← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

المسلمون والعالم المسلمون في الإكوادور خوان إسكيليو واقع المسلمين في الإكوادور: كان أوائل المسلمين في الإكوادور من الشام ومصر؛ حيث هاجروا بين الحربين العالميتين إلى هذه البلاد للبدء بحياة جديدة، ووصلوا بجوازات سفر تركية (وهو ما يذكِّر بالإمبراطورية العثمانية) ولذلك فهم يُعرفون بالأتراك. استوطن بعضهم العاصمة (كويتو) والمينا الرئيسة (غوايا كويل) وبعضهم استوطن (منابي) و (لوس رايوس) و (اسمار الداس) . وكان بعضهم يعمل بالتجارة؛ حيث كانت تعتمد في ذلك الوقت على التبادل، وعاشوا حياة قاسية. ونظراً لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقصدون الدنيا؛ ولضحالة ثقافتهم الدينية لم يستطيعوا مواجهة الديانة الكاثوليكية الرومانية المسيطرة بقوة وسائلها. وكثير منهم استقدم زوجته من بلده، ولم ينجب أحد منهم تقريباً ذرية.. ومنهم عائلات معروفة، وبعد سنوات طويلة تزوج كثير منهم من شابات من نصارى البلاد، وسافرن إلى بلاد أزواجهن، وتعرفن على الإسلام هناك، وعرفن أنهن شرعاً لا يمكن أن يرثن فلساً من أزواجهن؛ لأنه (لا يرث المؤمن الكافر) [١] إذ كُنَّ مسلمات اسماً فقط، وعاد بعضهن إلى (الإكوادور) ... وتنصّر بعضهن من جديد واستولين على ثروات أزواجهن، ونشَّأن أولادهن على النصرانية وتتذرع هؤلاء النسوة المتنصرات بأن أزواجهن لم يعلموهن الإسلام بطريقة صحيحة، وكان عليهن البحث بوسائلهن الخاصة. ولكن بعض ذرية المسلمين ارتدُّوا، إلا أنهم يدّعون أنهم مسلمون ليرثوا آباءهم في البلاد التي تطبق الشريعة الإسلامية في مجال الإرث؛ في حين أن كثيراً من البنات متزوجات من نصارى. وجميع من ذكرنا اعتنقوا النصرانية ما عدا ثلاثة فروع من عائلة سالم وسّوم الذي أرسل أبناءه لتعلُّم اللغة العربية والإسلام لمدة عشر سنوات. التنظيم والتجمعات: في نهاية الأربعينيات تكوَّن ما يعرف باسم مجموعة: (لكلا) ولا علاقة للدين بهذا التنظيم؛ فقد ضم المسلمين والنصارى على أساس عرقي؛ ولكن خلافاتهم المستمرة ظلت تقودهم إلى المجهول. كما تكونت مجموعة أخرى تحت اسم: ... (النادي العربي) وذلك في منتصف الثمانينيات. ولا تزال الهجرة مستمرة إلى الإكوادور من قِبَلِ بعض المسلمين من أرض الولايات المتحدة الأمريكية ولكن بأعداد قليلة، وأكثرهم لا يعكس صورة طيبة عن الإسلام. في بداية التسعينيات حدثت هجرات بسيطة هندية وباكستانية وكثير منهم استطاع الوصول إلى هدفه (الولايات المتحدة وكندا) أما فيما يتعلق بالدين فلم يتركوا أثراً مهماً، وتتعلق ذكرياتهم بالأكل الحار الذي كانوا يأكلونه، والتوابل التي كانوا يطهون بها. وفي أواخر التسعينيات بدأت هجرات من غرب إفريقيا بسبب عدم الاستقرار في بلادهم. في الثمانينيات أسلم اثنان من مواطني الإكوادور كان أحدهما يقيم في إيطاليا والآخر في الولايات المتحدة؛ حيث التقيا هناك بمسلمين مخلصين أثناء الدراسة في الجامعة، ولم يكونا قد سمعا حتى بكلمة إسلام في موطنهم الإكوادور، وهما يمارسان الدعوة بجد وإخلاص، ولكنهما لا يجدان الحماس لدى إخوانهم من المسلمين. وفي منتصف التسعينيات كان عدد المسلمين الجدد حوالي ٢١ شخصاً واليوم بلغ العدد حوالي ٦٠ مواطناً إكوادورياً. وللتوضيح فإن هذا مجرد البداية في عمل المواطنين الإكوادوريين الذين أسلموا في الدعوة إلى الإسلام، ولم يكن هذا العمل سهلاً فقد وُوجِهُوا بالانتقادات والمحاربة حتى من أهلهم وذويهم الذين كانوا يعبدون الشمس إلى عهد قريب جداً؛ وربما لا يزال الوالدان والأقربون نصارى. وكان أول زواج بين هؤلاء المسلمين تم في أول أكتوبر ١٩٩١م. وتقول دراسة أجريت هنا أن نسبة المسلمين ٢.٦% من عدد السكان في الإكوادور. وأول محاولة لقيام مسجد كانت من بعض المسلمين الذين كانوا يُعَدُّون على أصابع اليد؛ حيث قرروا استئجار شقة لاتخاذها مصلًّى خصوصاً لصلاة الجمعة، ثم وفرت السفارة المصرية شقة لهذا الغرض، ولم يستمر هذا الحال طويلاً. وكانت المحاولة الثانية في أكتوبر ١٩٨٨ م من خلال تأسيس منظمة اجتماعية تهدف إلى إقامة المسجد، ووافقت الوزارة المعنية ولكن شريطة ألا تقام خطب دينية في هذا المنزل، وكان اسمها: (جمعية خالد بن الوليد الثقافية) ، ويمثلها سليمان الأعسر، ولا تزال تعمل، ويحضر صلاة الجمعة حوالي (٢٥ -٣٠) شخصاً، وأرسلت وزارة الأوقاف المصرية (الشيخ محمود الأزهري) ولكن انتهى عقده بنهاية السنة المالية ١٩٨٨ م، وهناك صعوبة شديدة في العمل الدعوي، ويبدو أن الله يمتحن هؤلاء المسلمين الجدد في قوة إيمانهم. الوضع الحالي: تعد جمعية (خالد بن الوليد الثقافية) أول منظمة إسلامية تعترف بها الحكومة. تأسست الجمعية في ٥ أكتوبر ١٩٩٤ م، ويمارس فيها التعليم الديني والاجتماعي والثقافي على طريقة أهل السنة والجماعة. وقد تبرعت المسلمة الملتزمة السيدة (ليلى وسّوم) بمنزل مناسب لتمارس فيه المنظمة عملها، ولا تتلقى المنظمة أي دعم من أية دولة أجنبية. ٩٩% من نساء المسلمين هناك يلبسن اللباس الإسلامي مع الحجاب في حياتهن اليومية، ويعقدن دروساً أسبوعية يوم الجمعة، وفي الإجازة الأسبوعية يوم الأحد مرة كل أسبوعين. نشاطات المركز: - يقوم المركز بنشر بعض الموضوعات بعد ترجمتها إلى اللغة الأسبانية. - تعريف غير المسلمين بالإسلام. - دراسات دينية مقارنة. وهناك خمسة كتب تم ترجمتها هي: -ماذا يقول الإنجيل عن محمد؟ للشيخ أحمد ديدات. -فهم المسلمين والإسلام: السفارة السعودية في واشنطن. -الحوار بين الإسلام والمسيحية: د. هـ. بارقل. -حقيقة المسيح: الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض. الكتاب الأول: (ماذا يقول الإنجيل عن محمد؟) ، كلَّف حوالي ١٦٠٠ دولار لعدد ٥٠٠٠ نسخة، أما بقية الكتب فلم تطبع بعدُ بسبب عدم وجود التمويل. ويقوم المركز ولله الحمد بالآتي: -خطبة الجمعة ويحضرها حوالي ٢٥ رجلاً، و١٢ امرأة. -عقد المركز ٦ حالات زواج خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية. -لا يوجد طلاق. -كل المسلمين تقريباً يحضرون إفطار رمضان في المسجد. -الصلاة على الجنازة. وبحمد الله فإنه لم يحدث أي شجار أو ارتفاع للأصوات داخل المسجد منذ ٤ سنوات. الاتصالات الخارجية: لم يكن هناك غير جماعة التبليغ التي يحضر بعض أفرادها من بنما، وكانت أول زيارة لهم في عام ١٩٩٠م، وفي خلال هذه الفترة حتى ١٩٩٨م قاموا بأربع زيارات. حضرت مجموعات أخرى من جماعة التبليغ من المدينة المنورة ونيويورك والإمارات العربية المتحدة وبنما. الندوة العالمية للشباب الإسلامي تثبت حضوراً بتبرعها ببعض الكتب الإسلامية. والمركز الإسلامي يقدر هذا الموقف النبيل. أرسل المركز مندوباً عنه لأول تجمُّع للقياديين اللاتينيين الذي عقد في الأرجنتين في يوليو ١٩٩٧م. الاتصالات الداخلية: - زيارة المرضى عند الضرورة. - مساعدة المحتاجين عند الضرورة. - زيارة السجون: حوالي ١٢ أجنبي. ألقيت محاضرة حول الإسلام يوم ١٨/١١/١٩٩٧م على الطلاب القساوسة في كلية اللاهوت بالجامعة الكاثوليكية بالعاصمة كوتيو. - التعارن مع المراكز الثقافية الإسلامية الأخرى بإرسال الكتب إليهم. - كتابة تقارير حول الحضور الإسلامي في الإكوادور على صفحات الصحف وفي المجلات والتلفاز والقنوات ١٠، ٤، ٢. المنشورات: كتب للترجمة: - كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب. - مبادئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لشيخ الإسلام ابن تيمية. - علامات الساعة، لابن كثير. - دروس مهمة لعامة الأمة، للشيخ عبد العزيز ابن باز. - فهم شرور البدعة، البو منتصر مهاجر علي. كتيبات باللغة الأسبانية: - مفاهيم خاطئة حول الإسلام. - الأصولية الإسلامية. - الجهاد. - كتاب: أمور لا صلة للإسلام بها. التعريف بالإسلام لدى غير المسلمين: - ما هو الإسلام؟ - ينبغي أن تعرف هذا الرجل. - حول الإسلام. - خطبة الوداع على جبل عرفات. - النساء في الإسلام. - الاعتقاد بوجود الله في نظر الإسلام. - المسيح نبي الإسلام. - حقوق النساء. - من مخترع الثالوث؟ ... - هل عيسى إله؟ - السلوك عند صيام رمضان. ويكلف طباعة هذه الكتب (٣٠٠٠ نسخة من كل منها) حوالي ٢٠٠٠ دولار أمريكي لكل كتاب. سياسة الإكوادور حيال الطوائف الدينية: - توجد حرية دينية في الإكوادور طبقاً لدستور الإكوادور على الرغم من أن الديانة الرسمية هي الكاثوليكية. - ليس هناك ما يمنع من العمل الدعوي المفتوح. - لا يوجد اضطهاد أو تحيز ديني سواء للفرد أو الجماعة. - يمكن للعمل الدعوي أن يتم باستراتيجية من خلال التلفاز والراديو ... إلخ. تأشيرات الدخول: يمكن الحصول عليها بسهولة في مطار كويتو، تقريباً لجميع الجنسيات. المشروعات: بدأ المركز في توفير وظائف لتقوية الروابط بين أفراد المجتمع ولتحقيق الاكتفاء الذاتي وذلك في ميادين بدأت بالفعل. ويمكن منح قطعة أرض سكنية للمهاجرين الحديثين، وإذا استطعنا تحقيق ما يصبو إليه المشروع فإن الإكوادور يمكن أن تكون مكاناً ينتشر منه الإسلام إلى أمريكا الجنوبية إن شاء الله. المدرسة الإسلامية: لقد بدأ المشروع في تشييد هذه المدرسة، وهي تبعد حوالي ٢٠ كيلو متر عن العاصمة كويتو وذلك لرخص سعرها، والمساحة المبنية عبارة عن ١٢٠ متر مربع. المخيمات الصيفية تتواصل، ويقوم الإخوة بتشييد المباني والمرافق للفصول والسكن. ويفصل بين الأولاد والبنات حوالي ٨ كيلو مترات، ويمكن للمدرسين تشييد سكنهم وتكوين أول تجمع مسلم في البلاد. توجد دروس مجانية لتعليم الأسبانية للأجانب. مشروع لحوم الأغنام والدواجن: يهدف هذا المشروع إلى توفير اللحوم الحلال لأعضاء المجتمع، ونتوقع أن نبدأ قريباً في التسويق، ويقوم بالعمل طبيب بيطري مسلم. وفي القريب يمكن للمسلخ أن يعمل بطاقة ١٠٠٠ دجاجة و٢٠٠ رأس من الغنم يومياً. مشروعات أخرى: منها توسعة المسجد، وبناء القبة، والمنارة، وأماكن الوضوء. التكلفة لأماكن الوضوء ٩٠٠٠ دولار أمريكي. أما توسعة المسجد فتحتاج إلى ١٠٠٠٠ أو ١١٠٠٠ دولار للمنارة والقبة. ويعلم الله وحده أن المركز لا يتلقى أي دعم ولكنه الآن بحاجة ماسة. الاحتياجات: ١ - مقبرة خاصة بالمسلمين: توجد أرض بالقرب من العاصمة هي عبارة عن ثلاثة مواقع، وقيمة الموقع الواحد ١٩٩٢ دولار أمريكي. ٢ - ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الأسبانية يوجد الكثير منها في السوق ولكن ليس من بينها جهة من أهل السنة أو أيِّ جهة معروفة هنا. ٣ - مطبوعات للتعريف بالإسلام. ٤ - تبرعات من هيئات إسلامية من أهل السنة أو من الأفراد أهل الخير أو الزكاة وذلك لدعم الكتاب الإسلامي باللغة الأسبانية. ٥ - استيطان مسلمين هنا لعرض صورة طيبة عن الإسلام. ٦ - مِنَح لدراسة اللغة الأسبانية للمسلمين الكبار في جامعات مفتوحة. كما أن من أعظم الاحتياجات تنشيط الدعوة إلى الإسلام الصحيح الخالي من شوائب البدعة، ونشر العلوم الإسلامية التي تعين المسلمين على عبادة الله تعالى على بصيرة من أمرهم. استراتيجيات للعمل الدعوي: - إعداد دعاة يتحدثون الأسبانية. - إرسال طلاب وطالبات للدراسة في الخارج لإعدادهم في جامعات إسلامية. - تشجيع الإخوة والأخوات على الدراسة في الجامعات المفتوحة. - ترجمة شرائط الكاسيت والفيديو لأحاديث مثل أحمد ديدات وجمال بدوي وغيرهما. - التعريف بثقافة الإكوادور لدى المنظمات الإسلامية العالمية وأسلوب التعامل معها. - العمل مع المنظمات الإسلامية العالمية المعروفة لإدخال القرآن بصفة رسمية إلى الإكوادور. - إعداد المخيمات، ودعوة إخواننا في أمريكا الجنوبية للمشاركة فيها. ... - الاستعانة بالبرامج الإسلامية لتعليم الأطفال والكبار القرآن والحديث واللغة العربية ... إلخ.

стр. 3432

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش وهل من مجيب؟ إلى كل إمام وإلى كل مصلٍّ ... إلى الشيخ المسن في مصلاه ... إلى المرأة في خدرها ... إليكم جميعاً هذا النداء. قال تعالى: [حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا] [يوسف: ١١٠] . لقد حمي الوطيس وبلغت القلوب الحناجر واشتد الأمر وتكالب العدو وتواطأ الكفار علينا من كل جانب، الطائرات تقصف بأنواع القذائف المدمرة، والراجمات تقذف بأنواع الصواريخ، والجليد يطاول الجبال حتى ذكرنا إخواننا يوم الأحزاب [إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُون ... وزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً] [الأحزاب: ١٠، ١١] . أيتها الأمة: ألا يوجد فينا من لو أقسم على الله لأبره؟ ألا يوجد فينا من يرفع أكف الضراعة إلى ربه فيستجيب له؟ هل بخلتم علينا حتى با لدعاء؟ أين القنوت ولماذا شرع إذاً؟ لقد قنت النبي ﷺ يوم قُتِلَ سبعون صحابياً في بئر معونة؛ واليوم يقتل منا الآلاف فأين نصرتكم لنا؟ رحمك الله أيها العالم الرباني ابن باز كلما بلغك نازلة في أرض الإسلام بادرت بالقنوت للمسلمين في الصلوات، إنا لنتذكر دعواتك لنا في حربنا الأولى مع الروس، فرحمك الله رحمة واسعة؛ أيتها الأمة المسلمة: لا تنسونا بدعائكم ودعمكم؛ فإنما يأتي الفرج بعد الشدة. [قادة المجاهدين في الشيشان: موقع: صوت القوقاز] بين (مورو) وتيمور ومن المؤسف كل الأسف أن المسلمين وخاصة خارج بلاد مورو يلومون المسلمين هنا، وبعضهم يقولون: كيف لا تنتصرون وأنتم قد مضى على كفاحكم ثلاثون عاماً وتيمور الشرقية حصلت على الاستقلال خلال ثلاثة أو أربعة أشهر فقط من الانتفاضة؟ ولعل هؤلاء الناس الذين يلوموننا نسوا أو تناسوا أن العالم الإسلامي لم يهتم بقضيتنا والذين تدخلوا في شؤوننا أجبروا بعضنا لقبول عروض الحكومة الفلبينية الصليبية التي كان ظاهرها الكرامة والشرف ولكن لبها وحقيقتها الاستسلام والخضوع لسلطان الكفار الظالمين المخادعين الذين كانوا وما زالوا يحاولون القضاء على الإسلام والمسلمين في المنطقة. أما تيمور الشرقية فقد استقلت رغم عدم استحقاقها للاستقلال؛ لأن جميع دول الكفر في العالم تكالبت وتعاونت على دعمها؛ لأن شعبها نصراني وقد قام بثورة ضد دولة مسلمة. إن هؤلاء النصارى يتعاونون ضد الإسلام والمسلمين رغم اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم واتجاهاتهم ولهم الحق في ذلك؛ لأن راية الكفر تجمعهم، وأما المسلمون مع الأسف الشديد فلا تجمعهم راية دينهم وهي كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ؛ لأن بعضهم تنازلوا عنها، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال فيما معناه: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) . [جبهة تحرير مورو الإسلامية مكتب الإعلام الخارجي] يريدون كسوفها وخسوفها يقول برنار كوشنير الذي عين حاكماً لكوسوفا: إن قضية كوسوفا لم تعد ... (على الموضة) سياسياً وإعلامياً وبدأت الدول الغربية تتخلى عني، وتركتني وحيداً ومعزولاً. وصرت الآن عاجزاً عن تحقيق أي شيء من البرنامج الذي من أجله عينت مفوضاً للأمم المتحدة في كوسوفا. إنه خلافاً للتعهدات المالية التي التزمت بها الدول الغربية بتقديم ميزانية تقدر بـ ٢٠ مليون مارك ألماني، لم نتلق فلساً واحداً حتى الآن! حيث وصلت ميزانية كوسوفا للعام ٢٠٠٠ إلى الصفر. متسائلاً كيف يمكنه تحقيق برنامج تم تسطيره على أساس ميزانية متوقعة بعشرين ميلون مارك بينما ما هو موجود بالفعل في الرصيد البنكي للإدارة الدولية في كوسوفا يقدر ... بصفر؟ ! وهذا الأمر الواقع لا يخدم في النهاية سوى مصالح الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش. [مجلة المجلة، العدد: (١٠٤٦) ] أين جيش المسلمين؟ قوات مسلحة قوامها خمسة عشر لواءاً ويبلغ تعدادها (٥٠ - ٦٠) ألف رجل على استعداد للتدخل لدى تلقيها لإنذار مبكر بحوالي شهرين: إنها القوة العسكرية (والويل كل الويل لتسميتها بجيش أوروبي حتى لا تثور ثائرة البلاد المحايدة) التي تستعد الدول الخمس عشرة الأعضاء بالاتحاد الأوروبي لإنزالها إلى الميدان خلال عام ٢٠٠٣م لمواجهة الأزمات الإقليمية المماثلة التي تحدث الآن في البلقان. إن الفكرة قد تمخضت بالفعل ويتم توثيقها من قِبَل رؤساء وزراء دول الاتحاد الأوروبي في اجتماع قمتهم في هلسنكي؛ حيث يتم تعميد الكيان الأوروبي الوليد للدفاع، والأمن. ومن المفروض أن يكون هناك ما لا يقل عن ١٢٠ ألف رجل في حالة التعبئة العامة اللازمة للتدخل العسكري ومن أجل أن يحلوا محل قوة التدخل وعلى الرغم من استقلالية القرار، إلا أن الاتحاد الأوروبي يُطمئن الأمريكيين قائلاً: (إن حلف شمال الأطلنطي سيظل أساس الدفاع الجماعي المشترك لأعضائه، وسيواصل دوره الهام في إدارة الأزمات) . [صحيفة الميساجيرو الإيطالية مترجم] عفواً.. يا منظمة العفو! ! دعت منظمة العفو الدولية التي يوجد مقرها الرئيس في لندن سلطات الهجرة الأمريكية إلى قبول طلب (آنسة) أردنية بمنحها حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية لضمان حمايتها من خطر الموت الذي يتهددها بسبب ملاحقة أفراد عائلتها لها بتهمة ارتكاب جريمة شرف. وأوضحت المنظمة في (بيان عاجل) أصدرته في هذا الشأن أن سلطات الهجرة الأمريكية رفضت طلب (الآنسة أ) التي استأنفت القرار لدى إحدى المحاكم المحلية. وأوضح بيان المنظمة أنه في عام ١٩٩١م بدأت (الآنسة أ) وصديقها (هـ) بتمضية أوقات معاً بالسر عن عائلتها، ثم تعاشرا في أغسطس من ذلك العام وفي الحال طلب (هـ) يدها من عائلتها للزواج بها، إلا أن والد الفتاة رفض ذلك لكون (هـ) فلسطينياً، ومن ذوي الدخل المتدني، وبسبب المخاوف من إمكانية إقدام عائلة الفتاة على قتل (هـ) إذا ما انكشفت معاشرت (هـ) لابنتهم فر الاثنان كلٌ منهما على حدة من الأردن في ذلك العام. وأضاف بيان منظمة العفو الدولية أن مخاوف (الآنسة أ) تأكدت لاحقاً أيضاً عندما تسلمت عدة رسائل من إحدى أخواتها تخبرها فيها بأن والدهما أمر الذكور من أفراد العائلة بقتل شقيقتهم (غسلاً للعار) في أي زمان ومكان. وكانت آخر رسالة في هذا الخصوص قد تسلمتها (الآنسة أ) في سبتمبر ١٩٩٧م، حيث أخبرت الشقيقة شقيقتها بأن والدهما أعلن أنه يريد قتل ابنته قبل وفاته وأن (روحه سترقد بسلام إذا ما قام الذكور بهذا العمل) . [جريدة الشرق الأوسط: العدد ٧٧٤٩] الرقيق الأبيض ١ - يسافر العبيد في عصرنا الحالي بالطائرة، ومعظمهم من الإناث صغار السن ويأتين من أوروبا الشرقية أو الدول النامية. ويتم تشغيلهن في دول الغرب الغنية في بلجيكا وفرنسا وألمانيا؛ حيث يعملن من ١٦ إلى ١٨ ساعة يومياً كخادمات وخياطات وغانيات. والفرق الوحيد بينهن وبين العبيد أن أسيادهن لا يضعون في أيديهن ورقابهن الأغلال والقيود، ولكنهم ينتزعون منهن جوازات سفرهن؛ وهذا أمر له التأثير نفسه. ويقول انتوني سيمبسون المكلف برعاية شؤون ضحايا العنف وتجارة الرقيق في اللجنة الأوروبية: إن انفتاح الكتلة الشرقية السابقة جعل تجارة الرقيق في أوروبا تنتشر بالمقدار نفسه لتجارة المخدرات. ويضيف سيمبسون أنه منذ إلغاء الرقابة على الحدود داخل الاتحاد الأوروبي أصبحت دول الاتحاد سوقاً رائجاً يفضله تجار الرقيق والقوادون. وقد جاء في بيانات البوليس الدولي أنه قد تم نقل نصف مليون سيدة من أوروبا الشرقية إلى دول الاتحاد الأوروبي منذ عام ١٩٨٩م. [صحيفة دي فيلت الألمانية مترجم] ٢ - يخشى مسؤولو الأمن في الولايات المتحدة أن تحل تجارة الجنس محل الاتجار في تهريب المخدرات. ففي جلسة استماع في مجلس الشيوخ قال هارولدكوه أحد مسؤولي الخارجية الأمريكية: إن المجرمين الدوليين يتركون الآن تجارة الأسلحة والمخدرات إلى تجارة الرقيق الأبيض؛ فهناك حوالي ٢ مليون امرأة على مستوى العالم تجبر على العمل في سوق الدعارة. ويقول المسؤولون: إن حوالي ٥٠ ألف امرأة تجلب إلى الولايات المتحدة سنوياً للعمل في سوق الرقيق ومعظمهن يأتين من أوكرانيا وألبانيا والفلبين وتايلاند والمكسيك ونيجيريا. وتقول إنيز فيراكروز وهي من المكسيك وفي العشرين من عمرها: إن رغبتها في حياة أفضل حولتها إلى عاهرة وتضيف إنيز: إنهن كن يعملن ستة أيام في الأسبوع لمدة ١٢ ساعة يومياً، وكان على المرأة الواحدة أن تمارس الجنس مع حوالي ٣٥ شخصاً في اليوم، والموقف يصبح أسوأ في أيام العطلات. [موقع هيئة الإذاعة البريطانية على الإنترنت، بي. بي. سي أولاين] هذا هو جارودي! ! تعارض الإسلام مع الماركسية وهْمٌ زائف؛ لأنه ليس هناك تعارض بين الدين والوسيلة، إننا لم نفهم العالم إلا من خلال ماركس، من هنا تأتي أهمية الماركسية كوسيلة للفهم، وهذا هو السبب الذي جعلني لا أهجر الماركسية، ولا المسيحية. لقد حافظت على الدين والوسيلة، دور الدين أن يضع للإنسان الغاية.. يمكن أن يكون الإنسان جراحاً أو مهندساً جيداً لكنه مسلم سيِّئ أو يكون مسلماً جيداً لكنه جراح سيِّئ لا داعي للخلط بين الآليات أو النواحي الفنية وبين الدين (وتابع: أنا لم انتقل من اعتقاد إلى آخر، فأنا بقيت مسيحياً وماركسياً وقمت بدور كبير في الحوار بين المسيحية والماركسية (. وتابع:) لا يهمني أن يقول شخص: أنا مسيحي أو أنا مسلم؛ ولكنني أسأله: ماذا فعل الإيمان بك؟ لأن الاعتقاد هو فكر أما الإيمان فهو فعل ويتجلى هذا الإيمان في العمل) . وقال: (إنني أريد أن أحكم على الإنسان بما يعمله؛ فقد يكون هناك مسلمون سيئون ومسلمون طيبون ومسيحيون سيئون وآخرون طيبون. إننا نريد أن يكون هناك مسلمون طيبون ومسيحيون طيبون.. لا يمكن أن نستبعد الأديان الأخرى باسم أي دين؛ بل على العكس يجب أن نبحث عن الذي يجمعنا مع الأديان الأخرى) . إننا نعيش في عالم متلاحم، تتصادم في الوقت نفسه ثقافاته فيه، ونحن لذلك نحتاج إلى إيمان البوذيين بقدر احتياجاتنا إلى غيرهم من البشر، وأنا مع الاستفادة من هذه الأفكار جميعها، لا أنتقل من ديانة إلى أخرى، ولكن أحاول الإلمام بكل الأفكار بحثاً عن معنى الإنسانية) . [روجيه جارودي، جريدة: الرأي العام، العدد: (١١٩١٨) ] نهاية القوة جاء في تقرير عنوانه (الثقافة العسكرية الأمريكية في القرن الـ ٢١) وكان ثمرة لتحقيقات استمرت عامين وشملت ١٢ ألف عسكري أمريكي في العالم، إضافة إلى نتائج ١٢٥ اجتماع عقدها خبراء تابعون للمركز. إن الوتيرة المنهكة للعمليات والقروض المحدودة والمهام المتبدلة والتغييرات الديموغرافية في صفوف العسكر، والتطورات السريعة في التكنولوجيا وإغراءات المجتمع المدني خلفت انعكاسات كبيرة على البنية النظامية للجيش. إن الجيش الذي يعتبر عدده الأدنى منذ أربعين عاماً حوالي ١.٤ مليون عنصر، بات منهك القوى ورواتب أفراده متدنية وتجهيزاته ناقصة إلى أقصى حد. كما يوجد بين عناصره ٥٦% من المتزوجين الذين تقترب أعمارهم من الكهولة، وهي نسب أكبر مما هي عليه في جيش يكون عماده التجنيد الإجباري. وأكد التقرير أن جاهزية الجيش ومعنوياته تشهدان تراجعاً، وبات التوظيف والاحتفاظ بالعناصر المؤهلة يشكل مأزقاً، وصارت الحياة المهنية أقل من مُرْضية. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٤٥٤) ] صفحة جديدة بعثت القيادة العسكرية الجديدة في باكستان بعدة إشارات لـ (إسرائيل) ، بواسطة رجال أعمال باكستانيين، تطلب تقديم اقتراحات لها حول صفقات بيع أسلحة وخبرات عسكرية. وقال أحد رجال الأعمال الباكستانيين لصحيفة (معاريف) الإسرائيلية: (إن القيادة الجديدة في بلاده معنية بتغيير طابع العلاقات القائمة بين البلدين وتصفية أجواء العداء التي فرضتها قيادة الحكومة السابقة) . وأضاف أن بلاده اتخذت موقفاً عدائياً من (إسرائيل) بسبب قيامها ببيع الأسلحة وتحديث الأسلحة القديمة في الهند. ولكن القيادة الجديدة مستعدة لفتح صفحة جديدة مع (إسرائيل) ، إذا أبدت هذه استعداداً لممارسة سياسة متوازنة بين الهند وباكستان. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧٤٩) ] عربون محبة أعلنت لجنة الأبحاث الاقتصادية الصربية أن كلاً من ليبيا والصين ستقدمان لصربيا مساعدة مالية قدرها ٦٠٠ مليون دولار أمريكي رغم العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها. وأضافت أن هذه المساعدات هي لدعم الاقتصاد الصربي المنهار وإعادة بناء وتشغيل المصانع التي دمرها قصف طائرات حلف شمال الأطلسي (ناتو) . [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧٠٥) ] زمن السلم! ! أكد الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين (نايف حواتمة) أن نضاله ضد (إسرائيل) يرتكز على النضال (السياسي والدبلوماسي) ! وقال حواتمة: في هذه المرحلة نضالنا جماهيري سياسي ودبلوماسي كنضال الفصائل الأخرى في منظمة التحرير الفلسطينية؛ لأننا قررنا منذ ١٩٨٧م عدم اللجوء إلى السلاح والاعتماد على الانتفاضة الجماهيرية. [جريدة الخليج، العدد (٧٤٦٩) ]

стр. 3433

متابعات الرد على الرفاعي فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان [*] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد اطلعت على ورقات كتبها الأستاذ يوسف بن السيد هاشم الرفاعي بعنوان: (نصيحة لإخواننا علماء نجد) وقدم لها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. ومضمون هذه النصيحة هو الحث على التخلي عن التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والأخذ بأقوال الفرق الضالة التي حذرنا الله منها، بقوله تعالى: [واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا] [آل عمران: ١٠٣] . وقوله: [ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [آل عمران: ١٠٥] ، وقوله تعالى: [وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [الأنعام: ١٥٣] ، وحذر منها النبي ﷺ بقوله: ... (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمكسوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) . وبقوله ﷺ : (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) . وبقوله ﷺ : (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وسنتي) . إن الرفاعي والبوطي يدعوان إلى ترك ذلك كله، والأخذ بما عليه الفرق الضالة المنحرفة التي قال فيها النبي ﷺ : (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) وهي الفرقة المتمسكة بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه بخلاف غيرها من قبورية وصوفية وجهمية ومعتزلة وغيرها. وهذا الافتراق هو الذي سبب التناحر والشقاق بين الأمة. والبوطي والرفاعي يريدان للأمة البقاء على هذا الافتراق تحت مظلة اسم الإسلام. إنني تذكرت بتآمرهما هذا على من تمسك بالسنة وترك البدعة قول الشاعر: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل فعل منكر وبقيت في خلف يزكِّي بعضهم ... بعضاً ليدفع معور عن معور وأقول: لماذا خصَّا علماء نجد بنصيحتهما هذه مع أن المتمسكين بالسنة والحمد لله كثير في أقطار الأرض وفي مختلف البلاد؟ ما ذاك إلا ليوهما الأغرار أن أهل نجد أهل شذوذ وخروج عن الحق، على قاعدة من يرى أن كل متمسك بالحق فهو متطرف، ولكن هذا لا يضير؛ فالحق واضح يراه كل بصير، وأما الأعمى فلا حيلة فيه كما قال الشاعر: وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وسامح عيوناً أطفأ الله نورها ... بأهوائها فلا تفيق ولا تعي وإذا كانا يغاران على الأمة الإسلامية كما زعما؛ فلماذا لا يحذرانها من البدع والانحرافات التي تفرقها وتصدها عن سبيل الله وتقضي على وحدتها وقوتها؟ وخذ مثلاً من عجرفة البوطي في مقدمته لتلك النصيحة؛ لتستدل به على مبلغ ما عنده من العلم؛ حيث قال في صفحة ١٩- ٢٠ يخاطب علماء نجد: (وإذاً لأقلعتم عن ترديد تلك الكلمة التي تظنونها نصيحة وهي باطل من القول، وتحسبونها أمراً هيناً وهي عند الله عظيم، ألا وهي قولكم للحجيج في كثير من المناسبات: إياكم والغلو في محبة رسول الله، ولو قلتم كما قال رسول الله: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) لكان كلاماً مقبولاً، ولكان نصيحة غالية) . هذا كلامه بنصه، وقد بخل فيه أن يصلي على النبي ﷺ عند ذكره، وعاب على أهل السنة إنكارهم للغلو الذي أنكره الله بقوله تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ] [المائدة: ٧٧] . وأنكره النبي ﷺ بقوله: (وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) . ثم ما الفرق بين الغلو؛ والإطراء الذي نهى عنه رسول الله ﷺ في حقه؟ إن معناهما واحد إلا عند البوطي اختراعاً من عنده، حمله عليه الحقد والبغضاء لأهل الحق. والحمد لله أنه لم يجد على أهل الحق ما يعابون به سوى هذه الكلمة التي زعمها باطلاً وهي حق. هذا وإن ما ذكره الأستاذ يوسف الرفاعي في أوراقه التي سماها نصيحة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: حق ونحن وغيرنا من أهل السنة والجماعة سلفاً وخلفاً قائلون به. لكنه رآه باطلاً لعمى بصيرته. ومن أعمى الله بصيرته فإنه يرى الباطل حقاً والحق باطلاً: [مَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً] [المائدة: ٤١] . وهذه الأمور التي انتقدها علينا، منها قولنا: (كل بدعة ضلالة) كما قال ذلك رسول الله ﷺ فماذا علينا في ذلك إذا أنكرنا البدع وأمرنا بالسنن عملاً بهذه الأحاديث؟ وإليك نماذج مما قاله: سلطتم من المرتزقة الذين تحتضنونهم من رمى بالضلال والغواية الجماعات والهيئات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والناشطة لإعلاء كلمة الله تعالى والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، كالتبليغ والإخوان المسلمين والجماعات (الديوبندية) التي تمثل أبرز علماء الهند وباكستان وبنجلاديش، والجماعة البريلوية التي تمثل السواد الأعظم من عامة المسلمين في تلك البلاد، مستخدمين في ذلك الكتب والأشرطة ونحوهما. وقمتم بترجمة هذه الكتب إلى مختلف اللغات وتوزيعها بوسائلكم الكثيرة مجاناً، كما نشرتم كتاباً فيه تكفير (أهل أبو ظبي ودبي) الذين معكم في مجلس التعاون. أما هجومكم على الأزهر الشريف وعلمائه فقد تواتر عنكم كثيراً.. وقال: إذا اختلف معكم أحد في موضوع أو أمر فقهي أو عقدي أصدرتم كتاباً في ذمه وتبديعه أو تشريكه (كذا قال) . وقال: سمحتم للصغار وسفهاء الأحلام بمهاجمة السلف الصالح الأعلام لهذه الأمة، ومنهم حجة الإسلام الإمام الغزالي ﵀ بعد التهجم بشتى وسائل مطبوعاتكم على الإمام أبي الحسن الأشعري وأتباعه من السواد الأعظم من المسلمين منذ مئات السنين؛ حيث وصفتموهم بالضالين المضلين. هذه نماذج من كلامه وأنا أبيّن أهم ما عابه الرفاعي علينا مع الرد عليه: ١- مما عابه علينا: منع النساء من زيارة القبور، وهذا أمر قد منعه النبي ﷺ بقتوله: (لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) وإذا لعن النبي ﷺ شيئاً فإن هذا يدل على تحريمه والمنع منه، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب. فماذا علينا إذا أنكرناه ومنعناه؟ ٢- ومما عابه علينا: منع الناس من الغلو عند الحجرة النبوية، والاقتصار على السلام على النبي ﷺ السلام المشروع الذي كان يفعله الصحابة ﵃ عند قدومهم من سفر كما كان يفعله ابن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة ﵃. ٣ - ومما عابه علينا: منع الغلو في الأموات عند زيارة قبورهم، والاقتصار على السلام عليهم والدعاء لهم كما هي الزيارة المشروعة وتذكر الآخرة بزيارتهم والاستعداد لها. ٤ - ومما عابه علينا: منع البناء على القبور عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب ﵁: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته) . وقوله ﷺ : (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. فإني أنهاكم عن ذلك) وذلك لأن هذا من وسائل الشرك. ٥ - ومما عابه علينا: منع كتاب دلائل الخيرات وأمثاله من الكتب الضالة من دخول المملكة لما فيه من الشركيات والغلو في حق النبي ﷺ وذلك لحماية عقيدة المسلمين من الغلو الذي حذر منه ﷺ ، وقد علَّمنا ﷺ كيف نصلي عليه فقال: (قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) إلى آخر الحديث، فلسنا بحاجة إلى صلاة مبتدَعة في كتاب دلائل الخيرات أو غيره. ٦ - ومما عابه علينا: منع الاحتفال بمناسبة مولد النبي ﷺ ؛ لأنه بدعة محدثة لم يفعله ﷺ ولا أحد من أصحابه والتابعين لهم بإحسان. وقد قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) . ويدخل في ذلك بدعة الاحتفال بمناسبة المولد، فمن فعله فهو مبتدع. ٧ - ومما عابه علينا: تركنا للقنوت في صلاة الفجر إلا في حالة النوازل؛ لأنه لا دليل عليه في غير هذه الحالة. ولا يقول به جمهور علماء الأمة، والواجب اتباع الدليل، ولما سئل عنه بعض الصحابة قال: إنه محدَث. ٨ - ومما عابه علينا: منعنا من إحياء الآثار المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لأحد من أصحابه، من أجل سد الطرق المفضية إلى الشرك، من التبرك بها، والاعتقاد فيها، وهذا هو عمل النبي ﷺ وأصحابه، فلم يكونوا يهتمون بهذه الآثار ولا يذهبون إليها، فلم يكن ﷺ بعد البعثة يذهب إلى غار حراء، ولا إلى غار ثور، ولا إلى موضع غزوة بدر، ولا إلى المكان الذي ولد فيه من مكة، ولا كان يفعل ذلك أحد من أصحابه، بل إن عمر ﵁ قطع الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان عام الحديبية لما رأى بعض الناس يذهبون إليها خشية الغلو بها، ولما قال بعض الصحابة حديثي العهد بالإسلام للنبي ﷺ : (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) أي شجرة يتبركون بها ويعلقون بها أسلحتهم كما يفعله المشركون، قال صلى الله عليه وسلم: (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) ؛ فالتبرك بالآثار وإحياؤها وسيلة إلى الشرك وعبادة غير الله ، كما حصل لقوم نوح لما غلوا بآثار الصالحين حتى آل بهم الأمر إلى عبادتها من دون الله . ٩ - ومما عابه علينا: منع كتابة بردة البوصيري على الجدران لما فيها وفي أمثالها من الغلو والشركيات التي لا تخفى على ذي بصيرة، مثل قوله في حق النبي ﷺ : ما لي سواك من ألوذ به ... عند حلول الحادث العمم وقوله: إن الدنيا والآخرة من جود النبي ﷺ ، وأن ما كتبه القلم في اللوح المحفوظ هو بعض علم النبي ﷺ ، إلى غير ذلك من الكفريات والشركيات التي جره إليها الغلو. ١٠ - ومما عابه علينا: فصل النساء عن الرجال في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي غيرهما من المساجد، عملاً بسنة النبي ﷺ حيث كانت النساء تقف في عهده في الصلاة خلف صفوف الرجال، ولأجل صيانتهن وصيانة الرجال من الفتنة والافتتان بهن. ١١- زعم الرفاعي أننا نترك المذهب الحنبلي كما قال في نصيحته، وننكر اتباع المذاهب الأربعة ادعاءاً للسلفية، ونحن إنما نعمل بما قام عليه الدليل منها ومن غيرها، وهذا ما أوصى به الأئمة الأربعة وغيرهم ﵏ كما هو معلوم من كلامهم، واتباع المذهب الحنبلي أو غيره من المذاهب الأربعة لا يتعارض مع السلفية كما نسب إلينا أننا نراه مخالفاً للسلفية، بل هو السلفية عينها. ١٢- وكذلك من العجائب ما استنكره الرفاعي من تعليقات الشيخ ابن باز ﵀ على كتاب (فتح الباري) وهذا لا نكارة فيه، فما زال العلماء يعلقون على الكتب ويبينون الحق للناس من الخطأ. وأما القسم الثاني: مما يتضمنه ما يسمى بالنصيحة فهو كذب وبهتان في حقنا. وجوابنا عنه أن نقول كما قال : [سٍبًحّانّكّ هّذّا بٍهًتّانِ عّظٌيمِ] [النور: ١٦] .. وذلك مثل قوله: ١ - إننا نكفر المسلمين ونتهمهم بالشرك؛ لأننا نوزع الكتب التي فيها التحذير من الشرك والكفر ونرسل الدعاة. ونحن لا نكفِّر إلا من دل الكتاب والسنة على تكفيره كمن يدعو غير الله أو يستغيث به من الأموات والغائبين، وهذا مما لا خلاف فيه. وأما توزيعنا للكتب التي فيها التحذير من الشرك والكفر والبدع فهذا من النصيحة للمسلمين وتبصيرهم بدين الله، ولا يعني هذا أننا نكفر من لم يقم الدليل الصحيح على كفره، وإنما هو من باب التنبيه والتحذير والمحافظة على العقيدة. ومن أجل هذه المهمة نرسل الدعاة إلى الله لتعليم الناس أمور دينهم والدعوة إلى الإسلام والعمل بالسنة وترك البدع والمحدثات؛ ولم نرسلهم لإثارة الفتنة كما زعم الرفاعي والبوطي. وكان الرسول ﷺ يرسل الدعاة إلى الله كما أرسل معاذاً إلى اليمن وغيره من الدعاة إلى الأقطار، وكان ﷺ يكاتب الملوك والرؤساء. ٢ - ومن الكذب الصريح: قول الرفاعي: إننا نمنع التدريس في الحرمين إلا من يوافق مذهبنا، وهذا من الكذب؛ فالتدريس في الحرمين ولله الحمد وفي غيرهما لا يزال قائماً على خير ما يرام، ولم يمنع من التدريس إلا من كان مبتدعاً معروفاً بذلك، أو مخرفاً، فمثل هذا منعه حق وواجبٌ حمايةً لعقيدة المسلمين وتلافياً لنشر البدع والخرافات. ٣ - ولم نمنع من زيارة القبور الزيارة الشرعية كما قال عنا ولكننا نمنع الزيارة البدعية والشركية التي فيها دعاء الأموات والاستغاثة بهم؛ كما منعها النبي ﷺ ومنع غيرها من الشرك ووسائله. وعلَّمنا ﷺ ما نقول إذا زرنا القبور من السلام على الأموات والدعاء لهم. هذا ونسأل الله لنا وللأستاذ الرفاعي والدكتور البوطي وسائر المسلمين الهداية للحق وقبوله، وأن يجعلنا جميعاً من العاملين بقوله تعالى: [فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ والرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النساء: ٥٩] . ٤- وأما قول الرفاعي: إننا غيّرنا اسم المدينة، من المدينة المنورة إلى المدينة النبوية، فالجواب عنه: أولاً: أن اسم المدينة جاء في الكتاب والسنة مجرداً من أي وصف لا بالمنورة ولا بالنبوية. ثانياً: أن وصفها بالنبوية أشرف وأوْلى من وصفها بالمنورة؛ لأن تنويرها إنما هو بالنبوة وسكنى النبي ﷺ فيها وهجرته إليها. وأخيراً: يعيب الرفاعي على حكام المملكة قتل المفسدين في الأرض بترويج المخدرات، عملاً بقوله تعالى: [إنَّمَا جَزَاءُ الَذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [المائدة: ٣٣] . ويتأسف على قتل هؤلاء المفسدين المجرمين الذي يدمرون الشعوب ويخربون البلاد.. بل لم يقتصر الحكم بقتلهم على المملكة العربية السعودية، بل كثير من دول العالم تقتلهم دفعاً لشرهم وإفسادهم؛ فالرفاعي يشفق على هؤلاء المجرمين المفسدين ولا يشفق على الشعوب التي يفتك بها هؤلاء فساداً ودماراً، ويستدل الرفاعي لقوله هذا بحديث: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود) ، فيعتبر المفسدين في الأرض من ذوي الهيئات، وأن ترويج المخدرات من العثرات اليسيرة التي يقال أصحابها، ونسي أو تناسى أنهم ينطبق عليهم حد الحرابة والإفساد في الأرض المذكور في الآية الكريمة، وأن الحديث المذكور خاص بالتعزير بدليل قوله ﷺ : (إلا في الحدود) . على أن التعزير قد يصل إلى القتل إذا لم يرتدع المخالف عن مخالفته إلا به؛ لأنه أصبح من المفسدين في الأرض كما ذكر ذلك المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره مع العلم بأن هذا الحديث الذي استدل به وإن جاء من عدة طرق فإنها كلها لا تخلو من مقال، كما قال ذلك الصنعاني ﵀ في كتاب: (سبل السلام شرح بلوغ المرام) . وليت الرفاعي صرف عطفه وشفقته إلى ضحايا هؤلاء المفسدين الذين فسدت عقولهم وأبدانهم حتى أفضوا إلى الموت أو أصبحوا عالة على مجتمعاتهم بسبب هؤلاء المفسدين المروجين للمخدرات في المجتمعات البشرية. وختاماً: هذا ما أحببنا التنبيه عليه مما احتوت عليه نصيحة الأستاذ الرفاعي وهو تنبيه على سبيل الاختصار وندعو الأستاذ الرفاعي هداه الله إلى الرجوع إلى الحق فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والله يتوب على من تاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

стр. 3434

مصطلحات ومفاهيم الثيوقراطية د. محمد يحيى من المصطلحات والمفاهيم التي جرى تداولها في الفترة الأخيرة ولا سيما في معرض الهجوم على طروحات الحركات الإسلامية مصطلح (الثيوقراطية) ولولا هذا الاستخدام ضد الإسلام ومبادئه لما كتب لهذا المصطلح أي بقاء أو أثر؛ فهو من المصطلحات السياسية ذات القيمة غير الدائمة التي أطلقت في الغرب لتشير إلى حكم أقلية من الأقليات تتسلط على أغلبية فئات المجتمع؛ فقد أطلق في بعض الكتابات مصطلح اليلوتوقراطية للدلالة على سيطرة طبقة كبار الأغنياء على الحكومة والسلطة في بلد من البلاد، أو مصطلح الأديجاركية للدلالة على حكم أقلية من أصحاب النفوذ والحول. والثيوقراطية تشير في هذا الإطار إلى حكم أقلية ممن يسمون برجال الدين أو الكهنوت التابعين لدين من الأديان لا سيما تلك المذاهب التي تنشئ كهنوتاً كالمسيحية في المقام الأول. والكلمة مشتقة كما هي العادة في الكثير من المصطلحات الغربية من الأصول اللغوية اليونانية من لفظي: ثيوس (الدين) وكراس (الحكم أو السلطة أو الطبقة.. إلخ) . أقول: إن هذا المصطلح بالذات وجد شيوعه واستخدامه الأكثر والأغلب في الغرب في إطار الكتابات الصحفية الدارجة، وليس في إطار الدراسات الأكاديمية الرصينة أو المتعمقة، وما كان له أن يصل إلى الذيوع والانتشار والأثر الخطير الذي وصله عندنا في الكتابات في العالم العربي الإسلامي لولا أن استخدامه فُرِضَ في إطار الهجوم على دعوات الإسلاميين لتطبيق الشريعة الإسلامية أو إقامة الدولة الإسلامية أو إضفاء الطابع الإسلامي على المجتمع. والحق أن استخدام هذا المصطلح بالذات لتوصف به طروحات دعاة الإسلام في ميدان السياسة والحكم والمجتمع ينطوي على تشويه خطير وغير موضوعي، فلا يفكر أي من هؤلاء الدعاة مهما بلغ من الغلو أن يقيم سلطة أو حكومة أو نظاماً سياسياً يشكله ويهيمن عليه المشايخ أو علماء الدين في تصوُّر أنهم طائفة أو طبقة؛ ذلك أنه لا توجد في الإسلام وفي تجاربه التاريخية مثل هذه الطبقة كما هي الحال بالنسبة للكنيسة أو الكنائس المتعددة في المسيحية، أو أنواع الكهنوت المماثل إلى حدٍّ مَّا في البوذية والهندوسية. إن دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية أو حكم الإسلام أو الدولة والنظام الإسلامي تقصد في مجملها وحتى الاختلاف في التفاصيل إلى إرساء نظام للحكم وفلسفة للمجتمع تقوم على مبادئ الإسلام وتعاليمه وتنطبع بطابعه؛ بحيث يكون هذا الدين هو بلغة السياسة المعاصرة: النسق الفكري والأخلاقي للدولة والمؤسسات في المجتمع الإسلامي. ولا يعني هذا بأي حال أن يكون المسيطرون على مجريات الأمور في مثل ذلك النظام هم علماء الدين؛ دون أن يعني كذلك أن يستبعد هؤلاء من دنيا الحكم والسياسة لمجرد ترضية بعض الذين يصفونهم خطأً برجال الدين ويريدون إقصاءهم من الحياة العامة من منظور علماني. وإذا قيل وقد قيل إن إقامة دولة أو نظام إسلامي يكون الحكم والسلطة فيه للمبادئ، والتعاليم والتوجيهات والأحكام والشرائع والرؤى والتصورات والقيم الإسلامية يعني في الحقيقة إقامة نظام يحكم فيه علماء الدين المسلمون أو المشائخ؛ لأن هؤلاء هم الذين يشرحون ويفسرون الإسلام ومراميه وشريعته ونظامه. إن قيل ذلك فإن الرد ببساطة يقول: إن هؤلاء يؤلفون فئة من الدارسين والباحثين والعلماء يشرحون الإسلام ويعلِّمونه؛ لكن ليست فئة مغلقة ولا احتكارية؛ ففهم الإسلام وشرحه وتعليمه مفتوح للجميع شريطة الاتساق مع المنهجية العلمية كما هي الحال في كل المراكز والجامعات العلمية في كافة أنحاء العالم وكل الثقافات، ومع ذلك فلا يوجد مانع فكري أن يحكم العلماء أو يشكلون ناحية من نواحي مؤسسة الحكم وجوانبها؛ لأن العادة كانت ولا زالت في الغرب أن يضم الحكام بعض رجال الكهنوت المسيحي إلى صفوفهم، كما يضمون معهم فئات كالعلماء في الدراسات الطبيعية والإنسانية ورجال الأعمال والثروة والعسكريين وأصحاب النفوذ والأوضاع الارستقراطية.. إلخ، فليس ثمة عيب أو حرج إلا من وجهة النظر العلمانية الشرسة في تصورها الإقصائي للإسلام في أن يتولى الحكم أو جانباً منه أفراد من فئة علماء الدين الإسلامي إذا كانوا يصلحون لهذه المهمة من ناحية الاستعداد والكفاءة وثقة الجماهير والقدرة على إدارة دفة الحكم؛ مع الاستعانة بالمتخصصين كل في مكانه، والقدرة على تطبيق المشروع الإسلامي داخل بلادهم مع فهم كل الظروف والأوضاع التي يمر بها العالم. وفي الوقت نفسه فلا يوجد أيضاً ما يفرض أو يحتم أن تتألف الطبقة أو الفئة الحاكمة في البلد المسلم الملتزم بالمشروع الإسلامي من طائفة علماء الدين أو المشايخ طالما كان الحكام مسلمين ملتزمين يطبقون الشريعة والمنهج الإسلامي الذي يتفق الجميع عليه، وينفذون السياسات المنبثقة عن الإسلام وهو دين الجميع ومفتوح لأن يدرسه الكل ويتخصص فيه كل قدر استطاعته. إن استخدام مصطلح الثيوقراطية بهذا الخطأ المتعمد والتشويه مع التضحية في أهميته وإيهام الناس بأنه مصطلح (علمي) أو (أكاديمي) منضبط المعنى يهدف في النهاية إلى إدخال البلبلة وتشويه صورة الحركات الإسلامية بتصويرهم مجموعة قليلة من الأشخاص يريدون الوثوب على السلطة والحكم خدمة لطائفة محدودة تبغي التسلط على مقدرات الأغلبية وثرواتها؛ بينما تقول الحقيقة: إن المشروع الإسلامي هو نابع من الأغلبية المسلمة خدمة لمصالح عقيدتها وأهدافها الدينية والدنيوية، وإنه يرمي إلى تحكيم مبادئ الدين لا إلى إتاحة الفرصة لعدد محدود من الأشخاص الطامحين إلى خدمة مصالحهم الشخصية. ومبادئ الدين ليست حكراً في فهمها أو العمل بها أو الإيمان بمراميها على فئة محدودة حتى يكون إعمالها بمثابة تكريس لسلطة هذه الفئة؛ بل هي محل إجماع الجميع؛ بحيث يجزئ عنهم من يحكم بها من أي فئة اجتماعية جاء طالما هو يحكم بها في انفتاح وعدالة دون أن يدعي احتكار الحكم له. إن الثيوقراطية تجوز فقط لوصف فترات من التاريخ الغربي طويلة حكم فيها فعلاً أو من وراء ستار الكهنوت المسيحي، كما أنها تجوز الآن لوصف حقب معاصرة من التاريخ الغربي يحكم أو حكم فيها الكهنوت العلماني باعتبار العلمانية عقيدة تؤمن بها وتقوم عليتها نخبة صغيرة من الأشخاص لا نبالغ إذا قلنا: إن جذورهم ترجع إلي المذهب الماسوني الصهيوني.

