← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

متابعات الشيخ سيد سابق ودمعة وفاء لرحيل العلماء نشأت أحمد في عام واحد فقد العالم الإسلامي كوكبة من خيرة علمائه ممن اشتهر عنهم طول الباع في العلم والعمل ولزوم السنة حتى كان كل واحد منهم أمة وحده. وإذا كان موت العالم موتاً للعالَم فإن مصيبتنا في هؤلاء الرهط تجلُّ وتعظم، ولئن كان مصاب الأمة فادحاً في جراحها في كشمير وفلسطين وكوسوفا والشيشان و.. .. فإن مصابها في علمائها أفدح؛ وكيف لا، وقد كانوا سمعها وبصرها؟! وقد كان آخرهم موتاً الفقيه المجاهد الذي كان له من اسمه حظ ونصيب؛ الشيخ سيد سابق ﵀ إذ توفي في القاهرة على إثر وعكة اشتدت به، لزم فيها المستشفى أسبوعين افتقده خلالهما محبوه وتلاميذه على أمل أن يعود، ثم احتسبوه عند ربهم في جنازة شاهدة مشهودة رأينا فيها أثر عمر عامر بالعلم والجهاد. ولد رحمه الله تعالى في يناير (كانون الثاني) عام ١٩١٥م بقرية «إسطنها» من مركز (الباجور) بمحافظة المنوفية، وأتم حفظ القرآن ولم يتجاوز تسع سنوات، التحق على إثره بالأزهر في القاهرة، وظل يتلقى العلم ويترقى حتى حصل على العالمية في الشريعة عام ١٩٤٧م، ثم حصل بعدها على الإجازة من الأزهر وهي درجة علمية أعلى [١] . عمل بالتدريس بعد تخرجه في المعاهد الأزهرية، ثم بالوعظ في الأزهر، ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف في نهاية الخمسينيات متقلداً إدارة المساجد، ثم الثقافة.. فالدعوة فالتدريب إلى أن ضُيِّق عليه فانتقل إلى مكة المكرمة للعمل أستاذاً بجامعة الملك عبد العزيز، ثم جامعة أم القرى وأسند إليه فيها رئاسة قسم القضاء بكلية الشريعة، ثم رئاسة قسم الدراسات العليا، ثم عمل أستاذاً غير متفرغ. وقد حاضر خلال هذه الفترة ودرَّس الفقه وأصوله، وأشرف على أكثر من مئة رسالة علمية، وتخرج على يديه كوكبة من الأساتذة والعلماء، وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة عاد إلى القاهرة واستقر بها حتى وافاه الأجل. شاب على الجادة: تربى الشيخ في مقتبل حياته في الجمعية الشرعية على يد مؤسسها الشيخ السبكي ﵀، وتزامل مع خليفته الشيخ عبد اللطيف مشتهري ﵀، فتشرَّب محبة السنة. وكان لهمَّته العالية وذكائه وصفاء سريرته أثر في نضجه المبكر وتفوقه على أقرانه، حتى برع في دراسة الفقه واستيعاب مسائله وما أن لمس فيه شيخه تفوقاً حتى كلفه بإعداد دروس مبسطة في الفقه وتدريسها لأقرانه ولم يكن قد تجاوز بعدُ ١٩ عاماً من عمره. وكان لشيخه أثر عظيم على شخصيته وطريقة تفكيره، ومن ذلك ما يحكيه في بداية حرب فلسطين فيقول: وقد كنا في ريعان شبابنا أخذني الحماس أمام الشيخ السبكي في أحد دروسه فقلت له: ما زلتَ تحدثنا عن الأخلاق والآداب! أين الجهاد، والحث عليه؟! قال: فأمرني الشيخ بالجلوس! فرددت: حتى متى نجلس؟ قال: يا بني إذا كنت لا تصبر على التأدب أمام العالِم فكيف تصبر على الجهاد في سبيل الله؟ قال: فهزتني الكلمة جداً وظل أثرها في حياتي حتى يومنا هذا. ثم تعرف الشيخ سيد سابق على الشيخ حسن البنا ﵀ واشترك في دعوته، وعاونه بعد ذلك في تعليم الإخوان وتربيتهم داخل الشُّعَب، واستمر على طريقته في إعداد دروس الفقه وتدريسها، وصادف أن سمعها منه الشيخ البنا ذات مرة فاستحسن أسلوبه وطلب منه أن يعدها للنشر. يقول الشيخ: فشرعت في جمع المادة من قصاصاتي، وبدأت نشر كتاب «فقه السنة» . مؤلفاته: أشهر كتبه وأحبها إليه الذي اقترن اسمه به هو «فقه السنة» قدَّم فيه أسلوباً رائداً في تبسيط مسائل الفقه بعد أن ظل عالقاً بالأذهان على درجة من الصعوبة بحيث لا يفهمها إلا القليل، لكنه مع تبسيطه لها لم يُخِلَّ بها حين كان يتعرض لاختلاف العلماء وترجيح ما يشهد له النص وإن خالف رأي الجمهور خلافاً لعادة مدارس التقليد في ذلك الوقت إلى جانب حسن عرض وترتيب للأفكار دفعت ملايين الناس لاقتناء الكتاب والاستفادة منه، وقد اغتنى من طباعة كتابه كثير من الناشرين لم يستأذنوه في النشر ولم يثرِّب عليهم، فضلاً عن ترجمته إلى كثير من لغات العالم [*] ، ومما يروى في ذلك: أنه أُوفد رسمياً إلى الاتحاد السوفييتي في الستينيات في أحد المؤتمرات للحديث عن الإسلام، وما أن خرج من المطار في صحبة المسؤول الرسمي الذي جاء لاستقباله حتى فوجئ بحشد ضخم قد جاء لاستقباله في موسكو! بين مقبِّل ليديه أو رأسه وبين هاتف باسمه، فتعجب الشيخ متسائلاً: كيف عرفتموني؟ فكان الردُّ: من كتابك. وإذا بالجماهير تلوِّح بالكتاب المترجم وتهتف باسمه! يقول: فلم أتمالك نفسي من البكاء؛ إذ لم أكن أتصور أن فضل الله عليَّ سيبلغ بي إلى هذا الحد! ولعله حين ألفه استحضر مقولة الإمام مالك ﵀: «ستعلمون أيها أريد بها وجه الله غداً» . ومن مؤلفاته أيضاً: - مصادر القوة في الإسلام. - الربا والبديل؛ وهو رد على ما أفتى به بعض المعاصرين من جواز فوائد البنوك وشهادات الاستثمار. - رسالة في الحج وأخرى في الصيام وهما مستلَّتان من فقه السنه بتصرف. - تقاليد وعادات يجب أن تزول في الأفراح والمناسبات. - تقاليد وعادات يجب أن تزول في المآتم. وهذه الأربعة الأخيرة ألفها ضمن نشاطه العلمي في إدارة الثقافة بوزارة الأوقاف، وتُظهر الأخيرتان أثر الجمعية الشرعية في نشأة الشيخ على حب السنة ومحاربة البدع، في وقت قلَّ فيه من يميِّز بين السنة والبدعة. جهاده وسجنه: كان مع علمه وعبادته وكثرة صومه ذا شوق للجهاد، وما أن لاحت أمامه الفرصة حتى كان في أول كتيبة في حرب ١٩٤٨م مفتياً ومعلماً للأحكام، ومربياً على القيام والدعاء والذكر، وموجهاً إلى حسن التوكل والأخذ بالأسباب، ومحرضاً على الفداء، ومدرباً على استخدام السلاح وتفكيكه، وبعد مقتل النقراشي اتُّهم الشيخ بقتله وأطلق عليه: «مفتي الدماء» ممن أرادوا وأد الجهاد يومها. وحوكم الشيخ بعد أن قضى عامين من الاضطهاد والتعذيب فما لانت له قناة ولا وهنت له عزيمة بل كان كما عهد عنه مربياً فاضلاً حاثاً على الصبر، مبيناً لسنن الابتلاء والتمحيص، وبعد أن بُرِّئت ساحته خرج ليواصل جهاد الكلمة، وحين تكررت الفرصة بعد النكسة عاد أدراجه لساحة القتال في حرب رمضان يوجه الجنود ويرفع معنويات الجيش. مكانته وفضله: يعرف للرجل مكانته وفضله كل من عاشره أو تتلمذ على يديه؛ فقد تخرج على يديه ألوف العلماء وطلبة العلم من عشرات الأجيال، ومن هؤلاء: الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور أحمد العسال، والدكتور محمد الراوي، والدكتور عبد الستار فتح الله، وكثير من علماء مكة وأساتذتها من أمثال الدكتور صالح بن حميد، والدكتور العلياني. بل إنه في شبابه كان محل ثقة واستعانة علماء كبار في حينها من أمثال: الشيخ محمود شلتوت، وأبي زهرة، والغزالي. يحكي عنه ولده محمد أنه كان يزوره في بيته علماء كبار من الأزهر، وكان يجلس للتدريس وهم مصغون مستمعون من أمثال: الشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ منصور رجب، والشيخ الباقوري، كما كان قوله فصلاً بين المختلفين في المسائل. أخلاقه ومآثره: كان ﵀ فقيهاً مجرَّباً محنَّكاً مثالاً للعلم الوافر والخلق الرفيع والمودة والرحمة في تعامله، ويمتاز بذاكرة قوية وذكاء مفرط ونفس لينة ولسان عف وحضور بديهة. رزق حسن منطق في جزالة وإيجاز، وروحاً مرحة [٢] وُضعت له معها المحبة والقبول. كان ذا وعي شديد واطلاع دائم على الأحداث والمتغيرات: إن شئت أن تراه قارئاً رأيته، أو تجده مصلياً وجدته، أو مستمعاً ومتابعاً لأخبار العالم ونشرات الأخبار وناقلاً لحديثها في دروسه قبل أن تنشره الصحف آنستَ ذلك منه، وما من حدث يقع في الأمة إلا ويعرض له ويبين حكمه في غاية الوضوح بلا مواربة وكانت ردوده حاسمة قاطعة. وكان ذا جرأة في الحق رغم ما كان يمكن أن يتحمله من نتائج لا طاقة لجسمه الضعيف بها، ومن ذلك أنه حين عُيِّن خلفاً للشيخ الغزالي في مسجد عمرو بن العاص في عهد عبد الناصر ظن الناس أن الشيخ سيُداهن بعد أن غُضب على سلفه، فأفرد في أولى خُطَبه خطبة فريدة في نوعها ومضمونها تناول فيها شروط الحاكم المسلم ذكر فيها ١٣ شرطاً بأدلتها الشرعية وشواهدها التاريخية فكانت جامعة مانعة، حتى قال عنها أحد العلماء الحاضرين: الشيخ قال كل شيء، ولم يؤخذ عليه شيء. وكان يبلغ مأربه دون عناء؛ ومن ذلك أنه حين سئل عن أحدهم قال: إنه «كُذُبْذُب» (يعني أدمن الكذب) . وحين ساء الحال في السبعينيات سئل عن رؤيته للأوضاع، فقال: «إن علة مصر سؤالان وجيهان.. .» . ومن سعة صدره: أنه خطب يوماً فأطال، فلما فرغ الشيخ من خطبته وقف أحد الحاضرين وكان ذا مرض قائلاً: أنت لا تفهم! فجاء رد الشيخ هادئاً: وهل قلت لك إنني أفهم؟ فأُسْقِطَ في يد الرجل واعتذر للشيخ. أواخر حياته: وبعد أن استقر به الحال في القاهرة قبل ثلاث سنوات، تجول بين عدد من المساجد لإلقاء دروسه في ستة أيام كل أسبوع؛ أربعة أيام للرجال ويومين للنساء. ولكم أتعبه المرض دون أن يُقعده، وقد حاول ولده الدكتور مصطفى أن يمنعه من التدريس بعد أن نصحه الأطباء بالراحة، فأبى ما دام فيه نَفَس، فكان يذهب لدرسه رغم مرضه ليبلِّغ الحق للناس. ويكفي الشيخ وقد لقي ربه بأكثر من سبعين سنة حافلة بالدعوة والجهاد ما أعقبه الله من ثناء وذكر حسن بين الناس ودعاء. ﵀ رحمة واسعة، وأخلف على الأمة في مصابها فيه وفي إخوانه خيراً.

стр. 3502

متابعات مع رحيل العام رحل الإمام عبد الله بن سليمان القفاري [*] لقد استقبل المسلمون في شهر الله المحرم أوائل العام الفائت رحيل عالم الأمة وإمام هذا العصر الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى واليوم ومع رحيل هذا العام يودع المسلمون عالِمَ القصيم وأحد أئمة العقيدة السلفية الشيخ العالم المجاهد محمد بن صالح المنصور، وكان بين رحيل الشيخين الجليلين رحيل كوكبة من علماء الإسلام ودعاته في عام أشبه ما يكون بعام الحزن من هنا وهناك.. بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط جيراني وحيثما ذكر اسم الله في بلد ... عددت أرجاءه من لب أوطاني إن رحيل العلماء ثلمة في مسيرة الأمة.. فهم عمادها المتين وسياجها المنيع أمام تيار الفتن وحوادث الزمن وبموتهم يموت خلق كثير. لعمرك ما الرزية فَقْدُ مال ... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد فذٍّ ... يموت بموته خلق كثير نسبه ونشأته: هو الشيخ: محمد بن صالح بن منصور المنصور و (المنسلح) لقب لجده صالح الذي انسلح أي انخزل من الشمال في ظروف اختُلِفَ في سببها، وهو من الطوالة من قبيلة شمر القبيلة العربية المعروفة. من مواليد بريدة عام ١٣٥٠هـ وقد كف بصره بسبب مرض الجدري وهو في السنة السادسة من عمره ولم يكن ذلك عائقاً له عن طلب العلم فقد طلب العلم مبكراً، وحفظ القرآن الكريم ولم يكن تجاوز الثانية عشرة من عمره على يد الشيخ محمد بن صالح الوهيبي. صفاته: كان رحمه الله تعالى يتسم بصفات عديدة من أبرزها: ١ - حب العلم والعلماء والجد والاجتهاد في تحصيل ذلك مع ما يعانيه من كف البصر؛ فقد أعطاه الله البصيرة الثاقبة والذاكرة الحافظة حتى وهو في مرضه الأخير؛ ولهذا حفظ كثيراً من المتون ومن ذلك: زاد المستقنع، والطحاوية، وألفية ابن مالك، والآجرومية في النحو، والبيقونية في المصطلح، وألفية العراقي وبلوغ المرام وعمدة الأحكام والرحبية في الفرائض، وغيرها. وكان يحفظ عدداً من الوقائع والمناسبات التاريخية بالسنة والشهر واليوم في أحيان كثيرة.. ولهذا يقول عنه الشيخ محمد السعوي: إنه كثيراً ما يحفظ ولا ينسى على كثرة المترددين عليه من سؤالهم عن أقاربهم وأنسابهم.. وإنزالهم منازلهم مع عظيم تواضعه وجميل محياه في لقاء الآخرين سواء منهم الصغير أو الكبير على حد سواء. ٢ - زهده وبعده عن الدنيا فلم يكن يحزن عليها كما أنه كان صابراً على البلاء فلا تجده إلا شاكراً لا شاكياً كما يقول الشيخ صالح الونيان، ويقول عنه الشيخ صالح الخضيري إنه كثيراً ما يحمد الله على ما هو فيه من البلاء والمرض ويقول: (إذا عُمِّرَ الإنسان أكثر من سبعين فقد أكل عمره) ويقصد بذلك أنه أخذ نصيباً وافراً من عمره وحياته. ويقول أحد تلاميذه: إي والله! لقد كان الشيخ مشتاقاً إلى لقاء ربه، عازفاً عن الدنيا، مستبطئاً للموت، وكان يقول كل ليلة في مرضه: اللهم إني قد اشتقت إليك. ولقد دعوت له مرة بطول العمر، فقال: وما أصنع بطول العمر؟ ولكن عسى الله أن يقبضني على الإسلام! وفي مثل شيخنا أبي صالح يجمل قول الشاعر: وكيف تبكي فائزاً عند ربه ... له في جنان الخلد عيشٌ مخرفج [١] وقد نال في الدنيا سناءاً وصيتة ... وقام مقاماً لم يقمه مزلج [٢] ٣ - الجرأة في قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الخاصة والعامة لا يخاف في الله لومة لائم؛ فقد كان يقول ويكتب ما يراه حقاً في كثير من الأمور التي يحتاجها المسلمون والنوازل التي تنزل بهم والقضايا التي تهمهم، وكان محتسباً ذلك عند الله لا يرجو من أحد جزاءاً ولا شكوراً وهي من أبرز ما اتصف به الشيخ ﵀ وبز به أقرانه. ٤ - العبادة الجمة، والعمل الصالح المبرور من القيام والصيام والذكر والتلاوة مع حرصه الشديد على إخفائها متحرياً بذلك حسن الإخلاص وجميل المتابعة، وكان ذلك ديمة اقتداءاً بقول النبي ﷺ : «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» [٣] ولهذا لم ينقطع عنه أبداً حتى في أيامه الأخيرة؛ وصراعُه مع المرض لم يمنعه ذلك، مما كان له حسن الختام ورفع المنزلة في قلوب الناس من آلاف المشيعين له والباكين على فراقه. ٥ - حبه للأعمال الخيرية والعلمية على اختلافها وتنوعها وتشجيعه لمن يقوم بها وزيارته والاتصال به ودعمه مادياً ومعنوياً سواء كان على المستوى المحلي أو العالم الإسلامي. سفره لطلب العلم وصبره عليه: عند بلوغه السنة السادسة عشرة من عمره وهي مرحلة الحيوية والنشاط والمرح ومع ذلك فإنه كان شغوفاً بالعلم مشتاقاً إلى العلماء مما دفعه للسفر إلى الرياض؛ وكانت تلك الرحلة علامة بارزة في حياته تدل على الصبر والجد والاجتهاد؛ وذلك حينما طلب من أحد سائقي السيارات وهم ما يسمون باللهجة العامية: (الحمالية) أن ينقله إلى الرياض، فطلب منه السائق أجرة الطريق فلم يكن الشيخ يملك شيئاً لصغر سنه وكف بصره مما جعله يلح على هذا السائق ولكن لا جدوى.. ففكر قليلاً ثم جلس وتلمس بيده إطار (كفر) السيارة وهي ما تسمى بـ (الوانيت) وجلس بجوار الإطار وعندما شعر بتحرك السيارة ومن فيها صعد وجلس متعلقاً على حديدة (سستة) قريبة من إطار السيارة ولم يعلم به أحد واتجهت السيارة في طريقها إلى الرياض ولم يكن الطريق سهلاً؛ فقد كان وعراً ترابياً مما عرَّض السيارة إلى الوقوف في أدغال الرمال في مكان يسمى بـ (نفود الربيعية) قريباً من قرية الربيعية شرق بريدة، وعند نزول الركاب وقائد السيارة فوجئوا بوجود الغلام وقد أرهقه التعب وأضناه النصب، وكاد يسقط بسبب آلام الكتف واليدين فتأثر الركاب بهذا المشهد وظهر عليهم علامات الحزن والأسى مما جعل أحدهم يتكفل بهذا الغلام ويدفع عنه تكاليف النقل. وعند وصولهم إلى الرياض أوصلوه إلى منزل الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي عام المملكة وجلس يطلب العلم في حلقات الشيخ وسكن بما يسمى بـ (الرباط) وهو مكان سكن طلاب العلم آنذاك. وقد واصل طلب العلم على الشيخ لمدة ٧ سنوات بالإضافة إلى مجموعة من علماء الرياض من أبرزهم: الشيخ عبد اللطيف ابن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد العزيز بن ناصر ابن رشيد، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم، كما طلب العلم على يد الشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ محمد ابن صالح المطوع، والشيخ عبد الله الخليفي، حيث حفظ عليه كثيراً من المتون، ثم أكمل دراسته الجامعية وتخرج في كلية الشريعة بالرياض ﵏ جميعاً رحمة واسعة. وكان كثيراً ما يذكر شيخه محمد بن إبراهيم؛ كما أنه تأثر كثيراً عند وفاة شيخه عبد العزيز بن باز وكان ذلك واضحاً على صحته. أبرز طلابه: كان للشيخ دور كبير في إبراز نخبة من العلماء الذين تتلمذوا عليه وهم الآن يتقلدون مناصب علمية بارزة منهم: معالي الشيخ: عبد الله بن عثمان البشر، والشيخ العالم المحدث: عبد الله بن محمد الدويش رحمه الله تعالى فقد لازمه ٦ سنوات، وفضيلة الشيخ الدكتور صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء حيث حفظ عليه الزاد كاملاً، والشيخ سليمان العمرو رئيس محاكم مكة المكرمة، والشيخ الدكتور صالح المحيميد رئيس محاكم المدينة المنورة، والشيخ يحيى اليحيى، والشيخ دبيان الدبيان، والشيخ علي الخضير، ومجموعة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإمام بالقصيم ومنهم فضيلة الشيخ سليمان العودة، والشيخ عبد العزيز العقل، والشيخ الدكتور صالح الونيان، والشيخ الدكتور سليمان العبيد، والشيخ الدكتور عبد العزيز البجادي والشيخ الدكتور محمد المنصور الفايز، والشيخ تركي الغميز، والشيخان: يوسف وعبد الرحمن العقل، وكذلك الشيخ الدكتور محمد الفوزان رئيس قسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين بالرياض، والشيخ محمد المحيسني، والشيخ عبد الله الجبر، والشيخ علي المنسلح، والشيخ صالح الخضيري، ومجموعة من القضاة منهم: الشيخ إبراهيم الحسني قاضي محكمة المجمعة، والشيخ صالح الصقعبي، والشيخ عبد الرحمن الصعب رئيس محاكم محايل عسير، والشيخ خالد القفاري والشيخ يوسف العبيد، والشيخ عبد الرحمن المرشود، والشيخ عبد العزيز المشيقح، والشيخ محمد المشوح، والشيخ فيصل الحازمي، وغيرهم كثير. أعماله: في عام ١٣٧٨ هـ تولى منصب القضاء في (تربة) بعد التخرج في كلية الشريعة، ثم انتقل إلى السليل، ثم إلى الباحة ومنها انتقل إلى تبوك، ثم إلى مكة المكرمة. وفي عام ١٣٨٩ هـ طلب الإعفاء من فضيلة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم لعدم رغبته في القضاء وعمل مديراً لمعهد النور في بريدة، ثم تفرغ للعمل مرشداً وموجهاً للمكتبة العلمية في بريدة والتدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم في قسم العقيدة ثم تقاعد في عام ١٤١٠هـ. بعد ذلك تفرغ للتدريس في مسجده في جنوب بريدة، ثم انتقل إلى مسجده بحي السلام شرق بريدة، علماً أنه بدأ التدريس عام ١٣٧٩ هـ أي منذ ما يقرب من ٤٠ عاماً حين كان في الرباط وأثناء الدراسة بالكلية يومياً ما عدا يوم الجمعة، ولم ينقطع عن التدريس إلا قبل وفاته بشهرين تقريباً عندما اشتد به المرض. إنجازاته العلمية: تفرغ للتعليم والتدريس في مسجده وكان من دروسه: بعد صلاة الفجر شرح كتاب العقيدة الطحاوية، وكتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، والواسطية في العقيدة لابن تيمية، والأصول الثلاثة، وآداب المشي إلى الصلاة، وكشف الشبهات، وبلوغ المرام في الحديث لابن حجر، وعمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي وزاد المستقنع لموسى الحجاوي في الفقه الحنبلي والرحبية في الفرائض، والبيقونية في مصطلح الحديث، وألفية ابن مالك في النحو حتى الساعة السابعة والنصف تقريباً. ثم بعد صلاة العصر يجلس في مجلسه للرد على المكالمات واستقبال الزوار والرد على استفتاءاتهم وتساؤلاتهم، وبعد صلاة المغرب يقوم بشرح كتاب زاد المعاد وكتاب متن الآجرومية، وفي وقت العشاء يعمد إلى شرح موطأ الإمام مالك، وتفسير ابن كثير. وبعد الانتهاء من تفسير ابن كثير يبدأ بتفسير السعدي. هذا بالإضافة إلى الكتب التي كانت تُقرأ عليه بعد نهاية شرحه لهذه الدروس وهي كثيرة ومتنوعة، ومنها: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد. مؤلفاته: كان له مجموعة من المؤلفات منها: شرح الزاد، وشرح العقيدة الطحاوية، وكتاب الرد على (علي السقاف) كما قام بكتابة ومراجعة وتقريظ لكتاب الشيخ حمود العقلاء في حكم دخول الكفار للجزيرة العربية، وقد طبع منها كتاب الرد على السقاف، وكذلك كتب بعض الفتاوى والرسائل في مناسبات عديدة من آخرها الرد على الكاتب تركي الحمد. عبادته: كان الشيخ رحمه الله تعالى ممن يتميز في هذا الجانب بكثرة عبادته وطول قيامه، فقد كان كما تقول إحدى زوجاته: إنه لم يمض يوم واحد منذ تزوجت الشيخ فاته فيه قيام الليل، وكان يقوم ﵀ من الساعة الحادية عشرة والنصف أو الثانية عشرة ليلاً حتى الفجر، أي ما يقارب ٥ إلى ٦ ساعات تقريباً، ثم يضطجع حتى أذان الفجر. وقد أكد ذلك الشيخ محمد السعوي عندما كان معه في أحد أسفاره للدعوة إلى الله فقد كان يقوم من منتصف الليل.. وكان يصوم يوم الإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر، ويحافظ على ركعتي الضحى ويطيل القراءة فيهما والسجود، ويختم القرآن حفظاً كل ثلاثة أيام حتى أيام مرضه الأخير كما يقول ابنه عبد الله الذي رافقه في المستشفى. وكان يحضر مبكراً إلى صلاة الجمعة، وكان كثيراً ما يختم القرآن، ومما يذكر ابنه عبد الله: أنه سمع أباه يقرأ في قيام الليل في أحد أيام مرضه الأخيرة سورة البقرة، وفي الليلة التي تلتها سورة يس وعندما سأله ابنه عن هذا الموقف تأثر الشيخ وتغير لون وجهه ونهاه عن متابعته، ولقد كان الشيخ على هذه الحال من العبادة حتى في صغر سنه؛ فقد ذكر ابنه عبد الله نقلاً عن الشيخ صالح الأطرم أنه عندما كان والده في بداية طلب العلم في الرياض كان يكثر قيام الليل حتى إنه كما يقول الشيخ صالح يشغلنا عن النوم، وكثيراً ما يحثنا على القيام ويكرر ذلك حتى لا نجد فرصة للنوم. مع الأسرة: للشيخ ﵀ ثلاث زوجات وله منهن: خمسة عشر من الذكور وثماني عشرة من الإناث جعلهم الله خير خلف لخير سلف وكان يتعامل كما يقول أبناؤه معهم باللين والرفق والتوجيه والتهذيب وأحياناً الترغيب والترهيب إذا اقتضى الأمر ذلك، كما أنه كان يجلس مع أولاده من الساعة العاشرة والنصف صباحاً تقريباً حتى الظهر بعد أن يصلي صلاة الضحى ويقوم أحد أبنائه أو بناته بالقراءة عليه حتى أذان الظهر. اهتمامه بالمسلمين: كان يهتم بأمر المسلمين اهتماماً كبيراً، ويكتب الرسائل والفتاوى في ذلك للعامة والخاصة، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ وهذا الجانب مما برز فيه الشيخ رحمه الله تعالى، وقد سافر للدعوة إلى الله وحضور الندوات والمؤتمرات ومن ذلك كان سفره إلى أمريكا والكويت والسودان، وكان مما أشغل باله كثيراً في السنوات الأخيرة قضية الشيشان حتى وهو في مرضه الأخير وقد أغمي عليه يقوم من الليل وهو يقول لابنه عبد الله: اكتب عن الشيشان! اكتب للمسلمين والحكام بمناصرتهم ومؤازرتهم، وكثيراً ما يكرر ذلك ويلح إلحاحاً شديداً حتى نخشى على صحته حتى كانت وصيته التي ختم بها حياته محملاً الأمانة إلى من يهمه الأمر كل حسب مكانته واستطاعته. وكان يقوم على آلاف الأسر المحتاجة في الداخل والخارج ويكفلهم ويرعاهم وهو بعيد عن أعينهم، وكذلك فقد أنشأ في السودان سبعة مساجد وملجأ للأيتام يضم ألف يتيم، ومسجدين في الفلبين على نفقته الخاصة. كما يقول عنه الشيخ صالح الونيان: إنه كان يسأله عند كل لقاء عن أخبار المسلمين في الشيشان ويحث على الدعاء لهم رغم ما هو فيه من المرض العضال بالإضافة إلى سؤاله عن أخبار الدعوة والدعاة، وكان يوصي بتلمس حاجات الفقراء. ومن ذلك ما يروي الشيخ صالح الخضيري أنه زار الشيخ في أول عام ١٤٢٠هـ ومعه رجل ممن يقوم على بعض الأعمال الخيرية خارج المنطقة فلما سلَّم على الشيخ وأخبرته بمكانة هذا الرجل فسألني إن كان يحتاج إلى مساعدة فقلت: إنه لا يستغني عن إعانتكم، فأدخل الشيخ يده في جيبه بخفية وأخرج مبلغاً يزيد على الألف ريال فوضعه في يد الرجل بحركة سريعة وخفية حتى لا نراها. اللحظات الأخيرة: كان الشيخ يعاني من المرض منذ أمد بعيد في صراعه مع مرض السكري، واشتد المرض عليه منذ سنتين وهو صابر ومحتسب، ثم بعد ذلك أصيب بغرغرينة في أطراف قدمه وأُدخِل المستشفى عدة مرات والأطباء يحثونه على بتر قدمه وهو يقول: (أموت مكتمل الأعضاء، وكل له أجله عشت من الحياة ما يكفيني) إلى أن اشتد به الأمر عندما أصيب بجلطة بالجهة اليمنى في رأسه مما تسبب بشلل للجزء الأيسر من جسمه وذلك في ٢/١٢/١٤٢٠هـ وقد قال لابنه عبد الله: «الأمر نازل بي» يعني الموت. ولم يكن ينام أبداً منذ ذلك التاريخ وكثيراً ما يقول: اللهم إني اشتقت إلى لقائك، ويكررها كثيراً ويذكر حديث: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه» [٤] . كذلك كان كثيراً ما يذكر أحوال المسلمين وخاصة الشيشان مع أنه يغمى عليه وكان حريصاً جداً على وقت الصلاة، فإذا دخل الوقت أو قرب دخوله أفاق من إغمائه وقال: هل دخل الوقت؟ فيُخبر بذلك، فيجلسونه، ثم يتيمم ويبدأ بالصلاة وكأنه نَشِطَ من عقال. وفي يوم الخميس الموافق ٢٤/١٢/١٤٢٠هـ نقل الشيخ إلى مستشفى التخصصي بالرياض وقد وصل إليه عند الساعة الثالثة ظهراً وكان يقرأ القرآن طيلة الطريق، وأثناء مكوثه في المستشفى لم ينم تلك الثلاثة الأيام هو وابنه عبد الملك الذي كان يرافقه، وكان يقول لابنه: اجمع الصلاة؛ فأنت في سفر. وفي يوم السبت الموافق ٢٦/١٢/١٤٢٠هـ كان وقت الرحيل إلى الرفيق الأعلى حيث كان الشيخ منذ فجر ذلك اليوم وهو يقرأ القرآن ويصلي ما شاء الله أن يصلي حتى قبيل المغرب؛ حيث جاء العشاء؛ فكان ابنه يعرض عليه العشاء وكأساً من الحليب وكان يقول له: سوف أكمل القرآن. وعندما أذَّن المؤذن لصلاة المغرب دخل الشيخ في صلاته وأكمل قراءة القرآن، ثم بعد أن انتهى منها استمر في قراءته وإلحاحه على ربه حتى سقط رأسه، وقُبِضَتْ روحه إلى بارئها وابنه بجواره ممسك بعشائه كأن الشيخ ينتظر له موعداً بفارغ الصبرِ؛ وحنينُ الشوق شغله عن طعامه وشرابه (اللهم إني اشتقت إلى لقائك) وكان آخر ما نطق به لفظ الجلالة ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. وصيته: كانت وصيته رحمه الله تعالى كغيره من العلماء الحث على التوحيد والإيمان؛ كما حث أولاده على الصلاح والثبات على الحق وعدم البكاء عليه.. . وكان مما أوصى به أن يغسله الشيخ الدكتور صالح الونيان ويؤم المسلمين للصلاة عليه، وكذلك أوقف عمارة كاملة في مدينة بريدة لرعاية المساجد والمراكز التي أنشأها في الخارج. وفي مشهد مهيب حضر آلاف المصلين من أقطار المملكة إلى جامع الشيخ صالح الونيان في بريدة، وامتلأ بهم المصلى والساحات المحيطة بالمسجد في مشهد مهيب قَلَّ نظيره تأثر منه الكثيرون، وسالت منه الدموع واختلطت بماء السحاب وزخات المطر، وسارت هذه الحشود بعد الصلاة على الشيخ مشياً على الأقدام متقاربين في صفوف ممتدة حتى المقبرة وقد علت جنازته على الأكتاف والأعناق يتدافعون إليها حرصاً على القرب من جنازته مذكرة بجنازتي الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ صالح الخريصي رحمهم الله تعالى جميعاً حتى وصلوا المقبرة مشياً على الأقدام وقد صلى عليه المئات أكثر من مرة وهو في طريقه إلى قبره. هذا المشهد العظيم الذي لم تشهد المنطقة مثيله ذكَّرنا بمقولة الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (موعدهم يوم الجنائز) . ولم ينفضَّ الجمع الغفير إلا مع صلاة المغرب، فكانت اللحظات الأخيرة التي يواري المسلمون فيها جثمان هذا العالم الجليل، وحينها خطر ببال الكثيرين ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبِقِ عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» رواه البخاري. رحم الله الشيخ وتغمده برحمته، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، والله نسأل أن يخلف خيراً على الأمة الإسلامية.

стр. 3503

متابعات نظرات في العالمية الإسلامية الثانية صلاح الخليفة أحمد الحسن حدثني أحد الأكاديميين بلهجةٍ قوية عن كتاب من جزأين عنوانه: (العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة) من تأليف (أبو القاسم حاج حمد) باعتبار هذا الكتاب يمثل نقطة تحول في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر. وقد تشوقت نفسي إلى اقتناء الكتاب المذكور أملاً أن أجد فيه ما يجعلني أشعر بأن هناك جهوداً ضخمة تبذل من قِبَل المفكرين المسلمين المعاصرين في خدمة الدعوة الإسلامية، وقد عكفت لأيام متصلة على قراءة الكتاب واستيعاب قضاياه، وأرجعت البصر فيه كرتين، وقد خرجت من قرءاتي للكتاب المذكور بأشياء كثيرة منها: ١ - رؤية الكتاب للمذاهب الغربية: استطاع الكاتب أن يبين الثغرات التي تشتمل عليها الشيوعية والرأسمالية، وقد انتقدهما بقوة، وأكَّد على اضمحلال الفكر الشيوعي والرأسمالي ووراثة الإسلام لذلك. وقد تميز العرض والنقد والتقييم والتقويم الذي قام به الكاتب تجاه المذاهب الغربية بالقوة والمنطقية، وكان الأمل أن يسير على النهج نفسه في تناوله لبعض القضايا التي عرضها في كتابه. ٢ - منهج جديد للحديث النبوي: كانت المفاجأة الأولى عند قراءتي للكتاب المذكور أن وجدت الكاتب قد ابتدع منهجاً جديداً للحديث النبوي حيث يحدثنا الكاتب عن ضوابط الاستخدام المنهجي النبوي للغة فيقول: «سق أن أكدت على الاستخدام الإلهي المميز لمفردات اللغة العربية؛ فإني أؤكد أيضاً على التوافق والانسجام التامَّين بين لغة الرسول صلى الله عليه وسلم ولغة القرآن بحيث لا يحدث التضارب في المعاني والدلالات، واتخذت نموذجاً لذلك الحديث المنسوب إلى الرسول ﷺ والذي يَرِدُ فيه القول:» لكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته « [١] وأوضحت تضاربه مع آيتين وردتا في القرآن الكريم، الأولى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (البقرة: ١٠٤) والثانية: [مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَياًّ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً] (النساء: ٤٦) ، إن دلالات (راعنا) التي نهى الله عنها مرتين واستبدلها بـ (انظرنا) خطيرة جداً؛ فراعنا تحط من قدر الناس بتحويلهم إلى (رعية) من مرعى؛ حيث يقودها الراعي بعصاه، أما (انظرنا) فمن النظر والعناية والتكافؤ، ولم يستخدم الله في كل القرآن مفردة مراعاة أو رعاية وإنما استخدم مفردة (عناية) رجوعاً إلى العين والنظر؛ فالمسألة هنا منهجية؛ إذ ترتبط بمضمون العلاقة بين الله والبشر وبين الأنبياء والبشر، فلا تنحط إلى دونية البهائم؛ فالله لا يستلب الإنسان ولا يحط من قيمته، وقد عزا الله ذلك إلى تحريفات اليهود في آية النساء رقم ٤٦؛ فلغة الرسول ﷺ تتوافق بالضرورة المنهجية مع لغة القرآن؛ كما أن الذين جاؤوا بهذا المتن حول الرعية والمراعاة لم يتبينوا موقف القرآن من مجتمعات البداوة والرعي؛ فقد أظهر الله ما تنطوي عليه سلوكيات تلك المجتمعات من قسوة ونفاق» [٢] . وهكذا يرفض الكاتب الحديث النبوي الثابت: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» وفقاً لمنهجه الجديد الذي يجعل لغة القرآن مرجعاً لتوثيق متن الأحاديث أياً كان سندها. ووفقاً لمنهجه هذا لا بد من مراجعة الأحاديث التي وردت في صحيحي البخاري ومسلم اللذين تلقتهما الأمة بالقبول. ومع هذا الرفض التام لكلمة (رعى) من الكاتب ولكل ما اشتق منها فيما يتعلق بالأحاديث النبوية وسيرة الرسول ﷺ وسيرة أصحابه رضي الله عنهم يناقض الكاتب نفسه في موضع آخر من كتابه؛ إذ يقول: (إن نظرة وضعية للفارق بين الوعي المفهومي الجديد الذي طرحه (محمد) على العرب وتركيب العرب العقلي ضمن حالة التعدد الإحيائي توضح لنا إلى أي مدى كانت المهمة شاقة وصعبة بل ومستحيلة دون تدخُّل الله الغيبي؛ فقد كان على أمة من الرعاة أن تصبح سيدة الحكمة في عصرها) [٣] . ٣ - حجية السنة: جاء كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) بمنهج جديد للحديث النبوي؛ فما وجه الاعتراض عليه؟ يقرر العلاَّمة عبد الغني محمد عبد الخالق رحمه الله تعالى أن ما جاء عن الله تعالى لا يمكن أن يكون فيه اختلاف مع الحديث النبوي؛ إذ كلٌّ من القرآن والسنة من عنده . فلا يمكن أن توجد سنة صحيحة الثبوت عن رسول الله ﷺ تخالف الكتاب في الواقع وإن حصلت مخالفة في ظاهر اللفظ؛ لأن المراد من أحدهما حينئذ عين المراد من الآخر؛ وكل ما في الأمر أن هذا المراد قد يخفى في بادئ الأمر على المجتهد [٤] . وهناك من تمسَّك بأحاديث تدعو إلى عرض السُّنَّة على كتاب الله، ولكن أحاديث العرض على كتاب الله كلها ضعيفة لا يصح التمسك بها؛ فمنها ما هو منقطع، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول، ومنها ما جمع بينهما؛ وقد بين ذلك ابن حزم في الإحكام، والسيوطي في مفتاح الجنة نقلاً عن البيهقي بالتفصيل [٥] . فكل ما يصدر عن رسول الله ﷺ فهو: حسن جميل، معروف عند العقل السليم، وقد يقصر عقلنا عن إدراك حسنه وجماله، فلا يكون ذلك سبباً في إبطال صدوره عنه، أو حجيته، بل إذا رواه لنا الثقات وجب علينا قبوله، وحَسُنَ الظن به، والعمل بمقتضاه، واتهام عقولنا [٦] . ولكن كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) لا يتهم عقله في هذا الصدد إنما يتهم الثقات في رواية أحاديث رسول الله ﷺ . ٤ - رده للحدود الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة: يقول كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) : «فلا يمكن أن تكون شرعة القرآن هي شرعة (التخفيف والرحمة) ثم تستجيب لروايات تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيق شرعة (الإصر والأغلال) فإذا استجبنا لذلك فإن المسألة ستنتهي لما هو أخطر؛ فالقول بأن الرسول قد طبق شرعة الإصر والأغلال فذاك يعني أنه أي الرسول ليس هو النبي الأمي المبشَّر به في سورة الأعراف والذي من علائمه أنه يضع عن اليهود ومعتنقي الديانات السابقة شرعة الإصر والأغلال، ويتحول بالدين نحو الخطاب العالمي» [٧] . ويقرر الكاتب بأن الرجم وغيره من الحدود الشرعية هو من كيد اليهود؛ وذلك بهدف إبطال النبوة الخاتمة التي تنزلت على غيرهم [٨] . والسؤال: هل اليهود يريدون للحدود الشرعية أن تطبق في واقع المسلمين حتى يدسوا مثل هذه الأحاديث بين المسلمين؟ إن الكاتب من حيث يدري ولا يدري يخدم الأهداف اليهودية التي لا تريد للحدود الشرعية أن تطبق في المجتمع المسلم باعتبارها تمثل حجر الزاوية في مجال الضبط الاجتماعي في الإسلام. يريد الكاتب من المسلمين أن يتخلوا عن الحدود الشرعية باعتبارها شرعة توراتية حتى يقتنع الإنسان المعاصر بالدعوة الإسلامية؛ فالإصرار على تطبيق الحدود الشرعية (من شأنه حصر الإسلام ضمن حدود عالميته التقليدية حيث يتعامل مع الناس من منطلق الإيمان الوراثي) [٩] . ويعمل الكاتب على إيراد تفسير جديد لقول الله ﵎: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] (المائدة: ٤٨) ، فيقول: «قد أراد الله عبر هذا النص أن يطلعنا على تسببه التشريع المنزل تبعاً للحالات التاريخية والأوضاع الاجتماعية المختلفة. إن عقوبات القطع والرجم والجلد كانت سارية المفعول في ذلك العصر التاريخي السابق على الإسلام. إن الثابت في التشريع هو (مبدأ العقوبة) أو الجزاء؛ أما الأشكال التطبيقية لهذا المبدأ فموكولة لكل عصر حسب أوضاعه وأعرافه وقيمه بهذا استوعب القرآن متغيرات كل العصور، ويبقى كما أراد له الله صالحاً لكل زمان ومكان» [١٠] . هكذا تفعل منهجية الحداثة فعلها في رد النصوص الشرعية ومتابعة الهوى في تفسيرها. ٥ - الأصول العامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال: تشمل الأصول العامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال الآتي: الأصل الأول: رد النصوص والجرأة في الاعتراض عليها. ... الأصل الثاني: العبث في الأصول الشرعية للاستدلال وتشويهها. الأصل الثالث: إحداث أصول بدعية جديدة للاستدلال والتلقي [١١] . فهل يخرج كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) عن الأصول العامة لمنهج المبتدعة في الاستدلال؟ لقد أخذ الكاتب بحظٍ وافر من تلك الأصول في رده للأحاديث الصحيحة وتشويهه للأصول الشرعية وتأسيسه لمنهج مبتدَع في هذا الصدد، والكاتب لا يخرج في ذلك عما نبه إليه ابن تيمية من قول بعض رؤوس الجهمية بشر المريسي أو غيره أنه كان يوصي أصحابه إذا جادلوا أهل السنة قائلاً: «إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل» [١٢] هذا هو منهج المبتدعة في تعاملهم مع الكتاب والسنة. وللفلسفة وزن كبير في التكوين الفكري للكاتب في الوقت الذي نجد أن العلوم الشرعية عنده تكاد تكون غائبة، وذلك له أبلغ الأثر في فكره الذي طرحه عبر (العالمية الإسلامية الثانية) ، وكما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى «ومن المعلوم أن المعظِّمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونها هم أبعد الناس عن معرفة الحديث، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم سواء كان موضوعاً أو غير موضوع» [١٣] . ولله درُّ ابن تيمية؛ إذ نجد أن الكاتب يردُّ بعض الأحاديث المتواترة في الوقت الذي يقبل فيه حديثاً باطلاً لا أصل له مع شهرة لفظه وهو: «اطلبوا العلم ولو بالصين» إذ أورده في كتابه (١/٢٥٥) في الوقت الذي قال فيه ابن حبان: هو باطل لا أصل له، وفي إسناده أبو عاتكة وهو منكر الحديث. وقد أخرج هذا الحديث البيهقي في الشعب ولفظه مشهور وأسانيده ضعيفة، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات [١٤] . ٦ - منهجه في تفسير القرآن الكريم: يقرر الكاتب بأن منهج الرسول ﷺ هو (حاكمية كتاب) مطلق لتتوارثه الأجيال؛ لذلك فهو يرفض من يقول بأن الرسول قد وضع تفسيراً للقرآن [١٥] . وهو بذلك يرد ما أوردته كتب السنة من تفسير نبوي لبعض آيات الكتاب المبين الذي نص القرآن على أن الرسول ﷺ من ضمن رسالته أن يبين للناس آيات التنزيل:. ويقرر الكاتب بأنه ليس ضد فهم السلف للقرآن بموجب التركيبة التي تناولوه من خلالها؛ غير أن تكشُّف القرآن عن تركيبة أخرى يجعلنا في مواجهة عطاء جديد ظل مكتوباً لمرحلة تاريخية خطيرة، مرحلة يهيمن بها القرآن على كل مناهج الفكر الوضعي، ويتجاوز بها كل معطيات الوضعية السلفية الدينية [١٦] . ويقرر الكاتب بكل ثقة بأنه مُقْدِم على عمل كبير في دراساته القرآنية التحليلية جعله الله من بدايات القرن الخامس عشر الهجري يشمل فهماً جديداً ناسخاً لمفهومات الوضعية العلمية والوضعية الدينية على سواء [١٧] . ولا يرى الكاتب أي غضاضة من أن يذكر بأن المنهج عبر التحليل قد أصبح بديلاً عن النبوة وذلك ليستدرك الإنسان بالتطور ضمن مقوماته الوضعية ما لم يستدركه بالتزكية النفسية ضمن مقوماته الروحية [١٨] . ٧ - محاكمة النصوص إلى الدماغ المعاصر: لا يختلف الكاتب عن العلمانيين الذين يشن عليهم هجومه في كتابه من حين لآخر وذلك في محاكمته للنصوص الشرعية إلى الدماغ المعاصر؛ فالإسلام يحاكم غيره ولا يتحاكم إلى غيره بأي حال. ويتضح بيان منهج الكاتب في محاكمة النصوص القرآنية إلى الدماغ المعاصر في قوله: «إذا تتبعنا مراحل التطور في التفكير الإنساني على ضوء فرضيات (جون ديوي) و (آثر بتلر) نستطيع أن نميز خصائص السلوك الفكري العربي في تلك الآونة بانتمائه إلى مرحلة الحركة الذاتية (sefaction) وهي مرحلة تتميز خصائصها بمحاولة الإنسان تفسير كل ظاهرة من ظواهر الكون بمعزل عن غيرها من الظواهر، فلم يكن الإنسان في تلك المرحلة قد أدرك ما بين ظواهر الكون جميعاً من علاقات، وقد أطلق رجال علم الأجناس البشرية على تلك المرحلة اسم الأنيميا (Animistic stage) . وبغضِّ النظر عن حقيقة التطورية أو بطلانها فالمهم أن التطورية بمدارسها المختلفة غير الدارونية الآن هي جزء من الدماغ المعاصر وتتضمن إسقاطاته النظرية على كل المواضيع بما فيها آيات الكتاب» [١٩] . وقد استخدم الكاتب مصطلح (التاريخيانية) ومصطلح (القطيعة المعرفية) بنفس المعنى المستخدم عن أهل النظرة العلمانية. ٨ - إنكاره للمعجزات النبوية ما عدا القرآن الكريم: يولع بعض الباحثين على شاكلة كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) في تصوير حياة النبي ﷺ بعيداً عن الخوارق والمعجزات، وإذا أمعنا في منبع هذه النظرية عن رسول الله ﷺ نجد أنها في الأصل فكرة بعض المستشرقين والباحثين من الأجانب أمثال (جوستاف لوبون) و (أوجست كونت) و (هيوم) و (جولد زيهر) وغيرهم، ثم تلقَّف هذه النظرية منهم أناس من المسلمين كان من سوء حظ العالم الإسلامي أن جندوا كل مساعيهم وعلومهم للتبشير بأفكار أولئك الأجانب دون أي مؤيد سوى الافتتان بزخرف خداعهم، وانخطاف أبصارهم بمظهر النهضة العلمية التي هبت في أنحاء أوروبا، وكان من هؤلاء المسلمين الشيخ محمد عبده، ومحمد فريد وجدي، وحسين هيكل [٢٠] . يقول كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) : «ثم يأتي من يفترض له معجزات كجريان لبن من بين أصابعه، أو تكثير خبز ليضاهوه بمن سبقه من الأنبياء، وهؤلاء مع غيرتهم قد جهلوا منهاج نبوته ورسالته وخصائصه وخصائص نبوته، فاختصروه إلى وعيهم الذاتي وهو أكبر من ذلك بكثير وبما لا يدرك منه إلا قليلاً» [٢١] . فالكاتب بإنكاره لمعجزات النبي ﷺ الحسية يخدم أهداف علماء الاجتماع الغربي والمستشرقين بعيدة المدى، ويجتر نظرياتهم العتيقة في هذا الخصوص ليجدد الدماء في عروقها؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. ٩ - تقييمه لفكر ابن عربي: يقرر الكاتب بأنه قد نسب إلى ابن عربي زوراً وجهلاً القول بوحدة الوجود والاستبطان الغنوصي والتأثر بالفلسفات الإغريقية والهندية؛ غير أن الدراسات المعاصرة قد قيَّمت فلسفته خارج إطار تلك المنسوبات من هذه الدراسات القيمة على حد قول الكاتب ما أصدره الدكتور (نصر حامد أبو زيد) [٢٢] ، فمن هو (نصر حامد أبو زيد) الذي استند إليه الكاتب في تقييمه لفلسفة ابن عربي؟! والحقيقة أن الطيور على أشكالها تقع، فقد طُرِحَتْ آراء مشبوهة من أمثال (فرج فودة) و (سعيد العشماوي) و (محمد أحمد خلف الله) ثم ما أثاره مؤخراً (نصر حامد أبو زيد) في كتاباته ومنها: (مفهوم النص) و (إشكاليات القراءة وآليات التأويل) و (نقد الخطاب الديني) التي دعا فيها إلى محاكمة «النص القرآني» وتأويل تعاليمه بما يخرجها عن معناها الشرعي، وقد صدرت فتوى من علماء الأزهر بردة (نصر حامد أبو زيد) على ضوء ما كتبه من آراء وأفكار منحرفة في حق الإسلام، والحُكمِ بالتفريق بينه وبين زوجته [٢٣] . وهكذا يعمل المبتدعة على تصوير ابن عربي مفكراً له إشراقاته وبصماته على الفكر الإسلامي، في الوقت الذي تشهد عليه آثاره بخلاف ذلك؛ فالعلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى يحكم على الكتب المتضمنة لفلسفة ابن عربي مثل: الفصوص، والفتوحات المكية وأمثالها بإذهاب أعيانها إن وجدت بالتحريق بالنار والغسل بالماء حتى ينمحي أثر الكتابة لما في ذلك من المصلحة في الدين [٢٤] . ١٠ - رؤيته بأن ربط توقيت فرض الصلاة بليلة الإسراء من الإسرائيليات: جاء في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من دواوين السنة أن الله تبارك وتعالى قد فرض الصلاة في ليلة المعراج مع ما هو معلوم من قصة موسى عليه السلام مع نبينا محمد ﷺ في هذا الشأن؛ ولكن كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) يرى أن ربط توقيت فرض الصلاة بليلة الإسراء (خدعة إسرائيلية) انطلت على المسلمين، وهي ليست مجرد خدعة عبثية، ولكنها مقصودة تهدف إلى التقليل من شأن النبي الخاتم ﷺ وإظهاره بمظهر المتلقي عن موسى بما يبطل إمامة محمد ﷺ لموسى عليه السلام، وبما يبطل نسخ القرآن للتوراة، هكذا قالوا: إن الصلاة فرضت في ليلة الإسراء؛ حيث فرضها الله علينا (خمسين) ركعة في اليوم لولا (إقناع) موسى ﵇ المتكرر لمحمد ﷺ للعودة مجدداً وأكثر من مرة إلى ربه ليخفض عدد الركعات، وهكذا بوساطة موسى ﵇ وتوجيهه لمحمد ﷺ أصبحت صلواتنا خمساً. ويقرر الكاتب أن الآثار المنسوبة إلى رسول الله ﷺ في هذا الصدد تجمع بين السخافة والبطلان؛ فمحمد ﷺ إمام لموسى ﵇ وليس العكس، وشريعته القرآنية ناسخة للشريعة التوراتية [٢٥] . أرأيتم كيف أن هذا الكاتب يخلط الأوراق؟ وقد سبق لي أن دخلت في محاورة عبر بعض الصحف اليومية مع أحد منكري السنة النبوية قال بنفس قول هذا الكاتب الذي ذكرته آنفاً. أين السخافة والبطلان في أن يراجع نبينا محمد ﷺ ربه في شأن الصلاة؟ أليس في هذه المراجعة مكرمة له ﷺ ؟ ففي الوقت الذي كان يراجع فيه النبي ﷺ ربه في هذا الخصوص كان نبي الله موسى ﵇ منتظراً في مكانه؛ فأيهما أفضل حسب هذه الرواية؟ وإذا كانت الرواية من نسج اليهود لقالوا بأن الذي كان يراجع الرب ﵎ في هذا الشأن هو موسى ﵇ وليس محمداً ﷺ . وهل يرضى اليهود بأن يروِّجوا بأن نبينا محمداً ﷺ قد عُرج به إلى السماء حتى ينسجوا مثل هذه الرواية التي تثبت معراجه ﷺ ، مما ينكره صراحةً أولئك الذين ينكرون السنة النبوية ومعجزاته الحسية ﷺ . إن إنكار مثل هذه المرويات المقطوع بصحتها فيه خدمة عظيمة لليهود والنصارى؛ إذ يعني تشكيك أهل الملة الإسلامية في معتقداتهم وبلبلة أفكارهم؛ فاليهود.. . اليهود هم الذين يروِّجون لمثل هذه الأفكار في المجتمع المسلم. ١١ - نظرة عصرية جديدة للإبداع الفني: يقرر الكاتب بأن سائر أنواع الجماليات التي تجسد حيوية الإنسان، وتفاعله مع الحياة تعد مقدمة ضرورية في بناء الإنسان الحضاري الحر المنطلق؛ ويقصد بهذه الأنواع النحت والرسم والموسيقى وسائر الجماليات الأخرى [٢٦] . ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى دراسة قيمة على حد زعمه كتبها (عبد المجيد وافي) بعنوان: (محمد والفنون) صدرت ضمن مجموعة مقالات: (محمد نظرة عصرية جديدة) ، وقد كفت هذه الدراسة الكاتب كما يقول عناء الموضوع، على ما في المعاناة من متعة؛ فقد أوضح وافي موقف القرآن والرسول من هذه الفنون بقوله: ولم يكن لرسول الله ﷺ موقف مباشر يهدف إلى إباحة شيء بعنوان الفنون، أو تحريم شيء بعنوان الفن [٢٧] . هذا القول المغلوط لا يمكن الأخذ به بكل هذه البساطة؛ فما تُوفي رسول الله ﷺ إلا من بعد ما بيَّن للأمة كل جزئية تقربهم من الله ﵎ أو تبعدهم عنه، وللإسلام كلمته القاطعة فيما يتعلق بالآداب والفنون، يؤخذ ذلك من كتاب الله تعالى وسنة الرسول ﷺ ؛ فهناك (أدب إسلامي) وفن (إسلامي) كما أن هناك (أدباً جاهلياً) و (فناً جاهلياً) ولكن الكاتب الذي يتجرأ في رد أحاديث النبي ﷺ القطعية الثبوت له رؤية أخرى في هذا الموضوع؛ إذ يقول: «والملاحظ هنا أن حجج المجوِّزين تعتمد على القرآن فيما رواه عن (سليمان) و (عيسى) ، وحجج المحرِّمين تعتمد على أسانيد (الأحاديث) وأهمها الحديث المنسوب إلى الرسول ﷺ برواية ابن عمر رضي الله عنهما وهو حديث متفق عليه في قوله:» الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم «وكان بإمكاننا حل المسألة في هذه الحدود بتكذيب مسندات الأحاديث؛ لأنها متعارضة مع نص قرآني. والرواة كما نعلم ليسوا أنبياء مهما تحققوا من مصادر الإسناد» [٢٨] . والهوى يجعل الكاتب يرى أن الحدود الشرعية التي وردت في القرآن الكريم تتعلق بشرعة الإصر والأغلال التي جاء بها موسى ﵇ فهي منسوخة، والهوى يجعله يرى أن ما أورده القرآن عن (سليمان) و (عيسى) ﵉ فيما يتعلق بالصور والتماثيل غير منسوخ في شريعة نبينا محمد ﷺ !! ! وبالرغم من أن الكاتب قد انتقد المذاهب الغربية بقوة كما بينا آنفاً إلا أنه عاد يكيل المدح لها مشيداً بروائعها الفنية والجمالية والحضارية؛ لأنه يريد للمسلمين أن يحذوا حذوها شبراً بشبر وذراعاً بذراع في هذا المجال، يقول (محمد أبو القاسم حاج حمد) : «هناك تصدح في ساحات (فيينا) كل مساء روائع الموسيقى التي أصبحت عالمية، وفي زواياها تنتصب تماثيل العباقرة من أبنائها الذين استلهموا معنى النغمة من الحياة» [٢٩] . وهل إنتاج أوروبا الفني والجمالي والحضاري نشأ من فراغ دون أن يكون لمذاهبها التأثير في تكوينه؟ وهل يتفق ذلك مع المذهبية الإسلامية؟ ١٢ - د. طه جابر العلواني وتقديمه لكتاب العالمية الإسلامية الثانية: د. طه جابر العلواني تقلَّد منصب رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي يتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقراً له لفترة طويلة، ويشغل الآن منصب رئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بالولايات المتحدة أيضاً، وله آثار علمية طيبة وكثيرة، وهو الذي سعى إلى طباعة كتاب العلاَّمة الدكتور عبد الغني محمد عبد الخالق رحمه الله تعالى: (حجية السنة) بواسطة المعهد العالمي للفكر الإسلامي مع التقديم له بمقدمة طيبة، والذي يمثل سهاماً موجهة إلى نحر كل من يسعى إلى الغمز واللمز في السنة النبوية المطهرة كما فعل كاتب (العالمية الإسلامية الثانية) . والشيء الذي أستغرب له هو: كيف قدَّم د. طه جابر العلواني لكتاب (العالمية الإسلامية الثانية) في طبعته الثانية بمقدمة لا تخلو من الإطراء والإعجاب بمحتوياته دون أن يبين ما حواه من قضايا منهجية خطيرة تُعد حرباً على الإسلام؟ ولا يشفع للدكتور قوله في المقدمة: (ومهما كان حول بعض ما أورده من ملاحظات أو تحفظات قد تتراوح بين النقد والقبول أو المراجعة، كل ذلك لا ينبغي أن يأخذ أو يلفت أنظارنا وعقولنا عن قضية الكتاب الأساسية التي هي قضية المنهجية المطلوبة لبروز العالمية الإسلامية الثانية، وظهور الدين على الدين كله، وبروز كلمة الله مرة أخرى في الأرض) [٣٠] . فهل المنهجية المبتدعة التي حواها هذا الكتاب من شأنها أن تخدم الدعوة الإسلامية؟ إن تقديم د. طه جابر العلواني للكتاب قد فتن ثلة من الباحثين المسلمين الذين يعملون في حقل تأصيل العلوم؛ فهل مثل هذا المنهج الذي جاء به يفيد عملية التأصيل؟ وقد قررت د. منى عبد المنعم أبو الفضل وهي ذات نشاط ملحوظ في أعمال المعهد العالمي للفكر الإسلامي كتاب (العالمية الإسلامية الثانية) ضمن منهاج النظم العربية للسنة النهائية بقسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة [٣١] . وقد بذل الكاتب شكره لأولئك الذين استضافوه في مراكزهم العلمية وجامعاتهم وندواتهم ومؤتمراتهم، وقد خص بالذكر منهم: المركز الإسلامي الثقافي في مالطا، وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية في طرابلس، والجامعة العالمية في ماليزيا طلاب جامعة اليرموك بالأردن، منظمي مؤتمرات الاتجاه الإسلامي ولجنة فلسطين الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وجمعية الترقية الاجتماعية لولاية بسكرة بالجزائر [٣٢] . أما كان الحق يحتم أن تتدارس تلك الجهات الدعوية التي ذكرها الكاتب ما حواه كتابه وحمله فكره بتأنٍ ومراجعة شاملة لمنهجه، ووزن ذلك بميزان الكتاب والسنة قبل أن يحتفوا به؟ فما وافق الكتاب والسنة فهو الحق المبين، وما خالفهما لا بد من بيانه للناس بالتفصيل؛ فهذه قضية غاية في الأهمية وليس كما قرر د. طه جابر العلواني؛ فالجامعات والجمعيات والمراكز العلمية الإسلامية ذات تأثير واسع في حقل الدعوة إلى الله تعالى ويتحتم عليها أن تضبط مسيرتها القاصدة إلى الله تعالى بالكتاب والسنة. ونأمل أن يجد هذا الكتاب الاهتمام المطلوب من المختصين فينبري له من يرد على كل جزئية من جزئياته بالتفصيل حتى لا ينطلي زخرفه على بعض الناس. ونأمل أن يراجع (محمد أبو القاسم حاج حمد) ما سطره في كتابه: (العالمية الإسلامية الثانية جدلية الغيب والإنسان والطبيعة) وفقاً للثوابت الإسلامية دون أن يجعل للهوى نصيباً في ذلك؛ فما أكرم أن يرجع الإنسان إلى سبيل الحق المبين: [كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ] (الرعد: ١٧) .

