← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

المسلمون والعالم إفريقيا.. استقلال أم استغلال؟ الحسن عمر الفاروق جارا النسبة الأعلى من الشعوب الإفريقية لم تتأثر بموجات الغزو الثقافي الأوربي، ولا تزال تحمل حنيناً للإسلام ٨٠% من دول إفريقيا تظهر في قائمة الدول الفقيرة بالرغم من أنها من أغنى القارات مؤتمر برلين الجائر زرع ألغام الحدود السياسية في إفريقيا منذ قرن، ولا تزال تتفجر لليوم بين حين وآخر كان وجود الاستعمار بأجلى صوره، وأقصى أنواعه الاستغلالية واتجاهه نحو تنصير شعوب القارة الإفريقية دافعاً بشكل كبير لظهور الميول الاستقلالية لدى كثير من شعوبها، ومعها نشأت اتجاهات الكفاح المسلح من أجل تقرير المصير. ثم تطورت تلك الحركات من المراحل السلمية حيث استخدام الإعلام والمحافل الدولية إلى العنف بعد إحكام السيطرة، واستخدام السلاح والقوة؛ فرصد الغرب الاستعماري تلك الحركات، وتدارك الميول الجديدة في إفريقيا التي باتت هي الاتجاه السائد، وبسبب التطورات التي حدثت في العالم، رأى الاستعمار أنه من الأفضل لمصالحه أن يلتقي مع تلك الاتجاهات وهي لا تزال ضعيفة وفي بداياتها غير المتطورة؛ بدلاً من أن يصطدم بها ويساعد بذلك على بلورتها في اتجاهات خطيرة عليه في المستقبل، كخلق حالة من النهوض واليقظة، تتوسع لتشمل إفريقيا كلها [١] . بل أدرك الغرب عن كثب أن حالة كهذه لن يكون المرفوض فيها هو الوجود الاستعماري فحسب؛ بل يقود ذلك إلى رفض أفكاره، وما تتضمنه من نظرة أداء (رسالة الرجل الأبيض) في توعية الرجل الأسود وتحضيره (حسب زعمهم) والتي معناها: النظر إلى المستعمرات على أنها أقاليم منتجة لصالح الرجل الأبيض، وقد أوجدت تلك السياسة الاستعمارية ردود أفعال قسمت السكان في البلدان الإفريقية إلى فئات ثلاث: الفئة الأولى: وتضم جماهير كل الشعب من الذين وقفوا على الحياد بحكم عوامل موضوعية أهمها: عدم القدرة على استيعاب حقيقة ما يجري حولها، وذلك باعتبار أن الغالبية العظمى كانوا ولا يزالون في عداد الأميين. الفئة الثانية: وهي التي قبلت فكرة الدمج وتحمست لها لأسباب مختلفة: إما بفعل العامل الثقافي، أو نتيجة للسياسة التي ابتدعها الاستعمار؛ تطبيقاً للمبدأ ... التقليدي: (فرّق تسد) ، كما نجد المثال على ذلك فيما عرف بنظام المناطق ... الأربعة في السنغال، ويعني منح الجنسية الفرنسية بصورة تلقائية لكل من يولد في المدن الأربعة الآتية: سان لويس روفِسْك غوري داكار. الفئة الثالثة: وتضم الثائرين بدوافع وطنية الذين رأوا في الاستعمار شراً مستطيراً يجب محاربته، فوضعوا تصورهم موضع التنفيذ، ونظموا حركات المقاومة المسلحة. وكانت المحصلة نمو الأفكار التي يسميها الإعلام الغربي بـ (الأفكار المتطرفة) . وهذه الفئة هي التي جابهت الاستعمار منذ البداية، وسعت جادة للحيلولة دون تحقيق التكالب الغربي، وعملت لتوحيد أبنائها، وإيجاد التغيير الجذري لرفض ثقافة الغرب ونظرياته، ثم إخراجه، ولكن تم قمعها بشراسة من المستعمر. وقد مثلت تلك الحالة عملية انفصال عميق بينه وبين إفريقيا امتدت لأجل طويل. يضاف إلى ذلك وصول بعض الأفارقة إلى مستوى ثقافي عال، فتفتحت عيونهم على الأوضاع في بلادهم، وانتبهوا إلى ضرورة أداء واجبهم نحوها، ثم الاحتكاك الثقافي والحضاري بين الأفارقة وغيرهم أثناء الحروب التي فرضت عليهم أن يشاركوا في تحمل ويلاتها دون أن يجنوا ثمار تلك التضحيات، إلا أنها ساعدت على تبلور الوعي السياسي عندهم. وأكثر من ذلك؛ فالمؤتمرات الإفريقية الآسيوية التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية بالذات، والتي أظهرت لشعوب القارتين وحدة الأهداف ووحدة المصير هذه العوامل ساهمت بشكل فعال وأيقظت روح التحرر والمقاومة والسعي إلى تقرير المصير لدى الأفارقة؛ ولم يستطع الاستعمار إزاء ذلك أن يستمر في فرض سيطرته على شعوب القارة ودولها، بل أيقن أن الاستقلال أصبح وشيكاً وأكيداً بعد الحرب العالمية الثانية. ففي عام (١٩٥٧م) أصبحت (غانا) أول دولة مستعمرة في غرب إفريقيا تحصل على استقلالها. ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام (١٩٧٥م) تم استقلال جميع الدول المستعمرة في غرب إفريقيا وتحررت من السيطرة الأجنبية شكلياً؛ وبقيت رهن إرادة سيطرة الأجنبي في مؤسساتها باستثناء عدد قليل نسبياً وسمي عام (١٩٧٥م) عام إفريقيا. المشكلات الإفريقية: يتضح أثر السياسات الاستعمارية فيما عانته ولا زالت تعانيه الدول الإفريقية من مشكلات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية. وقد برزت مشكلات الحدود على قمة المشكلات الإفريقية، وفيما يلي عرض لأهم هذه المشكلات: ١ - مشكلات الحدود السياسية: عندما نالت الدول الإفريقية استقلالها لم يكن أمامها مفر من أن تقبل بحقيقة الحدود السياسية المصطنعة. وترجع هذه المشكلة إلى الأسس غير المنطقية التي خططت على أساسها الحدود بين مناطق النفوذ الأوروبي في القارة؛ وفي الواقع فإن دول غرب إفريقيا من أكثر دول القارة الإفريقية تأثراً بعملية التجزئة التي اتبعتها القوى الاستعمارية الأوروبية في إفريقيا؛ حيث قامت بتقسيم القارة إلى وحدات استعمارية متعددة تصل إلى إحدى وأربعين وحدة سياسية، وقد بدأت في تقسيم تلك الوحدات نفسها على أسس عرقية وقبلية، وكان ذلك واضحاً تماماً في غرب إفريقيا الفرنسية A. O. F منذ أن أصدرت فرنسا قانون عام (١٩٥٦م) (١) (Lois Cadre) ، الذي نص على اختيار (جمعية وطنية إقليمية منتخبة) ... مما ساعد على إيجاد سلسلة من الدول الضعيفة، بدلاً من توحيد الإقليم في اتحاد فدرالي قوي قد يناوئ السياسة الفرنسية في المنطقة ... ولم يكن من المستبعد عودة القوى الإصلاحية التي تبدو غائبة عن الساحة، وعن مجريات الأمور السياسية إن هي أفسحت المجال لقيام مثل هذه الاتحادات ... لذا ضغطت فرنسا على داهومي (بنين حالياً) ، وبوركينا فاسو للانسحاب من الاتحاد الفيدرالي المشار إليه الذي كان من شأنه أن يكلف فرنسا في المستقبل ثمناً باهظاً، وجاءت الوحدات السياسية مثقلة بالمشاكل التي ستكلل مسيرتها وتتغير بسببها جهود التغيير والإصلاح؛ وتتضح هذه الحقيقة أيضاً إذا نظرنا إلى هذه الوحدات نظرة فاحصة ثم إلى خريطة القارة قبل عام (١٨٨٤ ١٨٨٥م) فقد تم رسم هذه الحدود بشكل يتنافى تماماً مع الوضع الطبيعي لأي تقسيم سياسي. فنجد مثلاً (غامبيا) التي رفضت سياسة الاستيعاب تعتبر جزءاً من جمهورية (السنغال) فهي تقع في وسط السنغال. بجانب ذلك نجد (توجو Togo لاند) ، وحدة اصطناعية، فأهلها يشبهون سكان البلاد المجاورة (غانا بنين) ، وأقسامها الجغرافية هي أقسام جيرانها [٢] فشعب (الأيوي مينا Minai) الساحلي كان قبل التحرر موزعاً بين النفوذ البريطاني (غانا) ، وفي توجو الفرنسية، وفي جزء من داهومي، مع فروق جوهرية في الخلفيات الحضارية، وقد انتهى الأمر بعد عهد التحرر إلى تكوين جمهورية غانا، وجمهورية توجو، وبنين. وإلى جانب هذا تكمن المشكلة القبلية في كثير من الوحدات السياسية، (كالهوسا) في شمال نيجيريا؛ حيث ينتشر أفرادها بين نيجيريا والنيجر والكاميرون. ولقد برزت مشكلات الحدود بصورة واضحة فيما يلي: نزاع دائم بين الكاميرون ونيجيريا على الحدود بسبب الخلاف على تحديد مناطق التنقيب عن البترول. مشكلات الحدود بين مالي، وبوركينا فاسو، (والجزائر، والنيجر، وليبيا) التي أدت إلى الاقتتال بين مالي، وبوركينا فاسو عام ١٩٨٣م. مشكلة الحدود بين موريتانيا، والسنغال؛ حيث نشبت في نيسان (١٩٨٩م) مشكلة حادة بينهما، بدأت بأحداث بسيطة في المنطقة الجمركية على نهر السنغال، وانتهت إلى اشتعال فتيل القتال بين الموريتانيين البيض، وأبناء الجالية السنغالية في البلاد، وبين الزنوج (الموريتانيين السود) أنفسهم. وستظل مشكلات الحدود الإفريقية هذه بشكلها الراهن إلى أجل يصعب التكهن به، وهي من الآثار السياسية التي تعاني منها القارة منذ استقلالها إلى اليوم، وهي ثمرة مؤتمر برلين الجائر (١٨٨٤ - ١٨٨٥م) . ٢ - مشكلات اقتصادية: من المشكلات الحادة التي تواجه دول إفريقيا دون استثناء مشكلة التخلف الاقتصادي منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن؛ إذ كان للاستعمار الغربي وخاصة الفرنسي نفوذ واسع النطاق في مختلف بلدان القارة. فقد خلفت السيطرة الاستعمارية بشكل عام وراءها أوضاعاً اقتصادية متخلفة جعلت الدول الإفريقية تواجه صعوبات جمة في سبيل تنمية مواردها ورفع مستوى معيشة شعوبها بمعدلات سريعة؛ ذلك لأن البنية التحتية للاقتصاديات الوطنية كان قد تم اقتلاع أسسها، بالإضافة إلى نهب الموارد التي كانت ستمثل دعماً مهماً للنظم التي ستقوم مستقبلاً لبناء الاقتصاد الوطني بشكل قوي. وقد أدى النمط الاقتصادي الذي أرسته فرنسا وإنجلترا في المنطقة إلى جعل مستعمراتها مرتبطة بها على وجه الخصوص بروابط اقتصادية وثيقة من الصعب التغلب عليها. فبعد أن تم تقسيم إفريقيا لمناطق نفوذ بين الدول الأوروبية في مؤتمر برلين، خرجت هذه الدول بعد عصر الاستعمار، وهي تعاني من نتائج السيطرة الأجنبية على مواردها الاقتصادية، واستنزافها لصالح الدول المستعمرة، والتي تتمثل في قلة الخبرة الفنية، وعدم توافر رؤوس الأموال الوطنية، وسوء استغلال الثروة القومية، وارتباط الاقتصاد الإفريقي باقتصاديات الدول الاستعمارية، وقصور وسائل النقل والمواصلات. وبالرغم من أن القارة الإفريقية تعد من أغنى قارات العالم، بالنظر لثرواتها الطبيعية وموارد القوى الموجودة فيها، إلا أن ٨٠% من الدول الإفريقية تظهر في ذيل القوائم العالمية الخاصة بثلاثة عشر مؤشراً للرفاهية الاجتماعية. وقد قال الرئيس د. نكروما في كتابه: (الاستعمار الجديد La nouvélle colonisation) (أرضنا غنية، ولكن منتجاتها التي تأتي من فوق تربتها ومن تحتها لا تعمل على إثراء الإفريقيين أنفسهم، بل جماعات وأفراد آخرين يعملون على أن تظل القارة في حالة فقر ... ) [٣] . وإذا دققنا النظر في الأوضاع الاقتصادية لهذه الدول نجد أن مشكلاتها تزداد حدَّة بسبب محدودية الاستفادة من مواردها الطبيعية؛ فنجد أن ميراث الماضي ما زال يؤثر على القاعدة الاقتصادية مما نتج عنه اقتصاد متخلف، ومستوى صناعي وتكنولوجي متأخر. هذا بالإضافة إلى نقص في البنية الأساسية، والخدمات الرئيسة، وصغر حجم السوق المحلية. هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى الاعتماد الكبير على الاستيراد؛ نظراً لمحدودية الإنتاج الصناعي في هذه الدول، وافتقارها إلى المهارة الفنية التي تجعلها تحافظ على مقدرة فنية عالية، والاعتماد على رأس المال الأجنبي، والتكنولوجيا الأجنبية. إن ميراث العهد الاستعماري ميراث ثقيل على كاهل الدول الإفريقية المستقلة بلا جدال، وسيبقى لفترة طويلة عاملاً مؤثراً في توجيه العلاقات الثقافية والاجتماعية بين دول القارة، وتمكين القوى الخارجية من التدخل في قضايا المنطقة الداخلية ... وليس من شك كذلك في أن الدول الإفريقية ستحتاج إلى فترة طويلة للتخلص بشكل نهائي أو جزئي من تلك التركة، لكن هذا العمل يبقى ضرورياً لكي تشهد القارة مستقبلاً ما يرشحها لأن تقوم بوظيفة جوهرية تتحقق فيه آمال وتطلعات شعوبها. وإلى جانب التخلف الاقتصادي مثلاً ترى هناك جانب الاستقلال الوطني الذي له ارتباط وثيق وصلة عميقة بمسيرة هذا التقدم الاقتصادي ... فالباحثون في الشؤون الإفريقية يرون أن العبرة ليست في الواقع بإعلان استقلال هذه البلاد، ورحيل المستعمر؛ بل بتصحيح العلاقات التي تربط المستعمر السابق بالشعوب الإفريقية، هذه العلاقات التي جعلت هذه الشعوب أسواقاً للسلع الأوروبية، وجعلت أوروبا السوق الوحيد لمنتجات هذه الشعوب وثرواتها المعدنية [٤] . ولعل موازين مدفوعات، وإحصائيات التبادل التجاري في الدول الإفريقية توضح إلى أي مدى ارتبطت هذه الدول بالدول الأوروبية. ولأن إفريقيا من أكثر القارات تأثراً بعملية التجزئة التي اتبعها المستعمر؛ حيث قام كما أسلفنا بتقسيم القارة إلى إحدى وأربعين وحدة سياسية، ثم قام بالتعاون مع الفئات التي استلمت زمام الحكم في الدول المستقلة بعملية خطيرة قديماً وحديثاً للحيلولة دون توحيدها لتكوين وحدة سياسية واقتصادية.. هذه العملية نفذها الغرب عن وعي، وتعاونت معه تلك الفئات الإفريقية في الغالب دون وعي، ويحاول الفكر الغربي وأعوانه إعطاء هذا الوضع طابع التحرر والموقف الإنساني؛ وهو في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك؛ فهو صادر عن الموقف الاستعماري ذاته ولخدمة المصالح الأنانية ذاتها ... ولا يعدو هذا التسويغ أن يكون أسلوباً لمواجهة الظروف المستجدة نحو الوحدة ... وإلا فالاستعمار بقي كما هو ولم يتغير مضموناً. وإن كانت الحاجة ملحة إلى إحداث تغيير شامل في الأوضاع القائمة في القارة بدءاً بتحرير كل المنطقة من الهيمنة الخارجية التي اختلفت شكلاً عن الأسلوب الاستعماري المباشر، واتفقت معه موضوعاً، فإن الضرورة تلح كذلك على أن يتم تهيئة المناخ للإنسان الإفريقي، ليصبح قادراً على التخلص من السلبيات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي تعاني منها الدول الإفريقية. وإذا كانت معظم هذه الأمراض الفكرية والنفسية ترجع جذورها إلى الطريقة الاستعمارية التي كانت تسعى إلى خلق مثل هذه العقلية في المنطقة، والتي تتجاوب مع متطلبات بقائها في القارة؛ فإن هذا لا يدعونا إلى إلقاء التبعة على الماضي فقط، ... ولن يعفى أبناء إفريقيا من المسؤولية. وهذا التغيير لا يحدثه التعلم، ولا زيادة الدخل، أو الصحة، بل الأمر متعلق بالسلوك والأخلاق، والشخصية الإنسانية من جميع النواحي في قرار المواطن؛ وليس هذا مستحيلاً في الحياة البشرية؛ فقد أحدث الإسلام ذلك في رعيله الأول، حتى جمع الجباة أيام عمر بن عبد العزيز الزكاة والصدقة في إفريقيا ولم يجدوا من يأخذها. فالأوضاع السلبية المترسبة من آثار الاستعمار في إفريقيا الغربية تنتظر نفوساً تؤمن بالمساواة وتنبذ القبلية والأنانية والطمع، وتأخذ بيد الجميع إلى السعادة والرفاهية، في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ لكن نجاح هذه العملية المبدئية لن يتم إلا عندما توجد القيادة التي تمثل النموذج الذي ينظر إليه العامة، فيعجبون به فيسيرون على خطاه. ٣ - مشكلات اجتماعية وسياسية: إذا اتجهنا نحو القضايا والمشكلات الاجتماعية، وهي غالباً ما تكون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقضايا والمشكلات الاقتصادية، وجدنا أن الأغلبية الساحقة من الحكام الأفارقة تدرك حق الإدراك أنها عاجزة عن إحداث تغيير جوهري في الظروف التي ما زالت مجتمعاتها فيها بعيدة عن إمكانية الاكتفاء الذاتي، كمشكلة القضاء على الجوع، أو تقديم الخدمات الطبية والتعليمية الشاملة ... إلخ، ناهيك عن جملة قضايا البيئة، مما ينعكس سلباً على الأوضاع الاجتماعية في إفريقيا كلها. والذي تجدر الإشارة إليه هنا أننا نرى أنه بالرغم من الأزمات الاقتصادية الحادة التي تعاني منها الدول الإفريقية؛ فإنها تتمادى في اقتطاع مبالغ هائلة للحصول على الأسلحة في حين تعمل الدول المتقدمة على تقليل نسبة الإنفاق على التسلح وزيادة نسبة الإنفاق على نواحي الرفاهية الأخرى مثل الصحة والتعليم، وليس أدل على ذلك من دولة عظمى مثل: الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت بتخفيض نسبة الإنفاق على التسلح ورفعت نسبة الإنفاق على التعليم والصحة؛ ففي خطة الموازنة لعام ١٩٩٥م التي وضعتها إدارة الرئيس الأمريكي كلينتون تم تخفيض موازنة الدفاع بنسبة ٣% عن موازنة عام ١٩٩٤م بينما تم رفع موازنة التعليم بنسبة ٥% وموازنة الأمن الاجتماعي بنسبة ٥% [٥] . وإذا كانت الدول المتقدمة تعمل على تصريف هذه الأسلحة إلى الدول النامية بأي ثمن كان؛ فمعظم أقطار دول غرب إفريقيا تغالي في تخصيص الإنفاق الحكومي على الدفاع على حساب التزاماتها نحو رفع مستوى الخدمات الاجتماعية؛ فاقتطاع جزء من تلك النفقات يمكن أن يوجه لإنتاج الغذاء اللازم للسكان. وقراءة سريعة للائحة المساعدات العسكرية الغربية للدول الإفريقية تجعل الباحث يميل إلى ترجيح الرأي القائل بفساد الحكم والحكام، واختلاسهم لموازنات الدول ووضعها في حساباتهم الخاصة في البنوك الأجنبية، سواء كان ذلك بإيعاز من الخارج أو لقلة إدراكهم وشعورهم بالمصلحة العامة. وإن كان يصعب إثبات ذلك، إلا أن ما يتم نشره من أرقام عن ثروة بعض الحكام بعد خروجهم من الحكم يرجح هذا القول. فالتحيز إلى جانب الإنفاق العسكري لا يمثل هذه المبالغ، ولا يمكن تسويغه بحجة الحفاظ على الأرض؛ فالحفاظ على المجتمع مطلوب أيضاً ومن شأنه التقليل من النفقات العسكرية لأداء خدمات الدولة الأخرى التي تعتبر ضرورية كالصحة والتعليم ... فالخطر الأكبر الذي يهدد العديد من هذه الدول اليوم لم يعد افتقارها إلى الأمن الكافي (طبعاً باستثناء بعض دول المنطقة) ولا مواجهة عدو أو معتدٍ خارجي، ولا حتى القضاء على العناصر التي تزعم أنها تهدد الوحدة الوطنية أو أمن الدولة؛ بل إن أشد ما يهدد هذه الدول في المجال الاجتماعي هو المجاعة التي تنذر بإبادة السكان. وتزداد خطورة الوضع الاجتماعي خصوصاً في منطقة جنوب الصحراء؛ حيث تذكر الإحصاءات الصادرة عن البنك الدولي أن معدل نمو إجمالي ... الناتج القومي للمنطقة في الفترة من: (١٩٨٥ - ١٩٩٠م) ، يتراوح ما بين (١% و١.١ %) ، وهو معدل منخفض للغاية، وعلى المدى الطويل فإن نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي لعام (٢٠٠٠م) ، سيقدر بـ (٢١٨ -٣١١ دولاراً ... سنوياً) ، بالنسبة لمعظم البلدان الإفريقية ذات الدخل المنخفض [٦] ، ويوضح الدكتور عصام الدين جلال انعكاسات هذا الوضع بأن هذه المنطقة تحتل مركزاً متأخراً في مجال التنمية التي هي إحدى ركائز التقدم الاجتماعي؛ يضاف إلى ذلك ثلاثة من المؤشرات الرئيسة للتنمية وهي: نصيب الفرد في إجمالي الناتج القومي معدل القراءة والكتابة ثم متوسط العمر المتوقع. إن إفريقيا وهي تواجه مشكلة الجفاف المتزايد، تقف دولها اليوم عاجزة أمام التزايد السكاني في القارة، وهي غير قادرة على توفير الطعام اللازم لمواطنيها، بل إن التزايد السكاني يحد كل يوم من نصيب الفرد في الموارد الغذائية المتاحة، فيؤدي ذلك إلى مزيد من التعقيد للمشكلات، كما يسهم عدم الاستقرار السياسي إلى حد كبير في ازدياد مشكلات هذه الدول؛ فكثرة التغيير في أنظمة الحكم، وتوالي الانقلابات العسكرية في القارة، لها عواقب وخيمة على الدول الإفريقية، خاصة أن الحكومات الجديدة قلَّما تبذل جهداً كافياً من أجل التوفيق والمصالحة بين الأطراف المتنازعة [٧] ، بل ترفض الحل الوسط وكل ما من شأنه أن يكون لصالح البلد؛ وهذا ما حدث في زائير مثلاً عام ١٩٩١، وتكرر في عام ١٩٩٣م؛ إذ رفض الرئيس موبوتو (MOBOUTO) الانصياع لإرادة الشعب وذلك بدعم من فرنسا وبلجيكا ... وهي المشكلة عينها القائمة في توجو في حكومة الرئيس أباديما نياسبي. وهناك أيضاً مشكلة تدخُّل الحكام في تزوير أو إلغاء الانتخابات، كما جرى في الانتخابات التي جرت في مالي (في مايو/ أيار ١٩٩٢م) وفي توجو ونيجيريا. ويجدر هنا أن نشير إلى ما تواجهه غالبية الدول الإفريقية من مشكلات عرقية وقبلية، وقد برزت هذه المشكلات بشكل خاص في كل من سيراليون ونيجيريا. ٤ - مشكلات تعليمية: الموضوع الذي يطرح نفسه دائماً وبإلحاح في عرضنا للمشكلات الإفريقية بعد الاستقلال هو أن الأوضاع الإفريقية التي تشكلت بعد الانسحاب الاستعماري هي نفسها الأوضاع الموجودة الآن كما أسلفنا.. ويتأكد هذا الواقع أكثر فأكثر في المجالات التعليمية، والثقافية. فبعد أن تم التكالب والسيطرة الأوروبية على هذه الدول كانت المحصلة النهائية هي فرض ثقافة موحدة على هذه الدول، شأنها في ذلك شأن الأوضاع السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وبالرغم من أن أثر هذا الفرض ودرجته قد اختلفت من بلد إلى آخر، ومن نوع حكم استعماري لآخر؛ إلا أن العناصر الأساسية بقيت قائمة ومنسجمة؛ ذلك أن تلك الدول تنهل من الحضارة ذاتها، ومن معين الثقافة نفسها، ولكن الذي يجب ألا ننساه في الوقت ذاته تلك المبالغات في تعميم تأثير تلك الثقافات على دنيا سكان القارة من بعض الكتاب في الشؤون الإفريقية؛ فبالرغم من تطابق التجربة التي خاضتها المجتمعات الإفريقية في كل مكان؛ يبقى تأثير الثقافات الأوروبية وأفكارها عشية الاستقلال مقصوراً على جزء صغير من السكان في أي بلد، وهي المجموعة الصغيرة التي وجدت هويتها مع القيم الثقافية للنظم الاستعمارية والتي تدّعي بأنها (النخبة التي قبلت الإيديولوجية الغربية، واندمجت مع سياسة الاستيعاب) . أما الجماهير الريفية والتي نكاد نجزم أنها مسلمة في أكثر المناطق فقد رفضت الاستيعاب وقاومته، وهي تشكل (٨٠%) من السكان الإفريقيين الذين لم تمسهم تلك المؤثرات الغربية الأوروبية [٨] . فتأثير الثقافات الغربية الوافدة على مستوى القارة الإفريقية غير متوازن؛ فمن البلدان من استجاب نسبياً لهذه الثقافات، ومنها من حاربها وقاومها مقاومة شديدة، وفي شرق إفريقيا وغربها؛ حيث دخل الإسلام ولعب دوراً هاماً؛ إذ استطاع المسلمون أن يغيروا الكثير من المفاهيم القديمة لتحل محلها المفاهيم الإسلامية والقيم الروحية التي من شأنها أن تسمو بالإنسان، وترفع من شأنه ومستواه في عدة مجالات؛ لذلك فإنه عندما وفدت الثقافات الغربية، والتيارات الفكرية الأخرى لم يكن من السهل عليها أن تجد الطريق ممهداً أمامها كي تؤثر على هؤلاء الذين عرفوا المنهج الإسلامي والتربية الإسلامية الصحيحة، فقاوموا كل تيار وافدٍ عليهم، وظل الإسلام ينتشر في ربوع القارة، ولكن ذلك لا يعني أن غيرهم لم يتأثروا بالأفكار الغربية وقيمها وثقافتها فيما بعد بشكل مطلق؛ ذلك لأن المستعمر استعمل شتى الوسائل والطرق والأساليب المتنوعة لفرض قيمه الثقافية والفكرية، ولم يجد المسلمون بُدّاً من التأثُّر بالواقع المفروض، فانخرطوا مع تلك القيم، وقبلوا الثقافة طوعاً أو كرهاً كأمر واقع، ولم يحسنوا التعامل معها فانعكست النتائج عليهم سلباً، وأثرت في سلوك كثير منهم من حيث الوعي، وما عادوا يحملون من الفكر الإسلامي الصحيح إلا قليلاً، وأصبح حالهم كحال غيرهم من مجتمعات دول العالم الإسلامي؛ وهذا الواقع يستلزم اتخاذ خطوات جادة ومدروسة.

стр. 3362

المسلمون والعالم المسلمون في حوض البحر الكاريبي محمد عبد الجبار المسلمون فئات يعمل كثير منها لقوميته أكثر من دينه فهذا سر ضعفهم الأحوال الشخصية بين المسلمين لا سيما الجيل الجديد لا تحترم قيم الإسلام، ومن هنا نشأ الاضطراب الاجتماعي بينهم يمكن تقسيم أقاليم حوض الكاريبي إلى ثلاث فئات رئيسة حسب قوتها العددية، وتطورها التنظيمي، وحال المجتمع المسلم فيها: ... الفئة الأولى تشمل: ترينداد وغويانا، والمسلمون هنا منظَّمون ويمثلون مظهراً للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. الفئة الثانية وتشمل: الأقاليم التي ظهر فيها الإسلام بطريقة طبيعية خلال العقدين الماضيين؛ ويتنامى فيها عدد المسلمين تدريجياً وهي: جمايكا، باربادوس، جرينادا. الفئة الثالثة تشمل: أقاليم فيها تنظيم للمسلمين الجدد، وفيها مؤسسات إسلامية قد تكون موقعاً واحداً في كل من: دومينكا، سينت لوسيا، سنت فنسنت، برمودا، انتيجوا برمودا، جزر العذراء البريطانية، مونتيسرات. ويتناول هذا المقال بالتفصيل الفئتين: الأولى، والثانية. - ترينداد وتوباغو: تتكون جمهورية ترينداد وتوباغو من: ترينداد والجزر الواقعة في أقصى جنوب الكاريبي، والمناخ هنا استوائي، وفصل الجفاف يمتد من يناير إلى مايو، أما اللغة الرسمية فهي الإنجليزية وهي الغالبة، بينما هناك من يتحدثون الفرنسية والأسبانية والهندية والصينية. نبذة حول تاريخها الحديث: استعمر الأسبانيون ترينداد عام ١٥٣٢م؛ ولكنهم تخلوا عنها للإنجليز في عام ١٨٠٢م. وقد جرى ترحيل الأفارقة إلى الجزيرة ليعملوا رقيقاً حتى عام ١٨٣٤م؛ حيث أُلغي نظام الرق، وقد أدى نقص العمالة إلى وصول أعداد كبيرة من الهنود والصينيين المهاجرين عمالاً بعقود لأجل محدد خلال القرن التاسع عشر. في عام ١٨٨٨م انضمت إليها جزيرة توباغو التي كان قد جرى تسليمها للإنجليز عام ١٨١٤م، وأصبحتا وحدة سياسية وإدارية واحدة، وظلت المنطقة مستعمرة بريطانية حتى الاستقلال في ٣١/٨/١٩٦٢م، وكان أول حزب سياسي جرى تأسيسه هو (حركة الشعب الوطنية) PNM وكان ذلك في عام ١٩٥٦م على يد مؤسسه د. إريك ويليامز، وقد نجح الحزب في الفوز بعضوية المجلس التشريعي في سبتمبر ١٩٥٦م، وأصبح د. ويليامز الوزيرَ الأول للمستعمرة في أكتوبر ١٩٥٦. وفي عام ١٩٥٨ أصبح الإقليم عضواً في اتحاد الهند الغربية الذي جرى تأسيسه، وفي العام التالي حصل على الحكم الذاتي الكامل؛ حيث أصبح د. (ويليامز) رئيساً، وفي عام ١٩٦٧م أصبحت ترينداد وتوباغو أول عضو من الكومنولث في منظمة الدول الأمريكية، وقد أدت السياسات الاقتصادية الصارمة لخلفه (جورة شامبرز) إلى عدم الاستقرار في البلاد، ومن بين تلك الاضطرابات إضراب عمال مصفاة البترول في مايو ١٩٨٤م. وفي الانتخابات التالية في عام ١٩٨٦م فاز الحزب الآخر NAR؛ حيث حصل على ٦٦% من مجموع الأصوات وعلى ٣٣ مقعداً من أصل ٣٦ من مقاعد مجلس النواب، وتم تعين روبنس رئيساً للوزراء، وفي مارس ١٩٨٧م تولى القاضي السابق (نور حسن علي) الرئاسة بعد تقاعد السيد إليس كلارك. في ٢٧ يوليو ١٩٩٠م حاول بعض أعضاء (جماعة المسلمين) وهي جماعة صغيرة يقودها ياسين أبو بكر الاستيلاء على السلطة فدمروا رئاسة الشرطة في العاصمة، واستولوا على مبنى البرلمان وتلفاز الدولة، وحجزوا ٤٥ شخصاً رهائن من بينهم رئيس الوزراء روبنسن وبعض الوزراء وكانت مطالبهم هي استقالة رئيس الوزراء، وإجراء الانتخابات خلال ٩٠ يوماً، ومنح العفو للذين قاموا بالمحاولة الانقلابية. وفي أول أغسطس ١٩٩٠م استسلم أصحاب المحاولة دون شرط، ورُفض العفو الذي منحه لهم رئيس مجلس الشيوخ (جوزيف أمانويل كارتر) بوصفه رئيس الدولة بحجة أن ذلك العفو جرى تحت التهديد. وأدين (أبو بكر) وزملاؤه بالخيانة العظمى؛ حيث كان قد قُتل حوالي ٣٠ شخصاً، وأصيب حوالي ٥٠٠ شخص خلال تلك الأيام الخمسة. وفي الانتخابات التي جرت في ديسمبر ١٩٩٥م فاز حزب المؤتمر الوطني الموحد، والمسلمون الذين فازوا في الانتخابات المذكورة هم: د. رضا محمد، د. فؤاد خان، رزاق علي، د. حمزة رفيق، وقد حصلوا جميعاً على مقاعد وزارية عدا د. فؤاد خان. وكانت رئاسة الوزارة للسيد بانداد. حال المسلمين اليوم: يعيش المسلمون في بيئة مختلطة لا في مجتمعات خاصة بهم، ويشكلون حوالي ٦ أو ٨% من إجمالي عدد السكان الذين بلغ تعدادهم مليوناً ومائتي ألف نسمة سنة ١٤٠١هـ ١٩٨١م. وصل المسلمون الأفارقة إلى ترينداد وتوباغو قبل الهنود المسلمين بحوالي قرن من الزمان، وعلى أي حال، فإن عدد المسلمين الهنود يفوق عدد المسلمين الأفارقة في الوقت الحالي بنسبة ٢٠: ١. وحرية ممارسة الإسلام منصوص عليها في الدستور، وتمنح القوانين السارية الحق للمسلمين في ممارسة أسلوبهم في الزواج، والمنظمات الإسلامية تشملها القوانين السارية، وتجد مجالس المدارس الإسلامية الدعم الحكومي؛ كما أن المسلمين أنفسهم يحتلون مواقع مهمة في الحكومة والجامعة والقضاء. ومن الوزراء المسلمين: السيد كمال الدين محمد، والسيدة موريل فاطمة دوناوا ماك ويفدسون، صافي شاه، شمس الدين محمد، كما أن حفيظة خان كانت عضواً في البرلمان. كما عمل يوسف جمال ﵀ مدعياً عاماً. وهناك أسماء أخرى كثيرة عملت في وظائف حكومية في البرلمان الذي كان يرأسه لمدة ١٥ عاماً. د. وحيد علي وقد ترأس الحكومة في عدد من المناسبات. وفي الوقت الحاضر يتولى القاضي شفيع شاهد، والقاضي كليم رزاق، والقاضي زينول حسين، والقاضي مصطفى إبراهيم عضوية محكمة الاستئناف، وهناك غيرهم في الهيئة القضائية، أما الرئيس الحالي لجمهورية ترينداد وتوباغو هو القاضي حسن علي. ومنذ الستينيات ومع افتتاح الجامعة كان حضور المسلمين واضحاً كبقية الأديان، وهناك حوالي ٢٠٠ طالب من المسلمين في الجامعة، وللأساتذة المسلمين دور واضح في الجامعة ومن بينهم د. نظير مصطفى (الرئيس الحالي لاتحاد مسلمي ترينداد) . وهناك الجمعية الإسلامية في الجامعة وقد أنشئت عام ١٩٦٩م، وهي جمعية نشطة للغاية؛ حيث تجتمع أسبوعياً. وبالإضافة إلى صلاة الجمعة فهناك دروس إسلامية ومحاضرات عامة، واحتفال بالتخرج، وعرض المطبوعات الإسلامية في مكتبة الجامعة خلال شهر رمضان على الأخص، ويرتبط كل العاملين في الدولة أو القضاء أو الجامعة بالعمل الإسلامي سواء على مستوى المؤسسات أو المنظمات أو الجماعات المحلية أو على المستوى التنظيمي. ويدل هذا على حرص المسلمين على مكانتهم؛ حيث يظهر صوتهم في تسيير شؤون البلاد. حرية التعبير: أول محاولة لإذاعة إسلامية قامت بها (رابطة البعثات الإسلامية) التي تأسست في أوائل الستينيات بقيادة محمد قمر الدين حسين، ويوسف متشل، ولم تكن توجد موارد لتغطية نفقات البث في إذاعة ترينداد ولو لمدة نصف ساعة (٧٥ دولار) ، فتقدمت امرأة مسلمة مسنة بتبرع ساعد على ذلك، وكان للبرنامج صدى طيب في ترينداد والكاريبي عموماً، واستمرت الدعوة لعدد من السنوات في شهر رمضان عبر التلفزيون والراديو وكذلك في مناسبات مثل: عيد الفطر، وعيد الأضحى. وفي الوقت الحاضر يوجد ٦ برامج إسلامية تُبَثُّ أسبوعياً عبر الإذاعة ينظمها عدد من المنظمات الإسلامية ويرعاها رجال أعمال مسلمون، وتشمل قراءات من القرآن الكريم مع ترجمة لمعانيه، إضافة إلى برامج دعوية وبعض الأناشيد. وهناك فرصة لنشر الآراء الإسلامية عبر الصحف وإن كانت مثل غيرها في جميع وسائل الإعلام نادراً ما تظهر دون تحرير. ووسيلة الإعلام الوحيدة التي يملكها المسلمون هي: (اقرأ برودكشنز Iqra productions) التي أسستها فاضلة خان وزبار بخش عام ١٩٨٨م. ومنذ عام ١٩٨٧م يظهر صباح كل سبت (أضواء على الإسلام) وهو برنامج مدته نصف ساعة، وتواصل ذلك حتى يوليو ١٩٩١م، وهي وسيلة إعلانية إلكترونية، وكان رجال الأعمال يتبرعون للبرنامج، وكثير من المنظمات الإسلامية ظهرت في مجال إنتاج اللوحات، وقد بلغت قيمة الإعلانات ٣٠٠٠ دولار للبرنامج الواحد مما قاد إلى نجاح ملحوظ. وقد تم تسجيل البرنامج على شرائط بواسطة تلفزيون ترينداد وتوباغو وهي مؤسسة غير إسلامية وعلى أي حال فقد استطاع المسلمون بعد تجميع الأموال شراء معداتهم الخاصة بهم بقيمة ٧٠.٠٠٠ دولار وأسسوا الأستديو الخاص بهم. وقد توقفت البرامج التلفزيونية مؤقتاً بسبب التمويل. وهناك حاجة إلى موظفين دائمين؛ لأن المتطوعين يعملون نصف دوام، وكل الأعمال تحتاج إلى دوام كامل لتحقيق الأهداف، والبرنامج يواصل تسجيل تاريخ الإسلام في الجزيرة من الأشخاص كبار السن وهو عمل قائم بذاته ونأمل أن يعود عمل البرنامج على الهواء، وقد علمت من الأخ ميرزا أنهم تبنوا المشروع لإعادته لسيرته الأولى. وتحتكر إحدى الجماعات الهندية المسلمة المعروفة برنامجاً إذاعياً وتلفزيونياً في ترينداد وتوباغو؛ ولكن الهدف الرئيس على الرغم من أن البرنامج يبدأ بآيات قرآنية ليس نشر الإسلام بل توحيد الهنود من مسلمين وهندوس، وهو برنامج جاذب للشباب من الجنسين ويلقى رواجاً رغم أنه ومع الأسف يضعف الروح الإسلامية فيهم. النساء في ترينداد حصلن على التعليم الأكاديمي بعد تأخر طويل، وقد تأثرن بطريقة الطهي الهندية وحتى الملابس الهندية، ولكن من خرجت منهن للعمل بدأت تترك الملابس الطويلة وتلبس كما يلبس الغربيون، وإن كانت الروح الإسلامية قد عادت مرة أخرى، وعادت النساء إلى الزيِّ الإسلامي. الزواج وتعدد الزوجات: كان الآباء يتولون تزويج ذريتهم لسنوات مضت؛ ولكنْ تأثراً بالنمط الأمريكي فقد أصبح الاختيار ملكاً للمعنييْن بعد أن يلتقيا ويقررا ذلك، وهكذا نجد بعض التقاليد الغربية قد تسللت إلى المجتمع المسلم خصوصاً بين المتعلمين. ولكن لا تزال الأسرة والبنات اللائي يلبسن الحجاب ينظرن إلى اللقاءات خارج الأسرة بأنها سلوك غير إسلامي، ولا يزال بعض الأزواج الجدد يسكنون في منزل الأسرة حتى يجد المتزوِّجون عملاً وتتحسن ظروفهم الاقتصادية فيستقلون بمنازل تخصهم. وقد يكون أوضح ما يُظهر عدم الطبقية في المجتمع المسلم هو الزواج؛ حيث إن الأغنياء يوافقون على زواج بناتهم من أبناء الأسر الفقيرة إذا كان الزوج يتمتع بشخصية جيدة ويمارس الإسلام. وحتى عام ١٩٦٣م لم يكن المهر يزيد عن ٢٥٠ دولار، ولكنه في الوقت الحاضر وصل إلى أضعاف مضاعفة، ويظل الوضع يعتمد على الحالة الاقتصادية للزوج، ويوجد تعدد الزوجات في أوساط (جماعة المسلمين) . الطلاق: يُمارَسُ الطلاق عبر (محكمة طلاق المسلمين) التي أنشئت عام ١٩٦١م، وهي تمارس توجيه النصح وتقديم الاستشارات وتنفيذ الطلاق، ولكن مسائل النفقة وما إلى ذلك من توزيع للممتلكات أو نحوه فيتم على مستوى المحكمة العليا حسب القانون المدني. أما التزام الزوجين بالوفاء بالمتطلبات الشرعية فهي تعتمد كثيراً على مدى اتباعهما للمبادئ الإسلامية. وتفيد (محكمة طلاق المسلمين) أنها تعالج حوالي ٢٠ حالة في كل شهر، ولكنها تؤكد أيضاً أن ٩٠% من الزيجات غير الناجحة هي بسبب زواج بين مسلمين وغير مسلمين؛ حيث تنشأ النزاعات بسبب المخدرات أو الكحول، ويستوي الرجل والمرأة في طلب الطلاق. وتتكون هذه المحكمة من: رئيسٍ، ومحامٍ (مدعٍ عام) ، وسكرتير، وعضوين يوضحان الحكم الإسلامي في الموضوع المعروض. المشكلات الاجتماعية: تنشأ معظم المشكلات الاجتماعية بسبب المخدرات والكحول والعري والسلوكيات الإجرامية، ويتعرض المسلمون لمثالب المجتمع الذي تتفشى فيه هذه الأشياء، وبفضل من الله أخذ الوعي ينتشر بين المسلمين، ولا يعني هذا عدم تأثرهم؛ فمنهم كثير يصيبهم ما يصيب الآخرين؛ ولكن لا توجد إحصائية تقول بأنهم أكثر من غيرهم. ويساهم وجود المنظمات الإسلامية في الجزيرتين في شغل أوقات الشباب مما يساعد على ابتعادهم عن هذه الأجواء بدرجة كبيرة. المجتمع الإفريقي المسلم: معظم الأفارقة هنا يعتبرون أنفسهم (عائدين) للإسلام باعتباره دين أجدادهم أو دينهم في الصغر. وكانت توجد شكوكٌ بينهم وبين المسلمين الهنود لظن الآخرين أن الأفارقة يدخلون الإسلام بغرض الزواج من بناتهم أو طمعاً في ثرواتهم، ويعود هذا إلى الجهل وعدم الإلمام بتعاليم الإسلام والفهم الصحيح للدين. أما الآن فقد تلاشت إلى درجة كبيرة هذه الشكوك، وبدا واضحاً الاندماج بين المسلمين. ويعود الوضع الاقتصادي المتردي للأفارقة المسلمين لأسباب طردهم من عائلاتهم، وللأسف، فإنه لا يوجد صندوق أو آلية اقتصادية تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم حتى لا يعودوا إلى الجاهلية، وكثير من هؤلاء وبسبب جهلهم يعتقدون أن الإسلام هو الشيوعية وأن ما عند المسلمين يجب أن يكون مشاعاً بين الجميع، فإذا توافرت وسيلة لدعمهم بالتعليم أو توفير فرص العمل لهم فإن ذلك الجهل سوف يزول إن شاء الله ويفهمون الإسلام على حقيقته. ظهرت جماعة (أمة الإسلام) في عقد الستينيات والتي تحولت إلى (المجتمع العالمي المسلم) بقيادة إليجا محمد في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تركز على الحقوق المدنية، وقد ظهر لها فرع في لافانتيل ترينداد وكانت دعوة عرقية أكثر من أن تكون دينية، وانضم إليها السود المطالبون بالحرية، ثم تطور الأمر إلى صراع على السلطة انقسمت بموجبه الجماعة إلى: أوزكانوك أآرت (جماعة المسلمين) و (جماعة المؤمنين) . إن إظهار الإسلام (الهندي) قاد تلقائياً إلى شعور بالعزلة لدى المسلمين الأفارقة؛ لأن البرامج في الإذاعة تقدم على أنها برامج هندية مما جعل الإسلام يعرف (بالهندي) . وعلى أي حال فإن في ترينداد أكبر جالية مسلمة في الكاريبي، وأكبر المنظمات والهيئات والمؤسسات الإسلامية والجماعات التي أثرت على حياة المجتمع المسلم بدرجة جيدة. والسؤال الذي يطرح نفسه: أين الجمعيات الخيرية الإسلامية الكثيرة من فتح مشاريع تنمية وتوعية للمسلمين في هذه المناطق؟ فهم أحوج ما يكونون لها حتى لا تتلاشى دعوة الإسلام القائمة بالجهود الفردية المحدودة التي يُخشى أن تموت بموت المتابعين لها إلا أن يشاء الله غير ذلك.

стр. 3363

مرصد الأحداث حسن قطامش نار الحقد في.. نيا كروم لقد جرت سنة الله تعالى أن الصراع قائم والخلاف دائم بين أهل الحق وأنصار الباطل الذين ما فتئوا يوجهون سهامهم لحرب أهل الإسلام باذلين الغالي والنفي مستخدمين في ذلك شتى الحيل والأساليب. لكن لا بد لأهل الحق من تعاون وتآزر وتكاتف حتى يتحقق موعودهم ويحصلوا على مجدهم. وكان من آخر ما شهدنا من هذه الصراعات والابتلاءات ما وقع لإخواننا المسلمين في دولة غانا منطقة نيا كروم من اعتداء غاشم آثم من قبل النصارى المعتدين الذين تمالأت معهم حكومة عابثة أغرتهم بترويع الآمنين وهتك ستور المظلومين. تقع مدينة نياكروم في الإقليم الأوسط لدولة غانا، وهي تبعد حوالي ٦٠كم عن العاصمة أكرا. يقطن هذه المدينة ٣٠٠٠ نسمة من المسلمين، وأكثرية السكان من النصارى والوثنيين البالغ تعدادهم ١٨.٠٠٠ نسمة. ومن عادة الحكومة أن تنظم منافسات رياضية بين مختلف المدارس يشارك فيها طلاب جميع المراحل. وفي عصر يوم الجمعة الموافق ٤/٨/١٤٢٠ هـ أقيمت منافسة رياضية بين مدرسة المسلمين ومدرسة الكنيسة، فتفوق المسلمون في هذه المنافسة، فاشتعلت قلوب الكفار حنقا وغيظا، واستغلوا هذه الفرصة وجعلوها بداية الشرارة لإيذاء المسلمين إضافة إلى ما يبطنونه من عداوة وشر، وإلا فالحدث أقل من عادي في أي منافسة بين طلاب المدارس، لكنه الكفر الظالم والحقد الأعمى. وفي ليلة السبت أضمر الخبثاء الشر والسوء وتواطؤوا على الفساد ودبروا أمرهم وأجمعوا شركاءهم، فاشتروا كميات كبيرة من البترول ووضعوها في قوارير وجوالين وقرعوا طبول الحرب بأمر ملكهم الظالم استعدادا للهجوم الصباحي، فاجتمع الأوغاد وشنوا هجمة بربرية على الآمنين في البيوت والعاكفين في المساجد وكانوا مدججين بالسلاح الناري والأبيض حاملين قوارير البترول، وقاموا بتهديم البيوت المتاجر وأحرقوها بالنار بما فيها ومن فيها، كما بلغ الكيد مداه والسيل زباه عندما قاموا بتحريق وتمزيق المصاحف وهدم المساجد ودنسوا حرمة المساجد برجيعهم. مزقهم الله وشردهم. مكتب المنتدى الإسلامي غانا وأخرى في كشمير أعلنت لجنة تقصي الحقائق حول أوضاع حقوق الإنسان في كشمير التابعة للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن القوات الهندية قتلت ٦٥ ألف مدني بين عامي ١٩٩٠م و١٩٩٨م وأجبرت كثيرين من السكان والأهالي على النزوح والهجرة من ديارهم، مصيفة أن هذه القوات أقامت كذلك ٦٣ مركزا للتعذيب، وأن الجيش الهندي يمارس أسوأ ألوان التعذيب ضد المدنيين في كشمير. مجلة المجتمع العدد: ١٣٨١ إن تنصروا الله نحن نملك سلاحا لا تملكه الدول الكبرى، وهذا السلاح هو الإيمان بالله جبار السموات والأرض، وهذا السلاح كاف لحسم المعركة إذا بذلنا ما نستطيع من أسباب القوة المادية والله يقول [إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين] [الأنفال: ٩] ويقول [ولله جنود السموات والأرض] [الفتح: ٤] ويقول [وما يعلم جنود ربك إلا هو] [المدثر: ٣١] ، ومع قلة عددنا في ميدان المعركة إلا أننا واثقون من وعد الله [كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين] [البقرة: ٢٤٩] فحينما يأذن الله بهزيمة الروس سنهزمهم ولو كانوا أكثر عددا من ذلك. القائد الشيشاني، شامل باساييف، جريدة الشعب، العدد ١٤٢٢ قول معروف خير من.. الأذى إنني أوكد أن هذه الحرب في الشيشان ليست حربا دينية، فالسبب الرئيس لهذه الحرب هو خط النفط من باكو إلى ميناء نوفورسيسك الذي يمر عبر جورجيا، حيث يتم نقله إلى الغرب بواسطة الناقلات. كما أن هناك أسبابا مساعدة تتمثل برغبة بعض الجهات السياسية المتنفذة داخل وخارج روسيا بإبقاء التوتر في روسيا وإشاعة عدم الاستقرار فيها. فهناك الملياردير اليهودي الذي يحمل الجنسية المزدوجة (روسية إسرائيلية) وهو بيروزيفسكي الذي يمد باسييف بالمال لإشعال الصراع، وهناك رئيس جورجيا شيفارد نادزه الذي يعمل على تدريب المسلحين في معسكر على الحدود (الأذربيجانية الشيشانية) المشتركة للقيام بعمليات ضد روسيا. الشيخ محمد علي خوض، مساعد المفتي الأعلى لروسيا، جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٦٨٠ أصحاب الفضيلة قال نائب حزب الفضيلة الإسلامي التركي باش أكمز: (كنا نردد حتى الأمس القريب: الموت لأمريكا.. الموت ل (إسرائيل) ، ولكننا نجد اليوم بأن منظمة التحرير الفلسطينة التي حاربت إسرائيل عشرين عاما عدت اليوم لتقبل بالتعايش سلميا مع الإسرائيليين. ولذلك فإنني أعلن من هنا بأن حزب الفضيلة قد تخلى عن سياسة معاداة إسرائيل) . وعلق نائب آخر للحزب وهو ساجد غونباي، فقال: أما علاقاتنا مع: إسرائيل فستكون علاقة الند بالند. وإن حزبنا ليس ضد اليهود، حتى إن ستة أعضاء من حزبنا قد انضموا إلى مجموعة الصداقة الإسرائيلية التركية البرلمانية المؤلفة من ٧٠ عضوا، كإعلان عن زوال حقدنا على إسرائيل. وكان زعيم المعرضة رجائي فوطان قد أكد عشية زيارته إلى واشنطن في بداية نوفمبر ١٩٩٩ بأن حزبه ليس معاديا ل (إسرائيل) وإنما يحبذ إقامة العلاقات التجارية والاقتصادية معها، كما أنه سوف يجتمع باللوبي اليهودي في واشنطن، من أجل تطوير العلاقات معه. جريدة الشرق الأوسط، العدد ٧٦٨٩ اللهم لا تجعله رئيسا! ! عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة، سأعطي رئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك كل الدعم لينفذ سياسته، فهذا الرجل قائد كبير وجدي، ويستحق كل دعم. هذا ما قاله جورج بوش الابن نجل الرئيس الأمريكي السابق في تصريح نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية وقال بوش: بلادكم رائعة، إنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وسأعمل على تعزيز العلاقة معها وتعزيز أمنها؛ فهذا فيه مصلحة عليا للولايات المتحدة! ! جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٦٥٥ وما هي من الظالمين ببعيد قدر مسؤولو الجفع المدني في فنزويلا عدد القتلى بنحو ٣٠ ألفا وعدد المنازل التي تهدمت بنحو ٢٣ ألفا وعدد المشردين بنحو ١٤٠ ألفا في واحدة من أسوأ الكوارث التي تشهدها أمريكا اللاتينية. ودفن معظم الضحايا تحت أطنان من الأوحال والصخور انحدرت من سفوح سلسلة جبال أفيلا مع هطول أمطار غزيرة على ساحل فنزويلا المطل على البحر الكاريبي، وأدت السيول والأوحال وفيضانات الأنهار إلى دفن مدن بأكملها تحت الوحل والحجارة والأنقاض. وقال مسؤولون حكوميون: إن إعادة الإعمار ستتكلف مليارات الدولارات وستستغرق عدة سنوات. إن المساحة التي ضربتها الفيضانات تقارب ٤٥ ألف كيلو مترا مربعا (نحو أربعة أضعاف مساحة لبنان) وإن شكل السواحل تغير في أماكن كثيرة وإن سيل الوحول والصخور العملاقة المنحدرة من الجبال اندفع على امتداد الشواطئ بعمق يراوح بين ٢٠٠ و ٣٠٠ متر داخل البحر. وأضاف أن هناك نهرا بعرض ثلاثة كيلو مترات تقريبا وطول ثمانية كيلو مترات في منطقة كواليه السكنية السابقة مليء بالصخور العملاقة وكتل الأحجار والوحول. وقال: لا أذكر أني رأيت في حياتي كتلا صخرية وصخورا منفردة بهذا الحجم الهائل. وكلها قد اقتلعتها السيول الطاحنة التي غيرت معالم كثير من المناطق في شكل مذهل. جريدة الحياة، العدد: ١٣٤٣٩ يسارعون فيهم ذكرت مصادر اقتصادية أن عددا من الأثرياء العرب بدؤوا يقومون باستثمار جزء من أموالهمداخل الكيان الصهيوني. وأشارت المصادر إلى أن قيمة الأراضي والعقارات التي يتملكها أثرياء عرب في إسرائيل تبلغ حاليا نحو مليار ونصف المليار دولار. وأكدت المعلومات أن هذه الحركة ما زالت حتى الآن تأخذ طابع السرية حيث يقوم الأثرياء العرب بتوكيل ببعض الشخصيات المعروفة في أوروبا للقيام بهذه المهمة وذلك خوفا على استثماراتهم في البلدان العربية. وتقول المصادر: إن اتفاقا تم بين الحكومة الإسرائيلية وهؤلاء المستثمرين وافقت بمقتضاه الحكومة الإسرائيلية على منح العديد من المزايا الاقتصادية والضريبية لهؤلاء المستثمرين العرب. وأشارت المصادر إلى أن هؤلاء المستثمرين أغلبهم من دول الخليج العربي بالإضافة إلى بعض الأثرياء المصريين والأردنيين. وتتوقع المصادر أن يتم الكشف عن استثمارات عربية تزيد قيمتها على ٣.٥ مليار دولار في إسرائيل في أعقاب إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وبعض الدول التي ينتمي إليها المستثمرون العرب. جريدة الأسبوع، العدد١٤٨ يمدونهم في الغي قال جون قرنق: إن موافقة الكونجرس الأمريكي على مشروع قانون بإرسال معونات غذائية إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان ستعزز قدراته العسكرية من خلال إتاحة الفرصة أمام القادة لحشد أعداد أكبر من المقاتلين. وأضاف في مقابلة: سنتمكن من تركيز أعداد أكثر في وحدات أكبر، فالتركيز من مبادئ الحرب؛ إذا ركزت قوتك البشرية أو النيرانية فستحقق نتائج أفضل. وكان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد وقع على المشروع الذي مرره الكونجرس قانونا. جريدة الشرق الأوسط، العدد: ٧٦٨٢ ويأتيك بالأنباء هارب اعتبر الناطق باسم حركة الضباط الأحرار الكولونيل ت. علي المنشق عن الجيش الجزائري في مقابلة نشرتها صحيفة لوموند أن من بين ال١٣٠٠ إسلامي التائبين الذين سلموا أنفسهم إلى السلطات أكثر من ٧٠٠ ضابط اخترقوا صفوف الجماعات المسلحة. وأفاد الضابط الذي التقته لوموند في ضاحية مدينة أوروبية كبيرة أن من أصل ١٣٠٠ إرهابي سلموا أنفسهم حتى الآن في إطار قانون الوئام المدني يمكنني أن أؤكد لكم أن أكثر من ٧٠٠ منهم ضباط اخترقوا صفوف الجماعات الإسلامية، وتلقوا الأوامر بالعودة إلى ثكناتهم. وجدد اتهاماته للجيش الجزائري الذي تعتبره حركة الضباط الأحرار مسؤولا عن جزء من أعمال العنف في الجزائر. وقال هذا الضابط: يتم توقيف إرهابيين إسلاميين خلال عمليات التمشيط التي تقوم بها قوات الأمن ويتم احتجازهم وتعذيبهم ثم يجري إلحاقهم بوحدات الكوماندوز التابعة للجيش ويكلفون عمليات ذبح في مسقط رأسهم، وأؤكد لكم أنهم تحت التهديد عندما يطلب منهم القيام بعمليات ذبح فإنهم يذعنون. وأفاد الكولونيل ب. علي أيضا أن وحدة خاصة من الجيش يطلق عليها اسم وحدة ١٩٢ ترمز إلى تاريخ كانون الثاني يناير ١٩٩٢م عندما ألغى الجيش الانتخابات التشريعية شكلت لإقناع العسكريين الذين يعارضون سياسة الجنرالات الجزائريين، ويبدو أن هذه الوحدة التي وصفتها صحيفة لوموند بأنها كتيبة الموت تضم نحو ٢٠٠ عنصر. وأوضح الكولونيل ب. علي أن عددا من أعضاء حركة الضباط الأحرار أعدموا في الجزائر بسبب انتمائهم إلى هذه الحركة لا سيما في منطقة القبائل. جريدة الحياة، العدد: ١٣٤١١ حلم علماني كان حلما شبه طوباوي أن يتفق العرب على العمل معا في إعداد كتب إبداعية معاصرة وتمويلها وتوزيعها مجانا في المنطقة العربية بكاملها. الخطوات الأولى كانت صعبة وشاقة، أما اليوم وبعد مرور أربعة أعوام عامين في التحضير، وعامين في الإنتاج فبوسعنا القول: صار للعرب تحت رعاية منظمة اليونسكو صرح مشترك اسمه كتاب في جريدة المشروع تمرين وحدوي ثقافي، من الطراز الأول، منذ ٢٤ شهرا يقرأ العرب في الأربعاء الأول من كل شهر كتابا مجانيا بمعية كبريات الصحف العربية، كل في بلده، حيث يوزع شهريا أكثر من مليونين ونصف مليون كتاب مخرجة بشكل جديد ومزينة برسوم كبار الفنانين. وقد بلغت أعداد هذه الكتب الموزعة أرقاما مذهلة: خمسين مليون كتاب موزع حتى الآن. إن نجاح هذه التجربة يشكل أساسا لمنطلق ثقافي على أبواب الألفية الثالثة نحن بأمس الحاجة إليه، وهو كسر الحواجز أمام وصول الكتاب العربي إلى قرائه ، والوقوف بوجه حالة الانحسار والتردي في العلاقة مع الكتاب. فقد وصلت أرقام الإحصاءات إلى درجة كارثية: ما يستهلكه العالم العربي بأجمعه من ورق لصناعة الكتب لا يوازي ما تستهلكه دار نشر فرنسية كبيرة، وأكبر روائي عربي حائز نوبل لا يبيع أكثر من خمسة آلاف نسخة من الرواية الواحدة. وحين نعرف أن كتاب في جريدة يوزع كل شهر مليونين ونصف مليون كتاب نفهم معنى هذه الإنجاز وخطورته. شوقي عبد الأمير مدير مشروع (كتاب في جريدة) مجلة الوسط، العدد: ٤١١