стр. 3435

في دائرة الضوء الآثار المدمرة لسياسات الإفقار ياسين بن طه بن سعيد الشرجبي صراع الحق والباطل: من سنن الله الاجتماعية أن يتواصل صراع الحق والباطل، ويستمر عداء أهل الكفر والنفاق لذوي الإيمان حتى قيام الساعة. ومظاهر الصراع والعداء لفسطاط الإيمان تتباين صوراً وأوضاعاً ومظاهر وشدة وقوة وحجماً؛ لكنها تتفق جميعها على الهدف النهائي والغاية المقصودة ألا وهي النيل من الدين؛ فالمؤامرات السياسية والمخابراتية، والكيد العسكري والأمني، والمكر الاقتصادي والمعيشي، والمخططات الثقافية والتعليمية والإعلامية والاجتماعية كلها جميعاً تبتغي القضاء على الإسلام وتدمير مقوماته وإبادة أهله، وذاك ما حدثنا عنه القرآن. قال تعالى: [ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا ... ] [البقرة: ٢١٧] . وقوله تعالى: [ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ... ] [البقرة: ١٢٠] . وقوله تعالى: [ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّاراً ... ] [البقرة: ١٠٩] . وواضح من الآيات الواردة في السورة ذاتها في أول القرآن أن الله تعالى يبين لنا سبيل المجرمين ويوضح لنا مبتغاهم حتى نأخذ حذرنا ونعد عُدتنا ونحذِّر قومنا. الدين بُغيتهم: الأعداء على مر الزمان وفي كل مكان يريدون القضاء على إيماننا وعقيدتنا وديننا، وأن نترك دين الله الذي ارتضاه لنا إلى ملتهم المعوجة المحرَّفة، ويستخدمون لذلك كل ما يمكنهم من أدوات يرونها قوية وسريعة التأثير وتحدث دماراً أوسع وخراباً أعم. يتولى كبر ذلك العداء: اليهود والنصارى كما أشار القرآن، بل إنهم لينسون عداواتهم الدينية القديمة ويؤلِّفون حلفاً شيطانياً ضد ديننا وأمتنا: [ ... بعضهم أولياء بعض ... ] [المائدة: ٥١] ، [والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ... ] [الأنفال: ٧٣] . الإفقار وسيلتهم: إنهم يستخدمون كل ورقة يرونها رابحة وكل سلعة يظنونها رائجة من أجل استئصال هذا الدين منهجاً ودعاة وأمة؛ ومن بين الوسائل ذات الأثر الفاعل ضد أمتنا وذات العائد الثري عليهم: وسيلة حرب البطون وما يتبعها من سياسات الإفقار المدمِّرة ومحاربة الاقتصاد ومصادر المعيشة في حياة الأمم والشعوب عملاً بالمثل القائل: (جوِّعْ كلبَك يتبعْك) . لقد فكّر دهاة اليهود لعنهم الله طويلاً وقدَّروا ثم نظروا ثم عبسوا وبسروا قُتلوا كيف فعلوا ثم تمخض ذلك عن العمل على احتكار رؤوس الأموال وتجنيد أصحابها ليكون ذلك مقدمة للاستيلاء على العالم بعد إخضاعه لحكمهم وقراراتهم وتوصياتهم ومخططاتهم؛ فهم الذين يقبضون على عنقه ويتحكمون في مصيره ويملكون قوته. ما يُسمى بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يُعَدُّ كلٌّ منهما حكومة صهيونية تختبئ وراء ورقة الدولار الخضراء، وتضع فخاخها المخيفة خلف القروض والإصلاحات الاقتصادية والسعرية، وتزرع الموت الزؤام تحت أرضية الاتفاقات المالية، ولكن أكثر الحكام لا يعلمون أو لعلهم وهو الأقرب يعلمون. إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... أو كنت تدري فالمصيبة أعظم والأعداء يدركون أن حربهم الاقتصادية وسياستهم التجويعية توصلهم سريعاً إلى خط النهاية في صراعهم مع أمتنا الذي يعني لديهم تدمير الإسلام، وهم بلا شك يحققون نجاحات في هذا المِشوار الجهنمي الخبيث لأمرٍ قدَّره الله، وبسبب ما كسبت أيدينا نحن المسلمين. إلا أننا على يقين أنهم لن يصلوا إلى النهاية المرجوة في هدم الإسلام وإطفاء نوره؛ لأن الله قد وعد بغير ذلك، فقال تعالى: [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] [الصف: ٨] ، غير أنهم سينجحون في تحقيق الأهداف المرحلية التي ستكون وطأتها علينا شديدة وأثرها في حياتنا مؤلماً؛ إن لم نتيقظ وندفع عن أنفسنا ما استطعنا بعون الله وذلك بالاستمساك بحبله المتين والسير في صراطه المستقيم، ومن خلال استبانة سبيل المجرمين، وإعطاء الخطر ما يستحقه من الإعداد، وأخذ الأهبة، وإطلاق صيحات النذير وإشارات التحذير، ورص الصفوف، والتنادي لدفع الدمار القادم. ولعل هذه الكلمات والسطور تكون لبنة في صرح الدفاع والتحذير؛ فتجعل جاهلاً يدري وغافلاً ينتبه وسادراً يرعوي ونائماً يستيقظ ومدافعاً يتحفَّز وحجَّة تقال وتُقام. وهدف هذا المقال مجرد الإيماء والإشارة إلى الخطر الداهم والدمار القادم؛ وليس الإحاطة والتوسع؛ فذاك مجاله البحوث العلمية الموسعة. والفقر المقصود في حديثنا ذاك الفقر المفتعل في ظل وجود الخيرات الوفيرة والذي يترافق مع الثراء الفاحش والتخمة المفرطة والتبذير الواضح والفساد الجلي. آثار الفقر المدمرة: تتحقق الآثار المدمرة لسياسات الإفقار حين يغيب الإيمان في قلوب الناس أو يضعف أثره، ولذا يحرص أعداء المسلمين أن تترافق سياساتهم التجويعية مع تنفيذ مخططات الإلهاء واللهو الحرام وإبعاد الناس عن دينهم وإضعاف اتصالهم بالله من خلال البرامج الإعلامية والثقافية التي تنشر ثقافة المجون والغناء والرقص وإثارة الشهوات وبعث الغرائز والدعوة لكل محرّم. ١ - في مجال العقيدة والدين: وهو المجال الذي توجه إليه الأسهم المسمومة والضربات القاتلة ويراد به الشر أولاً وأخيراً. والفقر مدعاة للشك؛ إذ إنه يكون مدعاة للشك في حكمة التنظيم الإلهي للكون، والارتياب في عدالة التوزيع الرباني للرزق، فيصبح لسان حال صاحب هذا التصور: كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصيّر العالِم النِّحرير زنديقاً الفقر والعقيدة الجبرية: وقد يرضى بعضٌ باعتناق النظرة الجبرية إلى الأمور وهي نظرة تتعارض مع عقيدة القرآن والسنة؛ فهو يُقنع نفسه بأن الفقر وإن كان شراً وبلاءاً فهو أمرٌ قد قضاه الله في السماء ولا يجدي معه الطب والدواء؛ فقد أراد الله أن يفضل بعض الناس على بعض في الرزق ليبلوهم، وأنه تعالى يبسط الرزق لمن يشاء، ولا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه، وغير ذلك من كلام حق يُراد به باطل، ويروَّج مترافقاً مع سياسات الإفقار ومخططات التجويع ليقنع الناس بالرضا والصبر ولا ينبسوا ببنت شفة ولا تنفرج أفواههم عن لفظة اعتراض، ولسان حالهم يقول: الرزق كالغيث بين الناس منقسم ... هذا غريق وهذا يشتهي المطرا أو كما قال آخر: يسعى القوي فلا ينال بسعيه ... حظاً ويحظى عاجز ومهين ونظرة الجبرية هذه ينكرها الإسلام؛ لأنها تمثل عائقاً منيعاً أمام أي محاولة لإصلاح الأوضاع الفاسدة وتعديل الموازين الجائرة وإقامة العدالة المرجوة والتكافل الاجتماعي باعتبارها مبادئ إسلامية رئيسة. الإسلام فرض على الأغنياء في أموالهم حقاً معلوماً للسائل والمحروم، ولما احتج الجاحدون منهم بمشيئة الله وقدرته ردّ عليهم زعمهم ورماهم بصفة الضلال المبين، قال تعالى: [وإذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ] [يس: ٤٧] ، إنهم في ضلال مبين؛ لأنهم لو عقلوا لعلموا أن الله قد أراد أن يرزق الناس بعضهم من بعض، وأن يتعاونوا على رد قدر الله من الفقر بقدر الله من التكافل وحسن توزيع الثروات وإيجاد فرص العمل وأسباب الرزق. سؤال وجواب: قد يسأل سائل: إذاً ما المقصود بحثِّ النصوص القرآنية والحديثية على الرضا والقناعة بما قسم الله؟ والجواب: إن المقصود ليس هو ما يُراد ترويجه وإشاعته بين الناس من فهم خاطئ حول الرضا والقناعة من خلال ترضية الفقراء بالعيش الدون والحياة الهون ولا القعود عن السعي إلى الكسب الحلال والغنى والحياة الطيبة والعيش الرغيد، ولا المقصود كذلك ترك الأغنياء في غيهم سادرين يلهون، ويعبثون ويترفون ويسرفون، ولا ذم المال إطلاقاً؛ إذ إن رسول الله ﷺ كان يسأل الله الغنى تماماً كما كان يسأله التقى: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) [١] . وقد روى البخاري أنه ﷺ قد دعا لخادمه أنس قائلاً: (اللهم أكثر ماله) [٢] . وأثنى على مال أبي بكر فقال في الحديث الذي حسنه السيوطي: (ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مالُ أبي بكر) [٣] . وقال: (ونعم صاحب المسلم هو) [٤] ، (.... فنعم المعونة هو ... ) [٥] ، وقال كذلك في الصحيح نفسه من حديث يسار بن عبيد: (لا بأس بالغنى لمن اتقى) [٦] ، بل وكان يستعيذ بالله من الجوع: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع) [٧] . فالقناعة التي حث عليها الإسلام تعني أن لا يُفرِط الإنسان المسلم في سعيه للغنى وأن يُجمِل في طلب الرزق ليتمكن من إقامة التوازن في حياته ويتجنب الإفراط والغلو، ويتوجه طموحه إلى القيم الأرفع والرزق الأبقى: [ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأَبْقَى] [طه: ١٣١] ، [والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقَى] [الأعلى: ١٧] . كما أن القناعة المطلوبة في الإسلام تعني الرضى بتفاضل الناس في أعطيات الأرزاق تماماً مثل بقية المواهب والملكات، فلا ينبغي أن يكون أكبر همِّ المسلم النظر إلى ما أوتيه الآخرون نظرة حسد وبغضاء وطمع، وعليه في حدود ما قدّر له أن يكون نشاطه وطموحه: [ولا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ] [النساء: ٣٢] . كما تعني الرضا بما رزق الله في حالات العسر وضيق الرزق والأزمات الطارئة التي تحل بالأمم وتعم الناس بسبب الكوارث وقلة الموارد الطبيعية وعدم القدرة على الهجرة أو تغيير الواقع. الفقر واتهام الله: إذ من طبيعة الإنسان بدون تزكية الأديان أنه: [إذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ] [الفجر: ١٦] . الفقر والكفر متلازمان: قرن رسول الله ﷺ في دعائه بين الفقر والكفر فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) [٨] . وقال في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب والطبراني في الأوسط وضعَّف العراقي سنده: (كاد الفقر أن يكون كفراً) . وأوضح رسول الله ﷺ أن الحاجة والطمع في المال تدفع المرء إلى بيع دينه، كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (يبيع أحدهم دينه بعرضٍ من الدنيا قليل) [٩] . وواضح اقتران بيع الدين بالكفر والعياذ بالله وابتغاء العرض القليل من الدنيا بالحاجة إليها والطمع فيها. ومن أقوال السلف: - إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر: خذني معك. - أكفر الناس ذو فاقة لا صبر له، وقلَّ في الناس الصابر. الاختلالات الحادثة في كل مجالات الحياة هي في الأصل اختلال في الإيمان والدين: ففي مجال الأخلاق والسلوك مثلاً: فعل ما يخالف أخلاق الإسلام يضعف الإيمان بل ويرفعه؛ ففي الحديث المتفق عليه: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) [١٠] . وفي رواية للبخاري: (ولا يَقتُل وهو مؤمن) [١١] . وفي رواية لمسلم: (ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن؛ فإياكم وإياكم) [١٢] . ومن نافلة القول أن الأخلاق السيئة الوارد ذكرها في الأحاديث السابقة من زنى، وسرقة، وقتل، وغلول، وشرب خمر يكون الفقر والحاجة من أشد دوافعهما وأكثرها، وهي ذات تأثير في رفع الإيمان وانعدامه. خلاصة: الفقر سبب للشك في الله، واتهامه، واعتناق العقيدة الجبرية المنحرفة، ويتلازم معه الكفر، وكل آثاره الأخرى توهن الدين وتضعف الإيمان. ٢ - في مجال الأخلاق والسلوك: الفقر والفاحشة: تعد الحاجة والفقر من الأسباب الرئيسة التي تقف وراء الرذائل والفواحش؛ إذ يكون الفقر في حال غياب الإيمان أو ضعفه أقوى من مراقبة الله والخوف منه والاستجابة لنداء الضمير، لذا قيل: (صوت المعدة أقوى من صوت الضمير) . ودلالة الاقتران بين الفقر والفاحشة واضحة في النصوص الحديثية الصحيحة الآتية: الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق الليلة على سارق! ! فقال: اللهم لك الحمد على سارق! ! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية! ! فقال: اللهم لك الحمد على زانية! ! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني! ! فقال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية وغني؛ فأُتي فقيل له: أمَّا صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما صدقتك على زانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما صدقتك على غني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله) [١٣] . نستطيع أن نفهم من الحديث السالف أن حصول السارق على المال وكذا الزانية قد يكون سبباً قوياً (فلعله، فلعلها) في رجوعهما عن غيهما والعودة إلى الأصل وهو العفاف (يستعف، تستعف) ، وأن السبب في فاحشتهما بعد ضعف الإيمان وغيابه هو الحاجة إلى المال. وفي الحديث المتفق عليه من رواية ابن عمر ﵄ عن الثلاثة الذين آواهم المبيت أو ألجأهم المطر إلى الغار، فسقطت الصخرة وسدت عليهم باب الغار، فأشار بعضهم على بعض بالتوسل إلى الله بصالح الأعمال لينجوا من الموت والهلكة، فقال أحدهم: (اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليَّ فأردتها عن نفسها (راودتها) فامتنعتْ مني حتى ألمت بها سنةٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلِّي بيني وبين نفسها، ففعلت؛ حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أُحِلُّ لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرَّجتُ من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليَّ ... ) [١٤] . ما الذي جعل المرأة العفيفة توافق على أن تخلي بينها وبين نفسها لابن عمها؟ ! إنها الحاجة والفقر: (ألمت بها سنة من السنين) ، وهذا هو الشاهد! ! ثم ما الذي حفظها وابن عمها من الفاحشة؟ ! إنه الإيمان وتقوى الله الذي نادت به ابن عمها: (اتق الله) . الواقع يتحدث: في اعترافات الواقعين في مستنقعات الرذيلة والفاحشة وفي مذكراتهم ما يدل على أن الفقر والحاجة إلى المال كان سبباً في سقوطهم، ومآسي الأسر في ضياع شرفها وفي امتهان أولادها للسرقة والدعارة بسبب الفقر قصصٌ تُدمي القلوب وُتحزِن النفوس وتُعظم العقاب على كل راع ومسؤول لم يؤدِ حق رعايته، وكم من امرأة شريفة قد ألجأتها الفاقة إلى العمل خارج بيتها فكان الذئاب في انتظارها! الفقر وأخذ المال الحرام: من الأخلاق الذميمة التي حاربها الإسلام وجعلها من الكبائر: السرقة، الرشوة، الغلول، وغيرها مما تؤكل بها أموال الناس بالباطل وتجعل الكسب حراماً حراماً؛ هذه الأخلاق لا ترتكب غالباً إلا في حالة الحاجة والفقر وعدم كفاية الدخل في سد الحاجات الأساسية؛ فأنت تجد ذا النزاهة والأمانة إن لم يستطع المقاومة ولم يكن له زاد من الإيمان يثبته، تجده يضطر بفعل الضغوط الأسرية والحياتية وقلة ذات اليد إلى أن يغمس يده في رجس المال الحرام والعياذ بالله، وفي الحديث: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه، تمنعكم الحاجة والفقر) [١٥] لذا كان من هدي الخليفة عمر بن عبد العزيز أن سدَّ على عماله وموظفيه كل نافذة أو ثغرة لأخذ المال الحرام، وبدأ برفع أجورهم ليحقق لهم الكفاية ويغنيهم عن الخيانة ويسد بذلك الذريعة إلى الحرام. الفقر والذلة: والذلة لغير الله خلق سيئ يجعل المرء عبداً للناس يخافهم ويذعن لما يملونه عليه حتى لو كان في ذلك معصية لله، لذلك تعوَّذ رسول الله ﷺ من الفقر والذلة وقرن بينهما: (اللهم إني أعوذ بك من القلة والذلة) [١٦] . الفقر وصفات النفاق: الفقر يدفع إلى طلب الدَّيْن، وعدم القدرة على السداد والأداء يجعل الإنسان يكذب ويخلف وهي من صفات النفاق. يقول رسول الله ﷺ في حديث البخاري:) إن الرجل إذا غرم استدان حدث فكذب، ووعد فأخلف [١٧] . الفقر وضياع أخلاق حميدة: يُجبِر الفقر الناس على التخلي عن كثير من الأخلاق الحميدة، مثل: - الكرم للضيوف والأصحاب. - الصدقة والتكافل الاجتماعي. - صلة الأرحام. - الحب والتواد بين الناس. - التعفف والحياء. كما يدعو إلى الاضطرار إلى التسوُّل وما يجره ذلك من أضرار. الفقر وسفك الدماء: الفقر يؤدي إلى الجزع على الدنيا، والخوف على فوات نصيبه منها، مما يدفع إلى الصراع من أجلها والامتثال لسفاسفها وسفك الدماء وعدم السماح والصفح؛ لأن الجميع يرون أنهم في حاجة إليها، ويرونها مسألة حياة أو موت، كما أن آثار الفقر السابقة تؤدي إلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح وارتفاع معدلات الجريمة. ٣ - أثر الفقر على العلم والفكر: طلب العلم ونشره وتوفير مؤسساته ومتطلباته يحتاج إلى الدعم المادي، وفقدان المال يؤدي إلى عدم توفر الإمكانات المعينة على طلب العلم ونشره، فيجهل الناس، ويضيع العلم. ويؤدي اضطرار الناس إلى العمل كباراً وصغاراً إلى العزوف عن طلب العلم وتتفشى الأمية؛ فيظهر ذلك في تأخر الأمة علمياً وثقافياً؛ لأنهم قد شُغِلوا بطلب الرزق عن كسب العلم والثقافة والفكر، وحتى إنْ طلب أبناء الأمة العلم في ظل مؤسسات لا توفر أبسط الإمكانات والظروف المناسبة فإن طلبهم للعلم وتلقيهم له يكون ضعيفاً لا يغني من جهل ولا يُبصر من عمى ويؤدي إلى تسربهم. كما أن التفكير والقدرة على الابتكار ونفع الأمة يعوقه كثيراً ما يلاقيه أصحابه من عنت في مجال الحياة المعيشية وتوفير القدر الأدنى من الحاجات الأولية لأنفسهم. روي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة: أن الجارية أخبرته يوماً في مجلسه أن الدقيق قد نفد، فقال لها: (لقد أضعتِ من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه) . ويروى عن الإمام أبي حنيفة قوله: لا تستشر من ليس في بيته دقيق؛ لأنه مشتت الفكر مشغول البال فلا يكون حكمه سديداً. وفي الحديث الصحيح: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) [١٨] . وقد قاس عليها الفقهاء: (لا يقضي القاضي وهو جوعان، أو عطشان؛ لأنها انفعالات تؤثر على حكمه) . يقول القائل: إذا قلَّ مال المرء قلَّ بهاؤه وضاقت عليه أرضه وسماؤه وأصبح لا يدري وإن كان دارياً قدامه خير له أم وراؤه وقد قيل: أعطني خبزاً أعطك شعباً مثقفاً. وقديماً رأى الشاعر أن المُلْك يقوم على العلم والمال وأن كلاً منهما يحتاج الآخر: بالعلم والمال يبني الناس مُلكهم ... لم يُبنَ مُلك على جهل وإقلال ٤ - أثر الفقر على الأسرة: الأسرة نواة المجتمع، وبها يكثر أو يقل المجتمع، ويقوى ويضعف، ويصلح أو يفسد. وأثر الفقر على الأسرة يظهر ظلاله السيئة على تكوينها واستمرارها: أثره على تكوينها: فالفقر مانع رئيس من موانع الزواج؛ لأن من متطلباته المالية: المهر، النفقة، تجهيز المنزل. لذا حث القرآن من لا يجدون القدرة على الزواج على الاستعفاف حتى يرزقهم الله من فضله؛ ولعل المقصود في ذلك: القدرة المالية لارتباط ذلك بقوله تعالى: ... [يُغْنِيَهُمُ] ، يقول تعالى: [ولْيَسْتَعْفِفِ الَذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ... ] [النور: ٣٣] . وفي الحديث المتفق عليه من رواية عبد الله بن مسعود: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) [١٩] . الفقر سببٌ قوي لدى الكثير من الآباء والأمهات للأسف لرفض الشباب المتقدمين لخطبة بناتهم؛ إذ إنهم لا يرغبون إلا في الموسرين، وهو داء قديم عرض له القرآن وأمر الآباء والأمهات بخلافه، قال تعالى: [وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ] [النور: ٣٢] . لكن الكثير من الآباء والأمهات لا يُصغون لنداء القرآن؛ لذا انتشرت العنوسة بين النساء، وسُهِّل طريق الحرام للسالكين، وحدثت الفتنة والفساد الذي توعد به رسول الله ﷺ : (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض) [٢٠] . أثره على استمرارها: والفقر معوِّقٌ قوي عن استمرار الأسرة بعد تكوينها؛ إذ إنه يكون سبباً في طلاق المرأة من زوجها؛ إذ يجيز الشارع أن يطلق القاضي المرأة من زوجها لإعساره وفقره وعجزه عن النفقة عليها. والفقر سبب رئيس لمعظم الخصومات الدائمة بين الرجل وزوجته حول النفقات ومتطلبات المعيشة وكيفية توفيرها والتعامل معها، ويكون الفقر وراء انعدام السكينة وضياع المودة والرحمة. بل إن سياسات الإفقار تدفع بالنساء والأطفال إلى العمل، فيخرج الجميع إلى الحياة والمغالبة لأجل البحث عن أسباب العيش ويُقوض بنيان الأسرة. إن استمرار الأسرة أيضاً يعني التناسل والإنجاب، والحد من النسل يعني توقف استمرار الأسرة، والأعداء يروّجون لذلك ويتحججون بالفقر وانخفاض الثروات الغذائية مقابل الانفجار السكاني، وهم للأسف يجدون من يستمع إليهم ويقتل أولاده كأولئك الذين خاطبهم الله قائلاً: [ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإيَّاهُمْ] [الأنعام: ١٥١] ، الإملاق: الفقر، [ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيَّاكُمْ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبيراً] [الإسراء: ٣١] . والآيات واضحة في أن من سبب قتل الأولاد الفقر أو خوف الفقر؛ فهو عقبة أمام استمرار الأسرة. وفي الحديث المتفق عليه: سئل رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) ، قال: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) [٢١] . ولا يخاف الأب أو الأم أن يطعم ولده معه إلا في حالة شح الطعام وندرته بسبب الفقر والحاجة، لذا يضطر لقتله والعياذ بالله ليرتكب ذنباً من أعظم الذنوب بعد الشرك. كما أن انشغال الآباء والأمهات بطلب العيش وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة يؤثر سلباً في الاهتمام بتربية الأولاد والعناية بهم. ٥ - أثر الفقر على الصحة: في الصحة العامة: يؤثر الفقر على الصحة العامة للفرد والأسرة والمجتمع؛ إذ بسببه لا يمكن توفير أساسيات للمحافظة على الصحة العامة، ومنها: - الغذاء المناسب الواقي والمدافع من الأمراض وسوء التغذية. - الوقاية اللازمة من خلال النظافة في المنزل والشارع ومنع انتقال العدوى. - العلاج المناسب لإعانة الجسم على استرداد حالته الصحية السوية (سواء كان استشارة طبية، أو فحصاً مختبرياً، أو أدوية ... ) . - المؤسسات العلاجية المناسبة: المختبرات، المستشفيات، المراكز المتخصصة. - مؤسسات إعداد الكوادر الطبية: إعداد الأطباء وتأهيلهم، وتدريب الكوادر الطبية المساعدة. في الصحة النفسية: إذ بسبب الفقر يعاني الناس أفراداً وأسراً وجماعات من الضجر والتبرم والقلق وعدم الأمان والخوف من المستقبل والشعور بالحرمان، والإحساس بالدون والحسد والكراهية والسخط مما يسبب ضغوطاً على النفسيات؛ فتحدث خللاً وارتباكاً يؤدي إلى ما هو أعظم وأسوأ: من التفكير بالانتقام، والتطرف في الأفكار والتعامل، بل والجنون وفقدان الاتزان العقلي عافانا الله جميعاً. ٦ - أثر الفقر على الاقتصاد والسياسة: رغم أن السياسة والاقتصاد هما سببان رئيسان للفقر والجوع إما بسبب الفساد المالي والإداري والسياسات المتبعة، أو الإذعان لما تمليه على ولاة الأمور الحكوماتُ الخفية للصهيونية ممثلة في المؤسسات الاقتصادية الدولية. لكن الفقر نتيجة تؤثر أيضاً في السبب، ومن ذلك: - قلة الإنتاج وانهيار الاقتصاد وزيادة العجز وضعف الإيراد، والكساد التجاري، والركود الاقتصادي. - انعدام الثقة والحب بين الحاكم والمحكومين. - ارتفاع تكاليف الخدمات العامة الأساسية. - زيادة المماحكات السياسية وتبادل التهم. - الظلم الجلي في توزيع الثروات. - زيادة البطالة وما تؤدي إليه من أضرار اقتصادية واجتماعية. - الشعور العام بالسخط وعدم الانتماء إلى الأمة والوطن. - الحد من دور الدولة، وهذا يعني بقاء القرار السياسي والاقتصادي في يد من يقدِّم المال ويتحكم في الاقتصاد ويدير وجهة تطوره وملامحه. - تصفية المدخرات السابقة وتسييلها من قِبَل الطبقات الوسطى والاستعانة بها في مواجهة النفقات المعيشية المتزايدة لتتحول بذلك إلى الطبقة الفقيرة. - ازدياد هجرة العقول والأيدي العاملة المحلية. - تغيير هيكل الإنتاج من إنتاج متين يعتمد على القطاعات الاستراتيجية كالزراعة والصناعة إلى هيكل إنتاجي يرتبط بالعالم الخارجي كالسياحة والاستيراد وغيرها. تعريف أخير: مشروعات الصناديق الاجتماعية ذات الموارد الهزيلة: لا تخرج عن كونها ديكوراً يلحق ببرامج الإفقار والهلاك لإعطائها مسحة من السمة الإنسانية على وجهها الشيطاني القبيح، أما الزيادات الطفيفة التي تضاف إلى الأجور فإنها لا تجدي شيئاً ولا تشكل سوى رذاذ طفيف في مواجهة لهيب الأسعار وإعصار التكاليف الحياتية. باختصار: تلكم كانت صنوف العذابات التي يُريد المتآمرون أن تسوم أمتنا وشعوبنا، وأن تتجرعها غصصاً ولا تسيغها ويأتيها الهلاك من كل مكان، وأن تُطحن برحى سياسات الإفقار فلا تبقى فيها باقية من إيمان وقوة أو أثر من خلق وإرادة، ومن ثم تسير في درب سننهم حذو القذة بالقذة رافعة راية التبعية والاستسلام ورامية بعقيدتها ودينها وتميزها وخيريتها خلف جدران النسيان. نعوذ بالله من ذلك ونسأله العفو والعافية وأن يكفيها شر الأشرار وكيد الأعداء والفجار وشر طوارق الليل والنهار. ثالثة الأثافي: قد أسلفت أن جرائم سياسات الإفقار لا يمكن أن تُنَفَّذ في صورتها المطلوبة إلا في ظل ضعف الإيمان وانعدامه، لذا لا بد من أن تترافق مخططات التجويع جنباً إلى جنب مع مخططات الإلهاء والصد عن سبيل الله، ونشر الإباحية والخنوع، ودعم مشاريع إشاعة الرذيلة والفسق والفجور، وذلك من خلال: - قيام وزارات الإعلام والثقافة، والسياحة في كثير من البلدان بدورها الشيطاني في الإلهاء والتغريب والتعتيم على الشعوب وصرف أنظارها عمَّا يحاك لها وما يدبر ضدها في الخفاء. - شغل الناس وخاصة الطبقة المثقفة التي يُنتظَر منها قيادة الشعوب في المقاومة وفضح المخططات في خلافات حزبية وتباينات سياسية فكرية ثقافية تعشي أعينها عن إدراك المؤامرات التي تستهدف الدين والعقل والعرض والمال والحياة. - محاصرة التيار الإسلامي والعمل على تجفيف منابعه وتكسير أجنحته، ووضع الفجوات الواسعة والعميقة بينه وبين جمهور الناس عن طريق تشويه سمعة دعاته أو إبعاده بشتى الوسائل عن مراكز القرار أو الخطاب والبلاغ والإنذار حتى لا يؤدي دوره في إيقاظ الأمة وقيادتها في المواجهة. إشارات على خط المواجهة: ١- تقوية الصلة بالله، وتعميق الإيمان في النفوس، والعودة إلى الإسلام واعتماده منهجاً لتسيير شؤون الحياة وفق رغبة خالقها. ٢- العلم بمكائد الأعداء، واستبانة سبيل المجرمين وفضح مؤامراتهم. ٣- رص الصفوف، وتضافر الجهود، والتعاون على البر والتقوى. ٤- الأمل والثقة بفرج الله وعدم اليأس: [ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين] [الأنفال: ٣٠] ، [فإنَّ مع العسر يسرا. إنَّ مع العسر يسرا] [الشرح: ٥، ٦] .

стр. 3436

بأقلامهن دعوة للتمام علياء بنت عبد الله ما زلنا نخاطب النفوس والقلوب منذ عدة عقود غير منتبهين لانحراف المفاهيم التي غدا فيها الحق باطلاً والمنكر معروفاً في كثير من الأحيان! ! حين يحب الإنسان شيئاً يسعى إلى تكميله وتجميله، ويجتهد ما استطاع في حمايته من كل خدش يعكر صفاءه، أو كسر يؤذيه، وكذلك هو هذا الدين؛ نحمل له ولأبنائه المخلصين كل مشاعر الحب والتقدير والاحترام، ونذود عنه حتى من نسمة الريح. ومن تمام هذا الحب علينا أن نسعى جاهدين من أجل تأدية الأمانة التي حمَّلنا إياها. وما حمل على كتابة هذه الأسطر إلا الطمع في القائمين على أنشطة الدعوة في الوصول إلى التمام والكمال بالمفهوم الشرعي لهذين اللفظين وليست الرغبة في الانتقاص من أحد؛ وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه. أولاً: القرآن تهميش أم تفعيل؟ كان وحي السماء كفيلاً بأن يغير حياة أمة جاهلية لا تعرف معنى الإنسانية بنقلها إلى النقيض من تلك الحياة. كانت آياته تلامس أوتار النفوس فيُقبِل الناس على هذا الدين الوليد، وكان المسلمون في مكة يُعذَّبون فتثور فيهم ثورة العربي فتأتي التربية القرآنية: [أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَّ] [النساء: ٧٧] وحين ينتشي المسلمون بفرحة النصر في بدر يردها الله إلى الميزان الحقيقي في وزن الأمور: [ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنتُمْ أَذِلَّةٌ] [آل عمران: ١٢٣] ويُهزَم الجيش المسلم في أُحُد فتأتي الآيات لتلمس الجرح وموطن العطب: ... [مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ومِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ] [آل عمران: ١٥٢] وفي الوقت الذي يرجع فيه المسلمون من صلح الحديبية مستائين محبَطين تأتي الآيات بعكس ما كانوا يتوقعونه تماماً: [إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً] [الفتح: ١] ويستمر تنزيل الآيات حدثاً بحدث وآية بآية، ومحنة بمحنة يشاركهم أفراحهم ويسلِّيهم عن أحزانهم، حتى استطاع بحروفه وكلماته أن يحوِّل تلك الأمة إلى أمة ضربت بأرجلها هام السحاب. إن كتاباً هذا شأنه وهذا شرعه جدير بأن يحتل مكاناً أكبر في برامجنا الدعوية. إن برامجنا تجعل من تحفيظ القرآن هدفاً أول وهذا حق وواجب، ولكن من الواجب علينا أيضاً أن نصرف مجهوداً إن لم يكن أكبر فعلى الأقل مماثلاً له في تفسيره والوقوف على آياته واستخراج كنوزه، وما ذاك إلا لإعادة دوره في حياة الناس وربطهم بما تقتضيه الآية من استجابة فورية وتنفيذ مباشر، وإلا فإننا نطبق ما حذر منه النبي ﷺ ؛ فعن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله ﷺ فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: (هذا أوان يُختَلَس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء) فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يُختَلَسُ منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنُقرئنه نساءنا وأبناءنا! فقال: ... (ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة؛ هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟) [١] . إن جزءاً من إيماننا بأن كتاب الله هو شريعتنا الوحيدة إلى يوم القيامة يحتم علينا أن نصرف المزيد من الأوقات في استخراج أسراره ودروسه العقدية والتربوية والإيمانية وغيرها، ومن ثَمَّ فإن الإقلال من دور القرآن في جعله مادة للحفظ فقط مع التعريج السريع على معاني كلماته وجعل الأوقات الكبرى والذهبية تُصرَفُ في تعلُّم مواد أخرى ظلم كبير لكتاب الله وتهميش لدوره الحقيقي الذي يجمع العلم كله، ومن تعلَّم القرآن فقد أخذ بحظ وافر. ثانياً: برامجنا بين الكم والكيف: رغم تعالي الأصوات وتكرر النداءات بوجوب العناية بالكيف والبعد عن الغثائية التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل) [٢] إلا أنه ما زالت برامجنا تخطو خطوات بطيئة نحو ترجمة هذا المفهوم، ... وما زالت تخاطب الجميع الخطاب نفسه وباللهجة نفسها. فإذا أخذنا أحد البرامج على سبيل المثال نجد أن المشتركين قد يصل عددهم إلى ٤٠٠ مشترك: منهم العابد، ومنهم طالب العلم، ومنهم المسرف على نفسه، ومنهم من جاء يشغل فراغاً، وآخر لا يُعلَمُ سببٌ لمجيئه! ! هؤلاء الأربعمائة يُجمَعون جميعاً في مكان واحد ليتلقوا المعلومة نفسها والتوجيه نفسه؛ وعلى أحسن الأحوال فقد يُفصَل الأطفال عن الكبار، وقد يكونون ربع العدد، كما يفصل كبار السن وهم الربع الآخر لتجمع المئات المتبقية بعضها مع بعض. أي نوع من التربية الذي نطمح إليه من خلال هذا الطرح؟ ! وبماذا يختلف هذا الأسلوب عن قراءة كتيب أو توزيع شريط؟ ! ولماذا نشتكي من عدم وجود قيادات جديدة مؤهلة، ونشتكي من تكرر الوجوه على مر السنين؟ لماذا نشتكي من ذلك إذا كانت برامجنا لا تتسع لتقوية الضعفاء، ولا لتحديث القدماء، ولا لتمييز الطاقات؟ ولسنا نجد تشبيهاً لفعلنا هذا إلا بطبيب يحقن جميع مرضاه على اختلاف علاتهم بدواء واحد فيشفي هذا ويقتل هذا؛ والسبب هو الخطأ في الدواء! هذا ونحن نتغافل عن إجابات رسول الله ﷺ المختلفة لسؤال واحد هو: أوصني يا رسول الله! فيأتي الجواب تارة بالحث على الصلاة في وقتها، وتارة بعدم الغضب، وأخرى ببر الوالدين؛ وذلك لأنه ﵊ لا يحمل إجابات متسرعة ومجهزة يقدمها لكل من يسأل! ! وإنما يعطي كل سائل حسب طاقته وحسب حاله. إننا إذا تعاملنا مع هذه المئات بهذه الكيفية فإننا نحمل وزرهم؛ لأننا نظلم ذلك المتعطش المتلهف فنبطئ من سرعة تحصيله ونطفئ فيه رغبته لمعرفة الحق، وعلى الصعيد الآخر فإننا قد نرمي بهذا الخطاب العام بسهام تصيب أولئك المستجدين فتجعله آخر العهد بهم! ! ثالثاً: العيش في الشرنقة! في الوقت الذي يقف هذا الجيل الناشئ أمام مغريات الواقع الكبيرة وفتنه الأكبر، إلا أن برامجنا ما زالت تخاطب تلك القلوب البريئة نفسها والنفوس الصافية التي كانت تخاطبها قبل عشرين سنة مضت متجاهلين بذلك تغير الزمان وانحراف مفاهيم الناس التي غدا فيها الحق باطلاً والمنكر معروفاً في كثير من الأحيان. فحين كنا نجعل بالأمس من قضية نقاب المرأة مشكلة العصر ونعتبرها أهم الدروس ونجمع في ذلك الفتاوى، فإننا نقف اليوم مشدوهين أمام تفسخ كامل وعري فاحش وكَمٍّ هائل من العلاقات المحرمة، وانتشار للزنا بصورة مروعة؛ وقصص المدارس والمستشفيات أكثر من أن تُعد أو تُحصى، فإذا أضفنا إلى ذلك إقرار بعض أفراد المجتمع لهذه الممارسات بحجة متطلبات العصر ومستلزمات النقلة لعرفنا حجم التغيير الذي يجب أنه نحدثه في برامجنا الدعوية حتى يتسنى لنا استيعاب هذا الانحراف والدخول على مختلف شرائح المجتمع لتصحيح ما أفسده هذا الانقلاب في حياة الناس. رابعاً: دعوة للمخلصين: استقراءاً لما سبق فإننا نأمل من القائمين على البرامج الدعوية إعادة النظر في البرامج المطروحة على الساحة وبنائها من جديد على أساس متين آخذين بالاعتبار ما يلي: ١- إعادة دور القرآن في حياة الناس؛ وذلك من خلال التأكيد على وقفاته الإيمانية ودروسه التربوية والعلمية، وإعطاء تفسيره وشرحه الوقت الكافي، ومحاولة ربطه بواقع الناس من حيث ضرب الشواهد من حياتنا اليوم مع ربطها بفتاوى المشايخ في بعض مستجدات العصر للتأكيد على أن الدين واحد لا يتجزأ، وأيضاً من خلال إعطاء معلمي القرآن أهدافاً لا بد من تحقيقها وفوائد ودروساً لا بد من التأكيد عليها من خلال التفسير. ٢ - إتاحة الفرصة لانطلاق قيادات جديدة عن طريق فتح برامج تأهيلية تعنى بأولئك المتلهفين المتعطشين والذين تبدو عليهم علامات النبوغ والتميز، ويجب دراسة ذلك من ناحية الكثافة العلمية والتربية الجادة والمتابعة الدقيقة. ٣ - مراعاة الفروق بين الناس؛ وذلك عن طريق فتح دورات جديدة لاحتياجات الناس ومطالبهم لا سيما في هذا الوقت العصيب.. ففي الحين الذي تحس فيه امرأة بأن أصعب مشكلاتها هي عدم قدرتها على تخريج حديث مَّا، قد تحس أخرى بأن أصعب مشكلاتها هي في التعامل مع أطفال لها بلغوا سن المراهقة: كيف تحميهم من الفتن؟ كيف تربيهم على الفضيلة وسط مجتمع منحرف؟ إن لكل فرد مطالبه، ولكل منا مشكلاته؛ وكلما استطعنا فتح أبواب جديدة لتوسيع الخطاب مع الناس كلما استطعنا أن نسد شيئاً ولو قليلاً من أبواب الفتنة التي عمت وطمت. هذا ونحن لا نستطيع أن نقلل من حاجة هذه أو تلك؛ ففي الوقت الذي نُكْبِرُ فيه سؤال حنظلة واهتمامه بإيمانياته حين يأتي الرسول ﵊ قائلاً: نافق حنظلة، أو يقف الرسول صلوات الله وسلامه عليه مع تلك المرأة التي تأتيه شاكية زوجها فلا يهمِّش من قضيتها، بل وتنزل فيها آيات تتلى إلى يوم القيامة: ... [قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ] [المجادلة: ١] وكم حوت آيات القرآن من أوامر للوالدين بوقاية أطفالهم من النار والاعتناء بتربيتهم وحفظ حقوقهم: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَاراً] [التحريم: ٦] . فبماذا ستنتفع الأمة إذا كانت الأم لا تحسن تربية أبنائها ولا تستطيع غرس الفضيلة في صدورهم لتخرج للأمة رجالاً مشوهين فكرياً مليئين بعقد النقص والهزيمة الداخلية؟

стр. 3437

المنتدى مراعاة الأحوال في الدعوة سليمان بن محمد النصيان إن تغيير النفوس ونقلها عن ميولها ومألوفاتها أمر ليس سهلاً؛ فإن الأعراف التي استقرت في العقول وتواطأ عليها الناس لا تتغير بأمر يصدر أو دعوة توجّه. والعادات في السلوكيات التي تجذرت وترسخت لا يتصور اقتلاعها في يوم وليلة، وهناك أمور كثيرة ينبغي مراعاتها والأخذ منها بالتدرج فيها؛ وهذه خلاصة نافعة في هذا الباب: أ - مراعاة الطبائع: إن الناس يختلف بعضهم عن بعض في علمهم وفهمهم وطبائعهم الشخصية وعاداتهم الاجتماعية، ومن الناس من طبعه الحدة والسرعة في الانفعال، ومنهم من يميل إلى السكينة وطول البال؛ وكلٌ له مدخل وأسلوب يناسبه. ب - مراعاة الأفهام: تفاوت الأفهام أمر معروف وله أسبابه من قلة العلم أو اختلاف البيئة أو استحكام العادات ونحو ذلك. ج - مراعاة المقاصد والنيات: قد يتفق اثنان في عمل مَّا ومع ذلك يختلف الحكم عليهما باختلاف النوايا؛ فهناك من يفعل الفعل ناسياً أو جاهلاً بحرمته أو متأولاً فيه أو مكرهاً عليه. د - مراعاة الأصول الخاصة: وذلك واضح في تعدد الجواب من الرسول ﷺ عندما يُسأل عن أفضل عمل مثلاً، أو عن الوصية والنصيحة. هـ - مراعاة الأعراف والعادات العامة: إن لكل بلد أعرافها، وكل بيئة لها عاداتها، ومراعاة ذلك بالضوابط الشرعية من ضروب الحكمة وموافقة جوهر الشريعة. و مراعاة الأولويات والمهمات: وذلك بأن يركِّز المسلم في دعوته وهدايته للناس على الأوْلى والأهم فيقدم الفرض على النفل، والعيني على الكفائي، وهكذا. ومن ذلك أيضاً أن يركز المسلم على ميدان أكثر من ميدان وعلى صنف أكثر من صنف آخر؛ فالمسلم مقدم على غير المسلم، ودعوة المقربين نسَباً وجيرانه مقدمة على الأباعد، ودعوة المثقف مقدمة على دعوة الأمي ... وهكذا. ومن المعلوم أن هناك مقاصد ضرورية مقدمة، ومقاصد حاجية تأتي بعدها، وهناك مقاصد تحسينية تأتي في المرتبة الأخيرة. ز - مراعاة المصالح والمفاسد: وهذا الأمر في غاية الأهمية؛ وذلك لأن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل. وهذا مبحث دقيق ينبغي في البداية التنبيه إلى أن المراد بالمصالح والمفاسد ما كانت كذلك في حكم الشرع لا ما كان ملائماً أو منافراً للطبع، ولا يكون تقريرها وفق أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ودرء مفاسدها العادية؛ والدقة في هذا المبحث تكمن في أن المعروف قد يترك فعله والحض عليه والمنكر قد يترك النهي عنه والإنكار عليه.. إلخ، ثم النظر في تقدير المصلحة والمفسدة، وتقديرها والترجيح بينهما يحتاج إلى تقوى صادقة، وبصيرة علمية نافذة، ومعرفة بالواقع واسعة. ح - مراعاة الأوقات: والمقصود بمراعاة الوقت تخيُّر الوقت الملائم للدعوة من حيث فراغ المدعوين، واستعدادهم للتلقي، وكذلك المراعاة لأوقات المواعظ والدروس ومناسبة مدتها لأحوال الناس.

стр. 3438

المنتدى انتبه ... فالعمر يمضي عبد الملك مطر النمر قال الشاعر: إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى ... ولم أستفد علماً فما ذاك من عمري وقال حكيم: من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرضٍ أداه، أو مجدٍ أثَّله، أو حمدٍ حصَّله، أو خير أسسه، أو علمٍ اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه. وللوقت خصائص يتميز بها يجب علينا أن ندركها حق إدراكها، وأن نتعامل معه على ضوئها، ومن هذه الخصائص: أولاً: سرعة انقضائه: فهو يمر مر السحاب سواء كان زمن مسرة وفرح، أم كان زمن اكتئاب وترح. قال الشاعر: مرت سنون بالوصال وبالهنا ... فكأنها من قصرها أيام ثم أتت أيام هجر بعدها ... فكأنها من طولها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام ومهما طال عمر الإنسان في هذه الحياة فهو قصير ما دام الموت هو نهاية كل حي. وعند الموت تنكمش الأعوام والعقود التي عاشها الإنسان حتى لكأنها لحظات مرت كالبرق الخاطف. ويحكون عن شيخ المرسلين نوح ﵇: عندما سئل: كيف وجدت الدنيا؟ فقال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. وسواء كانت القصة صحيحة أم غير صحيحة فإنها تعبر عن حقيقة مقررة هي: تضاؤل الأعمار عند الموت. قال تعالى: [ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار] [يونس: ٤٥] . ثانياً: أن ما مضى منه لا يعود ولا يعوَّض؛ فكل يوم يمضي وكل ساعة تنقضي وكل لحظة تمر ليس في الإمكان استعادتها، ومن ثمَّ لا يمكن تعويضها؛ وهذا ما عبر عنه الحسن البصري بقوله البليغ: (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: ... يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني؛ فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة) . قال الشاعر: وما المرء إلا راكب ظهر عمره ... على سفر يفنيه باليوم والشهر يبيت ويضحي كل يوم وليلة ... بعيداً عن الدنيا قريباً إلى القبر ثالثاً: أنه أنفس ما يملك الإنسان: فالوقت يعتبر من أنفس وأثمن ما يملك الإنسان؛ لأن ما مضى منه لا يرجع ولا يعوَّض بشيء. وترجع نفاسة الوقت إلى أنه وعاء لكل عمل وكل إنتاج؛ فهو في الواقع رأس المال الحقيقي للإنسان فرداً أو مجتمعاً. والوقت ليس من ذهب فقط كما يقول المثل؛ بل هو أغلى في حقيقة الأمر من الذهب وغير ذلك من المعادن والجواهر النفيسة، إنه هو الحياة؛ فما حياة الإنسان إلا الوقت الذي يقضيه من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة. وفي هذا قال الحسن البصري أيضاً: ابن آدم! إنما أنت مجموعة أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك، ومن جهل قيمة الوقت الآن فسيأتي عليه حين يعرف فيه قدره ونفاسته وقيمة العمل فيه ولكن بعد فوات الأوان. وفي هذا يذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته، حيث لا ينفع الندم: الموقف الأول: ساعة الاحتضار، حين يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة ويتمنى لو منح مهلة من الزمن وأُخِّر إلى أجل قريب ليصلح ما أفسد ويتدارك ما فات. قال تعالى: [وأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ] [المنافقون: ١٠] . ولكن الله رد عليهم بقوله: [ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها إن الله خبير بما تعملون] [المنافقون: ١١] . الموقف الثاني: في الآخرة: حيث توفى كل نفس ما عملت وتجزى بما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار؛ قال تعالى: [ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون] [الزمر: ٧٠] ، وقوله تعالى: [اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم بيوم إن الله سريع الحساب] [غافر: ١٧] . هناك يتمنى أهل النار لو يعودون مرة أخرى إلى الدنيا؛ ولكن هيهات لما يطلبون؛ فقد انتهى زمن العمل وجاء زمن الجزاء، والله أعطى كل مكلَّف من العمر ما يتسع لعمل ما كُلِّفَ به، ويُذكِّره إذا غفل عنه وبخاصة من عاش حتى بلغ الستين من عمره؛ ففي هذا القدر من السنين ما يكفي لأن ينتبه الغافل ويتوب العاصي. وفي الحديث الصحيح: (أعذر الله إلى امرئ أمهله حتى بلغ ستين عاماً) [١] .

стр. 3439

المنتدى آلام مشاري بن محمد الكثيري ربَّاه إني هَائمٌ مما أرى ... وَخُطَايَ في دَربي أراها تَعثرُ فَالسَّيفُ يَشرِيه الأصَاغِرُ لُعبَةً ... يَتضَاحَكُونَ وفي المَجَالِس يُنشَرُ والسَّيفُ أصبَحَ في المتَاجِرِ دُميَةً ... بَعدَ المَلاحِمِ في الرؤوسِ يُسَطِّرُ ربَّاهُ إني زافِرٌ أتَحسَّرُ ... وَدمُوعُ عَيني للعروقِ تُشَطِّرُ تيِجَانُنَا حَالَت لِلَونٍ أَسوَدٍ ... وَخُيُولُنَا عَمَّا قَريبٍ تُنحَرُ لم تبقَ قَادرة عَلى صَولاتها ... فَكماتُها مَاتوا ويَبقى الأخورُ أطفَالُنَا تُغريهمُ أرسُومَةٌ ... فِي شَاشةِ التلفازِ هَذا المنكرُ ربَّاهُ أمَّتُنَا تهانُ بِشَعبِها ... عَمداً ويَضحَكُ كَافِرٌ يَتَبختَرُ

стр. 3440

المنتدى شاعر الأصالة سعيد عبد الله الزبيدي قال له صاحبه يوماً: ما بال شعرك لا يزال يتوشح التراث، وينأى عن مجاراة العصر وأنت ترى ما يطرقه الكثيرون! فقال مجيباً: قل لي: إذا ما الحزنُ مدّ رواقه ... أتزور أطيافُ الهوى إنشادي كلا فليس الشعرُ سلعةَ مفلس ... كلا فليس الشعر بيعَ مزاد الشعر تبريح الفؤاد وشجوُه ... نبعٌ كريمٌ طاب للورَّاد تفنى حروف الشعر يفنى وَقْدُها ... ويظل ميراث الهداة عتادي إني وقفت الشعر في درب الهدى ... وجعلته مرقىً إلى الأمجاد أسرجت في درب الأصالة خيله ... وسقيتها نبضي وذوْبَ فؤادي الشعر عندي منبرٌ تشدو به ... لغة الحقيقة كاللظى الوقَّاد الشعر عندي دعوةٌ ورسالة ... عزمٌ على سمع الزمان ينادي الشعر درب للأصالةِ مشرق ... سيف صقيل ملّ من إغماد الشعر يا هذا وربِّك بلسمي ... ألقى به دون الأساةِ ضمادي في واحةِ الكلمات تسمو همَّتي ... الشعرُ فيها بُلغتي ومرادي ما بعت يوماً للغثاء مشاعري ... كلا ولا سحرُ الحداثة زادي أشعلت بالفصحى لهيبَ قصائدي ... وسكبت فيها حرقتي وسهادي فعسى بيانُ الشعر يذكي عزمنا ... وعساه في تلك المفاوز حادي يا صاحبي فرس الحقيقة أبلقٌ ... يطوي القفارَ بعزمة ورشاد سيظل نبع الشعر يروي سَلسلاً ... بمداده الفُصحى أعزَّ مِداد

стр. 3441

المنتدى العقيدة عبد الله بن حسين بن أحمد شقبيل هِىَ يَا أُخَيَّ عَقِيدَةُ التَّوحِيد قَدْ ... شُغِفَ الفُؤَادُ بِهَا رِضىً ومُثُولا لِعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ يا هَذَا فَقُمْ ... في الْحَالِ طَوْعاً وَفِّهَا التَّبْجِيلا هَذِي العَقِيدَةُ يا أخِي تَاجٌ عَلَى ... هَامِ التُّقَاةِ هُنَا غَدَا مَصْقُولا هَذِي العَقِيدَةُ مَنْ حَوَاهَا صَادِقاً ... ذَاقَ السَّعَادَةَ بُكْرَةً وأصِيلا هَذِي العَقِيدَةُ يا أَخِي كَمْ عَالَجَتْ ... قَلْباً سَقِيماً بِالْهَوَى مَعْلُولا وبِهَا تَفَرَّجَ ضِيقُ صَدْرِ مُخَالِفٍ ... لِلْحَقِّ لَمَّا فَارَقَ التَّضْلِيلا فَالطَّائعُ الْوَافِي لِدِينِ مُحَمَّدٍ ... لاَ يَرْتَضِي في دِينِهِ التَّبْدِيلا يَا سَعْدَ مَنْ حَفِظَ العَقِيدَةَ في الْحَشَى ... لَمَّا أَطَاعَ الوَحْيَ والتَّنْزِيلا سَيَعيشُ في الدُّنْيَا كَريماً مَاجِداً ... ويَنَالُ في الأُخرى رضًا وقَبُولا مِنْ خَالِقٍ لِلْكَوْنِ ﷻ ... فَهُوَ الَّذِي يجْزِي الأَنَامَ جَمِيلا

стр. 3442

المنتدى الوقت غازي المهر يمرُّ دونما التفاتةٍ يمرُّ مارقاً كسهمْ وقاطعاً كسيفْ يمرُّ شامتاً بنا نهارنا كليلنا شتاؤنا كصيفنا يمرُّ عابثاً بنا وساخرا فإننا لم نحتفلْ بالصبح والمطرْ فنحن غارقون في سباتنا العميقْ لا نستفيقْ

стр. 3443

الصفحة الأخيرة ومن الدعاة أنواع محمد بن يحيى تزخر الساحة بفضل الله بالكثير من الدعاة الذين حملوا هَمّ استنقاذ العباد من الغفلة والدنيا وشهواتها. وهؤلاء بإخلاص كثير منهم واحتسابهم الأجر عند الله وتحملهم لما يلاقونه من أذى وبلاء أثمرت جهودهم هذه الوفود المتزايدة في التوجه إلى الله تعالى والتمسك بشرعه وهدي نبيه ﷺ . وثمة مشكلة تواجهها الدعوة جديرة بأن يتأمل فيها كلُّ من حمل همَّ الدعوة إلى الله تتلخص في وجود أصناف من الدعاة ليسوا على المستوى المطلوب لممارسة الدعوة كفنٍّ يحتاج إلى التحلي بصفات خاصة والتصرف وفق أولويات واضحة. وقبل أن أذكر بعض هؤلاء الأصناف أشير إلى شيء من أهمية الموضوع على النحو الآتي: ١- كون هؤلاء الأشخاص يمثلون الدين في نظر الناس، والقصور منهم سوف ينسب إلى الدين بسبب الجهل والمكر وترصد أصحاب النفوس المريضة. ٢- أن الداعية من هؤلاء محسوب على الدعاة؛ والخطأ منه يعمم على الجميع وهذه أخص من السابقة. ٣- أن الداعية في كثير من الأحيان يكون فاتحة خير للمدعو وبداية ارتباط بشرع الله، وبسبب شيء مما سنشير إليه قد يكون سبباً لنفرة المدعو وصدوده عن أهل الخير. وسوف أشير إلى بعض الأصناف التي ميَّزتها على أساس صفات مشتركة قد تتوفر كلها وقد يتخلف بعضها، والمقصود أن ينظر الداعية في نفسه ويقوّم سلوكه الدعوي، وأن يثار هذا الموضوع للنقاش وزيادة التأصيل من أهل العلم والاختصاص والخبرة. النوع الأول: يغلب على هذا النوع الرهبة عند البدء في موقف أو معاملة دعوية بسبب الخوف من أن يقابل بالإساءة إليه. وغالباً فإن عدم فلاح هذا النوع مع المدعو في المحاولة الأولى يجعل صاحبه يتردد كثيراً قبل إعادة المحاولة. وكثيراً ما يستعجل أصحاب هذا النوع إنهاء المواقف الدعوية وعدم ربطها بتوابع أخرى بمجرد ترديد المدعو لبعض العبارات الدارجة مثل: (الله يهدينا) . وهذا الصنف وإن لم يكن على المستوى المطلوب ليقوم بالتأثير والجذب إلا أن أفراده يبدون غالباً مرشحين بشكل كبير للنجاح الدعوي، ويحتاجون بعد توفيق الله إلى تعلم المهارات المناسبة والأساليب الجيدة مع الممارسة المستمرة، كما أنه ينبغي أن يعملوا على كسر حاجز الرهبة بتذكُّر فضل ما يعملون، والاستعاذة بالله من الشيطان وكيده، وإقناع أنفسهم بالنجاح بدلاً من توقع الإخفاق. النوع الثاني: (رهينة الصدود) وهذا النوع يملك في العادة خلفية دعوية جيدة؛ ولكنه يأخذ صدود المدعو بشكل شخصي يسيء إليه ذاتياً. وهذا ما يجعله يبحث عن أي عذر يعفيه من الممارسة الدعوية المباشرة، وقد يصرف الوقت في أشياء ليست من صميم الدعوة كأحاديث جانبية لا ينفذ منها إلى الهدف الدعوي، كما يُكثِر الشكاوي، ويتأثر عطاؤه الدعوي لفترة طويلة بسبب إخفاقه في محاولة دعوية مع شخص مَّا. هذا النوع ينبغي أن يُوَجَّه إلى أهمية الفصل بين شخصه ودعوته، ويربى على أن لا يدعو إلى نفسه وأنه ليس من لوازم الدعوة أن يرى آثار نجاح دعوته، هذا إذا كان مفتقراً إلى هذه المفاهيم ونحوها. أما إن كان الأمر فيه أصلياً وحدود شخصيته لا تسمح بتجاوز هذه العقبة فلعله من المناسب أن يُوَجَّه إلى الدعوة في الأماكن التي يقل فيها جانب الصدود وتضعف احتمالاته، كما هو الحال فيمن لهم بالمحاضن الخيرية روابط محدودة وما زالوا بعيدين عن مظاهر الاستقامة. النوع الثالث: (الداعية العدواني) الذي يفعل أي شيء يعتقد أنه يتمم الواجب الدعوي، ولا يهمه بعد ذلك أو قبله الأسلوب؛ يتحرك أكثر من اللازم، ويرفع صوته، يقول أي شيء حتى لو لم يكن متعلقاً بهذا المدعو أو ذلك الحدث، يستخدم كثيراً أسلوب الضغط والإلحاح ودفع المدعو للاستجابة، وقد لا يهتم بتخفيف ما قد يعتري المدعو من حدة، ولا يصرف الوقت معه لتكوين علاقة وئام ومودة. وهؤلاء وإن بدت أوصافهم في الكتابة منفرة بغيضة إلا أنهم حقيقة واقعة لا بد من مناصحة أصحابها، خاصة أولئك الذين يكون من طبيعة شخصياتهم (أو مناطقهم) الحدة والصوت الجَهْوَرِي وسرعة الغضب ونحو ذلك. والأثر السلبي لهؤلاء واضح جلي وكبير على الدعوة خاصة عندما يكون استمرار العلاقات على المدى البعيد مطلوباً؛ لذلك عليهم مراجعة أنفسهم دائماً، ومصاحبة من ينبههم ويذكِّرهم ويسدِّدهم قدر الإمكان. وأخيراً أشير إلى أن مثل هذا الموضوع قد يعطي ثماره بشكل أكبر عند وضعه على مائدة النقاش ودعمه بالأمثلة والنماذج الحية. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3444

صفر - ١٤٢١هـ مايو - ٢٠٠٠م (السنة: ١٥)

стр. 3445

كلمة صغيرة أبو رقيبة.. نهاية وعبرة ككل الطغاة عاش أبو رقيبة حياته حاكمأ مستبدأ ظالما، وكان مشروعه العلماني القاضي بالسير وراء الغرب وتقليده تقليداً أعمى المسوِّغ لدعم الغرب له وتشجيعه على خطواته التغريبية في إفساد المجتمع التونسي وتضليله؛ ومع ذلك عاشت تونس دولة فقيرة عالة على الإعانات الأجنبية. صنع إعلامه منه بطلا سمي زورا بـ (المجاهد الأكبر) حتى بعد ما غدر برفاق الجهاد وأذل العلماء وهمشهم، وشتم رموز التاريخ التونسي ومن أشهرهم الشيخ (عبد العزيز الثعالبي) ، وألغى دور جامع الزيتونة باعتباره من أكبر الجامعات الإسلامية العريقة، وأبطل حلقات العلم فيه، وبطش بالحركة الإسلامية بالقتل والسجن والتشريد ولكن الله يمهل للظالم حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فقد جاء إذلاله على يد أحد تلاميذه بعد أن طفح الكيل بقراراته العشوائية وأفكاره المتناقضة وإقالته للحكومات المتوالية بشكل مثير للسخرية؛ حيث أعد تقرير من عدد من أطباء البلاط بأن الرجل أصبح عاجزا عن الحكم فنحي، وعاش سنواته الأخيرة في سجن إجباري يعافي الهوان الذي طالما مارسه في حق التونسيين بدون وجه حق، ومن رآه في آخر أيامه علم مدى الذلة التي صاحبته وهو في أرذل العمر، وكيف أن أمثال هذا الرجل ممن يحاولون إذلال شعوبهم وظلمها والبطش بها يعاقبون بالعقوبات نفسها، وفي هذا عبرة، وأي عبرة لمن يعتبر! ومما يؤسف له أن تونس ما زالت تسير على الخط العلماني نفسه، وما زال الإسلاميون يعانون الظلم والتهميش بدعاوى معروفة سلفا. فهل يا ترى يعود لتونس وجهها الإسلامي المشرق، ويتاح لأبنائها نيل حقوقهم المدنية التي كفلها دستور الدولة أسوة بغيرهم من الأحزاب العلمانية في الساحة، أم على قلوب أقفالها؟ ! نسأل الله لتونس ولشعبها كل ما يحقق لها عزتها ونهتضها وازدهارها.

стр. 3446

الافتتاحية تهويد العقل العربي سيطرةُ اليهود على الغرب من خلال السيطرة على وسائل الإعلام مكنهم من السيطرة على العقل الغربي، فأصبح الجميع يحرص على موادَّة اليهود والتقرب إليهم والركوع تحت أعتابهم، فإذا كان الرئيس الأمريكي يجعل دعم (دولة إسرائيل) أحد أبرز معالم برنامجه الانتخابي ليضمن النجاح، فغيره من باب أوْلى. ولكن! هل استطاع اليهود تهويد العقل العربي كما استطاعوا تهويد العقل الغربي..؟ ! وهل استطاع اليهود أن يخترقوا الوسط الإعلامي والفكري العربي كما فعلوا ذلك في الغرب..؟ ! كان دعاة التطبيع قلَّة محدودة منبوذة، متهمين بالتبعية والعمالة، ويعانون من حصار كبير، وما هي إلا سنوات قلائل حتى أصبحت هذه الظاهرة تتصاعد لتصبح جزءاً رئيساً من النسيج الإعلامي العربي. فبعد الزوبعة التي أثارها الصحفي المصري (علي سالم) الذي زار (إسرائيل) بقصة سامجة مفتعلة، وبعد تأسيس (منتدى كوبنهاجن) وعلى رأسه (لطفي الخولي) الذي يدعو إلى تطبيع ثقافي شامل مع العدو؛ أصبح دعاة التطبيع يغزون الحظيرة الإعلامية والفكرية، وتعلو أصواتهم النشاز فوق كثير من الأصوات. لقد استطاع اليهود النفاذ إلى قلب بعض المؤسسات الإعلامية والفكرية العربية واختراقها، وتغيير خطابها السياسي والفكري، وأصبح كبار الإعلاميين قبل صغارهم يلوذون بالدعوة إلى التطبيع، من أجل البقاء والبروز نحو الأضواء، والترقي في درجات السلم الإعلامي. وراح هؤلاء (التقدميون!) بالتفكير والتحدث بالنيابة عن اليهود والدفاع عن حقوقهم المشروعة (!) ونصَّب هؤلاء القوم أنفسهم حُماةً عن الحق اليهودي المزعوم، ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّ منهم من تصهين ربما أكثر من بعض الصهاينة! وبعد أن كانوا يرفعون الشعارات الثورية، ويطبلون باسم القومية والوطنية، لبسوا لهذه المرحلة لباساً أنيقاً ناعماً يتلاءم مع رشاقة الكلمات التي تقتضيها ثقافة التطبيع. نعم! بدأ كثير من المثقفين والمفكرين العرب يبحث عن دور مرموق في الخريطة السياسية، ولا يجد طريقاً أسرع ولا أثمن ولا أكثر نجمومية وإثارة من طريق التطبيع..! ! إنَّ الساحة الثقافية العربية تعاني من حالة اهتزاز عنيفة أدت إلى لهاث محموم وراء سراب التطبيع، وسعت سعياً حثيثاً إلى تزييف وعي الشعوب العربية، وتشويه رؤيتها، ونستطيع أن نجمل أبرز جوانب التزييف بما يلي: أولاً: فرض سياسة التطبيع، والترويج لثقافة السلام، وعرضها بألوان براقة خادعة، ومحاولة تلميع التجربة المصرية في السلام، والتعتيم المتعمد لكل المساوئ والمخازي التي أثبتتها السنون والأيام. وتبع ذلك حصار إعلامي محكم لكل الأقلام التي تخالف هذا التوجه، والسعي لتهميشها وعزلها، ومنع نشر كل ما يسيء لـ (إسرائيل) أو إذاعته. وأصبح معارضو التطبيع في حس هؤلاء: من الخارجين عن الصف العربي، ومن المتحجرين الجامدين على الماضي الذين وقفوا على أطلاله، ولم يستطيعوا استيعاب المتغيرات الهائلة والمتسارعة التي تحدث في العالم. وبعبارة أخرى: سعى هؤلاء الإعلاميون الذين يتشدقون بالديمقراطية والحرية إلى احتكار الصوت الإعلامي، والتطبيل به كما يشاؤون..! ثانياً: الدعوة إلى مسح الذاكرة العربية، وإهالة التراب على تاريخ دموي طويل حافل بالوحشية والتسلط والطغيان. فالحروب العربية (الإسرائيلية) ، ومذبحة دير ياسين وغيرها من المذابح، أحاديث عفا عليها الزمن قام بها مجموعة من المتطرفين اليهود الذين لفظتهم الأيام، ولم يبق إلا صوت الحمائم الوديعة التي تؤمن بالإخاء والتعايش السلمي الذي تمليه المصالح المشتركة. ولذا يجب أن نمد أيدينا إليهم لنقطع الطريق على الأقلية المتطرفة الذين يعدهم حمائم (إسرائيل) خطرا على الصهيونية قبل أن يكونوا خطراً على العرب ... ! وتأكيداً للكرم العربي المعهود يجب على منظمة التحرير الفلسطينية، والمجلس الوطني الفلسطيني، أن يغيروا بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنكر حق (إسرائيل) في الوجود على الأرض الفلسطينية، أو البنود التي تدعو إلى الكفاح المسلح لانتزاع الحق الفلسطيني.. ونحوها من البنود التاريخية، فقد مضى زمن الفدائيين، وصدئت أسلحتهم، فنحن في عصر سلام الشجعان! ثالثاً: طمس معالم الصراع العسكري مع (إسرائيل) ، والتهوين من شأن الترسانة النووية الهائلة التي يملكها اليهود، والتغاضي عن كافة الأسلحة الجرثومية والكيميائية الفتاكة المحرمة في زعمهم! دولياً؛ والترويج لاستبعاد إمكانية قيام أي حرب قادمة مع (إسرائيل) ما دمنا نتقدم في خطوات جادة نحو السلام المزعوم. وربما دعا بعض (الأذكياء!) إلى أن الموازنات المالية الهائلة التي تصرف في الاستعداد للحرب يمكن أن تستثمر في التنمية الاجتماعية والحضارية للبلاد العربية، وكأن العائق الوحيد أو الرئيس للتنمية في زعمهم هو الاستعداد للحرب مع (إسرائيل) ، هذا إذا سلمنا جدلاً أن هناك استعداداً للحرب أصلاً في ظل الأحزاب العروبية الثورية..! ! رابعاً: الدعوة إلى فتح الأسواق العربية لـ (إسرائيل) ، وجعلها شريكا استراتيجياً لتنمية الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط. وقد رأينا كيف أنَّ بعض المفكرين العرب راح يمجد دعوة (شمعون بيريز) لإقامة سوق شرق أوسطية مشتركة يتبادل فيها العرب و (إسرائيل) المنافع الاقتصادية! ثم رأينا أن ما يسمى بالمقاطعة الاقتصادية لـ (إسرائيل) أو الشركات التي تتعامل مع (إسرائيل) تتهاوى تدريجياً على أعتاب الجامعة العربية فضلاً عن غيرها..! ! خامساً: الاستجابة للدعوات اليهودية المطالبة بتغيير كل ما يتعلق باليهود من المناهج التعليمية، واستبدالها بنصوص أخرى تدعو إلى إحياء السلام والتعاون. فتاريخ صلاح الدين الأيوبي، ومعركة حطين، والحروب الصليبية، بل حتى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتحدث عن اليهود؛ كل ذلك لا يتلاءم مع روح الانفتاح والوئام، ويجب علينا أن نبادر إلى تغييرها وإزالتها من العقلية العربية، ونحيي ثقافة السلام والتبادل الثقافي والحضاري. وإذا كان لا بد من دراسة التاريخ فلْيُدرسْ من خلال التاريخ الفرعوني. وحضارات ما قبل الإسلام في نظر هؤلاء هي الأنموذج الأمثل الذي يمكن أن يربى عليها الشعب العربي..! ! وأخيراً: إذا كان لا بد من فرض سياسة التطبيع فلا بد من تقديم القربان الذي يرضي (أبناء العمومة) ، وهو كبت كل الأصوات المعارضة، وعلى رأسها (أصوات الأصوليين المتطرفين!) ، وإذا استدعى الأمر أيضاً فلا مانع من توقيع اتفاقيات أمنية مع اليهود يفرض بموجبها مثلاً دور رئيس للسلطة الفلسطينية في تكبيل أيدي (أبطال) الحجارة، ووأد الحمية الإسلامية في نفوسهم. ولا مانع من أن تعمل السلطة الفلسطينية (المناضلة!) شرطياً متفانياً يعمل تحت مظلة وزارة الداخلية الإسرائيلية، وترفع عصا البطش والاعتقال وتكميم الأفواه. ومن خرج من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بناء على اتفاقات معاهدات السلام، دخل أضعافه في معتقلات أخرى تابعة للسلطة الفلسطينية، ولكنه هذه المرة بمسمى آخر لا نكير فيه أمام العالم المتحضر، ويحقق شتى الطموحات والتطلعات ... اليهودية..! ولكن هل سينجح دعاة السلام في ذلك..؟ ! ونقولها بكل ثقة: هيهات.. هيهات.. فما دام الناس يقرؤون آل عمران والأنفال والتوبة، فإن فلسطين ستظل في قلوبهم بإذن الله تعالى، بعزّ عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله. ... [واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون] [يوسف: ٢١] .

