← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

المسلمون والعالم الجولان.. وتكاليف سلام الشجعان ! عبد العزيز كامل أعدت إسرائيل قوائم من المطالب والشروط التي تشترط على العرب والعالم أن يوافقوا على تلببيتها إذا ما أرادوا أن تعاد الجولان عندما دخل العرب الحرب عام ١٩٤٨م، كان هدفهم تحرير الشق الذي أعلن اليهود دولتهم عليه من أرض فلسطين، ولكن العرب لم يفلحوا في ذلك، واحتل اليهود المزيد من الأراضي، وعندما دخلت جيوش العرب الحرب سنة ١٩٦٧م لتحرير ما سبق احتلاله لم يفلحوا أيضاً بل خسروا المزيد والمزيد من الأراضي (القدس الشرقية سيناء الجولان الضفة الغربية غزة) ثم كانت حرب ١٩٧٣م، لا لتحرير فلسطين ولا القدس ولكن لتحريك الأوضاع من أجل التفاوض لاستعادة مصر لسيناء التي احتُلت، ولاستعادة سوريا للجولان التي ضاعت في تضاعيف قصة مثيرة وغامضة لا مجال للحديث عن تفاصيلها الآن [١] ، ولا يجادل عربي مسلم في أن من حق سوريا أن تسترد ما اقتطع منها، ولكن السؤال: ما هو الثمن؟ ! لقد أعاد الإسرائيليون سيناء إلى مصر منزوعة السلاح لقاء ثمن باهظ دفعته الأمة كلها لا مصر وحدها ولا تزال تدفعه وهو تعهد أكبر قوة عربية بالتخلي عن الدخول في أي عمل عسكري مستقبلاً ضد (إسرائيل) من أجل فلسطين أو غيرها، لا مشاركة ولا انفراداً، ولم يكن هذا التعهد شفوياً، بل كان وفق اتفاقات دولية ملزِمة تشرف على تنفيذ بنودها القوى العظمى. وعبثاً حاول العرب أن يبعثوا الحياة في رفات مبدأ (قومية المعركة) الذي صاغه وأنعشه عبد الناصر وصنع نعشه أنور السادات، ولكن دون جدوى، ولم يعد أمام أصحاب الأراضي الأخرى التي ضاعت في الحرب إلا أن يسترجعوها عن طريق السلام بأثمان لا تقل فداحة عن الثمن الذي استُرجِعَت به سيناء. الجولان.. وربع قرن من الضياع: انكمشت آمال حزب البعث بعد خروج مصر من المعركة، وظل تحرير الجولان طيلة ما يزيد على ربع قرن هو قصارى ما يحلم به بعثيو سوريا. والجولان التي تبلغ مساحتها ١٨٠٠ كيلو متر مربع تمثل أهمية كبرى للسوريين والإسرائيليين على السواء، ولهذا يشتد النزاع في فصله الأخير حولها، وقد كانت لها على مر التاريخ أهميتها بسبب ارتفاع هضبتها، وغناها بالماء، وموقعها ... الجغرافي الذي شكل منها في العصور المختلفة محطة مهمة من النواحي العسكرية والتجارية، وإطلالتها على بحيرة (طبرية) عذبة الماء جعلها محط التنافس منذ القِدَم، ولهذا كانت ساحة للمعارك في التاريخ القديم بين الفراعنة والكنعانيين، وبين المصريين والآشوريين. ويزعم الإسرائيليون أن موسى ﵇ استقر فيها بعد خروجه من مصر كما يقول الحاخام (موئي حولان) [٢] . ولما جاء الإسلام وتوجه نظر المسلمين إلى فتح بيت المقدس، كانت منطقة (الجابية) على أرض الجولان هي مكان اللقاء الذي جمع بين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح ﵄ للتنسيق من أجل استمرار الجهاد على أرض الشام تحت إمرة أبي عبيدة ﵁. وقد سكنت الجولان في العهد التركي أعداد كبيرة من الشركس والتركمان، ولما حصلت النكبة عام ١٩٤٨م نزح إلى الجولان عدد كبير من الفلسطينيين، أما عندما سقطت في يد اليهود في حرب ١٩٦٧م، فقد ملؤوها بالمستوطنين اليهود بعد أن أخلوها من العرب المسلمين باستثناء الدروز الذين لا يُحسَبون لا على المسلمين ولا اليهود ولا النصارى! وإن كانوا لليهود أقرب ولاءاً وخلقاً. لقد وضع اليهود أعينهم على الجولان، حتى قبل أن يقيموا دولتهم؛ ففي عام ١٩١٨م وقبل أن يعلن (بن جوريون) الدولة بثلاثين عاماً أكد بأن الدولة اليهودية عندما تقوم لا بد أن تضم ما أسماه (سنجق سوريا) أي الجولان وما وراءها، وقد طالبت المنظمة اليهودية العالمية في رسالتها لمؤتمر السلام المنعقد في باريس في ٣/٢/١٩١٩م، بأن تضاف إلى الدولة اليهودية حين إقامتها منطقة جبل الشيخ على مرتفعات الجولان نظراً لأهميتها الحيوية أمنياً ومائياً، وبعد ذلك بعام ألحَّت الحركة الصهيونية على لسان زعيمها في ذلك الوقت (حاييم وايزمن) على بريطانيا لكي تجعل الجولان ضمن أجزاء الكيان اليهودي المزمع إقامته، وكان ذلك في رسالة بعثها وايزمن لوزير الخارجية البريطاني في (حاييم وايزمن) على بريطانيا لكي تجعل الجولان ضمن أجزاء الكيان اليهودي ١٥ /٤/١٩٢٠م. ولكن يبدو أن الأجواء الدولية لم تكن تسمح في ذلك الوقت ولا قريباً منه بتحقيق ذلك المطلب الصهيوني الملحّ، فلما قامت الدولة، وتأسس الجيش، واستعدت (إسرائيل) للتوسع، والانتشار، جعلت الجولان على قائمة أولوياتها عندما تحين الفرصة. وجاءت الفرصة: وذلك عندما حصل تسخين استفزازي في عام ١٩٦٧م على الجبهة السورية من قِبَلِ بعض الفصائل الفسلطينية التي استعملها البعث السوري تحت شعار: (شعبية المعركة) ذلك الشعار الذي هددت به سوريا إسرائيل بأن تنقل الحرب إلى داخلها، وكان ذلك في وقت تألق فيه نجم عبد الناصر في مصر بعد أن نصَّبته الجماهير العربية المخدوعة زعيماً فرداً سيحرر فلسطين بل العرب جميعاً ويلقي بـ (إسرائيل) في البحر! ولم تكن الذريعة القادمة من سوريا كافية فقط لدخول اليهود إلى أراضيها واحتلالهم للجولان بل كانت فرصة لا تعوض لتحقيق هدف آخر كان أخطر وأكبر وأوْلى في نظر اليهود من الجولان، وهو جر عبد الناصر إلى معركة لم يكن راغباً فيها ولا قادراً عليها ضد (إسرائيل) وهذا ما حدث تماماً في حرب الأيام الستة التي حُطِّم فيها الجيش السوري والجيش المصري، وهما دعامة الجيوش العربية. وقد ظلت الجولان تحت سيطرة اليهود طيلة ثلاثة عقود، برهن الإسرائيليون خلالها على أن أمن سوريا مرهون بمرتفعات الجولان، التي تجعل دمشق في مرمى ... النيران الإسرائيلية، في الوقت الذي تعتبر الجولان نفسها ضماناً لأمن (إسرائيل) طالما ظلت تحت سيطرتها؛ فالدولة العبرية لا ترى أبداً أية إمكانية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء بأن تُعاد الجولان كما كانت تحت سيادة سورية كاملة، وإن كان لا بد من إعادتها فلا بد من شروط كالشروط التي وضعت لإعادة سيناء، ومنها: الشرط الأول: ألا تُعاد الجولان إلا منزوعة السلاح، وترتب فيها ضمانات أمنية تسوِّي تماماً إن لم تزد بين وضعها قبل الإعادة ووضعها بعدها بالنسبة لـ (إسرائيل) ، وقبل أن تجمَّد مفاوضات السلام بين سوريا ... و (إسرائيل) عام ١٩٩٦م استغرقت الترتيبات الأمنية بشأن الانسحاب من الجولان أكثر الوقت، وكانت هذه القضية سبباً في تحطم جهود وزير الخارجية الأمريكي آنذاك (وارن كريستوفر) خلال نحو ٢٠ جولة، كانت (إسرائيل) خلالها تصرُّ إلى جانب نزع السلاح على الاحتفاظ بمحطات إنذار مبكر على جبل الشيخ [٣] . إن (إسرائيل) تريد أن تحول المطالب الأمنية إلى وضع استراتيجي يحقق لها مزيدا من التفوق، في الوقت الذي تتصلب فيه تجاه تنازلات جوهرية للعرب، هي في رأي باراك تتعارض مع شعار حزبه: (إسرائيل واحدة) فهو يخشى من تناقص التأييد لمشروعه في السلام، إذا لم يرَ فيها الشعب الإسرائيلي بقرة حلوباً تدر الثروة وتمنح الحراسة والأمن. الشرط الثاني: أن تعترف الحكومة السورية بـ (إسرائيل) اعترافا كاملاً، وتتبادل معها السفارات وتطبِّع معها العلاقات؛ بل إن (إسرائيل) ربطت مدى الانسحاب بمدى الاستعداد للتطبيع، وأطلقت في الآونة الأخيرة شعاراً جديداً يقول: (عمق الانسحاب سيكون بعمق السلام) ! ومعنى هذا أنهم أي الإسرائيليين لن ينسحبوا انسحاباً كاملاً، كما تطلب سوريا إلا إذا حصلوا ... منها على تطبيع كامل! وهذا يعني ببساطة إلحاق حزب البعث العربي القومي السوري بالحظيرة التي سبق أن شنَّع عليها وعلى أصحابها وهي (كامب ديفيد) [٤] ... وعند ذلك سيتتابع العرب في دخول بيت الطاعة وولوج عتبة دار السلام اليهودية الأمريكية، وعند ذلك أيضا تكون قد أُغلقت آخر حوانيت الكفاح ودكاكين النضال في سوق ما كان يعرف بـ (القومية العربية) ! الشرط الثالث: أن تتقاضى الحكومة الإسرائيلية مقابلاً مقنعاً ومشبعاً لجشع الشعب الإسرائيلي حتى يمكن أن يصوِّت بالموافقة على الاستفتاء الشعبي الذي سيُجرى لإبداء الرأي في إرجاع ما يعتبره اليهود جزءاً من (أرض إسرائيل) ! [٥] . ومن أجل هذا فقد أعدت الحكومة الإسرائيلية، ولا زالت تعد؛ قوائم من المطالب والشروط والاستحقاقات التي ترى أن على العرب والعالم، وعلى رأسه أمريكا أن يوافقوا على تلبيتها إذا ما أرادوا أن تُعاد الجولان، وبذلك ينتهي ... الصراع العربي الإسرائيلي في جانبه العسكري. وفواتير السلام التي أعدتها (إسرائيل) مقابل إعادة الجولان تتضمن الأثمان الآتية: ١ - الثمن الاقتصادي: مع بدء المفاوضات السورية الإسرائيلية، كان الطلب الإسرائيلي بالتعويضات المالية يتراوح بين ثلاثة مليارات من الدولارات أو أربعة مليارات؛ وذلك بحجة إقامة منشآت عسكرية بديلة لتلك التي سيجري ... تفكيكها في الجولان وجنوب لبنان، ومع تحسن المفاوضات ارتفع الرقم المطلوب إلى ١٧ مليار دولار مقابل الانسحاب، ثم أضيفت مطالب أخرى بـ ١٨ مليار دولار لتحديث القوات المسلحة الإسرائيلية، ومع إضافة أثمان المطالب الأخرى العينية من سلاح ومعدات صار مجموع ما تطالب به (إسرائيل) من (تعويضات) على ترك الجولان ٧٠ مليار دولار! ! هذا عدا المدفوعات السنوية الجارية فعلاً، القديمة منها والجديدة. وبعد زيارة قام بها وفد من الكونجرس الأمريكي إلى (إسرائيل) أبلغته الحكومة الإسرائيلية أنها لن تنسحب من أي أرض إلا إذا جرى تفعيل برنامج المطالب الإسرائيلية؛ بحيث يتزامن مع عملية الانسحاب في حال البدء فيها بعد نجاح المفاوضات. ولكن بالنظر إلى أن الكونجرس الأمريكي لا يمكن أن يوافق باسم الشعب الأمريكي على هذا الابتزاز غير المسبوق لـ (البطة الخشبية) [٦] في أيامها الأخيرة، فقد جاءت الإشارات بعدم الموافقة على دفع استحقاقات السلام نيابة عن سوريا! ! ولكن باراك الذي يعلم مدى حاجة كلينتون إلى فاصل من معزوفة السلام يختم بها عهده الملطخ ظل يرسل بإشارات تهدد بعرقلة العملية برمتها، فألمح كلينتون ثم صرح بأن هناك رغبة أمريكية في إقامة عملية (تمويل دولي) للسلام في الشرق الأوسط، وبالفعل وجه الكونجرس الأمريكي دعوة لأقطار الخليج العربي الستة، والدول الصناعية السبع بأن تشارك في دفع فاتورة (التعويضات) . ومن الكنيست الإسرائيلي صدرت تلك الدعوة فيما يشبه الأوامر، مما أثار سخط هذه الدول التي لم تُستشَر أصلاً قبل ذلك في هذا التوجه؛ فعلى الصعيد العربي انتقدت الكويت هذا الطلب نيابة عن دول مجلس التعاون الخليجي وطلبت من الجامعة العربية أن تتخذ موقفاً عربياً موحداً تجاه هذا الابتزاز في دورتها القادمة في مارس٢٠٠٠م. وسَخِرت مصر على لسان وزير خارجيتها مما أسماه: (التجارة بالسلام) ، أما الدول السبع الصناعية الغنية، فقد عارضت أيضاً هذا الإجراء الأمريكي الإسرائيلي المقترح، فاعتبرته كل من اليابان وألمانيا منافياً للشرعية القانونية، وكذلك امتنعت كل من إيطاليا وفرنسا وكندا عن الموافقة على هذا الطلب، ولم يبق من الدول السبع إلا أمريكا صاحبة القرار وحامية (إسرائيل) ، ثم بريطانيا الأم الشرعية لها؛ حيث التزم الإنجليز الصمت حتى لا يُحرَجوا مع ابنتهم اللقيطة! ولكن الطلب الإسرائيلي لا يزال مرفوعاً ولم يتم التنازل عنه، فقد يُعدَّل أو يُخفَّض، ولكنه لن يلغى، فهكذا عودها العالم (الحر) ! هذا.. ويدخل في الثمن الاقتصادي ما أعلنه رئيس طاقم التفاوض في مكتب باراك من أن (إسرائيل) لها مطلب قاطع في الإبقاء على السيطرة على مصادر المياه في الجولان، وهذا المطلب شبيه باشتراط (إسرائيل) احتكار شراء بترول سيناء بعد إرجاعها لمصر، ولكن مياه الجولان التي تمثل ٣٥% من حاجات (إسرائيل) ربما تجد فرصة أسهل من بترول سيناء، خاصة وأن الصحافة الإسرائيلية سربت ما يفيد بأن الجانب السوري وافق في عهد نتنياهو على بقاء الوجود السوري بعيداً عن الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية بمقدار ٥٠٠ متر على الأقل. ٢ - الثمن العسكري: يريد إيهود باراك أن يستغل ثمرات المفاوضات مع سوريا إن نجحت لتحديث الترسانة الإسرائيلية، وإعطائها عناصر التفوق الإقليمي المطلق لمدة لا تقل عن خمسين عاماً كما قال، وهو باعتباره رجلاً عسكرياً [٧] يرفع شعار: (جيش إسرائيل نواة الأمن القومي) ، والسلام بنظره ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لتعزيز الأمن أو بالأحرى الهيمنة لا على الدول المحاذية لـ (إسرائيل) فحسب، بل على الشرق الأوسط كله. وهذا هدف أصيل ... في السياسة الإسرائيلية بوجه عام، كما صرح بذلك الأكاديمي الإسرائيلي (إسرائيل شاحاك) في كتابه: (الأسرار المفضوحة) فقد قال: (إن الهدف الرئيس للسياسة الإسرائيلية في الحرب والسلام هو السيطرة الإقليمية على الشرق الأوسط بأكمله) ! ولكن باراك يريد أن يعطي لهذه السياسة بُعداً آخر باستغلاله فرصة السلام السانحة الآن مع سوريا، ويهدف إلى استثمارها لتحصيل تفوق عسكري جديد تتمكن (إسرائيل) من خلاله أن تدافع أو تهاجم عن بُعد، دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة على أرض بذاتها في الجولان أو جنوب لبنان، وقد أبدى إعجابه الشديد بسياسة الحرب عن بعد التي مارستها الولايات المتحدة في العراق وكوسوفا، وأطلق عليها وصف: (الحرب المعقمة) ! ولهذا نجد قائمة المطالب الإسرائيلية العسكرية تصب في هذا الاتجاه؛ فدولة اليهود تطالب أمريكا بقائمة طويلة من الأسلحة المتقدمة وعلى رأسها، تقنية طائرة ستيلث (الخفية) أو (الشبح) فقد طلبت (إسرائيل) خلال الجولة الثانية من المفاوضات أن تزودها أمريكا بتقنية هذه الطائرة التي لا تستطيع الرادارات اكتشافها. وطلبت (إسرائيل) من أمريكا أيضاً أن تزودها بصواريخ كروز (توماهوك) التي لم تكشف المؤسسة العسكرية الأمريكية أسرارها حتى لشركائها في حلف الأطلسي باستثناء بريطانيا، وعدد الصواريخ المطلوبة في القوائم هو ٣٥٠ ... صاروخ، ثم عُدِّل إلى ٧٠٠، وتضمنت القوائم طلباً إسرائيلياً بالمساعدة على استكمال مشروع صاروخ (ناديتلوس) المضاد للصواريخ، وطلباً آخر بسربين من مروحيات (أباتشي) وسرب من طائرات (بلاك هوك) وسرب من طائرات النقل (هيركونيس) وآخر من طائرات الإنذار المبكر (إواكس) التي طلبتها (إسرائيل) قبل بدء المفاوضات مع سوريا أصلاً، وعلى القائمة طلب بالتزود بطائرات تزويد الوقود بالجو، ومحطة أرضية لالتقاط صور الرصد الجوي والأقمار الصناعية. ويعلق المحلل الإسرائيلي (إلوف بن عالي) على هذه الطلبات بقوله: (إن باراك، ومنذ كان رئيساً للأركان يحلم باستبدال الجولان وجنوب لبنان بجيش جديد ... و (ذكي) !) [٨] . إنه من الواضح أن الصورة التي يريد الإسرائيليون أن يكون عليها جيشهم في (عصر السلام) هي أن يتحول من جيش للدفاع إلى جيش للإخضاع وسط عواصم عربية ترفرف في سمائها رايات نجمة داود المرفوعة فوق السفارات والقنصليات!! ولم ينس الإسرائيليون أن يُشركوا سوريا في غنائم ... السلام؛ فهي مدعوة بعد نزع سلاحها من الجولان أن تبعد جيشها عن المنطقة وأن تتعهد كالمنظمة بضمان أمن (إسرائيل) على الحدود السورية واللبنانية، مع هدية أخرى لرفع المعاناة عن كاهل الشعب السوري وهي: تخفيض عدد القوات المسلحة إلى عدد يليق بدولة (محبة للسلام) ! ٣ - الثمن السياسي: في حديث مع صحيفة معاريف الإسرائيلية في ١٩/١٢/ ١٩٩٩ م قال إيهود باراك: (بالنسبة لتوقعاتي من المفاوضات، هناك إمكانية لإنهاء النزاع مع سوريا ولبنان،..، وذكر دولاً عربية أخرى ثم قال: ... أنا لست أعمى حتى أضيع هذه الفرصة) ! إن باراك يريد من الاتفاق مع سوريا ولبنان أن يفتح الباب أمام (إسرائيل) لعقد اتفاقيات صلح كامل مع البلدان العربية كلها؛ فدمشق برأيه، هي بوابة الدخول إلى العواصم العربية التي لم تعترف بعدُ بـ (إسرائيل) دولة مستقلة ذات سيادة على أرض بيت المقدس. وإعادة الجولان وجنوب لبنان يمكّن الإسرائيليين أن يقايضوا ذلك بالانفتاح على نحو عشرين دولة عربية، ستفتح أمامهم أسواقها وسفاراتها، وأرضها وعقول ... شعوبها وربما قلوبهم! والظاهر أن فراسة اليهود تصدق دائماً مع العرب؛ فحتى عصر (الشجب) يبدو أنه سيولِّي؛ بدليل أن عدداً من العواصم العربية قد بدأت تستبق الأحداث وتسرع في مضمار الهرولة حتى قبل أن تُبرم أي اتفاقيات مع سوريا أو لبنان، ويتم ذلك دون شجب أو تنديد أو حتى معاتبة رقيقة، وهذا أمر جديد على أبناء يعرب بن يشجب! [٩] ولكن ماذا نفعل في ثمرات (القومية العربية) الخبيثة التي ولَّت بعد ما قضت على اللسان العربي ذاته؛ فلم يعد يُعرف الفرق بين المدلول اللغوي لكلمة السلام والاستسلام. فمن حق اليهود أن يهنَؤُوا إذن ويقروا أعيناً، عندما يدشنون بالتعاون مع العلمانية العربية صرحاً جديداً من القلاع اليهودية في ديار الإسلام يوازي في أهميته وربما يفوق تأسيس الدولة الإسرائيلية ذاتها، ويبدو أن (باراك) لم يكن مبالغاً عندما قال: (إن إنجاز مهمة السلام مع سوريا يوازي في أهميته مشروع إقامة (إسرائيل) عام ١٩٤٨ م) [١٠] . ومع فداحة تلك الأثمان المطلوبة للسلام مع سوريا، هناك ثمن أفدح، وهو ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي ما انبعث رموز البعث إلا بدعوى النضال من أجلها؛ ف (إسرائيل) فيما يظهر لن توقع معاهدة سلام مع سوريا بشأن إعادة الجولان إلا بعد حسم المسائل الكبرى في مفاوضات الحل النهائي على المسار الفلسطيني؛ فالسلام مع سورية لا معنى له بنظر (إسرائيل) إذا لم ينطوِ على اعتراف سوري بنتائج مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطيني [١١] وهو الوضع الذي يُراد فيه أن تُطوى صفحة القدس بعد إعلانها عاصمة موحدة وأبدية لدولة اليهود، وأن يسدل الستار على قضية أربعة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين، وأن تظل المستوطنات الإسرائيلية على ما هي عليه دون تفكيك أو إلغاء، وأن تسوَّى مسائل الحدود بما يزيد من عزلة الشعب الفلسطيني داخل أرضه، ولكن هذا موضوع آخر نرجو أن يكون لنا فيه حديث آخر. الشاهد هنا أن الأمور إذا سارت مع سوريا على ما يهوى اليهود ويرتب الأمريكان فما الذي يمنع الإسرائيليين وهم يزدادون قوة والعرب يزدادون ضعفاً أن يكرروا التجربة في المستقبل ويحتلوا أجزاءاً أخرى مما يعتبرونه ضمن (أرض إسرائيل) ثم يقايضوا ويزايدوا عليه مرة أخرى، لكي يقبضوا ثمنه ثم ينتقلوا إلى غيره؟ ! ما الذي سيمنعهم؟ ! إن الحالمين الواهمين الذين يظنون أن الذئاب سترعى الغنم قريباً في الشرق الأوسط، ينبغي أن يقال لهم: كفوا عن الأوهام والأحلام؛ ... فالصراع متجدد والصدام أكيد، وما يقوم به يهود (إسرائيل) ويهود أمريكا سيجعل الأخرس يتكلم والأبكم يسمع، بل.... سيجعل الحجر ينطق! بلى والله! سينطق ... الحجر، وكذلك الشجر ليقول لكل من تحرر من الأوهام والأحلام: (يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله) [١٢] .

стр. 3397

المسلمون والعالم المسلمون في فيتنام وصف عن قرب خالد علي حسن لا توجد في فيتنام أي هيئة إسلامية من خارج البلاد على الرغم من وجود مئات الجمعيات التنصيرية. أعجبني ما كتبه الدكتور محمد ناصر العبودي الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي في مجلة الدعوة العدد ١٢٥٨١ بعنوان: (كيف ضاعت دولة تشامبيا الإسلامية؟) [*] فأحببت أن ألقي الضوء على أوضاع المسلمين في فيتنام عن قرب؛ حيث إنني مكثت فيها قرابة عام، وتجولت في العديد من ولاياتها الجنوبية. أولاً: تعداد المسلمين: يبلغ عدد المسلمين حوالي ٧٥ ألف نسمة أي ما يعادل ٠.٠٠١% موزَّعين على قرى ومحافظات المنطقة الجنوبية لفيتنام، والغالبية العظمى منهم في محافظة (آن يان) التي تبعد حوالي ٢٠٠ كم عن العاصمة القديمة (هوشِمَنَّه) وهذا العدد هو من تعداد ٥٧ مليون فيتنامي منهم البوذيون والنصارى. والمسلمون في فيتنام غالبيتهم من أصل (تشامب) وهم السكان الأصليون لفيتنام الجنوبية والباقي من أصول (عربية يمنية هندية فيتنامية) . ثانياً: طرق الكسب: يعمل غالبية المسلمين في القرى بالزراعة؛ حيث يمتلك بعضهم قطع أرض صغيرة لا يكفي محصولها للإنفاق على الأسرة، وبعضهم يعمل أجيراً في الأرض، وبعضهم يعمل بقطع المطاط لحساب شركات فيتنامية، وهؤلاء أسوأ حالاً من المزارعين. أما الذين يسكنون المدن فغالبيتهم بدون عمل وقليل منهم يعمل في بعض الحرف البسيطة مثل صناعة المفاتيح، ولا يوجد منهم موظفون ولا مسؤولون في الحكومة إلا في القطاع الخاص. ثالثاً: التعليم: ١ - التعليم الحكومي: معظم أبناء المسلمين لا يكملون الدراسة في الجامعات لصعوبة النفقات، ويكتفون بالثانوية أو المتوسطة، ويوجد الآن عدد لا بأس به من الطلاب المسلمين في جامعات فيتنام خاصة في كلية التجارة (الإدارة الكمبيوتر) ولا توجد أي مؤسسة أو هيئة تعتني بهم؛ فهم يعيشون مثل حياة الفيتناميين، وهناك ٤ منح سنوياً من البنك الإسلامي للدراسة في إندونيسيا تتحكم الجمعية الإسلامية فيهم وتبتز الأموال من الذين وقع عليهم الاختيار حتى إن الطالب ينتظر سنتين ليحصل على هذه المنحة، وأحياناً تضيع منح العام نتيجة التأخير؛ وقد يصل المبلغ الذي يدفعه ولي أمر الطالب للجمعية نظير مصروفات المنحة إلى ٨٠٠ دولار على الرغم من أنها مجانية. ٢ - التعليم الديني: المساجد ليس لها أي نشاط في تعليم الكبار والشباب ودعوتهم، وجل ما تفعله أن تحتفل بالأعياد والمولد وتدعو المسؤولين الفيتناميين للمشاركة، فيجلسون ويدخنون جميعاً في المسجد دون تعظيم لحرمته! أما تعليم الصغار فحسب المكان: فهناك بعض المحافظات تسمح بتعليم الأطفال في المساجد، وأخرى لا تسمح. ويتعلم الأطفال: جزء عم، الحروف العربية، مبادئ التوحيد، الطهارة، والصلاة. وعادة يستعملون مقرئ القرآن للتعليم. أما المدرسون فغالبهم غير مؤهلين حتى لتدريس الصغار؛ كذلك هم منشغلون بتحصيل أرزاقهم، ويجعلون وقت التدريس فيما زاد عنهم؛ حيث إنهم لا يتلقون أي مساعدات من أي هيئة، والحكومة لا تعترف بهم، عدا قرية واحدة تساعد الحكومة المدرسين فيها. الهيئات والمؤسسات الإسلامية في فيتنام: لا توجد أي هيئة أو مؤسسة إسلامية من خارج البلاد، ويرجع ذلك لصعوبة قوانين البلاد التي تحرم إقامة أي هيئة دينية لمساعدة طائفة بعينها؛ على الرغم من وجود مئات الجمعيات النصرانية التي تتواجد في مناطق عديدة في فيتنام تعمل وتدعو تحت ستار العمل الخيري للإنسانية. وعلى الرغم من ذلك فلم تقصر الهيئات الإسلامية في السعي للحصول على ترخيص مثل: (جمعية أم القرى الخيرية) ، (لجنة العالم الإسلامي) ، (جمعية إحياء التراث الإسلامي) ؛ ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك على الرغم من شهرة هذه الجمعيات في العالم الإسلامي بعملها المنظم الإنساني الثقافي. كما أن لهذه الجمعيات أعمالاً قائمة إلى يومنا هذا مثل: كفالة الأيتام، وكفالة المدرسين، بناء المدارس، طباعة الكتب وخاصة القرآن الكريم المترجم إلى اللغة الفيتنامية، بالإضافة إلى المشروعات الموسمية مثل: الأضاحي، الإفطارات الرمضانية. ولكن الناظر إلى حال المسلمين في فيتنام يجدهم في حاجة إلى تواجد قوي ومنظم من قِبَلِ هذه الهيئات عن طريق التمثيل وفتح مكتب أو فرع للهيئة هناك؛ وذلك للحفاظ على هويتهم الإسلامية؛ حيث توجد أماكن في العاصمة القديمة الجنوبية (هوشمنه) لا تستطيع أن تميز فيها المسلمين من غيرهم. أما في داخل فيتنام فتوجد جمعية واحدة أنشأتها الحكومة، اسمها: (الجمعية الإسلامية بهوشمنه) ويقتصر عملها على مدينة هوشمنه فقط؛ ولكنها تحاول بسط نفوذها على المسلمين في باقي الولايات الأخرى، وتحاول الحكومة الآن إنشاء جمعية أخرى في ولاية (آن يان) ؛ حيث الأغلبية المسلمة؛ لأن ذلك من مصلحتها؛ حيث تقوم الجمعية بمراقبة أعمال المسلمين من الألف إلى الياء ومن ثم إخبار الحكومة بها، وهذه الجمعية ليس لها أي نشاط إيجابي مؤثر في المسلمين. الحالة الأمنية للبلاد: لدى الحكومة خوف شديد من الإسلام والمسلمين بخاصة الأجانب وعلى وجه التحديد (العرب) ، وكثيراً ما يذيعون وينشرون الأخبار التي فيها قتل وإيذاء في بلاد المسلمين لتخويف الناس من الدين، وقد شعرت بذلك أثناء وجودي هناك؛ وهذا بالنسبة للإسلام أما غيره من الديانات والعقائد فلا. كذلك فهم يعملون على تجنيد عيون لهم حيث يقطن المسلمون. والعجيب أن هؤلاء العيون أكثرهم مسلمون وبعضهم يحمل بطاقة الحزب الشيوعي. والجدير بالذكر أن المسلمين أنفسهم إذا رأوا ما لا يعجبهم من شخص أشعروا به الشرطة. الحالة الدعوية للبلاد: المسلمون في جهل وفقر شديدين، ولكن المهم أن لديهم قابلية للتغيير، ونستطيع أن نقول: إنه لا توجد دعوة في فيتنام ولا أفراد يحملون همَّها إلا بعض الأفراد القلائل، وهم مدرسون مكفولون من جمعية إحياء التراث الإسلامي، ومع ذلك فهم ليسوا على المستوى المطلوب والوعي الكافي؛ فأحياناً يتسببون في مشكلات كبيرة مع أهل القرى التي يزورونها، ومن ثَمَّ ترفع الشكاوى بحقهم إلى الحكومة فتوقف الشرطة نشاطهم وتمنعهم من التحرك خارج القرية، وهؤلاء الأفراد يسكنون محافظة (آن يان) في قرية (شودوك) . من ناحية أخرى لا توجد دعوة لغير المسلمين البتة؛ وكيف يكون ذلك والمسلمون منشغلون بالخلافات المذهبية ثم تحصيل لقمة العيش؟ ثم كيف يكون ذلك والبلد لا يوجد فيها دعاة أكفاء؟ ! أما النصارى فعددهم الآن كثير جداً، والكنائس في كل مكان، وهم محترمون من قِبَلِ الحكومة؛ لأنهم لا يعملون أعمالاً من شأنها الإساءة إلى دينهم وذلك على اختلاف مذاهبهم. جماعة الزاهدين: والغريب أن هناك جماعة أصولهم إسلامية يسكنون في ولاية فارنج في الجنوب الشرقي لفيتنام اسمهم (الزاهديون) [١] كانوا على الإسلام، ولكنهم حين انتشر فيهم الجهل وخالطوا البوذيين وأصحاب الملل الكافرة انحرفوا عن الشريعة الغراء، وأصبحوا يعملون أعمالاً غريبة منها قراءة كتاب مكتوب بخط اليد فيه بعض آيات القرآن الكريم بالحروف العربية وفيه كلام آخر غير مفهوم، هذا الكتاب يتوارثه أبناء أئمة المساجد، وبه يصير الابن إماماً بعد موت أبيه، كما أن الإمام هو الذي يصلي ويصوم عن الناس! نظير بعض الطعام أو المال الذي يقدم إليه من الشخص، وعندهم مساجد مهجورة لا يذهب إليها إلا الإمام، لا يعرفون عن الدين شيئاً، وهم غير مشاركين في الحياة المدنية، وغالبهم في القرى يعمل بالزراعة، ولهم تجمعات وأعياد خاصة. هذه الجماعة لا تجد من يدعوها للعودة إلى الإسلام والسنة وهم قطاع كبير (عدة آلاف) يرجع منهم إلى الإسلام القليل بنفسه؛ حيث يرى من المسلمين السنة دعوة أو هدية أو تجديد مسجد كان قديماً أو غير ذلك من الأمور البسيطة. المشروعات التي يمكن عملها في فيتنام: المسلمون في فيتنام من المسلمين المنسيين، وهذا المقال تذكير بواجبنا ... نحوهم، ومن المشروعات المقترحة لتجديد الإسلام في المنطقة: ... ١ - رعاية الأيتام سواء في منازلهم أو عن طريق إقامة دار لرعايتهم وكفالتهم فيها، مع العناية القصوى بتربيتهم وتعليمهم أصول الإسلام وآدابه. ٢ - عمل دورات شرعية للمدرسين خارج فيتنام مثل تايلند أو كمبوديا. ٣ - إرسال الطلاب المتميزين للتعلم خارج البلاد ليعودوا دعاة لقومهم. ٤ - كفالة المدرسين والأئمة والدعاة للحفاظ على البقية الباقية من ثقافتهم الإسلامية، مع الحرص الشديد على تعليمهم أصول الإسلام وأركانه وحثهم على الالتزام بتعاليمه وآدابه. ٥ - بناء العيادات الصغيرة للخدمات الصحية، والتوليد خاصة؛ حيث لا توجد طبيبة مسلمة واحدة. أما الأطباء المسلمون فهناك طبيب واحد فقط من محافظة (آن يان) . ٦ - إنشاء مركز للغة العربية على غرار المراكز التي تدرس الإنجليزية ولو بالاشتراك مع مركز قديم لتعليم اللغات؛ لأن نشر العربية يساعد في نشر الإسلام. ٧ - إنشاء جمعية للطلاب المسلمين في الجامعات لدعوتهم ورعايتهم والأخذ بأيديهم إلى أن يتخرجوا. هذا ما يسَّره الله من معلومات عن فيتنام حسب علمي. فإلى الجمعيات الإسلامية التي تعمل في الدعوة إلى الله نقول: هلاَّ نال إخواننا في فيتنام قسطاً من دعوتكم وإغاثتكم حتى لا ينقرضوا ويعودوا إلى جماعات بدعية هي للبوذية أقرب!

стр. 3398

المسلمون والعالم نشاط مشبوه في شرق إفريقيا محمد حسين معلم منذ أن وصل الإسلام إلى شرق إفريقيا وانتشر فيها بواسطة الدعاة والتجار العرب لم تشهد عقيدة التشيع حضوراً كبيراً في أرض شرق إفريقيا على الرغم من قدوم هجرات متتالية عبر القرون من الجزيرة العربية والعراق والشام بدوافع دينية وسياسية واقتصادية، ومن بينهم أناس يدَّعون أنهم من آل البيت، ومع ذلك فقد ساد المنطقةَ عقيدةُ أهل السنة والجماعة، وعلى مذهب الإمام الشافعي ﵀ في الفروع، وإن كان بعضهم لا يخلو من تصوُّف، ولم تظهر كتلٌ وقطاعات كبيرة تنتمي إلى الفكرة الشيعية تنشط في الميدان، وليس معنى ذلك عدم وجود أفراد وأسر متشيعة؛ ولكن حينما انطلقت الثورة الإيرانية بقيادة الخميني عام ١٩٧٩م من أرض الفرس أصبحت تتزعم الشيعة في العالم، وألقت على عاتقها مسؤولية نشر التشيع وحمايته؛ وعلى ذلك قدمت أدواراً مزدوجة في سبيل توسيع رقعة المذهب وتصدير فلسفته إلى أنحاء المعمورة. وقد استطاع الشيعة في إيران توصيل مذهبهم إلى أصقاع مختلفة من العالم ومنها منطقة شرق إفريقيا التي شهدت نشاطاً شيعياً مكثفاً واسع النطاق وبقنوات مختلفة بفضل الدعم الكبير الذي تقدمه السفارات والقنصليات الإيرانية في تحقيق مآربهم في شرق إفريقيا ولا سيما في المناطق الساحلية المتأصلة جذور الإسلام في أعماق أهلها. ويتركز نشاطهم فيما يلي: أولاً: فتح مراكز ثقافية في المنطقة: وهذه المراكز تتكون من مكاتب علمية وقاعات للاجتماع وعقد الندوات وأماكن لتوزيع النشرات والكتب والأشرطة الدينية على مذهب الاثني عشرية وغير ذلك. وأحد هذه المراكز في كينيا يقع وسط البلد وفي مكان استراتيجي في العاصمة نيروبي، ويعتبر من أكبر المراكز في كينيا وهو تحت إشراف القنصلية الإيرانية؛ حيث يتلقى منها التمويل والدعم المادي والروحي علاوة على الحماية السياسية، وهذه المراكز يديرها مجموعات شيعية مدربة تتقن عدة لغات مثل الإنجليزية والعربية إضافة إلى لغة السكان المحليين، وغالباً ما تضم هذه المراكز مكتبات علمية ضخمة فريدة من نوعها تحتوي على كتب علمية في مختلف صنوف العلم والمعرفة: من تفسير وعلومه، وحديث وعلومه، وفقه وأصوله، ولغة وأدب، وتاريخ وسيرة، ومعارف أخرى، كما تحتوي على مجلات وجرائد: أسبوعية أو شهرية، وأخرى فصلية، وهذه الجرائد يغلب عليها الطابع الشيعي الجعفري؛ لأن جلها يأتون به من داخل إيران. ومن هذه المجلات: ١ - مجلة (رسالة التقريب) وهي فصلية، ويعنون بالتقريب: التقريب بين المذاهب الإسلامية: الشيعية، والسنية. ٢ - مجلة التوحيد. ... ... ... ٣ - مجلة الهدى. ٤ - مجلة الوحدة. ... ... ... ٥ - مجلة الراصد. ٦ - مجلة الطاهرة، وغير ذلك، وأغلبها مكتوبة باللغة العربية والفارسية. ثانياً: فتح مدارس علمية وأكثرها ثانوية: وقد أنشأ الشيعة في المنطقة مدارس مختلفة المستويات التعليمية، وهذا النوع من المدارس كثير ومنتشر في العواصم والمدن الكبيرة وهي في الغالب مدارس أهلية يديرها مدرسون وطنيون، غير أن رئيسهم الروحي إيراني، ويُطلق عليه لقب الفقيه، وهناك مدارس ابتدائية ومتوسطة. وعلى أية حال لا يشترط في الطلاب ديانة معينة ولكن أغلبهم من المسلمين. أما لغة الثقافة في هذه المدارس فهي الإنجليزية والسواحلية. ثالثاً: نشاط دعوي كبير بين الشباب المثقف: وقد وجد الشيعة في الآونة الأخيرة آذاناً صاغية لبدعهم وذلك بعد أن جندوا نخبة من السكان الأصليين الذين تعاطوا المذهب الشيعي واجتهدوا لنشره بين صفوف المجتمع، وهؤلاء الدعاة يتقاضون الأجور من قِبَلِ السفارات والقنصليات الإيرانية في المنطقة، وفي بداية الأمر لم يكن نشاطهم الدعوي يظهر في العلن؛ حيث الخوف والهلع من الدعاة السنيين، وخوفاً من إثارة الفتنة والخلاف الذي لم يكن لصالحهم. والحقيقة أن الشيعة تتبع أساليب وطرقاً مختلفة من إغراء بالأموال، وإعطاء منح دراسية لمن تَروق له أفكارهم المنحرفة من الشباب ويستحسن طابعهم الشيعي، علماً بأن غالبية السكان ليس لديهم مناعة قوية وحصانة شرعية تقيهم المحاولات البدعية المسمومة الموجهة إليهم. ومهما كان الأمر فقد أخذت الشيعة توطِّئ قدمها على أرض شرق إفريقيا، وبذلت وما زالت تبذل جهوداً في سبيل نشر التشيع والولاء لدولتهم، ويتلقون من إيران دعماً سخياً لا حدود له. لذلك يخالج كثيراً من أهل السنة مخاوف عديدة من خطر هذا السيل الجارف الذي يتمثل فيما يلي: ١ - اهتمام الشيعة بالمسلمين الجدد، وزعزعة عقيدتهم وإدخالهم في التشيع. ٢ - اهتمامهم باللاجئين الصوماليين وإغرائهم بالمنح الدراسية. ٣ - فتح قنوات تلفزيونية، ولا سيما في تنزانيا. ٤ - اهتمامهم بإعداد المناهج الدراسية وتوفيرها. ٥ - تركيزهم على المسلمين في المناطق الساحلية. ٦ - اتحاد الجهود بين الشيعة والطرق الصوفية، وخاصة في المناطق الساحلية حتى تمكن الروافض من الاستيلاء على المراكز الصوفية وإحداث عداوة بين الصوفية وغيرهم. ٧ - نشرهم كتباً تسب تعاليم الإسلام وعقيدته الصحيحة وكذلك علماء أهل السنة مثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وغيره. ٨ - استغلالهم الظروف الاقتصادية السيئة لبعض المسلمين في السواحل، وفي الملاجئ، حتى افتخر بعضهم أنهم استطاعوا التوغل في صفوف اللاجئين. ٩ - محاولاتهم الاستفادة من الوسائل الإعلامية المختلفة وتسخيرها لخدمة أهدافهم. ومع هذه الجهود الكبيرة لأجل انتشار المذهب الشيعي إلا أن الله قيض بعض الدعاة رغم قلة ما بأيديهم لوقف هذا الزحف الكبير؛ حيث استخدموا وسائل الدعوة المختلفة من خطب ومحاضرات وندوات ودروس متتالية في أوساط الشباب وفي المساجد وغيرها حتى استطاعوا ردع الشيعة ورد ضلالاتهم في بعض المحافل؛ بحيث أُبعدوا من بعض الأماكن الهامة التي كانوا يسيطرون عليها على حين غفلة من أهل السنة. ومن الأساليب والخطط التي استخدمها العلماء والدعاة السنيون: نشر كتب وتوزيعها تبين العقيدة الإسلامية الصحيحة، وتوضح الضلال والزيغ من المذاهب المنحرفة وعلى رأسها المذهب الشيعي، غير أن المسلمين هناك يفتقرون إلى كتب وبحوث مكتوبة باللغات المحلية التي يعرفها السكان، كالسواحلية والإنجليزية؛ بحيث تتناول هذه الكتب إبراز خطر الشيعة على العقيدة والدين. ومن المؤسف أن بعض الحركات الإسلامية لا تناقش مثل هذه القضايا؛ بل بعضهم يرون أن هذه الأمور خلافية قد تم دفنها مع الزمن، ولا يجوز نبش ما واراه التاريخ؛ لأن مناقشة القضايا العقدية لا سيما فيما يتعلق بالشيعة وضلالاتهم أمر لا ينبغي الخوض فيه لكي لا يتفرق المسلمون، في حين أن هناك نشاطاً مكثفاً يهدف إلى تشييع أهل السنة فضلاً عن غيرهم في أماكن عدة من العالم، وتنفق إيران في سبيل ذلك ثروة ضخمة، بل تتبنى وبكل جرأة رفع راية الشيعة في العالم بأسره وتفتخر بهذا الدور؛ حيث ترى أنه دور بطولي في ظل تخاذل أهل السنة وتقاعسهم دولاً وجماعات إلا من رحم الله. ومن الغريب أن بعض المجلات والجرائد في العالم العربي ترفض نشر مواضيع تمس عقيدة الشيعة وتفنيد مكامن خبثهم رغم أن أصحاب هذه المجلات من جملة أهل السنة والجماعة، وهذا من غربة الإسلام التي أشار إليها نبينا محمد ﷺ ، وأخطر من ذلك أن الشيعة بدؤوا بواسطة دولتهم ضغوطاً دبلوماسية على بعض الناس حتى لا يسمحوا بنشر ما يمس عقائدهم من الكتب والمقالات؛ حيث يعتبرون ذلك فتحاً لباب الدعاية عليهم والتدخل في شؤونهم الداخلية، مما تسبب في فقدان كتب كانت موجودة في الأسواق، ولا يُعرف من سحبها؛ لذلك فلا يستغرب أن يأتي يوم لا نجد في مكتباتنا كتباً ومصادر تكشف أكاذيب الرافضة وتفضح تلك الكتب أراجيفهم التي زلزلت أركان دولتهم وأبانت مكائدهم العقدية. ورغم تبني إيران النشاط الشيعي، وتسخير كل ثرواتها وطاقاتها الهائلة في سبيل نجاح عقيدة الرفض بالإضافة إلى الخُمُس الذي يأخذونه من كل شيعي في أنحاء العالم تطوعاً رغم ذلك كله فإنه من السهل أن نقاوم هذا الضلال المنتشر في صفوف المسلمين الجدد إذا استخدمنا خططاً محكمة وأساليب حكيمة مثل: ١ - نشر كتب وبحوث وتوزيعها تبين العقيدة الصحيحة على مذهب السلف الصالح، لا سيما الكتب التي ألفت لأجل تبيان الزيغ والضلال، ومن الضروري أن تكون بعض هذه الكتب مكتوبة بلغة يفهمها السكان الأصليون، ومن هذه الكتب: - الشيعة والسنة، لإحسان إلهي ظهير. - مسألة التقريب بين الشيعة وأهل السنة، د. ناصر القفاري. - رسالة في الرد على الرافضة، للإمام محمد بن عبد الوهاب. - حقيقة الشيعة، عبد الله الموصلي. - أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، د. ناصر القفاري. - الشيعة والقرآن، إحسان إلهي ظهير. - النصوص الفاضحة، عبد الكريم محمد عبد الرؤوف، وغير ذلك من الكتب. ٢ - إقامة دورات دعوية بين الفينة والفينة لإعداد نخبة من الشباب وتربيتهم على المذهب الصحيح. ٣ - تنشيط بعض المراكز الثقافية التابعة لبعض الجمعيات والمؤسسات الدولية العاملة في منطقة شرق إفريقيا؛ إضافة إلى المراكز والمنابر الثقافية المحلية التي تعنى بالتعليم والدعوة. ٤ - إعطاء منح دراسية في الجامعات الإسلامية لأبناء السواحل الشرقية الإفريقية. ٥ - إصدار بعض النشرات شهريةً أو فصلية تتضمن ردوداً على الفرق المبتدعة. ٦ - تفريغ دعاة يهتمون بأمر العقيدة والتوحيد في جميع أصقاع المنطقة ليجوبوا الأقطار الساحلية بالدعوة الصحيحة. نسأل الله أن ينصر من نصر دين محمد ﷺ ، وأن يخذل من يخذله.

стр. 3399

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش درس شيشاني من دون أي مساعدات من الخارج، أو أي تأييد يذكر، وفي مواجهة جيش دولة عظمى تمكن مقاتلو الشيشان من إحراز انتصارات أربكت حسابات موسكو، ودفعتها إلى الاعتراف بالأخطاء، والإعلان بعد تزييف مستمر عن أعداد أقرب إلى الحقيقة للقتلى والجرحى في صفوف جيشها. قد يتغير الموقف في مرحلة مقبلة، غير أن الحقيقة ستظل مع هذا قائمة ثابتة، وهي أن المقاتلين الشيشان تمكنوا من تدويخ الجيش الروسي وإلحاق الهزائم المخزية، وتكبيده أفدح خسائر، لقد حققوا لأنفسهم نصراً مدوياً في تاريخ جهاد ذلك الشعب الباسل من أجل نيل حريته واستقلاله. وهو نصر كان كفيلاً لو أن في العرب بقية حياء أن يجلب إلى وجوههم حُمرة الخجل. فأما الدرس المستقى فلا أرى من هو أوْلى بأن ينتفع به من شعوبنا العربية والإسلامية التي غمرها الإحساس بوجود إرادة عليا لا تُقهر، ولا تملك حيالها غير الإذعان والاستسلام، إحساس بأنها باتت مغلوبة على أمرها. غير أن أغلب ظني أنهم وهم يرقبون ما يجري اليوم في جمهورية الشيشان يودون في قرارة أنفسهم ومهما تظاهروا علناً بغير ذلك أن ينتهي الأمر سريعاً بسحق الروس لتمرد مقاتلي الشيشان حتى ترسخ ثقتهم في عبث المقاومة. فمجرد استمرار هذا التمرد، حتى من دون انتصارات باهرة كتلك التي حققها هؤلاء المقاتلون، يمثل إدانة دامغة لخمول همتهم، وأصابع الاتهام تشير إلى تقصيرهم. واليوم إذ أتابع ساعة بعد ساعة أخبار جهاد الشيشان ضد الاستعماريين الروس أرى ثقتي تتنامى في أن الوقت قد يجيء حين يكون للمسلمين في تلك المنطقة دور القيادة للمسلمين في كل مكان. [حسين أحمد أمين، جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٧١) ] كلام واضح لم تنشب حرب الخليج الثانية بعد احتلال العراق للكويت لأسباب تتعلق بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، وإنما بسبب النفط، ولو لم يكن النفط موجوداً في تلك المنطقة فلربما ظل العراق مسيطراً على الكويت حتى وقتنا هذا، ولم يكن الأمر ليأخذ الأهمية التي أخذها، فكما نرى في حالات أخرى لم يكترث أحد باحتلال بلدان أخرى. إذن يمكن القول: إن الولايات المتحدة تزعم أنها تنطلق من مسوغات إنسانية، ولكنها في معظم الحالات عوامل جيواستراتيجية، حتى في قراراتها المتعلقة بعمليات حفظ السلام كما في البوسنة وكوسوفا؛ لأن هاتين الدولتين تقعان في أوروبا، والوضع فيهما يؤثر على علاقات الولايات المتحدة مع روسيا ويعد مهماً من الناحية الاستراتيجية، ولكن الولايات المتحدة لم تتحرك إزاء رواندا، أو غيرها من الصراعات الإفريقية، وخرجت من الصومال بدون بذل محاولة جادة لتسوية النزاع فيها؛ لأنها لم تفهم حقيقة الأمر هناك واعتبرته قليل الأهمية بالنسبة لها، فانسحبت تاركة الصومال في حال يرثى لها كما كانت من قبل، إذن الولايات المتحدة تتخير حسبما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية. [آن ليشى، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة فيلانوفا بالولايات المتحدة، مجلة المجتمع، العدد: (١٣٨٤) ] إنجاز ثوري! ! عندما تبدأ مطالعة موقع جمعية اللواطيين والسحاقيات العرب على الإنترنت ربما يكون من الأفضل أن تفقد طوعياً قدرتك على الاندهاش؛ حيث إن ذلك الموقع الأنيق يضم مجموعة متكاملة من المعلومات والأخبار ووسائل التعاون والخدمات، وكذلك جرعة معرفية هامة حول ثقافة الشذوذ الجنسي، وهو ما يبدو في مجمله مشروعاً لخلق مجتمع عربي جديد قائم على الحرية الجنسية! إن هدف الجمعية هو تحقيق التواصل بين الشواذ العرب حول العالم، وتعتبر الجمعية أن إنجازها ثوري وخارق للعادة، نظراً لما تسميه بالاضطهاد التقليدي العربي لثقافة الشذوذ، وهي تشجع اللواطيين والسحاقيات على الاعتزاز بأنفسهم ومقاومة أولئك الذين يسعون إلى قمعهم بواسطة الكراهية والتجاهل! ! [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٣٢٦) ] كل هذا المديح! ! أبى الرئيس بوريس يلتسن ألا ينصرم القرن العشرون قبل أن يتأكد من تسجيل اسمه بين زعمائه الأفذاذ غير العاديين. وإذا أردنا وصفاً يلخص شخصية يلتسن آخر المنسحبين من عالم الأضواء في ذلك القرن فهو أنه سياسي مغامر بامتياز، وهذه الصفة تحديداً هي أكثر ما يميز الزعماء الأفذاذ عن غيرهم. فالمغامرون هم الذين صنعوا التاريخ أو أعادوا صنعه، ولولاهم لسارت حياة الدول والمجتمعات رتيبة لا حيوية فيها ولا إثارة. أما صفته الثانية التي لا تقل أهمية فهي العناد إلى غير حد. وما لم يكن السياسي عنيداً، يصير صعباً عليه أن يخوض مغامرات كبرى يركب خلالها الخطر في لحظات حاسمة. مع ذلك وعلى رغم هذا الدور التاريخي لم يتعرض سياسي في العقد الأخير من القرن العشرين إلى ما نال يلتسن من انتقادات لا بل لعنات، نسي كثيرون دوره هذا، ولم يذكروا غير سوء أدائه عندما صار سيد الكرملين. وإذا كان ترك تقاليد فاسدة كثيرة فقد وضع تقليداً إيجابياً في يوم استقالته حتى إذا لم يقصد ذلك، وهو أن يستقيل المسؤول عندما يفشل. وهذا موقف قد يَجبُّ بعض أخطائه التي ستظل تلاحقه، ولكنها لن، ولا ينبغي لها أن تسلبه حقه في الاعتراف به زعيماً فذاً ساهم بالدور الأهم في تحويل مسار بلاده وإخراج شعبه من وراء الستار الحديدي الذي لا تقارن مظالمه الهائلة بمعاناة الروس الآن. وهو في ذلك كله زعيم فذ يستحق مكانة متقدمة بين رجال القرن العشرين أياً كان حجم الخلاف على دوره. [وحيد عبد المجيد، رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي، جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٥١) ] دعاة على أبواب العولمة! ! فئة الشباب في مصر تؤيد العولمة؛ لأنهم يتعاملون مع البيتزا ودجاج الكنتاكي ووجبات الماكدونالدز ويرتدون الجينز ويتعاملون مع الكمبيوتر وشبكة معلومات الإنترنت، ويتطلعون للسفر إلى الخارج، وهذه الفئة في واد آخر ولا تتأثر بمقولات أعداء العولمة. إن هناك اتجاهاً نحو السلام، والديمقراطية، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي، وهذه ثلاثة أمور تحمل في طياتها بواعث الأمل! ! فالسلام يجنب المنطقة مزيداً من الاستنزاف الاقتصادي والبشري والروحي. أما الديمقراطية فإنها تعوِّد العرب على حل خلافاتهم الداخلية الإقليمية بصورة سلمية وتساعد على فرز الكوادر السياسية ووضْعٍ أفضل لهذه الأمة في القرن المقبل. وبالنسبة إلى الانتعاش الاقتصادي: الملاحظ أن الدول العربية بدأت تتجه إلى اقتصاديات السوق وذلك بعد نصف قرن من التجربة وثبوت أن هذا الاتجاه هو الأفضل اقتصادياً في تنويع وتنمية مواردنا الذاتية. [د. سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز ابن خلدون بالقاهرة، مجلة الوسط، العدد: (٤١٦) ] عليكم النصرة كشف عائدون من مخيمات لاجئي الحرب الأهلية في منطقة شرق زائير الكونغو الديمقراطية عن تعرض نصف مليون مسلم من أبناء البلاد لمحاولات تنصيرية مستمرة تستغل الظروف القاسية التي يعيشها السكان المسلمون داخل المخيمات. وقالت هذه المصادر: إن المعونات التي تأتي من الأمم المتحدة إلى اللاجئين في المناطق الممتدة من شرق زائير إلى حدود بوروندي ورواندا تذهب في الأغلب إلى الأقلية المسيحية التي تعيش في المخيمات، في حين تظل الأغلبية المسلمة في انتظار معونات المنصرين، والفتات الذي ترسله لهم إيران التي تعد الدولة المسلمة الوحيدة التي التفتت لمشكلة هؤلاء اللاجئين! ! بدأت مشكلة هؤلاء اللاجئين منذ استولى رولان كابيلا على الحكم في زائير وحوَّل اسمها إلى الكونغو الديمقراطية حيث نشبت حروب طاحنة ما زالت قائمة بين كابيلا ومعارضيه، وكان من ضحايا هذه الحروب المسلمون الذين يعيشون في المحافظات الشرقية، فتركوا مدنهم وقراهم، ومنهم عدة آلاف فروا إلى رواندا، وبورندي وأوغندا المجاورة، وعاشوا منذ تلك الفترة داخل خيام أقامتها لهم لجنة لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. إن المسلمين يتعرضون داخل هذه المخيمات التي أصابها البلى لمهانة لا تليق بالكرامة الإنسانية؛ فالطعام لا يسد الرمق، وتنعدم الخدمات الطبية مع تلوث مياه الشرب مما أدى إلى انتشار أمراض سوء التغذية بين الصغار والكبار، إضافة إلى الملاريا المنتشرة هناك بصورة وبائية. [مجلة الإصلاح، العدد: (٤٢١) ] لماذا المخالفة؟ ! عندما اقتحم من يسمون أنفسهم جنود الله من رجال شامل باسايف وخطاب أراضي داغستان، عارضت أنا ذلك، وأعلنت موقفي جهاراً. وقلت: ليس هذا بجهاد.. هذا خداع.. وأعلنت ذلك من التلفزيون المركزي عندنا وآنذاك كان ما يزال يعمل وكان بوسعي التحدث معه.. وقلت: إذا كانت داغستان تريد الجهاد فلديهم علماء دين أفاضل يستطيعون إعلان الجهاد فيها، وإذا ما حدث وثاروا ضد روسيا فيمكننا التوجه لمساعدتهم كإخوة لهم. كما فعلوا هم حين ساعدونا في الحرب الماضية. لكن ما حدث تماماً غير ذلك، فهم لم يعلنوا الجهاد، ونحن اقتحمنا أراضيهم، إنها أرض روسية.. ولهذا لم أؤيد العملية، إنه لشيء بعيد عن الإنصاف. فماذا كانت أهداف الهجوم.. وعن أي (إسلام) يدورالحديث لقد كانت هناك مدارس إسلامية ومساجد، ولم يفرض أحد الحظر على الدين، بينما نحن جئنا لفرض الشريعة والإسلام على حد الزعم.. هذا في الوقت الذي لم يتوفر هذا لدينا أنفسنا. فما هو المثال الذي كنا نريد تقديمه لهم؟ أنا لا استثني احتمال وجود يد لموسكو في ذلك، وربما جرى الاتفاق مع موسكو بشأنه. [مفتي الشيشان، أحمد قادروف، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧١٠) ] الجهاد المقلق! ! طالب الوفدان البريطاني والأمريكي اللذان زارا باكستان الحكومة الباكستانية بوقف أنشطة الجماعات الكشميرية المسلحة التي تعمل من الأراضي الباكستانية، وكان هناك ضغط على القيادة العسكرية من أجل تنفيذ عدد من المطالب إذا ما أرادت الحكومة الحالية أن تحظى بالقبول الدولي، وأكد مسؤولون في الوفدين أن الخطوة الأولى والأهم هي حظر نشاط حركة المجاهدين الكشميريين التي أعلنتها الولايات المتحدة حركة إرهابية. [السبيل الأردنية، العدد: (٣١٨) ] عزة يهودية! ! نقل عن الحاخام الأكبر الأسبق للدولة العبرية موردخاي إلياهو قوله: إن على سورية أن تعيد لـ (إسرائيل) مدينة دمشق العاصمة التي أخذت منا في عهد الملك داود، حسب زعم الحاخام المتشدد الذي يشكل مرجعاً دينياً أعلى للحزب القومي الديني (المفدال) المتطرف. وأضاف الحاخام: إن على المؤمنين اليهود أن يخرجوا ويمزقوا ثيابهم؛ لأن الحكومة الإسرائيلية تريد إعادة مناطق من أرض (إسرائيل) بينما لا يعقل أن نتخلى عن أراضٍ في مرتفعات الجولان ونسلمها للعدو. [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٣٢٦) ] وماذا أنتم فاعلون؟ ! قال السفير محمد صبيح مندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية: إن هناك عشرة آلاف عالم نووي في (إسرائيل) منهم علماء نجح الكيان في تهجيرهم من الدول السوفييتية السابقة وذلك ضمن موجة الهجرة التي شملت تهجير ٩٢ ألف عالم في مجالات مختلفة من الاتحاد السوفييتي السابق إلى (إسرائيل) . وأشار مندوب فلسطين في تصريحات أدلى بها على هامش اجتماعات اللجنة العربية المعنية برصد النشاط النووي (الإسرائيلي) إلى أن دول المنطقة تحتاج إلى أكثر من ٥٠ عاماً لإعداد جيش من العلماء النوويين على غرار الجيش الموجود في (إسرائيل) حالياً، وأضاف صبيح أن (إسرائيل) تستثمر هذه المعرفة وتعطيها إلى دول أخرى معروفة في المنطقة تحت غطاء التعاون العسكري. [جريدة الخليج، العدد: (٧٥٥٤) ] هل نعي المقصود؟ ! إن العالم العربي يفتقر إلى النظافة، وإن هذا الحال غير معقول بالنظر إلى أن (إسرائيل) في هذا المحيط بقعة نظيفة، فضلاً عن أنها جزيرة ثرية وسط بحر من الفقر، إن من الضروري الاتفاق على نظم التعليم وشؤون المياه والطاقة، وذلك بتغيير مناهج التعليم في دول الشرق الأوسط، وبالاتفاق على تقسيم المياه في المنطقة، إن هذه الموضوعات لا يصح أن تنتظر عملية السلام، ولكن يمكن أن تسير معاً بالتوازي، وحتى إذا تعثر السلام تسير هذه الموضوعات دون انتظار، حتى لا تبقى هذه المنطقة متخلفة وتلهث وراء قطار العولمة! ! [شمعون بيريس، جريدة الخليج، العدد: (٧٥٦٠) ] تعادل غير.. عادل! ! ذكر تقرير عن الصحة والبيئة صادر عن معهد وورلد ووتش أنه للمرة الأولى ينافس عدد الأشخاص في العالم المصابين بتخمة غذائية وزيادة في الوزن هؤلاء المصابين بسوء تغذية وانخفاض في الوزن؛ إذ يبلغ عدد كل منهم ١.٢ بليون شخص. والتخمة الغذائية هي مشكلة ظهرت حديثاً في دول تسمح الدخول المرتفعة فيها بشراء أغذية ذات سعرات حرارية عالية. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٦١) ]

