← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

وقفات رسالة على لسان مجاهد شيشاني أحمد بن عبد الرحمن الصويان افعلوا ما شئتم أيها الروس.. فإنكم مهما قتلتم من الشيب والشباب، أو رمّلتم من النساء ويتمتم من الأطفال، فاعلموا أن ذلك لن يضرنا بإذن الله تعالى. افعلوا ما شئتم.. وكيدوا ما شئتم، واستخدموا ما أردتم من الأسلحة الفتاكة، والقنابل المدمرة؛ فإن الله تعالى معنا، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. افعلوا ما شئتم.. انتفشوا وتبختروا ولا تأخذكم بنا رأفة لا شفقة، لا ترحموا طفلاً رضيعاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة ضعيفة؛ فإن الله تعالى لن يضيعنا. عجباً لكم! ماذا تنقمون منا؟ ! ألأننا عدنا لديننا واعتصمنا بكتابنا؟ ! ألأننا نهضنا من سُباتنا ورحنا نبحث عن هويتنا؟ ! ألأننا بدأنا نستنشق نسائم الحرية، ونزيل تراب الشيوعية من فوق رؤوسنا..؟ ! أرأيتم تبختركم وطغيانكم وجبروتكم وظلمكم، أتظنونه سوف يستمر؟ ! لا والله؛ فإن الله هو القوي العزيز، وإنَّا لنبصر فجر الخلاص بين راحتي هذه المحن بإذن الله تعالى. كم فسقتم وطغيتم وزلزلتم الأرض من تحت أقدامنا، وصبَّحتمونا بالقنابل المدمرة، ومسَّيتمونا بالصواريخ الحارقة.. كم.. وكم؟ ! ولكن: [أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ] [الملك: ١٦، ١٧] . انظروا إلى فلول المهاجرين من الشيوخ والنساء والصبيان والعَجَزة كيف راحوا يهربون زرافات ووحداناً فراراً بأنفسهم وأعراضهم من جبروتكم وتسلطكم..؟ ! يا سبحان الله! ما أقسى الذلة والمهانة! وما أصعب الشتات والتفرق! وما أشد ألم المرأة العفيفة التي انتُهِكَ عِرضها! وهل تعرفون أشد حرارة من دموع ذلك الشيخ الذي هدّه الألم وفجعته الكارثة..؟ ! تأملوا في نظرات ذلك الصبي التائهة، يتلفت هنا وهناك في تلك الأفواج المهاجرة لعله يجد أمه أو أباه أو أخته فيرتمي في أحضانهم.. ولكن.. هيهات هيهات..! ! ها هو ذا شيخ طاعن في السن يضم رأسه بين راحتيه مقعياً حزيناً يتجرع ألم الحسرة والفراق فقد هُدِّم بيته، وأُحرق زرعه، ودُمِّرت أملاكه، وتخطفت قنابل النابالم المحرقة زوجه وولده، فانزوى حزيناً يدفن مرارته وحزنه، ويكفكف دمعه وعبرته، وهكذا حال بقية الناس من حوله يُظلِّل وجوههم الفزع، ويحوطها الهلع.. ولكن ما زادنا ذلك إي والله إلا قوة وثباتاً وإصراراً على طريق الجهاد في سبيل الله. نعم صبَّ طغاتكم علينا أقسى أنواع الظلم، فأحاط بنا الألم من كل مكان، نأرق ونحزن، وتتصدع قلوبنا على أهلينا وأبنائنا، لا تهنأ لنا عين بنوم، ولا يرقأ لنا دمع، نرى أبناءنا ونساءنا وإخواننا يُتَخَطَّفون من حولنا، وربما قدرنا على مواراتهم بالتراب، وربما عجزنا عن ذلك.. ولكن واللهِ الذي لا إله إلا هو إن قلوبنا العامرة بالإيمان مطمئنة ساكنة يملؤها البِشْر والراحة والشوق للقاء الله، وتحدوها أطايب الجنة إلى التسابق في التضحية وملاقاة الكفرة الملحدين، ولا نجد في نفوسنا قوة وثباتاً وشجاعة كما نجدها الآن، ولله الحمد والمنَّة. أيها الروس: إننا نقاتلكم برجال نحسبهم والله حسيبهم يحرصون على الموت أكثر من حرصكم على الحياة، ارتفعت رؤوسهم الشماء اعتزازاً بدينهم، وشمخت أفئدتهم الكريمة ثباتاً وصلابة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، استعانوا بربهم، وعضوا على دينهم بالنواجذ. إننا نقاتلكم برجال يصدق فيهم قول الشاعر العربي: عُبّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم ... كم عابد دمعه في الخدِّ أجراه وأُسْدُ غاب إذا نادى الجهاد بهم ... هبُّوا إلى الموت يستجدون رؤياه أيها الروس: هَبُوا أنكم دمَّرتم ديارنا وقتلتم رجالنا؛ أتظنون أن الله مخلفٌ وعَده رسُله..؟ ! افعلوا ما شئتم؛ فإننا نرى بناءكم المترهل بدأ يتساقط ويتمزق بإذن الله، [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] [الحج: ٠٤] . ... ماضٍ وأعرفُ ما دربي وما هدفي ... والموتُ يرقصُ لي في كل منعطَفِ وما أبالي به حتى أحاذرَه ... فخشيةُ الموت عندي أبردُ الطُّرَفِ

стр. 3467

المسلمون والعالم زيارة بابا الفاتيكان: خطوات جديدة على طريق الاختراق عبد العزيز كامل رغم الضجيج العالمي الذي سبق زيارة (بابا) الفاتيكان إلى منطقة الشرق الأوسط وما صاحبها، وبرغم الأضواء المبهرة التي سلطت عليها إعلامياً، إلا أن ذلك لم يكشف بشكل كامل عن أبعاد تلك الزيارة؛ فقد صورها الإعلام الدولي على أنها إحدى مظاهر الاحتفال العالمي بـ (اليوبيل) الألفي لميلاد المسيح ﵇. أما الإعلام العربي في غالبه فقد صور الزيارة بصورة مقطوعة عما قبلها وما بعدها، ومارس عملية تضليل كبرى في إخفاء معانيها ومراميها البعيدة، وشاركت أضواؤه الخدَّاعة في خطف الأبصار عن إدراك الحقائق على ما هي عليها، إمعاناً في المزيد من إطالة الغيبوبة المتواصلة للوعي العربي، والتي بدأت منذ إدخاله غرفة الـ (إن عاش) العلمانية الجاهلية الرديئة. لقد أصر ذلك الإعلام على أن يفجعنا في عقيدتنا وفي ثوابتنا، بل وفي أذواقنا ومشاعرنا عندما استعلن بإظهار شعائر الوثنية، ومظاهر الشرك ليذيعها على الملايين من المسلمين، وعلى الهواء مباشرة، لا ليطلعوا على رداءة الكفر وأهله، ولكن لتزيينه وتزويقه بكلمات النفاق وشهادات الزور على ألسنة المعلقين والمحللين المكتوبة والمسموعة، وقد أطْلَعَنا هذا الإعلام على ما لا تشتهي الأنفس وما لا تلذ الآذان والأعين، فسمعنا من الذين أوتوا الكتاب ومن الذي أشركوا أذىً كثيراً، وأصاب القذى أعيننا والأسى قلوبنا ونحن نرى حامل الوثن يُعظَّم وتعد خطواته وكلماته وهو يرفع ذلك الوثن المتخذ على شكل الصليب وقد عُلِّق به تمثال عيسى ﵇ الذي اتخذوه إلهاً. ومما زاد في الفجيعة أن ذلك الاحتفاء بالشرك الأكبر والجُرم الأعظم لم يكن في ديار بطرس أو مرقس أو قسطنطين، وإنما كان على أراضي الأنبياء التي أرادها الله خالصة للتوحيد، واستحفظها أمة خاتم الأنبياء ليطهروها ويعمروها. لقد شاهدنا غلاظ الأكباد من بني جلدتنا وهم يروِّجون في تلك الأيام المعدودات لتجارة الشرك المسماة بـ (التبشير) . ونسجل هنا شهادة وقد جعل الله تعالى أمتنا شاهدة على الناس أن ما يسمى باحتفالات (ميلاد الرب) لم تلقَ نجاحاً في أي مكان على ظهر الأرض مثلما وجدته على أرض الإسلام وفي بلاد العرب، ولم يلق حامل وثن (الإله المصلوب) ترحيباً ولا تبجيلاً ولا تكريماً في تلك الاحتفالات مثل ما لقيه من المتحدثين باسم المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإلى الله نشكو غربتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس. لقد كادت الجوقة العربية المشاركة في شركيات الاحتفال أن تلهينا بتناقضاتها المتنافرة ومواقفها المتخاذلة عن تتبع التفاعلات الحقيقية للحدث، حتى نضعه في سياقه ونسلكه في نظامه ضمن سلسلة التطورات الحادة التي تمر بها قضايا أمتنا فيما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط. وقد سبق أن تناولنا على صفحات البيان الغراء مع القارئ الكريم قضايا عديدة ذات اتصال بالعلاقة المريبة والغريبة القائمة اليوم بشكل مستقر بين اليهود المعاصرين والنصارى البروتستانت في كل من إنجلترا وأمريكا، وكانت المناسبة في ذلك ما تم تناوله على صفحات المجلة في حلقات (حمى سنة ٢٠٠٠) وقد ظهر من خلال المادة المعروضة فيها أن العلاقة بين هؤلاء وأولئك قد استقرت على شكل وفاق واتفاق جعل قوى البروتستانت في أمريكا دابة مطيعة ذلول يركبها (شعب الله المختار) سواء كانت هذه الدابة هي الفيل الجمهوري أو الحمار الديمقراطي [١] . والآن أجد في أخبار زيارة كبير الأحبار مناسبة لإلقاء الضوء على علاقة جديدة لا تزال العناكب السامة تنسج خيوطها بين اليهود وبين الطائفة الأكبر عددياً والأخطر تاريخياً من أمة النصارى وهم (الكاثوليك) [٢] ، وحتى لا نقفز فوق المقدمات إلى النتائج باستعراض آثار تلك الزيارة المشبوهة فإني أجد من المهم أولاً أن نلقي ضوءاً على بعض الخلفيات التي كانت تحكم العلاقة بين العدوين التاريخيين: اليهود والكاثوليك، حتى عصر قريب جداً. الإصلاح الديني على الطريقة الكاثوليكية: شاع إطلاق وصف (الإصلاح الديني) على التغيير الذي أدخله البروتستانت على الديانة الكاثوليكية في القرن السادس عشر للميلاد على يد (مارتن لوثر) وقد انشطرت النصرانية بعد ذلك التغيير إلى شطرين فيما يتصل بالموقف من اليهود واليهودية: شطر أبقى على عقائد النصرانية المعادية لليهود وهم الكاثوليك والأرثوذكس وشطر أقبل على إجراء تغيير جذري في (تصحيح) العلاقة مع اليهود وهم (البروتستانت) الذين طوروا تلك العلاقة بعد ذلك، فاحتضنوا اليهود وأيدوهم وأمدوهم بكل أسباب العون والمساعدة حتى قامت دولتهم وقويت شوكتهم في القرن الأخير؛ ولكن البروتستانت رغم تقاربهم الشديد من اليهود إلى حد قريب من التهوُّد، لا يمثلون سوى نسبة السدس من مجموع النصارى في العالم، وكذلك الأرثوذكس؛ بينما يمثل نصارى الكاثوليك القسم الأكبر من أمة النصارى؛ إذ يبلغ رعايا الكنيسة الكاثوليكية وحدهم ملياراً ونيفاً من (الضالين) الذين اتخذوا حيال (المغضوب عليهم) موقفاً عدائياً دينياً ينطلق من صلب العقيدة الصليبية. فالعداء لليهود كان جزءاً أساسياً من عقيدة النصارى الكاثوليك الذين يعظمون الصليب، وما كان للصليب أن يتخذ شعاراً لتلك الديانة، لولا اتهام النصارى لليهود بأنهم هم الذين تسببوا في صلب المسيح ﵇ حتى قتل كما يزعمون ولهذا ظلت النصرانية الكاثوليكية على موقفها العدائي الديني من اليهود حتى وقت قريب مما دعا أحد مفكريها المعاصرين أن يقول: (إن القوى ذاتها التي (صلبت) المسيح طيلة ١٩٠٠ سنة تسعى اليوم إلى صلب كنيسته. لقد فُرِضَ على المسيحية في عصرنا الراهن نضال عظيم نهايته ستحدد مصير المسيحية: حياةً أو موتاً) [٣] . ونحن الآن في ضوء التطور الأخير بين الديانتين نحاول أن نراقب (مصير المسيحية الكاثوليكية حياةً أو موتاً) مع قرب نهاية عمر أكثر باباوات الكاثوليكية غموضاً (يوحنا بولس الثاني) . إن هذا الرجل الذي يقود دينياً ما يقرب من ربع سكان العالم يتربع على عرش صغير لدولة هي الأصغر في العالم من حيث المساحة والعدد، ولكن لهذا العرش حصانة غير مسبوقة؛ فمنصب (بابا الفاتيكان) هو المنصب الديني الوحيد في العالم الذي لا يخضع لنفوذ جهة أعلى منه، سواء كانت دولة أو حلفاً أو منظومة عالمية، وهو فوق ذلك لا يخضع لأي سلطة في تعيينه أو خلعه من خارج الدائرة الفاتيكانية، وقد أحكم وثاق هذه الحصانة أو بالأحرى شدِّد خناقها على النصارى الكاثوليك بالقرار القديم للمجمع المسكوني في روما عام ١٨٩٦م باعتبار صاحب منصب البابوية إنساناً معصوماً، وهو ما يعني أن مواقف البابا الكاثوليكي هي في مرتبة الوحي المنزل من السماء في اعتقاد أتباعه. ولقد أضفى (يوسف فوجتيلا) [٤] أو (جون بول) أو (يوحنا بولس) الثاني بشخصيته الرمادية أبعاداً أخرى من الإثارة والغموض على ذلك المنصب، فهو أول (بابا) يرأس البابوية الرومية من خارج روما. وتاريخه القديم مليء بعلامات الاستفهام وخاصة علاقاته اليهودية الخاصة. إن هذا الرجل الذي يرتدي مسوح المسكنة، ويتقنع بلباس السكون يحمل بين جوانحه نفساً بعيدة الأغوار، سحيقة الأسرار؛ فقد قطعت الكاثوليكية في عهده أوسع خطاها وأسرعها نحو التقارب مع اليهود؛ ولا ندري على وجه التحديد إن كان الرجل بدوره يحتل موقع الفاعل أم المفعول؛ فمنذ أن تولى منصبه في عام ١٩٧٨م وهو يسير وئيداً نحو واقع جديد لتقريب الشُّقة بين بوابتي هيكل بطرس [٥] وهيكل سليمان. وقبل أن أشرع في عرض أو سرد التسلسل في خطوات الشيطان نحو ذلك الوفاق النكد؛ أحب أن أشير إلى أحد أدوار هذا (البابا) على الساحة الدولية؛ لأدلل بها على أنه ليس شخصية هامشية في المجريات العالمية. معاول الصمت: يوحنا بولس الثاني، مولود في بولندا، وقد اجتاحت النازية بلاده، مما تسبب في اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومثلما قامت الحرب باجتياح (هتلر) لبولندا فقد انتهت بدخول الجيش الأحمر إليها مخترقاً شرق أوروبا، وأقامت روسيا نظاماً شيوعياً في بولندا كان ركيزة للحلف الشيوعي الدولي المعروف بحلف (وارسو) وليستمر بعد ذلك الوجود الشيوعي في بولندا طيلة ٣٥ عاماً، ولأن الرجل لم يكن دوره المرسوم أن يبقى محبوساً في (قمقم) الرهبنة والانعزال عن السياسة كما هو مشاع عن دور الكنيسة فقد تهيأت أمامه فرصة لإثبات أن الدين ولو كان باطلاً لا يزال عامل دفع وتحفيز للشعوب؛ نصرةً للحق أو ثأراً بالباطل. كانت بولندا منطقة التماسِّ بين المعسكرين العالميين قبل انتهاء الحرب الباردة، وكان لنشاط المخابرات الأمريكية فيها دور ملموس لتحسس أخبار الند الشيوعي عن قرب، وقد أثمر هذا النشاط إبراز الشخصية التلفزيونية اللامعة (ليخ فاونسا) زعيم نقابة التضامن البولندية ذلك الزعيم الذي دفعته إلى مقدمة الأحداث في بولندا ومقدمة الأخبار في العالم (كلمة) من كلمات بابا الفاتيكان. لقد أوقد ذلك (البابا) في هدوء عود ثقاب على أرض بولندا؛ سرعان ما أشعل نيران ثورة عارمة في أنحائها ضد الحكم الشيوعي، وكانت البداية زيارة قام بها إلى هناك بعد سبعة أشهر فقط من تسلُّم منصب البابوية، وعندما هبط من الطائرة في يوم من أيام يونيو عام ١٩٧٩م، انكب كعادته الطقسية على الأرض ليقبلها أمام (الكاميرات) العالمية، فُدقَّت لذلك أجراس الكنائس في كل دول أوروبا الشرقية، ودبت روح من اليقظة الدينية في أوصالها، بدأت في بولندا ثم انتشرت حولها، وأثناء الزيارة أقام يوحنا (قُدَّاساً) أمام نحو ٣٠٠ ألف بولندي كاثوليكي، ألقى فيه خطبة تخللتها الكلمة التي كان لها ما بعدها، لقد قال أمام الحشود: (لا يمكن استبعاد السيد المسيح من تاريخ البشرية في أي بقعة من العالم، من أي خط عرض أو طول، أو شمال أو جنوب، إن استبعاد المسيح خطيئة في حق البشرية) ! وبعد أن انتهى من خطبته دوَّى التصفيق بشكل متواصل مدة عشر دقائق كاملة، وسط ترديد الحضور لأهازيج منظمة يقولون فيها منشدين: (المسيح سينتصر.. المسيح سيملك.. المسيح سيحكم) ثم انفضَّت الجموع حاملة في نفوسها مشاعل الثورة التي قادها حركياً (فاونسا) ونظم لها روحياً ومعنوياً يوحنا بولس الثاني، وقد انتبه لهذا التطور في وقت مبكر الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريجان) الذي شاهد (القدَّاس) من خلال وسائل الإعلام، وعلق وقتها على ما شاهده قائلاً: (إن تحولاً هائلاً يُنتظر أن يحدث في العالم الشيوعي، وإن هذا القداس في قلب وارسو ما هو إلا نقطة البداية) وهذا ما كان بالفعل؛ فقد اشتعلت الثورة في أنحاء بولندا إلى أن انتهت بسقوط الحكم الشيوعي فيها، ثم تساقطت الأنظمة الشيوعية بعد ذلك في دول أوروبا الشرقية طيلة عقد الثمانينيات حتى انتهت بتفكك المنظومة الشيوعية بعد سقوط سور برلين في آخر الثمانينيات، ثم أعقبه تفكك الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات، وقد اعترف آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي (ميخائيل جورباتشوف) بخطورة الدور الذي لعبه بابا الفاتيكان فقال: (يمكن للمرء أن يقول إن ما حدث في أوروبا الشرقية في السنوات الأخيرة، كان مستحيلاً لولا الدور الذي قام به البابا، والمجهود الهائل الذي أداه من خلال الدور السياسي الذي لعبه على الساحة العالمية) [٦] . هذا إذن هو (البابا) وهذه كلماته وهذه خطواته وهذه مخططاته التي لا ندري والحق يقال: هل هي لحساب كنيسته أم لحساب الذين رفعوه لرئاستها بعد الوفاة المفاجئة لسلفه يوحنا بولس الأول الذي مات في ظروف غامضة بعد شهر وثلاثة أيام من تولي منصبه. الكاثوليكية واليهودية.. من يخترق الآخر؟ لو لم تكن عمليات شد الحبال ومحاولات الاختراق المتبادل بين اليهود والنصارى (بروتستانت وكاثوليك) تجري على أرضنا الإسلامية، لما ألقينا لها بالاً، ولا أرعينا لها سمعاً، ولكن لما كانت تلك الصراعات الدينية تتخذ من أرض الإسلام ميداناً في جزء من أقدس بقاعه؛ فإن المسألة يصير لها شأن آخر. إن الصراع القديم بين الكاثوليكية واليهودية قد تواصل حتى العصر الحديث؛ فعندما ظهرت الحركة الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد على يد (تيودور هرتزل) ، اتخذت الكنيسة الكاثوليكية موقفاً مناقضاً ومناهضاً لتلك الحركة، برغم حرص الصهيونية العالمية وقتها على كسب كنيسة روما لجانبها في مشاريعها المستقبلية في المنطقة، أو تحييدها على الأقل. ولكن الكاثوليك ظلوا على موقفهم المعادي لليهود ما داموا باقين على عداوة المسيح وعدم الاعتراف به، وعندما جمع لقاءٌ بين هرتزل وبابا الفاتيكان في زمنه، رفض ذلك البابا وهو (بيوس العاشر) التماس اليهود بالتجاوب مع المطالب الصهيونية باستيطان أرض فلسطين، بل إن (البابا) اشترط على هرتزل صراحة في ذلك اللقاء الذي تم في ٢٥/١/١٩٠٤م، أن يتنصر اليهود أولاً قبل الحديث في أي موضوع يتعلق بالعودة إلى الأرض المقدسة وقال له: (إن بقاءكم على انتظار مسيح غير يسوع يجعلكم باعتقادكم هذا منكرين ألوهية يسوع، ولا يمكننا حينئذ مساعدتكم) [٧] . وقد وجد اليهود الصدر الرحب والأذرع المفتوحة لدى النصارى البروتستانت الذين ساروا معهم على طريق العودة من بدايته، حتى أوصلوهم إلى عتبة الدار، بعد أن بنوها وهيؤوها لهم عبر عقود الانتداب الثلاثة؛ كل ذلك والكاثوليك يرفضون مجرد الاعتراف بهذا الواقع الجديد؛ فعندما صدر وعد بلفور سنة ١٩١٧م على لسان الملكة البريطانية رفضته البابوية الكاثوليكية ولم تعترف به، وعندما أعلنت الدولة في سنة ١٩٤٨م لم تعترف البابوية الكاثوليكية بها، وعندما احتل اليهود القدس ثم أعلنوها عاصمة موحدة أبدية لهم لم تعترف البابوية الكاثوليكية بذلك، وظل الأمر على هذا حتى انتصف القرن العشرون وجاء عقد الستينيات. رياح التغييرات تهب من أمريكا: شهد عقد الستينيات الميلادية وصول أول رئيس من طائفة الكاثوليك [٨] إلى سُدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الرئيس (جون كنيدي) وهو الذي قُتل بعد ذلك ومع بداية ولايته بدأ اللوبي الصهيوني بالتعاون مع رجال دين من الكاثوليك الأمريكيين في الضغط على الرئيس الأمريكي لمطالبة الفاتيكان باتخاذ مواقف مغايرة من الديانة اليهودية والدولة اليهودية، وبالفعل بدأت تلك المساعي تؤتي شيئاً من ثمارها؛ إذ اتخذ المجمع المسكوني النصراني المنعقد عام ١٩٦٢م قراراً بتبرئة اليهود من دم المسيح! ثم بدأ الأمريكيون الكاثوليك في نشر مناخ جديد يطالب بتطبيع العلاقة بين الكاثوليكية العالمية ودولة (إسرائيل) فأصدر القس الأمريكي الكاثوليكي (إدوارد فلا نيري) وثيقة في ١/١٢/١٩٦٩م يطالب فيها الكنيسة الكاثوليكية باتخاذ موقف لاهوتي جديد من دولة (إسرائيل) وطالب بعده الأسقف (أوستريشر) في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز في (٢٦/٥/١٩٧١م) بالاعتراف بحق اليهود في القدس وقال: (إن القدس مدينة يهودية ... أطالب المسيحيين بالاعتراف اللاهوتي بالصهيونية ... ، إن إسرائيل هي تعبير عن إرادة الله) ! ثم تطور النشاط من شكل فردي إلى شكل جماعي، ففي ٢٣/١١/١٩٨٤م وقَّع أكثر من عشرين نائباً كاثوليكياً في مجلس النواب الأمريكي علي رسالة إلى بابا الفاتيكان يطالبونه فيها بالاعتراف الرسمي بـ (إسرائيل) وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها. ومع هذه المساعي المحمومة والمشاعر الحميمة من نصارى أمريكا الكاثوليك، إلا أن اليهود ظلوا يشكون من وجود عثرات كبيرة تعترض مجرى التطبيع بين الكاثوليكية العالمية والصهيونية العالمية وهي: ١- عدم اعتراف الفاتيكان بـ (إسرائيل) باعتبارها دولة. ٢- عدم الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لها. ٣- عدم الاعتذار عن سكوت البابوية الكاثوليكية على جرائم النازية في حق اليهود [٩] أثناء الحرب العالمية الثانية. ٤- عدم إدانة معاداة السامية [١٠] . ٥- عدم الاعتراض على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار الصهيونية حركة عنصرية [١١] . البابا يقيل عثرات اليهود: لقد نصب البابا نفسه لدحرجة تلك الأحجار عن طريق الوفاق التاريخي مع اليهود، وشرع يزيلها الواحدة تلو الأخرى. - أما الاعتراف بدولة (إسرائيل) فقد أعلن باسم الفاتيكان اعترافه الرسمي بدولة (إسرائيل) في عام ١٩٩٣م، ثم أقام علاقات دبلوماسية كاملة معها في عام ١٩٩٤م. - وأما الاعتذار فقد أقر به قبل زيارته الأخيرة وأثناءها؛ فقد قام بوضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري لضحايا المحرقة في متحف (يافا شيم) ، ودعا في كلمة ألقاها هناك إلى إقامة جسور جديدة مع اليهود تعتمد على (الجذور المشتركة) بين الديانتين وقال معتذراً عن المحرقة بلسان فصيح: (إنه لا توجد كلمات تكفي للتعبير عن الأسف على المأساة المروعة التي حدثت ضد اليهود) . - وأما الإعراب عن إدانة معاداة السامية والصهيونية فقد أتى به ضمناً في إطار زيارته لتل (صهيون) حيث ألقى كبير حاخامات (إسرائيل) كلمة أمام (البابا) أكد فيها على أن القدس هي العاصمة الأبدية الموحدة لدولة (إسرائيل) ولم ينبس (البابا) ببنت شفة اعتراضاً على هذه العبارة التي قيلت بمناسبة استقباله؛ فهل يطمع البابا بهذه (العطايا) أن يصل في النهاية إلى كسب اليهود تمهيداً لتنصيرهم في آخر الأمر ليحقق نبوءة تنصرهم قبل عودة المسيح ... ؟ ربما، أم هل يريد أن يشكل تحالفاً غربياً كاثوليكياً ينافس التحالف البروتستانتي في السيطرة على العالم؟ قد يكون. على أي حال فقد جمع كبير الكاثوليك في تلك الزيارة كل ما في جعبته لإهدائها لليهود حتى أقر أعينهم وأجرى الثناء على لسان كبيرهم (باراك) الذي وصف الزيارة بأنها (رحلة التداوي التاريخية) وقال: (إن البابا أسهم بشكل كبير في تحقيق تغيير تاريخي في اتجاه العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل) . هذا ما قدمته البابوية الكاثوليكية لليهود؛ فماذا أعطت المسلمين والعرب والفلسطينيين؟ ! الجواب بمعيار الحقيقة لا الزيف أو الدعاية: لا شيء [١٢] ! إذن فماذا أُعطي البابا في بلاد المسلمين؟ ! والجواب: أُعطي الكثير. ومع قليل من هذا الكثير هذه بعض الإشارات (والإشارة تغني عن العبارة) : - فُتحت أمام (البابا) أكبر فرصة تبشيرية تنصيرية تكفيرية في التاريخ، عندما هُيئت أمامه كل الإمكانات لإقامة أكبر (قدَّاس) عالمي متنقل خارج مقر البابوية؛ حيث أذيعت شعائره وصلواته ودعواته على العالم أجمع عبر الفضائيات حية على الهواء، وتمكنت دعوة الشرك والخرافة والدجل أن تسمع الدنيا كلمتها، دون أن تسمع في مقابلها كلمة واحدة باسم دين الحق والتوحيد؛ حيث استُبعِدَ خطاب الدين في الكلمات الرسمية على المستوى العربي كالعادة بينما حفلت الكلمات الرسمية اليهودية والنصرانية في المناسبة بكثير من المعاني الدينية الصريحة. - أهديت في الزيارة وقبلها، هدايا تذكارية، تجعل من (الصليب) تحفة فنية أو أثرية مهداة، وفي هذا ما فيه من اعتراف صريح بأن لهذا الوثن نصيباً من قيم الحق، ومن ذلك ما سمي بـ (صليب بيت لحم) الذي جعل وشاحاً لتكريم الضيوف يُحمل على الصدور! - سُمعت كلمات (كبيرة) من شخصيات كبيرة القولُ منها تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً؛ ومن ذلك ما سمعته بإذني من أحدهم وهو يقول في كلمة نقلتها الإذاعات: (يا قداسة البابا: نحن هنا مسلمين ومسيحيين ويهوداً أبناء الله الذين اختارهم للعيش في هذه الأرض) ! وقول آخر: (إن شعبنا يؤمن بتعاليم القرآن والإنجيل معاً) ! ! ... أي بالشرك والتوحيد معاً؛ لأن (البابا) ومن معه لا يعرفون شيئاً عن الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام! - أتيح لـ (البابا) أن يتيه فخراً، ويتبختر فرحاً وسط جموع ممن يُفترض أنهم (رموز الإسلام) عندما اصطفت كوكبة منهم بزيهم الرسمي صفوفاً على الجانبين لاستقباله بالتصفيق الحار، حتى أصابه الاندهاش؛ فقال لأحد مضِّيفيه: (هذا يوم لن أنساه أبداً إنه هدية من الرب) ! وحُقَّ له أن يفرح بتصفيق (الرجال) حملة دين التوحيد ابتهاجاً بقدوم حامل لواء الشرك! - غرر بالبسطاء من عامة المسلمين وخاصة الأطفال الذين أُخْرِجَ الآلاف منهم لتنظيم المهرجانات الاحتفالية من المدارس النصرانية التي عامة طلابها من أبناء المسلمين؛ حيث رفع بعضهم لافتات مكتوب عليها: (أيها البابا إننا نحبك) وردد بعضهم هتافات تقول: (مرحباً بقدوم ملك السلام) والمقصود عيسى لا بولس! - ظهر اعتزاز طوائف الكفار على اختلاف مللهم بأديانهم؛ في مقابل هوان الدين على بعض المسلمين؛ حيث رفض بابا الأقباط مثلاً الذهاب بنفسه لاستقبال (بابا) الفاتيكان في المطار؛ وأصر أثناء زيارة بابا الفاتيكان له في مقره أن يجلس أتباع كنيسته من القسس صفوفاً في مواجهة قسس الكاثوليك بشكل نِدِّيٍّ مستقل، بينما رُتِّبَ اللقاء الإسلامي مع (البابا) ووفده بحيث يجلسون جنباً إلى جنب بشكل تبادلي. - أما المغزى السياسي الذي أظهرته الزيارة والذي يدخل ضمن ما قدمه العرب لـ (البابا) ومعه اليهود فهو طمأنتهم بأن قضية الأرض المقدسة تضاءلت وانكمشت من قضية إسلامية عالمية إلى قضية عربية قومية، ثم إلى قضية (سلطة) وطنية.. ثم إلى قضية (لجنة) إشرافية تشارك فيها شخصيات علمانية ونصرانية مع آخرين من حاملي الجنسية الإسرائيلية، لا يعرف أكثرهم القدس والأقصى إلا جزءاً من التراث أو (الفلكور) الفلسطيني، أو أنها شيء للبركة لا تزيد عن (البركات) الملتمسة بمصافحة (البابا) . - أما أكبر الهدايا التي حباها أحباء (البابا) إليه فهو تحقيق أمنيته الغالية عنده وعند النصارى جميعاً بأن يبدأ (الألف السعيد) بداية سعيدة تبشرهم بأن العالم مهيأ بالفعل للاستجابة لأي ناعق كذاب يقول شيئاً باسم الإله، أو ابن الإله، فلا تجد من القطعان البشرية إلا الهتاف والتصفيق حتى لو كان ذلك في عقر ديار المسلمين! إنه اختراق من نوع آخر؛ فمنذ قرن من الزمان أو يزيد، والساحة خاوية أمام كل صنف من الأعادي الذين تمالؤوا فأسقطوا خلافتنا الإسلامية ثم أقاموا أحلافهم الاستعمارية الصليبية وعايرونا وتفاخروا علينا بأن لهم (بابا) والمسلمون لا بابا لهم..! ! ونحن منصورون بالله عليهم إن استقمنا فالله مولانا، والكافرون لا مولى لهم.

стр. 3468

المسلمون والعالم زيارة البابا لـ (مصر) دلالات وأبعاد محمد أحمد منصور رفض شنودة استقبال بابا الفاتيكان في المطار لكونه مماثلاً له، وحتى لا يعني ذلك الاعتراف بأحقية بابوية روما على بابوية الإسكندرية! في تعليق البابا على كلمة الترحيب التي ألقاها فضيلة شيخ الأزهر وتحدث فيها عن «تكامل الثقافات والأديان» ارتجل البابا كلمة بالإنجليزية؛ حيث قال: «إن الإسلام أصبح ثقافة؛ والمسيحية كذلك، إنني مقتنع بأن مستقبل العالم يعتمد على الثقافات باختلافها وعلى الحوار بين الأديان. إنني أشكر هؤلاء الذين يطوِّرون الثقافة الإسلامية» ! ! ويبدو أن بابا الفاتيكان [*] لم يكن متصوراً أن الحفاوة به ستصل إلى هذا الحد من الإكرام البالغ. لقد كان فضيلة شيخ الأزهر في استقباله في المطار مع بعض مسؤولي الأزهر، ونزل على رغبة مرافقيه في تنظيم استقباله بالأزهر، ومكان الجلوس وطريقته، ونوع الهدية التي ستقدم له. لكن كل ذلك يصغر في جانب ما قاله فضيلة شيخ الأزهر من معان طالما انتظرها البابا من مثله. فالإسلام أصبح ثقافة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وفق المنظور الغربي! ولعل مثل هذه العبارة المرتجلة تعبر عن فحوى الزيارة الأولى له إلى مصر، والأولى له في هذه الألفية والتي تأتي على ضوء المستجدات على الساحة العالمية والإقليمية والمحلية تحمل في طياتها معضلات كثيرة؛ فعلى الساحة العالمية تطمح أوروبا إلى تبوُّؤ مكانة عالمية مشكِّلَةً قطباً آخر منافساً أحياناً ومكملاً في أحيان أخرى، ومع سعي أوروبا نحو أن يكون لها هوية متميزة فإنها تفضل عالماً أكثر كاثوليكية في مقابلة الهيمنة الإنجيلية الأمريكية. ومما يكشف بعضاً من هذا التوجه هو التردد البريطاني بين الولاء الديني الإنجيلي والانتماء الجغرافي لأوروبا، وهذا الأمر يؤكد أن المسألة الدينية عادت بشكلٍ سافرٍ لتفرض نفسها على خريطة السياسة الدولية. أما على الساحة الإقليمية فإن المنطقة تشهد مخاضاً يحدد معالمه طبيعة التنافس بين المشروع الأمريكي الشرق الأوسطي، والمشروع الأوروبي البحر متوسطي وحجم ذلك التنافس؛ مع استبعاد للمشروع الحقيقي لهوية المنطقة (الإسلامي) والمشروع المرحلي الماضي (العربي) ؛ ولهذا فإن هناك تسابقاً من الطرفين المتنافسين ومن الطرف الثالث (الضحية) ومن الطرف الرابع (الضيف الصهيوني) كل منهم نحو ما يراه يخدم مصالحه؛ فالعرب يريدون بقاء ما كان على ما كان حماية لمصالحهم، و «إسرائيل» تريد هيمنة مطلقة برعاية أمريكية، وأوروبا لا تكف عن طلب دور لها في ظل طلب عربي متكرر لمشاركة أوروبية في عملية السلام. ولكن كِلا المشروعين يتفقان من جهة المنظومة القيمية المطروحة للمنطقة سواء في شقها الأمني أو الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي؛ أما الخلاف فعلى الأسلوب وتحقيق المصالح الذاتية. ومن ثَمَّ بات واضحاً أن هذه المنطقة المستهدفة تتعرض لألوان من الضغوط وقدر كبير من المزاحمة الثقافية والأيديولوجية والعرقية والدينية حتى يمكن فرض المنظومة السابقة وتغيير هوية المنطقة لصالح «إسرائيل» . ولعل ما تتعرض له مصر بالأخص بشأن المسألة القبطية بوصفها أحد أعقد التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع في آن واحد بالإضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية لعل ذلك هو الذي فتح الباب واسعاً أمام زيارة البابا بعد أن أخفقت النخبة ذات الولاء العلماني والموروث الماركسي في تفكيك الأزمة حتى بات التعبير الأقرب هو أن هناك «أزمة في إدارة الأزمة» ومن ثم وجدت الدولة نفسها أمام منعطف جديد يعبر عن مرحلة جديدة لم تجد بداً أمامها من تقديم عدد متوالٍ وغير متوقف من التنازلات! هذه الخطوة رحب بها أحد المثقفين الأقباط «ميلاد حنا» طالباً المزيد حيث قال: «إن مبادرات البابا ونقل زيارته عبر التلفزيون الوطني أدى إلى بروز أجواء جديدة في مصر» ، وقال أيضاً: «إن الحوار بين المسيحيين والمسلمين في مصر سيأخذ من الآن فصاعداً منحىً جديداً» [١] . السلام.. والألفية ومبعوث العناية الإلهية: يعتقد النصارى أن سعيهم لتحقيق السلام هو تمهيد لمجيء المسيح [٢] الذي يربطونه بحلول الألفية الثالثة، وسبيلهم إلى ذلك هو نشر ثقافة السلام ومحاولة إلغاء (أو إيقاف) سُنَّة التدافع وتغييب الوعي بالذات وبالآخر، والتي تعني إلغاء حقائق شرعية كالجهاد والولاء والبراء وتجريم كل صور ممارستها. ويتم هذا عبر آلية متكاملة وواضحة بدءاً بالتعليم والإعلام، ومروراً بالدساتير والقوانين وترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانتهاءاً باختراق المؤسسات الدينية من خلال الحوار أو بالرموز العلمانية. هذه الآلية هي التي أفرزت الواقع المرير الذي يحياه الجميع الآن، والذي حتم على الكثيرين فرضية الصمت فَرَقاً من تداعيات جديدة أو طلباً لسلام اجتماعي هش. لمحات من الزيارة: الزيارة التي بدأت ظهر الخميس ٤٢ فبراير كانت قد بدأت قبل أكثر من عام على صفحات الصحف ووسائل الإعلام؛ لتهيئة الرأي العام لذلك، لكن اللافت للنظر هو الزيارات التي تقدمت زيارات البابا مباشرة؛ حيث زار كل من الرئيس الإيطالي والألماني القاهرة وعدة عواصم أخرى فيما يفهم منه أنه تهيئة لزيارة البابا للمنطقة التي استهلها بالقاهرة؛ حيث استقبل استقبالاً رسمياً فوق العادة؛ إذ كان في استقباله رئيس الدولة وستة وزراء وشيخ الأزهر وذوو مناصب أخرى قيادية. وخارج المطار اصطف طلبة المدارس الكاثوليكية التي يبلغ عددها في مصر ١٧٠ مدرسة غالب أبنائها من المسلمين! رافعين الأعلام والصور. وكانت أول فقرة في برنامج الزيارة هي توجهه إلى الكاتدرائية الأرثوذكية؛ حيث استقبله بابا الأقباط شنودة الثالث. وأنشد له الكهنة لحنيْن: «أو بورو» أي «يا ملك السلام» ، و «أفلوجو مانوس» أي «مبارك الآتي قبل الرب» [٣] . وقد حرص الطرفان على إلغاء أي دلالة رمزية حيث تساوت الكراسي التي يجلس عليها القسس والكهنة من الطائفتين، وتساوى الكرسيان اللذان يجلس عليهما البابوان في الشكل والحجم. ويشار أيضاً إلى أن شنودة رفض الذهاب إلى المطار؛ لأنه يعد الخروج نوعاً من الهرولة من رمز إلى رمز كلاهما متكافئان وكي لا تهتز صورته أمام شعبه وتفسر على أنها نوع من الاعتراف بأحقية روما عن الإسكندرية! ويشار أيضاً إلى أن البابا قد صحب القيادات الكاثوليكية في المنطقة العربية إلى جانب الوفد الفاتيكاني والمصري حيث صحبه بطريرك اللاتين (القدس) وبطريرك الأرمن (لبنان) والموارنة (لبنان) والسريان (سوريا) والكلدان (العراق) . ثم قام بزيارة مقر الأزهر؛ وكان كل شيء خلال هذه الزيارة يوحي بالتكافؤ على خلاف زيارة الكاتدرائية الكاثوليكية! سواء شكل الجلسة التي جاءت على التوالي لا التوازي؛ حيث كانت عبارة عن: شيخ فقسيس ثم شيخ فقسيس وهكذا. أما عبارات الترحيب التي خلطت الأوراق فلا هي تعبيرات بالأصالة عن موقف الإسلام ولا هي بالوكالة حيث لم تَرْقَ إلى مستوى التعبير الدبلوماسي، ولكن جاءت عباراته هكذا أقرب إلى الشعبية التي لا يرتضيها كثير من العوام. وقد تجاهل البابا زيارة كنيسة الروم الأرثوذكس التابعة لليونان (والتي تعرف بكنيسة القسطنطينية) نظراً لرفض الكنيسة صلاة البابا داخل دير سانت كاترين التابع لها. وفي صباح الجمعة فيما يشبه الحلم وجد البابا نفسه يقيم (قداساً) في ملعب رياضي في عاصمة إسلامية (١٧ مليون) يحضره ٢٠ ألف كاثوليكي إلى جانب ١٥٠٠ من المسلمين غالبهم ممن تربى في المدارس النصرانية أو من الفضوليين! وعلى مقربة من جامعة الأزهر؛ وقد تم نقل القداس عبر التلفزيون المصري على الهواء مباشرة. ويذكر أن القداس أقيم بسبع لغات: القبطية القديمة، والأرمنية القديمة، والعربية، والإنجليزية، والإيطالية، والبولندية، والفرنسية التي وجه فيها البابا نداءه من أجل التقارب بين النصارى. وقد ألّف صلاة عن السلام، وانتهى القداس قبيل صلاة الجمعة! وقد لاحظ عدد غير قليل من الناس أن البابا والوفد الفاتيكاني المرافق له يرتدون ملابس بيضاء بينما يرتدي كرادلة الأقليات الكاثوليكية في البلاد الإسلامية السواد (ترى لماذا؟) . وفي عصر اليوم نفسه انتقل إلى كنيسة العذراء ليقيم فيها صلاة ويرأس لقاءا ً مع وفد قبطي أرثوذكسي بقيادة شنودة الثالث. وقد أكد فيه البابا على ضرورة توحد المؤمنين بالمسيح! تحت راية واحدة، وشدد مراراً على ذلك وكرر: «علينا أن نغتنم الوقت!» . وقد سئل شنودة بعد الزيارة عن مدى التقدم الذي طرأ على العلاقات، فجاء رده حاسماً وفي اتجاه واحد: «الحوار بين الأديان والطوائف يكون في إطار التعاون المشترك لكنه لن يدخل في العقيدة الدينية كما يتصور البعض» [٤] . مثل هذا التصريح وغيره من المواقف تعكس حجم الصراع الدائر بين الكنائس؛ حيث حاولت الحكومة أن تنفذ من خلاله للتهوين من ادعاءات بعض الأقباط التي لا تنتهي أمام العالم، ولكن القيادة الفاتيكانية ليست بهذه السذاجة؛ فهي تحاول الموازنة لتحقيق مكاسبها دون مقابل وهذا يجعل الأمر بين فكي رحى. وفي صباح السبت توجه إلى سيناء حيث دير القديسة كاترين التي ركع البابا عند قبرها، غير أنه لم يتمكن من إقامة صلاته داخل الدير، وأقامها بحديقة بجانبه فيما قيل عنه إنه حج على خطا موسى ﵇، حيث تلقى الوصايا العشر والعائلة المقدسة التي آوت إلى مصر. وصلى البابا أيضاً لتتويج الحوار المسكوني مع الكنيسة الأرثوذكسية ثم عاد بعدها إلى روما مروراً بالقاهرة. دلالات: ثمة دلالات حاول البابا جاهداً وأعوانه أن يؤكدوا عليها في ثنايا أحاديثهم كلها تشير إلى زحزحة الهوية الإسلامية والعربية لمصر وإشراك الهوية النصرانية معها؛ وهذا ليس في مصر وحدها وإنما في كل الدول التي شارك كرادلتها البابا في زياراته. وهو إجراء وقتي يسمح بعد حين بما هو أكثر. - ومن ذلك ارتباط زيارة البابا على أعتاب الألفية الثالثة والتي ترتبط في أذهان نصارى العالم بأحداث مستقبلية معينة. - تسمية رحلة البابا إلى هذه البلاد حجاً بما يسمح بتكرارها سنوياً؛ حيث زعموا ارتباطها بنبي الله موسى ﵇ وبـ (الأسرة المقدسة) . - التأكيد على أن النصرانية خرجت إلى العالم من مصر. - قوله: «مصر هي أرض القديس أنطونيوس وهي معقل الدراسات (المسيحية) ولعبت دوراً عظيماً في الحفاظ على الثقافات والعقائد الخاصة بالكنيسة» ولسوف أتذكر كلمات البابا شنودة الثالث الذي قال: «إن مصر ليست بلداً نستوطن فيه إنها أرض تعيش فينا» [٥] . - الإشادة بتراث مصر النصراني مذكراً بأنه البلد [٦] الذي نزلت فيه الوصايا العشر على موسى ﵇ ولجأت إليه عائلة المسيح ﵇ وانطلق منه تقليد إنشاء الأديرة. - البدء بزيارة الكاتدرائية القبطية قبل زيارة الأزهر مع أن قواعد البروتوكول تقتضي العكس! - ما أشير إليه قبيل الزيارة من حج روحي إلى «أور» مسقط رأس الخليل إبراهيم ﵇ وإظهار التعاطف مع شعب العراق يعلم حقيقته المطلعون على حجم النشاط التنصيري داخل العراق اليوم. والبابا هنا يريد أن يحرك مشاعر مليار كاثوليكي في العالم للضغط على الحلف الإنجليكاني للسماح بدخوله مشاركاً في اللعبة. وتساؤلات أيضاً: وهي تساؤلات تفرض نفسها: - هل تعد مثل هذه التصريحات مستنداً لتدريس التاريخ القبطي وإقامة أقسام له في الكليات، خاصة أنه في وقت كتابة هذا المقال يقام مؤتمر حول «علم المصريات» وستطرح مثل هذه القضية للنقاش من خلاله، والمتوقع أن تقر هذه المطالب في الوقت الذي تتقلص فيه دراسة التاريخ الإسلامي لصالح التاريخ الحديث والتاريخ الفرعوني وهكذا سيضاف إلى شخصية مصر عنصر آخر هو البعد القبطي! [٧] . - هل ستعطى صلاحيات أوسع للمؤسسات النصرانية سواء التي تمارس الدور التنصيري الصريح، أو التي تمارس أدواراً أخرى لا تقل خطورة، خاصة في ظل فكرة المجتمع المدني وإلغاء سيادة الدولة [٨] ؟ - هل هناك علاقة بين زيارة البابا وإلغاء القرار الهمايوني من قبل وبين النقل التلفزيوني أسبوعياً قداس الأحد على الهواء؟ - إلى أي حد سيخدم الفاتيكان بالوكالة مصالح الحكومة المصرية؟ وإلى أي حد سيخدم المشروع الشرق أوسطي والأوروبي اللذين يصبان في صالح الأقباط. فإلى الذين لا يقرؤون الآيات: تدبروا ما تطلعون عليه من التصريحات، وكما قال البابا: علينا أن نغتنم الوقت! حيرة: حوار أم تحوير؟ ! الحيرة والتحوير والحوار أصبحت متقاربة الدلالات في ظل ما يدار بهدف إزالة الحاجز النفسي لدى المسلمين ضد أوروبا النصرانية صاحبة الأيادي الحمراء التي تتبنى الهدف نفسه ولكن بأساليب أكثر نفاذاً وأقل تكلفة في حوارات وما هي بحوارات! وعلى حد تعبير أحد السياسين: «ليس هناك حوارات حضارية وثقافية في أذهان الغرب! ! ولكنه صراع مخطط الأدوات والأهداف والمراحل» . في عام ١٩٩٥م اتخذ المجمع الفاتيكاني الثاني قراراً بفتح مجالات الحوار مع الإسلام واليهودية، وامتد الحوار ليشمل حوارات الأديان الوثنية مثل البوذية، بل والماركسية أيضاً، وفي عام ١٩٩٦م عقد مؤتمر عن الحوار بين الأديان تحت رعاية الأزهر بالقاهرة، وفي مايو ١٩٩٨م عقد اتفاق ثنائي وقع عليه وكيل الأزهر (الشيخ فوزي الزفزاف) ورئيس المجلس الأسقفي (أرينزي) لإقامة لجنة دائمة بين أعلى هيئة للكاثوليك في العالم (الفاتيكان) وأعلى هيئة إسلامية (الأزهر) وقيل إنها تهدف إلى دعم مبادئ العدالة والسلام واحترام الأديان السماوية [٩] . وهنا سؤال جدير بالطرح: هل يعترف الفاتيكان بالإسلام باعتباره ديناً سماوياً؟ ! إن العبارات المنتقاة بدقة للبابا عن الإسلام لا تحمل أي اعتراف بكونه ديناً سماوياً، ولا تحمل اعترافاً بفضل الإسلام على أوروبا؛ حيث نوَّه بدور الإسلام الذي جاء بالعلم والمعرفة والذي أثَّر تأثيراً كبيراً على العالم العربي وإفريقيا. وهي عبارة تحمل قدراً كبيراً من الالتواء. وقد جاءت الزيارة الأخيرة لتعطي دفعة جديدة لذلك الحوار؛ فستعقد ندوة بين كلية أصول الدين في جامعة الأزهر وإحدى الجامعات الكاثوليكية؛ وقد تتحول هذه الندوة إلى مركز دائم للحوار داخل جامعة الأزهر التي أصبحت مأوى لكثير من المنظمات المشبوهة مثل مركز الصحة الإنجابية التابع لمؤتمر السكان. وأخيراً نختم المقال بعظة للبابا تحتاج إلى مزيد تأمل في ظل ما يقع من أحداث: «إن الوصايا العشر ترسم طريقة حياة مفعمة بالإنسانية لا يوجد خارج هذه الوصايا مستقبل مشرق، ولا سلام للأشخاص والمجتمعات والأمم» [١٠] . وأخشى ما أخشاه أن يقترب اليوم الذي يُطْلَبُ منا تطبيق هذه الوصايا في واقع الحياة!

стр. 3469

المسلمون والعالم الأحداث الأخيرة في نيجيريا الخلفيات والحقائق بلال عبد الله نيجيريا من أكثر البلدان الإفريقية عرضة للتقلبات السياسية؛ حيث وقعت بها كثير من الأحداث والانقلابات التي شغلتها وشغلت معها القارة بأسرها. ومن المعلوم أن الاستعمار الإنجليزي دخلها وفيها آنذاك ممالك إسلامية متعددة، وكان ذلك عن طريق المكتشفين ثم المنصِّرين، وبدأ الإنجليز يقنعون الأمراء المسلمين (الفولانيين) في الشمال بقبول الحماية البريطانية بحجة أن الألمان في الشرق والفرنسيين في الغرب والشمال يهددون دولتهم، ومع التعهد لهم ببقائهم أمراء في نواحيهم، وفي عام ١٩٠٠م أعلنت بريطانيا قيام محمية نيجيريا الشمالية وعين السير (فريدريك لوجارد) مندوباً سامياً، وأرسلت الحملات العسكرية ضد الأمراء الفولانيين الذين رفضوا توقيع اتفاقيات معهم، وفي عام ١٩٠٣م تم احتلال (كانو) و (سوكوتو) ولم تقع (بورنو) في حوزتهم إلا عام ١٩٠٦م، واستلم الإنجليتز الحكم مساعدين للأمراء الفولانيين، ثم أدمجت المحمية الجنوبية بمستعمرة لاجوس، وأبقت بريطانيا الإمارات الإسلامية في الشمال مع إيقاد الخلاف بينها. وفي عام ١٩١٤م حكم (لوجارد) نيجيريا الشمالية والجنوبية وجعل منها محمية إنجليزية، وأفقدوا الإمارات الإسلامية استقلالها وجعلوها أداة طيعة في أيديهم وقام الإنجليز بتنصير الوثنيين وبعض المسلمين، وعلموهم ومكَّنوهم من سدة الحكم. وفطن المسلمون للمؤامرة فعلَّموا أبناءهم وقاوموا الاستعمار الإنجليزي. وسكان نيجيريا عموماً (حوالي ١١١ مليون نسمة) ويختلفون من حيث الدين والجنس واللغة والعادات. ويمثل المسلمون ٧٦% من السكان والنصارى ٢٠% والباقي نصارى ووثنيون. والنيجيريون عدة قبائل هي: ١- اليوربا: ويعيشون في الجنوب الغربي، وكانوا وثنيين، والمسلمون فيهم أكثر من النصف والباقي نصارى ووثنيون. ٢- الإيبو: في الشرق وهم بالنسبة لليوربا متخلفون، وبدؤوا حديثاً بتنظيم القرى والهيئات الاجتماعية، وانتشرت فيهم النصرانية من طريق المنصِّرين، وأسلم لله الإيبو لكن لم يجدوا من يعلمهم الدين الصحيح سوى الصوفية من القادرية والتيجانية. ٣- الهوسا: وأكثرهم في الشمال وهم ليسوا جنساً قائماً بذاته إنما هو اصطلاح لغوي يطلق على الشعوب التي تتكلم لغة الهوسا، كانوا وثنيين قبل أن يتحولوا إلى الإسلام على يد الفولانيين وهم عدة أمارات يحكمها ملك أو أمير يعاونه بعض الوزراء، وهم يعملون بالتجارة لكنهم متأخرون وتنتشر بينهم الصوفية التي ترى إبقاء التصوف سائداً بينهم لتضمن انقيادهم لها. ٤- الكانوري: في الشمال الشرقي وهي قبائل متمسكة بدينها، ولها طلاب يدرسون في الأزهر، وهم خليط من العرب والحاميين والزنوج، ومن أشهر قادتهم الداعية الإسلامي المعروف: (عثمان بن فودي) . ٥- الفولاني: وهم أصلاً من صعيد مصر وفدوا لتلك المناطق وحكموا مملكة (تكرور) ثم تغلب عليهم التوكلور. اتجهوا للشرق حيث يقيم الهوسا، وكانوا قبائل صغيرة وحَّدها الشيخ عثمان بن فودي، وجعل منهم قوة محاربة تسيطر على منطقة واسعة. أخطر الأحداث ضد المسلمين: وأشهر الأحداث الدامية ضد المسلمين في نيجيريا يوم كان المسلمون يقودون الحكومة الاتحادية، فبدأت الإشاعات ضدهم؛ بأنهم زيفوا إحصاء ١٩٦٣م حيث سيطر الشماليون على البرلمان الاتحادي. وفي فجر ١٥يناير ١٩٦٦م تحركت مجموعة عسكرية نحو منزل الشيخ (أحمد بيللو) بعد عزله القائد العسكري (جوشون ايرونسي) ووضْعِ قائد مسلم بدلاً منه، فهوجم بيت الشيخ بالقنابل وانتزعوه من فراشه هو وزوجته وأطلقوا عليهما النار، وتركوا بيته طعمة للنيران. وفي لاجوس العاصمة خُطِفَ (الشيخ أبو بكر تفاوا بليوا) رئيس الوزراء الاتحادية، ووزير المالية النصراني (فستسوس أوكوني) المتهم بممالأة المسلمين وقتلوهما بعد أيام من الانقلاب الذي قام به (ايرونسي) . وقابل النصارى الانقلاب في كل أنحاء العالم بالابتهاج والفرح. أما المسلمون فقد سادهم الصمت عدا (مظاهرة إسلامية ضخمة في السودان) لكن ايرونسي النصراني عوقب بانقلاب نصراني آخر قاده (يعقوب جودن) وهو من مسلمي الهوسا المتنصرين، وتوالت الانقلابات العسكرية؛ ومع أن بعضها قام به ضباط مسلمون إلا أنهم (علمانيون) لم يقيموا للإسلام وزناً. لكن المسلمين بذلوا جهوداً في تنظيم صفوفهم وجمعياتهم ومدارسهم وجامعاتهم إلا أنهم أقل مستوى من النصارى، وتسود بينهم الطرق الصوفية المشار إليها آنفا [١] . ماذا حدث مؤخراً في نيجيريا؟ الدعوى التي قامت بها بعض الولايات المسلمة من تبني تطبيق الشريعة الإسلامية أثارت ردود فعل غاضبة من النصارى؛ فما أسباب هذه الأحداث؟ أولاً: هناك توجُّهٌ في الجزء الشمالي من نيجيريا نحو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في حدود ما يسمح به الدستور على مستوى الولاية؛ حيث إن نيجيريا تعتبر دولة اتحادية؛ فهنالك قوانين اتحادية وأخرى ولائية. فحاولت بعض الولايات في حدود سلطانها تطبيق الأحكام الشرعية. وكانت البداية ولاية زمفرا وهي ولاية حديثة اقتطعت من ولاية سكتو حاضرة المملكة الإسلامية التي أسسها الشيخ عثمان ابن فودي. وقطعت ولاية زمفرا شوطاً في ذلك. وهذه الخطوة شجعت المواطنين والمهتمين في ولايات كثيرة للمطالبة بالتأسي بزمفرا في تطبيق أحكام الشريعة. واستجابة لهذه الرغبة أعلنت بعض الولايات نيتها لتطبيقها، وبعضها كَوَّن لجاناً لدراسة الأمر ومن ضمنها ولاية كدونا. ومدينة كدونا تعتبر مدينة قديمة وعاصمة للشمال في عهد الإنجليز وحتى بعد الاستقلال، وهي من أهم المراكز التجارية والصناعية بعد كنو، وأكبر مركز عسكري وسياسي في الشمال، وبها المصفاة الرئيسة في البلاد. وهنا ثارت حفيظة النصارى وكتبوا وصرحوا أنهم سيعملون على إسقاط مشاريع تطبيق الشريعة، وعندما شعروا أن هنالك خطوات كبيرة ربما تتخذ خططوا للتعبير عن معارضتهم، فكانت تلك الأحداث والمظاهرات التي نتج من جرائها تدخل الشرطة والجيش للحفاظ على الأمن الوطني العام. ثانياً: وقائع حادثة كدونا وما تبعها من أحداث: في يوم الأحد ١٦/١١/١٤٢٠هـ الموافق ٢٠/٢/٢٠٠٠م وكالعادة اجتمع النصارى في كنائسهم واستمعوا إلى مواعظ رؤسائهم وخططوا للخروج يوم الاثنين صباحاً ١٧/١١/١٤٢٠هـ الموافق ٢١/٢/٢٠٠٠م في مظاهرة سلمية كما يقولون للاحتجاج على تطبيق الشريعة في الولاية. وبعد أن سلموا مذكراتهم لنائب حاكم ولاية كدونا وهو نصراني؛ حيث كان الحاكم خارج البلاد للعلاج وهو مسلم، خرجوا إلى السوق؛ وفي الطريق أخذ النصارى يضربون كل من لم يتجاوب معهم في مطالبهم وهي كالآتي: ١- يطالب المسلم بقول: (- NO WAY TO SHARI DOWN TO SHARI) أي لا، للشريعة - لا سبيل لتطبيق الشريعة. ٢- العبث من قبل المتظاهرين رجالاً ونساء بلحية من لقوا من المسلمين الملتحين، ثم يطالب بما يغيظه من الكلمات. ٣- مطالبة المسلم بخلع القلنسوة التي تعتبر من علامات المسلم. ٤- التغني بأناشيد النصارى، وترديد بعض كلماتهم مثل: ALLELUYA كلمة تقال عند تبجيل إلههم. ٥- حمل أوراق الأشجار في اليد أو تعليقها على السيارة ليكون دليلاً على رضا من فعل ذلك بما هم يطالبون به وهو عدم تطبيق الشريعة. وإلا فإنه يتعرض لأنواع من العذاب. هذا وغيره من أمور لا يرضى بها المسلم لنفسه مهما كان ضعيف الإيمان، وجزاء من يرفض شيئاً مما سبق ذكره ضربٌ حتى الموت، ومن فعله ينجو منهم سالماً. وبالإضافة إلى هذا فإنهم كتبوا في ألواح يحملونها في أيديهم عبارات تدعو للفتنة مثل: RIP SHARIA IS DEAD IN KADUNA. JESUS ONLY أي ما معناه: ماتت الشريعة في كادونا، وقد تولى المسيح. وقد واصل النصارى عملية الضرب والاستهزاء بالدين إلى أن وصل الأمر بهم إلى إحراق بيوت المسلمين وممتلكاتهم وكذا دكاكينهم ومتاجرهم، فكأنهم يريدون إجلاء المسلمين من المدينة حتى تخلو لهم وتصبح مدينة للنصارى وللنصارى فقط، حتى وصلوا إلى السوق، وبدؤوا في إحراق السوق وقتل المسلمين وإحراقهم وإحراق مساكنهم، واستخدموا السلاح الأبيض والسلاح الناري بالإضافة إلى العصي وحرق الناس في البيوت بالبترول. وكانت لهم الغلبة في الفترة الأولى من الساعة العاشرة صباحاً تقريباً وحتى الظهر. ثم نظم المسلمون أنفسهم وأعادوا لهم الكرة وكانت الضربة قاسية واستمرت طوال ليلة الثلاثاء وكل يوم الثلاثاء أي اليوم التالي وكذلك جزءاً من ليلة الأربعاء. وفي يوم الأربعاء تم احتواء الوضع من قِبَلِ الجيش وقوات الشرطة إلا من أحداث متفرقة. وكانت النتيجة عدداً كبيراً من القتلى قُدرت من قِبَل الحكومة بخمسمائة شخص. ولكن الذين شهدوا الأحداث يقولون بأن قتلى الأحداث قد يصل عددهم إلى أكثر من ألفي شخص. وهذا غير الجرحى الذين يتلقون العلاج الآن في المستشفيات. كذلك فرَّ عدد كبير من الناس من كدونا إلى مدنهم الأصلية أو القرى المجاورة. وأما عن الخسائر المادية فكانت كبيرة جداً وبخاصة المنازل والأسواق والسيارات وبعض محطات الوقود والمساجد والكنائس. وحسب تقييم كثير ممن نثق فيهم ممن شهدوا الأحداث أن المسلمين قد كسبوا الجولة رغم الخسائر التي تكبدوها في الممتلكات، ورغم أنهم كانوا على غير استعداد عندما غدر بهم النصارى. ثم تبع ذلك أحداث انتقام من المسلمين في مناطق الإيبو نتيجة ما رأوا من جثث أقاربهم الذين تم نقلهم إليهم في الجنوب الشرقي وبالتحديد في مدينة أبا وواري؛ حيث قُتل أعداد كبيرة من المسلمين وحرقت مساجدهم وممتلكاتهم. والمسلمون في تلك المناطق قلة. كذلك لم ينجُ النصارى ممن جذورهم من الشمال في تلك المناطق من القتل؛ حيث يعتقد الإيبو أنهم سبب هذه الفتنة ولذلك انتقموا منهم. ومازالت الأوضاع متوترة في بعض المدن، وهنالك تحرشات وشائعات؛ ولذلك بدأ الإيبو في الرحيل من شمال نيجيريا وكذلك بعض النصارى من المناطق الشمالية. وقد أسفرت الأحداث عن إحراق ممتلكات بعض الأغنياء المسلمين وذلك لدعمهم أعمال إسلامية مثل: - تمويل برامج إسلامية في تلفزيون المدينة. - تمويل مؤتمرات ولقاءات لدراسة الشريعة وبيان أهميتها وتطبيقها. - تمويل مسابقات القرآن الكريم مع تكلفة عرضها في التلفاز. - الجهات المهتمة بنشر أشرطة إسلامية. وقد خطط النصارى للهجوم على ممتلكات كل من يقوم بأحد تلك الأنشطة؛ وفعلاً نجحوا في إحراقها مثل: - شركة بيع الأجهزة الإلكترونية للحاج/ سليمان، وقد قدرت خسارته بـ ٢.٢ مليون دولار أمريكي. - دابو لبيع السيارات لصاحبها الحاج/ دابو شنشنغي، وقد قدر خسارته بـ ٢ مليون دولار أمريكي. - شركة بكي لبيع السيارات، وقدر مديرها العام الحاج/ عبد الرحمن خسارته بـ ٧٤٠. ٠٠٠ دولار أمريكي. - شركة إكارا لبيع السيارات لصاحبها الحاج/ محمد أحمد، وقد قدر خسارته بـ ٧٣٠. ٠٠٠ دولار أمريكي. وقد أحرق دكان إحدى السيدات وهي مسلمة، وذنبها أنها في كل يوم جمعة توفر الماء للذاهبين إلى المسجد لصلاة الجمعة أمام دكانها. ثالثاً: نظرة عامة الناس إلى الحادثة وسببها الحقيقي: من خلال المقابلات وما نشر في الجرائد والمجلات يمكن تحديد الأسباب التي أدت إلى الأحداث في النقاط الآتية كما جاء في استطلاعات تلك الصحف والمجلات: ١ - أسباب دينية: يرى النصارى أنه إذا طبقت الشريعة ونجحت في إصلاح ما عجزت القوانين الوضعية عنه أن تكون للإسلام قوة ويؤدي ذلك إلى دخول غير المسلمين في الإسلام، ويقطع طريق تنصير المسلمين، ولذا لا بد من إيقاف تطبيقها حتى لو كان بالعنف والقتل، وقد قاموا بمحاولات عديدة لتتدخل الحكومة الفيدرالية وتمنع الولايات التي يطالب سكانها حكامهم بتطبيق الشريعة من تطبيق ما أجازه دستور البلد، ولَمَّا أخفقوا في ذلك رأوا أن الطريق الوحيد لتتدخل الحكومة هي إحداث بلبلة تؤدي إلى زعزعة الأمن وتوتره. ٢ - مصالح تجارية لمنفعة شخصية: الذين يتاجرون بالبيوع المحرمة مثل الخمور وأصحاب بيوت الدعارة عرفوا أنه إذا طبقت الشريعة تكون نهاية بيوعهم المحرمة، ولذا رأوا أن إيقاف تطبيق الشريعة هو الطريق الوحيد للدفاع عن مصالحهم التجارية، وشجعوا إخوانهم النصارى على تنظيم المظاهرة، كما دعموها بكل ما أعطوا. ٣ - أسباب سياسية: لا تزال بعض القبائل وخاصة قبيلة إيبو تفكر في الانفصال، وهي دائماً ترصد أحداث تتخذها حجة للقيام بتنفيذ أهدافها، وهناك أدلة واضحة ومنقولة في الجرائد والمجلات تثبت ذلك. ٤ - وأضاف بعض الناس أن البطالة ساعدت في توسيع رقعة الفتنة حيث تنظر الفئة نفسها أنها ضائعة في المجتمع. رابعاً: موقف المسلمين من تطبيق الشريعة بعد الحادثة: من خلال مقابلات أجريناها مع بعض الشخصيات والرأي العام للمسلمين اتضح أن موقف المسلمين لم يتزعزع في المطالبة بتطبيق الشريعة، بل زادتهم الحادثة شدة في المطالبة، ووجدت الحكومة نفسها في حيرة من أمرها؛ إذ لو حاولت منع المسلمين وخاصة في ولايات أغلبية سكانها مسلمون فسوف يتهمها المسلمون أنها وقفت مع النصارى ضدهم، وكذا أي محاولة لإلغاء الفقرة التي أجازت تطبيق الشريعة من الدستور يقابلها المسلمون بالرفض. ولهذا يرى كثير من الناس أن المسلمين سيحققون بمشيئة الله نجاحاً في تطبيق أجزاء كبيرة من القضايا الشرعية وإن لم يكن ١٠٠%. ويرى آخرون أنه لا بد قبل التطبيق من دراسة الموضوع دراسة دقيقة ومنظمة ثم الإكثار من توعية العوام.