стр. 3447

دراسات في الشريعة والعقيدة التشاؤم والطيرة محمد بن عبد العزيز الخضيري التعريف: التَطَيُّر في اللغة: التشاؤم، وهو توقع حصول الشر. وسُمّيَ التشاؤم تطيراً؛ لأن العرب كانوا في الجاهلية إذا خرج أحدهم لأمر قصد عش طائر فيهيجه، فإذا طار الطير من جهة اليمين تيمن به ومضى في الأمر، ويسمون هذا الطائر في هذه الحالة: (السانح) . أما إذا طار جهة يسار الإنسان تشاءم به، ورجع عما عزم عليه، وكانوا يسمون الطير في هذه الحالة: (البارح) . فجاء الإسلام فأبطل هذا الأمر ونهى عنه، وشدد في النكير على فاعله، ورد الأمور إلى سنن الله الثابتة وإلى قدرته المطلقة. وضد التطيّر: التفاؤل: وهو التَّيَمُّن بسماع كلمة طيبة، ويشمل كل قول أو فعل يُستَبْشَر به، والفرق بين التطير والتفاؤل أن الفأل يستعمل فيما يُستَحب، والتطير فيما يُكرَه غالباً. ومثال التفاؤل: أن يسمع عند عزمه على فعل أمر كلمة طيبة أو اسماً حسناً أو يرى شيئاً طيباً. وقد كان النبي ﷺ : (يتفاءل ولا يتطير) [١] . وكان رسول الله ﷺ إذا خرج من بيته يحب أن يسمع: (يا راشد يا نجيح) [٢] . تاريخ التطيُّر وأمثلته: كان التطير موجوداً عند العرب على الصفة المذكورة آنفاً وصفات أخرى تقاربها. قال البيهقي: (كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة، وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء، فسموا الكل تطيراً؛ لأن أصله الأول، قال: وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهباً إلى المعلم تشاءم، أو راجعاً تيمن، وكذا إذا رأى الجمل مُوقَراً حِملاً تشاءم، فإن رآه واضعاً حِمْلَهُ تيمن، ونحو ذلك، فجاء الشرع برفع ذلك كله) [٣] . والتطير قديم الوجود في الأمم؛ فقد أخبرنا الله سبحانه أن فرعون وقومه تطيروا بموسى ﵇ ومن معه: [فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى من معه] [الأعراف: ١٣١] . وقبل ذلك تشاءم قوم صالح بصالح ﵇ [قالوا اطيرنا بك بمن معك] [النمل: ٤٧] . وكذلك أصحاب القرية تطيروا برسل الله إليهم ف [قالوا إنا تطيرنا بكم] [يس: ١٨] . وكان الرد عليهم جميعاً: أن ما حل بهم من شر أو نقص في نفس أو مال، أو ما نزل بهم من عقوبة ما هو إلا من قِبَل أنفسهم بسبب كفرهم وعنادهم واستكبارهم، [ألا إنما طائرهم عند الله] [الأعراف: ١٣١] وقال الرسل الثلاثة لأهل القرية: [طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون] [يس: ١٩] . وما زال الناس وإلى يومنا هذا يتطيرون، وتطيُّرهم دليل ضعف توكُّلهم على ربهم، ونقص عقولهم وإلا؛ فأي شأن للطير أو غيره بمستقبل الإنسان وقدره؟ ! وللناس في التشاؤم أيام معينة أو ساعات محددة أو أعداد معينة مما لا ينقضي منه العجب. فالرافضة (يكرهون التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشرة حتى البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك؛ لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة) [٤] . وكثير من الناس في الغرب يتشاءمون بالرقم ١٣، ولذا حذفته بعض شركات الطيران من ترقيم المقاعد كما حذفوه في ترقيم المصاعد والأدوار في العمائر الكبار. وآخرون يتشاءمون بنعيق البوم والغراب، ورؤية الأعور والأعرج والعليل والمعتوه. قال الشيخ ابن عثيمين [٥] : (والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم فإنها تضيق عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم، وقال: اليوم يوم سوء وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتَرِ والعياذ بالله وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء، ويقول: إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولا سيما في النكاح، وقد نقضت عائشة ﵂ هذا التشاؤم بأنه صلى الله عليه وسلم عقد عليها في شوال؛ وبنى بها في شوال فكانت تقول: أيُّكن كانت أحظى عنده مني؟) [٦] . حكم التطير: التطير محرم مخل بالتوحيد قد نفى النبي ﷺ تأثيره، وجعله شركاً، وأخبر أنه لا يرد المسلم، وأنها من الجبت. أما نفي تأثيره ففي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) [٧] حيث نفى تأثير الطيرة. وأما جعله ﵊ الطيرة شركاً ففي قوله: (الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك) [٨] . وقوله في حديث عبد الله بن عمرو: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) [٩] وإنما جعل التطير شركاً لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً؛ فكأنهم أشركوه مع الله تعالى وهذا الاعتقاد منافٍ لقوله تعالى: [وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله] [يونس: ١٠٧] فالله هو النافع الضار، وهذه الطيور لا تعلم الغيب، ولا تدل على المخبَّأ من الأمور بوجه. قال ابن القيم: (التطير: هو التشاؤم بمرئيٍ أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، والتطير مما يراه أو يسمعه، وذلك قاطع على مقام [إياك نعبد وإياك نستعينٍ] [الفاتحة: ٥] ، قوله تعالى: [فاعبده وتوكل عليه] [هود: ١٢٣] ، قوله تعالى: [عليه توكلت إليه أنيب] [الشورى: ١٠] فيصير قلبه متعلقاً بغير الله عبادة وتوكلاً، فيفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله، ويبقى هدفاً لسهام الطيرة، ويساق إليه من كل أرب، ويقيض له الشيطان من يفسد عليه دينه ودنياه، وكم هلك بسبب ذلك وخسر الدنيا والآخرة! قال الشيخ ابن عثيمين: (فإذا تطير الإنسان بشيء رآه أو سمعه، فإنه لا يعد مشركاً شركاً يخرجه من الملة؛ لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سبباً، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركاً من هذه الناحية والقاعدة: (أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سبباً فإنه مشرك) وهذا نوع من الإشراك مع الله: إما في التشريع إن كان هذا السبب شرعياً، وإما في التقدير إن كان السبب كونياً. لكن لو اعتقد هذا المتشائم المتطير أن هذا فاعلٌ بنفسه دون الله فهو مشرك شركاً أكبر؛ لأنه جعل لله شريكاً في الخلق والإيجاد) [١٠] . ٤ - وأما إخباره بأن الطيرة تنافي حقيقة الإسلام ويخشى على صاحبها فقد قال النبي ﷺ : (ليس منا من تطير أو تُطُيِّرَ له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ [١١] . وروى أبو داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكِرَتِ الطيرةُ عند رسول الله ﷺ فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً) [١٢] . ٥ - وأما إخباره أنها من الجبت ففي قوله ﷺ : (العيافة والطيرة والطرق من الجبت) [١٣] . والجِبت: السحر كما فسره به عمر بن الخطاب. وذلك أن المتطير يعتمد في معرفة المغيبات على أمر خفي كالساحر الذي يعتمد في قلب حقائق الأشياء على أمر خفي. أقسام الناس في الطيرة: ينقسم الناس تجاه الطيرة ثلاثة أقسام: القسم الأول: من يتطير، ويستجيب لداعي التطير فيحجم عن أمر أو يقدم عليه بدافع من طيرته؛ فهذا قد واقع المحرم وولج باب الشرك على التفصيل المذكور سابقاً. القسم الثاني: من إذا وقع له ما يدعو إلى الطيرة عند الناس لم يترك ما بدا له فعله لكنه يمضي في قلق واضطراب وغم، يخشى من تأثير الطيرة فهذا أهون من الأول؛ حيث لم يُجِبْ داعي الطيرة، لكن بقي فيه شيء من أثرها، وعليه أن يمضي متوكلاً على الله سبحانه مفوضاً أموره إليه. القسم الثالث: وهم أعلى الأقسام وهم من لا يتطيرون، ولا يستجيبون لداعي الطيرة، ولا يعني ذلك أنه لا يخطر في قلوبهم شيء أصلاً، ولكن متى عرض لقلوبهم شيء ردوه بالتوكل على الله وتفويض الأمور إليه، قال معاوية بن الحكم: قلت يا رسول الله! منا رجال يتطيرون! قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم) [١٤] . وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلاَّ، ولكن الله يُذْهِبُه بالتوكل) [١٥] . فقوله: (وما منا إلا) أي ما منا إنسان يسلم من التطير لكن الله يذهبه بالتوكل، وهذه الجملة في الحديث مُدْرَجة من كلام ابن مسعود كما ذكر العلماء. علاج الطيرة وكفارتها: بيَّن النبي ﷺ أنه لا يجوز أن يلتفت المسلم إلى الطيرة فترده عن حاجته وعليه أن يمضي متوكلاً على الله مردداً الذكر الوارد في ذلك؛ فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. قالوا فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك) [١٦] . وفي حديث عقبة السابق قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) [١٧] . الشؤم في ثلاثة: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار، (وفي رواية: (إن كان الشؤم ففي الدار، والمرأة، والفرس) [١٨] . وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله سكناها سبباً للضرر والهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه: قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة. وقال الخطابي وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة؛ أي: الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يسكنها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس، أو خادم؛ فليفارق الجميع) . وقال ابن القيم: (إخباره ﷺ بالشؤم في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعياناً مشؤومة على من قاربها وساكنها، وأعياناً مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم وشر؛ وهذا كما يعطي الله الوالدين ولداً مباركاً يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولداً مشؤوماً يريان الشر على وجهه، وكذلك ما حصله العبد من ولاية وغيرها؛ فكذلك الدار والمرأة والفرس، والله سبحانه خلق الخير والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان سعوداً مباركة، ويقضي بسعادة من قاربها، وحصول اليُمن والبركة له، ويخلق بعضها نحوساً بها من قاربها؛ وكل ذلك بقضاء الله وقدره؛ كما خلق الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، والفرق بين هذين النوعين مدرَك بالحس؛ فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون والطيرة لون) [١٩] . وقد أرشد النبي ﷺ إلى دعاء ينتفع به المسلم في دفع الضر عند الزواج بالمرأة أو شراء الخادم والدابة؛ فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادماً فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه. وإذا اشترى بعيراً فليأخذ بذروة سنامه، وليقل مثل ذلك) [٢٠] . الفأل: بيَّنَّا معنى الفأل والفرق بينه وبين الطيرة، وأن النبي ﷺ كان يتفاءَل ولا يتطير. روى أنس أن النبي ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة) [٢١] ، وفي رواية لمسلم: (الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة) [٢٢] ، قال الشيخ ابن عثيمين: (فالكلمة الطيبة تعجبه ﷺ لِمَا فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط، والمضي قُدُماً لما يسعى إليه الإنسان، وليس هذا من الطيرة بل هذا مما يشجع الإنسان؛ لأنها لا تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وإقداماً وإقبالاً) [٢٣] . قال ابن الأثير: (الفأل فيما يرجى وقوعه من الخير ويحسن ظاهره ويسر، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أحب النبي ﷺ الفأل؛ لأن الناس إذا أملوا فائدة من الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإن لم يدركوا ما أملوا فقد أصابوا في الرجاء من الله وطلب ما عنده، وفي الرجاء لهم خير معجل، ألا ترى أنهم إذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر، فأما الطيرة فإن فيها سوء ظن وقطع الرجاء وتوقع البلاء وقنوط النفس من الخير، وذلك مذموم بين العقلاء منهي عنه من جهة الشرع) [٢٤] ، وفي قول النبي ﷺ لما ذُكِرَتْ عنده الطيرة قال: أحسنها الفأل. قال الشيخ ابن عثيمين: (الفأل ليس من الطيرة، لكنه شبيه بالطيرة من حيث الإقدام، فإنه يزيد الإنسان نشاطاً وإقداماً فيما يوجه إليه، فهو يشبه الطيرة من هذا الوجه، وإلا فبينهما فرق؛ لأن الطيرة توجب تعلق الإنسان بالمتطيَّر به وضعف توكله على الله ورجوعه عما همَّ به من أجل ما رأى، لكن الفأل يزيده قوة وثباتاً ونشاطاً، فالشبه بينهما هو التأثير في كل منهما) [٢٥] . تنبيهات: ١- (بعض الناس إذا انتهى من شيء في شهر صفر أرّخ ذلك وقال: انتهى في صفر الخير، فهذا من باب مداواة البدعة ببدعة، والجهل بالجهل فهو ليس شهر خير ولا شهر شر، أما شهر رمضان وقولنا إنه شهر خير فالمراد بالخير العبادة، وقولهم: رجب المعظم؛ بناءاً على أنه من الأشهر الحرم؛ ولهذا أنكر السلف على من إذا سمع البومة تنعق قال: خيراً إن شاء الله، فلا يقال: خير ولا شر، بل هي تنعق كبقية الطيور) [٢٦] . ٢ - (بعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل، فإذا نظر ذكر النار تشاءم، وإذا نظر ذكر الجنة قال: هذا فأل طيب؛ فهذا مثل عمل أهل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام ولم ينقل عن السلف فيه شيء) [٢٧] . ٣ - (بعض الناس إذا حاول الأمر مرة بعد أخرى تشاءم بأنه لن ينجح فيه وتركه، وهذا خطأ، فكل شيء ترى فيه المصلحة فلا تتقاعس عنه في أول محاولة، وحاول مرة بعد أخرى حتى يفتح الله عليك) [٢٨] . ٤ - ذهب بعض العلماء إلى كراهة تسمية المولود بما يتطير بنفيه أو إثباته لحديث سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تُسَمِّ غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح؛ فإنك تقول: أَثَمَّ هو؟ فلا يكون فتقول: لا) [٢٩] ، إلا أنه ليس بمحرم لحديث عمر: إن الآذن على مشربة رسول الله ﷺ عبد يقال له: (رباح) [٣٠] . ينظر في موضوع الطيرة: ١ - كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشروحه. ٢ - القول المفيد، للشيخ ابن عثيمين. ٣ - الموسوعة الفقهية الكويتية، ٥/٣٢٨، وما بعدها، و١٢/١٨٢ وما بعدها. ٤ - عالم السحر والشعوذة، للأشقر.

стр. 3448

دراسات في الشريعة والعقيدة أحاديث الدجال مسائل وفوائد محمد بن عدنان السمَّان ظهور الدجال أحد أشراط الساعة الكبرى، وأعظم الفتن منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى قيام الساعة. وقد حذر النبي ﷺ منه في أكثر من ثلاثين موضعاً؛ مبيناً خطره تارة، ومحذراً منه حيناً، وذاكراً طرق السلامة منه تارة أخرى. ولما تعددت وتنوعت الأساليب في مواجهة هذه الفتنة العظيمة وصلنا إلى مسائل وفوائد مستفادة من فعل وقول الهادي البشير ﷺ . وقبل الشروع في ذكرها لعلنا نقدم بما يلي: الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن الكريم: ولعل أحسن ما قيل في ذلك ما ساقه الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في فتح الباري [١] حيث قال: (وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه ذُكر في قوله: [يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها] [الأنعام: ١٥٨] ، فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة ﵁ رفعه: (ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها) . الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ﵇ في قوله تعالى: [وإن من أهل بكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته] [النساء: ١٥٩] ، وفي قوله تعالى: [وإنه لعلم للساعة] [الزخرف: ٦١] ، وصح عنه أنه الذي يقتل الدجال، فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب: (المسيح) كعيسى ﵇؛ لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى ﵇ مسيح الهدى. الثالث: أنه ترك ذكره احتقاراً، وتُعُقِّب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق وهو: ما الحكمة في ترك النص عليه؟ وأجابنا الإمام البلقيني بأنه نظر في كل مَنْ ذُكِرَ في القرآن من المفسدين فوجدهم ممن مضى وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعدُ فلم يذكر منهم أحد. انتهى. وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج. ووقع في تفسير البغوي أن الدجال مذكور في قوله تعالى: [لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس] [غافر: ٥٧] ، وأن المراد بالناس هنا الدجال من باب إطلاق الكل على البعض وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة؛ فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه. والعلم عند الله) . فوائد في التعامل مع الفتن: ١ - التزود بالطاعات والإكثار من الأعمال الصالحة حصن حصين من الفتن وزاد قوي في التصدي لها عند حلولها: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ... (بادروا بالأعمال ستاً [٢] : طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم [٣] ، أو أمر العامة [٤] ) [٥] . فأوصى ﷺ بالاجتهاد في الأعمال الصالحة؛ بل والمسابقة إليها قبل حلول وقت الفتن. وذكر ابن حجر ﵀ في الفتح [٦] ما أخرجه الحاكم من طريق قتادة عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه أنه (يخرج يعني الدجال في نقص من الدنيا وخفة من الدين وسوء ذات البين فيرد كل منهل، وتطوى له الأرض) . فانظر رعاك الله إلى ضعف الدين وقلته في وقت خروجه. ٢ - الحث على الائتلاف بين المسلمين وترك الخلاف والنزاع والفرقة، وأن الفتنة أعظم في وقت الخلاف منها في وقت الائتلاف: ويشهد لهذه الفائدة الحديث السابق الذي رواه الحاكم، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ الصادق المصدوق: (إن الأعور الدجال مسيح الضلالة يخرج من قِبَلِ المشرق في زمان اختلاف من الناس وفرقة، فيبلغ ما شاء الله أن يبلغ من الأرض أربعين يوماً..) [٧] . ٣ - الحذر والتحذير من الفتن قبل وقوعها: وهذا ظاهر في كل الأحاديث التي تحدثت عن الدجال، بل إن الأنبياء كل الأنبياء حذروا أممهم منه كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ ؛ حيث قال: (ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب ... ) [٨] [٩] . ٤ - عدم الانخداع بالمظاهر خصوصاً وقت الفتن، بل وتحذير الناس من ذلك: ونلحظ ذلك في المظاهر الخادعة التي تصاحب الدجال، ومن ذلك: أن معه جنة وناراً، وأنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت [١٠] ، لكن كل هذا بإذن الله تعالى، ولو تمعن المتمعن لما انخدع. قال ابن العربي [١١] ﵀: (في اختلاف صفات الدجال بما ذكر من النقص بيان أنه لا يدفع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه) ، إذن لا يستطيع أن يدفع الضرر عن نفسه، فكيف يدفعه عن غيره؟ ! ٥ - ضرورة الابتعاد عن مواضع الشبهات والفتن، وألا يعتقد المرء أنه على قدرة في مواجهة الشبهات والفتن، وخصوصاً مع قلة العلم والدين: عن عمران بن حصين ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من سمع بالدجال فَلْينأَ عنه؛ فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات) [١٢] [١٣] . ٦ - لا يكفي تحذير الناس من الفتن؛ بل الواجب توضيح السبل للخلاص منها: وقد وضح النبي ﷺ مجموعة من السبل للخلاص من الدجال؛ ومنها: أ - قراءة فواتح سورة الكهف: قال ﷺ : ( ... فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف) [١٤] . ب - قال ﷺ : (لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه؛ فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين عليه ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه: (كافر) يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب) [١٥] . ج - التعوذ منه: ثبت أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: (وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) [١٦] . ٧ - الفتنة ليست شراً محضاً: نقل الإمام النووي ﵀ عن العلماء أنهم قالوا: (هذا من جملة فتنته التي امتحن الله تعالى به عباده ليحق الحق ويبطل الباطل، ثم يفضحه ويظهر للناس عجزه) [١٧] . ٨ - الحق لا بد أن ينتصر وتُنهى الفتن ويظهر الحق: وهذه أعظم فتنة تمر على البشرية ثم تنتهي، وينزل عيسى ﵇ ليهلك الدجال، كما ثبت في صحيح مسلم: (.... يخرج الدجال في أمتي فيمكث ... أربعين ... فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه..) [١٨] . ٩ - أهمية العلم الشرعي في مواجهة الفتن: فالمؤمن الذي يكشف زيف الدجال وكذبه مسلم متمسك بالعلم الشرعي المبني على الدليل الشرعي؛ لذا تجده يخاطب الدجال بلهجة الواثق كما في صحيح البخاري: ( ... فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه ... ) [١٩] . فهو نَسَبَ عِلْمَهُ بالدجال لعلمه بحديث الرسول ﷺ ، وهذا من أعظم العلم الشرعي. ١٠ - ويتبع القاعدة الماضية سؤال أهل العلم عما أشكل وخصوصاً وقت الفتن: ومن ذلك ما تكرر من أسئلة الصحابة رضوان الله عليهم عن هذه الفتنة. فقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم [٢٠] : ( ... قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض ... ) الحديث. ومن هذا الحديث أيضاً نرى حرص الصحابة على الصلاة وإقامتها في وقتها. ١١ - الكثرة ليست دائماً دليلاً على الحق، والدجال باعتباره فتنةً عظيمة سيتبعه أناس كثيرون؛ فهل نقول إنه على الحق؟ لا، بالطبع؛ فعلى المسلم أن يلزم الحق ولو كان وحده وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة) [٢١] . قال ابن حجر في الفتح: وأخرج أبو نعيم في ترجمة حسان بن عطية أحد ثقات التابعين في الحلية بسند حسن صحيح إليه قال: (لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل وسبعة آلاف امرأة) . [٢٢] وهذا لا يقال من قِبَلِ الرأي؛ فيحتمل أن يكون مرفوعاً أرسله، ويحتمل أن يكون من بعض أهل الكتاب. فوائد وقواعد في الدعوة: ١ - التأكيد على أمور العقيدة من أهم المهمات: وهذا يتضح من أحاديث الدجال في التركيز على عدة مهمات عقدية منها: أ - غرس توحيد الأسماء والصفات: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور) [٢٣] [٢٤] . ب - إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة وعدم رؤيته في الدنيا: روى الإمام أحمد بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال للناس وهو يحذرهم فتنة الدجال: (تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت) [٢٥] . ج - حسن الظن بالله ﷻ : روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أنه قال: ما سأل أحد النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته وإنه قال لي: (ما يضرك منه؟) قلت: لأنهم يقولون: إن معه جبلَ خبزٍ ونهر ماء. قال: (بل هو أهون على الله من ذلك) [٢٦] [٢٧] . قال النووي ﵀: قال القاضي عياض ﵀: المعنى: وهو أهون على الله من أن يجعل ما خلقه الله تعالى على يده مضلاً للمؤمنين ومشككاً لقلوبهم؛ بل إنه جعله له ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويثبت الحجة على الكافرين والمنافقين ونحوهم، وليس معناه أنه ليس معه شيء من ذلك [٢٨] . د - عظم التوكل على الله والالتجاء إليه: قال ﷺ : (إن من بعدكم الكذاب المضل، وإن رأسه من بعده حُبُكٌ حُبُكٌ حُبُكٌ [٢٩] ثلاث مرات، وإنه سيقول: أنا ربكم، فمن قال: لستَ ربنا؛ لكن ربنا الله عليه توكلنا وإليه أنبنا نعوذ بالله من شرك لم يكن له عليه سلطان) [٣٠] . ٢ - أن يعطي كل أمر حقه من العناية: فينبغي أن يُحذَّر من الأمر الخطير بطريقة تختلف عن الأمر الأخف خطورة، وينبغي الأمر بالواجبات والفرائض بطريقة تختلف عن الحث على المسنونات والمستحبات، وللأسف فإن بعض الناس هداهم الله يجعل المكروه محرماً أثناء النهي، أو يجعل الصغيرة كبيرة، بل يتعدى بعضهم ذلك وذاك إلى أن يجعل أحد خوارم المروءة من المحرمات. وانظر إلى النبي ﷺ كيف يحذر من الدجال بطرق وأساليب مختلفة متنوعة، ولماذا؟ لأن الدجال فتنة عظيمة! أي عظيمة! فهو يدَّعِي الربوبية، بل يظهر له من الفتن الشيء العظيم، ومن ذلك ما أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم! فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه يقولان له: يا بني اتبعه؛ فإنه ربك. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت، ويمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر والأرض أن تنبت، فتمطر حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظم، وأمده خواصر، وأدره ضروعاً) [٣١] . ٣ - لا بد من التوضيح والبيان وقت الحاجة: لذا وصف النبي ﷺ الدجال وصفاً دقيقاً في أكثر من حديث بينت صفته وأفعاله وكذبه، وما يحتاجه المسلم لمواجهته، ومن أشملها ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: (أنذرتكم فتنة الدجال؛ فليس نبي إلا أنذر قومه أو أمته، وإنه آدَمُ، جعدٌ، أعور عينه اليسرى، وإنه يمطر ولا ينبت الشجرة، وإنه يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها ولا يُسلط على غيرها وإنه معه جنة ونار ونهر وماء وجبل خبز، وإن جنته نار وناره جنة، وإنه يلبث فيكم أربعين صباحاً يرد فيها كل منهل إلا أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى، وإن شكل عليكم أو شُبِّه، فإن الله عز وجل ليس بأعور) [٣٢] . ٤ - الصبر والثبات على الحق؛ لا سيما مع ظهور الفتنة: وانظر إلى ذاك الرجل المؤمن الثابت الذي ما زاده فرقُه له فرقتين إلا بصيرة به وتكذيباً. ففي صحيح مسلم: (فيقول: أنت المسيح الكذاب، قال: فيؤمر به فيؤشر بالمئشار [٣٣] من مفرقه حتى يفرق بين رجليه قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم فيستوي قائماً. قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة) [٣٤] . قال النووي ﵀ نقلاً عن القاضي عياض: (فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره) [٣٥] . [يثبت الله الذين آمنوا ... ] [إبراهيم: ٢٧] . ٥ - الاهتمام بالنساء في الدعوة، والتأكيد على تعليمهن العلم الشرعي: والمرأة إذا لم تُرشد للخير فقد تنساق مع الشر، ومع قلة الدين في زمن ظهور الدجال تجد أن أكثر أتباعه النساء اللاتي يغتررن بالمظاهر والفتن والشبهات. أخرج الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيكون أكثر من يخرج إليه النساء حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه) [٣٦] . ٦ - الارتباط بالقرآن الكريم قراءة وحفظاً وحث الناس على ذلك: عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال) ، وفي رواية: (من قرأ) الحديث [٣٧] .

стр. 3449

دراسات في الشريعة والعقيدة علم الجرح والتعديل وعلاقته بالرواية عبد اللطيف منديل لما كان الحديث النبوي الشريف المورد الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن، والمنهل البياني له في تفصيل الأحكام المجملة التي وردت فيه، وتقييد المطلق وتخصيص العام، وتأسيس الأحكام التي لم ينص عليها الكتاب، عُني المسلمون بحفظه وفهمه في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، واستمر هذا الاهتمام عبر الأجيال المتتالية. نشأة علم الجرح والتعديل: كثيراً ما تتسرب بعض العلوم من أمة كان لها قصب السبق في الوجود إلى أمة أخرى تبعت أثرها على هذه الأرض. لكن الوضع يختلف بالنسبة لعلم الجرح والتعديل؛ فهو علم نشأ في ظل الإسلام، وتفردت به أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا أثر له في أي أمة من الأمم السالفة؛ لأن هذه الأمة سهرت على حفظ ما جاء به نبيها ﷺ ، فتعلم فيه جيلٌ من الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم. إلا أن إعطاء الصدارة لأبي بكر من الجيل الأول في البحث عن الرجال في قصة ميراث الجدة كما سطر في كتب الجرح والتعديل فيه تأمل [١] . نعم قد يصح في غير هذه القصة؛ فقد ذكر الحاكم أن أبا بكر وعمر وعلياً وزيد بن ثابت، جرّحوا وعدَّلوا وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها [٢] ؛ فقد طلب عمر بن الخطاب ﵁ من أبي موسى الأشعري أن يأتيه بشاهد عندما حدثه بحديث عن رسول الله ﷺ : (إذا استأذن أحدكم ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع) فانطلق أبو موسى ﵁ إلى مجلس فيه الأنصار فذكر ذلك لهم، فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: إذا استأذن أحدكم ثلاث مرات ... ؟ قالوا: بلى. لا يقوم معك إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد الخدري إلى عمر. فقال: هذا أبو سعيد. فخلى عنه [٣] . وكذلك كان علي بن أبي طالب ﵁ يستحلف من حدثه بحديث عن النبي ﷺ وإن كان ثقة مأموماً [٤] . ولم يكن الجيل الأول يتهمون بعضهم، ولكن كانوا يخشون جرأة الناس على الحديث عن النبي ﷺ دون تثبت وتدقيق، فشددوا في قبولهم الروايات. ثم اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم في هذا جماعة من الجيل الثاني كالحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وغيرهم. لكن رغم هذا لم تَنْمُ مادة واسعة في علم الرجال يتداولها العلماء والنقاد حتى منتصف القرن الثاني الهجري؛ حيث شاع الوضع في الحديث، وكثر الضعفاء، فانبرى لهم عدد من الأئمة النقاد والمحدثين الكبار مثل شعبة بن الحجاج، ومعمر بن راشد، وهشام الدستوائي، وسفيان الثوري، وغيرهم كثير من أصحاب منتصف القرن الثاني إلى أصحاب القرن الثالث؛ حيث بدأ نوع من التخصص في علم الرجال يبرز بصورة خاصة عند يحيى بن معين، وعلي بن المديني؛ فنما التصنيف في علم الجرح والتعديل خلال القرن الثالث والرابع. إلا أن الجرح في عصر التابعين لا يكاد يتجاوز سوء الحفظ [٥] ، وإنما ظهر الجرح والتعديل من حيث إنه علم قائم بذاته له أهله ورجاله وقواعده بعد عصر التابعين. ولعل أول من كتب في قواعد هذا العلم أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار المتوفى ٢٩٢ هـ في جزء له في معرفة من يُترَك حديثه أو يُقبَل. وهكذا نشأ هذا العلم، وهو أحد فروع علم الحديث [٦] . حكم هذا العلم في الشريعة الإسلامية: لقد جاءت عبارة ابن دقيق العيد ملجمة لأفواه المحدثين، والنقاد: (أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون، والحكام) [٧] . لكن رغم هذا لم تمنعهم من الوقوف في وجوه الكذابين والوضَّاعين ذبّاً منهم عن سنة المصطفى ﵊ وقيل ليحيى بن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركتَ حديثهم خصماءك عند الله تعالى؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلَيَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول: لِمَ حدثتَ عني حديثاً ترى أنه كذب؟ !) [٨] . وقد أجمع العلماء على أن الجرح والتعديل جائزان في الشريعة الإسلامية، بل هما واجبان صوناً للشريعة الإسلامية من الكذب. وقد أكد هذا الإجماع الإمام النووي في كتابه: (رياض الصالحين) عند إخراجه هذا العلم من دائرة الغيبة قال: (اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها. وهو ستة أسباب ... فذكر منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة) [٩] . والحاجة هنا لا تخفى على من له غيرة على السنة المطهرة، وإجماع العلماء هنا يرتكن إلى دلائل من الكتاب والسنة: فمن الكتاب قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ] [الحجرات: ٦] . وقوله تعالى: [وأشهدوا ذوي عدل منكم] [الطلاق: ٢] . ومن السنة قوله ﵊: (ائذنوا له. بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة) [١٠] . وقوله: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) [١١] . هل يقبل الجرح والتعديل مجملين من غير بيان أسبابهما؟ تباينت آراء العلماء في الجرح والتعديل: هل يقبلان مبهمين من غير بيان أسبابهما، أم لا بد من ذكر سبب كل واحد منهما، أم ذكر التعديل دون الجرح أو العكس؟ لكن الذي درج عليه جمهور العلماء ونقاد الحديث وحكاه ابن الصلاح في كتابه: (مقدمة في علوم الحديث) عن الخطيب البغدادي أنه يقبل التعديل من غير ذكر أسبابه؛ لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها. وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسراً مبين السبب؛ لأنه قد يجرح أحدهم بما لا يعتبر جرحاً، ولذلك احتج البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم من الأئمة بأناس جُرِّحوا بدون بيان السبب؛ فقد احتج البخاري بحديث عكرمة مولى ابن عباس، وعاصم بن علي وغيرهما، واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم، وهكذا فعل داود السجستاني، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فُسِّرَ سببه [١٢] . ما العمل عند تعارض الجرح والتعديل؟ إذا توجه إلى فرد واحد جرح وتعديل، فالجرح مقدَّم على التعديل؛ لأن المعدِّل يخبر عما انكشف من حال الراوي، والجارح يخبر عن باطن خفِيّ عن المعدِّل، فكان المخبر عن شيء خفي معه زيادة علم يجب الأخذ بها، وهذا بعد بيان سبب الجرح وإن كثر المعدلون. وهو مذهب جمهور العلماء وبه العمل عندهم [١٣] . وختاماً: أقول: إن هذا العلم علم الجرح والتعديل لا تزال الأمة الإسلامية في أمسِّ الحاجة إليه، لا سيما في عصرنا هذا؛ حيث اتجه المستشرقون ومن لفّ لفهم وشرب من منهلهم من بني جلدتنا إلى شن الغارة على السنة النبوية ورواتها، وإثارة الشكوك حولها بأسلوب ناعم مسموم يتظاهر رواده بالتجرد والبحث العلمي الموضوعي. ولهذا صار محتّماً على كل مسلم يعثر على خبايا هؤلاء الضفادع وأتباعهم في السنة النبوية ورواتها أن يرجع إلى كتب علماء الجرح والتعديل ليقف على حقيقة رواة السنة الموثقين والمجروحين؛ لأن هذه الماهية أو الحقيقة حقيقة رواة السنة يستحيل أن نجدها عند المستشرقين المكذبين لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما نجدها عند أتباعه وخدّام سنته، عند علماء الحديث. ولقد أحسن القائل إذ قال: أهل الحديث هم أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا [١٤] وتخلي المسلمين عن هذا المنهج الحديثي النقدي سبب مباشر يقف إلى جانب كيد المستشرقين في ازدياد هوة هذا الانحراف الذي تغلغل فيه المسلمون في هذا الوقت.

стр. 3450

قضايا دعوية حاجة الدعوة إلى البذل والتضحية عبد الحكيم بن محمد بلال لا تُنال المعالي بالأماني، ولا تقوم الدعوات إلا على ألوان البذل والتضحية بشتى صنوفها. وإذا عُرف أن ابتلاء الدعاة سنة ماضية تبين أن الدعوة الحقة لا تقوم بلا تضحية. والمراد بالتضحية: التبرع بالشيء دون مقابل [١] ، كالتضحية بالنفس أو المال أو العمل أو الوقت أو الجاه أو العلم أو المنصب ... أو غير ذلك، حتى يظن الإنسان أن لا حق له فيما زاد على حاجته الضرورية، فيبذل جهده في تقويم ذلك دون مقابل مادي يناله مكافأة على تبرعه، وإنما يرجو بذلك كله وجه الله تعالى، ونصرة دينه [٢] . وهذا المعنى نفسه هو المقصود من الجود والبذل، وإن كان غلب إطلاق الجود على إنفاق المال الكثير، بسهولة من النفس، في الأمور الجليلة القدر الكثيرة النفع كما ينبغي، وهو لا شك من أعظم أبوابه، والمال عماد لكثير من أعمال الخير المتعدية التي لا تقوم إلا به. إلا أن المراد بالكلمة أوسع من ذلك؛ فإن هذا المعنى جزء من معناها الواسع الذي يشمل المراتب الآتية أيضاً: ١ - الجود بالنفس، وهو أعلى مراتب الجود. ٢ - الجود بالرياسة، وامتهانها في سبيل نفع الخلق ودعوتهم. ٣ - الجود بالوقت والراحة والنوم واللذة، فيتعب ويسهر ويجهد نفسه. ٤ - الجود بالعلم وبذله، وهو أفضل من الجود بالمال، ومنه تعليم الناس، وإجابة السائلين بما يشفيهم، وهي زكاة العلم. ٥ - الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه، وهذا زكاة الجاه. ٦ - الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، كخدمة بدنية، وكلمة طيبة، وفكرة نافعة. ٧ - الجود بالعِرض، والتصدق على من شتم أو قذف أو اغتاب. ٨ - الجود بالصبر والاحتمال وكظم الغيظ. وهذا أنفع من الجود بالمال. ٩ - الجود بالخلق الحسن، والبشاشة والبسطة. وهو أعظم مما قبله. ١٠ - الجود بترك ما في أيدي الناس، وترك الالتفات إليه والتعرض له بالحال أو اللسان [٣] . وهكذا يتاح للفقير أن يضحي بجوانب أخرى تكون الدعوة - في بعض الأحايين - أشد احتياجاً إليها من المال، وهذا مما لا يتاح للغني ذي الوفرة من المال الذي تشغله تنمية ماله؛ فإذا تصدق بشيء منه اكتفى به عن الجود بغيره. ثم للفقير أن ينال مثل أجره بحسن نيته، وصدقه فيها مع الله تعالى كما أخبر النبي ﷺ عن الغني الجواد والفقير المتمني للغنى ليعمل مثل عمله فقال: (فهما في الأجر سواء) [٤] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والنية أمر يعلمه الله من القلوب، ولكن من أدلتها الظاهرة الحرص على إنفاق القليل حال الضراء. وكما يقع الجود من الأفراد فإنه أيضاً يحصل من المجتمعات والدعوات والجماعات. منزلة الجود والتضحية: الجود والتضحية شعبة من شعب الإيمان، وخير وسيلة لشكر نعم الله التي لا تحصى؛ لأنها استعمال للنعم في محبة الله ، كما أن استعمالها في غير الطاعة أو الشح والبخل بها كفران لها. والأدلة في مدح هذه الخصلة متكاثرة، لكن أبرزها في الدلالة على المقصود تلك الآيات التي تصف المؤمنين بالإنفاق في حالات تعكس قوة يقينهم، واستقرار هذه الصفة في نفوسهم. وإنفاق المال صورة من أبرز صور الجود، لكنها جزء قليل منه. ومن تلك الأدلة: قوله - تعالى-: [يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه] [الإنسان: ٨] أي: وهم في حال يحبون فيها المال والطعام؛ ولكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ومثله قوله: [وآتى المال على حبه] [البقرة: ١٧٧] . - قوله في وصف المتقين المسارعين إلى الخيرات: [الذين ينفقون في السراء والضراء] [آل عمران: ١٣٤] أي: في عسرهم ويسرهم، إن أيسروا أكثروا من النفقة، وإن أعسروا لم يحتقروا من المعروف شيئاً. ومن اعتاد الإنفاق في الشدة هان عليه في حال الرخاء والسعة. فالإنفاق حال العسر تدريب للنفس على البذل وحب الآخرين، وتحرير لها من سلطان الشح. والمشاهد أن من يشح بالقليل حال فقره يشح بالكثير حال غناه [٥] . - قوله ﵎: [ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة] [الحشر: ٩] وهذا المقام أعلى من الذي قبله [ويطعمون الطعام على] [الإنسان: ٨] ، فإن المحب للمال قد لا يكون محتاجاً ولا مضطراً إليه بخلاف هؤلاء، كفعل الصدّيق ﵁ لما تصدق بكل ماله. والإيثار: أكمل أنواع الجود، ولا يكون إلا من خلق زكي ومحبة لله تعالى مقدمة على شهوات النفس ولذاتها. وفي مقابل الحث على البذل فقد عظم الله قبح الشح وشناعته في قوله: [ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] [الحشر: ٩] ، وهذا يشمل وقايتها من الشح في جميع ما أمر به العبد، فيفعله منشرح الصدر، ويترك النهي ولو دعته نفسه إلى فعله فلا يكون بين هذه النفس وبين الامتثال إلا العلم بالأمر، ووصول المعرفة إليه، والبصيرة بأنه مُرْضٍ لله تعالى، فيحصل الفوز والفلاح [٦] . وهذا يوضح أن الشح بشيء مما أوتيه الإنسان وكان في وسعه وطاقته مذموم جداً وسبيل الفلاح ترك الشح، وهو أمر يعني: سماحة النفس وطيبها في فعل أوامر الله تعالى، ونفع الخلق بكل وسيلة متاحة. تضحيات النبي ﷺ وأصحابه: كان النبي ﷺ أكثر الناس جوداً كما وصفه بذلك صحابته. قال ابن عباس ﵄: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسولُ الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) [٧] . فهو ﷺ في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وجوده دائم كالريح المطلقة التي لا تهب إلا بالخير والرحمة دائماً، ونفع جوده يعم الغني والفقير كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه من الأرض الطيبة أو غير الطيبة. فقد كان ﷺ مباركاً أينما كان، وهو أسوة الدعاة والمصلحين. وقد كان جوده متنوعاً شاملاً لكل أنواع الجود. ويعجز المرء على وصف بذله وتضحياته لأجل الله وهو أمر لا يخفى يدركه جيداً من تأمل سيرته، وسير سنته، وأكثر النظر فيها، ولأجل التمثيل فقط أسوق هذه النصوص: عن أنس ﵁ قال: ما سئل رسول الله ﷺ عن الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال: (فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) [٨] وصُوَرُ جوده بالمال يضيق عنها المقام، ويكفي أنه أعطى أناساً ألحوا عليه مع أحقية غيرهم خشية أن يسألوه بالفحش، أو يصفوه بالبخل [٩] ، فما أحرى هذا بالتأمل الطويل! وعنه قال: (إن كانت الأَمَةُ من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت) [١٠] فكان ﷺ باذلاً لجاهه ووقته وراحته وماله ... في مرضاة الله تعالى ونفع الخلق. كان يمكنه ﷺ أن يحصل غاية ما يريده من الجاه، ونيل الرئاسة والشرف، والتمتع بزهرة الدنيا من النساء وسائر الملذات، وتحصيل الراحة والرفاهية ورغد العيش، ولكنه ترك كل ذلك لله وضحى بكل ما آتاه الله فبذل نفسه وماله، ووقته وجهده، وجاهه وراحته، وأرخص كل ذلك في سبيل الله. وقد بدأت معه رحلة المعاناة منذ صعد الصفاة، وأنذر عشيرته الأقربين، فوصفوه بالسحر والجنون بعد أن كان الصادق الأمين، وأوذي وأصحابه أشد الأذى، وابتلوا أعظم البلاء، فصار يعرض نفسه على القبائل في الحج يطلب حمايته ليبلِّغ دين الله، وقصد الطائف لعله يجد بغيته، فرجع مُدمى القدمين طريداً، وحوصر وأصحابه وأنصاره في الشعب ثلاث سنين حتى أكلوا أوراق الشجر من الجوع. ويعاني الصحابة من صنوف البلاء وألوان الشدائد ما لا يخفى، ويواجه بعضهم الموت كآل ياسر وخباب وبلال. ويخرج بعض أصحابه إلى الحبشة طلباً للنصرة، ويصبرون على مفارقة الأهل والأولاد والأوطان، ويتسامعون بإسلام بعض الصناديد المشركين، فيعود بعضهم إلى مكة ليجدوا أشد مما كانوا يعانون، ثم يعودون ثانية إلى الحبشة، ومعهم آخرون في رحلة عناء أخرى. ثم يأذن الله بالهجرة إلى المدينة، ويهاجر صلى الله عليه وسلم وسائر أصحابه، ثم يكابدون الغربة، وكثرة الأعداء، وأذى المنافقين واليهود، وقتال الأهل والعشيرة. وقد كان لكثير من أصحابه ﷺ ﵃ صفحات طويلة من البذل والتضحيات، فيهجر مصعب ﵁ النعيم والدعة ويهاجر داعية إلى الإسلام في المدينة، ويعرِّض علي ﵁ نفسه للهلاك بنومه في فراش النبي ﷺ عشية الهجرة، ويرمي البراء نفسه بين الأعداء في حديقة الموت فيفتح الله للمسلمين بسببه، ويُعرِض أبو الدرداء عن التجارة تفرغاً لمجالسة النبي ﷺ ، ويتقبل خالد بن الوليد التنازل عن منصبه طاعة لأمير المؤمنين، ويتنازل أبو عبيدة عن إمرة الجيش لعمرو بن العاص جمعاً لكلمة المسلمين، ويرفض الحسن بن علي الخلافة درءاً للفتنة وجمعاً للكلمة، ويقبِّل عامر بن عبد الله رأس زعيم الروم المشرك ليعتق له أسرى المسلمين ... [١١] . ولم يخلُ تاريخ النساء العظيم من روائع بالجود والتضحية؛ فقد ضحت أم سلمة بشمل الأسرة، وتحملت فراق الزوج والولد في سبيل الهجرة، ولا يخفى جهد أسماء وعناؤها أثناء الهجرة، ولا تضحيتها بابنها عبد الله بن الزبير في سبيل نصرة الحق. لا تقوم الدعوات إلا بالتضحيات: باستقراء الحقائق، ومعرفة الواقع يتبين للبصير ما يلي: ١- كل دعوة لا تنتشر إلا بجهود أتباعها، ودين الإسلام لم ينتشر براحة الأبدان وسلامة النفوس. ٢- تتسع الثغرات على الدعوة الإسلامية يوماً بعد يوم، وتكثر المجالات الشاغرة التي تفتقر إلى من يقوم بها ٣ - يتزامن مع هذا قلة الموارد، وجفاف المنابع، وضيق ذات الدعاة مما يُخشى أن يشكل خطراً على بعض الدعاة وكثيراً من البرامج. ٤ - هذا الواقع الصعب يواجه أفراداً ممن عرفوا واجبهم ورأوا خطورة الأمر في حين أنه يحتاج إلى اجتماع الجهود واستعداد كل داعية غيور بالجود والتضحية. ٥ - وفي المقابل تزداد جهود أهل الباطل قوة، وتزداد مخططاتهم دقة، وتتعدد أنشطتهم لتشمل شتى الجوانب. ونجد هنا شكوى عمر ﵁ المُرَّةَ ماثلةً: (اللهم إني أشكو إليك جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة) ، ولا يرفع هذا الواقع إلا الصدق مع الله، ودليل الصدق الاستعداد مع البذل والتضحية في كل جانب تحتاج إليه الدعوة في وقت كهذا، وهو الوقت الذي يعظم فيه الأجر ويزداد فيه الفضل، وشتان بين من يضحي وهو يرى ثمرة الجهد وتلوح له أمارات النصر، وبين من يضحي وقد غابت عن ناظريه أمارات النصر ودلائل التمكين، قال الله : [لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَذِينَ أَنفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقَاتَلُوا وكُلاًّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] . [الحديد: ١٠] . موانع الجود والتضحية: إن للتخاذل أسباباً أساسها ضعف الإيمان، وبرود اليقين، ومردها إهمال التربية أو ضعفها، وإن كان كثير منها يعود إلى الشح بالمال، لكنها تحتمل وجوهاً أخرى إضافة إلى أسباب أخرى عامة، منها: ١ - طول الأمل. ٢ - التفات القلب إلى الولد. وهو يقوم مقام طول الأمل عند كثير من الناس؛ لأنه يحمل على الجبن والبخل والحزن، لأن (الولد مجبنة، مبخلة) [١٢] . ٣ - فتنة الأزواج. ٤ - الركون إلى الدنيا، وكونها الهمَّ والشغل الشاغل، وإيثار الدعة والراحة. ٥ - حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال. ٦ - حب عين المال، والسعي للغنى والهروب من الفقر بلا نية صالحة. ٧ - تزعزع القناعة، والثقة، وسلامة الطريق الذي يسير عليه. ٨ - انعدام الجدية، ودنو الهمة، والعجز والكسل. ٩ - الانشغال بالتضحية من أجل أهداف ومصالح شخصية. ١٠ - الوصول إلى بعض الأهداف الدنيوية لنيل شهرة، أو تحصيل جاه أو شرف، أو منصب، يكون نهاية الجهد والعمل [١٣] . ١١ - ضعف معرفة الواقع، وضخامة حاجة الدعوة، وجهود الأعداء، أو الجهل بذلك. ١٢ - الشعور بالأثرة، وحب النفس. وبعض هذه الأسباب كافٍ في تحطيم الداعية، وتسبيط همته على البذل والتضحية. بواعث الجود والتضحية: يحصل بعث النفس على التضحية بأمور هي في حقيقتها علاج للعلل المانعة منها؛ وذلك بالأمور الآتية: ١- دفع كل علة من العلل السابقة بما يضاد سببها؛ فعلاج حب الشهوات: القناعة والصبر، وعلاج طول الأمل: كثرة ذكر الموت، وعلاج التفات القلب إلى الولد: اليقين بتكفل الله برزقه ورعايته، وعلاج حب المال: تعميق محبة الله في القلب، ومحاولة بذل القليل إضعافاً لمحبة المال. ٢ - معرفة حقيقة الابتلاء بالنعم، وأن لله تعالى في كل نعمة شكراً يليق بها؛ فالصحة لها شكر يناسبها، وكذا الوقت والجاه والقوة والذكاء والمال، وأن كلاً منها منحة وعطية ورعاية من الله لينظر الله أعمالنا، ويظهر الشاكر من الكفور. قال الله : [وهُوَ الَذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ] [الأنعام: ١٦٥] . ٣ - تذكُّر بعض الحقائق المتصلة بالإنفاق، ومنها: أ - أن ما قدمه الإنسان فلنفسه، فهو المستفيد منه حقاً. ب - أن مال الإنسان حقيقة هو ما أنفقه في حياته، أما ما تركه فهو مال الورثة، كما في الحديث [١٤] . ج - أن إخراج ما زاد على حاجة الإنسان هو الخير له، (يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شر لك ... ) [١٥] . د - أنه يمكن للإنسان أن يكفيه القليل من المال، فما حاجته إلى الباقي؟ هـ - أنه لا حق للعبد في مال زاد عن حاجته في وقت اشتداد الحاجة، كما في الحديث أن النبي ﷺ قال: (من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له) . قال أبو سعيد الخدري: (فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل) [١٦] . ٤ - معرفة منزلة الإنفاق وفضله وفوائده، ومنها: أ - أن الله يُخْلِفُ له ما أنفق، قال تعالى: [وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] [سبأ: ٣٩] مع أنه في الحقيقة هو الباقي عند الله تعالى في الآخرة. ب - أنه يبارك فيما بقي، ومن أصدق الأدلة المحسوسة: أن الله بارك في أوقات العلماء الصادقين فعملوا ما يصعب تصوره في الحسابات المادية، وبارك في أقوالهم وأفعالهم وكتبهم؛ فبلغت مبلغاً من النفع والأثر ما لم يخطر لهم على بال مما يكاد ألاَّ يتصوره غيرهم، وقد كانوا عظيمي التضحية بأوقاتهم وعلومهم. قال : [الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ واللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وفَضْلاً واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ] [البقرة: ٢٦٨] . ٥- معرفة واقع المسلمين وحاجاتهم، وخطط الأعداء وجهودهم، والتقصير الحاصل في فروض الكفايات، مما يزيد الواجب وجوباً على أهل الكفاية والغنى والمواهب والقدرات. ٦ - التعود على تقديم القليل حال الفقر والحاجة، وبشكل أخص في أوقات الشدائد والأزمات، التي تكثر فيها حاجات الدعوة، وتستدعي مزيداً من التضحيات. دلائل الجود والتضحية وثمراتهما: ١ - كمال الإيمان: وذلك لأن التضحية شعبة من شعبه، يزيد بها الإيمان، وينقص بتركها، وقد قال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) [١٧] . ٢ - حصول شرف التأسي بالنبي ﷺ ، وهي أمارة أيضاً على قوة الإيمان لقوله : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً] [الأحزاب: ٢١] . ٣ - عدم الركون إلى الدنيا، والتعلق بالآخرة، وهو طريق سعادة العبد. ٤ - تحصيل قناعة القلب وغنى النفس، وهو الغنى الحقيقي؛ لارتباط صاحبه بربه . ٥ - ضمان الخلف لما أنفق، وحصول البركة لما بقي. وقد جاء في الحديث: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) [١٨] . وهو مفهوم القاعدة المشهورة: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وأمثلتها في القرآن كثيرة: هجر إبراهيم ﵇ قومه واعتزالهم فعوضه الله الذرية الصالحة، وضحَّى يوسف ﵇ بالشهوة فعوضه الله بالملك يتمتع بالمباحات، وضحَّى أهل الكهف بالراحة فعُوِّضوا بالراحة الأعظم، وكانوا سبباً لهداية الضالين، والمهاجرون تركوا أوطانهم وأهلهم فعوضهم الله بالرزق والعز والتمكين، وجمع شملهم بعد فرقة ... وهكذا فكل من ترك ما تهواه نفسه وضحى به لله تعالى، وجاد به في سبيله لرفعه كلمته عوضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق لذَّات الدنيا كلها [١٩] . ٦ - ما يترتب على التضحية والجهود المبذولة من ثمرات ومنافع وهداية لا تخطر ببال صاحبها، ولا يعلم مداها إلا الله تعالى، مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) [٢٠] . وختاماً: فما دامت الدعوات لا تقوم إلا على التضحيات فقد أدرك كل واحد من الدعاة ما يجب عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 3451

دراسات تربوية أيش ضرَّ أبا الحسنِ انصرافي ؟ أكرم عصبان الحضرمي إنَّ هذه النصيحة الغالية، والحكمة البالغة التي أطلقها الإمام الصَيْمَري [١] عليه رحمة الله تأسفاً على فوات كثير من العلم والاستفادة من عَلَمٍ من أعلام الحديث، لتمثل لنا سِراجاً نستنير به في ظلمات الهجر غير المنضبط الذي خيَّم في سماء صحوتنا، والذي يمثل عقبة في طريق العلم والاستفادة. إنَّ مَنْ تفقه في هذه العبارة، وتأملها كل التأمل، انتفع بها غاية الانتفاع؛ لأنها تعالج لنا واقعاً من الانحراف في حياتنا التعليمية ومنهجاً معوجاً في التعامل مع اجتهاد العلماء، وأخطائهم، وتتضح لنا خطورة هذا المسلك حين تأتي الثمار السيئة من تفويت الخير الكثير في ترك جهود العلماء المشهود لهم بالعلم الراسخ والقدَمَ الثابت. من أجل هذا وغيره أضحت هذه المشكلة جديرة بالوقوف أمامها وصرف النظر إليها، إنها مشكلة الازورار عن العلم (دروساً وكتباً وأشرطة ... ) بسبب بعض الاجتهادات والأخطاء، فما هو خبر الصَيْمَري؟ لنستمع إليه يحدثنا عن خبره. قال الخطيب: قال لي الصَيْمَري: (سمعتُ من الدارقطني [٢] أجزاءاً من سننه، وانقطعتُ لكونه ليَّن أبا يوسف، وليتني لم أفعل، إيش ضرَّ أبا الحسن انصرافي؟) [٣] . تشخيص الظاهرة: إنه يشخِّص الظاهرةَ (الانقطاع عن دروس الدارقطني) ولقد انتشرت هذه الظاهرة في عصرنا وفشت، فكم من مجالسَ للعلماء تُهجَرُ، وكم من كتب تحرق، وكم من أشرطة ترمى! بل وصل الأمر ذروته وبلغ السيل الزبى حين يُهْجَرُ مَنْ لَمْ يَهْجُرْ تلك الأمور، وهذه لعمري قاصمةُ الظهر، فلم يقطعوا دروسَ الدارقطني فحسبْ، بل قطعوا من لم ينقطع من دروسه، وهذه من فرائِد عصرِنا وهذا مخالف لميزان الإنصاف: [قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون] [يوسف: ٧٩] . أسباب الظاهرة: إن سبب الانقطاع (لكونه ليَّن أبا يوسف) [٤] صاحب أبي حنيفة وأحد أئمة الأحناف وأركان المذهب، فالصَيْمَري لم يتحملْ كلام الدارقطني فيه فترك مجلسه؛ وهذا نَعدُّه تعصباً منه ﵀ وانتصاراً لإمامه. داء التعصب: فالتعصب إذن مَزَلةُ أقدام، ومَظنّة أفهام، وآفة من آفات العلم، (وهو انتحالُ مجموعةٍ من الناسِ مذهباً أو انتخابُ آراء بحيثُ لا يبغون عنها حولاً ولا يريدون بها بدلاً) . إن الدارقطني أدَّاه اجتهادُه وهو إمامُ الحديث ورجاله إلى تليين أبي يوسف؛ فعلامَ يُترك الأخذ عن مجتهدٍ قد يكون رأيه هو الحق، ومذهبُه هو الصواب؟ ولكنه التعصب الذي يَحْرِم صاحبَه التعلم! قال حُسَيْنَكُ بنُ علي: أول ما سألني ابنُ خزيمة فقال: كتبت عن محمد بن جعفر الطبري؟ قلت: لا. قال: ولِمَ؟ قلت: لأنه كان لا يَظْهرُ وكانت الحنابلة تمنع من الدخول عليه [٥] . قال: (بئسَ ما فعلت. ليتَكَ لم تكتبْ عن كلِّ ما كتبتَ عنهم، وسمعتَ من أبي جعفر) [٦] . فالواجب على طالب العلم ألا يتحيَّزَ لمذهبٍ معينٍ، ولا لآراء خاصة، وإنَّما ينتخب من الأقوال ما وافق الحق، ويجتنبُ ما خالفه. التسرع في الحكم وعدم التثبت: وتزداد الزاوية انفراجاً عند ترك التثبت، والتسرع في الحكم؛ فإن اجتهاد الدارقطني يُنظرُ إليه، فقد سبقه إلى ذلك نفرٌ من علماءِ الجرح والتعديل منهم شيخ المحدثين البخاري فقبلَ هجره يُتبَيَّنُ قوله، كما قال الحسنُ البصري ﵀: (المؤمنُ وقَّاف حتى يتبين) [٧] . فإن أصاب فنعمَّا هو، وإن أخطأ فالكمال عزيز، وإنما يمدحُ العالمُ بكثرة ما له من الفضائل؛ فلا تدفنُ المحاسنُ لورطة ربما رجع عنها وقد يَغْفِرُ الله له باستفراغه الوُسعَ في طلب الحق فيه، ولمن ثبت عنده ذلك الخطأ أن يجادل بالتي هي أحسن، ويرشده إلى الحق مع حفظ الأخوة، وبقاء الاستفادة؛ فكم من علمٍ فاتَ بسبب التسرع وعدم التثبت. قال قيسُ بن الربيع: (قدم علينا قتادة الكوفة فأردنا أن نأتيه فقيل: إنه يُبغِض علياً، ثم قيل: إنه أبعدُ الناس من هذا؛ فأخذْنا عن رجل عنه) [٨] . كم فاتهم من الخير، وأي خسارة خسروا حين نزل سندهم فأخذوا العلم نازلاً بعد إمكان أخذه عالياً، وانظر إلى السند والإحالة تجدها عن مجهول (قيل: إنه يبغض علياً) . وقيل: (إنه أبعد من هذا) ، فأين تعاليم القرآن؟ [يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين] [الحجرات: ٦] . التعصب وسوء الظن: وتزداد زاوية الانفراج للتعصب أكثر حين يُولِّدُ ظنوناً سيئةً ألا (وإن الظن أكذب الحديث) [٩] ويؤدي إلى تتبع العثرات، وترصُّد الزلات، ويبدأ الخلاف في فرعية صغيرة فيرقى إلى الاتهام في أصول الإسلام وقواعد الديانة. قال الذهبي: (قرأت بخط الموفَّقِ قال: سمعنا درسه أي ابن عُصْرُون مع أخي أبي عمر وانقطعنا. فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعدُ، فقال: لِمَ انقطعتم عني؟ قلت: إن ناساً يقولون: إنك أشعري. فقال: (والله ما أنا بأشعري) [١٠] هذا معنى الحكاية. وهذه الصورة من التعصب تظهر في عصرنا في أكمل مبانيها، وفي أوضح معانيها؛ فمن تكلم بنصوصٍ في الحاكمية من وجوب الحكم بما أنزل الله، والتحذير من القوانين الوضعية، والأحكام الدولية، يُهْجَرُ أولاً ويعدُّ خارجياً ثانياً، كما أن مَن لم يرَ إقحامَ الأمةِ في ظلماتِ الخروج غير المنضبط بالضوابط الشرعية يعد مُرْجئاً جَهْمياً. إن الظنَّ السيئَ، والاتهام بالبدعة، والتسرع في ذلك، رُوِّع بها شيوخ [١١] وظلم بها علماء وهُجِرَ بها دعاةٌ لا يرون مسوِّغات ذلك، كما قال الأول: (وأرى العداوة لا أرى أسبابها) وكل ذلك بسبب أسانيد منقطعة (يقولون) ويرد ابن عصرون هذه الفرية مؤكداً كلامه بالقسم: (والله ما أنا بأشعري) ، وكان حاله كحال القائل [١٢] : ولكني ظلمت فكدت أبكي ... من الظلم المبيَّن أو بكيت الكذب وكيد الشيطان: انظر كيف يُكذَبُ على العلماءِ بسندٍ مبهمٍ لا يُعرفُ قائله أجنيٌ أم إنسي؟ ومن يدري؟ لعل الشيطان هو الذي نقله! وما ذلك ببعيد، فقد قال أبو عمر ابن عبد البر: (روينا أن جارية لصفية أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحبُّ السبت وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أن أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً، فأنا أصلها، ثم قالت: يا جارية ما حملك على ما صنعتِ؟ قالت: الشيطان. قالت: فاذهبي فأنت حرة) [١٣] . ولكن إنْ مَرَّ كيدُ الشيطان على بعض العلماء فإنه لا يمرُّ على عمر رضي الله عنه الذي كان الشيطان يَفْرَقُ منه. وهكذا نجدُ أن الشيطان قد نَصَب أحابيله وأقامَ شِراكه ودبَّر مكائده حتى يصطاد العلماء وطلبة العلم فيها. فلا يُغْفَلُ عملهُ؛ إنه دورُ: (ولكن بالتحريش بينهم) [١٤] . مراعاة التخصصص: والحاصل أن الدارقطني ﵀ حين تكلم فيما تكلم لم يجاوز فنه، ولم يتعد تخصصه، فقد كان إمام الجرحِ والتعديل، والحديث عن الرجال، فلا يعنَّفُ ولا يُهْجَر. فإذا كان المخطئ في غير فنِّه يُرْفَقُ به، ويردُّ إلى الصواب فمن باب أوْلى المتخصص. ومن هنا ردَّ العلماءُ على ابنِ طاهر حين قال: (وأقبحُ ما رأيتُ في قولِ إمام الحرمين [١٥] في كتاب أصول الفقه: والعمدة في هذا الباب على حديث معاذ) قال: (وهذه زلةٌ منه ولو كان عالماً بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة) . قال الحافظ: (قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يمكنه أن يعبِّر بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشدُّ مما نقله عنه، فإنه قال: (والحديث مدون في الصحاح متفق على صحته لا يتطرق إليه التأويل) [١٦] . فهذا في مَنْ لم يبلغ المرتبة العالية في هذا الفن (أما من بلغَ مرتبة الرسوخِ والإفادةِ، وكان على جانب عظيم من العلم كالدارقطني، وانتحل مما انتحل عن اجتهادٍ ونظرٍ فلا يُرتابُ في العناية بالأخذ عنه والتلقي منه) . ثمرة فعل الصيمري: لقد نعتَ ابنُ كثير الإمامَ الصَيْمَري بأنَّه كان عارفاً بحقوقِ العلماءِ، ومن حقِ الدارقطني عليه أن لا يقطعه بل ينْصَحه ولذلك قال: ليتني لم أفعلْ! [١٧] . إنه لم يَزدْ على تركِ مجلسه، فلم يتكلم فيه بل حفظ لسانه. وتُعَدُّ هذه في عصرنا منقبة للهَاجِرِ ليقابل من يعنِّف على مخالفه ويفسِّقه ويبدِّعه، وأين هذا المسلك الذي سلكه الصَيْمَري من مسلك زاهد الكوثري الحنفي الذي آذى العلماء الذين تكلموا في أبي يوسف أمثال البخاري، والخطيب والعقيلي ونبز الأخير بأنه حشوي [١٨] . فهذا يعتبر عقوقاً من الخَلَفِ بتركِ مسلك السلف! ثم قال: (إيشٍ ضرَّ أبا الحسن انصرافي؟) لم يضرَّه شيئاً بل بقي إمامَ عصره. إن انجفال طلبة العلم عن علماء السُّنَّة والدعاة إليها بسبب اجتهاد أو خطأ يفوِّتُ عليهم وا أسفا علماً جماً، وخيراً كثيراً [ومّا يٍضٌلٍَونّ إلاَّ أّنفٍسّهٍم مّا يّشًعٍرٍونّ] [آل عمران: ٦٩] . ولا يَبْعُدُ أن يكونَ ذلك عقوبةَ الظلم، وترك الإنصاف؛ وما ضرَّهم لو صححوا الخطأ واعتذروا له؟ ورحم الله ابن الوردي [١٩] حين قال: والناسُ لم يصنِّفوا في العلمِ ... ما صنَّفوا إلا رجاءَ الأجرِ لكنْ قديتُ جَسداً بلا حسدْ ... واللهُ عندَ قولِ كلِّ قائلِ لكيْ يَصْيروا هَدَفاً للذمِّ ... والدَعَواتِ وجَميلِ الذكرِ ولا يُضيعُ الله حقاً لأحدْ ... وذو الحجَا في نفسِه في شاغلِ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...