стр. 3400

دراسات إعلامية العولمة في الإعلام د. مالك بن إبراهيم الأحمد الحمد لله رب العالمين القائل: [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ] [الحجر: ٩٤] والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين القائل: (إن من البيان لسحراً) [١] وبعد: فإن أمر الإعلام في عصرنا الحاضر ودوره المؤثر والفعال على الأمم والمجتمعات، على الدول والمؤسسات، والكبار والصغار، والنساء والرجال أمر لا يخفى على ذي بال. لكن الطور الذي دخله الإعلام في سنيه الأخيرة ليس مجرد طور عادي، وليس مجرد وسيلة جديدة أو أسلوب متطور فحسب؛ بل الأمر هو التوجه العالمي للإعلام؛ بمعنى أن الإعلام لم يعد محصوراً في مكان أو حدود سياسية أو بقعة جغرافية.. بل أصبح يتخطى الحدود وربما يجاوز كل وسائل الرقابة. كذلك فإن الأمر لا يقف عند هذا الحد.. بل تعداه إلى تكوين مجموعات أو شركات إعلامية أخطبوطية لها أذرع في كل مكان، ولها وجود في كل صنف من الإعلام.. تشارك في القرار السياسي وتؤثر في النشاط الاقتصادي.. توجه المجتمعات وتقود الأمم في الفكر والثقافة، في الفن والرياضة، في الدين والأخلاق. نعم! هي مستقلة (مالياً) لكنها مرتبطة بصفةٍ مَّا بالدول التي تنطلق منها. خلفية مالكيها ومؤسسيها تحكم توجهها الثقافي والاجتماعي. أما عمالها وموظفوها فهم مشاركون في صياغة توجهها وما تبثه وما تنقله وما تنتجه من مواد إعلامية فيغلب عليهم التوجه العلماني، ويؤثر حيث يغلب فيهم خلفيتهم الأيديولوجية. أما التاريخ فهو ما يصوغ علاقتهم مع الآخرين، خصوصاً إذا كانت هناك تداخلات مسبقة (حروب صليبية استعمار..) . وحديثنا عن آثار العولمة في مجال الإعلام ليس من باب المبالغة، ولا من باب تقوية الخصوم لكنه من باب ... [وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم] [الأنفال: ٦٠] من باب أن (الكلمة أمانة) ومن باب (الواجب والمسؤولية) وباب [كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] [آل عمران: ١١٠] وباب ... (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى..) وسوف نسرد هنا نماذج فعلية تحكي صورة من الإعلام الدولي الذي ينحو نحو العولمة؛ فلقد سمعنا وقرأنا كثيراً عن العولمة في السياسة والعولمة في الاقتصاد.. لكن لم نسمع من قبل عن العولمة في الإعلام؛ فدعونا نقرأ قليلاً حول هذا الموضوع. مفهوم العولمة: العولمة مصطلح حادث مترجم عن الكلمة الإنجليزية Global ومعناها: عالمي أو دولي، وغالباً ما تذكر مرتبطة بمصطلح القرية (Global Village) بمعنى القرية الكونية أو العالمية. ويدور مفهوم العولمة حول الوجود العالمي أو الانتشار الكوني، وغالباً ما استخدم في السياسة والاقتصاد بمعنى النفوذ السياسي العالمي والمؤسسات الاقتصادية الدولية (الأخطبوطية) المتواجدة في أنحاء كثيرة من العالم ولها تأثير قوي ونافذ سواء في الشأن الاقتصادي أو السياسي المحلي (أي في البلدان المتواجدة فيها) . ثم تطور في جانب جديد وهو العولمة الإعلامية، عن طريق إنشاء مؤسسات إعلامية دولية ضخمة لها قاعدة أساسية في بلد وتنطلق منه إلى كثير من البلدان، ولها أثر فاعل في الإعلام المحلي لتلك البلدان.. وأخيراً نشأ مصطلح العولمة الثقافية (Global Culture) وتعني الانتشار الثقافي الفكري لجهات قومية، ومؤسسات دولية (أغلبها أمريكية) وأصبح لها أثر ملموس في الجانب الثقافي لدى الكثير من المجتمعات حول العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب [٢] . ... المجموعات الإعلامية الدولية الكبرى: هناك ست مجموعات رئيسة كبرى، تعمل في الأنشطة الإعلامية على مستوى العالم ولها حضور دولي كبير متفاوت من مؤسسة لأخرى، ... أربعة منها أمريكية، وواحدة أوروبية، وواحدة أسترالية أمريكية، وهذا عرض لأبرز أنشطة هذه المجموعات: ١ - تايم ورنر Time Warner: [٣] أكبر مؤسسة إعلامية في العالم؛ إذ تفوق مبيعاتها ٢٥ بليون دولار، ثلثها من أمريكا، والباقي من العالم. ويتوقع ارتفاع دخلها من خارج أمريكا إلى ٥٠%، وتملك العديد من الأنشطة الإعلامية المتنوعة ومنها: * ٢٤ مجلة (منها تايم) . * ثاني أكبر دار للنشر في أمريكا. * شبكة تلفزيون ضخمة واستديوهات برامج وأفلام، ودور عرض للسينما (أكثر من ١٠٠٠ شاشة) ، وأكبر شبكة كيبل تلفزيوني مدفوع في العالم. * شركات أفلام في أوروبا، والعديد من محلات البيع بالتجزئة. * مكتبة ضخمة من الأفلام (٦٠٠٠ فلم) والبرامج التلفزيونية (٢٥٠٠٠ برنامج) . * بعض القنوات الدولية التلفزيونية مثل HBO, TNT, CNhN. * مساهمات رئيسة في قنوات وشبكات تلفزيونية أو مرئية. وللعلم، فإن عدد مشاهدي المحطة الإخبارية CNN يفوق ٩٠ مليوناً في ٢٠٠ دولة، ولدى HBO ١.٢ مليون مشترك حول العالم. ٢- مجموعة برتلزمان ertelsmann: أكبر مجموعة إعلامية في أوروبا وثالث أكبر مجموعة في العالم. دخلها السنوي يجاوز ١٥ بليون دولار، وتتميز بأن لها تحالفات وتعاوناً مع العديد من المجموعات الإعلامية الدولية في أوروبا واليابان، ولها العديد من الأنشطة الإعلامية ومنها: * قنوات تلفزيون في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا؛ إضافة إلى استوديوهات سينمائية متعددة. * مجموعة من الإذاعات الأوروبية. * ٤٥ شركة نشر للكتب بلغات أوروبا المختلفة. * أكثر من ١٠٠ مجلة في أوروبا وأمريكا. ٣- مجموعة فياكم Viacom: مجموعة إعلامية قوية في أمريكا؛ وربع دخلها السنوي (١٣ بليون دولار) من خارج أمريكا، ولها نشاط محموم للتوسع الدولي؛ حيث أنفقت بليون دولار في السنوات الأخيرة للتوسع في أوروبا، ولها تحالفات مع العديد من المجموعات الإعلامية ونشاطها متنوع ومنه: * ١٣ محطة تلفزيون في أمريكا إضافة إلى شبكات بث فضائي دولي (شوتايم [٤] نكلدون ... ) . * شركات إنتاج تلفزيوني وسينمائي وفيديوي وموسيقي. * شركات نشر كتب. ٤- ديزني Disney: أكبر متحدٍّ لمجموعة تايم ورنر في العولمة الإعلامية. لها دخل يفوق ٢٤ بليون دولار، ولها حضور قوي في مجال الأطفال بل تعتبر أكبر منتج لمواد الأطفال في العالم، ولها حضور من أقصى الشرق (الصين) إلى أوروبا ... والشرق الأوسط حتى أمريكا اللاتينية. ولها أنشطة متنوعة منها: * استوديوهات أفلام وفيديو وبرامج تلفزيونية، وشبكة ABC ... التلفزيونية الضخمة في أمريكا، ومحطات تلفزيون وراديو متعددة. * قنوات تلفزيونية دولية متعددة بالأقمار الصناعية والكيبل مثل ديزني Espn ,Disney الرياضية. * محلات تجارية باسم ديزني، ومراكز ألعاب وترفيه حول العالم. * دور نشر للكتب. * ٧ صحف يومية، و٣ شركات لإصدار المجلات. وللمجموعة تحالفات ومشاركات مع مؤسسات إعلامية في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وكذلك مع شركات بث واتصالات متعددة الجنسيات. ٥ - نيوز كوربريشن News Corporation: خامس أكبر مجموعة إعلامية من حيث الدخل (١٠ بليون دولار) لكنها أكبر لاعب دولي في مجال الإعلام حول العالم. أسس المجموعة روبرت مردوخ [٥] ويملك حالياً ثلثها، ولها وجود في جميع أنحاء العالم من خلال أنشتطها الإعلامية والتي منها: * ١٣٢ صحيفة و٢٥ مجلة في أستراليا وبريطانيا وأمريكا (تعتبر واحدة من أكبر ثلاث مجموعات صحفية حول العالم) . * شركة فوكس للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وشبكة فوكس للبث التلفزيوني؛ إضافة إلى ٢٢ محطة تلفزيون. * شبكة ستار للبث الفضائي حول العالم وشبكة سكاي (بريطانيا خصوصاً) . * دور نشر للكتب. وللمجموعة تحالفات مع مجموعات إعلامية حول الإعلام، وقاعدتها ٦ دول رئيسة تنطلق منها أنشطتها المتنوعة وبالأخص: أستراليا بريطانيا أمريكا. تعتبر هذه المجموعة من أعقد المجموعات الإعلامية وأوسعها، ولها نفوذ قوي في الصين والهند (فضلاً عن أوروبا وأمريكا) ، وأسلوبها الناجح هو الشراكة مع جهات نافذة محلية مع عدم مصادمة التوجهات السياسية المحلية لهذه البلدان [٦] . ومن أهم خصائص هذه المجموعة: أنها تبث بلغات البلدان المختلفة؛ فمجموعة (Fox) نفسها مثلاً تبث بالأسبانية في أمريكا اللاتينية وأسبانيا إضافة إلى الإنجليزية بوصفها لغة دولية وتتميز هذه المجموعة أيضاً بقدرتها على اختراق الدول النامية وتوطيد أقدامها فيها، كما أن لها مصادرها الخاصة بالأخبار والبرامج ممثلة في شركات تابعة أو شريكة إضافة إلى قنوات البث الخاصة بها. ٦ مجموعة TCT: وهي مجموعة إعلامية متخصصة بالبث التلفزيوني عبر الكابل وكذلك عبر الأقمار الصناعية من خلال نظام الاشتراكات، ولها وجود قوي دولي في هذا الميدان؛ حيث تمتلك قمرين صناعيين للبث حول العالم (قيمتهما ٦٠٠ مليون دولار) والدخل السنوي للمجموعة يفوق ٧ بليون دولار. ... مجموعات إعلامية أخرى: هناك مجموعات إعلامية دولية أخرى على صنفين: الأول: يمثل النشاط الإعلامي جزءاً من نشاط أوسع للشركة الأم. والصنف ... الثاني: مجموعات إعلامية أصغر (من حيث الدخل؛ وإلا فإنها إمبراطورية إعلامية لا يقل دخلها عن بليون دولار سنوياً) ، وسنذكر هنا أبرزها وأكثرها تواجداً على الساحة الدولية: ١ - يونيفرسال: تملكها مجموعة سيغرام الدولية، ويمثل دخل المجموعة الإعلامية (٧ بليون دولار) نصف عائدات الشركة الأم. وأبرز أنشطتها: أعمال الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والموسيقي ونشر الكتب، ولها ٢٧ مكتباً حول العالم، ولها وجود قوي في أوروبا وشرق آسيا (سوف تنفق ٢٠٠ مليون دولار في الصين حتى العام القادم) . ٢ - بولي جرام: تمتلكها شركة فيليبس المشهورة، وأعمالها الرئيسة: إنتاج سينمائي وموسيقي، ودخلها يجاوز ٦ بليون دولار نصفها من مبيعاتها في أوروبا وربعها في أمريكا. ٣ - سوني للترفيه: وهي جزء من سوني للإلكترونيات اليابانية الضخمة، وهي متخصصة في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والموسيقي ... والبث الفضائي، ولها دخل يجاوز ٩ بليون دولار سنوياً، ولها شراكات ... وتحالفات متعددة في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ٤ - جنرال إلكتريك: من أكبر الشركات في العالم خصوصاً في الكهربائيات، وتملك شبكة NBC للتلفزيون والراديو، ودخلها يجاوز ٥ بليون دولار، ولها وجود دولي وتحالفات متعددة مع شركات برامج كمبيوتر (ميكروسوفت) حيث أنفقت ٥٠٠ مليون دولار من أجل قناة دولية للأخبار عبر الإنترنت MSNBC. ٥ - مجموعة هولنجر (كندا) : ولها نشاط صحفي واسع؛ حيث تمتلك ٦٠ صحيفة يومية. ٦ - التلفزيون المباشر (Direct TV) الأمريكي: [المملوك لشركة هيوز Huges للإلكترونيات والتي تمثل بدورها فرعاً من جنرال موتورز] وهي شركة بث عبر الأقمار الصناعية (١٤ قمراً حول العالم) وتصل إلى ١٠٠ دولة. عموماً هناك العديد من المجموعات الإعلامية (أكثر من ٢٠ مجموعة يفوق دخلها بليون دولار سنوياً في أمريكا ومثلها تقريباً في أوروبا) والطابع العام لها هو التحرك الأفقي ومحاولة كسب أوسع مساحة من الأرض إعلامياً؛ وإن كان الوجود الأمريكي هو الطاغي لهذا التحرك. بقية العالم: وبما أن بقية العالم (عدا اليابان) متخلف في كل شيء فإن العولمة الإعلامية جزء من هذا التخلف العام، لكن هناك ٤ مؤسسات إعلامية في أمريكا اللاتينية من الحجم الثاني وهي ذات توجه دولي. وبالنسبة لآسيا والشرق الأوسط فلا توجد مؤسسات حتى من الحجم الثاني؛ على حين أن الأمر بالنسبة للمنطقة العربية أضعف بكثير. أما اليابان فإنها رغم قوتها الاقتصادية إلا أنها متخلفة إعلامياً عن الغرب، وفيما عدا شركة (سوني) لا يوجد مؤسسات إعلامية دولية يابانية رغم وجود العديد من المؤسسات الإعلامية في اليابان (٢٢٧ شركة من أكبر ١٠٠٠ شركة إعلامية في اليابان) إلا أنها تركز على السوق الياباني المحلي، إحداها NHK التي يفوق دخلها ٦ بليون دولار سنوياً. العولمة الإعلامية والتقنية: ترتبط العولمة بالتقدم والتوسع الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً؛ ولذلك كانت عملية الرقمية (Digital) في نقل الصوت والصورة والكلمة حاسمة في تسهيل وصول هذه المواد للمستهدف، كما أنها خفضت التكلفة مما ساعد على توسيع دائرة الانتشار عالمياً، كذلك ساعدت شبكات الاتصال الفائقة (Fibers) في تسهيل نقل كميات كبيرة من المعلومات وبدرجة نقاء عالية وبوقت قصير حول العالم، وأصبح هناك تحالف ظاهر بين شركات الاتصالات وشركات ... التقنية، والبرامج مع المؤسسات الإعلامية نظراً للمصالح المشتركة بين ... هذه الأطراف؛ فالأولى ترصف الطريق والثانية تسير عليه [٧] . أهداف العولمة الإعلامية: من المعلوم أن الربحية غرض رئيس للرأسمالية الغربية، وأي نشاط اقتصادي يكون وسيلة لزيادة الدخل وللربحية فإنه مُحبّب ومرغوب.. هذا هو منطلق العولمة الإعلامية: ربح وربح وربح. لكن لا ننسى أن القائمين على هذه المؤسسات والعاملين فيها لهم خلفيات وعقائد ومبادئ ينقلونها إلى العالم من خلال أنشطة مؤسساتهم الإعلامية مثل ما تنقل السفينة البضائع، فلا يُستغرب أن نرى مضامين هذه العولمة الإعلامية متوافقة تماماً مع ما درج عليه أصحابها؛ فالعنف يستشري في دمائهم، والجنس قضية بيولوجية؛ أما العقيدة فهي مجموعة من الخزعبلات والخرافات والشعوذات تتوافق أحياناً مع تربيتهم الدينية (النصرانية) وتصادمها أخرى. مَنِ المستهدَف؟ ليس هناك مجتمع محدد مستهدف بالعولمة ولا قطاع معين أو دولة محددة، لكن أينما وجدت التسهيلات الفنية والإمكانات المالية فتجدهم هناك، لذلك نجد توجهاً قوياً للمجموعات الإعلامية الدولية تجاه المراهقين والأطفال؛ نظراً للوقت الطويل الذي يقضونه أمام شاشات التلفاز، الإنترنت، الكمبيوتر. والمجتمعات العربية والإسلامية مستهدفة بهذه العولمة ضمن هذا ... الميدان؛ فحيثما شُرعت الأبواب لهم فإنهم داخلون، لا يعتدُّون غالباً بالبيئات وثقافتها وتقاليدها فضلاً عن دينها ومبادئها. من يقود العولمة الإعلامية؟ المتابع لوسائل الإعلام بكافة أنواعها والتلفاز والسينما والإنترنت على وجه الخصوص لا يخفى عليه الحضور الأمريكي الطاغي؛ لدرجه أن أصواتاً عدة ارتفعت في أوروبا (فرنسا على وجه الخصوص) لمقاومة المد الإعلامي الأمريكي الغازي. وفي الوقت نفسه بدأ السعي الحثيث لدى بعض المؤسسات الإعلامية الأوروبية نحو العولمة، بدءاً بالانتشار الواسع داخل أوروبا نفسها ثم الانطلاق، نحو الأسواق الخارجية خصوصاً ذات الثقافة، واللغة المتشابهة. تطور العولمة الإعلامية: بدأ التحول الضخم في اتجاه العولمة في مجال الاعلام بدءاً من الثمانينيات، وكانت البداية أفرعاً لمؤسسات وموزعين لمنتجات إعلامية، ثم تطورت الأمور مع التوسع الاقتصادي والنمو السكاني والانفتاح السياسي والاقتصادي بين الدول. استطاعت مجموعة من المؤسسات الإعلامية أن تفهم حاجات المجتمعات المختلفة للمواد الإعلامية مما ساعدها على تطوير أدوات إيصال لهذه المواد مستفيدة من التطور التقني الواسع في ميدان الاتصالات. بدأت المؤسسات الإعلامية الأمريكية القوية في موطنها في تكوين شركات متعددة الجنسيات وشراء أنشطة ومؤسسات إعلامية في البلدان الخارجية المختلفة. واكب ذلك تحالفات استراتيجية مع الجهات المحلية القوية مستفيدة بدرجة كبيرة من النفوذ الأمريكي السياسي في العالم وتهاوي أدوات المنع أو الرقابة ووسائلهما في البلدان المختلفة. وتطورت الأمور تجاه العولمة بسرعة بالتواكب مع العولمة الاقتصادية؛ حيث يمكن إدراج الإعلام جزءاً من الأنشطة الاقتصادية. وصل عدد المؤسسات الإعلامية الدولية إلى ٤٠ مؤسسة نصفها تقريباً أمريكي. ويتوقع الاستمرار نحو هذا الاتجاه وزيادة التكتلات والمجموعات الإعلامية الدولية وذلك في المدى القريب والمتوسط. دراسات: في دراسة تمت عام ١٩٩٦ حول الإعلام في ٤١ دولة كانت النتائج ما يلي: * أكثر الأفلام مشاهدة أمريكية، و ٩ أشرطة من كل ١٠ أشرطة فيديو أمريكية. * ٢٠.٠٠٠ مستهلك حول العالم (١٩دولة) سئلوا عن الثقافة ... الإعلامية الأمريكية أجاب ما يقارب النصف منهم بأنها جيدة جداً أو ممتازة. * ٩٠ % من الإعلام في إيطاليا يسيطر عليه الإعلام الأمريكي. * ٢٥ % من سوق الكتب (٨ بليون دولار إجمالي دخل الكتب في العالم) تسيطر عليه ١٠ دور نشر وأكبرها بل أكثرها مملوكة لمؤسسات إعلامية دولية (تايم ورنر، بريكزمان، فياكم) نماذج لأنشطة إعلامية محددة ذات صيغة دولية: بالإضافة إلى برامج التلفاز والسينما الأمريكية ذات الحضور الدولي الكثيف من خلال الشركات الإعلامية المذكورة سابقاً فإن هناك أنشطة إعلامية صحفية ذات طبيعة دولية؛ فتجد صحيفة دورية تصدر في أمريكا مثلاً ولها العديد من الطبعات الدولية ذات المضمون نفسه أو بتغير طفيف مثل مجلتي (نيوزويك) و (التايم) الأمريكيتين. كذلك هناك مجلة (ريدرز دايجست) الأمريكية التي لها ١٧ طبعة، كل طبعة بلغة مختلفة وبنسخ تعد بالملايين. كذلك مجلة ناشيونال جيوغرافيك لها العديد من الطبعات بلغات مختلفة آخرها وأحدثها اليابانية - اللغة الميتة - وبنسخ تفوق المليون شهرياً (ليس لها طبعة عربية) . مستقبل العولمة الإعلامية: تعتبر أمريكا أكبر دولة في العالم اقتصادياً وسياسياً؛ وفي جانب الاتصالات هي الأولى وكذلك في جانب الكمبيوتر. أما الإعلام فلا يوجد لها منافس حقيقي في الساحة. هذه الحقيقة تعطي تصوراً واضحاً للمستقبل الإعلامي العالمي؛ فقيادة أمريكا له ظاهرة. وتداخل الإعلام مع التقنية في الكمبيوتر والاتصالات تجعل القدرة الأمريكية في استمرار الهيمنة الإعلامية مؤكدة؛ خصوصاً إذا انتبهنا إلى الأسلوب المستخدم في الإعلام (المرئي على وجه الخصوص) والذي يعتمد على الإيحاء والخيال الواسع والصورة والحركة لإيصال الرسالة الإعلامية بعيداً عن الكلام الكثير والحشو المطول. ... ... ومما هو مشاهد أن التوسع الإعلامي (الأمريكي على وجه الخصوص) أفقي وعمودي؛ وقد استفاد من التحالفات المحلية (في المناطق القوية) والسيطرة والاحتكار (في البلدان الضعيفة) . كذلك فإن النظرة للعولمة من جهة الشركات الإعلامية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص يزداد مع الأيام، والقناعة به بدأت تسري حتى في المؤسسات المتوسطة والصغيرة فضلاً عن الكبيرة. هذا الأمر (العولمة الإعلامية) سيتجذر مع مرور الأيام، وسيصبح جزءاً مفهوماً من الواقع العالمي. وبالطبع سيتأثر هذا الأمر بمدى المقاومة السياسية للبلدان المستهدفة وبمدى قدرتها على المقاومة أصلاً أو حتى برغبتها في ذلك أو عدم الرغبة. كذلك سوف تتعرض البلدان المتخلفة لضغوط سياسية واقتصادية للقبول بهذا الواقع الإعلامي الجديد من باب: حرية الناس، وحقوق الإنسان، الإعلام الحر، تبادل الثقافات، وحوار الحضارات. ولا ننسى أيضاً أن الشركات الإعلامية تتحرك بمساعدة حكومية من بلدانها الأم وهي تنظر إلى الناس (في كل مكان) أنهم مستهلكون لسلع هم ينتجونها، ولا ينظرون إليهم بصفتهم مواطنين في بلدانهم لهم ثقافاتهم الخاصة وعقائدهم المتميزة. وأخيراً ... فإن واقع الإعلام العالمي يدعو للذعر مع الأخبار التي ما فتئت تذكِّرنا بل تذهلنا بالتطورات المتسارعة؛ حيث ذكرت إحدى الشركات الأمريكية أنها في صدد إطلاق قمر صناعي جديد ذي إمكانات تقنية مذهلة وبتكلفة أقل من الحالية.. تقول الشركة: إنها في غضون سنة ٢٠٠٢م سوف تطلق قمراً قادراً على بث ألف وخمسمائة قناة تلفازية في وقت واحد يعادل أداؤه مجموعة من الأقمار الصناعية الحالية.. هذا في جانب البث الفضائي.. أما الإنترنت فالشبكة القادمة والتي بدأ تطبيقها في بعض الجامعات الأمريكية ستصل سرعتها إلى ١٠٠٠ ميجا بيت (٢٠٠٠ ضعف الشبكة الحالية) و٠٠٠، ١٠ ميجا بيت في غضون بضع سنوات.. هذا يعني بثاً حياً عالي النقاوة للصورة المتحركة أو الصوت (تلفاز رقمي) أو الصوت، أما المواد المقروءة فيمكن نقلها في غضون بضع ثوان بدلاً من الدقائق حالياً.. بمعنى آخر: أن الإنسان سيمكنه مشاهدة مئات القنوات التلفزيونية بنقاوة معقولة وهو قابع في مكتبه أمام الكمبيوتر. مع العلم أن هناك تجارب لبث تلفزيوني خاص بالإنترنت (ما زالت بصيغة متخلفة عن التلفاز العادي) علماً أن الإنترنت هي مولود أمريكي ويرعاه الأمريكان، والسيطرة فيه للشركات الأمريكية (خصوصاً الكبيرة منها والتي أصلاً لها وجود إعلامي نافذ دولياً) . وبعد: فهذه مقتطفات استقيتها من هنا وهناك أردت بها أن أحذر وأحذر وأحذر من خطورة الإعلام على عالمنا العربي والإسلامي الضعيف في كل المناحي (ومنها الإعلام) ، وهو أصلاً هزيل في تقنياته ومواده البعيدة عن جذور الأمة وعقيدتها. كذلك أحمِّل قادة الفكر والتوجيه المسؤولية في هذا الميدان، وأدعوهم للمسارعة في تحمل المسؤولية خصوصاً أننا دائماً متخلفون عن الركب عالة على الغير في كثير من أمورنا. والعبء الكبير لا يستطيعه فرد أو أفراد بل لا بد من مساهمة الجميع: مؤسسات، ورجال أعمال، مربين ومفكرين؛ كل بحسبه وكل بقدرته. والأمر يسيرٌ لو كان الإعلام خالياً من الرسالة والهدف، بل المضمون الثقافي المُصدَّر إلينا لا يحتاج إلى كثير بصيرة لمعرفة خطورته على مجتمعاتنا وأجيالنا القادمة. وأتذكر قول الشاعر: ويح قومي بصيفهم ... حَسْرَةً ضيّعوا اللّبنْ قولهم عند دعوتي ... هوِّن الأمر لا تُجَنْ كل هذا لأنني ... قلت: ما الدهر مؤتمنْ قلت: يا قومي احذروا ... أن تميلوا إلى الفتنْ اللهم هل بلغت..؟ اللهم فاشهد! المراجع والمصادر: تم الاستفادة من المصادر التالية بدرجات مختلفة ومن مواقع متعددة: أولاً: الكتب: - The Media in Western Europe Euromedia Research Croupe ٧٧٩١. - The Global Media E. Herman and R. Mchesey ٧٩٩١. - Media Today J. Turow, ٩٩٩١. - The Media B. Dulton, ٧٩٩١. ثانياً: الصحف: - New york Times, ٧/٧/٩٩٩١. - Washington post, ٧/٢١/٧٩٩١.

стр. 3401

قراءة في كتاب كتاب الدبلوماسية رؤية كيسنجر للنظام العالمي الجديد حسن الرشيدي ما هو كنه النظام العالمي الجديد؟ وما هي مكوناته وبنياته وطبيعة التفاعلات بين هذه البنيات؟ ثم ما هي غايات هذه البنيات وأهدافها؟ كل هذه لا تزال أسئلة محيرة اختلف كثير من المراقبين والمحللين حولها. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط نظام القطبين عالمياً الذي ظل معتمَداً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر الثمانينيات انقسم المحللون الاستراتيجيون إلى فريقين: ١ - فريق يؤكد أن النظام العالمي ما زال في طور التشكيل ولم تتبلور ملامحه بعد. ٢ - فريق آخر يقول: إن هناك نظاماً جديداً قد تبلور في الساحة العالمية وإن كان يحتاج إلى تعديلات معينة لوضعه في صورته النهائية. وهنري كيسنجر هو وزير خارجية أمريكا الأسبق وصاحب سياسة (الخطوة خطوة) ويشتهر بالسياسة المكوكية أسلوباً سياسياً متبعاً ونهجاً دبلوماسياً للوصول إلى الأهداف المرسومة التي ذاع صيتها خاصة في الشرق الأوسط في أعقاب حرب أكتوبر ونجح من خلالها في التمهيد للتسوية السلمية بين مصر و (إسرائيل) . عمل كيسنجر محاضراً في الشؤون الاستراتيجية والسياسية في جامعات متعددة، ومن المعروف أنه يهودي الديانة، ولا تزال آراؤه وطروحاته تجد طريقها لدى صانعي القرار في البيت الأبيض. ومؤلَّفه الأخير: (الدبلوماسية) كتاب ضخم يقع في واحد وثلاثين فصلاً يطل منها الكاتب على النظام العالمي الجديد، ويحاول تقديم مشورته واقتراحاته لصانعي القرار الأمريكي، وسوف نقوم بالتركيز على الفصلين الأول والأخير؛ لأنهما بمثابة التمهيد والخلاصة لنظريته التي يطرحها، وتبقى في النهاية رؤيته نظرة أمريكية ترى في أمريكا حقيقة الماضي والحاضر وحلم المستقبل. يبدأ كيسنجر رؤيته قائلاً: (إن الولايات المتحدة في عالم ما بعد الحرب الباردة هي القوة العظمى الوحيدة المتبقية ذات القدرة على التدخل في أي جزء من العالم، إلا أن القوة غدت أكثر انتشاراً، وقلَّت القضايا التي تعتبر القوة العسكرية مناسبة لها، ودفع الانتصار في الحرب الباردة بأمريكا إلى ممارسات كانت دائماً موضع شك من جانب الساسة والمفكرين الأمريكيين، وغياب خطر أيديولوجي أو استراتيجي كاسح يطلق يد الدول في انتهاج سياسات خارجية ترتكز بشكل متزايد على مصالحها القومية المباشرة، وفي نظام دولي يتسم باحتمال وجود خمس أو ست قوى كبرى وكثرة من الدول الأصغر، ولا بد أن ينبثق النظام في معظمه كما حدث في القرون الماضية من التوفيق والموازنة بين المصالح القومية المتنافسة) . وقد تحدث كل من بوش وكلينتون عن النظام العالمي الجديد كما لو كان قريب المنال؛ والحقيقة أنه لا يزال في فترة جنينية ولن يكون شكله النهائي واضحاً إلا في القرن الجديد، وسيظهر النظام العالمي الجديد الذي يُعَدُّ في جانب منه امتداداً للماضي، وفي جانب منه سيكون غير مسبوق، شأنه شأن تلك النظم التي سيخلفها. وتعيش النظم الدولية بشكل غير مستقر، ويعبر كل نظام عالمي عن تطلعه إلى الدوام، ويحمل المصطلح ذاته ادِّعاء الخلود؛ بيد أن العناصر التي يتكون منها في حالة تغير دائم. وحقيقة الأمر أن مدة بقاء النظم الدولية تتناقص مع كل قرن من الزمان، ولم يحدث أبداً من قبل أن تغيرت كل الوحدات المكونة للنظام الدولي وقدرتها على التفاعل وأهدافها بمثل هذه السرعة أو العمق أو العالمية. وكلما غيرت الكيانات المكونة للنظام العالمي شخصيتها فإنه يعقب ذلك حتماً فترة من الاضطراب. ثم قام الكاتب بعرض سياق تاريخي للمبادئ التي كان يسير عليها النظام العالمي في السابق مركزاً على مبدأ توازن القوى وهو النظام الذي سارت عليه دول أوروبا في القرنين الماضيين. ويعتقد كيسنجر أن الدول الأوروبية لم تختر توازن القوى وسيلةً لتنظيم علاقاتها انطلاقاً من نزوع فطري للمخاصمة أو من حب العالم القديم للتآمر، وإنما ألقي بها في هذه الساحة حينما انهار خيارها الأول وهو حلم الإمبراطورية العالمية في العصور الوسطى وظهور العديد من الدول المتساوية بدرجة أو بأخرى في القوى من بين ذلك الأمل القديم، وحينما تضطر مجموعة من الدول تشكلت على هذا النحو إلى التعامل فيما بينها فإن المحصلة المحتملة لن تتعدى أمرين: إما أن تصير دولة واحدة تكون من القوة بحيث تهيمن على كل الدول وتقيم إمبراطورية، أو لا تكون أي دولة أبداً على درجة من القوة تسمح لها بتحقيق هذا الهدف، وفي الحالة الأخيرة يتم كبح جماح العضو الأكثر عدوانية في المجتمع الدولي بتجمع من الآخرين، أو بتعبير آخر: بإعمال مبدأ توازن القوى. ولم يكن الهدف من نظام توازن القوى تجنب الأزمات أو حتى الحروب وإنما أريد به حينما يعمل على الوجه الصحيح الحد من قدرة دول معينة على الهيمنة على دول أخرى، وكذلك الحد من مدى الصراعات، ولم يكن هدفه هو السلام بقدر ما كان الاستقرار والاعتدال، ولا يستطيع ترتيب توازن القوى بحكم تعريفه أن يرضي تماماً كل عضو في النظام الدولي، وإنما يعمل على أحسن وجه حينما يبقى على عدم الرضا دون المستوى الذي يسعى عنده الطرف المتضرر إلى الإطاحة بالنظام الدولي. ويعطي منظور توازن القوى عادة بأنه هو الشكل الطبيعي للعلاقات الدولية. والحقيقة أن أنظمة توازن القوى لم توجد في التاريخ البشري إلا نادراً؛ فلم يعرف النصف الغربي من المعمورة أبداً نظاماً من هذا النوع، وكانت الإمبراطورية هي الشكل النمطي للحكم بالنسبة للسواد الأعظم من البشرية ولأطول فترات في التاريخ وليس للإمبراطوريات مصلحة في العمل داخل نظام دولي وإنما تتطلع لأن تكون هي النظام الدولي. ومن الناحية الفكرية كان مفهوم توازن القوى يعكس قناعات كل كبار مفكري النهضة السياسيين؛ فالكون في نظرهم بما فيه المجال السياسي يعمل وفق مبادئ عقلانية يوازن كل منها الآخر، والأعمال التي تبدو عشوائية ويقوم بها ناس عقلاء تجنح في كليتها صوب الصالح العام رغم أن الدليل على هذه الفرضية كان محيراً؛ فبسعي كل دولة إلى تحقيق مصالحها الخاصة الأنانية كان من المفروض أن تساهم كل منها في تحقيق التقدم كما لو كانت هناك يدٌ مَّا خفية تضمن أن حرية الاختيار لكل دولة ستحقق الصالح العام للجميع. وعلى مدى ما يزيد على قرن كان يبدو أن هذا التوقع قد تحقق. وبعد الاضطرابات الناجمة عن الثورة الفرنسية والحروب النابليونية استعاد قادة أوروبا توازن القوى في مؤتمر فيينا عام ١٨١٥م؛ إلا أن نظام توازن القوى الأوروبي عاد مع نهاية القرن التاسع عشر إلى مبادئ سياسة القوة في بيئة أشد إمعاناً في عدم التسامح مما أدى إلى حدوث اختبار للقوة الواحد تلو الآخر، وأخيراً نشبت أزمة في عام ١٩١٤م ولم تسترد أوروبا أبداً زعامة العالم تماماً بعد كارثة الحرب العالمية الأولى، وظهرت الولايات المتحدة لاعباً مهيمناً؛ ولكنْ في ذلك الزمن كان لأمريكا رأي آخر؛ فقد كان داخل أمريكا يتنازع تياران: الأول: هو إعطاء العالم قيم أمريكا وجعلها منارة يقتدى بها عن طريق الاهتمام بالداخل فقط. الثاني: هو أن قيم أمريكا تفرض عليها الالتزام بالنضال من أجل نشر هذه القيم وتطبيقها في أنحاء العالم، وتتفق هاتان المدرستان سواء تلك التي ترى أمريكا منارة أو مناضلة أو ما يسمى الاتجاه التبشيري والاتجاه الانعزالي أن من الطبيعي أن يوجد نظام عالمي يقوم على الديمقراطية والتجارة الحرة والقانون الدولي، وكان على رأس الفريق الأول الذي يؤمن بالانعزالية الرئيس ويلسون الذي حاول صياغة نظرية للأمن الجماعي بعد الحرب العالمية الأولى من خلال نقاطه الأربع عشرة مركِّزاً على أن النظام العالمي ينبغي من الآن فصاعداً أن يركز ليس على توازن القوى وإنما على تقرير المصير العرقي، وأن الدبلوماسية يجب أن لا تدار بشكل سري بواسطة الخبراء وإنما على أساس اتفاقيات صريحة يتم التوصل إليها بشكل علني؛ ولكن الأوروبيين كانوا ينظرون شذراً إلى هذه السياسة معللين ميل أمريكا لهذا الطرح نظراً للظروف الخاصة لأمريكا التي تعد قارة شبه خالية، وحيث إن أهلها لم يواجهوا قوة تحتاج إلى موازنتها؛ بينما أوروبا كانت تزخر بعدة قوى تحتاج إلى التوازن فيما بينها. ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ الاتجاه الثاني الذي يرى أهمية نشر المبادئ الأمريكية بالنضال في التغلب، وانخرطت الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة في صراع أيديولوجي وسياسي واستراتيجي مع الاتحاد السوفييتي في عالم ثنائي القوة يعمل وفق مبادئ مختلفة تماماً عن تلك الخاصة بنظام توازن القوى؛ ففي عالم ثنائي القوة لا يمكن الزعم بأن الصراع يقود إلى الصالح العام فأي كسب لأحد الطرفين خسارة للطرف الآخر، وقد كان النهج الأمريكي الفريد في السياسة الخارجية إبان الحرب الباردة ملائماً بشكل كبير للتحدي الذي كان قائماً؛ فقد كان هناك صراع أيديولوجي عميق ودولة واحدة فقط هي الولايات المتحدة تمتلك العدة الكاملة من الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية اللازمة لتنظيم الدفاع عن العالم غير الشيوعي. وتستطيع دولة في مثل هذا الوضع أن تصر على آرائها وأن تتجنب عادةً المشكلة التي تواجه ساسة المجتمعات الأقل ثراء. وقد تحطمت المفاهيم التقليدية للقوة بدرجة كبيرة في عالم الحرب الباردة؛ فلقد عرف التاريخ في معظمه توليفة من القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية أثبتت بوجه عام أنها متماثلة، وأصبحت العناصر المختلفة للقوة في فترة الحرب الباردة واضحة تماماً؛ فكان الاتحاد السوفييتي السابق قوة عسكرية عظمى وقزماً اقتصادياً في الوقت نفسه بعكس اليابان. وبانهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة يرى كيسنجر أن النظام الدولي سيتسم بتناقض ظاهري؛ حيث التفكك من جانب والعالمية المتزايدة من جانب آخر، وسيشبه النظام الجديد على مستوى العلاقات بين الدول نظام الدول الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أكثر من تشابهه مع الأنماط الجامدة للحرب الباردة، وسيحتوي على ست قوى كبرى على الأقل هي: الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، واليابان، وروسيا، والهند؛ بالإضافة إلى عدد كبير من البلدان متوسطة الحجم والأصغر حجماً. وفي الوقت نفسه أصبحت العلاقات الدولية عالمية بحق للمرة الأولى؛ فالاتصالات فورية والاقتصاد العالمي يعمل في كل القارات في آن واحد، وطفت على السطح مجموعة من القضايا التي لا يمكن معالجتها إلا على أساس عالمي مثل: الانتشار النووي، والبيئة، والانفجار السكاني، والاعتماد الاقتصادي المتبادل. ثم يشرع الكاتب في بيان خصائص كل بنية من بنيات النظام العالمي في تصوره. أمريكا: يصف بعض المراقبين النظام العالمي بأنه عالم أحادي القطب، ولكن الولايات المتحدة ليست في الواقع في وضع يؤهلها لإملاء جدول الأعمال العالمي من طرف واحد أفضل مما كان عليه وضعها في بداية الحرب الباردة. حقيقة أن أمريكا أكثر تفوقاً مما كانت عليه منذ عشر سنوات غير أن القوة أصبحت أكثر انتشاراً، ومن ثم فإن قدرة أمريكا على توظيفها في تشكيل بقية العالم قد تناقصت بالفعل، أي أن رغبتها في إظهار هذه القوة في العديد من الصراعات الصغيرة النطاق التي من المحتمل أن يشهدها العالم مثل: البوسنة، والصومال، وغيرها تمثل تحدياً فكرياً رئيساً بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية. وبالرغم أن أمريكا هي الدولة الأعظم والأقوى، ولكنها دولة لها نظراء والأولى بين أكفاء ولا ينبغي على الأمريكيين أن ينظروا إلى ذلك على أنه إنقاص من قدر أمريكا أو على أنه من أعراض الانحطاط القومي؛ فالحقيقة أن أمريكا كانت على مدى معظم تاريخها دولة ضمن دول أخرى وليست قوة عظمى متفوقة؛ وظهور مراكز قوى أخرى ينبغي أن لا يزعج الأمريكيين. ولكن ما هي المبادئ التي ينبغي أن تقيم أمريكا سياستها الخارجية عليها في القرن القادم؟ سيتعين على القادة الأمريكيين في القرن القادم أن يصوغوا لجمهورهم بوضوح مفهوماً للمصلحة القومية ويبينوا كيف تخدم تلك المصلحة في أوروبا وآسيا بالعثور على شركاء أساسيين لحفظ توازن القوى، ليس على أساس الاعتبارات الأخلاقية وحدها ولكن لمصلحة القومية الأمريكية. إن الأمريكيين برغم أنهم استخدموا في كثير من الحالات منطق أن مصلحة الدولة تسوِّغ الوسائل لكنهم لم يستريحوا كثيراً إلى الاعتراف بمصالحهم الأنانية الخاصة، وظل القادة الأمريكيون يدَّعون على الدوام سواء وهم يخوضون حروباً عالمية أو صراعات محلية أنهم يناضلون من أجل المبدأ وليس المصلحة؛ ولكن من الحكمة الاعتراف بأن هناك حاجة لتحقيق توازن؛ فمهما كانت أمريكا قوية فإنه لا توجد دولة لديها القدرة على فرض كل أفضليتها على بقية العالم. روسيا: لقد ظلت روسيا طوال تاريخها حالة خاصة، ولم تكن أبداً دولة قومية بالمفهوم الأوروبي؛ نظراً لمجاورتها لثلاثة مجالات ثقافية مختلفة هي: أوروبا، وآسيا، والعالم الإسلامي، ويفسر المحللون النزعة التوسعية الروسية عادة بأنها نابعة من إحساس بعدم الأمن؛ إلا أن الكتَّاب الروس سوَّغوا الاندفاع الروسي للخارج في الأغلب بأنه بمثابة القيام برسالة، ونادراً ما أبدت روسيا في تلك المسيرة إحساساً بالحدود وعندما كان يعوقها عائق فإنها كانت تنسحب باستياء بالغ. وعلى مدى معظم تاريخها كانت روسيا دائماً تترقب الفرصة المواتية. ولكن الأسئلة الأهم: هل ستسعى روسيا إلى العودة إلى إيقاعها التاريخي وإلى استعادة الإمبراطورية الضائعة؟ وبأي مبادئ ووسائل سيكون رد فعلها على الاضطرابات القائمة حول حدودها خاصة في الشرق الأوسط المتقلب؟ إن الإمبراطوريات المنهارة تولد سببين للتوتر هما: محاولات الدول المجاورة الاستفادة من ضعف المركز الإمبراطوري، ثم جهود الإمبراطورية المتداعية لاستعادة سلطتها في محيطها. وتدور هاتان العمليتان في آن واحد في الدول الوارثة للاتحاد السوفييتي السابق؛ فإيران وتركيا تسعيان إلى دعم أدوارهما في جمهوريات آسيا الوسطى التي تقطنها أغلبية مسلمة؛ بينما تندفع روسيا لاستعادة سيادتها على كل الأراضي التي كانت ُتحكَم من قِبَل موسكو، وتسعى باسم حفظ السلام إلى إعادة شكل من أشكال الوصاية الروسية، وتذعن أمريكا حتى الآن لتلك السياسة الروسية، وربما تتوازى المصلحة القومية الأمريكية مع نظيرتها الروسية في مناطق معينة، منها على سبيل المثال: جمهوريات آسيا الوسطى المهددة بالأصولية الإسلامية، وسيكون التعاون في تلك الساحة وارداً تماماً طالما أنه لا يكتب صكاً بعودة الإمبراطورية الروسية القديمة. ولدمج روسيا في النظام العالمي لا بد من مقومين متوازنين: التأثير على المواقف الروسية، والتأثير على الحسابات الروسية. وتعتبر المعونة الاقتصادية السخية والمشورة الفنية ضرورية لتخفيف مشاق التحول، وفي الوقت نفسه ينبغي مراقبة النزعة الإمبريالية الروسية في الظهور. أوروبا: استمدت حركة الاندماج الأوروبي جذورها من فرضيتين: أولاهما: أنه ما لم تتعلم أوروبا أن تتحدث بصوت واحد فإنها ستنحدر تدريجياً إلى وضع هامشي. ثانيهما: أنه كان ينبغي عدم وضع ألمانيا المجزأة في وضع قد يغريها بالسباحة بين الكتلتين والتلاعب بالجانبين في الحرب الباردة بتحريض كل منهما ضد الآخر، وقد نما الاتحاد الأوروبي الذي كان يضم في الأصل ست دول ليشمل اثنتي عشرة دولة؛ وهو في سبيله إلى التوسع ليشمل إسكندينافيا والنمسا وبعض الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي. في نهاية المطاف لقد قبلت ألمانيا القيادة السياسية الفرنسية في الجماعة الأوروبية في مقابل صوت أقوى لها في الأمور الاقتصادية، وفي السنوات القادمة لن تشعر أوروبا بحاجتها السابقة إلى الحماية الأمريكية، وستسعى وراء مصالحها الاقتصادية الذاتية بشكل أكثر إقداماً، ولن تكون أمريكا مستعدة للتضحية بالكثير من أجل الأمن الأوروبي، وستصر ألمانيا في الوقت المناسب على تحقيق النفوذ السياسي الذي تؤهلها قدرتها العسكرية والاقتصادية له، ولن تعتمد عاطفياً على المؤازرة العسكرية الأمريكية والمؤازرة السياسية الفرنسية. إن الأجيال القادمة في ألمانيا وخاصة بعد كول ليس لديها أية ذكريات شخصية عن الحرب أو عن دور أمريكا في إعادة تعمير ألمانيا المدمرة بعد الحرب، وليس لدى هذا الجيل سبب عاطفي للإذعان لمؤسسات فوق قومية أو جعل آرائه تابعة لأمريكا أو فرنسا؛ لقد أصبحت ألمانيا اليوم قوية إلى درجة لا تستطيع معها المؤسسات الأوروبية القادمة أن تحقق بنفسها توازناً بين ألمانيا وشريكاتها الأوروبيات، وليس من مصلحة أية دولة أن تركز كل من ألمانيا وروسيا على الأخرى شريكاً أساسياً؛ ذلك أنهما إن توثقت العلاقة بينهما فإنهما تثيران مخاوف السيادة المشتركة، وإذا تعاركتا فإنهما تورطان أوروبا في أزمات متصاعدة. ولأمريكا وأوروبا مصلحة مشتركة في تحاشي السياسات الروسية والألمانية الجامحة المتنافسة على مركز القارة، ولا تستطيع بريطانيا وفرنسا بدون أمريكا الحفاظ على التوازن السياسي في أوروبا الغربية، وستقع ألمانيا في غواية النزعة القومية. وأما روسيا فستفتقر إلى محاور عالمية، ومن الممكن أن تتحول أمريكا بدون أوروبا نفسياً وجغرافياً إلى مجرد جزيرة بعيدة عن الشواطئ الأوروبية الآسيوية. لقد قام حلف شمال الأطلسي ليمثل رباطاً مؤسسياً رئيساً بين أمريكا وأوروبا؛ وبالرغم من الخلاف الدائم بين وجهتي النظر الأمريكية والفرنسية فقد سيطرت أمريكا على حلف شمال الأطلسي تحت راية التكامل وشكلت فرنسا بتمجيد الاستقلال الأوروبي الاتحاد الأوروبي، وتتمثل نتيجة الاختلاف بينهما في أن الدور الأمريكي مسيطر في المجال العسكري إلى حد لا يتيسر معه إقامة كيان سياسي أوروبي؛ بينما يتسم الدور الفرنسي بالإصرار على الاستقلال الذاتي السياسي الأوروبي إلى حد لا يمكن معه تعزيز تماسك حلف شمال الأطلنطي. آسيا (اليابان والصين) : ففي حين تتجمع بلدان أوروبا في مؤسسات مشتركة فإن دول آسيا تنظر إلى نفسها على أنها متمايزة ومتنافسة. وتحمل العلاقات بين الدول الآسيوية الأساسية معظم خصائص نظام توازن القوى الأوروبي في القرن التاسع عشر، ويكاد يكون في حكم المؤكد أن تؤدي أية زيادة يعتد بها في قوة إحدى تلك الدول إلى قيام الدول الأخرى بمحاولة إعادة التوازن، وتتمثل الورقة القوية في موقف الولايات المتحدة التي لديها القدرة وإن لم يكن لديها الفلسفة على العمل إلى حد بعيد بالطريقة التي تصرفت بها بريطانيا في الحفاظ على توازن القوى الأوروبي حتى الحربين العالميتين في القرن العشرين. وقد نعمت اليابان إبان الحرب الباردة بتخليها عن اعتمادها التاريخي على النفس بحماية الولايات المتحدة. ولكونها منافساً اقتصادياً قوي العزم فقد دفعت مقابل حرية المناورة في المجال الاقتصادي ثمناً تمثَّل في جعل سياساتها الخارجية والأجنبية تابعة لسياسات واشنطن، وطالما كان بالإمكان النظر إلى الاتحاد السوفييتي على أنه التهديد الأمني الأساس لكلتا الدولتين فلعله كان من المعقول معاملة المصالح القومية الأمريكية واليابانية على أنها متطابقة؛ إلا أنه ليس من المحتمل أن يستمر هذا النمط؛ فمع ما تحرزه كوريا والصين من قوة عسكرية، ومع مرابطة الجزء الأقل ضعفاً من القوة السوفييتية في سيبيريا فلن يأخذ المخططون اليابانيون للأمد الطويل التطابق المطلق بين المصالح الأمريكية واليابانية على أنه من المسلَّمات. إن المنظور الياباني تجاه الجزء الرئيس من اليابسة الآسيوية يختلف عن المنظور الأمريكي تجاهه بسبب عاملي القرب المكاني والخبرة التاريخية؛ ولذا فإن ميزانية الدفاع اليابانية أخذت في الارتفاع إلى أن أصبحت ثالث أكبر ميزانية دفاع في العالم، وربما تعد ثانية ميزانية دفاع فعالة في العالم إذا ما وضعنا في الحسبان المشكلات الداخلية في روسيا. وحينما سئل كيشي ميازاوا عام ١٩٩٢م وكان رئيس اليابان آنذاك عما إذا كانت اليابان ستقبل وجود قدرة نووية كورية شمالية أجاب بصراحة بأسلوب غير ياباني بالمرة بكلمة واحدة: (لا) . فهل يعني ذلك أن اليابان ستطور قدرة نووية خاصة بها، أم ستسعى إلى قمع القدرة النووية الكورية الشمالية؟ إن مجرد إثارة مثل هذه الأسئلة يوحي بإمكانية أن تتحلل اليابان إلى حد ما من الارتباط بالسياسة الأمنية والخارجية الأمريكية. ومن الملفت للنظر أن متانة العلاقات اليابانية الأمريكية ستكون هي الوجه المقابل للعلاقة الصينية الأمريكية؛ فعلى الرغم من وجود درجة كبيرة من الألفة مع الثقافة الصينية فإن اليابان ينتابها أمران: الإعجاب من جانب مع الخوف من جانب آخر، والرغبة في الصداقة من جهة مع الدفع إلى السيطرة من جهة أخرى. ويغري التوتر الصيني الأمريكي اليابان بالابتعاد عن أمريكا؛ وذلك في محاولة إن لم تكن لتعزيز نفوذها في الصين؛ فعلى الأقل لعدم تقليله بالسير على الدرب الأمريكي بكل دقة، وفي الوقت نفسه فإن اتباع نهج ياباني محض يحمل في طياته خطر إمكانية تفسيره في بكين على أنه تعبير عن الرغبة اليابانية في الهيمنة، ومن ثم فإن العلاقات الطيبة بين أمريكا والصين هي الشرط المسبق للعلاقات الطيبة الطويلة الأجل بين اليابان وأمريكا. إنه مثلث لا يستطيع أي من الأطراف الثلاثة فيه أن يتخلى عنه إلا بتحمل مخاطر كبيرة. والصين هي الدولة الأكثر صعوداً من بين كل القوى الكبرى؛ فإنها بمعدل النمو الاقتصادي الذي يقترب من ١٠% سنوياً وبالإحساس القوي بالتماسك القومي وبقوة عسكرية دائمة النمو ستشهد أكبر زيادة نسبية في المكانة بين القوى الكبرى. ويختتم كيسنجر كلامه قائلاً: هناك بون شاسع بين منظور رجل الدولة ومنظور المحلل؛ فبوسع المحلل أن يختار المشكلة التي يرغب في دراستها؛ بينما تفرض المشكلات نفسها على رجل الدولة. وبمقدور المحلل أن يخصص ما يلزم من الوقت للوصول إلى استنتاج واضح؛ بينما يمثل ضغط عامل الوقت التحدي الأكبر بالنسبة لرجل الدولة، ولا يخاطر المحلل بشيء، فإذا ثبت أن استنتاجاته خاطئة فإن بمقدوره أن يكتب بحثاً جديداً؛ وكل الحقائق متاحة للمحلل؛ وسيكون الحكم عليه بمدى قدرته الفكرية. أما رجل الدولة فإنه يتعين عليه العمل استناداً إلى تقديرات لا سبيل إلى البرهنة على صحتها في الوقت الذي يصنعها فيه، وسيحكم عليه التاريخ على أساس مدى حكمته في إدارة التغيير الحتمي؛ وهذا هو السبب في أن فحص الكيفية التي يعالج بها الساسة مشكلة النظام الدولي ليس هو نهاية المطاف في فهم الدبلوماسية المعاصرة؛ مع أنه قد يكون نقطة البداية.

стр. 3402

اقتصاديات التثقيف الاقتصادي المعاصر د. زيد بن محمد الرماني مضى القرن العشرون وما زال يُطرح الملف الثقافي، وقضية العقل العربي؛ إلى جانب أدبيات هائلة حول هذين الموضوعين مثل: الهوية الثقافية، مسائل الثقافة، وإشكاليات الفكر، أزمات الثقافة، الغزو الثقافي، والتثاقف.. وتطول قائمة القضايا والمفاهيم. إنّ ثقافة الصورة في قوة أثرها وانتشارها تمثل فرصة غير مسبوقة في تاريخ البشرية للإعلام والتوعية والتثقيف؛ إنها فرصة للتوعية والتربية والتنشئة. فقد دخلت التكتلات الصناعية الكبرى [١] إلى مجال الإعلام وثقافة الصورة، وفرضت سيطرتها عليه من خلال مداخل متعددة القنوات: محطات التلفزيون الرئيسة ذات السياسة الإعلامية الموجهة نحو ثقافة الاستهلاك، وشركات المعلوماتية ذات الطابع التجاري الربحي، وشركات التلفزيون التي تمول إنتاج مسلسلات تلفزيونية خاصة، والشركات الكبرى المهتمة بنشرات الأخبار، وشركات البث المعنية بالتغطية الإعلامية للأحداث التي تتصف بالإثارة والإبهار وشد انتباه المشاهدين. يقول مصطفى حجازي في كتابه: (حصار الثقافة) : (إن المقارنة البحثية لبرامج القنوات الدولية التي تتخصص في الأخبار، وتلك التي تتخصص في التسلية والترويح تبين أن هناك مكونات أساسية أصبحت تشكل ملامح البرامج ومحتوياتها) [٢] . نشرة الأخبار على سبيل المثال أصبحت مقننة في عناصرها في العديد من المحطات: أخبار الأحداث، الإعلانات، سوق المال، الطقس، والرياضة. إننا بصدد تكثيف المعلومة، وإحاطتها بأكبر قدر من الزخم في المحتوى وضغط الزمن إلى أقصى الحدود الممكنة، سواء في الأخبار أو الإعلانات. لقد أصبحت أخبار الأسهم [٣] وأسواق المال مكوناً أساساً من مكونات نشرات الأخبار عالمياً ومحلياً. وتحمل الشاشات في بنية أخبارها مشاهد أسواق المال وأسعار العملات والمؤشرات صعوداً وهبوطاً، كما تحمل حركة وكلاء البورصة ومشاهد آلات عدّ النقود. والسؤال الملحّ: لماذا هذا التركيز على أخبار أسواق المال؟ ! مع العلم أن الخبراء والمتعاملين في هذه الأسواق لهم شاشاتهم الدائمة التي توافيهم بتحركات السوق المالية الكونية؛ فهل المقصود التثقيف المالي، أم أن المقصود هو جعل المال والسوق المالية مرجعية أساسية عند المشاهد سواء أكان يملك أم لا يملك؟ ! ثم: ألا يفتح هذا الأمر الباب لتحويل الناس إلى قناصين للفرص: هوس الأسهم والاستثمارات المالية؟ أوَ لا يفتح شهية تجربة الحظ الذاتي في الدخول إلى حيلة رأس المال الطيار، وإحلال الحس المالي محل العلم والجهد والعمل والإنتاج؟ الغائب الأكبر في كل ذلك هو ثقافة الجهد والإعداد والتدريب والإنتاج أمام إغراءات الربح السريع. ففي بحثها عن الإثارة وجذب المشاهدين تركز الشاشات التجارية على النجومية على اختلاف ألوانها. وتعطي لأخبار النجوم من المساحة ووقت البث ما لا يقارن مع الأوقات المتخصصة للموضوعات الأخرى. على أن الرياضة على الشاشات أصبحت أبرز مجال للنجومية. والإعلام المرئي يسّر سبل المتعة والمشاركة الرياضية لمئات الملايين من المشاهدين على سطح الكوكب في مختلف المباريات. وتحولت الرياضة إلى لحظات الحماس للإنجازات الخارقة والتنافس على تجاوز الذات كما وجدت نوعاً جديداً من الشراكة العالمية وفرصها بفضل الشاشات المتلفزة [٤] . على أن للمسألة جانباً آخر خفياً لا بد من الوقوف عنده؛ إذ حُوِّلت الشاشات بقدرتها على البث، وانطلاقاً من أخلاقيات اقتصاد السوق الرياضية إلى سلعة يتم التعامل معها؛ حيث تتحول الرياضة إلى سلعة، وأصبح ذلك ظاهرة شبه كونية من خلال الشاشات التلفزيونية. فالنجومية لم تعد تقاس بأدائها المبدع فقط، بل كذلك بأثمانها: كم كسب النجم الفلاني؟ وبكم يساوي بالمقايضات بين الأندية؟ والكسب ليس بالقليل على أية حال؛ فما يكسبه نجم عادي خلال موسم رياضي يزيد عن رواتب أساتذة كلية بأكملها من ذوي الرتب والرواتب العالية والمناصب الأكاديمية. ومع النجومية وتحويل الرياضة إلى سلعة بدأت تنحرف الأخلاقيات الرياضية النبيلة، وبدأت تظهر أخبار الصفقات والفضائح على مستوى الأندية واللاعبين والمستثمرين والمديرين! وكذلك فإن التحالف التجاري بين الشاشات المتلفزة وشركات الإعلان وإنتاج المواد الرياضية أصبح يشكل سوقاً مالية ذات شأن عظيم. إن نجومية الرياضة كما هي نجومية الفن لم تعد غريبة عن ثقافة الربح.. أما نجومية الجهد والإنتاج والعلم فتقبع في مكانها المتواضع. وبعض المفكرين يأخذون على القنوات التجارية تحولها إلى قنوات للتسلية والترفيه؛ وهو ما يبقيها على سطح الأحداث، ويجعل منها أدوات للتمويه وتغيير صورة الواقع المرح. والتسلية تعليق للفكر واستسلام واستئناس بالأحاسيس السارة ومتع اللحظة الراهنة إذا كانت هي أساس البرامج ومادتها الرئيسة. كبريات الشركات التلفزيونية تتسابق في صناعة المتعة والتسلية: فحسب تقديرات الخبراء [٥] أن الإنفاق الإعلاني العالمي بلغ حوالي ... ٦٢٠ مليار دولار سنوياً، أي ما يقرب من ضعف الدخل العالمي من النفط. وهو مرشح للتزايد كي يصل تبعاً لبعض التقديرات إلى حوالي ١٠٠٠ مليار دولار عام ٢٠٠٠م. لقد أصبح الإعلان صناعة تقوم على أسس فنية وعلمية، وتعمل لعنان لخيال أعضائها كي تولد الأفكار الأكثر طرافة وجدة، وإمكانية تأثير ونفاذ، أو خروج عن المألوف؛ كي تصاغ في إعلانات مبتكرة عن مختلف ... السلع. ومن ثم تكتسب السلعة (موضوع الإعلان) قيمة استهلاكية وخيالية ووجدانية ليست لها بالأصل؛ فالبيبسي تركز على مرح الشباب وجمال الصورة واللون وإرواء العطش، حتى صارت تعتبر مشروب الشباب. والعطورات ومساحيق الجمال أصبحت تربط بالحسناوات وملكات الجمال. وأما أغذية الأطفال فإنها تربط بالطفل المدهش جمالاً وصحة وسعادة. وهكذا تقوم سياسة الإعلان على بيع الأحلام، ودغدغة المشاعر وإثارة الرغبات من خلال مختلف أشكال الربط ما بين السلعة والصحة أو الجمال أو الجاه أو الشباب. الإعلان ابن لاقتصاد السوق، فهو إعلان استهلاكي [٦] ، ويندر أن نجد إعلانات عن الأداء أو الإنتاج. وإذا أغرق المشاهد بالإعلانات الاستهلاكية فإننا سنكون أمام صناعة ثقافة الاستهلاك ليس إلاَّ؛ وبذلك يصبح الاستهلاك هو القيمة وهو المرجع والموجّه. * ولكن، ماذا بخصوص من لا يملكون القدرة على الاستهلاك: كيف سيمارسون حقهم في الاختيار إذاً؟ إنها أسئلة تظل مطروحة على الساحة في حاجة ملحة لإجابات مقنعة. والحقيقة أنه ليس هناك من حالة تعبِّر عن ثقافة السوق [٧] بقدر الإعلانات التي تدعو إلى متعة الاستهلاك الآني. إننا بصدد الإثارة والمتعة على الأقل إذا استعرضنا واقع الإعلان التجاري الذي يغمر الثقافة المرئية. لقد سيطر الإعلام المرئي على الثقافة، وسيطر الإعلان على الإعلام. إن المشكلة ليست في الإعلان بحد ذاته؛ بل في توجهاته والقيم الاستهلاكية التي يروِّجها. والمشكلة أن العالم العربي كالعالم الثالث يستهلك هذه الثقافة الجديدة عن طريق الاستيراد أساساً؛ نظراً لفقر إمكاناته في مجال الإنتاج. إننا لا ندعو إلى حظر التسلية والترويح والمتعة وبهجة الحياة، بل ندعو إلى بذل الجهد للاستفادة من الفرص التي توفرها تقنية الإعلام للارتقاء بنوعية الحياة في العمل والجهد والتدريب والتأهيل، كما هو متوفر في مجالات الانتماء والتسلية والترفيه والتثقيف.

стр. 3403

متابعات رؤية حول مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بالمغرب د. أحمد الريسوني [*] أعدَّت كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة بتمويل من البنك الدولي ما أسمته مشروع (خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية) ، وبدراسة هذا المشروع يتبين أنه مصادم لأحكام شرعية ثابتة بالكتاب والسنة، وأن تطبيقه سيؤدي إلى زرع أسباب الشقاق بين أفراد الأسرة ويقضي على أسس المودة والرحمة والتضامن والتكافل بين أعضائها، فضلاً عن كونه يتضمن بنوداً لا علاقة لها بتنمية المرأة والمجتمع، ومن ذلك: ١ - السماح للفتيات بالزواج بدون إذن آبائهن وأوليائهن خلافاً لما جاء في حديث رسول الله ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) [١] ، مع أن الواقع يثبت أن إرغام الفتيات على الزواج بمن لا يرضين أو منعهن من الزواج بمن اخترن أمر نادر، وأن إلغاء الولاية في الزواج يصطدم أيضاً بأعرافنا الاجتماعية التي لا تزال تشترط حضور الأقارب حتى بالنسبة للزوج، وترى في ذلك ضماناً لنجاح الزواج. ٢ - إخراج الطلاق من صيغه الشرعية المختلفة، وجعله قضية في المحاكم فقط؛ مما سيدخل ارتباكاً كبيراً في الأسرة وغموضاً في وضع الزوجية خلال مرحلة الدعوى، وتضييع حقوق الأطفال بسبب تعقيد الإجراءات القضائية وطول مدة البت، فضلاً عما سيؤدي إليه ذلك من إذكاء العداوة بين الزوجين وقطع طريق الرجعة، وما سينتج عنه من عزوف عن الزواج، وتشجيع العلاقات المحرَّمة لا حماية الأسرة من الطلاق كما يدعي ذلك واضعو المشروع. ٣ - اقتسام الثروة التي امتلكها الزوج أثناء الحياة الزوجية عند وقوع الطلاق، وفيه ما فيه من إباحة أكل أموال الناس بالباطل، وهدم أحكام المتعة والنفقة في العدة، والنفقة على الأولاد، ونظام الإرث والإضرار بأعضاء الأسرة الآخرين الذين ساهموا في تكوين الثروة بالإضافة إلى ما يؤدي إليه ذلك نظراً لضعف الوازع الديني والأخلاقي من فسح مجال واسع لاختلاق الأسباب للمطالبة بالتطليق كلما نمت ثروة الزوج أو الزوجة، ولتحايل أرباب الأسر على أنفسهم وأولادهم لمحاولة إخفاء ثرواتهم أو اقتنائها تحت اسم أشخاص آخرين، مع ما في ذلك من إنشاء أوضاع شاذة ونشر ثقافة غريبة عن المجتمع المغربي المسلم. ٤ - رفع سن زواج البنات إلى الثامنة عشرة، وفي ذلك تعسف على حق شرعي وطبيعي للمرأة قد تُلجئ إليه بعض الأوضاع الخاصة والظروف الاجتماعية، مع العلم أن الزواج المبكر ظاهرة محدودة جداً كما تثبت ذلك الإحصائيات، ولا يعرقل شيئاً من إدماج المرأة في التنمية، مما يبرز أن المستهدف هو الأحكام الشرعية التي لا تتماشى مع المواثيق الدولية. ٥ - منع تعدد الزوجات الذي أباحه الله للحاجة إليه في بعض الأحيان ولم يفرضه، وإنما اشترط فيه العدل كما ورد في قوله تعالى: [فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ] [النساء: ٣] هذا مع الإشارة إلى أن التعدد محدود جداً ولا أثر له على استقرار الأسرة المغربية أو عرقلة إدماج المرأة في التنمية، وأن ما يهددها حقاً هو انتشار الفساد وتعدد الخليلات والخيانة الزوجية وتزايد العنوسة، وهو مما لم يهتم به مشروع الخطة أو يلق له بالاً. لقد أضافت الخطة المذكورة إلى مناقضة أحكام الشريعة ومقاصدها مجموعة سلبيات منها: كونها خطة غير وطنية انطلقت من الرغبة في مسايرة مقررات المؤتمرات الدولية مثل مؤتمر بكين وغيره، وهي المؤتمرات التي دعت إلى الاعتراف بالفاحشة وتطبيع ممارستها، وتوسيع مفهوم الأسرة كي يشمل (الأسرة) القائمة على علاقات جنسية محرمة وشاذة، وإشاعة الزنى والفساد من خلال تسهيل الحصول على العازل المطاطي بدعوى توفير الصحة الإنجابية والوقاية من الأمراض الجنسية، واعتبار تقسيم الأدوار داخل الأسرة، ومفاهيم الأبوة والأمومة، من التقاليد البالية والتحكمات الاجتماعية المتجاوزة. كونها تطرح إشكالات غير حقيقية لا علاقة لها بالتنمية، وإنما تستجيب ... لاعتبارات أيديولوجية. كونها أيضاً خطة إقصائية قامت على رؤية أحادية تمثل رأي فئة محدودة من الجمعيات ذات التوجهات اللادينية. لهذه الاعتبارات ولغيرها من المفاسد التي تضمنتها الخطة، ودفاعاً عن الدين وحفاظاً على الأسرة فإنه ينبغي رفض هذه الخطة، والمطالبة بخطة بديلة تستجيب لحاجات المجتمع المغربي في التنمية في إطار الإسلام وأحكامه ومقاصده، وذلك بكل الوسائل المشروعة ومن بينها التوقيع على العريضة الشعبية المتداولة في هذا الشأن. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

стр. 3404

المنتدى الدعاة المستنسخون محمد بن عوض صالح بعد أن صليت العشاء في أحد المساجد أمسك امام المسجد بكتاب رياض الصالحين وبدأ يقرأ منه بعض الأحاديث عن النبي ﷺ في باب التوبة. ومع بداية قراءة الإمام بدأ عدد المصلين يتناقص تدريجيا، حتى بلغ عند نهاية القراءة قرابة عشرة مصلين! ! لقد كان يقرأ بطريقة سردية مملة، يتجاوز كثيرا من الألفاظ غير المفهومة دون أدنى شرح أو تعليق. وبعد أن انتهى الإمام من القراءة توجهت إليه واقترحت عليه أن يغير طريقته في القراءة أو يغير الكتاب الذي يقرأ منه لكتاب يشرح على الأقل معاني الألفاظ ومراميها، فأجابني بأنه يقرأ بهذه الطريقة منذ زمن، ولكن الناس قد شغلتهم الملهيات عن سماع الذكر والعلم.. قلت في نفسي: سبحان الله العظيم! ! أي علم يقصده ذلك الرجل؟ اإني لا أنكر أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم وأنفع العلم، لكن ذلك يكون حين يعيها سامعها، وقارئها قبله. حين تفهم وترسخ في النفوس والأذهان، أما أن تتلى هكذا سرداً - دون شرح أو تعليق - على أسماع جماعة من الناس يغلب عليهم عدم التفقه في العلم والشرع؛ فإنه يستدعي إعادة النظرة! إن التجديد والتنويع بل والتغيير في وسائل الدعوة إلى الله ونشر العلم بين الناس - وأخص قضية العلم بالذكر- أمر قد غاب عن أذهان كثير من الدعاة وطلبة العلم. وليس ما ذكر سوى مثال بسيط على هذه القضية. وأظن - والعلم عند الله - أن من أهم أسباب غياب هذا الأمر اختلاط معنى التجديد لدى بعض الدعاة أو طلبة العلم، فتجده لا يفرق بين التجديد في الوسائل، والتجديد في المناهج والدعوات، بل يظن أي تجديد أو تغيير في طريقة تبليغه دعوته للناس هو تغيير في صميم هذه الدعوة ومنهجها! وكأن هذه الوسائل قد تم تأسيسها وإنشاؤها مع هذه الدعوة، فلا يمكن بحال من الأحوال أن تتغير أو تتبدل! ! ومن الأسباب كذلك: الكسل والفتور وضعف الهمة الملازم لبعض الدعاة، فلا يكلف ذهنه عناء التفكير في وسائل جديدة وطرق مبدعة تناسب من يتعامل معه من الناس. إن كوننا نطالب بالتجديد أو التنويع في وسائل الدعوة لا يعني أبداً أن ننبذ كل ما هو قديم أو مجرب؛ ولكنه يعني أن نطور هذه الوسائل ونحسنها، بل ونبدع وسائل جديدة حتى نستطيع أن نصل بهذه الدعوة إلى عقول الناس - الذين تعبدنا الله بدعوتهم - ثم إلى قلوبهم. وما ذاك إلا لأن وسائل الدعوة غير توقيفية، بل هي مفتوحة متجددة، كل زمان له ما يناسبه، كل هذا وذاك محدد بحدود الشرح. والأمثلة على ذلك كثيرة ومتوافرة ولكني أكتفي بالتعليق على المثال السابق، فاقول: ما ضر ذلك الإمام لو أقام مسابقة شهرية لجماعة المسجد في الأحاديث والعلم الذي يقرؤه عليهم؟ أو أنه علق على الأحاديث التي سيقرؤها في اليوم التالي لها فتشتاق النفوس إلى سماعها؟ وهكذا، فالأمر ميسر بحمد الله، وما دام أن أي وسيلة توصل إلى تبليغ دين الله ونشره بير الناس ولا تخالف شريعته، أو تتعارض مع مصلحة أعلى منها، فلا غبار عليها، بل الغبار على تلك العقول التي صدئت والقلوب التي شغفت بتقليد ما أخذته عن أشياخها فلا تكاد تتزحزح عنه حتى لكأنها عقول مستنسخة عن عقل ذلك الشيخ. إن طرح مثل هذا الموضوع يحتاج إلى تأصيل وبحث ومتابعة، وما هذه الأسطر إلا إشارة وخاطرة لقضية شغلت جزءاً من الذهن والهم، فأحببت إثارتها عسى الله أن يسخر لها كفؤا كريما يؤصلها ويجسدها مقالا يرى النور على، صفحات مجلتنا الغراء.