стр. 3470

المسلمون والعالم جماجم الشيشان.. أوراق انتخابية د.سامي محمد صالح الدلال لم يصل بوتين للرئاسة بعدد أوراق الناخبين وإنما بعدد جماجم الشيشانيين؛ فأين منظمات حقوق الإنسان من تجريمه وحكومته والدعوة لمحاكمتهم أسوة بمجرمي الحروب؟ ! ! لأول مرة في التاريخ الغابر والحاضر تتقرر نتيجة الفوز بالرئاسة ليس بعدد أصوات الناخبين، بل بعدد الجماجم التي أُزهِقت أرواح أصحابها. منذ أن عين يلتسين بوتين قائماً بالأعمال، شرع هذا الأخير يخطط لدعايته الانتخابية ليفوز بكرسي الرئاسة في انتخابات ٢٦ مارس ٢٠٠٠م. وقد وضع خطة دعائية جهنمية، هي (الإبادة الشاملة للشيشان) ثم راح يضع عناصر تنفيذها بكل ما أوتي من عزم ذاتي وقوة عسكرية روسية عاتية. ولم يكن أحد في العالم يعلم حقيقة تلك العناصر حتى تجلت وتجسدت في الواقع، فإذا هي تتكون من عدة ورقات وفق ما يلي: ١- الورقة الأولى: جمع شتات مشاعر الشعب الروسي حول القضية التي يريد إشعالها لتكون وقود انتخابات الرئاسة. وقرر أن تكون القضية المطروحة هي تهديد الشيشان لأمن روسيا الداخلي والخارجي. ولتحقيق ذلك لغمت المخابرات الروسية عدداً من الأبنية السكنية في داخل موسكو بالعبوات الناسفة شديدة الانفجار وعظيمة القدرة التدميرية، ثم فجرت تلك الأبنية على قاطنيها الأبرياء من الروس فأحالتها ركاماً في الحال مما أدى إلى قتل معظم سكانها تحت الأنقاض ولم الشيشان مسؤولية ذلك بكل ما أوتي من قوة ووسائل عبر الصحافة والإذاعات والتلفزيون وعلى مدى أسابيع مع ضخ ينج من تلك المجازر المخابراتية إلا بضعة من الجرحى. وما أن وقعت تلك الانفجارات الضخمة حتى راح الإعلام الروسي يُحَمِّل يومي للعبارات التي تؤجج مشاعر الكراهية والحقد والغضب على الشعب الشيشاني. كل ذلك لأجل تمهيد المسرح لبدء الغزو الروسي الهمجي الوحشي لأراضي جمهورية الشيشان المسلمة الموادعة. فكانت هذه الأحداث الإجرامية هي أول ورقة انتخابية طرحها بوتين في الساحة الروسية الديمقراطية! ! ٢- الورقة الثانية: في حملة بوتين الانتخابية كانت قرار إزالة دولة الشيشان من الوجود، وليس مجرد تدمير بنيتها التحتية. فأصدر أوامره العسكرية لجحافله الجرارة لتحقيق تلك الغاية. فتحركت تلك الجحافل المكونة من الدبابات والمدفعية والطائرات والصواريخ الشاملة للقوات البرية والجوية والبحرية، من المشاة والمظليين وقوات الصاعقة وقوات العمليات الخاصة والقوات البحرية، وقد تزودت بجميع أنواع أسلحة التدمير والتقتيل والإحراق والإزالة والغازات السامة وأسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيميائية والنووية التكتيكية، مع حقن نفوس جميع الأفراد العسكريين المشاركين في تلك الحملة الشيطانية الإبليسية بالحقد والكراهية الشديدتين لكل ما له متعلَّق بمسمى الشيشان، نعم! تحركت تلك الجحافل لتزيح الستار عن الورقة الانتخابية الثانية لبوتين، وذلك في ظل مهرجان إعلامي هائج قرعت له جميع طبول الحرب الإعلامية، وعزفت له جميع أوتار الكذب والدجل الصحفية والإذاعية والتلفزيونية في ظل من الصخب الدعائي الذي يدعي أهمية وحدة الأراضي الروسية وتماسكها من خلال إبقاء الشعوب الإسلامية المضطهدة بالاستعمار الروسي تحت نير كيان الستار الحديدي الذي أعاد الروس صبغ لونه بغير اللون الأحمر مع إبقاء حقيقته الجوهرية. وهكذا اندفع الموت المدجج بغية بسط سلطانه الأسود على الربوع الخضراء للأراضي الشيشانية. ٣- ومع تسارع عقارب الزمن متجهة صوب يوم الانتخابات تسارع اصطفاف الورقة الانتخابية الثالثة فإذا هي تشكل الجمل الآتية: أ- إزالة مدن شيشانية كاملة من الوجود بما فيها غروزني التي سويت بالأرض تماماً. ب- تشريد الشعب الشيشاني إلى خارج أرضه ودياره في جو من الخوف والفزع والهلع تلسعه برودة الشتاء الثلجي القارس والقاسي، ويعشش الجوع الشديد في بطون أبنائه. وقد دب فيهم الوهن والضعف وهجمت عليهم الأمراض، يحملون جرحاهم، ولا يجدون مكاناً يدفنون فيه موتاهم، ولا أحد يكسو عاريهم أو يدفِّئ أبدانهم أو يطعم جائعهم أو يداوي مرضاهم أو يعالج جرحاهم، يسيرون في مواكب الموت تلاحقهم الطائرات الروسية بصواريخها فتنثر أشلاءهم فوق الثلوج، وتدكهم المدفعية الثقيلة فتتطاير أحشاؤهم في كل اتجاه، وتقصفهم الدبابات المدمرة فتقطع الرءوس عن الأجساد، وتبتر الأطراف وتقذفها في كل واد! هكذا اندفعت الجموع العزل من المدنيين الشيشانيين نحو حدود جمهورية الأنغوش يتجسد فيها ذلك المشهد المأساوي الذي تتقاصر أجزل الكلمات وأمضى العبارات عن وصف صوره ووقائعه. ج- الإجهاز على كل من بقي في المدن وتشبث بما بقي فيها من طوب متناثر أو أنقاض مبعثرة. وقد شمل هذا الإجهاز النساء والأطفال والمسنين والرجال العزل الذين لم يقاتلوا أو اختاروا الصمود في ديارهم. فأما النساء فقد اغتصبوهن ثم قتلوهن، وأما الأطفال والمسنون والرجال فذبوحهم أو مثَّلوا بهم أو أحرقوهم أو أسروهم. ويا ويل هؤلاء الذين وقعوا في الأسر! فإنهم فعلوا بهم الأفاعيل التي يعجز القلم عن وصفها وتنوء الكتب عن حمل أثقال أوزارها. إن الورقة الانتخابية الثالثة لبوتين تضمنت مشاهد إجرامية ليس لها مثيل في تاريخ البشرية؛ فقد نشرت جريدة (سبعة أيام) الجورجية في عددها الصادر برقم ٤٧في ٢٥نوفمبر ١٩٩٩م تقريراً ميدانياً من الشيشان بلسان صحفية جورجية يرافقها صحفي ألماني، وقد جاء في التقرير باختصار: (تعتبر قرية قالمي أقرب إلى جورجيا. وتبدو حولها السيارات المحترقة من جميع الجهات، يلفها صمت رهيب، باستثناء طائرة روسية تبحث عن هدف آخر. القرية كلها دمرت بالكامل. وتلي هذه القرية قرية أخرى نصف مدمرة. والباقون من سكانها على قيد الحياة هم الذين لم يستطيعوا الخروج. قادونا أولاً إلى منزل سُوِّي بالأرض؛ ثم روضة أطفال، لم يبق منها سوى المدخل الذي كُتب عليه تحية من الأطفال: (نحن نرحب بكم وننتظركم بقلوبنا وأرواحنا) حيث ذهب بقية الأطفال حرقاً داخل الروضة التي دمرتها طائرات روسية. وفي اليوم الثاني عندما كان أقرباؤهم يوارونهم التراب قامت المروحيات الروسية بالتحليق فوقهم. وكل ذلك يجري بجوار القرية، وبجانبها حافلة مليئة باللاجئين. تبدو لنا وجوه الأطفال وهم خائفون مرعوبون. وفجأة بدأ القصف على الحافلة بالصواريخ الحارقة. وكان المحرك وخزان الوقود هما الهدف الأول بالنسبة لهم. ثم شعرنا بقوة الانفجار والارتجاج والحافلة تحترق، ولم يستطع أحد من الركاب الخروج، فاحترق كل من فيها من الأطفال والنساء. وفي إحدى القرى قرب غروزني عُذِّب أحد السكان حتى الموت، حين قام جنود فيلق روسي كامل بإطفاء سجائرهم على جسمه العاري وأجبروه على المشي على الثلج حافي القدمين، وأمام عينيه قام الجنود الروس باغتصاب زوجته. ودون رحمة قام هؤلاء بتعذيب ثلاثة أفراد من عائلة شيشانية. وتحمل الثلاثة جميع أنواع وفنون التعذيب الروسي الإجرامي فأحدهم قتلوه رمياً بالرصاص بعد تعذيبه، والآخر قطعوا قدميه، والثالث نزعوا كبده وهو حي، وقطعوا يديه حتى المرفق) انتهى التقرير. هل سمع أحد من الخلق بورقة انتخابية أبشع وأفظع من هذه الورقة؟ ! ! ٤- وأما ورقة بوتين الانتخابية الرابعة فكانت مقاتلة المجاهدين الشيشانيين؛ فقد حشد عليهم أكثر من مائة ألف مسلح مدجج بأفتك الأسلحة، ظاناً أنه سيسحق بهم أولئك المجاهدين في بضعة أيام؛ فإذا بها تزيد على ستة أشهر ولا يزال أُواراها متقداً ولهيبها مستعراً. لقد لقن المجاهدون الجيش الروسي دروساً قاسية في المعارك القتالية، رغم أن هذا الجيش كان يتجنب أية مواجهة مباشرة؛ وذلك باللجوء إلى الاستخدام المكثف لسلاح الطيران والقصف المركز بالمدفعية والدبابات، ومع ذلك فقد تكبد أفدح الخسائر وامتلأت مستشفيات روسيا بالأعداد الهائلة من الجرحى، وانتعشت سوق تصنيع التوابيت في جميع أنحاء المدن الروسية وازدحمت بطون المقابر بالهلكى في المعارك وظهورها بالمشيعين والمفجوعين بفقد أبنائهم أو أزواجهم أو آبائهم. لقد وعد بوتين شعبه بأنه سيقضي على هؤلاء المجاهدين قضاءاً مبرماً ويصفيهم تصفية جسدية شاملة، فخاب ظنه وما أوفى بوعده ولن يستطيع؛ فإن هذا الجهاد سيستمر بإذن الله تعالى وستكون من نتائجه ليس تحرير بلاد الشيشان واستقلالها فقط ولا استقلال جمهوريات القوقاز فقط. بل ستكون من نتائجه انهيار شامل للدولة الروسية، وتمزق لوحدة شعبها. وسيأتيك نبؤهم بعد حين. قال تعالى: [وكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا ويْلَنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ] [الأنبياء: ١١ - ١٥] . لم يتمكن بوتين من لعب هذه الورقة الانتخابية على الوجه الذي خططه لها؛ لأن كيد الشيطان كان ضعيفاً، ولعل هذه الورقة هي التي أوشكت أن تقوض وصوله إلى هدفه الذي أراده وهو: أن يتبوأ الرئاسة الروسية بإجماع شعبي، فإذا به لم يفز إلا بـ ٥٢% من الأصوات. ٥- أما الورقة الانتخابية الخامسة التي استخدمها بوتين للوصول إلى الزعامة الروسية فكانت (الكذب) نعم، الكذب، حتى صار بالإمكان أن يطلق على وزارة الدفاع الروسية اسم وزارة الكذب الروسية. لقد امتهنوا الكذب على شعبهم وعلى جميع العالم وذلك للتغطية على الجرائم القذرة والبشعة التي مارسها الجيش الروسي ضد الشعب الشيشاني الصامد المجاهد. لقد وظفت وسائل الإعلام الروسية كلها لتقود حملة الكذب، على طريقة: اكذب اكذب حتى يصدقك الناس. وقد شملت حملة الكذب هذه عدة ميادين: ١- فقد أصدروا بيانات كثيرة كاذبة يدَّعون فيها عدم ممارسة أي بطش وعنف ضد السكان المدنيين العزل من النساء والأطفال والشيوخ. ٢- وأصدروا بيانات كثيرة كاذبة يخففون فيها من الخسائر الحقيقية في الرجال والعتاد. ٣- وأصدروا بيانات كثيرة كاذبة يدَّعون فيها انتصارات وهمية على المجاهدين. ٤- وأصدروا بيانات كثيرة كاذبة يردون فيها باستخدام أسلوب الكذب، على الذين فضحوا كذبهم من صحافيين ومراسلين أجانب. لقد جعل بوتين الكذب ورقة هامة في حملته الانتخابية ليموه الحقائق على شعبه وشعوب العالم، وليدَّعي تحقيق انتصارات وهي في حقيقتها هزائم منكرة. تلك هي أهم أوراق الحملة الانتخابية وأبرزها التي دفعت ببوتين إلى سدة الرئاسة الروسية. لقد انفرد بوتين بين الأولين والآخرين في صياغة حملة انتخابية عبر مجازر وحشية وفظائع دموية ومقابر جماعية. فإن كنت تعجب فاعجب من دولة تسنَّم زعيمها سدة الرئاسة من خلال تلك المواصفات السوداء؛ فهل ينتظر الشعب الروسي إلا الظلم والشنار من هذا الرئيس الذي سيحكمه بالحديد والنار؟ ولكن نقول له ولأمثاله ما قاله الله تعالى في سورة الفجر: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ (٨) وثَمُودَ الَذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (١٠) الَذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ] . [الفجر: ٦ -١٤] . وقوله تعالى: [إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] [الطارق: ١٥ - ١٧] . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3471

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش بابا.. اليهود! ! قال بابا الفاتيكان أثناء زيارته لـ (إسرائيل) : (أنا أشعر أنني جزء من العائلة اليهودية، جزء من الشعب اليهودي، هذه قرابة موجودة عميقاً في نفسي (وصرح مصدر كبير في الفاتيكان وأحد المقربين جداً للبابا ويوجد في حاشيته منذ سنوات طويلة: إن البابا يشعر بانتماء إلى الشعب اليهودي منذ أمد بعيد، وأن زيارة البابا إلى الديار المقدسة عمقت لديه المشاعر تجاهكم أي الشعب اليهودي منذ أمد بعيد، ومنذ أن وصل البابا إلى القدس وهو يفكر بصلته الوثيقة مع الشعب اليهودي. صحيح أن البابا يوحنا بولس الثاني ترعرع في بيئة يهودية ولكن فهم تحديداً في هذه الأيام أن عليه أن يحب شعبكم مثلما يحب نفسه. لدينا إيمان مشترك بإله واحد، ونفس الأصل، ونفس الدم. المسيحي الحقيقي لا يمكنه إلا أن يحب شعب الله المختار. وقال المعلق السياسي في التلفزيون الإسرائيلي (مائير كوهين) : (إن زيارة البابا للقدس حملت ثلاث محطات هامة: الأولى دينية عندما التقى في مقر الحاخامية الكبرى في (إسرائيل) مع الحاخامين الأكبرين اللذين يمثلان الديانة اليهودية، وهو بمثابة اعتراف بالشعب اليهودي، والثانية سياسية في لقائه مع رئيس الدولة وهو بمثابة اعتراف بدولة (إسرائيل) ، والثالثة وهي الأهم تمثّلت في زيارة البابا لمؤسسة ذكرى ضحايا النازية وطلبه بأن يلتقي مع ستة من الناجين من جرائم النازية، وهو ما يرمز إلى أن كل واحد منهم يمثل مليون شخص من الإسرائيليين الذين تمت إبادتهم) . ويجدر بالذكر أن البابا زار الأردن (٢٤) ساعة فقط، و (١٢) ساعة في أراضي السلطة الفلسطينية وخمسة أيام في (إسرائيل) ! ! [السبيل الأردنية، العدد: (٣٢٧) ] شذوذ الشذاذ! ! صوَّت الحاخامات المنتمون لأكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة لصالح الاعتراف بزواج الشواذ جنسياً. ووافق المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين التابع لحركة الإصلاح اليهودية على مباركة زواج الشواذ من الجنسين في طقوس دينية يهودية. وقال رئيس المؤتمر الحاخام تشارلز كرولوف: إن من حق الشواذ الاعتراف بزواجهم واحترامهم. إن المؤتمر اليهودي ذهب بموافقته تلك إلى مدى أبعد من أي حركة دينية أخرى في الولايات المتحدة في منح حقوق للشواذ؛ فحتى صدور هذا القرار كان الشواذ يضطرون للبحث عن حاخام يقبل تزويجهما بصورة فردية. وكانت مراسم الزواج تتفاوت بين مباركة بسيطة وعرس كامل يشبه حفلات الأعراس التقليدية. في عام ١٩٩٠م وافقت الحركة على تعيين حاخامات يهود من الشواذ اعتماداً على مبدأ أن جميع اليهود متساوون في التدين بغض النظر عن توجهاتهم الجنسية. موقع هيئة الإذاعة البريطانية/ بي. بي. سي أونلاين http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news إنما الأعمال بالنيات أعلن الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد أنه سيقترح على البرلمان إلغاء مرسوم ساري المفعول منذ أكثر من ثلاثة عقود ينص على حظر نشاط الأحزاب الشيوعية والترويج للفكر الشيوعي. وأشار إلى وجوب إنهاء هذه الفترة التي هضمت فيها حقوق الشيوعيين! ! ويذكر أن أعضاء الحزب الشيوعي الإندونيسي والمتعاطفين معه لا يحق لهم الدخول في سلك الوظائف العامة، وكانت هوياتهم الشخصية تحمل شارة بهذا الخصوص. وفرض رئيس أندونيسيا السابق سوهارتو الحظر على الحزب الشيوعي الإندونيسي في البلاد عام ١٩٦٦م. ووقتها قتلت قواته حوالي ٥٠٠ ألف من أنصار الحزب الشيوعي البالغ عدد أعضائه في ذلك الوقت حوالي ٢٠ مليوناً من الإندونيسيين. كما زج بقرابة ٦٠٠ ألف أخرين في السجون. [جريدة الشرق الأوسط، العدد (٧٧٩١) ] الحرب المقدسة! الإندونيسي (أجوى واتيمينا) الذي يحمل إنجيله في جيبه ويمسك سبحته في يده المختومة بشارة الصليب يشن حرباً مقدسة انتقاماً لإخوانه النصارى، وهو موظف عمره ٥٣ عاماً برع في صنع القنابل المصنوعة من السماد، ويزعم بأن تحت إمرته أكثر من ٦٠ ألف جندي يهبون أنفسهم لله. ومضى شاب من أتباعه يرتدي سترة رياضية حمراء يقول بتفاخر: (لقد قتلت في غضون عام واحد نحو عشرة من المسلمين) . أما (باولوى) والد (أجوى) الذي يبلغ من العمر ٧٣ عاماً فقد أظهر لنا ثلاث قطع من البنادق التي لم يتم العثور عليها من قِبَل الجيش الإندونيسي. كما كشف لنا عن أثر صرح يرجع تاريخه إلى ... معركة (سيلو) وهو المعبد البروتستنتي الرئيس في المدينة والذي تم دكه يوم الثاني عشر من ديسمبر الماضي. كما أعرب مضيفاً قوله: إنه مستعد للموت في سبيل الله وفي مواصلة هجماته ضد القرى التي يقطنها المسلمون برغم انتشار الجيش فيها. [صحيفة (لوفيجارو) ] (مترجم) خوف أم تخاذل؟ ١ - اعتبر وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي أمس أن العلاقات بين موسكو وطهران (قوية ودائمة) مشيراً إلى أن الوضع في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى يعتمد على تطور هذه العلاقات. وقال: إن سلطات بلاده تريد إبقاء الاتصالات مستمرة مع روسيا وعلاقات مستقرة ودائمة. وأضاف: أن روسيا وإيران لعبتا دوراً مهما في ضمان السلام والأمن في المنطقة الكبرى التي تضم أيضاً آسيا الوسطى والشرق الأوسط. فالوضع في هذه المنطقة يعتمد في عدد من الجوانب على علاقتنا. ووصف خرازي الرئيس الروسي الجديد فلاديمير بوتين بأنه (رجل حازم، يتمتع بشعبية كبيرة) . وأعرب عن ثقته في أنه (سيتمكن من تحقيق نجاح في كل مشاريعه) . وجدير بالذكر أن إيران الآن هي الرئيس لمنظمة المؤتمر الإسلامي! ! [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧٩٦) ] ٢ - في تعليقه على المهرجان الذي أقامته الحركة السلفية في الكويت لمساندة الشعب الشيشاني، قال الكاتب اليساري الكويتي عبد اللطيف الدعيج: لن أعترض مثل ما قد يعترض الكثيرون باعتبار أن نقد السياسة الروسية قد يضر بمصالح الكويت الوطنية، وقد يحرض الروس على مزيد من المساندة العسكرية والسياسية لطاغية بغداد، لن أعترض لأن روسيا دولة عظمى ونحن الله يرحم.. أعترض لأننا في الكويت وطوال النضال العربي أو الأممي وحتى الإقليمي لم نحرق علماً لدولة ولم نستهتر يوماً برمز لشعب، بل كان اعتراضنا على ما نعترض عليه كان التعبير عن الشعور راقياً وكانت الرسالة حضارية. ما جرى في هذا المهرجان لم يكن محاولة للتذكير بما يتعرض له الشيشانيون، ولم يكن تسجيل موقف ضد العنف والعدوانية التي تلمَّسها البعض من الرئيس الروسي، ولكن كان عملاً فظاً بدائياً، وخروجاً واضحاً عن التقليد والعرف الكويتيين للذين طالما ادعى البعض حفظهما وصونهما. من تجمهر أعلن للشعب الروسي أن المطلوب رأس رئيسه وأن اختياره الحر (نعال وزبالة) . [القبس، العدد: (٩٦١٩) ] أشاوس الـ (C. I. A) ! ! خصصت السلطة الفلسطينية عشرات الدونمات من الأراضي في الضاحية الشمالية لمدينة أريحا من أجل إقامة مبنى المدرسة الخاصة التابعة لدائرة المخابرات الفلسطينية المقرر البدء في إنشائها قريباً. ويهدف إنشاء المدرسة إلى عقد الدورات، والتدريبات لرجال المخابرات الفلسطينية وذلك باستخدام الأساليب العلمية والأجهزة الحديثة، وسيتم إقامة قاعدة خاصة ملحقة بمبنى المدرسة لإجراء التدريبات وإسكان عناصر الجهاز. وحسب التقديرات الأولية فإن تكاليف هذا المشروع ستصل إلى نحو أربعة ملايين دولار. وفي هذا الإطار أيضاً قررت السلطة الفلسطينية بناء مقر جديد للمخابرات العامة الفلسطينية في مدينة رام الله في الضفة الغربية، وسيقام المبنى الجديد فوق قطعة أرض تصل مساحتها إلى حوالي خمسين دونماً. وسيتولى الإشراف على بناء المدرسة ومقر قيادة المخابرات مهندسون أمريكيون تابعون لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (C. I. A) التي ستتولى تمويل مشروع مبنى القيادة والمدرسة في إطار التعاون المشترك بين الجهازين. ومن المعروف أن ضباط الـ (سي. آي. إيه) يتولون تدريب عناصر وضباط المخابرات الفلسطينية، حيث يقيم في مدينتي رام الله وغزة خمسة ضباط كبار يقومون بالإشراف على هذه التدريبات. ويتلقى هؤلاء رواتب مالية من قيادتهم في واشنطن إضافة إلى رواتب تصرف لهم من ميزانية السلطة الفلسطينية، ويتراوح المبلغ الذي يحصل عليه ضابط المخابرات الأمريكية من السلطة ما بين ١٠ ١٥ ألف دولاراً وذلك حسب رتبته. من جهة أخرى، أكدت معلومات مصدرها شخصية أمنية فلسطينية، أن السلطة الفلسطينية قامت في الأسبوع الأول من الشهر الماضي بتكريم عدد من ضباط المخابرات المركزية الأمريكية وذلك بمناسبة انتهاء مهامهم الأمنية الخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وحسب المعلومات فإن حفل التكريم الذي جرى في مكتب رئيس السلطة في غزة، قد أذهل الضباط الأمريكيين أنفسهم؛ حيث قام رئيس السلطة بتقليدهم أوسمة فلسطينية رفيعة، بالإضافة إلى منحهم مكافأت مالية كبيرة وصلت إلى ٥٠ ألف دولار للضابط الواحد، وتم منحهم شهادات تقديرية موقعة من قِبَل رئيس السلطة. وكان خمسة ضباط أخرون قد وصلوا إلى مناطق السلطة الفلسطينية ليأخدوا مكان الضباط الذين أنهوا فترة إقامتهم في المدن الفلسطينية. [السبيل الأردنية، العدد: (٣٢٦) ] إلى دعاة حقوق الإنسان! تتعرض أكثر من مليون امرأة وطفل للبيع والشراء كل عام من خلال تجارة الرق المعاصرة، وأصبحت هذه التجارة متسارعة في النمو ومغرية جداً إلى حد أنها باتت تشكل ثالث أكبر المصادر المربحة بالنسبة لعصابات الجريمة المنظمة بعد الاتجار بالأسلحة والمخدرات. ويوظف معظم ضحايا هذه التجارة بعد شرائهم أو بيعهم في أعمال الدعارة أو لاستغلالهم بالعمل في بعض المصانع ذات الأوضاع الصحية الرديئة والأجور المتدنية إلى أبعد الحدود. أما الأطفال فيتعرضون للبيع والشراء لأجل تجارة (البورنوغرافي) (الصور والأفلام الإباحية) أو لاستئصال أعضاء بشرية منهم بهدف بيعها للمرضى القادرين على دفع أسعارها. وتبيع الجهات المتخصصة في تجارة الرقيق حوالي ٢٥٠ ألف امرأة وطفل من منطقة شرق آسيا وحوالي ٢٠٠ ألف من روسيا سنوياً. وتأتي البقية من أمريكا اللاتينية بشكل رئيس. أما المناطق التي تشتري فهي عملياً محصورة في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة. وأوضحت (انيتا بوتي) نائبة مديرة مجلس الرئيس الأمريكي للتحقيق في أوضاع النساء أن هؤلاء الأخيرات (يتعرضن للبيع والشراء بكل ما تحمله الكلمتان من معان مخيفة داخل أوروبا مقابل ٢٠ ألف دولار. أما في جنوب آسيا فيتراوح الثمن من حوالي ٣ ألاف دولار إلى ٦ ألاف) . [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٧٩٤) ] تعليق على الأحداث نهاية العالم.. أو نهايتكم أوردت وكالات الأنباء أخبار القتل الجماعي في أوغندا، وكان مفادها أن زعيم إحدى الطوائف الدينية النصرانية في أوغندا، أمر أتباعه في نهاية العام الميلادي ١٩٩٩م أن يبيعوا ممتلكاتهم والاستعداد للذهاب للجنة، وأمرهم أن يُحضِروا أموالهم هذه له؛ ولَمَّا لم ينته العالم كما زعم مع بداية العام ٢٠٠٠م طالب أفرادُ هذه الطائفة زعماءَهم بإرجاع هذه الممتلكات، وبعد فترة كانت تلك المذبحة التي قيل عنها إنها انتحار جماعي؛ حيث قام القساوسة بتجميع أفراد الطائفة في أماكن عدة، وقاموا بشنقهم وخنقهم ودس السم لهم، ثم بعد ذلك قاموا بإضرام النار في الجميع، وهرب أولئك إلى أوروبا، وقد جاوز عدد القتلى الألف من بينهم أطفال، فإن كان قساوسة النصارى لم يرحموا أبناء ملتهم وتعاملوا معهم بهذه الوحشية بل لقد كانوا أتباع طائفتهم، فما بال حال حقدهم وحربهم على المسلمين؟ أول قطْر (المنبر) ! في إصدار جديد يحمل رقم (صفر) وهو العدد التجريبي الأول من مجلة (المنبر) وهي مجلة شيعية تصدر في الكويت جاء ما يلي: (ربما تتعجب لو سمعت بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ أفضل من الأنبياء بل إن هذا الكلام يثير ثائرة البعض؛ فبدل أن يصغوا إلى أدلة هذا المعنى بصدور واسعة وأفكار متفتحة ليكتشفوا بذلك الحق، ينتهزون الفرصة لنشر الأكاذيب في وسائلهم الإعلامية وإشاعة الضوضاء والكلام الخالي من التعقل والاستدلال النابع عن العصبية وروح الانغلاق الشديد. وأمير المؤمنين ﵇ قد جمع كل هذه الصفات: فكان له علم آدم وعزم نوح وحلم إبراهيم وهيبة موسى وزهد عيسى وكل من له أدنى درجات الإنصاف يعلم بأن الذي جمع أفضل صفات أولي العزم هو أفضل من الأنبياء كلهم إلا من ابن عمه رسول الله وخاتم الأنبياء ﷺ ؛ فعلى المسلم التابع لرسول الله والمؤمن بالله وبكلامه أن يتبع هذا ويؤمن بهذه الحقيقة وإلا فسيشملهم قول نبينا ﷺ : (من شك فيه فقد كفر) والعياذ بالله من الكفر) . وكان ما سبق جزءاً من المقال الرئيس وموضوع غلافها الذي حمل عنوان: (كيف يكون علي (ع) أفضل من الأنبياء؟ ! (وفي مقال آخر تحت عنوان: (الإمامة أعلى الرتب والمقامات الإلهية) ، يقول الكاتب في خاتمته: (ومن خلال هذه الشواهد يتضح لنا أن الإمامة مقام يختلف عن النبوة والرسالة، بل هي أسمى منها وأرفع، وأنه ﵇ (علي بن أبي طالب) حصل عليها أيام شيخوخته، بعد أن خرج من جميع ما ابتلاه الله به صابراً مسلماً) . ومن المعلوم أن الأقلية الشيعية في الخليج كانت ملتزمة إعلامياً بعدم إثارة مثل هذه القضايا بهذه الصورة المستفزة. وإذا كان العدد التجريبي بدأ بهذه المثيرات المذهبية، فكيف بباقي نبرات أعداد المنبر؟ !

стр. 3472

في دائرة الضوء حوار الأديان بين المظهر والجوهر د. محمد يحيى في محاولة تتبع الجوانب المختلفة للدعوة ودحض ما يروَّج له مما يسمى بحوار الأديان بين الإسلام والنصرانية على وجه التحديد لا ينبغي إغفال مسألة السياق العام أو الظروف والأوضاع التي تطرح هذه الدعوة في سياقها أو يراد لها أن تجري في ظلها، ولعل أبرز ما يشد الانتباه هو ذلك التفاوت الحاد بين السياق الذي تنشط فيه النصرانية بكنائسها هذه الأيام والسياق الذي يمر به الإسلام وهذا التفاوت الحاد في الظروف والسياق؛ حيث يكشف عن الجانب المريب أو على الأقل غير المتكافئ وغير المناسب لهذه الدعوة وهو ما سعيت إلى الكشف عنه من زوايا أخرى في مقالات سابقة حول الموضوع نفسه. إن النصرانية العالمية بكنائسها وحركاتها ولا سيما في أمريكا وأوروبا تمر بحالة من المد تزداد قوة على مدى الأعوام الماضية؛ حيث أخذت تستعيد مكانتها الفاعلة والمؤثرة في المجتمعات على حساب تراجع أكبر في الأنظمة والمذاهب والتوجهات العلمانية التي تحكم تلك المجتمعات الغربية أو كانت تحكمها حتى عهد قريب، وتقترن بهذه القوة المتنامية في المجتمعات الغربية للنصرانية من حيث إنها دين وعاملُ فعلٍ اجتماعي ثقافي سياسي عمليةُ توسُّع كبرى وطرح للذات على مستوى العالم كله، ولم تعد هذه الحركة تقتصر على ما يسمى عادة في الكتابات الإسلامية بالتبشير أو التنصير على الأصح بل إنها تعدَّت ذلك بكثير لتصبح النصرانية قوة دولية نشطة تسهم في شتى التحركات السياسية تحت شعارات أبرزها: (السعي للسلام والوفاق) والطروحات الثقافية (قضايا التعاون بين الثقافات والتقارب والحوار فيما بينها) بل والجهود الاقتصادية تقديم معونات (التنمية) والخدمات الصحية والتعليمية على نطاق عالمي ... إلخ) ، ولسنا بحاجة لضرب الأمثلة الكثيرة والمتواترة على هذا الوضع الجديد للنصرانية العالمية الذي نكتفي بتلخيصه بأنه تحول من حالة انحسار وضعف داخلي إلى وضع القوة الدولية الفاعلة في مجالات تتجاوز ما اصطلح على وصفه بـ (الديني) لتصل إلى الأبعاد الكاملة لما يوصف بـ (السياسي) وهي قوة تزداد فاعليتها وأثرها على سياسات بلدانها؛ بل تكاد توجهها. ويرتبط بذلك وفي السياق نفسه بل ويترابط معه بشكل المسبب للسبب تصاعد موجة العداء للإسلام في الغرب وهو العداء الذي يحاول بعض اللادينيين في البلدان الإسلامية التهوين منه بالقول بأنه مجرد رد فعل لممارسات المسلمين (الإرهابية) أو (الظلامية) . كما يحاول بعضٌ آخر التقليل من خطره بالقول بأنه مجرد بحث من جانب الغرب عن عدو جديد بعد زوال الشيوعية؛ غير أن شراسة هذا العداء واستمراريته واتخاذه لأشكال منظمة ومخططة واسعة المدى يدحض تلك الأقاويل بل الأباطيل، ويكشف عن أن الهجمة الغربية على الإسلام تأتي من مستويات أعمق من مجرد ردود الأفعال وأن هذا العداء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع القوي الذي أصبح للمسيحية بحركاتها وكنائسها في وضع الاستراتيجيات الكبرى في الغرب وإدارتها؛ دون أن ننسى بالطبع دور اليهود والصهيونية في صنع هذه العداوات وتأجيجها وتوجيهها. والحق أن دعوة الحوار تبدو غريبة بل مثيرة للشكوك عندما تأتي في هذا السياق الغربي من عداء منظم ضد الإسلام يشمل نطاق الفعل السياسي الغربي (من وسائل الإعلام إلى الجامعات ومراكز الأبحاث إلى مخططات المعونة الاقتصادية والفنية إلى النشاطات الثقافية والفكرية إلى الاستراتيجيات العسكرية والأمنية) وأيضاً من تنامي قوة النصرانية العالمية باعتبارها عنصراً فاعلاً وعلى امتداد نطاق الفعل نفسه في كل جوانبه على المسرح العالمي، وفي ظل هذا العداء المستحكم من ناحية والقوة الصاعدة الواثقة للنصرانية الدولية من ناحية أخرى فإن الدعوة إلى ما يسمى بـ (حوار الأديان) وبالذات مع الإسلام تبدو وكأنها ورقة سياسية ضاغطة تستخدم لتحقيق أهداف بعينها تخدم هذه القوى والسياسات الغربية أكثر منها دعوة صادقة أو واضحة للتقارب والتعاون حسب ما يُدعى لها علناً وفي وسائل الإعلام؛ ذلك لأن للسياسات الغربية والكنسية أولوياتها المحددة وثوابتها الكبرى واهتماماتها الأسمى في هذه المرحلة أولها (جدول أعمال) خاص بها على حسب مصطلح المؤتمرات. ولا تمثل دعوة الحوار الديني أياً من هذه المبادئ والأولويات الجوهرية لكنها مجرد أداة من أدوات تحقيق هذه الأولويات السياسية تستخدم بقدر وبشكل مؤقت لتحقق ما يُبتغى منها ثم تُنَحَّى جانباً، وليس غريباً أو مما يستبعد أن نحدد أهداف هذه الأداة في نوع من التحذير للمسلمين أو لفت أنظارهم بعيداً عن المواجهة المطلوبة أو (التجسس) للتعرف على الكيفية التي يفكرون بها ويتصرفون من خلالها أو وهذا هو الأهم تعديل مواقفهم وأفكارهم وتحويرها لإبعادها أو إضعافها عن المواجهة مع الغرب الصليبي وحليفه اليهودي الصهيوني وذلك عن طريق العلمنة قبل أي شيء آخر. وتزداد الشكوك المحيطة بدعوة حوار الأديان بين النصرانية والإسلام إذا تبينا السياق الذي تُروَّج فيه هذه الدعوة على الجانب الإسلامي وهو سياق مقلق على أقل تقدير، ومرة أخرى لسنا بحاجة إلى اجترار المفردات الأليمة لذلك السياق الذي يعيش فيه الإسلام والمسلمون داخل بلدانهم؛ ولكن يكفي أن نلخصه في عملية اجتياح وضرب للمؤسسات الإسلامية والحركات الدينية والأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل والسكانية (تحت ستار تحديد النسل) إلى عملية الإبادة الفعلية أو (المذابح) الموجهة للمسلمين التي لم تعد تلفت الأنظار لكثرتها، وهذه العملية تحدث بدرجات وأشكال متفاوتة في شدتها وكيفيتها على امتداد عالم الإسلام، وتقودها نخب علمانية لا دينية حاكمة أو صاحبة نفوذ قوي على الحكام وصلت بفضل المساندة الغربية القديمة والمتجددة إلى مقاعد الحكم والتوجيه وصنع القرار في هيئة دكتاتوريات عسكرية وبوليسية أو حتى حكومات (ديمقراطية ليبرالية) . والحجج والمسوِّغات، والأسباب التي تساق؛ لهذا الاجتياح معروفة هي الأخرى لفرط تكرارها، وهي تتراوح بين التحديث، والعصرنة إلى مكافحة التطرف والإرهاب (الإسلامي) ! وفي هذا السياق الخطير رأينا العجب: رؤساء الوزارات والهيئات التي أنيطت بها السيطرة على شؤون الإسلام يُعيَّنون من العلمانيين الأقحاح ذوي العقليات المتغربة؛ بينما المساجد تغلق، والعلماء يُنَحَّوْن عن المنابر ويسجنون، والجمعيات والهيئات الإسلامية تحاصَر، وأعمال البر والتقوى تحظر.. إلخ. ويتشابه السياق الإسلامي الذي تطرح فيه دعوة الحوار الديني مع السياق الغربي أو المسيحي للدعوة من زاويتيه بشكل مذهل. ففيه أيضاً تتحول النصرانية أو الكنائس المحلية للأقليات النصرانية إلى عناصر قوة تتكامل مع قوة المسيحية الدولية، وفيه كذلك يسود مناخ العداء المرضي ضد الإسلام في وسائل الإعلام ودوائر الحكم والسلطة العلمانية وفيه أخيراً يبرز نفوذ اليهودية الصهيونية من وراء ستار الماسونية وأندية الروتاري والليونيز والإباحية في الفنون وما شابهها. الإسلام والمسلمون هم العنصر الغائب والمضروب في السياقين المسيحي الغربي و (الإسلامي) لدعوة الحوار الديني؛ وكأن أعداء الإسلام وخصومه في النهاية هم الذين يتحاورون مع بعضهم بعد أن قسَّموا أنفسهم إلى فريقين: أحدهما مسيحي أصيل واثق من نفسه حر مستقل يتمتع بالمستوى المطلوب من الكفاءة الفكرية والسياسية والحوارية والآخر (الإسلامي) يمثله موظفون يأتمرون بأمر النخب العلمانية الحاكمة ولا يتمتعون بأي حرية أو استقلال أو كفاءة أو غيرة على الإسلام. سياق دعوة الحوار الديني إذن أو الظروف والأوضاع التي تجري فيها أو يراد لها أن تجري فيها يبعث على التأمل بل يثير الشك والريب، وهو سياق يبلغ فيه التفاوت الحاد والتناقض البين حد إلغاء فكرة الحوار بين طرفين متكافئين من أساسها لتحل محلها حقيقة أن النصرانية العالمية في وضعها المسيطر تخترع مع الاستراتيجية الغربية المعادية للإسلام خدمة لهيمنتها أداة أسموها بالحوار يبتغون فيها تحقيق أهدافهم الخاصة وحدها و (يحاورون) فيها طرفاًَ أسموه بـ (الإسلامي) وما هو في الحقيقة بممثل للإسلام؛ لأن الإسلام وممثليه الحقيقيين غائبون ومغيبون ويعانون من سياق مضاد من الضعف والضغط والهجوم يكاد يلغيهم من الوجود. حوار الأديان مرة أخرى: لا تفتأ الدعوة إلى ما يسمى بحوار الأديان بين الإسلام والنصرانية، تتكرر من مصادر عديدة أكثرها هذه الأيام: بعض ممن يسمون بالشخصيات الدينية الرسمية في بلدان تخضع فيها المؤسسات الإسلامية للتوجيه المباشر من الجهات السياسية بل والأمنية، وقد كتب صاحب هذا القلم في الماضي على صفحات هذه المجلة حول جوانب من هذه الدعوة التي تحتمل مع ذلك المزيد من التناول لتشعُّب نواحيها، ولعل أحد أبرز هذه الجوانب هو تصور الأطراف لأهداف هذا الحوار ومراميه الذي يقصد به عادة الإسلامي النصراني رغم وجود مذاهب ومعتقدات أخرى يعتنقها الملايين وتتصل بهم مصالح وحياة الكثير من المسلمين ولا سيما في بلدان آسيا، والواقع أن اقتصار دعوة الحوار الديني على الحديث مع الكنائس المسيحية وبالذات الغربية منها يكشف عن جوهر الدعوة ومقصدها الأول ألا وهو التقرب للغرب والانضواء تحت لوائه وتكريس التبعية له. ويجلِّي هذا المقصد أن نعود إلى مسألة تصور هذا الحوار والداعين إليه وأهداف الداخلين فيه. على الجانب الإسلامي نلاحظ أول ما نلاحظ غيبة مثل هذا التصور الواضح؛ فدعاة الحوار من الموظفين الرسميين المكلفين بذلك يكتفون بالحديث عن الحوار مع النصرانية وتحبيذه وكأنه هو الخير الأسمى للمسلمين في هذا العصر، وهم لا يوضِّحون لنا لماذا يعد هذا الحوار أمراً جيداً ومرغوباً فيه؟ كما لو كان مجرد طرح كلمة (الحوار) يغني عن أي بيان لطبيعة هذا الحوار وسياقه وأهدافه ومضمونه. والأخطر من ذلك الغموض المحير؛ إذ إن بعض هؤلاء عندما يفكر في اختراع تصور للحوار يخرج علينا بمفاهيم سقيمة ومتردية؛ ففي الآونة الأخيرة خرج بعض من هؤلاء في مصر يقولون: إن الحوار مع النصرانية الغربية مطلوب لتحسين صورة الإسلام في عين الغرب بعد أن شوهتها ممارسات المسلمين الموصوفين بالأصولية (وليس كيد الإعلام الغربي) ! وهكذا فتصور هؤلاء المسؤولين أو الرموز الإسلامية المعنية عن هذا الحوار الذي يطنطنون به هو تصور دفاعي اعتذاري تسويغي وكأنهم منذ البداية يحددون صورة الحوار في هيئة المواجهة بين الادعاء والمتهم وبين جهة الاتهام واللص المقبوض عليه متلبساً؛ فالكنائس وقساوستها تجلس من ناحية تطرح التهم والشبهات ويجلس (ممثلو) الإسلام من الناحية الأخرى (وهم ليسوا في الواقع ممثليه الحقيقيين أو الغيورين) جلسة المحرَج والمعتذر الذي يحاول أن يرد على هذه الاتهامات بأي شكل حتى لو تعسف في ذلك إلى درجة التنازل عن ثوابت العقيدة والشريعة الإسلامية. ومثل هذا التصور (للحوار) ينسف فكرة الحوار ذاتها منذ البداية ويلغي أي نِدِّيَّة وتكافؤ وتوازن بين الأطراف الداخلة فيه، فليس بين وكيل النيابة والمتهم حوار بل هناك استجواب ومساءلة بغرض الإيقاع بالمتهم والحصول على اعترافه بارتكاب الجرم، ولا يهم بعد ذلك إن قدم الأعذار والتسويغات لجريمته، بل المهم أن يدان. بينما يجلس المدعي (الطرف النصراني) مجلس المتفوق وهو المكان الذي ينبغي أن يتبوَّأه الضحية الذي عانى من إجرام الطرف المواجه وتعصبه وعدوانيته، بل ليس هذا حواراً وإنما هو أشبه بالتأنيب والتلقين من جانب الأستاذ للتلميذ الخائب الفاشل. وفي كل الأحوال وبصرف النظر عن التشبيهات والكنايات فإن العلاقة التي تنشأ وفق تصور هذا (الطرف الإسلامي) المزعوم نفسه ليست علاقة (حوار) بين أنداد متكافئين بل هي علاقة خضوع واستسلام من طرف لآخر، وفي أحيان أخرى يلجأ هؤلاء الممثلون للطرف الإسلامي إلى طرح تصور بديل لهذا (الحوار) في محاولة لتغطية تخبط مفاهيمهم أو لحجب الطبيعة الحقيقية للعملية المطلوبة تحت مسمى الحوار؛ فهم يدَّعون أن الحوار مع المسيحية مطلوب في سبيل دعم السلام العالمي ودفع جهود التنمية وتحقيق الرخاء للشعوب ... إلخ، وهذه كلها دعاوى سخيفة لا محل لها من الاعتبار؛ فالداخلون في الحوار هم هيئات وجهات دينية لا علاقة لها بالاقتصاد الدولي ولا بمجريات السياسة الدولية وإن كانت الكنائس تمثل أحد المؤثرات المهمة في صنع السياسات العالمية لبلدانها وللكتلة الغربية عموماً. ثم كيف يخدم السلام العالمي والتنمية الدولية إذا كانت الكنائس تنغمس في عمليات التنصير الواسعة حتى بين المسلمين، وحتى وهم يجلسون على مقاعد الحوار المزعوم، بل وما هو دور ممثلي الطرف الإسلامي في السلام والتنمية العالمية والكل يعلم (وهم قد يصرحون بذلك في مناسبات) بأنهم مجرد موظفين تابعين لدولهم وليس لهم صلاحيات أوسع من مجرد الحديث باسم رؤسائهم ووفق التكليفات المحددة والمحدودة التي تصدر لهم؟ التصور عن الحوار إذن غير موجود على الجانب الإسلامي؛ بل والأسوأ من ذلك أنه قد يكون موجوداً ولكن في شكل متهافت وخطير؛ لأنه ينم عن حقيقة أن المطلوب ليس حواراً كما يفهم ويعرف ويمارسه الناس؛ بل شيء آخر هو أقرب إلى الإذعان لما يريده الطرف النصراني من هذه اللقاءات والتمشي مع أهداف هذا الطرف الآخر، وعلى الجانب المسيحي في المقابل نجد أهدافاً وتصورات واضحة ومحددة لما يريدونه من هذا (الحوار) وهم قد يتحدثون على سبيل المجاملة السطحية والعابرة عن خدعة المحبة والمودة والتفاهم بين أصحاب الدينين؛ لكنهم يأتون إلى اللقاءات بمجموعة من التصورات لا تخطئها عين المراقب، ولعل أبرز هذه التصورات هو الحصول من الجانب الذي يفترض أنه يمثل الإسلام على اعتراف وتقبُّل بصحة ما تمثله الكنائس من عقائد ودعاوى، وندِّيته وتميُّزه، وهو اعتراف ثمين للغاية في إطار سياسات الكنائس وأوضاعها داخل بلدانها وخارجها، فهو من ناحيةٍ ورقة مهمة للغاية تطرح أمام جموع المسلمين في البلدان المستهدفة بالجهود التنصيرية؛ حيث يقال لهم: إن (مشايخ الإسلام) في بلاد القلب الإسلامي يجلسون مع أرباب الكنائس يتعاونون ويتباسطون و (يتقاربون) مع المفاهيم النصرانية ولذلك فلا حاجة للتوجس من جهود البعثات التبشيرية أو الابتعاد عن ممثليها؛ بل لا بد أيضاً من التواصل معهم وهو ما يفتح آفاقاً أوسع أمام العملية التنصيرية لا سيما في بلدان آسيا وإفريقيا. ومن الناحية الأخرى والأكثر أهمية فإن الكنائس تستغل هذا الحوار لتعزيز مكانتها داخل بلدانها؛ حيث تخاطب الجمهور العريض ودوائر الحكم والنفوذ ورجال الأعمال والثراء بأنها تقوم بدور خطير في التعرف على (العدو الإسلامي المحتمل) وجس نبضه وكف عدوانيته وشراسته وتعديل مفاهيمه (الأصولية) مما يستدعي توجيه الدعم المادي والمعنوي لها واعتبارها من الأدوات الفعالة للسياسة الغربية عموماً تجاه العالم الإسلامي وهي السياسة التي أصبحت تركز الآن على عالم الإسلام واعتباره هدفاً رئيساً بعد انهيار الكتلة الشيوعية. ومن الناحية الثالثة تسعى الكنائس من خلال الحوار مع أطراف يدعى لها تمثيل الإسلام كما أنها لا تتسم بأي عمق أو جدارة فكرية إلى أن تتوصل وبواسطة طرح سيل من الاتهامات إلى تعديلٍ وعلمنةٍ وتغريبٍ للكثير من المفاهيم والتصورات الإسلامية الشرعية تحت ستار التحديث والعصرية والاجتهاد الملائم للواقع وما شابه ذلك؛ حيث يتبارى (ممثلو الإسلام) في تقديم هذه (التنازلات) أو المواجهات في مجالات معروفة كالجهاد وأوضاع المرأة والأقليات غير المسلمة والتعامل مع الغرب والأخلاق والقيم.... إلخ، وذلك في سبيل السعي المحموم لنفي التهم التي يطرحها الطرف النصراني في الحوار ودحضها. والخلاصة هي أن التصورات الموجودة حول الحوار الديني عند الطرفين الإسلامي والنصراني (وبصرف النظر عن الجوانب الأخرى لهذا الحوار مثل مصداقية ممثلي الأطراف أو السياق الذي يجري فيه أو الأهداف المتحققة لكل طرف) لا تبعث على الثقة؛ بل تثير أشد المخاوف؛ لأنها لا تدل على (حوار) يجري بين أنداد متكافئين يملكون رؤية واضحة حول ما يريدون؛ بل تشير إلى أن طرفاً واحداً فقط هو الذي يمتلك مثل هذه الرؤية الواضحة والهدف المحدد بينما يضطر الطرف الآخر بسبب افتقاده إليها إلى مجاراة الجانب النصراني مجاراة ذليلة تابعة يدور في فلك أهداف الآخر ونواياه ويضر بمصالح الإسلام وأوضاعه من خلال تمييع مفاهيمه وعقيدته وإضعاف هويته وتميزه وتحويله إلى تابع يسير وراء النظام الغربي العالمي الجديد كما سارت الدول والأنظمة والسياسات.

стр. 3473

المنتدى خلا لكِ الجو فبيضي واصفري راشد بن عبد الله العدوان نقرأ هذه الأيام في بعض المجلات (المرتزقة) بعض الكتابات من تسطير أصحاب الأقلام المسمومة حول قضية المرأة، وكيف أن الرجال سلبوها حقها، وأن الحجاب الشرعي بزعمهم ما هو إلا تقاليد وعادات دخيلة ورثناها إبان عصر الغفلة والجهل، وأن [وقرن في بيوتكن] [الأحزاب: ٣٣] ما هو إلا حبس لها، وإحكام الخناق على حقوقها المسلوبة التي لا تَتَأَتى إلا بمشاركة المرأة للرجل ومخالطتها له في شتى شؤون الحياة. ولا أدري: أأعجب من كلام هؤلاء الموتورين، أم أعجب من مدى جرأتهم وصفاقة وجوههم؛ حيث كشفوا عمَّا تُكِنُّ صدورهم، بدون أدنى حياء أو خجل؟ وأقول: إن هؤلاء الذين يَدَّعُون بأن للمرأة قضية، ويَدْعُون مطالبين ومزمرين ومطبلين بإخراج المرأة من مستقر حشمتها وعفافها، إنما يَدْعون لإحياء فتنة، ويحاولون جاهدين إحداث الانقسام في المجتمع بين الرجل والمرأة، وشغل أفراده بقضايا لا تفتأ أذهانهم تثيرها بين الحين والحين، ببريق لامع وغلاف يلفت النظر، في حين نجد العدو يتربص بالمسلمين الدوائر وواقعنا خير شاهد على هذا. إن الرجل والمرأة حقيقةٌ واحدةٌ ربط الله بينهما بمودة ورحمة، لتثمر وتنبت التعاون على مسيرة الحياة كما شاء الله. يقول جل شأنه: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِسَاءً واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء: ١] . وإثارة قضية المرأة إنما يأتي على الطريقة الغربية لخدمة الكثير من الأهداف المشبوهة في مجتمع المسلمين، فإذا كان الإسلام عند الغرب ومقلديه قد صار مبادئ عفا عليها الزمن بمرور القرون فعلى المسلمين أن يبحثوا لهم عما يعوضهم عنها من مبادئ العصر وأفكاره تُشكل نمط حياتهم، وتوجه مسارها، ومن ثَمَّ فإن حاضرهم يجب أن يُفصَل عن ماضيهم، ومشكلات يومهم هي من ثمار أمسهم، وحلول الأمس لا تجدي نفعاً مع معطيات العصر، فيتحتم إذاً ولوج جُحْر الضب فتُدعى المرأة إلى الخروج والعمل، والاختلاط، والسفور، والانتقال بلا ضابط أو رقيب كالرجل؛ فهي نصف المجتمع، يجب ألا يموت، ويجب أن تُرفع الوصاية عنها! ويفسح لها المجال في كل اتجاه، وهكذا تدور الحلقة في شرقنا المسلم كما دارت في الغرب الصليبي، وترفع لها شعارات (حرية المرأة) ، و (قضية المرأة) ، و (التحديث) ، ويتطرق الأمر إلى أن هناك موروثات يجب هدمها لإفساح الطريق أمام النهضة الحضارية المزعومة. ونحن اليوم نتساءل: لماذا كانت هذه الدعاوى المحمومة في سبيل نهضة المرأة الحديثة؟ هل لتنهض بالأمة؟ هل لتسمو ببيتها وتعلو بأولادها وزوجها إلى مراقي السعادة، أم لكي تذوب المرأة المسلمة في خضم تقليدها للمرأة الغربية، والتي ضاعت وأصبحت متاعاً مباحاً وكَلأً ليس له من يحرسه ولكن تنتهك حرماته! ! ولكل من فشا فيهم مرض التجديد ووباء التقليد، فتمسكوا بكل حديث، ولو كان بالاختلاط والتبذير والرقص والفسوق، ونبذوا كل قديم، ولو كان الدين والعقل والفضيلة، والذين يطالبون بمساواة الرجل مع المرأة، أقول لهؤلاء جميعاً: اعلموا أن لكل من الرجل والمرأة عمله المناسب له، فالجدال حول هذا الأمر لا طائل وراءه. نعم: لا جدال في الوظيفة المثلى التي تستقل بها المرأة وهي حماية البيت في ظل سكينةٍ زوجية من جهاد الحياة وحضانة الجيل المقبل لإعداده بالتربية الصالحة لذلك الجهاد، والعمل بكل ما يتناسب مع فطرتها ويخدم بنات جنسها. ألا يُحَكِّم هؤلاء (المأفونون) عقولهم، ويعلموا أن الرجل رجل له مقوماته وخصائصه، وأن المرأة أنثى لها طبيعتها ومميزاتها؟ ألم يعلموا أن للرجال وظائف ومهام ومجالات عمل لا يتقنها بإجادة إلا هم، وأن للنساء وظائف ومهام لا يصلح لها ولا يقدر عليها إلا هن؟ وأما دعاوى هتك الحجاب فليست نفياً للحجاب فحسب، بل نفياً للمرأة ذاتها وراء حدود الأسرة، وما الحجاب إلا حفظ لمكانة المرأة، وصونها من التبذل الممقوت، والارتفاع بها أن تكون سلعة بائرة ينادى عليها في مدارج الطرق والأسواق. فخروج المرأة من حجابها وفطرتها خروج إلى الضياع، وهو إضعاف لها، وجعلها فريسة للمغرضين. إن الأسرة المسلمة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع الإسلامي، وحجاب المرأة جزء هام في وظيفتها الحياتية، يصونها من غوائل السوء، ويحفظها من لصوص الأعراض، ويقي حياءها من الخدش، ويحفزها إلى صلاح الروح، وصلاح النفس، ولهذا كان الغرب الحاقد شديد الحرص على نزع حجاب المسلمات ليصلوا إلى بغيتهم ويحققوا أهدافهم؛ فكأس وغانية تفعل بالمسلمين ما لا يفعله ألف مدفع. وعندما أدرك أعداء الإسلام أهمية الحجاب، وعرفوا ما فيه من وقاية للمجتمع ومحافظة عليه من الذوبان في غيره وجهوا سهامهم إليه، وأَلَّبوا عليه جموعهم وأجْلَبوا عليه بخيلهم وَرَجِلهم ليصلوا إلى ما يريدون ويحققوا ما ينشدون. وباسم حرية المرأة عمل المخدوعون ببريق حضارة الغرب على الدعوة إلى تشبُّه المسلمات بالكافرات، وصاحبات الخدور بالسافرات، لتكون المرأة وسيلة لتحقيق أهوائهم ورغباتهم، بعد تجريدها من مكانتها، وتهميش دورها، وتحطيم قيمها وأخلاقها، ثم الوصول إلى هدم بناء الأسرة، وتذويب المجتمع المسلم في عاداته وسلوكه بالمجتمعات التي لا تَمُتُّ إلى عقيدتنا وقيمنا بأي صلة، حتى لا تبقى لشريعة الله بقية. وقد كان من أول ما قررته القوى المعادية للإسلام من كيد للإسلام أن تُدفع المرأة للتخلي عن معاني العفة، ومكارم الحياة، فزينت لها أسلوب الجاهلية في كل مناحي حياتها، وخاصة في موضوع حجابها ولباسها. وختاماً أقولها صريحة وقوية: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بدونه أذلنا الله.

стр. 3474

المنتدى همسة في أذن داعية أبو عبد الرحمن الفاتح احذر الموت والمرض والغفلة والرياء والانشغال بهموم الدنيا وضياع الوقت في غير مرضاة الله، واجتنب البخل والتقييم الخاطئ لنفسك ولغيرك، ودع عنك كثرة الضحك واليأس والنسيان.. نسيان القضية التي من أجلها خلقت ولها تدعو، واحذر الانشغال عن إخوانك ونسيان الموحدين المبتلين في كل بقاع الأرض، واحذر الشيطان وأعوانه وحزبه والخوف من غير الله، وتعوَّذ بالله من النكوص عن حمل الأمانة وإقامة الخلافة وتحكيم الشريعة. .. واحذر إهمال القرآن: (قراءة وتدبراً وعملاً ودعوة) . فإن كثيراً من الدعاة لا يعطي القرآن حقه في أن تتصل به القلوب أكثر من اتصالها بأي كتاب آخر وتستقي وتتلقى منه وتحيا فيه؛ فإنه لا بد لنا في أي مرحلة من مراحل الحياة أن نعيش بالقرآن ونتعامل بالقرآن ونتربى بالقرآن وندعو بالقرآن ونجاهد بالقرآن ونتحاكم للقرآن وهكذا حتى يمن الله علينا ونستحق أن نقيم خلافة على منهج القرآن. فالمقصود هو الارتقاء بالدعوة والدعاة إلى حد أن يهيمن القرآن على الحوارات واللقاءات والندوات والدعوات، ولا مانع من الاستعانة بالكتب والشروح وأقوال العلماء ولكن تظل الصدارة والهيمنة للقرآن بروحه وآياته ويظل القرآن هو المحور البارز في الحوار واللقاء؛ وذلك لأسباب كثيرة منها: ١- أنه كلام الله فهو أيسر وأسهل أسلوب يصل بأسهل الطرق إلى القلوب. ٢- أنه كلام الله فهو أبلغ دلالة. ٣- جعل المدعو أكثر ارتباطاً بالقرآن وبالله عن ارتباطه بكلام البشر وهذا عنصر تربوي مهم لا يحسه إلا من عاشه. ٤- إذا أُدير الحوار واللقاء بالقرآن فهو آمَنُ للعواقب.

стр. 3475

المنتدى مشاركة أحمد بن محمد أشرف بن أمين إن الصحوة الإسلامية اليوم في مرحلة نضوج وإيناع؛ فهي قد اجتازت مراحل الضعف التي مرت بها سابقاً، والتي كان لها أسبابها، ولست بصدد الحديث عنها الآن؛ لأنني إنما أردت أن أكتب عن مشكلة تواجهها الصحوة، وهي بالطبع ليست المشكلة الوحيدة، لكنها تستحق الاهتمام، وذلك لأنها تمس الوتر الحساس كما يقولون وإني وإن لم أكن من الدعاة الذين عملوا من أجل الوصول بالصحوة إلى هذا المستوى، أو من المربين الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل الرقي بجيل الصحوة إلى هذا القدر؛ إلا أني أحببت أن أدلي بدلوي من حيث إني فرد من المسلمين الذين تسرهم ظاهرة الرقي والرفعة، وتسوؤهم هذه الظاهرة أو المشكلة التي أنا بصدد الحديث عنها، وهذه الظاهرة وهي ظاهرة خطيرة حقاً هي: (عدم الثبات على المبدأ والتغير المفاجئ في الأفكار) ، ولست أعني بذلك التغير الناتج عن التصحيح أو التصويب، إنما أقصد بذلك التغير إلى الخطأ.. وفي الحقيقة فهذه ظاهرة أصبحت واضحة جلية للعيان، والعجيب في هذه الظاهرة أنها تحدث كلمح البصر أو أقل من ذلك ولا أكون مبالغاً فيما أقول، فتجلس مع شخص من أولئك الذين هم في الحقيقة ضعاف النفوس من الذين ساروا على الطريق مدة ليست بالقصيرة، وتشبعت أفكاره بالأفكار الصحيحة المؤصلة، وإذا به عندما يتحدث ذو فكر معتدل لا يحيد ولا يميل قد وافق بفكره نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعندما تقابله مرة أخرى بعد شهر أو حتى أسبوع أو أسبوعين فإذا هو شاهر سيفه ينقض كل ما قاله، ويستند إلى أحداث ووقائع ومواقف، ربما يكون هو أحد أبطالها، ويجتهد اجتهادات باطلة لا أصل لها، ولا يقف عند هذا الحد، بل ويبدأ بالمواجهة العمياء، فيتتبع العثرات والأخطاء، ويقول: أنتم فيكم كذا، وفيكم كذا، وعندكم من الأخطاء كذا وكذا، ويبدأ يعدّ ويعدّ، ويتكلم ويُشهِّر، وما إلى ذلك مما يقوم به أمثاله، وإذا حاولت معرفة سبب ذلك تجده إما تعصباً لشخص مَّا قد أخذت الصحوة منه موقفاً لضرره، وإما تشدداً في أمر مَّا، وإما لأنه قرأ كتاباً منحرف الفكر فتأثر به، وإما لأنه جلس مع فلان ممن هم أمثاله فأخذ يلعب بأفكاره يمنةً ويسرة، أو لفهم خاطئ لشيءٍ مَّا، أو للبعد عن واقع الصحوة مدة معينة لسبب ما؛ حيث تأخذ الوساوس الشيطانية وخلجات النفس الشهوانية مسارها فيتأثر ويرى أن فكره السابق إنما هو خطأ في خطأ، وهذا من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى ذلك في الوقت الحالي، ولنذكر حديث النبي ﷺ : (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) [١] ، وهكذا، فإن هذا شيء يستدعي أن لا يُهمل حتى وإن كان في زاوية ضيقة؛ فهل النار إلا من مستصغر الشرر؟ ولعل من المظاهر التي يتميز بها هؤلاء التذبذب في الأفكار، فتجده يعجز عن المواجهة إذا ناقشته مناقشة عقلية، وإن حاول الهروب من هذا العجز، فسيكون عجزه أكثر عند مناقشته بنصوص القرآن والسنة ومعتقدات أهل السنة والجماعة، وسيحاول تأويل النصوص لكنه في الحقيقة لن ينفك عن الاحتجاج بأي حجة على أنه لا يستطيع الكلام لسببٍ ما، أو أنه يحتفظ بذلك لنفسه، وما إلى ذلك. ولعل العلاج لمثل هذه الظاهرة موجود لدى المربين والدعاة وعلماء النفس المعتدلين، ومتوفر في كتبهم، ولعل العلاج أيضاً من وجهة نظر خاصة يختلف من شخص لآخر، إلا أنني أنادي المختصين من المربين وغيرهم بأن يبذلوا ما في وسعهم لعلاج هذه الظاهرة المتفشية التي ربما كان لخصوم الصحوة دور كبير فيها، وليس هذا إسقاطاً، ولكن لا بد أن تتوخى الأمة الحذر، وأن تعرف أعداءها الحقيقيين، والذين من أخطرهم المنافقون لعنة الله عليهم.