стр. 3452

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢ - ٢) فاتحة الملف وماذا نحن فاعلون ؟ دأب العلمانيون على اتباع تقطير سمومهم في جسد الأمة المسلمة قطرة قطرة، حتى تحوَّل قطاع كبير من الأمة إلى مجتمع متشرب لهذا السم، وكان هذا الهدوء الماكر والخبيث في اطِّراح العقائد والمناهج الإسلامية. وهكذا اقتفوا سبيل إمامهم في الشر باتباع منهج (الخطوات) وقد أثمر هذا المنهج ثماره الخبيثة من تحول هذه المناهج من مجرد أفكار فردية إلى قضايا تكبر شيئاً فشيئاً، ويكبر معها عدد المدافعين عنها. ولم تخرج معركة المرأة من هذه الدائرة الخبيثة؛ بيد أن تلك المرحلة كانت سجالاً بين الكائدين من العلمانيين، وبين المدافعين من الإسلاميين وأهل الصلاح، لكن المعركة شهدت تحولاً خطيراً يصب في صالح العلمانيين، وهو ذلك التأطير الدولي لهذه القضية، وتبني المؤسسة الدولية لها، وفرضها على دول كانت في حاجة إلى هذا التبني، حيث إنها لم تستطع بشكل واضح تبني الطرح العلماني في هذه القضية الاجتماعية لحساسيتها في المجتمعات الإسلامية، أما الآن فقد أصبح لزاماً عليهم الالتزام بالشرعية الدولية، وإلا تعرضت الأمة كلها للعقوبات، وهذا المشهد وهو في بداياته يعتبر إخلالاً بالموازين التي كانت تحافظ عليها الحكومات بين التيارات الفكرية داخل مجتمعاتها. ونحن هنا ومع بداية هذا التطور نحتاج إلى وقفة نخرج بها من دائرة التوصيف للكيد العلماني، والأساليب، والطرق التي انتهجوها إلى الوصول إلى دور فاعل بوضع التصورات الواقعية في مواجهة هذا الكيد الشيطاني. نحتاج إلى وضع السياج القوي حول حُرُمات الأمة بعيداً عن الندب والشجب، نحتاج إلى إطلاق القدرات لمواجهة هذا التواطؤ على الحرمات. وبهذا الجزء الثاني من ملف (ماذا يريدون من المرأة؟) نرجو أن نكون قد أسهمنا بدورنا في هذا السعي، آملين أن نتبعه ويتبعه غيرنا بفاعلية أكثر. ونحن في سعينا هذا نستعين بالعلي القدير الذي لا يُصلِح عملَ المفسدين.

стр. 3453

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢-٢) عولمة المرأة قراءة في الأيدلوجية النسوية الجديدة كمال حبيب عولمة المرأة أي جعلها كائناً عالمياً يمكن وصفه بأنه كائن فوق الحكومات أو كائن عابر للقارات.. ولجعلها كائناً عالمياً كان لا بد من عقد المؤتمرات الدولية وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات العالمية التي تلزم الحكومات بحقوق هذا الكائن، وتمثل توصيات المؤتمرات الدولية والمعاهدات والاتفاقيات العالمية المرجعية العالمية الجديدة التي يمكن وصفها بأنها (أيديولوجية نسوية) لها قوة الأيديولوجيات السياسية التي عرفها القرن الماضي ثم انهارت وخبت وماتت. وكما كان يحدث بالنسبة للأيديولوجيات السياسية والفكرية فإن الأيديولوجية النسوية الجديدة يراد لها أن يكون معتنقوها في كل العالم وفي كل الدول والشعوب وفي كل الأعمال؛ فإنها الوسيلة الجديدة لغزو العالم وشعوبه، وهي الدين الجديد الذي يُراد للعالم أن يتوحد خلفه ويدين به: بيد أن الخطر في هذه الأيديولوجية والدين الجديد يكمن في أن الذي يُبشر بها ويدعو إليها هو النظام العالمي الجديد الذي حقق ما اعتبره انتصاراً نهائياً وعالمياً للفكر الغربي العلماني، ويريد أن يفرض هذا الدين والأيديولوجية بالقوة على العالم كله بحيث تكون هناك قوة عالمية واحدة ومرجعية كونية واحدة وإنسان عالمي واحد، وتنهار كل الحدود والقيود والحصون أمام هذه القوة العالمية الجديدة والمنفردة بحيث تصبح إرادتها ورغباتها ومصالحها مُسلَّماً بها ومُرحَّباً بقدومها بلا أي عوائق من الدين أو اللغة أو اللون أو الجنس أو القومية أو الثقافة. أي أن المرجعية الكونية الجديدة هي بديل لكل ما عرفته الأمم والأجناس البشرية من ثقافات وتاريخ وصراعات وأفكار؛ بحيث يغدو كل هذا ذكرى بلا قيمة ولا معنى، وتصبح القيمة والمعنى في المرجعية الكونية البديلة والجديدة التي يتحوَّل البشر جميعاً فيها عبيداً للإله الذي قررها، وهو النظام العالمي الجديد. كما أن خطر هذه الأيديولوجية البديلة يتمثل أيضاً في اقتحام مناطق كان يُنظر إليها باعتبارها خاصة أو شخصية وينظم أوضاعها بشكل أساسٍ الدينُ والتقاليد والأعراف المحلية والثقافات الخاصة، أي أن الاقتحام والهدم لهذه الأيديولوجية ينال مناطق متصلة بالهوية والثقافة والوجود، وهي محور الكيان الإنساني والوجود البشري. ويقف وراء هذه الأيديولوجية فكر شيطاني يريد أن يجعل من الأخلاق فوضى ومن الفاحشة شيوعاً وذيوعاً. وتستمد النسوية الجديدة جذورها الفكرية من الماركسية الحديثة (حيث تعتبر أن خطأ الماركسية القديمة هو اللجوء إلى الأساليب الاقتصادية لبناء مجتمع لا طبقي؛ بينما اللجوء إلى الأساليب الاجتماعية هو السبيل الوحيد لمجتمع خالٍ من الطبقات والميول الطبقية، وتمثل (الأسرة) والأمومة في نظر (الماركسية الحديثة) التي تستمد النسوية أفكارها منها تمثل السبب، وراء نظام طبقي جنسي يقهر المرأة لا يرجع إلا لدورها في الحمل والأمومة. وإذا كانت السنن الكونية الطبيعية عندهم هي التي اقتضت هذا الاختلاف البيولوجي فلا بد من الثورة على هذه السنن الطبيعية والتخلص منها بحيث تصبح الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة فروقاً اجتماعية متصلة بالأدوار التي يؤديها كلٌّ من الرجل والمرأة وليست متصلة بالخواص البيولوجية لكل منهما؛ ومن ثَمَّ فإذا قام الرجل بوظيفة المرأة وقامت المرأة بوظيفة الرجل فإنه لن يكون هناك ذكر وأنثى وإنما سيكون هناك نوع (جندر) وهذا النوع هو الذي سيحدد طبيعة دوره في الحياة بحيث يجوز للأنثى أن تمارس دور الذكر والعكس، وبحيث لا تكون هناك أسرة بالمعنى التقليدي ولا أبناء ولا رجل ولا امرأة، وإنما أسر جديدة شاذة وأبناءٌ نتاج للتلقيح الصناعي؛ فأي فكر شيطاني ذلك الذي تتبناه (النسوية الجديدة) ؟ ! وأي قوة تجعل من الأمم المتحدة وأمريكا والغرب تتبنى هذا الفكر الشيطاني لفرضه على العالم؟ ! ! إنها تعبير عن إرادة لا نقول علمانية، وإنما إلحادية لتحويل الوجود البشري وجوداً بلا قيمة ولا معنى تنتفي معه العناية من استخلاف الله للإنسان في الأرض. وفي الواقع فإن هذا الفكر الإجرامي ليس خطراً على المجتمعات الإسلامية فحسب ولكنه خطر على الحضارة الإنسانية ذاتها؛ لكن المجتمعات الإسلامية تأتي في القلب من معتقد هذا المخطط الإجرامي البديل والجديد. أدوات المرجعية الجديدة: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تم إرساؤه عام ١٩٤٨ م يمثل البذرة الأولى لهذه المرجعية الجديدة التي طرحت موضوع الأسرة والمرأة قضية عالمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لكن ضجيج القضايا السياسية والاقتصادية على دول العالم الثالث في هذا الوقت غطى على الجانب الاجتماعي والثقافي المتصل بالأسرة والمرأة والأحوال الشخصية؛ فمنذ عام ١٩٥٠ م حاولت الأمم المتحدة عقد الدورة الأولى لمؤتمراتها الدولية حول المرأة والأسرة بعنوان: (تنظيم الأسرة) لكن الحكومة المصرية في العهد الملكي قاومته بقوة، وأخفق المؤتمر الذي كان يترأسه ماركسيٌّ صهيوني، ثم عاودت الأمم المتحدة مرة ثانية تطلعها في بناء المرجعية النسوية الجديدة، فعقدت مؤتمراً في المكسيك عام ١٩٧٥ م ودعت فيه إلى حرية الإجهاض للمرأة والحرية الجنسية للمراهقين والأطفال وتنظيم الأسرة لضبط عدد السكان في العالم الثالث، وأخفق هذا المؤتمر أيضاً، ثم عقد مؤتمر في (نيروبي) عام ١٩٨٥م بعنوان (استراتيجيات التطلع إلى الأمام من أجل تقدم المرأة) ثم كان مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية الذي عقد في سبتمبر ١٩٩٤م، وأخيراً كان مؤتمر المرأة في بكين الذي عُقد عام ١٩٩٥ م تحت عنوان (المساواة والتنمية والسلم) وهو المؤتمر الذي ختمت به الأمم المتحدة القرن الماضي، وانتهت إلى الشكل النهائي للمرجعية الجديدة والبديلة التي يراد فرضها على العالم والتي تهدف بكلمة واحدة إلى (عولمة المرأة) . وعولمة المرأة هو الجانب الاجتماعي والثقافي في (العولمة) الذي تسعى الأمم المتحدة وأمريكا وأوروبا إلى فرضه على بقية العالم خاصة العالم الثالث. والتوصيات والوثائق التي توقع عليها الدول والحكومات الأعضاء في الأمم المتحدة تعتبر ملزمة لها، كما أن الأمم المتحدة تقوم بكل هيئاتها ومؤسساتها بتنفيذ ما جاء في توصيات هذه المؤتمرات الدولية ووثائقها بما في ذلك المراقبة والمتابعة لمدى التزام الدول والحكومات بها. كما أن المنظمات غير الحكومية الممثلة في الأمم المتحدة تمثل قوة ضغط في دولها لمراقبة التزام هذه الدول بقرارات الأمم المتحدة وتوصياتها ومتابعة ذلك، وهي في هذا تشبه (جواسيس للأمم المتحدة) في دولها. ولا تكتفي الأمم المتحدة بذلك وإنما تعقد مؤتمرات مع الأطراف الحكومية والمنظمات غير الحكومية كل سنة أو سنتين للتأكد من الالتزام الحكومي بالمرجعية الكونية البديلة والخضوع للنظام العالمي الجديد؛ فهناك مؤتمر سنوي يطلق عليه مؤتمر السكان + ١ أو + ٢ أو + ٣ وهكذا حتى يأتي موعد المؤتمر الدولي القادم للسكان عام ٢٠٠٤م. وأيضاً بالنسبة لمؤتمر بكين [١] قد عُقد بكين + ٤ في الهند وسوف يعقد مؤتمر للمرأة أيضاً عام ٢٠٠٥م أي بعد عشر سنوات من مؤتمر المرأة الذي عُقد في بكين، أي أن هناك آلية دولية لها طابع الفرض والإلزام والمتابعة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول لتطلب منها الالتزام بما وقعت عليه؛ وهذه الآلية يمكن أن تمارس الإرهاب بفرض العقوبات الدولية على الدول التي ترى الأمم المتحدة أنها غير ملتزمة؛ كما أن هذه الآلية تمارس الإغراء بمنح معونات أو قروض أو ما شابه إذا التزمت بمقررات الشرعية الجديدة. ومن ثَمَّ فإن ما يجري في مصر أو المغرب أو الأردن بشأن تغيير قوانين الأحوال الشخصية أو العقوبات هو جزء من الالتزام بالأجندة الدولية التي وافقت هذه الدول عليها في المؤتمرات الدولية وليس تعبيراً عن حاجة داخلية لشعوب هذه الدول. فحق المرأة في فسخ عقد الزواج، وحقها في السفر هي وأولادها بلا قيود، وحقها في المواطنة الذي يستخدم ستاراً لمساواتها مع الرجل في الإرث والطلاق وعدم الخضوع لسلطة أي رفض القوامة وإقامة علاقات ود وصداقة خارج نطاق البيت والعائلة، كل هذه القضايا كانت مطروحة باعتبارها جزءاً من أجندة دولية للتسليم بالدخول في طاعة النظام العالمي الجديد والإقرار بالالتزام بالدين النسوي البديل. وفي الواقع فإن كل ما سيحدث في هذا الإطار سيكون مثل تأسيس (المجلس القومي للمرأة) في مصر [٢] الذي يضم الوجوه النسوية المصرية التي تدعو للأيديولوجية الجديدة بلا خجل أو حياء. وهذه الوجوه النسوية هي انعكاس للفكر الغربي النسوي؛ حيث تشعر تجاه المرأة الغربية بالنقص، وتشعر أن الالتحاق الفكري بها سوف يعوض هذا النقص لهن كما يبلغ النقص بهذه الوجوه حد كراهية الدين الإسلامي ونظمه الاجتماعية وقوانينه في الاجتماع والأسرة؛ وهم في ذلك أشبه (باللامنتمي) ومن ثَمَّ فهذه الوجوه تعبر عن حالة نفسية مرضية؛ ورفعها إلى مستوى التخطيط والحديث عن قضايا المرأة ليس سوى خضوع للقوى الدولية الخارجية التي تحب أن يعبر عن أوضاع المرأة في العالم الإسلامي النسوةُ اللاتي يرددن الأفكار الغربية ويبشرن بالأيديولوجية النسوية الجديدة. وثيقة بكين.. مفردات المرجعية الجديدة: وبالعودة إلى وثيقة بكين التي تمثل منتهى الفكر النسوي الجديد نجد مخططاً واضحاً لتدمير الأسرة والمرأة، وتدمير الحضارة البشرية ذاتها، ويبدو لنا أن الحضارة الغربية تريد أن تدمر الحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة الإسلامية بعد أن شارفت هي على الهلاك والتدمير والفوضى بسبب خضوعها للأفكار النسوية والشذوذ الجنسي والأخلاقي [٢] . ومن المؤكد أن الجانب الثقافي والاجتماعي الذي يراد فرضه على الحضارات الأخرى والإسلامية على رأسها هو جزءٌ مما أطلق عليه (صموئيل هنتنجتون) : (صراع الحضارات) هذه الوثيقة وهي في حقيقتها تمثل مخططاً تحاول فرض مصطلح (النوع Gender) بدلاً من كلمة Sex والتي تشير إلى الذكر والأنثى أما النوع فمعناه رفض حقيقة أن الوضع البيولوجي هو المصير لكل فرد، ورفض حقيقة أن اختلاف الذكر والأنثى هو من صنع الله وإنما الاختلاف ناتج عن التنشئة الاجتماعية والأسرية والبيئة التي يتحكم فيها الرجل. وتتضمن هذه النزعة فرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية وأدواره المترتبة عليها، ومن ثَمَّ الاعتراف رسمياً بالشواذ والمخنثين والمطالبة بإدراج حقوقهم الانحرافية ضمن حقوق الإنسان ومنها حقهم في الزواج وتكوين أسر والحصول على أطفال بالتبني أو تأجير البطون. وتطالب الوثيقة بحق المرأة والفتاة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء وفي أي سن تشاء وليس بالضرورة في إطار الزواج الشرعي؛ فالمهم هو تقديم المشورة والنصيحة لتكون هذه العلاقات (الآثمة) مأمونة العواقب سواء من ناحية الإنجاب أو من ناحية الإصابة بمرض الإيدز. وتطالب (وثيقة بكين) الحكومات بإعطاء الأولوية؛ لتعزيز تمتع المرأة والرجل بالكامل وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الإنسان والحريات بدون أي نوع من التميز وحماية ذلك، ويدخل ضمن هذه الحقوق والحرياتِ: الحرياتُ الجنسية بتنويعاتها المختلفة والتحكم في الحمل والإجهاض وكل ما يخالف الشرائع السماوية، وتطالب الوثيقة الحكومات بالاهتمام بتلبية الحاجات التثقيفية والخدمية للمراهقين ليتمكنوا من معالجة الجانب الجنسي في حياتهم معالجة إيجابية ومسؤولة، وتطالب بحق المراهقات الحوامل في مواصلة التعليم دون إدانة لهذا الحمل السِّفَاح. ولا تتحدث (وثيقة بكين) عن الزواج من حيث إنه رباط شرعي يجمع الرجل والمرأة في إطار اجتماعي هو الأسرة؛ وإنما ترى أن الزواج المبكتر يعوق المرأة، ومن ثَمَّ فهي تطالب برفع سن الزواج وتحريم الزواج المبكر. ولا ترد كلمة (الوالدين) إلا مصحوبة بعبارة (أو كل من تقع عليه مسؤولية الأطفال مسؤولية قانونية) في إشارة إلى مختلف أنواع الأسر المثلية، ولا تستخدم الوثيقة عبارة الزوج وإنما الشريك أو الزميل. وتخاطب وثيقة بكين المرأة الفرد وليست المرأة التي هي نواة الأسرة، ولذا فالمرأة العاملة هي المرأة المعتبرة؛ أمَّا المرأة العاملة داخل البيت ربة الأسرة فيُنظر إليها باعتبارها متخلفة وخارج السياق الدولي الجديد؛ لأنها لا تمارس عملاً بمقابل، ولأنها ربطت نفسها بالزوج والأولاد والأسرة، ولذا فعبارة: (الأمومة) وردت حوالي ست مرات؛ بينما كلمة: (جندر) جاءت ستين مرة، وجاءت كلمة (جنس) في مواضع كثيرة. إن وثيقة بكين التي أصبحت (مقررات بكين) ووقعت عليها ١٨٠ دولة هي أساس المرجعية الكونية البديلة والتي أشارت بوضوح إلى أن الدين يقف عائقاً أمام تحقيق هذه المقررات، ولذا ناشدت المقرراتُ المؤسساتِ الدينيةَ لكي تساعد على تحويل مقررات مؤتمر بكين إلى واقع أي أن تصبح المؤسسات الدينية أحد أدوات المرجعية الكونية الجديدة التي يتبناها النظام العالمي ويسعى لفرضها على العالم. وهنا لا بد من تأمُّل دور بعض المؤسسات الدينية الإسلامية في الموافقة على تمرير المطالب التي تفرضها الأجندة الدولية مثل حق الزوجة في السفر بدون إذن الزوج وكذا الأولاد القُصَّر بما في ذلك البنات. والمثير أن تستخدم الوثيقة كلمة (المساواة) للتعبير عن إزالة الاختلافات بين الرجل والمرأة، وتستخدم (التنمية) للتعبير عن الحرية الجنسية والانفلات الأخلاقي، وتستخدم كلمة (السلم) لمطالبة الحكومات بخفض نفقاتها العسكرية وتحويل الإنفاق إلى خطط التخريب والتدمير للأيديولوجية النسوية الجديدة؛ حيث تلزم مقررات بكين الحكومات المحلية بتنفيذ الأهداف الاستراتيجية للنظام العالمي الجديد فيما يتصل بإقرار الأيديولوجية النسوية الجديدة، وذلك بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. هذه هي المفردات الجديدة، والمقررات التي يسعى النظام العالمي الجديد لفرضها أيديولوجية كونية على العالم. وبالطبع فإنه يستهدف من وراء ذلك ضرب مواطن القوة في الحضارات المختلفة معه. وبالنسبة للحضارة الإسلامية فلا يزال الدين الإسلامي يمثل مرجعية للناس ونظاماً لحياتهم خاصة في مسائل الأسرة والأحوال الشخصية وفي مسائل الفكر والثقافة والاعتقاد وهو ما يزعج الأمم المتحدة والغرب؛ إذ إن المسلمين يمثلون ملياراً وربع مليار نسمة، والعالم الإسلامي بإمكاناته وثرواته وأهله يهدد النظام العالمي الجديد بفقدان سيطرته عليه ما بقي الإسلام حاكماً للجوانب الاجتماعية والثقافية وللهوية، ولذا لا بد من تسديد الضرب إلى الصميم للقضاء على الهوية الإسلامية وعلى النظم الاجتماعية التي أثبتت أنها القلعة التي حمت العالم الإسلامي من السقوط والانهيار، ولذا فإن الصراع مع الغرب انتقل من السياسي والاقتصادي إلى الديني والثقافي والاجتماعي المتصل بالهوية والوجود؛ وهو ما يتطلب وعياً جديداً وأدوات جديدة؛ كما يتطلب يقظة ومقاومة. إن الإنسان: الرجل، والمرأة، والأطفال، والأسرة هم المقصودون بالهجمة العالمية الجديدة وهم المقصودون بالمرجعية الكونية البديلة للنظام العالمي الجديد؛ وعلى عالمنا الإسلامي أن ينتفض ويستيقظ؛ فإن وجودنا مرتبط بمدى ارتباطنا بكلمة: (مسلمين) اسماً وفعلاً؛ وإلاَّ فالاستبدال كما قال تعالى: [وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] [محمد: ٣٨] .

стр. 3454

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢-٢) لكي لا نسقط في الهاوية عبد الله أحمد ناصر الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فقد أخفق العلمانيون في محاولتهم إقناع الأمة بأفكارهم، واستمروا على اختلاف اتجاهاتهم شراذم قليلة معزولة لا تمت إلى عامة الأمة بِصِلَةٍ، وبعد فترة طويلة اتجهوا إلى تطوير استراتيجيتهم؛ فمن محاولة التأثير على الأفكار إلى محاولة تغيير السلوك والأخلاق وتفكيك الأسرة وإفساد المجتمع وطمس هويته من داخله، والقيام بتفريغ عقول الأمة من قيمها وإغراقها بالشهوات من دون ضابط شرعي أو حاجز أخلاقي. والمتأمل في واقع الأمة اليوم يلمس نجاحًا كبيرًا تحقق للقوم في هذا الاتجاه، وكان المدخل الكبير والباب العريض الذي ولجوا منه إلى ذلك هو التأثير على المرأة دفاعًا عن حريتها وإرجاعًا لحقوقها المهدرة فيما زعموا. ويعود هذا النجاح إلى أسباب عديدة يمكن إجمالها في جوانب ثلاثة: الأول: أسباب تعود إلى المرأة والمجتمع، وأهمها: - الجهل المفرط في أوساط كثير من النساء بقيم الإسلام وأحكامه ومقاصده، وقد زاد من خطورة هذا الأمر عمليات التشويه التي يمارسها العلمانيون تجاه التشريعات الإسلامية المتعلقة بالمرأة عن طريق تناولها بشكل مجزأ يجعلها بعيدة عن التشريعات التي وردت في سياقها، مع إغفال متعمد لبيان مقاصد الإسلام من تشريعها؛ بهدف إظهار قصورها وتجاوز العصر لها ووقوفها حجر عثرة في طريق نيل المرأة لحريتها وحقوقها. - ظاهرة ضعف الإيمان لدى كثير من النساء نتيجة عدم قيام المؤسسات التربوية في المجتمعات الإسلامية بالدور المنوط بها تجاه هذا الأمر، وتركها الحبل على الغارب لصواحب السوء وذوي الشهوات ليقوموا عبر الوسائل المختلفة بالسيطرة على عقل المرأة ومشاعرها ومن ثَمَّ تحديد اتجاهاتها وتوجيه ميولها حسب ما يشتهون. - غفلة كثير من النساء عن حقيقة رسالتهن في الحياة، والدور المنوط بهن في بناء الأمة وصيانتها من عوامل الزيغ والانحراف. - قيام بعض النساء المترفات بتبني دعوات العلمانيين، وبروزهن واجهة لكثير من الأنشطة المقامة، وتوفيرهن للدعم المعنوي، والمادي الذي تحتاجه بعض الأنشطة، إضافة إلى تغريرهن بقطاع عريض من النساء اللاتي جرت العادة بقيامهن بتقليد مترفات المجتمع وكبرياته لعظم جهلهن وضعف إيمانهن. - أن جزءًا كبيرًا من المحافظة الظاهرة لدى كثيرات يعود إلى أعراف قبلية وتقاليد اجتماعية متوافقة مع الشرع دون أن يكون لها بعدٌ إيماني في نفوس كثيرات، ومن المعلوم أن الأعراف والتقاليد ليس لها طابع الثبات بل هي قابلة للتبدل بمرور الوقت خصوصًا متى تغيرت أوضاع المجتمع: علمًا وجهلاً، غنىً وفقرًا، انفتاحًا وانغلاقًا، ويتسارع هذا التغير حين توجد جهات تخطط للتغيير وتستخدم سبلاً ملتوية تحتفي فيها بالقديم إذا احتفت معتبرة إياه تراثًا لعصر مضى، وتلمِّع فيها ما تريد نشره وتجعله من متطلبات التقدم وعلامات الرقي والنهضة. - الانحراف العام والانحطاط الشامل الذي أصاب المجتمع المسلم في كثير من جوانب الحياة المختلفة، والذي بدوره كان له أكبر الأثر في ضعف كثير من النساء وقيامهن بالتفاعل مع الطروحات العلمانية بشكل ظاهر. الثاني: أسباب تعود إلى العلمانيين، وأهمها: - عملهم بهدوء وبأساليب خافتة حرصًا على عدم الدخول في مواجهات مكشوفة، وسعيهم إلى تحقيق أغراضهم المشبوهة عن طريق لافتات وشعارات مقبولة، مع الحرص على الاستفادة بأقصى مدى ممكن من بعض أهل العلم وبعض المحسوبين على الدعوة لقبول أعمالهم من قِبَل العامة وتسويغها أمامهم شرعًا من جهة، ولإحداث شرخ في صفوف العلماء والدعاة من جهة أخرى. - استفادتهم من مرحلة الضعف والهوان التي تمر بها الأمة، ومن قوة الغرب النصراني - حيث يرتبطون به ويعملون على تحقيق مصالحه بصورة فجة - والذي يضغط بقوة في سبيل فرض حضارته وهيمنة قيمه وشيوع سلوكياته في المنطقة تحت مسميات مختلفة كالعولمة والديموقراطية ودعاوى حقوق الإنسان وحرية المرأة وحرية الاعتقاد إلى آخر القائمة. - إبرازهم لصور الظلم التي تقع على المرأة في مجتمعاتنا، واتخاذها موضوعاً ومدخلاً للحديث عنها بهدف تحقيق مآربهم وإشاعة السلوكيات والأخلاق التي يروجون لها ويدعون النساء إلى تطبيقها. - العمل على زعزعة الثقة بين العلماء والدعاة من جهة والمرأة من جهة أخرى بهدف إيجاد فجوة بينها وبين الدين، وذلك عن طريق وصمهم لأهل العلم والدعوة بالتخلف والجمود وعدم عيش الواقع وإدراك متطلبات العصر والوقوف حجر عثرة في طريق نهضة المرأة ورقيها، والتسبب في صور الظلم الحاصلة عليها في بعض مجتمعاتنا الإسلامية. استهواء المرأة وإغرائها وتزيين ما يشتهون لها عن طريق الاستفادة من بعض الخصائص التي تتمتع بها إجمالاً كقوة العاطفة وسرعة التأثر وضعف الخبرة في مجريات الحياة ومكائدها، وحب التزين والرغبة في الترفيه. - تحسين صورتهم لدى المرأة وكسب ثقتها عن طريق إقامة بعض المؤسسات الطوعية التي تقدم بعض الأنشطة الاجتماعية، والجمعيات التي ترفع عقيرتها بالمطالبة بحقوق المرأة وإنصاف المجتمع لها. - الاستفادة من الخلاف الفقهي وشذوذات بعض أهل العلم في بعض المسائل الشرعية المتعلقة بالمرأة في محاولة إيجاد مسوغات شرعية لما يدعون المرأة إليه عن طريق التلفيق بين تلك الآراء والأخذ من كل عالم فتواه التي تخدم أهواءهم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى سعيهم إلى الاستفادة من ذلك في تشويه صورة بعض أهل العلم والدعوة، وزعزعة الثقة بينهم وبين المرأة عن طريق ضرب آراء بعض أهل العلم ببعض، ووصم أصحاب الاجتهادات التي لا تتوافق مع أهوائهم بالتشدد والجمود وإرادة التعسير على المرأة وكبتها والتضييق عليها. - التدرج في تحقيق أهدافهم؛ فمن المطالبة بحقوق مشروعة هي من صميم قيم الإسلام وتعاليمه إلى مزج ذلك بحقوق تتناقض مع قيم الإسلام إلى العمل على إحلال قيم الغرب وتقاليده محل قيم الأمة وتقاليدها ومطالبة أفراد المجتمع بتغيير هويتهم للوصول إلى الوضع المرتجى لهم. - سعيهم إلى الفصل بين ما يزعمون أنه الدين الصحيح الذي يرفعون شعار التمسك به والدفاع عنه، وبين العلماء والدعاة الذين يزعم العلمانيون بأن دعوتهم للمرأة ليست من الدين الصحيح في شيء وإنما هي مجرد تشدد وتحكم في المرأة بأمر لا أصل له في الدين. - تضخيم أخطاء العلماء والدعاة ونسبة بعض الشنائع زوراً إليهم، والاستفادة من ذلك في عملية التشويه وزيادة الفجوة بينهم وبين بعض نساء المجتمع، وفي المقابل تضخيم العلمانيين لأعمالهم والمنكرات التي يروجونها لتضخيم وزنهم في المجتمع، ولتصوير أن جل النساء معهم، ولتيئيس العلماء والدعاة من إمكانية الإصلاح. الثالث: أسباب تعود إلى العلماء والدعاة، وأهمها: - ضعف مستوى الجهود والأنشطة العلمية والدعوية الموجهة للمرأة، وقلتها وعدم كفايتها لسد احتياج الساحة، وذلك يعود في ظني إلى قلة الاهتمام وضعف عملية التخطيط وتشتت الأفكار والجهود وعدم التركيز مما أدى إلى عدم استثمار الطاقات بصورة مرضية. - عدم وجود طروحات متكاملة لقضية المرأة والقيام بطرح النظرة الشرعية مجزأة مما يفقدها قيمتها ويظهرها في كثير من الأحيان بأنها غير صالحة للتطبيق؛ لأنها تتصادم مع جوانب من الواقع المعاش؛ علماً بأن الواقع السيئ للمرأة يرجع إلى عدم أخذها بالتوجيه الشرعي في كافة جوانبه. - مجاملة بعض العلماء والدعاة للواقع السيئ، ومحاولتهم التعايش مع رغبات بعض أفراد المجتمع المتجهة نحو التغريب، وقيامهم بإصدار الفتاوى المتسقة مع ذلك. - الرتابة والتقليدية في جل البرامج والأنشطة العلمية والدعوية الموجهة للمرأة، وعدم وجود إبداع أو تجديد فيها مما أدى إلى ضعف التفاعل معها وقلة الإقبال عليها من كثير من النساء. - عدم أخذ زمام المبادرة في التعامل مع القضايا والأحداث، والتفاعل حسب ردود الأفعال دون أن يكون هناك مشاركة في صنعها أو تأثير في تحديد اتجاهها في غالب الأحيان، وهو مما أفرغ الساحة الاجتماعية أمام العلمانيين، ومكنهم من فعل ما يحلو لهم تخطيطًا وتنفيذًا وتوجيهًا وقطفًا للثمار بما يخدم مصالحهم ويحقق أغراضهم. - عدم بيان أهل العلم والدعوة لدائرة المباح المتعلق بالمرأة بشكل جيد، وأخذهم لها بالأمثل عن طريق طرحهم للأفكار وتبنيهم للحلول المثلى في كثير من المواقف والقضايا بطريقة يفهم منها بأنها الطرح الشرعي الوحيد في الجانب المتناول. وقضية الأخذ بالأمثل من الأمور التي لا يطيقها سوى قلة من الصالحات، أما غيرهن من نساء الأمة فقد وسَّع الله عليهن بما أباحه لهن، وواجب العلماء بيانه، وعدم التثريب على من أخذت به ما دامت لم تتعد حدود الله ولم تنتهك محارمه. - عدم مراعاة بعض الدعاة لتعدد الفتوى ووجود خلاف بين أهل العلم في بعض المسائل الاجتهادية، وقيامهم بمحاولة إلزام المرأة برأي معين مع أنها ليست مكلفة شرعاً إلا بتقليد الأوثق لديها في دينه من أهل العلم لا صاحب رأي أو بلد بعينه. - حساسية بعض الدعاة المفرطة في التعامل مع المرأة وقضاياها، وانغلاقهم الشديد الذي يمنعهم في أحيان كثيرة من تناول الأمور بموضوعية؛ مما جعل الأمور تتجاوزهم بشكل أدى إلى انفتاح صارخ غير منضبط. - الخلط بين الأعراف والتقاليد والمنهج، وعدم تمييز بعض العلماء والدعاة بين الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة والمبنية على نصوص الشرع وقواعده وبين آرائهم التي تكون مبنية على أعراف وتقاليد اجتماعية، ولا ريب في أن لهم الحق كغيرهم من أبناء المجتمع في أن يتخذوا ما يشاؤون من مواقف تجاه أعراف المجتمع وتقاليده التي لا تتعارض مع الشرع، وأن يحاولوا إقناع من يشاؤون بمواقفهم تلك كما يحاول غيرهم، لكن الواجب عليهم إيضاح أن تلك الآراء مردها إلى العرف والتقاليد من غير محاولة إلباسها لباساً شرعياً متكلَّفاً فيه، وأن لكل أحد أن يتخذ الموقف الذي يشاء ما دام رأيه غير متعارض مع الشرع، وهذا بخلاف الأحكام الشرعية الثابتة التي يجب على الناس التزامها كل حسب وسعه وطاقته. - التعميم: بعض من الدعاة يقومون بمحاربة المشاريع والأنشطة النسوية التي تتضمن بعض المخالفات الشرعية في المجتمع بشكل مطلق بدل محاولة مد جسور التفاهم والثقة مع أصحاب تلك المشاريع وتنمية جوانب الخير لديهم، والقيام بترشيد مناشطهم وتوجيهها الوجهة السليمة، مما يدفع القائمين عليها من ذوي النفوذ ورجال الأعمال في أكثر الأوقات إلى استخدام كافة ما يملكون من أوراق لمضي الأمر على ما يريدون. - هيمنة الأعراف والتقاليد وخوف بعض الدعاة من تجاوزها؛ إلى جانب إغفال بعض المناشط الملائمة للمرأة التي أثبتت نجاحها في مجتمعات أخرى وفسح المجال أمام العلمانيين ليسدوا الفراغ الذي تعاني منه نساء المجتمع من خلال البرامج والأنشطة التي يقيمونها. - عدم إدراك كثير من العلماء والدعاة لطبيعة التحول الذي حصل في عقلية النساء وسلوكياتهن واحتياجاتهن في وقتنا وحجم ذلك، واستصحابهم لواقع المجتمع في زمن ماض، أو تعميمهم لواقع بيئاتهم الخاصة على البيئة العامة مما جعلهم لا يشعرون بأهمية إعطاء دعوة المرأة أولوية ومزيد عناية. - إغفال العناية بالجوانب التي فطر الله المرأة على الاهتمام بها كأمر الزينة والجمال، والأمور التي لكثير من النساء تعلق قوي بها في وقتنا كالترفيه بحيث لم يتم تقديم برامج ومشاريع حيوية مباحة في هذا المجال تسد حاجة المرأة وتقطع الطريق على العلمانيين الذين يكثرون من الولوج إلى المرأة عبر هذه البوابة ولا يجدون أدنى منافسة من العلماء والدعاة حيالها. - ضعف الرصد والمتابعة لجهود العلمانيين وأنشطتهم مع عدم المعرفة بكثير من أعمالهم إلا بعد وقوعها مما يؤخر من مواجهتها ويجعل العلماء والدعاة يتعاملون مع آثارها ويتناسون في الغالب أهدافها والأسباب التي هُيِّئت لنجاحها وشجعت القوم على المضي فيها. - ضعف كثير من العلماء والدعاة في بناء العلاقات وتكوين الصلات والقيام بواجبهتم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، مما هيأ الفرصة للعلمانيين لكسب كثير من ذوي النفوذ ومثقفي المجتمع ورجال الأعمال لخدمة طروحاتهم ودعم مشاريعهم مع أنهم ليسوا منهم. الانفصام لدى بعض الدعاة بين النظرية والتطبيق في التعامل مع المرأة فبينما يوجد لدى جلهم إدراك نظري جيد لما يجب أن تكون عليه الأمور، نجد ممارسة سيئة لدى كثيرين تمشياً مع الأوضاع البيئية ورغبة في الراحة وعدم المعاناة في مواجهة شيء من ذلك. كيف ندافع العلمانيين؟ تعد النجاحات التي حققها العلمانيون في مجال المرأة ثمرة التقصير والغفلة التي عانى منها قطاع كبير من العلماء والدعاة وتيار الصحوة، وعليه فإن المدخل الصحيح للمدافعة يقتضي استشعار الخطر وإدراك ضخامة المسؤولية والتفكير بموضوعية والتنفيذ بجدية للخطوات المراد تحويلها إلى واقع، وما لم يتم ذلك فإن الخطر سيستفحل والخرق سيتسع على الراقع، ولن يجدي عندها كثير من خطوات الحل المؤثرة والمتاحة الآن. وقبل أن أتطرق إلى ذكر بعض السبل التي يمكن بواسطتها مدافعة القوم وكبح جماحهم أو التخفيف من شرهم، لا بد من ذكر بعض القواعد والمنطلقات التي لا بد من استيعابها قبل الدخول في مواجهة معهم، ومنها: - لا بد من التوكل التام على الله وصدق اللجوء إليه والاستعانة به والتضرع بين يديه وطلب عونه وتسديده مع الأخذ بالأسباب وإعداد العدة، وذلك لأن من ينصره الله فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له كما قال تعالى: [إن ينصركم الله فلا غالب لكم] [آل عمران: ١٦٠] . - الاعتناء بالوضوح الإسلامي في الطرح، والمطالبة بجلاء لكافة أفراد المجتمع بتحقيق العبودية الحقة لله تعالى والانقياد التام له والتسليم لشرعه وعدم الخروج عن أمره والتأكيد على الدعاة بعدم إخفاء حقيقة دعوتهم في طروحاتهم سعياً في استصلاح جوانب الانحراف في المجتمع، وإقامةً للحجة على العباد وإبراءاً للذمة أمام الله تعالى. الحذر من التفلت الشرعي الذي يقع فيه بعض الدعاة أثناء طروحاتهم عن المرأة، ومع إدراك أن الدافع لبعضهم قد يكون الحرص على الدعوة والسعي إلى تقريب الكثيرات إلى الإسلام؛ إلا أنه قد فاتهم تذكُّر أن الانضباط بالشرع شرط لصحة العمل وأن الغاية مهما كانت شريفة لا تسوِّغ الوسيلة، وأن الباري لا يُتقرب إليه بمعصيته ومخالفة أمره بل بطاعته وامتثال شرعه. - التوجه إلى التخطيط الجاد والمتكامل في دعوة المرأة وتربيتها، والمبني على إدراك عميق للماضي ومعايشة للحاضر واستشراف للمستقبل، وترك الارتجال والعفوية وسطحية التفكير والتنبه إلى أن ذلك وإن قُبِلَ في أزمنة ماضية فإنه غير مقبول بحال اليوم نظراً لضخامة الاستهداف للمرأة والعمق في التخطيط والدقة في التنفيذ لدى العلمانيين، والحذر من أن ينشغل العلماء والدعاة بردود الأفعال تجاه قضايا وأحداث جزئية يصنعها العلمانيون تتصف بالإثارة والهامشية على حساب قضايا جوهرية سواء في جهة البناء والتربية أم في جهة مواجهة القوم ودفع أخطارهم. - العمل على طرح مبادرات إصلاحية جذرية تتسم بالعمق والشمول والواقعية بدلاً من الحلول الترقيعية وتجزئة القضايا بشكل يمكن العلمانيين من التلاعب بالأمر والمزايدة فيه بالدعوة إلى إصلاحات جزئية هامشية لها بريق تستغل في تخدير فئات كثيرة من المجتمع وتحييدهم عن الوقوف في صف العلماء والدعاة والذين يسعون إلى القيام بإجراء إصلاحات جوهرية في القضايا والمجالات الأساسية. - الاعتناء بالقيام بإجراء تقييم شامل لأنشطة الدعاة، وبرامجهم المختلفة والموجهة إلى المرأة، ومراجعتها من حيث الكم والكيف، ويتأكد ذلك اليوم نظراً لتغير الاحتياجات وتبدل الأحوال وتطور الإمكانات، وما لم يتم ذلك وتهيأ له الفرص الكفيلة بالنجاح فإن الزمن سيتجاوز أنشطة الدعاة وبرامجهم، ويجعلهم كمن يوصل الرسائل بين البلدان عبر الأقدام، والدواب في زمن الأقمار الصناعية والإنترنت. - توحيد الصفوف ولمّ الجهود وسعة الصدر لرأي أهل العلم الأثبات المخالف في مسائل الاجتهاد، والتطاوع فيما لا إثم فيه، والمحاورة بالتي هي أحسن، وحسن الظن بالآخرين، والتماس العذر لهم، ومغفرة زلاتهم، والتجاوز عن هفواتهم ... من أهم المهمات التي على العلماء والدعاة العناية بها؛ لأن الاختلاف شر والفرقة عذاب، وتضرر الدعوة من كون بأسها بينها وعدوها من داخلها أعظم عليها جداً من تربص أعدائها بها وكيدهم لها. إدراك الدعاة لحقيقة الوضع وأنهم في صراع مع قوم ينتمون إلى جهات تريد اجتثاث قيم الإسلام وأخلاقياته وإحلال قيم وأخلاقيات حضارة أخرى تناقضها مكانها، وعليه فالواجب عليهم طول النفَس وبعد النظر ومحاسبة الذات وإدراك صعوبة الطريق وأن الهدم أسهل من البناء وتهيئة النفْس لتحمل الهزيمة والمواصلة بعدها لأن العاقبة للمتقين، ومعرفة أن الانتصار الحقيقي يكمن في الثبات على المبدأ، أما شيوع المبدأ فالداعية يسعى له ويجد في سبيل ذلك، ولكن ليس من شأنه تحققه، وله أسوة بالأنبياء ﵈ إذ قتل بعضهم وطرد آخرون، ويأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد، والنبي ومعه سواد كثير قد سد الأفق. - أهمية أن تتجه برامج الدعاة إلى تربية كافة شرائح النساء في المجتمع والبناء الصحيح لشخصياتهن وبخاصة تلك التي لم تؤثر فيها طروحات العلمانيين بعدُ، أو أن تأثيرهم محدود فيها، وأن تشتمل تلك البرامج على جرعات تحصينية ضد أساليب العلمانيين في الطرح، وذلك لأن الوقاية خير من العلاج وما استدفع الشر بمثل الاستعاذة بالله منه، والتعرف عليه للحذر من التلبس به. - الإقرار بوقوع صور متعددة من الظلم الواقع على المرأة في مجتمعاتنا بسبب الجهل بالشرع وعدم تطبيقه، وهو ما يجب إفهامه للمرأة التي يريد العلمانيون تشويه صورة الإسلام في ذهنها، والإسلام لا يتحمل نتاج البعد عنه. - الاعتناء بتحلي صغار شباب الصحوة بصفات الحكمة والصبر والحلم والروية وعدم الاستعجال، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والتعامل مع الأحداث بعقل لا بعاطفة مجردة، ومشاورة أهل العلم والخبرة في سبل مدافعة العلمانيين حتى لا تُجَر الصحوة إلى مواقف غير محمودة العواقب، وبخاصة أنه لا توجد لدى (القوم) أي معايير أخلاقية تمنعهم من فعل أي شيء في سبيل تحقيق أغراضهم ومآربهم. إقامة تعاون إيجابي في المجالات الدعوية والتربوية بين البيئات والمناطق المختلفة يتم بواسطته تبادل الأفكار والخبرات، والبدء في البرامج المختلفة من حيث انتهى الآخرون، وهذا ولا شك سيشجع على مزيد انطلاق، ويوسع دائرة الاختيار أمام الدعاة ويمنع من هدر الطاقات والإمكانات في إقامة برامج ثبت إخفاقها متى امتلك الدعاة الشجاعة الأدبية للتراجع عن أنشطتهم ذات العائد الدعوي والتربوي الأقل، وتجاوز المألوف مما لا بعد شرعياً له وتحمل الضغوط البيئية الناتجة عن ذلك. سبل المدافعة: السبل المقترحة لمدافعة العلمانيين في مجال المرأة كثيرة، ومن أبرزها: أولاً: سبل تتعلق بالمرأة والمجتمع ومن أبرزها: العناية بتأهيل المرأة وبناء شخصيتها بناءاً متكاملاً في كافة الجوانب التي تحتاجها ومن أبرز ذلك: أ- تعميق قضية الهوية والانتماء لهذا الدين لديها وتوضيح مقتضيات ذلك ولوازمه كوجوب المحبة الكاملة لله، والانقياد التام لشرعه فيما وافق هوى العبد وفيما خالفه، (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) [١] . ب - تجلية رسالة المرأة المسلمة في الحياة والدور المنوط بها في عصرنا في سبيل نهضة الأمة ورقيها واستعادتها لعزتها، والسبل المعينة لها على أداء ذلك. ج - العناية بالجوانب الإيمانية، والعبادية لدى المرأة، وتزويدها بالعلم الشرعي، وبخاصة فيما تحتاج إليه ولا يسعها جهله في مراحل حياتها المختلفة. د - رفع مستوى ثقافة المرأة وتحبيبها بالقراءة وتدريبها على ممارسة التثقيف الذاتي والاستفادة من الوسائل التقنية المتاحة في ذلك. هـ - رفع مستوى وعي المرأة وإدراكها لواقعها والتغيرات الضخمة الحاصلة فيه، وما يحاك ضد الأمة عموماً والمرأة خصوصاً من مخططات تهدف إلى إبعادها عن دينها، وتهميش دورها في الحياة بشكل يجعلها تعيش في عزلة شعورية عن حاضرها. و الرقي باهتمامات المرأة وتعميقها وإبعادها عن السطحية، وتعويدها على الجدية وترتيب الأولويات وعدم الانشغال بالترهات والتوافه. - تقرير الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة، نحو: كون الأصل قرارها في البيت، والتزام الحجاب، وعدم إبداء الزينة والتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ودعوة المرأة إلى التزامها. - رصد المشكلات التي تعاني المرأة منها في كافة الجوانب المختلفة، والسعي إلى تلافيها والتقليل من نتائجها السلبية. - العناية بوقت المرأة وشغله بالمفيد واقتراح السبل الملائمة لتحقيق ذلك [٢] . - تقوية البناء الأسري وبخاصة في المجال الدعوي؛ إذ إن للدعوة العائلية أهمية فائقة في تعليم المرأة دينها وتحصينها ضد طروحات العلمانيين ومكائدهم. - تفعيل دور المرأة في مواجهة مخططات العلمنة؛ الساعية لإفسادها، وتشجيعها على القيام بدعوة بنات جنسها؛ لأنها الأعرف بمجتمعاتهن والأكثر تأثيراً فيهن والأقدر على الاتصال بهن والبيان لهن فيما يخصهن، مع أهمية العناية بجانب التحفيز لها وإيجاد الدوافع لديها لمواصلة نشاطها الدعوي حتى لا تفتر أو تصاب باليأس والإحباط نتيجة طول المسير ومشقته [٣] . - مطالبة النساء بالعناية ببيئاتهن الخاصة أزواجاً وأولاداً والقيام بالدور المنشود منهن في استصلاحها وإمدادهن بالوسائل والآليات والسبل المناسبة، وخاصة فيما تجهله المرأة مما يناسب في خطابها للرجال من محارمها؛ لأنهن الأكثر دراية بها، والأقدر على توجيهها والتأثير فيها متى استخدمن الحكمة. تفعيل دور الصالحات في المجتمع وإفساح المجال وفتح القنوات والميادين الملائمة أمامهن، ومحاولة إعداد بعض المتميزات علماً وتفكيراً وسلوكاً ثم إبرازهن بصفتهن قدوات لنساء المجتمع. - توعية المجتمع بأهمية دور المرأة في نهضة الأمة ورقيها، ومطالبة أفراده بمؤازرتها والتواصي برفع صور الظلم المختلفة عنها والموجودة في بعض البيئات، وترك اللامبالاة والغفلة والتهميش للمرأة الذي يقع فيه بعض الأفراد، اقتداءاً بنبينا ﷺ في تعامله مع المرأة. ثانياً: سبل تتعلق بمجابهة العلمانيين، ومن أهمها: - إبانة أهداف العلمانيين والتي من أبرزها: أ - التشكيك بالأصول وإزاحة ثوابت الأمة العقدية وأسسها الفكرية والسلوكية وإحلال حضارة الغرب وقيمه مكانها. ب - إخراج المرأة عن العبودية لله والاستمساك بشرعه، وجعلها مجرد متاع في مسارح الرذيلة وملاهي الخنا ووسائل الإعلان وأوراق الصحف والمجلات وشاشات التلفزة والقنوات الفضائية. ج - الدعوة إلى التفلت الديني والفوضى الاجتماعية تحت مسمى الحرية والمساواة. د - إيضاح أن حقيقة الحقوق المزعومة التي يطالبون بإعطائها للمرأة حق الإلحاد والزنا والعري والحمل السفاح والشذوذ الجنسي سالكين طريقة التلميع للوسائل والتزوير للحقائق والإظهار للباطل بمظهر أخاذ. - تتبع العلمانيين وكشف تاريخهم ودراسة إنتاجهم الفكري ورصد أنشطتهم ووزنها بميزان الشرع وإبانة ما فيها مما يتناقض مع ثوابت الأمة والسعي إلى زعزعتها لكي يتم فضح القوم، وكشف انعزالهم عن قيم الإسلام وحضارته، وارتباطهم خدمة وتربية وفكراً وسلوكاً بجهات خارجية معادية تسعى إلى استئصال هوية الأمة وإحلال قيمها مكانها، وذلك من شأنه أن يمكن العلماء والدعاة من نقل الطرف الآخر من مرحلة الهجوم إلى الدفاع. - تتبع مداخلهم النفسية وأنشطتهم الجاذبة لكثير من النساء والعمل على الحد منها والتخفيف من آثارها وإيجاد بدائل إسلامية عنها. - العمل على استمالة القريبين فيهم من الحق ودعوتهم والعمل على كسبهم إلى جانب الموقف الشرعي الصحيح. - تحديد الشبهات التي يثيرونها حول النظام الإسلامي في مجال المرأة مما يتخذونه وسيلة لتشكيك المرأة في دينها وزعزة عقيدتها، والقيام بتفنيدها [٤] والإثبات عقلاً وواقعاً - أن النظام الإسلامي هو الطريق الأمثل لحماية المرأة من الظلم وصيانة المجتمع من الفساد، وإعطاء كل ذي حق حقه. - بيان حقيقة واقع المرأة في الغرب وكشف ضخامة الأمراض والمشكلات التي تواجهها على كافة الأصعدة [٥] ، وفي ذلك أعظم تعرية للعلمانيين والذين يطالبون المرأة في مجتمعاتنا بمحاكاة المرأة الغربية والسير على منوالها إن هي أرادت سلوك طريق التقدم والمضي في دروب الحضارة كما زعموا. ثالثاً: سبل تتعلق بالعلماء والدعاة، ومن أهمها: -إدراك الواقع إدراكاً جيداً وتحليل جوانب القوة والضعف لدى الطرفين [٦] ، والاستفادة من ذلك في تحديد أهداف المرحلة والسبل المثلى للمدافعة. إبانة حقيقة النظام الإسلامي في معاملة المرأة، وتجلية محاسنه وإزالة الشبهات التي تثار حوله؛ لأنه لن يدحض الظلام إلا النور كما قال تعالى: [وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا] [الإسراء: ١٨] . - إيضاح الاختلاف الجذري بين النظام الإسلامي وواقع المجتمعات الغربية، والذي من أبرزه: أ - أن الأسرة في النظام الإسلامي تعد اللبنة الأولى في تكوين المجتمع؛ بينما يعد الفرد في الغرب هو الركيزة الأساس. ب - أن العلاقة بين الجنسين في النظام الإسلامي علاقة تكامل وتلاحم وحرص من كلا الطرفين على مصالح الآخر كحرصه على مصالحه، وطبيعة العلاقة في كثير من أرجاء الغرب اليوم قائمة على التنافس والتنافر بين الجنسين وحرص كل من الطرفين وبخاصة المرأة التي تشعر بالاستضعاف على فرض هيمنته على الآخر. ج - أن النظام الإسلامي يعطي المرأة حقوقها الشرعية كاملة وفي المقابل يطالبها بالقيام بالواجبات الشرعية التي يفرضها عليها والتي لا تقوم الحياة السوية إلا بها، وفي الغرب نجد أن كثيراً منهم يتبعهم العلمانيون في بلداننا يوهمون المرأة بسعيهم لإعطائها حقوقاً هي في واقع الأمر بوابتهم الرئيسة لاستعبادها واستخدامها استخداماً جسدياً قذراً بعيداً عن مراعاة متطلبات روح المرأة وعقلها وقيم المجتمع وأخلاقياته. - إقامة لجان ومراكز أبحاث مهمتها العناية بالجوانب الإعلامية وإبراز جهود العلماء والدعاة أفراداً ومؤسسات في قطاع المرأة عموماً والأسرة خصوصاً في الجوانب المختلفة: العلمية، الاجتماعية والصحية، وإعداد المعلومات والإحصائيات عنها، ونشر ذلك بشكل دوري عبر وسائل الإعلام لإظهار ضخامة الجهد المبذول وضآلة ما يقوم به العلمانيون مقارنة بها. - العناية بالنساء في البيئات الخاصة بالدعاة تعليماً وتربية؛ نظراً لإمكانية التأثير القوي والاتصال المباشر لكي يتم تلافي الإهمال غير المتعمد لها الناتج عن الانشغال بالبيئة الخارجية وإبراز قدوات نسائية للمرأة ذات عمق في التفكير وجدية في الاهتمامات وقوة في الأخذ بالإسلام. - تفعيل دور العلماء والواجهات الاجتماعية الخيرة ذكوراً وإناثاً وكافة أفراد المجتمع ومطالبتهم بالقيام بالدور المنشود منهم في مواجهة طروحات العلمانيين ودفع خطرهم، استفادةً منهم من جهة وتوسيعاً لدائرة المعركة من جهة أخرى بدلاً من جعلها كما يريد العلمانيون بينهم وبين الدعاة فقط. - زيادة المناشط الدعوية والاجتماعية، وتحسينها، والاعتناء بتناول الموضوعات المختلفة التي تحتاجها المرأة مع الحرص على التجديد في الأساليب والإبداع في الوسائل لضمان تفاعل المرأة معها بشكل أكبر. - توثيق الصلة بالمثقفين ورجال الأعمال ومد الجسور معهم لترشيد أعمالهم من جهة والحيلولة دون أن تكون عوناً للعلمانيين على إفساد المرأة من جهة أخرى، وللتنسيق معهم في اقتحام مجالات جديدة تحتاجها المرأة كصناعة الترويح والملابس ونحوها وفق الضوابط الشرعية. - توسيع دائرة الانفتاح الدعوي على كافة مجتمعات النساء: ملتزمات وغير ملتزمات، مثقفات وعاميات، متزوجات وغير متزوجات، أمهات، وأخوات وبنات، وعدم قصر النشاط على فئة دون أخرى. - اقتحام ميادين وقنوات دعوية جديدة في مجال المرأة، ومن أهم ذلك: أ - قيام العلماء والدعاة بإنشاء جمعيات تنادي بالحقوق الشرعية للمرأة؛ لقطع الطريق على العلمانيين الذين يَلِجُون من هذا الباب لتحقيق مآربهم. ب -إقامة مراكز أبحاث نسوية خاصة بشؤون المرأة. ج - إنشاء مؤسسات إنتاج ودور نشر متخصصة بقضايا المرأة ودعوتها. العمل على تغيير هيكلة تعليم المرأة؛ ليناسب وضعية المرأة، ورسالتها في الحياة، والسعي لتطوير المناهج وفتح التخصصات التي تساعدها على القيام بدورها الأساس المنوط بها زوجةً وأماً ومربية. وختاماً: فلا بد من إدراك أن الخطب جسيم، ويحتاج إلى استعانة صادقة بالله تعالى وعمل جاد، وتضافر قوي لكافة جهود المخلصين؛ وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة، والمصير غير محمود، وعندها سيهيئ الله لدينه جيلاً ينصره، ويقوم بأمره ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3455