стр. 3364

قضايا ثقافية موقف العصرانيين من الفقه وأصوله (٢-٢) محمد حامد الناصر في الحلقة الأولى أشار الكاتب إلى جرأة العصرانيين على الفقه والفقهاء، ثم فضح شذوذاتهم في هذا الميدان وذكر منها: تحليلهم ربا البنوك، وإلغاء أحكام أهل الذمة، وإصرارهم على امتهان المرأة بدعوى تحريرها وخلص الكاتب إلى حقيقة العصرانيين العلمانية مدللاً على ذلك بمحاولاتهم تنحية الشريعة وتأييد سقوط الخلافة؛ بل ودعوتهم الصريحة إلى علمانية الحكم. ويتابع الكاتب في هذه الحلقة كشف النقاب عن أولئك النفر. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... -البيان- تزوير التاريخ وتمجيد الشخصيات المنحرفة (عند العصرانيين) : وهذا أغرب مواقف العصرانيين، ويكاد الإنسان ألاَّ يصدق ما سطرته أقلامهم، وما بثوه في كتبهم. لقد كان العبث في التاريخ الإسلامي هدفاً من أهداف هذه المدرسة، ولم تقف عملية التزوير عند عصر دون عصر، ولا عهد دون عهد؛ بل شملت كافة عصور الإسلام بلا استثناء. فحروب الردة لم تكن برأي بعضهم حروباً دينية، وما كانت حرب عليٍّ مع خصومه حرباً دينية، وإنما كانت حرباً في سبيل الأمر، أي في سبيل الرئاسة والإمامة [١] . أما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ فيقرر عمارة أنه العلماني الأول في الإسلام (فقد كان رائد التمييز بين السياسة والدين، مع معارضة جمهور الصحابة له، وقد بنى الدولة الإسلامية على هذا التمييز) [٢] . ويزعم حسين أحمد أمين أن ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله عنه حذف من القرآن (٥٠٠ آية) تطعن في بني أمية وتذم أبا سفيان [٣] . ويزعم الدكتور محمد عمارة أن (معركة بدر كانت بين الرسول صلى ... الله عليه وسلم وأصحابه، وبين الارستقراطية الملكية وحلفائها) ! [٤] . أما الفتوحات الإسلامية التي شهد الأعداء قبل الأصدقاء بعدالة أصحابها ورحمتهم، ونبل دوافعهم في نشر الدعوة الإسلامية فللعصرانيين فيها رأي آخر؛ فالدكتور عبد المنعم ماجد يعجب من توهم بعض المستشرقين الذين يرون أن العرب المسلمين فتحوا البلدان بدافع إسلامي ويقول: (لا نوافق بعض المستشرقين في قولهم: إن العرب كانوا مدفوعين نحو الفتوح بالحماس الديني؛ فمن غير المعقول أن يخرج البدوي وهو الذي لا يهتم بالدين لينشر الإسلام) [٥] . فلمصلحة مَنْ هذا الافتراء؟ ! لقد أصبح الدكتور مستشرقاً أكثر من أساتذته، يغير الحقائق ويفتري لمصلحة أعداء أمته! ويعتبر حسين أحمد أمين: أن الفتوحات الإسلامية هي نوع من الاستعمار، كالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين فيقول: (وقد يحتج بعض المسلمين بأن الاستعمار الإسلامي (! !) لدولة أسبانيا كان بنّاءاً وفي خدمة التمدين والعمران، ولم يتخذ شكل النهب والسلب الذي اتخذه الاستعمار الأوروبي لدول آسيوية وإفريقية؛ غير أن الاستعمار الأوروبي لأمريكا الشمالية وأستراليا كان هو الآخر بنَّاءاً، وفي خدمة التمدين والعمران، في حين لم يجلب الاستعمار العثماني (! !) للبلقان غير الخراب) [٦] . ولست أدري كيف يستوي عند مسلم نشرُ دين الله وإقامة العدل بأروع صوره بين البشر مع غزو الأوروبيين الذي قام على النهب واستنزاف ثروات الشعوب؟ ! لكنها نفوس هانت على أصحابها فمسخت لخدمة أسيادها. ويحاول المستنيرون الجدد طمس معالم الصفحات المضيئة من تاريخنا الإسلامي من منطلق دوافع قومية، ومن ذلك فتوحات العثمانيين، وانتصار المماليك، وحتى انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين حاولوا الغمز من صاحبه البطل المجاهد ﵀. فالدكتور محمد جابر الأنصاري يحرص على تجريد العثمانيين من كل فضيلة حتى غدوا في نظره (جماعة من الهمج المتوحشين الذين دمروا الحضارة العربية الزاهية) [٧] . ويتابع الدكتور محمد عمارة صاحبه فيصف الفتح العثماني بأنه: (طوفان الدمار التركي، وأرتال الجيش العثماني الذي لف العالم بردائه الأسود أكثر من أربعة قرون) [٨] . فهل يعتبر هذا الهجوم على العثمانيين جزاء إيقافهم الزحف الأوروبي على ديار العرب عدة قرون؟ وهل هذه مكافأة للجيش العثماني الذي فتح القسطنطينية؟ ! حتى السلطان صلاح الدين الأيوبي لم يسلم من أذى هؤلاء القوم - كما تقدم - إذ يصفه الدكتور محمد عمارة بأنه (القائد الإقطاعي البارز) ! وهذا افتراء مشين وغير مسؤول. قال ابن الأثير عنه: (توفي ولم يخلف في خزائنه غير دينار واحد وأربعين درهماً) وقال العماد الكاتب: (ولم يترك داراً ولا عقاراً ولا مزرعة ولا شيئاً من الأملاك) [٩] ، أهكذا يكون الإقطاع في نظر العصرانيين؟ ! ! كما يأسف الدكتور لانتصار المسلمين في الحروب الصليبية؛ لأنها أعادت الحيوية للإقطاع العربي (فلقد كانت الحروب الصليبية مرحلة من الأحداث الكبرى التي أتاحت للإقطاع العربي فترة من استرداد الحيوية والنشاط) [١٠] . وهو يتبرأ كذلك من النصر الذي حققه المماليك المسلمون على المغول التتار؛ لأنهم غرباء عنا حضارياً وتاريخياً، ولأنهم لم يكونوا من العرب [١١] ، ثم يقول: (ولكن القوى التي أحرزت هذا الانتصار العسكري كانت في الأساس مؤلفة من جند المماليك، ومن ثم فقد كانت قوة غريبة قومياً وحضارياً عن الأمة والشعب والتراث والتاريخ) [١٢] . وما أدري مَنْ هو الغريب ثقافياً وحضارياً عن تاريخ الأمة: أهؤلاء الذين يحققون أهداف رجال التنصير والاستشراق وأعداء الأمة، أم أولئك الذين طردوا الصليبيين والمغول عن بلادنا تحت رايات الجهاد في سبيل الله؟ ! لقد اختلت الموازين، واضطربت المعايير عند هؤلاء الناس. هذه نماذج فقط من تحامل العصرانيين على تاريخنا الناصع، والمجال لا يتسع لذكر المزيد؛ إذ زَوَّروا حقائق فتوحات المسلمين للعراق والشام من منظور قومي، وادعوا أن نصارى العرب ساعدوا الفاتحين المسلمين؛ خلافاً لحقائق التاريخ لدى مؤرِّخينا الثقات. تمجيد الفِرَق والحركات المنحرفة: لقد تابع بعض العصرانيين سادتهم من المستشرقين في تمجيد الحركات الهدامة والفرق الضالة التي ظهرت في تاريخ المسلمين فقد مجَّدوا الخوارج، واعتبروا أنهم حزب العدالة والجمهورية والقيم الثورية التي جاء بها الإسلام، - رغم أنهم كلاب جهنم وقد مرقوا من الدين، كما ذكرت ذلك الأحاديث الصحيحة واعتبروا أن القرامطة (هم الجناح اليساري في الحركة الشيعية، بل كانوا حركة ثورية ضد الإقطاع) كما يرى الدكتور محمد عمارة [١٣] . والقرامطة هم الذين احتلوا مكة المكرمة وقتلوا الحُجَّاج آنذاك، ورموا جثثهم في بئر زمزم، ونهبوا حلي الكعبة، واقتلعوا الحجر الأسود وبقي عندهم أكثر من عشرين سنة. وقد مجد العصرانيون المعتزلة، وأعجبوا بمنطقهم وفلسفتهم، كما أعجبوا بالقدرية والشيعة، ويرى الدكتور محمد عمارة أن ثورات الخوارج والمعتزلة والشيعة كانت بسبب الظلم الاجتماعي ونبذ بني أمية لمبدأ الشورى [١٤] . وقد سبقهم بذلك المستشرق (بروكلمان) في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) فهو يُعلي من شأن القرامطة وثورة الزنج إلى جانب افترائه على الصحابة افتراءاً عجيباً. ومجدوا الدولة العبيدية: إذ خصص الدكتور محمد عمارة كتاباً كاملاً في تمجيد هذه الدولة الرافضية الإسماعيلية بعنوان: (عندما أصبحت مصر عربية) [١٥] . واعتبر أن تولِّيها على مصر اكتمال لعروبتها! ! قال المؤرخ ابن كثير ﵀ في هذه الدولة: (كان الخلفاء الفاطميون من أغنى الخلفاء وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقلَّ عندهم الصالحون من العلماء والعباد) وقال عن أول ملوكهم المهدي: (كان حدَّاداً من سلمية اسمه عبيد، وكان يهودياً، فدخل بلاد المغرب وكان يسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وصار ملكاً مطاعاً يظهر الرفض وينطوي على الكفر المحض) [١٦] . وقال ابن تيمية ﵀: (هم من أفسق الناس ومن أكفر الناس) [١٧] . فأي جناية يقوم بها العصرانيون في تمجيد هؤلاء الضالين الذين يكفِّرهم علماء المسلمين؟ ! حتى ثورة الزنج التي التهمت البصرة يمجدونها، ويرون أنها ثورة رائدة! ثورة الزنج: هي من الثورات الطائشة التي اهتم بدراستها المستشرقون كعادتهم في تمجيد التيارات الحاقدة في تاريخنا، وقد خصص الدكتور محمد عمارة مبحثاً كاملاً من كتابه: (الإسلام والثورة) للحديث عن ثورة الزنج، وكان مما ... قاله: (كان قائد هذه الثورة شاعراً وعالماً، وهو ثائر عربي وعلوي، وأغلب قوادها كانوا عرباً) [١٨] ، ويقول: (هذه الثورة قد بدأت في سلطة عربية ضد سلطة المماليك الترك الذين كانوا يفرضون طغيانهم على خلفاء بني العباس وخلافتهم في بغداد) [١٩] وقد كتب الأستاذ محمد جمال رسالة بعنوان (الفتنة السوداء) يقول فيها ما موجزه [٢٠] : (لقد سماه المؤرخون (صاحب الزنج) وهو رجل فارسي الأصل، محتال خبيث، اصطنع لنفسه نسباً إلى آل البيت) . ... قال ابن كثير: (ولم يكن صادقاً، وإنما كان أجيراً عند بني عبد القيس، واسمه علي بن محمد بن عبد الرحيم، وأصله من قرى الري) وكان يقول لأصحابه: (لقد عُرضت عليَّ النبوة، فخفت ألا أقوم بأعبائها، فلم أقبلها) . قال الأستاذ محمد جمال في ختام بحثه القيم عن هذه الفتنة: (هذه يا أخي القارئ حقيقة ما يسميه بعض من يزوِّر الحقائق بـ (ثورة الزنج التحررية) نقلت لك أخبارها بأمانة من أوثق كتب التاريخ الإسلامي) [٢١] . تمجيد الشخصيات المنحرفة: وهذا أمر غريب يلفت النظر؛ إذ لم يترك العصرانيون شخصية خبيثة في معتقدها، منحرفة في مسلكها إلا حاولوا تمجيدها، فمجدوا غلاة الصوفية كابن عربي والحلاج وأمثالهما، ومدحوا أصحاب الحركات الباطنية كإخوان الصفا والحشاشين والقرامطة. ومعلوم أن المستشرق (ماسينيون) قد اهتم ببعث التراث الصوفي الفلسفي كالحلاج وكتابه الطواسين، واهتم بابن سبعين وبمذهب الباطنية [٢٢] . وكثيراً ما أشاد محمد عمارة وأمثاله بالتصوف الفلسفي، رغم خروج أصحابه على الشريعة. يقول: (وأصحاب هذا النهج لا يقفون عند حدود الشريعة كما حددها الفقهاء، ومن هنا جاء الصراع بين الصوفية والفقهاء، لكن تاريخ هذا الصراع يشهد بأن الفقهاء كانوا أضيق أفقاً، كما كانوا أدوات للسلطة الحاكمة على عكس الفلاسفة الصوفيين؟ !) [٢٣] وقال: (ابن عربي في التصوف الفلسفي قمة القمم، لا في حضارتنا العربية الإسلامية فقط، بل وعلى النطاق الإنساني، وهو بمقياس (السلفية المحافظة) أو (الفقهاء) وثنيٌّ زنديق) [٢٤] . وفلاسفة الصوفية قالوا بوحدة الوجود، وتعطيل الشريعة، ورفع التكاليف عنهم، وكان لهم تأثير سلبي على الحياة الاجتماعية في القرن السابع الهجري وما تلاه. ويمجد العصرانيون انحرافات المعتزلة ورجالاتهم. فها هو عمارة يشيد بقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني (فهو أعظم أئمة المعتزلة في عصره، وقد قاد الصحوة الاعتزالية في عصر اضطهاد المعتزلة، فقد بلغت الدولة العباسية في ذلك الاضطهاد إلى حد تحريم فكر المعتزلة بمرسوم هو أشبه ما يكون بمراسيم الحرمان الكنسية أيام الخليفة القادر) [٢٥] . كما يمجد عمرو بن عبيد: (فهو زاهد المعتزلة وناسكهم وعالمهم وقائدهم وقد ساهم في الثورة ضد بني أمية) [٢٦] . وبينما يمدح حسين أحمد أمين يزيد بن أبي سفيان صاحب الحَرَّة الذي استباح مدينة الرسول ﷺ ، ويمجد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي حاصر مكة وقتل ابن الزبير وضرب الكعبة بالمنجنيق ويقول: (إنه أعظم الإداريين في تاريخ العالم) [٢٧] على حين نراه يصب جام غضبه على الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀ فيرى أنه ساهم بجهله في الشؤون السياسية في تدهور أحوال الدولة الأموية ثم سقوطها ثم يقول: ... (ولم تجلب سياسته المالية والإدارية غير خراب الدولة) [٢٨] . هكذا تكون الموضوعية والأمانة في دراسة التاريخ الإسلامي عند دعاة التغريب! ! ويشيد الدكتور عمارة بالجوانب المظلمة من مسيرة جمال الدين الأفغاني، كتنظيم (جمعية العروة الوثقى) السرية، وبمبادئها المليئة بالإشارات والرموز السرية، ويتحدث عن تأسيسه محفلاً وطنياً شرقياً وعلاقاته مع المحفل الفرنسي الماسوني؛ فاستمع إليه وهو يقول: (من مجموعة الأوراق والوثائق والمراسلات التي بقيت من آثار هذا التنظيم نضع يدنا على خبرة في العمل السياسي والتنظيمي بلغت درجة عالية من النضج والعبقرية، وهذه خبرات نعتقد أن لها صلات وثيقة بتراث العرب والمسلمين في التنظيم السري منذ جمعيات المعتزلة، وإخوان الصفا القرامطة والحشاشين) [٢٩] . كما يمجد العصرانيون الشيخ علي عبد الرازق على خدماته الرائعة لهدم الشريعة على طريقة الكنائس النصرانية، في كتابه: (الإسلام وأصول الحكم) . يقول محمد عمارة: تتفق آراء كثير من المفكرين على اعتبار كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) أهم الكتب التي صدرت منذ بداية النهضة العربية الحديثة؛ لأنه يمثل موقفاً شجاعاً من شيخ واجه الملك وعلماء الدين الدائرين في فلك الملك، ولقد كان الشيخ من تلامذة مدرسة الإمام محمد عبده، وتأثير فكر ... الإمام المعادي للسلطة الدينية واضح تماماً في منطلقات علي عبد الرازق) [٣٠] . والحقيقة أن واضع الكتاب الأصلي مستشرق يهودي محترف هو ... (مرجليوت) أهداه للشيخ خلال دراسته في لندن، وأن علي عبد الرازق كان ينتمي إلى أسرة عريقة في خدمة المستعمر الإنجليزي [٣١] . وهكذا وقف العصرانيون في صف أعدائنا في قضايا الحكم والتشريع وفي موقفهم من السنة النبوية وتراث الأمة وتاريخها فأصبحوا تياراً خطيراً ينخر في جسم الأمة، ويشكك في أصول فكرها وعقيدتها وتاريخها باسم الإسلام والتجديد والاستنارة وتحكيم العقول! ! ليوقعوا شباب الأمة في متاهات لا نهاية لها [والله غالب على أمره] [يوسف: ٢١] والحمد لله رب العالمين.

стр. 3365

في دائرة الضوء الجميع تحت المجهر دور التمويل الأجنبي في توجيه الجمعيات الأهلية د.أحمد إبراهيم خضر أقحم المثقفون العرب على الساحة العربية والإسلامية منذ مطلع السبعينيات مصطلح (المجتمع المدني) . ويعرِّف د. سعد الدين إبراهيم (وهو شخصية معروفة بتوجهاتها العلمانية الصريحة وبموالاتها لأمريكا وزياراتها لإسرائيل) المجتمع المدني بأنه: (مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتآخي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والخلاف، وتشمل تنظيمات المجتمع المدني كلاًّ من الجمعيات والروابط والنقابات والأحزاب والأندية، أي: كل ما هو غير حكومي، وكل ما هو غير عائلي أو إرثي) [١] . والذي يهمنا هنا ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن مفهوم (المجتمع المدني) دخيل على تراث الفكر العربي والإسلامي، وأنه ينتمي إلى (فضاء) ثقافي وحضاري غربي، وأنه نشأ في بيئة أوروبية وفي ظروف تاريخية ومعطيات سياسية واقتصادية اجتماعية معينة ترتبط بها، بالإضافة إلى ارتباطه الوثيق بالرأسمالية والمجتمع الرأسمالي. ويسعى رهط من المثقفين العرب إلى تأصيل هذا المفهوم، وإعادة صياغته وتحديد مدلولاته النظرية والعملية، ثم إدماجه في الثقافة العربية الإسلامية اعتقاداً منهم بأن هذا سيساهم في تكريس ما أسموه بـ (القطيعة متعددة الوجوه مع عالم العصور ... الوسطى) [٢] إشارة منهم إلى الإسلام والفكر الإسلامي بوجه أو بآخر. الأمر الثاني: أن الرؤية الإسلامية ورؤية المجتمع المدني في نظرهم متناقضتان؛ فالمجتمع المدني عند هؤلاء مجتمع عقلاني يحل مشاكله حسب قوانين وضعية، وتحاول فئاته الاجتماعية التوفيق بين مصالحها ومصالح المجتمع. مرجعيته تجارب المجتمع التي قننها في صورة نصوص تسهر على تطبيقها سلطة وثيقة الصلة بالدولة وإن أظهرت أنها تختلف معها. أما المجتمع الإسلامي كما يرى الجنحاني فإنه يستمد شرعيته من (السماء) ومرجعيته نصوص ترتكز على ما يسميه: (تجارب تاريخية) مرّ عليها أكثر من أربعة عشر قرناً نموذجاً أعلى، ومثالاً يحتذى ليس في مستوى القيم والإفادة من الإيجابي فيها فحسب بل في مستوى الممارسة اليومية وتسيير شؤون المجتمع [٣] . الأمر الثالث: أن الواقع الفعلي للجمعيات الأهلية التطوعية وغير الحكومية التي هي عماد المجتمع المدني يُبَيِّن أنها تُمَوَّل من الخارج، وأن دور معظمها ليس إلا كالمجهر الذي يكشف كل ما تحته من أحوال المجتمع وظروفه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن مثقفي المجتمع المدني يلهثون وراء هذا التمويل ويقدمون لمموليهم التقارير التي يطلبونها، وأن الهدف النهائي لهذه العملية هو خدمة مصالح الشركات متعددة الجنسيات وتدعيم عمليات التطبيع مع (إسرائيل) وهذا موضوعنا في هذه المقالة. تعبير (الجميع تحت المجهر ولا أحد خارجه) تعبير استخدمته الباحثة (سناء المصري) ذات الباع الطويل والخبرة الدقيقة في العمل مع هذه المنظمات غير الحكومية، والنسائية منها على وجه الخصوص. ولما اختلفت مع رفيقاتها على مسألة التمويل، كشفت لنا هذا الحجاب الذي كان مضروباً على ما يجري داخل هذه الجمعيات [٤] . كتبت (سناء المصري) عن خيانة المثقفين وسقوطهم في بئر التمويل الساخن الذي تصب فيه الأموال الأمريكية والأوروبية وحتى اليابانية وتدفع به إلى الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو ما يسمى بالجمعيات الأهلية في مصر. فعلى سبيل المثال: دفعت هيئة المعونة الأمريكية عام ١٩٩١م مبلغ عشرين مليون دولار لدعم هذه الجمعيات والمنظمات، وكانت قد تبنت قبلها مشروعاً ثلاثي المراحل بدأ من عام ١٩٨٧م وحتى عام ١٩٩٠م بحجم تمويل قدره خمسة وعشرون مليون دولار لدعم المنظمات العاملة في مجال التنمية المحلية استفادت منه ٢٠١٩ جمعية أهلية، وكذلك فعلت هيئة المعونة الكندية والاتحاد الأوروبي وغيره من الجهات الدولية. حددت (سناء المصري) ما يقرب من عشرين منظمة دولية بعضها يتبع الحكومات مباشرة ويتبع بعضها الآخر الأحزاب الحاكمة، أشهرها منظمة (فورد) وغيرها من المنظمات ذات السمعة العالمية في زعزعة بنية بلدان العالم الثالث وتهيئتها لما يسمى بالنظام العالمي الجديد أو السطوة الأمريكية الجديدة، ومن المنظمات الممولة للجمعيات الأهلية: (سيدا) الكندية، و (سيدا) السويدية، ... ... و (دانيدا) الدانماركية، و (فينيدا) الفنلندية، والمعونة الأسترالية، ومؤسسة (إسرائيل) الجديدة في نيويورك؛ هذا إلى جانب المنظمات والحكومات الأخرى مثل ألمانيا واليابان. وتعمل الجمعيات الأهلية في مجالات: حقوق الإنسان رفع الوعي القانوني بناء الديمقراطية ومراقبة الانتخابات المجال العمالي والنقابي الوحدة الوطنية السينما والفيديو والورش المسرحية. والهدف الأساس الذي يسعى إليه نشطاء هذه الجمعيات هو أن يكون العمل العام والتطوعي سبيلاً لتحقيق الثراء والصعود الاجتماعي والإحساس بالغنى والتعالي والنجومية الشخصية وحيازة السيارات والشقق الفاخرة، واغتنام فرص السفر للخارج والإقامة في فنادق خمس النجوم؛ خاصة أن الممولين يدفعون رواتب ويقدمون منحاً هائلة تصل إلى ألوف الدولارات؛ وسرعان ما يتجه بعضهم إلى تكوين جمعيات جديدة بمجرد أن يدرك سهولة التمويل؛ حيث يكفيه أن يطلب سجل الممولين فتنهمر عليه أوراق التعريف بهم، وطرق الاتصال بل وكيفية التعاون معهم؛ بالإضافة إلى الإرشادات الكثيرة للحصول على التمويل. والتمويل هو العصا السحرية التي اخترقت تقوقعات شلل المثقفين وعاطلي السياسة وهي التي حولت الكثيرين ممن كانوا يقفون في صفوف المعارضة من شيوعيين وناصريين، أو يساريين عموماً، وكانت دعايتهم تدور حول الوطن والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وتهاجم (إسرائيل) والرأسمالية والامبريالية والتدخل الأجنبي والفوارق الطبقية حولتهم إلى نشطين مخلصين يدافعون عن العولمة والتطبيع مع (إسرائيل) . إن بضعة آلاف من الدولارات حوَّلتهم إلى خبراء كرَّسوا جهودهم لخدمة المؤسسات الرأسمالية الضخمة عابرة القارات ومتعددة الجنسيات ولخدمة جهود التطبيع مع (إسرائيل) على حد قول (سناء المصري) . وبالتمويل تقدم هذه الجمعيات تقارير سياسية وأخباراً إلى الخارج عبر أجهزة الفاكس، ولهذا يسميها بعضٌ بـ (منظمات الفاكس والطيران) . وبالتمويل تُؤَسس المراكز العمالية والقانونية في مناطق العمال لدراسة الحالة الراهنة للطبقة العاملة، وتراقب الجمعيات أنشطة العمال وانتخاباتهم ونقاباتهم وقوانينهم، ونواياهم السرية والعلنية، وتعمل على تفتيت الاتحاد العام وإنشاء النقابات الموازية. وبالتمويل ترفع جمعياتٌ شعار الوحدة الوطنية في الوقت الذي تسارع فيه إلى تضخيم الأحداث، وتطلب حماية الأقليات المضطهدة بعد أن تكون قد جذَّرت روح التعصب والنزاعات الطائفية إلى حد تكوين ميليشيات محلية، فتسقط البلاد في الحرب الأهلية والمذابح الجماعية كما حدث في بعض البلدان. وبالتمويل تتفرغ جمعياتٌ لشؤون المرأة وتعزف على وتر الأحوال الشخصية وختان الإناث في خطب متكررة ومؤتمرات متتالية بالداخل والخارج. وبالتمويل تقوم جمعياتٌ بدور المرابي القديم فتقدم للفقراء قروضاً لا تحل لهم مشاكلهم المادية بقدر ما تضاعف ديونهم وتثقل كاهلهم بمشاكل إضافية ونسبة فوائد تصل إلى ١٨%، ١٩% من أصل القرض. وبالتمويل تصور جمعياتٌ آلاف أفلام الفيديو عن كل شيء في البلاد وترسل إلى الخارج بحجة عمل المونتاج لها، ولا تعود مرة أخرى. وبالتمويل أمكن تجنيد الأكاديميين والأساتذة والباحثين وضم بعضهم إلى مؤسسات استشارية دولية كانت مهمة بعضها إعادة الهيكلة الاقتصادية للبلاد كمؤسسة (كيمونكس أوف واشنطن) التي يعتبر (جيرالد مار) أكبر مساهميها الذي قال يوماً: (كنت أريد من بين أمور أخرى العثور على سبيل يمكنني من تأسيس وكالة مخابرات مركزية خاصة بي) . وهكذا تفشى مرض التمويل، فأصبحت التقارير تصب مباشرة في المؤسسات الدولية مهما اختلفت مسمياتها لتغطي كافة المجالات من حقوق الإنسان إلى الصحة والمرأة، والأقليات والنقابات؛ وبهذا تمكنت الجهات الأجنبية عن طريق هذه الجمعيات من اختراق البلاد. الهدف إذن هو الاختراق المعرفي الذي تظل مفاتيحه في أيدٍ غير معلومة في الخارج، وبالتراكم المعرفي يتكون لدى هذه الجمعيات صمام أمن مباشر لتفريغ البلاد من احتمالات الثورات والتمردات الشعبية ثم العمل على إدماج البلاد في السوق الرأسمالي وإخضاعها للإرادة الكاملة للشركات الرأسمالية. تحدثت (سناء المصري) بجرأة ملفتة للنظر عن مثلث (الجمعيات الأهلية الحكومة الممول الأجنبي) وعن العلاقة بين أطراف هذا المثلث؛ إذ تشكل هذه العلاقة لُعْبة متعددة المستويات داخلياً وخارجياً يلعبها الجميع بوضوح ومكاشفة مع محاولة كل طرف انتزاع أقصى ما يمكن من الأطراف الأخرى. وينغمس النشطاء المحليون في شباك العلاقات الدولية واستجلاب المال الأجنبي تحت غطاء العمل العام، ويدخلون في سباق تكوين الجمعيات، وبعضهم يخرق القانون وتعلم الحكومة ذلك لكنها كما ترى (سناء المصري) تتغاضى عن ذلك بمحض إرادتها إرضاءاً للدول الأجنبية، بل إنها وبذاتها تشكل القنطرة التي يعبر بها المال الأجنبي إلى هذه الجمعيات. وبوضوح شديد تقول (سناء المصري) : إن الحكومة تحرك هذه الجمعيات في قالب مرسوم؛ فإذا خرج النشطاء عن هذا القالب بادرت باستخدام حق الإغلاق والمصادرة أو التضييق عليهم، ومن جهة أخرى فإنها تسعد بتسريح هذا القطيع السياسي الذي كان مقلقاً لها في الماضي القريب لجمع المعونات والمنح من الخارج وإغراقه في تطلعاته للثروة والصعود الاجتماعي، وتلعب الجمعيات في المساحة المرسومة لها، ولا تخرج عن حدودها أبداً؛ بل إنها تمد يدها وتتعاون مع الحكومة في كثير من الأحيان. وإن استطاعت الجمعيات الإفلات من قبضة الدولة وقعت في يد الحكومات الأجنبية المانحة التي تعرف كيف تقبض على عنق عميلها عن طريق تقسيم المنحة وليس بتقديمها دفعة واحدة، ويعلم الممول الأجنبي أن عملاءه ليسوا شرفاء أو أطهاراً دائماً؛ وكثيراً ما تحدث أزمة ثقة بين الطرفين لكن المانح يغض الطرف عن ذلك؛ فأهدافه تتعدى المساعدة في تنفيذ مشروع بعينه إلى توثيق العلاقة مع الأشخاص القائمين على هذه الجمعيات أو تحقيق أغراض أخرى يعرفها الطرفان ويتواطآن على تنفيذها، علاوة عن أن كل ذلك ليس إلا جزءاً من أبعاد اللعبة التي تحركها كلها خيوط الممول الأجنبي بهيئاته ومخططيه الدوليين الأكاديميين النشطين في الدراسات الاستراتيجية وعملائه في العالم العربي أو ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط. ليس هذا إلا قليلاً من كثير تحدثت عنه (سناء المصري) ، ولا زال الأمر يحتاج إلى مزيد من الرصد والجهد في الكشف عن هوة (المجتمع المدني) ، تلك الهوة التي يسعون إلى إسقاط مجتمعاتنا الإسلامية فيها؛ اعتقاداً منهم أنها السبيل ... الأمثل لمواجهة المد الإسلامي بحركته وفكره وآثاره بالإضافة إلى استمرار هيمنتهم السياسية والاقتصادية والثقافية وتأكيدها.

стр. 3366

دراسات إعلامية الفضائيات وشبكة الإنترنت د.وحيد المصري من الأمور التي أصبح مسلَّماً بها الزيادة المطَّردة في عدد القنوات الفضائية المرئية والتي يعاد بثها عبر العديد من الأقمار الصناعية المنتشرة في الفضاء الخارجي لتغطي الكرة الأرضية بكامل مدنها وقراها، وغاباتها وصحاريها ومياهها! وليس مبالغاً فيه أن هناك عشرات من القنوات الفضائية العربية وغيرها يمكن استقبالها بسهولة في الوطن العربي. كما أن انتشار شبكة الإنترنت ووصولها بكم هائل من المعلومات العلمية والتجارية والثقافية وتبادل المعلومات ورسائل البريد الإلكترونية وشراء السلع والتواصل بينها وبين القنوات الفضائية يسَّر المتابعة الآنية للحدث والبرامج والمسلسلات والأفلام وغيرها من غث وسمين؛ مما يستوجب العمل الجاد لتطويع هاتين التقنيتين في خدمة هذا الدين في كل بقاع الأرض، وبهذا انحسرت قدرات الدول على التحكم ومراقبة ما يستقبل في أراضيها ومياهها بدرجة كبيرة جداً، وخصوصاً أن تقنيات الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية في طريقها لأن تصبح متيسرة، كما تيسر ما قبلها من تقنيات كان يُعتقد ألا تتيسر؛ وبهذا تكون الحكومات شبه فاقدة للسيطرة على ما يقرؤه ويسمعه ويشاهده مواطنوها. إن تقنية استقبال البث المرئي المباشر عبر الأقمار الصناعية أو ما يعرف بالفضائيات أصبح أكثر سهولة وأرخص ثمناً عما كان عليه قبل سنوات قليلة مضت، وفي متناول جميع الفئات حتى الفقيرة منها في الوطن العربي والإسلامي؛ وذلك على العكس من تقنية الإنترنت التي ما زالت حكراً على الطبقة المثقفة القادرة على فهم رموزها والتخاطب بلغتها، وإن كان هذا في طريقه إلى الزوال أيضاً. كل ما سبق شجع الحكومات على توصيل رسالتها السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية لمواطنيها وغيرهم بطريقة سهلة، وذلك بإنشاء قنوات فضائية ومواقع وصفحات على شبكة الإنترنت، كما شجع أيضاً المستثمرين باختلاف أفكارهم وتوجهاتهم على زيادة دخلهم عن طريق بث مستمر لبرامج ومواضيع مختلفة غالبيتها تدغدغ العاطفة فارغة من الهدف الجاد أو الترفيه البريء باستثناء مجموعة هادفة ومفيدة أقل من أصابع اليد الواحدة. ثم ظهر ما يعرف بـ (الباقات الفضائية) التي تبث مجموعة كبيرة منتقاة من القنوات العربية والأجنبية في حزمة واحدة بتقنيات رقمية حديثة لا تحتاج إلا للاقطات صغيرة جداً ومفتاح لشفراتها. وللأسف؛ فإن جل القنوات الفضائية غير الحكومية من عربية وأجنبية يقوم عليها أناس هدفهم في الغالب ينحصر في الكسب المادي البحت ولو كان ذلك عن طريق إفساد الأسرة والمجتمع. ودأبت هذه القنوات على استقطاب المشاهدين ببث المسلسلات والأفلام شبه الإباحية، سواء أكانت في لغتها أو في التساهل في درجة التعري مع اللقطات الجنسية الساقطة، بل تمادت وقامت بتعريب حوارات [١] مسلسلات الخيانات الزوجية الأجنبية والترويج للزنا والخمور، واعتبارها جزءاً من الحياة العصرية التي يجب أن تقبل بها الأسرة والمجتمع المسلم الحديث. إن أخطر ما جاء به تعريب المسلسلات والأفلام الأجنبية هو إدمان أفراد الأسرة إلا من شاء الله وخصوصاً العجائز والنساء صباحاً ومساءاً متابعة قصص الغرام والغزل، والتعرف على الخمور وكيفية شربها، كما بدا تأثيرها واضحاً على أداء العديد من الرجال والنساء من طلاب وموظفين بسبب السهر على متابعة الأفلام والأغاني الماجنة. هناك أيضاً الاتصالات المباشرة بين المشاهدين ومقدِّمات البرامج الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللواتي رؤوسهن كأسنمة البخت (مصداقاً لحديث الرسول ﷺ ، والاستماع لمحاورة واحدة بين مشاهد أو مشاهدة توضح فساد القلب والقالب، والأموال الهائلة المهدرة في المكالمات التي تكسبها شركات الهاتف الأجنبية، ولا ننسى في هذا المقام التعدي السافر على الإسلام وشرائعه كالتعددية في الزواج بالاستهزاء والرفض ووصمها بالرجعية. السؤال الملحّ في هذا المقام: ما العمل؟ العمل الأول الذي يتبادر للذهن هو إنشاء قناة بل قنوات إسلامية بديلة تخاطب الأسرة المسلمة بطريقة عصرية جذابة، وتلبي حاجات جميع أفرادها من برامج عقدية وفقهية واجتماعية جادة، وترفيهية بريئة، وبرامج وثائقية وتاريخية وعلمية، مع الاهتمام بالطفل المسلم بصورة خاصة، وانتقاء فترات البث المناسبة للمنطقة المقصودة حتى تتم الفائدة المرجوة. كما يجب تشجيع الاستثمار في هذا الجانب من قِبَلِ المفكرين والدعاة المسلمين في أوساط التجار وأصحاب الثروات من المسلمين الغيورين الخيرين منهم. ونظراً لأن الأموال اللازمة لتمويل إنشاء قناة تلفزيونية فضائية باهظة لا يقدر عليها العديد من أثرياء المسلمين مجتمعين، يمكن أن يكون هناك طريق آخر تقوم به المنظمات والهيئات الإسلامية وذلك بإنشاء شركات مساهمة تتولى هذه المهمة، والمتتبع لبعض البرامج الإسلامية القليلة في الفضائيات العربية الجادة في اختيارها العلماء والمفكرين ثم استضافتهم على الهواء مباشرة، كيف تنهال عليها الاتصالات من كل حدب وصوب بما يبشر بالرغبة الجادة عند فئات كبيرة من المجتمعات المسلمة في الوطن العربي والإسلامي في الغرب للتعرف على أحكام دينها ومعرفة شؤون حياتها بما يتوافق مع الشرع، والرغبة الجادة من الآباء بإيجاد بديل هادف لأبنائهم وبناتهم يمكن الثقة به. كما أنه يوضح في الوقت نفسه إخفاق البرامج الإسلامية التي تحاول بعض الفضائيات استخدامها لتمييع الدين وخلط الفاسد بالصالح. كذلك يجب العمل على التعامل مع شبكة الإنترنت وتوظيفها لخدمة هذا الدين، وفي هذا الجانب هناك جهد جبار تقوم به بعض الهيئات والجماعات المسلمة خصوصاً في الغرب أدى في كثير من الأحيان إلى فهم وتعامل أحسن للدين الإسلامي. وهذا لا يمنع من إنشاء المزيد من المواقع الإسلامية لتفهيم الدين الصحيح والإجابة بطريقة متفاعلة وغير جامدة على استفسارات المتصفحين لها، خصوصاً إذا نظرنا إلى أن هناك الآلاف من المواقع التنصيرية واليهودية وغيرها من الديانات الوثنية والشركية ومواقع تشويه الدين الإسلامي الحنيف. العمل الآخر هو حث الآباء والأمهات على مقاطعة القنوات الفاسدة والإباحية وغيرها، ومنع أبنائهم من الاتصال بها، وهو عمل شاق يحتاج إلى العزيمة وإلى تَبَنٍّ واضح من راعي كل أسرة وكل مفكر وعالم. كذلك يجب البدء في توجيه التجار والمنتجين بعدم شرعية كسبهم عن طريق ترويج سلعهم بالإعلان في قنوات الهدم والإفساد، ويجب أن لا نستهين بهذه المهمة؛ حيث إن امتناع تجار بلد عربي واحد عن التعامل مع تلك القنوات قد يؤدي إلى إفلاس حقيقي لها.

стр. 3367

متابعات وكرم الله المرأة عبد العزيز بن إبراهيم الحصين الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فهذه مناقشة لما تضمنه مقال: (وخلق الله المرأة) لتركي الحمد في (جريدة الشرق الأوسط) ، العدد (٧٤٦٠) ، بتاريخ (٢/٥/١٩٩٩) من أفكار ومناهج وأساليب في الاستدلال والاستنباط والتحليل، وسيكون فيها أي المناقشة قدر كبير من الصراحة أرجو ألا تزعجه؛ فلست أقصد بذلك الإساءة إليه، ولا القدح في شخصه؛ فلست أعرفه، ولا أعرف أباه، ولم يكن بيني وبينه في يوم من الأيام معاملة في درهم ولا دينار، ولا في غيرهما، بل لم تقع عيني عليه، ولم تسمع أذني صوته، بل حتى لم أكن أقرأ له شيئاً، ولم أقرأ له غير هذا المقال، ومقالين آخرين أظن أو ثلاثة، فليس بيني وبينه إلا القلم والقرطاس، والكلمات والأفكار، والاشتراك في العقل، وحرية البحث والنظر، الحرية التي تنبعث مضبوطة بضوابط الشرع والعلم والعدل، متجردة عن كل مؤثر يعبث بهذه الحرية، أو يجزئها، أو يبعثرها، أو يحيد بها عن المنهج السوي والصراط المستقيم، ومشتركاً معه أيضاً في الإسلام الذي انتسب إليه بقوله: (أما بالنسبة لنا نحن المسلمين) . لقد جمع تركي الحمد في مقاله كل ما استطاع من مقدمات يرى أنها منطقية وبراهين عقلية وشرعية؛ ليصل إلى نتيجتين إحداهما تتفرع عن الأخرى، فأما الكبرى منهما: فهي مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة المساواة المطلقة فيما عدا الاختلاف الطبيعي البيولوجي الذي لا يؤثر على مبدأ المساواة المطلقة، وفيما عدا الاختلاف في درجة التقوى. وأما الصغرى منهما المتفرعة عن الأولى فهي مسألة سفر المرأة وحدها بلا محرم، أو خلوتها بالرجال الأجانب وحدها؛ لأن معنى ذلك عدم ائتمانها على نفسها، وفي ذلك تناقض مع مبدأ ائتمانها على ما هو أكبر من نفسها، وخدش لمبدأ المساواة، وهذا يفضي إلى مناقضة ما يقتضيه مفهوم المواطَنة، وشرعية الأمور؛ إذ يقرر كل منهما مبدأ المساواة المطلقة بين جناحي الإنسان. ومع أهمية مناقشة تلك النتائج التي توصَّل إليها، وبيان خطئه فيها؛ إلا أنني لن أتعرض لها هنا إلا من باب ضرب المثال، وإنما المقصود بهذا المقال مناقشة تلك المقدمات التي استنبطها وصاغها؛ ليصل بها إلى نتيجته، والأسلوب والمنهج اللذين سار عليهما، وما اشتملا عليه من مغالطات فكرية، ومناقضات عقلية، وأخطاء شرعية، وكأنه قد استقر في ذهنه مبدأ معين، أو فكرة معينة؛ فصار يحشد لها ما استطاع من كلام يظنه حججاً وبراهين؛ ليقنع بها الآخرين، غير عابئ بما تقتضيه أصول التفكير، ومناهج الاستدلال، وقواعد الاستنباط، ومبادئ احترام آراء الآخرين، وعقولهم. ١ - مارس تركي الحمد في مقاله وللأسف إرهاباً فكرياً، وعقلياً، ما كنت أظن عاقلاً يحترم عقول الآخرين وفكرهم يفعله، لقد توارى خلف كلمات فضفاضة واسعة تحتمل عدداً من المعاني، بعضها حسن، وبعضها قبيح، وهذه الكلمات يتبادر من بعضها إلى الذهن معنى حسن وجميل؛ كالمساواة، والتكامل الوظيفي، والمواطَنة، وشرعية الأمور، ومنطقية السلوك، وبعضها الآخر يتبادر إلى الذهن منها معنى سيئ ينفِّر السامع منها؛ فلا يحب الاتصاف بها، بقدر ما يحب الاتصاف بالأولى؛ كالعادات والتقاليد المهيمنة في مجتمع ما، والحشْوية، والمجسِّمة، والابتداع وفق معايير اجتماعية موضوعة، أو مصنوعة، والهوى، والتشدد، والموقف المتعالي من المرأة، ثم ربط بين هذه الكلمات وبين ما توصل إليه بالسلب والإيجاب؛ بحيث من أقر بالنتائج التي توصل إليها استحق أن يوصف بالكلمات التي ظاهرها الحُسن، ومن لم يقر بما توصل إليه فهو موصوف بالكلمات التي ظاهرها غير حَسَن! ولا شك أن مثل هذا الأسلوب يضرب حاجزاً متيناً كحاجز الأسلاك الشائكة بين الإنسان وبين استعماله الحر لعقله وفكره، وانطلاقه نحو أفق واسع في المحاورة والنقد والاختيار؛ إذ يبقى الارتباط في ذهنه بين هذه الكلمات والنتيجة، فإن أقر بها انهالت عليه الكلمات التي ظاهرها الحُسن؛ فيفرح ويبتهج ويسر، وإن خالف في النتيجة انهالت عليه الكلمات التي ظاهرها غير حَسَن؛ فيخاف ويرهب، ويتراجع ويتقهقر. لقد كان كفار قريش يمارسون الأسلوب نفسه؛ حين وصفوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم صابئون مخالفون لدين الآباء والأجداد، وأن محمداً ساحر وكاهن وشاعر؛ فقد كان ذلك مانعاً لبعض عقلائهم وكبرائهم فضلاً عمن دونهم من اتباع الحق؛ مخافة أن يوصف بتلك الألقاب، كما حصل للوليد ابن المغيرة، وغيره. ٢ - وأمر آخر يتعلق بمنهج الاستدلال، وطرائق الاستنباط؛ فإن مما لا يخالف فيه عاقل أن للاستدلال والاستنباط قواعد وأسساً ومناهج لا يختلف عليها عقلاء الأرض كلهم، وإن اختلفوا في الفروع والأمثلة، بحسب اختلاف كل بيئة ولغة ودين، وما دمنا نتحدث باللغة العربية، وننتمي إلى دين الإسلام، ونناقش فيما أظن مسألة دينية، فلا بد أن نكون محكومين في استنباطنا واستدلالنا بالقواعد المقررة، والمناهج المسلَّمة التي اتفق عليها علماء المسلمين، والاتفاق على هذه القواعد مما تقتضيه سلامة الفكر، ومنهجية البحث، وصحة العقل؛ إذ ضياع ذلك أو العبث به معناه ضياع الحق، واضطراب الفكر، وتناقض الآراء، وهذا هو التناقض الذي أبدى تركي الحمد استياءه منه. وتركي الحمد قد ضرب في مقاله بهذه الأسس والمناهج والقواعد عرض الحائط متخذاً أسلوباً خاصاً، ومنهجاً منفرداً يستنبط به، ثم يقرر النتيجة به؛ فوقع في التناقض؛ إذ يستدل بالشيء تارة، ولا يستدل به أخرى، ويعتقد الشيء تارة، ولا يعتقده أخرى؛ فأوقعنا في الحيرة من أمره؛ إذ صرنا نتساءل: ما الحامل له على ذلك؟ ! أهو الجهل؟ فما ينبغي لجاهل أن يتصدر أعمدة الصحف، ثم يخاطب جمهوراً عريضاً بمقالات كثيرة في مواضيع شتى، أم التجاهل، وإرادة إقناع الناس برأي لا يستطيع أن يسلك في إثباته ما تعارف عليه العقلاء، واتفق على سلامته وصحته العلماء؟ ! وهذان أمران أحلاهما مر، وهما داءان، ولكل منهما دواؤه: فالأول دواؤه التعلم، والثاني دواؤه الموعظة والتذكير، ثم التوبة والإنابة، والتجرد للحق لا لغيره. ٣ - إن من العدل ألا يكتب الإنسان ولا يتكلم في موضوع معين إلا بعد أن يكون قد أحاط به، وعلم دقائقه وتفاصيله، وما له أثر فيه مما لا أثر له فيه؛ هذا إذا أراد أن يحكم على شيء فيه بأنه حق أو باطل، أو صواب أو خطأ، وهذا مما لا يخالف فيه عاقل؛ إذ لا يسوغ لمن أحاط بطرف من علم أن يتكلم فيه تكلم الناقد الخبير الذي يصحح ويزيف، ويحسِّن ويقبِّح، ويصوِّب ويخطِّئ؛ فضلاً عن الجاهل له؛ ومثال ذلك: من تعلَّم بعض كلمات اللغة الإنجليزية، واستطاع أن ينطق بها مركباً بعضها على بعض تركيباً ركيكاً، ثم عمد إلى قصيدة كتبها شاعر قدير من شعراء الإنجليز كتبها قبل مائتي سنة ليترجمها، أو ينقد اللغة التي استخدمها، والتراكيب التي استعملها، أو يحلل معانيها، ويصوغ أفكارها ومقاصدها بأسلوبه هو وفهمه لها، مع أنه لا يحيط بلغة القوم وما فيها من دقيق الإشارات، وجميل الألفاظ والكلمات؛ فهذا مخطئ بفعله لا محالة، وأحكامه إلى الخطأ أقرب منها إلى الصواب؛ لأنه لا يملك أسس النقد، ولا قواعد الحكم بالتصحيح والتصويب والتحسين، والتزييف والتخطئة والتقبيح، ومثله أيضاً من عرف بعض قواعد النحو والصرف، وبعض أساليب البلاغة والبيان، فقام يُخطِّئ فلاناً، ويصوِّب الآخر، أو يقول: هذا أفصح من ذاك؛ فإنه مخطئ بفعله هذا، وظالم لنفسه وللعلم وأهله؛ لأن مثل ذلك لا يطيقه إلا من أحاط بالعلم؛ فعرف حَسَنه من قبيحه، وصوابه من خطئه؛ ليكون حكمه إلى الصواب أقرب، ومن الخطأ أبعد، وقُلْ مثل ذلك في سائر العلوم والمعارف. وعلم الشريعة هو أعظم هذه العلوم، والمتكلِّم فيه مبلِّغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلِّغ عن الله؛ فلا يحق لأحد أن يتكلم فيه إلا بعلم، أما الجاهل، ومن علم بعض العلم وجهل كثيراً منه فلا يحق له أن يتكلم إلا تكلُّم السائل المتعلم الذي يطلب كلام أهل العلم والمعرفة. وتركي الحمد في مقاله هذا جعل من نفسه حاكماً ومفتياً، وعالماً بالأصول والحديث، فحكم على بعض الأحاديث، وبين أن مصدرها من كُتُب الإسرائيليات، وناقش أوجه الاستدلال، وزيَّف بعضها، وصوَّب بعضها الآخر، وأصدر أحكاماً فقهية، وقرر قواعد أصولية في مبدأ التعارض والترجيح، وكل ما فعله إنما دل به على جهله المركَّب بعلم الشريعة، ولا يشفع له أنه من المسلمين، أو أنه قرأ كتب الجاحظ أن يصعد إلى منصب لا يوصَل إليه إلا بعد اتباع مناهج وطرائق في طلب العلم، والنظر، والبحث والقراءة، كأي علم آخر. هذه الملاحظات الثلاث هي التي بدت لي أثناء قراءة هذا المقال، وهي تنصبُّ على المنهج والأسلوب، وطريقة التفكير، والاستدلال والاستنباط، ولا تناقش النتيجة؛ لأن المنهج إذا كان خطأً فلا يُمدح صاحبه إن أصاب، وإن أخطأ فالذم ليس لخطئه في النتيجة بل لخطئه في المنهج الذي أداه لمثل هذه النتيجة، كمن رمى وهو ليس برامٍ، فربما أصاب؛ فيقال: رميةٌ من غيرِ رامٍ، وربما أخطأ وهو الأكثر فيقال: لم يتعلم الرماية. ثم لا تعجل عليَّ أيها القارئ؛ فإني قائل لك: إن كل ما وصفتُ به تركي الحمد من العبث في المصطلحات، واستغلال معانيها الحسنة في بث معاني ليست حسنة، والخلط في مناهج الاستنباط والاستدلال، والتكلم بغير علم إنما هي دعاوى لا تثبت إلا بإقامة الدليل على صدقها، لكن كلامي السابق يشتمل على شقين، إن سلمت لي بأحدهما؛ فلك أن تتابع بعد ذلك. أما الشق الأول: فهو أني ذكرت ثلاثة مبادئ، لا يختلف عليها عقلاء البشر، وهي: أولاً: تحديد المصطلحات وبيان المراد منها، وعدم التعمية فيها، حتى تكون واضحة بينة، وألا يربط بينها وبين معاني معينة ربطاً تحكمياً لا يقبل النقاش والجدال. ثانياً: أن للاستدلال والاستنباط قواعد ومناهج متفقاً عليها لا بد من التزامها لإصدار الأحكام الصادقة السليمة. ثالثاً: أن من أراد أن يتكلم في علم من العلوم كلام الناقد البصير الذي يُصدِر الأحكام ويجادل في جزئيات العلم، وفروعه، ونتائجه، وأصوله فلا بد أن يكون محيطاً بهذا العلم، متبعاً طرائق أهله ومناهجههم في تعلمه، سالكاً سبيلهم، سائراً على قواعدهم وأصولهم. هذا عن الشق الأول. أما الثاني: فهو أني حكمت على تركي الحمد بأنه خالف هذه المبادئ كلها، وأتى بما ينقاضها؛ فإن سلَّمْتَ بالشق الأول فلك أن تسأل عن الأمور التي دلتني على الحكم في الشق الثاني، وإن لم تسلم بالشق الأول فليس لك حاجة في أن تتابع، ولا أن تسأل. وها أنا ذاكر كل ما يؤيد الحكم الذي حكمتُ به عليه: ١- قال: (وذلك في تحوير للعبارة الواردة في العهد القديم ... والتي تقول بأن الله خلق الإنسان على صورته، أي أن الله ذكر..) . والسؤال هنا: هل قوله: (أي أن الله ذكر) إنشاء منه هو؟ أو من كلام العهد القديم؟ وأي الأمرين كان فظاهرٌ من العبارة تسليمُ تركي الحمد بها، وإذا كان كذلك فهل الضمير في (صورته) عائد إلى الله، أو إلى الإنسان؟ وإذا كان عائداً إلى الله؛ فهل يدل على أن الله ذكر؟ وما وجه الدلالة هنا؟ إذ لا يبدو أي وجه من التلازم بين خلق الله الإنسان على صورته، وبين الذكورة والأنوثة. ٢- قال: (فإننا نجد بعض الكتب التراثية القديمة، والتي ألفها من أسماهم الجاحظ بالحَشْوية، وأسماهم آخرون بالمُجَسِّمة والمُشَبِّهة ونحو ذلك؛ تأخذ بمقولة: إن الله خلق آدم على صورته، في تأثر واضح بالإسرائيليات، وروايات كعب الأحبار، ووهب بن منبه) . وهنا وقفات: أ - في كلامه ألفاظ فيها إيهام، وهي: الكتب التراثية القديمة، الحَشْوية، والمجسِّمة، والمشبِّهة، فما المراد بالكتب التراثية القديمة؟ وهل يدخل فيها كتب الحديث التي جمعها علماء الإسلام، وفيها سنة النبي ﷺ وأقواله وأفعاله؟ ومَنْ هم المجسمة والحشوية والمشبهة؟ هل يراد بهم مثبتو أسماء الرب وصفاته على الوجه اللائق به، والذين يقبلون أحاديث النبي ﷺ إذا صح سندها ومتنها، سواء كانت متواترة أو آحاداً؟ أو يراد غير هؤلاء؟ لم يبين تركي الحمد ذلك! فإن هذا من التخفي وراء الكلمات، والتلاعب بالمصطلحات. ب - الجاحظ معتزلي، بل هو من أئمة الاعتزال، وله مذهب مستقل يعرف باسمه، والمعتزلة من الذين ينفون صفات الله تعالى، ومعلوم أن نفاة الصفات يسمون مثبتي الصفات: مجسِّمة، وحَشْوية، ومشبِّهة؛ فهل ننفي صفات الله تعالى لكي لا نتصف بهذه الكلمات التي أطلقها الجاحظ وغيره؟ أو نبحث عن الحق ونتمسك به؟ ولا علينا وُصِفْنا بمثل ذلك أم لم نوصَف؛ فالحق أحق أن يُتَّبَعَ! ج - سمَّى تركي الحمد (إن الله خلق آدم على صورته) مقولة، والأخذ بها تأثراً بالإسرائيليات، مع أن هذا اللفظ قطعة من حديث رواه البخاري في كتاب الاستئذان (رقم ٦٢٢٧) ، ومسلم في كتاب الجنة (رقم ٢٨٤١) بلفظ: (خلق الله آدم على صورته) ، ورواه مسلم أيضاً في كتاب البر والصلة والآداب (رقم ٢٦١٢) بلفظ: (وإذا قاتل أحدكم أخاه، فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته) . وظاهر كلام تركي الحمد أنه ينكر أن يكون هذا اللفظ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنه يلزم عنده من هذا اللفظ أن الله ذَكَرٌ، وهو في هذا لا يخلو من أمور: الأول: أن يكون قد اطلع على هذه الأحاديث، ودرس أسانيدها؛ فتوصل إلى أنها ضعيفة، وأنه لا يثبت عن النبي ﷺ في ذلك شيء، وأن القائلين بهذا القول إنما هم متأثرون بالإسرائيليات، وروايات كعب الأحبار، ووهب بن منبه. الثاني: أن يكون قد اطلع على هذه الأحاديث، وعرف كلام أهل العلم فيها؛ لكنه بعد دراسة هذه الأقوال تبين له خطأ هذه المقولة، حتى وإن كان الذي قالها هو رسول الله ﷺ ؛ لما يلزم منها من أن الله ذكر. الثالث: أنه لم يطلع على شيء من ذلك أصلاً، ولكنه ثبت في ذهنه شيء معين، ورأى في كلام أصحاب الكتب التراثية القديمة، كالجاحظ مثلاً ما يؤيد رأيه؛ فقال به. الرابع: وقد يكون شيء غير ما ذكر، الله يعلمه. والمقصود من هذا كله أنه قد وقع في أمور أولها: الجهل بدلالات الألفاظ. وثانيها: استعمال المصطلحات والكلمات الموهمة. وثالثها: رد سنة النبي ﷺ ، ووصفها بأنها من الإسرائيليات. ورابعها: الجرأة على التكلم في علم لا يحيط به، ولا يعرف منه إلا ما ذكره الجاحظ من أسماء كالحشوية والمجسمة والمشبهة. ٣ - قال: (مبدع الخلق ... يقرر أن الإنسان عبارة عن ذكر وأنثى، وليس ذكراً فقط، وأن الأفضل عند الله هو الأتقى، وليس الذكر أو الأنثى؛ وبالتالي هي المساواة المطلقة بين جناحي الإنسان فيما عدا ذلك من معيار..) . وهنا وقفات أيضاً: الأولى: أن الله خلق آدم أولاً، ثم خلق منه زوجه، ومن هذا الزوج بث رجالاً كثيراً ونساءاً؛ فالمرأة مخلوقة من الرجل الأول، يدل على ذلك قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً] [النساء: ١] . الثانية: أن الله فرق بين الذكر والأنثى في أمور، وساوى بينهما في أمور، ولم نرَ آية في كتاب الله تأمر بالمساواة المطلقة، أو تدل عليها، بل قد كلف الله الرجل بالجهاد باليد دون المرأة، وألزم الرجل بالإنفاق على زوجه وأولاده دون المرأة، وألزمه بحضور الجُمَع والجماعات دون المرأة، وجعل نصيب الرجل في الميراث أعلى من نصيب المرأة عند الإرث بالتعصيب، وأمر المرأة بالحجاب وعدم إبداء الزينة دون الرجل، وغير ذلك كثير مما تختص به المرأة دون الرجل، أو الرجل دون المرأة، وساوى بينهما في أمور كثيرة أيضاً، فكيف يسوغ القول بأن الله يقرر مبدأ المساواة المطلقة؟ ! وهل يسلِّم تركي الحمد بمثل هذه الأمور الثابتة في كتاب الله؟ أم أنه لا يسلِّم بها لمناقضتها مبدأ المساواة المطلقة؟ ! الثالثة: أن الاستدلال بالآيات الدالة على أن الله خلق الناس من ذكر وأنثى على مبدأ المساواة المطلقة خطأ في الاستدلال؛ فإن هذه الآيات تقرر مبدأ من مبادئ المجتمع الإنساني، وأنه لا يقوم إلا على الزوجية، لكن ليس في ذلك ما يدل على وجود مبدأ المساواة لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاماً، كما إذا قيل: إن اليوم الكامل لا يمكن وجوده إلا بالليل والنهار، فإن كل عاقل لا يفهم من ذلك مبدأ المساواة المطلقة بين الليل والنهار؛ فلليل خصائص ومزايا لا توجد في النهار، وكذا العكس، والناس يفرِّقون بينهما بحسب فائدة كل منهما، فكذلك الرجل والمرأة هما معاً يشكلان المجتمع، ولا قوام للمجتمع إلا بهما، لكن لكل منهما خصائص ووظائف يمتاز بها عن الآخر. ٤ - قال: (كون المرأة تختلف عن الرجل في وظائفها البيولوجية مثلاً، أو أن الرجل يختلف عن المرأة في ذلك لا يعني ميزة لأحدهما على الآخر بقدر ما يعني التكامل الوظيفي بين جناحي الإنسان كي يكون إنساناً كاملاً) . ثم قال: (أن يختلف هذا الجناح عن ذاك الجناح مسألة طبيعية، بل ضرورية من أجل التكامل وأداء الوظيفة الطبيعية، ولكن ذلك الاختلاف لا يعني ميزة لأحدهما على الآخر، أو فضلاً طبيعياً لهذا على تلك، أو لهذه على ذاك) . إذاً هما مختلفان، والاختلاف في الوظائف البيولوجية يعني الاختلاف في الوظائف الاجتماعية، وهذا ينفي مبدأ المساواة المطلقة؛ لأن المساواة تارة تكون عدلاً، وتارة تكون ظلماً، فمن ساوى بين الغني والفقير، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، والعامل والخامل في الواجبات والوظائف والحقوق فقد أخطأ وأوقع الظلم على أحد الفرقاء، وأما إذا ساوى بينهم في العدل والإنصاف، بحيث لا يُظلَمُ أحد من حقه شيئاً؛ فقد أحسن. ثم إنه مع اعترافه بالاختلاف إلا أنه ينفي التمايز بينهما، ويثبت المساواة، مع أن الله نفى المساواة، وأثبت الاختلاف، وفاضل بين الذكر والأنثى؛ فقال تعالى: [وليس الذكر كالأنثى] [آل عمران: ٣٦] وقال أيضاً: [ولا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ] [النساء: ٣٢] ، وقال: [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ] [النساء: ٣٤] وقال: [ «ولَهُنَّ مِثْلُ الَذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] [البقرة: ٢٢٨] وهو مع هذا التفضيل أمر بالعدل، والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه، ونهى عن هضم الحقوق والإساءة إلى الآخرين. ٥ - قال: (الاختلاف الذي يستند إليه الإنسان في تفضيل الأنثى على الذكر في عالم الحيوان مثلاً هو ذاته الذي يجعله يقلل من شأن الأنثى في المجتمع الإنساني؛ ليس لأن الذكر أفضل من الأنثى، أو أن الأنثى أفضل من الذكر بالطبيعة وبداية الخلق؛ بل هي مجرد معايير مرتبطة بشكل التركيبة الاجتماعية المهيمنة، وليست مرتبطة بالطبيعة المجردة لذات الكائن أو الشيء أو العلاقة) . وأقول: إن تفضيل أحد الجنسين على الآخر لا يلزم منه التقليل من شأن الآخر، بل لكل منهما شأنه الخاص به، الذي يميزه عن غيره. وتفضيل الأنثى على الذكر في عالم الحيوان يستند إلى اختلاف وظائفهما، وما يُجنى من كل منهما من فوائد، وهذا التفضيل لم يضعه الإنسان لمجرد معايير مرتبطة بشكل التركيبة الاجتماعية المهيمنة، بل استناداً إلى طبيعة كل منهما، وما خلق الله لكل منهما من عناصر، وحدد لهما من وظائف. وتركي الحمد هنا يريد من كل ذلك أن يثبت لنا أن طبيعة كل من الذكر والأنثى وبداية خلقهما ليس فيها أي تفضيل بينهما، بل هما سواء، والاختلاف في الوظائف البيولوجية إنما هو ضرورة للتكامل الوظيفي، ولكن لا يلزم منه التمايز، ولا التفاضل، بل ليس بينهما إلا المساواة المطلقة، وكل محاولة للتمييز والمفاضلة إنما منشؤها معايير اصطنعها الإنسان، أو كانت نتيجة المداومة على عادة معينة.. وكل هذا في الحقيقة مناقض للشرع والعقل: أما الشرع: فلِمَا سبق من أن الله فاضل بين الذكر والأنثى، والمفاضلة هنا بين الجنسين، وليس بين الأفراد، فجنس الرجال يفضُل جنس النساء، أما في الأفراد فقد يوجد من النساء من يفوق الرجال، والأمثلة على ذلك كثيرة. وأما العقل: فإن وجود الاختلاف بين طبيعة جنسين مثلاً ينفي وجود المساواة بينهما. نعم! ربما استويا في أمور، لكن أن يكونا على السواء في كل شيء؛ فهذا مما ينافي العقل. ويصر تركي الحمد على أن المفاضلة تعني التقليل من شأن الأنثى؛ فيقول: (وإذا كانت المفاضلة بين الرجل والمرأة، والتقليل من شأنها بالنتيجة النهائية) ، وهذا ليس بصحيح؛ فليس من لوازم المفاضلة التقليل من الشأن، أو الحط من القيمة، أوالتحقير في الوظيفة. فللمرأة وظيفتها، وقيمتها، ومكانتها، واستقلاليتها، لكن كل ذلك محكوم بنظام الشرع. نعم! ربما حملت المفاضلة بعض الناس على التقليل من شأن المرأة، والحط من مكانتها، واحتقار آرائها وأعمالها، وهذا تصرف خاطئ، إلا أن معالجته لا تتم بادعاء أمر يناقض الشرع والعقل، بل بفك الارتباط بين المفاضلة وبين التقليل من الشأن والاحتقار والازدراء. ٦ - قال بعد أن ذكر وضع المرأة في عهد قساوسة القرون الوسطى: (واختلف الإسلام منذ فجره الأول عن كل ذلك بإقرار مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في كل شأن إنساني؛ فهن شقائق الرجال، وبعضهم لبعض أزواج، والجميع مكلفون التكليف ذاته، ويشملهم الخطاب، وما يضمنه من ثواب وعقاب) . ثم قال: (الأمور انقلبت منذ عصور الانحطاط؛ فأصبحنا اليوم نفعل ما كانوا يفعلونه بالأمس، ويفعلون هم اليوم ما كنا نحن نفعل بالأمس، أو ما نحن مأمورون فيه على الدوام من فعل وعمل؛ وفقاً للدين الذي نعتنق، ووفقاً لكلمات الخالق التي لم يعتَرِها التحريف منذ أن أوحيت إلى خاتم الأنبياء والمرسلين) . ادَّعى تركي الحمد هنا أن الإسلام أقر مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في كل شأن إنساني، وأن الرسول ﷺ وصحبه كانوا يعاملون المرأة ويتعاملون معها كما يتعامل معها الغرب الآن، واستدل على ذلك بحديث: (النساء شقائق الرجال) [١] ، وأن بعضهم لبعض أزواج، وأن التكليف شامل لهم معاً، والخطاب موجه لهم معاً، ثم بعد أن استراح إلى ذلك ادعى أننا اليوم نتعامل مع المرأة كما تعامل معها أهل القرون الوسطى من النصارى، وأن النصارى يتعاملون معها الآن ويعاملونها كما كان الرسول ﷺ وصحبه يفعلون، وفي هذا عدد من المغالطات: أ - الدعوى أخص من الدليل؛ بمعنى أن الدليل عامٌّ، والدعوى خاصة، ومعلوم أن الأعم لا يستلزم الأخص، فإذا قلت: في البيت إنسان؛ فلا يلزم من ذلك أن يكون الموجود زيداً، فقد يكون زيداً، وقد يكون غيره، فإذا أراد أحد أن يثبت وجود زيد لثبوت وجود إنسان فهو مخطئ في الاستدلال، وهذا ما حدث هنا؛ فكون النساء شقائق الرجال، وأنهن خوطبن بالخطاب نفسه، ويلزمهن التكليف ذاته، ومعرضات للثواب والعقاب لا يدل ذلك على المساواة في كل شأن إنساني. نعم! هو يدل على المساواة في أمور لا في كل الأمور، وقد ثبت أن الشارع نفى المساواة المطلقة بينهما، كما سبق. ب - ولخطئه في الاستدلال أخطأ فيما تفرع عنه؛ حيث فهم من هذه الأدلة المساواة المطلقة التي يمارسها الغرب الآن، وهذا ما دفعه للقول بأنهم يفعلون ما يجب أن نفعله نحن، أو ما كان الرسول ﷺ وصحبه يفعلونه بالأمس، قبل عصور الانحطاط، وفي هذا مغالطة خطيرة؛ إذ ما يفعله الغرب هو مساواة مطلقة، لكن ليس هو ما فعله الإسلام بالمرأة عينه، ولا ما أمرنا الله أن نفعله، بل الله نفى المساواة المطلقة، وكل مسلم عاقل يدرك أن ما يحدث في الغرب هو ظلم للمرأة، واستغلال بشع لأنوثتها، وإبراز لمفاتنها، ومحاسنها؛ لتكون دعاية تُسَوَّق بها السلع، أو شبكة يصاد بها أهل الأهواء والشهوات. لقد حقق الغرب للمرأة بعض حقوقها المهضومة، لكنه أهدر من كرامتها، وأضاع من حقوقها أضعاف أضعاف ما حققه لها، فحمَّلها فوق طاقتها، وكلفها بما ليس من خصائصها، وشغلها عن مهمتها ووظيفتها الحقيقية بأمور لا تعود عليها إلا بالشقاء والنصَب التي ظاهرها السعادة، وباطنها التعاسة، أخرجوها لتطبخ للرجال بدل أن تطبخ لزوجها وولدها، ولتخدم الرجال في مكاتبهم وأماكن عملهم بدل أن تخدم زوجها وولدها؛ فأهملت بيتها وأسرتها، وأضاعت مكانتها، وأنزلت من قيمتها وقدرها. وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط قبل بضعة أشهر إحصائية عن كثرة إيذاء المدراء لسكرتيراتهم بالتحرش والمضايقة الجنسية، وسوء استغلال هؤلاء لحاجة المرأة للعمل، وضعفها وعدم قدرتها على دفعهم، ونشرت أيضاً قبل ذلك إحصائية تبين أن المدارس التي مُنِعَ فيها الاختلاط كان التحصيل العلمي فيها أكثر من المدارس التي فيها اختلاط، ونشرت أيضاً أن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت عدداً من القرارات تتضمن منع خلوة الرجل بالمرأة، وما ذاك إلا لشدة ما عانوا من سوء الاختلاط والتبرج؛ فهل الله الحكيم العليم البر الرحيم يأمر بأن نُخرِج المرأة من بيتها لتسير على خُطا المرأة الغربية الكافرة؟ ! ألا يعقل تركي الحمد ما يقول؟ ! ! هل يجوز أن يُنسب مثل هذا لدين الإسلام؛ وبهذا التعميم الذي ينكره الجاهل فضلاً عن العالم؟ ! ! ثم ما هي الأفعال التي نمارسها اليوم تجاه المرأة وتشبه تصرفات نصارى القرون الوسطى؟ ! لم يذكر لنا مثالاً على ذلك، إلا بأن قال: إن أهل العادات يحمِّلون المرأة الجانب الأكبر من التكاليف بأمرها بالحجاب والستر، ومنعها من الاختلاط بالأجانب، والسفر إلا مع ذي محرم؛ فمن الذي أمر بكل ذلك؟ ! فهل يريد تركي الحمد أن يهدم الدين باسم الدين؟ ! وما معنى الإسلام؟ ! وما معنى أن يكون الرجل من المسلمين ثم يأخذ ما يشاء، ويدع ما يشاء، ويفهم الإسلام بحسب ما يمليه عليه الهوى والرغبة؟ ! ! ربما أساء بعض الرجال في استعمال حقوقهم؛ فمنعوا المرأة حقوقها، وساموها سوء العذاب، وخالفوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ في ذلك؛ فهل الحل بأن نأمر المرأة بأن تسيء هي أيضاً استخدام حقوقها، وتتمرد على أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ونزعم أن الإسلام جاء بالمساواة المطلقة بينها وبين الرجل؟ ! كلا؛ فليس هذا صنيع العقلاء، وإنما الحل يتمثل بإحياء أثر الدين في النفوس، وتطبيق أحكام الشرع تطبيقاً يمنع الظلم ويرفعه. ٧ - ثم مثَّل بمثال على الموازنة في كلمات الخالق بين جناحي المجتمع في الأوامر والنواهي، وما فعله بعض أهل العادات والتقاليد والهوى والمصلحة من تحميل المرأة القدر الأكبر من هذه التكاليف، وغض الطرف عن الرجل، فقال: ... (يقول الباري في محكم كتابه: [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [النور: ٣٠، ٣١] . نجد هنا أمراً ربانياً بمسلك من مسالك الفضيلة، والخطاب فيه موجه إلى الذكر والأنثى، على السواء وفق معادلة متكافئة الجانبين، ولكن في كثير من الأحيان إن لم يكن في أغلب الأحيان وفي الواقع والسلوك الاجتماعي المعاش نجد أن هناك تشديداً على المرأة حتى فيما هو مرخص فيه في [ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا] فلا يتسامح حتى مع ما ظهر منها، أو [ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ] ومع أن الخمار معروف لغة، والجيب معروف لغة، ولكن الوجه يدخل في القضية، وعلى الجانب الآخر نجد هناك من التسامح مع الرجل في هذا المجال حتى فيما هو مشدد فيه [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] وغير ذلك من سلوكيات بما يجرح مبدأ المساواة الأولى) . لنتأمل المثال الذي ذكره: لقد اشتملت الآية في جانب الرجال على أمرين: غض البصر، وحفظ الفرج، واشتملت الآية في جانب النساء على هذين الأمرين، ولم تقف عند هذا، بل زادت بذكر تكاليف للمرأة خاصة بها، لا يشاركها فيها الرجل؛ فأين المعادلة المتكافئة بين الجانبين؟ ! فإذا اختلف العلماء في الوجه هل هو مما يجوز إظهاره، أو مما لا يجوز؛ فهل يكون في ذلك تحميل للمرأة القدر الأكبر من التكاليف، وغض الطرف عن الرجل؟ ! وهل في هذا جرح لمبدأ المساواة الأولى؟ ! إن كان ذلك فالآية هي التي جرحت هذا المبدأ؛ حيث كلفت المرأة أن تخفي زينتها عن الأجانب بينما لم تكلف الرجل بذلك. حينما نقول: يجوز للرجل أن لا يغض طرفه، ولا يحفظ فرجه، ولا يجوز للمرأة ذلك؛ نكون حينئذ قد تسامحنا مع الرجل، وحمَّلنا النصوص فوق ما تحتمل، وظاهر كلام تركي الحمد فيه إشارة إلى هذا، لكني لا أعلم عالماً من علماء المسلمين يقول بمثل ذلك إلا أن يكون في مخيلة تركي الحمد نفسه؛ فهذا مما لا أعلمه. أما أن يكون في الخلاف في وجه المرأة: هل هو عورة، أو ليس بعورة؟ تحميل للنصوص ما لا تحتمل وتحميل للمرأة القدر الأكبر من الأوامر والنواهي فهذا جهل بحقيقة الخلاف ودلالات الألفاظ، وتحميل للكلام فوق ما يحتمله، وأعجب شيء وأقبحه أن يكون جهل امرئ من الناس حاكماً على آراء الآخرين واستنباطاتهم. ثم.. لِمَ هذا الربط بين القول بأن وجه المرأة عورة، وبين العادات والتقاليد؟ ! ٨ - قال: (المواطَنة ابتداءاً تفترض المساواة بين المنتمين إلى بلد واحد) . يقال في هذا مثل ما قيل في قوله: (إن الإسلام أقر مبدأ المساواة المطلقة) ، فالمواطنة تفترض العدل بين الناس، ومن العدل أن تساوي حين تكون المساواة عدلاً، وأن تفرق وتمايز وتفاضل حين يكون ذلك عدلاً، ولا أظن أن تركي الحمد نفسه يرضى أن يُساوَى في كل شيء بجاهل لا يقرأ ولا يكتب، بل لكل واحد منهما من الحقوق، وعلى كل واحد منهما من الواجبات بحسب ما عندهما من العلم، والمؤهل، والكفاءة، وحسن العمل. لكن تركي الحمد من أول مقاله إلى آخره يريد أن يثبت هذا المصطلح: (المساواة المطلقة) ليمرر من تحته ما شاء من أفكار وآراء. ٩ - قال: (ورغم أن أوامر كثيرة بالنسبة للمرأة كانت خاصة بنساء النبي الأكرم ﷺ : [يا نساء النبي ... ] [الأحزاب: ٣٢] إلا أن البعض يعممها على غيرهن من النساء) . في هذا الكلام عدد من الملاحظات: أ - ليس كثير من الأوامر بالنسبة للمرأة خاصاً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم كما ادعى هنا، بل هذه الأوامر التي يزعم أنها خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم وصُدِّرت بـ[يا نساء النبي] وجدت في سورة واحدة، في آيات معدودة منها، وما عدا ذلك، فمِن أول القرآن إلى آخره وهو كثير كله عام لجميع النساء. ب - اختلف العلماء في الخطاب الموجه لنساء النبي ﷺ : هل هو خاص بهن، أو عامٌّ لجميع النساء؟ والقائل بالقول الثاني لم يكن الحامل له على القول بذلك الهوى والمصلحة والعادات والتقاليد كما يذكر تركي الحمد، بل استدل بأدلة صحيحة صريحة، منها: أن من الأساليب العربية توجيه الخطاب إلى واحد، مع إرادة غيره ممن هو دونه، أو فوقه، كقوله تعالى: [يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ... ] [الطلاق: ١] الآية، وقوله: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكَافِرِينَ والْمُنَافِقِينَ] [الأحزاب: ١] الآية، وقوله [ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً] [النحل: ١٢٣] الآية، وقوله: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا] [الروم: ٣٠] الآية، وغير ذلك من الآيات؛ لكن تركي الحمد جهل ذلك؛ فلم يذكره، أو تجاهله؛ فطواه، وكلاهما أمران قبيحان. ج - قوله: (إلا أن البعض يعممها) فيه تجهيل وحط من مقدار القائل بهذا القول، والعدل والإنصاف يقتضي المساواة بين أهل الأقوال بذكر آرائهم دون حط من مقدارهم، أو الاستهزاء بهم. ١٠ - قال: (عندما تكون المرأة ذات عقل راجح، ومشهوداً لها بذلك، ومع ذلك لا تؤتمَن على نفسها في سفر، أو غيره مثلاً مع أنها مؤتمَنة على ما هو أكبر من ذلك، كأن تكون أستاذة جامعية، أو مربية جيل، أو امرأة أعمال فإن في ذلك جرحاً ليس لمفهوم المواطَنة وممارستها فقط التي تفترض مساواة في الحقوق والواجبات، بل وفي منطقية السلوك برمته؛ إذ كيف تؤتَمَن على جيل بأكمله مثلاً، أو ثروة عريضة، ولا تؤتمن على ذاتها؟ فإما أن تكون غير أمينة، أو حتى قاصر غير قادرة على تمييز الحق من الباطل؛ وذاك مما يناقض التكليف الإلهي ذاته القائم على كمال العقل؛ فلا تؤتمن بالتالي على شيء على وجه الإطلاق، وإما أن تكون أمينة وغير قاصر؛ فتؤتمن على كل شيء، وأول ذلك كله أن تؤتمن على ذاتها المباشرة، ولا وسط بين الطرفين في هذه المسألة، هذا إذا كان مفهوم المواطنة وشرعية الأمور ومنطقيتها هي معيار الحكم وفيصله بطبيعة الحال) . إن كل ما سبق من مقدمات تركي، واستدلالاته لتثبيت مبدأ المساواة المطلقة إنما يراد به الوصول إلى هذه النتيجة، وهي نسف مسألة منع المرأة من السفر وحدها، وتحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية بلا محرم، مع تغطية المرأة وجهها الذي سبق الحديث عنه، وقد حاول أن يحشد ما استطاع من كلمات: كمفهوم المواطنة، وممارستها، ومنطقية السلوك، وشرعية الأمور ومنطقيتها، والتناقض؛ ليحاصر فكر القارئ وعقله، ويجعله يسلِّم بما توصل إليه. ويمكن تلخيص ما ذكره في نقطتين: أولاهما: تصويرُه أن منع المرأة من السفر وحدها، ومنعها من الخلوة بالرجال الأجانب تخوين لها، وإسقاط لمبدأ الأمانة على نفسها، هذا مع أنها مؤتمنة على ما هو أكبر من ذلك، وهذا كما يتصور الحمد تناقض؛ فإما أن تؤتمن على كل شيء، أو لا تؤتمن على شيء، ولا وسط بين الطرفين عنده. ثانيهما: أن ذلك بحسب ما توهم مناقضة لمبدأ المساواة، وكل ما ناقض مبدأ المساواة فهو باطل. وفي هذا رد لنصوص الكتاب والسنة، واتهامها بأنها متناقضة، وعبث بمعانيها، وفهمها فهماً قاصراً، دون ضابط ولا منهج مستقيم، اتباعاً للهوى والرغبة، وقد قال الله تعالى: [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا] [الأحزاب: ٣٦] . وأول سؤال هنا: من الذي منع المرأة أن تسافر بلا محرم، وحرم على الرجل أن يختلي بالمرأة الأجنبية، وحرم على المرأة كذلك الخلوة بالرجل الأجنبي؟ ! أليس الله الذي حرم ذلك؛ حيث يقول النبي ﷺ : (لا تسافرِ المرأةُ إلا مع ذي محرم، ولا يدخلْ عليها رجل إلا ومعها مَحْرَم) [١] ، وقد قال الله تعالى: [ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] [الحشر: ٧] ؛ ... فلِمَ الاعتراض؟ ! وسؤال ثان: ما الحكمة التي لأجلها كانت تلك الأحكام؟ وما هي عادة الشرع في إصدار الأحكام وربطها بعللها؟ وسؤال ثالث: من هو المؤهَّل لاستنباط الأحكام والعلل من كلام الشارع؟ وهل لذلك ضوابط، أم هو مباح لكل متكلم؟ وسؤال رابع: هل مَنْعُ المرأة من السفر وحدها تخوينٌ لها، وعدم ائتمان لها على نفسها؟ ! فالرجل ممنوع من الخلوة بالأجنبية أيضاً؛ فهل ذلك عدم ائتمان له أيضاً على نفسه؟ وسؤال خامس: هل من ائتمن على شيءٍ مَّا ائتمن على كل شيء؟ وكذا ضده؟ وسؤال سادس: ما التناقض؟ وما حقيقته؟ وسؤال سابع: هل المساواة المطلقة على اسمها ليس لها ضابط ولا حد، أو أن لها حدوداً، وضوابط؟ وإذا كان الجواب بنعم؛ فما هي؟ ومن الذي يحددها ويضبطها؟ كل هذه الأسئلة لا بد من الإجابة عنها بجواب مقنع حتى يتضح الأمر، ويظهر الحق من الباطل؛ إذ الحق مقصود كل عاقل، أما التعمية في الكلام، والتكلُّم بمجمل من القول يحتمل حقاً وباطلاً، وإصدار أحكام قطعية دون بحث ونظر وتأمل وتفكر، والحكم على كلام الشارع بأنه متناقض فهذا لا يزيد الأمور إلا اضطراباً، ولا يُعرَف به الحق من الباطل. وأخيراً: فإنه لا يحق لكاتب يمسك قلماً ليخط به حديثاً في موضوعٍ مَّا إلا بعد أن يلم بأطراف الموضوع إلماماً يميز به الخطأ من الصواب، ويمتلك الآلة التي تمكنه من إدراك الحقائق على الوجه الصحيح، ويكون مقصده إيضاح الحق، وإيصاله إلى القارئ؛ إذ إن حَمْلَ القلم أمانة، والتفريط فيها خيانة للأمة بجميع طبقاتها وفئاتها. وقد حاولت الاختصار مع أن الحديث قد طال، لكن المقام مقام خطير، والإيضاح فيه مطلوب؛ لأن المنهج إذا فسد وأصابه الخلل والاضطراب أدى ذلك إلى نتائج وخيمة لا تحمد عقباها، وأرجو من الله أن يقع هذا الحديث موقعه، وأن ينفع به. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 3368