стр. 3405

المنتدى لنحذر طريق الهلاك إبراهيم آل عبد الكريم قد نجد من الذين يجاهرون بالمعاصي من يعلل عصيانه باعترافه بالخطأ وبأن كل إنسان يخطئ. نعم لا نختلف في ذلك ولكن الإصرار على المعصية الصغيرة تؤدي إلى مقام الكبيرة، وقد تؤدي إلى الشرك والضلال وترك الإسلام. وهذا التدرج من تحقير إبليس للصغيرة حتى يقع الشخص بالكبيرة وهكذا دواليك. والله- نهانا في محكم التنزيل عن اتباع خطوات الشيطان فقال - سبحانه -: [ولا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [البقرة: ١٦٨] ومنطلق خطواته بداية من التحقير لأهمية بعض العبادات، فيدخل من باب حكم العبادة: أهي جائزة أم سنة؟ أو من باب الرياء فيدخل قلب المؤمن ويوسوس بنفسه، ويقول له: أنت تعمل كذا لأجل كذا، أو يصور له أن من حوله يشاهدونه وهو يقوم بها فإذا أحسن عبادته أوقع إبليس بنفس العبد الخوف من الرياء، ثم يخطو به خطوة إلى ترك العبادة، ومن ثم يستدرجه في ترك عبادات كثيرة حتى يصل إلى مرحلة الوقوع في المحرمات. فلتحذر أخي المسلم من اتباع خطوات الشيطان ولنستعذ منه دائما كما أمرنا سبحانه: [وإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [الأعراف: ٢٠٠] . وللوقاية من الشيطان أمور عدة منها: أولاً: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: قال الله - تعالى: [وإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم] [الأعراف: ٢٠٠] . وفي صحيح البخاري عن عدي بن ثابت عن سليمان بن صرد قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان. فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال النبي: (إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) . [رواه البخاري: ح / ٥٥٨٨] ثانياً: قراءة آية الكرسي: [اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ... ] [البقرة: ٢٥٥] ، وفي الصحيح من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتى آت، فجعل يحثو من الطعام. فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ... ) فذكر الحديث إلى أن قال - فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : (صدقك وهو كذوب. ذاك الشيطان) . [رواه البخاري، ح / ٣٠٣٣] ثالثا: خاتمة سورة البقرة: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ ... ] [البقرة: ٢٨٥] وقد ثبت من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه) [رواه البخاري، ح / ٣٧٠٧١] ، وفي الترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، أنزل منه ايتين ختم بهما سورة البقرة، فلا يقرأن في دار ثلاث ليال فيقربهما شيطان) . [رواه الترمذي، ح / ١٢٨٠٧] رابعا: الوضوء والصلاة: وهذا أعظم ما يتحرز به منه، ولا سيما عند توارد قوة الغضب والشهوة، فإنهما نار في قلب بني آدم، وفي الحديث: (إن الشيطان خلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء) [رواه أبو داود، ح / ٤١٥٢] . خامسا: قراءة المعوذتين: [قل أعوذ برب الفلق] [الفلق: ١] و [قل أعوذ برب الناس] [الناس: ١] فإن لهما تأثيرا عجيبا في الاستعاذة بالله من شره ودفعه والتحصين منه. ولهذا قال النبي ﷺ : (ما تعوذ المتعوذون بمثلهما) . سادسا: قراءة سورة البقرة: ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبورا، وإن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان) . [رواه الترمذي، ح/ ١٢٨٠٢] سابعا: التهليل مائة مرة: ففي الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ... (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك) [رواه البخاري، ح/ ٣٠٥٠] . ثامنا: كثرة ذكر الله : ففي الترمذي من حديث الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات.....) الحديث. وفيه: ... (وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعا، حتى أتى على حصن فأحرز نفسه منهم؛ كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) [رواه الترمذي، ح/ هـ ١٢٧٩] فيجب علينا جميعا أن لا نخدع وراء الأمواج العاتية التي يحركها إبليس وأعوانه ليصطاد من بني آدم ويقذف بهم معه في نار جهنم - والعياذ بالله - وندعو الله أن يصلحنا وذرياتنا فإنه الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3406

المنتدى ماذا يجري للمدنيين داخل الشيشان عبد الرحمن السنيدي هناك تعتيم إعلاميٌّ على ما يجري لإخواننا مسلمي الشيشان في محنتهم فلا خبر ولا إعلام عن مآسيهم، وما يفعله بهم الروس الحاقدون من وحشية وظلم وطغيان وإهانات وتمثيل؛ محاصرين في قراهم ومدنهم محرومين من أبسط مقومات الحياة يُمطرون ليل نهار بحمم القذائف والنار من الطائرات والصواريخ والدبابات والمدافع في أبشع صور الوحشية والطغيان مع تأييد غربي وموافقة ما داموا مسلمين؛ فليس هناك مجلس أمن ولا أمم متحدة ولا حقوق إنسان؛ فالمكيال يختلف عما جرى في تيمور الشرقية وغيرها لأبناء ملتهم النصارى من تدابير عاجلة وإعلام هائل وتحرك الأمم المتحدة ودولهم بإرسال القوات بأسرع وقت ممكن. ومن يعرف خفايا الغرب وموقفه من الإسلام وأهله لا يستغرب ذلك؛ بل الذي يدمي القلب أن (٥٢) دولة إسلامية مجتمعة أو منفردة لا تفعل شيئاً تجاه إخوان لهم يفعل بهم هذه الأفعال ولا يحركون ساكنا؛ لأن هناك خللاً كبيراً في إسلامهم وصلتهم بربهم وهذا والله منتهى الذل والهوان. فأين جيوش أسلافنا ﵏ ونخوتهم المعتصمية؟ بل ليت الإسلام والمسلمين يسْلَمون من مكر بعض دولهم ومحاربتها الشنيعة لكل ما هو إسلامي حتى فاقت في ذلك دول الكفر واليهود. نعود إلى أحوال إخواننا المدنيين في الشيشان فنقول: إن الروس كإخوانهم في القومية يكررون التوقيت لشن عدوان الإبادة الوحشية مثلهم مثل الصرب الحاقدين؛ ففي العام الماضي شن الصرب عدوانهم علي مسلمي كوسوفا في شهر رمضان المبارك في توقيت مقصود ومبيت على ذبح المسلمين في مناسباتهم الدينية، وفي هذا العام في وقت لم يغب عن مخططي عسكر روسيا لعملياتهم العدوانية ضد إخواننا في الشيشان قبل حلول رمضان المبارك بأيام قلائل، وذلك بعد افتعال التفجيرات لإثارة الرأي العام الروسي ضدهم وليحققوا بذلك مكاسب انتخابية والذي تولى كبره منهم مجرمهم الكبير (بوتين) الرئيس الحالي بالوكالة. بدؤوا قاتلهم الله عدوانهم بتدمير محطات الكهرباء، ثم ركزوا القصف على الأسواق والمراكز الإسلامية في المدن والقرى الشيشانية لتختل مقومات الحياة وتدمر؛ لإبادة الشعب كله وليواجهوا هجمات شتاء برد قارس وهم عزل من كل شيء سوى القذائف والصواريخ التي تمطر عليهم. ولنورد هنا مثلاً وإشارة لما يجري لإخواننا هناك من ممارسات تكشف مدى الوحشية والحقد الدفين؛ ولكن ليتصور المرء كيف يرجع مهاجر إلى بلدته رغم أنها تحت القصف المتواصل وتمطر بالقذائف حتى المحرمة دولياً إلا أن تكون على المسلمين ليل نهار فذلك شأن آخر. هذا هو ما حصل لإخواننا في الشيشان: لقد فروا فلم يجدوا ملجأً إلا العراء في برد قارس يكسو الأرض بالثلوج، أو بعض خيام بلا فراش ولا طعام ولا أي شيء من مقومات الحياة؛ فلذلك آثروا العودة لديارهم المدمرة تحت القصف المذكور لعله أرجا لهم بعد أن مات منهم من مات وتقطعت أشلاء بعضهم من القصف، لعل الله أن يجعل لهم فرجاً ومخرجاً. توقيت مقصود وتواطؤ دولي مريب. ثم ما هي ممارسات العسكر الروس وتصرفاتهم تجاههم؟ هذا ما سنذكره مثالاً وإشارات لما يجري ضد إخواننا هناك ولعل من أبلغ القول ما شهدت به الأعداء؛ فقد نشرت جريدة سبعة أيام الجورجيه في عددها الصادر برقم ٤٧ في ٢٥/١١/ ١٩٩٩م تقريراً كتبته عن الشيشان من الميدان على لسان صحفية جورجية ومعها صحفي ألماني يقول التقرير باختصار: علماً أن جورجيا تخالف دين الشيشان ... وتعاديهم: تعتبر قرية (قالمي) أقرب إلى جورجيا وأول لقاء مع الحرب، وتبدو حولها السيارات المحترقة من جميع الجهات وحول السيارات صمت رهيب باستثناء طائرة روسية تبحث عن هدف آخر. القرية كلها دمرت بالكامل نحن نخطو بحذر شديد تجاه القرية المدمرة وبعد هذه القرية تليها قرية نصف مدمرة والباقون من سكانها على قيد الحياة هم الذين لم يستطيعوا الخروج وقادونا أولاً إلى منزل سُوِّي مع الأرض، ثم روضة أطفال لم يبق منها سوى المدخل الذي كُتب عليه تحية من الأطفال: (نحن نرحب بكم وننتظركم بقلوبنا وأرواحنا) حيث ذهب بقية الأطفال حرقاً داخل الروضة التي دمرتها طائرات روسية، وفي اليوم الثاني عندما كان أقرباؤهم يوارونهم التراب قامت المروحيات الروسية بالتحليق فوقهم وكل ذلك يجري بجوار القرية وبجانبها حافلة مليئة باللاجئين. تبدو لنا وجوه الأطفال خائفين مرعوبين وفجأة بدأ القصف على الحافلة بالصواريخ الحارقة، والمحرك وخزان الوقود هما الهدف الأول بالنسبة لهم؛ ثم شعرنا بقوة الانفجار والارتجاج والحافلة تحترق، ولم يستطع أحد من الركاب الخروج فاحترق كل من فيها من الأطفال والنساء. وفي إحدى القرى قرب جروزني عذب أحد السكان حتى الموت حين قام جنود فيلق روسي كامل بإطفاء سجائرهم على جسمه العاري وأجبروه على المشي على الثلج حافي القدمين، وأمام عينيه قام الجنود الروس باغتصاب زوجته. ودون رحمة قام هؤلاء بتعذيب ثلاثة أفراد من عائلة شيشانية، وتحمَّل الثلاثة جميع أنواع التعذيب الروسي الإجرامي وفنونه فأحدهم قتلوه رمياً بالرصاص بعد تعذيبه، والآخر قطعوا قدميه، والثالث نزعوا كبده وهو حي وقطعوا يديه حتي المرفق. إنها حرب إبادة شاملة ضد هذا الشعب المسلم الذي يعتبر عملة نادرة بين شعوب المسلمين اليوم. هذه مقتبسات من التقرير وهي غيض من فيض وإشارات لما يجري في عرض البلاد وطولها من تصرفات إجرامية روسية، وهكذا هو الإنسان في عقلية الحاكم الروسي وجيشه والغرب في مباركاته لذلك ودعمه. والحق ما شهدت به الأعداء. أما أخبار المجاهدين فإنها تصل بفضل الله عن طريق الإنترنت ويتبين منها ارتفاع معنوياتهم وكثرة إيقاعهم بجند الشيطان الجبناء الذين لا يواجهون مواجهة مباشرة، وأحوال أخرى تسر المسلم، ويطلبون فيها الدعاء من إخوانهم. وإني أحث كل مسلم على الاطلاع عليها ليرى فيها كيفية الاختلاف بين الإعلام الروسي والعالمي الكاذب المرجف وبين الحقائق على الواقع. نسأل الله لهم عاجل الفرج والنصر والعز والتمكين ...

стр. 3407

المنتدى يا راية التوحيد محمد بن عبد العظيم عيد يا راية التوحيد قد أبكاني ... والدمع هيجني وهز كياني أن كان تاج العز فوق رؤوسنا ... ورفعت عالية بكل مكان أن قد قهرنا كل عابد باطل ... من عابد الأقمار والأوثان من ملحد أو مشرك بإلهه ... أو عابد الأبقار والنيران من آل صهيون ومن إخوانهم ... أو عابد لهواه والشيطان ذلوا جميعاً مذعنين لديننا ... والعز كل العز في الإيمان سدنا الجميع بديننا وبسيفنا ... فالسيف والقرآن مقترنان

стр. 3408

المنتدى إنَّهم النَّابهون محمد سعد دياب هذا حَصَادُ النَّابهينَ.. ويومُهمْ ... يا سَعْدَهُم.. إنَّ الحَصَادَ كبيرُ يا ألفَ مَرْحَى بالذينَ نراهمُ ... وعلى ذُرَى الهاماتِ ضاءَ سرورُ الساهرينَ الليلَ في طلبِ العُلا ... والصَّائدينَ العُمْرَ.. وهو قصيرُ هِمَمٌ يَضِجُّ الوَقْدُ في شريانِها ... وتَطَلُّعٌ ما شَابَهُ التقصيرُ شَدُّوا إلى قِمَمِ النجاحِ رواحلاً ... لا تستريحُ.. ولا يخورُ مَسِيرُ أحداقُهُم قد سُمِّرت نحو السُّها ... وجباهُهُم فيها السَّنَا محفورُ ما جرَّهم طَيْشٌ.. ولا أَلهَاهمُ ... عَبَثٌ.. ولا ملأَ الفؤَادَ قشورُ تَعِبوا.. وها قد كُللتْ قاماتُهمْ ... نصراً نضيراً كالسَّحابِ يدورُ ما ضاعَ وقتهمو هَبَاءًا ماحِقاً ... إنَّ الجهادَ عطاؤه لوفيرُ أبداً إلى الغايات يرنو رَكْبُهم ... أبداً إذا حُمَّ النِّداءُ.. حُضورُ عُشَّاقُ حرصٍ.. يا لنِعْمَ مُرامُهم ... نِعْمَ المُرادُ.. فليس فيه قُصُورُ هم زَهْوُ أوطانٍ.. يزيلون الدُّجى ... فيزول عن أرجائه الدَّيْجُورُ هم وَعْدُنا نحو الصَّباح.. وفألُنا ... أَملٌ يُرَجَّى.. بَرْقُنا المنصورُ هم هذه الأُمُّ المضيءُ بقلبِها ... ابنٌ لها.. وأبٌ هناكَ فخورُ

стр. 3409

الصفحة الأخيرة نعم أسلمنا.. ولكن هل حسن إسلامنا؟ رضا محمد فهمي كثيراً ما نقرأ في سير الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً مثل هذا التعبير: ( ... ثم أسلم وحسن إسلامه) . وقد استوقفتني هذه العبارة وتذوقت لها طعماً في قلبي؛ مما دفعني إلى أن أسائل نفسي: نعم أنا أسلمت؛ ولكن هل حسن إسلامي؟ ثم تاه هذا المعنى كغيره من المعاني في خضم هذه الحياة وأحداثها. حتى جاء الموقف الأول وكنت أشرب الماء متوجساً من نقائه، فتمنيت بيني وبين نفسي أن لو كان المشرف على تنقية هذا الماء وتعقيمه ممن حسن إسلامهم، فحينها لن أشعر بأدنى توجس لثقتي بإتقان عمله، فهو من حُسن إسلامه. ثم جاء الموقف الثاني: وكنت في مدرسة المرور لاستخراج رخصة قيادة، وقد أُحلتُ إلى المشرف لتحديد المستوى، وقُبيل حلول دوري أُذِّن لصلاة الظهر؛ فتوقف العمل من أجل الصلاة لا حرمنا الله من ذلك في بلادنا الإسلامية جميعها وبعد الصلاة تأخر المشرف قليلاً ولا تخفى حرقة الشمس في فصل الصيف في ذلك الوقت فتمنيت أن يكون هذا المشرف ممن حسن إسلامهم فيرعى مصالح المسلمين التي كُلِّفَ بأدائها، فحينها لن أشعر أنا ولا غيري بقلق من ضياع الوقت بعد الصلاة. ... أما الثالث: فقد جاءني صديق وأخذ يسألني عن أشياء خاصة، ويلح في السؤال، وكان ينتقل بأسئلته من حيث تنتهي إجابتي. فقلت في نفسي: ليته كان ممن حسن إسلامهم واشتغل فيما ينفع! وتذكرت لحظتها حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) [١] . تحدثت بهذا المعنى مع أخ كريم فوجدت المعنى نفسه يشغله؛ لكنه كان أفطن مني؛ حيث تحسس مواقفه هو وتمنى أن لو كان فيها ممن حسن إسلامهم. وكم من أناس مثلي قد اطمأنوا لإسلامهم؛ فلم ينشغلوا بحسنه ولا تحسينه؛ بل راحوا يزنون الآخرين ويقيِّمون أفعالهم! نعم! إن لحسن الإسلام واقعه الملموس في شتى مجالات الحياة، وليس كما يحصره بعضنا داخل مسجد، أو في ناحية تهواها نفسه دون أخرى تشق عليه؛ بل له آثاره في وظيفتنا وبيتنا، في لساننا وجهادنا، بل في مشيتنا وسلامنا، وقبل ذلك في أهدافنا وغاياتنا وحبنا وبغضنا. وحبذا لو تحسسنا ذلك عندنا قبل أن نتحسسه عند الآخرين. قال تعالى: ... [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ومَن تَابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا] [هود: ١١٢] وقال صلى الله عليه وسلم: (عرفت فالزم) [٢] . ولعله يختلج في نفس من قصُر فهمه: كيف يحسن إسلامنا في شتى المجالات والصحابة أنفسهم صدرت منهم بعض الأخطاء في مجالات شتى؛ والأمثلة على الخطأ معروفة؛ فلنبحث عن مجال نتقنه ونحسن فيه إسلامنا. ويذكرني مثل هذا بمن أراد أن يتاجر مع الله جملة؛ فبنى لله مسجداً ضخماً على نفقته الخاصة، ثم لم يصلِّ هو فيه؛ بل لزم بيته في الصلاة معتقداً أن له من الأجر مثل أجور من يصلون في مسجده. ولا عجب؛ فالجنون فنون! أخي الحبيب: يجب أن نعتقد والعمل وليد الفكر والاعتقاد أن إحسان الإسلام يكون شاملاً، وينطلق من حسن تفاعل القلب مع أمر الله تعالى ونهيه ومع سنة رسوله ﷺ ، ثم جهد المرء بجوارحه لتطبيق ما يؤمن به ويعتقده، ولا بأس بعد ذلك من الخطأ أو النسيان ولو تكرر طالما يفرق هذا التكرار توبةٌ نصوح. ومن هذا الباب كانت الهفوات بل والزلات من بعض الصحابة الذين حسن إسلامهم وشُهد لهم بالجنان؛ فقد أتبعوا الخطأ بتوبة نصوح فاستمر لهم حسن إسلامهم. [والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: ٦٩] . أما أن يكون للمرء منا خبيئة يمعن في إخفائها ويحسن التوجه لله تعالى بها، لتكون له ذخراً عند الله يتشفع بها عند الشدائد، ويحتسب أجرها في الآخرة فذلك فضل من الله وتوفيقه. ولكن هذا لا يغني عن تمثُّل الإسلام واقعاً حياً يشمل مناحي الحياة جميعاً، ولنحذر واقع هذه المرأة التي حُكي لرسول الله ﷺ عن كثير صلاتها وصيامها لكنها تؤذي جيرانها فقال: (هي في النار) [٣] . اللهم! إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.

стр. 3410

المحرم - ١٤٢١هـ مايو - ٢٠٠٠م (السنة: ١٥)

стр. 3411

كلمة صغيرة تحسبهم جميعا لقد تحول البابا من حاكم مطلق يمنح أو يبيع صكوك الغفران، ويسير الحملات الصليبية إلى مجرد منصب ديني يمثل الكنيسة الكاثوليكية بعد تحول المجتمع الأوروبي عن الدين وتبنيه العلمانية أو الادينية. لقد تحول دور الكنيسة من القيادة إلى المشاركة الفعالة في تنفيذ المشاريع الاستعمارية، فعلى مدى قرون كانت الكنيسة فيها طليعة الاستعمار وأداته في تثبيت النفوذ الغربي وتكوين جاليات نصرانية محلية تكون أداة للغرب في تنفيذ أغراضه. إن الكنائس الغربية هي المسؤولة عن أحداث نيجيريا، وجنوب السودان وتيمور الشرقية وجزر الملوك، وكلما نجحت الكنيسة في تكوين تجمع نصراني فإن الدول الغربية تتولى مهمة الرعاية والحماية. ومن اللافت للنظر حرص البابا على الظهور بمظهر زعيم العالم المسيحي وتعدد زياراته لبلدان فيها جاليات نصرانية غير كاثوليكية في محاولة لدمجها في المشروع الغربي، ولهذا كانت زياراته لجورجيا والصين والهند والسودان وأخيرا لمصر. لقد قوبل البابا في الهند رسميا بحفاوة، لأنه يمثل الغرب؛ لكن الهندوس قابلوه بالمظاهرات التي تندد بالنشاط التنصيري في الهند. أما في مصر فقد كانت الزيارة مناسبة لإبراز عمق الخلافات بين النصارى، وعدم ترحيب الكنيسة القبطية بهذه الزيارة؛ لأنها تهدد سلطة الكنيسة على رعاياها، ولهذا فإن الحكومة التي أفلحت في جعل شيخ الأزهر على رأس المستقبلين لم تنجح في إقناع البابا شنودة بالمشاركة في الاستقبال، بل وتم منع البابا يوحنا من دخول أحد الأديرة في سيناء، مما أكد عمق الخلاف الديني، والسياسي أيضا؛ حيث إن الكنيسة القبطية تحس أن هناك نشاطا كنسيا غربيا بين الأقباط في مصر ومحاولة إثارة القلاقل مع المسلمين ليكون ذلك ذريعة للتدخل الغربي في مصر عند الحاجة، بدعوى حماية الأقلية النصرانية المضطهدة! !

стр. 3412

الافتتاحية العربية وواجبنا نحوها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فإننا بهذا العدد الذي ندخل به العام الخامس عشر من عمر البيان المديد - بإذن الله - لنؤكد على استمرارنا في النهج العقدي والدعوي والتربوي في طريقنا المرسوم والمعهود مذكرين في الوقت نفسه بأن لكل أمة شعارا، (واللسان العربي شعار الإسلام وأهله) [١] ، وما ذاك إلا لارتباطه بأهم ... مقدسات المسلمين، وهما الوحيان: الكتاب، والسنة بالإضافة إلى أن أغلب ما كتب في العلوم الإسلامية كان باللغة العربية. ومن أجل هذا اكتسبت اللغة العربية خاصية تميزها عن بقية اللغات الحية، وهي ثبات أصولها، وتمنعها من التغير، وهذا لا يضاد النمو والتمدد عن طريق الاشتقاق والنحت وغير ذلك من وسائل نموها. ولهذا كان من واجبات المسلمين - ولاة وأفرادا - العمل على نشر اللسان العربي، والمحافظة عليه، والدفاع عنه، وهذا ما فعله الأسلاف حين نشروا اللغة العربية مع نشرهم للإسلام، وكان لذلك أثر كبير - بفضل الله - في توطين الإسلام في تلك الشعوب التي تعلمت اللسان العربي، وتشبثت به، وكان من أخطاء المسلمين في الأندلس عدم نشر اللغة العربية بين أهل البلاد والتسامح في بقاء لغات أخرى على مستوى اجتماعي عال وكبير مما جعل اقتلاع الإسلام من الأندلس وطمس أغلب آثاره في نفوس أهله من غير العرب سهلا وسريعا، وإن بقيت آثار العربية في اللغة الأسبانية واضحة حتى الآن. وفي هذا العصر توجه إلى اللغة العربية سهام كثيرة من جهات عدة، لا مجال الآن للكلام عنها، وإنما سنوجه كلامنا إلى حال الدعاة مع اللغة العربية وموقفهم من الدعوات المناوئة لها؛ لأنهم أهم الأفراد الذين يجب عليهم نشر اللسان العربي السليم والمحافظة عليه؛ حفاظا على صفاء الدين وتعميقه في النفوس، لتتعامل مع الوحيين بنقاء وفهم أكثر. وهذه وقفات مع هذا الموضوع: الوقفة الأولى: انتشر في الآونة الأخيرة عدة إصدارات صوتية بلهجات عامية مختلفة، ولقيت رواجا في السوق، مما دعا تسجيلات أخرى إلى احتذاء هذه الطريق، ونشر مزيد من هذه التسجيلات العامية، وهذه نكسة في طريق تقدم لغة المجتمع واقترابها من الفصحى. وبيان ذلك: أن المجتمع كان على لهجات عدة، حتى يكاد بعضه لا يفهم لهجة بعض، وبعدما انتشرت وسائل الإعلام - وبخاصة المسموعة - وكانت العربية الفصحى لغتها بوجه عام أدى ذلك إلى زوال كثير من المفردات والأساليب والصوتيات العامية من المجتمع، وقرب الجميع إلى اللغة الفصحى، واقتصرت العامية على لغة المشافهة الخاصة في الشارع والمجالس، دون تقييد أو تسجيل، كل ذلك أدى إلى انتشار المفردات الفصيحة، والأساليب السليمة. والموازن بين كلام الناس الآن وكلامهم قبل مائة سنة أو أقل يرى البون الشاسع بينهما، ويرى أن كلام الناس اليوم أقرب إلى الفصحى مفرداتٍ وأساليبَ وأصواتاً. ولكن - وللأسف الشديد - نشط دعاة العامية، ودعوا الى تقييدها في الكتب، وتسجيلها في الأشرطة المسموعة، مما أعطاها دفعة قوية، وبث الروح في كثير من كلماتها وأساليبها وأصواتها التي كادت تموت، وهذا لا يستنكر من دعاة القوميات الأرضية، أو الوطنيات الضيقة، غير المتعلمين للسان العربي الفصيح، ولكنه يستغرب - بكل أسى - ممن يعلم أن كل دعم للعامية ونشر لها يعني إقصاء الفصحى وإضعافاً لها، كما يستغرب من دعاة كان المطلوب منهم إعزاز اللسان العربي والاعتزاز به، لارتباطه بما يدعون إليه، ف (إن نفس اللغة من الدين) [٢] ، وإن (اعتياد التكلم به - أي اللسان العربي) أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين ... الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمورهم) ، [٣] . ولا يعني ما تقدم أن يطالب عامة الناس بالالتزام باللغة الفصحى؛ فإن هذا في هذا الوقت مطلب كبير، ولكن المطلوب أن تحاصر العامية في أضيق الحدود التي لا تتجاوز المشافهة بين عامة الناس في الشوارع والمجالس، مع تحسينها وتقريبها إلى الفصحى، وبخاصة في مفرداتها وأساليبها؛ فإن هذا ممكن وسهل، وفي المقابل ينبغي أن يبقى الخطاب في المحافل والمجامع والدعوة العامة مكتوبا بالفصحى ومسجلا بها؛ وبهذا نجعل الناشئة تحرص على العربية الفصحى وتعلمها وتقريب الكلام منها، لأنها لغة من ترقى لقيادة الناس ومخاطبة الجموع، ونجعل الناشئة تبتعد عن العامية وتستحي من الخطاب بها؛ لأنها لغة الشارع، ومع الوقت يقترب كلام الناس إلى الفصحى أكثر فأكثر. الوقفة الثانية: نجد بعض الدعاة لا يرى حرجا في استعماله الألفاظ الأعجمية في كلامه بلا حاجة موجبة أو داعية، فتجده يردد في كلامه - على سبيل المثال - مثل هذه الكلمات: (تلفون - بيجر - ليموزين - كنسل - ترم..) مع اشتهار ترجماتها، ولو ناقشته في ذلك لذكر لك كراهيته لهذه الألفاظ، ولكن لكونها منتشرة بين الناس سهل عليه استعمالها واعتيادها، ونسي أن من مهمات الدعاة توجيه الناس نحو الصواب، لا مسايرتهم في أخطائهم، وربما قال قائل: إن المسألة سهلة، وليست من مهمات الدعوة، وليس لها أثر كبير في انحراف الناس عن منهج الإسلام فيقال: نعم! إن هناك ما هو أهم منها، ولكنها أيضا مهمة؛ لما لها من أثر كبير ... في هداية الناس وإعادتهم إلى سيرة السلف الصالح الذين كرهوا الكلام بغير العربية بغير حاجة (فقد كره الإمام الشافعي لمن يعرف العربية أن يتحدث بغيرها، أو أن يتكلم بها خالطا لها بالعجمية، وهذا الذي ذكره الشافعي ﵀ قاله الأئمة مأثورا عن الصحابة والتابعين) [٤] . (وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات، وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد بل قال مالك: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه) [٥] . وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصورا على اللسان، بل يتعمق حتى (يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق) [٦] . الوقفة الثالثة: انتشر في كثير من البلدان ومنذ سنوات عديدة الاهتمام بالدراسة المتخصصة بما يسمى بـ (الفلكلور الشعبي) وهو الاهتمام بالموروث الشعبي ودراسته والتنقيب عنه؛ والأدهى والأمر حينما يدخل فيه ما ورث من عصور الوثنية والتخلف من المسائل المصادمة للشرع من الاهتمام بالتماثيل وبالمقامات والأضرحة والموالد وخلافها؛ وانتشر دعاة الفينيقية والفرعونية والبربرية ونحوها من الحضارات البائدة، وقد حذر من ذلك باحث عربي مشهور هو الدكتور محمد محمد حسين وكتب عنها موضحا آثارها السلبية تحت عنوان: (حصوننا مهددة من داخلها) . الوقفة الرابعة: الاهتمام المنقطع النظير بما يعرف بالآداب الشعبية، وبخاصة ما يعرف بـ ... (الشعر الشعبي: النبطي، والزجل ... وما ينضوي تحت مدلوله من مسميات في مختلف البلدان العربية) ، نعم فهذا الشعر هو مصدر من مصادر تاريخ أمتنا في عصور تخلفها يلزم العناية به في حدود هذا الجانب فقط، لا أن يؤصل وتفتح له المراكز العلمية وتؤخذ بواسطته الشهادات العلمية عن طريق (المستشرقين) الأجانب الذين لا يعرفون العربية فضلا أن يعرفوا اللهجات الشعبية. وما صدر مؤخرا من مجلات شعبية إنما يصب في هذا الباب، لا سيما أن جل ما ينشر فيها هو من تافه القول وبارد الأساليب؛ وإن تساقطت تلك المجلات واحدة بعد الأخرى إلا أنها - وبلا شك - مظهر انحطاط للأمة لا مظهر قوة أو تطور، فهل نعي ذلك؟ إنها دعوة لإعطاء كل ذي حق حقه، من دون غلو ولا تقصير، لكي تسير الدعوة لنهضة أمتنا في توازن، ولا تفقد جانبا مها من عوامل أصالتها.

стр. 3413

دراسات في الشريعة والعقيدة يوم عاشوراء.. أحكام وفوائد عبد اللطيف بن محمد الحسن ما المناسبات الإسلامية إلا اصطفاء من الله تعالى لبعض الأزمان وتخصيص لها بعبادات ووظائف. تأتي تلك المناسبات الكريمة فتحرك الشعور الإسلامي في أهله ليُقبلوا على الله فيزدادوا طهراً وصفاءاً ونقاءاً. يُقبل شهر الله المحرم فيدعو المسلمين للصيام؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) [١] . وفي الوقت الذي يذكِّرنا فيه هذا الشهر بهجرة المصطفى ﷺ بداية ظهور الدعوة وقيام دولة الإسلام نجد فيه يوماً يذكِّرنا بانتصار نبي آخر هو موسى ﵊. ذلكم هو يوم عاشوراء العاشر من المحرم. ولقد حبا الله هذا اليوم فضلاً، فضاعف فيه أجر الصيام. ثم كان للناس فيه طرائق فأدخلوا فيه وأحدثوا وزادوا.. إما رغبة في الخير، أو مجاراة للناس، وإما اتباعاً للهوى وزهداً في السنة. من هنا نشأت الحاجة لبيان فضل هذا اليوم، وما يشرع فيه، وبيان أحوال الناس في تعظيمه، مع وقفات تبرز من خلال المطالعة والبحث في هذا الموضوع، أسأل الله تعالى الهدى والسداد، وأن ينفع بهذه السطور. أولاً: خصوصية عاشوراء وفضل صومه: جاء في فضل عاشوراء أنه يوم نجَّى الله فيه نبيه موسى ﵊ والمؤمنين معه، وأغرق فيه فرعون وحزبه؛ فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟) فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : (فنحن أحق وأوْلى بموسى منكم) فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه [٢] ، وهذا يحتمل أن الله تعالى: (أوحى إليه بصدقهم، أو تواتر عنده الخبر بذلك) [٣] . وقد جاء بيان فضل صيام يوم عاشوراء في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم عاشوراء، فقال: (يكفِّر السنة الماضية) ، وفي رواية: (صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) [٤] ، وفي حديث آخر: (ومن صام عاشوراء غفر الله له سنة) [٥] . قال البيهقي: (وهذا فيمن صادف صومه وله سيئات يحتاج إلى ما يكفِّرها؛ فإن صادف صومه وقد كُفِّرت سيئاته بغيره انقلبت زيادة في درجاته، وبالله التوفيق) [٦] . بل إن صيامه يعدل صيام سنة، كما في رواية: (ذاك صوم سنة) [٧] . ويصور ابن عباس حرص النبي ﷺ على صيامه فيقول: (ما رأيت النبي ﷺ يتحرَّى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني: شهر رمضان) [٨] . ولِمَا عُرف من فضله فقد كان للسلف حرص كبير على إدراكه، حتى كان بعضهم يصومه في السفر؛ خشية فواته، كما نقله ابن رجب عن طائفة منهم ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وقال: (رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر) [٩] . ثانياً: حالات صوم عاشوراء: مرّ صوم يوم عاشوراء بأحوال عدة [١٠] : الأولى: أن النبي ﷺ كان يصوم عاشوراء بمكة، ولا يأمر الناس بصومه. الثانية: لما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه، فصامه وأمر الناس بصيامه، حتى أمر من أكل في ذلك اليوم أن يمسك بقية ذلك اليوم. وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة؛ لأنه قدم المدينة في ربيع الأول. الثالثة: لما فرض رمضان في السنة الثانية نُسِخَ وجوب صوم عاشوراء، وصار مستحباً، فلم يقع الأمر بصيامه إلا سنة واحدة [١١] . ويشهد لهذه الحالات أحاديث، منها: حديث عائشة ﵂ قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما هاجر إلى المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: (من شاء صامه، ومن شاء تركه) [١٢] . وعن الرُّبَيِّع بنت معوِّذ قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: (من كان منكم صائماً فليتمَّ صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه) ، فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوِّم صبياننا الصغار منهم، إن شاء الله، ونذهب بهم إلى المسجد، ونصنع لهم اللعبة من العهن، فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم، حتى يتموا صومهم) [١٣] . ومن العلماء من قال: إنه لم يكن واجباً أصلاً [١٤] ؛ احتجاجاً بقول معاوية ﵁ لما خطب يوم عاشوراء فقال: (ولم يكتب الله عليكم صيامه) [١٥] ، قال الحافظ ابن حجر: (ولا دلالة فيه؛ لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته: أنه عامٌّ خُصَّ بالأدلة الدالة على تقدُّم وجوبه، أو المراد: أنه لم يدخل في قوله تعالى: [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ] [البقرة: ١٨٣] ، ثم فسره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك: أن معاوية إنما صحب النبي ﷺ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أوائل العام الثاني. ويؤخذ من مجموع الروايات أنه كان واجباً؛ لثبوت الأمر بصيامه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات ألاَّ يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: (لما فُرِضَ رمضان ترك عاشوراء) ، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه) [١٦] . فكما كان واجباً أولاً فهو الآن مستحب غير واجب، كما نقل ابن عبد البر الإجماع على هذا [١٧] . واستحبابه متأكد يدل عليه قول ابن عباس ﵄: (ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم ... عاشوراء، وهذا الشهر، يعني: شهر رمضان) [١٨] . قال ابن حجر: (وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه.. فلا يخفى ضعفه، بل تأكُّد استحبابه باقٍ، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته ﷺ ؛ حيث يقول: (لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر) ، ولترغيبه في صومه وأنه يكفِّر سنة، وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ !) [١٩] . ولا يشوِّش على هذا ما روي من أن ابن عمر كان لا يصومه إلا أن يوافق صيامه [٢٠] ، وأنه كان يكره إفراده بالصوم، فهو اجتهاد منه لا تُعارَض به الأحاديث الصحيحة، وقد انقرض القول بذلك [٢١] . الحالة الرابعة: الأمر بمخالفة اليهود في صيام عاشوراء: (كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء) [٢٢] ، حتى أُمر بمخالفتهم، ونُهي عن موافقتهم، فعزم على أن لا يصوم عاشوراء مفرداً، فكانت مخالفته لهم في ترك إفراد عاشوراء بالصوم. ويشهد لذلك أحاديث منها: عن ابن عباس ﵄ قال: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله ﷺ : (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع) . قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ [٢٣] ، والمراد: أنه عزم على صوم التاسع مع العاشر. يشهد لذلك قول ابن عباس ﵄: (أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر) [٢٤] ، وقوله: (خالفوا اليهود، وصوموا التاسع والعاشر) [٢٥] ، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر [٢٦] . أما جواب ابن عباس لمن سأله عن صيام عاشوراء، فقال: (إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبِحْ يوم التاسع صائماً) [٢٧] ، فلا إشكال فيه، قال ابن القيم: (فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له زوال الإشكال، وسعة علم ابن عباس؛ فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه) [٢٨] . وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : (صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً) [٢٩] . وعلى صحة هذا الحديث فإن من لم يصم التاسع فإنه يصوم الحادي عشر؛ لتتحقق له مخالفة اليهود في عدم إفراد عاشوراء بالصوم. أما رواية: (صوموا يوماً قبله، ويوماً بعده) فهي ضعيفة [٣٠] . وعن أبي موسى ﵁ قال: كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود، وتتخذه عيداً، فقال رسول الله ﷺ : (فصوموه أنتم) [٣١] . قال ابن رجب: (وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيداً، وعلى استحباب صيام أعياد المشركين؛ فإن الصوم ينافي اتخاذه عيداً، فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه ... فإن في ذلك مخالفة لهم في كيفية صيامه أيضاً، فلا يبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكلية) [٣٢] . ثالثاً: كيفية مخالفة اليهود في صوم يوم عاشوراء: يظهر مما تقدم من الأحاديث والله أعلم أن الأكمل هو صوم التاسع والعاشر؛ لأنه هو الذي عزم على فعله النبي ﷺ . ومن صحح حديث: (وصوموا قبله يومًا، أو بعده يومًا) فإنه قال بمشروعية صيام الحادي عشر لمن لم يصم التاسع، لتحصل له مخالفة اليهود التي قصد إليها النبي ﷺ ؛ خاصة أن من أهل العلم من يرى كراهية إفراد العاشر بالصوم؛ لما فيه من موافقة اليهود ومخالفة الأمر بمخالفتهم، وأيضًا خشية فوات العاشر [٣٣] . ومن أهل العلم من قال بأفضلية صوم الثلاثة أيام: التاسع والحادي عشر مع العاشر، وحجتهم الرواية المتقدمة: (صوموا يومًا قبله، ويومًا بعده) ، وأيضًا: الاحتياط لإدراك العاشر، ولأنه أبلغ في مخالفة اليهود [٣٤] . رابعاً: أعمال الناس في عاشوراء في ميزان الشرع: الناظر في حال الناس اليوم يرى أنهم يخصصون عاشوراء بأمور عديدة. ومن خلال سؤال عدد من الناس من بلدان عدة تبين أن من الأعمال المنتشرة التي يحرص عليها الناس في عاشوراء: الصيام وقد عرفنا مشروعيته. ومنها: إحياء ليلة عاشوراء، والحرص على التكلف في الطعام، والذبح عموماً لأجل اللحم، وإظهار البهجة والسرور، ومنها: ما يقع في بلدان كثيرة من المآتم المشتملة على طقوس معينة مما يفعله الروافض وغيرهم. وحتى نعرف مدى شرعية تلك الأعمال فتكون مقربة إلى الله، أو عدم مشروعيتها لتصير بدعاً ومحدثات تُبعِد العبد عن الله؛ فإنه لا بد أن نعلم جيداً أن للعمل المقبول عند الله تعالى شروطاً منها: أن يكون العامل متابعاً في عمله رسول الله ﷺ [٣٥] . وإذا نظرنا في أفعال الناس في عاشوراء سواء ما كان منها في الحاضر أو الماضي أو الماضي القريب [٣٦] رأينا أنها على صور عدة: أ - ما كان منها في باب العبادات؛ حيث خصوا هذا اليوم ببعض العبادات كقيام ليلة عاشوراء، وزيارة القبور فيه، والصدقة، وتقديم الزكاة أو تأخيرها عن وقتها لتقع في يوم عاشوراء، وقراءة سورة فيها ذكر موسى فجر يوم عاشوراء ... فهذه ونحوها وقعت المخالفة فيها في سبب العمل وهو تخصيصه بوقت لم يخصه الشارع بهذه الأعمال، ولو أراده لحثَّ عليه، كما حث على الصيام فيه، فيُمنع من فعلها بهذا التقييد الزمني، وإن كانت مشروعة في أصلها. ولأن باب البدع لا يقف عند حدّ فإن البدع في العبادات قد تنال كيفية العبادة، كما اختلقوا حديثاً موضوعاً مكذوباً في صلاة أربع ركعات ليلة عاشوراء ويومها، يقرأ فيها [قل هو الله أحد] [الإخلاص: ١] إحدى وخمسين مرة [٣٧] ، وخرافة رقية عاشوراء، ونعي الحسين ﵁ على المنابر يوم الجمعة [٣٨] ، وكالمنكرات المصاحبة لزيارة القبور. ب - ما كان من باب العادات التي تمارس في عاشوراء تشبيهاً له بالعيد، ومن ذلك: الاغتسال، والاكتحال، واستعمال البخور، والتوسع في المآكل والمشارب، وطحن الحبوب، وطبخ الطعام المخصوص، والذبح لأجل اللحم، وإظهار البهجة والسرور. ومنها عادات لا تخلو من منكرات قبيحة. وهذه في أصلها نشأت وظهرت رد فعل لمآتم الرافضة التي يقيمونها حزناً على مقتل الحسين ﵁ فكان من الناصبة [٣٩] أن أظهروا الشماتة والفرح، وابتدعوا فيه أشياء ليست من الدين، فوقعوا في التشبه باليهود الذين يتخذونه عيداً كما تقدم [٤٠] . وأما ما روي من الأحاديث في فضل التوسعة على العيال في عاشوراء فإن طرقها ضعيفة، وهي وإن رأى بعض العلماء أنها قوية فإن ضعفها لا ينجبر، ولا ينهض لدرجة الحسن. أما الاغتسال والاكتحال والاختضاب فلم يثبت فيه شيء البتة [٤١] ، ولمَّا أشار ابن تيمية إلى ما روي من الأحاديث في فضل عاشوراء قال: (وكل هذا كذب على رسول الله ﷺ ، لم يصح في عاشوراء إلا فضل صيامه) [٤٢] . وبذلك تعرف أن الشرع لم يخص عاشوراء بعمل غير الصيام، وهذا منهج الرسول ﷺ ، [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ١٢] . وكم فات على أولئك المنشغلين بتلك البدع من اتِّباع النبي ﷺ والعمل بسنته! ج - مآتم الشيعة (الرافضة والباطنية) : أما بالنسبة لمآتم الشيعة فإنه لا نزاع في فضل الحسين ﵁ ومناقبه؛ فهو من علماء الصحابة، ومن سادات المسلمين في الدنيا والآخرة الذين عرفوا بالعبادة والشجاعة والسخاء ... ، وابن بنت أشرف الخلق ﷺ ، والتي هي أفضل بناته، وما وقع من قتله فأمر منكر شنيع محزن لكل مسلم، وقد انتقم الله من قتلته فأهانهم في الدنيا وجعلهم عبرة، أصابتهم العاهات والفتن، وقلَّ من نجا منهم. والذي ينبغي عند ذكر مصيبة الحسين وأمثالها هو الصبر والرضى بقضاء الله وقدره، وأنه تعالى يختار لعبده ما هو خير، ثم احتساب أجرها عند الله تعالى. ولكن لا يحسن أبداً ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي يُلحَظُ التصنع والتكلف في أكثره، وقد كان أبوه عليٌّ أفضل منه وقُتل، ولم يتخذوا موته مأتماً، وقتل عثمان وعمر ومات أبو بكر ﵃، وكلهم أفضل منه.. ومات سيد الخلق ﷺ ، ولم يقع في يوم موته ما هو حاصل في مقتل الحسين. وليس اتخاذ المآتم من دين المسلمين أصلاً، بل هو أشبه بفعل أهل الجاهلية [٤٣] . قال ابن رجب عن يوم عاشوراء: (وأما اتخاذه مأتماً كما تفعله الرافضة؛ لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه.. فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً، فكيف بمن دونهم؟) [٤٤] . ولقد كانت بعض تصرفات الرافضة في مآتمهم موضع انتقاد من بعض علمائهم، مع إصرار الجميع على المآتم والحزن. ففي مقابلة مع أحد مراجعهم [٤٥] سئل: (هناك أيضاً قضية عاشوراء التي لا تحبذها؟) فأجاب: (عاشوراء لا بد أن تتحرك مع الخط العاطفي، ولكن لا أوافق على الاحتفال بعاشوراء بطريقة ضرب الرؤوس بالسيوف، وجلد الأجساد بالسلاسل الحديدية، وأنا قد حرمت هذا) . ثم طالب بأساليب للتعبير عن العاطفة أكثر (عصرية) ، وذكر منها استخدام المسرح، حتى يكون لعاشوراء امتداد في العالم! [٤٦] . والملاحظ أن مآتم الرافضة في عاشوراء لم ترتبط بأصل إسلامي من قريب أو بعيد؛ إذ لا علاقة لها بنجاة موسى \، ولا بصيام النبي ﷺ ، بل الواقع أنهم حولوا المناسبة إلى اتجاه آخر، وهذا من جنس تبديل دين الله عز وجل. خامسًا: وقفات وفوائد: ١- حين يعظم الكفار بعض الشعائر: تقدم في حديث عائشة الصحيح أن قريشاً كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، وعنها قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تُسْتَرُ فيه الكعبة ... ) [٤٧] ، وقد قيل في سبب صيامهم أنهم أذنبوا ذنباً فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء [٤٨] ، وقيل: أصابهم قحط، ثم رفع عنهم، فصاموه شكراً [٤٩] ، و (لعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، وغير ذلك) [٥٠] . وأياً كان الحامل لهم على ذلك فإنه ليس غريباً بقاء أثارة من تدين عند الكفرة والمشركين، وهذا غالباً هو حال المبدلين شرع الله. ولكن وجود شيء من ذلك لا يعني استحسان حالهم العامة بإطلاق مع بقائهم على الشرك والكفر؛ لأن ميزان التفضيل هو التزام الدين قلباً وقالباً عن رضىً وقبول كما أراده الله، لا تجزئة الدين والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، ولا التعلق بمجرد شعائر خالية من اليقين والإيمان الخالص الذي هو دليل الشكر الصادق، وسبب التكفير والمغفرة لمن سعى لذلك. يقول الله : [مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ ولَمْ يَخْشَ إلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ] [التوبة: ١٧، ١٨] . وهكذا الحال بالنسبة لبعض المنتسبين لهذه الأمة في التزامهم بعض شعائر الإسلام وتركهم كثيراً منها؛ فذلك شبه باليهود الذين أنكر الله عليهم بقوله: ... [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي ... الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ العَذَابِ ومَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] [البقرة: ٨٥] . كحال من يكتفي من الإسلام بصيام رمضان، أو الإحسان إلى الناس مثلاً، مع فساد المعتقد، أو إهمال الصلوات، أو الركون إلى الكفرة وتوليهم. ٢ - مخالفة أهل الكتاب من أعظم مقاصد الشريعة [٥١] : مخالفة الكفار من أبرز مظاهر تحقيق البراء من الكافرين الذي لا يتم الإيمان إلا به، وقد شدد الشارع على المتشبهين بهم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) [٥٢] ، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا أقل أحواله التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم [٥٣] . وفي ترك إفراد عاشوراء بالصوم درس عظيم، فإنه مع فضل صوم ذلك اليوم، وحث النبي ﷺ على صومه، وكونه كفارة سنة ماضية.. إلا أن النبي ﷺ أمر بمخالفة اليهود فيه، وعزم على ضم التاسع إليه، فوقعت المخالفة في صفة ذلك العمل، مع أن صوم عاشوراء مشروع في الشريعتين، أو أنه مشروع لنا وهم يفعلونه، فكيف بما كان دون ذلك من المباح أو المحرم وما كان من شعائر دينهم؟ ! لا شك أن في ذلك من المفاسد ما لا يظهر أكثره لأكثر الخلق [٥٤] . أما اقتصار النبي ﷺ على صوم عاشوراء أولاً فقد كان قبل أن يؤمر بمخالفة أهل الكتاب، وقد كان قبل ذلك يحب موافقتهم فيما لم يؤمر فيه بشيء [٥٥] ، واحتمل أن يكون صومه (استئلافاً لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم، وعلى كل حال فلم يصمه اقتداءاً بهم؛ فإنه كان يصومه قبل ذلك) [٥٦] . والإسلام منهج وسط في الاتباع، حاديه دائماً الحق المجرد؛ ففعل المشركين لِحَقٍّ لا يسوِّغ ترك هذا الحق بدعوى مخالفتهم، كما أن فعلهم لباطل لا يسوِّغ متابعتهم فيه بدعوى موافقتهم لتأليف قلوبهم، وعليه: تنتفي الدوافع المتوهمة للإعجاب بحال أي مبطل أو متابعته في باطله أو ترك حق لأنه فعله؛ إذ مقياس قبول الأحوال توافقها مع الشرع، وميزان المخالفة ما كان من خصائص مِلَّتهم وشعائر دينهم، وبين هذا وهذا درجات لا مجال لتفصيلها. ٣ - حقيقة الانتماء: علَّل اليهود صيامهم عاشوراء بمتابعتهم موسى \ حين صامه شكراً لله على إنجائه له من فرعون. وهاهنا أمران: أولهما: هل يكفي صيامهم عاشوراء برهاناً للمتابعة وسبباً للأولوية بموسى؟ وثانيهما: هل وقع لهم ما أرادوا من موافقة عاشر المحرم (عاشوراء) فعلاً؟ أما الأول: فلا يكفي صومهم عاشوراء أن يقوم دليلاً لكونهم أوْلى بموسى؟ أبداً؛ إذ الحكم في ذلك بحسب تمام المتابعة والتزام المنهج، قال الله : [إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذَا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ] [آل عمران: ٦٨] . ولذا كان نبي هذه الأمة ﷺ وأتباعه أوْلى بنبي الله موسى ﵊ من الأمة الغضبية، فقال: (نحن أحق وأوْلى بموسى منكم) [٥٧] . وهكذا تتوحد المشاعر، وترتبط القلوب مع طول العهد الزماني، والتباعد المكاني، فيكون المؤمنون حزباً واحداً هو حزب الله ؛ فهم أمة واحدة، من وراء الأجيال والقرون، ومن وراء المكان والأوطان.. لا يحول دون الانتماء إليها أصل الإنسان أو لونه أو لغته أو طبقته.. إنما هو شرط واحد لا يتبدل، وهو تحقيق الإيمان، فإذا ما وجد كان صاحبه هو الأوْلى والأحق بالولاية دون القريب ممن افتقد الشرط؛ ولذا استحقت هذه الأمة ولاية موسى دون اليهود المغضوب عليهم. [إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] [الأنبياء: ٢٩] . وأما الثاني: وهو: هل وافقوا صيام عاشوراء فعلاً؟ فقد ذكر بعض أهل العلم [٥٨] أن حساب اليهود كان بالسنة الشمسية، والمحرم شهر هلالي لا شمسي، وهذا يوقع الشك في إصابة اليهود يوم عاشوراء، أما المسلمون فحسابهم بالأشهر الهلالية فأصابوا تعيين عاشوراء، وإذا ظهر خطأ اليهود تبينت أولوية المسلمين من هذا الوجه أيضاً. ويشبه هذا ضلال أهل الكتاب عن يوم الجمعة، فاختار اليهود السبت، واختار النصارى الأحد، وهُدي المسلمون ليوم الجمعة. ٤ - عبادة الله أبلغ الشكر: كانت نجاة موسى ﵊ وقومه من فرعون.. منَّة كبرى أعقبها موسى بصيام ذلك اليوم، فكان بذلك وغيره من العبادات شاكرًا لله تعالى؛ إذ العمل الصالح شكر لله كبير، قال ربنا : [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ] [سبأ: ٣١] ، وأساس الشكر مبني على خمس قواعد: الخضوع للمنعم، وحبه، والاعتراف بنعمته، والثناء عليه بها، وألا تصرف النعمة فيما يكرهه المنعم [٥٩] . (والبشر مهما بالغوا في الشكر قاصرون عن الوفاء، فكيف إذا قصّروا وغفلوا عن الشكر من الأساس) ؟ ! [٦٠] . ويجب التنبه إلى أن أمر العبادة قائم على الاتباع، فلا يجوز إحداث عبادات لم تشرع، كما لا يجوز تخصيص عاشوراء ولا غيره من الأزمان الفاضلة بعبادات لم ينص عليها الشارع في ذلك الزمن. أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فعباداتهم شرع معصوم مبني على وحي الله إليهم. ثم اقتفاء آثار الأنبياء وتحقيق الاهتداء بهديهم والاجتهاد في تطبيق سنتهم هو الشكر بعينه. ٥ - في التعويد على الخير تثبيت عليه: بلغ بالصحابة الحرص على تعويد صغارهم الصيام أن احتالوا عليهم في تمرينهم عليه حتى يُتِمُّوه، فصنعوا لهم اللعب يتلهون بها عن طلب الطعام، كما تقدم في حديث الربيِّع؛ وذلك لكون تعويد الصغير على فعل الخير مكمن قوة في استقامته عليه في الكبر؛ لأنه يصير هيئة راسخة في نفسه تعسر زعزعتها.. واليوم لدينا من وسائل التلهية المباحة بقدر ما لدينا من أصناف الطعام وأشكاله، وإذا اقتنع المربي بواجبه التربوي لم تُعْيِه الحيلة؛ فإن الحاجة تفتق الحيلة [٦١] .

стр. 3414

دراسات في الشريعة والعقيدة المزاح بين المشروع والممنوع حامد بن مشاري الحامد الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. وبعد: فإن للأعمال ضوابط تُضبَط بها حتى تكون موافقة للمشروع؛ ومتى فُقِدَت هذه الضوابط كان ذلك العمل ممنوعاً. وكم من إنسان غفل عن تلك الضوابط فوقع في الممنوع من حيث يشعر أو لا يشعر! وقد قال ﵇: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) [١] . ومن تلك الأعمال التي لا بد أن تضبط بضوابط الشرع المزاح الذي يكثر في هذه الأزمنة المتأخرة؛ ويقل من يضبطه بضوابط الشرع. معنى المزاح: المزاح بضم الميم: وسيلة يراد بها المباسطة؛ بحيث لا يفضي إلى أذى، فإذا بلغ الإيذاء فإنه يفضي إلى السخرية. والمزاح بكسر الميم: مصدر. من فوائد المزاح: أولاً: أن يكون على سبيل الملاينة والمباسطة وتتطييب خاطر صاحبك وإدخال السرور على قلبه. فقد قال رسول الله ﷺ : (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) [٢] . وعن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: (ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله ﷺ [٣] . ثانياً: أنه أنس للمصاحبين وطرد للوحشة وتأليف للقلوب ومظهر من مظاهر الأخوة والوفاء. ثالثاً: التخلص من الخوف والغضب والقلق وغيره؛ فإن الإنسان إذا مزح أدخل على نفسه شيئاً من السرور والتسلية، وأزال ما يخاف منه أو خفف من ذلك. رابعاً: التخلص من السأم والملل، كأن يعطي الشيخ طلابه سؤالاً أو لغزاً كي يُذهِب الملل عنهم. مشكاة النبوة: لقد كان الرسول ﷺ يدعو إلى الرفق في كل أمر من أمور الحياة، وما الاستجمام للنفس إلا من الرفق بها ليكون الرفق من مظاهر كل أعمال الإنسان في الحياة؛ حتى ليُربَط الرفق بصفات الخالق الرحيم الرفيق بخلقه. روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ قال: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه) [٤] . والرفق: (هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف) [٥] . وما الانبساط والمزاح وما يتبع ذلك من لين القول والتبسم وانشراح الصدر إلا مظهر من مظاهر الرفق. ولعل أشهر ما ورد في المزاح ما أورده البخاري في باب (الانبساط إلى الناس) حديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟) [٦] . وكذلك أبو داود في سننه من حديث أنس: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني. فقال النبي ﷺ : (إنا حاملوك على ولد ناقة) قال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وهل تلد الإبل إلا النوق) [٧] . وربما مازح ﷺ أصحابه بعد طلوع الشمس، ودليله ما رواه سِمَاك بن حرب قال: (قلت لجابر بن سَمُرَة: أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم كثيراً؛ كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس؛ فإذا طلعت الشمس قام. وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم) [٨] . وفي رواية النسائي وأحمد زيادة: (وينشدون الشعر) [٩] . ومن الأوقات بعد صلاة العشاء، أي: السمر فيه، والسمر: الحديث قبل النوم. وأورد البخاري حديثين ذكرهما في باب (السمر في العلم) واستنبط منهما جواز السمر في العلم والقياس على ذلك في المؤانسة مع الأهل، وكذلك لتحصيل فائدة مع الإخوان والخلاَّن. ويزداد استحبابها إذا كانت لمصلحة دعوية في بذل نصح وتقريب قلوب وزيادة محبة ومودة وإزالة الكدر وإيجاد أجواء الحب والتعارف. دروس من أبي الدرداء: ولا بأس أن يأخذ الداعية من الراحة فيما لا يكون حراماً ليستعين به على العمل والأداء حسب ما تقتضيه الفطرة البشرية، هذا أبو الدرداء ﵁ يقول: (إني أستجم ببعض الباطل؛ ليكون أنشط لي في الحق) [١٠] . ويقول ابن تيمية معلقاً على هذا القول: (فأما من استعان بالمباح الجميل على الحق فهذا من الأعمال الصالحة) [١١] . الصحابة والمزاح: أورد أبو داود في سننه: (عن أسيد بن حضير قال: بينما رجل من الأنصار يحدِّث القوم وكان فيه مزاح بَيْنَا يضحكهم فطعنه النبي ﷺ في خاصرته بعود، فقال: أصبرني! فقال: اصطبر. قال: إن عليك قميصاً وليس عليَّ قميص. فرفع النبي ﷺ عن قميصه فاحتضنه وجعل يقبل كَشْحَه. قال: إنما أردت هذا يا رسول الله) [١٢] . وكان من أشهر الصحابة نُعيمان بن عمرو بن رفاعة المشهور بقصصه ودعاباته، وهو صحابي جليل: (شهد بدراً، وكان من قدماء الصحابة وكبرائهم، وكانت فيه دعابة زائدة، وله أخبار طريفة في دعاباته.. وكان نعيمان مضحكاً مزاحاً) [١٣] . ولقد كان المزاح نوعاً من طرد السَّأَم والهم والابتعاد عن مشاغل الدنيا وترويح للنفس؛ إذ لا بد للدنيا من مواقف تتجدد فيها الطاقة وتبعث فيها الهمة؛ لأن القلوب إذا كلَّت عميت؛ بل إن ذلك قد يكون مظهراً من مظاهر الرجولة في البيت ومع الزوجة والأولاد، إذا كان دون إسراف أو جنوح، لا كما يظن بعضٌ أن الرجولة بالتكلف والتصنع. واسمع قول بعض الصحابة: (قال ابن عمر: إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، ثم إذا بُغي منه وُجِدَ رجلاً. وكان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته، فإذا خرج كان رجلاً من الرجال) [١٤] . لذلك ينبغي ألاَّ يكون من خُلُق الشاب الملتزم أو الداعية التبسم خارج البيت وتصنُّع الغلظة والجفوة في بيته، ولا يخفى أن عكس الأمر من التكلف المذموم أيضاً. التوازن مطلب أساس: لقد كان رسول الله ﷺ يعيش بين الصحابة وفيهم الحازم من أمثال عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان رجلاً مهيباً. وفيهم صاحب الدعابة الذي يستلقي على قفاه، ولم ينكر على أحد منهم. والأصل هو في إنكار الضحك المتكلَّف في القهقهة، أو الضحك في مواطن الجد، أو الإفراط فيه. (ولقد سئل ابن عمر ﵄: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم مثل الجبل. وقال بلال بن سعد: أدركتهم يشتدون بين الأعراض ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهباناً) [١٥] . وهكذا ظل الصحابة أوفياء للمنهج النبوي دون أن يؤثر المزاح على جدية العمل، أو على تطبيق السنن، أو على تفويت المصالح. ولا شك أن الإفراط يقود إلى أمور تنافي مقاصد الشريعة ومراتب المروءة، وتتعارض مع المقامات السامية، كما أنها قد تكون حسنة بذاتها ولكنها تقود إلى مفسدة، ولقد قال علي ﵁ في توضيح هذا الميزان وتثبيته: (خير هذه الأمة النمط الأوسط: يرجع إليهم الفاني، ويلحق بهم التالي) [١٦] . سلف الأمة: وعلى منهج الصحابة سار السلف في جعل المزاح استراحة؛ فتكاد ألاَّ تجد كتاباً يخلو من مُلَح وطرائف لشيخ التابعين الإمام الشعبي ﵀. قيل لسفيان بن عيينة: المزاح هجنة؟ قال: بل سنة، ولكن الشأن فيمن يحسنه ويضعه مواضعه. وقد اعتبر بعض الفقهاء المزاح وفق ضوابطه وفي أوقاته من المروءة، والتقصير فيه من خوارم المروءة، وشددوا على ذلك في السفر؛ وفي هذا يقول ربيعة الرأي: (إن المروءة من خصال: ثلاثة في الحضر، وثلاثة في السفر، والتي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، وكثرة المزاح من غير معصية) [١٧] . وإيراد ما ورد عن التابعين وسلف الأمة يطول، وجميعهم على هذا المذهب في جواز المزاح وفق الضوابط الشرعية. يقول النووي ﵀: (المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه؛ فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. فأما من سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله) [١٨] . الضوابط الشرعية في المزاح: ١ - ألا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين: فيعد هذا من نواقض الإسلام؛ لقوله تعالى: [ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ] [التوبة: ٦٥، ٦٦] . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه) [١٩] ويجعل الإمام ابن قدامة ذلك ردة عن الإسلام. وهذه كالاستهزاء ببعض السنن على سبيل المزح، وببعض الأحكام الشرعية كتقصير الثوب وإعفاء اللحية أو الصلاة والصوم وغيرها. يقول ابن عباس ﵄: (من أذنب ذنباً وهو يضحك دخل النار وهو يبكي) [٢٠] . ٢ - ألا يكون إلا صدقاً ولا يكذب: ولا سيما أولئك المعتادين لذكر الطرائف الكاذبة بقصد إضحاك الناس. روى الإمام أحمد في مسنده أن الرسول ﷺ قال: (ويل للذي يحدِّث فيكذب ليُضحِكَ به القوم ويل له) [٢١] . وقوله ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليُضحِك بها جلساءه يهوي بها في النار أبعد من الثريا) [٢٢] . ولا شك أنهم وقعوا في ذلك بسبب الفراغ وضعف الإيمان والبعد عن ذكر الله تعالى، ومصاحبتهم لجلساء السوء الذين يزينون لهم بعض المحرمات. ٣ - السخرية والاستهزاء بالآخرين: فتلك محرمة وتعد من الكبائر، يقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] [الحجرات: ١١] . يقول ابن كثير: (المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم والاستهزاء بهم، وهذا حرام، ويُعد من صفات المنافقين) [٢٣] . ويقول الطبري: (اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان) [٢٤] . وقد روى البيهقي في (شعب الإيمان) أن الرسول ﷺ قال: ... (إن المستهزئين بالناس لَيُفْتَحُ لأحدهم باب الجنة فيقال: هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أُغلق دونه) [٢٥] . ويُخشى على المستهزئ أن تعود عليه تلك الخصلة التي يسخر من غيره فيها فيتصف بها ويبتلى بفعلها؛ لقوله ﷺ : (لا تُظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك) [٢٦] . ولقد نهى النبي ﷺ عن السخرية بالمسلمين فقال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بِحَسْبِ امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) [٢٧] . ٤ - ألا يروِّع أخاه: فقد أورد أبو داود في سننه عن ابن أبي ليلى قال: (حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ ، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً) [٢٨] . وكذلك قوله ﷺ : (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً) [٢٩] . ٥ - عدم الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة: ينبغي ألاَّ يداوَم على المزاح؛ لأن الجد سمات المؤمنين، وما المزاح إلا رخصة وفسحة لاستمرار النفس في أداء واجبها. فبعض الناس لا يفرق بين وقت الجد واللعب. وبذلك نبه الغزالي ﵀ بقوله: (من الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة) [٣٠] . ٦ - أن يُنْزِل الناس منازلهم: إن العالم والكبير لهم من المهابة والوقار منزلة خاصة، ولأن المزاح قد يفضي إلى سوء الأدب معهما غالباً فينبغي الابتعاد عن المزاح معهما خشية الإخلال بتوجيه النبي ﷺ ؛ حيث يقول: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) [٣١] . ونقل طاووس عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (من السنة أن يوقَّر العالِم) . وكذلك من آداب الإسلام ألاَّ يمزح مع الغريب الذي لا يعرف طبيعة نفس المازح؛ فهذا يؤدي إلى استحقار المازح والاستخفاف به؛ فهذا عمر بن عبد العزيز يرسل إلى عدي بن أرطأة فيقول: (اتقوا المزاح؛ فإنه يُذْهِبُ المروءة) . ٧ - ألا يكون مع السفهاء: قال سعد بن أبي وقاص لابنه: (اقتصد في مزاحك؛ فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرِّئ عليك السفهاء) . ٨ - ألا يكون فيه غيبة: الغيبة وحليفتها النميمة كلتاهما تصبان في مستنقع الفتنة، ولا يخلو مَنْ كَثُرَ مزاحه من هذه الآفة العظيمة؛ لأن من كثر كلامه كثر سقطه، فهو لا يشعر أنه وقع في الإثم أصلاً؛ لأنه في زعمه إنما يقول في فلان مازحاً غير قاصد ذلك. ولم يعِ تعريف النبي ﷺ للغيبة بقوله: (ذكرك أخاك بما يكره) [٣٢] . وقد أورد الترمذي في سننه عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك: فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا) [٣٣] . والغيبة أنواع، سواء كانت في البدن أو الخلق وغيرها. هذا ونسأل الله أن يؤدبنا بآداب الإسلام، وأن يهدينا إلى الصراط المستقيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3415

تأملات دعوية إنا نراك من المحسنين محمد بن عبد الله الدويش حين عاش يوسف ﵇ في السجن كان شامة بين الناس في إحسانه إليهم وسمو أخلاقه معهم؛ لذا جاءه الرجلان يستفتيانه في رؤياهما مستشهديْن بما عرفاه من حاله وإحسانه للناس. واستثمر يوسف ﵇ هذا الموقف في دعوتهما إلى توحيد الله وبيان حال ما هم عليه من الأرباب المتفرقين بعد أن وعدهما بتأويل رؤياهما ناسباً الفضل في ذلك إلى ربه . إن هذا الموقف تتجلى فيه أثر نظرة الناس إلى الداعية وإحسانه إليهم في قبولهم لدعوته وسماعهم لكلمته. ولذا فقد كان سيد الدعاة وإمامهم محمد ﷺ متمثلاً لهذا الجانب، ومتصفاً بتلك الصفة. تقول خديجة ﵂ في وصفه: (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ؛ وتُكسِبُ المعدومَ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب ... الحق) [١] والسيرة حافلة بأخبار من أسلموا متأثرين بما رأوا من حاله ﷺ وحسن خلقه. وأخبر ﵎ أن العفو ودفع السيئة بالتي هي أحسن مدعاة لأن تنقلب حال العدو إلى صداقة: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ] [فصلت: ٣٤] . لذا فالدعاة الذين يتأسون بمنهجه ﷺ حري بهم أن يُعنوا بهذا الجانب ويهتموا به، ومن ذلك: ١- الاهتمام بالناس، والاعتناء بهم، وقضاء حوائجهم، والحذر من اعتبار ذلك وقتاً ضائعاً أو على حساب الدعوة إلى الله ؛ وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يجد سعة لأن يهتم بحاجة رجل رقيق يريد العودة إلى زوجته؛ فعن ابن عباس ﵄ أن مغيثاً كان عبداً فقال: يا رسول الله! اشفع لي إليها، فقال رسول الله ﷺ : (يا بريرة! اتقي الله؛ فإنه زوجك وأبو ولدك) فقالت: يا رسول الله! أتأمرني بذلك؟ قال: (لا، إنما أنا شافع) فكان دموعه تسيل على خده. فقال رسول الله ﷺ للعباس: (ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها إياه؟) [٢] . ٢ - الاعتناء بالمحتاجين والفقراء وبذل المال لهم، وإيصال زكوات المسلمين وصدقاتهم إليهم، وها هو النبي ﷺ حين قدم طائفة من الناس وكانوا أهل حاجة نهى أصحابه عن ادِّخار لحوم الأضاحي من أجل أن يعينوا هؤلاء، وحين قدم قوم من مضر رقَّ لما رآه من سوء حالهم، فخطب أصحابه حاثاً على الصدقة والإحسان والبذل في سبيل الله [٣] . ٣ - أن يعتني الدعاة إلى الله بالمشروعات العامة التي تعين الناس وتيسر لهم أمورهم، من خلال إنفاقهم وبذلهم، أو الشفاعة لدى المحسنين، أو رفع مطالبات الناس ومتابعتها في ذلك. ٤ - السعي لإيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الناس، والتي زادت حدتها في هذا العصر، وعانى منها كثير من المسلمين، كالمشكلات التربوية، والمشكلات الزوجية، والخلافات بين الناس؛ وبخاصة أن كثيراً ممن يتصدون لهذه المشكلات ويطرحون آراءهم للناس فيها من خلال الصحف ووسائل الإعلام ليسوا من أهل الصلاح. ٥ - المبادرة لإعانة الناس في الحوادث العامة والأزمات، كالأعاصير والزلازل ونحوها؛ وما رأيناه في أكثر من موقف من سعي الأعداء للحيلولة بين قيام الدعاة إلى الله بالأعمال الإغاثية في الأزمات لخير دليل على أهميتها وأثرها.