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢-٢) وقفات حول.. الخطاب الدعوي في قضية المرأة محمد بن عبد الله الدويش إن الحديث عن تقويم الخطاب الدعوي في قضية المرأة يحتاج إلى دراسة علمية واسعة تعتمد على حصر النتاج الذي يتناول قضية المرأة وتحليل مضمونه تحليلاً علمياً؛ وهذا مشروع علمي يحتاج إلى جهد واسع، ولعله أن يكون ميدان اهتمام بعض المختصين. ورغبة في الإسهام في هذا الملف الذي تنشره المجلة أحببت أن أسطر بعض الوقفات السريعة التي لا تعدو أن تكون خواطر وانطباعات شخصية أكثر منها دراسة علمية موضوعية. الوقفة الأولى: لماذا يُعنى الدعاة بقضية المرأة؟ يعد موضوع المرأة من الموضوعات الساخنة والحيوية لدى الدعاة إلى الله عز وجل، وقلما نجد مناسبة للحديث والكتابة إلا وتتضمن شيئاً يتعلق بالمرأة، ولعل الذي أدى إلى أهمية قضية المرأة لدى الدعاة إلى الله أمور، منها: الأمر الأول: التأسي بالنبي ﷺ في دعوته؛ فقد كان يولي المرأة عناية واهتماماً؛ فكان ﷺ حين يصلي العيد يتجه إلى النساء فيعظهن ويأمرهن بالصدقة؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: (خرجت مع النبي ﷺ يوم فطر أو أضحى فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن وذكَّرهن وأمرهن بالصدقة) [١] . ولم يقتصر الأمر على استثمار اللقاءات العابرة، بل خصص لهن النبي ﷺ يوماً يحدثهن فيه؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قالت النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجال؛ فاجعل لنا يوماً من نفسك. فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدِّم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار. فقالت امرأة: واثنتين، فقال: واثنتين) [٢] . الأمر الثاني: أن النبي ﷺ حذر من فتنة النساء، وأخبر أنها من أشد ما يخشاه على أمته، فقال: (ما تركت بعدي فتنةً هي أضر على الرجال من النساء) [٣] . ومن ثم كان لا بد من الاعتناء بذلك، سواء فيما يتعلق بدعوة المرأة وإصلاحها، أو التحذير من فتنة النساء وخطورتها. الأمر الثالث: أن لصلاح المرأة واستقامتها الأثر البالغ على صلاح الأسرة؛ فهي الأم والمربية؛ والشباب والفتيات إنما ينشؤون في أحضانها، فلا غنى لنا حين نريد تكوين الأسرة المسلمة عن الاعتناء بدعوة المرأة وإصلاحها. الأمر الرابع: أن دعاة التغريب قد تبنوا قضية المرأة ورفعوا لواءها، وولجوا جحر الضب الذي ولجه الأعداء، وهي دعوة محمومة وصوت نشاز يرفعه هؤلاء الببغاوات في وقت بدأ يعلن فيه عقلاء الغرب والشرق التراجع عما يطرحونه في قضية المرأة، فبدؤوا يدعون إلى فصل التعليم، ويدعو بعضهم إلى الحجاب، وإلى عودة المرأة إلى منزلها ... ومع ذلك يسير هؤلاء الأذناب كالقطيع يريدون أن يبدؤوا من حيث بدأ هؤلاء. الوقفة الثانية: منجزات الصحوة في قضية المرأة: حين نتحدث عن الخطاب الدعوي في قضية المرأة فإن العدل والإنصاف يستوجب علينا أن نذكر المنجزات والنتائج الإيجابية التي حققها الدعاة إلى الله عز وجل. وليس صحيحاً أن تكون اللغة الوحيدة التي نجيدها هي لغة النقد وتعداد الأخطاء. فمن المنجزات التي حققها الدعاة إلى الله تعالى في قضية المرأة: ١ - تأخر دعوة التغريب والتحرر، ولولا فضل الله ثم جهود الدعاة للحقت تلك البلاد بسائر بلاد المسلمين. ٢ - تغيرت لغة دعاة التغريب والعلمنة، وباتوا أقل جرأة منذ بداية الدعوة لتحرير المرأة، فأصبحنا نسمع كثيراً في حديثهم التمسح بعبارات (في إطار الشريعة السمحة) (فيما لا يتعارض مع شريعتنا وتقاليدنا) ، وندرك أن ذلك لا يعني تغير الموقف، لكنه شاهد على أثر الدعوة والصحوة الإسلامية. ٣ - الصحوة والعودة إلى الله التي تحققت في أوساط المرأة، ولعل من أبرز الشواهد على ذلك انتشار الحجاب في البلاد التي كانت سباقة في دعوات التحرر؛ ففي جامعة كانت سباقة في دعوة التحرر في إحدى العواصم لم يكن يوجد إلا طالبة واحدة محجبة، واليوم انتشر في تلك الجامعة وغيرها الحجاب حتى فاق النصف، ولعل ما حصل في تركيا التي كانت أول من رفع لواء العلمنة والتغريب في العالم الإسلامي من ضجة حول الحجاب دليل على ما حققته الصحوة في هذا الميدان. ٤ - بروز قيادات دعوية نسائية لها حضور واضح ومتميز في الساحة الدعوية. ٥ - بروز أنشطة دعوية نسائية، كالمجلات النسائية، ودور تحفيظ القرآن الكريم ومدارسه. ومع هذا الجهد إلا أن العمل البشري لا بد أن تصاحبه ثغرات وقصور، وحين تتجذر القضية وتتعقد عواملها تتسع هذه الثغرات، فنحتاج للمراجعة النقدية لواقعنا بين آونة وأخرى. الوقفة الثالثة: حول محتوى الخطاب الدعوي: يلمس القارئ لهذا الخطاب سمات من أهمها: أ - الدائرة العامة والخاصة: يغلب على كثير من المتحدثين إلى المرأة التركيز على قضايا محددة وتكرارها، حتى أصبحت مَنْ تحضر مجلساً من هذه المجالس تتوقع ألا تسمع إلاحديثاً حول الحجاب وبالأخص حول بعض مظاهر التحايل عليه أو الخروج إلى الأسواق، أو طاعة الزوج ... إلخ، وهي قضايا لا اعتراض على طرحها ومناقشتها والتأكيد عليها، ولا اعتراض على أنها مما تحتاجه النساء اليوم؛ لكن هذا أخذ أكبر من حجمه، وأصبح على حساب أمور أخرى ربما كانت أكثر منه أهمية، بل ربما كان إصلاحها يختصر علينا خطوات كثيرة. إن هناك أحكاماً وآداباً شرعية خاصة بالنساء دون الرجال، وما سوى ذلك فالأصل أن الخطاب فيه للجميع، والدائرة التي يشترك فيها الرجال والنساء أوسع بكثير من الدائرة التي تختص بها النساء، لكن المتحدث إلى المرأة غالباً ما يحصر نفسه في الدائرة الخاصة شعوراً منه بخصوصية المخاطبين. إن الحديث عن الإيمان والتقوى والتوكل على الله والتخلص من التعلق بما سواه، والحديث عن العبادات وأهميتها، والحديث عن أخطار المعاصي وآثارها، والحديث عن الآداب والحقوق التي ينبغي للمسلم رعايتها، والحديث عن اليوم الآخر وما أعد الله فيه للمطيعين والعصاة، والحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة وأهمية ذلك ووسائله، وطلب العلم والوسائل المعينة على تحقيقه، والحديث عن واقع الأمة ومسؤولية المسلمين تجاهه، فضلاً عن التربية وأهميتها ووسائلها وبرامجها؛ إن الحديث عن ذلك كله مما تفتقر إليه المرأة شأنها شأن الرجل، فلماذا يغيب ذلك في خطابنا الدعوي الموجه للمرأة؟ ! ب - الخطاب الموجه لغير المهتديات: لئن كانت الفتيات المهتديات، واللاتي يرتَدْنَ المساجد ودور القرآن الكريم يناسبهن خطاب معين، فالأخريات لهن شأن غير ذلك. إن الفتاة التي تعيش في عالم التيه والضياع، والفتاة التي تعيش همَّ الحب والعلاقة مع الطرف الآخر، والتي تعيش بين المسلسلات والقنوات الفضائية تحتاج لخطاب غير الذي تحتاجه المهتدية الصالحة. فحين يكون الحديث معها دائراً حول الحجاب وخطورة التساهل فيه، وحول أحكام خروج المرأة ... إلخ فإنها تشعر أنها لن تسمع جديداً، لن تسمع إلا الحديث حول الأحكام والحلال والحرام، وفرق بين أن لا نقرها على هذا التصور والكلام، وبين أن نتعامل مع الأمر الواقع بما لا يتعارض مع الشرع. لقد كان ﷺ يحدِّث الناس بما يناسبهم وما يفقهون؛ فالأعراب يدعوهم للإسلام من خلال إعطائهم المال وترغيبهم فيه، وعدي بن حاتم يحدثه عن الأمن الذي سينشأ حينما يدين الناس بدين الإسلام، والكاهن يحدثه بحديث بيِّن فصيح بعيد عن الكهانة ... وهكذا. فلِمَ لا يكون الحديث مع أمثال هؤلاء حديثاً عن السعادة والطمأنينة؟ حديثاً عن القلق والمشكلات التي سيطرت على الناس اليوم، وأن العلاج لذلك هو الإيمان والرجوع إلى الله؟ لِمَ لا نستعين بنتائج الدراسات المعاصرة التي تثبت أثر التدين على استقرار حياة الناس وتجاوز مشكلاتهم؟ ولِمَ لا نتناول الحديث عن اليوم الآخر ونربط ذلك بواقع الناس بطريقة تخاطب مشاعرهم وعواطفهم وعقولهم.. إلخ. ج - أهمية شمول الطرح والمعالجة: لا بد من تناول قضية المرأة تناولاً شمولياً، وأخذ الأمر من جميع جوانبه دون الاستجابة لتناول دعاة التغريب لجوانب معينة يحددونها ويريدون أن تكون هي موضع النقاش والحوار، كقضية قيادة السيارة، أو غطاء الوجه أو نحو ذلك؛ وهي قضايا ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً، فقضية قيادة السيارة ترتبط بالخروج من المنزل، واتساع مجالات التعرض للفتنة والإغراء، وترتبط بالحجاب ... وهكذا. وكثيراً ما يطرح هؤلاء مسائل مما ورد فيها اختلاف فقهي، كقضية كشف الوجه ونحوها وبغض النظر عن عدم جدية هؤلاء فيما يطرحونه، وأن مسألة الخلاف الفقهي إنما هي تكأة أكثر من أن تكون منطلقاً حقيقياً فرفض الدعاة لها لا ينبغي أن ينطلق من منطلق الترجيح الفقهي فقط، بل من النظر إليها باعتبارها جزءاً من منظومة ودائرة متكاملة لا يمكن فصل جزئياتها عن بعض. إن الأمر يختلف حين تناقش هذه المسائل لدى الفقهاء، وحين يثيرها طائفة من دعاة تحرير المرأة، فلا يسوغ أن نتحدث مع هؤلاء بلغة الخلاف الفقهي المجرد. د - مناصرة المرأة وتبني قضاياها: إن مما رفع أسهم دعاة التحرير والتغريب لدى الناس وأوجد لأقوالهم صدى وقبولاً: انطلاقهم من مبدأ نصرة قضية المرأة والدفاع عن حقوقها؛ وبالفعل فإنهم أحياناً ينتقدون بعض الأوضاع الخاطئة للمرأة في المجتمع. والدعاة إلى الله ﵎ هم أوْلى الناس بنصرة قضية المرأة والدفاع عن حقوقها المشروعة، وانتقاد الظلم الذي ينالها، ومن ذلك: حقها في حسن الرعاية والعشرة؛ فبعض الأزواج يسيء معاملة زوجته ويهينها، وربما تعامل معها على أنها خادم، أو سلعة، أو شيء دنس. ومن ذلك: الأوضاع الخاطئة والعادات المخالفة للشرع في تزويجها، كالمغالاة في المهر، واعتباره ميداناً للكسب المادي، وأخذ والدها لكثير من مهرها الذي هو حق لها، ومن ذلك العَضْلُ وتأخير تزويجها طمعاً في الاستفادة من راتبها حين تكون عاملة. والدعاة حين يسعون لمناصرة قضايا المرأة والدفاع عنها لهم أسوة حسنة بالنبي ﷺ ؛ فقد اعتنى بعلاج ما يقع من خطأ تجاه المرأة؛ فعن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، فذكر في الحديث قصة فقال: (ألا واستوصوا بالنساء خيراًَ؛ فإنما هن عوانٍ عندكم، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً. ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً؛ فأما حقكم على نسائكم فلا يوطِئن فُرُشَكم من تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) [٤] . وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تضربوا إماء الله) [٥] فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذَئِرْنَ [٦] النساء على أزواجهن؛ فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكين أزواجهن ليس أولئك بخياركم) [٧] . والاعتناء بهذا الجانب يبرز الدعاة إلى الله بأنهم الأنصار الحقيقيون للمرأة، وهم المدافعون عن قضيتها. هـ - مجالات التركيز في الدعوة والخطاب: لا بد من مراجعة هادئة لمجالات التركيز في دعوة المرأة وخطابها، ومن الأمور المهمة التي تحكم التركيز في خطاب المرأة: ١ - الأمور الأشد مصادمة للأصول الشرعية تكون لها الأولوية في المعالجة سواء كانت هذه المصادمة مباشرة أو غير مباشرة بل نتيجة المآلات. ٢ - الفئات الأشد تأثراً، ولعل فئات الفتيات اللاتي في مراحل التعليم هن أكثر الفئات تأثراً واستعداداً للتجاوب مع التغيير سلباً وإيجاباً، فالاعتناء بهذه الطبقة وتوجيه الخطاب المناسب لها، والسعي لاستثارة همم من يتعامل معهن من الآباء والمعلمات أمر ينبغي أن يحظى بأولوية واعتبار. ٣ - المتغيرات السلبية الحديثة والطارئة تستحق تركيزاً أكثر من غيرها؛ لأنها لم تستقر في المجتمع ولم تنتشر؛ فمن السهولة مواجهتها، وتركها قد يفتح المجال واسعاً أمام انتشارها في المجتمع وتقبُّله لها، وانتقالها من مرحلة الحالات الفردية إلى أن تكون ظاهرة، ثم تتطور إلى أن تصبح قيمة اجتماعية يصعب تغييرها. ٤ - الجوانب المخالفة للشرع في حالها أو مآلها والتي يراد قطع خطوات عملية لإقرارها وتنفيذها؛ فالتصدي لها ومواجهتها أمر ينبغي أن يكون له أولوية، حتى لو قدمت على ما هو أهم منها مما لم يأخذ طريقه للتنفيذ. الوقفة الرابعة: حول منهجية الخطاب وتتمثل في: أ - تأصيل مبدأ التسليم: لا بد من الاعتناء بتأصيل مبدأ التسليم والخضوع لله ﵎ والوقوف عند شرعه، والتأكيد على ذلك، وأن المسلم لا خيار له في التسليم لأمر الله سواء أدرك الحكمة أم لم يدركها [ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب: ٣٦] ، [فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] [النساء: ٦٥] . وحين نُعنى بتحقيق الإيمان والتسليم لله فإننا نختصر خطوات كثيرة على أنفسنا، وتؤتي دعوتنا ثمارها بإذن الله . وينبغي أن نحذر مما تسعى إليه بعض وسائل الإعلام المضللة التي تعقد حوارات حول القضايا الشرعية، فتجعل الحكم الشرعي رأياً آخر، ووجهة نظر قابلة للنقاش، وهي الخطوة الأولى التي يريدها دعاة التغريب والعلمنة. ب - الاعتماد على المنهج العلمي: مما نحتاجه عند تناولنا لقضية المرأة أن نتحدث حديثاً علمياً يحترم عقول الناس وتفكيرهم، فلم يعد الناس اليوم يقبلون أن يملي عليهم أحد كائناً من كان آراءه واقتناعاته الشخصية. فحين نتحدث عن أن خروج المرأة للعمل يؤثر على رعاية منزلها وتربية أولادها فإننا نحتاج إلى أن نستشهد على صحة ما نقول بالدراسات العلمية التي أثبتت ذلك، وحين نتحدث عن صلة الاختلاط وخروج المرأة بالجريمة، وحين نتحدث عن أثر العفاف والمحافظة على الاستقرار والنجاح في العلاقات الزوجية ... إلخ نحتاج في ذلك كله إلى أن ندعم ما نقوله بالأدلة العلمية، وبنتائج الدراسات المتخصصة. ولدينا اليوم رصيد من الدراسات العلمية لا يزال حبيس الرفوف؛ فالاستفادة منه وتوظيفه أمر له أهميته، يضاف إلى ذلك ضرورة إجراء دراسات علمية حول كثير من القضايا التي يُحتاج إليها، وينبغي استثمار مراكز البحوث، وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وربما كانت هذه الدراسات الجادة أوْلى مما يطرح في الساحة من كتب وكتيبات لا تزيد على بضعة نُقُول من كتابات قديمة [٨] . ج - التفريق بين العادات والأحكام الشرعية: ترتبط العادات ارتباطاً وثيقاً بقضية المرأة؛ إذ لا يخلو مجتمع من المجتمعات من عادات تختص بهذا الجانب؛ ولأن معظم العادات القبلية في المجتمعات الإسلامية تتسم بقدر من المحافظة، فقد يختلط الأمر لدى بعض الغيورين فيخلطون بين عادات تواضع عليها المجتمع وأصبحت جزءاً من ثقافته، وبين الأحكام الشرعية؛ فيصرون على الإبقاء على هذه العادات والمنافحة عنها، وقد لا يكون لها أصل في الشرع. والأمر في ذلك يحتاج إلى الاعتدال؛ فالعادات التي ليس لها أصل من الشرع لا ينبغي الإصرار على التمسك بها والمنافحة عنها، فضلاً عن ربطها بالشرع، وفي المقابل لا ينبغي الإصرار على تحطيمها ونبذها بحجة أنها مما لم يأت بها الشرع، فما كان منها حسناً فليبق عليه، وما كان سيئاً فليترك. د - الاعتناء بالضوابط الشرعية والحذر من تجاوزها: لما كانت فتنة المرأة من أشد الفتن وأضرها أحاطها الشرع بالضوابط والأحكام التي تقلل من تأثيرها. لذا فلا بد من الاعتناء بهذه الضوابط والالتزام بها، فقد يدفع حرص بعض الدعاة على نشر الدعوة وتوسيع نطاقها إلى السعي للتخفف من هذه الضوابط وتجاوزها. وقد يكون الأمر ناشئاً عن ردة فعل تجاه ما يطرحه الآخر ويَصِمُ به الإسلاميين؛ فيبالغ بعض الدعاة في التحرر من الضوابط الشرعية، وربما يشن هجوماً غير متزن على أولئك الذين يلتزمون بها. إنه ليس من المقبول أن يبالغ أحد الدعاة في انتقاد فصل الرجال عن النساء في المؤتمرات والمنتديات الدعوية، أو يطلب أن تقدمه إلى الجمهور امرأة وتتولى قراءة الأسئلة، أو أن تصبح قضية فصل مصلى الرجال عن النساء من أكبر ما يتصدى لإنكاره في بلد يقطع خطوات حثيثة نحو التغريب وتحرير المرأة! الوقفة الخامسة: الموقف من دعاة التغريب والتحرر، ويتمثل ذلك في الآتي: أ - التفريق بين من يتناولون قضية المرأة: لقد حمل لواء الدعوة إلى تحرر المرأة وتغريب المجتمع المسلم طائفة من رجال التيار العلماني، وسعوا بمكر ودهاء لسلوك أي طريق يمكن أن يوصلهم إلى أهدافهم المشبوهة، ولأن هؤلاء يسلكون أساليب ملتوية في طرح أفكارهم، ويتظاهرون بالدفاع عن قضية المرأة والسعي لإعطائها حقوقها المسلوبة فقد سايرهم في ذلك طائفة من الكتاب والصحفيين والمثقفين ممن لا يحمل التوجه والفكر العلماني، إنما هم من المتأثرين بما يطرحه أولئك، وكثيراً ما يطرح المتأثرون بهم قضايا تتفق مع ما يسعى إليه أولئك. فينبغي عند تناول القضية والحديث عن المخالفين ألا نحشر الجميع في زاوية واحدة ودائرة واحدة؛ ففرق بين من يساير هؤلاء فيما يطرحون وبين من يحمل الفكر والتوجه العلماني. ولقد فرق السلف بين أهل البدع، فأهل الأهواء والزندقة ليسوا كمن عرف عنه إرادة الخير وتحريه لكنه وافق بعض أهل البدع في بدعتهم، والداعية إلى البدعة المنافح عنها ليس كغيره، وأصحاب البدع المكفرة ليسوا كمن دونهم من أصحاب البدع المفسقة. ب - البعد عن الحديث عن النوايا: إن الحق يجب أن يقال، والباطل يجب أن يواجه ويبين للناس؛ لكن ثمة فرق بين بيان الحق والرد على المبطل، وبين الحكم على صاحبه؛ فنحن في أحيان كثيرة نشن انتقاداً لاذعاً لكل من يطرح طرحاً مخالفاً في قضية المرأة وغيرها، ولا نقف عند هذا الحد، بل نتهم الكاتب والمتحدث بسوء النية، وخبث الطوية ... إلخ. فليكن النقاش منصبّاً على الفكرة وعلى الموضوع، أما رموز التيار العلماني، ومن يحمل فكراً سيئاً فهؤلاء ينبغي أن يُفضحوا بالطريقة المناسبة ليس من خلال كتاب أو مقال واحد، بل من خلال رصد واسع لتوجهاتهم وأفكارهم، وأن يكون ذلك بطريقة تقنع الناس. ج - النقد العلمي الموضوعي: حين يتناول هؤلاء قضية المرأة أو غيرها فإنهم يُدبِّجون حديثهم بحجج ومسوغات تضفي عليه صبغة الموضوعية والحياد العلمي، وكثيراً ما يوظفون نتائج البحث العلمي توظيفاً مضلِّلاً. والملاحَظ أن كثيراً من ردود الدعاة على هؤلاء تتسم بالتشنج والعاطفة، وتأخذ منحى الحكم على الأشخاص، والحديث عن المؤامرات التي تحاك على المرأة، ويتجاهلون النقاش العلمي الموضوعي لما يطرحه أولئك من مسوِّغات. وهذا الطرح إن أقنع فئات من المتأثرين بالدعاة، فإنه لن يقنع فئات أخرى ممن يعني الدعاة إقناعهم، بل ربما أسهم في إقناعهم بوجهة نظر الآخر. إن الدعاة أحوج ما يكونون إلى إتقان لغة الحوار، والحديث العلمي الموضوعي، وإلى أن يدركوا أن مجرد كونهم ناصحين غيورين لن يجعل الناس منصتين لهم ينتظرون ما يطرحونه ويتلقونه بالتسليم والقبول. الوقفة السادسة: لا بد من الاعتناء بالبناء والإعداد: ينبغي الاعتناء بالبناء والإعداد، وألا تكون مواقفنا مجرد ردود أفعال لما يثيره الأعداء؛ فحين تثار قضية نتفاعل معها، ونكثر الحديث حولها وننسى ما سواها، ومن ثم تصبح دعوتنا مجرد انعكاس لما يثيره ويطرحه دعاة التغريب والتحرر. ومع أن هذا لا يعني إهمال القيام بواجب الإنكار وبيان الموقف الشرعي في القضايا التي تثار، وأن ذلك ينبغي أن يكون في وقته، إنما الاعتراض على أن يكون هذا هو وحده محور الحديث ومنطلقه. والحديث الناشئ عن ردة الفعل سيتحكم في مضمونه ومحتواه ما يطرحه ويثيره الآخر، ومن ثم فلن يكون متكاملاً أو متوازناً في تناوله للقضية. الوقفة السابعة: لا بد من التركيز على البرامج العملية: لا يسوغ أن يبقى جهد الدعاة منحصراً في إطار الخطاب النظري وحده، بل لا بد من الانطلاق إلى برامج عملية ومن هذه البرامج المهمة: أ - الاعتناء بتربية الفتيات وتنشئتهن، وهذا يتطلب من الدعاة إلى الله أن يعتنوا ببيوتهم ويعطوها من أوقاتهم. ب - الاعتناء بإعداد برامج ومناهج تربوية تتفق مع طبيعة المرأة بحيث تكون متاحة للجميع ليستفيدوا منها. ج - نظراً لطبيعة المرأة وقلة الفرص المتاحة لها لتلقِّي التربية والتوجيه في مقابل ما هو متاح للشباب، فإن هذا يستلزم الاعتناء بإيجاد محاضن للمرأة تتلقى فيها التربية والتوجيه، كدور القرآن ومدارسه، وأن تُطَوَّر هذه المحاضن ويُرتَقَى بها، وأن تتضافر في ذلك الجهود ولا يكون الأمر مختصاً بفئة يسيرة من المهتمين.

стр. 3456

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢-٢) المؤسسات الدعوية النسائية الواقع والتطلعات د. رقية بنت محمد المحارب أتناول في هذه الورقات موضوعاً أحسب أنه غاية في الأهمية في هذا الوقت يتعلق بإقامة مؤسسات دعوية نسائية متخصصة تعتني بكل الجوانب المهمة في حياة المرأة المسلمة أينما وجدت. وتعتبر الصفحات الآتية محاولة للفت الانتباه إلى أهمية الموضوع أكثر من كونها دراسة مستوفية لكل الجوانب المتعلقة به، وكلي أمل أن يتبع هذه المحاولة كتابات أعمق تتناول زوايا مهمة نحتاج إلى تجليتها وبيانها. تمهيد: أتساءل أيها الإخوة والأخوات عن مستقبل المرأة المتوقع خلال الزمن القادم، وماذا أُعِدَّ من جهود لمواجهة المستجدات القادمة فيما يخص المرأة بالتحديد؟ وماذا نعرف عن رموز التحرر النسائية والرجالية من أمثال: نازك العابد، ودرية شفيق، وهدى شعراوي، وملك حفني ناصف، وفاطمة اليوسف، ونوال السعداوي، وجرجي زيدان، ورفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين؟ بل ماذا نعرف عن الدور الكبير الذي تلعبه الأمم المتحدة في مجال الأسرة؟ وماذا عن منظمة التجارة العالمية وتداعياتها فيما يختص بالشؤون الاجتماعية؟ وماذا تحقق على أرض الواقع في كل بلد إسلامي نتيجة المؤتمرات الدولية عن الطفولة والأمومة أو عن المرأة؟ وماذا لدينا من معلومات عما تواجهه المرأة في الخليج والمغرب العربي وغيرها من مناطق العالم الإسلامي؟ وما هي الهموم والتطلعات التي تراود بنات المسلمين؟ وما مدى تأثير وسائل الإعلام، والظروف الاقتصادية على تنشئة الفتاة ونموها الثقافي والنفسي والاجتماعي؟ وماذا عن عالم الطفل والمشروعات التي تُناقَش الآن تنفيذاً لتوصيات المؤتمرات الدولية لنزع ولاية والديه عنه نتيجة العنف الذي يتعرض له في بلاد الغرب، وما مدى فداحة الوضع في البلاد الإسلامية؟ ثم ما مدى موافقة هذه التشريعات للمقاصد الشرعية؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير لا يمكن أن تفي صفحات كثيرة بمجرد سردها بَلْهَ الدخولَ في كل قضية بتفصيلها. وكنا ولا زلنا نعيش بشكل كبير في دائرة ردود الأفعال؛ فالحدث يصنع بيد غيرنا، والمبادرات الموجهة لصرف المرأة عن دينها تقام على مدار الساعة؛ فهذه مجلاَّت تؤصِّل التمرد على شرع الله، وهذه دراسات أكاديمية تظهر أرقاماً وتخفي أخرى في محاولة لإثبات أن عمل المرأة في بيتها مثلاً خسارة للاقتصاد الوطني، وهذا ملف عن المرأة يردد مقولات الحركات النسائية الغربية ويصف عصر الصحوة بأنه عصر الانتكاسة ويصف عصر السفور بأنه عصر التقدم [١] وهكذا في سلسلة متنامية. إن الجهود الدعوية المبذولة على صعيد المرأة تحاول بقدر المستطاع تقديم رؤية شرعية، ولكنها تظل تتسم غالباً بردة الفعل وبالتكرار أحياناً، وبفقدان الشمولية والتكامل والقلة، كما أنها تفتقر بشكل ملموس وملاحظ إلى المعلومة الدقيقة والإحصائيات، وبالإضافة إلى ذلك فإنها لا تتميز بطول النفس في الاستقصاء والمتابعة؛ وهذه طبيعة الجهود الفردية وضخامة المهمة. والمرأة المسلمة وهي تواجه كل هذه التحديات المعاصرة تحتاج إلى من يعينها على الصمود ويأخذ بيدها إلى بر الأمان، وتحتاج بشكل خاص إلى عمل مؤسسي متخصص علمي وتربوي واجتماعي وثقافي واقتصادي. ومن شأن هذه المؤسسات المتخصصة ونحن في عصر التخصص أن تساهم مساهمة جليلة في توفير الحصانة الفكرية والعقدية، وفي البناء التربوي الإيماني والدعوي للمرأة، وإيجاد محاضن تربوية تخرج لمجتمعات المسلمين المرأة التقية المثقفة الفاعلة؛ بحيث تُكَوِّن أعني هذه المؤسسات رافداً مهماً لأهل التربية في مهماتهم، ولأهل الإعلام في جهودهم؛ وعلاوة على ذلك تكون رأياً عاماً مستنداً على الدليل الشرعي والتحليل المنطلق من الذاتية الثقافية في انفتاح على الصالح من ثقافة الآخر؛ إذ الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها. كما أن وجود هذه المؤسسات المتخصصة سوف يفتح آفاقاً للباحثين والباحثات في شؤون المرأة والأسرة الذين يعانون أشد المعاناة من ندرة مصادر المعلومات، وتبعثر المراجع العلمية وغياب الرصد الإعلامي المتخصص، وعدم وضوح القضايا الملحة التي تحتاج إلى جهود علمية لتحرير الموقف الشرعي. وبعد هذه المقدمة الموجزة أتساءل: لماذا لم توجد مثل هذه المؤسسات الدعوية النسائية؟ ثم ما هو المطلوب منها بقدر من التفصيل؟ وما هي آفاق العطاء المنتظر؟ وما هي العوائق التي قد تحول دون قيام هذه المؤسسات؟ ثم أخيراً دعوة إلى إخواني وأخواتي لإبداء آرائهم حول هذا الموضوع ونقده. أسباب غياب مؤسسات دعوية نسائية متخصصة: قبل أن أورد جملة من الأسباب التي أرى أنها مسوِّغات لعدم وجود مثل هذه الهيئات النسائية أحب أن أشير إلى أنه ليس المقصود أن يكون القائمون على هذه المؤسسات الدعوية بالضرورة نساء، بل إن الهدف هو توجيه الاهتمام إلى كل ما يتعلق بالمرأة من أمور على سبيل الاختصاص، كما أنه من المهم الإشارة إلى أنني أقر بوجود جهود كثيرة بحمد الله مهتمة بهذه القضية منذ زمن، سواء كان ذلك من خلال الفروع النسائية لبعض الجمعيات الدعوية في العالم الإسلامي أو أفراد تخصصوا في الكتابة؛ ولكنني أعتقد أن الجميع يتفق معي في أنها لم تصل إلى مستوى الهيئات المتخصصة التي تعتبر ذات مرجعية في قضايا المرأة. وعلى سبيل المثال فإننا لا نجد مركز بحوث متخصصاً يُعنى بقضية الأسرة من وجهة النظر الشرعية ويغطي كافة جوانبها. وأذكر هنا بعض الأسباب التي أدت إلى افتقار الساحة الدعوية لهذه المراكز المهمة: ١ - حداثة سن الصحوة إن صح التعبير وضخامة المهمات المنوطة بها؛ فخلال الأربعين سنة الماضية شهدت مناطق العالم الإسلامي أحداثاً كبرى، فأصبح العالم الإسلامي ينوء بالتبعات والرواسب على مختلف الأصعدة التي خلفها الاستعمار الذي عمل بكل جهده على استنزاف المنطقة اقتصادياً وثقافياً، وهذا انعكس على وضع المرأة في تربيتها ودعوتها. ٢ - عدم القناعة لدى قطاع من الدعاة والمربين بأهمية العناية بقضايا الدعوة في أوساط النساء، ولا تزال هذه القناعة موجودة إلى يومنا هذا وإن كانت في طريقها إن شاء الله إلى الزوال. ٣ - سلامة البنية الأساسية للأسرة المسلمة في كثير من بلاد العالم الإسلامي؛ فمؤسسة الزواج لا زالت محترمة رغم الدعوات المحمومة إلى اعتبار الزواج العرفي مشروعاً! ! ولا زالت قيمة العناية بالوالدين عظيمة عند السواد الأعظم من المسلمين، والنظرة الإيجابية للأبناء وضرورة تربيتهم التربية الصالحة. ٤ - ضعف الموارد المالية للمؤسسات الدعوية مما أدى إلى تأخير تنفيذ كثير من مشروعات التوعية، ووجود أولويات في قائمة الاهتمامات لدى هذه الجهات. ٥ - ندرة الطاقات النسائية القادرة على المطالبة بإنشاء هذه المؤسسات، وضعف تكوينهن الثقافي والتربوي مما نتج عنه فراغ كبير استطاع الاستعمار من خلاله تبني بعض القيادات النسائية وتقديمهن للمجتمع على أساس أنهن مناضلات؛ كما حدث في المغرب أثناء المظاهرات التي رُمي فيها الحجاب في الشارع احتجاجاً على المستعمر الفرنسي وكأنه هو الذي طالب به، وكما حصل أيضاً في مصر في المظاهرة المشهورة ضد الإنجليز، وتذكر عائشة بلعربي [٢] أن الفرنسيين اهتموا بالمرأة منذ منتصف القرن التاسع عشر! ! فأسسوا ثلاثة أنواع من المراكز: أحدها: للأسرة والطفل، والثاني: للطبقة العاملة، والثالث: في الأرياف لخدمة المرأة القروية. والهدف هو بالتأكيد الوصول للمرأة وتقديم الخدمات التعليمية المنسجمة مع المصالح الفرنسية. وأدى وجود بعض التقاليد المنافية للإسلام والتي فيها إجحاف واضح بحق النساء إلى الإقبال على البديل الفرنسي الذي لم يقصِّر في ربط هذه الممارسات بالدين. فوائد المؤسسات المتخصصة: لا أظن أن أحداً يختلف معي أن هناك منافع عظيمة من وجود المؤسسات المتخصصة التي تتناول القضايا النسائية وتتولى إعداد التصورات والدراسات المختلفة حول القضايا التي تشغل المهتمين بالدعوة إلى الله ، ولا ينقضي عجبي حين أرى أنه تكونت في لبنان مثلاً ١٥٠ جمعية نسائية كثير منها نصراني أو يمثل الديانات اللبنانية المختلفة، وأجد مثلاً أن غاية (الجمعية المسيحية للشابات) في بيروت هي (بناء رابطة من النساء والفتيات لتحقيق المبادئ والمثل العليا التي ائتُمِنَّ عليها باعتبارهن مسيحيات جادات في تفهم تعاليم يسوع والاشتراك في حبه مع الجميع والنمو في معرفة الله ومحبته والاقتداء به في محبة الغير وخدمة المجتمع) [٣] . ولا أدري هل لا زالت هذه الجمعيات موجودة أم أن بعضها توقف عن العمل، أو أن جمعيات جديدة أنشئت، فأنا محتاجة إلى دراسات تعطيني صورة واقعية عن النشاطات النسائية في العالم، وتُمِدُّني بحصيلة قوية أتمكن بها من الوعي بالواقع الذي يهمني بصفتي امرأة. وشيء آخر ذو دلالة بهذه الجزئية: ما هو نشاط المنصِّرات وطرقهن للتعامل مع ظروف المرأة في بعض البلاد الإسلامية؟ وما هي استراتيجيات هذه الحركات وغيرها للتأثير على عقل المرأة المسلمة؟ وأورد فيما يلي بعض المقترحات، وأجزم أن هناك أبعاداً أخرى لم أتناولها: ١ - الخروج من دوامة ردود الأفعال، والعمل على صناعة الأحداث. ٢ - القيام بمتابعة النشاطات ذات العلاقة بالمرأة ورصدها من خلال ما ينشر في الصحافة والمؤتمرات واللقاءات. ٣ - توفير المراجع العلمية ومساعدة الباحثين والباحثات في اختيار الموضوعات التي نرى أنها مهمة وتحتاج إلى بذل جهود فكرية متميزة، وبدون وجود مراكز دراسات متخصصة يصبح اختيار الموضوع وطرق معالجته نتيجة لجهد فكري للباحث يعتريه ما يعتري الفرد من قصور. ٤ - ترشيد الكتابات الموجهة للمرأة منعاً للتكرار وتحقيقاً لتغطية مختلف جوانب القضية المراد الحديث عنها. وسوق الكتاب النسائي الإسلامي يحتاج كغيره إلى كتابات نقدية قوية حتى تخرج الأعمال بصورة تتناسب وعمق الأمر. ٥ - تكوين رأي عام مؤيد للرأي الشرعي المبني على الكتاب، والسنة المستصحب لظروف الواقع. فكم أدى النظر للواقع مجرداً عن النصوص الشرعية من فتنة لبعض الناس! وكم جر إغفال الواقع من صدور آراء لا تتفق والمقاصد الشرعية! ٦ - التعرف على المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها المرأة: طالبة على مقاعد الدراسة في الجامعة والمدرسة، أو عاملة لها زوج وأولاد، أو مطلقة، أو ربة بيت، أو غير ذلك، ووضع الحلول الشاملة، وهذا يحتاج إلى إجراء بحوث مكثفة وربما دراسات أكاديمية للوصول إلى أفضل الوسائل للتعامل مع هذه المشكلات. ٧ - التعرف على الاتجاهات الفكرية المؤثرة في المجتمع وقياس قوة الخطاب الشرعي ووسائل تنميته، وتعريف المهتمين بالقوى المختلفة ذات العلاقة. ٨ - التعرف على المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها المرأة، فالمرأة أصبحت ذات دخل وهذا الدخل يعني أنها تريد مجالات لاستثماره ووجود دراسات شرعية تساعد المرأة على أفضل الوسائل لاستغلال مالها وتنميته، كما أن هذه الدراسات تتيح لها خيارات كثيرة تحقق المرأة المسلمة من خلالها عوائد في دينها ودنياها. ونتيجة لغياب الطروحات الشرعية أصبحت المرأة تستثمر في مجالات قد تؤدي إلى خسارة مالها أو تحقيق نسبة ضئيلة من الأرباح، كما تؤدي هذه الدراسات دوراً كبيراً في توجيه اهتمام المرأة لصرف مالها بدل أن يبذل في أدوات تجميل وجري وراء الموضة. ويكفي أن نعلم أن بلايين الدولارات تنفق على أدوات التجميل في العالم سنوياً لا أعلم تحديداً كم نصيب عالمنا الإسلامي من هذا المبلغ؟ ! ٩ - التعرف على الجهود التي تستهدف تغيير تشريعات الأحوال الشخصية التي كانت إلى وقت قريب إحدى البنود في الدساتير الوضعية التي لا تتعارض مع الشريعة. والمعارك التي تمت في المغرب مثلاً ونتج خلالها بحمد الله تآزر وتكاتف بين الغيورين هناك، نحتاج أن نعرف عنها أكثر من تحقيق ينشر في مجلة أو اثنتين ثم ينسى بعد فترة. نحتاج إلى توثيق لكل هذه التطورات وإجراء الدراسات القانونية الشرعية ومثل ذلك ما حصل في لبنان حول مسألة الزواج العرفي، وفي مصر حول قضية إسقاط حق التطليق من الرجل وإعطائه للقاضي، وتطليق المرأة إذا رغبت؛ كل ذلك يحتاج إلى مؤسسات متخصصة. ونقطة مهمة هنا أن محاربة التصرفات المجحفة بحق المرأة في بعض البلاد والمطالبة بتغيير بعض التشريعات التي لا تراعي حقوق المرأة لا يمكن أن يتم دون وجود تصور عن الواقع ومعرفة بالبنود ذات العلاقة، وكل هذا يتطلب جهوداً كبيرة. ١٠ - التعرف على مجالات العمل الإعلامي وإمكانية إنشاء مجلات أو دور نشر متخصصة، وإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية لمثل هذه المشروعات. ١١ - تنشيط حركة التأليف الأدبي الملتزم خاصة في مجال القصة والرواية والشعر. والأدب لعب دوراً كبيراً في مسيرة سفور المرأة كما هو معلوم؛ ولذا فإن من المهم قيام دور نشر متخصصة مثلاً برعاية المواهب الأدبية وتقديم نتاجهم الذي يخدم الأمة عبر المطوية والكتاب والشريط وغير ذلك. وأركز على العناية بمواهب الفتيات الأدبية وتربيتهن على الأدب الملتزم حتى لا يقعن وسط الضجيج الإعلامي في تمجيد أمثال نزار قباني والبياتي وغيرهما من رموز الحداثة والفساد. ١٢ - صناعة الرموز المصلحة من خلال إبرازهم للمجتمع، وتقديم القدوة لكافة شرائح المجتمع النسائية؛ فتقدم مثلاً المرأة الواعية التي تنطلق من شريعة ربها في فكرها وإنفاقها وتعاملها مع زوجها وأولادها، والعاملة الملتزمة المنتجة في مجال عملها، وتلك التي تبذل في سبيل الإصلاح، والأديبة التي شغلتها هموم المسلمين فتسخر موهبتها في معالجة شؤونهم. نماذج من الدراسات النسائية المطلوبة: من الأعمال التي من المؤمل قيام هذه المؤسسات المتخصصة بها ما يلي: ١ - إعداد قاعدة معلوماتية لكل ما نشر عن المرأة في الصحافة العربية وغيرها. ٢ - إجراء الدراسات الميدانية عن العادات الاجتماعية وأثرها على أنماط السلوك النسائي في مختلف البلاد. ٣ - عمل الدراسات الاقتصادية لتوفير مشروعات لتنمية رأس المال النسائي. ٤ - إصدار دوريات ومجلات تخدم قضايا نسائية معينة وموجهة لطبقات مختلفة؛ فدورية تُعنى بالشؤون التربوية، وأخرى لمعالجة قضايا فكرية، وثالثة تخاطب البنت في المرحلة الثانوية والجامعية، ورابعة موجهة للمرأة العاملة، وخامسة تتناول الأمومة والطفولة، وهكذا.. وليس بالضرورة أن تصدر هذه الدوريات بصورة شهرية بل ربما كان صدورها مرة في السنة. ٥ - إقامة مجموعات عمل لمناقشة قضايا اجتماعية ملحة كالطلاق والعنوسة وعمل المرأة وآثارها على بنية المجتمع وكينونة الأسرة، ووضع توصيات ومتابعة تنفيذها مع الجهات ذات العلاقة. ٦ - بحث إمكانية التعاون بين الهيئات النسائية الدعوية القائمة في العالم. ٧ - التعاون مع الجامعات ومراكز البحوث لإدراج قضايا المرأة ضمن أولوياتها والتعاون في اقتراح الأفكار والمشروعات العلمية. وكمثال على البحوث الأكاديمية تناول تأثير القنوات الفضائية على أفكار البنات في المرحلة الجامعية. ٨ - متابعة المؤتمرات الدولية والمشاركة بفعالية بغرض الدفاع العلمي الرشيد عن قضايا المرأة المسلمة. عوائق في طريق التأسيس: إذا كان ثمة اتفاق على حيوية وجود هذه المؤسسات فما هي يا تُرى العقبات والصعوبات التي تقف أمام تحقيق هذا الحلم على أرض الواقع؟ لعل بعض ما ذكر عند مسألة أسباب غياب هذه المؤسسات في الماضي لا يزال يمثل حجر عثرة حتى الآن. وألخص أبرز النقاط فيما يلي: ١ - طبيعة هذه المؤسسات الجادة تجعل من نفر قليل من الناس قادراً على تحمل عبء تأسيسها، وهذا النفر يكون منشغلاً بقضايا أخرى لا تقل عن هذا الأمر أهمية في كثير من الأحيان. ٢ - تحتاج هذه المؤسسات إلى مبالغ مالية؛ لكونها تقوم باستقطاب فئة معينة من الباحثين مما يعني ضرورة تفريغهم. والتعويل على العمل التطوعي لا يعني الاستقرار كما أنه لا يعني عملاً مؤسسياً. ٣ - حساسية الموضوعات المطروحة وصعوبة إجراء الدراسات الميدانية بحرية كافية. ٤ - قلة الخبرة بالعمل المؤسسي لدى قطاع عريض من المهتمين، وكذا ضعف القدرات الإدارية. كلمة أخيرة: وفي ختام هذه الورقات أحب أن ألفت نظر إخواني وأخواتي إلى بعض الأمور: ١ - ضرورة استحضار الإخلاص في هذا الأمر؛ إذ إنه من وسائل الدعوة إلى الله ، وبدون الإخلاص تصبح كل هذه الأعمال هباءاً منثوراً يوم الدين. ٢ - الثقة بنصر الله والتفاؤل بالخير خاصة في مثل هذا الوقت الذي قلَّ فيه الناصر، وهكذا كان هدي الرسول عند الفتن تفاؤلاً وحسن ظن بالله وثقة به مع العمل الجاد المستمر. ٣ - أن المرحلة التي نعيشها تتطلب اهتماماً كبيراً بقضايا المرأة. ٤ - ما جاء من معلومات أو أفكار يحتمل الخطأ؛ وإنني أتمنى موافاتي بأي ملاحظة أو تصويب أو تعقيب؛ بحيث يتبلور العمل وتنفتح آفاق دعوية جديدة للمرأة المسلمة في العالم أجمع. أسأل الله أن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى مرضاته، وأن يجعل نياتنا خالصةً لوجهه، وأن يبصِّر نساء المسلمين بدينهن، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3457

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢-٢) المرأة.. وخطوات نحو التربية علياء بنت عبد الله ثلاثة عشر عاماً هي تلك التي أمضاها النبي ﷺ في مكة باذلاً جهده ووقته وثمين دعوته في تربية جيل الصحابة أثمرت أفراداً قلائل.. وشخصيات معدودة.. ولكنها قلة ضربت أروع الأمثلة في الثبات يوم كثر النفاق بعد بدر.. قلة ولكن كتب لها النصر دون عشرة آلاف من الطلقاء الذين انهزموا في حنين.. قلة ثبتت على عهدها يوم ارتدَّت قبائل العرب بعد موته صلى الله عليه وسلم.. لقد كان النبي ﷺ عميق الفكرة.. بعيد النظرة.. حين صرف الوقت الذهبي من دعوته في تربية ذلك الجيل الأول من الصحابة.. كيف لا! ! وهم نجوم النور.. وخير أهل الأرض. فلنتجاوز أربعة عشر قرناً من تاريخنا الممدود لنصل اليوم إلى منظر هذه الجموع النسائية التي تتوجه يومياً إلى مراكز تحفيظ القرآن الكريم وغيرها من المراكز الإسلامية لسماع كلمة حق في تفسير آية أو شرح حديث.. والتي تدفع إلى الابتسامة والتمتمة بكلمات الحمد والثناء لله.. ثم الإعجاب بتلك الجهود والتضحيات التي ولا شك كانت وراء كل قلب اهتدى وكل رِجْل قدَّمتِ الخُطا.. إن هذه الجموع التي تصمُّ آذانها عن نعيق الغربان معلنة التحدي أمام كل مغريات الزمن وفتنه.. لهي جموع تنظر بعين الحاجة والافتقار إلى من يأخذ بيدها ويحسن توجيهها.. وهنا بالذات يأتي دور التربية.. فإننا لا نعاني من الكم! وإنما من الكيف! خطوات نحو التربية: لو أخذت أي بذرة من بذور الأرض ووضعتها في إناء زجاجي أو على رف من الخشب فإنها لن تنبت مهما طالت المدة حتى تضعها في أرض خصبة وتتعاهدها بماء وسقيا وتعرضها لحرارة الشمس، ثم ما تزال معها تهذبها وتشذب أطرافها وتحسن توجيهها وتزيل عنها ما يؤذيها حتى تشتد وتخضر وتقف على ساقها.. وهذا ما تعنيه عملية التربية. أولاً: تطوير المنبع: كلما كان ماء النبع عذباً كان أروى للظمأ.. وعلى قدر خصوبة الأرض يكون جمال النتاج. إن فقه المربية لعقيدتها التي تدعو الناس إليها وعلمها بمداخل النفوس واقتناص الفرص يزيد من فرصة قبولها لدى الناس ونجاحها في دعوتها إياهم إلى الخير والتزام طريق الحق.. ولذلك كان لزاماً على كل مؤسسة أو مركز إسلامي أن يهتم بالعاملات فيه تطويراً وأداءاً ونقترح في هذا الصدد عدة نقاط: شرح أهداف المركز لجميع العاملات فيه سواء الأهداف المرحلية (مختصة بفترة محددة) أو الأهداف طويلة الأجل التي تحتاج إلى سنوات لتحقيقها ومتابعة تطبيقهن وسعيهن لإتمام هذه الأهداف؛ فإن ذلك مما يعزز الشعور لدى كل واحدة منهن بأنها لبنة لو نزعت لانكسر الجدار.. وأيضاً فالمتابعة تساعد في التنبؤ بالخطأ قبل وقوعه، وبالسيطرة على المشكلة في مراحلها الأولى. تنظيم دورات تأهيلية تطويرية تكون موجهة خاصة للعاملات في المراكز والمؤسسات تتشعَّب إلى ثلاثة محاور رئيسة: ١- دورات شرعية: تعطي الأسس والقواعد في كل علم من علوم الدين الأساسية مما لا يسع مسلمة أن تجهلها فضلاً عن عاملة في المركز ينبغي أن تكون قدوة الناس ومحط أنظارهم. ٢ - دورات تربوية: تسهم في فهم رسالة هذا الدين الفهم الصحيح، وأن مهمتنا لا تقف عند البلاغ وتغيير الأفكار فقط، بل تتجاوز ذلك إلى مساعدة الناس على أن يغيروا من سلوكهم ويتغلبوا على مشكلاتهم وأن يتخطوا جميع العقبات من المجتمع والنفس.. وذلك لن يتسنى لنا حتى يكون لدينا أسس تربوية صحيحة نتعامل بها مع الناس. وسيرة المصطفى ﷺ وكيفية تعامله هي المنهج للتربية والمنبع الذي لا ينضب. ٣ - دورات دعوية: يُتناول فيها مستجدات الساحة وما يجب علينا إدخاله وإدراجه ضمن مناهجنا الإسلامية، وطرح الحلول لبعض مشكلاتنا الدعوية، ووضع جداول زمنية لتوسيع نطاقات الخطاب مع مختلف شرائح المجتمع ودراسة الأفكار والمقترحات الجديدة. والأهم من ذلك: وضع تصور عام للدعوة في المنطقة يهيب بكل العاملات الوصول إليه ولو بعد حين. ولمزيد من الفاعلية فإن هذه الدورات يجب ألا تكون عشوائية أو كلما سنحت الفرصة لإقامتها، وإنما يجب أن تكون جميعها مدرجة ضمن جدول محدد (مثلاً: دورة شرعية كل ثلاثة أشهر، ودورة تربوية كل أربعة أشهر، ودورة دعوية نصف سنوية) وعلى كل مركز أن يحدد حاجة منسوباته دون المبالغة في جانب على حساب جانب آخر، وإدراج لجنة خاصة (لجنة التطوير) ضمن لجان المركز تكون مسؤولة عن تنظيم هذه الدورات من حيث اختيار المواضيع ودعوة المقدِّمات واستشارة المشايخ والعلماء وذوي الخبرة والتجربة في ساحة العمل الدعوي قبل الشروع في هذه الدورات. ثانياً: البحث عن الراحلة: قال ﷺ : (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) [١] . إن بين هذه الجموع أشخاصاً ما أن تحكَّ قشرتهم حتى يبرق لك الذهب، وهؤلاء قد لا يأخذون من الداعية جهداً طويلاً حتى يحس بسرعة النتاج؛ بخلاف الصنف الآخر الذي قد تبذل معهم جهداً مضاعفاً ولكنهم، (مكانك راوح) ، ومن ثَمَّ فإن من الخسارة أن يأتي أمثال هذه الشخصيات في مراكزنا الإسلامية ويبقين معنا سنين طويلة دون أن يُكتشفن أو يسعى إلى استخراج مكنونهن أحد! ! وأحياناً كثيرة نشعر بتميزهن ووجودهن؛ ولكن برامجنا تخاطب الشريحة العامة ولا تتسع لأمثال هذه الشخصيات. وها هنا ثمة نقاط لا بد من مراعاتها: اهتمام المعلمات ومن هن في خط المواجهة مع الناس بالبحث عن الحريصات على دينهن المتميزات في علمهن وغيرهن ممن يظهر عليهن سِيما التنبه والنبوغ، وتوجيه رسائل خاصة لهن أثناء الشرح والتفسير، وبذل الجهود لاحتوائهن لا سيما إذا كُنَّ ممن يحضرن لأول مرة. إيجاد برامج خاصة لهؤلاء يشرف عليها أهل الاختصاص، تعطى فيها المواد بشكل مدروس، وتختار فيها السُّور والأحاديث والمواضيع بشكل دقيق. تكليف المربيات بمتابعة أحوالهن وتفقُّد حياتهن لا سيما خارج المركز، ومدى تقدمهن وتخطِّيهن العوائق والعقبات، وتقديم النصح والتوجيه اللازم ليتكون لنا من مجموع ذلك شخصيات مؤهلة مربية ملتزمة غير ضعيفة ولا ازدواجية. ثالثاً: وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح: قال ﵊: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءاً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبيٌّ، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح) [٢] . لم يكن مجتمع الصحابة مجتمعاً مكوناً من نسخ مكرورة بعضها من بعض، بل كان فيهم العالم والزاهد وطالب العلم والتاجر والساعي لرزقه والفارس والمجاهد؛ بل ومنهم الأديب الذي يعلن النبي ﷺ له التأييد بروح القدس؛ لقد كان النبي ﷺ يتقن فن توزيع الأدوار، ولم يكن يهمِّش من دور هذا أو ذاك، بل لم يكن يفاضل بينهم إلا بالتقوى وما وقر في النفس عبداً كان أو حراً عالماً كان أو أمياً عابداً كان أو تاجراً! ! إن الأمة التي لا يحسن أفرادها إلا شيئاً واحداً أمة سهلة الانهزام. وحين نتحدث عن العصر الذهبي لمجد الإسلام الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها يتبادر إلى ذهننا العدد الهائل من المدارس والجامعات والثورة العلمية من طب وهندسة ومعمار وإحصاء وغيرها من العلوم التي برع فيها المسلمون بأمر وإرشاد من دينهم. ومن تصفح القرآن استشعر مسؤوليته في خلافة الأرض والتي تعني إصلاحها وإصلاح أهلها من جميع الجوانب. وما علاقة المرأة بذلك؟ إننا في مراكزنا نخاطب شريحة من النساء تريد أن تسمع وتريد أن تفهم؛ وبلغنا بحمد الله شوطاً في ذلك ولكن ما زال هناك صنف من الناس خارج الأسوار وهؤلاء على اختلاف أسباب عزوفهم إلا أنهم يشكلون شريحة كبرى من المجتمع، وطموحاتنا الدعوية لا تقف عند حد ذلك الصنف الأول، بل إننا نريد أن نوسع نطاقات الخطاب ليصل صوتنا إلى كل بيت وكل فرد. إن الجمعيات النسائية التي أسهمت بل أدارت الحركة المشبوهة حركة تحرير المرأة وسَّعت أنشطتها ليصل خطابها إلى كل امرأة في المجتمع، فكان لديها أنصار من مختلف التخصصات والطبقات.. ليصلوا بالمرأة إلى ما وصلوا إليه الآن! ولذلك فإن حصر دور المراكز الإسلامية النسائية بأن تدور أنشطتها حول الأنشطة التلقينية واستعمال مهارة السماع فقط هو اختصار مخل لرسالة المركز الأصيلة العالية.. ولو أحصينا عدد مراكز تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في كل حي ومنطقة مثلاً ثم تلمسنا آثارها الإيجابية لوجدنا أن الآثار الملموسة في حياة الناس لا تتناسب أبداً مع عدد المراكز المتزايد في الأحياء! ! وهذا يعني أن رسالتنا لم تصل بعدُ بالصورة الكافية. إن هذا الدين الذي يدعو إليه المركز يجب أن يكون له أنصار ينافحون عنه وينشرون لواءه في كل مكان في شتى الطبقات ومختلف التخصصات.. فمثلاً: لا بد أن يكون لدينا معلمات واعيات يحملن لواء الدعوة في المدارس، ويربطن أهداف التعليم بأهداف هذا الدين ولا تضاد بينهما وإبراز أنفسهن قدواتٍ ونماذجَ حية لما يمكن أن يصنعه الدين في حياة الناس، ودعوة الطالبات والمعلمات إلى امتثال القيم العليا والأخلاق الفاضلة التي يدعو إليها هذا الدين، ومثال آخر: لا بد أن يكون لنا كاتبات وأديبات يكتبن أدباً إسلامياً رفيعاً يكفيننا مؤونة البحث عن قصص إسلامية هادفة أو مجلة خالية من المنكرات، ولعل من أنجع الأساليب في توسيع نطاق الدعوة وأنسبها للمرأة هي المشاركة الإعلامية في المجتمع.. في المجلات والجرائد.. والكتب والدوريات.. وذلك إعلاءاً لصوت الحق ليتسنى لكل فرد سماعه، وليتعرف الناس على أنشطة المراكز وأهدافها.. وطرح تجاربنا في معايشة العصر لا سيما في تربية الأطفال والمراهقين، وخططنا لتربية هذا الجيل الناشئ.. فلماذا دائماً تتوارى تجاربنا الناجحة وتقتصر على فئة محدودة من الناس؟ ! هناك مئات القلوب التائهة التي تبحث عن الحق.. بل مئات العقول الواعية التي لو فهمت الحقيقة لما ترددت في سلوك الدرب.