بأقلامهن هجرة العقول الإسلامية بدرية محمد إن عنوان هذا المقال يثير الكتثير من الحزن والكمد على عقولٍ ذهبت وجعلت من دول الغرب مقراً لها، ولكن في بداية حديثنا نود أن نبحر في قواميس اللغة حتى نعرف معاً معنى كلمة هجرة. ففي القاموس الوسيط يقول المؤلف: إن المُهَاجِر: الذي هاجر مع النبي، والمهاجَر موضع المهاجرة والمَهْجَر: المكان الذي يهاجر إليه، ولكن إذا انتهينا من معنى هذه الكلمة الصغيرة فإنا نود أن نعرف كيف تكون الهجرة وما هي أسبابها؟ ! فالهجرة في هذا الوقت تلعب دوراً كبيراً في تعزيز الاقتصاد الغربي، وكثير من المهاجرين هم من المسلمين، والهجرة التي أعنيها: هي هجرة المفكرين المسلمين إلى بلاد الغرب لمزاولة الأعمال مثل: التطبيب والهندسة وغيرها من الأعمال الهامة التي تشكِّل في بلاد المسلمين فجوة كبيرة، ونحن ما نزال في حاجة إلى الغربيين في كثير من الاختصاصات؛ لكن نحن نستورد منهم العقول الساذجة التي لا تحمل أي معنى أو ثقافة أو أي معلومة هامة؛ لكنها تدعي ذلك، ومما يدل على قولي أنه في أحد المستشفيات في هذه البلاد الإسلامية الواسعة كان هناك طبيبان أمريكيان جاءا على أنهما في اختصاص القلب، وفي أول يوم سوف يجريان عملية جراحية؛ ولكن بدأا يتحدثان؛ فقال أحدهما للآخر: كيف سنجري العملية ونحن لا نعرف شيئاً؟ فقال الآخر: وما الذي يشغلك؟ نحن جئنا لنجري العمليات وكأننا في محطة تجارب. وكان المريض عجوزاً فظنا أنه لا يفهم اللغة الإنجليزية، فقفز هذا العجوز، وأخبر مدير المستشفى بذلك، وتم طرد هذين الطبيبين. والمشكلة هنا هي أنَّ علماءنا ومفكرينا الأفذاذ هم الذين يجلسون في بلاد الغرب بينما العقول الخاوية هي التي تستوردها بلادنا فتأخذ الخبرة، وتدرس أحوال المنطقة، وتدعو إلى النصرانية كما قالت (إيراهاريسن) تنصح طبيباً ذاهباً بمهمة تنصيرية: (يجب أن تنتهز الفرصة لتصل إلى آذان المسلمين وقلوبهم فتكون لهم بالإنجيل. إياك أنه تضيِّع التطبيب في المستوصفات والمستشفيات؛ فإنه أثمن تلك الفرص على الإطلاق، ولعل الشيطان يريد أن يفتنك فيقول لك: إن واجبك التطبيب فقط لا التبشير فلا تسمع منه) [١] . ولكنْ هناك أسباب لهذه الهجرة: فمنها أسبابٌ سياسية، ومنها أسبابٌ مادية، ومنها أسبابٌ اجتماعية. والمشكلة التي يعاني منها العالم الإسلامي وخصوصاً العربي المضايقات التي تحدث للعلماء والمفكرين فيلجؤون إلى بلاد الغرب حتى يمارسوا حرياتهم، لكن هذه المشاكل التي تحدث لهم في بلادهم التي تدَّعي الإسلام هي في الحقيقة التي لا تخفى على الكثير علمانية قد لبست جلد الأغنام وهي ذئاب بشرية مخيفة. والسبب الثاني الماديات التي سلبت عقول البشر وأسرت أفئدة الناس وجعلتهم يفكرون فيها صباح مساء؛ فهم يستقبلون المهاجرين إليهم ويمنحونهم جنسية الدولة، فإلى الله المشتكى!! ! ففي الدول الغربية يرفهون ترفيهاً كبيراً وتُغدَق عليهم ... الأموال؛ فماذا يريدون أكثر من ذلك؟ ! هل يذهبون إلى بلادهم لينال بعضاً منهم الفقرُ ويعاني بعضهم الآخر من عدم التشجيع العلمي الذي ينمي أفكارهم ويزيد مخترعاتهم؟ ! فكان طبيعياً لما وقع من ضعف علمي أن يهاجر العقل الواعي المسلم من بيئته التي لا يوجد بها أدنى احتفال حقيقي بالعلوم إلى الغرب الذي فتح أبوابه لكل قادم. (ويعاني العالم الإسلامي في هذا العصر من نزيف يكاد ينخره وهو نزيف العقول الإسلامية المهاجرة التي تضم كفاءات علمية وأكاديمية أصبح العالم الغربي يعتمد عليها في بناء حضاراته) [٢] . يقول الأستاذ الدكتور (محمد علي موسى) : (إن عدد الأطباء المسلمين الموجودين في باريس وحدها أكثر من الأطباء الموجودين على التراب الجزائري، والباكستانيون بالذات بالآلاف في لندن حتى إن أكبر طبيب في تخصص القلب والشرايين باكستاني وهو مقيم في لندن، وقد التقت به ذات يوم هيئة الإذاعة البريطانية. ويشير تقرير رسمي للحكومة الباكستانية عام ١٩٧٩م إلى دراسة قام بها اثنان من الأساتذة إلى أنه في اليوم التالي لإعلان نتائج كليات الطب في باكستان تقدم ٩٠% من الخريجين بطلب إلى السفارة الأمريكية والبريطانية للهجرة. أما الدراسة التي أُعدت عن مصر وهي دراسة محدودة بالنسبة لبلدٍ واحد مسلم: منذ سنة (١٩٧٠م) وعلى مدار عشر سنوات امتنع (٩٥٠) ممن حصلوا على الدكتوراه من العودة إلى مصر، وحينما نترجم هذه الدراسة إلى أرقام تصبح مصر كأنها هي التي تعطي معونة إلى أمريكا. ويبلغ عدد المسلمين المهاجرين من مهندسين وخبراء وأطباء في أوروبا وأمريكا وكندا واستراليا ١٠٠ ألف عالم من أصحاب الكفاءات العالية، ولو أن كل واحد منهم أنتج بحثاً على مدار العام لأصبح في عالمنا الإسلامي مائة ألف بحث؛ فكم من مشكلة تحلها هذه البحوث! وكم من إبداع يبدعه هؤلاء الباحثون! لقد شهد الغربيون بهذه الظاهرة: ظاهرة هجرة العقول الإسلامية؛ ... فهذا رئيس جامعة كورنيل الأمريكية يصرح أمام الكونجرس بأن المهاجرين المسلمين من الأطباء وفَّرُوا على الولايات المتحدة إنشاء ٣٠ كلية طب سنوياً [٣] . وليس ذلك في مجال الطب فحسب بل في مجالات الصناعة كذلك؛ فمثلاً في مصنع (جمسي) الأمريكي يعمل ٢٤ ألف يمني في هذا المصنع في الولايات المتحدة. وأذكر كذلك إحدى المرات حين كنا ننصت إلى محاضرة لأحد الأساتذة ... خلال الشبكة المرئية أنه قال: إن غالبية الباحثين والعلماء المفكرين في الغرب هم الباكستانيون والهنود والمصريون المسلمون الذين يبحثون ويُجربون في المختبرات. ومن سعة مكر الغرب ودهائهم أن إحدى الطبيبات السعوديات وتُدعى سامية قُتلت في الولايات المتحدة الأمريكية على إثر اختراع جهاز يتمكن من إزالة سرطان المخ؛ لأن صاحب العمارة طلب منها أن تبيعه هذا الجهاز بأي ثمن تريد فرفضت. إذن ما هي الفائدة التي تجعلنا نبعث أبناءنا إلى الغرب كي يجلسوا هناك وينالوا الجنسيات أو يُقتلوا؟ ! لكن السؤال الذي يُبْرز نفسه على ساحة الواقع، ويضع أمامه العديد من علامات الاستفهام هو: هل نحن المسلمين بنينا حضارة الغرب في البداية ونبنيها في الوقت الحاضر؟ ! !

стр. 3369

المنتدى نعم.. كانوا كِبَاراً في كل شيء طارق محمد العمودي ما أن نتصفح سير أسلافنا، وخاصة أهل القرون الثلاثة الفاضلة حتى نرى ما يُتعجب منه. لقد كانوا كباراً في كل شيء.. في عبادتهم لله تعالى، والمنقول عنهم في ذلك معروف عجيب، وفي خوفهم من الله تعالى وخشوعهم له، في تربيتهم لأبنائهم، وفي تربيتهم الذاتية لأنفسهم، وفي معاملاتهم مع العباد وكذا مع غير المسلمين، وفي فعل الخيرات واستغلال مواسم العمر. ولو حلفت بالله العظيم أنهم قد أعجزوا من بعدهم لم أكن حانثاً. ووصل الأمر بهم أنهم كانوا كباراً حتى فيما يتمنونه؛ فلم يتركوا لحب الدنيا منفذاً لدى أمنياتهم. وما ذلك إلا لعلمهم بأنَّ التمنّي يدل على الهمّ الذي يحمله الإنسان، ومن أجله يصل إلى الغاية المنشودة. فانظر رحمك الله إلى ما يتمناه الكثير منا في زماننا هذا. لا تجد في كثير منها إلا أمنيات شكلية، مادية بحتة، تقليدية منبهرة بالغرب، تتصدر لدى الكثير منا دعاءه لله تعالى ويشفعها بعد ذلك على استحياء منه بنصرة هذا الدين وإخواننا المسلمين في كل مكان! ! فكنا بذلك صِغَاراً، فهُنَّا على الله ، فَصغَّرَنا في عيون أعدائنا من إخوان القردة وأكلة الخنزير، والجزاء من جنس العمل، وما ربك بظلام للعبيد. ولقد تفطَّن لهذا الأمر الحافظ المؤدِّب ابن أبي الدنيا ﵀، فألف كتاباً عظيماً مشوقاً في بابه سماه: (كتاب المتمنين) ساق فيه بأسانيده عن سلفنا الصالح ما كان يتمناه الواحد منهم، فأودع فيه ما يدهش القارئ والسامع معاً، فأحسن في جمعه، ولا أعلم من صنف في موضوعه مثله. وأسوق إليك بعضاً من أمنيات المتمنين من سلفنا لشحذ الهمم والاقتداء بهم كي نكون كباراً مثلهم: - لما طُعن عمر ﵁ قال له ابن عباس: أبشر بالجنة. قال: والله! لو أنَّ لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هوْل ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر [١] . - وهو القائل ﵁: وددت أني شعرة في صدر أبي بكر. فضرب بذلك مثالاً للتقدير والاحترام [٢] . - وهو القائل لجلسائه: تمنوا. فتمنّى كل واحد منهم شيئاً، فقال عمر: أتمنى بيتاً مملوءاً رجالاً مثل أبي عبيدة ابن الجراح [٣] . فانظر إلى ما تمناه هنا ولم يُعِرْ للذهب والفضة اهتماماً، واختار بدلاً عنهما مثل (أمين الأمة) يكونون ولاة حق وعدل على رعيته. - وتمنى أبو عبيدة فقال: يا ليتني كبش فذبحني أهلي فأكلوا لحمي وحَسَوْا مَرَقي [٤] . - وكانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: يا ليتني إذا متُّ كنت نسياً منسياً [٥] . - وقال مالك بن دينار: وددت أنَّ الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لي: يا مالك! فأقول: لبيك، فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة، فأعرف أنه قد رضي عني، فيقول: يا مالك كن اليوم تراباً [٦] . - وقال يزيد الرقاشي: يا ليتني لم أُخلق، وليتني إذْ خُلقتُ لم أُوقَف، وليتني إذ وقفت لم أحاسب، وليتني إذ حوسبت لم أُناقش [٧] . - وخطب الحجاج بن يوسف فقال: أما بعد؛ فإن الله قد كفانا مؤنة الدنيا، وأمرنا بطلب الآخرة، فليت الله كفانا مؤنة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا؛ فقال الحسن البصري عندما بلغه كلامه: ضالة مؤمن عند فاسق، فلنأخذها! [٨] . وأقول: إذا كان الحجاج مع فسقه بهذا الوعي فهو أفضل بكثير من عقلاء زماننا قطعاً. - وقيل لعيسى بن وردان: ما غاية شهوتك من الدنيا؟ فبكى ثم قال: أشتهي أن ينفرج لي عن صدري، فأنظر إلى قلبي ماذا صنع القرآن فيه وما نكأ [٩] ؟ - وكان ابن عمر يتمنى لو أنَّ له مثل أُحُد ذهباً، فيحصي عدده ويؤدي زكاته [١٠] . ونسأل الله التوفيق في القول والعمل.

стр. 3370

المنتدى ولدي الحبيب مشبب بن أحمد القحطاني كم حملتك كرهاً ووضعتك كرها، وتحمّلت آلام المخاض لأُقلِّدك تاج آبائك فأنت سليل المجد عنوان الفداء. وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام لم أزل أعقد فيك أمجاداً وأحلاماً عِراضاً وأمنياتٍ؛ فآباؤك صنعوا مجدك البرّاق ومن يشابه أباه فما ظلم. مرّت عليَّ سنوات وقرون كنتُ فيها الملكة تحت حماية الشرفاء أتيهُ سعادةً وفخراً؛ فأنا بين بُناة المجد آساد الشّرى لم يجُلْ في خاطري تبدُّل الحال؛ لأن أصل المجد ثابت وفرعه في السماء، وإن كنتُ قد سمعت عن ريح عاد ولكنني لم أرَها. كانت المنابر يا ولدي ترتعد خوفاً عندما يغشاها الأبطال آباؤك ورجع الصّدى يذوب فَرَقاً من جَهْوَريِّ الصوتِ قويِّ الكلمةِ واثقِ النفس ورائعِ القيادة. وكانت الجموع تحتشد تحت المنابر طاعة وإذعاناً لمن صنعوا ملحمة البطولة وحملوا لواء الفداء؛ ولاريب أن المنابر من ميراث آبائك وأجدادك لا يَشْركهم فيها أحد عندما كان الدّين همَّهم ونشر العقيدة دَيْدَنَهم والفتوحات هدفهم والجهاد هو الترياق لهم والبلسم الشافي لأحوالهم. وها أنت اليوم تهيم في ذنوبك وما بعته بالأمس لا يمكن أن يُهدى إليك اليوم، ولا يليق بالتاج أن يبقى على رأسك. وأنت الآن بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تبقى ذليلاً مهاناً ترتعد فرائصك من مغتصبي أمجادك. وإما أن تعود كما كان آباؤك، وتبني مجدك المهدّم. وليست على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدَّما وهل نمت قرير العين وقد جُرِّدت من كل شيء وأصبحت غريباً أصوليّاً مُتطرّفاً رجعيّاً لا تليق بك الحضارة؛ لأنك من الدول النامية؟ وبعدُ يا ولدي: فإنني أرى أن كثرة الجراح لا بد أن توقظك يوماً مَّا من سُباتك، وتكالبُ الأعداء عليك لا بد أن يُحدث لك يقظة هائلة تقلب فيها الموازين الفاسدة، وتعيد الحق لأهله. ولأنني أمك الرَّؤُوم عليك فإن أمنياتي بعودتك كبيرة، ولا زلتُ أرقب تلك اللحظة عندما ترفع رأسك من الهوان وتعود إلى طبيعتك الأصيلة ومجدك الأخّاذ.

стр. 3371

المنتدى تعقيب الجوهرة سعد المطرب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وبعد: فلقد شهدتُ انبثاق فجر وتابعتُها منذ وطئت قدماها الساحة الإعلامية فوجدت فيها غذاءاً فكرياً صافياً: ارتقاءاً بالفهم، وتنقية للذهن، واتباعاً للكتاب والسنة، وسيراً على نهج السلف الصالح ﵃. كنت أقرؤها من الغلاف إلى الغلاف حتى وإن أخذ مني ذلك وقتاً طويلاً؛ فلا بأس (فهي المجلة الوحيدة التي تمدني بالتصور الصحيح للأوضاع في بعض البلاد الإسلامية) فكل باب من أبوابها يحوي علماً قيماً وكنزاً ثميناً، وكان خط سيرها مستقيماً لا تحيد عنه على مدى الأربعة عشر عاماً الماضية، فلا أذكر أنني خلال تلك السنوات قرأت فيها طرحاً شاذاً أو فكرة غير سليمة أو حتى مسألة مشتبهة، وأنَّى لها ذلك ومنهجها الكتاب والسنة؟ ! ! ولكن في عدد رجب ١٤٢٠هـ اصطدمت برأيين غريبين في مقالين اثنين ... يمس كل منهما قضية ساخنة من قضايا عالمنا الإسلامي المتشابكة: الأول: قراءات هادئة في القنوات الفضائية عبد العزيز الخضر. الثاني: الأطروحات الدعوية الموجهة للمرأة المسلمة.. وقفة ودعوة للمراجعة - فاطمة البطاح. حيث قلل الكاتب عبد العزيز الخضر من أهمية أسلوب الوعظ، والتحذير والتحريم بالنسبة لمضار الفضائيات، وهوّن من تأثيرها على الأطفال بدعوته إلى تركهم يشاهدون الشخصيات الكرتونية والبرامج المخصصة لهم حتى يشاركوا أصدقاءهم في المدرسة الحديث عنها، ثم هوّل من تأثير عدم المشاركة على نفسياتهم. ثم تساءل: (هل الطفل لديه القدرة على فهم الإشكالية بصورة طبيعية وموضوعية من الناحية الدينية؟) . وأقول: ولِمَ لا؟ فحين يتربى الطفل على قواعد سليمة ويعرف الحلال من الحرام، ويُبيَّن له مقدار السم المدسوس في هذه الوجبات الشهية، ويُعطى تصوراً مبسَّطاً عن الغزو الفكري ودور وسائل الإعلام في ذلك، ثم تشبع حاجاته النفسية لمثل هذه الأشياء عن طريق ألعاب الكمبيوتر الخالية من المحاذير وأشرطة الفيديو النافعة أو على الأقل غير الضارة؟ فإن في هذا إن شاء الله غنية عن الحرام. ثم ما المانع من هجر القنوات هجراً كاملاً؟ ! أليس الدين يحثنا على البعد عن الفتن، خاصة لمن لا يجد في نفسه القدرة والكفاءة على مجابهة المتغيرات مع الثبات على دينه؟ فالناس لا يزالون مختلفين في هذه القدرات. وكما قرأنا في (العدد نفسه ص ٧٨) فإن هناك دعوة في بلاد الغرب لترك التلفزيون وهجره وإخراجه من البيت لما وجدوا له من آثار سلبية (! !) فلماذا نبدأ من حيث بدؤوا؟ ! والحل الذي طرحه الكاتب حل مثالي! ! بالرغم من أنه عاب على أصحاب الحلول المثالية في جزء من مقاله! ! فهل جميع المربين على قدر من الفهم والإدراك، وقدرة على التوجيه والنصح والإقناع؟ ! ! وهل جميع المتلقين بهذا المستوى الراقي من القدرة على تمييز الطيب من الخبيث أو هجر السيِّئ ومقاطعته وتشجيع الحسن ودعمه؟ ! إن هم إلا قليل في وسط تموج فيه الكثرة الكاثرة! ! ! وأين الهوى والشيطان والنفس الأمارة بالسوء وصديق السوء و.... وغيرها مما له أثر كبير وظاهر على المتلقي؟ ! وفي مقال الأخت فاطمة: عابت أيضاً على الحلول المثالية المتفق على صحتها وعلى جاهزيتها للعرض، ويبدو أن هذه المثالية هي المنتقاة من الكتاب والسنة، وضربت مثلاً على ذلك بقرار المرأة في بيتها وقالت: (إنه معالجة مثالية مغرقة في الحيطة والحذر للتخلص من بعض المزالق التي قد تعترض المرأة عند خروجها) . أليس هذا كلاماً عائماً يوحي بالتقليل من أهمية قرار المرأة في بيتها وأنه حلٌّ لم يعد صالحاً لهذا الزمن؟ هذا ما فهمته أنا على الأقل. إن قرار المرأة في بيتها (وإن كانت داعية) هو وحي سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد يعلم ما يصلح شأن هذه الأمة في أول أمرها وآخره. أليس في قرار المرأة في بيتها حل لكثير من المشكلات المعاصرة التي تعترضها؟ ولا تنسي أنه خطاب لأمهات المؤمنين، وفيهن الفقيهة العالمة والداعية الحكيمة التي لو كانت في هذا الزمن لقيل: لماذا تجلس في بيتها وتحرم الناس من علمها وفقهها؟ أتمنى ألا تعمينا بعض الهالات الإعلامية الكبيرة عن مسلَّمات في ديننا لن يصلح شأننا إلا بها. أنا أؤيدك في بقية مقالك لكنني واجهت إشكالاً في هذه النقطة عجزت عن توجيهه. أتمنى ألا أكون قد أسأت الفهم للكاتبين جزاهما الله خيراً وغفر لنا ولهما، وللبيان مني ألف شكر ودعاء خالص بالتوفيق والسداد، آمين.

стр. 3372

المنتدى لا جديد نجاح عبد القادرو سرور لا جديدْ.. ما يزال الغصنُ يبكي منذ ماتَ الإخضرارْ ما يزالُ الليلُ يجري ثم يبحثُ.. دون جدوى.. عن نهارْ ما تزالُ الأمةُ الخرساءُ تقتاتُ السكوتْ ما يزالُ الحقُّ في أرضي يموتْ منذ أن قام العساكرُ قيَّدوها بالحديدْ لا جديدْ.. ما يزال الحزنُ يُعْلي صوْتَه.. في جَلْجَلَةْ ثم أرضُ المجدِ كالصحراءِ.. أمْستْ قاحِلةْ ليس ينبتُ في بلادي أيُّ نبتٍ للجمالْ نبْتُها شوْكٌ.. وآلامٌ.. وحزنٌ.. واقتتالْ طيرُها.. قد صار في عصر الأشاوس لا يطيرْ صار يحيا.. في السلاسل.. كالعبيدْ لا جديدْ.. كلُّ تقليدٍ جميلٍ في بلادي.. أعدموهْ إنّ بيتي.. كل يومٍ.. كل يوم هدّموه إن صوتي.. كل يوم.. كل يوم أخرسوه إن قُوتي.. إن أرضي وسمائي إن مائي.. وهوائي.. ودوائي كل يومٍ.. كل يومٍ.. سمَّموهْ يوم هبّت في بلادي رِيحُ أنفاس اليهودِ كالصديدْ لا جديدْ.. ما يزال السُّكْرُ في عمق الليالي ثم أمواجٌ.. من البحر المحرّم.. والضلالِ قد توالتْ أغرقتْ فينا الحلالْ والمساجدُ تشتكينا أين محرابي.. إمامي.. والصفوفْ؟ ؟ لا زهورَ أينعت.. في بلادي.. لا قطوف والأسنّةُ قد توالتْ من قريبٍ.. من بعيدْ لا جديدْ.. منذ صادقنا عدوّاً يطعنُ الأحلامَ طعنَا يشعل النيرانَ في الأحلام حِقدَا صَبَّ فيها الغدرَ صبَّا جُرحُ أحلامي يسيل كلما التأمت جراحٌ شق جرحاً من جديدْ لا جديدْ.. منذ نور المجد.. فينا.. قد خَبَا ماتت الآمال فينا.. والجمالْ اكتستْ بالحزن أرضي.. وسمائي.. والرُّبَا

стр. 3373

المنتدى أنبأني طبيب الساعة (خاطرة أدبية) بوطيبة فيصل على صدري وضع الطبيب السماعة، وأخذ يبحث عن همس بكل براعة، فأنبأني بعد أن رفع السماعة بأني ميت بكل فظاعة. فقلت له: وما سر موتي يا طبيب! فأجابني بشجاعة: قد غاب فؤادك من صدرك وضاع! ؟ فراعني أني سأبقى يتيم العواطف، وما أهمني بأني سأشل في كل الوظائف، وأن عقلي سيمشي كالزواحف، وأني سأمضي حيث تقضي العواصف؛ فأنا لست واجفاً من كل المواقف؛ لأني عارف بأني لست بخائف من كل المعارف، لذلك سألت الطبيب حفيّاً بأن يطلب لي قلباً اصطناعياً، واشترطت أن يكون صاحبه غريباً، وأن أعمل العملية حالياً؛ فالوقت لا يكفي كي أفكر مليّاً. وبعد ساعات أفقت من ساعة الحلم، ووجدتني أنبض في كل جزء من جسمي، ... ووجدتني أستطعم نشوة التخدير في نومي. أدركت حينها بأن قلبي صار ... (أتوماتيكياً) مثل فمي، وأدركت بعد ذاك أني قد نسيت عنواني واسمي؛ فعزيت نفسي في نفسي من شر نفسي، ورأيتني أفسد الأرض بفأسي، وأبحث من شدة اليأس عن رمسي؛ فإذا بهمس يناجيني في بأسي: أفق.. فقبرك يضيق من شدة اللمس، وإذا بالهمس يؤذيني كالرعد. أيها العربي المسلم لا تسلم من قلب الحقود، وألقه؛ فقلبك مرهون بوعد. إن صح منك الوعد صح لك منا المجد من أول عقد لأول اللحد أو آخر العهد.

стр. 3374

الورقة الأخيرة رب ضارة نافعة إسماعيل بن سعد بن عتيق لقد كادت أن تنكشف شمس كوسوفا، وعلا سماءها قتر، بل ريح صر زج بها الغرب في حلبة الحروب لتحقيق أغراضهم البعيدة ومراميهم التي تهدف إلى إزالة معالم الإسلام من بلدان البلقان، وإن كان في الظاهر نَجْدةًَ ونُصْرَةً تحدوها الإنسانية وتدعو إليها الوثائق الأوروبية بما يسمى بالحلف الأطلسي أو الناتو. لقد تحقق الضرر وانكشف الستر، وأعطى الغرب العالم الإسلامي درساً لا يُنسى؛ ولكنه درس من وراء حجاب يستره دهاء السياسة ومكر الغرب وأعوانه؛ فنقول: (رب ضارة نافعة) . لقد هرع المسلمون لرفع الأكف بالضراعة إلى رب الأرض والسماء أن يرفع عن إخوانهم الحزن والأسى، فكانت رابطة دينية وعروة روحانية تربط الشرق بالغرب يدفعها الإيمان بالأخوة الإسلامية بمثل قوله تعالى: [إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ] [الحجرات: ١٠] . وقوله ﵊: ... (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [١] . عرف الناس كوسوفا ودول البلقان وكانت من قبل ضمن يوغسلافيا الشيوعية النصرانية، فكان في هذا الإعلام الذي تابعته الصحافة الإسلامية وانطلقت به حناجر الخطباء وأئمة المساجد ما يعرِّف الناس بإخوانهم ويدعوهم إلى البذل والعطاء، ولقد جاد من جاد بإنفاق ماله في سبيل نصرة إخوانه، بل وغامر من غامر في التوجه إلى مواقع الحرب ومنطلقات الصواريخ ليستقبلوا إخوانهم المشردين بالغوث والنجدة وتخفيف مصابهم. ونقول مرة أخرى: (رب ضارة نافعة) فقد تبين للعالم الإسلامي مدى مكر أولئك، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون. وإننا لنذكِّر المسلمين بمبدأ الولاء والبراء الذي حدده القرآن، وطبقه محمد ﷺ وصحبه، ونذكِّر أفراد المسلمين وجماعاتهم بأن الكفر ملة واحدة، وأن الولاء والبراء من أصول هذا الدين وقواعده العظام لقوله تعالى: [لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ] [المجادلة: ٢٢] . وقوله تعالى: ... [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ودُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] [آل عمران: ١١٨] . وإن صور الولاء متعددة الأشكال متنوعة الأطراف؛ فهناك الولاء بالكلمة، والولاء بالمحبة، والولاء بالإعجاب، والولاء بالهيبة والاحترام، والولاء بالتحدث. لقد عد بعض العلماء مناولة القلم أو المحبرة للكافر نوعاً من أنواع الولاء، وإذا كان المستعمر الغربي القديم قد انحسرت سلطته المباشرة على العالم الإسلامي فإنه لازال يهيمن على المسلمين إدارةً وفكراً وقوةً عسكرية بحكم ما أُعطوا من أسباب القوة ومظاهر التمكين؛ فهل يستطيع العالم الإسلامي أن يُنقِذ نفسه، وتعود له القيادة على مقومات حياته؟ وبهذه المناسبة أذكر حالتين لزعماء ساسة: أحدهما مسلم، والآخر هندوكي. فأما المسلم: فهو جمال الدين الأفغاني حين أُعد له مهرجان خطابي في الهند ظناً من الناس أنه سيتكلم ويأتي بكل معجزة من أجل الاستقلال ومحاربة الإنجليز، فصعد جمال الدين المنبر وحيَّا الجماهير ثم قال: (كم عدد الإنجليز؟ فعدُّوهم بالملايين، ثم قال: وكم سكان الهند؟ فعدوهم بمئات الملايين، فقال: لو كنتم ذباباً لآذيتموهم) ثم نزل عن منصة الخطابة وقد أحدث هذا القول دوياً وحماساً في كراهة الإنجليز وردد الناس: لو كنا ذباباً لآذيناهم. أما الموقف الثاني: فهو للزعيم الهندي غاندي حينما ذهب لعصبة الأمم ومعه مغزله وعنزه، وقد صعد المنبر وقال لهم: (لا نستطيع أن نقاوم الغرب، بل ولا نقاوم الإنجليز، بل ولا دولة أقل منهم في أوروبا؛ لكنني سأعتمد على مغزلي، وأنسج من صوف هذه الماعز ثوباً، وأشرب من لبنها ولا حاجة لي في مصانع الغرب ومنتجاتها، ولو أُهديت لي أو بُذلت بالمجان) وعاد إلى الهند وهو يعلن هذا المبدأ: مبدأ الولاء للصناعة الهندية، ومبدأ البراء من الصناعة الأوروبية؛ فكانت المصانع الإنجليزية في الهند تغلق كل يوم فلا تُطلب بضائعها ولا تلقى مشجعاً لها، وبهذا ارتفع كابوس الإنجليز عن الهند بعد استعمار زاد على ٣٠٠ عام. فهل لنا أن نعيد الصورتين: صورة القدوة على أننا بشر نحب ونبغض، ونوالي ونعادي، ونتحكم في مواردنا؟ وهل لنا أن نقول لمن عاش في ترف منتجات الغرب من مراكب فارهة ومظاهر خداعة: اتق الله في مالك ولا تنفقه إلا فيما دعت الحاجة إليه؟ ونكرر: (رب ضارة نافعة) . لقد عرف المسلمون حق المعرفة أنه لا مناص من اللقاء والمصارعة لتيارات أجنبية متى أخذ المسلمون حرياتهم وانطلقوا يعلنون عن مبادئهم؛ فإن الحياة صراع، وهي من حكمة الباري ﵎ إذ يقول: [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٤٠] . كرروها معي: (رب ضارة نافعة) . وفَّق الله الجميع لما فيه خير أمتنا، وألهمنا رشدنا، ووقانا شر أنفسنا، وصلى الله على محمد وآله وصحابته.

стр. 3375

ذو الحجة - ١٤٢٠هـ أبريل - ٢٠٠٠م (السنة: ١٤)

стр. 3376

كلمة صغيرة دعوة التوحيد في الحج الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على النبي الكريم محمد، وعلى آله وصحبه ذوي السؤدد، وبعد: انقضى شطر دعوة النبي ﷺ في في إقامة العقيدة، حتى استقر التوحيد في النفوس، وتوجهت القلوب إلى خالقها، واستعدت لتلقي أوامر الشريعة وإقامتها عن طواعية ومحبة للآمر مهما كانت التكاليف والأعباء؛ ولذا كان من أول ما نزل من القرآن - كما أخبرت عائشة رضي الله عنها - سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى، الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً. ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. [رواه البخاري، ح/ ٤٩٩٣] . ولا يسبقن إلى فهم أحد أن الاهتمام بالعقيدة يستدعي تقديم فروعها الجزئية على أصول الدين العملية، ولئن وقع من ذلك شيء فإنما مرده خطأ الأفراد الذي لا يحسب على المنهج. وفي ظلال أيام الحج تحث فريضة الحج خطاها مقبلة حاطة في ثنايا مشاعرها دعوة متجددة إلى إحياء الإيمان وتصحيح العقيدة، نلمح ذلك في آيات الحج؛ حيث الدعوة إلى الحنيفية ونبذ الأوثان، والأمر بتعظيم شعائر الله وحرماته، وتحقيق التقوى في النفوس، كما نرى في أعمال الحج من تلبية وتهليل وذكر، إلى تذكير بالموت والبعث. ومهما تلمس العلماء من حكم الحج وأسراره فليس أبلغ من حكمة تحقيق الخضوع والاستسلام لله - سبحانة وتعالى -. فريضة هذا شأنها مع أصل الأصول.. ترى كيف ينبغي أن يكون حال الدعاة معها في ذلك الجمع الكبير؛ حيث تقاطر الناس من أرجاء المعمورة، يحدوهم الشوق، وتدفعهم الرغبة، وقد انقطعوا لأداء النسك، وتفرغوا قبله وبعده أياما؟ تلك - والله - سانحة ما كانت لولا رحمة الله ومنته، فما أحراها بالاغتنام لإقامة أساس الدين!

стр. 3377

الافتتاحية التلاعب بالأحكام الشرعية إلى متى الحمد لله القائل: [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما] [النساء: ٦٥] . وبعد: فلقد مرت في الآونة الأخيرة معركة ساخنة في بعض الدول العربية بخصوص ما دعي بتقنين جديد للأحوال الشخصية. تلك التشريعات المتعلقة بالشوون الأسرية من زواج وطلاق وخلع. وهي ليست مشكلة خاصة ببلد بعينه بقدر ما هي مشكلة عامة لها ما بعدها، لا سيما ونحن في عصر العولمة، والأحوال الشخصية هي ما بقي من الأحكام الشرعية الإسلامية في قوانين أكثر الدول العربية والإسلامية، والتي لم يجرؤ الاستعمار الأجنبي الذي مر بتلك الدول أن يمسها بسوء إدراكا منه للمواقف الصارمة والرافضة التي تنشأ عن المساس بتلك الأحكام، وكان من مصلحته تجنبها، لكن تلامذة الاستعمار وأذنابه وخريجي المدارس الأجنبية - ومن خلال ما يعملونه لتغريب بلدانهم وفرنجة مجتمعاتهم - تسلطوا على تلك الأحكام وحاولوا العبث بها حتى مسخت تماما في تركيا على يد أتاتورك، ومثله أو قريب منه في تونس على يد (أبو رقيبة) ، حيث نقلت جل القوانين الأجنبية في سياساتهم العلمانية المعروفة. والحقيقة أن هذه التصرفات الحمقاء ليست أخذا بالمساواة والعدالة والحرية، ولا تطويرا لمجتمعاتهم وإخراجها من ضغوط الماضي - كما يدعونه بمناسبة وبغير مناسبة -، وإنما وراء ذلك حقائق معروفة منها: ١- عدم إيمانهم بالإسلام منهجا للحياة، فأحكامه - كما يدعون - لا تتناسب والعصر؛ وهذا ناقض من نواقض الإسلام. ٢- الهزيمة النفسية من الداخل، والتي وصفها العلامة ابن خلدون بقوله: (إن المغلوب أبدا مولع بتقليد الغالب) فكيف يكون المنهزمون نفسيا هم قادة الأمة وموجهوها؟ ! ٣- أنهم ينقادون وبكل ذلة للأوامر الخارجية التي تطالبهم بإقرار ما تدعو إليه القوانين الدولية التي تتضمن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، والتي أكدتها المؤتمرات الدولية المعروفة مثل: (مؤتمر المرأة في بكين) و (مؤتمر السكان بالقاهرة) . ٤- للجمعيات النسائية في كثير من الدول العربية علاقات وثيقة بتلك الجهات الأجنبية، فهي تدعمها ماليا ومعنويا وإعلاميا، ولها ضغوطها عبر الأحزاب ووسائل الإعلام منذ عهد الاستعمار البغيض وحتى الآن، لترسيخ الاتجاهات العلمانية في مجتععنا الإسلامي الكبير. وحقيقة أكثر هذه الجمعيات النسائية معروفة للجميع، وقد ألفت عنها دراسات وابحاث مطبوعة ومتداولة لا يتسع المجال لعرض حقيقتها [١] ، فمنذ (نازلي فاضل، وهدى شعراوي) إلى (نوال السعداوي) وهذه الجمعيات تؤدي رسالتها تلك بكل جرأة. ومعلوم للجميع أن الأحوال الشخصية هي جزء من الفقه الإسلامي الذي قنن العلاقات الأسرية، ومحاولات زعزعة هذه الأحكام وإضعافها وتفريغها من مضامينها استجابة للضغوط الاجتماعية والدولية لم تكن جديدة؛ فقد دعا لذلك أعداء الإسلام قديما وحديثا، وجرت في مصر محاولات من هذا القبيل، ولا يغيب عن الذهن تعديلات ١٩٧٧م المعروفة بمشروع: (جيهان السادات) في هذا المجال، والذي نقده العلماء والمفكرون، وتم إسقاطه بعد فشله في أداء ما وضع له، بل لقد أحدث من السلبيات الكثير مما دل على انحرافه عن الصواب. وجاء حديثا (مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية) الأخير في مصر والذى تعرض لنقد كثير من علماء الإسلام في مصر، وقدم اعتراض حمل توقيع ٢٢ شخصية من أساتذة الأزهر وعلمائه الذين أكدوا في بيانهم أن الشريعة المطهرة هي أمر الله، وأمره - سبحانه - تجب طاعته وتحرم مخالفته، وحقيقة الإيمان بالله أن يذعن المؤمن لأوامر الله ونواهيه.. وشريعة الله في مكانها فوق إرادات البشر ومشيئاتهم، فهى حاكمة على غيرها، وكل ما عداها تحت هيمنتها وسلطانها حتى ابتليت الأمة بالاستعمار الذي عمل على هدم مقوماتها ونقض دعائم قوتها حتى لا تستيقظ وتنهض في مواجهته؛ فهو يعلم سلفا نتائج بقاء الأمة معتصمة بدينها ومهتدية بهدي شريعتها ... ثم إن هذا القانون يحمل بين ثنياه مظاهر اضطرابه؛ حيث تضمن من المخالفات ما يلي: ١- في حالة الخلع يباح للزوجة الحصول على الطلاق إذا أقرت أمام المحكمة باستحالة الحياه مع زوجها وتنازلها عن حقوقها المالية الشرعية، وردها ما حصلت عليه من مهر إلى زوجها، ويكون القاضي ملزماً الحكم بالتطليق. فيلاحظ أن التعديل أعطى المرأة الحق في الخلع بينما منطوق الآية في الموضوع يحتم الاتفاق بين الزوجين على ذلك. يقول الله - تعالى-: [فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما] [البقرة: ٢٣٣] ألا يجر ذلك فئات من النساء على هدم بيوتهن بأيديهن؟ ! ٢- السماح للزوجة بالسفر من دون الحصول على إذن الزوج؛ وذلك في حال حصولها على ترخيص بذلك من المحكمة. فأين العصمة التي للزوج - ما لم يشترط -؟ وأين تحريم سفر المرأة بلا محرم؟ ٣- الاعتراف بالطلاق رسميا في حالات الزواج العرفي؛ فكيف تعطى الشرعية لمثل هذا الزواج القائم على عدة مخالفات شرعية؛ وهذه - المسائل - وإن زعم أنها لصالح المرأة - واجهت معارضة شديدة أدت إلى تعديلات محدده وافق بموجبها عليه كل من: فضيلة شيخ الأزهر، وفضيلة المفتي. ومع تقديرنا لوجهة نظر كل من الشيخين الفاضلين إلا أننا نحذر من الأخطار المترتبة على مثل تلك القوانين المستوردة وما تؤدي إليه من سلبيات اجتماعية لا تخفى؛ فعلى كل امرأة مسلمة تخشى الله ألا تنخدع بمثل هذه الدعايات المكشوفة، وعليها الحذر من أن تنقاد لها لما فيها من مخالفات ومحاذير. ونذكر كل المسلمين: علماء، ودعاة، ومفكرين، وإعلاميين بما يلي: أولاً: أن الأحكام الشرعية ليست مجالا مفتوحا لكل من هب ودب من صحافة وبرلمانيين وحزبيين ممن قد لا يفقه في الشرع المطهر شيئاً، ومن ثم فلا مجال لأمثال هؤلاء بمناقشة ما ليس من اختصاصهم؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. ثانيا: أن المجتمعات الإسلامية لها خصوصيتها ولها تميزها، وهي بحكم إسلامها وإيمانها بدينها تقبل أحكام الشرع المطهر بكل رحابة صدر، ومحاولة تسميم أفكار الرأي العام من قبل الإعلام والجمعيات النسائية المشبوهة بطرح زبالات الأفكار الأجنبية، وطلب نقلها لمجتمعاتنا هي ظاهرة يحرص أعداء الإسلام على إقرارها وتمريرها منذ سنين طويلة؛ وكلما رفض أعيدت من جديد، وترفض لما تحمله من أخطاء معروف للجميع، ولما فيها من تضليل للأمة، والانحراف بها عن الصراط المستقيم لمصالح أجنبية وأهواء شخصية. ثالثا: استغل أعداء الإسلام ضعف كثير من الدول الإسلامية واحتياجها لمساعداتهم بالضغط عليها لقبول علمنة المجتمعات وتطبيق القوانين الأجنبية التي تصادم شريعتنا السمحة بدعوى أنها من (حقوق الإنسان المقررة دوليا ومن مظاهر الالتزام بتحرير إلاقتصاد) فلنحذر السقوط في هذه المكائد. فالواجب على الأمة جمعاء أن تقف بكل شجاعة ضد أي ضغوط خارجية - وبخاصة فيما يتعلق بالمساومة على دينها وقيمها وشريعتها - لما في ذلك من مصادمة للشرع المطهر، وما يؤدي إليه من زعزعة لدعائم المجتمع وزلزلة لقواعده، وهذا بدوره يؤدي إلى ضعف الأمة والقضاء على سر قوتها، وهو تمسكها بدينها، واعتزازها بشخصيتها الإسلامية. رابعا: إن محاولات التغيير في تشريعات الأحوال الشخصية ليس في مصر وحدها؛ بل في المغرب - كذلك حوار دائر بين الحكومة والعلماء والمفكرين والجمعيات النسائية حول تقنين دور المرأة في التنمية. وسبق للبيان أن تطرقت لهذا الموضوع في العدد (١٤٤) ، حيث سلطت الأضواء عليه، وفي هذا العدد مقال أخر حول الموضوع نفسه. ونرجو الله أن يوفق أهل الشأن في المغرب لتحقيق ما يخدم المصلحة العامة ولا يصادم الشرع المطهر. وأخيرا: فقد أجمع علماء الإسلام قديما وحديثا على أن الحكم بما أنزل الله فرض على الحاكم وعلى المحكوم عليهم جميعا القبول به، وأن التحاكم إلى الطاغوت (غير شرع الله) محرم ومخرج من الملة وصدق الله العظيم القائل: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ ومَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً] [النساء: ٦٠] .

