لفت نظر المسلمين إلى ذلك كله بوضوح، بل إن أحداً من مؤرخي الإسلام لم يحاول إعادة صياغة النظرة القرآنية للتاريخ وتقديم الوقائع والتطبيقات والشواهد القرآنية عليها بشكل نظريات كلية حتى وقت متأخر عندما كتب ابن خلدون مقدمته) [٣٦] . ولغياب النظرة التحليلية في دراسة السيرة فقد غلب عليها الطابع التسجيلي السردي الذي يحاول إثبات الوقائع ووصف تطور الأحداث وتقرير النتائج دون الالتفات إلى المقدمات ومحاولة اكتشاف المنهج الذي يُسَيِّرها. ومع أن الدراسات شملت وصفاً دقيقاً لكل أحوال النبي ﷺ وأفعاله وكل ما يتصل به.. إلا أن الحديث عن المعجزات والمؤيدات الغيبية كان على حساب سنن عالم الشهادة التي يتحرك في إطارها ويصنع الأحداث ويحقق النتائج [٣٧] . (الحق أن المحدَثين في باب التحليل والتعليق والموازنة بين المواقف قد أرْبوا على المتقدمين، وأكسبوا السيرة جدة ورواءاً، وقد تفاوتوا في ذلك على حسب تفاوتهم في المراتب، وسعة العلم والأفق، والاطلاع على سير الآخرين) [٣٨] . ولكن غالب هذه الدراسات قد ركز على جانب إثبات النبوة، وإبراز الخصائص. وهو أمر له مسوِّغه الظرفي في الصراع مع المخالفين. واهتم جزء آخر باستخراج الأحكام والتوجيهات والفوائد، واهتم آخرون بالتفسير الحركي لتسويغ بعض مواقف الحركة الإسلامية المعاصرة. ثاني عشر: الاهتمام بتحرير المنهج النبوي في سائر المجالات: بقيت العناية بالمنهج قليلة، مع أنه بإمكان النظرة الشمولية لهذه الجهود العلمية الضخمة الآنفة الذكر أن تستخلص البنية الهيكلية العامة للمنهج النبوي في نواحيه المختلفة [٣٩] . نعم.. إن استخلاص المنهج مطلب ضروري، بيد أنه ليس بالأمر اليسير، خلافاً لما قد يتوهمه بعضهم حين ظنوا أن (المنهج النبوي) على طرف الثمام، وأن نظرة عجلى على السيرة العطرة، أو جزء من السنة المطهرة، أو انتقاء مقاطع من هنا أو هناك كافية للإحاطة بهذا المنهج الفذ، وبناء حتميات تاريخية على تلك الأفهام العجلة. وتصوُّر بعضٍ أن بالإمكان إعادة إنتاج العهدين المكي والمدني، أو تمثيلهما في أي واقع يُعَدُّ مجازفة كبيرة ... إن المنهج حين يطلق في إطار معرفي إنما يراد به قانون ناظم ضابط يقنن الفكر ويضبط المعرفة التي إن لم يضبطها المنهج فقد تتحول إلى مجرد خطرات انتقائية مهما كانت أهميتها لا يمكن تحويلها إلى ضوابط فكرية وقوانين معرفية تنتج الأفكار وتولد المعارف وتضبط حركاتها وتميز بينها؛ فبالمنهج يمكن أن نحَدد طبيعة المعرفة وقيمتها وحقل عملها واتجاهها وكيفية البناء عليها والتوليد منها ... إن أي فكر تتضارب مقولاته وتتناقض لا يعتبر فكراً منهجياً حتى لو تمكن أصحابه من تقديم مختلف التأويلات التوفيقية: كالتأويل، والمقاربة، والتلفيق، وغيرها. ولذلك فإن إطلاق مصطلح: (منهج النبي ﷺ و (المنهج الإسلامي) على ما يصل الباحثون إليه باجتهاد شخصي أو فردي لا بد أن يُحتاط فيه، كأن يقال: على ما نراه، أو على ما توصلنا إليه ... الخ) [٤٠] . مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى قراءة السيرة ودراستها دراسة استراتيجية في مختلف الحالات الاجتماعية والتربوية والعلمية والإدارية والسياسية والاقتصادية والحركية والأمنية والثقافية.. ففي السيرة بيان لجميع الحالات أو أصولها؛ خلافاً لصنيع بعض كُتَّاب السيرة حين يصورون حياة النبي صلى الله عليه وسلم على أنها صراع وحروب وغزوات وسرايا، ويغفلون عن الجوانب الأخرى [٤١] . لكن المطلوب: دقة تحليل الواقع المعاش من خلال متخصصين، لا متحمسين فقط، ثم دراسة السيرة وتحليلها، ثم تحديد مواقع الاقتداء من مسيرة السيرة، أو اكتشاف المرحلة من السيرة التي تمثل حالة الاقتداء وكيفيته من خلال ظروف الحال نفسه [٤٢] . ثالث عشر: تحديد هدف الدراسة وهو الاقتداء والتأسي: من العبث اعتبار سيرة النبي ﷺ ، لمجرد التسلية وإبراز عظمة الرجال؛ بل إن سيرته هداية للناس، وترجمة عملية لدين الله وتصور للإسلام يتجسد في حياة صاحب الرسالة، تطبيقاً للمبادئ والقواعد والأحكام النظرية [٤٣] . ولذا قال الزهري: (في علم المغازي علم الآخرة والأولى) [٤٤] . لمَّا وعى الصحابة وسلف الأمة هذا الغرض اكتسبت السيرة في حياتهم مكانة علمية تليق بها وبهم. قال علي بن الحسين: (كنا نتعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نتعلم السورة من القرآن) [٤٥] ؛ لأنه لا غنى لمن يريد الاقتداء به عن معرفة سيرته. والاقتداء أساس الاهتداء [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] [٤٦] . ولكن كيف نتعامل مع السيرة في هذه المرحلة المتغيرة، وكيف يكون الاقتداء؟ ... الواقع يتغير، ووسائلنا في العمل والاقتداء وقراءة القيم لا تتغير، والسيرة اتخذت لكل حالة ما يناسبها، كما قال النبي ﷺ لعمار بن ياسر حين أكرهه المشركون على سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير: (إن عادوا فعد) [٤٧] . آية التأسي نزلت في غزوة الأحزاب لتبين أن تمام الاقتداء إنما يكون في شدة البأس والضيق وفوات الدنيا لمن تعلق بالآخرة، فلا يكون الاقتداء في اليسر دون العسر، ولا في الحاجيات والتحسينيات دون الضروريات من مقاصد الشريعة، وليس المقصود التقليل من شأن الاقتداء في العادات؛ فذلك مهم في صياغة الشخصية المتكاملة. نزلت آية الأحزاب وقد بلغت القلوب الحناجر، وحين استنجد الصحابة بالرسول ﷺ عندما واجهتهم الصخرة الكبيرة حاول تفتيتها بالمعول طبقاً للسنن الجارية مؤملاً النصر [٤٨] . (فقيمة الاقتداء وعطاؤه وعظيم ثوابه عندما يكون في العزائم والقضايا الكبيرة التي قد يمتحن صاحبها في صدق إيمانه وقوة يقينه، فتفوته بعض النتائج في الدنيا، ويخسر المعركة، لكن الاقتداء يحميه ويحول بينه وبين السقوط، ويرتفع به من الوقوف عند النتائج القريبة إلى إبصار العواقب والمآلات.. ذلك أن مظنة الارتكاز في الاقتداء هي رجاء الله واليوم الآخر واستمرار الذكر الذي يجلِّي هذه الحقيقة، ويؤكد حضورها واستمرارها: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] ) [٤٩] . ولكل مخلص أن يتساءل: ما نصيب السيرة النبوية في المناهج التربوية اليوم؟ وما أثر معرفتها في سلوك العاملين في ميادين الدعوة والتربية والتعليم؟ رابع عشر: معرفة مواضع الاقتداء من فعله ﷺ : معرفة أحوال أفعاله ﷺ وأقسامها مبحث أصولي يهم دارس السيرة. وفعله ﷺ لا يخلو إما أن يكون صدر منه بمحض الجِبِلَّة، أو بمحض التشريع، وهذا قد يكون عامّاً للأمة، وقد يكون خاصّاً به صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأفعال الجِبِلّية: كالقيام والقعود والأكل والشرب، فهذا القسم مباح؛ لأن ذلك لم يقصد به التشريع ولم نتعبد به، ولذلك نسب إلى الجِبِلَّة، وهي الخِلْقة. القسم الثاني: الأفعال الخاصة به ﷺ التي ثبت بالدليل اختصاصه بها كالجمع بين تسع نسوة؛ فهذا القسم يحرم فيه التأسي به. القسم الثالث: الأفعال البيانية التي يقصد بها البيان والتشريع، كأفعال الصلاة والحج، فحكم هذا القسم تابع لما بيَّنه؛ فإن كان المبيَّن واجباً كان الفعل المبيِّن له واجباً، وإن كان مندوباً فمندوب) [٥٠] . خامس عشر: معرفة كيفية الاستفادة منها في الواقع: الدراسة المفيدة للسيرة تحصل حين تُدرَس على أنها سنن ربانية يمكن أن تتكرر كلما تكررت ظروفها، ولا تتحقق أبداً حين ننظر للسيرة على أنها مجرد أحداث مفردة قائمة بذاتها حدثت زمن البعثة النبوية ... بل هي آيات وعبر في شؤون الحياة كلها، وإلا ضاع رصيدها وقوتها الدافعة لأجيال المسلمين؛ فهي تربط المسلم بالسنن الربانية، وتربط قلبه بالله تعالى [٥١] . إن كل حركة إصلاح أو تغيير تعجز عن الاستفادة من السيرة في صياغة مناهجها وحل مشكلاتها هي بعيدة عن الاقتداء؛ لأن الواجب تجريد السيرة من قيد الزمان والمكان لتجيب عن أسئلة الواقع ومشكلاته. وهذا النوع من الدراسات قليل جداً؛ إذ جلّ الدراسات لا تعبر عن عصر مؤلفها، ولا تخدم احتياجات واقعه، ولا تطرق مشكلاته. قد تكون المشكلة كامنة أحياناً في غياب المقاصد الحقيقية التي تمثل معاني الخلود عند دارسي السيرة أي قدرتها على التعامل مع جميع الظروف مما جعلها عند كثيرين تاريخاً لا مصدراً للاهتداء والتشريع. وهي لا شك تاريخ، ولكنها تاريخٌ وحاضر ومستقبل: تاريخٌ زماناً ومكاناً، وحاضرٌ عطاءً ومصدراً للتشريع، ومستقبلٌ رؤية ًواستشرافاً. وإذا كان التاريخ مصدراً للدرس والعبرة فالسيرة أوْلى؛ لأنها فترة مسددة بالوحي، وحقبة بيان عملي للدين. لقد سبب غياب هذا المنطلق إغراقاً في الفقه النظري سواء الذي يسير خلف المجتمع، أو البعيد عن واقعه كما سبب تراجعاً في الفقه التطبيقي (فقه التنزيل) فصارت مشكلات المسلمين تنشد الحل المستورد. إن مما يؤكد أهمية الانطلاق من ذلك المنطلق حين التعامل مع السيرة ما يشير إليه ترتيب سور القرآن وآياته والسيرة بيان عملي للقرآن فلم يجئ ترتيبه حسب نزوله زماناً ومكاناً؛ لئلا يبقى المتأسي أسير الزمان والمكان الماضيين، بل ليبقى مسخِّراً للزمن متحكِّماً فيه يستطيع تحديد الموقع المناسب للاقتداء من خلال قيم القرآن الكريم ومسيرة السيرة بحسب الظروف والإمكانات وطبيعة أقدار التدين التي تحدد مكان الاقتداء من السيرة ... هذا وإلا بقيت السيرة في خانة التبرك والفخر تصاغ في شكل موالد وموائد تشيع فيها البدعة، وتضيع فيها السنَّة، وتضيع معها الأوقات [٥٢] . وفي سيرة سلفنا إضاءات للمستنيرين بنورها، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقاتل مانعي الزكاة، ويقول لعمر بن الخطاب لما حاول تأجيل قتالهم: (أجبَّار في الجاهلية، وخوَّار في الإسلام؟ ! إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، أَوَ ينقص وأنا حي؟ !) [٥٣] ، فلم يتقيد بقيد الزمان، وهو ما قبل فرضية الزكاة في ... صدر الدعوة. ولذا فإن من الخطأ أن نريد إعادة مراحل السيرة التي كانت قبل اكتمال شرائع الإسلام، فنكتفي ببعضها ردحاً من الزمن، ونحمل الناس على شيء من الدين مرحلة من الزمن [٥٤] فذلك (تبسيط شديد للأمور من ناحية، وتجاوز ... لتحليل ومعرفة أهم الأبعاد التي غابت عن محاولات التغيير، وأدت إلى تراجعها) [٥٥] . ولكي يتضح جانب التبسيط فإنه يُرّدُّ على من أراد تقييد الإفادة من السيرة بالزمان بتقييدها بالمكان! فهل يطيقه؟ ولا بد أن نلاحظ حال الإفادة من معطيات السيرة أنه لا يمكن أن تُنتِج الوسائلُ والتصرفات التي استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم النتائج نفسها إذا استعملها سواه؛ لاختصاص الرسول ﷺ بالوحي والتسديد من الله [٥٦] . ولذا، فإنه تبقى للسيرة النبوية صفة المعيارية الخالدة في الإطار العملي التطبيقي، وليس ذلك أبداً لممارسات أحد غيره كائناً من كان، فلا يجوز إسقاط السيرة على تصرفات بعض الأفراد أو الجماعات لتسويغ بعض الممارسات وإكسابها المشروعية، سواء قبل التصرف أو بعده، وسواء في ذلك القراءات الحركية أو العسكرية أو الأمنية أو الاقتصادية أو التربوية ما دامت فصّلت حوادثها على تصرفات معينة، والتي لا يمكن أبداً أن تكون معياراً، بل هي في الحقيقة صفحة من التاريخ تفيد الدرس والعبرة [٥٧] . وفي الختام: لعل فيما سبق من الضوابط محاولة لرسم معالم في كتابة السيرة ودراستها؛ والمرجو أن تبعث لدى المهتمين المبادرة بنقدها وتقويمها، والسعي لتحرير منهج علمي متين في دراسة سيرة الهادي ﷺ .

стр. 3359

حوار حوارمع د. سليمان الخطيب أجرى الحوار: وائل عبد الغني نبذة عن الضيف: * العمل: في (قسم الفلسفة الإسلامية) جامعة المنيا، ومعار إلى جامعة الملك خالد بأبها: (فرع جامعة الإمام محمد بن سعود سابقاً) . * حاضَر في عدد من الجامعات العربية: كجامعة الإمام عبد القادر بالجزائر، وجامعة صنعاء باليمن. أهم المؤلفات: - أسس مفهوم الحضارة في الإسلام (رسالة ماجستير) . - فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي (رسالة دكتوراه) . - التغريب والمأزق الحضاري. - الدين والحضارة في فكر الطهطاوي (دراسة نقدية) . - فكرة التاريخ بين السخاوي والكافيجي. - مفهوم التاريخ عند المقريزي. نرحب بضيفنا الكريم، ونستهل هذا الحوار بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه بسؤال: حول أهمية الجانب الحضاري للإسلام في هذا العصر، ولماذا هو حتى الآن مجرد فكرة؟ تفعيل دور الجانب الحضاري للإسلام أصبح لازمة لا بد أن نتوقف عندها كثيراً ونحن في سياق إعادة صياغة أدواتنا ووسائلنا الفكرية؛ ونظراً لأن الحضارة فكر جامع يعبر عن شخصية، وهوية، وكلٌّ لا يتجزأ له خصوصيته؛ فلا بد من أن نستجليها في كافة مناحي فكرنا ووسائلنا ومناشطنا، ولأن الفعل الحضاري الإسلامي فعل تعبدي وليس ترفاً فكرياً، وليس ثقافة يمكن اختزالها أو أخذ بعضها وترك بعض، ولا يخضع للنسبية الفكرية التي تميز الخطاب الغربي؛ ولكنه فعل نابع من شمولية الإسلام، وإنسانيته، وعالميته، وعمقه، وتوازنه؛ لأن الخطاب القرآني لا يغيِّب عنصراً من عناصر النشاط الإنساني، بل هو متميز بأنه يرعى النمو الإنساني على كل المستويات: الروحية، والأخلاقية، والطبيعية، والعلمية. ونظراً للفوضى المنهجية التي تسيطر على مجمل الإطار الدعوي والفكري الإسلامي المعاصر، والتي من أهم جوانبها غياب وحدة الهدف ووحدة المنطلق وهو ما يعني تشرذم الجهود وتبعثرها وعدم تراكم الجهود وبنائيتها وفق شمولية الكتاب والسنة نظراً لكل ذلك تبرز أهمية هذا الجانب. والمشكلة في بعض جزئياتها تكمن في أن بعض من يتصدى لطرح قضية الإسلام لم يدرك شموليته وتوازنه؛ فاختزله في محيط اهتماماته هو، بينما نحَّت الهزيمة النفسية والفكرية بعضاً آخر فرأى الإسلام محصوراً في زوايا التعبد. ولكن المتأمل للقرآن والسنة يجد أنهما حثا على الفعل الحضاري واعتبراه فعلاً تعبدياً عن طريق مصطلحات التسخير والاستخلاف والتمكين، وهذا ليس بمعزل عن الواقع؛ فقد أقام الإسلام حضارة اعترف بها القاصي والداني وقدمت للغرب بواكير نهضته، ونحن بأمس الحاجة اليوم إلى إعادة التوازن لهذا الجانب بين تعاليمَ تحث عليه وتجربة تاريخية تملك مصداقيتها، وبين خواء سياسي وفكري وحضاري. هذا يدفعنا للسؤال عن دور العقول المفكرة في الأمة: كيف توجَّه؟ وكيف تمارس فاعليتها في بناء كيان حضاريٍّ عصريٍّ له خصوصياته؟ لا بد من إعادة النظر في الأدوات والأساليب المستخدمة لتبليغ الخطاب الإسلامي في واقع الأمة المعاصر سواء كان ذلك من خلال المؤسسات التربوية والجامعية أو المراكز البحثية أو الإعلام بصوره المختلفة. الخطاب الدعوي يغلب فيه الجانب الوعظي على الجانب العلمي، وهذا يعكس جانباً من الضعف الإبداعي لعقولنا المفكرة التي تملك بمنهجها الصافي لو أرادت أن تقود حضارة العصر برغم تحديها التقني ومنهجيتها الصارمة وروحها الممنطقة. ولكن هل من نماذج للأدوات والأساليب التي يمكن أن تُفَعِّل الدور الحضاري للأمة؟ أولاً: لا بد من ضبط منهجي للمرجعية الحضارية من حيث الأصول والثوابت التي تمكن العقل المسلم من الاندفاع نحو التأثير والبناء متجاوزاً المفاهيم المتجزئة والجهود المبعثرة. - ثم ترسيخ المفهوم التعبدي للفعل الحضاري بمعنى: أن بناء الحضارة فعلٌ تعبديٌّ وليس مجرد ترف فكري، أو مجرد خيار؛ بحيث يصبح العقل المسلم يتعامل مع الطرح الحضاري على أنه لازمة عقدية تفرض نفسها على الشخصية المسلمة؛ لأن الإسلام جاء من خلال منهجه وضوابطه ليحث المسلم على اقتحام الدائرة الحضارية والتفاعل معها وفق ثوابته بكل ما أوتي من أدوات قد سُخِّرت له ليبدع من خلالها، ولم يجئ ليقود المسلم عبر مواقع السلب والفرار من العالم وهو الدين الخالد المهيمن! - مسألة التراث وتوظيفه توظيفاً عصرياً والالتحام به والاستفادة من الجهود والدراسات الواعية التي ورثناها عن علمائنا أمثال ابن خلدون. - الاهتمام بالثقافة الإسلامية المعاصرة مُمَثَّلةً في جهود كثير من العلماء والمفكرين المسلمين الذين طرحوا قضية الإسلام من خلال البعد الحضاري، أمثال مالك بن نبي الذي أنشأ مدرسة فكرية واعية قدمت الإسلام مشروعاً حضارياً متكاملاً وحللت النفسية الغربية بوصفها نمطاً استعمارياً مواجهاً للخصوصية الإسلامية. - بيان أهمية التنشئة الفكرية والحضارية للأجيال المعاصرة التي تساهم في صياغة العقلية الحضارية للأجيال القادمة. - توجيه الأبحاث والدراسات في الجامعات الإسلامية والعربية إلى التركيز على شمولية الإسلام، والتركيز على فعالية العقيدة الإسلامية ودورها في تحريك المسلم ودفعه إلى مزيد من الإنجاز، والتركيز أيضاً على الأبعاد العلمية في قضية التوظيف الحضاري للعقيدة الإسلامية إذا جاز التعبير. - ثم يأتي دور الإعلام الإسلامي والدوريات الإسلامية في تجاوز فكر الانكسار والهزيمة النفسية، وتقديم الإسلام خياراً حضارياً أوحد للأمة في مقابل المرجعية الغربية التي ينطلق منها الخطاب التغريبي اليوم. وأين دور الصحوة باعتبارها أحد أهم روافد الأصالة والقوة الذاتية للأمة في بحثها الحضاري؟ وهل من دور زائد تلقيه أمانة الريادة التي تتحملها في عنقها؟ دور الصحوة يتمثل في عدة محاور مثل: - التكوين الشرعي الواعي لمهام وضوابط الخطاب الإسلامي، وعدم قصره على منحنى معين؛ كأن يركز بعض الدعاة على المجال التاريخي أو الثقافي الذهني أو غير ذلك، ولكن لا بد من استحضار المنهج المتكامل والنظرة الشمولية المرتبطة بوحدة المنطلق ووحدة الهدف في ظل التحديات التي تواجهها الأمة اليوم، واستجماع القوى المنهجية والأدوات التي تجعل الصحوة على مستوى التحدي الذي يواجه الأمة. - وهناك محور ثان هو: مراجعة الكيان الإسلامي في ذاته، وما فيه من مشكلات ومعوقات تحول دون توحده تحت شعار: (أمة إسلامية واحدة) وإعلان الحرب التي لا هوادة فيها على التفكير القُطْري، والقومي، والنعرات العنصرية والعصبية؛ بحيث ينطلق المسلم من رحابة عالمية الرسالة. - ومحور ثالث: يتعلق بفهم الآخر من حيث التركيز والوعي بأدوات الغرب في الهيمنة ووسائل الاختراق وصور الهيمنة، وتحديد الإسلام ومحاولة القضاء على الكيان الإسلامي المعاصر. هل يمكن تصوُّر الارتقاء الحضاري دون وجود كيان سياسي يحمي هذا الارتقاء؟ يمكننا أن نفرق بين الحضارة الإسلامية في كيانها السياسي، والحضارة في قواعدها الجمالية والشعبية؛ فلو تأملنا تاريخ الحضارة الإسلامية من حيث صور وأشكال التآمر التي اعترضت حضارتنا الإسلامية بدءاً من تحديات المشركين لدعوة الرسول ﷺ ووصولاً إلى العنصرية الغربية والنظام العالمي الجديد لوجدنا أن الكيان الحضاري في شكله السياسي قد تمزق مراراً، ولم يمنع ذلك من تواصل الأمة وارتباطها بشريعتها على مستوى الجماهير، وقد برز هنا دور العلماء الذين قدموا صورة ناصعة للتمسك بالإسلام والذب عن هوية الأمة بالرغم من عسف الحكام في بعض الأزمان، ومع أن الإسلام اليوم ليس له كيان يمكن اعتباره مسؤولاً عن حركة الأمة إلا أن الصحوة تمتد عبر هذا الفراغ، والمد الإسلامي في يقظة مستمرة، وفي كل يوم يحرز موقعاً جديداً بفضل الله أولاً، ثم للحمية الإيمانية التي تسري في الأمة، والأرضية الإسلامية المتمكنة من القواعد الشعبية والجماهيرية التي لا يمكن إغفالها في المشروع الإسلامي المعاصر؛ فتجربة الجزائر مثال لذلك، والتجربة التركية مثال آخر على أن العمل الإسلامي يمكنه أن ينطلق ويمتد حضارياً حتى في غياب الكيان السياسي. العلاقة مع الآخر أصبحت تتمحور حول مفاهيم وشعارات مثل: التعايش، والزمالة، والصراع، والتفاعل، والانكفاء حتى أصبح يمثل تشتتاً للمثقف بالذات فما هي أصح الصور لعلاقتنا مع الآخر، أعني: الغرب؟ نحن أمام صورتين لهذه العلاقة عبر عشرات التجارب: إما تفاعل مع الغير، أو استلاب الغير. وباستقراء تاريخ الحضارة الإسلامية التي انفتحت وامتدت من الأندلس غرباً إلى الصين شرقاً، ومن الشمال الأوروبي إلى الجنوب الإفريقي بصورة لم تشهدها أي حضارة أخرى نجد أن المسلمين احتكوا بتصورات وأفكار ومذاهب وديانات وتقاليد وعادات مثلت ركاماً ضخماً وفق ضوابط التفاعل والاحتواء وليس الاستلاب؛ لأن الإسلام استوعب مجمل الخطاب الإنساني في معرفته.. في تقاليده.. في نظمه.. استوعبها وحللها وتعرف عليها بعمق ووعي، ولفظ ما يتنافى مع عقيدته ومع خصوصيته، واستفاد استفادة أكيدة من تراكم الخبرات الحضارية في تلك المجتمعات. هذه المعادلة التي يمكن صياغتها في الحفاظ على الهوية في إطار عوالم متغيرة وحضارات مختلفة اكتسحها الإسلام بقوة سلطانه، وسيطر عليها. هذه المعادلة تمت في تاريخنا وكان للحضارة الإسلامية تميزها وخصوصيتها، ونحن الآن في أمسِّ الحاجة إلى خطاب فكري واعٍ يُحسِن التعامل مع الآخر من منطلق التفاعل دون أن يعني التخلي عن هويتنا أو شعورنا بالدونية. ولكن كيف يمكن التفاعل مع الغرب وفكره قائم على اكتساح كل ما أمامه من حضارات وكيانات ومصادرتها؟ أنا أعني التفاعل المدروس والمضبوط بضوابطنا وبتاريخنا الذي يحفظ هويتنا ويراهن على ما عند الآخر من تقدم تقني ومعرفي نافع. الأمة الإسلامية أمة ممتدة عبر الزمان والمكان؛ لذلك لا يمكن اعتبار ما يمر بها اليوم سقوطاً حضارياً، كما يطرد ذلك في الدول والشعوب، فماذا يمكن أن نسمي حالتنا الراهنة؟ هذه الحالة عبر عنها بعضٌ بالانحطاط؛ ولعل الأنسب أن نعبر عنها بالانكسار؛ فما زالت هناك من عوامل القوة والبناء في الأمة ما يؤهلها ولو بعد حين للنهوض، والإسلام ما زال يملك حضوراً عالمياً وإنسانياً لا تخفى معالمه، وليس أدل على ذلك من حالة الخوف والقلق التي تنتاب العقلية الأوروبية من المد الإسلامي. هذا رغم تراكم النكبات على الأمة ورغم ما أصاب المسلم من إحباط حضاري، وفتور أشار إليه النبي ﷺ في حديثه الجامع: (توشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) [١] . وأشار في نهاية الحديث إلى ما سيصيب المسلم من عقلية الوهن الذي هو تعبير عن الخَوَر النفسي والهزيمة أمام الآخر، وهذا لا يتأتى إلا عندما يضعف الجهاز المناعي في الجسد الإسلامي. أما تقوية هذا الجهاز فمُعَلَّقة بأخلاقيات التغيير الذاتي وفق مفهوم قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] [الرعد: ١١] فالحالة الإسلامية تشتمل على منهج قائم وثابت وصالح، ولكن القضية هي الإنسان الذي هو محور الفاعلية في حركة الحضارة. ومع ما مرت به الحضارة الإسلامية من منحنيات الانكسار؛ فما أن تهب رياح التغيير الإيمانية من الداخل إلا وتجد الوثبة الحضارية تعود بالأمة إلى أرقى مما كانت عليه، ولهذا أقول: إن حصار المسلم يبدأ من داخله وليس من خارجه. أسلمة المعرفة درجة على سلَّم الارتقاء الحضاري: ما ضرورتها؟ وما إمكانها؟ وكيف تكون؟ في إطار الثوريات المعاصرة للعقل المسلم تفرض هذه القضية نفسها على العمل الفكري والعلمي الإسلامي؛ لأن هناك اتهاماً موجهاً للعقل المسلم أنه عقل تابع وعقل عنعنات وعقل شعائر ولا علاقة له بالتنظيم المعرفي ولا بالقدرة المنهجية على صياغة الأفكار ومواجهة الزخم المعرفي المثار في الواقع المعاصر. ومن هنا يصبح لزاماً على العقل المسلم أن يتسلح بمنهجية إسلامية واعية في رصد الإنتاج العلمي المعرفي الإنساني، ومحاولة تقديم الرؤى الإسلامية حول هذه المعارف من منظور شرعي للاستفادة منها والإضافة الذاتية إليها. وإذا كانت جل العلوم التي تدرس في جامعاتنا مؤسسة على المرجعية الغربية فإن هذا يمثل كارثة أمام نهوضنا من جديد. ونحن لدينا في تراثنا المعرفي الضخم بدائل منهجية يمكن التأسيس عليها بما يتوافق مع خصوصيتنا؛ فعلم الاجتماع على سبيل المثال يمتلك منظومة إسلامية متكاملة في علاقة الفرد بالمجتمع على مستوى الكتاب والسنة وعلى المستوى المعرفي التراثي مذخورة في جهود عشرات الأسماء من علمائنا، منهم: المقدسي، وابن خلدون، والغزالي، والماوردي، وابن حزم. وقِسْ على ذلك في العلوم الأخرى. ننتقل إلى المحور الثاني وهو يدور حول الفكر الغربي والأزمة التي يمر بها، والتي تتزايد أرقامها ودلائلها يوماً بعد يوم، ونبدأ بسؤال: إلى أي حد يشعر الغرب بهذه الأزمة؟ أزمة الغرب واضحة على صعيد العنصر الزماني على المدى البعيد والقريب. هذه الأزمة ولدت مع بواكير الثورة على الكنيسة في مطالع عصر النهضة التي حملت الأزمة في ثناياها، فكانت النهضة خلافاً لكل ما يقال عن عصر التنوير أزمة جديدة؛ لأن المجتمع الحديث هناك تأسس على أخلاقية الصراع التي ترسخت في العقل الأوروبي وترجمها رموز العمل العقلاني والفلسفي والأدبي والعلمي في أعمالهم، وتطور الصراع ليصبح بين عناصر الأمة المختلفة بل ومع تاريخها وخصوصيتها ودينها وعقيدتها وانتمائها، وآل الأمر إلى طرح المذهبية العنصرية التي تمحور فيها الغرب نحو ذاته، وكانت النتيجة طرح النسبية البشرية مقياساً. وقد رصدت معالم هذه الأزمة منذ ثلاثينيات هذا القرن في كتابات الغربيين، وكان أولهم وأبرزهم (أوزول شبنجلر) الذي وضع موسوعته: (Decline of the west) : أو (تدهور الحضارة الغربية) التي تبرز أزمة الإنسان الغربي وتحللها تحليلاً دقيقاً وموضوعياً. ثم جاءت بعده عدة كتابات منها: كتابات (توينبي المؤرخ الإنجليزي) وهو شاهد عيان على تشريح أزمة الغرب، وكذلك (بترم سروكين) الروسي المتأمرك، وكذلك (ألكسيس كارليل) ، و (ألبرت شفيدزر) الذي نحا باللائمة في البعد المادي على الغرب وغياب البعد الإنساني، ونذكر أيضاً الأديب الإنجليزي (كولن ... ويلسون) في كتابه: (اللامنتمي وما بعد اللامنتمي) ، وأعتقد أن هذه الكتابات وغيرها رصدت الظاهرة مبكراً، والغرب اليوم لم يكن في يوم من أيامه أشد شعوراً بالأزمة وخوفاً من المستقبل منه اليوم. وما هي مظاهرالأزمة في الواقع المشاهد؟ مظاهر الأزمة واضحة لكل إنسان مسلم تبدأ من عنصرية الغرب تجاه الشعوب الأخرى، ونقف عند قضية الاستعمار الذي يعتبره مالك بن نبي (أكبر سبة في جبين الإنسانية) ؛ لأنه يستبيح لنفسه حقوق الآخرين وكرامات الشعوب وخصوصياتها، ويحاول أن يحقر الذوات الأخرى؛ هذا النمط لا يمكن أن يقدر أو يحترم. هذا بالإضافة إلى الخواء الأخلاقي، والانحرافات السلوكية، والتحلل القيمي، والنسبية الأخلاقية التي بلغت حداً يدعو كل عاقل إلى التريث في الترويج لثقافة تقوم على الصراع والعنصرية. أما الشعارات التي يرفعها مثل: (إنسانية، إخاء، مساواة) فهي دليل عن أزمة سابقة ولاحقة: سابقة: لأنها دلالة على وحشية الإنسان الغربي فيما قبل الشعارات. ولاحقة: لما نراه من عدم مصداقية في التعامل مع الأقليات المسلمة هناك ومحاربة للمشاريع النهضوية هنا. يضاف إلى ذلك أن الفكر الغربي عاد أدراجه من جديد للتبشير بما بعد العلمانية، فعادت الدلالات الدينية من جديد، بعدما أخفق المشروع العلماني في حل المشاكل الإنسانية بشتى أبعادها هناك. ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة: أن الغرب الذي يسعى في تصدير كل شيء إلينا يسعى جاهداً أيضاً إلى استيراد العقول المبدعة من الخارج؛ فالمدينة التي خرَّجت أمثال: شبنجلر، وماركس، وسلوكين، وشبدزر، وديكارت وسبينوزا، ونيتشه، وأمثال هؤلاء ممن يفتخر بهم الغربيون، كل هذه النماذج أصبحت خواء لا تجد عشر معشارها، ولا تجد تواصلاً للفكر الغربي رغم وجود المؤسسات العلمية المتخصصة؛ وهذا شاهد قوي على أن القدرة الإبداعية كيفما كان مسارها في اضمحلال مستمر. ولك أن تتأمل في أبسط الصور في مجال الفن التشكيلي في مجال الأدب.. في الشعر.. في الرواية.. ستجد خواءاً ضخماً. وما هي انعكاسات هذا الخواء وهذا الإفلاس على المشروع العلماني عندنا؟ انعكاسات ذلك لدى الخطاب العلماني العربي واضحة تماماً في أنك حين تقرأ لرموز التغريب في واقعنا الفكري المعاصر وتقارن دلالات الخطاب الذي يقدمه وأدواته المنهجية تتعجب؛ حيث لا تجد فارقاً كبيراً بين مجمل هذه الأدوات من حيث منطلقاتها وغايتها وبين ما قدمه أسلافهم من أمثال سلامة موسى، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وقاسم أمين، وطه حسين، وهذا أكبر دليل على أن المرجعية الغربية مرجعية جامدة تقف عند حدود الإيمان بالإنسان والنزعة الآلية. وبذلك لم يستطع الخطاب العلماني أن يحل المشكلات؛ بل زادت بطريقة فلكية، فهو لم يستطع أن يلغي التبعية بل رسخ لها، ولم يستطع أن يوحد الأمة بل زادها فرقة. بعض الناس يسوّق للتعددية الغربية ويراها عنصراً راشداً لا بد من الأخذ به! فهل التعددية بصورتها المعروفة إيجابية تقتفى؟ التعددية الغربية دليل مرض؛ لأنه لا يمكن أن يصبح الإنسان حقلاً للتجارب في مجال القيم والأخلاقيات والعقائد. الإنسان في الغرب أصبح عرضة للنسبية الفكرية والأخلاقية، أصبح مقياساً لما يوجد من القيم والأفكار ومقياساً لما لا يوجد من هذه القيم والأفكار! وعند فقدان المرجعية الثابتة تصبح الأمور كلها نسبية والآراء كلها متكافئة، وهذا الأمر لا يناسب منهجيتنا وثوابتنا. سؤال أخير: كيف نواجه الخطاب العلماني؟ إذا ما تتبعنا الإنتاج الفكري للخطاب العلماني في العالم العربي نجده تفريخاً يومياً لعناصر جديدة وفاعلة: هناك دور للنشر، ومؤسسات علمية، ومؤسسات ثقافية تسعى لضرب كل ما يرتبط بالخصوصية الإسلامية! إذن لا بد من إيجاد مؤسسات إسلامية واعية بهذه القضية، ولا بد من رصد رموز العمل التغريبي والعلماني في العالم الإسلامي، ولا بد من تنظيم معرفي دقيق لاختراق نصوص هذه الأعمال والرد عليها من منظور موضوعي يفضح عمالة هؤلاء ويبرز خواء المنهج والمرجعية التي يعتمدون عليها وأنها منهجية خائنة للأمة ولتراثها وهويتها، ومنهجية تتسم بالفقر الشديد واللؤم المعنوي في العمالة لكيانات لن تمكنها في يوم من الأيام أن تكون ندّاً لها أو مساوية في القوة أو في الحضارة.