стр. 3476

المنتدى إليكِ يا.. فتاة الإسلام عبد الحميد سالم الجهني لو تعلمين أُخيتي ما يحملون ... بقلوبهم لك هؤلاء المجرمون؟ ! لعلمت أنهم الذئاب وليتهم ... كانوا كذلك بل أشد. أتعلمين؟ ! فالذئب يفتك بالحياة وهؤلاء ... يمزقون حياءك الطهر المصون أترينهم في كل نادٍ يصرخون: ... إلى متى عهد الحريم المستكين؟ وإلى متى تمشي الحسان مكفنات ... بالعباءة والحجاب بلا عيون وإلى متى يبقى النساء كما الدجاج ... مجلدٌ ومحاصرٌ في كل حين وإلى متى نجدُ الجمالَ رهينةً ... في البيت دون لقائِه الحرزُ الحصين وإلى متى يا للحضارة والتقدمُ ... لم يحررهن من أسرٍ ودين وإلى متى وإلى متى وإلى متى ... هذا صراخهمُ القوي أتسمعين ملؤوا به الدنيا فكل جريدة ... فيها شياطين الدعارة والفنون وفويسقٍ جمحت به أهواؤه ... فكأنه إبليس يهدي الفاسقين عيناه تنطق بالفسوق وحولها ... هالات عربدة تطاير بالجنون وهمُ فراخٌ للدياثة والخنا ... وتقلبوا دهراً بوحل الكافرين فتشربوا أهواءهم وتشدقوا ... كالببغاوات الضعيفة بالظنون فأتوا سكارى يزعمون بأنها ... الحرية الحمراء يعشقها الرهين وهي الحضارة لا سبيل لنيلها ... حتى تَكَشَّف كل أنثى للعيون سبحان ربي ما جنى المتحررون ... وقد تمادوا بالتحرر من سنين قد حرروها؟ ! من كرامة ربها ... فاقتيدت البلهاء للقيد المهين قيدٌ من الشيطان والدنيا اللعينة ... يستبيها كل أفاك لعين أَوَ هكذا تحيا الحرائر كالدمى ... أم أنهن من الإماء وقد سُبين؟ ونفائس الدرر الكريمة لا ترى ... إلا بأصداف كألطف ما تكون أختاه لا.. لا يخدعنك هؤلاء ... الفاسقون ولا أظنك تخدعين يا أيها الأخيار قد نطق الرويبضة ... الحقير ولا أراكم تنطقون أعجزتم حتى عن الشكوى فما ... أدري بأي مصيبة تتألمون؟ ! إن كان هذا لم يحرك ساكناً فيكم ... فلا عشتم على هذا السكون والضعف لا ينفك بهدم أمة ... حتى وإن كانت على الحق المبين والحق ما لم يحمه أتباعه ... بلسانهم وسنانهم ذاق المنون أو فاصبروا يستبدل المولى بكم ... قوماً على نصر الشريعة قادرين

стр. 3477

المنتدى من ينبوع الحزن عبد الرحمن الأحمد قرأت في الصحف والمجلات كثيراً عن منظمات حقوق الإنسان والهيئات التابعة لها وقلت في نفسي: أين هم من مؤتمراتهم التي أقاموها على مرأى ومسمعٍ من الجميع؟ وأين هم من قراراتهم وتوصياتهم التي لم يطبق منها شيء؟ وفجأة أفقت من غفلتي وقلت: أنعاتب اليهود؟ وهم المعروفون بالغدر ونقض العهود والمواثيق؟ أم نعاتب النصارى الذين ديدنهم المكر والخديعة للإسلام وأهله؟ إن الواقع المشاهد في دول العالم الإسلامي في هذا العصر ليتنافى مع كل القيم الإنسانية والأحكام السماوية بل وحتى الأحكام الوضعية التي هي من صنع البشر أنفسهم. ففي فلسطين احتلال وتدنيس، وفي كشمير مذابح وحشية، وفي البوسنة والشيشان جرح نازف، وفي كوسوفا تشريد وتعذيب واغتصاب وتقتيل، وفي كل بقعة من بقاع المسلمين مأساة، وما ذاك إلا لأنهم قالوا ربنا الله؛ فأين حقوق الإنسان من اغتصاب للنساء وتشريد للشيوخ وتنصير للأطفال ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فيا أيها المسلمون العودة العودة إلى كتاب الله والتمسك بدين الله، ولن يصلح شأن آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، تمسكاً بكتاب الله وتطبيقاً لأحكام هذا الدين الحنيف.

стр. 3478

ردود * الإخوة: الذين أرسلوا ملاحظاتهم أو اتصلوا بالمجلة للتنبيه على الخطأ الذي وقع في افتتاحية العدد ١٤٨، بسبب الاستشهاد بآية: [فَإنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وتَشَاوُرٍ] في موضوع الخلع وأن هذه الآية المقصود منها الفطام وليس الفصال، نشكر أولئك جميعاً شكراً جزيلاً معتذرين عن هذا الخطأ، آملين من الجميع دوام التناصح. * الأخ: باسل السدحان: أرسل اقتراحاً يطلب فيه أن يحتوي عدد نهاية العام أو بدايته على فهرس يصنف مقالات هذا العام، ونحن نشكر الأخ على اقتراحه، وجزاه الله خيراً. * الإخوة: الذين يسألون عن البرنامج الإلكتروني لمجلة البيان، فنخبرهم بأن البرنامج في مراحله النهائية بإذن الله وعند الفراغ منه سوف يتم الإعلان عن ذلك على صفحات المجلة. بارك الله فيكم لحرصكم واهتمامكم. * الإخوة: الذين يستفسرون عن رقم فتوى هيئة كبار العلماء وتاريخ إصدارها حول كتاب: (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لخالد العنبري، الرقم هو: ٢١١٥٤ بتاريخ: ٢٤/١٠/١٤٢٠هـ. * الأخ: ذعار بن محمد الجميلي: نشكر لك تواصلك الطيب، وحول ملاحظتكم اللغوية فيرى الإخوة اللغويون أن الأمر يقبل الوجهين، مع تقديرنا لتواصلكم. * الأخ: د. عبد الله بن هادي القحطاني: نشكر لكم تواصلكم الكريم مع مجلة البيان، ونفيدكم بأن مشاركة (الإرهاب الروسي) مجازة للنشر، ونعتذر عن نشر المشاركة الأخرى، آملين دوام التواصل. * الأخ: محمود محمد دبش: جزاكم الله خيراً على مشاركتكم (منهج التفكير العلماني) والمقالة مجازة للنشر مع رجاء اختصارها إلى نصف عدد صفحاتها، بارك الله فيكم. * الأخ: محمد شلال الحناحنة: نشكر لك تواصلك الدائم مع مجلتك، وحول مشاركتك (وقفات للخلف مع سيرة السلف) فنعتذر عن نشرها لغياب التوثيق والعزو إلى المصادر. * الأخ: حسين بن علي الشقراوي: جزاكم الله خيراً على مشاركتك التي أرسلتها حول موضوع المرأة، ولكن الموضوع قد تم تغطيته في (ملف المرأة) المنشور في العددين (١٤٩، ١٥٠) مع أمل دوام التواصل. * الأخ: صالح بن سليمان العامر: كتاب: (صناعة الحياة) للأستاذ محمد أحمد الراشد، من الكتب المفيدة المتميزة، ولكن الكتاب متداول، ولهذا لا نرى مناسبة تلخيصه في المجلة، نسأل الله تعالى أن يبارك في جهودكم وبانتظار مشاركات أخرى. * الأخ: أبو جعفر محمد الشريف: نشكر لك اهتمامك وحرصك، ونعتذر عن نشر مشاركة (وداعاً محدث العصر) لفوات المناسبة، وجزاكم الله خيراً. * الأخ: يحيى آل سالم: مشاركاتكم التي أرسلتها عبر الفاكس عن التربية لم تصلنا كاملة، كما أنها غير واضحة، فنرجو التكرم بإعادة إرسالها، بارك الله فيكم. * الأخ: الذي أرسل يصحح اسم كاتب قصيدة عنب السلام من (علي الغامدي) إلى (الحسين جبره) نقول: إن القصيدة وصلتنا باسم (علي الغامدي) فكيف نكتب اسماً آخر؟ ! * الإخوة: د. محمد ظافر الشهري، جابر بن راشد الفهيد، ناصر سنادة، جلال راغون، نايب صالح، راشد عبد الله العدوان، د. أحمد جمال بادي، عادل بن عبد الله الدوسري: بارك الله فيكم، وشكر سعيكم في هذا التواصل الطيب، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر ونرجو المزيد. * الإخوة: سليمان بن يحيى المالكي، عبد الله سالم الغامدي، محمد عبد الله الرويلي، زاهر محمد الشهري، محمد سعيد حجاب: جزاكم الله خيراً على مشاركاتكم، هي مجازة للنشر في المنتدى. * الإخوة: عبد الله عبده السمسمي، عمر الرماش، أحمد سلامة أحمد، علي بن سليمان البذيخي، نجاح محمد عبد الغني، محمد الباشا، حسين عبد الرحمن بن عقيل، مد الله عبد الكريم المديد، عبد المنعم محمد خير، خالد بن سليمان العامر، عبد الله السبيعي، خالد عبد الوهاب القرينيس، يحيى آل سالم، حسين بن علي الشقراوي: (وقفات مع العام الهجري) وصلتنا مشاركاتكم، وجزاكم الله خيراً على هذا التواصل الطيب، ونأمل دوام التواصل، ونتمنى لكم التوفيق في مشاركات قادمة.

стр. 3479

الورقة الأخيرة خواطر في زمن الغربة سالم فرج سعد الغربة الحقَّة: أستعيدُ ذكريات الماضي فلا تتراءى أمامي إلا أشباحُ الغربة بعذاباتها ومتاعبها.. أجول بخاطري فيما مضى، وفيما يأتي فيتقاذفني اليأس والأمل، والشدة والرخاء.. نعم كنت أحب الغربة والوحدة لأعيش فيها لحظات خيال سابحة جعلني أتأمل في الكون والحياة؛ لكن عندما عايشتها عرفت أن الحب شيء والتعايش مع هذا الحب شيء آخر.. قد يفهم البعض من الغربة ترك الأهل والوطن والسفر من أجل لقمة العيش أو تحصيل علم، وهو فهم صادق لكنه قاصر؛ فالغربة الحقيقية هي التي يعيشها المسلم في زمن الظلام والظلم والجاهلية العمياء، غربته في دينه ودنياه، وفي فكره وعقيدته، تلك هي الغربة الصعبة المريرة التي يشعر فيها العبد المؤمن أنه مسافر غريب في هذه الدنيا وينتظر راحته في دار النعيم، والقرار بأعماله الصالحة وطاعته لربّه ومولاه ... شعاره الدائم نصيحة رسوله الكريم ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريبٌ، أو عابر سبيل) [١] . وتهون كل المصائب.. وتضعف كل المتاعب.. التي تحيط بهذه الغربة الحقّة.. لأنها غربةٌ في سبيل الله. غرباء وارتضيناها شعاراً للحياةْ ... غرباءُ ولغير الله لا نحني الجِباه ... لماذا أكتب؟ إنه سؤال يطاردني كلما كتبت أو أردت أن أكتب ومع ذلك لا بد من طرحه والإجابة عنه لتكون الكتابة هادفة وخالصة. ونظرة سريعة إلى أعمدة الصحف وأسطر المجلات اليومي منها والأسبوعي، الشهري والسنوي، تجد التباين الشاسع بين أساليب المقالات، وأفكار الكتابات، وعندها يتأكد لك مدى أهمية هذا السؤال: لماذا أكتب؟ إن الكتابة للكتابة هي هواية وحرفة لا تؤدي مفعولها ودورها إلا حينما تكون الفكرة والصراحة والوجدان تلامس الواقع، وتخاطب العقول والضمائر. إن أمانة القلم تفرض هذا السؤال العَلَم: لماذا أكتب؟ حفاظاً على حرية الكلمة، ورصانة العبارة، وقوة الفكرة والهدف.

стр. 3480

ربيع الأول - ١٤٢١هـ يونيو - ٢٠٠٠م (السنة: ١٥)

стр. 3481

كلمة صغيرة بين المجلة وقرائها إنَّ مما يثلج صدورنا، ويقرّ عيوننا، ويدفعنا إلى المزيد من العطاء والإنتاج بعون الله تعالى تفاعل قرائنا مع مجلتهم، ثناءاً وتقويماً واقتراحاً. فكلما ازداد التواصل والتفاعل بين المطبوعة وقرائها ازداد نجاحها واتسعت ساحتها، وإننا نشعر في المجلة بأن قراءنا ليسوا كبقية القراء؛ فهم معنا بعقولهم النيرة، وبقلوبهم المفعمة بالحب والتقدير، يمدون أيديهم إلينا بصدق وإخلاص، وهذا بإذن الله تعالى يزيدنا حرصاً على إرضائهم بما ينفعنا جميعاً في ديننا ودنيانا وعاقبة أمرنا، مع تطلعنا إلى نشر المادة العلمية التي تشبع رغباتهم. وكم أسعدنا ثناء قرائنا على ملفنا الأخير (ماذا يريدون من المرأة؟!) . ونؤكد بدورنا أنَّه ثمرة من ثمار التعاون اليانعة بين المجلة وكتابها وكاتباتها الأفاضل، ويسعدنا أن يستمر هذا التواصل؛ فنحن في هذا الطريق شركاء متعاونون لعمل كل ما من شأنه إفادة القارئ وتوجيهه. وقد طلب منا بعض الكُتَّاب أن نذكر لهم عنوان الملف القادم لعلَّ بعضهم يرغب المشاركة فيه، ونزولاً عند رغبتهم فإن ملفنا القادم بإذن الله تعالى سيكون بعنوان: (التنصير.. أهداف.. ووسائل.. وأرقام) ويشرفنا أن يُثرى الملف بمشاركات الأكفاء من أهل المتابعة والاختصاص. كما يشرفنا أن نستقبل آراء القراء لاقتراح عناوين لملفات أخرى قادمة تثري المعرفة وتنير آفاقنا إلى الصراط المستقيم. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 3482

الافتتاحية في المؤامرة على المرأة المسلمة: منظمة العفو الدولية تدلي بدلوها !! تجتاح منطقتنا العربية في هذه الآونة حمى مسعورة تستهدف المرأة العربية في إسلامها بدعوى نيل حقوقها المهضومة، ويدل التوقيت المتتابع والتشابه في الجزئيات رغم تباعد المواطن على أن هذه الحمى ما اجتاحت المنطقة بطريقة عفوية غير مقصودة، وإنما هناك مطالب محددة ومخطط دولي محكم، ربما نسجت خيوطه من مغازل توصيات مؤتمرات القمة الدولية في القاهرة وبكين وإستانبول والهند. فمن الضجة حول قانون الزواج المدني في لبنان الذي أرادوا فيه هدم قيام الأسرة على أساس ديني، إلى الضجة حول قانون جرائم الشرف في الأردن الذي لم يريدوا فيه الدفاع عن حق المرأة في الحياة بقدر دفاعهم عن حقها في التحلل والفجور باطمئنان! إلى الضجة حول مرسوم قانون حقوق المرأة السياسية في الكويت، إلى الضجة حول قانون الخُلْع والزواج العرفي في مصر الذي أرادوا به تفسيخ الأسرة المسلمة وتقنين الانحلال والفساد، إلى الضجة حول قانون الأحوال الشخصية وخطة إدماج المرأة في التنمية في المغرب.. . وغيرها وغيرها، نقاط متباعدة وخيوط متصلة تنسج شبكة جديدة يراد إيقاع المرأة المسلمة في براثنها. وفي هذا السياق رصدت مجلتكم البيان خيطاً آخر من خيوط هذه الشبكة ولكن في نقطة بعيدة عن عالمنا العربي، ربما لذلك يُعَدُّ أحدَ الحبال (أو الأحابيل) في شبكة هذا المخطط؛ فقد انعقد يوم السبت الحادي عشر من شهر مارس (آذار) سنة ٢٠٠٠م الموافق ٤/١٢/١٤٢٠هـ برعاية منظمة العفو الدولية مؤتمر حول الحقوق الإنسانية في الشرق الأوسط في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية في العاصمة البريطانية لندن، حضرته ثلة من الناشطات في مجالات العمل النسوي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. افتتحت (كيت آلن) مديرة فرع المنظمة في المملكة المتحدة أعمال المؤتمر بالترحيب بالضيوف وتقديم المتحدثات. وشاركت في الجلسة الأولى كل من: أسماء خضر (الأردن) ، أمينة المريني (المغرب) ، ناولا درويش (مصر) ، د. فاطمة العبدلي (الكويت) ، وأدارت الجلسة الدكتورة (لين ولشمان) من مركز القانون الإسلامي والشرق الأوسطي في معهد الدراسات الشرقية والإفريقية. وتدل الأسماء العربية المذكورة على أحد أهداف المؤتمر غير المعلنة، وهو زيادة تسخين (قضية المرأة) في المناطق الساخنة المشار إليها سابقاً، إضافة إلى الصعود بها من الصفة المحلية والإقليمية إلى التدويل وتحريك الرأي العام (الغربي) لمساندتها وتأييدها، وهذا ما طالبت به بالفعل بعض المحاضِرات كأمينة المريني التي طلبت الدعم من منظمات حقوقية وشخصيات سياسية ومن منظمة العفو الدولية، وميرفت رشماوي التي تحدثت عن عالمية حقوق الإنسان باعتبار حقوق المرأة كما يطالبن بها ضمن هذه الحقوق، وأشادت بمؤتمر بكين باعتباره تجربة رائدة، كما أكدت على ضرورة حضور المرأة في المنظمات الأممية. وهذا يجرنا إلى الحديث عن نقطة أخرى مهمة وهي حرص أصحاب المشروع التغريبي للمرأة على الاستقواء بأصحاب السلطة والنفوذ لفرض توجهاتهم بالإرهاب المعنوي عبر تمرير مشاريع لقوانين وقرارات حكومية بطريقة مريبة، كما حدث في البلاد المشار إليها، إضافة إلى نموذجي تركيا وتونس، وهذا الملحظ (فرض التوجهات بقوة القانون) كان قاسَماً مشتركاً في حديث المشارِكات في المؤتمر. كما يدل اختيار مديرة الجلسة من (مركز القانون الإسلامي والشرق أوسطي) على اتجاه متنامٍ في (تكتيك) إدخال التوجهات الغربية حول المرأة إلى المنطقة العربية و (الشرق أوسطية) ، وهو اتجاه استخدم الإسلام (مطية) لحمل هذه التوجهات إلى شعوب هذه المنطقة باعتبار الإسلام هو الدين الشائع بين هذه الشعوب ونظراً لكونه لا يزال يشكل عامل تأثير و (حساسية) لديها، وقد برز هذا الاتجاه في أحاديث معظم المحاضِرات في المؤتمر، من خلال محاور طرح (إعادة تفسير الإسلام بما يتلاءم مع التوجهات الجديدة) ؛ فالأستاذة أسماء خضر (الأردن) عرَّجت على النموذج التونسي باعتباره حمل مفاهيم مختلفة للشريعة للقضايا نفسها محل البحث، ثم طرحت تساؤلاً حول مدى وجوب معالجة هذه القضايا: من داخل الشريعة أم من خارجها؟ وأجابت بأنه ينبغي معالجة الموضوع ضمن الأطر الشرعية وأنه يجب العودة إلى القرآن، ثم طرحت مسألة نشوز المرأة التي تقرر العمل خارج المنزل دون موافقة زوجها، والفتاة التي تريد الزواج دون موافقة أهلها، وتحدثت عن العلاقة بين قانون الأحوال الشخصية وقوانين الأسرة مبرزة أن المرأة لا زالت بحاجة إلى إذن زوجها للحصول على جواز سفر وأنها تمنع من السفر دون موافقته. و (التكتيك) ذاته استخدمته أمينة المريني (المغرب) ، حيث قالت: إن قانون الأسرة يؤثر عليه الفهم المخطئ لنصوص الشريعة، وأكدت على إمكانية تغيير هذا الواقع بفهم أكثر تطوراً للشريعة؛ إذ يجب علينا القبول بواقعنا وديننا وأن يكون الإصلاح من داخلهما. ثم ذكرت أنه لأول مرة في المغرب وجدت حركة يسارية أيدت بشكل أوسع حقوق المرأة آخذة بتوصيات مؤتمر بكين، وطالبت برفع السن الأدنى للزواج من ١٥ إلى ١٨ سنة، وإلغاء تعدد الزوجات، وحق المرأة في حضانة الأولاد إذا أرادت الزواج مرة أخرى، وأوضحت أن هذا البرنامج لقي معارضة شديدة من الإسلاميين باعتباره مخالفاً للشريعة. وفي إحدى حلقات العمل المسائية [١] حاضرت البروفسور هالة أفشر (جامعة يورك) حول الحركة النسوية الإسلامية، فأشارت إلى أنه من الممكن وجود نساء إسلاميات داخل الحركة النسوية؛ فهؤلاء النساء يعتبرن أن الماضي كان مفتوحاً أمام المرأة (أم المؤمنين خديجة ﵂ على سبيل المثال) فمنذ أربعة عشر قرناً تمتعت المرأة بحقوقها كاملة في الإسلام، ولكنَّ قيماً كثيرة تلاشت بسبب سوء فهم النصوص، كما أكدت على أن المعركة كانت دائماً (مع رجال الدين) ! باعتبارهم يناهضون المرأة بسبب سوء فهمهم للنص الشرعي؛ فهم يعتقدون كما تقول أن المرأة كائن أقل من الرجل وعليه فهي غير مؤهلة نفسياً ودستورياً لتشغل منصب القضاء مثلاً، وأردفت قائلة: إنه لا يوجد سبب على الإطلاق يجعل منصب القضاء حكراً على الرجال، وخلصت إلى التأكيد على أهمية انخراط المرأة في التفسير والاجتهاد وإلى ضرورة عودة المرأة إلى الساحة وإعادة قراءة النص القرآني، ثم شددت على ضرورة منع تعدد الزوجات باعتباره سلوكاً يقتصر على النبي ﷺ وحده.. وقد أثارت هذه المحاضرة جدلاً شديداً، وشهدت حضوراً مكثفاً. وقد رأينا بوضوح هذا (التكتيك) ممارساً على أرض الواقع عند تمرير قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر مصاحباً بحملة إعلامية علمانية تؤكد (إسلاميته!) . ونستطيع رصد المطالب التي دارت حولها أحاديث المؤتمِرات في الآتي: ١ - حق المرأة في المشاركة السياسية؛ بما فيها حقها في صنع القرار وحقها في الانتخاب. ٢ - حق المرأة في تولي مناصب القضاء والتشريع. ٣ - إطلاق حرية المرأة في التنقل والسفر بغير إذن من رجل (أب أو زوج) . ٤ - حق المرأة في الطلاق من غير الرجوع إلى رجل. ٥ - منع تعدد الزوجات واعتبار ذلك شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة. هذه هي أهم المطالب التي أثارتها المجتمِعات في مؤتمر منظمة العفو الدولية حول الحقوق (الإنسانية) للمرأة في الشرق الأوسط، وهي تدل على أن الحقوق المقصودة هي الحقوق (الإنسانية الغربية) ، وتدل أيضاً على انقياد الحركة النسائية العربية خلف الغرب وقيمه؛ فمطالبهم تمس فقط الأمور التي لها علاقة بالشريعة الإسلامية وشكل الأسرة المسلمة باعتبارها ركيزة البناء الاجتماعي الإسلامي الذي لم يقوَ الغرب على هدمه تماماً رغم محاولاته العديدة منذ زمن بعيد، وإلا فهناك حقوق للمرأة لا يلتفت إليها ولا يسمح بالحديث عنها رغم بداهتها ووضوح اضطهاد المرأة فيها فهم لا يناقشون مثلاً حق المرأة في ارتداء ما تريده من ملابس إذا كانت هذه الملابس هي الحجاب الشرعي، فنرى المرأة تُمنع من ذلك بقوة القانون والقرارات الحكومية في تركيا وتونس ومصر، بل وفي فرنسا بلد الحريات في أوروبا، وأين الحديث عن حقوق المرأة التي يغيّب عائلها أو رحمها في غياهب سجون الاحتلال الصهيوني أو النظم العلمانية بدون جريرة غير الدفاع عن مبادئ أمته وحقوق أبناء وطنه؟ ولكن يبدو أن المدافِعات عن حقوق المرأة اجتمعن فقط للتأكد على (ضرورة كسر المحرمات من أجل النهوض بوضع المرأة) ! . كما عبرت إحدى المجتمِعات ولكن بالطبع النهوض بها كما يريدون. ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.

стр. 3483

إشراقات قرآنية [يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ] عبد العزيز بن ناصر الجليل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: فعنوان هذه المقالة آية عظيمة من كتاب الله يذكِّر الله سبحانه عباده فيها بشأن القلوب وأعمالها وسرائرها مما لا يعلمه الناس وهو بها عالم، كما ينبه الله من خلال هذه الآية إلى أن هذه السرائر ستبلى وتُختبر يوم القيامة، ويظهر ما فيها من الإخلاص والمحبة والصدق أو ما يضادها من النفاق والكذب والرياء؛ وذلك في يوم القيامة، يوم الجزاء والحساب؛ وهذا واضح من الآية وما قبلها وبعدها؛ حيث يقول الله : [إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ] (الطارق: ٨-١٠) . والقلب هو محط نظر الله وعليه يدور القبول والرد كما قال ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [١] والسريرة إذا صلحت صلح شأن العبد كله وصلحت أعماله الظاهرة ولو كانت قليلة، والعكس من ذلك عندما تفسد السريرة فإنه يفسد بفسادها أقوال العبد وأعماله وتكون أقرب إلى النفاق والرياء عياذاً بالله تعالى، ويوضح هذا الأمر قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» [٢] . ويشرح هذا ما نقله صاحب الحلية رحمه الله تعالى عن وهب من قوله: «ولا تظنن أن العلانية هي أنجح من السريرة؛ فإن مثل العلانية مع السريرة كمثل ورق الشجر مع عرقها العلانية ورقها والسريرة عِرقها، إن نُخِرَ العرق هلكت الشجرة كلها ورقها وعودها، وإن صلح صلحت الشجرة كلها: ثمرها، وورقها؛ فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير ما كان عرقها مستخفياً لا يُرى منه شيء؛ كذلك الدين لا يزال صالحاً ما كان له سريرة صالحة يصدق الله بها علانيته؛ فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة كما ينفع عِرق الشجرة صلاح فرعها، وإن كان حياتها من قِبَلِ عرقها فإن فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين فإن العلانية معها تزين الدين وتجمِّله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه » [٣] . ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: [يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ] (الطارق: ٩) : «وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة، وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة؛ فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحاً، فتبدو سريرته على وجهه نوراً وإشراقاً وحياءاً، ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعاً لسريرته، لا اعتبار بصورته، فتبدو سريرته على وجهه سواداً وظلمة وشيناً، وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها» [٤] . وقال أيضاً في تفسير: قوله تعالى: [يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ] (الطارق: ٩) أي: تختبر، وقال مقاتل: تظهر وتبدو. وبلوتَ الشيء إذا اختبرتَه ليظهر لك باطنه، وما خفي منه. والسرائر جمع سريرة، وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله؛ فالإيمان من السرائر، وشرائعه من السرائر، فتختبر ذلك اليوم، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها من مضيعها، وما كان لله مما لم يكن له. قال عبد الله بن عمر ﵄: «يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زيناً في الوجوه، وشيناً فيها. والمعنى: تختبر السرائر بإظهارها، وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب، والحمد والذم» [٥] . مما سبق يتبين لنا عِظَمُ شأن القلب وخطورة السريرة؛ حيث إنها محط نظر الله وعليها مدار القبول عنده سبحانه وحسب صلاحها وفسادها يكون حسن الخاتمة وسوؤها، وكلما صلحت السريرة تمت الأعمال الصالحة وزكت ولو كانت قليلة، والعكس من ذلك في قلة بركة الأعمال حينما تفسد السريرة ويصيبها من الآفات ما يصيبها، وهذا هو الذي يفسر لنا تفوُّق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على غيرهم ممن جاء بعدهم ممن قد يكون أكثر من بعض الصحابة عبادة وقربات؛ حيث إن أساس التفاضل بين العباد عند الله هو ما وقر في القلب من سريرة صالحة مطابقة لما ظهر في العلانية من أعمال وأقوال. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهاداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم كانوا أفضل منكم قيل له: بأي شيء؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم» [٦] . وعن القاسم بن محمد قال: «كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي: بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة: إن كان يصلي فإنا لنصلي، ولئن كان يصوم فإنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج فإنا لنحج؟ قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت؛ إذ طفئ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح، فمكث هنيهة، ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القيامة» [٧] . وأخبار السلف في حرصهم على أعمال القلوب وإصلاح السرائر كثيرة ومتنوعة، وبخاصة فيما يتعلق بمحبة الله والخوف منه وإخلاص العمل له سبحانه ومن ذلك: * قول عمر بن الخطاب ﵁: «القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم لغد، والأمانة ألا تخالف سريرةٌ علانيةً، واتقوا الله ؛ فإنما التقوى بالتوقي، ومن يتق الله يقه» [٨] . * وعن عثمان ﵁ قال: «ما أسرَّ أحدٌ سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه» . * وعن نعيم بن حماد قال: «سمعت ابن المبارك يقول: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك: ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة» [٩] . * وعن خالد بن صفوان قال: «لقيتُ مَسْلَمَة بن عبد الملك فقال: يا خالد! أخبرني عن حَسَن أهل البصرة. قلت: أصلحك الله أخبرك عنه بعلم: أنا جاره إلى جنبه وجليسه في مجلسه وأعلم من قِبَلي به: أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبهه قولاً بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنياً عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه، قال: حسبك! كيف يضل قوم هذا فيهم؟» [١٠] . * وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: «ابن آدم! لك قول وعمل، وعملك أوْلى بك من قولك، ولك سريرة وعلانية؛ وسريرتك أوْلى بك من علانيتك» [١١] . * وعن ابن عيينة رحمه الله تعالى قال: «إذا وافقت السريرة العلانية فذلك العدل، وإذا كانت السريرة أفضل من العلانية فذلك الفضل، وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة فذلك الجور» [١٢] . * وعن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: «قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق» [١٣] . * ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «فكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها وحسرة عليه إلا محبته ومحبة ما يدعو إلى محبته ويعين على طاعته ومرضاته؛ فهذه هي التي تبقى في القلب يوم تبلى السرائر» [١٤] . ونكتفي بهذه المقتطفات من وصايا السلف في إصلاح السرائر لنتعرف على بعض العلامات الدالة على صلاح السريرة وسلامة القلب؛ ومنها نعرف ما يضادُّها من المظاهر التي تدل على فساد في السريرة ومرض في القلب، ومن هذه العلامات: ١ - العناية بأعمال القلوب ومنها: إخلاص الأعمال والأقوال لله ومحاولة إخفائها عن الناس وكراهة الشهرة والظهور، والزهد في ثناء الناس. ويضاد ذلك: الرياء وإرادة الدنيا بعمل الآخرة وحب الظهور. ٢ - التواضع والشعور بالتقصير، والانشغال بإصلاح النفس وعيوبها ويضاد ذلك: الكبر والعجب والولع بنقد الآخر. ٣ - الإنابة إلى الدار الآخرة والتجافي عن الدنيا والاستعداد للرحيل وحفظ الوقت وتدارك العمر. ويضاد ذلك: الركون إلى الدنيا وامتلاء القلب بهمومها ومتاعها الزائل، ونسيان الآخرة وقلة ذكر الله وتضييع الأوقات. ٤ - سلامة القلب من الحقد والغل والحسد. ويضاد ذلك: امتلاؤه بهذه الأمراض. ٥ - التسليم لأمر الله وأمر رسوله # دون: لماذا؟ وكيف؟ ويضاد ذلك: الولوع بالمتشابهات والخواطر الرديئة. ٦ - الاهتمام بأمر الدين والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله جل وعلا ومحبة كل داعية إلى الخير والحق والدعاء له والتعاون معه على البر والتقوى. ويضاد ذلك: القعود عن تبليغ دين الله وعدم الاهتمام به، بل إذا صفا له مأكله، ومشربه ومسكنه وغير ذلك من متاع الدنيا الزائل فلا يهمه بعد ذلك شيء، وقد لا يقف الأمر في فساد السريرة عند هذا الحد، بل قد يتعداه إلى مناصبة الداعين إلى الحق العداء أو التشهير بهم والتشكيك في نواياهم ومحاولة إحباط جهودهم الخيرة. ٧ - شدة الخوف من الله ، ومراقبته في السر والعلن، والمبادرة بالتوبة والإنابة من الذنب. ويضاد ذلك: ضعف الوازع الديني وقلة الخوف من الله جل وعلا؛ بحيث إذا خلا بمحارم الله انتهكها، وإذا فعل معصية لم يتب منها بل أصر عليها وكابر وتبجح. ٨ - الصدق في الحديث والوفاء بالعهود وأداء الأمانة وإنفاذ الوعد، وتقوى الله في الخصومة، فكل هذه الخصال تدل على صلاح في السريرة؛ لأن أضداد هذه الصفات إنما هي من خصال المنافقين الذين فسدت سرائرهم كما أخبر بذلك الرسول ﷺ بقوله: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» [١٥] ، ويدخل في ذلك ذو الوجهين الذي يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. ٩ - قبول الحق والتسليم له من أي جهة كان ويضاد ذلك التعصب للأخطاء، والجدال بالباطل واتباع الهوى في ذلك. ويحسن في نهاية هذه المقالة الإشارة إلى بعض الثمرات العظيمة لصلاح السريرة وذلك فيما يلي: ١ - نزول الطمأنينة والسكينة في قلب من صلحت سريرته، وثباته أمام فتن الشبهات والشهوات وابتلاءات الخير والشر. ٢ - إلقاء المحبة لمن صلحت سريرته بين الناس مما يكون له الأثر في قبول كلامه ونصحه وأمره ونهيه. ٣ - حسن الخاتمة؛ حيث ما سُمِعَ ولا عُلِمَ ولله الحمد بأن صاحب السريرة الصالحة والقلب السليم قد ختم له بسوء؛ وإنما يكون ذلك لمن فسدت سريرته وباغته الموت قبل إصلاح الطوية. ٤ - القبول عند الله يوم القيامة ومضاعفة الحسنات وتكفير السيئات قال الله : [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً] (الطلاق: ٥) ، وقال تعالى: [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ] (المائدة: ٢٧) . ٥ - تفريج الكربات وإعانة الله للعباد عند حدوث الملمات والضائقات كما حصل لأصحاب الغار. ٦ - الهداية إلى الحق والتوفيق إلى الصواب عندما تحتار العقول والأفهام.

стр. 3484

دراسات في الشريعة والعقيدة تقديس البشر (١ - ٢) د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف [*] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. «الله ابتعثنا لنُخرِجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا نبيُّه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمَنْ قَبِلَ ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نُفضي إلى موعود الله» [١] . بهذه الكلمات واجه ربعيُّ بن عامر ﵁ رستم الفارسي، ولم يكن ربعي بن عامر بذلك الخطاب شجاعاً مقداماً فحسب، بل كان ذكياً فطناً يدرك أحوال مخاطبيه؛ فإن الفرس قد أُولِعوا بتأليه «الأكاسرة» وتقديسهم؛ فلذا قال ربعي: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله» . ويُعَدُّ الغلو في الأشخاص وتقديسهم من الظواهر القديمة في تاريخ البشرية، ولا تزال هذه الظاهرة جاثمة في العصر الحاضر بهيئات متنوعة وصور شتى. وتُعنى هذه المقالة بالحديث عن مظاهر تأليه البشر [٢] ، وبواعث تلك الظاهرة وعلاجها. إن مظاهر تأليه البشر كثيرة يتعذر حصرها، لكن يمكن أن نشير إلى أهم الأصناف التي غلب على الناس تأليهها وتقديسها، وهم: العُبَّاد، والعلماء، والسلاطين. يقول عبد الله بن المبارك ﵀: وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سوء ورهبانُها وسيكون الحديث عن تلك الأصناف الثلاثة ومظاهر الغلو والتأليه لهم. فأما الصالحون فيجب محبتهم وولايتهم والإقرار بكراماتهم. لكن الكثير من الناس قد أفرط في محبتهم، وغالى فيهم حتى عبدوهم من دون الله تعالى كما وقع من قوم نوح ﵇. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: [وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً] (نوح: ٢٣) . قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبَد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبِدت. وغلب على النصارى تأليه البشر وتقديسهم، فزعموا أن عيسى ﵇ ابن الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، كما زعمت يهود أن عُزَيْراً ابن الله، تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً. قال تعالى: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً] (النساء: ١٧١) . وقال : [وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (التوبة: ٣٠) . وما فتِئ الشيطان يزيّن لأتباعه عبادة الصالحين حتى آل بهم إلى عبادة أقوام يدَّعون لهم الوَلاية وهم من أعظم الناس فسقاً وفجوراً. ومن ذلك ما كان يفعله بعض أهل نجد قبيل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عند قبة أبي طالب، وهم يعلمون أنه حاكم متعد غاصب؛ حيث كان يخرج إلى بلدان نجد، ويضرب عليهم خراجاً من المال، فإن أعطي ما أراد انصرف، وإلا عاداهم وحاربهم، فصاروا يأتون قبره، ويستغيثون به عند حلول المصائب [٣] . وحكى الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ ما عليه بعض المصريين تجاه أحمد البدوي فقال: «كما جرى لأهل مصر وغيرهم، فإن أعظم آلهتهم أحمد البدوي، وهو لا يُعرَف له أصل ولا فضل ولا علم ولا عبادة، ومع هذا صار أعظم آلهتهم، مع أنه لا يعرف إلا أنه دخل المسجد يوم الجمعة فبال فيه، ثم خرج ولم يصلِّ» [٤] . وما زال الشيطان يؤزُّهم إلى حضيض الشرك، حتى أوقعهم في ادعاء الربوبية لأولئك البشر، وأن الخلق والتدبير بأيديهم. وكما يقول العلاَّمة حسين بن مهدي النعمي واصفاً حالهم: «وحاصل معتقدهم أن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت.. ومن ذلك: أن حياً من أهل البوادي إذا أرسلوا أنعامهم للمرعى قالوا: في حفظك يا فلان، يعنون ساكن مشهدهم. ومنهم من يخاطب الولي بزعمه، فيقول: يا خالق الولد الذي تخلقه مطهوراً ولقد تجاسر بعض العامة فقال: والله! أما الولي فإنه يحيي الموتى، أما الولي فلان فإنه حي لا يموت» [٥] . ومن أشهر الطوائف التي نُعتت بتأليه العُبَّاد وتقديسهم: الرافضة والصوفية. فأما الرافضة فقد جعلوا الإيمان بإمامة الإثني عشر شرطاً في قبول الإيمان، واعتقدوا أن للأئمة حق التشريع والتحليل والتحريم، وزعموا أن تراب قبر الحسين شفاء من كل داء، وأمانٌ من كل فقر « [٦] . وأما الصوفية فقد قال بعضهم: من قال لشيخه: لِمَ؟ فقد هلك، وزعموا أن مشايخ الطرق» يُسَلَّم «إليهم حالهم فلا نقاش ولا اعتراض! يقول أبو الوفاء بن عقيل في الردّ عليهم:» وليس لنا شيخ نُسلِّم إليه حالَه؛ إذ ليس لنا شيخ غير داخل في التكليف، ولو كان لنا شيخ يُسلَّم إليه حاله، لكان ذلك الشيخ أبا بكر الصدِّيق ﵁، وقد قال: إن اعوججتُ فقوِّموني، ولم يقل: فسلِّموا إليَّ « [٧] . ومن مظاهر تأليه البشر وتقديسهم عند الصوفية: سجود المريد للشيخ. يقول ابن القيم عن ذلك الشرك:» ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجود له، والعجب أنهم يقولون، ليس هذا سجوداً، وإنما هو وضع الرأس قُدَّام الشيخ احتراماً وتواضعاً، فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه؛ فحقيقة السجود وضع الرأس لمن يُسجد له، وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه « [٨] . لقد برع الصوفية في استعباد الأتباع والمريدين، وجعلوا منهم جيلاً موطَّأ الظهر لكل معتد ومستعمر، فزعم أرباب السلوك الصوفي أنهم يسعون إلى استئصال الغرور من الأنساب، فأذهبوا الغرور، ثم أذهبوا أيضاً عزة النفس، ثم ذهبت كذلك الشخصيات الحرة المستقلة [٩] . وقد سمَّى الشيخ الغزالي ﵀ ذلك الصنيع» تمارين على الذل «فكان مما قاله:» إن الدجالين من رجال الطرق الصوفية كانوا يربون أتباعهم على التواضع بشتى الطرق المهينة؛ فإذا رأوا أنفة في مسلك أحدهم، أو دلائل عزة وترفُّع، جعلوا عليه مهمة حمل أحذية الجماعة، والمحافظة عليها، حتى تنكسر نفسه، وينخفض رأسه؛ وبذلك يكون مرشحاً لعبادة الله كما يجب! ولم يَدرِ المغفَّلون أنهم يرشحونه أيضاً ليكون عبداً للناس جميعاً، وأن مثل هذا الكائن الممسوخ هو أمل المستعمرين [١٠] الذين يقيمون وجودهم على إذلال الأمم وقتل الشعور بالكرامة في نفوس بنيها « [١١] . وأما الصنف الآخر وهم العلماء فقد وقع كثير من الأتباع في التأليه لعلمائهم، فاتخذوهم أرباباً من دون الله تعالى فأطاعوهم في تحليل ما حرّم الله تعالى، وتحريم ما أحل الله تعالى وقلدوهم وأعرضوا عن الدليل، بل عارضوا النصوص الشرعية بآرائهم وأقيستهم؛ ففي حديث عدي بن حاتم وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن يُسِلمَ وكان نصرانياً، فسمعه يقرأ هذه الآية: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣١) ، فقال عدي: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرِّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلُّون ما حرم الله فتحلونه؟ فقال عدي: بلى، قال: فتلك عبادتهم» [١٢] . فقد بيّن النبي ﷺ أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فاتبعوا أولئك الأحبار والرهبان في هذا التبديل.. وقد ذكر الله أن ذلك شرك في قوله سبحانه: [لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] ... (التوبة: ٣١) [١٣] . وساق الحافظ ابن عبد البر ﵀ بسنده أن ربيعة شيخ الإمام مالك اضطجع مقنِّعاً رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر وشهوة خفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا [١٤] . يقول الشيخ العلاَّمة محمد الأمين الشنقيطي في الفرق بين تقليد العلماء وبين اتِّباعهم: «لا شك أن طاعة العلماء هي اقتفاء ما كانوا عليه من النظر في كتاب الله ورسوله وتقديمها على كل قول، وعلى كل رأي، كائناً ما كان. فمن قلدهم التقليد الأعمى وترك الكتاب والسنة لأقوالهم فهو المخالف لهم، المتباعد عن طاعتهم» [١٥] . فالتقليد: الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، والاتِّباع: ما ثبت عليه حجة [١٦] . ومما يجدر ذكره «أن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها؛ لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات، لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله : [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) » [١٧] . ومن الغلو في العلماء: اتباعهم في زلاتهم وعثراتهم، وقد حذر السلف الصالح من ذلك أيما تحذير؛ فعن زياد بن جرير قال: قال لي عمر بن الخطاب ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين [١٨] . قال ابن القيم ﵀: «والعالم قد يزلُّ ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم؛ فلا يجوز قبول كل ما يقوله، وينزل قوله منزلة قول المعصوم؛ فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله، وذلك أصل بلاء المقلدين وفتنتهم» [١٩] . كما ينبغي التحذير من اعتراضات علماء السوء على شرع الله تعالى، وكما قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: «وأحبار السوء وهم العلماء الخارجون عن الشريعة يعترضون بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرّم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه ونحو ذلك» [٢٠] . والمقصود أن نسلك الوسطية تجاه أهل العلم، فلا بد من توقيرهم ومحبتهم والانتفاع بعلومهم، ونحذر من التفريط فيهم أو انتقاصهم أو التطاول عليهم، كما نحذر من الغلو فيهم وتأليههم. وأن يُعنى بفقه أهل العلم المعتبرين وفهمهم لنصوص الشريعة، فيحتج بفهومهم لنصوص الشريعة لا أن يحتج بكلامهم على نصوص الشريعة. كما يتعيّن على العامة ومن في حكمهم أن يسألوا من يوثق بعلمه ودينه، وأن يحذروا من يتبع الرخص وانتقاء آراء العلماء التي تتفق مع شهواتهم؛ فإن الله تعالى بالمرصاد، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. واللهَ اللهَ في الحذر من علماء السوء ورؤوس الضلالة الذين يُلبِسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون. وننتقل إلى صنف الملوك، وما حصل من تأليههم واتخاذهم أوثاناً تُعبَد من دون الله تعالى فاستعبد أولئك الملوك سائر البشر طوعاً وكرهاً، وما وقعوا فيه من تسلط واستبداد. وتأليه الحكام ظاهرة قديمة في حياة البشر، فكانت الأكاسرة ملوك الفرس يدّعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، وكان الفرس ينظرون إليهم بوصفهم آلهة، ويرونهم فوق القانون وفوق الانتقاد وفوق البشر، ويعتقدون أن لهم حقاً على كل إنسان، وليس لإنسان حق عليهم [٢١] . ومثال آخر: ما يجري في بلاد الهند من الطبقية الجائرة بين أصناف الهنود؛ فلقد كان نظام الطبقات في الهند أشد قسوة واستهانة بكرامة الإنسان من سائر الأنظمة، فكانوا يجعلون «البراهمة» الطبقة الممتازة، وأنهم صفوة الله، وهم ملوك الأرض، وأن ما في العالم هو ملك لهم؛ فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض [٢٢] . وكان تقديسهم هذا النظام الطبقي البغيض مانعاً لهم من الدخول في دين الإسلام كما قال البيروني (ت ٤٤٠هـ) : «وللهند في أيامنا من ذلك أوفر الحظوظ [٢٣] حتى إن مخالفتنا إيّاهم وتسويتنا بين الكافة إلا بالتقوى أعظم الحوائل بينهم وبين الإسلام» [٢٤] . ومع تهافت هذه الوثنية السياسية عند الفرس والهند، إلا أن هذه الأمة قد تتبعت سنن تلك الأمم الغابرة، فوقعت في تأليه الملوك والغلو فيهم. ومن ذلك: دعوى أن الإمامة أهم مطالب الدين، وأشرف مسائله وغاياته [٢٥] ، مع أن الإمامة ليست مقصودة لذاتها، بل إن المقصود منها وكذا جميع الولايات أن يكون الدين كله لله وإصلاح دين الخلق. قال الطيبي في شرحه لحديث «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» : «في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوبه لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه» [٢٦] . وقال ابن القيم ﵀: «وجميع الولايات الإسلامية مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» [٢٧] . ومن مظاهر تأليه الملوك: طاعتهم في كل شيء، ودعوى أنه لا حساب عليهم ولا عذاب! قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكثير من أتباع بني أمية أو أكثرهم كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب، وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، والله أمرهم بذلك، وكلامهم في ذلك معروف كثير. وقد أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز فجاء إليه جماعة من شيوخهم فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو أنه إذا ولَّى اللهُ على الناس إماماً تقبل الله منه الحسنات وتجاوز عنه السيئات. ولهذا تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة ولي الأمر مطلقاً وأن من أطاعه فقد أطاع الله؛ ولهذا كان يضرب بهم المثل يقال:» طاعة شامية « [٢٨] . ومن مظاهر ذلك الغلو: ما يفعله ملوك الجور من الاعتراض على الشرع المنزّل بالسياسات الجائرة وتقديمها على حكم الله ورسوله، وتعطيل شرع الله وعدله وحدوده [٢٩] . قال أبو الفرج ابن الجوزي في بيان أن ذلك الاعتراض من تلبيس إبليس وكيده:» إنه يحسِّن لهم العمل برأيهم فيقطعون من لا يجوز قطعه، ويقتلون من لا يحل قتله، ويوهمهم أن هذه سياسة. وتحت هذا المعنى أن الشريعة ناقصة تحتاج إلى إتمام ونحن نتمها بآرائنا، وهذا من أقبح التلبيس؛ لأن الشريعة سياسة الإلهية [٣٠] ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق، قال الله تعالى: [مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ] (الأنعام: ٣٨) ، وقال: [لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ] (الرعد: ٤١) ، فمدعي السياسة مدعي الخلل في الشريعة، وهذا يزاحم الكفر « [٣١] . وصدق ابن الجوزي ﵀ فقد أكمل الله تعالى هذا الدين، وأتم النعمة، ونزّل كتابه تبياناً لكل شيء، وعلّم النبيُّ ﷺ أمته كل شيء، فلا حاجة إلى تلك السياسات الجائرة فضلاً عن تقديمها على الشرع المطهر. وهذه السياسات إنما ظهرت بسبب الإعراض عن شرع الله والتفريط في اتِّباع دين الله تعالى كما كشف ذلك ابن تيمية بقوله:» وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعاً من السياسات الجائرة من أخذ أموال لا يجوز أخذها وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم العدل الذي شرعه الله، لما احتاجوا إلى المكوس الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم « [٣٢] . ومن صور المبالغة والغلو في الملوك: نعتهم بالألقاب الرنانة، والأوصاف المفتعلة التي تخرجهم عن دائرة البشر وتضفي عليهم تأليهاً وتقديساً. وإذا كان النبي ﷺ قد قال:» إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك؛ لا مالك إلا الله « [٣٣] . فما بالك بمن تجاوز ذلك بمراحل! كما في رسالة كتبها السلطان سليمان القانوني؛ حيث قال:» سلطان السلاطين، وملك الملوك، ومانح الأكاليل لملوك العالم، ظِلُّ الله في الأرض، باشاده، سلطان البحر الأبيض والأسود.. و.. . و.. وبلاد شتى فتحها أسلافنا العظام، وأجدادنا الفخام بقواتهم الظاهرة، وكثير من البلاد التي أخضعتها عظمتي الملوكية بسيفي الساطع « [٣٤] . لقد كان العامة فضلاً عن الخاصة في العصور السابقة يمقتون تلك المبالغات في الألقاب، حتى أن جلال الدين لما لقب بـ (شاهنشاه) أي ملك الملوك سنة ٤٢٩ هـ وأمر الخليفة بذلك، فخطب له به، فنفر العامة ورموا الخطباء بالآجُرِّ [٣٥] . وقد سطّر شيخ الإسلام ابن تيمية فتوى متينة في شأن الألقاب، وخلاصتها ما يلي:» وأما الألقاب: فكانت عادة السلف الأسماء والكنى.. وكان الأمر على ذلك في القرون الثلاثة، فلما غلبت دولة الأعاجم لبني بويه صاروا يضيفون إلى الدولة فيقولون: ركن الدولة، عضد الدولة.. ثم بعدها أحدثوا الإضافة إلى الدين وتوسعوا في هذا، ولا ريب أن ما يصلح مع الإمكان هو ما كان السلف يعتادونه من المخاطبات والكتابات؛ فمن أمكنه ذلك فلا يعدل عنه، وإن اضطر إلى المخاطبة خوفاً من تولُّد شر إذا عدل عنه، فليقتصر على مقدار الحاجة. ولا ريب أن هذه المحدَثات المنكرة التي أحدثها الأعاجم، وصاروا يزيدون فيها فيقولون: عزّ الملة والدين، وعزة الملة والحق والدين، وما أكثر ما يدخل في ذلك من الكذب المبين، بحيث يكون المنعوت بذلك أحق بضدّ ذلك الوصف، والذين يقصدون هذه الأقوال فخراً وخيلاء يعاقبهم الله بنقيض قصدهم، فيذلهم الله ويسلّط عليهم عدوهم « [٣٦] . ويعلِّق الشيخ محمد الغزالي على ألقاب سليمان القانوني قائلاً:» ليس للسلطان سليمان ولا لغيره من الحكام أن يضيفوا إلى أسمائهم هذه المجموعة الفريدة من الألقاب المفتعلة والأوصاف التي أُخِذَ أكثرها من الصفات الإلهية المقدسة إلى أن قال: والتجرد من ألقاب القداسة ومظاهر الأبهة قصد به الإسلام أن يجعل من الحاكم رجلاً يؤخذ منه ويرد عليه، وتنقد تصرفاته كلها، فما كان منها صواباً أُقِرَّ، وما كان منها من خطأ رُدَّ عليه ولا كرامة. والدول التي نضجت كرامتها السياسية ألغت الألقاب إلغاءاً تاماً.. أما في الشرق فلا تزال الألقاب تحكم على الناس بالهوان وتحكم على أصحابها بالغرور، ومن الواجب فك آصارها ومحو أغلالها.

стр. 3485

دراسات في الشريعة والعقيدة مُرَاعَاةُ الخِلافِ في الاجْتِهَادِيّات دراسة أصولية عبد الرحمن بن معمر السنوسي ما استجدّت في واقعنا الحوادث والنّوازل؛ وقفزت بنا المتغيّرات إلى جديدٍ من القضايا إلاّ هُرِعَتْ إلى بحثها وبيان الحكم فيها أعدادٌ وفيرةٌ من أساتذتنا وباحثينا، وقام لتحقيق الحقّ فيها متخصّصون فضلاء؛ ممّا يبعث على الاسترواح والاستبشار بالصّحوة الإسلاميّة التي هي ملء السّمع والبصر. والمتفحّص في كثير من تلك الدّراسات والبحوث؛ رغم ما يسرّه من مستوى علميّ وتدقيق معرفيّ: هذا المتفحِّص واجدٌ في بعضها ما يُحْوِجه إلى تَمَثُّلِ المنهج السّليم في تناول القضايا الاجتهاديّة والنّوازل المستحدَثة. ولئن كان من الأسس المنهجيّة الواضحةِ عند أهل السّنّة والجماعة إزاء مسائل الاجتهاد رعي [١] الخلاف فيها احتياطاً أو اجتناباً أو امتثالاً؛ إلاّ أنّ هذا الأصل الأصيل يُدلف [٢] إلى الضّمور والاضمحلال في كثير من دراساتنا المعاصرة؛ بسبب تلك الهوّة الشّادهة [٣] بين المتقدّم والمتأخّر، علاوة عن افتقار الأمّة إلى انتصاب القدوات، خاصة مع استشراء الأهواء. ولقد أحببتُ أن أتناول في هذه الدّراسة المتواضعة هذه المسألة التي لم تُفرَد بدراسة مستقلّة حتّى الآن حسب اطّلاعي القاصر رغم خطرها وارتباطها بالجانب العمليّ من جوانب العمل الإسلامي المعاصر. أولاً: تعريفها: أ - لغةً: المراعاة من راعيتُ الشيء رَعْياً ومراعاةً «لاحظته محسناً إليه؛ والأمرَ: نظرتُ إلامَ يصير» [٤] . والخلاف والمخالفة: أن يأخذ كلُّ واحد طريقاً غير طريق الآخر [٥] . ب - اصطلاحاً: عُرّفت المراعاة بعدة تعريفات لا تسلم من مآخذ، ولعل أحسنها تعريف ابن عرفة ﵀ في حدوده: «إعمالُ دليل [المخالف] في لازم مدلوله الذي أُعمِلَ في نقيضه دليلٌ آخر» [٦] . مثال ذلك: إعمالُ مالك ﵀ دليلَ مخالفه القائل بعدم فسخ نكاح الشغار؛ في لازم مدلول ذلك المخالف ومدلوله عدم الفسخ الذي هو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالشغار عند موت أحدهما، وهذا المدلول الذي هو عدم الفسخ أعملَ مالكٌ ﵀ في نقيضه الذي هو الفسخ أعملَ دليلاً آخر يقتضي الفسخ عنده. لكن تعريف ابن عرفة ﵀ لا يشمل كل صور المراعاة المذكورة؛ لأن تخصيصها بالمعنى المتقدم لا يتجاوز بها المعنى المتواضَع عليه [٧] عند متأخري المالكية. وأوْلى منه أن يُقال: مراعاة الخلاف: «اعتبار خلافِ الغير بالخروج منه عند قوة مأخذه بامتثال مقتضى ما اختُلِفَ فيه» . ثانياً: موضوعها: أما موضوع مراعاة الخلاف بالمعنى العام فهو: التصرفات المختلَف في حكمها الدائر بين الاقتضاء والمنع من حيث تحقيقها لمقصود الشارع. ومنشؤها: احتمال التورط في نقيضِ مقصودِ الشارع بفعلِ ما هو خلاف الأوْلى مطلقاً [٨] . ثالثاً: رعي الخلاف في المذاهب الأربعة: نصَّ غير واحدٍ من العلماء على أن مشروعيتها ثابتةٌ بالإجماع [٩] . وما دام تتبُّع ذلك عند سائر العلماء متعذّراً؛ نظراً لاستحالة الإحاطة بأقوال الجميع؛ فإنّ الاقتصار على حكم ذلك في المذاهب الأربعة المشهورة يغني عن كل تتبّع واستقراء. وتجدرُ الإشارة إلى أن أكثر المذاهب أخذاً بهذه القاعدة وتعويلاً عليها: المالكية والشافعية، ثم الأحناف والحنابلة. أما في مذهب مالك ﵀ فاعتمادها في بناء كثير من الفروع مشهور معلوم. قال الشاطبي ﵀: «وهو أصل في مذهب مالك ينبني عليه مسائل كثيرة» [١٠] . قال أبو العباس ابن أبي كف ﵀: [١١] . أما في مذهب الشافعي ﵀ فقد نَصَّ أئمّة مذهبه على مشروعية البناء على رعي الخلاف واستحبابه. قال البدر الزّركشيّ ﵀: «يُستحَبُّ الخروج منه أي الخلاف باجتناب ما اختُلف في تحريمه وفعل ما اختُلف في وجوبه» [١٢] . وجعل ابن السّبكي ﵀ اطِّراح الخلاف بـ «الخروج أفضل.. واعتماده من الورع المطلوب شرعاً» [١٣] . أما في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ فقد صرح ابن عابدين ﵀ في حاشيته باستحباب رعي الخلاف؛ حيث أفرد لها مطلباً خاصاً فقال: «مطلب في ندب مراعاة الخلاف» [١٤] . كما صرح به أيضاً الملاَّ علي القاري ﵀ في مواضع من «المسلك المتقسّط» [١٥] . وقد صلَّى أبو يوسف القاضي ﵀ بالناس الجمعة يوماً مغتسِلاً من الحمَّام، فلما تفرقوا أُخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام؛ فقال: إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قُلَّتين.. إلخ [١٦] . أما في مذهب الإمام أحمد ﵀ فيجد الدارس نماذج كثيرة تدل على ذلك؛ منها ما ذكره ابن قُدَامة ﵀ بخصوص وقت صلاة الجمعة عند الحنابلة وأنها تُصلَّى قبل الزوال عندهم خلافاً للجمهور؛ حيث قال: «فالأوْلى أن لا تُصلى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف» [١٧] . وفي «باب رد الشهادة» من كتاب كشَّاف القناع قوله: «إن من عمل في الفروع المختلَف فيها عند الأئمة اختلافاً شائعاً كمن تزوَّج بلا ولي أو بلا شهود، أو شرب من النبيذ ما لا يسكر، أو أخَّر الزكاة، أو حج متأوِّلاً أو مقلِّداً لمن يرى حِلَّه: لم تُرَدَّ شهادتُه؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في الفروع؛ وقَبِلوا شهادة كل مخالف لهم فيها، ولأنه اجتهاد شائع لا يُفَسَّق به المخالف كالمتَّفَق عليه» [١٨] . وفيما نُقِلَ عن الإمام أحمد ﵀ يجد الباحث نماذج عالية تدل على اعتباره ﵀ لخلاف الأئمة المتقدمين، وورعه إزاء المسائل الخلافية في الفروع. ذكر أبو داود ﵀ في مسائله عنه في باب «نقض الوضوء من مس الذكر» قال: «قلت لأحمد: فرجل لا يرى من مس الذكر وضوءاً؛ أصلي خلفه وقد علمت أنه مس؟ قال: نعم!» [١٩] . رابعاً: الغاية من رعي الخلاف: إن التصرف بباعث الخروج من الخلاف لا ينشئه المكلف لمعرفة الحكم؛ ولكن لتنجيزه [٢٠] والخروج من عهدته، ويتذرع به إلى إيقاع تصرفه على وجه متيقَّن لا يعصف الشك بساحته؛ فهو وسيلة إلى الامتثال المحقق؛ لا طريق إلى معرفة الحكم. فالغاية التي يصدر عنها المحتاط في حال خروجه من الخلاف: هي الورع والاستبراء للدين؛ لكونهما متعلق براءة الذمة والخروج من العهدة، والعمل بالورع غير محتاج إلى استدلال لبداهة استحبابه في الشرع، لا سيما إذا كان في امتثال الأوامر والنواهي. وثمة ملحظ آخر يلتحق بهذا الأصل؛ وهو أن من المقاصد العليا والغايات العظمى التي يلتفت إليها ههنا هي: تضييق هوة الخلاف بين المذاهب الفقهية؛ فكثيراً ما أحدثت هذه الخلافات شروخاً في وحدة المسلمين، وخلَّفت جراحات لا تؤسى [٢١] ، وَفِتَناً عظيمة وعاها التاريخ وشهد بها الواقع. وبقَدْر ما في اختلاف الفهوم والأنظار من خير ونفع؛ وما في تعدد المذاهب من ثراء وسَعة فإن فيها من دواعي الفرقة وأسباب التشتت ما يأسى له القلب ويحزن. ولا شك أن الخلاف الفقهي في ذاته لا ينتهض [٢٢] لإحداث الفرقة، وإنما تتسبب الفرقة عن ضيق الصدور، واستحكام الهوى، والتعصب للرأي. خامساً: مشروعيتها وأصلها من الدين: ١ - مستندها النقلي: من أمثلة مراعاة الخلاف ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: كان عُتبة بن أبي وقاص عَهِدَ إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابنَ وليدةِ زَمْعَةَ مني فاقبضه إليك، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد، وقال: ابنُ أخي، قد كان عهد إليّ فيه، فقام إليه عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي وُلِدَ على فراشه؛ فتساوقا إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله! ابن أخي قد كان عَهِدَ إليّ فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي وُلِدَ على فراشه؛ فقال رسول الله ﷺ : «هو لك يا عبد بن زمعة» ثم قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر» ثم قال لسودة بنت زمعة: «احتجبي منه» لِمَا رأى من شبهه بعتبة بن أبي وقاص، قال: فما رآها حتى لقي الله! « [٢٣] . ووجه الاستدلال بالحديث: أن النبي ﷺ راعى الحُكْمَيْن معاً، أي حكم الفراش وحكم الشَّبَه، أما مراعاته لحكم الفراش فلإلحاقه الولد بصاحبه وهو زمعة، وأمّا مراعاته لحكم الشبه فلأمره سودة ﵂ بنت صاحب الفراش بالاحتجاب من الولد الملحَق به [٢٤] . ويشهد لهذا الأصل من حيث معناه العام قصة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ لما صلَّى خلف عثمان ﵁ بمنى مُتِمّاً؛ رغم مخالفته له ومراجعته إيّاه في ذلك؛ ولما سئل عن ذلك قال:» الخلاف شر « [٢٥] . ٢ - مستندها الأصولي: أ - تخريجها على الاستحسان: وَجْهُ انتزاعها منه [٢٦] : أن مقتضى القياس أن يجري المجتهد على وفق دليله ويحكم بمقتضى اجتهاده الذي أداه إليه الظن الغالب الموجِب للعمل، فلا يترك قولَه ودليلَه لِيَصِيرَ إلى قول الغير ودليله.. هذا هو الأصل. غير أنه يعدل عن ذلك فيُهمِلُ العملَ بمقتضى قوله ودليله من وجهٍ لِيُعْمِلَ دليل غيره المرجوح عنده. وموجب هذا العدول: هو رجحان دليل المخالف في لازم مدلوله، وعلى هذا فهو ليس تاركاً لاعتقاده في قوله ودليله ولا مطَّرحاً له بالكلية؛ بل قصاراه أنه امتثل على وفق دليل غيره في جهة يكون رأي الغير أرجح فيها، أو اختار الأشقّ مع اعتقاده صحّة الأخفّ، وهو كما ترى عُدول يُسنده النّظر الحازم والرأي السديد. ب - تخريجها على» المناسب الملائم «: والمقصود من ذلك بالضبط: اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم؛ فإن جنس الشبهة مؤثر في جنس الترك والاجتناب؛ إذ جنس الوصف الذي هو» الاختلاف «مؤثر في جنس الحكم الذي هو الاجتناب المصطلح عليه هنا» بالمراعاة «أو» الخروج «: لما في التورط فيه من احتمال مواقعة الحرام أو تفويت الامتثال الواجب الذي يناسبه فعل الأشق من الأمرين؛ إما بالترك وإما باستيعاب محتملات التكليف. فعلى هذا يكون الخروج من الخلاف من المصالح التي أمر الشرع بتحصيلها كما ذكر العز بن عبد السلام ﵀ [٢٧] . ج - تخريجها على» اعتبار المآل «: وهو مختص بحالة ما بعد الوقوع كما سيأتي؛ فإنه ربما أفتى المفتي بفساد الفعل ابتداءاً، فإذا وقع عاد إليه بالإنفاذ والاعتبار، وهو نوع من الالتفات إلى الأمر الواقع والبناء عليه بعد تجديد النظر في المسألة؛ بحيث يصير التصرف بعد وقوعه معتبراً» وشرعياً بالنظر لقول المخالف، وإن كان ضعيفاً في أصل النظر؛ لكن لما وقع الأمر على مقتضاه روعيت المصلحة « [٢٨] . ومنه ما يجري في تصحيح العقود إذا كان فسادها مختلَفاً فيه؛ كقولهم: كل نكاح فاسد اختُلِفَ فيه فإنه يثبت به الميراث ويفتقر في فسخه إلى الطلاق؛ لأنه بعد وقوعه تعلق به مصلحة كل من الزوجين والأولاد والورثة. ومنه أيضاً قولهم: إذا دخل المصلي مع الإمام في الركوع وكبر للركوع ناسياً تكبيرة الإحرام، فإنه يتمادى مع الإمام ولا يقطع مراعاة لقول من قال: إن تكبيرة الركوع تجزئ عن تكبيرة الإحرام [٢٩] . سادساً: حكم مراعاة الخلاف: تكاد تجتمع كلمة القائلين برعي الخلاف على أنها مستحبة؛ قال الزركشي ﵀:» يستحب الخروج منه أي الخلاف باجتناب ما اختُلِفَ في تحريمه وفعل ما اختُلِفَ في وجوبه « [٣٠] . وقال الملا علي القاري ﵀:» الخروح الخلاف مستحب بالإجماع « [٣١] . ويقول الراعي الأندلسي ﵀:» وأما استحباب الخروج من الخلاف فمسلَّم حيث أمكن « [٣٢] . والاستحباب في هذا الباب» استحباب مقدّمي «لتعلقه برعي الخلاف من حيث هو مقدمة للمستحب الأصلي ووسيلة إليه لا أنه هو عين الحكم المطلوب أصالة. كما أن الحكم باستحباب الخروج من الخلاف إنما يتمشى مع الأصل فيه، وإلا فإن ثمة حالات يخف فيها الطلب أو يتأكد؛ وهي مجال بحث الناظر المتمرِّس واجتهاده. سابعاً: أحوال مراعاة الخلاف: أكثر الأئمة القائلين برعي الخلاف لا يقيدونه من حيث فعله بحالة دون أخرى؛ وإنما ينضبط عندهم بحسب قوته ووجاهته. ويفرِّق كثير من العلماء المالكية بين حالة» ما قبل الوقوع «و» حالة ما بعده «؛ فمنهم من يراعيه قبل حصول الفعل؛ نظراً لأصل البراءة والاحتياط من التورط في الشبهة، ومنهم من يراعيه بعد الحصول؛ التفاتاً إلى المصلحة واعتباراً للمآل الذي يتقوَّى حياله دليل المخالف. والحق أن تقييد الاعتبار بإحدى الحالتين دون الأخرى غير مُتَّجَه في النظر؛ لأن مناط الاعتبار إنما هو قوة المأخذ ووجاهته في الخلاف؛ وذلك غير مقصورٍ على حال دون حال؛ لوجدانه في كليهما كما هو مشاهَد في فروع القاعدة. الحالة الأولى: قبل الوقوع: وصورتها: أن يظهر للمجتهد بعد اجتهاده قوة مأخذ مخالفه وصحة مُتَمَسَّكِهِ؛ بأن يكون مقتضاه آتياً على وفق الاحتياط، أو محققاً لمصلحة شرعية ظاهرة كائنةٍ في جهة الأخف: فيمضي حينئذ على اجتهاد مخالفه؛ مرجحاً لمقتضاه ومقرِّراً لظهوره ابتداءاً؛ بحيث يجوز الامتثال على وفقه قبل الشروع في الفعل والامتثال. وممن ذهب إلى هذا القول المراعاة قبل الوقوع أبو عبد الله المقري [٣٣] وأبو عثمان العقباني رحمة الله عليهما. ومن مسائل هذه الحالة: قول المالكية بكراهة الوضوء بالماء المستعمل في رفع الحدث؛ مراعاةً لمن قال ببطلان التطهر به [٣٤] . ومن مسائله أيضاً: ما سبق نقله عن ابن قُدامة ﵀ بخصوص استحباب صلاة الجمعة بعد الزوال عند الحنابلة رغم تجويزهم صلاتها قبله. الحالة الثانية: بعد الوقوع: وصورتها: أن يرجِّح المجتهد في المسألة مثلاً دليلَ الحظر والمنع ابتداءاً، فإذا وقع الفعل بخلافه: راعى دليل غيره المرجوح عنده لوجه يقتضي رجحان دليله في تلك الحالة؛ كاستحقاق المرأة المهرَ والميراثَ عند المالكية إذا تزوجت بغير ولي؛ فإن مالكاً ﵀ مع قوله بفساد النكاح دون ولي يراعي الخلاف عند نظره فيما يترتب عليه بعد الوقوع؛ إذ التّفريع على البطلان الراجح عنده يؤدي إلى مفسدة وضرر أقوى من مقتضى النَّهي على ذلك القول. ويشهد لهذا التقرير ما ثبت في قصَّة الأعرابي البائل في المسجد [٣٥] ، فهو مع كونه واقعاً منهيّاً عنه على وجه القطع وهو البول في المسجد؛ إلا أن النبي ﷺ أمر بتركه حتّى يُتِمَّ بوله لما في قطعه عليه من الأضرار والمفاسد، وكان يحصل من تقويمه من محله الذي بال فيه مع ما حصل من تنجيس المسجد تنجيسُ ثيابه وبدنه ومواضع أخرى من المسجد، ولأصابه من ذلك في بدنه مرض للاحتباس المفاجئ في بوله. ثامناً: شروط مراعاة الخلاف: الشرط الأول: أن يكون الخلاف قوي المدرك: أي يكون مأخذ المخالف فيما ذهب إليه قويّاً بحيث لا يُعدّ هفوة أو شذوذاً؛ ومن ههنا لم يُرَاعَ خلاف أبي حنيفة ﵀ في الرواية المنقولة عنه في بطلان الصلاة برفع اليدين [٣٦] ، وكذلك إسقاطه الحد في القتل بالمثقل واعتباره إياه شبهة تدرأ الحد [٣٧] ، ومنه أيضاً ما نقل عن عطاء بن أبي رباح ﵀ من إباحة وطء الجواري بالعارية [٣٨] . الشرط الثاني: أن لا تؤدي إلى صورة تخالف الإجماع: أي أن لا يلزم من رعي الخلاف خرق للإجماع وإلاَّ حُرِّمَ؛ كمن تزوج بغير ولي ولا شهود بأقل من ربع درهم؛ مقلداً أبا حنيفة في عدم الولي ومالكاً في عدم الشهود والشافعي في أقل من ربع درهم، فإن هذا النكاح لو عرض على الحنفي لا يقول به؛ وكذلك المالكي والشافعي رحم الله الجميع [٣٩] . ومنه أيضاً ما نقل عن ابن سريج ﵀ من الشافعية؛ أنه كان يغسل أذنيه مع الوجه ويمسحهما مع الرأس ويفردهما بالغسل؛ مراعاة لمن قال إنهما من الوجه، أو الرأس، أو عضوان مستقلان: فوقع في خلاف الإجماع [٤٠] . الشرط الثالث: أن لا يترك المراعي للخلاف مذهبه بالكلية: إذا لزم من رعي الخلاف ترك المجتهد أو الناظر لقوله ودليله جملة فإن ذلك خارج عن مسمى مراعاة الخلاف؛ وإنما هو تقليد للغير بعد الاجتهاد والنظر؛ وجل العلماء على منعه. الشرط الرابع: أن يكون الجمع بين المذهب ممكناً: فإن لم يكن كذلك؛ فلا يترك الراجح عند معتقده لمراعاة المرجوح؛ لأن الجمع بين المتناقضين متعذر عقلاً. مثاله: قول بعض الشافعية أن من تقدم بقراءة الفاتحة وجب عليه إعادتها؛ فإن القائل بهذا لا يمكن معه مراعاة القائل بأن تكرار الفاتحة مرتين مبطل! إلا أن يخص البطلان بغير العذر [٤١] . الشرط الخامس: قيام الشبهة: [٤٢] لأنه إذا توافر العلم بصحة الحكم ووجه انتزاعه من دليله فالمصير إلى قول المخالف مراعاةً له غير متَّجَه؛ كما أن عبادة الله بمؤدى الاجتهاد التام أوْلى من عبادته بالاحتياط العام؛ لليقين في الأول ومطلق التفويض في الثاني. والسياق هنا مختص بحالة ما قبل الوقوع لا غير، وثمة حالة تُستثنى من هذا العموم: وهي حال التورع في التروك؛ فإنها لا تُقَيَّد بقيام الشبهة ولا يُطلَب عليها دليل؛ لأن الورع لا يتوقف على وروده. هذا وقد اشترط التاج السبكي والسيوطي عليهما رحمة الله لرعي الخلاف أن لا يخالف سُنَّةً ثابتة [٤٣] ، والحقُّ أن ذلك مستغنى عن ذكره؛ لاندراج مخالفة السنة ضمن المواضع التي يُنقَض فيها الاجتهاد. تاسعاً: أهمية مراعاة الخلاف في العمل الإسلامي المعاصر: من الهموم المُمِضَّة التي تؤرق المخلصين من أبناء الدعوة ظاهرة الفرقة التي تكاد أن تتأصل في مسيرتها الحالية، مما تسبب عنه كثير من الآلام، وتولدت منه عوامل ضعف أربكت حيويتها، وبعثرت جهودها، وسرَّت أعداءها. وبدل البحث عن عناصر الائتلاف والاجتماع رحنا نؤصِّل لذلك التفرق، ونلتمس له التعليلات والمسوِّغات، ووصل بنا الحد في بعض الحالات والمواقع إلى فَقْدِ أساليب التعايش السلمي» على الأقل «. إن قلة الورع، وغياب الرؤية العلمية المتكاملة، وإيثار» مصالح الكيان « على المصالح العليا؛ هي أسباب حقيقية لواقعنا المزري، وإذا أردنا الخروج منه لنحقق الوثب إلى الآفاق الرحبة التي هي أمل الجميع فعلينا أن نعالج تلك الأسباب نفسها. وينبغي أن يكون واضحاً في أدبيات الصحوة الإسلامية أن الحوار البنَّاء المبني على الرغبة في الخروج من الخلاف؛ هو مفتاح الخلاص من حالة التدهور والتخلف الذي كرسناه بأنفسنا. ولئن كان الوصول إلى تحقيق هذه القناعة عسيراً فيما يبدو؛ فإنه لا بد أن تسبقه مرحلة التأصيل لهذه الكليات المعرفية والأخلاقية في الوقت نفسه بتكريسٍ دؤوبٍ يجعلها فيما بعدُ من المسلَّمات التي تأخذ مكانها في الوجدان العام للصحوة، وحينها تنفسح أمامنا فرص التفوق والنصر والتمكين بإذن الله.