стр. 3378

دراسات في العقيدة والشريعة حقيقة شركات التأمين [ ١] د. سليمان بن إبراهيم بن ثنيان [٢] قلة من الناس هم أولئك الذين يعرفون شركات التأمين على حقيقتها، ويطَّلعون على خباياها وأسرارها. ويُرجِع الباحثون ذلك إلى أمور عدة أهمها: الدعاية التي تُظهِر شركات التأمين على غير حقيقتها؛ حيث تظهرها للناس حسب ما يحبون ويرغبون ويتمنون أن تكون عليه، وتخفي عنهم حقيقتها وواقع أمرها الذي لو عرفه الناس لربما نفروا منها، ولما استجابوا لها، كما يقول باحث التأمين الألماني ديترميز. هذا أمر، وهناك أمر آخر أعجب منه وأغرب، أمر أدهش كبار الباحثين وحيَّرهم، وهو: أن مجمل الناس لا يهتمون بمعرفة التأمين على حقيقته، ولا معرفة الشركات القائمة عليه رغم ارتباط الناس به وبشركاته، ورغم ما يدفعون من أموال طائلة إلى صناديق هذه الشركات. هذه الظاهرة العجيبة لم يجد لها كثير من الباحثين حلاً أو تفسيراً معقولاً. ولكن المتمعنين في حقيقة التأمين يردُّون ذلك إلى ما يحتويه التأمين من تعقيدات مقصودة في الغالب وإلى ما يكتنف شركاته من عدم الوضوح في المنهج والسلوك في أعمالها وتعاملها. كما يردُّون ذلك أيضاً إلى عدم اقتناع الناس بالتأمين أصلاً أو بوجود حاجة إليه؛ حيث ثبت بالاستطلاع الإحصائي الدقيق أنه لا يُقْدِم كثير من الناس على التأمين بدافع الحاجة والاقتناع، وإنما يُقدِمون عليه بدافع الدعاية الواسعة إليه بدافع التقليد، كما يقول هنز ديترمير. وقد أجريتُ استطلاعاً عاماً في مدن ألمانية مثل: فرانكفورت، وكلونيا، وميونيخ، وشتوت قارت حول ما يدفع الناس إلى التأمين فوجدت أن ما يقرب من ٥٨ % ممن وُجِّه إليهم السؤال لا جواب لديهم سوى قولهم: كذا أو مثل الناس، أو نحو ذلك. وتتضح لنا حقيقة شركات التأمين، وطبيعة تفكيرها، وتعاملها من خلال الأمور الهامة الآتية: أولاً: شروط شركات التأمين: ليس لشركة في العالم ماضية وحاضرة ما لشركات التأمين من شروط عامة وخاصة، ظاهرة وخفية. وإن أخص ما تختص به هذه الشروط الصفة التعسفية، مما اضطر كل دولة في العالم أن تفرض رقابة خاصة على شركات التأمين لديها لتخفف شروطها على المواطنين. وشروط شركات التأمين متنوعة: فمنها ما يخص القسط، ومنها ما يخص مبلغ التأمين، ومنها ما يخص الخطر المؤمَّن ضده، ومنها ما يخص التعويض عن الحادث، ومنها العام الذي تشترك فيه جميع شركات التأمين، ومنها الخاص بشركة معينة، ومنها الظاهر الذي يعلمه أكثر الناس، ومنها الخفي الذي لا تعلمه إلا الخاصة من أصحاب الخبرة والممارسة كما يقول صاحب كتاب: (الأمن الخادع) برند كرشنر. وإن من أبرز الشروط الخاصة بالتأمين ما يسمى بشرط الحلول. ومقتضاه: أن تحل شركة التأمين محل المؤمن له في مطالبة الغير بما تسبب من أضرار بممتلكات المؤمَّن له لحسابها الخاص، وأن يسقط حق المؤمَّن له في طالبة المتسبب، وبهذا قد تأخذ شركة التأمين من المتسبب أكثر مما تدفعه تعويضاَ مؤمَّن له، وذلك حينما يكون التلف أكبر من مبلغ التأمين، بل إنها قد تأخذ العوض كاملاً من المتسبب وتحرم المؤمن له من أي تعويض. كما أنه ليس للمؤمَّن له حق في أخذ ما يزيد على مقدار تعويض الضرر الذي لحق به. ومنها سقوط حق المطالبة بمبلغ التأمين في الظروف غير العادية كالحروب، والزلازل، والاضطرابات العامة. وشروط شركات التأمين كلها شروط إذعان، أي أنه على المؤمَّن له قبولها دون مناقشة، كما أن هذه الشروط تحمي شركات التأمين؛ حيث تُحكِم القبضة على المؤمَّن لهم في الانتظام في دفع القسط، في الوقت الذي تضع فيه العراقيل دون حصولهم على مبلغ التأمين، كما يقول خبير التأمين هنز ديترمير. ثانياً: أهداف شركات التأمين: لا تهتم شركات التأمين بشيء يضاهي اهتمامها بالربح؛ لذا نجد تركيزها الشديد عند التخطيط ووضع نظامها الأساس ينصبُّ على الأخذ بكل وسيلة تجلب الربح وتجنِّب الخسارة؛ بغضِّ النظر عما قد تسببه هذه الوسائل من إحراجات، أو معارضة للدين أو الخلق أو السلوك الحسن. ويشاهد ذلك جلياً فيما تنطوي عليه شروطها من تعسف واستغلال، وخاصة في التأمينات التي تفرضها بعض الدول على مواطنيها. كما يشاهد ذلك جلياً أيضاً في استثماراتها الربوية لما تجمعه من أقساط دون المساهمة في أي مشروع خيري. كل هذه مؤشرات إلى أنه ليس لها هدف في التعاون وخدمة الناس، وإن ألح بعض دعاتها في إقناع الناس بذلك، وإنما هدفها المحقق المعلوم هو الربح والثراء السريع على حساب المؤمَّن لهم، كما يقول أنتون أندرياس في كتابه (فخ التأمين) . ثالثاً: عقود التأمين بين الظن والحقيقة: يعتقد كثير من الناس أن من وقَّع عقداً مع إحدى شركات التأمين ضد حادث معين فقد أمِنَ شر هذا الحادث، ونسي همه إلى الأبد. وهذا خطأ فاحش وفهم قاصر لحقيقة عقود التأمين؛ فعقود التأمين ليست إلا أوراقاً عارية تهددها سهام موجهة يندر أن لا تصاب بأحدها. هذه السهام المعروفة بنظام شركات التأمين، بشروطها ورجالها المأمورين المدافعين عنها من التابعين، والموالين، والمقررين، والمستشارين، والمحامين، والأطباء، والخبراء، وغيرهم من المختصين في حماية شركات التأمين، وإبطال أي دعوى تقام ضدها. نعم! تلك الشركات ستمالت واشترت بالمادة ذمم كثير من أولئك الناس الذين يتولون التحقيق في الحوادث، وتقويمها، وبيان وجهة القانون فيها، وما يترتب عليها من مسؤوليات وتعويضات. إنه ليس شيء أيسر على شركات التأمين من إيجاد السبب لإبطال عقد من العقود، والتحلل من التزاماته؛ فالظروف غير العادية حسب نظامها تجعلها في حل من جميع التزاماتها، وزيادة الخطر من مبطلات الالتزام ما لم يزد المؤمن له في قيمة القسط. والإخلال بشرط من شروطها مهما خفي أمره يعتبر لديها من أهم المحللات. وقد وضعت شروطها وأحكمتها بحيث لا يأتي بها كاملة إلا قلة من الناس، فيندر أن يسلم أحد من المؤمن لهم من شر هذه الشروط التي تجد شركات التأمين فيها أعظم مجال لتصيُّد الثغرات والتحلل من الالتزامات. والحاصل أن شركات التأمين تعقد الكثير، ولا تفي إلا بالقليل، كما يقول صاحب كتاب (الأمن الخادع) . وكما يقول خبير التأمين الألماني أنتون جوها: إنه طبقاً لإحصائيات المكتب الفيدرالي الألماني فقد وقع في عام ١٩٨٤م مليونا حادث عمل كلها مؤمَّن ضدها، ولم تعوض شركات التأمين منها إلا ٢.٩ % فقط. بهذا نرى أن شركات التأمين لها عقود وشروط لا تلتزم بشيءٍ منها إلا وهي راغمة، ومن يستطيع أن يرغم جيوشها الجرارة من المحامين والعملاء والقضاة وسائر المنتفعين؟ ! . آثار التأمين في حياة الناس: قد يعتقد بعض من لا يعرف حقيقة التأمين، وخاصة أولئك الذين يصغون أسماعهم لما تروِّجه شركات التأمين من دعاية جذابة، ويقرءون ما تنشره أقلام ... أتباعها من مؤلفين وصحفيين وغيرهم قد يعتقد أولئك أن التأمين خير لا شر فيه. ولكن الأمر عند من يعرف حقيقة التأمين يختلف؛ فإن كانت للتأمين بعض المحاسن، فمساوئه تطغى على كل أثر حسن وسأبيِّن ذلك من خلال بيان إيجابيات التأمين، وسلبياته، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات من واقع الحياة. الآثار الإيجابية في التأمين: يقول أصحاب التأمين: إن من إيجابياته الأمور الآتية: ١ - تكوين رءوس الأموال: يُجْمِعُ رجال الأعمال والمال على أن أعظم سبب لتكوين رؤوس الأموال التي عرفها العالم في القديم والحديث نظام التأمين؛ ذلك أنه ما من شيء يُتَصَوَّر في حياة من يأخذون بالتأمين إلا وللتأمين فيه حظ وافر ونصيب جزل، سواء كان ذلك مقابل تأمين الأنفس أو الأموال أو الممتلكات أو الحقوق أو مجرد الآمال والأحلام؛ حتى إن الفرد والجماعة والدولة في العصر الحديث يخصصون بنداً ضخماً في ميزانياتهم السنوية لتكلفة التأمين، ويُعِدُّون لذلك العدة الصعبة، بل إن الأمر قد بلغ أن التكلفة التأمينية أجَّلت بعض المشاريع؛ وذلك لأن التأمينات لا تقف عند حد؛ فبقدر ما تنتجه قريحة أصحاب التأمين من تصنيع للأخطار بقدر ما تمتد يد التامين لتحصيل الأموال. ولدى شركات التأمين موهبة فائقة في تجسيم الأخطار، وإبرازها، وتقريبها من الناس. فأيسر الأخطار وأندرها بل وبعيدُ التصور منها تنفخ فيه شركات التأمين حتى تجعله الشبح المخيف الذي لا يصح تجاهله، والذي ينبغي الإسراع إلى فعل ما يقي منه ويدفعه. وبهذا انهالت على أصحاب التأمين الأموال الطائلة والثروات الفاحشة. ويقول أصحاب التأمين: إن هذه الثروات مفيدة للناس؛ حيث إنها تستخدم وتستثمر في المشاريع العامة المفيدة للجميع، كما يقولون: إنها مفيدة للدولة؛ حيث إنها سندها عند الأزمات الاقتصادية، كما يقرر ذلك خبير التأمين (هنز مير) . ٢ - المحافظة على عناصر الإنتاج: إذا احترق المصنع، أو انفجر، أو تهدَّم، أو مرض العامل، أو توفي أو تعطل، ولم يكن ما يعوض ذلك أو يصلحه فإنه قد تنحط عناصر الإنتاج البشرية والآلية، فيضعف إنتاجها أو يتوقف. ويقول أصحاب التأمين: إنه بالتأمين يستطاع منع ذلك، فلا تضعف عناصر الإنتاج، ولا تتوقف؛ ذلك أنه إذا احترق المصنع أو انفجر، أو تهدم فإن شركات التأمين تعوض أصحاب المصانع بدفع قيمة التأمين الذي يستطاع به إعادة بناء هذا المصنع. وإذا مرض العامل فإنها عالجه، وإذا تعطل تعوضه، وإذا توفي تصرف لأسرته. ويعدون ذلك حسنة من حسنات التأمين وواحدة من إيجابياته. ٣ - التحكم في التوازن الاقتصادي: تعاني كثير من الدول وخاصة الصناعية منها من عدم التوازن الاقتصادي بين العرض والطلب؛ فقد تكثر النقود في أيدي الناس مع قلة السلع المعروضة في الأسواق، فيرتبك الاقتصاد، وهو ما يعرف بحالة التضخم. وقد تكثر السلع المعروضة في الأسواق مع قلة النقود في أيدي الناس فتبور السلع، وهو ما يعرف بالكساد. ويعتبر الاقتصاديون كلا هاتين الحالتين الاقتصاديتين غير صحيتين. ويقول رجال التأمين: إنه يمكن بالتأمين تفادي هاتين الحالتين المضرتين بالاقتصاد؛ فإنه يمكن في حالة التضخم الاقتصادي التوسع في التأمينات الإجبارية لتعم أكثر قدر ممكن من الناس، وخاصة التأمينات الاجتماعية، وبذلك يمكن سحب قدر كبير مما في أيدي الناس من النقود، فتقل القدرة الشرائية، فيتزن العرض والطلب. وفي حالة الكساد يمكن للدولة أن تزيد من مخصصات المرضى، العاطلين عن العمل، ونحوهم، فتكثر النقود في أيدي الناس، فتزيد القدرة الشرائية، ويزول الكساد، ويعتبرون ذلك إحدى إيجابيات التأمين؛ كما يقول خبير لتأمين بول برس في كتابه: (أثر التأمين في الاقتصاد القومي) . ٤ - اتقاء الأخطار: ترغب شركات التأمين في عدم حلول المصائب والأحداث في الأمور المؤمَّن ضدها حتى لا تضطر إلى دفع مبلغ التأمين الذي تعهدت به، ولذا فهي تضغط على المؤمَّن لهم وتشدد عليهم ليجتنبوا الأخطار ويبذلوا الجهد في المحافظة على الأموال المؤمن عليها؛ ويقول أصحاب التأمين إن ذلك يؤدي إلى المحافظة على قوة الاقتصاد للبلد؛ فهو من إيجابيات التأمين كما يقول بول برس. ٥ - زيادة الائتمان: لا توافق المصارف ولا أصحاب الأموال على إقراض أحد الناس قرضاً ربوياً ما لم يوثق هذا القرض بوثيقة ائتمان تضمن لهم حقوقهم، وهو ما يعرف بالرهن. وهم لا يقبلون هذه الرهون ما لم تكن مؤمنة ضد الفناء والهلاك. لذا فأصحاب الأموال يطالبون من يقرضونهم قروضاً ربوية بتوثيق ديونهم برهون معينة من عقار وغيره، ويطالبونهم أيضاً بالتأمين على وثائق الائتمان هذه، حتى إذا هلكت العين المرهونة قام التأمين مقامها. ويقول أصحاب التأمين: إن ذلك ينشط التجارة ويخدم الاقتصاد؛ فهو كما يرون من إيجابيات التأمين. ٦ - بث الأمن والطمأنينة: يذكر رجال التأمين أن التأمين يجلب الأمن والطمأنينة والراحة والهدوء للجميع؛ فأصحاب المصانع مطمئنون إلى سير مصانعهم ونجاحها، وأصحاب الأموال واثقون من سلامة أموالهم، وأصحاب البيع والشراء والتعامل مع البضائع مطمئنون إلى سلامة بضائعهم، وكذلك رجال الأعمال والموظفون والعمال، وغيرهم ممن يتعامل مع التأمين جميعهم يتاجر ويعمل بهدوء نفس وأمن واستقرار. ويعدون ذلك من إيجابيات التأمين. (مبادئ التأمين) . آثار التأمين السلبية: يقرر أصحاب البصيرة في حقيقة التأمين أن للتأمين سلبيات ومساوئ كبيرة وكثيرة، ويحسبون من أخطرها وأضرها بالناس الأمور الآتية: أولاً: الوقوع فيما حرمه الله تعالى: ليس شيء في الدنيا أضر بالإنسان من معصية الله تعالى ومعصية رسوله؛ ذلك أن أثر هذه المعصية لا يقف عند حد حساً ولا معنى؛ فهو نزع للخير والبركة في الدنيا، وذل وهوان وعذاب شديد في الآخرة. وليس شيء كذلك إلا معصية الله تعالى. وإذا كان التأمين يقوم على الربا والقمار وغيرها مما حرمه الله كما يثبته علماء الشريعة؛ فهو معصية لله ولرسوله، وهو الخطر الذي يهون دونه أي خطر. ثانياً: التأمين خسارة اقتصادية: إن الكثرة الكاثرة هي الجماعة الخاسرة في عملية التأمين، والقلة النادرة هي الفئة الرابحة؛ فإنَّ قدْراً لا يستهان به من أموال الأفراد والجماعات والجهات والدول يُرمى به في صناديق التأمين في العالم دون سبب حقيقي لهذا التصرف. والجميع خاسرون لهذه الأموال دون فائدة ظاهرة ملموسة، ولا يستثنى من هؤلاء سوى قلة نادرة لا تُعَدُّ شيئاً إلى جانب الأعداد الهائلة من المؤمَّن لهم، هذه القلة النادرة هم أولئك الذين يقع لهم الحادث المؤمن ضده ممن تدفع لهم شركات التأمين التعويضات، ولا فائدة لهم في ذلك إلا إذا جاوزت تكاليف الحادث ما دفعوه من أقساط مع اعتبار زمن استثمار هذه الأقساط لو لم يدفعوها، واستثمروها بأنفسهم حتى ذلك الحين. وأكثر من يقع لهم الحادث يكادون ألاَّ يذكروا بالنسبة لمجموع المؤمن لهم؛ فالرابحون الحقيقيون من وراء خسارة المجموع في عملية التأمين قلة من الناس تكاد تُعد على الأصابع أولئك هم قادة التأمين في العالم. لذا فخسارة الأمة بالتأمين باهظة، وهي عامة شاملة، وتعتبر من أنكى الخسائر الاقتصادية التي منيت بها الشعوب في العصور المتأخرة، وأشدها غبناً؛ فإن مجموع المؤمن لهم بمثابة الشاة الحلوب التي لا تعلف إلا بجزء يسير من قيمة لبنها؛ فهي الخسارة الجلية الواضحة كالشمس في رابعة النهار مهما تستَّر عليها المستفيدون المستغلون لمصائب الناس. ولزيادة الوضوح والتيسير في فهم هذه العملية الخاسرة وضعتُ معادلة رياضية عرضتها على عدد من الاقتصاديين الغربيين، وخاصة من كان منهم وثيق الصلة بالتأمين، ولم يستطع أحد منهم أن يردها، أو أن يدافع عن التأمين إلا بقوله: (إنه ضرورة بالنسبة لنا) ، أي بالنسبة للغرب، لتقطُّع الصلة فيما بينهم. ويقول منطوق هذه المعادلة الرياضية: إن مجموع ما يدفعه المؤمَّن لهم = أرباح الشركة + جميع مصاريفها + ما يعاد للمؤمن لهم عند الحادث. ويتبين من هذه المعادلة الرياضية الرهيبة مدى الخسارة العظمى التي تُمْنَى بها الأمة من جرَّاء التأمين؛ فمعلوم أن أرباح شركات التأمين لا تضاهيها أرباح؛ حتى إنها لتكفي لإقامة دول كاملة، ومصاريفها أدهى وأمرُّ؛ فهي تشمل جميع ما تبذله من عطاء سخي لمديريها، ووسطائها، وموظفيها، وسماسرتها، وبائعي الذمم من عملائها الذين لهم علاقة بتقدير الحوادث ونتائجها، ومختلف صورها. كما تشمل جميع ضرائب الدولة المفروضة عليها، وإيجارات مكاتبها الفخمة، ومنشآتها المتنوعة، وتكلفة مبانيها الشاهقة، ودعاياتها الواسعة، إلى غير ذلك مما لا يحصى من النفقات الباهظة. كل ذلك تستنزفه من جيوب المؤمن لهم دون مقابل. أما ما تعيده إلى المؤمن لهم في حالة وقوع الحادث فهو نزر يسير لا يكاد يذكر بالنسبة للأرباح والمصروفات. يقول خبير التأمين (ملتون آرثر) : إن نسبة ما يعاد إلى المؤمن لهم في التأمين على الحياة ١.٣ % من قيمة الأقساط [٣] . وما مثل ... المؤمن لهم في هذه العملية الخاسرة إلا كمن يبيع ماله بجزء يسير منه. ثم إن ما تدفعه شركات التأمين إلى المؤمن لهم من هذا النزر اليسير لا تدفعه إلا بمرارة؛ حيث تضع العقبات لتحول دون صرفه؛ فهي تُنصِّب أمهر المحامين، وتشتري ذمم القضاة من القانونيين، وتضع الشروط الخفية المعقدة التي لا يكاد يسلم من شرورها أحد. هذه حقيقة التأمين الاقتصادية المرة، وواقعه الخفي، فهل يقول عاقل عارف بحقيقة لتأمين ناصح لأمته إن التأمين مصلحة اقتصادية؟ ! ثالثاً: إنهاك الاقتصاد بنزيف الأموال خارج البلاد: تنقسم دول العالم بالنسبة إلى التأمين إلى فئتين: فئة مصدِّرة للتأمين، وفئة مستوردة. ولا شك أن الرابحة في هذه العملية هي المصدرة، وأن الخاسرة هي المستوردة؛ وذلك أن المصدر لهذه البضاعة لا يصدر ما ينفع الناس، وإنما ما يسلبهم أموالهم في لعبة معروف فيها سلفاً من الرابح ومن الخاسر، وهي ما يعرف بلعبة الذئب مع الغنم. إن الدول المصدرة للتأمين تأخذ الكثير ولا ترد منه إلا النزر اليسير. تلك الدول التي تمتلك شركات التأمين الكبرى، وخاصة منها شركات إعادة التأمين التي تصب أموال العالم في مشارق الأرض ومغاربها في أحواضها. إن التأمين بما فيه إعادة التأمين إنهاك للاقتصاد العالمي، وخاصة الدول الفقيرة منه؛ حيث تسحب به الدول القوية المصدرة للتأمين مبالغ طائلة من ثروة الدول الفقيرة مما يربك ميزانية مدفوعاتها [٤] . رابعاً: عجز بعض المشاريع عن القيام بسبب الكلفة التأمينية: تمنع أكثر دول العالم من إقامة أي مشروع صناعي أو تجاري، أو غيره مما ما لم يؤمن عليه صاحبه مسبقاً. وقد تكون التكلفة التأمينية من الجسامة بحيث تكون عبئاً ثقيلاً على مثل هذه المشاريع، وخاصة الصغيرة منها؛ بل إنها تحول دون قيامها اصلاً. وهذه حقيقة في الدول التأمينية على وجه الخصوص. وقد أجريتُ في مصر مقابلة مع عدد من الأشخاص من أصحاب المهارات الخاصة في الحرف والصناعات والكفاءات المتميزة ممن كان بإمكانهم إقامة معامل إنتاج ذات قدرات محدودة تقضي حاجات كثير من الناس وتثري الإنتاج الفني، وكان سؤالي يتوجه حول السبب في عدم إقامتهم لمثل هذه المشاريع، فكانت إجابة حوالي ٥٥% منهم بأن المانع هو ارتفاع نفقة الإنشاء وخاصة التأمين. ويصرح حوالي ٤٥% بأنه ما منعه إلا تكلفة التأمين، ويقول بعضهم: إنه قد أنشأ شيئاً من ذلك فأجهضه التأمين واضطره إلى توقيفه. وتسمع كثيراً لهجة مستنكرة تقول: ما ندري: هل نشتغل لتحصيل لقمة العيش، أو لشركات التأمين؟ ! خامساً: الإغراء بإتلاف الأموال عدواناً: يتعمد بعض المؤمن لهم إتلاف ماله المؤمن عليه بحريق، أو غيره ليحصل على مبلغ التأمين، وخاصة إذا كانت البضاعة المؤمن عليها كاسدة في الأسواق، أو فات وقتها، أو اكتشف فيها عيباً. وقد لا يتلفها فعلاً، ولكنه يصرِّفها، ويصطنع تلفها بحريق أو نحوه بما يوافق شروط استحقاق مبلغ التأمين، ويتم ذلك بإغراء الاستفادة من مبلغ التأمين، وخاصة إذا كان الشخص قد دفع مبالغ كبيرة لشركة التأمين دون أن يستفيد منها شيئاً، فيقدم على هذا العدوان بدافع التشفي. وهذه الحوادث مشهورة ومنتشرة في بلاد التأمين أجمع، وهي أشد ما تخشاه شركات التأمين، وتشدد في التحقيق منه عند وقوع الحادث ومثل هذا التصرف خسارة على اقتصاد الأمة، وعدوان بغير حق، وهي إحدى سلبيات التأمين. سادساً: تكدس الأموال في أيدي قلة من الناس: عرف الإنسان منذ قديم الزمان أن تكدس الأموال وتجمعها في أيدي قلة من الناس أمر خطير ينتج عنه كثير من الشرور والتسلطات والآثار السيئة، ويعبَّر عن ذلك في العصور المتأخرة بنظام الطبقات في المجتمع. وقد أجمع علماء الإصلاح الاجتماعي على أنه لا شيء أسوأ على الأمم من انقسام مجتمعها إلى طبقات الأغنياء والفقراء. وأن من الآثار السيئة لتكدس الأموال في أيدي قلة من الناس تسلطهم وتحكمهم في مصير الكثرة، وتسخيرهم لخدمتهم بغير حق، وتوجيه أمور الأمة في جميع جوانبها وفقاً لمصالحهم. وقد نهى الإسلام عن تكدس المال في أيدي فئة قليلة تفسد في الأرض وتتعالى على الناس؛ والتأمين بجميع أنواعه هو الركن الركين لمثل هذا التكدس المشين. سابعاً: التسبب في كثير من الجرائم: بسبب إغراء المال والطمع في الحصول على مبالغ التأمين يُقْدِمُ عدد من المؤمن لهم بهذه المبالغ، أو المستحقين لها بعد أصحابها على ارتكاب جرائم شنيعة مروعة من القتل والبتر والتصرفات المنكرة النابية عن أدنى شعور بالرحمة والشفقة واعتبار الآخرين: فهذا يفجر الطائرة بمن فيها في الجو، ليقتل أمه لكي يحصل على تأمينها، وهذا يخنق أباه، وهذا يغرق الباخرة بمن فيها ليحصل على التأمين الكبير لبضاعته، وهذه تسقي زوجها السم ثم ولدها لتستأثر بمبلغ التأمين؛ وهذا يقتل زوجته للغرض نفسه، وهكذا سلاسل الجرائم المنكرة التي لا يعرفها عصر غير عصر التأمين. هذا وإن جرائم التأمين من أفظع الجرائم التي عرفتها البشرية وأشدها وحشية منذ فجر التاريخ؛ ذلك أن هذه الجرائم تستهدف أكثر ما تستهدف الأقرباء؛ فقد أخرج الباحث (شيفر ماكس) بحثاً علمياً دقيقاً رتب فيه جرائم التأمين حسب ما رصدته ملفات مخابرات الشرطة الدولية ودراساتها، ودفاتر الضبط في محاكم العالم فوجد أنه يأتي في المرتبة الأولى من جرائم القتل بسبب إغراء التأمين قتل الزوجة لزوجها، ويأتي في المرتبة الثانية قتل الزوج لزوجته، وفي المرتبة الثالثة يأتي قتل سائر الأقرباء من أم وأب وغيرهم، وفي المرتبة الرابعة قتل الأولاد من قِبَل والديهم، ولا يأتي قتل الأجانب إلا في المرتبة الخامسة. وإنه لمنتهى العجب أن يكون التأمين الذي يقصد به اتقاء الأخطار ورفعها أعظم سبب لأفظع الأخطار وأشنعها! وليس أدل على ذلك من أن (جاك جراهام) وهو أحد مجرمي التأمين وضع في طرد الهدايا الذي حملته أمه معها في الطائرة لغماً هائلاً مزق أمه أشلاءاً، ودمر الطائرة بمن فيها في الجو. وأن (ألفريدي تلتمان) قتلت زوجها بالسم، ثم ابنها تخلصاً منهما لتنفرد بمبلغ التأمين من بعدهما. وأن (جوفياني فينا رولي) قتل زوجته بالخدعة شر قتلة. وأن (جوليان هرفي) قتل بالرصاص جميع من كان على ظهر إحدى البواخر بمن فيهم زوجته، ثم أغرق الباخرة لكي يحصل على تأمين زوجته الضخم. قصص وقصص تكاد ألاَّ يصدقها العقل. هذه حقيقة التأمين. ثامناً: إبطال حقوق الآخرين: تستخدم شركات التأمين أعداداً كبيرة من أشهر المحامين في العالم ليتولوا الدفاع بالحق أو الباطل لإبطال حجج خصومها من المؤمَّن لهم، وهي لا تقف عند هذا الحد، بل إنها تستميل بالمال الأطباء المقررين، وقضاة المحاكم القانونيين وكل من له أثر في تقرير الحوادث. إنها تفعل ذلك لإيجاد أي ثغرة تخرج معها من المسئولية، فتتحلل من دفع مبالغ التأمين المستحقة بوقوع الحادث المؤمن ضده. وما أيسر إيجاد الثغرات، وخاصة مع شروطها المعقدة الخفية التي يصعب الإلمام بها على كثير من الناس، فضلاً عن الإتيان بها على الوجه المطلوب. تاسعًا: إفساد الذمم: من شروط شركات التأمين شرط يقول: «إنه لا يحق للمؤمن له الذي يقع له الحادث مع غيره أن يعترف بخطئه للآخر مهما كان الخطأ، وإلا فإن الشركة بريئة من التزاماتها بدفع أي مستحقات تترتب على الحادث. ليس هذا فقط بل عليه أن ينكر خطأه، ولو أمام المحكمة، وحتى لو كان خطؤه لا يحتمل الإنكار. وبهذا الشرط يدفع نظام التأمين المتعاملين معه إلى الكذب وإفساد الذمم، ويملأ المحاكم بالقضايا التي تشغلها الدهر، ولا تنتهي إلا إلى حلول مجحفة تحصل بها شركات التأمين على أموال المؤمن لهم بالباطل دون أن تدفع لهم ما يقابلها من تعويضات عند الأحداث [٣] . عاشراً: ضياع المحافظة الفردية على الممتلكات: يتسبب التأمين في وقوع كثير من الإهمال لدى المؤمن لهم الذين لا يعتنون ولا يحافظون على أموالهم وممتلكاتهم كمحافظتهم على أموالهم غير المؤمن عليها، بل قد يصل الأمر بهم إلى حد الرغبة في تلف بعض الأعيان المؤمن عليها طمعاً في مبلغ تأمينها الذي قد يفوق قيمتها. وإن عدم العناية وترك المحافظة على الممتلكات والأموال ضد الأخطار من أفراد المجتمع خسارة عظيمة على الأمة؛ لأن قوة المحافظة الفردية لا تعوضها أي قوة محافظة أخرى مهما بلغت. والخسارة الناتجة عن الإهمال لا تضر بالفرد وحده، ولا بالجماعة، ولا بالشركة المعوضة وحدها، وإنما يمتد ضررها ليشمل أبعد من ذلك؛ حيث يضر بكامل اقتصاد الأمة؛ لأن اقتصاد الأمة هو مجموع اقتصاد أفرادها. وعليه، فعدم المبالاة وترك الحراسة الفردية المشددة على الأموال والممتلكات بسبب التأمين إهدار لأعظم أسباب الأمن والسلامة، وإغراء بارتكاب الجرائم والنهب والاختلاس، وتعطيل لغريزة الوقاية التي خلقها الله في الإنسان. الحادي عشر: تخويف الناس والتغرير بهم: إذا كان السبب والأصل الذي دفع الناس إلى الأخذ بالتأمين هو الخوف من المستقبل المجهول، وعدم ثقتهم في مواجهة الأحداث بأنفسهم؛ فإن شركات التأمين قد استغلت هذا الدافع أسوأ استغلال، فجسمت أمامهم المخاطر، وعظَّمت في أعينهم الأحداث، وحفَّت الحياة بألوان من المفاجآت والتوقعات غير السارة، وربت الناس على عدم قدرة الفرد أو الجماعة على مواجهة هذا المستقبل المكفهر بأنفسهم، بل إن الأمر قد بلغ بها أن أخافت الدول نفسها، وزينت لها وللناس اللجوء إلى شركات التأمين التي جعلتها أمامهم هي وحدها القادرة على مواجهة هذه الأمور العظام، وعلى التصدي لتجنيب الناس أضرار الكوارث ومساوئ الأحداث؛ فهي وإن كانت تسمى شركات التأمين إلا أنها تخيف الناس وترعبهم وتدمر ثقتهم بأنفسهم أولاً، ثم تدعوهم ثانياً إلى تأمين أنفسهم ضد ما أخافتهم منه؛ وهذا هو المرتكز والمبدأ الأول في سياستها الدعائية، وهو مبدأ تغرير وخداع لا يقره دين، ولا عقل ولا خلق (كرشنر، هنز ملر، كابل) . الثاني عشر: سلب الناس القدرة على مواجهة الحياة: يؤدي ارتماء الناس في أحضان التأمين، وهروبهم من تحمل مسؤوليات الحياة إلى سلبهم القدرة على مجابهة أدنى المخاطر وتحمل أقل المفاجآت، والحياة كلها مسؤوليات وكلها مفاجآت. ومن الذي يستطيع أن يؤمن نفسه ضد جميع أخطارها وتقلباتها؟ ثم ما هو طعم الحياة وأين لذتها لمن لا يصادمها ويكابدها، ويخوض غمارها بنفسه؟ وأين إشباع غريزة حب التغلب والانتصار التي خلقها الله في الإنسان؟ ولكن ليس الأمر مجرد حرمان من إشباع الغرائز وتحقيق الملذات، وإنما هو الخطر من فقدان تحمل الحياة أصلاً؛ وخاصة في هذا العصر الذي دين أهله وتعقدت حياتهم، وطغى الشر فيه على الخير. الثالث عشر: ضياع الروابط وتفكك المجتمع: يحتاج الإنسان في حياته إلى الآخرين، وخاصة إلى أقاربه وذويه. وتشتد هذه الحاجة كلما حل العوز، أو وقعت كارثة، أو خوف. لذا فقد ساد الناس منذ العصور الأولى الالتفاف والائتلاف، وقام بينهم التعاون والتناصر وإغاثة المعوزين والمحتاجين، وتكونت بذلك الروابط الأسرية، وتكافل المجتمع، وقامت الألفة والمحبة بين الجميع، فكانت الأسرة التي هي وحدة العائلة ونواة المجتمع قوية متماسكة لا تهتز، وكذلك المجتمع. ولما حل الخراب بالأسر وبدأ التفكك في المجتمع جاؤوا بالتأمين ليحل محل الأسرة ويعوض الناس عما فقدوه، ويغني الفرد بزعمهم عن الآخرين، ولجؤوا إليه في كل أمر كانوا يرجونه من الأسرة، فضاعت بذلك الأسرة، وتهدم بناء المجتمع، ولم يعوض التأمين الناس عما فقدوه، وإنما زاد الطين بلة، فقطع ما تبقى من روابط، وباعد بين الناس وأسرهم، فوقف كل فرد وحيداً بعيداً منقطعاً، لا مغيث له ولا معين [٦] . موازنة بين الإيجابيات والسلبيات من واقع الحياة: بالموازنة بين السلبيات والإيجابيات في جوانب ثلاثة هامة، وهي: الجانب الديني، والاجتماعي، والاقتصادي يتبين لنا الفرق الهائل بين خير التأمين وشره: أ - الجانب الديني: لم أرَ من أهل العلم من قال: إن للتأمين إيجابيات في الدِّين. وأما سلبياته في هذا الجانب فقد قال أهل العلم المعتد بقولهم في بلاد المسلمين: إن التأمين محرم بجميع أنواعه؛ وذلك لأنه لا يقوم إلا على الربا، والقمار، والغرر، وغير ذلك، كما هو موضح في موضعه. وإذا لم تكن للتأمين إيجابيات في الدين، وقد قال أهل العلم بتحريمه، فلا مجال للموازنة بين الإيجابيات والسلبيات في هذا الجانب. ب - الجانب الاجتماعي: إن كان بعض أصحاب التأمين يعدون من إيجابياته تحقيق الأمن والاطمئنان في المجتمع، كما سبق ذكره؛ فلو سلمنا لهم بذلك فرضاً فإن تسلُّط فئة قليلة من أثرياء التأمين في المجتمع وتحكُّمهم، وانتشار الجرائم بالتأمين، وإفساد ذمم الناس، وأكل أموال الناس بالباطل، وإشاعة الخوف من المستقبل، وسلب الناس القدرة على مواجهة الحياة بأنفسهم، وقتل الروابط الأسرية، وتفكُّك المجتمع بالتعاملات التأمينية تقضي على هذه الدعوى غير المحققة. ج - الجانب الاقتصادي: يقولون: إن من إيجابيات التأمين أنه يساعد على تكوين رؤوس الأموال، والمحافظة على عناصر الإنتاج، والتحكم في التوازن الاقتصادي، ويعدون من سلبياته أنه خسارة اقتصادية وقعت في شعوب العصور المتأخرة، وإنهاك للاقتصاد الوطني بنزيف ثروات البلاد إلى الخارج، ويحول دون قيام الصناعات الخاصة والمشاريع، وهو مغرٍ بإتلاف الأموال عدواناً، وتكديس لأموال الفقراء بأيدي قلة من الأغنياء، وضياع للمحافظة الفردية على الممتلكات. وبهذا يتبين طغيان السلبيات على الإيجابيات، وتهافت دعوى المحافظة على عناصر الإنتاج وهي جوانب اسمها وسمعتها أكبر من حقيقتها، ويمكن أن يستعاض عنها بالتأمين الذاتي، وهو أن يخصص صاحب المشروع أو نحوه مبلغاً من المال، وهو ما يسمى احتياطي الحوادث، ويستثمر هذا الاحتياطي، وقد عُمِلَ بهذا في بعض المصانع الأمريكية والأوروبية فنجحوا نجاحاً كبيراً، ووفروا أموالاً طائلة كانت تذهب عليهم هباء في صناديق التأمين. وفي ختام هذا المقال أسجل هذا الاستطلاع في الرأي العام الذي قمت به في مصر، وألمانيا، وأوروبا، وأمريكا، وكانت نتيجته ما يلي: ٥٥% تقريباً بعد التوعية والتثقيف لبعض الفئات منهم يقولون: إن شر التأمين يغلب خيره. و٢٥% يقولون: إنه شر لا خير فيه. و١٥% يقولون: إن خيره يساوي شره. و٥% فقط هم الذين يُغَلِّبون خيره على شره.

стр. 3379

دراسات في الشريعة والعقيدة الدعوة إلى الله في الحج فيصل بن علي البعداني الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن الدعوة إلى الله تعالى في موسم الحج سنة نبوية منذ فجر الإسلام؛ إذ كان النبي ﷺ يعرض دعوته على الناس في مواسم الحج، كما أرسل العديد من أصحابه ﵃ لذلك. وفي حجة الوداع نصح الأمة غاية النصح وبلغ البلاغ المبين، وقد استمر علماء الإسلام ودعاته الصادقون على مر العصور في استغلال هذا الموسم العظيم دعويًا مستفيدين منه في إيقاظ القلوب وإنارة البصائر وعرض الإسلام النقي والتحذير من مخاطر الشرك وشوائب البدع والمنكرات. وفي عصرنا نرى في الحج جهودًا دعوية مباركة، وأعمالاً مشكورة يقوم بها العديد من الجهات والأفراد؛ ولكنها مع كثرتها لا تزال غير كافية وتحتاج إلى مزيد لأسباب عديدة أهمها: ١ - توارد الأعداد الضخمة من الحجيج والتي تتزايد موسمًا بعد آخر، وهو مما يهيئ لإحداث نقلة دعوية نوعية في العالم الإسلامي متى استغل ذلك. ٢ - تفشي الأمية الشرعية وعموم الجهل بعقائد الإسلام وأحكامه، وانتشار الشركيات والبدع والخرافات بشكل مذهل في أوساط كثير من الحجاج. ٣ - نوعية الحجيج؛ إذ كثير ممن يأتي للحج من البلدان المتفرقة هم من ذوي العواطف الدينية الجياشة الذين توفَّرَ لديهم نوع من اليسار النسبي والوجاهة في أوساط أقوامهم، مما يرجى أن يكون لدعوتهم أثر على أقوامهم بعد عودتهم. ٤ - استعداد الحجيج وتهيؤهم للاستماع والتلقي. ٥ - نظرة كثير من المسلمين لأبناء الحرمين نظرة تقدير وإجلال، وتقليدهم لهم فيما يرونهم يفعلونه ويدعون إليه، وهذا مما يضاعف المسؤولية ويزيد العبء على عاتق الدعاة والمخلصين في بلاد الحرمين. كل ذلك يحتم إعطاء الدعوة والإرشاد في موسم الحج أولوية تفوق أولوية الاهتمام بشؤون تغذية الحجيج وإسكانهم وتوفير النقل لهم، كما يحتم تكثيف البرامج الدعوية ومراجعة القائم منها ومحاولة إدخال التجديد عليها بما يتلاءم وأهمية الدعوة في هذا المقام المبارك. ورغم توفر العديد من الأمور المشجعة على الدعوة في أوساط الحجيج كخصوصية المكان وإقبال الناس على الخير وتهيئهم لسماع كلام الله والعمل به إلا أنه يكتنفها العديد من العوائق التي يجب التنبه لها وتلافيها، ومن أبرزها: أ - جهود أهل البدع والخرافات في تحصين أتباعهم من التأثر بدعوة الحق وتحذيرهم إياهم من الأخذ عن علماء أهل السنة. ب - المشقة البدنية الناتجة عن السفر، والجهد المبذول في أداء المناسك، مما يقلل من الفرص الملائمة للدعاة للالتقاء بالحجاج ما لم يكونوا مخالطين لهم وعائشين في أوساطهم. ج - خشونة بعض الدعاة وعدم تلطفهم مع المدعوين وقلة صبرهم عليهم، مما يجعل الكثير من الحجيج يتهيبون من سؤالهم والأخذ عنهم، بل قد توجد لدى كثير منهم ردود فعل تمنعهم من قبول توجيههم والاستماع إلى نصحهم وإرشادهم. د - كثرة الكتيبات والمطويات والأشرطة التي في متناول الحجيج بما لا يتفق مع منهج أهل السنة والجماعة وهدي النبي ﷺ في هذا النسك العظيم. وقبل أن أبدأ باقتراح بعض الوسائل الدعوية في الحج والتي يمكن للجهات أو الأفراد تطبيق بعضها كلٌ حسب ما يناسبه ويتلاءم مع وضعه أُحِبُّ أن أذكِّر إخواني العاملين في حقل الدعوة في الحج بالأمور الآتية: * أهمية قيام الدعاة بمراجعة أحوالهم ومحاسبة أنفسهم من ناحية إخلاصهم في دعوتهم لله تعالى ومتابعتهم فيها للرسول ﷺ . * أهمية حرص الداعية على فقه أحكام المناسك والتحلي بالأخلاق الفاضلة من صبر وهدوء وحسن معاشرة ليكون داعية بسلوكه وأخلاقه قبل أن يكون داعية بلسانه. * أهمية إدراك العلماء والدعاة - جهات وأفراداً - عظم المسؤولية الملقاة على عواتقهم والأمانة المنوطة بهم تجاه الحجيج وضرورة جدهم في استغلال هذا الموسم العظيم ومثابرتهم في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة والدعوة إليها، وكشف عوار الباطل والتحذير منه. * أهمية ترتيب أولويات الدعوة في أوساط الحجيج والبدء بالأهم قبل المهم بحيث يتم التركيز على بيان العقيدة الصافية ومبادئ الإسلام الأساسية والتحذير من الشرك والبدع والمعاصي، والعناية بإيضاح أحكام المناسك وصفة الصلاة والحجاب الشرعي ونحو ذلك مما تمس الحاجة إليه. * تنفيذ كثير من الوسائل فوق طاقات الأفراد وكثير من الجهات؛ ولذا فلا بد من تضافر الجهود وقيام الجهات الدعوية بالتنسيق فيما بينها للوصول إلى أفضل النتائج الممكنة. * كثير من الوسائل الدعوية تحتاج إلى تخطيط وإعداد مسبق قبل موسم الحج بوقت كافٍ وما لم يتم ذلك فإن تطبيقها لن يؤتي الثمار المنشودة منها. * الانتباه إلى أن الدعوة ليست توزيع كتاب أو إقامة نشاط أو إلقاء كلمة، بل محاولة تأثير على المدعو وسعي لتفهيمه الإسلام النقي ليعمل به، وتغيير لما يوجد لديه من معتقدات وسلوكيات مخالفة للشرع. * الدعوة في الحج جهد ضخم وعمل مضنٍ فوق طاقة كثير من الجهات والأفراد؛ ولذا فلا بد من النظرة العالمية والعمل على أساسها بحيث يتم استيعاب كل صاحب جهد سليم وجاد والاستفادة من علماء أهل السنة ودعاتهم في البلدان المختلفة. * أهمية تفهيم الحجيج بواجبهم تجاه دينهم، وضرورة قيامهم بحمل همِّ هذا الدين والدعوة إلى الله ومناصرة علماء أهل السنة والجماعة ودعاتهم الصادقين في مجتمعاتهم، وإفهامهم بأن الدعوة إلى الإسلام مسؤولية مشتركة بين كافة أبنائه كل حسب وسعه وطاقته. * لا بد من مراعاة أحوال الحجيج ونظرة بيئاتهم الثقافية والاجتماعية التي نشؤوا فيها إلى بعض المنكرات والمواقف التي لا يرتضيها الداعية، وأن لا يقوم الداعية باستصحاب خلفيته التربوية والاجتماعية عند دعوته لهم وقيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بينهم. * لا بد من الاهتمام بسلامة محتوى الكتيبات والمطويات والأشرطة الموزعة على الحجيج والتأكد من سلامتها عقديًا وفقهيًا، كما لا بد من الاهتمام بحسن العرض والإخراج حتى يكون ذلك أدعى لقبول الحاج لها واستفادته منها. وأحب أن أشير إلى أن القصد من إيراد هذه الوسائل التمثيل لا الحصر، وأن الأمر قابل للتنمية والزيادة خاصة متى توفرت الركائز الأساسية لذلك، والتي تتمثل بحمل همِّ الدعوة إلى الله والممارسة الفعلية، والتنبيه على أن هدف ذلك تفتيح أذهان الدعاة ولفت انتباههم إلى وجود جوانب دعوية كثيرة في الحج لم تطرق أو أنها طرقت ولكنها تحتاج إلى المزيد، والتنويه إلى أن هذه الوسائل تحتاج إلى تحسين ومراجعة وذلك بعد عرضها على محك التجربة والتطبيق. وقد يلحظ القارئ الكريم تكرارًا في إيراد بعض الوسائل، وهذا مما يقتضيه مثل هذا الموضوع سعيًا إلى جمع الوسائل التي يمكن استخدامها في مقام معين في مكان واحد. وسائل دعوية في الحج: الوسائل الدعوية المقترحة في الحج كثيرة، وللاستفادة منها سأوردها كما يلي: أولاً: وسائل دعوية والحجاج في بلدانهم: * السعي إلى التنسيق مع مسؤولي الحج في الجهات والمشيخات والمجالس والمؤسسات والمراكز الإسلامية في الدول المختلفة لعقد دورات شرعية عن صفة الحج وآدابه، ومتطلبات الحاج في السفر، والأمور التي يشرع فعلها قبل السفر، وتهيئة الأجواء الملائمة لإنجاحها. * تكليف الجهات الدعوية والمؤسسات والمراكز الإسلامية بعضَ دعاتهم في البلدان المختلفة بمرافقة الحجاج القادمين من بلدانهم وتعليمهم والقيام بتوعيتهم. * إيجاد حقيبة إرشادية للحاج بلغته تتكون من مصحف وبعض الكتيبات والأشرطة والخرائط الخاصة بمكة والمشاعر، والتنسيق مع الجهات التي تتولى سفر الحجيج في البلدان المختلفة لتوزيع هذه الحقائب. * توفير الكتيبات والأشرطة والخرائط الخاصة بمكة والمدينة والمشاعر بلغات مختلفة وعرضها للبيع في البلدان التي يقدم منها الحجاج قبل زمن الحج بوقت كافٍ. * الاستفادة من التقنيات الحديثة لشرح معالم الحج وأركانه وآدابه، كأشرطة الفيديو والمجسمات والشرائح الفلمية؛ لأن كثيرًا من الأخطاء التي يقع فيها الحجيج ناتجة عن الجهل بكيفية المشاعر ومواقعها. ثانيًا: وسائل دعوية في وسائل التنقل المختلفة إلى بلاد الحرمين: * عرض أفلام فيديو وتشغيل أشرطة كاسيت حول صفة الحج وآدابه عند القدوم إلى المشاعر، وعند المغادرة وحول أهمية الاستمرار في العمل الصالح، وأن يكون العبد بعد الحج خيرًا منه قبله، والحث على تجنب البدع والمنكرات التي يقع فيها بعض الحجيج عند عودتهم إلى بلدانهم، وأن يكون للحاج عند عودته دور في إصلاح أهله ومجتمعه وبث الوعي الشرعي ومجابهة الفساد. * توزيع حقائب إرشادية على الحجاج تتضمن مصحفًا وسواكًا ومجموعة من الكتيبات والأشرطة الإسلامية المعتمدة من جهات علمية موثوقة. * توزيع حقائب توعية خاصة بالمرأة تتضمن بالإضافة إلى ما تتضمنه الحقيبة الإرشادية كتيبات وأشرطة عن صفة الحجاب الشرعي وكيفية الالتزام به، ودور المرأة المسلمة، كما يمكن أن يضاف إلى هذه الحقيبة حجاب شرعي. * في الرحلات التي تستمر وقتًا طويلاً ويكون العدد مناسبًا يمكن التنسيق مع المطوفين وأصحاب الحملات وشركات النقل لتعيين داعية أو أكثر من الذين يجيدون لغة الركاب لشرح صفة الحج وآدابه والأخطاء التي يقع فيها الحجيج لتجنبها، وطرح بعض الموضوعات العقدية والفقهية، والإجابة عن استفسارات الحجاج ونحو ذلك مما يهمهم. * الاقتراح على شركات النقل الجوي والبحري وضع مكتبة شرعية صغيرة مقروءة ومسموعة وعرضها على الركاب للشراء أو الاستعارة أثناء الرحلة. * التأكيد على شركات النقل الجوية والبحرية بأهمية تنبيه الحجيج عند محاذاة الميقات؛ لأن كثيرًا منها لا يقوم بذلك، كذلك عدم عرض أو تقديم ما لا يحل شرعاً. ثالثًا: وسائل دعوية في منافذ بلاد الحرمين الحدودية: * توزيع المصاحف والكتيبات والأشرطة الإسلامية والخرائط الإرشادية عند قدوم الحجاج ومغادرتهم. * وضع لوحات توجيهية، وأخرى تحمل عبارات الترحيب والوداع باسم الجهات والمؤسسات الدعوية. * توزيع دليل بعدة لغات يتضمن أرقام هواتف الجهات الدعوية والخدمية الهامة وأرقام هواتف طلبة العلم والدعاة، ولابد من تضمنه أرقام هواتف بعض الدعاة الذين يتحدثون بلغات مختلفة والإشارة إلى اللغة التي يتحدث بها كل منهم. رابعًا: وسائل دعوية في مدن الحجاج والمواقيت: * تكثيف الدعاة في هذه المواقع وبلغات مختلفة؛ بحيث تكون مهمتهم تعليم الحجاج ما يحتاجون إليه من أمر دينهم، وتوجيههم إلى ما ينفعهم، ومساعدتهم في تصحيح الأخطاء التي تُرَى عليهم، والإجابة عن استفساراتهم، ونحو ذلك. * تكليف دعاة ميدانيين للرجال وداعيات ميدانيات للنساء يتخاطبون بلغات مختلفة يتجولون في مدن الحجاج بالسيارات وعلى الأقدام بحيث تكون مهمتهم التعليم المباشر للحجاج والدعوة لهم بحكمة ولين. * الإكثار من مكاتب الإرشاد الشرعي الصغيرة في مدن الحجاج والمواقيت بقدر المستطاع؛ مع أهمية تخصيص بعضٍ منها للرجال وأخرى للنساء. * توزيع المصاحف وما يستطاع توزيعه من الكتيبات والنشرات والأشرطة الإرشادية بحيث يُضمن وصولها إلى كل حاج بلغته. * وضع لوحات إرشادية تتضمن صفة الحج وآدابه ونماذج من الأخطاء العقدية والسلوكية التي يقع فيها الحجاج، ويمكن أن يكون بعضها لوحات إلكترونية حتى يتمكن الدعاة القائمون عليها من تحديد التوجيهات الملائمة بلغات مختلفة. * إقامة الدروس العلمية والدورات الشرعية في مدن الحجاج بعد انتهاء موسم الحج في وقت انتظار الحجيج زمن المغادرة إلى بلدانهم. * التنسيق مع المجلات الإسلامية لأخذ مسترجعاتها لتوزيعه على الحجاج في مدن الحج بعد انتهاء موسم الحج. * التنسيق مع مكاتب دعوة الجاليات والمكتبات والتسجيلات الإسلامية لإقامة معارض للكتاب والشريط الإسلامي بلغات مختلفة في مدن الحجاج. خامسًا: وسائل دعوية في النقل الداخلي بين المدن وفي المشاعر: * إلزام الجهات المعنية جميع أصحاب السيارت بإصلاح مكبرات الصوت وأجهزة العرض والتسجيل المرئي والمسموع. * توجيه رسائل إلى السائقين تذكرهم بالله، وتحثهم على القيام بالدور المنوط بهم في توجيه الحجاج وإرشادهم، والحرص على أداء الحجاج لنسكهم حسب الوجهة الشرعية. * إعداد قائمة بالمخالفات الشرعية التي تقع في وسائل النقل، وحث السائقين وشركات النقل على تحاشي وقوعها. * حث شركات النقل والسائقين على توفير الأشرطة النافعة مرئية ومسموعة، ووضع الكتيبات والمطويات داخل سياراتهم لتزويد الحجاج بها. * وضع مكتبة شرعية صغيرة مقروءة ومسموعة في الطائرات والحافلات يُمكَّن الركاب من الشراء منها أو الاستعارة أثناء الرحلة. * وضع لوحات إرشادية تُجعَل خلف الكراسي بشكل أنيق ومناسب في سيارات الأجرة والحافلات تتضمن بعض التوجيهات والإرشادات الشرعية. * التنسيق مع شركات النقل وأصحاب الحافلات للاستفادة من حافلاتهم في وضع بعض اللوحات والملصقات الإرشادية عليها بلغات مختلفة من الخارج. * قيام المطوفين وأصحاب الحملات بتعيين داعية في الحافلات الخاصة بهم بلغة الركاب للتوجيه والإرشاد وإقامة البرامج الدعوية والإجابة على الاستفسارات. سادسًا: وسائل دعوية في الحرمين الشريفين: * تكثيف الدروس والمحاضرات المقامة في الحرمين بلغات مختلفة. * تخصيص أمكنة معروفة في الحرمين لترجمة خطب الجمعة بعد أداء الصلاة ودروس كبار العلماء إلى لغات المسلمين الحية عبر مكبرات الصوت الداخلية. * إلقاء كلمات لكبار علماء الأمة ودعاتها بعد الصلوات المفروضة. * الاستفادة من ساحات الحرمين وأعمدتهما وجدرانهما وأسقفهما بوضع لوحات إرشادية إلكترونية وعادية بلغات مختلفة. * تعيين جملة من الدعاة الميدانيين والداعيات الميدانيات من ذوي اللغات المختلفة في ساحات الحرمين الداخلية والخارجية لتعليم الحجاج وإرشادهم. * تفعيل دور رجال الحسبة للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات الشرعية التي يقع فيها بعض الحجيج. * تخصيص مكاتب للدعوة والفتوى في جنبات الحرمين الداخلية وساحاتها الخارجية. * إقامة مكتبات مصغرة في جنبات الحرمين بلغات مختلفة وتخصيص عدد من الخزانات (الدواليب) والأرفف لوضع جملة من ترجمة معاني القرآن الكريم والكتيبات والمطويات الإسلامية بلغات مختلفة. سابعًا: وسائل دعوية في مساجد منطقتي مكة والمدينة: * قيام الأئمة والمؤذنين بدورهم في توجيه الحجاج الذين يصلون في مساجدهم وتعليمهم، ومحاولة التأثير عليهم وإزالة ما قد يكون لديهم من أخطاء شرعية. * تفعيل دور جماعة المسجد في الاختلاط بالحجاج وإكرامهم وزيارتهم في مساكنهم، والقيام بتوعيتهم وإرشادهم. * تفعيل دور نساء جماعة المسجد في الاختلاط بالنسوة القادمات من مناطق مختلفة للحج، وحثهن على تعلم الدين والدعوة إليه والقيام بدورهم في تربية النشء تربية صالحة، والتمسك بالحجاب، وعدم الانسياق وراء الدعوات المشبوهة التي تهدف إلى إفساد المرأة المسلمة وإبعادها عن دينها. * الاهتمام بإقامة المحاضرات والدروس والكلمات التوجيهية في المساجد بلغات مرتاديها. * التنسيق مع مكاتب دعوة الجاليات لترجمة خطب الجمعة والمحاضرات والدروس العلمية كل مسجد بلغة مرتاديه من الحجيج. * إقامة الحلقات القرآنية والدورات العلمية المناسبة باللغات المختلفة. * اختيار بعض الكتب العقدية والفقهية الملائمة للحجيج للقراءة منها عليهم بعد الصلوات. * عرض بعض الدروس والمحاضرات المسجلة باللغات المختلفة عبر مكبر صوت المسجد. * الاعتناء بتوفير ترجمات معاني القرآن الكريم والكتيبات والأشرطة ووضع ملصقات ولوحات إرشادية ومكتبة مصغرة للاطلاع بلغة مرتادي المسجد من الحجيج. ثامنًا: وسائل دعوية في مساكن الحجاج في مكة والمدينة: * وضع مكتب للدعوة في كل عدد مناسب من المجمعات السكنية يعمل فيه مجموعة من الدعاة الذين يجيدون لغة القاطنين فيها؛ بحيث تكون مهمتهم توعية الحجيج وإقامة البرامج الدعوية والعلمية لهم، والإجابة عن استفساراتهم. * وضع مقسم (سنترال) ضخم للدعوة والإرشاد يضم مجموعة من الدعاة بلغات مختلفة بحيث يكون لكل لغة جملة من خطوط الهاتف برقم موحد من ثلاث خانات، ويتم إلزام المجمعات السكنية بتشغيل المقاسم (السنترالات) الخاصة بها، ووضع جهاز في كل غرفة أو جناح ووضع ملصق بجواره يتضمن جملة من الإرشادات الشرعية وأرقام هواتف مقسم (سنترال) الدعوة والإرشاد بكل لغة، وإلى أن يقام هذا المقسم (السنترال) يمكن التنسيق مع شركة الاتصالات السعودية للاستفادة من مقاسم (سنترالات) الاستعلامات لديها في منطقتي مكة والمدينة في موسم الحج في هذا الأمر. * قيام المطوفين وأصحاب الحملات بوضع مكتبة مقروءة وسمعية بلغة القاطنين تتضمن جملة من المصاحف والكتيبات والأشرطة في كل مجمع سكني. * وضع لوحات إرشادية في الأجنحة والأدوار والمجمعات السكنية تتضمن بعض الملصقات والنشرات التوجيهية بلغة الحجيج القاطنين فيها. * التنسيق مع طلبة العلم والدعاة الذين يتحدثون بلغات مختلفة للقيام بزيارة الحجاج في مساكنهم للنصح والتوجيه وإلقاء دروس ومحاضرات وكلمات في المصليات، إن وجدت. * مشاركة بعض الدعاة لإخوانهم الحجيج في السكنى في أماكن إقامتهم واستغلال ذلك في تعليمهم وتوجيههم الوجهة الراشدة. * وضع ركن للدعوة والفتوى في مداخل المجمعات السكنية يتضمن رفًّا توضع عليه الكتيبات والمطويات والأشرطة الخاصة بالتوزيع، ولوحة للفتوى وصندوقًا لجمع الأسئلة والاقتراحات الدعوية على أن تكون الكتابة بلغة ساكني المجمع. تاسعًا: وسائل دعوية في المخيمات في المشاعر: * الاقتراح على المطوفين وأصحاب الحملات بوضع مكتبتين تتضمنان عددًا مناسبًا من المصاحف وترجمة معاني القرآن الكريم، والكتيبات والأشرطة بلغة رواد المخيم في المخيمات التابعة لهم؛ بحيث تكون واحدة في جناح الرجال وأخرى في جناح النساء. * قيام المطوفين وأصحاب الحملات بتوفير عدد من الدعاة المعتمدين من قِبَلِ الجهات المعتبرة بحيث يكون على الأقل نصيب كل مئتي حاج داعية يخالطهم معلمًا إياهم ومبينًا لهم هدي النبي ﷺ وسنته في أداء المناسك ومحذرًا إياهم من البدع والمخالفات التي يقع فيها كثير من الحجيج. * التنسيق مع المطوفين وأصحاب الحملات لإيجاد إدارة للإشراف الدعوي والثقافي في مخيماتهم تتولى وضع سلسلة من البرامج الدعوية والعلمية التي تتعلق بالحج وغيره مما يهم المسلم في دينه ويقربه إلى ربه بلغة الحجيج. * قيام مكاتب دعوة الجاليات ببلاد الحرمين بتنظيم جولات لدعاتها الذين يتحدثون بأكثر من لغة على مخيمات الحجيج الأعاجم الذين يجيدون التخاطب معهم لتوعيتهم وإرشادهم والإجابة على استفساراتهم. * تنظيم زيارة للعلماء وطلبة العلم إلى مخيمات المطوفين وأصحاب الحملات لوعظهم وإرشادهم وإلقاء الدروس والمحاضرات عليهم. * العمل على إيجاد قنوات تلفزيونية داخلية في منطقة المشاعر تبث بلغات مختلفة وتكون تابعة للمؤسسات الدعوية في بلاد الحرمين ليقوم من خلالها العلماء والدعاة بتوجيه الحجيج وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم. ويساعد على نجاح هذه الفكرة بقاء الخيام في الفترة الأخيرة في منطقة منى وجزء من منطقة مزدلفة على مدار العام. * وضع لوحات إرشادية في المخيمات تتضمن بعض التوجيهات الشرعية بلغات قاطنيها. * وضع أرفف توضع عليها المصاحف والكتيبات والأشرطة الخاصة بالتوزيع. * تفعيل دور طلبة العلم الموجودين في المخيمات، ومطالبة من يستطيع منهم بإلقاء دروس ومحاضرات وكلمات بعد الصلوات في مخيماتهم والمخيمات المجاورة. * تفعيل درو طالبات العلم والداعيات الموجودات في المخيمات باعتبارهن الأقدر على التأثير في أوساط النساء ودعوتهن. * الاهتمام بالمرأة المسلمة وتوعيتها وتنبيهها إلى أهمية اهتمامها بتعلم دينها واعتزازها بهويتها ومحافظتها على الحجاب وترك الاختلاط بالرجال والابتعاد عن التشبه بالكافرات ومن سار في فلكهن. * إيجاد مجسمات وخرائط للمشاعر للاستفادة منها في بيان الصورة الصحيحة والطريقة السهلة لأداء المناسك. * ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مخيمات الحجيج بحكمة ولين. * توفير الأجواء الملائمة والأدوات اللازمة لإنجاح عملية الدعوة والتوجيه داخل المخيمات. * وضع صناديق للاقتراحات الدعوية في المخيمات في أقسام الرجال والنساء تكون تابعة لهيئة التوعية في الحج والجهات الدعوية في بلاد الحرمين لكي تستفيد من اقتراحات الحجاج في خططها الدعوية للأعوام القادمة. * زيارة العلماء والدعاة القادمين من مناطق مختلفة للاستفادة منهم والاستماع إلى أخبارهم ومؤازرة أنشطتهم الدعوية معنويًا وماديًا بما يستطاع. * تفريغ خطوط هاتفية في كل مخيم في قسمي الرجال والنساء تكون خاصة بالاستفسار وطلب الفتوى من أهل العلم. * وضع لوحة للفتوى، وصندوق لوضع الأسئلة في قسمي الرجال والنساء على أن تكون الإجابة بلغة قاطني المخيم. عاشرًا: وسائل دعوية في الطرقات والأماكن العامة في مكة والمدينة ومنطقة المشاعر: * وضع مواقع صغيرة في الطرقات والأماكن العامة وبجوار المخيمات للوعظ والإرشاد عبر مكبرات الصوت والإجابة على الاستفسارات وتوزيع الكتيبات والأشرطة في الطرقات وبجوار المخيمات. * وضع لوحات إرشادية إلكترونية وعادية على الجسور وفي الطرق والأماكن العامة بلغات مختلفة. * التنسيق مع الجهات ذات الاختصاص في منطقتي مكة والمدينة للاستفادة من اللوحات الإعلانية الموجودة بها في توعية الحجيج وإرشادهم بلغات مختلفة. * تكثيف جهود طلبة العلم والدعاة الميدانيين الذين يجولون الطرقات والأماكن العامة بالسيارات وعلى الأقدام للتوعية والإرشاد عبر مكبرات الصوت وبلغات مختلفة. * الاستفادة من أسوار المخيمات في المشاعر وواجهات وأسطح المجمعات السكنية بوضع لوحات إرشادية يكتب عليها نصوص شرعية وعبارات توجيهية بلغات مختلفة. * وضع ملصقات للتوعية الشرعية على أجهزة الهواتف العمومية وأبواب المستشفيات والجهات الخدمية المختلفة. * وضع أجهزة عرض تلفزيوني وتسجيل في أماكن تجمعات الناس العامة كالمطاعم والمستشفيات وجوار كبائن الهواتف العمومية ونحو ذلك لعرض برامج دعوية وعلمية. * إعداد خرائط بمواقع هيئة التوعية في الحج والجهات الإرشادية لتسهيل عملية الوصول إليها والاستفادة منها. * تفعيل دور جهات الحسبة للقيام بدورها في وسط هذه الأعداد الضخمة من البشر لزيادة الخير وردع ضعاف النفوس من استغلال هذا التجمع الضخم بفعل ما لا يحل. * حث طلبة العلم والدعاة والعامة على إحياء السنن التي يُتساهل فيها كالتلبية والتكبير ونحو ذلك. وأخيرًا: فالمسؤولية جسيمة، وعلى المطوفين وأصحاب الحملات ومن له تعامل مباشر مع الحجيج خوف الله فيهم والمبادرة بالإحسان إليهم والحرص على صلاح أحوالهم وصحة نسكهم وتعليمهم ما ينفعهم وتحاشي ظلمهم أو التقصير في حقهم خصوصًا في هذا المقام العظيم - زمانًا أو مكانًا -. نسأل الله تعالى للجميع قبول العمل والتوفيق لكل خير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3380

دراسات في الشريعة والعقيدة الإنابة في الحج د. محمد طاهر حكيم أجمع العلماء على أن فريضة الحج مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلاً، لقوله تعالى: [ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً] [آل عمران: ٩٧] . ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله صلى الله ... عليه وسلم فقال: (يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) [١] . وأجمعوا على أن من كان عليه حج وهو قادر على أن يحج بنفسه لا يجزئ أن يحج عنه غيره، وأن من لا مال له يستنيب به غيره فلا حج عليه [٢] . واختلفوا في المريض والمعضوب يكون كل واحد منهما قادراً على ما يستأجر به من يحج عنه، هل يجب عليهما في ذلك؟ بعد إجماعهم على أنه لا يلزمهما المسير إلى الحج، إنما فرضه الله على المستطيع. ولا استطاعة لهما [٣] . وكذلك اختلفوا فيمن مات وعليه حج. هل يحج عنه أم لا؟ * أما المريض والمعضوب: فقد ذهب جمهور أهل العلم منهم: علي بن أبي طالب، والحسن، والثوري، وابن المبارك، وداود، وابن المنذر، والأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، إلى أنهما إذا وجدا مالاً ورجلاً يحج عنهما، وجب الحج عليهما [٤] . واحتجوا على ذلك بأدلة، منها: ١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال: (نعم. وذلك في حجة الوداع) [٥] . ٢ - وحديث أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي ﷺ فقال: (إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: (حج عن أبيك ... واعتمر) [٦] . * وذهب بعض أهل العلم إلى أن المعضوب لا يجب عليه الحج أصلاً وإن ملك المال رُوي ذلك عن الليث والحسن بن صالح، وبه قال الإمام مالك [٧] وهو رواية عند الحنفية [٨] . واحتجوا بالآتي: ١ - قوله تعالى: [ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً] [آل عمران: ٩٧] فالآية وردت مقيدة لمن يستطيع السبيل إلى البيت. فمن لم يستطع السبيل إليه لم تتناوله الآية، والاستطاعة صفة موجودة بالمستطيع كالعلم والحياة، وإذا لم توجد به استطاعة فليس بمستطيع فلا يجب عليه حج [٩] . ٢ - وقوله تعالى: [وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى] [النجم: ٣٩] فأخبر أنه ليس له إلا ما سعى، فمن قال: إنه له سعي غيره فقد خالف ظاهر الآية [١٠] . ... ٣ - قالوا: وأما حديث (الخثعمية) فهو مخالف لظاهر القرآن؛ فيرجح ظاهر القرآن [١١] . وقد أجيب عن هذه الأدلة مِن جانب الجمهور: ١ - الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس. قال ابن رشد: (وهي أي الاستطاعة تتصور على نوعين: مباشرة ونيابة) [١٢] . ٢ - وعن الآية: [وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى] [النجم: ٣٩] فقالوا: إننا نقول كذلك. ولكنه بذل ماله للنائب؛ فكأن الحج أصبح من سعيه. وقد نقلوا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إن هذه الآية منوطة بقوله تعالى: [والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ] [الطور: ٢١] وقال أكثر أهل العلم: هي محكمة. وقال الربيع بن أنس: هذه الآية في الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره، وقال أبو بكر الوراق: [إلاَّ مَا سَعَى] إلا ما نوى [١٣] . وقيل غير ذلك. وعلى أيٍّ كان الأمر فليس في الآية دليل للمالكية ومن معهم فيما ذهبوا إليه. ٣- وأما القول بأن ظاهر حديث (الخثعمية) مخالف لظاهر القرآن فجوابه كما قال الحافظ ابن حجر: (وتعقب بأن في تقرير النبي ﷺ لها على ذلك حجة ظاهرة) . ويظهر من هذا أن قول الجمهور أقوى. والله أعلم. * وأما من مات وعليه حِجة الإسلام أو قضاء أو نذر فإنه يجب أن يحج عنه من جميع ماله أوصى أو لم يوص ويكون الحج عنه من حيث وجب عليه، لا من حيث مكان موته؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء. قال بهذا جماعة من أهل العلم منهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وابن المبارك، وابن سيرين، وابن المسيب، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الشافعي وأحمد [١٤] . واحتج هؤلاء بالآتي: ١- حديث ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: (إن أمي نذرتْ أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها! أرأيت لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيته؟ اقضوا الله؛ فالله؛ أحق بالوفاء) [١٥] . ٢- وعنه ﵁ قال: قال رجل: (يا رسول الله) ! إن أبي ... مات ولم حج. فأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق) [١٦] . ٣ - ولأنه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كديْن الآدمي، ويجب من رأس المال؛ لأنه ديْن واجب، فكان من رأس المال كديْن الآدمي [١٧] . * وذهب آخرون إلى أن من مات وكان قد وجب عليه الحج ولم يحج فإن أوصى حُج عنه من ثلث التركة وإلا فلا يجب على الورثة شيء إلا أن يَطَّوَّعوا. قال به النخعي والشعبي وحماد والليث في جماعة. وبه قال أبو حنيفة [١٨] ومالك [١٩] ؛ لأن الميت ليس له حق إلا في ثلث ماله، ودين العباد أقوى؛ لأنه مبني على المشاحَّة، ولأن له مطالِباً بخلاف دَيْن الله تعالى لأنه مبني على المسامحة فلا يعتبر إلا من الثلث لعدم المنازع فيه. * وهناك قول ثالث روي عن ابن عمر والقاسم بن محمد وابن أبي ذئب؛ حيث قالوا: لا يحج أحد عن أحد مطلقاً [٢٠] . والأحاديث المذكورة حجة عليهم. شروط الحج عن الغير [٢١] : اشترط الفقهاء شروطاً للحج عن الغير، نذكر أهمها: ١ - نية النائب عن الأصيل عند الإحرام؛ لأن النائب يحج عن الأصيل لا عن نفسه فلا بد من نيته، كأن يقول: أحرمت عن فلان أو لبيك عن فلان. وهذا الشرط متفق عليه. ٢ - أن يكون الأصيل عاجزاً عن أداء الحج بنفسه وله مال، فإن كان قادراً على الأداء بأن كان صحيح البدن وله مال فلا يجوز حج غيره عنه باتفاق الجمهور غير المالكية. أما مالكية: فلم يجيزوا الحج عن الحي مطلقاً. وعليه: لا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب من يقدر على الحج بنفسه إجماعاً. وأجاز الجمهور الحج عن الميت، لكن إذا أوصى عند الحنفية والمالكية. وقال الشافعية والحنابلة: يجب الحج عنه إذا كان قادراً ومات مفرطاً. ٣ - أن يستمر العجز كالمرض إلى الموت. وهذا باتفاق الحنفية والشافعية، فلو زال العجز قبل الموت لم يجزئه حج النائب؛ لأن جواز الحج عن الغير ثبت بخلاف القياس لضرورة العجز الذي لا يُرجى برؤه، فيتقيد الجواز به. وقال الحنابلة: يجزئه؛ لأنه أتى بما أمر به. فخرج عن العهدة كما لو لم يزل عذره. وهذا أظهر. ٤ - أن يُحْرِمَ على النحو الذي طالب به الأصيل. فلو اعتمر مثلاً وقد أمره بالحج، ثم حج من مكة، لا يجوز عند الحنفية. وكذا لو أوصى بالحج وحدد المال أو المكان؛ فالأمر على ما حدده وعينه؛ وإن لم يحدد شيئاً فالحج من بلد المنوب عنه؛ لأن الحج وجب على الأصيل ... من بلده فوجب أن ينوب عنه منه، وهذا عند الحنفية والحنابلة. وقال ... الشافعية: يجب على النائب الحج من ميقات الأصيل؛ لأن الحج يجب من الميقات. ... ٥ - يجب أن يكون النائب قد حج عن نفسه قبل الحج عن الغير عند الشافعية والحنابلة لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ... سمع رجلاً يقول: (لبيك عن شبرمة) قال: مَنْ شبرمة؟ . قال: أخ لي، أو قريب. قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: (حجَّ عن نفسك، ثم حج عن ... ... شبرمة) [٢٢] . ويجوز عند الحنفية مع الكراهة التحريمية الحج عن الغير قبل أن يحج الرجل عن نفسه عملاً بإطلاق حديث (الخثعمية) المتقدم من غير استفسار عن سبقها الحج عن نفسها. وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة عموم المقال أو الخطاب، أما سبب الكراهة فهو أنه تارك فرض الحج. وكذلك قال المالكية: يكره الحج عن الغير أي في حالة الوصية بالحج قبل أن يحج عن نفسه؛ بناءاً على أن الحج واجب على التراخي وإلا مُنع على القول بأنه على الفور وهو المعتمد عندهم. والقول الأول أرجح لحديث (شبرمة) ويحمل ترك الاستفصال في حديث ... (الخثعمية) على علمه ﷺ بأنها حجت عن نفسها أولاً وإن لم يروِ لنا طريق علمه بذلك؛ جمعاً بين الأدلة كلها كما قال الكمال ابن الهمام [٢٣] . هذه أهم شروط الحج عن الغير؛ والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 3381