стр. 3416

دراسات تربوية توحيد المشاعر.. علاقة ممتدة خالد أبو الفتوح ليس المقصود هنا توحيد مشاعر المسلمين وإن كان ذلك مطلوباً، ولكن المقصود توحيد مشاعر المسلم ذاته، تجاه نفسه وتجاه الآخرين، بل وتجاه الأشياء المحيطة به؛ فالمسلم الحقيقي يتفرد بأن مشاعره تعيش في حالة انسجام تام بعضها مع بعض؛ لأنها تنبع من حقيقة العبودية لله وتقوم أساساً على الحب وما يقتضيه من المتابعة والنصرة. ويتفرع عن ذلك الحب: البغض لما ينافي المحبوبات وما يقتضيه من نفرة وعداوة، وذلك ضمن إطار حكمة الابتلاء العام في الحياة. ومشاعر المسلم منسجمة موحدة - أو هكذا ينبغي أن تكون - من خلال علاقة ممتدة طولياً عبر زمان يرتبط به قبل أن يولد ولا ينتهي بموته، وعرضياً عبر شبكة من العلاقات والتفاعل مع الكون كله تزيل عنه النفرة مع عناصر هذا الكون. يدرك المسلم أن نسبه يبدأ بأبيه آدم ﵇، ليس فقط باعتباره أباً لكل البشر، بل أيضاً باعتباره أول المصطفين من البشر، وأول من عبد الله منهم، ويدرك أيضاً أن أول أعدائه وأشدهم عداوة له هو عدو أبيه آدم وأمه حواء: ... [فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن ورَقِ الجَنَّةِ ونَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُل لَّكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ] [الأعراف: ٢٢] . [إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنسَانِ عَدُواً مُّبيِناً] [الإسراء: ٥٣] . علاقة قديمة وثأر مبيّت يُستدعى حتى قبل أن تغرس بذرة المسلم الأولى، بدعاء والديه (بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) [١] . فإذا ما خرج هذا المسلم الجديد إلى الدنيا استهل الشيطان معركة العداوة والإيذاء: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلاَّ ابن مريم وأمه) [٢] ، وعلى الفور يُهمس في أذن الوليد أذان الصلاة معلناً انتماء هذا الإنسان إلى معسكر التوحيد، وهكذا ترتسم منذ أول وهلة خارطة مشاعر المسلم: محبة ونصرة لـ (لا إله إلا الله) وأهلها، وبغض وعداوة للشيطان وأوليائه. المسلم والكون.. جزء من كل: فإذا ما مَارَسَ المسلم حياته وجد نفسه جزءاً من عالم كبير يرتبط به ولا يشذ عنه، يتوجه معه نحو ربه، ويخاصم من أبى عبوديته وعصاه.. شعور ممتد وتفاعل مستمر مع عناصر الكون كله. فهو يؤمن بأنه يعيش في كون يسبِّح الله ، سماواته وأرضه، بره وبحره، جباله وسهوله، جماده وحيواناته، إنسه وجنه [تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ والأَرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإن مِّن شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً] [الإسراء: ٤٤] . بل إن هذا الكون يذعن بالعبودية لله - تعالى - كما يذعن هو: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ] [الحج: ١٨] ، والمسلم يؤمن بأنه ليس وحده في هذا الكون الذي يؤمن أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله: (إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس) [٣] . كون يغار مثله على توحيد الله -جل وعلا -: [وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إداً (٨٩) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَداً (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَداً] [مريم: ٨٨ - ٩١] جباله مهيأة للتأثر مثله بالقرآن [لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ... اللَّهِ] [الحشر: ٢١] ، ومن حجارتها ما يُرى عليها أثر خشية الله خلافاً لكثير من قساة القلوب من البشر [وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وإنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... ] [البقرة: ٧٤] ، بل صاحبت بعض الجبال والطير نبياً من أنبياء الله في عبادته: [وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر] [سبأ: ١٠] ، [إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ] [ص: ١٨] . ويحدث هذا التفاعل يحدث مع كل مسلم موحد: (ما من ملبٍّ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا) [٤] . ولا غرو بعد ذلك أن تتشابه حركة المسلم في عبادة كالحج مع حركة الكون من أصغره إلى أكبره، فدورانه حول الكعبة في الطواف يشبه في الشكل والاتجاه دوران الإلكترون حول النواة في الذرة، كما يشبه دوران الكوكب حول النجم في المجرة، وعدد مرات طوافه وعدد مرات سعيه هو نفسه عدد السموات وعدد الأرضين: (سبعة) . ويحس المسلم أن في الكون من الحيوانات والجمادات ما يتودد إليه؛ فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنه ليس من فرس عربي إلا يُؤْذَن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين، يقول: اللهم خولتني من خولتني من بني آدم فاجعلني من أحب أهله وماله إليه) [٥] ، وفيه ما يعينه على تحسس الخير والابتعاد عن الشر؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوُّذوا بالله من الشيطان؛ فإنه رأى شيطاناً) [٦] ، وفيه ما يستغفر له؛ فعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( ... وإن العالِمَ ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء) [٧] . وفي حس المسلم أنه ليس وحده الذي يؤمن بقيام الساعة، ولكن الكون كله يترقب معه قيامها، ويشفق منها إشفاق العبد الوجل: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال: (.. وما من دابة إلا وهي مُسِيخَة [منصتة] يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس، شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس ... ) [٨] ، ( ... وفيه [أي: يوم الجمعة] تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة) [٩] ، والمسلم يتيقن أن رد الحقوق إلى أهلها يوم القيامة لن يستثنى منه أحد، حتى البهائم العجماء؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: (لتؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) [١٠] . وهو يعتقد أن شهود النجاة أو الهلاك في هذا اليوم ستشمل عناصر كثيرة في عالم المحسوسات وعالم المعنويات والغيبيات؛ فعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه: ( ... أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم) [١١] ، وفي وراية: (لا يسمعه جن ولا إنس ولا شجر ولا حجر إلا شهد له) [١٢] . وأعضاء الإنسان تشهد عليه إن أذنب: [يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [النور: ٢٤] ، [حَتَّى إذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأَبْصَارُهُمْ وجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ] [فصلت: ٢٠، ٢١] ، وذلك أدعى إلى مراقبة العبد نفسه في السر والعلن. والمسلم يعتقد أن أثر الطاعة والمعصية لا ينحصران في اليوم الآخر فقط، بل يعيشه في الدنيا أيضاً: [ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ ... ] [الأعراف: ٩٦] ، [ويَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْراراً ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ] [هود: ٢٥] ، وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (من أحب أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسَأ له في أثره، فليصل رحمه) [١٣] ، وعن ثوبان ﵁ مرفوعاً: (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء) [١٤] ، وهذا ما وُجد صداه لدى سلف هذه الأمة؛ يقول ابن القيم - رحمه الله -: (قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي) [١٥] . مشاعر متبادلة مع الكون كله: ومن هذه العلاقات تنبثق مشاعر الحب والبغض والموالاة والمعاداة عند المسلم، علاقات ومشاعر متبادلة بينه وبين الكون كله. فالسماء والأرض لا تبكيان على موت الكافرين والطغاة [فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ ومَا كَانُوا مُنظَرِينَ] [الدخان: ٩٢] بخلاف المؤمن الذي يبكي عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء كما ورد عن علي وابن عباس ﵃[١٦] . والمسلم قد يتبادل مشاعر المحبة مع جبل أصم، عن أنس - رضي الله عنه - قال: نظر رسول الله ﷺ إلى أُحُد، فقال: (إن أُحُداً جبل يحبنا ونحبه) [١٧] ، ومن ثَمَّ: فمن مقتضيات هذه المحبة عدم إزعاج المحب لمحبوبه؛ عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن النبي ﷺ صعد أُحُداً، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: (اثبتْ أُحُدُ! فإنما عليك نبيٌّ وصدِّيق وشهيدان) [١٨] . والحجر والشجر يناصران أهل التوحيد، ويتعاونان معهم: عن أبي هريرة - ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود) [١٩] ، فحتى الشجر والحجر يوالي ويعادي على أساس الدين. والمسلم ينظر إلى الهلال فيرى العلاقة المشتركة معه أن (ربي وربك الله ... ) [٢٠] ، وهو منهي عن لعن الريح؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلاً لعن الريح عند النبي ﷺ ، فقال: (لا تلعن الريح؛ فإنها مأمورة ... ) [٢١] . والمسلم لا ينسى للوزغ عداءه القديم لخليل الرحمن، فيبادله العداوة بمثلها. عن عائشة ﵂ (.... . فإن رسول الله ﷺ حدثنا أن إبراهيم ﵊ حين أُلقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار عنه، غير الوزغ كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله) [٢٢] ، بينما دواب أخرى يلتقي المسلم معها في تسبيح ربها ودعوتها إلى التوحيد ونفعها، نُهِيَ المسلم عن قتلها: فعن ابن عباس ﵄، قال: (إن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، النحلة، والهدهد، والصُّرَد) [٢٣] ، وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أن نملة قرصت نبيّاً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأُحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبِّح؟) [٢٤] ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (نهى النبي ... ﷺ عن قتل الضفدع، وقال: إن نقيقها تسبيح) [٢٥] ، وإذا احتاج المسلم إلى الانتفاع بحيوان بإزهاق روحه، فإنه لا يفعل ذلك إلا تحت إذن واهب هذه الروح وبالطريقة التي حددها - سبحانه -: [ولا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وإنْ ... أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ] [الأنعام: ١٢١] والصيام والقرآن يدافعان عن المسلم التقي يوم القيامة؛ عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه) ، قال: (فيشفعان) [٢٦] . والمسلم يراعي في تصرفاته مشاعر مسلمي الجن ومصالحهم؛ ففي الحديث: ( ... وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة، فقال: كل عظم يُذكَر اسم الله عليه ... ... يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم، فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما زاد إخوانكم الجن) [٢٧] . والمسلم الذي يناصب الشياطين العداء ويستعيذ منهم في معظم أحواله، يقف موقفاً مختلفاً من الملائكة، عباد الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ فعلاقته بهم حددت منذ خَلْق أبي البشر آدم ﵇، عندما أطاعوا الله : [وإذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ أَبَى] [طه: ١١٦] ، وعلاقته بهم مستمرة ممتدة؛ فهم يشهدون مثله شهادة الحق: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ] [آل عمران: ١٨] ، وهم حريصون مشفقون على من في الأرض: [والْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ] [الشورى: ٥] ، وخاصتهم يستغفرون للمؤمنين خاصة: [الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ] [غافر: ٧] ، ويلعنون من يستحق: [كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ] [آل عمران: ٨٦، ٨٧] ، وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال أبو القاسم ﷺ : (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يَدَعَهُ، وإن كان أخاه لأبيه وأمه) [٢٨] ، ويبدون رضاهم لطاعة المسلم ربه: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب) [٢٩] ، بل يحضرون مواطن الطاعات: (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة) [٣٠] ، ويقتربون لسماع القرآن ( ... تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم) [٣١] . ويشاركون المسلمين مواجهتهم لحزب الشيطان؛ مشاركة قتالية: [بَلَى إن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] [آل عمران: ١٢٥] ، ومشاركة إعلامية ودعائية: عن البراء رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ لحسان: (اهجهم أو هاجهم وجبريل معك) [٣٢] . وكما توالي الملائكة المسلمين، يواليها كل مسلم، فهو يؤمن بها: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ... ] [البقرة: ٢٨٥] ، وهو بالطبع يعادي من يعاديها: [من كان عدو لله وملائكته ورسله جبريل وميكال فإن الله عدوِ للكافرين] [البقرة: ٩٨] ، وهو يراعيها في تصرفاته: فلا يؤذيها: عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس) [٣٣] ، ويصفُّ كصفوفها: عن حذيفة - ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلَتْ صفوفنا كصفوف الملائكة..) [٣٤] . أولئك حزب الله: وفي عالم الإنس فالعلاقة الشعورية بين المسلم وغيره قائمة على رابطة الإيمان، وهي رابطة راسخة في حس المسلم كما هي واضحة في دينه: [إنَّمَا ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ] [المائدة: ٥٥] ، [والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ] [الأنفال: ٧٣] ، وقد لخص رسول الله ﷺ هذه العلاقة في حديث جامع؛ حيث عرَّف أوثق عرى الإيمان بأنها: (الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله) [٣٥] ، وهذه العلاقة تصهر المسلم مع بني دينه في بوتقة واحدة [إنما المؤمنون إخوة] [الحجرات: ١٠] ، ومن الأخوة تنبثق المشاعر والعلاقات: فرابطة الإيمان مقدمة في حس المسلم على غيرها: فعن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ جهاراً غير سر يقول: ... (إن آل أبي ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين) [٣٦] . والمسلم ينتقي صحبته على أساس الإيمان: (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي) [٣٧] ، ويشتاق إلى أخيه المسلم: عن الحسن أن عمر [ابن الخطاب ﵁] ، كان يذكر الأخ من إخوانه الليل، فيقول: ما أطولَها من ليلة، فإذا صلى الغداة غدا إليه، فإذا لقيه التزمه أو اعتنقه) [٣٨] ، ويدعو له بظهر الغيب: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك ... بمثل) [٣٩] ، ويحب له ما يحب لنفسه: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) [٤٠] ، ويؤازره: عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وشبك بين أصابعه [٤١] ، ويرد عن عرضه: (من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) [٤٢] ، وينصره ولا يخذله: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: (تأخذ فوق يديه) [٤٣] ، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) [٤٤] . علاقة ممتدة حتى الخلود: ولا يمنع المسلمَ عجزُهُ عن نصرة دينه وإخوانه، بل لا تنقطع هذه العلاقة حتى بالموت؛ فالمسلم يهتم لنصرة دينه حتى إنه يكترث لذلك بعد موته، هل رأيتم من يجاهد بجثته؟ ! : غزا أبو أيوب الأنصاري ﵁ الروم فمرض، فلما حُضِر قال: (أنا إذا مت فاحملوني، فإذا صافعتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، وسأحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ لولا حالي هذا ما حدثتكموه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة) [٤٥] ، فأبو أيوب ﵁ يذكِّر نفسه بما ينبغي أن يموت عليه، ويذكِّر أصحابه بالرسالة التي لأجلها خرجوا (التوحيد ونبذ الشرك) ، ويضرب أروع مثال للفداء والتضحية من أجل هذه الرسالة، وهو الحرص على إبلاغ الرسالة وعلى امتداد جهاده بعد موته، وذلك بتكريس إسلامية أرض فتحها المسلمون، بدفنه فيها، وإضافة سبب يحفز أصحابه على التقدم وعدم التقهقر عن أبعد نقطة وصلوا إليها، وذلك حفظاً لحرمة الميت. وتمتد علاقة المسلم بدينه وإخوانه: عند الموت: يودع الدنيا بإعلان التوحيد كما دخلها: (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله) [٤٦] ، ويُبرز المسلمون الخير عند أخيهم المحتضَر،، وتشاركهم الملائكة: عن أم سلمة ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا حضرتم المريض، أو الميت، فقولوا خيراً؛ فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون) [٤٧] . وتمتد العلاقة بعد الموت: فالمسلمون يصلون عليه ولو كان بعيداً غائباً ولو لم يروه؛ فعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخاً لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه) يعني النجاشي [٤٨] . ورغم أن دفن الميت يكفي في القيام به نفر قليل، إلا أن إخوانه المسلمين لا يتركونه بعد موته يذهب وحيداً إلى أول منازل الآخرة، بل يشيعونه إلى قبره كما يشيع الضيف العزيز الراحل: (حق المسلم على المسلم ست: ... وإذا مات فاتبعه..) [٤٩] . والمسلم لا يُدفن للتخلص من جثته، بل هو يعود مرحلياً إلى الأصل الذي خرج منه: [مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفِيهَا نُعِيدُكُمْ ومِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى] [طه: ٥٥] ، وهو في هذا العَوْد مرتبط أيضاً بدينه وإخوانه؛ فهو ينزل إلى القبر تحت شعار ... (بسم الله وبالله وعلى سنة - وفي رواية: ملة - رسول الله) [٥٠] ، ويدفن متوجهاً إلى القبلة؛ ففي الحديث أن رسول الله ﷺ قال عن البيت الحرام: (قبلتكم أحياءاً وأمواتاً) [٥١] ، كما أنه ينحاز إلى إخوانه المسلمين الأموات، فلا يدفن في مقابر غيرهم، وفي المقابل: لا يُدفن غير مسلم في مقابر ... المسلمين [٥٢] . وبعد الدفن يقف المسلمون عند قبر أخيهم يسألون له التثبيت: ... (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل) [٥٣] ، والمسلم إذا مر ... على مقابر إخوانه المسلمين سلَّم عليهم ودعا لهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية) [٥٤] ، ... أما إذا مر بقبر كافر فالأمر يختلف؛ ففي حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن الرسول ﷺ قال لأعرابي: (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار) [٥٥] . ولا تقف العلاقة عند هذا الحد، بل تمتد حتى لما بعد البعث؛ فيوم القيامة يحشر الناس بحسب متابعتهم ومشابهتهم الإيمانية في الدنيا: [يوم ندعو كل أناس بإماهم] [الإسراء: ٧١] ، [\احْشُرُوا الَذِينَ ظَلَمُوا وأَزْوَاجَهُمْ ومَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ (٢٣) وقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ] [الصافات: ٢٢ - ٢٤] ، وهنا يبرز مآل المشاعر، والعلاقات بين الناس: ... [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ] [الزخرف: ٧٦] ، ولا شك أن ذلك أثر لما كان في الدنيا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المرء مع من أحب، وأنت مع من أحببت) [٥٦] . وعند الجزاء يكون كل فرد مع مجموعته أيضاً: [وسيق الذين كفروا إلى جهنم زٍمرا] [الزمر: ٧١] ، [وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زٍمرا] [الزمر: ٧٣] . وتستمر مشاعر الأخوة وعلاقاتها حتى بعد المستقر في الجنة: [ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرٍر متقابلين] [الحجر: ٧٤] ، بينما في النار: [كلما دخلت أمة لعنت أختها] [الأعراف: ٨٣] . مشاعر موحدة تجاه كل شيء، وعلاقات ممتدة من قبل الميلاد حتى بعد الوفاة. فمن غير المؤمن التقي له تلك المنظومة؟ ! [فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ] [الأنعام: ١٢٥] .

стр. 3417

البيان الأدبي العناية بالموهوبين هدى سلطان سهلٌ جداً أن نرى جيلاً جديداً من محبي الأدب والكتابة يتنافسون من أجل الظهور بشكل مميز ومختلف، ولكن القلة هم الذين يستمرون ويبدعون، وهؤلاء هم الذين نسميهم بالصفوة أو المبدعين. الحقيقة أن المبدع يستطيع أن يكتب، لكن ليس كأي أحد، وهذا ما يجعله مختلفاً عن غيره. والإبداع هو أن يصل المبدع إلى شيءٍ لم يصل إليه غيره، ويحقق شيئاً لم يحققه الآخرون، ويبدع أسلوباً آخر يحبه الناس المتابعون. هبة من الله هذا المبدع وإبداعه؛ لكن هل كل مبدع يستطيع إبراز فنونه وإبداعاته؟ قلة قليلة هم الذين كتب الله لهم الحياة والظهور على السطح ليراهم الناس، والكثير من المبدعين من الجنسين دفنت الظروف إبداعهم، وحجبت المصالح فنونهم، والإبداع يُحارَب على مر السنين، وهو يُحارب إما من طبقة المتخلفين الجاهلين الذين لا يعرفون قيمة العلم والإبداع، ولا يؤمنون بأهمية التطور والتقدم، ما يهمهم هو الحفاظ على العادات والتقاليد القبلية البالية التي بسببها تم اغتيال العديد من المواهب المبدعة في مهدها، مما كان من الممكن أن تضيف شيئاً للبشرية. وسلطة العادات لدى بعض البشر أقوى وأعظم من سلطة الدين. إن الإسلام حارب الجهل والعصبية والتخلف، ومع ذلك نرى الكثير يعيش في عالم آخر، عالم حجري كأنه لا يحس ولا يشعر! كما هو في حسد الحاسدين الذين يغيظهم نبوغ أحد، أو ما يفعله آخرون من استغلال الفقر وضيق الحال أن يلجئوا مبدعاً أو عالماً أن يبيع كتاباته وفنون أدبه وأشعاره الحزينة لِغنيٍّ خال من الموهبة، لينال شهرة عظيمة في المجتمع؛ إذ جَمَعَ النار والماء، جمع المال والإبداع حين استولى على إبداع وموهبةٍ كان نصيبها من الحياة أن صاحبها فقير، وذلك يكفي لأن يكون الموت نصيبها أو نصيب هذا الجسد الذي تحيا فيه.. فهل ثمة عقاب لمثل هؤلاء المعتدين؟ ! للأسف هذا حال كثير من المبدعين في هذا الوطن العربي الكبير، بينما لا نرى اضطهاداً كهذا للمبدعين في بلاد الغرب وهم الكافرون الضالون الذين يعملون المستحيل من أجل اكتشاف المبدعين الصغار من المراهقين والشباب، وتتنافس المؤسسات من أجل كسبهم والنهوض بهم، بينما المبدعون العرب لم نسمع بهم إلا بعد هجرتهم إلى بلاد الغرب؛ حيث وجدوا هناك ما ساعدهم على العيش والحياة والاستمرار في الإبداع بشكل متميز. وأكبر دليل على ذلك عالم الفضاء الدكتور فاروق الباز، وغيره من الأطباء والأدباء والمفكرين الذين دفعتهم ظروفهم الاجتماعية وعسرها في بلادهم للهجرة؛ لأن السواد الأعظم من مبدعي العرب في الغرب دافعهم الأول للهجرة التقليل من شأن إبداعهم في وطنهم، والتضييق عليهم في رزقهم، وعدم توفير الفرص والتشجيع للاستمرار الإبداعي لديهم، وهذا هو الظلم للنفس المبدعة التي أكرمها الله من دون النفوس البشرية الأخرى بالنبوغ والتحليق فوق البشر بشيء فريد لا يصل إليه غيرها؛ لأنه في داخل هذه النفس البشرية المبدعة الخيرة التي تسخِّر إبداعها من أجل خير البشرية والإنسانية. ومن هنا أطالب بتقديم العون لكل مبدع في الوطن العربي الكبير بتهيئة الإمكانات وتقديم المنح والجوائز والفرص لمزيد من الإبداع ليس في مجال دون مجال، ويجب فتح مؤسسات متخصصة لرعاية الموهوبين والمبدعين، ويجب معاقبة كل من يحاول قتل موهبة أي مبدع، أو التقليل من شأنه، أو استغلال فقره وشراء إبداعه، أو محاولة كتم صوته سواء في الإعلام أو غيره، وهذه المؤسسات مطلب مهم للعناية بهذه البذرة الإبداعية؛ لأن الموهبة لا تستطيع أن تعيش بدون اهتمام وبدون صقل لها، سواء بالدراسة العالية أو تحقيق الأمن المعيشي لها وتوفير الجو الاجتماعي المثالي الذي يعين هذا الموهوب على الحياة الجديدة، فيحيا بحياته في مجتمع يسعد بمثل هؤلاء المبدعين الذين يثرونه ويزيدون في موارده ويرفعون اسمه ويساهمون في نهضته ورفعته. وقد نرى خلال السنين القادمة مبدعين يتكررون من جديد، وربما يبدعون أفضل من سابقيهم؛ فمن الممكن أن يظهر لدينا علماء يضاهون ابن تيمية وابن خلدون، وقادة وساسة ربما يضاهون عمر بن عبد العزيز، وصلاح الدين الأيوبي، والسلطان قطز وغيرهم كثير؛ وهذا ليس بمستحيل، والأمل بالله تعالى كبير وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 3418

نص شعري شكوى الجهاد عبد العزيز التميمي ردد حديثاً بشجو النفس يضطرم ... يشكو لظاه عبادُ الله والحرمُ بشر صحابك والأيام قادمة ... أن الجهاد على الأبواب يحتدمُ نم يا حبيب! قرير العين مبتهجاً ... إن الضياغم للأخطار تقتحمُ أما فهمت من التاريخ موعظة ... وفي العقيدة نهج ليس ينخرمُ: إن الشعوب وإن هيضت كرامتها ... يوماً على جحفل الأعداء تلتئمُ؟ هلاَّ سمعت نداءاً للجهاد على ال ... آفاق ردد: إن الله منتقمُ؟ الله أكبر في ساح الوغى رفعت ... راياتنا وإلى الرحمن نحتكمُ سِرْ واثق الخطو مسروراً بيقظتنا ... هناك أُسْدٌ بحبل الله تعتصمُ هذي الخيول استشاطت في مرابطها ... وذي الجنود بأرض الشام تلتحمُ ها قد تنادوا لحرب الدين قاطبة ... حتام يحجم جند الله؟ ويحهمُ! جند الصليبية الرعناء يدعمهم ... مكر الشيوعية الحمراء ينحطمُ فارفع لواءاً لحرب الكفر نعهده ... واحمل لواءاً لأهل الدين كلهمُ فإن قُتِلتَ فذاك المجد من طرف ... وإن نُصِرتَ ففضل الله والكرمُ

стр. 3419

نص شعري اخفض جناحك تحية وتقدير لصقور الشيشان إبراهيم بن فهد المشيقح اخفض جناحك؛ إنهم أحرارُ ... لا يحرق الإلحادَ إلا النارُ النار.. لا السلم الجبان، فطفلهم ... منذ المهاد وعشقه البتّارُ اخفض جناحك؛ إنهم لم يصرخوا ... يا مجلس الأمن! اعتدى الفجّارُ لكنهم رفعوا (أعدّوا) فانطوى ... تحت اللواء أشاوسٌ أبرارُ اخفض جناحك؛ شوكة الشيشان لم ... تُكسر، وإن حفّت بها الأخطارُ عجباً.. لساني كيف يكْذِب مسمعي ... بل كيف تخدع قومنا الأخبارُ؟ قالوا: تهاوت قلعة الشيشان، إن ال ... قول زورٌ، صاغه مكّارُ هبّت رياح العزّ فوق جبالها ... وسهولها شمخت بها الأشجارُ هبّ الشباب (الملتحون) فديتهم ... ما فيهمُ متقاعسٌ خوّارُ يا فتية الشيشان! كل قصائدي ... خجلى، وكل مشاعري إكبارُ من عين (دوداييف) صُغْتُ قصائدي ... جمراً.. ومن (أصلان) طار شرارُ اخفض جناح الكبر؛ ليل جباههم ... يبكي وتشهد دمعَه الأسحارُ اخفض جناح الكبر؛ ليل جهادهم ... يزهو وتشهد زهوه الأقمارُ تلك الجبال الشمُّ تعرف أهلها ... لا ينثنون؛ فعزمهم جبّارُ تترقب الأبواق رقصة موتهم ... ليزفها في أذننا المزمارُ الروس فوق رؤوسهم، ووراءهم ... حقد الصليب، وجهدنا الإنكارُ هذي دماء الأبرياء على الثرى ... تحكي بشاعة ما جنى الجزارُ الأرض ثكلى والجراح عميقةٌ ... والدمع ذابت تحته الأحجارُ والصمتُ يجتاح البيان على الذرى ... والمدفع الرشاش فيه سُعارُ والروس تحفر قبرها بشمالها ... وغداً.. سيكسرُ كأسَه الخمّارُ

стр. 3420

ندوات ومحاضرات ندوة عن: مستقبل الصحوة الإسلامية مرت عدة عقود من عمر الصحوة الإسلامية، وبعد هذه المسيرة، تحتاج الصحوة أثناء سيرها في طريق الحق إلى وقفات معها لنحدد حجم الإنجازات وأسبابها، والإخفاقات وعللها، ولكي تجدد النظر في الأساليب والطرق التي سلكتها، وإيماناً من (البيان) بواجبها تجاه هذه الصحوة تأتي هذه الندوة إضاءة على الطريق. المشاركون: د. مانع بن حماد الجهني، أمين عام الندوة العالمية للشباب الإسلامي. د. محمد بن لطفي الصباغ، أستاذ في كلية الآداب، جامعة الملك سعود الرياض. د. جلال الدين محمد صالح، المشرف العلمي في كلية لندن المفتوحة بريطانيا. المحور الأول: حول مدلول كلمة الصحوة: البيان: برز هذا المصطلح (الصحوة) في بداية التسعينيات الهجرية من القرن الماضي الذي يتوافق مع السبعينيات الميلادية للقرن العشرين، ومعروف أن أحوال المسلمين وقتها على المستوى الخاص والعام كانت أشبه بـ (غفوة) ، إن لم نقل: في سبات أو غيبوبة على المستوى العام. وقد كان مناسباً أن يطلق على حالة الانتباه والانتعاش من ذلك النوم وصف (الصحوة) ، أما الآن وقد جاوزت (الصحوة) عدة عقود من التجارب المتواصلة التي أوصلت في بعض صورها إلى (دولة) ، فهل لا يزال ذلك المصطلح مناسباً، أم نحن في حاجة إلى تعبير يترجم عن الحالة الراهنة لوضع المسلمين في العالم؟ د. مانع بن حماد الجهني: أمهد للموضوع بنبذة موجزة لا بد منها: الصحوة كما جاء في مجمل أقوال أهل اللغة: ذهاب الغيم وارتفاع النهار وترك الباطل، وتطلق بوصفها مصطلحاً على العَوْدِ الحميد إلى الإسلام الصحيح، والسعي الحثيث من قِبَل المسلمين لاكتشاف هويتهم من مَصْدَرَيْ هدايتهم وهما: القرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة. والصحوة الإسلامية بمفاهيمها اللغوية والاصطلاحية حدث تكرر في تاريخنا الإسلامي: بعد هجوم التتار على العالم الإسلامي، وبعد الحروب الصليبية التي استمرت عدة قرون، وبعد الهجمة الاستعمارية الحديثة. وكانت الصحوة في كل مرة في السابق تظهر على شكل زخم جهادي يؤدي دوره في إخراج الأمة من محنتها ثم لا يلبث المسلمون بعدها أن يفتروا ويبتعدوا عن دينهم إلى أن تحل بهم محنة توقظهم من سباتهم وغفلتهم مرة أخرى. والصحوة المباركة التي نشهدها هي أهم وأعظم حركة فكرية للمسلمين خلال القرن العشرين الميلادي بأكمله؛ لما اتسمت به من سمات مميزة عن سائر الحركات الأخرى التي شهدها القرن المذكور؛ إذ امتزجت فيها الأصالة مع التجديد، والإحياء والنهوض والشمول مع الانتشار الجماهيري الواسع المنقطع النظير. وجميع تلك الخطا المباركة الحثيثة حدثت مع شدة النكير عليها وعلى روادها وحاملي رايتها والسائرين في دروبها من اضطهاد وضغوط. وقد جاءت الصحوة التي نشهدها بعد فترة طويلة من التخلف والانحطاط حفلت بالافتنان بالأنموذج الغربي في الفكر والسلوك إثر تقدم الغرب في المجالات العلمية والتقنية وهيمنته بسبب ذلك على المسلمين وأشباههم من الأمم المتخلفة علمياً وصناعياً. جاءت الصحوة لتقول بوضوح: إن سبب تخلف المسلمين وضعفهم وهوانهم ليس بسبب الإسلام كما يقول ذوو العقول الفارغة والأفكار السفيهة، إنما هو بسبب البعد عن الإسلام عقيدة وفكراً ومنهجاً وسلوكاً، وإن السبيل للنهوض والتقدم واستعادة مكانتنا بين الأمم هو العودة للإسلام. وقد حققت الصحوة المباركة على رغم عمرها الزمني القصير بمقياس التاريخ إنجازات مشهودة ملأت الرحب بما أثمرت من: تضامن وتواصل وجهاد، ومساجد ومدارس إسلامية ودعاة، ولقاءات وبحوث، وحجاب والتزام، ووعي فكري وانتشار علمي فقهي. وجميع ما ذكرت وما لم أذكر من مظاهر وإنجازات الصحوة الحالية يسعى ويتعاضد في منظومة متناسقة ليؤدي دوره في تحقيق غاية رئيسة هي: النهوض بالأمة الإسلامية واستعادتها مكانتها؛ فتكون أمة معتبرة بين سائر الأمم. وإنني أتساءل: هل حققت صحوتنا تلك الغاية أو اقتربت بنا منها؟ أم لا يزال أمامنا مراحل بعضها صعب بيِّن وبعضها خفي؟ نسأل الله تعالى السلامة. الحقيقة أنني لا أجحد أبداً إنجازات صحوتنا التي شرفتُ مع المعاصرين بشهود مولدها وتناميها، ولديَّ قناعة تامة بأن صحوتنا في خطاها الواثقة تنتقل من نصر إلى نصر، وتعالج ذاتياً، وتصحح الأخطاء التي تقع فيها؛ فالصحوة بفضل الله تعالى ومَنِّه رشيدة وخطاها سديدة وناجحة وموفقة. إلا أن ذلك لا يغني عن تساؤلنا الذي أوردناه: هل هذه المرحلة التي نشهدها اليوم هي آخر مراحل الكمال المبتغاة؟ وبصيغة أخرى: هل حققت لنا صحوتنا الغايات المرجوة منها كاملة؟ بصراحة أقول: لا؛ فالطريق لا يزال طويلاً، والغايات لم تكتمل بعد، والتحديات والعقبات التي نستطيع استقراءها ليست بالأمر اليسير الذي يجعلنا نجزم بالنجاح. لذا فأنا مع تفاؤلي الكامل بالنجاح وبأن الله تعالى الذي وفقنا لهدايته وأعاننا على مواصلة المسير ثلاثين عاماً سوف يوفقنا للاستمرار والنجاح لتحقيق الغاية المنشودة، مع ذلك فإنني مقتنع تماماً بأن الصحوة لا يزال أمامها مراحل من العمل الجاد لإحياء موات القلوب الذي هيمن على الأمة مع الغفلة والجهل أحقاباً طويلة. فالمسلمون الذين يتعدى تعدادهم المليار وربع المليار نسمة لا يزالون يُمتحنون بشتى صروف الابتلاء التي لا تخفى على أحد، بدءاً بالتضييق والاضطهاد والتهميش، وانتهاءاً بالتصفية الكاملة والإبادة الجماعية، كما أنهم لا يزالون يعانون من وطأة الفقر والتخلف والمرض والجهل، وعلى رغم التقدم والرخاء النسبيين اللذين تعيشهما بعض الدول إلا أن الغالبية الإسلامية لا تزال تعيش تحت خط الفقر. كذلك فإن الكثير من المجتمعات الإسلامية خاصة في الغرب تعاني من أمية إسلامية متفاوتة الدرجات، على رغم العناية الكبرى والمطردة بتوظيف الدعاة وعلى رغم البرامج الدعوية المتعددة والمتنوعة، أضف إلى ذلك ما نواجهه اليوم من تحديات صعبة وخطيرة يأتي في مقدمتها فكر العولمة الذي يدعمه ويسهر على نشره النظام العالمي الجديد. أكرر وأؤكد أن ما أقوله ليس جحوداً بما حققته الصحوة من إنجازات طيبة مباركة تفوق في حجمها ومداها الحيز الزمني الذي استغرقته إلى الآن، ولكن هذا الواقع يجعلنا نحبذ أن يظل هذا المسمى المبارك الذي أرجو أن يحقق لنا فائدة مقدرة؛ فالواضح جيداً أن الغرب يرقب بجدية وحرص وحذر خطا الصحوة ومجالاتها، وأعداء الإسلام دأبوا منذ فترة على تصويره كشبح مخيف يهدد كيان الغرب والتصريح باعتبار الإسلام العدو الحالي بعد سقوط الشيوعية. ولا شك أن اتخاذ شعار يصور الوضع المتنامي للصحوة وآثارها يعني فتح باب لمزيد من الهجوم على الإسلام، وإتاحة الفرصة لخصومه لترديد المنغومة التي يضربون على أوتارها ليل نهار والتي تحذر من ظهور الإسلام وتزايد قوته. لذا أرى أن الكسب المعنوي الذي قد يتحقق من تعديل مسمى الصحوة إلى مسمى آخر مثل النهضة أو القوة أو المد، قد يكون أقل بكثير من الخطر الذي سوف يثار من قِبَل أعداء الإسلام والجاهلين بتعاليمه إذا ما أعرب المسلمون وصرحوا عن تعديهم مرحلة الانتباه من الغفلة إلى مرحلة إمساك زمام الأمور والتصدي للأعداء وفرض السيادة واستعادة المكانة، وأرجو أن يكون ذلك من الفطنة التي حثنا الإسلام على التحلي بها. هذا بالإضافة إلى أن مفهوم الصحوة يبقى سائغ الدلالة على من لم تكتمل صحوته ويكتشف جمال الإسلام وكماله ويعود إلى النبع الصافي والتوجيه القويم الذي يقدمه هذا الدين لأبنائه في كل مكان. وبهذا فسوف يستمر مفهوم الصحوة يتكرر في كل زمان ومكان في أولئلك الذين ناموا عن ركب الالتزام ثم اكتشفوا قيمة ما فاتهم من الخير، فأخذوا يغذُّون السير للِّحاق بركب المستقيمين والسائرين على درب الصلاح. البيان: لا شك أن الصحوة مرت بمراحل وتقلبات فكرية ومنهجية، فهل أخذت (الصحوة العلمية) دورها؟ وما السبيل لترسيخ ذلك؟ د. جلال الدين صالح: (الصحوة) اصطلاح تعارف الناس على إطلاقه وصفاً لحالات الإفاقة والتوبة التي عمت جموعاً كبيرة من المغتربين عن وعي الإسلام، ودفعت بهم إلى الإقبال على تجديد الدين في الأنفس والمجتمعات. وبدت مظاهرها في كثير من المناشط الحياتية في السياسة، والاقتصاد، والثقافة ... وهلم جرّاً، وكاد لها الأعداء من كل منعطف، وترصَّدوها من كل مرصد فزعاً، وهلعاً مما سيؤول إليه أمرها من تمكين الدين، وبسط سلطانه فاستفزوها في مواطن كثيرة، واستثاروها في أزمنة عديدة ابتغاء شرٍّ بها، فقابلتهم بالإعراض والصفح تارة، والمواجهة والمجابهة تارة أخرى، ولكن دون الاعتبار بمآلات الأمور، وتحديد الأولويات ثم ترتيبها وفقاً لمقتضيات المحيط المكاني والزماني وقدرات الذات؛ فأصابها من ذلك أذى كثير، وفقدت مواقع كانت لها دِفْئاً ورِفْداً، ولا أعرف لهذا من سبب رئيس سوى ضمورٍ في فقه علوم الشريعة، وقصور في فقه الواقع وتحدياته؛ فالدين وإن كان من حيث عموم رسالته حقيقة عالمية لا تحده الحدود، ولا تحول دونه الفواصل إلا أنه من حيث تحقيقه في موقع مَّا محكوم بمؤثرات سياسية وقدرات ذاتية؛ ومن ثم كان في تشريعاته رفع الحرج، وإرادة اليسر والإتيان منه بالمستطاع. غير أن غياب الصحوة العلمية في ترشيد الصحوة الإسلامية غيَّب الكثير من مثل هذه المفاهيم، وخلط ثوابت الأمور بمتغيراتها بسننها وفرائضها، ومكّن الرويبضة من أن يتحدث في أمور العامة دون أثارة من علم، وصارت الصدارة أحياناً للمتفيهقين والمتشدقين من الذين يحملون الناس على فتاوى شاذة وغريبة، غاية ما تؤدي إليه الإدبار عن الدين، والنفور عن المسلمين، من نحو إباحة سرقة أموال غير المسلمين في ديار الكفر، أو قتل صبيان من يقاتلونهم من عسكر حكومات ديار الإسلام، مع تنطع وغلو في التكفير أو التفسيق أو التبديع. وبروز هذه الاتجاهات الفوضوية في ساحة العمل الإسلامي ما كان قاصراً على فترة دون أخرى، ولكنه ظاهرة متعاقبة يلحظها كل من يتعقبها في مسيرة الصحوة الإسلامية، وقُصَارَى ما تدل عليه خلل في التكوين العلمي عند عدد لا يستهان به من السائرين على درب الصحوة ممن تدفع بهم الظروف إلى تصدُّر الصفوف، وليس من سبيل إلا المسارعة بالمعالجة العلمية، حتى يتبوأ مقاعد القادة في ميدان العمل الدعوي أناس ينفون عن هذا الدين، كما يقول الإمام أحمد: ... (تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) ، وإلا اتخذ الناس رؤساء جهالاً كما ورد في الحديث فأفتوهم بغير علم فضلوا، وأضلوا. والصحوة الإسلامية في تركيبتها تضم حشداً غير قليل ممن قلَّ كسبهم وضَؤُل حظهم من العلم الشرعي من خريجي العلوم المعملية؛ مما يؤكد أهمية ترسيخ العلم الشرعي في أوساطها، وأحسب أن ذلك يتحقق من خلال الأخذ بما يلي: الأول: الإيمان بضرورة تنامي الصحوة وتعاظمها باعتباره شرطاً مهماً في النهوض بالمجتمعات الإسلامية واستعادة مجدها التليد، والاعتقاد بأن ذلك لا يكون إلا بما صلح به الأولون من تقديس النص المعصوم وإدراك مقاصده على ضوء أصول العلم الشرعي. الثاني: تحليل عوامل الضعف والقوة في الصحوة الإسلامية، ودراسة مآثرها ومواقفها الدعوية في شتى ميادين عطاءاتها دراسة فاحصة، وناقدة ليتبين ما إذا كانت تلك المواقف على وفاق مع دلالة النص أم على شقاق؛ وذلك من خلال ندوات تأصيلية، ولجان علمية، وأطروحات جامعية تطبع في خاتمة المطاف وتعمم توزيعاً على قيادات مراكز العمل الإسلامي وجماعاته، وتسجل ملخصاتها في أشرطة سمعية يحوزها من لا وقت له للقراءة من الشباب. الثالث: تبني العلماء العاملين لهموم الصحوة وتصدُّر قافلتها في بيان الموقف الشرعي من كل غاشية تغشى المجتمعات الإسلامية، ونازلة تنزل بمنازلهم، لا يمنعهم في بيان قول الحق فيها جهراً الخوفُ من مقامع سلطان جائر، ولا الطمع في مغانمه؛ فإن هذا كما أحسب ينفي لا محالة العملة الزائفة، وبه يميز الشباب الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويجعل أفئدتهم تلين لقيادة العلماء، وتوثق صلاتها بهم، وتتعمق فيها مكانة العلم وتوقير أهله، وبهذا الترابط تكون الصحوة الإسلامية جمعت بين البصيرة في الدين والقوة في الدعوة. وما أحسن ما قاله ابن القيم في ذلك: (ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الذين قاموا بالدين علماً وعملاً، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين، والقوة على الدعوة؛ فبالبصائر يُدرَك الحق ويُعرف، وبالقوة يُتمكَّن من تبليغه، وتنفيذه، والدعوة إليه) [١] . الرابع: إنشاء مؤسسات علمية ذات مناهج تقوم على ربط خطاب الشارع بحقيقة خطاب الواقع، وتجعل من التأصيل الشرعي هدفها الأول في تغذية الداعية وتكوينه حتى يتمكن من تقييم وتقويم المسيرة الدعوية على بصيرة من الله مستصحباً خصائص بيئته بكل ما يكتنفها من مظاهر الخير، وعوارض الشر. الخامس: بعث رسالة المسجد من مرقدها بتدريس العلوم الشرعية في ساحته، ووضع محفزات تجعل من الورود إلى مناهل العلم فيه عملاً مرغوباً، ولعل من المناسب هنا أن أشير إلى أهمية إعطاء مناهج هذه الحلقات حقها من الاعتناء والاختيار حسب البيئات ومستوى أفهام الناس، وأولويات الاحتياج الدعوي حتى تأتي مُصاغة على نحو يفي بالمطلوب، ولا يؤدي إلى السآمة والملل والعزوف؛ فما أنجح الداعية حين يخاطب الناس على قدر عقولهم، ويصطفي لهم من العلم على قدر حاجتهم! كما لا بد من التنويه هنا بأهمية منبر الجمعة بوصفه أحد وسائل ترسيخ العلم في معالجة كافة القضايا معالجة تأصيلية بعيدة عن التعقيد، وليس معالجة حماسية لا تكاد تجيد غير إثارة العاطفة، وتهيجها. المحور الثاني: تقويم الصحوة خلال ثلاثة عقود: البيان: لا شك أن وجهات النظر اختلفت جداً في تقويم أداء الصحوة من خلال الفترة الماضية؛ فبين رأي متفائل مبالغ في جعل الآمال عليها، إلى رأي متشائم يهوّن من شأن النتائج والثمرات الفعلية لها، فأين الرأي الوسيط في تقويم هذه الصحوة؟ ولعلنا نسوق السؤال لفضيلة الدكتورمحمد الصباغ بصيغة أخرى: ما أبرز إيجابيات الصحوة وأبرز سلبياتها؟ د. محمد لطفي الصباغ: إني من المتفائلين بمستقبل هذه الصحوة التي يعود الفضل في قيامها إلى الله سبحانه الذي هيّأ الأسباب العديدة لقيامها: من اشتداد كيد الكفار للمسلمين، ومن التنكيل بهم وبرجالاتهم، ومن الاستيلاء على بلادهم واستغلال خيراتهم وسحق أبنائهم، وتسميم أفكارهم، ومحاولة سلخهم عن دينهم، وتسليم الحكم في كل البلاد التي استعمروها إلى حفنة من عملائهم الذين يتابعون عملهم في محاربة الإسلام، ويسيرون وفق مخططاتهم الرهيبة. إن هذه الأسباب وغيرها كانت من أسباب قيام هذه الصحوة التي عمت كل بقعة فيها مسلمون. ومما يؤيد تفاؤلي هذا الوقائع الآتية: - إنّ سبعين سنة من الحكم الشيوعي الملحد في البلاد الإسلامية التي استعمرها الروس فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي لم تستطع أن تمحو الإسلام من تلك البلاد كما كان يظن أولئك الطواغيت الذين قتّلوا الملايين، وسجنوا الملايين، ونفوا وشرّدوا؛ وها نحن أولاء نسمع أبناء اليقظة الإسلامية في تلك البلاد.. وهي تتطلع إلى أن ترى الإسلام مطبقاً في ديارها، ولا ترى منقذاً لها سواه. - وكذلك فإن سبعين سنة من الحكم الديكتاتوري الذي قام على الحديد والنار في تركيا بعد إلغاء الخلافة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة، وإعلان الحكم اللاديني، ومنع الحجاب، وتغيير الحرف العربي واعتماد الحرف اللاتيني، وجعل الأذان بالتركية، وجعل العطلة يوم الأحد، ومنع التعليم الديني، وقتل المعارضين وإبادتهم دون رحمة.. بعد سبعين سنة من هذا الظلم والعدوان وسفك الدماء نجد الشعب التركي المسلم يعلن ولاءه للإسلام ولكل من يتبنّى الإسلام.. ونجد الأذان يعود بالعربية ويعود الحجاب.. ويقوم التعليم الديني. ولم يُلْقِ العلمانيون أعداء الإسلام من المتسلطين هناك السلاح، بل هم ماضون في متابعة حرب الإسلام، ومضايقة المتدينين، ولكنهم يشعرون الآن أن حجم المعارضة لهم في نمو وازدياد.. والعاقبة للمتقين. - منذ حوالي ستين سنة ذهب بعض الطلاب من الشام للدراسة في بلد عربي كبير، ولما رجعوا إلى بلادهم قال قائل منهم: إن موضوع حجاب المرأة في ذاك البلد قد انتهى، ولا أمل في أن يعود، ولا يتوقع أحد من الناس أن تعود المرأة إلى الحجاب في ذاك البلد.. وقام في ذلك البلد حكم معاد للتدين، ولاحق حكامه كل من يتبنى الإسلام ويدعو له، ونادى حكامه بالاشتراكية وعملوا على تطبيقها ... ثم ماذا كان بعد هذا؟ لقد دارت الأيام.. وإذا بالحجاب يعود بقدرة الله.. لقد عاد هذه المرة عن اقتناع بوجوبه، ودخلت الجامعاتِ المحجباتُ معتزاتٍ بهذا الزي، وقد تكون بعض أمهاتهن سافرات حاسرات. - وتُحدثنا الأنباء أنّه عندما يتاح للشعوب في بلاد المسلمين أن تعبّر عن رأيها فإنها لا تختار إلا الإسلام والمسلمين، والأمثلة على ذلك كثيرة في الجزائر والأردن ومصر وغيرها؛ سواء في ذلك المجالس النيابية أو البلدية أو نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين. هذه وقائع وغيرها كثير لا يمكن أن ينكرها أحد، وقد تحققت هذه الوقائع في أوساط محكومة باتجاهات غير ملتزمة بالإسلام، وبعضها معادٍ للإسلام كما بينّا. إن مناهج التعليم في تلك البلاد ووسائل الإعلام كلها كانت تعمل خلال تلك السنين الطويلة لإبعاد الناس عن الدين، ومع كل ذلك كان وكان. أفليس هذا كافياً ليجعل تفاؤل المتفائل في محله؟ وهناك أمر آخر يجعلني أرجو أن يحقق الله التمكين لتلك الصحوة؛ ذلك أن الله ﵎ تكفل بحفظ هذا الدين متمثلاً بالكتاب الكريم، ولم يكل حفظه إلى الناس. وحفظه يقتضي وجود بشر كرام يُحيونه ويُحكِّمونه ويجعلونه مرجعهم قال تعالى: [إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [الحجر: ٩] . أجل.. تولى الله سبحانه حفظه، ولم يكله إلى الناس يحفظونه كما فعل سبحانه بالكتب السابقة. قال جلّ وعز: [إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ] [المائدة: ٤٤] . ويتبيّن مما سبق أن إيجابيات هذه الصحوة: أنها رسّخت فكرة ضرورة العودة إلى الإسلام، وأن أمراضنا ومآسينا لا علاج لها إلا بالعودة إلى الدين وتطبيقه والدعوة إليه. ومن إيجابياتها انصراف طائفة من الشباب والشابات إلى دراسة هذا الدين دراسة جادة وتعليمه للآخرين؛ فقد بلغني أن عدداً كبيراً من الشباب والشابات حفظوا كتاب الله عن ظهر قلب، وأن عدداً منهم جمع القراءات العشر برواتها العشرين. وقد بلغني أن عدداً من الفتيات حفظن صحيح البخاري، وصحيح مسلم بأسانيدهما ومتونهما، وهن ماضيات في حفظ الكتب الأخرى. ولا شك عندي أن العلم بالدين ينتهي بأصحابه وبمن حولهم إلى العمل به لا سيما أن هؤلاء الذين حفظوا وتعلموا إنما فعلوا ذلك رغبة في العمل الصالح وابتغاء الثواب، ولا يرشحهم هذا في بلادهم إلى كسب ماديّ. ومن إيجابيات هذه الصحوة الإقبال على العبادة، وارتياد المساجد؛ إذ أصبحنا نرى نسبة الشباب هي الغالبة على مرتادي المساجد. ومن إيجابيات هذه الصحوة أنك صرت تلمس أثرها في أخلاق الجيل الناشئ من الاستقامة والصدق والأمانة والوفاء بالوعد وبر الوالدين وصلة الأرحام وحسن المعاملة والكلمة الطيبة وما إلى ذلك. ومن إيجابياتها ازدياد الوعي لواقع المسلمين وإدراك خطر خطط الأعداء التي تستهدف وجودنا وديننا. السلبيات: أما السلبيات التي نلمسها في الصحوة فسأذكر أبرزها، وإني لأحسب أن الإخلاص والوعي والزمن.. أن ذلك كله كفيل بأن يتلافى نصيباً كبيراً منها إن شاء الله تعالى. وأبرز هذه السلبيات: أننا نجد عند بعض الشباب والشابات اندفاعاً عاطفياً لسلوك سبيل الإسلام بعيداً عن التعقل والتخطيط والمعرفة ومراعاة مصلحة الدعوة. والعاطفة وحدها لا تكفي؛ إذ هي مُعرَّضة للفتور. وتجد بعض هؤلاء الشباب لا يعرفون إلا القدر اليسير من أمور دينهم؛ والحق أن المسؤولية في هذه السلبية تعود إلى هؤلاء الشباب وإلى العلماء الذين قصروا في استغلال تلك الاندفاعة العاطفية، ولم يعملوا على استمالة هؤلاء الشباب إلى المعرفة والازدياد من طلب العلم. ومن تلك السلبيات: قيام خلاف مستحكم بين طوائف من شباب الصحوة، وقد شغل هذا الخلاف الشباب عن التصدّي للمنحرفين، فانطلقوا غفر الله لهم ينال بعضهم من بعض. ومن تلك السلبيات: وجود غلوّ عند طائفة من شباب الصحوة وشاباتها. وقد حملهم هذا الغلو على تحريم كثير مما أحلّه الله، وسبب ذلك قلة علمهم بأحكام الشرع، وهناك سبب نفسي يرجع إلى ردة الفعل التي تكونت عندهم لِمَا شاهدوا من محادّة الله ورسوله في مجتمعاتهم والانحراف عن جادة الحق والصواب؛ فحملهم هذا وذاك على التشدد والغلوّ والتحريم. ومن تلك السلبيات: تعجُّل فريق من هؤلاء الشباب.. تعجل النصر، ومحاولة سلوك سبيل آخر غير الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فكان عاقبة أمر هذه السلبية ضرراً على الدعوة والدعاة. ومن تلك السلبيات: أن فريقاً من هؤلاء الشباب الصالحين الفضلاء يحسبون أن أفراد المجتمع كلهم يرون سبيل الإسلام، وينسون أن هناك شريحة من أبناء أمتهم عمل فيها كيد الكفار فأزاغ قلوبها عن الحق وجعلها تنادي بما ينادي به الكفار من محاربة الإسلام. إن هذه الفضيلة أوقعت أصحابها في تصرفات خاطئة ما كان لهم أن يقعوا فيها لو أنهم عرفوا واقعهم على حقيقته. البيان: كان للأحزاب القومية واليسارية والعلمانية المختلفة في أنحاء البلاد العربية والإسلامية أدوار سياسية متعددة، وأطروحات فكرية متنوعة، للنهوض بالأمة من كبوتها، فكيف تقيّمون تلك الأطروحات؟ ! وأين تضعون إنجازات الصحوة مقارنة بإنجازات تلك الأحزاب؟ د. مانع الجهني: أمهد للإجابة عن هذا السؤال بتوضيح موجز للسمة الرئيسة والقاسم المشترك الأعظم بين تلك المذاهب والأفكار التي يحاول بعضٌ وضعها بديلاً للإسلام؛ فالملاحظ على منشأ تلك الأيديولوجيات أنه كان بسبب حالة الانحطاط العلمي والفراغ الفكري والروحي التي سادت في الغرب البعيد عن الإيمان قلباً وقالباً؛ وبما أن هدى الله تعالى هو الهدى والحق؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ هذا الفراغ أوجد بيئة مناسبة لمولد تلك الأفكار. ثم صدّر المنظرون لتلك المناهج أفكارهم في وقت غفل المسلمون عن دينهم، فاستقبلها رسل الشؤم المنتسبون للإسلام والمتسمون بأسمائه، وبذلوا جهدهم لترويجها بين المسلمين الذين كان أغلبهم من الغفلة إلى حد عجزوا فيه عن التمييز بين الصحيح والفاسد، حتى لقد وصل الأمر ببعض المنظرين والمروجين لتلك المناهج أن يقولوا علانية بأن تخلف المسلمين وفقرهم كان بسبب انتمائهم للإسلام، ووصل الأمر بالغافلين والجهلة إلى تصديق تلك المقولة وترديدها. وتلك كانت من أعظم انتكاساتنا: أن يقال عن ديننا الذي هو عصمة أمرنا: إنه سبب تخلفنا وهواننا. والنتيجة المنطقية لما سبق هي انحطاط جميع ما تفرع عن هذه المناهج من مفاهيم وأفكار ووسائل وغايات؛ لأن كل ما نما في الباطل وتأسس عليه وتشرب مفاهيمه وسار على نهجه لا يمكن أن يثمر إلا باطلاً؛ ولا يجتمع الحق والباطل مطلقاً، وهذا ما أثبتته التجربة التي هي خير برهان. وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه فقد قدَّم هؤلاء الضُّلاَّل المضلون أفكاراً غثة عوجاء عرجاء لا تصلح أن تقيم نظاماً أو تعالج تخلفاً أو تصحح مساراً. لقد قدس اليمينيون الحرية والملكية الفردية، وفتحوا الطريق لأن يستغل كل إنسان قدراته في زيادة ثروته وحمايتها وعدم الاعتداء عليها، وأجازوا المنافسة وابتزاز الأيدي العاملة والبطالة والسعار المحموم وراء ملذات الحياة الذي أفرز بدوره الاستعمار والحروب والتدمير والربا والمجاعات. وأنكر اليساريون وجود الله تعالى وجميع الغيبيات، وجعلوا المادة أساس كل شيء، وحاربوا الأديان، وألغوا الملكية الفردية، وحاربوا الأخلاق، وأزالوا كل معنى من معاني الحرية من وجودهم، وحاربت جميع أفكارهم جميع أحكام الإسلام وتعاليمه ومناهج الفطر السوية وطبائع الأشياء، وكانت النتيجة أن الشيوعية كما رأينا لم تثمر في أي بلد زُرِعَت فيه سوى العار والدمار إلى أن سقطت بأيدي صانعيها وعلى الأرض التي ولدت فيها بعد ما يقارب سبعين عاماً فقط. وطالب العلمانيون بعزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع، وإبقاء الدين في ضمير الفرد دون أن يسمح له أن يتجاوز هذه العلاقة الخاصة، أو يسمح للتعبير عنه في أضيق حدود الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما، ودعا العلمانيون في البلاد التي هيمنوا عليها إلى نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية، وفتحوا الباب على مصراعيه لكل طاعن ومطعن في الإسلام وعقيدته وشريعته؛ فماذا أثمرت العلمانية؟ حاكم مسلم يود أن تصير بلاده قطعة من أوروبا، وآخر يلغي الشريعة الإسلامية ويستبدل بها قوانين وضعية، وآخر يلغي الخلافة، وظهرت الأحزاب التي عانى منها المسلمون ولا يزالون إلى اليوم مثل حزب البعث وغيره من الأحزاب القومية والوطنية. أما الصحوة الإسلامية مقارنة بالأيديولوجيات الأخرى ما ذكرت منها وما لم أذكر فقد كان لها شأن آخر. لقد أوجدت الصحوة حركة فكرية ثقافية جهادية علمية في شتى ديار الإسلام تمثلت أبرز مظاهرها في العودة إلى المساجد والإقبال على صلاة الجماعة من قِبَلِ الشباب، والإقبال الشديد على المعارف الإسلامية والاطلاع على الكتب خاصة كتب التراث، وكذلك الإقبال الشديد على الشريط الإسلامي السمعي والمرئي. كما ازداد عدد المحجبات والمنقبات وظهر هذا جلياً بين طالبات الجامعة بصفة خاصة. كما انتشر بين الشباب إعفاء اللحية وكثر اعتزال الفنانات والفنانين للفن والتوبة إلى الله والتبرؤ من أعمالهم. كما علا صوت المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية وبدأت الحكومات تستجيب على درجات متفاوتة. وبدأت بالفعل خطوات جادة وجيدة في مجال أسلمة العلوم والمعارف، وكثر إنشاء المؤسسات الإسلامية لتحل محل المؤسسات الأخرى، فظهرت المصارف الإسلامية والمدارس الإسلامية، كما أنشئت المراكز والمنظمات الإسلامية في المناطق التي يضطهد أو يقل فيها المسلمون، وكثرت الملتقيات والندوات التي تقدم فيها البحوث والدراسات في شتى جوانب الحياة الإسلامية المعاصرة والمستقبلية، وظهرت الدعوة الجادة للوحدة الإسلامية كما ظهرت الأحزاب السياسية الإسلامية. هذا بعض ما قدمته الصحوة وأسفرت عنه في الظاهر، أما في الباطن وهو أمر لا يقل أهمية عما سبق فلقد أثبتت الصحوة للمسلمين عامة وشبابنا على وجه الخصوص أن الإسلام هو الحل، وأن الإسلام هو الدين، وأن الإسلام هو أقوم وأفضل وأقصر سبيل للنهوض والتقدم، بل الأكثر من ذلك هو نجاح الصحوة في إحياء الاعتزاز بالإسلام والاستعلاء به على كافة المعتقدات والأديان الأخرى، حتى إنك ترى المسلم يُمتحَن بسبب إسلامه ويقبل التضحية بكل شيء: عرضه وماله وأرضه ولا يترك إسلامه، هذه هي الثمرة. أما الفرق فيصوره قول الحق تبارك وتعالى: [والْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِداً] [الأعراف: ٥٨] . البيان: بعد هذا العرض لإيجابيات الصحوة، نرجو من الدكتور جلال الدين أن يذكر لنا تقويمه لدور العلماء تجاه الصحوة في الفترة الماضية؟ وما الدور المطلوب منهم في المرحلة الراهنة والمستقبلة؟ د. جلال الدين صالح: لا يماري أحد أن العلماء صِمَام الأمان، وكل عمل دعوي ليس للعلماء فيه شأن فهو قحط وجفاف لا يورد الناس إلا موارد الهلاك، ولا يذيقهم إلا مُرَّ الحنظل، ولكن ليس ذلك لكل عالم، وإنما للعلماء الربَّانيين الذين لا يشرون بآيات الله ثمناً قليلاً، ولا يكتمون ما أوتوا من البينات، وهم بشكل عام ليسوا سواءاً في موقفهم من الصحوة، ودورهم فيها يدور بين مواقف ثلاثة هي: الأول: موقف المؤازر الغيور، والناصح الأمين، والمنافح الصادق، وكثير من هؤلاء تعهَّد الصحوة الإسلامية بالدعم المالي، والذبّ السياسي، والتوجيه العلمي؛ فصدرت لهم فتاوى تناصر مختلف قضاياها الدعوية، وكتابات تعالج قوادح العمل الإسلامي. الثاني: موقف اللامبالاة، وهو موقف لصنف من العلماء نظروا إلى الصحوة نظرة من لا يعنيه الأمر؛ فما حملوها، وما حملتهم، وغالب هؤلاء ممن حبس همه في ملذاته؛ شأنه في ذلك شأن حملة الرسالات الأرضية الذين نعت الإمام ابن القيم ﵀ همَّ الواحد منهم بأنه لا يتجاوز (بطنه وفرجه؛ فإن ترقَّت همته فوق ذلك كان همه مع ذلك في لباسه وزينته؛ فإن ترقت همته فوق ذلك كان في داره، وبستانه، ومركوبه، فإن ترقت همته فوق ذلكم كان همه في الرياسة) [٢] . الثالث: موقف المعاند والمعارض المعادي؛ ومن هؤلاء نالت الصحوة ما نالت من التأليب، والتحريض، والانحياز إلى الباطل زلفة إلى أهله، وإيثاراً لإغراءاتهم، وإغواءاتهم. وفي هذا الصنف من العلماء قال ابن القيم ﵀: (كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه؛ لأن أحكام الرب سبحانه كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة، والذين يتبعون الشبهات.. فإذا كان العالِم والحاكم مُحِبَّيْنِ للرياسة، متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق.. وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا فلا يحملهم حب الرياسة، والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة) [٣] . والدور المطلوب من العلماء في المرحلة الراهنة والمستقبلة أن يُكوِّنُوا مرجعية ذات مؤسسات مستقلة تعالج قضايا الصحوة الشائكة بعمق بعيداً عن المؤثرات السياسية، والدوائر القطرية، أو الإقليمية وتمسك بِحُجَزِ الشباب من التدين المنفلت عن ضوابط وروابط الشرع. المحور الثالث: أسباب القوة وأسباب الضعف: البيان: لعل الحديث عن إيجابيات الصحوة وسلبياتها؛ يقودنا إلى حديث آخر مهم، وهو الكلام عن أسباب القوة وأسباب الضعف التي أفرزت ويمكن أن تفرز المزيد من الإيجابيات أو السلبيات؛ فهل يمكن أن نستعرض هذه الأسباب، ولو بطريقة إجمالية؟ د. محمد لطفي الصباغ: من أسباب الضعف التي نستطيع أن نذكرها وهي موجودة في بعض شباب هذه الصحوة المباركة: اتصاف بعض الشباب الصالحين من شباب الصحوة بالتشنج في الدعوة إلى فكرة يراها، والرد على المخالفين بشدة، والتعصب لرأي من الآراء وقد يكون هذا الرأي خطأً، وقد يكون صواباً لكنه ليس من الأهمية بهذه الدرجة التي تظهر من حديثهم. اغترار بعض الشباب الأفاضل بكلمات من التأييد يسمعها من بعض الناس، وتفسيرهم لبعض الظروف على نحو مغاير للواقع، ويكون ذلك التفسير مبنياً على وَهْمٍ لا نصيب له من الحقيقة؛ فيظن هؤلاء أن موقفهم موقف قوي، وقد يصرحون بتصريحات أو يتصرفون تصرفات تحمل أعداءهم على توجيه ضربة لهم تتناسب مع حجم التصريحات أو التصرفات. التفرق الذي أشرنا إليه قبل قليل، وهذا يسرُّ العدو أيَّما سرور! التهور الذي نجده عند بعض الشباب، وإقدامهم على بعض الخطوات ... الضارة. إنَّ سلوك سبيل العنف يضر صاحبه ودعوته أكثر مما يضر العدو. عدم الاستفادة من التجربة التي مر بها فريق من شباب الصحوة الصالحين، وعدم دراسة الأخطاء التي وقعت في مراحل دعوتهم وعملهم. الانفراد بالرأي وعدم الاستشارة عند بعضهم، والاستغناء عن حكمة الشيوخ المجرِّبين، وقد يكون عند بعضهم سيطرة حظ النفس عليهم والتقصير في التوعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما أسباب القوة التي يجب أن يأخذ بها رجال الصحوة، ونساؤها فهي: أن يتسع صدر هؤلاء الرجال والنساء لمن يخالفهم في الأمور الاجتهادية، وأن يلجؤوا إلى الحوار مع مخالفيهم، وأن يرجعوا إلى من يثقون به من العلماء الورعين. أن يراقبوا أنفسهم ويحرصوا على أن يكون عملهم خالصاً لله، لا حظَّ فيه للدنيا ولا للنفس. أن يحرصوا على أداء الواجبات الدينية على أكمل وجه، وأن يأتوا بالنوافل ولا سيما صلاة الليل، وأن يكثروا من الالتجاء إلى الله سبحانه وأن يدعوه أن يمنحهم الثبات على الحق ويقويهم على مواجهة العقبات التي تعترض مسيرتهم، وأن يداوموا على قراءة القرآن ومحاولة حفظ شيء منه. أن يتعاونوا مع الصالحين من الشباب، وأن يتناصحوا فيما بينهم بالأسلوب اللطيف. أن تكون خطواتهم في الدعوة مبنية على تخطيط يلحظ الواقع الذي يعيشون فيه وطبائع المخاطبين واهتماماتهم. أن يُعْنَوْا بالتعلم والقراءة المستمرة في الكتب الدينية والتاريخية والسياسية والتربوية والنفسية، وأن يتعرفوا إلى الأفكار القائمة في عصرهم وينقدوها بميزان الإسلام. أن يقدموا خدمات للناس ابتغاء وجه الله؛ فذلك خير عظيم ف (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) [٤] . ومن أسباب القوة والمضي في طريق الصحوة أن يبتعد رجالها عن إثارة العقبات التي توقف العمل، ومن أهم هذه العقبات الاصطدام بالحكام.. هذا ليس من مصلحة الدعوة.. إن عليهم أن يعملوا في الدعوة إلى الله بالأسلوب الحكيم الذي يجعل العمل مستمراً. البيان: من جوانب القصور الذي يشير إليه بعض الناس: التفريط في توظيف الطاقات البشرية التي تملكها الصحوة الإسلامية، مما أدى إلى انتشار ما يسمى بالبطالة الدعوية؛ فهل هذا صحيح؟ وما السبيل إلى علاجه؟ د. مانع الجهني: هذا الكلام غير دقيق؛ فالدعوة إلى الله تعالى كما هو معلوم فرض عين على كل مسلم؛ إذ لا يتصور أن تتم إلا من خلال فريق عمل جماعي متعاون: هذا يقدم علماً وفكراً، وهذا يقدم دعماً من مال أو جهد أو رأي ومشورة، وهذا يشفع، وهذا يبلغ، وهكذا. لذا فإن القول بوضع مسؤولية الدعوة على كاهل الدعاة والعلماء وحدهم إجحاف ومجانبة للصواب، والمتتبع للحركة الإسلامية يرى أنها بكل ثمارها التي نعايشها اليوم هي ثمرة عمل دعوي جماعي شارك فيه جميع المسلمين في شتى بقاع الأرض بتفاوت في العطاء؛ فأين هذا من القول بانتشار البطالة الدعوية؟ ! كما أننا نلحظ خلافاً لما ذكر تنامياً في العمل الدعوي سواء في تطوير مجالاته كمّاً وكيفاً أو في استحداث مجالات أخرى جديدة؛ فالدعاة اليوم ولله الحمد والمنة قد وصلوا إلى عامة الناس حتى في القفار والأصقاع والأدغال فضلاً عن المدن والريف؛ حتى إنك لا تجد مكاناً يعيش فيه مسلمون دون واعظ أو معلم. كما اتسعت وتنامت حركة التأليف والترجمة والنشر والتوزيع، ولا يمر يوم وإلا وتطالعنا عناوين جديدة ومطبوعات حديثة. كما أن هناك حرصاً حميداً مشكوراً لتوظيف كل وسيلة مستجدة لخدمة الدعوة، وشبكة الإنترنت العالمية والمواقع الدعوية المنشأة عليها التي هي في تزايد مستمر شاهد على ذلك، إضافة لتزايد المراكز والجمعيات الإسلامية والكليات والمعاهد المتخصصة والمؤسسات الإسلامية، واتساع قنوات الدعم والعطاء الميمون من قِبَلِ أولي الفضل والإحسان والنهى لدعم خطا الدعوة ونشرها. الشاهد أن العمل الدعوي بخير وجهوده وإنجازاته مقدرة وتدعو للتفاؤل وتبشر بالخير. نعم! توجد مآخذ محدودة على بعض شباب الصحوة في الجانب الفكري أو السلوكي يغلب أن يكون سببها نقص علم أو فهم أو توعية أو تربية، أو استعجال للنتائج والحماس الزائد، أو التحديات المتزايدة وما تفرزه من ردود فعل قد لا تكون مناسبة، أقول: هذه الآثار وما شابهها ليست دليلاً على بطالة دعوية أو إخفاق في العمل إنما هي في رأيي أخطاء واردة؛ إذ إن تخلف السنين لا يفترض أن يُعدَّل في أيام إنما يحتاج إلى وقت مناسب؛ ولا شك أن مثل هذا العمل الكبير لا يخلو من أخطاء. لذا فأنا أقول: إن العمل الدعوي الذي يتسع معناه ليشمل جميع أبعاد العمل الإسلامي يسير إلى الأفضل. وإن كان من كلمة أقولها للدعاة وعامة المسلمين وشباب الصحوة على وجه الخصوص فأذكِّر نفسي وإخواني وأبنائي بأن علينا جميعاً أن نبذل المزيد من الجهد في العلم والالتزام والعمل؛ ليس لأن عملنا الحالي قاصر؛ فالجهد الذي يقدم يستحق الإشادة والتقدير، ولكن علينا أن نزيد من العمل والعطاء بما يناسب غاياتنا العظيمة السامية، والنجاح في العمل يعني سُنة حسنة لكل من عمل فيها أجره وأجر من عمل بها، والأجر الذي نبتغيه ونسأل الله تعالى أن يهبنا إياه هو سلعة الله الغالية وهي الجنة. البيان: الخلافات العملية الحاصلة في صفوف فصائل العمل الإسلامي ناشئة بلا شك عن اختلافات علمية وقلبية؛ فهل من سبيل لتضييق هوة هذا الخلاف؟ د. جلال الدين صالح: لعل من الأنسب أن أورد هنا قول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان خطورة ما يؤدي إليه التفرق من الهوان وغلبة الأعداء؛ حيث قال ﵀: (وهذا التفرق الذي حصل من الأمة: علمائها ومشائخها، وأمرائها، وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها؛ فمتى ترك الناس بعض ما أمر الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب) [٥] . أما أهم سبل تضييق الخلاف فأحسب أن منها ما يلي: الأول: الإخلاص لله، وتربية القاعدة الإسلامية على خشية الله وحده باعتبار أن ذلك على رأس كل عمل تعبدي. الثاني: التحرر من النزعة الحزبية التي لا ترضى بغير إفناء الآخرين أو نفيهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس للمعلمين أن يحزِّبوا الناس، ويفعلوا ما يلقي بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونوا مثل الإخوة المتعاونين على البر، والتقوى) [٦] . الثالث: قبول الحق والميل إليه مهما كان مصدره؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وأن لا نقول عليه إلا بعلم، وأمدنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي، أو نصراني فضلاً عن رافضي قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق) [٧] . الرابع: التوالي مع الاختلاف ومجانبة أهل الابتداع في ذلك. يقول ابن المرتضى اليماني: (الاختلاف مع التعادي والتفرق كما هو عادة أهل الكلام، دون الاختلاف مع التوالي والتصويب كما هو عادة الفقهاء وسائر أهل العلم) [٨] . الخامس: اعتماد مبدأ النقد وعدم التضجر إذا ما انتقد من نُجلُّ من قادتنا؛ فكما يقول ابن قتيبة: (لا نعلم أن الله أعطى أحداً من البشر موثقاً من الغلط، وأماناً من الخطأ فنستنكف له) [٩] . السادس: مجاهدة الهوى والتخلص من سلطانه؛ فإنه كما يقول شيخنا الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: (اتباع الهوى نوع من الشرك كما قال بعض السلف: (شر إله عُبِدَ في الأرض الهوى) فإذا صار الهوى هو القائد والدافع صار أصحابه شيعاً يتعصب كل واحدٍ لرأيه، ويعادي من خالفه ولو كان الحق معه واضحاً؛ لأن الحق ليس مطلوبه) [١٠] . السابع: البحث عن الأعذار، ومكافحة سوء الظن، والإعراض عن الشائعات. يقول عمر بن الخطاب ﵁: (لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها سوءاً وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجاً) [١١] . ولكن لا بأس كما يقول ابن مفلح من إساءة الظن (بمن ظاهره قبيح) [١٢] . الثامن: اللجوء إلى التحاور بدل التهاجر؛ فالتحاور يذيب كثيراً من المشكلات، ويدرأ كثيراً من الموبقات، وهو منهج دعوي يدور بين المؤمنين والكافرين فضلاً من أن يكون وسيلة تباحث بين المسلمين، ولكن لا بد أن يكون حواراً بنَّاءاً يؤدي إلى نتيجة عملية، وإلاَّ يُكُنِ الأمرُ كما قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: (إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدال ومنعهم العمل) [١٣] . المحور الرابع: استشراف المستقبل: البيان: في ضوء هذه المعطيات: عن الإيجابيات والسلبيات، وأسباب القوة وأسباب الضعف، هل لنا أن نستشرف آفاق المستقبل الميمون بإذن الله لهذه الصحوة، وهل لنا في ضوء ذلك أن نحدد أهم الأهداف التي ينبغي أن تجتمع عليها قلوب العاملين للإسلام؟ د. محمد لطفي الصباغ: إني أتوقع كما سبق أن ذكرت أن المستقبل للإسلام، وأن هذه الصحوة ستؤتي أكلها بإذن الله.. ويكون ذلك بالأخذ بأسباب القوة التي ذكرنا أهمها، وبالبعد عن أسباب الضعف التي أشرنا إلى أبرزها. ويكون أيضاً بتعاون العاملين للإسلام.. بتعاونهم على أن يكون الإسلام هو الذي يحكم حياتهم. الخلاف أمر غير محمود، ولكنه لا يمكن أن يستبعد؛ فعلينا أن نوطِّن أنفسنا على وجوده وعلينا أن نتعايش معه. وإني أخالف بعض أهل العلم الذين يقولون: إن الخلاف رحمة.. لا.. ليس رحمة أبداً، ولو صحّ هذا لكان الاتفاق والاجتماع عذاباً وشراً.. إنه ليس رحمة ولكنه أمر لا بُدّ منه، فلا ينبغي أن يُصعَّدَ الخلاف حتى يتحول إلى شقاق وعداوة ويكون سبباً في تفريق صفوف الأمة الواحدة؛ فالله نهانا عن التفرق فقال: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] . وقال: ... [ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ] [الأنفال: ٤٦] . والناس متفاوتون في الفهم والعلم والإدراك وتقدير الأمور، فلا بد من الاختلاف ولكن لنحذر من التفرق. إن علينا ما استطعنا أن نضيّق من دائرة الاختلاف.. أقول هذا؛ لأن من أهم أسباب القوة التي نرجو أن تكون للصحوة أن يكون المسلمون صفاً واحداً. لماذا لا نستوعب الخلاف ما دام في دائرة الشرع.. إنّ أصحاب الأفكار والمبادئ الأخرى عندهم خلافات، ولكن خطوطاً عريضة ومبادئ أساسية تجمعهم. إن أئمة المذاهب اختلفوا.. بل إن أصحاب المذهب الواحد اختلفوا؛ فكم ترى من آراء لأبي حنيفة لم يوافقه عليها تلميذاه أبو يوسف ومحمد! وكذلك الأمر في المذهب الشافعي؛ فللنووي اختيارات خالف فيها المذهب؛ إنها طبيعة ثابتة في البشر قال تعالى: [ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] [هود: ١١٨، ١١٩] . فإذا استطعنا أن نتعايش مع الخلاف ونستوعبه ما دام في حدود الشريعة وتعاونَّا على العمل للإسلام، وحررنا أنفسنا من سيطرة الهوى، وآثرنا الآخرة على الدنيا بقدر ما نستطيع، وكنا على مستوى العصر الذي نعيش فيه؛ من حيث المعرفة، والاستعداد فإن الأمل عظيم بانتصار هذه الصحوة، وسيادتها. ... ومما يؤيد هذا عندي أن التجربة أثبتت فساد الحضارة المادية المعاصرة.. وها هي دولة الشيوعية الكبرى قد سقطت، وتكشفت حقائق رهيبة عن الشقاء الأسود الذي كان يعاني منه الإنسان في ظلّها. وكثير من عقلاء الأوروبيين والأمريكيين يتوقعون سقوط النظام الغربي الذي يسود الدنيا اليوم. وبهذا لم يبق إلا الإسلام. إن عوامل الفساد تنخر في كيان تلك الحضارة المادية الملحدة.. وههنا ملاحظة مهمة وهي: أن تقرير هذه الحقيقة الموضوعية لا يُجيز لنا أن نقعد مسترخين ننتظر تحقق النصر لنا وانهيار الحضارة الغازية.. فهذا أمر لا يقره الإسلام.. بل لا بد من العمل والصبر، والتضحية والتصويب، والتعليم والتقويم قال تعالى: [إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] [غافر: ٥١] . وقال سبحانه: [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] [النور: ٥٥] . البيان: ختاماً هل لنا أيضاً أن نعيّن أهم العقبات التي كانت ولا تزال عائقاً أمام التطور الطبيعي لحركة المد الإسلامي؟ وكيف يمكن التغلب على تلك العقبات؟ د. جلال الدين صالح: هنالك أكثر من تحدٍّ يعيق حركة المد الإسلامي، منه ما هو ذاتي، ومنه ما هو موضوعي، ولن يكون للموضوعي كبير أثر ما لم يكن قد وطَّأ له الذاتي ومهَّد، وفي التحليل القرآني لكل ما أصاب المسلمين من جرح وقرح نجد الخطاب الرباني يلفت أنظار المؤمنين إلى ذاتهم: [قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] [آل عمران: ١٦٥] للدلالة على أن العامل الخارجي لا يعمل مفصولاً عن العامل الذاتي، تماماً كالغصن المنخور من الشجرة لا تسقطه الرياح إلا لقابليته للسقوط. ومن أهم هذه العلل الذاتية المعيقة لتطور المد الإسلامي ما يلي: الأول: قابلية الاستفزاز وإحراق المراحل واختزالها كلها في مرحلة واحدة خلافاً لسُنَّة التدرج والنمو الطبيعي. الثاني: نقل التجارب من موقع إلى آخر دون فحصها ودراسة الفوارق الزمانية والمكانية، ومعرفة المآلات. الثالث: عدم ترتيب الأولويات، وعدم الموازنة بين المصالح والمفاسد، والجهل بثغرات المنافع القانونية للاستفادة منها في المجتمعات التي نشط فيها المد الإسلامي. الرابع: عدم تصنيف الناس والتعامل مع كل صنف بما يناسبه تحييداً، أو كسباً أو تألُّفاً. وأهم ما يمكن أن يعين في التغلب على تلك العقبات أن نتعامل مع الواقع وفق طاقتنا البشرية، ونتدرج في برنامجنا الإصلاحي، ولا نطوي المراحل كطي السجل؛ فالمنبَتُّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى. ولا بد أن نعرف أولوياتنا على ضوء دراسة محيطنا.