стр. 3360

المسلمون والعالم الشيشان.. آلام، وآمال د. سامي محمد صالح الدلال إن ما يربطنا بالشيشان هو رابطة العقيدة التي لن تنفصل أو تهون بل هي باقية إلى قيام الساعة، بماذا يقابل الله المسلمون الذين أيدوا الروس في حرب الشيشان سواء بالقول أو الفعل أو السكوت؟ إن أحداث الشيشان واحدة من نوازل القدر يختبر الله بها عباده جميعاً، فلينظر كل امرئ ما يتعلق به من هذا الاختبار: مساءلته نفسه، وعرض خوالجها على ضوء الكشف القرآني والسنن النبوي. والقصد من كل ذلك أن يتوصل إلى أفضل الأجوبة التي تضمن له اجتياز الاختبار بأحسن تقدير وأرفع درجة. ... وعلى اعتبار أهمية بلوغ ذلك فإن المسلم جدير به أن يجتهد في استحضار ما له علاقة بهذه القضية من أسئلة، من مثل: ١ - هل أنا مَعْنيٌّ بأحداث الشيشان؟ ٢ - ما هي الرابطة التي تربطني بمسلمي الشيشان؟ ٣ - هل يجب عليَّ شرعاً أن أقف معهم وأدعمهم؟ ٤ - كيف أستطيع القيام بواجبي إزاءهم؟ ٥ - ما هدف الروس من تأكيد احتلالهم للشيشان، وما هي دوافعهم؟ ٦ - ماذا تريد روسيا بعد الشيشان؟ ٧ - لماذا يقف العالم متفرجاً على ما يحدث في الشيشان؟ ٨ - هل سينتصر الشيشانيون؟ وهل لي دور في ذلك؟ ٩ - هل أنا مؤهل لاجتياز محطة المساءلة عن الشيشان في الآخرة؟ فلو أردنا تحري الصواب في الإجابة عن تلك الأسئلة فلعلنا نضعها بين يدي القارئ على الوجه الآتي: هل أنا مَعْنيٌّ بأحداث الشيشان؟ نعم بالتأكيد! إنني معْنيٌّ بأحداث الشيشان من زوايا عديدة لا تتعلق برابطة العقيدة الإسلامية فحسب، بل لأن تلك الأحداث تأتي في سياقات دولية مفصلية لها الأثر البالغ على الوجود الإسلامي برمته؛ إذ إن إتاحة الفرصة للروس للانفراد بمسلمي الشيشان دون أن تحرك الدول الإسلامية ساكناً يعطي الضوء الأخضر لدول الكفر من يهود ونصارى أن تكشر عن أنيابها لتفترس الكيانات الإسلامية المبعثرة هنا وهناك على خارطة العالم؛ إذ إن هذه الأحداث تثبت لتلك الدول الكافرة بأنها لن تجد معارضة حقيقية وجادة ومؤثرة إزاء أي فعل تقوم به ضد الكيانات الإسلامية الضعيفة أو المستضعفة، خاصة أن مسألة الشيشان لم تكن مسألة منفردة بمعزل عما قبلها، بل جاءت في إطار مسلسل البوسنة وكوسوفا وتيمور الشرقية؛ وهذا يعزز النظرية التي ذكرتها. وأنا مَعْني بالشيشان باعتبارها دولة مسلمة من دول القوقاز وقع عليها الاحتلال الروسي عبر طوفان من المآسي والمحن التي ولَّدها النظام الشيوعي أيام ستالين وما كان قبله وما جاء بعده. إن التوجه الاستقلالي للشيشان كان لا بد أن يفتح الباب على مصراعيه نحو استقلال دول القوقاز لترى النور بعد الظلام الحالك الذي خيم على ربوعها منذ عشرات السنين. فلو أن تلك الدول كتب لها أن تنضم فيما بعد في دولة قوقازية إسلامية واحدة لأفضى ذلك إلى أن يشكل فتحاً وعضداً كبيراً للقوى الإسلامية في القارة الآسيوية، كما أنه سيشكل رافداً قوياً للحركات الإسلامية في الجمهوريات الإسلامية التي استقلت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ حيث ستكون تلك الحكومات مدعومة من قِبَلِ أفغانستان وربما باكستان، ثم من دولة القوقاز الإسلامية مما سيؤول في النهاية إلى تمكُّن تلك الحركات الإسلامية من السيطرة على مقاليد الحكم في تلك الدول. أضف إلى ذلك فإن للشيشان امتدادات عرقية وقبلية في كل من سوريا والأردن، وهي دول في مواجهة (إسرائيل) ، ولا يخفى ما لذلك من دلالات تتعلق بما سيكون لإقامة دولة إسلامية في القوقاز من أثر على الصراع مع (إسرائيل) . فإن كان اليهود والنصارى معنيين بأحداث الشيشان فلا بد للمسلم من باب أوْلى أن يكون معنياً بها وأشد تفاعلاً معها. ماذا يربطني بمسلمي الشيشان؟ ! لقد جعل الإسلام الأمة الإسلامية كياناً واحداً ولُحمة متصلة، قال تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] ، وجعل لكل مسلم حقاً على أخيه المسلم حيثما وجد، ف (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره) [١] ، وفي الصحيحين: (المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يخذله، ولا يسلمه) [٢] . وفيهما أيضاً قال ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً؛ فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه) [٣] . وأخرج الإمام أحمد من حديث سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: (من أُذِلَّ عنده مؤمن فلم ينصره، وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة) [٤] وهو ضعيف لكن يشهد له حديث أنس رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: (من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة) [٥] وهو في صحيح الجامع الصغير. إن ترابط المسلمين فيما بينهم كترابط أعضاء الجسد الواحد، ما أن يقع ضيم أو تحل نازلة بأحدهم إلا كأنها أصابت جميع المسلمين، فيحنو بعضهم على بعض، ويرحم بعضهم بعضاً، فيهبُّون هبة رجل واحد فزعةً [٦] لبعضهم بعضاً ونصراً لهم. وما لنا ألا يكون هذا حالنا والنبي ﷺ يقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [٧] ؟ وقال ﷺ : (المؤمنون كرجل وا حد: إن اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله) [٨] . وقال النبي ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) [٩] . ومن أجل هذا فقد ترتبت حقوق عظيمة لكل مسلم على إخوانه المسلمين أينما كانوا. وها هم إخواننا في الشيشان قد داهمهم الروس وهم نصارى أرثوذكس من البر والجو، مستخدمين جميع أنواع الأسلحة وأشدها تدميراً وأوسعها إهلاكاً، فأحدثوا فيهم الفتك والقتل والهتك والتشريد. إن ذلك كله يلهب شعور جميع المسلمين بقوة رابطتهم بمسلمي الشيشان ويؤجج في نفوسهم ضرورة نصرتهم. إن الرابطة التي تربط كل مسلم في أنحاء الأرض بمسلمي الشيشان هي رابطة الدين، رابطة العقيدة، إنها رابطة الإسلام، تلك الرابطة لا تنفصم ولا تنقطع ولا تهون، بل هي باقية إن شاء الله أبد الدهر إلى قيام الساعة. نصرة الشيشان واجب شرعي: قال تعالى: [وإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ] [الأنفال: ٧٢] . وقال تعالى: [والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] [التوبة: ٧١] ، وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ والْمُنَافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ] [الأنفال: ٧٣] ، وقال تعالى: [الْمُنَافِقُونَ والْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ] [التوبة: ٦٧] . إن هذه الآيات تبين طبيعة المعركة ومعالم حدودها ومساحة حركتها. إنها تقول: إن الواجب الشرعي هو تناصر المسلمين في كل أنحاء الأرض، وأن يتولى بعضهم بعضاً؛ كما أن الكافرين والمنافقين يتولى بعضهم بعضاً. فعلى كل مسلم أن يلبي دعوة إخوانه في الشيشان بنصرتهم، كلٌّ بما يستطيع؛ فمن استطاع الوصول إليهم ليقاتل معهم فليفعل، ومن استطاع نصرهم بالكلمة قولاً أو كتابة عبر الكاسيت أو الفيديو أو الرائي أو الصحيفة، أو أي واسطة أخرى فليفعل، ومن استطاع تمويلهم بماله الخاص أو بجمعه وإرساله إليهم فليفعل، ومن استطاع الدفاع عنهم بنشر قضيتهم بين الأمم فليفعل. ولا أقل من أن يشترك جميع المسلمين في كل الأرض في دعاء الله لينصرهم على أعدائهم الروس، ويصبِّرهم ويثبتهم ويرفع المحنة والشدة عنهم، وأن يتقبل شهداءهم ويشفي جرحاهم ومرضاهم، وأن يجعل الدائرة لهم ويخرجهم من هذه المعركة الضروس مرتفعة بالإسلام رؤوسهم، نابضة بالذكر لله والثناء عليه قلوبهم، حامدة له وشاكرة ألسنتهم، ساجدة لجلاله جباههم. وقد وقفت على فتوى عظيمة للعالم الشيخ الجليل عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين أصدرها بتاريخ ١٦/٧/١٤٢٠هـ ذكر فيها أهمية مناصرة مسلمي الشيشان، وقال حفظه الله: يجب على المسلمين: أولاً: الدعاء لإخوانهم في تلك البلاد بالنصر والتمكين والتأييد ورد كيد الكائدين. ثانياً: إمدادهم بالأسلحة والقوة الحسية التي يكافحون بها ويقاتلون من قاتلهم. ثالثاً: تقويتهم بالأموال، فهم بأمسِّ الحاجة إلى القوت والغذاء والكسوة، وكل ما يتقوُّون به ... إلخ الفتوى. هل أستطيع القيام بواجبي نحو الشيشان؟ نعم! أستطيع القيام بواجبي إزاء المسلمين في الشيشان؛ وذلك في إطار مفهوم قوله تعالى: [أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ] [البقرة: ٢٨٦] ، وفي إطار قوله تعالى: [وإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] [الأنفال: ٧٢] . وسأذكر هنا ما يمكن أن يقدمه المسلمون لمسلمي الشيشان؛ وكلٌّ يغرف من ذلك بقدر مِغرفته: ١- الدعاء لهم في صلاة الفريضة. والقنوت مشروع في الفرائض عند حدوث النوازل. وكذلك الدعاء لهم في صلاة قيام الليل وصلوات السنن والنوافل وخاصة في الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء. ٢ - تعريف المسلمين بقضيتهم من خلال خطب الجمعة والمنتديات ومجالس البيوت، وعن طريق تداول أخبارهم في محيط الأسرة، وجعل ذلك مادة اهتمام الأمهات والأبناء الأقارب. ٣ - استغلال الوسائل الإعلامية المتاحة لتعريف العالم بما يقع على مسلمي الشيشان من ظلم وقهر واضطهاد وتقتيل وتشريد وتهجير وبطش من قِبَلِ الجحافل الروسية الهمجية. ومن أهم تلك الوسائل الإعلامية: الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون (سواء عبر القنوات العادية أو المحطات الفضائية) والإنترنت. ومن خلال أشرطة الكاسيت والفيديو. ٤- طباعة كتيبات صغيرة تشرح مأساة إخواننا مسلمي الشيشان وتسلط الأضواء على أبعادها الدينية والإنسانية والسياسية. ثم توزع هذه الكتيبات مجاناً في أوسع نطاق بكافة اللغات العالمية المشهورة. ٥- الدعوة إلى التبرع لصالح مسلمي الشيشان بقصد تغطية احتياجاتهم الجهادية والمدنية. ٦- إن الجهاد بالنفس في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام؛ فمن استطاع الجهاد بنفسه في أراضي الشيشان فليفعل، ومن لم يستطع فليجهز من يستطيع ولا يجد ما يعينه على ذلك؛ فإنه (مَنْ جَهَّزَ غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في سبيل الله في أهله بخير فقد غزا) [١٠] ، وفي رواية عنه أخرجها ابن ماجه بسند صحيح: (من جهَّز غازياً في سبيل الله كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الغازي شيئاً) [١١] . ٧- إمدادهم بالسلاح بكافة أنواعه المتاحة، وهذا الأمر وإن كان متعذراً على الأفراد القيام به، فإن الحكومات في البلاد الإسلامية قادرة عليه لو أرادت. ٨ - الضغط على الحكومة الروسية بكافة الوسائل لحملها على إيقاف حربها الهمجية إزاء الشيشان وعلى الانسحاب من الأراضي الشيشانية والاعتراف بالشيشان دولة مستقلة وتعويضها عما ألحقته بها من خسائر فادحة في الأنفس والأموال والممتلكات. ومن وسائل الضغط على الحكومة الروسية ما يلي: ١- إرسال رسائل الشجب والاستنكار لأفعالها الشنيعة في الشيشان، ويتم ذلك شعبياً من خلال إيصال تلك الرسائل إلى جميع السفارات الروسية في جميع أنحاء العالم. على ما يقوم به الروس من ممارسات وحشية في الأراضي الشيشانية. ٢- الضغط على كافة دول العالم ومختلف المحافل الدولية لتقوم بواجبها في الوقوف مع الشعب الشيشاني الذي يتعرض للإبادة الشاملة، ذلك بالضغط على الحكومة الروسية بكافة السبل، والتأكيد على أن فارق القوة المادية بين الطرفين يجعل أداة القمع والبطش من طرف واحد دون أن يكون للطرف الثاني إمكانية المقاومة الفاعلة. ٣ - لا بد لدول العالم أن تقف موقفاً مع العدالة التي تقتضي الضغط على الحكومة الروسية لمنح الشيشان استقلالها، هذا إن كان للعدالة معنى لدى تلك الدول! ٤ - إن من أمضى ما يمكن أن يحمل الروس على إعادة تقييم حملتهم الظالمة على الشيشان هو استخدام أسلوب الضغط الاقتصادي وذلك بوقف المساعدات الاقتصادية الدولية عنهم، وتجميد أرصدتهم في الخارج أو حجزها لإيفاء ما عليها من ديون مستحقة، وبإيقاف استيراد الأسلحة منهم. وأما الضغط السياسي فبالتهديد بتعليق العلاقات الدبلوماسية معها أو بتخفيض درجتها أو بتقليل عدد العاملين في السفارات الروسية. إنني أعلم تماماً أن هذه الدعوة قد لا تجد أي أذن صاغية، وذلك لخضوع العلاقات الدولية عموماً إلى معادلة (الغاية تسوِّغ الواسطة) ، وأن المصالح الدولية مقدمة على المصالح الإنسانية والمفاهيم القيمية؛ إلا أنه لا بد من تسجيل هذه الدعوة لإقامة الحجة على جميع الذين خذلوا مسلمي الشيشان وناصروا عدوهم الذي يفتك بهم. ما هي أهداف احتلال الروس للشيشان ودوافعه؟ إن دوافع احتلال الروس لأراضي الشيشان متعددة الاتجاهات، ونجملها فيما يلي: ١ - لقد تعرض الروس إلى هزيمة قاسية على يد مسلمي الشيشان عام ١٩٩٦م عندما قام الروس باجتياح أراضي الشيشان في ذلك العام واحتلوا العاصمة غروزني ثم لم يُبقوا فيها حجراً على حجر. ولكن الله تعالى نصر مسلمي الشيشان عليهم رغم فارق القوة الهائل عدداً وعدة. لقد مرَّغ المقاتلون الشيشان أنوف العسكريين وسياسيي الكرملين في أوحال الذلة والصغار، وألحقوا بهم هزيمة تاريخية وقف لها جميع العالم مدهوشاً. وإن من أهم أهداف هذه الحملة الروسية الحالية على الشيشان هو رد اعتبار الكرملين على المستوى السياسي والعسكري، والثأر من الهزيمة السابقة. ٢ - إن الحملة الروسية الحالية تشكل غطاءاً للتنافس السياسي بين مختلف الفرقاء والفصائل والأحزاب الروسية للانتخابات القادمة للبرلمان ولرئاسة الدولة. إن إصرار رئيس الوزراء الحالي بوتين ورئيس الدولة بالنيابة على متابعة حملة الإبادة في الشيشان ما هو إلا ورقة قوية يمسك بها في يده لأجل انتخابه خلفاً ليلتسين. وكل فريق له حساباته؛ فالسياسيون لهم حساباتهم والعسكريون لهم حساباتهم، والجميع يعتقد أن تحقيق حساباته بشكل إيجابي يمر عبر أراضي الشيشان تدميراً وتقتيلاً وتهجيراً. ٣ - إن روسيا تريد إبقاء خضوع مناطق القوقاز لها وتحت سيادتها كيما تتمكن من مواصلة سرقة خيراتها الوفيرة. سواء منها البترولية أو الزراعية الكثيرة والمنوعة التي تشتهر بها حقول (غروزني) العاصمة [١٢] . إن إصرار روسيا على خوض هذه الحرب الشيشانية يعكس مدى التدهور الاقتصادي الذي حل بها والذي تريد تعويض بعضه من ثروات تلك البلاد الغنية. ٤ - إن الحكومة الروسية تريد من خلال حربها الشرسة في الشيشان إيصال رسالة لكافة المناطق التي غالبيتها من المسلمين والتي تخضع للاستعمار الروسي مفادها: أن الحكومة الروسية جادة في استخدام الحديد والنار لإبقاء تلك المناطق الإسلامية تحت سطوتها واستعمارها. ٥ - إن روسيا من منظار صليبي أرثوذكسي بحت تعتقد أن المنظور البعيد إذا كان يحمل في طياته قيام دولة إسلامية تجمع شتات المسلمين في تلك المناطق الآسيوية، فإنه من الواجب إيقاف ذلك الاحتمال ابتداءاً من بواكيره وعدم الانتظار إلى مستقبل الأيام؛ فلربما لا يمكن عندها فعل شيء ذي قيمة يوقف إمكانية ذلك التوحيد؛ حيث إن روسيا ترى أن قيام مثل تلك الدولة يشكل خطراً بالغاً عليها. إن ذلك ربما كان صحيحاً إلا أن روسيا تريد أن تستعمل هذه الورقة وتسويقها داخلياً وخارجياً على أمل إقناع العالم بمسوغات الفظائع التي تقوم بها الآن. ٦ - إن للأعمال الحربية التي تقوم بها القوات الروسية حالياً في الشيشان أهدافاً أخرى تتعلق بتجديد حيوية ذلك الجيش وتجريب أسلحته الجديدة السرية للتأكد من كفاءتها؛ إضافة إلى اعتبار تلك الحرب نوعاً من التدريبات الحية والقاسية التي يختبر القادة الروس من خلالها قدراتهم العسكرية والفنية وكفاءة خططهم الحربية. ٧ - لقد استطاع الغرب أن يحيِّد روسيا في حرب كوسوفا ولم تتمكن الحكومة الروسية من نجدة حليفتها يوغسلافيا مما أفقد حلفاء روسيا الثقة بقدرتها على الوقوف معهم حال الأزمات. إن الموقف الروسي الضعيف في حرب كوسوفا ترك انطباعاً دولياً يوحي بالعجز الروسي عن التحرك في حال حدوث أزمات دولية. وتعتبر الحكومة الروسية أنه قد حان الوقت لتبديد هذه التصورات التي خلَّفتها حرب كوسوفا وذلك من خلال إثبات قدراتها على التحرك العسكري على نطاق واسع. وكان غزوها الثاني للشيشان تعبيراً عن هذه الفكرة إضافة إلى أنها قد ضمنت عدم تدخل حلف الأطلسي في هذه الحرب، مثلما لم تتدخل روسيا عسكرياً في حرب البلقان، ولكن علينا أن نلاحظ الفرق بين الحالتين. تلك هي بعض أهم أهداف الغزو الروسي للشيشان، إلا أن المراقب المحايد يستطيع القول بثقة: إن روسيا لن تُفلح في تحقيق أي من تلك الأهداف؛ حيث إن معطيات الواقع تؤكد ذلك. لماذا يقف العالم متفرجاً على أحداث الشيشان؟ لقد بات من نافلة القول أن جميع دول العالم تقيس كافة الأمور من منظور مصالحها الخاصة، سواء كانت مصالح عقدية أو اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك، أما القضايا الإنسانية فهي لا تعدو أن تتخذ أحياناً واجهات يُتترس بها للوصول إلى تلك المصالح. ومن هذا المنطلق نفهم لماذا تكيل الدول والتحالفات مواقفها بمكاييل متعددة قد يغلب عليها التناقض. وهاك هذه الأمثلة: كوسوفا إقليم مسلم تحتله يوغسلافيا، وعندما تشكل فيه جيش تحرير كوسوفا وبدأت فيه بوادر نزعة الاستقلال عن يوغسلافيا تدخل الغرب (أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون) لإجهاض هذه النزعة من خلال السيناريو الذي تم في ذلك الإقليم، والذي انتهى ببقاء إقليم كوسوفا تابعاً ليوغسلافيا ضمن إطار الحكم الذاتي لكن تحت مظلة استعمار دولي متعدد الجنسيات، بما فيها روسيا، ثم تم حلُّ جيش تحرير كوسوفا، وهكذا بات من الصعب أو من المستحيل أن يفكر مسلمو ذلك الإقليم في الاستقلال في ظل المعطيات القائمة. تيمور الشرقية جزء لا يتجزأ من إندونيسيا، ومعظم سكانه من النصارى الذين طالبوا بالاستقلال، فتدخلت الأمم المتحدة وأجرت استفتاءاً في الإقليم، فصوَّتت الغالبية على الاستقلال. اجتمع مجلس الأمن وأعطى إنذاراً للقوات الإندونيسية بالانسحاب من الإقليم خلال ٤٨ ساعة، وهكذا حصل. وجاءت القوات الدولية وتسلمت الإقليم وبقيت فيه لحمايته من أي احتمال للتدخل العسكري الإندونيسي في المستقبل. ولتفويت هذا الاحتمال صوَّت البرلمان الإندونيسي على استقلال تيمور الشرقية، لكن القوات الدولية ستبقى مرابطة فيه. فما مسوِّغ بقائها؟ ! والسؤال هو: لماذا لم يَدْعُ مجلس الأمن للاستفتاء على استقلال كوسوفا؟ ولو تم ذلك وكانت النتيجة بالإيجاب فهل يفرض مجلس الأمن بالقوة ذلك الاستقلال؛ خاصة وقد أصبح ذلك الإقليم تحت احتلال القوات الدولية بعد انسحاب القوات اليوغسلافية تماماً منه؟ السبب واضح؛ فانسحاب القوات الإندونيسية من تيمور الشرقية يؤدي إلى قيام دولة نصرانية في ذلك الموقع المهم من العالم وهو مطلب الغرب ومبتغاه، وأما انسحاب القوات اليوغسلافية من كوسوفا دون أن تحتله القوات الدولية فسوف يؤدي إلى قيام دولة مسلمة في قلب أوروبا وهذا مرفوض عندهم تماماً. إذاً المصالح العقدية هي التي دعت الأمم المتحدة الخاضعة لليهود والنصارى إلى مواقفها المتناقضة. الشيشان جمهورية إسلامية فرضت استقلالها عن روسيا بعد أن هزمت الجيش الروسي عام ١٩٩٦م، ورغم ذلك رفض العالم الاعتراف بها، ولم يتعامل معها؛ لأنها من وجهة نظره تابعة لروسيا. الآن تدخلت روسيا عسكرياً في هذه الجمهورية المسلمة؛ فلماذا لا يتدخل مجلس الأمن كما تدخل في موضوع تيمور الشرقية ويطلب إجراء استفتاء على الاستقلال، ثم يفرض ما تتضمنه نتيجة الاستفتاء بالقوة من خلال قوات دولية؟ ! نعم! كان من الممكن أن يتم هذا فيما لو كان سكان جمهورية الشيشان نصارى أو يهود. وقد فعلها الغرب عندما دعم استقلال أستونيا ولاتفيا وليتوانيا عن الاتحاد السوفييتي؛ حيث إن سكانها نصارى. وقد أشرت بالتفصيل لهذا الموضوع في كتابي: (انهيار الشيوعية) . قد يقال: إن الغرب لا يستطيع التعامل مع روسيا وهي ثاني أعظم دولة نووية في العالم كما يتعامل مع إندونيسيا أو يوغسلافيا؛ حيث إن موازين القوى لها أثر في المواقف الدولية والعالمية! أقول: نعم! ولكن بإمكان أمريكا وحلفائها أن يتخذوا إجراءات مؤثرة تؤدي إلى وقف الحملة الروسية على الشيشان، ولكن الواقع أن تلك الدول تؤيد في الباطن تلك الحملة؛ إذ هي أيضاً تتخوف من استقلال الشيشان تحت المظلة الإسلامية مع ما يعنيه ذلك من أثر هذا الاستقلال على باقي الجمهوريات الإسلامية الأخرى الخاضعة للحكم الروسي، وقد فصلت ذلك سابقاً. فلو كانت الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا جادة في وقف الحملة الروسية المدمرة على أرض الشيشان وشعبها المسلم لكان بإمكانها أن تقوم بالإجراءات التالية: ١ - وقف دعم صندوق النقد الدولي لروسيا والبالغ ٤. ٥ مليار دولار. ٢ - تطبيق عقوبات اقتصادية بحق روسيا. ٢ - تبني قرار في مجلس الأمن يدعو إلى وقف التدخل الروسي في الشيشان وسحب قواتها منها. ٤ - تقليص التبادل الدبلوماسي مع روسيا وتخفيضه. ٥ - شن حملة دولية لفضح الممارسات الروسية البشعة في الشيشان. ٦ - إيقاف تبادل الزيارات الثقافية والفنية والرياضية مع روسيا. وهناك إجراءات أخرى قد تكون أكثر صرامة، ولكنها يمكن أن تؤدي إلى توتر الموقف الدولي أو خروجه عن السيطرة. إننا إلى الآن لم نرَ أي إجراء فعال قام به الغرب ضد روسيا بشأن تدخلها السافر في الشيشان سوى بعض الاحتجاجات غير المؤثرة والتي تطلق عادة للاستهلاك المحلي أو الدولي. لكننا إن نكن نعجب فإننا نعجب من مواقف بعض الدول الإسلامية التي أيدت التدخل الروسي في الشيشان إما بالقول والدعم الإعلامي، وإما بالسكوت عما يحصل في تلك البلاد الإسلامية الشيشانية المغلوبة على أمرها. لقد كان بالإمكان تقديم الدعم لدولة الشيشان المستقلة منذ عام ١٩٩٦م بالاعتراف باستقلالها، ولكن للأسف لم يتم شيء من ذلك، فكأن شأن الشيشان مع الدول الإسلامية كشأن الطائر الذي يغرد في غير سربه! ! وقبل أن أغادر هذه المحطة فإنني أتساءل: أين منظومة الأطباء بلا حدود التي حصلت على جائزة نوبل؟ وأين الهلال الأحمر والصليب الأحمر وجمعيات حقوق الإنسان؟ أقول: أين هؤلاء وأمثالهم مما يحدث في الشيشان؟ لماذا يقف الجميع متفرجاً، بل بعضهم قد يكون مصفقاً؟ ! إن هذه المواقف السلبية تجاه مسلمي الشيشان تبين حقيقة الدوافع والمنطلقات التي تنطلق منها تلك المنظمات، فهي إما نصرانية غربية، فموقفها معروف، وإما منظمات إسلامية لكنها تدور في الفلك السياسي للأنظمة الساكتة. ونقول لهؤلاء: إن لم تحرككم الدوافع الدينية الإسلامية فلا أقل من أن تحرككم الدوافع الإنسانية، أم ترانا كما قال القائل: لقد أسمعتَ لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي! هل سينتصر الشيشانيون؟ ! إن قضية انتصار الشيشان تخضع إلى عوامل عدة، يمكن إجمالها في ثلاثة هي: ١ - العامل الذاتي. ٢ - العامل الروسي. ٣ - العامل الدولي. فأما العامل الذاتي: فأساسه العقدي يعتمد على قدر الباعث الإسلامي في هذه المواجهة. ولا شك أن الشيشانيين يعلمون أن المحور الحقيقي لهذه الحرب هو المحور العقدي. فإذا أخلص الشيشانيون جهادهم لله تعالى وجعلوا قتالهم في سبيله ولإعلاء كلمته وإعزاز دينه وتنفيذ شريعته فإن الله تعالى ناصرهم لا محالة؛ فهو سبحانه القائل: [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] [محمد: ٧] . والقائل: [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] [الروم: ٤٧] . وكي يتحقق النصر لا بد من إخلاص نية الجهاد لله تعالى والأخذ بالأسباب المادية المقدور عليها والاعتصام بالصبر مع الثبات عند اللقاء. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] . [آل عمران: ٢٠٠] . ولذلك نوصي بشدة أن تأتلف كلمة المقاتلين جميعاً من المنضوين تحت سلطة الدولة الشيشانية أو الآخرين الذين مع شامل باسييف وخطَّاب، ولا بد أن تكون قيادتهم موحدة وجهودهم متحدة. ومن أهم ما نحث عليه بشدة هو أن تتوجه قلوب الشيشانيين إلى الله تعالى وحده، فيبتهلون إليه ويكثرون من الدعاء مع الإلحاح على ربهم أن يتولى أمرهم وأن يظهرهم على عدوهم اقتداءاً بهدي النبي ﷺ في دعائه لربه جل وعلا يوم بدر. وأما العامل الروسي فيتشكل من عدة عناصر: الصراع السياسي داخل الكرملين والبرلمان (الدوما) : إن هذا الصراع لا يزال يزداد تأججاً يوماً بعد يوم؛ حيث إن يلتسين قد فقد كثيراً من قدرته القيادية قبل تقديمه استقالته، وزمام الأمور ليس متركزاً في شخصية بعينها، رغم أن فلاديمير بوتين رئيس الوزراء الحالي ورئيس الدولة بالنيابة هو الشخصية الطافية على السطح، إلا أن تحت الأكمة كثيراً من الخلافات والاضطرابات. ولذلك فإن عدم وجود القيادة السياسية الحاسمة سينعكس سلباً على توجيه دفة الحرب الشيشانية مما يعزز قدرات المجاهدين الشيشان على الصمود والتحوُّل إلى الهجوم. الصراع داخل المؤسسة العسكرية: إن هذا الصراع محتدم بين مختلف القيادات المشاركة في الحرب الشيشانية؛ حيث إن المخططين العسكريين للعملية الشيشانية واقعون في ارتباك شديد بسبب عدم قدرة القوات في الجبهات الأمامية على تنفيذ المهام الموكولة إليهم، مما أحدث أزمة ثقة بين القيادات المخططة والقيادات المنفذة. وستُظهر الأيام القادمة هذه الخلافات على السطح، وسيتبلور ذلك من خلال ما سنراه من إحالة عدد كبير من كبار الجنرالات إلى التقاعد، أو ربما إحالتهم إلى المحاكمة بسبب التقاعس أو الإهمال أو الهروب من ساحات المعارك. ولا شك أن الخلافات داخل المؤسسة العسكرية الروسية يصب في النهاية في صالح المجاهدين الشيشان. الصراع بين المؤسستين السياسية والعسكرية: إن هذا الصراع بدأ يحتدم منذ الآن؛ حيث إن المؤسسة السياسية قد لاحظت أن الحسم في الشيشان لصالح روسيا ليس مؤكداً، إضافة إلى ظهور بوادر التراجع في القرار السياسي، في حين أن المؤسسة العسكرية تصر على المضي قدماً في حرب الشيشان إلى النهاية. والنهاية عندهم هي إعادة احتلال الشيشان والقضاء على قياداتها السياسية والعسكرية، والإبادة الجماعية لشعبها المسلم. وقد هدد كبار القادة العسكريين بما فيهم وزير الدفاع بالاستقالة إن تدخلت القيادة السياسية لوقف القتال أو الحد من اندفاعه. الجانب النفسي: إن معنويات العسكريين الروس بدأت في التداعي بسبب شراسة المواجهة التي يلاقونها من المجاهدين الشيشان، مما عرقل تماماً الخطط الموضوعة لاحتلال تلك البلاد، خاصة أن الشتاء على الأبواب وأن بعض تشكيلات الجيش الروسي من المتطوعين المرتزقة غير القادرين على الصمود والقتال لفترة طويلة. لقد اعتقدت القيادة الروسية بمؤسستيها السياسية والعسكرية أن حسم موضوع الشيشان سيتم سريعاً جداً ولن يستغرق إلا بضعة أسابيع في أبعد التقديرات، ولكن جاءت الوقائع على خلاف ذلك، وهذا الذي حدا بالقيادة العسكرية إلى تكثيف قصفها بالطائرات وراجمات الصواريخ وقذائف المدفعية واستخدام أشد الأسلحة فتكاً، مع توجيه كل ذلك إلى البنية التحتية الشيشانية وإلى جميع المدنيين العزل من السلاح بغية ممارسة أشد أنواع الضغط على المجاهدين الشيشان كيما يلقوا سلاحهم حفاظاً على استبقاء أهلهم وممتلكاتهم. إلا أن جميع هذه التقديرات الروسية ذهبت أدراج الرياح، وأطاح بها صمود المجاهدين الشيشان وبسالتهم في القتال. الجانب الاقتصادي: إن روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وهي تعاني من أزمات اقتصادية شديدة، مما أدى إلى إيقاف العمل في عدد من المشاريع الإنمائية وتأخر الحكومة عن دفع الرواتب سواءاً للموظفين المدنيين أو المجندين العسكريين. إن الحرب الشيشانية لن تستطيع الحكومة الروسية الاستمرار في تمويل تكاليفها، وستضطر إلى إيقاف الرواتب وكثير من مشاريعها الاقتصادية؛ فهي بين فكي كماشة، فإما أن توقف هجومها على الشيشان، وإما أن تنزلق اقتصادياً إلى قعر الهاوية، مما سيعزز دور المافيا وأعوانها، أو تعوِّم نفسها من خلال حصولها على تمويلات سرية من الدول التي تهاجمها في العلن، وأقصد بها الدول الغربية وأمريكا، أو تمويلات أخرى من (إسرائيل) . الجانب الاجتماعي: إن الجانب الاجتماعي سيتأثر بمجموعة عوامل من أهمها عاملان: الأول: الأزمة الاقتصادية التي ذكرتها وهذه ستؤدي إلى حرب أهلية أو اجتياح جماهيري لمؤسسات الدولة ودخول روسيا في فوضى عارمة لا يضبطها ضابط. الثاني: أن أسراب التوابيت للقتلى الروس في الجبهات القتالية ستنساح إلى جميع المدن الروسية بدون استثناء، وسيكون همّ الجموع الجماهيرية في صبيحة كل يوم هو استقبال توابييت جديدة والتي تحوي داخلها أشلاءاً ممزقة ستمزق نفوسهم ثم تمزق دولتهم إن شاء الله تعالى. إن هذه الحال ستؤدي إلى فقدان الآباء والأبناء والإخوة، مما سيفكك الأسر الروسية ويبعثر اجتماعها ويرمي كل يوم إلى قارعة الطريق بأعداد غفيرة من الأطفال الذين لا عائل لهم يكونون فيما بعد قنبلة اجتماعية موقوتة ستأتي لدى انفجارها والذي سيكون قريباً جداً إن شاء الله على الأخضر واليابس. فخلاصة القول أن العامل الروسي يدفع روسيا إلى خسارة هذه الحرب ويقوي من عوامل انتصار المجاهدين الشيشان. وهذا ما ستثبته الأيام بإذن الله، وإن كان الثمن صعباً جداً. وأما العامل الدولي: فإنه لا يصب الآن من الناحية الظاهرية في صالح روسيا؛ حيث إن أنباء المذابح التي يقترفها الروس ضد الشيشان جماعياً قد ملأت الآفاق وهذا قد دفع دول العالم أجمعين نحو زاوية حرجة، ومع تتالي الأيام والأسابيع أصبح من المؤكد أن يقول العالم شيئاً مَّا بشأن تلك المذابح الهمجية. واشرأبت أعناق دول العالم الثالث نحو أمريكا وأوروبا تنتظر منهم موقفاً كي يقوموا هم بدورهم بصياغة مواقفهم على أساس ذلك الموقف الغربي. ومن المفارقة أن يجتمع مجلس الأمن بأعضائه جميعاً ويطالب الطالْبان بتسليم رجل واحد هو (أسامة بن لادن) ولا يجتمع ليطالب روسيا برفع يدها عن قتل شعب بأكمله. إننا لا نتوقع موقفاً حاسماً في إطار العامل الدولي، ولكن الدفة في هذا العامل من حيث العموم تميل شيئاً ما لصالح الشيشان لا من حيث الحصول على الاستقلال، ولكن من حيث إيقاف المجازر البشعة التي تقترفها الجيوش الروسية الجرارة، أو ربما مجرد الحد من تلك المجازر فقط لا غير. الشيشان ومساءلة الآخرة: (المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم) [١٣] . إن الدفاع عن حرمات المسلمين والوقوف معهم في المحن واجب شرعي. ولا يجوز للمسلم أن يسلم أخاه المسلم لأعدائه من الكفار والمنافقين. ونحن في موقف المساءلة يوم القيامة سنُسأل: ماذا فعلنا لنصرة إخواننا مسلمي الشيشان عندما أهريقت دماؤهم واستبيحت أعراضهم وأتلفت ممتلكاتهم وشردوا في كل صقع ومزقوا شذر مذر؟ ماذا فعلنا لنصرتهم عندما أرهقهم الخوف وغطتهم الثلوج وأفناهم الجوع؟ ماذا فعلنا لنصرتهم وقد لفتهم الأحزان وتعالت منهم الآهات وتألمت لأجلهم الآلام! ! ماذا فعلنا لنصرتهم وقد خرجوا من ديارهم هائمين على وجوههم لا يلوون على شيء، يتساقطون على الطرقات موتى لا يجدون من يدفنهم؟ ! هل نصرناهم بالأنفس؟ ! هل نصرناهم بالمال؟ ! هل نصرناهم بالدعاء؟ ! هل نصرناهم بالدفاع عنهم في المحافل داخلياً وخارجياً؟ ! هل حاولنا أن نستشعر في نفوسنا ما يشعرون هم به حقيقة وواقعاً؟ ! أين علماء أمة المليار مما يجري في بلاد الشيشان؟ ! صرخة مدوية أصرخ بها في آفاق كل العالم، لعل المسلمين يسمعونها: أن هلموا لنجدة إخوانكم في الشيشان، وامتطوا صهوات التضحية والفداء. إن هذه الأمة لا تحيا إلا بالجهاد، فعندما تركته ماتت أو أوشكت. إن المجد لا يرتقيه الخائرون والمتقاعسون، بل يرتقيه المجاهدون والمضحون. إن المسلم الحق له في قلبه عينان: عين على الدنيا، وعين على الآخرة؛ فكأنما يبصرهما جميعاً في آن واحد، فيجعل دنياه حرث آخرته. فهل نجعل من نصرنا لإخواننا المسلمين في الشيشان وفي كل مكان زاداً لنا عند لقاء ربنا؟ !

стр. 3361

المسلمون والعالم إفريقيا.. استقلال أم استغلال؟ الحسن عمر الفاروق جارا النسبة الأعلى من الشعوب الإفريقية لم تتأثر بموجات الغزو الثقافي الأوربي، ولا تزال تحمل حنيناً للإسلام ٨٠% من دول إفريقيا تظهر في قائمة الدول الفقيرة بالرغم من أنها من أغنى القارات مؤتمر برلين الجائر زرع ألغام الحدود السياسية في إفريقيا منذ قرن، ولا تزال تتفجر لليوم بين حين وآخر كان وجود الاستعمار بأجلى صوره، وأقصى أنواعه الاستغلالية واتجاهه نحو تنصير شعوب القارة الإفريقية دافعاً بشكل كبير لظهور الميول الاستقلالية لدى كثير من شعوبها، ومعها نشأت اتجاهات الكفاح المسلح من أجل تقرير المصير. ثم تطورت تلك الحركات من المراحل السلمية حيث استخدام الإعلام والمحافل الدولية إلى العنف بعد إحكام السيطرة، واستخدام السلاح والقوة؛ فرصد الغرب الاستعماري تلك الحركات، وتدارك الميول الجديدة في إفريقيا التي باتت هي الاتجاه السائد، وبسبب التطورات التي حدثت في العالم، رأى الاستعمار أنه من الأفضل لمصالحه أن يلتقي مع تلك الاتجاهات وهي لا تزال ضعيفة وفي بداياتها غير المتطورة؛ بدلاً من أن يصطدم بها ويساعد بذلك على بلورتها في اتجاهات خطيرة عليه في المستقبل، كخلق حالة من النهوض واليقظة، تتوسع لتشمل إفريقيا كلها [١] . بل أدرك الغرب عن كثب أن حالة كهذه لن يكون المرفوض فيها هو الوجود الاستعماري فحسب؛ بل يقود ذلك إلى رفض أفكاره، وما تتضمنه من نظرة أداء (رسالة الرجل الأبيض) في توعية الرجل الأسود وتحضيره (حسب زعمهم) والتي معناها: النظر إلى المستعمرات على أنها أقاليم منتجة لصالح الرجل الأبيض، وقد أوجدت تلك السياسة الاستعمارية ردود أفعال قسمت السكان في البلدان الإفريقية إلى فئات ثلاث: الفئة الأولى: وتضم جماهير كل الشعب من الذين وقفوا على الحياد بحكم عوامل موضوعية أهمها: عدم القدرة على استيعاب حقيقة ما يجري حولها، وذلك باعتبار أن الغالبية العظمى كانوا ولا يزالون في عداد الأميين. الفئة الثانية: وهي التي قبلت فكرة الدمج وتحمست لها لأسباب مختلفة: إما بفعل العامل الثقافي، أو نتيجة للسياسة التي ابتدعها الاستعمار؛ تطبيقاً للمبدأ ... التقليدي: (فرّق تسد) ، كما نجد المثال على ذلك فيما عرف بنظام المناطق ... الأربعة في السنغال، ويعني منح الجنسية الفرنسية بصورة تلقائية لكل من يولد في المدن الأربعة الآتية: سان لويس روفِسْك غوري داكار. الفئة الثالثة: وتضم الثائرين بدوافع وطنية الذين رأوا في الاستعمار شراً مستطيراً يجب محاربته، فوضعوا تصورهم موضع التنفيذ، ونظموا حركات المقاومة المسلحة. وكانت المحصلة نمو الأفكار التي يسميها الإعلام الغربي بـ (الأفكار المتطرفة) . وهذه الفئة هي التي جابهت الاستعمار منذ البداية، وسعت جادة للحيلولة دون تحقيق التكالب الغربي، وعملت لتوحيد أبنائها، وإيجاد التغيير الجذري لرفض ثقافة الغرب ونظرياته، ثم إخراجه، ولكن تم قمعها بشراسة من المستعمر. وقد مثلت تلك الحالة عملية انفصال عميق بينه وبين إفريقيا امتدت لأجل طويل. يضاف إلى ذلك وصول بعض الأفارقة إلى مستوى ثقافي عال، فتفتحت عيونهم على الأوضاع في بلادهم، وانتبهوا إلى ضرورة أداء واجبهم نحوها، ثم الاحتكاك الثقافي والحضاري بين الأفارقة وغيرهم أثناء الحروب التي فرضت عليهم أن يشاركوا في تحمل ويلاتها دون أن يجنوا ثمار تلك التضحيات، إلا أنها ساعدت على تبلور الوعي السياسي عندهم. وأكثر من ذلك؛ فالمؤتمرات الإفريقية الآسيوية التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية بالذات، والتي أظهرت لشعوب القارتين وحدة الأهداف ووحدة المصير هذه العوامل ساهمت بشكل فعال وأيقظت روح التحرر والمقاومة والسعي إلى تقرير المصير لدى الأفارقة؛ ولم يستطع الاستعمار إزاء ذلك أن يستمر في فرض سيطرته على شعوب القارة ودولها، بل أيقن أن الاستقلال أصبح وشيكاً وأكيداً بعد الحرب العالمية الثانية. ففي عام (١٩٥٧م) أصبحت (غانا) أول دولة مستعمرة في غرب إفريقيا تحصل على استقلالها. ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام (١٩٧٥م) تم استقلال جميع الدول المستعمرة في غرب إفريقيا وتحررت من السيطرة الأجنبية شكلياً؛ وبقيت رهن إرادة سيطرة الأجنبي في مؤسساتها باستثناء عدد قليل نسبياً وسمي عام (١٩٧٥م) عام إفريقيا. المشكلات الإفريقية: يتضح أثر السياسات الاستعمارية فيما عانته ولا زالت تعانيه الدول الإفريقية من مشكلات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية. وقد برزت مشكلات الحدود على قمة المشكلات الإفريقية، وفيما يلي عرض لأهم هذه المشكلات: ١ - مشكلات الحدود السياسية: عندما نالت الدول الإفريقية استقلالها لم يكن أمامها مفر من أن تقبل بحقيقة الحدود السياسية المصطنعة. وترجع هذه المشكلة إلى الأسس غير المنطقية التي خططت على أساسها الحدود بين مناطق النفوذ الأوروبي في القارة؛ وفي الواقع فإن دول غرب إفريقيا من أكثر دول القارة الإفريقية تأثراً بعملية التجزئة التي اتبعتها القوى الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا؛ حيث قامت بتقسيم القارة إلى وحدات استعمارية متعددة تصل إلى إحدى وأربعين وحدة سياسية، وقد بدأت في تقسيم تلك الوحدات نفسها على أسس عرقية وقبلية، وكان ذلك واضحاً تماماً في غرب إفريقيا الفرنسية A. O. F منذ أن أصدرت فرنسا قانون عام (١٩٥٦م) (١) (Lois Cadre) ، الذي نص على اختيار (جمعية وطنية إقليمية منتخبة) ... مما ساعد على إيجاد سلسلة من الدول الضعيفة، بدلاً من توحيد الإقليم في اتحاد فدرالي قوي قد يناوئ السياسة الفرنسية في المنطقة ... ولم يكن من المستبعد عودة القوى الإصلاحية التي تبدو غائبة عن الساحة، وعن مجريات الأمور السياسية إن هي أفسحت المجال لقيام مثل هذه الاتحادات ... لذا ضغطت فرنسا على داهومي (بنين حالياً) ، وبوركينا فاسو للانسحاب من الاتحاد الفيدرالي المشار إليه الذي كان من شأنه أن يكلف فرنسا في المستقبل ثمناً باهظاً، وجاءت الوحدات السياسية مثقلة بالمشاكل التي ستكلل مسيرتها وتتغير بسببها جهود التغيير والإصلاح؛ وتتضح هذه الحقيقة أيضاً إذا نظرنا إلى هذه الوحدات نظرة فاحصة ثم إلى خريطة القارة قبل عام (١٨٨٤ ١٨٨٥م) فقد تم رسم هذه الحدود بشكل يتنافى تماماً مع الوضع الطبيعي لأي تقسيم سياسي. فنجد مثلاً (غامبيا) التي رفضت سياسة الاستيعاب تعتبر جزءاً من جمهورية (السنغال) فهي تقع في وسط السنغال. بجانب ذلك نجد (توجو Togo لاند) ، وحدة اصطناعية، فأهلها يشبهون سكان البلاد المجاورة (غانا بنين) ، وأقسامها الجغرافية هي أقسام جيرانها [٢] فشعب (الأيوي مينا Minai) الساحلي كان قبل التحرر موزعاً بين النفوذ البريطاني (غانا) ، وفي توجو الفرنسية، وفي جزء من داهومي، مع فروق جوهرية في الخلفيات الحضارية، وقد انتهى الأمر بعد عهد التحرر إلى تكوين جمهورية غانا، وجمهورية توجو، وبنين. وإلى جانب هذا تكمن المشكلة القبلية في كثير من الوحدات السياسية، (كالهوسا) في شمال نيجيريا؛ حيث ينتشر أفرادها بين نيجيريا والنيجر والكاميرون. ولقد برزت مشكلات الحدود بصورة واضحة فيما يلي: نزاع دائم بين الكاميرون ونيجيريا على الحدود بسبب الخلاف على تحديد مناطق التنقيب عن البترول. مشكلات الحدود بين مالي، وبوركينا فاسو، (والجزائر، والنيجر، وليبيا) التي أدت إلى الاقتتال بين مالي، وبوركينا فاسو عام ١٩٨٣م. مشكلة الحدود بين موريتانيا، والسنغال؛ حيث نشبت في نيسان (١٩٨٩م) مشكلة حادة بينهما، بدأت بأحداث بسيطة في المنطقة الجمركية على نهر السنغال، وانتهت إلى اشتعال فتيل القتال بين الموريتانيين البيض، وأبناء الجالية السنغالية في البلاد، وبين الزنوج (الموريتانيين السود) أنفسهم. وستظل مشكلات الحدود الإفريقية هذه بشكلها الراهن إلى أجل يصعب التكهن به، وهي من الآثار السياسية التي تعاني منها القارة منذ استقلالها إلى اليوم، وهي ثمرة مؤتمر برلين الجائر (١٨٨٤ - ١٨٨٥م) . ٢ - مشكلات اقتصادية: من المشكلات الحادة التي تواجه دول إفريقيا دون استثناء مشكلة التخلف الاقتصادي منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن؛ إذ كان للاستعمار الغربي وخاصة الفرنسي نفوذ واسع النطاق في مختلف بلدان القارة. فقد خلفت السيطرة الاستعمارية بشكل عام وراءها أوضاعاً اقتصادية متخلفة جعلت الدول الإفريقية تواجه صعوبات جمة في سبيل تنمية مواردها ورفع مستوى معيشة شعوبها بمعدلات سريعة؛ ذلك لأن البنية التحتية للاقتصاديات الوطنية كان قد تم اقتلاع أسسها، بالإضافة إلى نهب الموارد التي كانت ستمثل دعماً مهماً للنظم التي ستقوم مستقبلاً لبناء الاقتصاد الوطني بشكل قوي. وقد أدى النمط الاقتصادي الذي أرسته فرنسا وإنجلترا في المنطقة إلى جعل مستعمراتها مرتبطة بها على وجه الخصوص بروابط اقتصادية وثيقة من الصعب التغلب عليها. فبعد أن تم تقسيم إفريقيا لمناطق نفوذ بين الدول الأوروبية في مؤتمر برلين، خرجت هذه الدول بعد عصر الاستعمار، وهي تعاني من نتائج السيطرة الأجنبية على مواردها الاقتصادية، واستنزافها لصالح الدول المستعمرة، والتي تتمثل في قلة الخبرة الفنية، وعدم توافر رؤوس الأموال الوطنية، وسوء استغلال الثروة القومية، وارتباط الاقتصاد الإفريقي باقتصاديات الدول الاستعمارية، وقصور وسائل النقل والمواصلات. وبالرغم من أن القارة الإفريقية تعد من أغنى قارات العالم، بالنظر لثرواتها الطبيعية وموارد القوى الموجودة فيها، إلا أن ٨٠% من الدول الإفريقية تظهر في ذيل القوائم العالمية الخاصة بثلاثة عشر مؤشراً للرفاهية الاجتماعية. وقد قال الرئيس د. نكروما في كتابه: (الاستعمار الجديد La nouvélle colonisation) (أرضنا غنية، ولكن منتجاتها التي تأتي من فوق تربتها ومن تحتها لا تعمل على إثراء الإفريقيين أنفسهم، بل جماعات وأفراد آخرين يعملون على أن تظل القارة في حالة فقر ... ) [٣] . وإذا دققنا النظر في الأوضاع الاقتصادية لهذه الدول نجد أن مشكلاتها تزداد حدَّة بسبب محدودية الاستفادة من مواردها الطبيعية؛ فنجد أن ميراث الماضي ما زال يؤثر على القاعدة الاقتصادية مما نتج عنه اقتصاد متخلف، ومستوى صناعي وتكنولوجي متأخر. هذا بالإضافة إلى نقص في البنية الأساسية، والخدمات الرئيسة، وصغر حجم السوق المحلية. هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى الاعتماد الكبير على الاستيراد؛ نظراً لمحدودية الإنتاج الصناعي في هذه الدول، وافتقارها إلى المهارة الفنية التي تجعلها تحافظ على مقدرة فنية عالية، والاعتماد على رأس المال الأجنبي، والتكنولوجيا الأجنبية. إن ميراث العهد الاستعماري ميراث ثقيل على كاهل الدول الإفريقية المستقلة بلا جدال، وسيبقى لفترة طويلة عاملاً مؤثراً في توجيه العلاقات الثقافية والاجتماعية بين دول القارة، وتمكين القوى الخارجية من التدخل في قضايا المنطقة الداخلية ... وليس من شك كذلك في أن الدول الإفريقية ستحتاج إلى فترة طويلة للتخلص بشكل نهائي أو جزئي من تلك التركة، لكن هذا العمل يبقى ضرورياً لكي تشهد القارة مستقبلاً ما يرشحها لأن تقوم بوظيفة جوهرية تتحقق فيه آمال وتطلعات شعوبها. وإلى جانب التخلف الاقتصادي مثلاً ترى هناك جانب الاستقلال الوطني الذي له ارتباط وثيق وصلة عميقة بمسيرة هذا التقدم الاقتصادي ... فالباحثون في الشؤون الإفريقية يرون أن العبرة ليست في الواقع بإعلان استقلال هذه البلاد، ورحيل المستعمر؛ بل بتصحيح العلاقات التي تربط المستعمر السابق بالشعوب الإفريقية، هذه العلاقات التي جعلت هذه الشعوب أسواقاً للسلع الأوروبية، وجعلت أوروبا السوق الوحيد لمنتجات هذه الشعوب وثرواتها المعدنية [٤] . ولعل موازين مدفوعات، وإحصائيات التبادل التجاري في الدول الإفريقية توضح إلى أي مدى ارتبطت هذه الدول بالدول الأوروبية. ولأن إفريقيا من أكثر القارات تأثراً بعملية التجزئة التي اتبعها المستعمر؛ حيث قام كما أسلفنا بتقسيم القارة إلى إحدى وأربعين وحدة سياسية، ثم قام بالتعاون مع الفئات التي استلمت زمام الحكم في الدول المستقلة بعملية خطيرة قديماً وحديثاً للحيلولة دون توحيدها لتكوين وحدة سياسية واقتصادية.. هذه العملية نفذها الغرب عن وعي، وتعاونت معه تلك الفئات الإفريقية في الغالب دون وعي، ويحاول الفكر الغربي وأعوانه إعطاء هذا الوضع طابع التحرر والموقف الإنساني؛ وهو في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك؛ فهو صادر عن الموقف الاستعماري ذاته ولخدمة المصالح الأنانية ذاتها ... ولا يعدو هذا التسويغ أن يكون أسلوباً لمواجهة الظروف المستجدة نحو الوحدة ... وإلا فالاستعمار بقي كما هو ولم يتغير مضموناً. وإن كانت الحاجة ملحة إلى إحداث تغيير شامل في الأوضاع القائمة في القارة بدءاً بتحرير كل المنطقة من الهيمنة الخارجية التي اختلفت شكلاً عن الأسلوب الاستعماري المباشر، واتفقت معه موضوعاً، فإن الضرورة تلح كذلك على أن يتم تهيئة المناخ للإنسان الإفريقي، ليصبح قادراً على التخلص من السلبيات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي تعاني منها الدول الإفريقية. وإذا كانت معظم هذه الأمراض الفكرية والنفسية ترجع جذورها إلى الطريقة الاستعمارية التي كانت تسعى إلى خلق مثل هذه العقلية في المنطقة، والتي تتجاوب مع متطلبات بقائها في القارة؛ فإن هذا لا يدعونا إلى إلقاء التبعة على الماضي فقط، ... ولن يعفى أبناء إفريقيا من المسؤولية. وهذا التغيير لا يحدثه التعلم، ولا زيادة الدخل، أو الصحة، بل الأمر متعلق بالسلوك والأخلاق، والشخصية الإنسانية من جميع النواحي في قرار المواطن؛ وليس هذا مستحيلاً في الحياة البشرية؛ فقد أحدث الإسلام ذلك في رعيله الأول، حتى جمع الجباة أيام عمر بن عبد العزيز الزكاة والصدقة في إفريقيا ولم يجدوا من يأخذها. فالأوضاع السلبية المترسبة من آثار الاستعمار في إفريقيا الغربية تنتظر نفوساً تؤمن بالمساواة وتنبذ القبلية والأنانية والطمع، وتأخذ بيد الجميع إلى السعادة والرفاهية، في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ لكن نجاح هذه العملية المبدئية لن يتم إلا عندما توجد القيادة التي تمثل النموذج الذي ينظر إليه العامة، فيعجبون به فيسيرون على خطاه. ٣ - مشكلات اجتماعية وسياسية: إذا اتجهنا نحو القضايا والمشكلات الاجتماعية، وهي غالباً ما تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقضايا والمشكلات الاقتصادية، وجدنا أن الأغلبية الساحقة من الحكام الأفارقة تدرك حق الإدراك أنها عاجزة عن إحداث تغيير جوهري في الظروف التي ما زالت مجتمعاتها فيها بعيدة عن إمكانية الاكتفاء الذاتي، كمشكلة القضاء على الجوع، أو تقديم الخدمات الطبية والتعليمية الشاملة ... إلخ، ناهيك عن جملة قضايا البيئة، مما ينعكس سلباً على الأوضاع الاجتماعية في إفريقيا كلها. والذي تجدر الإشارة إليه هنا أننا نرى أنه بالرغم من الأزمات الاقتصادية الحادة التي تعاني منها الدول الإفريقية؛ فإنها تتمادى في اقتطاع مبالغ هائلة للحصول على الأسلحة في حين تعمل الدول المتقدمة على تقليل نسبة الإنفاق على التسلح وزيادة نسبة الإنفاق على نواحي الرفاهية الأخرى مثل الصحة والتعليم، وليس أدل على ذلك من دولة عظمى مثل: الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بتخفيض نسبة الإنفاق على التسلح ورفعت نسبة الإنفاق على التعليم والصحة؛ ففي خطة الموازنة لعام ١٩٩٥م التي وضعتها إدارة الرئيس الأمريكي كلينتون تم تخفيض موازنة الدفاع بنسبة ٣% عن موازنة عام ١٩٩٤م بينما تم رفع موازنة التعليم بنسبة ٥% وموازنة الأمن الاجتماعي بنسبة ٥% [٥] . وإذا كانت الدول المتقدمة تعمل على تصريف هذه الأسلحة إلى الدول النامية بأي ثمن كان؛ فمعظم أقطار دول غرب إفريقيا تغالي في تخصيص الإنفاق الحكومي على الدفاع على حساب التزاماتها نحو رفع مستوى الخدمات الاجتماعية؛ فاقتطاع جزء من تلك النفقات يمكن أن يوجه لإنتاج الغذاء اللازم للسكان. وقراءة سريعة للائحة المساعدات العسكرية الغربية للدول الإفريقية تجعل الباحث يميل إلى ترجيح الرأي القائل بفساد الحكم والحكام، واختلاسهم لموازنات الدول ووضعها في حساباتهم الخاصة في البنوك الأجنبية، سواء كان ذلك بإيعاز من الخارج أو لقلة إدراكهم وشعورهم بالمصلحة العامة. وإن كان يصعب إثبات ذلك، إلا أن ما يتم نشره من أرقام عن ثروة بعض الحكام بعد خروجهم من الحكم يرجح هذا القول. فالتحيز إلى جانب الإنفاق العسكري لا يمثل هذه المبالغ، ولا يمكن تسويغه بحجة الحفاظ على الأرض؛ فالحفاظ على المجتمع مطلوب أيضاً ومن شأنه التقليل من النفقات العسكرية لأداء خدمات الدولة الأخرى التي تعتبر ضرورية كالصحة والتعليم ... فالخطر الأكبر الذي يهدد العديد من هذه الدول اليوم لم يعد افتقارها إلى الأمن الكافي (طبعاً باستثناء بعض دول المنطقة) ولا مواجهة عدو أو معتدٍ خارجي، ولا حتى القضاء على العناصر التي تزعم أنها تهدد الوحدة الوطنية أو أمن الدولة؛ بل إن أشد ما يهدد هذه الدول في المجال الاجتماعي هو المجاعة التي تنذر بإبادة السكان. وتزداد خطورة الوضع الاجتماعي خصوصاً في منطقة جنوب الصحراء؛ حيث تذكر الإحصاءات الصادرة عن البنك الدولي أن معدل نمو إجمالي ... الناتج القومي للمنطقة في الفترة من: (١٩٨٥ - ١٩٩٠م) ، يتراوح ما بين (١% و١.١ %) ، وهو معدل منخفض للغاية، وعلى المدى الطويل فإن نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي لعام (٢٠٠٠م) ، سيقدر بـ (٢١٨ -٣١١ دولاراً ... سنوياً) ، بالنسبة لمعظم البلدان الإفريقية ذات الدخل المنخفض [٦] ، ويوضح الدكتور عصام الدين جلال انعكاسات هذا الوضع بأن هذه المنطقة تحتل مركزاً متأخراً في مجال التنمية التي هي إحدى ركائز التقدم الاجتماعي؛ يضاف إلى ذلك ثلاثة من المؤشرات الرئيسة للتنمية وهي: نصيب الفرد في إجمالي الناتج القومي معدل القراءة والكتابة ثم متوسط العمر المتوقع. إن إفريقيا وهي تواجه مشكلة الجفاف المتزايد، تقف دولها اليوم عاجزة أمام التزايد السكاني في القارة، وهي غير قادرة على توفير الطعام اللازم لمواطنيها، بل إن التزايد السكاني يحد كل يوم من نصيب الفرد في الموارد الغذائية المتاحة، فيؤدي ذلك إلى مزيد من التعقيد للمشكلات، كما يسهم عدم الاستقرار السياسي إلى حد كبير في ازدياد مشكلات هذه الدول؛ فكثرة التغيير في أنظمة الحكم، وتوالي الانقلابات العسكرية في القارة، لها عواقب وخيمة على الدول الإفريقية، خاصة أن الحكومات الجديدة قلَّما تبذل جهداً كافياً من أجل التوفيق والمصالحة بين الأطراف المتنازعة [٧] ، بل ترفض الحل الوسط وكل ما من شأنه أن يكون لصالح البلد؛ وهذا ما حدث في زائير مثلاً عام ١٩٩١، وتكرر في عام ١٩٩٣م؛ إذ رفض الرئيس موبوتو (MOBOUTO) الانصياع لإرادة الشعب وذلك بدعم من فرنسا وبلجيكا ... وهي المشكلة عينها القائمة في توجو في حكومة الرئيس أباديما نياسبي. وهناك أيضاً مشكلة تدخُّل الحكام في تزوير أو إلغاء الانتخابات، كما جرى في الانتخابات التي جرت في مالي (في مايو/ أيار ١٩٩٢م) وفي توجو ونيجيريا. ويجدر هنا أن نشير إلى ما تواجهه غالبية الدول الإفريقية من مشكلات عرقية وقبلية، وقد برزت هذه المشكلات بشكل خاص في كل من سيراليون ونيجيريا. ٤ - مشكلات تعليمية: الموضوع الذي يطرح نفسه دائماً وبإلحاح في عرضنا للمشكلات الإفريقية بعد الاستقلال هو أن الأوضاع الإفريقية التي تشكلت بعد الانسحاب الاستعماري هي نفسها الأوضاع الموجودة الآن كما أسلفنا.. ويتأكد هذا الواقع أكثر فأكثر في المجالات التعليمية، والثقافية. فبعد أن تم التكالب والسيطرة الأوروبية على هذه الدول كانت المحصلة النهائية هي فرض ثقافة موحدة على هذه الدول، شأنها في ذلك شأن الأوضاع السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وبالرغم من أن أثر هذا الفرض ودرجته قد اختلفت من بلد إلى آخر، ومن نوع حكم استعماري لآخر؛ إلا أن العناصر الأساسية بقيت قائمة ومنسجمة؛ ذلك أن تلك الدول تنهل من الحضارة ذاتها، ومن معين الثقافة نفسها، ولكن الذي يجب ألا ننساه في الوقت ذاته تلك المبالغات في تعميم تأثير تلك الثقافات على دنيا سكان القارة من بعض الكتاب في الشؤون الإفريقية؛ فبالرغم من تطابق التجربة التي خاضتها المجتمعات الإفريقية في كل مكان؛ يبقى تأثير الثقافات الأوروبية وأفكارها عشية الاستقلال مقصوراً على جزء صغير من السكان في أي بلد، وهي المجموعة الصغيرة التي وجدت هويتها مع القيم الثقافية للنظم الاستعمارية والتي تدّعي بأنها (النخبة التي قبلت الإيديولوجية الغربية، واندمجت مع سياسة الاستيعاب) . أما الجماهير الريفية والتي نكاد نجزم أنها مسلمة في أكثر المناطق فقد رفضت الاستيعاب وقاومته، وهي تشكل (٨٠%) من السكان الإفريقيين الذين لم تمسهم تلك المؤثرات الغربية الأوروبية [٨] . فتأثير الثقافات الغربية الوافدة على مستوى القارة الإفريقية غير متوازن؛ فمن البلدان من استجاب نسبياً لهذه الثقافات، ومنها من حاربها وقاومها مقاومة شديدة، وفي شرق إفريقيا وغربها؛ حيث دخل الإسلام ولعب دوراً هاماً؛ إذ استطاع المسلمون أن يغيروا الكثير من المفاهيم القديمة لتحل محلها المفاهيم الإسلامية والقيم الروحية التي من شأنها أن تسمو بالإنسان، وترفع من شأنه ومستواه في عدة مجالات؛ لذلك فإنه عندما وفدت الثقافات الغربية، والتيارات الفكرية الأخرى لم يكن من السهل عليها أن تجد الطريق ممهداً أمامها كي تؤثر على هؤلاء الذين عرفوا المنهج الإسلامي والتربية الإسلامية الصحيحة، فقاوموا كل تيار وافدٍ عليهم، وظل الإسلام ينتشر في ربوع القارة، ولكن ذلك لا يعني أن غيرهم لم يتأثروا بالأفكار الغربية وقيمها وثقافتها فيما بعد بشكل مطلق؛ ذلك لأن المستعمر استعمل شتى الوسائل والطرق والأساليب المتنوعة لفرض قيمه الثقافية والفكرية، ولم يجد المسلمون بُدّاً من التأثُّر بالواقع المفروض، فانخرطوا مع تلك القيم، وقبلوا الثقافة طوعاً أو كرهاً كأمر واقع، ولم يحسنوا التعامل معها فانعكست النتائج عليهم سلباً، وأثرت في سلوك كثير منهم من حيث الوعي، وما عادوا يحملون من الفكر الإسلامي الصحيح إلا قليلاً، وأصبح حالهم كحال غيرهم من مجتمعات دول العالم الإسلامي؛ وهذا الواقع يستلزم اتخاذ خطوات جادة ومدروسة.