دراسات في الشريعة والعقيدة الأبعاد التربوية للحج (٢-٢) د. حمدي شعيب استعرض الكاتب في الحلقة الأولى رحلة الحج مستنبطاً من مسيرتها الدروس والعبر، وإشارات للساري في طريق الملة الحنيفية، وقد ختم الحلقة بدور المرأة في المشروع الحضاري عندما توقف عند ركن السعي والرمل بين الصفا والمروة؛ حيث ذكرنا بهاجر ﵍. وفي هذه الحلقة يتابع الكاتب نظراته التربوية في مسيرة الحج وما يستفاد منها في المشروع الحضاري لأمتنا الإسلامية. - البيان - أ - أما بالنسبة للقضايا الفرعية: فأولها: عندما يتأمل الحاج أنه قد كُتب عليه السعي على النهج نفسه وبالخطوات التي قامت بها أم إسماعيل ﵉ نرى أن الله يريد أن يذكِّر كل مسلم، أن هذه الأمة واحدة؛ لأنها تملك كل مقومات هذه الوحدة: من جذور تاريخية، وأرض، وأفكار موحدة، وأنها تتجذر في التاريخ عمقاً يربطها بأبي البشر آدم وأبي الأنبياء إبراهيم ﵉ أوائل من بنوا البيت، وأنها كذلك تتجذر في التاريخ عرضاً لتضم كل الأمم وكل أجناس الأرض؛ فهي أمة واحدة ورسالتها واحدة. ثانيها: كيف أن الماء الذي كان في سقاء هاجر ﵍ قد نفد لتتعرض والمتكرر، وهو الملمح الذي يبين أنه قد كتب على ابن آدم عامة حظه من الكد والنصب، تحقيقاً لسنته سبحانه أن حياة هذا المخلوق هي سلسلة من الكد والتعب: [لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ] [البلد: ٤] ، وأن الإنسان مخلوق مبتلى: [إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً] [الإنسان: ٢] . وكتب كذلك على الدعاة وحاملي الأفكار النبيلة خاصة تحقيقاً لسنته سبحانه: [الّم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ] [العنكبوت: ١، ٢] . إذن لا بد من الجهد والمحنة من أجل الاختبار والتمحيص، ومن أجل التمييز والانتقاء: [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ] [آل عمران: ١٧٩] . وهذا المبدأ مبدأ الابتلاء لم يُستثن منه أحد حتى هاجر الصابرة الممتحنة ووليدها ﵉ بل كل الأنبياء ﵈ والصالحون والمصلحون على دربهم. ثالثها: تدبر وصف الحديث الشريف لحال هاجر ﵍: (فانطلقت كراهية أن تنظر إليه) أي كان هنالك شعور داخلي عارم يدفعها للعمل والبذل إحساساً بالمسؤولية والإيجابية لعمل شيءٍ مَّا لتدفع به تلك المحنة، ولم تقعد وتولول تواكلاً وكسلاً وأن هذا شيء مقدر؛ بل نستشعر من طريقة سعيها ﵍ معنى التصميم والعزم، وهو الشعور الذي يغيب عن بعض الدعاة؛ الشعور الداخلي بالمسؤولية لعمل شيء مَّا من أجل الفكرة التي يحملونها. رابعاً: كانت هاجر ﵍ تسعى وتركض، ولا تريد أن تعود حتى تحصل على بغيتها حتى إنها كررت سعيها سبع مرات! أي كان هنالك تصميم وثبات وعدم يأس من تحقيق بغيتها. ولقد كان بإمكانها أن تعذر إلى الله سبحانه بأن تسعى مرة أو مرتين. وهو الملمح الذي يذكِّر الدعاة بطرْق أبواب الخير مرات ومرات حتى تفتح، وأحرى لمن داوم على قرع الباب أن يُفتح له. فالداعية صاحب قضية، وهو دوماً يتطلع إلى المعالي، ولا تعوقه مغريات الأرض، ولا ثقلة الطين حتى يتحقق هدفه العظيم، كما قال أحمد محمد الصديق: يتعالى عن أراجيف الثرى نافضاً عنه غبارَ التهم ... ... من تكن عيناه للأرض فلن يتسامى أبداً للأنجم خامسها: بعد هذا المجهود المتكرر، والسعي الشاق المضني، والأخذ بكل الأسباب لا يسفر ذلك عن شيء، حتى كان الفرج بيده سبحانه المطَّلع على هذا الأمر، فأرسل جبريل ﵇ ليضرب بعقبه أو بجناحه الأرض فتتفجر زمزم. وهو الملمح الذي يذكِّر الدعاة بالفقه الجيد لقضية التوكل على الله؛ وذلك بأن يسعوا في الأسباب وبأفضل الأسباب مع القناعة الداخلية بعدم الركون إليها، ثم مع اليقين فيما عنده سبحانه: [مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ومَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ] [النحل: ٩٦] والفرج بيده سبحانه وحده مالك الملك، ومقدِّر الأقدار؛ لذا فإن الجوارح تعمل بالأسباب، والقلب يناجي رب هذه الأسباب: [بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلّ ِشَيْءٍ قَدِيرٌ] . [آل عمران: ٢٦] . وثمرة هذه القضية هو الخلوص والتجرد للحق سبحانه [وظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ] . [التوبة: ١١٨] . ب - أما بالنسبة للقضية الكبرى والمغزى العظيم من ركن السعي؛ فإن هذا العمل الذي يقوم به كل حاج ومعتمر يكاد يكون بكل دقائقه هو ما قامت به هاجر ﵍ نفسه، وكأنها رسمت الخُطا للاَّحقين في كل عصر وفي كل جيل؛ فلا تتم لهم عمرة ولا حج إلا به، ثم ليتدبروا بعض الدروس التربوية منه. ولا يكاد يخلو هذا المكان من ساع ومهرول في أي لحظة، من اليوم والنهار، وكأننا بالحق سبحانه يريد أن تظل تلك القضية ودروسها حية دوماً في وجدان الأمة حتى يرث الأرض ومن عليها؛ عرفاناً بدور هاجر ﵍ وتذكيراً للأمة، ورداً على أباطيل أعدائها وشبهاتهم. وعندما نتدبر هذا الركن من خلال زاوية دراستنا نجد أنه رد عملي، وبرهان جلي، حول قضية طالما أثار حولها المعارضون للمشروع الحضاري الإسلامي الكثير من الشبهات والاتهامات؛ بل العجب في الأمر أنه قد يُشارك بعض المسلمين في إثارة الغبار حولها بحسن نية، أو بجهل، أو بهما معاً! وهي قضية مكانة المرأة في الإسلام، ودورها في المشروع الحضاري. ويكفينا في هذا المقام أن نقتطف بعض ما جاء في الرأي الشامل الجامع والراقي للحركة الإسلامية المعاصرة حول هذه القضية؛ فالمرأة (هي الأم التي ورد في شأنها الأثر الكريم: أن الجنة تحت أقدامها، والتي قدمها الله تعالى على كل من عداها في حق صحبة الأبناء لها، وأنهن شقائق الرجال. والمرأة هي نصف المجتمع ونصف الأمة والقائمة على تنشئة الأجيال. ومسؤولية المرأة الإيمانية كالرجل سواءاً بسواء؛ فهي مأمورة كالرجل بالإيمان بالله، وبالعمل بالأركان، وعليها ما على الرجل من واجب التفقه في الدين. والحدودُ في الشريعة واحدة بالنسبة للرجل والمرأة، ونفس المرأة في القصاص كنفس الرجل. وهي أول من آمن، وأول من استشهد في سبيل الله. ولقد شاركت في الجهاد والغزوات. ولا يصح زواج في الشريعة إلا بموافقتها ورضاها وإجازتها، ولا يجوز شرعاً إجبارها على الزواج ممن لا ترضاه. وللمرأة ذمة مالية كاملة لا تنقص شيئاً عن ذمة الرجل المالية. ونقصها في الدين ليس نقصاً في الإيمان ولا لأنها مخلوق متدنٍّ غير أهل للرقي، بل لرفع العبادات عنها في أوقات معينة. ونقص الحظ هو في بعض أنصبة الميراث فقط. أما نقص العقل فهو محدد بالشهادة على أمور معينة أهمها الدَّيْن أي القرض، وعقود البيع والحدود. أما قوامة الرجل عليها فلا يجوز أن تُفهَم على أنها مطلقة في كل الأمور ولعامة الرجال، بل إن هذه القوامة خاصة بالأسرة فقط، وفيما يتعلق بالأمور المشتركة بين الزوج والزوجة. ورياسة الرجل ليست رياسة قهر وتحكم واستبداد، ولكنها تراحم وتواد ومعاشرة بالحسنى، وتقوم على التشاور؛ فالأصل هو المساواة، ولكن الاستثناءات ترد منه سبحانه. وقد وردت النصوص بأن جسد المرأة كله عورة، ولا يجوز أن يظهر منه لغير محارمها سوى الوجه والكفين، وأن خلوة المرأة بالرجل غير المحرم لها غير جائزة. وللمرأة وظيفة أساسية هامة وسامية خصها سبحانه بها وهي وظيفة الحمل والأمومة، وهي ربة البيت وملكته. وللمرأة حق المشاركة في انتخاب أعضاء المجالس النيابية وما ماثلها. ولها الحق في تولي مهام عضوية المجالس النيابية وما يماثلها. والوظيفة المتفق على عدم جوازها لها هي الولاية العامة، أي رئاسة الدولة. ... أما القضاء فقد اختلف الفقهاء بشأن توليها له، وهذا يحكمه فقه الموازنات والترجيح. أما ما عدا ذلك من الوظائف فمادام أن للمرأة شرعاً أن تعمل فيما هو حلال لم يرد فيه نص بتحريمه. وهذه الحقوق وكيفية استعمالها تحكمها ظروف وأخلاقيات كل مجتمع) [١] . وهكذا فإن ركن السعي يفتح أفقاً رحيباً للمشاركين في المشروع الحضاري حول قضية المشارِكات ودورهن، فلا يبخسن، ولا يُهملن. ويكفي أن النبي ﷺ سماهن: الشقائق. مع المؤتمرين! فضل الجماعية وأهميتها: ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه الحاج من منى إلى عرفة، وهو يلبي ويكبر: (الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد) . ويرفع بها صوته. ويكره له الصيام في هذا اليوم. ومن السنَّة النزول في نمرة إلى الزوال إن أمكن. فإذا زالت الشمس سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة تناسب الحال، ويبين للحاج ما يشرع في هذا اليوم وبعده. وبعدها يصلي الظهر والعصر جمع تقديم وقصراً؛ وذلك ليطول وقت الوقوف والدعاء بعد الصلاة؛ حيث يتفرغ للذكر والدعاء والتضرع إلى الله، ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، وليس لعرفة دعاء مخصوص، ويستحب أن يرفع يديه حال الدعاء، ويستقبل القبلة. والأفضل أن يجعل الجبل بينه وبين القبلة، إن تيسر ذلك. ووقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر من يوم العيد. وعليه أن يتثبت من كونه داخل عرفة، ولا يخرج من عرفة إلا بعد غروب الشمس. وبتأمل أعمال هذا اليوم العظيم نقتطف بعض الملامح التربوية؛ وذلك من منظور دوره ركيزةً من ركائز المشروع الحضاري: أ - (الحج عرفة) [٢] بهاتين الكلمتين وضح ﷺ أهمية هذا الركن من أعمال الحج، ولقد أجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم؛ فهو اليوم الذي يجتمع فيه كل الحجيج في مكان واحد، وفي يوم واحد، وإن امتد وقت الوقوف. وكأن المقصود هو اجتماع ممثلي الأمة من كل جنس ولون، ومن كل أرض وصقع، وكأنه مؤتمر سنوي يناقش هموم الأمة، ويعطي الدليل على كيفية اجتماعها. وعندما نتدبر مغزى حديثه ﷺ أن الحج الصحيح هو من أدرك الوقوف يوم عرفة فإننا نستشعر أن جمع الأمة على هذه الصيغة من الأهمية العظيمة بمكان، ويبرهن أيضاً على أن حضور هذا المؤتمر السنوي الكبير يجب ألاَّ يتخلف عنه أحد ممن حضر من ممثلي الأمة. وكم هو منهج عظيم عندما يدعو في كل مناسبة إلى الوحدة، ويشيد بالجماعية وبركتها، وينبذ أفكار التشتت والتشرذم! ب - في توجه الحجيج إلى عرفات تحت راية التكبير والتوحيد والتهليل يفهم منه أهمية الفكرة الربانية ودورها أن ركيزة التجميع لهذه الأمة هي كلمة التوحيد؛ فهي الفكرة الربانية التي رشحها الحق سبحانه لأن تجتمع عليها الأمة كل الأمة وهي الراية التي من الممكن أن يتجمع حولها كل الناس؛ فتنطلق بهم إلى سيادة الدنيا، وسعادة الآخرة. ونحن في هذا المقام نضيف دليلاً آخر يؤكد ما قلناه؛ وهو ما أورده (ابن خلدون) في مقدمته (أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة؛ والسبب في ذلك أنهم لخُلُق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض. فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق تم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق والهدى والسلامة) [٣] . ج - وفي قصر الصلاة وجمعها نستشعر منه وكأن المقصود أن يطول وقت الوقوف والتضرع إلى الله وذلك من شأنه أن يحقق الهدف الثاني من أهداف ركن الحج وهو قطف ثمرته الروحية من ذكر ودعاء واستغفار؛ فهو فرصة سانحة لا تتكرر إلا كل عام، ولمن سعدوا بحضورها؛ حيث تبدو سويعات الوقوف وكأنها دورة تربوية روحية مركَّزة قدَّرها لمعالجة بعض جوانب تلك الحالة الاعتلالية التي تحدثنا عنها في (ظاهرة التآكل الروحي) ؛ حيث تتسرب إلى بعض النفوس. وتدبر كيف أن المربي العظيم ﷺ قد عمم الترغيب في آثار الحج الروحية عموماً، ثم خصص أهمية يوم عرفة، من ذلك: (من حج هذا البيت؛ فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) [٤] ، (العمرة إلى العمرة كفارة لم بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) [٥] ، (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟) [٦] . د - في هذا اليوم، وفي أثناء فرحة الحجيج بموقفهم، وبمؤتمرهم الجليل، وبينما هذا الجمع الطيب مشغول في دورته الروحية كان من الفقه العميق أن يُعرِّج الحبيب ﷺ إلى التحذير من العدو المبين ذلك الذي يتأذَّى حسداً وحقداً من مجرد سجود المؤمن وطاعته لربه، فما بالك بهذا الموقف العظيم؟ ! عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما رُئِيَ الشيطان يوماً هو فيه أصغر، ولا أدحر أي أذل وأهون ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تَنَزُّل الرحمة، وتجاوُزِ الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري من يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أما إنه رأى جبريل يَزَع أي يقود الملائكة) [٧] . وهو العدو الذي لا ينام، ولا يغفل عن الدس والوسوسة. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد! أينام الشيطان؟ ! فتبسم وقال: لو نام لاسترحنا [٨] . وهذه اللمحة النبوية العظيمة تذكرنا بباب عظيم من الفقه ألا وهو علم الشر، وسبل الوقاية منه، وهو الباب الذي لا يغني عنه ولا ينفي أهميته أن نفقه علم الخير، وسبل الوصول إليه. مع السائرين! تنمية الجوانب الأخلاقية: بعد غروب شمس يوم عرفة تبدأ الإفاضة، فينطلق الحاج إلى مزدلفة بهدوء وسكينة، مهللاً ومكبراً وملبياً، ثم يُصلي المغرب والعشاء قصراً وجمعاً بأذان واحد وإقامتين. ثم يوتر ويبيت بمزدلفة. فإذا تبين الفجر صلى مبكراً، ثم قصد المشعر الحرام فوحَّد الله وكبَّر واستقبل القبلة، ثم دعا بما أحب حتى يُسفر جداً، أو يدعو في مكانه إن لم يتيسر له. ثم يلتقط حصيات من مزدلفة ليرمي جمرة العقبة، ثم بعد ذلك يتجه إلى منى. وإذا وصل إلى وادي محسر وهو بين مزدلفة ومنى استحب له الإسراع. وعندما نتأمل هذه المسيرة من خلال بُعدها التربوي وما ترمز إليه نستشعر بعض الوقفات واللمحات التربوية التي تدور حول بعض الأخلاقيات المنشودة للسائرين على درب المشروع الحضاري: أ - كان الحبيب ﷺ يوصي بالسكينة والهدوء فيقول: (أيها الناس! عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع أي بالإسراع) [٩] وكان ﷺ يسير العَنَق أي سيراً رفيقاً فإذا وجد فجوة أي مكاناً متسعاً غير مزدحم نَصَّ أي أسرع) [١٠] . والأمر بالسكينة وصية يُستشعر منها معانٍ عظيمة منها: الهدوء، والنظام، والطاعة، ومراعاة حقوق الآخر، ومراعاة جلال الموقف؛ وذلك من خلال سمات المنهج الذي يربي أتباعه على النظام والطاعة، وعدم التخلق بأخلاقيات الغوغائيين التي تبرز دوماً مع أي تجمعات كبيرة. ب - كان من هديه ﷺ أثناء الإفاضة أن يستمر الذِّكر والتهليل والتكبير والتلبية والاستغفار حتى تُرمى جمرة العقبة. وكذلك كانت توجيهات الحق سبحانه: [فَإذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ واذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وإن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً] . [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠] . وهذا الهدي وتلك التوجيهات توحي بأهمية المتابعة والاستمرار على الحالة الروحية الرفيعة المكتسبة من الدورة الروحية العظيمة أثناء الوقوف بعرفات، وكذلك نستشعر معها أهمية المحافظة على المكتسبات الربانية، والثمرة الروحية للحج؛ فلا تذهب مع مشقة المسير. كما نستشعر مدى عمق التحذير الإلهي من خطر العودة إلى الضلال السابق؛ فالموفق من تذكَّر ماضيه وقارنه بالحالة الربانية التي هو فيها، فشكر الله ظاهراً بالمتابعة والاستمرارية، وباطناً بالخوف من خطر النكوص والارتكاس، والانتكاس. ونسأل الله سبحانه العفو والعافية، لا نحصي ثناءاً عليه سبحانه، هو كما أثنى على نفسه. ج - في وصفه سبحانه لحالة الذِّكر المنشودة: [فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً] [البقرة: ٢٠٠] نستشعر مدى أهمية تنقية النية وتصفيتها؛ فإذا كانت الغاية هي الله سبحانه فيجب ألاَّ تختلط بغايات أو رايات أخرى. كذلك يتبين لنا أهمية وجود العقلية المسلمة المرتبة التي تفقه أولوياتها؛ فمن كان همه رضا خالقه سبحانه فينبغي ألاَّ تعيقه أي اهتمامات أخرى حتى وإن كان الوالد أو الولد؛ ففي تلك المواقف يصبح الاهتمام بالموروثات القبلية مثل مجد الآباء والأجداد، والفخر بالأبناء والأموال من قبيل النزول من القمة إلى السفح، ومن الاهتمام والتمحور حول الأفكار والمبادئ إلى التفاخر بالوسائل المادية كالأرض والطين. والحق سبحانه يحب معالي الأمور. د - ثم يبين الحق سبحانه خلقاً آخر يوصي به السائرين: [ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ] [البقرة: ١٩٩] . هذا وإن كانت هذه وصيته سبحانه بأن تلتزم قريش بالوقوف مع الناس، وعدم التمايز المكاني؛ فقد كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يُسَمَّوْن: الحُمْس وسائر العرب يقفون بعرفات؛ فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها؛ ثم يفيض منها؛ فذلك قوله: [مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ] ) [١١] . ولكننا نستشعر هنا المعنى التربوي البعيد للنص؛ حيث يدعو السائرين في كل درب وفي كل مجال إلى التخلق بخلق المساواة والعدل والتسوية بين الأفراد وعدم التمايز الذي من شأنه أن يمنع تولد الحقد والبغضاء والحسد داخل أي تجمع؛ فما بالك بالسائرين على درب المشروع الحضاري؟ ! ولقد كان الحبيب ﷺ يتتبع هذا الخلق في كل مجال. وتدبَّرْ هذا السلوك النبوي التربوي الرفيع؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما (أن أباه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي. فقال رسول الله ﷺ : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا. فقال رسول الله ﷺ : فأرجعه) . وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : (أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم. فرجع أبي فردَّ الصدقة) . وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بشير! ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم. قال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تُشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جَوْر. ثم قال: أيسرُّك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى! قال: فلا إذاً) [١٢] . وكذلك كان شعور كل فرد من الصحابة رضوان الله عليهم، وكأنه هو المقرب والمفضل عنده ﷺ . ويستشعر الداعية أيضاً كيف أن بعضاً من داخل أي مؤسسة خاصة المؤسسات الدعوية قد يصيبه حالة اعتلالية يرى فيها نفسه فوق الآخرين، فينظر إلى موقعه التنظيمي ويقيِّم الآخرين على أساس تقدمه عليهم، ولا يفيض في الحركة الدعوية من حيث أفاض الناس، وهي (ظاهرة الغرور التنظيمي) ، ولو تدبر قليلاً لوجد الرد الإلهي واضحاً في سورة عبس؛ وهي السورة التي وضعت أساسات وموازين تقييم الناس. هـ - وفي قوله سبحانه: [فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. ومِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ] [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢] . (إن هناك فريقين: فريقاً همه الدنيا، فهو حريص عليها مشغول بها، ويذكرها حتى حين يتوجه إلى الله بالدعاء؛ لأنها هي التي تشغله، وتملأ فراغ نفسه، وتحيط عالمه وتغلقه عليه. هؤلاء قد يعطيهم الله نصيبهم في الدنيا إذا قدر العطاء ولا نصيب لهم في الآخرة على الإطلاق. وفريقاً أفسح أفقاً وأكبر نفساً؛ لأنه موصول بالله يريد الحسنة في الدنيا ولكنه لا ينسى نصيبه في الآخرة؛ فهم يطلبون من الله الحسنة في الدارين، ولا يحددون نوع الحسنة، بل يَدَعون اختيارها لله، والله يختار لهم ما يراه حسنة وهم باختياره لهم راضون. وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطئ عليهم؛ فالله سريع الحساب) [١٣] . ونحن ندور مع البعد التربوي البعيد للنص، وهو التركيز على علاج (ظاهرة القصور الفكري) التي تصيب بعضاً من اللحظيين ذوي النظرة المحدودة التقدير القاصرة القريبة من حواسهم ضيقي الأفق؛ فلا يدركون الأبعاد البعيدة للقضايا والأمور. وعلاجها يتم بضرورة تشجيع ذوي النظرة المستقبلية للأمور البعيدة التقدير، والاستشرافية للقضايا. وكم من مكاسب عظيمة أضاعها المحدوديون! ولم يكن لهم نصيب في فقه سراقه بن مالك ﵁ عندما تناقش مع الرسول ﷺ أثناء مطاردته له في الهجرة، ونظر إلى المكاسب العظيمة البعيدة التي تفوق جائزة قريش، فكسب نعمة الإسلام، والنجاة في الآخرة، وفوق هذا حصل على الوعد بسواري كسرى بعد سنوات أثناء حكم الفاروق رضوان الله عليه. عوائق.. وتضحيات: أهمية معرفة عوائق الطريق: ثم نأتي إلى اليوم العظيم، يوم النحر؛ يوم العيد؛ حيث ينطلق الحاج قبل طلوع الشمس إلى منى ملبياً وعليه السكينة، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، ويكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية عندها، ثم يذبح الهدي، ثم يحلق أو يقصر. وبذلك يتحلل التحلل الأول، فيلبس الثوب ويتطيب، ويحل له جميع محظورات الإحرام إلا النساء، ثم يذهب إلى مكة لطواف الإفاضة بدون رَمَل. ثم يصلي ركعتي الطواف، ويسعى المتمتع والقارن أو المفرد الذي لم يسع. وبذلك يتحلل التحلل الكامل. ويشرب من زمزم، يصلي الظهر إن أمكن، ويكبر، ثم يذهب للمبيت في منى باقي الليالي. وحول الأبعاد التربوية لأعمال يوم النحر نقتطف بعض هذه الملامح التي ترمز إلى معرفة السائر لعوائق الطريق، وتصميمه على الانتصار عليها: أ - عندما يبتدأ الحاج بالرمي فإنما هو من باب دخول البيوت من أبوابها؛ حيث إن الرمي هو تحية منى. وكذلك هو من باب البداية بالأصل الكبير في كل قضية؛ فبعد سفر طويل وتعبئة كبرى، وشحن داخلي يتجه الحاج إلى العدو الأول، ذلك الذي حذره منه الحبيب ﷺ فعرَّفه عليه ليتجنبه؛ كيف لا وهو عينه ذلك العدو الذي لم يَرُقْهُ جلال سويعات الوقوف بعرفات، وكان في أغيظ مواقفه؟ ! وعندما يرمي الحاج سبعاً من الحصيات فإنه يبدو كأنه تصميم على جدية المواجهة ضد شبهات الشيطان وشهواته. وفي دعاء الحاج ربه عقيب الرمي يتبين أهمية سلاح الدعاء في كل موقف، وكذلك يتبين معنى فقر العبد دوماً إليه سبحانه؛ فبعونه تأتي القوة والمنعة والنصر في معركته ضد عدو الله وعدوه. وبتدبر البعد التربوي الشامل للرمي نستشعر أن أصل كل معركة أن تعرف من هو العدو الحقيقي، فتواجهه. فمن العوائق الرئيسة عدم معرفة العدو، وعدم معرفة أسلحته، ونقط ضعفه، ومعرفة كيفية التغلب عليه. ب - وفي النحر دلالات عظيمة للسائر: فهو يرمز إلى أن السائر الذي يعرف طريقه، ويعرف هدفه، ويعرف أيضاً عدوه، وأن عليه ألاَّ تعيقه أي تضحيات في سبيل تحقيق ما خطط له. يتأمل الداعية ذلك وهو يتذكر رواده على الطريق، يتذكر الخليل ﵇ وكيف أنه ضحى بولده الوحيد الحبيب ﵇ وذلك في سبيل رضاه سبحانه وامتثال أمره. والله لا يريد العنت بعباده، وإنما يريد لهم تجربة واقعية تثبت وتبرهن أن العبد قد رتب أولوياته جيداً، وعندما يثبت ذلك للعبد نفسه وليس للحق سبحانه الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، عند ذلك فقط يكون النجاح في الاختبار. كيف لا والحق سبحانه قد أخبر أن إبراهيم وولده ﵉ قد نجحا بالرغم من عدم ذبح إسماعيل ﵇؟ فالقضية لم تك هي الذبح، بل هو مجرد اختبار واقعي لجدية الاستعداد للتضحية: [ونَادَيْنَاهُ أَن يَا إبْرَاهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ] . [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] . والموفق هو من يعرف عوائق طريقه، فيتغلب عليها مضحياً في سبيل هدفه الأسمى، وهذا هو الفيصل والفارق: [ومِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباً لِّلَّهِ] . [البقرة: ١٦٥] . فرحم الله من أرى أعداء الله منه قوة، ورحم الله من أظهر لربه منه جدية وبذلاً وحباً وتضحية، وترتيباً صحيحاً لأولوياته. ج - وفي ذهاب الحاج إلى مكة لطواف الإفاضة أبعاد تربوية عظيمة منها أنه تأكيد على أن السائر لم يزل على عهده، ولم تزل القضية المحورية التي يدور حولها وبها ومعها هي شغله الشاغل. ومنها أيضاً أنه فوق كونه تجديداً للعهد، فهو تجديد للزاد الذي من شأنه أن يقويه على أي عقبة في الطريق. ومنها أهمية تذكير الأمة بضرورة توحيد الغاية والهدف والهموم لتكون أشبه بمحور تطوف كل فئات الأمة حوله حتى تتجمع القوى حول الأهداف العظام، ولا تتفرق. فمن عوائق الطريق التشرذم تحت رايات متعددة، والتمحور حول أفكار غير موحدة؛ لأن من أهم ركائز المشروع الحضاري الإسلامي هو الحركة الجماعية المنظمة والمتوافقة. د - وعندما ينهي الحاج أعمال يوم النحر بالحلق أو التقصير، وهو من باب استعداد الحاج لأعمال منى، التي ستكون أشبه باللجان المصغرة التي تعقد ورش عمل لمتابعة أعمال المؤتمر السنوي الذي عقد في عرفة. وعندما يقرر ﷺ صحة كلٍ من الحلق والتقصير، ثم يرتب الحلق ويفضله على التقصير فإنما هو من باب يسر المنهج ومرونته، وكذلك له مغزى تربوي آخر وهو من ركائز المشروع الحضاري ألا وهو قبول الآخر، أو بمعنى أشمل هو من باب التعددية الفكرية والمذهبية؛ وذلك كما بينا ذلك عند الحديث عن أهمية إعادة صياغة العقلية المسلمة على أصول منها: قضية تعدد الصواب. فمن عوائق الطريق وجود بعض من ذوي الاعتلالات التربوية والحركية بل والفكرية، فلا يرى إلا رأيه، ولا يستمع للآخر، بل يبلغ به الأمر إلى أن يسفه رأي الآخر، ويتمادى به الاعتلال حتى يسفه الآخر نفسه. وقديماً من وراء السنين أنصفنا المربون عندما حملوا لنا نصيحة الشافعي ﵀ عندما وضع قاعدة ذهبية من قواعد حرية الفكر: (رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب) . بل إن الحق سبحانه ذم رائد هؤلاء (الدكتاتوريين) عندما وضع قاعة بغيضة من قواعد كبت الفكر: [قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] [غافر: ٢٩] . مع لجان منى! : أهمية بث روح المؤسسية: بعد ذلك تبدأ أيام منى أو أيام التشريق. وأعمالها تتلخص في رمي الجمرات الثلاث، والمبيت بمنى، وهي أيام قال عنها المعلم العظيم ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله) [١٤] . وحول أيام منى والأعمال الخاصة بها نقتطف بعض الملامح التربوية؛ وذلك من باب هذه الدراسة وقيمتها وما ترمز إليه: أ - حول لزوم المبيت للحاج بمنى، وأن يبقى أكثر الليل في أوله أو آخره. وكأن من فقه المتابعة أن يشارك الحاج في حضور اجتماعات منى المصغرة والتي هي أشبه بفرق العمل أو اللجان المنبثقة عن مؤتمر عرفات السنوي الكبير، وذلك لمدارسة التوصيات. وهذا يبين لنا أهمية المتابعة لكل أمر. ب - ومن أعمال منى رمي الجمرات الثلاث، كل واحدة بسبع من لحصيات، ووقت الرمي مسألة خلافية، ولكن المختار أن يبتدئ من الزوال إلى الغروب. والبعد التربوي للرمي هو أنه يبدو كأنه تأكيد على أن المجتمعين عليهم ألا يغفلوا عن العدو المتربص بهم، ومحاربته وصد ما يلقيه من شبهات وشهوات سواء للنفس أو الزوج أو الولد، وألا يغفلوا أيضاً عن العدو الخارجي. ورمي كل جمرة بسبع من الحصيات هو أيضاً من باب التصميم والجدية في المعركة. وفي اختلاف وقت الرمي؛ حيث يبدو الحجيج بين ذاكر لله ورام ودارس وطائف وآكل وشارب، وفي الوقت نفسه يبدو حالهم كأنه من باب تكامل الجهود وتنوع الأعمال وتوافق الوظائف، وكأنهم في حركة جماعية مؤسسية تقوم على لجان متوافقة متناسقة ومتكاملة ومتعاضدة. وهو من باب أهمية المؤسسية في الحركة الجماعية الهادفة إلى تحقيق المشاريع الحضارية. وهو أيضاً من باب الاعتراف والتقرير بل والتقدير لكل عمل سواء قل أو عظم، مادام يتوافق مع الحركة المؤسسية. ج - كان القائد ﷺ في هذه الحركة الجماعية أيام منى مثالاً للقيادة الواعية؛ فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: (لا حرج) [١٥] . وأهم سمة قيادية في مثل هذه المواقف ينبغي أن تتمثل في المرونة واليسر. وهاتان السمتان سواء المرونة القيادية، أو التخلق بخلق التيسير إنما تنبثقان وتنبعان من القاعدة الربانية الكبرى للمنهج الإسلامي: [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] [البقرة: ١٨٥] . وهذه السمة القيادية تبدو بارزة عند القادة الربانيين في كل المواقف. ولعلنا نذكر ذلك القائد الرباني طالوت الذي كان يتمتع بهذه المرونة القيادية، فكان رحيماً في تجربته الجهاديةالتغييرية؛ عندما قال لأتباعه: [إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ] [البقرة: ٢٤٩] . والموفق من يكون متوازناً بين الحزم والمرونة، وبين الشدة والتيسير بشرط أن لا يخل ذلك بروح الانضباط؛ فيحافظ على شعرة معاوية. د - ومن السنة الصلاة في مسجد الخيف أيام التشريق؛ حيث ورد أنه صلى في هذا المسجد سبعون نبياً. وهو من باب استشعار عمق جذور الحركة الدعوية، وأصالتها في عمق التاريخ؛ فالمشروع الحضاري ليس بدعاً؛ بل هو بعث لروح الأمة وتجديد لدينها، أو بالمعنى الأبسط: هو مجرد إزالة للركام المركب الذي طمس معالم المنهج سواء من جانب ضياع المفاهيم، أو من جانب سوء طريقة عرضه ومعاصرة طرحه. أو بمعنى آخر: هو جولة حضارية تغييرية جديدة تقوم على مرتكز عظيم وهو رصيد التجربة. هـ - ورد عن الحبيب ﷺ أن أيام منى أكل وشرب وذكر لله. وهذا يشعرنا بأهمية تنمية الجانب الروحي، ومتابعة ذلك عند السائرين على درب المشروع الحضاري، حتى في سويعات الراحة المباحة من الأكل والشرب. وداعٌ.. وأمل: أهمية الحركة وبث روح الأمل: ثم نأتي إلى نهاية رحلة الحج المباركة التي تنتهي بذهاب الحاج إلى مكة لطواف الوداع، وذلك قبل غروب شمس يوم الثاني عشر للمتعجل، أو يوم الثالث عشر للمتأخر، ثم بعد ذلك يعود إلى بلده مباشرة. وحول بعض الملامح التربوية للنهاية الجليلة لتلك الرحلة العظيمة نقتطف بعض هذه القطوف التربوية. لما كان الهدف هو حضور المؤتمر السنوي العام بعرفات، ومعرفة العدو الواحد، ثم حضور لجان منى وفرق العمل المنبثقة عن المؤتمر العام، واستشعار روح المؤسسية، وفوق ذلك كله التزود بزاد التقوى: [وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] [البقرة: ١٩٧] ، وبلوغ درجات رفيعة من التربية الروحية كان الأصل أن يعود المؤتمرون إلى بلادهم للقاء من يمثلونهم من الأمة ومتابعتهم. يعودون إلى حيث ينشرون فكرتهم في أرجاء المعمورة، وكأن الانتشار بالفكرة هو الهدف المطلوب، أو أن الحركة بالفكرة هي قضية الساعة الآن. وكذلك يدل على عالمية الرسالة؛ فهي مشروع لا يعرف حدوداً من جنس أو أرض. ولكن قبل العودة كان لا بد من مِسك الختام فيِ الطوافِ الأخير طوافِ الوداع. وتدبر مغزى كلمة وداع وأثرها على النفس. وتدبر كيف كان الختام وكأنه تأكيد عملي أخير يركز على ضرورة فقه الهدف الواحد والهم الواحد الذي تطوف حوله جموع السائرين، والذي ستحمله القلوب إلى بلادها، تلك القلوب التي هوت شوقاً إلى هذا المكان، فأتت من كل فج عميق. ولكن هذه القلوب لم يمنعها هذا الرباط الروحي ولن يمنعها من أن تعود فتنشر فكرتها، وتدعو إلى مشروعها الذي تحقق على أرض فأصبح له مرتكز ومركز إشعاع ثابت وقاعدة صلبة توضع عليها راية التجميع ليؤوبوا إليها كل حين، ثم يعودون للانتشار من جديد. فحركة التاريخ وناموسية التغيير الحضاري من سماتها التبديل والحركة التي لا تعرف السكون: بين مد وجزر، أو بين امتداد وانحسار. وكذلك الأفكار؛ فالحركة تمنع نمو جراثيم التأسُّن الفكري في العقليات. وأيضاً بالنسبة للأمم والجماعات والمؤسسات؛ فإن الحركة أيضاً تهاجم حشرات التعفن الحضاري عند الأمم. وإن الحركة في كل تلك المجالات مثلها مثل حركة الكون التي تجري مكوناتها في ديمومة حركية، لا تهدأ حتى المستقر النهائي الذي يقرر منتهاه ومستقره العزيز العليم: [والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] [يس: ٣٨] . ... والحركة الحضارية من شأنها التداول: [وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] [آل عمران: ١٤٠] . وعندما يفقه الدعاة وكل من يشارك في مسيرة الدعوة إلى المشروع الحضاري تلك الإشكالية، ويدركون مغزى السمة التداولية للحركة الحضارية، ويعون الناموسية التغييرية للتاريخ فإن ذلك من شأنه أن يمدهم بزاد آخر، زاد ضروري، ألا وهو زاد الأمل. ذلك الزاد الذي يعطي الدفعة العظيمة للسائرين، ويُضاعف روح البذل. وخير ما ورد عن ذلك الزاد تلك البشارات التي كان يطلقها الحبيب صلى الله عليه وسلم أثناء أصعب المواقف؛ عندما حوصرت الدعوة وجففت منابعها، وحوصر الداعية، وذلك أثناء غزوة الأحزاب، وكان هناك من يسجل لنا هذا الموقف الاستشرافي العظيم للقيادة الربانية الواعية؛ كان هناك البراء ﵁ فقال: (لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاء وأخذ المعول، فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة، وقال: الله أكبر أُعطيتُ مفاتيحَ الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة. ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: الله أكبر أُعطِيتُ فارس، واللهِ إني لأُبصر قصر المدائن الأبيض الآن. ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر. فقال: الله أكبر أُعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني) [١٦] . ومرت الأحداث، وتعاقبت الأيام، وتداولت الحركة الحضارية، واسْتَعْلت الدعوة على الحصار الشيطاني، ومكَّن الله لها في الأرض، وتحقق ما بشر به القائد العظيم ﷺ . وبعد: فهذه لمحات متواضعة حول الأبعاد التربوية لتلك الرحلة المباركة وما تمثله من ركائز للمشروع الحضاري الإسلامي؛ وهي محاولة نرجو من الله بها القبول؛ فمنه وحده سبحانه التوفيق؛ وإن كان بها من الزلات فهي مني ومن الشيطان.

стр. 3382

فتاوى أعلام الموقعين بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بشأن كتاب بعنوان: الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على كتاب بعنوان: (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لكاتبه خالد العنبري، وبعد دراسة الكتاب اتضح أنه يحتوي على إخلال بالأمانة العلمية فيما نقله عن علماء أهل السنة والجماعة، وتحريف للأدلة عن دلالاتها التي تقتضيها اللغة العربية ومقاصد الشريعة، ومن ذلك ما يلي: ١ - تحريفه لمعاني الأدلة الشرعية، والتصرف في بعض النصوص المنقولة عن أهل العلم حذفاً أو تغييراً على وجه يفهم منها غير المراد أصلاً. ٢ - تفسير بعض مقالات أهل العلم بما لا يوافق مقاصدهم. ٣ - الكذب على أهل العلم وذلك في نسبته للعلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ ما لم يقله. ٤ - دعواه إجماع أهل السنة على عدم كفر من حكم بغير ما أنزل الله في التشريع العام إلا بالاستحلال القلبي كسائر المعاصي التي دون الكفر؛ وهذا محض افتراء على أهل السنة منشؤه الجهل أو سوء القصد. نسأل الله السلامة والعافية. وبناءاً على ما تقدم فإن اللجنة ترى تحريم طبع الكتاب المذكور ونشره وبيعه، وتذكِّر الكاتب بالتوبة إلى الله تعالى، ومراجعة أهل العلم الموثوقين ليتعلم منهم ويبينوا له زلاته، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والثبات على الإسلام والسنة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ... عضو الرئيس ... ... ... ... ... الرئيس عبد الله بن عبد الرحمن الغديان. عبد العزيز بن عبد الله بن محمد ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... آل الشيخ. ... عضو عضو ... ... ... ... ... عضو بكر بن عبد الله أبو زيد. ... ... صالح بن فوزان الفوزان.

стр. 3383

قضايا دعوية العمل الإسلامي في مواجهة خطرين د.سامي بن محمد صالح الدلال وددت في هذه الدراسة أن أعبر عما في نفسي من الاستشعار بالخطر لما يحيط ويحيق بالتوجهات الإسلامية عموماً، وسأتحدث هنا عن خطرين: الخطر الأول: التراجع المستمر والمضطرد في الفكر والممارسة من قِبَلِ التيار الإسلامي لصالح التيار القومي، وقد برز هذا تحت ما يسمى بمد الجسور بين التيارين. فعلى مستوى المجال الفكري ألَّف بعض الإسلاميين كتباً تدعو إلى هذا الاتجاه وتغذيه، إضافة إلى ما يكتب من مقالات وما يصدر من بيانات. كل ذلك لا يصدر عن إسلاميين غير منتمين فقط، بل يصدر عن إسلاميين منتمين يمثلون فيما يكتبون جماعاتهم. وأما على مستوى الممارسة فحدث ولا حرج. وما المواثيق الوطنية والمنابر المشتركة والتحالفات المكتوبة بين التيارين إلا بعض الأدلة على ذلك. وفي تقديري أن هناك عدة أسباب لذلك أبرزها سببان: الأول: فقدان التأصيل المنهجي الشرعي الذي تُحاكَم إليه الأفكار والممارسات. ... لذا نرى أن كثيراً من المسوِّغات التي يقدمها الإسلاميون لا تتعدى عموميات تدل على ضحالة في الرجوع المؤصل للأدلة الشرعية. وبعضهم يقول: إنها مصالح تقتضيها المواقف السياسية ولا داعي للبحث لها عن أدلة، فإذا ما أحرجته بقولك: إن معنى ذلك تجسيد عملي لفصل الدين عن الحياة بجوانبها السياسية والاقتصادية وغيرها، قال: إنها مصالح مرسلة! ! هكذا بكل بساطة. ولا أعلم إن كان هذا القائل يعلم أن المصالح المرسلة هي ما اندرج تحت دليل كلي ولم يأت له دليل خاص بمسماه أو بحالته. أي لا يعلم أن المصالح المرسلة خاضعة للأدلة الكلية وليست متحررة من أي دليل! ! وللأسف أن المصالح المرسلة قد أصبحت شماعة تُعلَّق عليها كافة الأفكار والممارسات العارية عن الدليل الشرعي. الثاني: عدم إدراك الواقع وتغيرات العصر؛ إذ إن العالم يموج بصراع الأفكار وصراع المصالح. وفيما يخص العالم الإسلامي فهناك توجه دولي لإبقاء هذه المنطقة الإسلامية غارقة في جميع أنواع التخبطات التي تعيق أي انبعاث إسلامي صحيح فيها. ولأجل ذلك قام التيار القومي في المنطقة العربية بمراجعات واسعة لتقويم المرحلة السابقة. وقد عُقِدَتْ لأجل ذلك ندوات كثيرة ومؤتمرات متعددة. وقد حاضر فيها أساطين الفكر القومي، وقُدِّمتْ دراسات مستفيضة اتسمت بالمصارحة، واستمرت تُعقد ولا تزال منذ عدة سنوات. إن أهم ما أفرزته تلك الندوات والمؤتمرات والدراسات ما يلي: ١ - إن الطرح القومي السابق لمس العاطفة العربية، لكنه لم يلمس العقل العربي؛ فهو طرح شعارات وليس مناهج. ٢ - إن الهزائم الكبرى للعرب في هذا القرن جميعها تمت في ظل الانبعاث القومي، بل تم بعضها في ظل الحكم القومي، وكل ذلك أفقد الجماهير العربية حماسة الالتفاف حول هذا الطرح، ثم أفقدهم بعد ذلك الثقة به، وخاصة بعد الهجوم الهمجي البعثي على الكويت واجتياحها وتشريد أهلها. ٣ - إن أكثر البلاد العربية تضرراً على مستوى الحريات السياسية والرفاه الاقتصادي والأمن الداخلي كانت البلاد التي حكمها التيار القومي. ٤ - إن الجماهير العربية قد اكتشفت أن التيار القومي كان غارقاً حتى أذنيه في التنسيق مع الرأسماليين (أمريكا وأوروبا) خلافاً للشعارات والخطب التي كانوا يدجِّلون بها على شعوبهم. وبعضهم الآخر كان ضالعاً في التنسيق مع الشيوعيين (الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية سابقاً والصين) مع اطلاعه الكامل على الدور الذي تقوم به تلك الدول لصالح اليهود ودعم (إسرائيل) وكان هذا التيار يغطي على هذا الدور خدمة لمصالحه المتمثلة بالتمكين لأعداء الإسلام. إن هذا الاكتشاف أوضح الازدواجية الخطيرة التي يظهر بها التيار القومي أمام الشعوب. وقد أدى ذلك إلى سحب البساط من تحت أقدامه لصالح جهات متعددة. ٥ - إن التيار القومي قد تعامل مع الجماهير العربية ليس فقط بطريقة تتجاهل التاريخ المجيد للإسلام والحضارة العامرة التي شيَّدها المسلمون في أرجاء الأرض، بل بطريقة تشوِّه ذلك التاريخ وتسدد له الطعنات، وتقفز فوق تلك الحضارة كأنها لم تكن! ! إن إهمال التيار القومي للجذور التاريخية لهذه الجماهير العربية والمتأصلة في عمق الزمن منذ خمسة عشر قرناً كان غلطة تاريخية! ! ٦ - إن التيار القومي لم يقابل التيار الإسلامي مقابلة فكر لفكر، بل مقابلة صاحب سلطة لمعارض! ! وإن الجماهير العربية التي طالما صخَّت آذانَها أصواتُ أحمد سعيد [١] وأمثاله قد أصبحت متعطشة لسماع صوت القسم الآخر الذي زُجَّ به في السجون وأُزهقت أرواح أتباعه في الليالي المظلمة. ٧ - إن التعامل القاسي الذي أظهره التيار القومي للتيار الإسلامي قد كوَّن عطفاً جماهيرياً على ذلك التيار المضطَّهَد بغير وجه حق. وقد تأكد هذا العطف بالتفاف الجماهير حول الرموز الإسلامية، أفراداً وجماعات، بعد التراجع القومي. ٨ - إن مواقف التيار القومي الرافض لكل طروحات التيار الإسلامي جملة وتقصيلاً قد أفرز التيار الإسلامي إفرازاً مستقلاً، في حين كان القصد تحطيمه وإلصاق جميع الرذائل التاريخية على صدره وظهره، فإذا بالجماهير العربية تكتشف بعد أن بدأ الغبار بالزوال أن هذا التيار يستعصي على التحطيم؛ لأنه يولد مع كل مولود، وأنه يريد إبراز جميع الفضائل التاريخية من انتصارات وأمجاد ليخاطب الجماهير من خلالها لتنتفض بعد سُبات وتستيقظ بعد رقاد. وهكذا اكتشف التيار القومي أن موقف المفاصلة الذي اتبعه مع التيار الإسلامي كان غلطة تاريخية أخرى! ! إن هذه النقاط الثماني هي أبرز ما نتج من حوارات ومناقشات وندوات ومؤتمرات للتيارات القومية في المنطقة العربية؛ ولذلك رأوا أن لا بد من إعادة تأكيد إبراز الوجه القومي وفق نموذجين: - نموذج على مستوى دولة. - نموذج على مستوى أحزاب ورواد فكر. ويأخذ هذا التوجه القومي على عاتقه تلافي كافة السلبيات التي وقع فيها سابقاً، وأن يدرس بعمق وتحليل: لماذا أخفق النموذج الأول على مستوى الدولة، والنموذج الثاني على مستوى أحزاب ورواد فكر؟ وأن يكون تحليل تلك المرحلة وتقويمها على ضوء النقاط الثماني التي ذكرتها. إن مرحلة الثمانينيات كانت مرحلة إبراز النموذجين اللذين سيحاولان تلافي أخطاء مرحلة السبعينيات والستينيات وما قبلها. فعلى مستوى نموذج الدولة أُبرز (العراق) ، وعلى مستوى الأحزاب أُبرز حزب البعث، كما أُبرز حزب التجمع في مصر. وهناك محاولات مستميتة لتعويم حزب حركة التحرير الجزائرية قبل أن يدركه الغرق! ! وعلى مستوى رواد الفكر أُبرزت رموز كثيرة، كما أبرز عدد من الشخصيات التي تحترف وترتزق من الكتابات الصحفية، والمتمعن في مجريات الأمور يلاحظ أن خطوات عملية (بعضها قد آتى ثماره) قد تم ترتيبها بخصوص النقاط الثماني، وأوجزها مرتبة حسب ترتيب تلك النقاط: ١ - طرحت كتب ودراسات لبلورة الفكر القومي بشكل مناهج فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها. وعضت نواجذهم على (الحداثة) . وفي تقديري أن الفكر القومي مع كل الذي فعل لم يستطع أن يخرج من دائرة الشعارات إلى دائرة المناهج. بل حتى دائرة الشعارات قد جرى اختراقها؛ فشعار (الاشتراكية) مثلاً قد انخرق ثوبه بعد إخفاق القطاع العام في مواكبة ضروريات التنمية. وهكذا طرح القطاع العام في العراق ومصر وغيرها من الدول التي كانت مستظلة بالاشتراكية للبيع. ٢ - في إطار الهزائم والانتصارات: فإن انتصار العراق على إيران قد محا من الذاكرة العربية كثيراً من الهزائم السابقة (لكنه أفسده باحتلال الكويت) . ٣ - على مستوى الحريات السياسية: ضخ التيار القومي الحاكم مبدأ التعددية الحزبية (العراق، سوريا، الجزائر، اليمن، الأردن، مصر) . أما على مستوى الرفاه الاقتصادي فلا يزال التيار القومي الحاكم يواصل عدم نجاحه ويتابع تدهوره، وأما على مستوى الأمن الداخلي: فلا تزال حملات القمع مستمرة؛ ولكن اقتضى تلميع الوجه إطلاق حرية بعض السجناء غير السياسيين، أما السياسيون الذين أُطلق سراحهم فقد تم تدبير أماكن لكثير منهم في المقابر! ! ٤ - إن العزف على الوتر الاشتراكي على حساب الوتر الرأسمالي قد أصابه الخلل بعد الانهيار الشيوعي المروِّع، وقد أوقع هذا الانهيار التيار القومي في حيص بيص. إن التيار القومي الحاكم وغير الحاكم يمر الآن في مرحلة هي دون مستوى الرثاء بسبب الهزيمة الكبرى للاشتراكية العلمية وهي القاعدة التي انطلقت منها حقيقة الأفكار القومية. ٥ - أعاد التيار القومي انفتاحاً جديداً على التاريخ الإسلامي؛ ولكنه لم يستطع أن يخرج من تفسيره له تفسيراً قومياً! ! ولذلك فهو يقع في تناقضات لا حصر لها هي أقرب ما تكون إلى الأكاذيب والدجل! ! وسبب ذلك أنه لا يريد أن يقر بدور غير العرب في بناء صرح ذلك التاريخ المجيد. ٦ - إن عدم تمكن مقابلة التيار القومي للتيار الإسلامي مقابلة الند للند في الجوانب العقدية والفكرية، جعلته يحاول الالتفاف على المواجهة وذلك بطرح فكر قومي في قالب إسلامي؛ فقوم العرب هم مادة الإسلام الأولى، ولغة العرب هي لغة القرآن والسنة، والديمقراطية هي الشورى، والاشتراكية هي التكافل الاجتماعي، والحرية هي عنوان ما جاء به الإسلام لتحرير الإنسان، والوحدة هي التي قاتل العرب لأجلها في القادسية واليرموك وغيرها.. حق وباطل، خير وشر، صدق وكذب. إنها حملة هائلة من التشويه تخرج بشكل دراسات وتُعقَد لأجلها مؤتمرات وندوات. وليس من الحق أن نقول: إن هذه الحملة الشرسة لم تحقق بعضاً من أهدافها! ! ٧ - لقد قام التيار القومي الحاكم وغير الحاكم باحتضان بعض الرموز الإسلامية ودعمها وإعطائها الفرصة للتكلم من خلال أجهزته الإعلامية؛ مما أعطى انطباعاً لدى بعض الإسلاميين أن التيار القومي بدأ طريق العودة إلى الحق والصواب؛ فلا بأس إذاً من دعمه، وليست إلا سنوات ويكون بعدها التيار قد تأسلم! ! ٨ - استطاع التيار القومي أن يعيد جسور الاتصال مع بعض ممثلي التيار الإسلامي، وأصبح التياران في بعض الدول يتحدثان من على المنابر نفسها ويرفعان الشعارات نفسها ويناديان بالمطالب ذاتها! ! وهكذا استطاع التيار القومي أن يُفقِد التيار الإسلامي تميُّزه على الساحة الحركية إضافة لإفقاده تميزه على الساحة الفكرية. بعد ذلك أقول: إننا الآن على أبواب المحاولات الشاملة لسحب البساط كلية من تحت أقدام التيار الإسلامي لصالح التيار القومي. ثم أضيف نقطتين: الأولى: إن هذه الصورة القاتمة لن تستطيع حجب الإشعاعات الإسلامية المتدفقة من أرجاء شتى في المعمورة، والوضع الإسلامي الآن يختلف كلياً عن الوضع الإسلامي في الستينيات. ويمتاز عنه بأمور: ١ - أن التيار الإسلامي أصبح يمتلك رصيداً من التجربة المعاصرة في مقارعة المفسدين ومعرفة جيدة بأساليبهم. ٢ - أن التيار الإسلامي قد تحرر نسبياً من عقدة الوصم بالتخلف والرجعية. ٣ - أنه أصبح أكثر وضوحاً من حيث موقفه من الغرب سياسياً وحضارياً. ٤ - أنه بدأ يمارس الجهاد عملياً وواقعياً بعد أن كان ذلك مجرد سطور في الكتب. ٥ - أنه أصبح له دور فاعل في الأرض المحتلة في فلسطين. ٦ - أن بصيص التأصيل الشرعي بدأ ينشر شعاعه شيئاً فشيئاً بين الجماهير الإسلامية. ٧ - أن المفهوم الحقيقي لعقيدة أهل السنة والجماعة قد أصبح أكثر وضوحاً لدى بعض القيادات الإسلامية ولدى كثير من الشباب المسلم. ٨ - أنه بدأ إعادة امتداده في إفريقيا وآسيا إضافة لإثبات وجود فاعل في أوروبا وأمريكا. ٩ - أنه أصبح لديه رصيد كبير من مختلف الاختصاصات العلمية التي ساعدت على تغلغله في جميع الشرائح والمرافق الوظيفية والعلمية والاقتصادية والثقافية وغيرها. ١٠ - أنه أصبح أكثر نضوجاً وشجاعة لوضع منطلقاته السابقة تصورياً وحركياً تحت منظار التقويم وإعادة النظر. وأمور أخرى. إنها مجموعة من الإيجابيات، ولكن ذلك لا يعني أننا لا نخاف على الوضع الحالي من الانتكاس؛ لأننا وللأسف بدأنا نرصد خطاً تراجعياً في الفكر والممارسة لهذا التيار. إن وظيفتنا تشخيص أسباب التراجع ثم الدفع لمواصلة التقدم إلى الأمام كي لا تضيع منا تلك الإيجابيات الممتازة التي حصل عليها التيار الإسلامي. الثانية: إن قضية الانبعاث الإسلامي الجديد أصبحت تقض مضاجع جميع أعداء الإسلام. والذي أخشاه أن يُعطى الواقع الإسلامي حجماً أكبر من حجمه الحقيقي، ثم تأتي المخططات والوقائع على مستوى ما أعطي من حجم، لا على مستوى حجمه الحقيقي؛ مما يؤدي إلى خلل في تنفيذ المشاريع الإسلامية القادمة، تصورياً وحركياً، أضف إلى ذلك: أننا سنكون مقبلين على أوضاع استثنائية أخرى عندما تبدأ موجة هجرة اليهود الأمريكان بعد هجرة اليهود الروس. وكيف سيكون تعامل الإسلاميين مع الأوضاع الجديدة؟ وما هي نظرتهم وتقويمهم لتلك الأوضاع؟ هذا ما ينبغي أن يكون محل نظر ودراسة وتخطيط. الخطر الثاني: وسأذكره باختصار؛ وخلاصته: حال التشتت والفرقة بل أحياناً العداء الذي يلف ساحة العمل الإسلامي؛ إذ إن حال الشتات في العمل الإسلامي هو وجه من أوجه كثيرة من اختلال شخصية الفرد المسلم المعاصر واهتزازها. وداء الفرقة والشتات هو أحد أوجه الاختلال والاهتزاز الفكري والتربوي. وهذا معناه أن الصياغة الفكرية والتربوية التي يتعرض لها الفرد المسلم تحتاج إلى إعادة نظر! ! وأقصر كلامي هنا على الفرد المسلم الملتزم بدينه: إن هذا الفرد هو أحد اثنين: إما منتمٍ إلى جماعة إسلامية. وإما غير منتم. فأما الفرد المسلم غير المنتمي لجماعة إسلامية فوضعه الفكري والتربوي يتبلور في أغلبه بتأثير الوسائط الخارجية من إعلام ووسط اجتماعي ومحيط بيئي؛ وهو يغالب هذا التأثير بوسائله الخاصة من مطالعة للكتب الإسلامية أو التعايش مع وسط محافظ من الأصدقاء والأقرباء، ومعظم هؤلاء الأفراد مشوشون من الناحية الفكرية ومن ناحية النظرة التربوية الإسلامية. وأما الفرد المسلم المنتمي لجماعة إسلامية فوضعه الفكري والتربوي بحسب المدرسة التي تتبناها جماعته. وهناك عدة مدارس: كالإخوان، والسلفيين، والتبليغ، والتحرير، وأنصار السنة.. إلخ. هذا الفرد كذلك يتعرض للوسائط الخارجية التي يتعرض لها المسلم غير المنتمي إضافة لمدرسته، والبدهي أنه لا يمكن أن نفكر بوجود عمل إسلامي موحد عندما يكون أفراده غير موحَّدي الفكر ولا موحَّدي المنهاج التربوي. ومن هنا تتحدد لنا البداية السليمة في جمع الشتات المبعثر للعمل الإسلامي؛ إذ إن تعصب القيادات الإسلامية، كل لجماعته، قد حال دون الاستخدام الفوقي (أي القيادي) لقرار التوحيد الحركي للعمل الإسلامي، ولما كانت التربية المتبعة باستمرار غالباً ما تكون تحت معادلة: ما عندنا حق وما عند غيرنا ليس كذلك! ! فإن قضية لمِّ الشتات الإسلامي أصبحت قضية معقدة! ! ولكن لا مندوحة من وضع الحلول اللازمة لها. إن الحل الذي أطرحه هو التوجه المباشر نحو الفرد المسلم المنتمي وغير المنتمي، ومخاطبته فكرياً وتربوياً بطريقة تتخطى التوجيهات الحزبية المسبقة. ولكن من الذي يقوم بهذا الخطاب؟ ! وكيف يبلور الخطاب إلى واقع عملي يحقق المفهوم التربوي؟ ! وما هي الأساليب التي يتحقق من خلالها الولوج في الطريق الموصل للهدف مع مراعاة اختلاف البيئات والمستويات والانتماءات؟ ! وما هي المراحل التي تقترح للوصول لتلك الغاية؟ وما هي التوقعات لنسب النجاح؟ وما.. وما.. وما.. أسئلة كثيرة. في تقديري المتواضع أن مثل هذا الأمر لا بد أن تعقد لأجله ندوات كثيرة لأجل لملمة حيثياته وصياغة وسائل تنفيذ مراحله، وأن يشارك في ذلك المتخصصون وأصحاب التجارب من الإسلاميين. إن السؤال الذي يُطرَح عنواناً لتلك الندوات والدراسات هو: كيف نستطيع في عالمنا المعاصر إعادة صياغة الشخصية الإسلامية بحيث تكون معبرة عن انتمائها لأهل السنة والجماعة عقيدةً وسلوكاً؟ إن مجموع هذه الشخصيات هي التي تشكل قاعدة الانطلاق في لَمِّ شتات فرقة العاملين للإسلام. لا أحسب أنني وفَّيت ما أريد قوله في هذا الأمر الثاني، وأظن أنني بحاجة إلى شرحه مسهباً في موضوع منفصل؛ لأن شرحه يطول ويتفرع، ولكن أقصى ما أستطيع ذكره هنا أن هذا الطرح لهذه المسألة له حالياً رصيد من الواقع وقد بدأ يؤتي ثماره وأُكُله، ولكن الطريق طويل وطويل، والاستعانة بالله وحده.

стр. 3384

تأملات دعوية حول التجديد والإبداع محمد بن عبد الله الدويش يكثر الحديث هذه الأيام في أدبيات الصحوة حول التجديد والإبداع والابتكار، وتجد الكتب والدراسات التي تطرح حول الابتكار والإبداع رواجاً وانتشاراً بين القراء وإن كان كثير منها ليس فيه جديد. والتجديد والابتكار أمر لا ينبغي أن ينازَع في أهميته؛ فهو يفتح مجالات جديدة للدعوة، ويسهم في توسيع دائرة انتشارها وتأثيرها، ويُذهِب السآمة والملل، ويجدد الهمة والروح لدى العاملين والدعاة. إلا أن هناك أموراً ينبغي مراعاتها في ذلك، ومنها: ١ - الاعتدال والاتزان في ذلك، وإعطاؤه ما يتناسب معه من اهتمام دون إفراط أو تفريط، ومهما علا شأن التجديد والابتكار فليس فقدانه هو مشكلتنا الحقيقية، بل مشكلتنا الأكبر من ذلك أننا لا نعمل، فكم هي الفرص المتاحة اليوم أمام الناس للمشاركة في الدعوة والتي لها أثر بالغ ونتائج ملموسة؛ ومع ذلك نرى إحجاماً وتقاعساً عنها! أليست هناك مشروعات ناجحة ومؤثرة لا ينقصها إلا المال والدعم؛ الإعلام؟ وها هي المجلات الإسلامية، والمؤسسات الدعوية تبذل جهوداً مضنية في البحث عمن يشارك في أعمالها الدعوية فتلجأ أخيراً إلى الاعتماد على من يستجيب لها بغضِّ النظر عن تأهيله ... إنها ميادين كثيرة، وفرص متاحة تبحث عن العاملين الجادين أيُظن أن هؤلاء سينشطون حين تظهر الأفكار الواعدة والإبداعات المرتقبة؟ ٢ - أن التجديد والإبداع ينبغي أن يبقى في دائرة الوسائل والبرامج، ولا يتجاوز ذلك إلى المناهج والغايات، وينبغي الحذر من حمل النصوص الشرعية في التجديد والمجددين على ذلك كما يفعل بعض الناس؛ إذ نصوص التجديد تعني تجديد أمر الدين للناس. ٣ - حين يُبَالَغ في البحث عن التجديد والسعي إليه فكثيراً ما يكون ذلك على حساب الغايات والأهداف، فيتحول التجديد من وسيلة إلى غاية، وتُفَرَّغ البرامج الدعوية من مضمونها، أو يذوب الجانب الدعوي فيها فلا تؤدي ثمرتها. ٤ - ينبغي ألا تؤدي المطالبة بالتجديد والإبداع إلى احتقار البرامج والوسائل الدعوية التي ألفها الناس واعتادوها وتركت آثاراً كثيرة في المدعوين؛ فهناك من يقلل من شأن توزيع الكتاب والشريط وبناء المساجد، ويدعو إلى تجاوزها والانطلاق إلى وسائل تناسب تحديات العصر، فلا هو أعطى من يستمعون إليه برامج ووسائل عملية، ولا هو ترك الناس يسهمون في هذه الوسائل التي ربما لا يجيدون غيرها، فيُزهِّدهم فيها وقد رأوا ثمراتها من دخول طوائف في الإسلام، واهتداء كثير من الفساق وصلاح أحوالهم، ونشر السنة والخير وتعليم العلم بين الناس. ٥ - ينبغي أن لا ننسى أن خطابنا الدعوي يوجه للعامة دون أن يقتصر على النخب، والعامة يتفاعلون مع كثير من الوسائل المعتادة المألوفة وتترك أثرها فيهم. ٦ - قد يؤدي الإفراط في ذلك إلى تخريج طائفة ممن يجيد القول وتنميق الحديث ويفتقد العمل؛ فترتفع أسهم الذين يحترفون الجدل وطرح القضايا الكبار دون أن يكون لهم رصيد في الواقع العملي؛ أو بمعيار أدق أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون، في حين أننا بحاجة ماسة إلى طائفة ممن يعملون ويضحون بأوقاتهم وجهودهم في سبيل الله ؛ وما أقل هؤلاء! ومع ذلك كله يبقى التجديد والإبداع مطلباً مهماً، ويبقى جيل الصحوة بحاجة إلى أن يربى عليه، وتبقى الأفكار الجديدة تختصر خطوات، وتفتح مجالات الدعوة، ولكننا ندعو إلى الاعتدال، وإلى أن يأخذ كل جانب حجمه الطبيعي دون إفراط أو تفريط.