стр. 3421

الإسلام لعصرنا حقائق العلوم التجريبية.. حقائق شرعية ! أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة شاع على ألسنة كثير من إخواننا المتدينين القول بأن الحقائق العلمية (ويعنون بذلك حقائق العلوم الطبيعية) حقائق متغيرة، فما يثبته العلم اليوم ينفيه غداً، وما ينفيه اليوم يثبته غداً. لذلك يجب أن لا يكون لها اعتبار في فهم الحقائق الدينية الواردة في الكتاب والسنة، وأن لا تستخدم دليلاً على الإعجاز العلمي. لكن إطلاق القول بتغير الحقائق العلمية إطلاق غير صحيح، بل هو خطأ محض؛ وذلك لأن العلوم الطبيعية كما هو معروف منها ما هو حقائق جزئية تقوم عليها أدلة حسية أو عقلية قاطعة، ومنها ما هو حقائق جزئية، أو قوانين عامة تقوم عليها أدلة راجحة لا قاطعة، ومنها ما هو نظريات هي المعرَّضة للتغير، ولا سيما ما كان ذا دليل غير قوي. فحقائق العلوم التجريبية كلها الطبيعية أو الاجتماعية أو النفسية التي شهد لها الحس أو العقل شهادة قاطعة هي حقائق شرعية. بل إن ما قام عليه منها دليل راجح وإن كان غير قاطع، هي مما يعد بميزان شرعنا علماً يعمل به. فما دليلنا على ذلك؟ دليلنا أولاً أن الشرع قضى بأن كل الحقائق دينية كانت أم دنيوية إنما يكتسبها الإنسان بحسه وعقله. قال تعالى: [واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] [النحل: ٧٨] . فإذا كانت الحقائق إنما تكتسب بالحس والعقل، فمن البديهي أن يقال: إن كل ما شهد له الحس والعقل فهو حقيقة، وما لم يشهد له فليس بحقيقة. ولذلك فإن ربنا ذم الكفار المنكرين للحقائق المحسوسة ووبخهم. قال تعالى: [ولَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ ... مُّبِينٌ] [الأنعام: ٧] . ونحن نعلم أن أحاديث الآحاد تعتبر علماً مع أن ثبوتها ليس قطعياً كثبوت الأحاديث المتواترة. ومما استُدِلَّ به على أن الظن الراجح يعد علماً قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ ... فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّار] [الممتحنة: ١٠] . ... وذلك لأن علم البشر علماً مباشراً بإيمان شخص لا يكون إلا ظنياً. لكن الامتحان يرجح هذا الظن نفياً أو إثباتاً، ولذلك يبنى عليه هذا الحكم المهم المذكور في الآية الكريمة. ومعنى ذلك أننا نأخذ كما يأخذ غيرنا حتى بالنظريات العلمية إذا كان ثبوتها راجحاً ولم يكن قطعياً ما دامت لا تتعارض مع نصوص شرعية قطعية. قد يستغرب بعض القراء قولي بأن ما لم يشهد له الحس والعقل، أو قل: ما لم يأت عن طريق الحس والعقل فلا يعد علماً، ويقولون: أين الوحي إذن؟ وأقول: إن سبب هذا الاعتراض هو خلط يقع فيه كثير من الناس، وقد نبَّهت عليه في كثير من كتاباتي وأحاديثي. الخلط هو عدم التفرقة بين وسائل اكتساب العلم، وهي الحس والعقل، ومصادر العلم، وهي الوحي والخلق؛ فالوحي مصدر ... للعلم؛ لكننا إنما نعرف أنه وحي بالحس والعقل، وإلا لم يكن لنا معيار نميز به بين النبي الصادق ومدعي النبوة، ولا بين ما هو كلام الله حقاً، وما هو من القول على الله تعالى بغير علم. أعود إذن إلى قولي بأن حقائق العلوم التجريبية التي تقوم عليها أدلة قطعية حسية كانت أم عقلية هي حقائق ثابتة لا تتغير. تُرى: هل سيأتي يوم يقول فيه العلماء إنهم كانوا مخطئين في زعمهم بأن الأرض كروية، بعدما استطاعوا أن يروها كرة، وأن يصوروها لمن لم يرها؟ هل سيأتي عليهم زمان يكتشفون فيه أن الماء لا يتكون من الهايدروجين والأوكسجين كما يزعمون الآن؟ وهل يجوز لإنسان عاقل أن يكابر في وجود شيء بعدما رأى دليله الحسي؟ إن مثل هذه المكابرة أمر مذموم شرعاً كما أنه مذموم عقلاً، بل إن كل ما هو مذموم عقلاً فهو مذموم شرعاً. إن إنكار الحقائق الحسية سواء منها ما يشاهده الشخص العادي، أو تثبته العلوم التجريبية طبيعية كانت أم اجتماعية أم نفسية أم غير ذلك هو هدم للشرع؛ لأنه هدم للبراهين الدالة على صحته، واللازمة للعمل به، والفارقة بينه وبين الدعاوى الباطلة. إن كتاب الله تعالى مليء بتوجيه الناس إلى التفكر في خلقه، والاستدلال به على كثير من أصول الدين، كوجود الخالق سبحانه، ومعرفة صفاته، وبعثه لعباده، ومصير المكذبين لرسله. [إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٠) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] . ففي هاتين الآيتين الكريمتين ربط بين مظاهر طبيعية وبين الإيمان، وهو ربط لا يتسنى إلا لمن يشاهد هذه الظواهر ويوقن بوجودها، ثم يكون إنسانأ ذا عقل، وتفكُّر؛ فأولو الألباب هم الذين ينتقلون من المشاهدة إلى التفكر إلى الإيمان. وانظر إلى قوله تعالى: [إنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الإصْبَاحِ وجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً والشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ (٩٦) وهُوَ الَذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وهُوَ الَذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [الأنعام: ٩٥- ٩٩] . في الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة ربط بين حقائق طبيعية وبين الإيمان لا ينكره إلا المأفوكون. وفي الآية الثانية ربط بين حقائق طبيعية وبين صفتين من صفات الله تعالى. وفي الآيات الثالثة والرابعة والخامسة ربط بين حقائق طبيعية وبين العلم والفقه والإيمان؛ فلا يكون عالماً ولا فقيهاً ولا مؤمناً من ينكر هذه الحقائق بعد رؤيتها. لا يقولن لي معترض بأننا إنما آمنا بهذه الحقائق الطبيعية؛ لأن الله تعالى قررها. كلاَّ! فإن العلم بها سابق للإيمان بالقرآن الكريم ومستقل عنه؛ فهو أمر مشترك بين المسلمين وغير المسلمين. والقرآن الكريم جعل علمنا هذا بها دليلاً على قدرته وحسن صفاته. فلو كان علمنا بها مبنياً على تصديقنا بالقرآن لما صلحت دليلاً، ولكان في الكلام دور. وأنت تجد في الآيات التالية مثل هذا الربط الذي ذكرناه بين الحقائق المشاهدة والبعث، وبينها وبين تصديق الرسول ﷺ : [وهُوَ الَذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] [الأعراف: ٥٧] . والحقائق الحسية لها تعلق آخر مهم بأصول الدين؛ وذلك من حيث كونها معياراً للتفريق بين الصدق والكذب؛ لأن القول الصادق إنما هو الذي يوافق الواقع ولا يخالفه، فإذا كان الواقع المتحدَّث عنه واقعاً محسوساً، وكان القول مخالفاً له علمنا أن القول كذب. هذه قاعدة بدهية يعرفها كل عاقل. ولذلك فعندما ألَّف الطبيب الفرنسي موريس بوكاي كتابه المشهور عن العلوم الطبيعية والتوراة والإنجيل والقرآن ذكر في مقدمته كلاماً فحواه أنه قال لنفسه: مادام الله تعالى هو خالق الكون فلا يمكن أن يوحي إلى بشر بكلام يخالف الواقع الذي خلقه ويعلمه، ولذلك فإنني سأحاكم هذه الكتب الثلاثة بمعيار الحقائق القطعية التي أثبتتها العلوم الطبيعية، فما وجدته منها مخالفاً لشيء منها علمت أنه ليس من عند الله تعالى. وكانت النتيجة أنه وجد في كتابَي اليهود والنصارى مثل هذه المخالفات، ولم يجد منها شيئاً في القرآن الكريم، بل وجد أن القرآن الكريم سبق العلوم المعاصرة بتقرير بعض الحقائق، ثم جاءت هي مؤيدة لها. فهل نقول لمثل هذا العالم: إن منهجك غير صحيح؛ لأن حقائق العلوم الطبيعية حقائق متغيرة؟ وبمثل هذا المنهج انتقد النصارى الليبراليون إخوانهم الأصوليين. فالليبراليون يقولون: إن كتابهم المقدس لا يمكن أن يكون كله كلام الله كما يزعم الأصوليون، ويستدلون على ذلك بمواضع فيه جاءت مخالفة لحقائق محسوسة أثبتتها العلوم التجريبية. ومن غريب ما سمعت في عدم اعتبار الحقائق المحسوسة استدلال بعضهم على هذا الزعم بحديث: (وكذب بطن أخيك) . والحديث كما رواه البخاري في كتاب الطب من صحيحه عن قتادة عن أبي سعيد: (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلاً، ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلاً، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. فقال: صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلاً، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ) [١] . استدل الزاعم بأن الحقائق المحسوسة لا اعتبار لها في النصوص الإلهية، بقول الرسول ﷺ لهذا الرجل: (صدق الله وكذب بطن أخيك) فكأنه يريد أن يقول: إنه مهما كانت الوقائع مخالفة للوحي فلا اعتبار لها، بل يجب على المؤمن الصادق أن يؤمن بكلام الله تعالى مهما رآه مخالفاً للواقع المحسوس؛ لأن كلام الله تعالى هو الصدق، والواقع كبطن أخ السائل هو الكذب. فكأن هذا القائل يفترض إمكانية مخالفة الوحي للحس أو العقل، وهو افتراض باطل، بل هو طعن في الشرع؛ لأن صدق الكلام إنما يعرف كما ذكرنا بموافقته للواقع. فالمخالف للواقع كذب لا محالة. والرجل إنما جاء للرسول ﷺ طالباً شفاء أخيه من الإسهال، والشفاء أمر محسوس. فلما رأى أن أخاه لم يُشْفَ عاد فسأل. لكن الرسول ﷺ كان موقناً بأن كلام الله حق أي إن العسل لا بد أن يشفيه، وإن بدا الأمر أولاً على غير ذلك. وصدَّق الله كتابَه ورسولَه فشُفي الرجل، أي إن الحقيقة الحسية جاءت في النهاية موافقة للآية القرآنية. لكن مقتضى كلام أخينا المشكك في الحقائق المحسوسة، أن الرجل لو سقي عسلاً مائة مرة فلم يزده شربه إلا إسهالاً، ولو أن كل مريض شرب عسلاً لم يزده شربه إلا مرضاً فلا بد أن يؤمن الناس بأن في العسل شفاءاً؛ بل الحقيقة أنه لو حدث هذا لكان فيه أكبر دليل على أن القول بأن في العسل شفاءاً لا يمكن أن يكون قولاً للخالق سبحانه. فانظر كيف تؤدي الحجج الباطلة بصاحبها إلى الطعن في الدين من حيث يريد هو الانتصار له. هنالك حديث طريف يدل على أن الرسول ﷺ كان يستدل بالحقائق الواقعية في تقرير المسائل الشرعية. روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الأسَدِيَّةِ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلا يَضُرُّ أَوْلادَهُمْ) [٢] . قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْغِيلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيث وَهِيَ الْغَيْل, فَقَالَ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ وَالأَصْمَعِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة: أَنْ يُجَامِع اِمْرَأَته وَهِيَ مُرْضِع. يُقَال مِنْهُ: أَغَالَ الرَّجُل وَأَغْيَلَ, إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت: هُوَ أَنْ تُرْضِع الْمَرْأَة وَهِيَ حَامِل يُقَال مِنْهُ: غَالَتْ وَأَغْيَلَت. قَالَ الْعُلَمَاء: سَبَب هَمّه ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهُ يَخَاف مِنْهُ ضَرَر الْوَلَد الرَّضِيع. قَالُوا: وَالأَطِبَّاء يَقُولُونَ: إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَن دَاء وَالْعَرَب تَكْرَههُ وَتَتَّقِيه. وَفِي الْحَدِيث جَوَاز الْغِيلَة فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، وَبَيَّنَ سَبَب تَرْك النَّهْي وَفِيهِ جَوَاز الاجْتِهَاد لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، وبه قَالَ جُمْهُور أَهْل الأُصُول. وَقِيلَ: لا يَجُوز لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوَحْي وَالصَّوَاب الأَوَّل) . فالحديث يدل على أن سبب ترك النهي هو التجربة، تجربة امم غير ... العرب، كانوا يفعلون شيئاً لا تفعله العرب، ولم يضرهم فعله؛ فتجربتهم هذه دليل على أن هذا الفعل لا ضرر فيه، فلا ينهى عنه. بقي أن نقول: إن الحقائق التجريبية التي يقرها الشرع نوعان: نوع يقره إقراراً عاماً ولا يبني عليه أمراً من أمور العبادات، ونوع يقره ويبني عليه بعض العبادات، فهو شرعي بمعنى خاص. مثال ذلك: أننا نعلم الآن أن ضوء الشمس لا يصلنا إلا بعد ثماني دقائق من مشاهدتنا لها، ونعلم أننا لا نرى الشيء إلا وصلنا ضوؤه. ومعنى ذلك أننا عندما نرى الشمس تشرق أو تغرب تكون قد فعلت ذلك قبل ثماني دقائق. هذه حقيقة لا يكذبها الشرع. لكن الشرع بنى مواقيت الصلاة على الشروق والغروب كما يظهران للناس، لا على حقيقتهما الفلكية المستقلة عن الرؤية البشرية. لكن ما بُني الشرع عليه هو أيضاً حقيقة علمية، بل هي حقيقة يحسها كل إنسان مبصر. ومثال آخر: هو ميلاد الهلال ورؤيته. فالميلاد حقيقة علمية تجريبية قطعية كما عرف الناس منذ مئات السنين، وكما أقر بذلك كثير من علمائنا السابقين. لكن الشرع رتب الصيام على الرؤية لا على ميلاد الهلال، ولا على إمكان الرؤية، مع أنها حقائق علمية. ماذا نفعل إذا كنا نعلم أن الهلال لم يولد، ثم زعم أناس أنهم رأوه؟ القاعدة العقلية والشرعية هي أن القطعي مقدم على الظني؛ فما دمنا نعلم يقيناً أن الهلال لم يولد، فإننا نعلم يقيناً أنه لا يمكن أن يُرى، ولذلك نرد شهادة من زعم أنه رآه؛ لأنها ظنية. فالذين يرون الأخذ بالحساب في النفي هم المحقون بحسب هذه القاعدة وإلا وقعنا في ورطة الاعتقاد بأن الحقائق القطعية تتعارض؛ أو أن ما يقرره الشرع قد يخالف ما يقطع به الحس او العقل.

стр. 3422

فاتحة الملف ماذا يريدون من المرأة ..؟ ! المسلسل العلماني في تغريب المرأة ومسخ هويتها الفكرية والأخلاقية مستمر؛ فبعد مؤتمرات المرأة والسكان في: القاهرة، وبكين، وغيرهما اختتمت قريباً في مقر الأمم المتحدة أعمال الدورة الثانية والعشرين للجنة المكلفة بالقضاء على (التمييز ضد المرأة!) ، وطالبت الجمعية العامة الدول الموقعة على اتفاقية حقوق المرأة بتطبيق قواعد المساواة بين المرأة والرجل، كما فرضت على هذه الدول عدم الاكتفاء بإقرار المساواة على مستوى النصوص التشريعية فحسب، بل العمل على تجسيد هذه النصوص في الحياة العامة من أجل تحسين الواقع اليومي الذي تعيشه المرأة. وقبل أيام كتبت نفيس صادق (المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان) : (إنَّ إدماج النساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تعتبر من أهم التطورات التي حدثت في المائة سنة الماضية، ولكن هذه الثورة لم تكتمل بعد؛ فالمساواة النوعية ما تزال هدفاً لم يتحقق. إن ما يواجهنا من تحد ومسؤولية بوصفنا رابطة من الأمم هو أن نبني على ما أنجزناه في العقود الماضية، وأن نضمن أن القرن الحادي والعشرين سيوفر للنساء الفرصة للمشاركة الكاملة في صنع التاريخ! !) . وانظر إلى بعض انعكاسات تلك التوصيات الأممية في بعض الدول الإسلامية؛ فبعد الحمَّى البرلمانية لحقوق المرأة السياسية في الكويت، وبعد الحشود الصاخبة لمؤتمر مئوية قاسم أمين، ثم مشروع قانون الأحوال الشخصية في مصر، يستمر الجدل العريض في المغرب حول مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية الذي أعد بتمويل أجنبي مشبوه من البنك الدولي! ! ولكن ألا يحق لنا أن نسأل: ماذا يريدون من المرأة..؟ ! إنهم يريدونها أن تتخلى عن أنوثتها الطاهرة، وتصبح ألعوبة لشهواتهم ودمية لأهوائهم. يريدونها أن تتمرد على حجابها، وتنتكس في حمأة الجاهلية ومستنقعاتها ... الآسنة. يريدون إلغاء دور الأسرة، ومسخ الهوية الاجتماعية للأمة، وإشاعة روح الانحلال والفساد. يريدون استنساخ المرأة الغربية في بلادنا لتنتشر ثقافة الإيدز والعري والشذوذ الجنسي..! ! لقد كرَّم الله المرأة وشرفها، ووالله الذي لا إله إلا هو! إنها لن تجد من يرعاها ويحفظ لها حقوقها كما تجد ذلك في الإسلام.. فيا بغاة الشر أقصروا..! وها نحن في مجلة (نفتح ملف (ماذا يريدون من المرأة؟ !) ينشر بعون الله في عددين، ونحسب أن هذه القضية أوسع من أن يستوعبها ملف واحد، ولهذا يسعدنا أن نستقبل مشاركاتكم التي تثري الموضوع، وتكمل بقية فروعه) . - البيان -

стр. 3423

ماذا يريدون من المرأة..؟ ! مشاريع هدم الأسرة المسلمة من التخطيط إلى التنفيذ كمال حبيب كانت الأسرة المسلمة ولا تزال تمثل قاعدة الاجتماع الإسلامي، وكانت ولا تزال أيضاً تمثل حصن هذا الاجتماع وقلعته، ومنذ أن اكتشف الغرب بحضارته (النصرانية اليهودية) أنه لا يمكنه أن يخترق الأمة الإسلامية، أو يُجهِز عليها بالوسائل العسكرية عقب محاولاته ومخططاته العسكرية التي كان آخرها الحروب الصليبية؛ فإن الغرب سعى إلى تغيير وسائله، فتحول عن المواجهة العسكرية إلى المواجهة الفكرية والسلوكية وهو ما يعبر عنه عادة في الأدبيات الإسلامية بـ ... (الغزو الفكري) وكانت أهم أدواته في ذلك إنشاء جيش من المنصِّرين والمستشرقين، وتأسيس كراسٍ للدراسات الاستشراقية، التي تستهدف اكتشاف ... العالم الإسلامي واختراقه لمعرفة عاداته وتقاليده ونفسية أبنائه. وبلغ شأو هذه الجيوش الاستشراقية والتنصيرية حداً سجن العالم الإسلامي سجناً كبيراً، فلم تدع شيئاً إلا دسَّت أنفها فيه حتى دخلت مخادع النساء بتعبير (محمود شاكر) في رسالته القيمة: (الطريق إلى ثقافتنا) وكانت جيوش المنصرين والمستشرقين هم طليعة الاستعمار (الاستخراب) الغربي للعالم الإسلامي كما كانت هذه الجيوش الاستشراقية هي الأساس الذي قامت عليه مراكز الأبحاث وأجهزة الجاسوسية والمخابرات المتصلة بالنفاذ إلى أعمق أعماق عالمنا الإسلامي. وبعد انتهاء الاستعمار (الاستخراب) العسكري ظل العالم الإسلامي بحكم موقعه الاستراتيجي وبحكم موارده، وبحكم ما يمثله من امتلاك الثروة الحضارية والروحية الهائلة، والمتثملة في الإسلام ظل موضع اهتمام لما يمكن أن نطلق ... عليه: (الاستشراق الجديد) . والاستشراق الجديد لا يعتمد في دراسته عن العالم الإسلامي على جنوده وأبنائه من الغرب، بل سعى إلى وجود مستشرقين من أبناء العالم الإسلامي نفسه؛ بحيث تقوم علاقة ترابط قوية بين المراكز الاستشراقية في الخارج وبين أطرافها وذيولها في الداخل. وتمثل ظاهرة (الأبحاث المشتركة) عن الاجتماع الإسلامي فيما يتصل بمظاهر قوته الخاصة بالصحوة الإسلامية، واللغة العربية، والأزهر، والأسرة المسلمة، والحجاب، وانتشار السلوك الإسلامي تمثل موضوعات هامة للاستشراق المحلي المرتبط بالاستشراق الجديد في الخارج؛ فلم يعد الذين يرصدون الظواهر التي تمثل مظاهر قوة في المجتمع الإسلامي من الغربيين وإنما هم من جلدتنا وأبنائنا ويتحدثون بألسنتنا. ووُجِدت نخبة متغربة تتبنى قيم الغرب نمطاً للحياة بديلاً عن نمط الحياة الإسلامي، وقد استطاعت هذه النخبة السيطرة على مراكز صناعة القرار وخاصة الإعلام والفكر والكتابة، وصارت الذراع الفكرية التي تحمي النظم الحاكمة وتسوِّغ لها الاندفاع في التبعية للأفكار والقيم الغربية: تارة باسم التقدم، وتارة باسم (الوراثة) . وبلغت الرغبة في الاختراق حداً مريعاً؛ إذ وصل الأمر بالإصرار على اختراق المؤسسة الدينية ذاتها؛ وكأن الغرب يريد أن يقول: إنه لا توجد مؤسسة مهما كان شأنها عصية على الاختراق. وبالطبع فإن دراسة الوقائع الميدانية للعالم الإسلامي تمثل مدخلاً هاماً لصناع القرار السياسي في الغرب وخاصة في أمريكا؛ حيث تعتبر أمريكا ما تطلق عليه: (فهم الطابع القومي للشعوب) أحد أهم مداخل سياستها الخارجية تجاه العالم الإسلامي بالذات. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي غير مأسوفٍ عليه فإن أمريكا صارت القوة الوحيدة المهيمنة على العالم، وطرحت ما أطلقت عليه: (النظام العالمي الجديد) ثم نظام (العولمة) ورغم أن المصطلح الأول اتخذ طابعاً تبشيرياً يشير إلى وجود نظام عالمي مرجعي واحد للعالم؛ بحيث تتلاشى الخصوصيات والصراعات، وتتوحد المعايير في التعامل مع المواقف المتشابهة؛ إلا أن الوقائع أثبتت فشل المصطلح. أما المصطلح الثاني فرغم أنه حاول المراوغة بالحديث عن نظام اقتصادي تبادلي تيسره الثورة التقَنيَّة إلا أنه استبطن فرض منظومة قيمية فيما يتصل بالسياسة والثقافة والاجتماع. ويبدو أن الغرب بدأ يشعر بأنه حقق ما أراده بالنسبة إلى العالم الإسلامي فيما يتصل بالسياسة بسيطرته على النظم الحاكمة وفرض ما يريده عليها، وأن شهيته الآن بدأت تتجه إلى نظم الاجتماع والثقافة بفرض نظام موحد في الاجتماع والثقافة وهو ما يمكن أن نطلق عليه: (عولمة الاجتماع والثقافة) فالاجتماع أساسه الأسرة، والثقافة أساسها القيم الدينية، وفي حالة العالم الإسلامي فإن القيم الإسلامية هي التي تصوغ الاجتماع والثقافة وحياة البشر والناس. إن الغرب شعر أن النظم الحاكمة قدمت عبوديتها وولاءها؛ لكن الناس والبشر في العالم الإسلامي لا تزال تأبى إلا أن تجعل عبوديتها وولاءها لله؛ ومن هنا كان اقتحام عالم الأسرة التي تمثل أساس الاجتماع الإسلامي. وبشكل عام فإن الغرب وأمريكا خاصة تتبنى (سياسة تفكيك المجتمعات) أي جعل أهلها شيعاً وأحزاباً وهي السياسة الفرعونية التي تعبر عن الطاغوتية والاستعلاء، ولكي تفكك هذه المجتمعات فإنها تسعى إلى ضرب مواطن القوة التي تحول دون اختراق المجتمعات الإسلامية. وأحد أهم مواطن القوة في العالم الإسلامي نظام الأسرة الذي يحفظ للمجتمع قوته وتماسكه. وتبدو الهجمة الغربية (الأمريكية) الآن عبر تسيدها وهيمنتها وشرائها للنخب العنكبوتية، واحتفائها بجمعيات ضغط نسائية منتفعة، وعبر جمعيات حقوقية نسائية وحقوقية عامة، وعبر تمويل هذه الجمعيات وكأنها فيها تفرض ولو بالقوة أجندة خاصة، وتأتي الأسرة والمرأة وقضاياها ذات الأولوية من الهجمة الغربية الأمريكية الجديدة، وهذه الهجمة تؤكد أن الغرب ووكلاءه في المنطقة ينتقلون من التخطيط والإعداد للغزو الفكري والقيمي للعالم الإسلامي إلى التنفيذ منتهزين لحظة تاريخية إنما هي القوة المتسيدة للغرب وضعف العالم الإسلامي. تعميم الحالة المصرية: في مصر حيث يعتبر الأزهر المؤسسة الإسلامية الأولى وأحد المرجعيات السنِّية الأعلى في العالم الإسلامي في مصر هذه تم (إقرار قانون الأحوال الشخصية الجديد) وهو قانون أعدته بالأساس وزارة العدل المصرية. ووفق معلوماتنا فإن مشروع القانون جاء استجابة لتلبية مطالب (اللوبي النسائي المصري) الذي يرتبط بالتيار النسوي الغربي وهو التيار الذي صاغ أجندة مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام ١٩٩م، ثم أجندة (وثيقة مؤتمر بكين) الذي عقد ببكين في الصين عام ١٩٩٥ م، وهي سلسلة مؤتمرات بدأت في السبعينيات تبنتها الأمم المتحدة، وتستهدف بشكل أساس (إعادة الهندسة الاجتماعية للأسرة وللاجتماع الإنساني والبشري) . وهذه المؤتمرات وأفكارها تستمد قوتها من أمريكا والأمم المتحدة والعالم الغربي الذي يريد أن يفرض عولمة الاجتماع الإنساني وفق منظومة القيم الغربية مستظهراً دعاوي حقوق الإنسان وحماية المرأة؛ حيث إن العالم الغربي لم يعد يرى أن ترتيب قواعد الاجتماع البشري مسألة داخلية تخص أبناء دين أو مجتمع بعينه؛ وإنما هي مسألة كونية عالمية تفرض القيم الغربية، وتستدعي حمايتها ولو بالتدخل الذي يحمل صفة إنسانية. ووفق معلوماتنا فإن الغرب وأمريكا لم تكن بعيدة عن مطالبة وزارة العدل المصرية بطرح مشروع القانون الخاص بالأحوال الشخصية، وفرض مواد موضوعية فيها وهي المواد الخاصة (بالخُلع) (وسفر الزوجة) و (قبول طلاق المتزوجة عرفياً) ؛ فقد كان مشروع القانون الذي عرض على مجلس الشورى المصري عام ١٩٩٨م إجرائياً بحتاً؛ لكن إضافة هذه المواد عليه نقلته من كونه قانوناً للإجراءات إلى قانون موضوعي؛ والهدف من ذلك كسر قوامة الرجل بالسماح لزوجته بالسفر دون إذنه، وتفكيك الأسرة المسلمة عن طريق إعطاء المرأة (حق الخلع) أي الحرية بالمفهوم النسوي لإنهاء العلاقة الزوجية متى شاءت دون أن يكون هناك أي عوائق يتطلب إثباتها مثل (الضرر) . ولأن القانون يدخل في نسيج العلاقات الخاصة أولاً، ويتدخل في منطقةٍ فَصَل الإسلامُ فيها باعتبار أن التشريع لها حق لله وحده ثانياً، ولأن هذه المنطقة من التشريع لا تزال البقية الباقية من القوانين القائمة الآن ومرجعيته الإسلام، لكل هذه الاعتبارات أراد واضعو المشروع أن يحصلوا على موافقة الأزهر، فعرض على مجمع البحوث الإسلامية الذي رده مرتين اثنتين بعد مناقشات وتمحيص، ثم عرض على مجلس الشعب؛ حيث تمت الموافقة عليه بعد حذف مادة حق الزوجة في السفر بدون إذن زوجها، وبقيت مادة الخلع. والذي لم يجرِ الالتفات إليه في قانون الأحوال الشخصية الجديد بمصر؛ أنه ألغى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية وهي آخر ما كان باقياً للإسلام من أثر حاكم ومرجعي في القوانين؛ ومن ثم فإن القانون الجديد رغم المعارضة الإسلامية والشرعية له فإنها معارضة في الفروع وليس في الدفاع عن المرجعية الإسلامية ذاتها أي أنه قانون مرجعيته مدنية علمانية، والقصد من ورائه هو تعميم هذه التجربة في قوانين البلدان العربية الأخرى؛ بحيث يكون هناك قانون موحد للبلدان العربية للأحوال الشخصية وتكون مرجعية هذا القانون الموحد مدنية علمانية، وهو جزء من المشروع الغربي لعولمة الاجتماع الإسلامي وعلمنته، وتواكب الحديث مع إخراج قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر عن تعديل المادة ٢٤٠ في قانون العقوبات التي تساوي بين المرأة والرجل إذا وجد أي منهما الآخر متلبساً بالزنا؛ فالمادة الحالية تجعل الرجل الذي يقتل زوجته إذا رآها متلبسة بالزنا مع آخر في فراشه تجعله متهماً بجنحة باعتباره دفاعاً عن شرفه؛ بينما إذا حدث ذلك بالنسبة للمرأة فإنها تكون جريمة خيانة وهي مادة مأخوذة من القانون البلجيكي لكن الفكرة المهيمنة على النائبة التي طالبت بتعديل المادة هي فكرة المساواة بين المرأة والرجل رغم أن المناط مختلف؛ فقد تكون المرأة التي رأتها الزوجة مع زوجها زوجته الثانية وليست خدينة له، بينما في حالة المرأة لا يمكن أن يكون من معها زوج لها؛ لأنها لا تجمع بين زوجين في آنٍ واحد. لكن المطالبة بتعديل المادة هو جزء من حملة نسوية تطرق على الحديد وهو ساخن؛ وبالمنهج نفسه والاستراتيجية ذاتها بدأ تحرك الجمعيات النسوية المصرية المشبوهة لتأسيس اتحاد فيما بينها على طريق تنظيم صفوفها لطرح مطالبها النسوية ذات الطابع الشاذ والعنصري. وعلمنا أن المحرِّكة لفكرة تأسيس اتحاد نسوي هي ... (نوال السعداوي) التي قامت بعقد مؤتمر صحفي دعت إليه الوكالات الغربية العاملة في مصر وحدها مطلع هذا الشهر؛ حيث طالبت بتشريعات نسوية علمانية لا يكون لله فيها أي سلطان أو حق على حد تعبيرها، ومعلوم أن الجمعيات النسوية المصرية والعربية قد تفككت عُراها بسبب اتهامات بسرقات تمويل هذه الجمعيات من الجهات الأجنبية. وآخر ما أمكننا رصده مما يمكن أن نطلق عليه: (توابع قانون الأحوال الشخصية المصري) ما تقدم به النائب (محمد خليل قويطة) من اقتراح مشروع قانون لتعديل قانون العقوبات، بحيث يتناول التعديل في مادته ٢٩٠ جواز قيام النيابة بالإذن بإجهاض الفتاة التي تحمل سفاحاً بناءاً على تقرير الطبيب الشرعي. وقال النائب: إن الاقتراح يخفف من متاعب الجنين عليها، ويزيل مخاوفها من رعاية طفل فرضته جريمة الاغتصاب. ولا بد من ذكر المظاهرة النسوية التي سبقت إخراج (مشروع) قانون الأحوال الشخصية والتي تمثلت في المؤتمر الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة في مصر في الذكرى المئوية الأولى لصدور كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) الذي صدر عام ١٩٩٨م وذلك في الفترة من٢٣ - ٢٨ أكتوبر (تشرين الأول) ١٩٩٩م؛ وفي تجمع لنساء أخفقن في حياتهن الزوجية أو العجائز والمقعدات ليعبرن بصراحة عن محادة الله ورسوله والدعوة إلى تبني القيم النسوية الغربية والتخلص مما أسموه: (القيود الدينية) في ذلك المؤتمر طالب هؤلاء النسوة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث وبحق المرأة المطلَق في الحرية بجسدها، وبحقها في كسر أي قيود للرجل عليها. وبلغ التطرف النسوي العربي حداً دفع بعض المشاركات إلى رفض هذا التطرف للمرأة العربية، وانسحبت المحجبات من الجلسات التي بالغت في الهجوم على الإسلام والدعوة الصريحة للعري وإلى التبذل المحرم، كما امتنع ممثلو التيار الإسلامي (ممن دعي) من الحضور لاقتناعهم أن النسوة الذين تم مشاركتهن لا يعبرن عن تيار حقيقي في العالم العربي والإسلامي وأنهن فئات مهمشة ومهووسة بتقليد الغرب ومنسحقة أمام قيمه؛ فالحالة المصرية تستجمع قوتها النسوية للتنفيذ والإعلان عما كان مخبوءاً. وبينما كان الصخب حول مشروع قانون الأحوال الشخصية على أشده في القاهرة إذا بالرباط تتجاوب معها؛ حيث انتقل الصخب إلى هناك حول ما أطلق عليه المغاربة: (خطة الحكومة لتفعيل مشاركة المرأة في التنمية) وحكاية التفعيل هذه هي أحد بنود الأجندة النسوية القومية لجعل المرأة أكثر فعالية. ومعنى فعاليتها عندهم هو تأخير سن زواجها، وانخراطها في العمل بعيداً عن أسرتها باعتباره وفق قيم الغرب يدر دخلاً، ومن ثَمَّ فهو العمل المحترم حتى لو كان من البغاء بينما يُنظر للمرأة التي تعمل في البيت بأنها خارج الإطار ولا تعمل عملاً منتجاً. وفي الواقع فإن مسألة الاندماج في التنمية بالمغرب ليست سوى ستار لإقرار قانون أحوال شخصية جديد هناك شبيه بقانون الأحوال الشخصية الذي تم صكه في مصر ووافق عليه شيخ الأزهر ورئيس جامعته. ومن قبل في لبنان ثار موضوع (الزواج المدني) ؛ حيث تكون مؤسسة الزواج لا تقيم أي اعتبار للدين أو العقيدة؛ بحيث يمكن للمسلمة أن تتزوج كافراً أو مشركاً، وتصبح العلاقة الأسرية علاقة مدنية يحكمها عقد ينظمها بعيداً عن المودة والرحمة التي يفرضها الالتزام بالإسلام. وفي الكويت شهدت مسألة حقوق المرأة السياسية صراعاً بين العلمانيين والإسلاميين، وتم التصويت ضدها في مجلس الأمة الكويتي. ويهدف الذين يتبنون قانون الحقوق السياسية للمرأة في الكويت إلى كسر الحجاب بين المرأة والرجل وفرض الاختلاط بشكل مطلق؛ وهو ما يعد تهديداً لتقاليد المجتمع الكويتي. وفي الإمارات دعوة إلى اقتحام المرأة للوزارة. إن ما يحدث الآن هو التلاعب بقواعد الاجتماع الإسلامي وطرح قواعد جديدة مستلهَمة من الرؤية الغربية إلى حد محاولة فرض أيديولوجية نسوية جديدة لها انتشارها وذيوعها كما كان الحال بالنسبة للاشتراكية والشيوعية والليبرالية وتكون هذه الأيديولوجية عابرة للقارات؛ بحيث تكون المساواة بين الذكر والأنثى هي محورها! إنها الحرب الجديدة ولا شيء سوى كونها حرباً حقيقية تحتاج إلى وعي وجهاد لمدافعتها ورد خطرها عن مجتمعنا الإسلامي؛ فهو آخر خطوط دفاعنا عن حصوننا.

стр. 3424

ماذا يريدون من المرأة..؟ ! أساليب تغريب المرأة وآثارها محمود كرم سليمان الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسوله. وبعد: فإن فساد المرأة فساد للأسرة كلها وللمجتمع بأسره لما له من أثر عميق على الناشئة والشباب، ولعل أبرز ما نراه اليوم هو هذا التخطيط المرسوم بدقة والذي أخذ طريقه إلى المدارس والجامعات فأدى إلى تغريب المرأة وعلمنتها وابتعادها عن دينها. كما أصبح الإعلام الحديث بجميع ألوانه سلاحاً يفتك بالمرأة ويغريها على الفساد خاصة أنه قد بلغ من الإبداع والتأثير قدراً كبيراً جعل من المستحيل مقاومة إغرائه، وقد اعتمد هذا الإعلام في معظم برامجه ومصنفاته الفنية والإعلانية اعتماداً محورياً على مظهر المرأة ومفاتنها سواء أكان في التلفاز أو الإذاعة أو الصحف والمجلات أو الإنترنت مؤخراً. ولا شك أن الانحراف الخطير الذي تردت فيه المرأة قد أصبح ظاهرة واضحة في المجتمع تشهد عليه تلك الآثار المستشرية في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، فضلاً عن خروجه عن مبادئ الدين الصحيح وتعاليمه الأخلاقية والإيمانية. ولا يخفى على الناظر البصير أن هذه الظاهرة في معظمها هي ثمرة لمخططات الاستعماريين والعلمانيين التي وضعت بهدف إفساد المجتمع وتفريغه من المقومات المستمدة من دينه القويم وتراثه الخالد، وبذلك فَقَدَ قدرته على التماسك أمام ضربات الاستعمار الغربي وأصبح لقمة سائغة له. وقد توسلت هذه المخططات بعديد من الشعارات الزائفة البراقة التي تتخفى تحت مبدأ مساواة المرأة بالرجل وتحرير المرأة من قيود الدين والعرف. وإمعاناً في إتمام هذه الخطة الخبيثة تم وضع عملاء من أمثال (مرقص فهمي) الذي أصدر كتاب (المرأة في الشرق) ، ونادى فيه المرأة إلى رفع الحجاب ... والاختلاط بمحافل الرجال، وهاجم فيه أحكام الشريعة الإسلامية التي تحرِّم زواج المسلمة بغير المسلم ودعا إلى التمرد على هذه الأحكام. وفي عام ١٩١١م تأسس في مصر (حزب بنت النيل) الذي طالب بتحرير المرأة من الحجاب وتقييد الطلاق وكان من قياداته القديمة درية شفيق، وأمينة السعيد وغيرهما. وفي عام ١٩١٣م دعيت هدى شعراوي لحضور مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي بروما، وكان من توصياته: العمل على تعديل قوانين الطلاق لوقفه، ومنع تعدد الزوجات، وتقرير حرية المرأة في السفور والاختلاط. وأصدر قاسم أمين كتابه: (المرأة الجديدة) الذي نادى فيه بالاتجاه الأعمى إلى تقليد الغرب فكرياً واجتماعياً، وعلى دربه سار سعيد عقل ولويس عوض ولطفي السيد ونجيب محفوظ، وعديد من أعضاء المحفل الماسوني، ومن الشعراء صادق الزهاوي، ونزار قباني وغيرهم. ومما زاد الطين بلة قيام زعيم وطني بتمزيق النقاب من فوق وجه فتاة مسلمة في أكبر ميدان في مصر، كما أمر زوجته بحرق الحجاب أمام الجمهور. ومن فضل الله تعالى أن قيَّض للأمة الإسلامية في هذا الوقت علماء مجاهدين وقفوا بكل قواهم لصد هذه المخططات ولتفنيد هذه الدعوات المشبوهة مما كان له أثره في التخفيف من مساوئها. الآثار التي ترتبت على إفساد المرأة: أولاً: مؤشرات عامة تظهر عمق ما أصيبت به المرأة والمجتمع: ١- البعد عن الدين: وذلك بعدم معرفتها لعقيدته السمحة وفروضه وسنته وشريعته العادلة وأخلاقه الرشيدة، وكذلك عدم الالتزام بأداء العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وذكر وتلاوة وحفظ للقرآن الكريم واستغفار وحمد لله تعالى ودعاء وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. ... وقد تمرد بعضهن على تعاليم الدين وتنكرن لعقائده وعباداته وأحكامه مخالفات لقول الله تعالى: [ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] [البينة: ٥] . ٢- اتباع الشيطان وهوى النفس: وبذلك تمرغت في أوحال الفسوق والانحلال، وسارت خلف نوازع النفس الأمارة بالسوء، وانطبق عليها قول الله تعالى: [ومَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ] [القصص: ٥٠] ، وأنكرت قوله تعالى: [فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً (٣٢) وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] [الأحزاب: ٣٢، ٣٣] وقد ورد عديد من الأحاديث عن رسول الله ﷺ عن هذا الصنف من النساء نذكر منها: عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (إياكم وخضراءَ الدمن! قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء) [١] . روى النسائي أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية) [٢] . وروى كذلك: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) [٣] . ٣- التنكر للآداب الدينية: مثل الحجاب وغض البصر وعدم الاختلاط بالرجال إلا بضوابطها الشرعية؛ فهي لا تقيم وزناً لتعاليم الدين التي تنهى المرأة عن الخروج كاشفة لملابسها الفاضحة، أو متزينة بالجواهر والحلي البراقة، أو متعطرة، أو متحلية بالأصباغ في وجهها خارج بيتها حتى لا تفتن الرجال، وقد روى أبو هريرة قول النبي ﷺ : (صنفان من أهل النار: أحدهما نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) [٤] . ٤ - تضييع الوقت فيما يضر: فالوقت هو الحياة؛ وهذا الصنف من النساء يقتلن وقتهن في السهر في الملاهي التي تغضب الله تعالى كمشاهدة الأفلام الخليعة، وفي قراءة الكتب والصحف والروايات التي لا تراعي الآداب والأخلاق القويمة فيما تنشر، وفي مجالس الغيبة والنميمة والتآمر على الفضيلة وإفساد ذات البين، وغير ذلك من الآثام. ٥ - مصاحبة أقران السوء: فالصحبة الفاسدة لها أثر كبير في نشر الفساد؛ فهي كعدوى الأمراض ينتشر خطرها بالاختلاط خاصة بين النساء والرجال كما سبق ذكره. ٦ - انشغال المرأة بالعمل والاشتراك في النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على حساب بيتها وأبنائها؛ والإسلام أباح للمرأة أن تعمل إذا الجأتها الضرورات الاجتماعية إلى العمل لا أن يكون هذا نظاماً عاماً، وعليها حينئذ أن تراعي الشروط التي وضعها الإسلام لإبعاد فتنة المرأة عن الرجل وفتنة الرجل عن المرأة. وقد أثبتت التجربة الغربية الآثار السلبية لعمل المرأة، ونذكر منها: في الولايات المتحدة دخل المستشفى أكثر من ٥٦٠٠ طفل في عام واحد متأثرين بضرب أمهاتهم العاملات لهم، ومنهم نسبة كبيرة أصيبوا بعاهات. في مؤتمر للأطباء عقد في ألمانيا قال الدكتور كلين رئيس أطباء مستشفى النساء: إن الإحصاءات تبين أن من كل ثمانية نساء عاملات تعاني واحدة منهن مرضاً في القلب وفي الجهاز الدموي، ويرجع ذلك في اعتقاده إلى الإرهاق غير الطبيعي الذي تعاني منه المرأة العاملة كما تبين أن الأمراض النسائية التي تتسبب في موت الجنين أو الولادة قبل الأوان قد تعود إلى الوقوف لمدة طويلة أو الجلوس المنحني أمام منضدة العمل أو حمل الأشياء الثقيلة، بالإضافة إلى تضخم البطن والرجلين وأمراض التشوه) . توصلت نتائج دراسات أذاعتها وكالات أنباء غربية في ١٧/٧/١٩٩١م إلى أنه خلال العامين السابقين هجرت مئات من النساء العاملات في ولاية واشنطن أعمالهن وعدن للبيت. نشرت مؤسسة الأم التي تأسست عام ١٩٣٨ م في الولايات المتحدة الأمريكية أن أكثر من ١٥ ألف امرأة انضممن إلى المؤسسة لرعايتهن بعد أن تركن العمل باختيارهن. في استفتاء نشرته مؤسسة أبحاث السوق عام ١٩٩٠م، في فرنسا أجري على ٢.٥ مليون فتاة في مجلة ماري كير كانت هناك نسبة ٩٠% منهن ترغبن العودة إلى البيت لتتجنب التوتر الدائم في العمل ولعدم استطاعتهن رؤية أزواجهن وأطفالهن إلا عند تناول طعام العشاء. وفي الولايات المتحدة ٤٠% من النساء العاملات، وفي السويد ٦٠ % منهن، وفي ألمانيا ٣٠%، وفي الاتحاد السوفييتي (سابقاً) ٢٨ % يعانين من التوتر والقلق وأن نسبة ٧٦% من المهدئات تصرف للنساء العاملات. أما في الاتحاد السوفييتي فقد ذكر الرئيس السابق (جورباتشوف) في كتابه عن البروستريكا أن المرأة بعد أن اشتغلت في مجالات الإنتاج والخدمات والبناء وشاركت في النشاط الإبداعي لم يعد لديها وقت للقيام بواجباتها اليومية من أعمال المنزل وتربية الأطفال. وأضاف قوله: (لقد اكتشفنا أن كثيراً من مشاكلنا في سلوك الأطفال والشباب وفي معنوياتنا وثقافتنا وإنتاجنا تعود جميعاً إلى تدهور العلاقات الأسرية، وهذه نتيجة طبيعية لرغبتنا الملحة والمسوَّغة سياسياً بضرورة مساواة المرأة بالرجل) . وفي دول الخليج ظهرت مشكلة من لون آخر فقد زاد عدد المربيات الأجنبيات بسبب عدم تفرغ الأم لرعاية أطفالها، ولو وضعنا في الاعتبار أن نسبة كبيرة من هؤلاء المربيات غير مسلمات، وأن معظمهن يمارسن عباداتهن الخاصة أمام أطفال المسلمين، وأسوأ من ذلك أنهن يزاولن علاقات جنسية مع أصدقاء في منازل مخدوميهن بالإضافة إلى احتسائهن للخمر وتدخين السجائر بمصاحبة الأطفال ... ... ومن ذلك ندرك حجم الخطر الذي يهدد الأسرة المسلمة بسبب تحرر المرأة من تعاليم دينها وإهمالها لواجباتها نحو أولادها وبيتها. ثانياً: مشكلات أصابت الأبناء من الجنسين: وهذه مشكلات تشاهد في الجيل الجديد منذ الطفولة حتى من الشباب وتشمل مشكلات تربوية ومشكلات تعليمية وثقافية. فالمرأة الصالحة ذات الدين إذا كانت زوجة ولها أبناء تؤدي واجبها في تربية الأبناء ورعايتهم بما توفره للأسرة من سعادة، فينشأ الأبناء في رعايتها نشأة سليمة بدنياً ونفسياً وثقافياً بحيث يلتزمون بالعقيدة الصحيحة ويمارسون العبادة لله الخالق العظيم على أكمل وجه، ويتمسكون بالأخلاق الحميدة والسلوك السوي والصراط المستقيم والبر والتقوى. أما النساء المنحرفات فهن محضن لكل فساد، وقدوة سيئة لأبنائهن في كل نواحي الحياة وفي كل أعمارهم منذ طفولتهم؛ فهم لا يكتسبون منهن إلا القيم الفاسدة والعادات السيئة والصفات الذميمة، وهن يتركنهم بدون الرقابة الواجبة ولا التوجيه الرشيد؛ حيث تربيهم الخادمات الجاهلات أو المربيات الأجنبيات فيغرسن فيهم أسوأ الخصال وأرذل القيم؛ ولذلك آثار لا تمحى في أعماق نفوس الأبناء تلازمهم في مستقبل حياتهم مما يكون له نتائج لا شعورية في كل سلوكهم، وقد يؤدي إلى إخفاقهم في الدراسة والعمل بل في تكيفهم مع المجتمع. أما دور الأم في تعليم أولادها وبناتها خاصة قبل سن التعليم فهو في غاية الأهمية؛ فإن الطفل يخرج إلى الحياة مجرداً عن العلم بأي شيء؛ تأمل قول الله تعالى: [واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] [النحل: ٧٨] ، والأم هي التي تقوم بتعليم أطفالها استخدام هذه الأجهزة الربانية في الحركة والكلام والأكل والإمساك بالأشياء واللعب، كما يتعلمون من الأم والأب وغيرهم من المصاحبين لهم اللغة، ويعرفون بالسماع أسماءهم التي ينادون بها، ثم يلي ذلك تعلم القراءة والكتابة البسيطة والنطق الصحيح للألفاظ ويحفظون اسم الله تعالى ومبادئ الدين. وهذا الدور الهام لا يمكن أن تؤديه الأم المنشغلة عن أولادها التي تقضي وقتها خارج بيتها، كما لا تصلح له الأم الجاهلة بأمور دينها ودنياها وبواجباتها نحو أطفالها. وعندما يجتاز الأطفال هذه المرحلة يكون دور الأم في تحصيل أبنائها العلمي مساعداً لدور المدرسة؛ فهي تعاونهم على أداء واجباتهم الدراسية في المنزل كما تهيئ لهم الأجواء المناسبة في البيت للشعور بالراحة والأمان والحنان والحب مما يكسبهم الثقة في النفس والتفاؤل والثقة في المستقبل، كما تتولى الأم الإجابة على تساؤلات أبنائها في هذه المرحلة التي يكونون فيها دائمي السؤال عن كل ما يخطر على بالهم؛ ويتوقف على مدى صواب إجابات الأم امتلاء عقولهم وقلوبهم بحقائق الحياة وتعرفهم على الفرق بين الحق والباطل والخير والشر والخطأ والصواب. وأهمية دور الأم في هذه المرحلة في تعليم أبنائها دينهم ومراقبة ممارستهم للعبادات والتزامهم بالسلوك والأخلاق التي يحض عليها الإسلام وتعريفهم تعاليم الدين المتعلقة بالمجتمع وآدابه في كل شيء؛ وذلك استكمالاً لمقررات الدين في المدرسة ومراقبة تطبيقهم لهذه المعارف والآداب. وهناك أمور تحتاجها الفتاة من الأم تختص بها دون الولد تعتمد على علم الأم بها واهتمامها بها بتبليغ بناتها بها في الوقت المناسب وتدريبهن عليها، نذكر منها ما تحتاجه البنت من معلومات عند البلوغ وواجباتها الخاصة في تدبير المنزل وخدمة الأسرة لتعرف حقوق الزوج والأبناء والبيت عندما تتزوج. وهذه الواجبات السابق ذكرها لا يمكن أن تؤديها الأم الفاسدة، أضف إلى ذلك أن فساد عقيدة الأم يؤدي إلى دفع أولادها نحو الالتحاق بالمدارس الأجنبية ومن ثَمَّ بالثقافة الغربية مما يكون له أثر بالغ في نشأة شخصيتهم غريبة عن مجتمعهم ودينهم. ثالثاً: مشكلات أصابت الرجال من أزواج وأقارب كما أصابت المجتمع كله: ١- تأثيرها على الزوج: حيث قد يدفعه فسادها إلى ارتكاب المعاصي وإلى طريق الشيطان والبعد عن الصراط المستقيم، كما أن عدم التزامها بالحجاب وتبرجها أمام الرجال يثير سخط زوجها وغيرته عليها مما يكون له أثره في ارتكاب الزوج لردود أفعال لجنون الغيرة غير محمودة العواقب. والمرأة التي لا تحترم الحياة الزوجية تضر بالأسرة وتهدد بتحطيمها بالطلاق أو بإهمال الرجل لبيته أو بالاتجاه إلى زوجة أخرى، أو الهروب إلى المقاهي ودور اللهو؛ وكثيراً ما تكون سبباً في إدمانه للتدخين والمخدرات والمسكرات. ومشكلة الطلاق في الغرب تعبر عن هذه الظاهرة في بلاد تعيب على الإسلام إباحته للطلاق؛ فقد بلغت نسبة الطلاق إلى عدد الزيجات في السويد ٦٠%، وفي الولايات المتحدة الأمريكية ٤٠%، وفي ألمانيا ٣٠%، وفي الاتحاد السوفييتي ٢٨ %، وفي فنلندا ١٤%. ونذكر هذه الدراسة التي نشرتها مجلة شتيرن من ألمانيا أن ثلثي الراغبات في الطلاق في فرنسا يمارسن عملاً خارج البيت وأن ٢٢% من حالات الطلاق في ألمانيا نتيجة الخيانة الزوجية، و١٠% منها ... لأسباب جنسية، و ١٠% منها بسبب الإدمان. أما في العالم العربي فقد وصلت مشكلة الطلاق إلى حجم غير مألوف مما يحتاج إلى دراسة مستقلة. ومن المشكلات الاجتماعية عزوف المرأة عن الإنجاب؛ حيث لا ترغب في تحمل متاعب الحمل والوضع؛ وقد يدفعها ذلك إلى الإجهاض، وقد تقصر المرأة العاصية في تلبية حاجات زوجها الجنسية مما يؤدي به إلى الزنا أو الشذوذ. وقد يؤثر ذلك على صحة الزوج بدنياً ونفسياً، ويجعله عرضة للأمراض الجنسية والنفسية وغيرها. قد تدفع المرأة إلى انحراف زوجها مالياً لكي يحقق الثراء والكسب الحرام تلبية لمطالبها من الملابس الفاخرة والمجوهرات والسهرات الماجنة والحفلات الصاخبة. ٢ - تأثيرها على الرجال من الأقارب والآخرين: المرأة التي لا تلتزم بتعاليم دينها في الحجاب وعدم الاختلاط بالرجال لها خطر عظيم على مجتمع الرجال، لذلك فقد حرص الإسلام على أن يباعد بين الجنسين إلا بالزواج لما يتبع هذا الاختلاط والتبرج من ضياع للأعراض وخبث للطوايا وفساد للنفوس وتهدم للبيوت وشقاء للأسر. وقد لوحظ في المجتمعات المختلطة بين الجنسين طراوة في أخلاق الشباب ولين في الرجولة إلى حد الخنوثة والرخاوة. والمرأة التي تخالط الرجال تتفنن في إبداء زينتها ولا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها؛ ولذلك أثره في الإسراف في تكاليف التبرج والزينة المؤدي إلى الخراب والفقر. ويترتب على ذلك انتشار الفحشاء والزنا والأمراض المصاحبة لها في الدنيا، وفي الآخرة عذاب عظيم لمخالفة تعليم رب العالمين نذكرمنها قول الله تعالى: [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] [النور: ٣٠، ٣١] . وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ] [الأحزاب: ٥٩] . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه : (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه) [٥] . وروي عن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إياك والخلوة بالنساء! والذي نفسي بيده! ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما، ولأن يزحم رجل خنزيراً ملطَّخاً بالطين خير له من أن يزحم منكبيه منكب امرأة لا تحل له) [٦] . أخرج النسائي: قول النبي ﷺ : (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية) [٧] . وإثم مخالفة تعاليم الله تعالى لا تقف على النساء فقط بل على المخالفين من الرجال؛ ولا يعذرون عند الحساب لا في الدنيا ولا في الآخرة بأنهم كانوا فريسة لفساد النساء ولغواية الشيطان بعد أن حذرهم الله تعالى. ٣ - تأثيرها على المجتمع كله: هذه المشكلات التي تهز اليوم أركان الأسرة والمجتمع بشدة كمشكلة الاغتصاب وخطف الفتيات والأطفال غير الشرعيين وأولاد الشوارع كلها من آثار فساد المرأة. وقد ظهر حديثاً ظاهرة انتشار ما يسمى بالزواج العرفي الذي وضع الأسرة أمام مشكلات جديدة تضع غطاءاً يخفي الفساد الاجتماعي الناتج عن انحراف الفتيات ويؤثر على مستقبل الأجيال القادمة. كما زادت نسبة جرائم الأحداث والتشرد والتسول والأطفال المعاقين وهي نتيجة لتحطم الأسرة الفاسدة وانحراف الزوجين وإهمال الأبناء. وأخيراً: هناك مشكلات اقتصادية تؤثر على المجتمع ترتبت على انحراف المرأة العاملة فضلاً عن انخفاض إنتاجيتها؛ فإنها تؤثر على إنتاجية زوجها وأولادها العاملين وتعوق تفوقهم في العمل وتفرغهم للإنتاج؛ ولذلك أثره المدمر على الاقتصاد الوطني. وختاماً فإن الحمد والفضل لله تعالى الذي أنزل للإنسانية كتابه الكريم الذي فيه شفاء لكل أمراضها وعلاج لكل مشكلاتها وهداية لها من الضلال. وقال : [يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتَابٌ مُّبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] [المائدة: ١٥، ١٦] ، كما تكفل بحفظه إلى يوم الدين؛ حيث قال: [إنا نحن نزّلنا الذَكر وإنا له لحافظون] [الحجر: ٩] . وذلك يبعث الأمل في الإصلاح بالرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والتمسك بهما والعودة إلى المجتمع الإسلامي الفاضل. ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان ويوفقنا إلى طاعته ذكوراً وإناثاً وبذلك يتحقق صلاح الأمة بأسرها في الدنيا وتنال رضوان الله تعالى في الآخرة.

стр. 3425

ماذا يريدون من المرأة..؟ ! حركة تحرير المرأة بمصر وحصاد مائة وثلاثين عاماً محمود بن محمد المختار الشنقيطي لم يكن عفواً ولا من قبيل المصادفة أن يبدأ أعداء الإسلام من صليبيين ويهود وعلمانيين ومتفرنجين وعبّاد الشهوة والجنس أن يبدؤوا حربهم ضد المرأة بمصر؛ ذلك أن أرض الكنانة هي قبة الإسلام، وقلعته ومركز ثقله، ولتبوُّؤ أزهرها الصدارة والريادة العلمية والفكرية لأمة الإسلام منذ أن تسلمت مصر زعامة العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري على يد الفاتح صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. فلا غرو إذاً أن يلمس الحاقدون على الإسلام حتى عهد الاستعمار نزوع المصريين الفطري إلى التديُّن وتمسكهم بعرى الدين؛ لا غرو من اعتبار هذه الظاهرة مصدر قلق لهم جعلتهم يبدؤون بها، حتى إذا ما انتصروا في معركتهم ضد المرأة بمصر سهل بعدئذٍ سقوط حصونها وقلاعها في سائر بلاد المسلمين. احفظوها؛ إنَّ مصر إنْ تَضِعْ ضاع في الدنيا تراث المسلمين وبين يديك أخي القارئ بعض نتائج حركة تحرير المرأة وحصادها [١] بمصر باعتبارها أول حركة تحرير في العالم الإسلامي قامت على إثْر حركات التحرير في الغرب، وإنما وقع الاختيار على هذه الحركة لأسباب أهمها: ١- عامل السبق الزماني وطول الفترة الزمنية لفصول حركة التحرير بمصر؛ حيث استغرقت مائة وواحداً وثلاثين عاماً من حين عودة رفاعة الطهطاوي من باريس عام ١٨٣١م وهو الذي بذر البذرة الأولى إلى صدور الميثاق الوطني عام ١٩٦٢ في عهد جمال عبد الناصر، وقد احتوى هذا الميثاق على أكبر ما يعدونه تتويجاً للمرأة، ونص على أنه لا بد أن تتساوى بالرجل، ولا بد أن تسقط بقايا الأغلال التي تعوق حركتها الحرة حتى تستطيع أن تشارك بعمق وإيجابية في صنع الحياة [٢] . ٢- اكتمال تجربة حركة التحرير بمصر ونضجها؛ حيث كانت الوسائل فعّالة والتركيز عنيفاً. ٣- توافر أسباب التدوين وكثرة المراجع والمصادر التي تحدثت عن هذه الحركة من النشأة إلى النهاية. وفي هذا المقال أسلط الضوء على أهم ما حصدوه من المكاسب وما حققوه من المطامع، وفق الأهداف التي رسموها مقتصراً على تعدادها، دون العناية بتحليلها ونقدها من منظور شرعي؛ فعندما يكون الخير صرفاً، أو يكون الشر واضحاً لا يكاد يختلف الناس في تحديد مواقفهم، وأحسب أن القارئ الكريم لن يجد عناءاً في التحليل والربط بين حصاد حركة تحرير المرأة بمصر الذي سنذكره إن شاء الله وبين نتائج ما تبعها من الحركات وحذا حذوها في مختلف أصقاع عالمنا الإسلامي. وما ألصقَ مقولةَ الفاروق عمر بما نحن فيه لمَّا كتب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: (اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور) . هل حصاد الحركة نتائج متقدمة أم متأخرة في طريق إصلاح المرأة المسلمة؟ ليس ثمة شك في أن حركة تحرير المرأة بمصر قد نجحت نجاحاً باهراً في ضوء الأهداف المتوخاة منها، بل حققت هذه الدعوة المضللة أعظم ما كانت تهدف إليه في مدة وجيزة، وبسهولة غير متوقعة؛ نظراً لسياسة تكسير الموجة، واتباع سياسة (بطيء ولكنه أكيد المفعول) وتفادي التصادم المباشر مع الإسلاميين الذين يمثلون الغالبية العظمى في المجتمع المصري، واستدراج بعض المشايخ المعمَّمين والعلماء ليكونوا في بداية الزحف ... إلخ وسائلهم وخططهم [٣] . وليس غريباً أن ننظر نحن الإسلاميين إلى هذه النتائج على أنها حقوق سُلِبَتْها المرأة، ووسائل شقاءٍ جُرّت إليها [٤] . بينما يراها السفوريون التحرريون نتائج متقدمة في طريق الإصلاح، وتعزيزاً للدفاع عن حقوق المرأة، بل إن اتساع امتياز النساء من أهم الأبعاد الحضارية التي يمكن أن تقاس وتصنَّف المجتمعات والشعوب من خلاله، كما ذكر ذلك الكاتب الفرنسي روجيه جارودي في كتابه: (تتم التطورات الاجتماعية وتبدلات الزمن وفقاً لتقدم النساء نحو الحرية. إن اتساع امتيازات النساء يشكل الأساس العام لجميع التطورات الاجتماعية) [٥] . ويمكن أن نلخص نتائج هذه الحركة في النقاط الآتية: أولاً: إيجاد القابلية وتهيئة الجو أمام الغزو الثقافي الغربي. ونقصد بالغزو الفكري والثقافي: (الاستلاب الحضاري، وأشكال التفسخ الأخلاقي، مع التهاون بالواجبات والرقة في الدين، فأوجدت جهود دعوة تحرير المرأة عبر منابرها الإعلامية ووسائلها الفعالة التي طالت الريف المصري وهو يشكل معظم مصر [٦] ، أوجدت لدى الناس شروط الهزيمة والانكسار، مع تغيب دور الإسلام الفاعل وتجريد تيار دعاة الفضيلة والحجاب من الإمكانات فاخترق الفكر الأجنبي والعدوّ الحاقد الصفوف، ليفتك كيف شاء، دون وجود مقاومة وحصانة قوية تذكر، وفعلت جهود أكثر من مائة عام فعلها في الناس (فالمسألة لم تكن قاصرة على تحرير المرأة كما يتوهم المتوهمون، وإنما كانت إرادة التغيير الجذري والشمولي باقتلاع المجتمع من جذوره) [٧] . ثانياً: قبول المجتمع وإذعانه للتعليم المختلط، وقد كان السَّبْقُ في ذلك على يد مَن يسمُّونه: أستاذ الجيل! ! (لطفي السيد) ، فهو أول من أدخل الطالبات في قسم الطلاب سافرات الوجوه ولأول مرة في تاريخ الجامعة المصرية يسانده في ذلك طه حسين وكامل مرسي، وتحت الضغط الخارجي رضيت وزارة المعارف بالأمر الواقع واعتبار هذا من حقوق الفتيات [٨] . قالت التحررية درية شفيق [٩] : (في سنة ١٩٣٢م ظهرت صورة للدكتور طه حسين بك في نادي الجامعة وعلى يمينه ويساره الطلبة والطالبات جلوساً يتساءلون ويتناولون الشاي، وقامت القيامة لهذه الصورة البريئة التي تضرب المثل للأبوة في وجود العميد والإخوة في جلسة الطلبة والطالبات، واتُّخذت الصورة تكأةً يتخلص بها الرجعيون من (طه حسين) و (لطفي السيد) ، ووقف الرجعيون في مجلس النواب يحملون على الجامعة ورجالها وفكرة تعليم البنات فيها، ويرون ذلك فضيحة من الفضائح يجب أن تحول دونها الحكومة) [١٠] [١١] . ثالثاً: إخضاع الثوابت من الدين والمسلَّمات من الأحكام الشرعية لاجتهاد العلماء وتناول الباحثين ومناقشة الجاهلين والمبطلين، فاستغلها السفوريون وميَّعوها، ولبّسوا على العامة والدهماء وجه الحق فيها. فالأمر الرباني بغضّ البصر عن العورات، وهو أمر من الواجبات الشرعية والعدالة والنزاهة، هذا الأمر صوَّروه بأنه عدم ثقة في النفس، ومن مخلّفات القرون الوسطى المظلمة التي كانت تنظر إلى المرأة على أنها دون الرجل فتخفي بصرها! ! [١٢] . وقوامة الأب والزوج التي اشترطها الشرع لصحة بعض عقود المرأة وتصرفاتها اعتبروها ممارسات تعكس اضطهاد المرأة وظلمها، وتجسِّدُ ارتهانها لأبيها وأخيها أو زوجها، وهي ظاهرة استغلال الجهات الأقوى اقتصادياً لامتلاك يمين المرأة، وإخضاعها لعملية القهر التاريخية [١٣] [١٤] . وقاعدة قرار المرأة في بيتها وأنها الأصل نوزعت، وجُعِل الأصل هو العمل دون شروط أو قيود أو ضوابط [١٥] . وسفرها دون محرم لبلاد الكفر ألبسوه لباس الابتعاث وطلب العلم والدراسة، وصار من المفاخر الاجتماعية وسمات الأسر المتحضرة والطبقات الراقية. وإبداء الزينة للرجال الأجانب الذي هو كسابقه محرّم ومعصية صار عند دعاة التحرر من تمام الرشاقة والجاذبية لفتى الأحلام وشريك المستقبل! ! [١٦] . ووجوب نسبة الابن لأبيه وحرمة انتسابه لغيره لم تعد موافقة لروح التقدم والفرنجة، فغيَّرن أسماءهن وانتسبن لأزواجهن فصرن: هدى شعراوي بدلاً من هدى بنت محمد سلطان باشا، وصفية زغلول بدلاً من صفية محمد فهمي ... إلخ. أما البيت فهو السجن ودكتاتورية الرجل، وشل للمجتمع عن الحركة، وأما الحجاب فهو كفن من اختراع المتشددات المتطرفات وعادات القرون البدائية، ثم تأتي (سيزا نبراوي) سكرتيرة هدى شعراوي، فتتزوج من الفنان مصطفى نجيب، بشرط نقل العصمة إليها، وكتب لها المأذون بذلك في العقد، ونُشِرَ للناس [١٧] . رابعاً: تسخرُ بعض العلماء (المعممين أدعياء العلم) واستخدامهم لصالح حركتهم الضالة، واصطياد الأدلة لباطلهم، وليُّ أعناق النصوص لإضفاء الصبغة الشرعية والتأصيل الفقهي على أفكارهم. فالشيخ محمد عبده الذي ثبت أنه كتب فصولاً من كتاب قاسم أمين (تحرير المرأة) ، هو الذي خذل أهل الإسلام يوم أن قاموا بموجة عارمة من المعارضة ضد القضايا التي أثارها كتاب قاسم أمين، وطلبوا منه فتوى في الكتابين (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة) ، ولكن الأستاذ ظل ملازماً للصمت إزاء هذه القضية التي كانت شغل الناس والعامة آنذاك فضلاً عن العلماء والخطباء والفقهاء والدعاة، فكان لامتناعه أعظم الأثر في تمرير أفكار قاسم أمين، مما جعل بعض علماء عصره يرميه بالاتهامات لتواطئه مع دعاة الإباحية والفجور، وما أوضح مواقف أستاذه جمال الدين الأفغاني الذي كان له أعظم الأثر والدور في إخراج الدين من المعركة تحت دعوى أن الحجاب تقاليد قديمة ضد تقاليد حديثة عصرية تقدمية! حتى قال: (وعندي أنه لا مانع من السفور إذا لم يُتخذ مطيةً للفجور) [١٨] . ومن مكاسبهم استخدامهم لشيخ الأزهر حسن العطار الذي شجع رفاعة وبارك فكرته، وكذلك كسبهم للشيخ علي عبد الرازق، والشيخ سليم البشري شيخ الأزهر الذي أيّد قانون الأحوال الشخصية الوضعي عام ١٣١٩هـ، حتى إن رفاعة الطهطاوي مفتي البعثة المصرية إلى فرنسا كان يقول: (إن مراقصة النساء للرجال نظير المصارعة في موازنة الأعضاء، وإنه نوع من الأناقة والفتوة لا الفسق) [١٩] ! ! خامساً: الحصول على بعض القرارات الرسمية الوضعية التي أصدرتها الحكومة المصرية وعممتها إرضاءاً للتحرريين ومنها: ١- تقييد عدد الطلاق ومنع وقوعه إلا بعد موافقة الحكومة. ٢- منع تعدد الزوجات إلا في ظروف توافق عليها الحكومة. ٣- تأخير سن زواج الفتاة إلى السادسة عشرة فما فوق. ٤- المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث. ٥- منح حق الطلاق للمرأة كالرجل. ٦- إعطاء ما يسمونه الحق السياسي [٢٠] للمرأة بدءاً بحق الانتخابات ومروراً بعضوية المجالس البلدية والنيابية وكافة الأعمال والحرف كالرجل سواءاً بسواء، وانتهاءاً بحق التمثيل النيابي [٢١] . سادساً: حصول التحرريين على الاعتراف الدولي العالمي بالحركة؛ فأول امرأة مصرية تحررية تعترف بها الحكومة لتمثيلها في المؤتمرات الدولية هي مَلَك حفْني ناصف في حكومة رياض باشا عام ١٩١١م. ثم مثلت هدى شعراوي، ونبوية موسى، وسيزا نبراوي المرأة المصرية في مؤتمر روما الدولي للمرأة عام ١٩٣٢م والتقت سيزا نبراوي بالزعيم الهندي غاندي عام ١٩٣١م في مصر [٢٢] . والتقت هدى شعراوي على هامش مؤتمر روما بالقائد الاستعماري موسوليني ثلاث مرات وتبادلا العواطف والمشاعر الحارة، وكان مما صرح لها به قوله: (إنني أراقب باهتمام حركات التحرير بمصر) [٢٣] . وفي عام ١٩٣٥م التقت هدى شعراوي أيضاً بالزعيم الروحي للتحرريين أتاتورك، كما استضافت الحركة الدكتورة (ريد) رئيسة الاتحاد النسائي العالمي التي مهدت للمؤتمر العربي الدولي للمرأة عام ١٩٤٤م، وأقيم على شرفها وسط استنكارات الشعوب العربية واحتجاج العلماء، وأرسلت زوجة الرئيس الأمريكي روزفلت رسالة تبارك فيها المؤتمر [٢٤] . سابعاً: حصول بعض أعضاء الحركة على مناصب حسّاسة في المجتمع المصري رغم مهاجمة المجتمع لهم. فقاسم أمين ترقى في مناصب المحاكم حتى صار مستشاراً في محكمة الاستئناف وظل بمنصبه حتى مات بالسكتة القلبية في ليلة ٢٣ إبريل عام ١٩٠٨م. سعد زغلول ١٢٧٣-١٣٤٦هـ ظل بعد تخرجه من الأزهر في المحاماة، وبعد اتصاله بحزب تركيا الفتاة لمع نجمه في صالون الأميرة نازلي فاضل، واشتهر حتى تعرف على اللورد كرومر، فأسند إليه نظارة وزارة المعارف في الحكومة المصرية في ظل الاحتلال. هدى شعراوي أصبحت وكيلة الاتحاد النسائي الدولي بجهود حركات التحرير الأوروبية والمحافل الماسونية ومنظمات الصهيونية العالمية [٢٥] . ومنذ نشأة الحركة وحتى اليوم ورئاسة الاتحاد النسائي المصري لا تخرج عن تلميذات هذه الحركة [٢٦] والزعيمة الحالية للاتحاد هي د. نوال سعداوي من أنشط المنظرات للتحلل والسفور. ثامناً: صبغ القضية بالصبغة القومية لكسب جميع العرب من مختلف الأديان والملل، واستنفار طاقاتهم من الصليبيين الحاقدين أمثال: فهمي مرقص، وجرجي زيدان، وسلامة موسى. وبعدُ أخي القارئ فما أشبه الليلة بالبارحة! ففي كل عصر ومصر تطل من جديد حركة تحرير المرأة مكرِّرة فصولها، وأدوارها، مع تغيير للافتات والأسماء والوسائل، أما الأهداف والغايات والنتائج والمنطلقات فهي هي، ومن هنا كان لا بد أن نقصد البحر وندع السواقي، ونعيد فتح ملف الحركة الأولى التي آتت أكلها بعد مائة وثلاثين عاماً من العمل الدؤوب والتخطيط المدروس ... نعيد فتح ملفها لنقرأه قراءة ناقدة باصرة تساعدنا في إبطال المؤامرة على المرأة المسلمة وحجابها، ووأد الفكرة في مهدها، والذب عن الحدود والمحارم، ونفي تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين السفوريين [واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ] [يوسف: ٢١] .