стр. 3486

تأملات دعوية الناس كالإبل المائة محمد بن عبد الله الدويش عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» [١] . قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: «قال الخطابي: تأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما: أن الناس في أحكام الدين سواءٌ لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة وهي التي ترحل لتركب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة، أي كلها حمولة تصلح للحمل، ولا تصلح للرحل والركوب عليها. والثاني: أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جداً؛ فهم بمنزلة الراحلة في الإبل المحمولة، ومنه قوله تعالى: [وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (الأعراف: ١٨٧) » . ورجح الثاني الأزهري، والنووي، والقرطبي، وغيرهم. ولا شك أن المعنيين ثابتان بأدلة أخرى، ومرادنا هنا المعنى الثاني، وسواء أكان هو المراد بهذا الحديث، أم المراد غيره فهكذا شأن الناس؛ فالقليل منهم هو الذي يُعتمَدُ عليه، وأكثرهم دون ذلك. وفي هذا المعنى وقفات عدة: الوقفة الأولى: أن على الدعاة والمربين الاعتناء بالعناصر الفاعلة المتميزة؛ إذ هم قليل في الناس، عزيزٌ وجودهم، وأثر استجابتهم للدعوة لا يقاس بأثر غيرهم. ولهم في ذلك أسوة حسنة بالنبي ﷺ الذي كان يقول: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب» [٢] . وقد كان السلف يُعنَوْن بأمثال هؤلاء؛ ومن صور هذه العناية ما رواه الخطيب في الجامع بإسناده عن إسماعيل بن عياش قال: كان ابن أبي حسين المكي يدنيني، فقال له أصحاب الحديث: نراك تقدم هذا الغلام الشامي وتُؤْثِرُه علينا؟ فقال: إني أؤمِّله. فسألوه يوماً عن حديث حدث به عن شهر: إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل، فذكر ثلاثاً ونسي الرابعة، فسألني عن ذلك، فقال لي: كيف حدثتكم؟ فقلت: حدثتنا عن شهر أنه إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا كان أوله حلالاً، وسُمِّيَ عليه الله حين يوضع، وكثُرت عليه الأيدي، وحُمِدَ الله حين يُرفَع. فأقبل على القوم، فقال: كيف ترون؟ [٣] . الوقفة الثانية: حين يدرك الداعية والمربي هذا المعنى يدعوه ذلك لأن يكون واقعياً فيما يطلبه من الناس وينتظره منهم؛ فالناس لن يكونوا كلهم رواحل، ولا يسوغ أن نرسم صورة مثالية وننتظر من الناس جميعاً أن يصلوا إليها. الوقفة الثالثة: حين نرى صورة واقعية من أحد من الناس، فلا يسوغ أن نتخذها نموذجاً نقارن الآخرين به، وننتظر منهم أن يصلوا إلى ما يصل إليه. ومن الصور الشائعة في ذلك ما يصنعه بعض الآباء مع أبنائه، أو بعض المعلمين مع طلابه حين يعجب بأحدهم فينتظر من الآخرين أن يكونوا مثله، وأن يصلوا إلى ما وصل إليه. الوقفة الرابعة: ليس معيار الاختلاف بين الناس قاصراً على القدرات العقلية والذهنية وحدها؛ فهم يتفاوتون في تحملهم للأعباء، وفي جديتهم، وفي تضخيمهم للمخاطر، وفي قدراتهم النفسية.. .. إلخ هذه العوامل، وهي كلها مما لا بد من أخذه في الاعتبار. الوقفة الخامسة: إدراك هذا المعنى يجعل المسلم عالي الهمة، متطلعاً للمزيد، ينظر في العلم والصلاح إلى من هو فوقه، ولا ينظر إلى من هو دونه.

стр. 3487

دراسات تربوية التربية بترسيخ الأهداف محمد عبد الله محمد آل عباس إن القارئ المتابع لأحوال المجتمعات الإنسانية اليوم ليعجب أشد العجب لشتى صور الانحراف التي سادت العالم اليوم التي تمثل أصدق تعبير لما يسود العالم من جاهلية معاصرة؛ فالجاهلية ليست محددة بفترة معينة من التاريخ مضت إلى غير رجوع؛ وإنما هي صور وأوضاع ومظاهر يمكن أن تظهر في أي جيل وأي عصر. إن الجاهلية المقصودة ليست مقابل العلم أو الحضارة أو التقدم المادي؛ فالقرآن الكريم لم يقل إن العرب كانوا في جاهلية؛ لأنهم لا يعرفون الفَلَك وعلم الطبيعة وإلا لكان البديل لمثل هذا الجهل معلومات في تلك العلوم التي أصابها التخلف والجهل [١] ، وإنما كان البديل للجاهلية التي كانت عليها البشرية قبل الرسالة هو الإسلام. وَلِتَفَهُّمِ الجاهلية التي جاء الإسلام بديلاً عنها لا بد من فهم معنى الإسلام. إن الإيمان بالإسلام إيماناً حقاً يبلغ أغوار النفس، ويحيط بكل جوانبها من إدراك وإرادة ووجدان، وهو كذلك عمل جسدي تؤديه الجوارح كما شرع الله؛ فالإسلام عقيدة وسلوك جاء ليصحح العقائد التي كانت منحرفة والتصورات عن الإله والكون والحياة. وجاء أيضاً ليصحح السلوكيات المنحرفة التي انبعثت من عقائد منحرفة؛ ولذلك كان هدف الدعوة الإسلامية الأول هو تصحيح العقيدة باعتبارها المنطلق لبناء الشخصية المسلمة. العقيدة والهدف والسلوك: إن الارتباط بين عقيدة الإنسان وأهدافه وسلوكياته ليبدو وثيقاً؛ فما أهداف الإنسان إلا تعبير ذهني عن عقيدته، وما سلوكه إلا تعبير عملي عن أهدافه. فالأهداف على هذا تمثل الرابط الفكري بين سلوكيات المرء وعقيدته. فالعرب قبل الإسلام لم يكونوا يؤمنون باليوم الآخر. [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ] (سبأ: ٧-٨) . فكان من أثر انحراف هذه العقيدة انحراف في أهداف الإنسان تمثَّلَ في اعتبار هذه الحياة الدنيا هي الفرصة الوحيدة إذا لم يكسبها الإنسان ذهبت إلى غير رجعة، فانكب على الحصول على الملذات تعبيراً في سلوكه عن أهدافه والحصول على المحرمات والألقاب الزائفة حتى لو كان عن طريق النهب والسلب والقتل؛ فهذا (طرفة بن العبد) يقول في معلقته: ألا أيهذا اللائمي أن أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذَّات هل أنت مُخْلدي؟ لذلك جاء الإسلام ليصحح العقائد والسلوكيات عن طريق ربط كل منهما بالأهداف؛ فقد رفع الإسلام أهداف الإنسان وتسامى بها من أهداف دنيوية زائلة إلى أهداف أبدية وخلود دائم؛ فقد كانت دعوة الرسول ﷺ للناس: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» [٢] . ففيها إصلاح للعقيدة وإصلاح للهدف. وهكذا ركزت السور المكية القرآنية في أول الدعوة على تصحيح العقيدة، وأن الله وحده الإله المتصرف في هذا الكون. قال الله تعالى: [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ] (الإِخلاص: ١-٤) . وفي العقيدة أيضاً تصحيح هدف الإنسان الأسمى وذلك بجعله هو الفوز بالجنة والنجاة من النار: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ] (آل عمران: ١٨٥) . فتحديد الهدف من الأعمال المهمة لتصحيح السلوكيات ولذلك وجدنا الرسول الكريم ﷺ يقول: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» [٣] . وفي هذا إلغاء لهدف كان يعتبر من أسمى أهداف الجاهلية ألا وهو التعصب للقبيلة والنسب. ولقد اتبع القرآن في توجيهاته أسلوب ربْط السلوك السوي الذي لا بد أن يكون عليه المرء المسلم بالهدف الذي لا بد أن يسعى إليه، فكان ذلك تصحيحاً للهدف والسلوك معاً قال تعالى: [إِلاَّ المُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ....... أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ] (المعارج: ٢٢-٣٥) . وقال تعالى: [إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً * لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً * جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً. (النبأ: ٣١-٣٦) لذلك ظهر ذلك الجيل الذي تسامى فوق الأهداف الصغيرة والتطلعات الدنيوية الحقيرة ليسعى نحو الهدف السامي عن طريق سلوك سوي لعمارة الأرض كما شرع الله بعد أن امتلك عقيدة سوية. قال شداد بن الهاد: «جاء رجل من الأعراب إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، فقال: أهاجر معك. فأوصى به بعض أصحابه؛ فلما كانت غزوة خيبر غنم الرسول ﷺ شيئاً فقسمه وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوا إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ ، فأخذه، فجاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: قسم قسمته لك. قال: ما على هذا تبعتك، ولكن اتبعتك على أن أُرمى ها هنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت، فأدخل الجنة. فقال: إن تَصْدُقِ اللهَ يصدقْكَ، ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأُتي به للنبي ﷺ وهو مقتول، فقال: أهو هو؟ قالوا: نعم! صدق الله فصدقه» ] ٤ [. وحينما قال الرسول ﷺ يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم! قال: بخ بخ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله! يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم قاتلهم حتى قُتِلَ» ] ٥ [. وضوح تام في الهدف، وصدق في العقيدة أدى إلى وضوح وسلامة في السلوك. الجاهلية المعاصرة: إن الجاهلية التي أصابت العالم اليوم بشقَّيْه: الإسلامي، وغير الإسلامي، يمكن تقسيمها إلى نوعين: - جاهلية عقائد. - جاهلية أهداف. جاهلية العقائد: وهي التي تضرب آفاق العالم اليوم بما فيه الإسلامي وغير الإسلامي. فالعالم غير الإسلامي بكفره البواح يؤكد على انحراف في العقيدة لا شك فيه، وهو الذي أدى إلى انحراف في الأهداف ثم في السلوك. إن التخبط الذي يعيشه الفرد غير المسلم إنما مردُّه إلى ضياع وتخبُّط في أهدافه التي يسعى إلى تحقيقها؛ فمن هدف قصير الأجل دنيوي لا يلبث بعد أن يحققه أن يكتشف مدى استشراء الهشاشة فيه حتى يبحث عن هدف آخر إلى أن تقوده تلك الأهداف الزائفة إلى الانتحار أو سوء الخاتمة. وكذلك الدول والتي ليست في حال أحسن من أحوال أفرادها تعطي شعوبها أهدافاً، وتسعى بكل جهدها لتحقيقها، ثم حينما تتحقق هذه الأهداف تنكشف للشعوب مدى هشاشتها مما يجعل تلك الدول والحكومات تبحث عن أهداف وغايات أخرى قبل أن تقوم هذه الشعوب الضالة بتغيير تلك الحكومات؛ فمن القضاء على النازية إلى القضاء على الشيوعية، ثم النظام العالمي الجديد. فهذا (بيتر رايت) وهو أحد كبار ضباط المخابرات البريطانية يصف فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بقوله: «كان الشتاء قارساً، وأخذ الناس بالتذمر من حصص الغذاء، وكانت نشوة الانتصار عام ١٩٤٥م قد بدأت تتلاشى» ] ٦ [، وما أبعد هذه الصور عن قول ربعي بن عامر حين قال له رستم: ماذا جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. جاهلية الأهداف: قبل التحدث عن جاهلية الأهداف يلزم توضيح ماهية الأهداف؛ فمعلوم أن الهدف هو: القصد والغاية، والأهداف تنقسم إلى نوعين: أولاً: أهداف ثابتة، وهي ما تسمى في علم الإدارة بالأهداف الاستراتيجية. ثانياً: أهداف مرحلية أو قصيرة الأجل، وهي ما تسمى بالأهداف التكتيكية] ٧ [. ولا بد أن تسير الأهداف المرحلية وتصاغ في ضوء الأهداف الثابتة؛ بحيث لا تعارضها، وإن حدث أن عارض هدف مرحلي الهدف الثابت يجب فوراً إلغاء الهدف المرحلي أو تصحيح مساره ليتناسب مع الهدف الثابت. فلو نظرنا إلى مؤسسة تجارية فإن الهدف الثابت لها هو الربح وتوزيع أكبر عائد ممكن على مُلاّكها، وقد يكون أحد الأهداف المرحلية لهذه المؤسسة هو فتح فرع في إحدى المدن، فإذا كان تحقيق مثل هذا الهدف سوف يتسبب في إحداث خسائر لهذه المؤسسة فإنه يجب استبعاده فوراً؛ لأنه يتعارض مع الهدف الثابت لهذه المؤسسة. وفي حياة الإنسان المسلم هناك أهداف ثابتة وأخرى مرحلية؛ فالهدف الثابت له هو الفوز برضوان الله تعالى ودخول الجنة والنجاة من النار وذلك بعد أن يمن الله عليه برحمته جل وعلا. وقد يخطئ من يعتقد أن هدف الإنسان هو عبادة الله. والحق أن عبادة الله ليست سوى الوسيلة لتحقيق الهدف الذي يسعى إليه الإنسان وهو المذكور سابقاً، وسبب هذا الاعتقاد الخاطئ هو تفسير قوله تعالى:] وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [ (الذاريات: ٥٦) وذلك أن هذا هو غاية الله جل وعلا من خلق الإنس والجن وليس في الآية ما يدل على أن ذلك هو هدف الإنسان، ومصداق ذلك في قوله تعالى:] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [ (الدخان: ٣٨) . وقوله جل وعلا:] أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [ (المؤمنون: ١١٥) . بل إن هدف الإنسان لَيُوضحه جل وعلا بقوله:] لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً [ (الفتح: ٥) . فتعبير فاز يدل على أن هذا هو ما يجب أن يسعى إليه الإنسان ويكون هدفه في هذه الدنيا. وأما الأهداف المرحلية فإنها تلك الأهداف التي يسعى الإنسان لتحقيقها في هذه الحياة الدنيا مما ييسر عليه أمورها ويعينه على تحقيق هدفه الثابت. ومن هذه الأهداف: السعي في طلب الرزق الحلال، وتحقيق الكسب الحلال، والزواج، والسكن المريح. كل هذه الأهداف يجب ألا تتعارض مع الهدف الثابت للإنسان. فجاهلية الأهداف: وهي التي تصيب بعض المجتمعات الإسلامية التي تسود فيها عقائد سليمة على الأغلب، ولكن أهدافها تكون منحرفة وهي حالة شاذة جداً عما ينبغي أن تكون عليه مجمل المجتمعات الإسلامية؛ فليست أهداف الإنسان إلا محصلة عقائده. ولا شك أن التخبط والانحراف في تحديد الأهداف أو في ترتيب أولويات الأهداف بحيث تصبح الأهداف الثابتة أهدافاً غير ذات بال والأهداف المرحلية أو التافهة منها هي الأهداف الثابتة التي يسعى لها الإنسان، بمعنى أن تكون الآخرة والحصول على رضوان الله جل وعلا أهدافاً غير ذات بال، وتكون أهداف الدنيا الزائلة أهدافاً ثابتة يسعى لها الإنسان ويبذل في تحقيقها الغالي والنفيس؛ فما الذي يجعل أفراداً بل شعوباً من هذه الأمة تؤمن بالمفاهيم والأفكار الإسلامية، ثم تسلك سلوكاً منحرفاً يقودها إلى غير ما ترشدها تعاليم دينها الحنيف إلا انحراف في أهداف هذه الشعوب وهؤلاء الأفراد. إن ظهور جيل من المسلمين له عقيدة سليمة يؤمن بالله واحداً أحداً، ويقوم بكل واجبات دينه من صلاة وزكاة وصوم وحج، ثم يدعو إلى أكل الربا أو سفور للمرأة، أو يجري وراء ملذات الدنيا وشهواتها حتى لو كانت سوف تلقي به في جهنم ليؤكد على أن الانحراف الذي أصاب سلوك مثل هؤلاء مع صفاء عقائدهم إنما مردُّه إلى انحراف في فهم أهداف هؤلاء؛ بحيث أصبحت الدنيا هي الهدف الأسمى، والآخرة هدفاً يليه إن تذكّرَه الإنسان. التربية بترسيخ الأهداف: وإذا آمنا بكل ما سبق فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: ما الذي يجعل أهداف هذا الجيل (مع صفاء العقيدة) تنحرف عن الهدف السامي وتؤدي بدورها: إلى انحراف في السلوك؟ وللإجابة على هذا التساؤل نعيد النظر في الحلقات الثلاث وهي: العقيدة - الهدف - السلوك. فالعقيدة التي هي الأصل؛ ويجب الاهتمام بها جيداً والتأكد من صفائها. نراها في مثل هذا الجيل عقيدة سليمة؛ فهم يؤمنون بالله واحداً، واليوم الآخر، والرسالات، والكتب، والملائكة، وبالقدر خيره وشره، وكل المغيبات من جنة أو نار. ثم نجد بعد هذا أهدافاً منحرفة بل أهدافاً تعارض الهدف السامي الذي يسعى له الإنسان في هذه الدنيا وهو دخول الجنة والنجاة من النار؛ مما يؤكد على أن مثل هذا الهدف لم يرسخ في قلوب أفراد هذه الفئة ترسيخاً يتلاءم مع ما تمليه به عقائدهم؛ وما ذلك إلا لوجود حلقة ضائعة بين العقيدة والهدف ألا وهي التربية؛ فلا يمكن زرع عقيدة سليمة ثم لم ترسخ، ثم نطالب صاحبها بسلوك سوي إلا إذا ربطت العقيدة والسلوك بهذا الهدف، وهكذا كان أثر القرآن والسنة النبوية في تربية الجيل الأول. وعليه فلا بد من إعادة تربية هذا الجيل وربطه بالهدف الحقيقي له، وإلغاء كل هدف يتعارض معه. فعلى الآباء في المنازل تربية الأطفال على ذلك النهج، وعلى الأساتذة في المدارس تربية الطلاب على هذا المنوال، وعلى الخطباء في المساجد التركيز على إعادة صياغة الهدف في حياة الناس ليكون ذلك هو الهدف الأسمى الذي إذا تعارض معه أي هدف من أهداف الدنيا غلب الهدف الأساس عليه؛ لأنه الأسمى ألا وهو دخول الجنة والنجاة من النار. ولا يفوتني في ختام هذا المقال من التنبيه على مسائل مهمة في هذا البحث وهي: أولاً: دأبت كثير من الأفلام والقصص الموجهة للأطفال على أن يقوم بطل الرواية أو القصة بالبحث عن أرض السعادة أو أرض الجمال؛ وهذا الأسلوب يمكن اتباعه في تربية الأبناء والأطفال على أساس البحث عن الجنة وتجنب النار، وأن الجنة هي أرض السعادة المنشودة الأبدية، ثم بعد ذلك يتم ربط سلوكيات الطفل بهذا الهدف، ورسم صورة مشرقة في ذهنه عن الجنة وما فيها من ملذات، وعن النار وما فيها من عذاب. ثانياً: يجب تربية هذا الجيل وتصحيح أهدافه بداية من المدرسة؛ وذلك بربط العقائد التي يدرسها والسلوكيات التي يتعلمها بالهدف الذي يجب أن يسعى إليه وتصحيح تصوراته عن الجنة والنار بحيث تصبح أهدافاً يسعى إليها لا مجرد عقائد نظرية فحسب. ثالثاً: يتهاون كثير من الخطباء بمسألة التذكير الدائم بالجنة والنار وكذلك أهوال يوم القيامة؛ وأرى أنه لا بد من التذكير بذلك؛ بحيث يتم توجيه الناس إلى أن الهدف الحقيقي لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق التذكُّر الدائم للجنة والنار، فيجب عرض أهداف الدنيا عليه؛ فما عارضه فينبغي أن يستبعد فوراً. قال تعالى:] وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِياًّ * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياًّ [ (مريم: ٧١-٧٢) .

стр. 3488

قضايا دعوية تخريج العمالقة د. عبد الرحمن آل عثمان لقد اقتضت حكمة الباري جل وعلا أن خلق البشر وجعلهم متفاوتين في الصور والهيئات والألوان، بَلْهَ القوةَ والضعف، والصحة والمرض، والغنى والفقر، فضلاً عن التفاوت العظيم بينهم في الهمم والإرادات، والميول والرغبات، والفهوم والمَلَكَات، كل ذلك لحِكَم عظيمة بها تقوم حياة الناس وتتحقق مصالحهم، ويُسخَّر بعضهم لبعض، ومن ثَمَّ أيضاً يتفاوت حسابُهم بحسب ما أعطاهم الله تعالى من الأَعْراض والمَلَكَات، كما قال تعالى: [أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِياً] (الزخرف: ٣٢) ، وقال سبحانه أيضاً في آخر الأنعام: [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ] (الأنعام: ١٦٥) . وهذا التفاضل ينتج عنه تَمَايُزٌ في السعي والتحصيل في العلوم والصنائع، ومن ثَمَّ يحصل التكامل الذي به تكون عمارة الأرض وبناء الحضارة؛ فهذا يكون رأساً في العلوم الشرعية، وذاك نابغة في العلوم التجريبية، وثالث هَامَة في الفنون القتالية، ورابع باقِعَة [١] في التدبير والسياسة.. . وهكذا. وإنما هذه المهارات بمنزلة الزرع؛ فهو يقوى ويشتد، ويُؤتي ثماره المرجوة بأمرين: الأول: قابلية المحلّ. الثاني: القيام عليه وتعاهده بالسقي والرعاية. فهو عند اجتماع الأمرين يكون بمنزلة جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، وإن لم يصبها وابل فيكفيها طَلٌّ حتى تُخرِج من كل زوج بهيج. وبانعدام أحدهما لا يحصل المطلوب؛ ذلك أن من يحاول علماً لا يتناسب مع ميوله وقدراته كمن يزرع جوز الهند في الأندلس كما قال ابن حزم أو النخيل في أحد القطبين!! وهكذا نَفَاسَة المعدن، وتوقُّد الذكاء، وقابلية المحل، لا تكفي من غير صقل وتربية وعناية. وعليه يقال: مقومات النبوغ والتفوق والإبداع بعد توفيق الله تعالى أربعة: الأول: الإخلاص لله تعالى وتقواه، خاصة إذا كان العلم المطلوب شرعياً. وقد جاء في بعض رسائل الشيخ حمد بن عتيق (ت ١٣٠١هـ) ﵀ ما نصه: «.. . ومن تأمل أحوال العالم وجد ما يشهد به، فيجد من يَشِبّ ويشيب وهو يقرأ ولم يُحصِّل شيئاً لمانع قام به وحال من نفسه» [٢] . ولما وقعت عين الإمام مالك ﵀ لأول مرة على الإمام الشافعي رحمه الله وهو في أوائل الطلب قال له مالك ﵀: «إن الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية» [٣] . وفي رواية عند ابن عساكر: «فلما أن سمع كلامي نظر إليَّ ساعة [٤] وكان لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد، فقال لي: يا محمد! اتق الله واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشأن» [٥] . الثاني: توفر المَلَكَة والأهلية في ذلك الفن. الثالث: أن يوفَّق إلى المربي الفطن الذي يتمكن من اكتشاف مواهبه والتفرس في مَلَكَاته منذ مراحله الأولى، فيوجهه إلى تنمية تلك القُدرات، ويَكِلُه إلى من لديه القدرة على صقلها وتقويتها. الرابع: وجود البيئة الملائمة من التلاميذ الذين يتفقون معه في النبوغ والتفوق من جهة، والأساتذة البارعين في هذا الجانب من جهة أخرى. وإذا وقع الإخلال بشيء من ذلك فالنتيجة المنتظرة هي الفشل والضمور والتضاؤل، ومن ثَمَّ تكون الثمرة: تخريج الأقزام بدلاً من العمالقة. والله المستعان. ولعل من المناسب في هذا العصر الذي برز فيه الحديث عن الموهوبين أن أنقل لك كلاماً لعَلَم من أعلام المسلمين في هذه القضية الحيوية، وهو الإمام الشاطبي ﵀ (ت ٧٩٠هـ) حيث يقول في معرض كلامه على فروض الكفاية: «وذلك أن الله خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ألا ترى إلى قول الله تعالى: [وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (النحل: ٧٨) ، ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية؛ تارة بالإلهام كما يُلهَم الطفلُ الْتِقام الثَّدْي ومصَّه، وتارة بالتعليم؛ فطلب الناس بالتعلم والتعليم لجميع ما يُستجلَب به المصالح وكافة ما تُدْرأ به المفاسد، إنهاضاً لما جُبِلَ فيهم من تلك الغرائز الفِطْريَّة، والمطالب الإلهامية؛ لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح سواء كان ذلك من قبيل الأفعال، أو الأقوال، أو العلوم والاعتقادات، أو الآداب الشرعية أو العادية وفي أثناء العناية بذلك يَقْوى في كل واحد من الخلق ما فُطر عليه، وما أُلْهِم له من تفاصيل الأحوال والأعمال؛ فيظهر فيه وعليه، ويُبرِّز فيه على أقرانه ممن لم يُهيأ تلك التهيئة؛ فلا يأتي زمانُ التعقُّل إلا وقد نجم [٦] على ظاهره ما فُطر عليه في أوَّليَّته؛ فترى واحداً قد تهيَّأ لطلب العلم، وآخر لطلب الرياسة، وآخر للتصنع ببعض المهن المحتاج إليها، وآخر للصِّراع والنطاح، إلى سائر الأمور. هذا وإن كان كلُّ واحدٍ قد غُرز فيه التصرف الكلي؛ فلا بدَّ في غالبِ العادة من غَلَبة البعض عليه؛ فيردُ التكليفُ عليه معلَّماً مؤدَّباً في حالته التي هو عليها؛ فعند ذلك ينتهضُ الطلبُ على كل مكلف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهضٌ فيه، ويتعين على الناظرين فيهم الالتفات إلى تلك الجهات؛ فيراعونهم بحسبها ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم، ويعينونهم على القيام بها، ويحرضونهم على الدوام فيها؛ حتى يبرز كل واحد فيما غلب عليه ومال إليه من تلك الخُطط [٧] ، ثم يخلى بينهم وبين أهلها، فيعاملونهم بما يليق بهم ليكونوا من أهلها، إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية، والمدْركات الضرورية؛ فعند ذلك يحصل الانتفاع، وتظهر نتيجة تلك التربية. فإذا فُرِضَ مثلاً واحدٌ من الصبيان ظهر عليه حسنُ إدراك، وجودة فهم، ووفور حفظٍ لما يسمع وإن كان مشاركاً في غير ذلك من الأوصاف مِيل به نحو ذلك القصد، وهذا واجبٌ على الناظر فيه من حيث الجملة مراعاةً لما يُرجى فيه من القيام بمصلحة التعليم، فطلب بالتعلم وأُدِّب بالآداب المشتركة بجميع العلوم، ولا بد أن يُمال منها إلى بعض فيؤخذ به، ويُعان عليه، ولكن على الترتيب الذي نصَّ عليه رَبَّانِيُّو العلماء، فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعه إليه على الخصوص، وأحبَّه أكثر من غيره؛ تُرك وما أحب، وخص بأهله؛ فوجب عليه إنهاضه فيه حتى يأخذ منه ما قدر له، من غير إهمال له ولا ترك لمراعاته، ثم إن وقف هنالك فحسن، وإن طلب الأخذ في غيره أو طُلب به؛ فُعل معه فيه ما فعل فيما قبله، وهكذا إلى أن ينتهي. كما لو بدأ بعلم العربية مثلاً فإنه الأحقُّ بالتقديم؛ فإنه يُصرَف إلى معلميها؛ فصار من رعيتهم، وصاروا هم رُعاةً له؛ فوجب عليهم حفظه فيما طلب بحسب ما يليق به وبهم، فإن انتهض عزمه بعدُ إلى أن صار يحْذِقُ القرآن صار من رعيتهم، وصاروا هم رُعاةً له كذلك، ومثله إن طلب الحديث أو التفقه في الدين إلى سائر ما يتعلق بالشريعة من العلوم، وهكذا الترتيب فيمن ظهر عليه وَصْفُ الإقدام والشجاعة وتدبير الأمور، فيُمال به نحو ذلك، ويُعلَّم آدابه المشتركة، ثم يصار به إلى ما هو الأوْلى فالأوْلى من صنائع التدبير؛ كالعرافة، أو النقابة، أو الجندية، أو الهداية، أو الإمامة، أو غير ذلك مما يليق به، وما ظهر له فيه نجابة ونهوض، وبذلك يتربى لكل فعلٍ هو فرضُ كفايةٍ قومٌ؛ لأنه سير أولاً في طريق مشترك؛ فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة، وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية، وفي التي يَنْدُر من يصل إليها؛ كالاجتهاد في الشريعة، والإمارة؛ فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخر» [٨] .

стр. 3489

حوار حوار مع الشيخ محمد السيف نترقب إحدى الحسنيين الشيخ أبو عمر محمد بن عبد الله السيف من طلبة العلم الذين نفروا إلى الجهاد في سبيل الله؛ وقليل هم الذين يُعنَون بالجهاد من طلبة العلم، وقليل من هؤلاء من ينفر للجهاد في سبيل الله بنفسه، وقليل ممن ينفر بنفسه مَنْ يبقى ويستمر في ميدان الجهاد ويثبت السنوات الطوال؛ فهم قليل من قليل من قليل. وضيفنا نحسبه من هذا القليل؛ فقد تخرج في كلية الشريعة وتتلمذ لفضيلة الشيخ ابن عثيمين. شارك في الجهاد في الحرب الشيشانية الأولى، وعند انتهاء الحرب اشتغل بالدعوة والتعليم، فكان له دور في تأسيس المحاكم الشرعية في فترة الاستقرار التي تلت الحرب الأولى من ١٩٩٦م - ١٩٩٩م تقريباً، وكان له دور في نشر المنهج العلمي الشرعي؛ فقد أنشأ معهد القضاء الشرعي، ومعهد الإمام الشافعي للدراسات الشرعية؛ ولما وقعت الحرب الثانية على أرض الشيشان بادر للمشاركة في الجهاد، فكان أحد رموزه المؤثرة؛ حيث كان يشارك بنفسه ويحرض المؤمنين ويعلمهم ويدعمهم الدعم المادي والمعنوي. وقد أصيب عدة مرات في القتال، ولا يزال بحمد الله في صحة جيدة يقوم على الثغور ويتحرك في العمليات. نسأل الله أن يوفقه وإخوانه، وأن ينصرهم على القوم الكافرين، ويسعدنا في مجلة البيان أن يكون فضيلته ضيفنا في هذا اللقاء. البيان: نريد أن تحدثنا عن الوضع القائم من حيث مناطق نفوذ المجاهدين ومعنوياتهم وخطتهم العسكرية في هذه المرحلة؟ * الوضع القائم الآن جيد، والمجاهدون بصحة جيدة يتحركون نحو أهدافهم بسهولة، وينتشرون في مناطق واسعة لا تحدهم حدود، ومعنوياتهم مرتفعة، ولله الحمد؛ فهم يترقبون إحدى الحسنيين ولا يبالون بأيهما ظفروا: النصر أو الشهادة؛ فعلى الرغم من التضحيات الكثيرة التي قدمت وشدة القتال وضراوة المعركة وما يملكه العدو من إمكانات عسكرية ضخمة إلا أن هذا كله زادهم إصراراً وتصميماً على مواصلة الطريق نحو الهدف الأسمى، وهم يرتقون ذروة سنام الإسلام ويتراءى لهم قول الله جل وعلا: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ] (آل عمران: ١٣٩-١٤١) . وأما الخطة العسكرية في هذه المرحلة فهي القيام بعون الله تعالى بحرب عصابات شاملة ومفاجئة للعدو في جميع أنحاء البلاد وفي كل مكان يمكن الوصول فيه للقوات الروسية، وهذه تحتم كثرة التنقل وعدم الاستقرار في مكان واحد لمدة طويلة وعدم المحافظة على المواقع، بل يضرب العدو في موقع ثم نفاجئه في موقع آخر. البيان: ما وضع الروس والمناطق التي يسيطرون عليها ومعنوياتهم؟ وما الفرق بين الجيش والأمون؟ * الروس مع ما يملكون من قدرات عسكرية ضخمة إلا أنهم يعانون من تدني الروح المعنوية؛ حيث يساقون قسراً إلى مواقع القتال وهم يبكون وقد سيطر عليهم الرعب، ولا يدرون من أين يأتيهم المجاهدون؛ حتى وصل الحال ببعضهم إلى الانتحار؛ فقد عُثِرَ على ضابط انتحر في مكتبه في إحدى نقاط التفتيش، وعثر على بعض الجنود وقد انتحروا في آلياتهم. ولا يسيطر الروس إلا على الأرض التي تحت أقدامهم، وأما سائر أرجاء الشيشان فلا يملكون السيطرة عليها؛ حيث يتحرك المجاهدون ويتنقلون في المناطق التي تزعم القوات الروسية السيطرة عليها. والفرق بين الجيش والأمون: أن قوات الأمون هي الشرطة الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، ويتلقى أفرادها تدريباً خاصاً وعناية وتجهيزاً متميزاً، وأعمار أفرادها يبدأ بعد الخامسة والعشرين، وعملها تفتيش القرى، ووضع نقاط التفتيش في الطرق، ومكافحة الإرهاب على حد زعمهم. أما الجيش فمهمته الرئيسة القتال والقصف بالطيران وإنزال المظليين. وبين الجيش والأمون خلافات تصل إلى حد القتال؛ نسأل الله أن يجعل بأسهم بينهم شديداً. البيان: ما موقف المجاهدين من عروض المصالحة التي يسمع عنها بين الحين والآخر؟ * المجاهدون يرفضون أي مصالحة لا تكون نتيجتها الاستقلال الكامل للشيشان ويلتزم الروس فيها بتعويض الشيشان عن الخسائر التي نزلت بها، وإعادة الإعمار وبخاصة البنية التحتية. والمجاهدون الآن يرفضون أي تفاوض مع الروس ما لم يخرج الجيش الروسي من الشيشان. البيان: يثار أن هناك خلافاً بين المجاهدين، ويتخوف كثير من المحبين أن يتكرر ما حصل في أفغانستان من الاختلاف فما ردكم؟ * ليس هناك خلاف بين القادة الميدانيين بحمد الله تعالى، بل العمل قائم على التنسيق والتكامل، والوضع في الشيشان يختلف عن أفغانستان؛ حيث إن أهل الشيشان من عرق واحد وليس هناك خلافات عميقة ولا أحزاب بين القادة بخلاف أفغانستان؛ فإنها أعراق مختلفة، والخلاف بين القادة له جذور وصراعات حزبية. نسأل الله أن يؤلف بين المسلمين في كل مكان. البيان: يتردد في بعض وسائل الإعلام أن غير الشيشانيين المشاركين في القضية الشيشانية مرتزقة وليس لهم علاقة بالقضية، فبماذا تردون عليهم؟ * قد يرد مثل هذا الطرح لدى الكفار الذين لم يعرفوا طبيعة هذا الدين وأن أمة الإسلام أمة واحدة؛ فقد استجاب المجاهدون من غير الشيشان لأمر الله تعالى بقوله: [وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ] (الأنفال: ٧٢) وقد أجمع العلماء على تعيُّن الجهاد إذا دخل الكفار بلاد المسلمين، وبلاد المسلمين كلها بمثابة البلد الواحد؛ فالذين نفروا من غير الشيشانيين وتركوا ما هم فيه من رغد العيش ورخاء الدنيا ارتقوا بذلك ذورة سنام الإسلام يبغون حظ الآخرة نحسبهم كذلك محققين بذلك أمنية رسول الله ﷺ ؛ حيث قال: «والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» رواه البخاري. ولماذا يلام أهل الإسلام على نصرتهم لإخوانهم في الدين؟ والإسلام لا يعرف الحدود ولا الحواجز ولا الفوارق العرقية: وحيثما ذكر اسم الله في بلدٍ ... عددت أرجاءه من لب أوطاني ألا يرون الروس الأرثوذكس الذين خرجوا متطوعين لمناصرة إخوانهم الصرب في يوغسلافيا؟ ألا يرون تحرك الغرب أوروبا وأمريكا لمناصرة إخوانهم النصارى في تيمور الشرقية؟! البيان: هناك من يطرح أهمية اقتصار الإخوة الأنصار على النشاط الدعوي والجهادي وعدم محاولة البروز السياسي؛ لأنه مزلق سيكون له آثار مدمرة وعكسية فما تعليقكم؟ * النشاط الدعوي والجهادي يقوم به الإخوة الأنصار وهو أساس عملهم وهم على كل حال قدموا لنصرة القضية الإسلامية في الشيشان سواءً في جانب الدعوة والجهاد أو في الجانب الإعلامي السياسي وغيرها وليس لهم طموح دنيوي لا في أرض الشيشان ولا في غيرها. البيان: ما هو تقويمكم لمواقف الشعوب والحكومات الإسلامية؟ * أما بالنسبة لموقف الشعوب الإسلامية بل المسلمين في العالم فهو موقف مشرّف؛ ونحن نشعر بمشاركتهم لنا في قضيتنا من خلال دعمهم المادي والمعنوي. لقد قذفت هذه الشعوب بفلذات أكبادها ليشاركوا في الجهاد بأنفسهم، وبذلوا أموالهم لنصرة القضية، وإنا لنرى أثر دعواتهم في تنزُّل النصر وحصول الفرج من الله ﵎ وتصلنا عواطفهم الحارة من خلال رسائلهم إلى موقعنا على الإنترنت (صوت القوقاز) الذي يبث حتى الآن بخمس عشرة لغة؛ وإنا لنقدر لهذه الشعوب مواقفها، ونسأل الله أن يحيي في الأمة المسلمة روح الجهاد من جديد. أما الدول الإسلامية فإنها للأسف تخاذلت عن نصرة الشعب الشيشاني، ولم ترجع في هذه القضية إلى كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ؛ بل رضيت بما تحكم به هيئة الأمم التي هي في الحقيقة تمثل اليهود والنصارى. وليتهم توقفوا عند هذا الحد؛ بل إنهم دعموا الروس من خلال تصريح وفد منظمة المؤتمر الإسلامي بأنهم يؤمنون بوحدة الأراضي الروسية، وأن القضية الشيشانية شأن داخلي لروسيا، وأنهم ليس من عقيدتهم دعم الإرهاب على زعمهم دون أن يعبروا عن استنكارهم لما يجري في الشيشان. البيان: ما تقويمكم لموقف الغرب من القضية؟ * نحن لا نعلق أملاً على الغرب الكافر لمناصرتنا، بل نحن نعلم أن الغرب يسعى إلى تحقيق مصالحه، وأن عدوه الأول هو الإسلام. فالغرب له مصلحة من استمرار الحرب في الشيشان من خلال موازنة ومعادلة معينة في مصلحته، ومن ذلك: زيادة إخضاع روسيا للغرب، وإضعاف قبضتها على القوقاز؛ حيث طموحات الغرب هناك، ومساومة روسيا بالقضية الشيشانية للحد من انتشار الأسلحة، وعدم تمرد روسيا على سياسة الغرب في القضايا العالمية، والحديث عن انتهاكات روسيا لحقوق الإنسان لتحقيق هذا الغرض. وبالمقابل فإن الغرب يخشى من انتصار القوى الإسلامية في القوقاز، ويعتبر قيام دولة إسلامية خطراً داهماً يهدد النظام العالمي الجديد، وبناءاً على هذا فهو يدعم روسيا بالمال من خلال القروض، وبالاستشارات العسكرية ويتعاونون معهم في مجال الاستخبارات والاتصالات. وأما الشعارات الجوفاء التي يرفعها الغرب مثل: حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير المصير، والديمقراطية، فهذه كلها نداءات ليس لأهل الإسلام فيها نصيب. [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) . البيان: هل لليهود دور في القضية الشيشانية؟ * نعم! لقد وقف اليهود من خلال دولتهم في (إسرائيل) مع الروس من بداية الحرب، وعرضوا خدماتهم العسكرية والاستشارية، واستقبلوا جرحى الروس في مستشفياتهم. البيان: ما أبرز سمات الجهاد في الشيشان؟ * أبرز السمات: وضوح الراية؛ حيث ترفع راية الجهاد لقتال الكفار وتحرير بلاد المسلمين بشكل واضح؛ فإن الشعب الشيشاني مع كونه قد عاش ردحاً من الزمن تحت الاحتلال الروسي إلا أن العلم الشرعي قد انتشر في صفوفه وأصبح اتِّباع السنة والمنهج الصحيح بارزاً لدى كثير من المجاهدين مما حدا بالروس إلى الادعاء بأنهم يحاربون الوهابية في الشيشان. البيان: كثيرون يحبون أن يتابعوا أخباركم فما المصدر الموثوق لمعرفة أخباركم؟ * أخبارنا تؤخذ من موقعنا على الإنترنت صوت القوقاز، والذي يصدر حتى الآن بأكثر من خمس عشرة لغة منها: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الأوردية، التركية، الماليزية، البوسنوية، الأندونيسية، الهندية، البنغالية، الإيطالية، الألبانية، ولكن الموقع أحياناً يتوقف أو يتأخر في نشر الأخبار بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها الموقع أحياناً، ومن ذلك انقطاع الاتصالات وانشغال الإخوة في العمليات، وقريباً إن شاء الله سيكون هناك تطوير للموقع ومتابعة جيدة بإذن الله تعالى. البيان: ما مستقبل القضية الشيشانية حسب تصوركم؟ * الصراع بين الحق والباطل سنة الله الماضية، ونحن نقوم بالواجب الشرعي في قتال الكفار والدفاع عن أراضي المسلمين؛ والذي نتوقعه إن شاء الله أن تكون القضية الشيشانية سبباً لتقويض الاتحاد الروسي كما كانت القضية الأفغانية سبباً لتقويض الاتحاد السوفييتي، ونأمل أن تقوم دولة مسلمة على أرض القوقاز يُعاد فيها ذِكْرُ الفتوحات على عهد الخلفاء الراشدين. ونحن نعلم أن هذا الأمل لا يمكن أن يتحقق من خلال نزهة في جبال القوقاز وسهولها، ولكنه يتحقق بإذن الله حين نطيع أمر الله، ونبذل الأسباب الشرعية التي أمر بها، [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) . البيان: هل من توصيات تسجلونها في نهاية اللقاء؟ * في ختام هذا اللقاء أشكر مجلة البيان التي عُرفت بأصالتها وسلامة منهجها على إتاحة الفرصة للتعريف بالقضية الشيشانية، وأوصي الحكومات الإسلامية بنصرة الشعب الشيشاني والاعتراف باستقلال دولته عن روسيا، وأوصي عموم المسلمين بمساعدة إخوانهم والجهاد معهم بالنفس والمال واللسان والدعاء والقنوت لهم.

стр. 3490

وقفات سلامة الصدر أحمد بن عبد الرحمن الصويان من أعظم نِعَمِ الله تعالى على العبد المسلم أن يجعل صدره سليماً من الشحناء والبغضاء، نقياً من الغلِّ والحسد، صافياً من الغدر والخيانة، معافىً من الضغينة والحقد، لا يطوي في قلبه إلا المحبَّة والإشفاق على المسلمين. قد يجد المرء من بعض إخوانه أذىً أو يصيبه منهم مكروه، وربما يسرف بعض إخوانه في جرحه أو الحط من قدره، بل قد يصل الأمر والعياذ بالله إلى أن يفتري أحد إخوانه عليه الكذب ويتهمه بالسوء.. ومع ذلك كله تراه يدعو الله عز وجل بقلب صادق أن يتوب على إخوانه، ويتجاوز عنهم، ويهديهم سبيل الرشاد، ولا يجد في نفسه سبيلاً إلى الانتقام أو الانتصار للنفس. وبقدر إدبارهم عنه وأذاهم له، يكون إقباله عليهم وإحسانه إليهم، يهتدي دائماً بقول الله تعالى: [وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: ٣٤-٣٥) كما يهتدي بما رواه أبو هريرة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصِلُهم ويقطعونني، وأُحسِنُ إليهم ويسيئون إليّ، وأحلُمُ عنهم، ويجهلون عليّ!! فقال رسول الله ﷺ : «لئن كنت كما قُلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ [١] ، ولا يزال معك من الله تعالى ظهير عليهم ما دمتَ على ذلك» [٢] . وما أجمل قول الشاعر: إذا أدْمَتْ قوارِصُكم فُؤادي ... صبرتُ على أذاكُم وانطويتُ وجئت إليكمُ طَلْقَ المُحَيَّا ... كأنِّي ما سمعتُ ولا رأيتُ كم يعلو قدر الإنسان، وتشرُف منزلته حينما يصل إلى هذه المنقبة العظيمة والخَلَّة الكريمة التي لا يقوى عليها إلا ذوو الصدق والإخلاص.. ولا يستطيع أن يصل إلى أعتابها إلا من جاهد نفسه حق المجاهدة، وفطمها عن شهواتها..؟! أرأيت إلى ذلك الصحابي الجليل ﵁ الذي أشار النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً إلى أنه من أهل الجنة، فلما ذهب إليه عبد الله بن عمرو بن العاص وبات عنده ثلاث ليال فلم يره فعل كبير عمل، فعجب عبد الله من حاله وسأله: ما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: «ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه» . فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق! [٣] . إن هذه الصفة الجليلة من الصفات التي رفعت أقدار الصحابة ﵃ فها هو ذا سفيان بن دينار يقول: قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁ أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: «كانوا يعملون يسيراً ويؤجَرون كثيرا ً» . فقال سفيان: ولِمَ ذلك؟ قال: «لسلامة صدورهم» [٤] . ولهذا بيَّن ابن القيم أن سلامة القلب: «مشهد شريف جداً لمن عرفه وذاق حلاوته، وهو أن لا يشغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره، وشفاء نفسه؛ بل يفرغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له، وألذ وأطيب، وأعون على مصالحه؛ فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده، وخير له منه، فيكون بذلك مغبوناً، والرشيد لا يرضى بذلك، ويرى أنه من تصرفات السفيه؛ فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس، وإعمال الفكر في إدراك الانتقام؟» [٥] . إن ثمة حقيقة في غاية الأهمية والخطورة: وهي أن بعض صفوف الدعاة قد يكدرها بعض الأذى والسوء، فقد أصبح الشغل الشاغل لبعض الجهلة والقاعدين البطالين هو الوقوع في أعراض إخوانهم، ثم اشتغل آخرون بإشاعة السوء والنميمة، يفرون في أعراض الناس فرياً، ولا يقيمون وزناً لكبير ولا صغير، ولا يخافون الله تعالى في لحوم إخوانهم!! ، واشتغل بعض من جرحهم هؤلاء بالرد عليهم وتبرئة ساحتهم، وإذا كان بعض ذلك مشروعاً، إلا أن الخوف كل الخوف أن يتحول إلى مجرد انتصار للنفس وتنفيس للهم، ينشغل بذلك عن الأوْلى والأهم. أما النفوس العليَّة الكبيرة العامرة بنور القرآن، وذكر الرحمن فإنها لا تلتفت إلى هذه الصغائر، ولا تشغلها تلك التوافه عن السير قُدُماً في هذا الطريق؛ فالناس في شغل، وأولئك الأبرار في شغل آخر.. الناس في قيل وقال، وأولئك الأطهار لهم شأن آخر وهم أعظم، ومن نذر نفسه وجنّد وقته لخدمة دين الله تعالى فأسهر ليله وأشغل نهاره في تتبع أحوال المسلمين وعلاج مشكلاتهم أيجد في نفسه اطمئناناً لسماع الوشاة، أو رغبة في الانتصار للذات؟! قد رشَّحوك لأمرٍ لو فَطِنْتَ له ... فاربأْ بنفسك أن تَرعَى مع الهَمَلِ إن الأمة الإسلامية تمر بمرحلة خطيرة تكالبََ فيها الأعداء عليها من كل مكان، وأمامها مفرق طريق، ولا وقت هنا للهو والعبث والاشتغال بهذه الهموم الوضيعة التي أدنى ما فيها أنها تشتت الفكر، وتقبض الصدر، وتلهي الإنسان عن معالي الأمور..!

стр. 3491

فتاوى أعلام الموقعين دولة اليهود آخر الزمان فضيلة العلامة: محمد الأمين الشنقيطي في هذا العدد نورد جواباً متيناً قائماً على أدلة شرعية مع استدلال عميق واستنباط دقيق.. إنه جواب الشيخ العلاَّمة محمد الأمين الشنقيطي [١] صاحب تفسير أضواء البيان رحمه الله تعالى عندما سئل أثناء رحلته إلى الحج إلى بيت الله الحرام سنة ١٣٦٧هـ: هل يوجد نص شرعي يدل على وجود دولة لليهود في آخر الزمان؟ فذكر ﵀ جواباً غاية في التحرير والتحقيق، فبيّن الشيخ من خلال نصوص شرعية بعض الأحوال المستقبلية في آخر الزمان، دون جمود ظاهري، أو تكلف في الاستدلال، أو تحميل للنصوص الشرعية ما لا تحتمله كما وقع فيه بعض المعاصرين، فإليك ما قاله هذا الإمام ﵀: سألَنا بعضُ طلبة العلم: هل عثرنا على نص من الكتاب أو السنة يُفهَمُ منه وجود دولة لليهود في آخر الزمن؟ فكان جوابنا: إنه ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ ما يدل بالدلالة المعروفة عند الأصوليين بدلالة الإشارة على وجود دولة لهم في آخر الزمان، أما النص الذي دل على ذلك بدلالة الإشارة فقوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله» رواه البخاري بهذا اللفظ، ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وقد أخرج هذا الحديث البخاري في كتاب الجهاد والسير في باب: قتال اليهود. ومسلم في كتاب «الفتن وأشراط الساعة» في باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء. ومثل الحديث المذكور قوله ﷺ : «تقاتلون اليهود فتُسَلَّطون عليهم حتى يختبئ أحدُهم وراء الحجر فيقول الحجر: يا عبد الله! هذا يهودي ورائي فاقتله» رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄. أما البخاري فقد أخرجه في (كتاب الجهاد في باب قتال اليهود) وأما مسلم فقد أخرجه في كتاب الفتن مختصراً. فهذا نص صحيح من النبي ﷺ أنه لا بد من قتال المسلمين واليهود حتى تكون عاقبة النصر والظفر للمؤمنين. والمقاتلة بحسب الوضع اللغوي تقتضي وجود القتال من طائفتين مقتتلتين؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين وضعاً، ومنه قوله ﷺ : «تقاتلون اليهود» على وجود جنس مقاتل من اليهود. وذلك إنما يكون من طائفه متحدة الكلمة تحت طاعة أمير يقاتل بهم؛ وذلك هو معنى دلالة الحديث على وجود دولة لهم في آخر الزمان؛ لأنهم لو كان دائماً عليهم مضمون قوله تعالى: [وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً] (الأعراف: ١٦٨) وكانوا متفرقين غير مجتمعين أبداً تحت أمير على كلمة واحدة ما صح قتالهم مع المسلمين الذي نص عليه الرسول ﷺ في الحديث الصحيح، فإذا حققت ذلك فاعلم أن دلالة الإشارة في اصطلاح الأصوليين في دلالة اللفظ على معنى ليس مقصوداً منه بالأصل بل بالتبع؛ لأن ذلك المعنى لازم للمعنى المقصود من اللفظ كدلالة قوله تعالى: [أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ] (البقرة: ١٨٧) المعنى: بغايةٍ هي تبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر؛ أعني قوله تعالى: [حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ] (البقرة: ١٨٧) الآية على صحة صوم من أصبح جنباً للزومه للمقصود به من جواز جماعهن ليلة الصيام إلى آخر جزء منها؛ بحيث لا يبقى بعد ذلك الجزء المجامَع فيه جزء من الليل أصلاً حتى يغتسل فيه قبل النهار، فلزم جواز إصباحه جنباً وصحة صوم من أصبح جنباً؛ فالمقصود بلفظ النص المذكور إباحة الجماع في ليلة الصيام إلى انتهائها، ولم يقصد باللفظ صحة صوم من أصبح جنباً إلا أنها لازمة للمقصود باللفظ؛ لأنه إذا جاز له الجماع في جزء الليل الأخير الذي ليس بعده إلا النهار لزم كونه جنباً في النهار، فدل بالإشارة على صحة صوم من أصبح جنباً، ومن دلالة الإشارة أخذ علي رضي الله عنه كون أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: [وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً] (الأحقاف: ١٥) مع قوله تعالى: [وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ] (لقمان: ١٤) ، وقوله تعالى: [وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ] (البقرة: ٢٣٣) لأن ثلاثين شهراً التي هي أمد الحمل والفصال إذا أسقط منها العامان اللذان هما أمد الفصال بأربعة وعشرين شهراً بقي للحمل ستة أشهر هي باقي الثلاثين، فإذا حققت ذلك فقوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود» المقصود منه أن قتال اليهود والمسلمين واقع لا محالة إلا أن هذا المعنى المقصود بالنص يلزمه كون اليهود فئة متحدة الكلمة تحت إمارة أمير يقاتل بهم؛ وذلك هو معنى وجود حكومة منهم في آخر الزمان دل عليها النص بالإشارة.