стр. 3385

دراسات تربوية توبة الأمة محمد بن إبراهيم الحمد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وبعد: فإن الحديث عن التوبة ذو شجون، والكلام عليها متشعب طويل؛ فللتوبة فضائل وأسرار، ولها مسائل وأحكام، وهناك أخطاء تقع في مفهومها، وهناك أسباب تعين عليها، ثم إن الحديث عن التوبة يشمل كافة الناس، ويخاطب جميع الطبقات، ويُحتاج إليه في جميع مراحل العمر. ومع عظم شأن التوبة، وشدة الضرورة إليها إلا أن هناك تقصيراً في شأنها، وخللاً كبيراً في مفهومها، وغفلة مستحكمة عن المبادرة إليها، وإذا تحدث متحدث عن التوبة تبادر إلى الذهن توبة الأفراد فحسب، أما توبة الأمة بعامة فقلَّ أن تخطر بالبال. وهذا من الأخطاء في باب التوبة؛ ذلك أن سنته في الأفراد، وفي مغفرته للتائبين وعفوه عن المذنبين هي هي سنته سبحانه في الأمم والشعوب. فالأمة التي تعود إلى طريق الرشاد، وتصْدقُ في التوبة والإنابة إلى رب العباد يفتح الله لها، ويرفع من شأنها، ويعيدها إلى عزتها ومجدها، وينقذها من وهدتها التي انحدرت إليها، وينجيها من الخطوب التي تحيط بها؛ نتيجة الذنوب التي ارتكبتها، والمنكرات التي أشاعتها من رِباً، ومجون، وفسق، وشرك، وبدع، وحكم بغير ما أنزل الله، وموالاة لأعداء الله، وتقصير في تبليغ دعوة الله وإحجام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مما هو مؤذِن بالعقوبة، وحلول مقت الله. نسأل الله السلامة. فإذا تابت الأمة إلى ربها متعها الله بالحياة السعيدة، وجعل لها الصولة والدولة، ورزقها الأمن والأمان، ومكن لها في الأرض، قال تعالى: [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] [النور: ٥٥] . وإذا أردت مثالاً على توبة الأمة من القرآن الكريم فانظر إلى قوله تعالى: ... [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ومَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ] [يونس: ٩٨] ، وهؤلاء القوم الذين ذُكِروا في هذه الآية هم قوم يونس ﵇ وقريتهم هي نينوى التي تقع شرقي مدينة الموصل في شمالي العراق. ومعنى الآية كما يقول المفسرون: أن قوم يونس ﵇ لما أظلهم العذاب، وظنوا أنه قد دنا منهم، وأنهم قد فقدوا يونس ﵇ قذف الله في قلوبهم التوبة، وفرَّقوا بين كل أنثى وولدها، وعَجُّوا إلى الله أربعين ليلة أي رفعوا أصواتهم بالتلبية والدعاء فلما علم الله منهم صدق التوبة كشف عنهم العذاب، وقال: [مَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍُ] [يونس: ٩٨] ، أي لم نعاجلهم بالعقوبة، استمتعوا بالحياة الدنيا إلى حين مماتهم وقت انتهاء أعمارهم. فما أحوج أمتنا اليوم إلى أن ترجع إلى الله منيبة تائبة، ليرضى عنها، ويرفع عنها ما هي فيه من الذلة، والمهانة، والخيبة، والتبعية لأعدائها. وسنتوقف عند بعض المحطات التي يحسن بالأمة التأمل فيها والأخذ بها: أ - التوبة من الإسراف: فالإسراف نذير شؤم، ومؤذِن هلاك؛ فهو يفضي إلى الفاقة، وينزل بأهله إلى طبقة المُقلِّين أو المعدمين. والإسراف في الترف ينبت في النفوس أخلاقاً مرذولة من نحو الجبن، والجور، وقلة الأمانة، والإمساك عن البذل في وجوه الخير. أمَّا أن الإسراف في الترف يدعو إلى الجبن فلأن شدة تعلق النفوس بالزينة واللذائذ يقوي حرصها على الحياة، ويحملها هذا الحرص على تجنب مواقع الحروب، وإن كانت مواقف شرف وذود عن النفس، والمال، والعرض. وأما أن الإسراف في الترف يسهل على النفوس ارتكاب الجور فلأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال؛ يشبع شهواته، فلا يبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة، فيمد يده إلى الاستيلاء على ما في يد غيره من طريق الرشوة، أو من طريق الغصب إن كان ذا سلطان وقوة. وأما أنه يَذْهَبُ بالأمانة فلأن الغريق في الترف إنما همه الوصول إلى زينة أو لذة، أو مطعم ونحوه، وكثيراً ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي ائتمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية. وأما أنه يمسك الأيدي عن فعل الخير فلأن من اعتاد الترف حتى أخذ بمجامع قلبه كان أعظم قصده من جمع المال إنفاقه فيما يَلَذُّ له من مأكول أو يتزين به من نحو ملبوس، أو مفروش. لذلك كان الغالبُ على المترفين المسرفين قبضَ أيديهم حيث يبسط غيرهم يده إسعاداً لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة والمكارم. ومن هنا نستبين أن للإسراف سيئةً أخرى هي قطع صلة التعاطف والتواد بين كثير من أفراد الأمة. ولهذا تجد من الموسِرين المترفين من ينفق الأموال الطائلة في سبيل لذَّاته وشياطينه، وإذا سُئل بذل القليل في مشروع جليل أعرض ونأى بجانبه. هذا وللإسراف في الترف أثر كبير في إهمال النصيحة والدعوة إلى الحق؛ ذلك أن من اعتاد التقلب في الزينة، وألفت نفسه العيش الناعم يغلب عليه الحرص على هذا الحال؛ فيتجنب المواقف التي يمكن أن تكون سبباً لفوات بعض النعيم. وللإسراف أثر في الصحة؛ فقد دلت المشاهدات على أن المسرف في نحو المأكل والمشرب لا يتمتع بالصحة التي يتمتع بها المقتصدون فيما يأكلون ويشربون. والإسراف في الترف يقل معه النبوغ في العلم؛ ذلك أن النفس المحفوفة بالرفاهية من كل جانب يضعف طموحها إلى اللذات العقلية؛ لأنها في لذة قد تشغلها أن تطلب لذة كلذة العلوم طلباً يبلغ بها مرتبة العبقرية. ومن الجلي أن مرتبة العبقرية لا تدرك إلا باحتمال مصاعب، واقتحام أخطار، والمسرف في الترف ضعيف العزيمة لا يثبت أمام المكاره والشدائد. هذه بعض مضار الإسراف؛ فحق على الأمة التي تريد النهوض من كبوتها أن تقلع عن الإسراف في الرفاهية، وتضع مكان الإسراف بذلاً في وجوه البر والإصلاح. فمما تشكو منه الأمة إطلاق الأيدي بإنفاق المال في غير جدوى، وتدبير المال على غير حكمة وحسن تقدير. قال العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ﵀: (إن أمة تنفق الملايين في الشهر على القهوة والدخان، وتنفق مثلها على المحرمات، وتنفق مثلها على البدع الضارة، وتنفق أمثال ذلك كله على الكماليات التي تنقص الحياة ولا تزيد فيها، ثم تدَّعي الفقر إذا دعاها داعي العلم لما يحييها لأمة كاذبة على الله، سفيهة في تصرفاتها) [١] . وقال ﵀: (المال الذي تنفقه في المحرمات يسوقك إلى النار، والمال الذي تبدده في الشهوات يجلب لك العار، والمال الذي تدخره للورثة الجاهلين تهديه إلى الأشرار، وتبوء أنت بالتبار والخسار. أما المال الذي تحيي به العلم، وتميت به الجهل فهو الذي يتوجك في الدنيا بتاج الفخار، وينزلك عند الله منزلة الأبرار) [٢] . ولا يعني التحذير من الإسراف في الترف أن يكون الناس على سُنَّة واحدة من الإعراض عن الزينة والملاذِّ فقد قال تعالى: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ] [الأعراف: ٣٢] ، وإنما المقصود من ذلك: الدعوة إلى أخذ النفوس بالاقتصاد، وحمايتها من الإفراط في الزينة واللذيذ من العيش. ولهذا سلكت هداية القرآن الكريم بالناس هذا الطريق القويم، وهو طريق الاقتصاد؛ فبعد أن أمر في آيات كثيرة بالإنفاق في وجوه الخير نهى عن الإسراف نهياً بالغاً فقال تعالى: [ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً] [الإسراء: ٢٦] ، وقال تعالى: [لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ] [الإسراء: ٢٩] . وألحق المبذرين بقبيل الشياطين فقال تعالى: [إنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ] [الإسراء: ٢٧] ، وعدَّهم في زمرة من يستحقون بُغضه فقال : [وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا] [الأعراف: ٣١] ، وأثنى على عباده المؤمنين بفضيلة الاقتصاد فقال: [والَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً] [الفرقان: ٦٧] . (وإذا كان الإسراف يوقع الأفراد والجماعات في مضار كثيرة كان واجباً على أولياء الأمور ودعاة الإصلاح أن يتعاونوا على الجهاد في هذا السبيل؛ حتى يبتعد الناس عن الإسراف في مآكلهم، ومشاربهم، وملابسهم، ومراكبهم، ومساكنهم، وأمتعة بيوتهم. وحين يُحذَّر من عواقب الإسراف، ويُدعى إلى الاقتصاد يبين أنه لا فضيلة في الاقتصاد إلا بعد أن يؤدي الرجل حق المال من نحو النفقات الواجبات عليه لأقاربه، والزكوات المفروضة لأهلها، وبعد أن يبسط يده بالإعانة على بعض المصالح العامة: كإنشاء مساجد، أو مدارس، أو مستشفيات، أو ملاجئ، أو إعداد وسائل الاحتفاظ بسيادة الأمة والدفاع عن حقوقها) [٣] . ٢ - التوبة من التبعية الثقافية والفكرية: فمما يؤسف عليه، ويندى له الجبين ما يُرى من حال كثير من مثقفينا ومفكرينا؛ فلا تكاد ترى كثيراً منهم يرفعون بالإسلام رأساً، ولا يَهزُّون لنصرته قلماً، ولا يحفلون إلا بسيئ أفكار الغرب، ولا يثقون إلا بما يصدر من مشكاته. إن كثيراً من هؤلاء الذين تخرجوا في المؤسسات الحضارية الغربية، وعاشوا في المجتمعات الإسلامية يجهلون الإسلام جهلاً كاملاً. ولا يعني ذلك الجهل أنهم لم يسمعوا بالإسلام، أو أنهم لم يحفظوا في صغرهم شيئاً من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، أو أنهم لم يسجدوا لله يوماً من الأيام سجدة، أو لم يعرفوا أخبار رسول الله ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم. لا! ليس الأمر كذلك؛ وإنما المقصود أن هؤلاء يجهلون نظرة الإسلام إلى الكون، والحياة، والإنسان. يحملون حقائق الإسلام، وشرائعه الحكيمة، ومقاصده النبيلة، وبجهلون قيمه الإسلام، ومُثُلَه، وأخلاقه، وخصائص حضارته، وتطوراتها، ومراحلها. ويجهلون أسباب تقدم المسلمين في التاريخ، وأسباب تأخرهم، ويجهلون القُوى التي حاربتهم، والمؤتمرات التي نسجت عبر التاريخ للقضاء عليهم. فهؤلاء الذين نسميهم مثقفين ومفكرين عندما واجهوا الغرب، وحضارته، وفنه، وأدبه لم يواجهوه إلا بعقول خواء، وأفئدة هواء، ونفوس مجردة من معاني الأصالة والعزة والأنفة؛ فلم يواجهوا الحضارة الحاضرة مواجهة مدركة فاحصة مقوِّمة؛ وإنما واجهوها مواجهة سطحية تنطلق من مواطن الجهل، والذلة، والشعور بالهزيمة؛ فانبهروا بكل ما فيها دونما تمييز بين الحق والباطل، والضار والنافع، فنكسوا رؤوسهم حطة أمام الغرب. ولهذا تراهم يهشون ويطربون إذا ذكر اسم فرويد، أو نيتشه، أو ت. إس إليوت، أو ماركيز، أو غيرهم من مفكري الغرب، على اختلاف توجهاتهم ... ومدارسهم الفكرية. وإذا ذكر الله ورسوله اشمأزت قلوبهم، واستولى عليهم الشعور بالهزيمة والذلة. ومن هنا فإن مثقفينا في فروع الحياة كلها إلا من رحم ربك قد نقشوا ما عند الغربيين، وظنوا أنه لا ثقافة إلا ثقافتهم، ولا أدب إلا أدبهم، ولا واقع إلا واقعهم؛ فهم جهلوا الإسلام وحضارته، وعرفوا كل شيء عن الغرب. وأكثر هؤلاء لا يتبرؤون من الإسلام، بل يصرحون بانتمائهم للأمة الإسلامية؛ ولكنهم يفهمون الإسلام من إطار المفهوم الغربي للدين. والمفهوم الغربي للدين يتلخص في أن الدين عبارة عن رابطة فردية خاصة بين الإنسان وربه؛ فالإنسان يؤمن بمجموعة من القيم والأخلاق التي يستقيها من إيمان بالله، تصوغ شخصيته، وتجعل منه إنساناً اجتماعياً يستقيم سلوكه العام في إطار الإيمان الديني. أما الحياة بشمولها فإنها في نظرهم لا بد أن تخضع لحركة العقل المتغير عبر الزمان والمكان [٤] . يقول الدكتور محسن عبد الحميد: (من خلال عشرات المواقف الأليمة جداً التي مرت في حياتي التدريسية، والتي أثبتت لي بشكل قطعي هذا الجهل العام بين كثير من مثقفينا للإسلام أروي الحوادث الآتية: * في محاضرة عامة لاقتصادي مسلم استعرض المذاهب الاقتصادية كلها من أقدم العصور إلى العصر الحديث في مختلف الملل والنحل، ولم يتطرق إلى الإسلام أو حضارته في مجال الاقتصاد منهجاً وعلماً. فلما سئل عقب انتهاء المحاضرة عن سبب ذلك قال بالحرف الواحد: أنا متأسف؛ لأنني لا أعرف عن وجهة نظر الإسلام في هذا الموضوع شيئاً. ولما أهدي له فيما بعد كتاب حول أحكام الاحتكار في الفقه الإسلامي تعجب كثيراً، وذكر أنه لم يكن يظن أن الفقهاء بحثوا مثل هذه الموضوعات. * وحضرت مرة مناقشة رسالة علمية في الفقه الجنائي الإسلامي مقارناً بالفقه الجنائي الغربي استغرب مناقش قانوني في اللجنة أن يكون فقهاء المسلمين قد ناقشوا بعمق نظرية قانونية كان يعتقد أنها نظرية غربية صرفة. * وكنا نتناقش يومياً في غرفة الأساتذة حول وضع المرأة في الإسلام؛ فانبرى أحد المختصين في علم الاجتماع فقال: إن الإسلام ظلم المرأة عندما جعل الرجل قوّاماً عليها. فلما سألناه: ما المعنى اللغوي للقوامة في الآية الكريمة؟ حتى نحدد موقفنا منه تلعثم ولم يعرف معناها. فقال له أحدنا: كيف تصدر يا أستاذ هذا الحكم الظالم على الإسلام وأنت لا تعرف معنى القوامة) [٥] . ثم إن نظرة كثير من أولئك تجاه المسلمين وقضاياهم هي هي نظرة الغرب؛ فالغرب يرى أن الإسلام دين قسوة وهمجية، وأن أهله قساة عتاة أجلاف غلاظ الأكباد. وينطلي هذا الهراء على كثير من أولئك المثقفين، فيسايرون أعداءهم، ويسيرون على طريقهم، وما علموا أن الإسلام دين العدل والرحمة، وأن أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس. وما الحسام الذي يأمر الإسلام بانتضائه للجهاد في سبيل الله إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد؛ حرصاً على سلامته. ... وأمة الإسلام خير أمة جاهدت في سبيل الله فانتصرت، وغلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت ينابيع المعارف بعد نضوبها. واسأل التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغرِّ ما بَصُر بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء. فماذا فعل المسلمون لما انتصروا على خصومهم؟ ماذا قال النبي ﷺ لما انتصر على قريش وفتح مكة؟ ألم يصفح عنهم، وينس ما فعلوه به؟ وماذا فعل المسلمون لما انتصروا على كسرى وقيصر؟ هل خانوا العهود؟ وهل انتهكوا الأعراض؟ وهل قتلوا الشيوخ والأطفال والنساء؟ وماذا فعل صلاح الدين لما انتصر على الصليبيين؟ ألم يُنعم على قائدهم بالعفو؟ ألم يعالجه، ويطلق سراحه. فهذه المواقف وأمثالها كثيرة في تاريخ الإسلام؛ مما كان لها أبلغ الأثر في محبة الناس للإسلام، والدخول فيه عن قناعة ويقين. أفغير المسلمين يقوم بمثل هذا؟ آلغرب يقدم لنا مثل هذه النماذج؟ الجواب ما تراه وتسمعه؛ فمن أين خرج هتلر، وموسوليني، ولينين، وستالين، ومجرمو الصرب؟ أليست أوروبا هي التي أخرجت هؤلاء الطواغيت الشياطين الذين قتلوا الملايين من البشر، والذين لاقت البشرية منهم الويلات إثر الويلات؟ ألا يُعَدُّ أولئك هم طلائع حضارة أوروبا؟ فمَنِ الهمجُ العتاة القساة الأجلاف إذاً؟ ثم من الذي صنع القنابل النووية والجرثومية، وأسلحة الدمار الشامل؟ ومن الذين لوَّثوا الهواء بالعوادم، والأنهار بالمبيدات؟ ومن الذي يدعم اليهود وهم في قمة الإرهاب والتسلط والظلم؟ أما آن لكثير من مثقفينا أن يصحوا من رقدتهم؟ وأن لا ينظروا إلى الغرب بعين عوراء متغافلين عن ظلمه، وإفلاسه الروحي؟ هذه هي حال كثير من مثقفينا، ... ولو صُرف النظر عن ناحيتهم، وترك حبلُهم على غاربهم لهبطوا بكثير من شبابنا في خسار يهتز له قلب عدوهم شماتة وفرحاً. والنفوس التي تتزحزح عن الإيمان قيد شعرة تبتعد عن مراقي الفلاح سبعين خريفاً. فلا بد إذاً من أن نكون على مرقبة من دعايتهم، وننفق ساعات في التنبيه على أغلاطهم؛ لعلهم ينصاعون إلى رشدهم، أو تحذر الأمة عاقبة هذا الذي يبدو على أفواههم. فحقيق على هؤلاء أن يؤوبوا إلى رشدهم، وأن يقدموا لأمتهم ما يرفع عنها الذلة والتبعية، وأن يبحثوا في سبيل رقيها وفلاحها. وإن من أعظم ما يعينهم على ذلك أن يدرسوا الإسلام دراسة واعية متأنية من مصادره الأصيلة، وأن يكون لديهم من الشجاعة الأدبية والأمانة العلمية ما يبعثهم إلى الرجوع إلى الحق والاعتزاز به. أما السير في ركاب الغرب، والأخذ بكل ما يصدر منه دونما تمحيص فذلك محض الهوان، وعنوان التخلي عن العزة والكرامة؛ فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تعطي، ومقدار ما تأخذ، ونوع ما تعطي، ونوع ما تأخذ، وهي التي تُعِدُّ نفسها بكل ما أوتيت من قوة؛ حتى تحمي رأيها فيما تأخذ، وما تدع، وما تعطي، وما تمنع. هذا وإن من أولئك النفر من تكون له شهرة أدبية أو مكانة اجتماعية؛ فكلما همَّ بالرجوع عن بعض آرائه المخالفة للشريعة أقصر عن ذلك؛ مخافة ذهاب الجاه والشهرة، وحرصاً على أن يبقى احترامه في أصحابه وموافقيه غير منقوص. ولا ريب أن ذلك نقص في شجاعة الإنسان ومروءته، بل إن ذلك نقص في عقله، وعلمه، وديانته، وأمانته. وإلا فإن الكريم الشهم الشجاع العاقل هو ذاك الذي يرجع عن خطئه، ولا يتمادى في غيه وباطله؛ فذلك مما يرفعه عند الله، وعند خلقه؛ فلماذا يستوحش من الرجوع إلى الحق؟ فمقتضى الدين، والأمانة، والمروءة أن يصدع بما استبان له من الحق، وألا يمنعه من الجهر بذلك أن ينسب إلى سوء النظر فيما رآه سالفاً؛ فما هو إلا بشر، وما كان لبشر أن يُبَرِّئ نفسه من الخطأ، ويدعي أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صواباً. ثم إن الشهرة والجاه عَرَضٌ زائل ينتهي بنهاية الإنسان؛ فماذا ينفعه إذا هو قدم على ربه إلا ما قدم من صالح عمله، ولقد أحسن من قال: تسائلني: هل في صحابك شاعر ... إذا متَّ قال الشعر وهو حزين؟ فقلت لها: لا همَّ لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أُخراي كيف تكون وما الشعر بالمغني فتيلاً عن امرئٍ ... يلاقي جزاءاً والجزاء مهين وإن أحظ بالرُّحمى فما لي من هوىً ... سواها وأهواء النفوس شجون فخلِّ فعولن فاعلاتن تقال في ... أناس لهم فوق التراب شؤون وإن شئت تأبيني فدعوة ساجد ... لها بين أحناء الضلوع حنين

стр. 3386

قضايا دعوية حمل الرسالة ومقاومة الاستضعاف د. جلال الدين صالح لم يكن الدين أبداً مجرد معرفة قلبية لا صلة لها بقول اللسان وعمل الجوارح؛ فذلك محض ابتداع لا يعرف له الإسلام مصدراً سوى قلوب الذين مرقوا عن فقه الدين على أصوله الصحيحة. ومن الضروري أن تكون هذه الحقيقة عند حامل الرسالة محل إقرار واعتبار، ينطلق منها في بسط رسالته وإيصالها إلى قلوب الناس، ويدفع بها ما لا بد منه من ابتلاءات حمل الرسالة؛ ذلك أن الإسلام اليوم يعاني غربة في مفاهيمه أشبه بالتي عاصرها في أول تجدده برسالة نبينا محمد ﷺ ، ولا يكون انجلاؤها إلا على أيدي حاملي الرسالة الذين نعتهم الرسول ﷺ بالغرباء في قوله: (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى ... للغرباء) [١] . وهم وحدهم الذين يقدمون الدين غضاً طرياً كما أُنزِل (ينفون عنه كما قال الإمام أحمد ﵀: تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) [٢] ، فيتداعى عليهم الجاهلون، ويمكرون بهم سوءاً. إلا أنه مهما اشتدت ضائقتهم فلا بد من يوم تنفرج فيه، ويمكَّن للدين كما مُكّن له من قبل، ووعد الله يتجدد كلما تجددت شروطه: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] [غافر: ٥١] . قال ابن كثير ﵀: (وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه: أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقرّ أعينهم ممن آذاهم. قال السدي: لم يبعث الله رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلونهم، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله ﵎ لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا) [٣] . ولكن سنة الله في حمل الرسالات اقتضت أن يقرن بها ابتلاءات التمحيص والتمييز حتى يميز الخبيث من الطيب. قال ابن كثير ﵀ موضحاً معنى قوله تعالى: [وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] [آل عمران: ١٤٠] : (أي نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة، لما لنا في ذلك من الحكمة) [٤] . وما كان فضل الله على بني إسرائيل إلا بعد ابتلاء لحق بهم وأذاقهم مر الحياة: [وأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا] [الأعراف: ١٣٧] . كذلك كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم تحيط بهم المحن من كل جانب، إلا أن وعد النبي ﷺ بتغلب الدين على شانئيه، وظهوره على الكافرين كان يملأ جوفهم إيماناً، ويُذهِب عنهم عناء الطريق، من ذلك قوله ﷺ : (واللهِ ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [٥] . بل إنه ﷺ ساعة خروجه من مكة مهاجراً إلى ربه ظل يرى من وراء هذا الحدث تَمَكُّن الدين وعلوَّه، يثبت صاحبه الصدّيق ﵁ بقوله: [لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا] [التوبة: ٤٠] ، ويعد سراقة بسواري كسرى. وما كان ذلك منه ﷺ مجرد وعد مبتور عن أسباب تحققه، ولكنه كان وعداً موصولاً بدرء القنوط، وعقد العزيمة على النهوض، ومغالبة الباطل حسب مراعاة ظروف الحال والمآل؛ لذا قال ابن سعدي ﵀ في تفسيره: (الأمة المستضعفة ولو بلغت في الضعف ما بلغت لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور خصوصاً إذا كانت مظلومة، وأن الأمة مادامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها، ولا تتكلم به لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها، ولا يكون لها إمامة فيه) [٦] ؛ ذلك أن ... نزع الاستضعاف عن الذات طريق من طرائق الارتقاء بهذا الدين نحو مقاصده، وسبب من أسباب مَنِّ الله على المستضعفين من عباده. وترويض الذات على نزع الاستضعاف، ودفعه بجهدها وجهادها ضرورة من ضروريات حمل الرسالة؛ فما كان الاستضعاف أبداً حالة لازمة غير قابلة للانفكاك؛ ولكنه نوع من الابتلاء تجب مغالبته ومجاهدته. والابتلاء به ليس شراً خالصاً بل في طياته من الخير الكثير؛ فهو يُدني من مقام الأخيار، ويوثِّق الصلة بالله؛ فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (إن من أشدِّ الناس بلاءاً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) [٧] . وقال: (إن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [٨] . ولكنْ من الغلو في الدين تعقُّبُ مواطن الابتلاء، والسعي للوقوع فيه، لقوله ﷺ : (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق) [٩] . وحذَّر ﷺ وهو المجاهد الأكبر أصحابه من التشوق إلى ملاقاة العدو بقوله: (لا تمنَّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا) [١٠] . قال ابن بطال: (حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصدّيق: لأن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أُبتلى فأصبر) [١١] . لهذا من الخطأ أن ينهج حاملو الرسالة وهم يقاومون الاستضعاف مسلكاً دعوياً يجلب عليهم من الابتلاءات ما لا يطيقون، أو يقعد بهم مقاعد القاعدين، بل لا بد من أن يحكم مسارهم الدعوي منهج أهل السنة والجماعة، وإلا جرفهم منهج الجموح، أو الجمود، وهما منهجان لا يسلكهما إلا أولئك الذين يبغون الإسلام عوجاً ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولا تقوم تأصيلاتهم إلا على تجاوز النصوص بالتعطيل تارة، أو التأويل على هوى الذات واعتقاداتها المتأصلة سلفاً تارة أخرى، ويتسم السائرون عليهما بالانحراف في معالجة الانحراف؛ فمنهم من يرى لزوم إلغاء الجهاد ابتداءاً حتى ظهور الإمام الغائب كتيار الرفض، أو حمله على نوع من النسك يوهن البدن كنهج التصوف، ومنهم من يرى في حمل السيف فريضة شرعية محتومة يلجأ إليها في تصويب كل ما يبدو له نكوصاً عن الدين، كما هو فقه الخوارج خلافاً لمنهج أهل السنة والجماعة الذي يأخذ في الحسبان مراعاة الأحوال ومآلات الأمور، ويتقدم بالدين نحو غاياته بوسطية واعتدال.

стр. 3387

قضايا دعوية التدرج في الإصلاح والتغيير عبد العزيز بن ناصر الجليل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: روى لنا صاحب الحلية أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه عمر بن عبد العزيز فقال: (يا أمير المؤمنين! إن لي إليك حاجة، فأخْلِني وعنده مسلمة بن عبد الملك فقال له عمر: أسِرٌّ دون عمك؟ فقال: نعم! فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه فقال له: يا أمير المؤمنين! ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعةً فلم تُمِتْها، أو سنة لم تُحْيِها؟ فقال له: يا بني أشيء حَمَّلَتْكَهُ الرعية إليَّ، أم رأي رأيته من قِبَل نفسك؟ قال: لا، واللهِ، ولكن رأي رأيته من قِبَل نفسي، وعرفت أنك مسؤول؛ فما أنت قائل؟ فقال أبوه: رحمك الله وجزاك الله من ولد خيراً؛ فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير. يا بني! إن قومك قد شدُّوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى ما أريدُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليَّ فتقاً تكثر فيه الدماء، واللهِ لَزوالُ الدنيا أهون عليَّ من أن يهراق في سببي محجمة من دم، أَوَ ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين؟) [١] . وبعد هذا الحوار الجميل الحكيم بين خليفة المسلمين العادل وابنه الورع الزاهد رحمهما الله تعالى يمكن لنا تسجيل الدروس الآتية: ١- دور البطانة الصالحة للحاكم المسلم وبخاصة إذا كانت من قرابته كما هو ظاهر في نصح هذا الابن البار المشفق على أبيه الخليفة العادل، وهذا من علامة توفيق الله للحاكم المسلم. ولكن متى يظهر أثر البطانة الصالحة؟ إنها لا تظهر إلا إذا وجد الاستعداد الصادق عند الحاكم؛ بحيث يظهر عليه حب أهل الخير والسعي إلى تقريبهم، وبُغض أهل الشر والنفاق والنفور منهم، وأما إذا وجد العكس من ذلك فإن الأثر سيكون ضعيفاً؛ بل وربما كان معدوماً. ٢- التماس العذر لمن لم يتمكن من أهل الخير من الإصلاح السريع وتغيير كل الفساد الذي يقوم به مَنْ تحت أيديهم، ويكفينا أن نرى السعي الجاد للتغيير من قِبَلهم، وأن نرى الخير يزداد والشر يتناقص يوماً بعد يوم ولو كان ذلك قليلاً. وهذا الكلام يسري من باب أوْلى على من تولى من أهل الخير الحكم في بلد من بلدان المسلمين وأراد صادقاً أن يحكم بشريعة الله وأن يحارب الفساد العظيم في مرافق الحياة الذي ورثه ممن سبقه، فهنا يجب أن نطبق ما قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لابنه حينما طالبه بالتغيير السريع الشامل، ونلتمس العذر فيما يقوم به الحاكم الصادق من التغيير المتدرج، ويكفي أن نلمس الصدق والإرادة الحازمة منه في التغيير، وأوضح القرائن على ذلك الصدق في العزيمة والبدء في إبعاد البطانة الفاسدة عن مواقع التأثير، وتقريب البطانة الصالحة. أما أن يبقى أهل السوء والفساد في مواقعهم ويظل أهل الصلاح مبعدين فإن هذا يدل على عدم المصداقية وكذب ما يعلن؛ وإنما هو للاستهلاك وكسب عواطف المسلمين. وهذا يذكرنا بما نسمعه بين الفينة والأخرى من أن حاكم البلد الفلاني قد أعلن تطبيق الشريعة وتحكيمها فيغتر بهذا الادعاء من يغتر من المسلمين مع أن القرائن تدل على كذبه ونفاقه؛ وذلك لأنه لو كان صادقاً لبدأ أول خطوة في التغيير ألا وهي تغيير البطانة الفاسدة، وإبدالها ببطانة صالحة تستلم مواقع التغيير، وهنا يُلتَمَسُ العذر له في التدرج وعدم العجلة في التغيير. أما أن يبقى أهل الشر في تسلطهم، ويظل أهل الخير مبعدين أو مغيبين في السجون، والشر والفساد في زيادة واستفحال؛ وهو أبعد ما يكون عن الإسلام فإن هذا لا يجدي شيئاً وإنما هو مجرد نفاق ولعب على جهلة المسلمين ومغفليهم، ورحم الله عمر بن الخطاب ﵁؛ حيث يقول: (لست بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يخدعني) . ٣ - التدرج في دعوة الناس، وعدم مطالبتهم بالتغيير السريع في أنفسهم؛ وذلك لما ألفوه وتلبسوا به دهراً طويلاً من الزمان من المنكرات والمخالفات، وضرورة أخذهم بالرفق والبدء بالأهم فالمهم. ومما يدخل في ذلك ما ينبغي أن يقوم به المربون في تربيتهم لأولادهم وطلابهم، وأن لا يطالبوهم في بداية تربيتهم بما يطالبون به أنفسهم أو من أمضى سنوات في التربية والتزكية، ولذلك قيل: على الزاهد أن لا يجعل زهده عذاباً على أهله وإخوانه. ومما يلحق بذلك أيضاً: التدرج في دعوة الداخلين في الإسلام حديثاً، وأن يبدأ معهم بالأهم وهو توحيد الله وبيان ما يضرهم من الشرك بجميع أنواعه، ثم إعلامهم بواجبات الإسلام العينية ومنهياته. ولا يعني هذا التسويف واتخاذ التدرج وسيلة للإبطاء بالالتزام بأحكام الله تعالى؛ وتطبيق شرعه، بل المقصود الرفق بالمدعو وأن يبدأ بالأهم الذي هو الأصل في النجاة من عذاب الله تعالى؛ إذ ما قيمة أن يصلي الداخل في الإسلام أو يحج أو يصوم وهو لا يعرف التوحيد، أو لا يزال متلبساً بما كان عليه في ديانته السابقة من شرك بالله تعالى؟

стр. 3388

نص شعري صيحة في وادي السكون ! ! إنها صيحة أطلقتها (القدس) منذ عشرات السنين في وادي السكون!! ! ذلك ... الوادي الذي لا تسمع فيه حِساً، ولا همساً!! ولم تزل المدينة المقدسة تطلق صيحاتها ... مراراً وتكراراً.. لكن بلا جدوى؛ لأنها «صيحات في وادي السكون» إلا أن تلك الصيحات «إن ذهبت اليوم مع الريح.. فقد تذهب غداً بالأوتاد!» علي بن جبريل بن أمين وطنٌ يباع وأمةٌ تنساقُ ... ودمٌ يراق.. وأدمعٌ تهراقُ! ومدينة الإسراء تندب حظها ... وتصيح: واذلاه حين أساق واحسرتاه إذا تدنس باطني ... بخُطا اليهود، وضُيِّعَ الميثاق واحسرتاه إذا تعرقلت الخُطا ... من بعد أن قد بانت الأوراق واحسرتاه إذا تقهقر مسلم ... وكبا جوادُ الفارس السبّاق! واحسرتاه إذا تمزق جهرةً ... ثوبُ العفاف، وضاعت الأخلاق وازْورَّ وجه الصدق في قسماته ... والكاذبون وجوههم إشراق! ! يا مسلمون! أمات عهدكمو وقد ... كانت تهزكمو لي الأشواق؟ أوّاه يا عمر.. فكم من محنةٍ ... جُرِّعتُها والدمع بي رقراق! أقبلْ إلينا وامحُ عني حقدهم ... وانفِ اليهود! فكم لزُورٍ ساقوا! واضرب بِدُرَّتِكَ النيامَ بأرضهم ... من مسلمين؛ فإنهم ما فاقوا يا مسلمون! أليس لي في قلبكم ... حُبّ ووِدٌ زانه إشفاق؟ مسرى نبيكم يدنَّس جهرةً ... كلبٌ يدنِّس أرضه وبصاق! ! قد كنت في عهد الأكابر كوكباً ... شمخت إليه الجيد والأعناق كان الرجال يلون عني مجرماً ... بسيوفهم؛ كم طارت الأعناق! كانت جموع الحق تغشى مسجدي ... من بين باكٍ هده إشفاقُ وهناك من يتلو الكتاب مرتِّلاً ... وهنا ركوع كله إطراق قد كنت قبلة أمةٍ مكيّةٍ ... قُدسيةٍ، ذلَّت بها الفساقُ والآن.. فانظر من يهيم بساحتي ... هذا يهوديٌ.. وذاك نفاق! كانت جوانب مسجدي معمورةً ... نورٌ يزين ساحَها ورُواق والآن يا هذا تسيل مدامعي ... أبكي وأصرخ.. أشتكي.. أشتاق! ! لكن بلا جدوى، كأني لم أزلْ ... أبكي وأصرخ للألى ما فاقوا! أُمسي.. أقول لعلكم تأتونني ... عند الصباح؛ فلا ترى الأحداق إلا الصباح يجيبني في لوعتي! ... وهناك يأسى قلبي الخفّاق كشف الستار؛ فبان كل مخبّأٍ ... خلف الستار، وفُكت الأطواق كلٌّ يريد من الحياة بقيّةً ... يحيا بها! وتضمه الآفاق واليوم لا أملٌ أراه محلّقٌ ... إلا المخازي لفَّها الإزهاق الآن إخواني ألفت سكونكم! ... وعرفت ذلتكم.. لذاك أساقُ إن كنتمُو لا ترغبون بنصرتي ... فالله ينصرني، هو الخلاق

стр. 3389

البيان الأدبي أدبيات دندن الوهم بقلبي محمد عبد السلام الباشا هل تَراني من عذابي لا أُعاني؟ أم تَرى أنّي فقدتُ الحسَّ حتى في كَياني أم تَرى في الجرحِ غِمداً من سِناني لستُ أدري.. رُبَّما سطَّرتُ حَرفاً قد براني هدَّني مِن داخلي ثم احتواني رُبَّما عانيتُ ظُلماً مِن حَناني كم دعوتُ الصّبَر.. يأتي علّهُ يُعطي أماني زمجري يا ريحُ إلا في مكاني إنّني من طولِ حُزني دندنَ الوهمُ بقلبي بلْ غزاني سيطرَتْ أشباحُهُ في كلِّ نَبْضٍ في التعازي والتهاني قد صبرْنا بانتظارِ السعدِ يأتي في الخوالي واكتشفنا بعد حينٍ أنَّنا بالوهمِ أبطالُ النزالِ كم بذلنا جُهدَنا؟ ! سعياً حثيثاً في نهارٍ أو ليالي كم رسمنا السعدَ في أوهامِنا؟ ! يدنو رويداً بالخيالِ واعتلى كلٌ حصانَ الشوقِ لا يدري بتالي آهِ من جهدٍ تمطّى ضاعَ مِنّا لم نصلْ فيه المعالي قد رأيتُ الكونَ في دهري تجدَّرْ بعضُكُمْ بالوهمِ في أفراحِهِ غنّى تعطَّرْ لو رأينا مَنْ يُعاني ليتَنا ممنْ تأثَّرْ إنَّ أخلاقاً بنا صارتْ يباباً ساءني مَنْ قد تغيَّرْ يستديرُ الوهمُ فيكُمْ قد عَدا حتّى تكسَّرْ زادني همًا إباءٌ قد توتَّرْ صبرُنا من طولِ غمٍ قد تذمَّرْ رُبَّما يأتيكَ جيلٌ يحملُ الحلَّ المقدَّرْ قد عرفتُ العيشَ في دنياي يستدعيهِ وهْمُ هذه الدنيا لمن عافَ التجني كُرْبَةٌ تبدو وغَمٌ نستقي منها رياءاً قادَهُ في النورِ عَتْمُ أيها الشاكي تجمَّلْ لن يُعِيدَ الحَقَّ سِلْمُ واستمعْ منّي لِقولي لمحةٌ تكفي وفهمُ

стр. 3390

نص شعري عنب السلام علي بن صالح الغامدي عزف السلام فأطرب النمرودا ... والقدس أصبح هيكلا وحدودا والورد يُخنق سحْرُه بسذاجة ... من واله قتل الحياة وعودا يا من يحاول غافلاً أن يجتني ... عنب السلام بإصبع عنقودا عنب السلام مخمَّر يا صاحبي ... والنخل أضحى تائها عربيدا والسيف يصدأ والبيان مكمَّمٌ ... واليوم أصبح بلبلا غريدا والمجرم السكران أمسى حامياً ... والحق أمسى أعزلا وطريدا والشرع يغرق في بحور ذوي الهوى ... والعدل يحمل نعشه موؤودا والشوك يُفْرش في دروب ذوي النهى ... والصبر ينثر في الدروب ورودا عبثاً أحاول أن أخط مشاعري ... فالغدر يكتب للسلام عهودا والطفل يرضع بالتطبع منهجاً: ... القدس يجمع مسلما ويهودا يا أيها العملاق في زمن الخنا ... الموت سطر بالجهاد خلودا جاهد ميول النفس واكسر حظها ... وانحر ربيعك إن رأيت عنيدا أطلق رصاص الليل وارقب فجره ... فجر بعزة مؤفي جلمودا واثقب جدار الصمت واكشف زيفه ... حطم رؤوس الظلم والتلمودا في جنة الفردوس في ريانها ... تجد الشهيد مكرما وسعيدا إن مات في ذات الإله مجاهداً ... قد عاش في ظل الكتاب حميدا فالحر يأبى ذلة ومهانةً ... والنذل يعبد شهوة ليسودا

стр. 3391

الإسلام لعصرنا وسائل الاتصال.. وعلاقتنا بالثقافات الأخرى أ. د.جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة قلت في مقال شهر شوال: إن وسائل الاتصال الحديثة كما أنها فرصة كبيرة لتبليغ الرسالة المحمدية، فهي أيضاً وسيلة يتخذها غير المسلمين ولا سيما الغربيين لنشر معتقداتهم وتصوراتهم المخالفة لتلك الرسالة. وهذه فتنة، لكن لا حيلة لنا الآن في ردها، فماذا نفعل؟ وهل وصول هذه الثقافات شر كله على المسلمين، أم أنه قد ينطوي على بعض الخير؟ لا شك أن في وصولها بعض الخير. ومن هذا الخير: أولاً: أن معرفة ثقافة غير المسلمين أمر ضروري لحسن إبلاغ الدعوة إليهم ولمجادلتهم؛ لأن الدعوة تكون أوقع في نفس المدعو إذا كانت مرتبطة بمحيطه الثقافي، ناقدة ومقوِّمة له. نعم! إن في ما يقوله ويعتقده غير المسلم ما هو قبيح ومؤذٍ للمسلم، لكن معرفته مع ذلك مهمة. وهذا كتاب ربنا مليء بحكاية أقوالهم القبيحة، والرد عليها، وتسلية الرسل والمسلمين الذين يتعرضون لسماعها. [وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إداً. تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَداً. أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَداً. ومَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ ولَداً. إن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وعَدَّهُمْ عَداً. وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً] [مريم: ٨٨ - ٩٥] . [وقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ] [المائدة: ٦٤] . [وإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] [الأعراف: ٢٨] . [قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَذِي يَقُولُونَ فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] [الأنعام: ٣٣] . [وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ. قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ] . [هود: ٧٨، ٧٩] . ثانياً: إن في العالم الآن مئات المواقع الإسلامية على الشبكة العالمية، وكلها تتلقى أسئلة عن الإسلام كما تتلقى نقداً له، أو شبهات تثار حوله، وكل هذا يعطي الدعاة فرصاً ثمينة لتبليغ الدعوة الإسلامية، وقد اهتدى بحمد الله تعالى عن هذا الطريق، وما تزال تهتدي أعداد كبيرة من الناس في شتى بقاع العالم. ثالثاً: إن أخبار المهتدين هؤلاء سواء كانت هدايتهم عن طريق الشبكة أو عن طريق آخر مما يسرُّ المسلم ويزيده إيماناً بدينه وثقة به، ولا سيما حين يستمع إلى الأسباب التي أخذت بأيديهم للدخول في الإسلام وتفضيله على ما كانوا ينتمون إليه من معتقدات وقيم وثقافات، والتحول الكبير الذي حدث في نفوسهم وسلوكهم بعد اعتناقهم الإسلام. رابعاً: بل إن الاطلاع على الحضارة الغربية، ومعرفة حقيقتها كان سبباً في عودة بعض المسلمين إلى دينهم، بعد أن كانوا مغترين ببريق تلك الحضارة، ومبتعدين عن الإسلام. سألت أحدهم وكان سودانياً بمدينة لندن عن سبب عودته، فقال: إنه قال لنفسه كلاماً فحواه: أنه إذا كان هذا الذي يراه هو نهاية مطاف الحضارة الغربية فإنه مصير لا يريده لنفسه ولا لبلده. وحدثني آخر وكان شاباً من بنغلاديش التقيت به في كاليفورنيا فقال: إنه اكتشف أنه كان مخدوعاً في هذه الحضارة وأنه كان يتصورها على غير حقيقتها التي اكتشفها في أمريكا، وأنه كان قبل مجيئه إلى الولايات المتحدة يسخر من تقاليد بلده ولا سيما في الزي ويقلد الزي ويقلد كل ما هو أمريكي، لكنه الآن غيَّر رأيه. والآن ما أكثر المسلمين الذين يريدون الفرار من أمريكا أو أوروبا إلى أي بلد مسلم، خوفاً على أخلاق أبنائهم وعلى دينهم! هذا مع أن الذين لا يعرفون الغرب معرفة هؤلاء يكون أكبر همهم أن يهاجروا إليه، وأن يربوا أبناءهم في مدارسه. خامساً: لكن الثقافات الأخرى مهما كانت لا تخلو من بعض الخير، فمعرفتها على حقيقتها تصحح الصورة القاتمة التي يرسمها لها بعض المتدينين عندنا من الذين لم يطلعوا عليها. وجوانب الخير هذه التي لا يكاد يخلو منها مجتمع بشري هي من بقايا الفطرة الخيِّرة التي فطر الله عليها العباد، وهي التي تمكنهم من رؤية الحق حين يعرض عليهم، وتساعدهم على قبوله حين يعرفونه، وإلا لو كان كل الناس من غير المسلمين لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً لما اهتدى أحد منهم إلى الإسلام ولا عرف قيمته؛ فكما أن الصورة المثالية للحضارة الغربية تفتن بعض الناس فإن الصورة المشوهة لها قد تيئس بعض الناس من هدايتهم. سادساً: لكن وجود هذا الخير في حضارة كالحضارة الغربية شيء، ... وتصويرها على أنها المثال الذي ينبغي أن يحتذى في هذا العصر شيء آخر. أذكر أنني نقلت لمجموعة من الأمريكان في أحد المؤتمرات العلمية ما يقوله بعض المفكرين العرب عنهم، وكان مما قلت لهم: إنهم يقولون إنكم تختارون ناخبيكم على أسس علمية موضوعية، وعلى أساس البرامج التي يقدمونها لكم، فضحكوا حتى ضجت بهم القاعة، كأنني أسمعتهم نكتة من أظرف النكات. وذلك لأنه في الوقت الذي كان يقول فيه بعض المفكرين العرب ما ذكرت، كان هنالك معلق سياسي أمريكي مشهور يقول عن الانتخابات: إنها موسم ترويح أو تسلية. والمعروف أن من بين أسباب اختيار الرئيس: شكله، ونكاته، وجمال زوجه، ولذلك كان أنصار كلينتون يقولون للناخبين ما يقول أصحاب البضائع: اشترِ واحداً وخذ اثنين. لكن مما لا شك فيه أن لدخول الثقافات الأخرى إلى بلادنا أضراراً كثيرة؛ وذلك أن ما ذكرنا من خيرات الاطلاع عليها ومعرفتها لا يشمل كل مطَّلع عليها من المسلمين، بل قد يكون تأثيرها ضاراً على أغلبهم، ولا سيما صغار السن وقليلي العلم منهم. ومما يساعد على تأثيرها الضار كونها هي الآن الحضارة القوية اقتصادياً وتقنياً، وعسكرياً، والناس كما قيل مولعون بتقليد الغالب. ومما يساعد على التأثير كون إعلامها القوي المتطور يعرضها بصورة جذابة تغري بها. كيف العمل؟ هذا سؤال كبير، لكن نختصر الإجابة عنه فيما يلي: يجب أولاًَ أن نعمل ما استطعنا للتقليل من فرص وصول جوانبها الضارة إلينا، وهي الجوانب المتمثلة في كثير من الأفلام والقصص، والجرائد والمجلات كما يجب أن نسعى للتقليل من شرها بنقد أباطيلها والرد عليها مقتدين في ذلك بكتاب ربنا كما رأينا في الآيات التي أوردناها. والرد يكون رداً مباشراً على أباطيل معينة، كما يكون وذلك هو المهم بتزويد الناس بقواعد وأصول وأدوات وسائل الإعلام العامة. وأما الرد المباشر فيجب أن يكون عملاً يومياً تقوم به المواقع الإسلامية على الشبكة العالمية، كما تشارك فيه الصحف والمجلات التي تروي لنا أخبار الغرب وأقواله. وتكون الوقاية منها أيضاً بتقديم البديل الذي يغني عنها: [ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً] [الفرقان:٣٣] . ...

стр. 3392

وقفات من آفات القراء (١-٢) أحمد بن عبد الرحمن الصويان اشتهر عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي صاحب الكتاب العظيم: (الجرح والتعديل) بملازمته لوالده، وكثرة أخذه عنه، وكان يقول: (ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه) [١] . إنَّ القراءة هي إحدى الوسائل المهمة لاكتساب العلوم المختلفة، والاستفادة من منجزات المتقدمين والمتأخرين وخبراتهم. وهي أمر حيوي يصعب الاستغناء عنه لمن يريد التعلم، وحاجة ملحَّة لا تقل أهمية عن الحاجة إلى الطعام والشراب. ولا تقدُّم للأفراد فضلاً عن الأمم والحضارات بدون القراءة؛ فبالقراءة تحيا العقول، وتستنير الأفئدة، ويستقيم الفكر. والقراء المنهجيون هم في الغالب النخبة المتميزة، والصفوة المؤثرة في التكوين الفكري والبناء الثقافي والمعرفي للأمة، ولهذا كانت العناية بالقراء عناية بروح الأمة وقلبها الحي النابض القادر على البناء والعطاء. والقراءة ملكة وفنّ لا يجيده كلّ أحد؛ فكم من القراء الذين يبذلون أوقاتاً طويلة في القراءة؛ ومع ذلك فإن حصيلتهم وإفادتهم منها قليلة جداً..! وفي حلقتين اثنتين سأذكر مستعيناً بالله بعض الآفات التي قد تعرض لبعض القراء خاصة في بداية سلوكهم لهذا السبيل. الآفة الأولى: قلة الصبر على القراءة والمطالعة: وهذه آفة قديمة ازدادت في عصرنا هذا خصوصاً مع كثرة الصوارف والمشغلات الأخرى؛ حيث أصبح كثير من القراء لا يقوى على مداومة القراءة، ويفتقد الأناة وطول النفس، ولا يملك الجَلَد على المطالعة والبحث والنظر في بطون الكتب وكنوز العلم والمعرفة، وحينما يبدأ القارئ بالاطلاع على الكتاب سرعان ما يضعه جانباً ويشتغل بأمر آخر. إنَّ الساحة الفكرية اليوم تعاني من خلل ظاهر في بناء ملكة القراءة، وها أنت ترى كثيراً ممن يدخلون في (زمرة المثقفين!) من أصحاب الشهادات الجامعية، بل حتى أصحاب الشهادات العليا، ومع ذلك تفاجأ بأن كثيراً منهم ربما يعجز عن إتمام قراءة كتاب واحد خارج تخصصه..! إننا نعاني من أزمة حادة في عزوف كثير من المثقفين فضلاً عن العامة عن القراءة والبحث، مما أدى إلى اضطراب في التفكير العام، وسطحية مفرطة في كثير من الرؤى، وضحالة علمية حجبت منافذ البصيرة. وترويض النفس وتربيتها وقسرها على القراءة من أنجح السبل لبناء تلك الخَلَّة الكريمة، خاصة عند نعومة الأظفار وبداية الطلب. وقد يعجز المرء في البداية، أو تصيبه السآمة والملل، ولكنه بطول النفس وسعة الصدر والعزيمة الجادة سوف يكتسب بإذن الله تعالى هذه الملكة حتى تصبح ملازمة له لا يقوى على فراقها، ولهذا قال رسول الله ﷺ : (إنما العلم بالتعلم) [٢] ، وتكوين هذه العادة وغرسها في النفس من أولى ما يجب الاعتناء به لدى القراء والمربين. ولست أدري كيف نروم معاشرَ الدعاة العزة والتمكين، ونتطلع إلى تغيير مسار التاريخ، وهممنا تتقاصر عن الانكباب علي كتب العلم والمعرفة، ونرضى بالقليل من المعلومات العائمة المفككة التي نحصل عليها من هنا أو هناك..؟ ! وانظر إلى تلك المزية الجليلة التي تسنمها أسلافنا في هذا الباب، فها هو ذا مثلاً الحسن الؤلؤي يقول: (لقد غبرت لي أربعون عاماً ما قمتُ ولا نمت إلا والكتاب في صدري) [٣] ، وحدَّث ابن القيم فقال: (أعرف من أصابه مرض من صداع وحمى، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب عليه وضعه) [٤] . الآفة الثانية: ضعف التركيز: كثير من القراء يقرأ بعينيه فقط، ولا يقرأ بفكره، ولا يستجمع قدراته العقلية في التفهم والبحث. وربما جال القارئ بعقله يميناً ويساراً، وطافت بخاطره ألوان من الهموم والمشاغل، ثم يفاجَأ بأنه قضى وقتاً طويلاً لم يخرج فيه بمادة علمية تستحق الذكر. وبعض القراء يبدأ بهمة ونشاط وتركيز، ولكنه بعد أن يقرأ قليلاً من الصفحات يبدأ بالتململ التدريجي، حتى ينفلت الزمام من يديه، ويستيقظ فجأة بعد أن سبح في عالم رحب من الخواطر الشخصية البعيدة عن مادة الكتاب، قال طه حسين: (كثيراً ما نقرأ لنقطع الوقت لا لنغذو العقل والذوق والقلب. وكثيراً ما نقرأ لندعو النوم لا لنذوده عن أنفسنا) [٥] . وقد يؤدي ضعف التركيز أحياناً إلى اكتساب معلومات مضطربة أو مغلوطة أو ناقصة، مما يقود إلى نتيجة عكسية تضر القارئ ولا تنفعه، وقد يتعدى ضرره إلى غيره..! إن امتلاك القدرة على التركيز واستحضار الفكر امتلاك لزمام المادة العلمية، وهي السبيل الرئيس للوصول إلى الفهم والإتقان. ويختلف مقدار التركيز المطلوب في القراءة حسب طبيعة الكتاب المقروء؛ ومستواه، وحسب مستوى القارئ الثقافي أيضاً، وحسب الهدف من القراءة؛ فمقدار التركيز الواجب لقراءة كتاب علمي متخصص يختلف عن التركيز المطلوب لقراءة قصة أدبية أو كتاب في الثقافة العامة. وهذا يقودني إلى تقسيم القراءة إلى نوعين: النوع الأول: القراءة التصفحية: وهي القراءة التي يريد منها القارئ الاطلاع على مادة الكتاب وموضوعاته الرئيسة، ويريد منها التعرف من حيث الجملة على أبوابه وفصوله، ومنهج المؤلف وطريقة عرضه. وهذه الطريقة تصلح أن تكون مقدمة للقراءة، وبعدها يقرر القارئ جدوى إعادة قراءة الكتاب بتركيز، أو الاكتفاء بالتصفح السريع. والاكتفاء بذلك يصلح لتكوين معلومات عامة، ولكنه لا يبني علماً راسخاً. النوع الثاني: القراءة العلمية: وهي القراءة المركزة التي يستجيب فيها القارئ لمادة الكتاب، ويتفاعل معها، ويرمي إلى تحليلها وبيان أفكارها وأهدافها، وقد يدخل في حوار إيجابي معها. وهذا النوع من القراءة هو الطريق الصحيح للبناء العلمي والمعرفي. ولأهميتها في تثبيت المعلومات، ولأهمية الكتاب المقروء قد يرى القارئ إعادة قراءته عدة مرات لترسيخ المكتسبات العلمية التي تحصَّل عليها، ولاكتساب معلومات أخرى ربما لم تتيسر له في القراءة الأولى، وها هو ذا المزني يقرأ كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي خمسمائة مرة [٦] ! وآفة كثير من القراء أنَّ أحدهم قد يعمد إلى قراءة الكتاب العلمي العميق قراءة تصفحية كما يقرأ الجريدة، ويكون همه الانتهاء من الكتاب، ولك أن تتخيل ماذا يمكن أن تكون حصيلة القارئ حينما تكون هذه هي طريقته دائماً في القراءة..! ! وقد ذكر العلماء والتربويون أسباباً كثيرة تعين القارئ على التركيز، مثل: اختيار الأوقات المناسبة، والأماكن الملائمة الخالية من الصوارف، وأن يكون خالي الذهن، ولديه الاستعداد العقلي والنفسي الذي يعينه على استجماع قدراته الفكرية.. ونحو ذلك مما يطول وصفه، ولكن يجمعها وصف واحد وهو: أن يكون جاداً حريصاً ذا همة صادقة؛ فمن امتلك هذا الوصف حرص على تذليل كافة العقبات التي قد تعرض له.

стр. 3393

مراجعات في السيرة والتاريخ حصار الشِّعب والدروس المستفادة منه د. إبراهيم بن محمد عباس إن الدين الإسلامي ليس مجرد تنظيم للحياة ولكنه دين واقعي يتعايش بأصوله ومبادئه وأحكامه مع الواقع بعيداً عن الافتراضات الخيالية والمثل العائمة التي لا تتوافق مع طبيعة النفس البشرية. والسيرة النبوية العطرة هي المثال الحي للتطبيق العملي للمثل والأخلاق والمبادئ والأحكام الإسلامية، بل هي المنهج الإسلامي الكامل بكل مكوناته في واقع الحياة. وهي بهذا وبكل ما اشتملت عليه من أحداث وتوجيهات نور ساطع في سجل التاريخ البشري يقتبس منه من أراد في أي جيل دروساً تهدي الحيارى وترشد التائهين لأحسن السبل وأقومها. إنها منهج ينبغي أن نتربى عليه ونربي أبناءنا على ما يشمله من مفاهيم وقيم نرى أن الناس في هذا الزمان أشد ما يكونون حاجة إليها. وفي هذه المقالة نقلِّب النظر في حدث من أحداث السيرة النبوية المشرفة وهو (حصار الشِّعب) لنستنبط منه بعض الدروس والعبر التي نأمل أن ينفع الله بها.. أولاً: خبر الصحيفة: قال ابن إسحاق: (لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ ... قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن ... عمر قد أسلم؛ فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل: اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم. فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب فدخلوا معه في شِعْبه فاجتمعوا إليه، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلا سراً متخفياً به من أراد صلتهم من قريش. وقد كان أبو جهل بن هشام ـ فيما يذكرون ـ لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ومعه غلام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله! لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم! فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه؛ أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلِّ سبيل الرجل. قال: فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لَحْيَ بعير فضربه به فشجه، ووطئه وطئاً شديداً وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه فيشمتوا بهم؛ رسول الله ﷺ على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهاراً سراً وجهراً مبادياً بأمر الله لا يتقي فيه أحداً من الناس) [١] . قال السهيلي: (وذكر ما أصاب المؤمنين مع رسول الله ﷺ في الشعب من الحصار لا يبايَعون ولا يناكَحون. وفي الصحيح أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر، حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة. وكان فيهم سعد بن أبي وقاص رُوي أنه قال: لقد جعت حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وبلعته وما أدري ما هو إلى الآن. وفي رواية يونس أن سعداً قال: خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد بعير يابسة أخذتها وغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء فقويت بها ثلاثاً. وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدُهم السوقَ ليشتري شيئاً لعياله فيقوم أبو لهب عدو الله فيقول: يا معشر التجار! غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئاً؛ فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي؛ فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يديه شيء يُطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعاً وعرياً) [٢] . الدروس المستفادة من هذه الحادثة: ١ ـ لقد فكر الأعداء ـ كما رأيت ـ تفكيراً جماعياً جاداً منظماً ومعتمداً على التخطيط الدقيق لضرب الحركة الإسلامية، وذلك حينما بدأت قاعدتها في الرسوخ، ونجحت في جذب العناصر القوية إليها، وبدأت تفكر في الحماية الأمنية اللازمة حتى تؤدي رسالتها للعالمين، عندئذ أدرك الأعداء أنه لا بد من القضاء على هذه الدعوة في مهدها، فكانت فكرة الحصار الاقتصادي وسياسة التجويع أملاً يداعب حلمهم ويطفئ ثورة حقدهم. ولكن الله خذلهم فأعز دينه وأتم نوره وازدادت الدعوة صلابة وقوة وازداد أصحابها يقيناً وتضحيات؛ فلا بد إذن من اليقين بأن الله متم نوره ولو كره ... الكافرون، وأن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار مهما مكر الأعداء بأهله [ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] [الأنفال: ٣٠] . ... ... ٢ ـ لم تقتصر معاهدة قريش وأذاها على أصحاب الدعوة وحدهم بل شملت كل من يعطف عليهم أو يدافع عنهم أو يمدهم بصلة ولو سراً. ولهذا ينبغي لعموم المسلمين أن يكونوا يداً واحدة مع علمائهم ودعاتهم يؤازرونهم وينصرونهم، وعلى الدعاة إلى الله تقوية صِلاتهم بأكبر قدر ممكن مع جمهور المسلمين ومد الجسور إليهم بالطرق الشرعية الصحيحة حتى يكونوا صفاً واحداً لا تخترقه سهام الأعداء. قال الله ـ تعالى ـ: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] . ٣ ـ لقد تجرع الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ مرارة هذا الحصار وتقلبوا في لظى هذه المؤامرة الخبيثة عندما أُطبِقَ عليهم بسياج من الظلم المكشوف المتمثل في تلك الصحيفة الجائرة، فصبروا حتى أتاهم نصر الله. لقد كانوا يقدرون مسؤولية تبليغ الرسالة الملقاة على كواهلهم، وكانوا يدركون حقيقة هذه الرسالة وطبيعتها، وأنها لا بد أن تبلَّغ للناس بجهد من البشر، وفي حدود قدراتهم؛ فكان الصبر على مثل هذا البلاء نِعْمَ الزاد الذي يتناسب وطبيعة الطريق. لقد كانت التربية الجادة على منهج القرآن الكريم عاملاً مهماً من عوامل الصمود والتحدي أمام الباطل وأهله، ولقد كانت تربية النبي ﷺ لأصحابة على الصبر مقصودة في حد ذاتها؛ لأنه يعلم ـ ويريد أن يعلمهم ـ أن النصر مع الصبر، وأن البلاء سُنَّة ماضية، وأن أهل الإيمان لا بد أن يتعرضوا للفتن تمحيصاً وإعداداً. قال الله ـ تعالى ـ: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ] [العنكبوت: ٢] . ٤ ـ لقد تجلت التضحيات والمواقف النبيلة للثبات على المبدأ الحق عند الصحابة الكرام بما يبهر العقول وتعجز عن وصفه الألسن، ولذلك لم يكن مثل هذا المكر السيئ والكيد المسعور ليثنيهم عن واجب عظيم ورسالة قد آمنوا بها وأُشرِبوا حبها وعاهدوا الله على الجهاد في سبيل نشرها. إن الثبات والاستمرار في الدعوة علامة على صدق الداعية وإخلاصه وفهمه السليم لطبيعة الدعوة وحقيقتها، وإن التراجع أو الانتكاسة في منتصف الطريق وعند ... المنعطفات الحرجة التي تمر بها الدعوة يعد علامة على ضعف الإيمان وتزعزع اليقين وحب الدنيا والخلود إليها. يقول الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله تعالى ـ: (وفي أيام الشِّعب كان المسلمون يلقون غيرهم في موسم الحج ولم تشغلهم آلامهم عن تبليغ الدعوة وعرضها على كل وفد؛ فإن الاضطهاد لا يقتل الدعوات؛ بل يزيد جذورها عمقاً، وفروعها امتداداً، وقد كسب الإسلام أنصاراً كثراً في هذه المرحلة) [٣] . فالثباتَ الثباتَ أيها الدعاة، وعليكم بمواصلة السير والاستفادة من كل باب مفتوح لتبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن [ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] . [آل عمران: ١٣٩] . ٥ ـ لقد وقف الكفار من عشيرة النبي ﷺ موقفاً حسناً؛ إذ دخلوا معه ومع أصحابه في الشِّعب حمية منهم وتقديراً ـ ولا شك في ذلك ـ لما تميز به الرسول الكريم ﷺ من حسن الخلق وحسن المعاملة معهم. فما أجمل الإحسان إلى الناس! وما أحق الأقربين بالمعروف! وأفضلُ الإحسان إلى هؤلاء هو دعوتهم للخير والأخذ بأيديهم إلى رياض الإيمان. والداعية ـ بلا شك ـ معرض للأذى والخطر من أهل الشر الكارهين للدعوة ولمن يقوم بها؛ ولذلك لا بد له من حماية. وعشيرة الداعية وأقرباؤه هم أكثر الناس استعداداً لمثل هذه الحماية؛ وخاصة إذا مَنَّ الله عليهم بنور هذه الدعوة وصبروا على ما يلاقون في سبيل نشرها من الأذى؛ فإنهم حينئذ في مقام كريم [ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَذِينَ صَبَرُوا ومَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] [فصلت: ٣٥] . ٦ ـ لا بد أن ندرك أن الأعداء يبذلون الكثير من المال من أجل نشر باطلهم والصد عن سبيل الله؛ فمن أجل تلكم الأزمة الاقتصادية دُفعت الأموال الطائلة للضغط على الأجساد والبطون، ولكنهم لم يجدوا إلى القلوب المؤمنة سبيلاً، وما زال الأعداء ولا يزالون ينفقون بسخاء في سبيل الظلم والطغيان ونشر الكفر والإلحاد وتشجيع الفجور والإباحية عن طريق المؤسسات الإعلامية والمؤسسات التنصيرية والمؤسسات الفكرية وغيرها؛ كل ذلك ليصدوا الناس عن الحق [إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ َسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] [الأنفال: ٣٦] . وإذا كان أهل الباطل يبذلون الكثير من المال من أجل باطلهم وفجورهم فما بال الموسرين من المسلمين يمسكون ـ إلا ما شاء الله ـ عن الإنفاق في سبيل الله لنشر الحق، ودعوة الحق ومواساة المعوزين من المسلمين؟ فالبذلَ البذلَ ـ أيها المسلمون ـ وإلا حق فينا قول الحق ـ ... جل ثناؤه ـ: [هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلْ فَإنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ واللَّهُ الغَنِيُّ وأَنتُمُ الفُقَرَاءُ وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] [محمد: ٣٨] . ثانياً: حديث نقض الصحيفة: قال ابن إسحاق: (ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها ... قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش ولم يَبْلُ فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو؛ وذلك أنه ابن أخ نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلاً، وكان ذا شرف في قومه فكان يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلاً قد أوقره طعاماً حتى إذا أقبل به فم الشِّعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره بزاً فيفعل به مثل ذلك ... ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ فقال: يا زهير! أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبداً. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد! والله! لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: وقد وجدتُ رجلاً. قال: من هو؟ قال أنا. قال له زهير: ابغنا رجلاً ثالثاً، فذهب إلى المُطعِم بن عدي، فقال له: يا مطعم! أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه؟ أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنها إليها منكم سراعاً. قال: ويحك! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدتُ ثانياً، قال: من هو؟ قال: أنا، قال ابغنا ثالثاً، قال: قد فعلتُ، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعاً. فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحواً مما قال لمطعم بن عدي، فقال: ابغنا خامساً. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم! ثم سمى له القوم. فاتَّعدوا خطم الحجون ليلاً بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في نقض الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية وعليه حلة فطاف بالبيت سبعاً، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة! أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تُشَقَّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد ـ: كذبت، والله! لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت ـ والله ـ أكذب؛ ما رضينا كتابتها حين كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب ـ والله ـ فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك؛ نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحواً من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل تُشُووِر فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأَرضة قد أكلتها إلا: (باسمك اللهم) وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فَشُلَّت يده ـ فيما يَرَوْنَ. قال ابن هشام: وقد ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب: يا عم! إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسماً هو لله إلا أثبتته فيها ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان. فقال: أربُّك أخبرك بهذا؟ قال: نعم. قال: فوالله! ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش، فقال: يا معشر قريش! إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا فهلمَّ صحيفتَكم، فإن كانت كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها، وإن كان كاذباً دفعت إليكم ابن أخي؛ فقال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ ، فزادهم ذلك شراً؛ فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا) [٤] . الدروس المستفادة من هذه الحادثة: ١ـ لقد استطاع نفر من الناس بعمل يسيرٍ مواجهة أزمة دامت ثلاث سنوات خطط لها أصحابها وأحكموا تنفيذها ودعموا استمراريتها بكامل قواهم السياسية والاجتماعية. نعم! لقد استطاعوا تخطي هذا المأزق الصعب وهم نفر قليل كانوا يعيشون وسط المجتمع نفسه، وذلك بالعزيمة القوية والتخطيط الدقيق؛ إذ لم يكن أحد من كبار القوم ومن أصحاب تلك المؤامرة الخبيثة يحلم بأنه سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه هذه المؤامرة بمثل هذه السرعة وبمثل هذه المفاجأة؛ فقد وضعوا في حسابهم أنه لا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذه القوة التي تحمي هذا القرار، وإن استطاع أن يقف في وجوههم فإنه لا يستطيع أن ينتهك قداسة القرار الذي علق في جوف الكعبة، ولكنهم نسوا أن الظلم مرتعه وخيم، وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. واليوم وبفعل الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين فإنه يقع مثل هذا الحصار من الدول الظالمة ولا يقوم أحد برد الظلم وتمزيق الصحيفة والانسحاب من القرار؛ بل لا يفكر الكثير من المسلمين حتى في مجرد المحاولة؛ لا أقول بالعنف ولكن بالحوار والحل السلمي وهو الأسلوب الذي ينادون به حينما تكون القضية في صالحهم؛ فأين الذين يفكرون في قضايا إخوانهم المسلمين ويتفاعلون مع همومهم ويدركون معنى قول الله ـ تعالى ـ: [إنما المؤمنون إخوة] [الحجرات: ١٠] . ٥ ـ إن الحكمة وحسن التخطيط من أساسيات الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ وكم نحن في حاجة إليه؛ لأن العشوائية وارتجال المواقف والتكبر عن طلب النصح والمشورة قد جنت الدعوة من ويلاتها العلقم المر حتى أصبح التخطيط والتنظيم ضرورة دعوية على مختلف المستويات لا يكاد يختلف عليها اثنان ممن يعرفون طبيعة الدعوة ومخططات أعدائها خصوصاً في مثل هذا العصر المشحون بالفتن والمغريات، ومع ذلك فإن هناك ـ للأسف الشديد ـ من لا يكتفي بعدم القناعة بهذا؛ بل يشكك فيه ويحاربه، ولعل مثل هذا يستفيد من الحكمة والتخطيط عند هؤلاء النفر ولعله يستفيد من موقف زهير بن أبي أمية مع قومه وكيف اختار هيئة مناسبة وقدم للأمر بالطواف، وتكلم كلاماً موجزاً قوياً يفي بالغرض لهذا العمل الفدائي ـ إن صح التعبير ـ في ذلك الوسط المشحون بالعداوة والموبوء بحب الانتقام والسيطرة.. ولينظر كيف تم التشاور الثنائي في كل مرحلة حتى أحكمت الأدوار وتم التنسيق للعرض والمواجهة، وأخذت العدة واختير الزمان والمكان المناسبين لعقد هذا الاتفاق، ثم مُثِّل هذا الدور على أحسن صورة فكانت كلمات القوم تنطلق من وسط الصفوف يؤيد بعضهم بعضاً بطريقة لم يجد أمامها الملأ إلا التسليم ... فهل في هذا العمل الإنساني النبيل من بأس، وهو يحقق مصلحة عامة؟ ألا فليتأمل هؤلاء ويقيسوا ـ إن كان للقياس عندهم اعتبار ـ بدلاً من أن يجعلوا التخطيط والتنظيم في أمور الدعوة محل اتهام، ويرونه جائزاً للكفار ومحرماً على المسلمين. ألا فاستلهموا رشدكم واعرفوا قدر عدوكم [ولا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ] [النساء: ١٠٤] . ٢ ـ إن أصحاب النفوذ والقوة كلماتهم مسموعة وأمرهم مطاع في غالب الأحيان؛ ولكن الذي يؤسف له هو عدم الروية والتفكر فيما يأمرون به وينهون عنه؛ فهؤلاء النفر الذين سعوا في نقض الصحيفة كانوا ـ ولا شك ـ على علم بها منذ بداية أمرها فوافقوا عليها حينئذ مكرهين ـ إكراهاً ـ معنوياًـ حتى لا يشذوا عن الصف ويكونوا محل اتهام من أصحاب القرار؛ ولكنهم فيما بعد فعلوا الذي فعلوا، بل وبينوا أنهم لم يكونوا راضين عن هذه الصحيفة عند كتابتها، ولم يستشرهم فيها أحد، بل تشاور فيها الملأ ولم يستأذنوا فيها العامة، ولهذا أدرك هؤلاء الرهط أن هذه السابقة تنبئ عن خطر عظيم تكنه نفوس القوم الذين سعوا في كتابة هذه الصحيفة؛ فلذلك قال هشام بن عمرو للمطعم بن عدي: (أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنها إليها منكم سراعاً) وأدركوا أيضاً أن هؤلاء الملأ لم ينفذوا هذا القرار إلا لرغبتهم الشخصية، وليس فيه أي مراعاة للمصلحة العامة؛ ولذلك قال ... صاحب المبادرة هشام بن عمرو لزهير: (أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبداً) وهذه سياسة أصحاب المطامع؛ فهم في كل زمان يكيلون بمكيالين شأنهم شأن من قال الله فيهم: [الَذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ونَمْنَعْكُم مِّنَ المُؤْمِنِينَ] [النساء: ١٤١] . ٤ ـ لا شك أن موقف أهل الباطل من الدعوة ليس بدرجة واحدة؛ بل يتفاوت تفاوتاً كبيراً، وكذلك ينبغي أن يكون موقف أهل الحق منهم؛ لأن منهم من يتعاطف مع الدعوة ويقف بجانبها حتى وإن كان مقيماً على فسقه وفجوره، ومنهم من يكرهها ويحقد على أهلها بكل حال ـ وإن كانوا مظلومين ـ استكباراً منه وعدواناً، ومنهم أناس بين ذلك ? [ولِكُلٍّ ... دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ومَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] [الأنعام: ١٣٢] وفي قصة الشِّعب نجد لعمِّ النبي ﷺ أبي طالب مواقف تستحق الذكر والإشادة وإن كان كافراً؛ ففي بداية الأمر كان هو الذي (جمع بني عبد المطلب فأجمع لهم أمرهم على أن يُدخِلوا رسول الله ﷺ ومن معه شعبهم، ويمنعوه ممن أراده، وذلك حينما أجمع المشركون من قريش على أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فاجتمع بنو المطلب كافرهم ومسلمهم؛ منهم من فعله حمية وهم الكفار، ومنهم من فعله إيماناً ويقيناً وهم المسلمون؛ فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول ﷺ اجتمع المشركون من قريش وأجمعوا أمرهم على ما في الصحيفة) [٥] كما كان في ليالي الشِّعب (يأخذ أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فيضطجع على فراش رسول الله ﷺ ويأمر رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها حرصاً عليه ممن يريد به مكراً أو غائلة) [٦] ثم إنه أيضاً كان صاحب المحاولة الأولى في نقض الصحيفة ـ كما أسلفنا ـ. وفي المقابل فإن عدو الله أبا جهل كان أول من سعى في كتابة الصحيفة وكان يمنع وصول أي مدد إلى المحاصرين وكان من أكبر المعارضين لنقض هذه الصحيفة.. ثم تأمل في أولئك النفر من قريش كيف كانوا كارهين لهذا الأمر؛ كلما ذهب ... هشام إلى واحد منهم وافقه على رأيه بسهولة ويسر ودون تردد، بل بما لو أراد هؤلاء الخمسة أن يستزيدوا لوجدوا كثيراً من الجماهير ممن نشؤوا على كره الظلم تتابعهم على ذلك، ولكنهم خافوا أن يفتضح أمرهم فيدخل معهم من لا يؤمن جانبه. (والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا؛ تجد من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه) [٧] . ٥ ـ إن رد الجميل لأصحابه، ومكافأة المحسنين على ... إحسانهم خُلُق رفيع حث عليه الإسلام؛ وفي هذا يقول الرسول ﷺ : (من أتى إليكم معروفاً فكافئوه) [٨] وقد كان النبي ﷺ مقدراً لأصحاب المواقف مواقفهم الإيجابية في هذا الحدث الهام، وكان يكافئهم عليها. فأما عمه أبو طالب فقد قال العباس بن عبد المطلب ـ ﵁ للنبي ﷺ : ما أغنيتَ عن عمك؛ فوالله كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (هو في ضحضاح من نار؛ ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) [٩] . وأما هشام بن عمرو فقد أسلم وأعطاه النبي ﷺ من غنائم معركة حنين دون المائة من الإبل [١٠] . وأما أبو البختري فقد كان في صف المشركين يوم بدر فنهى النبي ﷺ عن قتله، قال ابن هشام: (وإنما نهى النبي ﷺ عن قتل أبي البختري؛ لأنه كان أكف القوم عن الرسول ﷺ وهو بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة) [١١] وهذه مجرد أمثلة للاعتبار. وعلى الدعاة إلى الله أن يعرفوا لأهل الفضل فضلهم، وأن يسجلوا لأصحاب المواقف الشريفة مواقفهم، وأن يجازوهم على الإحسان إحساناً؛ فإن من الأفاضل من يذب عن أعراض الدعاة بلسانه وقلمه ويتصدى لأعداء الدعوة ويسد طريقهم، ومنهم من يتفانى في نصح الدعاة وطلبة العلم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ويدعمهم ويقف معهم؛ فهذه الجهود ينبغي أن تكون محل رضى وتقدير من جميع الدعاة [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] . ٦ ـ يجب ألا يغفل الدعاة إلى الله عن الاهتمام برؤوس الناس وقادتهم الذين يؤثرون فيهم سلباً وإيجاباً وحسن العلاقة معهم؛ فقد يتحقق على أيديهم نفع عظيم للدعوة ولو لم يكونوا على قدر من الاستقامة. ٧ ـ ينبغي ألا يعرض عن أهل الباطل بالكلية؛ فإن منهم أناساً مأسورين إما بشهواتهم وأهوائهم أو بتأثير من شياطين الجن والإنس، وبعض هؤلاء قد لا يحتاجون إلى كبير جهد ليميزوا بين الحق والباطل فيتبعون الحق ويعز الله بهم الدين. ٨ ـ من الحكمة اتخاذ الأسلوب الحكيم والحجة البالغة في الحوار واهتبال الوقت المناسب له ليؤدي نتيجة مثمرة؛ فإن الرهط الذين سعى إليهم هشام ليتفق معهم على نقض الصحيفة لم يعترض منهم أحد؛ ولعله قد اختار الأشخاص المناسبين لهذا الحدث حسب معرفته بالرجال ومواقفهم السابقة من الدعوة وحسب تقديره لما يتطلبه الموقف. ٩ ـ يراعى جانب من بدرت منه بادرة طيبة وموقف حسن من الدعوة؛ فإن مثل هذا غالباً مهيأ في مستقبل الأيام ليكون له شأن آخر ومواقف مباركة، فلا بد أن يشجع ويشكر على مواقفه تلك لعله يكون رصيداً لمستقبل الدعوة. ثالثاً: الحصار الحديث: أخي القارئ الكريم: لعلك قد أدركت من خلال هذا العرض السريع لحدث تاريخي هام من أحداث السيرة النبويةالعطرة وما تخلل ذلك من الدروس والعبر أن الأمة الإسلامية في الوقت الراهن تعاني أربعة أنواع من الحصار: النوع الأول: الحصار المادي لبعض الشعوب الإسلامية المنكوبة وهو أسلوب وإن استنكرته الجاهلية الأولى فإن من يفرضونه في جاهلية اليوم ممن يسمون بالدول الكبرى يفتقدون بعض الخصائص التي كان يتميز بها أسلافهم من المشركين مثل المروءة والشهامة والحياء، ويفتقد كبراؤهم بعض المبادئ الإنسانية الأولية التي يمكن أن ينبثق عنها العطف والرحمة لهذه الشعوب، ولقد بلغت بهم الكبرياء والغطرسة مثل الذي كان بفرعون من الطغيان وإن لم يقولوا بألسنتهم ما قاله الأول بلسانه: [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] [النازعات: ٢٤] [مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى ومَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ] [غافر: ٢٩] إلا أن لسان الحال شاهد على ذلك بما لا يقبل الشك، ومكرهم أصبح مكشوفاً، ونحن نؤمن بقول الله ـ تعالى ـ: [ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ] ... [فاطر: ٤٣] . النوع الثاني: الحصار المعنوي للشعوب المسلمة وذلك (بإغراق الناس في الشهوات بالإعلام الماجن الذي يشيع الفواحش وينشر الرذيلة على أمل أن ينجرف أكثر الشباب في تيار الإباحية والفجور فلا ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين) [١٢] . النوع الثالث: الحصار المادي للدعاة والعلماء؛ وهذا وإن كان مما يؤلم القلوب المؤمنة إلا أن له فوائد عظيمة وآثاراً بعيدة المدى في صقل نفوس الدعاة المأسورين فإذا هي كالذهب الخالص. قال الله ـ تعالى ـ: [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] [الرعد: ١٧] . النوع الرابع: الحصار الفكري للدعاة وذلك بصد الجماهير عنهم من خلال وصفهم بالألقاب المنفرة كالتطرف والإرهاب وغيرها، وذلك بواسطة الإعلام الذي يخدر الشعوب ويقلب الحقائق ويفرق بين القلوب؛ فهو السحر الحديث الذي أفرزه الفكر الغربي، وهو المصيدة التي يمكن أن تؤدي الدور بالوجه المطلوب بعد أن ترفع راية الإرهاب وتلوِّح بها وتنادي الجميع للمشاركة في زوبعتها ليجعلوها دعوى يطعنون من خلالها في الدعوة الإسلامية، ومعولاً يضربون به حصونها، وسيفاً مصلتاً على رقاب الدعاة والمخلصين، وتهمة جاهزة تطرح على المجاهدين الصادقين. إن هذا المصطلح ـ أعني الإرهاب ـ مصطلح مناسب لمثل هذا الحصار الدعوي بغضِّ النظر عن مكان منشئه وسببه. إنه مصطلح مخيف يهز قلوب الجبناء ويسيطر على أفئدة ضعفاء العقول؛ لأنه لفظ يوحي بالنفرة والوحشية لسامعه ومن خلال وصم الدعاة بهذا اللقب يمكن الطعن في الجهاد الإسلامي والتشكيك في حكمته. ويهتبل الإعلام الكاذب والمزور للحقائق فرصة كل حركة نشاز وكل حادث شاذ يقع من بعض الجهلة أو المتعجلين من المسلمين ـ أو من غير المسلمين أحياناً ـ فيضخمه ويستغل الحدث اليسير أبشع استغلال، من أجل الكيد للدعوة ودعاة الإسلام وشن الهجوم الكاسح عليهم والطعن في نياتهم؛ حيث يتهم دعاة المسلمين زوراً وبهتاناً وظلماً وعدواناً بأنهم وراء كل عمل إجرامي وكل حادث تخريبي يحدث في أي مكان من الأرض حتى تثبت براءتهم إن كان لذلك من سبيل. لقد نجح الأعداء إلى حد بعيد ـ وعلى مدى العشرين سنة الأخيرة تقريباً ومنذ أن ظهر مصطلح الإرهاب والتطرف ـ في عزل الدعاة عن جماهير المسلمين عزلاً فكرياً يفوق في آثاره العزل الحسي. لقد جعل الأعداء شبح هذا المصطلح يطارد كل مسلم مستقيم يحافظ على أصول دينه أو يفكر في الدعوة إليه، وجعلوا هذا المصطلح مرادفاً للتعصب المذموم والتشدد في الدين والغلو والتنطع والبعد عن حقيقة الإسلام وصفائه، واتهموا من وصموهم بهذا المصطلح بكره الشعوب وعامة الناس والانتقام من المصالح العامة وتدمير مقدرات الأمة والعبث بها، وبعد أن وسّعوا دائرة هذا المصطلح بما يوافق شهواتهم وأهواءهم جعلوه عنواناً على صنف من الناس بمواصفات خاصة تزيد في مكان وتقل في مكان آخر. ومع أن التأثير يتفاوت من بلد لآخر إلا أن العامل المشترك هو نظرة الجميع لهذه الفئة من الناس بأنهم شواذ أو على أقل تقدير يجب التحفظ عليهم والبعد عنهم والخوف من آرائهم المنحرفة وأفكارهم المسمومة وحمل كلامهم دائماً على المحامل الأخرى التي تتناسب مع التفسير الإعلامي الذي يطن في الآذان صباح مساء. ومن هنا نجح هذا الحصار الدعوي الفكري الإعلامي في عزل هذا الفئة المؤمنة المجاهدة عن التأثير المطلوب في الجماهير المتعطشة لدينها من خلال هذا التخطيط الماكر وهذه الفكرة المسمومة. ومن أجل هذا كان لا بد من التفكير الجاد للخروج من مأزق هذا الحصار النفسي وتحدي هذه العقبات بتوثيق الصلة بين فئات المجتمعات المسلمة، والدعوة في صفوفهم بالأساليب المشروعة، وكشف خطط الأعداء بإجلاء الغشاوة التي وضعها الإعلام الخبيث على أعين الكثيرين من الغافلين؛ وذلك من أجل توضيح الحقائق وتصفية القلوب وتبليغ دين الله حتى يعم الخير ويفشو الصلاح ويقطع دابر المجرمين.