стр. 3504

قضايا ثقافية تشكيل القيم في أزمنة الوهن !! سليمان بن عبد العزيز الربعي الحديث عن تشكيل قيم الوعي المادية والروحية؛ حديث هويةٍ جمعيَّة لا ينفك عن ظروف الأمم ومناهج تفكيرها، وهو بكل حال حديث ذو شجون قلَّ أن يتاح لمرء مناقشته في فرصة، أو تشخيصه في مقالة؛ ولذا فكتابة اليوم أمشاج فِكَر تنتمي إلى مرحلة بعدية منه، أرجو ألا أجانب المنهج العلمي إن قلت: إن البحث فيها مدخل ضروري لفهم أوَّلياتها؛ وهي أوليات مهمة بلا ريب آمل أن يتسع الوقت لمناقشتها لاحقاً. وبدءاً، لا مناص من الإشارة إلى أنّ رُتْبَتَيِ القِيَم: المادة والروح مرتبطتان تماماً بالفعل الجمعي، مما يجعله بحثاً شاملاً لمناهج السيكيولوجيين والديموغرافيين المتميزة بالتباين المنهجي والتكامل البحثي، وهو أمر يشير كذلك إلى أهمية اصطحاب المناهج التطبيقية في البحوث المشاكلة، وصلة القيم بهذا تتأتى من القول بأن ملامح القسمين الآنفين تفريعٌ غنيُّ الدلالة لتلك المناهج؛ فالمعطى المادي قيمياً في التفكير والممارسة قريب الصلة بالعلاقات الإنسانية المتصفة بالجماهيرية والوقتية وعدم الفرز، مما يمنحها نعوت البراءة في التطبيق لمصطلح (العولمة) في مجالات بعينها. أما القيمة الروحية النوعية فعلى العكس؛ إذ ترتبط غالباً بالتشكيل الذاتي، وقد تخرج إلى فضاءات أرحب نسبياً، وتتميز بالتحليل والتروي والتفكير الطويل. ما أرمي إليه من هذه المقدمة، أولاً، التأكيد على أن قيم الروح تشكل في مناخات بالغة الحساسية، متميزة بالجدية والعملية والمعيارية، وهذا ما يجعلها صعبة على الطبيعة الإنسانية المجبولة على ضد هذه الصفات من تعلُّق باللهو والكسل وعدم الانضباط، وكل هذه الصفات وما ناظرها تؤول بسببٍ إلى الهوى الغلاب أو الجهل بحقائق الاستخلاف ومقاصده. والناظر في النصوص الشرعية يجد هذه المعالم بارزة أشد ما يكون في قصص المرسلين وحواراتهم عليهم صلوات الله وسلامه مع مخالفيهم، بل وفي مجمل النص خبراً وإنشاءاً، بحسب الأصوليين. والقصد الأبعد التالي هو التركيز على أن صراع القيم في المجتمعات صراع طبعي قد قدره الله تعالى، بل إنه سبحانه خلق الخلق على شاكلة مختلفة في الطاعة والمعصية. وأهل المعصية مختلفون متفرقون فيها، دون (أهل التوحيد) إذ هم الأمة الواحدة يدل عليه قوله تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ....] (هود: ١١٨-١١٩) . فالناس لا يزالون «مختلفين في أديانهم على أديان وملل وأهواء شتى، (إلا من رحم ربك) فآمن بالله وصدق رسله؛ فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله» [١] ، ويؤكد هذا المعنى أن الآية الكريمة وضَّحت أن الخلق قد جاؤوا على هذا التقدير الحكيم: [وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ] (هود: ١١٩) ، أي: «وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم» [٢] ، دون أن يُفهم منه أن المختلفين غير ملومين على اختلافهم كما فهمت المعتزلة؛ بل اللام هنا بمعنى (على) [٣] ، أي: وعلى هذا التقدير خلقهم. بل أبعد من هذا الأسلوب الخبري: أن تتضمن آيات الذكر الحكيم والحديث الشريف أساليب إنشائية كثيرة تحث على الموازنة بين قيم المادة والروح، وأبعد: أن تنهى عن القعود والتبتل والانقطاع التام عن الدنيا؛ إذ فيه أي الانقطاع مفاسد تتنافى مع حِكَمِ المولى ﵎ في الاستخلاف. المهم: إدراك أن الاختلاف القيمي سُنَّة ربانية لا سبيل لدفعها؛ ولذا فالحديث يرمي إلى محاور ذاتية داخل حيز الحقيقة الكونية الكبرى، وهي ما تمثل مجالات البحث والمراجعة والتقويم. ولئن كانت الآية الكريمة تقرر هذه الحقائق بسبيل عام ومقاصد كبرى فإن في الواقع الواحد الذي يتميز أهله بأنهم (لا يختلفون في توحيد الله.. . إلخ) كثيراً من سلبيات التطبيق للقيم وممارساتها الفردية والجمعية، وكثيراً من الآثار المترتبة على الخلل المنهجي والمضموني في تعامل مؤثرات التوعية وآلياتها مع الجماهير، ولعلي أكتفي هنا بالإشارة إلى مفارقات الوعي بين نوعي القيم؛ حيث طغت على الأجيال الجديدة القيم المادية المرتبطة كما سلف بالهوى والكسل على حساب قيم فضلى تمثل على سبيل الحقيقة صِمَام أمان للمجتمع من الفراغ النفسي والروحي، وهذا الاهتمام السالب يتوجه بأوَّلية إلى النشاط الذهني والفكري لأثرهما الكبير على المناشط الأخرى. والحقيقة الكبرى التي لا ينبغي أن تغيب عنا؛ أن هذه الأجيال لا تتحمل تبعة المفارقات القيمية وحدها؛ بل ثمة روافد كثيرة ومؤثرات عدة، تعمل عملها في تشكيل مخيلات التوعية لهم وللأمة بعموم؛ فالبيت مثلاً وهو النواة الأولى للأجيال، كثيراً ما تنعكس سلبياته على التشكيل القيمي للشاب. وفي ظروف كثيرة يعمل التخلخل العلائقي بين قطبي البيت على تمزيق القيم الإيجابية لدى المُشاهد الراصد (المؤثَّر فيه) = الابن، ومن ثم تجد القيم السلبية طريقها الرحب في وعيه المنعكس على سلوكه. إن كثيراً من مشكلات الشباب القيمية أياً كان نوعها هي في الغالب حصيلة طبيعية لمآسٍ ذاقوا ويلاتها وتجرعوا غصصها، فلم يجدوا سوى السلوك المشين للتعبير عن رفضها والسخط عليها هذا من جهة. وهم لم يجدوا سوى الحرية غير المؤطرة لإشباع رغباتهم النفسية الظامئة من جهة أخرى؛ فهم ناقمون ظامئون. مشكلة المؤثرات التي تنصهر في مثال البيت أنها بعيدة عن إدراك حاجة الجيل للقيم الروحية. ومشكلة آليات تشكيل الوعي أنها لا تنظر إلى النفس قدر نظرتها إلى أهداف أخرى؛ فالقنوات الفضائية (الفضائحية) تتعامل مع القيم والمجتمع تعاملاً تجارياً صرفاً، همها الأول والأخير: الاستقطاب. ولا بأس عندهم أن يكون هذا الاستقطاب على حساب القيم الشعورية والروحية للمشاهد؛ إذ هي أبعد ما تكون عن الإسهام في تشكيل القيم الإيجابية في النشء، ناهيك عن القنوات التي ترمي، أصلاً، إلى خلخلة القيم بشكل صريح، وكثير من الكتّاب الصحفيين مشغول بغير شغل، وجُلُّ دور النشر تقذف التشكيك العقدي، (وتسهم) بدفع الروايات الخواء للجيل! في هذا الجو الملوث تتشكل القيم! غير أنها القيم المادية التي تعمل في النفوس عملها السالب، فتضخم الشك، وتفرغ الفكر، وتسلم متلقيها إلى مهاوي الردى! في مثل هذه الظروف الصعبة، وإن تنوعت درجاتها، تتصف القيم المشكَّلة بالسلبية الحادة التي لا يمكن دفعها بآمال عابرة، ويُصاب الجيل بأزمة قيمية عنيفة ينعكس صداها على سلوكهم اليومي في مناشط الحياة كافة. والذي يحز في النفس أن تتعامل بعض الدوائر التربوية والأكاديمية إزاء ظاهرة الهبوط القيمي لدى الشباب بـ (سوريالية) غير مفسَّرة، وذلك عندما تحلل أسبابها أي الظاهرة بضيق أفق ظاهر، بعيداً عن تلمس المؤثرات الفاعلة. إن الجيل الذي يُمارس فاعليته السلبية في القيم والوعي هو على العموم ضحية العوامل المؤثرة، وهو في الوقت ذاته يعيش فراغاً نفسياً هائلاً يندر فيه الموجه الحكيم! إن كثيراً من الذين نرى فيهم الشر والنزعة الجامحة لقيم المادة الطاغية، إنما هم في الأعم الأغلب ذوو نفوس حيرى، قد أرهقهم الضيم الذي عايشوه، وأودى بهم القَيِّم غير الكفء، ونفوسهم في الوقت ذاته نفوس عطشى لمتجرد نبيل ينتشلها من سَوْرَاتِ الخوف والضنك في مثالها الذي تعيشه من قيم دنيا، إلى رحاب الطمأنينة والحب والخير متجسدة في قيم الروح الفاضلة. وهكذا كلُّ نفس تجد في مربيها الصد والخوف، تسعى لأمانها الضائع، وتهش لبارقة أمل من حكيم يُخرجها من تيه المادة إلى يقين الروح. إن السحرة الذين حشرهم فرعون لمواجهة موسى ﵇ مع الإشارة إلى الفرق في المثال قد جاؤوا بنفوس ظاهرها الحرص على الشر والرغبة في المغالبة يُقصيهم عن الود كفرهم بالله، وذاك الخطاب الشهير يوم الزينة؛ إذ جاء مكثفاً بالتذلل والخنوع لفرعون الذي يقول لبني إسرائيل: [مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي] (القصص: ٣٨) ، [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] (النازعات: ٢٤) ، ويقول لموسى: [قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ] (الشعراء: ٢٩) . إنهم يقولون، في مواجهة الداعية ﵇ مستظهرين العزة، محاولين الترهيب بالقسم: [بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الغَالِبُونَ] (الشعراء: ٤٤) . هؤلاء المتظاهرون بالطغيان والجبروت، ما هم في الحقيقة سوى أصحاب نفوس ضائعة، نفوس فارغة من الهم، مكتظة بالفراغ، سابحة في الضيق الذي لا ترى منه مخلصاً إلا بالعبّ من الشهوات. وهم لذلك لم يشترطوا على حاشرهم (فرعون) إلا المال فقضيتهم التمتع فحسب، ولو كانوا أولي هدف لعملوا لنصرة سيدهم ورب نعمتهم؛ أما وقلوبهم هواء من برد اليقين، غريبة غرابة مواجدهم، فليسألوا المال طرداً للهمِّ بالهمِّ. إنهم بعيدون في شعورهم من مشاركة فرعون مشاركة وجدانية، بل هم أُجراء: [أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ] (الشعراء: ٤١) . وحين يرى هؤلاء آيات اليقين وأمارات الطمأنينة بالإيمان ينجلي الغبش وتهفو النفس. وحين يعاتبهم الطاغية على اليقين ويستكثر عليهم الطمأنينة تصدع النفوس قبل الألسن بأنه كان سبب السلب الحقيقي وأداة القيمة المادية الفاعلة: [إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى] (طه: ٧٣) ، إنه كان يُكرههم على القيمة السالبة بسخرتهم في تعلم السحر وصرفهم إليه صغاراً، فهو متجبر في القوامة، قد سلبهم أمانَ النشء ويقين الفطرة، وغشهم في الرعاية. إن علماء النفس والاجتماع الغربيين يتحدثون عن إشكاليات خطيرة في واقع الأجيال، وهي مشكلات تزداد صعوبة في كل يوم في أزمنة القيم المادية المشرعة؛ فمثلاً نجد أن المنتسبين إلى حركة (حافظي الوعد) (Promise keeprs) الغربية وهم في ازدياد قد سئموا سُعار المادة الطاغي، فأجمعوا على بنود سبعة تمثل بالنسبة لهم أسس الممارسة، وعليها بناء الوعي القيمي لشبابهم، وهي بنود تطغى عليها الديانة النصرانية وتتوجه إلى ربط الجيل بمستوى أخلاقي نوعي؛ إذ يشير البند الثالث إلى أن على المنتسب للحركة الالتزام بممارسة (الطهارة الروحية والمعنوية والأخلاقية والجنسية) وفي فقرة أخرى نلحظ الاهتمام بالتكافل الاجتماعي ولو على نطاق ضيق [٤] . ونحن مع التسليم بضلالهم المبني على سوء الاعتقاد بالله ورسله واليوم الآخر، لا نرمي إلى مناقشة تلك الأسس من منظور إسلامي، بل القصد: الإشارة إلى الرغبة الطاغية لأمم الأرض اليوم في استعادة شيء من الهوية، وحرصها على تشكيل الجيل تشكيلاً جديداً ينأى به عن طغيان المادة وفراغ الحضارة الموحش. ونرمي من وراء ذلك كله للتساؤل الملحّ: أفليس المسلمون وهم أهل الحق والدين القويم أجدر الأمم بالعمل على استعادة تاريخهم المجيد بتربية أجيالهم على قيم الدين المستقيم؟ أفليس المسلمون أوْلى الناس بالعمل على مغالبة أزمنة الوهن بتحصين أجيالهم وتشكيل وعيهم تشكيلاً قيمياً نافعاً؟ ولا ريب أنها مهمة كبيرة على المربين، غير أن ثمة بواعث واقعية ينبغي أن تجعلهم يستسهلون الصعب، كان من آخرها المسابقة التي أجرتها إحدى الإذاعات العربية؛ حيث لم يستطع مستمع واحد أن يذكر اثنين من المبشَّرين بالجنة، في حين لم يتخلف أحد عن الإجابة الصحيحة في ذكر «اللقب» الشهير للمطرب الذي رحل يوم كان المستمعون الآن ما يزالون في أصلاب آبائهم!!

стр. 3505

في دائرة الضوء وجهة نظر: حول ظاهرة أسلمة العلوم د. أحمد إبراهيم خضر [*] ظهر في العَقدين الأخيرين دعاوى جديدة ذات أصول قديمة ومتكررة تحمل اسم: (مشروع أسلمة وتأصيل العلوم) والتكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية؛ أو التكامل بين معطيات الوحي والخبرة البشرية، وأنشئت لهذا الغرض جامعات ومعاهد وكليات تخرِّج أجيالاً تحمل هذا الفكر وتروِّج له. اتجاهات ثلاثة تؤصل المشروع: وهناك اتجاهات ثلاثة داخل هذا المشروع، أحسب أنها: تتسم جميعها بسمة الاستعلاء على الكتاب والسنه وما انبثق منهما من شريعة وفقه. يلبس الاتجاه الأول ثوب الاعتدال، وهو أخطرها فيدعو أصحابه إلى الاستعانه بالقواعد الفقهية والمنهجية الأصولية، وتطبيقها في العلوم الاجتماعية، وعرض نتائج العلوم الاجتماعية على علماء الدين وإقامة جسر بينهما. ويغلب على الاتجاه الثاني صفة السطحية والوصولية. أما الاتجاه الثالث فقد تطرف إلى الحد الذي دعا فيه إلى نقد التراث ومراجعة الدراسات التى بنيت على القرآن والسنة وتجديدها مع استبعاد مفاهيم الحق والباطل والإيمان والكفر.. . إلخ [١] . وأياً كانت الاتجاهات داخل هذا المشروع بما فيها الاتجاه المعتدل فإن جميعها تعتقد أن مستجدات العصر قد أحدثت خللاً في الأبنية الاجتماعية ومشكلات لم تكن قائمة في الصدر الأول مما يستوجب مواجهتها بالعلوم الاجتماعية العصرية الحديثة؛ مع مراعاة اتساق ما يؤخذ منها مع الكتاب والسنة. فالمسالة إذن ليست مواجهة تغيرات العصر بحلول مستنبطة من الخطوط العريضة للشريعة، أو إقامة مصالح الدنيا بالرجوع إلى التعاليم المتضمَّنة في القواعد الكلية للشريعة، وإنزال الوقائع المتجددة التي تعرض للأفراد والجماعات عليها، وفحص ما يترتب عليها من المصالح والمفاسد، وإنما الاستعانة بنظريات وتحليلات العلوم الاجتماعية والخبرة البشرية التي لا يبدو لهم أنها تتعارض مع معطيات الوحي في مواجهة هذه التغيرات، فيصبح لدينا مصدران للتعامل مع الحياة الإنسانية هما: العقل، والشرع. وهذا اتجاه قديم ترجع جذوره في اليهودية عند فيلون السكندري، وفي النصرانية عند كليمونتس وتلميذه أوريجنس، وفي الإسلام عند أبي يوسف الكندي، وإخوان الصفا، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وغيرهم. ولأن أكثر الناس لا يجمعون بين معرفة حقيقية بما جاء به الأنبياء والرسل وحقيقة الأفكار التي تحملها هذه الدعاوى سادت البلبلة والفوضى الفكرية مما أتاح الفرصة لانتشار مثل هذا الفكر [٢] . ويمكن القول حسبما نرى بأن المشروع برمته بما فيه الاتجاه المعتدل يقع في خطأ أساس وهو عدم اعتقاد كمال الشريعة وتمامها وعدم كفايتها في مواجهة تغيرات العصر، وكأنما الله تعالى الله عما يتصورون - لا يعلم بأن هذه التغيرات ستحدث فلم يحسب حسابها، فجاء هذا المشروع ليستدرك ويستكمل على الله، فسلب صفات الكمال عن الله تعالى وعلوه على خلقه وكماله وقدرته، وزاد في الدين وأفسده وخلطه بما لم يأمر الله به، ولبّس الحق بالباطل وأعطى مشروعية لهذا الباطل. ولا يخرج هذا المشروع برمته عن كونه هوى متبع وتبدُّع وتنطُّع وخروج على الصراط المستقيم بنص مصطلحات العلماء لا مصطلحاتنا؛ وذلك لأن الطرائق في الدين تنقسم إلى ما له أصل في الشريعة، وما ليس له أصل فيها، والأخير هو القسم المخترَع، أي إنه طريقة ابتدعت على غير مثال تقدَّمَها في الشرع. ومن خواص البدعة أنها خارجة عما رسمه الشارع، ومن ثَمَّ يدخل هذا المشروع تحت هذا المسمى؛ فالشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة والنقصان، كما أن الله تعالى قد أكمل للرسول ﷺ ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته ولم يحوجه لا هو ولا أمته إلى عقل أو نقل سواه، وأنكر الله تعالى على من لم يكتف بالوحي فقال: [أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ] (العنكبوت: ٥١) وقال تعالى: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ] (النحل: ٨٩) وقد تُوفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذَكَرَ منه لأمته علماً. هدف المشروع: حدد دعاة المشروع أهدافه في إعادة صياغة العلوم في ضوء الإسلام مما يؤدي إلى أسلمة العلوم بثلاث طرق بريئة المظهر، وأحسبها فاسدة المخبر وهي: ١ - فهم العلوم الحديثة واستيعابها في أرقى حالات تطورها والتمكن منها، وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام. ٢ - فهم واستيعاب إسهامات التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور، وتقدير جوانب الضعف والقوة في ذلك التراث في ضوء حاجة المسلمين في الوقت الحاضر، وفي ضوء ما كشفت عنه المعارف الحديثة. ٣ - القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد تركيبة تجمع بين معطيات التراث الإسلامي وبين نتائج العلوم العصرية مما يساعد في تحقيق غايات الإسلام العليا [٣] . أما الأهداف الحقيقية لهذا المشروع فتتلخص في الآتي: ١ - إضفاء الشرعية على علوم أوروبية الصنع ليست حيادية كالعلوم الطبيعية، وإنما ذات موقف خاص من الدين؛ فهي قد نشأت أصلاً لتزيح الدين وتحل محله، وتجعل الإنسان محور الكون بدلاً من الله، وترى أن الدين من صنع الإنسان، وأن التجربة الدينية الآن مواجهة مع الله وتحد له. ومن ثَمَّ فهي فاسدة الأصل، وفساد الأصل لا بد أن يمتد إلى كل فروعه. ٢ - إفساد المقصد من الشريعة وضرب الفقه الأول؛ وذلك بتلقيح الشريعة بمعطيات هذه العلوم مع تحميل هذا الفقه أوزار تخلُّف المسلمين وما يسمونه بتشويه شخصياتهم، ومن ثَمَّ إزالة هيمنتهما على العقل المسلم. ٣ - استبعاد مفاهيم الحق والباطل، والإيمان والكفر، والفرقة الناجية والفرقة الهالكة، وغير ذلك من المفاهيم المحورية في الإسلام بحيث تكون آخر ما يُرجَع إليه. ٤ - تحويل المقولة القديمة لزكي مبارك إلى واقع ملموس وهي التي يقول فيها: «قد نزعنا راية الإسلام من أيدي الجهلة ويقصد بهم علماء الدين - وصار إلى أقلامنا المرجع الأول في شرح أصول الدين» . وقد وصف الشيخ مصطفى صبري هذه الأقلام بأنها أقلام تنتقص خزائن الإسلام الفقهية التي ورثناها من السلف بأصولها وفروعها، وتفتح حصون العلوم بأسلحة مطلية بالذهب بدل الفولاذ المحض [٤] . مكمن الخطورة في المشروع: وتكمن خطورة هذه الدعاوى في الآتي: أولاً: الإيحاء بان الشريعة لم تتم: تعطي هذه الدعاوى الإيحاء بأن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها، ولو كان أصحاب هذه الدعاوى معتقدين كمالها وتمامها من كل وجه لما فكروا في الاستدراك عليها. قال مالك في هذا: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: [اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] (المائدة: ٣) فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً. ثانياً: معاندة الشرع ومضاهاة الشارع: عيَّن الشارع لمطالب الناس طرقاً خاصة على وجه خاص، وقصَرهم عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها والشر في تعدِّيها؛ لأن الله تعالى يعلم، ونحن لا تعلم. ولهذا فإن من زعم بأن هناك طرقاً أخرى غير التي حصرها الشارع وعينها؛ يعني أن الشارع يعلم وهو يعلم أيضاً، بل يفهم أنه استدرك الطرق الجديدة على الشارع أي علم ما لم يعلمه الشارع. يضاف إلى هذا أنه أنزل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق بها وتفرد بذلك؛ فهو الذي حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون ودعواه هذه تعني أنه صيَّر نفسه بمنزلة النظير والمضاهي الذي يشرِّع مع الشارع؛ فيكون بذلك قد رد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وفتح للاختلاف باباً. ثالثاً: تلبيس الحق بالباطل: لو كانت العلوم الإنسانية أو الخبرة البشرية باطلاً محضاً لما قبلت، ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها؛ ولو كانت حقاً محضاً لكانت موافقة للشريعة. لكنها تشتمل على الحق والباطل ويلتبس فيها الحق والباطل. وقد قال تعالى: [لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] (آل عمران: ٧١) ، فنهى الله بذلك عن تلبيس الحق بالباطل. ولَبْسُه هو خلطه حتى يلتبس أحدهما بالآخر. والشريعة حق محض والعلوم الإنسانية والخبرة البشرية فيها الحق والباطل، والجمع بين ما هو حق محض وما هو حق وباطل تلبيس لأحدهما بالآخر. والتلبيس هو التدليس والغش الذي باطنه خلاف ظاهره؛ فكذلك الحق إذا لُبِّس بالباطل يكون قد أظهر الباطل في صورة الحق، وتكلم بمقولة لها معنيان: معنى صحيح، ومعنى باطل؛ فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح ومراد المتكلم هو الباطل. رابعاً: اجتهاد في غير موضعه ومن غير أهله: يضع أصحاب هذه الدعاوى أنفسهم موضع المجتهدين في الدين. والاجتهاد ضربان: أحدهما: الاجتهاد المعتبر شرعاً وهو الصادر من أهله الذين اضطلعوا بما يفتقر إليه الاجتهاد. والثاني: هو غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ وحقيقته كما يرى العلماء «أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض، وخبط في عماية، واتباع للهوى» فكل رأي صدر على هذا الوجه لا شك في عدم اعتباره لأنه ضد الحق الذي أنزله الله تعالى يقول تعالى: [وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ] (المائدة: ٤٩) . إن أصحاب هذه الدعاوى ليسوا من أهل الاجتهاد، ولكنهم أدخلوا أنفسهم فيه خطأً ومغالطةً؛ فالشروط الشرعية المتطلبة في المجتهد لا تتوفر فيهم، كما لم تتوفر فيهم كذلك شروط العالم بالعلم الشرعي التي منها: أن يكون عارفاً بأصوله وما ينبني عليه، قادراً على التعبير عن مقصوده فيه، عارفاً بما يلزم عنه قائماً على دفع الشُّبَه الواردة عنه. خامساً: قياس للدين بالرأي: خص الله تعالى بالهداية من علم فيه القبولَ والإنصاف والأهلية. كما قال في إبراهيم ﵇: [وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ] (الأنبياء: ٥١) . وقال معاذ: العلم والإيمان مكانهما، من طلبهما وجدهما، فاطلبوا العلم من حيث طلبه إبراهيم، حيث قال: [وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] (الصافات: ٩٩) . فأصحاب هذه الدعاوى طلبوا الدين من غير طريق الأنبياء. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، أشدهم فتنة الذين يقيسون الأمور بآرائهم» [٥] . وسماهم ابن المبارك بالأصاغر أي الذين يقيسون الدين بآرائهم وعلى غير أصل، فيتكلمون فيه بالتخرُّص والظن. إن عملهم لا دليل عليه في الشرع، وقد يدفعهم اجتهادهم المزعوم إلى القول في القرآن برأيهم؛ في حين أنه لا بد عند القول بالقرآن من بيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد، وهذا ما لم يتوفر فيهم. وقد نقل عن الصدِّيق ﵁ أنه قال: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني أن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم، أو قلت في كتاب الله برأيي؟» [٦] وهذا هو ثاني اثنين إذ هما في الغار. سادساً: اتباع للهوى: إذا لم يكن العقل متبعاً للشرع لم يبق إلا الهوى والشهوة. وقد أوضح العلماء أنه لو كانت الأهواء واحداً لقال قائل: لعل الحق فيه، فلما تشعبت وتفرقت عرف كل ذي عقل أن الحق واحد لا يتفرق. الأمر إذن محصور بين الوحي وهو الشريعة، وبين الهوى ولا ثالث لهما؛ وهما متضادان؛ وحيث تعين الحق في الوحي توجه الهوى ضده، واتباع الهوى مضاد للحق وفي كل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى جاء في معرض الذم له ولمتبعيه ومعنى ذلك أن الشريعة هي الوحي وهي الحق، وأن العلوم الإنسانية والخبرة البشرية (بحقها وباطلها) هي الهوى؛ لأن الحق واحد لا يتفرق كما ذكرنا. سابعاً: زيادة في الدين: يقول العلماء: «إن رفع المظنون في العقليات إلى مرتبة المعلوم زيادة في الدين» ؛ لأن فيه تجويز خلو كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ﷺ من بيان بعض مهمات الدين؛ وقد جاء الرسول ﷺ بالدين القيم تاماً كاملاً ليس لأحدٍ أن يستدرك عليه، وقد أكمل الله له الدين ولأمته من بعده. ويعرف العلم الحق بأنه صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، وهو الذي يجمع ما بين الجزم والمطابقة والتثبت عند التشكيك. ولهذا نقول: إنه لولا الفرق بين العلوم الشرعية والعلوم الظنيه لما تميز إسلامٌ مِنْ كفر، ولا شرك من توحيد، ولا صحيح من خاطئ. هذا الفرق هو الذي يسميه أصحاب هذه الدعاوى بالفصل التعسفي ويسعون إلى القضاء عليه، فإذا تم لهم ذلك التبست الظنون بالعلوم الشرعية ودخل فيها ما ليس منها. ثامناً: طلب للشريعة بما هو غير أداة لها: إن هذه العلوم التي يسعون إلى تأصيلها إسلامياً وجمعها مع الشريعة علوم أوروبية الصنع كما ذكرنا صدرت بلسان غير عربي. والشريعة نزلت بلغة العرب لا دخل فيها للألسن الأعجمية. والله تعالى يقول: [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ] (يوسف: ٢) ، ويقول أيضاً: [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ] (الشعراء: ١٩٥) . ولذا يلزم عند فهم الشريعة الاقتصار على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، وليس إلى غيرهم. كما لا يستقيم للمتكلم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يتكلم فوق ما يسعه لسان العرب. وينطلق أصحاب هذه الدعاوى في سعيهم إلى أسلمة العلوم من المفاهيم والمصطلحات الغربية بالبحث عن أصول لها في القرآن والسنه ولو تعسفاً، وقد حسم العلماء هذه المسألة بقولهم: «إن كل معنى مستنبط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء، ولا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل» . تاسعاً: الخروج على مقتضى وضع الشريعة التي جاءت للعموم: تتضمن العلوم الإنسانية التي يسعى أصحاب هذه الدعاوى إلى تأصيلها إسلامياً وجمعها مع الشريعة ترسانة ضخمة من المصطلحات الغامضة والنظريات المتعددة التي تحتوي على تناقضات فكرية وتصورات متباينة. ومع ذلك فإن عالم الاقتصاد الأمريكي (فرتز ماشلوب) يقول: «إن معنى العلم أمر لا يستطيع رجل الشارع أن يفهمه، والمعرفة لا تدنو منها إلا العقول العالية فقط» وذلك في معرض محاولته إضفاء الصبغة العلمية على العلوم الإنسانية. والأمر نقيض ذلك في الشريعة، فقد خرَّج الترمذي وصححه عن أُبي بن كعب قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل، فقال: يا جبريل! إني بُعثت إلى أمة أمية فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، فقال: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» [٧] . ولهذا يقول العلماء: إن طلب ما لا يشترك عامة الناس فيه في الشريعة خروج على مقتضى الشريعة الأمية [٨] التي تسع تكاليفها الاعتقادية والعملية الأمي فيتعقلها ويدخل في حكمها، كما أنها قريبة الفهم سهلة على العقل؛ بحيث يفهمها من كان ثاقب الفهم أو بليداً؛ فلو كانت الشريعة مما لا يدركها إلا الخواص والمثقفون لم تكن شريعة عامة ولا أمية. عاشراً: محدَثات ومخالفات لم تكن على عهد الأولين: إن خير القرون هو قرن رسول الله ﷺ وصحابته ثم الذي يليه، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، وأصحاب هذه الدعاوى في قرننا هذا إما أنهم أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون، أو أنهم حادوا عن فهمها. وهذا الأخير هو الصواب. وقَرْنُ رسول الله ﷺ والذي يليه من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الشريعة إلا ما كانوا عليه، ولم تكن هذه المحدَثات فيهم ولا عملوا بها بالرغم من أنهم عاصروا أكبر حضارتين وقتها، وظلت الشريعة على نقائها وصفائها فيهم. وصحبح أن هناك من العلماء من تجاوز الحد في الدعوى على القرآن؛ فأضاف إليه كل علم يذكر للمتقدمين في علوم الطبيعة والمنطق وغيرهما، لكن هذا لم يحدُث من السلف الصالح الذين كانوا أعرف بالقرآن ويعلمون ما أُودِع فيه، ولم يبلغنا أن أحداً منهم تكلم في شيء من ذلك؛ مما يدل على أنه لا يجوز أن يضاف إلى الشريعة ما لا تقتضيه أو أن ينكر منها ما تقتضيه. وأخيراً: فإن العلم وسيلة من الوسائل وليس مقصوداً بذاته، وذلك حسب نظر الشرع، وكل علم لا يفيد عملاً ولا يترتب عليه ثمرة تكليفية ليس في الشرع ما يدل على استحسانه، ولو كان له غاية شرعيه لكان مستحسناً شرعاً، ولهذا فإن هذا المشروع لا يفيد علماً ولا عملاً ولا يترتب عليه ثمرة تكليفية، وليست له غاية شرعية، ومن ثم فهو ليس بمستحسن شرعاً. إن هذا المشروع يدخل تحت مقولة البَطْرِيَرْك التي نصح بها ملك الروم حينما عرض عليه أمر طلب خليفة المسلمين بترجمة كتب الفلسفة وغيرها إلى العربية: «أيها الملك! أرسلها إليهم، والله! ما دخلت هذه الكتب على قوم عندهم شريعة سماوية إلا أفسدت شريعتهم، وأوقعت الخصومة بينهم» [٩] .

стр. 3506

مصطلحات ومفاهيم التعليم المستمر د. عادل الجندي منذ القرن الثامن عشر تطور مفهوم التعليم؛ حيث أصبح من أهدافه تنمية مواهب الفرد لكي تتطور حتى يضيف كل «متعلم» خبراته الجديدة وربما مكتشفاته ومخترعاته إلى التراث، بما قد يؤدي إلى مضاعفة العلم المطلوب تعلمه، أو إلى تغيير التراث كله بتغيير طريقة التفكير فيه، أو نقده وتعديله، أو طريقة الانتفاع به. ولكن على المستوى العلمي ظلت عملية التعليم والتربية عملية اجتماعية، بمعنى أن مؤسسات المجتمع القائم هي التي تقوم بها، سواء من خلال الأسرة أو البيئة الاجتماعية المباشرة، أو من خلال مؤسسات التعليم والإعلام والتثقيف التي يملكها الأفراد أو الهيئات أو الجماعات المستقلة، أو تملكها وتديرها الدولة. ثم كان تقرير اللجنة الدولية التي عملت بتفويض من اليونسكو برئاسة «إدجار فور» الذي نشر عام ١٩٧٢م نقطة تحول في تنمية التربية التي بدأت تحتمل تصوراً جديداً من حيث كونها نشاطاً إنسانياً، قد يكون نظامياً كما في التعليم المدرسي، أو شبه نظامي كما هو في المؤسسات التربوية المساندة للمدرسة، أو غير نظامي كالتعليم من الحياة وبالحياة. وظهر منذ ذلك الوقت البحث عما يسمى «المجتمع المتعلم» الذي ينبغي أن تهدف إليه الجهود بالوسائل المختلفة المناسبة لكل دولة بحسب ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وحاولت بعض الدول أن تقترح الوسائل المناسبة لتنفيذ ذلك التصور الجريء وتمويله، وهو ما يسمى الآن بـ «التعليم المستمر» الذي نادت به «لجنة إنتاريو» في كندا في الوقت الذي ظهر فيه رأي «اللجنة الدولية» التي شكلها اليونسكو رغم استقلالهما عن بعضهما. وقد زامن هاتين اللجنتين جهود أخرى قام بها مجموعة العمل التي شكلت عام ١٩٧٢م، والتي نادت بفكرة «التعليم الأساسي» لإصلاح التعليم الابتدائي التقليدي واستحداث أنماط جديدة للتربية والتعليم تجمع بين التعليم النظامي والتعليم غير النظامي وتربط بين العمل والتعليم. ومع هذا الاهتمام المتزايد بالتنمية العامة تأكد الدور الذي يمكن أن يلعبه التعليم والتدريب في المجال الاقتصادي وفي زيادة الإنتاج وقدرة الأفراد على القيام بالدور الإيجابي الذي يؤدي إلى تنمية المجتمع. وقد أكد الباحثون على أهمية التدريب والتعليم في محيط العمل والعمال، وحاول الباحثون قياس القيمة المضافة التي تحدثها إطالة التعليم في إنتاجية العاملين، وهو ما يؤدي إلى الاعتراف الكامل بإسهام التربية والتعليم في التنمية الاقتصادية؛ وبذلك لا يكون التعليم مجرد خدمة تؤدى باعتباره حقاً من حقوق الفرد وإنما أصبح عملية استثمار، ووسيلة لرفع الكفاية الإنتاجية وبذلك أصبح موضوعاً هاماً في الميدان الاقتصادي وطريقاً إلى التنمية الشاملة. إذن فالتربية التي تشمل التعليم المستمر يقصد بها كل ما يمكن أن يكتسبه الفرد على مدى حياته من المؤسسات التربوية والاجتماعية من برامج تعليمية وثقافية ومهنية باستخدام الأساليب والوسائل التعليمية المتاحة له، بما يساعد على استمرار الاستزادة العلمية والثقافية للأفراد والجماعات في النواحي المهنية والحياتية، بحيث لا يعتمد في ذلك على المدارس النظامية وحدها بل تشارك فيه المنظمات والهيئات الأخرى، وتصبح الحياة مدرسة، ويتعلم كل فرد من الحياة بالحياة، وهو ما كان مطبقاً بالفعل أثناء تألق الحضارة الإسلامية. وعموماً ونظراً للاهتمام بالتعليم المستمر في الوقت الحالي، فإن بعض الناس ينظر إليه بوصفه «نظاماً ثالثاً في المجتمع» ، أما النظام الأول، فيشمل المدارس الابتدائية والثانوية، بينما يشمل النظام الثاني مؤسسات ما بعد المرحلة الثانوية، وهذان النظامان «الأول والثاني» يمثلان جزءاً من العمليات التربوية التي يمر بها المتعلم الذي يدرس لوقت كامل Full Time، وقبل أن يتجه إلى سوق العمل أو إلى أي مكان آخر. أما التعليم المستمر من حيث إنه «نظام ثالث» فيشمل كل المؤسسات التربوية التي من خلالها يحصل الفرد على فرص تعليمية، سواء كانت قبل الالتحاق بالتعليم النظامي أو خلاله أو بعد التخرج فيه. ومن هنا يصبح التعليم المستمر ذا مغزى ومعنى بالنسبة للنظامين الأول والثاني، ولذا فإن التعليم المستمر ما هو في الواقع إلا تمديد للنظام التربوي في الزمان والمكان، وتنظيم للخبرات والنشاطات التربوية وجعلها متاحة لكل من يرغب فيها على مدى الحياة؛ فهو له بُعدان: أفقي، ورأسي. ففي بعده الأفقي يُعنى بتنويع التعليم في الأماكن المختلفة، وفي بعده الرأسي يعنى بإتاحة الفرص للدخول في أي نوع من أنواع التعليم في الأزمنة المختلفة. والتعليم المستمر ينادي في جوهره بالتحول والتغير الكيفي والنوعي للنظام التعليمي الحالي؛ فهو ليس مجرد زيادات كمية طفيفة ولا سلسلة من الإصلاحات الجزئية في هذا النظام؛ ودائماً هو نظرة فلسفية شاملة لمعنى التغير ومضامينه على صُعُد التربية والتعليم والسياسة والمجتمع والاقتصاد. فهو لذلك يهدف أساساً إلى تحقيق الذات بالنسبة للفرد وعن طريق اختيار حر من بين كلٍّ متكامل مرن من المعارف والخبرات التنظيمية؛ وهذا التنوع ضمن الوحدة للمعارف والخبرات هو الذي لا يزود الأفراد أو نخبة معينة فحسب، بل المجتمع كله باحتياجاته المعرفية في كل مجالات الحياة، وبذلك يوجد المجتمع المعلم المتعلم. فالتربية لا بد أن تتميز بما يلي: ١ - المرونة. ٢ - دفع عجلة التطور الاجتماعي إلى الأمام للأفراد والجماعات في آن واحد. ٣ - تلافي العيوب الناجمة عن التعليم التقليدي. ٤ - الربط بين التربية والمجتمع. ٥ - التركيز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية. ٦ - اختيار المناهج المتماشية مع حاجات الدارسين (المناهج الأكاديمية المفروضة) . مرتكزات التعليم المستمر: ويعتمد التعليم المستمر على: - التركيز على الجوانب العملية التي تساهم في بناء المجتمع وتقسيم الأنشطة إلى أنشطة أساسية وأخرى تعالَج حسب الأولويات. - دراسة أوضاع الفئات الفقيرة والعمل على سد احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية. - التعاون مع ذوي الخبرة للوصول إلى التوصيف الصحيح لأوضاع المجتمع وحاجاته. - تمكين الفئات المحدودة الإمكانيات على تطوير هذه الإمكانات والارتقاء بمستواها كي لا تقف عقبة في طريق تقدم هذه الفئات وتحد من إسهامهم في نمو مجتمعهم. - أخذ الأوضاع الاجتماعية للسكان بعين الاعتبار عند التخطيط للتطور والتنمية الصناعية؛ بحيث تتماشى خطوط التنمية مع هذه الفئات وقدراتها وتلبي حاجاتها المختلفة. - تبنِّي الاتجاه الجماعي في التخطيط لبرامج التعليم المستمر، والقضاء على جميع مظاهر التفرقة الاجتماعية التي من شأنها تشتيت الجهود وبعثرتها. أما فيما يتعلق بالوسائل والأساليب التي يمكن أن تحقق أهداف التعليم المستمر: فإنه يمكن أن تتعدد الأساليب والطرق والوسائل التي تحقق أهداف التعليم المستمر، ويمكن أن تختار كل دولة وكل مؤسسة وكل جهة تود أن تسهم في التعليم المستمر أي وسيلة تراها مناسبة لظروفها وطبيعة عملها وإمكاناتها.. . على أن يتم ذلك وفق تخطيط وتنظيم محكم يأخذ في الاعتبار جميع العوامل والمؤثرات التي تضمن نجاح برامج التعليم المستمر. وفيما يلي أمثلة من هذه الوسائل وتلك الأساليب: أ - المؤسسات التي تسهم في التعليم المستمر. ب - الوسائل الممكن الاستعانة بها. ج - أساليب أخرى حديثة. مع توضيح لما يمكن أن تؤديه كل منها من خدمات وما تعمل على تحقيقه من أهداف. أ - المؤسسات: ١ - مراكز التعليم الموازي للتعليم النظامي التي يمكن أن توفر التعليم المستمر للمتسربين من المدارس، أو من فاتهم قطار التعليم النظامي بحيث تعوضهم عما فقدوه من فرص الحصول على الشهادات الدراسية. ٢ - المراكز الثقافية والاجتماعية بالمدارس والمعاهد التربوية التي يمكن أن تنظم الدراسات والندوات للآباء والأمهات والشباب لزيادة ثقافتهم، وتوعيتهم بالمشكلات الصحية والاجتماعية بما يساعد على رفع المستوى الثقافي وخدمة البيئة. ٣ - مراكز خدمة المجتمع بالجامعات، وما يقوم به من تنظيم للمشروعات العلمية التي يشترك فيها الطلبة وما تقدمه من برامج في الدراسات التكميلية أو المهنية لمن يطلبها من المواطنين في مختلف الأعمال. ٤ - مراكز التعليم بالمراسلة أو الجامعات المفتوحة، أو ما يسمى أحياناً جامعات الهواء التي تنظم برامج متنوعة في مستويات مختلفة تصل بها إلى من يرغب في الاستزادة التعليمية في المجالات المختلفة؛ بحيث تنقل إليهم التعليم في أماكنهم بدلاً من أن ينتقل المتعلم إليها. ٥ - مراكز تعليم الكبار ومدارس مكافحة الأمية التي يلتحق بها من يرغبون في استكمال تعليمهم الأساس، والقضاء على الأمية بمختلف صورها. ٦ - المكتبات الحديثة بما فيها من كتب ومجلات، وما تقدمه لروادها من تيسيرات للاطلاع والبحث، خصوصاً إذا استكملت بالوسائل التعليمية الحديثة: من تسجيلات صوتية، وأفلام سينمائية وبرامج مختلفة. ٧ - مراكز التدريب أثناء الخدمة، وما تقدمه من برامج تثقيفية وبرامج لزيادة المهارة المهنية لرفع كفاءة العاملين بما يضمن زيادة الإنتاج ويزيد من ثقافة العاملين وإيقافهم على المستحدثات في مجالات تخصصهم أو المجالات الثقافية العامة. ٨ - النقابات والاتحادات المهنية وما تنظمه من برامج تعليمية وفق تخطيط جيد في مواعيد مناسبة ومنتظمة لأعضائها ولأسرهم بما يقوي الروابط المهنية ويرفع من المستوى الثقافي للأعضاء. ٩ - المؤسسات الدينية وما تقوم به من برامج في التوعية الدينية والثقافية والاجتماعية وبالأخص في مجال التربية الخلقية والتعامل الاجتماعي. ١٠ - الهيئات النسائية، وما يمكن أن تقوم به من برامج في التوعية الأسرية والتربية الحيائية وتنشئة الأطفال والعلاقات العائلية بما يضمن سعادة الحياة للأسرة والمجتمع. ب - الوسائل الممكن الاستعانة بها: ١ - الاستعانة بوسائل الاتصال الثقافي وبالأخص الصحف اليومية والأسبوعية والمجالات العلمية والنشرات خصوصاً إذا نظمت في صورة هادفة مسلسلة وفق تخطيط معين. ٢ - الاستعانة ببرامج الإذاعة والتلفزيون بحيث يخصص بها مواعيد معينة، وبحيث يتم التنسيق بين هذه المواعيد التي يسمح فيها للعاملين بالمؤسسات المختلفة بمتابعة برامج، هذا فضلاً عن: أ - بناء الحقائب التعليمية متعددة الوسائل واستخدامها، وهي تحتوي أنواعاً مختلفة من المواد التعليمية كالأفلام والخرائط والمطبوعات.. إلخ وتعمل كل واحدة من هذه المواد على توفير نوع من الخبرة التعليمية بما يحقق أهدافاً مقصودة في دراسة موضوع معين بطريقة متكاملة. ب - استخدام الكمبيوتر في التعليم؛ حيث تعد البرامج التعليمية بمعرفة مختصين في التربية والتعليم، ويغذى بها الكمبيوتر لتبقى في ذاكرته؛ بحيث يمكن للمتعلم أن يستدرج الكمبيوتر ويطرح الأسئلة التي يريد الحصول على إجاباتها، فيتلقى الرد فوراً على الشاشة التي تستخدم للاستقبال والتي تشبه شاشة التلفزيون، ويحتاج وضع برامج الكمبيوتر إلى مهارة خاصة وتعاون بين الفني في الكمبيوتر والفني في التعليم وفق البرامج المراد تعلمها. ٣ - برامج التعليم الذاتي التي تقوم على أساس فكرة التعليم المبرمج والتي يستطيع بها أن يعلم الشخص نفسه بنفسه، وأن يسير في التعليم بحسب سرعته الخاصة، بحيث يقل التركيز على المدارس ويعتمد المتعلم على نفسه، ويسير في التعليم إلى المستوى الذي يناسب قدراته واستعداداته الخاصة. وواضح أن من الممكن الجمع بين طريقتين أو أكثر وبين أكثر من أسلوب في الأوقات المختلفة بحسب المستوى ونوع الخبرة بما يحقق أهداف التعليم المستمر. المراجع: - محمد خليفة بركات، مفاهيم التعليم المستمر أساليبه، جامعة الكويت، مجموعة البحث التي ألقيت في الندوة العلمية العربية للتعليم المستمر، ١٩٨١م. - محمد أحمد موسى البكري، ودور التعليم في السنة الاقتصادية والاجتماعية جامعة الكويت، ١٩٨١م. - سامي خشبة، مصطلحات فكرية، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ١٩٩٤م. - إبراهيم محمد إبراهيم الحنكادي، تعليم الكبار ومشكلات العصر، الرياض دار الأندلس للنشر والتوزيع، ١٩٩٦م. - المنظمة العربية والثقافة والعلوم، استراتيجية تطوير التربية العربية. - عبد الله الدحيم، الثورة التكنولوجية في التربية العربية، دار العلم للعلامة ١٩٧٤م. - عبد الله هنداوي التربية المستمرة: مفهومها، أهدافها مجالاتها.

стр. 3507

المنتدى هل يعيد التاريخ نفسه ؟ ماجد بن عيد الحربي قبل حوالي خمس وعشرين سنة وتحديداً في أواخر عام ١٩٧٣م كان الرئيس الأمريكي وقتها ريتشارد نيكسون في زيارة لمنطقة المشرق العربي قيل عنها إنها تهدف إلى محاولة تسوية النزاع العربي اليهودي؛ وحقيقة الأمر أنها كانت تهدف إلى تحقيق انتصار شخصي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية على حساب حقوق العرب. فوقتها كانت فضيحة ووتر جيت على أشدها ومحاكمة الرئيس قاب قوسين أو أدنى. ولكن لم تشفع له تلك الزيارة أمام محكمة الشعب الحر. فقد أرغم نيكسون بعد عودته على الاستقالة وكاد أن يقدَّم للمحاكمة لولا صدور قرار خليفته بالعفو عنه. وفي هذه الأيام نجد أن التاريخ يعيد نفسه فها هو كلينتون بين ظهرانينا وبنفس الحجة التي كان يدعيها سلفه. فالهدف المعلن هو دفع عملية السلام بين الفلسطينيين واليهود إلى الإمام وفي واقع الحال ما هي إلا محاولة من محاولات كلينتون الهادفة إلى تحقيق أي انتصار يواجه به خصومه من أعضاء الحزب الجمهوري الذين يعدون العدة لبدء محاكمته في فضيحة مونيكا لوينسكي. وهنا يحق لأي عربي أن يتساءل: لماذا المنطقة العربية بالذات هي التي يلجأ إليها رؤساء أمريكا لتحقيق الانتصارات التي يحتاجونها أمام شعبهم؟ هل لأننا كرماء بطبعنا أوفياء لأصدقائنا نتنازل بكرمنا المعهود عن حقوقنا لهؤلاء الأصدقاء حتى يظهروا أمام شعوبهم بمظهر الأبطال الذين يحققون الانتصار تلو الانتصار لصالح دولة (إسرائيل) الصديقة، حتى ولو كان ذلك على حساب حقوق العرب وكرامتهم؟ أم لأننا شعب مغلوب على أمره تفرض عليه الحلول الظالمة ويرضى بها دون تردد أو مناقشة؟ وقد وصل بنا الانهزام إلى درجة أننا نعتبر قمة الانتصار أن يأتي عظيم الروم إلى بلادنا ويصدر إلينا تعليماته المقدسة التي نتقبلها بكل فخر واعتزاز، ولا أدل على ذلك من وقوف ما يسمى بأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني لرئيس أمريكا في مدينة غزة والتنازل له عن ميثاق الشعب الفلسطيني الذي يعتبر آخر رموز السيادة التي تم التنازل عنها لصالح اتفاقية أوسلو وأخواتها. وهنا نصل إلى نتيجة مفادها: أن كل ما ذكر آنفاً يدل دلالة واضحة على الاستهانة بهذه الأمة واعتبارها الجانب الأضعف باللعبة السياسية الذي تعوَّد هؤلاء الأعداء على تحقيق انتصاراتهم عن طريقه. وما أريد أن أقوله لأبناء أمتي هو الانتباه لخطورة الأمر؛ فأمريكا ممثلة برئيسها الذي يعمل بوحي من شعبها تعمل لمصلحة دولة يهود التي احتلت أرضنا ومقدساتنا، وشردت أبناء شعبنا، وقتلت مجاهدينا، وتعمل ليل نهار على مسخ عقيدتنا الإسلامية لإحلال عقيدة التلمود محلها. فالرئيس نيكسون ومن بعده كلينتون مروراً بجميع رؤساء أمريكا المتقدمين منهم والمتأخرين لم يعتلوا كراسيهم إلا بصوت الناخب اليهودي؛ فهم مدينون لهم بالولاء والنضال من أجل قيام دولتهم وتحجيم جميع القوى المعارضة لهم، لا أقول بالمنطقة فحسب ولكن بجميع أنحاء العالم. لذا يجب علينا أن نستيقظ من غفوتنا ونؤوب إلى رشدنا ونحزم أمرنا ونعرف صديقنا من عدونا ونعلن للعالم كله أننا مجاهدون لإعلاء كلمة الله أولاً ثم منافحون عن حقوقنا المغتصبة حتى تعود والتاريخ لم يذكر يوماً من الأيام أن فيه حقوقاً سلبت عنوة عادت بدون القوة وإراقة الدماء. وبكل الأحوال نحن الفائزون بإذن الله تعالى فشهداؤنا في الجنة وموتاهم إلى جهنم وبئس المصير. وإن لم نفعل ذلك فسيأتي يوم نقول فيه: أُكِلنا من قِبَل يهود كما أُكِل الهنود الحمر من قبل الأمريكان؛ وعندها سيلعننا التاريخ ونكون قد جنينا على الأجيال الآتية من بعدنا بإطالة أمد الجهاد ورفع نسبة التضحيات لدرجة ما كان ينبغي أن تصل إليها لولا تخاذلنا. ونحن على يقين أن العاقبة لهذا الدين وأهله، أسأل الله أن لا يجعلنا من الذين قال عنهم: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) .