стр. 3362

المسلمون والعالم المسلمون في حوض البحر الكاريبي محمد عبد الجبار المسلمون فئات يعمل كثير منها لقوميته أكثر من دينه فهذا سر ضعفهم الأحوال الشخصية بين المسلمين لا سيما الجيل الجديد لا تحترم قيم الإسلام، ومن هنا نشأ الاضطراب الاجتماعي بينهم يمكن تقسيم أقاليم حوض الكاريبي إلى ثلاث فئات رئيسة حسب قوتها العددية، وتطورها التنظيمي، وحال المجتمع المسلم فيها: ... الفئة الأولى تشمل: ترينداد وغويانا، والمسلمون هنا منظَّمون ويمثلون مظهراً للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. الفئة الثانية وتشمل: الأقاليم التي ظهر فيها الإسلام بطريقة طبيعية خلال العقدين الماضيين؛ ويتنامى فيها عدد المسلمين تدريجياً وهي: جمايكا، باربادوس، جرينادا. الفئة الثالثة تشمل: أقاليم فيها تنظيم للمسلمين الجدد، وفيها مؤسسات إسلامية قد تكون موقعاً واحداً في كل من: دومينكا، سينت لوسيا، سنت فنسنت، برمودا، انتيجوا برمودا، جزر العذراء البريطانية، مونتيسرات. ويتناول هذا المقال بالتفصيل الفئتين: الأولى، والثانية. - ترينداد وتوباغو: تتكون جمهورية ترينداد وتوباغو من: ترينداد والجزر الواقعة في أقصى جنوب الكاريبي، والمناخ هنا استوائي، وفصل الجفاف يمتد من يناير إلى مايو، أما اللغة الرسمية فهي الإنجليزية وهي الغالبة، بينما هناك من يتحدثون الفرنسية والأسبانية والهندية والصينية. نبذة حول تاريخها الحديث: استعمر الأسبانيون ترينداد عام ١٥٣٢م؛ ولكنهم تخلوا عنها للإنجليز في عام ١٨٠٢م. وقد جرى ترحيل الأفارقة إلى الجزيرة ليعملوا رقيقاً حتى عام ١٨٣٤م؛ حيث أُلغي نظام الرق، وقد أدى نقص العمالة إلى وصول أعداد كبيرة من الهنود والصينيين المهاجرين عمالاً بعقود لأجل محدد خلال القرن التاسع عشر. في عام ١٨٨٨م انضمت إليها جزيرة توباغو التي كان قد جرى تسليمها للإنجليز عام ١٨١٤م، وأصبحتا وحدة سياسية وإدارية واحدة، وظلت المنطقة مستعمرة بريطانية حتى الاستقلال في ٣١/٨/١٩٦٢م، وكان أول حزب سياسي جرى تأسيسه هو (حركة الشعب الوطنية) PNM وكان ذلك في عام ١٩٥٦م على يد مؤسسه د. إريك ويليامز، وقد نجح الحزب في الفوز بعضوية المجلس التشريعي في سبتمبر ١٩٥٦م، وأصبح د. ويليامز الوزيرَ الأول للمستعمرة في أكتوبر ١٩٥٦. وفي عام ١٩٥٨ أصبح الإقليم عضواً في اتحاد الهند الغربية الذي جرى تأسيسه، وفي العام التالي حصل على الحكم الذاتي الكامل؛ حيث أصبح د. (ويليامز) رئيساً، وفي عام ١٩٦٧م أصبحت ترينداد وتوباغو أول عضو من الكومنولث في منظمة الدول الأمريكية، وقد أدت السياسات الاقتصادية الصارمة لخلفه (جورة شامبرز) إلى عدم الاستقرار في البلاد، ومن بين تلك الاضطرابات إضراب عمال مصفاة البترول في مايو ١٩٨٤م. وفي الانتخابات التالية في عام ١٩٨٦م فاز الحزب الآخر NAR؛ حيث حصل على ٦٦% من مجموع الأصوات وعلى ٣٣ مقعداً من أصل ٣٦ من مقاعد مجلس النواب، وتم تعين روبنس رئيساً للوزراء، وفي مارس ١٩٨٧م تولى القاضي السابق (نور حسن علي) الرئاسة بعد تقاعد السيد إليس كلارك. في ٢٧ يوليو ١٩٩٠م حاول بعض أعضاء (جماعة المسلمين) وهي جماعة صغيرة يقودها ياسين أبو بكر الاستيلاء على السلطة فدمروا رئاسة الشرطة في العاصمة، واستولوا على مبنى البرلمان وتلفاز الدولة، وحجزوا ٤٥ شخصاً رهائن من بينهم رئيس الوزراء روبنسن وبعض الوزراء وكانت مطالبهم هي استقالة رئيس الوزراء، وإجراء الانتخابات خلال ٩٠ يوماً، ومنح العفو للذين قاموا بالمحاولة الانقلابية. وفي أول أغسطس ١٩٩٠م استسلم أصحاب المحاولة دون شرط، ورُفض العفو الذي منحه لهم رئيس مجلس الشيوخ (جوزيف أمانويل كارتر) بوصفه رئيس الدولة بحجة أن ذلك العفو جرى تحت التهديد. وأدين (أبو بكر) وزملاؤه بالخيانة العظمى؛ حيث كان قد قُتل حوالي ٣٠ شخصاً، وأصيب حوالي ٥٠٠ شخص خلال تلك الأيام الخمسة. وفي الانتخابات التي جرت في ديسمبر ١٩٩٥م فاز حزب المؤتمر الوطني الموحد، والمسلمون الذين فازوا في الانتخابات المذكورة هم: د. رضا محمد، د. فؤاد خان، رزاق علي، د. حمزة رفيق، وقد حصلوا جميعاً على مقاعد وزارية عدا د. فؤاد خان. وكانت رئاسة الوزارة للسيد بانداد. حال المسلمين اليوم: يعيش المسلمون في بيئة مختلطة لا في مجتمعات خاصة بهم، ويشكلون حوالي ٦ أو ٨% من إجمالي عدد السكان الذين بلغ تعدادهم مليوناً ومائتي ألف نسمة سنة ١٤٠١هـ ١٩٨١م. وصل المسلمون الأفارقة إلى ترينداد وتوباغو قبل الهنود المسلمين بحوالي قرن من الزمان، وعلى أي حال، فإن عدد المسلمين الهنود يفوق عدد المسلمين الأفارقة في الوقت الحالي بنسبة ٢٠: ١. وحرية ممارسة الإسلام منصوص عليها في الدستور، وتمنح القوانين السارية الحق للمسلمين في ممارسة أسلوبهم في الزواج، والمنظمات الإسلامية تشملها القوانين السارية، وتجد مجالس المدارس الإسلامية الدعم الحكومي؛ كما أن المسلمين أنفسهم يحتلون مواقع مهمة في الحكومة والجامعة والقضاء. ومن الوزراء المسلمين: السيد كمال الدين محمد، والسيدة موريل فاطمة دوناوا ماك ويفدسون، صافي شاه، شمس الدين محمد، كما أن حفيظة خان كانت عضواً في البرلمان. كما عمل يوسف جمال ﵀ مدعياً عاماً. وهناك أسماء أخرى كثيرة عملت في وظائف حكومية في البرلمان الذي كان يرأسه لمدة ١٥ عاماً. د. وحيد علي وقد ترأس الحكومة في عدد من المناسبات. وفي الوقت الحاضر يتولى القاضي شفيع شاهد، والقاضي كليم رزاق، والقاضي زينول حسين، والقاضي مصطفى إبراهيم عضوية محكمة الاستئناف، وهناك غيرهم في الهيئة القضائية، أما الرئيس الحالي لجمهورية ترينداد وتوباغو هو القاضي حسن علي. ومنذ الستينيات ومع افتتاح الجامعة كان حضور المسلمين واضحاً كبقية الأديان، وهناك حوالي ٢٠٠ طالب من المسلمين في الجامعة، وللأساتذة المسلمين دور واضح في الجامعة ومن بينهم د. نظير مصطفى (الرئيس الحالي لاتحاد مسلمي ترينداد) . وهناك الجمعية الإسلامية في الجامعة وقد أنشئت عام ١٩٦٩م، وهي جمعية نشطة للغاية؛ حيث تجتمع أسبوعياً. وبالإضافة إلى صلاة الجمعة فهناك دروس إسلامية ومحاضرات عامة، واحتفال بالتخرج، وعرض المطبوعات الإسلامية في مكتبة الجامعة خلال شهر رمضان على الأخص، ويرتبط كل العاملين في الدولة أو القضاء أو الجامعة بالعمل الإسلامي سواء على مستوى المؤسسات أو المنظمات أو الجماعات المحلية أو على المستوى التنظيمي. ويدل هذا على حرص المسلمين على مكانتهم؛ حيث يظهر صوتهم في تسيير شؤون البلاد. حرية التعبير: أول محاولة لإذاعة إسلامية قامت بها (رابطة البعثات الإسلامية) التي تأسست في أوائل الستينيات بقيادة محمد قمر الدين حسين، ويوسف متشل، ولم تكن توجد موارد لتغطية نفقات البث في إذاعة ترينداد ولو لمدة نصف ساعة (٧٥ دولار) ، فتقدمت امرأة مسلمة مسنة بتبرع ساعد على ذلك، وكان للبرنامج صدى طيب في ترينداد والكاريبي عموماً، واستمرت الدعوة لعدد من السنوات في شهر رمضان عبر التلفزيون والراديو وكذلك في مناسبات مثل: عيد الفطر، وعيد الأضحى. وفي الوقت الحاضر يوجد ٦ برامج إسلامية تُبَثُّ أسبوعياً عبر الإذاعة ينظمها عدد من المنظمات الإسلامية ويرعاها رجال أعمال مسلمون، وتشمل قراءات من القرآن الكريم مع ترجمة لمعانيه، إضافة إلى برامج دعوية وبعض الأناشيد. وهناك فرصة لنشر الآراء الإسلامية عبر الصحف وإن كانت مثل غيرها في جميع وسائل الإعلام نادراً ما تظهر دون تحرير. ووسيلة الإعلام الوحيدة التي يملكها المسلمون هي: (اقرأ برودكشنز Iqra productions) التي أسستها فاضلة خان وزبار بخش عام ١٩٨٨م. ومنذ عام ١٩٨٧م يظهر صباح كل سبت (أضواء على الإسلام) وهو برنامج مدته نصف ساعة، وتواصل ذلك حتى يوليو ١٩٩١م، وهي وسيلة إعلانية إلكترونية، وكان رجال الأعمال يتبرعون للبرنامج، وكثير من المنظمات الإسلامية ظهرت في مجال إنتاج اللوحات، وقد بلغت قيمة الإعلانات ٣٠٠٠ دولار للبرنامج الواحد مما قاد إلى نجاح ملحوظ. وقد تم تسجيل البرنامج على شرائط بواسطة تلفزيون ترينداد وتوباغو وهي مؤسسة غير إسلامية وعلى أي حال فقد استطاع المسلمون بعد تجميع الأموال شراء معداتهم الخاصة بهم بقيمة ٧٠.٠٠٠ دولار وأسسوا الأستديو الخاص بهم. وقد توقفت البرامج التلفزيونية مؤقتاً بسبب التمويل. وهناك حاجة إلى موظفين دائمين؛ لأن المتطوعين يعملون نصف دوام، وكل الأعمال تحتاج إلى دوام كامل لتحقيق الأهداف، والبرنامج يواصل تسجيل تاريخ الإسلام في الجزيرة من الأشخاص كبار السن وهو عمل قائم بذاته ونأمل أن يعود عمل البرنامج على الهواء، وقد علمت من الأخ ميرزا أنهم تبنوا المشروع لإعادته لسيرته الأولى. وتحتكر إحدى الجماعات الهندية المسلمة المعروفة برنامجاً إذاعياً وتلفزيونياً في ترينداد وتوباغو؛ ولكن الهدف الرئيس على الرغم من أن البرنامج يبدأ بآيات قرآنية ليس نشر الإسلام بل توحيد الهنود من مسلمين وهندوس، وهو برنامج جاذب للشباب من الجنسين ويلقى رواجاً رغم أنه ومع الأسف يضعف الروح الإسلامية فيهم. النساء في ترينداد حصلن على التعليم الأكاديمي بعد تأخر طويل، وقد تأثرن بطريقة الطهي الهندية وحتى الملابس الهندية، ولكن من خرجت منهن للعمل بدأت تترك الملابس الطويلة وتلبس كما يلبس الغربيون، وإن كانت الروح الإسلامية قد عادت مرة أخرى، وعادت النساء إلى الزيِّ الإسلامي. الزواج وتعدد الزوجات: كان الآباء يتولون تزويج ذريتهم لسنوات مضت؛ ولكنْ تأثراً بالنمط الأمريكي فقد أصبح الاختيار ملكاً للمعنييْن بعد أن يلتقيا ويقررا ذلك، وهكذا نجد بعض التقاليد الغربية قد تسللت إلى المجتمع المسلم خصوصاً بين المتعلمين. ولكن لا تزال الأسرة والبنات اللائي يلبسن الحجاب ينظرن إلى اللقاءات خارج الأسرة بأنها سلوك غير إسلامي، ولا يزال بعض الأزواج الجدد يسكنون في منزل الأسرة حتى يجد المتزوِّجون عملاً وتتحسن ظروفهم الاقتصادية فيستقلون بمنازل تخصهم. وقد يكون أوضح ما يُظهر عدم الطبقية في المجتمع المسلم هو الزواج؛ حيث إن الأغنياء يوافقون على زواج بناتهم من أبناء الأسر الفقيرة إذا كان الزوج يتمتع بشخصية جيدة ويمارس الإسلام. وحتى عام ١٩٦٣م لم يكن المهر يزيد عن ٢٥٠ دولار، ولكنه في الوقت الحاضر وصل إلى أضعاف مضاعفة، ويظل الوضع يعتمد على الحالة الاقتصادية للزوج، ويوجد تعدد الزوجات في أوساط (جماعة المسلمين) . الطلاق: يُمارَسُ الطلاق عبر (محكمة طلاق المسلمين) التي أنشئت عام ١٩٦١م، وهي تمارس توجيه النصح وتقديم الاستشارات وتنفيذ الطلاق، ولكن مسائل النفقة وما إلى ذلك من توزيع للممتلكات أو نحوه فيتم على مستوى المحكمة العليا حسب القانون المدني. أما التزام الزوجين بالوفاء بالمتطلبات الشرعية فهي تعتمد كثيراً على مدى اتباعهما للمبادئ الإسلامية. وتفيد (محكمة طلاق المسلمين) أنها تعالج حوالي ٢٠ حالة في كل شهر، ولكنها تؤكد أيضاً أن ٩٠% من الزيجات غير الناجحة هي بسبب زواج بين مسلمين وغير مسلمين؛ حيث تنشأ النزاعات بسبب المخدرات أو الكحول، ويستوي الرجل والمرأة في طلب الطلاق. وتتكون هذه المحكمة من: رئيسٍ، ومحامٍ (مدعٍ عام) ، وسكرتير، وعضوين يوضحان الحكم الإسلامي في الموضوع المعروض. المشكلات الاجتماعية: تنشأ معظم المشكلات الاجتماعية بسبب المخدرات والكحول والعري والسلوكيات الإجرامية، ويتعرض المسلمون لمثالب المجتمع الذي تتفشى فيه هذه الأشياء، وبفضل من الله أخذ الوعي ينتشر بين المسلمين، ولا يعني هذا عدم تأثرهم؛ فمنهم كثير يصيبهم ما يصيب الآخرين؛ ولكن لا توجد إحصائية تقول بأنهم أكثر من غيرهم. ويساهم وجود المنظمات الإسلامية في الجزيرتين في شغل أوقات الشباب مما يساعد على ابتعادهم عن هذه الأجواء بدرجة كبيرة. المجتمع الإفريقي المسلم: معظم الأفارقة هنا يعتبرون أنفسهم (عائدين) للإسلام باعتباره دين أجدادهم أو دينهم في الصغر. وكانت توجد شكوكٌ بينهم وبين المسلمين الهنود لظن الآخرين أن الأفارقة يدخلون الإسلام بغرض الزواج من بناتهم أو طمعاً في ثرواتهم، ويعود هذا إلى الجهل وعدم الإلمام بتعاليم الإسلام والفهم الصحيح للدين. أما الآن فقد تلاشت إلى درجة كبيرة هذه الشكوك، وبدا واضحاً الاندماج بين المسلمين. ويعود الوضع الاقتصادي المتردي للأفارقة المسلمين لأسباب طردهم من عائلاتهم، وللأسف، فإنه لا يوجد صندوق أو آلية اقتصادية تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم حتى لا يعودوا إلى الجاهلية، وكثير من هؤلاء وبسبب جهلهم يعتقدون أن الإسلام هو الشيوعية وأن ما عند المسلمين يجب أن يكون مشاعاً بين الجميع، فإذا توافرت وسيلة لدعمهم بالتعليم أو توفير فرص العمل لهم فإن ذلك الجهل سوف يزول إن شاء الله ويفهمون الإسلام على حقيقته. ظهرت جماعة (أمة الإسلام) في عقد الستينيات والتي تحولت إلى (المجتمع العالمي المسلم) بقيادة إليجا محمد في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تركز على الحقوق المدنية، وقد ظهر لها فرع في لافانتيل ترينداد وكانت دعوة عرقية أكثر من أن تكون دينية، وانضم إليها السود المطالبون بالحرية، ثم تطور الأمر إلى صراع على السلطة انقسمت بموجبه الجماعة إلى: أوزكانوك أآرت (جماعة المسلمين) و (جماعة المؤمنين) . إن إظهار الإسلام (الهندي) قاد تلقائياً إلى شعور بالعزلة لدى المسلمين الأفارقة؛ لأن البرامج في الإذاعة تقدم على أنها برامج هندية مما جعل الإسلام يعرف (بالهندي) . وعلى أي حال فإن في ترينداد أكبر جالية مسلمة في الكاريبي، وأكبر المنظمات والهيئات والمؤسسات الإسلامية والجماعات التي أثرت على حياة المجتمع المسلم بدرجة جيدة. والسؤال الذي يطرح نفسه: أين الجمعيات الخيرية الإسلامية الكثيرة من فتح مشاريع تنمية وتوعية للمسلمين في هذه المناطق؟ فهم أحوج ما يكونون لها حتى لا تتلاشى دعوة الإسلام القائمة بالجهود الفردية المحدودة التي يُخشى أن تموت بموت المتابعين لها إلا أن يشاء الله غير ذلك.