стр. 3492

نص شعري حزيران ! مروان كُجُك في اليوم الخامس من شهر حزيران (يونيو) من عام ١٩٦٧م وقعت الحرب بين العرب بقيادة الثوريين وبين اليهود المحتلين في فلسطين، وهي الحرب التي سماها اليهود بـ (حرب الأيام الستة) وتفتق فكر قادة الهزيمة النكراء عن تسميتها بـ (النكسة) حيث ظهر عُوار الفكر الثوري التقدمي الذي أضاع سيناء كلها مع زيادة امتدت حتى مشارف القاهرة، والجولان جميعها حتى ضواحي دمشق، والضفة الغربية بتمامها بما فيها القدس؛ وهكذا وفي أيام تقل عن أسبوع بيوم واحد تهاوت فيها أخيلة البطولة الجوفاء التي رسمها الفكر التسلطي الذي قاد الأمة بحماقته وعنجهيته إلى عار ما يزال بحاجة إلى جهاد فذ ونضال مرير ابتدأه أطفال ثورة الحجارة ولم تُنهِهِ مخازي اتفاقيات (أوسلو) وتوابعها: المعلنة والمضمرة، ما عُلِمَ منها وما لم يُعلَم. حُزَيْرَانُ فِيكَ تَعَرَّى الضَّلالْ ... وَتَاهَتْ عُقُولٌ، وَضَاعَتْ تِلالْ سَتَبْقَى إلَى أَنْ يَشَاءَ الإلهُ ... سَرِيعَ الْمَجِيءِ، بَطِيءَ الزَّوَالْ تُذَكِّرُنَا بِالْخِدَاعِ الرَّهِيبِ ... وَطَيْشِ الْكِبَارِ وَسُخْفِ الرِّجَالْ أَضَاعُوا الْبِلادَ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ ... وَبَاتُوا أُسُوداً بِغَيْرِ جِدَالْ * * * حُزَيْرَانُ يَا جُرْحَ كُلِّ أَبِيٍّ ... وَيَا إرْثَ قَهْرِ دُعَاةِ النِّضَالْ ظَمِئْنَا فَجَاءَ الشَّرَابُ حَمِيماً ... وَقَالُوا لَنَا: فَارَ نَبْعٌ زُلالْ هَلُمُّوا بَنِي يَعْرُبٍ نَتَلاقَى ... عَلَى مِحْنَةٍ حَارَ فِيهَا الْخَيَالْ نُبَايِعُ أَجْهَرَ صَوْتٍ وَنَمْضِي ... عَلَى إثْرِهِ دُونَ أَدْنَى سُؤَالْ حُزَيْرَانُ يَا دُرَّةً لِلْيَهُودِ، ... وَلِلْعُرْبِ عَاراً وَسِيعَ الْمَجَالْ قَتَلْتَ بِنَا زَهْوَةَ الْفَاتِحِينَ ... وَأنشَأْتَ صَرْحاً لِذُلٍّ عُضَالْ وَقَلَّبْتَنَا فَوْقَ جَمْرِ الطُّغاةِ ... لِنَهْتِفَ كَالْبُهْمِ: يَا ذَا الْجَلالْ! أَطِلْ عُمْرَ مَنْ حَمَّلُونَا الشَّقَاءَ ... وَكَانُوا الْمَهَازِيمَ يَوْمَ النِّزَالْ وَمَاتَتْ صَرَامَةُ شَعْبٍ أَبِيٍّ ... وَذَلَّتْ كَرَامَاتُ عَمٍّ وَخَالْ وَبِتْنَا مِنَ الْحَيْفِ كَالإمَّعِينَ ... نُبَايِعُ كَالْبُلْهِ أَخسَا رِجَالْ غُلِبْنَا عَلَى أَمْرِنَا فَاسْتَطَارَتْ ... شُرُورٌ، وَقُطِّعَ حَبْلُ الْوِصَالْ وَصَارَ التَّفَرُّقُ صِبْغَةَ شَعْبٍ ... وَأَضْحَى الْحَرَامُ لَدَيْهِ حَلالْ فَيَا تَعْسَ مَنْ أَوْصَلُونَا لِهَذَا ... وَيَا بُؤْسَ جِيلِ الْهَوَى وَالْخَيَالْ * * * حُزَيْرَانُ فِيكَ أَقَامَ الْيَهُودُ ... صُرُوحاً مِنَ الزَّهْوِ فِعْلاً وَقَالْ وَنَحْنُ هَدَمْنَا صُرُوحَ الْجُدُودِ ... وَبِتْنَا نُصَارِعُ أَسْوَأَ حَالْ شَبِعْنَا شِعَارَاتِ لَيْلٍ طَوِيلٍ ... وَلَمْ يَبْقَ فِينَا زَعِيمٌ طُوَالْ وَصِرْنَا أَضَاحِيكَ أَهْلِ الزَّمَانِ ... وَكُنَّا بَنِي قُدْمَةٍ وَاحْتِمَالْ * * * حُزَيْرَانُ يَا ذِلةَ الْيَعْرُبِينَ ... وَيَا نَزْفَ قَلْبٍ أَمَضَّ وَطَالْ بِسِتٍّ مَضَتْ مِنْكَ أَضْحَى الْعَرِينُ ... خَوَاءاً وَطَاشَتْ فُنُونُ الْقِتَالْ بَكَيْنَا شَكَوْنَا بِكُلِّ اللُّغَاتِ ... وَذُقْنَا مَرارَةَ ذُلِّ السُّؤَالْ وَبَاتَ الصَّدِيقُ عَدُوًّا وَصِرْنَا ... أَلاعِيبَ لَمْ نَجْنِ غَيْرَ الْوَبَالْ فَقُلْ لِلْبُغَاةِ، وَإنْ طَالَ لَيْلٌ، ... سَيَبْزُغُ فَجْرٌ بَهِيُّ الْجَمَالْ وَيَنْهَزِمُ الْبُطْلُ والمُبْطِلُونَ ... وَيَعْلُو الجِهَادُ وَيَهْوِي الضَّلالْ

стр. 3493

نص شعري رسالة إلى الحبشة عباس شعيب حسن تسربلي من عقودِ الفخرِ سِربالاً ... وبلِّغي عنيَ الأجيالَ أقوالا رسالتي من صميم القلب أكتبها ... يخط فيها يراعي اليوم آمالا أنجبتِ للمجد سلطاناً يذاد به ... عن الخطوب، بلى أنجبت رئبالا بلالنا يا رعاك الله من بطلٍ ... الصبر في أرضكم قد صال أو جالا رمضاء مكة في الأكوان شاهدة ... أن العناءَ من الأبطال ما نالا معذَّب في لهيب الحر، مُفْتَرِشٌ ... صخراً شديد اللظى والعزم ما زالا فيا أميَّةُ! ماذا ذنب صاحبنا: ... أآبقٌ أم إلى الأرزاء قد مالا أم نال من عرض سادات ومزَّقه ... أم قد مضى في دروب الأمن قتالا؟ فقال كلاَّ!! ولكن صابئ عَمِهٌ ... قد راح يتبع أوباشاً وضلالا قد أنكر اللات والعزى وثلَّمها ... وعاب أربابه.. والزيف ما قالا ألا فزيدوه ضرباً كي يعود إلى ... ديانة القوم أو زيدوه أثقالا فردٌ وحيد وفذٌّ في السما أبداً ... فلترسموا في ثنايا الظهر أدغالا أو فاضربوني إلى أن ترتووا بدمي ... أو مزقوني أشلاءاً وأوصالا تقارب الموت من روح الفتى ودنا ... فجاءه النصر واستبقاه آجالا يقول بدر الدُّنا الصديق في أسفٍ: ... سأشتري منك هذا العبد إجلالا دعوا أخانا لوجه الله منطلقاً ... من الإسار وفكوا عنه أغلالا فصار للأمة العظمى مؤذنَها ... وصار أسيادُه الأغرار أذيالا حتى مشى في جنان الخلد موطِئُه ... لأنه كان للخيرات فَعَّالا الله أكبر يا ضُلاُّل رايتنا ... والله أكبر إكثاراً وإقلالا هيا بنا للذرا يا شعر في ألقٍ ... تاريخنا ممطر عزماً وأبطالا ثقي تماماً بنصر الدين أمتنا ... إن أكثر البغيُ إيغالاً وإدخالا مهما استطالت ليالي الرعد قاصفة ... وأُوقِف الناسُ إدباراً وإقبالا سينجلي الغيم حتماً بعد ساعته ... ويمتطي الوردُ ظهرَ الروض خَيَّالا

стр. 3494

نص شعري من البلقان إلى الشيشان مشبب بن أحمد القحطاني مشاهدُ القتلِ والتشريدِ تُبكيني ... وجذوةٌ من لهيبِ الحزنِ تكويني وجحفلُ الهمِّ لا عزمٌ يُدافعه ... وغَادر الرَّمي يُدميني ويُرديني وأَعصب الرأسَ بالآلام مُتَّشِحاً ... أُساهر الليلَ والآمالُ تُضنيني يا أصدَقَ الشِّعرِ هَلاّ قُلتَ قافيةً ... تَبُثُّ همِّي وتَروي ما يُعزِّيني أُترجم الشِّعر من فِكري إلى قلمي ... وأَكشِفُ اليومَ آهاتي ومكنوني أُمْسي وأُصْبِح في حُزنٍ يُصَارِعُني ... فَحالُ أَمتنا في البُؤْس يشقيني أُسائلُ النّاس ما بالُ الجِهَادِ غدا ... في مُعْجَمِ العصرِ (إرهاباً) و (لا ديني) ؟ أضحى الشموخُ الذي عِشْنا به حِقَباً ... مُمَرّغاً بالأسى في الوحلِ والطّينِ عَلامَ يا أُمّتي ضَلّتْ مَسالِكُنا؟ ... نَهيمُ في مَهْمَهٍ مِثْلَ المَجَانينِ يا رحمةَ اللهِ هَلْ في الأمر من فَرَجِ؟ ... وهَلْ سبيلٌ إلى عِتْقٍ من الهُونِ؟ (كشميرُ) تبكي وفي (الشيشان) ملحمةٌ ... وصرخةٌ من رُبَى (البلقان) تُشْجِيني و (كابلٌ) أصْبَحت مِثلَ (البَسوسِ) أَسىً ... ولم يَزَل راعفاً جُرحي الفِلسْطِيني تَأَبّطَ الكُفْرُ سَيفَ الظُّلمِ فانحسَرَتْ ... مبادئُ العَدْلِ من جَوْرِ المَوازِينِ يا أُمّةً لم تَزل في التيهِ ضائِعة ... في حمأةِ الضُّرِّ من كيدِ الشّياطِينِ أينَ الملايينُ في أعدادِ أُمتنا؟ ... أينَ الحَمِيّةُ والإخلاصُ للدينِ؟ أينَ الكماةُ حُماة الحقِّ لم أَرَهم؟ ... أليسَ (معتصمٌ) فيهم يَواسيني؟ لو قام منا (صلاحُ) الحقِّ لانطلقتْ ... كتائبُ الفتحِ في عِزٍّ وتَمْكِينِ أما تَرَوْنَ بِنَاءَ الدِّينِ كَيْفَ هَوى! ... يَهُدُّه مِعْوَلٌ من كفِّ مأَفُونِ وبينما سرتُ والليلُ البئيسُ معاً ... أحادِثُ النَّفْسَ والآلامُ تُعييني رأيتُ للفَجْرِ ثوباً مسفراً أَلِقَاً ... ومَفْرقُ الصُّبحِ وضَّاءٌ يُنَاديني العَوْدُ أَحْمَدُ والنصَّرُ المُبِينُ أَتَى ... وَمَوْكِبُ الحَقِّ للعلياءِ يَدْعُوني

стр. 3495

مراجعات في السيرة والتاريخ البعد الاستراتيجي للخطة النبوية في مواجهة الروم والتمهيد لفتح بلاد الشام د. محمد أمحزون [*] عالمية الدعوة: مما لا ريب فيه أن النشاط الحربي والسياسي والاقتصادي في العهد المدني كان مرتبطاً بالدعوة الإسلامية. والدعوة منذ أيامها الأُوَل كانت واضحة المعالم بأنها دعوة عالمية غايتها إقامة حكم الله في كل الأرض. وإن نظرة سريعة في القرآن المكي بشكل عام تؤكد ذلك بوضوح، قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (سبأ: ٢٨) وقال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) . وقد باشر النبي ﷺ عمله في المجال العالمي مع مطلع السنة السابعة للهجرة حينما أرسل رسله يحملون كتبه إلى الملوك والأمراء [١] . وجدير بالإشارة أن بلاد الشام كانت ضمن الإطار الحيوي للأمة الإسلامية الناشئة، ولا بد من الربط بين الوجود الإسلامي القديم في الشام (مسرى الأنبياء، المسجد الأقصى) وبين إيصال الدعوة إلى الناس في تلك البلاد. تأمين طرق المواصلات إلى الشام بفتح خيبر ووادي القرى: على أن سياسة الرسول ﷺ بهذا الصدد كانت قائمة على فهم عميق لهذه العوامل الدينية والتاريخية، مع تفهم واضح وواقعي للظروف السياسية والقبلية كما سنرى ونهج سياسة حكيمة وخطة ناجحة في تأمين طرق المواصلات إلى الشمال. وقد كانت نقطة البدء في هذه الخطة هي إخضاع معاقل يهود في خيبر، من منطلق وقوعها على إحدى الطرق المؤدية إلى بلاد الشام، ولدور هؤلاء في حشد الأعراب مثل غطفان وبني فزارة وقريش ضد المسلمين، وكونهم مصدراً هاماً من مصادر الميسرة والدعم الاقتصادي والسياسي لمشركي قريش وحلفائهم من الأعراب [٢] . ويضاف إلى خيبر صلح رسول الله ﷺ مع أهل فدك وأهل تيماء وفتحه لوادي القرى [٣] ؛ مما يدل على وضوح سياسته في إصراره على تأمين طريق الشام استراتيجياً وتجارياً. وتتضح أهمية هذه المراكز في الغزوات اللاحقة إلى الشمال. ولا شك أن اهتمام النبي ﷺ بطريق الشام والواحات الشمالية يمكن أن يُفهم في ضوء التطورات الجديدة؛ ليس فقط بسبب صلح الحديبية والتفرغ للمناطق الشمالية، وإنما أيضاً فيما يتعلق بعودة الحكم البيزنطي إلى الشام بصورة خاصة؛ حيث أصبح المسلمون في مواجهة البيزنطيين لأول مرة [٤] . وعلى الرغم من انشغال النبي ﷺ بعمرة القضاء [٥] ، ومواجهة مشاكل بعض القبائل العربية التي كانت تتربص بالمسلمين الدوائر من: بني مُرّة وبني فَزارة وبني القُشير [٦] ، فقد ظلت طريق الشام تشغل حيّزاً هاماً في خطّته ﵊؛ إذ حاول أن يوطّد علاقاته بفروع من جُذام؛ حيث أعطى كتاباً بالأمان لرهط رافعة بن زيد الجذامي الذي قدم عليه في هدنة الحديبية قبل خيبر [٧] ، واتصل بفروة بن عمرو الجذامي الذي كان عاملاً لقيصر على عَمَّان من أرض البلقاء، وقد دخل في الإسلام وسجنه الروم [٨] . استطلاع الأوضاع في الشام بإرسال السرايا: ويبدو أن النبي ﷺ : «بدأ بمحاولة استطلاع الأوضاع في الشام بعد عودة السيطرة البيرنطية مباشرة» [٩] . وعلى هذا الأساس يمكن فهم إرساله سريّة بقيادة عمرو بن كعب الغفاري على رأس خمسة عشر فارساً إلى ذات أطلاح في الشام [١٠] . والواقع أن خبر هذه السريّة يدلّ بوضوح على تتبّع الرسول صلى الله عليه وسلم لأخبار الروم في الشام؛ حيث إن جيش فارس انسحب من الشام وسلم الإدارة للروم البيزنطيين في شهر حزيران (يونية) سنة ٦٢٩م الموافق شهر صفر سنة ٨ هـ، بينما أُرسلت سرية ذات أطلاح بعد ذلك مباشرة في شهر ربيع الأول سنة ٨ هـ. ولم يكن إرسالها مجرد مصادفة، ومن الواضح أن هدفها لم يكن القتال؛ لأن عدد أفرادها لم يتجاوز خمسة عشر رجلاً، وإنما كان غرضها استطلاعياً [١١] . غزوة مؤتة ومواجهة الروم البيزنطيين: ولا شك أن تزايد اهتمام الرسول ﷺ بالشام يتضح من إرساله جيش مؤتة بقيادة زيد بن حارثة على رأس ثلاثة آلاف مقاتل [١٢] . وتُعدّ غزوة مؤتة أول وقعة يصطدم فيها المسلمون بالبيزنطيين مباشرة؛ فقد كانت في جمادى الأولى سنة ٨ هـ[١٣] أي بعد ذات أطلاح بشهرين. وينبغي إدراك أهمية هذه الغزوة من عدد الجيش؛ فهذا أكبر جيش يُسيّره النبي ﷺ إلى أيّة جهة كانت حتى ذلك الوقت. كما يبدو من هذه الغزوة تصميم المسلمين على مواجهة الروم وحلفائهم من متنصِّرة العرب بالشام، وقد كان من بين القبائل المحالفة للروم: بَهراء، ووائل، وبَكر، ولخم، وجُذام، وبُلَيّ [١٤] . وقد وصل جيش المسلمين إلى منطقة مُعَان من بلاد الشام [١٥] ، ومعنى هذا أن القبائل في الطريق من المدينة إلى مؤتة كانت موادِعة للمسلمين، كما أن عودته إلى المدينة تدلّ بوضوح أن الطريق إلى بلاد الشام قد أصبحت مفتوحة أمام المسلمين [١٦] . وتتجلى أهمية مؤتة باعتبارها أول معركة هامة بين المسلمين من جهة، والروم وحلفائهم من القبائل العربية في الشام من جهة ثانية، فيما تذكره المصادر البيزنطية والأرمنية [١٧] . وقد أفاد المسلمون دروساً وخبرة من هذا اللقاء الأول مع الروم في مستقبل جهادهم معهم؛ حيث تعرفوا على عددهم وعُدّتهم وخططهم العسكرية وطبيعة الأرض التي وقع فيها القتال [١٨] . ويبدو أن النبي ﷺ أدرك بعد مؤتة ضرورة الحذر والتريث، ومن هنا وجّه بعد ذلك مباشرة سرية بقيادة عمرو بن العاص ﵁ المعروف بحنكته وتأنّيه، وقد وصلت هذه السرية إلى ذات السلاسل في أطراف الشام في جمادى الثانية سنة ٨ هـ[١٩] . لماذا غزوة تبوك؟ على أن أهم غزوة قادها الرسول ﷺ على الإطلاق كانت غزوة تبوك، وهي باتجاه الشام أيضاً. فمن حيث العدد بلغ الجيش حسب ما ذكرته المصادر قرابة ثلاثين ألفاً [٢٠] . ومن حيث المدّة استغرقت هذه الغزوة قرابة شهرين (رجب شعبان سنة ٩ هـ) [٢١] ، منها عشرون يوماً أقامها المسلمون في راحة في تبوك نفسها [٢٢] . ولكن تبقى الأسئلة الرئيسة: لماذا هذه الغزوة بهذا الحجم الكبير؟ ولماذا تبوك بالذات؟ وهل كان هدفها غزو الروم فعلاً؟ ولماذا أقام النبي ﷺ عشرين يوماً في تبوك نفسها، وهي أطول مدة يقيمها جيش إسلامي في عهد الرسول ﷺ في موقع واحد؟ لقد كان النبي ﷺ حريصاً على توجيه المسلمين إلى جبهة الشمال التي تُعدّ في غاية الأهمية بالنسبة للمسلمين لأسباب تاريخية ودينية كما أسلفنا. يضاف إليها كون الشام موطناً لقبائل عربية كثيرة تربطها بعرب الحجاز ونجد وتهامة صلات نسب، وعلاقات تجارية وثقافية [٢٣] . ومن الناحية الاقتصادية والجغرافية تظهر أهمية تبوك في كونها واحة كبيرة على طرف الشام، وأهم محطة وراء خيبر وتيماء وفدك ووادي القرى، ومن الناحية الاستراتيجية، فهي تشكّل مركزاً هاماً يمكن الاتصال منه بمراكز كثيرة في الشمال، كما حصل فعلاً أثناء الغزوة [٢٤] . الإنجازات التي حققتها غزوة تبوك: ويبدو أن الإنجازات التي حققتها هذه الغزوة ضمن خطة النبي صلى الله عليه وسلم العامة: جمعت بين الدبلوماسية والنشاط الحربي، فكانت تقوم بالدرجة الأولى على كسب القبائل العربية وتأمين طرق المواصلات دعوياً وتجارياً. وبصدد هذه السياسة سعى النبي ﷺ بصورة مستمرة لكسب قبائل قُضاعة من بُلَيّ وعُذرة وبَلقين وغيرها على امتداد طريق الشام. واتصل في هذه الغزوة بالذات ببطون وعشائر متعددة من هذه القبائل وغيرها كسعد وهُذيل وطيء [٢٥] . إلا أن أهم إنجازات غزوة تبوك تتمثل في إقامة علاقات وطيدة مع عدد من المراكز الاستراتيجية في جنوب الشام ومنها كتب الصلح، وهي دُومة الجندل وأَيْلة ومَقْنا وأَذْرُح. فقد بعث النبي ﷺ أثناء إقامته في تبوك خالد بن الوليد إلى أُكَيْدَر بن عبد الملك صاحب دُومَة الجندل وكان نصرانياً فأخذه خالد أسيراً [٢٦] فصالح المسلمين على حيازتهم للسلاح والخيل، ولهم أشجار النخيل التي معهم في المصر، وموارد المياه الظاهرة مثل العيون [٢٧] . وفكرة نزع السلاح من مثل هذه المجموعة التي كانت على اتصال بالبيزنطيين، ولا يطمئن المسلمون إلى ولائها تبدو مسألة طبيعية؛ إذ كان من أهم الأهداف التي سعى النبي ﷺ لتنفيذها من زحفه لتبوك، هو تأمين حدوده الشمالية ضد أي تحركات عدوانية من قِبَل الروم أو الدويلات الخاضعة لهم على الحدود. وقد يكون نزع السلاح إحدى الوسائل لتحقيق هذا الهدف [٢٨] . علماً بأن دُومة الجندل ستصبح قاعدة هامة للانطلاق في المرحلة التالية من فتح الشام. أما أَيْلة فهي موقع هام على ساحل البحر الأحمر مما يلي الشام في اتجاه العقبة [٢٩] ، وقد كاتب النبي ﷺ أهل أيلة يدعوهم إلى قبول الإسلام أو دفع الجزية، فجاءه ملك أيلة يوحنا بن رؤبة متحدثاً باسم بلدته أيلة، فكتب له الرسول ﷺ كتاب الصلح؛ يدفع بموجبه أهل أيلة الجزية، ويتعهد لهم المسلمون بالحماية [٣٠] . وفي هذا إشارة واضحة إلى أن المسلمين هم سادة الموقف في المنطقة الممتدة حتى خليج العقبة [٣١] . ويظهر من كتاب الصلح مع أيلة التركيز على النواحي الدعوية: «فإني رسول الله بالحق» [٣٢] والاستراتيجية: «فإن أردتم أو يأمن البحر والبحر، فأطع الله ورسوله» [٣٣] ، والاقتصادية: «ورسل رسوله أكرمهم واكسهم كسوة حسنة» [٣٤] . وللإشارة فإن موقف الرسول ﷺ كان يتسم بالحلم والمعاملة الحرة الكريمة، حتى يمكن وصف صلحه مع أيلة بأنه تحرير لها: «ويمنع عنكم كل حق كان للعرب والعجم إلا حق الله وحق رسوله» [٣٥] . كما أن قول الرسول ﷺ ليوحنا بن رؤبة عندما انحنى له هذا الأخير: «ارفع رأسك» [٣٦] ، لهو قول ذو دلالة بالغة من الناحية الدينية، ولا شك أن ذلك كان له أثر في نفوس نصارى العرب في الشام، وفي موقفهم من العرب المسلمين فيما بعد إبّان الفتوح. أثر الخطة النبوية في فتح بلاد الشام: ويتضح من شروط الصلح مع هذه المراكز وغيرها مثل أَذْرح ومَقْنا الحرص على الحصول على السلاح والكُراع والمال والعون فيما يتعلق بالمواصلات والأخبار [٣٧] ، وتأمين طرق المواصلات للمسلمين [٣٨] ، وكل هذه الأمور هامة لمستقبل فتح الشام. وستتضح عناصر هذه الخطة في الغزوات التالية؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نظم شؤون المسلمين في شبه الجزيرة العربية، ورتّب أعمال الصدقات، وأوضح للناس أمور دينهم في حجة الوداع، وجّه همّه بعد ذلك إلى إرسال جيش كبير إلى الشام مرة أخرى، وهو الجيش المعروف بجيش أسامة [٣٩] . وليس من قبيل المصادفة أن يصر النبي ﷺ على إنفاذ جيش أسامة وهو على فراش الموت، وأن أبا بكر ﵁ لم يخالجه أدنى شك في وجوب إنفاذ ذلك الجيش إلى الشام رغم الأخطار التي سببتها ردّة بعض القبائل العربية [٤٠] . ومرجع ذلك أن جيش أسامة ما هو إلا حلقة في سلسلة من الغزوات والسرايا الموجهة إلى الشام نتيجة خطّة بعيدة المدى قائمة على فهم عميق للظروف الراهنة سواء كانت إقليمية (قبلية) أو دولية (بيزنطية) . ومن المعلوم أن الرسول ﷺ كان قد كتب إلى ملوك وأمراء عصره، ومنهم هرقل ملك الروم الذي راسله مرتين؛ المرة الأولى بعد الحديبية [٤١] ، والثانية أثناء مقامه بتبوك [٤٢] . ويشير المؤرخ سيبيوس الأرمني الذي عاش في النصف الأول من القرن الأول الهجري / السابع الميلادي إلى مراسلة الرسول ﷺ لهرقل، ويضيف أن محمداً ﷺ وأصحابه طلبوا من الروم التخلي عن أراضي العرب وميراث أبيهم إبراهيم ﵊ بالشام [٤٣] . ولا شك أن حادثة مؤتة تركت صداها عند البيزنطيين؛ حيث شعروا بقوة المسلمين فعلاً منذ تلك الوقعة، ومنذ غزوة تبوك بالذات وبعث أسامة رضي الله عنه، وليس منذ أيام أبي بكر ﵁ فقط. وأنهم اعتبروا أن فتح الشام قد بدأ فعلاً أيام الرسول ﷺ [٤٤] . وهذا ما تؤيده الدراسة المتأنية للمصادر الإسلامية، ولخطط الرسول صلى الله عليه وسلم تجاه الشام بشكل عام، مما ينبئ أن فتح الشام لم يبدأ مصادفة في عهد أبي بكر ﵁، وإنما بدأ منذ أيام النبي ﷺ ، واكتمل بعد ذلك في عهد أبي بكر وعمر ﵄. وبهذا يتقرر أنّ ما تربى عليه المسلمون من عالمية هذا الدين منذ العهد المكي، لم يكن مجرد فكرة، وإنما هو من سمات هذه الدعوة وخصائصها، لا بد من تحقيقها على أرض الواقع، ولم يلتحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى حتى كان العرب جميعاً قد دانوا بالإسلام، وحتى وضعت الدعوة خطوات ثابتة ومدروسة في طريق التبليغ العالمي.

стр. 3496

ندوات ومحاضرات ندوة حول المستقبل الاقتصادي طوفان العولمة واقتصادياتنا المسلمة (١ - ٢) إعداد: وائل عبد الغني الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.. وبعد: فقد تحدث الناس قديماً عن العنقاء بوصفها إحدى المستحيلات ذلك الطائر الغريب الأطوار.. الضخم الذي يضرب بجناحه المدينة الكبيرة. وحديثًا تحدث الناس عن العولمة باعتبارها واقعاً، ورأوا فيها ذلك المستحيل القديم.. تلك القضية المثيرة للجدل التي تتكرر فيها قصة العميان والفيل مع فارق أن فيلنا متناهٍ في الضخامة والتعقيد والشراسة.. وعمياننا ضعفت لديهم سائر قوى الإدراك.. وقلَّ أن تجد معنى في بطن شاعر.. وعز من يداوي..! وفي ندوتنا هذه نتناول الجانب الاقتصادي للعولمة، والذي لا نقول: إنه الأخطر ولكنه بحق من أخطر الجوانب. والأمر الذي نريد بلوغه وإبلاغه هو تصوُّر لمستقبل هذه الأمة الممتحنة في ظل هذا الخطر. لا نزعم أنا سنتناول كل شيء عن القضية.. ولكن حسبنا أن ننصب الأقدام على الطريق الصحيح.. ونخطو عليه خطوات، ونرتقب الرافد من بعد. نحن على ثقة أن المستقبل بيد الله ﵎ وهو سبحانه يداول الأيام بين الناس.. ثقتنا هذه هي لب زادنا ونحن نسعى لأن نقدم لأمتنا ولأنفسنا كما أمرنا ربنا. معنا في ندوتنا هذه أربعة من خيرة الاقتصاديين المتخصصين: * الأستاذ. يوسف كمال، أستاذ الاقتصاد الإسلامي غير المتفرغ بكلية التجارة جامعة عين شمس الدراسات العليا. * الدكتور/ عبد الرحمن يسري، رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة الإسكندرية. * الدكتور/ عبد الحميد الغزالي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة. * الدكتور / رفعت العوضي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة. والضيوف الكرام أصحاب إسهامات قوية في مجال الاقتصاد الإسلامي كما أن لبعضهم كتابات متنوعة أخرى في التفسير والمنهجية والحضارة. نبدأ ندوتنا عن العولمة بوصفها مصطلحاً.. فماذا يعني هذا المصطلح في حقيقته وفق نظرة موضوعية مدققة؟ د. عبد الرحمن يسري: قضية العولمة قضية من أعقد قضايا العصر؛ فهذا المفهوم ظهر في الحقبة الأخيرة، وحاول أنصاره أن يروِّجوا لفكرة أن العالم أصبح قرية واحدة، بينما رأى غيرهم أنه في سبيله لأن يصبح تلك القرية، ورأى فريق ثالث أنه لن يصبح كذلك أبدًا، كما كثر الجدل حول حيادية هذه الفكرة ومصداقيتها. وتحريًا للموضوعية علينا أن نبحث في المضمون حتى يمكننا استخلاص صياغة تقربنا من فهم العولمة. هذا المصطلح ظهر من خلال الأطر الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية التي تعكس تجربة العالم الغربي التاريخية والحضارية واتجاهاتها المستقبلية. وإذا كنا سنتناول هذه القضية من شقها الاقتصادي كما هي طبيعة الندوة فإني لا أزعم أن الشق الاقتصادي هو أهم الجوانب، وإنما بمنظورنا الإسلامي يجب أن يلحق البعد الاقتصادي دائمًا بأبعاده العقدية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وحتى لا نسهب أكثر يمكن أن نستخلص مفهومًا اقتصاديًا للعولمة من خلال كتابات أنصار العولمة في الفكر الغربي؛ حيث تعني: «تحرر العلاقات الاقتصادية القائمة بين الدول من السياسات والمؤسسات القومية والاتفاقات المنظمة لها بخضوعها التلقائي لقوى جديدة أفرزتها التطورات التقنية والاقتصادية تعيد تشكيلها وتنظيمها وتنشيطها بشكل طبيعي على مستوى العالم بأكمله وجعلها وحدة واحدة» . ومن ثم فإن اقتصاديات بلدان العالم ستصبح بلا سياسات قومية، وإنما تخضع لنظام عالمي مسيَّر بقوانين طبيعية حتمية بما يحقق مصالح الجميع، وهذا هو ما يفهمونه أو ربما يريدونه في العالم الغربي الذي يقود قاطرة الحضارة في عصرنا الحاضر. د. رفعت العوضي: الدكتور عبد الرحمن حاول أن يقدم صياغة قريبة لمفهوم العولمة، ولكنها من حيث إنها مفهوم أو مصطلح حتى في الغرب ما زال يشوبه قدر كبير من الغموض.. هذا الغموض ربما ينتج من أن العولمة ما زالت في طور التشكُّل؛ حيث تقابل الصياغة الفلسفية بمشاكل تطبيقية ضخمة وغير متوقعة، وأرى أن من المهم هنا أن أربط بين العولمة باعتبارها فكرة وبين الرأسمالية باعتبارها نظرية؛ لأن العولمة تعني إخضاع العالم كله لطور من أطوار هذه الرأسمالية التي مرت بثلاث مراحل يمكن التمييز بينها: المرحلة الأولى: رأسمالية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين: في هذه المرحلة كانت الرأسمالية تتسم بسمتين بارزتين: الأولى: اعتمادها على استنزاف موارد الدول الأخرى من خلال الاستعمار. والثانية: تغييبها العدالة الاجتماعية. وانعكس ذلك من خلال تركُّز الملكية في شريحة داخل المجتمع، ومن تغييب الاهتمام بإعادة توزيع الدخل، وجعل علم الاقتصاد يدور محورياً حول التوازن. المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد قيام الثورة الشيوعية عام ١٩١٧م وحتى سقوطها عام ١٩٩٠م: وفي هذه المرحلة أخذت الرأسمالية في تهذيب أنيابها لتحافظ على وجودها في مواجهة المد الاشتراكي. في هذه المرحلة أعادت (الكينزية) دورًا للدول، كما طرح الاهتمام بقضية الفقر وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه المرحلة شهدت حركة الاستقلال بعد نضال قاس ومرير من الدول التي كانت محتلة. المرحلة الثالثة: ما بعد ١٩٩٠م حيث انفردت الرأسمالية بالسيطرة على العالم، وعادت إلى نهب موارد العالم الثالث من جديد؛ ولكن النهب هذه المرة لم يكن باستعمار مباشر وإن كان واردًا، وإنما من خلال منظومة فكرية ومؤسسات دولية، وهنا غاب البعد الاجتماعي بصورة أبشع. وتسويقاً للفكرة صدرت عدة كتب في الغرب ككتاب «نهاية التاريخ» لفوكوياما الذي حاول أن يوصل للعالم أن الإنسان في كل تجاربه التي مرَّ بها من حيث النظم التي ابتدعها وأخضع نفسه لها قد انتهى إلى نظام واحد هو النظام الليبرالي سياسيًا الرأسمالي اقتصاديًا، ولعله حاول أن يقنن لواقع كان يصنع. أ. يوسف كمال: العولمة كغيرها من القضايا لا بد من أن أناقشها من زاوية كوني مسلمًا له رؤيته المستقلة ومنهجيته في تناول الأمور، وله عالمه الخاص بمنأى عن أي انتماء آخر سواء كان عالمًا ثالثًا أو غير ذلك، حتى وإن كانت هناك اتفاقات جوهرية. لهذا يروق لي جدًا أن نبدأ مناقشة العولمة من كتاب «صراع الحضارات» لهنتنجتون؛ لأن مؤلفه حدد بصراحة أن ما يواجه الغرب المسيحي إنما هو الإسلام. والمتفحص للأحداث العالمية يجد أنهم لا يُحكمون الحصار إلا على العالم الإسلامي، ولذا نبدأ المسألة من كونها حربًا عقدية في الدرجة الأولى، وهنا نفهم القرآن ونستطيع أن نفهم حركة التاريخ فهمًا جيدًا فاعلاً. في هذا الكتاب يشير مؤلفه إلى طبيعة المواجهة المقبلة؛ حيث يقول: إن عصر الحروب القومية انتهى، والعالم مقبل على حروب حضارات، وهو لا يعني بالحضارات مجرد الثقافات، وإنما يعني الأديان التي تشكل الحضارات، ويحصرها في ثلاث: الحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية المسيحية، والحضارة الصينية الكنفوشيوسية، ثم يؤكد ويؤكد أن المواجهة الرئيسة ستكون مع الإسلام. د. عبد الحميد الغزالي: العولمة ليست مصطلحًا، وإنما اكتسبت هذا الانتشار وهذه الشهرة؛ لأن الغرب وأمريكا يحاولون أن يجدوا إطارًا لتنفيذ سياساتهم على العالم بعد انتهاء نظام القطبين، بعد أن أصبح العالم يسير وفق نظام دولي أحادي القطبية، ومن ثم فهي محاولة نقل ما هو محلي إلى بقية دول العالم، ليس في الاقتصاد وحده وإنما في السياسة والاجتماع والثقافة، وكأي ظاهرة يتعين أن ندرسها بموضوعية وبهدوء وبعمق، ولهذا أرى أن كتاب نهاية التاريخ وصراع الحضارات كلاهما مكمل للآخر. فالأول يبشر بسيادة النموذج الغربي، وبالذات في بُعده الأمريكي، والثاني يحذر من الحضارات الأخرى، ويقترح تآمريًا «الآخر» الجديد، بعد انهيار «الآخر» القديم، وهو الاتحاد السوفييتي السابق؛ وذلك بالتركيز على الحضارات الشرقية، وبالذات الإسلام. وفي الحقيقة فإن صانعي العولمة لم يعنوا بعولمتهم نهاية التاريخ فحسب وإنما جعلوها خمس نهايات: النهاية الأولى: نهاية التاريخ التي تعني سيطرة النموذج الرأسمالي على العالم بعد انتهاء الشيوعية. والنهاية الثانية: نهاية الجغرافيا: وهو أمر مهم جدًا؛ لأن نهاية الجغرفيا تنقلني مباشرة إلى الشركات العملاقة التي تجاوزت الحدود الجغرافية والتي تعادل ميزانية إحداها ميزانية العالم الإسلامي بأسره! والنهاية الثالثة: نهاية الدولة: وهذا يتم من خلال استخدام الشرعية الدولية للتدخل في شؤون الدول الأخرى وضرب السيادة الوطنية من قبل الناتو. ثم النهاية الرابعة: وهي أبشع وهي نهاية الهوية: ومن ثم القضاء على الخصوصية بالنسبة للشعوب. أما خامس النهايات: فهي نهاية الأيديولوجية «الدين» : وإحلال آلهة المادة ويقولون أستغفر الله بموت الإله! هذه النهايات الخمس تشكل الأساس المذهبي للعولمة، ومن ثَمَّ لنا أن نتصور كيف تكون العولمة المطروحة والتي تقابلها عولميتنا أو عالمية الإسلام، ومن ثَمَّ فهي تستخدمها لذاتها.. ولمصالحها، بينما قامت عالميتنا لصالح البشرية جمعاء، نورًا وهدى للعالمين. د. عبد الرحمن يسري: كي تكتمل الصورة وباعتبار العولمة هي بدعة غربية جديدة علينا أن نفرق بين العولمة «Globalizaion» وبين التدويل «internationalism» ، فالعولمة كما ذكر الدكتور عبد الحميد الغزالي تتجه إلى إلغاء كل السلطات الشرعية الوطنية وعلى رأسها سلطة الدولة التي عرفت في النظام السابق على العولمة وما زالت قائمة. وأود هنا أن أقول: إن النظام العالمي القائم على تشابك سلطات الدول المختلفة واتفاقها على إجراءات «مستقلة» من قِبَل كل دولة قد بلغ شأوه في حقبة التسعينيات. وهذه هي ظاهرة التدويل. لقد نمت ظاهرة التدويل وشهدت تصاعدًا بعد الحرب الأوربية العالمية الثانية؛ فقامت مؤسسات مختلفة ذات طابع دولي: الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وصندوق النقد، والبنك الدولي، واتفاقية الجات. هذه المؤسسات هيأت للعولمة ابتداءاً، ثم هي الآن في طور تعديل برامجها وأهدافها ومواثيقها لتتماشى مع العولمة. د. رفعت العوضي: لا بد أن نبين أن العولمة ارتبطت بالفكر الأمريكي؛ لأن الولايات المتحدة هي التي تقود المدنية الغربية اليوم من خلال ذراعها القوي الذي يرهب العالم باسم الشرعية الدولية وسيطرتها على حلف الناتو، ومن خلال قيادتها لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى استطاعت أن تفرض سياستها الاقتصادية على العالم، إضافة إلى فرض معاييرها وقيمها من خلال المنظمات الدولية ونفيرها الإعلامي، ومن خلال اتفاقية التجارة العالمية كذلك التي حولتها إلى منظمة ملزِمَةٍ ولها سلطتُها على الجميع. ونذكر في هذا الصدد أن مصطلح النظام العالمي الجديد استخدمه لأول مرة (جورج بوش) الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٩٩١م بعد حرب الكويت العراق. البيان: هذا يذكرنا بكلمة لأحد الكتاب: «إن الدولة التي لا تتصهين سياسيًا ولا تتعولم اقتصاديًا يكون مصيرها الحل العسكري» فالخيارات واضحة ومحددة ومعلومة للجميع، والأمثلة على ذلك معروفة تكاد تنحصر في عالمنا الإسلامي! لكن هنا يجدر سؤال حول السرعة التي تسير بها العولمة وتنتشر وتتطور، لو قورنت بأي نظرية سابقة حتى قال عنها أصحابها: «ستدرككم العولمة ولو كنتم في بروج مشيدة!» مشبهًا إياها بالموت الذي يتجاوز كل الحصون، ومع أن العبارة تحمل نوعًا من المبالغة وربما الحرب النفسية، إلا أن الجميع يعترف بعموم بلواها مع أننا موقنون من هشاشتها بنسبة كبيرة ولذا لا بد من معرفة السر الذي ربما لم يعد سرًا. د. عبد الرحمن يسري: السر وراء هذه المقولات التي شاعت أخيرًا هو أن العولمة تمتلك قوى غير عادية لم تتوفر لأي مشروع من قبل، وأهم هذه القوى تتمثل في الأمور الآتية: حرية الاستثمار في أي مكان في العالم، وهذه الحرية اقترنت بحرية تحرك رأس المال الخاص دون قيود على مستوى العالم. - حرية إقامة الصناعة في أنسب الأماكن لها في العالم بغض النظر عن الجنسية أو السياسة القومية لأي دولة. - عالمية الاتصالات التي تعتمد على التقنيات المتطورة والأقمار الصناعية التي سهلت عملية انتشار الفروع وإمكانية إدارتها من أي مكان في العالم. - عالمية المعلومات التي ترتبت على تطور تقنيات الكمبيوتر ووسائل الاتصال، وتوفر شبكات معلومات عالمية تخدم صناع القرار في كل المجالات. - توحد النمط الاستهلاكي عالميًا، وإطلاق حرية المستهلك في اختيار مصدر شرائه؛ بحيث استطاعت العولمة أن تدخل أسواقًا جديدة وتنافس عليها دون عقبات. هذه القوى أتاحت للعولمة الانتشار والسيطرة في ظل تهميش السلطات الوطنية؛ فحرية الاستثمار تعتمد على حرية رأس المال، وكلاهما يفتح الطريق أمام حرية إقامة الصناعات في أنسب مكان في العالم هذا المكان يتم انتقاؤه بعناية من خلال التراكم المعلوماتي وتقنيات الاتصال العالمية والتي من خلالها أيضًا يستطيع المستهلك العالمي التعرف على كل الخيارات. أ. يوسف كمال: تستخدم العولمة شعارين للسيطرة على العالم: شعار التحرير، وشعار التجديد وشعار التحرير معناه فتح الأسواق دون قيود أمام حركة التجارة الخارجية. ولتقوم الشركات الدولية بعمليات إغراق وتكتل واندماج يمكنها امتلاك السوق المحلية كليًا، ومن ثم القضاء على الصناعات المحلية في أي لحظة تريدها، وتدفقت رؤوس الأموال قصيرة الأجل لصناديق الاستثمار الدولية التي تملكها الشركات الاحتكارية ذات النشأة الدولية كما حدث في ماليزيا؛ حيث قام (سوروس) بلعبته وانهارت العملة، واتجهت العولمة بشراء المؤسسات هناك بثمن بخس تحت مسمى الإصلاحات، متسترة بستار التحرير، ولكن (محاضر محمد) عاد إلى لون من التقييد في سعر العملة وحركة رؤوس الأموال؛ ليحافظ على البقية الباقية من الاقتصاد المنهار ورفض معونة صندوق النقد وشروطه التي تربط سياسات الإصلاح ببرامج تدمر الاقتصاد لخدمة العولمة؛ ولهذا شددوا الحملة عليه. وبهذا حين نسحب رؤوس الأموال قصيرة الأجل تعاني البنوك من قلة السيولة ثم تعاني المؤسسات وراءها، ثم تنخفض أسعار العملة وتهوي وراءها أسعار الأسهم. وهذه العولمة التمويلية تجذب معها إلى الهاوية القطاعات الحقيقية لإنتاج السلع والخدمات رغم أن لديها المقومات التكنولوجية والمادية، والحاجة إليها ماسة. أما التجديدات المالية فتؤدي إلى تضخم القطاع التمويلي بصورة مبالَغ فيها إذا ما قيس بالقطاع الإنتاجي الحقيقي، وهو ما يعرف «باقتصاد البالونة» ؛ نظرًا لاستحداث أنواع من عقود المقامرة والاتِّجار في المال التي أصبحت مصدر ثراء واسع للعالم الغربي واليابان في منتصف التسعينيات؛ حيث كانت حركة التجارة العالمية ٣٠ تريليون دولار، بينما حجم التجارة الحقيقي ٣ تريليونات فقط، و٢٧ تريليون بيع وشراء في الهواء بعقود ما أنزل الله بها من سلطان. التجديدات المالية تحيل المال الذي تُقَوَّم به الأشياء سلعةً تباع وتشترى؛ وهذا فساد كبير لحياة الناس كما قال فقهاؤنا. د. رفعت العوضي: آليات العولمة ومؤسساتها تركِّز الغنى في جانب والفقر في الجانب الآخر، ويزيد التضخم لأسباب كثيرة منها نظام الفائدة، وهو نظام يواجه انتقادات حادة من الاقتصاديين. البيان: ذكر الدكتور عبد الرحمن أن الحرية هي أحد الأسس أو القوى التي تقوم عليها العولمة ولكنها حرية ذات مذاق خاص غير الحرية التي يتحدث عنها مروِّجو العولمة في بلادنا، أليس هذا صحيحًا؟! د. عبد الرحمن يسري: فكرة الحرية هنا تحمل ازدواجية؛ فهي حرية من طرف واحد وإذعان من طرف آخر؛ والمراد ألاَّ تمارس الدولة أي ضغوط لتحقيق مصالحها أو حمايتها ضد أي دولة أخرى، ولكن الولايات المتحدة نفسها تكسر هذه القاعدة حين يمارس كلينتون ضغوطًا شديدة على اليابان بشأن شراء سيارات أمريكية، وحين يمارس كوهين وزير دفاعه مرارًا ضغوطه على دول عديدة لشراء أسلحة رغم عدم الحاجة إليها ورغم أن هذه الدول مدينة وستستدين من أجل إنعاش الصناعة الأمريكية! هناك كذلك حروب القوانين الاقتصادية كقانون داماتو، حرب الموز. أما حرية الاستثمار فلا تحمل مصلحة للدول الفقيرة؛ لأنه كما يدخل بسهولة يمكن أن يخرج أيضًا بسهولة مخلفًا الدمار. وفي المقابل لا تملك الأيدي العاملة الحرية نفسها في الانتقال. إذن! هي حرية لطرف ضد طرف؛ فإذا وضعنا في الاعتبار أن غالبية المشروعات الاستثمارية الوافدة لا تستهدف خدمة اقتصاد البلد المضيف بل ربما ذهبت إلى مجالات قد تضر أكثر مما تنفع كمجال السياحة والفنادق والأعمال الإباحية وصناعات التجميل وسلع الرفاهية. د. رفعت العوضي: اتفاقية تحرير التجارة تحوِّل العالم إلى سوق شاملة واحدة يعمل فيها قانون واحد هو قانون الأقوى الذي يتاح له كل شيء بهدف تضخم أرباحه بأكبر قدر في أقصر زمن وإن تضرر من تضرر. أشير في هذا الصدد إلى أن دراسة تاريخ الاقتصاد للدول المتقدمة الآن كشفت عن أنها كلها استخدمت الحماية وهي في بداية تقدمها؛ ففرنسا استخدمت قوانين خاصة لحماية صناعتها الناشئة في مواجهة إنجلترا التي سبقتها إلى الثورة الصناعية، وألمانيا فعلت الشيء نفسه، والولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر فعلت ذلك. ولهذا فإن إجبار الدول المتخلفة التي تسعى الآن إلى التقدم إجبارها على فتح أسواقها وعدم حماية صناعتها الناشئة يعتبر أمرًا غريبًا على تجارب النمو. د. عبد الرحمن يسري: يؤسفني أن أقول: إن الدول الإسلامية دخلت مرحلة التحرير أعني تحرير الأسواق وحركة رؤوس الأموال وعولمة للاستثمار دون رصيد، بل وهي محملة بأعباء الماضي التي تراكمت فيها المديونيات نتيجة لعدم اكتراث الحكومات العلمانية بالشريعة وتبعيتها للغرب؛ وهنا أشير إلى أن استمرار ارتباط إنتاجنا المحلي بوصفنا دولاً إسلامية بالسياسات العالمية دون أية ضوابط أو حتى تفهم لاتجاهاتها ومضامينها قد لا يكون من ورائه كسب على الإطلاق بل ربما خسائر محققة خاصة إذا احتكمنا إلى معاييرنا الإسلامية الصحيحة. البيان: وماذا عما يردد من أن الاقتصاد العالمي في طريقه لأن يقاد من خلال قوى خفية من شأنها أن تنظم السوق العالمي بحياد تام ودون تحيز؟ د. عبد الرحمن يسري: فلسفة اليد الخفية التي تدير النشاط الاقتصادي وتهيمن عليه هي مسألة فلسفية غير واقعية وقد وضع أساسها آدم سميث في القرن التاسع عشر ليدل على أن استخدام الموارد المتاحة والقيام بالإنتاج والاستهلاك لا يستدعي تدخل الدولة، بل إن هذا التدخل يفسد الأمور. ويريد الآن فلاسفة العولمة في العالم الغربي أن يقولوا مثل ما قال سميث ولكن على مستوى العالم بأسره، وهذا غير مقبول. إن مثل هذه المقولة التي ثبت إخفاقها من قبل على مستوى الاقتصاد القومي حينما ظهرت الاحتكارات وحينما اضطرت الحكومات إلى تقديم برامج للخدمة الاجتماعية أو للتكافل الاجتماعي سوف تثبت إخفاقها بشكل أكبر على المستوى العالمي. وغير مقبول أن نصبح ونحن أمة إسلامية جزءًا من العالم ليس لنا إلا التبعية لما يجري فيه وليس لنا دور التأثير فيه. إن الحق ﵎ جعل للإنسان عقلاً وإرادة وتدبيرًا وقدرة على تصحيح الأخطاء وهو ملزم بذلك، وهذا لا يعني أن الإنسان مطلق الإرادة وإنما هو محكوم بسنن ربانية؛ وهذه السنن لا تلغي إرادة الإنسان. كذلك فإن سنة نبينا وهدي القرآن العظيم تجعلنا نقيم أهمية كبيرة لدور الدولة الراعية، ومن ثَمَّ فإن أي مجتمع إسلامي لا يمكن أن يقبل أو يسلِّم لهذه الفكرة ظنًا بأن الخير قد يأتي في نهاية الطريق؛ لأن هذا مخالف لعقيدتنا بوصفنا مسلمين. د. عبد الحميد الغزالي: كيف لنا أن نقبل بفكرة من هذا النوع في ظل وجود آليات تتدخل وتدير وتراقب وتتابع وتخطط، هذه الآليات ذات أشكال وملامح مختلفة، ولكنها في الحقيقة تهدف إلى تكريس العولمة وخدمة أهدافها ومصالحها، وهو ما يعني بالطبع سيطرة النموذج الغربي! البيان: إذنْ! فكرةُ حيادية قوى العولمة غيرُ متصوَّرة في ظل المعطيات الواقعية. د. عبد الرحمن يسري: فكرة الحيادية أو سيادة منافسة خالصة بين جميع الأطراف في معاملاتهم وتحرك عناصر الإنتاج من مكان إلى آخر وفقًا للقدرة على استخدام هذه العناصر بشكل أكفأ ليست حقيقية؛ فالتجربة التاريخية للنظام الاقتصادي الحر الذي تحكمه قوى الطلب والعرض في إطار المنافسة الكاملة بعيدًا عن التدخل الحكومي والذي كان الاعتماد فيه على فلسفة اليد الخفية للمواءمة بين المصالح الفردية والمصلحة الجماعية على مستوى المجتمع الواحد لم يدم طويلاً وتعرض لهزات أدت إلى تغيرات هيكلية وأزمات اقتصادية تفشت فيها البطالة.. فإذا كان هذا على مستوى المجتمع الواحد فهل يمكن أن نثق بتجربة مشابهة تجري على مستوى العالم؟ ولهذا فعلينا من حيث إننا دول إسلامية أو فقيرة ألاَّ نسلِّم بقضية الانصهار في عالم بلا حدود بحجة حتمية فلسفية لا أكثر. حتى وإن سلمنا بحياديتها التامة وبما سنجنيه من مكاسب اقتصادية، فهل يجوز لنا نبذ سياستنا المستمَدة من شريعتنا.. وخاصة أن الجانب الاقتصادي لا يمكن فصله عن الجوانب الأخرى؟ وهذا يعني دخولنا بوصفنا مجتمعات إسلامية في أطر لا نقبلها إطلاقًا لأنفسنا ولنسائنا وأولادنا. أ. يوسف كمال: العالم بكل مستوياته يتوجس خيفة من العولمة ولا يتصور حياديتها، أما نحن المسلمين فربنا يقول لنا: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) والتاريخ يروي لنا عن حروب القرصنة التي شُنَّت على البلاد الإسلامية في الأندلس، وحروب العصابات التي جاءت لنهب العالم الإسلامي والتي استمرت حتى اليوم من خلال المعايير المزدوجة بمخالبهم في الشرعية الدولية في مجلس الأمن والجات والشركات الدولية النشاط. ولعل أزمة جنوب شرق آسيا تكشف لنا بعض هذه الحيادية؛ فبعد تلك الأزمة قدم صندوق النقد الدولي لكوريا الجنوبية ٨٠ مليار دولار دون أي شروط في حين اشترط لتقديم ٤٣ مليار دولار لأندونيسيا مزيدًا من التحرر الاقتصادي من أجل بيع مؤسساتها بأبخس الأثمان في الوقت الذي انهارت فيه العملة الأندونيسية؛ مع العلم أن عدد السكان ٤٣ مليوناً في كوريا بينما في أندونيسيا أكثر من ٢٢٠ مليون. فالمسألة واضحة سواء من زاوية الواقع أو من زاوية الرؤية القرآنية التي تعطينا المفاتيح الصحيحة. د. رفعت العوضي: في كتاب «المدخل الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين» لبول كينيدي وهو من أقوى المفكرين المؤثرين في الغرب يقول المؤلف: إذا كنا نريد أن ندخل القرن الحادي والعشرين فمن خلال نظرية (مالثس) في السكان، وهي نظرية مؤسسة على أن السكان أكبر من الموارد؛ ولذلك لا بد من التخلص من جزء منهم، والحروب القائمة في العالم الآن وخاصة في الدول الإسلامية هي إعمال لهذه النظرية. العولمة وهي تتبنى نظرية مالثس تفرض صيغة معينة على العالم.. هذه الصيغة هي نظرية ٢٠: ٨٠ أي: ٢٠ % فقط من سكان العالم هم الذين لهم حق الملكية والعمل وكذلك العيش، في مقابل ٨٠% يمثل فائضًا بشريًا في دول العالم الثالث، والحديث عن هذه النظرية جاء في كتاب: (فخ العولمة) وقد ترجم إلى العربية ونشر في سلسلة عالم المعرفة التي تصدر من الكويت. د. عبد الحميد الغزالي: أعتقد أن الصورة الحالية أبشع من هذا، فقد تكون ١٠: ٩٠ % أو أقل من عشرة. ١٠ % دول متقدمة في مقابل ٩٠ % متخلفة أو نامية تأدبًا!! د. عبد الرحمن يسري: لا يمكن تصور الحيادية في ظل سيطرة القلة على كل شيء واحتكاره لصالحهم؛ فهم يدَّعون أنه في ظل تحرير التجارة ستتكافأ الفرص، وأنا أقول: إنها حتى في ظل ذلك لن تتكافأ لا إنتاجيًا ولا استهلاكيًا؛ ففي ظل توحيد النمط الاستهلاكي على مستوى العالم هل نتصور أنه سيكون هناك تكافؤ فرص بين مواطن من سيراليون متوسط دخله السنوي ١٨٠ دولارًا ومواطن ياباني متوسط دخله السنوي ٣٠٠٠٠ دولار؟ وحتى على المستوى الثقافي فإن تعميم النمط الاستهلاكي العالمي يحمل في طياته نمطًا أخلاقيًا مغايرًا، وعلى سبيل المثال: فلسفة «السندويتش» أو الوجبات الخفيفة.. تعني أن الأسرة لا تجتمع على طعام واحد أو مائدة واحدة! أما على المستوى الإنتاجي ففي ظل احتكار الأموال والمعلومات، وانعدام القدرة التنافسية والتفاوضية لدى العالم الفقير.. لا يمكن تصور هذه الحيادية! د. رفعت العوضي: أود أن أشير أيضًا إلى جانب آخر من عدم الحيادية؛ إذ إن الغرب بما يملكه من تراكم معلوماتي وجرأة تجريبية وعمل مؤسسي قوي وتبني الشخصيات النابغة استطاع أن يولِّد ثورة في المعلومات اختص نفسه بها، وزاد من سُعار هذه الثورة توفر التقنيات الحديثة من كمبيوتر وشبكات اتصالات ومعلومات لديه مع احتفاظه بأسرارها، كما أنه يملك برامج متكاملة ومتطورة للتعامل مع قاعدة البيانات. إن احتكار الغرب لهذه الأمور باعتبارها ضمانة أخرى لتفوقه لن يولد الحيادية بصورتها الوردية كما يزعم منظِّر والعولمة. د. عبد الرحمن يسري: يشبِّه بعض الكُتَّاب الثورة العلمية بالجنِّي الذي خرج من القارورة ليخدم سيده، ولكن علينا أن ندرك أن القارورة ما زالت بيد السيد الذي صنعها، أعني بذلك أن العالم الغربي هو وحده الذي يملك أسرار التقنيات ويتحكم في استخداماتها. وهذا تحدٍّ آخر أمام الفقراء كما أشار الزميل الدكتور رفعت؛ فرغم أن المعلومات متاح كثير منها عبر شبكة الإنترنت إلا أن الفجوة ما زالت في اتساع بين عالمين متقدم ومتخلف، هذه الفجوة تمثل في جانب منها تحديًا اقتصاديًا وسياسيًا، كما تمثل في جانبها الآخر تحديًا ثقافيًا يشكل خطرًَا على الهوية الإسلامية. البيان: تحدثنا فيما سبق عن العولمة ومفهومها وبعض القضايا الفلسفية والتطبيقية المتفرعة على ذلك، وتحدثنا كذلك عن القوى التي تمتلكها العولمة في بسط سيطرتها وهيمنتها على العالم، ولا شك أنها تعتمد مع هذه القوى على آليات تدعمها وتسعى على خدمتها من خلال أدوار يكمل بعضها بعضًا؛ ولذلك نود تسليط الضوء على هذه الآليات وما تقوم به في خدمة العولمة. د. عبد الحميد الغزالي: هناك آليات عملت واستفادت من القوى التي توفرت للعولمة بل وساعدت هي على تكريسها، هذه الآليات ذات طبائع مختلفة لكنها متكاملة الأدوار ابتداءًا من المنظمات الدولية: منظمة الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وما يعرف الآن بهيئة برلمانات العالم، هذه المؤسسات فرضت ما يسمى بالبرامج الإصلاحية وتنظيم حركة الأسواق ومتابعة التشريعات القانونية على مستوى الدول لضمان التجاوب الأسرع مع سياسات العولمة. - هناك كذلك منظمة التجارة العالمية التي ورثت الجات عام ١٩٩٤ والتي تنظم عمليات انفتاح الأسواق وتحرير التجارة من القيود الحكومية وتتابع ذلك. - ثم يأتي بعد ذلك المؤتمرات الدولية المتخصصة (ابتداء من مؤتمر الأرض مؤتمر السكان مؤتمر المرأة.. الخ) لفرض ثقافة العولمة. - ثم الشركات العملاقة عابرة القارات والتي تعد المستفيد الأكبر والمحرك القوي للعولمة. - ثم التكتلات الاقتصادية (أوروبا الموحدة النافتا دول النمور فيما سبق.. وما تبع ذلك من تكتلات أخرى) . ولهذا أقول: إن الربط بين العولمة وفكرة اليد الخفية بمعنى الحرية بعامة والاقتصادية بخاصة المراد منه إلغاء المقاومة الذاتية في مواجهة قوى الجذب الغربية. أ. يوسف كمال: هناك آلية أخرى من آليات العولمة وهي المشاريع المطروحة للتطبيق في منطقة القلب الإسلامي لإذابة إسرائيل في المنطقة أولاً من خلال المشروع الشرق أوسطي الذي تطرحه الولايات المتحدة والذي بدأ مؤتمراته من الدار البيضاء في عام ١٩٩٤ في العام نفسه الذي تشكلت فيه منظمة التجارة العالمية بل وفي الدولة ذاتها المغرب؛ حيث عقد في مراكش. أما المشروع الثاني فهو الشراكة الأوروبية المتوسطية وهو المشروع الذي تطرحه أوروبا في مقابلة المشروع الأمريكي، وهو يهدف لذات الهدف بحيث يتحول الصراع العقدي تدريجيًا إلى تنافس اقتصادي ثم تكامل تتزعمه إسرائيل بما لديها من تقدم صناعي يموله رأس المال الإسلامي ويمده بالأيدي العاملة وبالمواد الخام وبأسواق الاستهلاك في الوقت ذاته.. وبالمناسبة فإن المؤتمر الاقتصادي الشرق أوسطي الخامس يجري الإعداد له هذه الأيام على قدم وساق. د. رفعت العوضي: بالنسبة لاتفاقية تحرير التجارة التي ترعاها الآن منظمة التجارة العالمية ويساعد في ذلك كل من صندوق النقد والبنك الدولي، هذه الاتفاقية هي في الواقع أقرب إلى سياسة الفرض منها إلى الاتفاق؛ لأن الدول الإسلامية مرغمة على التعامل مع صندوق النقد والبنك الدولي كي تتهيأ للدخول في منظمة التجارة العالمية، وهي بذلك أمام قائمة طويلة مما يعرف بالإصلاحات الاقتصادية باتباع سياسات نقدية ومالية معينة وسياسات سعر الصرف وتخصيص القطاعات الإنتاجية العامة وفرض أسلوب معين في الإدارة وفق معايير هم يضعونها. وهنا نلاحظ أن منظمة تحرير التجارة تؤدي الدور نفسه الذي أداه الاحتلال قديمًا في استغلال موارد الدول الفقيرة لصالح الدول الغنية وفرض التخلف والتبعية على هذه الدول. لهذا فإن التحرير لن يؤدي بالضرورة إلى نمو كل من المبادلات وحركة الاستثمار والتشغيل في كل الدول التي يحلم شعوبها بالرفاهية والرخاء؛ لأنه في ظل الإنتاج من جانب واحد تفقد الدول الميزة النسبية لخاماتها؛ حيث تبيع الخامات بأسعار رخيصة ثم تشتري نفس الخامات بعد تصنيعها بأسعار كبيرة جدًا. د. عبد الحميد الغزالي: لم تتضمن اتفاقية تحرير التجارة أي إشارة لانتقال الأيدي العاملة مع العلم أننا دول الفائض، ولكن الدول الغربية لم تشأ النص على حرية انتقال العمالة خوفًا على الخصوصية الثقافية والسكانية والمصالح الاقتصادية لمجتمعاتها، وحفاظًا على الوضع الاقتصادي حيث متوسط الدخل هناك ٠٠٠. ٢٠ دولار سنويًا في مقابل ٠٠٠، ٢ دولار في المتوسط للدول الفقيرة وهذا من شأنه أن يزيد الفجوة الاقتصادية. د. عبد الرحمن يسري: قد ترحب الدول الغربية بشيء من النمو الاقتصادي يتحقق في بعض الدول كي تضمن أسواقًا لمنتجاتها لكن دون أن يبلغ هذا النمو حد المنافسة الحقيقية، وإذا ما استشعرت خطرًا على مصالحها سارعت بالانقضاض على تلك التجارب الناجحة. ولهذا فإن العالم الغربي دائم الحرص على توسيع الفجوة التقنية ليضمن عدم اللحاق به؛ وهذا من شأنه أن يضعنا في الجانب الأضعف في أي وضع تفاوضي. كما أشير إلى أنه ينبغي علينا ألا نُخدع بوصفنا مسلمين بموجة التخصيص المطلقة التي تأتي على كل شيء؛ لأن هناك على الأقل ملكية مشتركة حددها النبي صلى الله عليه وسلم بـ «الماء والنار والكلأ» والاجتهادات الحديثة تقول: إن النار تشمل موارد الطاقة، والماء يشمل جميع الموارد المائية، والكلأ: الموارد الطبيعية غير المملوكة ملكًا خاصًا لأحد؛ وعليه يجب علينا المحافظة عليها بعيدًا عن استنزاف الشركات عابرة القارات، ويدخل في هذا أيضًا كل ما من شأنه أن يحافظ على المصالح العامة للأمة أو للشعوب. قد يقال إن مجهودات الشركات الأجنبية وما تتملكه من موارد وطنية يمكن أن يندرج تحت مسمى حق الإحياء، وهذا لا يصح؛ لأن حق الإحياء لأراضينا يكون للمسلمين وحدهم ولمن عاش معهم من أهل الذمة دون غيرهم، أما حق الإقطاع مقابل الاستصلاح فينبغي ألاَّ تُملَّك الأرض وإنما تؤجَّر لمدة معلومة مقابل الاستصلاح إذا دعت إلى ذلك الحاجة. البيان: وماذا عن الشركات دولية النشاط التي أشار الدكتور عبد الحميد الغزالي إلى أنها أصبحت إحدى آليات العولمة وأحد أكبر المستفيدين منها في الوقت ذاته، هذه الشركات بعد أن كانت عابرة الحدود عبرت اليوم حدودًا أخرى من خلال ما أصبحنا نسمع عنه من ثورة اندماجات عالمية يصعب على المتابع إدراك أبعادها، وبعض المتابعين والمحللين عدها أهم آليات العولمة على الإطلاق؛ لنفاذها إلى مجالات أكثر تأثيرًا، هذه الشركات نريد أن نلقي الضوء على نشاطها وأهدافها وسياساتها ومخاطرها. د. رفعت العوضي: هناك حركة اندماجات عنيفة جدًا بين الشركات فوق العملاقة؛ والدراسات في هذا الموضوع مخيفة للغاية؛ فلم يكتف العالم المتقدم بإقامة تكتلات اقتصادية بين الدول كالاتحاد الأوروبي، والنافتا في أمريكا، فقام بتطوير أشكال التكتل كي يضمن الهيمنة المطلقة على السوق الدولية. ومن هنا فإن اندماج الشركات دولية النشاط من شأنه أن يُحْكِمَ السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية لصالح قطب واحد. هذه الشركات تسعى للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير والانتشار الجغرافي في توسيع أسواقها، وتخفيض تكلفة الإنتاج والنقل، وإعادة تقسيم العالم على المستوى الدولي بما يدعم كفاءتها الاقتصادية وفرض سيطرتها على الأسواق. هذه الشركات أصبحت تتضخم بشكل مفزع من خلال الاندماجات السريعة والمتلاحقة حيث أصبح العالم أمامها سوقًا واحدة. على سبيل المثال سوق السيارات يتوقع أن تسيطر عليها أقل من عشر شركات في العالم في الدول المتقدمة. سوق البترول سوف تسيطر عليها أقل من خمس شركات. حتى الشركات غير الوطنية دخلت في عمليات اندماج؛ فشركة كهرباء لندن اشترت شركة كهرباء نيويورك. أما مصرفيًا فسوف يسيطر على العالم ٢٦ بنكًا.. ومن ذلك أن اندماج بنكين في الولايات المتحدة الأمريكية كانت حصيلته رأس مال يقدر بـ ٦٠٠ مليار دولار، علماً بأن هذه الشركات تدير ٧٠% من تجارة العالم. وبينما نجد أن شركات الدول الكبرى تتوحد وتكبر فإن العالم كله يتفتت؛ ومن ثَمَّ فإن الكلام عن عجز الحكومات أمام هذه الشركات في ظل تحرير التجارة أمر لم يعد جديدًا؛ لأن هذه الشركات أصبحت تمارس ضغوطًا شديدة وتملك صلاحيات في كثير من البلدان وعلى المستوى الدولي أحيانًا بما يمكنها من تحقيق مآربها وأهداف الدولة الأم. د. عبد الرحمن يسري: الدول العربية والإسلامية لم تنتفع بوجود الشركات الدولية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات على أراضيها إلا قليلاً، وما يقال حول دور هذه الشركات في عمليات الإنماء لا تشهد له التجارب ولا الواقع. فعلى مستوى التقنية الحديثة فإن هذه الشركات تحتفظ بأسرارها للدولة الأم ولا تصدرها إلا في مجالات محدودة جدًا وهامشية؛ وإذا ما اضطرت إلى نقل فعلي للتقنيات الحديثة فإنها تسعى جاهدة للاحتفاظ بإدارة أجنبية للنشاط بعيدًا عن الخبرة المحلية؛ وعلى سبيل المثال فإن فرنسا عندما خرجت من الجزائر قامت بتدمير كل تقنيات البترول الحديثة التي خلَّفتها. وفي الإطار نفسه إذا ما اضطرت إلى توسيع نشاطها الإنتاجي من خلال عقود التراخيص كما فعلت في دول جنوب شرق آسيا فإنها تقصر تلك العقود على حلقة إنتاجية واحدة حتى لا تتسرب الأسرار التقنية. وهناك نوع ثالث من العقود التي تلجأ إليها وهي عقود تسليم المفتاح الذي يكثر تطبيقها في التعامل مع دولنا؛ حيث إن الخبرة المحلية لا تعرف عن التكوين التقني إلا مجرد الاستخدام دون اطلاع على أسرار أو معرفة كيفية الصيانة ومن ثم تقوم بإدارة المشروع إما من خلال الخبرة الأجنبية أو من خلال الإرشادات المملاة كما هو الحال في الأجهزة المنزلية. وهناك نوع آخر هو نقل الصناعات كثيفة العمالة خفيفة التقنية التي تحتاج إلى العمالة الرخيصة وهي متوفرة لدينا بالطبع أو المشروعات ذات معدل التلوث العالي التي تلاحقها منظمات البيئة هناك وتفرض عليها ضرائب باهظة فتلجأ إلى البلاد الفقيرة التي نحن منها، وذلك هربًا من القيود التي تفرض عليها في بلادها. وأخيرًا لجأت هذه الشركات إلى تضمين اتفاقية تحرير التجارة بنودًا عن حفظ حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع وبهذا تحجز هذه التقنيات من المنبع خاصة، وأكثر الدول قد وقَّعت على هذه الاتفاقية. أ. يوسف كمال: لا بد من التنبيه إلى خطر فتح الأبواب على مصاريعها أمام الشركات الدولية النشاط والاستثمار الأجنبي، فبالإضافة إلى ما ذكره الأخ الدكتور عبد الرحمن يسري فإن هناك جانباً آخر ربما كان أكثر خطورة وهو جانب الاستثمار؛ لأن هذه الشركات نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة (أي طويلة الأجل) ، وإنما تدخل بما يعرف «بالأموال الطائرة» في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة العائد التي تحقق لها عوائد هائلة دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية، بل ربما يحدث مثلما حدث في دول النمور. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، بما يعرقل الاقتصاد المحلي. أضف إلى هذا أن جُلّ أنشطتها يقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد والذي يشكَّل خصيصًا لأجل هذا الغرض في بلادنا! ومن هنا فالواضح أن الاعتماد على هذه الشركات في إقامة قاعدة إنتاجية تنموية في بلادنا أمر مستبعد، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي. وغالبًا ما تعيد تصدير عوائدها إلى الدولة الأم أو إلى أي مكان يمكن استثمارها فيه بشكل أفضل، وبهذا تتآكل المدخرات المحلية وتضعف القدرة الشرائية لدينا مع الوقت. وفي أحيان أخرى تدخل هذه الشركات شريكاً بالخبرة والإدارة إلى السوق المحلية، ثم تقوم بتمويل نشاطها من خلال الاقتراض أو الاكتتاب المحلي دون أدنى مخاطرة بأموالها لفتح أسواق جديدة لها! ومن ثم يتعين علينا أن نمحِّص المزايا التي يتحدثون عنها، والتي قد يصعب أن تتحقق للاقتصاد المحلي من جراء فتح الأبواب أمام هذه الشركات للاستثمار في بلادنا. البيان: وماذا عن التكتلات الدولية التي أصبحت تنذر بمزيد من التهميش لعالمنا الإسلامي في ظل العولمة؟ د. رفعت العوضي: هناك بعض الدول ذات الحجم الكبير التي تُعَدُّ بذاتها كتلة سواءاً بمعيار حجم الإنتاج القومي أو عدد السكان أو حجم التجارة الخارجية، وهذه الدول بالتحديد هي: الولايات المتحدة والصين والهند واليابان، ومع بروز الصراع الاقتصادي في ظل العولمة سارعت بعض هذه الدول في الدخول في تكتلات تضمن لها بقاءًا أقوى، فدخلت اليابان في مجموعة الآسيان، وشكلت الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك مجموعة النافتا وهي عبارة عن اتحاد جمركي ذي سياسة واحدة، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى دمج الأمريكتين في منطقة تجارة حرة تمهيدًا لخطوات أخرى نحو التكتل. وفي الاتجاه نفسه سارت الدول الأوروبية بعد أن قطعت شوطًا؛ حيث وصلت إلى مرحلة الوحدة؛ إذ أصبح لها برلمان واحد وعملة واحدة «اليورو» وسياسة اقتصادية واحدة في مواجهة الدول والتكتلات الأخرى، وعلى غرار هذه التكتلات قامت تكتلات أخرى في كل من آسيا وإفريقيا؛ ولكنها لا تعتبر تكتلات بالمعنى المعروف لضعف التنسيق بين دول المجموعة الواحدة، وضعف مستواها الاقتصادي كذلك. ولهذا فإن العالم الفقير والذي منه الدول الإسلامية بالطبع سيحاول اللحاق بهذه التكتلات في أحسن أحواله لضمان الفتات! وإذا تصورنا أن الاقتصاد العالمي عبارة عن طاولة فإن الذين يملكون الجلوس عليها في ظل العولمة هم الكبار فقط والذين يملكون زمامها هم الكبار جدًا؛ لأنهم يملكون سياسة واحدة! ومن ثَمَّ فإن الأمر ينذر بمزيد من ضعف القدرة التنافسية وباتساع أكبر للفجوة الدخلية والفجوة التكنولوجية وبانخفاض أسعار صرف العملات الإسلامية؛ مما يعني مزيدًا من الاعتماد على الخارج ومزيدًا من التبعية.