стр. 3426

ماذا يريدون من المرأة..؟ ! الإعلام وقضية المرأة فاطمة بنت عبد الله البطاح دأب الإعلام بوسائله المختلفة على تصوير المفاهيم الإسلامية الخاصة بالمرأة تصويراً يحط من قدرها، وينتقص من صلاحيتها، ويشكك في قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الحياة العصرية، ويحقر من شأنها حتى في نظر أبنائها المنتسبين إليها.. فضلاً عن أعدائها! ! وبداية فإن هذا الدأب المستمر يُفترض ألا يبدو أمراً مستغرباً في نظر المسلم الذي يدرك ما تنطوي عليه صدور الأعداء من ضغائن وأحقاد [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] . [الصف: ٨] . كما يُفترض أمام هذه المحاولة أو الحملة الإعلامية المحمومة.. ألا يكون موقع المسلم المعاصر منها هو موقع المشتكي المغلوب على أمره! بل لا بد أن ينتقل بنفسه ورغم تحديات الواقع الرديء إلى موقع المشخِّص للداء، الباحث عن رؤى عملية واقعية تواجه هذه الحملة وتتصدى لها. ولأن تاريخ الإعلام في هذا المجال ممتد ومتشعب ولا يسعنا استعراضه كله أو الإفاضة فيه، فسنكتفي بالتذكير بأن الإعلام قد سلك مسالك كثيرة ومتنوعة تصب كلها في النهاية في قالب واحد وهو أن المرأة المسلمة مهضومة الحقوق مهيضة الجناح! ليتظاهر الإعلام بكل قنواته بالدفاع عنها والبحث عن حقوقها.. وإثارة قضايا مفتعلة كضرورة تحريرها من القيود ومساواتها بالرجال! ! بالإضافة إلى إلقاء شبهات حول أحكام إسلامية معينة تُزرع في حس المرأة لتراها عبئاً ثقيلاً تتمنى الخلاص منه! ففي تعليم المرأة وعملها: اضطلع الإعلام بدوره في بناء مفهوم خاطئ عن قرار المرأة في بيتها؛ إذ جُعِلَ هذا القرار مُبعِداً لها عن دائرة القوى العاملة أو الكوادر المنتجة! ! فالمرأة المتفرغة لشؤون بيتها والحدب على أطفالها رعايةً وتعليماً بكل ما يمثله هذا الدور المنزلي من حضور ديناميكي فاعل ومؤثر.. لا يُعترف به إعلامياً! وهذا يضع اليد على إشكالية الأولويات التي يفترض أن تحدد: ما هو دور المرأة الأهم؟ وهل هناك مجال مقارنة للعائد الاجتماعي الذي يحصده المجتمع من تأدية المرأة دوراً رئيساً في بيتها، والعائد الاجتماعي من أدوار أخرى ثانوية وهامشية تمارسها المرأة خارج بيتها: مضيفة طيران، أو سكرتيرة؟ وثمة إشكالية أخرى: تتمثل هذه الإشكالية في النظرة السائدة لعمل المرأة على أنه يكون خارج منزلها لا داخله! وهذا الاعتقاد قد يكون منشؤه (تضخم النموذج الغربي) في العقلية العربية في ظل تقليد الضعيف للقوي والتبعية المطلقة له. ومثلما صوَّر الإعلام قرار المرأة في بيتها بأنه أداة تعطيل لطاقات المرأة وعزل لها عن المجتمع والفعل الاجتماعي كله.. دعا أيضاً إلى ضرورة التعليم المطلق للمرأة ومنحها فرص التعليم حتى في مجالات لا تتناسب مع طبيعتها الأنثوية! ومن ثَمَّ إيجاد سيل هائل من الخريجات اللاتي يطالبن بفرص عمل! ! وأُظهرت هذه الدعوة من خلال الإعلام على أنها الحل الأمثل للقضاء على الأمية النسوية التي تحرم المرأة من فرص الالتقاء بالسياق الاجتماعي الطبيعي المناسب لها، والذي لن تصل إليه إلا بما يمنحه لها (التعليم بكل ألوانه وتخصصاته وفنونه) من كفاءة وثقة وأهلية لتكوين رأيها الذاتي المستقل عن الرجل وعن قيود قوامته! ولا يخفى أن روح الاستقلال قد حرص الإسلام على إنمائها في شخصية المرأة دونما حاجة لإلغاء حكم القرار في بيتها أو دعوة المرأة للانسحاب من أدوارها المنزلية الرئيسة، ودونما حاجة أيضاً لتعليمها علوماً لا تتناسب مع طبيعتها الأنثوية! فالخطاب القرآني نادى المرأة على أنها كائن له حريته واستقلاله؛ إذ منحها مثلاً حرية الدخول في الإسلام دون اشتراط رضا ذويها! بل وقَبِلَ النبيُّ بأمر من ربه مبايعة المرأة له على اعتبار أنها كائن مستقل ... عن الرجل وليست ملحقاً له: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [الممتحنة: ١٢] . ولو تأملت في حقيقة مطالبة الإعلام بمنح المرأة فرص التعليم بأنواعه أو ما يسمى بحركة التنوير فستجد أن النساء الرائدات اللاتي أبرزهنّ الإعلام ورفع راية المطالبة بحقهنّ في التعليم.. يعانين من تخلُّف وجهل شديدين حتى بعموميات الإسلام ومجمل أحكامه! وكأن دائرة التعليم تضيق عن أحكام الدين في الوقت الذي تتسع عند نزعة العُري والرغبة في الاسترجال والتخلص من معالم الأنوثة والفطرة! والانسياق الغبي وراء قيم ومفاهيم المرأة الغربية بكل ما فيها من انحرافات ومفاسد وأوبئة! ! مما حرم هؤلاء النسوة من العلم الشامل والتحرر الحقيقي، وأوقعهنّ وبشكل أسوأ في جهل ورِقٍّ مختلفين! ! فالحجاب مثلاً أغفل الإعلامُ الجانبَ النصيَّ (الشرعي) منه، وصوَّره على أنه عادة شعبية يتوارثها الأجيال فيؤكدون بذلك دونيتها، ورغبة المجتمع الذي تعيش فيه في عزلها عنه نفسياً وجسدياً! وهو بذلك معضلة حقيقية تقف عائقاً في طريق هذه المرأة نحو النهوض والتعلُّم والارتقاء، ونحوه! ولم يقف دور الإعلام عند تصوير الحجاب بهذه الصورة الخلفية الرجعية! وإنما تعدى ذلك إلى إيذاء المحجبات تصريحاً أو تلميحاً! ففي الوقت الذي يدندن الإعلام حول إعطاء المرأة حريتها المسلوبة تتلون هذه الدندنة وتصبح هجمة شرسة يمارسها الإعلام ضد كثير من المحجبات؛ كما هو الحال مع فئة التائبات اللاتي أعطى الإعلام نفسه حق التحدث حتى عن نواياهن وما تنطوي عليه قلوبهنّ! كما تولى كبر الهجوم على الحجاب بتأييده ومناصرته لبعض الحكومات التي منعت المحجبات من دخول الجامعات ودور العلم ليمارسن حقهنّ المشروع في الحياة! أما التعدد: فليس بوسعنا تجاهل طرح الإعلام له بصورة متشنجة وعدائية تزرع في حس المرأة شعوراً بأن التعدد حكمٌ شُرع عليها لا لها؛ وذلك بعرضه المستمر للمشاكل والآثار الاجتماعية السيئة للتعدد بدءاً بكمٍّ هائل من قصص النزاع بين الزوجات وضرائرهنّ وأزواجهنّ، وانتهاءاً بحالات التيه والضياع التي يتعرض لها أبناء الأزواج المعدِّدين والذين ينشؤون بين عواصف مهيبة من الشقاء العائلي! وهذا كله لم يكن الهدف الإعلامي منه هو احتواء المشكلة وإيجاد حلول لها وإنما الهدف كما يظهر إقصاء الحكم الشرعي كله وإظهار عدم تناسبه وتواؤمه مع روح العصر ومعطياته! ! وإلا فإن الإيمان بما للتعدد من آثار اجتماعية سيئة قد تنتج عنه في حالات وظروف معينة لا يجعلنا نلقي بلائمة على الحكم ذاته، وإنما ثمة أسباب حقيقية منها: فساد أخلاق المرء، وضعف دينه، وتجاوزه وعدم انضباطه بالآداب الإسلامية المشروعة التي تُلزِم الشخص المعدِّد بضوابط وحدود معينة تتواءم مع الحركة الطبيعية لبنية المجتمع الذي يعيش فيه. وهذا الشخص المعدِّد لم يكن الإعلام منصفاً في تشكيل ملامح صورته؛ إذ أظهره على أنه شخص مغرِق بنزوات ورغبات جنسية ملحة. بينما يمارس الإعلام تجميل حالة أولئك الذين يتبعون رغباتهم بطرق حيوانية وتحسينها؛ على الرغم من أن نتيجتها غالباً ما تكون جملة من انحرافات ورذائل وجمهوراً من أطفال غير شرعيين! الآثار الملموسة لإفساد المرأة ظاهراً وباطناً بفعل الإعلام الموجَّه: ... ... لا شك أن وسائل الإعلام المختلفة بكل ما تمثله من هيمنة وسيطرة وانتشار قد تركت آثاراً سيئة وبالغة الخطورة على شخصية المرأة المسلمة المعاصرة! وهذه الآثار تبدو بدرجات متفاوتة كمّاً ونوعاً؛ إذ تختلف من مجتمع لآخر ومن امرأة لأخرى. كما أن أساليب الإعلام في التأثير والتوجيه مختلفة ومتنوعة؛ إذ قد يكون قصير المدى يظهر نتاجه مباشرة. وقد يحدث التأثير في ظل عملية تراكمية تحتاج فترة زمنية ممتدة وطويلة ليتم التغيير الكامل في المواقف والمعتقدات والقناعات. ولذلك فقد يطول بنا المقام لو أردنا عرض كل نماذج آثار الإعلام في إفساد المرأة المسلمة؛ لكننا سنكتفي بذكر بعضها اختصاراً: أولاً: ولعله أبرزها وضوحاً وأشدها خطراً وهو فقدان المرأة المسلمة لهويتها الإسلامية وتميز شخصيتها وسحب قدر كبير من انتمائها لدينها وتراثها! وهذا نتيجة حتمية للظاهرة المرضية المتمثلة في التقليد والتبعية (للآخر) ! فالصحافة النسائية أو البرامج المرئية الموجهة للمرأة المسلمة في أهدافها وطبيعة مضامينها لا تعكس قيم المجتمع المسلم الذي تظهر فيه وتروَّج؛ بل تكرس نموذج المرأة الغربية وتظهره بصورة ترسخ في الأذهان على أنه هو النموذج القدوة! ! وهذا التكريس كان سبباً طبيعياً ومباشراً لضمور الفارق في الاهتمامات والممارسات بين المرأة المسلمة المعاصرة في بعض البلدان الإسلامية وواقع المرأة الغربية! ثانياً: الفراغ الفكري والإغراق في الهامشية الذي تعاني منه المرأة المسلمة المعاصرة: ومع أنه يُفترض أن يكون للإعلام النسائي مهمة بنائية وتربوية تهدف إلى الارتقاء بفكر المرأة نحو آفاق أشمل وأبعد؛ بحيث يكون دوره معها حلقة مستمرة من التعليم والتربية والتثقيف. إلا أن واقع الإعلام الموجَّه للمرأة يؤكد أنه قد مارس تهميش فكرها وتعامل معها على أنها جسد وحسب! فطغيان البرامج الترفيهية التافهة وإشغال جزء من ساعات البث، وصفحات الصحف بالغث من الموضوعات التي تحصر اهتمامات المرأة بدائرة ضيقة تنطلق بالاهتمام بالشكل وتنتهي إليه! بدءاً بالموضة والأزياء، الإكسسوار، وبرامج التخسيس وعمليات التجميل! وانتهاءاً بكيفية استغلال المرأة إمكاناتها الشكلية (المظهرية) للفت انتباه (الآخر) ! وحقيقة فإن طغيان مثل هذه المواد واحتلالها مساحة كبيرة من البث الإعلامي يعكس نظرة الإعلام للمرأة؛ إذ يراها وجهاً وجسداً جميلين مع إلغاءٍ وإماتةٍ مستهدفة لروح العقل والفكر والفهم! وهذا كله جعل المرأة نفسها تعيش خواءاً فكرياً وفراغاً روحياً وخلطاً عجيباً بين الغايات والوسائل! واختلالاً ظاهراً وعدم توازن في النظرة لكثير من الأمور؛ ففي الوقت الذي يتبلور المفهوم الإسلامي المعتدل للجمال على أنه وسيلة تأخذ منه المرأة قدراً معيناً تُحقق به أنوثتها يزرع الإعلام في حس المرأة أن (الجمال المظهري) غاية تستحق أن تبدد المرأة جهدها ووقتها ومالها بل وربما تعيش لأجله! ! وبهذه الهمة الدنيوية والاهتمامات السطحية التي أصبحت تشغل المرأة وتسيطر على تفكيرها أخرج الإعلام المرأة وحرمها المشاركة الفعلية التي ينادي بها. دور الإعلام الإسلامي في التصدي للهجمة: لعل ما ذكر سلفاً يوقفنا وجهاً لوجه أمام القضية الأهم التي اقتضت هذا التناول المتواضع وهي دور الإعلام الإسلامي للتصدي للهجمة الإعلامية تجاه المرأة المسلمة. وبداية فإن ثمة حقيقة يُفترض أن نعترف بها ونعتني بجوانبها وهي افتقار الصحوة الإسلامية ذات الرصيد الجماهيري الكبير إلى الإعلام الشامل والفاعل. وهذه الحقيقة (المرة) ستظل معضلة حقيقية نعاني منها حتى إيجاد الإعلام الإسلامي القادر على المنافسة! ونحسب أن هذا الإيجاد لن يكون إلا إذا تنامى الوعي الجماعي بأهمية الإعلام في حياتنا وبمسيس حاجتنا إليه، وإذا تخلص أبناء الصحوة من سيطرة العقلية النكوصية المتشوقة للماضي والتي تحفز لدى أصحابها أحاسيس العزلة والانسحاب والخوف من الجديد سواء كان رأياً أو ثقافة أو مشروعاً حضارياً! فالواقع أن المسلم المعاصر ليس راضياً عن الأوضاع القائمة في الإعلام المعاصر ويرفض كل الاتجاهات والقيم والأسس السائدة المنبثقة منه. وتنحصر رؤيته تجاه الإعلام بأنه عدو آخر يجب بغضه والحذر منه وإدارة الظهر له وحسب! ! دون محاولة إيجاد بدائل «مسموعة، مرئية، مقروءة» واتخاذها خطوة أولى في طريق الحل الطويل! فالخطوة وإن كانت متأخرة عن مسيرة الإعلام (الآخر) وضئيلة مقارنة بحجم قدراته وآلياته إلا أنها ستزرع الأمل بنقلة نوعية تتجاوز فيها ردة الفعل إلى الفعل نفسه، وتتخطى الندب والتشاكي إلى العمل الجاد. فقد مضى على الصحوة زمن طويل مارست فيه التحذير من جملة المجلات والصحف والبرامج المرئية الموجهة للمرأة وذكر قائمة طويلة من مضارها ومخاطرها، وتقديم حل إسلامي جاهز للعرض وهو مقاطعتها وإغلاق الأبواب دونها وحسب! بمعنى أن موقفها الإعلامي بدأ بالرفض وانتهى إليه.. وهو الموقف الأسهل دائماً! وكان يفترض أن يثمر هذا الموقف على الأقل عن أوراق عمل ودراسات ومشاريع إعلامية مستقبلية مقترحة تساهم في إزالة الرهبة من خوض التجربة الإعلامية لدى الإسلاميين وتشعرهم بأن هذا الكم الهائل والاهتمام الكبير بالمرأة المعاصرة من قِبَل الإعلام (الآخر) والذي يغمرنا بقوالب متنوعة ما بين برامج مرئية وصحف ومجلات متخصصة إنما هو تحكُّم في مستقبل هذه المرأة، وتشكيل لفكرها وعقليتها، وصياغة جديدة لممارساتها واهتماماتها على غير ما نريد! ! ومن ثَمَّ فإن المقاطعة ستبقى حلاً مؤقتاً لو ناسب مرحلة زمنية معنية افتراضاً فلن يُناسب المراحل التي ستليها يقيناً. فالاختراق الثقافي الذي تتسع دائرته يوماً بعد آخر سيتيح للجيل إلغاء الحدود والسدود وعنصري الزمان والمكان ثم امتلاك القدرة للوصول إلى جميع أنحاء العالم؛ وربما يكون ذلك بطريقة أقل تكلفة وأسهل استعمالاً من الضغط على الريموت! ! لذا فليس من الواقع المنطقي والعملي ونحن أمام ثورة تقنية ضخمة لوسائل الاتصال أن نربي الجماهير على المقاطعة والانعزال ونحرمها من التكيف الإيجابي بإيجاد البديل الهادف الذي يحفظ خصوصيتنا العقائدية والثقافية، وفي الوقت ذاته يكون عوضاً لنا عن مرارة الشكوى وسلبية الانعزال. وثمة ملامح أولية لهذا التكيف أوجزها فيما يلي: ١- ضرورة توعية الأمة بأهمية الإعلام، والتذكير بأننا أمة قام تاريخها المجيد من خلال وسائل إعلام إما مقروءة مثلها الكتاب، أو مسموعة من محاريب يرتفع صوتها بالقرآن ثلاث مرات يومياً، ومن منابر ارتفع منها صوت الخير والنصر والإرشاد منذ مرحلة التأسيس وإلى قيام الساعة. ٢- أهمية الاحتفاء بالبحوث والدراسات والممارسات الإعلامية على اختلاف هويتها وتوجهاتها ومحاولة استيعابها والإفادة منها، مع تحريض النخب من الإسلاميين من ذوي الخبرة المهنية والميدانية لتقديم رؤاهم ومعالجاتهم للاتكاء عليها في بداية التجربة؛ فقد تلفت النظر لمسارات واتجاهات إعلامية غائبة نحن بحاجة إليها. ٣ - صناعة البدائل الإسلامية في مجال الإعلام بمختلف فنونه وضروبه وألوانه؛ على أن تكون هذه البدائل ملتزمة بالرؤية الإسلامية ومؤطَّرة بالمرجعية الشرعية، مع تذكير المتلقي المعاصر إلى أن صياغة هذه البدائل صياغة إسلامية إنما هو صورة من صور التحدي الحضاري الذي يواجه الأمة في الحاضر والمستقبل، ويتطلب من أبنائها مزيداً من سعة الأفق والمرونة والإنصاف والتخلص من الأحكام الجاهزة (ومبدأ: إما صفر أو مائة بالمائة) ! ! إذ إن وجود خلل أو خطأ أو تجاوز هو من طبيعة العملية الإعلامية ولا شك. ٤ - الرؤية الشاملة للإعلام الإسلامي المنتظر وعدم حصره بالإعلام الديني البحت؛ حيث لا يُنتظر منه التركيز على إيضاح الجانب العبادي، كما هو الحال مع نتاج الصحافة الإسلامية الذي يغلب عليها ما يتعلق بالعبادات، وكما هو الحال أيضاً مع البرامج المرئية الدينية التي لا يعدو نتاجها عن فتاوى وأحكام وتوجيهات وعظية مباشرة وتلاوات قرآنية مكررة. ٥ - الإلمام بالواقع الذي ينبثق منه الخطاب الإعلامي الإسلامي ويوجه إليه؛ بحيث يستند في مضامينه إلى تصور موضوعي لواقع متلقيه والمستفيدين منه واحتياجاتهم الحقيقية؛ ففي قضية المرأة مثلاً: لا بد أن نحدد أولاً من هي المرأة التي نتحدث إليها؟ واستيعاب كامل مراحلها العمرية واهتماماتها وقابليتها، ومن ثَمَّ: ماذا نُريد منها؟ وماذا نُريد لها؟ بمعنى أن يكون لإعلامنا مع المرأة المسلمة هدف رئيس ينشد تحقيقه؛ بحيث لا يكون جل نتاجه ردود أفعال لأطروحات الآخر أو تفنيداً لآرائه وهجماته وحسب؛ فالأصل تقديم مادة ذات مهمة وقائية بنائية معاً؛ بحيث تبني شخصية المرأة المتلقية المتزنة والمستقلة القادرة فيما بعد على تفنيد ما تسمعه أو تراه أو تقرؤه! وبعد: فهذه الكتابة لا تعدو عن كونها ومضات أمل بأن ترفع الأمة راية جهادها الإعلامي فتخوض معركة الكلمة والمعتقد في زمن تجوبه الأقمار الصناعية، وتسود فيه الذبذبات الإذاعية ليل نهار.

стр. 3427

ماذا يريدون من المرأة..؟ الحجاب الإسلامي بين المد والجزر أحمد فهمي كانت عودة الحجاب ملمحاً أساساً من ملامح الصحوة الإسلامية في مرحلتها المعاصرة التي تبدأ من سبعينيات القرن العشرين، وأصبح الحجاب رمزاً من رموز الصحوة وشعاراً من شعاراتها. والآن وبعد ما يقرب من ثلاثين عاماً، تنوعت وتعددت فيها أشكال المواجهة وميادينها بين الصحوة وأعدائها لا تزال راية الحجاب ترفرف في ساحة المعركة، ولكن على نحوٍ يختلف كثيراً عما كانت عليه في السبعينيات في أكثر المجتمعات الإسلامية؛ وهذا الاختلاف في مسألة الحجاب هو ما نحن بصدد توصيفه وتقويمه في هذه الصفحات. ولأن الواقع لا يعطي معانيه ولا يكشف أسراره إلا بإضافته إلى ما قبله من الزمن، فلا بد من إضافة بُعدٍ تاريخي يسير بقدر ما يكشف لنا الدورة الكاملة لنشوء الحجاب وتراجعه. الأبعاد التاريخية لمعركة الحجاب والسفور في المجتمعات الإسلامية: يروق للمحللين والعلمانيين المحليين كلما طرحت قضية الحجاب أن يُغرِقوا في التساؤل عن الدوافع والأسباب وراء انتشار هذه الفريضة المتزايدة منذ السبعينيات، وهذا تساؤل معكوس حقيقة، لا بد معه من إضافة البعد التاريخي حتى نرى الأشياء في سياقها الحقيقي، فيصبح التساؤل الصحيح عن الدوافع والأسباب الكامنة وراء تخلي المرأة المسلمة عن حجابها؛ فانحرافٌ فرعيٌّ في التاريخ لا يتجاوز سبعين أو ثمانين عاماً (متوسط عمر رجل واحد) ، لا يمكن بحال أن يقضي على أصلٍ متجذِّر منذ ما يزيد على ثلاثة عشر قرناً من الزمان كشجرة ضخمة فرعها ثابت، وأصلها في السماء. ومن الشواهد العجيبة على هذا الانتقال التعسفي التاريخي من الحجاب إلى السفور أن بعض رواده الكبار (الأصاغر) يشعر المتأمل في سيرة أحدهم كأنه يقرأ عن شخصين، الأول: يرفع راية الحجاب ويدافع عنه، والثاني: يعادي الحجاب ويرفع راية السفور، ونذكر مثالين على ذلك: الأول من مصر، والثاني من تونس. ففي مصر: كان أول كُتُبِ قاسمِ أمين: " المصريون " دفاعاً حماسياً عن فضائل الإسلام على المرأة المصرية، ورفعاً من شأن الحجاب، ثم لما تمت إعادة برمجته على أيدي رواد صالون نازلي، أصدر كتابيه: " تحرير المرأة "، " المرأة الجديدة "، وجعل من نفسه الداعي الأول لفتنة التبرج بين المسلمين. وفي تونس: سنة ١٩٢٩م وقف شاب عمره يومذاك ٢٦ سنة في إحدى الندوات يرد على امرأة سافرة تدعو إلى تحرير المرأة، فقال: " الحجاب يصنع شخصيتنا، وبالنسبة لخلعه: جوابي هو الرفض، وارتفع الضجيج في القاعة، وانتقل الجدال إلى الصحف، وتابع الشاب الدفاع عن الحجاب بنشر مقالات في صحيفة تونسية فرنسية، ولم يكن هذا الشاب سوى المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة نفسه الذي قام في اليوم التالي للاستقلال بسحب غطاء الرأس عن النساء التونسيات " [١] . وسار كثيرون في أنحاء العالم الإسلامي على نهج قاسم أمين فأصدروا كتبهم المسمومة، مثل كتاب: " امرأتان في الشريعة والمجتمع " للطاهر الحداد في تونس سنة ٠٣٩١م، و " السفور والحجاب " لنظيرة زين الدين في سوريا في العشرينيات. واستمرت جهود المثقفين والمفكرين المتبنين للمنهج التغريبي طيلة الحقبة الاستعمارية في الترويج للتبرج حتى أصبح واقعاً مفروضاً إلى جوار الحجاب، ولما أن أتى عهد الاستقلال وتولى القوميون زمام الأمور عملوا ما عجز عنه الاستعمار، وعمدوا إلى القضاء على البقية الباقية من الحجاب في بلادهم. يقول صحفي ألماني واصفاً فترة إقامته في مصر من ١٩٥٦ ١٩٦١م: " ويكفي أن تعلم أنه منذ عشرين عاماً فقط كانت كل النساء تقريباً يرتدين الحجاب، أما اليوم فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب " [٢] . وفي سوريا مزق رجال " البعث " الحجاب في شوارع دمشق، ومنعوا المحجبات من دخول المدارس بحجابهن [٣] . وفي الجزائر دعا " بن بيلا " الجزائريات إلى خلع حجابهن، وقال: إنني أطالب المرأة الجزائرية بخلع الحجاب من أجل الجزائر! [٤] ، فخرجت العذارى المحاربات من بيوتهن، ونزعن الحجاب لأول مرة منذ أن اعتنقت بلادهن الإسلام [٥] . وحقق العهد الاستقلالي في المغرب ما لم يستطعه الاستعمار في عشرات السنين [٦] . أما المجاهد بورقيبة فبزَّ أقرانه في حرب الحجاب، وأصدر مرسومه الشهير (١٠٨) بمنع الحجاب في المؤسسات الرسمية للدولة، ودعا التونسيات ألا يُشْعِرْنَ السياح الأجانب بالغربة في بلادهن [٧] ، ولا يزال الحجاب محارباً بشدة حتى الآن في تونس، ولكن ما أن بدأ تهافت الفكر القومي مع هزيمة يونيو ١٩٦٧م، حتى عاد الحجاب يتربع على عرشه المسلوب من جديد، وما أصدق القائل: " إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت النكسة ثمرة التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن الإسلام " [٨] . ولو شئنا دراسة تطورات الحجاب منذ بدء عودته في السبعينيات وحتى الآن، فلا بد من انتقاء بلد يصبح نموذجاً معبراً عن أحداث هذه الفترة، ولا نجد أفضل من النموذج المصري في التعبير عنها؛ فهو نموذج ثري بتطوراته وأحداثه ومتغيراته، كما أنه نموذج رائد يراد تسويقه للدول التي لم تبلغ مرحلته بعد. ولكي تكتمل الرؤية بأن تحتوي على الأبعاد الزمنية الثلاثة: الماضي، الحاضر، احتمالات المستقبل، نتناول قضية الحجاب في تركيا، باعتبارها تحتل المرتبة الأولى في التطرف العلماني الرافض للإسلام، ومن ثَمَّ فهي هدف تُدفع معظم الدول الإسلامية دفعاً مع اعتبار تفاوت مواقعها الحالية لبلوغه في السنوات القادمة؛ فدراستها وإن كانت تعتبر واقعية بالنسبة لتركيا، إلا أنها مستقبلية بالنسبة لغيرها من الدول الإسلامية. الحجاب في مصر: إن ثراء النموذج المصري كما سبق يجعل من الصعب تغطيته في صفحات معدودة بتفصيل وشمول، ولذا سننتقي منه أهم المعالم التي تخدم موضوعنا. أولاً: توزيع الأدوار في معركة الحجاب والسفور بين السبعينيات والتسعينيات: لمعركة الحجاب سَمْتٌ متميز؛ فهناك أطراف متعددة، وأدوار متداخلة، وهناك أيضاً صور مختلفة للهزيمة والفوز، كما أنها معركة مفتوحة نحسب أنها باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وفي الساحة المصرية يظهر ذلك بوضوح، وتنحصر الأدوار المؤثرة في الأطراف الآتية: ١ - المؤسسات التعليمية: ويبرز دورها في ثلاثة اتجاهات: الأول: أخطرها، وهو السعي للعلمنة الكاملة لمناهج التعليم مع حصار وتحديد لدور المؤسسات التعليمية الدينية، وهذا الاتجاه يظهر أثره في المستقبل بتخريج أجيال تنتمي إلى العلمانية قبل الإسلام. الثاني: العمل على إضعاف ظاهرة الحجاب في تلك المؤسسات حتى لا تعوق بوجودها جهود العلمنة. وهذا الإضعاف يأخذ شكل مضايقات وحصار ولوائح وقرارات تمنع دخول المحجبات خاصة المنقبات إلى تلك المؤسسات عاملات أو طالبات ومن أشهر القرارات قرار رقم ١١٣ سنة ١٩٩٤م الذي يمنع ارتداء غطاء الرأس إلا بطلب من ولي الأمر [٩] . الثالث: وهو اتجاه غير مباشر؛ وذلك بتشجيع تحول المؤسسات التعليمية إلى ساحات لهدم الأخلاق والقيم، وتحطيم القيود على تطور العلاقة بين الشاب والفتاة، ويكفي النظر إلى ظاهرة الزواج الزنا العرفي وتزايدها المستمر وأسلوب معالجتها الذي اقتصر على عقد ندوات دينية في تلك المؤسسات ذراً للرماد في العيون أحدثت في بعض الأحيان أثراً عكسياً، فأخرجت الظاهرة إلى نطاق النقاش العلني واختزلتها إلى مجرد خلاف فقهي. ٢- وسائل الإعلام: تقول إحدى الدراسات: إن أغلبية المجتمع المصري يقع تحت سطوة وسائط الإعلام الرسمية [١٠] ، وأن النساء خاصة يقبلن عل مشاهدة برامج التلفاز أكثر من الرجال [١١] ، وفي أحد استطلاعات الرأي الهامة، كان هناك عامل مشترك بين الموافقات على أن دعوة قاسم أمين تقدمية، هو مشاهدة برامج التلفاز والراديو [١٢] . لا شك أن الإعلام أصبح يلعب دوراً خطيراً في محاربة الحجاب عبر منابره المتعددة، وله في ذلك أساليب متنوعة مباشرة وغير مباشرة فهناك الهجوم المباشر الفج الذي يسخر من الحجاب، أو يُرجِع دوافعه إلى مشاكل اجتماعية ونفسية ومادية.. إلخ. ومنها تخصيص الهجوم بفئات معينة من المحجبات مثل: الفنانات التائبات، ومهاجمة كل من له دور في حجابهن من العلماء والدعاة [١٣] ، ومنها التركيز على عدم ارتباط الحجاب بمستوى معين من الأخلاق، وارتباط صور معينة من الحجاب النقاب بارتكاب جرائم متنوعة [١٤] ، ومن الأساليب غير المباشرة مهاجمة التيارات الإسلامية ورموزها، واتهامها بالتطرف، وربط انتشار الحجاب بفكر هذه التيارات المتطرفة ومنها اختزال المواد الدينية ما أمكن؛ خاصة أن الدراسات تثبت أن زيادة الإعلام الديني تؤدي إلى إشاعة مناخ ديني عام في المجتمع وسرعة انتشار الأفكار الدينية، ومن تلك الأساليب القذرة إشاعة الفاحشة بين المسلمين وتجريئهم عليها؛ فمع تدني الأخلاق وغلبة الشهوات لا يكون هناك مجال للحديث عن الحجاب. ٣ - الأسرة: تفكك الأسرة وضعف دورها الرقابي من سمات المجتمعات العلمانية الغربية التي يريد العلمانيون في بلادنا محاكاتها حذو القذة بالقذة، وبينما تُظهِر الأبحاث عن فترة السبعينيات أن حوالي ٦٠% من المحجبات أقررن بموافقة كل الأسرة على ارتداء الحجاب [١٥] ، فإن الأمر يختلف حالياً مع تعدد الهجمات الموجهة للأسرة ولدور الرجل فيها، وإذا قلنا: إن موقف الأسرة تجاه الحجاب ينحصر في ثلاثة أمور: التشجيع السلبية الرفض؛ فالواقع الحالي يشهد بأن الزيادة الكبيرة كانت من نصيب الموقف الثاني (السلبية) [١٦] ، والموقف الثالث حظي بزيادة قليلة خاصة بالنسبة لصور معينة من الحجاب (تغطية الوجه والكفين) ، وكان النقص من نصيب الموقف الأول. وهناك أطراف أخرى يفترض أنها تمثل الإسلام في معركة الحجاب والتبرج وهي: ٤ - المؤسسات الدينية الرسمية: وتنحصر في مشيخة الأزهر ودار الإفتاء والهيئات التابعة مثل: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومجمع البحوث، ووصفها بالرسمية ينبع من أمرين، أحدهما: أن تعيين رجالها يتم بقرارات حكومية ، والثاني: تحولها عرفاً وإلزاماً أحياناً إلى تبني الموقف الرسمي من القضايا المعدَّة سلفاً وتكلف تطويع أحكام الشريعة لها. وبالنسبة لقضية الحجاب، فإن أغلب النقد الموجه لهذه المؤسسات حتى فترة قريبة كان ينحصر في الموقف السلبي من تدعيمه ، والدعوة إليه والتعرض لمهاجميه، وهذا لا يمنع من بعض مواقف قوية، كما حدث في الرد على القرار السابق لوزير التعليم؛ حيث صدرت فتوى بمخالفته للشرع [١٧] إلا أنه في السنوات الأخيرة تطور الوضع إلى مزيد من السلبية، بل إلى مهاجمة الحجاب أحياناً، متمثلاً في بعض صوره واتهامها بالتطرف (النقاب) [١٨] ، كما اقترن ذلك بالتهاون في إلزام الطالبات في مدارس الأزهر وكلياته بالحجاب الشرعي الصحيح. ٥ - العلماء والدعاة المستقلون: وأغلبهم في الأساس من خريجي كليات الأزهر والعاملين فيه، ويزداد تميزهم مع تزايد تبني المؤسسات الدينية للمواقف الرسمية في مختلف القضايا، ورغم التضييق عليهم إلا أن تأثيرهم واضح من الرأي العام، وموقفهم من قرار وزير التعليم بمنع الحجاب كان قوياًَ، حتى طالب بعضهم بمحاكمته، ومنهم د. محمود مزروعة، د. محمود حماية، د. محمد المسير، د. عبد الحي الفرماوي، د. عبد الغفار عزيز، د. يحيى إسماعيل ... وغيرهم [١٩] . ٦- الحركة الإسلامية: كان لها الدور الفعال في نشر الحجاب في المجتمع المصري، وانتشارُه في الجامعات المصرية أحد مظاهر النشاط الإسلامي فيها، والدراسة السابقة عن ظاهرة الحجاب في السبعينيات أظهرت أن ٠٥% من المحجبات وغير المحجبات يُرْجِعن انتشاره إلى تزايد نشاط الجماعات الإسلامية بل هو السبب الرئيس [٢٠] ، وتظهر هذه العلاقة كذلك في فترة التسعينيات، ولكن في الاتجاه المعاكس؛ إذ من الملاحظ ارتباط تراجع معدلات الحجاب عامة، والحجاب الشرعي الصحيح خاصة مع تزايد التضييق على النشاط الإسلامي في مختلف الميادين وعلى الأخص في المدارس والجامعات. ٧ - " إن المحجبة تظهر في سمت عفريت " هذه العبارة لن نتعجب إذا قالها علماني حقود، ولكن عندما نعلم أنها صدرت من عالم داعية في وزن الشيخ محمد الغزالي [٢١] ﵀ نقداً لبعض صور الحجاب فإننا نصاب بدهشة عظيمة لهذا الخلط الواضح في الأوراق، والأدوار. أين كان يقف الشيخ؟ وكيف يجعل نفسه مشابهاً لعلمانية فجة مثل أمينة السعيد، تصف المحجبات اللاتي يرتدين الزي نفسه الذي ينقده الشيخ بأنهن يرتدين " ملابس تغطيهن تماماً، وتجعلهن كالعفاريت " [٢٢] . إن هذا الخلط الذي أصاب عدداً من المفكرين والدعاة ممن أصبحوا يمثلون تياراً قوياً هذا الخلط أحدث بدوره خلطاً في مفاهيم الناس حول الحجاب وهو ما سنبينه بعد قليل وجعل من هفواتهم وسقطاتهم تكأة لكل من أراد الطعن في أحكام الشريعة بأسلوب باطني استغلالاً لتلك الهفوات والسقطات. ثانياً: الحجاب والتدين: هناك ُبعدان لدراسة العلاقة بين الحجاب والتدين: الأول: الارتباط بين الالتزام بالحجاب، والالتزام العام بأوامر الشرع. الثاني: الارتباط بين معدل ارتداء الحجاب ومستوى الحالة الدينية للمجتمع. فبالنسبة للبعد الأول: يتمثل في دوافع ارتداء الحجاب، والحالة الدينية للمرأة بعد إضعافها. أما عن الدوافع: فلا خلاف في أن ارتداء الحجاب في السبعينيات كانت دوافعه دينية مباشرة، ووفقاً لأحد البحوث الاجتماعية كان ٩٠% من الأسباب الدافعة للحجاب كما أقرت المحجبات تدور حول الخوف من الله من عذاب الآخرة الرغبة في الجنة يقظة الضمير الديني [٢٣] .. إلخ، ولكن مع مرور الوقت وانتشار الحجاب بين فئات المجتمع تحول عند بعض الناس إلى ما يشبه العرف العام، والتقليد المتبع، ونشأت أجيال كان ارتداؤهن للحجاب ينبع من كونه تقليداً أو عرفاً أو ضغطاً اجتماعياً قبل أن يكون أمراً شرعياً، ويقوِّي هذا الرأي تزايد نسبة المحجبات اللاتي يرتبط حجابهن بأمور مثل: الزواج [٢٤] ، تقدم السن، ولا يشمل ذلك بالطبع كل المحجبات، وخاصة اللاتي ينتمين إلى التيارات الإسلامية بمعناها العام. وهذا التحول بالحجاب إلى تقليد لدى الكثيرات لم يكن حتمياً، وإنما كان مدعماً بأمرين: عدم إتاحة الفرصة لتعميق هذه الظاهرة وتقوية ارتباطها بأصلها الديني المباشر من قِبَل العلماء والدعاة، والحرب المعلنة على الحجاب التي يؤرخ بعضهم بَدْأها من عام ١٩٨١م [٢٥] . أما بالنسبة للحالة الدينية للمرأة بعد ارتداء الحجاب، فهنا نجد أنفسنا وفقاً لما سبق أمام ثلاث حالات: الأولى: من ارتدت الحجاب عرفاً أو طاعة لوليٍّ (زوج أب) أو لأسباب أخرى، لكن ليس لوازع ديني. الثانية: من ارتدت الحجاب التزاماً انتقائياً وليس عاماً بأحكام الشرع. الثالثة: وهي التي يشكل ارتداؤها للحجاب أحد مظاهر التزامها العام بالشرع. فالمحجبة في الحالة الأولى لا يترتب على حجابها في معظم الأحيان تغير واضح في السلوك أو الطاعات، وهي تنتمي غالباً إلى الفئة السلبية دينياً في المجتمع، والتي ليس لها موقف واضح من عوامل الإفساد، ويصل التعارض بين السلوك عند بعضهن لدرجة التناقض، مما يساهم في تشويه الصورة العامة للمحجبات، ويدفع كثيراً من الجهال لاتهام الحجاب نفسه؛ ولا يفوت الأقلام العلمانية أن تستغل هذه الفئة في حربها على الحجاب. أما في الحالة الثانية فالمرأة دفعها وازع ديني للحجاب، ومن ثَمَّ فهي تحرص على عدم التناقض بين زيِّها وسلوكها، ولكن في إطار عرفي، بمعنى البعد عن كل ما ينتقد المجتمع صدوره عن المحجبة، أو ما يعيبها خارج بيتها، وهذا بالطبع غير منضبط؛ فالمجتمع يتعارف في كثير من الأحيان على ما يخالف الشرع، ولذلك فالمحجبة في هذه الحالة لا ترى بأساً في المصافحة أو النظر أو الحديث مع الرجال أو الاختلاط المسموح به عرفاً لا شرعاً، ولا شك في ميوعة هذا الوضع، وإن كان أقل من الحالة الأولى، وأنه يجعل للمحجبة قابلية قوية للوقوع في بعض صور الانحراف المناقضة لحجابها، خاصة مع توفر عوامل مثل: صغر السن، الوسط الملائم (الجامعة مثلاً) انتشار الفساد، ضعف رقابة الأسرة. وتنتمي المحجبة في هذه الحالة إلى الفئة المحافظة دينياً التي تقف موقفاً واضحاً من مظاهر الفساد، وإن كانت تتعاطى وسائله في الوقت نفسه (التلفاز الاختلاط ... إلخ) . أما الثانية: فحجابها منذ البداية كان مقترناً بالتزام عام بالشرع؛ لذا تتوفر في حالتها الضوابط اللازمة لتوافق السلوك مع الزي، مع انتماء أكثرهن للتيارات الإسلامية ولو شعورياً. وعند المقارنة بين نسبة توزع المحجبات على هذه الفئات الثلاث في السبعينيات بمثيلتها حالياً نجد تغيراً واضحاً؛ حيث زادت نسبة محجبات الحالة الأولى زيادة ملحوظة، فأصبحت تقارب الحالة الثانية، بينما حدث تراجع في نسبة محجبات الحالة الثالثة. البعد الثاني للعلاقة بين الحجاب والتدين: وهو ارتباط معدل ارتداء الحجاب بالحالة الدينية السائدة في المجتمع. من المسلم به أن المجتمع الصغير هو الأسرة أو العائلة، وتأثر المرأة بأسرتها في ارتدائها للحجاب أو عدمه حقيقة أثبتتها الدراسات؛ فكلما زادت نسبة المحجبات في الأسرة كان ميل الفتاة نحو التحجب أقوى [٢٦] . وفيما يتعلق بالمجتمع الكبير نلاحظ هنا اتجاهين مختلفين: فبينما نجد من الثابت أن انتشار الحجاب في السبعينيات كان أحد مظاهر إقبال الناس على الدين وعودتهم إليه، وأن التراجع في مستويات الحجاب يقترن أيضاً بانتشار موجات من الانحلال الخلقي في المجتمع، خاصة مع سهولة استقبال الإعلام الإباحي عبر القنوات الفضائية، مع ذلك، فهناك اتجاه آخر لتأثير المجتمع في الحجاب، وهو أن استمرار الانحلال الخلقي وانهيار القيم يكون سبباً معاكساً لإفاقة الناس ورجوعهم إلى الدين [٢٧] ، ولكن بعد حين. ثالثاً: الحجاب والفئات الاجتماعية: إعطاء معدلات عامة عن الحجاب في المجتمع المصري لا يعبر بدقة عن حقيقة الوضع؛ فهناك فئات اجتماعية متعددة ومتداخلة يتفاوت تأثرها وتفاعلها مع هذه القضية تفاوتاً ملحوظاً. وفيما يتعلق بالحجاب يمكننا أن نقسم المجتمع في مصر وفق هذه الاعتبارات: الطبقة الاجتماعية الريف والحضر الفئة العمرية والحالة الاجتماعية. باعتبار الطبقة الاجتماعية: فإن الطبقة المتوسطة تمثل الصدارة؛ من حيث ارتفاع معدل ارتداء الحجاب بين نسائها، ويقل الالتزام بالحجاب مع ارتفاع المؤشر الاجتماعي الطبقي أو انخفاضه [٢٨] ، وإن كان هذا لا يمنع من وجود الحجاب في جميع الطبقات، ويكفي أنه نجح في غزو طائفة من أهل الفن. ولو نظرنا إلى الريف والحضر فإننا نجد أن الريف بطبيعة تكوينه الاجتماعي والثقافي يكون أقل تأثُّراً بالتغيرات السياسية والثقافية والأخلاقية العامة من المجتمع الحضري، ولذلك لم يختفِ الحجاب من الريف إبَّان الستينيات كما حدث في المدينة، بل استمر تقليداً يُحرَص عليه، حتى توافق مرة أخرى مع مجتمع المدينة في السبعينيات. ولكن نتيجة لارتفاع معدلات التعليم ذي التوجه العلماني، واتساع تأثير الإعلام، وكذا ارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلى المدن، لم يعد تمسك المجتمع الريفي حالياً بالحجاب كما كان أولاً. ووفقاً للاعتبار الثالث، وعلى عكس الغرض الشرعي من الحجاب وهو منع الفتنة، وأن المرأة كلما صغر سنها زاد الافتتان بها، على العكس من ذلك نجد أن نسبة ارتداء الحجاب في مصر تزداد مع تقدم السن، حتى إنه قلما تجد امرأة تجاوزت الستين سنة من العمر متبرجة من نساء الطبقة الوسطى وفي المقابل يقل إلى درجة كبيرة اقتران الحجاب بوقت البلوغ، ثم يرتفع تدريجياً مع ارتفاع الفئة العمرية، وتتزايد معدلات الحجاب مع الزواج عنها قبله. رابعاً: الحجاب في مصر، أنماط وأشكال متعددة: " فلانة المحجبة " وصف نسمعه كثيراً عند التعريف بامرأةٍ مَّا، ولكن هل يتخيل السامع صورة معينة لزي هذه المرأة؟ أم أن هناك عدة صور وأشكال للحجاب تتداعى في مخيلته، أحدها فقط هو الزي الحقيقي لها؟ لقد أصبح الحجاب مصطلحاً فضفاضاً، وأُهمِلت ضوابطه، وعند أول مقارنة بين مدلول كلمة الحجاب في الواقع ومدلولها الأصلي في الشرع نجد بوناً شاسعاً، وقياساً على ما اشتهرت به اللغة العربية من دقة متناهية في وصف الأشياء ومراحل تغيرها، فإننا نجد أنفسنا بحاجة إلى مصطلحات كثيرة لتغطية الفارق الكبير بين الحجاب الشرعي والحجاب الواقعي. ولمعرفة حجم التنافر بين المفهومين الشرعي والواقعي للحجاب يمكن أن نقلب مفردات المفهوم الشرعي كلها، ورغم ذلك يحتمل الواقع أن يطلق عليها: محجبة، لمجرد غطاء رأسها، واستعراض الأشكال المنتشرة للحجاب في المجتمع يثبت ذلك؛ فهناك غطاء الرأس مع كشف بعض الشعر والرقبة وجزء من الصدر والساقين، وقد تكون الملابس ضيقة أو متشبهة بالرجال، ثم غطاء للرأس والرقبة والصدر مع ملابس طويلة ولكنها زينة في نفسها، وقد تكون ضيقة تصف الجسم، أو معطرة، ثم الخمار الطويل الذي يستر البدن مع كشف الوجه والكفين، ثم الحجاب الكامل الذي يحقق الشروط كلها. ومن أهم أسباب هذا التذبذب الخطير في مستوى الحجاب الحرب المتصاعدة ضده من بداية الثمانينيات، واستخدام مكيدة التطرف والاعتدال في هذه الحرب، وأيضاً وجود طائفة من المتبرجات اللاتي هرولن نحو " الحل الوسط " تخلصاً من الحرج الاجتماعي الضاغط الذي سبب انتشار الحجاب.. ومنها غلبة البعد الرمزي للحجاب لدرجة تفرغه من مضمونه الشرعي في أحيان كثيرة. ومن الأسباب الهامة: استدراج فئة كبيرة من الكُتَّاب والمفكرين الإسلاميين المتبنين للاتجاه التنويري في هذه المعركة والاكتفاء منهم بالهجوم على أشكال معينة من الحجاب يتهمونها بالغلو والتطرف، استناداً على قاعدتهم الذهبية في تطويع الشرع للواقع، لا العكس، وأن وسطية الشرع تكون بجعل الظرف الواقعي هو الأساس في استصدار الأحكام ووضع التصورات، وهذا لا شك في خطئه؛ فمع تغير الواقع تكون الإرادة المطَّردة للتوسط بينه وبين ثوابت الشرع تعني أن ننادي غداً بما نستنكره اليوم، حتى يأتي علينا وقت لا يبقى من الدين إلا أن ننوي أحكامه ونفعل ضدها. ومن الشواهد القوية على صحة هذا الرأي، موقف أحد التنويريين [٢٩] المقيم في بريطانيا من القضايا الإسلامية المثارة في ذلك الواقع العلماني والذي هو المثل الأعلى لعلمانيي الشرق والذي تطور فكره وفق القاعدة السابقة ليتوافق مع هذا الواقع فيما يتعلق بقضية الحجاب، أصدر فتوى بأنه لا يجب على المرأة أن ترتدي الحجاب لتعرضها للأذى بارتدائه في تلك البلاد، واستدل بآية: [ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين] [الأحزاب: ٥٩] ، فلا يسع المسلمة والحال هكذا إلا أن تنوي الحجاب وتتبرج! وبناءاً على النظرة الواقعية المتفحصة، نستطيع القول: إن هناك تناسباً وتوافقاً بين مستوى الحجاب وأنماط الحالة الدينية للمحجبة والمذكورة آنفاً فكلما تضاءل تأثير الدين في حياة المحجبة عند حجابها وبعده كلما تدنى مستوى الحجاب، والعكس صحيح، فتصبح أكثر المحجبات تديناً هي التي تتمسك بكافة شروط الحجاب، بما فيها تغطية الوجه والكفين، ولذلك نجد أنه انطلاقاً من تحول محاربة التدين الشامل إلى سياسة عامة، أصبح النقاب محارباً بشدة أكثر من أي شكل آخر للحجاب، واستهدفته جميع الجهات العلمانية بهجوم مكثف متواصل، ولعل ذلك يرجع إلى ضعف قابليته للتميع والتطويع بخلاف الصور الأخرى للحجاب، وكذا اعتماداً لأسلوب ضرب القمة، وقبول ما بعدها، تدرجاً في القضاء على الحجاب. الحجاب في تركيا: للحجاب في تركيا قصة طويلة حزينة، تبدأ من قوانين أتاتورك، ولا تنتهي عند مروة قاوقجي، ولو اكتفينا بالاطلاع على الفصول الأخيرة من هذه القصة، فستبدو لنا سمات بارزة لحرب الحجاب في تركيا: ١ - لا يمكن استيعاب أبعاد قضية الحجاب في تركيا حالياً، بدون الاطلاع على الجهود التاريخية الحثيثة للقضاء عليه منذ أتاتورك، هذه الجهود التي ليس لها مثيل في دولة إسلامية أخرى، في شدتها واستمراريتها إلى الآن، فمنذ ما يزيد عن سبعين عاماً كان البوليس التركي يقوم بنزع الحجاب عن النساء بالقوة وعقابهن أحياناً امتثالاً لقانون أتاتورك [٣٠] ، ورغم اختفاء هذا القانون إلا أن الحرب لا تزال قائمة. ٢ - أحدثت علمانية أتاتورك شرخاً كبيراً في الانتماء الإسلامي للمجتمع التركي، فأوجدت قطاعات من الجماهير تفضل العلمانية على الإسلام، وأظهر أحد استطلاعات الرأي الهامة أن نسبة ١٨% من الأتراك يثقون بالجيش التركي (حارس العلمانية) [٣١] ، مما أوجد موقفاً جماهيرياً لا يستهان به رافضاً للحجاب، وإن كانت الأغلبية تقبل به، وقد أحدث فوز الرفاه في انتخابات ١٩٩٤م حالة من القلق المتولد لدى العلمانيين وقطاعات من الشعب من إقدام الرفاه في حاله تولي السلطة على إجبار النساء على ارتداء الحجاب، واضطر أربكان لنفي ذلك تهدئة للأوضاع [٣٢] ، وعندما أعلن عن احتمال حدوث ائتلاف بين الرفاه والوطن الأم، قامت النساء المؤيدات للثاني بإرسال حجاب إلى زوجة يلماظ احتجاجاً على ذلك [٣٣] . ٣ - لا يتضمن الدستور التركي أي إشارة إلى الإسلام أو الشريعة؛ لذا ينطلق الإسلاميون من دفاعهم عن الحجاب ضد الدولة لا من أصله الشرعي الإسلامي، بل انطلاقاً من مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما يزيد الأمر صعوبة عليهم بخلاف الحال في معظم الدول الإسلامية الأخرى التي يعطي النص على الإسلام ولو باعتباره ديناً رسمياً في دساتيرها منطلقاً قوياً للإسلاميين في الدفاع عن الحجاب. ٤ - يتمثل جهد الدولة في محاربة الحجاب في وسائل عدة، نذكر منها: - إصدار قانون ١٩٨٧ يمنع دخول المحجبات إلى الجامعات، وينفذ القانون في ٨٢ جامعة تركية، وقد تم التراجع عن هذا القانون سنة ١٩٩١م [٣٤] من قِبَل البرلمان والمحكمة الدستورية، ولكن لم يمنع هذا من استمرار الحظر في جامعات كثيرة، ومن المعتاد أن نجد في كل عام دارسي القوات المدججة بالسلاح تحيط بالجامعة لمنع المحجبات، وتقوم الشرطة النسائية بإخراجهن بالقوة. - منع المحجبات من العمل في المؤسسات الحكومية، وقد تعرضت مئات الموظفات للفصل أو الإجبار على الاستقالة بسبب الحجاب [٣٥] . - اتخاذ بعض الإجراءات المحاصرة للحجاب مثل حظر ارتداء نساء العسكريين له، وعرقلة حصول المحجبة على جواز للسفر [٣٦] ، وتعرضت الكثيرات للسجن أكثر من مرة بسبب تبنيهن لهذه القضية [٣٧] . - حاولت الحكومة التركية في أواخر الثمانينيات مطاردة المحجبات خارج تركيا، فأرسلت طلباً للحكومة الألمانية بمنع الطالبات التركيات من ارتداء الحجاب، إلا أن ألمانيا رفضت للسبب ذاته الذي من أجله تطارد تركيا الحجاب وهو العلمانية! [٣٨] . ٥ - تتمثل المواجهة الإسلامية بدورها في وسائل عدة، نذكر منها: - رفض الامتثال لقوانين منع الحجاب في الجامعات ومحاولة فرضه بالقوة، والأمثلة عديدة وتتكرر بصفة دورية، ومنها: قيام مدير المعهد العلمي للتمريض في أحد المدن برفض قيام الطالبة الأولى بإلقاء خطبة الوداع في حفل التخرج؛ لأنها ترتدي الحجاب تحت قلنسوة التمريض، وحدثت مشادات كلامية رافقها استخدام الأيدي [٣٩] . وفي المقابل تُؤْثِرُ طائفة من المحجبات ترك الدراسة على خلع الحجاب [٤٠] ، ومن المعروف أن مروة قاوقجي أثناء الدراسة الجامعية تركت الدراسة في الجامعة التركية وذهبت إلى أمريكا لرفضها أن تخلع حجابها. - استخدام أسلوب التظاهرات المؤيدة للحجاب والمناهضة لرفض الحكومة له، ومن أمثلتها ما يسمى بسلسلة الحرية، والتي شارك فيها مائة ألف مواطن أمسكوا يداً بيد احتجاجاً على منع الحجاب ليشكلوا سلسلة تمتد من أنقرة إلى اسطنبول، إلا أنها قُطِعَت لتدخُّل البوليس في بعض المناطق، ولكنها وصلت في أماكن أخرى مثل مدينة " قيصري " إلى عشرين كيلو متراً [٤١] . - يستفيد حزب الرفاه من البلديات التي فاز بها في الانتخابات في تعيين عدد كبير من المحجبات في إداراتها إقراراً لوجودهن في المؤسسات الحكومية، كما يحاول مواجهة الدعارة والإباحية بوصف هذه المواجهة وسيلة غير مباشرة لنشر الحجاب من خلال غلق بيوت الفساد، وقام عمدة أنقرة بإزالة التماثيل العارية من الشوارع وقال بغضب: " إذا كان هذا هو الفن فأنا أبصق عليه " [٤٢] . - يعمد الإسلاميون أيضاً إلى إثارة قضية الحجاب إعلامياً وسياسياً بصفة مستمرة، والمثال القريب إصرار مروة قاوقجي على حضور جلسات البرلمان بالحجاب رغم المواجهة الشرسة والصياح الهستيري الذي كانت تتعرض له داخل البرلمان، ورغم تراجع نائبتين لحزبين آخرين عن حجابهما إذعاناً للضغوط، فقد تحولت مروة قاوقجي إلى رمز لقضية الحجاب والاضطهاد الديني، وحظيت بتعاطف الكثيرين معها محلياً ودولياً. ٦ - للحجاب في تركيا أشكال متعددة ومستويات مختلفة؛ ففي الريف والأحياء الشعبية تغطي أغلب النساء شعورهن ولكن من قبيل العادة والتقليد، ومن أكثر أنواع الحجاب انتشاراً حجاب يتكون من غطاء للرأس والرقبة، ومعطف (بالطو) طويل، ويُرتدى من تحته سروال، وقد يُرتدى معه قفازات للكفين، وتتخير المرأة ما تشاء من الألوان، وهذا الزي هو أكثر ما يميز ذوات التوجه الإسلامي. ويوجد النقاب أيضاً في أماكن كثيرة، إلا أن التركيات يُظهرِن من خلف النقاب العينين وجزءاً من الوجه إلى أسفل الأنف، ويقلن: إن ذلك أبعد من الفتنة! وإذا كان وضع الحجاب في مصر يتجه إلى مشابهة وضعه في تركيا فهناك دول إسلامية تسير ببطء نحو مشابهة الوضع المصري، ومن فاته بعض فصول حرب الحجاب في مصر يمكنه أن يشاهدها الآن في تلك الدول؛ حيث يعيدها التاريخ للحاضر مرة أخرى، مع تعديلات يسيرة في المصطلحات والشعارات، التي تعتبر من لوازم عصر حقوق الإنسان والألفية الثالثة! ولكن إلى أي مدى سيظل التاريخ يعيد نفسه هناك؟ سؤال للحكماء.

стр. 3428

وقفات من آفات القراء (٢-٢) أحمد بن عبد الرحمن الصويان في المقالة السابقة تحدثت عن أهمية القراءة ومكانة القرَّاء، وذكرت آفتين من آفات القراء هما: (قلة الصبر على القراءة والمطالعة) ، و (ضعف التركيز) . وفي هذه المقالة أذكر الآفة الثالثة بإذن الله تعالى. الآفة الثالثة: ضعف المنهجية في القراءة: المكتبة الإسلامية مليئة بحمد الله تعالى بالإصدارات العلمية في مختلف فنون العلم والمعرفة، وتحتوي على حصيلة كبيرة من الكتب والدراسات والأبحاث التي جاءت نتيجة جهود تراكمية متتابعة ومستفيضة تنمو عبر السنين. ويختلف هذا الإنتاج قوة وضعفاً، وأصالة وتقليداً، ولا يستطيع المرء مهما أوتي من ملكات وقدرات أن يغطي جزءاً يسيراً من ذلك النتاج الضخم. وقد يحار القارئ المبتدئ خاصة من أين يبدأ؟ ! وكيف يبدأ؟ ! ولذا كان الواجب على القارئ أن يرسم لنفسه منهجية واضحة للقراءة يدرك من خلالها إلى أين يسير.. وما أهدافه؟ ! ولعلِّي أذكر ها هنا الملحوظتين الآتيتين: الأولى: بناء القاعدة العلمية: إن ترتيب الأولويات من أهم المسائل التي تعين المرء على النجاح بشكل عام، ويتأكد ذلك في أولويات القراءة، وقديماً قال أبو عبيدة: (من شغل نفسه بغير المهم أضرَّ بالمهم) [١] . وكم أحزن على ذلك الشاب الذي لم يستقم عوده، ... ولم يشتد ساعده، ثم أراه يلقي بنفسه في بحر متلاطم الأمواج كيف يبحر فيه؟ ! وقد رأينا شباباً لم يقرؤوا بعدُ (كتاب الأربعين النووية) ، ثم تراهم يعزمون على قراءة (فتح الباري!) وأشباهه من كتب العلم. وجميل أن توجد هذه الهمة، لكن أحسب أن مآل هؤلاء في النهاية إذا لم يتداركهم الله بفضله: الشعور بالإحباط والعجز، ثم الملل والسآمة؛ لأنهم لم ينموا نمواً طبعياً يتدرجون فيه في درجات العلم بتدرج فهومهم وبصائرهم. ونظير ذلك من يبدأ بقراءة ما يسمى بـ (الكتب الفكرية) المتقدمة، دون أن تكون له حصيلة شرعية يميز فيها بين الغث والسمين، ودون أن يبدأ بالكتب الفكرية الميسرة التي تكمل بناءه العلمي والثقافي. والواجب أن يحرص القارئ في بداية الطلب على بناء القاعدة العلمية التي يبني فيها مداركه العقلية وملكاته العلمية بناءاً راسخاً متيناً. وبناء القاعدة العلمية يتطلب من القارئ جهداً كبيراً؛ فهو يأخذ من كل فرع من فروع العلم الرئيسة كتاباً أصيلاً يدرسه دراسة تفصيلية، ولا ينتقل منه إلى كتاب آخر إلا بعد أن يتقن أبوابه، ويعرف قواعده وفنونه، ثم إذا قرأ كتاباً آخر في الفرع نفسه كان كالبناء على تلك القاعدة والأساس. والقدرة على اختيار الكتاب المناسب لها دور بارز في اختصار المسافات في طريق القارئ الطويل. وكم من قارئ قد ضلَّ الطريق وحرم الوصول؛ لأنه أراد أن يصعد السطح بلا سلم، أو أراد أن يبني داره على أرض هشة غير مستقرة، ومن المفيد هنا التأكيد على أهمية استشارة أهل الاختصاص وأصحاب الخبرة لمعاونة القارئ المبتدئ في ترشيح الكتب المناسبة له، وقديماً سئل (فولتير) عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجاب: (الذين يعرفون كيف يقرؤون) [٢] . ومن اللطائف العجيبة أن ابن الجوزي كان يتكلم عن ضرورة ترتيب الأولويات لطالب العلم، ثم يقول: (قد علم قصر العمر وكثرة العلم، فيبتدئ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظراً متوسطاً لا يخفى عليه بذلك منه شيء. وإن صحَّ له قراءة القراءات السبعة، وأشياء من النحو وكتب اللغة، وابتدأ بأصول الحديث من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث كمعرفة الضعفاء والأسماء، فلينظر في أصول ذلك) [٣] ثم ساق ابن الجوزي علوماً يبدأ بها طالب العلم في عصره، قد يعجز عنها بعض المنتسبين إلى العلماء في عصرنا..! الثانية: بناء القاعدة الفكرية: ها هنا معضلة يقع فيها كثير من القراء، وهي أنه في أثناء القراءة لا يحرص على بناء فكره، وإحياء قدراته العقلية ولا يستحثها للنظر والتأمل، وإنما يقع أسيراً ينتظر التلقين من المؤلف، ويقف دائماً موقف المتلقي، ومثل هذا وإن حصل كمّاً من المعلومات فإنه ليس قارئاً جيداً؛ لأنه لا يملك البصيرة ولا القدرة على التمييز والموازنة بين اجتهادات العلماء والمفكرين. (فالتفكير هو الذي يجعل ما نقرؤه ملكاً لنا) [٤] . ونظير ذلك من يعتني بالحفظ وحده، ولا يلتفت إلى الفهم. والحفظ على الرغم من أهميته وضرورته؛ فإنه لا ينبغي الاكتفاء به، بل يجب تسخيره لخدمة الفقه والفهم، وقديماً عتب الإمام أحمد على بعض المحدثين بقوله: (ما أقل الفقه في أصحاب الحديث) [٥] ، ومن لطائف الأخبار في هذا الباب ما ذكره إسحاق بن راهويه حيث قال: (كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا، فكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا. فأقول: أليس قد صح هذا بإجماع منا؟ فيقولون: نعم. فأقول: ما مراده؟ ما تفسيره؟ ما فقهه؟ فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل) [٦] . إن بناء القاعدة الفكرية للقارئ من أشق المهمات التي تواجه القارئ الجاد؛ فليس كل كتاب يمكن أن يبني فكر الإنسان، حتى بعض الكتب المفيدة التي قد يستفيد منها القارئ مادة علمية قد لا يخدم ذلك البناء؛ وما أحسن قول الإمام ابن القيم: (الفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة) [٧] ، وهنا يأتي دور المعلمين والمربين في توجيه طلابهم والأخذ بأيديهم في الطريق القويم. وقديماً كان بعض العلماء يربي فكر الطالب ببعض مسائل الحساب والفرائض، ويحاوره بعويص المسائل، وهذا منهج نبوي أصيل في التربية والتعليم؛ فها هو ذا رسول الله ﷺ يسأل أصحابه: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟) [٨] . وبهذا يتبين أن القراءة الجادة هي قراءة التفهم والبصيرة والإدراك، ونعمة الفهم من أجلِّ النعم التي ينعم الله تعالى بها على العبد، و (رُبَّ شخص يفهم من النص حكماً أو حكمين، ويفهم منه الآخر مائة أو مئتين) [٩] . وكم جرَّ سوء الفهم على صاحبه من الخلل والاضطراب؛ وما أحسن قول الإمام ابن القيم: (ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة) [١٠] .