стр. 3394

من ثمرات المنتدى الإسلامي في هذه الزاوية يسر المنتدى الإسلاميأن يتواصل مع قرائه الكرام بإيقافهم على آخر الأنشطة والمستجدات والفعالياتالتي تتم بفضل الله تعالى في مختلف مكاتبه المنتشرة في إفريقيا وآسيا، سائلينالله تعالى أن يخلص النيات، ومتمنين من أحبابنا الكرام أن يزودونابملحوظاتهم واقتراحاتهم، وأن يقفوا معنا بدعائهم وعونهم. افتتاح كلية لندن المفتوحة تم بحمد الله تعالى افتتاح كلية لندن المفتوحة التابعة للمنتدى الإسلامي يوم الجمعة الموافق ٨ شوال ١٤٢٠هـ في لندن، وقد حضر هذه المناسبة جمع من أهل العلم والدعوة الإسلامية في بريطانيا وبعض الضيوف من خارجها، ابتدأ الحفل بكلمة من (د. جلال الدين محمد صالح) المشرف العلمي للكلية تحدث فيها عن أهمية العلم الشرعي ووسائله قديماً وحديثاً. ثم تحدث (د. عبد المحسن آل الشيخ) رئيس مجلس إدارة الكلية عن أهداف الكلية وبرامجها. ثم تحدث الشيخ (د. جعفر شيخ إدريس) رئيس المجلس التأسيسي للجامعة الأمريكية المفتوحة عن أهمية أمثال هذه المشاريع وطموحاتها لتشمل نواحي العلم المختلفة. أما (د. بلال فيلبس) عضو هيئة الإشراف العلمي للكلية فقد تحدث باللغة الإنجليزية عن أهمية العلم الشرعي بطريقة التعليم عن بعد خاصة لغير الناطقين بالعربية. بعد ذلك تحدث (الشيخ د. صلاح الصاوي) نائب رئيس المجلس التأسيسي للجامعة الأمريكية المفتوحة عن العولمة وكيف نستفيد منها في هذا النوع من المشاريع لتحقيق عالمية هذا الدين. أما عميد الكلية (الأستاذ محمد النجار) فقد تحدث بعد ذلك عن مراحل إنشاء الكلية. وأخيراً قدم (د. عمر النمري) المشرف الأكاديمي للكلية والمهندس (هواري بن كريلة) منسق البرامج شرحاً مفصلاً عن التسجيل في الكلية من خلال صفحة الكلية على الإنترنت. وعلى هامش هذا الافتتاح عقدت هيئة الإشراف العلمي للكلية اجتماعها الأول بحضور رئيس مجلس إدارة كلية لندن المفتوحة وعميد الكلية، والمشرف العلمي للكلية وأعضاء هيئة الإشراف العلمي الآتية أسماؤهم: - د. جعفر شيخ إدريس. ... ... ... ... ... - د. بلال فيلبس. ... ... ... ... ... ... - د. حافظ الكرمي. ... ... ... ... ... - د. صهيب حسن. وتم في الاجتماع مناقشة بعض القضايا العلمية المتعلقة بالكلية. وقد بدأت الدراسة مع بداية الفصل الدراسي في برنامجين: أحدهما باللغة العربية، والآخر باللغة الإنجليزية. ويسر المنتدى الإسلامي بهذه المناسبة أن يتوجه بالشكر الجزيل للحضور الكرام في حفل الافتتاح ولأعضاء هيئة الإشراف العلمي ولجميع من كان خلف هذا العمل المبارك في إدارة الكلية، سائلين الله تعالى أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح. إنه سميع مجيب. موسم الخير في شهر رمضان، وكما تتنزل الرحمات من رب الأرض والسماوات، ... يفتح الله تعالى بمنِّه وكرمه على الدعاة بأعمال خير كثيرة، وكان لدعاة المنتدى ... نصيب من هذه الأعمال.. ومنها: - مشروع إفطار الصائم الذي أقيم هذا العام، حيث شمل (٣٩) دولة في قارات إفريقيا، آسيا، أوروبا، الأمريكتين. وقد وزعت من خلال المشروع (١.٠٦٦.٠٠٠) وجبة كما صحب المشروع برنامج توجيهي دعوي حفل ... بالمحاضرات والكلمات والمواعظ التي بلغ مجموعها قرابة (١٣.٢٥٠) برنامج دعوي، أفاد منها معظم الحاضرين في برنامج الإفطار وقد آتت هذه الجهود ثماراً حسنة مباركة فعلى سبيل المثال: - في غانا: نُفذ المشروع في ١٣٩ موقعاً من أقاليم غانا، والذي استفاد منه (١٣٨.٩٢١) شخص، وصاحب هذا البرنامجَ برنامجٌ دعويٌ مكثف في العقيدة والفقه، وكان من ثمرات هذا الجهد المبارك أن اعتنق الإسلام ٩٩ شخصاً. - وفي نيجيريا: تم تنفيذ المشروع الذي استفاد منه (٢١٤.٨٥١) شخص وكان مصحوباً بأنشطة دعوية كثيرة، ومكثفة، وقد مَنَّ الله على ٣٣ شخصاً ... بالإسلام من خلال هذا النشاط. - وفي مالي: أسلم (٥٠) شخصاً تأثراً بمشروع الإفطار، وما فيه من برامج دعوية. - وفي مجال الأنشطة التربوية، والدعوية خلال شهر رمضان أقيمت المسابقة الكبرى لحفظ القرآن الكريم في (غانا) ، وقد شارك فيها ٤٦ متسابقاً. - وفي توجو: أقيم اعتكاف، ودورة رمضانية لطلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم، كما أقيمت الدورة التأهيلية للدعاة المتطوعين، والدورة الرمضانية لطلاب المعاهد الشرعية في مركز المنتدى بـ (لومي) ، وقد شارك في الدورتين أكثر من ١٠٠ طالب. نشاط حافل في لندن بفضل الله - تعالى - حفل مكتب لندن بأنشطة عديدة، وكان النشاط مكثفا ... للمسلمين في لندن؛ وذلك للانشغال الحاصل مع الاحتفال بالألفية، فكانت ... الجهود الموجهة؛ كي يعتكف المسلمون على التقرب إلى الله بالطاعات. كما ... أقيمت دورتان شرعيتان: كانت الأولى تحت عنوان: (فقه الأقليات المسلمة) ، حاضر فيها د. صلاح الصاوي، والأخرى بعنوان: (مسائل فقهية) . كما صاحب ذلك من المحاضرات، والدروس والمواعظ، والمسابقات والندوات وتوزيع الأشرطة السمعية، والنشرات التعليمية كما أقيم اعتكاف في العشر الأواخر، وبلغ عدد المعتكفين حوالي ٢٠٠ شخص. نشاط آخر في مالي أقيم في مالي ملتقى دعوي شارك فيه ٤٩ داعية، وقد ناقش الملتقى عدداً من القضايا الدعوية منها: ... ... ... ... ١ - خصائص أهل السنة والجماعة وصفاتهم. ٢ - دور العلماء وطلبة العلم في إصلاح المجتمع. ٣ - خطر القاديانية. كما نظم مكتب المنتدى هناك ثلاث دورات شرعية شارك فيها ١٧٥ شخص في كل من مدينة باماكو، وكاي، وموبتي. الدين المعاملة قصة عجيبة؛ لكنها من رحمة الله - تعالى - بعباده؛ فقد وقع حادث أليم على طريق جوس / كادونا (نيجيريا) ، وأُحضِرَ جميع المصابين إلى المستشفى ... التعليمي لجامعة جوس. وكان ضمن المصابين طبيب استمر يعالَج لمدة طويلة، وقد لفت نظره أحد الأطباء الذين يعملون بالمستشفى بسبب حسن معاملته وأخلاقه واهتمامه بالمرضى دون تفريق. وللعلم فإن الطبيب المتفاني هذا لم يمض على إسلامه أكثر من سنتين وقد اهتم به دعاة المنتدى الإسلامي المدرسون بمدرسة (البيان) وخصصوا له ولزملائه بالمستشفى بعض الكتب والرسائل ومجلة (الجمعة) باللغة الإنجليزية. وكانوا يجلسون معهم كل ثلاثة شهور في برنامج ونقاش دعوي. وقد اندهش الطبيب المصاب لشفقة هذا الطبيب واهتمامه؛ فقال له: هل أنت نصراني؟ فرد قائلاً: لا؛ بل أنا مسلم. فقال له: لكنك في شفقتك واهتمامك تشبه المنصِّرين! فقال المسلم: إن الإسلام يأمر بكل ما رأيت وأكثر، وبدأ معه حواراً حول الإسلام وعندما رأى النصارى ذلك أرسلوا له منصِّرة أوروبية بالكتاب المقدس كما يزعمون وكُتُب نصرانية أخرى وأصبحت تناقشه وتتابعه عن كثب. ولكن الرب الرحيم العظيم قدَّر له الهداية؛ ففي يوم الخميس ١٦ رمضان ١٤٢٠هـ دعا جمعاً من المسلمين بما فيهم الطبيب الذي كان محل إعجابه بتصرفاته وأخلاقه، وطلب منهم العفو والمسامحة، وطلب منهم أيضاً أن يتوضأ أحدهم أمامه حتى يرى كيفية الوضوء؛ فقال له المسلمون بأنه غير مسلم، فلن يستفيد من الوضوء؛ ولم يكن قد أعلن أنه اعتنق الإسلام، وعند ذلك أشهر إسلامه أمامهم ونطق بالشهادتين، وطرد الممرضة الأوروبية بكتبها من عنده، وطلب استبدالها بمصحف وكتب إسلامية ومجلة الجمعة، وفرح المسلمون بالمستشفى بهذا الحدث. والعجيب أنه توفي صبيحة الجمعة، اليوم التالي لإسلامه. نسأل الله له الرحمة والمغفرة. وهكذا نتعلم درساً وننهل عبراً من هذه القصة، ومن أهمها: سلوك طبيبنا المسلم، كأنه يقول للدعاة: يمكننا أن ندعو بمعاملتنا وأخلاقنا قبل أن تصدر كلماتنا داعية إلى الله. افتتاح جامع السالمية افتتح بحمد الله تعالى جامع السالمية في مدينة باماكو مالي، وهو مسجد جامع يتسع لـ (٣٦٠) مصلٍّ، ويحتوي على مكتبة علمية، وفصل لتحفيظ القرآن الكريم. نسأل الله تعالى أن يعين القائمين على تبليغ الرسالة. مؤتمر حمَّى عام ٢٠٠٠م أقام مكتب المنتدى الإسلامي في بريطانيا في آخر شهر رمضان مؤتمراً بعنوان (حمى عام ٢٠٠٠م) استمر لمدة ثلاثة أيام، وقد تميز هذا اللقاء بحضور جيد، ومما زاد من إقبال الناس خاصة من غير العرب استخدام الترجمة الفورية للمحاضرات العربية. وكان من أبرز المحاضرات: ١ - أحداث حاسمة تركت أثرها على المسلمين في القرن الماضي. ٢ - هل اقتربت النهاية؟ ! ٣ - حمَّى عام ٢٠٠٠م. ٤ - ماذا يحدث حولنا؟ ٥ - التوقعات المحتملة في هذه الألفية. ٦ - المستقبل للإسلام. قرية تمنع الناس من الصلاة.. تدخل في دين الله أفواجاً قرية بوييغو في جمهورية بنين قرية وثنية يقطنها شعب (الفلاني الدندي) وهم مشهورون بعدائهم الشديد للمسلمين حتى إنهم كانوا يمنعون المارة من الصلاة في قريتهم، وإن صلى أحد أحرقوا مكان مصلاه بالنار! وفي السادس والعشرين من شهر رمضان وأثناء تنفيذ برنامج إفطار الصائمين أسلمت القرية ... بكاملها، ويقدر عددهم بحوالي ستة آلاف نسمة، بعد جهود حثيثة من ... بعض دعاة المنتدى الإسلامي، فاللهم لك الحمد، والمنة على نعمة الإسلام. ... ... ولجنة بنين في المنتدى الإسلامي: بصدد إعداد خطة متكاملة للدعوة في هذه ... القرية لتثبيت هؤلاء الناس وتعليمهم. الخمر أمُّ الكبائر سبب إسلام أسرة كاملة تم ابتعاث أحد الدعاة في نيجيريا إلى قرية فيها عدد كبير من المسلمين ليعلمهم دينهم خلال شهر رمضان ١٤٢٠هـ، وبعد أن قضى الداعية مدته وقبل رحيله من القرية أرسل إليه رئيس القرية، وهو وثني يفيده بأنه يريد أن يسلم ... ولكن يود أن يكون ذلك أمام الحاكم التقليدي للمنطقة التي تتبع لها القرية ... وبوجود الدعاة الذين يقومون بتوعية المسلمين. وبالفعل تجمع أهل القرية وبحضور الحاكم التقليدي ودعاة المنتدى الإسلامي؛ حيث أشهر الرجل إسلامه ومعه أهل بيته (زوجاته وأولاده) . وقال: إن السبب الذي دعاه للإسلام هو أنه كان يسمع أن المسلمين يقولون: إن الخمر حرام، وهو في قرارة نفسه يقول لا ينبغي لعاقل أن يشربها ولكنه يتناولها، وشاءت أقدار الله أن يصاب بمرض فذهب إلى الطبيب ومنعه من الخمر، وحينها أيقن أن ما يقوله المسلمون حق وأن ديناً يدعو للحفاظ على حياة الناس؛ لهو دين حق؛ لذلك قرر اعتناق الإسلام والالتزام به، [مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ ولِياً مُّرْشِداً] [الكهف: ١٧] .

стр. 3395

المسلمون والعالم الجزائر بين الوئام والاستئصال د.يوسف الصغير يتناقل العراقيون طرفة عندما كان هناك نائب كردي للرئيس العراقي؛ حيث تقدم إليه أحد المرافقين بطلب منحة أرض فردَّ عليه نائب الرئيس بقوله: إن هذا الطلب يحتاج واسطة كبيرة! ! إن كون أحد المناصب الرفيعة وهمياً مجرداً من السلطة يدل على مشكلة يراد الالتفاف حولها، ولكن المصيبة أكبر عندما يكون البلد يدار من قِبَلِ فئة لا يمكنها الظهور على السطح لأمر مَّا، وتصر على التستر خلف مجموعة من الأحزاب ومجلس وطني نيابي ومجلس وزراء، بل ورئيس للدولة منتقى بعناية؛ بحيث يكون خارج هذه الفئة ويمارس مهام رئيس الدولة. إن الذين يبشرون بأن قانون الوئام هو الحل للخروج من دوامة المستنقع الدموي الذي وقعت فيه الجزائر ربما يكونون واهمين؛ لأن ما يسمى بقانون الوئام هو مجرد نسخة معدة ومطورة ليس الهدف منها معالجة أسباب الأزمة والعودة إلى مبدأ الحوار مع الآخر، والقبول بتداول السلطة السلمي وعدم استبعاد أو حظر أي طرف، وأنه لا يوجد مواطنون من الدرجة الثانية كما يبشر رئيس الدولة، بل إن معيار النجاح لهذا القانون هو كما أكد ممثل الفئة الحاكمة رئيس أركان الجيش الفريق محمد العماري الذي ألقى كلمة بالفرنسية أثناء وجود الرئيس في زيارة خارجية، وقد بث التلفزيون مقتطفات واسعة منها في نشرات متفرقة؛ حيث أكد على نجاح قانون الوئام المدني في تفكيك الجماعات المسلحة، وأن الغالبية الساحقة من هذه الجماعات وضعت السلاح، وأن من تبقى مجرد (عصابات تتشكل من أوغاد سيتم استئصالهم عن آخرهم قريباً) . إن الذي أتوقعه أن هذا القانون هو آخر وأخطر سهم يوجهه النظام للمعارضين، وستكون نتيجته إما تصفية العمل المسلح ومن ثَمَّ القضاء على المعارضة السياسية. وأما الاحتمال الثاني وهو الأقرب فهو عجز الجيش عن تصفية الرافضين لإلقاء السلاح، وسيعود الصراع إلى نقطة الصفر مع فارق واحد هو أن الاستئصال سيكون شعار الجميع. نسأل الله اللطف بهذه الأمة المبتلاة، وأن يبرم لها أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته. لقد جاء الرئيس بوتفليقة لتسويق قانون الوئام وتطبيقه، ولكن السؤال البدهي هو: من هم أصحاب قانون الوئام؟ وهل الرئيس يريد حقاً تطبيق القانون المذكور كما يريد واضعوه، أم أن له تصوراً آخر للوئام المنشود؟ قانون الوئام: إن أصل هذا القانون هو المفاوضات التي جرت بين المخابرات والجيش من جهة ومدني مرزاق أمير جيش الإنقاذ وهو ضابط سابق في الجيش الجزائري، وانتهت إلى اتفاق الثالث عشر من (تموز) يوليو ١٩٩٧م. لقد واجهت هذه الاتفاقية مشكلة أساسية وهي انعدام الغطاء السياسي لها؛ فقد تبرأت الرئاسة منها، ورفض الرئيس السابق زروال الاعتراف بها. وبالمثل فإن محاولة إعطائها مصداقية بين الإسلاميين تمثلت في إطلاق سراح الشيخ عباسي مدني في الخامس عشر من الشهر نفسه، ولم يلبث طويلاً حتى أعيد للإقامة الجبرية؛ لأنه كما نسب لأحد قادة جيش الإنقاذ لم يلتزم بشروط إطلاق سراحه. لقد كان المخرج المؤقت هو إعلان مرزاق هدنة من جانب واحد وسوَّغ الهدنة برفع الغطاء عمن يقومون بالمجازر وتشويه الإسلام مع ملاحظة أنه في تلك الفترة بالذات بدأت تتكشف حقيقة قيام أطراف من السلطة بتنفيذ عدد من المجازر الكبرى. ومن المؤلم أن ظاهرة القتل الجماعي التي بدأتها السلطة ضد عوائل المجاهدين قد اتسعت لتشمل عوائل رجال الأمن والقرى والتجمعات غير الموالية للسلطة ووسيلة لتصفية الحسابات القديمة بالإضافة إلى القتل الجماعي بقصد السرقة. إذاً كانت المفاوضات محصورة بين الجيش لجزائري والجيش الإسلامي للإنقاذ، ولم يكن للحكومة الجزائرية أو لشيوخ الجبهة دور فيها. سؤال مهم: ويتبادر هنا السؤال الآتي: إذا كان من المعروف أن الجيش الجزائري هو السلطة الحقيقية في الجزائر فما هي علاقة الجيش الإسلامي للإنقاذ بجبهة الإنقاذ؟ وهل هو كما يتردد الجناح العسكري للجبهة؟ إن الإجابة على هذا التساؤل يقتضي معرفة ظروف نشأة المعارضة المسلحة للنظام والتي تتلخص فيما يلي: ١ - قبل إلغاء الانتخابات كان هناك مجموعات عمل مسلح، غير مرتبطة بالجبهة، وكان تأثيرها ضعيفاً وشعبيتها محصورة، وهم أتباع مصطفى بو يعلى. ... ... ... ٢ - بعد تعطيل الانتخابات، وقيام السلطة بحملة واسعة من الاعتقالات والمضايقة، وحتى التصفية الجسدية للشباب الإسلامي العامل أو المتعاطف مع الجبهة أصبحت الخيارات أمام الشباب محصورة في مغادرة البلاد أو البقاء تحت طائلة الخطف من قِبَلِ الأمن أو التصفية أو الهرب إلى الجبال. ٣ - إن خيار اللجوء للجبال وقرار مواجهة السلطة كان خياراً إجبارياً وفردياً ولم يكن صادراً عن قرار تنظيمي لقيادة (جبهة الإنقاذ) ، وهو ما يفسر تعدد ... الجماعات المسلحة وعدم تجانسها الفكري أو التنظيمي؛ لأن ظروف نشأتها كانت عفوية؛ ولهذا فلم يكن هناك استراتيجية واحدة للمواجهة. ٤ - بعد مواجهات دموية استمرت عدة سنوات وخسائر بشرية تقدر بمئة ألف قتيل استقرت الأوضاع على توازن قوى بين قوات الجيش والأمن والميليشيا البلدية من جهة، وبين مجموعات مسلحة مختلفة تمكنت كل واحدة منها من تثبيت أقدامها في منطقة نفوذ خاصة بها تضعف أو تنعدم فيها سلطة الدولة. ٥ - إن كون غالبية الشباب في كل المجموعات المسلحة تقريباً من أنصار جبهة الإنقاذ يعود إلى أن هناك قبولاً عامّاً للشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، ولكن هذا لا يعني أن قيادة كل جماعة تدين بالولاء للشيخين أو أحدهما، أو أنها تسير وفق توجيهات الزعامات السياسية للجبهة. ٦ - إن (الجيش الإسلامي للإنقاذ) لا يمثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الرغم من تشابه الأسماء، بل ولا يدل على أنه أقرب الجماعات لها. إن استقراء الأحداث يبين تشابك العلاقات وغموضها؛ فمثلاً يوضح أحمد بن عائشة أمير جيش الإنقاذ في الغرب أن رابح كبير فقط هو من يمثل التنظيم في الخارج؛ أما في الداخل فيقول: (نحن موجودون ونمثل أنفسنا) وفي المقابل علي جدي أحد قادة الجبهة يصرح أنهم لم يُفلِحوا في مقابلة مدني مرزاق، وأن عبد القادر حشاني قابل ربه قبل أن يتمكن من مقابلة مدني مرزاق؛ فلماذا يتهرب من مواجهتهما وهما من المؤيدين لإيقاف القتال مع التحفظ على قانون الوئام؟ كما استُعمل إطلاق سراح الشيخ عباسي مدني في محاولة تمرير اتفاق ١٩٩٧ م؛ فإن الشيخ عباسي مدني الذي لا شك في سعيه لإيقاف نزيف الدماء وحل الأزمة حلاً سلمياً كتب رسالة يؤيد فيها قانون الوئام قبل صدوره وبما يتفق مع ما نقل له عن صيغة القانون، وقد استغلت السلطة ومجموعة مدني مرزاق هذه الرسالة؛ ولكن بعد صدور القانون صُدم الشيخ وسارع بإرسال رسالة إلى علي بن حجر (أمير الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد) يتبرأ فيها من قانون الوئام، وأنه لا يقدم الحل المنشود ويبطل ما ورد في رسالته الأولى. والغريب أن علي بن حجر يؤكد وصول الرسالة، وقناعته بمصداقيتها؛ بينما السلطة وجماعة مدني مرزاق يتمسكون بالرسالة الأولى، ويشككون بالرسالة الثانية. والأمر بسيط: لماذا لا تسمح السلطة للشيخ بتوضيح رأيه مباشرة لوسائل الإعلام إذا كانت واثقة من تأييده القانون؟ وإذا كانت الرسالة صحيحة ... وهو الأقرب فلماذا يا ترى لم ترسل إلى مدني مرزاق وهو صاحب المشروع؟ ألا يدل هذا على أن الآخرين أقرب منه للجبهة؟ وكما تم الحجر على عباسي مدني، ومنعه من التعبير تم إسكات حشاني الذي لم يتردد في التحفظ على صلاحية قانون الوئام حلاً للأزمة، وأنه يجب أن يكون هناك حل شامل يسمح بالممارسة السياسية. نعم! لقد تم إسكاته، ولم تتردد عائلته في اتهام أطراف السلطة بهذه الجريمة. إن قانون الوئام اتفاق مع جبهة واحدة ممثلة في شخص واحد لا يصح إلزام الجميع به تحت طائلة التصفية الجسدية والإبادة الجماعية أو الاستئصال التام. إن الجزائر بحاجة إلى حل حقيقي للأزمة، وليس حلاً التفافياً يزيد الفرقة ويعمق العداوات بين الجزائريين! إن أغرب ما في الاتفاق هو عدم الاتزان في الحقوق والواجبات؛ فمن جانب يتم حل التنظيم، وإخلاء المواقع ... وتسليم الأسلحة وتنظيف مناطقهم السابقة من الألغام؛ وزيادةً على ذلك فإن هناك حماسة شخصية لمدني مرزاق لا يشاركه فيها رجاله لقتال الجماعات المسلحة تحت ... راية الجيش. وفي النهاية أصبحت مقاتلة الجماعات المسلحة منوطة برغبة الأفراد. هذا ما قدمه مرزاق للسلطة؛ فماذا قدمت السلطة لمرزاق ورجاله؟ إن القانون الأساس للوئام يعني عودة المسلحين إلى عوائلهم؛ مع احتمال تعرضهم للملاحقة القانونية. ولكن نتيجة لتمرد الأفراد على مدني مرزاق أصدر رئيس الجمهورية عفواً رئاسياً عن جميع من يشملهم قانون الوئام. باختصار: إن أقصى ما يؤمل به هو العفو، أو بأسلوب ساخر هو أن السلطة تنازلت وأصدرت العفو وبضغط من الرئيس عمن لم تستطع قتله وتصفيته. من الذي يضمن عدم الغدر بالعائدين واعتقالهم أو اغتيالهم؟ لقد بدأت عمليات التصفية من الآن فقد نشرت الصحف أخباراً عن اغتيال بعض العائدين أو تهديدهم وهذا وضع لا يحسد عليه من وثق بمن لا يوثق به أو أجبر على الإذعان لانكشاف ظهره. وحتى نعرف مصداقية الاتفاقيات أُورِد مقطعاً من مقابلة علي بن حجر [١] (أمير الرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد) وهو ممن أذعن للقانون عن غير اقتناع. س: قلتم: إن بعض الأوساط اقترحت وساطة بينكم وبين السلطة؛ فمن هي هذه الأوساط؟ ج: من أبرز الأوساط التي حاولت التقريب بيننا وبين المؤسسة العسكرية أذكر العميد المتقاعد محمد عطا يلية الذي جاء ناصحاً ومساهماً في هذه المصالحة. س: هل قام بذلك بتكليف من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أم من تلقاء نفسه؟ ج: جاء معه مسؤول من السلطة. بمعنى أن مهمته كانت رسمية، وكانت هناك موافقة على مسعاه؛ إذ إنه أشار في اللقاء الذي جمعني به أن (هذا ممثل السلطة) وأشار إلى رجل حضر معه. إن مسارعة قوات الجيش إلى التمركز في مواقع الجماعات المنسحبة يوحي بحرص السلطة على قطع خط الرجعة على العائدين عندما تقلب لهم السلطة ظهر المجنّ كما هو متوقع. أكبر المشكلات: إن أكبرمشكلة للفئة الحاكمة في الجزائر كما مر سابقاً أنها لا يمكن أو لا تريد أن يتصدر أحد أفرادها لمنصب الرئاسة، وقد كانت مشكلة التعامل مع الرئيس الواجهة من الإشكاليات المهمة في التعاطي مع الأزمة؛ فبعد عزل الرئيس الشاذلي بن جديد وتغييبه عن الساحة حتى إنه لم ينسب إليه أي موقف أو تصريح طيلة السنين الماضية تم استدعاء محمد بوضياف ممثلاً لمرحلة الثورة ورمزاً لها، مع بعده عن البلاد لعشرات السنين بعد الاستقلال، ولكن بوضياف لم يستطع ... التأقلم مع القالب الذي أريد له، فعمل على تكوين حزب موالٍ له، ورفع شعار محاربة الفساد، وكان رجلاً حادّاً كبيراً في السن، يعادي مافيا الحكم بقدر عدائه للإسلاميين، ولم يكن انقياده ممكناً، فتم اغتياله، وأصبح رمزاً لمصير كل من يخرج على الخطوط الحمراء. وبعد فترة نُصِّب أيضاً رجل عسكري أحيل إلى التقاعد المبكر، وأُبعد بسبب صراع الأجنحة داخل الجيش، وكان أكثر ميكانيكية؛ فقد رفع للإسلاميين شعار الحوار، ورفع للأسياد شعار الاستئصال، وكان أكبر النجاحات في عهده تسويق الديمقراطية المزيفة من الدرجة الثانية والمطبقة في بلدان العالم الإسلامي والمكونة من حزب السلطة مع جوقة من الأحزاب الفلكلورية مع النص على استبعاد أي حزب إسلامي؛ وذلك حتى يمكن لحزب السلطة الفوز الساحق بدون المساس بنزاهة الانتخابات. إن أصول اللعبة لم تسمح للرئيس زروال حتى اختيار رئيس حزب السلطة الجديد؛ فقد تم اغتيال مرشحه، وبعد سلسلة من المضايقات تم إبعاد مستشاره الجنرال بشتين؛ مما أوحى له بانتهاء دوره، ولا بد أن يفسح المجال لغيره بعد أن رفض قبول اتفاق الجيش مع جيش الإنقاذ، وعطل هذا المشروع الخطير إلى أجل. ولم يكن القادم الجديد سوى وزير بومدين الأثير عبد العزيز بوتفليقه الذي خرج ليعيش في منفاه الاختياري بعد وصول الشاذلي للحكم، ولم يكن له أي دور في الأحداث. لقد استُدعي (الرئيس الحالي) وأقنع بتولي الرئاسة، ولكنه جاء وهو يحمل شعاره الخاص وأمنيته الخاصة بأن يمارس السلطة الحقيقية. لقد اشترط الرئيس أن يعرض مشروع السلم والوئام على استفتاء شعبي؛ وهي خطوة بارعة سياسياً من أجل تكوين شعبية خاصة به تمكنه من المناورة وطرح تصوره الخاص للوئام الذي هو بكل تأكيد لا ينسجم مع خطط السلطة وطريقة تنفيذها لهذا المخطط؛ فهل ينجح الرئيس في صبغ القانون بصبغته الشخصية، أم يتجاوزه الجيش ويفرض أسلوبه؟ إن الحكم في الجزائر له رأسان؛ فالجيش يحاول إقناع أكبر عدد ممكن من الجماعات بالإذعان للقانون عن طريق توسيط المعارف والأقرباء وتقديم ضمانات شخصية للقيادات؛ ولكن لا شيء منشور، وليس كله مكتوباً، ومن يرفض فقد رفعوا في وجهه سيف الحجاج، وقد تسرعوا في استخدام هذا السيف بعد انتهاء المهلة مباشرة، ولكنهم اكتشفوا أنهم يحتاجون لمزيد من الوقت لتفكيك المزيد من الجماعات والاستعداد العسكري؛ فقد تم عقد صفقات مع الصين وجنوب إفريقيا وإيطاليا وأمريكا لتزويد الجيش بأسلحة خاصة لمواجهة حرب العصابات، وكان الجيش حريصاً على التضليل لاستعداداته العسكرية من أجل إقناع المزيد من الجماعات المسلحة بالإذعان الجبري. لقد حرص قادة الجيش على التصريحات العنترية التي دأبوا على إطلاقها لسنوات عديدة، ولم يلاحظوا التناقض بين مدلولي الوئام والاستئصال، فجمعوا بينهما؛ ولكن ليتذكر هؤلاء الاستئصاليون ومن وراءهم أن النجاح في حل تنظيمات ونزع سلاحها والتمركز في مناطقها سلاح ذو حدين؛ حيث إن الإخفاق في الجزء الثاني من المخطط وهو تصفية الرافضين وهم كثر سيعيد الصراع بصورة أشد، وربما تواجه السلطة جماعات أقل عدداً ولكنها أكثر عداءاً مما سيعقِّد المشكلة. وإذا كان الحل الحالي يمكن أن يمر من خلال الشيخ عباسي فإن الحل القادم لا بد أن يكون من خلال الشيخ علي بلحاج. وأخيراً: فإن موقف الرئيس صعب، وإذا كان يتوقع إخفاق الجيش في تنفيذ الجزء الثاني فإنه يسعى لاستثمار الآثار المترتبة على ذلك؛ ولهذا فقد أطلق تصريحات تحمل في طياتها: أنه جاد في السيطرة على مقاليد الأمور معتمداً ... حالياً على اعتقاده أن الجيش لا يملك الاستغناء عنه في الوقت الحاضر (اسألهم هم إن كان في إمكانهم التخلي عني إن استطاعوا) أما في حديثه عن مسوِّغ حمل السلاح فيقول: (أنا شخصياً لو مررت في الظروف نفسها لكان مصيري مثل هؤلاء) . أما نظرته للجماعة الإسلامية المسلحة فأكد أن هذا التنظيم المسلح كان يستهدف بالدرجة الأولى المنشآت الحكومية، والعسكرية، ورجال الأمن ... وبدرجة أقل المدنيين، وهو تبرئة للجماعة من نسبة كل المجازر لها، وأشاد بحسن حطَّاب أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال) يتبين مما سبق أن الرئيس يراهن على هزيمة الجيش، وعلى ثقة أمراء الجماعات الرافضة بحسن نيته مما يفتح المجال لحل أكثر منطقية. وللمرء أن يخاف من يوم يلحق فيه بوتفيلقة سابقيه. اللهم فرِّج بحرية إخواننا المسلمين في الجزائر المبتلاة، اللهم اجمعهم على الخير والهدى، اللهم افضح وانتقم ممن كان سبباً في هذا البلاء، ... واجعل دائرة السوء تدور عليه.

стр. 3396

المسلمون والعالم الجولان.. وتكاليف سلام الشجعان ! عبد العزيز كامل أعدت إسرائيل قوائم من المطالب والشروط التي تشترط على العرب والعالم أن يوافقوا على تلببيتها إذا ما أرادوا أن تعاد الجولان عندما دخل العرب الحرب عام ١٩٤٨م، كان هدفهم تحرير الشق الذي أعلن اليهود دولتهم عليه من أرض فلسطين، ولكن العرب لم يفلحوا في ذلك، واحتل اليهود المزيد من الأراضي، وعندما دخلت جيوش العرب الحرب سنة ١٩٦٧م لتحرير ما سبق احتلاله لم يفلحوا أيضاً بل خسروا المزيد والمزيد من الأراضي (القدس الشرقية سيناء الجولان الضفة الغربية غزة) ثم كانت حرب ١٩٧٣م، لا لتحرير فلسطين ولا القدس ولكن لتحريك الأوضاع من أجل التفاوض لاستعادة مصر لسيناء التي احتُلت، ولاستعادة سوريا للجولان التي ضاعت في تضاعيف قصة مثيرة وغامضة لا مجال للحديث عن تفاصيلها الآن [١] ، ولا يجادل عربي مسلم في أن من حق سوريا أن تسترد ما اقتطع منها، ولكن السؤال: ما هو الثمن؟ ! لقد أعاد الإسرائيليون سيناء إلى مصر منزوعة السلاح لقاء ثمن باهظ دفعته الأمة كلها لا مصر وحدها ولا تزال تدفعه وهو تعهد أكبر قوة عربية بالتخلي عن الدخول في أي عمل عسكري مستقبلاً ضد (إسرائيل) من أجل فلسطين أو غيرها، لا مشاركة ولا انفراداً، ولم يكن هذا التعهد شفوياً، بل كان وفق اتفاقات دولية ملزِمة تشرف على تنفيذ بنودها القوى العظمى. وعبثاً حاول العرب أن يبعثوا الحياة في رفات مبدأ (قومية المعركة) الذي صاغه وأنعشه عبد الناصر وصنع نعشه أنور السادات، ولكن دون جدوى، ولم يعد أمام أصحاب الأراضي الأخرى التي ضاعت في الحرب إلا أن يسترجعوها عن طريق السلام بأثمان لا تقل فداحة عن الثمن الذي استُرجِعَت به سيناء. الجولان.. وربع قرن من الضياع: انكمشت آمال حزب البعث بعد خروج مصر من المعركة، وظل تحرير الجولان طيلة ما يزيد على ربع قرن هو قصارى ما يحلم به بعثيو سوريا. والجولان التي تبلغ مساحتها ١٨٠٠ كيلو متر مربع تمثل أهمية كبرى للسوريين والإسرائيليين على السواء، ولهذا يشتد النزاع في فصله الأخير حولها، وقد كانت لها على مر التاريخ أهميتها بسبب ارتفاع هضبتها، وغناها بالماء، وموقعها ... الجغرافي الذي شكل منها في العصور المختلفة محطة مهمة من النواحي العسكرية والتجارية، وإطلالتها على بحيرة (طبرية) عذبة الماء جعلها محط التنافس منذ القِدَم، ولهذا كانت ساحة للمعارك في التاريخ القديم بين الفراعنة والكنعانيين، وبين المصريين والآشوريين. ويزعم الإسرائيليون أن موسى ﵇ استقر فيها بعد خروجه من مصر كما يقول الحاخام (موئي حولان) [٢] . ولما جاء الإسلام وتوجه نظر المسلمين إلى فتح بيت المقدس، كانت منطقة (الجابية) على أرض الجولان هي مكان اللقاء الذي جمع بين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح ﵄ للتنسيق من أجل استمرار الجهاد على أرض الشام تحت إمرة أبي عبيدة ﵁. وقد سكنت الجولان في العهد التركي أعداد كبيرة من الشركس والتركمان، ولما حصلت النكبة عام ١٩٤٨م نزح إلى الجولان عدد كبير من الفلسطينيين، أما عندما سقطت في يد اليهود في حرب ١٩٦٧م، فقد ملؤوها بالمستوطنين اليهود بعد أن أخلوها من العرب المسلمين باستثناء الدروز الذين لا يُحسَبون لا على المسلمين ولا اليهود ولا النصارى! وإن كانوا لليهود أقرب ولاءاً وخلقاً. لقد وضع اليهود أعينهم على الجولان، حتى قبل أن يقيموا دولتهم؛ ففي عام ١٩١٨م وقبل أن يعلن (بن جوريون) الدولة بثلاثين عاماً أكد بأن الدولة اليهودية عندما تقوم لا بد أن تضم ما أسماه (سنجق سوريا) أي الجولان وما وراءها، وقد طالبت المنظمة اليهودية العالمية في رسالتها لمؤتمر السلام المنعقد في باريس في ٣/٢/١٩١٩م، بأن تضاف إلى الدولة اليهودية حين إقامتها منطقة جبل الشيخ على مرتفعات الجولان نظراً لأهميتها الحيوية أمنياً ومائياً، وبعد ذلك بعام ألحَّت الحركة الصهيونية على لسان زعيمها في ذلك الوقت (حاييم وايزمن) على بريطانيا لكي تجعل الجولان ضمن أجزاء الكيان اليهودي المزمع إقامته، وكان ذلك في رسالة بعثها وايزمن لوزير الخارجية البريطاني في (حاييم وايزمن) على بريطانيا لكي تجعل الجولان ضمن أجزاء الكيان اليهودي ١٥ /٤/١٩٢٠م. ولكن يبدو أن الأجواء الدولية لم تكن تسمح في ذلك الوقت ولا قريباً منه بتحقيق ذلك المطلب الصهيوني الملحّ، فلما قامت الدولة، وتأسس الجيش، واستعدت (إسرائيل) للتوسع، والانتشار، جعلت الجولان على قائمة أولوياتها عندما تحين الفرصة. وجاءت الفرصة: وذلك عندما حصل تسخين استفزازي في عام ١٩٦٧م على الجبهة السورية من قِبَلِ بعض الفصائل الفسلطينية التي استعملها البعث السوري تحت شعار: (شعبية المعركة) ذلك الشعار الذي هددت به سوريا إسرائيل بأن تنقل الحرب إلى داخلها، وكان ذلك في وقت تألق فيه نجم عبد الناصر في مصر بعد أن نصَّبته الجماهير العربية المخدوعة زعيماً فرداً سيحرر فلسطين بل العرب جميعاً ويلقي بـ (إسرائيل) في البحر! ولم تكن الذريعة القادمة من سوريا كافية فقط لدخول اليهود إلى أراضيها واحتلالهم للجولان بل كانت فرصة لا تعوض لتحقيق هدف آخر كان أخطر وأكبر وأوْلى في نظر اليهود من الجولان، وهو جر عبد الناصر إلى معركة لم يكن راغباً فيها ولا قادراً عليها ضد (إسرائيل) وهذا ما حدث تماماً في حرب الأيام الستة التي حُطِّم فيها الجيش السوري والجيش المصري، وهما دعامة الجيوش العربية. وقد ظلت الجولان تحت سيطرة اليهود طيلة ثلاثة عقود، برهن الإسرائيليون خلالها على أن أمن سوريا مرهون بمرتفعات الجولان، التي تجعل دمشق في مرمى ... النيران الإسرائيلية، في الوقت الذي تعتبر الجولان نفسها ضماناً لأمن (إسرائيل) طالما ظلت تحت سيطرتها؛ فالدولة العبرية لا ترى أبداً أية إمكانية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بأن تُعاد الجولان كما كانت تحت سيادة سورية كاملة، وإن كان لا بد من إعادتها فلا بد من شروط كالشروط التي وضعت لإعادة سيناء، ومنها: الشرط الأول: ألا تُعاد الجولان إلا منزوعة السلاح، وترتب فيها ضمانات أمنية تسوِّي تماماً إن لم تزد بين وضعها قبل الإعادة ووضعها بعدها بالنسبة لـ (إسرائيل) ، وقبل أن تجمَّد مفاوضات السلام بين سوريا ... و (إسرائيل) عام ١٩٩٦م استغرقت الترتيبات الأمنية بشأن الانسحاب من الجولان أكثر الوقت، وكانت هذه القضية سبباً في تحطم جهود وزير الخارجية الأمريكي آنذاك (وارن كريستوفر) خلال نحو ٢٠ جولة، كانت (إسرائيل) خلالها تصرُّ إلى جانب نزع السلاح على الاحتفاظ بمحطات إنذار مبكر على جبل الشيخ [٣] . إن (إسرائيل) تريد أن تحول المطالب الأمنية إلى وضع استراتيجي يحقق لها مزيدا من التفوق، في الوقت الذي تتصلب فيه تجاه تنازلات جوهرية للعرب، هي في رأي باراك تتعارض مع شعار حزبه: (إسرائيل واحدة) فهو يخشى من تناقص التأييد لمشروعه في السلام، إذا لم يرَ فيها الشعب الإسرائيلي بقرة حلوباً تدر الثروة وتمنح الحراسة والأمن. الشرط الثاني: أن تعترف الحكومة السورية بـ (إسرائيل) اعترافا كاملاً، وتتبادل معها السفارات وتطبِّع معها العلاقات؛ بل إن (إسرائيل) ربطت مدى الانسحاب بمدى الاستعداد للتطبيع، وأطلقت في الآونة الأخيرة شعاراً جديداً يقول: (عمق الانسحاب سيكون بعمق السلام) ! ومعنى هذا أنهم أي الإسرائيليين لن ينسحبوا انسحاباً كاملاً، كما تطلب سوريا إلا إذا حصلوا ... منها على تطبيع كامل! وهذا يعني ببساطة إلحاق حزب البعث العربي القومي السوري بالحظيرة التي سبق أن شنَّع عليها وعلى أصحابها وهي (كامب ديفيد) [٤] ... وعند ذلك سيتتابع العرب في دخول بيت الطاعة وولوج عتبة دار السلام اليهودية الأمريكية، وعند ذلك أيضا تكون قد أُغلقت آخر حوانيت الكفاح ودكاكين النضال في سوق ما كان يعرف بـ (القومية العربية) ! الشرط الثالث: أن تتقاضى الحكومة الإسرائيلية مقابلاً مقنعاً ومشبعاً لجشع الشعب الإسرائيلي حتى يمكن أن يصوِّت بالموافقة على الاستفتاء الشعبي الذي سيُجرى لإبداء الرأي في إرجاع ما يعتبره اليهود جزءاً من (أرض إسرائيل) ! [٥] . ومن أجل هذا فقد أعدت الحكومة الإسرائيلية، ولا زالت تعد؛ قوائم من المطالب والشروط والاستحقاقات التي ترى أن على العرب والعالم، وعلى رأسه أمريكا أن يوافقوا على تلبيتها إذا ما أرادوا أن تُعاد الجولان، وبذلك ينتهي ... الصراع العربي الإسرائيلي في جانبه العسكري. وفواتير السلام التي أعدتها (إسرائيل) مقابل إعادة الجولان تتضمن الأثمان الآتية: ١ - الثمن الاقتصادي: مع بدء المفاوضات السورية الإسرائيلية، كان الطلب الإسرائيلي بالتعويضات المالية يتراوح بين ثلاثة مليارات من الدولارات أو أربعة مليارات؛ وذلك بحجة إقامة منشآت عسكرية بديلة لتلك التي سيجري ... تفكيكها في الجولان وجنوب لبنان، ومع تحسن المفاوضات ارتفع الرقم المطلوب إلى ١٧ مليار دولار مقابل الانسحاب، ثم أضيفت مطالب أخرى بـ ١٨ مليار دولار لتحديث القوات المسلحة الإسرائيلية، ومع إضافة أثمان المطالب الأخرى العينية من سلاح ومعدات صار مجموع ما تطالب به (إسرائيل) من (تعويضات) على ترك الجولان ٧٠ مليار دولار! ! هذا عدا المدفوعات السنوية الجارية فعلاً، القديمة منها والجديدة. وبعد زيارة قام بها وفد من الكونجرس الأمريكي إلى (إسرائيل) أبلغته الحكومة الإسرائيلية أنها لن تنسحب من أي أرض إلا إذا جرى تفعيل برنامج المطالب الإسرائيلية؛ بحيث يتزامن مع عملية الانسحاب في حال البدء فيها بعد نجاح المفاوضات. ولكن بالنظر إلى أن الكونجرس الأمريكي لا يمكن أن يوافق باسم الشعب الأمريكي على هذا الابتزاز غير المسبوق لـ (البطة الخشبية) [٦] في أيامها الأخيرة، فقد جاءت الإشارات بعدم الموافقة على دفع استحقاقات السلام نيابة عن سوريا! ! ولكن باراك الذي يعلم مدى حاجة كلينتون إلى فاصل من معزوفة السلام يختم بها عهده الملطخ ظل يرسل بإشارات تهدد بعرقلة العملية برمتها، فألمح كلينتون ثم صرح بأن هناك رغبة أمريكية في إقامة عملية (تمويل دولي) للسلام في الشرق الأوسط، وبالفعل وجه الكونجرس الأمريكي دعوة لأقطار الخليج العربي الستة، والدول الصناعية السبع بأن تشارك في دفع فاتورة (التعويضات) . ومن الكنيست الإسرائيلي صدرت تلك الدعوة فيما يشبه الأوامر، مما أثار سخط هذه الدول التي لم تُستشَر أصلاً قبل ذلك في هذا التوجه؛ فعلى الصعيد العربي انتقدت الكويت هذا الطلب نيابة عن دول مجلس التعاون الخليجي وطلبت من الجامعة العربية أن تتخذ موقفاً عربياً موحداً تجاه هذا الابتزاز في دورتها القادمة في مارس٢٠٠٠م. وسَخِرت مصر على لسان وزير خارجيتها مما أسماه: (التجارة بالسلام) ، أما الدول السبع الصناعية الغنية، فقد عارضت أيضاً هذا الإجراء الأمريكي الإسرائيلي المقترح، فاعتبرته كل من اليابان وألمانيا منافياً للشرعية القانونية، وكذلك امتنعت كل من إيطاليا وفرنسا وكندا عن الموافقة على هذا الطلب، ولم يبق من الدول السبع إلا أمريكا صاحبة القرار وحامية (إسرائيل) ، ثم بريطانيا الأم الشرعية لها؛ حيث التزم الإنجليز الصمت حتى لا يُحرَجوا مع ابنتهم اللقيطة! ولكن الطلب الإسرائيلي لا يزال مرفوعاً ولم يتم التنازل عنه، فقد يُعدَّل أو يُخفَّض، ولكنه لن يلغى، فهكذا عودها العالم (الحر) ! هذا.. ويدخل في الثمن الاقتصادي ما أعلنه رئيس طاقم التفاوض في مكتب باراك من أن (إسرائيل) لها مطلب قاطع في الإبقاء على السيطرة على مصادر المياه في الجولان، وهذا المطلب شبيه باشتراط (إسرائيل) احتكار شراء بترول سيناء بعد إرجاعها لمصر، ولكن مياه الجولان التي تمثل ٣٥% من حاجات (إسرائيل) ربما تجد فرصة أسهل من بترول سيناء، خاصة وأن الصحافة الإسرائيلية سربت ما يفيد بأن الجانب السوري وافق في عهد نتنياهو على بقاء الوجود السوري بعيداً عن الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية بمقدار ٥٠٠ متر على الأقل. ٢ - الثمن العسكري: يريد إيهود باراك أن يستغل ثمرات المفاوضات مع سوريا إن نجحت لتحديث الترسانة الإسرائيلية، وإعطائها عناصر التفوق الإقليمي المطلق لمدة لا تقل عن خمسين عاماً كما قال، وهو باعتباره رجلاً عسكرياً [٧] يرفع شعار: (جيش إسرائيل نواة الأمن القومي) ، والسلام بنظره ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لتعزيز الأمن أو بالأحرى الهيمنة لا على الدول المحاذية لـ (إسرائيل) فحسب، بل على الشرق الأوسط كله. وهذا هدف أصيل ... في السياسة الإسرائيلية بوجه عام، كما صرح بذلك الأكاديمي الإسرائيلي (إسرائيل شاحاك) في كتابه: (الأسرار المفضوحة) فقد قال: (إن الهدف الرئيس للسياسة الإسرائيلية في الحرب والسلام هو السيطرة الإقليمية على الشرق الأوسط بأكمله) ! ولكن باراك يريد أن يعطي لهذه السياسة بُعداً آخر باستغلاله فرصة السلام السانحة الآن مع سوريا، ويهدف إلى استثمارها لتحصيل تفوق عسكري جديد تتمكن (إسرائيل) من خلاله أن تدافع أو تهاجم عن بُعد، دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة على أرض بذاتها في الجولان أو جنوب لبنان، وقد أبدى إعجابه الشديد بسياسة الحرب عن بعد التي مارستها الولايات المتحدة في العراق وكوسوفا، وأطلق عليها وصف: (الحرب المعقمة) ! ولهذا نجد قائمة المطالب الإسرائيلية العسكرية تصب في هذا الاتجاه؛ فدولة اليهود تطالب أمريكا بقائمة طويلة من الأسلحة المتقدمة وعلى رأسها، تقنية طائرة ستيلث (الخفية) أو (الشبح) فقد طلبت (إسرائيل) خلال الجولة الثانية من المفاوضات أن تزودها أمريكا بتقنية هذه الطائرة التي لا تستطيع الرادارات اكتشافها. وطلبت (إسرائيل) من أمريكا أيضاً أن تزودها بصواريخ كروز (توماهوك) التي لم تكشف المؤسسة العسكرية الأمريكية أسرارها حتى لشركائها في حلف الأطلسي باستثناء بريطانيا، وعدد الصواريخ المطلوبة في القوائم هو ٣٥٠ ... صاروخ، ثم عُدِّل إلى ٧٠٠، وتضمنت القوائم طلباً إسرائيلياً بالمساعدة على استكمال مشروع صاروخ (ناديتلوس) المضاد للصواريخ، وطلباً آخر بسربين من مروحيات (أباتشي) وسرب من طائرات (بلاك هوك) وسرب من طائرات النقل (هيركونيس) وآخر من طائرات الإنذار المبكر (إواكس) التي طلبتها (إسرائيل) قبل بدء المفاوضات مع سوريا أصلاً، وعلى القائمة طلب بالتزود بطائرات تزويد الوقود بالجو، ومحطة أرضية لالتقاط صور الرصد الجوي والأقمار الصناعية. ويعلق المحلل الإسرائيلي (إلوف بن عالي) على هذه الطلبات بقوله: (إن باراك، ومنذ كان رئيساً للأركان يحلم باستبدال الجولان وجنوب لبنان بجيش جديد ... و (ذكي) !) [٨] . إنه من الواضح أن الصورة التي يريد الإسرائيليون أن يكون عليها جيشهم في (عصر السلام) هي أن يتحول من جيش للدفاع إلى جيش للإخضاع وسط عواصم عربية ترفرف في سمائها رايات نجمة داود المرفوعة فوق السفارات والقنصليات!! ولم ينس الإسرائيليون أن يُشركوا سوريا في غنائم ... السلام؛ فهي مدعوة بعد نزع سلاحها من الجولان أن تبعد جيشها عن المنطقة وأن تتعهد كالمنظمة بضمان أمن (إسرائيل) على الحدود السورية واللبنانية، مع هدية أخرى لرفع المعاناة عن كاهل الشعب السوري وهي: تخفيض عدد القوات المسلحة إلى عدد يليق بدولة (محبة للسلام) ! ٣ - الثمن السياسي: في حديث مع صحيفة معاريف الإسرائيلية في ١٩/١٢/ ١٩٩٩ م قال إيهود باراك: (بالنسبة لتوقعاتي من المفاوضات، هناك إمكانية لإنهاء النزاع مع سوريا ولبنان،..، وذكر دولاً عربية أخرى ثم قال: ... أنا لست أعمى حتى أضيع هذه الفرصة) ! إن باراك يريد من الاتفاق مع سوريا ولبنان أن يفتح الباب أمام (إسرائيل) لعقد اتفاقيات صلح كامل مع البلدان العربية كلها؛ فدمشق برأيه، هي بوابة الدخول إلى العواصم العربية التي لم تعترف بعدُ بـ (إسرائيل) دولة مستقلة ذات سيادة على أرض بيت المقدس. وإعادة الجولان وجنوب لبنان يمكّن الإسرائيليين أن يقايضوا ذلك بالانفتاح على نحو عشرين دولة عربية، ستفتح أمامهم أسواقها وسفاراتها، وأرضها وعقول ... شعوبها وربما قلوبهم! والظاهر أن فراسة اليهود تصدق دائماً مع العرب؛ فحتى عصر (الشجب) يبدو أنه سيولِّي؛ بدليل أن عدداً من العواصم العربية قد بدأت تستبق الأحداث وتسرع في مضمار الهرولة حتى قبل أن تُبرم أي اتفاقيات مع سوريا أو لبنان، ويتم ذلك دون شجب أو تنديد أو حتى معاتبة رقيقة، وهذا أمر جديد على أبناء يعرب بن يشجب! [٩] ولكن ماذا نفعل في ثمرات (القومية العربية) الخبيثة التي ولَّت بعد ما قضت على اللسان العربي ذاته؛ فلم يعد يُعرف الفرق بين المدلول اللغوي لكلمة السلام والاستسلام. فمن حق اليهود أن يهنَؤُوا إذن ويقروا أعيناً، عندما يدشنون بالتعاون مع العلمانية العربية صرحاً جديداً من القلاع اليهودية في ديار الإسلام يوازي في أهميته وربما يفوق تأسيس الدولة الإسرائيلية ذاتها، ويبدو أن (باراك) لم يكن مبالغاً عندما قال: (إن إنجاز مهمة السلام مع سوريا يوازي في أهميته مشروع إقامة (إسرائيل) عام ١٩٤٨ م) [١٠] . ومع فداحة تلك الأثمان المطلوبة للسلام مع سوريا، هناك ثمن أفدح، وهو ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي ما انبعث رموز البعث إلا بدعوى النضال من أجلها؛ ف (إسرائيل) فيما يظهر لن توقع معاهدة سلام مع سوريا بشأن إعادة الجولان إلا بعد حسم المسائل الكبرى في مفاوضات الحل النهائي على المسار الفلسطيني؛ فالسلام مع سورية لا معنى له بنظر (إسرائيل) إذا لم ينطوِ على اعتراف سوري بنتائج مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطيني [١١] وهو الوضع الذي يُراد فيه أن تُطوى صفحة القدس بعد إعلانها عاصمة موحدة وأبدية لدولة اليهود، وأن يسدل الستار على قضية أربعة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين، وأن تظل المستوطنات الإسرائيلية على ما هي عليه دون تفكيك أو إلغاء، وأن تسوَّى مسائل الحدود بما يزيد من عزلة الشعب الفلسطيني داخل أرضه، ولكن هذا موضوع آخر نرجو أن يكون لنا فيه حديث آخر. الشاهد هنا أن الأمور إذا سارت مع سوريا على ما يهوى اليهود ويرتب الأمريكان فما الذي يمنع الإسرائيليين وهم يزدادون قوة والعرب يزدادون ضعفاً أن يكرروا التجربة في المستقبل ويحتلوا أجزاءاً أخرى مما يعتبرونه ضمن (أرض إسرائيل) ثم يقايضوا ويزايدوا عليه مرة أخرى، لكي يقبضوا ثمنه ثم ينتقلوا إلى غيره؟ ! ما الذي سيمنعهم؟ ! إن الحالمين الواهمين الذين يظنون أن الذئاب سترعى الغنم قريباً في الشرق الأوسط، ينبغي أن يقال لهم: كفوا عن الأوهام والأحلام؛ ... فالصراع متجدد والصدام أكيد، وما يقوم به يهود (إسرائيل) ويهود أمريكا سيجعل الأخرس يتكلم والأبكم يسمع، بل.... سيجعل الحجر ينطق! بلى والله! سينطق ... الحجر، وكذلك الشجر ليقول لكل من تحرر من الأوهام والأحلام: (يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله) [١٢] .