стр. 3458

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢-٢) الحجاب وأصول الاعتقاد عبد العزيز بن ناصر الجليل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه. أما بعد: فلم يعد خافياً على أحد ما تشهده مجتمعات المسلمين اليوم من حملة محمومة من الذين يتبعون الشهوات على حجاب المرأة وحيائها وقرارها في بيتها؛ حيث ضاق عطنهم وأخرجوا مكنونهم ونفذوا كثيراً من مخططاتهم في كثير من مجتمعات المسلمين؛ وذلك في غفلة وقلة إنكار من أهل العلم والصالحين، فأصبح الكثير من هذه المجتمعات تعج بالسفور والاختلاط والفساد المستطير مما أفسد الأعراض والأخلاق، وبقيت بقية من بلدان المسلمين لا زال فيها والحمد لله يقظة من أهل العلم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر حالت بين دعاة السفور وبين كثير مما يرومون إليه. وهذه سنة الله في الصراع بين الحق والباطل والمدافعة بين المصلحين والمفسدين. ومن كيد المفسدين في مثل المجتمعات المحافظة مع وجود أهل العلم والغيرة أن أولئك المفسدين لا يجاهرون بنواياهم الفاسدة؛ ولكنهم يتسترون وراء الدين ويُلبِسون باطلهم بالحق واتباع ما تشابه منه، وهذا شأن أهل الزيغ كما وصفهم الله في قوله: [فّأّمَّا بَّذٌينّ فٌي قٍلٍوبٌهٌمً زّيًغِ فّيّتَّبٌعٍونّ مّا تّشّابّهّ مٌنًهٍ \بًتٌغّاءّ بًفٌتًنّةٌ ّابًتٌغّاءّ تّأّوٌيلٌهٌ] [آل عمران: ٧] . وهم أول من يعلم أن فساد أي مجتمع إنما يبدأ بإفساد المرأة واختلاطها بالرجال، ولو تأملنا في التاريخ لوجدنا أن أول ما دخل الفساد على أية أمة فإنما هو من باب الفتنة بالنساء، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (ما تركت فتنة هي أضر على الرجال من النساء) [١] ، وقوله ﷺ : ( ... واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) [٢] . وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد، وملل الكفر أول من يعرف هذه الحقيقة؛ حيث إنهم من باب الفتنة بالنساء دخلوا على كثير من مجتمعات المسلمين وأفسدوها وحققوا أهدافهم البعيدة، وتبعهم في ذلك المهزومون من بني جلدتنا ممن رضعوا من ألبان الغرب وأفكاره، ولكن لأنهم يعيشون في بيئة مسلمة ولا زال لأهل العلم والغيرة حضورهم؛ فإنهم كما سبق بيان ذلك لا يتجرؤون على طرح مطالبهم التغريبية بشكل صريح لعلمهم بطبيعة تديُّن الناس ورفضهم لطروحاتهم وخوفهم من الافتضاح بين الناس، ولذلك دأبوا على اتباع المتشابهات من الشرع، وإخراج مطالبتهم في قوالب إسلامية وما فتئوا يلبسون الحق بالباطل. ومن هذه الطروحات التي أجلبوا عليها في الآونة الأخيرة مطالبتهم في مجتمعات محافظة بكشف المرأة عن وجهها وإخراجها من بيتها معتمدين بزعمهم على أدلة شرعية وأقوالٍ لبعض العلماء في ذلك. ولنا في مناقشة هؤلاء القوم المطالبين بكشف وجه المرأة المسلمة أمام الأجانب واختلاطها بهم في مجتمع محافظ لا يعرف نساؤه إلا الحجاب الكامل والبعد عن الأجانب لنا في ذلك عدة وقفات: الوقفة الأولى: إن هناك فرقاً في تناول قضية الحجاب وهل يدخل في ذلك الوجه أم لا؟ بين أن يقع اختلاف بين العلماء المخلصين في طلب الحق، المجتهدين في تحري الأدلة، الدائرين في حالتي الصواب والخطأ بين مضاعفة الأجر مع الشكر، وبين الأجر الواحد مع العذر هناك فرق بين أولئك وبين من يتبع الزلات، ويحكم بالتشهي، ويرجِّح بالهوى؛ لأن وراء الأكمة ما وراءها؛ فيؤول حاله إلى الفسق وَرِقَّة الدين ونقص العبودية وضعف الاستسلام لشرع الله . وهناك فرق بين تلك الفتاوى المحلولة العقال المبنية على التجرِّي لا على التحري التي يصدرها قوم لا خلاق لهم من الصحافيين ومن أسموهم المفكرين تعج منهم الحقوق إلى الله عجيجاً، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجاً، ينفرون من تغطية الوجه لا لأن البحث العلمتي المجرد أدَّاهم إلى أنه مكروه أو جائز أو بدعة كما يُرجفون، ولكن لأنه يشمئز منه متبوعهم من كفار الشرق والغرب. فاللهم باعد بين نسائنا وبناتنا وأخواتنا وبينهم كما باعدت بين المشرق والمغرب) [٣] . (ولك أن تقدر شدة مكر القوم الذين يريدون من جانبهم أن يتَّبعوا التمدن الغربي، ثم يسوِّغون فعلهم هذا بقواعد النظام الإسلامي الاجتماعي. ولقد أوتيت المرأة من الرخص في النظام الإسلامي أن تبدي وجهها وكفيها إذا دعت الحاجة في بعض الأحوال، وأن تخرج من بيتها لحاجتها، ولكن هؤلاء يجعلون هذا نقطة البدء وبداية المسير، ويتمادون إلى أن يخلعوا عن أنفسهم ثوب الحياء والاحتشام، فلا يقف الأمر بإناثهم عند إبداء الوجه والكفين، يل يجاوزه إلى تعرية الشعر والذراع والنحر إلى آخر هذه الهيئة القبيحة المعروفة، وهي الهيئة التي لا تخص بها المرأة الأزواج والأخوات والمحارم فقط، بل يخرجن بكل تبرج من بيوتهن، ويمشين في الأسواق، ويخالطن الرجال في الجامعات، ويأتين الفنادق والمسارح، ويتبسطن مع الرجال الأجانب. ثم يأتي القوم فيحملون رخصة الإسلام للمرأة في الخروج من البيت للحاجة وهي الرخصة المشروطة بالتستر والتعفف؛ على أنه يحل لها أن تغدو وتروح في الطرقات، وتتردد إلى المتنزهات والملاعب والسينما في أبهى زينة، وأفتنها للناظرين، ثم يتخذ إذن الإسلام لها في ممارسة أمور غير الشؤون المنزلية ذلك الإذن المقيد المشروط بأحوال خاصة يُتَّخذ حجة ودليلاً على أن تودِّع المرأة المسلمة جميع تبعات الحياة المنزلية، وتدخل في النشاط السياسي والاقتصادي والعمراني تماماً وحذو القُذَّة بالقذة كما فعلت الإفرنجية. وها هو ذا الشيخ المودودي ﵀ يصرخ في وجوه هؤلاء الأحرار في سياستهم، العبيد في عقليتهم قائلاً: (ولا ندري أيُّ القرآن أو الحديث يُستخرَج منه جواز هذا النمط المبتذل من الحياة؟ وإنكم يا إخوان التجدد إن شاء أحدكم أن يتبع غير سبيل الإسلام فهلاَّ يجترئ ويصرح بأنه يريد أن يبغي على الإسلام، ويتفلَّت من شرائعه؟ وهلاَّ يربأ بنفسه عن هذا النفاق الذميم والخيانة الوقحة التي تزيِّن له أن يتَّبع علناً ذلك النظام الاجتماعي وذلك النمط من الحياة الذي يحرمه الإسلام شكلاً وموضوعاً، ثم يخطو الخطوة الأولى في هذا السبيل باسم اتِّباع القرآن كي ينخدع به الناس فيحسبوا أن خطواته التالية موافقة للقرآن؟) [٤] . الوقفة الثانية: وهي نتيجة للوقفة الأولى، وذلك بأن ينظر إلى قضية الحجاب اليوم وما يدور بينها وبين السفور من معارك إلى أنها لم تعد قضية فرعية ومسألة خلافية فيها الراجح والمرجوح بين أهل العلم، ولكنها باتت قضية عقدية مصيرية ترتبط بالإذعان والاستسلام لشرع الله في كل صغيرة وكبيرة وعدم فصله عن شؤون الحياة كلها؛ لأن ذلك هو مقتضى الرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً. إن التشنيع على تغطية المرأة وجهها والتهالك على خروجها من بيتها واختلاطها بالرجال ليست اليوم مسألة فقهية فرعية ولكنها مسألة خطيرة لها ما بعدها؛ لأنها تقوم عند المنادين بذلك على فصل الدين عن حياة الناس وعلى تغريب المجتمع وكونها الخطوة الأولى أو كما يحلو لهم أن يعبروا عنه بالطلقة الأولى. وإن لنا في جعل قضية الحجاب اليوم قضية أصولية كلية مع أن محلها كتب الفروع إن لنا في ذلك أسوة في سلف الأمة؛ حيث صنفوا بعض المسائل الفرعية مع أصول الاعتقاد لَمَّا رأوا أن أهل البدع يشنِّعون على أهل السنة فيها ويفاصلون عليها، من ذلك ما ذكره الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية في قوله عن أهل السنة والجماعة: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر) وعلق شارح الطحاوية على ذلك بقوله: (وتواترت السنة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الخفين وبغسل الرجلين، والرافضة، تخالف هذه السنة المتواترة) [٥] . ومعلوم أن المسح على الخفين من المسائل الفقهية؛ ولكن لأن أهل البدع أنكروه وشنعوا على مخالفيهم فيه نص العلماء عليه في عقائدهم. إذن فلا لوم على من يجعل قضية الحجاب اليوم قضية أصولية مصيرية، وذلك لتشنيع مبتدعة زماننا ومنافقيهم عليه ولحملتهم المحمومة لنزعه وجر المرأة بعد ذلك لما هو أفسد وأشنع من ذلك، وأنها لم تعد مسألة فقهية يتناقش فيها أهل العلم المتجردون لمعرفة الراجح وجوانب الحاجة والضرورة فيه. وقد صرَّح بعضُ العلماء بتكفير من قال بالسفور ورفْع الحجاب وإطلاق حرية المرأة؛ إذا قال ذلك معتقداً جوازه. قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه: (المسائل الكافية؛ في بيان وجوب صدق خبر رب البرية) [٦] : (المسألة السابعة والثلاثون) : من يقول بالسفور ورفع الحجاب وإطلاق حرية المرأة ففيه تفصيل: فإن كان يقول ذلك ويُحسِّنُه للغير مع اعتقاده عَدَم جوازه، فهو مؤمن فاسق يجب عليه الرجوعُ عن قوله، وإظهارُ ذلك لدى العموم. وإن قال ذلك معتقداً جوازه، ويراه من إنصاف المرأة المهضومة الحق على دعواه! فهذا يكفر لثلاثة أوجه: الأول: لمخالفته القرآن: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وبَنَاتِكَ ونِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ] [الأحزاب: ٥٩] . الثاني: لمحبته إظهار الفاحشة في المؤمنين. ونتيجة رفع الحجاب، وإطلاق حرية المرأة، واختلاط الرجال بالنساء: هو ظهور الفاحشة، وهو بيِّنٌ لا يحتاج إلى دليل. الثالث: نسبةُ الحيف على المرأة، وظلمها إلى الله تعالى الله عما يقول المارقون؛ لأنه هو الذي أمر نبيه بذلك، وهو بيِّنٌ أيضاً. قلتُ: وظهور الفاحشة نتيجة لرفع الحجاب، وإطلاق حرية المرأة، واختلاط النساء بالرجال يَشهد به الواقعُ من حال الإفرنج والمتفرنجين الذين ينتسبون إلى الإسلام، وهم في غاية البعد منه. وصرح الشيخ محمد بن يوسف الكافي أيضاً بتكفير من أظهرت زينتها الخلقية أو المكتسبة، معتقدة جواز ذلك، فقال في كتابه المشار إليه ما نصُّه: (المسألة السادسة والثلاثون) : من أظهرت من النساء زينتها الخِلقية أو المكتسبة؛ فالخلقية: الوجه والعنق والمعصم ونحو ذلك، والمكتسبة ما تتحلى وتتزين به الخلقة كالكحل في العين، والعقد في العنق، والخاتم في الإصبع، والأساور في المعصم، والخلخال في الرِّجل، والثياب الملونة على البدن، ففي حكم ما فعلتْ تفصيل: فإن أظهرت شيئاً مما ذُكِرَ معتقدة عدم جواز ذلك، فهي مؤمنة فاسقة تجب عليها التوبة من ذلك، وإن فعلته معتقدة جواز ذلك فهي كافرة لمخالفتها القرآن؛ لأن القرآن نهاها عن إظهار شيء من زينتها لأحد إلا لمن استثناه القرآن، قال الله تعالى: [ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ] [النور: ٣١] . قال هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول من سَبَّ أبا بكر وعمر أُدِّب، ومن سَبَّ عائشة قُتِل؛ لأن الله يقول: [يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ] [النور: ٧١] . فمن سَبَّ عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قُتِل أي لأنه استباح ما حرَّم الله تعالى انتهى. الوقفة الثالثة: ليس المقصود في هذه الوقفات حشداً للأدلة الموجبة لستر وجه المرأة وكفيها عن الرجال الأجانب ووجوب الابتعاد عنهم؛ فهي كثيرة وصحيحة وصريحة والحمد لله ويمكن الرجوع إليها في فتاوى أهل العلم الراسخين ورسائلهم كرسالة الحجاب للشيخ ابن عثيمين. ومن الكتب التي توسعت في هذا الموضوع وردَّت على شبهات المخالفين كتاب: (عودة الحجاب/ القسم الثالث) للدكتور محمد بن إسماعيل المقدم حفظه الله وإنما المقصود في هذه المقالة ما ذكر سابقاً من فضح نوايا المنادين بكشف الوجه والاختلاط بالرجال، وأن وراء ذلك خطوات وخطوات من الفساد والإفساد؛ ومع ذلك يحسن بنا في هذه الوقفة أن نشير إلى أن علماء الأمة في القديم والحديث من أجاز منهم كشف الوجه ومن لم يجزه كلهم متفقون ومجمعون على وجوب ستر وجه المرأة وكفيها إذا وُجِدَت الفتنة وقامت أسبابها؛ فبربكم أي فتنة هي أشد من فتنة النساء في هذا الزمان؛ حيث بلغت وسائل الفتنة والإغراء بهن مبلغاً لم يشهده تاريخ البشرية من قبل، وحيث تفنن شياطين الإنس في عرض المرأة بصورها المثيرة في كل شيء في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وأخرجوها من بيتها بوسائل الدعاية والمكر والخداع؛ فمن قال بعد ذلك: إن كشف المرأة عن وجهها أو شيء من جسدها لا يثير الفتنة فهو والله مغالط مكابر لا يوافقه في ذلك من له مُسْكَة من دين أو عقل أو مروءة. وبعد التأكيد على أن أهل العلم قاطبة متفقون على وجوب تغطية الوجه إذا وجدت الفتنة يتبين لنا أن خلافهم في ذلك كان محصوراً فيما إذا أُمِنَتِ الفتنةُ، ومع ذلك فتجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذا القدر من الخلاف بقي خلافاً نظرياً إلى حد بعيد؛ حيث ظل احتجاب النساء هو الأصل في الهيئة الاجتماعية خلال مراحل التاريخ الإسلامي، وفيما يلي نُقُول عن بعض الأئمة تؤكد أن التزام الحجاب كان أحد معالم (سبيل المؤمنين) في شتى العصور: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كانت سُنَّة المؤمنين في زمن النبي ﷺ أن الحرة تحتجب، والأَمَةُ تبرز) [٧] . وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: (لم يزل الرجال على مر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات) [٨] . وقال الحافظ ابن حجر: (لم تزل عادة النساء قديماً وحديثاً أن يسترن وجوههن عن الأجانب) [٩] . وقد يتعلق دعاة السفور أيضاً ببعض الحالات التي أذن الشارع للمرأة فيها بكشف وجهها لغير محارمها كرؤية الخاطب لمخطوبته، وعند التداوي إذا عدمت الطبيبة بشرط عدم الخلوة وعند الشهادة أمام القاضي ونحوها، وهذا كله من يُسْر الشريعة وسماحة الإسلام؛ حيث رُخِّص للمرأة إذا اقتضت المصلحة الراجحة والحاجة الماسة أن تكشف عن وجهها في مثل هذه الأحكام؛ وليس في هذا أدنى مُتَعَلَّق لدعاة السفور؛ لأن الأصل هو الحجاب الكامل وهذه رخص تزول إذا زالت الحاجة إليه. الوقفة الرابعة: ومن منطلق النصح والشفقة وإقامة الحجة أتوجه بالكلمات الآتية إلى أولئك القوم الذين ظلموا أنفسهم وأساؤوا إلى مجتمعهم وأمتهم وخانوا أماناتهم وحملوا بذلك أوزارهم وأوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون فأرجو أن تجد هذه الكلمات آذاناً صاغية وقلوباً واعية قبل مباغتة الأجل وهجوم الموت؛ حيث لا تقبل التوبة ولا ينفع الندم. ١ - أذكِّركم بموعظة الله تعالى؛ إذ يقول: [قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا] [سبأ: ٤٦] . فماذا عليكم لو قام كل فرد منكم مع نفسه أو مع صاحبه، ثم فكرتم فيما أنتم عليه من إفساد وصد عن سبيل الله ، هل أنتم مقتنعون بما تفعلون وبما تجرُّونه على أمتكم من الفتن؟ وهل هذا يرضي الله تعالى، ويجلب النعيم لكم في الآخرة؟ إنكم إن قمتم لله متجردين مثنى أو فرادى، وفكرتم في ذلك فإن الجواب البدهي هو أن الفساد والإفساد لا يحبه الله ، بل يمقته، ويمقت أهله، وسيأتي اليوم الذي يمقت فيه أهل الفساد أنفسهم، ويتحسرون على ما فرطوا وضيعوا وأفسدوا، وذلك في يوم الحسرة؛ حيث لا ينفع التحسر ولا التندم، فعليكم بالتوبة قبل أن يحال بينكم وبينها. ٢ - أذكِّركم بيوم الحسرة والندامة يوم يتبرأ منكم الأتباع وتتبرؤون من الأتباع، ولكن حين لا ينفع الاستعتاب ولا التنصل ولا التبرؤ، بل كما قال تعالى: [وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [سبأ: ٣٣] . أذكِّركم بالأثقال العظيمة التي ستحملونها يوم القيامة من أوزاركم وأوزار الذين تضلونهم بغير علم إن لم تتوبوا، قال تعالى: [ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ولَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ] [العنكبوت: ١٣] ، وقال : [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ ومِنْ أَوْزَارِ الَذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [النحل: ٢٥] . وإن الظالمين جميعهم رئيسهم ومرؤوسهم، تابعهم ومتبوعهم لهم يوم مشهود ويوم عصيب، يوم يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويحيل التبعة بعضهم على بعض؛ ولكن حين لا يجدي لهم ذلك إلا الخزي والبوار. ٣ - إن لم يُجْدِ واعظُ الله سبحانه والدار الآخرة فيكم فلا أقل من أن يوجد عندكم بقية مروءة وحياء تمنعكم من إفساد المرأة وإفساد المجتمع بأسره. إن المتأمل لحال المتبعين للشهوات اليوم ليأخذه العجب والحيرة من أمرهم! فما لهم وللمرأة المسلمة التي تقر في منزلها توفر السكن لزوجها وترعى أولادها؟ ماذا عليهم لو تركوها في هذا الحصن الحصين تؤدي دورها الذي يناسب أنوثتها وطبيعتها؟ ماذا يريدون من عملهم هذا؟ ! ثم ماذا عليهم لو تركوا أولاد المسلمين يتربون على الخير والدين والخصال الكريمة؟ ماذا يريدون من إفسادهم وتسليط برامج الإفساد المختلفة عليهم؟ هل يريدون جيلاً منحلاًّ يكون وبالاً على مجتمعه ذليلاً لأعدائه عبداً لشهواته؟ إن هذه هي النتيجة؛ وإن من يسعى لهذه النتيجة الوخيمة التي تتجه إليها الأسر المسلمة اليوم لهو من أشد الناس خيانة لمجتمعه وأمته وتاريخه. إن من عنده أدنى مروءة ونخوة فضلاً عن الدين والإيمان لا يسمح لنفسه أن يكون من هؤلاء الظالمين، وما ذُكِرَ من إفساد الأسرة إنما هو على سبيل المثال لا الحصر؛ فيا من وصلوا إلى هذا المستوى من الهبوط والجناية! توبوا إلى ربكم، وفكِّروا في غايتكم ومصيركم، واعلموا أن وراءكم أنباءاً عظيمة وأهوالاً جسيمة تشيب لها الولدان، وتشخص فيها الأبصار؛ فإن كنتم تؤمنون بهذا فاستيقظوا من غفلتكم وراجعوا أنفسكم، والله جل وعلا يغفر الذنوب جميعاً، وإن كنتم لا تؤمنون بذلك فراجعوا دينكم، وادخلوا في السلم كافة قبل أن يحال بينكم وبين ما تشتهون. ٤ - يا قومنا! أعدوا للسؤال جواباً وذلك حين يسألكم عالم الغيب والشهادة عن مقاصدكم في حملتكم وإجلابكم على المرأة وحجابها وقرارها في بيتها، فماذا أنتم قائلون لربكم سبحانه؟ إنكم تستطيعون أن تفروا من المخلوق فتدلِّسون وتلبِّسون ، وقد يظهر ذلك للناس في لحن القول وقد لا يظهر؛ لكن كيف الفرار ممن يعلم ما تخفون وما تعلنون؟ [يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية] [الحاقة: ٨١] . فتوبوا إلى علاَّم الغيوب ما دمتم في زمن التوبة، وصحِّحوا بواطنكم قبل أن يُبعثَر ما في القبور ويُحَصَّل ما في الصدور. وختاماً: أوصي نفسي وإخواني المسلمين الحريصين على دينهم وأعراضهم وسلامة مجتمعاتهم من الفساد بأن يكونوا يقظين لما يطرحه الظالمون لأنفسهم وأمتهم من كتابات وحوارات مؤداها دعوة إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال الأجانب، فما دامت المدافعة بين المصلحين والمفسدين فإن الله يقذف بالحق على الباطل فإذا هو زاهق. وينبغي أن لا ننسى في خضم الردود على ما يكتبه المفسدون من الشبهات والشهوات؛ ذلكم السيل الهادر الذي يتدفق من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية في بلاد المسلمين؛ وذلك بما تبثه الإذاعات والتلفاز والقنوات الفضائية من دعوة للمرأة إلى السفور ومزاحمة الرجال في الأعمال والطرقات، والتمرد على الرجل سواء كان أباً أو زوجاً أو أخاً؛ ولقد ضربت هذه الوسائل بأطنابها في بلاد المسلمين فكان لزاماً على المصلحين محاربتها وإبعادها عن بيوت المسلمين قدر الاستطاعة، فإن لم يكن إلى ذلك سبيل فلا أقل من تكثيف الدعاية ضدها والتحذير من شرها ووقاية المسلمين من خطرها؛ وذلك بإصدار الفتاوى المتتابعة والخطب المكثفة حول أضرارها وأثرها المدمر للدين والأخلاق؛ فإنها والله لا تقل خطراً عما تكتبه الأقلام الآثمة عن المرأة إن لم تزد عليه، والمقصود أن لا يكتفي المصلحون بمحاربة ما يكتبه المفسدون في الصحف والمجلات عن المرأة فإن هم سكتوا سكت المصلحون وظنوا أن الخطر قد انتهى. كلا! إن الخطر لم ينته وإن المعركة مستمرة؛ لأن الخطر الأكبر لا يزال قائماً ما دامت الوسائل المسموعة والمرئية لا تكفُّ عن المرأة والاستهزاء بحجابها وقرارها في بيتها وقوامة الرجل عليها، وإثارة الشبهات في ذلك. أسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يعز دينه ويعلي كلمته، وأن يرد كيد المفسدين في نحورهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3459

ملفات ماذا يريدون من المرأة..؟ ! (٢-٢) ندوة عن: واقع المرأة في الغرب أشرف على إعدادها وترجمتها في بريطانيا براق البياتي، وعبد السلام عبد اللطيف المرأة الغربية هي الأنموذج والمثل الذي يُحتذى من قِبَلِ أدعياء التحرر والتغريب؛ فهي بزعمهم قد وصلت إلى قمة السعادة، وحصلت على كافة حقوقها الإنسانية، ولكن هل هذا الزعم صحيح حقاً؟ ! أم أنه مجرد وهْم كبير يريدون أن يوقعونا في شراكه؟ هذا ما سوف نراه في هذه الندوة التي شاركنا فيها مجموعة من الأخوات الغربيات المسلمات، كلهن من أصول إنجليزية وويلزية، عشن في الغرب، وتربين في أحضانه، ثم عرفن حقيقته بعد أن شرح الله صدورهن للإسلام. الأخوات المشاركات: ١ - فاطمة أم إسماعيل، واسمها قبل الإسلام: فيكتوريا كيب وول. ٢ - عائشة أم سعدية، واسمها قبل الإسلام: راشيل بريتشرد. ٣ - خديجة أم عارف، واسمها قبل الإسلام: ويندي بووث. ٤ - أم يوسف، واسمها قبل الإسلام: آشلي داينتي. ٥ - خديجة أم محمد، واسمها قبل الإسلام: جوان توماس. ٦ - نبيلة أم إسماعيل، واسمها قبل الإسلام: روبين رييد. البيان: مفهوم الأخلاق مرَّ بتغيرات جذرية متعددة: فكرية واجتماعية، حتى وصل إلى مرحلته الحالية، فما مفهوم الأخلاق في الغرب؟ الأخت: خديجة أم عارف: تختلف الأخلاق في الغرب من شخص إلى شخص ومن بيت إلى بيت، وهناك تصور عام أن كل التصرفات الشخصية مصونة مهما كانت هذه التصرفات إذا لم تؤثر على شخص آخر. ومن هذه التصرفات المقبولة عند الغرب مثلاً: أن ينتحل الرجل شخصية المرأة بزيها وعلاقاتها وأن يُظْهِرَ ذلك أمام أطفاله، ومثال آخر: هو الكَمُّ الهائل من المواد والعروض الإباحية في شتى وسائل الإعلام والتي أصبحت متقبلة. وبالرغم من أن هناك فئة من الناس تشعر بالخجل من هذه التصرفات إلا أنها لا تستطيع الانتقاد العلني خوفاً من أن توصف بالتحجر والتخلف. وتحت ضغط الإعلام أصبح الكثير من هؤلاء ومنهم أرباب الكنيسة يقبلون بالقيم الجديدة، ومثاله: السماح بزواج الشواذ داخل الكنيسة. نعم! الأخلاق في انحدار عجيب؛ وهناك ذلك المفهوم السائد بأن تفعل ما يحلو لك ما دمت تشعر بالسعادة، وما دام مقبولاً عندك، هذا المفهوم الذي بدأ ينتشر من الستينيات حتى الآن. الأخت: فاطمة أم إسماعيل: أنا لا أعتقد أن هناك قيماً باقية في الغرب؛ فالنساء أصبحن كالرجال، والرجال كالنساء، حتى الكنيسة التي كانت أساس القيم الغربية غيَّرت كلام الله لتكثر حضور الناس، فصاروا يجعلون الحرام حلالاً.. فالقيم الغربية قد انهدمت! الأخت: خديجة أم محمد: لقد فُقِدَت فكرة القيم في الغرب؛ والأحوال تقزز النفس أكثر وأكثر، فالأفعال التي تحصل هنا من هذه الأنواع كثيرة، والناس المسؤولون عنها لا يوجد لديهم قيم، فهم لا يعتنون بتصحيح الأخلاق للناس والأطفال هذه الأيام، المسلمون الملتزمون هم فقط الذين لهم قيم هنا في الغرب. الأخت: نبيلة عبد الله: لم تعد فكرة القيم موجودة في الغرب، فالغرب يؤمن بأن حرية الاعتقاد الشخصي أهم من مسألة الالتزام بقيم معينة. وبهذا فإن الغرب سمح للمجتمع أن ينقلب ضد نفسه؛ حيث إن كل فرد يعتقد بأن ما يؤمن به هو الصحيح، كما أن من المسلك الحسن عندهم أن يترك الأمر لكل فرد يدعو لما يعتقد به بغض النظر عما قد يحمله من أفكار ومعتقدات شاذة. لقد مضى عهد طويل منذ أن كان الغرب يهتم بالقيم؛ حيث إن الاهتمام بالماديات أصبح بمثابة الإله المعبود. البيان: دعوات تحرير المرأة في الغرب قديمة جداً، فهل استطاعت تلك الدعوات أن تستنقذ المرأة الغربية وتنصفها وتكرمها؟ وهل استطاعت أن تسعدها حقاً؟ الأخت: عائشة أم سعدية:أنا شخصياً لا أعتقد أن المرأة المسماة «محررة» بأنها سعيدة، فالشيء الذي حصلت عليه هو الغرور بأن تعتبر مساوية للرجل فقط؛ إذ ليس لها وقت أو إحساس لتحيا حقيقة أنها زوجة أو أم، وهذا مما يُحزِن؛ لأن الله خلق المرأة زوجة للرجل وأمّاً لأولاده لتراعي بيت الأسرة والأطفال وحاجات زوجها، ولمَّا لم يتحقق ذلك للمرأة المتحررة فقد ضاع عليها أهم شيء في الحياة؛ ويوماً مَّا سوف تشعر بهذا، ولكن بعد فوات الأوان! كيف يوجد للمرأة ذرة من الكرامة وهي تريد أن تكون كالرجل؟ الأخت: خديجة أم محمد: لا ... تحرر المرأة في الغرب لم يستطع أن ينقذ المرأة أو يكرمها، فقط استطاع أن يضغط على النساء ليخرجن من البيوت من غير رقيب ولا حسيب، يكون لهن هواياتهن وحياتهن الخاصة، لا يردن العمل فقط بل دفعن بأنفسهن للوصول إلى أعلى مرتبة في العمل، والوصول إلى هذه (القمة) ليس بالسهل للنساء، ولهذا هن دائماً تحت ضغوطات محاولاتهن للتنافس مع الرجال، وفي النهاية إذا وصلن إلى أعمال ووظائف فعادةً لا يرقين إلى ما يحققه الرجال؛ فبعد كل هذا العمل، والوقت، والجهد والضغط ما زالت النساء هنا مثلاً لا يحصلن على المرتبات نفسها لنظائرهن من الرجال، وهذا يؤدي إلى نتيجة سلبية! بعض الشركات لا تقبل النساء للعمل عندهم إذا كن حوامل ولا يوظفون النساء اللاتي لديهن أطفال، وهذا يزيد التعقيدات للنساء اللائي يسعين للتساوي التام مع الرجال، وهذا التعقيد هن اللواتي جلبنه؛ فبدلاً من أن يرفعن مكانتهن جعلن حياتهن مضطربة وتحت ضغوط جمة هذا لا بد أن يؤدي إلى الحزن والأسى. الأخت: نبيلة عبد الله: أنا أرى أن النساء في الغرب عشن مراحل (التحرر) واستُعبدن من قِبَلِ أفكار المجتمع الداعية لتحرير المرأة. ولقد ناضل النساء لنيل ما يسمى: (حقوق المساواة في أماكن العمل) وطالبن بالمعاملة بالمثل مساواة بالرجل ولكن هؤلاء النساء أنفسهن سمعناهن فيما بعد يصرخن مطالبات بحقوق تختلف عن الرجال العاملين، مثل مطالبتهن بإجازات وضع الحمل، وتفريغهن للبقاء في رعاية أطفالهن الرضع، وفي هذا تناقض مع دعوات المساواة، حيث إن الرجال ليس لهم مثل تلك الحقوق، وهناك أمور أخرى مثل ترقيات العمل، فالمرأة عادة لا تمنح مثل تلك الترقيات ما لم تكن مستعدة لتقبل التحرشات المخدشة للعرض من قِبَلِ رؤسائها في العمل. ثم إذا ما نظرنا إلى واقع المرأة العاملة فسنجد مثلاً أن عليها التضحية في مسائل مثل تربية أطفالها والتي تلجئها ظروف العمل في كثير من الأحيان إلى إيكال تلك المهمة إلى مربيات؛ وقد أثبتت تجربة استخدام المربيات أنها قد تسيء إلى الأطفال؛ حيث تم ضبط كثير من الحالات التي يعنف فيها الأطفال ويُضربون، بل وكان منها حالات أدت إلى قتل الأطفال! أما عن وضع أزواج النساء العاملات فهي الأخرى لا تخلو من خلل؛ فكثير من هؤلاء الأزواج قد يعاني من إهمال وتقصير زوجته تجاهه خصوصاً من الناحية العاطفية مما قد يؤدي به إلى العزوف عنها، والبحث عن امرأة أخرى، فينتهي الأمر إلى الطلاق وتفسخ العائلة؛ ولذا فالمحصلة الكلية لمثل تلك الدعوات التحررية وبشكل عام لم تؤدِّ إلى السعادة. البيان: خرجت المرأة الغربية للعمل في شتى الميادين مع الرجل جنباً إلى جنب؛ فهل تجربة العمل هذه ناجحة؟ وما أثرها على الأسرة والأبناء؟ الأخت: فاطمة أم إسماعيل: لا أصدق أن من النجاح أن يعمل الرجال والنساء جنباً إلى جنب؛ فمن فطرة الرجل أن يكون القائم والأقوى، ومن الطبيعي أن يرفض منافسة المرأة في مكان العمل، وعليه فسيصعب عليها العمل في مثل هذه الأجواء، وسيؤثر هذا بدوره على حياتها الأسرية، وذلك عندما تنقل تأثرها بمشاكل العمل إلى البيت وتؤثر بذلك على الأسرة. وهناك أيضاً: الدعوة للوقوع في العلاقات المحرمة في العمل، إذا كانت الأحوال في البيت تمر في ظروف صعبة. الأخت: عائشة أم سعدية: كثير من النساء خرجن للعمل مع الرجال، ولكن تسمية ذلك نجاحاً شيء يحزن؛ والتنافس مع الرجال خطأ بالكلية، ولعل المرأة العاملة تعتقد أنها ناجحة بالتمكن من نفس مكانة الرجل، أو أعلى منه، ولكنها في الحقيقة هي الخاسرة؛ فمن مشاكل الاختلاط مع الرجال أنها تخاطر بنفسها في الوقوع بعلاقات محرمة معهم، وطبيعي أن يؤدي هذا إلى الطلاق فتخسر زوجها وأطفالها.. ونحو ذلك. أيضاً عدم وجودها مع زوجها قد يقلل من اكتراثها به، ويمكن أن يجعله هو الآخر يدخل في علاقات جنسية غير مشروعة، حينئذ الأطفال حتماً سيعانون؛ لأن الأم ليست موجودة لتعلمهم ولترعاهم. وعادة ما يؤدي هذا إلى أن يخرج الأطفال إلى الشوارع، فيزيد احتمال وقوعهم في مشاكل عويصة، ومن تلك المشاكل الحمل المبكر غير الشرعي للبنات. وللمعلومية فيوجد في المجتمعات الغربية أكثر عدد من حالات الطلاق في العالم، وكذلك حالات حمل المراهقات من علاقات جنسية غير مشروعة. الأخت: خديجة أم عارف: في مجتمع العمل المختلط ينظر إلى العلاقات التي تنشأ بين الرجال والنساء على أنها علاقات من قبيل المتعة غير الضارة، ولكن ينسى هؤلاء أن هذه العلاقات قادت إلى الزنا وإلى تفكك الأسرة والقضاء على الكثير من الزيجات. هذا الاختلاط خلق كثيراً من الشك بين الأزواج حول العلاقات غير المشروعة التي يقيمها كلا الطرفين من خلال العمل، كما أنه ورَّث كثيراً من المضايقات والتحرشات الجنسية في العمل من قِبَل الرجال للمرأة، تلك المرأة التي تبدي نصف جسدها أثناء العمل. إن دور المرأة أمّاً ومربية للأطفال لم يعد له قيمة في الغرب، بل إن المرأة تُلقي بأطفالها في الحضانة أو إلى شخص آخر ربما يكون غريباً، وتنطلق للعمل وبأجر أقل من أجر الرجل. أعتقد أنه ليست هناك وظيفة أكثر ربحاً، وأجراً من وظيفة الأم التي تربي أطفالها في بيئة متزنة حانية. كل طفل يحتاج أن يشعر بالحنان والطمأنينة، وهل يستطيع أحد أن يعطيه هذا الشعور مثل الأم؟ ! على الرجال في الغرب أن يتحملوا مسؤولياتهم تجاه أسرهم وأن يقوموا على الأسرة معيلين لها، وأن يشعروا بأخطائهم عندما يدفعون نساءهم للعمل خارج البيت. الأخت: أم يوسف: عمل النساء بجانب الرجال خطر جداً وهو ليس بناجح حتماً، والخاسرون منه هم الأسرة عموماً والأطفال بالذات؛ فعندما تعمل المرأة فإنها تهمل البيت الذي هو مسؤوليتها، ولعل إحدى آثار عمل المرأة أن الأكل الجاهز أصبح الوجبة الأساسية للأطفال، مما يدعو إلى تدهور صحة الأطفال بمرور السنين، وهناك أثر ثانٍ وهو أن الأمهات يصبحن غير متفرغات لأطفالهن مائة في المائة، والأطفال يشعرون بذلك؛ وبهذا يظهر النقص في الاتزان والتصرف وتنشأ مشكلات سلوكية. أما الأثر الثالث فهو أن المرأة تبدأ في لبس زي معين لكي تجذب الرجال داخل العمل، كما يؤدي اختلاطها بالرجال إلى عدم الرضا عن زوجها. ولعل وجود المرأة في محيط عمل الرجال من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع نسبة الطلاق. البيان: التعليم المختلط وخاصة في سنوات المراهقة من خصائص التعليم في البلاد الغربية؛ فما تقويم هذه التجربة؟ الأخت: عائشة أم سعدية: التعليم المختلط يشجع على العلاقات بين الأولاد والبنات، وإذا أُحصي عدد المراهقات الحوامل من مدارس مختلطة ومن مدارس بدون اختلاط (خصوصاً المدارس الإسلامية) لوجدنا في الغالب أن النسبة في المدارس المختلطة ستكون ٥٧ % على الأقل مقارنة بالمدارس التي تطبق الفصل بين الجنسين بنسبة لعلها تقرب من ٥% (في حين ستجد أن النسبة في المدارس الإسلامية هي الصفر) ، كما أنني أعتقد أن اختلاط الجنسين يؤدي إلى عدم تركيزهم من الناحية الدراسية؛ لأن اهتمامهم سيكون موجهاً للجنس الآخر. الأخت: خديجة أم محمد: لتقويم التربية المختلطة في المدارس الغربية أقول: إن اختلاط الأولاد والبنات مثلاً في هذه المدارس شيء في غاية التهديم؛ فعندما يكبر الأطفال وينمون سوف يبدؤون يفهمون أمور النساء في المدرسة، وهم ليسوا تحت رعاية دائمة، والآن غدت مواضيع الحياة يُتحدَّث فيها علانية، وعند ذلك فإن الأطفال سوف يُشجَّعون على الفعل القبيح من زناً وما شابه ذلك، والذي يجري في الصفوف العُليا (الفصول المتقدمة) في هذه المدارس أن ترتب النشاطات للبنين والبنات معاً ويتركوا للاختلاط بحريَّة، والنتيجة التي لا مفر منها أن البنات والبنين يبدؤون بعلاقات الحب والغرام، وهذا يؤدي إلى الزنا وحالات حمل البنات الصغار، وبعد ذلك تُترك البنت لتربية الأطفال وحدها، وهذا هو سبيل تفكك المجتمع! الأخت: نبيلة عبد الله: التعليم المختلط خطر يهدد المجتمع؛ فالمربون (المعلمون والمعلمات هنا) يؤمنون بمشروعية إقامة العلاقات بين الجنسين من الطلبة المراهقين، متناسين الأبعاد الخلقية والصحية والجنسية لهذا الأمر، وهم أنفسهم (الهيئة التعليمية) قد يكونون متورطين في أعمال غير خلقية، مثل تعاطي المخدرات والعلاقات غير الخلقية بل وحتى الزنا. الشغل الشاغل للمراهقين في مثل هذه الحال هو معايشة هذه الأجواء وبذلك يصبحون معرضين لمختلف الأخطاء التي تحيق بهم في مجتمع تحطمت فيه القيم الخلقية، والمجتمع نفسه هو الخاسر في نهاية الأمر. البيان: تعاني الفتاة الغربية المراهقة من مشكلات اجتماعية ونفسية متعددة نتيجة انتشار الشذوذ والزنا والاغتصاب ونكاح المحارم.. ونحو ذلك؛ فهل هذه المشكلات موجودة حقاً؟ وما حجمها؟ وهل يدرك الغربيون خطورة ذلك؟ الأخت: خديجة أم عارف: لا أعتقد أن نكاح المحارم منتشر، ولكن الزنا منتشر؛ فالأولاد يُعَلَّمون في المدارس أن العلاقات الجنسية مسموح بها بشرط أن يُستخدَم الواقي، أو ما يسمى بالجنس الآمن؛ ولكنهم لا يعلمون القيم الأخلاقية أو أهمية الزواج. وهذه الأشياء لم تؤدِّ إلى أعداد كثيرة من الحمل المبكر غير المرغوب فيه، وإلى أعداد من الأمهات بدون أزواج فحسب؛ بل أدت إلى مجتمع يفتقر إلى الاتزان الأخلاقي والذي هو من الضرورات لتربية الأطفال في أي مجتمع. كثير من الفتيات أصبن بصدمة نفسية نتيجة الحمل المبكر (بطريق الزنا) وأدى ذلك إلى الإجهاض، ولا تسأل عن آباء صغار السن والذين يتنكرون للمسؤولية عادة. إن الصدمة النفسية والمعاناة المترتبة على هذه المشاكل خيالية. الإعلام يدفع الفتاة إلى التجمُّل والخروج بشكل سافر وهو ما يؤدي غالباً إلى الاعتداء الجنسي، والقتل أحياناً. كل ذلك له تأثير سيئ على المجتمع؛ فالفرد الذي اعتاد الخلاعة والإباحية يصعب عليه أن يقيم علاقة متزنة من خلال أسرة وأن يربي أطفالاً. المجتمع والمربون والآباء لا يقدمون إلا القليل في مواجهة هذه المشاكل. الأخت: نبيلة عبد الله: أنَّى للمربين أن يُقدِّروا خطر هذه الانحرافات وهم أنفسهم من ضحاياها؟ ! لقد انضم كثير من ذوي الانحرافات وبمختلف أصنافها إلى فئة المربين، وهذا يشجع المراهقين على ممارسة ما يسمى بالطرق المأمونة لتعاطي المخدرات وممارسة العلاقات الجنسية وهم في عمر يافع لا يعون معه المخاطر التي تحيق بهم! الأخت: أم يوسف: هذه المشاكل موجودة، وأعتقد أن حجمها أكبر من أن يتخيله أحد. أنا أعتقد أن المربين واعون لأخطار هذه الانحرافات السلوكية ولكن لا يعرفون كيف يوقفونها. الأخت: خديجة أم محمد: نعم! هذه المشاكل موجودة، ومدى هذه المشاكل يؤدي إلى خلخلة أسرية؛ فعندما يكبر الأطفال يغدون مختلين وينقلون مشاكلهم وخللهم الاجتماعي إلى مراهقين آخرين أو حتى أطفالهم؛ وهذا ينتج قلة الاحترام في المجتمع، ولهذا فإن هناك تفككاً كبيراً في الحياة الأسرية، وفي القدرة على التعامل الاجتماعي الجيد. الأخت: فاطمة أم إسماعيل: نعم هذه المشاكل موجودة، ولكن أنا أشعر أن الموضوع في غاية البشاعة، ولا أريد أن أعلق أكثر. البيان: للإعلام دور بارز في صناعة الأخلاق والقيم؛ فكيف يصور الإعلام الغربي المرأة الغربية؟ وهل لهذه الصورة دور في إفساد المجتمع وتفككه؟ الأخت: فاطمة أم إسماعيل: الإعلام يستخدم النساء معظم الوقت أدوات للنظر إليهن، والبنات الصغيرات يشاهدن هؤلاء النساء ويرغبن في الظهور مثلهن، ولذلك فإن المشكلات كثيرة منها تخلي المرأة عن عملها البيتي كالطبخ وغيره من الخدمات وانشغالها بجسمها. الأخت: خديجة أم عارف: الإعلام يركز على منظر المرأة ومظهرها؛ فالمرأة الجميلة ذات الجسم الرشيق تغطي صورتها الصفحات، وتعرض جسمها بطريقة مقززة، والمرأة تفاخر بجمالها وتعتبره سلعة ناجحة. وتعتقد بعض النساء أن الحرية للمرأة هي في التعليم وفي تحقيق المنصب والشهرة، ولا يخفى أن هذه الحرية هي التي أنتجت صناعة الجنس والتي تعتبر من أكثر الصناعات نمواً في الغرب. نعم! لقد امتُهِنَت المرأة في الغرب وهي التي سمحت للعابثين بذلك. غسيل الدماغ مستمر في الإعلام من خلال طرح نماذج على أنها مثال أعلى؛ إذ تقدم حياتهم الجنسية على أنها المثال، مثل نجوم الموسيقى والغناء مع عدم تقديمهم أمثلة إيجابية يمكن الاقتداء بها. الأخت: خديجة أم محمد: الإعلام الغربي يصور المرأة الغربية على أنها قوية، مستقلة، جميلة ومثالية؛ لأن النساء يرغبن بذلك كما يقول الإعلام، وإذا لم يكن عندها أي من تلك الصفات فستفعل أي شيء للحصول على ما يتوقعه الناس من هذه المظاهر مثل لون الشعر، ولون البشرة، وإذا لم تستطع أن تحقق ذلك فسوف تكون في غاية من الضيق؛ لأنها لم تبلغ (المثالية) التي يصوِّرها الإعلام! وهذا يؤدي بها إلى الكآبة الشديدة والإحباط بل، وأحياناً إلى قتل النفس. صورة الإعلام هذه شر ماحق يمكن أن يدفع المرأة إلى أن تحطم عزتها بنفسها، وإذا فقدت عزة النفس فلن تُكرَم أو تراعي أي أحد، أو أي شيء آخر، وهذا يمكن أن يؤدي إلى الإجرام واللامبالاة بين أفراد المجتمع. الأخت: نبيلة عبد الله: إن الإعلام في تصويره للمرأة في الغرب يهمل دورها في المجتمع زوجةً وأمّاً، ويركز على مسائل مظهرها وهيئتها ودوافعها إلى كسب المال. الغالب هنا أن البنات الناشئات لم يعد لهن قدوة حسنة في أمهاتهن اللائي أصبحن يعلمنهن أن قيمة المرأة تكمن في اهتمامها بالملبس وقابليتها على جذب وإبهار الرجال. ومن المفاهيم المنحرفة التي أصبحت مترسخة عند كثير من النساء أن الاهتمام برشاقة الجسم مثلاً مقدم على الإنجاب والاعتناء ببيتها. كذلك فإن نظرة المرأة الغربية للرجل أصبحت تتسم بقلة الاكتراث لدوره في المجتمع، حيث إنها ما عادت في حاجة ملحة للارتباط بزوج؛ فالحرية الجنسية تصور لها أن الزواج أضحى من عادات الماضي وتقاليده وأن الزواج يؤدي إلى استعبادها من قِبَل رجل واحد! الأخت: عائشة أم سعدية: الإعلام بارع في إبراز قضية تحرر المرأة الغربية.. الحرية في الذهاب إلى العمل، السياحة، السوق.. ونحوها. النساء في خطر كبير وهو: الاقتناع بأن كل شيء في الحياة رائع ويُشْرَع لها نيله؛ فلماذا تتزوج، وفي استطاعتها نيل المتعة من غير زواج؟ ! ولماذا تجلس في البيت وفي استطاعتها أن تعمل وتختلط بحرية مع الرجال، وتحصل على أي عدد من الأخلاء كما تريد؟ ! المرأة في الغرب اليوم لا يوجد عندها قيم لنفسها، وليس لها كرامة البتة، وسوف تهلك نفسها بنفسها. البيان: التفكك الأسري، والتمزق الاجتماعي يعده بعض الناس أحد سمات المجتمع الغربي، فهل هذا صحيح؟ وهل له أثر على تربية الأبناء؟ الأخت: خديجة أم عارف: من أهم أسباب تفكك الأسرة في الغرب كثرة الطلاق وارتفاع نسبته، وقلة الزواج؛ فالكثير لا يتزوج. ومن آثار هذا التفكك الآثار السلبية على الأطفال الذين يقعون ضحية للطلاق. ومن مظاهر التفكك كثرة الأمهات العزاب التي يكون لديهن أطفال من غير زواج، ولكن من علاقات غير مشروعة، وعدد هؤلاء في ارتفاع مع ما يواجهن من صعوبات في تربية الأطفال وفقدان للعطف والرعاية من الآباء. وهذا يفسر انحراف كثير من الأطفال في هذا المجتمع. إن تعاليم الإسلام تحفظ للمرأة كرامتها وأي حدود توضع لها هي لحفظها وصيانتها؛ ولكن للأسف فإن هناك جهلاً بحقوق المرأة في الإسلام؛ فمثلاً واجب الإنفاق من قِبَلِ الزوج على المرأة والأطفال والبيت هو حق لهم مقرر في الإسلام؛ فعلى الزوج أن ينفق ومع ذلك يحق للمرأة أن تحتفظ بما تمتلك لنفسها إلا إذا أرادت المساعدة في حال العسر مثلاً. المرأة في الإسلام ليست تحت ضغط يدفعها للخروج من المنزل للعمل، بل لها الحرية في البقاء في البيت لتربية أطفالها دون الشعور بالذنب الذي تشعره الكثيرات من النساء غير المسلمات في الغرب. وللمرأة حق التعلُّم وخاصة في أمور دينها وأن تسد الحاجة في مجال الطب والتدريس حتى تقوم بخدمة أخواتها المسلمات في بيئة تعمل فيها بعيداً عن الاختلاط وتحكم بأحكام الإسلام. إن نظرة الذين لم يذوقوا حلاوة الإسلام والإيمان بأننا لسنا سعداء بطريقتنا الإسلامية في الحياة هذه النظرة غير صحيحة ولا واقعية؛ فأنا مثلاً أشعر بسعادة غامرة عندما التقي بأخواتي المسلمات بعيداً عن الرجال في مجتمع نسائي منفصل؛ حيث لا تحاسُد ولا تباغُض كما يحدث في المجتمعات المختلطة؛ حيث الغيرة والتباغض. كما أن الإسلام يحث المرأة على الاهتمام بالمنزل والأسرة؛ فإنه يفتح المجال لتعارف النساء، وفتح باب التعلم لهن، وخاصة العلم الشرعي. النساء غير المسلمات اللائي يحضرن أحياناً معنا في الحلقة بغرض التعرف على الإسلام يفاجأن بالتواد والتراحم الموجود بين المسلمات. أما الحجاب الذي يتصور الغرب أنه حاجز أو عائق فقد كان تحرراً بالنسبة لي، تحرراً من أن يُنظَر إليَّ تلك النظرة المادية نظرة الجسد الخالي من العقل، وكان الحجاب دافعاً لأن أعامل باحترام وكرامة. الأخت: أم يوسف: هذا صحيح، والآثار على تربية الأطفال بالغة؛ ففي المجتمع الغربي لا يربى الأفراد في أسرة تعتني بهم؛ لأن كل عضو في الأسرة منشغل بنفسه، ولهذا عندما يصل الأطفال إلى سن البلوع فإنهم يمرون بهذه المرحلة الحساسة (سن المراهقة) وحدهم دون رقيب ولا حسيب ولا قلب حانٍ شفوق، وحتماً فإن المجتمع سيتدهور عندما يعاني الناس من المشاكل، وهذه نتيجة طبيعية لا مفر منها. الأخت: خديجة أم محمد: نعم! ما ذكر صحيح وله تأثير على الأطفال؛ فالأطفال إذا ما نشؤوا في أسرة مفككة فلربما أدى ذلك إلى مرورهم بطفولة مؤلمة. كما أنهم عندما يكبرون ربما تنشأ عندهم مشكلة بخصوص تحمل مسؤوليات الزواج، هذا إذا لم يعدلوا عن فكرة الزواج أصلاً خوفاً من الوقوع في زيجات غير موفقة، مما يدفعهم إلى أن يخوضوا في العلاقات المحرمة التي بدورها ستنتج أطفالاً غير شرعيين في بيوت لا تربطها الأنظمة الأسرية؛ وهكذا دواليك. الأخت: نبيلة عبد الله: إن التفكك الأسري من سمات العائلة الغربية؛ فمصطلح (العائلة) أصبح يعني مجموعة من الأفراد الذين يتقاسمون مكاناً معيناً، ولكن ليس عندهم هموم ولا أهداف ولا قيم مشتركة، وتُرِكَ الأمر للصحافة والتلفاز والحاسب لتثقيف العائلة. والغربيون يصدقون ما تبثه لهم هذه الوسائل على أنها الحقيقة الخالصة ولا يلتفتون كثيراً إلى ما قد يبث عبرها من حملات إعلامية تضليلية. كما انشغل أفراد العائلة الغربية فأصبحوا نادراً ما يأكلون سوياً، وقلما يتخاطبون فيما بينهم، بل وقد ينعدم اكتراث بعضهم ببعض، وأصبحت الأنانية وحب الذات من سمات المعيشة في المجتمع الغربي، ومن أساسيات البقاء فيه على (هامش الحياة) . كما صار العزوف عن القيم الأخلاقية من قِبَلِ الأبوين ينعكس على أولادهم فينشؤون هم بدورهم أفراداً بعيدين عن المعايير الخلقية ينقصهم احترام الذات واحترام الآخرين. البيان: بعد هذه الندوة اللطيفة هل لنا أن نسأل عمَّا جعلكن تهتدين إلى الإسلام؟ ! الأخت: خديجة أم عارف: ما زلت أتذكر أني كنت أؤمن بالإله منذ الثامنة من عمري، وكنت أذهب إلى الكنيسة مع وجود لَبْس وعدم وضوح لديَّ لمفهوم التثليث ومفاهيم أخرى، ثم توقفت عن ذلك في سن التاسعة عشرة وعشت حياة الغربيين. سمعت لأول مرة عن الإسلام في سن الرابعة والعشرين، وبعد سنوات قابلت رجلاً مسلماً في العمل، وعرفني على زوجته، ثم بدأت أتعلم الإسلام، كل شيء كان بالنسبة لي صحيحاً ويقع في الموقع الصحيح، لقد كنت أؤمن بالتوحيد بأن الله واحد؛ وما ذُكِرَ في القرآن والسُّنَّة عن عيسى ﵊ كان منطقيا ومقبولاً لي. كثير من تفاصيل الإسلام جذبتني كالرفق بالحيوان والاهتمام بالبيئة والأدلة العلمية في القرآن وأصبحت أكثر وضوحاً عندي الآن. ثم بدأت بالتحدث مع عائلتي والأصدقاء عن الإسلام والمسلمين، وبعد سنتين من القراءة والتأمل والتفكير وهذا التأخر ليس لتشككي في صحة الإسلام ولكن كان بسبب التأمل بقدرتي على تحمل الأعباء والتحولات التي سوف تنتج عن إسلامي بعد ذلك كله أعلنت الشهادة وأصبحت مسلمة والحمد لله. الأخت: خديجة أم محمد: كان لديَّ صديقات مسلمات كثيرات، وكنت دائماً أحب أن أسمع تعاليم النبي، وأحببت كثيراً من الأشياء المذكورة في القرآن والحديث، لقد قرأت كتاباً يشرح الحياة الأسرية في الإسلام وهذا ما أردته. أيضاً لقد انجذبت للإسلام؛ لأن المسلم الصالح أمين، ومن ناحيتي فإني أحب الاجتماع مع الناس، والحياة مع زوج أمين يتقي الله ، وأنا أرى أن المسلمين هم الناس الوحيدون الذين يستحقون الاجتماع معهم. الأخت: نبيلة عبد الله: لقد تقبلت معتقد الإسلام بعد أن وجدت أن الله تعالى أنه قد وضع نظاماً شاملاً لحياة البشر رحمة بالعالمين. وهذا النظام الشامل الذي يتيح للبشر أن يتعبدوا ربهم الخالق من خلال تطبيقه في نواحي حياتهم المختلفة؛ فهو نظام مهذِّب يغطي جميع القيم الخلقية والحريات والتربية وأسس العلاقات الزوجية، بل وعلاقات البشر بعضهم ببعض. كنت أشعر بأن حياتي كان ينقصها شيء معتبر، وكنت أفتش في قرارة نفسي عمن يستحق الثناء والشكر، متناسية من هو أهل للثناء والشكر وهو الخالق المنان. وكنت دائمة الاستجابة لتوقعات الآخرين مني، وفي الوقت نفسه غير آبهة بالأحكام والسنن الإلهية المفروضة على العباد. أمَّا الآن وقد هداني الله تعالى للإسلام فسعيي حثيث للقبول بتوجيهاته، والاستسلام لحكمه وتعاليمه جل شأنه وأدعو الله ألا أنسى أبداً أن الفضل والحمد كله يعود له وحده . أسأل الله أن يتقبل صالح أعمالنا وأن يشملنا برحمته جميعاً. البيان: الحمد لله على نعمة الإسلام. والآن نود لو تحدِّثْنَنا عن تجربتكن في الإسلام: هل وجدتن في التعاليم الإسلامية ما يُقيد المرأة أو ينتقص من كرامتها، أم أن الأمر مغاير لذلك؟ الأخت: فاطمة أم إسماعيل: لا، نحن محميون ونعامَل بأعلى كرامة. الأخت: عائشة أم سعدية: لا يوجد شيء في الإسلام يقلل من كرامة المرأة، الإسلام يعطيها الكرامة، إنها لا تعرض على أي شيء سيئ، إنها تحفظ نفسها بالستر والكرامة وتغض نظرها وتخفض صوتها ولا تكون مصدراً للمشاكل لا داخل البيت ولا خارجه، إنها محدودة فقط داخل نطاق الإسلام، ولكن ليس كما يصوره الإعلام الغربي؛ فالمرأة المسلمة تعامل بالود والكرامة التي تستحقها، وإذا عرفت النساء الغربيات كيف تُعامَل المرأة المسلمة كما يأمر الله فسوف يسرعن لاعتناق الإسلام إن شاء الله. الأخت: نبيلة عبد الله: إن الإسلام لا يقيد ولا يصادر أي شيء من كرامة المرأة. والحقيقة أن الإسلام يرفع من منزلة المرأة إلى درجة لا يمكن التعرف عليها ما لم تعتنق المرأة الإسلام فعلياً. عند دخولي في الإسلام دهشت لما يتمتع به النساء من منزلة رفيعة. فالصورة مغايرة لتلك التي عند الغربيين؛ فالمرأة عندهم زينة في ذراع الرجل يتباهى بها ثم يلقيها أرضاً بعد حين. إن التزام المسلمة بالحجاب والنقاب يُعد بمثابة حماية داخلية، وأخرى خارجية لها. فلسان حال مظهرها الخارجي يقول: إنني أغطي جسدي لأحميه من قلة الستر المستشرية في المجتمع، وحتى لا أدع مجالاً للآخرين كي ينجذبوا لعورتي؛ ومن دون ذلك ربما كانوا سيهينونني بنظراتهم أو لمساتهم التي كان من الممكن أن تنشأ نتيجة سوء فَهْمٍ لمظهري أو حركاتي فيما لو كنت غير ملتزمة بالزي الإسلامي. إنني أعتز بكوني مسلمة، والآن وقد تزوجت فأحس بالمشاعر الخاصة كوني امرأة لها زوج يعتني بها، وإن شاء الله يكون ممن يتذكر تعاليم الله تعالى وأحكامه بخصوص معاملة الزوج لزوجته.