стр. 3508

المنتدى المرأة المسلمة وشموخ الأمة غازي المهر لم تحظ المرأة العربية في الجاهلية الأولى بأدنى قيمة، بل كانت مجرد متاع تُباع وتُشترى، حقوقها مهضومة وكرامتها مهدَرة حتى جاء الإسلام فأشرق نوره على البشرية جمعاء، فلانت قُلوب العرب وازدانت عقولهم بنوره، وانزاحت عن عيونهم ظلمة الجاهلية، فحفظوا كرامتهم بحفاظهم على كرامة المرأة العربية حين أحسنوا إليها، ودفعوا إليها حقوقها؛ وحينئذٍ قامت المرأة المسلمة بإنشاء جيل صالح قام ببناء الحضارة الإسلامية الزاهرة. حين تلتزم المرأة بالإسلام دين الأخلاق والفضيلة فإنها تستمد منه كل أسباب العفاف والكرامة؛ فهي إن كانت أختاً شرّفت أخاها، وإن كانت ابنة وقد أحسن الأب تربيتها تكن له ستراً من النار، وإن كانت زوجة فهي نصف الحياة، والمسلم لا يكتمل دينه إلا بالزوجة الصالحة التقية، وإن كانت أماً فهي نعم الأم المربية الفاضلة وعليها عبء كبير في تنشئة الجيل القادم، فإن نجحت في تربيته التربية الإسلامية فقد سادت الأمة وعظُم شأنها وإلا فقد هوت في وادي الضياع. وحين تخرج المرأة من بيتها سافرة متبرجة تسقط من أعين الرجال وهي تحسب أنها أعجبتهم إذ تثير فيهم الشهوات الحيوانية، فكيف تقبل الحرة بهذا؟! وأية كرامة تسعى إليها بخروجها؟! وكيف ستقوم بتربية أبنائها؟! ومتى؟! وهو الأنموذج السيئ القابع في أوحال الفجور، وهم بلا شك مقلدوها ومنها يرضعون العقوق والعصيان والأخلاق المنحلة والشذوذ. العجب كل العجب من فتاة تدين بالإسلام وتؤدي الصلاة وتصوم رمضان ولكنها تخرج سافرة متبرجة منكرة قوله تعالى: [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا] (النور: ٣١) ، وقوله ﵊: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يُرحن ريحها، وإنَّ ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا» [١] ، وفتاة مثل هذه أقرب إلى النفاق ولا تعي من الصلاة والصوم شيئاً. تلهث المرأة في مجتمعاتنا العربية للحاق بركب المرأة الغربية، فتسارع في تقليدها الأعمى: في لباسها وخروجها للعمل ومخالطتها للرجال بشتى الوسائل، وهي تظنّ أنها بلغت الحرية التي حُرمت منها في الإسلام، وقد أصاب هذا التقليد عين المرأة وعقلها بالغشاوة، فلم تعد ترى ما حلّ بالمرأة الغربية من ذل وهوان وانحلال، وأنها باتت في قيود الرذيلة والفجور. وإذا نظرنا إلى حجة بعض النساء اللواتي يخرجن للعمل لأدركنا أنها تريد التقليد الأعمى، فهي تخرج للعمل بذريعة مساعدة الزوج، فأين ثمار تلك المساعدة وهي تنفق كل ما تحصل عليه على الأزياء وأدوات الزينة؛ لتظهر أنيقة جميلة في أعين زميلاتها وزملائها في العمل؟ وعلاوة على ذلك فهي تُلقي أبناءها في مهب الضياع حين تتركهم بين يدي خادمة أجنبية لا تحسن التربية. تملك المرأة بإسلامها وعفتها مصير الأمة ورفعتها وشموخها وحفظ مكانتها بين الأمم؛ فأية مكانة أسمى من تلك المكانة التي تسعى إليها في ظل الإسلام؟ فرفقاً أيتها المرأة بنفسك ومجتمعك الذي تهدمت أركانه؛ فالمجتمع لا ينجو إلا بك؛ فمتى تُدركين ذلك؟!

стр. 3509

المنتدى مكتي واحتي محمد حمادو أحمد أيا أم القرى! أهلاً وسهلاً ... إليك تحيتي جبلاً وسهلا فضائل مكة الإسلام تترى ... على الآفاق، والظلمات تُجلى ففيك منابع الآيات تُتلى ... وتنبض بالمنى قولاً وفعلا وقلبك خافق والشوق يسمو ... على قسمات وجهك قد تجلى ووجهك مشرق والشمس تجلو ... غشاء الليل والصلوات أحلى رأيت جبال مكة مشرقات ... وترفع رأسها في الكون أعلى وماء عيون مكة سلسبيلٌ ... ويأتي بالشفا عقلاً ونقلا وكم في مكتي من معجزات! ... وكم رفعت لواء الحق عدلا! إليك مواكب الحجاج تهفو ... وجاءك كل من زكَّى وصلى سيبقى حبك المعقود فينا ... مدى الأعوام أحوالاً فحولا ومدحك واجب فرض علينا ... لأنك واحتي طفلاً وكهلا

стр. 3510

المنتدى ملكة جمال الحظايا والجواري تركي بن عتيبي الغامدي عندما كان يشرح لنا مدرس مادة التاريخ في الصف الرابع الابتدائي حال العرب في الجاهلية، وكيف كانت معيشتهم مع الإنسان الآخر المرأة تحديداً كانت تدور في رأسي الصغير مشاهد أسطورية لنساء وُضِعْنَ على دكة وسط السوق أشبه بتلك التي توضع اليوم لعارضات الملابس العارية وأخواتهن بداعي الجمال والغنج والإغراء فينادي النخاس على بضاعته من السبايا والإماء، فيتقدم هذا ويتقدم ذاك، يقلِّب هذه ويتأمل تلك، فيدفع الثمن قلَّ أو كثر، فهو ثمن بخس، والحظ الوفير لمن كان سيدها ذا مال وجاه. إنها صور منوعة أشبه بما يدور اليوم في غير مكان من هذا العالم المجنون لانتخاب الحظايا والجواري، حظايا لأصحاب النفوذ وأرباب المال والمتاجرة بالأجساد، وجوارٍ في شارع الليل والبغاء، والفرق الوحيد ذهاب الإماء والعبيد اليوم طواعية إلى السوق الكبير! فمن يضع صوته في صندوق انتخابات الفاضلات؟ ومن يحتج على هذا الامتهان لكرامة جعلها الله لبني آدم؟ ولكن كيف يحدث ذلك الاحتجاج، ما دام الحياء مذبوحاً على قارعة الطريق تلبية لنداء الشيطان لمشاهدة سطوته على جسد المرأة، وتفننه في إغوائها؟ وكيف يحدث ذلك الاحتجاج، والرجل أيضاً لتلك السطوة يُساق بين الجموع عارياً لعرض ما يحمله حتى بين.. .؟! وكما قال ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى:» إذا لم تستحِ فافعل ما شئت «. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 3511

المنتدى إن نصراً لقريبٌ عبد الرحمن عبد الهادي العمري أي حالٍ، مسلمون! ... كلَّ يومٍ تشتكون! في بلاء، في مآسٍ ... في قبورٍ تسكنون! في دموعٍ، في دماءٍ ... في شكاوى تقطنون! إن نظرتم في شمالٍ ... أو نظرتم في يمين! ما لقيتم غيرَ طفلٍ ... في بلاءٍ، في أنين! أو ثكالى قد سكبن الدم ... معَ سكباً في هتون! أي كربٍ قد دهاكم ... كل يومٍ في شجون! جمرةٌ تحرق قلباً ... أيها الكون الحزين! إنّ نصراً لقريبٌ ... إن غدونا صالحين!

стр. 3512

المنتدى ما أحوجه إليك الآن ! خديجة الأحمدي الحمد لله الذي جعل الدين يسراً وليس بعسر، وجعل السبيل إلى الجنة سهلاً يسيراً إلا أنه محفوف بالمكاره، والنفس قد جبلت على حب الكسل والدعة، فنرانا نترك أشياء سهلة قد تدخلنا الجنة بسبب لهو أو نسيان أو تقصير.. ولكن الله بعباده خبير؛ فقد رزقنا نعمة الأخوة في الله وهي هدية غالية؛ حيث إن أخاك في الله إذا رآك على منكر نصحك، وإذا رآك ناسياً ذكَّرك، وإذا رآك متهاوناً وعظك، وإذا رآك جاهلاً علَّمك. قال الشافعي ﵀: «من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه» [١] . وقد جاء في الأثر: «مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى» . ففي حديث عمر وقد سأل عن أخ كان قد آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه وقال: ما فعل أخي؟ قال: ذلك أخو الشيطان. قال: مَهْ. قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر. قال: إذا أردت الخروج فآذنِّي؛ فكتب عند خروجه إليه: بسم الله الرحمن الرحيم [حم * تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المَصِيرُ] (غافر: ١-٣) . ثم عاتبه وعذله، فلما قرأ الكتاب بكى وقال: صدق الله ونصح لي عمر. فتاب ورجع. قال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه؛ فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غداً. لذلك علينا بوصفنا إخوة في الله أن لا نترك أخانا إن رأينا فيه تغيُّراً، يكون هنا أحوج منا إلى النصح والتذكير؛ فقد قال أبو الدرداء: «إذا تغير أخوك فلا تدعه لأجل ذلك؛ فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى» وفي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم» [٢] . فيا إخوتي في الله! يا أيها المتحابون في الله! ويا أيها السائلون محبة الله! إليكم جميعاً.. . إليكم البشرى. قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى يقول:» حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتحابون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي « [٣] .

стр. 3513

المنتدى أمتي الذبيحة محمد بن مطخان الرويلي يا أيها القلم الذي أمسكتُه ... ما لي أراك معانقاً أوراقي ما لي أرى يمناي قد جرأتها! ... إياك يا يمناي أن تنساقي بالله يا قلمي العزيز لترعوي ... أتريد كشف الجرح في أعماقي؟ أتريد تفجير الأسى من خاطري ... وتخطه نظماً على الأوراق؟ انظر إلى مسرى الحبيب محمد ... عبث الطغاة بخيره المهراق فبنو يهود تغطرسوا في قدسنا ... قتلاً وتشريداً مع الإحراق هذا وكشمير الجريحة تشتكي ... ظلم الجبان بحقده الدفاق والصرب عاثوا في سراييفو سروا ... هتكاً وتنكيلاً بلا إشفاق أما عن الشيشان إن دمارها ... ترك البلاد بذلة الإملاق قد حار فكري بالتأمل في الألى ... قد أعراضوا عن طاعة الخلاق وضعوا الدشوش لكي تُغيث دعارة ... وتبثها من أغلب الآفاق عشقوا المعازف والخنا فهواهمُ ... أرداهم بمصارع العشاق لو أنهم عادوا إلى قرآنهم ... لوجدت شعباً طيب الأعراق

стр. 3514

المنتدى ردود * الأخ: نايف عقاب المطيري: نشكر لك تعاونك الكريم مع مجلتك، ونفيدك بأن اقتراحك محل عناية أسرة التحرير. * الأخ: الداعية من تشاد: والذي أرسل مقالاً عن أحوال المسلمين في تشاد، نرجو إن يفيدنا باسمه حتى نتمكن من نشر المشاركة. * الإخوة والأخوات: أمين عبد الرحمن الغنام، د. عبد الرحمن أمين، ميمون بارميش، عبد الله بن شبيب الدوسري، حفيظ الدوسري، علي جبريل أمين، د. حمدي شعيب، داعية من تشاد، سميرة جدي، فاتن سعد الصويلح، أمل القصيمي، فاطمة بنت محمد السليمان: وصلتنا مشاركاتكم الطيبة، سائلين الله عز وجل أن يجعلها في موازين أعمالكم، آملين دوام التواصل والمشاركات مجازة للنشر. * الإخوة: عمر محمد رزق الله، سعود الصاعدي، حباب بن عطا الله الحيوني، عبد الله منصور العمران، عبد الرحمن اليحيا، زكي صالح الحربول، فهد بن عبد العزيز الشويدخ، محمد الباشا، عبد الرحيم أحمد المسجدي، محمد بن عبد العزيز الفوزان، سعود بن حامد الصاعدي: سعدنا بتواصلكم الكريم مع مجلتكم، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجزة للنشر في المنتدى، وفقكم الله. * الإخوة والأخوات: محمد معصوم رسول، علي عبد الرحمن العسيري، موسى الزهراني، صلاح معاطي، عبد الله بن سيد شعبان، مبارك ابن يوسف الخاطر، أحمد محمد أشرف، عمر الرماش، يوسف عبد المنعم زين، أحمد الأموي، محمد محمد خليل، عصام محمد النيل، أحمد محمود أبو زيد، محمد علي شماخ، علي سليمان الدبيخي، أبو عبد الله الرحابي، هدى مرهون المرعي: وصلتنا مشاركاتكم الكريمة، وكم سعدنا بهذا التواصل، آملين دوام التواصل، مع تمنياتنا لكم بالتوفيق في المرة القادمة.

стр. 3515

الورقة الأخيرة الإرهاب الروسي د. عبد الله هادي القحطاني لم يبدأ الروس إرهابهم وغطرستهم ضد المسلمين منذ أشهر فقط، بل إن تاريخ القوقاز تاريخ مليء بكراهية الروس للمسلمين ووحشيتهم في التعامل معهم، كما أنه تاريخ مليء ببطولات المسلمين من أهل القوقاز وتضحياتهم وجهادهم وتحديهم لكل عقيدة دخيلة وطغيان مستبد؛ فما عرفت شعوب القوقاز الذل يوماً رغم تلاحق الإبادة والقمع القيصري أولاً، ثم اللينينيين ثم الستالينيين مروراً بالحقد والإرهاب الروسي الحالي؛ فكل شعب له حق تقرير المصير إلا المسلمين؛ فما أن نشأت أقلية من النصارى في تيمور الشرقية في خضم عشرات الملايين من المسلمين حتى هبت لهم مؤسسات العالم بقضِّها وقضيضها لفرض قضيتهم؛ فتلك تتدخل عسكرياً، والأخرى تقاطع اقتصادياً، وأما الذين لا نعلمهم فهبوا لإثارة الفتن والانقسامات الداخلية، كيف يسوِّغ العالم الغربي احتفاله بألفيته الثالثة والتاريخ يسجل وحشيته وطغيانه لأمم المستقبل بالحرب والعار والظلم والطغيان ليس برفات ودم فقط بل بلهيب الصورة وصواعق الصوت من خلال وسائل الإعلام ليبقى وصمة عار للمستقبل؟ إن الروس طغوا وبغوا وعاثوا في أرض المسلمين أسوأ الفساد؛ فقد خلفوا أفغانستان خراباً، وأبادوا غالبية المسلمين في بلاد القرم، وسعَّروا هجمتهم على من تشبث بالعزة منه وأبى الضيم والمهانة. حربهم في الشيشان حرب إبادة عرقية دينية لا هوادة فيها لاستئصال شعب بأكمله وعقيدة برمتها. هم لا يريدون احتلال الشيشان من أجل مصالحهم الاقتصادية والسياسية وإخماد أي تململ للجمهوريات الإسلامية الأخرى فحسب، وإنما رغبة جامحة في إبادة ذلك الشعب القليل العدد القوي الإيمان بدينه وعقيدته الذي ما فتئ يذيقهم الويل ويستعصي على الطوق لعقود طويلة، ولكننا نؤمن بأن العاقبة للمؤمنين الصابرين مهما جار الباطل وزمجر وأرعد. ومن أهم الدروس التي أوضحتها هذه الحرب ضد من يطالب بحقه ويحرس داره وأهله أن «العالم الحر» ! بمؤسساته وقوته الاقتصادية منحاز للباطل ما دام يسير في فلكه ويحقق مصالحه، ولقد كانت فلتة من هنتنجتون حين أعلن أن العالم يمر بصراع بين الحضارات، وخاصة الإسلامية والغربية. يتمركز ذلك الصراع حول محورين أساسيين: العداوة التاريخية والمصالح الحيوية، وأدواتهما: المقاطعة الاقتصادية، والحصار السياسي، والتدخل العسكري، وميزانها الكيل بمكيالين؛ رغم تدخُّل كثير من الساسة الأمريكيين والغربيين لدحض مثل هذه النظريات التي أثارت حفيظة كثير من المسلمين الغيورين الذين ما زال بعضهم يظن بعض الخير في الوصولية الغربية. فهلاَّ نهضنا لنصرة إخواننا في الشيشان وهم في أمسِّ الحاجة لدعائنا ووقوف العالم الإسلامي بمؤسساته السياسية والاقتصادية والإعلامية وقفة صادقة مع الحق ونصرة إخوانهم المظلومين؛ قبل أن يفوت الأوان؛ وحينئذ لات ساعة مندم.

стр. 3516

ربيع الآخر - ١٤٢١هـ يوليو - ٢٠٠٠م (السنة: ١٥)

стр. 3517

كلمة صغيرة بركة الرب في الخرطوم ! ! (تعالَ واسمع ونَلْ بركتك من الله) ، (سوف تكون هناك صلاة للمرضى والمحتاجين يومياً) . بهاتين العبارتين صُدِّرت الإعلانات الكثيرة الملونة التي ملأت أنحاء الخرطوم، والتي تدعو للمشاركة في احتفالات عيد القيامة، وتبشر الناس بوصول (القس رينهارد بونكي) إلى السودان. وهذا القس معروف بإقامة هذه الاحتفالات الصاخبة التي يجتمع لها ألوف من البشر، كما حصل في تشاد وإثيوبيا وأوغندا.. وغيرها. وهو مشهور بمزاولة السحر والشعوذة والاستعانة بالجن، وادعاء شفاء المرضى. وقد اجتمع في الخرطوم لتلبية هذه الدعوة جمع كثير من النصارى الذين امتلأت بهم الساحة الخضراء وهي ساحة كبيرة أنشئت للاحتفالات الرسمية الجماهيرية لحضور القدَّاس اليومي، إضافة إلى حضور الصلاة الخاصة بالمرضى والمحتاجين، وافتتن بهذه الدعوة فئام من جهلة المسلمين من المرضى وذوي الحاجات، وتقاطروا من كل مكان لينالوا بركة الرب ويحصل لهم الشفاء..! وإنك لتعجب أشد العجب من تلك الأفواج الهائلة التي غصَّت بها الساحة الخضراء، ثم تعجب أشد العجب من بعض المسلمين الذين تعلقوا بتلك التراتيل النصرانية التي تشدَّق بها ذلك المنصِّر، وتحزن أشد الحزن حينما تراهم يستمعون للتعاليم الإنجيلية التي يتردد صداها في أنحاء الخرطوم..! إن هذا الاختراق التنصيري الصارخ للسودان حلقة من سلسلة طويلة من الاختراقات التنصيرية التي أجلب فيها المنصرون بخيلهم ورجلهم، مستغلين فيها جهل بعض الناس وفقرهم. وقد كان لبعض الغيورين من الدعاة في السودان دور محمود في التحذير من هذا المنكر، لكن الخطب عظيم، والمسؤولية كبيرة، وفي العدد (١٤٢) كتبنا في هذه الزاوية كلمة بعنوان: (من ينقذ السودان؟ !) وها نحن نقولها ثانية. نسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويُعلي رايته.

стр. 3518

الافتتاحية عاجل.. إلى من يهمه الأمر تشهد الحركة الإسلامية تراجعاً ملحوظاً، شهد بذلك كثير من المتابعين لشأنها، خاصة من أبنائها ومحبيها، كما شمت في ذلك أعداؤها ومناوئوها، وإن سلمنا بذلك التراجع الذي نعده تراجعاً مركباً في الفكر والأداء والنوع فلا بد أن نقرر بدايةً أننا حين نتحدث عن تراجع الحركة الإسلامية فإننا نتحدث عن ذواتنا، نتحدث عن خلل فينا، نتحدث عن التراجع الذي حدث بداخلنا، هذا التقرير نؤكد عليه في الوقت الذي بدأت تظهر فيه أصوات تطرق الباب ذاته، وهم من أبناء هذه الحركة، بل منهم من كان سبباً في بعض هذا التراجع بتقلباته المتشنجة وتحولاته المتعددة، وهذه الفئة حين تتحدث عن تراجع الصحوة تستنفر كل مفرداتها المستفزة في تسفيه الحركة، وتستدعي النائحات المستأجَرَات للمشاركة في هذا المأتم الكبير الذي صنعوه، وقد ينصب بعضهم سرادقات العزاء في مجالسه الخاصة ومنابره الإعلامية. إن هذا «المنهج الاستبرائي» مِنْ نسبٍ طالما تفاخروا بالانتساب إليه مسلك خطير يطلب به القوم البراءة لأنفسهم في الوقت الذي لم يتهمهم فيه أحد، ولكن يكاد المريب أن يقول خذوني. أحببنا أن نؤكد على أن نقدنا للحركة هو نقد لأنفسنا للسعي في إصلاحها، وليس عرضاً لأدلة الاتهام، ومن ثم إصدار الحكم وتنفيذه. وإن من المسلَّمات أن المد والانحسار لأي دعوة هو من متلازمات سيرها إلى هدفها، ودين الإسلام لم تخطئه هذه السُّنَّة؛ فقد شهد فترات مد كثيرة، وتراجعات كثيرة كذلك، كما يشهد التاريخ أن الثورات وصحوات الأمم تشهد في بداياتها زخماً كبيراً ونشوة قوية وسرعة في الحركة، ثم ما تلبث حين تمضي الأيام أن تفتر الهمم والعزائم إلى أن يقيِّض الله لها من يجدد الدماء فيها، فتعود إلى سابق عهدها، أو يكون عكس ذلك فتموت الأمة. ولذلك تأتي المراجعة لأسباب التراجع خطوة هامة على طريق العودة لمعرفة الخطأ والصواب، ولإدراك مواطن الضعف والقوة للاستفادة من تجارب خاضتها الحركة وذاقت فيها طعم الإخفاق أو النجاح. من أسباب التراجع: يعزو بعض المتحدثين عن التراجع أن حدوثه راجع إلى أسباب خارجية صرفة؛ فالكيد الغربي بيهوديته ونصرانيته وتحالفاته مع قوى الشر من المذاهب الكفرية من جانب، وأذناب الغرب من المنتسبين إلى الإسلام، أو صنيعته من دول الإسلام من جانب آخر، كان لهم الدور الأكبر في محاربة الدعوة، وهذه الحرب الشرسة كانت السبب الرئيس في هذا التراجع. ومنهم من يقصر سبب التراجع على الخلل الداخلي في الحركة بقصورها الفكري في تطبيق منهج صافٍ بصورة مُرْضِية، أو بتشتتها وتفرقها، أو بأمراض قلوبها التي لم تبرأ بعدُ من أدوائها. ولا شك أن لكلا السببين أثراً في تراجع المسيرة المباركة، ولكننا نرى أن النصيب الغالب لن يكون في كفة الكيد الخارجي؛ فقد قال الله : [وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] (آل عمران: ١٢٠) فالكيد ينفذ ويؤثر حين يضعف التحصين الداخلي ويغفل الحُرّاس. وعند الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «.. . وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءاً فإنه لا يُرَدُّ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من أقطارها أو قال: بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً» [١] . إن الخطورة الحقيقية للخطر الغربي وتوابعه تكمن في عدم إدراك طبيعته، وعدم التخطيط لكيفية التعامل معه؛ فإن من يسعى إلى أن يحوِّل كل الأرض أن تصبح خاضعة لحكم الله وشرعه لا بد له أن يدرك هذه الهجمة الشرسة من بداية سعيه هذا. ولقد بلغت الغفلة عن هذا الخطر الداهم ببعضٍ أن جازف وارتمى في أحضان الغرب يطلب الأمان الذي لم يجده في ديار المسلمين، فما نال عنب الغرب ولا تمر الشرق. لم تحسب بعض فصائل الحركة جيداً حساب القوى الدولية والإقليمية ولا فهمت أهدافها إلا بعد زمن طويل تعرضت خلاله إلى خسارات كبيرة. نعم كانت الهجمة شرسة! ولكن الأبواب كانت مشرعة، ولم يكن هناك حراس للقلعة. أما السبب الآخر، وهو الخلل الداخلي، ففيه من التعقيد والتكدير للنفوس ما لا يعلمه إلا الله؛ فقد ولدت فصائل العمل الإسلامي المنتسبة لمنهج أهل السنة والجماعة من أرحام فكرية مختلفة وإن جمعها نسب واحد إلا أن هذا النسب الجامع «المنهج العام» لم يكن عاصماً لبعضها من الانزلاق إلى مخاطر كثيرة، وذلك لعدم فهمها الصحيح المتكامل لهذا المنهج وتبعات الانتساب إليه، ونتج عن ذلك ما أدى إلى التراجع الداخلي الذي كان من أسبابه: ١ - غياب كثير من العلماء عن توجيه الحركة؛ فقد كانت بدايات الصحوة مقترنة بجهود شباب متحمسين من طلبة العلم، ولأن حركة كهذه بضخامتها لا تستطيع أن توجهها عقول متوثبة للخير بمفردها، لذلك كان غياب العلماء عاملاً مؤثراًَ في تشتت الجهود وتفرق الفرق؛ حيث الجميع أقران. وفي الوقت ذاته لم يستفد أولئك الشباب من بعض علماء المؤسسات الدينية الرسمية ممن عُرِفوا بالتقى والبعد عن الهوى، ولم يحرصوا على استمالتهم إليهم والاستفادة من علمهم وخبرتهم، بل لقد تم استعداء هذه المؤسسات بشكل سافر، وختم أولئك على كل علمائها بخاتم «علماء السلطة» . ٢ - ضعف الولاء للمنهج العام، وقَصْر ذلك على الفصيل المنتمى إليه، بل تعدى الأمر ما هو أسوأ من ذلك؛ حيث صارت المعاداة والبراءة تقاس على أفكار ذلك الفصيل وتوجهاته وسياساته. ٣ - ضعف التربية القلبية والوجدانية لدى كثير من فصائل الحركة الإسلامية مما أدى إلى ظهور أمراض أعلَّت القلوب وأوهنتها، وأبعدت النفوس عن طهارتها وسلامتها، وأضرَّت النوايا والمقاصد، وأسلمت ذلك كله إلى الظنون والوساوس. ٤ - عدم إدراك الحركة لماهية الواقع الذي تحياه وحجم المواجهة التي تنتظرها؛ فقد تعاملت الحركة ببراءة الأطفال مع واقع تسيطر على سياساته ذئاب شرسة ماكرة، وشياطين إنس أُشرِبوا العداوة لدين الله حتى استعذبوها. ٥ - عدم ترتيب أوليات العمل، وذلك ناتج طبعي لتنوع الفصائل وتوجهاتها الدعوية. صحيح أن تنوع الفصائل وتوجهاتها يفيد من حيث الجملة في توسيع شريحة المنتسبين إلى الدعوة إلا أنه أضر بسبب عدم التنسيق. وبسبب الموالاة على الخط الحركي للفصيل، وبسبب أمراض القلوب أضيرت الجهود والإمكانيات والطاقات بتشتيتها: فمن رأى أهمية العمل السياسي وضرورة قصر الجهود عليه لم يلتفت إلى من رأى أهمية التربية العلمية، والأخير لم يلتفت إلى من يرى أن الوقت بحاجة إلى المواجهة والعمل الجهادي، فراح كلٌّ في وادٍ، وذهب كثير من الجهود إما إلى خسارة بالغة، وإما إلى نجاحات باهتة، ونسي الجميع مع اختلافهم أن عدوهم ينظر إليهم حتى عامة الناس أنهم جزء واحد؛ فمن أساء فعلى نفسه وإخوانه. ٦- غياب العمل المؤسسي بشكل فاعل في إدارة الدعوة وتوجيهها وتخريج طاقات علمية وعملية، وغياب هذه الفاعلية نشأ بسبب أن التوجه إلى هذا العمل جاء متأخراً عن بدايات الصحوة، وعندما أدركت أهميته صار لكل فصيل مؤسسته أو مؤسساته، فصار التحزب مؤسسياً! ! ٧ - ضعف توسيع قاعدة الخطاب الدعوي، وقصره في الغالب على فئات معينة من المجتمعات، وتصنيف عامة الناس الخارجين عن فصائل الحركة الإسلامية إلى جاهليين، ومن تلطف معهم قال: «نحن» و «هُمْ» فنأوا عن أكثر الناس وعن الانسياب فيهم، في الوقت الذي استباحهم فيه أهل العلمنة، فخسرت الحركة قاعدتها العريضة من الناس، وانحازت هذه الفئة إلى جانب أعدائها في كثير من البلدان. ولو حاولنا تتبع أسباب التراجع لطال حديثنا، ولكن أحببنا أن نذكِّر أنفسنا بعيوبنا ونقف معها لنصحها وإرشادها إلى مواطن الضعف، وتنبيهها إلى مواطن الخطر ومزالق الزلل. وإن من الأهمية بمكان إدراك أن الوقوف على التوصيف لمسببات التراجع له فائدته الكبيرة، لكن الفائدة الأكبر والواجب الأهم هو السعي لتغيير هذا الواقع بتلافي ما سبق والاسترشاد بنتائجه. ولا يُظن أن الدعوة من بداياتها إلى منتهاها لا تخرج عن طريقها أو تقف أثناء سيرها، أو أن هذا الطريق سيكون مفروشاً ورداً وأزهاراً، هذا كله نعلمه «نظرياً» لكن هذا التراجع الذي نراه اليوم جعله لدينا «علم يقين» . وإن كان من كلمة أخيرة فلن تكون إلا الدعوة إلى الائتلاف الصادق، وترك العداوة والمبالغة فيها، وإن لم نتفق فلا أقل من أن لا يرى عدونا تناحرنا، وإن لم نتوحد فبالإمكان أن ننسق، وإن لم ننسق فيبقى الود في القلوب قائماً، والمحبة في النفوس وافرة، وإن لم تكن المحبة على هذه الصورة فلا أقل من ترك الكراهية والمعاداة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .

стр. 3519

دراسات في الشريعة والعقيدة أحكام الرطانة د. عبد الرحمن آل عثمان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد: فإن الله تعالى قد حبانا بلغة عظيمة هي لغة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم والكتاب الكريم الذي لم ينزل قبله مثله، ولن يُنزِل كتاباً بعده، فهو آخر الكتب الإلهية. وإن مِنْ شُكْرِ هذه النعمة أن نُحافظ على هذه اللغة ونعتز بها، وأن نعلمها الأجيال، ونبعث في نفوسهم محبتها والحفاظ عليها. ومن الاعتزاز بها أن تكون وسيلة مخاطباتنا دائماً بحيث لا نلجأ إلى غيرها من غير حاجة، وكما أن هذا يُعد من الوفاء لهذه اللغة فهو كذلك من جملة الأمور التي تحفظ للأمة كيانها بل شخصيتها التي تميزها عن غيرها. كما أن ذلك من الأمور التي تُؤثر في قلب الإنسان ونفسه ومزاجه المعنوي، وقد قرر ذلك أبو العباس ابن تيمية ﵀ بقوله: «واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين. ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق» [١] . وذلك أن التكلم بلغة قوم فيه نوع محاكاة لهم، ولا يخفى أثر المحاكاة على نفس صاحبها. «وأيضاً فإن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» . ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية. وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عمر بن زيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى ﵁: «أما بعد: فتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن، فإنه عربي» . وفي حديث آخر عن عمر ﵁ أنه قال: «تعلموا العربية؛ فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم» وهذا الذي أمر به عمر ﵁ من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يُحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال؛ ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله « [٢] . وبهذا تعلم أن هذه مسألة شرعية ينبني عليها بعض الأحكام الشرعية؛ ذلك أن الكلام بغير لغة العرب على قسمين، يتفرع عن كلٍ منهما نوعان على النحو الآتي: القسم الأول: وهو ما كان من قبيل الألفاظ المفردة كأسماء الأشخاص أو الشهور أو الآلات أو غيرها، وهو نوعان: النوع الأول: ما كان باقياً على أعجميته أي: أنه لم يُخالط اللغة العربية ولم يداخلها حتى يصير كأنه واحد من ألفاظها، وهو نوعان: الأول: أن يكون من الألفاظ التي لا يُعرف معناها. قال حرب الكرماني ﵀:» باب تسمية الشهور بالفارسية «قلت لأحمد: فإن للفرس أياماً وشهوراً يسمونها بأسماء لا تعرف [٣] ؟ فكره ذلك أشد الكراهة. وروى فيه عن مجاهد حديثاً: أنه كره أن يقال: آذرماه [٤] ، وذي ماه [٥] قلت: فإن كان اسم رجل أسميه به؟ فكرهه قال: وسألت إسحاق قلت: تاريخ الكتاب يكتب بالشهور الفارسية مثل: آذرماه، وذي ماه؟ قال: إن لم يكن في تلك الأسامي اسم يكره فأرجو. قال: وكان ابن المبارك يكره (إيزد) أن يحلف به، وقال: لا آمن أن يكون أضيف إلى شيء يعبد، وكذلك الأسماء الفارسية. قال: وسألت إسحاق مرة أخرى قلت: الرجل يتعلم شهور الروم والفرس. قال: كل اسم معروف في كلامهم فلا بأس» [٦] . وقد وجه أبو العباس ابن تيمية ﵀ قول الإمام أحمد في كراهة هذه الأسماء بأن الاسم الذي لا يعرف معناه يحتمل أن يكون له معنى محرم، والمسلم لا ينطق بما لا يعرف معناه [٧] . وقال: «إن جهل معناه فأحمد كرهه» [٨] . الثاني: ما له معنى معروف. وهو على نوعين: أ - ما كان له معنى محرم. فهذا يُمنع بلا ريب من باب أوْلى؛ حيث مُنع ما لا يُعرف معناه [٩] . ب - ما كان له معنى غير محرم؛ فهذا على نوعين: ١ - أن يتكلم به لحاجة كأسماء بعض المصنوعات أو المصطلحات العلمية ونحوها مما لا يعرف لها مقابل في العربية أو كان السامع لا يفهم مراده إلا باللفظ الأعجمي [١٠] فلا بأس بالتكلم بها في هذه الحال؛ لكن ينبغي السعي في تعريبها حفظاً للغة العربية من الضمور والانحسار. ٢ - أن يتكلم به لغير حاجة، وله صورتان: الأولى: أن يقع ذلك منه على سبيل الإعجاب بالأعجمية ومحبتها وإيثارها فهذا لا ينبغي، وفاعله مبتلى بالنقص والهزيمة النفسية. الثانية: أن لا يكون منشأ ذلك محبة الأعجمية والإعجاب بها؛ والذي يظهر أن هذا على قسمين: ١ - أن يكون ذلك قليلاً أو نادراً. وهذا لا حرج فيه إن شاء الله. قال البخاري ﵀: «باب من تكلم بالفارسية والرطانة» [١١] . وأورد تحته ثلاثة أحاديث، الأول: حديث جابر ﵁ قال: «قلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير فتعالَ أنت ونفر. فصاح النبي ﷺ ، فقال: يا أهل الخندق! إن جابراً قد صنع سوْراً، فحيَّ هلا بكم» [١٢] . والشاهد هنا في قوله: «سُوْراً» بضم السين وسكون الواو وهو الطعام مطلقاً أو الطعام الذي يُدعى إليه. وهو بالهمز (السُّؤر) بقية الشيء. قال الحافظ : «والأول هو المراد هنا» [١٣] ونقل عن الطبري أنه من الفارسية. قيل له: أليس هو الفضلة؟ قال: لم يكن هناك شيء فضل ذلك منه، إنما هو [أي معناه] بالفارسية: من أتى دعوة « [١٤] . الحديث الثاني: حديث أم خالد بنت خالد بن سعيد؛ قالت:» أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعَلَيَّ قميص أصفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سَنَهْ سَنَهْ « [١٥] . قال عبد الله (وهو عبد الله بن المبارك ﵀ أحد رواة هذا الحديث) : وهي بالحبشية: حسنة. والشاهد فيه قوله:» سَنَهْ سَنَهْ « بفتح النون وسكون الهاء، وفي بعض الروايات:» سناه «بزيادة ألف. والهاء فيهما للسكت وقد تحذف؛ وقد جاءت بعض الروايات بحذفها. وأم خالد ﵂ وُلِدت في الحبشة، وقدمت مع أبيها وهي صغيرة. والحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁:» أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال له النبي ﷺ بالفارسية: كخ، كخ! أما تعرف أنَّا لا نأكل الصدقة؟ « [١٦] . فقوله» كخ، كخ «كلمة تقال لردع الصبي عند تناوله ما يُستقذر، قيل عربية، وقيل أعجمية، وذهب بعضهم إلى أنها مُعرَّبة [١٧] . وصنيع البخاري يدل على أنه يرى أنها أعجمية. والله أعلم. قال الحافظ: وقد نازع الكرماني في كون الألفاظ الثلاثة أعجمية؛ لأن الأول يجوز أن يكون من توافق اللغتين، والثاني يجوز أن يكون أصله:» حسنه « محرف أوله إيجازاً، والثالث من أسماء الأصوات. وقد أجاب عن الأخير ابن المنيِّر فقال: وجه مناسبته أنه ﷺ خاطبه بما يفهمه مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل؛ فهو كمخاطبة العجمي بما يفهمه من لغته. قلت: وبهذا يُجاب عن الباقي» [١٨] . ولعل هذا الأخير لا يظهر؛ لأن هؤلاء جميعاً كانوا من العرب. ويحتمل أن الأول والثالث من قبيل الدارج في لغة العرب الذي صار من جملة الألفاظ المستعملة عند أهل العربية. وأما الثاني وهو حديث أم خالد فيحتمل أن يكون النبي ﷺ قاله لهذه الجارية الصغيرة على سبيل الملاطفة والمداعبة لكونها قدمت من الحبشة؛ والغالب أنها تعرف بعض كلامهم. والله أعلم. ومما ورد في هذا الباب ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه [١٩] ، وساقه الذهبي بسنده [٢٠] عن علي ﵁ أنه قال للقاضي شريح وقد حكم في قضية بين يديه فأعجبه حكمه: «قالون» وهي بلسان الروم بمعنى: أحسنت أو جيِّد. ولم يكن شريح رومياً ولا مقيماً في أرض الروم، بل كان من كندة في أهل اليمن، وولي القضاء في الكوفة ستين سنة. ومن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة وفيه من لا يُعرف أن أبا هريرة رضي الله عنه أشرف على السوق فقال: سحت وداست [٢١] . وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن منذر الثوري قال: «سأل رجل ابن الحنفية عن الجبن فقال: يا جارية: اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به ينيراً [٢٢] ، فاشترت به ينيراً ثم جاءت به» [٢٣] يعني: الجبن. وذكر القرطبي وعزاه للخطيب عن أبي عبد الملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي، فلما قام بالباب قال: أندر؟ قالت: أندرون [٢٤] . وقال القرطبي: وذكر عن أحمد بن صالح قال: كان الدراوردي من أهل أصبهان نزل المدينة، فكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: (أندرون) فلقبه أهل المدينة «الدراوردي» [٢٥] و (أندرون) كلمة فارسية تعني: «داخل، باطن» ونحو ذلك. وقال حبيب بن أبي ثابت: «كنا نسمي أبا صالح: [٢٦] » دزوزن «وهو بالفارسية: كتاب» [٢٧] . فهذه الآثار تدل على أن السلف كانوا يتكلمون في أحيان قليلة بالكلمة من الأعجمية. قال أبو العباس ابن تيمية ﵀: «ونُقِل عن طائفة منهم أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية. وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك إما لكون المخاطب أعجمياً، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه» [٢٨] . ٢ - أن يكثر ذلك مع عدم الحاجة؛ فهذا ينبغي أن يُجتنب. قال الشافعي ﵀: «سمَّى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجاراً، ولم تزل العرب تسميهم التجار ثم سماهم رسول الله ﷺ بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجراً، إلا تاجراً. ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بأعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد ﷺ ، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها لأنها اللسان الأوْلى بأن يكون مرغوباً فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بأعجمية» [٢٩] . قال شيخ الإسلام ﵀: «فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها، وأن يتكلم بها خالطاً لها بالعجمية، وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين» [٣٠] . النوع الثاني: من القسم الأول [٣١] : وهو ما خالط كلام العرب ودخل في لغتهم حتى صار بمنزلة مفرداتها الأصيلة، وهو المُعرَّب وما في حكمه. وهو نوعان: أ - ما استعملته العرب قبل اختلاط ألسنتها [٣٢] . فهذا معدود في حكم كلام العرب ولا غضاضة في استعماله [٣٣] . ب - ما دخل على اللغة بعد اختلاط الألسنة، وقد وقعت الجمهرة من ذلك في القرنين الأخيرين؛ ذلك أن أكثر بلاد المسلمين وقعت تحت سيطرة أعدائها، إضافة إلى أن الأمة صارت تستقبل من غيرها أشياء كثيرة من الثقافة والصناعة وغير ذلك فتستقر اللفظة في الأمة غالباً بثوبها الذي جاءت به من حيث التسمية وغيرها. فصار الناس ينطقون بتلك الألفاظ الأعجمية نطقهم بالعربية دون تنبه أو تمييز لأصلها؛ فهم حين يتلفظون بها لا يقصدون التكلم بالأعجمية سواء كانوا عالمين بأصلها أم لم يكونوا كذلك. وفي هذه الحال لا يُعد من صدر منه مثل ذلك محاكياً للأعاجم أو متشبهاً بهم، ومن ثَمَّ فالحرج الشرعي مرتفع عنه. لكن ثمة أمر آخر ينبغي مراعاته، وهو أن هذه الكلمات الدخيلة على اللغة ينبغي استبدالها بالألفاظ التي تقوم مقامها في العربية، كما ينبغي أن يُنبَّه الناس إلى أصل تلك المفردات ليكون ذلك معيناً على التخلص منها؛ ذلك أنها تزاحم مفردات العربية وإذا كثرت فإنها تفسد اللغة من أساسها وتقوضها كما لا يخفى. * فائدة: من عادة العرب إذا نطقوا بلفظة أعجمية أنهم يلقونها على طريقتهم في النطق من غير تكلف، ودون ترقيق في اللفظ فضلاً عن نبرة الصوت، وقاعدتهم في ذلك «أعجمي فالعب به» كما قرر ذلك بعض المتقدمين من أئمة اللغة، وهذا على خلاف ما شاع في أوساط المثقفين من تمحُّل في إخراج اللفظة مصحوبة بنبرتها الأعجمية. القسم الثاني: ما كان من قبيل التراكيب والجُمل وليس من قبيل اللفظة المفردة، وهو نوعان: الأول: ما دعت إليه الحاجة فهذا لا بأس به كأن يكون المخاطب لا يعرف العربية. لكن ينبغي أن تتضافر الجهود على بث العربية ودعمها بكل وسيلة ممكنة حتى تكون هي لغة التخاطب بين العرب وغيرهم كما كان عليه الأمر في الأزمنة التي كانت فيها القوة والغلبة للمسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلها رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية. وأهل المغرب، ولغة أهلها بربرية عوَّدوا أهل هذه البلاد العربية، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار: مسلمهم وكافرهم. وهكذا كانت خراسان قديماً» [٣٤] . ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه. إنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور، فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب. الثاني: ما لم تدْعُ إليه الحاجة. وهو نوعان: ١ - ما كان الباعث له محبتها والإعجاب بها؛ فهذا لا ينبغي فعله سواء كان قليلاً أم كثيراً ويُخشى على صاحبه أن يقع في النفاق العملي كما لا يخفى وهو من ألوان محاكاتهم والتشبه بهم، وهذا يكثر وقوعه عادة بين من ابتُلوا بالهزيمة النفسية لا سيما في أوقات ضعف الأمة وتراجعها؛ فالأمم القوية تسعى لفرض ثقافتها على الأمم الضعيفة المغلوبة، وإنما يعبر ذلك كله على جسد اللغة. ولغات الأمصار تكون عادة بلسان الأمة الغالبة عليها، ولما كان المسلمون غالبين على غيرهم من الأمم صارت اللغة العربية هي لغة التخاطب في كثير من البلاد التي هي في أصلها أعجمية [٣٥] . قال ابن حزم ﵀: «فإن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم، وأما من تَلِفَتْ دولتهم وغلب عليهم عدوهم واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمونٌ منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سبباً لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم، وبُيود علومهم، هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة» [٣٦] . ٢ - ما لم يكن الباعث له الإعجاب بها ومحبتها. وله صورتان: الأولى: أن يعتاد ذلك ويكثر منه. وهذا لا ينبغي أيضاً؛ لأن «اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون» [٣٧] . وقد أخرج ابن أبي شيبة عن عمر ﵁ قال: «ما تعلَّم الرجل الفارسية إلا خَبُثَ [٣٨] ، ولا خبث [٣٩] إلا نقصت مروءته» [٤٠] . وأخرج عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه سمع قوماً يتكلمون بالفارسية، فقال: «ما بال المجوسية بعد الحنيفية؟» [٤١] . وأخرج عن عطاء قال: «لا تَعَلَّموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم كنائسهم؛ فإن السخط ينزل عليهم» [٤٢] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه: «وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمِصْرِ وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه؛ فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه كما تقدم» [٤٣] . الثانية: أن يقع ذلك نادراً؛ فهذا أسهل من الأول لكن ينبغي أن يُجتنب. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 3520

دراسات في الشريعة والعقيدة تقديس البشر (٢ - ٢) د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف تكتمل الفكرة باكتمال عناصرها. وقد عرض الكاتب في (الحلقة الأولى) لأصنافٍ من البشر تم تقديسهم مثل: (العُبَّاد، العلماء، والحكام) ثم ألقى الضوء على بعض مظاهر هذا التقديس، ويتابع في هذه الحلقة بقية تحليلاته لعناصر هذه الظاهرة حتى تتضح الصورة وتكتمل. - البيان - وإذا انتقلنا إلى الحديث عن أسباب ظاهرة تأليه البشر وبواعثها فقد يتعذر الإحاطة بتلك الأسباب نظراً لاتساع تلك الظاهرة وتعدد صورها وتنوع أنماطها. لكن نسوق جملة من الأسباب الرئيسة مع تضمينها شيئاً من العلاج: من أعظم أسباب تأليه البشر: ضعف التعلق بالله تعالى وضعف تحقيق العبودية لله تعالى وحده لا شريك له. فإذا ضعف تعلُّق العبد بربه، وانحسر تحقيقه لعبودية الله تعالى قوي تعلُّق قلبه بغير الله، وصُبَّ في قلبه من العبودية للبشر بحسب ذلك؛ فما كان لبشر أن يُستعبَد قلبه لبشر مثله إلا بسبب إخلاله بعبودية الله تعالى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير ذلك: «كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له، فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه. وكل من علق قلبه بالمخلوقين أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم مدبِّراً لأمورهم، متصرفاً بهم؛ فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر؛ فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له يبقى قلبه أسيراً لها تتَحَكَّم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها» [١] . لقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على تمام التعلق بالله وحده [٢] ، ومن ذلك نهيه ﷺ أصحابه أن يسألوا الناس شيئاً؛ فإن من احتاج إلى الناس نقص قدره عندهم وفاته من عبودية الله تعالى بحسب ذاك الاحتياج «والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره؛ فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله؛ فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرَك به شيء» [٣] . قال الفضيل بن عياض ﵀: «والله! ما صدق اللهَ في عبوديته مَنْ لأحد من المخلوقين عليه ربَّانية» [٤] . ومما سطره ابن القيم في هذا الباب: «إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحَمَل عنه كل ما أهمه، وفرَّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته. وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمَّله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم؛ فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره. فكل من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته» [٥] . ولذا كان اليأس مما في أيدي الناس أعظم التحرر من رق عبوديتهم، فأما إذا طمع فيما عندهم فإن قلبه يتعلق بهم ويفتقر إليهم. «ولهذا يقال: العبد حر ما قنع ... والحر عبد ما طمع ويُروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: الطمع فقر، واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه. وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه؛ فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه، ولا يطمع فيه، ولا يبقى قلبه فقيراً إليه، ولا إلى من يفعله، وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه فإن قلبه يتعلق به فيصير فقيراً إلى حصوله وإلى من يظن أنه سبب في حصوله» [٦] . وما أروع كلام ابن الجوزي إذ يقول: «والقناعة بما يكفي، وترك التشوُّف إلى الفضول أصل الأصول، ولما أيأس الإمام أحمد بن حنبل نفسَه من قبول الهدايا والصلات اجتمع همه وحسُن ذكره، ولما أطمعها ابن المديني وغيره سقط ذكرهم. ثم فيمن يطمع؟ إنما هو سلطان جائر، أو مُزَكٍّ منّان، أو صديق مُدِلٌّ بما يعطي، والعز ألذُّ من كل لذة، والخروج عن ربقة المحنة ولو بسفّ التراب» [٧] . ولما أعرض قوم فرعون عن عبادة الله تعالى اشتغلوا بتأليه فرعون حتى صدَّقوه في دعواه [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] (النازعات: ٢٤) وما كان لفرعون أن يدعي ذلك لولا أن قومه خارجون عن عبادة الله تعالى فاستخفهم فأطاعوه، كما قال : [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ] (الزخرف: ٥٤) . يقول سيد قطب ﵀ في ظلال هذه الآية: «واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاؤون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثَمَّ يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يَزِنون بميزان الإيمان، فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح، ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ] (الزخرف: ٥٤) » [٨] . ومن أسباب تأليه البشر وبواعثه: الغلو في محبة البشر وتعظيمهم وإطرائهم؛ فهؤلاء النصارى لما غلوا في إطراء عيسى ﵇ جعلوه إلهاً من دون الله تعالى. كما قال تعالى: [يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ] (النساء: ١٧١) . قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: «ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى؛ فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقاً أو باطلاً، أو ضلالاً أو رشاداً، أو صحيحاً أو كذباً، ولهذا قال الله تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] (التوبة: ٣١) [٩] . ومن حكمة الشارع أنه نهى عن الغلو وحذّر منه أيما تحذير، حتى قال صلى الله عليه وسلم:» إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو في الدين « [١٠] . كما قرر عجز البشر وضعفهم، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً. ومن الظواهر المؤسفة في الواقع والإعلام: الغلو في الإطراء، والمبالغة الممجوجة في المديح لا سيما إن كان ذاك الإطراء المكشوف صادراً عمن ينتسب للعلم! فما أسمج أن يبادر هؤلاء بإطلاق المدائح جزافاً تجاه قوم لم يُعرَفوا إلا بالظلم والفجور! وكما قال الأستاذ محمد الغزالي ﵀ أثناء حديثه عن ذاك المديح: » إن إطراء الشيوخ للحكام ومسارعتهم المريبة إلى تهنئتهم في كل مناسبة، وتعزيتهم في كل مصيبة بأسلوب يكتبه الأرقاء والأتباع، ويتنزه عنه الرجال الأحرار، هذه الظاهرة التي تدل على داء عياء بالقلوب، قد غضت من شأن الدين ومنزلته لدى العامة. وقد تذاكر الناس أن شيخاً كبيراً من جلة العلماء كما يقولون كان في المرض الذي يُسقِطُ عنه الصلاة لا ينسى أداء مراسم الوثنية السياسية، على حين كان الدكتور طه حسين وموقفه من الدين معروف يتكلم بحذر ويرسل مدائحه بقدر! ! هذا في الوقت الذي شُطبت فيه ميزانية الأزهر، وأُرسل المال سيلاً غدقاً إلى وزارة المعارف التي كان يشرف عليها آنذاك طه حسين « [١١] . ومما يحسن ذكره ها هنا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:» سمع النبي ﷺ رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: «لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» [١٢] . قال الحافظ ابن حجر ﵀: «قال ابن بطال: حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة؛ فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالاً على ما وصف به، ولذلك تأوّل العلماء في الحديث الآخر» احثوا في وجوه المداحين التراب «أن المراد من يمدح الناس في وجوههم بالباطل، وقال عمر: المدح هو الذبح، قال: وأما من مُدِحَ بما فيه فلا يدخل في النهي، فقد مُدِح ﷺ في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحثُ في وجه مادحه تراباً» انتهى ملخصاً [١٣] . وإذا كان مدح الشخص بما فيه لا يأمن أن يحدث فيه كبراً أو إعجاباً أو فتوراً عن العمل الصالح فكيف إذا مُدِح الشخص بما ليس فيه مما يعدّ كذباً وباطلاً؟ بل وما ظنك بمن يُمدح بنقيض حاله! كمن يُمدح بأنه أكمل الناس بِراً وعدلاً، وهو في الحقيقة أعظم الناس فجوراً وظلماً. وكم أفضت كثرة المديح والإطراء إلى الولوغ في آفات الكبر والغرور والعُجب، ومن ذلك أن عبد الله بن زياد بن ظبيان خوّف أهل البصرة أمراً، فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من نواحي المسجد: أكثر الله فينا مثلك. فقال: لقد كلفتم الله شططاً. قال الماوردي معلقاً على حال هذا المغرور وأشباهه «فانظر إلى هؤلاء كيف أفضى بهم العُجْب إلى حمق صاروا به نكالاً في الأولين، ومثلاً في الآخرين، ولو تصور المعجَب المتكبر ما فُطِرَ عليه من جِبِلَّة، وبُلي به من مَهْنة لخفض جناح نفسه، واستبدل ليناً من عُتُوِّه، وسكوناً من نُفُوره، وقال الأحنف بن قيس: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر» [١٤] . ومن أقبح الغلو في محبة الأشخاص وأشنعه: عشقهم واستغراق القلب في ذكرهم ووصلهم؛ حتى آلَ بهم العشق إلى الكفر بالله تعالى وسوء الخاتمة، كما في قصة عاشق أسلم [١٥] الذي أنهكه العشق وأتلفه، حتى أنشد عند موته: أسلم يا راحة العليل ... رفقاً على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل [١٦] فعياذاً بالله تعالى من مصارع السوء ومن الحَوْر بعد الكَوْر. وهذا رجل كان يجاهد مع المسلمين فعشق نصرانية فتنصّر من أجلها [١٧] ، وثالث كان مؤذناً فشغف قلبه بنصرانية فارتد عن الإسلام وتنصر ومات على ذلك [١٨] . ورابعهم كان متنسكاً عابداً فهوى شخصاً فتهتك وأظهر الخلاعة والفجور [١٩] . «كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الخزي والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار [٢٠] ومما يجدر ذكره أن هؤلاء المعظَّمين من البشر يُضفون على أنفسهم أنواعاً من الهالات والبهرجة والأبهة والرسوم التي تسلب عقول السذج والرعاع، وتشغل قلوبهم بالمهابة والتقديس لأولئك المتألهين، وعندما قارن الشيخ علي الطنطاوي ﵀ بين حجاب المتبرجات، وحجاب الأمراء قال:» والحجاب عند الصنفين زينة وفخر، ولو كان النساء عاريات أبداً كسائر المؤنَّثات.. . من باقي المخلوقات لفقدْنَ تسعة أعشار فتنتهن ونصف العشر أيضاً، ولو تعرّى الأمراء عن الشارات والزينات والأبواب والحُجَّاب لخسروا مثل ذلك من هيبة الحكم « [٢١] . وها هي قبور الأموات إذا بُني عليها وأُسرجت وزُيّنت أورثت تأليهاً لأولئك المقبورين، فكيف ببهرجة الأحياء من ذوي النفوذ والتأثير ورسومهم؟ ! وكما قال العلاَّمة الشوكاني ﵀ في أثر بناء القبور وتزيينها:» إن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور الستور الرائعة والسرج المتلألئة، وقد سطعتْ حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه العقائد الشيطانية « [٢٢] . ومن أسباب تأليه البشر: إلغاء دور العقل وطمسه عن التأمل والتفكر، ولمَّا غلب على المتصوفة وكذا غلاة الشيعة تحجيم العقل وإهماله استحوذ عليهم تقديس البشر وتأليههم. إن تحرير العقل من رق تقديس الأشخاص إنما يكون بالتفكر وإمعان النظر والتأمل، والحذر من وصاية الآخرين وهيمنتهم، وعدم قبول الدعاوى إلا ببينة وبرهان. ولذا فإن المجتمعات التي يعمها الجهل وتقليد الآخرين والتبعية العمياء تكون ذليلة منقادة لكل ناعق، كما وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذا الصنف بقوله:» همج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق « [٢٣] . ولابن هبيرة كلام جميل في شأن التدبر والتأمل وخطر وثنية التقليد؛ حيث قال ﵀:» ومن مكايد الشيطان: تنفيره عباد الله من تدبر القرآن؛ لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعاً. ومنها أن يقيم أوثاناً في المعنى تعبد من دون الله، مثل أن يَبين الحقُّ، فيقول: ليس هذا مذهبنا، تقليداً للمعظَّم عنده، قد قدَّمه على الحق « [٢٤] . وتحدّث الكواكبي عن التلازم بين استبداد المتألهين وبين الجهل وإهمال العقل فكان مما قاله:» بين الاستبداد والعلم حرب دائمة وطراد مستمر، يسعى العلماء في تنوير العقول ويجتهد المستبد في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا «. العوام هم قوت المستبد وقوته، بهم وعليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم ببعض فيفتخرون بسياسته، وإذا سرف في أموالهم يقولون: كريم، وإذا قتل منهم ولم يمثِّل يعتبرونه رحيماً. والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنور العقل زال الخوف» . - إلى أن قال -: «والخلاصة أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان، فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل، والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار الناس. والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم» [٢٥] . ومن أسباب تأليه البشر وبواعثه: الطاعة العمياء والاستجابة المطلقة للمتألهين؛ وإنما استكبر من استكبر من الفراعنة والجبابرة لأنهم وجدوا من الرّعاع من يسارع إلى إجابة أهوائهم وإطاعة نزواتهم دون بصر أو حذر فعتوا في الأرض وعلوا علواً كبيراً. وفساد الأديان الأولى جاء من طراوة الأتباع في أيدي رؤسائهم، وتحولهم مع مبدأ السمع والطاعة إلى أذناب مسيَّرة لا فكر لها ولا رأي. إن الفراعنة والأباطرة تألهوا؛ لأنهم وجدوا جماهير تخدمهم بلا وعي. والأحبار والرهبان والبابوات تألهوا كذلك؛ لأنهم وجدوا رعايا تمنحهم الثقة المطلقة وتلغي وجودها الأدبي أمام ما يصدرون من أحكام، والشعوب التافهة في كل زمان ومكان هي التي تصنع المستبدين وتغريهم بالأثرة والجبروت « [٢٦] . ومن ثم فينبغي الاعتناء بضوابط الطاعة وشروطها؛ فإن الطاعة العمياء والاستجابة المطلقة للحكام لا تقل ضرراً وفساداً عما يضادها من الطيش والفوضى دون طاعة لحاكم أو أمير. ومن تلك الضوابط: أنه لا طاعة مطلقة إلا للرسل ﵈ فليس من المخلوقين من أمره حتم بإطلاق إلا الرسل ﵈. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الصدد:» من نصب إماماً فأوجب طاعته مطلقاً اعتقاداً أو حالاً فقد ضل في ذلك كأئمة الضلال الرافضة الإمامية؛ حيث جعلوا في كل وقت إماماً معصوماً تجب طاعته، فإنه لا معصوم بعد الرسول، ولا تجب طاعة أحد بعده في كل شيء « [٢٧] . ومن هذه القيود: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما في قصة سرية عبد الله بن حذافة ﵁ عندما أمر أصحابه بأن يوقدوا ناراً ويدخلوها؛ فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال:» لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً؛ إنما الطاعة في المعروف « [٢٨] . ومما قاله ابن القيم في شأن تلك الحادثة:» وإن كانوا مطيعين لولي الأمر فلم تدفعهم طاعتهم لولي الأمر معصيتهم لله ورسوله؛ لأنهم قد علموا أن من قتل نفسه فهو مستحق للوعيد؛ فإذا كان هذا حكم من عذب نفسه طاعة لولي الأمر، فكيف من عذّب مسلماً لا يجوز تعذيبه طاعة لولي الأمر. وأيضاً فإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها لما خرجوا منها مع قصدهم طاعة الله ورسوله بذلك الدخول، فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من الطاعة الرغبةُ والرهبة الدنيوية؟ « [٢٩] . ومن ضوابط الطاعة أنه ليس للسلطان أن يلزم بمسائل الاجتهاد إن لم يكن معه دليل من كتاب أو سنة، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة في مناظرته خصومه بشأن العقيدة الواسطية، كما قررها أثناء محنته في مصر سنة ٧٠٦ هـ كما في مقدمة كتابه التسعينية. يقول ﵀:» وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك. إلى أن قال: ومما يجب أن يُعلم أن الذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا بحجة وبيان؛ إذ ليس لأحد أن يلزم أحداً بشيء، ولا يحظر على أحد شيئاً بلا حجة خاصة إلا رسول الله ﷺ المبلِّغ عن الله « [٣٠] . ومن أسباب تأليه البشر: غلبة أرباب الاستبداد وهيمنة أهل العلو في الأرض والفساد، وإنهاكهم في البغي والعدوان، واستفحال قمع النفوس وإتلافها. وقد خلّف ذاك الاستبداد والطغيان ثماراً نكدة في حياة الناس، فعمّ الجبن والمهانة والذل والاستكانة، فراج سوق النفاق، وأُهدرت الحريات، وشُلت الطاقات، ونُهبت خيرات البلاد. إن» الحكم الاستبدادي تهديم للدين وتخريب للدنيا؛ فهو بلاء يصيب الإيمان والعمران جميعاً. وهو دخان مشؤوم الظل تختنق الأرواح والأجسام في نطاقه حيث امتد فلا سوق الفضائل والآداب تنشط، ولا سوق الزراعة والصناعة تروج! ! إن المستبدين ينبتون في مناصبهم نبتاً شيطانياً لا توضع له بذور، ولا تحف به رعية، ولا تشرف عليه موازنة أو مشورة! وعندما يوضع رأس فارغ على كيان كبير فلا بد أن يفرض عليه تفاهته، وأثرته، وفراغه. بل تمادى المستبدون في كبت الحريات، حتى نهوا عن ذكر عمر الفاروق ﵁ [٣١] . فقال أحدهم: أنهى عن ذكر عمر؛ فإنه مرارة للأمراء مفسدة للرعية [٣٢] . وذلك لما اشتهر به عمر الفاروق ﵁ من تمام الإحسان إلى الرعية، والقيام بحقوقها والرفق بهم، وإكرامهم والشفقة عليهم. ومن ذلك أنه كتب إلى أمراء الأجناد: «لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحرموهم فتكفِّروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم» [٣٣] ، كما فرض عمر عطاءاً لكل مولود في الإسلام [٣٤] . وكان يقول: «والله لأزيدن الناس ما زاد المال، لأُعدنّ لهم عدّاً؛ فإن أعياني كثرته لأحثونَّ لهم حثواً بغير حساب؛ هو مالهم يأخذونه» [٣٥] . وكان يقول: «لو مات جمل ضَياعاً على شط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه» . وقد كشف ابن خلدون عن عواقب الاستبداد والطغيان وما يخلفه من الضيم وذهاب المنعة وضعف الأمم وفنائها فكان مما كتبه: «وأما إذا كانت المَلَكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكف حينئذ من سَوْرة بأسهم وتُذِهب المَنَعة عنهم» . وأما إذا كانت الأحكام بالعقاب فمُذهِبة للبأس بالكلية؛ لأن وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلة التي تكسر من سَوْرة بأسه بلا شك. إلى أن قال: والأمة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء، والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا مُلكِ أمرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم، فيقصر الأمل ويضعف التناسل. ثم قال: وفيه والله أعلم سر آخر وهو أن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خُلِقَ له، والرئيس إذا غُلب على رياسته وكُبِحَ عن غاية عزه تكاسل حتى عن شِبَع بطنه ورِيِّ كبده، وهذا موجود في أخلاق الأناسي « [٣٦] . وتحدث ابن خلدون عن تأثير المغارم والضرائب في وقوع الذل والهوان فقال: » إن في المغارم والضرائب ضيماً ومذلة لا تحتملها النفوس الأبية، إلا إذا استهونته عن القتل والتلف، وإن عصبيتها حينئذ ضعيفة عن المدافعة والحماية، ومن كانت عصبيته لا تدفع عنه الضيم فكيف له بالمقاومة والمطالبة وقد حصل له الانقياد للذل، والمذلة عائقة؟ هذا إلى ما يصحب ذل المغارم من خلق المكر والخديعة بسبب ملكة القهر « [٣٧] . إن إباءة الضيم خلق مجيد، وخصلة نابعة عن العزة والشجاعة، ولذا فهي حاجز منيع تجاه الاستبداد والطغيان، فما أجمل أن يأبى أحدنا الضيم لنفسه أو أهله أو أمته فيكره الظلم والاضطهاد والاستعباد. لقد كان العرب في الجاهلية يأبون الضيم بكل حماسة وصلابة، ويضربون لاحتمال الضيم أبشع الأمثال وأشدها تنفيراً منه، كما قال شاعرهم: ولا يقيم على ضيم يُراد به ... إلا الأذلان: عَيْرُ الحي والوَتِدُ هذا على الخسف مربوط برمَّته ... وذا يُشَجُّ فلا يرثي له أحدُ [٣٨] وقد كان الإسلام وسطاً تجاه هذا الخُلُق بين الإفراط والتفريط؛ فهناك من تجاوز حد الاعتدال وأفرط في إباءة الضيم كما كان العرب في الجاهلية؛ حيث كانوا لا يكتفون بالقصاص في القتال، بل يقتلون بالواحد جماعة من الناس [٣٩] . وأما الأنظمة الجاهلية المعاصرة المستبدة فإنها تسعى إلى استئصال هذا الخُلُق، ومسخ الشعوب إلى قطعان مذعنة، كما وصفهم الكواكبي بقوله:» المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم دراً وطاعة، وكالكلاب تذللاً وتملقاً، وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خَدمت، وإن ضُربت شَرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعَب ولا يُستأثَر عليها بالصيد كله، خلافاً للكلاب التي لا فرق عندها أَطَعِمَتْ أو حُرمت حتى من العظام. نعم! على الرعية أن تعرف مقامها: هل خلقت خادمة لحاكمها تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟ ! والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه، فإن شمخ هزت به الزمام وإن صال ربطته « [٤٠] . وتحدث الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ عن إباءة الضيم بكلام نفيس فكان مما قاله ﵀:» هذب الإسلام إباءة الضيم، وجعلها من الخصال التي يقتضيها الإيمان الصادق، فأصبحت خلقاً إسلامياً، أينما وجد الإيمان الصادق وجدت إباءة الضيم بجانبه. ألا تقرؤون فيما تقرؤون من الكتاب المجيد قوله تعالى: [وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] (المنافقون: ٨) ؟ ولا عزة لمن يسومه عدوه ضيماً فيطأطئ له رأسه خاضعاً. ووقاية الأمة من مهانة الضيم تستدعي العمل لأن تكون للأمة قوتان: مادية، ومعنوية إلى أن قال: وأما المعنوية فبتربية النشء على خلق الشجاعة وصرامة العزم والاستهانة بالموت؛ فالأمة التي تأبى الضيم بحق هي الأمة التي تلد أبطالاً وتبذل كل مجهود في إعداد وسائل الدفاع، لا يقعد بها بخل، ولا يلهيها ترف، وتفاضل الأمم في التمتع بالحرية والسلامة من أرجاس الضيم على قدر ما تلد من أبطال، وما تعده من أدوات الرمي والطعان. متى تجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبْكَ المظالمُ ومن الحِكمة أن يعمل الإنسان للتخلص من الضيم بعد شيء من التدبُّر وإحكام الرأي حتى لا تفضي به مكافحة الضيم الصغير إلى ضيم أفظع منه « [٤١] .