стр. 3497

المسلمون والعالم الانسحاب من لبنان وسياسة عض الأصابع د. يوسف الصغير إن ما يجري في لبنان وإن كان يمثل الفصل ما قبل الأخير من مسرحية السلام، فإنه يمثل حالة نادرة ومعقدة تتداخل فيها القوى، وتختلط فيها المصالح، وتبرز فيها القدرات العالية للأطراف المختلفة على المناورة والبراعة في لعب الأوراق مما يؤهلها لتقدم حالات دراسية في أقسام العلوم السياسية. إن العامل المشترك في المفاوضات على مختلف المسارات هو حرص اليهود على التعامل مع كل طرف عربي على حدة والانفراد به بمعونة مباشرة من أمريكا، وبعد الانفراد بكل طرف فإن رئيس الوزراء اليهودي يدخل المفاوضات مكرراً أنه يمثل دولة ديمقراطية تديرها المؤسسات، وأنه لا هو شخصياً ولا حزبه يستطيع تجاوز خطوط حمراء في المفاوضات؛ لأنها ستثير المعارضة وتسقط مشروع أي تسوية إما بواسطة تهديد بعض الأحزاب الصغيرة بالخروج عن الائتلاف الحكومي، أو التهديد بطرح الثقة بالحكومة، أو اشتراط قيام استفتاء حول أي اتفاقية. وأيضاً فإن أي اتفاق يوقعه الرئيس يظل عرضة للقبول أو الرفض من قِبَل الكنيست. إن هذا التكتيك يريح المفاوض اليهودي من التعرض لأي ضغوط؛ لأن الرد البسيط هو أنه ولو وافق الكنيست فإن الموضوع لن يمر؛ وهنا تتجه الضغوط على الطرف المقابل؛ حيث إن الجانب العربي يمثله شخص وحيد تنجح المفاوضات بمجرد إقناع الزعيم أو إغرائه أو إجباره على صيغة تناسب الطرف المقابل؛ ولهذا فإن الاتفاقيات تتم غالباً بعد مفاوضات سرية؛ لأن علنية المفاوضات ستجعل الزعيم يحس بالحرج. فمثلاً اتفاقية كامب ديفيد كانت المفاوضات سرية وبرعاية الحسن الثاني في المغرب. أما زيارة القدس واحتفالات التوقيع فهي من قبيل الإخراج المسرحي ليس إلا. أما المسار الأردني فإن الاتفاقية تتوج حوالي عشرين سنة من العلاقات الحميمة والاتصالات السرية مع الملك حسين، أما المسار الفسلطيني وهو أهم المسارات على الإطلاق لحيويته في إضفاء الشرعية على وجود الدولة اليهودية وحدودها الحالية والتي تتجاوز قرار التقسيم فإن الزعيم حريص على أن تكون جميع الأوراق بيده وأن يكون هو الوحيد الذي ينال شرف الانحناء أمام ضغوط الراعي الأمريكي والقبول بمطالب الجانب اليهودي. لقد كانت اتفاقية أوسلو صدمة شخصية لحيدر عبد الشافي وكان عليه إن يتساءل أولاً عن السر في اختياره لقيادة مفاوضات المسار الفلسطيني وكان أصعب ما فيها الوقوف أمام الناس وتسويغ أول مفاوضات علنية ومباشرة أساسها الاعتراف بشرعية وجود دولة اليهود في فلسطين، ومن ثم مطالبتها بالتكرم بالتنازل عن جزء عزيز من أرض (إسرائيل) ليقيم عليها الشعب الفلسطيني «إن لفظة التنازل يحرص الساسة اليهود على تردادها ومن ورائهم الإعلام الموجه؛ حيث إنها تعني أن اليهود يتنازلون عن شيء هو من حقهم» . إن حيدر عبد الشافي ليس من رجال عرفات وليس بذي توجُّه إسلامي، ولكنه من الشخصيات الوطنية التي تحظى بشيء من الاحترام، وقد تعب المسكين من كثرة ركوب الطائرات، وكان عزاؤه الوحيد هو التركيز الإعلامي على أخبار المفاوضات، وأصبح اسم حيدر عبد الشافي وحنان عشراوي على كل لسان، وفجأة وبدون مقدمات يُعلَنُ التوصل إلى اتفاقية تم التفاوض عليها بصورة سرية في أوسلو واكتشف الناس أن حيدر عبد الشافي وأعضاء وفده الكرام كانوا مجرد شلة من المهرجين في نظر الزعيم؛ وكم كان منظرهم مضحكاً بالنسبة إليه عندما يقدمون لسيادته التقارير المطولة عن مفاوضاتهم الجادة مع الوفد اليهودي ويتكرم عليهم الزعيم بتوجيهاته الكريمة بعدم التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني!! إن اعتراف عرفات بدولة (إسرائيل) وهو الذي يُتَعامَل معه على أنه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني! «لأنه هو المنظمة» هذا الاعتراف فتح مجالاً واسعاً لعلاقات علنية مع كثير من الدول العربية (تونس، والمغرب، وعمان، وقطر، وموريتانيا) والإسلامية مثل أندونيسيا ودول إفريقيا، وكان العذر المباشر هو أنه إذا كان أصحاب الشأن قد أقاموا علاقات مع (إسرائيل) فما المانع من القيام بالشيء نفسه. وأخيراً لم يبق إلا سوريا ولبنان؛ لأن جميع الدول العربية المترددة والرافضة للتطبيع مع اليهود قد تترست خلف سوريا، وربطت التطبيع بالمسارين السوري واللبناني وكلها أمل أن تطول المفاوضات وهي مرشحة لذلك؛ نظراً لكثرة اللاعبين وإجادتهم لفن شد الحبل وسياسة عض الأصابع، وسنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على مطالب كل طرف وأهدافه وطريقة إدارته للقضية؛ ولكن نظراً لتغير الظروف واللاعبين فإننا سنضطر للتعريج على كل طرف أكثر من مرة. سوريا والجولان: إن من الأمور الغريبة في قضية الجولان أنه بعد حرب ١٩٦٧م ثم حرب ١٩٧٣م واتفاقية فض الاشتباك التي رعاها وزير الخارجية الأمريكي اليهودي هنري كيسنجر، ومرابطة قوات تابعة للأمم المتحدة على الحدود فإن الهدوء التام يعم الجولان، ولم تقم سورية بأي عمل من شأنه تعكير صفو المحتلين الذين هدموا مئات القرى السورية، وهجروا أهلها الذين يبلغ عددهم وفق التقديرات السورية حوالي نصف مليون، وبدؤوا إقامة المستوطنات ومعسكرات الجيش بل وأصدر الكنيست قانوناً بضم الجولان. لم نسمع بقيام أحد من المهجرين من الجولان بأي عمل عدائي مسلح، ولم تقم الدولة بأي محاولة لاستعمالهم ورقة ضغط مع تضلعها وبراعتها في رعاية المنظمات الفلسطينية المختلفة واحتضانها، ورعايتها التامة لحركة أمل، وتعاونها مع حزب الله في عملياته الموجعة في لبنان، لقد كان وما زال بمقدور سورية تكوين مجموعات من أهل الجولان مهمتهم إزعاج المحتلين وإبقاء قضية احتلال الجولان حية، وكان يمكن أن يكون مركز هذه المجموعات الجار المفتوح «لبنان» . إنني ادعو القارئ أن يتساءل معي عن سر هذا الإحجام مع براعة النظام السوري في استغلال أوراق أخرى أقل أهمية! إن المتتبع ظاهرياً للأحداث يكتشف بسهولة أن جهود النظام السوري منصرفة بصورة شبه كلية نحو استغلال الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان وظروف الحرب الأهلية من أجل الهيمنة على لبنان مع تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع (إسرائيل) تحت أي ظرف. لبنان: عندما دخلت القوات الفرنسية دمشق، وزار الجنرال الفرنسي غورو قبر صلاح الدين الأيوبي قال: «ها قد عدنا» نعم لقد عاد أحفاد لويس التاسع ليقيموا دولة نصرانية في المشرق، ولم يخرجوا من الشام إلا بعد إرساء قواعد دولة يهيمن عليها الموارنة النصارى اسمها لبنان. ويمكن إعادة كثير من أحداث لبنان إلى سيطرة هاجس الحفاظ على الهيمنة الذي أدى إلى ارتكاب الموارنة أخطاءاً ساهمت في تعقيد الوضع نظراً لكثرة اللاعبين وتبدُّل أدوارهم. لقد تعرضت الهيمنة المارونية للتهديد منذ أواخر الخمسينيات عندما برز المد القومي الناصري مما اضطر الرئيس اللبناني كميل شمعون لطلب تدخل الأسطول السادس الأمريكي عام ١٩٥٨م، وقد استقرت الأوضاع لهم طوال الستينيات، ولكن الأحوال تغيرت بعد استقرار القيادات الفلسطينية في لبنان بعد خروجهم من الأردن بعد أحداث أيلول الأسود ١٩٧٠م. لقد استفاد قادة المنظمات من وجود عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين الموزعين على مخيمات في مختلف أنحاء لبنان. ومع بداية العمل المسلح الفلسطيني في لبنان بدأت الحساسيات تظهر، واشتبك الجيش اللبناني مع الفلسطينيين مما أدى إلى تدخل الدول العربية، وتم التوقيع على اتفاقية القاهرة التي تنظم الوجود الفلسطيني. لقد وقع الموارنة تحت ضغط ذاتي للتخلص من الوجود الفلسطيني الذي يهدد هيمنتهم إضافة إلى ضغط إسرائيلي لتكرر الحكومة اللبنانية ما فعله الأردن من قبل. ولما كانت الحكومة اللبنانية أعجز من أن تقوم بذلك حتى لو رغبت، فقد بدأت (إسرائيل) تقوم بعمليات داخل لبنان، ومن ناحية أخرى نسجت خيوطها حول الأحزاب المارونية وخاصة حزب الكتائب الذي بدأ يشكل ميليشيات مسلحة. وللأسف فإن السُّنَّة في لبنان غافلون عما يدبر لهم، وقد خدرتهم أسطوانة أن لبنان مثال حي للتعايش بين الطوائف التي كان يرددها الموارنة لعشرات السنين، وتكشف مدى الحقد الدفين الذي أعماهم عن هدف الحرب التي أشعلوها؛ فقد بدأت ضد الوجود الفلسطيني بحادث الحافلة المشهور، ولكنها سرعان ما تحولت إلى عملية فرز طائفي دموية قام خلالها الموارنة بتصفية التجمعات الإسلامية والفلسطينية المتداخلة مع مناطقهم بصورة وحشية كما حصل في تل الزعتر والكرنتينا، ودارت معارك طاحنة للسيطرة على وسط بيروت؛ ولا أنسى صور النصارى وهم يسحلون جثث أهل السنة ويشربون أنخاب الخمر احتفالاً بانتصارهم الذي سرعان ما انقلب إلى هزيمة مروعة، ولا أنسى القصص المأساوية لعمليات القتل على الهوية التي بدأها النصارى. لقد أفلت زمام الحرب من الموارنة التي تحولت إلى صراع من أجل البقاء اضطر فيه النصارى إلى طلب العون الخارجي. وإذا كانت (إسرائيل) على استعداد للدخول ضد الفلسطينيين فإن الأمر صعب نظراً لتوسيع النصارى دائرة الحرب بحيث شملت جميع الطوائف وخصوصاً السنة؛ ولهذا فإن دخول (إسرائيل) الحرب في تلك الفترة سيكون محرجاً وحساساً خاصة أنه في تلك الفترة لم يكن أحد يجرؤ على التصريح بعلاقات مع (إسرائيل) ولهذا تم التوجه إلى سوريا التي كانت تنتظر الفرصة السانحة بالدخول الأول في حزيران ١٩٧٦م، وخاضت معارك عنيفة خاصة في بحمدون وصيدا، وبعد فترة من الزمن خمدت فرصة النصارى بالتدخل السوري، وبدأت أصواتهم ترتفع بخروج قوات الردع العربية؛ لأنهم اكتشفوا أن التدخل السوري الذي حصل بناءاً على طلب ماروني ومباركة إسرائيلية مع غطاء عربي ليس بالضرورة معنياً بالرغبة المارونية بإعادة الأمور إلى ما قبل الحرب التي أشعلوها؛ لأن (إسرائيل) يهمها أساساً تصفية الوجود الفلسطيني المسلح، ولهذا فقد أطلقت يد سوريا في لبنان ما عدا خطوطاً حمراء تم الاتفاق مع سوريا على عدم تجاوزها. لقد كان هدف التدخل السوري كما أعلنه الرئيس الأسد هو «الحفاظ على التوازن في لبنان» الذي إذا كان يعني أنه لن يسمح بسيطرة المسلمين فإنه يعني أيضاً أنه لن يعيد السلطة كما كانت للموارنة. أو بصورة أخرى فإن سوريا ستحكم لبنان؛ لأنها ببساطة هي الوحيدة القادرة على حفظ التوازن وستعمل جاهدة لإثبات ذلك. لقد قامت سوريا بنصف المهمة، وكان تسرُّع الموارنة بالتمرد على سوريا عاملاً أساسياً في عودة العلاقة المصلحية مع الفلسطينيين الذين عادوا لشن عمليات داخل فلسطين المحتلة. وفي المقابل قامت (إسرائيل) باحتضان قوات نصرانية يقودها الرائد سعد حداد مرابطة في منطقة الشريط الحدودي. وبدأت (إسرائيل) باحتلال مناطق في جنوب لبنان، وتوالت عمليات الجيش الإسرائيلي داخل لبنان مثل عملية غزو الجنوب عام ١٩٧٨م. (عملية الليطاني) . لقد وصل الموارنة إلى طريق مسدود؛ فالمخابرات السورية هي التي تحكم لبنان، والرئيس لا يستطيع اتخاذ أي قرار بدون الرجوع إلى دمشق وكان بشير الجميل ذاك الشاب الطموح ذو الابتسامة التهكمية يمنِّي نفسه بقيادة لبنان؛ ولذا فقد وطد سلطته في قيادة القوات اللبنانية، وعمل على تصفية أقرانه من الزعامات المارونية مثل طوني سليمان فرنجية (حزيران ١٩٧٨م) وداني كميل شمعون ليخلو له الجو، وفي الوقت نفسه عمل على توطيد علاقات خاصة مع قيادات الجيش الإسرائيلي وضباط المخابرات، وكانت الزيارات المتبادلة لا تنقطع، وحصل على كثير من المساعدات العسكرية، وتم تدريب المئات من جنود الكتائب على خوض المعارك والاشتراك في مناورات مشتركة منذ عام ١٩٧٩م، وبدأ بشير الجميِّل بالتحرش بالسوريين ومحاولة جر الإسرائيليين لضربهم، وفيما كان السوريون يخططون لوصول سليمان فرنجيه لسدة الحكم أعلن بشير الجميِّل ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية التي لا أمل له بالفوز فيها إلا بالتدخل الإسرائيلي المباشر وهو ما أقره مجلس الوزراء الإسرائيلي برئاسة بيغن في كانون الثاني ١٩٨١م. وبدأت عمليات غزو لبنان في ٤ حزيران (يونيو) ١٩٨٢م، وسميت: (عملية سلامة الجليل) واستمرت الحرب حتى ٢١ آب (أغسطس) وبلغت الإصابات تقريباً ٢٩٥٠٦ شخص بين قتيل وجريح. وبعد يومين من بدء عملية إخلاء الفلسطينيين انتُخب بشير الجميل رئيساً لجمهورية لبنان، وبعد أسبوع سافر بشير إلى نهاريا، وقابل بيجن ومما قال له: «هدفنا الآني الآن إخراج الفلسطينيين والسوريين من البقاع وشمالي لبنان وبعدها يمكننا التصرف كدولة ذات سيادة» وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من أيلول في بيت الكتائب في الأشرفية وأثناء إلقائه خطاب وداع لأنصاره بمناسبة فوزه برئاسة الجمهورية تم تفجير المبنى، وقتل بشير الجميل على يد حبيب طانيوس الشرتوني النصراني من الحزب القومي السوري. وبعيد ذلك قامت القوات الإسرائيلية بمحاصرة مخيمي صبرا وشاتيلا، ونقلت إليهما قوات الكتائب التي ارتكبت مجزرة رهيبة بحق النساء والأطفال والعزل. وبقدر ما صدمت هذه المجزرة الرأي العام فقد حكمت بالموت على حزب الكتائب، وعجلت بانسحاب الجيش الإسرائيلي من بيروت، وتولت القوات متعددة الجنسية والتي تتكون أساساً من قوات أمريكية وفرنسية تولت تهدئة الأوضاع ومحاولة ترتيب الأمور بما يناسب المصالح الإسرائيلية والمارونية، وبقيت القوات الإسرائيلية في منطقة الجنوب والشوف وأجزاء من البقاع وفي صيدا. وإلى هنا تم التخلص من الوجود الفلسطيني المسلح، وبقي تقديم الشكر لسوريا على خدماتها وإبلاغها بأنه آن الأوان لمغادرة قواتها لبنان، ولكن هذا لم يحن بعدُ؛ حيث برزت حركة أمل الشيعية الموالية لسوريا لملء الفراغ في بيروت الغربية والمخيمات الفلسطينية؛ وذلك بعد انسحاب القوات الدولية من بيروت بعد تفجير مقري قيادة القوات الأمريكية والفرنسية وقتل حوالي ٥٠٠ جندي ثلثلهم من مشاة البحرية الأمريكية، واقتصر الرد الأمريكي على إطلاق البوارج الأمريكية قذائف مدافعها الضخمة على أهداف وهمية، وحتى الآن لم يتم التأكد مَنْ هم المدبرون. وفي الوقت نفسه تمت عملية مماثلة في صيدا ضد مركز القيادة الإسرائيلية خلفت حوالي سبعين قتيلاً، وبالمثل قامت (إسرائيل) بتقليص المنطقة العازلة إلى الشريط الحدودي الحالي، واعترفت الدول الثلاث بعجزها عن التعاطي مع الوضع في لبنان وتسليم الملف إلى سوريا. وتولت حركة أمل مهمة تصفية بقايا الوجود الفلسطيني المسلح في المخيمات، وبدأت مرحلة ما يسمى بحرب المخيمات، وبقدر ما نجحت الحركة في إنجاز المهمة الموكلة إليها فقد أفرزت وضعاً جديداً؛ حيث إن المجازر غير المسوَّغة بحق الفلسطينيين وحصار المخيمات الذي طال أمده قد أدى إلى موت الحركة وضمورها وانشقاق مجموعة منها كونت حزب الله وارتبط (حزب الله) بإيران، ونما بسرعة في البقاع والضاحية الجنوبية من بيروت؛ بحيث أزاح حركة أمل. وأما في الجنوب فما زال التنافس بينهما على أشده في أوساط الشيعة. إن محاولة (إسرائيل) الاحتفاظ بالشريط الحدودي لدعاوى أمنية فارغة بعد تصفية الفلسطينيين تخفي مطامع اقتصادية وسياسية؛ حيث إن (إسرائيل) دأبت على استنزاف موارد الشريط من المياه والتربة، وترددت في حل مشكلة المتعاونين معها؛ فهي ليست على استعداد لقبولهم، ولم تستطع إقناع الحكومة اللبنانية بالعفو عنهم، وضيعت الوقت بالبحث عن ممول لتوطينهم في فرنسا أو كندا. لقد كان هذا الوجود أكبر ورقة وأهم دعوى استغلها حزب الله في سبيل تثبيت أقدامه في لبنان والحصول على رصيد شعبي تجاوز الطائفة الشيعية، وكان الغطاء الإيراني ضرورياً لتأمين عدم ضربه من قِبَل سوريا لحساب حركة أمل؛ وذلك للتحالف الاستراتيجي بين البلدين، ولذلك رضيت سوريا بالتنسيق مع الحزب، بل وإعطائه الحق بحمل السلاح عن طريق استثناء السلاح المقاوم من قانون تجريد الميليشيات من السلاح. الانسحاب من لبنان شعار أم هدف؟ لقد كانت محاولة الرئيس العماد ميشال عون إخراج القوات السورية ودخوله في معارك طاحنة معتمداً على الحماية الغربية آخرَ صِدَام جدي مع الموارنة، وقد طال الصراع لسبب بسيط هو أن سوريا تنتظر الضوء الأخضر الذي جاء عندما تمنعت عن المشاركة في حرب الخليج، وقد تم الهجوم على قصر بعبدا «وهرب عون إلى السفارة الفرنسية التي أمنت نقله إلى فرنسا؛ حيث يعيش حتى اليوم» وفي الوقت نفسه وافقت سوريا على المشاركة؛ ومنذ ذلك اليوم فهم الموارنة أن على الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة أن يدبر أمورهما مع سوريا، ولكن المشكلة أن مجرد رفع الغطاء الدولي عن وجودها في لبنان كفيل بارتفاع الأصوات الداعية لخروج القوات الأجنبية من لبنان؛ ولذا فمن المهم لسوريا أن يعرف العالم أنها الجهة الوحيدة القادرة على الإمساك بخيوط اللعبة في لبنان، وهذا ما تقوم به عن طريق توثيق العلاقة مع حزب الله، والتأكد من ولاء كبار السياسيين الموارنة المقيمين في لبنان، وأخيراً التلويح بالعودة لاستعمال الورقة الفلسطينية؛ حيث صرح رئيس الجمهورية اللبناني رداً على تهديد باراك بالانسحاب من جنوب لبنان بأن لبنان لن يسمح بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في أراضيه، وأن من حقهم الكفاح من أجل العودة. إن تهديد باراك بالانسحاب من لبنان دون اتفاق مع سوريا يوحي أنه يعرف أن سوريا تستخدم ورقة عمليات حزب الله للضغط من أجل الحصول على أكبر قدر من المكاسب في الجولان، وأن نجاحه في جمع التأييد لهذا الانسحاب وتصويره بأنه تنفيذ لقراري مجلس الأمن ٤٢٥، ٤٢٦ اللذين مضى عليهما أكثر من عشرين سنة والحماس الفرنسي المريب واستعداد فرنسا لإرسال قوات للمنطقة، ومسارعة الشرع إلى باريس لاستجلاء الموقف الفرنسي بعد تصريحات وزيري الخارجية والدفاع الفرنسيين الموالية لـ (إسرائيل) . إن موقف باراك المعلن أنه بعد الانسحاب ستكون سوريا مسؤولة عن أي عملية ضد (إسرائيل) وأن الرد سيكون قاسياً وسيتجاوز لبنان؛ لأن ضرب البنى التحتية اللبنانية أصبح عمليات اعتيادية. إن وضع سوريا العسكري صعب، والنظام مشغول بترتيب انتقال السلطة السلس لبشار الأسد، وعمليات فصل كبار المسؤولين ومحاكمتهم الذين قد يفكرون في منافسة المرشح الأثير بتهمة إساءة استعمال السلطة والفساد لا تسمح للنظام بخوض أي مغامرة عسكرية هي في الأساس مرفوضة من جانب النظام السوري. إن أخطر وضع يمكن أن يحدث هو ما لم يتحدث عنه باراك خوفاً من مسارعة سوريا للموافقة، ماذا يحدث عندما تعلن سوريا أنها ستقوم بالانسحاب من لبنان بالتزامن مع انسحاب (إسرائيل) من جنوب لبنان لتعود الأوضاع إلى نقطة الصفر؛ حيث إن سوريا لن يكون لها نظرياً أي قدرة على التحكم بالتنظيمات اللبنانية.

стр. 3498

المسلمون والعالم الدور الغربي في الصراعات الإفريقية حسن الرشيدي «إننا خليط ثقافي، ثمرة تحول أوجده الغرب، لقد جاؤوا إلينا وقالوا لنا: سنستعمركم، اتركوا جانباً التنُّورات وأوراق الشجر واستخدموا الترجال والبلوجينز ونظارات ريبان. ثم إذا بهم يغيِّرون رأيهم في منتصف الطريق ويقولون: أنتم مستقلون لقد قهرنا الرجل الأبيض. والآن بعد أن غيَّروا عاداتنا وثقافتنا ووضعوا لغتهم على لساننا يقولون إننا أبناء غير شرعيين لحضاراتهم!! !» . هذه مقولة أحد مثقفي دولة ساحل العاج يعبر فيها عن حالة الاغتراب التي يعيشها الأفارقة وتحياها إفريقيا وتبلغ معاناة إفريقيا ذروتها في الحروب التي يبدو أنها لا تنتهي في هذه القارة، فأصبحت تظهر كأنها مستودع للنزاعات لا تكاد تخبو حتى تنفجر مرة أخرى حاصدة الآلاف من الأرواح ومشردة الملايين من البشر. فالدم ينزف في أنجولا وغينيا بيساو وسيراليون ويكاد ألاَّ يتوقف في الكونغو ولا زالت حروب القبائل في الصومال مشتعلة بين الحلفاء أو قل العملاء في إثيوبيا وإرتيريا. أما مذابح الجزائر فحدث عنها ولا حرج. وفي إحصائية حديثة «منذ بداية هذا العقد شهدت إفريقيا أكثر من مئة نزاع حدودي» [١] وتقول إحصاءات أخرى: «إن عدد الدول الإفريقية المتورطة الآن في معارك مباشرة قد وصل إلى نحو ١٢ دولة» [٢] ولا يقتصر العدد على هؤلاء وحدهم؛ ذلك أن أعداداً أخرى من الحكومات الإفريقية مشاركة بصورة غير مباشرة، وهناك دول إفريقية تنتج السلاح وتبيعه للمتقاتلين، وهناك دول أخرى ينتقل السلاح عبر أراضيها وبرضاء حكوماتها، وهناك دول تقف بعيدة عن أتون الحرب ولكنها لا تنكر تعاطفها مع طرف أو آخر من المتحاربين ولا تخفيه، وهكذا فإن السحب السوداء توشك أن تغطي المدى الإفريقي بأكمله. ولا شك أن العامل الاستعماري الغربي بأشكاله القديمة والحديثة له الدور الأكبر في إثارة هذه النزاعات وتجددها المستمر، هذا المكر الغربي تجاه إفريقيا هو جزء من عدائه وحقده العقدي والتاريخي على الإسلام؛ فلقد انتشر الإسلام في القارة الإفريقية انتشاراً واسعاً في شمالها وشرقها وغربها وفي أجزاء من وسطها وجنوبها، وبلغ انتشاره في القارة درجة أصبح معها المسلمون يشكلون نسباً كبيرة من السكان في جميع أنحائها؛ فهناك أغلبيات عظمى أو أغلبيات كبيرة وأقليات تتراوح بين نصف السكان وأقل من عُشْرهم في بعض البقاع، وكان لانتشار الإسلام باعتباره ديناً وطريقاً للحياة أثره في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعوب القارة، كما كانت له قوته الثقافية والحضارية التي بها استطاع أن يوجد كياناً ويسهم في صنع جانب من الشخصية الإفريقية ويحقق فيما بين شعوب القارة بعضها مع بعض وبينها وبين غيرها خارج نطاق القارة صلات متعددة الجوانب. إفريقيا في المنظور الغربي: ينظر الفكر الغربي على وجه العموم إلى المجتمعات الإفريقية باعتبارها مجتمعات غريبة الشأن؛ فهي مضطربة ومثيرة للأطماع ومتخلفة ومخنوقة بالمجاعات والحروب الأهلية والجفاف وغارات الجراد والإيدز. فالإنسان الإفريقي في المفهوم الغربي «نشأ وتطور من الخلية الحية التي نشأت في البرك والمستنقعات» [٣] ، ويوضح فرانسوا بيار هذا الجنس بقوله: «لقد كان من المفهوم أن جنس السود نوع من البشر مختلف عنا؛ إنها بلاد الذهب المنغلقة على نفسها، بلاد الطفولة المغلفة بلون الليل الأسود قبل أن يبدأ نهار التاريخ الذي أدركه الوعي» [٤] وهو طبعاً التاريخ الذي يصنعه الأوروبيون بجهودهم الكريمة كما كتب القبطان فاليه في عام ١٩٠٠م وهو في أغوار غابات الكونغو: «لا نجد هنا سوى الفوضى وسوء النية، وباختصار مجتمع لا يزال في عهد الطفولة بلا أي تنظيم وهو عبارة عن شتات من البشر يستحيل التعامل معهم، ويشلُّون جهودنا الكريمة بجمودهم» [٥] . ويعترف جان فرانسوا بيار قائلاً: «إن الإحجام عن الاعتراف بالمجتمعات الإفريقية باعتبارها مجتمعات تاريخية وسياسية كاملة الأهلية يرتبط بإقدام الغرب على إخضاع أهلها ابتداءاً من النخاسة وحتى الاستعمار» [٦] . وكان اللورد جونستون وهو من منظِّري الإمبراطورية البريطانية «يشك في أن يكون للأفارقة تاريخ قبل هجمات الغزاة الآسيويين والأوروبيين» [٧] . باختصار: كانت المفاهيم الغربية بالنسبة للمجتمعات الإفريقية تدور حول عدة عناصر: - افتقادها لتاريخيتها. - بلاهة شعوبها ووحشيتها وهمجيتها. - انعزالها عن بقية العالم وبعضها عن بعض. ولكن هل ما يزال هذا المفهوم هو المسيطر على عقول الغربيين وخاصة الساسة منهم؟ بالطبع هؤلاء الساسة لا يصرحون بذلك؛ فطبيعة السياسة وخاصة هذه الأيام لا تدع للصراحة مجالاً؛ ولكن الأفعال هي التي تجعل الانطباع السائد أن الفكر الغربي لم يغير نظرته إلى الأفارقة، ويبدو هذا في تصرفات الساسة الغربيين. مظاهر الدور الغربي في تأجيج النزاعات في إفريقيا: لقد فعل الغرب بإفريقيا الأفاعيل واستغل شعوبها وثروتها أبشع استغلال، واستناداً إلى تقديرات كتاب (الزنجي) الصادر في نيويورك عام ١٩١٥م فإن تجارة الرقيق الأمريكية أدت إلى إزالة ستين مليون زنجي على الأقل من إفريقيا توفي منهم حوالي خمسين مليوناً قبل وصولهم إلى أمريكا « [٨] . وتتجلى ممارسات الغرب الاستعمارية في إفريقيا خاصة منها الذي يساعد على إثارة الخلافات في ثلاثة مسارات: أولاً: الصراع العرقي: العرقية أو القبلية أو كما يسميها علماء الاجتماع (الإثنية) هي ظاهرة شديدة التعقيد؛ فهي تتميز بالتمركز حول النوع والوعي المشترك والإحساس بالهوية والانغلاق» [٩] وهي مثل أي ظاهرة في المجتمع ليست ثابتة بل يمكن أن تغير شكلها وموقعها ودورها في حياة المجتمع؛ بل وربما تظهر عناصر جديدة في محتواها؛ ومن أهم خصائصها أنها «لا تتواجد في شكل نقي بل ترتبط وبشدة بالرؤى السياسية القانونية والاجتماعية الأخرى التي تشكل مكوناتها الضرورية» [١٠] . لقد ظهرت القبلية لأول مرة على يد الاستعماريين؛ فهم أول من نشر هذا المنظور؛ إذ كان جزءاً من جهودهم لإخضاع إفريقيا المستعمرة، واحتلت القبلية موقعاً هاماً في الأيديولوجية العنصرية للاستعمار فقد صُوِّرت أمراً يتسم بالسحر والبدائية والبربرية تميز الإفريقي وينظر إليها رابطاً رئيساً بين الماضي الإفريقي اللاتاريخي البدائي البربري المزعوم الخالي من أي مبدأ إنساني من ناحية والمهمة الحضارية وعبء الرجل الأبيض الاستعماري من ناحية أخرى. ولكن كيف افتعل الاستعمار هذا الصراع؟ «بدأ الاستعمار يقسم المجموعات الإفريقية اللغوية إلى قبائل لتسويغ هذه الرؤية العنصرية للأفارقة لينشأ بينها تفاوت في الثقافة ويروج فكرة أن الصراع فقط هو ما يميز التواصل بينهم ويتجلى امتداد هذه العنصرية في ميل المستعمر إلى اعتبار المجموعات اللغوية الإفريقية بعضها أعلى أو أدنى من بعض حسب تشابه تنظيمها الاجتماعي السياسي لتنظيم المستعمر وتقدمهم في بلوغ مصائر المستعمر السياسية والاجتماعية» [١١] . ثم جاءت الخطوة الثانية «جمع الاستعمار مجموعات عرقية متباينة تحت إدارة سياسية واحدة، وفي بعض الحالات نجد مجموعة عرقية واحدة مقسمة إلى أقسام تديرها قوى استعمارية مختلفة أو منضوية تحت إدارات سياسية مختلفة بين قوة استعمارية واحدة» [١٢] وقد وضَّح بايار دور المستعمر في صنع الصراع العرقي وإن لم يعتبره العامل الوحيد؛ فإن هناك عوامل أخرى أسهمت في هذا الصراع فقد «حرصت نظرة المستعمر على تصور الأوضاع البشرية التي يعوزها الوضوح على شكل هويات متميزة تخيلها وفق نموذج هابط (للدولة الأمة) لعدم تصوره ما هو أفضل، وكان مفهوم الإدارة الفرنسية المعتادة على المركزية الإدارية مفهوماً قائماً بكل وضوح على تحديد المساحات؛ بينما كانت فكرة الحكم غير المباشر البريطانية أميل إلى النزعة الثقافية. وأياً كانت هذه الفروق فقد تم تنظيم الحكم الاستعماري حسب هذه التصورات، واتجهت النية لترتيب الواقع على هذا الأساس. وقد استخدم القهر لتثبيت الإقامة قسراً والتحكم في حركات الهجرة وتجميد الهويات العرقية بطريقة مفتعلة إلى حد أو آخر من خلال البطاقات الشخصية وجوازات السفر الداخلية» [١٣] . إن الصراع العرقي استخدم من قِبَل الغرب لإخضاع الشعوب، ولقد كان المحدِّد الرئيس لهذا السلوك الاستعماري هو رغبة المستعمرين في إخضاع الأفارقة، كما لعبت سياسة (فرِّق واحكم) دوراً هاماً في عملية الإخضاع هذه؛ فشجعوا المشاعر العرقية بين الأفارقة، واستغلوا كل فرصة متاحة لنشر أسطورة تمايزهم. تأخذ القبلية في إفريقيا أشكالاً عدة: - يغالي القبلي باستمرار في صفات رجال قبيلته وعشيرته وأعمالهم ويفاخر بها، وعلى العكس فإنه ينكر عيوبهم، ويحاول التستر عليها باستمرار؛ وموقفه من القبائل الأخرى هو عكس ذلك تماماً. - يمارس القبلي المحسوبية بالنسبة لأفراد قبيلته في توزيع المزايا المادية وإسناد كافة المناصب المسؤولة إليهم. - يعتقد القبلي أن مَنْ هم ليسوا من أفراد قبيلته وعشيرته لا يستحقون مساعدته. - ويتمادى بعضهم في القبلية إلى حد الاعتراض على الزواج بين القبائل وإلى تفضيل الزواج بين البيض والسود عليه. - ويتمثل الشكل الأقصى للقبلية على الصعيد السياسي في المطالبة بتأسيس جمهوريات ذات استقلال مزعوم ولكن على أساس قبلي، وإذا لم يتيسر ذلك الحل تتم المطالبة باتحاد فيدرالي واستقلال ذاتي إقليمي على أن تتم تجزئة السلطة السياسية والإدارية في إطار طبقي. كذلك كان للمبشرين البروتستانت الذين قدموا مع الاستعمار دور في إثارة صراع الأعراق فقد «ساعد المبشرون خاصة البروتستانت منهم على تنميط لغات إقليمية ونشرها عن طريق التعليم وترجمة الكتاب (المقدس) وتكوين نخب محلية رفيعة المستوى. ومن أشهر هؤلاء: الأب جونسون في بلاد اليوروبا، والقس كاجام في رواندا» [١٤] ويقول الشيخ عيسى جيسيسي مفتي رواندا: «القبيلتان المتناحرتان (التوتسي والهوتو) يعود أصلهما إلى أسرة واحدة؛ إلا أن الاستعمار استطاع أن يخلق جواً من التوتر بينهما، وأصبحت كلتا القبيلتين في صراع محتدم للوصول إلى السيطرة على البلاد، وكان للكنيسة دور أساس في إشعال نار الفتنة بين القبيلتين كلما أوشكت أن تهدأ، وكانت تبذل كل ما يمكن لقتل المزيد من الناس أما عن موقف المسلمين من هذا التناحر والصراع فهو موقف مشرف؛ فقد التزموا الحياد ولم يسببوا أي توتر بين القبيلتين حتى إن الحكومة الحالية قامت بجمع تقارير عن سبب الفتنة، فأبرزت أنه لا يوجد مسلم واحد متورط في هذه الفتنة مما دفع رئيس الجمهورية ومعه نائبه معلنين أمام حشود كبيرة من الناس أن المسلمين لهم دور كبير في إخماد نار الفتنة التي أشعلتها الكنيسة حتى إن رئيس الدولة أمسك بيديه القرآن الكريم وقال للناس: إن هذا الكتاب هو الذي منع المسلمين أن يتدخلوا في الصراعات التي حدثت، وإن ما دعاهم لذلك هو الدين السمح الذي يعتنقونه» [١٥] ويعترف أحد علماء الاجتماع الفرنسيين المعاصرين بأثر الإسلام في تجانس الأعراق وتوحدها فيقول: «إن الحركات الثقافية الكبرى التي انتشرت في القارة قبل الاستعمار تتجاوز الأعراق ومنها الإسلام» [١٦] ويقول آخر عن قبائل كوتوكو التي تعيش في غانا: «بفضل الإسلام الذي اعتنقوه توحدوا برغم العناصر المتباينة بينهم» [١٧] . لقد تغلغلت فكرة التقسيم العرقي التي ابتدعها المستعمر حتى بات كثير من الأفارقة يتقبلونها ظناً منهم أنها الأصل، وأضحت العرقية المعاصرة قناة يتحقق من خلالها التباري من أجل الحصول على الثروة والمركز. وتستفيد المجموعة العرقية لحزب الطبقة الحاكمة من الامتيازات والاستثناءات، وتغدو الجماهير الضحية الحقيقية لهذا الاستقلال السياسي وما يصاحبه من تميز إثني وعرقي. ثانياً: إيجاد الصفوة المختارة: أوجد الغرب قبل أن يرحل فئةً من الشباب الإفريقي تلقوا تعليمهم في مدارس وجامعات غربية وتربَّوْا على مناهج الغرب فكانوا صنيعته في إفريقيا، وساهمت الإرساليات التبشيرية الأوروبية في هذا المخطط «ففي أوغندا ظل التعليم حتى عام ١٩٢٥م تتولاه الكنائس، وفي غرب إفريقيا ٥٥٧ مدرسة تعينها الحكومة مالياً منها ٥٢١ مدرسة تشرف عليها أو تديرها البعثات التبشيرية؛ وذلك بخلاف ٢١٧٥ مدرسة غير معانة معظمها تمولها هيئات التبشير المختلفة. وفي الكونغو تسيطر الكنيسة الكاثوليكية على نسبة ٨٠% من التعليم، وفي هذه المدارس تلقَّى التعليمَ القادةُ الذين برزوا في الحركات التي خلفت الاستعمار مثل نكروما ولومومبا وسيكوتوري ونيريري وغيرهم» [١٨] والجامعة الإفريقية في أوغندا التي يشرف عليها البريطانيون تخرج منها أفورقي وزيناوي وموسيفيني وجارانج [١٩] ، وعمدت كل دولة غربية إلى تهيئة الظروف أمام هذه النوعية لتتمكن من أخذ زمام الأمور بيدها «لقد عمد البرتغاليون إلى خلق فئة من أهل المستعمرات وثيقة الصلة بالبرتغال وموالية لها؛ وطبقاً لهذه الفكرة يمكن للإفريقي أن يندمج إذا استوفى شروطاً معينة مثل معرفة القراءة والكتابة باللغة البرتغالية، واعتناق المسيحية، والاستعداد لنبذ بعض العادات السائدة كتعدد الزوجات. وهذه الطبقة من المتطورين التي أطلق عليها (الطبقة المختارة) أريد منها أن تعرقل سير الحركة الوطنية [٢٠] ، وطبقاً لهذه الفلسفة فإن الفرد لن يتمتع بحقوق متساوية، وسوف يرغم أغلبية الأفراد لزمن غير محدود في المستقبل على الخضوع لأقلية تحمي امتيازاتها الخاصة. لقد استخدم الاستعمار على نطاق واسع وسطاء من سكان البلاد الأصليين الذين استغلوا امتيازاتهم فرصة للإثراء من خلال عملهم معاونين للإدارة، وهكذا أصبح الفساد أحد تروس جهاز الحكم غير المباشر. ولم يغادر الاستعمار الدول الإفريقية إلا بعد أن وضع على رأس الحكم مجموعات أو طبقة موالية له تتكون من الأفراد الذين كانوا وسطاء بين الاحتلال والأهالي؛ ففي رسالة بعث بها أعضاء من الحركة الوطنية في الكونغو إلى رؤسائهم في الحزب الحاكم:» نحن أصحاب الفضل في الحركة الوطنية الكونغولية بتنا أشبه بالكلاب وسيدها؛ ففي الصباح الباكر يذهب الكلب مع سيده إلى الغابة للبحث عن صيد والكلب مستعد دائماً لالتقاط الصيد وإحضاره للسيد.. . وفي المساء يعودان للقرية لأكل الصيد، وعندما يُطهى اللحم يوضع في الطبق ويبدأ السيد بطرد الكلب قبل أن يبدأ الأكل مع أن الكلب هو الذي أحضر اللحم؛ ونحن أيضاً حاربنا للمطالبة بالاستقلال؛ وكثيراً ما كانوا يدبرون المؤامرات (يقصد زعماء الحزب) مع المستعمرين لإلقاء القبض على مناضلي الحركة الوطنية الكونغولية، وهم حتى الآن جالسون فوق كافة المقاعد ولا يزالون يواصلون إلقاء القبض علينا لكي يضعوا حداً لنشاطنا « [٢١] . لقد أصبح المركز في السلطة موقعاً للنهب، ويلجأ القائمون على هذه السلطات إلى احتكارهم للقوة الشرعية للمطالبة بمنتجات وإتاوات وخدمات» ففي شمال الكاميرون مثلاً فرضت على القرويين غرامة قدرها ٦٠ نايرا (عملة محلية) بسبب سرقة جرس دراجة، وثمن هذا الجرس يعادل ٥ ناير في السوق، والناير يتمكن من إطعام شخص بالغ طوال اليوم، ومن المفروغ منه بالطبع أن رئيس الناحية احتفظ لنفسه بكل بساطة بمبلغ الغرامة « [٢٢] . وهناك نوع آخر من النهب أشد خفاءاً يرجع إلى علاقات أصحاب المراكز في السلطة في المدن مع أوساط الإجرام» ففي كينيا نسبت موجة من عمليات السطو مع استخدام القوة إلى بعض رجال السياسة، كما تورط رأس السلطة في زامبيا وهو رئيس الجمهورية في مختلف عمليات التهريب ومنها تهريب المخدرات «كما يعطي المركز في السلطة الفرصة للحصول على الرشاوي تحت مسميات عديدة؛ فنجد في الكونغو (زائير سابقاً) أغنى هذه المسميات فتسمى الرشوة:» شيء بسيط حافز مظروف لزوم آخر الشهر التفاهم حق الدخان الأخذ والعطاء التوصل إلى حل زائيري؛ وجميعها تعبيرات للإشارة إلى المتاجرة في الأختام والتوصيات وقرارات التعيين « [٢٣] . كذلك يمتد الفساد ويتشعب مع الخارج» فقد اتهمت شركة فرنسية بدفع ٩٧,١٠ مليون ناير داخل نيجيريا لحساب الحزب الحاكم هناك وذلك من أجل عقود يبلغ إجمالي قيمتها ٧٤٦ مليون ناير «كما تطبق الحكومات الإفريقية نظاماً للجمارك يدعو للسخرية» فلقد فرض حسين حبري عام ١٩٨٣م في تشاد رسوماً على المعدات العسكرية الفرنسية التي كان يلح في المطالبة بها، وأقدمت سلطات موزامبيق على فرض جمارك على التوابيت التي كان سيشيَّع فيها جنازة الرئيس سامورا ميشيل وأصحابه في كارثة الطائرة التي سقطت بهم « [٢٤] . لقد سلم الغرب إلى هؤلاء السلطةَ بعد أن أفسدوا الضمائر وخربوا العقائد وأشاعوا الفساد في جميع جنبات الحياة؛ فكان هؤلاء المفسدون ثمرة تربيتهم وخططهم الخبيثة، وعانت إفريقيا، ولا يزال يعاني أهلها من الظلم والاستبداد والفساد. ثالثاً: اللعبة الأمريكية: منذ بداية التسعينيات نزع عدد من الزعماء الأفارقة إلى التعامل مباشرة مع الولايات المتحدة بصفتها القطب الأوحد في عالم اليوم، وتقديم خدمات لمصالحها المباشرة وغير المباشرة في المنطقة، والمساهمة في الجهود الأمريكية الخاصة بإعادة هيكلة القارة الإفريقية، وإقامة حلف أمني وعسكري معها متمثل في دفع المبادرة الخاصة بإنشاء قوة حفظ سلام إفريقية تتبناها بجانب الولايات المتحدة كل من فرنسا وبريطانيا عبر تقديم السلاح والتدريب والاستشارات الفنية، والتأكيد على أن هذه القناة هي المؤهلة فقط لإمدادات السلاح الأمريكي للدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء. والمعروف أنه برغم عدم موافقة منظمة الوحدة الإفريقية على هذه المبادرة فقد تمت مرحلتها الأولى» حيث أنهى الأمريكيون تدريبات للجيشين الأوغندي والسنغالي في سبتمبر ١٩٩٧م، وأشرف البريطانيون في إبريل ١٩٩٧م على تدريبات في زيمبابوي لقوات من ٨ دول إفريقية تنتمي إلى مجموعة الكومنولث في حين تقوم فرنسا بإنشاء قاعدة للتدريبات العسكرية في ساحل العاج « [٢٥] . إن السياسة الأمريكية تتوجه إلى قادة الدول الإفريقية وتهتم بالأشخاص لاعتبارات تتعلق بمدى قربهم من وجهات النظر الأمريكية أكثر من كونهم قادة متمسكين بسياسات انفتاحية أو بعيدة الصلة عن الفساد في بلدانهم؛ فدولٌ مثل أوغندا وغانا ورواندا تفتقر إلى الحد الأدنى من الحريات السياسية، وقادتها محاطون بنخب ليست بعيدة عن التورط المباشر في الفساد، ومع ذلك فهم موضع اهتمام أمريكي لاعتبارات أمنية واستراتيجية. وفي أثناء زيارة كلينتون الأخيرة إلى إفريقيا ترددت عبارة على لسانه قبل الزيارة وأثناءها وبعدها:» إنه باسم الولايات المتحدة سوف نقدم مظلة الحماية لكل إفريقيا « [٢٦] وقد أثارت هذه الجملة الكثير من الشكوك التي أحاطت بحقيقة النيات الأمريكية الكامنة وراء الانقلاب الذي حدث في السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، وقد بلغت هذه الشكوك حد الحديث عن عودة للاستعمار ولكن في ثوب جديد وبأسلوب متطور يتفق مع سمات العصر وتوجهات النظام العالمي الجديد. والواقع أن الحديث عن محاولات الهيمنة الأمريكية لم يأت من فراغ؛ فهو يمثل امتداداً طبيعياً للسياسات الأمريكية المنفَّذة حالياً في كثير من مناطق كثيرة من العالم سواء في آسيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط، والغريب أن يعلن كلينتون عن هذه المظلة دون أن يطلب منه أحد من قادتها هذه الحماية ثم يتحدث عن الاستقلال الكامل والحرية المطلقة للدول الإفريقية؛ ومثل هذا القول قد اعتبرته العديد من الدوائر الإفريقية أنه يعني استبدال الحماية الفرنسية البريطانية الاقتصادية على العديد من دول القارة بالحماية الأمريكية. لقد تركزت السياسة الأمريكية على فتح أبواب القارة أمام الاستثمارات الأمريكية وفتح أسواقها الضخمة أمام السلع الأمريكية. أما الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية فهما وسيلتان للضغط على الدول الإفريقية بوصفهما ورقة مساومة عند اللزوم وفي الوقت نفسه تغطية لأهداف التدخل الأمريكية في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية وتكريس الزعامة الأمريكية عالمياً. هذا النفوذ الأمريكي المتعاظم استتبعه زيادة حدة الصراع في القارة المتمثل في: - التنافس على السيادة الإقليمية ولقب شرطي المنطقة ولعل النموذج الإرتيري الأثيوبي خير شاهد على ذلك وما تلاه من حرب ضروس وهلاك الحرث والنسل بين أكثر حلفاء أمريكا في القارة: أفورقي، وزيناوي. - زيادة حدة المذابح؛ وأوضح مثال على ذلك منطقة البحيرات العظمى نتيجة دعم قبيلة أو نخبة ضد أخرى مما أطال أمد الحرب بين موبوتو وكابيلا ثم بين كابيلا نفسه والمتمردين التوتسي. - الحرب على الإسلام وخاصة في السودان، ولولا دول الحزام المسيحي المحيط به الداعم لتمرد جارانج لانتهى تمرده من فترة طويلة. ومند عشرات السنين والكتب تنشر، والشعر يُلقى، والقصص تُروى عن نضال إفريقيا وكفاح شعوبها ضد الاستعمار ورموزه وأدواته، وعن المارد الذي كسر الأغلال، وحطم القُمْقُم، وتحرر من الرق والاستبداد؛ فهل يجيء اليوم الذي يصبح فيه هذا الحلم حقيقة؟