стр. 3363

مرصد الأحداث حسن قطامش نار الحقد في.. نيا كروم لقد جرت سنة الله تعالى أن الصراع قائم والخلاف دائم بين أهل الحق وأنصار الباطل الذين ما فتئوا يوجهون سهامهم لحرب أهل الإسلام باذلين الغالي والنفي مستخدمين في ذلك شتى الحيل والأساليب. لكن لا بد لأهل الحق من تعاون وتآزر وتكاتف حتى يتحقق موعودهم ويحصلوا على مجدهم. وكان من آخر ما شهدنا من هذه الصراعات والابتلاءات ما وقع لإخواننا المسلمين في دولة غانا منطقة نيا كروم من اعتداء غاشم آثم من قبل النصارى المعتدين الذين تمالأت معهم حكومة عابثة أغرتهم بترويع الآمنين وهتك ستور المظلومين. تقع مدينة نياكروم في الإقليم الأوسط لدولة غانا، وهي تبعد حوالي ٦٠كم عن العاصمة أكرا. يقطن هذه المدينة ٣٠٠٠ نسمة من المسلمين، وأكثرية السكان من النصارى والوثنيين البالغ تعدادهم ١٨.٠٠٠ نسمة. ومن عادة الحكومة أن تنظم منافسات رياضية بين مختلف المدارس يشارك فيها طلاب جميع المراحل. وفي عصر يوم الجمعة الموافق ٤/٨/١٤٢٠ هـ أقيمت منافسة رياضية بين مدرسة المسلمين ومدرسة الكنيسة، فتفوق المسلمون في هذه المنافسة، فاشتعلت قلوب الكفار حنقا وغيظا، واستغلوا هذه الفرصة وجعلوها بداية الشرارة لإيذاء المسلمين إضافة إلى ما يبطنونه من عداوة وشر، وإلا فالحدث أقل من عادي في أي منافسة بين طلاب المدارس، لكنه الكفر الظالم والحقد الأعمى. وفي ليلة السبت أضمر الخبثاء الشر والسوء وتواطؤوا على الفساد ودبروا أمرهم وأجمعوا شركاءهم، فاشتروا كميات كبيرة من البترول ووضعوها في قوارير وجوالين وقرعوا طبول الحرب بأمر ملكهم الظالم استعدادا للهجوم الصباحي، فاجتمع الأوغاد وشنوا هجمة بربرية على الآمنين في البيوت والعاكفين في المساجد وكانوا مدججين بالسلاح الناري والأبيض حاملين قوارير البترول، وقاموا بتهديم البيوت المتاجر وأحرقوها بالنار بما فيها ومن فيها، كما بلغ الكيد مداه والسيل زباه عندما قاموا بتحريق وتمزيق المصاحف وهدم المساجد ودنسوا حرمة المساجد برجيعهم. مزقهم الله وشردهم. مكتب المنتدى الإسلامي غانا وأخرى في كشمير أعلنت لجنة تقصي الحقائق حول أوضاع حقوق الإنسان في كشمير التابعة للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن القوات الهندية قتلت ٦٥ ألف مدني بين عامي ١٩٩٠م و١٩٩٨م وأجبرت كثيرين من السكان والأهالي على النزوح والهجرة من ديارهم، مصيفة أن هذه القوات أقامت كذلك ٦٣ مركزا للتعذيب، وأن الجيش الهندي يمارس أسوأ ألوان التعذيب ضد المدنيين في كشمير. مجلة المجتمع العدد: ١٣٨١ إن تنصروا الله نحن نملك سلاحا لا تملكه الدول الكبرى، وهذا السلاح هو الإيمان بالله جبار السموات والأرض، وهذا السلاح كاف لحسم المعركة إذا بذلنا ما نستطيع من أسباب القوة المادية والله يقول [إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين] [الأنفال: ٩] ويقول [ولله جنود السموات والأرض] [الفتح: ٤] ويقول [وما يعلم جنود ربك إلا هو] [المدثر: ٣١] ، ومع قلة عددنا في ميدان المعركة إلا أننا واثقون من وعد الله [كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين] [البقرة: ٢٤٩] فحينما يأذن الله بهزيمة الروس سنهزمهم ولو كانوا أكثر عددا من ذلك. القائد الشيشاني، شامل باساييف، جريدة الشعب، العدد ١٤٢٢ قول معروف خير من.. الأذى إنني أوكد أن هذه الحرب في الشيشان ليست حربا دينية، فالسبب الرئيس لهذه الحرب هو خط النفط من باكو إلى ميناء نوفورسيسك الذي يمر عبر جورجيا، حيث يتم نقله إلى الغرب بواسطة الناقلات. كما أن هناك أسبابا مساعدة تتمثل برغبة بعض الجهات السياسية المتنفذة داخل وخارج روسيا بإبقاء التوتر في روسيا وإشاعة عدم الاستقرار فيها. فهناك الملياردير اليهودي الذي يحمل الجنسية المزدوجة (روسية إسرائيلية) وهو بيروزيفسكي الذي يمد باسييف بالمال لإشعال الصراع، وهناك رئيس جورجيا شيفارد نادزه الذي يعمل على تدريب المسلحين في معسكر على الحدود (الأذربيجانية الشيشانية) المشتركة للقيام بعمليات ضد روسيا. الشيخ محمد علي خوض، مساعد المفتي الأعلى لروسيا، جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٦٨٠ أصحاب الفضيلة قال نائب حزب الفضيلة الإسلامي التركي باش أكمز: (كنا نردد حتى الأمس القريب: الموت لأمريكا.. الموت ل (إسرائيل) ، ولكننا نجد اليوم بأن منظمة التحرير الفلسطينة التي حاربت إسرائيل عشرين عاما عدت اليوم لتقبل بالتعايش سلميا مع الإسرائيليين. ولذلك فإنني أعلن من هنا بأن حزب الفضيلة قد تخلى عن سياسة معاداة إسرائيل) . وعلق نائب آخر للحزب وهو ساجد غونباي، فقال: أما علاقاتنا مع: إسرائيل فستكون علاقة الند بالند. وإن حزبنا ليس ضد اليهود، حتى إن ستة أعضاء من حزبنا قد انضموا إلى مجموعة الصداقة الإسرائيلية التركية البرلمانية المؤلفة من ٧٠ عضوا، كإعلان عن زوال حقدنا على إسرائيل. وكان زعيم المعرضة رجائي فوطان قد أكد عشية زيارته إلى واشنطن في بداية نوفمبر ١٩٩٩ بأن حزبه ليس معاديا ل (إسرائيل) وإنما يحبذ إقامة العلاقات التجارية والاقتصادية معها، كما أنه سوف يجتمع باللوبي اليهودي في واشنطن، من أجل تطوير العلاقات معه. جريدة الشرق الأوسط، العدد ٧٦٨٩ اللهم لا تجعله رئيسا! ! عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة، سأعطي رئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك كل الدعم لينفذ سياسته، فهذا الرجل قائد كبير وجدي، ويستحق كل دعم. هذا ما قاله جورج بوش الابن نجل الرئيس الأمريكي السابق في تصريح نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية وقال بوش: بلادكم رائعة، إنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وسأعمل على تعزيز العلاقة معها وتعزيز أمنها؛ فهذا فيه مصلحة عليا للولايات المتحدة! ! جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٦٥٥ وما هي من الظالمين ببعيد قدر مسؤولو الجفع المدني في فنزويلا عدد القتلى بنحو ٣٠ ألفا وعدد المنازل التي تهدمت بنحو ٢٣ ألفا وعدد المشردين بنحو ١٤٠ ألفا في واحدة من أسوأ الكوارث التي تشهدها أمريكا اللاتينية. ودفن معظم الضحايا تحت أطنان من الأوحال والصخور انحدرت من سفوح سلسلة جبال أفيلا مع هطول أمطار غزيرة على ساحل فنزويلا المطل على البحر الكاريبي، وأدت السيول والأوحال وفيضانات الأنهار إلى دفن مدن بأكملها تحت الوحل والحجارة والأنقاض. وقال مسؤولون حكوميون: إن إعادة الإعمار ستتكلف مليارات الدولارات وستستغرق عدة سنوات. إن المساحة التي ضربتها الفيضانات تقارب ٤٥ ألف كيلو مترا مربعا (نحو أربعة أضعاف مساحة لبنان) وإن شكل السواحل تغير في أماكن كثيرة وإن سيل الوحول والصخور العملاقة المنحدرة من الجبال اندفع على امتداد الشواطئ بعمق يراوح بين ٢٠٠ و ٣٠٠ متر داخل البحر. وأضاف أن هناك نهرا بعرض ثلاثة كيلو مترات تقريبا وطول ثمانية كيلو مترات في منطقة كواليه السكنية السابقة مليء بالصخور العملاقة وكتل الأحجار والوحول. وقال: لا أذكر أني رأيت في حياتي كتلا صخرية وصخورا منفردة بهذا الحجم الهائل. وكلها قد اقتلعتها السيول الطاحنة التي غيرت معالم كثير من المناطق في شكل مذهل. جريدة الحياة، العدد: ١٣٤٣٩ يسارعون فيهم ذكرت مصادر اقتصادية أن عددا من الأثرياء العرب بدؤوا يقومون باستثمار جزء من أموالهمداخل الكيان الصهيوني. وأشارت المصادر إلى أن قيمة الأراضي والعقارات التي يتملكها أثرياء عرب في إسرائيل تبلغ حاليا نحو مليار ونصف المليار دولار. وأكدت المعلومات أن هذه الحركة ما زالت حتى الآن تأخذ طابع السرية حيث يقوم الأثرياء العرب بتوكيل ببعض الشخصيات المعروفة في أوروبا للقيام بهذه المهمة وذلك خوفا على استثماراتهم في البلدان العربية. وتقول المصادر: إن اتفاقا تم بين الحكومة الإسرائيلية وهؤلاء المستثمرين وافقت بمقتضاه الحكومة الإسرائيلية على منح العديد من المزايا الاقتصادية والضريبية لهؤلاء المستثمرين العرب. وأشارت المصادر إلى أن هؤلاء المستثمرين أغلبهم من دول الخليج العربي بالإضافة إلى بعض الأثرياء المصريين والأردنيين. وتتوقع المصادر أن يتم الكشف عن استثمارات عربية تزيد قيمتها على ٣.٥ مليار دولار في إسرائيل في أعقاب إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وبعض الدول التي ينتمي إليها المستثمرون العرب. جريدة الأسبوع، العدد١٤٨ يمدونهم في الغي قال جون قرنق: إن موافقة الكونجرس الأمريكي على مشروع قانون بإرسال معونات غذائية إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان ستعزز قدراته العسكرية من خلال إتاحة الفرصة أمام القادة لحشد أعداد أكبر من المقاتلين. وأضاف في مقابلة: سنتمكن من تركيز أعداد أكثر في وحدات أكبر، فالتركيز من مبادئ الحرب؛ إذا ركزت قوتك البشرية أو النيرانية فستحقق نتائج أفضل. وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد وقع على المشروع الذي مرره الكونجرس قانونا. جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٦٨٢ ويأتيك بالأنباء هارب اعتبر الناطق باسم حركة الضباط الأحرار الكولونيل ت. علي المنشق عن الجيش الجزائري في مقابلة نشرتها صحيفة لوموند أن من بين ال١٣٠٠ إسلامي التائبين الذين سلموا أنفسهم إلى السلطات أكثر من ٧٠٠ ضابط اخترقوا صفوف الجماعات المسلحة. وأفاد الضابط الذي التقته لوموند في ضاحية مدينة أوروبية كبيرة أن من أصل ١٣٠٠ إرهابي سلموا أنفسهم حتى الآن في إطار قانون الوئام المدني يمكنني أن أؤكد لكم أن أكثر من ٧٠٠ منهم ضباط اخترقوا صفوف الجماعات الإسلامية، وتلقوا الأوامر بالعودة إلى ثكناتهم. وجدد اتهاماته للجيش الجزائري الذي تعتبره حركة الضباط الأحرار مسؤولا عن جزء من أعمال العنف في الجزائر. وقال هذا الضابط: يتم توقيف إرهابيين إسلاميين خلال عمليات التمشيط التي تقوم بها قوات الأمن ويتم احتجازهم وتعذيبهم ثم يجري إلحاقهم بوحدات الكوماندوز التابعة للجيش ويكلفون عمليات ذبح في مسقط رأسهم، وأؤكد لكم أنهم تحت التهديد عندما يطلب منهم القيام بعمليات ذبح فإنهم يذعنون. وأفاد الكولونيل ب. علي أيضا أن وحدة خاصة من الجيش يطلق عليها اسم وحدة ١٩٢ ترمز إلى تاريخ كانون الثاني يناير ١٩٩٢م عندما ألغى الجيش الانتخابات التشريعية شكلت لإقناع العسكريين الذين يعارضون سياسة الجنرالات الجزائريين، ويبدو أن هذه الوحدة التي وصفتها صحيفة لوموند بأنها كتيبة الموت تضم نحو ٢٠٠ عنصر. وأوضح الكولونيل ب. علي أن عددا من أعضاء حركة الضباط الأحرار أعدموا في الجزائر بسبب انتمائهم إلى هذه الحركة لا سيما في منطقة القبائل. جريدة الحياة، العدد: ١٣٤١١ حلم علماني كان حلما شبه طوباوي أن يتفق العرب على العمل معا في إعداد كتب إبداعية معاصرة وتمويلها وتوزيعها مجانا في المنطقة العربية بكاملها. الخطوات الأولى كانت صعبة وشاقة، أما اليوم وبعد مرور أربعة أعوام عامين في التحضير، وعامين في الإنتاج فبوسعنا القول: صار للعرب تحت رعاية منظمة اليونسكو صرح مشترك اسمه كتاب في جريدة المشروع تمرين وحدوي ثقافي، من الطراز الأول، منذ ٢٤ شهرا يقرأ العرب في الأربعاء الأول من كل شهر كتابا مجانيا بمعية كبريات الصحف العربية، كل في بلده، حيث يوزع شهريا أكثر من مليونين ونصف مليون كتاب مخرجة بشكل جديد ومزينة برسوم كبار الفنانين. وقد بلغت أعداد هذه الكتب الموزعة أرقاما مذهلة: خمسين مليون كتاب موزع حتى الآن. إن نجاح هذه التجربة يشكل أساسا لمنطلق ثقافي على أبواب الألفية الثالثة نحن بأمس الحاجة إليه، وهو كسر الحواجز أمام وصول الكتاب العربي إلى قرائه ، والوقوف بوجه حالة الانحسار والتردي في العلاقة مع الكتاب. فقد وصلت أرقام الإحصاءات إلى درجة كارثية: ما يستهلكه العالم العربي بأجمعه من ورق لصناعة الكتب لا يوازي ما تستهلكه دار نشر فرنسية كبيرة، وأكبر روائي عربي حائز نوبل لا يبيع أكثر من خمسة آلاف نسخة من الرواية الواحدة. وحين نعرف أن كتاب في جريدة يوزع كل شهر مليونين ونصف مليون كتاب نفهم معنى هذه الإنجاز وخطورته. شوقي عبد الأمير مدير مشروع (كتاب في جريدة) مجلة الوسط، العدد: ٤١١

стр. 3364

قضايا ثقافية موقف العصرانيين من الفقه وأصوله (٢-٢) محمد حامد الناصر في الحلقة الأولى أشار الكاتب إلى جرأة العصرانيين على الفقه والفقهاء، ثم فضح شذوذاتهم في هذا الميدان وذكر منها: تحليلهم ربا البنوك، وإلغاء أحكام أهل الذمة، وإصرارهم على امتهان المرأة بدعوى تحريرها وخلص الكاتب إلى حقيقة العصرانيين العلمانية مدللاً على ذلك بمحاولاتهم تنحية الشريعة وتأييد سقوط الخلافة؛ بل ودعوتهم الصريحة إلى علمانية الحكم. ويتابع الكاتب في هذه الحلقة كشف النقاب عن أولئك النفر. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان- تزوير التاريخ وتمجيد الشخصيات المنحرفة (عند العصرانيين) : وهذا أغرب مواقف العصرانيين، ويكاد الإنسان ألاَّ يصدق ما سطرته أقلامهم، وما بثوه في كتبهم. لقد كان العبث في التاريخ الإسلامي هدفاً من أهداف هذه المدرسة، ولم تقف عملية التزوير عند عصر دون عصر، ولا عهد دون عهد؛ بل شملت كافة عصور الإسلام بلا استثناء. فحروب الردة لم تكن برأي بعضهم حروباً دينية، وما كانت حرب عليٍّ مع خصومه حرباً دينية، وإنما كانت حرباً في سبيل الأمر، أي في سبيل الرئاسة والإمامة [١] . أما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ فيقرر عمارة أنه العلماني الأول في الإسلام (فقد كان رائد التمييز بين السياسة والدين، مع معارضة جمهور الصحابة له، وقد بنى الدولة الإسلامية على هذا التمييز) [٢] . ويزعم حسين أحمد أمين أن ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله عنه حذف من القرآن (٥٠٠ آية) تطعن في بني أمية وتذم أبا سفيان [٣] . ويزعم الدكتور محمد عمارة أن (معركة بدر كانت بين الرسول صلى ... الله عليه وسلم وأصحابه، وبين الارستقراطية الملكية وحلفائها) ! [٤] . أما الفتوحات الإسلامية التي شهد الأعداء قبل الأصدقاء بعدالة أصحابها ورحمتهم، ونبل دوافعهم في نشر الدعوة الإسلامية فللعصرانيين فيها رأي آخر؛ فالدكتور عبد المنعم ماجد يعجب من توهم بعض المستشرقين الذين يرون أن العرب المسلمين فتحوا البلدان بدافع إسلامي ويقول: (لا نوافق بعض المستشرقين في قولهم: إن العرب كانوا مدفوعين نحو الفتوح بالحماس الديني؛ فمن غير المعقول أن يخرج البدوي وهو الذي لا يهتم بالدين لينشر الإسلام) [٥] . فلمصلحة مَنْ هذا الافتراء؟ ! لقد أصبح الدكتور مستشرقاً أكثر من أساتذته، يغير الحقائق ويفتري لمصلحة أعداء أمته! ويعتبر حسين أحمد أمين: أن الفتوحات الإسلامية هي نوع من الاستعمار، كالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين فيقول: (وقد يحتج بعض المسلمين بأن الاستعمار الإسلامي (! !) لدولة أسبانيا كان بنّاءاً وفي خدمة التمدين والعمران، ولم يتخذ شكل النهب والسلب الذي اتخذه الاستعمار الأوروبي لدول آسيوية وإفريقية؛ غير أن الاستعمار الأوروبي لأمريكا الشمالية وأستراليا كان هو الآخر بنَّاءاً، وفي خدمة التمدين والعمران، في حين لم يجلب الاستعمار العثماني (! !) للبلقان غير الخراب) [٦] . ولست أدري كيف يستوي عند مسلم نشرُ دين الله وإقامة العدل بأروع صوره بين البشر مع غزو الأوروبيين الذي قام على النهب واستنزاف ثروات الشعوب؟ ! لكنها نفوس هانت على أصحابها فمسخت لخدمة أسيادها. ويحاول المستنيرون الجدد طمس معالم الصفحات المضيئة من تاريخنا الإسلامي من منطلق دوافع قومية، ومن ذلك فتوحات العثمانيين، وانتصار المماليك، وحتى انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين حاولوا الغمز من صاحبه البطل المجاهد ﵀. فالدكتور محمد جابر الأنصاري يحرص على تجريد العثمانيين من كل فضيلة حتى غدوا في نظره (جماعة من الهمج المتوحشين الذين دمروا الحضارة العربية الزاهية) [٧] . ويتابع الدكتور محمد عمارة صاحبه فيصف الفتح العثماني بأنه: (طوفان الدمار التركي، وأرتال الجيش العثماني الذي لف العالم بردائه الأسود أكثر من أربعة قرون) [٨] . فهل يعتبر هذا الهجوم على العثمانيين جزاء إيقافهم الزحف الأوروبي على ديار العرب عدة قرون؟ وهل هذه مكافأة للجيش العثماني الذي فتح القسطنطينية؟ ! حتى السلطان صلاح الدين الأيوبي لم يسلم من أذى هؤلاء القوم - كما تقدم - إذ يصفه الدكتور محمد عمارة بأنه (القائد الإقطاعي البارز) ! وهذا افتراء مشين وغير مسؤول. قال ابن الأثير عنه: (توفي ولم يخلف في خزائنه غير دينار واحد وأربعين درهماً) وقال العماد الكاتب: (ولم يترك داراً ولا عقاراً ولا مزرعة ولا شيئاً من الأملاك) [٩] ، أهكذا يكون الإقطاع في نظر العصرانيين؟ ! ! كما يأسف الدكتور لانتصار المسلمين في الحروب الصليبية؛ لأنها أعادت الحيوية للإقطاع العربي (فلقد كانت الحروب الصليبية مرحلة من الأحداث الكبرى التي أتاحت للإقطاع العربي فترة من استرداد الحيوية والنشاط) [١٠] . وهو يتبرأ كذلك من النصر الذي حققه المماليك المسلمون على المغول التتار؛ لأنهم غرباء عنا حضارياً وتاريخياً، ولأنهم لم يكونوا من العرب [١١] ، ثم يقول: (ولكن القوى التي أحرزت هذا الانتصار العسكري كانت في الأساس مؤلفة من جند المماليك، ومن ثم فقد كانت قوة غريبة قومياً وحضارياً عن الأمة والشعب والتراث والتاريخ) [١٢] . وما أدري مَنْ هو الغريب ثقافياً وحضارياً عن تاريخ الأمة: أهؤلاء الذين يحققون أهداف رجال التنصير والاستشراق وأعداء الأمة، أم أولئك الذين طردوا الصليبيين والمغول عن بلادنا تحت رايات الجهاد في سبيل الله؟ ! لقد اختلت الموازين، واضطربت المعايير عند هؤلاء الناس. هذه نماذج فقط من تحامل العصرانيين على تاريخنا الناصع، والمجال لا يتسع لذكر المزيد؛ إذ زَوَّروا حقائق فتوحات المسلمين للعراق والشام من منظور قومي، وادعوا أن نصارى العرب ساعدوا الفاتحين المسلمين؛ خلافاً لحقائق التاريخ لدى مؤرِّخينا الثقات. تمجيد الفِرَق والحركات المنحرفة: لقد تابع بعض العصرانيين سادتهم من المستشرقين في تمجيد الحركات الهدامة والفرق الضالة التي ظهرت في تاريخ المسلمين فقد مجَّدوا الخوارج، واعتبروا أنهم حزب العدالة والجمهورية والقيم الثورية التي جاء بها الإسلام، - رغم أنهم كلاب جهنم وقد مرقوا من الدين، كما ذكرت ذلك الأحاديث الصحيحة واعتبروا أن القرامطة (هم الجناح اليساري في الحركة الشيعية، بل كانوا حركة ثورية ضد الإقطاع) كما يرى الدكتور محمد عمارة [١٣] . والقرامطة هم الذين احتلوا مكة المكرمة وقتلوا الحُجَّاج آنذاك، ورموا جثثهم في بئر زمزم، ونهبوا حلي الكعبة، واقتلعوا الحجر الأسود وبقي عندهم أكثر من عشرين سنة. وقد مجد العصرانيون المعتزلة، وأعجبوا بمنطقهم وفلسفتهم، كما أعجبوا بالقدرية والشيعة، ويرى الدكتور محمد عمارة أن ثورات الخوارج والمعتزلة والشيعة كانت بسبب الظلم الاجتماعي ونبذ بني أمية لمبدأ الشورى [١٤] . وقد سبقهم بذلك المستشرق (بروكلمان) في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) فهو يُعلي من شأن القرامطة وثورة الزنج إلى جانب افترائه على الصحابة افتراءاً عجيباً. ومجدوا الدولة العبيدية: إذ خصص الدكتور محمد عمارة كتاباً كاملاً في تمجيد هذه الدولة الرافضية الإسماعيلية بعنوان: (عندما أصبحت مصر عربية) [١٥] . واعتبر أن تولِّيها على مصر اكتمال لعروبتها! ! قال المؤرخ ابن كثير ﵀ في هذه الدولة: (كان الخلفاء الفاطميون من أغنى الخلفاء وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلَّ عندهم الصالحون من العلماء والعباد) وقال عن أول ملوكهم المهدي: (كان حدَّاداً من سلمية اسمه عبيد، وكان يهودياً، فدخل بلاد المغرب وكان يسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وصار ملكاً مطاعاً يظهر الرفض وينطوي على الكفر المحض) [١٦] . وقال ابن تيمية ﵀: (هم من أفسق الناس ومن أكفر الناس) [١٧] . فأي جناية يقوم بها العصرانيون في تمجيد هؤلاء الضالين الذين يكفِّرهم علماء المسلمين؟ ! حتى ثورة الزنج التي التهمت البصرة يمجدونها، ويرون أنها ثورة رائدة! ثورة الزنج: هي من الثورات الطائشة التي اهتم بدراستها المستشرقون كعادتهم في تمجيد التيارات الحاقدة في تاريخنا، وقد خصص الدكتور محمد عمارة مبحثاً كاملاً من كتابه: (الإسلام والثورة) للحديث عن ثورة الزنج، وكان مما ... قاله: (كان قائد هذه الثورة شاعراً وعالماً، وهو ثائر عربي وعلوي، وأغلب قوادها كانوا عرباً) [١٨] ، ويقول: (هذه الثورة قد بدأت في سلطة عربية ضد سلطة المماليك الترك الذين كانوا يفرضون طغيانهم على خلفاء بني العباس وخلافتهم في بغداد) [١٩] وقد كتب الأستاذ محمد جمال رسالة بعنوان (الفتنة السوداء) يقول فيها ما موجزه [٢٠] : (لقد سماه المؤرخون (صاحب الزنج) وهو رجل فارسي الأصل، محتال خبيث، اصطنع لنفسه نسباً إلى آل البيت) . ... قال ابن كثير: (ولم يكن صادقاً، وإنما كان أجيراً عند بني عبد القيس، واسمه علي بن محمد بن عبد الرحيم، وأصله من قرى الري) وكان يقول لأصحابه: (لقد عُرضت عليَّ النبوة، فخفت ألا أقوم بأعبائها، فلم أقبلها) . قال الأستاذ محمد جمال في ختام بحثه القيم عن هذه الفتنة: (هذه يا أخي القارئ حقيقة ما يسميه بعض من يزوِّر الحقائق بـ (ثورة الزنج التحررية) نقلت لك أخبارها بأمانة من أوثق كتب التاريخ الإسلامي) [٢١] . تمجيد الشخصيات المنحرفة: وهذا أمر غريب يلفت النظر؛ إذ لم يترك العصرانيون شخصية خبيثة في معتقدها، منحرفة في مسلكها إلا حاولوا تمجيدها، فمجدوا غلاة الصوفية كابن عربي والحلاج وأمثالهما، ومدحوا أصحاب الحركات الباطنية كإخوان الصفا والحشاشين والقرامطة. ومعلوم أن المستشرق (ماسينيون) قد اهتم ببعث التراث الصوفي الفلسفي كالحلاج وكتابه الطواسين، واهتم بابن سبعين وبمذهب الباطنية [٢٢] . وكثيراً ما أشاد محمد عمارة وأمثاله بالتصوف الفلسفي، رغم خروج أصحابه على الشريعة. يقول: (وأصحاب هذا النهج لا يقفون عند حدود الشريعة كما حددها الفقهاء، ومن هنا جاء الصراع بين الصوفية والفقهاء، لكن تاريخ هذا الصراع يشهد بأن الفقهاء كانوا أضيق أفقاً، كما كانوا أدوات للسلطة الحاكمة على عكس الفلاسفة الصوفيين؟ !) [٢٣] وقال: (ابن عربي في التصوف الفلسفي قمة القمم، لا في حضارتنا العربية الإسلامية فقط، بل وعلى النطاق الإنساني، وهو بمقياس (السلفية المحافظة) أو (الفقهاء) وثنيٌّ زنديق) [٢٤] . وفلاسفة الصوفية قالوا بوحدة الوجود، وتعطيل الشريعة، ورفع التكاليف عنهم، وكان لهم تأثير سلبي على الحياة الاجتماعية في القرن السابع الهجري وما تلاه. ويمجد العصرانيون انحرافات المعتزلة ورجالاتهم. فها هو عمارة يشيد بقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني (فهو أعظم أئمة المعتزلة في عصره، وقد قاد الصحوة الاعتزالية في عصر اضطهاد المعتزلة، فقد بلغت الدولة العباسية في ذلك الاضطهاد إلى حد تحريم فكر المعتزلة بمرسوم هو أشبه ما يكون بمراسيم الحرمان الكنسية أيام الخليفة القادر) [٢٥] . كما يمجد عمرو بن عبيد: (فهو زاهد المعتزلة وناسكهم وعالمهم وقائدهم وقد ساهم في الثورة ضد بني أمية) [٢٦] . وبينما يمدح حسين أحمد أمين يزيد بن أبي سفيان صاحب الحَرَّة الذي استباح مدينة الرسول ﷺ ، ويمجد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي حاصر مكة وقتل ابن الزبير وضرب الكعبة بالمنجنيق ويقول: (إنه أعظم الإداريين في تاريخ العالم) [٢٧] على حين نراه يصب جام غضبه على الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀ فيرى أنه ساهم بجهله في الشؤون السياسية في تدهور أحوال الدولة الأموية ثم سقوطها ثم يقول: ... (ولم تجلب سياسته المالية والإدارية غير خراب الدولة) [٢٨] . هكذا تكون الموضوعية والأمانة في دراسة التاريخ الإسلامي عند دعاة التغريب! ! ويشيد الدكتور عمارة بالجوانب المظلمة من مسيرة جمال الدين الأفغاني، كتنظيم (جمعية العروة الوثقى) السرية، وبمبادئها المليئة بالإشارات والرموز السرية، ويتحدث عن تأسيسه محفلاً وطنياً شرقياً وعلاقاته مع المحفل الفرنسي الماسوني؛ فاستمع إليه وهو يقول: (من مجموعة الأوراق والوثائق والمراسلات التي بقيت من آثار هذا التنظيم نضع يدنا على خبرة في العمل السياسي والتنظيمي بلغت درجة عالية من النضج والعبقرية، وهذه خبرات نعتقد أن لها صلات وثيقة بتراث العرب والمسلمين في التنظيم السري منذ جمعيات المعتزلة، وإخوان الصفا القرامطة والحشاشين) [٢٩] . كما يمجد العصرانيون الشيخ علي عبد الرازق على خدماته الرائعة لهدم الشريعة على طريقة الكنائس النصرانية، في كتابه: (الإسلام وأصول الحكم) . يقول محمد عمارة: تتفق آراء كثير من المفكرين على اعتبار كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) أهم الكتب التي صدرت منذ بداية النهضة العربية الحديثة؛ لأنه يمثل موقفاً شجاعاً من شيخ واجه الملك وعلماء الدين الدائرين في فلك الملك، ولقد كان الشيخ من تلامذة مدرسة الإمام محمد عبده، وتأثير فكر ... الإمام المعادي للسلطة الدينية واضح تماماً في منطلقات علي عبد الرازق) [٣٠] . والحقيقة أن واضع الكتاب الأصلي مستشرق يهودي محترف هو ... (مرجليوت) أهداه للشيخ خلال دراسته في لندن، وأن علي عبد الرازق كان ينتمي إلى أسرة عريقة في خدمة المستعمر الإنجليزي [٣١] . وهكذا وقف العصرانيون في صف أعدائنا في قضايا الحكم والتشريع وفي موقفهم من السنة النبوية وتراث الأمة وتاريخها فأصبحوا تياراً خطيراً ينخر في جسم الأمة، ويشكك في أصول فكرها وعقيدتها وتاريخها باسم الإسلام والتجديد والاستنارة وتحكيم العقول! ! ليوقعوا شباب الأمة في متاهات لا نهاية لها [والله غالب على أمره] [يوسف: ٢١] والحمد لله رب العالمين.

стр. 3365

في دائرة الضوء الجميع تحت المجهر دور التمويل الأجنبي في توجيه الجمعيات الأهلية د.أحمد إبراهيم خضر أقحم المثقفون العرب على الساحة العربية والإسلامية منذ مطلع السبعينيات مصطلح (المجتمع المدني) . ويعرِّف د. سعد الدين إبراهيم (وهو شخصية معروفة بتوجهاتها العلمانية الصريحة وبموالاتها لأمريكا وزياراتها لإسرائيل) المجتمع المدني بأنه: (مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتآخي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والخلاف، وتشمل تنظيمات المجتمع المدني كلاًّ من الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية، أي: كل ما هو غير حكومي، وكل ما هو غير عائلي أو إرثي) [١] . والذي يهمنا هنا ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن مفهوم (المجتمع المدني) دخيل على تراث الفكر العربي والإسلامي، وأنه ينتمي إلى (فضاء) ثقافي وحضاري غربي، وأنه نشأ في بيئة أوروبية وفي ظروف تاريخية ومعطيات سياسية واقتصادية اجتماعية معينة ترتبط بها، بالإضافة إلى ارتباطه الوثيق بالرأسمالية والمجتمع الرأسمالي. ويسعى رهط من المثقفين العرب إلى تأصيل هذا المفهوم، وإعادة صياغته وتحديد مدلولاته النظرية والعملية، ثم إدماجه في الثقافة العربية الإسلامية اعتقاداً منهم بأن هذا سيساهم في تكريس ما أسموه بـ (القطيعة متعددة الوجوه مع عالم العصور ... الوسطى) [٢] إشارة منهم إلى الإسلام والفكر الإسلامي بوجه أو بآخر. الأمر الثاني: أن الرؤية الإسلامية ورؤية المجتمع المدني في نظرهم متناقضتان؛ فالمجتمع المدني عند هؤلاء مجتمع عقلاني يحل مشاكله حسب قوانين وضعية، وتحاول فئاته الاجتماعية التوفيق بين مصالحها ومصالح المجتمع. مرجعيته تجارب المجتمع التي قننها في صورة نصوص تسهر على تطبيقها سلطة وثيقة الصلة بالدولة وإن أظهرت أنها تختلف معها. أما المجتمع الإسلامي كما يرى الجنحاني فإنه يستمد شرعيته من (السماء) ومرجعيته نصوص ترتكز على ما يسميه: (تجارب تاريخية) مرّ عليها أكثر من أربعة عشر قرناً نموذجاً أعلى، ومثالاً يحتذى ليس في مستوى القيم والإفادة من الإيجابي فيها فحسب بل في مستوى الممارسة اليومية وتسيير شؤون المجتمع [٣] . الأمر الثالث: أن الواقع الفعلي للجمعيات الأهلية التطوعية وغير الحكومية التي هي عماد المجتمع المدني يُبَيِّن أنها تُمَوَّل من الخارج، وأن دور معظمها ليس إلا كالمجهر الذي يكشف كل ما تحته من أحوال المجتمع وظروفه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن مثقفي المجتمع المدني يلهثون وراء هذا التمويل ويقدمون لمموليهم التقارير التي يطلبونها، وأن الهدف النهائي لهذه العملية هو خدمة مصالح الشركات متعددة الجنسيات وتدعيم عمليات التطبيع مع (إسرائيل) وهذا موضوعنا في هذه المقالة. تعبير (الجميع تحت المجهر ولا أحد خارجه) تعبير استخدمته الباحثة (سناء المصري) ذات الباع الطويل والخبرة الدقيقة في العمل مع هذه المنظمات غير الحكومية، والنسائية منها على وجه الخصوص. ولما اختلفت مع رفيقاتها على مسألة التمويل، كشفت لنا هذا الحجاب الذي كان مضروباً على ما يجري داخل هذه الجمعيات [٤] . كتبت (سناء المصري) عن خيانة المثقفين وسقوطهم في بئر التمويل الساخن الذي تصب فيه الأموال الأمريكية والأوروبية وحتى اليابانية وتدفع به إلى الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو ما يسمى بالجمعيات الأهلية في مصر. فعلى سبيل المثال: دفعت هيئة المعونة الأمريكية عام ١٩٩١م مبلغ عشرين مليون دولار لدعم هذه الجمعيات والمنظمات، وكانت قد تبنت قبلها مشروعاً ثلاثي المراحل بدأ من عام ١٩٨٧م وحتى عام ١٩٩٠م بحجم تمويل قدره خمسة وعشرون مليون دولار لدعم المنظمات العاملة في مجال التنمية المحلية استفادت منه ٢٠١٩ جمعية أهلية، وكذلك فعلت هيئة المعونة الكندية والاتحاد الأوروبي وغيره من الجهات الدولية. حددت (سناء المصري) ما يقرب من عشرين منظمة دولية بعضها يتبع الحكومات مباشرة ويتبع بعضها الآخر الأحزاب الحاكمة، أشهرها منظمة (فورد) وغيرها من المنظمات ذات السمعة العالمية في زعزعة بنية بلدان العالم الثالث وتهيئتها لما يسمى بالنظام العالمي الجديد أو السطوة الأمريكية الجديدة، ومن المنظمات الممولة للجمعيات الأهلية: (سيدا) الكندية، و (سيدا) السويدية، ... ... و (دانيدا) الدانماركية، و (فينيدا) الفنلندية، والمعونة الأسترالية، ومؤسسة (إسرائيل) الجديدة في نيويورك؛ هذا إلى جانب المنظمات والحكومات الأخرى مثل ألمانيا واليابان. وتعمل الجمعيات الأهلية في مجالات: حقوق الإنسان رفع الوعي القانوني بناء الديمقراطية ومراقبة الانتخابات المجال العمالي والنقابي الوحدة الوطنية السينما والفيديو والورش المسرحية. والهدف الأساس الذي يسعى إليه نشطاء هذه الجمعيات هو أن يكون العمل العام والتطوعي سبيلاً لتحقيق الثراء والصعود الاجتماعي والإحساس بالغنى والتعالي والنجومية الشخصية وحيازة السيارات والشقق الفاخرة، واغتنام فرص السفر للخارج والإقامة في فنادق خمس النجوم؛ خاصة أن الممولين يدفعون رواتب ويقدمون منحاً هائلة تصل إلى ألوف الدولارات؛ وسرعان ما يتجه بعضهم إلى تكوين جمعيات جديدة بمجرد أن يدرك سهولة التمويل؛ حيث يكفيه أن يطلب سجل الممولين فتنهمر عليه أوراق التعريف بهم، وطرق الاتصال بل وكيفية التعاون معهم؛ بالإضافة إلى الإرشادات الكثيرة للحصول على التمويل. والتمويل هو العصا السحرية التي اخترقت تقوقعات شلل المثقفين وعاطلي السياسة وهي التي حولت الكثيرين ممن كانوا يقفون في صفوف المعارضة من شيوعيين وناصريين، أو يساريين عموماً، وكانت دعايتهم تدور حول الوطن والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وتهاجم (إسرائيل) والرأسمالية والامبريالية والتدخل الأجنبي والفوارق الطبقية حولتهم إلى نشطين مخلصين يدافعون عن العولمة والتطبيع مع (إسرائيل) . إن بضعة آلاف من الدولارات حوَّلتهم إلى خبراء كرَّسوا جهودهم لخدمة المؤسسات الرأسمالية الضخمة عابرة القارات ومتعددة الجنسيات ولخدمة جهود التطبيع مع (إسرائيل) على حد قول (سناء المصري) . وبالتمويل تقدم هذه الجمعيات تقارير سياسية وأخباراً إلى الخارج عبر أجهزة الفاكس، ولهذا يسميها بعضٌ بـ (منظمات الفاكس والطيران) . وبالتمويل تُؤَسس المراكز العمالية والقانونية في مناطق العمال لدراسة الحالة الراهنة للطبقة العاملة، وتراقب الجمعيات أنشطة العمال وانتخاباتهم ونقاباتهم وقوانينهم، ونواياهم السرية والعلنية، وتعمل على تفتيت الاتحاد العام وإنشاء النقابات الموازية. وبالتمويل ترفع جمعياتٌ شعار الوحدة الوطنية في الوقت الذي تسارع فيه إلى تضخيم الأحداث، وتطلب حماية الأقليات المضطهدة بعد أن تكون قد جذَّرت روح التعصب والنزاعات الطائفية إلى حد تكوين ميليشيات محلية، فتسقط البلاد في الحرب الأهلية والمذابح الجماعية كما حدث في بعض البلدان. وبالتمويل تتفرغ جمعياتٌ لشؤون المرأة وتعزف على وتر الأحوال الشخصية وختان الإناث في خطب متكررة ومؤتمرات متتالية بالداخل والخارج. وبالتمويل تقوم جمعياتٌ بدور المرابي القديم فتقدم للفقراء قروضاً لا تحل لهم مشاكلهم المادية بقدر ما تضاعف ديونهم وتثقل كاهلهم بمشاكل إضافية ونسبة فوائد تصل إلى ١٨%، ١٩% من أصل القرض. وبالتمويل تصور جمعياتٌ آلاف أفلام الفيديو عن كل شيء في البلاد وترسل إلى الخارج بحجة عمل المونتاج لها، ولا تعود مرة أخرى. وبالتمويل أمكن تجنيد الأكاديميين والأساتذة والباحثين وضم بعضهم إلى مؤسسات استشارية دولية كانت مهمة بعضها إعادة الهيكلة الاقتصادية للبلاد كمؤسسة (كيمونكس أوف واشنطن) التي يعتبر (جيرالد مار) أكبر مساهميها الذي قال يوماً: (كنت أريد من بين أمور أخرى العثور على سبيل يمكنني من تأسيس وكالة مخابرات مركزية خاصة بي) . وهكذا تفشى مرض التمويل، فأصبحت التقارير تصب مباشرة في المؤسسات الدولية مهما اختلفت مسمياتها لتغطي كافة المجالات من حقوق الإنسان إلى الصحة والمرأة، والأقليات والنقابات؛ وبهذا تمكنت الجهات الأجنبية عن طريق هذه الجمعيات من اختراق البلاد. الهدف إذن هو الاختراق المعرفي الذي تظل مفاتيحه في أيدٍ غير معلومة في الخارج، وبالتراكم المعرفي يتكون لدى هذه الجمعيات صمام أمن مباشر لتفريغ البلاد من احتمالات الثورات والتمردات الشعبية ثم العمل على إدماج البلاد في السوق الرأسمالي وإخضاعها للإرادة الكاملة للشركات الرأسمالية. تحدثت (سناء المصري) بجرأة ملفتة للنظر عن مثلث (الجمعيات الأهلية الحكومة الممول الأجنبي) وعن العلاقة بين أطراف هذا المثلث؛ إذ تشكل هذه العلاقة لُعْبة متعددة المستويات داخلياً وخارجياً يلعبها الجميع بوضوح ومكاشفة مع محاولة كل طرف انتزاع أقصى ما يمكن من الأطراف الأخرى. وينغمس النشطاء المحليون في شباك العلاقات الدولية واستجلاب المال الأجنبي تحت غطاء العمل العام، ويدخلون في سباق تكوين الجمعيات، وبعضهم يخرق القانون وتعلم الحكومة ذلك لكنها كما ترى (سناء المصري) تتغاضى عن ذلك بمحض إرادتها إرضاءاً للدول الأجنبية، بل إنها وبذاتها تشكل القنطرة التي يعبر بها المال الأجنبي إلى هذه الجمعيات. وبوضوح شديد تقول (سناء المصري) : إن الحكومة تحرك هذه الجمعيات في قالب مرسوم؛ فإذا خرج النشطاء عن هذا القالب بادرت باستخدام حق الإغلاق والمصادرة أو التضييق عليهم، ومن جهة أخرى فإنها تسعد بتسريح هذا القطيع السياسي الذي كان مقلقاً لها في الماضي القريب لجمع المعونات والمنح من الخارج وإغراقه في تطلعاته للثروة والصعود الاجتماعي، وتلعب الجمعيات في المساحة المرسومة لها، ولا تخرج عن حدودها أبداً؛ بل إنها تمد يدها وتتعاون مع الحكومة في كثير من الأحيان. وإن استطاعت الجمعيات الإفلات من قبضة الدولة وقعت في يد الحكومات الأجنبية المانحة التي تعرف كيف تقبض على عنق عميلها عن طريق تقسيم المنحة وليس بتقديمها دفعة واحدة، ويعلم الممول الأجنبي أن عملاءه ليسوا شرفاء أو أطهاراً دائماً؛ وكثيراً ما تحدث أزمة ثقة بين الطرفين لكن المانح يغض الطرف عن ذلك؛ فأهدافه تتعدى المساعدة في تنفيذ مشروع بعينه إلى توثيق العلاقة مع الأشخاص القائمين على هذه الجمعيات أو تحقيق أغراض أخرى يعرفها الطرفان ويتواطآن على تنفيذها، علاوة عن أن كل ذلك ليس إلا جزءاً من أبعاد اللعبة التي تحركها كلها خيوط الممول الأجنبي بهيئاته ومخططيه الدوليين الأكاديميين النشطين في الدراسات الاستراتيجية وعملائه في العالم العربي أو ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط. ليس هذا إلا قليلاً من كثير تحدثت عنه (سناء المصري) ، ولا زال الأمر يحتاج إلى مزيد من الرصد والجهد في الكشف عن هوة (المجتمع المدني) ، تلك الهوة التي يسعون إلى إسقاط مجتمعاتنا الإسلامية فيها؛ اعتقاداً منهم أنها السبيل ... الأمثل لمواجهة المد الإسلامي بحركته وفكره وآثاره بالإضافة إلى استمرار هيمنتهم السياسية والاقتصادية والثقافية وتأكيدها.
следующие страницы →