стр. 3521

دراسات في الشريعة والعقيدة الشمس آية من آيات الله عظمتها، وتسخيرها، ومنافعها، ومصيرها إبراهيم بن محمد الحقيل آيات الله تعالى في خلقه كثيرة عجيبة سواء ما كان منها في السماوات من أبراج وأفلاك ومجرات، أو ما كان منها على الأرض من عجائب النبات والحيوان والبحار والسهول والجبال، أو ما كان منها في خلق الإنسان من أجزاء جسده الكثيرة، وتعقيداتها الدقيقة. قال الله تعالى: [وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ] (الذاريات: ٢٠-٢٢) . ولو نظرنا في الأرض وما فيها من عجائب المخلوقات من كبير وصغير، وقليل وكثير لتملكنا العجب من كثرتها وتنوعها واختلافها وتسخير بعضها لبعض، ولو حاول الإنسان أن يظهر نسبته من بين المخلوقات التي يراها على الأرض لعلم أنه لا يكاد يذكر، وأنه ذرة صغيرة من بين تلك المخلوقات. ثم لو قدر له أن يطلع على ما في الكون من أفلاك ومجرات، وأنجم وبروج ومجموعات لهاله الأمر، ولأيقن أن هذه الأرض العظيمة ببحارها وجبالها ونباتها وما فيها ومن عليها لا يكاد يساوي ذرة في هذا الكون العظيم، وما لا يعلمه البشر ولم يكتشفوه من خلق الله تعالى أعظم وأكثر، فيا لله! ما أعظم خلقه، وما أدق صنعه! ! وما عظمة المخلوق إلا أكبر برهان على عظمة الخالق : [فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ] (المؤمنون: ١٤) . ومن الآيات العظيمة التي تدل على عظمة الخالق هذه الشمس التي تشرق كل يوم فلا أجمل من شروقها، وتغرب فلا أحسن من غروبها، ينفعنا عند البرد دفؤها، وتؤذينا أثناء الحر أشعتها، وهي جزء يسير من خلق الله : [وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] (الأنبياء: ٣٣) . القرآن يثبت عظمة الشمس: خلق الله تعالى الشمس وبيّن قدرها فأنزل فيها سورة تتلى إلى يوم القيامة، وتكرر ذكرها في القرآن كثيراً حتى جاء في اثنين وثلاثين موضعاً. ولأجل هذه العظمة فإن أقواماً عبدوها من دون الله تعالى كما قال الهدهد لسليمان ﵊: [إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ] (النمل: ٢٣-٢٤) . إن حركة الشمس وضوءها، وإشعاعها ودفئها، وانتظامها في سيرها، وضخامة حجمها كانت ولا تزال عند البشر مثار الدهشة، وموضع الانبهار، وما عبدها من عبدها إلا من هذا القبيل؛ ولذا جاء القرآن بالبيان أنها آية من آيات الخالق المستحق للعبادة، وأن عظمتها مهما بلغت لا توجب عبادتها بل توجب عبادة خالقها ومدبرها ومسخرها [وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ] (فصلت: ٣٧) وجاء الخبر في السُّنَّة أن المشركين كانوا يسجدون للشمس فنُهي المؤمن عن الصلاة قبل شروقها وارتفاعها قِيدَ رمح وقبل غروبها وأثناء توسطها في السماء مخالفة لهم. لقد كانت الشمس ولا تزال حجة داحضة، وآية ظاهرة على عظمة الخالق ﷻ بذكرها أنهى إبراهيم ﵊ فصول المناظرة، وقطع حجج المخاصمة [قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ] (البقرة: ٢٥٨) . وفي مناظرة أخرى له ﵊ ذكر الشمس مما يدل على أهميتها عند البشر [فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ] (الأنعام: ٧٨-٧٩) [١] . والأرقام الهائلة تدل على هذه العظمة أيضاً: بينت الدراسات الفلكية الحديثة ضخامة الشمس بالنسبة للأرض؛ حيث قدر الفلكيون أن قطر الشمس يبلغ (٨٦٥٣٨٠) ميلاً بينما قطر الأرض (٧٩١٣) ميلاً؛ فهي أكبر من الأرض بنحو مليون وثلاثمائة ألف مرة، وكتلتها تعادل (٣٣٣٠٠٠) مرة من كتلة الأرض وتعادل جاذبيتها ضِعْف جاذبية الأرض (٢٨) مرة، وتتكون من غازين أساسين هما: الهيدروجين والهليوم ونسبتهما (٩٨%) وما بقي (٢%) غازات مختلفة يتجاوز عددها سبعين عنصراً، ويقدر الهيدروجين بنسبة ٨٠% والهليوم (١٨%) ويتحول الهيدروجين باندماج نووي إلى هليوم وتتحرر طاقة هائلة على شكل حرارة وأشعة وضوء، ويتحول (٤٠٠) مليون طن من الهيدروجين إلى هليوم، في كل ثانية، وتفقد في الدقيقة الواحدة (٢٥٠) مليون طن من المادة لتتحول إلى طاقة [٢] . وإذا كان ما سبق من أرقام أمراً عجباً فإن ما هو أعجب منه حرارة الشمس التي لا نطيقها في الصيف ونتظلل منها ونتبرد، ونهرب منها إلى المناطق الباردة؛ هذه الحرارة الشديدة تقطع مسافة طويلة تقدر بخمسة وتسعين مليون ميل أي (١٥٠) مليون كم وهي المسافة التي بين الأرض والشمس، ولا يصل إلى الأرض من حرارة الشمس إلا واحد على مليار (١/٠٠٠ ٠٠٠ ١٠٠٠) فقط وهي النسبة المطلوبة للحياة، وما يزيد على ذلك ينكسر ويرتد بفعل الغلاف الجوي المحيط بالأرض. وللشمس نواة من الهليوم تتجاوز درجة حرارتها (٢٥) مليون درجة مئوية، تحيط بها منطقة إشعاع درجة حرارتها (١٥) مليون درجة مئوية، وتصل حرارة سطح الشمس إلى (١٠) ملايين درجة مئوية. ولإدراك معنى هذه الأرقام الهائلة لا بد من التذكير بأن الحديد الصلب لا يحتاج إلى أكثر من (١٥٠٠) درجة مئوية ليتحول إلى سائل يجري كالماء [٣] . الشمس تعبد الله : رغم هذه الضخامة والعظمة التي اتصفت بها الشمس إلا أنها خاضعة لربها عابدة له فهي تسبِّح الله تعالى كما قال تعالى: [وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ] (الإسراء: ٤٤) وهي أيضاً تسجد لله كل يوم تحت عرش الرحمن. قال تعالى: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ] (الحج: ١٨) وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر ﵁ حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: ... ... ... [وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ] (يس: ٣٨) [٤] . وأخطأ من تأول هذا الحديث ونفى حقيقة سجودها قال ابن العربي: أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هو عليه من التسخير الدائم [٥] . وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك [٦] . وقد أحسن الإمام الخطابي رحمه الله تعالى حينما قال: والخبر عن سجود الشمس والقمر لله قد جاء في الكتاب؛ إلى أن قال: وليس في هذا إلا التصديق والتسليم، وليس في سجودها لربها تحت العرش ما يعوقها عن الدأب في سيرها والتصرف لما سخرت له [٧] . إذن هي تسبح الله تعالى وتسجد له وقد بلغت هذا المبلغ من الضخامة والعظمة ولم تستنكف عن عبادة الله فلماذا يستنكف هذا العبد الضعيف عن عبادة ربه وهو مثل الذرة على الأرض التي هي أصغر من الشمس بأكثر من مليون مرة؛ فلو تأمل العاقل ذلك لعلم ضعفه وعجزه وصغره، ولأدرك شيئاً من عظمة الخالق مما يدفعه إلى مزيد من الخشية والمحبة والخضوع والعبادة. تسخير الشمس لخدمة بني آدم: من تكريم الله تعالى المتتابع على بني آدم أن سخر لهم عظائم مخلوقاته؛ فهذه الشمس العظيمة مسخرة لهؤلاء البشر الضعفاء، قال تعالى: [وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ] (النحل: ١٢) ، وقال تعالى: [وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] (إبراهيم: ٣٣-٣٤) نعم والله! لا نستطيع عدّ نعمة الله تعالى علينا كما لا نستطيع عدّ منافع الشمس التي سخرت لنا؛ فكان فيها من الفوائد ما لا يحصى؛ فالوقت إنما تمّ ضبطه على ضوء حركتها، فغروبها ليل، وشروقها نهار، وأوقات الصلوات عرفت بالظل الذي هي سببه كما في قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً] (الفرقان: ٤٥) تضيء النهار وتبدد الظلام، وتستيقظ على شروقها الأحياء في الأرض، فتسعى في رزقها، وتكتسب قوتها، وتعم الحركة أرجاء الأرض على ضوئها ونورها، فإذا غربت خيم الظلام وعم السبات وخلدت الأحياء إلى الراحة استعداداً ليوم جديد، فلو أنها أمسكت عن المغيب فلم تغب، فكيف يرتاح الأحياء على الأرض، وكيف ينامون؟ ! ولو أمسكت عن الشروق فلم تشرق، فكيف يعملون ويكتسبون؟ ! وقد جاء لهذه المنة الكبرى ذكر في كتاب الله تعالى حيث امتن الله تعالى على عباده بتعاقب الليل والنهار حتى تستقيم الحياة على الأرض وذلك في قوله تعالى: [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (القصص: ٧١-٧٣) . والتسخير يعني التكليف بعمل بدون أجر، ومن معاني (سَخَر) : جرى، فالله تعالى أجرى هذه الأجرام والظواهر الكونية بما فيها الشمس لتكون في خدمة مَنْ على الأرض بغير أجر ولا ثمن؛ وتلك نعمة كبرى من الخالق ﷻ [٨] . ولولا أن الله تعالى خلق الشمس وسخرها لنفع الأرض لما انتظمت الحياة فيها على ما هو مشاهد من هذا النظام البديع؛ فمن جرَّاء الشمس تحدث ظواهر في الأرض من تبخير المياه، وتحريك الرياح، مما يسبب هطول الأمطار، وانتفاع الأرض وبث الحياة فيها، والنبات والحبوب والثمار تنضج بتأثير أشعتها، وتستمد طاقتها من حرارتها، وتنتقل هذه الطاقة إلى الحيوان ثم إلى الإنسان عبر سلسلة غذائية منتظمة، وتحرق الشمس بحرارتها ما لا يُعلم من الفطريات والجراثيم التي لولا الشمس لانتشرت بسببها الأمراض والأوبئة فلا يبقى على الأرض حياة [٩] . وتقدير سيرها وبعدها عن الأرض آية أخرى، ونعمة من نعم الله الكثيرة؛ فقد قدر الله تعالى سيرها وجعلها منتظمة في هذا المسير لم يختل نظامها عنه يوماً من الأيام، فما تأخرت يوماً عن موعد شروقها أو غروبها، وقدر تعالى بُعدها عن الأرض حتى تنتفع بها ولذا يحكي الفلكيون أنها لو كانت أبعد لتجمدت الأرض ومن عليها، ولو كانت أقرب لأحرقت الأرض بمن فيها، وفي ذلك يقول الله تعالى: [وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ] (يس: ٣٨-٤٠) ، إنه نظام دقيق بديع يسير وفق أمر الله تعالى وإرادته، لا يتقدم شيء على شيء ولا يتأخر شيء عن شيء، ليحصل من جرائه النفع، ويرتفع الضرر وفق تقدير العزيز العليم. ومن عجائب الشمس مع الأرض أن لها في الأرض مشارق ومغارب كثيرة، ففي كل لحظة لها مشرق ومغرب كما قال الله تعالى: [فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ] (المعارج: ٤٠-٤١) . علاقة الشمس باليوم الآخر: إن للشمس ارتباطاً وثيقاً بيوم القيامة ولهذا فمواقفها في ذلك اليوم متعددة: الموقف الأول: بما أن الشمس علامة في الكون ظاهرة يراها كل البشر، كان اختلالها عن نظامها المعهود علامة على إيصاد باب التوبة، وآية على قيام الساعة، وانتهاء التكليف؛ وذلك بطلوع الشمس من مغربها؛ حيث روى معاوية بن أبي سفيان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:» لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها « [١٠] وفي حديث آخر قال ﵊:» لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت من مغربها؛ ورآها الناس آمنوا جميعاً؛ فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل « [١١] . ويبدو أنه يسبق طلوعها من مغربها ليلة طويلة جداً كما هو ظاهر في حديث أبي ذر السابق في قصة سجودها تحت العرش؛ إذ جاء فيه أمرها بالرجوع وعدم الإذن لها بالطلوع، والرجوع يحتاج وقتاً قدر وقت المجيء مما يدل على أن الليلة التي تسبق طلوعها من مغربها تعدل ليلتين أو أكثر، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ حديث عبد الله بن أبي أوفى وفيه:» تأتي ليلة قدر ثلاث ليال لا يعرفها إلا المتهجدون، يقوم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ، ثم ينام؛ فعندها يموج الناس بعضهم في بعض، حتى إذا صلوا الفجر وجلسوا فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فيضج الناس ضجة واحدة حتى إذا توسطت السماء رجعت «. وعند البيهقي في البعث والنشور من حديث ابن مسعود نحوه:» فينادي الرجل جاره: يا فلان! ما شأن الليلة؟ لقد نمت حتى شبعت وصليت حتى أعييت « [١٢] . الموقف الثاني: مصير الشمس بعد انتهاء العالم، وانقضاء الدنيا حيث تُكَوَّر وتصاحب القمر إلى نار جهنم كما قال تعالى: [إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ] (التكوير: ١) ، وقال تعالى: [فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ * وَخَسَفَ القَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ] (القيامة: ٧-٩) ، وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:» الشمس والقمر مكوَّران يوم القيامة « [١٣] ، وفي رواية: » الشمس والقمر نوران يكوَّران في النار يوم القيامة، فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أبو سلمة: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: وما ذنبهما؟ ! « [١٤] قال الإسماعيلي: لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما؛ فإن لله تعالى في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة [١٥] . وأما الحكمة من ذلك فقيل: لأن الشمس والقمر خلقا من نار فأعيدا فيها [١٦] ، وقيل: حتى يراهما من عبدهما معه في النار وهو الأقرب لقوله تعالى: [إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ] (الأنبياء: ٩٨-٩٩) ، ولما جاء في حديث أنس رضي الله عنه أن الحكمة من ذلك (ليراهما من عبدهما) قال الخطابي: ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلاً [١٧] . الموقف الثالث: في عرصات القيامة؛ حيث تدنو الشمس من رؤوس الخلائق، فيتأذَّوْن من حرارتها ويصيبهم من الكرب ما يجعلهم يطلبون سرعة القضاء فيذهبون إلى أبيهم آدم من أجل الشفاعة لهم في سرعة القضاء، ثم إلى سائر أولي العزم من الرسل حتى يأتوا النبي ﷺ فيشفع لهم كما في حديث الشفاعة المشهور. وعن دنو الشمس من رؤوس الخلائق قال النبي صلى الله عليه وسلم:» تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً. وأشار النبي ﷺ بيده إلى فيه « [١٨] وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام:» إن العَرَقَ يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعاً، وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس وآذانهم « [١٩] . وقد يُشْكل على بعضٍ عدم إحراق الشمس للناس في موقف العرض يوم القيامة مع هذا الدنو الذي لا يتجاوز الميل سواء كان ميل المسافة أو ميل المكحلة مع أنها لو اقتربت قليلاً من الأرض في الدنيا لأحرقتها ومن عليها. والحق أنه لا إشكال في ذلك؛ لأن أحوال الآخرة تختلف عن أحوال الدنيا؛ فلا تقاس عليها، ولو صح القياس عليها لكان الموت أسرع من عرق الناس إلى آذانهم وأفواههم، ومن بلوغ العرق في الأرض سبعين باعاً. هذه هي الشمس التي نراها كل يوم، ويوشك أن يأتي اليوم الذي تتأخر فيه عن موعد شروقها لتعود مرة أخرى فتشرق من مغربها؛ فيوصد على إثر ذلك باب التوبة، ولا ينفع الندمُ مَنْ يندم، وهي التي يهرب العباد من شدة حرها في الصيف، فهلاَّ تذكروا قربها وحرارتها في موقف القيامة حين تستخرج العرق من الأجساد، فتسيله في الأرض حتى يبلغ الآذان والأفواه! وهلاَّ تذكروا ما هو أعظم من ذلك: حرارة جهنم التي لا تقضي على من فيها فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها: [كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ] (النساء: ٥٦) . إن حرَّ الدنيا يذكِّر بحرِّ الآخرة، وإن لهب الشمس اللافح يذكِّر بلهيبها في عرصات القيامة كما يُذكِّر بحرِّ نار السعير أجارنا الله منها والمسلمين ولن ينجي من حرِّ ذلك اليوم سفر ولا سياحة، ولن يطفئ لهبه تبريد ولا ماء. نعم والله! لن ينجي من حرِّ ذلك اليوم ولهب شمسه، ثم زفرة ناره إلا الإيمان والعمل الصالح، والأخذ بالأسباب التي تجعل العبد في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، وويل لمن كان في الدنيا منعَّماً وفي الآخرة معذَّباً، فما أحسن الاعتبار في الدنيا قبل أن لا تنفع العظة في الآخرة!

стр. 3522

تأملات دعوية لا تنسوا كتب السلف محمد بن عبد الله الدويش إن الاعتناء بالقراءة وإدراك أهميتها أمر لم يعد قاصراً على طلبة العلم وحدهم؛ فالعقلاء من الناس أجمع يتفقون اليوم على ذلك، وها هي حركة النشر الواسعة تعطي دليلاً على الطلب المتزايد على الكتاب. والنفس مفطورة على حب الجديد والميل إليه، حتى ما يقتنيه الناس من سيارات وملابس وأدوات يبحثون فيه عن آخر ما أُنتج، ولو كان ذلك على حساب الجودة. وسرت العدوى في ذلك إلى الكتاب، فأصبح الكتاب الجديد يلقى رواجاً وانتشاراً أكثر من غيره، ولهذا يحرص باعة الكتاب والناشرون على إبراز الجديد من الإصدارات والدعاية لها. والكتاب الجديد المعاصر كُتِب بلغة العصر ونَفَس العصر، ويعالج قضايا العصر، مما يدفع القارئ إلى الميل إليه وقراءته. وهو يتناول في الأغلب القضايا الساخنة والمطروحة على الساحة الفكرية أو العلمية أو الأدبية، ومن ثم فهو يتسق مع اهتمامات القارئ ويجيب عن تساؤلاته. هذه جوانب لها صلة بمضمون الكتاب ولغته، وثمة جوانب لا تقل عنها أهمية لها صلة بالكاتب والمؤلف؛ فلئن كان القراء ينظرون إلى عنوان الكتاب وموضوعه فهم في المقابل ينظرون نظرة لا تقل عن ذلك إلى مؤلفه، والناشرون يحرصون على الظفر بالمؤلف صاحب الصيت والانتشار الواسع، ويمنحونه من الإغراءات ما لا يمنحون غيره. إن المؤلف المعاصر يعيش بين الناس، ويتفاعل القراء معه، ويعرفه طائفة من القراء باسمه أو بشخصه، ومن ثم فهم يُقبلون على اقتناء كتبه وقراءتها، وربما كان اسم المؤلف أعظم دافع لدى كثير من القراء إلى قراءة الكتاب من موضوعه ومضمونه. هذه العوامل وغيرها تدفع الناس إلى الاعتناء بقراءة الجديد من الكتب والإقبال عليها، ولا اعتراض على ذلك، بل هو ضرورة لا بد منها، فلا يمكن لطالب العلم الذي يتحمل مسؤولية الإصلاح والتغيير أن يعيش خارج عصره، وثمة قضايا كثيرة هي من النوازل العلمية أو الفكرية لا بد له أن يحيط بها ويعيها. لكن الاعتراض هو على إهمال كتب السلف ونسيان كتب السابقين؛ فنحن أمة لها امتداد وتاريخ ولسنا نبتة مجتثة في العراء. إن كتب السلف أغزر علماً وأصدق لهجةً، ولئن أدى تطور صناعة النشر اليوم إلى أن يصبح التأليف والنشر ميداناً رحباً يتسع لطائفة كثيرة من الناس، وأن يتصدر له طائفة ممن لا يحسن، أو من الباحثين عن الصيت والشهرة فالأمر كان يختلف لدى سلف الأمة؛ فالأغلب على ما كتبه أولئك الإخلاص والصدق، وسعة العلم والاطلاع. والسلف الصالح رضوان الله عليهم أسَدُّ منهجاً وأقوم طريقة؛ بل إن طالب العلم اليوم يفتخر بأنه ينتسب إلى منهجهم، ويحتج بأقوالهم وهديهم، في حين كثرت الأهواء ما بين ترخُّص وتساهل، أو جرأة على الشرع وأحكامه، أو مجاراة للواقع ولهاث وراء مسايرته. لكننا نلحظ اليوم إفراطاً في الإقبال على الكتاب المعاصر، وإهمالاً لكتب السلف وقلة اعتناء بها، بل قد نجد تسابقاً في قراءة الكتب والروايات المنحرفة وإضاعة الأوقات فيها على حساب ما يزيد الإيمان ويحيي القلوب الميتة. وحتى في ميدان العلم الشرعي يحظى المعاصرون باعتناء واهتمام أكثر من غيرهم، ومن أوضح الأمثلة على ذلك الاعتناء بجمع فتاوى المعاصرين ونشرها وقراءتها، وهذا أمر حسن، لكن ينبغي ألا ينسينا الاعتناء بفتاوى فقهاء السلف، وغيرهم ممن يدعِّم المعاصرون فتاويهم بآرائهم واختياراتهم، فنحن بحاجة لجمع طائفة من فتاوى علماء السلف واختياراتهم ونشرها للناس، وإبراز أولئك العلماء الأفذاذ أمام الناس الذين كادوا أن ينسوهم. إنه من إضاعة الوقت أن نستطرد في المقارنة بين كتب السلف وكتب المعاصرين؛ فالأمر أجلى وأوضح من أن يحتاج إلى براهين. لكنها ذكرى ووصية أوصي بها نفسي وإخواني لإعادة الاعتبار لكتب السلف، والاعتناء بها، والإقبال عليها، وإعطائها النصيب الأوفر، دون إهمال للقراءة المعاصرة.

стр. 3523

دراسات تربوية هذا كله موجب الطباع ومقتضاه بدر السحيل إنك لتعجب أن ترى رجلاً عليه سَمْتُ الصالحين ووقار الأخيار، يعجبك في هديه ودلّهِ، تراه يجالس امرأة أجنبية عنه، ربما سمعتَ منها ضحكاتٍ صاخبة أو قولاً خاضعاً، هيئتها لا تسر الناظرين. سترت القبيح من نفسها وأظهرت الجميل. ثم أنتقل بك إلى صورة أخرى لا تقلُّ عجباً عن تلك تجعلك أمام كمٍّ من الأسئلة: رجل قد أعفى لحيته، واتبع السنة في ظاهره، إذا بك تراه مرّة جالساً مع بعض قرابته أو زملائه يشاهدون فيلماً أجنبياً على شاشة التلفاز ولا يخفى عنك ما فيه ولا ينتهي بك العجب ههنا؛ فالرجل ينظر بتفاعل، ويتابع بتلذذ، ويشارك في الحديث عمن يسمونهم أبطالاً لتلك الأفلام، وكأن الرجل صاحِب دراية قد اعتاد ذلك وألفه. وما هاتان الصورتان غير مثال وإشارة إلى كثير من المشاهد التي على شاكلتهما تثير الدهشة والعَجَب. قوم يتدثَّرون بلباس غيرهم في مفارقة بين القول والعمل [وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ] (الأعراف: ٢٦) . ولْنَعُد إلى المثالين السابقين. الأول: رجل صالح نحسبه والله حسيبه اضطرته ظروف عمله أن يخالط تلك المرأة الساعات الطوال؛ فهي زميلة عمل، وكثيراً ما ترى هذا في المستشفيات ونحوها؛ ولكن هل المشهد الذي رأيته في هذه الصورة حدث عند أول لقاء عمل؟ الجواب: لا؛ فقد بلغ به الضيق مبلغه في أول الأمر، لكنها طبيعة العمل؛ فكان حريصاً على غض بصره، وألاّ يتكلم إلا بقدر الحاجة. وكذلك كانت زميلته على جانب من الحياء والستر؛ فالرجل ذو هيبة ووقار. المثال الثاني: هو من الدعاة إلى الله يتجول في حقول الدعوة يجاهد بقاله وحاله؛ سلاحه قلمه ولسانه، وينتهي به التجوال إلى منزل أهله أو مجلس قرابته أو منتجع زملائه، وهنا ينسى وظيفته ويلقي سلاحه، إنهم يرغبون أن ينظروا إلى التلفاز في مجلسهم والداعية إلى الله أجلُّ من أن تكون له فيه رغبة، ولكن لا بد من اللقاء والأنس. فكان كلما حضر مجلسهم؛ أغلقوا التلفاز أدباً. ثم تتتابع المجالس وتأخذ دورتها مع الأيام، فيرغب بعضٌ في فتح الجهاز؛ فمن أراد المشاهدة ينظر، ومن لم يرد فلا. ثم بعد ذلك بمدّة تكون خطوة أخرى برفع مستوى الصوت في بعض البرامج كالفقرات الإخبارية فقط، ثم تتلوها المباريات الرياضية. ومع اعتياد ذلك يتتابع التردي في خطوات الشيطان ليُسمح أو يُتَسامَح في رفع مستوى الصوت وخفضه عند مشاهد مثيرة في أفلام ومسلسلات! فكان ينظر لا إرادياً استجابة لشدة تفاعل جلسائه مع لقطة مباراة، ثم يغض بصره سريعاً وينظر ثانية استجابةً لتفاعل آخر لإثارة الفيلم. وهكذا حتى أصبح يسارق النظرات تلو النظرات، ثم يستجيب لتلك المثيرات، ومع توالي الأيام وصل الأمر إلى ما رأيت. أيها القارئ الكريم! لا تظن أن هذا المقال كتابة ناقد أو نقدُ كاتب؛ بل هو بث محزون وخلجات محب، عجب مما عجبتَ منه، وآلمه ما رأيتَ فكان هذا المقال انبعاثاً من قوله ﷺ : «المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كُلُّه، وإن اشتكى رأسه اشتكى كُلُّه» [١] وقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [٢] . فليس ثمة إلا تداعي الجسد لعضو من أعضائه. ولعلاج ذلك العضو الشاكي لا بد من تشخيصٍ دقيق للداء الذي أصابه؛ فإذا كان كافة المؤمنين هم الجسد فإن أعيانهم هي الأعضاء، وبمجموعهم يتكوَّن جسد الأمة؛ لذا أحببت أن يكون ما تقدم من أمثلة نموذجاً لعضو أو بعض من هذا الجسد أصابه الداء نسترشد في تشخيصه بأنوار الوحي «فكل الصيد في جوف الفَرَا» [٣] . عن النعمان بن بشير ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه» [٤] . قال ابن رجب ﵀: فجعل النبي ﷺ مَثَلَ المحرمات كالحِمى الذي تحميه الملوك ويمنعون غيرهم من قربانه، والله حمى هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال سبحانه: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا] (البقرة: ١٨٧) وهذا فيه بيان أنه حدَّ لهم ما أحل لهم، وحدَّ لهم ما حرم عليهم، فلا يقربوا الحرام ولا يتعدوا الحلال؛ ولذلك قال في آية أخرى: [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (البقرة: ٢٢٩) . وجعل من يرعى حول الحمى وقريباً منه جديراً بأن يدْخُل الحمى ويرتع فيه، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل المسلم بينه وبينها حاجزاً « [٥] فنبه رحمه الله تعالى على هذه الإشارة النبوية إلى الدواء المتضمن لبيان الداء؛ فإن كان الدواء التباعد عن المحرمات فإن الداء في التقارب منها» يرعى حول الحمى «ألا ترى أن المحرَّم هو ما بداخل الحمى، وما حوله حلال، ولكن» يوشك أن يرتع فيه «فالرَّعْيُ حول الحمى ذريعة موصلة إلى رعي الحمى نفسه. إن في دلالة الحديث على الداء» التقارب من المحرمات «معانيَ لطيفة؛ ذلك أن الشارع إذا نهى عن معصية وزجر عنها أوجب ذلك على المسلم نفرة ووحشة من هذه المعصية» الحمى «فكلما كان بعيداً عن الحمى كانت النفرة والوحشة أبلغ، والزجر قد أخذ مأخذه؛ وذلك أن طبائع النفوس البشرية تألف ما تقاربت منه وتعتاده، وتزول بينها وبينه كل الحواجز وتتكسر العوائق، فتضعف في النفس زواجر الوعيد وقوارع التهديد بسبب الإلف والاعتياد الذي هو أثر المقاربة للمحرمات. ولتستبين أن الداء هو التقارب من المحرمات (الحمى) وأثره المترتب عليه فانظر إلى أثر التقارب في النفوس البشرية وما تقاربت منه وإن كانت لا تحبه، بل قد يكون خطيراً عليها. ألا ترى إلى ساكن البادية قد أَلِفَ المبيت بها بين دوابها وهوامّها. بينما لو أتينا بساكن المدينة ليبيت ليلة في البادية لكثرت عليه الخواطر: يفزعه كل صوت يسمعه، يتخيل دواب الأرض وعقاربها وأفاعيها تحيط به من كل جانب، يستحضر قوة سمومها وسرعة نفوذها، فلا يكتحل طرفه بمنام. فانظر إلى أثر القرب والبعد عند كلٍ منهما. ساكن البادية لا يجهل أنها إن لدغته تقتله، وقد لا يتيسر له الدواء في زمن كافٍ، ويعلم أنها خطيرة عليه وعلى صغاره الذين يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم حتى ولو بالهرب عنها. بل كم شيَّع من جنازة قريب أو صديق كانت هذه الهوامّ سببها! ولا تعجب فكم من مرة يرى هذه الدواب ويذهب في شؤونه دون أن يتعرض لها بسوء! إنه التقارب منها وما يترتب عليه من طبيعة الإحساس بكل هذه المخاطر؛ فعينه قد اعتادت رؤيتها، وأذنه قد ألفت سماع أصواتها؛ إنه الإلف والاعتياد بسبب المقاربة. وذاك صاحب المدينة ينام قرير العين هادئ البال بعد أيام أو أسابيع من سكناه البادية. وليتجلى لنا أثر التقارب والتباعد في غياب حرمة الحِمى وخطره وشناعة المحرمات واستشعار ذلك فإننا نتدارس هذا النص النبوي: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرِّقوا بينهم في المضاجع « [٦] . إن شطر الحديث الأول يرشد إلى أن التقارب من الصالحات سبيل إلى إلفها واعتيادها وترويض النفس على قبولها والمداومة عليها، فإذا بلغ الصبي سبع سنين فإنه يؤمر بها فتألف أذنه الأمر بها؛ إذ يتكرر عليه ذلك خمس مرات في اليوم والليلة، وتعتاد قدماه المشي إلى المساجد، وترى عينه المصلين يترددون إلى المسجد. يرى المصلين صفوفاً يتقدمهم الإمام. يتكرر هذا لمدة ثلاث سنوات، وهذه السنوات الثلاث تعد مرحلة أولية تهيئةً لما بعدها. ثم المرحلة الثانية » واضربوهم عليها لعشر سنين «وفي هذه المرحلة يكون الصبي قد اعتاد الصلاة وأصبح لديه تصور مجمل لهيئتها وعدد مراتها والتمييز بين الفروض، وتكون هذه المرحلة أكثر حزماً؛ فإن فيها أمراً زائداً عن مجرد الأمر بالصلاة: » واضربوهم «. وتستمر هذه المرحلة إلى سن البلوغ. فهذه قرابة ثماني سنوات تشكِّل دورة تدريبية في التقارب مع هذه الطاعة، فيألفها ويعتادها ويحبها بسبب تقريبه منها ومن أهلها كما مر بك. فإذا أُعلِم بها وبمكانتها في الإسلام عند جريان قلم التكليف عليه سهل عليه القيام بها بخلاف من لم يُراعَ في حقِّهِ هذا الإرشاد النبوي. وفي شطر الحديث الثاني قوله ﷺ :» وفرِّقوا بينهم في المضاجع «انظر إلى لطيف الإشارة النبوية في تحديد وقت التفريق في المضاجع عند سن العاشرة بين الأبناء والبنات؛ ففي هذه السن تكون بعض البنات قد بلغن سن الرشد أو قاربن البلوغ [٧] ؛ وإن لم يكن فلا أقل من تغيُّر جسمها وهيئتها عن جسم الصبية. وقد جرت عادة الناس أن يتخذوا لنومهم ملابس لها خصوصيتها من خفة وشفافية وقد تكون مجسِّمة (كالبجامة) ، وما كان هذا وصفه من اللباس من حيث الشفافية أو التجسيم أو كشف أجزاء من البدن لا يكون ساتراً للعورة. وقد ينكشف الغطاء أثناء النوم فتبدو العورات، فإن لم يكن التفريق في المضاجع انكسر حاجز الحياء، وضعفت الاستجابة للأمر والنهي في حفظ العورة وسترها. وذلك كله بسبب الاعتياد والإلف لتكرار هذا المشهد نتيجة المقاربة والمجاورة، بل قد يتعدى الأمر إلى أبعد من ذلك وأخطر. فهذا صاحب كتاب» مسؤولية الأب المسلم « يضمِّن كتابه مبحثاً عن الانحرافات الجنسية عند الأطفال؛ فإذا به يتعرض للحديث الذي نحن بصدد دراسته فيقول:» ولا بد من التفريق بين الأولاد عند النوم خاصة بينهم وبين البنات؛ فإن كثيراً من الانحرافات الجنسية المبكرة يعود سببها إلى إهمال التفريق بين الأولاد في المضجع، ونومهم مع الأبوين في غرفة واحدة. ويكون ذلك بتخصيص غرفة للأولاد، وأخرى للبنات، وثالثة للأبوين، مع استقلال كل طفل بغطاء يخصه فينبغي عدم المشاركة في الغطاء « [٨] فانظر إلى لطيف الإشارة:» وفرقوا بينهم في المضاجع «. وإلى دليل آخر من الوحي: إن الإسلام يُرغِّب في النكاح ويحث عليه؛ ولأن الأسرة لَبِنَةٌ في بناء صرح الأمة فإن الإسلام يحافظ عليها من أن تُهدم، ويجعل سياجاً منيعاً من الترغيب والترهيب يطوقه علاقة الزوجين ببعضهما؛ لتشتد هذه اللبنة؛ فيبدو صرح الأمة شامخاً. فعندما يحدث خلاف بين الزوجين فإن الشرع قد وضع مراتب لتأديب الزوجة. ومحل الشاهد من ذلك مرتبة الهجر؛ حيث شرع الله تعالى أن يكون الهجر في المضجع فحسب؛ لأن البعد شأنه أن يزيد من اتساع الفجوة بينهما، فشرع الهجر في المضجع؛ لأن القرب له أسرار منها: عدم النفرة، وسكون النفس، والصحة، والأنس. واسمع إلى قول صاحب تفسير المنار:» لأن الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية فتسكن نفس كل واحد منهما إلى الآخر ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك. فإذا هجر الزوج زوجته وأعرض عنها في هذه الحالة احتمل أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب، ويهبط من نشز المخالفة إلى مستوى الموافقة « [٩] . سبحان الله! إن المقام مقام تأديب وبنوع من التأديب فيه حزم وشدة، ومع ذلك يرشد الشارع بأن يكون الهجر مقيداً بالمضجع، وذلك لما فيه من المقاربة من المعاني التي سقناها، فتتبدل المخالفة إلى الموافقة في أكثر الأحيان. ثم إن لم تحصل الموافقة وحصل الطلاق، فإن كان رجعياً فإنه يجب عليها أن تمكث مدة عدتها في بيتها لا تخرج منه، كما لا يحق للزوج أن يخرجها قال تعالى: [لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ] (الطلاق: ١) فتأمل كيف أن الشارع أمر الزوج بعدم إخراجها وأمرها بعدم الخروج؛ وذلك مدة العدة وقدرها ثلاثة قروء، ثم تأمل قوله سبحانه بعد ذلك: [لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً] (الطلاق: ١) ففي ذلك حكمة لطيفة؛ حيث إن الشارع أشار إلى أن بقاء الزوجة في بيتها قريبة من زوجها من أقوى عوامل المراجعة. وذلك أن في القرب أسراراً فيراها وتراه، ويحن لها وتحن له، فتتحرك في النفس كوامن الرحمة والمودة والعطف، ولهذه المقاربة دور في إبعاد النفرة وتسكين الألفة بدلاً منها، وإلى هذا المعنى الموجود في التقارب بين الزوجين وعدم المفارقة زمن العدة إن كان الطلاق رجعياً نجد الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: [لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً] (الطلاق: ١) . وكما أن الرجعة تكون بالقول فهي أيضاً تكون بالفعل [١٠] . هذه الحكمة بما فيها من معان تكون متعذرة إذا كانت الزوجة خارج بيتها بعيدة عن زوجها. وإلى شاهد آخر من السنة النبوية يقرر أثر التقارب والتباعد في النفوس البشرية: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين؛ لا تراءى نارهما « [١١] . وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ :» أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشرك « [١٢] . فانظر رعاك الله إلى أي مدى من الخطورة يُشعِر بها هذا الحديث في الإقامة بين المشركين والقرب منهم؛ بل انظر إلى الدقة في الحرص على قطع جميع العلائق حتى ما كان منها بالاتصال البصري» تراءى نارهما «ذلك أن هذا الأمر يفضي إلى ما قدمناه من الألفة والأنس به والتطبع على مقاربته، ويزيل من النفس الوحشة والنفرة من المشرك ومعاداته على سبيل المسارقة والتدرج، بل قد يفضي به إلى مودته لما قد يتصف به من حسن خُلُقٍ وطيب معشر وكرم جوار، وينبهر بما لديه من تقنية أو حرفة أو علم فيحبه لذلك، ولأجل هذا القرب وما تبعه من آثار غاب عنه منافرة المشرك وبغضه واستشعار حقيقة [إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ] (التوبة: ٢٨) . إذا ما علمت هذا تجلت لك الحكمة من قوله ﷺ :» لا تراءى نارهما «وما في ذلك من المبالغة في مباعدة المشرك وبغضه، ولهذا كان ﷺ يقرر ذلك في نفوس أصحابه فيقول لجرير بن عبد الله رضي الله عنه في بيعته، ويبايعه على» وتفارق المشرك «. ثم إلى إشراقة أخرى من أنوار الوحي فيما يرويه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم « [١٣] . فانظر إلى أثر التقارب على كلا الفريقين. قال ﷺ من حديث أبي مسعود ﵁:» والجفاء وغلظ القلوب في الفدَّادين عند أصول أذناب الإبل « [١٤] . قال الإمام النووي ﵀: وقوله:» عند أصول أذناب الإبل «معناه: الذين لهم جَلَبَةٌ وصياح عند سَوْقهم لها» [١٥] فما كان هذا حاله من الدواب كان حرياً بمن يتولى رعيها أن يتصف بالغلظة والجفاء المكتسب من طبع هذه الدواب بخلاف حال الغنم؛ إذ قال رسول الله ﷺ لأم هانئ: «اتخذي غنماً؛ فإنها تروح بخير وتغدو بخير» [١٦] وقال: «اتخذوا الغنم؛ فإنها بركة» [١٧] . فلما كان هذا حالها تروح بخير وتغدو بخير كان وصف أهلها «السكينة في أهل الشاء» [١٨] ومن أصيب بالغلظة والجفاء جديرٌ بأن يكون من أهل الفخر والخيلاء. فتدبر. ومع كلمات نيرات لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في التشبه بالكفار نجد فيها شاهداً لما نحن بصدده فيقول ﵀: «إن الله جَبَلَ ابن آدم بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم؛ ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة. وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعاً من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه؛ ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمَّالون والبغَّالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال وكذلك الكلاَّبون، وصار الحيوان الإنسي فيه من أخلاق الناس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة. وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جَرَّدَ الإسلام. والمشابهة في الهدي الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً. فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنية على وجه المسارقة والتدريج الخفي» [١٩] ، فانظر إلى تقريره ﵀ كيف تورث المشابهة والمشاكلة والمعاشرة المحبة والألفة وقلة النفرة، وهل المشابهة والمشاكلة والمعاشرة إلا وسيلة تقارب بين المتشابهين والمتشاكلين والمتعاشرين فكان الأثر مترتباً عليها؟ قال شيخ الإسلام ﵀: «إن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مِصْرهما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين، وذاك أن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة. بل لو اجتمع رجلان في سفر أو في بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب، ونحو ذلك، لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما. هذا كله موجب الطباع ومقتضاه إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص» . وتأمَّلْ صنيع البخاري ﵀ في صحيحه؛ حيث جعل في كتاب الإيمان باباً أسماه «باب من الدين الفرار من الفتن» ضمنه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خيرَ مال المسلم غنم يتبع بها شَعفَ الجبال ومواقع القَطْر، يفر بدينه من الفتن» [٢٠] . وبعد هذه الإضاءات من النصوص الشرعية أرجو أن يزول عنك العَجَبُ وتقف على مكمن الداء، وفي ضده يكون الدواء، ولله در شيخ الإسلام! فذلك كله موجب الطباع ومقتضاه. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 3524

قضايا دعوية مع القرآن دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء د. صلاح عبد الفتاح الخالدي تنتشر في هذه الأيام «مؤتمرات» عديدة، هنا وهناك، لما يسمى بوحدة الأديان، ويحضر هذه المؤتمرات مندوبون عن مختلف الأديان المنتشرة في العالم، سواء كانت أدياناً ذات أصل سماوي، أو أدياناً أرضية، كالبوذية والهندوسية، ويشارك في هذه المؤتمرات حاخامات يمثلون الديانة اليهودية، وقساوسة يمثلون الديانة النصرانية، كما يشارك فيها «مشايخ» رسميون يمثلون الإسلام. وتُعدُّ في هذه المؤتمرات أوراق عديدة، من قِبَلِ يهود أو نصارى أو مسلمين أو آخرين، وتُلقى محاضرات عديدة، وتعقد ندوات كثيرة، يؤكد المتحدثون فيها على «الأمور» المشتركة بين الديانات، ويطالبون بالتعاون والتنسيق بين أصحابها لتحقيق أهداف مشتركة للمشاركين والمتحدثين. بعض ما يجري في مؤتمرات الأديان: ويقدم ممثلو كل دين أنفسهم للمؤتمرين أنهم على حق وصواب، وأن دينهم الذي يدينون به دين صحيح مقبول عند الله، وأن أتباعه مؤمنون موحدون، وهم خالدون في الجنة في الآخرة، سواء كان ذلك الدين يهودية أو نصرانية أو هندوسية أو بوذية، أو قاديانية أو غير ذلك. ويتعامل المؤتمرون في هذه المؤتمرات مع «الإسلام» كما يتعاملون مع أي دين آخر على قدم المساواة، ويقولون: الإسلام حق وصواب، واليهودية حق وصواب، والنصرانية حق وصواب! ! ! ويوافق «المشايخ» المشاركون في هذه المؤتمرات على هذه الطروحات والأفكار، ويعلنون اعتراف الإسلام باليهودية والنصرانية، وأن هاتين الديانتين صحيحتان ربانيتان، وأن أتباعهما مؤمنون موحدون، وأنهم على صواب، وأنهم من أصحاب الجنة، وأنهم جميعاً «أبناء إبراهيم» ﵇! ويستشهد هؤلاء «المشايخ» وغيرهم من المسلمين المتحدثين في هذه المؤتمرات بآيات من القرآن، وبأحاديث رسول الله ﷺ ، في الحديث عن التوراة والإنجيل، والحديث عن موسى وعيسى وغيرهما عليهم الصلاة والسلام، والثناء على مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى! ! مشاركة بعض المسلمين فيها بسذاجة أو خبث: وبدايةً نقرر أن هذه المؤتمرات العالمية حول وحدة الأديان، وتعاون أتباعها لتحقيق السلام ومواجهة الإرهاب مؤتمرات مشبوهة يعدها ويرتب لها خبثاء ماكرون من اليهود والماسونيين والصليبيين لتحقيق أهداف اليهودية العالمية في السيطرة على العالم، واستغفال الآخرين وخداعهم. وليست المشكلة عند الذين يرتبون لهذه المؤتمرات من اليهود والماسونيين؛ فإنهم يحققون أهدافهم الشيطانية منها، وهم يخدمون شياطينهم ومخططاتهم في ذلك؛ ولكن المشكلة عندنا هي في أولئك «المشايخ» والكتاب والمفكرين المسلمين من ذوي الأسماء اللامعة، والمراكز العالية الذين يشاركون في هذه المؤتمرات، ويسمعون كلام ممثلي الأديان الأخرى، ويوافقونهم عليه، ويقبلون أن يتعاملوا مع الإسلام كما يتعاملون مع اليهودية والنصرانية على قدم المساواة والاعتراف! ! إنهم يشاركون في هذه المؤتمرات بسذاجة وغفلة وبلاهة، وبعضهم يعرف حقيقة أهداف القائمين عليها، ويوافقهم عليها، ويشارك فيها بخبث وسوء نية! والكلام الذي يقدمه هؤلاء المشايخ في المؤتمرات كلام باطل، وفهمهم للآيات والأحاديث التي يقدمونها خاطئ، وهم يحرفون معانيها، ويخرجون بها لتكون شاهدة لأهداف المؤتمرات الخبيثة! وعندما تناقش هؤلاء المشايخ والمفكرين المسلمين في أفكارهم، وتنتقدهم في مشاركاتهم يحتجون بآيات من القرآن، وفعل رسول الله ﷺ ، ويقولون: أليست آيات القرآن تدعونا إلى مجادلة أهل الكتاب ومحاورتهم؟ ألم يوجه القرآن الدعوة إلى أهل الكتاب؟ ألم يحاور رسول الله ﷺ أهل الكتاب؟ نقول لهم: نعم! لقد دعا القرآن إلى مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ولقد دعا القرآن أهل الكتاب إلى كلمة سواء، ولقد حاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، ودعاهم إلى اتباع الحق والدخول في الإسلام! لكن أين هذا مما أنتم تشاركون فيه وتدعون إليه؟ شتان! الرسول ﷺ يطبق دعوة القرآن إلى كلمة سواء: الدعوة الموجهة إلى أهل الكتاب للتفكير في كلمة سواء، دعوة قرآنية صريحة، لكنها دعوة لها شروط، لا بد من تحققها وإلا فقدت الدعوة معناها وهدفها، وكان القرآن دقيقاً في تحديد شروط الدعوة وأهدافها! ! قال الله : [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) وكان رسول الله ﷺ خير من طبق مفهوم هذه الآية، والتزم بشروطها عندما وجه الدعوة إلى أهل الكتاب، وبلَّغهم الإسلام، وأقام عليهم الحجة: في صيف السنة السابعة من الهجرة وبعد صلح الحديبية وجَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى حاكم أقوى دولة نصرانية وأكبرها «هرقل» زعيم الروم، وسجَّل في كتابه له هذه الآية، وطالبه بالدخول في الإسلام، وحمَّل رسولُ الله ﷺ كتابه الصحابيَّ «دحية بن خليفة الكلبي» ﵁ وكلفه بالذهاب إلى هرقل وتبليغه الدعوة! عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أرسل إلى هرقل كتاباً جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين.. و [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) » [١] . ولما وصلت الدعوة إلى هرقل أوشك أن يستجيب لها ويسلم، لكنه آثر ملكه وسلطانه فرفضها، وقد ذكر الإمام البخاري تفاصيل الحوار بينه وبين أبي سفيان حول ذلك. وذكرنا تفاصيل قصة هذا الكتاب الموجه لهرقل وماذا نتج عنه، في كتابنا «الرسول المبلِّغ ﷺ » [٢] . حقائق من كتاب الرسول إلى هرقل: ومن الواضح في نص كتاب الرسول ﷺ إلى هرقل أنه لا ينظر لدين هرقل النصراني على أنه «مساوٍ» للإسلام في الحق والصحة كما يفعل المشاركون في مؤتمرات الأديان وإنما اعتبر أن الإسلام وحده هو الحق والصواب، وأن النصرانية دين باطل منسوخ مردود، ولذلك لا بد أن يتخلى عنه أصحابه، ويتبعوا الإسلام. كان رسول الله ﷺ صريحاً في دعوة هرقل إلى الدخول في الإسلام: «أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم» . فإن لبى هرقل الدعوة ودخل في الإسلام فإن الله يؤتيه أجره مرتين وليس مرة واحدة: مرة لإيمانه بعيسى ابن مريم ﵇، ومرة لإيمانه بمحمد رسول الله ﷺ . وإن لبَّى الدعوة ودخل في الإسلام فإن شعبه وأتباعه سيتبعونه ويدخلون في الإسلام، وبذلك سيأجره الله على إسلامهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً. أما إن رفض الدعوة للدخول في الإسلام، وأصر على البقاء على «نصرانيته» فسيكون ضالاً كافراً خاسراً، وسيحمل إثم «الأريسيين» من شعبه وقومه، لأنه بكفره يكون قد صدهم عن الدخول في الإسلام! والأريسيون هم الرومان من أتباع «آريوس» الذي كان موحداً لله، ويرى أن عيسى ﵇ هو عبد الله ورسوله، وليس ابناً لله، فحاربه وحارب أتباعَه الرهبانُ الذين ألَّهوا عيسى ﵇! حقائق قرآنية من الدعوة إلى كلمة سواء: وعندما نمعن النظر في الآية موضوع الكلام، فإننا نأخذ منها ما يلي: -[قُلْ] (آل عمران: ٦٤) : هي «قل التلقينية» فالله هو الذي يلقن رسوله ﷺ هذا الكلام، ويأمره أن يقول هذا القول لأهل الكتاب، فالله هو الذي يوجه الدعوة إلى أهل الكتاب للدخول في الإسلام، والله هو الذي يحدد الشروط الضرورية لهذه الدعوة، وهذا معناه أن هذا الموضوع موضوع رباني، وليس اجتهاداً بشرياً خاضعاً لأهواء البشر، أو متأثراً بأهوائهم وتقلباتهم! - هذا الأمر [قُلْ] (آل عمران: ٦٤) ليس موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم وحده، وإنما يتعداه ليشمل كل مسلم من بعده، قادر على محاورة أهل الكتاب، ودعوتهم إلى الإيمان؛ لأنه من المعلوم أن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن خطاب لأمته، ما لم يقم دليل على تخصيص به. -[يَا أَهْلَ الكِتَابِ] (آل عمران: ٦٤) : المراد بأهل الكتاب في القرآن اليهود والنصارى فقط، وهذا المصطلح وقف عليهم. -[أَهْلَ الكِتَابِ] (آل عمران: ٦٤) لأن الله أنزل لكل طائفة منهم كتاباً؛ حيث أنزل التوراة على موسى ﵇ وأمر بني إسرائيل باتباعها، وأنزل الإنجيل على عيسى ﵇ وأمر النصارى باتباعه. ولكن اليهود لم يتبعوا كتاب الله التوراة، وإنما حرفوها وبدلوها فنسخها الله، والنصارى لم يتبعوا كتاب الله الإنجيل، وإنما حرفوه وبدلوه، فنسخه الله، ووصف الفريقين بالكفر في آيات صريحة في القرآن، منها قوله تعالى: [لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ] (البينة: ١) . المسلم يوجه الدعوة ويضع الخطة: -[تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ] (آل عمران: ٦٤) : يطلب رسول الله ﷺ من أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يأتوا إليه، للاتفاق على [كَلِمَةٍ سَوَاءٍ] (آل عمران: ٦٤) بينه وبينهم. وكونه هو الذي يوجه لهم الدعوة: [تَعَالَوْا] (آل عمران: ٦٤) يدل على أنه هو صاحب الأمر والنهي، وأنه هو الذي يقرر ويوجه ويخطط، وأنه هو الذي يضع الأهداف ويحدد الشروط والمواصفات، وأن اليهود والنصارى مدعوون للمشاركة والمجادلة والحوار، والالتزام بخطة صاحب الدعوة وبرنامجه. وهذا من صلاحية رسول الله ﷺ ، لأنه هو الذي على حق، ورسالته حق، ودينه حق، ودعوته حق، وهم على باطل، ولا بد أن يحاورهم ليقيم عليهم الحجة، ويتخلوا عما هم عليه من باطل، ويتبعوا ما معه من حق. وهذا ليس خاصاً برسول الله ﷺ ، وإنما ينسحب على كل إمامٍ سلطانٍ للمسلمين من بعده، وكل عالم أو مفكر أو داعية من بعده! فالأصل أن تصدر الدعوة إلى أهل الكتاب من المسلمين، وأن يضع برنامج المؤتمر المسلمون، وأن يعد الكلمات والمحاضرات المسلمون، بهدف الحوار والنقاش، وتقديم الإسلام الحق لأهل الكتاب! وهذا مفقود في مؤتمرات الأديان المشبوهة! ! والكلمة السواء هي الكلمة المستوية العادلة، ولن تكون مستوية عادلة إلا إذا انطلقت من الحق، والتزمت بالحق، وكان هدفها بيان الحق والاحتجاج له والبرهنة عليه، ونقد الباطل وتزييفه. شروط قرآنية ثلاثة للكلمة السواء: وقد فسرت الآية الكلمة السواء المقصودة من الدعوة تفسيراً محدداً، وذلك في قولها: [أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ ... ] (آل عمران: ٦٤) . الهدف من المؤتمرات الحوارية مع أهل الكتاب الالتزام بشروط ثلاثة، والخروج بنتائج ثلاثة: الأول: [أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ] (آل عمران: ٦٤) : عبادة الله وحده، وعدم عبادة مخلوق غيره، وهذا غير موجود عند اليهود والنصارى؛ فهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ولكنهم يعبدون معه غيره من أحبارهم ورهبانهم. الثاني: [وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً] (آل عمران: ٦٤) عدم الإشراك بالله، وعدم تأليه غيره من المخلوقين، وهذا موجود عند اليهود والنصارى؛ فاليهود يقولون: عزير ابن الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله، ويعبدون آلهة ثلاثة، يسمونها: «الأقانيم» الثلاثة الأب والابن والروح القدس وهذا شرك منهم بالله. الثالث: [وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] (آل عمران: ٦٤) : عدم الاعتراف بالربوبية لغير الله، وعدم قبول تشريع غير الله، وهذا غير موجود عند اليهود والنصارى؛ فهم يزعمون إيمانهم بالله رب العالمين، لكنهم مع ذلك يتخذون أرباباً غيره من أحبارهم ورهبانهم. وأخبرنا الله عن ذلك بقوله تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] (التوبة: ٣١) . المسلمون وحدهم هم الذين: لا يعبدون إلا الله، ولا يشركون به شيئاً، ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله. نتيجة المؤتمرات: الجهر بالإسلام وكفر غير المسلمين: وهدف مؤتمرات الحوار مع أهل الكتاب التي ينبغي أن يُعِدَّ لها المسلمون أنفسُهم تخلي اليهود والنصارى عن الشرك بالله وتأليه غير الله أو ربوبيته، وعبادة الله وحده، ولن يكون هذا إلا بتخليهم عن دينهم المحرف الباطل المنسوخ، والدخول في الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم. [فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) : تُقدِّم هذه الجملة من الآية الحل الصحيح للمسلمين المشاركين في مؤتمرات الحوار مع أهل الكتاب، فإن رفض أهل الكتاب قبول الأمور السابقة التوحيدية، وتولوا عن الحق، وأعرضوا عن الدعوة، وأصروا على يهوديتهم ونصرانيتهم فعلى المسلمين أن يكونوا صريحين معهم، وأن يخاطبوهم قائلين: [اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) . إنهم يجهرون بإسلامهم معتزين، وهذا معناه أنهم وحدهم المسلمون، وأن اليهود والنصارى ليسوا مسلمين، ومن ثَمَّ ليسوا موحدين لله، وليسوا على حق، وإنما هم كافرون، ومتبعون للباطل. هذا هو توجيه القرآن للمسلمين عندما يدعون أهل الكتاب إلى [كَلِمَةٍ سَوَاءٍ] (آل عمران: ٦٤) ، وهكذا فلتكن مشاركة المفكرين المسلمين في مؤتمرات الأديان، فإن لم تكن المشاركة هكذا على أساس توجيهات القرآن فلا تجوز، لأن المشاركين المسلمين حينئذ يكونون شهود زور! ! !