стр. 3499

المسلمون والعالم مسلمو شبه جزيرة القرم صورة عن قرب مبارك عبد اللطيف معلومات أساسية: جمهورية القرم: هي جمهورية ذات حكم ذاتي، وداخلة في تكوين جمهورية أوكرانيا. وتقع شبه جزيرة القرم في الجزء الجنوبي لأوكرانيا. عاصمتها: سيمفيروبل. السكان: ٠٠٠، ٤٠٠، ٢ نسمة. (الروس ٥٥%، الأوكران ٣٠%، التتار ١٢%) . تاريخ القرم وتتار القرم: كل الدراسات والأبحاث العلمية المتعلقة بشبه جزيرة القرم تؤكد أن هذه المنطقة ذات المناخ المعتدل وطبيعتها المميزة كانت من أول المناطق الصالحة لحياة الإنسان، وأن أول من سكنوها هم التتار والمغول والأتراك. أما السكان الأصليون لشبه جزيرة القرم فهم التتار وهم خليط من سكان المناطق الجبلية كريمسي (وهم السكان الأصليون) ، اسكيفي، قوتي، الإغريق، سارماتي والمناطق الشمالية (كبشاكي - أتراك) . وفيما يتعلق باللغات التي كانت سائدة في شبه جزيرة القرم فنجد أنه لكل قومية لغتها الخاصة بها، ولكن نمو العلاقات وتطورها في مجالات التجارة والاقتصاد أدى إلى ظهور لغة موحدة هي اللغة التركية التي أصبحت اللغة السائدة التي يتحدث بها الجميع في شبه جزيرة القرم التي كانت في ذلك الحين تعد مركزاً كبيراً للتجارة والاقتصاد. دخول الإسلام إلى أوكرانيا والقرم: الإسلام يعتبر الديانة الثانية بعد المسيحية (أرثوذكس) . أما دخول الإسلام إلى أوكرانيا والقرم وتعرُّف شعب أوكرانيا والقرم على الإسلام فإنه يرجع إلى النصف الأول من القرن العاشر الميلادي عن طريق الرحالة والتجار المسلمين الذين كانوا يصلون إلى مدينة كييف عاصمة دولة روس الأوكرانية والقرم محملين بالبضائع المختلفة؛ وهذا ما تثبته المراجع والعملات النقدية التي عثر عليها مصكوكة بأحرف عربية يرجع تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي. أما البداية الحقيقية لدخول الإسلام إلى القرم فكانت متمثلة في اعتناق (بركة خان) أمير القبيلة الذهبية في القرم للإسلام في عام ١٢٦٧م. هذا العام يعتبر بداية لمرحلة جديدة في انتشار الإسلام في شبه جزيرة القرم وخروج الإسلام من مرحلة الانتشار عن طريق الأفراد إلى مرحلة أخرى تدعمها السلطة، ولقد أسس الأمير بركة خان دولة إسلامية امتدت من حوض الفولجا وحتى شبه جزيرة القرم؛ حيث كانت عاصمتها مدينة بخشيساراي (حديقة الزهور) . السيطرة الروسية: أما عن وضع المسلمين بعد أن تمت لروسيا السيطرة الكاملة عام ١٨٧٣م على القرم فلم يزدد إلا سوءاً، وأصبحت أمامهم خيارات الهجرة والإبعاد أو ترك دينهم واعتناق المسيحية. بدأت السلطات الروسية حملات التطهير العرقي والديني لمسلمي القرم؛ حيث قامت السلطات بإغلاق المدارس والمساجد، ومصادرة الأوقاف، ومطاردة المسلمين وملاحقتهم وإجبارهم على مغادرة موطنهم القرم، وقامت بإبعاد الأئمة والمعلمين وترحيلهم إلى المدن الروسية وإجبار أبناء المسلمين في الخدمة العسكرية على أكل لحم الخنزير وكل ما هو محرم من طعام وشراب. نتيجة لهذه السياسات القمعية والإرهابية اضطر كثير من المسلمين إلى الهجرة من موطنهم القرم، فهاجر إلى تركيا تقريباً أربعة ملايين مسلم هرباً من سياسات القمع الروسية، أما الذين لم يتمكنوا من الهجرة فتم ترحيلهم إلى مدن روسيا المختلفة لتذويبهم في المجتمع الروسي، وكان كل من يتم إبعاده أو طرده من القرم يفقد حق العودة إلى القرم مرة أخرى. من الواضح أن السلطات ركزت في المقام الأول وبشدة على إبعاد المسلمين عن دينهم ووطنهم، وثانياً على طمس معالم الحضارة الإسلامية وإزالة كل شيء له علاقة بالإسلام من أرض القرم؛ ففي عام ١٨٣٣م قامت السلطات بالاستيلاء على المكتبات وهدمها وحرق الكتب الإسلامية وإبادتها. أما المساجد فأكثر من ٩٠٠ مسجد تم هدمها وتحويلها إلى مجالات أخرى؛ وحتى الآن توجد في كثير من قرى القرم معالم لتلك المساجد تقف شاهداً ودليلاً. لم تكتف السلطات بما فعلته في المساجد والمدارس بل وصلت يدها إلى مقابر المسلمين التي تم نبشها والعبث بها، وسُرقت الحجارة منها لاستخدامها مواد للبناء. وهكذا سارت حياة المسلمين على هذا النمط حتى قيام الثورة الاشتراكية الشيوعية في أكتوبر ١٩١٧م لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام والمسلمين في القرم. تتار القرم في ظل ثورة أكتوبر الاشتراكية الشيوعية وقيام الاتحاد السوفييتي: لم يُخْفِ البلاشفة منذ الأيام الأولى لثورة أكتوبر الاشتراكية في ١٩١٧م عداءهم ومحاربتهم لتتار القرم؛ حيث قاموا منذ الأيام الأولى للثورة بأعمال إرهابية ضد التتار، وعندما قام التتار برفض تلك الأعمال الإرهابية وإدانتها أغضب ذلك البلاشفة، وقاموا بحرب شعواء واسعة النطاق ضد التتار في القرم واصفين القرم بأنهم بؤرة الرأسمالية والتجسس، وكانت نتيجة ذلك حمامات دماء وحرق جماعي وقتل بالرصاص وبالتجويع وبالتعذيب أودى ذلك بحياة أكثر من ٦٠٠٠٠ تتري (ستين ألفاً) ، وفي عهد ستالين ازداد الحال سوءاً؛ حيث أعدم بالرصاص حوالي ٣٥٠٠ تتري (ثلاثة آلاف وخمسمائة) من المثقفين وعلماء الدين، وكذلك عشرات الآلاف من الشباب ورجال الأعمال الذين رفضوا الاتحاد مع المزارع الحكومية. في سنة ١٩٢٩م تم إبدال أحرف اللغة التترية بأحرف لاتينية، وتم إبعاد أي مطبوعات باللغة التترية من كتب وغيرها عن المكتبات الحكومية، وكذلك قاموا بنزع كل الكتب والجرائد وكل ما يمت إلى اللغة التترية بصلة وحرقوه وأصدروا قانوناً يمنع حفظ أي مطبوعات باللغة لها علاقة بالتترية. الحرب العالمية الثانية: بحلول عام ١٩٤١م قل عدد تتار القرم ووصل تقريباً إلى ربع مليون نسمة، وعند قيام الحرب العالمية الثانية تم تجنيد ٦٠٠٠ تتري في الجيش الأحمر. عندما وصل الألمان إلى القرم سعوا إلى تمكين وجودهم في القرم وقاموا بترحيل حوالي ٨٥٠٠٠ تتري إلى معسكرات حول برلين للاستفادة منهم أيدي عاملةً، مما دفع التتار إلى مقاومة الألمان باللجوء إلى حرب العصابات وتكوين مجموعات فدائية أدت إلى إزعاج الألمان الذين قاموا بأعمال انتقامية ضد التتار؛ حيث قاموا بالقتل وحرق ٥٢ قرية بسكانها. والحقيقة التي لا بد من ذكرها هي أن حوالي ألفين من سكان القرم تعاونوا مع الألمان ومن بينهم تتار؛ إلا أن عدد التتار ما كان يصل إلى الحد الذي يمكن أن يوصفوا فيه بالعمالة؛ فقد تعاون مع الألمان كذلك روس وأوكران بأعداد أكبر من التتار. كارثة ثقافية وأخرى إنسانية: لم تُخفِ الثورة الاشتراكية منذ لحظة قيامها محاربتها وعداءها للأديان وبالأخص للإسلام والمسلمين؛ فلقد شهدت العشرينيات والثلاثينيات حرباً شعواء واسعة النطاق ضد الدين والمتدينين على حدود الاتحاد السوفييتي سابقاً، وكانت مطرقة النظام موجهة وبقوة ضد مسلمي أوكرانيا والقرم على وجه الخصوص وهو ما أثَّر تأثيراً مباشراً على المسلمين وعلى حياتهم الدينية. قام النظام في القرم وبصورة واسعة وبقسوة متناهية بإغلاق المساجد والمدارس الإسلامية والمكتبات الدينية والقبض على الزعماء الإسلاميين وتعذيبهم في السجون، وكانت الدعاية البلشفية تربط وبصورة مباشرة بين التوجه الإسلامي وعدم الوعي الاشتراكي والخرافة البورجوازية. وتحت ضغط السياسة الاشتراكية ومحاربتها للإسلام بَعُدَ المسلمون شيئاً فشيئاً عن دينهم ودين أجدادهم، أما ذوو العزيمة والإيمان الصادق الذين ثبتوا على دينهم فإنهم عاشوا وبصورة دائمة في خوف واضطهاد. وبصورة واضحة وعلنية ودعائية كان يقوم النظام بوضع الحواجز في طريق العمل المنظم للجمعيات الإسلامية، وفي نهاية الثلاثينيات تم إبطال أي نشاط إسلامي وإعدام كل القيادات الإسلامية تقريباً ونفيها بحجج واهية كقيادتهم لجماعات وحركات عنصرية؛ وذلك لتسويغ الأعمال الوحشية وغير الإنسانية تجاه القيادات الإسلامية. هكذا كانت حياة تتار القرم مقبوضاً عليها بيد من حديد حتى بداية الستينيات عندما رُدَّ إليهم اعتبارهم في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي بإدانة أعمال ستالين الوحشية التي ارتكبها ضد التتار بتهجيرهم من وطنهم الأصلي القرم. رغم الصعاب الكثيرة التي كانت تعترض طريق التتار المتمثلة في فقدانهم لوطنهم وممتلكاتهم وسيطرة الروس والأوكران الذين حلوا مكانهم عليها لم ييأس التتار من مواصلة صراعهم من أجل الحياة والرجوع إلى وطنهم الأم القرم؛ حيث قاموا بتجميع صفوفهم وتنظيمها وتأسيس الحركة القومية لتحرير القرم التي ترأسها (مصطفى جميلوف) وقامت في المدن والقرى في القرم حملات توعية وسط السكان لشرح أهداف الحركة الوطنية وإمكانية اتحاد الحركة مع الحركات الديمقراطية والدينية التي كانت تقاوم النظام، كما تم إرسال ممثلين إلى موسكو لمقابلة رؤساء الكريملين وتسليمهم رسائل حول مشاكل التتار وعودتهن إلى وطنهم الأصلي في القرم، وقامت الحركة بإرسال المعلومات والوثائق والأخبار والخطابات إلى الجميع عن طريق البريد والإذاعات مثل صوت أمريكا وهيئة الإذاعة البريطانية وراديو الحرية وموجة ألمانيا وراديو كندا؛ وهذا شكَّل بدوره ضربة كبيرة للشيوعية التي كانت تتبجح بالمساواة بين جميع البشر. بعد هذه الأحداث قامت السلطات بإعفاء أعضاء الحركة من العمل الحكومي ثم محاكمتهم وسجن بعضهم. وفي يونيو ١٩٦٩م خرجت مجموعة من التتار في مظاهرة إلى إحدى الساحات المركزية في موسكو مطالبين بإطلاق سراح (بيتر قريقورينكا) الذي دافع عن حقوق تتار القرم، وكان ذلك في يوم لقاء رؤساء الأحزاب الشيوعية للدول الشيوعية الصديقة، ولقد تمكن المتظاهرون التتار من توزيع بعض المنشورات والأوراق عن تتار القرم ومشاكلهم وعن (بيتر قريقورينكا) إلا أن المظاهرة لم تستمر أكثر من ست دقائق؛ حيث قامت الشرطة مع جهاز الأمن بتفريق المتظاهرين. ورغم أن مجلس السوفييت الأعلى في سنة ١٩٦٧م أصدر قراراً يعطي تتار القرم حق السكن في أي مكان في الاتحاد السوفييتي إلا أن هذا كان مجرد قرار. أما الواقع فكان يقول إن من حق التتار السكن في أي مكان في الاتحاد السوفييتي ما عدا القرم؛ فقد كانت أراضيه محرمة عليهم، وحتى بعد أن بدأت تهب رياح الحرية والديمقراطية عادت إلى القرم مئات الأسر، ولكنهم في القرم فوجئوا بالرفض لعودتهم ومنعهم من السكن والحصول على قطع سكنية وطردهم مرة أخرى من وطنهم بحجج واهية مثل عدم الإقامة والتسجيل، وعدم قانونية البيع والشراء في مجال الأراضي. بهذه الأسباب تم طرد أكثر من عشرة آلاف منهم. وصاحب حالات الطرد الأخيرة مآسٍ كثيرة بعد أن فقدوا كل شيء في حياتهم من أجل الوصول إلى وطنهم القرم؛ ولكن عندما وُوجِهوا بالرفض لرجوعهم دخل بعضهم في اشتباك مع السلطات التي زجت ببعضهم في السجون التي توفي فيها الكثيرون، وآخرون قاموا بالانتحار وحرق أنفسهم في مناطق عامة احتجاجاً على سياسات الدولة ضدهم. تتار القرم في ظل أوكرانيا المستقلة: المجلس التتري: لقد بدأ الظهور الفعلي للتتار في الحياة السياسية وممارسة حرياتهم والمطالبة بحقوقهم في ١٩٩١م عندما أعلنت أوكرانيا استقلالها. وفي مدينة سيمفيروبل يوم ٢٦/٢/١٩٩١م تم عقد مؤتمر عام لكل التتار بالقرى (قارورتاي) وحضر المؤتمر وفود من عدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وفي المؤتمر تم تكوين المجلس التتري ممثلاً وحيداً للشعب التتري، وتم انتخاب (مصطفى جميلوف) رئيساً للمجلس التتري و (رفعت شوباروف) نائباً لرئيس المجلس. وقد التف حول المجلس التتري جميع التتار وأصبح الجهة الوحيدة التي تمثلهم على الصعيد السياسي. هذا ويقود المجلس التتري منذ تأسيسه نضالاً متواصلاً للحصول على المزيد من الحقوق والمكاسب للشعب التتري، ويسعى المجلس كذلك للمشاركة في الحكومة باعتباره الممثل الشرعي للشعب التتري صاحب الحق والشرعية في شبه جزيرة القرم؛ إلا أن الحكومة حتى الآن تعترف به حزباً سياسياً لا غير، وأعطت المجلس التتري في الانتخابات البرلمانية في القرم لعام ١٩٩٤م مقعداً في برلمان شبه جزيرة القرم من جملة ٩٤ مقعداً من غير انتخاب. وبينما المجلس التتري يسعى جاهداً لزيادة عدد المقاعد إلى الحد الذي يمكنه من التأثير في اتخاذ القرارات قامت الحكومة بسحب الـ ١٤ مقعداً من المجلس التتري وطالبت المجلس التتري بخوض الانتخابات البرلمانية في عام ١٩٩٨م كبقية الأحزاب الأخرى، ولقد خاض المجلس التتري الانتخابات كبقية الأحزاب إلا أنه لم يحصل على أي مقاعد في البرلمان؛ وذلك لأن أغلبية التتار لم يشاركوا في الانتخابات لعدم وجود الجنسية الأوكرانية. وللمجلس التتري دور كبير في حياة التتار السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ ففي المجال السياسي ما زال المجلس يقود نضالاً متواصلاً للحصول على المزيد من الحقوق والمكاسب للشعب التتري. وفي المجال الاقتصادي نجد المجلس في سعي دائم مع الحكومة لتوفير أماكن عمل للتتار وتسويق مشاريع في القرم وخارج القرم لدعم الأسر الفقيرة، كما يسعى جاهداً لجذب الاستثمارات الخارجية وخاصة من العالم العربي والإسلامي لتحسين الوضع الاقتصادي للتتار، وكذلك لفت أنظار العالم العربي والإسلامي لمشاكل التتار الأخرى المتمثلة في السكن والتعليم والعلاج والخدمات العامة من ماء وكهرباء وغاز وغيرها وكذلك الجانب الخيري والإنساني. وفي المجالات الاجتماعية والثقافية نجد أن للمجلس مؤسساته الاجتماعية والثقافية بين التتار التي لها خططها وعملها ونشاطاتها المتمثلة في التوعية والتربية الوطنية، والاهتمام بالمواهب وإعداد الكوادر التنظيمية، والمحافظة على العادات والتقاليد، وعرض الوجه الحضاري والثقافي للتتار على مستوى القرم وأوكرانيا والعالم أجمع، وفي المجال الإعلامي يمتلك التتار قناة للبث التلفزيوني لساعات معينة يومياً، وبرامج إذاعية في عدد من الإذاعات، وكذلك هنالك عدد من الجرائد التي يصدرها التتار باللغتين التترية والروسية. هذا ورغم الجهود المبذولة من جانب المجلس التتري في الحلول المناسبة لمشاكل التتار إلا أنه ما زالت هناك عدد من المشاكل ذات الأهمية الكبيرة التي لا بد من تضافر الجهود مع المجلس التتري وخاصة من جانب العالم العربي والإسلامي لإيجاد الحل المناسب لها، وهذه المشاكل تتمثل في إيجاد أماكن عمل للتتار وخاصة لحاملي الشهادات العليا والجامعية. والذي يعتبر من المشاكل التي تتطلب تدخلاً سريعاً هو توفير فرص للتعليم في القرم وخارجه وخاصة بالنسبة للتعليم الجامعي وبناء المدارس واللغة التترية، والعلاج وبناء المستشفيات، ومشاريع صغيرة لدعم الأسر ذات الدخل المحدود. وكما ذكرنا فإن هذه المشاكل تتطلب تضافر الجهود؛ ولذا فسوف نتطرق لها بالتفصيل. الإدارة الدينية لمسلمي القرم: لم يستطع المسلمون ممارسة شعائرهم الدينية بحرية إلا بعد أن أعلنت أوكرانيا استقلالها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه. لقد وعت أوكرانيا المستقلة الخطأ الكبير الذي ارتكبه النظام الشيوعي في محاربة الأديان، ولذلك لم تعطِ شعبها فقط حرية الدين والعبادة بل أعطت كل الديانات الحق في استرجاع كل المباني والممتلكات التي سلبها منها النظام الشيوعي. بدأ مسلمو القرم في تجميع صفوفهم والعودة إلى دينهم الإسلامي، والتنسيق فيما بينهم، والاستفادة من خبرات إخوانهم في جمهورية روسيا الاتحادية لتوحيد كلمة المسلمين وضم صفوفهم والعودة بهم إلى تعاليم الدين الإسلامي، وفي هذه الفترة وجدوا مساعدة كبيرة وتعاوناً تاماً من جانب المؤسسات الإسلامية والخيرية وطلبة الجامعات والدراسات العليا من الدول العربية والإسلامية مما ساعدهم كثيراً في وضع اللبنات الأساسية لعملهم الإسلامي. في عام ١٩٩١م تم تكوين أول إدارة دينية في أوكرانيا وتسجيلها في مدينة (سيمفيروبل) عاصمة القرم، وعلى رأسها المفتي (سيد جليل إبراهيم) . تولت الإدارة الدينية شؤون المسلمين التتار العائدين من أوزبكستان وكازاخستان ومساعدتهم في شتى المجالات، وأصبح مقر الإدارة الدينية يتوافد عليه كل المسلمين من مختلف مناطق القرم بمختلف الأسئلة الدينية والدنيوية. وفي الإدارة الدينية أصبحت تقام دروس اللغة العربية والتربية الإسلامية في المبادئ الأساسية للإسلام. قامت الإدارة الدينية لمسلمي القرم بتشجيع المسلمين في مختلف مناطق القرم على تكوين الجمعيات الإسلامية وبذلت الإدارة الدينية مجهودات كبيرة في هذا المجال، حتى إن عدد الجمعيات الإسلامية التي تم تسجيلها في مناطق القرم المختلفة الآن يقارب مئتي جمعية إسلامية تولت شؤون المسلمين من تعليم إسلامي واحتفال بالمناسبات الدينية، وعقد القِران والختان وغيرها من الأمور التي تهم المسلمين، وعملت في تنسيق تام مع الإدارة الدينية مما كان له كبير الأثر في دفع المسلمين إلى الإسلام والتعاليم الإسلامية. عملت الإدارة الدينية والجمعيات الإسلامية بالتنسيق والتعاون والاستفادة من المنظمات الخيرية من الدول العربية والإسلامية العاملة في المجال الدعوي والخيري، وعلى الرغم من أن المنظمات الخيرية العربية العاملة في المجال الدعوي والخيري تركز وبشكل أساس في عملها الدعوي والخيري على مسلمي روسيا وأوزبكستان وأذربيجان، إلا أنها مع ذلك كان لها الدور الكبير في تعريف مسلمي القرم بالإسلام وتعاليم الدين الإسلامي وتعميق معاني الحب والإخاء بين المسلمين، ولقد لعبت هذه المنظمات دوراً كبيراً في توفير الكتاب الإسلامي باللغة الروسية في علوم القرآن الكريم والعقيدة والفقه والأحاديث والسيرة النبوية الشريفة، وقامت هذه المنظمات أيضاً ببناء عشرات المساجد وترميم بعضها، وبمساعدة تلك المنظمات يتم وبصورة شبه منتظمة تنظيم المخيمات التربوية الصيفية للرجال والنساء والأطفال، وكذلك بمساعدة تلك المنظمات تنظم مشاريع الأضاحي والإفطارات الجماعية، كما أن لتلك المنظمات دوراً محموداً في مجال الإغاثة والأعمال الخيرية. أما عن المسائل الملحَّة التي تقف الآن أمام الإدارة الدينية والتي لا بد من تضافر الجهود لإيجاد الحل المناسب لها باعتبارها مسائل لا تهم فقط مسلمي القرم ولكن يجب أن تجد الاهتمام من كل المسلمين فإنه يمكن تلخيصها في عدم وجود الكادر المحلي المؤهل لقيادة العمل الإسلامي في المستقبل؛ فالعمل الإسلامي لا زال يعتمد على الأجانب من طلبة ومنظمات؛ لذا لا بد من العمل الجاد لتأهيل فريق محلي يفهم الدين الإسلامي فهماً صحيحاً ويكون بمقدوره قيادة العمل الإسلامي ورفع راية الإسلام على أساس عالمية الدين الإسلامي وصلاحيته لكل زمان ومكان، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم الإسلامي وفتح مدارس إسلامية تستقبل أبناء المسلمين من المرحلة الإعدداية وحتى المرحلة الجامعية، وتخرِّج للمجتمع الأوكراني أجيالاً من علماء ودعاة ومثقفين يحملون القيم الإسلامية الأصيلة فهماً وعملاً وسلوكاً. وبما أن بناء المدارس والإشراف عليها يتطلب مجهودات كبيرة وإمكانيات ضخمة يقف أمامها مسلمو القرم عاجزين فإن الأمل يظل على المنظمات والهيئات الخيرية والدعوية العاملة في المجال الخيري والدعوي وعلى الخيِّرين من أبناء الأمة الإسلامية. ومسلمو القرم لا ينسون أبداً الدور الكبير والمجهودات الجبارة التي بذلها وما زال يبذلها إخوانهم المسلمون عبر المنظمات والهيئات الخيرية والدعوية في مساعدتهم على العودة إلى دينهم الإسلامي. قامت الإدارة الدينية لمسلمي القرم بالتنسيق مع مركز الجمعيات الإسلامية المستقلة (الجمعيات التي تعمل خارج إطار الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا) لعقد المؤتمر الأول لمسلمي أوكرانيا يوم ٢٤/٩/١٩٩٤م في سيمفيروبل عاصمة القرم للأهداف الآتية: * توحيد المسلمين والجمعيات الإسلامية في إدارة دينية واحدة لكل مسلمي أوكرانيا. * اختيار مفتٍ لمسلمي أوكرانيا بدلاً عن (أحمد تميم) مفتي الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا التي مقرها في مدينة كييف عاصمة أوكرانيا. * يكون مقر الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا في سيمفيروبل عاصمة القرم باعتبار أن القرم يمثل مركز ثقل المسلمين. وبعد أن اكتملت كل الاستعدادات لانعقاد المؤتمر جاء القرار المفاجئ يوم ٢٣/٩/١٩٩٤م من السلطات المحلية بمنع قيام المؤتمر بحجة عدم ملاءمة الظروف الصحية لقيام المؤتمر. وهكذا أخفق أول مؤتمر لمسلمي أوكرانيا في ظروف غامضة وأسباب حتى الآن لم يكشف عنها أحد. مشكلة الإسكان: معاناة التتار من السكن كثيرة ومتشعبة حتى يمكن القول بأن ٣٦٢ ألف تتري يملك سكناً دائماً بينما ١٣٣. ٢ ألف وحوالي ٤٠٠٠ ألف أسرة لا تملك سكناً دائماً، ويعيشون في ظروف غير ملائمة من السكن الجماعي أو المعيشة مع الأقارب ومع اتخاذ بعض التدابير لتوفير السكن عن طريق الدعم المقدم للبرامج الخاصة بتحسين الأوضاع للتتر العائدين بمبالغ زهيدة، وترى السلطات أن الدعم سيقتصر على الأسر الفقيرة، ولتوفير سكن دائم للتتار لا بد من بناء مليون متر مربع، سيكون جزء يسيرٌ منها على حساب الحكومة ومصادر أخرى بينما سيتم توفير معظم السكن بصورة أساسية على حساب التتار أنفسهم وبمواردهم الذاتية. وقد نتج عن ضعف التمويل الحكومي الخاص بتوفير سكن للتتار العائدين مشكلة كبيرة هي ديون على الحكومة للشركات العاملة في مجال البناء والتي وصلت في عام ١٩٩٦م إلى ٢. ٥ مليون دولار أمريكي. هذا ونجد أن الحكومة تخفض دعمها لمشاريع توفير السكن للتتار بينما عدد التتار يزداد في كل يوم حتى إنه في الفترة الأخيرة خفضت دعمها لدرجة تمكنها فقط من دعم أسرة واحدة من مائة أسرة. مشكلة التعليم والمدارس واللغة: في مجال التعليم نجد التقصير الكبير من جانب الحكومة؛ حيث إن عدد المدارس التي يُدَرَّس فيها باللغة التترية قليل جداً بالمقارنة بحاجة التتار إليها؛ مع العلم بأن التدريس باللغة التترية من حقوق التتار المثبتة في الدستور. وحسب الدستور في أوكرنيا فإنه توجد لغة رسمية واحدة هي اللغة الأوكرانية، وحتى على مستوى القرم فإن اللغة التترية لا تعتبر لغة رسمية؛ ولكن التدريس بها مسموح به في المدارس الحكومية. وفي فترة الخمسين سنة الماضية، وبسبب سياسة التفرقة تعرضت اللغة التترية لخسارة كبيرة؛ وذلك لأنها في هذه الفترة كانت محصورة فقط في محور الأسرة، وتم تحويل حروفها إلى اللاتينية بطريقة ليست علمية كان الغرض منها دمج الشعوب في ثقافة شيوعية موحدة، وكذلك اختلطت ببعض اللغات مثل الروسية والأوزبكية، بينما في فترة ما قبل التهجير كانت اللغة التترية تعتبر اللغة الرسمية، فكانت هي لغة التعامل والتعليم في كل مراحله. في عام ١٩٦٥م في أوزبكستان بدأت بعض المدارس تدرس اللغة التترية ابتداءاً من الفصل الثالث لمدة ساعتين في الأسبوع، ولكنها كانت مخلوطة ببعض الكلمات الروسية. وفي الفترة من ١٧ إلى ٢٠/٦/١٩٩٢م في مدينة سيمفيروبل وبطلب من المجلس التتري ومعهد التشريق في أكاديمية العلوم الأوكرانية عقد مؤتمر علمي عالمي في القرم لتحويل حروف اللغة التترية من الروسية إلى اللاتينية، وتم تكوين لجنة تضم بين أعضائها علماء من القرم وبولندا والمجر وتركيا وعدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ذات اللغات التي تنحدر من أصل تركي، حيث قامت هذه اللجنة بوضع أحرف جديدة للغة التترية. ويتم الآن تدريس اللغة التترية القرمية في عدد من المدارس مادة اختيارية ما عدا المدارس التترية السالفة الذكر. وفي النهاية نخلص إلى أن اللغة التترية محتاجة أولاً إلى أن يُعترف بها لغة رسمية في جمهورية القرم؛ وهذا السؤال ما زال معلقاً، والجميع في انتظار الحل من البرلمان الأوكراني والقرمي، وثانياً محتاجة إلى حماية وتطور؛ وهذا بدوره يحتاج إلى إمكانات ضخمة لإعداد المعلمين والمترجمين، وطبع الكتب والمناهج العلمية ونشرها. ولا شك أن حماية اللغة التترية هي حماية لتاريخ التتار وثقافتهم. مشكلة العمالة: من المشكلات الكبيرة والمعقدة التي تواجه التتار هي مشكلة الحصول على عمل؛ حيث نجد أن نسبة ٤٩% من التتار ليس لهم عمل ثابت ولا مؤقت؛ ومن جملة ١٣٣١٠٦ تتري يشكلون اليد العاملة، منهم حوالي ٦٦٨٧٣ تتري لهم عمل ثابت أو مؤقت أو موسمي. وتتار القرم يعملون بشكل أساس في مجالات منها: الزراعة ٣٠٥٦٤ تتري، والبناء والصناعة ١١٠٣٩ تتري، والتعليم ٤٣٨٢ تتري، والصحة ٣٦٤٢ تتري. أما في المجالات الأخرى فأعدادهم قليلة جداً؛ فمثلاً في أقسام وزارة الداخلية يعمل ٢٠٠ تتري (١. ٣% من العدد الكلي للعاملين) وفي أقسام وزارة المالية يعمل ٦ تتار؛ أما بين المسؤولين فلا يوجد أحد. وحسب التقرير الحكومي الخاص بالعمالة بالقرم لسنة ١٩٩٧م الذي أعدته اللجنة الحكومية الخاصة بالعمالة كان ينتظر أن يصل عدد التتار العاطلين عن العمل في القرم بنهاية العام ١٩٩٧م إلى ٧٠٧٤٤ تتري. لقد قامت الحكومة بوضع برنامج لتطوير عدد من المدن وتوفير فرص عمل فيها مثل جانكوي وبخشيساراي وكراسنقفارديسكي ونيجناقورسكي وسافيتسكي ومناطق أخرى يصل عدد التتار العاطلين عن العمل فيها إلى ١٧٩٨٨ تتري إلا أن هذا المشروع لم ينفذ؛ ولذا نجد أن أغلب التتار يتمسكون بأعمال مؤقتة أو موسمية أو يلجؤون إلى أعمال هامشية في المزارع والأسواق والحقيقة المؤلمة هي أن من بين هؤلاء حملة شهادات جامعية في مجالات الطب والهندسة وغيرها وذوو خبرة في هذه المجالات. أما المشاكل التي تقف عائقاً في طريق التتار للحصول على فرص عمل فيمكن أن نلخصها في الآتي: ١ - العامل القومي: هذا من المشاكل الكبيرة التي تواجه التتار في مجال البحث عن العمل؛ وذلك لأن كثيراً من التتار لا يتم استيعابهم في العمل؛ لأنهم تتار؛ وهذه المشكلة نجدها بشكل ملحوظ في مجالات التعليم والهندسة، وكذلك مجالات الفن والثقافة؛ والسلطات المحلية تعي تماماً تلك الحقائق وتعترف بها أيضاً. ٢ - الجنسية الأوكرانية: في القرم الآن حوالي سبعين ألف تتري ليس لديهم الجنسية الأوكرانية؛ والسبب في ذلك هو صعوبة إجراءات الحصول على الجنسية الأوكرانية وتعقيدها، وكذلك تكاليفها الباهظة؛ والقاعدة تجاه هؤلاء واضحة وثابتة: من ليس له جنسية ليس له فرصة في العمل الحكومي. ٣ - التقصير من جانب المسؤولين: وهذا واضح في عمل اللجان العاملة في هذا المجال، وكذلك الأقسام الخاصة بالعمالة والتي لا تقوم بواجبها في توصيل المعلومات الكاملة من التتار وإليهم، إضافة إلى ذلك التقصير في عمليات التسجيل ومراكز التسجيل [*] .

стр. 3500

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش في الشيشان.. فتش عن الأمريكان في القوقاز تشترك شركات بترول أمريكية في بناء أنابيب بترول من بحر قزوين عبر أذربيجان وجورجيا ومن تركمانستان إلى تركيا. وفي هذا يقول مدير وكالة المخابرات المركزية: «حكام كثير من الدول في تلك المنطقة أصدقاء لنا. ولكن الأنظمة والحكام ليسوا مستقرين وهناك كثير من الجرائم والمخدرات وتجارة الأسلحة» . معنى هذا أن وكالة المخابرات المركزية انتقلت إلى منطقة القوقاز لحماية هذه المصالح الأمريكية الجديدة. ولا ينسى مدير وكالة المخابرات المركزية أن أغلبية سكان هذه الدول مسلمون ولأنه قال إن الفقر والظلم من أسباب مشكلة الإرهاب فإنه يحذر من إرهاب جديد في دول القوقاز، ويحذر بالذات من المتطرفين الإسلاميين. ولا ينسى أيضاً الحرب في الشيشان، ولا يعطف على المتطرفين الإسلاميين في الشيشان، ويقول: إنهم بعد هزيمتهم سيتسللون إلى الدول المجاورة ويسببون مشكلات لحكامها. لكنه لا يقول إن واحداً من أسباب مشكلة الشيشان هو ظلم الروس لهم وإن الحرب القاسية والمدمرة ضد الشيشان ستزيد غضب شعوب القوقاز وآسيا الوسطى على الروس. وهذه المنطقة نفسها التي تريد وكالة المخابرات المركزية حماية المصالح البترولية الأمريكية فيها. [مجلة المجلة، العدد: (١٠٤٩) ] ما ز ال مُصرّاً س: تردد أكثر من مرة أنك من مؤيدي فصل الدين عن الدولة؟ فهل هذا صحيح؟ ج: طبعاً بكل تأكيد أنا أؤيد فصل الدين عن الدولة؛ لأن ذلك فيه مصلحة الجميع، وفصل الدين عن الدولة لا يعني الفهم الخاطئ لدى كثير من إخواننا الإسلاميين بأنه لا يوجد دين، بالعكس، وأكثر دولة دينية هي أمريكا وتسمح لأصحاب الأديان بمن فيهم البوذيون الذين يمارسون طقوسهم الدينية واليهود، والمسيحيون والمسلمون، وهؤلاء يمارسون شعائرهم بكل حرية ولا يهيمنون على الآخرين، ولكن لا تسيطر الدولة الدينية على مقاليد الحكم، الدين ليس مقاليد حكم، ولنفترض أننا أقمنا دولة دينية في الكويت فعلى أي مبدأ أو مذهب سياسي ستسير؟ فإذا قلنا على المذهب السني، فعلى نهج أي إمام سنسير: أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو ابن حنبل؟ والأمر الآخر: ماذا عن أبناء الطائفة الشيعية؟ وماذا عن المسيحيين الكويتيين؟ س: أفهم من كلامك أنك ما زلت تفضل الدولة الدستورية على الدولة الدينية؟! ج: بالتأكيد أفضل الدولة الدستورية على الدولة الدينية؛ لأن التجارب الإنسانية كلها تثبت ذلك، وأعطني دولة دينية عاشت أو تقدمت، وانظر ماذا يحدث عند طالبان أفغانستان؟ والشيشان؟ [د. شملان العيسى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، جريدة الأنباء، العدد: (٨٥٩٥) ] البوابة الجديدة معلومات محدودة التداول وصلت مؤخراً تفيد أن الوحدة السرية للمخابرات المركزية الأمريكية كانت قد وصلت العاصمة اليمنية صنعاء وباشرت نشاطها الأمني والاستخباري. وتنفذ C. I. A بعض المهام السرية في اليمن والمنطقة. وتؤكد المعلومات أن نشاط هذه الوحدة يجري بموافقة الحكومة اليمنية التي لم تعارض وجودها طمعاً في الحصول على مساعدات مالية أمريكية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد. المعلومات أشارت أيضاً إلى أن جميع عناصر الوحدة يجيدون التحدث باللغة العربية وكذلك يجيدون التقاليد والعادات العربية، ومنهم من يظهر في شوارع صنعاء وهو يرتدي لباساً تقليدياً يمنياً. ويحاولون التصرف كمواطنين يمنيين بهدف الاندماج في المجتمع اليمني. والهدف الرئيس لهذه الوحدة بعد رصد الحركات والجماعات الإسلامية في ظل تصاعد نفوذ التيار الإسلامي في اليمن والذي بات يشكل إزعاجاً وقلقاً للإدارة الأمريكية هو محاولة التقرب من المسؤولين اليمنيين باعتبارهم دبلوماسيين أمريكيين. ويبدو أن ليس من مهام الوحدة حالياً تجنيد عملاء سريين من المواطنين اليمنيين للعمل لحساب المخابرات الأمريكية كما هو الحال في دول عربية أخرى، غير أنه من غير المستبعد أن يكون هذا الهدف من بين الأهداف المكلفين بتحقيقها خلال فترة وجودهم في اليمن. وعلم أن جميع عناصر الوحدة هم من فئة الشباب وهم يتحركون بحذر شديد ويحيطون نشاطاتهم بسرية تامة خاصة في ظل التدهور الأمني في اليمن أو ما تسميه الدوائر الأمنية الغربية «الانفلات الأمني» . [السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٠) ] لا فائدة قامت عدة منظمات نصرانية بحملة إعلامية ضخمة لتشجيع النصارى في الولايات المتحدة على قراءة الإنجيل بعدما دلت الإحصاءات على جهل كبير لدى القوم هناك بدينهم، إذ إن الاستبيانات التي جرت هناك بتمويل من هذه المنظمات بينت أن أكثر من نصف الذين تم سؤالهم لا يتذكرون خمساً من النصائح العشر التي أمر بها الإنجيل، ورغم أن معدل ما تقتنيه الأسرة الأمريكية النصرانية من أناجيل يبلغ حوالي ٣ أناجيل في كل بيت، إلا أن معظم الأمريكيين لا يتآلفون مع الإنجيل، كما قال أحد كبار قادة الحملة. ورغم أن المؤسسات التنصيرية في سباقها لكسب الإنسان الأمريكي النصراني قد خصصت أناجيل للأطفال، وأخرى للمراهقين، وثالثة لمخاطبة السيدات، ورابعة لمخاطبة الرجال، وأخرى للتائبين، إلا أن تدني مستوى قراءة الإنجيل أصبح مشكلة تؤرق المؤسسات المسيحية هناك. [مجلة الكوثر، العدد (٥) ] مخربون لا قرآنيون قلتَ عن حرية الاعتقاد: إنه لا توجد في الإسلام استتابة؛ فهل تعني أنه لا يوجد لها أصل؟ - نعم لا يوجد لها أصل مطلقاً لا في القرآن الكريم ولا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكريم فتح باب حرية الاعتقاد على مصراعيه [فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] (الكهف: ٢٩) وفي عهد الرسول ﷺ هناك من كفر أو ارتد أو نافق، ومع ذلك لم يعمل الرسول لهم شيئاً ولم يستتبهم. تريد أن تقول إنه يجب أن لا نتعرض لمسلم غيَّر عقيدته؟ - مع السلامة. لا أستطيع أن أعمل له شيئاً [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ] (القصص: ٥٦) ولكننا نجد أن العلماء توسعوا في هذا الباب بعبارة: «من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة» ، وبهذه العبارة حكمت محكمة سودانية بالإعدام على الشيوعي محمود محمد طه، فمن السهولة أن أوجه لشخص واحد ٥٠٠ تهمة استناداً إلى هذه العبارة. لكن هناك حديث شريف يقول: «من بدل دينه فاقتلوه» ؟ - هذا حديث. الله أعلم به لا يمكنني قبول هذا الحديث؛ لأنه لا يوجد حديث يناقض عشرات الآيات القرآنية الكريمة التي تقرر حرية الاعتقاد، إن هذه الآيات هي الأصول وطبائع الأشياء. أنت إذن لا ترى داعياً لدعوة تطبيق الشريعة في القوانين؟ الشريعة هي العدل فإذا طبق العدل طبقت الشريعة بأي قانون وبأي صورة، وثق أن هناك دولاً أوروبية أقرب إلى تطبيق الشريعة بقوانينها. تفاسير القرآن: لك رؤية مختلفة أيضاً عن تفسير القرآن الكريم؟ - كل هذه التفاسير افتئات وجناية على القرآن الكريم وهي المسؤولة عن أن القرآن لم يقم إلى اليوم بالدور الذي قام به أيام الرسول ﷺ . فإذا أردت أن تفهم القرآن فاقرأه وسلم قلبك له ولا تقرأ تفسيره. ولكن «التفسير» علم قائم بذاته؟ - علم ضال أساء إلى القرآن الكريم، إن كلام الله إعجاز محكم فكيف يفسره بشر؟ إذا فسره فسيفتئت عليه ويحكمه رأيه الخاص. [جمال البنا، صاحب كتاب: (نحو فقه جديد) ، مجلة المجلة، العدد: (١٠٥٢) ] العولمة و «الشم» ! ربط تقرير دولي حديث بين ازدهار تجارة المخدرات وموجة العولمة الاقتصادية التي يشهدها العالم، وقال التقرير السنوي لجمعية جيوبوليتيكال درج ووتش المعنية بمراقبة المخدرات: إن العولمة الاقتصادية جعلت عمليات غسيل الأموال أكثر سهولة، وذكر التقرير أن مهربي المخدرات تمكنوا في العام الماضي من دمج ما يتراوح بين ثلاثمائة وخمسين مليار دولار وأربعمائة مليار دولار من أرباح المخدرات في الاقتصاد العالمي. ويلقي التقرير باللائمة على فتح الحدود ورفع القيود على تنقل الأموال وتزايد عمليات الخصخصة التي عادة ما تتضمن انتقال كميات كبيرة من الأموال عبر شراء الأسهم، ويشير التقرير إلى أن أموال المخدرات عادة ما تستخدم في تمويل الصراعات وتأجيجها في كل أنحاء العالم. موقع هيئة الإذاعة البريطانية/ بي. بي. سي أونلاين http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news الفكر المستنير! س: لماذا أنكرت عذاب القبر؟ ج: هذا كلام في غيب لا يوجد شيء اسمه عذاب القبر في القرآن كله؛ لأن الإنسان في نفس لحظة موته يبدأ حسابه، والآية الصريحة في القرآن تقول: [وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ] (الأنعام: ٩٣) انتهت الآية، أين عذاب القبر؟ هنا العذاب يبدأ منذ لحظة الحشرجة. معنى كلامك أنه لا يوجد شيء اسمه عذاب القبر؟ - الحديث عن شيء اسمه عذاب القبر جدل في جدل، وكل إنسان حر في أن يكذِّب أو أن يصدق كلامي. س: ولكن أنت أول من ينكر عذاب القبر؟ ج: علماء غيري قالوا هذا الكلام، ولكن أنت لا تقرأ! الناس في غفلة ويصدقون الكلام الفارغ والكتب المنتشرة على الأرصفة. س: ولماذا اعترضت على صحيح البخاري؟ ج: لأن صحيح البخاري ليس كله صحيحاً. س: وما الأدلة؟ ج: قصة سيدنا موسى الموجودة في صحيح البخاري والتي تقول إن سيدنا موسى ضرب ملك الموت عزرائيل على عينه، عندما أرسله ربنا له ليقبض روحه فيرفض سيدنا موسى أن يموت، ثم يضرب الملك على عينه فيفقأ عينه، فيعود عزرائيل إلى ربنا يشتكي من موسى الذي فقأ له عينه، فيرد له الله بصره. هذه قصة في البخاري هل يمكن تصديقها. س: عفواً يا دكتور لماذا تشاهد عروض الأزياء؟ ج: حتى أستطيع الحكم عليها. س: وما جدوى حكمك وأنت عالم الدين على عروض الأزياء؟ ج: وكيف أحكم عليها من دون مشاهدتها؟ لا بد أن أشاهدها حتى أستطيع الحكم عليها. س: وما أهمية الحكم عليها؟ ج: أليست عروض الأزياء حدثاً ضمن أحداث الحياة؟ [د. مصطفى محمود، مجلة الأهرام العربي، العدد: (١٥٩) ] هؤلاء هم حماة حقوق الإنسان خلف جدران السجون والمعتقلات، يقول تقرير صدر في الولايات المتحدة مؤخراً إنه بعيداً عن أعين المحققين الخارجيين تمارس أشد أنماط العنف، ويتعرض السجناء، بشكل خاص لانتهاكات حقوق الإنسان، علماً بأن هناك أكثر من ١. ٧ مليون سجين في الولايات المتحدة. ويتعرض بعض السجناء للأذى على أيدي زملائهم السجناء أنفسهم، من دون أن يقوم حراس السجن بحمايتهم، ويتعرض بعضهم الآخر للاعتداء والضرب على أيدي حراس السجن أنفسهم، كما تتعرض النساء والرجال على السواء لاعتداءات جنسية وجسدية. أما السجون المزدحمة بالنزلاء والتي تفتقر إلى التمويل الكافي، والتي تمت خصخصة العديد منها، فتحكم السيطرة على النزلاء من خلال عزلهم لفترات طويلة واستخدام أساليب تقييد وحشية ومهينة. وتشكل في بعض الأحيان خطراً على حياتهم، ويبدو أن النساء وحتى الحوامل منهن لا ينجين من هذه المعاملة السيئة وانتهاك حقوقهن؛ حيث يقول التقرير بهذا الصدد: «ومن بين الضحايا نساء حوامل ومتخلفون عقلياً، وأطفال، وقد أدى ضعف المعاينة المستقلة، إلى جانب وجود مزاج شعبي يطالب بمعاملة أقسى للمجرمين إلى خلق مناخ مناسب لانتهاكات حقوق الإنسان، ويضيف التقرير إلى ذلك» تعرض السجينات للضرب والاغتصاب والبيع من قِبَل حراس السجن لممارسة الجنس مع مساجين في سجن فيدرالي بكاليفورنيا، ويذكر التقرير أيضاً أن «اغتصاب النزيلات من قِبَل موظفي السجن يعتبر أحد ضروب التعذيب» ويورد أيضاً كيفية انتهاك حقوق الأطفال بمقاضاتهم وكأنهم بالغون، ويذكر أن احتجازهم في معتقلات البالغين يعرضهم للانتهاكات البدنية والجنسية من قِبَل البالغين. [مجلة المجلة، العددك (١٠٥٤) ] صلوا قبل أن تدفعوا!! وكالة جديدة للصلاة بالإنابة عن من يجعلهم الإيقاع السريع للحياة من الغافلين تلك كانت الفكرة التي راودت شابة إيطالية تبحث عن مشروع جديد تدخل به الحياة العملية. تقول مونيكا باليناري وهي ربة منزل (٢٦عاماً) إنها حريصة على مساعدة من لا يؤدون فريضة الصلاة بسبب انشغالهم، وأن وكالتها الجديدة (الجنة) التي تديرها من منزلها في فاريسي بشمال إيطاليا حددت أسعاراً لكل صلاة. فالصلاة من أجل الموتى على سبيل المثال تتكلف ٣٠٠٠ ليرة (٥٠,١) دولار) أما إذا كانت الصلاة المطلوبة ستقام في منزل الزبون فيرتفع السعر إلى ٢٥ ألف ليرة بل قد يصل سعر الصلاة إلى ٥٠ ألف ليرة إذا كانت الصلاة مصحوبة بدعاء على المسبحة، وتقول مونيكا وهي أم وممثلة سابقة شارحة فكرتها: «الحياة أصبح إيقاعها سريعاً للغاية لدرجة أن وقت الناس لا يكفي سوى للعمل والمنزل، لهذا السبب انشغل الناس عن الصلاة رغم أنهم قد يشعرون باحتياج نفسي لها» وفي محاولة لجذب الزبائن تذكِّر مونيكا في إعلاناتها الناس أنه ليس هناك أغلى من الروح وتقول: «إذا لم يكن عندك الوقت الكافي لإنقاذها اتصل بي وسأعتني بالأمر» . لقيت هذه الخدمة بعض النجاح في إيطاليا؛ إذ تقول مونيكا إن نحو ٣٠ شخصاً من بينهم اثنان من المشاهير تحولوا إلى هذه المهنة الجديدة. [جريدة الرياض، العدد: (١١٦٢٣) ] اختراق واستلاب!! يتقاضى القنصل الأمريكي العام السابق في القدس الشرقية المحتلة إدوارد أبينغتون مليونين و ٢٥٠ ألف دولار سنوياً عن عمله كمستشار خاص في الولايات المتحدة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بحسب ما كشفه أبينغتون نفسه، وهذا يعني أن أبينغتون يحصل على ما قدره ٦٢ ألف دولار في الشهر، وكان أبينغتون البالغ من العمر ٥٥ سنة، قد عمل في سفارات الولايات المتحدة بدول عربية طوال عقدين ماضيين، أنهى آخر ٣ سنوات منها في ١٩٩٧م قنصلاً عاماً لبلاده في إسرائيل، ثم بدأ يعمل لحسابه الخاص، منذ أن أسس في العام الماضي شركة استشارات في واشنطن وأول زبائنها كان الرئيس الفلسطيني الذي وقع معه العقد منذ ٤ أشهر ليكون مستشاره الخاص في تعاملاته مع الإدارة الأمريكية، بوصفه معروفاً لديها. وبموجب الاتفاق، فإن أبينغتون يعد تقارير إرشادية للرئيس الفلسطيني في الكيفية التي يمكن أن يتصرف بها مثلاً لشرح مواقفه بطريقة يفهمها ويستوعبها المتخذون للقرارات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية ومراكز الأبحاث والهيئات الاقتصادية والمؤسسات الإعلامية النافذة في الولايات المتحدة، ويعتقد أبينغتون الذي يقول إنه يتمتع بخبرة تزيد على ٣٠ سنة في الصراع العربي الإسرائيلي أنه قادر على تأسيس وقيادة أول لوبي حقيقي للفسلطينيين في الولايات المتحدة، يكون هو أول فرد فيه، طبقاً لما أقنع به الرئيس عرفات حين وضعه العام الماضي في جو اتخاذ القرار بتعيينه مستشاراً، وبراتب شهري يزيد ٣ مرات على ما يتقاضاه الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، وحوالي ٣٠ مرة عن راتب أي نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٠٨) ] تعليق على الأحداث لقد جئتم شيئاً إدّاً! ضمن سلسلة التجرؤ على المقدسات، ونشر المذهب الإلحادي تحت الغطاء الأدبي والروائي الذي يضرب الأمة في أعز ما تملك من عقيدة وأخلاق، وتحت إشراف وزارة الثقافة المصرية، صدرت رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر، ضمن سلسلة آفاق الكتابة، العدد ٣٥، الهيئة العامة لقصور الثقافة، والتي يرأس مجلس إدارتها علي أبو شادي، ويرأس تحريرها إبراهيم أصلان، وتقع الرواية في سبعمائة صفحة، ويبدو أن أقلام الردة ما زالت بحاجة إلى من يقصف أسنانها بذلك التجاوز الخطير لكثير من الحرمات التي يتوارى منها ومن الخوض فيها كبار مجرميهم. ومما جاء في تلك الرواية الآثمة: «إن رب هذه الأرض كان يزحف وهو يتسلل من عصور الرمل والشمس ببطء السلحفاة» ويسوق في حوار فاجر: «هو من صنع ربي.. لا بد أن ربك فنان فاشل إذن» «داخل هذه الأهواز التي خلقها الرب في الأزمنة الموغلة في القدم ثم نسيها فيما بعد لتراكم مشاغله التي لا تحد في بلاد العرب وحدها حيث الزمن يدور على عقبيه منذ ألفي عام» ويقول: «أقام الله مملكته الوهمية في فراغ السموات» «ربي خذ بيدي في مملكتي لآخذ بيدك في مملكتك، ربي زدني أرصدة في الدنيا والمصارف لأزيدك ابتهالاً في الآخرة، ربي لتكن منافعنا متبادلة وليتحقق القصد الذي من أجله ولدتني فأكون طفلك البار على هذه الأرض الفانية» ويستمر في فجوره وجرأته ويقول: «وهؤلاء يهمشون التاريخ ويعيدونه مليون عام إلى الوراء في عصر الذرة والفضاء والعقل المتفجر بقوانين آلهة البدو، وتعليم القرآن.. خراء» . إن ما في هذه الرواية من كفريات لا أحسب أنها تتصادم مع مفاهيم «المتطرفين» فحسب كما يزعمون، بل تتصادم مع أصحاب الفطر السليمة، بل إن الفجرة والفسقة لا يتجرؤون برغم كبير جرمهم على الخوض في ذلك، فما بقي لأمة الإسلام بعد سب ربها ووصم كتابه بأنه «خراء» ؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد دأبت بعض وزارات الثقافة العربية بين فترة وأخرى على إثارة مشاعر المسلمين، وكأنها تختبر إيمان القوم وردود أفعالهم بتلك المهاترات والكفريات. فتحت مسمى «التنوير» ينشرون ظلام الإلحاد والكفر. وقد نُشرت هذه الرواية منذ زمن، إلا أن أهل العلمنة دأبوا على إحياء مقبورهم الإلحادي لنشره على أحياء النفوس من المسلمين، هادفين إلى طمس نور قلوبهم [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ] (الصف: ٨) . إن هذا التجاوز البشع ليدلنا على مدى كراهية هذه الأقلام الملوثة لرب الناس ولدينه وأنبيائه وأوليائه، ومع ذلك فإن هذه الزندقة تطبع وتوزع بأموال المسلمين. وإن كانت الرواية قد سحبت من الأسواق المصرية فلم يكن ذلك تطوعاً من الوزارة، وإنما جاء امتصاصاً للغضبة التي غضبها أصحاب أقلام طاهرة وقلوب ما زالت تؤمن بربها، وما زال الوزير يردد أن من يقرأ الرواية سيرى أنها تدعو للعقيدة والإيمان!! . وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 3501

متابعات الشيخ سيد سابق ودمعة وفاء لرحيل العلماء نشأت أحمد في عام واحد فقد العالم الإسلامي كوكبة من خيرة علمائه ممن اشتهر عنهم طول الباع في العلم والعمل ولزوم السنة حتى كان كل واحد منهم أمة وحده. وإذا كان موت العالم موتاً للعالَم فإن مصيبتنا في هؤلاء الرهط تجلُّ وتعظم، ولئن كان مصاب الأمة فادحاً في جراحها في كشمير وفلسطين وكوسوفا والشيشان و.. .. فإن مصابها في علمائها أفدح؛ وكيف لا، وقد كانوا سمعها وبصرها؟! وقد كان آخرهم موتاً الفقيه المجاهد الذي كان له من اسمه حظ ونصيب؛ الشيخ سيد سابق ﵀ إذ توفي في القاهرة على إثر وعكة اشتدت به، لزم فيها المستشفى أسبوعين افتقده خلالهما محبوه وتلاميذه على أمل أن يعود، ثم احتسبوه عند ربهم في جنازة شاهدة مشهودة رأينا فيها أثر عمر عامر بالعلم والجهاد. ولد رحمه الله تعالى في يناير (كانون الثاني) عام ١٩١٥م بقرية «إسطنها» من مركز (الباجور) بمحافظة المنوفية، وأتم حفظ القرآن ولم يتجاوز تسع سنوات، التحق على إثره بالأزهر في القاهرة، وظل يتلقى العلم ويترقى حتى حصل على العالمية في الشريعة عام ١٩٤٧م، ثم حصل بعدها على الإجازة من الأزهر وهي درجة علمية أعلى [١] . عمل بالتدريس بعد تخرجه في المعاهد الأزهرية، ثم بالوعظ في الأزهر، ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف في نهاية الخمسينيات متقلداً إدارة المساجد، ثم الثقافة.. فالدعوة فالتدريب إلى أن ضُيِّق عليه فانتقل إلى مكة المكرمة للعمل أستاذاً بجامعة الملك عبد العزيز، ثم جامعة أم القرى وأسند إليه فيها رئاسة قسم القضاء بكلية الشريعة، ثم رئاسة قسم الدراسات العليا، ثم عمل أستاذاً غير متفرغ. وقد حاضر خلال هذه الفترة ودرَّس الفقه وأصوله، وأشرف على أكثر من مئة رسالة علمية، وتخرج على يديه كوكبة من الأساتذة والعلماء، وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة عاد إلى القاهرة واستقر بها حتى وافاه الأجل. شاب على الجادة: تربى الشيخ في مقتبل حياته في الجمعية الشرعية على يد مؤسسها الشيخ السبكي ﵀، وتزامل مع خليفته الشيخ عبد اللطيف مشتهري ﵀، فتشرَّب محبة السنة. وكان لهمَّته العالية وذكائه وصفاء سريرته أثر في نضجه المبكر وتفوقه على أقرانه، حتى برع في دراسة الفقه واستيعاب مسائله وما أن لمس فيه شيخه تفوقاً حتى كلفه بإعداد دروس مبسطة في الفقه وتدريسها لأقرانه ولم يكن قد تجاوز بعدُ ١٩ عاماً من عمره. وكان لشيخه أثر عظيم على شخصيته وطريقة تفكيره، ومن ذلك ما يحكيه في بداية حرب فلسطين فيقول: وقد كنا في ريعان شبابنا أخذني الحماس أمام الشيخ السبكي في أحد دروسه فقلت له: ما زلتَ تحدثنا عن الأخلاق والآداب! أين الجهاد، والحث عليه؟! قال: فأمرني الشيخ بالجلوس! فرددت: حتى متى نجلس؟ قال: يا بني إذا كنت لا تصبر على التأدب أمام العالِم فكيف تصبر على الجهاد في سبيل الله؟ قال: فهزتني الكلمة جداً وظل أثرها في حياتي حتى يومنا هذا. ثم تعرف الشيخ سيد سابق على الشيخ حسن البنا ﵀ واشترك في دعوته، وعاونه بعد ذلك في تعليم الإخوان وتربيتهم داخل الشُّعَب، واستمر على طريقته في إعداد دروس الفقه وتدريسها، وصادف أن سمعها منه الشيخ البنا ذات مرة فاستحسن أسلوبه وطلب منه أن يعدها للنشر. يقول الشيخ: فشرعت في جمع المادة من قصاصاتي، وبدأت نشر كتاب «فقه السنة» . مؤلفاته: أشهر كتبه وأحبها إليه الذي اقترن اسمه به هو «فقه السنة» قدَّم فيه أسلوباً رائداً في تبسيط مسائل الفقه بعد أن ظل عالقاً بالأذهان على درجة من الصعوبة بحيث لا يفهمها إلا القليل، لكنه مع تبسيطه لها لم يُخِلَّ بها حين كان يتعرض لاختلاف العلماء وترجيح ما يشهد له النص وإن خالف رأي الجمهور خلافاً لعادة مدارس التقليد في ذلك الوقت إلى جانب حسن عرض وترتيب للأفكار دفعت ملايين الناس لاقتناء الكتاب والاستفادة منه، وقد اغتنى من طباعة كتابه كثير من الناشرين لم يستأذنوه في النشر ولم يثرِّب عليهم، فضلاً عن ترجمته إلى كثير من لغات العالم [*] ، ومما يروى في ذلك: أنه أُوفد رسمياً إلى الاتحاد السوفييتي في الستينيات في أحد المؤتمرات للحديث عن الإسلام، وما أن خرج من المطار في صحبة المسؤول الرسمي الذي جاء لاستقباله حتى فوجئ بحشد ضخم قد جاء لاستقباله في موسكو! بين مقبِّل ليديه أو رأسه وبين هاتف باسمه، فتعجب الشيخ متسائلاً: كيف عرفتموني؟ فكان الردُّ: من كتابك. وإذا بالجماهير تلوِّح بالكتاب المترجم وتهتف باسمه! يقول: فلم أتمالك نفسي من البكاء؛ إذ لم أكن أتصور أن فضل الله عليَّ سيبلغ بي إلى هذا الحد! ولعله حين ألفه استحضر مقولة الإمام مالك ﵀: «ستعلمون أيها أريد بها وجه الله غداً» . ومن مؤلفاته أيضاً: - مصادر القوة في الإسلام. - الربا والبديل؛ وهو رد على ما أفتى به بعض المعاصرين من جواز فوائد البنوك وشهادات الاستثمار. - رسالة في الحج وأخرى في الصيام وهما مستلَّتان من فقه السنه بتصرف. - تقاليد وعادات يجب أن تزول في الأفراح والمناسبات. - تقاليد وعادات يجب أن تزول في المآتم. وهذه الأربعة الأخيرة ألفها ضمن نشاطه العلمي في إدارة الثقافة بوزارة الأوقاف، وتُظهر الأخيرتان أثر الجمعية الشرعية في نشأة الشيخ على حب السنة ومحاربة البدع، في وقت قلَّ فيه من يميِّز بين السنة والبدعة. جهاده وسجنه: كان مع علمه وعبادته وكثرة صومه ذا شوق للجهاد، وما أن لاحت أمامه الفرصة حتى كان في أول كتيبة في حرب ١٩٤٨م مفتياً ومعلماً للأحكام، ومربياً على القيام والدعاء والذكر، وموجهاً إلى حسن التوكل والأخذ بالأسباب، ومحرضاً على الفداء، ومدرباً على استخدام السلاح وتفكيكه، وبعد مقتل النقراشي اتُّهم الشيخ بقتله وأطلق عليه: «مفتي الدماء» ممن أرادوا وأد الجهاد يومها. وحوكم الشيخ بعد أن قضى عامين من الاضطهاد والتعذيب فما لانت له قناة ولا وهنت له عزيمة بل كان كما عهد عنه مربياً فاضلاً حاثاً على الصبر، مبيناً لسنن الابتلاء والتمحيص، وبعد أن بُرِّئت ساحته خرج ليواصل جهاد الكلمة، وحين تكررت الفرصة بعد النكسة عاد أدراجه لساحة القتال في حرب رمضان يوجه الجنود ويرفع معنويات الجيش. مكانته وفضله: يعرف للرجل مكانته وفضله كل من عاشره أو تتلمذ على يديه؛ فقد تخرج على يديه ألوف العلماء وطلبة العلم من عشرات الأجيال، ومن هؤلاء: الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور أحمد العسال، والدكتور محمد الراوي، والدكتور عبد الستار فتح الله، وكثير من علماء مكة وأساتذتها من أمثال الدكتور صالح بن حميد، والدكتور العلياني. بل إنه في شبابه كان محل ثقة واستعانة علماء كبار في حينها من أمثال: الشيخ محمود شلتوت، وأبي زهرة، والغزالي. يحكي عنه ولده محمد أنه كان يزوره في بيته علماء كبار من الأزهر، وكان يجلس للتدريس وهم مصغون مستمعون من أمثال: الشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ منصور رجب، والشيخ الباقوري، كما كان قوله فصلاً بين المختلفين في المسائل. أخلاقه ومآثره: كان ﵀ فقيهاً مجرَّباً محنَّكاً مثالاً للعلم الوافر والخلق الرفيع والمودة والرحمة في تعامله، ويمتاز بذاكرة قوية وذكاء مفرط ونفس لينة ولسان عف وحضور بديهة. رزق حسن منطق في جزالة وإيجاز، وروحاً مرحة [٢] وُضعت له معها المحبة والقبول. كان ذا وعي شديد واطلاع دائم على الأحداث والمتغيرات: إن شئت أن تراه قارئاً رأيته، أو تجده مصلياً وجدته، أو مستمعاً ومتابعاً لأخبار العالم ونشرات الأخبار وناقلاً لحديثها في دروسه قبل أن تنشره الصحف آنستَ ذلك منه، وما من حدث يقع في الأمة إلا ويعرض له ويبين حكمه في غاية الوضوح بلا مواربة وكانت ردوده حاسمة قاطعة. وكان ذا جرأة في الحق رغم ما كان يمكن أن يتحمله من نتائج لا طاقة لجسمه الضعيف بها، ومن ذلك أنه حين عُيِّن خلفاً للشيخ الغزالي في مسجد عمرو بن العاص في عهد عبد الناصر ظن الناس أن الشيخ سيُداهن بعد أن غُضب على سلفه، فأفرد في أولى خُطَبه خطبة فريدة في نوعها ومضمونها تناول فيها شروط الحاكم المسلم ذكر فيها ١٣ شرطاً بأدلتها الشرعية وشواهدها التاريخية فكانت جامعة مانعة، حتى قال عنها أحد العلماء الحاضرين: الشيخ قال كل شيء، ولم يؤخذ عليه شيء. وكان يبلغ مأربه دون عناء؛ ومن ذلك أنه حين سئل عن أحدهم قال: إنه «كُذُبْذُب» (يعني أدمن الكذب) . وحين ساء الحال في السبعينيات سئل عن رؤيته للأوضاع، فقال: «إن علة مصر سؤالان وجيهان.. .» . ومن سعة صدره: أنه خطب يوماً فأطال، فلما فرغ الشيخ من خطبته وقف أحد الحاضرين وكان ذا مرض قائلاً: أنت لا تفهم! فجاء رد الشيخ هادئاً: وهل قلت لك إنني أفهم؟ فأُسْقِطَ في يد الرجل واعتذر للشيخ. أواخر حياته: وبعد أن استقر به الحال في القاهرة قبل ثلاث سنوات، تجول بين عدد من المساجد لإلقاء دروسه في ستة أيام كل أسبوع؛ أربعة أيام للرجال ويومين للنساء. ولكم أتعبه المرض دون أن يُقعده، وقد حاول ولده الدكتور مصطفى أن يمنعه من التدريس بعد أن نصحه الأطباء بالراحة، فأبى ما دام فيه نَفَس، فكان يذهب لدرسه رغم مرضه ليبلِّغ الحق للناس. ويكفي الشيخ وقد لقي ربه بأكثر من سبعين سنة حافلة بالدعوة والجهاد ما أعقبه الله من ثناء وذكر حسن بين الناس ودعاء. ﵀ رحمة واسعة، وأخلف على الأمة في مصابها فيه وفي إخوانه خيراً.

стр. 3502

متابعات مع رحيل العام رحل الإمام عبد الله بن سليمان القفاري [*] لقد استقبل المسلمون في شهر الله المحرم أوائل العام الفائت رحيل عالم الأمة وإمام هذا العصر الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى واليوم ومع رحيل هذا العام يودع المسلمون عالِمَ القصيم وأحد أئمة العقيدة السلفية الشيخ العالم المجاهد محمد بن صالح المنصور، وكان بين رحيل الشيخين الجليلين رحيل كوكبة من علماء الإسلام ودعاته في عام أشبه ما يكون بعام الحزن من هنا وهناك.. بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط جيراني وحيثما ذكر اسم الله في بلد ... عددت أرجاءه من لب أوطاني إن رحيل العلماء ثلمة في مسيرة الأمة.. فهم عمادها المتين وسياجها المنيع أمام تيار الفتن وحوادث الزمن وبموتهم يموت خلق كثير. لعمرك ما الرزية فَقْدُ مال ... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد فذٍّ ... يموت بموته خلق كثير نسبه ونشأته: هو الشيخ: محمد بن صالح بن منصور المنصور و (المنسلح) لقب لجده صالح الذي انسلح أي انخزل من الشمال في ظروف اختُلِفَ في سببها، وهو من الطوالة من قبيلة شمر القبيلة العربية المعروفة. من مواليد بريدة عام ١٣٥٠هـ وقد كف بصره بسبب مرض الجدري وهو في السنة السادسة من عمره ولم يكن ذلك عائقاً له عن طلب العلم فقد طلب العلم مبكراً، وحفظ القرآن الكريم ولم يكن تجاوز الثانية عشرة من عمره على يد الشيخ محمد بن صالح الوهيبي. صفاته: كان رحمه الله تعالى يتسم بصفات عديدة من أبرزها: ١ - حب العلم والعلماء والجد والاجتهاد في تحصيل ذلك مع ما يعانيه من كف البصر؛ فقد أعطاه الله البصيرة الثاقبة والذاكرة الحافظة حتى وهو في مرضه الأخير؛ ولهذا حفظ كثيراً من المتون ومن ذلك: زاد المستقنع، والطحاوية، وألفية ابن مالك، والآجرومية في النحو، والبيقونية في المصطلح، وألفية العراقي وبلوغ المرام وعمدة الأحكام والرحبية في الفرائض، وغيرها. وكان يحفظ عدداً من الوقائع والمناسبات التاريخية بالسنة والشهر واليوم في أحيان كثيرة.. ولهذا يقول عنه الشيخ محمد السعوي: إنه كثيراً ما يحفظ ولا ينسى على كثرة المترددين عليه من سؤالهم عن أقاربهم وأنسابهم.. وإنزالهم منازلهم مع عظيم تواضعه وجميل محياه في لقاء الآخرين سواء منهم الصغير أو الكبير على حد سواء. ٢ - زهده وبعده عن الدنيا فلم يكن يحزن عليها كما أنه كان صابراً على البلاء فلا تجده إلا شاكراً لا شاكياً كما يقول الشيخ صالح الونيان، ويقول عنه الشيخ صالح الخضيري إنه كثيراً ما يحمد الله على ما هو فيه من البلاء والمرض ويقول: (إذا عُمِّرَ الإنسان أكثر من سبعين فقد أكل عمره) ويقصد بذلك أنه أخذ نصيباً وافراً من عمره وحياته. ويقول أحد تلاميذه: إي والله! لقد كان الشيخ مشتاقاً إلى لقاء ربه، عازفاً عن الدنيا، مستبطئاً للموت، وكان يقول كل ليلة في مرضه: اللهم إني قد اشتقت إليك. ولقد دعوت له مرة بطول العمر، فقال: وما أصنع بطول العمر؟ ولكن عسى الله أن يقبضني على الإسلام! وفي مثل شيخنا أبي صالح يجمل قول الشاعر: وكيف تبكي فائزاً عند ربه ... له في جنان الخلد عيشٌ مخرفج [١] وقد نال في الدنيا سناءاً وصيتة ... وقام مقاماً لم يقمه مزلج [٢] ٣ - الجرأة في قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الخاصة والعامة لا يخاف في الله لومة لائم؛ فقد كان يقول ويكتب ما يراه حقاً في كثير من الأمور التي يحتاجها المسلمون والنوازل التي تنزل بهم والقضايا التي تهمهم، وكان محتسباً ذلك عند الله لا يرجو من أحد جزاءاً ولا شكوراً وهي من أبرز ما اتصف به الشيخ ﵀ وبز به أقرانه. ٤ - العبادة الجمة، والعمل الصالح المبرور من القيام والصيام والذكر والتلاوة مع حرصه الشديد على إخفائها متحرياً بذلك حسن الإخلاص وجميل المتابعة، وكان ذلك ديمة اقتداءاً بقول النبي ﷺ : «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» [٣] ولهذا لم ينقطع عنه أبداً حتى في أيامه الأخيرة؛ وصراعُه مع المرض لم يمنعه ذلك، مما كان له حسن الختام ورفع المنزلة في قلوب الناس من آلاف المشيعين له والباكين على فراقه. ٥ - حبه للأعمال الخيرية والعلمية على اختلافها وتنوعها وتشجيعه لمن يقوم بها وزيارته والاتصال به ودعمه مادياً ومعنوياً سواء كان على المستوى المحلي أو العالم الإسلامي. سفره لطلب العلم وصبره عليه: عند بلوغه السنة السادسة عشرة من عمره وهي مرحلة الحيوية والنشاط والمرح ومع ذلك فإنه كان شغوفاً بالعلم مشتاقاً إلى العلماء مما دفعه للسفر إلى الرياض؛ وكانت تلك الرحلة علامة بارزة في حياته تدل على الصبر والجد والاجتهاد؛ وذلك حينما طلب من أحد سائقي السيارات وهم ما يسمون باللهجة العامية: (الحمالية) أن ينقله إلى الرياض، فطلب منه السائق أجرة الطريق فلم يكن الشيخ يملك شيئاً لصغر سنه وكف بصره مما جعله يلح على هذا السائق ولكن لا جدوى.. ففكر قليلاً ثم جلس وتلمس بيده إطار (كفر) السيارة وهي ما تسمى بـ (الوانيت) وجلس بجوار الإطار وعندما شعر بتحرك السيارة ومن فيها صعد وجلس متعلقاً على حديدة (سستة) قريبة من إطار السيارة ولم يعلم به أحد واتجهت السيارة في طريقها إلى الرياض ولم يكن الطريق سهلاً؛ فقد كان وعراً ترابياً مما عرَّض السيارة إلى الوقوف في أدغال الرمال في مكان يسمى بـ (نفود الربيعية) قريباً من قرية الربيعية شرق بريدة، وعند نزول الركاب وقائد السيارة فوجئوا بوجود الغلام وقد أرهقه التعب وأضناه النصب، وكاد يسقط بسبب آلام الكتف واليدين فتأثر الركاب بهذا المشهد وظهر عليهم علامات الحزن والأسى مما جعل أحدهم يتكفل بهذا الغلام ويدفع عنه تكاليف النقل. وعند وصولهم إلى الرياض أوصلوه إلى منزل الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي عام المملكة وجلس يطلب العلم في حلقات الشيخ وسكن بما يسمى بـ (الرباط) وهو مكان سكن طلاب العلم آنذاك. وقد واصل طلب العلم على الشيخ لمدة ٧ سنوات بالإضافة إلى مجموعة من علماء الرياض من أبرزهم: الشيخ عبد اللطيف ابن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد العزيز بن ناصر ابن رشيد، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم، كما طلب العلم على يد الشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ محمد ابن صالح المطوع، والشيخ عبد الله الخليفي، حيث حفظ عليه كثيراً من المتون، ثم أكمل دراسته الجامعية وتخرج في كلية الشريعة بالرياض ﵏ جميعاً رحمة واسعة. وكان كثيراً ما يذكر شيخه محمد بن إبراهيم؛ كما أنه تأثر كثيراً عند وفاة شيخه عبد العزيز بن باز وكان ذلك واضحاً على صحته. أبرز طلابه: كان للشيخ دور كبير في إبراز نخبة من العلماء الذين تتلمذوا عليه وهم الآن يتقلدون مناصب علمية بارزة منهم: معالي الشيخ: عبد الله بن عثمان البشر، والشيخ العالم المحدث: عبد الله بن محمد الدويش رحمه الله تعالى فقد لازمه ٦ سنوات، وفضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء حيث حفظ عليه الزاد كاملاً، والشيخ سليمان العمرو رئيس محاكم مكة المكرمة، والشيخ الدكتور صالح المحيميد رئيس محاكم المدينة المنورة، والشيخ يحيى اليحيى، والشيخ دبيان الدبيان، والشيخ علي الخضير، ومجموعة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإمام بالقصيم ومنهم فضيلة الشيخ سليمان العودة، والشيخ عبد العزيز العقل، والشيخ الدكتور صالح الونيان، والشيخ الدكتور سليمان العبيد، والشيخ الدكتور عبد العزيز البجادي والشيخ الدكتور محمد المنصور الفايز، والشيخ تركي الغميز، والشيخان: يوسف وعبد الرحمن العقل، وكذلك الشيخ الدكتور محمد الفوزان رئيس قسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض، والشيخ محمد المحيسني، والشيخ عبد الله الجبر، والشيخ علي المنسلح، والشيخ صالح الخضيري، ومجموعة من القضاة منهم: الشيخ إبراهيم الحسني قاضي محكمة المجمعة، والشيخ صالح الصقعبي، والشيخ عبد الرحمن الصعب رئيس محاكم محايل عسير، والشيخ خالد القفاري والشيخ يوسف العبيد، والشيخ عبد الرحمن المرشود، والشيخ عبد العزيز المشيقح، والشيخ محمد المشوح، والشيخ فيصل الحازمي، وغيرهم كثير. أعماله: في عام ١٣٧٨ هـ تولى منصب القضاء في (تربة) بعد التخرج في كلية الشريعة، ثم انتقل إلى السليل، ثم إلى الباحة ومنها انتقل إلى تبوك، ثم إلى مكة المكرمة. وفي عام ١٣٨٩ هـ طلب الإعفاء من فضيلة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم لعدم رغبته في القضاء وعمل مديراً لمعهد النور في بريدة، ثم تفرغ للعمل مرشداً وموجهاً للمكتبة العلمية في بريدة والتدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم في قسم العقيدة ثم تقاعد في عام ١٤١٠هـ. بعد ذلك تفرغ للتدريس في مسجده في جنوب بريدة، ثم انتقل إلى مسجده بحي السلام شرق بريدة، علماً أنه بدأ التدريس عام ١٣٧٩ هـ أي منذ ما يقرب من ٤٠ عاماً حين كان في الرباط وأثناء الدراسة بالكلية يومياً ما عدا يوم الجمعة، ولم ينقطع عن التدريس إلا قبل وفاته بشهرين تقريباً عندما اشتد به المرض. إنجازاته العلمية: تفرغ للتعليم والتدريس في مسجده وكان من دروسه: بعد صلاة الفجر شرح كتاب العقيدة الطحاوية، وكتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، والواسطية في العقيدة لابن تيمية، والأصول الثلاثة، وآداب المشي إلى الصلاة، وكشف الشبهات، وبلوغ المرام في الحديث لابن حجر، وعمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي وزاد المستقنع لموسى الحجاوي في الفقه الحنبلي والرحبية في الفرائض، والبيقونية في مصطلح الحديث، وألفية ابن مالك في النحو حتى الساعة السابعة والنصف تقريباً. ثم بعد صلاة العصر يجلس في مجلسه للرد على المكالمات واستقبال الزوار والرد على استفتاءاتهم وتساؤلاتهم، وبعد صلاة المغرب يقوم بشرح كتاب زاد المعاد وكتاب متن الآجرومية، وفي وقت العشاء يعمد إلى شرح موطأ الإمام مالك، وتفسير ابن كثير. وبعد الانتهاء من تفسير ابن كثير يبدأ بتفسير السعدي. هذا بالإضافة إلى الكتب التي كانت تُقرأ عليه بعد نهاية شرحه لهذه الدروس وهي كثيرة ومتنوعة، ومنها: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد. مؤلفاته: كان له مجموعة من المؤلفات منها: شرح الزاد، وشرح العقيدة الطحاوية، وكتاب الرد على (علي السقاف) كما قام بكتابة ومراجعة وتقريظ لكتاب الشيخ حمود العقلاء في حكم دخول الكفار للجزيرة العربية، وقد طبع منها كتاب الرد على السقاف، وكذلك كتب بعض الفتاوى والرسائل في مناسبات عديدة من آخرها الرد على الكاتب تركي الحمد. عبادته: كان الشيخ رحمه الله تعالى ممن يتميز في هذا الجانب بكثرة عبادته وطول قيامه، فقد كان كما تقول إحدى زوجاته: إنه لم يمض يوم واحد منذ تزوجت الشيخ فاته فيه قيام الليل، وكان يقوم ﵀ من الساعة الحادية عشرة والنصف أو الثانية عشرة ليلاً حتى الفجر، أي ما يقارب ٥ إلى ٦ ساعات تقريباً، ثم يضطجع حتى أذان الفجر. وقد أكد ذلك الشيخ محمد السعوي عندما كان معه في أحد أسفاره للدعوة إلى الله فقد كان يقوم من منتصف الليل.. وكان يصوم يوم الإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر، ويحافظ على ركعتي الضحى ويطيل القراءة فيهما والسجود، ويختم القرآن حفظاً كل ثلاثة أيام حتى أيام مرضه الأخير كما يقول ابنه عبد الله الذي رافقه في المستشفى. وكان يحضر مبكراً إلى صلاة الجمعة، وكان كثيراً ما يختم القرآن، ومما يذكر ابنه عبد الله: أنه سمع أباه يقرأ في قيام الليل في أحد أيام مرضه الأخيرة سورة البقرة، وفي الليلة التي تلتها سورة يس وعندما سأله ابنه عن هذا الموقف تأثر الشيخ وتغير لون وجهه ونهاه عن متابعته، ولقد كان الشيخ على هذه الحال من العبادة حتى في صغر سنه؛ فقد ذكر ابنه عبد الله نقلاً عن الشيخ صالح الأطرم أنه عندما كان والده في بداية طلب العلم في الرياض كان يكثر قيام الليل حتى إنه كما يقول الشيخ صالح يشغلنا عن النوم، وكثيراً ما يحثنا على القيام ويكرر ذلك حتى لا نجد فرصة للنوم. مع الأسرة: للشيخ ﵀ ثلاث زوجات وله منهن: خمسة عشر من الذكور وثماني عشرة من الإناث جعلهم الله خير خلف لخير سلف وكان يتعامل كما يقول أبناؤه معهم باللين والرفق والتوجيه والتهذيب وأحياناً الترغيب والترهيب إذا اقتضى الأمر ذلك، كما أنه كان يجلس مع أولاده من الساعة العاشرة والنصف صباحاً تقريباً حتى الظهر بعد أن يصلي صلاة الضحى ويقوم أحد أبنائه أو بناته بالقراءة عليه حتى أذان الظهر. اهتمامه بالمسلمين: كان يهتم بأمر المسلمين اهتماماً كبيراً، ويكتب الرسائل والفتاوى في ذلك للعامة والخاصة، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ وهذا الجانب مما برز فيه الشيخ رحمه الله تعالى، وقد سافر للدعوة إلى الله وحضور الندوات والمؤتمرات ومن ذلك كان سفره إلى أمريكا والكويت والسودان، وكان مما أشغل باله كثيراً في السنوات الأخيرة قضية الشيشان حتى وهو في مرضه الأخير وقد أغمي عليه يقوم من الليل وهو يقول لابنه عبد الله: اكتب عن الشيشان! اكتب للمسلمين والحكام بمناصرتهم ومؤازرتهم، وكثيراً ما يكرر ذلك ويلح إلحاحاً شديداً حتى نخشى على صحته حتى كانت وصيته التي ختم بها حياته محملاً الأمانة إلى من يهمه الأمر كل حسب مكانته واستطاعته. وكان يقوم على آلاف الأسر المحتاجة في الداخل والخارج ويكفلهم ويرعاهم وهو بعيد عن أعينهم، وكذلك فقد أنشأ في السودان سبعة مساجد وملجأ للأيتام يضم ألف يتيم، ومسجدين في الفلبين على نفقته الخاصة. كما يقول عنه الشيخ صالح الونيان: إنه كان يسأله عند كل لقاء عن أخبار المسلمين في الشيشان ويحث على الدعاء لهم رغم ما هو فيه من المرض العضال بالإضافة إلى سؤاله عن أخبار الدعوة والدعاة، وكان يوصي بتلمس حاجات الفقراء. ومن ذلك ما يروي الشيخ صالح الخضيري أنه زار الشيخ في أول عام ١٤٢٠هـ ومعه رجل ممن يقوم على بعض الأعمال الخيرية خارج المنطقة فلما سلَّم على الشيخ وأخبرته بمكانة هذا الرجل فسألني إن كان يحتاج إلى مساعدة فقلت: إنه لا يستغني عن إعانتكم، فأدخل الشيخ يده في جيبه بخفية وأخرج مبلغاً يزيد على الألف ريال فوضعه في يد الرجل بحركة سريعة وخفية حتى لا نراها. اللحظات الأخيرة: كان الشيخ يعاني من المرض منذ أمد بعيد في صراعه مع مرض السكري، واشتد المرض عليه منذ سنتين وهو صابر ومحتسب، ثم بعد ذلك أصيب بغرغرينة في أطراف قدمه وأُدخِل المستشفى عدة مرات والأطباء يحثونه على بتر قدمه وهو يقول: (أموت مكتمل الأعضاء، وكل له أجله عشت من الحياة ما يكفيني) إلى أن اشتد به الأمر عندما أصيب بجلطة بالجهة اليمنى في رأسه مما تسبب بشلل للجزء الأيسر من جسمه وذلك في ٢/١٢/١٤٢٠هـ وقد قال لابنه عبد الله: «الأمر نازل بي» يعني الموت. ولم يكن ينام أبداً منذ ذلك التاريخ وكثيراً ما يقول: اللهم إني اشتقت إلى لقائك، ويكررها كثيراً ويذكر حديث: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» [٤] . كذلك كان كثيراً ما يذكر أحوال المسلمين وخاصة الشيشان مع أنه يغمى عليه وكان حريصاً جداً على وقت الصلاة، فإذا دخل الوقت أو قرب دخوله أفاق من إغمائه وقال: هل دخل الوقت؟ فيُخبر بذلك، فيجلسونه، ثم يتيمم ويبدأ بالصلاة وكأنه نَشِطَ من عقال. وفي يوم الخميس الموافق ٢٤/١٢/١٤٢٠هـ نقل الشيخ إلى مستشفى التخصصي بالرياض وقد وصل إليه عند الساعة الثالثة ظهراً وكان يقرأ القرآن طيلة الطريق، وأثناء مكوثه في المستشفى لم ينم تلك الثلاثة الأيام هو وابنه عبد الملك الذي كان يرافقه، وكان يقول لابنه: اجمع الصلاة؛ فأنت في سفر. وفي يوم السبت الموافق ٢٦/١٢/١٤٢٠هـ كان وقت الرحيل إلى الرفيق الأعلى حيث كان الشيخ منذ فجر ذلك اليوم وهو يقرأ القرآن ويصلي ما شاء الله أن يصلي حتى قبيل المغرب؛ حيث جاء العشاء؛ فكان ابنه يعرض عليه العشاء وكأساً من الحليب وكان يقول له: سوف أكمل القرآن. وعندما أذَّن المؤذن لصلاة المغرب دخل الشيخ في صلاته وأكمل قراءة القرآن، ثم بعد أن انتهى منها استمر في قراءته وإلحاحه على ربه حتى سقط رأسه، وقُبِضَتْ روحه إلى بارئها وابنه بجواره ممسك بعشائه كأن الشيخ ينتظر له موعداً بفارغ الصبرِ؛ وحنينُ الشوق شغله عن طعامه وشرابه (اللهم إني اشتقت إلى لقائك) وكان آخر ما نطق به لفظ الجلالة ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. وصيته: كانت وصيته رحمه الله تعالى كغيره من العلماء الحث على التوحيد والإيمان؛ كما حث أولاده على الصلاح والثبات على الحق وعدم البكاء عليه.. . وكان مما أوصى به أن يغسله الشيخ الدكتور صالح الونيان ويؤم المسلمين للصلاة عليه، وكذلك أوقف عمارة كاملة في مدينة بريدة لرعاية المساجد والمراكز التي أنشأها في الخارج. وفي مشهد مهيب حضر آلاف المصلين من أقطار المملكة إلى جامع الشيخ صالح الونيان في بريدة، وامتلأ بهم المصلى والساحات المحيطة بالمسجد في مشهد مهيب قَلَّ نظيره تأثر منه الكثيرون، وسالت منه الدموع واختلطت بماء السحاب وزخات المطر، وسارت هذه الحشود بعد الصلاة على الشيخ مشياً على الأقدام متقاربين في صفوف ممتدة حتى المقبرة وقد علت جنازته على الأكتاف والأعناق يتدافعون إليها حرصاً على القرب من جنازته مذكرة بجنازتي الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ صالح الخريصي رحمهم الله تعالى جميعاً حتى وصلوا المقبرة مشياً على الأقدام وقد صلى عليه المئات أكثر من مرة وهو في طريقه إلى قبره. هذا المشهد العظيم الذي لم تشهد المنطقة مثيله ذكَّرنا بمقولة الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (موعدهم يوم الجنائز) . ولم ينفضَّ الجمع الغفير إلا مع صلاة المغرب، فكانت اللحظات الأخيرة التي يواري المسلمون فيها جثمان هذا العالم الجليل، وحينها خطر ببال الكثيرين ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبِقِ عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» رواه البخاري. رحم الله الشيخ وتغمده برحمته، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، والله نسأل أن يخلف خيراً على الأمة الإسلامية.