стр. 3429

المسلمون والعالم نهاية الجغرافية (سيادة) الدولة.. أم (سيادة) العولمة؟ ! حسن قطامش بعدما حصل (فوكوياما) الياباني على الجنسية الأمريكية كتب لهم (نهاية التاريخ) وقال: إن التاريخ سينتهي عند النموذج الأمريكي، وعندما أوصلت الولايات المتحدة (كوفي عنان) إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، كتب لهم عن (نهاية الجغرافية) . كتب كوفي عنان مقالاً طرح فيه أفكار أولياء نعمته الذين أتوا به إلى مكانه هذا، وهو فيما كتب لم يعدُ كونه ناقلاً للأفكار التي تريد الولايات المتحدة إيصالها إلى العالم الذي مازال فيه من يصدق ويعترف بفوقية الشرعية الدولية! ! ... يقول عنان: إننا في حاجة لملاءمة نظامنا الدولي بتصورة أفضل مع عالم فيه فاعلون جدد ومسؤوليات جديدة، إن سيادة الدولة بمعناها الأساس يتم إعادة تعريفها الآن على الأقل بوساطة قوى العولمة والتعاون الدولي، إن الحكومات تفهم الآن بشكل واسع بأنها أدوات في خدمة شعوبها، والعكس ليس صحيحاً. وفي الوقت ذاته فإن السيادة الفردية وأعني بها الحرية الأساسية لكل فرد التي تحظى بمرتبة القداسة ويحفظها ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية اللاحقة قد دعمها وعي منتشر ومتجدد بحقوق الفرد. وعندما نقرأ ميثاق الأمم المتحدة اليوم نعي أكثر من أي وقت مضى أن هدفه هو حماية الأفراد من بني الإنسان، وليس حماية من يظلمونهم ويسيئون معاملتهم. إن شعارات السيادة التقليدية وحدها ليست العقبة الوحيدة تجاه عمل فعال في الأزمات الدولية. كما أن الطرق التي تحدد بها الدول مصالحها القومية ليست بأقل أهمية؛ فقد تغير العالم بشكل عميق منذ نهاية الحرب الباردة، بيد أنني أخشى من أن مفاهيمنا عن المصلحة القومية لم تحذُ حذو هذا التغير؛ فهناك حاجة لوجود تعريف جديد أشمل للمصلحة القومية في القرن الجديد، مما يستحث الدول على إيجاد وحدة أكبر في السعي للأهداف والقيم العامة والمشتركة. وفي محتوى كثير من التحديات التي تواجه الإنسانية اليوم نجد أن المصلحة الجماعية الشاملة هي المصلحة القومية. وإذا ما علمت الدول المصممة على انتهاج السلوك الإجرامي أن الحدود ليست رادعاً مطلقاً وأن المجلس سيقوم بعملٍ مَّا لمنع أكثر الجرائم خطورة ضد الإنسانية عندئذ لن تنخرط هذه الدول في مثل هذا المسار مفترضة أنها ستفلت بفعلتها دون عقاب. إنه لا توجد مادة في ميثاق الأمم المتحدة تقف حائلاً دون الاعتراف بوجود حقوق فيما وراء الحدود! ! [١] . فالإرادة الدولية ترسم خريطة جديدة للعالم تتوافق مع التطورات العالمية، وهذه الخريطة الجديدة لن يكون بها حدود خاصة لكل دولة، بل سيصبح العالم كتلة واحدة متعاونة متكافئة متوازنة متراضية مسالمة آمنة! ! وبالرغم من تلك الصورة المشرقة لهذه الخريطة إلا أن رئيس منظمة الوحدة الإفريقية، الرئيس الجزائري، (بوتفليقة) ، أعرب عن عدم ارتياحه لما تخطط له القوى الجديدة لتحقيق أهدافها السامية! ! ففي مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) الذي عقد في بانكوك قال بوتفليقة مؤمِّناً على كلام عنان: إنه يجري حاليا رسم خريطة جديدة للعالم.. يتم استبعاد قارة هي (إفريقيا) منها بوضوح وببساطة وقد يبدو العجب حين يتذكر المرء أن هذه القوى الجديدة التي تريد أن تزيل جميع الحدود هي نفسها القوى التي رسمت الحدود ذاتها في بدايات القرن العشرين الميلادي، والتي ما زالت آثار هذا الرسم قائمة حتى الآن بإشكالاته وخصوماته. فما قصة هذه القوى مع الحدود؟ تزييف التاريخ: التاريخ يصنعه الأقوياء، وهذا مسلَّم به، سواء كانت القوة حسية أم معنوية، أما الضعف فليس له ثمر إلا التبعية والإذعان، والاستسلام والذلة، ومن هذا ... المنطلق، وبمقتضى السنن الإلهية، فإن الأقوى يفرض ما تطغيه به قوته، وما تدفعه إليه مصلحته، دون النظر إلى اعتبارات أخرى، خاصة إذا كانت القوة مادية بحتة. وتقود الولايات المتحدة العالم الآن، ومع استفرادها بالسيطرة بعد انتهاء الحرب الباردة، أطغاها هذا الاستفراد، فراحت تبالغ في التطاول على العالم، وأطلقت عليه كلب الرأسمالية المسعور (العولمة) . بيد أن الولايات المتحدة في هذا السعي الجديد لم تقف عند حد تعديل الجغرافيا، بل سبقت ذلك بتزييف التاريخ، بدعوى أنها صاحبة رسالة إلهية مفوضة بها في هذا التغيير. فهذا جورج واشنطن أول رئيس أمريكي في خطابه الرئاسي عام ١٧٨٩م يقول: (إنه موكل بمهمة عهدها الله إلى الشعب الأمريكي) ، وهذا ما قاله توماس جيفرسون في خطابه الرئاسي عام ١٨٠١م: (الأمريكيون شعب الله المختار) وهو ما يعني بلغة التوراة المحرفة صفوة العالم، لهم الحكم والهيمنة اختياراً أو قوة وقسراً. أما الرئيس (دوايت أيزنهاور) فقد خاطب أمته عام ١٩٥٣م قائلاً: (لمواجهة تحديات عصرنا حَمَّل القدر بلدنا مسؤولية قيادة العالم الحر) . الروائي الأمريكي هيرمان ملفيل (١٨١٩-١٩٨١م) قال: (نحن رواد العالم وطلائعه، اختارنا الرب، والإنسانية تنتظر من جنسنا الكثير. لقد بات لزاماً على أكثر الأمم أن تحتل المؤخرة. نحن الطليعة تنطلق إلى البرية لتقدم ما لم يقدمه الأوائل) . (ألبرت بيفريدج) عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي ألقى خطاباً في مجلس ولايته قال فيه: (إن الله لم يهيِّئ الشعوب الناطقة بالإنجليزية لكي تتأمل نفسها بكسل ودون طائل، لقد جعل الله منا أساتذة العالم! ! كي نتمكن من نشر النظام حيث تكون الفوضى، وجعلنا جديرين بالحكم لكي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهَرِمَة، وبدون هذه القوة ستعم العالم مرة أخرى البربرية والظلام، وقد اختار الله الشعب الأمريكي دون سائر الأجناس فهو شعب مختار يقود العالم أخيراً إلى تجديد ذاته) ! أما المفكر والقاضي الأمريكي أوليفر وندل هولمز (١٨٤١ ١٩٣٥م) فيقول: (الحق يمتلكه الشعب القادر على قهر الشعوب الأخرى) . وفي هذا السياق العولمي نفسه قال هنري كابوت لودج: (الدول الصغيرة شيء من تراث الماضي الذي عفا عليه الزمن ولا مستقبل لها) . كما اعتبر الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية أنفسهم شعباً مختاراً منذ قرون بقراءة كتابهم المقدس، إنهم بذلك النور والإرشاد للشعوب الأخرى؛ لأنهم الشعب المختار من الله؟ الفكرة الرئيسة: هي أن الله يساعد المختار، أما نجاحُه فلا يبدو لنا مسوَّغاً في عيون الرب فحسب، بل والطرق المستخدمة لتحقيق هذا النجاح يجب أيضاً أن تكون مسوَّغة! ! [٢] . وبهذا الادعاء للحق الإلهي في التصرف في شؤون العالم، وبأي طريقة كانت راح الأمريكان يشوِّهون وجه التاريخ ويزيفون حقائقه. العولمة.. ثور الرأسمالية الهائج: الرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية يقوم على أساس إطلاق الحرية الشخصية للفرد فيما يعمل وفيما يكسب، وفيما ينفق دون حدود أو قيود، ومن دون مراعاة لدين أو خلق، وتقوم على أساس تقديس الملكية الفردية، والبحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب، والمنافسة والمزاحمة في الإنتاج وفي الأسواق. وقد مرت الرأسمالية بثلاث مراحل مختلفة: الأولى: تبدأ من نهاية القرون الوسطى وحتى عام ١٩١٧م، وكانت تتسم تلك المرحلة باعتمادها على استنزاف موارد الدول الأخرى من خلال احتلالها العسكري. الثانية: ما بعد قيام الثورة الشيوعية عام ١٩١٧م وحتى انهيار المعسكر الشرقي عام ١٩٩٠م، وفيه حاولت الرأسمالية استخدام الأدوات التجميلية لوجهها القبيح حتى تستطيع الاستمرار في مواجهة المعسكر الاشتراكي. الثالثة: وهي التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي. وهنا ومع هذا الانفراد عادت إلى طبيعتها الأولى من نهب موارد الدول وخاصة العالم الثالث، ولكن بطرق أكثر إجراماً وخداعاً من خلال المؤسسات والمنظمات والاتفاقيات الدولية. وكان هذا الطور الأخير هو طور (العولمة) ، والعولمة كما يريدونها هي اتجاه العالم الآن ليصبح كياناً واحداً في كل المجالات، بدءاً من الاقتصادي وانتهاء بالثقافي، ومروراً بالسياسي والاجتماعي. هذه الإرادة الدولية الجديدة التي تحاول فرضها على الدول الضعيفة وأكثرها إسلامية تقبلتها هذه الدول بالخوف، وعدم القدرة على المواجهة وذلك لعدة أسباب: الأول: أن القوى الموجهة للعولمة هي قوى غربية (نصرانية ويهودية) ولهذه القوى تاريخ عداء مع المسلمين ضارب في القِدَم، ولا ينتظر لمستقبله إلا الزيادة في العداء [ «ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] [البقرة: ١٢٠] . ويقول تعالى: [إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] [الممتحنة: ٢] . ولم يكن الغرب أظهر منه، وأقوى على المسلمين من اليوم؛ فمع هذا الظهور لن يكون العداء إلا إلى زيادة الرغبة في الكفر، كما نصت آية الممتحنة. الثاني: أن هذه الدول التي تقود هذه العولمة هي نفسها التي أتت بنارها وحديدها لقتل المسلمين ونهب ثرواتهم والتنكيل بهم على مر عصور طويلة. الثالث: أن العولمة لم تتحول بعدُ إلى نظرية مستقرة؛ فهي ما زالت في طور التشكيل، والريبة من مراميها ما زالت كثيرة. الرابع: حجم القوة المادية التي تمتلكها، بل وتحتكرها وتتحكم فيها، فالتدفقات العالمية العالية، والتقنية الحديثة، والسيطرة على الموارد الطبيعية دون ملكيتها بالضرورة والسيطرة على وسائل الإعلام، واحتكار أسلحة الدمار الشامل، كل هذه جعلت حجم الخوف يتزايد لدى الدول الضعيفة. الخامس: انفراد المعسكر الرأسمالي بالعالم، فلم يعد هناك شرق وغرب، بل (غرب وغرب) . لا عزاء للدولة: إذا كانت الدولة عبارة عن مجموعة من الأجهزة، فيها ما يتكلف بالردع والعنف والمراقبة مثل الجيش والشرطة والقضاء والسجون.. إلخ وفيها ما يختص بالدعاية والتعبئة والتوجيه كالتعليم والإعلام والمؤسسات والأحزاب.. إلخ، فإن الدولة تضطلع بالقيام بواجبها في الحكم والتحكم في الأفراد، والمكان الذي يحدها، وهي التي تحتكر وسائل (العنف) إن جازت هذه التسمية التي تضمن من خلال هذه الملكية التحكم في (العنف) وهي المسؤولة عن (الفرد) في القيام باحتياجاته المادية والأدبية، كما هي مسؤولة عن حمايته، وحماية حقوقه المكفولة له. كما أنها القائمة على مراقبة الأنظمة والمعايير التي تكفل ضبط المعاملات المختلفة داخل الدولة، وبين الدولة وغيرها من الدول. هذه الخصائص وغيرها يندرج تحت مسمى: (سيادة الدولة) ومع الدعوة الجديدة المطروحة على لسان الأمين العام للأمم المتحدة من أن سيادة الدولة بهذا المعنى يتم إعادة تعريفها بواسطة قوى العولمة الجديدة، فإن الدولة سوف تتحول أمام هذه القوى إلى أداة لتيسير تحقيق تلك الأهداف. لقد كان لما تملكه هذه العولمة أو تتحكم فيه كالمنظمات الدولية، المؤتمرات الدولية، والشركات العملاقة، (العابرة للقارات) أو (متعددة الجنسيات) أو ... التكتلات الاقتصادية كالاتحاد الأوروبي، وحتى مشاريع السلام، كان لكل ذلك الأثر البالغ في تغيير شكل الدولة بصورة كبيرة، وأصحبت (الدولة) دولة كوميدية، أو دولة رخوة، لها المظاهر الخارجية لدولة ذات سيادة، ولها صورياً كل المهام التي كانت تقوم بها في السابق، لكنها في الحقيقة تقوم بعملية تكاد تنحصر في بيع مرافق الدولة، أو ما يسمى بـ (الخصخصة) . فلم تعد الدولة قادرة على أن تشكل ملجأً أو حاجزاً آمناً ضد الاقتصاد المسيطر على العالم، وأكثر من ذلك؛ فإن الدولة ذاتها تسعى للحصول على مكاسب مادية من ظاهرة العولمة، بيد أن هذه الدولة التي تحاول التلاؤم باستمرار مع هذه الظاهرة تجد نفسها ليست سوى وكيل في هذه العملية؛ فهي محاطة بقوى عالمية تخرج عن نطاق سيطرتها، مما يضعف من قدرة الساسة والقادة على صناعة القرار السياسي والاقتصادي؛ إذ يواجَهون بقوة الإنتاج العالمي والتمويل الدولي وأعباء المديونية الخارجية مما يحد من فرص القادة المحليين في التركيز على تحسين الظروف الوطنية في مواجهة الأشكال والممارسات التنافسية من الرأسمالية المعولمة. وهذا ما يعبر عن أبرز مظاهر ضعف السيادة الوطنية للدول واختراقها لعصر ما بعد الحرب الباردة [٣] . ولكن سيبقى الأمر الأهم في ذلك كله هو معرفة الهدف والمغزى من هذه المحاولة لرسم خريطة جديدة للعالم، والقضاء على سيادة الدولة، وكيف تحقق لهذه القوى إلى الآن إنجاز كثير من أهداف هذه الخطة؟ دين العولمة.. والدين: تنطوي العولمة في أساسها على إلغاء كل السلطات وأعلى هذه السلطات هي سلطة الدين؛ فكان سعي الرأسمالية الأهم متوجه إلى تنحية الدين، واستبداله بدين العولمة، أو كما أطلق عليها البعض: (وحدانية السوق) [٤] ، أو (عقيدة العولمة) [٥] . ولقد كانت النقطة الأساسية التي استندت إليها العولمة في انطلاقها، هي حسم الصراع مع الدين. تقول إحدى داعيات العولمة: (إن حسم الصراع بين الدين والدولة كان يعني البعد بالدين عن استقلاله الذي يحقق من خلاله أهدافاً وأغراضاً سياسية، كما أفاد هذا الحسم في استبعاد عوامل القهر والتعصب والجمود، ودحض دعاوي الحكم بالحق الإلهي الذي روَّج له بعض رجال الدين لإحكام سيطرتهم على الأفراد والمجتمع والدولة ومصادرة كل أنواع الحريات، وهكذا فإن حسم هذا الصراع والنأي بالدين عن النزاعات السياسية، كان نقطة فاصلة في تطور الديمقراطية منذ عصر النهضة، والذي كان له أكبر الأثر في تحرير العقل وترسيخ حرية الفكر. فعلى أنقاض فكرة الحكم بالحق الإلهي تعمقت الفكرة التي تؤكد أن الأمة هي مصدر السلطات، ومن هنا تطورت مفاهيم الديمقراطية الليبرالية، فالفلسفة الليبرالية تقوم على المذهب الفردي وتعظم قيمة الإنسان بصفته الفردية) [٦] . فالعولمة في سعيها لهدفها وبمقتضى العداوة الطويلة بين سادتها وبين الإسلام، أرادت القضاء على ما تبقى من الإسلام في نفوس الناس. ولقد كانت العولمة الثقافية من أخطر وجوه العولمة، والتي تُعنى بإذابة الفوارق العقدية والفكرية والسلوكية وطمس الهوية الإسلامية، والدعوة إلى الإباحية والانحلال. وكما يشير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة إلى أن العولمة تشير عادة إلى تدفق التجارة ورأس المال على الصعيد الدولي. ولكن انتشار الثقافات على الصعيد الدولي كانت له على الأقل أهمية انتشار العمليات الاقتصادية نفسها. واليوم، هناك ثقافة عالمية آخذة في الظهور، ومن خلال العديد من وسائط الإعلام من الموسيقى والسينما إلى الكتاب فإن الآراء والقيم الدولية تختلط بالهويات الوطنية وتلونها بطابعها. وقد شهد انتشار الأفكار عبر التلفزيون والفيديو تطورات ثورية، وهناك الآن أكثر من ١. ٢ بليون جهاز تلفزيون في جميع أنحاء العالم، وتصدر الولايات المتحدة أكثر من ١٢٠. ٠٠٠ ساعة من البرامج التلفزيونية سنوياً إلى أوروبا وحدها، وتنمو التجارة العالمية في البرامج بأكثر من ١٥% سنوياً. وتفرض الثقافة الشعبية الآن ضغوطاً أقوى من أي وقت مضى. ومن مانيلا إلى ماناغوا، ومن بيروت إلى بكين، وفي الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، أصبحت أشكال الزي (الجينز، وتصفيفات الشعر الخاصة، والـ (تي شيرت) ، والألعاب الرياضية، والموسيقى، والعادات المتعلقة بتناول الطعام، والمواقف الاجتماعية والثقافية، أصبحت كلها تشكل اتجاهات عالمية. وحتى الجرائم سواءاً أكانت تتصل بالمخدرات، أو بإساءات معاملة المرأة، أو الاختلاس، أو الفساد أصبحت تتجاوز الحدود، ومتشابهة في كل مكان. لقد انكمش العالم في أوجه عديدة [٧] . إن الدعوة لإنهاء الجغرافيا تهدف في أساسها إلى حرية الوصول إلى كل الأرض دون عوائق أو معارضة، أو حتى إلى تأشيرة دخول أو زيارة سياحية؛ إنها استباحة مطلقة، ولن تعدم قوى العولمة حجة أو تكأة للوصول إلى أغراضها في أراضي المسلمين وحرب الإسلام في أرضه. إله المصلحة: (لا تحدثني عن التاريخ أو عن الحق أو عن الكرامة، أوعن الحرية، وإنما حدثني عن المنفعة وعن القوة) هذا أحد المبادئ المترسخة لدى قوى العولمة، وبما أن الجشع وحب التملك والقضاء على الغير من أجل المصلحة الفردية، هي أبرز سمات الرأسمالية، وحيث إن العولمة ثورها الهائج فقد ارتفعت قيمة هذه السمات، وزادت حدتها مع زيادة قدرات الوسيلة الجديدة للرأسمالية. بيد أن العولمة في ظاهرها خبيثة خائبة، خبيثة في أنها تحمل شعارات براقة ووعوداً وأمانِيَ بالرخاء والسعادة لكل البشر، فانخدع بها الضعفاء والمقهورون، فزادتهم غماً إلى غمهم. وخيبة العولمة في خسارتها السريعة جداً لتلك الشعارات البراقة التي رفعتها، وما ذلك إلا لارتفاع وتيرة الجشع فيها حين نادى (العالميون) بإنهاء الجغرافيا وإزالة سيادة الدولة على حدودها، كان ظاهرها الرحمة والشفقة على حقوق الإنسان (فمجرد طفل جائع يبكي في أدغال إفريقيا مثلاً يستثير العطف وحركات المشاركة الوجدانية وغير الوجدانية لدى بعضٍ على ضفاف نهر الدانوب أو الرور أو المسيسيبي، وعلى ذلك قس. ليست القضية تدخُّل هذه الدولة في الشأن الداخلي لتلك الدولة بقدر ما هو الشعور المتنامي بالمصير المشترك لبني الإنسان! ! إن العولمة المعاصرة سوف تؤدي في النهاية إلى حرمان الدول من حق السيادة المطلقة وصولاً إلى مفهوم جديد للسيادة يركز على العالم أجمع بصفته الوحدة السياسية التي تحل محل الدولة التقليدية المعتادة) [٨] . ولا ندري هل نذكِّر أولئك الدعاة بما قاله بوتفليقة أم نحيله على مآسي إفريقيا التي لا تنقطع في مدنها وقراها وليس في أدغالها؟ حق الإنسان.. أم التدخل والاحتلال: تصدر وثيقة إعلان حقوق الإنسان عن أربعة مبادئ أساسية: ١- يولد الناس ويظلون أحراراً متساوين في الحقوق. ٢- يمكن للناس أن يفعلوا كل ما لا يضر بالغير؛ وبناء على ذلك يمكنهم أن يفكروا ويتكلموا ويكتبوا ويطبعوا في حرية. ٣- للمواطنين الذين تتكون منهم الأمة الحق المطلق في إدارتها. ٤- يجب على الأمة صاحبة السلطان أن تضع نصب أعينها دائماً حقوق الأفراد من جهة، والمصلحة العامة من جهة أخرى [٩] . بالنظر إلى هذه المبادئ نجدها في ظاهرها تحافظ على حقوق الإنسان، ولكن بالنظر إلى الواقع نجد أن الدساتير والمواثيق الوضعية لم تتناول تحديد الحقوق بشكل قانوني واضح، وإنما عمدت إلى الحرية والمساواة بأسلوب عاطفي أدبي مما يزيد من مرونة السلطة الحاكمة في إقرار بعض الحقوق، أو عدم إقرارها في المجتمع، وليس أدل على ذلك من التفرقة التي تمارسها الدول الديمقراطية التي تدعي دفاعها عن حقوق الإنسان، أو السياسة الاستعمارية البشعة التي يمارسها العديد من الدول الكبرى في العالم. علاوة على أن المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة عام ١٩٤٨م، والعهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة عام ١٩٦٦م، لم تنص صراحة على الوسائل الكفيلة بضمان حقوق الإنسان، واكتفت بالنص على ضرورة صيانتها فقط. فعلى الرغم من إقرار الإعلان العالمي، والعهد الدولي لحقوق الإنسان المتعلقة بشخصه وبدنه، وحرية تفكيره، وعدم اعتقاله اعتقالاً تعسفياً، وعدم تعذيبه أو حبسه بدون نص قانوني، إلا أن الإعلان الدولي لم يحدد الوسائل الدولية لكفالة تمتع الإنسان بحقوقه وحرياته المقررة فيه، وهذا ما يجعل حقوق الإنسان خاضعة لاعتبارات ذاتية، ترتبط بمصلحة الدولة، أو مصلحة الحكام، دون النظر إلى الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بإقرار الحقوق والواجبات [١٠] . إن آثار العولمة على الإنسان، وحقوقه التي تم تجاوز الحدود الجغرافية للمطالبة بها كانت لها آثار سيئة للغاية؛ فقد كان إهمال البعد الاجتماعي سمة جوهرية من سمات العولمة؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه أرباح هذه الشركات والفئات المرتبطة بها على نحو فلكي، تتدهور الأحوال المعيشية للعمال وللطبقة الوسطى بشكل صارخ بعد إلغاء الدعم وزيادة الضرائب غير المباشرة وخفض النفقات الحكومية ذات الطابع الاجتماعي (على التعليم والرعاية الصحية ومشروعات الضمان الاجتماعي) وبعد تخصيص كثير من مشروعات الحكومة وأنشطتها، فقد أصبح ينظر الآن إلى مشاركة العمال ذوي الياقات الزرقاء والبيضاء في ثمار التقدم التكنولوجي ونمو الإنتاجية في عالم ما بعد الحرب وإبان دولة الرفاه ونظم الاشتراكية الديمقراطية وأثناء الحرب الباردة على أنه كان تنازلاً من جانب رأس المال لم يعد له الآن ما يسوِّغه، وأن مراعاة البعد الاجتماعي واحتياجات الفقراء أصبحت أعباءاً لا تطاق. لا عجب، والحال هذه، أن تتزامن العولمة مع عمليات إثراء لم تشهد لها الرأسمالية مثيلاً من قبل إلى جانب عمليات إفقار شديد للعمال وللطبقة الوسطى تذكرنا بالمراحل الأولى لنشأة الرأسمالية. ويبدو أن هذا التناقض الذي يستفحل سنة بعد أخرى سوف يخلق احتمالات قوية لإحياء كثير من أشكال الصراع الطبقي وإعادة تكوين القوى المناهضة لهذا الوجه اللاإنساني للرأسمالية المعولمة، خاصة بعد أن كثر الحديث في الآونة الراهنة عمَّا يسمى بـ (ديكتاتورية العولمة والسوق) من جانب عدد كبير من المفكرين والسياسيين والكتاب الذين أزعجتهم هذه الأوضاع الاجتماعية. ومع اتساع حرية الحركة لرأس المال عبر الحدود دون أية عوائق عمدت كثير من الشركات دولية النشاط ومتعددة الجنسية إلى نقل مصانعها من بلادها الأصلية؛ حيث ترتفع أجور العمال وينخفض متوسط معدل الربح، إلى البلاد النامية حيث انخفاض الأجور وتوفر المزايا العديدة التي ترفع من معدل الربح. وكان لذلك بلا شك علاقة واضحة بزيادة بطالة عمال هذه المصانع. أضف إلى ذلك أن الثورة التقنية الهائلة المرافقة للعولمة قد أدت إلى خلق اتجاه لا رجعة فيه للاستغناء المتواصل عن العمالة وإلغاء كثير من المهن والوظائف بعد إحلال الآلة مكان الإنسان [١١] . وهكذا رفع عديد من الساسة والكتاب في الغرب دعوات تقول: إن زيادة معدلات البطالة، والفقر في الدول الصناعية تقتضي (عدم تبديد الموارد في ... الخارج) أي: عدم توجيه معونات للدول المهمشة التي كانت تعرف بالدول النامية. ... وهكذا فإن (المجتمعات العاجزة عن إنتاج غذائها، أو شرائه بعائد صادراتها ... الصناعية مثلاً لا تستحق البقاء، وهي حالياً عبء على البشرية يمكن أن يعرقل تقدمها الذي حكمه دائماً قانون: البقاء للأصلح، ومن ثَمَّ يجب إسقاط البلاد التي تعيش رغم كل المساعدات في حال فقر الأغلبية من سكانها يجب إسقاطها، من حساب هذه الشركات (الكوكبية) ، وأن تترك وشأنها، ولا تُمنح أية معونات تنمية اكتفاءاً بالمنح الإنسانية في الظروف الاستثنائية) [١٢] . هذا وقد اعترف الرئيس الأمريكي بأثر العولمة السيِّئ على الإنسان وحقه، فيقول كلينتون: إنه لا بد من مراعاة ظروف الإنسان الذي يدفع منذ أعوام ثمناً باهظاً للعولمة، هذا الإنسان غير مستفيد منها حتى الآن، وفي الغالب لن يستفيد منها قبل مرور وقت طويل، إنما يدفع أكثر مما دفعه الفلاحون في بدايات عصر الثورة الصناعية من قمع وفقر وانتزاع من المكان والهوية والتاريخ، ويدفع أكثر مما دفعه العامل الصناعي في جميع تجارب التصنيع من ظلم وأمراض واغتراب [١٣] . هذا الاعتراف من رئيس القوى الموجهة للعولمة يصادق على ما ذكر من شراسة العولمة وأنها أخطر وأقبح مراحل الرأسمالية، ويصادق كذلك على أن هذه القوى كاذبة في دعواها أن هدفها الأساس من إلغاء سيادة الدول إنما هو لحماية حقوق الإنسان، وأن المواثيق التي تكلم عنها عنان والتي تحظى بمرتبة القداسة لم ترفع بعد من أكوام (الكناسة) . إن الدعوة إلى التدخل في سيادة الدولة بحجة حماية الحقوق الإنسانية ليست إلا حجة واهية لاستعمار جديد بصلف ووقاحة. الشركات (ناهبة) القارات! ! في صورة بالغة للجشع والطمع عاد الإقطاع بوجه آخر، ورغم نعومته وبهاء رونقه إلا أن هذه المساحيق لا تخفي ما وراءها من قبح. فمن خلال الاستناد إلى نظرية (نهاية الجغرافية) وجعل العالم سوقاً واحدة وكتلة واحدة يتحرك فيه كل شيء دون قيود ظهر ما يسمى بالشركات (متعددة الجنسيات) أو (العابرة للقارات) ، لقد انتهزت الرأسمالية سقوط الشيوعية وأطلقت وحوشها الكاسرة على البشر تنهبهم، وتسلبهم حقوقهم؛ فقد شهد الاقتصاد العالمي منذ منتصف السبعينيات العديد من التغييرات السريعة والمتلاحقة، وقد تسارعت وتيرة هذه التغييرات ومنحاها بشدة منذ نشأة منظمة التجارة العالمية في يناير ١٩٩٥ م، وعلى رأس هذه التغييرات ازدياد النزعة إلى الاندماجات الكبرى والتي بدأت في البروز خلال حقبة التسعينيات. ففي عام ١٩٩٨م تم عقد ٨٩ صفقة اندماج تزيد قيمة كل منها على المليار دولار، وذلك مقابل ٥٨ صفقة مماثلة في عام ١٩٩٧م، ٤٥ صفقة في عام ١٩٩٦م، ٣٥ صفقة في عام ١٩٩٥م، وقد تركزت هذه الصفقات في قطاعات الخدمات المالية والتأمين والاتصالات والتكنولوجيا الحيوية. وبلغت قيمتها الإجمالية في عام ١٩٩٨م ٥٤٤ مليار دولار، بزيادة ٦٠% عن عام ١٩٩٧م الذي قدرت قيمة الصفقات التي تمت خلاله بنحو ٣٤٢ مليار، مقابل ٢٧٥ مليار عام ١٩٩٦م و٢٣٧ مليار عام ١٩٩٥م. وقد أدى ذلك إلى ازدياد سيطرة الشركات متعددة الجنسية على مقاليد الأمور بالأسواق الدولية، وهناك الآن ٣٥٠ شركة كبرى تستأثر بما نسبته ٤٠% من التجارة العالمية، بل إن ثلث التجارة العالمية تتم بين هذه الشركات وفروعها في البلدان الأخرى. وبلغت الحصة المئوية لأكبر عشر شركات في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية ٨٦% من السوق العالمي، وبلغت هذه النسبة ٨٥% في قطاع المبيدات، وما يقرب من ٧٠% في قطاع الحاسبات الآلية، و٦٠% في قطاع الأدوية البيطرية، و٣٥% في قطاع المواد الصيدلانية، ٣٢% في قطاع البذور التجارية [١٤] . فلم يكتف العالم المتقدم بإقامة تكتلات اقتصادية بين الدول كالاتحاد الأوروبي، والنافتا [١٥] في أمريكا فقام بتطوير أشكال التكتل كي يضمن الهيمنة المطلقة على السوق الدولية. ومن هنا فإن اندماج الشركات دولية النشاط من شأنه أن يحكم السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية لصالح قطب واحد. هذه الشركات تسعى للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير والانتشار الجغرافي في توسيع أسواقها وتخفيض تكلفة الإنتاج والنقل وإعادة تقسيم العالم على المستوى الدولي بما يدعم كفاءتها الاقتصادية وفرض سيطرتها على الأسواق. هذه الشركات أصبحت تتضخم بشكل مفزع من خلال الاندماجات السريعة والمتلاحقة؛ حيث أصبح العالم أمامها سوقاً واحداً. على سبيل المثال: سوق السيارات سوف تسيطر عليه أقل من عشر شركات في العالم في ثلاث دول متقدمة. لقد أصبحت هذه الشركات هي التي تتحكم في تدفقات كتل الأموال والأسهم والسندات وتحركاتها، وفي أسواق الأوراق النقدية المصرفية بعيداً عن العملات الوطنية حتى للدول الكبرى، ومخترقة بذلك حدود البنوك المركزية وقدراتها، حتى في الدول الكبرى أيضاً. لقد كانت هذه الشركات هي اللاعب الرئيس وراء اتفاقيات الجات عام ١٩٩٤ م وانتشار منظمة التجارة العالمية من أجل الدفع بقوة بما يعرف بتحرير الأسواق والتجارة العالمية وتدفقات السلع والمنتجات والأموال السائلة والأوراق المصرفية والمواد الإعلامية والإعلانية. إن هذه الشركات تعتبر الأرض كلها سوقاً كبيراً لها بما فيها وبما عليها، وتتنافس هذه الشركات في اقتسام هذه (الأراضي) دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق. هذه الشركات أصبحت رأس الحربة للسياسات الاستعمارية الجديدة التي ترسمها القوى الدولية الرأسمالية فلم تعد في حاجة إلى قوات مسلحة ضخمة وقوية لتأمين مصالحها الخارجية؛ إذ أصبحت قوتها الاقتصادية تمكنها من دخول أية دولة، وتتيح لها أن تمد نشاطها إلى مختلف أنحاء المعمورة مستخدمة في ذلك رشوة كبار المسؤولين وذوي النفوذ السياسي وسلاح الإعلام على نطاق واسع، وربما يفسر هذا عمليات خفض نفقات التسليح والإلغاء التدريجي للجيوش المعتمدة على ... (الخدمة الوطنية العسكرية) ، والتحول إلى جيوش محترفة قليلة العدد نسبياً وذات تكنولوجيا بالغة التعقيد. ورأسمالية اليوم لم تعد في حاجة إلى الدولة في مجال خدمات الأمن الداخلي، وفض المنازعات المدنية، وخدمات البريد والاتصالات. والأكثر من هذا أنه في ضوء التطور المذهل الذي حدث في نظام النقد الدولي وتعويم أسعارالصرف وتحرير القطاع المالي، والاستخدام الواسع لبطاقات الائتمان Credit Cards لم تعد الدولة مسيطرة على الكتلة النقدية داخل حدودها، حيث انتزعت قوى السوق من إطار سيادة الدولة حق إيجاد النقود وضبط عرضها. بل إن تآكل قوة الدولة وسلطتها تبدو الآن بشكل جلي فيما تمخض عن العولمة من إضعاف شديد لفاعلية أي سياسة اقتصادية كلية تراها الدولة صالحة لاقتصادها المحلي ما لم تشاركها في ذلك الشركات متعددة الجنسية. هذه الشركات نادراً ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة (أي طويلة الأجل) ، وإنما تدخل بما يعرف (بالأموال الطائرة) في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة العائد، والتي تحقق لها عوائد هائلة دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية، بل ربما يحدث مثلما حدث في دول النمور. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة، فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من ... التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، مما يعرقل الاقتصاد المحلي. أضف إلى هذا أن جل أنشطتها يقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد. إن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي [١٦] . إن الاتفاقيات والمنظمات الدولية التي سعت هذه الشركات إلى قيامها وإقرارها تعطي لها الحرية المطلقة في فعل ما تشاء داخل الدولة المستقبلة لها، وشد يد الحكومات في إقرار أية إجراءات أو سياسات تتعارض مع توجهات هذه الاستثمارات عن طريق إزالة كافة الحواجز والعوائق التي تحول دون الحصول على أقصى منفعة من هذه الدول. وقد سعت هذه الشركات (الناهبة) للقارات ومن ورائها قوى العولمة الجديدة إلى عدم حل أزمة الديون الخارجية للبلاد النامية، وإنما الاكتفاء بإدارة الأزمة على النحو الذي يجعل هناك؛ ضماناً لاستمرار هذه الدول في دفع الفوائد المرتفعة والأقساط المستحقة باعتبار أن منفذ (الإقراض) بأسعار الفائدة المعومة والمرتفعة ما يزال مربحاً لرؤوس الأموال الفائضة. كيف يواجه الضعفاء؟ في ظل هذا الواقع الضاغط بشدة على الدول لتغيير خرائطها وقيمها: ماذا تفعل الدول الضعيفة، والدول الإسلامية والعربية داخلة كلها تحت هذا المسمى؟ إن دولاً كثيرة من هذه الفئة لم تبلغ بعد إلى أن يعترف بأنها (دولة) بصورة كاملة، فقد عجزت عن إنجاز مهمات الدولة، وأخفقت فيها أيما إخفاق وضاعف من هذا الإخفاق مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي والإداري والاستبداد. لقد أهدرت الثروات النفطية والأرصدة الدولارية في مظاهر الاستهلاك والترف وصفقات السلاح الضخمة التي تستخدم غالبا للقمع للداخلي وإرهاب الشعوب. إن دولاً أو كيانات بهذا الوصف لن تستطيع الصمود أمام هذه الوحوش الكاسرة، وإن كان هناك بعض الدول التي تميزت بقدرات عالية في التصنيع والتطور التقني والتصدير مثل كوريا الجنوبية وتايلاند وماليزيا، وقد حدث لها ما لا يخفى في مواجهة هذه القوى، فكيف بمن هي دونها؟ إن هذه الدول في حاجة إلى الاعتصام بالله ودينه وتطبيقه في الحياة قولاً وعملاً، حكماً وتحاكماً، إن هذا الاعتصام بحبل الله كفيل مع السعي للأخذ بوسائل الإصلاح والتغير بمواجهة هذه القوى. نهاية الجغرافية أم نهاية العولمة؟ أفاق العالم أخيراً من سكرة (العولمة) فقد ظل العالم في حال غيبوبة، وافتقاد للتوازن، خلال التسعينيات؛ إذ كانت أدوات العولمة (النشطة) تتمثل في دس ... ... (السم في العسل) ، وتقدم للعالم صورة وردية لمستقبل العالم في ظل العولمة؛ وذلك تحت شعار (العولمة السعيدة) على حد ما جاء في بعض الكتابات التبشيرية هنا وهناك. وهكذا كان العالم خلال التسعينيات في حال تخدير، ولكن عند نهاية التسعينيات تخمرت تناقضات العولمة في الشمال والجنوب، وأفاق العالم من غفوته، وأطلق صيحته المدوية في سياتل ضد ترتيبات واتفاقات (منظمة التجارة الدولية) ، والاعتراض على إطلاق جولة جديدة للتفاوض بشروط بلدان العالم الأول، والولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً. وجاءت الشعارات والهتافات التي ملأت شوارع سياتل لتعكس معاني عدة في مقدمتها: العالم لن يتحول إلى سلعة يتداولها الأقوياء. الناس والشعوب قبل الأرباح. والكل يعلم أن هذه التظاهرات الكبرى لم تكن تظاهرات للرعاع أو الطلبة المتحمسين، أو (المراهقين السياسيين) ، بل كان قوامها جمهرة عريضة محترمة من النقابيين والمهنيين، وقيادات المجتمع. وليس هناك من شك في أن الاجتماع الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية في سياتل أخفق إخفاقاً ذريعاً ومدوياً؛ إذ عجز المؤتمر عن إصدار (بيان ختامي) يحدد أسلوب عمل المنظمة وأدواتها مع بداية الألفية الثالثة، كذلك لم يُفلح في إطلاق جولة جديدة من مفاوضات تحرير التجارة كما كان مقرراً! ولعل أهم نتائج ... (معركة سياتل) كما أطلق عليها أن أية جولة جديدة من جولات التفاوض حول مزيد من تحرير التجارة الدولية لن يتم بالسهولة التي كانت تتصورها الولايات المتحدة. إن حركة الاعتراض التي ظهرت في سياتل ضد منظمة التجارة العالمية ... (سوف تنتشر من الآن فصاعداً في أنحاء الأرض كافة) . كما أن عدم نجاح مؤتمر سياتل يعكس بداية تفجر تناقضات العولمة، وبخاصة عدم التوازن بين مصالح البلدان المتقدمة والبلدان النامية، وإعادة توزيع عناصر القوة فيما بين بلدان العالم الأول. وفي طوكيو قالت الصحف اليابانية: إن تعذُّر نجاح المؤتمر ألقى مياهاً باردة على الثقة المفرطة التي أبدتها الولايات المتحدة، وأثبت أنه لا يمكن التوصل إلى إطار عمل لتحرير التجارة على الصعيد العالمي من دون الأخذ في الاعتبار مصالح الدول النامية والقوى الاقتصادية الأخرى في العالم، إن المؤتمر كان فرصة للدول المتقدمة والنامية لكي تقول: (لا) للولايات المتحدة التي اتصفت تصرفاتها بالأنانية والصلف والغرور، لكونها القوة العظمى الوحيدة في العالم. ولعل أهم منجزات هزيمة (مؤتمر سياتل) هو إبطاء الهرولة نحو الاندماج في مسيرة العولمة من دون تأمل ورَوِيَّة. ولعل من المفارقة أن نقد ممارسات العولمة بدأ في العالم الأول، وعلى المقيمين خارجها أن يراعوا فروق التوقيت! ! ولعل الشعار الذي رفعه المعادون والمتظاهرون: (لا نريد تجارة حرة بل نريد تجارة عادلة) ولعل التأمل في مغزى الفرق بين تجارة حرة، وتجارة عادلة هو فرق كبير؛ لأنه قد تكون الحرية بلا عدالة؛ ولأن الحرية التي لا تقود إلى العدل والإنصاف ليست إلا شعاراً براقاً أجوف لا يحقق الاستقرار والتوازن على الصعيد العالمي [١٧] . وأخيراً: فإن الإسلام لا يعترف بالحدود الجغرافية؛ إذ إن مجاله كل الأرض، بيد أن الإسلام دين الرحمة ودين العدل، ونحن على وعد من الله تعالى إن استقمنا بالتمكين والسيطرة على كل الأرض: [وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ......] الآية [النور: ٥٥] . وكما بشر النبي ﷺ : (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر) [١٨] ، لكن ليس بأنياب العولمة ولا بوسائل الشركات عابرة القارات عفواً (ناهبة القارات) .

стр. 3430

المسلمون والعالم الأوضاع السياسية في سيراليون عثمان محمد بيسي تقع سيراليون على الساحل الغربي من إفريقيا وعاصمتها فريتاون، وأراضيها قليلة الموارد، والمناخ عموماً رطب. تحازي الساحل على المحيط الأطلسي أحراش ومستنقعات. عدد سكانها عام ١٩٩٦م حوالي خمسة ملايين نسمة، نسبة المسلمين فيهم ٣٠%، ونسبة النصارى ١٠% والبقية ٦٠% من ديانات ومعتقدات أخرى. وفيما يلي نتحدث عن «كارثة الصراع على السلطة وأثرها على الإسلام والمسلمين» : ١ - تاريخ الانقلاب وأسبابه: قام صغار العسكريين من الجيش بالتعاون مع السجناء بانقلاب عسكري على (تيجاني كابا) أول رئيس مسلم يحكم سيراليون منذ الاستقلال في ٥٢/٥/ ١٩٩٧ م، ففرّ الرئيس المدني المنتخب إلى جمهورية غينيا المجاورة. ذكر المتمردون أسباباً لقيامهم بالانقلاب تتلخص في خمس نقاط كلها مزاعم في عدم اهتمام الحكومة المدنية بالجيش، واتفاقية السلام مع المتمردين، والصحافة، وتباطؤ الحكومة في دفع الزيادات على رواتب العمال والموظفين، ونحو ذلك. أصدرت الحكومة المدنية بياناً ردت به على جميع مزاعم الحكومة الانقلابية بما اقتنع به الشعب والجمهور. انقسم المحللون لدوافع الانقلاب إلى ثلاثة أقسام: فمنهم من يرى أن الدافع قَبَلي إقليمي لكون الرئيس المدني من حزب إقليمَيْ شرق البلاد وجنوبها، والمتمردون شماليون، ومنهم من يراه سياسياً لخوف رؤساء الأحزاب غير الفائزة على استقرار الحكومة للرئيس الحالي؛ فلا ضمان لمستقبل أحزابهم، ومنهم من يراه دينياً لكون الرئيس أول حاكم مسلم للبلاد، وَوُفِّقَ في تخليص البلاد من كثير من مشاكلها في وقت قصير، والمتمردون وحكومتهم كلهم نصارى. ٢ - الانقلاب والرأي العام: كان الرأي العام الداخلي والخارجي مضاداً للانقلاب العسكري هذا؛ مما أدى إلى قيام الشعب عامة بالإضراب عن العمل في الدوائر الحكومية وغيرها، وإلى قيام مظاهرات جماعية من فئات متعددة في البلاد أكثرهم طلاب الجامعات، فقابلتهم الحكومة الانقلابية بالقمع والمذابح الرهيبة للسيطرة على البلاد. كذلك يوجد انقسام داخل الجيش، وحدوث اصطدامات بين الانقلابيين وميليشيات الحكومة المدنية في الأقاليم. كان الغرض من إنشاء الميليشيات هو الدفاع المدني أمام خطر المتمردين في البلاد، فأفراد هذه الميليشيات كانوا صيادين يتدربون على حمل السلاح لمقاومة المتمردين، وهم متطوعون ملتزمون بالصدق والأمانة والإخلاص، ولذلك أحبهم الشعب وأبغضتهم قوات الجيش التي دأب أفرادها على النهب والسلب عقب أي مصادمات بينهم وبين المتمردين. استعان الرئيس المدني المسلم بهذه الميليشيات في إخماد نار فتنة المتمردين، فكان ذلك من أسباب تحالف بعض قوات الجيش مع المتمردين محتجين بأن الحكومة المدنية آثرت المليشيات عليهم. تَكَوَّنَ بعد الانقلاب «قوات الدفاع المدني» من الميليشيات خارج سيراليون بغية إعادة الحكومة المدنية إلى الحكم. هذا ولا يخفى على من كان يتابع أخبار سيراليون أيام الانقلاب أن جميع الأسرة الدولية أدانوا الحكومة الانقلابية، وأنكروا عليها، ولم يعترفوا بها. ٣ - الجهود الدولية والمحلية لحل الأزمة: كان أول مسعى لحل الأزمة بعد الانقلاب مباشرة ما قام به سفراء دول نيجيريا، وبريطانيا، والقائم بأعمال السفارة الأمريكية، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة، وبعض السياسيين البارزين الذين عقدوا لقاءات مع قادة الانقلاب إلا أن جميع مساعيهم باءت بالإخفاق. واستجابة لنداء الرئيس (تيجاني كابا) أصدر زعماء دول غرب إفريقيا أمرهم بزيادة عدد وحدات قوات حفظ السلام الإفريقية في المنطقة، فاستولوا على مناطق استراتيجية في البلاد. وبناءاً على قرار القمة الثالثة والثلاثين لمنظمة الوحدة الإفريقية، وانعقاد مؤتمر وزراء خارجية الدول الأعضاء في كوناكري تم إصدار قرار يقضي بإعادة الحكومة المدنية الشرعية لسيراليون ولو اقتضى الأمر استعمال التدخل العسكري. واستناداً إلى القرار السابق تم تشكيل لجنة وزارية رباعية من وزراء خارجية نيجيريا، وساحل العاج، وغانا، وغينيا، كما تمت المصادقة عليه من قِبَلِ مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة. بدأت اللجنة الوزارية الرباعية تنفيذ القرارات بالحوار مع الحكومة الانقلابية، وانتهى بالخداع والانهيار من قِبَلِ الانقلابيين مما يستدعي التدخل العسكري؛ إلا أن الشعب يأمل في التفاوض السلمي خوفاً من إزهاق المزيد من الأرواح وتدمير مقومات البلد. المساعي الدبلوماسية بعد إخفاق المحادثات في أبيدجان: دعا رئيس مجلس المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إلى قمة حول أزمة سيراليون، وقررت القمة فرض الحصار والعقوبة الاقتصادية على الحكومة الانقلابية، وأصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يؤيد قرار قمة إفريقيا، ويعمم تطبيقه على جميع دول العالم تأييداً لقرار قمة إفريقيا. أما بريطانيا فأظهرت رغبتها في إقصاء النظام الانقلابي عن السلطة بكل الوسائل الممكنة قبل استعمال القوة. اجتمعت اللجنة الوزارية الإفريقية الموكلة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن في كوناكري مع النظام الانقلابي، وشارك في الاجتماع رئيس المتمردين (سانكو) وامتاز هذا اللقاء الثالث بإحراز تقدم ملموس أدى إلى التوصل لحل الأزمة سلمياً تحت اتفاق مبرم بين الجانبين. نص الاتفاق على بقاء النظام الانقلابي في الحكم لمدة ستة أشهر من تاريخ إبرام الاتفاق يسلم الحكم بعدها للحكومة المدنية الشرعية، ويتم تطبيق برنامج السلام في سيراليون خلال تلك الأشهر الستة. يحتوي برنامج السلام الذي يطبقه مجلس المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا على ثمانية بنود هي: ١- الوقف الفوري لإطلاق النار بين جميع الأطراف تحت مراقبة قوات حفظ السلام الإفريقي وقوات الأمم المتحدة من تاريخ توقيع الاتفاق. ٢- البدء بأعمال نزع السلاح وتجريد أفراد الجيش والمقاتلين من الأسلحة، وتسريحهم على مدى شهر كامل على يد (الأكوموغ) قوات حفظ السلام الإفريقية. ٣- السماح بدخول المساعدات الإنسانية تحت مراقبة (الأكوموغ) مع بقاء الحصار إلى حين عودة الحكومة الشرعية. ٤- العمل على عودة اللاجئين السيراليونيين إلى وطنهم. ٥- أن عودة الحكومة المدنية الشرعية إلى الحكم هو لب مساعي الدولة لحل الأزمة، ويتوقع تعاون رئيس المتمردين (سانكو) في الحكومة وإصلاح البلاد. ٦ - احتواء المقاتلين الذين نزعت منهم الأسلحة، وذلك بتسجيل أسمائهم لتأمين وظائف وحرف لهم، أو بإعطائهم منحاً دراسية لمواصلة دراساتهم داخل البلاد أو خارجها، وسيساعد المجتمع الدولي بإيجاد ميزانية لتحقيق ذلك. ٧ - طلب تبرعات لمساعدات إنسانية عاجلة لإعادة التأهيل والبناء في البلاد. ٨ - ضمان العفو العام عن جميع المتورطين في أحداث الانقلاب بدون قيد ولا شرط. لقي هذا الاتفاق نوعاً من ارتياح النفس لدى السيراليونيين وإن كانوا يتخوفون من إعطاء مهلة ستة أشهر للنظام الانقلابي الذي يريدون التخلص منه. ٤ - آثار الانقلاب: لهذا الانقلاب آثار غير جيدة من النواحي المختلفة الآتي ذكرها: أ - الناحية الاقتصادية: تحطيم لبنات التنمية الاقتصادية للبلاد سواء التي وضعت بعد الاستقلال مباشرة أو التي وضعت خلال حكم الحكومة المدنية التي قام المتمردون بالانقلاب عليها، وذلك من طرق متعددة منها: هبوط قيمة عملة سيراليون بعد الانقلاب، وتوقف كافة المعاملات التجارية، ونهب الأموال والممتلكات للدولة والمواطنين، وتجميد الإنتاج المحلي، وغلاء المواد المعيشية، وتجميد المساعدات والقروض، وفرض الفقر على الشعب، وإغلاق جميع المكاتب الدبلوماسية؛ إضافة إلى فرض العقوبة والحصار على الدولة من الأسرة الدولية. ب - الناحية الأمنية: كان دخول حرب المتمردين سنة ١٩٩١م بداية لفقدان سيراليون أمنها واستقرارها، إلا أن ذلك اقتصر على القرى والأرياف، ولكن قيام الانقلاب عام ٧٩٩١م قوّض كل أسباب الأمن في سيراليون، وهدم بنيانه من أساسه بتعميم أنواع الإجرام التي لا تتصور في جميع أنحاء البلاد في المدن وغيرها، وصار كل فرد غير آمن على نفسه ولا على أهله وماله، ووقعت مصادمات عنيفة متنوعة في أرجاء البلاد كلها بين قوات حفظ السلام الإفريقية وقوات نظام الانقلاب راح ضحيتها آلاف من المواطنين وبعض الجيش، ومارست قوات نظام الانقلاب أنواعاً من التعذيب المروع ضد المواطنين من ضرب وقتل، وقطع للأطراف من الأحياء واغتصاب النساء والبنات، واعتقال الأبرياء، وغير ذلك مما لا يصدقه إلاَّ من يشاهده؛ بل ارتكب الانقلابيون مذابح مفزعة في عدد من المناطق ضد المواطنين. ج - من الناحية الاجتماعية: تدهورت الحالات الاجتماعية في سيراليون بعد الانقلاب بشكل تام من حيث انتشار المجاعة، وتفشي الأمراض والأوبئة، وازدياد نسبة الوفيات، وتشريد السكان، وهجرتهم إلى الدول المجاورة، وانتشار البطالة فيمن بقي، وشيوع الفوضى التي يقودها نظام الحكومة الانقلابية، واختلال التوازن الاجتماعي باستمرار أعمال السرقة والنهب، وإتلاف ممتلكات المواطنين مما قاد إلى استمرار المظاهرات والاضطرابات الاحتجاجية الشعبية ضد النظام الانقلابي. د - من الناحية التربوية: سبَّب هذا الانقلاب المشؤوم ضياع مستقبل الطلاب في جميع المستويات التعليمية في سيراليون لوقوع الانقلاب في وسط أيام امتحانات المدارس والجامعات في سيراليون سواء امتحانات النقل أو امتحانات الشهادة. فمن جراء هذا الانقلاب توقفت جميع النشاطات التربوية والتعليمية في البلاد بجميع مراحل التعليم، إضافة إلى قتل عشرات من الطلاب، واعتقال مئات منهم أثناء المظاهرات، وتسليح الأطفال دون السابعة من أعمارهم بعد اختطافهم عنوة من مدارس حكومية لها أقسام داخلية، ونمو البطالة، وانتشار الفواحش بين الطالبات، واعتقال كثير من أعضاء الاتحاد الوطني للمعلمين، وهجرة معظم أساتذة الجامعات، ونهب الأدوات التعليمية الحديثة في معظم المدارس والمؤسسات التعليمية وتدمير بعضها، وتحويل معظم المؤسسات التربوية إلى معسكرات لإيواء المتمردين، وغير ذلك من الأمور التي أفقدت شباب سيراليون مقومات الحياة التربوية في البلاد. ٥ - أوضاع المسلمين ومعاناتهم من الأزمة: لَمَّا كان المسلمون في سيراليون يشكلون ٣٠ % من السكان جعل معظم الكوارث في هذا الانقلاب تحل بهم، إضافة إلى أن الإسلام والمسلمين هما الهدف الأساس في القيام بهذا الانقلاب؛ لأدلة واضحة منها: كون جميع أفراد الانقلابيين نصارى معروفين بحقدهم على الإسلام، وكون رئيس الحكومة المدنية الذي قاموا ضده أول رئيس مسلم لسيراليون منذ الاستقلال، وكون المليشيات الذين يساندون الحكومة المدنية معظمهم مسلمون، ثم إن ما قام به رئيس الحكومة المدنية من مد جسور العلاقات مع بعض الدول العربية والإسلامية، وإصدار أحكام منع تعاطي المخدرات وترويجها، وغيرها من أحكام تتمشى مع مبادئ الإسلام كل ذلك مما أغضب أعداء الإسلام، وأدى بهم إلى القيام بالانقلاب وارتكاب ما يأتي: أ - نهب ممتلكات المساجد من سجادات، ومصاحف، ومولدات الكهرباء، وساعات، ومراوح وغيرها وخاصة في العاصمة. ب - ملاحقة الأئمة، والدعاة، والمشايخ، وشن غارات على المساجد أثناء أداء الصلوات إرهاباً وبحثاً عن الدعاة. ج - تدمير بعض المساجد بالقنابل، وتدنيس بعضها. د - تضييق النشاطات الدعوية والثقافية على الدعاة. هـ - تدمير بعض المدارس الإسلامية، وتحويلها إلى معسكرات للجيش والمتمردين. وغير ذلك من أضرار لحقت بالمسلمين مباشرة من جراء هذا الانقلاب. ختاماً: استخلاصاً من العرض السابق فإن مأساة الانقلاب لم تكن إلا امتداداً لحروب صليبية دُبِّر لها بالتحالف بين رئيس الحكومة الانقلابية النصراني، ونائبه الملحد اللاديني ضد أول رئيس مسلم للبلاد، وضد الإسلام والمسلمين. وكان لأيدٍ خبيثة من أعضاء الأحزاب المعارضة في البلد دور في تدبير الانقلاب؛ إذ رأوا أن الرئيس المسلم وفقه الله في مدة وجيزة من توليه حكم البلاد إلى تحقيق إصلاحات يعجز غيره عن القيام بها؛ فرأوا أنهم لو تركوا الحكم بيده إلى أن تأتي فترة الانتخابات القادمة فإن الحزب الحاكم سيفوز لتمكنه من تحقيق طموحات الشعب، فلا يستطيعون الفوز أيضاً، فدبروا بالتحالف مع الجيش وبالتعاون مع المتمردين ليقوم هذا الانقلاب المدمر، ومن هنا يتضح لنا أن الإسلام والمسلمين هما الهدف الأساس لقيام الانقلاب.

стр. 3431

المسلمون والعالم المسلمون في الإكوادور خوان إسكيليو واقع المسلمين في الإكوادور: كان أوائل المسلمين في الإكوادور من الشام ومصر؛ حيث هاجروا بين الحربين العالميتين إلى هذه البلاد للبدء بحياة جديدة، ووصلوا بجوازات سفر تركية (وهو ما يذكِّر بالإمبراطورية العثمانية) ولذلك فهم يُعرفون بالأتراك. استوطن بعضهم العاصمة (كويتو) والمينا الرئيسة (غوايا كويل) وبعضهم استوطن (منابي) و (لوس رايوس) و (اسمار الداس) . وكان بعضهم يعمل بالتجارة؛ حيث كانت تعتمد في ذلك الوقت على التبادل، وعاشوا حياة قاسية. ونظراً لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقصدون الدنيا؛ ولضحالة ثقافتهم الدينية لم يستطيعوا مواجهة الديانة الكاثوليكية الرومانية المسيطرة بقوة وسائلها. وكثير منهم استقدم زوجته من بلده، ولم ينجب أحد منهم تقريباً ذرية.. ومنهم عائلات معروفة، وبعد سنوات طويلة تزوج كثير منهم من شابات من نصارى البلاد، وسافرن إلى بلاد أزواجهن، وتعرفن على الإسلام هناك، وعرفن أنهن شرعاً لا يمكن أن يرثن فلساً من أزواجهن؛ لأنه (لا يرث المؤمن الكافر) [١] إذ كُنَّ مسلمات اسماً فقط، وعاد بعضهن إلى (الإكوادور) ... وتنصّر بعضهن من جديد واستولين على ثروات أزواجهن، ونشَّأن أولادهن على النصرانية وتتذرع هؤلاء النسوة المتنصرات بأن أزواجهن لم يعلموهن الإسلام بطريقة صحيحة، وكان عليهن البحث بوسائلهن الخاصة. ولكن بعض ذرية المسلمين ارتدُّوا، إلا أنهم يدّعون أنهم مسلمون ليرثوا آباءهم في البلاد التي تطبق الشريعة الإسلامية في مجال الإرث؛ في حين أن كثيراً من البنات متزوجات من نصارى. وجميع من ذكرنا اعتنقوا النصرانية ما عدا ثلاثة فروع من عائلة سالم وسّوم الذي أرسل أبناءه لتعلُّم اللغة العربية والإسلام لمدة عشر سنوات. التنظيم والتجمعات: في نهاية الأربعينيات تكوَّن ما يعرف باسم مجموعة: (لكلا) ولا علاقة للدين بهذا التنظيم؛ فقد ضم المسلمين والنصارى على أساس عرقي؛ ولكن خلافاتهم المستمرة ظلت تقودهم إلى المجهول. كما تكونت مجموعة أخرى تحت اسم: ... (النادي العربي) وذلك في منتصف الثمانينيات. ولا تزال الهجرة مستمرة إلى الإكوادور من قِبَلِ بعض المسلمين من أرض الولايات المتحدة الأمريكية ولكن بأعداد قليلة، وأكثرهم لا يعكس صورة طيبة عن الإسلام. في بداية التسعينيات حدثت هجرات بسيطة هندية وباكستانية وكثير منهم استطاع الوصول إلى هدفه (الولايات المتحدة وكندا) أما فيما يتعلق بالدين فلم يتركوا أثراً مهماً، وتتعلق ذكرياتهم بالأكل الحار الذي كانوا يأكلونه، والتوابل التي كانوا يطهون بها. وفي أواخر التسعينيات بدأت هجرات من غرب إفريقيا بسبب عدم الاستقرار في بلادهم. في الثمانينيات أسلم اثنان من مواطني الإكوادور كان أحدهما يقيم في إيطاليا والآخر في الولايات المتحدة؛ حيث التقيا هناك بمسلمين مخلصين أثناء الدراسة في الجامعة، ولم يكونا قد سمعا حتى بكلمة إسلام في موطنهم الإكوادور، وهما يمارسان الدعوة بجد وإخلاص، ولكنهما لا يجدان الحماس لدى إخوانهم من المسلمين. وفي منتصف التسعينيات كان عدد المسلمين الجدد حوالي ٢١ شخصاً واليوم بلغ العدد حوالي ٦٠ مواطناً إكوادورياً. وللتوضيح فإن هذا مجرد البداية في عمل المواطنين الإكوادوريين الذين أسلموا في الدعوة إلى الإسلام، ولم يكن هذا العمل سهلاً فقد وُوجِهُوا بالانتقادات والمحاربة حتى من أهلهم وذويهم الذين كانوا يعبدون الشمس إلى عهد قريب جداً؛ وربما لا يزال الوالدان والأقربون نصارى. وكان أول زواج بين هؤلاء المسلمين تم في أول أكتوبر ١٩٩١م. وتقول دراسة أجريت هنا أن نسبة المسلمين ٢.٦% من عدد السكان في الإكوادور. وأول محاولة لقيام مسجد كانت من بعض المسلمين الذين كانوا يُعَدُّون على أصابع اليد؛ حيث قرروا استئجار شقة لاتخاذها مصلًّى خصوصاً لصلاة الجمعة، ثم وفرت السفارة المصرية شقة لهذا الغرض، ولم يستمر هذا الحال طويلاً. وكانت المحاولة الثانية في أكتوبر ١٩٨٨ م من خلال تأسيس منظمة اجتماعية تهدف إلى إقامة المسجد، ووافقت الوزارة المعنية ولكن شريطة ألا تقام خطب دينية في هذا المنزل، وكان اسمها: (جمعية خالد بن الوليد الثقافية) ، ويمثلها سليمان الأعسر، ولا تزال تعمل، ويحضر صلاة الجمعة حوالي (٢٥ -٣٠) شخصاً، وأرسلت وزارة الأوقاف المصرية (الشيخ محمود الأزهري) ولكن انتهى عقده بنهاية السنة المالية ١٩٨٨ م، وهناك صعوبة شديدة في العمل الدعوي، ويبدو أن الله يمتحن هؤلاء المسلمين الجدد في قوة إيمانهم. الوضع الحالي: تعد جمعية (خالد بن الوليد الثقافية) أول منظمة إسلامية تعترف بها الحكومة. تأسست الجمعية في ٥ أكتوبر ١٩٩٤ م، ويمارس فيها التعليم الديني والاجتماعي والثقافي على طريقة أهل السنة والجماعة. وقد تبرعت المسلمة الملتزمة السيدة (ليلى وسّوم) بمنزل مناسب لتمارس فيه المنظمة عملها، ولا تتلقى المنظمة أي دعم من أية دولة أجنبية. ٩٩% من نساء المسلمين هناك يلبسن اللباس الإسلامي مع الحجاب في حياتهن اليومية، ويعقدن دروساً أسبوعية يوم الجمعة، وفي الإجازة الأسبوعية يوم الأحد مرة كل أسبوعين. نشاطات المركز: - يقوم المركز بنشر بعض الموضوعات بعد ترجمتها إلى اللغة الأسبانية. - تعريف غير المسلمين بالإسلام. - دراسات دينية مقارنة. وهناك خمسة كتب تم ترجمتها هي: -ماذا يقول الإنجيل عن محمد؟ للشيخ أحمد ديدات. -فهم المسلمين والإسلام: السفارة السعودية في واشنطن. -الحوار بين الإسلام والمسيحية: د. هـ. بارقل. -حقيقة المسيح: الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض. الكتاب الأول: (ماذا يقول الإنجيل عن محمد؟) ، كلَّف حوالي ١٦٠٠ دولار لعدد ٥٠٠٠ نسخة، أما بقية الكتب فلم تطبع بعدُ بسبب عدم وجود التمويل. ويقوم المركز ولله الحمد بالآتي: -خطبة الجمعة ويحضرها حوالي ٢٥ رجلاً، و١٢ امرأة. -عقد المركز ٦ حالات زواج خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية. -لا يوجد طلاق. -كل المسلمين تقريباً يحضرون إفطار رمضان في المسجد. -الصلاة على الجنازة. وبحمد الله فإنه لم يحدث أي شجار أو ارتفاع للأصوات داخل المسجد منذ ٤ سنوات. الاتصالات الخارجية: لم يكن هناك غير جماعة التبليغ التي يحضر بعض أفرادها من بنما، وكانت أول زيارة لهم في عام ١٩٩٠م، وفي خلال هذه الفترة حتى ١٩٩٨م قاموا بأربع زيارات. حضرت مجموعات أخرى من جماعة التبليغ من المدينة المنورة ونيويورك والإمارات العربية المتحدة وبنما. الندوة العالمية للشباب الإسلامي تثبت حضوراً بتبرعها ببعض الكتب الإسلامية. والمركز الإسلامي يقدر هذا الموقف النبيل. أرسل المركز مندوباً عنه لأول تجمُّع للقياديين اللاتينيين الذي عقد في الأرجنتين في يوليو ١٩٩٧م. الاتصالات الداخلية: - زيارة المرضى عند الضرورة. - مساعدة المحتاجين عند الضرورة. - زيارة السجون: حوالي ١٢ أجنبي. ألقيت محاضرة حول الإسلام يوم ١٨/١١/١٩٩٧م على الطلاب القساوسة في كلية اللاهوت بالجامعة الكاثوليكية بالعاصمة كوتيو. - التعارن مع المراكز الثقافية الإسلامية الأخرى بإرسال الكتب إليهم. - كتابة تقارير حول الحضور الإسلامي في الإكوادور على صفحات الصحف وفي المجلات والتلفاز والقنوات ١٠، ٤، ٢. المنشورات: كتب للترجمة: - كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب. - مبادئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لشيخ الإسلام ابن تيمية. - علامات الساعة، لابن كثير. - دروس مهمة لعامة الأمة، للشيخ عبد العزيز ابن باز. - فهم شرور البدعة، البو منتصر مهاجر علي. كتيبات باللغة الأسبانية: - مفاهيم خاطئة حول الإسلام. - الأصولية الإسلامية. - الجهاد. - كتاب: أمور لا صلة للإسلام بها. التعريف بالإسلام لدى غير المسلمين: - ما هو الإسلام؟ - ينبغي أن تعرف هذا الرجل. - حول الإسلام. - خطبة الوداع على جبل عرفات. - النساء في الإسلام. - الاعتقاد بوجود الله في نظر الإسلام. - المسيح نبي الإسلام. - حقوق النساء. - من مخترع الثالوث؟ ... - هل عيسى إله؟ - السلوك عند صيام رمضان. ويكلف طباعة هذه الكتب (٣٠٠٠ نسخة من كل منها) حوالي ٢٠٠٠ دولار أمريكي لكل كتاب. سياسة الإكوادور حيال الطوائف الدينية: - توجد حرية دينية في الإكوادور طبقاً لدستور الإكوادور على الرغم من أن الديانة الرسمية هي الكاثوليكية. - ليس هناك ما يمنع من العمل الدعوي المفتوح. - لا يوجد اضطهاد أو تحيز ديني سواء للفرد أو الجماعة. - يمكن للعمل الدعوي أن يتم باستراتيجية من خلال التلفاز والراديو ... إلخ. تأشيرات الدخول: يمكن الحصول عليها بسهولة في مطار كويتو، تقريباً لجميع الجنسيات. المشروعات: بدأ المركز في توفير وظائف لتقوية الروابط بين أفراد المجتمع ولتحقيق الاكتفاء الذاتي وذلك في ميادين بدأت بالفعل. ويمكن منح قطعة أرض سكنية للمهاجرين الحديثين، وإذا استطعنا تحقيق ما يصبو إليه المشروع فإن الإكوادور يمكن أن تكون مكاناً ينتشر منه الإسلام إلى أمريكا الجنوبية إن شاء الله. المدرسة الإسلامية: لقد بدأ المشروع في تشييد هذه المدرسة، وهي تبعد حوالي ٢٠ كيلو متر عن العاصمة كويتو وذلك لرخص سعرها، والمساحة المبنية عبارة عن ١٢٠ متر مربع. المخيمات الصيفية تتواصل، ويقوم الإخوة بتشييد المباني والمرافق للفصول والسكن. ويفصل بين الأولاد والبنات حوالي ٨ كيلو مترات، ويمكن للمدرسين تشييد سكنهم وتكوين أول تجمع مسلم في البلاد. توجد دروس مجانية لتعليم الأسبانية للأجانب. مشروع لحوم الأغنام والدواجن: يهدف هذا المشروع إلى توفير اللحوم الحلال لأعضاء المجتمع، ونتوقع أن نبدأ قريباً في التسويق، ويقوم بالعمل طبيب بيطري مسلم. وفي القريب يمكن للمسلخ أن يعمل بطاقة ١٠٠٠ دجاجة و٢٠٠ رأس من الغنم يومياً. مشروعات أخرى: منها توسعة المسجد، وبناء القبة، والمنارة، وأماكن الوضوء. التكلفة لأماكن الوضوء ٩٠٠٠ دولار أمريكي. أما توسعة المسجد فتحتاج إلى ١٠٠٠٠ أو ١١٠٠٠ دولار للمنارة والقبة. ويعلم الله وحده أن المركز لا يتلقى أي دعم ولكنه الآن بحاجة ماسة. الاحتياجات: ١ - مقبرة خاصة بالمسلمين: توجد أرض بالقرب من العاصمة هي عبارة عن ثلاثة مواقع، وقيمة الموقع الواحد ١٩٩٢ دولار أمريكي. ٢ - ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الأسبانية يوجد الكثير منها في السوق ولكن ليس من بينها جهة من أهل السنة أو أيِّ جهة معروفة هنا. ٣ - مطبوعات للتعريف بالإسلام. ٤ - تبرعات من هيئات إسلامية من أهل السنة أو من الأفراد أهل الخير أو الزكاة وذلك لدعم الكتاب الإسلامي باللغة الأسبانية. ٥ - استيطان مسلمين هنا لعرض صورة طيبة عن الإسلام. ٦ - مِنَح لدراسة اللغة الأسبانية للمسلمين الكبار في جامعات مفتوحة. كما أن من أعظم الاحتياجات تنشيط الدعوة إلى الإسلام الصحيح الخالي من شوائب البدعة، ونشر العلوم الإسلامية التي تعين المسلمين على عبادة الله تعالى على بصيرة من أمرهم. استراتيجيات للعمل الدعوي: - إعداد دعاة يتحدثون الأسبانية. - إرسال طلاب وطالبات للدراسة في الخارج لإعدادهم في جامعات إسلامية. - تشجيع الإخوة والأخوات على الدراسة في الجامعات المفتوحة. - ترجمة شرائط الكاسيت والفيديو لأحاديث مثل أحمد ديدات وجمال بدوي وغيرهما. - التعريف بثقافة الإكوادور لدى المنظمات الإسلامية العالمية وأسلوب التعامل معها. - العمل مع المنظمات الإسلامية العالمية المعروفة لإدخال القرآن بصفة رسمية إلى الإكوادور. - إعداد المخيمات، ودعوة إخواننا في أمريكا الجنوبية للمشاركة فيها. ... - الاستعانة بالبرامج الإسلامية لتعليم الأطفال والكبار القرآن والحديث واللغة العربية ... إلخ.