стр. 3525

قضايا دعوية أيها الدعاة.. الخطوة الأولى لم تتخذ بعد ! محمد بن عبد الرحمن الزامل النجاح في أي عمل، صغر أم كبر، مرتبط بشكل كبير بتوافر المعلومات عن مجال العمل ومكانه وزمانه، وليس من المبالغة حينما أشير إلى أن بعض الأعمال كان رأس مالها الحقيقي هو المعلومة. إذا كان هذا من المسلَّمات عند أصحاب الأعمال التجارية فإن مما يعتقده الدعاة أن عملهم ورسالتهم أنبل من الماديات وأرقى، وهي أهم وأبعد أثراً، وحاجة الناس إليها أشد، ومع ذلك فهم لا يحتفون بالمعلومة ولا يقيمون لها وزناً؟ ! وقد يكون هناك عدة أمور نستطيع بها تفسير ظاهرة العزوف عن دراسات المعلومات عند بعض الدعاة، ولكني أراها تُهَماً لهم قبل أن تكون تفسيرات؛ ولذلك فإني أدرك قسوة بعضها، لكن هذا لا يغني أبداً عن تسليط الأضواء عليها، حتى لو جهرت أعيننا الأضواء لبعض الوقت. أول هذه التفسيرات (الاتهامات) : أن بعض الدعاة - على الرغم من جهدهم العملي - لا يقلقهم حقاً عملية النجاح ولا تؤرقهم، كما لو كان الأمر متعلقاً بشأن من شؤون الدنيا. وانعدام هذا الشعور بالقلق «القلق الفاعل» يورث بلادة في الحركة ورتابة فيها، ويحولها إلى نوع من أداء مهمة صرفة ينجزها عامل لا يشعر بأي روح انتماء إلى مؤسسته التي يعمل بها. ثاني هذه التفسيرات (الاتهامات) : الفهم القاصر لمفهوم التوكل، ومفهوم الإيمان بالغيب، ومفهوم القدر، ولو قلنا بسلامة المفهوم فستبقى الإيحاءات الخاطئة التي تتركها بعض هذه المفاهيم في نفوس الدعاة، الإيحاءات الخاطئة التي سببُها الرئيس عدم تحويل هذه المفاهيم إلى واقع عملي يهدي طاقتها الإيحائية إلى الاتجاه الصحيح. فالإيمان بالقدر عند بعض الناس معناه عدم أهمية التخطيط والرصد، والتوكل على الله يوحي أحياناً بعدم قبول المقارنة بين الأعمال الدعوية، والأعمال ذات الطابع الدنيوي البحت.. والإيمان بالغيب يوحي أحياناً بتفاهة الدراسات المستقبلية، وهكذا، فإن المفهوم الصحيح نظرياً يتحول بانحراف إيحاءاته إلى قوى مثبطة غير فاعلة. ومن هذه التفسيرات ما يمكن وصفه بأن الدعاة يبقون بشراً، والإنسان لا يصنع نفسيته وطريقة تفكيره وشخصيته وحده، بل لمجتمعه المحيط أثر بالغ في ذلك، ومجتمعاتنا لم تعلمنا أهمية المعلومة، ولم تعلمنا كيف نتمكن من نقلها إلى الواقع، ولو فعلنا ذلك فإنا لم نتعلم كيف نحسن استغلال المعلومة والإفادة منها، والتأثير في عملية سيرها الفعلي. وحتى لا تنحدر الكلمات إلى مجرد تهويمات فإن أحد التحديات التي تواجهنا اليوم تحدي الانفتاح الإعلامي الذي أثار بيننا موجة عاصفة من الاستياء، فقد تحول هذا الاستياء من العمل إلى النهش من أطرافنا نحن بدل أن يكون له دور في المقاومة؛ فطاقتنا تحولت إلى مجرد ضجيج وتنديد مستمر، والنياحة المفرطة صارت تمارس عملية تهويل الانفتاح إلى وحش لا يقهر، ولو كنا أدركنا واقع قوله تعالى: [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ] (القصص: ٨٨) باعتباره مفهوماً شرعياً كما أدركناه نظرياً لعلمنا أنَّ ما من شيء إلا ويحمل في ذاته بذور هلاكه، فقط يبقى فصل البحث المعلوماتي عن هذه البذور، واستنبات بذور غيرها لعمل إعلامي هادف.

стр. 3526

فتاوى أعلام الموقعين المجلات الخليعة: دعوة للرذيلة وإشاعة للفاحشة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد: فقد أصيب المسلمون في هذا العصر بمحن عظيمة، وأحاطت بهم الفتن من كل جانب ووقع كثير من المسلمين فيها، وظهرت المنكرات، واستعلن الناس بالمعاصي بلا خوف ولا حياء، وسبب ذلك كله: التهاون بدين الله، وعدم تعظيم حدوده وشريعته، وغفلة كثير من المصلحين عن القيام بشرع الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنه لا خلاص للمسلمين ولا نجاة لهم من هذه المصائب والفتن إلا بالتوبة الصادقة إلى الله تعالى وتعظيم أوامره ونواهيه، والأخذ على أيدي السفهاء، وأَطْرِهم على الحق أَطْراً. وإن من أعظم الفتن التي ظهرت في عصرنا هذا ما يقوم به تجار الفساد وسماسرة الرذيلة ومحبو إشاعة الفاحشة في المؤمنين: من إصدار مجلات خبيثة تحادُّ الله ورسوله في أمره ونهيه، فتحمل بين صفحاتها أنواعاً من الصور العارية والوجوه الفاتنة المثيرة للشهوات، الجالبة للفساد، وقد ثبت بالاستقراء أن هذه المجلات مشتملة على أساليب عديدة في الدعاية إلى الفسوق والفجور وإثارة الشهوات وتفريغها فيما حرمه الله ورسوله، ومن ذلك أن فيها: ١ - الصور الفاتنة على أغلفة تلك المجلات وفي باطنها. ٢ - النساء في كامل زينتهن يحملن الفتنة ويغرين بها. ٣ - الأقوال الساقطة الماجنة، والكلمات المنظومة والمنثورة البعيدة عن الحياء والفضيلة، الهادمة للأخلاق المفسدة للأمة. ٤ - القصص الغرامية المخزية، وأخبار الممثلين والممثلات والراقصين والراقصات من الفاسقين والفاسقات. ٥ - في هذه المجلات الدعوة الصريحة إلى التبرج والسفور واختلاط الجنسين وتمزيق الحجاب. ٦ - عرض الألبسة الفاتنة الكاسية العارية على نساء المؤمنين لإغرائهن بالعري والخلاعة والتشبه بالبغايا والفاجرات. ٧ - في هذه المجلات العناق والضم والقبلات بين الرجال والنساء. ٨ - في هذه المجلات المقالات الملتهبة التي تثير موات الغريزة الجنسية في نفوس الشباب والشابات فتدفعهم بقوة ليسلكوا طريق الغواية والانحراف والوقوع في الفواحش والآثام والعشق والغرام. فكم شُغِفَ بهذه المجلات السامة من شباب وشابات فهلكوا بسببها وخرجوا عن حدود الفطرة والدين! ولقد غَيّرت هذه المجلات في أذهان كثير من الناس كثيراً من أحكام الشريعة ومبادئ الفطرة السليمة بسبب ما تبثه من مقالات ومطارحات. واستمرأ كثير من الناس المعاصي والفواحش وتعدي حدود الله بسبب الركون إلى هذه المجلات واستيلائها على عقولهم وأفكارهم. والحاصل: أن هذه المجلات قوامها التجارة بجسد المرأة التي أسعفها الشيطان بجميع أسباب الإغراء ووسائل الفتنة للوصول إلى: نشر الإباحية، وهتك الحرمات، وإفساد نساء المؤمنين، وتحويل المجتمعات الإسلامية إلى قطعان بهيمية لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً، ولا تقيم لشرع الله المطهر وزناً، ولا ترفع به رأساً؛ كما هو الحال في كثير من المجتمعات، بل وصل الأمر ببعضها إلى التمتع بالجنسين عن طريق العري الكامل فيما يسمونه (مُدُن العُراة) عياذاً بالله من انتكاس الفطرة والوقوع فيما حرمه الله ورسوله. هذا وإنه بناءاً على ما تقدم ذكره من واقع هذه المجلات ومعرفة آثارها وأهدافها السيئة وكثرة ما يرد إلى اللجنة من تذمر الغيورين من العلماء، وطلبة وعامة المسلمين من انتشار عرض هذه المجلات في المكتبات والبقالات والأسواق التجارية فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ترى ما يلي: أولاً: يحرم إصدار مثل هذه المجلات الهابطة سواء كانت مجلات عامة، أو خاصة بالأزياء النسائية، ومن فعل ذلك فله نصيب من قول الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] (النور: ١٩) . ثانياً: يحرم العمل في هذه المجلات على أي وجه كان سواء كان العمل في إدارتها أو تحريرها أو طباعتها أو توزيعها؛ لأن ذلك من الإعانة على الإثم والباطل والفساد. والله جل وعلا يقول: [وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ] (المائدة: ٢) . ثالثاً: تحرم الدعاية لهذه المجلات وترويجها بأية وسيلة؛ لأن ذلك من الدلالة على الشر والدعوة إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» أخرجه مسلم في صحيحه. رابعاً: يحرم بيع هذه المجلات، والكسب الحاصل من ورائها كسب حرام، ومن وقع في شيء من ذلك وجب عليه التوبة إلى الله تعالى والتخلص من هذا الكسب الخبيث. خامساً: يحرم على المسلم شراء هذه المجلات واقتناؤها لما فيها من الفتنة والمنكرات، كما أن في شرائها تقوية لنفوذ أصحاب هذه المجلات ورفعاً لرصيدهم المالي وتشجيعاً لهم على الإنتاج والترويج. وعلى المسلم أيضاً أن يحذر من تمكين أهل بيته ذكوراً وإناثاً من هذه المجلات حفظاً لهم من الفتنة والافتتان بها. وليعلم المسلم أنه راعٍ ومسؤول عن رعيته يوم القيامة. سادساً: على المسلم أن يغض بصره عن النظر في تلك المجلات الفاسدة طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وبعداً عن الفتنة ومواقعها. وعلى الإنسان ألا يدَّعي العصمة لنفسه؛ فقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء! فمن تعلق بما في تلك المجلات من صور وغيرها أفسدت عليه قلبه وحياته وصرفته إلى ما لا ينفعه في دنياه وآخرته؛ لأن صلاح القلب وحياته إنما هو في التعلق بالله ﷻ وعبادته وحلاوة مناجاته والإخلاص له وامتلائه بحبه سبحانه. سابعاً: يجب على من ولاَّه الله على أي من بلاد الإسلام أن ينصح للمسلمين وأن يجنبهم الفساد وأهلَه، ويباعدهم عن كل ما يضرهم في دينهم ودنياهم؛ ومن ذلك منع هذه المجلات المفسدة من النشر والتوزيع وكف شرها عنهم؛ وهذا من نصر الله ودينه ومن أسباب الفلاح والنجاح والتمكين في الأرض كما قال الله سبحانه: [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] (الحج: ٤٠-٤١) . والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عضو ... ... ... ... ... ... ... الرئيس عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ ... ... عضو ... ... ... ... ... ... ... عضو بكر بن عبد الله أبو زيد ... ... صالح بن فوزان الفوزان الرقم: ٢١٢٩٨ التاريخ: ٢١/١/١٤٢١هـ

стр. 3527

إصدارات تتوالى الإصدارات الحديثة حاملة بين طياتها الجديد في عالم الدراسات الإسلامية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها. ورغبةً منَّا في إطلاع قراء البيان على ما يتيسر لنا من هذه المطبوعات الجديدة التي نرى فيها الفائدة لقارئها ... سيكون لنا بإذن الله وقفات مع بعض تلك الإصدارات بين عدد وآخر، والله الموفق. * شرح صحيح البخاري، لابن بطال أبي الحسين علي بن خلف بن عبد الملك، تعليق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد بالرياض، ١٤٢٠هـ (عشرة مجلدات) . من أقدم شروح الصحيح، حوى كثيراً من أقوال السلف ومذاهبهم، واعتنى بآثار الصحابة والتابعين، وأكثر النقل عن الإمام مالك وأصحابه، حتى صار مرجعاً فيه. وكثيراً ما ينقل عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري. * تجديد الوعي، أ. د. عبد الكريم بكار، دارالمسلم، ١٤٢١هـ. حلقة ثانية في سلسلة (الرحلة إلى الذات) ، كانت أولاها (فصول في التفكير الموضوعي) ، فبعد أن يعرف المرء وضع الأمور في نصابها الصحيح بتجرده عن مغريات الهوى وتهويمات الظنون يضحي لزاماً عليه أن ينظر في آليات استيعابه للواقع وفي تنظيم ردود فعله عليه. * العولمة وخصائص دار الإسلام ودار الكفر دراسة فقهية مقارنة، د. عابد بن محمد السفياني، دار الفضيلة بالرياض، ١٤٢١هـ (جزء من رسالة دكتوراه) . في ظل الدعوة المسعورة إلى إدخال العالم بأسره تحت منظومة واحدة فكرية وثقافية وتشريعية كفرية بلا شك نجد في ثنايا الكتاب دراسةً جادة عن كلٍ من: دار الإسلام ودار الكفر، وخصائص كلٍ منهما، وبياناً لخصائص الأمة، وحكم اندماجها في (النظام العالمي الجديد) . * الدوحة النبوية الشريفة، دراسة موثقة في السيرة النبوية والذرية الطاهرة، أ. د. فاروق حمادة، دار القلم بدمشق، ١٤٢٠هـ. لا يتم الإيمان إلا بتحقيق المحبة الصادقة الشرعية للنبي الكريم وذريته الطاهرة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ومما يحقق المحبة: المعرفة بسيرهم العطرة من طرقها الثابتة الصحيحة. وهذا موضوع الكتاب الذي جمع مؤلفه مشكوراً مادته من وثيق المصادر، مع التحقيق والتنقيح فيما يتصل بالكمال النبوي حساً ومعنى، وما يتعلق بسيرة أولاده والسبطيْن (الحسن والحسين) ﵃، وختم بسيرة مختصرة للأئمة الاثني عشر وما لهم من المرويات في كتب السنة النبوية، كل هذا في وقت عظم فيه الكذب والافتراء على العترة الطاهرة ادعاءاً لمحبتهم! * موسوعة المرأة المسلمة المعاصرة، تأليف د. عبد الرب نواب الدين الأستاذ المشارك في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، دار العاصمة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ، ٢٠٠٠م. وهي دراسة علمية يتناول فيها الباحث حقوق المرأة المسلمة وواجباتها وحرياتها وأخلاقها وحياتها العامة والخاصة، ودورها في المجتمع والأسرة. صدر المجلد الأول منها عن دار العاصمة بالرياض، فجاء حاوياً ومتتبعاً للآيات القرآنية التي تضمنت أحكام النساء وما يتعلق بها على ضوء أقوال المفسرين المعتبرين، فيورد الآية ويفسرها من باب تفسير القرآن بالقرآن مع التعقيب على ذلك بصحيح السنة؛ متوخياً الأقوال المعتبرة للعلماء مع الميل لاختيارات مذهب الإمام أحمد ومدرسته السلفية التي تبناها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والعلماء الأثبات غيرهم؛ حيث يتوقف عند الآية ويستهدي بهديها وهو ضرب من التفسير الموضوعي في أكثره وإن كان يخالف ما عرف عن هذا الضرب من التفسير الذي يقوم على جمع الآيات القرآنية الواردة في موضوع واحد ثم التفريع عليه والاستنباط منه، وذلك بتتبع المؤلف الآيات القرآنية التي جاءت في أحكام النساء وما يتعلق بهن جاعلاً استنباطه من معطيات كل آية في موضعها كما أنه لم ينأ عن عرض القضايا والشبهات المثارة في عصرنا حول المرأة ومكانتها والرد عليها. والكتاب يتسم بحسن العرض وسهولة الأسلوب وغزارة الماد. * حراسة الفضيلة للشيخ العلاَّمة بكر بن عبد الله أبو زيد، نشر دار العاصمة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ. من آخر عطاءات العلاَّمة المحقق الشيخ بكر أبو زيد هذا الكتاب القيم الذي جاء في وقته وهو كما قال عنه المؤلف: هو رسالة تثبيت النساء المؤمنات على الفضيلة وكشف دعاوى المستغربين في نشر الرذيلة، وهو خلاصة استخلصها من نحو مئتي كتاب ورسالة ومقالة عن المرأة فضلاً عن كتب التفسير والحديث والفقه. والكتاب فصلان: الأول في عشرة أصول منها: وجوب الإيمان بالفوارق من الرجل والمرأة، وحجاب المرأة، والاختلاط محرم شرعاً، والزواج تاج الفضيلة، ووجوب الغيرة على المحارم وعلى نساء المؤمنين. والفصل الثاني: كشف فيه المؤلف دعاة المرأة إلى الرذيلة وخطتهم في إشاعتها في الحياة عن طريق الإعلام والتعليم والتوظيف للمرأة بلا استثناء. وهذا شر مستطير. ثم سلط الضوء على تلك الجهود المشبوهة ممن يثيرون هذه المسائل بدعوى نصرة المرأة؛ وهم يعملون لإفسادها وإضلالها. * المؤامرة الكبرى على بلاد الشام دراسة تحليلية للنصف الأول من القرن العشرين، إعداد: محمد فاروق الخالدي، دار الراوي بالدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ (٥٧٢ صفحة من القطع الكبير) . يأتي الكتاب في خمسة أبواب، الأول: خصص للحديث عن فضائل بلاد الشام ومناقب أهلها والدور المنتظر لهم، الثاني: تكلم فيه عن عوامل سقوط الدولة العثمانية، ودور السلطان عبد الحميد في الدفاع عن فلسطين، الباب الثالث: رصد لعناصر المؤامرة الكبرى ممثلة في دور الحركة الطورانية ورد فعل الحركات القومية عند العرب، ثم ثورة الشريف حسين وما كان وراء ذلك، أما الباب الرابع: فتحدث عن الحصاد المر للتحالف مع الإنجليز، ومن ذلك احتلال دمشق وبيروت. ويأتي الباب الخامس: ليتحدث عن الانتداب الاستعماري: مرحلة تقسيم بلاد الشام وتجزئتها بين الإنجليز والفرنسيين، وإنشاء إمارة في شرقي الأردن، وتهويد فلسطين.

стр. 3528

قراءة في كتاب الإسلام وخرافة المواجهة الدين والسياسة في الشرق الأوسط المؤلف: فريد هاليداي [*] تلخيص: خليفة البلة إسماعيل الاستشراق ونقاده: تحدَّث كثير من الكتاب والباحثين الغربيين عن العالم الإسلامي ديناً وشعوباً وفكراً من منطلقات مختلفة، ومن هذه الدراسات الأخيرة هذا الكتاب لمؤلفه: (فريد هاليداي) الذي تطرق في فصله الأول إلى: الشرق الأوسط والسياسة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، فأكد على أنه أكثر المناطق اضطراباً في العالم الثالث، ودلل على ذلك بالأزمات التي حدثت بعد تلك الحرب حتى الآن، كما أكد على خصوصيته، وذلك باعتباره منطقة يسودها الإسلام، وأن الطريقة الوحيدة لفهم مجتمعاته هي تحليل الإسلام ومعرفته. وأكد على أن الديمقراطية بكل أشكالها ليست ممكنة في بلدانه. واقترح حلاً لهذه المشكلة من خلال حجتين هما: ١ - أن المقولات المستخدمة لوصف هذه المجتمعات يجب أن تكون نوعية منبثقة من هذه المنطقة. ٢ - لا يمكن فهم خصوصيات الشرق الأوسط المعاصر إلا على ضوء التكوين التاريخي لمجتمعات المنطقة وسياساتها. وتطرق للمحددات الخارجية والداخلية للنزاعات في الشرق الأوسط، فعزى أسباب اندلاعها في رأيه إلى الإسلام و (النفوذ السوفييتي السابق) والإمبريالية، أي أن أسباب النزاعات ترجع إلى عوامل داخلية وخارجية. وعادة ما يستبعد العوامل الخارجية باعتبارها أسباباً رئيسة لاندلاع النزاعات في الشرق الأوسط. ثم تطرق إلى التكوين التاريخي للشرق الأوسط من حيث عدد دوله وسكانه وموقعه المتاخم لأوروبا، وهو ما جسد العداء بينهما منذ القدم؛ حيث اتخذ أشكالاً عدة: عسكرية واقتصادية، وأيديولوجية، واستراتيجية. وفي هذا الإطار تحدث عن الهجمة الاستعمارية على دول المنطقة وتقسيمها مستعمرات للدول الأوروبية؛ حيث كانت الأهمية الاستراتيجية تلعب دوراً كبيراً في البداية ثم الأهمية الاقتصادية لدول المنطقة، هذا الجو أدى إلى مقاومة شعوب المنطقة للاستعمار، وبخاصة بعد الاستيطان اليهودي في فلسطين. وبدأت شعوب المنطقة تصارع المستعمر حتى نالت استقلالها واحدة تلو الأخرى، ولكن مع ذلك ظل الصراع بعد الاستقلال، وهو ما يمكن القول معه: إن الشرق الأوسط قد خضع لسيطرة الغرب الرأسمالي المباشر وغير المباشر مما ولد سمات الكراهية للغرب. كما أكد على تشابه التكوين التاريخي للمنطقة في فترة ما قبل الاستقلال وبعدها من حيث الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمشكلات التي تواجه دوله. أما في الفصل الثاني: فقد تحدث عن الثورة الإيرانية من منظور مقارن، وذلك لاختبار الحجة التي صاغها في الفصل الأول والتي تقول: إن تطور سياسات المنطقة لا يمكن تفسيره إلا بالرجوع إلى الإسلام. ولاختبار ذلك أكد على إنجازات تلك الثورة باسم الدين، إلا أنه قال برجعيتها لأنها ترفض الحداثة، أي أنها ترفض حسبما ذكر التاريخ والتقدم وتحسين الظروف المادية والسيادة الديمقراطية. وأكد على أنها أول ثورة معاصرة ذات اتجاه ديني. ثم تطرَّق إلى مسارها من المعارضة حتى الاستيلاء على السلطة من الشاه، وإعلان إيران جمهورية إسلامية. وقد عزى أسباب قيام الثورة إلى خمسة أسباب هي: ١ - تنمية اقتصادية سريعة وغير متوازنة. ٢ - ضعف الحكومة الشاهنشاهية السياسي. ٣ - الائتلاف الواسع لقوى المعارضة. ٤ - دور الدين الإسلامي التعبوي. ٥ - السياق الدولي المتناقض. وبذلك يؤكد على أن الثورة لم تكن دينية لأن العوامل التي مكنت علماء الدين من تحدي الشاه كانت كما ذكر عوامل علمانية، كما أكد كذلك على أن الثورة كان لها أثر واضح في تردي الأوضاع الاقتصادية في إيران، وأدت إلى الحرب مع العراق. وأشار إلى أن الأبعاد الاقتصادية والسياسية والدولية شكلت قيوداً على إقامة جمهورية إسلامية. وأكد على أن الثورة على الرغم من أنها كانت تنكر وترفض الاعتبارات الاجتماعية المادية إلا أنها انهارت بسببها. أما في الفصل الثالث: فقد تطرق إلى حرب الخليج الثانية؛ حيث اعتبرها من أهم الأزمات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. وأشار إلى أنه لم يكن للإسلام دور كبير في أصول النزاع أو مساره أو حصيلته. ثم قدم استعراضاً تاريخياً لسيناريو الحرب حتى تحرير الكويت بواسطة القوات الدولية، مشيراً إلى أهداف الحرب، ومستبعداً صلة الحرب بالنظام العالمي الجديد وهو ما يعني اتفاق المعسكرين على حل المنازعات الدولية التي كانت تشكل مثار خلاف بينهما. ولكنه أكد على أن هذا المعنى لا يتسق مع خصائص النظام العالمي الجديد الذي سقط أحد أقطابه الاتحاد السوفييتي ونفى الحكم العام الذي يؤكد على هيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي الجديد، ودلل على ذلك برفض الرأي العام الأمريكي والكونجرس للدور الأمريكي في الحرب. إلا أنه قد أشار إلى استخلاص عام طُرح من بعض الكتاب تمثل في أن الحرب هي بداية نزاع عالمي جديد ومتجدد بين الإسلام والغرب، ولكنه نفى ذلك الطرح. وأشار إلى أن الحرب ليست جديدة في موضوعها، ولكنها جديدة فيما خلفته من ائتلاف بين دول عربية وأوروبية وأمريكية في الحرب. ولكن هذه الحرب لم تحقق أهدافها؛ حيث لم يسقط صدام، كما أنها لم تؤثر على مسار المفاوضات بين الفلسطينيين و «إسرائيل» بسبب موقفهم مع صدام. وتطرق إلى تحليل الحرب وتقييمها؛ وذلك من خلال أربع قضايا رئيسة وهي: ١ - أسباب التدخل العراقي. ٢ - قضية البدائل الدبلوماسية للحرب في فترة الشهور الخمسة الفاصلة. ٣ - طبيعة الحرب التي نشبت. ٤ - سياسة الحلفاء تجاه العراق بعد الحرب. وقد أكد على أهم سمة لهذه الحرب تمثلت في شكل التدخل العسكري والسياسي الذي فرض على العراق في أعقابها. وتطرق إلى قضايا في تحليل العلاقات الدولية، فتحدث عن القضايا التحليلية والقضايا المعيارية أو الأخلاقية التي تطرحها الحرب، وبيَّن أن الآراء اختلفت في هذه القضايا؛ حيث جاءت متمشية مع المواقف الأخلاقية. أما في الفصل الرابع: فقد تساءل: هل ثمة خطر للإسلام أم خطر على الإسلام؟ وللإجابة على هذا السؤال حاول شرح النزاع بين العالم الإسلامي والعالم الأوروبي النصراني؛ حيث يرى بعض الساسة الأوروبيين أن الإسلام يشكل خطراً عليهم، ويرى بعض الإسلاميين أن الغرب يشكل خطراً على الإسلام منذ القدم، كما أن انتهاء الحرب الباردة يستدعي النزاع بين الغرب والإسلام، وبرهنوا على ذلك بحرب الخليج الأخيرة، وأكد على أن كون الإسلام يشكل خطراً على الغرب فهذه خرافة؛ لأنه ليس في مقدوره ذلك لعدم توحده، كما أنه ترتبط بعض أجزائه بمصالح بالغرب، لذلك كثيراً ما حاربت دوله بعضها بعضاً. ونفى أن يكون الإسلام هو العدو للغرب بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ولكنه مع ذلك أكد بأن الغرب يمثل قوة توسعية تسعى للسيطرة على الآخرين وإجبارهم على اتباع الديمقراطية الغربية، وذلك في نظرنا حتى تتحقق لهم مطالبهم التي يريدونها، وأشار إلى أن الإسلام لا ينشأ عنه مجموعة واحدة من المبادئ السياسية أو الاجتماعية وبخاصة في قضيتين رئيستين للجدال المعاصر هما: ١ - قضية الهوية والعرقية. ٢ - قضية الديمقراطية. وقد أكد على أن عملية فصل الدين عن الدولة قد رفضها الإسلام بجميع مذاهبه وأشكاله. وتطرق كذلك إلى الجاليات الإسلامية في العالم الغربي، وذكَّر بأنها على الرغم من اختلافها في الأصل وبلد الإقامة إلا أنها تجمعها خصائص مشتركة، وأشار إلى أن دراسة هذه الجاليات يجب أن لا تقوم على سوسيولوجيا الدين وحدها، وإنما يجب أن تتضمن سوسيولوجيا التفاعل بين الدين والقوى العرقية والثقافية والسياسية الأخرى. وتطرق إلى النزاع الذي تم حول كتاب (آيات شيطانية) للكاتب البريطاني سلمان رشدي، والذي أثار غضب المسلمين في بريطانيا وفي جميع أنحاء العالم. وقد أكد على أن المشكلات بين الإسلام والغرب على الرغم من إرجاعها إلى الدين إلا أنها ستستمر بدونه، ولكنها تجد تعبيراً أقوى بالدين. ويرى أن الحل الوحيد هو تنافس العالم الإسلامي والعالم الغربي في المجال الاقتصادي والعسكري الذي يشكل بصورة متزايدة أساس النزاع الدولي في أواخر القرن العشرين، وبالإضافة إلى ذلك دعا أوروبا الغربية أن تضع سياسة متوازنة ذات جانبين إزاء القضايا التي يلخصها تعبير الإسلام وهما: ١ - ينبغي أن يكون هناك وعي أكبر وعداء أكبر للعنصرية والتحيزات العرقية والدينية العامة الموجهة ضد المهاجرين المسلمين في المجتمعات الأوروبية، وتجاه البلدان الإسلامية في الخارج. ٢ - أن يرسم الغرب سياسة طويلة الأجل للتفاعل مع هذه البلدان ترمي إلى مساعدتها في طريق التنمية. أما في الفصل الخامس: فقد تطرق الكاتب إلى موضوع حقوق الإنسان والشرق الأوسط؛ حيث أشار إلى أن الإسلام يتناول الحياة ومشكلاتها بصورة كلية. واحتلت البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط في الجدال الدولي حول حقوق الإنسان مكاناً عاماً وخاصاً؛ فهي من ناحية تعتنق أفكاراً تتقاسمها مع بلدان العالم الأخرى، ومن ناحية خاصة حددت موقفاً من حقوق الإنسان مستمداً من الطابع الديني الخاص لمجتمعاتها ومعتقداتها. وقد أورد الكاتب أنواعاً من التفسيرات للعلاقة الصحيحة بين الإسلام بوصفه ديناً وقضية حقوق الإنسان، وحدد أربع استجابات أو مواضيع متميزة من داخل (الخطاب الإسلامي) ، ونهجاً آخر خامساً يمثل (الخطاب السياسي) وهي: ١ - الاستيعاب: والذي يعني إنكار النزاع الجوهري بين الإسلام والمفهوم الدولي عن حقوق الإنسان. فالإسلام والقانون الإسلامي مستوفيان للمعايير الدولية، بل إن القوانين الدولية جزء ضئيل من الإسلام. ٢ - التملك: ويقصد به أن الدول الإسلامية تحترم حقوق الإنسان وتطبقها بدرجة أكبر من المجتمعات الأخرى. ٣ - الخصوصية: وتتمثل في النوعية الثقافية والتاريخية لهذه المجتمعات؛ فإن الدول الإسلامية لا تنكر حقاً مَّا إلا أنها تقول: إن هذا غير ملائم عندنا. ٤ - المواجهة: وقد حدثت مع الغرب وذلك برفض الإسلاميين مفاهيم القانون العلماني الذي أرسته الدول الاستعمارية. وأكدوا على أن الشريعة هي أساس كل تشريع في العالم المعاصر. ٥ - عدم التوافق بين التقاليد والقوانين الإسلامية مع القوانين المعترف بها دولياً. وأشار إلى أن الحقوق لا يمكن أن تُرسى إلا في سياق يُستبعَد فيه الدين من الحياة العامة. ويؤكد الكاتب على أن الأساس الوحيد لمفهوم حقوق الإنسان هو الاستنباط العلماني من القانون الطبيعي الذي يرتكز عليه (الخطاب الفرانكو أمريكي) في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما تبعه من صكوك. ويرى أن أي محاولة لتطوير حقوق الإنسان في العالم الإسلامي محكوم عليها بالإخفاق، لذلك يقول: الرد الوحيد على ذلك هو الانتظار لسنوات طويلة لكي تتحول المجتمعات المسلمة إلى العلمانية. وعلى هذا الأساس يرى أن المدونات الدولية لحقوق الإنسان تعتبر كلية، أما القوانين الإسلامية فما هي إلا جزء منها أي أنها نسبية، ولكن العكس صحيح. أما العالم الإسلامي فإنه يرى أن هذه الدول على الرغم من أنها صاغت حقوق الإنسان وحاولت إملاءها على الآخرين إلا أنها كثيراً ما انتهكتها هي نفسها، وذلك من خلال تعاملها مع القضايا الدولية بمعايير مزدوجة، وبمعنى أدق: أن العالم الإسلامي يرى أن الغرب يستغل عملية حقوق الإنسان لأغراض سياسية. وفي ختام هذا الموضوع أكد الكاتب على أنه لا يمكن الوصول إلى صيغة دولية تلتزم بها الدول الإسلامية بالنسبة لحقوق الإنسان، ولكن رغم التشاؤم فإنه دعا إلى التعامل مع بعض الذين يقبلون الاتفاقات والممارسات الدولية عن حقوق الإنسان في العالم المسلم؛ لأن ذلك سوف يعزز العلمانية، ولأنه يرى أن الإسلام لا يوفر في زعمه قدراً كافياً لحقوق الإنسان. أما في الفصل السادس: فقد تطرق إلى العداء للمسلمين والسياسة المعاصرة؛ حيث أكد على أن الغرب يرى أن الإسلام يشكل خطراً على المجتمع الأوروبي، وخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وانعكس ذلك على المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الأوروبية. ومسألة العداء للمسلمين قديمة وتعود إلى القرن السابع، ولكن لماذا ظهرت في الوقت الحاضر؟ فقد أشار في هذا الإطار إلى الاعتقاد الشائع بين المسلمين الذي يرى أن العداء سمة قديمة ومستمرة. ويرى آخرون أن العالم الإسلامي هو العدواني، ومن ثَمَّ يستحق ما أنتجه من معارضة. ولكنه أكد على نقطة مهمة وهي أن الدول الإسلامية لم تمثل تهديداً استراتيجياً للغرب منذ القرن السابع عشر، ويرى أن القضايا الكامنة خلف الاضطراب الحالي هي قضايا التنمية والتغيير السياسي. وقد عدد الكاتب بعض الدول المعادية للإسلام قديماً وحديثاً، فذكر صربيا واليونان وبلغاريا والهند وأوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل، حيث ارتبط العداء بزعمه بقضايا أخرى: كالإرهاب، وقهر المرأة، والعرقية واللون، والنزاعات بين الطوائف، والفساد الإداري والنزاع بين الدول وغيرها. ويتوقف إلى حدٍ كبير على تقدم هذه العمليات والنزاعات الأخرى. أما في الفصل السابع: وهو الخاتمة: فتحدث عن الاستشراق ونقاده؛ حيث اعتبره من أكثر القضايا إثارة للجدال في تحليل الشرق الأوسط المعاصر، إلا أنه تحول إلى الجدال حول الإسلام، وخاصة في فترة الستينيات؛ حيث ظهرت كتابات انتقدت الأفكار الأوروبية عن الشرق الأوسط من مفكرين يساريين أو ممن ينتمون إلى الشرق الأوسط أمثال: مكسيم ردونسون، وإدوار سعيد الذي أصدر كتاباً عن الاستشراق عام ١٩٧٨م قدم فيه نقداً شاملاً للكتابات الغربية عن الشرق الأوسط يمتد من القرن الثامن عشر حتى الوقت الحالي، ويشمل جميع نواحي الحياة، وقد انتقد سعيد كتابات ميشيل فوكو الذي أنكر ثقافة الشعوب الخاضعة وتاريخها، وتجاهل عملية المقاومة التي قدمتها، ومن ثَمَّ يدعو مشروعه للسيطرة أو الإمبريالية. ومن الكتَّاب الذين كتبوا عن المنطقة برنارد لويس الذي دعا إلى نهج يندرج في فئة الاستشراق. وقد وجد كل من سعيد ولويس مناصرين لأفكارهما. وأشار المؤلف أن هناك قضايا عامة تحثُّ الباحثين في الغرب على الكتابة عن الشرق الأوسط وهي: (اللغة الدين الإسلامي التغير التاريخي على التوالي. أي: استحالة التغير في اتجاه ليبرالي وعلماني بالنسبة للمنطقة) . وقام بنقد كتاب إدوار سعيد عن (الاستشراق) ؛ حيث أكد أن هناك عدداً من المسائل عجز سعيد عن حلها، ولذلك عدَّد أربع مسائل تسمح بوجه خاص بالاختلاف وهي: ١ - الاختلاف حول تعبير الاستشراق نفسه. ٢ - غموض مقولة الشرق. ٣ - الاختلاف فيما يطرحه سعيد من افتراض منهجي عن العلاقة بين منشأ الأفكار وصحتها، فهو يوحي بأنها أُنتِجَتْ في سياق من السيطرة الغربية ولخدمتها. ٤ - أن سعيداً لم يحلل أفكار الشرق الأوسط ذاته وأيديولوجياته. وقد أنهى الكاتب كتابه بنداء قال فيه: دعونا لنمضي إلى أبعد من هذا الجدال المستقطب دون ضرورة والفقير منهجياً في بعض النواحي، ولنواصل مهمة دراسة المجتمعات من خلال شعار يمكن السعي وراءه وهو قوله تعالى: [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا] (الحجرات: ١٣) .

стр. 3529

نص شعري براءة الليل محمد محمد صديق قال رسول الله ﷺ : «لا تسبوا الدهر، فإنّ الله هو الدهر» [١] . رحل الهوى وتشتت الفكْرُ ... والهمُّ ممتلئٌ به الصدْرُ والكونُ أطفأ نورَ شمعته ... فأطلّ من إغفائه البدْرُ صمتٌ سَرى في كل ناحيةٍ ... لا نَسمةٌ هبّتْ ولا صِرُّ همٌّ تسرّبَ في وريدِ دمي ... فغدتْ به الأعماقُ تغترُّ كُتبَتْ على صفحاتِ ذاكرتي ... جملُ الكآبةِ، فانْزوى البِشْرُ وخواطري أمستْ على شفتي ... لحنَ الأسى ليصوغه الشِعْرُ لحنٌ تردّد في مخيِّلتي ... حتّى انقضى من ليلي الشّطْرُ بالليل أقلامي معي سهِرتْ ... أرقًا، وملءُ إداوتي حِبْرُ الهمُّ أغرقَ كل أوديتي ... وجرى من استغراقه نهْرُ وَوُرودُ روضي كلُّها ذبلتْ ... قد زال عنها الحسنُ والعِطْرُ عصفورتي يا ليلُ ساهمةٌ ... في العشِّ تقبعُ، حولها الذُّعْرُ كلُّ الهموم بظلّكَ اجتمعتْ ... يا ليلُ! فيكَ مشاعري جَمْرُ هل آخذٌ بيديك ناصيتي؟ ... أم منكَ يأتي النهيُ والأمرُ! يا ليلُ! فلترحلْ على عجلٍ ... فعسى يطيب بِبُعدك الدّهْرُ ما دمتَ بالظّلماءِ متّشِحاً ... يغتالُ كلَّ خصالكَ الغدْرُ في حينها هبّتْ نسائمُه ... ورنا بطرفٍ ملؤه ثأْرُ في صوته المبحوحِ فَهْفَهةٌ ... كنواحِ طيرٍ هدّه الأسْرُ مهلاً! إليكَ الآن أجوبتيْ ... وإليَّ من ديواننا شِعْرُ حرُّ الحقيقة لا مداهنةً ... إن الحقيقةَ طعمُها مُرُّ صوّبتَ نحوي سْهمَ منتقدٍ ... وبراءتي في أرضكم جِذْرُ لغةُ الأسى للفعل ترجمةٌ ... ولشرحِ ما اقترفتْ يدٌ ثَغْرُ فدعِ التَّسَخُّطَ دونما أسفٍ ... ولْيمضِ عن أنفاسك الزّفرُ أجران إن تنل الصوابَ، وإن ... أخطأت ينقص منهما أجرُ أمسى يلاطفني على ثقةٍ ... أنْ لاح في حسبانه النّصرُ فطوى بساطَ ظلامه ومضى ... والنور شعشع وانبرى الفجْرُ

стр. 3530

نص شعري بلعام [*] .. عاد من جديد عبد الحميد بن سالم الجهني عاد بَلْعامُ بْنُ باعورَ على ... فترةٍ يصرخ: أين الأنبياءْ أتراهم أخلدوا للأرض أم ... فارقوا الدنيا وساروا للسماءْ لاهثاً كالكلب في آثارهِ ... مِزَعٌ من علمه كانت نجاء [١] وإذا الشيطان يتبعه وقد ... تبع الدنيا وأهواء الشقاءْ عدت يا بلعام مسعوراً كما ... كنتَ من قبلُ تَؤمُّ الأدعياءْ عدت يا بلعام ها قد عدت في ... ثوب قسٍ ماجنٍ كلَّ مساءْ يجمع الناس على شقوته ... بعد أن دُكَّتْ صواميع الرياءْ ومضى يدعو إلى عَلْمَنَةٍ ... خلط الإنجيل فيها بالهُراءْ لاعقاً في كل عام بعد أن ... يترك القُدَّاس سُوق الأغنياء [٢] لعنة الآثام في أَنْفاسهم ... وتراهم في ثياب الأتقياءْ عدت يا بلعام ها قد عدت في ... طيلسانٍ تَنْتَشِي فيه الدماءْ يقتل الفجر إذا ما وقعتْ ... عينهُ في عين أطفال الإِباءْ يرسل الحزن إلى أكواخهم ... شبحاً يَقْصِفُ وَرْد الأبرياءْ رقصتْ عندك (راحيلُ) على ... منبر الأقصى مصلى الأنبياء ذلة الكفر على أعناقهم ... ولهم في موطني عِزُّ البقاءْ عدت يا بلعام ها قد عدت في ... بردةٍ قَصَّبها بعضُ الغثاءْ يجمع الديباج من سُبحَتِهِ ... ويرى في ظلمة القَرْش الضياءْ نتن الدنيا أريجٌ حَوْله ... والهوى يحدو به أيَّ حُداءْ سادر في غيه في غمرةٍ ... من تسابيحَ وأحلامٍ هباءْ سكرة الدنيا على أبصارهم ... والفتاوى بجموع الفقراءْ عدت يا بلعام سحقاً إن في ... أمتي أتباعَ خير الأنبياءْ علماءٌ.. أتقياءٌ.. لم يكن ... فيهمُ يوماً عبيدٌ للثَّراءْ سُجَّدٌ لله لم يعتصموا ... بسواه فله كلُّ الولاءْ

стр. 3531

نص شعري نفث وتَبْثِيْث مشبب بن أحمد القحطاني ماذا تُفيدُ تَرانيمِي وأشعَاري ... وكيفَ أشْدُو إذا ضَيَّعتُ قِيثَارِي؟ وكَيفَ أجمعُ آمالاً مُبَعثَرةً؟ ... في ليلةٍ ذاتِ إرعادٍ وإعصَارِ وأعصِرُ الفِكرَ عَلّ اللهَ يُرشِدُني ... دَرباً قَويماً بِلا شَوكٍ وأحجَارِ يَا أمّتي ما عساكِ اليومَ فاعلةً ... وأنتِ في مَركَبٍ من غَير بَحَّارِ يا أمّتي والرَّزايَا ثَوبُها دَنِسٌ ... وبَعضُ قَومِي على أهوائهِ عَارِي يا أمّتي كم أُنادي لا مُجِيبَ فَقَد ... حُبِسْتِ قَسراً عَنِ العَلياءِ والثَّارِ تَمضِي اللّيالِي ولَم نَبرح مَنازِلَنَا ... ومَا انقَضَى الخَطوُ في الظَّلماءِ للسَّارِي نَتِيهُ في مَهمَهٍ لا رَايةٌ نُصِبَت ... ونَحنُ في ذِلَّةٍ مِن كُلّ كَفَّارِ إنّا لنَنْظُرُ للمَجهُولِ في هَلَعٍ ... كَأنَّ غَايَتَنا فِي كفِّ جَزَّارِ وَبَينما هِمتُ في بُؤسٍ ومَحزَنَةٍ ... ولَذَّةُ النَّوم نَدَّت دُونَ إشعارِي رأيتُ في حَالِكِ الظَّلمَاءِ بَارقَةً ... والصُّبحُ شَمَّرَ عَن نُورٍ وإسفَارِ وَيَنزِلُ الله في الثُّلْثِ الأخِيرِ إذا ... تَقَارَبَ الفَجرُ للدّاعِي بأسحَارِ وَيكشِفُ الله للمُحتَاجِ كُربَتَهُ ... أنعِمْ بِرَبٍّ قريبٍ واهبٍ بارِي والنَّصر يا قومِ لن تَهمِي سَحَائِبُه ... إلا لجِيلٍ عظيمِ العزمِ مِغوَارِ هُبّوا وَلَبّوا فما في البُؤسِ من رغدٍ ... فالجذعُ مِن مكَّةٍ والغُصنُ أنصَارِي مَهمَا تَكُن هَمْلَجَاتُ الدَّهرِ مُزبِدَةً ... وَجَحفَلُ الشَّرِّ مُلتَفّاً على الدَّارِ فَلم تَزَل رايةُ التَّوحِيدِ خَافِقَةً ... وَمُرهَفُ الحَدِّ مَسنُوناً عَلَى النَّارِ

стр. 3532

الإسلام لعصرنا دين لا تكفير فيه ليس بدين أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة في عالمنا الإسلامي العربي منه وغير العربي مخلوقات غريبة تريد أن تجمع بين المتناقضات ولا تريد مع ذلك أن يعترض على تناقضها معترض. يريدون أن يقولوا لإخوانهم الذين كفروا من أهل الغرب إنما نحن مثلكم ننتقد الدين كما تنتقدون، ولا نلتزم به كما أنكم لا تلتزمون، ولا نترك فرصة للسخرية منه ومن المستمسكين به إلا اهتبلناها كما تهتبلون، ونرى كما ترون أن من حق الأديب والفنان أن ينتقد قيم المجتمع ومعتقداته ويدعو إلى نبذها؛ لأنه لا يكون أديباً أو فناناً مبدعاً إلا إذا فعل كل هذا بحرية كاملة كما تفعلون. لكن الفرق بين مخلوقاتنا العريبة الممسوخة المقلِّدة هذه وبين من هم أسوة لهم من إخوانهم الذين كفروا في الغرب، أن أولئك إذا قيل للواحد منهم: إنك كافر بالمسيحية أو اليهودية اعترف بهذا وعده من تحصيل الحاصل. لكن مخلوقنا الممسوخ يرتجف ويولول ويطلب النجدة إذا قيل عن كلامٍ كتبه هو أو أحد من شاكلته: إنه كفر وخروج عن دين الإسلام. إنه يريد أن يكون كافراً حقاً، لكنه يرتعد حين يوصف بالكفر المعبر عن تلك الحقيقة. يريد أن يكون كافراً لكنه يريد أن يعيش في أمن، وأن يكون ذا سمعة حسنة في المجتمع الذي يتنكر لأحسن ما فيه من معتقدات وقيم، ويريد شأن كل منافق أن يتخذ من انتمائه للإسلام حصناً لهدمه. وهيهات. وهو حين يواجه هذا الخطر على نفسه وعلى سمعته يتحول إلى واعظ يذكِّر من رموه بتهمة الكفر بقول الله تعالى: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) وهي الآية التي لا يكاد الواحد منهم يحفظ من كتاب الله تعالى غيرها يحفظها ليحتمي بها بعد أن يحرِّف معناها ويؤولها على غير تأويلها. نعم نحن مأمورون بأن ندعو بالحكمة والموعظة الحسنة! لكن الذي نحن مأمورون بالدعوة إليه هو سبيل ربنا، وهو أمر واضح المعالم، بيِّن الحدود. فنحن نفهم السبيل إلى الدعوة بالتي هي أحسن؛ لكننا لا نفهم من الدعوة بالحكمة وبالتي هي أحسن أن نميع حقائق هذا الدين، أو أن نطمس معالمه، أو نزيل الحدود التي تميزه عن غيره فيكون شيئاً هُلامياً لا يُعرف أوله من آخره، ولا يُعثر فيه على ما يميزه عن غيره، فلا يمكن لذلك أن يحكم على إنسان بأنه داخل فيه أو خارج عنه. وما هكذا يكون الدين المنزل من عند الله، بل ما هكذا يكون أي مذهب: حقاً كان أم باطلاً. لا بد لكل مذهب من معالم تحدد هويته، وتميزه عن غيره، حتى يقال عن إنسان إنه منتمٍ إليه أو ليس بمنتمٍ، وإنه مؤمن به أو كافر به. إن المذهب الذي ليس فيه ما يميزه عن غيره ليس بمذهب. والإسلام دين منزل من عند الله مرتكز على مجموعة من الحقائق، من آمن بها كان مسلماً، ومن أنكرها أو سخر منها أو استهزأ بها كان كافراً. فإمكانية الحكم على إنسان بالكفر أمر لازم لهوية الدين. فالدين الذي لا إكفار فيه ليس بدين؛ لأنه لا هوية له. إذا لم تكن للدين هوية ولم تكن له معالم فإلى أي شيء تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة؟ والآية الكريمة التي يستدل بها هؤلاء الممسوخون تبطل دعواهم، وتدل على تحريفهم. وذلك أنها تبدأ كما قلنا بقوله تعالى: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ] (النحل: ١٢٥) وسبيل الله هو مجموعة الحقائق والقيم المبينة في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ . إنها دعوة إلى توحيد الله تعالى وعدم الإشراك به، دعوة إلى حبه وتقديره حق قدره، دعوة إلى الإيمان برسوله وتعزيره وتوقيره، دعوة إلى الإيمان بأن ما قرره الإسلام حق لا ريب فيه، وما أمر به عدل لا ظلم فيه [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً] (الأنعام: ١١٥) . فكل قول أو فعل يتناقض مع هذا فهو كفر، وكل قائل به وعامل به على بصيرة فهو كافر خارج عن ملة الإسلام، روائياً كان أم ممثلاً أم فناناً، ناطقاً بالشهادتين أو غير ناطق. لكن المخلوقات الممسوخة تريد أن تتستر بكفرها وراء الأدب والفن، فتزعم تارة أننا لم نفهم ما قيل على أنه عمل أدبي فني. هكذا قال المدافعون عن سلمان رشدي في آياته الشيطانية في البلاد الغربية، وهكذا يقول المدافعون عن حيدر حيدر في وليمته لأعشاب البحر. وإن المرء ليعجب إذا كان جماهير الناس، بل خاصتهم لا يفهمون القصص والروايات؛ فيا ليت شعري ماذا يفهمون؟ ثم هل يعقل أن يكتب كاتب قصة لا تفهمها الجماهير؟ إذن من الذي سيشتريها، ومن ذا الذي يقرؤها؟ وتزعم أخرى بأن الفنان لا يحاكم بالمعايير نفسها التي يُحاكَم بها سائر عباد الله. أي إنه من حقه وليس من حق السياسي مثلاً أن يظهر الكفر ويدعو إلى التهتك ما دام يعرض علينا كفره وتهتكه في صورة أدبية أو فنية، وما دام الكلام ليس صادراً منه هو مباشرة، وإنما يقال على لسان شخصيات روايته أو قصته. فهنيئاً إذن لك فاحشاً بذيئاً؛ إذ ما عليه لكي ينجو من كل محاسبة إلا أن يضع شتمه وبذاءته على لسان شخصية يخترعها، في قصة أو رواية قصيدة يكتبها. ماذا يعني هذا؟ أيعني أن الأعمال الفنية إنما هي أشكال لا محتوى لها؟ وأنها إنما يحكم عليها لذلك بشكلها لا بمضمونها؟ هل هذا صحيح؟ هل هذا هو الذي يفعله النقاد في تقويمهم للأعمال الفنية؟ وهل الشكل وحده هو الذي يبتغيه متعاطو هذه الأعمال؟ وهل معنى هذا أنه إذا كان كاتب ذو مواهب فنية رائعة أنه يجوز له أن يكتب قصة فحواها الاستسلام لإسرائيل، وأنه لا يحق للفلسطينيين ولا غيرهم أن يعترضوا على ما فيها؛ لأنها عمل فني؟ أم أن المحتوى الوحيد الذي لا يجوز الاعتراض عليه هو الاستهزاء بدين الله وتنقُّص أنبياء الله؟ وإذا كان بعض الناس يضعون الجمال الفني فوق الحق وفوق القيم، فما هكذا يرى المسلم المهتدي بكتاب ربه الذي يعلي من قدر الصدق والعدل، ويذم الكذب والجور في أي شكل جاء هذا أو ذاك. ولهذا حكم على الشعر بمحتواه لا بمجرد شكله. [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا] (الشعراء: ٢٢٤-٢٢٧) .