стр. 3397

المسلمون والعالم المسلمون في فيتنام وصف عن قرب خالد علي حسن لا توجد في فيتنام أي هيئة إسلامية من خارج البلاد على الرغم من وجود مئات الجمعيات التنصيرية. أعجبني ما كتبه الدكتور محمد ناصر العبودي الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي في مجلة الدعوة العدد ١٢٥٨١ بعنوان: (كيف ضاعت دولة تشامبيا الإسلامية؟) [*] فأحببت أن ألقي الضوء على أوضاع المسلمين في فيتنام عن قرب؛ حيث إنني مكثت فيها قرابة عام، وتجولت في العديد من ولاياتها الجنوبية. أولاً: تعداد المسلمين: يبلغ عدد المسلمين حوالي ٧٥ ألف نسمة أي ما يعادل ٠.٠٠١% موزَّعين على قرى ومحافظات المنطقة الجنوبية لفيتنام، والغالبية العظمى منهم في محافظة (آن يان) التي تبعد حوالي ٢٠٠ كم عن العاصمة القديمة (هوشِمَنَّه) وهذا العدد هو من تعداد ٥٧ مليون فيتنامي منهم البوذيون والنصارى. والمسلمون في فيتنام غالبيتهم من أصل (تشامب) وهم السكان الأصليون لفيتنام الجنوبية والباقي من أصول (عربية يمنية هندية فيتنامية) . ثانياً: طرق الكسب: يعمل غالبية المسلمين في القرى بالزراعة؛ حيث يمتلك بعضهم قطع أرض صغيرة لا يكفي محصولها للإنفاق على الأسرة، وبعضهم يعمل أجيراً في الأرض، وبعضهم يعمل بقطع المطاط لحساب شركات فيتنامية، وهؤلاء أسوأ حالاً من المزارعين. أما الذين يسكنون المدن فغالبيتهم بدون عمل وقليل منهم يعمل في بعض الحرف البسيطة مثل صناعة المفاتيح، ولا يوجد منهم موظفون ولا مسؤولون في الحكومة إلا في القطاع الخاص. ثالثاً: التعليم: ١ - التعليم الحكومي: معظم أبناء المسلمين لا يكملون الدراسة في الجامعات لصعوبة النفقات، ويكتفون بالثانوية أو المتوسطة، ويوجد الآن عدد لا بأس به من الطلاب المسلمين في جامعات فيتنام خاصة في كلية التجارة (الإدارة الكمبيوتر) ولا توجد أي مؤسسة أو هيئة تعتني بهم؛ فهم يعيشون مثل حياة الفيتناميين، وهناك ٤ منح سنوياً من البنك الإسلامي للدراسة في إندونيسيا تتحكم الجمعية الإسلامية فيهم وتبتز الأموال من الذين وقع عليهم الاختيار حتى إن الطالب ينتظر سنتين ليحصل على هذه المنحة، وأحياناً تضيع منح العام نتيجة التأخير؛ وقد يصل المبلغ الذي يدفعه ولي أمر الطالب للجمعية نظير مصروفات المنحة إلى ٨٠٠ دولار على الرغم من أنها مجانية. ٢ - التعليم الديني: المساجد ليس لها أي نشاط في تعليم الكبار والشباب ودعوتهم، وجل ما تفعله أن تحتفل بالأعياد والمولد وتدعو المسؤولين الفيتناميين للمشاركة، فيجلسون ويدخنون جميعاً في المسجد دون تعظيم لحرمته! أما تعليم الصغار فحسب المكان: فهناك بعض المحافظات تسمح بتعليم الأطفال في المساجد، وأخرى لا تسمح. ويتعلم الأطفال: جزء عم، الحروف العربية، مبادئ التوحيد، الطهارة، والصلاة. وعادة يستعملون مقرئ القرآن للتعليم. أما المدرسون فغالبهم غير مؤهلين حتى لتدريس الصغار؛ كذلك هم منشغلون بتحصيل أرزاقهم، ويجعلون وقت التدريس فيما زاد عنهم؛ حيث إنهم لا يتلقون أي مساعدات من أي هيئة، والحكومة لا تعترف بهم، عدا قرية واحدة تساعد الحكومة المدرسين فيها. الهيئات والمؤسسات الإسلامية في فيتنام: لا توجد أي هيئة أو مؤسسة إسلامية من خارج البلاد، ويرجع ذلك لصعوبة قوانين البلاد التي تحرم إقامة أي هيئة دينية لمساعدة طائفة بعينها؛ على الرغم من وجود مئات الجمعيات النصرانية التي تتواجد في مناطق عديدة في فيتنام تعمل وتدعو تحت ستار العمل الخيري للإنسانية. وعلى الرغم من ذلك فلم تقصر الهيئات الإسلامية في السعي للحصول على ترخيص مثل: (جمعية أم القرى الخيرية) ، (لجنة العالم الإسلامي) ، (جمعية إحياء التراث الإسلامي) ؛ ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك على الرغم من شهرة هذه الجمعيات في العالم الإسلامي بعملها المنظم الإنساني الثقافي. كما أن لهذه الجمعيات أعمالاً قائمة إلى يومنا هذا مثل: كفالة الأيتام، وكفالة المدرسين، بناء المدارس، طباعة الكتب وخاصة القرآن الكريم المترجم إلى اللغة الفيتنامية، بالإضافة إلى المشروعات الموسمية مثل: الأضاحي، الإفطارات الرمضانية. ولكن الناظر إلى حال المسلمين في فيتنام يجدهم في حاجة إلى تواجد قوي ومنظم من قِبَلِ هذه الهيئات عن طريق التمثيل وفتح مكتب أو فرع للهيئة هناك؛ وذلك للحفاظ على هويتهم الإسلامية؛ حيث توجد أماكن في العاصمة القديمة الجنوبية (هوشمنه) لا تستطيع أن تميز فيها المسلمين من غيرهم. أما في داخل فيتنام فتوجد جمعية واحدة أنشأتها الحكومة، اسمها: (الجمعية الإسلامية بهوشمنه) ويقتصر عملها على مدينة هوشمنه فقط؛ ولكنها تحاول بسط نفوذها على المسلمين في باقي الولايات الأخرى، وتحاول الحكومة الآن إنشاء جمعية أخرى في ولاية (آن يان) ؛ حيث الأغلبية المسلمة؛ لأن ذلك من مصلحتها؛ حيث تقوم الجمعية بمراقبة أعمال المسلمين من الألف إلى الياء ومن ثم إخبار الحكومة بها، وهذه الجمعية ليس لها أي نشاط إيجابي مؤثر في المسلمين. الحالة الأمنية للبلاد: لدى الحكومة خوف شديد من الإسلام والمسلمين بخاصة الأجانب وعلى وجه التحديد (العرب) ، وكثيراً ما يذيعون وينشرون الأخبار التي فيها قتل وإيذاء في بلاد المسلمين لتخويف الناس من الدين، وقد شعرت بذلك أثناء وجودي هناك؛ وهذا بالنسبة للإسلام أما غيره من الديانات والعقائد فلا. كذلك فهم يعملون على تجنيد عيون لهم حيث يقطن المسلمون. والعجيب أن هؤلاء العيون أكثرهم مسلمون وبعضهم يحمل بطاقة الحزب الشيوعي. والجدير بالذكر أن المسلمين أنفسهم إذا رأوا ما لا يعجبهم من شخص أشعروا به الشرطة. الحالة الدعوية للبلاد: المسلمون في جهل وفقر شديدين، ولكن المهم أن لديهم قابلية للتغيير، ونستطيع أن نقول: إنه لا توجد دعوة في فيتنام ولا أفراد يحملون همَّها إلا بعض الأفراد القلائل، وهم مدرسون مكفولون من جمعية إحياء التراث الإسلامي، ومع ذلك فهم ليسوا على المستوى المطلوب والوعي الكافي؛ فأحياناً يتسببون في مشكلات كبيرة مع أهل القرى التي يزورونها، ومن ثَمَّ ترفع الشكاوى بحقهم إلى الحكومة فتوقف الشرطة نشاطهم وتمنعهم من التحرك خارج القرية، وهؤلاء الأفراد يسكنون محافظة (آن يان) في قرية (شودوك) . من ناحية أخرى لا توجد دعوة لغير المسلمين البتة؛ وكيف يكون ذلك والمسلمون منشغلون بالخلافات المذهبية ثم تحصيل لقمة العيش؟ ثم كيف يكون ذلك والبلد لا يوجد فيها دعاة أكفاء؟ ! أما النصارى فعددهم الآن كثير جداً، والكنائس في كل مكان، وهم محترمون من قِبَلِ الحكومة؛ لأنهم لا يعملون أعمالاً من شأنها الإساءة إلى دينهم وذلك على اختلاف مذاهبهم. جماعة الزاهدين: والغريب أن هناك جماعة أصولهم إسلامية يسكنون في ولاية فارنج في الجنوب الشرقي لفيتنام اسمهم (الزاهديون) [١] كانوا على الإسلام، ولكنهم حين انتشر فيهم الجهل وخالطوا البوذيين وأصحاب الملل الكافرة انحرفوا عن الشريعة الغراء، وأصبحوا يعملون أعمالاً غريبة منها قراءة كتاب مكتوب بخط اليد فيه بعض آيات القرآن الكريم بالحروف العربية وفيه كلام آخر غير مفهوم، هذا الكتاب يتوارثه أبناء أئمة المساجد، وبه يصير الابن إماماً بعد موت أبيه، كما أن الإمام هو الذي يصلي ويصوم عن الناس! نظير بعض الطعام أو المال الذي يقدم إليه من الشخص، وعندهم مساجد مهجورة لا يذهب إليها إلا الإمام، لا يعرفون عن الدين شيئاً، وهم غير مشاركين في الحياة المدنية، وغالبهم في القرى يعمل بالزراعة، ولهم تجمعات وأعياد خاصة. هذه الجماعة لا تجد من يدعوها للعودة إلى الإسلام والسنة وهم قطاع كبير (عدة آلاف) يرجع منهم إلى الإسلام القليل بنفسه؛ حيث يرى من المسلمين السنة دعوة أو هدية أو تجديد مسجد كان قديماً أو غير ذلك من الأمور البسيطة. المشروعات التي يمكن عملها في فيتنام: المسلمون في فيتنام من المسلمين المنسيين، وهذا المقال تذكير بواجبنا ... نحوهم، ومن المشروعات المقترحة لتجديد الإسلام في المنطقة: ... ١ - رعاية الأيتام سواء في منازلهم أو عن طريق إقامة دار لرعايتهم وكفالتهم فيها، مع العناية القصوى بتربيتهم وتعليمهم أصول الإسلام وآدابه. ٢ - عمل دورات شرعية للمدرسين خارج فيتنام مثل تايلند أو كمبوديا. ٣ - إرسال الطلاب المتميزين للتعلم خارج البلاد ليعودوا دعاة لقومهم. ٤ - كفالة المدرسين والأئمة والدعاة للحفاظ على البقية الباقية من ثقافتهم الإسلامية، مع الحرص الشديد على تعليمهم أصول الإسلام وأركانه وحثهم على الالتزام بتعاليمه وآدابه. ٥ - بناء العيادات الصغيرة للخدمات الصحية، والتوليد خاصة؛ حيث لا توجد طبيبة مسلمة واحدة. أما الأطباء المسلمون فهناك طبيب واحد فقط من محافظة (آن يان) . ٦ - إنشاء مركز للغة العربية على غرار المراكز التي تدرس الإنجليزية ولو بالاشتراك مع مركز قديم لتعليم اللغات؛ لأن نشر العربية يساعد في نشر الإسلام. ٧ - إنشاء جمعية للطلاب المسلمين في الجامعات لدعوتهم ورعايتهم والأخذ بأيديهم إلى أن يتخرجوا. هذا ما يسَّره الله من معلومات عن فيتنام حسب علمي. فإلى الجمعيات الإسلامية التي تعمل في الدعوة إلى الله نقول: هلاَّ نال إخواننا في فيتنام قسطاً من دعوتكم وإغاثتكم حتى لا ينقرضوا ويعودوا إلى جماعات بدعية هي للبوذية أقرب!

стр. 3398

المسلمون والعالم نشاط مشبوه في شرق إفريقيا محمد حسين معلم منذ أن وصل الإسلام إلى شرق إفريقيا وانتشر فيها بواسطة الدعاة والتجار العرب لم تشهد عقيدة التشيع حضوراً كبيراً في أرض شرق إفريقيا على الرغم من قدوم هجرات متتالية عبر القرون من الجزيرة العربية والعراق والشام بدوافع دينية وسياسية واقتصادية، ومن بينهم أناس يدَّعون أنهم من آل البيت، ومع ذلك فقد ساد المنطقةَ عقيدةُ أهل السنة والجماعة، وعلى مذهب الإمام الشافعي ﵀ في الفروع، وإن كان بعضهم لا يخلو من تصوُّف، ولم تظهر كتلٌ وقطاعات كبيرة تنتمي إلى الفكرة الشيعية تنشط في الميدان، وليس معنى ذلك عدم وجود أفراد وأسر متشيعة؛ ولكن حينما انطلقت الثورة الإيرانية بقيادة الخميني عام ١٩٧٩م من أرض الفرس أصبحت تتزعم الشيعة في العالم، وألقت على عاتقها مسؤولية نشر التشيع وحمايته؛ وعلى ذلك قدمت أدواراً مزدوجة في سبيل توسيع رقعة المذهب وتصدير فلسفته إلى أنحاء المعمورة. وقد استطاع الشيعة في إيران توصيل مذهبهم إلى أصقاع مختلفة من العالم ومنها منطقة شرق إفريقيا التي شهدت نشاطاً شيعياً مكثفاً واسع النطاق وبقنوات مختلفة بفضل الدعم الكبير الذي تقدمه السفارات والقنصليات الإيرانية في تحقيق مآربهم في شرق إفريقيا ولا سيما في المناطق الساحلية المتأصلة جذور الإسلام في أعماق أهلها. ويتركز نشاطهم فيما يلي: أولاً: فتح مراكز ثقافية في المنطقة: وهذه المراكز تتكون من مكاتب علمية وقاعات للاجتماع وعقد الندوات وأماكن لتوزيع النشرات والكتب والأشرطة الدينية على مذهب الاثني عشرية وغير ذلك. وأحد هذه المراكز في كينيا يقع وسط البلد وفي مكان استراتيجي في العاصمة نيروبي، ويعتبر من أكبر المراكز في كينيا وهو تحت إشراف القنصلية الإيرانية؛ حيث يتلقى منها التمويل والدعم المادي والروحي علاوة على الحماية السياسية، وهذه المراكز يديرها مجموعات شيعية مدربة تتقن عدة لغات مثل الإنجليزية والعربية إضافة إلى لغة السكان المحليين، وغالباً ما تضم هذه المراكز مكتبات علمية ضخمة فريدة من نوعها تحتوي على كتب علمية في مختلف صنوف العلم والمعرفة: من تفسير وعلومه، وحديث وعلومه، وفقه وأصوله، ولغة وأدب، وتاريخ وسيرة، ومعارف أخرى، كما تحتوي على مجلات وجرائد: أسبوعية أو شهرية، وأخرى فصلية، وهذه الجرائد يغلب عليها الطابع الشيعي الجعفري؛ لأن جلها يأتون به من داخل إيران. ومن هذه المجلات: ١ - مجلة (رسالة التقريب) وهي فصلية، ويعنون بالتقريب: التقريب بين المذاهب الإسلامية: الشيعية، والسنية. ٢ - مجلة التوحيد. ... ... ... ٣ - مجلة الهدى. ٤ - مجلة الوحدة. ... ... ... ٥ - مجلة الراصد. ٦ - مجلة الطاهرة، وغير ذلك، وأغلبها مكتوبة باللغة العربية والفارسية. ثانياً: فتح مدارس علمية وأكثرها ثانوية: وقد أنشأ الشيعة في المنطقة مدارس مختلفة المستويات التعليمية، وهذا النوع من المدارس كثير ومنتشر في العواصم والمدن الكبيرة وهي في الغالب مدارس أهلية يديرها مدرسون وطنيون، غير أن رئيسهم الروحي إيراني، ويُطلق عليه لقب الفقيه، وهناك مدارس ابتدائية ومتوسطة. وعلى أية حال لا يشترط في الطلاب ديانة معينة ولكن أغلبهم من المسلمين. أما لغة الثقافة في هذه المدارس فهي الإنجليزية والسواحلية. ثالثاً: نشاط دعوي كبير بين الشباب المثقف: وقد وجد الشيعة في الآونة الأخيرة آذاناً صاغية لبدعهم وذلك بعد أن جندوا نخبة من السكان الأصليين الذين تعاطوا المذهب الشيعي واجتهدوا لنشره بين صفوف المجتمع، وهؤلاء الدعاة يتقاضون الأجور من قِبَلِ السفارات والقنصليات الإيرانية في المنطقة، وفي بداية الأمر لم يكن نشاطهم الدعوي يظهر في العلن؛ حيث الخوف والهلع من الدعاة السنيين، وخوفاً من إثارة الفتنة والخلاف الذي لم يكن لصالحهم. والحقيقة أن الشيعة تتبع أساليب وطرقاً مختلفة من إغراء بالأموال، وإعطاء منح دراسية لمن تَروق له أفكارهم المنحرفة من الشباب ويستحسن طابعهم الشيعي، علماً بأن غالبية السكان ليس لديهم مناعة قوية وحصانة شرعية تقيهم المحاولات البدعية المسمومة الموجهة إليهم. ومهما كان الأمر فقد أخذت الشيعة توطِّئ قدمها على أرض شرق إفريقيا، وبذلت وما زالت تبذل جهوداً في سبيل نشر التشيع والولاء لدولتهم، ويتلقون من إيران دعماً سخياً لا حدود له. لذلك يخالج كثيراً من أهل السنة مخاوف عديدة من خطر هذا السيل الجارف الذي يتمثل فيما يلي: ١ - اهتمام الشيعة بالمسلمين الجدد، وزعزعة عقيدتهم وإدخالهم في التشيع. ٢ - اهتمامهم باللاجئين الصوماليين وإغرائهم بالمنح الدراسية. ٣ - فتح قنوات تلفزيونية، ولا سيما في تنزانيا. ٤ - اهتمامهم بإعداد المناهج الدراسية وتوفيرها. ٥ - تركيزهم على المسلمين في المناطق الساحلية. ٦ - اتحاد الجهود بين الشيعة والطرق الصوفية، وخاصة في المناطق الساحلية حتى تمكن الروافض من الاستيلاء على المراكز الصوفية وإحداث عداوة بين الصوفية وغيرهم. ٧ - نشرهم كتباً تسب تعاليم الإسلام وعقيدته الصحيحة وكذلك علماء أهل السنة مثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وغيره. ٨ - استغلالهم الظروف الاقتصادية السيئة لبعض المسلمين في السواحل، وفي الملاجئ، حتى افتخر بعضهم أنهم استطاعوا التوغل في صفوف اللاجئين. ٩ - محاولاتهم الاستفادة من الوسائل الإعلامية المختلفة وتسخيرها لخدمة أهدافهم. ومع هذه الجهود الكبيرة لأجل انتشار المذهب الشيعي إلا أن الله قيض بعض الدعاة رغم قلة ما بأيديهم لوقف هذا الزحف الكبير؛ حيث استخدموا وسائل الدعوة المختلفة من خطب ومحاضرات وندوات ودروس متتالية في أوساط الشباب وفي المساجد وغيرها حتى استطاعوا ردع الشيعة ورد ضلالاتهم في بعض المحافل؛ بحيث أُبعدوا من بعض الأماكن الهامة التي كانوا يسيطرون عليها على حين غفلة من أهل السنة. ومن الأساليب والخطط التي استخدمها العلماء والدعاة السنيون: نشر كتب وتوزيعها تبين العقيدة الإسلامية الصحيحة، وتوضح الضلال والزيغ من المذاهب المنحرفة وعلى رأسها المذهب الشيعي، غير أن المسلمين هناك يفتقرون إلى كتب وبحوث مكتوبة باللغات المحلية التي يعرفها السكان، كالسواحلية والإنجليزية؛ بحيث تتناول هذه الكتب إبراز خطر الشيعة على العقيدة والدين. ومن المؤسف أن بعض الحركات الإسلامية لا تناقش مثل هذه القضايا؛ بل بعضهم يرون أن هذه الأمور خلافية قد تم دفنها مع الزمن، ولا يجوز نبش ما واراه التاريخ؛ لأن مناقشة القضايا العقدية لا سيما فيما يتعلق بالشيعة وضلالاتهم أمر لا ينبغي الخوض فيه لكي لا يتفرق المسلمون، في حين أن هناك نشاطاً مكثفاً يهدف إلى تشييع أهل السنة فضلاً عن غيرهم في أماكن عدة من العالم، وتنفق إيران في سبيل ذلك ثروة ضخمة، بل تتبنى وبكل جرأة رفع راية الشيعة في العالم بأسره وتفتخر بهذا الدور؛ حيث ترى أنه دور بطولي في ظل تخاذل أهل السنة وتقاعسهم دولاً وجماعات إلا من رحم الله. ومن الغريب أن بعض المجلات والجرائد في العالم العربي ترفض نشر مواضيع تمس عقيدة الشيعة وتفنيد مكامن خبثهم رغم أن أصحاب هذه المجلات من جملة أهل السنة والجماعة، وهذا من غربة الإسلام التي أشار إليها نبينا محمد ﷺ ، وأخطر من ذلك أن الشيعة بدؤوا بواسطة دولتهم ضغوطاً دبلوماسية على بعض الناس حتى لا يسمحوا بنشر ما يمس عقائدهم من الكتب والمقالات؛ حيث يعتبرون ذلك فتحاً لباب الدعاية عليهم والتدخل في شؤونهم الداخلية، مما تسبب في فقدان كتب كانت موجودة في الأسواق، ولا يُعرف من سحبها؛ لذلك فلا يستغرب أن يأتي يوم لا نجد في مكتباتنا كتباً ومصادر تكشف أكاذيب الرافضة وتفضح تلك الكتب أراجيفهم التي زلزلت أركان دولتهم وأبانت مكائدهم العقدية. ورغم تبني إيران النشاط الشيعي، وتسخير كل ثرواتها وطاقاتها الهائلة في سبيل نجاح عقيدة الرفض بالإضافة إلى الخُمُس الذي يأخذونه من كل شيعي في أنحاء العالم تطوعاً رغم ذلك كله فإنه من السهل أن نقاوم هذا الضلال المنتشر في صفوف المسلمين الجدد إذا استخدمنا خططاً محكمة وأساليب حكيمة مثل: ١ - نشر كتب وبحوث وتوزيعها تبين العقيدة الصحيحة على مذهب السلف الصالح، لا سيما الكتب التي ألفت لأجل تبيان الزيغ والضلال، ومن الضروري أن تكون بعض هذه الكتب مكتوبة بلغة يفهمها السكان الأصليون، ومن هذه الكتب: - الشيعة والسنة، لإحسان إلهي ظهير. - مسألة التقريب بين الشيعة وأهل السنة، د. ناصر القفاري. - رسالة في الرد على الرافضة، للإمام محمد بن عبد الوهاب. - حقيقة الشيعة، عبد الله الموصلي. - أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، د. ناصر القفاري. - الشيعة والقرآن، إحسان إلهي ظهير. - النصوص الفاضحة، عبد الكريم محمد عبد الرؤوف، وغير ذلك من الكتب. ٢ - إقامة دورات دعوية بين الفينة والفينة لإعداد نخبة من الشباب وتربيتهم على المذهب الصحيح. ٣ - تنشيط بعض المراكز الثقافية التابعة لبعض الجمعيات والمؤسسات الدولية العاملة في منطقة شرق إفريقيا؛ إضافة إلى المراكز والمنابر الثقافية المحلية التي تعنى بالتعليم والدعوة. ٤ - إعطاء منح دراسية في الجامعات الإسلامية لأبناء السواحل الشرقية الإفريقية. ٥ - إصدار بعض النشرات شهريةً أو فصلية تتضمن ردوداً على الفرق المبتدعة. ٦ - تفريغ دعاة يهتمون بأمر العقيدة والتوحيد في جميع أصقاع المنطقة ليجوبوا الأقطار الساحلية بالدعوة الصحيحة. نسأل الله أن ينصر من نصر دين محمد ﷺ ، وأن يخذل من يخذله.

стр. 3399

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش درس شيشاني من دون أي مساعدات من الخارج، أو أي تأييد يذكر، وفي مواجهة جيش دولة عظمى تمكن مقاتلو الشيشان من إحراز انتصارات أربكت حسابات موسكو، ودفعتها إلى الاعتراف بالأخطاء، والإعلان بعد تزييف مستمر عن أعداد أقرب إلى الحقيقة للقتلى والجرحى في صفوف جيشها. قد يتغير الموقف في مرحلة مقبلة، غير أن الحقيقة ستظل مع هذا قائمة ثابتة، وهي أن المقاتلين الشيشان تمكنوا من تدويخ الجيش الروسي وإلحاق الهزائم المخزية، وتكبيده أفدح خسائر، لقد حققوا لأنفسهم نصراً مدوياً في تاريخ جهاد ذلك الشعب الباسل من أجل نيل حريته واستقلاله. وهو نصر كان كفيلاً لو أن في العرب بقية حياء أن يجلب إلى وجوههم حُمرة الخجل. فأما الدرس المستقى فلا أرى من هو أوْلى بأن ينتفع به من شعوبنا العربية والإسلامية التي غمرها الإحساس بوجود إرادة عليا لا تُقهر، ولا تملك حيالها غير الإذعان والاستسلام، إحساس بأنها باتت مغلوبة على أمرها. غير أن أغلب ظني أنهم وهم يرقبون ما يجري اليوم في جمهورية الشيشان يودون في قرارة أنفسهم ومهما تظاهروا علناً بغير ذلك أن ينتهي الأمر سريعاً بسحق الروس لتمرد مقاتلي الشيشان حتى ترسخ ثقتهم في عبث المقاومة. فمجرد استمرار هذا التمرد، حتى من دون انتصارات باهرة كتلك التي حققها هؤلاء المقاتلون، يمثل إدانة دامغة لخمول همتهم، وأصابع الاتهام تشير إلى تقصيرهم. واليوم إذ أتابع ساعة بعد ساعة أخبار جهاد الشيشان ضد الاستعماريين الروس أرى ثقتي تتنامى في أن الوقت قد يجيء حين يكون للمسلمين في تلك المنطقة دور القيادة للمسلمين في كل مكان. [حسين أحمد أمين، جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٧١) ] كلام واضح لم تنشب حرب الخليج الثانية بعد احتلال العراق للكويت لأسباب تتعلق بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، وإنما بسبب النفط، ولو لم يكن النفط موجوداً في تلك المنطقة فلربما ظل العراق مسيطراً على الكويت حتى وقتنا هذا، ولم يكن الأمر ليأخذ الأهمية التي أخذها، فكما نرى في حالات أخرى لم يكترث أحد باحتلال بلدان أخرى. إذن يمكن القول: إن الولايات المتحدة تزعم أنها تنطلق من مسوغات إنسانية، ولكنها في معظم الحالات عوامل جيواستراتيجية، حتى في قراراتها المتعلقة بعمليات حفظ السلام كما في البوسنة وكوسوفا؛ لأن هاتين الدولتين تقعان في أوروبا، والوضع فيهما يؤثر على علاقات الولايات المتحدة مع روسيا ويعد مهماً من الناحية الاستراتيجية، ولكن الولايات المتحدة لم تتحرك إزاء رواندا، أو غيرها من الصراعات الإفريقية، وخرجت من الصومال بدون بذل محاولة جادة لتسوية النزاع فيها؛ لأنها لم تفهم حقيقة الأمر هناك واعتبرته قليل الأهمية بالنسبة لها، فانسحبت تاركة الصومال في حال يرثى لها كما كانت من قبل، إذن الولايات المتحدة تتخير حسبما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية. [آن ليشى، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة فيلانوفا بالولايات المتحدة، مجلة المجتمع، العدد: (١٣٨٤) ] إنجاز ثوري! ! عندما تبدأ مطالعة موقع جمعية اللواطيين والسحاقيات العرب على الإنترنت ربما يكون من الأفضل أن تفقد طوعياً قدرتك على الاندهاش؛ حيث إن ذلك الموقع الأنيق يضم مجموعة متكاملة من المعلومات والأخبار ووسائل التعاون والخدمات، وكذلك جرعة معرفية هامة حول ثقافة الشذوذ الجنسي، وهو ما يبدو في مجمله مشروعاً لخلق مجتمع عربي جديد قائم على الحرية الجنسية! إن هدف الجمعية هو تحقيق التواصل بين الشواذ العرب حول العالم، وتعتبر الجمعية أن إنجازها ثوري وخارق للعادة، نظراً لما تسميه بالاضطهاد التقليدي العربي لثقافة الشذوذ، وهي تشجع اللواطيين والسحاقيات على الاعتزاز بأنفسهم ومقاومة أولئك الذين يسعون إلى قمعهم بواسطة الكراهية والتجاهل! ! [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٣٢٦) ] كل هذا المديح! ! أبى الرئيس بوريس يلتسن ألا ينصرم القرن العشرون قبل أن يتأكد من تسجيل اسمه بين زعمائه الأفذاذ غير العاديين. وإذا أردنا وصفاً يلخص شخصية يلتسن آخر المنسحبين من عالم الأضواء في ذلك القرن فهو أنه سياسي مغامر بامتياز، وهذه الصفة تحديداً هي أكثر ما يميز الزعماء الأفذاذ عن غيرهم. فالمغامرون هم الذين صنعوا التاريخ أو أعادوا صنعه، ولولاهم لسارت حياة الدول والمجتمعات رتيبة لا حيوية فيها ولا إثارة. أما صفته الثانية التي لا تقل أهمية فهي العناد إلى غير حد. وما لم يكن السياسي عنيداً، يصير صعباً عليه أن يخوض مغامرات كبرى يركب خلالها الخطر في لحظات حاسمة. مع ذلك وعلى رغم هذا الدور التاريخي لم يتعرض سياسي في العقد الأخير من القرن العشرين إلى ما نال يلتسن من انتقادات لا بل لعنات، نسي كثيرون دوره هذا، ولم يذكروا غير سوء أدائه عندما صار سيد الكرملين. وإذا كان ترك تقاليد فاسدة كثيرة فقد وضع تقليداً إيجابياً في يوم استقالته حتى إذا لم يقصد ذلك، وهو أن يستقيل المسؤول عندما يفشل. وهذا موقف قد يَجبُّ بعض أخطائه التي ستظل تلاحقه، ولكنها لن، ولا ينبغي لها أن تسلبه حقه في الاعتراف به زعيماً فذاً ساهم بالدور الأهم في تحويل مسار بلاده وإخراج شعبه من وراء الستار الحديدي الذي لا تقارن مظالمه الهائلة بمعاناة الروس الآن. وهو في ذلك كله زعيم فذ يستحق مكانة متقدمة بين رجال القرن العشرين أياً كان حجم الخلاف على دوره. [وحيد عبد المجيد، رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي، جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٥١) ] دعاة على أبواب العولمة! ! فئة الشباب في مصر تؤيد العولمة؛ لأنهم يتعاملون مع البيتزا ودجاج الكنتاكي ووجبات الماكدونالدز ويرتدون الجينز ويتعاملون مع الكمبيوتر وشبكة معلومات الإنترنت، ويتطلعون للسفر إلى الخارج، وهذه الفئة في واد آخر ولا تتأثر بمقولات أعداء العولمة. إن هناك اتجاهاً نحو السلام، والديمقراطية، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي، وهذه ثلاثة أمور تحمل في طياتها بواعث الأمل! ! فالسلام يجنب المنطقة مزيداً من الاستنزاف الاقتصادي والبشري والروحي. أما الديمقراطية فإنها تعوِّد العرب على حل خلافاتهم الداخلية الإقليمية بصورة سلمية وتساعد على فرز الكوادر السياسية ووضْعٍ أفضل لهذه الأمة في القرن المقبل. وبالنسبة إلى الانتعاش الاقتصادي: الملاحظ أن الدول العربية بدأت تتجه إلى اقتصاديات السوق وذلك بعد نصف قرن من التجربة وثبوت أن هذا الاتجاه هو الأفضل اقتصادياً في تنويع وتنمية مواردنا الذاتية. [د. سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز ابن خلدون بالقاهرة، مجلة الوسط، العدد: (٤١٦) ] عليكم النصرة كشف عائدون من مخيمات لاجئي الحرب الأهلية في منطقة شرق زائير الكونغو الديمقراطية عن تعرض نصف مليون مسلم من أبناء البلاد لمحاولات تنصيرية مستمرة تستغل الظروف القاسية التي يعيشها السكان المسلمون داخل المخيمات. وقالت هذه المصادر: إن المعونات التي تأتي من الأمم المتحدة إلى اللاجئين في المناطق الممتدة من شرق زائير إلى حدود بوروندي ورواندا تذهب في الأغلب إلى الأقلية المسيحية التي تعيش في المخيمات، في حين تظل الأغلبية المسلمة في انتظار معونات المنصرين، والفتات الذي ترسله لهم إيران التي تعد الدولة المسلمة الوحيدة التي التفتت لمشكلة هؤلاء اللاجئين! ! بدأت مشكلة هؤلاء اللاجئين منذ استولى رولان كابيلا على الحكم في زائير وحوَّل اسمها إلى الكونغو الديمقراطية حيث نشبت حروب طاحنة ما زالت قائمة بين كابيلا ومعارضيه، وكان من ضحايا هذه الحروب المسلمون الذين يعيشون في المحافظات الشرقية، فتركوا مدنهم وقراهم، ومنهم عدة آلاف فروا إلى رواندا، وبورندي وأوغندا المجاورة، وعاشوا منذ تلك الفترة داخل خيام أقامتها لهم لجنة لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. إن المسلمين يتعرضون داخل هذه المخيمات التي أصابها البلى لمهانة لا تليق بالكرامة الإنسانية؛ فالطعام لا يسد الرمق، وتنعدم الخدمات الطبية مع تلوث مياه الشرب مما أدى إلى انتشار أمراض سوء التغذية بين الصغار والكبار، إضافة إلى الملاريا المنتشرة هناك بصورة وبائية. [مجلة الإصلاح، العدد: (٤٢١) ] لماذا المخالفة؟ ! عندما اقتحم من يسمون أنفسهم جنود الله من رجال شامل باسايف وخطاب أراضي داغستان، عارضت أنا ذلك، وأعلنت موقفي جهاراً. وقلت: ليس هذا بجهاد.. هذا خداع.. وأعلنت ذلك من التلفزيون المركزي عندنا وآنذاك كان ما يزال يعمل وكان بوسعي التحدث معه.. وقلت: إذا كانت داغستان تريد الجهاد فلديهم علماء دين أفاضل يستطيعون إعلان الجهاد فيها، وإذا ما حدث وثاروا ضد روسيا فيمكننا التوجه لمساعدتهم كإخوة لهم. كما فعلوا هم حين ساعدونا في الحرب الماضية. لكن ما حدث تماماً غير ذلك، فهم لم يعلنوا الجهاد، ونحن اقتحمنا أراضيهم، إنها أرض روسية.. ولهذا لم أؤيد العملية، إنه لشيء بعيد عن الإنصاف. فماذا كانت أهداف الهجوم.. وعن أي (إسلام) يدورالحديث لقد كانت هناك مدارس إسلامية ومساجد، ولم يفرض أحد الحظر على الدين، بينما نحن جئنا لفرض الشريعة والإسلام على حد الزعم.. هذا في الوقت الذي لم يتوفر هذا لدينا أنفسنا. فما هو المثال الذي كنا نريد تقديمه لهم؟ أنا لا استثني احتمال وجود يد لموسكو في ذلك، وربما جرى الاتفاق مع موسكو بشأنه. [مفتي الشيشان، أحمد قادروف، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧١٠) ] الجهاد المقلق! ! طالب الوفدان البريطاني والأمريكي اللذان زارا باكستان الحكومة الباكستانية بوقف أنشطة الجماعات الكشميرية المسلحة التي تعمل من الأراضي الباكستانية، وكان هناك ضغط على القيادة العسكرية من أجل تنفيذ عدد من المطالب إذا ما أرادت الحكومة الحالية أن تحظى بالقبول الدولي، وأكد مسؤولون في الوفدين أن الخطوة الأولى والأهم هي حظر نشاط حركة المجاهدين الكشميريين التي أعلنتها الولايات المتحدة حركة إرهابية. [السبيل الأردنية، العدد: (٣١٨) ] عزة يهودية! ! نقل عن الحاخام الأكبر الأسبق للدولة العبرية موردخاي إلياهو قوله: إن على سورية أن تعيد لـ (إسرائيل) مدينة دمشق العاصمة التي أخذت منا في عهد الملك داود، حسب زعم الحاخام المتشدد الذي يشكل مرجعاً دينياً أعلى للحزب القومي الديني (المفدال) المتطرف. وأضاف الحاخام: إن على المؤمنين اليهود أن يخرجوا ويمزقوا ثيابهم؛ لأن الحكومة الإسرائيلية تريد إعادة مناطق من أرض (إسرائيل) بينما لا يعقل أن نتخلى عن أراضٍ في مرتفعات الجولان ونسلمها للعدو. [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٣٢٦) ] وماذا أنتم فاعلون؟ ! قال السفير محمد صبيح مندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية: إن هناك عشرة آلاف عالم نووي في (إسرائيل) منهم علماء نجح الكيان في تهجيرهم من الدول السوفييتية السابقة وذلك ضمن موجة الهجرة التي شملت تهجير ٩٢ ألف عالم في مجالات مختلفة من الاتحاد السوفييتي السابق إلى (إسرائيل) . وأشار مندوب فلسطين في تصريحات أدلى بها على هامش اجتماعات اللجنة العربية المعنية برصد النشاط النووي (الإسرائيلي) إلى أن دول المنطقة تحتاج إلى أكثر من ٥٠ عاماً لإعداد جيش من العلماء النوويين على غرار الجيش الموجود في (إسرائيل) حالياً، وأضاف صبيح أن (إسرائيل) تستثمر هذه المعرفة وتعطيها إلى دول أخرى معروفة في المنطقة تحت غطاء التعاون العسكري. [جريدة الخليج، العدد: (٧٥٥٤) ] هل نعي المقصود؟ ! إن العالم العربي يفتقر إلى النظافة، وإن هذا الحال غير معقول بالنظر إلى أن (إسرائيل) في هذا المحيط بقعة نظيفة، فضلاً عن أنها جزيرة ثرية وسط بحر من الفقر، إن من الضروري الاتفاق على نظم التعليم وشؤون المياه والطاقة، وذلك بتغيير مناهج التعليم في دول الشرق الأوسط، وبالاتفاق على تقسيم المياه في المنطقة، إن هذه الموضوعات لا يصح أن تنتظر عملية السلام، ولكن يمكن أن تسير معاً بالتوازي، وحتى إذا تعثر السلام تسير هذه الموضوعات دون انتظار، حتى لا تبقى هذه المنطقة متخلفة وتلهث وراء قطار العولمة! ! [شمعون بيريس، جريدة الخليج، العدد: (٧٥٦٠) ] تعادل غير.. عادل! ! ذكر تقرير عن الصحة والبيئة صادر عن معهد وورلد ووتش أنه للمرة الأولى ينافس عدد الأشخاص في العالم المصابين بتخمة غذائية وزيادة في الوزن هؤلاء المصابين بسوء تغذية وانخفاض في الوزن؛ إذ يبلغ عدد كل منهم ١.٢ بليون شخص. والتخمة الغذائية هي مشكلة ظهرت حديثاً في دول تسمح الدخول المرتفعة فيها بشراء أغذية ذات سعرات حرارية عالية. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٦١) ]

стр. 3400

دراسات إعلامية العولمة في الإعلام د. مالك بن إبراهيم الأحمد الحمد لله رب العالمين القائل: [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ] [الحجر: ٩٤] والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين القائل: (إن من البيان لسحراً) [١] وبعد: فإن أمر الإعلام في عصرنا الحاضر ودوره المؤثر والفعال على الأمم والمجتمعات، على الدول والمؤسسات، والكبار والصغار، والنساء والرجال أمر لا يخفى على ذي بال. لكن الطور الذي دخله الإعلام في سنيه الأخيرة ليس مجرد طور عادي، وليس مجرد وسيلة جديدة أو أسلوب متطور فحسب؛ بل الأمر هو التوجه العالمي للإعلام؛ بمعنى أن الإعلام لم يعد محصوراً في مكان أو حدود سياسية أو بقعة جغرافية.. بل أصبح يتخطى الحدود وربما يجاوز كل وسائل الرقابة. كذلك فإن الأمر لا يقف عند هذا الحد.. بل تعداه إلى تكوين مجموعات أو شركات إعلامية أخطبوطية لها أذرع في كل مكان، ولها وجود في كل صنف من الإعلام.. تشارك في القرار السياسي وتؤثر في النشاط الاقتصادي.. توجه المجتمعات وتقود الأمم في الفكر والثقافة، في الفن والرياضة، في الدين والأخلاق. نعم! هي مستقلة (مالياً) لكنها مرتبطة بصفةٍ مَّا بالدول التي تنطلق منها. خلفية مالكيها ومؤسسيها تحكم توجهها الثقافي والاجتماعي. أما عمالها وموظفوها فهم مشاركون في صياغة توجهها وما تبثه وما تنقله وما تنتجه من مواد إعلامية فيغلب عليهم التوجه العلماني، ويؤثر حيث يغلب فيهم خلفيتهم الأيديولوجية. أما التاريخ فهو ما يصوغ علاقتهم مع الآخرين، خصوصاً إذا كانت هناك تداخلات مسبقة (حروب صليبية استعمار..) . وحديثنا عن آثار العولمة في مجال الإعلام ليس من باب المبالغة، ولا من باب تقوية الخصوم لكنه من باب ... [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم] [الأنفال: ٦٠] من باب أن (الكلمة أمانة) ومن باب (الواجب والمسؤولية) وباب [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] [آل عمران: ١١٠] وباب ... (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى..) وسوف نسرد هنا نماذج فعلية تحكي صورة من الإعلام الدولي الذي ينحو نحو العولمة؛ فلقد سمعنا وقرأنا كثيراً عن العولمة في السياسة والعولمة في الاقتصاد.. لكن لم نسمع من قبل عن العولمة في الإعلام؛ فدعونا نقرأ قليلاً حول هذا الموضوع. مفهوم العولمة: العولمة مصطلح حادث مترجم عن الكلمة الإنجليزية Global ومعناها: عالمي أو دولي، وغالباً ما تذكر مرتبطة بمصطلح القرية (Global Village) بمعنى القرية الكونية أو العالمية. ويدور مفهوم العولمة حول الوجود العالمي أو الانتشار الكوني، وغالباً ما استخدم في السياسة والاقتصاد بمعنى النفوذ السياسي العالمي والمؤسسات الاقتصادية الدولية (الأخطبوطية) المتواجدة في أنحاء كثيرة من العالم ولها تأثير قوي ونافذ سواء في الشأن الاقتصادي أو السياسي المحلي (أي في البلدان المتواجدة فيها) . ثم تطور في جانب جديد وهو العولمة الإعلامية، عن طريق إنشاء مؤسسات إعلامية دولية ضخمة لها قاعدة أساسية في بلد وتنطلق منه إلى كثير من البلدان، ولها أثر فاعل في الإعلام المحلي لتلك البلدان.. وأخيراً نشأ مصطلح العولمة الثقافية (Global Culture) وتعني الانتشار الثقافي الفكري لجهات قومية، ومؤسسات دولية (أغلبها أمريكية) وأصبح لها أثر ملموس في الجانب الثقافي لدى الكثير من المجتمعات حول العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب [٢] . ... المجموعات الإعلامية الدولية الكبرى: هناك ست مجموعات رئيسة كبرى، تعمل في الأنشطة الإعلامية على مستوى العالم ولها حضور دولي كبير متفاوت من مؤسسة لأخرى، ... أربعة منها أمريكية، وواحدة أوروبية، وواحدة أسترالية أمريكية، وهذا عرض لأبرز أنشطة هذه المجموعات: ١ - تايم ورنر Time Warner: [٣] أكبر مؤسسة إعلامية في العالم؛ إذ تفوق مبيعاتها ٢٥ بليون دولار، ثلثها من أمريكا، والباقي من العالم. ويتوقع ارتفاع دخلها من خارج أمريكا إلى ٥٠%، وتملك العديد من الأنشطة الإعلامية المتنوعة ومنها: * ٢٤ مجلة (منها تايم) . * ثاني أكبر دار للنشر في أمريكا. * شبكة تلفزيون ضخمة واستديوهات برامج وأفلام، ودور عرض للسينما (أكثر من ١٠٠٠ شاشة) ، وأكبر شبكة كيبل تلفزيوني مدفوع في العالم. * شركات أفلام في أوروبا، والعديد من محلات البيع بالتجزئة. * مكتبة ضخمة من الأفلام (٦٠٠٠ فلم) والبرامج التلفزيونية (٢٥٠٠٠ برنامج) . * بعض القنوات الدولية التلفزيونية مثل HBO, TNT, CNhN. * مساهمات رئيسة في قنوات وشبكات تلفزيونية أو مرئية. وللعلم، فإن عدد مشاهدي المحطة الإخبارية CNN يفوق ٩٠ مليوناً في ٢٠٠ دولة، ولدى HBO ١.٢ مليون مشترك حول العالم. ٢- مجموعة برتلزمان ertelsmann: أكبر مجموعة إعلامية في أوروبا وثالث أكبر مجموعة في العالم. دخلها السنوي يجاوز ١٥ بليون دولار، وتتميز بأن لها تحالفات وتعاوناً مع العديد من المجموعات الإعلامية الدولية في أوروبا واليابان، ولها العديد من الأنشطة الإعلامية ومنها: * قنوات تلفزيون في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا؛ إضافة إلى استوديوهات سينمائية متعددة. * مجموعة من الإذاعات الأوروبية. * ٤٥ شركة نشر للكتب بلغات أوروبا المختلفة. * أكثر من ١٠٠ مجلة في أوروبا وأمريكا. ٣- مجموعة فياكم Viacom: مجموعة إعلامية قوية في أمريكا؛ وربع دخلها السنوي (١٣ بليون دولار) من خارج أمريكا، ولها نشاط محموم للتوسع الدولي؛ حيث أنفقت بليون دولار في السنوات الأخيرة للتوسع في أوروبا، ولها تحالفات مع العديد من المجموعات الإعلامية ونشاطها متنوع ومنه: * ١٣ محطة تلفزيون في أمريكا إضافة إلى شبكات بث فضائي دولي (شوتايم [٤] نكلدون ... ) . * شركات إنتاج تلفزيوني وسينمائي وفيديوي وموسيقي. * شركات نشر كتب. ٤- ديزني Disney: أكبر متحدٍّ لمجموعة تايم ورنر في العولمة الإعلامية. لها دخل يفوق ٢٤ بليون دولار، ولها حضور قوي في مجال الأطفال بل تعتبر أكبر منتج لمواد الأطفال في العالم، ولها حضور من أقصى الشرق (الصين) إلى أوروبا ... والشرق الأوسط حتى أمريكا اللاتينية. ولها أنشطة متنوعة منها: * استوديوهات أفلام وفيديو وبرامج تلفزيونية، وشبكة ABC ... التلفزيونية الضخمة في أمريكا، ومحطات تلفزيون وراديو متعددة. * قنوات تلفزيونية دولية متعددة بالأقمار الصناعية والكيبل مثل ديزني Espn ,Disney الرياضية. * محلات تجارية باسم ديزني، ومراكز ألعاب وترفيه حول العالم. * دور نشر للكتب. * ٧ صحف يومية، و٣ شركات لإصدار المجلات. وللمجموعة تحالفات ومشاركات مع مؤسسات إعلامية في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وكذلك مع شركات بث واتصالات متعددة الجنسيات. ٥ - نيوز كوربريشن News Corporation: خامس أكبر مجموعة إعلامية من حيث الدخل (١٠ بليون دولار) لكنها أكبر لاعب دولي في مجال الإعلام حول العالم. أسس المجموعة روبرت مردوخ [٥] ويملك حالياً ثلثها، ولها وجود في جميع أنحاء العالم من خلال أنشتطها الإعلامية والتي منها: * ١٣٢ صحيفة و٢٥ مجلة في أستراليا وبريطانيا وأمريكا (تعتبر واحدة من أكبر ثلاث مجموعات صحفية حول العالم) . * شركة فوكس للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وشبكة فوكس للبث التلفزيوني؛ إضافة إلى ٢٢ محطة تلفزيون. * شبكة ستار للبث الفضائي حول العالم وشبكة سكاي (بريطانيا خصوصاً) . * دور نشر للكتب. وللمجموعة تحالفات مع مجموعات إعلامية حول الإعلام، وقاعدتها ٦ دول رئيسة تنطلق منها أنشطتها المتنوعة وبالأخص: أستراليا بريطانيا أمريكا. تعتبر هذه المجموعة من أعقد المجموعات الإعلامية وأوسعها، ولها نفوذ قوي في الصين والهند (فضلاً عن أوروبا وأمريكا) ، وأسلوبها الناجح هو الشراكة مع جهات نافذة محلية مع عدم مصادمة التوجهات السياسية المحلية لهذه البلدان [٦] . ومن أهم خصائص هذه المجموعة: أنها تبث بلغات البلدان المختلفة؛ فمجموعة (Fox) نفسها مثلاً تبث بالأسبانية في أمريكا اللاتينية وأسبانيا إضافة إلى الإنجليزية بوصفها لغة دولية وتتميز هذه المجموعة أيضاً بقدرتها على اختراق الدول النامية وتوطيد أقدامها فيها، كما أن لها مصادرها الخاصة بالأخبار والبرامج ممثلة في شركات تابعة أو شريكة إضافة إلى قنوات البث الخاصة بها. ٦ مجموعة TCT: وهي مجموعة إعلامية متخصصة بالبث التلفزيوني عبر الكابل وكذلك عبر الأقمار الصناعية من خلال نظام الاشتراكات، ولها وجود قوي دولي في هذا الميدان؛ حيث تمتلك قمرين صناعيين للبث حول العالم (قيمتهما ٦٠٠ مليون دولار) والدخل السنوي للمجموعة يفوق ٧ بليون دولار. ... مجموعات إعلامية أخرى: هناك مجموعات إعلامية دولية أخرى على صنفين: الأول: يمثل النشاط الإعلامي جزءاً من نشاط أوسع للشركة الأم. والصنف ... الثاني: مجموعات إعلامية أصغر (من حيث الدخل؛ وإلا فإنها إمبراطورية إعلامية لا يقل دخلها عن بليون دولار سنوياً) ، وسنذكر هنا أبرزها وأكثرها تواجداً على الساحة الدولية: ١ - يونيفرسال: تملكها مجموعة سيغرام الدولية، ويمثل دخل المجموعة الإعلامية (٧ بليون دولار) نصف عائدات الشركة الأم. وأبرز أنشطتها: أعمال الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والموسيقي ونشر الكتب، ولها ٢٧ مكتباً حول العالم، ولها وجود قوي في أوروبا وشرق آسيا (سوف تنفق ٢٠٠ مليون دولار في الصين حتى العام القادم) . ٢ - بولي جرام: تمتلكها شركة فيليبس المشهورة، وأعمالها الرئيسة: إنتاج سينمائي وموسيقي، ودخلها يجاوز ٦ بليون دولار نصفها من مبيعاتها في أوروبا وربعها في أمريكا. ٣ - سوني للترفيه: وهي جزء من سوني للإلكترونيات اليابانية الضخمة، وهي متخصصة في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والموسيقي ... والبث الفضائي، ولها دخل يجاوز ٩ بليون دولار سنوياً، ولها شراكات ... وتحالفات متعددة في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ٤ - جنرال إلكتريك: من أكبر الشركات في العالم خصوصاً في الكهربائيات، وتملك شبكة NBC للتلفزيون والراديو، ودخلها يجاوز ٥ بليون دولار، ولها وجود دولي وتحالفات متعددة مع شركات برامج كمبيوتر (ميكروسوفت) حيث أنفقت ٥٠٠ مليون دولار من أجل قناة دولية للأخبار عبر الإنترنت MSNBC. ٥ - مجموعة هولنجر (كندا) : ولها نشاط صحفي واسع؛ حيث تمتلك ٦٠ صحيفة يومية. ٦ - التلفزيون المباشر (Direct TV) الأمريكي: [المملوك لشركة هيوز Huges للإلكترونيات والتي تمثل بدورها فرعاً من جنرال موتورز] وهي شركة بث عبر الأقمار الصناعية (١٤ قمراً حول العالم) وتصل إلى ١٠٠ دولة. عموماً هناك العديد من المجموعات الإعلامية (أكثر من ٢٠ مجموعة يفوق دخلها بليون دولار سنوياً في أمريكا ومثلها تقريباً في أوروبا) والطابع العام لها هو التحرك الأفقي ومحاولة كسب أوسع مساحة من الأرض إعلامياً؛ وإن كان الوجود الأمريكي هو الطاغي لهذا التحرك. بقية العالم: وبما أن بقية العالم (عدا اليابان) متخلف في كل شيء فإن العولمة الإعلامية جزء من هذا التخلف العام، لكن هناك ٤ مؤسسات إعلامية في أمريكا اللاتينية من الحجم الثاني وهي ذات توجه دولي. وبالنسبة لآسيا والشرق الأوسط فلا توجد مؤسسات حتى من الحجم الثاني؛ على حين أن الأمر بالنسبة للمنطقة العربية أضعف بكثير. أما اليابان فإنها رغم قوتها الاقتصادية إلا أنها متخلفة إعلامياً عن الغرب، وفيما عدا شركة (سوني) لا يوجد مؤسسات إعلامية دولية يابانية رغم وجود العديد من المؤسسات الإعلامية في اليابان (٢٢٧ شركة من أكبر ١٠٠٠ شركة إعلامية في اليابان) إلا أنها تركز على السوق الياباني المحلي، إحداها NHK التي يفوق دخلها ٦ بليون دولار سنوياً. العولمة الإعلامية والتقنية: ترتبط العولمة بالتقدم والتوسع الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً؛ ولذلك كانت عملية الرقمية (Digital) في نقل الصوت والصورة والكلمة حاسمة في تسهيل وصول هذه المواد للمستهدف، كما أنها خفضت التكلفة مما ساعد على توسيع دائرة الانتشار عالمياً، كذلك ساعدت شبكات الاتصال الفائقة (Fibers) في تسهيل نقل كميات كبيرة من المعلومات وبدرجة نقاء عالية وبوقت قصير حول العالم، وأصبح هناك تحالف ظاهر بين شركات الاتصالات وشركات ... التقنية، والبرامج مع المؤسسات الإعلامية نظراً للمصالح المشتركة بين ... هذه الأطراف؛ فالأولى ترصف الطريق والثانية تسير عليه [٧] . أهداف العولمة الإعلامية: من المعلوم أن الربحية غرض رئيس للرأسمالية الغربية، وأي نشاط اقتصادي يكون وسيلة لزيادة الدخل وللربحية فإنه مُحبّب ومرغوب.. هذا هو منطلق العولمة الإعلامية: ربح وربح وربح. لكن لا ننسى أن القائمين على هذه المؤسسات والعاملين فيها لهم خلفيات وعقائد ومبادئ ينقلونها إلى العالم من خلال أنشطة مؤسساتهم الإعلامية مثل ما تنقل السفينة البضائع، فلا يُستغرب أن نرى مضامين هذه العولمة الإعلامية متوافقة تماماً مع ما درج عليه أصحابها؛ فالعنف يستشري في دمائهم، والجنس قضية بيولوجية؛ أما العقيدة فهي مجموعة من الخزعبلات والخرافات والشعوذات تتوافق أحياناً مع تربيتهم الدينية (النصرانية) وتصادمها أخرى. مَنِ المستهدَف؟ ليس هناك مجتمع محدد مستهدف بالعولمة ولا قطاع معين أو دولة محددة، لكن أينما وجدت التسهيلات الفنية والإمكانات المالية فتجدهم هناك، لذلك نجد توجهاً قوياً للمجموعات الإعلامية الدولية تجاه المراهقين والأطفال؛ نظراً للوقت الطويل الذي يقضونه أمام شاشات التلفاز، الإنترنت، الكمبيوتر. والمجتمعات العربية والإسلامية مستهدفة بهذه العولمة ضمن هذا ... الميدان؛ فحيثما شُرعت الأبواب لهم فإنهم داخلون، لا يعتدُّون غالباً بالبيئات وثقافتها وتقاليدها فضلاً عن دينها ومبادئها. من يقود العولمة الإعلامية؟ المتابع لوسائل الإعلام بكافة أنواعها والتلفاز والسينما والإنترنت على وجه الخصوص لا يخفى عليه الحضور الأمريكي الطاغي؛ لدرجه أن أصواتاً عدة ارتفعت في أوروبا (فرنسا على وجه الخصوص) لمقاومة المد الإعلامي الأمريكي الغازي. وفي الوقت نفسه بدأ السعي الحثيث لدى بعض المؤسسات الإعلامية الأوروبية نحو العولمة، بدءاً بالانتشار الواسع داخل أوروبا نفسها ثم الانطلاق، نحو الأسواق الخارجية خصوصاً ذات الثقافة، واللغة المتشابهة. تطور العولمة الإعلامية: بدأ التحول الضخم في اتجاه العولمة في مجال الاعلام بدءاً من الثمانينيات، وكانت البداية أفرعاً لمؤسسات وموزعين لمنتجات إعلامية، ثم تطورت الأمور مع التوسع الاقتصادي والنمو السكاني والانفتاح السياسي والاقتصادي بين الدول. استطاعت مجموعة من المؤسسات الإعلامية أن تفهم حاجات المجتمعات المختلفة للمواد الإعلامية مما ساعدها على تطوير أدوات إيصال لهذه المواد مستفيدة من التطور التقني الواسع في ميدان الاتصالات. بدأت المؤسسات الإعلامية الأمريكية القوية في موطنها في تكوين شركات متعددة الجنسيات وشراء أنشطة ومؤسسات إعلامية في البلدان الخارجية المختلفة. واكب ذلك تحالفات استراتيجية مع الجهات المحلية القوية مستفيدة بدرجة كبيرة من النفوذ الأمريكي السياسي في العالم وتهاوي أدوات المنع أو الرقابة ووسائلهما في البلدان المختلفة. وتطورت الأمور تجاه العولمة بسرعة بالتواكب مع العولمة الاقتصادية؛ حيث يمكن إدراج الإعلام جزءاً من الأنشطة الاقتصادية. وصل عدد المؤسسات الإعلامية الدولية إلى ٤٠ مؤسسة نصفها تقريباً أمريكي. ويتوقع الاستمرار نحو هذا الاتجاه وزيادة التكتلات والمجموعات الإعلامية الدولية وذلك في المدى القريب والمتوسط. دراسات: في دراسة تمت عام ١٩٩٦ حول الإعلام في ٤١ دولة كانت النتائج ما يلي: * أكثر الأفلام مشاهدة أمريكية، و ٩ أشرطة من كل ١٠ أشرطة فيديو أمريكية. * ٢٠.٠٠٠ مستهلك حول العالم (١٩دولة) سئلوا عن الثقافة ... الإعلامية الأمريكية أجاب ما يقارب النصف منهم بأنها جيدة جداً أو ممتازة. * ٩٠ % من الإعلام في إيطاليا يسيطر عليه الإعلام الأمريكي. * ٢٥ % من سوق الكتب (٨ بليون دولار إجمالي دخل الكتب في العالم) تسيطر عليه ١٠ دور نشر وأكبرها بل أكثرها مملوكة لمؤسسات إعلامية دولية (تايم ورنر، بريكزمان، فياكم) نماذج لأنشطة إعلامية محددة ذات صيغة دولية: بالإضافة إلى برامج التلفاز والسينما الأمريكية ذات الحضور الدولي الكثيف من خلال الشركات الإعلامية المذكورة سابقاً فإن هناك أنشطة إعلامية صحفية ذات طبيعة دولية؛ فتجد صحيفة دورية تصدر في أمريكا مثلاً ولها العديد من الطبعات الدولية ذات المضمون نفسه أو بتغير طفيف مثل مجلتي (نيوزويك) و (التايم) الأمريكيتين. كذلك هناك مجلة (ريدرز دايجست) الأمريكية التي لها ١٧ طبعة، كل طبعة بلغة مختلفة وبنسخ تعد بالملايين. كذلك مجلة ناشيونال جيوغرافيك لها العديد من الطبعات بلغات مختلفة آخرها وأحدثها اليابانية - اللغة الميتة - وبنسخ تفوق المليون شهرياً (ليس لها طبعة عربية) . مستقبل العولمة الإعلامية: تعتبر أمريكا أكبر دولة في العالم اقتصادياً وسياسياً؛ وفي جانب الاتصالات هي الأولى وكذلك في جانب الكمبيوتر. أما الإعلام فلا يوجد لها منافس حقيقي في الساحة. هذه الحقيقة تعطي تصوراً واضحاً للمستقبل الإعلامي العالمي؛ فقيادة أمريكا له ظاهرة. وتداخل الإعلام مع التقنية في الكمبيوتر والاتصالات تجعل القدرة الأمريكية في استمرار الهيمنة الإعلامية مؤكدة؛ خصوصاً إذا انتبهنا إلى الأسلوب المستخدم في الإعلام (المرئي على وجه الخصوص) والذي يعتمد على الإيحاء والخيال الواسع والصورة والحركة لإيصال الرسالة الإعلامية بعيداً عن الكلام الكثير والحشو المطول. ... ... ومما هو مشاهد أن التوسع الإعلامي (الأمريكي على وجه الخصوص) أفقي وعمودي؛ وقد استفاد من التحالفات المحلية (في المناطق القوية) والسيطرة والاحتكار (في البلدان الضعيفة) . كذلك فإن النظرة للعولمة من جهة الشركات الإعلامية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص يزداد مع الأيام، والقناعة به بدأت تسري حتى في المؤسسات المتوسطة والصغيرة فضلاً عن الكبيرة. هذا الأمر (العولمة الإعلامية) سيتجذر مع مرور الأيام، وسيصبح جزءاً مفهوماً من الواقع العالمي. وبالطبع سيتأثر هذا الأمر بمدى المقاومة السياسية للبلدان المستهدفة وبمدى قدرتها على المقاومة أصلاً أو حتى برغبتها في ذلك أو عدم الرغبة. كذلك سوف تتعرض البلدان المتخلفة لضغوط سياسية واقتصادية للقبول بهذا الواقع الإعلامي الجديد من باب: حرية الناس، وحقوق الإنسان، الإعلام الحر، تبادل الثقافات، وحوار الحضارات. ولا ننسى أيضاً أن الشركات الإعلامية تتحرك بمساعدة حكومية من بلدانها الأم وهي تنظر إلى الناس (في كل مكان) أنهم مستهلكون لسلع هم ينتجونها، ولا ينظرون إليهم بصفتهم مواطنين في بلدانهم لهم ثقافاتهم الخاصة وعقائدهم المتميزة. وأخيراً ... فإن واقع الإعلام العالمي يدعو للذعر مع الأخبار التي ما فتئت تذكِّرنا بل تذهلنا بالتطورات المتسارعة؛ حيث ذكرت إحدى الشركات الأمريكية أنها في صدد إطلاق قمر صناعي جديد ذي إمكانات تقنية مذهلة وبتكلفة أقل من الحالية.. تقول الشركة: إنها في غضون سنة ٢٠٠٢م سوف تطلق قمراً قادراً على بث ألف وخمسمائة قناة تلفازية في وقت واحد يعادل أداؤه مجموعة من الأقمار الصناعية الحالية.. هذا في جانب البث الفضائي.. أما الإنترنت فالشبكة القادمة والتي بدأ تطبيقها في بعض الجامعات الأمريكية ستصل سرعتها إلى ١٠٠٠ ميجا بيت (٢٠٠٠ ضعف الشبكة الحالية) و٠٠٠، ١٠ ميجا بيت في غضون بضع سنوات.. هذا يعني بثاً حياً عالي النقاوة للصورة المتحركة أو الصوت (تلفاز رقمي) أو الصوت، أما المواد المقروءة فيمكن نقلها في غضون بضع ثوان بدلاً من الدقائق حالياً.. بمعنى آخر: أن الإنسان سيمكنه مشاهدة مئات القنوات التلفزيونية بنقاوة معقولة وهو قابع في مكتبه أمام الكمبيوتر. مع العلم أن هناك تجارب لبث تلفزيوني خاص بالإنترنت (ما زالت بصيغة متخلفة عن التلفاز العادي) علماً أن الإنترنت هي مولود أمريكي ويرعاه الأمريكان، والسيطرة فيه للشركات الأمريكية (خصوصاً الكبيرة منها والتي أصلاً لها وجود إعلامي نافذ دولياً) . وبعد: فهذه مقتطفات استقيتها من هنا وهناك أردت بها أن أحذر وأحذر وأحذر من خطورة الإعلام على عالمنا العربي والإسلامي الضعيف في كل المناحي (ومنها الإعلام) ، وهو أصلاً هزيل في تقنياته ومواده البعيدة عن جذور الأمة وعقيدتها. كذلك أحمِّل قادة الفكر والتوجيه المسؤولية في هذا الميدان، وأدعوهم للمسارعة في تحمل المسؤولية خصوصاً أننا دائماً متخلفون عن الركب عالة على الغير في كثير من أمورنا. والعبء الكبير لا يستطيعه فرد أو أفراد بل لا بد من مساهمة الجميع: مؤسسات، ورجال أعمال، مربين ومفكرين؛ كل بحسبه وكل بقدرته. والأمر يسيرٌ لو كان الإعلام خالياً من الرسالة والهدف، بل المضمون الثقافي المُصدَّر إلينا لا يحتاج إلى كثير بصيرة لمعرفة خطورته على مجتمعاتنا وأجيالنا القادمة. وأتذكر قول الشاعر: ويح قومي بصيفهم ... حَسْرَةً ضيّعوا اللّبنْ قولهم عند دعوتي ... هوِّن الأمر لا تُجَنْ كل هذا لأنني ... قلت: ما الدهر مؤتمنْ قلت: يا قومي احذروا ... أن تميلوا إلى الفتنْ اللهم هل بلغت..؟ اللهم فاشهد! المراجع والمصادر: تم الاستفادة من المصادر التالية بدرجات مختلفة ومن مواقع متعددة: أولاً: الكتب: - The Media in Western Europe Euromedia Research Croupe ٧٧٩١. - The Global Media E. Herman and R. Mchesey ٧٩٩١. - Media Today J. Turow, ٩٩٩١. - The Media B. Dulton, ٧٩٩١. ثانياً: الصحف: - New york Times, ٧/٧/٩٩٩١. - Washington post, ٧/٢١/٧٩٩١.
следующие страницы →