стр. 3432

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش وهل من مجيب؟ إلى كل إمام وإلى كل مصلٍّ ... إلى الشيخ المسن في مصلاه ... إلى المرأة في خدرها ... إليكم جميعاً هذا النداء. قال تعالى: [حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا] [يوسف: ١١٠] . لقد حمي الوطيس وبلغت القلوب الحناجر واشتد الأمر وتكالب العدو وتواطأ الكفار علينا من كل جانب، الطائرات تقصف بأنواع القذائف المدمرة، والراجمات تقذف بأنواع الصواريخ، والجليد يطاول الجبال حتى ذكرنا إخواننا يوم الأحزاب [إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُون ... وزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] [الأحزاب: ١٠، ١١] . أيتها الأمة: ألا يوجد فينا من لو أقسم على الله لأبره؟ ألا يوجد فينا من يرفع أكف الضراعة إلى ربه فيستجيب له؟ هل بخلتم علينا حتى با لدعاء؟ أين القنوت ولماذا شرع إذاً؟ لقد قنت النبي ﷺ يوم قُتِلَ سبعون صحابياً في بئر معونة؛ واليوم يقتل منا الآلاف فأين نصرتكم لنا؟ رحمك الله أيها العالم الرباني ابن باز كلما بلغك نازلة في أرض الإسلام بادرت بالقنوت للمسلمين في الصلوات، إنا لنتذكر دعواتك لنا في حربنا الأولى مع الروس، فرحمك الله رحمة واسعة؛ أيتها الأمة المسلمة: لا تنسونا بدعائكم ودعمكم؛ فإنما يأتي الفرج بعد الشدة. [قادة المجاهدين في الشيشان: موقع: صوت القوقاز] بين (مورو) وتيمور ومن المؤسف كل الأسف أن المسلمين وخاصة خارج بلاد مورو يلومون المسلمين هنا، وبعضهم يقولون: كيف لا تنتصرون وأنتم قد مضى على كفاحكم ثلاثون عاماً وتيمور الشرقية حصلت على الاستقلال خلال ثلاثة أو أربعة أشهر فقط من الانتفاضة؟ ولعل هؤلاء الناس الذين يلوموننا نسوا أو تناسوا أن العالم الإسلامي لم يهتم بقضيتنا والذين تدخلوا في شؤوننا أجبروا بعضنا لقبول عروض الحكومة الفلبينية الصليبية التي كان ظاهرها الكرامة والشرف ولكن لبها وحقيقتها الاستسلام والخضوع لسلطان الكفار الظالمين المخادعين الذين كانوا وما زالوا يحاولون القضاء على الإسلام والمسلمين في المنطقة. أما تيمور الشرقية فقد استقلت رغم عدم استحقاقها للاستقلال؛ لأن جميع دول الكفر في العالم تكالبت وتعاونت على دعمها؛ لأن شعبها نصراني وقد قام بثورة ضد دولة مسلمة. إن هؤلاء النصارى يتعاونون ضد الإسلام والمسلمين رغم اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم واتجاهاتهم ولهم الحق في ذلك؛ لأن راية الكفر تجمعهم، وأما المسلمون مع الأسف الشديد فلا تجمعهم راية دينهم وهي كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ؛ لأن بعضهم تنازلوا عنها، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال فيما معناه: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) . [جبهة تحرير مورو الإسلامية مكتب الإعلام الخارجي] يريدون كسوفها وخسوفها يقول برنار كوشنير الذي عين حاكماً لكوسوفا: إن قضية كوسوفا لم تعد ... (على الموضة) سياسياً وإعلامياً وبدأت الدول الغربية تتخلى عني، وتركتني وحيداً ومعزولاً. وصرت الآن عاجزاً عن تحقيق أي شيء من البرنامج الذي من أجله عينت مفوضاً للأمم المتحدة في كوسوفا. إنه خلافاً للتعهدات المالية التي التزمت بها الدول الغربية بتقديم ميزانية تقدر بـ ٢٠ مليون مارك ألماني، لم نتلق فلساً واحداً حتى الآن! حيث وصلت ميزانية كوسوفا للعام ٢٠٠٠ إلى الصفر. متسائلاً كيف يمكنه تحقيق برنامج تم تسطيره على أساس ميزانية متوقعة بعشرين ميلون مارك بينما ما هو موجود بالفعل في الرصيد البنكي للإدارة الدولية في كوسوفا يقدر ... بصفر؟ ! وهذا الأمر الواقع لا يخدم في النهاية سوى مصالح الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش. [مجلة المجلة، العدد: (١٠٤٦) ] أين جيش المسلمين؟ قوات مسلحة قوامها خمسة عشر لواءاً ويبلغ تعدادها (٥٠ - ٦٠) ألف رجل على استعداد للتدخل لدى تلقيها لإنذار مبكر بحوالي شهرين: إنها القوة العسكرية (والويل كل الويل لتسميتها بجيش أوروبي حتى لا تثور ثائرة البلاد المحايدة) التي تستعد الدول الخمس عشرة الأعضاء بالاتحاد الأوروبي لإنزالها إلى الميدان خلال عام ٢٠٠٣م لمواجهة الأزمات الإقليمية المماثلة التي تحدث الآن في البلقان. إن الفكرة قد تمخضت بالفعل ويتم توثيقها من قِبَل رؤساء وزراء دول الاتحاد الأوروبي في اجتماع قمتهم في هلسنكي؛ حيث يتم تعميد الكيان الأوروبي الوليد للدفاع، والأمن. ومن المفروض أن يكون هناك ما لا يقل عن ١٢٠ ألف رجل في حالة التعبئة العامة اللازمة للتدخل العسكري ومن أجل أن يحلوا محل قوة التدخل وعلى الرغم من استقلالية القرار، إلا أن الاتحاد الأوروبي يُطمئن الأمريكيين قائلاً: (إن حلف شمال الأطلنطي سيظل أساس الدفاع الجماعي المشترك لأعضائه، وسيواصل دوره الهام في إدارة الأزمات) . [صحيفة الميساجيرو الإيطالية مترجم] عفواً.. يا منظمة العفو! ! دعت منظمة العفو الدولية التي يوجد مقرها الرئيس في لندن سلطات الهجرة الأمريكية إلى قبول طلب (آنسة) أردنية بمنحها حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية لضمان حمايتها من خطر الموت الذي يتهددها بسبب ملاحقة أفراد عائلتها لها بتهمة ارتكاب جريمة شرف. وأوضحت المنظمة في (بيان عاجل) أصدرته في هذا الشأن أن سلطات الهجرة الأمريكية رفضت طلب (الآنسة أ) التي استأنفت القرار لدى إحدى المحاكم المحلية. وأوضح بيان المنظمة أنه في عام ١٩٩١م بدأت (الآنسة أ) وصديقها (هـ) بتمضية أوقات معاً بالسر عن عائلتها، ثم تعاشرا في أغسطس من ذلك العام وفي الحال طلب (هـ) يدها من عائلتها للزواج بها، إلا أن والد الفتاة رفض ذلك لكون (هـ) فلسطينياً، ومن ذوي الدخل المتدني، وبسبب المخاوف من إمكانية إقدام عائلة الفتاة على قتل (هـ) إذا ما انكشفت معاشرت (هـ) لابنتهم فر الاثنان كلٌ منهما على حدة من الأردن في ذلك العام. وأضاف بيان منظمة العفو الدولية أن مخاوف (الآنسة أ) تأكدت لاحقاً أيضاً عندما تسلمت عدة رسائل من إحدى أخواتها تخبرها فيها بأن والدهما أمر الذكور من أفراد العائلة بقتل شقيقتهم (غسلاً للعار) في أي زمان ومكان. وكانت آخر رسالة في هذا الخصوص قد تسلمتها (الآنسة أ) في سبتمبر ١٩٩٧م، حيث أخبرت الشقيقة شقيقتها بأن والدهما أعلن أنه يريد قتل ابنته قبل وفاته وأن (روحه سترقد بسلام إذا ما قام الذكور بهذا العمل) . [جريدة الشرق الأوسط: العدد ٧٧٤٩] الرقيق الأبيض ١ - يسافر العبيد في عصرنا الحالي بالطائرة، ومعظمهم من الإناث صغار السن ويأتين من أوروبا الشرقية أو الدول النامية. ويتم تشغيلهن في دول الغرب الغنية في بلجيكا وفرنسا وألمانيا؛ حيث يعملن من ١٦ إلى ١٨ ساعة يومياً كخادمات وخياطات وغانيات. والفرق الوحيد بينهن وبين العبيد أن أسيادهن لا يضعون في أيديهن ورقابهن الأغلال والقيود، ولكنهم ينتزعون منهن جوازات سفرهن؛ وهذا أمر له التأثير نفسه. ويقول انتوني سيمبسون المكلف برعاية شؤون ضحايا العنف وتجارة الرقيق في اللجنة الأوروبية: إن انفتاح الكتلة الشرقية السابقة جعل تجارة الرقيق في أوروبا تنتشر بالمقدار نفسه لتجارة المخدرات. ويضيف سيمبسون أنه منذ إلغاء الرقابة على الحدود داخل الاتحاد الأوروبي أصبحت دول الاتحاد سوقاً رائجاً يفضله تجار الرقيق والقوادون. وقد جاء في بيانات البوليس الدولي أنه قد تم نقل نصف مليون سيدة من أوروبا الشرقية إلى دول الاتحاد الأوروبي منذ عام ١٩٨٩م. [صحيفة دي فيلت الألمانية مترجم] ٢ - يخشى مسؤولو الأمن في الولايات المتحدة أن تحل تجارة الجنس محل الاتجار في تهريب المخدرات. ففي جلسة استماع في مجلس الشيوخ قال هارولدكوه أحد مسؤولي الخارجية الأمريكية: إن المجرمين الدوليين يتركون الآن تجارة الأسلحة والمخدرات إلى تجارة الرقيق الأبيض؛ فهناك حوالي ٢ مليون امرأة على مستوى العالم تجبر على العمل في سوق الدعارة. ويقول المسؤولون: إن حوالي ٥٠ ألف امرأة تجلب إلى الولايات المتحدة سنوياً للعمل في سوق الرقيق ومعظمهن يأتين من أوكرانيا وألبانيا والفلبين وتايلاند والمكسيك ونيجيريا. وتقول إنيز فيراكروز وهي من المكسيك وفي العشرين من عمرها: إن رغبتها في حياة أفضل حولتها إلى عاهرة وتضيف إنيز: إنهن كن يعملن ستة أيام في الأسبوع لمدة ١٢ ساعة يومياً، وكان على المرأة الواحدة أن تمارس الجنس مع حوالي ٣٥ شخصاً في اليوم، والموقف يصبح أسوأ في أيام العطلات. [موقع هيئة الإذاعة البريطانية على الإنترنت، بي. بي. سي أولاين] هذا هو جارودي! ! تعارض الإسلام مع الماركسية وهْمٌ زائف؛ لأنه ليس هناك تعارض بين الدين والوسيلة، إننا لم نفهم العالم إلا من خلال ماركس، من هنا تأتي أهمية الماركسية كوسيلة للفهم، وهذا هو السبب الذي جعلني لا أهجر الماركسية، ولا المسيحية. لقد حافظت على الدين والوسيلة، دور الدين أن يضع للإنسان الغاية.. يمكن أن يكون الإنسان جراحاً أو مهندساً جيداً لكنه مسلم سيِّئ أو يكون مسلماً جيداً لكنه جراح سيِّئ لا داعي للخلط بين الآليات أو النواحي الفنية وبين الدين (وتابع: أنا لم انتقل من اعتقاد إلى آخر، فأنا بقيت مسيحياً وماركسياً وقمت بدور كبير في الحوار بين المسيحية والماركسية (. وتابع:) لا يهمني أن يقول شخص: أنا مسيحي أو أنا مسلم؛ ولكنني أسأله: ماذا فعل الإيمان بك؟ لأن الاعتقاد هو فكر أما الإيمان فهو فعل ويتجلى هذا الإيمان في العمل) . وقال: (إنني أريد أن أحكم على الإنسان بما يعمله؛ فقد يكون هناك مسلمون سيئون ومسلمون طيبون ومسيحيون سيئون وآخرون طيبون. إننا نريد أن يكون هناك مسلمون طيبون ومسيحيون طيبون.. لا يمكن أن نستبعد الأديان الأخرى باسم أي دين؛ بل على العكس يجب أن نبحث عن الذي يجمعنا مع الأديان الأخرى) . إننا نعيش في عالم متلاحم، تتصادم في الوقت نفسه ثقافاته فيه، ونحن لذلك نحتاج إلى إيمان البوذيين بقدر احتياجاتنا إلى غيرهم من البشر، وأنا مع الاستفادة من هذه الأفكار جميعها، لا أنتقل من ديانة إلى أخرى، ولكن أحاول الإلمام بكل الأفكار بحثاً عن معنى الإنسانية) . [روجيه جارودي، جريدة: الرأي العام، العدد: (١١٩١٨) ] نهاية القوة جاء في تقرير عنوانه (الثقافة العسكرية الأمريكية في القرن الـ ٢١) وكان ثمرة لتحقيقات استمرت عامين وشملت ١٢ ألف عسكري أمريكي في العالم، إضافة إلى نتائج ١٢٥ اجتماع عقدها خبراء تابعون للمركز. إن الوتيرة المنهكة للعمليات والقروض المحدودة والمهام المتبدلة والتغييرات الديموغرافية في صفوف العسكر، والتطورات السريعة في التكنولوجيا وإغراءات المجتمع المدني خلفت انعكاسات كبيرة على البنية النظامية للجيش. إن الجيش الذي يعتبر عدده الأدنى منذ أربعين عاماً حوالي ١.٤ مليون عنصر، بات منهك القوى ورواتب أفراده متدنية وتجهيزاته ناقصة إلى أقصى حد. كما يوجد بين عناصره ٥٦% من المتزوجين الذين تقترب أعمارهم من الكهولة، وهي نسب أكبر مما هي عليه في جيش يكون عماده التجنيد الإجباري. وأكد التقرير أن جاهزية الجيش ومعنوياته تشهدان تراجعاً، وبات التوظيف والاحتفاظ بالعناصر المؤهلة يشكل مأزقاً، وصارت الحياة المهنية أقل من مُرْضية. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٥٤) ] صفحة جديدة بعثت القيادة العسكرية الجديدة في باكستان بعدة إشارات لـ (إسرائيل) ، بواسطة رجال أعمال باكستانيين، تطلب تقديم اقتراحات لها حول صفقات بيع أسلحة وخبرات عسكرية. وقال أحد رجال الأعمال الباكستانيين لصحيفة (معاريف) الإسرائيلية: (إن القيادة الجديدة في بلاده معنية بتغيير طابع العلاقات القائمة بين البلدين وتصفية أجواء العداء التي فرضتها قيادة الحكومة السابقة) . وأضاف أن بلاده اتخذت موقفاً عدائياً من (إسرائيل) بسبب قيامها ببيع الأسلحة وتحديث الأسلحة القديمة في الهند. ولكن القيادة الجديدة مستعدة لفتح صفحة جديدة مع (إسرائيل) ، إذا أبدت هذه استعداداً لممارسة سياسة متوازنة بين الهند وباكستان. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧٤٩) ] عربون محبة أعلنت لجنة الأبحاث الاقتصادية الصربية أن كلاً من ليبيا والصين ستقدمان لصربيا مساعدة مالية قدرها ٦٠٠ مليون دولار أمريكي رغم العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها. وأضافت أن هذه المساعدات هي لدعم الاقتصاد الصربي المنهار وإعادة بناء وتشغيل المصانع التي دمرها قصف طائرات حلف شمال الأطلسي (ناتو) . [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧٠٥) ] زمن السلم! ! أكد الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمة) أن نضاله ضد (إسرائيل) يرتكز على النضال (السياسي والدبلوماسي) ! وقال حواتمة: في هذه المرحلة نضالنا جماهيري سياسي ودبلوماسي كنضال الفصائل الأخرى في منظمة التحرير الفلسطينية؛ لأننا قررنا منذ ١٩٨٧م عدم اللجوء إلى السلاح والاعتماد على الانتفاضة الجماهيرية. [جريدة الخليج، العدد (٧٤٦٩) ]

стр. 3433

متابعات الرد على الرفاعي فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان [*] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد اطلعت على ورقات كتبها الأستاذ يوسف بن السيد هاشم الرفاعي بعنوان: (نصيحة لإخواننا علماء نجد) وقدم لها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. ومضمون هذه النصيحة هو الحث على التخلي عن التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والأخذ بأقوال الفرق الضالة التي حذرنا الله منها، بقوله تعالى: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] . وقوله: [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] ، وقوله تعالى: [وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [الأنعام: ١٥٣] ، وحذر منها النبي ﷺ بقوله: ... (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمكسوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) . وبقوله ﷺ : (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) . وبقوله ﷺ : (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وسنتي) . إن الرفاعي والبوطي يدعوان إلى ترك ذلك كله، والأخذ بما عليه الفرق الضالة المنحرفة التي قال فيها النبي ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) وهي الفرقة المتمسكة بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه بخلاف غيرها من قبورية وصوفية وجهمية ومعتزلة وغيرها. وهذا الافتراق هو الذي سبب التناحر والشقاق بين الأمة. والبوطي والرفاعي يريدان للأمة البقاء على هذا الافتراق تحت مظلة اسم الإسلام. إنني تذكرت بتآمرهما هذا على من تمسك بالسنة وترك البدعة قول الشاعر: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل فعل منكر وبقيت في خلف يزكِّي بعضهم ... بعضاً ليدفع معور عن معور وأقول: لماذا خصَّا علماء نجد بنصيحتهما هذه مع أن المتمسكين بالسنة والحمد لله كثير في أقطار الأرض وفي مختلف البلاد؟ ما ذاك إلا ليوهما الأغرار أن أهل نجد أهل شذوذ وخروج عن الحق، على قاعدة من يرى أن كل متمسك بالحق فهو متطرف، ولكن هذا لا يضير؛ فالحق واضح يراه كل بصير، وأما الأعمى فلا حيلة فيه كما قال الشاعر: وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وسامح عيوناً أطفأ الله نورها ... بأهوائها فلا تفيق ولا تعي وإذا كانا يغاران على الأمة الإسلامية كما زعما؛ فلماذا لا يحذرانها من البدع والانحرافات التي تفرقها وتصدها عن سبيل الله وتقضي على وحدتها وقوتها؟ وخذ مثلاً من عجرفة البوطي في مقدمته لتلك النصيحة؛ لتستدل به على مبلغ ما عنده من العلم؛ حيث قال في صفحة ١٩- ٢٠ يخاطب علماء نجد: (وإذاً لأقلعتم عن ترديد تلك الكلمة التي تظنونها نصيحة وهي باطل من القول، وتحسبونها أمراً هيناً وهي عند الله عظيم، ألا وهي قولكم للحجيج في كثير من المناسبات: إياكم والغلو في محبة رسول الله، ولو قلتم كما قال رسول الله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) لكان كلاماً مقبولاً، ولكان نصيحة غالية) . هذا كلامه بنصه، وقد بخل فيه أن يصلي على النبي ﷺ عند ذكره، وعاب على أهل السنة إنكارهم للغلو الذي أنكره الله بقوله تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ] [المائدة: ٧٧] . وأنكره النبي ﷺ بقوله: (وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) . ثم ما الفرق بين الغلو؛ والإطراء الذي نهى عنه رسول الله ﷺ في حقه؟ إن معناهما واحد إلا عند البوطي اختراعاً من عنده، حمله عليه الحقد والبغضاء لأهل الحق. والحمد لله أنه لم يجد على أهل الحق ما يعابون به سوى هذه الكلمة التي زعمها باطلاً وهي حق. هذا وإن ما ذكره الأستاذ يوسف الرفاعي في أوراقه التي سماها نصيحة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: حق ونحن وغيرنا من أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً قائلون به. لكنه رآه باطلاً لعمى بصيرته. ومن أعمى الله بصيرته فإنه يرى الباطل حقاً والحق باطلاً: [مَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً] [المائدة: ٤١] . وهذه الأمور التي انتقدها علينا، منها قولنا: (كل بدعة ضلالة) كما قال ذلك رسول الله ﷺ فماذا علينا في ذلك إذا أنكرنا البدع وأمرنا بالسنن عملاً بهذه الأحاديث؟ وإليك نماذج مما قاله: سلطتم من المرتزقة الذين تحتضنونهم من رمى بالضلال والغواية الجماعات والهيئات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والناشطة لإعلاء كلمة الله تعالى والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، كالتبليغ والإخوان المسلمين والجماعات (الديوبندية) التي تمثل أبرز علماء الهند وباكستان وبنجلاديش، والجماعة البريلوية التي تمثل السواد الأعظم من عامة المسلمين في تلك البلاد، مستخدمين في ذلك الكتب والأشرطة ونحوهما. وقمتم بترجمة هذه الكتب إلى مختلف اللغات وتوزيعها بوسائلكم الكثيرة مجاناً، كما نشرتم كتاباً فيه تكفير (أهل أبو ظبي ودبي) الذين معكم في مجلس التعاون. أما هجومكم على الأزهر الشريف وعلمائه فقد تواتر عنكم كثيراً.. وقال: إذا اختلف معكم أحد في موضوع أو أمر فقهي أو عقدي أصدرتم كتاباً في ذمه وتبديعه أو تشريكه (كذا قال) . وقال: سمحتم للصغار وسفهاء الأحلام بمهاجمة السلف الصالح الأعلام لهذه الأمة، ومنهم حجة الإسلام الإمام الغزالي ﵀ بعد التهجم بشتى وسائل مطبوعاتكم على الإمام أبي الحسن الأشعري وأتباعه من السواد الأعظم من المسلمين منذ مئات السنين؛ حيث وصفتموهم بالضالين المضلين. هذه نماذج من كلامه وأنا أبيّن أهم ما عابه الرفاعي علينا مع الرد عليه: ١- مما عابه علينا: منع النساء من زيارة القبور، وهذا أمر قد منعه النبي ﷺ بقتوله: (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) وإذا لعن النبي ﷺ شيئاً فإن هذا يدل على تحريمه والمنع منه، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب. فماذا علينا إذا أنكرناه ومنعناه؟ ٢- ومما عابه علينا: منع الناس من الغلو عند الحجرة النبوية، والاقتصار على السلام على النبي ﷺ السلام المشروع الذي كان يفعله الصحابة ﵃ عند قدومهم من سفر كما كان يفعله ابن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة ﵃. ٣ - ومما عابه علينا: منع الغلو في الأموات عند زيارة قبورهم، والاقتصار على السلام عليهم والدعاء لهم كما هي الزيارة المشروعة وتذكر الآخرة بزيارتهم والاستعداد لها. ٤ - ومما عابه علينا: منع البناء على القبور عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب ﵁: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته) . وقوله ﷺ : (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. فإني أنهاكم عن ذلك) وذلك لأن هذا من وسائل الشرك. ٥ - ومما عابه علينا: منع كتاب دلائل الخيرات وأمثاله من الكتب الضالة من دخول المملكة لما فيه من الشركيات والغلو في حق النبي ﷺ وذلك لحماية عقيدة المسلمين من الغلو الذي حذر منه ﷺ ، وقد علَّمنا ﷺ كيف نصلي عليه فقال: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) إلى آخر الحديث، فلسنا بحاجة إلى صلاة مبتدَعة في كتاب دلائل الخيرات أو غيره. ٦ - ومما عابه علينا: منع الاحتفال بمناسبة مولد النبي ﷺ ؛ لأنه بدعة محدثة لم يفعله ﷺ ولا أحد من أصحابه والتابعين لهم بإحسان. وقد قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) . ويدخل في ذلك بدعة الاحتفال بمناسبة المولد، فمن فعله فهو مبتدع. ٧ - ومما عابه علينا: تركنا للقنوت في صلاة الفجر إلا في حالة النوازل؛ لأنه لا دليل عليه في غير هذه الحالة. ولا يقول به جمهور علماء الأمة، والواجب اتباع الدليل، ولما سئل عنه بعض الصحابة قال: إنه محدَث. ٨ - ومما عابه علينا: منعنا من إحياء الآثار المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لأحد من أصحابه، من أجل سد الطرق المفضية إلى الشرك، من التبرك بها، والاعتقاد فيها، وهذا هو عمل النبي ﷺ وأصحابه، فلم يكونوا يهتمون بهذه الآثار ولا يذهبون إليها، فلم يكن ﷺ بعد البعثة يذهب إلى غار حراء، ولا إلى غار ثور، ولا إلى موضع غزوة بدر، ولا إلى المكان الذي ولد فيه من مكة، ولا كان يفعل ذلك أحد من أصحابه، بل إن عمر ﵁ قطع الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان عام الحديبية لما رأى بعض الناس يذهبون إليها خشية الغلو بها، ولما قال بعض الصحابة حديثي العهد بالإسلام للنبي ﷺ : (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) أي شجرة يتبركون بها ويعلقون بها أسلحتهم كما يفعله المشركون، قال صلى الله عليه وسلم: (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) ؛ فالتبرك بالآثار وإحياؤها وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله ، كما حصل لقوم نوح لما غلوا بآثار الصالحين حتى آل بهم الأمر إلى عبادتها من دون الله . ٩ - ومما عابه علينا: منع كتابة بردة البوصيري على الجدران لما فيها وفي أمثالها من الغلو والشركيات التي لا تخفى على ذي بصيرة، مثل قوله في حق النبي ﷺ : ما لي سواك من ألوذ به ... عند حلول الحادث العمم وقوله: إن الدنيا والآخرة من جود النبي ﷺ ، وأن ما كتبه القلم في اللوح المحفوظ هو بعض علم النبي ﷺ ، إلى غير ذلك من الكفريات والشركيات التي جره إليها الغلو. ١٠ - ومما عابه علينا: فصل النساء عن الرجال في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي غيرهما من المساجد، عملاً بسنة النبي ﷺ حيث كانت النساء تقف في عهده في الصلاة خلف صفوف الرجال، ولأجل صيانتهن وصيانة الرجال من الفتنة والافتتان بهن. ١١- زعم الرفاعي أننا نترك المذهب الحنبلي كما قال في نصيحته، وننكر اتباع المذاهب الأربعة ادعاءاً للسلفية، ونحن إنما نعمل بما قام عليه الدليل منها ومن غيرها، وهذا ما أوصى به الأئمة الأربعة وغيرهم ﵏ كما هو معلوم من كلامهم، واتباع المذهب الحنبلي أو غيره من المذاهب الأربعة لا يتعارض مع السلفية كما نسب إلينا أننا نراه مخالفاً للسلفية، بل هو السلفية عينها. ١٢- وكذلك من العجائب ما استنكره الرفاعي من تعليقات الشيخ ابن باز ﵀ على كتاب (فتح الباري) وهذا لا نكارة فيه، فما زال العلماء يعلقون على الكتب ويبينون الحق للناس من الخطأ. وأما القسم الثاني: مما يتضمنه ما يسمى بالنصيحة فهو كذب وبهتان في حقنا. وجوابنا عنه أن نقول كما قال : [سٍبًحّانّكّ هّذّا بٍهًتّانِ عّظٌيمِ] [النور: ١٦] .. وذلك مثل قوله: ١ - إننا نكفر المسلمين ونتهمهم بالشرك؛ لأننا نوزع الكتب التي فيها التحذير من الشرك والكفر ونرسل الدعاة. ونحن لا نكفِّر إلا من دل الكتاب والسنة على تكفيره كمن يدعو غير الله أو يستغيث به من الأموات والغائبين، وهذا مما لا خلاف فيه. وأما توزيعنا للكتب التي فيها التحذير من الشرك والكفر والبدع فهذا من النصيحة للمسلمين وتبصيرهم بدين الله، ولا يعني هذا أننا نكفر من لم يقم الدليل الصحيح على كفره، وإنما هو من باب التنبيه والتحذير والمحافظة على العقيدة. ومن أجل هذه المهمة نرسل الدعاة إلى الله لتعليم الناس أمور دينهم والدعوة إلى الإسلام والعمل بالسنة وترك البدع والمحدثات؛ ولم نرسلهم لإثارة الفتنة كما زعم الرفاعي والبوطي. وكان الرسول ﷺ يرسل الدعاة إلى الله كما أرسل معاذاً إلى اليمن وغيره من الدعاة إلى الأقطار، وكان ﷺ يكاتب الملوك والرؤساء. ٢ - ومن الكذب الصريح: قول الرفاعي: إننا نمنع التدريس في الحرمين إلا من يوافق مذهبنا، وهذا من الكذب؛ فالتدريس في الحرمين ولله الحمد وفي غيرهما لا يزال قائماً على خير ما يرام، ولم يمنع من التدريس إلا من كان مبتدعاً معروفاً بذلك، أو مخرفاً، فمثل هذا منعه حق وواجبٌ حمايةً لعقيدة المسلمين وتلافياً لنشر البدع والخرافات. ٣ - ولم نمنع من زيارة القبور الزيارة الشرعية كما قال عنا ولكننا نمنع الزيارة البدعية والشركية التي فيها دعاء الأموات والاستغاثة بهم؛ كما منعها النبي ﷺ ومنع غيرها من الشرك ووسائله. وعلَّمنا ﷺ ما نقول إذا زرنا القبور من السلام على الأموات والدعاء لهم. هذا ونسأل الله لنا وللأستاذ الرفاعي والدكتور البوطي وسائر المسلمين الهداية للحق وقبوله، وأن يجعلنا جميعاً من العاملين بقوله تعالى: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء: ٥٩] . ٤- وأما قول الرفاعي: إننا غيّرنا اسم المدينة، من المدينة المنورة إلى المدينة النبوية، فالجواب عنه: أولاً: أن اسم المدينة جاء في الكتاب والسنة مجرداً من أي وصف لا بالمنورة ولا بالنبوية. ثانياً: أن وصفها بالنبوية أشرف وأوْلى من وصفها بالمنورة؛ لأن تنويرها إنما هو بالنبوة وسكنى النبي ﷺ فيها وهجرته إليها. وأخيراً: يعيب الرفاعي على حكام المملكة قتل المفسدين في الأرض بترويج المخدرات، عملاً بقوله تعالى: [إنَّمَا جَزَاءُ الَذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [المائدة: ٣٣] . ويتأسف على قتل هؤلاء المفسدين المجرمين الذي يدمرون الشعوب ويخربون البلاد.. بل لم يقتصر الحكم بقتلهم على المملكة العربية السعودية، بل كثير من دول العالم تقتلهم دفعاً لشرهم وإفسادهم؛ فالرفاعي يشفق على هؤلاء المجرمين المفسدين ولا يشفق على الشعوب التي يفتك بها هؤلاء فساداً ودماراً، ويستدل الرفاعي لقوله هذا بحديث: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود) ، فيعتبر المفسدين في الأرض من ذوي الهيئات، وأن ترويج المخدرات من العثرات اليسيرة التي يقال أصحابها، ونسي أو تناسى أنهم ينطبق عليهم حد الحرابة والإفساد في الأرض المذكور في الآية الكريمة، وأن الحديث المذكور خاص بالتعزير بدليل قوله ﷺ : (إلا في الحدود) . على أن التعزير قد يصل إلى القتل إذا لم يرتدع المخالف عن مخالفته إلا به؛ لأنه أصبح من المفسدين في الأرض كما ذكر ذلك المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره مع العلم بأن هذا الحديث الذي استدل به وإن جاء من عدة طرق فإنها كلها لا تخلو من مقال، كما قال ذلك الصنعاني ﵀ في كتاب: (سبل السلام شرح بلوغ المرام) . وليت الرفاعي صرف عطفه وشفقته إلى ضحايا هؤلاء المفسدين الذين فسدت عقولهم وأبدانهم حتى أفضوا إلى الموت أو أصبحوا عالة على مجتمعاتهم بسبب هؤلاء المفسدين المروجين للمخدرات في المجتمعات البشرية. وختاماً: هذا ما أحببنا التنبيه عليه مما احتوت عليه نصيحة الأستاذ الرفاعي وهو تنبيه على سبيل الاختصار وندعو الأستاذ الرفاعي هداه الله إلى الرجوع إلى الحق فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والله يتوب على من تاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

стр. 3434

مصطلحات ومفاهيم الثيوقراطية د. محمد يحيى من المصطلحات والمفاهيم التي جرى تداولها في الفترة الأخيرة ولا سيما في معرض الهجوم على طروحات الحركات الإسلامية مصطلح (الثيوقراطية) ولولا هذا الاستخدام ضد الإسلام ومبادئه لما كتب لهذا المصطلح أي بقاء أو أثر؛ فهو من المصطلحات السياسية ذات القيمة غير الدائمة التي أطلقت في الغرب لتشير إلى حكم أقلية من الأقليات تتسلط على أغلبية فئات المجتمع؛ فقد أطلق في بعض الكتابات مصطلح اليلوتوقراطية للدلالة على سيطرة طبقة كبار الأغنياء على الحكومة والسلطة في بلد من البلاد، أو مصطلح الأديجاركية للدلالة على حكم أقلية من أصحاب النفوذ والحول. والثيوقراطية تشير في هذا الإطار إلى حكم أقلية ممن يسمون برجال الدين أو الكهنوت التابعين لدين من الأديان لا سيما تلك المذاهب التي تنشئ كهنوتاً كالمسيحية في المقام الأول. والكلمة مشتقة كما هي العادة في الكثير من المصطلحات الغربية من الأصول اللغوية اليونانية من لفظي: ثيوس (الدين) وكراس (الحكم أو السلطة أو الطبقة.. إلخ) . أقول: إن هذا المصطلح بالذات وجد شيوعه واستخدامه الأكثر والأغلب في الغرب في إطار الكتابات الصحفية الدارجة، وليس في إطار الدراسات الأكاديمية الرصينة أو المتعمقة، وما كان له أن يصل إلى الذيوع والانتشار والأثر الخطير الذي وصله عندنا في الكتابات في العالم العربي الإسلامي لولا أن استخدامه فُرِضَ في إطار الهجوم على دعوات الإسلاميين لتطبيق الشريعة الإسلامية أو إقامة الدولة الإسلامية أو إضفاء الطابع الإسلامي على المجتمع. والحق أن استخدام هذا المصطلح بالذات لتوصف به طروحات دعاة الإسلام في ميدان السياسة والحكم والمجتمع ينطوي على تشويه خطير وغير موضوعي، فلا يفكر أي من هؤلاء الدعاة مهما بلغ من الغلو أن يقيم سلطة أو حكومة أو نظاماً سياسياً يشكله ويهيمن عليه المشايخ أو علماء الدين في تصوُّر أنهم طائفة أو طبقة؛ ذلك أنه لا توجد في الإسلام وفي تجاربه التاريخية مثل هذه الطبقة كما هي الحال بالنسبة للكنيسة أو الكنائس المتعددة في المسيحية، أو أنواع الكهنوت المماثل إلى حدٍّ مَّا في البوذية والهندوسية. إن دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية أو حكم الإسلام أو الدولة والنظام الإسلامي تقصد في مجملها وحتى الاختلاف في التفاصيل إلى إرساء نظام للحكم وفلسفة للمجتمع تقوم على مبادئ الإسلام وتعاليمه وتنطبع بطابعه؛ بحيث يكون هذا الدين هو بلغة السياسة المعاصرة: النسق الفكري والأخلاقي للدولة والمؤسسات في المجتمع الإسلامي. ولا يعني هذا بأي حال أن يكون المسيطرون على مجريات الأمور في مثل ذلك النظام هم علماء الدين؛ دون أن يعني كذلك أن يستبعد هؤلاء من دنيا الحكم والسياسة لمجرد ترضية بعض الذين يصفونهم خطأً برجال الدين ويريدون إقصاءهم من الحياة العامة من منظور علماني. وإذا قيل وقد قيل إن إقامة دولة أو نظام إسلامي يكون الحكم والسلطة فيه للمبادئ، والتعاليم والتوجيهات والأحكام والشرائع والرؤى والتصورات والقيم الإسلامية يعني في الحقيقة إقامة نظام يحكم فيه علماء الدين المسلمون أو المشائخ؛ لأن هؤلاء هم الذين يشرحون ويفسرون الإسلام ومراميه وشريعته ونظامه. إن قيل ذلك فإن الرد ببساطة يقول: إن هؤلاء يؤلفون فئة من الدارسين والباحثين والعلماء يشرحون الإسلام ويعلِّمونه؛ لكن ليست فئة مغلقة ولا احتكارية؛ ففهم الإسلام وشرحه وتعليمه مفتوح للجميع شريطة الاتساق مع المنهجية العلمية كما هي الحال في كل المراكز والجامعات العلمية في كافة أنحاء العالم وكل الثقافات، ومع ذلك فلا يوجد مانع فكري أن يحكم العلماء أو يشكلون ناحية من نواحي مؤسسة الحكم وجوانبها؛ لأن العادة كانت ولا زالت في الغرب أن يضم الحكام بعض رجال الكهنوت المسيحي إلى صفوفهم، كما يضمون معهم فئات كالعلماء في الدراسات الطبيعية والإنسانية ورجال الأعمال والثروة والعسكريين وأصحاب النفوذ والأوضاع الارستقراطية.. إلخ، فليس ثمة عيب أو حرج إلا من وجهة النظر العلمانية الشرسة في تصورها الإقصائي للإسلام في أن يتولى الحكم أو جانباً منه أفراد من فئة علماء الدين الإسلامي إذا كانوا يصلحون لهذه المهمة من ناحية الاستعداد والكفاءة وثقة الجماهير والقدرة على إدارة دفة الحكم؛ مع الاستعانة بالمتخصصين كل في مكانه، والقدرة على تطبيق المشروع الإسلامي داخل بلادهم مع فهم كل الظروف والأوضاع التي يمر بها العالم. وفي الوقت نفسه فلا يوجد أيضاً ما يفرض أو يحتم أن تتألف الطبقة أو الفئة الحاكمة في البلد المسلم الملتزم بالمشروع الإسلامي من طائفة علماء الدين أو المشايخ طالما كان الحكام مسلمين ملتزمين يطبقون الشريعة والمنهج الإسلامي الذي يتفق الجميع عليه، وينفذون السياسات المنبثقة عن الإسلام وهو دين الجميع ومفتوح لأن يدرسه الكل ويتخصص فيه كل قدر استطاعته. إن استخدام مصطلح الثيوقراطية بهذا الخطأ المتعمد والتشويه مع التضحية في أهميته وإيهام الناس بأنه مصطلح (علمي) أو (أكاديمي) منضبط المعنى يهدف في النهاية إلى إدخال البلبلة وتشويه صورة الحركات الإسلامية بتصويرهم مجموعة قليلة من الأشخاص يريدون الوثوب على السلطة والحكم خدمة لطائفة محدودة تبغي التسلط على مقدرات الأغلبية وثرواتها؛ بينما تقول الحقيقة: إن المشروع الإسلامي هو نابع من الأغلبية المسلمة خدمة لمصالح عقيدتها وأهدافها الدينية والدنيوية، وإنه يرمي إلى تحكيم مبادئ الدين لا إلى إتاحة الفرصة لعدد محدود من الأشخاص الطامحين إلى خدمة مصالحهم الشخصية. ومبادئ الدين ليست حكراً في فهمها أو العمل بها أو الإيمان بمراميها على فئة محدودة حتى يكون إعمالها بمثابة تكريس لسلطة هذه الفئة؛ بل هي محل إجماع الجميع؛ بحيث يجزئ عنهم من يحكم بها من أي فئة اجتماعية جاء طالما هو يحكم بها في انفتاح وعدالة دون أن يدعي احتكار الحكم له. إن الثيوقراطية تجوز فقط لوصف فترات من التاريخ الغربي طويلة حكم فيها فعلاً أو من وراء ستار الكهنوت المسيحي، كما أنها تجوز الآن لوصف حقب معاصرة من التاريخ الغربي يحكم أو حكم فيها الكهنوت العلماني باعتبار العلمانية عقيدة تؤمن بها وتقوم عليتها نخبة صغيرة من الأشخاص لا نبالغ إذا قلنا: إن جذورهم ترجع إلي المذهب الماسوني الصهيوني.

стр. 3435

في دائرة الضوء الآثار المدمرة لسياسات الإفقار ياسين بن طه بن سعيد الشرجبي صراع الحق والباطل: من سنن الله الاجتماعية أن يتواصل صراع الحق والباطل، ويستمر عداء أهل الكفر والنفاق لذوي الإيمان حتى قيام الساعة. ومظاهر الصراع والعداء لفسطاط الإيمان تتباين صوراً وأوضاعاً ومظاهر وشدة وقوة وحجماً؛ لكنها تتفق جميعها على الهدف النهائي والغاية المقصودة ألا وهي النيل من الدين؛ فالمؤامرات السياسية والمخابراتية، والكيد العسكري والأمني، والمكر الاقتصادي والمعيشي، والمخططات الثقافية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية كلها جميعاً تبتغي القضاء على الإسلام وتدمير مقوماته وإبادة أهله، وذاك ما حدثنا عنه القرآن. قال تعالى: [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا ... ] [البقرة: ٢١٧] . وقوله تعالى: [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ... ] [البقرة: ١٢٠] . وقوله تعالى: [ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً ... ] [البقرة: ١٠٩] . وواضح من الآيات الواردة في السورة ذاتها في أول القرآن أن الله تعالى يبين لنا سبيل المجرمين ويوضح لنا مبتغاهم حتى نأخذ حذرنا ونعد عُدتنا ونحذِّر قومنا. الدين بُغيتهم: الأعداء على مر الزمان وفي كل مكان يريدون القضاء على إيماننا وعقيدتنا وديننا، وأن نترك دين الله الذي ارتضاه لنا إلى ملتهم المعوجة المحرَّفة، ويستخدمون لذلك كل ما يمكنهم من أدوات يرونها قوية وسريعة التأثير وتحدث دماراً أوسع وخراباً أعم. يتولى كبر ذلك العداء: اليهود والنصارى كما أشار القرآن، بل إنهم لينسون عداواتهم الدينية القديمة ويؤلِّفون حلفاً شيطانياً ضد ديننا وأمتنا: [ ... بعضهم أولياء بعض ... ] [المائدة: ٥١] ، [والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ... ] [الأنفال: ٧٣] . الإفقار وسيلتهم: إنهم يستخدمون كل ورقة يرونها رابحة وكل سلعة يظنونها رائجة من أجل استئصال هذا الدين منهجاً ودعاة وأمة؛ ومن بين الوسائل ذات الأثر الفاعل ضد أمتنا وذات العائد الثري عليهم: وسيلة حرب البطون وما يتبعها من سياسات الإفقار المدمِّرة ومحاربة الاقتصاد ومصادر المعيشة في حياة الأمم والشعوب عملاً بالمثل القائل: (جوِّعْ كلبَك يتبعْك) . لقد فكّر دهاة اليهود لعنهم الله طويلاً وقدَّروا ثم نظروا ثم عبسوا وبسروا قُتلوا كيف فعلوا ثم تمخض ذلك عن العمل على احتكار رؤوس الأموال وتجنيد أصحابها ليكون ذلك مقدمة للاستيلاء على العالم بعد إخضاعه لحكمهم وقراراتهم وتوصياتهم ومخططاتهم؛ فهم الذين يقبضون على عنقه ويتحكمون في مصيره ويملكون قوته. ما يُسمى بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يُعَدُّ كلٌّ منهما حكومة صهيونية تختبئ وراء ورقة الدولار الخضراء، وتضع فخاخها المخيفة خلف القروض والإصلاحات الاقتصادية والسعرية، وتزرع الموت الزؤام تحت أرضية الاتفاقات المالية، ولكن أكثر الحكام لا يعلمون أو لعلهم وهو الأقرب يعلمون. إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... أو كنت تدري فالمصيبة أعظم والأعداء يدركون أن حربهم الاقتصادية وسياستهم التجويعية توصلهم سريعاً إلى خط النهاية في صراعهم مع أمتنا الذي يعني لديهم تدمير الإسلام، وهم بلا شك يحققون نجاحات في هذا المِشوار الجهنمي الخبيث لأمرٍ قدَّره الله، وبسبب ما كسبت أيدينا نحن المسلمين. إلا أننا على يقين أنهم لن يصلوا إلى النهاية المرجوة في هدم الإسلام وإطفاء نوره؛ لأن الله قد وعد بغير ذلك، فقال تعالى: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] [الصف: ٨] ، غير أنهم سينجحون في تحقيق الأهداف المرحلية التي ستكون وطأتها علينا شديدة وأثرها في حياتنا مؤلماً؛ إن لم نتيقظ وندفع عن أنفسنا ما استطعنا بعون الله وذلك بالاستمساك بحبله المتين والسير في صراطه المستقيم، ومن خلال استبانة سبيل المجرمين، وإعطاء الخطر ما يستحقه من الإعداد، وأخذ الأهبة، وإطلاق صيحات النذير وإشارات التحذير، ورص الصفوف، والتنادي لدفع الدمار القادم. ولعل هذه الكلمات والسطور تكون لبنة في صرح الدفاع والتحذير؛ فتجعل جاهلاً يدري وغافلاً ينتبه وسادراً يرعوي ونائماً يستيقظ ومدافعاً يتحفَّز وحجَّة تقال وتُقام. وهدف هذا المقال مجرد الإيماء والإشارة إلى الخطر الداهم والدمار القادم؛ وليس الإحاطة والتوسع؛ فذاك مجاله البحوث العلمية الموسعة. والفقر المقصود في حديثنا ذاك الفقر المفتعل في ظل وجود الخيرات الوفيرة والذي يترافق مع الثراء الفاحش والتخمة المفرطة والتبذير الواضح والفساد الجلي. آثار الفقر المدمرة: تتحقق الآثار المدمرة لسياسات الإفقار حين يغيب الإيمان في قلوب الناس أو يضعف أثره، ولذا يحرص أعداء المسلمين أن تترافق سياساتهم التجويعية مع تنفيذ مخططات الإلهاء واللهو الحرام وإبعاد الناس عن دينهم وإضعاف اتصالهم بالله من خلال البرامج الإعلامية والثقافية التي تنشر ثقافة المجون والغناء والرقص وإثارة الشهوات وبعث الغرائز والدعوة لكل محرّم. ١ - في مجال العقيدة والدين: وهو المجال الذي توجه إليه الأسهم المسمومة والضربات القاتلة ويراد به الشر أولاً وأخيراً. والفقر مدعاة للشك؛ إذ إنه يكون مدعاة للشك في حكمة التنظيم الإلهي للكون، والارتياب في عدالة التوزيع الرباني للرزق، فيصبح لسان حال صاحب هذا التصور: كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصيّر العالِم النِّحرير زنديقاً الفقر والعقيدة الجبرية: وقد يرضى بعضٌ باعتناق النظرة الجبرية إلى الأمور وهي نظرة تتعارض مع عقيدة القرآن والسنة؛ فهو يُقنع نفسه بأن الفقر وإن كان شراً وبلاءاً فهو أمرٌ قد قضاه الله في السماء ولا يجدي معه الطب والدواء؛ فقد أراد الله أن يفضل بعض الناس على بعض في الرزق ليبلوهم، وأنه تعالى يبسط الرزق لمن يشاء، ولا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وغير ذلك من كلام حق يُراد به باطل، ويروَّج مترافقاً مع سياسات الإفقار ومخططات التجويع ليقنع الناس بالرضا والصبر ولا ينبسوا ببنت شفة ولا تنفرج أفواههم عن لفظة اعتراض، ولسان حالهم يقول: الرزق كالغيث بين الناس منقسم ... هذا غريق وهذا يشتهي المطرا أو كما قال آخر: يسعى القوي فلا ينال بسعيه ... حظاً ويحظى عاجز ومهين ونظرة الجبرية هذه ينكرها الإسلام؛ لأنها تمثل عائقاً منيعاً أمام أي محاولة لإصلاح الأوضاع الفاسدة وتعديل الموازين الجائرة وإقامة العدالة المرجوة والتكافل الاجتماعي باعتبارها مبادئ إسلامية رئيسة. الإسلام فرض على الأغنياء في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، ولما احتج الجاحدون منهم بمشيئة الله وقدرته ردّ عليهم زعمهم ورماهم بصفة الضلال المبين، قال تعالى: [وإذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [يس: ٤٧] ، إنهم في ضلال مبين؛ لأنهم لو عقلوا لعلموا أن الله قد أراد أن يرزق الناس بعضهم من بعض، وأن يتعاونوا على رد قدر الله من الفقر بقدر الله من التكافل وحسن توزيع الثروات وإيجاد فرص العمل وأسباب الرزق. سؤال وجواب: قد يسأل سائل: إذاً ما المقصود بحثِّ النصوص القرآنية والحديثية على الرضا والقناعة بما قسم الله؟ والجواب: إن المقصود ليس هو ما يُراد ترويجه وإشاعته بين الناس من فهم خاطئ حول الرضا والقناعة من خلال ترضية الفقراء بالعيش الدون والحياة الهون ولا القعود عن السعي إلى الكسب الحلال والغنى والحياة الطيبة والعيش الرغيد، ولا المقصود كذلك ترك الأغنياء في غيهم سادرين يلهون، ويعبثون ويترفون ويسرفون، ولا ذم المال إطلاقاً؛ إذ إن رسول الله ﷺ كان يسأل الله الغنى تماماً كما كان يسأله التقى: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) [١] . وقد روى البخاري أنه ﷺ قد دعا لخادمه أنس قائلاً: (اللهم أكثر ماله) [٢] . وأثنى على مال أبي بكر فقال في الحديث الذي حسنه السيوطي: (ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مالُ أبي بكر) [٣] . وقال: (ونعم صاحب المسلم هو) [٤] ، (.... فنعم المعونة هو ... ) [٥] ، وقال كذلك في الصحيح نفسه من حديث يسار بن عبيد: (لا بأس بالغنى لمن اتقى) [٦] ، بل وكان يستعيذ بالله من الجوع: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع) [٧] . فالقناعة التي حث عليها الإسلام تعني أن لا يُفرِط الإنسان المسلم في سعيه للغنى وأن يُجمِل في طلب الرزق ليتمكن من إقامة التوازن في حياته ويتجنب الإفراط والغلو، ويتوجه طموحه إلى القيم الأرفع والرزق الأبقى: [ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأَبْقَى] [طه: ١٣١] ، [والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقَى] [الأعلى: ١٧] . كما أن القناعة المطلوبة في الإسلام تعني الرضى بتفاضل الناس في أعطيات الأرزاق تماماً مثل بقية المواهب والملكات، فلا ينبغي أن يكون أكبر همِّ المسلم النظر إلى ما أوتيه الآخرون نظرة حسد وبغضاء وطمع، وعليه في حدود ما قدّر له أن يكون نشاطه وطموحه: [ولا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ] [النساء: ٣٢] . كما تعني الرضا بما رزق الله في حالات العسر وضيق الرزق والأزمات الطارئة التي تحل بالأمم وتعم الناس بسبب الكوارث وقلة الموارد الطبيعية وعدم القدرة على الهجرة أو تغيير الواقع. الفقر واتهام الله: إذ من طبيعة الإنسان بدون تزكية الأديان أنه: [إذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ] [الفجر: ١٦] . الفقر والكفر متلازمان: قرن رسول الله ﷺ في دعائه بين الفقر والكفر فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) [٨] . وقال في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب والطبراني في الأوسط وضعَّف العراقي سنده: (كاد الفقر أن يكون كفراً) . وأوضح رسول الله ﷺ أن الحاجة والطمع في المال تدفع المرء إلى بيع دينه، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (يبيع أحدهم دينه بعرضٍ من الدنيا قليل) [٩] . وواضح اقتران بيع الدين بالكفر والعياذ بالله وابتغاء العرض القليل من الدنيا بالحاجة إليها والطمع فيها. ومن أقوال السلف: - إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر: خذني معك. - أكفر الناس ذو فاقة لا صبر له، وقلَّ في الناس الصابر. الاختلالات الحادثة في كل مجالات الحياة هي في الأصل اختلال في الإيمان والدين: ففي مجال الأخلاق والسلوك مثلاً: فعل ما يخالف أخلاق الإسلام يضعف الإيمان بل ويرفعه؛ ففي الحديث المتفق عليه: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) [١٠] . وفي رواية للبخاري: (ولا يَقتُل وهو مؤمن) [١١] . وفي رواية لمسلم: (ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن؛ فإياكم وإياكم) [١٢] . ومن نافلة القول أن الأخلاق السيئة الوارد ذكرها في الأحاديث السابقة من زنى، وسرقة، وقتل، وغلول، وشرب خمر يكون الفقر والحاجة من أشد دوافعهما وأكثرها، وهي ذات تأثير في رفع الإيمان وانعدامه. خلاصة: الفقر سبب للشك في الله، واتهامه، واعتناق العقيدة الجبرية المنحرفة، ويتلازم معه الكفر، وكل آثاره الأخرى توهن الدين وتضعف الإيمان. ٢ - في مجال الأخلاق والسلوك: الفقر والفاحشة: تعد الحاجة والفقر من الأسباب الرئيسة التي تقف وراء الرذائل والفواحش؛ إذ يكون الفقر في حال غياب الإيمان أو ضعفه أقوى من مراقبة الله والخوف منه والاستجابة لنداء الضمير، لذا قيل: (صوت المعدة أقوى من صوت الضمير) . ودلالة الاقتران بين الفقر والفاحشة واضحة في النصوص الحديثية الصحيحة الآتية: الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق الليلة على سارق! ! فقال: اللهم لك الحمد على سارق! ! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية! ! فقال: اللهم لك الحمد على زانية! ! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني! ! فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني؛ فأُتي فقيل له: أمَّا صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما صدقتك على زانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما صدقتك على غني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله) [١٣] . نستطيع أن نفهم من الحديث السالف أن حصول السارق على المال وكذا الزانية قد يكون سبباً قوياً (فلعله، فلعلها) في رجوعهما عن غيهما والعودة إلى الأصل وهو العفاف (يستعف، تستعف) ، وأن السبب في فاحشتهما بعد ضعف الإيمان وغيابه هو الحاجة إلى المال. وفي الحديث المتفق عليه من رواية ابن عمر ﵄ عن الثلاثة الذين آواهم المبيت أو ألجأهم المطر إلى الغار، فسقطت الصخرة وسدت عليهم باب الغار، فأشار بعضهم على بعض بالتوسل إلى الله بصالح الأعمال لينجوا من الموت والهلكة، فقال أحدهم: (اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليَّ فأردتها عن نفسها (راودتها) فامتنعتْ مني حتى ألمت بها سنةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلِّي بيني وبين نفسها، ففعلت؛ حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أُحِلُّ لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرَّجتُ من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليَّ ... ) [١٤] . ما الذي جعل المرأة العفيفة توافق على أن تخلي بينها وبين نفسها لابن عمها؟ ! إنها الحاجة والفقر: (ألمت بها سنة من السنين) ، وهذا هو الشاهد! ! ثم ما الذي حفظها وابن عمها من الفاحشة؟ ! إنه الإيمان وتقوى الله الذي نادت به ابن عمها: (اتق الله) . الواقع يتحدث: في اعترافات الواقعين في مستنقعات الرذيلة والفاحشة وفي مذكراتهم ما يدل على أن الفقر والحاجة إلى المال كان سبباً في سقوطهم، ومآسي الأسر في ضياع شرفها وفي امتهان أولادها للسرقة والدعارة بسبب الفقر قصصٌ تُدمي القلوب وُتحزِن النفوس وتُعظم العقاب على كل راع ومسؤول لم يؤدِ حق رعايته، وكم من امرأة شريفة قد ألجأتها الفاقة إلى العمل خارج بيتها فكان الذئاب في انتظارها! الفقر وأخذ المال الحرام: من الأخلاق الذميمة التي حاربها الإسلام وجعلها من الكبائر: السرقة، الرشوة، الغلول، وغيرها مما تؤكل بها أموال الناس بالباطل وتجعل الكسب حراماً حراماً؛ هذه الأخلاق لا ترتكب غالباً إلا في حالة الحاجة والفقر وعدم كفاية الدخل في سد الحاجات الأساسية؛ فأنت تجد ذا النزاهة والأمانة إن لم يستطع المقاومة ولم يكن له زاد من الإيمان يثبته، تجده يضطر بفعل الضغوط الأسرية والحياتية وقلة ذات اليد إلى أن يغمس يده في رجس المال الحرام والعياذ بالله، وفي الحديث: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه، تمنعكم الحاجة والفقر) [١٥] لذا كان من هدي الخليفة عمر بن عبد العزيز أن سدَّ على عماله وموظفيه كل نافذة أو ثغرة لأخذ المال الحرام، وبدأ برفع أجورهم ليحقق لهم الكفاية ويغنيهم عن الخيانة ويسد بذلك الذريعة إلى الحرام. الفقر والذلة: والذلة لغير الله خلق سيئ يجعل المرء عبداً للناس يخافهم ويذعن لما يملونه عليه حتى لو كان في ذلك معصية لله، لذلك تعوَّذ رسول الله ﷺ من الفقر والذلة وقرن بينهما: (اللهم إني أعوذ بك من القلة والذلة) [١٦] . الفقر وصفات النفاق: الفقر يدفع إلى طلب الدَّيْن، وعدم القدرة على السداد والأداء يجعل الإنسان يكذب ويخلف وهي من صفات النفاق. يقول رسول الله ﷺ في حديث البخاري:) إن الرجل إذا غرم استدان حدث فكذب، ووعد فأخلف [١٧] . الفقر وضياع أخلاق حميدة: يُجبِر الفقر الناس على التخلي عن كثير من الأخلاق الحميدة، مثل: - الكرم للضيوف والأصحاب. - الصدقة والتكافل الاجتماعي. - صلة الأرحام. - الحب والتواد بين الناس. - التعفف والحياء. كما يدعو إلى الاضطرار إلى التسوُّل وما يجره ذلك من أضرار. الفقر وسفك الدماء: الفقر يؤدي إلى الجزع على الدنيا، والخوف على فوات نصيبه منها، مما يدفع إلى الصراع من أجلها والامتثال لسفاسفها وسفك الدماء وعدم السماح والصفح؛ لأن الجميع يرون أنهم في حاجة إليها، ويرونها مسألة حياة أو موت، كما أن آثار الفقر السابقة تؤدي إلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح وارتفاع معدلات الجريمة. ٣ - أثر الفقر على العلم والفكر: طلب العلم ونشره وتوفير مؤسساته ومتطلباته يحتاج إلى الدعم المادي، وفقدان المال يؤدي إلى عدم توفر الإمكانات المعينة على طلب العلم ونشره، فيجهل الناس، ويضيع العلم. ويؤدي اضطرار الناس إلى العمل كباراً وصغاراً إلى العزوف عن طلب العلم وتتفشى الأمية؛ فيظهر ذلك في تأخر الأمة علمياً وثقافياً؛ لأنهم قد شُغِلوا بطلب الرزق عن كسب العلم والثقافة والفكر، وحتى إنْ طلب أبناء الأمة العلم في ظل مؤسسات لا توفر أبسط الإمكانات والظروف المناسبة فإن طلبهم للعلم وتلقيهم له يكون ضعيفاً لا يغني من جهل ولا يُبصر من عمى ويؤدي إلى تسربهم. كما أن التفكير والقدرة على الابتكار ونفع الأمة يعوقه كثيراً ما يلاقيه أصحابه من عنت في مجال الحياة المعيشية وتوفير القدر الأدنى من الحاجات الأولية لأنفسهم. روي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة: أن الجارية أخبرته يوماً في مجلسه أن الدقيق قد نفد، فقال لها: (لقد أضعتِ من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه) . ويروى عن الإمام أبي حنيفة قوله: لا تستشر من ليس في بيته دقيق؛ لأنه مشتت الفكر مشغول البال فلا يكون حكمه سديداً. وفي الحديث الصحيح: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) [١٨] . وقد قاس عليها الفقهاء: (لا يقضي القاضي وهو جوعان، أو عطشان؛ لأنها انفعالات تؤثر على حكمه) . يقول القائل: إذا قلَّ مال المرء قلَّ بهاؤه وضاقت عليه أرضه وسماؤه وأصبح لا يدري وإن كان دارياً قدامه خير له أم وراؤه وقد قيل: أعطني خبزاً أعطك شعباً مثقفاً. وقديماً رأى الشاعر أن المُلْك يقوم على العلم والمال وأن كلاً منهما يحتاج الآخر: بالعلم والمال يبني الناس مُلكهم ... لم يُبنَ مُلك على جهل وإقلال ٤ - أثر الفقر على الأسرة: الأسرة نواة المجتمع، وبها يكثر أو يقل المجتمع، ويقوى ويضعف، ويصلح أو يفسد. وأثر الفقر على الأسرة يظهر ظلاله السيئة على تكوينها واستمرارها: أثره على تكوينها: فالفقر مانع رئيس من موانع الزواج؛ لأن من متطلباته المالية: المهر، النفقة، تجهيز المنزل. لذا حث القرآن من لا يجدون القدرة على الزواج على الاستعفاف حتى يرزقهم الله من فضله؛ ولعل المقصود في ذلك: القدرة المالية لارتباط ذلك بقوله تعالى: ... [يُغْنِيَهُمُ] ، يقول تعالى: [ولْيَسْتَعْفِفِ الَذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ... ] [النور: ٣٣] . وفي الحديث المتفق عليه من رواية عبد الله بن مسعود: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) [١٩] . الفقر سببٌ قوي لدى الكثير من الآباء والأمهات للأسف لرفض الشباب المتقدمين لخطبة بناتهم؛ إذ إنهم لا يرغبون إلا في الموسرين، وهو داء قديم عرض له القرآن وأمر الآباء والأمهات بخلافه، قال تعالى: [وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ] [النور: ٣٢] . لكن الكثير من الآباء والأمهات لا يُصغون لنداء القرآن؛ لذا انتشرت العنوسة بين النساء، وسُهِّل طريق الحرام للسالكين، وحدثت الفتنة والفساد الذي توعد به رسول الله ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض) [٢٠] . أثره على استمرارها: والفقر معوِّقٌ قوي عن استمرار الأسرة بعد تكوينها؛ إذ إنه يكون سبباً في طلاق المرأة من زوجها؛ إذ يجيز الشارع أن يطلق القاضي المرأة من زوجها لإعساره وفقره وعجزه عن النفقة عليها. والفقر سبب رئيس لمعظم الخصومات الدائمة بين الرجل وزوجته حول النفقات ومتطلبات المعيشة وكيفية توفيرها والتعامل معها، ويكون الفقر وراء انعدام السكينة وضياع المودة والرحمة. بل إن سياسات الإفقار تدفع بالنساء والأطفال إلى العمل، فيخرج الجميع إلى الحياة والمغالبة لأجل البحث عن أسباب العيش ويُقوض بنيان الأسرة. إن استمرار الأسرة أيضاً يعني التناسل والإنجاب، والحد من النسل يعني توقف استمرار الأسرة، والأعداء يروّجون لذلك ويتحججون بالفقر وانخفاض الثروات الغذائية مقابل الانفجار السكاني، وهم للأسف يجدون من يستمع إليهم ويقتل أولاده كأولئك الذين خاطبهم الله قائلاً: [ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإيَّاهُمْ] [الأنعام: ١٥١] ، الإملاق: الفقر، [ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيَّاكُمْ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبيراً] [الإسراء: ٣١] . والآيات واضحة في أن من سبب قتل الأولاد الفقر أو خوف الفقر؛ فهو عقبة أمام استمرار الأسرة. وفي الحديث المتفق عليه: سئل رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) ، قال: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) [٢١] . ولا يخاف الأب أو الأم أن يطعم ولده معه إلا في حالة شح الطعام وندرته بسبب الفقر والحاجة، لذا يضطر لقتله والعياذ بالله ليرتكب ذنباً من أعظم الذنوب بعد الشرك. كما أن انشغال الآباء والأمهات بطلب العيش وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة يؤثر سلباً في الاهتمام بتربية الأولاد والعناية بهم. ٥ - أثر الفقر على الصحة: في الصحة العامة: يؤثر الفقر على الصحة العامة للفرد والأسرة والمجتمع؛ إذ بسببه لا يمكن توفير أساسيات للمحافظة على الصحة العامة، ومنها: - الغذاء المناسب الواقي والمدافع من الأمراض وسوء التغذية. - الوقاية اللازمة من خلال النظافة في المنزل والشارع ومنع انتقال العدوى. - العلاج المناسب لإعانة الجسم على استرداد حالته الصحية السوية (سواء كان استشارة طبية، أو فحصاً مختبرياً، أو أدوية ... ) . - المؤسسات العلاجية المناسبة: المختبرات، المستشفيات، المراكز المتخصصة. - مؤسسات إعداد الكوادر الطبية: إعداد الأطباء وتأهيلهم، وتدريب الكوادر الطبية المساعدة. في الصحة النفسية: إذ بسبب الفقر يعاني الناس أفراداً وأسراً وجماعات من الضجر والتبرم والقلق وعدم الأمان والخوف من المستقبل والشعور بالحرمان، والإحساس بالدون والحسد والكراهية والسخط مما يسبب ضغوطاً على النفسيات؛ فتحدث خللاً وارتباكاً يؤدي إلى ما هو أعظم وأسوأ: من التفكير بالانتقام، والتطرف في الأفكار والتعامل، بل والجنون وفقدان الاتزان العقلي عافانا الله جميعاً. ٦ - أثر الفقر على الاقتصاد والسياسة: رغم أن السياسة والاقتصاد هما سببان رئيسان للفقر والجوع إما بسبب الفساد المالي والإداري والسياسات المتبعة، أو الإذعان لما تمليه على ولاة الأمور الحكوماتُ الخفية للصهيونية ممثلة في المؤسسات الاقتصادية الدولية. لكن الفقر نتيجة تؤثر أيضاً في السبب، ومن ذلك: - قلة الإنتاج وانهيار الاقتصاد وزيادة العجز وضعف الإيراد، والكساد التجاري، والركود الاقتصادي. - انعدام الثقة والحب بين الحاكم والمحكومين. - ارتفاع تكاليف الخدمات العامة الأساسية. - زيادة المماحكات السياسية وتبادل التهم. - الظلم الجلي في توزيع الثروات. - زيادة البطالة وما تؤدي إليه من أضرار اقتصادية واجتماعية. - الشعور العام بالسخط وعدم الانتماء إلى الأمة والوطن. - الحد من دور الدولة، وهذا يعني بقاء القرار السياسي والاقتصادي في يد من يقدِّم المال ويتحكم في الاقتصاد ويدير وجهة تطوره وملامحه. - تصفية المدخرات السابقة وتسييلها من قِبَل الطبقات الوسطى والاستعانة بها في مواجهة النفقات المعيشية المتزايدة لتتحول بذلك إلى الطبقة الفقيرة. - ازدياد هجرة العقول والأيدي العاملة المحلية. - تغيير هيكل الإنتاج من إنتاج متين يعتمد على القطاعات الاستراتيجية كالزراعة والصناعة إلى هيكل إنتاجي يرتبط بالعالم الخارجي كالسياحة والاستيراد وغيرها. تعريف أخير: مشروعات الصناديق الاجتماعية ذات الموارد الهزيلة: لا تخرج عن كونها ديكوراً يلحق ببرامج الإفقار والهلاك لإعطائها مسحة من السمة الإنسانية على وجهها الشيطاني القبيح، أما الزيادات الطفيفة التي تضاف إلى الأجور فإنها لا تجدي شيئاً ولا تشكل سوى رذاذ طفيف في مواجهة لهيب الأسعار وإعصار التكاليف الحياتية. باختصار: تلكم كانت صنوف العذابات التي يُريد المتآمرون أن تسوم أمتنا وشعوبنا، وأن تتجرعها غصصاً ولا تسيغها ويأتيها الهلاك من كل مكان، وأن تُطحن برحى سياسات الإفقار فلا تبقى فيها باقية من إيمان وقوة أو أثر من خلق وإرادة، ومن ثم تسير في درب سننهم حذو القذة بالقذة رافعة راية التبعية والاستسلام ورامية بعقيدتها ودينها وتميزها وخيريتها خلف جدران النسيان. نعوذ بالله من ذلك ونسأله العفو والعافية وأن يكفيها شر الأشرار وكيد الأعداء والفجار وشر طوارق الليل والنهار. ثالثة الأثافي: قد أسلفت أن جرائم سياسات الإفقار لا يمكن أن تُنَفَّذ في صورتها المطلوبة إلا في ظل ضعف الإيمان وانعدامه، لذا لا بد من أن تترافق مخططات التجويع جنباً إلى جنب مع مخططات الإلهاء والصد عن سبيل الله، ونشر الإباحية والخنوع، ودعم مشاريع إشاعة الرذيلة والفسق والفجور، وذلك من خلال: - قيام وزارات الإعلام والثقافة، والسياحة في كثير من البلدان بدورها الشيطاني في الإلهاء والتغريب والتعتيم على الشعوب وصرف أنظارها عمَّا يحاك لها وما يدبر ضدها في الخفاء. - شغل الناس وخاصة الطبقة المثقفة التي يُنتظَر منها قيادة الشعوب في المقاومة وفضح المخططات في خلافات حزبية وتباينات سياسية فكرية ثقافية تعشي أعينها عن إدراك المؤامرات التي تستهدف الدين والعقل والعرض والمال والحياة. - محاصرة التيار الإسلامي والعمل على تجفيف منابعه وتكسير أجنحته، ووضع الفجوات الواسعة والعميقة بينه وبين جمهور الناس عن طريق تشويه سمعة دعاته أو إبعاده بشتى الوسائل عن مراكز القرار أو الخطاب والبلاغ والإنذار حتى لا يؤدي دوره في إيقاظ الأمة وقيادتها في المواجهة. إشارات على خط المواجهة: ١- تقوية الصلة بالله، وتعميق الإيمان في النفوس، والعودة إلى الإسلام واعتماده منهجاً لتسيير شؤون الحياة وفق رغبة خالقها. ٢- العلم بمكائد الأعداء، واستبانة سبيل المجرمين وفضح مؤامراتهم. ٣- رص الصفوف، وتضافر الجهود، والتعاون على البر والتقوى. ٤- الأمل والثقة بفرج الله وعدم اليأس: [ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين] [الأنفال: ٣٠] ، [فإنَّ مع العسر يسرا. إنَّ مع العسر يسرا] [الشرح: ٥، ٦] .
следующие страницы →