стр. 3533

وقفات نور الهداية أحمد بن عبد الرحمن الصويان كنت عائداً من سفر طويل، وقدَّر الله تعالى أن يكون مكاني في مقعد الطائرة بجوار ثلَّة من الشباب العابث اللاهي الذين تعالت ضحكاتهم، وكثر ضجيجهم، وامتلأ المكان بسحاب متراكم من دخان سجائرهم؛ ومن حكمة الله تعالى أن الطائرة كانت ممتلئة تماماً بالركاب فلم أتمكن من تغيير المقعد. حاولت أن أهرب من هذا المأزق بالفرار إلى النوم، ولكن هيهات هيهات.. فلمَّا ضجرت من ذلك الضجيج أخرجت المصحف ورحت أقرأ ما تيسر من القرآن الكريم بصوت منخفض، وما هي إلا لحظات حتى هدأ بعض هؤلاء الشباب، وراح بعضهم يقرأ جريدة كانت بيده، ومنهم من استسلم للنوم. وفجأة قال لي أحدهم بصوت مرتفع وكان بجواري تماماً: يكفي، يكفي..!! فظننت أني أثقلت عليه برفع الصوت، فاعتذرت إليه، ثم عدت للقراءة بصوت هامس لا أُسْمِعُ به إلا نفسي، فرأيته يضم رأسه بين يديه، ثم يتململ في جلسته، ويتحرك كثيراً، ثم رفع رأسه إليَّ وقال بانفعال شديد: أرجوك يكفي.. يكفي.. لا أستطيع الصبر..! ! ثم قام من مقعده، وغاب عني فترة من الزمن، ثم عاد ثانية، وسلَّم عليَّ معتذراً متأسفاً. وسكت وأنا لا أدري ما الذي يجري! ولكنه بعد قليل من الصمت التفت إليَّ وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وقال لي هامساً: ثلاث سنوات أو أكثر لم أضع فيها جبهتي على الأرض، ولم أقرأ فيها آية واحدة قط..! وها هو ذا شهر كامل قضيته في هذا السفر ما عرفت منكراً إلا ولغت فيه، ثم رأيتك تقرأ، فاسودَّت الدنيا في وجهي، وانقبض صدري، وأحسست بالاختناق، نعم.. أحسست أنَّ كل آية تقرؤها تتنزل على جسدي كالسياط..! فقلت في نفسي: إلى متى هذه الغفلة؟ ! وإلى أين أسير في هذا الطريق؟ ! وماذا بعد كل هذا العبث واللهو؟ ! ثم ذهبت إلى دورة المياه، أتدري لماذا؟ ! أحسست برغبة شديدة في البكاء، ولم أجد مكاناً أستتر فيه عن أعين الناس إلا ذلك المكان! ! فكلمته كلاماً عاماً عن التوبة والإنابة والرجوع إلى الله.. ثم سكت. لما نزلت الطائرة على أرض المطار، استوقفني وكأنه يريد أن يبتعد عن أصحابه، وسألني وعلامات الجدّ بادية على وجهه: أتظن أن الله يتوب عليَّ؟ ! فقلت له: إن كنت صادقاً في توبتك عازماً على العودة فإنَّ الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً. فقال: ولكني فعلت أشياء عظيمة.. عظيمة جداً..! ! فقلت له: ألم تسمع قول الله تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (الزمر: ٥٣) . فرأيته يبتسم ابتسامة السعادة، وعيناه مليئتان بالدموع، ثم ودعني ومضى..! سبحان الله العظيم..! إن الإنسان مهما بلغ فساده وطغيانه في المعاصي فإنَّ في قلبه بذرة من خير، إذا استطعنا الوصول إليها ثم قمنا باستنباتها ورعايتها أثمرت وأينعت بإذن الله تعالى. إنَّ بذرة الخير تظلُّ تصارع في نفس الإنسان وإن علتها غشاوة الهوى؛ فإذا أراد الله بعبده خيراً أشرقت في قلبه أنوار الهداية، وسلكه في سبيل المهتدين. قال الله تعالى: [فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ] (الأنعام: ١٢٥) .

стр. 3534

ندوات ومحاضرات ندوة حول المستقبل الاقتصادي في ظل العولمة ... نكون أو لا نكون شعار ... متى نرفعه اقتصادياً ؟ (٢ - ٢) إعداد: وائل عبد الغني البيان: وقفنا في الحلقة الماضية مع ضيوفنا الكرام على مفهوم العولمة، ورأينا حجم التناقض في الفكرة وحجم الإشكاليات في التطبيق، وتعرفنا على القوى التي تحرك العولمة لتنفرد بالعالم، كما تعرفنا على الآليات التي تدار بها العولمة لتحقق أهدافها، وتوقفنا على هذا الخطر الذي بات يتهددنا نحن تحديدًا وربما يتهدد غيرنا أيضًا، وهنا نواصل الحديث حول مفردات المشكلة في عالمنا الإسلامي محاولين استشراف الحل. ونرحب بضيوفنا الأكارم.. وقرائنا الأعزاء؛ ولنبدأ بسؤال ربما يثور في نفس كل غيور وهو: لماذا حقق هؤلاء كل هذه الإنجازات المادية في بلادهم ولم نحقق نحن أيّاً من ذلك، رغم الفارق بين المنهجين؟ نستمع للدكتور عبد الحميد: د. عبد الحميد الغزالي: السبب واضح؛ وهو أن الرأسمالي عندما يطبق الرأسمالية على مستوى الفرد يقيم هذه الرأسمالية رغم ما فيها من مثالب، وبذلك تتفق قناعاته مع تطبيقه. أما في العالم الإسلامي فنجد أن الفرد في داخله حقيقة العقيدة الإسلامية، لكنه يرى الأنظمة أشياء بعيدة تمامًا عما يعتقده! هذا الانفصام وهذه الازدواجية كانا من أهم أسباب الأداء المتدني في الإنتاجية على مستوى الفرد والمجتمع، ومن هنا يأتي التخلف الاقتصادي والاجتماعي؛ لأننا إذا طبقنا المعايير الاقتصادية سنجد أن دول العالم الإسلامي كلها متخلفة، وبشهادة المنظمات الدولية، بما في ذلك مجموعة الدول ذات الرساميل النفطية؛ لأن المسألة ليست ثراءاً ماديًا وإنما الأمر يقاس بمدى مساهمة القطاعات السلعية بالذات في الناتج القومي، وبالذات.. الصناعة التحويلية. أو بمعنى آخر: مدى قدرة المجتمع على إنتاج ما يحتاج إليه أبناؤه من سلع وخدمات. ووفقًا لهذا المعيار فإن العالم الإسلامي كله يقع ضمن العالم المتخلف المسمى بالنامي. البيان: ولكن مقاييس التخلف يمكن التلاعب فيها سلبًا أو إيجابًا حسب الزاوية والوجهة التي ينطلق منها الباحث. ألا ترى أن الأمر يحتاج إلى ضوابط موضوعية أكثر تحديدًا للقياس؟ د. عبد الحميد الغزالي: مقاييس التخلف تطورت اليوم عن ذي قبل، وأصبحت أكثر موضوعية؛ لأنها أصبحت تستبعد أثر الأسعار وتضيف أبعادًا أخرى مثل المشاركة السياسية ومستوى الحالة الصحية. والتخلف هو عبارة عن حالة الانخفاض النسبي في مستوى النشاط الاقتصادي لمجتمع من المجتمعات. لكن عندما نتحدث عن التخلف في العالم الإسلامي فلا بد من إضافة أبعاد أخرى يمكنها أن تصوب النظرة للقياس وذلك لضبط المعنى المراد من اللفظ بوصفها وحدة للقياس. ومن هذه الزاوية يمكن أن أضيف تعريفين منضبطين للتخلف الاقتصادي: الأول: إذا وجدت مجتمعًا من المجتمعات الإنسانيَّة فيه مقهور سياسيًا ومستغَلٌّ اقتصاديًا أي فقد شرطي العدالة والحرية فنحن أمام مجتمع متخلف! الثاني: إذا وجدت مقاصد الشريعة الإسلامية الضرورية وهي: حفظ الدين، والعقل، والنفس، والمال، والنسل مغيبة فثق أنك أمام مجتمع متخلف مهما أوتي المجتمع من موارد مادية وبشرية ومالية. والعالم الإسلامي يعيش هذه الحالة، وينطبق عليه كِلا التعريفين رغم ما حباه الله من امكانيات بشرية ومادية. د. رفعت العوضي: تكملةً لكلام الدكتور عبد الحميد: علينا أن نفرق بين ما يملكه العالم الإسلامي من موارد اقتصادية ضخمة والتي تعد قوة كامنة وبين ما ينتجه العالم الإسلامي.. الأرقام في هذا المجال تمثل صدمة كبيرة إذا ما قيست بالعالم من حولنا. فالعالم الإسلامي كما تقول الأرقام مكون من ٥٦ دولة، وعدد سكانه ٢. ١ مليار نسمة، ويبلغ إجمالي إنتاجه المحلي حوالي ٧٣٥ مليار دولار سنويًا. وفي المقابل نجد أن الولايات المتحدة بتعدادها البالغ ٢٦٥ مليون نسمة (خمس سكان العالم الإسلامي) تنتج وحدها ٦. ٦ تريليون دولار سنويًا (أي حوالي ٩ أضعاف إنتاج العالم الإسلامي بمجموعه!) أما اليابان (والتي يقدر سكانها بعُشر سكان العالم الإسلامي) فيبلغ إجماليي إنتاجها ٦، ٤ تريليون (أي حوالي ٦ أمثال إنتاجنا) . وإذا ما قارنا الصادرات نجد أنها في العالم الإسلامي ٢٨١ مليار دولار في مقابل ٥١٣ مليار (الضعف) بالنسبة للولايات المتحدة و ٩. ٣ تريليون دولار (١٤ ضعف) لليابان! إذن ونحن نتحدث عن العالم الإسلامي ومشاكله والمزايا التي يمكنه الحصول عليها، علينا أن ندرك أننا لسنا أمام عالم واحد بل أمام ٥٦ دولة، ٥٦ سوقًا، ٥٦ مفاوضًا، ٥٦ قراراً، هذا التفكك هو أحد أخطر أبعاد قضية التخلف والتبعية التي يحياها عالمنا الإسلامي! د. عبد الحميد الغزالي: التجارة البينية بين دول العالم الإسلامي الذي نريد له أن يكون حاضراً ومنافسًا قويًا في ظل العولمة لم تتعد ٨% وفي بعض الأرقام المتفائلة ١٠% من إجمالي حجم التجارة الخارجية للعالم الإسلامي، وهذه قضية لها أبعادها الاقتصادية والسياسية والنفسية والمنهجية. أما إذا نظرنا إلى هيكل الإنتاج فنجده عبارة عن مواد خام وبعض السلع رديئة التصنيع، أو التي لا ترقى للمستوى العالمي، ومن ثم فإن قدرتنا التنافسية محدودة للغاية، ولهذا فنحن في أسوأ وضع؛ والسبب أننا لم نستغل مواردنا استغلالاً صحيحًا. نحن لدينا العقول المبدعة، ونملك رأس المال، والموارد لدينا متاحة، كل عناصر الإنتاج متوفرة بحمد الله، ولكن السر يكمن في الإرادة: إرادة التقدم.. إرادة التنفيذ.. إرادة التنافس.. إرادة الوحدة.. والإرادة مسألة نفسية ترجع إلى الإنسان. د. رفعت العوضي: باستقراء الأحداث التي تجري في عالمنا الإسلامي نجد أن هناك سقفًا مفروضًا على العالم الإسلامي، ولا يُسمح له بتجاوزه.. قد يخفى وقد يبدو أحيانًا. والعالم الإسلامي رغم التكتلات محروم من أن يكون له كيان كبير في ظل العولمة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي إذا ما اعتبرناها جامعة إسلامية لا تعدو أن تكون هيئة شرفية استشارية ولدت في ظل ظروف خاصة.. ولم يُرَدْ لها البروز على ساحة القرار. في ظل العولمة زاد التفرق بين الدول الإسلامية. وأذكر أن الدكتور عبد الحميد قد قال في إحدى محاضراته: إن حصاد العولمة كان ٢١ حربًا في العالم الإسلامي وحده! وضَرْبُ النماذج الإسلامية الناجحة من دول النمور الآسيوية مؤشر على هذا الأمر خاصة أنه سمح للدول غير الإسلامية باستعادة كيانها ثانية. العولمة ضربت العالم الإسلامي في أمر آخر هو السلع الاستراتيجية كالبترول وغيره. حتى الصلاحيات التي كانت تتمتع بها بعض الدول الإسلامية داخل المنظمات الدولية ضعفت جدًا في ظل العولمة. صندوق النقد قبل العولمة كان مختلفًا تمامًا عما هو عليه الآن. منظمة التجارة لم تكن كما تبدو اليوم. معظم محاولات الاندماج أو التكامل التي كانت تمثل حلمًا في العالم الإسلامي جُمّدت؛ لأنها كانت تفتقد الرؤية الصحيحة في إيجاد الحلول. د. عبد الحميد الغزالي: الأنظمة لدينا بين مغيَّب ومغرَّب مع ما نملكه من مقدرات ومقومات للتنمية الناجحة. ولهذا يمكن القول بأنه لو لم يكن هناك تغييب وتغريب للعقل المسلم على كافة الأصعدة لما كان هذا حالنا أبدًا. ولأننا كذلك فلا نعتمد على الإنسان لدينا، ونتصور أن حل مشاكلنا الإنمائية وغيرها في الاعتماد على الخارج. أليس أبشع ما تصاب به أمة أن تعتمد في ضروراتها على أعدائها سواء في السلاح أو الغذاء أو التقنيات التي لا تتمشى مع خصائص عناصرنا الإنتاجية، حتى نظل تابعين للغرب، وبذلك نبقى مهمشين في صناعات غير ذات جدوى، ونسير وفق مشاريع تسليم المفتاح؟ ولأننا أيضًا نعتمد على القروض والمعونات، فهذه التي تعد استعمارًا أبشع من استعمار القرن التاسع عشر؛ لأن القروض من أكبر معوقات التنمية؛ فهي توقعنا في كبرى الكبائر، ولسنا في حاجة إلى قروض! لدينا فائض يزيد عن ٨٠٠ مليار دولار ودائع في البنوك الغربية؛ بينما نحن مدينون لهم وبأسعار فائدة ربوية؛ وقد بلغ إجمالي الفوائد أضعاف أصل الدَّيْن! البيان: عندما طُرح مشروع مارشال بعد الحرب الأوربية الثانية لتمويل الدول التي خرجت منها من الحرب لدفعها نحو التنمية وفق الشروط الأمريكية وافقت فرنسا وإنجلترا على هذه الشروط، ورفضت كل من اليابان وألمانيا المشروع وفضلتا الاعتماد على الذات، ولنا أن نقارن بين النتيجتين حتى في العالم الغربي ذاته واليوم يسير صندوق النقد على نفس الخطا في تكبيل محاولات النهوض وإعاقتها. د. عبد الحميد الغزالي: اليابان استطاعت من خلال عملية تنميتها أن تستخلص فائضًا من النشاط الزراعي لا يمكن استخلاصه، ومولت به مشاريعها الإنمائية والصناعية؛ ولذلك نجحت لأنها اعتمدت على سواعد أبنائها وعلى التخطيط الداخلي دون أي تدخل أجنبي حتى حدثت الطفرة. د. عبد الرحمن يسري: المشكلة من وجهة نظري تكمن في أن العالم الإسلامي يئن معظمه تحت سيطرة حكومات علمانية تابعة للعالم الغربي.. هذه الحكومات قد ارتبطت بالاقتصاديات العالمية بلا أية ضوابط أو فهم لاتجاهاتها أو مضامينها، والتي قد لا يكون من ورائها مكاسب على الإطلاق، بل ربما خسائر محققه خاصة إذا احتكمنا إلى المعايير الإسلامية الصحيحة. البيان: ولهذا يجيء رد فعلها على الأحداث العالمية والإقليمية ضعيفًا وبصورة مؤسفة ومخزية، فضلاً عن أنها قنعت بمجرد ردود الأفعال ولم تشارك في صنع اللعبة بما يخدم مصالح الأمة. أ. يوسف كمال: النظرة المصلحية البحتة إلى الحلول لا توصل إلى نهاية الطريق، وإنما التبصر والتمسك بالطريق مهما كانت العقبات هو الذي يوصل، ولذلك لا بد من تصحيح المنطلقات أولاً. الرسول ﷺ حينما ذهب إلى الطائف وعرض الإسلام على أهلها عرضوا عليه أن يقيموا جبهة قومية.. فقالوا: «ننصرك على أن يكون لنا الأمر من بعدك» ! ولكن هذا لا يتفق مع طبيعة المنهج، والمعادلة هكذا لا تصلح ولا بد من إرادة الآخرة أولاً حتى ننتصر، ولهذا كان رده ﵊: «الملك لله يضعه كيف يشاء» . أما الأنصار فقالوا: «ننصرك على ماذا؟ ! .. قال:» الجنة «! قالوا:» ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل «. ولما صحت المنطلقات كان النتاج سريعًا وناضجًا، فلم تمض سنوات على هذه الصفقة الرابحة حتى سقطت فارس والروم على يد هذه العصبة التي وضعت بصمتها على كل شيء في الدنيا. لهذا فإن إدخال الإسلام في القضية يضع الأمور في نصابها؛ لأنه يعتبر الإنسان هو أساس التقدم، والتخلف يمثل ظاهرة هوية أساسها الإنسان، والإنسان يتغير، ولا يثبت في نفسه غير العقيدة التي تشكل مسار حياته. فإما أن يكون ديناميكيًا أو استاتيكيًا.. ذا تطلعات أو إمعة. ونحن حين ننظر إلى الكتابات التي تعالج مسألة العولمة على سبيل المثال نجد أن الثقافة الغربية قد تسللت إليها دون انتباه لذلك؛ لغياب طعم العقيدة عنها، حتى في كتابات إخواننا الذين يتحدثون عن الإسلام، نجد مزيدًا من التهميش المرجعي في مقابل مزيد من الاقتباسات عن الغرب. لا عيب في أن نستفيد من تجاربهم لكن دون الافتتان عن منطلقاتنا أو الافتئات على ثوابتنا؛ لأن ذلك هو عين الهزيمة. والعقيدة هنا هي المرتكز وهي السلاح الاستراتيجي الذي لا يملكه غيرنا؛ لأننا نريد الآخرة وهم يريدون الدنيا. هذه العقيدة لها مضمونها في إيقاظ الإنسان وإحياء الإرادة لديه، وهي وحدها التي تملك أن توجه الإنسان المسلم وتبين له هدفه الصحيح. الغرب يدرك ذلك تمامًا؛ ولهذا يقول ماسنيون:» استطعنا أن نحول العالم الإسلامي تحويلاً كبيرًا عن طريق إحداث انحرافة طفيفة في أول طريقه «كما لو حدث ذلك في قضبان القطار فإن الانحراف بزاوية ضيقة جدًا في الابتداء كفيل أن يبعده عن الهدف كلما سار على الطريق؛ وقد كان هذا بإدخاله في نظام حياة يختلف عن نظام الإسلام؛ ولهذا يقول:» الخطر الوحيد الذي يواجهنا أن يعرف المسلمون عقيدتهم؛ لأن هذا يشعل الإسلام في قلوبهم «. ولهذا فإن المسلم لن ينتصر في أي معركة إلا حين يعلن عن موقفه، نحن لا نطلب المستحيل، على الأقل أن يعرف الإسلام فكراً لا يشوه ولا يحرف ولا يخلط بغيره. ثم نحن مع التيسير على قدر الطاقات لكن بشرط أن نسير في الطريق الصحيح هذا الطريق عليه منارات واضحة تهدي السائر عليه.. حتى وإن قابله جبل واستدار حوله فإنه سرعان ما يرى المنارة التي ترده إلى الجادة، ولهذا لو عرفنا ديننا حق المعرفة فستأتي الحركة؛ والحركة فيها النصر بإذن الله تعالى. د. عبد الرحمن يسري: تصحيح المنطلقات هي الخطوة الأولى على طريق الحل، والوعي الإسلامي وحده هو الذي يجعلنا أكثر انتباهًا للمخاطر المحدقة بنا؛ لأن الوعي الرأسمالي لا يثير أي شكوك بالنسبة للأساليب التي تنتهجها قوى العولمة للهيمنة على العالم، بل يضفي عليها هالة من القداسة بحيث يصعب معها التنبه إلى خطئها أو خطرها. والمسلم ليس بالإمعة الذي يسير في ركاب الآخرين ولا يدري إلى أين يقاد، وحتى لا نكون كذلك علينا أن نتجاوز عقلية المنهزم ومرحلة التلقي السلبي وسياسة ردود الأفعال المجردة، لنصل إلى مرحلة الفعل. لدينا آمال كبيرة، ومن يدرس تجارب النهوض في العصر الحديث سواء في ألمانيا واليابان بعد الحرب أو حتى في دول النمور الأسيوية يدرك أن الأمل ما زال كبيرًا إن عدنا بإسلامنا إلى المعترك؛ وحينها لن نبدأ من الصفر وإنما ننظر فيما فعلناه أولاً ونصححه ثم نبني عليه ثانيًا، وعلينا انتهاز الفرص، ولدينا مؤسسات قائمة نبحث كيف نستفيد منها. ننظر في حاجاتنا الفعلية، وننظر في كيفية تلبيتها داخليًا بالنسبة لنا.. الاعتماد على النفس ربما كان قاسيًا في أول الطريق لكنه لن يكون بقسوة خضوعنا للغير سواء كان عولمة أو غيرها. د. عبد الحميد الغزالي: تكميلاً لكلام الزميلين العزيزين.. فإن النظرة الإسلامية للإنسان تعيد الاعتبار إلى رأس المال البشري، وهو رأس المال الحقيقي؛ لأن الإنسان هو القيمة الأرفع والأكثر أثرًا في عملية التنمية والإنسان الفاهم لدينه المستوعب لتغيرات عصره هو الإنسان القادر على النهوض الحقيقي في مواجهة أي خطر مهما كان وبأقل الإمكانات. ولهذا فإن الاستثمار في هذا المجال استثمار استراتيجي وقائم على الإسلام، وإذا لم نستطع ترتيب بيتنا من الداخل قبل أن تطغى علينا العولمة بآلياتها ومفاهيمها وتطبيقاتها فلا أرى أملاً. معظم الدول الإسلامية على مدى نصف قرن جربت استراتيجيات عديدة.. النمو المتوازن.. النمو غير المتوازن.. استراتيجية الدفعة القوية.. استراتيجية البعد الأدنى الحساس.. استراتيجية التغلغل.. استراتيجية الحاجات الأساسية.. استراتيجية الصناعات الثقيلة.. استراتيجية الطلب النهائي.. استراتيجية الانطلاق والنمو.. إلى آخر هذه الاستراتيجيات، وكانت النتيجة بشهادة المنظمات الدولية المتخصصة: مزيدًا من التخلف ومزيداً من معاناة الإنسان، والسبب في ذلك هو أننا أهملنا العنصر الأساس وهو الإنسان. د. عبد الرحمن يسري: من الموضوعية أن نعترف أن الآثار السلبية للعولمة ستكون شديدة الخطورة، ومن ثم فإن الأمر يلح علينا لتدبر أمورنا تجاهها بسياسة اقتصادية حكيمة واجتهادات عميقة ترمي إلى تحقيق مصالح الأمة في إطار القواعد الشرعية الأصلية، وتقدم حلولاً لما يجدُّ من مشكلات. ولا نعني أن تكون الحلول سهلة المنال، ولربما كانت موجعة، فالجراحة قد تكون صعبة ولكنها وسيلة الشفاء إن شاءه الله تعالى ولأن العولمة ليس لها سابقة في التاريخ ولا يستطيع أحد أن يقول: إن لديه سياسات اقتصادية جاهزة لمواجهتها، ولكن الإسلام معين لا ينضب وعلينا الاجتهاد. البيان: ولكن الاجتهاد قضيةً ومفهوماً قد جمد في حقبة سابقة، وهو اليوم يتعرض للون من التحريف في مضمونه وفحواه.. نحن نؤكد على هذا الواجب ولكن المشكلة في: من؟ وكيف؟ أ. يوسف كمال: الاجتهاد واجب الطليعة المؤمنة من العلماء المتخصصين كلٌ في مجاله، بأن تكشف عن حكم الله تعالى في قضايا العصر، وتعيد الأمة إلى مسارها بعد توضيح المعالم؛ لأن الشرع محكم ومن رحمة الله بنا وإحكامه لدينه أن الآية من القرآن يمكن أن تقيم نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وهنا نحتاج إلى اجتهاد هذه الطليعة لاستنباط ذلك. نحن لسنا ضد الدراسات المتخصصة المتعمقة، ولكن عندما يتحدث العالم المسلم عن العولمة لا نريده أن يتحدث بمنطق العالم الثالث.. وإنما بمنطق: قال الله، وقال الرسول.. من منطلق الاتباع والأسوة والطاعة. هذا هو مفرق الطريق! نحن اليوم ونحن نواجه العولمة لا بد أن نضع كل شيء في نصابه، ولا يمكن أن تكون المواجهة في مجال واحد! المواجهة في كل المجالات. ولهذا لا بد من مشروع حضاري شامل يستوعب كل طاقات الأمة ويوحد بينها. إن ما ذكر عن جمود في العالم الإسلامي وتخلف سببه الأساس هو جهود الإنسان من داخله! على سبيل المثال: السوق العربية المشتركة وهي هدف مقدم مطروح منذ عام ١٩٥٦م وقبل السوق الأوربية التي طرحت عام ١٩٥٧م؛ وها هي السوق الأوربية تجاوزت اليوم مرحلة السوق إلى مرحلة الوحدة، ونحن ما زلنا نقول: منطقة حرة أو اتحاد جمركي أو سوق مشتركة..! د. عبد الحميد الغزالي: هنا أمر يجدر الإشارة إليه، ولا أحب أن يضيع في زحمة كلامنا.. وهو أن العولمة بصورتها الراهنة ليست قدرًا وليست شرًا محضًا، وإنما هي واقع جديد يُصنَع، ولا بد أن نتعايش معه بعقيدة المسلم وذكاء المسلم وحزم المسلم وحسمه. نحن مع العولمة إذا ما كانت تعني التفاعل الحيوي بين شعوب الأرض.. نحن مع حرية التجارة، وحرية الانتقال التي تعني حريتنا أيضًا في كل ذلك؛ وحين نملك القرار سنملك التأثير. ولهذا أقول: إن العولمة الصحيحة بضاعتنا ويجب أن ترد إلينا لكن من منظورنا الإسلامي، لكن لن نستطيع أن ندخل تنافس العولمة ومعتركها المفروض علينا إلا بتربية إسلامية صحيحة وتطبيق إسلامي في الاقتصاد وفي السياسة في الاجتماع وفي الثقافة.. وبدون هذا التطبيق لن نكون قادرين على مواجهة العولمة. نحن جربنا الاشتراكية فكنا مستهلكي شعارات، وجربنا الرأسمالية فكنا مستهلكي سلع.. فلماذا لا نجرب الإسلام لننفتح على العالم من دائرة التأثير لا التأثر. نحن أصحاب الانفتاح الحقيقي ولا يوجد انفتاح في أي عقيدة سماوية أو أرضية مثل الانفتاح في الإسلام؛ فالحكمة ضالة المؤمن والأصل في الأشياء الإباحة، ولهذا فإن انفتاحنا على العالم سيكون له إسهامه في الحضارة. وأود أن أشدد على ضرورة توحُّد الدول الإسلامية تجاه هذه الظاهرة، وأن نضع أيدينا في أيدي بقية الدول النامية للحصول على نصيب عادل من التجارة الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية. فلقد رفعت الدول النامية دول السبع والسبعين في أوائل الستينيات شعار» التجارة وليست المساعدة Tsade Not Aid «؛ وذلك لأن المساعدة كانت على عكس المأمول عبئًا على التنمية وليست عاملاً مساعدًا لأحداثها. والآن ترفع الدول النامية شعار» عدالة التجارة وليس حرية التجارة «بمعنى أن حرية التجارة باعتبارها جزءاً من ظاهرة العولمة يتعين ألا تكون لصالح دولة واحدة أو حفنة قليلة من الدول المتقدمة. د. رفعت العوضي: العالم كله اليوم يتطلع إلى حل جديد وهو الذي يُعبَّر عنه بالطريق الثالث؛ لأن الشيوعية سقطت بالفعل، والرأسمالية في عولميتها تعيش أزمة خانقة رغم أن عمرها قصير وهو تسع سنوات لم يعدُ عمر طفل في المرحلة الابتدائية؛ هذا الطريق الثالث تكلَّم عنه كلينتون وتوني بلير وجاك شيراك ... الإسلام يقدم أكفأ نموذج للطريق الثالث، ولو أننا جمعنا ما كتب عن هذا الطريق الثالث لوجدنا كأنهم يحومون حول الإسلام، وهذا يجعلنا نقول: على العالم الإسلامي أن يقدم الإسلام باعتباره الطريق الثالث الذي يبحث عنه العالم كله. سنُسأل أمام الله تعالى إذا لم ننتهز الفرصة ونقدم الإسلام للعالم على أنه الطريق الثالث المنقذ؛ لأن الحرية المطلقة سببت الكوارث. والإسلام وحده هو الذي يقدم الحلول والضوابط في هذا المجال، والإسلام وحده هو الذي يربط التنمية بالتوزيع والعدالة الاجتماعية. الإسلام يقنن دور الدولة في الاقتصاد ولا نبالغ إذا قلنا: إن الإسلام هو سبيل النمو الذي يحتاجه العالم. د. عبد الحميد الغزالي: بعد سقوط الاشتراكية وتبني جورباتشوف البروستريكا التي أراد من خلالها أن يبحث عن طريق غير الرأسمالية؛ لأنه أعلم بمشاكلها، أرسل وفدًا إلى مصر ليدرس النظام الإسلامي للاستفادة منه، وشُكِّلت لجانٌ في مركز الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الأزهر من المتخصصين، وعكفت هذه اللجان على صياغة برنامج متكامل للنظام الإسلامي في شكل بنود وفقرات قدمنا فيه نظامًا اقتصاديًا تشغيليًا يبدأ بفلسفة النظام والعمل والأجور ونظام الملكية المتعددة، الاستهلاك والاستثمار والادخار والشركات وصيغ الاستثمار والسياسة النقدية والسياسة المالية.. إلى آخر كل مكونات النظام الاقتصادي الفاعل.. وعندما قُدم هذا النظام للوفد تساءل رئيسه الوزير (بافلوف) : كيف يكون لديكم مثل هذا النظام وأنتم على هذه المسألة من التخلف؟ ! وأسندت أمانة المؤتمر الرد إليَّ، وكان ردي:» لأننا بعيدون تمامًا عن هذا النظام «. ولكن توالت أحداث تفكك الاتحاد السوفييتي، ولم تُعطَ القيادة الروسية الفرصة للاستفادة من هذا المشروع الذي أصر الوفد الروسي على مناقشته تفصيلاً في جولة ثانية في موسكو.. إلا أن الجولة المقترحة لم تتم بسبب هذه الأحداث. البيان: هل يمكننا ونحن في إطار الحديث عن المشروع الحضاري بصفة عامة أن نطرح تصورًا له في ظل مخاطر العولمة؟ أ. يوسف كمال: إذا كنا نتحدث عن مواجهة فالمواجهة تحتاج بداية إلى إرادة، ولا إرادة بدون عقيدة؛ لأننا إذا نظرنا على سبيل المثال إلى الفجوة التقنية بيننا وبين الغرب والتي تتسع وتتسع فسنصاب باليأس؛ لأننا في حاجة إلى تكوينات رأسمالية وهي بدورها تتطلب فائض مدخرات كبير، وهذا الفائض يحتاج إلى زيادة الدخل وإلى ضغط الإنفاق! ومستحيل أن نصبح كروسيا؛ لأن الإنسان الروسي هو الذي هدم روسيا بسلبياته وعدم حرصه على مصلحة بلده. إذن لا بد من عامل ذاتي يدفع الإنسان نحو مضاعفة عمله وضغط نفقاته؛ بحيث يكون على استعداد دائم لبذل أكثر مما هو مطلوب منه. ليس شيء سوى العقيدة يصنع مثل هذه المعجزة، إذن العقيدة هنا يمكن أن تحدث الطفرة؛ لأنها تربي الفرد على المسؤولية في إطار جماعي وتحميه من الهزيمة النفسية والفكرية. ثم تأتي بعد ذلك الشريعة لتضع له الضوابط العملية والتطبيقية التي توجه جهوده التوجيه الأمثل. د. عبد الرحمن يسري: لماذا لا يرفع المسلمون شعارًا واحدًا يوحد بينهم كما يرفع غيرهم من الشعوب الشعارات؟ الثورة الشيوعية رفعت من قبلُ شعار:» يا عمال العالم اتحدوا « والأمريكيون رفعوا شعار:» بالله نثق «، والفرنسيون رفعوا شعار:» حرية إخاء مساواة «والمسلمون يملكون الشعار الذي يوحد بينهم وهو كلمة الشهادة التي نرددها صباح مساء هذه الكلمة تمثل شعارًا حقيقياً للإسلام عقيدةً وفكرةً ونظاماً، ويمكن من خلال توظيف مفهومها أن تستعيد الأمة ما فقدته حتى في ظل طغيان العولمة. البيان: لكن كيف نترجم هذا الشعار إلى واقع حضاري عمومًا، واقتصادي خصوصًا؟ د. عبد الحميد الغزالي: إذا تكلمنا عن المشروع الحضاري فلا بد أن ينقلنا هذا للحديث عن الثوابت التي ينبغي أن نحتكم إليها ونحن نواجه العولمة: أولى هذه الثوابت: أن يكون مدخل التعامل عقديًا؛ لأننا إذا فقدنا المقياس ونقطة الانطلاق فستصبح الأمور كلها نسبية تقبل التسويغ واحتمال وجهات النظر المختلفة، أما إذا احتكمنا إلى العقيدة وانطلقنا منها فسوف يكون سعينا مطردًا بنّاءاً، ويكفي أننا نملك حينئذ المعية الإلهية. وثانيها: أن تكون المصلحة الاقتصادية لأمتنا وأوطاننا هي المحرك الأساس لعملنا، وهذا لا يكون إلا بإرساء حرية الإنسان وإشراكه في العمل؛ فلا تهدر طاقة ولا تزيف إرادة، وإلا أحس الإنسان بالغربة، وهذا شعور قاتل لكل مبادرة.. ولكل عمل جاد. ثالثها: سياساتنا الاقتصادية التي لا بد أن تنبع من خططنا المبنية على مصالحنا، أما خطط صندوق النقد والبنك الدولي فينبغي ألا تكون ملزمة. رابعها: أن تكون حلولنا استراتيجية، بأن ننظر إلى عملية التنمية نظرة غير تقليدية، بأن نستفيد من فترات السماح المتاحة لاتفاقيات التجارة، وهي ما بين ٥ ١٠ سنوات، ويمكن أن تُمد عن طريق التفاوض حتى نقف على أرجلنا وهكذا.. د. عبد الرحمن يسري: يمكن من خلال هذه الثوابت التي طرحها الدكتور عبد الحميد أن نطرح تصورًا لدور الدولة في الإسلام خاصة في مثل هذه الظروف، هذا الدور يتمثل في عدة واجبات يمليها الشرع على الدولة، هذه الواجبات كانت موجودة منذ عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين رضوان الله عليهم جميعًا ويمكن لنا أن نطرحها بإيجاز: ١- واجبها نحو بناء الفرد المسلم الذي يعد العنصر الأهم في التنمية وفي المواجهة، وذلك عن طريق تربية الناس وتوعيتهم بواجباتهم وحقوقهم الشرعية، وضرورة تماسكهم قطريًا وعالميًا، وهذا يستدعي زيادة الإنفاق على التربية والتوعية الإسلامية في جميع المستويات التعليمية، وإحياء دور المسجد، وإعداد المناهج اللائقة بذلك. ٢ - واجبها في إيجاد الكفاءات، وهو ما يمثل فروض الكفايات عن طريق وضع خطة تعليمية مركزية تتضمن برنامجًا زمنيًا تفصيلياً يبدأ بمحو الأمية، ويمتد للتوفيق بين برامج التعليم والتدريب وبين احتياجات سوق العمل حاضرًا ومستقبلاً، والارتقاء بالبحث العلمي من خلال توفير التقنيات الحديثة والعمالية، والتشجيع على البحث والإبداع والابتكار. ٣ - واجبها نحو المال باعتباره قيمة إسلامية لها دورها العقدي والاقتصادي والاجتماعي، وهذه المسألة تمثل نقطة ارتكاز تفصل بين النظرة الإسلامية والنظرة المادية عمومًا، فتقوم بوظيفتها المالية من جمع الزكاة والصدقات والعشور وغيره وتصرفها في وجوهها حتى لا يكون المال دُولة بين الأغنياء كما تريد العولمة. ٤ - واجبها نحو ضمان استقرار النشاط الاقتصادي الحقيقي بالإشراف على أسواق رؤوس الأموال وتنظيمها، وتنظيم تدفق رؤوس الأموال، وضمان الالتزام بالأحكام الشرعية واتخاذ الإجراءات الحاسمة لمنع الإخلال بالقواعد الشرعية. ٥ - تنظيم الانتفاع بالموارد كالموارد المائية وأراضي الرعي والغابات والصحراء لصالح أبناء المجتمع وضبط عمليات التملك بما يضعف النفوذ الأجنبي. ٦ - الابتكار في تشجيع الاستثمار؛ وعلى سبيل المثال من خلال المعاملة التفضيلية للشركات الأجنبية التي تسهم إسهامًا فعليًا في التنمية الحقيقية. ٧ - ضبط التعامل مع الأسواق الأخرى من خلال مراقبة الواردات لضمان عدم مخالفتها للشريعة الإسلامية، وأخذ العشور وإدارة التجارة الخارجية بما يحقق المصالح، وعلى هذا الغرار تكون واجبات الدولة التي يمكن أن تتطور وفق هذه الواجبات بآليات أحدث. د. رفعت العوضي: التطورات الراهنة تفرض على الدولة مزيدًا من أدوار الحماية وإدارة الإنماء بطريقة ذكية وفاعلة تعتمد فيها على البحث العلمي والدراسة والتخطيط الجاد.. وقيام الدولة بهذه الأدوار يقلل كثيرًا من الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها في ظل العولمة.. وعلى سبيل المثال: - الاتفاقيات الدولية الملزمة كاتفاقية تحرير التجارة تحتاج إلى دراسة متأنية ومتخصصة تتيح لنا معرفة عناصر القوة والضعف والثغرات في هذه الاتفاقية، كي تتمكن الدولة من توسيع مجال المناورة وتفسير هذه المواد بما يخدم مصالحها. - تحتاج الدولة بدلاً من أن تغري الاستثمارات الأجنبية بالقدوم أن تنتهج سياسات تعيد الثقة بالاقتصاديات المحلية، بما يشجع الاستثمارات المهاجرة إلى الخارج على العودة إلى بلادها مرة أخرى. - حماية الصناعات الناشئة من المنافسة الأجنبية وسياسات الإغراق من خلال فرض لون من القيود الجديدة التي تعتمد على المواصفات في الحيلولة من دخول الصناعات المنافسة. - توجيه الدراسات الجامعية والأكاديمية الشرعية والمتخصصة إلى حل مشكلات الانفتاح والتحرير والبورصة بحلول عملية. - تطوير القدرة التنافسية لصناعاتنا من خلال دعمها عن طريق الدراسات أو مساعدتها في فتح أسواق جديدة أمامها. هذه الأدوار مجرد أمثلة على ما يمكن أن تفعله الدولة الآن. أ. يوسف كمال: السياسة الحمائية لها بُعْدٌ شرعي مهم يتمثل في تطبيق الشريعة؛ لأنه لا قيمة لوضع سياسات لحماية الصناعات دون حماية البنية التحتية التي يمتد إليها التمويل الأجنبي ليتلاعب بها، وأمامنا تجارب معاصرة تخلت فيها الحكومات عن الحماية الشرعية المتمثلة في تحريم الربا الواقع في عمليات الإقراض، وتحريم المقامرات التي تجري في البورصات، فكانت النتيجة أن أُتيَ الاقتصاد من حيث لم يحتسبوا والله قد ضمن لنا العصمة في التمسك بحبله؛ فلماذا النكوص؟ ! د. رفعت العوضي: مسألة التكامل الإسلامي، وكيف يمكن للدول الإسلامية اليوم أن تكمل في إطار هذا التكامل. في ظل الظروف الراهنة ليس بمقدور أي دولة إسلامية أن تخرج عن الإجماع العولمي الذي تمليه الدول السبع الكبار عبر المؤسسات والمنظمات الدولية، ومن ثم فإن المتنفس أمام الدول الإسلامية يبدأ عبر الساحة الإسلامية ذات الامتداد الجغرافي والاستراتيجي والسكاني والمادي بدءًا بالتكامل وانتهاءاً بالتوحد عبر سياسات منضبطة ومحكمة. لأن المنظومة العولمية آخذة بالتطور عبر القرارات والاتفاقات والتكتلات والاندماجات بشكل يملي على العالم الإسلامي سرعة المبادرة قبل أن يفلت الزمام. العالم الإسلامي يمتلك مخزونًا جبارًا من رؤوس الأموال ومن الثروات الحيوية والمعدنية بالإضافة إلى التلاحم الجغرافي والتكامل في الموارد، ولهذا لو قامت تجارة فعلية بين العالم الإسلامي لأمكننا الاستغناء عن العالم الخارجي على الأقل في الاحتياجات الاستراتيجية. وهنا يبرز دور مؤسسات التكامل سواء على مستوى الإطار الإسلامي العام كمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو حتى على المستوى الإقليمي كالاتحاد المغاربي، ومجلس التعاون الخليجي، أو اتحاد جمهوريات وسط آسيا الإسلامية، أو على المستوى الوظيفي كمجموعة الثمانية الإسلامية؛ لكن المثير للعجب أن دور هذه المؤسسات لم يزل مقصورًا على الدور الاستشاري ولا يحمل أي صورة من الإلزام. لدينا كذلك مؤسسات متخصصة كاتحاد الغرف التجارية والصناعية الإسلامية، والبنك الإسلامي للتنمية ولدينا مؤسسات أخرى في الإطار العربي، لكن هذه المؤسسات لم تقم بدورها المرسوم والمراد لها، والأسباب معروف أكثرها، وإذا ما أرادت الدول الإسلامية لنفسها بعض المتنفَّس من ضغط العولمة فعليها أن تُفعِّل العلاقات البينية والتكاملية لمواجهة آثار الهيمنة الخارجية. أما على مستوى رؤوس الأموال فلدينا فرص استثمار ممتازة، ويسيل لها لعاب المستثمر الأجنبي داخل المجال الإسلامي من آسيا الوسطى وحتى الأطلنطي تحتاج إلى رؤوس أموال وخبرة كافية لاستغلال المقدرات الموجودة. عبد الحميد الغزالي: لا بد أن يكون هناك نظرة استراتيجية لموارد العالم الإسلامي وإمكانياته من خلال التخصص وتقسيم العمل، بتوزيع الأدوار، ومن هنا فعلاً نستطيع إقامة تكتل، وحتى لا نكون حالمين علينا أن نبدأ بأدنى ما يمكن قبوله.. وهو أن ننظر فيما ينتج العالم الإسلامي فيتم التبادل فيه بدلاً من استيراده من العالم الخارجي. ثم من خلال التخطيط الاستراتيجي يمكن تنمية بعض الصناعات الاستراتيجية وحل إشكالات التطور التقني بتنظيم حقوق الملكية الفكرية على مستوى العالم الإسلامي للاستفادة من عقولنا الإسلامية التي نهدرها بينما تنمو إذا ما احتضنها الغرب. العالم الإسلامي كذلك يحتاج إلى دليل تنمية حقيقي، ودليل استثمار على مستوى العالم الإسلامي يتم تداوله بين رجال الأعمال المسلمين، ويحتاج كذلك إلى بنوك معلومات، ومجموعات استشارية إسلامية تقدم دراسات وافية عن جدوى الاستثمار وعوائده ومزاياه على نطاق العالم الإسلامي. ونحتاج إلى دوريات متخصصة في هذا المجال تقدم الدراسات الإنمائية من المنظور الإسلامي؛ وهذه المؤسسات تحتاج إلى دعم الحكومات ومؤسسات التكامل تمامًا كما تدعم الأنشطة الوضعية. أ. يوسف كمال: هناك عدة تساؤلات تطرح نفسها على الحوار: لماذا لا توجد كيانات كبرى قوية فاعلة على مستوى العالم الإسلامي مع توفر الإمكانات والدواعي؟ ! ولماذا لا توجد شركات إسلامية دولية النشاط مع توفر الإمكانات والدواعي؟ ولماذا لا يوجد ابتكارات واختراعات في الدول الإسلامية مثلما يوجد في الغرب؟ هل العيب في العقول، أم في النظم؟ ثم لماذا تتفوق العقلية المسلمة في الخارج بصورة تدعو إلى العجب؟ ! انعدام الإرادة السياسية أو ضعفها وتبعيتها لدينا هو السبب في جل ما أصابنا، ما زلنا نرفع شعارات للاستهلاك دون تطبيق؛ لأننا غير جادين في ذلك! السوق العربية المشتركة.. التكامل الإسلامي.. حتى على مستوى التكامل الثنائي أو الثلاثي بين الدول.. الاتفاقيات الثنائية لم تصمد أمام أول ريح للخلافات السياسية! ما زال للنظرة القطرية الدور الأخطر في سياساتنا فلا رؤى مشتركة، ولا سياسات مشتركة. وإذا أضفنا إلى ذلك التأثر بطابور المستفيدين بالعولمة اليوم في سن التشريعات وفرض السياسات واتخاذ القرارات. ولهذا أقول: إنه ما من حل إلا من خلال تحرير الإرادة، والإرادة لا يحررها سوى العقيدة التي تبني الفرد وتبني المجتمع وتصحح المنطلقات والمعايير. د. رفعت العوضي: الدول الإسلامية تستورد أكثر من نصف غذائها من العالم الخارجي؛ مع أنها لم تستغل سوى أقل من ٤٠% من المساحات الصالحة للزراعة. وبنظرة استراتيجية نتساءل: لماذا لا نزرع هذه الأراضي بفوائض أموالنا المعطلة في البنوك الغربية والتي تربو على ٨٠٠ مليار دولار في أقل تقدير؟ عندنا الأيدي العاملة الرخيصة، والأراضي الصالحة للزراعة، ولدينا في السودان وحدها مساحات يمكن أن تكفي العالم الإسلامي من الغذاء، ولدينا مساحات شاسعة في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز؛ وكازاخستان وحدها فيها ١١٧ مليون فدان صالحة للزراعة! العالم الإسلامي ما زال يتمتع ببعض الميزة النسبية في مجال الزراعة؛ فعلينا أن نطور هذه الميزة رأسيًا وأفقيًا. وفي مجال الصناعة يمكن الاستفادة من الخبرات التي تكونت في ماليزيا وإندونيسيا ومصر وباكستان في هذا المجال لتوسيع قاعدتنا الصناعية، وأيضًا يجب علينا الاستفادة من العنصر البشري المتميز في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز. العالم يسعى لجذب هؤلاء العلماء، وعالمنا الإسلامي غائب كلية عن ذلك. وفي هؤلاء علماء في الذرة ولا بد أن يُخَطَّط للاستفادة منهم. حتى الآن ما زال أمامنا الكثير؛ لكن بمرور الوقت تتضاءل أمامنا الفرص وربما تضيع. د. عبد الرحمن يسري: لا شك أن الحرص على مصلحة بلادنا يدفع نحو ابتكار حلول عملية ونحن راضون بأقل القليل، لن نقول وحدة اقتصادية كما فعلت أوروبا، أو منطقة تجارة حرة كما هو الحال في أمريكا الشمالية، ومع أن هذا يندرج ضمن الواجبات الشرعية، لكنا نقنع بالحد الأدنى من التنسيق بين السياسات من خلال النظر في السوق الإنتاجية وما ينتج فيها وإعطائه الأولوية والابتكار في أساليب التعامل، حتى لو عدنا إلى أسلوب المقايضة بعيدًا عن العملة الصعبة بالاستناد إلى قيم ثابتة من الدينار الإسلامي (وحدة النقد المشتركة) حتى نتحرر بعض الشيء من قيود التعامل بالعملة الصعبة والآليات الدولية المفروضة. هذا لا يعني رفض الارتباط الإنتاجي بالعالم على إطلاقه ولكن يعني على سبيل التأكيد عدم التسليم بهذا الارتباط قبل فهم مضمونه واتجاهه أو التعرف على مكاسبه: من أين؟ ولمن؟ د. رفعت العوضي: أود أن أشير أيضًا إلى أهمية دور المؤسسات العلمية والمؤتمرات العلمية المتخصصة على مستوى العالم الإسلامي في تقديم حلول مؤسسية لإشكالات ثورة الاتصالات والمعلومات وكيفية الإفادة من الانترنت التي أصبحت متاحة للجميع لكن دون آليات وضوابط تضمن حسن الاستفادة. ومن ثم توفير مراكز معلومات قادرة على خدمة اتخاذ القرار والإشراف والمراقبة. هل تتصور أن جامعة هارفارد لديها مركز عن البنوك الإسلامية، بينما لا يوجد مثله في أي جامعة على مستوى العالم الإسلامي؟ ! وهذا يعني أن المعلومة لدينا إما مضللة أو مشوشة.. أو سطحية إذا ما اعتمدنا على امكانياتنا التي لم تزل دون المستوى. كما نطرح لوناً آخر من التفعيل وهو كيفية الإفادة من البحوث العلمية المقدمة لنيل الدرجات العلمية في جامعاتنا؛ فبين هذه البحوث عدد كبير يمكن أن يفيد في هذا الجانب، ولنا أن نتصور أيضًا حجم الفائدة إذا ما قامت مؤسسة إسلامية على مستوى العالم الإسلامي لرعاية الباحثين وتشجيعهم على البحث في هذا المجال عن طريق المسابقات البحثية أو شراء الأبحاث التي تقدِّم إضافة في هذا المجال. إلى جانب هذا إيجاد مؤسسات للتدريب ورفع مستويات الأداء واكتساب الخبرات بمعايير شرعية وموضوعية. ومؤسسات أخرى لتصميم المشاريع النموذجية التي تضمن أداءاً متميزاً من جهة العائد والتكاليف والضوابط الشرعية والعمل على انتشارها. ومؤسسات كذلك تعمل على استيعاب التقنيات وتطويرها بل والابتكار أيضًا.. قد تكون برامج التطوير أكبر كلفة في المدى القصير لكن مردودها وتكاليفها لا تقارن على المستوى الاستراتيجي. وفي هذا الصدد أشير إلى أن التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية إذا تحقق فسوف يمثل وعاءاً ملائمًا لرعاية التقدم التكنولوجي. إن الدول الإسلامية إذا اجتمعت فسوف تتوافر العناصر اللازمة للتقدم العلمي: العناصر البشرية المتوافرة في بعض الدول الإسلامية، ورؤوس الأموال، ومراكز البحوث العلمية. د. عبد الحميد الغزالي: المشروع الحضاري الإسلامي له منظومة تائية مكونة من تسع كلمات تستوعب في مجملها وتفصيلها ما يمكن أن تتناوله أي خطة للتطوير وتزيد. هذه التائية تتمثل في: التوحيد.. التحديث.. التنمية.. التقنية.. التكافل.. التكامل.. التعاون.. التغيير.. التوحد. فالتوحيد.. هو المدخل؛ لأن (لا إله إلا الله) سنة حياة.. توحيد الشعائر والشرائع، والذي أجمله الحق سبحانه في قوله: [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] (الفاتحة: ٥) ؛ وبهذا المدخل تتحقق خلوصية العبادة لله ﵎ وتتحقق حرية الإنسان صانع التقدم؛ لأن صنع الرجال يصنع معه كل شيء، كما قال علي بن أبي طالب ﵁:» مجتمع المنتجين المتقين حقًا «. وثانيها: التحديث: الذي يبدأ بتحديث العقل قبل الأشياء.. وتحديث العقل فريضة بدأ بمشروع» اقرأ «.. ونحن نعيش عصر المعرفة. وثالثها: عنصر التنمية: والإسلام جاء لإعمار الأرض وتنميتها وفق المفهوم الشامل للتنمية؛ والذي يشمل التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ورابعها: التقنية: ونحن مأمورون أن نأخذ بأحدث ما أنتجه العقل البشري من مستجدات وابتكارات ما لم تخالف نصًا أو تهدر أصلاً؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن لكن التقنية ليست سلعًا تستورد، وإنما مادة تطور وفقًا لنظام تعليمي مستوعب قائم على خصوصياتنا. وخامسها: عنصر التكافل: وهو جزء أصيل لهذا المشروع، وما حُرِّم الربا وفرضت الزكاة إلا من أجل التكافل والتكاتف بين أفراد المجتمع. سادسها: التكامل: وهو مهم جدًا بين أفراد المجتمع الواحد وبين المجتمعات الإسلامية تكوينًا للوحدة، ونحن كما قلنا: نملك مقومات هذا التكامل ماديًا ومعنويًا. وسابعها: التعاون: وأعني به التعاون مع الآخر بعد الاعتماد على الذات، وبشرط أن يقوم هذا التعاون على النِّدِّية وليس على التبعية. وثامنها: التخطيط والذي يعني الاستخدام الأمثل والأكفأ لما لدينا من إمكانات مادية وبشرية ومالية تحقيقًا للحياة الطيبة الكريمة لكل إنسان يعيش في كنف النظام الإسلامي. وتاسعها: التوحد: على أساس وحدة العقيدة ووحدة الأمة ووحدة المصلحة. الاتحاد الأوربي تبعنا في فكرة السوق المشتركة لكنه سبقنا وتخلفنا نحن؛ لأنه صحح منطلقه وفقًا لرؤيته وملك قراره وعرف مصلحته ووصل الآن إلى وحدة سياسية واحدة، وعملة واحدة. أ. يوسف كمال: العولمة ليست معنى جديدًا على البشرية؛ فقد سبقت هذه العولمة عولمات أخرى، وقد قدم لنا القرآن النموذج الإسلامي للعولمة بصورته المشرقة في ذي القرنين الذي مكَّن الله له في الأرض من مشارقها إلى مغاربها، وآتاه من كل شيء سببًا، فأتيحت له إمكانيات ضخمة [فَأَتْبَعَ سَبَباً] (الكهف: ٨٥) فأضاف إلى هذه الأسباب أسبابًا فكرية وعملية.. وأخذ بالأسباب.. لم يطبق المعايير المزدوجة وإنما طبق المنهج الإسلامي، ولخصه في: [وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً] (الكهف: ٨٨) ، فأقام المنهج في جنبات الأرض، وعمل على تحرير المستضعفين في كل شبر منها.. هذا هو النظام العالمي الذي يبشر به الإسلام ممثلاً في ذي القرنين.. وقد ذكر المفسرون أن ما فعله عند مغرب الشمس فعله عند مطلعها. [حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَداًّ] (الكهف: ٩٣-٩٤) وكان رده: [قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً] (الكهف: ٩٥) لم يقل: فعلت أو أفعل أو أمرت، وإنما تواضع لله مع ما وهبه من قوة. وهنا قمة التقنية [آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً] (الكهف: ٩٦) فخلط الحديد بالنحاس ليكون أقوى.. وبعد أن انتهت المهمة قال: [هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي] (الكهف: ٩٨) ولم يقل: من إنجازاتي. هذا أساس العولمة في الإسلام وهذا الذي يراد من الإنسان أن يفعله بالدنيا، فليس الهدف فقط إقامة عمران مادي؛ لأنه كله سيعود [دَكَّاءَ] (الكهف: ٩٨) . أما العولمات الأخرى فهي التي قال الله عنها: [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ] (الكهف: ١٠٣-١٠٥) . وحبطت أي: انتفخت، ونحن نرى الحضارة تشبه الجسم المتورم! لا وزن لها في ميزان الله [فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً] (الكهف: ١٠٥) .