стр. 3503

متابعات نظرات في العالمية الإسلامية الثانية صلاح الخليفة أحمد الحسن حدثني أحد الأكاديميين بلهجةٍ قوية عن كتاب من جزأين عنوانه: (العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة) من تأليف (أبو القاسم حاج حمد) باعتبار هذا الكتاب يمثل نقطة تحول في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر. وقد تشوقت نفسي إلى اقتناء الكتاب المذكور أملاً أن أجد فيه ما يجعلني أشعر بأن هناك جهوداً ضخمة تبذل من قِبَل المفكرين المسلمين المعاصرين في خدمة الدعوة الإسلامية، وقد عكفت لأيام متصلة على قراءة الكتاب واستيعاب قضاياه، وأرجعت البصر فيه كرتين، وقد خرجت من قرءاتي للكتاب المذكور بأشياء كثيرة منها: ١ - رؤية الكتاب للمذاهب الغربية: استطاع الكاتب أن يبين الثغرات التي تشتمل عليها الشيوعية والرأسمالية، وقد انتقدهما بقوة، وأكَّد على اضمحلال الفكر الشيوعي والرأسمالي ووراثة الإسلام لذلك. وقد تميز العرض والنقد والتقييم والتقويم الذي قام به الكاتب تجاه المذاهب الغربية بالقوة والمنطقية، وكان الأمل أن يسير على النهج نفسه في تناوله لبعض القضايا التي عرضها في كتابه. ٢ - منهج جديد للحديث النبوي: كانت المفاجأة الأولى عند قراءتي للكتاب المذكور أن وجدت الكاتب قد ابتدع منهجاً جديداً للحديث النبوي حيث يحدثنا الكاتب عن ضوابط الاستخدام المنهجي النبوي للغة فيقول: «سق أن أكدت على الاستخدام الإلهي المميز لمفردات اللغة العربية؛ فإني أؤكد أيضاً على التوافق والانسجام التامَّين بين لغة الرسول صلى الله عليه وسلم ولغة القرآن بحيث لا يحدث التضارب في المعاني والدلالات، واتخذت نموذجاً لذلك الحديث المنسوب إلى الرسول ﷺ والذي يَرِدُ فيه القول:» لكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته « [١] وأوضحت تضاربه مع آيتين وردتا في القرآن الكريم، الأولى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (البقرة: ١٠٤) والثانية: [مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياًّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً] (النساء: ٤٦) ، إن دلالات (راعنا) التي نهى الله عنها مرتين واستبدلها بـ (انظرنا) خطيرة جداً؛ فراعنا تحط من قدر الناس بتحويلهم إلى (رعية) من مرعى؛ حيث يقودها الراعي بعصاه، أما (انظرنا) فمن النظر والعناية والتكافؤ، ولم يستخدم الله في كل القرآن مفردة مراعاة أو رعاية وإنما استخدم مفردة (عناية) رجوعاً إلى العين والنظر؛ فالمسألة هنا منهجية؛ إذ ترتبط بمضمون العلاقة بين الله والبشر وبين الأنبياء والبشر، فلا تنحط إلى دونية البهائم؛ فالله لا يستلب الإنسان ولا يحط من قيمته، وقد عزا الله ذلك إلى تحريفات اليهود في آية النساء رقم ٤٦؛ فلغة الرسول ﷺ تتوافق بالضرورة المنهجية مع لغة القرآن؛ كما أن الذين جاؤوا بهذا المتن حول الرعية والمراعاة لم يتبينوا موقف القرآن من مجتمعات البداوة والرعي؛ فقد أظهر الله ما تنطوي عليه سلوكيات تلك المجتمعات من قسوة ونفاق» [٢] . وهكذا يرفض الكاتب الحديث النبوي الثابت: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» وفقاً لمنهجه الجديد الذي يجعل لغة القرآن مرجعاً لتوثيق متن الأحاديث أياً كان سندها. ووفقاً لمنهجه هذا لا بد من مراجعة الأحاديث التي وردت في صحيحي البخاري ومسلم اللذين تلقتهما الأمة بالقبول. ومع هذا الرفض التام لكلمة (رعى) من الكاتب ولكل ما اشتق منها فيما يتعلق بالأحاديث النبوية وسيرة الرسول ﷺ وسيرة أصحابه رضي الله عنهم يناقض الكاتب نفسه في موضع آخر من كتابه؛ إذ يقول: (إن نظرة وضعية للفارق بين الوعي المفهومي الجديد الذي طرحه (محمد) على العرب وتركيب العرب العقلي ضمن حالة التعدد الإحيائي توضح لنا إلى أي مدى كانت المهمة شاقة وصعبة بل ومستحيلة دون تدخُّل الله الغيبي؛ فقد كان على أمة من الرعاة أن تصبح سيدة الحكمة في عصرها) [٣] . ٣ - حجية السنة: جاء كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) بمنهج جديد للحديث النبوي؛ فما وجه الاعتراض عليه؟ يقرر العلاَّمة عبد الغني محمد عبد الخالق رحمه الله تعالى أن ما جاء عن الله تعالى لا يمكن أن يكون فيه اختلاف مع الحديث النبوي؛ إذ كلٌّ من القرآن والسنة من عنده . فلا يمكن أن توجد سنة صحيحة الثبوت عن رسول الله ﷺ تخالف الكتاب في الواقع وإن حصلت مخالفة في ظاهر اللفظ؛ لأن المراد من أحدهما حينئذ عين المراد من الآخر؛ وكل ما في الأمر أن هذا المراد قد يخفى في بادئ الأمر على المجتهد [٤] . وهناك من تمسَّك بأحاديث تدعو إلى عرض السُّنَّة على كتاب الله، ولكن أحاديث العرض على كتاب الله كلها ضعيفة لا يصح التمسك بها؛ فمنها ما هو منقطع، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول، ومنها ما جمع بينهما؛ وقد بين ذلك ابن حزم في الإحكام، والسيوطي في مفتاح الجنة نقلاً عن البيهقي بالتفصيل [٥] . فكل ما يصدر عن رسول الله ﷺ فهو: حسن جميل، معروف عند العقل السليم، وقد يقصر عقلنا عن إدراك حسنه وجماله، فلا يكون ذلك سبباً في إبطال صدوره عنه، أو حجيته، بل إذا رواه لنا الثقات وجب علينا قبوله، وحَسُنَ الظن به، والعمل بمقتضاه، واتهام عقولنا [٦] . ولكن كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) لا يتهم عقله في هذا الصدد إنما يتهم الثقات في رواية أحاديث رسول الله ﷺ . ٤ - رده للحدود الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة: يقول كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) : «فلا يمكن أن تكون شرعة القرآن هي شرعة (التخفيف والرحمة) ثم تستجيب لروايات تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيق شرعة (الإصر والأغلال) فإذا استجبنا لذلك فإن المسألة ستنتهي لما هو أخطر؛ فالقول بأن الرسول قد طبق شرعة الإصر والأغلال فذاك يعني أنه أي الرسول ليس هو النبي الأمي المبشَّر به في سورة الأعراف والذي من علائمه أنه يضع عن اليهود ومعتنقي الديانات السابقة شرعة الإصر والأغلال، ويتحول بالدين نحو الخطاب العالمي» [٧] . ويقرر الكاتب بأن الرجم وغيره من الحدود الشرعية هو من كيد اليهود؛ وذلك بهدف إبطال النبوة الخاتمة التي تنزلت على غيرهم [٨] . والسؤال: هل اليهود يريدون للحدود الشرعية أن تطبق في واقع المسلمين حتى يدسوا مثل هذه الأحاديث بين المسلمين؟ إن الكاتب من حيث يدري ولا يدري يخدم الأهداف اليهودية التي لا تريد للحدود الشرعية أن تطبق في المجتمع المسلم باعتبارها تمثل حجر الزاوية في مجال الضبط الاجتماعي في الإسلام. يريد الكاتب من المسلمين أن يتخلوا عن الحدود الشرعية باعتبارها شرعة توراتية حتى يقتنع الإنسان المعاصر بالدعوة الإسلامية؛ فالإصرار على تطبيق الحدود الشرعية (من شأنه حصر الإسلام ضمن حدود عالميته التقليدية حيث يتعامل مع الناس من منطلق الإيمان الوراثي) [٩] . ويعمل الكاتب على إيراد تفسير جديد لقول الله ﵎: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) ، فيقول: «قد أراد الله عبر هذا النص أن يطلعنا على تسببه التشريع المنزل تبعاً للحالات التاريخية والأوضاع الاجتماعية المختلفة. إن عقوبات القطع والرجم والجلد كانت سارية المفعول في ذلك العصر التاريخي السابق على الإسلام. إن الثابت في التشريع هو (مبدأ العقوبة) أو الجزاء؛ أما الأشكال التطبيقية لهذا المبدأ فموكولة لكل عصر حسب أوضاعه وأعرافه وقيمه بهذا استوعب القرآن متغيرات كل العصور، ويبقى كما أراد له الله صالحاً لكل زمان ومكان» [١٠] . هكذا تفعل منهجية الحداثة فعلها في رد النصوص الشرعية ومتابعة الهوى في تفسيرها. ٥ - الأصول العامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال: تشمل الأصول العامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال الآتي: الأصل الأول: رد النصوص والجرأة في الاعتراض عليها. ... الأصل الثاني: العبث في الأصول الشرعية للاستدلال وتشويهها. الأصل الثالث: إحداث أصول بدعية جديدة للاستدلال والتلقي [١١] . فهل يخرج كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) عن الأصول العامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال؟ لقد أخذ الكاتب بحظٍ وافر من تلك الأصول في رده للأحاديث الصحيحة وتشويهه للأصول الشرعية وتأسيسه لمنهج مبتدَع في هذا الصدد، والكاتب لا يخرج في ذلك عما نبه إليه ابن تيمية من قول بعض رؤوس الجهمية بشر المريسي أو غيره أنه كان يوصي أصحابه إذا جادلوا أهل السنة قائلاً: «إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل» [١٢] هذا هو منهج المبتدعة في تعاملهم مع الكتاب والسنة. وللفلسفة وزن كبير في التكوين الفكري للكاتب في الوقت الذي نجد أن العلوم الشرعية عنده تكاد تكون غائبة، وذلك له أبلغ الأثر في فكره الذي طرحه عبر (العالمية الإسلامية الثانية) ، وكما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى «ومن المعلوم أن المعظِّمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونها هم أبعد الناس عن معرفة الحديث، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم سواء كان موضوعاً أو غير موضوع» [١٣] . ولله درُّ ابن تيمية؛ إذ نجد أن الكاتب يردُّ بعض الأحاديث المتواترة في الوقت الذي يقبل فيه حديثاً باطلاً لا أصل له مع شهرة لفظه وهو: «اطلبوا العلم ولو بالصين» إذ أورده في كتابه (١/٢٥٥) في الوقت الذي قال فيه ابن حبان: هو باطل لا أصل له، وفي إسناده أبو عاتكة وهو منكر الحديث. وقد أخرج هذا الحديث البيهقي في الشعب ولفظه مشهور وأسانيده ضعيفة، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات [١٤] . ٦ - منهجه في تفسير القرآن الكريم: يقرر الكاتب بأن منهج الرسول ﷺ هو (حاكمية كتاب) مطلق لتتوارثه الأجيال؛ لذلك فهو يرفض من يقول بأن الرسول قد وضع تفسيراً للقرآن [١٥] . وهو بذلك يرد ما أوردته كتب السنة من تفسير نبوي لبعض آيات الكتاب المبين الذي نص القرآن على أن الرسول ﷺ من ضمن رسالته أن يبين للناس آيات التنزيل:. ويقرر الكاتب بأنه ليس ضد فهم السلف للقرآن بموجب التركيبة التي تناولوه من خلالها؛ غير أن تكشُّف القرآن عن تركيبة أخرى يجعلنا في مواجهة عطاء جديد ظل مكتوباً لمرحلة تاريخية خطيرة، مرحلة يهيمن بها القرآن على كل مناهج الفكر الوضعي، ويتجاوز بها كل معطيات الوضعية السلفية الدينية [١٦] . ويقرر الكاتب بكل ثقة بأنه مُقْدِم على عمل كبير في دراساته القرآنية التحليلية جعله الله من بدايات القرن الخامس عشر الهجري يشمل فهماً جديداً ناسخاً لمفهومات الوضعية العلمية والوضعية الدينية على سواء [١٧] . ولا يرى الكاتب أي غضاضة من أن يذكر بأن المنهج عبر التحليل قد أصبح بديلاً عن النبوة وذلك ليستدرك الإنسان بالتطور ضمن مقوماته الوضعية ما لم يستدركه بالتزكية النفسية ضمن مقوماته الروحية [١٨] . ٧ - محاكمة النصوص إلى الدماغ المعاصر: لا يختلف الكاتب عن العلمانيين الذين يشن عليهم هجومه في كتابه من حين لآخر وذلك في محاكمته للنصوص الشرعية إلى الدماغ المعاصر؛ فالإسلام يحاكم غيره ولا يتحاكم إلى غيره بأي حال. ويتضح بيان منهج الكاتب في محاكمة النصوص القرآنية إلى الدماغ المعاصر في قوله: «إذا تتبعنا مراحل التطور في التفكير الإنساني على ضوء فرضيات (جون ديوي) و (آثر بتلر) نستطيع أن نميز خصائص السلوك الفكري العربي في تلك الآونة بانتمائه إلى مرحلة الحركة الذاتية (sefaction) وهي مرحلة تتميز خصائصها بمحاولة الإنسان تفسير كل ظاهرة من ظواهر الكون بمعزل عن غيرها من الظواهر، فلم يكن الإنسان في تلك المرحلة قد أدرك ما بين ظواهر الكون جميعاً من علاقات، وقد أطلق رجال علم الأجناس البشرية على تلك المرحلة اسم الأنيميا (Animistic stage) . وبغضِّ النظر عن حقيقة التطورية أو بطلانها فالمهم أن التطورية بمدارسها المختلفة غير الدارونية الآن هي جزء من الدماغ المعاصر وتتضمن إسقاطاته النظرية على كل المواضيع بما فيها آيات الكتاب» [١٩] . وقد استخدم الكاتب مصطلح (التاريخيانية) ومصطلح (القطيعة المعرفية) بنفس المعنى المستخدم عن أهل النظرة العلمانية. ٨ - إنكاره للمعجزات النبوية ما عدا القرآن الكريم: يولع بعض الباحثين على شاكلة كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) في تصوير حياة النبي ﷺ بعيداً عن الخوارق والمعجزات، وإذا أمعنا في منبع هذه النظرية عن رسول الله ﷺ نجد أنها في الأصل فكرة بعض المستشرقين والباحثين من الأجانب أمثال (جوستاف لوبون) و (أوجست كونت) و (هيوم) و (جولد زيهر) وغيرهم، ثم تلقَّف هذه النظرية منهم أناس من المسلمين كان من سوء حظ العالم الإسلامي أن جندوا كل مساعيهم وعلومهم للتبشير بأفكار أولئك الأجانب دون أي مؤيد سوى الافتتان بزخرف خداعهم، وانخطاف أبصارهم بمظهر النهضة العلمية التي هبت في أنحاء أوروبا، وكان من هؤلاء المسلمين الشيخ محمد عبده، ومحمد فريد وجدي، وحسين هيكل [٢٠] . يقول كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) : «ثم يأتي من يفترض له معجزات كجريان لبن من بين أصابعه، أو تكثير خبز ليضاهوه بمن سبقه من الأنبياء، وهؤلاء مع غيرتهم قد جهلوا منهاج نبوته ورسالته وخصائصه وخصائص نبوته، فاختصروه إلى وعيهم الذاتي وهو أكبر من ذلك بكثير وبما لا يدرك منه إلا قليلاً» [٢١] . فالكاتب بإنكاره لمعجزات النبي ﷺ الحسية يخدم أهداف علماء الاجتماع الغربي والمستشرقين بعيدة المدى، ويجتر نظرياتهم العتيقة في هذا الخصوص ليجدد الدماء في عروقها؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. ٩ - تقييمه لفكر ابن عربي: يقرر الكاتب بأنه قد نسب إلى ابن عربي زوراً وجهلاً القول بوحدة الوجود والاستبطان الغنوصي والتأثر بالفلسفات الإغريقية والهندية؛ غير أن الدراسات المعاصرة قد قيَّمت فلسفته خارج إطار تلك المنسوبات من هذه الدراسات القيمة على حد قول الكاتب ما أصدره الدكتور (نصر حامد أبو زيد) [٢٢] ، فمن هو (نصر حامد أبو زيد) الذي استند إليه الكاتب في تقييمه لفلسفة ابن عربي؟! والحقيقة أن الطيور على أشكالها تقع، فقد طُرِحَتْ آراء مشبوهة من أمثال (فرج فودة) و (سعيد العشماوي) و (محمد أحمد خلف الله) ثم ما أثاره مؤخراً (نصر حامد أبو زيد) في كتاباته ومنها: (مفهوم النص) و (إشكاليات القراءة وآليات التأويل) و (نقد الخطاب الديني) التي دعا فيها إلى محاكمة «النص القرآني» وتأويل تعاليمه بما يخرجها عن معناها الشرعي، وقد صدرت فتوى من علماء الأزهر بردة (نصر حامد أبو زيد) على ضوء ما كتبه من آراء وأفكار منحرفة في حق الإسلام، والحُكمِ بالتفريق بينه وبين زوجته [٢٣] . وهكذا يعمل المبتدعة على تصوير ابن عربي مفكراً له إشراقاته وبصماته على الفكر الإسلامي، في الوقت الذي تشهد عليه آثاره بخلاف ذلك؛ فالعلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى يحكم على الكتب المتضمنة لفلسفة ابن عربي مثل: الفصوص، والفتوحات المكية وأمثالها بإذهاب أعيانها إن وجدت بالتحريق بالنار والغسل بالماء حتى ينمحي أثر الكتابة لما في ذلك من المصلحة في الدين [٢٤] . ١٠ - رؤيته بأن ربط توقيت فرض الصلاة بليلة الإسراء من الإسرائيليات: جاء في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من دواوين السنة أن الله تبارك وتعالى قد فرض الصلاة في ليلة المعراج مع ما هو معلوم من قصة موسى عليه السلام مع نبينا محمد ﷺ في هذا الشأن؛ ولكن كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) يرى أن ربط توقيت فرض الصلاة بليلة الإسراء (خدعة إسرائيلية) انطلت على المسلمين، وهي ليست مجرد خدعة عبثية، ولكنها مقصودة تهدف إلى التقليل من شأن النبي الخاتم ﷺ وإظهاره بمظهر المتلقي عن موسى بما يبطل إمامة محمد ﷺ لموسى عليه السلام، وبما يبطل نسخ القرآن للتوراة، هكذا قالوا: إن الصلاة فرضت في ليلة الإسراء؛ حيث فرضها الله علينا (خمسين) ركعة في اليوم لولا (إقناع) موسى ﵇ المتكرر لمحمد ﷺ للعودة مجدداً وأكثر من مرة إلى ربه ليخفض عدد الركعات، وهكذا بوساطة موسى ﵇ وتوجيهه لمحمد ﷺ أصبحت صلواتنا خمساً. ويقرر الكاتب أن الآثار المنسوبة إلى رسول الله ﷺ في هذا الصدد تجمع بين السخافة والبطلان؛ فمحمد ﷺ إمام لموسى ﵇ وليس العكس، وشريعته القرآنية ناسخة للشريعة التوراتية [٢٥] . أرأيتم كيف أن هذا الكاتب يخلط الأوراق؟ وقد سبق لي أن دخلت في محاورة عبر بعض الصحف اليومية مع أحد منكري السنة النبوية قال بنفس قول هذا الكاتب الذي ذكرته آنفاً. أين السخافة والبطلان في أن يراجع نبينا محمد ﷺ ربه في شأن الصلاة؟ أليس في هذه المراجعة مكرمة له ﷺ ؟ ففي الوقت الذي كان يراجع فيه النبي ﷺ ربه في هذا الخصوص كان نبي الله موسى ﵇ منتظراً في مكانه؛ فأيهما أفضل حسب هذه الرواية؟ وإذا كانت الرواية من نسج اليهود لقالوا بأن الذي كان يراجع الرب ﵎ في هذا الشأن هو موسى ﵇ وليس محمداً ﷺ . وهل يرضى اليهود بأن يروِّجوا بأن نبينا محمداً ﷺ قد عُرج به إلى السماء حتى ينسجوا مثل هذه الرواية التي تثبت معراجه ﷺ ، مما ينكره صراحةً أولئك الذين ينكرون السنة النبوية ومعجزاته الحسية ﷺ . إن إنكار مثل هذه المرويات المقطوع بصحتها فيه خدمة عظيمة لليهود والنصارى؛ إذ يعني تشكيك أهل الملة الإسلامية في معتقداتهم وبلبلة أفكارهم؛ فاليهود.. . اليهود هم الذين يروِّجون لمثل هذه الأفكار في المجتمع المسلم. ١١ - نظرة عصرية جديدة للإبداع الفني: يقرر الكاتب بأن سائر أنواع الجماليات التي تجسد حيوية الإنسان، وتفاعله مع الحياة تعد مقدمة ضرورية في بناء الإنسان الحضاري الحر المنطلق؛ ويقصد بهذه الأنواع النحت والرسم والموسيقى وسائر الجماليات الأخرى [٢٦] . ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى دراسة قيمة على حد زعمه كتبها (عبد المجيد وافي) بعنوان: (محمد والفنون) صدرت ضمن مجموعة مقالات: (محمد نظرة عصرية جديدة) ، وقد كفت هذه الدراسة الكاتب كما يقول عناء الموضوع، على ما في المعاناة من متعة؛ فقد أوضح وافي موقف القرآن والرسول من هذه الفنون بقوله: ولم يكن لرسول الله ﷺ موقف مباشر يهدف إلى إباحة شيء بعنوان الفنون، أو تحريم شيء بعنوان الفن [٢٧] . هذا القول المغلوط لا يمكن الأخذ به بكل هذه البساطة؛ فما تُوفي رسول الله ﷺ إلا من بعد ما بيَّن للأمة كل جزئية تقربهم من الله ﵎ أو تبعدهم عنه، وللإسلام كلمته القاطعة فيما يتعلق بالآداب والفنون، يؤخذ ذلك من كتاب الله تعالى وسنة الرسول ﷺ ؛ فهناك (أدب إسلامي) وفن (إسلامي) كما أن هناك (أدباً جاهلياً) و (فناً جاهلياً) ولكن الكاتب الذي يتجرأ في رد أحاديث النبي ﷺ القطعية الثبوت له رؤية أخرى في هذا الموضوع؛ إذ يقول: «والملاحظ هنا أن حجج المجوِّزين تعتمد على القرآن فيما رواه عن (سليمان) و (عيسى) ، وحجج المحرِّمين تعتمد على أسانيد (الأحاديث) وأهمها الحديث المنسوب إلى الرسول ﷺ برواية ابن عمر رضي الله عنهما وهو حديث متفق عليه في قوله:» الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم «وكان بإمكاننا حل المسألة في هذه الحدود بتكذيب مسندات الأحاديث؛ لأنها متعارضة مع نص قرآني. والرواة كما نعلم ليسوا أنبياء مهما تحققوا من مصادر الإسناد» [٢٨] . والهوى يجعل الكاتب يرى أن الحدود الشرعية التي وردت في القرآن الكريم تتعلق بشرعة الإصر والأغلال التي جاء بها موسى ﵇ فهي منسوخة، والهوى يجعله يرى أن ما أورده القرآن عن (سليمان) و (عيسى) ﵉ فيما يتعلق بالصور والتماثيل غير منسوخ في شريعة نبينا محمد ﷺ !! ! وبالرغم من أن الكاتب قد انتقد المذاهب الغربية بقوة كما بينا آنفاً إلا أنه عاد يكيل المدح لها مشيداً بروائعها الفنية والجمالية والحضارية؛ لأنه يريد للمسلمين أن يحذوا حذوها شبراً بشبر وذراعاً بذراع في هذا المجال، يقول (محمد أبو القاسم حاج حمد) : «هناك تصدح في ساحات (فيينا) كل مساء روائع الموسيقى التي أصبحت عالمية، وفي زواياها تنتصب تماثيل العباقرة من أبنائها الذين استلهموا معنى النغمة من الحياة» [٢٩] . وهل إنتاج أوروبا الفني والجمالي والحضاري نشأ من فراغ دون أن يكون لمذاهبها التأثير في تكوينه؟ وهل يتفق ذلك مع المذهبية الإسلامية؟ ١٢ - د. طه جابر العلواني وتقديمه لكتاب العالمية الإسلامية الثانية: د. طه جابر العلواني تقلَّد منصب رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي يتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقراً له لفترة طويلة، ويشغل الآن منصب رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بالولايات المتحدة أيضاً، وله آثار علمية طيبة وكثيرة، وهو الذي سعى إلى طباعة كتاب العلاَّمة الدكتور عبد الغني محمد عبد الخالق رحمه الله تعالى: (حجية السنة) بواسطة المعهد العالمي للفكر الإسلامي مع التقديم له بمقدمة طيبة، والذي يمثل سهاماً موجهة إلى نحر كل من يسعى إلى الغمز واللمز في السنة النبوية المطهرة كما فعل كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) . والشيء الذي أستغرب له هو: كيف قدَّم د. طه جابر العلواني لكتاب (العالمية الإسلامية الثانية) في طبعته الثانية بمقدمة لا تخلو من الإطراء والإعجاب بمحتوياته دون أن يبين ما حواه من قضايا منهجية خطيرة تُعد حرباً على الإسلام؟ ولا يشفع للدكتور قوله في المقدمة: (ومهما كان حول بعض ما أورده من ملاحظات أو تحفظات قد تتراوح بين النقد والقبول أو المراجعة، كل ذلك لا ينبغي أن يأخذ أو يلفت أنظارنا وعقولنا عن قضية الكتاب الأساسية التي هي قضية المنهجية المطلوبة لبروز العالمية الإسلامية الثانية، وظهور الدين على الدين كله، وبروز كلمة الله مرة أخرى في الأرض) [٣٠] . فهل المنهجية المبتدعة التي حواها هذا الكتاب من شأنها أن تخدم الدعوة الإسلامية؟ إن تقديم د. طه جابر العلواني للكتاب قد فتن ثلة من الباحثين المسلمين الذين يعملون في حقل تأصيل العلوم؛ فهل مثل هذا المنهج الذي جاء به يفيد عملية التأصيل؟ وقد قررت د. منى عبد المنعم أبو الفضل وهي ذات نشاط ملحوظ في أعمال المعهد العالمي للفكر الإسلامي كتاب (العالمية الإسلامية الثانية) ضمن منهاج النظم العربية للسنة النهائية بقسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة [٣١] . وقد بذل الكاتب شكره لأولئك الذين استضافوه في مراكزهم العلمية وجامعاتهم وندواتهم ومؤتمراتهم، وقد خص بالذكر منهم: المركز الإسلامي الثقافي في مالطا، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية في طرابلس، والجامعة العالمية في ماليزيا طلاب جامعة اليرموك بالأردن، منظمي مؤتمرات الاتجاه الإسلامي ولجنة فلسطين الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وجمعية الترقية الاجتماعية لولاية بسكرة بالجزائر [٣٢] . أما كان الحق يحتم أن تتدارس تلك الجهات الدعوية التي ذكرها الكاتب ما حواه كتابه وحمله فكره بتأنٍ ومراجعة شاملة لمنهجه، ووزن ذلك بميزان الكتاب والسنة قبل أن يحتفوا به؟ فما وافق الكتاب والسنة فهو الحق المبين، وما خالفهما لا بد من بيانه للناس بالتفصيل؛ فهذه قضية غاية في الأهمية وليس كما قرر د. طه جابر العلواني؛ فالجامعات والجمعيات والمراكز العلمية الإسلامية ذات تأثير واسع في حقل الدعوة إلى الله تعالى ويتحتم عليها أن تضبط مسيرتها القاصدة إلى الله تعالى بالكتاب والسنة. ونأمل أن يجد هذا الكتاب الاهتمام المطلوب من المختصين فينبري له من يرد على كل جزئية من جزئياته بالتفصيل حتى لا ينطلي زخرفه على بعض الناس. ونأمل أن يراجع (محمد أبو القاسم حاج حمد) ما سطره في كتابه: (العالمية الإسلامية الثانية جدلية الغيب والإنسان والطبيعة) وفقاً للثوابت الإسلامية دون أن يجعل للهوى نصيباً في ذلك؛ فما أكرم أن يرجع الإنسان إلى سبيل الحق المبين: [كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] (الرعد: ١٧) .

стр. 3504

قضايا ثقافية تشكيل القيم في أزمنة الوهن !! سليمان بن عبد العزيز الربعي الحديث عن تشكيل قيم الوعي المادية والروحية؛ حديث هويةٍ جمعيَّة لا ينفك عن ظروف الأمم ومناهج تفكيرها، وهو بكل حال حديث ذو شجون قلَّ أن يتاح لمرء مناقشته في فرصة، أو تشخيصه في مقالة؛ ولذا فكتابة اليوم أمشاج فِكَر تنتمي إلى مرحلة بعدية منه، أرجو ألا أجانب المنهج العلمي إن قلت: إن البحث فيها مدخل ضروري لفهم أوَّلياتها؛ وهي أوليات مهمة بلا ريب آمل أن يتسع الوقت لمناقشتها لاحقاً. وبدءاً، لا مناص من الإشارة إلى أنّ رُتْبَتَيِ القِيَم: المادة والروح مرتبطتان تماماً بالفعل الجمعي، مما يجعله بحثاً شاملاً لمناهج السيكيولوجيين والديموغرافيين المتميزة بالتباين المنهجي والتكامل البحثي، وهو أمر يشير كذلك إلى أهمية اصطحاب المناهج التطبيقية في البحوث المشاكلة، وصلة القيم بهذا تتأتى من القول بأن ملامح القسمين الآنفين تفريعٌ غنيُّ الدلالة لتلك المناهج؛ فالمعطى المادي قيمياً في التفكير والممارسة قريب الصلة بالعلاقات الإنسانية المتصفة بالجماهيرية والوقتية وعدم الفرز، مما يمنحها نعوت البراءة في التطبيق لمصطلح (العولمة) في مجالات بعينها. أما القيمة الروحية النوعية فعلى العكس؛ إذ ترتبط غالباً بالتشكيل الذاتي، وقد تخرج إلى فضاءات أرحب نسبياً، وتتميز بالتحليل والتروي والتفكير الطويل. ما أرمي إليه من هذه المقدمة، أولاً، التأكيد على أن قيم الروح تشكل في مناخات بالغة الحساسية، متميزة بالجدية والعملية والمعيارية، وهذا ما يجعلها صعبة على الطبيعة الإنسانية المجبولة على ضد هذه الصفات من تعلُّق باللهو والكسل وعدم الانضباط، وكل هذه الصفات وما ناظرها تؤول بسببٍ إلى الهوى الغلاب أو الجهل بحقائق الاستخلاف ومقاصده. والناظر في النصوص الشرعية يجد هذه المعالم بارزة أشد ما يكون في قصص المرسلين وحواراتهم عليهم صلوات الله وسلامه مع مخالفيهم، بل وفي مجمل النص خبراً وإنشاءاً، بحسب الأصوليين. والقصد الأبعد التالي هو التركيز على أن صراع القيم في المجتمعات صراع طبعي قد قدره الله تعالى، بل إنه سبحانه خلق الخلق على شاكلة مختلفة في الطاعة والمعصية. وأهل المعصية مختلفون متفرقون فيها، دون (أهل التوحيد) إذ هم الأمة الواحدة يدل عليه قوله تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ....] (هود: ١١٨-١١٩) . فالناس لا يزالون «مختلفين في أديانهم على أديان وملل وأهواء شتى، (إلا من رحم ربك) فآمن بالله وصدق رسله؛ فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله» [١] ، ويؤكد هذا المعنى أن الآية الكريمة وضَّحت أن الخلق قد جاؤوا على هذا التقدير الحكيم: [وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] (هود: ١١٩) ، أي: «وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم» [٢] ، دون أن يُفهم منه أن المختلفين غير ملومين على اختلافهم كما فهمت المعتزلة؛ بل اللام هنا بمعنى (على) [٣] ، أي: وعلى هذا التقدير خلقهم. بل أبعد من هذا الأسلوب الخبري: أن تتضمن آيات الذكر الحكيم والحديث الشريف أساليب إنشائية كثيرة تحث على الموازنة بين قيم المادة والروح، وأبعد: أن تنهى عن القعود والتبتل والانقطاع التام عن الدنيا؛ إذ فيه أي الانقطاع مفاسد تتنافى مع حِكَمِ المولى ﵎ في الاستخلاف. المهم: إدراك أن الاختلاف القيمي سُنَّة ربانية لا سبيل لدفعها؛ ولذا فالحديث يرمي إلى محاور ذاتية داخل حيز الحقيقة الكونية الكبرى، وهي ما تمثل مجالات البحث والمراجعة والتقويم. ولئن كانت الآية الكريمة تقرر هذه الحقائق بسبيل عام ومقاصد كبرى فإن في الواقع الواحد الذي يتميز أهله بأنهم (لا يختلفون في توحيد الله.. . إلخ) كثيراً من سلبيات التطبيق للقيم وممارساتها الفردية والجمعية، وكثيراً من الآثار المترتبة على الخلل المنهجي والمضموني في تعامل مؤثرات التوعية وآلياتها مع الجماهير، ولعلي أكتفي هنا بالإشارة إلى مفارقات الوعي بين نوعي القيم؛ حيث طغت على الأجيال الجديدة القيم المادية المرتبطة كما سلف بالهوى والكسل على حساب قيم فضلى تمثل على سبيل الحقيقة صِمَام أمان للمجتمع من الفراغ النفسي والروحي، وهذا الاهتمام السالب يتوجه بأوَّلية إلى النشاط الذهني والفكري لأثرهما الكبير على المناشط الأخرى. والحقيقة الكبرى التي لا ينبغي أن تغيب عنا؛ أن هذه الأجيال لا تتحمل تبعة المفارقات القيمية وحدها؛ بل ثمة روافد كثيرة ومؤثرات عدة، تعمل عملها في تشكيل مخيلات التوعية لهم وللأمة بعموم؛ فالبيت مثلاً وهو النواة الأولى للأجيال، كثيراً ما تنعكس سلبياته على التشكيل القيمي للشاب. وفي ظروف كثيرة يعمل التخلخل العلائقي بين قطبي البيت على تمزيق القيم الإيجابية لدى المُشاهد الراصد (المؤثَّر فيه) = الابن، ومن ثم تجد القيم السلبية طريقها الرحب في وعيه المنعكس على سلوكه. إن كثيراً من مشكلات الشباب القيمية أياً كان نوعها هي في الغالب حصيلة طبيعية لمآسٍ ذاقوا ويلاتها وتجرعوا غصصها، فلم يجدوا سوى السلوك المشين للتعبير عن رفضها والسخط عليها هذا من جهة. وهم لم يجدوا سوى الحرية غير المؤطرة لإشباع رغباتهم النفسية الظامئة من جهة أخرى؛ فهم ناقمون ظامئون. مشكلة المؤثرات التي تنصهر في مثال البيت أنها بعيدة عن إدراك حاجة الجيل للقيم الروحية. ومشكلة آليات تشكيل الوعي أنها لا تنظر إلى النفس قدر نظرتها إلى أهداف أخرى؛ فالقنوات الفضائية (الفضائحية) تتعامل مع القيم والمجتمع تعاملاً تجارياً صرفاً، همها الأول والأخير: الاستقطاب. ولا بأس عندهم أن يكون هذا الاستقطاب على حساب القيم الشعورية والروحية للمشاهد؛ إذ هي أبعد ما تكون عن الإسهام في تشكيل القيم الإيجابية في النشء، ناهيك عن القنوات التي ترمي، أصلاً، إلى خلخلة القيم بشكل صريح، وكثير من الكتّاب الصحفيين مشغول بغير شغل، وجُلُّ دور النشر تقذف التشكيك العقدي، (وتسهم) بدفع الروايات الخواء للجيل! في هذا الجو الملوث تتشكل القيم! غير أنها القيم المادية التي تعمل في النفوس عملها السالب، فتضخم الشك، وتفرغ الفكر، وتسلم متلقيها إلى مهاوي الردى! في مثل هذه الظروف الصعبة، وإن تنوعت درجاتها، تتصف القيم المشكَّلة بالسلبية الحادة التي لا يمكن دفعها بآمال عابرة، ويُصاب الجيل بأزمة قيمية عنيفة ينعكس صداها على سلوكهم اليومي في مناشط الحياة كافة. والذي يحز في النفس أن تتعامل بعض الدوائر التربوية والأكاديمية إزاء ظاهرة الهبوط القيمي لدى الشباب بـ (سوريالية) غير مفسَّرة، وذلك عندما تحلل أسبابها أي الظاهرة بضيق أفق ظاهر، بعيداً عن تلمس المؤثرات الفاعلة. إن الجيل الذي يُمارس فاعليته السلبية في القيم والوعي هو على العموم ضحية العوامل المؤثرة، وهو في الوقت ذاته يعيش فراغاً نفسياً هائلاً يندر فيه الموجه الحكيم! إن كثيراً من الذين نرى فيهم الشر والنزعة الجامحة لقيم المادة الطاغية، إنما هم في الأعم الأغلب ذوو نفوس حيرى، قد أرهقهم الضيم الذي عايشوه، وأودى بهم القَيِّم غير الكفء، ونفوسهم في الوقت ذاته نفوس عطشى لمتجرد نبيل ينتشلها من سَوْرَاتِ الخوف والضنك في مثالها الذي تعيشه من قيم دنيا، إلى رحاب الطمأنينة والحب والخير متجسدة في قيم الروح الفاضلة. وهكذا كلُّ نفس تجد في مربيها الصد والخوف، تسعى لأمانها الضائع، وتهش لبارقة أمل من حكيم يُخرجها من تيه المادة إلى يقين الروح. إن السحرة الذين حشرهم فرعون لمواجهة موسى ﵇ مع الإشارة إلى الفرق في المثال قد جاؤوا بنفوس ظاهرها الحرص على الشر والرغبة في المغالبة يُقصيهم عن الود كفرهم بالله، وذاك الخطاب الشهير يوم الزينة؛ إذ جاء مكثفاً بالتذلل والخنوع لفرعون الذي يقول لبني إسرائيل: [مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي] (القصص: ٣٨) ، [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] (النازعات: ٢٤) ، ويقول لموسى: [قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ] (الشعراء: ٢٩) . إنهم يقولون، في مواجهة الداعية ﵇ مستظهرين العزة، محاولين الترهيب بالقسم: [بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الغَالِبُونَ] (الشعراء: ٤٤) . هؤلاء المتظاهرون بالطغيان والجبروت، ما هم في الحقيقة سوى أصحاب نفوس ضائعة، نفوس فارغة من الهم، مكتظة بالفراغ، سابحة في الضيق الذي لا ترى منه مخلصاً إلا بالعبّ من الشهوات. وهم لذلك لم يشترطوا على حاشرهم (فرعون) إلا المال فقضيتهم التمتع فحسب، ولو كانوا أولي هدف لعملوا لنصرة سيدهم ورب نعمتهم؛ أما وقلوبهم هواء من برد اليقين، غريبة غرابة مواجدهم، فليسألوا المال طرداً للهمِّ بالهمِّ. إنهم بعيدون في شعورهم من مشاركة فرعون مشاركة وجدانية، بل هم أُجراء: [أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ] (الشعراء: ٤١) . وحين يرى هؤلاء آيات اليقين وأمارات الطمأنينة بالإيمان ينجلي الغبش وتهفو النفس. وحين يعاتبهم الطاغية على اليقين ويستكثر عليهم الطمأنينة تصدع النفوس قبل الألسن بأنه كان سبب السلب الحقيقي وأداة القيمة المادية الفاعلة: [إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى] (طه: ٧٣) ، إنه كان يُكرههم على القيمة السالبة بسخرتهم في تعلم السحر وصرفهم إليه صغاراً، فهو متجبر في القوامة، قد سلبهم أمانَ النشء ويقين الفطرة، وغشهم في الرعاية. إن علماء النفس والاجتماع الغربيين يتحدثون عن إشكاليات خطيرة في واقع الأجيال، وهي مشكلات تزداد صعوبة في كل يوم في أزمنة القيم المادية المشرعة؛ فمثلاً نجد أن المنتسبين إلى حركة (حافظي الوعد) (Promise keeprs) الغربية وهم في ازدياد قد سئموا سُعار المادة الطاغي، فأجمعوا على بنود سبعة تمثل بالنسبة لهم أسس الممارسة، وعليها بناء الوعي القيمي لشبابهم، وهي بنود تطغى عليها الديانة النصرانية وتتوجه إلى ربط الجيل بمستوى أخلاقي نوعي؛ إذ يشير البند الثالث إلى أن على المنتسب للحركة الالتزام بممارسة (الطهارة الروحية والمعنوية والأخلاقية والجنسية) وفي فقرة أخرى نلحظ الاهتمام بالتكافل الاجتماعي ولو على نطاق ضيق [٤] . ونحن مع التسليم بضلالهم المبني على سوء الاعتقاد بالله ورسله واليوم الآخر، لا نرمي إلى مناقشة تلك الأسس من منظور إسلامي، بل القصد: الإشارة إلى الرغبة الطاغية لأمم الأرض اليوم في استعادة شيء من الهوية، وحرصها على تشكيل الجيل تشكيلاً جديداً ينأى به عن طغيان المادة وفراغ الحضارة الموحش. ونرمي من وراء ذلك كله للتساؤل الملحّ: أفليس المسلمون وهم أهل الحق والدين القويم أجدر الأمم بالعمل على استعادة تاريخهم المجيد بتربية أجيالهم على قيم الدين المستقيم؟ أفليس المسلمون أوْلى الناس بالعمل على مغالبة أزمنة الوهن بتحصين أجيالهم وتشكيل وعيهم تشكيلاً قيمياً نافعاً؟ ولا ريب أنها مهمة كبيرة على المربين، غير أن ثمة بواعث واقعية ينبغي أن تجعلهم يستسهلون الصعب، كان من آخرها المسابقة التي أجرتها إحدى الإذاعات العربية؛ حيث لم يستطع مستمع واحد أن يذكر اثنين من المبشَّرين بالجنة، في حين لم يتخلف أحد عن الإجابة الصحيحة في ذكر «اللقب» الشهير للمطرب الذي رحل يوم كان المستمعون الآن ما يزالون في أصلاب آبائهم!!

стр. 3505

في دائرة الضوء وجهة نظر: حول ظاهرة أسلمة العلوم د. أحمد إبراهيم خضر [*] ظهر في العَقدين الأخيرين دعاوى جديدة ذات أصول قديمة ومتكررة تحمل اسم: (مشروع أسلمة وتأصيل العلوم) والتكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية؛ أو التكامل بين معطيات الوحي والخبرة البشرية، وأنشئت لهذا الغرض جامعات ومعاهد وكليات تخرِّج أجيالاً تحمل هذا الفكر وتروِّج له. اتجاهات ثلاثة تؤصل المشروع: وهناك اتجاهات ثلاثة داخل هذا المشروع، أحسب أنها: تتسم جميعها بسمة الاستعلاء على الكتاب والسنه وما انبثق منهما من شريعة وفقه. يلبس الاتجاه الأول ثوب الاعتدال، وهو أخطرها فيدعو أصحابه إلى الاستعانه بالقواعد الفقهية والمنهجية الأصولية، وتطبيقها في العلوم الاجتماعية، وعرض نتائج العلوم الاجتماعية على علماء الدين وإقامة جسر بينهما. ويغلب على الاتجاه الثاني صفة السطحية والوصولية. أما الاتجاه الثالث فقد تطرف إلى الحد الذي دعا فيه إلى نقد التراث ومراجعة الدراسات التى بنيت على القرآن والسنة وتجديدها مع استبعاد مفاهيم الحق والباطل والإيمان والكفر.. . إلخ [١] . وأياً كانت الاتجاهات داخل هذا المشروع بما فيها الاتجاه المعتدل فإن جميعها تعتقد أن مستجدات العصر قد أحدثت خللاً في الأبنية الاجتماعية ومشكلات لم تكن قائمة في الصدر الأول مما يستوجب مواجهتها بالعلوم الاجتماعية العصرية الحديثة؛ مع مراعاة اتساق ما يؤخذ منها مع الكتاب والسنة. فالمسالة إذن ليست مواجهة تغيرات العصر بحلول مستنبطة من الخطوط العريضة للشريعة، أو إقامة مصالح الدنيا بالرجوع إلى التعاليم المتضمَّنة في القواعد الكلية للشريعة، وإنزال الوقائع المتجددة التي تعرض للأفراد والجماعات عليها، وفحص ما يترتب عليها من المصالح والمفاسد، وإنما الاستعانة بنظريات وتحليلات العلوم الاجتماعية والخبرة البشرية التي لا يبدو لهم أنها تتعارض مع معطيات الوحي في مواجهة هذه التغيرات، فيصبح لدينا مصدران للتعامل مع الحياة الإنسانية هما: العقل، والشرع. وهذا اتجاه قديم ترجع جذوره في اليهودية عند فيلون السكندري، وفي النصرانية عند كليمونتس وتلميذه أوريجنس، وفي الإسلام عند أبي يوسف الكندي، وإخوان الصفا، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وغيرهم. ولأن أكثر الناس لا يجمعون بين معرفة حقيقية بما جاء به الأنبياء والرسل وحقيقة الأفكار التي تحملها هذه الدعاوى سادت البلبلة والفوضى الفكرية مما أتاح الفرصة لانتشار مثل هذا الفكر [٢] . ويمكن القول حسبما نرى بأن المشروع برمته بما فيه الاتجاه المعتدل يقع في خطأ أساس وهو عدم اعتقاد كمال الشريعة وتمامها وعدم كفايتها في مواجهة تغيرات العصر، وكأنما الله تعالى الله عما يتصورون - لا يعلم بأن هذه التغيرات ستحدث فلم يحسب حسابها، فجاء هذا المشروع ليستدرك ويستكمل على الله، فسلب صفات الكمال عن الله تعالى وعلوه على خلقه وكماله وقدرته، وزاد في الدين وأفسده وخلطه بما لم يأمر الله به، ولبّس الحق بالباطل وأعطى مشروعية لهذا الباطل. ولا يخرج هذا المشروع برمته عن كونه هوى متبع وتبدُّع وتنطُّع وخروج على الصراط المستقيم بنص مصطلحات العلماء لا مصطلحاتنا؛ وذلك لأن الطرائق في الدين تنقسم إلى ما له أصل في الشريعة، وما ليس له أصل فيها، والأخير هو القسم المخترَع، أي إنه طريقة ابتدعت على غير مثال تقدَّمَها في الشرع. ومن خواص البدعة أنها خارجة عما رسمه الشارع، ومن ثَمَّ يدخل هذا المشروع تحت هذا المسمى؛ فالشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة والنقصان، كما أن الله تعالى قد أكمل للرسول ﷺ ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته ولم يحوجه لا هو ولا أمته إلى عقل أو نقل سواه، وأنكر الله تعالى على من لم يكتف بالوحي فقال: [أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ] (العنكبوت: ٥١) وقال تعالى: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ] (النحل: ٨٩) وقد تُوفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذَكَرَ منه لأمته علماً. هدف المشروع: حدد دعاة المشروع أهدافه في إعادة صياغة العلوم في ضوء الإسلام مما يؤدي إلى أسلمة العلوم بثلاث طرق بريئة المظهر، وأحسبها فاسدة المخبر وهي: ١ - فهم العلوم الحديثة واستيعابها في أرقى حالات تطورها والتمكن منها، وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام. ٢ - فهم واستيعاب إسهامات التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور، وتقدير جوانب الضعف والقوة في ذلك التراث في ضوء حاجة المسلمين في الوقت الحاضر، وفي ضوء ما كشفت عنه المعارف الحديثة. ٣ - القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد تركيبة تجمع بين معطيات التراث الإسلامي وبين نتائج العلوم العصرية مما يساعد في تحقيق غايات الإسلام العليا [٣] . أما الأهداف الحقيقية لهذا المشروع فتتلخص في الآتي: ١ - إضفاء الشرعية على علوم أوروبية الصنع ليست حيادية كالعلوم الطبيعية، وإنما ذات موقف خاص من الدين؛ فهي قد نشأت أصلاً لتزيح الدين وتحل محله، وتجعل الإنسان محور الكون بدلاً من الله، وترى أن الدين من صنع الإنسان، وأن التجربة الدينية الآن مواجهة مع الله وتحد له. ومن ثَمَّ فهي فاسدة الأصل، وفساد الأصل لا بد أن يمتد إلى كل فروعه. ٢ - إفساد المقصد من الشريعة وضرب الفقه الأول؛ وذلك بتلقيح الشريعة بمعطيات هذه العلوم مع تحميل هذا الفقه أوزار تخلُّف المسلمين وما يسمونه بتشويه شخصياتهم، ومن ثَمَّ إزالة هيمنتهما على العقل المسلم. ٣ - استبعاد مفاهيم الحق والباطل، والإيمان والكفر، والفرقة الناجية والفرقة الهالكة، وغير ذلك من المفاهيم المحورية في الإسلام بحيث تكون آخر ما يُرجَع إليه. ٤ - تحويل المقولة القديمة لزكي مبارك إلى واقع ملموس وهي التي يقول فيها: «قد نزعنا راية الإسلام من أيدي الجهلة ويقصد بهم علماء الدين - وصار إلى أقلامنا المرجع الأول في شرح أصول الدين» . وقد وصف الشيخ مصطفى صبري هذه الأقلام بأنها أقلام تنتقص خزائن الإسلام الفقهية التي ورثناها من السلف بأصولها وفروعها، وتفتح حصون العلوم بأسلحة مطلية بالذهب بدل الفولاذ المحض [٤] . مكمن الخطورة في المشروع: وتكمن خطورة هذه الدعاوى في الآتي: أولاً: الإيحاء بان الشريعة لم تتم: تعطي هذه الدعاوى الإيحاء بأن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها، ولو كان أصحاب هذه الدعاوى معتقدين كمالها وتمامها من كل وجه لما فكروا في الاستدراك عليها. قال مالك في هذا: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] (المائدة: ٣) فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً. ثانياً: معاندة الشرع ومضاهاة الشارع: عيَّن الشارع لمطالب الناس طرقاً خاصة على وجه خاص، وقصَرهم عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها والشر في تعدِّيها؛ لأن الله تعالى يعلم، ونحن لا تعلم. ولهذا فإن من زعم بأن هناك طرقاً أخرى غير التي حصرها الشارع وعينها؛ يعني أن الشارع يعلم وهو يعلم أيضاً، بل يفهم أنه استدرك الطرق الجديدة على الشارع أي علم ما لم يعلمه الشارع. يضاف إلى هذا أنه أنزل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق بها وتفرد بذلك؛ فهو الذي حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون ودعواه هذه تعني أنه صيَّر نفسه بمنزلة النظير والمضاهي الذي يشرِّع مع الشارع؛ فيكون بذلك قد رد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وفتح للاختلاف باباً. ثالثاً: تلبيس الحق بالباطل: لو كانت العلوم الإنسانية أو الخبرة البشرية باطلاً محضاً لما قبلت، ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها؛ ولو كانت حقاً محضاً لكانت موافقة للشريعة. لكنها تشتمل على الحق والباطل ويلتبس فيها الحق والباطل. وقد قال تعالى: [لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] (آل عمران: ٧١) ، فنهى الله بذلك عن تلبيس الحق بالباطل. ولَبْسُه هو خلطه حتى يلتبس أحدهما بالآخر. والشريعة حق محض والعلوم الإنسانية والخبرة البشرية فيها الحق والباطل، والجمع بين ما هو حق محض وما هو حق وباطل تلبيس لأحدهما بالآخر. والتلبيس هو التدليس والغش الذي باطنه خلاف ظاهره؛ فكذلك الحق إذا لُبِّس بالباطل يكون قد أظهر الباطل في صورة الحق، وتكلم بمقولة لها معنيان: معنى صحيح، ومعنى باطل؛ فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح ومراد المتكلم هو الباطل. رابعاً: اجتهاد في غير موضعه ومن غير أهله: يضع أصحاب هذه الدعاوى أنفسهم موضع المجتهدين في الدين. والاجتهاد ضربان: أحدهما: الاجتهاد المعتبر شرعاً وهو الصادر من أهله الذين اضطلعوا بما يفتقر إليه الاجتهاد. والثاني: هو غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ وحقيقته كما يرى العلماء «أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض، وخبط في عماية، واتباع للهوى» فكل رأي صدر على هذا الوجه لا شك في عدم اعتباره لأنه ضد الحق الذي أنزله الله تعالى يقول تعالى: [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ] (المائدة: ٤٩) . إن أصحاب هذه الدعاوى ليسوا من أهل الاجتهاد، ولكنهم أدخلوا أنفسهم فيه خطأً ومغالطةً؛ فالشروط الشرعية المتطلبة في المجتهد لا تتوفر فيهم، كما لم تتوفر فيهم كذلك شروط العالم بالعلم الشرعي التي منها: أن يكون عارفاً بأصوله وما ينبني عليه، قادراً على التعبير عن مقصوده فيه، عارفاً بما يلزم عنه قائماً على دفع الشُّبَه الواردة عنه. خامساً: قياس للدين بالرأي: خص الله تعالى بالهداية من علم فيه القبولَ والإنصاف والأهلية. كما قال في إبراهيم ﵇: [وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ] (الأنبياء: ٥١) . وقال معاذ: العلم والإيمان مكانهما، من طلبهما وجدهما، فاطلبوا العلم من حيث طلبه إبراهيم، حيث قال: [وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] (الصافات: ٩٩) . فأصحاب هذه الدعاوى طلبوا الدين من غير طريق الأنبياء. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، أشدهم فتنة الذين يقيسون الأمور بآرائهم» [٥] . وسماهم ابن المبارك بالأصاغر أي الذين يقيسون الدين بآرائهم وعلى غير أصل، فيتكلمون فيه بالتخرُّص والظن. إن عملهم لا دليل عليه في الشرع، وقد يدفعهم اجتهادهم المزعوم إلى القول في القرآن برأيهم؛ في حين أنه لا بد عند القول بالقرآن من بيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد، وهذا ما لم يتوفر فيهم. وقد نقل عن الصدِّيق ﵁ أنه قال: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني أن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم، أو قلت في كتاب الله برأيي؟» [٦] وهذا هو ثاني اثنين إذ هما في الغار. سادساً: اتباع للهوى: إذا لم يكن العقل متبعاً للشرع لم يبق إلا الهوى والشهوة. وقد أوضح العلماء أنه لو كانت الأهواء واحداً لقال قائل: لعل الحق فيه، فلما تشعبت وتفرقت عرف كل ذي عقل أن الحق واحد لا يتفرق. الأمر إذن محصور بين الوحي وهو الشريعة، وبين الهوى ولا ثالث لهما؛ وهما متضادان؛ وحيث تعين الحق في الوحي توجه الهوى ضده، واتباع الهوى مضاد للحق وفي كل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى جاء في معرض الذم له ولمتبعيه ومعنى ذلك أن الشريعة هي الوحي وهي الحق، وأن العلوم الإنسانية والخبرة البشرية (بحقها وباطلها) هي الهوى؛ لأن الحق واحد لا يتفرق كما ذكرنا. سابعاً: زيادة في الدين: يقول العلماء: «إن رفع المظنون في العقليات إلى مرتبة المعلوم زيادة في الدين» ؛ لأن فيه تجويز خلو كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ من بيان بعض مهمات الدين؛ وقد جاء الرسول ﷺ بالدين القيم تاماً كاملاً ليس لأحدٍ أن يستدرك عليه، وقد أكمل الله له الدين ولأمته من بعده. ويعرف العلم الحق بأنه صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، وهو الذي يجمع ما بين الجزم والمطابقة والتثبت عند التشكيك. ولهذا نقول: إنه لولا الفرق بين العلوم الشرعية والعلوم الظنيه لما تميز إسلامٌ مِنْ كفر، ولا شرك من توحيد، ولا صحيح من خاطئ. هذا الفرق هو الذي يسميه أصحاب هذه الدعاوى بالفصل التعسفي ويسعون إلى القضاء عليه، فإذا تم لهم ذلك التبست الظنون بالعلوم الشرعية ودخل فيها ما ليس منها. ثامناً: طلب للشريعة بما هو غير أداة لها: إن هذه العلوم التي يسعون إلى تأصيلها إسلامياً وجمعها مع الشريعة علوم أوروبية الصنع كما ذكرنا صدرت بلسان غير عربي. والشريعة نزلت بلغة العرب لا دخل فيها للألسن الأعجمية. والله تعالى يقول: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ] (يوسف: ٢) ، ويقول أيضاً: [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ] (الشعراء: ١٩٥) . ولذا يلزم عند فهم الشريعة الاقتصار على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، وليس إلى غيرهم. كما لا يستقيم للمتكلم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يتكلم فوق ما يسعه لسان العرب. وينطلق أصحاب هذه الدعاوى في سعيهم إلى أسلمة العلوم من المفاهيم والمصطلحات الغربية بالبحث عن أصول لها في القرآن والسنه ولو تعسفاً، وقد حسم العلماء هذه المسألة بقولهم: «إن كل معنى مستنبط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء، ولا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل» . تاسعاً: الخروج على مقتضى وضع الشريعة التي جاءت للعموم: تتضمن العلوم الإنسانية التي يسعى أصحاب هذه الدعاوى إلى تأصيلها إسلامياً وجمعها مع الشريعة ترسانة ضخمة من المصطلحات الغامضة والنظريات المتعددة التي تحتوي على تناقضات فكرية وتصورات متباينة. ومع ذلك فإن عالم الاقتصاد الأمريكي (فرتز ماشلوب) يقول: «إن معنى العلم أمر لا يستطيع رجل الشارع أن يفهمه، والمعرفة لا تدنو منها إلا العقول العالية فقط» وذلك في معرض محاولته إضفاء الصبغة العلمية على العلوم الإنسانية. والأمر نقيض ذلك في الشريعة، فقد خرَّج الترمذي وصححه عن أُبي بن كعب قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل، فقال: يا جبريل! إني بُعثت إلى أمة أمية فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، فقال: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» [٧] . ولهذا يقول العلماء: إن طلب ما لا يشترك عامة الناس فيه في الشريعة خروج على مقتضى الشريعة الأمية [٨] التي تسع تكاليفها الاعتقادية والعملية الأمي فيتعقلها ويدخل في حكمها، كما أنها قريبة الفهم سهلة على العقل؛ بحيث يفهمها من كان ثاقب الفهم أو بليداً؛ فلو كانت الشريعة مما لا يدركها إلا الخواص والمثقفون لم تكن شريعة عامة ولا أمية. عاشراً: محدَثات ومخالفات لم تكن على عهد الأولين: إن خير القرون هو قرن رسول الله ﷺ وصحابته ثم الذي يليه، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، وأصحاب هذه الدعاوى في قرننا هذا إما أنهم أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون، أو أنهم حادوا عن فهمها. وهذا الأخير هو الصواب. وقَرْنُ رسول الله ﷺ والذي يليه من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الشريعة إلا ما كانوا عليه، ولم تكن هذه المحدَثات فيهم ولا عملوا بها بالرغم من أنهم عاصروا أكبر حضارتين وقتها، وظلت الشريعة على نقائها وصفائها فيهم. وصحبح أن هناك من العلماء من تجاوز الحد في الدعوى على القرآن؛ فأضاف إليه كل علم يذكر للمتقدمين في علوم الطبيعة والمنطق وغيرهما، لكن هذا لم يحدُث من السلف الصالح الذين كانوا أعرف بالقرآن ويعلمون ما أُودِع فيه، ولم يبلغنا أن أحداً منهم تكلم في شيء من ذلك؛ مما يدل على أنه لا يجوز أن يضاف إلى الشريعة ما لا تقتضيه أو أن ينكر منها ما تقتضيه. وأخيراً: فإن العلم وسيلة من الوسائل وليس مقصوداً بذاته، وذلك حسب نظر الشرع، وكل علم لا يفيد عملاً ولا يترتب عليه ثمرة تكليفية ليس في الشرع ما يدل على استحسانه، ولو كان له غاية شرعيه لكان مستحسناً شرعاً، ولهذا فإن هذا المشروع لا يفيد علماً ولا عملاً ولا يترتب عليه ثمرة تكليفية، وليست له غاية شرعية، ومن ثم فهو ليس بمستحسن شرعاً. إن هذا المشروع يدخل تحت مقولة البَطْرِيَرْك التي نصح بها ملك الروم حينما عرض عليه أمر طلب خليفة المسلمين بترجمة كتب الفلسفة وغيرها إلى العربية: «أيها الملك! أرسلها إليهم، والله! ما دخلت هذه الكتب على قوم عندهم شريعة سماوية إلا أفسدت شريعتهم، وأوقعت الخصومة بينهم» [٩] .
следующие страницы →