стр. 3460

قراءة في كتاب نبي الإسلام.. بين الحقيقة والادعاء! تأليف: د. عبد الراضي محمد عبد المحسن عرض: د. أحمد علي زلط صدر مؤخراً كتاب: (نبي الإسلام بين الحقيقة والادعاء) للدكتور عبد الراضي محمد عبد المحسن عن الدار العالمية للكتاب الإسلامي بالرياض؛ وقد قام المؤلف في إخراج مادة كتابه بمنهأج موضوعي رصين؛ وأسلوب عربي مشرق، بهدف تصحيح الصورة الخاطئة والمفاهيم المغلوطة عن نبي الإسلام، وقد استغرق إعداد الكتاب كما يقول مؤلفه: (عشر سنوات ... وذلك إدراكاً منا لدقة الموضوع وأهميته، وضرورة الاحتشاد الكافي له) [١] . وعنوان الكتاب يتآزر مع مضمونه أو محتواه؛ مما يشكل إضافة مهمة لمكتبة الدراسات الإسلامية المعاصرة. ظل النبي المصطفى الكريم محمد ﷺ هدفاً لمطاعن خصوم الإسلام التقليديين وجنودهم من جحافل المبشرين والمستشرقين الذين راحوا يثيرون الغبار والشبهات، ويروِّجون المزاعم حول النبي ﷺ ورسالته، يريدون تشويهه في أعين الذين لا يعرفونه، لتنفيرهم من الإسلام السمح، و (في محاولة يائسة لقطع الطريق أمام الإسلام في أداء رسالته التنويرية وتعطيل دوره الحيوي في هداية البشرية) [٢] . وقد جاءت الدراسة الموضوعية للكتاب في ثلاثة فصول: الفصل الأول: بعنوان: النبوة في الإسلام، ويهدف المؤلف إلى تعريف طبيعة النبوة في الإسلام وذلك من خلال إيراد مفهومها في اللغة والاصطلاح، ذلك المفهوم الذي يجمع بين نظرية الاتصال والمعرفة المترتبة على هذا الاتصال؛ ومن جانب ثالث هو (الهبة) التي تمثل الطريق الوحيد للنبوة في الإسلام. وقد بدأ المؤلف بتعريفات النبوة، فيقف أمام تعريف أهل السنة للنبوة ويرتضيه، وينقل عن ابن حزم: (النبوة مأخوذة من الإنباء وهو الإعلام؛ فمن أعلمه الله بما يكون قبل أن يكون أو أوحى إليه منبئاً له بأمر ما فهو نبي بلا شك) [٣] . أما ابن تيمية فيؤكد في تعريفه على الاتصال الرأسي (بالله) والاتصال الأفقي (بالبشر) فيقول: (فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأه الله به؛ ويقول أيضاً: فالأنبياء ينبئهم الله، فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره، وهم ينبئون المؤمنين بما أنبأهم الله به من الخير والأمر والنهي) [٤] . توقف المؤلف في كتابه أيضاً ليؤكد تعريفات النبوة أو مفاهيمها عند المعتزلة، وهم يرون فيها (رفقة مخصوصة خص الله بها بعض عباده، ثم توقف أمام تعريف ابن خلدون للنبوة الذي رأى فيها) الصدق الذي لا يعتريه الكذب؛ لأنها اتصال من النبي بالملأ الأعلى من غير مشيع، ولا استعانة بأجنبي (وعمَّق المؤلف في ضوء ذلك ماهية النبوة لغة واصطلاحاً. وقد حدد المؤلف في مباحث الفصل الأول مراتب النبوة، وعصمة الأنبياء، وختم النبوة، فعرج إلى مراتب الأنبياء، الرسل، أولي العزم، خاتم الأنبياء محمد ﷺ . ثم تناول عصمة الأنبياء في الجانبين الأخلاقي والتبليغي (إبلاغ رسالة النبوة) . وقد عرض مؤلف الكتاب في المبحث الرابع والأخير من الفصل الأول أدلة العقل والشرع والإجماع، والاجتهاد (الأدلة الذاتية) على كون رسالة الإسلام هي خاتم الرسالات ورسول الإسلام خاتم الأنبياء والمرسلين. ويستدل المؤلف بالقرآن الكريم في إثبات عصمة الأنبياء في التبليغ فيذكر في كتابه: (فالقرآن يخبرنا أن الله قد عصم أنبياءه عن النسيان، قول تعالى: [سنقرئك فلا تنسى] [الأعلى: ٦] . أي لا تنسى شيئاً من الوحي إلا ما أراد الله، ويقول تعالى مخبراً عن تكفله جمع الوحي في قلب الموحى إليه: [لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ (١٧) فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ] [القيامة: ١٦ - ١٨] ، ويقول تعالى عن ضمان التبليغ: [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] [المائدة: ٦٧] ، وعن استحالة القدرة على الكذب: [ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ] [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] ، ويجمع القرآن كل ذلك في آية قاطعة جامعة: [ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى] [النجم:٣،٤] . ويدعم المؤلف مباحث الفصل الأول الفرعية بمقولات سديدة حول موضوعات الفصل جميعاً؛ حيث يلخصها في جانب عصمة الأنبياء (في الأخلاق والتبليغ) ؛ ومنها رأي ابن تيمية: (والعقل يلزم بهذه العصمة؛ إذ بدونها لا يحصل مقصود النبوة والرسالة؛ إذ لما كانت النبوة أو الرسالة هي النبأ أو الخبر فقد وجبت العصمة عن الخطأ في نقل هذا النبأ الذي هو مقصود النبوة والرسالة [٥] ، والإجماع قد ثبت باتفاق الأمة على عصمة الأنبياء في التبليغ عن رب العالمين [٦] . يقول الله تعالى: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] [الأحزاب: ٤٠] ، ويقول ﷺ : (وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) [٧] . في ضوء ذلك يسترشد المؤلف بالكتاب والسنة؛ ثم ما أسماه بالأدلة الذاتية ويقصد بها الخصائص والمقومات الذاتية للإسلام عقيدة وشريعة ونظاماً ومنهج حياة؛ كما فند الاختلاف بين الأدعياء في تاريخ الديانات؛ من أفراد أو مذاهب، وبين الثبات والرسوخ واليقين بمقام نبوة محمد ﷺ لكونه خاتم الأنبياء، ومنه قول العلاَّمة كارستن كولبي في كتابه: (خاتم النبيين) الذي دعم به المؤلف فكرة ختم النبوة، فيذكر أنه الإعلان الوحيد في تاريخ النبوة الذي يصدر عن صاحبه وفي حياته ويسجله كتابةً، وذلك في وضوح ودقة وقطع لا مجال فيه للبس أو غموض؛ إذ هو ليس كغيره من الإعلانات السابقة التي تحصل عن طريق الاستنباط أو التحليل [٨] . أما الفصل الثاني من الكتاب فقد أخذ مجهوداً أو تكثيفاً لتفنيد المزاعم ضد نبي الإسلام وقد انبرى قلم المؤلف في وعي وبرهان ليفند الدعاوى الآتية: ١ - دعوى عدم انقطاع شريعة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام. ٢ - دعوى عدم الحاجة إليه. ٣ - دعوى (عدم تبشير النبوات) . ٤ - دعوى (عدم التأييد بالمعجزات) . ٥ - دعوى (قصر النبوة على العرب) . ٦ - دعوى (أن الإسلام (هرطقة) مسيحية) ! وظاهر الدعاوى السابقة؛ أنها هرطقات الأعداء للإسلام ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا فإن الصفحات من (٧٤) إلى (١٠٨) من الكتاب تكفلت بالرد على تلكم المزاعم، وهي ترهات تنكر ضوء الشمس وحقيقة نبوة الإسلام، وخاتم الأنبياء؛ وهنا لم يأت المؤلف بجديد، لكنه كثف وحدد في نهج موضوعي كيفية إبطال كل دعوى من الدعاوى المثارة حول نبوة محمد ﷺ ، بما يزيل تلك الشبهات باليقين العلمي المسدد. قال تعالى: [ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] [الأنبياء: ١٠٧] . وقال عز من قائل: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] [سبأ: ٢٨] . ويقول تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ] [الأعراف: ١٥٨] . عرض كتاب: (نبي الإسلام بين الحقيقة والادعاء) في الفصل الأخير منه، عرضاً موثقاً وأميناً لدلائل نبوة محمد ﷺ ؛ ولذلك فصَّل المؤلف دلائل النبوة تفصيلاً: أنواعها، وخصائصها، ثم توجه المؤلف إلى القرآن الكريم يكشف للقراء وجوه دلالته على النبوة، ومراتب الإعجاز القرآني على تنوعها المعروف. وفي المبحث الثاني من الفصل عرض المؤلف أنواع المعجزات (معجزات النبوة) واستهل بماهية المعجزات والرد على منكري المعجزات وهي ماثلة كما عرض لها المؤلف في القرآن الكريم وكتب الحديث، أو المعجزات الفعلية والقولية، وقد لجأ المؤلف إلى استناد حقيقي آخر هو البشارات، وأثرها في الاستدلال على (دلائل النبوة) قبل البعثة المحمدية وبعدها. أما المبحث الرابع حول سيرة النبي ﷺ وأخلاقه فقد وقف المؤلف عنده بالتأمل وملتزماً بمنهج عرض مادة الكتاب، فكان خير خاتمة لفصول الكتاب، ومنه نقتطف بعض ما أورده المؤلف بقلمه أو تعضيداً بالرأي من السلف الصالح: (نص القرآن الكريم على كمال أخلاقه ﷺ ، فيقول تعالى: [وإنك لعلى خلق عظيم] [القلم: ٤] ، وإشارته إلى هذا الكمال الأخلاقي سبب في تأليف القلوب حول النبي، يقول تعالى: [ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك] [آل عمران: ١٥٩] [٩] . ويقول الماوردي هنا: (إن تكامل الأخلاق أمر معجز؛ لأن الناس يطلبونه فلا يجدونه؛ فهو معوز لهم، وتكامل الأخلاق أيضاً موجب للصدق، والصدق موجب لقبول القول، ومعلوم أن جماع الكلام في النبوة قائم على الخبر وقبوله، فوجب أن يكون من دلائل الرسل [١٠] . وليس من شك أن المؤلف وُفِّق إلى تفصيل ذلك، فعرض إلى كمال الخصال والأوصاف، وفضائل الأقوال، وفضائل الأعمال؛ وسنقف عند فضائل الأعمال لنثبت ما قاله المؤلف عنها بوصفها أحد محددات كمال أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ومن سيرته العطرة. يقول المؤلف: (فضائل الأعمال مختبر بخصال منها: حسن سيرته، وصحة سياسته، والثانية: جمعه بين رغبة من استمالة ورهبة من استطاع حتى اجتمع الفريقان على نصرته وقاموا بحقوق دعوته، والثالثة: توسط شريعته بين الإفراط والتفريط، والرابعة: أخذه من الدنيا على قدر الكفاية، والخامسة: توضيحة لمعالم الدين وأحكامه وعباداته حتى لم يحتج إلى شرع غيره، والسادسة: جمعه بين الدعوة للدين باللسان والبيان وبين الانتصاب لجهاد الأعداء حتى انتصر، والسابعة: ما اختص به من الشجاعة في الحروب وثبات القلب وسرعة النهوض إلى نجدة الملهوف والمحتاج والمفزوع، والثامنة: ما كان عليه من سخاء وجود، حتى جاد بكل موجود، وآثر بكل مطلوب ومحبوب) [١١] . خاتمة مجملة: إن كتاب: (نبي الإسلام بين الحقيقة والادعاء) أحد أهم الكتب الإسلامية الرصينة التي أفرزتها حركة الدعوة، أو إنتاج دور النشر المختصة في العقود الأخيرة، وهو مجهود فكري هادئ موضوعي ينأى عن الحماسة والضجيج، ويقترب من الكتب الثقة الأم التي تناولت مثل هذا العنوان. وقد بات من الضروري أن أنوِّه بكلمة الناشر في ذيل الكتاب، وأجدها فرصة للإفادة من موضوعات الكتاب فهماً وعملاً؛ فالكتاب هذا أصبح أحد العناوين المهمة للدفاع عن نبي الإسلام ورسالته. وجاء الكتاب في مجمله دراسة منهجية فيها من الدقة العلمية والأخذ بثوابت العقيدة؛ وجديد العلم الصحيح النافع، وهو ما تقدمه صفحات ذلك الكتاب. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 3461

البيان الأدبي من مناهج قراءة النص الأدبي د. مصطفى السيد (خير للإنسان أن يَعْدِل عن التماس الحقيقة من أن يحاول ذلك من غير منهج) [*] . ١/٤ ولد النص النقدي بوصفه البحث عن الأنساق المتحكمة في شعرية النَّص الأدبي بعد ميلاد هذا الأخير، وليس النص النقدي ثرثرة أو ترفاً فكرياً، بل هو من مكملات النص الأدبي ومن مقوماته، ومن العناصر الأساس في الثقافة الإنسانية الأصيلة؛ لأن الإنسان فرداً كان أو أمة يكون حظه من الفكر المتين، بمقدار حظه مما يمتلكه من ذائقة نقدية وذهنية ناقدة لا تُسلِّم أو تستسلم لأي فكر قبل أن تحاكمه نقدياً. وإذا كان الخطاب الأدبي يمتح ابتداء من موهبة أصيلة، فإنه أيضاً يتقرَّى بالواقع، ويقتات من إخفاقه ونجاحه ليرد إليه ما يأخذه منه بعد أن تعيد عبقرية المبدع صهره، وصياغته صياغة أدبية؛ وبسبب من هذه العلاقة الأبوية بين المجتمع/ الواقع والنص ظهرت الاتجاهات: الواقعي/ الاجتماعي / النفسي، لتحاكم النص بوصفه إحدى التجليات الفكرية والإبداعية للمجتمع والمبدع، وما زالت هذه الاتجاهات أكثرها تتبعثر جهودها حول النص لا فيه، ولم تلحظ استقلاله عن بيئته الزمانية والمكانية، وعن حياة قائله وشخصيته، ولو أن أعمال شكسبير (١٥٦٤-١٦١٦م) مثلاً اعتمدت في فهمها وتقدير قيمتها على البيئة والعصر اللذين انتجاها لما كان لها معنى ولا قدر خارج هذه البيئة وذاك العصر؛ ذلك لأن الشعر أعمق بكثير من مجرد كونه مصدراً نستقي منه حياة الشاعر، وإذن فيمكن أن يقال: إن القصيدة هي الحياة ولا أقول الواقع وقد وضعت في بناء لغوي موسيقي متوازن، تتضاءل فيها قيمة المناسبة الخاصة، وتتضاءل قيمة الواقع الخاص المصوَّر) [١] . (ولعل واحداً على الأقل من أسباب انصراف الناس عن الآداب أن الدارسين تحدثوا إليهم كثيراً عن الأدب وتحدثوا إليهم قليلاً في الأدب) [٢] . (فالدارس العربي محتاج إلى مراجعة موقفه على ضوء ما يتجه إليه النقد العالمي في هذه الناحية؛ فما يزال لحياة المؤلف عنده أي الناقد العربي ذلك البريق الشديد، وما يزال يحتفل بحقائق السيرة الذاتية، ويعدها وثيقة من وثائق الدرجة الأولى لتفسير العمل الأدبي) [٣] . فالاتجاه الواقعي وأشقاؤه يمَّموا وجوههم قِبَلَ النص بوصفه وثيقة اجتماعية أو تاريخية أو نفسية، واعتقدوا أنهم قالوا كل شيء عن العمل الأدبي عندما كشفوا شبكة علائقه التاريخية والاجتماعية، ومدى محاكاته لمرجعيته الاجتماعية، وإلى أي حدّ كان النص مظهراً لمشكلات مجتمعه ولنجاحاته أيضاً. كما ساءلوا النص عن حياة الكاتب الخاصة؛ إذ أكّد سانت بيف (١٨٢٨-١٨٩٣م) أكبر نقاد فرنسا في زمانه أكد (في تفسير أعمال الأدباء على دراسة حياتهم الخاصة، واستقصاء جميع تفاصيلها، بما فيها حياتهم الحميمة، حتى اتهمه الأدباء المعاصرون له بما يشبه التجسس على حياتهم الخاصة) [٤] . ويثمّن ريمون بيكار ناقد فرنسي جهود سانت بيف ومجهوداته قائلاً عنه وعنها : (كان مسؤولاً أكثر من أي إنسان آخر عن هذا الخلط بين حياة المؤلف وعمله، والغريب مع هذا أن مكانته لا تزال على حالها، ولا يزال سانت بيف الشخصية التي تقرر مصير الأدب) [٥] . ولا شك أن النقد الفرنسي قد تجاوز سانت بيف، غير أن توجه هذا الأخير مازال مهيمناً على أكثر أركان المؤسسة الأدبية في العالم العربي وما زال النص درساً ودارساً ومدروساً يعاني من السانت بيفية إذا صح هذا التعبير، ودراسة النص بهذه المنهجية تجعل النقد والناقد يتنازلان عن موقعهما لموقع الشرطي والرقيب إزاء العمل الأدبي، في حين يبقى موقعهما شاغراً. يقول جورج ستينير ناقد أكاديمي إنجليزي: (إن رجل الشرطة والرقيب يسألان الكاتب، على حين يسأل الناقد الكتاب فحسب) [٦] . وكان أكبر همِّ المناهج السابقة أن تجد في النص الفكرَ لا الجمال، والحقائق لا الخيال، ولا يمكن أن نضع دعاة هذه الاتجاهات في قَرَن واحد، أو نحددهم بتعريف وحيد، ولكن النقد الواقعي خاصة لفظ أنفاسه الأخيرة أو كاد على أيدي دعاته من الروس عندما انحطوا بالنص الأدبي إلى مهام أقرب ما تكون تابعة للبلديات لا للمؤسسات الأدبية، ولعل أندريه جدانون (١٨٩٦-١٩٤٨م) الذي رأى اختزال الأدب ونقده إلى المستوى الذي يطابق منظوره ورؤيته الشيوعية السوفياتية لهذا الفن الجميل، بل لعله كان يوقع شهادة وفاة هذا الاتجاه من حيث أراد بحسب منظوره الزِّمّيت دفعه إلى الإمام. ولا أنكر وأي باحث حر أن أموراً خارج النص يمكن أن تسعف في إضاءته، وإنما غير المقبول هو تضخيم هذه الأمور الخارجية حتى توشك أن تحجب أشعة شمس النص أو تكاد. ولقد نبه نقاد كثر يُعتد بكلامهم إلى الإحالات الخارجية، ولكن بدون إسراف في التناول. يقول ت. إس. إليوت: (١٨٨٨-١٩٦٥م) : (إنه لا يمكن تحديد عظمة الأدب على أساس المقاييس الأدبية وحدها) [٧] . ويقول غيره: (نجد أن القراءة الفاحصة جداً للنص، قد تضل عندما تمضي دون الرجوع إلى السياق التاريخي) وكيف يستطيع ناقد الأدب الإنجليزي أن يقرأ (تاجر البندقية) [**] (بسذاجة على أنها مادة أدبية خالصة) وأن خبث اليهود وجشعهم كانا غائبين لدى كتابتها؟ ٢/٤ وإذا انحرف فهم الأدب عن مهامه الرسالية ووظيفته الجمالية، استتبع ذلك غالباً انحراف النقد وانحساره عن ارتياد جوهر النص، وانحصاره باستقراء ما قبل النص تشاغلاً بذلك، وعجزوا عن حوار ملفوظ النص ودلالته، خدمة لأهداف قَبْلِية، وإبقاءاً للغة النص بكراً لم تفترعها أقلام النقاد. وهكذا أدت هذه المناهج التي ترى النص وسيلة لا غاية إلى التعجيل بظهور الشكلانيين الروس [٨] الذين جسَّدوا عصر النص، ومجدوه بوصفه لغة تتحقق جماليته في أدبيته، فهو بنية لغوية مغلقة هدفه ووسيلته أمر واحد: أدبيته، ومرجعية الحكم عليه أو له من داخله؛ لأن له حياته الخاصة، ومن هنا كما يقول الدكتور محمود الربيعي: (فإن حياة القصيدة المتطورة النامية الباقية لا حياة الشاعر المحدودة المنقضية هي التي ينبغي أن تستحوذ على اهتمامنا) [٩] . ولذا فإن التماس المطابقة أو المفارقة بين المجتمع والناصِّ من جهة والنص من جهة أخرى: التماس ذلك ليكون حكماً وحاكماً قطعي الدلالة يهمِّش النص في الوقت الذي يعلي من شأن العوامل الثانوية في النتاج الأدبي. يقول مالارميه: (١٨٤٢-١٨٩٨م) : (إن الكتابة مزودة باستقلالية تامة، بالقياس إلى العالم الذي تتحدث عنه) . ويقول جيرار جانبت ولد (١٩٣٠م) : (إن الشيء الأدبي لا يمكن أن يوجد إلا بواسطة نفسه، وفي مقابل ذلك فإنه لا يرتبط إلا بنفسه أيضاً) [١٠] . وإذا كان للكتابة هذا الاستقلال فإن النقد يجب ألا يكون خاضعاً لغير النص، بل يجب أن تكون علاقته مع النص علاقة نِدِّيَّة تحاوره ليكون النقد أدباً على أدب؛ لأن (النقد ذا القيمة هو النقد الذي يصبح نفسه أدباً، هو الذي تستمر قراءته لا لحججه وأفكاره، إنما لكونه نبعاً مستقلاً للمتعة الأدبية) [١١] . وقد يستطيع الباحث أن يعدَّ كلاً من الجاحظ (١٥٠-٢٥٥ هـ) وعبد القاهر الجرجاني ت (٤٧١ أو ٤٧٤ هـ) من الأمثلة التراثية المقاربة لاتجاه الشكلانيين، غير أن هذا الاتجاه تطور على أيدي نقاد غربيين، وبات يعرف بالاتجاه البنيوي الذي هو (عبارة عن جهود متفرقة تلتقي أساساً عند محاولة علمنة الدراسة النصية للأدب) [١٢] ، ولقد بالغ هذا الاتجاه في الاعتداد بلغة النص، ولم يعتدّ بأية قيمة فكرية أو أخلاقية يتضمنها النص، وذلك عندما جعله (بنية مكتفية بذاتها، لا تحيل على وقائع مجاوزة للغة، قد تتصل بالذات المنتجة، أو بسياق الإنتاج، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط) . ولكن بعض النقاد اعترف بالقيم التي ينتجها النص بوصفها مولوداً شرعياً، ولكن حذَّر من قيم خارجية يفسر الناقد النص عليها. يقول هذا الناقد: (القيم جميعا تتولد من لغة القصيدة، والقارئ الذي يستنتج من الشعر شيئاً لا تنشئه لغته لا يقرأ الشعر، وإنما يقرأ أفكاره الخاصة) [١٣] . ولعل الاتجاه الشكلاني والبنيوي هما الأقرب تمثيلاً لما بات يعرف بـ (عصر النص) . ٣/٤ يجب على القراء ألاّ يظلوا (مجرد قراء مستهلكين، مجرد تلاميذ، يظلون تلاميذ طول عمرهم، أنا أريد أن يتحول القارئ إلى ناقد يحاور المادة المقروءة، وأحرره من سلطة المقروء وسلطة المؤلف والنص عليه لكي تتحقق إرادة القارئ في حريته مع النص) [١٤] . لا أدري هل ينهض الكلام السابق ليكون فاتحة الحديث عن عصر القارئ أو عصر ما بعد النص، والذي يعد الناقد الفرنسي رولان بارت (١٩١٥-١٩٨٠م) أبرز ممثليه، وهو الذي كتب (لذة النص) [١٥] ليضع بحسب قوله: لذة الكتابة، ولذة القراءة على قدم المساواة؛ وهو الذي دعا مع آخرين [١٦] إلى موت المؤلف إحياءاً لدور القارئ، ومن حججه في ذلك وجود أعمال أدبية عالية المستوى، عالمية الشهرة يتيمة الأب كبعض الملاحم وألف ليلة وليلة. وهذا الاتجاه لا يعوّل على شيء مما قبل النص، وبذلك يسقط عملياً الاتجاهات الواقعية والاجتماعية والنفسية، كما تجاوز الاتجاه الثاني، لا ليقف عند ما تقوله لغة النص، بل عند ما يُقوِّله القارئ إياها. يقول بول فاليري (١٨٧١ -١٩٤٥١م) أحد أساطين هذا الاتجاه: (إن كل إبداع أوْلى له أن يكون أي شيء، إلا أن يعزى إلى مؤلفه) ! ! ! فالقارئ هو المؤهل لإعادة إبداع النص، وإليه يدين بحياته وشهرته (عندما لا تكون القراءة مجرد شرود، أو رغبة غير مبالية، مصدرها الملل، تكون نوعاً من الفعل) [١٧] الذي يضاهئ [***] الفعل الأول المتمثل بإنتاج النص. والقارئ المؤهل هو الذي يُنطِق النص الصامت على رفوف المكتبات عندما يجعله بؤرة المشهد النقدي، ليؤهله للدخول في مفردات الفكر الأدبي والإنساني. ولا إخال ناقداً مسؤولاً يوافق دعاة هذا الاتجاه ودعاواه في زعمهم أن موت المؤلف يخلي لهم وجه النص؛ فهذه الدعوى أكذب من أن تصدّق، ومن يجرؤ على بتر وشائج العلائق القائمة بين النص وكاتبه؟ يقول الجاحظ: (ليعلمْ أن لفظه أي الكاتب أقرب نسباً منه من ابنه، وحركته أمسُّ به رحماً من ولده، ولذلك تجد فتنة الرجل بشعره وفتنته بكلامه وكتبه فوق فتنته بجميع نعمه) [١٨] . ولعل الجاحظ لامس بُعداً من المشكلة، ولكن بعداً خطيراً لا بد من الإشارة إليه، وهو أن النظر إلى النص بوصفه لقيطاً يفقده ليس شيئاً من جمالياته بل قداسته كما في النصوص الشرعية. يقول الناقد الجزائري عبد الملك مرتاض (ولد في ١٩٣٥م) : (فكيف يعقل أن تكون أنت الذي يكتب ثم لا تكون في الوقت ذاته أنت الذي يكتب تلك الكتابة؟ وأي عقل يصدق ذلك؟ وبأي منطق يمكن البرهنة على موت المؤلف؟) ويرى أن رفض المؤلف (رفضاً للإنسان في معناه العام، وهو قائم على فلسفة إلحادية أولاً وعبثية آخراً) [١٩] . كما يرفض الناقد فيرنون هال هذه الخدعة بقوله: (إن الناقد يدرك أنه مع أهمية عمله في مساعدة القارئ أو المشاهد في الاقتراب أكثر من الروائع الأدبية، فإنه لا يمكن أن يخدع نفسه، فيظن أن عمله يساوي العمل الأدبي ذاته؛ فوظيفته أن يزيل العقبات من الطريق حتى يستطيع آخر أن يسير بسهولة في الغابة) [٢٠] . ٤/٤ وفي الموروث الشرعي والشعري عندنا توجد إشارات واضحة تؤكد دور القارئ، وحقه في فهم النص فهماً يؤكد الثراء في بنية النص العربي الذي سالت أوديته بفضل الله ثم بفهمٍ يؤتاه قارئ، ويؤتى آخر غير ذلك الفهم، وقد يكون الثالث كما في الحديث الصحيح (لا يُمسك ماءاً ولا يُنْبِتُ كلأً) [٢١] . ولعل فيما أخرجه الإمام البخاري (١٩٤-٢٥٦هـ) رحمه الله تعالى في صحيحه ما يعضد تعدد القراءات مع وحدة النص. (عن ابن عمر ﵄، قال: قال النبي ﷺ يوم الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بلى نصلي، لم يُرد منا ذلك، فذُكِرَ ذلك للنبي ﷺ فلم يُعنِّف واحداً منهم) [٢٢] . فالنص واحد والقراءات متعددة، ولقد أورد الإمام ابن حجر (٧٧٣-٨٥٢ هـ) ما قد يؤكد ذلك؛ وذلك أثناء شرحه الحديث المشار إليه. قال ﵀: (قال السهيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه، وفيه أن كل مختلفين في الفروع من المجتهدين مصيب، قال السهيلي: ولا يستحيل أن يكون الشيء صواباً في حق إنسان، وخطأ في حق غيره) [٢٣] . وفي (محاسن التأويل) للقاسمي ﵀ ١/٣١: قال أبو الدرداء: (لا يكون أحد فقيهاً حتى يحمل الآية على محامل متعددة) ويقول مفسر تونس وفقيهها صاحب (التحرير والتنوير) ابن عاشور ﵀ ١/٩٧ في حديثه عن كثرة المعاني للآية: (لا تكنْ من كثرتها في حَصَر، ولا تجعل الحمل على بعضها منافياً للحمل على الآخر، إن كان التركيب سمحاً بذلك) . ويقول أبو الطيب المتنبي (٣٠٣ -٣٥٤هـ) عن مؤسسة قرائه : أنام ملءَ جفوني عن شواردها ... ويسهرُ الخلق جُرَّاها ويختصمُ ويقول بول فاليري (١٨٧١-١٩٤٥م) : (لأشعاري المعنى الذي تحمل عليه ويقول: (إن القصيدة قد تبدأ في التكوُّن الحقيقي من اللحظة التي يتلقاها فيها المتلقي الخبير) . وقبل استعراض آراء بعض النقاد التي تتبنى تعدد القراءة = التفسير الأدبي لنص واحد، لا بد من التذكير بأن القراءة المكثفة امتداد للكتابة المكثفة؛ فالنص الشفاف الذي لا يتجاوز الضفاف يحدّد قُرَّاءه، كما يُطالب الناقد بالتفسير المركب والتحليل المعمق لما يرتضيه من قراءات، وأن يكون النص يسعف كل قارئ وقراءة، فلا يُلوى عنقه، أو يُقْسر على المعنى قسراً، وأن ندرك كما يقول رينيه وليك صاحب نظرية الأدب: (إن هناك حدوداً موضوعة لحرية التفسير) ولكن إذا سقي النص رحيق الموهبة، وأُشرِب ثقافة حرة أصيلة، فإن قراءته توشك أن تكون عالماً بلا حدود، وإن كل ما يتوصل إليه في هذا الطريق صحيح ما دام النص لا يرفضه منطوقاً ومفهوماً. والمرء يدعو إلى تعدد القراءة؛ لأنه (ليس من الحكمة أن نتوقع من عمل ذي عمقٍ مَّا أن يسلم معانيه كلها من القراءة الأولى التي يمكن أن يقوم بها أي إنسان في أي ظرف. صحيح أن الأدب يهدف إلى المتعة، ولكنها متعة التعرف والارتياد والتنظيم، والإنجاز الجمالي، غير أنه علينا أن نعطي اهتماماً أكبر، وجهداً أكثر فنتغلغل وراء المستوى البسيط) سيطرة الإيقاع مثلاً (لتلامس أعماق النص بحيث تؤدي القراءة) من حيث هي فعل ذهني إلى إنشاء جديد لقول سابق، وإنطاق لما بدا صامتاً في الأقاويل الشعرية) [٢٤] . وإذا تجاوزنا دوافع الكتابة لهذه الأقطار عن القراءة (فإن احتفال الدارسين المحدثين بلحظة التقبل = القراءة ظل عابراً رغم ملاحظاتهم الوجيهة في حين أن مبحث القراءة محتاج منهجياً ومعرفياً إلى دراسات كثيرة تلائم قيمته) [٢٥] . وأخيراً فإن الناقد الأريب الخِرِّيت هو الذي يأخذ من هذه المناهج ومن هذه المفاهيم عن القراءة ما يعينه على استنطاق النصوص، وكشف ما فيه من إبداع أو عكسه، فلا تستعبده مدرسة بعينها، بل يستخدم المعرفة بوصفها، أداة لا غلاً يقمح عقله عن دقة الاختيار وروعة الاختبار، ثم (ما الذي يفيده رفض الفكر المخالف سوى التمكين للرأي الواحد. إن النهضة الأدبية محتاجة إلى الاستماع إلى كل الأصوات، ومن الواجب عدم طغيان صوت أدبي على صوت أدبي آخر، وقد لا تتضح قيمة الأشياء من فورها، وبذا يكون من الخير الاقتصار على محاولة استيعابها، وتأجيل الحكم على قيمتها) [٢٦] . ولنكن على ذكر دائم لقول أحد النقاد: (إن ما يفكر فيه الخيال الحديث أو المعاصر ليس وضع أي شيء في كتاب بقدر ما هو إطلاق شيءٍ مَّا من الكتاب بالكتابة) .

стр. 3462

البيان الأدبي مع الله نافذة الحنبلي ظِلُّ إنسانٍ يخطو خطوات هادئة وقورة، يزيد امتداد الظل تحت كل نور بين عدة أمتار وأخرى.. يتأرجح الظلّ تحت تأرجح أغصان الشجر العاري وهبّات الهواء التي تحاول جاهدة كسر هذه الأغصان ... بيوت جميلة متباعدة يسكنها الهدوء القاتل.. تنبعث من نوافذها أنوار هادئة تكاد ألا تضيء حافة النافذة التي زرعت بالزهور الجميلة وكأنها ألوان رسمت على لوحة ثلجية ... الظل يحدث نفسه.. ما أجمل هذه الطبيعة التي أودعها الله سرّه.. سبحان الله.. رغم البرد ورغم سقوط أوراق الشجر عن عيدانها، ورغم اكتساء السماء بثوب سحبها الداكن ... أحس بإحساس عميق بسعادة عارمة تجتاح جوانحي.. حيث أحسّ في كل خطوة ومع كل هبّة ريح ومع تمايل كل غصن بعظمة الخالق وقدرته.. ما أروع هذا الشعور وما أسعدني به.. يسير الظل حتى يتوارى في أحد البيوت المختفية في حضن الأشجار.. يضيء نور خافت يرسل خيوطه متسللة عبر الستائر الشفافة.. يظهر الظل في النور بوضوح تام.. رجل أشيب.. طويل القامة.. قوي البنية.. يفتح كتاباً ويبدأ في قراءته بخشوع وتأمل.. ويقفل الكتاب بهدوء وينطفئ النور وتظلم الغرفة؛ ولكنَّ هناك نوراً غريباً يحيط هذه الغرفة وكأن انعكاسات من الخارج والداخل تتلاقى لتجعل للبيت وهجاً خفياً لا أحد يعرف كنهه. الفجر يبدأ بفتح جفونه رويداً رويداً، ويحاول جاهداً إبعاد رمد الغيوم عن مقلتيه. البيت المختفي يضاء ثانية مع أول ومضة عين للفجر.. الرجل نفسه ينهض بنشاط وحيوية يتوضأ ويصلي.. وما كاد الفجر يفتح عينيه جيداً حتى كان الرجل قد انتهى من صلاته.. وتابع قراءة كتابه. الشمس تحاول جاهدة أن تطلّ من خلف الستائر الدّاكنة التي حاول الفجر قبلها فتحها لكن لم يستطع. خرج الرجل ثانية من البيت وسار بهدوء ووقار من حيث كان يسير هو وظله في المساء.. يحمل حقيبة يبدو أنها ملئت كتباً.. وصل إلى مبنى كبير وعريق وقديم.. أحجاره تتحدث بأنه قائم منذ مئات السنين ولكنه لا زال متماسكاً قوياً جميل البناء.. كتب على بابه (جامعة) . الرجل يدخل حتى يصل إلى أحد المكاتب ويجلس ليتابع كتبه بشغف وتعمق.. تدق الساعة الثامنة.. يدخل إحدى القاعات الكبيرة التي عجت بالطلبة. يدخل بهدوء.. تهدأ القاعة من الأصوات المتجاذبة من هنا وهناك. يبدأ السلام باللغة العربية وبلغة أخرى.. ومن ثم يتابع إعطاء محاضرته عن الإسلام والنفس البشرية بلغة أجنبية. الأسئلة تنهال عليه كوابل المطر.. لماذا المسلم لا يشرب الخمر؟ لماذا لا يقامر؟ لماذا لا ينطلق ويتمتع كيفما يشاء.. لماذا ولماذا؟ ؟ فأجابهم بهدوء: لماذا تكثر عندكم ملاجئ العجزة؟ لماذا تكثر عندكم الملاهي الليلية؟ لماذا أنتم في صراع مع الزمن؟ لماذا أنتم تتعاطون المخدرات؟ لماذا تنتشر عندكم الأمراض الخبيثة بكثرة؟ لماذا تكثر عندكم حالات الانتحار؟ لماذا تسعى حكوماتكم إلى توفير بيوت للمواليد غير الشرعيين؟ لماذا ولماذا؟ وجم جمهور الطلبة بهدوء غريب، وتأملوا وجه هذا الرجل الذي يضيء صحة ونوراً وكأنه في عنفوان شبابه. ألا أقول لكم: لماذا لا يوجد عندنا كل هذا؟ لأننا مع الله.. وهل تعلمون معنى أن يكون الإنسان مع الله؟ هو أن يعمر قلبه إيمان دائم كنهر عذب متدفق لا تجففه الشمس ولا تجتاحه الفياضانات ولا تهزه الزلازل.. فهو دائم السريان.. دائم العطاء.. دائم العذوبة.

стр. 3463

نص شعري وتَرْجَمَ الشُّعَرَاء عبد العزيز بن أحمد البجادي بمناسبة مرور سنة على وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله. لَيْس بدعاً بكاء شعر، ولا إبْ ... داع فيه، إذا ثوى العظماءُ كَمْ بَكَى الشّعْرُ مِنْ إِمَامٍ، ولا خَيْ ... رَ بِشِعْرٍ يُجْتَرُّ، وَهْو خواءُ زَمْجَرَتْ بالحُرُوفِ أَفْئِدَةُ الأبْ ... رارِ، حَرَّى، وتَرْجَم الشَّعَرَاءُ إذْ هَوى غُرّةُ الزّمَانِ ابنُ بَازٍ ... قبساً جُلّيَتْ بِه الظّلْمَاء وبَكَاهُ قَصيدٌ انثالَ، واصْطَ ... فَّ اصْطِفَافَ القَطا دَعاها الماءُ فَبَكَى الجُودَ، والسَّمَاحَةَ، والمَعْ ... رُوفَ، والبَذْلَ، والنَّدَى الفُقراء وبَكَى فقْدهُ، إذِ افْتَقَدُوا المَنْ ... قُولَ مِنْ عِلْمِ شَيْخِنَا الدَّهْمَاءُ غَيْرُ شافٍ بُكاؤُهُ، ذَاكَ بَحْرٌ ... غبّ من لُجهِ قَوّافٍ ظماءُ إن مضى بذْلُهُ فَرَازِقُهُ بَا ... قٍ، فمنْهُ العَطَاءُ، والنّعماءُ مَنْ لنا اليَوْمَ بالمؤَصِّل مَا يَنْ ... زِلَ فينا لمَّا خبا الضَوَّاءُ دَهْرُنا مُفْعَمُ النّوَازِلِ، كَمْ حَا ... رَتْ لَدَى تيه دَرْبها الفُهماءُ! كُمْ إِمَامٍ تَعَثَّرَتْ فِيهِ، واصْطَ ... كّتْ، خُطاهُ، وحَارَ مِنْهُ الذّكَاءُ وامْتَطَى الشّيْخُ في خُطاً كَالرَّوَاسِي ... زَلِقَ الدّرْبِ، حِينَ غَابَ الضياءُ جَوّلَ الفِكْرَ فِيهِ، واطَّرَحَ التَّقْ ... لِيدَ طُرّاً، ولاحَ مِنْهُ الدّهَاءُ تَحْتَ وَحْيٍ مِنْ نَصِّ وَحْيَينِ إنْ مَا ... رِيمَ مِنْهُ التَّعْلِيمُ، والإفْتَاءُ وَبدَا الرُّكْنَ لِلدُّعَاةِ إلى الدِّيْ ... نِ، لَهُمْ مِنْهُ مُرْشِدٌ، ووقَاءُ وشَجًى في حُلُوقِ أَهْلِ ضَلالٍ ... وانْحِلالٍ سَاقَتْهُمُ الأهْوَاءُ وتَحَرَّى تَأَلُّفاً شَمْلَ أَهْلِ الْ ... عِلْمِ، إنْ دَبّ فيهم شحْناء ثُمًَّ وَلَّى لِيَحْمِلَ الهَمَّ، والعِبْ ... ءَ، جميعاً، كَمَثْلِهِ، الأحْيَاءُ مِثْلُ هَذَا فَلْتَبْكِهِ أُمَّةُ الإسْ ... لامِ، والحفظُ، والتقى، والسخاءُ

стр. 3464

نص شعري قُومي يا نؤوم فتحي الجندي أيا صاحِ! السعادةُ لا تدومُ ... ولا الأهلون والأمُّ الرؤومُ فبيْنا الريحُ ساكنةٌ رخاء ... تبدّل حالُها وأتت غيوم وبينا نملأ الآفاق عزّاً ... فقد صرنا نُسام ولا نسومُ وأصبحنا أذل الناس رأساً ... وأصبحنا نُلام ولا نلومُ وحالُ الأمة الخرساء يُبكي ... فقد شُلَّت ومزَّقها الوجومُ فللأعداء «شاةٌ» دون قرنٍ ... وللأبناء «سكينٌ» ظلومُ جميعُ الخلق قد قاموا ونمنا ... ووالِينا يُزمجر: لا تقوموا سيوفُ الأمة الشمّاء ضاعت ... وما زال النزيفُ له كلومُ ألا يا أمة الإسلام هبّي ... كفاك النوم.. قومي يا نؤوم فحتّامَ التسكّع في خنوعٍ ... وفي قاع الهوان نُرى نعُومُ؟ وحتامَ التشرذمُ والتغابي ... ويرقص فوق جثتنا اللئيمُ؟ نهارُك بالأسى: لعبٌ ولهو ... وليلك بالهوى دنسٌ بهيم فألوان المباذل خدّرتنا ... وإن سال الغثاءُ فنحن هِيمُ كفانا في دروب العار ضعْنا ... كفانا في ضلالاتٍ نهيمُ وللتزييف أشياخٌ كبارٌ ... وللتسويغ تُمتهن العلومُ ومهما قام للإسلام شهْمٌ ... فإنّ به كلابهمُ تحومُ ذئابُ الغرْب بحرٌ ماج حقداً ... في أجوافهم نارٌ سموم ومهما يطلبوا فلهم كلابٌ ... وأذنابٌ ولاؤهُمُ عظيمُ كلابُ «الترك» كم خرجوا علينا ... وقائدهم «أَتَاتُرْكُ» المشومُ! وكم في أرض يَعِرُب من حقيرٍ ... يحركه الهوى وبه يقومُ! «نتنياهو» يمرِّغ أنف قومي ... فنهتف كالحواة له: «شلوم» [١] وشرع الله مغضوبٌ عليه ... وللداعين أُحضِرت السُّمومُ وما زلنا نقدّم رأس «يحيى» ... نبيِّ الله كي ترضى «سلومُ» وأحضرت المشانق من عدو ... وشُيّدت السجونُ لمن يحومُ وكلٌ يدعي شرفاً ولكن ... قضى الشرفاءُ وارْتحل الكريمُ ألا يا أمة الإسلام عفواً ... فؤادي كاد تقتله الهمومُ

стр. 3465

الإسلام لعصرنا دين الحق والخير والجمال د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة الإسلام دين الحق والخير والجمال؛ لأنه حق كله، وخير كله، وجمال كله؛ فلا باطل فيه، ولا شر فيه، ولا قبح فيه. وأما ما عداه فيختلط فيه الحق بالباطل والخير بالشر، والجميل بالقبيح. وهو دين الحق والخير والجمال؛ لأنه يوائم بين هذه القيم الثلاث، ويجعل كلاًّ منها كما ينبغي أن يكون معاضداً للآخر ومعيناً عليه، بينما يجعلها غيره من المذاهب والحضارات والنِّحَل متشاكسة متضاربة، يهدم بعضها بعضاً. يرون في جمال الفنون مسوِّغاً لاتخاذها وسيلة إلى قول الزور، وهدم الفضيلة؛ وفي جمال التعبير شعراً كان أم رواية ما يجعل من حق القائل أن يختلق الأباطيل ويروِّج للشرور، ويجاهر بالفسوق. والإسلام دين الحق والخير والجمال؛ لأن المعبود الذي يدعونا إليه هو الحق، وهو فاعل الخير، وهو الجميل الذي لا يضاهي جمالَه جمالٌ. فالله تعالى هو الحق الأعلى الذي لا يقارِب أحقيتَه حقٌّ؛ فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الخالق لكل شيء. وربنا تعالى خيرٌ مَحْضٌ؛ فالخير كله بيديه، والشر ليس إليه. وربنا تعالى جميل يحب الجمال. والرسول الذي أرسله إلينا حق، نعرف نسبه، ومولده، ونشأته، وصفاته، بل نعرف عنه ما لا يعرف أحد عن بشر سواه؛ فهو ليس كأولئك الذين يعتقد بعض أصحاب الديانات فيهم، وهم لا يملكون دليلاً تاريخياً حتى على وجودهم، ودعك من سيرتهم. وكان رسولنا متصفاً بكل صفات الخير، حتى قال عنه ربنا سبحانه: [وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ] [القلم: ٤] ، وحتى قالت عنه زوجه التي عرفت مداخله ومخارجه: كان خلقه القرآن [١] . كان صادقاً، أميناً، وفياً، كريماً، رحيماً، شجاعاً، صبوراً، دوَّاراً مع الحق حيث دار، لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان جميل الصورة، جميل الروح، جميل الحديث. وكان لذلك رجلاً مهيباً. والقرآن الكريم الذي أنزله تعالى كتاب يقول الحق، ويهدي إليه، ويأمر بالخير وينهى عن الشر، ويعبر عن كل ذلك بلغة هي الذروة العليا من الجمال: [بالحق أّنزلناه بالحق نزل] [الإسراء: ١٠٥] . [الم (١) ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] [البقرة: ١، ٢] . [لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] [فصلت: ٤٢] . [إنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] [الإسراء: ٩] . [وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلاً] [الأنعام: ١١٥] . (صدق في الأخبار وعدل في الأوامر والنواهي) . [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ] [الزمر: ٢٣] . فهو ليس كالكتب الدينية التي يشك أصحابها في أصولها، وفي ترجماتها، وفي معانيها. وبما أن هذه القيم الثلاث مجتمعة في الإله المعبود، وفي الرسول المبعوث، وفي الكتاب المنزل، فإن أحسن أحوالها أن تكون كذلك متداخلة في حياة البشر. ولذلك نجدها متداخلة موصوفاً بعضها ببعض في كتاب ربنا وسنة رسولنا: فمكارم الأخلاق توصف بالجمال. [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ] [يوسف: ١٨] ، [فاصبر صبرا جميلا] [المعارج: ٥] . والقول يوصف بالحسن وهو مفهوم جمالي وبه يوصف الفعل: [ادفع بالتي هي أّحسن] [المؤمنون: ٩٦] ، [وقولوا للناس حسنا] [البقرة: ٨٣] ، [وجادلهم بالتي هي أّحسن] [النحل: ١٢٥] . ولا تناقض بين الانتفاع بالشيء وتذُّوق جماله، بل إن هذا الذي ينبغي أن يكون: [والأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ومَنَافِعُ ومِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٧] ) [النحل: ٥ - ٧] . [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ] [البقرة: ٦٩] [أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ] [النمل: ٦٠] . وتأمل هذه الآية الكريمة التي يأمرنا الله تعالى فيها بالنظر إلى ثمر النبات وينعه: [انظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [الأنعام: ٩٩] . والنظر إلى الثمر والينع لا ينفك عن رؤية ما فيه من بهجة وجمال . فكما أن خلقه آية، وما فيه من غذاء آية، فجماله أيضاً آية لقوم يؤمنون. وانظر كيف جمع سبحانه بين الأمر بالنظر إليه، والأمر بإيتاء زكاته: [كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] [الأنعام: ١٤١] . والمحظوظ من كانت له زوجة تجمع بين حسن الخلق وجمال المنظر: إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله [٢] . وكما أن هذه القيم يوصف بعضها ببعض فإن ديننا يجعل بعضها وسائل لبعض. فالدعوة إلى الخير لا تبنى إلا على الحق، ولا تكون إلا مقرونة بالحسن والجمال: فالقصص القرآني أحسن القصص محتوىً وأسلوباً، لكنه كله مبني على الحق، لا على الخيال. إنه يقرر واقعاً ولا يختلق باطلاً ليتوسل به إلى عِبرٍ أخلاقية أو دينية: [نحن نقص عليك أّحسن القصص] [يوسف: ٣] . [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى ولَكِن تَصْدِيقَ الَذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] [يوسف: ١١١] . والدعوة إنما تكون بالكلام الجميل الذي تأنس به المسامع وترتاح إليه القلوب: [وقولوا للناس حسنا] [البقرة: ٣٨] ، [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أّحسن] [النحل: ١٢٥] . لكن بعض إخواننا عفا الله عنهم جعلوا الدعوة إلى أعظم حق وأفضل خير: عبادة الله وحده، والاستمساك بسنة نبيه جعلوها مرتبطة بأنواع من الجفاء والغلظة التي تنفر منها طباع الكرام. ألم يتأملوا قول الله تعالى لرسوله: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] [آل عمران: ١٥٩] . يا لله! فكأن الله تعالى يقول لرسوله الكريم: إنك لو أبقيت على كل ما فيك من خصال الخير، ولو بقيت تدعو إلى ما تدعو إليه من حق، لكنك كنت مع ذلك فظاً غليظ القلب لانفض من حولك هؤلاء الذين هم الآن معك. لماذا يا ترى؟ لأنهم أناس كرماء يحترمون أنفسهم، ولا يرضون لها أن تذل حتى من رجل في مثل شخصية الرسول. وما كل الناس كذلك؛ بل إن منهم من لا يبقى ويطيع إلا مع الإذلال والهوان. ألم يقل الله تعالى عن قوم فرعون: [فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين] [الزخرف: ٥٤] . وصدق القائل: إذا أنت أكرمتَ الكريم ملكتَه ... وإن أنت أكرمتَ اللئيمَ تمردا ودعوة الحق إنما يصلح لها هذا النوع من كرام الناس. إنهم هم الذين يصدقون فيها ويتحملونها بقوة وشجاعة. فليكونوا هم إذن طَلِبَتَنا حين ندعو؛ ولندعهم لذلك بطريقة تليق بهم، فتجمعهم حولنا ولا تنفرهم منا. أما اللئام الذين يرضون بالهوان فلا خير فيهم، ولا رجاء منهم. وقابل هؤلاء أناس تذرعوا بلين الكلام وخفض الجانب ليوقعوا الناس في مهالك الشرك والابتداع. والسعيد من وفقه الله تعالى للدعوة إليه بالتي هي أحسن. الجمال إذن محمود ومرغوب فيه، وهو قرين الحق والخير. فأما حين يكون مَظِنَّةً لأن يُتَّخَذَ وسيلة لهدم المكارم فإن الإسلام يمنع الاستمتاع به. ولذلك فإنه يحرم النظر إلى بعض الصور الجميلة، والاستماع إلى بعض الأصوات الجميلة حين يكون ما فيها من جمال ذريعة إلى شرك أو هدم مكارم. ولهذا حرم النظر إلى زينة النساء لغير محرم أو زوج؛ لأن الاستمتاع بجمالهن قد يكون وسيلة إلى هدم الفضيلة. وأباحه للمحارم؛ لأن هذه العلة منتفية في حقهم، وأباحه للأزواج، بل ودعاهم إليه؛ لأنه استمتاعٌ حلال، وقد يكون وسيلة إلى الامتناع عن الحرام. وكذلك الأصوات الجميلة قد يرتبط جمالها بخاصةٍ فيها، أو في المستمتع بها، تثير مشاعر الرذيلة، أو تكون ملهية عن فضيلة. فخضوع النساء بالقول قد يثير الطمع فيهن وإن كن أزواج نبي، ولذلك مُنِعْنَ منه: [يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً] [الأحزاب: ٣٢] . وقل مثل ذلك عن المعازف وأنواع من الغناء. قال تعالى: [ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ] [لقمان: ٦] . وقال ابن مسعود ﵁: هو والله الغناء. فالحمد لله الذي هدانا للحق، وسهَّل لنا سبل الخير، ومتعنا بجمال الكلام، وجمال الخلق، وجمال المعاني.

стр. 3466

وقفات رسالة على لسان مجاهد شيشاني أحمد بن عبد الرحمن الصويان افعلوا ما شئتم أيها الروس.. فإنكم مهما قتلتم من الشيب والشباب، أو رمّلتم من النساء ويتمتم من الأطفال، فاعلموا أن ذلك لن يضرنا بإذن الله تعالى. افعلوا ما شئتم.. وكيدوا ما شئتم، واستخدموا ما أردتم من الأسلحة الفتاكة، والقنابل المدمرة؛ فإن الله تعالى معنا، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. افعلوا ما شئتم.. انتفشوا وتبختروا ولا تأخذكم بنا رأفة لا شفقة، لا ترحموا طفلاً رضيعاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ضعيفة؛ فإن الله تعالى لن يضيعنا. عجباً لكم! ماذا تنقمون منا؟ ! ألأننا عدنا لديننا واعتصمنا بكتابنا؟ ! ألأننا نهضنا من سُباتنا ورحنا نبحث عن هويتنا؟ ! ألأننا بدأنا نستنشق نسائم الحرية، ونزيل تراب الشيوعية من فوق رؤوسنا..؟ ! أرأيتم تبختركم وطغيانكم وجبروتكم وظلمكم، أتظنونه سوف يستمر؟ ! لا والله؛ فإن الله هو القوي العزيز، وإنَّا لنبصر فجر الخلاص بين راحتي هذه المحن بإذن الله تعالى. كم فسقتم وطغيتم وزلزلتم الأرض من تحت أقدامنا، وصبَّحتمونا بالقنابل المدمرة، ومسَّيتمونا بالصواريخ الحارقة.. كم.. وكم؟ ! ولكن: [أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ] [الملك: ١٦، ١٧] . انظروا إلى فلول المهاجرين من الشيوخ والنساء والصبيان والعَجَزة كيف راحوا يهربون زرافات ووحداناً فراراً بأنفسهم وأعراضهم من جبروتكم وتسلطكم..؟ ! يا سبحان الله! ما أقسى الذلة والمهانة! وما أصعب الشتات والتفرق! وما أشد ألم المرأة العفيفة التي انتُهِكَ عِرضها! وهل تعرفون أشد حرارة من دموع ذلك الشيخ الذي هدّه الألم وفجعته الكارثة..؟ ! تأملوا في نظرات ذلك الصبي التائهة، يتلفت هنا وهناك في تلك الأفواج المهاجرة لعله يجد أمه أو أباه أو أخته فيرتمي في أحضانهم.. ولكن.. هيهات هيهات..! ! ها هو ذا شيخ طاعن في السن يضم رأسه بين راحتيه مقعياً حزيناً يتجرع ألم الحسرة والفراق فقد هُدِّم بيته، وأُحرق زرعه، ودُمِّرت أملاكه، وتخطفت قنابل النابالم المحرقة زوجه وولده، فانزوى حزيناً يدفن مرارته وحزنه، ويكفكف دمعه وعبرته، وهكذا حال بقية الناس من حوله يُظلِّل وجوههم الفزع، ويحوطها الهلع.. ولكن ما زادنا ذلك إي والله إلا قوة وثباتاً وإصراراً على طريق الجهاد في سبيل الله. نعم صبَّ طغاتكم علينا أقسى أنواع الظلم، فأحاط بنا الألم من كل مكان، نأرق ونحزن، وتتصدع قلوبنا على أهلينا وأبنائنا، لا تهنأ لنا عين بنوم، ولا يرقأ لنا دمع، نرى أبناءنا ونساءنا وإخواننا يُتَخَطَّفون من حولنا، وربما قدرنا على مواراتهم بالتراب، وربما عجزنا عن ذلك.. ولكن واللهِ الذي لا إله إلا هو إن قلوبنا العامرة بالإيمان مطمئنة ساكنة يملؤها البِشْر والراحة والشوق للقاء الله، وتحدوها أطايب الجنة إلى التسابق في التضحية وملاقاة الكفرة الملحدين، ولا نجد في نفوسنا قوة وثباتاً وشجاعة كما نجدها الآن، ولله الحمد والمنَّة. أيها الروس: إننا نقاتلكم برجال نحسبهم والله حسيبهم يحرصون على الموت أكثر من حرصكم على الحياة، ارتفعت رؤوسهم الشماء اعتزازاً بدينهم، وشمخت أفئدتهم الكريمة ثباتاً وصلابة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، استعانوا بربهم، وعضوا على دينهم بالنواجذ. إننا نقاتلكم برجال يصدق فيهم قول الشاعر العربي: عُبّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم ... كم عابد دمعه في الخدِّ أجراه وأُسْدُ غاب إذا نادى الجهاد بهم ... هبُّوا إلى الموت يستجدون رؤياه أيها الروس: هَبُوا أنكم دمَّرتم ديارنا وقتلتم رجالنا؛ أتظنون أن الله مخلفٌ وعَده رسُله..؟ ! افعلوا ما شئتم؛ فإننا نرى بناءكم المترهل بدأ يتساقط ويتمزق بإذن الله، [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٠٤] . ... ماضٍ وأعرفُ ما دربي وما هدفي ... والموتُ يرقصُ لي في كل منعطَفِ وما أبالي به حتى أحاذرَه ... فخشيةُ الموت عندي أبردُ الطُّرَفِ

стр. 3467

المسلمون والعالم زيارة بابا الفاتيكان: خطوات جديدة على طريق الاختراق عبد العزيز كامل رغم الضجيج العالمي الذي سبق زيارة (بابا) الفاتيكان إلى منطقة الشرق الأوسط وما صاحبها، وبرغم الأضواء المبهرة التي سلطت عليها إعلامياً، إلا أن ذلك لم يكشف بشكل كامل عن أبعاد تلك الزيارة؛ فقد صورها الإعلام الدولي على أنها إحدى مظاهر الاحتفال العالمي بـ (اليوبيل) الألفي لميلاد المسيح ﵇. أما الإعلام العربي في غالبه فقد صور الزيارة بصورة مقطوعة عما قبلها وما بعدها، ومارس عملية تضليل كبرى في إخفاء معانيها ومراميها البعيدة، وشاركت أضواؤه الخدَّاعة في خطف الأبصار عن إدراك الحقائق على ما هي عليها، إمعاناً في المزيد من إطالة الغيبوبة المتواصلة للوعي العربي، والتي بدأت منذ إدخاله غرفة الـ (إن عاش) العلمانية الجاهلية الرديئة. لقد أصر ذلك الإعلام على أن يفجعنا في عقيدتنا وفي ثوابتنا، بل وفي أذواقنا ومشاعرنا عندما استعلن بإظهار شعائر الوثنية، ومظاهر الشرك ليذيعها على الملايين من المسلمين، وعلى الهواء مباشرة، لا ليطلعوا على رداءة الكفر وأهله، ولكن لتزيينه وتزويقه بكلمات النفاق وشهادات الزور على ألسنة المعلقين والمحللين المكتوبة والمسموعة، وقد أطْلَعَنا هذا الإعلام على ما لا تشتهي الأنفس وما لا تلذ الآذان والأعين، فسمعنا من الذين أوتوا الكتاب ومن الذي أشركوا أذىً كثيراً، وأصاب القذى أعيننا والأسى قلوبنا ونحن نرى حامل الوثن يُعظَّم وتعد خطواته وكلماته وهو يرفع ذلك الوثن المتخذ على شكل الصليب وقد عُلِّق به تمثال عيسى ﵇ الذي اتخذوه إلهاً. ومما زاد في الفجيعة أن ذلك الاحتفاء بالشرك الأكبر والجُرم الأعظم لم يكن في ديار بطرس أو مرقس أو قسطنطين، وإنما كان على أراضي الأنبياء التي أرادها الله خالصة للتوحيد، واستحفظها أمة خاتم الأنبياء ليطهروها ويعمروها. لقد شاهدنا غلاظ الأكباد من بني جلدتنا وهم يروِّجون في تلك الأيام المعدودات لتجارة الشرك المسماة بـ (التبشير) . ونسجل هنا شهادة وقد جعل الله تعالى أمتنا شاهدة على الناس أن ما يسمى باحتفالات (ميلاد الرب) لم تلقَ نجاحاً في أي مكان على ظهر الأرض مثلما وجدته على أرض الإسلام وفي بلاد العرب، ولم يلق حامل وثن (الإله المصلوب) ترحيباً ولا تبجيلاً ولا تكريماً في تلك الاحتفالات مثل ما لقيه من المتحدثين باسم المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإلى الله نشكو غربتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس. لقد كادت الجوقة العربية المشاركة في شركيات الاحتفال أن تلهينا بتناقضاتها المتنافرة ومواقفها المتخاذلة عن تتبع التفاعلات الحقيقية للحدث، حتى نضعه في سياقه ونسلكه في نظامه ضمن سلسلة التطورات الحادة التي تمر بها قضايا أمتنا فيما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط. وقد سبق أن تناولنا على صفحات البيان الغراء مع القارئ الكريم قضايا عديدة ذات اتصال بالعلاقة المريبة والغريبة القائمة اليوم بشكل مستقر بين اليهود المعاصرين والنصارى البروتستانت في كل من إنجلترا وأمريكا، وكانت المناسبة في ذلك ما تم تناوله على صفحات المجلة في حلقات (حمى سنة ٢٠٠٠) وقد ظهر من خلال المادة المعروضة فيها أن العلاقة بين هؤلاء وأولئك قد استقرت على شكل وفاق واتفاق جعل قوى البروتستانت في أمريكا دابة مطيعة ذلول يركبها (شعب الله المختار) سواء كانت هذه الدابة هي الفيل الجمهوري أو الحمار الديمقراطي [١] . والآن أجد في أخبار زيارة كبير الأحبار مناسبة لإلقاء الضوء على علاقة جديدة لا تزال العناكب السامة تنسج خيوطها بين اليهود وبين الطائفة الأكبر عددياً والأخطر تاريخياً من أمة النصارى وهم (الكاثوليك) [٢] ، وحتى لا نقفز فوق المقدمات إلى النتائج باستعراض آثار تلك الزيارة المشبوهة فإني أجد من المهم أولاً أن نلقي ضوءاً على بعض الخلفيات التي كانت تحكم العلاقة بين العدوين التاريخيين: اليهود والكاثوليك، حتى عصر قريب جداً. الإصلاح الديني على الطريقة الكاثوليكية: شاع إطلاق وصف (الإصلاح الديني) على التغيير الذي أدخله البروتستانت على الديانة الكاثوليكية في القرن السادس عشر للميلاد على يد (مارتن لوثر) وقد انشطرت النصرانية بعد ذلك التغيير إلى شطرين فيما يتصل بالموقف من اليهود واليهودية: شطر أبقى على عقائد النصرانية المعادية لليهود وهم الكاثوليك والأرثوذكس وشطر أقبل على إجراء تغيير جذري في (تصحيح) العلاقة مع اليهود وهم (البروتستانت) الذين طوروا تلك العلاقة بعد ذلك، فاحتضنوا اليهود وأيدوهم وأمدوهم بكل أسباب العون والمساعدة حتى قامت دولتهم وقويت شوكتهم في القرن الأخير؛ ولكن البروتستانت رغم تقاربهم الشديد من اليهود إلى حد قريب من التهوُّد، لا يمثلون سوى نسبة السدس من مجموع النصارى في العالم، وكذلك الأرثوذكس؛ بينما يمثل نصارى الكاثوليك القسم الأكبر من أمة النصارى؛ إذ يبلغ رعايا الكنيسة الكاثوليكية وحدهم ملياراً ونيفاً من (الضالين) الذين اتخذوا حيال (المغضوب عليهم) موقفاً عدائياً دينياً ينطلق من صلب العقيدة الصليبية. فالعداء لليهود كان جزءاً أساسياً من عقيدة النصارى الكاثوليك الذين يعظمون الصليب، وما كان للصليب أن يتخذ شعاراً لتلك الديانة، لولا اتهام النصارى لليهود بأنهم هم الذين تسببوا في صلب المسيح ﵇ حتى قتل كما يزعمون ولهذا ظلت النصرانية الكاثوليكية على موقفها العدائي الديني من اليهود حتى وقت قريب مما دعا أحد مفكريها المعاصرين أن يقول: (إن القوى ذاتها التي (صلبت) المسيح طيلة ١٩٠٠ سنة تسعى اليوم إلى صلب كنيسته. لقد فُرِضَ على المسيحية في عصرنا الراهن نضال عظيم نهايته ستحدد مصير المسيحية: حياةً أو موتاً) [٣] . ونحن الآن في ضوء التطور الأخير بين الديانتين نحاول أن نراقب (مصير المسيحية الكاثوليكية حياةً أو موتاً) مع قرب نهاية عمر أكثر باباوات الكاثوليكية غموضاً (يوحنا بولس الثاني) . إن هذا الرجل الذي يقود دينياً ما يقرب من ربع سكان العالم يتربع على عرش صغير لدولة هي الأصغر في العالم من حيث المساحة والعدد، ولكن لهذا العرش حصانة غير مسبوقة؛ فمنصب (بابا الفاتيكان) هو المنصب الديني الوحيد في العالم الذي لا يخضع لنفوذ جهة أعلى منه، سواء كانت دولة أو حلفاً أو منظومة عالمية، وهو فوق ذلك لا يخضع لأي سلطة في تعيينه أو خلعه من خارج الدائرة الفاتيكانية، وقد أحكم وثاق هذه الحصانة أو بالأحرى شدِّد خناقها على النصارى الكاثوليك بالقرار القديم للمجمع المسكوني في روما عام ١٨٩٦م باعتبار صاحب منصب البابوية إنساناً معصوماً، وهو ما يعني أن مواقف البابا الكاثوليكي هي في مرتبة الوحي المنزل من السماء في اعتقاد أتباعه. ولقد أضفى (يوسف فوجتيلا) [٤] أو (جون بول) أو (يوحنا بولس) الثاني بشخصيته الرمادية أبعاداً أخرى من الإثارة والغموض على ذلك المنصب، فهو أول (بابا) يرأس البابوية الرومية من خارج روما. وتاريخه القديم مليء بعلامات الاستفهام وخاصة علاقاته اليهودية الخاصة. إن هذا الرجل الذي يرتدي مسوح المسكنة، ويتقنع بلباس السكون يحمل بين جوانحه نفساً بعيدة الأغوار، سحيقة الأسرار؛ فقد قطعت الكاثوليكية في عهده أوسع خطاها وأسرعها نحو التقارب مع اليهود؛ ولا ندري على وجه التحديد إن كان الرجل بدوره يحتل موقع الفاعل أم المفعول؛ فمنذ أن تولى منصبه في عام ١٩٧٨م وهو يسير وئيداً نحو واقع جديد لتقريب الشُّقة بين بوابتي هيكل بطرس [٥] وهيكل سليمان. وقبل أن أشرع في عرض أو سرد التسلسل في خطوات الشيطان نحو ذلك الوفاق النكد؛ أحب أن أشير إلى أحد أدوار هذا (البابا) على الساحة الدولية؛ لأدلل بها على أنه ليس شخصية هامشية في المجريات العالمية. معاول الصمت: يوحنا بولس الثاني، مولود في بولندا، وقد اجتاحت النازية بلاده، مما تسبب في اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومثلما قامت الحرب باجتياح (هتلر) لبولندا فقد انتهت بدخول الجيش الأحمر إليها مخترقاً شرق أوروبا، وأقامت روسيا نظاماً شيوعياً في بولندا كان ركيزة للحلف الشيوعي الدولي المعروف بحلف (وارسو) وليستمر بعد ذلك الوجود الشيوعي في بولندا طيلة ٣٥ عاماً، ولأن الرجل لم يكن دوره المرسوم أن يبقى محبوساً في (قمقم) الرهبنة والانعزال عن السياسة كما هو مشاع عن دور الكنيسة فقد تهيأت أمامه فرصة لإثبات أن الدين ولو كان باطلاً لا يزال عامل دفع وتحفيز للشعوب؛ نصرةً للحق أو ثأراً بالباطل. كانت بولندا منطقة التماسِّ بين المعسكرين العالميين قبل انتهاء الحرب الباردة، وكان لنشاط المخابرات الأمريكية فيها دور ملموس لتحسس أخبار الند الشيوعي عن قرب، وقد أثمر هذا النشاط إبراز الشخصية التلفزيونية اللامعة (ليخ فاونسا) زعيم نقابة التضامن البولندية ذلك الزعيم الذي دفعته إلى مقدمة الأحداث في بولندا ومقدمة الأخبار في العالم (كلمة) من كلمات بابا الفاتيكان. لقد أوقد ذلك (البابا) في هدوء عود ثقاب على أرض بولندا؛ سرعان ما أشعل نيران ثورة عارمة في أنحائها ضد الحكم الشيوعي، وكانت البداية زيارة قام بها إلى هناك بعد سبعة أشهر فقط من تسلُّم منصب البابوية، وعندما هبط من الطائرة في يوم من أيام يونيو عام ١٩٧٩م، انكب كعادته الطقسية على الأرض ليقبلها أمام (الكاميرات) العالمية، فُدقَّت لذلك أجراس الكنائس في كل دول أوروبا الشرقية، ودبت روح من اليقظة الدينية في أوصالها، بدأت في بولندا ثم انتشرت حولها، وأثناء الزيارة أقام يوحنا (قُدَّاساً) أمام نحو ٣٠٠ ألف بولندي كاثوليكي، ألقى فيه خطبة تخللتها الكلمة التي كان لها ما بعدها، لقد قال أمام الحشود: (لا يمكن استبعاد السيد المسيح من تاريخ البشرية في أي بقعة من العالم، من أي خط عرض أو طول، أو شمال أو جنوب، إن استبعاد المسيح خطيئة في حق البشرية) ! وبعد أن انتهى من خطبته دوَّى التصفيق بشكل متواصل مدة عشر دقائق كاملة، وسط ترديد الحضور لأهازيج منظمة يقولون فيها منشدين: (المسيح سينتصر.. المسيح سيملك.. المسيح سيحكم) ثم انفضَّت الجموع حاملة في نفوسها مشاعل الثورة التي قادها حركياً (فاونسا) ونظم لها روحياً ومعنوياً يوحنا بولس الثاني، وقد انتبه لهذا التطور في وقت مبكر الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريجان) الذي شاهد (القدَّاس) من خلال وسائل الإعلام، وعلق وقتها على ما شاهده قائلاً: (إن تحولاً هائلاً يُنتظر أن يحدث في العالم الشيوعي، وإن هذا القداس في قلب وارسو ما هو إلا نقطة البداية) وهذا ما كان بالفعل؛ فقد اشتعلت الثورة في أنحاء بولندا إلى أن انتهت بسقوط الحكم الشيوعي فيها، ثم تساقطت الأنظمة الشيوعية بعد ذلك في دول أوروبا الشرقية طيلة عقد الثمانينيات حتى انتهت بتفكك المنظومة الشيوعية بعد سقوط سور برلين في آخر الثمانينيات، ثم أعقبه تفكك الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات، وقد اعترف آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي (ميخائيل جورباتشوف) بخطورة الدور الذي لعبه بابا الفاتيكان فقال: (يمكن للمرء أن يقول إن ما حدث في أوروبا الشرقية في السنوات الأخيرة، كان مستحيلاً لولا الدور الذي قام به البابا، والمجهود الهائل الذي أداه من خلال الدور السياسي الذي لعبه على الساحة العالمية) [٦] . هذا إذن هو (البابا) وهذه كلماته وهذه خطواته وهذه مخططاته التي لا ندري والحق يقال: هل هي لحساب كنيسته أم لحساب الذين رفعوه لرئاستها بعد الوفاة المفاجئة لسلفه يوحنا بولس الأول الذي مات في ظروف غامضة بعد شهر وثلاثة أيام من تولي منصبه. الكاثوليكية واليهودية.. من يخترق الآخر؟ لو لم تكن عمليات شد الحبال ومحاولات الاختراق المتبادل بين اليهود والنصارى (بروتستانت وكاثوليك) تجري على أرضنا الإسلامية، لما ألقينا لها بالاً، ولا أرعينا لها سمعاً، ولكن لما كانت تلك الصراعات الدينية تتخذ من أرض الإسلام ميداناً في جزء من أقدس بقاعه؛ فإن المسألة يصير لها شأن آخر. إن الصراع القديم بين الكاثوليكية واليهودية قد تواصل حتى العصر الحديث؛ فعندما ظهرت الحركة الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد على يد (تيودور هرتزل) ، اتخذت الكنيسة الكاثوليكية موقفاً مناقضاً ومناهضاً لتلك الحركة، برغم حرص الصهيونية العالمية وقتها على كسب كنيسة روما لجانبها في مشاريعها المستقبلية في المنطقة، أو تحييدها على الأقل. ولكن الكاثوليك ظلوا على موقفهم المعادي لليهود ما داموا باقين على عداوة المسيح وعدم الاعتراف به، وعندما جمع لقاءٌ بين هرتزل وبابا الفاتيكان في زمنه، رفض ذلك البابا وهو (بيوس العاشر) التماس اليهود بالتجاوب مع المطالب الصهيونية باستيطان أرض فلسطين، بل إن (البابا) اشترط على هرتزل صراحة في ذلك اللقاء الذي تم في ٢٥/١/١٩٠٤م، أن يتنصر اليهود أولاً قبل الحديث في أي موضوع يتعلق بالعودة إلى الأرض المقدسة وقال له: (إن بقاءكم على انتظار مسيح غير يسوع يجعلكم باعتقادكم هذا منكرين ألوهية يسوع، ولا يمكننا حينئذ مساعدتكم) [٧] . وقد وجد اليهود الصدر الرحب والأذرع المفتوحة لدى النصارى البروتستانت الذين ساروا معهم على طريق العودة من بدايته، حتى أوصلوهم إلى عتبة الدار، بعد أن بنوها وهيؤوها لهم عبر عقود الانتداب الثلاثة؛ كل ذلك والكاثوليك يرفضون مجرد الاعتراف بهذا الواقع الجديد؛ فعندما صدر وعد بلفور سنة ١٩١٧م على لسان الملكة البريطانية رفضته البابوية الكاثوليكية ولم تعترف به، وعندما أعلنت الدولة في سنة ١٩٤٨م لم تعترف البابوية الكاثوليكية بها، وعندما احتل اليهود القدس ثم أعلنوها عاصمة موحدة أبدية لهم لم تعترف البابوية الكاثوليكية بذلك، وظل الأمر على هذا حتى انتصف القرن العشرون وجاء عقد الستينيات. رياح التغييرات تهب من أمريكا: شهد عقد الستينيات الميلادية وصول أول رئيس من طائفة الكاثوليك [٨] إلى سُدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الرئيس (جون كنيدي) وهو الذي قُتل بعد ذلك ومع بداية ولايته بدأ اللوبي الصهيوني بالتعاون مع رجال دين من الكاثوليك الأمريكيين في الضغط على الرئيس الأمريكي لمطالبة الفاتيكان باتخاذ مواقف مغايرة من الديانة اليهودية والدولة اليهودية، وبالفعل بدأت تلك المساعي تؤتي شيئاً من ثمارها؛ إذ اتخذ المجمع المسكوني النصراني المنعقد عام ١٩٦٢م قراراً بتبرئة اليهود من دم المسيح! ثم بدأ الأمريكيون الكاثوليك في نشر مناخ جديد يطالب بتطبيع العلاقة بين الكاثوليكية العالمية ودولة (إسرائيل) فأصدر القس الأمريكي الكاثوليكي (إدوارد فلا نيري) وثيقة في ١/١٢/١٩٦٩م يطالب فيها الكنيسة الكاثوليكية باتخاذ موقف لاهوتي جديد من دولة (إسرائيل) وطالب بعده الأسقف (أوستريشر) في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في (٢٦/٥/١٩٧١م) بالاعتراف بحق اليهود في القدس وقال: (إن القدس مدينة يهودية ... أطالب المسيحيين بالاعتراف اللاهوتي بالصهيونية ... ، إن إسرائيل هي تعبير عن إرادة الله) ! ثم تطور النشاط من شكل فردي إلى شكل جماعي، ففي ٢٣/١١/١٩٨٤م وقَّع أكثر من عشرين نائباً كاثوليكياً في مجلس النواب الأمريكي علي رسالة إلى بابا الفاتيكان يطالبونه فيها بالاعتراف الرسمي بـ (إسرائيل) وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها. ومع هذه المساعي المحمومة والمشاعر الحميمة من نصارى أمريكا الكاثوليك، إلا أن اليهود ظلوا يشكون من وجود عثرات كبيرة تعترض مجرى التطبيع بين الكاثوليكية العالمية والصهيونية العالمية وهي: ١- عدم اعتراف الفاتيكان بـ (إسرائيل) باعتبارها دولة. ٢- عدم الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لها. ٣- عدم الاعتذار عن سكوت البابوية الكاثوليكية على جرائم النازية في حق اليهود [٩] أثناء الحرب العالمية الثانية. ٤- عدم إدانة معاداة السامية [١٠] . ٥- عدم الاعتراض على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار الصهيونية حركة عنصرية [١١] . البابا يقيل عثرات اليهود: لقد نصب البابا نفسه لدحرجة تلك الأحجار عن طريق الوفاق التاريخي مع اليهود، وشرع يزيلها الواحدة تلو الأخرى. - أما الاعتراف بدولة (إسرائيل) فقد أعلن باسم الفاتيكان اعترافه الرسمي بدولة (إسرائيل) في عام ١٩٩٣م، ثم أقام علاقات دبلوماسية كاملة معها في عام ١٩٩٤م. - وأما الاعتذار فقد أقر به قبل زيارته الأخيرة وأثناءها؛ فقد قام بوضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري لضحايا المحرقة في متحف (يافا شيم) ، ودعا في كلمة ألقاها هناك إلى إقامة جسور جديدة مع اليهود تعتمد على (الجذور المشتركة) بين الديانتين وقال معتذراً عن المحرقة بلسان فصيح: (إنه لا توجد كلمات تكفي للتعبير عن الأسف على المأساة المروعة التي حدثت ضد اليهود) . - وأما الإعراب عن إدانة معاداة السامية والصهيونية فقد أتى به ضمناً في إطار زيارته لتل (صهيون) حيث ألقى كبير حاخامات (إسرائيل) كلمة أمام (البابا) أكد فيها على أن القدس هي العاصمة الأبدية الموحدة لدولة (إسرائيل) ولم ينبس (البابا) ببنت شفة اعتراضاً على هذه العبارة التي قيلت بمناسبة استقباله؛ فهل يطمع البابا بهذه (العطايا) أن يصل في النهاية إلى كسب اليهود تمهيداً لتنصيرهم في آخر الأمر ليحقق نبوءة تنصرهم قبل عودة المسيح ... ؟ ربما، أم هل يريد أن يشكل تحالفاً غربياً كاثوليكياً ينافس التحالف البروتستانتي في السيطرة على العالم؟ قد يكون. على أي حال فقد جمع كبير الكاثوليك في تلك الزيارة كل ما في جعبته لإهدائها لليهود حتى أقر أعينهم وأجرى الثناء على لسان كبيرهم (باراك) الذي وصف الزيارة بأنها (رحلة التداوي التاريخية) وقال: (إن البابا أسهم بشكل كبير في تحقيق تغيير تاريخي في اتجاه العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل) . هذا ما قدمته البابوية الكاثوليكية لليهود؛ فماذا أعطت المسلمين والعرب والفلسطينيين؟ ! الجواب بمعيار الحقيقة لا الزيف أو الدعاية: لا شيء [١٢] ! إذن فماذا أُعطي البابا في بلاد المسلمين؟ ! والجواب: أُعطي الكثير. ومع قليل من هذا الكثير هذه بعض الإشارات (والإشارة تغني عن العبارة) : - فُتحت أمام (البابا) أكبر فرصة تبشيرية تنصيرية تكفيرية في التاريخ، عندما هُيئت أمامه كل الإمكانات لإقامة أكبر (قدَّاس) عالمي متنقل خارج مقر البابوية؛ حيث أذيعت شعائره وصلواته ودعواته على العالم أجمع عبر الفضائيات حية على الهواء، وتمكنت دعوة الشرك والخرافة والدجل أن تسمع الدنيا كلمتها، دون أن تسمع في مقابلها كلمة واحدة باسم دين الحق والتوحيد؛ حيث استُبعِدَ خطاب الدين في الكلمات الرسمية على المستوى العربي كالعادة بينما حفلت الكلمات الرسمية اليهودية والنصرانية في المناسبة بكثير من المعاني الدينية الصريحة. - أهديت في الزيارة وقبلها، هدايا تذكارية، تجعل من (الصليب) تحفة فنية أو أثرية مهداة، وفي هذا ما فيه من اعتراف صريح بأن لهذا الوثن نصيباً من قيم الحق، ومن ذلك ما سمي بـ (صليب بيت لحم) الذي جعل وشاحاً لتكريم الضيوف يُحمل على الصدور! - سُمعت كلمات (كبيرة) من شخصيات كبيرة القولُ منها تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً؛ ومن ذلك ما سمعته بإذني من أحدهم وهو يقول في كلمة نقلتها الإذاعات: (يا قداسة البابا: نحن هنا مسلمين ومسيحيين ويهوداً أبناء الله الذين اختارهم للعيش في هذه الأرض) ! وقول آخر: (إن شعبنا يؤمن بتعاليم القرآن والإنجيل معاً) ! ! ... أي بالشرك والتوحيد معاً؛ لأن (البابا) ومن معه لا يعرفون شيئاً عن الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام! - أتيح لـ (البابا) أن يتيه فخراً، ويتبختر فرحاً وسط جموع ممن يُفترض أنهم (رموز الإسلام) عندما اصطفت كوكبة منهم بزيهم الرسمي صفوفاً على الجانبين لاستقباله بالتصفيق الحار، حتى أصابه الاندهاش؛ فقال لأحد مضِّيفيه: (هذا يوم لن أنساه أبداً إنه هدية من الرب) ! وحُقَّ له أن يفرح بتصفيق (الرجال) حملة دين التوحيد ابتهاجاً بقدوم حامل لواء الشرك! - غرر بالبسطاء من عامة المسلمين وخاصة الأطفال الذين أُخْرِجَ الآلاف منهم لتنظيم المهرجانات الاحتفالية من المدارس النصرانية التي عامة طلابها من أبناء المسلمين؛ حيث رفع بعضهم لافتات مكتوب عليها: (أيها البابا إننا نحبك) وردد بعضهم هتافات تقول: (مرحباً بقدوم ملك السلام) والمقصود عيسى لا بولس! - ظهر اعتزاز طوائف الكفار على اختلاف مللهم بأديانهم؛ في مقابل هوان الدين على بعض المسلمين؛ حيث رفض بابا الأقباط مثلاً الذهاب بنفسه لاستقبال (بابا) الفاتيكان في المطار؛ وأصر أثناء زيارة بابا الفاتيكان له في مقره أن يجلس أتباع كنيسته من القسس صفوفاً في مواجهة قسس الكاثوليك بشكل نِدِّيٍّ مستقل، بينما رُتِّبَ اللقاء الإسلامي مع (البابا) ووفده بحيث يجلسون جنباً إلى جنب بشكل تبادلي. - أما المغزى السياسي الذي أظهرته الزيارة والذي يدخل ضمن ما قدمه العرب لـ (البابا) ومعه اليهود فهو طمأنتهم بأن قضية الأرض المقدسة تضاءلت وانكمشت من قضية إسلامية عالمية إلى قضية عربية قومية، ثم إلى قضية (سلطة) وطنية.. ثم إلى قضية (لجنة) إشرافية تشارك فيها شخصيات علمانية ونصرانية مع آخرين من حاملي الجنسية الإسرائيلية، لا يعرف أكثرهم القدس والأقصى إلا جزءاً من التراث أو (الفلكور) الفلسطيني، أو أنها شيء للبركة لا تزيد عن (البركات) الملتمسة بمصافحة (البابا) . - أما أكبر الهدايا التي حباها أحباء (البابا) إليه فهو تحقيق أمنيته الغالية عنده وعند النصارى جميعاً بأن يبدأ (الألف السعيد) بداية سعيدة تبشرهم بأن العالم مهيأ بالفعل للاستجابة لأي ناعق كذاب يقول شيئاً باسم الإله، أو ابن الإله، فلا تجد من القطعان البشرية إلا الهتاف والتصفيق حتى لو كان ذلك في عقر ديار المسلمين! إنه اختراق من نوع آخر؛ فمنذ قرن من الزمان أو يزيد، والساحة خاوية أمام كل صنف من الأعادي الذين تمالؤوا فأسقطوا خلافتنا الإسلامية ثم أقاموا أحلافهم الاستعمارية الصليبية وعايرونا وتفاخروا علينا بأن لهم (بابا) والمسلمون لا بابا لهم..! ! ونحن منصورون بالله عليهم إن استقمنا فالله مولانا، والكافرون لا مولى لهم.