стр. 3535

المسلمون والعالم ماذا يحدث في السودان؟ محاولة لتفسير ما جرى وأسبابه حسن الرشيدي «إن هذه اللحظة الحاسمة تستدعي خطاباً كريماً للدعوة إلى الجهاد» . هذه كانت كلمات الدكتور حسن الترابي يرد بها على إجراءات عزله عن رئاسة البرلمان في السودان بعد أن ظل طوال ما يقرب من عشر سنوات شبه المسؤول المطلق عن إدارة النظام السوداني؛ حيث استطاع أن ينقل الحركة الإسلامية لأول مرة من طور الدعوة إلى طور الحكم؛ فماذا حدث؟ في مساء الأحد ١٢/١٢/١٩٩٩م أقدم الرئيس عمر البشير على إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وحل المجلس الوطني، وتعطيل أربع مواد من الدستور تتعلق بانتخاب ولاة الأقاليم. هذه الإجراءات كانت صدمة لبعض الناس ومفاجأة كاملة، ولكنها بالنسبة للآخرين كانت تطوراً طبيعياً؛ فقد تحدثت وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة بكثرة عن وجود خلاف بين البشير والترابي، وأسهبت في سرد تفاصيل كثيرة، ولم يلبث أن توقف الكلام حتى يظهر كلام جديد عن الخلاف، ثم تفجر الوضع بإعلان البشير الأخير. أطراف الخلاف ومظاهره: يمكن تقسيم أطراف الخلاف إجمالاً إلى فصيلين: أحدهما الجهاز التنفيذي للحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) ويضم إجمالاً: قصر الرئاسة، ومجلس الوزراء، وحكام الأقاليم، والوزارات الإقليمية، والمحافظين ومساعديهم وهم من مؤيدي البشير إضافة إلى الجيش، وعلى رأس هذا الفريق خمسة عسكريين وخمسة مدنيين. والعسكريون هم: الفريق البشير، واللواء بكري حسن صالح وزير شؤون رئاسة الجمهورية، وأمين رئاسة الجمهورية، واللواء مهندس إبراهيم شمس الدين وزير الدولة في وزارة الدفاع المكلف بتأمين الوضع العسكري للنظام، واللواء الهادي عبد الله رئيس جهاز الأمن الداخلي، ووزير الداخلية اللواء عبد الرحيم حسنين. أما المدنيون الخمسة فهم: علي عثمان طه نائب الرئيس، والدكتور نافع علي نافع مستشار الرئيس لشؤون السلام، والدكتور مجذوب الخليفة والي الخرطوم، والدكتور غازي صلاح الدين وزير الثقافة والإعلام، والدكتور إبراهيم أحمد عمر. ويؤيدهم معظم القادة القدامى الذين رافقوا الترابي في تأسيس الحركة قبل أربعة عقود لكنه عمد إلى تهميشهم بدعوى ضرورة تجديد دماء الحركة، وأضحى الشارع السوداني ينادي هذه المجموعة بـ (٥ + ٥) . وفي مقابلها يقف الجهاز التشريعي وهم معظم أعضاء البرلمان السوداني إضافة إلى المليشيات المسلحة التابعة للحزب وعلى رأسه الترابي وعدد من أعوانه المقربين، ومنهم: محمد الحسن الأمين، والدكتور علي الحاج محمد آدم، وإبراهيم السنوسي، والدكتور معتصم عبد الرحيم. وتقول بعض المصادر السودانية إن الترابي غدا متحصناً في الآونة الأخيرة بالبرلمان وحزب المؤتمر الوطني، بينما يسيطر تلاميذه الذين شقوا عصا الطاعة عليه على الجيش والأجهزة الأمنية. وقد بدأ الخلاف يظهر على السطح في الفترة الأخيرة؛ وإن كان بعضهم يرجع بدايته إلى عام ١٩٩٢م؛ إلا أنه مؤخراً وبالتحديد في أواخر العام قبل الماضي بدأ الخلاف يأخذ عدة أشكال: ١ - مذكرة العَشَرة: وتقدم بها عشرة قياديين من حزب المؤتمر الوطني في ديسمبر ١٩٩٨م وهم: البروفيسور إبراهيم أحمد عمر وزير التعليم العالي، والدكتور أحمد علي الإمام مدير جامعة القرآن الكريم سابقاً ومستشار رئيس الجمهورية للتأصيل، والمحامي عثمان خالد مضوي؛ وهؤلاء من جيل الترابي نفسه. أما الجيل الثاني من الإسلاميين فقد مُثِّلوا في المذكرة بالدكتور نافع علي نافع وزير الزراعة الحالي، والدكتور بهاء الدين حنفي مدير مركز الدراسات الاستراتيجية، والأستاذ سيد الخطيب، وعلي الكرتي، وغيرهم. وملخص هذه المذكرة أنها دعت إلى تنحي الترابي عن رئاسة البرلمان واقتصاره على أمانة الحزب الحاكم. يقول عنها حامد تورين وهو أحد مقدميها: «هي واحدة من مظاهر الصراع في المؤتمر الوطني، وهي مذكرة ترمي في الأساس لعدم تحول الحزب إلى شكل دكتاتوري، وكانت تسعى لبسط الديمقراطية واعتبار وجهة نظر المواطن السوداني، وتدعو لإلغاء الأساليب التقليدية التي كانت موجودة، وتقديم تنظيم بشكل جيد يصلح نموذجاً للأحزاب القادمة كما طُرِحت في التوالي على السلطة» . والذين كتبوها ظلوا يرددون بأنها لم تكن تستهدف شخصيات بعينها وإنما كانت تعني إفساح المجال إلى الشورى الحقيقية، وتكوين مكتب قيادي فاعل يتولى إدارة العمل السياسي بمؤسسيَّة. ٢ - اجتماع المؤتمر التأسيسي لحزب المؤتمر الوطني: وقد عقد هذا الاجتماع في الفترة من ٧ - ١٠ أكتوبر ١٩٩٩م، وفي هذا الاجتماع الذي ضم أعضاء الحزب البالغ عددهم حوالي ١٠ آلاف عضو تم انتخاب هيئة الشورى وعددها ٦٠٠ عضو، وانتخبت هيئة لقيادة الحزب تضم ٦٠ شخصاً، وتأيَّد فيه انتخاب الترابي أميناً عاماً لهيئة القيادة، والبشير رئيساً للحزب ومرشحه لانتخابات رئاسة الجمهورية عام ٢٠٠١م، كما تم انتخاب البشير مسؤولاً عن القطاع السياسي والتنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبذلك تكونت الهياكل الثلاثة الرئيسة في الحزب: المؤتمر القومي، وهيئة الشورى، وهيئة القيادة كما تم تقسيم الأعمال التنفيذية إلى سبعة قطاعات. ٣ - استقالة وزير التعليم العالي إبراهيم أحمد عمر احتجاجاً على إخفاقه في انتخابات مجلس شورى الحزب الحاكم، وكان وزير التعليم العالي ضمن القياديين العشرة الذين تقدموا بمذكرة العشرة الشهيرة، ولقد رفض البشير استقالته. ٤ - تلميحات عبر الصحف المحلية والجلسات الخاصة: ظل بعض الإسلاميين القياديين يلمحون في الصحف وفي الجلسات الخاصة إلى ضرورة تنحي الترابي قليلاً لآخرين أكثر شباباً وحيوية. ٥ - ما تردد عن التغييرات الأخيرة في القوات المسلحة وأنها شملت معظم الضباط من رتبة عقيد فما فوق، وهي المجموعة التي تتكون في غالبيتها من أنصار الجبهة الإسلامية القومية الذين أُلحِقوا بالكلية الحربية في عام ١٩٩١م وكانت تعتبر سنداً قوياً للدكتور الترابي داخل الجيش، وتتحدث مجالس الخرطوم عن أن قرار إحالة هؤلاء الضباط إلى التقاعد تم بإيعاز من النائب الأول علي عثمان طه. ولكن ما تفسير الذي جرى؟ وما الأسباب التي دفعت الأحداث حتى وصلت إلى هذا المستوى؟ إن أي إطار تحليلي للأحداث لا بد وأن يأخذ في حسابه ثلاثة أمور: الأول: الحركة الإسلامية في السودان. الثاني: النظام السوداني. الثالث: التدخل الخارجي. الأول: الحركة الإسلامية في السودان: في نهاية الأربعينيات برزت الحركة الإسلامية في السودان استجابة لنداء عميق سرى من داخل الحركة الطلابية السودانية وتلبية لاحتياجات أعمق في السودان وبديلاً سياسياً وفكرياً لأنواع التشتت والتمزق والضياع الطائفي والعقائدي. واختلف الكُتَّاب الذين أرَّخوا للحركة في تقسيم مراحلها: فنجد حسن مكي - وهو مؤرخ معتمد للحركة - يُقَسِّم تاريخها إلى: بناء الحركة من عام ١٩٤٤ - ١٩٥٤م، ومن ١٩٥٨ - ١٩٦٩م، ومن ١٩٦٩ - ١٩٧٢م، ومن ١٩٧٣ - ١٩٧٧م، ومن خندق المقاومة إلى مركز المشاركة من ١٩٧٧ - ١٩٨٥م [١] . أما الترابي فيقسمها إلى: عهد التكوين (١٩٤٩ - ١٩٥٩م) ، وعهد الظهور الأول (١٩٥٦ - ١٩٥٩م) ، وعهد الكمون (١٩٥٩ - ١٩٦٤م) ، وعهد الخروج العام (١٩٦٤ - ١٩٦٩م) ، وعهد المجاهدة والنمو (١٩٦٩ ١٩٧٧م) ، وعهد المصالحة والتطور من (١٩٧٧ - ١٩٨٤م) [٢] بينما يقسمها حيدر إبراهيم علي وهو من المحسوبين على التيار العلماني في السودان إلى: مرحلة النشأة والتكوين م ١٩٤٦ - ١٩٥٧م، ومرحلة التطور والانتشار منذ انقلاب عبود ١٩٥٨ م وحتى ثورة أكتوبر ١٩٦٤م، ومرحلة انقلاب نميري ١٩٦٩م حتى انقلاب البشير ١٩٨٩م [٣] . ولسنا بصدد ذكر تاريخ الصحوة في السودان، ولكننا نقتبس منها قبسات، ونقف عند عوامل أثرت فيها ونخرت في جسدها وأدت بها إلى الحال الذي وصلت إليه الآن، ومن هذه العوامل: عدم وضوح الأساس العقدي: مرت الحركة الإسلامية في مصر بمراحل بدءاً برؤية محمد عبده والأفغاني التي نظَّرت للإسلام بوصفه إصلاحياً حضارياً، ومروراً بنظرة الشيخ حسن البنا وجماعة الإخوان ومحاولة تفعيل دور الإسلام السياسي والأخلاقي، ومروراً بسيد قطب الذي نقل الحركة الإسلامية نقلة عقدية، وأخيراً التوجه الشرعي التأصيلي السلفي مع بداية السبعينيات. ولكن بالنسبة للحركة الإسلامية في السودان وبالرغم من تأثرها بمثيلتها في مصر فإنها لم تقطع هذه المراحل؛ ففي بداياتها تأثرت بجماعة الإخوان المسلمين، ومع تبوؤ الدكتور الترابي زعامة الحركة بدأ يصبغها بصبغته الفكرية التي تأثرت إلى حد كبير بالمدرسة العقلية. وتتلخص أطروحات الترابي فيما يلي: ١ - نظرته للقرآن بأنه حوى القواعد الكلية الأصولية العامة، ولا ضابط في تفسيره إلا ما يمليه عليه تجديد اللغة، وتغير الواقع الاجتماعي والإعمال العقلي لفهم الدلالة دون قيود تحده. ٢ - السنة عنده معظمها ظني الورود والدلالة، وخبر الواحد لا يقوى على الاحتجاج به. ٣ - إمكانية التجديد والنظر في أصول علم الحديث ومناهج الجرح والتعديل ومعايير التصحيح والتضعيف، مع عدم التسليم بعدالة الصحابة. ٤ - إنكاره لبعض الحدود الثابتة كحد الردة مثلاً. ٥ - آراؤه بالنسبة للمرأة في توليتها للقضاء وحتى إمامتها للصلاة [٤] . هذه الآراء أدت إلى انفصال الجناح السلفي في جبهة الميثاق (الذي يضم جعفر شيخ إدريس، ومالك بدري، وعبد الرحمن رحمة، ومحمد مدني سبال) وجبهة الميثاق هي الإطار الذي كان يقود الحركة الإسلامية في ذلك الوقت، وكانت جماعة الإخوان هي لبه، وعلى رأس قيادة الجبهة والجماعة الدكتور الترابي. ولا نقصد بالأساس العقدي جانب العقائد فقط، ولكننا نقصد ما هو أشمل وأوسع بكثير؛ حيث نعني به الميزان الذي يزن به الفرد أعماله والمعيار الذي به تحدد الجماعة وتقيِّم أفكارها وأطروحاتها. إنها الركائز والأعمدة والميزان الذي لا يقوم البنيان إلا به؛ فبه يتم تقييم الواقع المحيط وفق شروطه، وبمناهجه تضبط أحكامه ويكون فيه التمييز بين الطوائف والتجمعات الموجودة، ولقد بحثت في الكتب والمجلات التي تعبر عن الحركة الإسلامية في السودان: عن أفكارها وتصوراتها العقدية فوجدتها قليلة قياساً بتجاربها الحركية الواسعة، وحتى في القليل الموجود تكاد تخلو من التأسيس المنهجي والتأصيل الشرعي؛ ولذلك لا عجب إن وجدنا في خضم الخلاف الذي حدث بين فريقي البشير والترابي مجادلات تثور حول البيعة والشورى والإمامة. وعند عرض هذه المماحكات على المنهج الشرعي التأصيلي لا نجد دليلاً شرعياً يستدل القوم به من الكتاب أو السنة، ولا نرى أقوال علماء تقال، ولكن نجد تهويمات وشذرات ليس وراءها منهج علمي أو غير علمي شرعياً كان أو غير شرعي، وهذا كله نتاج المدرسة التي ربَاها الترابي والحصاد الذي زرعه. النزعة الميكيافيلية عند بعض رجال الحركة الإسلامية في السودان: إن السياسة في مفهوم الإسلام هي «معرفة الواقع تماماً ومحاولة النهوض بالمسلمين من خلال هذه المعرفة إلى الدرجة التي يريدها الإسلام، وليس المقصود منها المراوغة والاحتيال وإتقان فن المداهنة والنفاق» [٥] . وإن العمل السياسي في الإسلام يقوم على مرتكزات أهمها: ١ - عدم التنازل في المسائل الاعتقادية أو التي تتعلق بأصول الإسلام التي حسمها الكتاب والسنة؛ أو أجمع عليها المسلمون. ٢ - أما المسائل الاجتهادية مثل السياسات الشرعية فتراعى فيها القواعد الشرعية الكلية كقاعدة درء المفاسد وجلب المصالح، وقاعدة سد الذرائع، وقواعد المصالح المرسلة وأصولها، والاستحسان وغيرها من القواعد المعروفة. ٣ - عدم فتنة الناس أو التلبيس عليهم، وهذه القضايا تتطلب وجود علماء قادرين على ضبطها والموازنة بينها، والتفريق بين أصولها والمجمع عليه وبين الاجتهادي منها. أما بعض رجال الحركة الإسلامية في السودان فأرى أنهم خالفوا هذا المنهج في بعض تصرفاتهم وطروحاتهم فمثلاً: ١ - النظام السوداني على استعداد لمناقشة فصل الدين عن الدولة وهذا ما ردده علي عثمان طه نائب الرئيس. ٢ - إن أساس العلاقة بين الدولة والفرد هو المواطنة، وليس العقيدة كما يقول الترابي. وعندما نتأمل آيات سورة الأنعام: [وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] (الأنعام: ٥٢) قال الطبري مسنداً إلى ابن مسعود ﵁: مر الملأ من قريش بالنبي ﷺ وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوه من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد! أرضيت بهؤلاء من قومك؟ ! هؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بيننا؟ ! أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك؛ فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فنزلت هذه الآية. والفرد منا يتأمل موقف القرآن الذي يجيء محذراً من أي اعتبار أو أي أهداف أو غايات تبيح طرد المؤمنين! الثاني: النظام السوداني: نشأة النظام الحالي: جاء عام ١٩٨٩م وعلى رأس الحكم في السودان حكومة الصادق المهدي الضعيفة، وكانت الحركة الشعبية لجنوب السودان بزعامة جارانج توالي انتصاراتها مستغلة جو الفوضى السائد في الخرطوم حتى أصبح الجنوب بأكمله على وشك السقوط في أيديها. ونما إلى علم قيادات الجبهة القومية الإسلامية حينئذ أن هناك مجموعات من الضباط من اتجاهات مختلفة تخطط للقيام بانقلاب؛ وهنا تذكرت هذه القيادة أحداث مايو ١٩٦٩م عندما استولت مجموعة من الضباط القوميين والشيوعيين على الحكم وزجت برموز الحركة الإسلامية في السجون. فاتجهت النية لدى قيادة الجبهة إلى تكليف العميد عثمان محمد حسن بقيادة الانقلاب لكنه تردد في اللحظة الأخيرة، وبعدها تم تكليف العميد البشير بمغادرة منطقة عمله في غرب السودان ليحضر إلى الخرطوم بشكل عاجل؛ ولدى وصوله إلى العاصمة تمت ترتيبات زعم فيها أنه تقرر اختياره للمشاركة في فترة دراسية في جمهورية مصر العربية لتشتيت العناصر الاستخبارية داخل الجيش؛ وكان لا بد من تقديم ساعة الصفر لتنفيذ الانقلاب حتى لا تطول إقامة البشير في العاصمة بلا مُسوغات مقبولة، وسجل البشير بيانه الانقلابي الأول في الاستوديو التلفزيوني الخاص بمنظمة الدعوة الإسلامية وهي إحدى منظمات الجبهة القومية الإسلامية، واجتمع البشير بالترابي ليلة الانقلاب وتم الاتفاق على أن يذهب الترابي للسجن للتمويه، وحين تم الانقلاب أبلغ البشير فروع القوات المسلحة أنهم قرروا التحرك بناءاً على تعليمات من القيادة العامة للجيش للإطاحة برئيس الوزراء الصادق المهدي، وكان اسم البشير قد تردد بشدة في عام ١٩٨٥م إثر خبر نشرته مجلة الدستور التي كان يصدرها حزب البعث السوداني في لندن وذكرت فيه أن البشير يتزعم حلقة من الضباط الموالية للجبهة الإسلامية المكلفة بتنفيذ انقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة. كانت آلية عمل النظام تسيرها كوادر الجبهة من وراء الستار بينما بقيت مجموعة الضباط التي قامت بالانقلاب مجرد واجهة فقط أمام العالم الخارجي، وكان من الطبيعي أن يبدأ هؤلاء الضباط في التململ من ذلك الوضع حينما أخذت خبراتهم تتراكم في العمل السياسي، في حين اشتد الحصار على النظام الحاكم من قِبَل المعارضة المدعومة من دول الجوار والولايات المتحدة و (إسرائيل) ، وتأزمت العلاقة مع مصر، كل ذلك بينما الأداء السياسي كان سيئاً للمجموعة الحاكمة؛ لظهور التناقض والقرارات المتضاربة في العلن بين التنظيم الحاكم من وراء الستار ومجموعة الواجهة؛ مما حدا بالترابي إلى أن يتخذ قراراً بالظهور علانية هو وأفراد تنظيمه واشتراكهم في الحكم تحت مسمى حزب المؤتمر الوطني وقانون التوالي، وعبر هذا الحزب وتشكيلاته أراد الترابي أن يظل ممسكاً بدفة الحكم في السودان متحكماً في توجيهه واستئثاره بصنع القرار، ولكن وربما للمرة الأولى يظهر عجز الترابي عن مسايرة الواقع وعن فهم متغيراته، وهو الذي اشتهر عنه سبقه للأحداث، وواصل تحديه للمجموعة المناوئة لزعامته التي لم تجد صعوبة في إزاحته من القيادة وتحجيم نفوذه ووضع الإطار المناسب لدوره الذي لا يتعداه في المستقبل. الثالث: التدخل الخارجي: ١ - الدور الأمريكي في تفجير النظام السوداني: إن السؤال المطروح هو: ما حقيقة الدوافع الأمريكية في النظر إلى السودان؟ يقع السودان في موقع قريب من منطقة القرن الإفريقي، وتمثل هذه المنطقة أهمية حيوية للتحكم في الملاحة في البحر الأحمر: هذا البحر الذي تمر به نسبة كبيرة من تجارة العالم إضافة إلى ناقلات النفط القادمة من الخليج إلى أوروبا وأمريكا، والمعروف أن تدفق البترول والتحكم فيه وفي أسعاره كان دائماً ورقة ضغط أمريكية على أوروبا واليابان والصين تلوح بها في وجه هؤلاء الكبار الذين يريدون الخروج عن السياسة الأمريكية وأهدافها في العالم؛ فضلاً على أن أمريكا تعد منطقة القرن الإفريقي عمقاً استراتيجياً لقواتها الموجودة في الخليج. كما يمثل البحر الأحمر عمقاً حيوياً لـ (إسرائيل) ؛ حيث يطل السودان عليه، وأمن (إسرائيل) يعد من أولويات السياسة الأمريكية وأهدافها الاستراتيجية ، والتحيز الأمريكي لليهود ليس كما يظن بعض الناس أنه نتيجة فقط لتغلغل اللوبي اليهودي الأمريكي وتأثيره على صانعي القرار الأمريكي فقط، ولكن العامل الآخر هو التأثير البروتستانتي النصراني على السياسة الأمريكية. * إن السودان مدخل مهم إلى منطقة البحيرات العظمى؛ حيث قامت أمريكا بمحاولة ترتيب الأوضاع هناك، فقامت بدعم قبيلة التوتسي التي استولت على الحكم في رواندا وأوغندا، وحاولت ذلك في زائير (الكونغو) . وفي تقرير للبنتاجون نشر موخراً اعتبر أن منطقة البحيرات العظمى هي مصدر استراتيجي مهم لا يمكن الاستغناء ولا التنازل عنه باعتبار أن هذه المنطقة تمثل حلقة الوصل الرئيسة بين الدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط، إضافة إلى أن من يتحكم في هذه المنطقة سيحدد إلى حد كبير الآثار الاستراتيجية والسياسية لمنطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا. وأكد التقرير أن النهج الاستقلالي الذي تسعى دول المنطقة إلى تبنيه ممثلاً في السعي إلى إنشاء السوق الإفريقية المشتركة سوف يؤثر على المصالح الأمريكية، وأن السودان والحكم الإسلامي فيه سوف يحدث بلبلة في المنطقة، وأن الهدف الأمريكي هو إحداث تغيير سياسي سريع في السودان وعلمنة الحكم ليرتبط مع بقية دول البحيرات العظمى في إطار تحالف قوي يضم أوغندا وإثيوبيا وإرتيريا والكونغو والسودان الجديد. * التحكم في منطقة حوض النيل لإخضاع الدول الواقعة عليه للسياسات الأمريكية. * وقف المد الإسلامي وانتشاره في إفريقيا: فقد صرحت أولبرايت في ٥/ ١٩٩٨م: أن ترك هذه المنطقة (تقصد شرق إفريقيا) دون توجيه استراتيجي أمريكي من شأنه أن يؤدي إلى نتائج في مقدمتها قيام عدة دول إسلامية في الشرق الإفريقي. وفي حديث لوزير الخارجية السوداني مصطفى إسماعيل نشر مؤخراً قال فيه: «إن السياسة الأمريكية الآن تحاول أن تصنع عدواً لتخيف به الآخرين، وآلياتها الإعلامية والسياسية تصب في هذا الاتجاه، ومن ثَمَّ فهي تدعو الأطراف الأخرى في ضوء ذلك للاعتماد عليها، وأمريكا تصوِّر السودان الآن على أنه العدو» . في ضوء هذه الأهداف السابقة بدأت أمريكا في رسم السياسات التي تمكنها من الوصول إلى هذه الأهداف: والمتتبع للسياسة الأمريكية في أي بقعة أو بؤرة من بؤر التوتر في العالم يلحظ خاصية هامة يجب علينا فهمها والاهتمام بها وهي: الاستدراج البطيء والتعامل الهادئ مع الخصم، الممزوج بالتصعيد التدريجي أي سياسة الشد والاسترخاء حتى إذا تهيأت الظروف دفعت الأحداث إلى إحكام الطوق والحصار العسكري بالأساطيل والجيوش والحلفاء، ثم تتبع أسلوب ساعة الحسم. إن عدم فهم هذه الخاصية وإدراكها يوقعنا في الحيرة والاضطراب ووصف السياسة الأمريكية بالتناقض والارتباك وهي ليست كذلك في كل وقت؛ ولكن يحدث أحياناً خلاف بين صانعي القرار الأمريكي حول وصول الوضع إلى ساعة الحسم، وهنا قد يحدث نوع من الاجتهادات المختلفة تؤثر بدورها على المواقف التي تتخذها أمريكا؛ وذلك مثل ما حدث بالنسبة للسودان في قرار إعادة الدبلوماسيين الأمريكيين إلى السفارة الأمريكية في الخرطوم؛ فبعد أسبوع واحد تراجعت الخارجية الأمريكية عن القرار. وطبقاً للقاعدة السابقة فإن حديثنا عن السياسة الأمريكية تجاه السودان يسير على أربعة محاور: المحور الأول: سياسة الاسترخاء؛ ومن ذلك: * صدور تقارير صحفية تفيد اعتزام الإدارة الأمريكية بحث إمكانية إسقاط النظام السوداني من قائمة الدول الراعية للإرهاب تمهيداً لإتمام الصفقة النفطية بين الحكومة السودانية ومؤسسة أوكسيدنتال النفطية الأمريكية. * الترحيب الرسمي الأمريكي باتفاق السلام الموقع في ٢١/٤/١٩٩٧م بين الحكومة السودانية وست من فصائل المعارضة الجنوبية. * زيارة وفد أكاديمي أمريكي للسودان وبحث المشاكل التي تعوق تطوير العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان. * إقرار صندوق النقد الدولي اتفاق المرحلة الأولى من الإصلاح الاقتصادي ابتداءاً من أواخر يونيه ١٩٩٧م. * إعراب الإدارة الأمريكية عن انزعاجها مما نسب إلى الرئيس الإريتري حول وجود مشاركة إريترية في القتال الدائر بشرق السودان. * وفي تصريح لمسؤول في مجلس الأمن القومي الأمريكي أن أمريكا لا تؤيد الدعوة لتقسيم السودان، وترغب في أن يحافظ على وحدته ضمن صورته الحالية المعترف بها من المجموعة الدولية. * السماح للسودان باستيراد المواد الغذائية من الخارج؛ حيث إنها غير مدرجة في العقوبات. المحور الثاني: سياسة الشد: * صدور عدة تقارير أمريكية من وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي قدمت إلى الكونجرس في الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر ١٩٩٦م والتي أجمعت على اعتبار السودان بين الدول الأشد خطراً. * تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي في ديسمبر ١٩٩٦م، تؤكد أن استراتيجية الإطاحة بالنظام السوداني هي أفضل الخيارات المتاحة. * في ٢٤/١١/١٩٩٧م قررت الولايات المتحدة سحب البعثة الدبلوماسية من السودان. * تصريح مادلين أولبرايت أثناء جولتها في المنطقة أن الولايات المتحدة تسعى لإسقاط النظام في الخرطوم سلماً أو حرباً. المحور الثالث: إحكام الطوق: * في عام ١٩٩٦م تم تخصيص مبلغ ٢٠ مليون دولار في صورة مساعدات عسكرية لثلاث دول إفريقية تتعاون لإسقاط النظام السوداني وهي: إريتريا، وأوغندا، وإثيوبيا؛ وهو ما أكدته السفارة الأمريكية. * في ١٥/١٢/١٩٩٧م اتهم البشير أمريكا بأنها حرضت حركة التمرد على إلغاء ما تم التوصل إليه، وألقت بكل مبادئ الإيغاد في سلة المهملات دعماً لاستمرار القتال. * عملت إدارة كلينتون على شل الصف الإفريقي عبر صنع لوبي بين الدول الموالية لواشنطن يتبنى فكرة إقرار آلية متعلقة بتشكيل قوة عسكرية من هذا اللوبي تتولى التدخل لفض ما تسميه واشنطن بالصراعات في القارة؛ وهي الآلية التي تشرف عليها واشنطن في أوغندا. * الجولات المتتالية للمسؤولين الأمريكيين في المنطقة بدءاً من كلينتون ومروراً بأولبرايت وانتهاءاً بسوزان رايس مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون القرن الإفريقي، ويسعى هؤلاء المسؤولون إلى القضاء على أي تعارض في الأهداف وإلى تخفيض حدة التنافس بين زعماء المنطقة. حاولت أمريكا ترتيب لقاء يجمع بين جارانج والمنشقين عنه في نيويورك ولكن المفاوضات بين الأطراف وصلت إلى طريق مسدود. المحور الرابع: مؤشرات لحظة الحسم: بعد إتمام الحصار على السودان كان الوضع مهيأ لزحف عسكري من تحالف المعارضة مدعوم بجيوش دول الجوار (إثيوبيا وإريتريا وأوغندا) وخاصة بعد أن أصبحت مصر على الحياد بعد المحاولة التي لم تنجح لاغتيال الرئيس حسني مبارك في إثيوبيا، وبدا النظام السوداني شبه معزول، وظهر أن هذا التوقيت هو الأنسب لتوجيه تلك الضربة القاصمة للنظام. ولكن سرعان ما حدثت تطورات كان من أبرزها تورط أوغندا في الصراع الذي اندلع مجدداً في الكونغو، واندلاع قتال ضارٍ بين الحليفين في القرن الإفريقي: إثيوبيا، وإريتريا. وتغير الموقف المصري من النظام السوداني بعد أن أعاد حساباته الاستراتيجية وأصبح يقف حجر عثرة في وجه هذه المخططات. وهنا بدأت أمريكا تُغيِّر سياساتها تجاه السودان لتبدأ مرحلة جديدة من أهم خصائصها: * تقليل الاعتماد على دول الجوار نظراً لتشتتها وتشرذمها. * محاولة إضعاف الدور المصري في السودان، وممارسة الضغوط على النظام المصري لرفع يده من القضية السودانية. * تحريك الأساطيل الأمريكية تجاه السودان، واستخدام أساليب القصف الصاروخي لضرب منشآت حيوية؛ كما حدث في ضرب مصنع الشفاء في الخرطوم. * إرسال المبعوثين إلى الجنوب؛ كما حدث في زيارة عضوي الكونجرس إلى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، ثم عودتهم ومطالبتهم الإدارة الأمريكية بالتدخل. * التحرك نحو إيجاد مناطق معزولة ضد الطيران السوداني على غرار شمال العراق وجنوبه تمهيداً لانفصاله. تعيين مبعوث خاص بالسودان، وذلك للتركيز على هذه القضية والدلالة على أنها بؤرة الاهتمام الأمريكي. إن الحالة السودانية أكثر شبهاً بالمسألة العراقية بالنسبة للولايات المتحدة؛ فهي بين خيارين: الاحتواء: وجعل السودان في حالة حصار دائم ليساعد على انهيار النظام وتفكيكه، أو ثورة الشعب عليه. وسياسة الاحتواء الأمريكية: هي ممارسة الضغوط القوية على الخصم من جميع الاتجاهات حتى ينفجر من الداخل، وهذه السياسة باتت الخيار المفضل الذي تتبعه الإدارة الأمريكية مع الجماعات الإسلامية سواء بنفسها مباشرة أو عن طريق عملائها في المنطقة، وتجلى ذلك واضحاً في أحداث انشقاق حزب الوسط من جماعة الإخوان المسلمين، وما حدث في انفجار الخلافات داخل المجموعة الحاكمة في النظام السوداني. التفكيك: أي تجزئة السودان إلى دويلات عدة تحت أي صيغة أو مسمى من المسميات مثل حق تقرير المصير، أو الكونفدرالية. وقد ذكرت جريدة الأسبوع المصرية في ٢٢/١٢/١٩٩٧م أن أولبرايت استشارت جيمي كارتر الخبير في الشؤون السودانية والقرن الإفريقي (الرئيس الأمريكي الأسبق) فأشار بتفتيت السودان للسيطرة على المنطقة وإزالة النظم المعادية، وبالذات التي لها توجه ديني. ٢ - الدور المصري: حملت السياسة الأمريكية تجاه السودان وفي القرن الإفريقي دائماً تهديداً مبطناً لمصر؛ فقد لعبت واشنطن دوراً هاماً في إبطال المبادرات المصرية في الصومال، وأبدت امتعاضاً واضحاً تجاه الدعم المصري الليبي لإريتريا. والجولة الإفريقية الأخيرة لوزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت لم تشمل القاهرة تعمداً منها لإلغاء أي دور مصري في إفريقيا أو عدم تحبيذه، وتبع ذلك لقاؤها بـ (جون جارانج) وإعلانها استعداد واشنطن تقديم مساعدات رسمية للمشروع الانفصالي في جنوب السودان، ومعارضتها الصريحة للمساعي المصرية الليبية المشتركة العاملة على إيجاد صيغة للمصالحة السودانية. لقد استخدمت الحكومة المصرية جارانج وأطراف المعارضة السودانية الأخرى لبعض الوقت في لعبة الشد والجذب مع الخرطوم، ولكن جارانج شخص لا يعتمد عليه، وكان من المفترض لأساطين رجال السياسة المصرية أن يدركوا طبيعة شخصيته وأهدافه، ولكنهم خُدعوا فيه؛ فعند أول بادرة تنكر للمبادرة المصرية الليبية وتمسك بمبادرة الإيغاد عند لقائه بأولبرايت. ثمة دلائل عديدة على أن التصعيد الأمريكي الأخير ضد السودان رغم التهديد المباشر للسودان موجه في جوهره ضد مصر؛ فالعداء الأمريكي للسودان هو بشكل من الأشكال تحصيل حاصل، ولكن الذي يبعث على الاندهاش في النشاط الأمريكي أن مصر وأمريكا دولتان حليفتان تجمعهما سياسة وتفاهم مشترك وتنسيق طويل المدى، بل إن تصريحات أولبرايت الأخيرة تجاه المبادرة المصرية الليبية جاءت في الوقت الذي تجري فيه مناورات مصرية أمريكية متعددة القوات، والتي تسمى: (النجم الساطع) هي في حد ذاتها مؤشر على عمق العلاقات المصرية الأمريكية؛ فكيف الجمع بين هذه وتلك؟ بعض الجواب يكمن في اللقاء الذي ضم الرئيس المصري ووزير الدفاع الأمريكي وليم كوهين في القاهرة قبل يوم واحد من تصريحات أولبرايت العدائية، ووفقاً لمصادر صحفية فقد طرح وزير الدفاع الأمريكي على مبارك فكرة تطبيع عسكري بين مصر و (إسرائيل) من أجل إعطاء مزيد من الدفع لعملية السلام والتطبيع في المنطقة. والتطبيع في المفهوم الأمريكي الإسرائيلي هو إخضاع مصر عسكرياً، وهو الأمر الذي يتناقض مع الحلم الأزلي للنظام المصري في الهيمنة على المنطقة. وبما أن الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة هي ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية في هذه البقعة في العالم؛ فإن تهديد مصر في جنوب السودان يستهدف أساساً التلويح بالتحكم في مياه شعب مصر وطعامه وإجبار مصر على الإذعان أمام الدور والقوة الإقليمية للدولة العبرية. بمجيء حكم الإنقاذ في مايو ١٩٨٩م اختلفت الأسس الفكرية للنظامين؛ فالنظام المصري قائم على العلمانية وإبعاد الدين عن السياسة؛ بينما جاءت ثورة الإنقاذ وأفرادها يتعاطفون مع الإسلام ويتحالفون مع فصيل من فصائل التيار الإسلامي، وكان من الطبيعي أن يحدث الصدام. وجرت محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا لتشتعل العلاقة، وتدخل منطقة حلايب مرة أخرى ورقة للإثارة وهي منطقة حدودية تدخل في حدود مصر ولكن يديرها السودان منذ الاستقلال، والوضع فيها ظل كذلك حتى إذا تجدد النزاع بين الحكومتين أطلت هذه القصة برأسها. والأصل أنه لا توجد حدود طبيعية بين الدولتين، بل إن المنطقتين على جانبي الحدود أشبه بوحدة واحدة: نفس البشرة، والعادات والتقاليد، حتى اللهجة الواحدة، لكن الاستعمار قبل أن يرحل زرع هذه البؤر المتوترة ليس بين مصر والسودان فحسب، بل بين معظم الأقطار الإسلامية، كما أسهم اتهام مصر للسودان بإيواء المتطرفين الإسلاميين واتخاذهم السودان قاعدة لهم ساهم ذلك في ازدياد حدة التوتر. كما اتهمت السودان مصر بأنها تستقطب زعماء المعارضة السودانية الذين يعقدون اجتماعاتهم في القاهرة. ولكن بعد تصريح أولبرايت في أثناء زيارتها لأوغندا بأن الولايات المتحدة ستغير النظام السوداني سلماً أو حرباً ساهم هذا التصعيد في تخفيف حدة التوتر بين الدولتين؛ حيث رأت مصر خطورة استراتيجية على أمنها القومي من ناحية الجنوب ووجود الفوضى في منطقة حوض النيل والبحر الأحمر، كذلك سارع السودان إلى الارتكاز على مصر للمساعدة في صد هجمات المعارضة التي أخذت بعداً دولياً، ولذلك تمت زيارة الفريق الزبير صالح نائب رئيس الجمهورية السودانية في ذلك الوقت إلى القاهرة وتبعها زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى السودان مع فريق عمل وبحث الموضوعات المعلقة ومن بينها مسألة إيواء الهاربين، كما بحث إمكانية تزويد السودان بمحطات للرصد ووسائل دفاعية في الجنوب، وقد أثمرت هذه المعونات في إحباط محاولة جارانج احتلال مدينة (واو) حين تمكن جارانج من استقطاب أحد زعماء المعارضة المنشقة عليه في السابق (كاربينو) ؛ ولكن الجيش السوداني تمكن من رصد الاتصالات التي جرت بين أطراف التمرد وإبطالها نتيجة للدعم المصري. وبهذا بدا الدور المصري عاملاً حاسماً في إحباط المخططات على الجنوب. وللمرة الأولى تقريباً منذ توتر العلاقات بين البلدين نوقش ملف العلاقات مع السودان في اجتماع موسع لمجلس الوزراء المصري بحضور الرئيس مبارك أوائل مايو الماضي، وللمرة الأولى أيضاً يخرج الاجتماع بتوصية تقول: «إن الأولوية للعلاقات مع السودان» فقد حرص وزير الخارجية المصري على انتقاء عبارات تدل على التحسن الحقيقي في العلاقات، وتكشف ضمناً أن هناك اتفاقات أبرمت على الرغم من عدم الإعلان عنها؛ فقد قال عمرو موسى في لقاء مع الصحفيين، وآخر مع أعضاء لجان الشؤون الخارجية والعربية والأمن القومي بالبرلمان المصري: «نحن مقبلون ومقدمون على وضع هذه العلاقات في أولوية عالية» ، واعترف بوجود «لقاءات مكثفة وعمل مستمر الآن بين الجانبين انطلاقاً من الحرص الكامل على مصالح السودان الشقيق وعلى العلاقات المصرية السودانية الخاصة والمتميزة، ومحاولة تنقية المسار حتى لا يتعرض لعملية تشويش؛ لكن هذا التقارب بين النظامين بدا بطيئاً جداً؛ حيث إن النظام المصري ينظر إلى السودان بمنظارين: - أنه نظام إسلامي متطرف، ومجرد وجوده يدعم مكانة الجماعات التي يخوض معها النظام المصري حرباً لا هوادة فيها، ويسميها متطرفة. - أما النظرة الثانية فهي مصالح مصر الاستراتيجية في السودان والتي تهددها الحرب الأهلية، وعدم استقرار النظام في الخرطوم. هذه المعضلة تحدَّث عنها الرئيس مبارك في لقائه بالمفكرين أثناء معرض الكتاب في القاهرة في يناير ١٩٩٧م؛ حيث قال بالحرف الواحد:» أنا أمام معادلة صعبة (مش عارف) أتصرف فيها (إزاي) «ويبدو أن القاهرة توصلت أخيراً لحل هذه المعضلة بالضغط على النظام السوداني لتغيير ولائه للإسلام عن طريق إدخال المعارضة بأي صورة داخل النظام، ويأتي في هذا السياق استقبال الحكومة لـ (جارانج) لأول مرة علناً في القاهرة. والملاحظ أن الحكومة المصرية تحاول ترتيب لقاء يجمع أركان المعارضة مع الحكومة السودانية للتوصل إلى اتفاق على غرار ما حدث مع أطراف الصراع الصومالي. وعلى درجة تخلي النظام في السودان عن توجهاته الإسلامية يستمر التحول التدريجي في العلاقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه تقوم الحكومة المصرية بإحباط أي محاولة لزعزعة نظام الحكم بالقوة في السودان وإحداث فوضى بالمنطقة. ولم يكن من قبيل المفاجأة انحياز زعماء الدول المجاورة للسودان وخاصة مصر وليبيا إلى صالح الرئيس البشير في نزاعه الأخير مع الترابي فليس ذلك حباً فيه واطمئناناً له بل كرهاً للترابي والنهج الإسلامي الذي يتبعه، ويرون فيه تهديداً وخطراً على أنظمتهم واستقرار بلادهم؛ فالرئيس حسني مبارك أعلن أكثر من مرة أنه لا توجد أي مشكلة بينه وبين الرئيس السوداني، وإنما مشكلته مع الدكتور الترابي الذي اتهمه بدعم الجماعات الإسلامية المتطرفة وإمدادها بالمال والسلاح والوقوف خلف محاولة الاغتيال التي استهدفته. والرهان المصري الليبي على الرئيس البشير هو الرهان الرابح ولو في المستقبل المنظور؛ فالرئيس السوداني يتزعم المؤسسة العسكرية التي تعتبر المؤسسة الوحيدة المستقرة والفاعلة ليس في السودان وحده وإنما في جميع دول العالم الثالث، ولذا خرج الرئيس المصري لاستقبال ضيفه في المطار وهو الذي رفض لسنوات عدة استقباله برغم إلحاح البشير لزيارة مصر؛ فما الذي جدَّ سوى إزاحة الترابي الذي كان على ما يبدو العقبة المهمة في تحسين هذه العلاقات؟ وسارع مبارك إلى جولة في الدول المجاورة لكسب الدعم للبشير ومساندته في توجهاته الأخيرة.

стр. 3536

المسلمون والعالم المجاعة في القرن الإفريقي عبد الرحمن إبراهيم جيلة [*] منذ أكثر من ثلاثين سنة تقريباً وإقليم أوجادين (الصومال الغربي) يذوق ويلات الحروب ويتجرع مرارتها؛ إذ كانت إثيوبيا العدو التقليدي للصومال؛ وذلك بسبب قوة الصومال المتزايدة آنذاك، وأخذ الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي يبذل ما في وسعه لإقناع حلفائه الغربيين بتزويد إثيوبيا بالأسلحة الهجومية، وحتى بعد أن حدث الانقلاب العسكري في إثيوبيا عام ١٩٧٤م وولَّت إثيوبيا وجهها نحو السوفييت استمرت القلاقل والمخاوف بين البلدين المتجاورين، وكان كبش الفداء في هذه المخاوف منطقة أوجادين؛ إذ قدم الإثيوبيون مذكرة للزعماء الأفارقة عام ١٩٧٦م يزعمون فيها أن الصومال لديه خطط حربية لضم الصومال الغربي (أوجادين) وجيبوتي إليها، وأن المخابرات الصومالية موجودة الآن في أوجادين ومحافظة هرر الإثيوبية، مما سبب زيادة في الفتن والقتل في منطقة أوجادين التي يدعمها آنذاك الجيش الصومالي النظامي، ولا يزال حكام إثيوبيا يشككون في أهالي أوجادين ويسومونهم تعذيباً وقتلاً حتى عام ١٩٦٤م، حين اندلعت شرارة الحرب الكبيرة بين إثيوبيا والصومال، وأُعلنت الحرب رسمياً عام ١٩٧٧م؛ وقد أبدى المقاتلون الصوماليون براعةً حربية هائلة يساندهم إخوانهم في الصومال الغربي، ثم كانت الخيانة العظمى التي حصلت في صفوف القادة الميدانيين بإيعاز من القيادة الصومالية لأمرٍ مَّا؛ فانقلب النصر هزيمة بين عشية وضحاها. وأثناء تلك الحرب وبعدها وإلى اليوم ذاق الشعب الأوجاديني ألواناً من الحياة البائسة المتمثلة في شظف العيش، وسوء دخل الفرد، وتتابعت ويلات الحروب من الجبهات التي تعادي النظام الإثيوبي إما عن طريق حرب العصابات أو التفجيرات، أو بملاحقة النشطين في المدن والقرى الأوجادينية من قِبَل أذناب الحكم الإثيوبي؛ فأصبح هذا الشعب والذي يزيد قليلاً على أربعة ملايين نسمة بين سندان النظام الحاكم في إثيوبيا ومطرقته، ولا فرق في حقيقة الأمر بين حكامه ومصالحهم ونظرتهم لهذا الشعب وبين تنكُّر إخوانهم المسلمين لهم؛ لِمَا يعيشونه من أحوال معيشية بائسة منذ عشرات السنين. ولا تزال الأنظمة الظالمة في إثيوبيا تلاحقهم بسياط القتل والتشريد والتجويع، ولا تزال بعض الجبهات الإسلامية تقاتل ضد النظام الإثيوبي الكافر، ولا تزال مآسي تآمر الأنظمة الصومالية القبلية المتعددة الحاكمة الآن تلاحقهم وتتحالف مع أنظمة أديس أبابا جرياً وراء مصالحها، وطلباً لرضى الحكومة الإثيوبية عنها؛ حيث تعدهم بالوعود الكاذبة [وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً] (النساء: ١٢٠) . ويا ليت الأمر اقتصر على هذا؛ بل إن الناظر في شؤون هذه المنطقة المنكوبة من الداخل يجد العجب؛ فنكبة المجاعة التي تعصف بهم وبغيرهم من أهل القرن الإفريقي في هذه الأيام لم تكن وليدة ثلاثين شهراً مرت على المنطقة لم ينزل فيها الغيث فحسب؛ بل هي امتداد لمجاعات ونكبات سابقة مرت على المنطقة بسبب غياب الحكومة التي تهتم بمصالح الناس هناك وغياب البنى التحتية في أوجادين، على مرأى ومسمع من العالم الذي لم يتخذ الخطوات الجادة لمنع حدوث مثل هذه الكوارث عن قصد أو عن غير قصد ففي عام ١٩٧٩م تقريباً أي بعد انتهاء الحرب هناك وقعت كارثة إنسانية؛ حيث مات المئات من الناس، والألوف من البهائم في تلك المنطقة بسبب المجاعة، وكذلك مجاعة ١٩٩١م الشهيرة بين تلك المنطقة والصومال، وغيرها من النكبات التي مرت على هذه المنطقة، والتاريخ اليوم يعيد نفسه بمجاعة عام ٢٠٠٠م التي يعتبرها كثير من المحللين السياسيين عاراً في جبين العالم المتحضر اليوم. أسباب المجاعة في هذه المنطقة: يمتد إقليم أوجادين جنوب شرقي إثيوبيا، وتبلغ مساحته أكثر من ٢٥٠ ألف كم٢، ويقارب عدد سكانه خمسة ملايين نسمة، كلهم مسلمون، ويتكلمون اللغة الصومالية، وبعضهم يستطيع التحدث باللغة الهررية والآرومية لالتصاقهم بهم. وسكان الأوجادين هم بدو رحل وريفيون يعتمدون في الغالب على مياه الأمطار التي انحبس نزولها عليهم منذ شهر إبريل من عام ١٩٩٨م تقريباً؛ وهذا الإقليم قد اشتهر منذ زمن بعيد بالجفاف المتكرر بسبب موقعه الجغرافي؛ إلا أن بعضاً من المتابعين يرجعون عدم نزول الأمطار عليهم خلال هذه الفترة بسبب مصانع أوروبا وغازاتها، التي سببت كتلةً هوائية وضغطاً جوياً طرد السحب الركامية الملبدة بالغيوم إلى الناحية الشمالية أو الجنوبية. وأياً كان السبب فإن الله لم يأذن بهطول الأمطار لحكمة أرادها سبحانه منذ أكثر من ثلاثين شهراً، مما تسبب في مجاعة أكثر من ٧٧% من مجموع السكان الريفيين والبدو الرحّل الذين خسروا مصدر عيشهم المتمثل في الزراعة والرعي، وأكثر مدن هذا الإقليم تأثراً هي: (قدي - دنان - وردير - جبردهر - هارعد - أفدير - إيمي الشرقية خصوصاً - حمارو - غاربو - فيق دجحبور) حيث فقد أهالي مدينة قدي الذين يبلغ عددهم أكثر من أربعمائة ألف نسمة أكثر من ٩٠% من الماشية وأكثر من ٧٠% من الأغنام، حسب إحصائيات لجنة النكبات في تلك المدينة. أما المظاهر اليومية لهذه المجاعة فهي: ١ - ندرة الطعام والشراب، والموت بين النساء والأطفال وكبار السن بسبب الجفاف وقلة الوزن وتلوث المياه التي يشربونها، وذلك بنسب متفاوتة بحسب المناطق، وخصوصاً في المدن السابق ذكرها، والتي يبلغ تعداد سكانها مجتمعة أكثر من مليون وثلاثمائة ألف نسمة. والتقارير الغربية تذكر أن الفرد الواحد يأكل في الشهر الواحد أقل من كيلو غرام واحد من المواد الغذائية في بعض المدن، وتقل هذه النسبة في مدن أخرى. وإن بعض الجمعيات المحلية والهيئات الغربية توزع الآن ما نسبته ٤. ٥ كلغ على الشخص الواحد من المواد الغذائية شهرياً. ٢ - حالة الهلع والذعر، وتنكُّر الناس بعضهم لبعض، وانتشار الكراهية والبغضاء بينهم؛ حيث يتقاتل الناس فيما بينهم على مورد ماء لا يكفي لمائة شخص، بل تدخل الحيوانات كالخنازير والقردة في هذا الصراع. والأشد من ذاك أن يترك كبار السن لمواجهة الموت من غير نصير ولا معين على أكناف الطرق. ٣ - انتشار الأمراض بين الأطفال بسبب الجفاف، وقلة الوزن؛ فقد أجريت في سبع قرى تابعة لمدينة دنان دراسة حالات الأطفال في الشهر قبل الماضي (ذو الحجة ١٤٢٠هـ) فوجد أن ٦. ٥% من الأطفال دون سن الخامسة من أعمارهم وزنهم أقل من ٦٠% من أطوالهم الطبيعية، وأنهم لا يستطيعون الاستمرار على قيد الحياة إلا ببرنامج غذائي علاجي سريع. ٤ - انعدام الماء الصالح للشرب، مما سبب استحالة إقامة برامج غذائية وعلاجية متكاملة؛ فقد قامت اللجنة الأمريكية (٢S) ببناء خزانات طوارئ في مدينة دنان وقراها، كما قامت كل الهيئات الغربية المشاركة لإنقاذ الناس من هذه المجاعة بشراء كميات لا بأس بها من الخزانات الحافظة للمياة، وكذا قامت الجمعيات المحلية والحكومية، والهيئات الإسلامية القليلة العاملة هناك. ٥ - موت وهلاك المواشي والأغنام، وانتشار الأمراض المهلكة بينها، وقد ذكرنا آنفاً أن أكثر من ٩٠% من الماشية وأكثر من ٧٠% من الأغنام هلكت في مدينة واحدة هي (قدي) بل إن الأمر يزداد سوءاً إذا عُلِمَ أن النوق قد توقفت عن إدرار الحليب منذ يناير ٢٠٠٠م، وهي الآن تموت بالمئات يومياً، كما يذكر برنامج الغذاء العالمي (UN) ، وهذا مؤشر خطير لما يعانيه البدو هناك. دور الهيئات العاملة في الأزمة: تدَّعي الجمعيات الغربية العاملة في الصومال وجيبوتي وكينيا وإثيوبيا بأنها كلها تعمل لإنقاذ البيئة الريفية في أوجادين وإعادة تأهيلها، وأن لديها برامج إغاثية كبيرة في هذه المحنة في تلك المنطقة، والحق أن أغلب هذه الهيئات لا تعمل شيئاً، بل موقفها لا يتعدى نقل صور هذه المأساة من خلال الكاميرات العادية وكاميرات الفيديو ونشرها أمام شعوبها لتلقِّي المزيد من الدعم المالي والإداري والسياسي. والحق يقال أيضاً: إن الهيئات الغربية أكثر من غيرها عملاً في تلك المجاعة مثل (UN) متمثلة في برنامج الغذاء العالمي، USAID المساعدات الأمريكية تعمل في قدي، واليونسيف متمثلة في برنامج واحد هو (أطعم الأطفال) و (DPPCOFA) الأمريكية، WEP الإغاثات النصرانية، والسفارة الألمانية CRDA والتي تسببت في مشاكل كثيرة مع الحكومة الإثيوبية بسبب إخفاق الحكومة في برامج الإغاثة، وكذبها على المانحين والداعمين، OXFAM البريطانية، والبعثة السويدية والإيرلندية CONCERN والبلجيكية، وبلا حدود، وهناك أكثر من خمس وثلاثين هيئة غربية تدعي العمل عن طريق جمعيات محلية، ولم نرَ أثر عملها في الغالب. ولم يقتصر الأمر على الهيئات الغربية بل شارك السفراء الغربيون يقودهم السفير الأمريكي في أديس أبابا في الوقوف على هذه المحنة بأنفسهم؛ فقد استأجروا طائرة تجارية في شهر ذي القعدة ١٤٢٠هـ تقلهم إلى مدينة قدي للوقوف على أحوال المدينة دون إذن مسبق من الحكومة الإثيوبية. ولا يخفى على أحد أهداف بعض هذه الحكومات والهيئات الدينية؛ فقد قامت البعثة البلجيكية ببناء خيمتين في مدينة قدي خاصة بالأطفال كتب على واحدة منهما: (محمد) وعلى الثانية: (عيسى) ، وملئت خيمة عيسى بأصناف المأكولات والمعلبات الغذائية، أما خيمة محمد فلا يوجد فيها إلا بعض أكياس الدقيق، ويرسلون الأطفال إليها ليختاروا أي الخيمتين أفضل. وفي مدينة دنان يدعو الأطباء السويديون للناس بالشفاء باسم عيسى ﵇ مما سبب بعض المشاكل في الأسبوع الأول من عملهم مع بعض سكان المدينة. أما الحكومات الإسلامية المتعاطفة مع هذه المشكلة فقد آثرت العمل من خلال الحكومة الإثيوبية وبعض الجمعيات المحلية هناك. والجمعيات الإسلامية غير المحلية العاملة هناك لا تزيد عن عشر جمعيات، وهي تعمل مباشرة أو عن طريق الجمعيات المحلية المصرح لها من الحكومة الإثيوبية، وأكثرها عملاً البنك الإسلامي للتنمية، وهيئة الإغاثة العالمية، ومؤسسة الحرمين، ولجنة مسلمي إفريقيا، والمنتدى الإسلامي، رغم وجود مصاعب مالية وتنظيمية لدى هذه الجمعيات في ظل غياب الدعم الحكومي والدعم السياسي لمثل هذه الهيئات، وبسبب عدم تخصص هذه الجمعيات في برامج الإغاثة، وبسبب القصور والضعف الإداريين؛ فتجد أن مندوبي الجمعية يفدون دون تخطيط لكيفية العمل أو ما هو الأنسب للعمل الإغاثي؛ فيضطر بعضهم للاستعانة بالهيئات والتنظيمات الغربية. مرئيات مستقبلية: نرى ونحن نعمل في الميدان أن ستة أشهر غير كافية للعمل هنا لاستعادة الأمل، وطرد شبح الحاجة والمرض من هذه البقعة من أرض المسلمين، ثم إن العاملين هنا سواء من المسلمين أو المسيحيين يعملون الآن بشكل جدي في الغالب لدرء آثار المجاعة الحالية ولإنقاذ ما يمكن انقاذه منها، ولكنهم وعلى السواء لا يقدمون الدراسات والبحوث التي تعالج المأساة من أصلها عدا بعض البحوث الغربية، وهنا نقترح الآتي درءاً لحدوث مثل هذه المجاعات في المستقبل في هذه المنطقة المنكوبة عن طريق الدول والحكومات الإسلامية، وصناديق التنمية فيها؛ فرغم كل المجاعات التي أصابت هذه المنطقة لم يُجَرَّب إعادة تنظيم المجتمع الريفي وهيكلته هنا، إضافة إلى أنك لا تجد تجاوباً جاداً من حكومة أديس أبابا في تنمية هذا الإقليم، فنقترح الآتي: * إعادة توطين المجتمع البدوي والريفي في هذه المنطقة، ونشر المدارس فيها، وخصوصاً المدارس التي تهتم بالجانب المهني والفني، وإنشاء معهد زراعي وصناعي وتجاري وإداري في كل مدينة من مدن هذا الإقليم. * هناك مئات المواقع القابلة للاستصلاح الزراعي؛ حيث توجد الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، والتي تخترقها عدة أنهار في الجنوب الشرقي. * الاستفادة من البحوث والدراسات الغربية التي قدمتها بعض الهيئات الغربية للحكومة الإثيوبية لتنمية البلاد، وعدالة تقسيم الموارد الاقتصادية على الأراضي الإثيوبية، والاهتمام بالبنى التحتية في هذا الإقليم. * السماح لسكان هذا الإقليم بممارسة شعائرهم التعبدية، وانتشار مدارسهم الدينية، وحلقات تحفيظ القرآن بكل حرية ونزاهة، والبعد عن القسر والظلم والاضطهاد، والكف عن محاربة الدين الإسلامي في إثيوبيا عموماً، وفي هذا الإقليم خصوصاً. * السماح الكامل وغير المشروط للجمعيات والهيئات الإسلامية حكومية كانت أو غير حكومية للعمل في أوساط هذا الشعب المسلم، وتنميته مَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ المجتمعات الإسلامية في بقية القرن الإفريقي. وقد قصرنا حديثنا هنا على إقليم أوجادين بسبب ظهور المجاعة فيه عياناً؛ إذ هو أشد المناطق تضرراً، أما المناطق العفرية والإرتيرية فهي أقل ضرراً منها، وبعيدة عن خط الخطر بمشيئة الله تعالى.

стр. 3537

المسلمون والعالم بيان علماء اليمن حول التطبيع مع اليهود وإعادة توطينهم هناك تعد قضية فلسطين وما ابتليت به الأمة الإسلامية من تدنيس يهود لأرضها وإقامة دولتهم عليها وجلبهم لما يسمونه بالشعب اليهودي من جميع أنحاء العالم للتوطن فيها.. إحدى القضايا المصيرية التي تعيشها الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ولا يقتصر هدف اليهود ومن يدعمهم على مجرد اغتصاب فلسطين من أهلها، بل يراد أن تكون هذه الخطوة هي نقطة الانطلاق نحو مد الأخطبوط الصهيوني الصليبي أذرعه للإجهاز على الأمة الإسلامية كلها، عبر غزو تطبيعي يشمل الفكر والاقتصاد والسياسة والإعلام والاجتماع ... وقد توالت منذ بداية هذه النكبة فتاوى العلماء التي تحاول الوقوف سداً منيعاً ضد طوفان التطبيع والهزيمة النفسية التي منيت به الأنظمة العلمانية والتي تحاول أن تنقله إلى شعوبها. وفي هذا الإطار جاء بيان علماء اليمن الأخير الذي وقعه جمّ غفير من أجلَّة العلماء والدعاة تحذيراً من الوقوع في هذا الخطر الداهم، وأداءً لأمانة البلاغ الذي أخذه الله عهداً على العلماء الربانيين: [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ] (آل عمران: ١٨٧) . - البيان - الحمد لله القائل: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً كثيراً.. أما بعد: فإن اليهود أمة غضب الله عليهم ولعنهم على لسان أنبيائهم، كما قال سبحانه: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (المائدة: ٧٨) . وقال سبحانه: [قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ] (المائدة: ٦٠) . وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بما لا يخفى على أحد من المسلمين؛ فهم الذين يطعنون في ذات الرب كما قال سبحانه: [وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ] (المائدة: ٦٤) ، وقال سبحانه في اليهود: [لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] (آل عمران: ١٨١) . ومن جرائمهم أنهم كفروا بالله تعالى وكذبوا رسله، وقتلوا الأنبياء والمصلحين، كما قال سبحانه: [وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (البقرة: ٦١) . بل إنهم لا يتركون مُصلحاً أو آمراً بالقسط إلا قتلوه وتآمروا عليه، كما أخبر الله عنهم، فقال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] (آل عمران: ٢١) . ولقد تآمروا على نبينا محمد ﷺ ، فَهَمُّوا بقتله، ووضعوا له السم، وآذوه بأنواع الإيذاء في حياته، ولا يزالون يتطاولون عليه ويسيئون إليه بعد مماته ﷺ . واليهود أشد الناس فساداً في الأرض؛ فهم يستبيحون الأمم الأخرى، كما قال سبحانه: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (آل عمران: ٧٥) . وجرائم اليهود في حق الله تعالى وفي حق الأنبياء، وإفسادهم في الأرض، وتحريفهم للتوراة، وعداوتهم للأنبياء والمصلحين، وغير ذلك من الجرائم لا تخفى على أحد. ولا يزال اليهود متصفين بنقض العهود، كما أخبر عنهم سبحانه بقوله: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] (البقرة: ١٠٠) . والمعلوم من تاريخ اليهود أنهم نقضوا العهد مع النبي ﷺ وتآمروا على قتاله مع المشركين والمنافقين، ومعلوم حقدهم على الإسلام والمسلمين، وحرصهم على بث الفرقة وإثارة الفتن بينهم، وهم يسعون اليوم لإقامة دولة اليهود الكبرى على أنقاض الدول العربية وفي أرضها! لقد احتل اليهود أرض فلسطين بعد أن قتلوا أبناءها، وأخرجوهم من ديارهم، وسلبوا ممتلكاتهم، وحاربوا العرب من أجل ذلك، واستعانوا بالقوى الدولية على تحقيق أهدافهم، ولا يزالون يسعون لإقامة دولة اليهود الكبرى من النيل إلى الفرات ومن الإسكندرية إلى المدينة المنورة، وإلحاقها بفلسطين المحتلة، ويسعون في هذه الفترة مع من يعينهم من القوى الدولية لتحطيم مقومات العرب من دين وأخلاق، وقوة واقتصاد، وجيش وأمن، ووحدة سياسية، ويفرضون على العرب اليوم التسليم بكل ما فعلوا ضدهم وضد إخوانهم في فلسطين، ويطلبون منهم الرضا بالأمر الواقع، واعتبار ذلك أمراً طبيعياً، بينما هم لا يتوقفون عن تنفيذ بقية مخططاتهم المدمرة للعرب والمسلمين ومقوماتهم. واليوم نسمع عن عودة هؤلاء اليهود إلى اليمن، باسم الزيارة لأهليهم، أو السياحة، بعد أن نبذوا الجنسية اليمنية، وخرجوا من البلاد خروجاً نهائياً، فخرجوا محاربين الجيوش العربية، ومنها جيش اليمن، ونحن نحذر من أن الهدف الحقيقي لهم هو إعادة استيطانهم في اليمن، وتمكينهم من شراء الأراضي اليمنية والعقارات، وادعاء الملكية، وتشكيل أقلية يهودية تعيش تحت الحماية الأجنبية، وتُعَرِّض اليمن لضغوط دولية إن لم يسلموا لها ولخططها الماكرة، كما يهدفون في هذه المرحلة إلى إعادة معابدهم، وابتزاز ثروات اليمن، والتملك في البلاد. وقياماً بواجب البيان الذي أخذ الله ميثاقه على العلماء ونصحاً للأمة، وإبراءاً للذمة نفتي بما يلي: أولاً: إن موالاة أعداء الإسلام محرمة شرعاً وبخاصة هؤلاء اليهود؛ لأنهم في حالة حرب مع العرب والمسلمين، واغتصاب لأراضيهم ومقدساتهم، ويخططون لإقامة دولتهم اليهودية الكبرى على أراضي المسلمين، وعليه فيحرم شرعاً التطبيع معهم كما يدل على ذلك قوله تعالى: [إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (الممتحنة: ٩) . وكما قال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (المائدة: ٥١) . وكما قرر ذلك علماء المسلمين في فتواهم منذ بداية تكالب اليهود على أرض فلسطين عام ١٩٣٥م إلى يومنا هذا. ثانياً: يحرم التعامل مع هؤلاء اليهود الحربيين بيعاً أو شراءاً أو استثماراً أو تمليكاً للأراضي حتى لا يكون سبباً في توطينهم وادعائهم الإقامة حيث يملكون، وحتى لا يكون ذريعة لإعادة استيطانهم في اليمن. ثالثاً: يوصي العلماءُ المسلمين جميعاً والشعبَ اليمني خصوصاً حكاماً ومحكومين بالتنبه لخطر موالاة اليهود، والحذر من خططهم الماكرة، والوقوف صفاً واحداً أمام هذا الخطر الداهم الذي يهدف إلى حرب الإسلام والمسلمين؛ مما يستوجب الوقوف أمام المخططات التي تسير في هذا الاتجاه وتشجع على موالاة اليهود المحاربين للإسلام والمسلمين وإقامة العلاقات معهم. نسأل الله أن يوفق الأمة الإسلامية لما فيه خيرها وصلاحها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3538

المسلمون والعالم الغزو اللاتيني في كردستان العراق فرست مرعي الدهوكي كانت إحدى الطامات الكبرى التي ألحقها العلماني الأول مصطفى كمال أتاتورك في ثلاثينيات القرن العشرين أمره بإلغاء كتابة اللغة العثمانية (التركية) بالأبجدية العربية؛ حيث أدخل عوضاً عنها الحروف اللاتينية، وهذا ما جعل الجيل التركي المعاصر ينقطع عن جذوره الإسلامية العثمانية؛ بحيث لا يستطيع التركي الآن قراءة رسالة كتبها أبوه أو جده في الربع الأول من القرن العشرين، ناهيك عن قراءة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهذا ما جعل التراث الذي سطره العثمانيون طيلة ستة قرون من عمر الخلافة ١٣٠٠ ١٩٢٤م يذهب سدىً، ولعله إلى حين إن شاء الله. والحقيقة أن تغيير الكتابة التركية لم يأت بسبب المأزق الذي وقعت فيه هذه اللغة بقدر ما كان خطة مدبرة طبقها (أتاتورك) بكل دقة لفصل تركيا عن الجسم الإسلامي وامتداداتها المشرقية وإلحاقها بالغرب الأوروبي. والدليل على ذلك تغيير يوم العطلة الأسبوعية الإسلامية (الجمعة) ، لتكون عطلة النصارى يوم الأحد عوضاً عنها، وفرض لبس القبعة الأوروبية محل الطربوش العثماني، إلى جانب إخراج المرأة التركية من حجابها الشرعي، واتخاذ العلمانية (اللادينية) المذهب الرسمي لدولته. والحق يقال: إن تركيا بهذا الإجراء خسرت تاريخها وماضيها الناصع، ولم يستفد الجيل الحالي أية لغة أوروبية، وإنما تعلَّم الحروف الأوروبية، وهذا العمل لا يأخذ من تلميذ الابتدائية أكثر من ثلاثة أسابيع لتعلمه [١] . وفي السياق نفسه يحاول بعض المثقفين الأكراد من ذوي الاتجاهات العلمانية (الماركسية والليبرالية) تطبيق فكرة أتاتورك الآنفة الذكر وإنزالها في عالم الواقع في محاولة كتابة اللغة الكردية بالأبجدية اللاتينية عوضاً عن الأبجدية العربية التي هي سائدة الآن في كردستان العراق وإيران دون كردستان تركيا وسوريا؛ حيث طغت هناك اللاتينية بواسطة التأثير التركي، ولا ننسى أن الأدب الكردي من شعر ونثر تراثي إنما دُوِّن بالحرف العربي، وكذلك الصحافة الكردية؛ فقد استعملت في غالبيتها الحرف العربي على مدى مائة عام تقريباً [٢] . وكانت هذه الفكرة قد راودت بعضاً من أبناء الكرد منذ عدة عقود بتأثير الموجة الأتاتوركية، ولكن قلة عدد هؤلاء اللاتينيين وسيطرة علماء الدين الإسلامي على الساحة العلمية والثقافية في كردستان خلال النصف الأول من القرن العشرين حالت دون استطاعتهم الجهر بفكرتهم هذه، ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير هي تغلغل الفكر البلشفي الماركسي في كردستان في ثلاثينيات القرن العشرين والاقتداء بالاتحاد السوفييتي الذي قام باستبدال الأبجدية العربية السائدة عند مسلمي القوقاز وآسيا الوسطى بالأبجدية الروسية. وكانت حجة هؤلاء هي انتماء اللغة الكردية إلى عائلة اللغات الهند أوروبية بعكس العربية التي تنتمي إلى عائلة اللغات السامية، ولأن العربية قاصرة عن التعبير عن كل الأصوات والأحرف الكردية [٣] . ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة اللغوية موجودة في اللغة الفارسية، ولكنها استطاعت أن تطوِّع قسماً منها لتبعد عن أصوات فارسية لا وجود لها في اللغة العربية، فيلاحظ أن الباء المهموسة وهي التي ترى في حرف (P) الإنجليزي موجودة في الفارسية، غير معترف بها في العربية، فلجأ الفرس إلى كتابة هذا الصوت بوضع نقطتين أخريين زيادة على النقطة الموجودة في الباء، ليصبح المجموع ثلاث نقاط [٤] ، وجرى هذا في الحرف الإنجليزي (CH) ، حيث أضاف اللغويون الفرس نقطتين أخريين زيادة على النقطة الموجودة في الجيم ليصبح المجموع ثلاثاً، وهكذا دواليك في الحروف الأخرى التي لا نظير صوتياً لها في العربية، وهذا الأمر عمل به اللغويون الكرد؛ فاللغتان الفارسية والكردية تنتميان إلى عائلة اللغات الهند أوروبية؛ حيث تنتمي الفارسية إلى الفصيلة الجنوبية الغربية، بينما تنتمي الكردية إلى الفصيلة الشمالية الغربية [٥] . ومن جهة أخرى فإن انتماء لغةٍ مَّا إلى عائلة لغوية لا يعني بالضرورة استخدام أبجديتها، وإلا لكان من الطبيعي استخدام الأتراك للأبجدية الألتية Altaic على أساس انتماء لغتهم إلى عائلة الأورال تاي. وهذا ينطبق على اللغات الإفريقية التي لا تنتمي إلى عائلة اللغات الهند أوروبية ومع ذلك فقد استخدمت هي الأخرى الأبجدية اللاتينية، بينما لا زالت اللغات الفارسية والأوردية والكردية تستعمل الأبجدية العربية، إضافة إلى أنه ليس من الضروري وجود ارتباط بين شكل الحرف ونطقه، وإنما هناك علاقة غير واضحة يُكسِبها المجتمع لا الحرف نفسه قدراً من الاتفاق والترابط؛ والدليل على ذلك أن صوت الراء يكتب بأشكال متعددة، فيكتب في الإنجليزية على شكل (R) وفي العربية (ر) وفي الروسية (P) ، فلو كان هناك اتفاق بين شكل الحرف والصوت لكتب بصورة موحدة في اللغات المختلفة [٦] . ومن الجدير ذكره أن اللغة اللاتينية هي إحدى اللغات الأوروبية القديمة التي تنسب إلى سهل (لاتيوم) المحيط بالعاصمة الرومانية القديمة الإيطالية حديثاً روما، ومنه أخذت تسميتها، وقد تفرعت منها عدة لغات أوروبية حديثة وهي: الإيطالية، الفرنسية، الأسبانية، البرتغالية، الكتلونية، وأغلب الدراسات والأدب المدون بهذه اللغة وثني إباحي يقوم على تمجيد الطقوس الوثنية والإباحية بجانب تقديس المنحوتات العائدة للأباطرة الرومان والفلاسفة الإغريق؛ مع التركيز على مبدأ القوة وسيادة العنصر الروماني على بقية شعوب العالم القديم آنذاك، والتي سماها الرومان بالبرابرة، وهذا ما طبقه أحفادهم الأوروبيون عندما قسموا العالم إلى شمال وجنوب، أو شعوب متمدنة راقية وشعوب متخلفة بدائية. وعلى أي حال فقد بدأ بعض المثقفين الكرد من المنتمين إلى التيارات الفكرية المتنوعة من ماركسية واشتراكية وليبرالية بالكتابة الأبجدية اللاتينية في الآونة الأخيرة في بعض الصحف والمجلات العائدة لأحزابهم وجمعياتهم العاملة في كردستان العراق، بقصد جس نبض القراء الكرد، ومعرفة ردود فعلهم الأولية على هذا المشروع، ومدى محاولة المضي فيه حتى النهاية في حالة عدم وجود ردود فعل سلبية تجاههم؛ حيث لا يخيفهم شيء سوى ردة فعل الاتجاهات الإسلامية والمحافظة التي تريد البقاء على التراث الكردي القديم بصورته الحالية، ولكن مع الأسف فإن الاتجاهات الأخيرة قد خَفَتَ صوتها في الآونة الأخيرة نتيجة اتهامها بالعمالة للفكر الإسلامي أو وصمها بالتعصب والانغلاق وعدم الانفتاح على الفكر العالمي، والهدف الأخير لهؤلاء العلمانيين ليس إخراج اللغة الكردية من بعض الإشكاليات التي تعانيها مثل بقية اللغات بقدر ما هو قطع كل صلة للكرد بماضيهم الإسلامي المجيد، ومحاولة دفع الكرد شيئاً فشيئاً نحو بوتقة التغريب والعلمنة، علماً بأن للعلماء الأكراد باعاً طويلاً في الدفاع عن حياض اللغة العربية. والحقيقة أن كتابة الكردية باللاتينية أصبحت موضة شائعة بسبب التقليد الأعمى للغرب في كل حركاته وسكناته؛ مثل تقليده في المظاهر الأخرى كالأزياء وشرب الخمر والأكل باليد اليسرى، إلى غير ذلك من هذه المظاهر المستنكرة التي تدل على استلاب الشخصية المسلمة وتبعيتها لأعداء دينها وعقيدتها. وانطلاقاً مما تقدم يبدو أن هناك عدة عوامل تصب في نجاح المشروع اللاتيني في كردستان العراق، ولعل من أبرزها كثرة وجود المنظمات الغربية (التنصيرية) التي تتخذ من الإنسانية مظهراً، والتي ليس لها هدف محقق في واقع الأمر إلا تغريب الكرد ومحاولة إخراجهم من دينهم، ومحاولة قطْع كل رابطة لهم بأشقائهم العرب المسلمين أو باللغة العربية، ولا سيما أن الكرد تعرضوا إلى صنوف شتى من الظلم والقهر على أيدي بعض المحسوبين على العرب! بجانب محاولة الغرب تغريب الجيل الكردي الحالي من خلال السماح له بالهجرة المنظمة وغير المنظمة إلى الغرب، ومنحه التسهيلات المادية والمعنوية من خلال السماح لهم بالحصول على اللجوء السياسي أو الإنساني على أقل تقدير. وإنني في هذه المقالة أطلب من إخواني المسلمين وبالأخص العرب منهم مساعدة الشعب الكردي للخروج من أزمته التي طالت، والتي تعرَّض خلالها إلى أشد صنوف التنكيل والعذاب والضرب بالأسلحة الكيمياوية وغيرها من أعتى وسائل الإجرام على يد بعض الأنظمة التي لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وهذا كان أحد الدواعي التي استند إليها هؤلاء المتغربون اللاتينيون لإخراج الكرد من دينهم على أساس أن ظالميهم أو الذين وضعوهم في معسكرات التعذيب والاعتقال كانوا ينتمون اسماً إلى الإسلام! لذا فلا مناص بزعمهم من الالتجاء إلى الغرب والاحتماء به، والإذعان لكافة عاداته وتقاليده؛ وإن تطلَّب الأمر معتقداته؛ والعياذ بالله. ولكن هل من مستجيب لنصرة الأكراد المسلمين قبل الكارثة؟ ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

стр. 3539

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش إلى المُطبّعين.. مع التحية! ! كشفت مصادر خاصة أن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية C. I. A الجنرال (جورج تينت) زار إحدى الدول الخليجية مؤخراً زيارة خاصة لها علاقة مباشرة بمؤتمر مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني الذي عقد في الكويت. ونقلت المصادر أن (تينت) اجتمع مع مسؤولين في تلك الدولة، وأجرى معهم محادثات تركزت حول السماح لمقاومي التطبيع بعقد مؤتمرهم في الكويت. وأكد (تينت) خلال اللقاء أنه مندهش تماماً لعقد مثل هذا المؤتمر. مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية اتهم خلال محادثاته مع المسؤولين الجماعات الإسلامية التي وصفها بـ «المتشددة» في تلك الدولة بأنها وراء انعقاد المؤتمر مطالباً بالعمل سريعاً على ضرب «الأصوليين» وتحجيم نفوذهم قبل أن يفوت الوقت وبخاصة في ظل تصاعد «الأصولية» كما يقول واعتبر الجنرال الأمريكي أن عقد مؤتمر مقاومة التطبيع في الكويت ظاهرة خطيرة، محذراً من أن مثل هذه المؤتمرات ربما تمتد وتنتشر في دول أخرى. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٣) ] رسالة إلى الرجال الشيخ الفاضل/ أمير جماعة «تحريك المجاهدين» جامو وكشمير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، وبعد: إنه من دواعي سعادتي وسروري أن أقدم لكم ابني شفيق الرحمن قريشي بن محمد إسحاق قريشي الساكن في مدينة لاهور للتدريب في المعسكر وبعد إكمال التدريبات اللازمة سمحت له بأن يذهب إلى كشمير المحتلة للجهاد هناك وأنا أفتخر بهذا القرار الذي قررته؛ حيث إنني أتمنى أن أكون أماً لشهيدٍ قاتلَ ضد الباطل وجاهد في سبيل رفع كلمة الله، وأسأل الله أن يجعله من الشهداء، وأن يتقبل شهادته، وأن يجعله سبباً في دخولنا الجنة. إن الله لن يضيع أجر المحسنين وإن إيماني وعقيدتي هو أن الغلبة للإسلام وللمسلمين، والله حسيبنا وكفيلنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، أختكم في الله: والدة شفيق الرحمن لاهور [مجلة سياحة الأمة الكشميرية، العدد: (٢٨) ] زادكم الله غماً المدهش أن الجيل الذي يقود الثقافة في مصر الآن هو جيل ستيني بالأساس، باستثناء بعض الأمثلة القليلة مثل محمود أمين العالم، هذا الجيل الستيني يضم عبد المعطي حجازي وجابر عصفور ووزير الثقافة وغيرهم من الكتاب والمبدعين، فلم هذه المعارك المفتعلة بين أبناء جيل واحد جمعهم ظرف سياسي واحد ومناخ واحد وحلم واحد؟ لقد اخترنا كلمة قاسم أمين «الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر أي فكر وترويج كل مذهب» شعاراً للجريدة، وحين أتذكر أن هذه الكلمة قيلت قبل مائة عام وأننا الآن نجاهد في سبيل تطبيقها، ينتابني الأسى والغم. [صلاح عيسى، رئيس تحرير جريدة «القاهرة» التي صدرت حديثاً عن وزارة الثقافة في مصر، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٤٩) ] ولا يزالون يقاتلونكم حمَّلت دراسة اجتماعية قام بها الباحث النيجيري د. محمد ثابت (المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية) مسؤولية تفشي الظاهرة الإباحية في المجتمع النيجيري. وأوضح الباحث وهو أستاذ بكلية التربية جامعة بايروا بكانو أن نتائج الدراسة وتحرياتها عن عوامل وأسباب اختفاء تلك القيم والتقاليد أثبتت أن للوكالات والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية العاملة في مجال الإغاثة والصحة والطفل والمعونات ضلعاً كبيراً في ذلك. وقال: إنه بعد مسح شامل تبينت أنه توجد أكثر من ٥٠ وكالة في مناطق شمال نيجيريا فقط التي توصف بأنها «مناطق محافظة» وهي تابعة للمنظمات والمؤسسات الدولية. وأضاف: إن وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية هي أكثر تلك الوكالات والمنظمات اختراقاً للأوساط الاجتماعية، وتعمل بشكل مباشر في الأوساط النسائية لا سيما (الفتيات في المدارس والجامعات) . وذكر أن من أهداف هذه الوكالة التمكين للديمقراطية في المجتمعات النامية، وتنمية الوعي بتنظيم الأسرة، وتحديد النسل، ثم العمل على تقوية النسوة في كافة المحافل والمجتمعات، واعتبر الدكتور الشيخ أن هذه الأهداف مجرد غطاء تتستر بها لنشر الفساد والإباحية في المجتمع؛ لأنها توزع مجاناً أدوات مختلفة بين الشباب والفتيات والنساء عموماً لمنع الحمل.. وأضاف: إن الملاحظ على مضامين دعاتها واتصالاتها أنها تحث وترغِّب على استخدام هذه الوسائل عند ممارسة الجنس عموماً، وتسوِّغ دعوتها إلى استخدام هذه الأدوات بأنها تحمي من الأمراض المكتسبة عن طريق الممارسة الجنسية غير الشرعية، مما يُقوي الناس على الفاحشة. من جهة أخرى أضاف التقرير أن مشروعاً تعليمياً للتربية الجنسية بدأ نشاطه بمدينة لاجوس بحضور ممثلين من منظمة الشباب في الولايات المتحدة الأمريكية. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٣) ] يسارعون فيهم كشف بيان صادر عن اتحاد الصناعيين الإسرائيليين أن الربع الأول من سنة ٢٠٠٠م شهد ارتفاعاً كبيراً في الصادرات إلى الدول العربية بنسبة ٤٤% مقابل انخفاض طفيف في الواردات ١. ٦% ووفق هذا البيان فإن البضائع الإسرائيلية تصل إلى ١٢ دولة عربية! وجاء في البيان أن قيمة الصادرات الإسرائيلية بلغت في هذه الفترة ٢٩ مليون دولار (٢٠ مليون دولار في الفترة نفسها من السنة السابقة) ، معظمها صدر إلى مصر (١٦ مليون دولار تنطوي على زيادة بنسة ٦٩%) يليها الأردن ٦. ٣ مليون دولار بزيادة ٤٩% عن السنة الماضية. وتصل الصادرات الإسرائيلية إلى ١٢ دولة عربية هي إضافة للأردن ومصر: لبنان (الجنوب المحتل بالأساس) واليمن، والكويت، والبحرين، وقطر، وسلطنة عمان، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة، وتونس. هذا فضلاً عن فلسطين، التي لم يرد اسمها في التقرير. وارتفعت الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب بنسبة ٩٠% لكنها لم تتجاوز مليوني دولار. وصدرت (إسرائيل) للبنان ما قيمته ٣. ٧ مليون دولار بزيادة ١٩% عن السنة الماضية. وانخفضت الصادرات الإسرائيلية إلى تونس بنسبة ٩٠ % لتصبح قيمتها ١٦٤ ألف دولار. بينما ارتفعت إلى الإمارات بنسة ٢٩% لتصبح ٢٠٥ ألف دولار. أما الواردات لـ «إسرائيل» من الدول العربية فهي بقيمة ١١ مليون دولار في هذه الفترة، معظمها من مصر (٥. ٧ مليون دولار) يليها الأردن بمبلغ ٤. ٦ مليون دولار. وتستورد «إسرائيل» من المغرب الأغذية الجاهزة والمشروبات والسجائر بقيمة ٤٠٨ ألاف دولار. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٢٨) ] الصين تحافظ على هويتها الغضب على الكتب والكُتَّاب لا يتوقف على العالم العربي، فالصين هي الأخرى تدخل في حلبة حرق الكتب ومنعها. وتأتي الحرب الصينية على خلفية أيديولوجية تريد تأكيد الذات الصينية ضد نزعات العولمة والثقافة الجديدة التي بدأت تظهر في الصين بعد عصر الانفتاح الاقتصادي، وعصر «الماكدونالدز» والغزو الأمريكي. ويتركز غضب المؤسسة الصينية الحاكمة على الجيل الذي يطلق عليه «الجيل الجديد» الذي ولد ونشأ في السبعينيات؛ حيث بدأت تظهر على هذا الجيل مزايا العولمة، وفي مركز الجدال الدائر الآن في العاصمة الصينية فتاة تنتمي إلى هذا الجيل قامت بإصدار رواية اعتبرتها المؤسسة الصينية خطراً على الأخلاقيات العامة. واسم الرواية التي تثير الجدل في الصين وتعيد تشكيل التقاليد الأدبية الصينية التي تنتمي إلى قرون عديدة «طفل شنغهاي» ؛ حيث يشير اسم الرواية إلى ظلاله الجنسية، وتم توزيع أكثر من ٨٠ ألف نسخة من الرواية قبل أن تكتشفها السلطات وتجدها ضد الذوق العام وتطالب بعزل كاتبتها وتهميشها، ومن هنا قام ناشر الرواية بتدمير النسخ الباقية وإتلافها، وفي معركة المؤسسة الثقافية ضد الرواية فإنها قامت في الأسبوع الماضي باقتحام معرض كتاب وصادرت عدداً كبيراً من النسخ. [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٤٢٣) ] استباحة الأمة صعَّد مثقفون مصريون اعتراضهم على تدخل الأزهر في تقويم الأعمال الأدبية، ووجه ٢٥٠٠ أديب مصري أعضاء في «الأمانة العامة لأدباء مصر في الأقاليم» مذكرة إلى النائب العام، اعتبروا فيها أن الحملة التي تبنتها صحيفة الشعب الناطقة باسم حزب العمل ضد رواية حيدر حيدر «أثارت الذعر في القلوب الوادعة، وروعت الأقلام التي تتمتع بالحرية لتتخيل وتبدع وفتحت الباب للغوغاء بما يبدد الأمن ويهدد السلام الاجتماعي» . وأكد هؤلاء تأييدهم سياسة النشر في هيئة قصور الثقافة التي تصدر سلسلة (آفاق الكتابة) وشددوا على أن نشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» عمل ثقافي مشروع في إطار توسيع دور الأدب عموماً والرواية خصوصاً في نقد الحياة وتطوير مناحيها وأساليب العيش فيها «ولفتت المذكرة إلى أن تقويم العمل الأدبي » لا يتعين أن يصدر من غير ذي صفة أدبية «. وأعلن الموقعون على المذكرة تضامنهم» مع كل مسؤول عن نشر الرواية وغيرها من الأعمال الأدبية الجيدة ذات الرؤى الإنسانية المهمة «. وأضافوا: إذا كان ثمة اتهام إلى أحد فكل الأدباء متهمون ويشاركون الجميع في تحمل المسؤولية والاستعداد لتقبل ما يراه السلك القضائي من التزامات» . وأضافت المذكرة «نرفض بكل شدة ما دعا إليه شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي من ضرورة فرض الرقابة على كل كتاب؛ لأن ذلك يعني النكوص والردة بعدما بلغت الأمة منذ زمن سن الرشد، وإذا فرضت الرقابة فلن يكون هناك أدب ولا فن ولا حرية ولا رأي ولا تقدم بل ولا حياة حقيقية تليق بالإنسان المصري في زمان لم يعد فيه أدنى مجال لتكميم الأفواه أو التحكم في أدوات التعبير. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٥٩٣) ] الحرية الأوروبية! أصدرت المحكمة الابتدائية في العاصمة النرويجية أوسلو حكماً برفض الدعوى المقدمة من المجلس الإسلامي ضد وزارة التعليم للحصول على حق الإعفاء الكامل لأبناء المسلمين من دراسة مادة الدين المسيحي التي أصبحت مادة إجبارية منذ عام ١٩٩٧م. وقد ورد في الحكم الصادر أن إجبار أبناء المسلمين على دراسة هذه المادة لا يعتبر مخالفاً لقوانين حقوق الإنسان والأقليات الدينية، واعتبرت أن ما ذكره المسلمون من تأثير هذه المادة على أطفالهم بسبب التباين الواضح بين معتقدات المسلمين، وما تطرحه المادة من معتقدات، ليس سبباً مقنعاً لمنحهم إعفاءاً من دراسة هذه المادة. [مجلة الكوثر، العدد: ٧] هذا حيدر الوليمة! ! س: هل أصبحت الكتابة من المهن الخطيرة في العالم العربي؟ ج: الكتابة تحاول أن تقترب من أمور قد لا تسمح بها المؤسسة الرسمية سواء كانت مؤسسة اجتماعية أو مؤسسة دينية أو سياسية. الكتابة العميقة، الكتابة الأصيلة منحازة للحرية، منحازة للعقل، للتنوير، فعندما تقترب الكتابة من هذه المناطق في هذه المسائل الحساسة والأساسية من الممكن أن تكون في خطر. الواقع العربي المأزوم والمطوق بكثير من القوى التي تعيق تقدم هذا المجتمع وتحاول أن تصادر ما يمكن أن نسميه الرأي الذي يخالف المؤسسة. الرأي الذي يقول الحقيقة إلى حد كبير عارية. س: ما هي القوى التي تعيق هذه الحركة؟ ج: هي القوى الإسلامية المتعصبة والمتطرفة والمعروفة بأعمالها الإرهابية في كل أنحاء الوطن العربي تقريباً. هي التي حاولت وتحاول الآن أن تدمر المجتمع الجزائري. هي التي أقامت الدنيا وأقعدتها في مصر. هي التي تحركت في سورية قبل عشرين عاماً. القوى الكلامية، القوى المتطرفة التي تحتكر الإسلام لنفسها وتحور كل ما يمكن أن يقال باتجاه مصالحها وباتجاه أهدافها. وسَّعوا الحملة باتجاه الطيب صالح وباتجاه إدوار الخراط والآن باتجاه محمد الماغوط وإلياس خوري فإنهم يحاربون كل فكر ويتصدون لأي فكر أو لأي أدب تنويري طبيعي يتحدث عن إمكانية بناء مجتمع عربي ديمقراطي. أنا ربما كنت البداية الآن ولكن نستطيع أن نأتي بأمثلة كثيرة: القصة بدأت منذ غيلان الدمشقي من المعتزلة الذي صلبوه في خلافة هشام بن عبد الملك مروراً بالحلاج وطه حسين ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد وحسين مروة ومهدي عامل. القافلة طويلة، هناك نوع من المواجهة للفكر النقدي والفكر الطليعي والفكر التنويري. أنا واحد من هذه القافلة المستهدفة منذ المعتزلة حتى الآن هذا ما أقوله منذ بدأ الاجتهاد عند المعتزلة والفكر الحر. أنا الآن وربما غدا يأتي آخر. الإسلام والنص المقدس حَمَّال أوجه والاجتهاد منذ المعتزلة حتى الآن هو أساس في بنية الإسلام ولا يحق لأي جهة أن تحتكر ذلك. لنا اعتقاد أن معظم المثقفين الإسلاميين التنويريين يرفضون أن يكون هناك نوع من الاحتكار للإسلام. الإسلام نص مفتوح للجميع ويحق لأي مسلم أن يجتهد فيه من خلال فهمه وإدراكه بعمق لحقيقة الإسلام. س: كيف يمكن مواجهة هذا التيار؟ ج: نواجهه بكل ما نستطيع من قوى. نحن نستطيع بوصفنا مثقفين أن نواجهه بالكتابة أو نواجهه بالإعلام، نواجهه بأساليبنا الخاصة باعتبارنا مثقفين، أما بالنسبة للقوى الأخرى مثلاً السلطة فنحن لسنا في السلطة. المثقفون ليسوا في السلطة. فمن المفترض أن تواجه القوى العلمانية هذا، وأيضاً من خلال السلطة. وهذا ما حدث في مصر على سبيل المثال عندما قاوموا الإرهابيين المتطرفين. وهذا ما حدث في سورية أيضاً قبل عشرين سنة. والآن إغلاق جريدة الشعب وحل حزب العمل هو رد على هؤلاء. [الكاتب السوري: حيدر حيدر، جريدة القدس العربي، العدد: (٣٤٣٣) ] أقل واجب! ! دولة عربية أبرمت صفقة مع دولة غربية لاستيراد هراوات ودروع ورصاص مطاطي وقنابل مسيلة للدموع ووسائل أخرى لمنع التظاهرات بعدما بدأ موسم الصدامات. [مجلة الوسط، العدد: (٤٣٤) ] إلا إفريقيا كان من المفروض أن يكون العام الحالي هو عام الاهتمام بإفريقيا؛ إذ أعلن مجلس الأمن شهر يناير (كانون الثاني) شهراً لإفريقيا. وأضاف آل غور نائب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون صوته إلى العديد من الأصوات المؤيدة لإفريقيا. وترددت أحاديث حول» عام إفريقيا «بل و» قرن إفريقيا «. ولكن الحروب لا تزال بأكبر القارات في العالم: إذ انهار اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في سيراليون بعد أسر حوالي ٥٠٠ من قوات الأمم المتحدة في أوائل الشهر الحالي. واستأنفت كل من إريتريا وإثيوبيا في الوقت الذي تحاولان فيه تجنب شبح المجاعة حرب خنادق دموية بينهما. ولم تفقد الحرب الأهلية في أنغولا تأججها بعد مرور أكثر من ٢٥ سنة على اشتعالها. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاقية سلام في العام الماضي، فلا تزال ٦ دول تحتفظ بقوات في الكونغو التي تتقاسمها الحكومة وقوات المتمردين. وفي الوقت الذي تحاول فيه الأمم المتحدة حل هذه النزاعات فإن السؤال الذي يُطرح هذه الأيام هو: هل يمكن تحقيق أية إنجازات بدون عضلات الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي؟ لقد أكدت القوى الغربية مراراً أنها لن ترسل قواتها إلى إفريقيا. وهو الموقف الرسمي لها منذ سحل جندي أمريكي في شوارع الصومال في عام ١٩٩٣م. وفي الوقت الذي تدرس فيه الأمم المتحدة في الأسبوع الحالي زيادة قواتها من ١٣ ألف إلى ١٦ ألف في سيراليون. وإرسال ٥٥٠٠ جندي إلى الكونغو، فإن عليها الاعتماد على الدول الفقيرة لتقديم الدعم البشري، ويقول بيرل روبنسون مدير مركز الدراسات الإفريقية في جامعة تافتس بولاية ماساشوستس» إذا لم تتدخل الولايات المتحدة، فإن الناس لن تتعامل مع بعثات الأمم المتحدة بجدية «. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٥٠) ] الأرض السائبة اقترح مستشار سياسي لجورج بوش مرشح الرئاسة الأمريكية أن تستخدم الولايات المتحدة القوة الجوية ووسائل أخرى لاقتطاع أجزاء من العراق من سيطرة الرئيس العراقي صدام حسين. وصرح روبرت زويلك الذي كان يعمل وكيل وزارة بالخارجية خلال فترة حكم جورج بوش الأب بأنه مثلما ساعدت الولايات المتحدة الأكراد على إدارة منطقة للحكم الذاتي في شمال العراق يتعين عليها الآن مساعدة خصوم صدام على إنشاء جيب في الجنوب. وقال زويلك: إن سياسة الرئيس بيل كلينتون تجاه العراق كارثة سمحت لصدام بأن يزداد قوة. [جريدة الاتحاد، العدد: (٩٠٨٦) ] تعليق على الأحداث نمور على المسلمين: لا شك أن الكثيرين يسمعون عن» نمور التاميل «في سيرلانكا، ولكن من يسمع عما يفعله نمور التاميل بمسلمي سيرلانكا، وهي سرنديب التي عرفها العرب قبل الإسلام بهذا الاسم ثم سيلان بعد ذلك، وتبلغ نسبة المسلمين (١٠%) من السكان البالغ عددهم ٢٠ مليون نسمة، وفي قتال النمور مع الحكومة السيريلانكية لم يجدوا أضعف من المسلمين للإيقاع بهم وطردهم من ديارهم في مناطق» جافنا « و» باتيكالوا «وقد شرد مئات الآلاف من المسلمين وتم تصنيفهم على أنهم » مشردون محليون «أي أنهم غير مؤهلين لتلقي معونات من منظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، ولا يخلو الوضع من مجازر تحدث للمسلمين بين فترة وأخرى والتي كان منها المذبحة التي راح فيها ١٤٠ مسلماً وهم يصلون، وتلتها أخرى بعد أيام تسعة راح فيها ١٢٢ مسلم، وهذه الأيام تم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين سيرلانكا ودولة يهود والاتفاق على مد سيرلانكا بالسلاح الإسرائيلي، ويخشى المسلمون هناك من الوقوع بين فكي النمور وأحفاد القرود. حلف الشيطان ضد مسلمي الشيشان: في الوقت الذي تندد فيه بعض العواصم الأوروبية بانتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان، تقوم العواصم ذاتها بعقد حلف شيطاني يجمع بينها وبين بقية حلف الأطلسي والولايات المتحدة من جانب، وبين الروس من جانب آخر، وكان الرئيس الروسي، السفاح بوتين، قد حذر أوروبا بأنها ستدفع ثمناً غالياً ما لم تنتبه إلى تهديد المتطرفين الإسلاميين على حدودها، وقام رئيس المخابرات الألمانية » أوجست هاننج «بزيارة إلى روسيا للتأكد ما إذا كان الشيشان قد حصلوا على أموال وأسلحة من دوائر إسلامية، كما تقوم المخابرات الألمانية بتقديم معلومات ثمينة للروس في صراعهم مع مسلمي الشيشان حسب ما أكدته المجلة الأسبوعية الألمانية» ديرشبيجل «. وكما لبت المخابرات الأمريكية نداء موسكو وأمدتها بالمعلومات التي تريدها في حربها مع المسلمين في الشيشان وكذلك فقد قام مدير المخابرات الأمريكية » جورج تينيت «بزيارة جورجيا وقزقستان وأوزبكستان وعقد لقاءات سرية مع قادة هذه الدول، وذكر جورج أن هذه المنطقة تعتبر أرضاً خصبة لنمو الجماعات الأصولية المتطرفة. كما أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي» جورج روبرتسون «أن روسيا غير قادرة على ضمان الأمن في آسيا الوسطى، ودعاها إلى التعاون مع الحلف لمكافحة» الإرهاب الإسلامي «في هذه المنطقة، وقال: إن روسيا تشكل قوة مهمة في مواجهة الإرهاب الإسلامي، ويمكن أن يكون التعاون في هذا المجال مفيداً لكل العالم خصوصاً أن حلف الأطلسي يملك خبرة في مكافحة الإرهاب والتطرف. ومع هذه الحلقات التي تحاول الإحكام على المسلمين في الشيشان تأتي حلقة أخرى تزيد من الآلام ومن مرارتها وقسوتها، وهي حلقة التعامي الحاصلة من العالم الإسلامي والتقاعس عن نصرتهم في هذه المواجهة الشرسة التي عرضنا صورة لها هنا، وبالرغم من ذلك كله إلا أن من ينصر الله ينصره، وما نزال نسمع عن انتصارات إخواننا في الشيشان، وإخفاق الروس في القضاء عليهم. والله نسأل أن يثبتهم وينصرهم على حزب الشيطان، وأن يخذل المتخاذلين. مصيدة الفلبين: في الوقت الذي انشغل فيه الناس بأزمة الرهائن في الفلبين، ويمموا وجوههم صوب جماعة (أبو سياف) وتحركاتهم، كان الجيش الفلبيني يدك ديار المسلمين في مواجهة شرسة مع جبهة مورو الإسلامية بقيادة سلامات هاشم، وقد أوردت الصحف صورة لبعض الجنود الفلبينيين وهم يعتلون مئذنة مسجد قد حطموه، ويرفعون فوقها العلم الفلبيني وهم في سعادة بالغة، وإن كنا لا نذهب إلى اتهام جماعة أبي سياف بأنها مستخدَمة من قِبَل الحكومة أو جهات خارجية لإبعاد الأنظار عن الجبهة الداخلية، أو نتهم جماعة نور ميسواري بالتخاذل والوقوف إلى جانب الحكومة للحفاظ على مكاسبها التي تحققت بالاتفاق الذي تم منذ فترة، إلا أننا نتساءل عن هذه المصيدة التي يقع فيها المسلمون في البلد الواحد، والتي تكررت من قبل وتتكرر اليوم، ولا نتوقع أن يسلم منها آخرون بعد غد، نتساءل: إلى متى لا ينتبه إخواننا إلى ما يراد بهم؟ النفي والإثبات: في تطور لم يكن مستبعداً أعلنت مصادر دبلوماسية أن ياسر عرفات أبلغ الإدارة الأمريكية أنه موافق على التخلي عن القدس بشكلها الحالي لـ» إسرائيل «، واعتماد البلدات المجاورة ومنها أبو ديس والعيزرية لكي تكون عاصمة للدولة الفلسطينية، كما أعلن أنه يشارك (إسرائيل) الرأي في عدم عودة اللاجئين إلى الأراضي المحتلة شريطة تعويضهم مالياً وتسهيل استيطانهم في عدد من الدول العربية والغربية. وعلى العادة التي عودتنا عليها السلطة الفلسطينية فقد تم نفي ذلك كله جملة وتفصيلاً وأن هذه الأنباء غير مسؤولة ومدسوسة، الغرض منها إثارة البلبلة والفوضى في الصف الفلسطيني، وغير ذلك كثير من عبارات النفي وجمل الاستنكار، تعودنا ذلك وتعودنا أن نفي السلطة إثبات، ولكن مع هذه المسألة يزيد خوفنا من» البيع النهائي «لفلسطين.

стр. 3540

قضايا ثقافية الطاغية والطغيان من خلال قصة فرعون محمد حسن بريغش الطغيان آفة من الآفات التي تنزل بالأقوام والشعوب فتدمر كيانها، وتهلك أهلها، وتأتي على الأخضر واليابس فيها، وحين يزداد الطغيان بين الناس، وتستشري شروره ثم يركن الناس إلى الطغاة، ويستمرئون الخضوع والاستكانة لمظالمهم وطغيانهم، يعمهم الله بالعذاب، ويحاسبهم على ذلك محاسبته للطغاة أنفسهم. ولقد كان فرعون مثلاً صارخاً للطاغية المتجبر، وكان قومه صورة للأقوام التي خضعت وتابعت الطاغية، ووصل الأمر بفرعون إلى ادعاء الألوهية والاستخفاف بعقول الناس، والإعراض عن كل الآيات التي جاءته من الله حتى أهلكه الله وقومه. ووردت قصة فرعون في سبع وعشرين سورة، فضلاً عن الإشارة إليها في ثنايا بعض السور الأخرى [١] وعرضتها الآيات مفصلة ومقتضبة، وعرضت صوراً لطغيان فرعون وضلالاته وبغيه وكفره. وأمرُ فرعون مثلٌ لكل طاغية يجاوز الحد في الظلم والتجبر والاستبداد والمعصية، والاستخفاف بعقول الناس وإرادتهم ومصالحهم، وكلما أنس منهم السكوت على ظلمه، والخضوع لبغيه وعدوانه ازداد صلفاً وتجبراً وتمرداً، حتى يصل إلى التألُّه، وادعاء الإرادة المطلقة في مصائر الناس من حوله. ولكي نبين ملامح الطغاة، ونتذكر بعض صور طغيانهم ووسائلهم نستعرض عدداً من الأمور التي نستخلصها من الآيات الكريمة التي وردت في معرض الحديث عن فرعون وقومه: ١ - ما هو الطغيان وما تعريفه وحدوده؟ يقول اللغويون عن هذه المادة ما يلي: طَغَا يَطْغَى، ويطغو طُغياناً: جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغٍ. وعن الليث أن الطاغية: الجبار العنيد. وعن ابن شميل: أنه الأحمق المستكبر الظالم [٢] . وورد أن الطغيان معناه: مجاوزة القدر والغلو في الكفر، والإسراف في المعاصي [٣] . القرآن يفضح الفراعنة: وفرعون في التاريخ المصري رجل عاتٍ كانت الأمة المصرية تدين بعبادته وتذعن لقداسته، وكان الملوك الفراعنة في قديم الزمان يحيطون أنفسهم بهالة من التقديس، ويضعون مكانتهم في إطار من الإلهية، لا جهلاً منهم بأنهم أناس لا يختلفون عن غيرهم، ولكنهم يفعلون ذلك تمويهاً على العامة حتى يأمنوا غائلة الثورات الهوج من الذين يطمعون في تبوُّؤ عرش الملك [٤] . وحيث وردت قصة فرعون في عدد كبير من السور والآيات وفُصِّلت ذلك التفصيل في مناسبات كثيرة، فإن الوقوف عندها سوف يعطي القارئ المسلم ملامح ذلك الطاغية، وصور ذلك الطغيان لتكون مَعْلَماً له في معرفة الصور المشابهة في كل عصر ومصر، مهما اختلفت الألوان، وتغيرت العناوين والشعارات؛ لأن الله لم يقصَّ على عباده المؤمنين إلا لكي يتعظوا ويعتبروا ويتدبروا أمرهم فلا يقعوا فيما وقع فيه الأقوام، وحتى لا ينالهم من الله العذاب. [كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً] (طه: ٩٩-١٠٠) . [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] (يوسف: ١١١) . سمات الطاغية: ومن استعراض الآيات القرآنية يتبين لنا كثير من سمات مَنْ يكون فرعوني النهج، ومن أهمها: أولاً: أنه يحكم بغير ما أنزل الله ويجعل من نفسه معبوداً من دون الله يتحكم بالناس، ويأمرهم أن يطيعوه، ويشرع لهم ما يراه متفقاً مع أهوائه ومصلحته ويدعي أنه الخير لهم. [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ] (القصص: ٣٨) . [وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ] (الزخرف: ٥١-٥٢) . وهذا الادعاء ناتج عن الغرور بما أعطاه الله من الملك والمال والقوة والنعيم، والحاشية والأتباع. ولكن ذلك مقترن أيضاً بخضوع الناس للطاغية، وسكوتهم عن مظالمه، وخوفهم من سطوته وجبروته، وانكبابهم على الأمور المادية، والمنافع الدنيوية، ونسيانهم لآخرتهم مما يجعلهم مستعبدين للظالم وأتباعاً للطاغية كما فعل أتباع فرعون وقومه. ثانياً: أنه يفتخر بما يملك من مال، أو قوة، أو ملك، أو تقدُّم مادي وينسى مصدر ذلك كله، وينسبها لنفسه معتمداً على حب الناس لمتاع الدنيا، ولذلك افتخر فرعون بأنه يملك الأرض الخضراء، ولديه الماء والأنهار والسلطان [وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ] (الزخرف: ٥١) . وعندما أراد أن يقنع قومه بأنه المعبود لهم من دون الله، وأن دعوة موسى ﵇ لا تنفعهم ولا تفيدهم، استخدم هذا الأمر الذي يملك أفئدتهم، ويسد عليهم طريق الهدى فقال: [فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ] (الزخرف: ٥٣) . والناس المضللون الذين استعبدهم الطغاة وأذلوهم حتى أفسدوا فِطَرَهم يستجيبون لمثل هذه المغريات، ويذعنون لحواسهم القاصرة، وينكرون ما لا تصل إليه حواسهم، ويعطلون عقولهم. ثالثاً: الطغاة ينكرون الغيبيات، ويعادونها؛ لأن ذلك يتعارض مع ما يريدون ولأن إيمان الناس بالغيب يحررهم من أسر العبودية لجبروت الظالمين، ويفسح أمامهم النظر في ملكوت الله فيعرفون أن هناك مالكاً قديراً، وأن هؤلاء الطغاة بشر مخلوقون مثلهم انحرفوا عن شرع الله وتجبروا وظلموا، وأنهم سوف يمضون بعد حين ليواجهوا مصير العذاب؛ لأن الله وحده يملك المصير، ويملك الموت والحياة. [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ] (آل عمران: ١٠-١١) . رابعاً: أنه يكذب بآيات الله، ويعادي الرسل والدعاة وأولياء الله ، وينكل بهم، ويرميهم بشتى التهم والأباطيل: [ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ] (يونس: ٧٥-٧٧) . ولا تنفع الوسيلة الليِّنة، والخطاب الشفوق مع الطاغية؛ لأنه متجبر لا يصغي لغير نفسه. ها هو موسى وهارون ﵉ يخاطبان فرعون بالخطاب اللين الرشيد، ولكنه تجبر وتكبر، وأرعد وأزبد، وهدد كل الخارجين على سلطانه. [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] (طه: ٤٣-٤٤) . ثم إن الطاغية لا يستمع للبرهان القاطع، ولا يصغي للحجة المقنعة ولا يفهم معنى الآيات الدالات والمعجزات الباهرات، بل يقابل ذلك بالتجبر، والتهديد، ورمي أولياء الله بشتى التهم كما فعل فرعون عندما حاجَّه موسى وبيَّن له أن الله المعبود حقيقة هو الخالق المدبِّر [قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى] (طه: ٥٠) ، [قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ] (الشعراء: ٢٣) ، [قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ] (الشعراء: ٢٤) ، [قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ] (الشعراء: ٢٦) ، [قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (الشعراء: ٢٨) . فماذا كان رد فرعون عندما واجهه موسى ﵇ بهذه الحجج التي لا يملك ردها؟ لقد هدده وتوعده فقال: [قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ] (الشعراء: ٢٩) . ولكن موسى لم يَخَفْ هذا التهديد، بل قدَّم لفرعون الآية تلو الآية لعله يخشى ويعود إلى الحق، [فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ] (الشعراء: ٣٢-٣٣) . وظلت الآيات تترى واحدة إثر أخرى، والطاغية لا يستمع ولا يرعوي حتى أهلكه الله وقومه الظالمين، ونجَّى موسى وقومه المؤمنين. خامساً: والطاغية يلجأ إلى كل المحاولات الظالمة للتنكيل بالمعارضين والبطش بالدعاة إلى الله، ولا يمنعه شيء من ارتكاب كل جريمة مهما بدت منافية للخلق والمنطق، [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] (غافر: ٢٣-٢٦) . أتباع الطاغية ومواقفهم: ولكل طاغية أعوان: منهم من يعين بالرأي للتضليل والإفساد وتزيين الباطل للناس وإنفاذ رغبات الطاغية مثل (هامان) ، ومنهم من يعين بالمال، ويستغل ويزداد كنزاً وغنى من المال (كقارون) [إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ] (القصص: ٨) . [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ] (القصص: ٣٨) . ومع هذا الوزير الطاغية أيضاً حشد من الجنود والأعوان والأتباع التي تنكل بالناس، وترصد حركاتهم، وتبطش بهم، وتتعالى على الناس بما لديها من قوة وسلاح وسلطان [وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ] (القصص: ٣٩) . ولكن الله لهؤلاء بالمرصاد: للطاغية وأعوانه ولكل من يشايعه ويخضع له [فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِّنَ المَقْبُوحِينَ] (القصص: ٤٠-٤٢) . وهذه الآيات تضع للناس معالم الطريق في الحياة كي لا يكون لهم حجة في اتباع الظالمين، والخضوع للطغاة والجبارين، أياً كانت الأسباب والحجج؛ لأن في ذلك إنكاراً لقدرة الله وألوهيته وربوبيته، وتكذيباً لما عنده في الدنيا والآخرة؛ فالمؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يخضع إلا لسلطانه، ولا يرضى بغير الحق، ولا يشايع الباطل والظلم والطغيان حتى لا يرد مورد الطغاة كما حل بفرعون وقومه. ولذلك ضرب الله لنا أمثلة رائعة من إنكار المنكر والتبرؤ من الطغيان والطاغية والخروج عن طغيانه، وعدم الاكتراث بما يحل بالمنكرين والمتبرئين من أذى في الحياة؛ لأن ما عند الله خير وأبقى. فهذه امرأة فرعون وهي أقرب الناس إليه تتبرأ منه، وتكشف باطله وتدعو الله أن يبدلها الجنة، ويورثها المغفرة بدلاً مما هي فيه، لم تخش جبروت الطاغية ولم تضللها أكاذيبه، ولم تغرها الأبهة والملك والجبروت والزينة في الدنيا [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (التحريم: ١١) . وأخيراً: وبعد هذا العرض السريع للطاغية والطغاة مُمَثَّلاً بفرعون وقومه يتبين لنا أن «الفساد يصيب تصورات الناس كما يصيب حياتهم الاجتماعية حين يكون هناك أرباب متفرقون يتحكمون في رقاب العباد من دون الله، وما صلحت الأرض قط ولا استقامت حياة الناس إلا أيام كانت عبوديتهم لله وحده: عقيدة وعبادة وشريعة، وما تحرر الناس قط إلا في ظلال ربوبيته الواحدة» [٥] . إن نسيان ذلك من الناس يضللهم في الحياة فيجعلهم أشياعاً للباطل وجنوداً للطغاة الظالمين الذين لا يكفُّون عن تسخيرهم لغير ما أراد الله وامتلاك إرادتهم وقلوبهم وعقولهم. إن أصناف الطغيان كثيرة، وأنواع الطغاة متعددة؛ فإذا كان بالأمس فرعون ففي الحياة كثير من أصناف الفراعنة، «وعلى كل ما عُرف من طغيان فرعون فقد كان في تصرفه هذا أقل طغياناً من طواغيت كثيرة في القرن العشرين في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين، وتهديد لسلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة» [٦] . فهل يستيقظ الناس وهم يعيشون محنة من أقسى ما عرف العالم الإسلامي من المحن، ويمرون في حنايا فتنة كبيرة نسأل الله أن يجعلها نصراً للحق والإسلام والمسلمين؟ وكل ذلك بفعل الطغيان، وتصرفات طاغية جبار دفعه طغيانه إلى ارتكاب أبعد صنوف الشرور وأقسى أنواع المظالم.
следующие страницы →