стр. 3468

المسلمون والعالم زيارة البابا لـ (مصر) دلالات وأبعاد محمد أحمد منصور رفض شنودة استقبال بابا الفاتيكان في المطار لكونه مماثلاً له، وحتى لا يعني ذلك الاعتراف بأحقية بابوية روما على بابوية الإسكندرية! في تعليق البابا على كلمة الترحيب التي ألقاها فضيلة شيخ الأزهر وتحدث فيها عن «تكامل الثقافات والأديان» ارتجل البابا كلمة بالإنجليزية؛ حيث قال: «إن الإسلام أصبح ثقافة؛ والمسيحية كذلك، إنني مقتنع بأن مستقبل العالم يعتمد على الثقافات باختلافها وعلى الحوار بين الأديان. إنني أشكر هؤلاء الذين يطوِّرون الثقافة الإسلامية» ! ! ويبدو أن بابا الفاتيكان [*] لم يكن متصوراً أن الحفاوة به ستصل إلى هذا الحد من الإكرام البالغ. لقد كان فضيلة شيخ الأزهر في استقباله في المطار مع بعض مسؤولي الأزهر، ونزل على رغبة مرافقيه في تنظيم استقباله بالأزهر، ومكان الجلوس وطريقته، ونوع الهدية التي ستقدم له. لكن كل ذلك يصغر في جانب ما قاله فضيلة شيخ الأزهر من معان طالما انتظرها البابا من مثله. فالإسلام أصبح ثقافة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وفق المنظور الغربي! ولعل مثل هذه العبارة المرتجلة تعبر عن فحوى الزيارة الأولى له إلى مصر، والأولى له في هذه الألفية والتي تأتي على ضوء المستجدات على الساحة العالمية والإقليمية والمحلية تحمل في طياتها معضلات كثيرة؛ فعلى الساحة العالمية تطمح أوروبا إلى تبوُّؤ مكانة عالمية مشكِّلَةً قطباً آخر منافساً أحياناً ومكملاً في أحيان أخرى، ومع سعي أوروبا نحو أن يكون لها هوية متميزة فإنها تفضل عالماً أكثر كاثوليكية في مقابلة الهيمنة الإنجيلية الأمريكية. ومما يكشف بعضاً من هذا التوجه هو التردد البريطاني بين الولاء الديني الإنجيلي والانتماء الجغرافي لأوروبا، وهذا الأمر يؤكد أن المسألة الدينية عادت بشكلٍ سافرٍ لتفرض نفسها على خريطة السياسة الدولية. أما على الساحة الإقليمية فإن المنطقة تشهد مخاضاً يحدد معالمه طبيعة التنافس بين المشروع الأمريكي الشرق الأوسطي، والمشروع الأوروبي البحر متوسطي وحجم ذلك التنافس؛ مع استبعاد للمشروع الحقيقي لهوية المنطقة (الإسلامي) والمشروع المرحلي الماضي (العربي) ؛ ولهذا فإن هناك تسابقاً من الطرفين المتنافسين ومن الطرف الثالث (الضحية) ومن الطرف الرابع (الضيف الصهيوني) كل منهم نحو ما يراه يخدم مصالحه؛ فالعرب يريدون بقاء ما كان على ما كان حماية لمصالحهم، و «إسرائيل» تريد هيمنة مطلقة برعاية أمريكية، وأوروبا لا تكف عن طلب دور لها في ظل طلب عربي متكرر لمشاركة أوروبية في عملية السلام. ولكن كِلا المشروعين يتفقان من جهة المنظومة القيمية المطروحة للمنطقة سواء في شقها الأمني أو الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي؛ أما الخلاف فعلى الأسلوب وتحقيق المصالح الذاتية. ومن ثَمَّ بات واضحاً أن هذه المنطقة المستهدفة تتعرض لألوان من الضغوط وقدر كبير من المزاحمة الثقافية والأيديولوجية والعرقية والدينية حتى يمكن فرض المنظومة السابقة وتغيير هوية المنطقة لصالح «إسرائيل» . ولعل ما تتعرض له مصر بالأخص بشأن المسألة القبطية بوصفها أحد أعقد التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع في آن واحد بالإضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية لعل ذلك هو الذي فتح الباب واسعاً أمام زيارة البابا بعد أن أخفقت النخبة ذات الولاء العلماني والموروث الماركسي في تفكيك الأزمة حتى بات التعبير الأقرب هو أن هناك «أزمة في إدارة الأزمة» ومن ثم وجدت الدولة نفسها أمام منعطف جديد يعبر عن مرحلة جديدة لم تجد بداً أمامها من تقديم عدد متوالٍ وغير متوقف من التنازلات! هذه الخطوة رحب بها أحد المثقفين الأقباط «ميلاد حنا» طالباً المزيد حيث قال: «إن مبادرات البابا ونقل زيارته عبر التلفزيون الوطني أدى إلى بروز أجواء جديدة في مصر» ، وقال أيضاً: «إن الحوار بين المسيحيين والمسلمين في مصر سيأخذ من الآن فصاعداً منحىً جديداً» [١] . السلام.. والألفية ومبعوث العناية الإلهية: يعتقد النصارى أن سعيهم لتحقيق السلام هو تمهيد لمجيء المسيح [٢] الذي يربطونه بحلول الألفية الثالثة، وسبيلهم إلى ذلك هو نشر ثقافة السلام ومحاولة إلغاء (أو إيقاف) سُنَّة التدافع وتغييب الوعي بالذات وبالآخر، والتي تعني إلغاء حقائق شرعية كالجهاد والولاء والبراء وتجريم كل صور ممارستها. ويتم هذا عبر آلية متكاملة وواضحة بدءاً بالتعليم والإعلام، ومروراً بالدساتير والقوانين وترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانتهاءاً باختراق المؤسسات الدينية من خلال الحوار أو بالرموز العلمانية. هذه الآلية هي التي أفرزت الواقع المرير الذي يحياه الجميع الآن، والذي حتم على الكثيرين فرضية الصمت فَرَقاً من تداعيات جديدة أو طلباً لسلام اجتماعي هش. لمحات من الزيارة: الزيارة التي بدأت ظهر الخميس ٤٢ فبراير كانت قد بدأت قبل أكثر من عام على صفحات الصحف ووسائل الإعلام؛ لتهيئة الرأي العام لذلك، لكن اللافت للنظر هو الزيارات التي تقدمت زيارات البابا مباشرة؛ حيث زار كل من الرئيس الإيطالي والألماني القاهرة وعدة عواصم أخرى فيما يفهم منه أنه تهيئة لزيارة البابا للمنطقة التي استهلها بالقاهرة؛ حيث استقبل استقبالاً رسمياً فوق العادة؛ إذ كان في استقباله رئيس الدولة وستة وزراء وشيخ الأزهر وذوو مناصب أخرى قيادية. وخارج المطار اصطف طلبة المدارس الكاثوليكية التي يبلغ عددها في مصر ١٧٠ مدرسة غالب أبنائها من المسلمين! رافعين الأعلام والصور. وكانت أول فقرة في برنامج الزيارة هي توجهه إلى الكاتدرائية الأرثوذكية؛ حيث استقبله بابا الأقباط شنودة الثالث. وأنشد له الكهنة لحنيْن: «أو بورو» أي «يا ملك السلام» ، و «أفلوجو مانوس» أي «مبارك الآتي قبل الرب» [٣] . وقد حرص الطرفان على إلغاء أي دلالة رمزية حيث تساوت الكراسي التي يجلس عليها القسس والكهنة من الطائفتين، وتساوى الكرسيان اللذان يجلس عليهما البابوان في الشكل والحجم. ويشار أيضاً إلى أن شنودة رفض الذهاب إلى المطار؛ لأنه يعد الخروج نوعاً من الهرولة من رمز إلى رمز كلاهما متكافئان وكي لا تهتز صورته أمام شعبه وتفسر على أنها نوع من الاعتراف بأحقية روما عن الإسكندرية! ويشار أيضاً إلى أن البابا قد صحب القيادات الكاثوليكية في المنطقة العربية إلى جانب الوفد الفاتيكاني والمصري حيث صحبه بطريرك اللاتين (القدس) وبطريرك الأرمن (لبنان) والموارنة (لبنان) والسريان (سوريا) والكلدان (العراق) . ثم قام بزيارة مقر الأزهر؛ وكان كل شيء خلال هذه الزيارة يوحي بالتكافؤ على خلاف زيارة الكاتدرائية الكاثوليكية! سواء شكل الجلسة التي جاءت على التوالي لا التوازي؛ حيث كانت عبارة عن: شيخ فقسيس ثم شيخ فقسيس وهكذا. أما عبارات الترحيب التي خلطت الأوراق فلا هي تعبيرات بالأصالة عن موقف الإسلام ولا هي بالوكالة حيث لم تَرْقَ إلى مستوى التعبير الدبلوماسي، ولكن جاءت عباراته هكذا أقرب إلى الشعبية التي لا يرتضيها كثير من العوام. وقد تجاهل البابا زيارة كنيسة الروم الأرثوذكس التابعة لليونان (والتي تعرف بكنيسة القسطنطينية) نظراً لرفض الكنيسة صلاة البابا داخل دير سانت كاترين التابع لها. وفي صباح الجمعة فيما يشبه الحلم وجد البابا نفسه يقيم (قداساً) في ملعب رياضي في عاصمة إسلامية (١٧ مليون) يحضره ٢٠ ألف كاثوليكي إلى جانب ١٥٠٠ من المسلمين غالبهم ممن تربى في المدارس النصرانية أو من الفضوليين! وعلى مقربة من جامعة الأزهر؛ وقد تم نقل القداس عبر التلفزيون المصري على الهواء مباشرة. ويذكر أن القداس أقيم بسبع لغات: القبطية القديمة، والأرمنية القديمة، والعربية، والإنجليزية، والإيطالية، والبولندية، والفرنسية التي وجه فيها البابا نداءه من أجل التقارب بين النصارى. وقد ألّف صلاة عن السلام، وانتهى القداس قبيل صلاة الجمعة! وقد لاحظ عدد غير قليل من الناس أن البابا والوفد الفاتيكاني المرافق له يرتدون ملابس بيضاء بينما يرتدي كرادلة الأقليات الكاثوليكية في البلاد الإسلامية السواد (ترى لماذا؟) . وفي عصر اليوم نفسه انتقل إلى كنيسة العذراء ليقيم فيها صلاة ويرأس لقاءا ً مع وفد قبطي أرثوذكسي بقيادة شنودة الثالث. وقد أكد فيه البابا على ضرورة توحد المؤمنين بالمسيح! تحت راية واحدة، وشدد مراراً على ذلك وكرر: «علينا أن نغتنم الوقت!» . وقد سئل شنودة بعد الزيارة عن مدى التقدم الذي طرأ على العلاقات، فجاء رده حاسماً وفي اتجاه واحد: «الحوار بين الأديان والطوائف يكون في إطار التعاون المشترك لكنه لن يدخل في العقيدة الدينية كما يتصور البعض» [٤] . مثل هذا التصريح وغيره من المواقف تعكس حجم الصراع الدائر بين الكنائس؛ حيث حاولت الحكومة أن تنفذ من خلاله للتهوين من ادعاءات بعض الأقباط التي لا تنتهي أمام العالم، ولكن القيادة الفاتيكانية ليست بهذه السذاجة؛ فهي تحاول الموازنة لتحقيق مكاسبها دون مقابل وهذا يجعل الأمر بين فكي رحى. وفي صباح السبت توجه إلى سيناء حيث دير القديسة كاترين التي ركع البابا عند قبرها، غير أنه لم يتمكن من إقامة صلاته داخل الدير، وأقامها بحديقة بجانبه فيما قيل عنه إنه حج على خطا موسى ﵇، حيث تلقى الوصايا العشر والعائلة المقدسة التي آوت إلى مصر. وصلى البابا أيضاً لتتويج الحوار المسكوني مع الكنيسة الأرثوذكسية ثم عاد بعدها إلى روما مروراً بالقاهرة. دلالات: ثمة دلالات حاول البابا جاهداً وأعوانه أن يؤكدوا عليها في ثنايا أحاديثهم كلها تشير إلى زحزحة الهوية الإسلامية والعربية لمصر وإشراك الهوية النصرانية معها؛ وهذا ليس في مصر وحدها وإنما في كل الدول التي شارك كرادلتها البابا في زياراته. وهو إجراء وقتي يسمح بعد حين بما هو أكثر. - ومن ذلك ارتباط زيارة البابا على أعتاب الألفية الثالثة والتي ترتبط في أذهان نصارى العالم بأحداث مستقبلية معينة. - تسمية رحلة البابا إلى هذه البلاد حجاً بما يسمح بتكرارها سنوياً؛ حيث زعموا ارتباطها بنبي الله موسى ﵇ وبـ (الأسرة المقدسة) . - التأكيد على أن النصرانية خرجت إلى العالم من مصر. - قوله: «مصر هي أرض القديس أنطونيوس وهي معقل الدراسات (المسيحية) ولعبت دوراً عظيماً في الحفاظ على الثقافات والعقائد الخاصة بالكنيسة» ولسوف أتذكر كلمات البابا شنودة الثالث الذي قال: «إن مصر ليست بلداً نستوطن فيه إنها أرض تعيش فينا» [٥] . - الإشادة بتراث مصر النصراني مذكراً بأنه البلد [٦] الذي نزلت فيه الوصايا العشر على موسى ﵇ ولجأت إليه عائلة المسيح ﵇ وانطلق منه تقليد إنشاء الأديرة. - البدء بزيارة الكاتدرائية القبطية قبل زيارة الأزهر مع أن قواعد البروتوكول تقتضي العكس! - ما أشير إليه قبيل الزيارة من حج روحي إلى «أور» مسقط رأس الخليل إبراهيم ﵇ وإظهار التعاطف مع شعب العراق يعلم حقيقته المطلعون على حجم النشاط التنصيري داخل العراق اليوم. والبابا هنا يريد أن يحرك مشاعر مليار كاثوليكي في العالم للضغط على الحلف الإنجليكاني للسماح بدخوله مشاركاً في اللعبة. وتساؤلات أيضاً: وهي تساؤلات تفرض نفسها: - هل تعد مثل هذه التصريحات مستنداً لتدريس التاريخ القبطي وإقامة أقسام له في الكليات، خاصة أنه في وقت كتابة هذا المقال يقام مؤتمر حول «علم المصريات» وستطرح مثل هذه القضية للنقاش من خلاله، والمتوقع أن تقر هذه المطالب في الوقت الذي تتقلص فيه دراسة التاريخ الإسلامي لصالح التاريخ الحديث والتاريخ الفرعوني وهكذا سيضاف إلى شخصية مصر عنصر آخر هو البعد القبطي! [٧] . - هل ستعطى صلاحيات أوسع للمؤسسات النصرانية سواء التي تمارس الدور التنصيري الصريح، أو التي تمارس أدواراً أخرى لا تقل خطورة، خاصة في ظل فكرة المجتمع المدني وإلغاء سيادة الدولة [٨] ؟ - هل هناك علاقة بين زيارة البابا وإلغاء القرار الهمايوني من قبل وبين النقل التلفزيوني أسبوعياً قداس الأحد على الهواء؟ - إلى أي حد سيخدم الفاتيكان بالوكالة مصالح الحكومة المصرية؟ وإلى أي حد سيخدم المشروع الشرق أوسطي والأوروبي اللذين يصبان في صالح الأقباط. فإلى الذين لا يقرؤون الآيات: تدبروا ما تطلعون عليه من التصريحات، وكما قال البابا: علينا أن نغتنم الوقت! حيرة: حوار أم تحوير؟ ! الحيرة والتحوير والحوار أصبحت متقاربة الدلالات في ظل ما يدار بهدف إزالة الحاجز النفسي لدى المسلمين ضد أوروبا النصرانية صاحبة الأيادي الحمراء التي تتبنى الهدف نفسه ولكن بأساليب أكثر نفاذاً وأقل تكلفة في حوارات وما هي بحوارات! وعلى حد تعبير أحد السياسين: «ليس هناك حوارات حضارية وثقافية في أذهان الغرب! ! ولكنه صراع مخطط الأدوات والأهداف والمراحل» . في عام ١٩٩٥م اتخذ المجمع الفاتيكاني الثاني قراراً بفتح مجالات الحوار مع الإسلام واليهودية، وامتد الحوار ليشمل حوارات الأديان الوثنية مثل البوذية، بل والماركسية أيضاً، وفي عام ١٩٩٦م عقد مؤتمر عن الحوار بين الأديان تحت رعاية الأزهر بالقاهرة، وفي مايو ١٩٩٨م عقد اتفاق ثنائي وقع عليه وكيل الأزهر (الشيخ فوزي الزفزاف) ورئيس المجلس الأسقفي (أرينزي) لإقامة لجنة دائمة بين أعلى هيئة للكاثوليك في العالم (الفاتيكان) وأعلى هيئة إسلامية (الأزهر) وقيل إنها تهدف إلى دعم مبادئ العدالة والسلام واحترام الأديان السماوية [٩] . وهنا سؤال جدير بالطرح: هل يعترف الفاتيكان بالإسلام باعتباره ديناً سماوياً؟ ! إن العبارات المنتقاة بدقة للبابا عن الإسلام لا تحمل أي اعتراف بكونه ديناً سماوياً، ولا تحمل اعترافاً بفضل الإسلام على أوروبا؛ حيث نوَّه بدور الإسلام الذي جاء بالعلم والمعرفة والذي أثَّر تأثيراً كبيراً على العالم العربي وإفريقيا. وهي عبارة تحمل قدراً كبيراً من الالتواء. وقد جاءت الزيارة الأخيرة لتعطي دفعة جديدة لذلك الحوار؛ فستعقد ندوة بين كلية أصول الدين في جامعة الأزهر وإحدى الجامعات الكاثوليكية؛ وقد تتحول هذه الندوة إلى مركز دائم للحوار داخل جامعة الأزهر التي أصبحت مأوى لكثير من المنظمات المشبوهة مثل مركز الصحة الإنجابية التابع لمؤتمر السكان. وأخيراً نختم المقال بعظة للبابا تحتاج إلى مزيد تأمل في ظل ما يقع من أحداث: «إن الوصايا العشر ترسم طريقة حياة مفعمة بالإنسانية لا يوجد خارج هذه الوصايا مستقبل مشرق، ولا سلام للأشخاص والمجتمعات والأمم» [١٠] . وأخشى ما أخشاه أن يقترب اليوم الذي يُطْلَبُ منا تطبيق هذه الوصايا في واقع الحياة!

стр. 3469

المسلمون والعالم الأحداث الأخيرة في نيجيريا الخلفيات والحقائق بلال عبد الله نيجيريا من أكثر البلدان الإفريقية عرضة للتقلبات السياسية؛ حيث وقعت بها كثير من الأحداث والانقلابات التي شغلتها وشغلت معها القارة بأسرها. ومن المعلوم أن الاستعمار الإنجليزي دخلها وفيها آنذاك ممالك إسلامية متعددة، وكان ذلك عن طريق المكتشفين ثم المنصِّرين، وبدأ الإنجليز يقنعون الأمراء المسلمين (الفولانيين) في الشمال بقبول الحماية البريطانية بحجة أن الألمان في الشرق والفرنسيين في الغرب والشمال يهددون دولتهم، ومع التعهد لهم ببقائهم أمراء في نواحيهم، وفي عام ١٩٠٠م أعلنت بريطانيا قيام محمية نيجيريا الشمالية وعين السير (فريدريك لوجارد) مندوباً سامياً، وأرسلت الحملات العسكرية ضد الأمراء الفولانيين الذين رفضوا توقيع اتفاقيات معهم، وفي عام ١٩٠٣م تم احتلال (كانو) و (سوكوتو) ولم تقع (بورنو) في حوزتهم إلا عام ١٩٠٦م، واستلم الإنجليتز الحكم مساعدين للأمراء الفولانيين، ثم أدمجت المحمية الجنوبية بمستعمرة لاجوس، وأبقت بريطانيا الإمارات الإسلامية في الشمال مع إيقاد الخلاف بينها. وفي عام ١٩١٤م حكم (لوجارد) نيجيريا الشمالية والجنوبية وجعل منها محمية إنجليزية، وأفقدوا الإمارات الإسلامية استقلالها وجعلوها أداة طيعة في أيديهم وقام الإنجليز بتنصير الوثنيين وبعض المسلمين، وعلموهم ومكَّنوهم من سدة الحكم. وفطن المسلمون للمؤامرة فعلَّموا أبناءهم وقاوموا الاستعمار الإنجليزي. وسكان نيجيريا عموماً (حوالي ١١١ مليون نسمة) ويختلفون من حيث الدين والجنس واللغة والعادات. ويمثل المسلمون ٧٦% من السكان والنصارى ٢٠% والباقي نصارى ووثنيون. والنيجيريون عدة قبائل هي: ١- اليوربا: ويعيشون في الجنوب الغربي، وكانوا وثنيين، والمسلمون فيهم أكثر من النصف والباقي نصارى ووثنيون. ٢- الإيبو: في الشرق وهم بالنسبة لليوربا متخلفون، وبدؤوا حديثاً بتنظيم القرى والهيئات الاجتماعية، وانتشرت فيهم النصرانية من طريق المنصِّرين، وأسلم لله الإيبو لكن لم يجدوا من يعلمهم الدين الصحيح سوى الصوفية من القادرية والتيجانية. ٣- الهوسا: وأكثرهم في الشمال وهم ليسوا جنساً قائماً بذاته إنما هو اصطلاح لغوي يطلق على الشعوب التي تتكلم لغة الهوسا، كانوا وثنيين قبل أن يتحولوا إلى الإسلام على يد الفولانيين وهم عدة أمارات يحكمها ملك أو أمير يعاونه بعض الوزراء، وهم يعملون بالتجارة لكنهم متأخرون وتنتشر بينهم الصوفية التي ترى إبقاء التصوف سائداً بينهم لتضمن انقيادهم لها. ٤- الكانوري: في الشمال الشرقي وهي قبائل متمسكة بدينها، ولها طلاب يدرسون في الأزهر، وهم خليط من العرب والحاميين والزنوج، ومن أشهر قادتهم الداعية الإسلامي المعروف: (عثمان بن فودي) . ٥- الفولاني: وهم أصلاً من صعيد مصر وفدوا لتلك المناطق وحكموا مملكة (تكرور) ثم تغلب عليهم التوكلور. اتجهوا للشرق حيث يقيم الهوسا، وكانوا قبائل صغيرة وحَّدها الشيخ عثمان بن فودي، وجعل منهم قوة محاربة تسيطر على منطقة واسعة. أخطر الأحداث ضد المسلمين: وأشهر الأحداث الدامية ضد المسلمين في نيجيريا يوم كان المسلمون يقودون الحكومة الاتحادية، فبدأت الإشاعات ضدهم؛ بأنهم زيفوا إحصاء ١٩٦٣م حيث سيطر الشماليون على البرلمان الاتحادي. وفي فجر ١٥يناير ١٩٦٦م تحركت مجموعة عسكرية نحو منزل الشيخ (أحمد بيللو) بعد عزله القائد العسكري (جوشون ايرونسي) ووضْعِ قائد مسلم بدلاً منه، فهوجم بيت الشيخ بالقنابل وانتزعوه من فراشه هو وزوجته وأطلقوا عليهما النار، وتركوا بيته طعمة للنيران. وفي لاجوس العاصمة خُطِفَ (الشيخ أبو بكر تفاوا بليوا) رئيس الوزراء الاتحادية، ووزير المالية النصراني (فستسوس أوكوني) المتهم بممالأة المسلمين وقتلوهما بعد أيام من الانقلاب الذي قام به (ايرونسي) . وقابل النصارى الانقلاب في كل أنحاء العالم بالابتهاج والفرح. أما المسلمون فقد سادهم الصمت عدا (مظاهرة إسلامية ضخمة في السودان) لكن ايرونسي النصراني عوقب بانقلاب نصراني آخر قاده (يعقوب جودن) وهو من مسلمي الهوسا المتنصرين، وتوالت الانقلابات العسكرية؛ ومع أن بعضها قام به ضباط مسلمون إلا أنهم (علمانيون) لم يقيموا للإسلام وزناً. لكن المسلمين بذلوا جهوداً في تنظيم صفوفهم وجمعياتهم ومدارسهم وجامعاتهم إلا أنهم أقل مستوى من النصارى، وتسود بينهم الطرق الصوفية المشار إليها آنفا [١] . ماذا حدث مؤخراً في نيجيريا؟ الدعوى التي قامت بها بعض الولايات المسلمة من تبني تطبيق الشريعة الإسلامية أثارت ردود فعل غاضبة من النصارى؛ فما أسباب هذه الأحداث؟ أولاً: هناك توجُّهٌ في الجزء الشمالي من نيجيريا نحو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في حدود ما يسمح به الدستور على مستوى الولاية؛ حيث إن نيجيريا تعتبر دولة اتحادية؛ فهنالك قوانين اتحادية وأخرى ولائية. فحاولت بعض الولايات في حدود سلطانها تطبيق الأحكام الشرعية. وكانت البداية ولاية زمفرا وهي ولاية حديثة اقتطعت من ولاية سكتو حاضرة المملكة الإسلامية التي أسسها الشيخ عثمان ابن فودي. وقطعت ولاية زمفرا شوطاً في ذلك. وهذه الخطوة شجعت المواطنين والمهتمين في ولايات كثيرة للمطالبة بالتأسي بزمفرا في تطبيق أحكام الشريعة. واستجابة لهذه الرغبة أعلنت بعض الولايات نيتها لتطبيقها، وبعضها كَوَّن لجاناً لدراسة الأمر ومن ضمنها ولاية كدونا. ومدينة كدونا تعتبر مدينة قديمة وعاصمة للشمال في عهد الإنجليز وحتى بعد الاستقلال، وهي من أهم المراكز التجارية والصناعية بعد كنو، وأكبر مركز عسكري وسياسي في الشمال، وبها المصفاة الرئيسة في البلاد. وهنا ثارت حفيظة النصارى وكتبوا وصرحوا أنهم سيعملون على إسقاط مشاريع تطبيق الشريعة، وعندما شعروا أن هنالك خطوات كبيرة ربما تتخذ خططوا للتعبير عن معارضتهم، فكانت تلك الأحداث والمظاهرات التي نتج من جرائها تدخل الشرطة والجيش للحفاظ على الأمن الوطني العام. ثانياً: وقائع حادثة كدونا وما تبعها من أحداث: في يوم الأحد ١٦/١١/١٤٢٠هـ الموافق ٢٠/٢/٢٠٠٠م وكالعادة اجتمع النصارى في كنائسهم واستمعوا إلى مواعظ رؤسائهم وخططوا للخروج يوم الاثنين صباحاً ١٧/١١/١٤٢٠هـ الموافق ٢١/٢/٢٠٠٠م في مظاهرة سلمية كما يقولون للاحتجاج على تطبيق الشريعة في الولاية. وبعد أن سلموا مذكراتهم لنائب حاكم ولاية كدونا وهو نصراني؛ حيث كان الحاكم خارج البلاد للعلاج وهو مسلم، خرجوا إلى السوق؛ وفي الطريق أخذ النصارى يضربون كل من لم يتجاوب معهم في مطالبهم وهي كالآتي: ١- يطالب المسلم بقول: (- NO WAY TO SHARI DOWN TO SHARI) أي لا، للشريعة - لا سبيل لتطبيق الشريعة. ٢- العبث من قبل المتظاهرين رجالاً ونساء بلحية من لقوا من المسلمين الملتحين، ثم يطالب بما يغيظه من الكلمات. ٣- مطالبة المسلم بخلع القلنسوة التي تعتبر من علامات المسلم. ٤- التغني بأناشيد النصارى، وترديد بعض كلماتهم مثل: ALLELUYA كلمة تقال عند تبجيل إلههم. ٥- حمل أوراق الأشجار في اليد أو تعليقها على السيارة ليكون دليلاً على رضا من فعل ذلك بما هم يطالبون به وهو عدم تطبيق الشريعة. وإلا فإنه يتعرض لأنواع من العذاب. هذا وغيره من أمور لا يرضى بها المسلم لنفسه مهما كان ضعيف الإيمان، وجزاء من يرفض شيئاً مما سبق ذكره ضربٌ حتى الموت، ومن فعله ينجو منهم سالماً. وبالإضافة إلى هذا فإنهم كتبوا في ألواح يحملونها في أيديهم عبارات تدعو للفتنة مثل: RIP SHARIA IS DEAD IN KADUNA. JESUS ONLY أي ما معناه: ماتت الشريعة في كادونا، وقد تولى المسيح. وقد واصل النصارى عملية الضرب والاستهزاء بالدين إلى أن وصل الأمر بهم إلى إحراق بيوت المسلمين وممتلكاتهم وكذا دكاكينهم ومتاجرهم، فكأنهم يريدون إجلاء المسلمين من المدينة حتى تخلو لهم وتصبح مدينة للنصارى وللنصارى فقط، حتى وصلوا إلى السوق، وبدؤوا في إحراق السوق وقتل المسلمين وإحراقهم وإحراق مساكنهم، واستخدموا السلاح الأبيض والسلاح الناري بالإضافة إلى العصي وحرق الناس في البيوت بالبترول. وكانت لهم الغلبة في الفترة الأولى من الساعة العاشرة صباحاً تقريباً وحتى الظهر. ثم نظم المسلمون أنفسهم وأعادوا لهم الكرة وكانت الضربة قاسية واستمرت طوال ليلة الثلاثاء وكل يوم الثلاثاء أي اليوم التالي وكذلك جزءاً من ليلة الأربعاء. وفي يوم الأربعاء تم احتواء الوضع من قِبَلِ الجيش وقوات الشرطة إلا من أحداث متفرقة. وكانت النتيجة عدداً كبيراً من القتلى قُدرت من قِبَل الحكومة بخمسمائة شخص. ولكن الذين شهدوا الأحداث يقولون بأن قتلى الأحداث قد يصل عددهم إلى أكثر من ألفي شخص. وهذا غير الجرحى الذين يتلقون العلاج الآن في المستشفيات. كذلك فرَّ عدد كبير من الناس من كدونا إلى مدنهم الأصلية أو القرى المجاورة. وأما عن الخسائر المادية فكانت كبيرة جداً وبخاصة المنازل والأسواق والسيارات وبعض محطات الوقود والمساجد والكنائس. وحسب تقييم كثير ممن نثق فيهم ممن شهدوا الأحداث أن المسلمين قد كسبوا الجولة رغم الخسائر التي تكبدوها في الممتلكات، ورغم أنهم كانوا على غير استعداد عندما غدر بهم النصارى. ثم تبع ذلك أحداث انتقام من المسلمين في مناطق الإيبو نتيجة ما رأوا من جثث أقاربهم الذين تم نقلهم إليهم في الجنوب الشرقي وبالتحديد في مدينة أبا وواري؛ حيث قُتل أعداد كبيرة من المسلمين وحرقت مساجدهم وممتلكاتهم. والمسلمون في تلك المناطق قلة. كذلك لم ينجُ النصارى ممن جذورهم من الشمال في تلك المناطق من القتل؛ حيث يعتقد الإيبو أنهم سبب هذه الفتنة ولذلك انتقموا منهم. ومازالت الأوضاع متوترة في بعض المدن، وهنالك تحرشات وشائعات؛ ولذلك بدأ الإيبو في الرحيل من شمال نيجيريا وكذلك بعض النصارى من المناطق الشمالية. وقد أسفرت الأحداث عن إحراق ممتلكات بعض الأغنياء المسلمين وذلك لدعمهم أعمال إسلامية مثل: - تمويل برامج إسلامية في تلفزيون المدينة. - تمويل مؤتمرات ولقاءات لدراسة الشريعة وبيان أهميتها وتطبيقها. - تمويل مسابقات القرآن الكريم مع تكلفة عرضها في التلفاز. - الجهات المهتمة بنشر أشرطة إسلامية. وقد خطط النصارى للهجوم على ممتلكات كل من يقوم بأحد تلك الأنشطة؛ وفعلاً نجحوا في إحراقها مثل: - شركة بيع الأجهزة الإلكترونية للحاج/ سليمان، وقد قدرت خسارته بـ ٢.٢ مليون دولار أمريكي. - دابو لبيع السيارات لصاحبها الحاج/ دابو شنشنغي، وقد قدر خسارته بـ ٢ مليون دولار أمريكي. - شركة بكي لبيع السيارات، وقدر مديرها العام الحاج/ عبد الرحمن خسارته بـ ٧٤٠. ٠٠٠ دولار أمريكي. - شركة إكارا لبيع السيارات لصاحبها الحاج/ محمد أحمد، وقد قدر خسارته بـ ٧٣٠. ٠٠٠ دولار أمريكي. وقد أحرق دكان إحدى السيدات وهي مسلمة، وذنبها أنها في كل يوم جمعة توفر الماء للذاهبين إلى المسجد لصلاة الجمعة أمام دكانها. ثالثاً: نظرة عامة الناس إلى الحادثة وسببها الحقيقي: من خلال المقابلات وما نشر في الجرائد والمجلات يمكن تحديد الأسباب التي أدت إلى الأحداث في النقاط الآتية كما جاء في استطلاعات تلك الصحف والمجلات: ١ - أسباب دينية: يرى النصارى أنه إذا طبقت الشريعة ونجحت في إصلاح ما عجزت القوانين الوضعية عنه أن تكون للإسلام قوة ويؤدي ذلك إلى دخول غير المسلمين في الإسلام، ويقطع طريق تنصير المسلمين، ولذا لا بد من إيقاف تطبيقها حتى لو كان بالعنف والقتل، وقد قاموا بمحاولات عديدة لتتدخل الحكومة الفيدرالية وتمنع الولايات التي يطالب سكانها حكامهم بتطبيق الشريعة من تطبيق ما أجازه دستور البلد، ولَمَّا أخفقوا في ذلك رأوا أن الطريق الوحيد لتتدخل الحكومة هي إحداث بلبلة تؤدي إلى زعزعة الأمن وتوتره. ٢ - مصالح تجارية لمنفعة شخصية: الذين يتاجرون بالبيوع المحرمة مثل الخمور وأصحاب بيوت الدعارة عرفوا أنه إذا طبقت الشريعة تكون نهاية بيوعهم المحرمة، ولذا رأوا أن إيقاف تطبيق الشريعة هو الطريق الوحيد للدفاع عن مصالحهم التجارية، وشجعوا إخوانهم النصارى على تنظيم المظاهرة، كما دعموها بكل ما أعطوا. ٣ - أسباب سياسية: لا تزال بعض القبائل وخاصة قبيلة إيبو تفكر في الانفصال، وهي دائماً ترصد أحداث تتخذها حجة للقيام بتنفيذ أهدافها، وهناك أدلة واضحة ومنقولة في الجرائد والمجلات تثبت ذلك. ٤ - وأضاف بعض الناس أن البطالة ساعدت في توسيع رقعة الفتنة حيث تنظر الفئة نفسها أنها ضائعة في المجتمع. رابعاً: موقف المسلمين من تطبيق الشريعة بعد الحادثة: من خلال مقابلات أجريناها مع بعض الشخصيات والرأي العام للمسلمين اتضح أن موقف المسلمين لم يتزعزع في المطالبة بتطبيق الشريعة، بل زادتهم الحادثة شدة في المطالبة، ووجدت الحكومة نفسها في حيرة من أمرها؛ إذ لو حاولت منع المسلمين وخاصة في ولايات أغلبية سكانها مسلمون فسوف يتهمها المسلمون أنها وقفت مع النصارى ضدهم، وكذا أي محاولة لإلغاء الفقرة التي أجازت تطبيق الشريعة من الدستور يقابلها المسلمون بالرفض. ولهذا يرى كثير من الناس أن المسلمين سيحققون بمشيئة الله نجاحاً في تطبيق أجزاء كبيرة من القضايا الشرعية وإن لم يكن ١٠٠%. ويرى آخرون أنه لا بد قبل التطبيق من دراسة الموضوع دراسة دقيقة ومنظمة ثم الإكثار من توعية العوام.

стр. 3470

المسلمون والعالم جماجم الشيشان.. أوراق انتخابية د.سامي محمد صالح الدلال لم يصل بوتين للرئاسة بعدد أوراق الناخبين وإنما بعدد جماجم الشيشانيين؛ فأين منظمات حقوق الإنسان من تجريمه وحكومته والدعوة لمحاكمتهم أسوة بمجرمي الحروب؟ ! ! لأول مرة في التاريخ الغابر والحاضر تتقرر نتيجة الفوز بالرئاسة ليس بعدد أصوات الناخبين، بل بعدد الجماجم التي أُزهِقت أرواح أصحابها. منذ أن عين يلتسين بوتين قائماً بالأعمال، شرع هذا الأخير يخطط لدعايته الانتخابية ليفوز بكرسي الرئاسة في انتخابات ٢٦ مارس ٢٠٠٠م. وقد وضع خطة دعائية جهنمية، هي (الإبادة الشاملة للشيشان) ثم راح يضع عناصر تنفيذها بكل ما أوتي من عزم ذاتي وقوة عسكرية روسية عاتية. ولم يكن أحد في العالم يعلم حقيقة تلك العناصر حتى تجلت وتجسدت في الواقع، فإذا هي تتكون من عدة ورقات وفق ما يلي: ١- الورقة الأولى: جمع شتات مشاعر الشعب الروسي حول القضية التي يريد إشعالها لتكون وقود انتخابات الرئاسة. وقرر أن تكون القضية المطروحة هي تهديد الشيشان لأمن روسيا الداخلي والخارجي. ولتحقيق ذلك لغمت المخابرات الروسية عدداً من الأبنية السكنية في داخل موسكو بالعبوات الناسفة شديدة الانفجار وعظيمة القدرة التدميرية، ثم فجرت تلك الأبنية على قاطنيها الأبرياء من الروس فأحالتها ركاماً في الحال مما أدى إلى قتل معظم سكانها تحت الأنقاض ولم الشيشان مسؤولية ذلك بكل ما أوتي من قوة ووسائل عبر الصحافة والإذاعات والتلفزيون وعلى مدى أسابيع مع ضخ ينج من تلك المجازر المخابراتية إلا بضعة من الجرحى. وما أن وقعت تلك الانفجارات الضخمة حتى راح الإعلام الروسي يُحَمِّل يومي للعبارات التي تؤجج مشاعر الكراهية والحقد والغضب على الشعب الشيشاني. كل ذلك لأجل تمهيد المسرح لبدء الغزو الروسي الهمجي الوحشي لأراضي جمهورية الشيشان المسلمة الموادعة. فكانت هذه الأحداث الإجرامية هي أول ورقة انتخابية طرحها بوتين في الساحة الروسية الديمقراطية! ! ٢- الورقة الثانية: في حملة بوتين الانتخابية كانت قرار إزالة دولة الشيشان من الوجود، وليس مجرد تدمير بنيتها التحتية. فأصدر أوامره العسكرية لجحافله الجرارة لتحقيق تلك الغاية. فتحركت تلك الجحافل المكونة من الدبابات والمدفعية والطائرات والصواريخ الشاملة للقوات البرية والجوية والبحرية، من المشاة والمظليين وقوات الصاعقة وقوات العمليات الخاصة والقوات البحرية، وقد تزودت بجميع أنواع أسلحة التدمير والتقتيل والإحراق والإزالة والغازات السامة وأسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيميائية والنووية التكتيكية، مع حقن نفوس جميع الأفراد العسكريين المشاركين في تلك الحملة الشيطانية الإبليسية بالحقد والكراهية الشديدتين لكل ما له متعلَّق بمسمى الشيشان، نعم! تحركت تلك الجحافل لتزيح الستار عن الورقة الانتخابية الثانية لبوتين، وذلك في ظل مهرجان إعلامي هائج قرعت له جميع طبول الحرب الإعلامية، وعزفت له جميع أوتار الكذب والدجل الصحفية والإذاعية والتلفزيونية في ظل من الصخب الدعائي الذي يدعي أهمية وحدة الأراضي الروسية وتماسكها من خلال إبقاء الشعوب الإسلامية المضطهدة بالاستعمار الروسي تحت نير كيان الستار الحديدي الذي أعاد الروس صبغ لونه بغير اللون الأحمر مع إبقاء حقيقته الجوهرية. وهكذا اندفع الموت المدجج بغية بسط سلطانه الأسود على الربوع الخضراء للأراضي الشيشانية. ٣- ومع تسارع عقارب الزمن متجهة صوب يوم الانتخابات تسارع اصطفاف الورقة الانتخابية الثالثة فإذا هي تشكل الجمل الآتية: أ- إزالة مدن شيشانية كاملة من الوجود بما فيها غروزني التي سويت بالأرض تماماً. ب- تشريد الشعب الشيشاني إلى خارج أرضه ودياره في جو من الخوف والفزع والهلع تلسعه برودة الشتاء الثلجي القارس والقاسي، ويعشش الجوع الشديد في بطون أبنائه. وقد دب فيهم الوهن والضعف وهجمت عليهم الأمراض، يحملون جرحاهم، ولا يجدون مكاناً يدفنون فيه موتاهم، ولا أحد يكسو عاريهم أو يدفِّئ أبدانهم أو يطعم جائعهم أو يداوي مرضاهم أو يعالج جرحاهم، يسيرون في مواكب الموت تلاحقهم الطائرات الروسية بصواريخها فتنثر أشلاءهم فوق الثلوج، وتدكهم المدفعية الثقيلة فتتطاير أحشاؤهم في كل اتجاه، وتقصفهم الدبابات المدمرة فتقطع الرءوس عن الأجساد، وتبتر الأطراف وتقذفها في كل واد! هكذا اندفعت الجموع العزل من المدنيين الشيشانيين نحو حدود جمهورية الأنغوش يتجسد فيها ذلك المشهد المأساوي الذي تتقاصر أجزل الكلمات وأمضى العبارات عن وصف صوره ووقائعه. ج- الإجهاز على كل من بقي في المدن وتشبث بما بقي فيها من طوب متناثر أو أنقاض مبعثرة. وقد شمل هذا الإجهاز النساء والأطفال والمسنين والرجال العزل الذين لم يقاتلوا أو اختاروا الصمود في ديارهم. فأما النساء فقد اغتصبوهن ثم قتلوهن، وأما الأطفال والمسنون والرجال فذبوحهم أو مثَّلوا بهم أو أحرقوهم أو أسروهم. ويا ويل هؤلاء الذين وقعوا في الأسر! فإنهم فعلوا بهم الأفاعيل التي يعجز القلم عن وصفها وتنوء الكتب عن حمل أثقال أوزارها. إن الورقة الانتخابية الثالثة لبوتين تضمنت مشاهد إجرامية ليس لها مثيل في تاريخ البشرية؛ فقد نشرت جريدة (سبعة أيام) الجورجية في عددها الصادر برقم ٤٧في ٢٥نوفمبر ١٩٩٩م تقريراً ميدانياً من الشيشان بلسان صحفية جورجية يرافقها صحفي ألماني، وقد جاء في التقرير باختصار: (تعتبر قرية قالمي أقرب إلى جورجيا. وتبدو حولها السيارات المحترقة من جميع الجهات، يلفها صمت رهيب، باستثناء طائرة روسية تبحث عن هدف آخر. القرية كلها دمرت بالكامل. وتلي هذه القرية قرية أخرى نصف مدمرة. والباقون من سكانها على قيد الحياة هم الذين لم يستطيعوا الخروج. قادونا أولاً إلى منزل سُوِّي بالأرض؛ ثم روضة أطفال، لم يبق منها سوى المدخل الذي كُتب عليه تحية من الأطفال: (نحن نرحب بكم وننتظركم بقلوبنا وأرواحنا) حيث ذهب بقية الأطفال حرقاً داخل الروضة التي دمرتها طائرات روسية. وفي اليوم الثاني عندما كان أقرباؤهم يوارونهم التراب قامت المروحيات الروسية بالتحليق فوقهم. وكل ذلك يجري بجوار القرية، وبجانبها حافلة مليئة باللاجئين. تبدو لنا وجوه الأطفال وهم خائفون مرعوبون. وفجأة بدأ القصف على الحافلة بالصواريخ الحارقة. وكان المحرك وخزان الوقود هما الهدف الأول بالنسبة لهم. ثم شعرنا بقوة الانفجار والارتجاج والحافلة تحترق، ولم يستطع أحد من الركاب الخروج، فاحترق كل من فيها من الأطفال والنساء. وفي إحدى القرى قرب غروزني عُذِّب أحد السكان حتى الموت، حين قام جنود فيلق روسي كامل بإطفاء سجائرهم على جسمه العاري وأجبروه على المشي على الثلج حافي القدمين، وأمام عينيه قام الجنود الروس باغتصاب زوجته. ودون رحمة قام هؤلاء بتعذيب ثلاثة أفراد من عائلة شيشانية. وتحمل الثلاثة جميع أنواع وفنون التعذيب الروسي الإجرامي فأحدهم قتلوه رمياً بالرصاص بعد تعذيبه، والآخر قطعوا قدميه، والثالث نزعوا كبده وهو حي، وقطعوا يديه حتى المرفق) انتهى التقرير. هل سمع أحد من الخلق بورقة انتخابية أبشع وأفظع من هذه الورقة؟ ! ! ٤- وأما ورقة بوتين الانتخابية الرابعة فكانت مقاتلة المجاهدين الشيشانيين؛ فقد حشد عليهم أكثر من مائة ألف مسلح مدجج بأفتك الأسلحة، ظاناً أنه سيسحق بهم أولئك المجاهدين في بضعة أيام؛ فإذا بها تزيد على ستة أشهر ولا يزال أُواراها متقداً ولهيبها مستعراً. لقد لقن المجاهدون الجيش الروسي دروساً قاسية في المعارك القتالية، رغم أن هذا الجيش كان يتجنب أية مواجهة مباشرة؛ وذلك باللجوء إلى الاستخدام المكثف لسلاح الطيران والقصف المركز بالمدفعية والدبابات، ومع ذلك فقد تكبد أفدح الخسائر وامتلأت مستشفيات روسيا بالأعداد الهائلة من الجرحى، وانتعشت سوق تصنيع التوابيت في جميع أنحاء المدن الروسية وازدحمت بطون المقابر بالهلكى في المعارك وظهورها بالمشيعين والمفجوعين بفقد أبنائهم أو أزواجهم أو آبائهم. لقد وعد بوتين شعبه بأنه سيقضي على هؤلاء المجاهدين قضاءاً مبرماً ويصفيهم تصفية جسدية شاملة، فخاب ظنه وما أوفى بوعده ولن يستطيع؛ فإن هذا الجهاد سيستمر بإذن الله تعالى وستكون من نتائجه ليس تحرير بلاد الشيشان واستقلالها فقط ولا استقلال جمهوريات القوقاز فقط. بل ستكون من نتائجه انهيار شامل للدولة الروسية، وتمزق لوحدة شعبها. وسيأتيك نبؤهم بعد حين. قال تعالى: [وكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا ويْلَنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ] [الأنبياء: ١١ - ١٥] . لم يتمكن بوتين من لعب هذه الورقة الانتخابية على الوجه الذي خططه لها؛ لأن كيد الشيطان كان ضعيفاً، ولعل هذه الورقة هي التي أوشكت أن تقوض وصوله إلى هدفه الذي أراده وهو: أن يتبوأ الرئاسة الروسية بإجماع شعبي، فإذا به لم يفز إلا بـ ٥٢% من الأصوات. ٥- أما الورقة الانتخابية الخامسة التي استخدمها بوتين للوصول إلى الزعامة الروسية فكانت (الكذب) نعم، الكذب، حتى صار بالإمكان أن يطلق على وزارة الدفاع الروسية اسم وزارة الكذب الروسية. لقد امتهنوا الكذب على شعبهم وعلى جميع العالم وذلك للتغطية على الجرائم القذرة والبشعة التي مارسها الجيش الروسي ضد الشعب الشيشاني الصامد المجاهد. لقد وظفت وسائل الإعلام الروسية كلها لتقود حملة الكذب، على طريقة: اكذب اكذب حتى يصدقك الناس. وقد شملت حملة الكذب هذه عدة ميادين: ١- فقد أصدروا بيانات كثيرة كاذبة يدَّعون فيها عدم ممارسة أي بطش وعنف ضد السكان المدنيين العزل من النساء والأطفال والشيوخ. ٢- وأصدروا بيانات كثيرة كاذبة يخففون فيها من الخسائر الحقيقية في الرجال والعتاد. ٣- وأصدروا بيانات كثيرة كاذبة يدَّعون فيها انتصارات وهمية على المجاهدين. ٤- وأصدروا بيانات كثيرة كاذبة يردون فيها باستخدام أسلوب الكذب، على الذين فضحوا كذبهم من صحافيين ومراسلين أجانب. لقد جعل بوتين الكذب ورقة هامة في حملته الانتخابية ليموه الحقائق على شعبه وشعوب العالم، وليدَّعي تحقيق انتصارات وهي في حقيقتها هزائم منكرة. تلك هي أهم أوراق الحملة الانتخابية وأبرزها التي دفعت ببوتين إلى سدة الرئاسة الروسية. لقد انفرد بوتين بين الأولين والآخرين في صياغة حملة انتخابية عبر مجازر وحشية وفظائع دموية ومقابر جماعية. فإن كنت تعجب فاعجب من دولة تسنَّم زعيمها سدة الرئاسة من خلال تلك المواصفات السوداء؛ فهل ينتظر الشعب الروسي إلا الظلم والشنار من هذا الرئيس الذي سيحكمه بالحديد والنار؟ ولكن نقول له ولأمثاله ما قاله الله تعالى في سورة الفجر: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ (٨) وثَمُودَ الَذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (١٠) الَذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ] . [الفجر: ٦ -١٤] . وقوله تعالى: [إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] [الطارق: ١٥ - ١٧] . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →