← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

المسلمون والعالم المجاعة في القرن الإفريقي عبد الرحمن إبراهيم جيلة [*] منذ أكثر من ثلاثين سنة تقريباً وإقليم أوجادين (الصومال الغربي) يذوق ويلات الحروب ويتجرع مرارتها؛ إذ كانت إثيوبيا العدو التقليدي للصومال؛ وذلك بسبب قوة الصومال المتزايدة آنذاك، وأخذ الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي يبذل ما في وسعه لإقناع حلفائه الغربيين بتزويد إثيوبيا بالأسلحة الهجومية، وحتى بعد أن حدث الانقلاب العسكري في إثيوبيا عام ١٩٧٤م وولَّت إثيوبيا وجهها نحو السوفييت استمرت القلاقل والمخاوف بين البلدين المتجاورين، وكان كبش الفداء في هذه المخاوف منطقة أوجادين؛ إذ قدم الإثيوبيون مذكرة للزعماء الأفارقة عام ١٩٧٦م يزعمون فيها أن الصومال لديه خطط حربية لضم الصومال الغربي (أوجادين) وجيبوتي إليها، وأن المخابرات الصومالية موجودة الآن في أوجادين ومحافظة هرر الإثيوبية، مما سبب زيادة في الفتن والقتل في منطقة أوجادين التي يدعمها آنذاك الجيش الصومالي النظامي، ولا يزال حكام إثيوبيا يشككون في أهالي أوجادين ويسومونهم تعذيباً وقتلاً حتى عام ١٩٦٤م، حين اندلعت شرارة الحرب الكبيرة بين إثيوبيا والصومال، وأُعلنت الحرب رسمياً عام ١٩٧٧م؛ وقد أبدى المقاتلون الصوماليون براعةً حربية هائلة يساندهم إخوانهم في الصومال الغربي، ثم كانت الخيانة العظمى التي حصلت في صفوف القادة الميدانيين بإيعاز من القيادة الصومالية لأمرٍ مَّا؛ فانقلب النصر هزيمة بين عشية وضحاها. وأثناء تلك الحرب وبعدها وإلى اليوم ذاق الشعب الأوجاديني ألواناً من الحياة البائسة المتمثلة في شظف العيش، وسوء دخل الفرد، وتتابعت ويلات الحروب من الجبهات التي تعادي النظام الإثيوبي إما عن طريق حرب العصابات أو التفجيرات، أو بملاحقة النشطين في المدن والقرى الأوجادينية من قِبَل أذناب الحكم الإثيوبي؛ فأصبح هذا الشعب والذي يزيد قليلاً على أربعة ملايين نسمة بين سندان النظام الحاكم في إثيوبيا ومطرقته، ولا فرق في حقيقة الأمر بين حكامه ومصالحهم ونظرتهم لهذا الشعب وبين تنكُّر إخوانهم المسلمين لهم؛ لِمَا يعيشونه من أحوال معيشية بائسة منذ عشرات السنين. ولا تزال الأنظمة الظالمة في إثيوبيا تلاحقهم بسياط القتل والتشريد والتجويع، ولا تزال بعض الجبهات الإسلامية تقاتل ضد النظام الإثيوبي الكافر، ولا تزال مآسي تآمر الأنظمة الصومالية القبلية المتعددة الحاكمة الآن تلاحقهم وتتحالف مع أنظمة أديس أبابا جرياً وراء مصالحها، وطلباً لرضى الحكومة الإثيوبية عنها؛ حيث تعدهم بالوعود الكاذبة [وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً] (النساء: ١٢٠) . ويا ليت الأمر اقتصر على هذا؛ بل إن الناظر في شؤون هذه المنطقة المنكوبة من الداخل يجد العجب؛ فنكبة المجاعة التي تعصف بهم وبغيرهم من أهل القرن الإفريقي في هذه الأيام لم تكن وليدة ثلاثين شهراً مرت على المنطقة لم ينزل فيها الغيث فحسب؛ بل هي امتداد لمجاعات ونكبات سابقة مرت على المنطقة بسبب غياب الحكومة التي تهتم بمصالح الناس هناك وغياب البنى التحتية في أوجادين، على مرأى ومسمع من العالم الذي لم يتخذ الخطوات الجادة لمنع حدوث مثل هذه الكوارث عن قصد أو عن غير قصد ففي عام ١٩٧٩م تقريباً أي بعد انتهاء الحرب هناك وقعت كارثة إنسانية؛ حيث مات المئات من الناس، والألوف من البهائم في تلك المنطقة بسبب المجاعة، وكذلك مجاعة ١٩٩١م الشهيرة بين تلك المنطقة والصومال، وغيرها من النكبات التي مرت على هذه المنطقة، والتاريخ اليوم يعيد نفسه بمجاعة عام ٢٠٠٠م التي يعتبرها كثير من المحللين السياسيين عاراً في جبين العالم المتحضر اليوم. أسباب المجاعة في هذه المنطقة: يمتد إقليم أوجادين جنوب شرقي إثيوبيا، وتبلغ مساحته أكثر من ٢٥٠ ألف كم٢، ويقارب عدد سكانه خمسة ملايين نسمة، كلهم مسلمون، ويتكلمون اللغة الصومالية، وبعضهم يستطيع التحدث باللغة الهررية والآرومية لالتصاقهم بهم. وسكان الأوجادين هم بدو رحل وريفيون يعتمدون في الغالب على مياه الأمطار التي انحبس نزولها عليهم منذ شهر إبريل من عام ١٩٩٨م تقريباً؛ وهذا الإقليم قد اشتهر منذ زمن بعيد بالجفاف المتكرر بسبب موقعه الجغرافي؛ إلا أن بعضاً من المتابعين يرجعون عدم نزول الأمطار عليهم خلال هذه الفترة بسبب مصانع أوروبا وغازاتها، التي سببت كتلةً هوائية وضغطاً جوياً طرد السحب الركامية الملبدة بالغيوم إلى الناحية الشمالية أو الجنوبية. وأياً كان السبب فإن الله لم يأذن بهطول الأمطار لحكمة أرادها سبحانه منذ أكثر من ثلاثين شهراً، مما تسبب في مجاعة أكثر من ٧٧% من مجموع السكان الريفيين والبدو الرحّل الذين خسروا مصدر عيشهم المتمثل في الزراعة والرعي، وأكثر مدن هذا الإقليم تأثراً هي: (قدي - دنان - وردير - جبردهر - هارعد - أفدير - إيمي الشرقية خصوصاً - حمارو - غاربو - فيق دجحبور) حيث فقد أهالي مدينة قدي الذين يبلغ عددهم أكثر من أربعمائة ألف نسمة أكثر من ٩٠% من الماشية وأكثر من ٧٠% من الأغنام، حسب إحصائيات لجنة النكبات في تلك المدينة. أما المظاهر اليومية لهذه المجاعة فهي: ١ - ندرة الطعام والشراب، والموت بين النساء والأطفال وكبار السن بسبب الجفاف وقلة الوزن وتلوث المياه التي يشربونها، وذلك بنسب متفاوتة بحسب المناطق، وخصوصاً في المدن السابق ذكرها، والتي يبلغ تعداد سكانها مجتمعة أكثر من مليون وثلاثمائة ألف نسمة. والتقارير الغربية تذكر أن الفرد الواحد يأكل في الشهر الواحد أقل من كيلو غرام واحد من المواد الغذائية في بعض المدن، وتقل هذه النسبة في مدن أخرى. وإن بعض الجمعيات المحلية والهيئات الغربية توزع الآن ما نسبته ٤. ٥ كلغ على الشخص الواحد من المواد الغذائية شهرياً. ٢ - حالة الهلع والذعر، وتنكُّر الناس بعضهم لبعض، وانتشار الكراهية والبغضاء بينهم؛ حيث يتقاتل الناس فيما بينهم على مورد ماء لا يكفي لمائة شخص، بل تدخل الحيوانات كالخنازير والقردة في هذا الصراع. والأشد من ذاك أن يترك كبار السن لمواجهة الموت من غير نصير ولا معين على أكناف الطرق. ٣ - انتشار الأمراض بين الأطفال بسبب الجفاف، وقلة الوزن؛ فقد أجريت في سبع قرى تابعة لمدينة دنان دراسة حالات الأطفال في الشهر قبل الماضي (ذو الحجة ١٤٢٠هـ) فوجد أن ٦. ٥% من الأطفال دون سن الخامسة من أعمارهم وزنهم أقل من ٦٠% من أطوالهم الطبيعية، وأنهم لا يستطيعون الاستمرار على قيد الحياة إلا ببرنامج غذائي علاجي سريع. ٤ - انعدام الماء الصالح للشرب، مما سبب استحالة إقامة برامج غذائية وعلاجية متكاملة؛ فقد قامت اللجنة الأمريكية (٢S) ببناء خزانات طوارئ في مدينة دنان وقراها، كما قامت كل الهيئات الغربية المشاركة لإنقاذ الناس من هذه المجاعة بشراء كميات لا بأس بها من الخزانات الحافظة للمياة، وكذا قامت الجمعيات المحلية والحكومية، والهيئات الإسلامية القليلة العاملة هناك. ٥ - موت وهلاك المواشي والأغنام، وانتشار الأمراض المهلكة بينها، وقد ذكرنا آنفاً أن أكثر من ٩٠% من الماشية وأكثر من ٧٠% من الأغنام هلكت في مدينة واحدة هي (قدي) بل إن الأمر يزداد سوءاً إذا عُلِمَ أن النوق قد توقفت عن إدرار الحليب منذ يناير ٢٠٠٠م، وهي الآن تموت بالمئات يومياً، كما يذكر برنامج الغذاء العالمي (UN) ، وهذا مؤشر خطير لما يعانيه البدو هناك. دور الهيئات العاملة في الأزمة: تدَّعي الجمعيات الغربية العاملة في الصومال وجيبوتي وكينيا وإثيوبيا بأنها كلها تعمل لإنقاذ البيئة الريفية في أوجادين وإعادة تأهيلها، وأن لديها برامج إغاثية كبيرة في هذه المحنة في تلك المنطقة، والحق أن أغلب هذه الهيئات لا تعمل شيئاً، بل موقفها لا يتعدى نقل صور هذه المأساة من خلال الكاميرات العادية وكاميرات الفيديو ونشرها أمام شعوبها لتلقِّي المزيد من الدعم المالي والإداري والسياسي. والحق يقال أيضاً: إن الهيئات الغربية أكثر من غيرها عملاً في تلك المجاعة مثل (UN) متمثلة في برنامج الغذاء العالمي، USAID المساعدات الأمريكية تعمل في قدي، واليونسيف متمثلة في برنامج واحد هو (أطعم الأطفال) و (DPPCOFA) الأمريكية، WEP الإغاثات النصرانية، والسفارة الألمانية CRDA والتي تسببت في مشاكل كثيرة مع الحكومة الإثيوبية بسبب إخفاق الحكومة في برامج الإغاثة، وكذبها على المانحين والداعمين، OXFAM البريطانية، والبعثة السويدية والإيرلندية CONCERN والبلجيكية، وبلا حدود، وهناك أكثر من خمس وثلاثين هيئة غربية تدعي العمل عن طريق جمعيات محلية، ولم نرَ أثر عملها في الغالب. ولم يقتصر الأمر على الهيئات الغربية بل شارك السفراء الغربيون يقودهم السفير الأمريكي في أديس أبابا في الوقوف على هذه المحنة بأنفسهم؛ فقد استأجروا طائرة تجارية في شهر ذي القعدة ١٤٢٠هـ تقلهم إلى مدينة قدي للوقوف على أحوال المدينة دون إذن مسبق من الحكومة الإثيوبية. ولا يخفى على أحد أهداف بعض هذه الحكومات والهيئات الدينية؛ فقد قامت البعثة البلجيكية ببناء خيمتين في مدينة قدي خاصة بالأطفال كتب على واحدة منهما: (محمد) وعلى الثانية: (عيسى) ، وملئت خيمة عيسى بأصناف المأكولات والمعلبات الغذائية، أما خيمة محمد فلا يوجد فيها إلا بعض أكياس الدقيق، ويرسلون الأطفال إليها ليختاروا أي الخيمتين أفضل. وفي مدينة دنان يدعو الأطباء السويديون للناس بالشفاء باسم عيسى ﵇ مما سبب بعض المشاكل في الأسبوع الأول من عملهم مع بعض سكان المدينة. أما الحكومات الإسلامية المتعاطفة مع هذه المشكلة فقد آثرت العمل من خلال الحكومة الإثيوبية وبعض الجمعيات المحلية هناك. والجمعيات الإسلامية غير المحلية العاملة هناك لا تزيد عن عشر جمعيات، وهي تعمل مباشرة أو عن طريق الجمعيات المحلية المصرح لها من الحكومة الإثيوبية، وأكثرها عملاً البنك الإسلامي للتنمية، وهيئة الإغاثة العالمية، ومؤسسة الحرمين، ولجنة مسلمي إفريقيا، والمنتدى الإسلامي، رغم وجود مصاعب مالية وتنظيمية لدى هذه الجمعيات في ظل غياب الدعم الحكومي والدعم السياسي لمثل هذه الهيئات، وبسبب عدم تخصص هذه الجمعيات في برامج الإغاثة، وبسبب القصور والضعف الإداريين؛ فتجد أن مندوبي الجمعية يفدون دون تخطيط لكيفية العمل أو ما هو الأنسب للعمل الإغاثي؛ فيضطر بعضهم للاستعانة بالهيئات والتنظيمات الغربية. مرئيات مستقبلية: نرى ونحن نعمل في الميدان أن ستة أشهر غير كافية للعمل هنا لاستعادة الأمل، وطرد شبح الحاجة والمرض من هذه البقعة من أرض المسلمين، ثم إن العاملين هنا سواء من المسلمين أو المسيحيين يعملون الآن بشكل جدي في الغالب لدرء آثار المجاعة الحالية ولإنقاذ ما يمكن انقاذه منها، ولكنهم وعلى السواء لا يقدمون الدراسات والبحوث التي تعالج المأساة من أصلها عدا بعض البحوث الغربية، وهنا نقترح الآتي درءاً لحدوث مثل هذه المجاعات في المستقبل في هذه المنطقة المنكوبة عن طريق الدول والحكومات الإسلامية، وصناديق التنمية فيها؛ فرغم كل المجاعات التي أصابت هذه المنطقة لم يُجَرَّب إعادة تنظيم المجتمع الريفي وهيكلته هنا، إضافة إلى أنك لا تجد تجاوباً جاداً من حكومة أديس أبابا في تنمية هذا الإقليم، فنقترح الآتي: * إعادة توطين المجتمع البدوي والريفي في هذه المنطقة، ونشر المدارس فيها، وخصوصاً المدارس التي تهتم بالجانب المهني والفني، وإنشاء معهد زراعي وصناعي وتجاري وإداري في كل مدينة من مدن هذا الإقليم. * هناك مئات المواقع القابلة للاستصلاح الزراعي؛ حيث توجد الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، والتي تخترقها عدة أنهار في الجنوب الشرقي. * الاستفادة من البحوث والدراسات الغربية التي قدمتها بعض الهيئات الغربية للحكومة الإثيوبية لتنمية البلاد، وعدالة تقسيم الموارد الاقتصادية على الأراضي الإثيوبية، والاهتمام بالبنى التحتية في هذا الإقليم. * السماح لسكان هذا الإقليم بممارسة شعائرهم التعبدية، وانتشار مدارسهم الدينية، وحلقات تحفيظ القرآن بكل حرية ونزاهة، والبعد عن القسر والظلم والاضطهاد، والكف عن محاربة الدين الإسلامي في إثيوبيا عموماً، وفي هذا الإقليم خصوصاً. * السماح الكامل وغير المشروط للجمعيات والهيئات الإسلامية حكومية كانت أو غير حكومية للعمل في أوساط هذا الشعب المسلم، وتنميته مَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ المجتمعات الإسلامية في بقية القرن الإفريقي. وقد قصرنا حديثنا هنا على إقليم أوجادين بسبب ظهور المجاعة فيه عياناً؛ إذ هو أشد المناطق تضرراً، أما المناطق العفرية والإرتيرية فهي أقل ضرراً منها، وبعيدة عن خط الخطر بمشيئة الله تعالى.

стр. 3537

المسلمون والعالم بيان علماء اليمن حول التطبيع مع اليهود وإعادة توطينهم هناك تعد قضية فلسطين وما ابتليت به الأمة الإسلامية من تدنيس يهود لأرضها وإقامة دولتهم عليها وجلبهم لما يسمونه بالشعب اليهودي من جميع أنحاء العالم للتوطن فيها.. إحدى القضايا المصيرية التي تعيشها الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ولا يقتصر هدف اليهود ومن يدعمهم على مجرد اغتصاب فلسطين من أهلها، بل يراد أن تكون هذه الخطوة هي نقطة الانطلاق نحو مد الأخطبوط الصهيوني الصليبي أذرعه للإجهاز على الأمة الإسلامية كلها، عبر غزو تطبيعي يشمل الفكر والاقتصاد والسياسة والإعلام والاجتماع ... وقد توالت منذ بداية هذه النكبة فتاوى العلماء التي تحاول الوقوف سداً منيعاً ضد طوفان التطبيع والهزيمة النفسية التي منيت به الأنظمة العلمانية والتي تحاول أن تنقله إلى شعوبها. وفي هذا الإطار جاء بيان علماء اليمن الأخير الذي وقعه جمّ غفير من أجلَّة العلماء والدعاة تحذيراً من الوقوع في هذا الخطر الداهم، وأداءً لأمانة البلاغ الذي أخذه الله عهداً على العلماء الربانيين: [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ] (آل عمران: ١٨٧) . - البيان - الحمد لله القائل: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً كثيراً.. أما بعد: فإن اليهود أمة غضب الله عليهم ولعنهم على لسان أنبيائهم، كما قال سبحانه: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (المائدة: ٧٨) . وقال سبحانه: [قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ] (المائدة: ٦٠) . وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بما لا يخفى على أحد من المسلمين؛ فهم الذين يطعنون في ذات الرب كما قال سبحانه: [وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ] (المائدة: ٦٤) ، وقال سبحانه في اليهود: [لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] (آل عمران: ١٨١) . ومن جرائمهم أنهم كفروا بالله تعالى وكذبوا رسله، وقتلوا الأنبياء والمصلحين، كما قال سبحانه: [وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ] (البقرة: ٦١) . بل إنهم لا يتركون مُصلحاً أو آمراً بالقسط إلا قتلوه وتآمروا عليه، كما أخبر الله عنهم، فقال سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] (آل عمران: ٢١) . ولقد تآمروا على نبينا محمد ﷺ ، فَهَمُّوا بقتله، ووضعوا له السم، وآذوه بأنواع الإيذاء في حياته، ولا يزالون يتطاولون عليه ويسيئون إليه بعد مماته ﷺ . واليهود أشد الناس فساداً في الأرض؛ فهم يستبيحون الأمم الأخرى، كما قال سبحانه: [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] (آل عمران: ٧٥) . وجرائم اليهود في حق الله تعالى وفي حق الأنبياء، وإفسادهم في الأرض، وتحريفهم للتوراة، وعداوتهم للأنبياء والمصلحين، وغير ذلك من الجرائم لا تخفى على أحد. ولا يزال اليهود متصفين بنقض العهود، كما أخبر عنهم سبحانه بقوله: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] (البقرة: ١٠٠) . والمعلوم من تاريخ اليهود أنهم نقضوا العهد مع النبي ﷺ وتآمروا على قتاله مع المشركين والمنافقين، ومعلوم حقدهم على الإسلام والمسلمين، وحرصهم على بث الفرقة وإثارة الفتن بينهم، وهم يسعون اليوم لإقامة دولة اليهود الكبرى على أنقاض الدول العربية وفي أرضها! لقد احتل اليهود أرض فلسطين بعد أن قتلوا أبناءها، وأخرجوهم من ديارهم، وسلبوا ممتلكاتهم، وحاربوا العرب من أجل ذلك، واستعانوا بالقوى الدولية على تحقيق أهدافهم، ولا يزالون يسعون لإقامة دولة اليهود الكبرى من النيل إلى الفرات ومن الإسكندرية إلى المدينة المنورة، وإلحاقها بفلسطين المحتلة، ويسعون في هذه الفترة مع من يعينهم من القوى الدولية لتحطيم مقومات العرب من دين وأخلاق، وقوة واقتصاد، وجيش وأمن، ووحدة سياسية، ويفرضون على العرب اليوم التسليم بكل ما فعلوا ضدهم وضد إخوانهم في فلسطين، ويطلبون منهم الرضا بالأمر الواقع، واعتبار ذلك أمراً طبيعياً، بينما هم لا يتوقفون عن تنفيذ بقية مخططاتهم المدمرة للعرب والمسلمين ومقوماتهم. واليوم نسمع عن عودة هؤلاء اليهود إلى اليمن، باسم الزيارة لأهليهم، أو السياحة، بعد أن نبذوا الجنسية اليمنية، وخرجوا من البلاد خروجاً نهائياً، فخرجوا محاربين الجيوش العربية، ومنها جيش اليمن، ونحن نحذر من أن الهدف الحقيقي لهم هو إعادة استيطانهم في اليمن، وتمكينهم من شراء الأراضي اليمنية والعقارات، وادعاء الملكية، وتشكيل أقلية يهودية تعيش تحت الحماية الأجنبية، وتُعَرِّض اليمن لضغوط دولية إن لم يسلموا لها ولخططها الماكرة، كما يهدفون في هذه المرحلة إلى إعادة معابدهم، وابتزاز ثروات اليمن، والتملك في البلاد. وقياماً بواجب البيان الذي أخذ الله ميثاقه على العلماء ونصحاً للأمة، وإبراءاً للذمة نفتي بما يلي: أولاً: إن موالاة أعداء الإسلام محرمة شرعاً وبخاصة هؤلاء اليهود؛ لأنهم في حالة حرب مع العرب والمسلمين، واغتصاب لأراضيهم ومقدساتهم، ويخططون لإقامة دولتهم اليهودية الكبرى على أراضي المسلمين، وعليه فيحرم شرعاً التطبيع معهم كما يدل على ذلك قوله تعالى: [إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (الممتحنة: ٩) . وكما قال سبحانه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] (المائدة: ٥١) . وكما قرر ذلك علماء المسلمين في فتواهم منذ بداية تكالب اليهود على أرض فلسطين عام ١٩٣٥م إلى يومنا هذا. ثانياً: يحرم التعامل مع هؤلاء اليهود الحربيين بيعاً أو شراءاً أو استثماراً أو تمليكاً للأراضي حتى لا يكون سبباً في توطينهم وادعائهم الإقامة حيث يملكون، وحتى لا يكون ذريعة لإعادة استيطانهم في اليمن. ثالثاً: يوصي العلماءُ المسلمين جميعاً والشعبَ اليمني خصوصاً حكاماً ومحكومين بالتنبه لخطر موالاة اليهود، والحذر من خططهم الماكرة، والوقوف صفاً واحداً أمام هذا الخطر الداهم الذي يهدف إلى حرب الإسلام والمسلمين؛ مما يستوجب الوقوف أمام المخططات التي تسير في هذا الاتجاه وتشجع على موالاة اليهود المحاربين للإسلام والمسلمين وإقامة العلاقات معهم. نسأل الله أن يوفق الأمة الإسلامية لما فيه خيرها وصلاحها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3538

المسلمون والعالم الغزو اللاتيني في كردستان العراق فرست مرعي الدهوكي كانت إحدى الطامات الكبرى التي ألحقها العلماني الأول مصطفى كمال أتاتورك في ثلاثينيات القرن العشرين أمره بإلغاء كتابة اللغة العثمانية (التركية) بالأبجدية العربية؛ حيث أدخل عوضاً عنها الحروف اللاتينية، وهذا ما جعل الجيل التركي المعاصر ينقطع عن جذوره الإسلامية العثمانية؛ بحيث لا يستطيع التركي الآن قراءة رسالة كتبها أبوه أو جده في الربع الأول من القرن العشرين، ناهيك عن قراءة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهذا ما جعل التراث الذي سطره العثمانيون طيلة ستة قرون من عمر الخلافة ١٣٠٠ ١٩٢٤م يذهب سدىً، ولعله إلى حين إن شاء الله. والحقيقة أن تغيير الكتابة التركية لم يأت بسبب المأزق الذي وقعت فيه هذه اللغة بقدر ما كان خطة مدبرة طبقها (أتاتورك) بكل دقة لفصل تركيا عن الجسم الإسلامي وامتداداتها المشرقية وإلحاقها بالغرب الأوروبي. والدليل على ذلك تغيير يوم العطلة الأسبوعية الإسلامية (الجمعة) ، لتكون عطلة النصارى يوم الأحد عوضاً عنها، وفرض لبس القبعة الأوروبية محل الطربوش العثماني، إلى جانب إخراج المرأة التركية من حجابها الشرعي، واتخاذ العلمانية (اللادينية) المذهب الرسمي لدولته. والحق يقال: إن تركيا بهذا الإجراء خسرت تاريخها وماضيها الناصع، ولم يستفد الجيل الحالي أية لغة أوروبية، وإنما تعلَّم الحروف الأوروبية، وهذا العمل لا يأخذ من تلميذ الابتدائية أكثر من ثلاثة أسابيع لتعلمه [١] . وفي السياق نفسه يحاول بعض المثقفين الأكراد من ذوي الاتجاهات العلمانية (الماركسية والليبرالية) تطبيق فكرة أتاتورك الآنفة الذكر وإنزالها في عالم الواقع في محاولة كتابة اللغة الكردية بالأبجدية اللاتينية عوضاً عن الأبجدية العربية التي هي سائدة الآن في كردستان العراق وإيران دون كردستان تركيا وسوريا؛ حيث طغت هناك اللاتينية بواسطة التأثير التركي، ولا ننسى أن الأدب الكردي من شعر ونثر تراثي إنما دُوِّن بالحرف العربي، وكذلك الصحافة الكردية؛ فقد استعملت في غالبيتها الحرف العربي على مدى مائة عام تقريباً [٢] . وكانت هذه الفكرة قد راودت بعضاً من أبناء الكرد منذ عدة عقود بتأثير الموجة الأتاتوركية، ولكن قلة عدد هؤلاء اللاتينيين وسيطرة علماء الدين الإسلامي على الساحة العلمية والثقافية في كردستان خلال النصف الأول من القرن العشرين حالت دون استطاعتهم الجهر بفكرتهم هذه، ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير هي تغلغل الفكر البلشفي الماركسي في كردستان في ثلاثينيات القرن العشرين والاقتداء بالاتحاد السوفييتي الذي قام باستبدال الأبجدية العربية السائدة عند مسلمي القوقاز وآسيا الوسطى بالأبجدية الروسية. وكانت حجة هؤلاء هي انتماء اللغة الكردية إلى عائلة اللغات الهند أوروبية بعكس العربية التي تنتمي إلى عائلة اللغات السامية، ولأن العربية قاصرة عن التعبير عن كل الأصوات والأحرف الكردية [٣] . ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة اللغوية موجودة في اللغة الفارسية، ولكنها استطاعت أن تطوِّع قسماً منها لتبعد عن أصوات فارسية لا وجود لها في اللغة العربية، فيلاحظ أن الباء المهموسة وهي التي ترى في حرف (P) الإنجليزي موجودة في الفارسية، غير معترف بها في العربية، فلجأ الفرس إلى كتابة هذا الصوت بوضع نقطتين أخريين زيادة على النقطة الموجودة في الباء، ليصبح المجموع ثلاث نقاط [٤] ، وجرى هذا في الحرف الإنجليزي (CH) ، حيث أضاف اللغويون الفرس نقطتين أخريين زيادة على النقطة الموجودة في الجيم ليصبح المجموع ثلاثاً، وهكذا دواليك في الحروف الأخرى التي لا نظير صوتياً لها في العربية، وهذا الأمر عمل به اللغويون الكرد؛ فاللغتان الفارسية والكردية تنتميان إلى عائلة اللغات الهند أوروبية؛ حيث تنتمي الفارسية إلى الفصيلة الجنوبية الغربية، بينما تنتمي الكردية إلى الفصيلة الشمالية الغربية [٥] . ومن جهة أخرى فإن انتماء لغةٍ مَّا إلى عائلة لغوية لا يعني بالضرورة استخدام أبجديتها، وإلا لكان من الطبيعي استخدام الأتراك للأبجدية الألتية Altaic على أساس انتماء لغتهم إلى عائلة الأورال تاي. وهذا ينطبق على اللغات الإفريقية التي لا تنتمي إلى عائلة اللغات الهند أوروبية ومع ذلك فقد استخدمت هي الأخرى الأبجدية اللاتينية، بينما لا زالت اللغات الفارسية والأوردية والكردية تستعمل الأبجدية العربية، إضافة إلى أنه ليس من الضروري وجود ارتباط بين شكل الحرف ونطقه، وإنما هناك علاقة غير واضحة يُكسِبها المجتمع لا الحرف نفسه قدراً من الاتفاق والترابط؛ والدليل على ذلك أن صوت الراء يكتب بأشكال متعددة، فيكتب في الإنجليزية على شكل (R) وفي العربية (ر) وفي الروسية (P) ، فلو كان هناك اتفاق بين شكل الحرف والصوت لكتب بصورة موحدة في اللغات المختلفة [٦] . ومن الجدير ذكره أن اللغة اللاتينية هي إحدى اللغات الأوروبية القديمة التي تنسب إلى سهل (لاتيوم) المحيط بالعاصمة الرومانية القديمة الإيطالية حديثاً روما، ومنه أخذت تسميتها، وقد تفرعت منها عدة لغات أوروبية حديثة وهي: الإيطالية، الفرنسية، الأسبانية، البرتغالية، الكتلونية، وأغلب الدراسات والأدب المدون بهذه اللغة وثني إباحي يقوم على تمجيد الطقوس الوثنية والإباحية بجانب تقديس المنحوتات العائدة للأباطرة الرومان والفلاسفة الإغريق؛ مع التركيز على مبدأ القوة وسيادة العنصر الروماني على بقية شعوب العالم القديم آنذاك، والتي سماها الرومان بالبرابرة، وهذا ما طبقه أحفادهم الأوروبيون عندما قسموا العالم إلى شمال وجنوب، أو شعوب متمدنة راقية وشعوب متخلفة بدائية. وعلى أي حال فقد بدأ بعض المثقفين الكرد من المنتمين إلى التيارات الفكرية المتنوعة من ماركسية واشتراكية وليبرالية بالكتابة الأبجدية اللاتينية في الآونة الأخيرة في بعض الصحف والمجلات العائدة لأحزابهم وجمعياتهم العاملة في كردستان العراق، بقصد جس نبض القراء الكرد، ومعرفة ردود فعلهم الأولية على هذا المشروع، ومدى محاولة المضي فيه حتى النهاية في حالة عدم وجود ردود فعل سلبية تجاههم؛ حيث لا يخيفهم شيء سوى ردة فعل الاتجاهات الإسلامية والمحافظة التي تريد البقاء على التراث الكردي القديم بصورته الحالية، ولكن مع الأسف فإن الاتجاهات الأخيرة قد خَفَتَ صوتها في الآونة الأخيرة نتيجة اتهامها بالعمالة للفكر الإسلامي أو وصمها بالتعصب والانغلاق وعدم الانفتاح على الفكر العالمي، والهدف الأخير لهؤلاء العلمانيين ليس إخراج اللغة الكردية من بعض الإشكاليات التي تعانيها مثل بقية اللغات بقدر ما هو قطع كل صلة للكرد بماضيهم الإسلامي المجيد، ومحاولة دفع الكرد شيئاً فشيئاً نحو بوتقة التغريب والعلمنة، علماً بأن للعلماء الأكراد باعاً طويلاً في الدفاع عن حياض اللغة العربية. والحقيقة أن كتابة الكردية باللاتينية أصبحت موضة شائعة بسبب التقليد الأعمى للغرب في كل حركاته وسكناته؛ مثل تقليده في المظاهر الأخرى كالأزياء وشرب الخمر والأكل باليد اليسرى، إلى غير ذلك من هذه المظاهر المستنكرة التي تدل على استلاب الشخصية المسلمة وتبعيتها لأعداء دينها وعقيدتها. وانطلاقاً مما تقدم يبدو أن هناك عدة عوامل تصب في نجاح المشروع اللاتيني في كردستان العراق، ولعل من أبرزها كثرة وجود المنظمات الغربية (التنصيرية) التي تتخذ من الإنسانية مظهراً، والتي ليس لها هدف محقق في واقع الأمر إلا تغريب الكرد ومحاولة إخراجهم من دينهم، ومحاولة قطْع كل رابطة لهم بأشقائهم العرب المسلمين أو باللغة العربية، ولا سيما أن الكرد تعرضوا إلى صنوف شتى من الظلم والقهر على أيدي بعض المحسوبين على العرب! بجانب محاولة الغرب تغريب الجيل الكردي الحالي من خلال السماح له بالهجرة المنظمة وغير المنظمة إلى الغرب، ومنحه التسهيلات المادية والمعنوية من خلال السماح لهم بالحصول على اللجوء السياسي أو الإنساني على أقل تقدير. وإنني في هذه المقالة أطلب من إخواني المسلمين وبالأخص العرب منهم مساعدة الشعب الكردي للخروج من أزمته التي طالت، والتي تعرَّض خلالها إلى أشد صنوف التنكيل والعذاب والضرب بالأسلحة الكيمياوية وغيرها من أعتى وسائل الإجرام على يد بعض الأنظمة التي لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وهذا كان أحد الدواعي التي استند إليها هؤلاء المتغربون اللاتينيون لإخراج الكرد من دينهم على أساس أن ظالميهم أو الذين وضعوهم في معسكرات التعذيب والاعتقال كانوا ينتمون اسماً إلى الإسلام! لذا فلا مناص بزعمهم من الالتجاء إلى الغرب والاحتماء به، والإذعان لكافة عاداته وتقاليده؛ وإن تطلَّب الأمر معتقداته؛ والعياذ بالله. ولكن هل من مستجيب لنصرة الأكراد المسلمين قبل الكارثة؟ ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!

стр. 3539

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش إلى المُطبّعين.. مع التحية! ! كشفت مصادر خاصة أن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية C. I. A الجنرال (جورج تينت) زار إحدى الدول الخليجية مؤخراً زيارة خاصة لها علاقة مباشرة بمؤتمر مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني الذي عقد في الكويت. ونقلت المصادر أن (تينت) اجتمع مع مسؤولين في تلك الدولة، وأجرى معهم محادثات تركزت حول السماح لمقاومي التطبيع بعقد مؤتمرهم في الكويت. وأكد (تينت) خلال اللقاء أنه مندهش تماماً لعقد مثل هذا المؤتمر. مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية اتهم خلال محادثاته مع المسؤولين الجماعات الإسلامية التي وصفها بـ «المتشددة» في تلك الدولة بأنها وراء انعقاد المؤتمر مطالباً بالعمل سريعاً على ضرب «الأصوليين» وتحجيم نفوذهم قبل أن يفوت الوقت وبخاصة في ظل تصاعد «الأصولية» كما يقول واعتبر الجنرال الأمريكي أن عقد مؤتمر مقاومة التطبيع في الكويت ظاهرة خطيرة، محذراً من أن مثل هذه المؤتمرات ربما تمتد وتنتشر في دول أخرى. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٣) ] رسالة إلى الرجال الشيخ الفاضل/ أمير جماعة «تحريك المجاهدين» جامو وكشمير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، وبعد: إنه من دواعي سعادتي وسروري أن أقدم لكم ابني شفيق الرحمن قريشي بن محمد إسحاق قريشي الساكن في مدينة لاهور للتدريب في المعسكر وبعد إكمال التدريبات اللازمة سمحت له بأن يذهب إلى كشمير المحتلة للجهاد هناك وأنا أفتخر بهذا القرار الذي قررته؛ حيث إنني أتمنى أن أكون أماً لشهيدٍ قاتلَ ضد الباطل وجاهد في سبيل رفع كلمة الله، وأسأل الله أن يجعله من الشهداء، وأن يتقبل شهادته، وأن يجعله سبباً في دخولنا الجنة. إن الله لن يضيع أجر المحسنين وإن إيماني وعقيدتي هو أن الغلبة للإسلام وللمسلمين، والله حسيبنا وكفيلنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، أختكم في الله: والدة شفيق الرحمن لاهور [مجلة سياحة الأمة الكشميرية، العدد: (٢٨) ] زادكم الله غماً المدهش أن الجيل الذي يقود الثقافة في مصر الآن هو جيل ستيني بالأساس، باستثناء بعض الأمثلة القليلة مثل محمود أمين العالم، هذا الجيل الستيني يضم عبد المعطي حجازي وجابر عصفور ووزير الثقافة وغيرهم من الكتاب والمبدعين، فلم هذه المعارك المفتعلة بين أبناء جيل واحد جمعهم ظرف سياسي واحد ومناخ واحد وحلم واحد؟ لقد اخترنا كلمة قاسم أمين «الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر أي فكر وترويج كل مذهب» شعاراً للجريدة، وحين أتذكر أن هذه الكلمة قيلت قبل مائة عام وأننا الآن نجاهد في سبيل تطبيقها، ينتابني الأسى والغم. [صلاح عيسى، رئيس تحرير جريدة «القاهرة» التي صدرت حديثاً عن وزارة الثقافة في مصر، جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٤٩) ] ولا يزالون يقاتلونكم حمَّلت دراسة اجتماعية قام بها الباحث النيجيري د. محمد ثابت (المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية) مسؤولية تفشي الظاهرة الإباحية في المجتمع النيجيري. وأوضح الباحث وهو أستاذ بكلية التربية جامعة بايروا بكانو أن نتائج الدراسة وتحرياتها عن عوامل وأسباب اختفاء تلك القيم والتقاليد أثبتت أن للوكالات والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية العاملة في مجال الإغاثة والصحة والطفل والمعونات ضلعاً كبيراً في ذلك. وقال: إنه بعد مسح شامل تبينت أنه توجد أكثر من ٥٠ وكالة في مناطق شمال نيجيريا فقط التي توصف بأنها «مناطق محافظة» وهي تابعة للمنظمات والمؤسسات الدولية. وأضاف: إن وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية هي أكثر تلك الوكالات والمنظمات اختراقاً للأوساط الاجتماعية، وتعمل بشكل مباشر في الأوساط النسائية لا سيما (الفتيات في المدارس والجامعات) . وذكر أن من أهداف هذه الوكالة التمكين للديمقراطية في المجتمعات النامية، وتنمية الوعي بتنظيم الأسرة، وتحديد النسل، ثم العمل على تقوية النسوة في كافة المحافل والمجتمعات، واعتبر الدكتور الشيخ أن هذه الأهداف مجرد غطاء تتستر بها لنشر الفساد والإباحية في المجتمع؛ لأنها توزع مجاناً أدوات مختلفة بين الشباب والفتيات والنساء عموماً لمنع الحمل.. وأضاف: إن الملاحظ على مضامين دعاتها واتصالاتها أنها تحث وترغِّب على استخدام هذه الوسائل عند ممارسة الجنس عموماً، وتسوِّغ دعوتها إلى استخدام هذه الأدوات بأنها تحمي من الأمراض المكتسبة عن طريق الممارسة الجنسية غير الشرعية، مما يُقوي الناس على الفاحشة. من جهة أخرى أضاف التقرير أن مشروعاً تعليمياً للتربية الجنسية بدأ نشاطه بمدينة لاجوس بحضور ممثلين من منظمة الشباب في الولايات المتحدة الأمريكية. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٣) ] يسارعون فيهم كشف بيان صادر عن اتحاد الصناعيين الإسرائيليين أن الربع الأول من سنة ٢٠٠٠م شهد ارتفاعاً كبيراً في الصادرات إلى الدول العربية بنسبة ٤٤% مقابل انخفاض طفيف في الواردات ١. ٦% ووفق هذا البيان فإن البضائع الإسرائيلية تصل إلى ١٢ دولة عربية! وجاء في البيان أن قيمة الصادرات الإسرائيلية بلغت في هذه الفترة ٢٩ مليون دولار (٢٠ مليون دولار في الفترة نفسها من السنة السابقة) ، معظمها صدر إلى مصر (١٦ مليون دولار تنطوي على زيادة بنسة ٦٩%) يليها الأردن ٦. ٣ مليون دولار بزيادة ٤٩% عن السنة الماضية. وتصل الصادرات الإسرائيلية إلى ١٢ دولة عربية هي إضافة للأردن ومصر: لبنان (الجنوب المحتل بالأساس) واليمن، والكويت، والبحرين، وقطر، وسلطنة عمان، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة، وتونس. هذا فضلاً عن فلسطين، التي لم يرد اسمها في التقرير. وارتفعت الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب بنسبة ٩٠% لكنها لم تتجاوز مليوني دولار. وصدرت (إسرائيل) للبنان ما قيمته ٣. ٧ مليون دولار بزيادة ١٩% عن السنة الماضية. وانخفضت الصادرات الإسرائيلية إلى تونس بنسبة ٩٠ % لتصبح قيمتها ١٦٤ ألف دولار. بينما ارتفعت إلى الإمارات بنسة ٢٩% لتصبح ٢٠٥ ألف دولار. أما الواردات لـ «إسرائيل» من الدول العربية فهي بقيمة ١١ مليون دولار في هذه الفترة، معظمها من مصر (٥. ٧ مليون دولار) يليها الأردن بمبلغ ٤. ٦ مليون دولار. وتستورد «إسرائيل» من المغرب الأغذية الجاهزة والمشروبات والسجائر بقيمة ٤٠٨ ألاف دولار. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٢٨) ] الصين تحافظ على هويتها الغضب على الكتب والكُتَّاب لا يتوقف على العالم العربي، فالصين هي الأخرى تدخل في حلبة حرق الكتب ومنعها. وتأتي الحرب الصينية على خلفية أيديولوجية تريد تأكيد الذات الصينية ضد نزعات العولمة والثقافة الجديدة التي بدأت تظهر في الصين بعد عصر الانفتاح الاقتصادي، وعصر «الماكدونالدز» والغزو الأمريكي. ويتركز غضب المؤسسة الصينية الحاكمة على الجيل الذي يطلق عليه «الجيل الجديد» الذي ولد ونشأ في السبعينيات؛ حيث بدأت تظهر على هذا الجيل مزايا العولمة، وفي مركز الجدال الدائر الآن في العاصمة الصينية فتاة تنتمي إلى هذا الجيل قامت بإصدار رواية اعتبرتها المؤسسة الصينية خطراً على الأخلاقيات العامة. واسم الرواية التي تثير الجدل في الصين وتعيد تشكيل التقاليد الأدبية الصينية التي تنتمي إلى قرون عديدة «طفل شنغهاي» ؛ حيث يشير اسم الرواية إلى ظلاله الجنسية، وتم توزيع أكثر من ٨٠ ألف نسخة من الرواية قبل أن تكتشفها السلطات وتجدها ضد الذوق العام وتطالب بعزل كاتبتها وتهميشها، ومن هنا قام ناشر الرواية بتدمير النسخ الباقية وإتلافها، وفي معركة المؤسسة الثقافية ضد الرواية فإنها قامت في الأسبوع الماضي باقتحام معرض كتاب وصادرت عدداً كبيراً من النسخ. [جريدة القدس العربي، العدد: (٣٤٢٣) ] استباحة الأمة صعَّد مثقفون مصريون اعتراضهم على تدخل الأزهر في تقويم الأعمال الأدبية، ووجه ٢٥٠٠ أديب مصري أعضاء في «الأمانة العامة لأدباء مصر في الأقاليم» مذكرة إلى النائب العام، اعتبروا فيها أن الحملة التي تبنتها صحيفة الشعب الناطقة باسم حزب العمل ضد رواية حيدر حيدر «أثارت الذعر في القلوب الوادعة، وروعت الأقلام التي تتمتع بالحرية لتتخيل وتبدع وفتحت الباب للغوغاء بما يبدد الأمن ويهدد السلام الاجتماعي» . وأكد هؤلاء تأييدهم سياسة النشر في هيئة قصور الثقافة التي تصدر سلسلة (آفاق الكتابة) وشددوا على أن نشر رواية «وليمة لأعشاب البحر» عمل ثقافي مشروع في إطار توسيع دور الأدب عموماً والرواية خصوصاً في نقد الحياة وتطوير مناحيها وأساليب العيش فيها «ولفتت المذكرة إلى أن تقويم العمل الأدبي » لا يتعين أن يصدر من غير ذي صفة أدبية «. وأعلن الموقعون على المذكرة تضامنهم» مع كل مسؤول عن نشر الرواية وغيرها من الأعمال الأدبية الجيدة ذات الرؤى الإنسانية المهمة «. وأضافوا: إذا كان ثمة اتهام إلى أحد فكل الأدباء متهمون ويشاركون الجميع في تحمل المسؤولية والاستعداد لتقبل ما يراه السلك القضائي من التزامات» . وأضافت المذكرة «نرفض بكل شدة ما دعا إليه شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي من ضرورة فرض الرقابة على كل كتاب؛ لأن ذلك يعني النكوص والردة بعدما بلغت الأمة منذ زمن سن الرشد، وإذا فرضت الرقابة فلن يكون هناك أدب ولا فن ولا حرية ولا رأي ولا تقدم بل ولا حياة حقيقية تليق بالإنسان المصري في زمان لم يعد فيه أدنى مجال لتكميم الأفواه أو التحكم في أدوات التعبير. [جريدة الحياة، العدد: (١٣٥٩٣) ] الحرية الأوروبية! أصدرت المحكمة الابتدائية في العاصمة النرويجية أوسلو حكماً برفض الدعوى المقدمة من المجلس الإسلامي ضد وزارة التعليم للحصول على حق الإعفاء الكامل لأبناء المسلمين من دراسة مادة الدين المسيحي التي أصبحت مادة إجبارية منذ عام ١٩٩٧م. وقد ورد في الحكم الصادر أن إجبار أبناء المسلمين على دراسة هذه المادة لا يعتبر مخالفاً لقوانين حقوق الإنسان والأقليات الدينية، واعتبرت أن ما ذكره المسلمون من تأثير هذه المادة على أطفالهم بسبب التباين الواضح بين معتقدات المسلمين، وما تطرحه المادة من معتقدات، ليس سبباً مقنعاً لمنحهم إعفاءاً من دراسة هذه المادة. [مجلة الكوثر، العدد: ٧] هذا حيدر الوليمة! ! س: هل أصبحت الكتابة من المهن الخطيرة في العالم العربي؟ ج: الكتابة تحاول أن تقترب من أمور قد لا تسمح بها المؤسسة الرسمية سواء كانت مؤسسة اجتماعية أو مؤسسة دينية أو سياسية. الكتابة العميقة، الكتابة الأصيلة منحازة للحرية، منحازة للعقل، للتنوير، فعندما تقترب الكتابة من هذه المناطق في هذه المسائل الحساسة والأساسية من الممكن أن تكون في خطر. الواقع العربي المأزوم والمطوق بكثير من القوى التي تعيق تقدم هذا المجتمع وتحاول أن تصادر ما يمكن أن نسميه الرأي الذي يخالف المؤسسة. الرأي الذي يقول الحقيقة إلى حد كبير عارية. س: ما هي القوى التي تعيق هذه الحركة؟ ج: هي القوى الإسلامية المتعصبة والمتطرفة والمعروفة بأعمالها الإرهابية في كل أنحاء الوطن العربي تقريباً. هي التي حاولت وتحاول الآن أن تدمر المجتمع الجزائري. هي التي أقامت الدنيا وأقعدتها في مصر. هي التي تحركت في سورية قبل عشرين عاماً. القوى الكلامية، القوى المتطرفة التي تحتكر الإسلام لنفسها وتحور كل ما يمكن أن يقال باتجاه مصالحها وباتجاه أهدافها. وسَّعوا الحملة باتجاه الطيب صالح وباتجاه إدوار الخراط والآن باتجاه محمد الماغوط وإلياس خوري فإنهم يحاربون كل فكر ويتصدون لأي فكر أو لأي أدب تنويري طبيعي يتحدث عن إمكانية بناء مجتمع عربي ديمقراطي. أنا ربما كنت البداية الآن ولكن نستطيع أن نأتي بأمثلة كثيرة: القصة بدأت منذ غيلان الدمشقي من المعتزلة الذي صلبوه في خلافة هشام بن عبد الملك مروراً بالحلاج وطه حسين ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد وحسين مروة ومهدي عامل. القافلة طويلة، هناك نوع من المواجهة للفكر النقدي والفكر الطليعي والفكر التنويري. أنا واحد من هذه القافلة المستهدفة منذ المعتزلة حتى الآن هذا ما أقوله منذ بدأ الاجتهاد عند المعتزلة والفكر الحر. أنا الآن وربما غدا يأتي آخر. الإسلام والنص المقدس حَمَّال أوجه والاجتهاد منذ المعتزلة حتى الآن هو أساس في بنية الإسلام ولا يحق لأي جهة أن تحتكر ذلك. لنا اعتقاد أن معظم المثقفين الإسلاميين التنويريين يرفضون أن يكون هناك نوع من الاحتكار للإسلام. الإسلام نص مفتوح للجميع ويحق لأي مسلم أن يجتهد فيه من خلال فهمه وإدراكه بعمق لحقيقة الإسلام. س: كيف يمكن مواجهة هذا التيار؟ ج: نواجهه بكل ما نستطيع من قوى. نحن نستطيع بوصفنا مثقفين أن نواجهه بالكتابة أو نواجهه بالإعلام، نواجهه بأساليبنا الخاصة باعتبارنا مثقفين، أما بالنسبة للقوى الأخرى مثلاً السلطة فنحن لسنا في السلطة. المثقفون ليسوا في السلطة. فمن المفترض أن تواجه القوى العلمانية هذا، وأيضاً من خلال السلطة. وهذا ما حدث في مصر على سبيل المثال عندما قاوموا الإرهابيين المتطرفين. وهذا ما حدث في سورية أيضاً قبل عشرين سنة. والآن إغلاق جريدة الشعب وحل حزب العمل هو رد على هؤلاء. [الكاتب السوري: حيدر حيدر، جريدة القدس العربي، العدد: (٣٤٣٣) ] أقل واجب! ! دولة عربية أبرمت صفقة مع دولة غربية لاستيراد هراوات ودروع ورصاص مطاطي وقنابل مسيلة للدموع ووسائل أخرى لمنع التظاهرات بعدما بدأ موسم الصدامات. [مجلة الوسط، العدد: (٤٣٤) ] إلا إفريقيا كان من المفروض أن يكون العام الحالي هو عام الاهتمام بإفريقيا؛ إذ أعلن مجلس الأمن شهر يناير (كانون الثاني) شهراً لإفريقيا. وأضاف آل غور نائب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون صوته إلى العديد من الأصوات المؤيدة لإفريقيا. وترددت أحاديث حول» عام إفريقيا «بل و» قرن إفريقيا «. ولكن الحروب لا تزال بأكبر القارات في العالم: إذ انهار اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في سيراليون بعد أسر حوالي ٥٠٠ من قوات الأمم المتحدة في أوائل الشهر الحالي. واستأنفت كل من إريتريا وإثيوبيا في الوقت الذي تحاولان فيه تجنب شبح المجاعة حرب خنادق دموية بينهما. ولم تفقد الحرب الأهلية في أنغولا تأججها بعد مرور أكثر من ٢٥ سنة على اشتعالها. وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاقية سلام في العام الماضي، فلا تزال ٦ دول تحتفظ بقوات في الكونغو التي تتقاسمها الحكومة وقوات المتمردين. وفي الوقت الذي تحاول فيه الأمم المتحدة حل هذه النزاعات فإن السؤال الذي يُطرح هذه الأيام هو: هل يمكن تحقيق أية إنجازات بدون عضلات الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي؟ لقد أكدت القوى الغربية مراراً أنها لن ترسل قواتها إلى إفريقيا. وهو الموقف الرسمي لها منذ سحل جندي أمريكي في شوارع الصومال في عام ١٩٩٣م. وفي الوقت الذي تدرس فيه الأمم المتحدة في الأسبوع الحالي زيادة قواتها من ١٣ ألف إلى ١٦ ألف في سيراليون. وإرسال ٥٥٠٠ جندي إلى الكونغو، فإن عليها الاعتماد على الدول الفقيرة لتقديم الدعم البشري، ويقول بيرل روبنسون مدير مركز الدراسات الإفريقية في جامعة تافتس بولاية ماساشوستس» إذا لم تتدخل الولايات المتحدة، فإن الناس لن تتعامل مع بعثات الأمم المتحدة بجدية «. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٥٠) ] الأرض السائبة اقترح مستشار سياسي لجورج بوش مرشح الرئاسة الأمريكية أن تستخدم الولايات المتحدة القوة الجوية ووسائل أخرى لاقتطاع أجزاء من العراق من سيطرة الرئيس العراقي صدام حسين. وصرح روبرت زويلك الذي كان يعمل وكيل وزارة بالخارجية خلال فترة حكم جورج بوش الأب بأنه مثلما ساعدت الولايات المتحدة الأكراد على إدارة منطقة للحكم الذاتي في شمال العراق يتعين عليها الآن مساعدة خصوم صدام على إنشاء جيب في الجنوب. وقال زويلك: إن سياسة الرئيس بيل كلينتون تجاه العراق كارثة سمحت لصدام بأن يزداد قوة. [جريدة الاتحاد، العدد: (٩٠٨٦) ] تعليق على الأحداث نمور على المسلمين: لا شك أن الكثيرين يسمعون عن» نمور التاميل «في سيرلانكا، ولكن من يسمع عما يفعله نمور التاميل بمسلمي سيرلانكا، وهي سرنديب التي عرفها العرب قبل الإسلام بهذا الاسم ثم سيلان بعد ذلك، وتبلغ نسبة المسلمين (١٠%) من السكان البالغ عددهم ٢٠ مليون نسمة، وفي قتال النمور مع الحكومة السيريلانكية لم يجدوا أضعف من المسلمين للإيقاع بهم وطردهم من ديارهم في مناطق» جافنا « و» باتيكالوا «وقد شرد مئات الآلاف من المسلمين وتم تصنيفهم على أنهم » مشردون محليون «أي أنهم غير مؤهلين لتلقي معونات من منظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، ولا يخلو الوضع من مجازر تحدث للمسلمين بين فترة وأخرى والتي كان منها المذبحة التي راح فيها ١٤٠ مسلماً وهم يصلون، وتلتها أخرى بعد أيام تسعة راح فيها ١٢٢ مسلم، وهذه الأيام تم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين سيرلانكا ودولة يهود والاتفاق على مد سيرلانكا بالسلاح الإسرائيلي، ويخشى المسلمون هناك من الوقوع بين فكي النمور وأحفاد القرود. حلف الشيطان ضد مسلمي الشيشان: في الوقت الذي تندد فيه بعض العواصم الأوروبية بانتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان، تقوم العواصم ذاتها بعقد حلف شيطاني يجمع بينها وبين بقية حلف الأطلسي والولايات المتحدة من جانب، وبين الروس من جانب آخر، وكان الرئيس الروسي، السفاح بوتين، قد حذر أوروبا بأنها ستدفع ثمناً غالياً ما لم تنتبه إلى تهديد المتطرفين الإسلاميين على حدودها، وقام رئيس المخابرات الألمانية » أوجست هاننج «بزيارة إلى روسيا للتأكد ما إذا كان الشيشان قد حصلوا على أموال وأسلحة من دوائر إسلامية، كما تقوم المخابرات الألمانية بتقديم معلومات ثمينة للروس في صراعهم مع مسلمي الشيشان حسب ما أكدته المجلة الأسبوعية الألمانية» ديرشبيجل «. وكما لبت المخابرات الأمريكية نداء موسكو وأمدتها بالمعلومات التي تريدها في حربها مع المسلمين في الشيشان وكذلك فقد قام مدير المخابرات الأمريكية » جورج تينيت «بزيارة جورجيا وقزقستان وأوزبكستان وعقد لقاءات سرية مع قادة هذه الدول، وذكر جورج أن هذه المنطقة تعتبر أرضاً خصبة لنمو الجماعات الأصولية المتطرفة. كما أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي» جورج روبرتسون «أن روسيا غير قادرة على ضمان الأمن في آسيا الوسطى، ودعاها إلى التعاون مع الحلف لمكافحة» الإرهاب الإسلامي «في هذه المنطقة، وقال: إن روسيا تشكل قوة مهمة في مواجهة الإرهاب الإسلامي، ويمكن أن يكون التعاون في هذا المجال مفيداً لكل العالم خصوصاً أن حلف الأطلسي يملك خبرة في مكافحة الإرهاب والتطرف. ومع هذه الحلقات التي تحاول الإحكام على المسلمين في الشيشان تأتي حلقة أخرى تزيد من الآلام ومن مرارتها وقسوتها، وهي حلقة التعامي الحاصلة من العالم الإسلامي والتقاعس عن نصرتهم في هذه المواجهة الشرسة التي عرضنا صورة لها هنا، وبالرغم من ذلك كله إلا أن من ينصر الله ينصره، وما نزال نسمع عن انتصارات إخواننا في الشيشان، وإخفاق الروس في القضاء عليهم. والله نسأل أن يثبتهم وينصرهم على حزب الشيطان، وأن يخذل المتخاذلين. مصيدة الفلبين: في الوقت الذي انشغل فيه الناس بأزمة الرهائن في الفلبين، ويمموا وجوههم صوب جماعة (أبو سياف) وتحركاتهم، كان الجيش الفلبيني يدك ديار المسلمين في مواجهة شرسة مع جبهة مورو الإسلامية بقيادة سلامات هاشم، وقد أوردت الصحف صورة لبعض الجنود الفلبينيين وهم يعتلون مئذنة مسجد قد حطموه، ويرفعون فوقها العلم الفلبيني وهم في سعادة بالغة، وإن كنا لا نذهب إلى اتهام جماعة أبي سياف بأنها مستخدَمة من قِبَل الحكومة أو جهات خارجية لإبعاد الأنظار عن الجبهة الداخلية، أو نتهم جماعة نور ميسواري بالتخاذل والوقوف إلى جانب الحكومة للحفاظ على مكاسبها التي تحققت بالاتفاق الذي تم منذ فترة، إلا أننا نتساءل عن هذه المصيدة التي يقع فيها المسلمون في البلد الواحد، والتي تكررت من قبل وتتكرر اليوم، ولا نتوقع أن يسلم منها آخرون بعد غد، نتساءل: إلى متى لا ينتبه إخواننا إلى ما يراد بهم؟ النفي والإثبات: في تطور لم يكن مستبعداً أعلنت مصادر دبلوماسية أن ياسر عرفات أبلغ الإدارة الأمريكية أنه موافق على التخلي عن القدس بشكلها الحالي لـ» إسرائيل «، واعتماد البلدات المجاورة ومنها أبو ديس والعيزرية لكي تكون عاصمة للدولة الفلسطينية، كما أعلن أنه يشارك (إسرائيل) الرأي في عدم عودة اللاجئين إلى الأراضي المحتلة شريطة تعويضهم مالياً وتسهيل استيطانهم في عدد من الدول العربية والغربية. وعلى العادة التي عودتنا عليها السلطة الفلسطينية فقد تم نفي ذلك كله جملة وتفصيلاً وأن هذه الأنباء غير مسؤولة ومدسوسة، الغرض منها إثارة البلبلة والفوضى في الصف الفلسطيني، وغير ذلك كثير من عبارات النفي وجمل الاستنكار، تعودنا ذلك وتعودنا أن نفي السلطة إثبات، ولكن مع هذه المسألة يزيد خوفنا من» البيع النهائي «لفلسطين.

стр. 3540

قضايا ثقافية الطاغية والطغيان من خلال قصة فرعون محمد حسن بريغش الطغيان آفة من الآفات التي تنزل بالأقوام والشعوب فتدمر كيانها، وتهلك أهلها، وتأتي على الأخضر واليابس فيها، وحين يزداد الطغيان بين الناس، وتستشري شروره ثم يركن الناس إلى الطغاة، ويستمرئون الخضوع والاستكانة لمظالمهم وطغيانهم، يعمهم الله بالعذاب، ويحاسبهم على ذلك محاسبته للطغاة أنفسهم. ولقد كان فرعون مثلاً صارخاً للطاغية المتجبر، وكان قومه صورة للأقوام التي خضعت وتابعت الطاغية، ووصل الأمر بفرعون إلى ادعاء الألوهية والاستخفاف بعقول الناس، والإعراض عن كل الآيات التي جاءته من الله حتى أهلكه الله وقومه. ووردت قصة فرعون في سبع وعشرين سورة، فضلاً عن الإشارة إليها في ثنايا بعض السور الأخرى [١] وعرضتها الآيات مفصلة ومقتضبة، وعرضت صوراً لطغيان فرعون وضلالاته وبغيه وكفره. وأمرُ فرعون مثلٌ لكل طاغية يجاوز الحد في الظلم والتجبر والاستبداد والمعصية، والاستخفاف بعقول الناس وإرادتهم ومصالحهم، وكلما أنس منهم السكوت على ظلمه، والخضوع لبغيه وعدوانه ازداد صلفاً وتجبراً وتمرداً، حتى يصل إلى التألُّه، وادعاء الإرادة المطلقة في مصائر الناس من حوله. ولكي نبين ملامح الطغاة، ونتذكر بعض صور طغيانهم ووسائلهم نستعرض عدداً من الأمور التي نستخلصها من الآيات الكريمة التي وردت في معرض الحديث عن فرعون وقومه: ١ - ما هو الطغيان وما تعريفه وحدوده؟ يقول اللغويون عن هذه المادة ما يلي: طَغَا يَطْغَى، ويطغو طُغياناً: جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغٍ. وعن الليث أن الطاغية: الجبار العنيد. وعن ابن شميل: أنه الأحمق المستكبر الظالم [٢] . وورد أن الطغيان معناه: مجاوزة القدر والغلو في الكفر، والإسراف في المعاصي [٣] . القرآن يفضح الفراعنة: وفرعون في التاريخ المصري رجل عاتٍ كانت الأمة المصرية تدين بعبادته وتذعن لقداسته، وكان الملوك الفراعنة في قديم الزمان يحيطون أنفسهم بهالة من التقديس، ويضعون مكانتهم في إطار من الإلهية، لا جهلاً منهم بأنهم أناس لا يختلفون عن غيرهم، ولكنهم يفعلون ذلك تمويهاً على العامة حتى يأمنوا غائلة الثورات الهوج من الذين يطمعون في تبوُّؤ عرش الملك [٤] . وحيث وردت قصة فرعون في عدد كبير من السور والآيات وفُصِّلت ذلك التفصيل في مناسبات كثيرة، فإن الوقوف عندها سوف يعطي القارئ المسلم ملامح ذلك الطاغية، وصور ذلك الطغيان لتكون مَعْلَماً له في معرفة الصور المشابهة في كل عصر ومصر، مهما اختلفت الألوان، وتغيرت العناوين والشعارات؛ لأن الله لم يقصَّ على عباده المؤمنين إلا لكي يتعظوا ويعتبروا ويتدبروا أمرهم فلا يقعوا فيما وقع فيه الأقوام، وحتى لا ينالهم من الله العذاب. [كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً] (طه: ٩٩-١٠٠) . [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] (يوسف: ١١١) . سمات الطاغية: ومن استعراض الآيات القرآنية يتبين لنا كثير من سمات مَنْ يكون فرعوني النهج، ومن أهمها: أولاً: أنه يحكم بغير ما أنزل الله ويجعل من نفسه معبوداً من دون الله يتحكم بالناس، ويأمرهم أن يطيعوه، ويشرع لهم ما يراه متفقاً مع أهوائه ومصلحته ويدعي أنه الخير لهم. [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ] (القصص: ٣٨) . [وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ] (الزخرف: ٥١-٥٢) . وهذا الادعاء ناتج عن الغرور بما أعطاه الله من الملك والمال والقوة والنعيم، والحاشية والأتباع. ولكن ذلك مقترن أيضاً بخضوع الناس للطاغية، وسكوتهم عن مظالمه، وخوفهم من سطوته وجبروته، وانكبابهم على الأمور المادية، والمنافع الدنيوية، ونسيانهم لآخرتهم مما يجعلهم مستعبدين للظالم وأتباعاً للطاغية كما فعل أتباع فرعون وقومه. ثانياً: أنه يفتخر بما يملك من مال، أو قوة، أو ملك، أو تقدُّم مادي وينسى مصدر ذلك كله، وينسبها لنفسه معتمداً على حب الناس لمتاع الدنيا، ولذلك افتخر فرعون بأنه يملك الأرض الخضراء، ولديه الماء والأنهار والسلطان [وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ] (الزخرف: ٥١) . وعندما أراد أن يقنع قومه بأنه المعبود لهم من دون الله، وأن دعوة موسى ﵇ لا تنفعهم ولا تفيدهم، استخدم هذا الأمر الذي يملك أفئدتهم، ويسد عليهم طريق الهدى فقال: [فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ] (الزخرف: ٥٣) . والناس المضللون الذين استعبدهم الطغاة وأذلوهم حتى أفسدوا فِطَرَهم يستجيبون لمثل هذه المغريات، ويذعنون لحواسهم القاصرة، وينكرون ما لا تصل إليه حواسهم، ويعطلون عقولهم. ثالثاً: الطغاة ينكرون الغيبيات، ويعادونها؛ لأن ذلك يتعارض مع ما يريدون ولأن إيمان الناس بالغيب يحررهم من أسر العبودية لجبروت الظالمين، ويفسح أمامهم النظر في ملكوت الله فيعرفون أن هناك مالكاً قديراً، وأن هؤلاء الطغاة بشر مخلوقون مثلهم انحرفوا عن شرع الله وتجبروا وظلموا، وأنهم سوف يمضون بعد حين ليواجهوا مصير العذاب؛ لأن الله وحده يملك المصير، ويملك الموت والحياة. [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ] (آل عمران: ١٠-١١) . رابعاً: أنه يكذب بآيات الله، ويعادي الرسل والدعاة وأولياء الله ، وينكل بهم، ويرميهم بشتى التهم والأباطيل: [ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ] (يونس: ٧٥-٧٧) . ولا تنفع الوسيلة الليِّنة، والخطاب الشفوق مع الطاغية؛ لأنه متجبر لا يصغي لغير نفسه. ها هو موسى وهارون ﵉ يخاطبان فرعون بالخطاب اللين الرشيد، ولكنه تجبر وتكبر، وأرعد وأزبد، وهدد كل الخارجين على سلطانه. [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] (طه: ٤٣-٤٤) . ثم إن الطاغية لا يستمع للبرهان القاطع، ولا يصغي للحجة المقنعة ولا يفهم معنى الآيات الدالات والمعجزات الباهرات، بل يقابل ذلك بالتجبر، والتهديد، ورمي أولياء الله بشتى التهم كما فعل فرعون عندما حاجَّه موسى وبيَّن له أن الله المعبود حقيقة هو الخالق المدبِّر [قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى] (طه: ٥٠) ، [قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ] (الشعراء: ٢٣) ، [قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ] (الشعراء: ٢٤) ، [قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ] (الشعراء: ٢٦) ، [قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (الشعراء: ٢٨) . فماذا كان رد فرعون عندما واجهه موسى ﵇ بهذه الحجج التي لا يملك ردها؟ لقد هدده وتوعده فقال: [قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ] (الشعراء: ٢٩) . ولكن موسى لم يَخَفْ هذا التهديد، بل قدَّم لفرعون الآية تلو الآية لعله يخشى ويعود إلى الحق، [فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ] (الشعراء: ٣٢-٣٣) . وظلت الآيات تترى واحدة إثر أخرى، والطاغية لا يستمع ولا يرعوي حتى أهلكه الله وقومه الظالمين، ونجَّى موسى وقومه المؤمنين. خامساً: والطاغية يلجأ إلى كل المحاولات الظالمة للتنكيل بالمعارضين والبطش بالدعاة إلى الله، ولا يمنعه شيء من ارتكاب كل جريمة مهما بدت منافية للخلق والمنطق، [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ] (غافر: ٢٣-٢٦) . أتباع الطاغية ومواقفهم: ولكل طاغية أعوان: منهم من يعين بالرأي للتضليل والإفساد وتزيين الباطل للناس وإنفاذ رغبات الطاغية مثل (هامان) ، ومنهم من يعين بالمال، ويستغل ويزداد كنزاً وغنى من المال (كقارون) [إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ] (القصص: ٨) . [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ] (القصص: ٣٨) . ومع هذا الوزير الطاغية أيضاً حشد من الجنود والأعوان والأتباع التي تنكل بالناس، وترصد حركاتهم، وتبطش بهم، وتتعالى على الناس بما لديها من قوة وسلاح وسلطان [وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ] (القصص: ٣٩) . ولكن الله لهؤلاء بالمرصاد: للطاغية وأعوانه ولكل من يشايعه ويخضع له [فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِّنَ المَقْبُوحِينَ] (القصص: ٤٠-٤٢) . وهذه الآيات تضع للناس معالم الطريق في الحياة كي لا يكون لهم حجة في اتباع الظالمين، والخضوع للطغاة والجبارين، أياً كانت الأسباب والحجج؛ لأن في ذلك إنكاراً لقدرة الله وألوهيته وربوبيته، وتكذيباً لما عنده في الدنيا والآخرة؛ فالمؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يخضع إلا لسلطانه، ولا يرضى بغير الحق، ولا يشايع الباطل والظلم والطغيان حتى لا يرد مورد الطغاة كما حل بفرعون وقومه. ولذلك ضرب الله لنا أمثلة رائعة من إنكار المنكر والتبرؤ من الطغيان والطاغية والخروج عن طغيانه، وعدم الاكتراث بما يحل بالمنكرين والمتبرئين من أذى في الحياة؛ لأن ما عند الله خير وأبقى. فهذه امرأة فرعون وهي أقرب الناس إليه تتبرأ منه، وتكشف باطله وتدعو الله أن يبدلها الجنة، ويورثها المغفرة بدلاً مما هي فيه، لم تخش جبروت الطاغية ولم تضللها أكاذيبه، ولم تغرها الأبهة والملك والجبروت والزينة في الدنيا [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (التحريم: ١١) . وأخيراً: وبعد هذا العرض السريع للطاغية والطغاة مُمَثَّلاً بفرعون وقومه يتبين لنا أن «الفساد يصيب تصورات الناس كما يصيب حياتهم الاجتماعية حين يكون هناك أرباب متفرقون يتحكمون في رقاب العباد من دون الله، وما صلحت الأرض قط ولا استقامت حياة الناس إلا أيام كانت عبوديتهم لله وحده: عقيدة وعبادة وشريعة، وما تحرر الناس قط إلا في ظلال ربوبيته الواحدة» [٥] . إن نسيان ذلك من الناس يضللهم في الحياة فيجعلهم أشياعاً للباطل وجنوداً للطغاة الظالمين الذين لا يكفُّون عن تسخيرهم لغير ما أراد الله وامتلاك إرادتهم وقلوبهم وعقولهم. إن أصناف الطغيان كثيرة، وأنواع الطغاة متعددة؛ فإذا كان بالأمس فرعون ففي الحياة كثير من أصناف الفراعنة، «وعلى كل ما عُرف من طغيان فرعون فقد كان في تصرفه هذا أقل طغياناً من طواغيت كثيرة في القرن العشرين في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين، وتهديد لسلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة» [٦] . فهل يستيقظ الناس وهم يعيشون محنة من أقسى ما عرف العالم الإسلامي من المحن، ويمرون في حنايا فتنة كبيرة نسأل الله أن يجعلها نصراً للحق والإسلام والمسلمين؟ وكل ذلك بفعل الطغيان، وتصرفات طاغية جبار دفعه طغيانه إلى ارتكاب أبعد صنوف الشرور وأقسى أنواع المظالم.

стр. 3541

في دائرة الضوء العلمانية من منظور معرفي عبد العزيز بن محمد التميمي الدكتور عبد الوهاب المسيري [*] ، علماني سابق، كان مبشراً بالعلمانية ومؤمناً إيماناً عظيماً بمستقبلها، وأنوارها القادمة! ورحمتها وإنسانيتها ... وبالتدريج تكشفت له الحقيقة ... ! «لم تكن العلمانية في يوم من الأيام إنسانية قط ... ! ! خصوصاً إذا دفعناها إلى نهايتها المنطقية وكنا علميين حقاً ... ! ومن هنا كان هذا البحث الممتاز له» . في مطلع هذا البحث المهم يدرس الأستاذ المسيري هذا المصطلح وكيف تشكَّل بدايةً في القاموس الأجنبي حيث ولد، وفي البيئة الغربية، ومن ثَمَّ استخدمته الكنيسة كي تذم من يستولون على أموالها بالقوة، ثم صار يطلق على الاستيلاء الشرعي على أراضي الكنيسة وهو الاستخدام الإيجابي للمصطلح. ثم تحدث عن استعمالات واشتقاقات أخرى للنص، ثم خلص إلى الحديث عن دلالة النص في المجال الثقافي العربي؛ حيث ذكر أنها تعني «فصل الدين عن الدولة» وهو تعريف قاصر وقدرته التفسيرية ضعيفة، ووصفها بأنها في حقيقتها: رؤية معرفية وأخلاقية مادية محضة. «فالخالق إما غير موجود عند المتطرفين أو غير مؤثر عند المعتدلين» ، لكن الطرفين يستويان في النموذج المعرفي الفعال. وفي الرؤية الأحادية المادية للإنسان فهو جزء من منظومة كونية تتحدث من خلاله ولا يتحدث هو من خلالها، ويخضع لقوانينها نفسها، ولا سر فيه ولا غريب، تتفق في ذلك علوم الاقتصاد والنفس والتاريخ، بل هي تسعى لاستخدام المناهج والأدوات ذاتها التي تستخدمها العلوم التجريبية. وتفسر السياسة والقانون بالعقد الاجتماعي الطبيعي، والأخلاق باللذة والمنفعة. ورغم مقدرة النموذج العلماني المدهشة على التفسير، والمذهلة على التغيير فهو يواجه مشاكل مهمة منها: أن الإنسان مركَّب وليس بسيطاً يتحدى المعادلات الرياضية؛ لذلك فقد ينجح هذا النموذج حين يتعامل مع المادة أو مع الجانب المادي للإنسان، لكنه يضعف أو يخفق حين يتعامل معه بما يميزه بوصفه إنساناً (تطلعاته، أحلامه، آلامه) ومنها أن حلم العلمانية الكبير بالفهم المطلق للكون بدأ يتبدد، وأن رقعة المجهول تتزايد ولا تتناقص. ومنها أن أزمات التلوث والبيئة أثبتت إخفاق القدرات المطلقة للإنسان، وأثبتت الحدود الانطولوجية والمعرفية للإنسان. ومنها أن النظرية العلمانية ترى أن الإنسان جزء من كلٍّ هو الكون، وأكبر من الجزء، ولا بد أن يخضع لقوانينه؛ ولكن هذا الخضوع يعني إلغاء الإنسان؛ فالإنسان في النموذج العلماني يبدأ في المركز وينتهي بالإعدام. ومنها أيضاً مشكلة القيمة، والنظرية الأخلاقية؛ فالقوانين الطبيعية تظهر وكأنها بلا غاية، فهل يمكن إيجاد تفسير «علمي» لقضايا الخير والشر، والحُسن والقُبح ... ؟ ! في منظومة (سبينوزا) كان الله تعالى هو الطبيعة ثم جاء نيتشه ليعلن موت الإله عياذاً بالله ثم جاء «جاك دريدا» حيث يختفي معه المركز ويختفي الإنسان وتعم الفوضى في عالم ما بعد الحداثة. هذا بالنسبة للنموذج العلماني ... أما بالنسبة للنموذج المقابل له وهو النموذج الديني فإن الإنسان يدور حول مطلق موحى به، ويؤمن بإله يحفظ الإنسان ويوجه الطبيعة والتاريخ، ويحتكم الإنسان فيه إلى مجموعة من القيم المطلقة التي تتجاوزه، أما الآليات العلمانية الإجرائية التي يستخدمها فتظل هي الهامش لا المركز، على العكس من النموذج العلماني الذي إن وجد فيه المطلق فهو في الهامش. في العلمانية تتفتت وحدة المؤسسات، لتصبح كل مؤسسة تسعى لتحقيق كفاءتها الذاتية الامبريقية في غياب أي قيم مطلقة، وكان الاقتصاد والسياسة أول قطاعين يستقلان؛ حيث جعل «ميكيافيلي» من الأمير خالقاً، و «هوبز» جعل من وحش الدولة إلهاً علمانياً «يقدس العلم والنشيد الوطني والأرض، والأمة فوق الجميع» ، ثم تنسلخ الفلسفة؛ حيث تظهر الفلسفة المادية، ثم علمنة الأحلام؛ حيث تدور على الأرض وحدها، ثم الأخلاق والبراجماتية، ثم الأسرة؛ حيث تتفتت وتظهر حقوق الإنسان الرجل والمرأة والطفل والحيوان وتختفي حقوق أخرى مهمة مثل حقوق الأسرة، والإنسان تظهر فيه معدلات المنفعة. تنتقل العلمنة إلى الأدب؛ حيث يصبح مؤسسة مستقلة بلا مرجعية حيث الأدب للأدب، والانغماس في البنية الهندسية للأدب وموت المؤلف. ويعلمن الجنس، فيصبح هنالك جنس للإنجاب، وآخر للحب، وثالث للمتعة، وهكذا ... فالمعرفة العلمانية ليست معرفة المحبين للتواصل مع الطبيعة وإنما تهدف للسيطرة إنها معرفة إمبريالية. ولذلك ظهر مفهوم (الترشيد) عند «ماكس فيبر» ويعني به تحويل العالم كله بما فيه الإنسان إلى حالة المصنع. ثم يتحدث الباحث عن بعض آليات العلمنة، ويذكر ثلاثاً منها هي: العلمانية البنيوية، وعلمانية الرغبات، وعلمانية النسق الديني. في الآلية الأولى أشار لتجربة روسيا، وأن دعايتها الإلحادية لم تنجح إلا عندما أقامت كيان الدولة الذي صنع مؤسسات العلمانية وانتشار المصنع والسوق وجعلها وحدات أساسية. وفي أمريكا تسير معدلات العلمنة بشكل أكبر. وعن علمنة الرغبات يتحدث الباحث عن تحويل كل شيء لمساحة تستثمر حتى بدلات الرياضيين وسياداتهم، إنه عالم ما بعد الحداثة المفتقر للمركز؛ وإنما هو شبيه بالثقوب السوداء؛ حيث لا مكان ولا زمان. وعن علمنة النسق الديني؛ فيرى الباحث فيه أن الله يُعرف بالعقل لا غير، ويطوع المؤمن النص ولا يطيع الله، ويفقد الخطاب الديني بعده المركب المجازي ويهتم المؤمن بجمع الحسنات. هذه الآليات الثلاث تعمل في العالم الإسلامي كله.... وإذا كان سقوط الفكر الاشتراكي بسبب سقوط منطلقاته، فكذلك نفهم سقوط الفكر القومي نظراً لنزع القداسة والإطلاق والدعوة للنسبية والواقعية من هذا الباب ... وبهذه الآليات يمكن أن نفهم النازية والصهيونية. من هذا العرض القصير لهذا المبحث الخصب والحيوي تتجلى لنا كيفية التحول الذي حدث لدى الأستاذ عبد الوهاب المسيري؛ ذلك أن بداياته الأولى كانت علمانية قومية تحاول تعرية الصهيونية ... ثم لم تلبث أن تبدت له الحقيقة في عدم فهم الرجل الأمريكي للحق العربي في منهج التفكير والنسق الاعتقادي الذي يحكم قيم الغرب وحساباته؛ ومن هنا بحث عن سر الأزمة والانقطاع وعدم التواصل بين تفكيره وتفكير الآخر ... فكانت العلمانية التي تبدت له حقائقها واحدة تلو الأخرى تبدت له وحشاً ضارياً شديد الفتك تسعى للتسوية والتناظر، ونجحت نجاحاً باهراً في تسوية خصومها حتى الشيوعية المتطرفة، وهي لا تزال تحاول تفكيك النسق الديني لمحاولة احتوائه وهي محاولة خطيرة تقضي على آخر بوارق الأمل في النجاة، ما لم يَعِ الإسلاميون بالذات خطورة هذا الطرح ويستعدون لمواجهته. وبعد، فلا ريب أن ما قاله الدكتور المسيري وفقه الله بالغ الأهمية ويحتاج لمزيد من الدراسات والإثراء. والله من وراء القصد. بقيت ملحوظة مهمة لهذه الدراسة: ألا وهي الجدة والأصالة والطرافة التي احتواها هذا العمل المتميز؛ إذ تحولت العلمانية من قول في السياسة إلى قول في كل شيء ... ومن رؤية فكرية إلى منهج حياة مفصل، ومن سلاح يستخدم ضد خصم إلى نار تلتهم أول ما تلتهم صاحبها، إنها سرطان يظهر ثم لا يمكن ضبطه بعد ذلك. ولقد تمكن الباحث بصبر ودأب من تتبع جذورها، وامتداداتها، وآلياتها وفاعلياتها حتى أحاط بها، وسلط الأضواء عليها، وكشف عن خطورتها، ودلل على وجودها حتى في نقضها الصريح للنموذج الديني؛ ومن هنا تجيء قيمة هذا المبحث أن يكون بين أيدينا، ومن هنا تبرز أهمية الموسوعة التي صدرت منذ أكثر من عام! ! وفق الله الجميع وسدد الله الخطا.

стр. 3542

اقتصاديات سياسة الإسلام في محاربة الفقر ياسين بن طه بن سعيد الشرجبي جاء الدين الإسلامي ومن أهدافه: معالجة المعضلات الإنسانية على أسس وخصائص ثابتة تميزه. ومنها: «الربانية، الشمولية، الواقعية» . ونعرض هنا لسياسة الإسلام في معالجة واحدة من هذه المشكلات وهي (مشكلة الفقر) بعدما استعرضنا في مقال سابق آثار هذه المشكلة المدمرة التي عمل أعداء الإسلام لتأصيلها في مجتمعاتنا الإسلامية. استخدم الإسلام أساليب متعددة لمحاربة الفقر يمكن إجمال بعضها تحت مجالين: أولاً: مجال الفكر والتصور. ثانياً: مجال السلوك والتصرف. أولاً: مجال الفكر والتصور: يقول العلماء: «التصرف ناتج عن التصور» وقد أراد الله أن يميز المسلم بالتصور الناضج لقضية الفقر (الحرمان والحاجة) وأن ينطلق من نظرة صحيحة نحوها تمهد للمواقف المتخذة في معالجته ومحاربته. لذا نجد أن الإسلام من خلال نصوص القرآن والسنة له تصوره المتميز لهذه القضية؛ حيث: ١ - يعتبر أن الفقر مصيبة وآفة خطيرة توجب التعوذ منها ومحاربتها، وأنه سبب لمصائب أخرى أشد وأنكى كما رأينا في مقال سابق (الآثار المدمرة لسياسة الإفقار) . ٢ - ينكر النظرة التقديسية وكذلك الجبرية للفقر والحرمان؛ فكيف تُقدَّس الآفات ذات الأثر السيئ على دين الأمة ودنياها؟ وكيف ينظر إلى الفقر على أنه قدر الله المحتوم، ولا يُعدُّ الغنى كذلك قدرٌ يدفع به الفقر لتصلح الأوضاع وتعمر الأرض ويتكافل الناس؟ ٣ - حث الإسلام على الدعاء بطلب الغنى: ورد في صحيح مسلم من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» [١] ، ومن أدعية الصباح والمساء: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً صالحاً مُتقبَّلاً» [٢] . ٤ - جعل من دلائل حب الآخرين وابتغاء الخير لهم الدعوة لهم بوفرة المال: أورد البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ دعا لصاحبه وخادمه: «اللهم أكثر ماله» [٣] ، وكذا دعا لعبد الرحمن بن عوف وعروة بن جعد بالبركة في تجارتهما كما في صحيح البخاري. ٥ - اعتبر الغنى بعد الفقر نعمة يمتن الله على عباده بها: قال تعالى: [وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى] (الضحى: ٨) . وقال تعالى: [الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ] (قريش: ٤) . ٦ - أكد أن المال ركن هام لإقامة الدين والدنيا: يقول الله تعالى: [وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً] (النساء: ٥) . وفي الحديث القدسي يقول تعالى: «إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة» [٤] . وفي الصحيح يقول رسول الله ﷺ : «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» [٥] ، وقد قدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في معظم المواضع القرآنية. ٧ - جعل الرزق الوفير ثمرة يُرغِّب إليها إتيان الصالحات: قال تعالى: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ] (الأعراف: ٩٦) ، وفي الحديث يقول رسول الله ﷺ : «من أحب أن يُبسَط له في رزقه ويُنسَأ له أثره فليصل رحمه» [٦] . ٨ - جعل الحرمان والحاجة نتيجة يُرهِبُ بها من اجترح السيئات: يقول تعالى: [..... فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] (النحل: ١١٢) ، ويقول رسول الله ﷺ في الحديث الحسن: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» [٧] . ٩ - جعل الغني المنفق أحد اثنين تمدح غبطتهم؛ حيث يقول رسول الله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ... » [٨] . ١٠ - رغَّب في الإنفاق والصدقة وهي لا تتحقق غالباً إلا في ظل الغنى. ١١ - ميز بين الغني المنفق والفقير الآخذ: في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ يقول رسول الله ﷺ : «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة» [٩] . ١٢ - اعتبر المال خيراً فُطِرَ الإنسان على حبه: قال تعالى: [وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ] (العاديات: ٨) ، وقال تعالى: [وَتُحِبُّونَ المَالَ حُباًّ جَماًّ] (الفجر: ٢٠) . ثانياً: في مجال السلوك والتصرف: لم يكتف الإسلام بصياغة النظرة المتفردة لأتباعه تجاه الفقر، بل حدد مجالات السلوك والتصرفات التي يستوجبها ذلك التصور، وقدّم حلولاً عملية واقعية يأخذ بها الناس ليدرؤوا عن أنفسهم شبح الفقر والحرمان وما ينجم عنه، ومن ذلك: ١ - العمل والسعي: يعتبر الخبراء أن العمل أساس الاقتصاد الإسلامي؛ فهو المصدر الرئيس للكسب الحلال. والعمل مجهود شرعي يقوم به الإنسان لتحقيق عمارة الأرض التي استُخْلِفَ فيها والاستفادة مما سخره الله فيها لينفع نفسه وبني جنسه في تحقيق حاجاته وإشباعها. وقد حث الإسلام على السعي والعمل من خلال: أ - الامتنان بنعمة تسخير الأرض وما فيها، وطلب الاستفادة منها عبادةً لله: قال تعالى: [وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ] (الأعراف: ١٠) ، وقال تعالى: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ] (الملك: ١٥) . ب - جعله دليلاً على صدق التوكل على الله والثقة به: في صحيح الجامع الصغير من حديث عمر ﵁ يقول رسول الله ﷺ : «لو أنكم تَوَكَّلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» [١٠] ، والشاهد من الحديث: «تغدو، تروح» سعياً وحركة، وليكن شعار المسلم: «ابذر الحَبَّ ... وارجُ الثمار من الرب» . ج - الحث على أنواع المهن والحرف ومن ذلك: - التجارة: وقد اشتغل رسول الله ﷺ بالتجارة، وتاجر مع عمه ثم مع أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ واشتغل صحابته الكرام بذلك ومنهم: أبو بكر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله ﵃ وغيرهم، وقد تواصى السلف فيما بينهم ومع تلامذتهم أن: «الزموا السوق» ، وفي كتب الفقه تُخَصَّص كتب للبيوع وما يتعلق بها وغيرها من الكتب حول التجارة ومعاملاتها. - الزراعة: ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ يقول رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة» [١١] . وعند الترمذي وغيره من حديث جابر وسعيد بن زيد يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضاً ميْتة فهي له» [١٢] . - الصناعات والحرف: ففي البخاري يقول رسول الله ﷺ : «ما أكل أحدٌ طعاماً قَطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده» [١٣] . وقد سئل رسول الله ﷺ : «أي الكسب أفضل؟» قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» [١٤] . وفي صحيح البخاري ومسلم يقول رسول الله ﷺ : «لأَنْ يحتطب أحدكم على ظهره خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه» [١٥] . د - اعتبار العمل والكسب من الصدقات ووسيلة إليها: في الحديث المتفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق» [١٦] . هـ - تربية صفوة البشر من الأنبياء على العمل لاتخاذهم قدوة: فقد عمل الأنبياء في أعمال وحرف عدة ومنها رعي الأغنام، وصناعة الحديد، والتجارة، وغيرها، ومما ورد في ذلك من الأدلة: قول الرجل الصالح لموسى ﵇ وهو من أولي العزم من الرسل: [قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ] (القصص: ٢٧) . وفي البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط» [١٧] . وفي البخاري أيضاً من حديث المقدام ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» [١٨] ، وهكذا فعل ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين فاشتهرت أسماء أمثال: البزَّاز، الجصَّاص، الخوَّاص، القطَّان، الزجَّاج. و عدم الاعتراف بالملكية التي لا يكون مصدرها العمل والطرق المشروعة: فحرّم الإسلام أعمال الغصب والسلب والسرقة والنصب والمقامرة والربا وما ينشأ عنها من مكاسب مالية، واتخذ إزاء ذلك العقوبات الرادعة، وفي ذلك إلزام لأفراد المجتمع في البحث عن الكسب المشروع؛ وأغلب ذلك لا يتأتى إلا عن طريق العمل. ز - الترهيب من التسوّل والاحتيال على الآخرين: ففي القرآن الكريم الحث على الاهتمام بالذين لا يتسوَّلون وتحسس أحوالهم ورعايتهم: قال تعالى: [لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً] (البقرة: ٢٧٣) . وروى الشيخان من حديث ابن عمر ﵁ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم» [١٩] . وفي مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس أموالهم تَكثُّراً؛ فإنما يسأل جمراً؛ فليستقلَّ، أو ليستكثر» [٢٠] . ح - النهي عن التصدق على غير المحتاج: أخرج الإمام أحمد وغيره في صحيح الجامع الصغير من حديث ابن عمر وأبي هريرة ﵄ قول رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّةٍ سوي» [٢١] . وفي الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترمذي يقول رسول الله ﷺ : «إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع» [٢٢] . مسؤولية ولي الأمر (الدولة) : تتجلى هذه المسؤولية فيما تهيئه من سبل العمل للعاطلين وتزويدهم بأدواته وإعدادهم مهنياً لذلك والاطمئنان على يسرهم: روى أصحاب السنن من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي ﷺ فقال: «أما في بيتك شيء؟» قال: بلى: حِلْسٌ نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: «ائتني بهما» ، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ وقال: «من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: من يزيد على درهم؟ مرتين أو ثلاثاً. قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: اشترِ بأحدهما طعاماً وانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدوماً فائتني به.. فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ثم قال له:» اذهب فاحتطب وبِعْ.. ولا أرينَّك خمسة عشر يوماً. فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم؛ فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً.. إلى آخر الحديث « [٢٣] . وقد أشار الفقيه الكبير أبو يوسف ﵀ إلى جواز إقراض المحتاج من بيت المال كما نقل عنه الفقيه ابن عابدين:» يدفع للعاجز أي العاجز عن زراعة أرضه الخراجيه لفقره كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل ويستغل أرضه « [٢٤] . مسؤولية أصحاب العمل وولاة الأمر (الدولة) عن حفظ حقوق الأُجَراء والعمال: وقد حكى الله تعالى عن الرجل الصالح أنه قال لموسى ﵇: [..... وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ] (القصص: ٢٧) ، وفي الحديث المتفق عليه من حديث أبي ذر ﵁ يقول رسول الله ﷺ :» إخوانكم خَوَلُكم، جعلهم الله قنيةً تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلّفه ما يغلبه فليعنه « [٢٥] . وفي الحديث الحسن من حديث أربعة من الصحابة: (ابن عمر - أبي هريرة - جابر - أنس) ﵃ يقول رسول الله ﷺ : » أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه « [٢٦] . أخرج أبو داود والحاكم كما في صحيح الجامع الصغير من حديث المستورد بن شداد ﵁ قال رسول الله ﷺ :» من كان لنا عاملاً فلم يكن له زوجة فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً، من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ أو سارق « [٢٧] . بل لقد توعّد الله تعالى في الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ توعّد ذلك الذي يبخس العامل أو الأجير حقه، فقال:» ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته ... ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره « [٢٨] . ٢ - الجهاد [*] : من الوسائل التي شرعها الإسلام لمحاربة الفقر والحاجة وسيلة الجهاد لنشر نور الهدي الإسلامي، وفتح مصاريع البلاد أمامه، وتحطيم عروش الطغاة الذين يحولون بينه وبين عباد الله، واغتنام الأموال المستخدمة في عصيان الله ومبارزته بالحرب واستعباد عبيده من أجل استغلالها في تعمير الأرض وعبادته. لذا فقد رغب الإسلام في الجهاد من خلال الوعد الأخروي وكذا الفتح الدنيوي والغنائم. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ] (الصف: ١٠-١٣) . وقال تعالى: [وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ....] (الفتح: ٢٠) . وفي صحيح الجامع الصغير من حديث ابن عمر ﵄ يقول رسول الله ﷺ :» بُعِثْتُ بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي « [٢٩] . لقد كان الجهاد في الفتوحات إبان الخلافة الإسلامية الراشدة أكبر مصدر لواردات بيت مال المسلمين مما أمكن من توزيع العطاءات على كل مسلم. ٣ - كفالة المجتمع: لا يخلو مجتمع من العاجزين عن العمل والجهاد والكسب من كدّ اليد والاعتماد على النفس من أمثال الأرامل واليتامى والشيوخ وأصحاب العاهات المعوّقة، وكذلك الذين لا يكفيهم دخلهم من العمل أو القادرين الذين لم يتيسر حصولهم على عمل، وهؤلاء جميعاً لم يتركهم الإسلام هملاً وعرضة لآفة الفقر والحرمان تسحقهم وتلجئهم مكرهين إلى ذل السؤال والتكفف، بل عمل على كفالتهم من قِبَلِ المجتمع المسلم الذي ينتمون إليه ويُحسَبون عليه. ويمكن تقسيم كفالة المجتمع المسلم للفقراء المحتاجين إلى قسمين: ١ - كفالة الأرحام والأقارب. ٢ - كفالة الآخرين. ١ - كفالة الأرحام والأقارب: قرن الله تعالى حق القربى في الإحسان بحقه : [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى ... ] (النساء: ٣٦) . وأمر الله تعالى بإعطائهم ما يحتاجون فقال: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى ... ] (النحل: ٩٠) . وجعل لهم حقاً فقال تعالى: [وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ ... ] (الإسراء: ٢٦) . وقال سبحانه: [فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ ... ] (الروم: ٣٨) . وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه « [٣٠] بل جعل النبي ﷺ صلة الأرحام ومواساتهم سبباً في سعة الرزق؛ ففي الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» من أحب أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسَأ له في أثره فليصل رحمه « [٣١] . وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : » الرحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله « [٣٢] . ومن أهم مظاهر صلة الأرحام كفالتهم وإعانتهم مادياً وعدم الالتزام بذلك يعد قطيعة لهم، ولنقرأ ما يقوله ابن القيم كما نقل عنه د. يوسف القرضاوي:» وأي قطيعة أعظم من أن يراه يتلظى جوعاً وعطشاً ويتأذى غاية التأذي بالحرّ والبرد، ولا يطعمه لقمة ولا يسقيه جرعة ولا يكسوه ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد ويسكنه تحت سقف يظله؟ ! « [٣٣] . يتبين مما سبق أن الأقارب والأرحام ملزمون بكفالة قريبهم الفقير وإعانته من أموالهم حقاً وصلة. ٢ - كفالة الآخرين: هذه الكفالة العامة من قِبَلِ أفراد المجتمع للفقراء والمحتاجين تتم عن طريق: أ - زكاة المال: وهي ركن من أركان الإسلام يمثل الحد الأدنى المحدد الثابت المفروض في أموال أغنياء المجتمع ليرد على فقرائهم وبقية الأصناف الثمانية التي ذكرتها الآية (٦٠) من سورة التوبة التي بينت في آخرها أنها فرض واجب. قال تعالى: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (التوبة: ٦٠) ، وقد جاء في الحديث المتفق عليه الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ حين أرسل معاذاً إلى اليمن وبعد أن أمره بدعوتهم إلى التوحيد ثم الصلاة قال له:» فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم « [٣٤] . تعد الزكاة من أهم الموارد التي تستحق بشروطها المعروفة في معظم ثروات المجتمع: النقود، الذهب، الفضة، الحاصلات الزراعية، الثروات الحيوانية، وبقية المستغلات التي تدر أرباحاً. ب - الحقوق المالية الواجبة مثل: - حق الجوار: جاءت آية الأمر بالإحسان إلى الأقارب والأرحام في قول الله تعالى: [وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ] (النساء: ٣٦) لتؤكد حق الجار في الإحسان إليه. كما ورد في الحديث المتفق عليه عن ابن عمر وعائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ : قال:» ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه « [٣٥] . - الكفارات: العقوبات الدنيوية المكفّرة لبعض الذنوب مثل: * كفارة اليمين: قال تعالى: [ ... فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... ] (المائدة: ٨٩) . * كفارة الجماع في نهار رمضان: وهو ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة، وقد بيّنها رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه الجماعة عن الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، فقال له:» هل تجد ما تعتق رقبة؟ هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ « [٣٦] . * كفارة الظهار: والظهار أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، وقد بيّن القرآن وكذا السُّنَّة كفارة الظهار؛ ففي القرآن وردت الآيات (٣، ٤) من سورة المجادلة، وفي السنة أخرج الترمذي وحسنه أبو داود (وهو حديث صحيح) من حديث مسلمة بن صخر البياضي ما يبين كفارة الظهار بما يماثل كفارة الجماع في رمضان. * فدية ارتكاب المعذور لمحظور من محظورات الإحرام: قال تعالى: [فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ] (البقرة: ١٩٦) . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما تفصيل ذلك في حديث كعب بن عجرة ﵁ قول النبي ﷺ للرجل الذي آذى رأسه الهوام: » احلق ثم اذبح شاة نسكاً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين « [٣٧] . - فدية الصيام: قال تعالى: [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ] (البقرة: ١٨٤) . وقد بيّن ابن عباس المقصود منها كما في صحيح البخاري وكما روى عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ] (البقرة: ١٨٤) قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعما عن كل يوم مسكيناً. ومن الفقهاء من يرى أن تفدي المرأة الحامل والمرضع التي تفطر خوفاً على نفسيهما أو أولادهما. - النذور: يقول تعالى: [وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ] (البقرة: ٢٧٠) ، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال عن النذر:» وإنما يستخرج به من البخيل « [٣٨] . د - الأطعمة والذبائح: ومن ذلك: - الهدي: التي تذبح ضمن مناسك الحج ويكون للفقراء منها نصيب قال تعالى: [فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ] (الحج: ٣٦) . - الأضحية: التي تذبح في عيد الأضحى المبارك وفيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن واقد (في آخر الحديث) : » فكلوا وادخروا وتصدقوا « [٣٩] . - العقيقة: التي تذبح عن المولود في اليوم السابع: شاتان للغلام وشاة للجارية، ويكون للفقراء فيها نصيب، بل قد ورد في الحديث الحسن الذي أخرجه أحمد في مسنده والبيهقي في السنن الكبرى من حديث أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لابنته فاطمة:» احلقي شعره وتصدقي بوزنه من الورق على الأوقاص أو على المساكين « [٤٠] [٤١] . هـ - الصدقات الاختيارية: يقصد بها نافلة الواجبات المالية التي تُترك لإيمان الإنسان ونفسيته الخيِّرة الكريمة بأن يعطي دون طلب؛ وينفق دون سؤال وإنما يؤمن بالخَلَف، ويبتغي مزيد الأجر والمثوبة. قال تعالى: [وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً] (المزمل: ٢٠) . وقال تعالى: [وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] (سبأ: ٣٩) . ويكفي أن نختار من أحاديث الحث على الصدقات ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» من تصدّق بعِدْل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فُلُوَّه أول ما يولد حتى يكون مثل الجبل « [٤٢] . ومن الصدقات الاختيارية: الصدقة الجارية (الوقف الخيري) : وقد حث عليها رسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية.... . « [٤٣] . واستجاب المسلمون لهذا الترغيب فأصبحت الصدقات الجارية من الكثرة والضخامة ما يجعلها مفخرة وميزة للنظام الإسلامي؛ إذ تتبع المسلمون مكامن الحاجات الاجتماعية الظاهرة والخفية فأرصدوا لها الأوقاف المختلفة التي شملت كافة احتياجات الإنسان والحيوان. رابعاً: كفالة ولي الأمر (الدولة) : أوجب الإسلام رعاية الإمام (ولي الأمر) أو ما يطلق عليه في عصرنا (الدولة أو الحكومة) لجمهور الناس عامة وأصحاب الحاجات خاصة، وجعله مسؤولاً عن ذلك أمامهم ثم بين يدي الله تعالى. قال ﷻ : [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] (النساء: ٥٨) ، كما يقول رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه:» كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع ومسؤول عن رعيته.... « [٤٤] . وقد بين رسول الله ﷺ مسؤولية ولي الأمر تجاه الفقراء والمحتاجين وإعالتهم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ فقال:» أنا أوْلى بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم مَّا ترك ديناً وضيعة (عيالاً) فادعوني فأنا وليه « [٤٥] . أما الموارد التي يستعين بها ولي الأمر (الدولة) في كفالة الفقراء وأصحاب الحاجات ورعايتهم فهي: ١ - الزكاة: التي يجمعها ولي الأمر ويأخذها من الأغنياء ليردها على الفقراء. قال تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] (التوبة: ١٠٣) . ٢ - ما يدخل إلى بيت مال المسلمين من الأموال الآتية: أ - خُمس الغنائم: والغنائم: المال المأخوذ من الكفار بالقتال يؤخذ خمسه لبيت مال المسلمين، قال تعالى: [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ] (الأنفال: ٤١) . ب - الفيء: ما أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال، قال تعالى: [مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ] (الحشر: ٧) . ج - الخراج: ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة عنوة وتركت بيد أهلها يزرعونها ويستغلونها. د - الجزية: ما يؤخذ من الذمي بشروط محددة مقابل الحماية والمنع. هـ - العشور: ضريبة تجارية يخضع لها الذميون والمستأمَنون في أموالهم المعدة للتجارة التي تدخل وتنتقل في ديار الإسلام ويختلف مقدارها باختلاف التجارة والبلاد ومدة الإقامة والمعاملة بالمثل. و خمس الركاز: يقصد به ما وجد مدفوناً من كنوز الأرض في أرض موات أو طريق سابل وهو من ضرب الجاهلية. أما إذا كان من ضرب الإسلام (علامات تدل على ذلك) فهو لقطة تجري عليها أحكامها. ز - غلة أراضي الدولة وعقاراتها. ح - الضوائع والودائع التي تعذر معرفة صاحبها. ط - التعزيرات المالية التي يحكم بها القضاة على مرتكبي المخالفات الشرعية. ي - ميراث من لا وارث له. ٣ - الضرائب: ويُقصد بها ما تفرضه الدولة على الأغنياء في حالة عدم تحقيق الكفاية من الموارد السابقة الذكر، وقد ورد في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي عن جماعة من الصحابة:» إن في المال حقاً سوى الزكاة « [٤٦] . وهو ما يدل على إعطاء صلاحيات واسعة في جباية الأموال اللازمة من الموسرين في الحدود اللازمة للإصلاح ولتحقيق الكفاف لأصحاب الحاجات أو لمتطلبات البلاد الضرورية مثل الدفاع عن أهلها وردّ العدوان وفداء الأسرى وغيرها. وقد نقل الدكتور عبد الكريم زيدان عن (المحلّى) ما قاله الفقيه المعروف ابن حزم:» وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكاة بهم، فيقام لهم مما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة « [٤٧] . ونقل كذلك في الصفحة نفسها عن القرطبي في تفسيره:» واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك ﵀: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم وهذا إجماع أيضاً «. وأخيراً: فتلكم كانت النصوص التي تدل على أن الإسلام قد وضع الأدوية المتعددة لداء الفقر، وبيَّن الحلول المتنوعة لمعضلة الحاجة والحرمان، ولم يكن ذلك مجرد مبادئ نظرية يتم الحديث عنها بعيداً عن صلاحيتها للواقع، بل إن المسلمين قد طبقوها وأقاموها في مجتمعاتهم فحصل ما تكلم عنه التاريخ بفخر واعتزاز، حتى إن تأريخ الأمة الإسلامية ليشرُف بذلك العهد الزاهي الذي لحق عهد الخلفاء الراشدين ونقصد به عهد خلافة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز، ولنقرأ معاً ما رواه ابن كثير في البداية والنهاية فيقول:» كان منادي عمر ينادي كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلاً من هؤلاء «. وفي تأريخ الخلفاء يذكر السيوطي:» قال عمر بن أسيد: والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس «. فهل لولاة أمر المسلمين أن يعودوا إلى دين ربهم وشرعة رسولهم صلى الله عليه وسلم ليسوسوا شعوبهم ودولهم بها، فيجتنوا خير الدنيا ونعيم الآخرة، وينعموا بالعيش والحكم بعيداً عن نُفايات الغرب والشرق واستغلالهم؟ لعلهم يفعلون، والله نسأل أن يرد الجميع إلى دينه رداً جميلاً، ويبصِّرهم الحق والسداد.

стр. 3543

مصطلحات ومفاهيم البراجماتية د. محمد يحيى مع تزايد نفوذ الولايات المتحدة وقوتها وغُدُوِّها مؤثراً يكاد يكون وحيداً في توجيه مجريات السياسة الدولية من نواحٍ متعددة أبرزها: الإعلامية، والاقتصادية، ومع تزايد التحليلات الفكرية التي تطرح لتفسير أبعاد هذا النفوذ وشرحه - كثر ترديد مصطلح «الفكر البراجماتي» باعتباره يمثل الفلسفة السائدة في المجتمع الأمريكي والبعد الفكري لقيم ذلك المجتمع ومفاهيمه ولسياسات أجهزة الحكم والقرار وتوجهاتها هناك، وتراوح الحديث عن البراجماتية أو PRAGMATISM (وهي اشتقاق يعود إلى الكلمة اليونانية بمعنى العمل أو الفعل أو الممارسة أو المزاولة) في وصفها بأنها الفلسفة الأصلية التي تميز العقل الأمريكي عن مدارس الفلسفة الأوروبية الكبرى المعروفة، من المثالية وحتى الوجودية مروراً بالماركسية والظواهرية ... إلى القول الدارج في المقالات الصحفية من أن ذلك المذهب لا يعدو أن يكون توجهاً انتهازياً يرتكز على اتباع الوسيلة - أية وسيلة - المحققة للغرض موضع الاهتمام في لحظة معينة. والحق أن الفكر البراجماتي يحتمل هذين التأويلين على تباعد البون بينهما من الجدية إلى الاحتقار الهازئ؛ فالفكر البراجماتي الأمريكي يدين في تشكله إلى مجموعة من العقول الفلسفية الأمريكية التي من أبرزها: ويليام جيمس وجون ديوي منذ أواخر القرن الميلادي الماضي إلى أواسط الحالي، وصحيح كذلك أن البراجماتية من هذه الناحية تعد إسهاماً فكرياً مهماً يميز أمريكا عن أوروبا؛ ولكن الصحيح كذلك أن البراجماتية امتداد أصيل لروافد رئيسة في الفكر الأوروبي أبرزها الفكر التجريبي المستند إلى فلسفة العلوم الطبيعية الذي يحتوي على مكون مادي مهم. كذلك فإن جون ديوي وهو الركن الثاني في تكون البراجماتية وتطورها بعد ويليام جيمس أو معه كان متأثراً في مطلع حياته الفكرية وإلى أواسطها بالفكر المثالي الألماني وإن تخلى عنه تحت تأثير جيمس. وأياً كان الحال فقد طورت البراجماتية الفكر التجريبي العلمي المادي الأوروبي النشأة، وجعلت منه الأساس لمذهب يتجاوز نطاق الفكر الفلسفي المتخصص في مباحث علم المعرفة أو الميتافيزيقا إلى المجالات الاجتماعية والسلوكية وميادين القيم والدوافع، وقبل كل شيء الأخلاق. ولعل الذي يصم البراجماتية بأنها مجرد مذهب يكرس نسبية الأخلاق والقيم والانتقاء من القيم كما يناسب اللحظة أو الغرض أو الميل ينظر إلى المحصلة الذاتية التي قد ينتهي إليها هذا المذهب دون أن يعبأ كثيراً بينابيعه الفكرية الكبرى؛ ولكنه لا يخطئ كثيراً. إن البراجماتية إذا لخصنا فكرها الجوهري ترفض ما تسميه بالمبادئ المطلقة العامة، وترى أنها - في أهم ميدان فكري أو حياتي - جاءت نوعاً من الجمود الذي لا يتفق مع المنهج التجريبي العلمي الذي حددته (بشكل مطلق كذلك!) أفضل المناهج العقلية البشرية، وإذا كان المنهج التجريبي يقوم - كما يدل اسمه - على التجربة والاختبار والتحقق باعتبارها وسائل وأدوات للوصول إلى المعرفة، ويرفض الأفكار المسبقة ذات الطابع المطلق والعمومي باعتبارها مصادرة على مرونة العقل ودقة المعرفة؛ فإن البراجماتية تتخذ من هذا المنهج ووفق هذا الفهم نبراسها في وضع كافة المباحث الفلسفية الكبرى - كما أسلفنا - من علم المعرفة والميتافيزيقا إلى الأخلاق والتعليم. فالأفكار والقيم والمبادئ لا ينبغي أن تُعتَنَق بشكل مجرد وعمومي ومطلق بمعزل عن واقع الحياة وممارستها (أي: المحك التجريبي العملي) وهذه الأفكار والقيم والمبادئ التي يجب ألاَّ تكون منعزلة أو مفصولة عن واقع الحياة وممارساتها ينبغي - وهذا هو ما يعنيه عدم الانفصال - أن تسهم في سيولة النشاط البشري وتدفقه في سعيه الدائب والدائم إلى تحسين المعيشة (بالمعنى الأوسع لهذا المصطلح) وحل المشكلات وتذليل العقبات التي تحول دون تحقيق السعادة للمجتمع. والواقع أن كُنه البراجماتية نجده في هذا المبدأ المادي العلماني القديم، وهذا المبدأ مستمد من الفلسفات الوثنية (اليونانية) القديمة؛ لكنه عاد يهيمن على مباحث علم النفس الحديث بعد انفصاله في أواخر القرن الماضي عن الفلسفة، واصطناعه للمنهج العلمي التجريبي. والمبدأ بسيط للغاية؛ فهو ينظر إلى الوجود البشري بمعزل عن أي وجود أوسع؛ أي بمعزل عن الألوهية ووحيها وسننها ولا يرى سوى هذا الوجود البشري، كما يرى أن هدفه وسعيه ومغزاه إنما هو تحقيق السعادة للبشر في هذا العالم (وليس في الآخرة التي هو في شك منها) سواء أكانوا أفراداً أم جماعات، وسواء أكانت تلك السعادة كمّاً يقاس، أو كيفاً يذاق، وسواء أكانت مادية خالصة أم مادية ونفسية معاً. والسلوك البشري في سعيه لتحقيق تلك الغاية الكلية والغايات الفرعية الكثيرة المؤدية إليها لا يسير في خط واحد سهل؛ بل يقابل المشاكل والعقبات التي يحاول التغلب عليها، والمبادئ المطلقة أو الجامدة - في نظر البراجماتية - لا تساعد في هذه العملية الحاكمة للسلوك البشري بل تعينها؛ لأنها تفقدها المرونة اللازمة، والبديل عن هذه المبادئ أو القيم أو الأفكار الجامدة المعوقة (المطلقة المجردة) والمنفصلة عن الواقع هو القيم والمبادئ والأفكار المجربة والمختبرة في نار الواقع؛ والصحيح منها هو ما أثبت الواقع والخبرة أنه يؤدي إلى النجاح؛ بمعنى: حل المشكلات وتجاوز العوائق وصولاً إلى غايات السعادة البشرية. أما الباطل والخاطئ فهو الذي يثبت الواقع والخبرة أنه لا يؤدي إلى النجاح في ذلك، ومن هنا اشتهر عن البراجماتية أنها تحكم على الأفكار والقيم والمبادئ بالصحة والبطلان لا بمعايير المنطق أو «الحق» .. إلخ؛ بل بمعايير النجاح أو الإخفاق في تسهيل حركة السلوك البشري نحو غاية السعادة، ومن هنا كذلك اشتهر عن البراجماتية اعتناقها للنسبية في القيم والأخلاق وسهولة التحول عن المبادئ لدى معتنقيها دوراناً مع المصلحة كما يفهمونها بالمعنى المادي الدنيوي للسعادة. والبراجماتية في جوهرها الذي عرضنا له هنا هي في الحقيقة التجسيد الحي (أو أحد التجليات الكبرى) للفكر العلماني الغربي. إن القضية الحاسمة هنا هي أن الوجود البشري يساس ويجري التفكير فيه في نطاق مغلق عن الله وسننه وأمره في كونه، وما دام الوجود البشري قد عزل عن المصدر الإلهي فإن الباقي يصبح سهلاً أو بالأصح: واضحاً وحتمياً؛ فالوجود البشري المعزول عن الله لن يفكر في آخرة أو وحي أو شريعة إلهية تحدد له مساره، والهدف الأسمى سيكون هو السعادة الدنيوية التي ستنحصر تعريفاتها المختلفة في المادة بدرجاتها. والقيم أو المبادئ أو الشرائع المعتمدة في كل الميادين وأولها الأخلاق ستكون هي المؤدية بالسلوك البشري بصورة أو بأخرى إلى الوصول لتلك الغاية الكبرى مروراً بالغايات الفرعية وحلول المشاكل وتذليل العقبات. وما دام الأمر كذلك فلا مجال للقيم المطلقة العامة التي تقول البراجماتية إنها ترفعها لصالح النسبية؛ لأنها لا تنبع من الواقع ولا تساعد بالأوْلى على حل مشاكله والوصول بالنشاط البشري إلى تحقيق السعادة؛ لكن «الواقع» يقول: إن البراجماتية ترفض ما تسميه بالمبادئ المطلقة في علوم الميتافيزيقا والأخلاق؛ لأن تلك المبادئ مستمدة من الأصول الدينية التي ترفضها (المسيحية) استناداً إلى المنهج المادي المسمى بالتجريبي، أو العلمي الذي تعلي البراجماتية من شأنه. قد تكون للبراجماتية أصول أوروبية رغم الزعم بأنها ذات أصول أمريكية بحتة، وقد تكون لها دعاوى فكرية عالية المستوى تمثلت في طروحات فلسفية؛ لكنها عند التطبيق على مجال الأخلاق والسياسات والسلوكيات الاجتماعية - وهو مجالها النهائي حسب تعريفها هي - نجدها ولَّدت لنا الاتجاهات النسبية الكبرى التي زعزعت ميدان الأخلاق نفسه، وجعلت منه عبثاً بلا طائل؛ لأن القيم فيه متغيرة تغير الواقع الذي يزداد تغيراً كل يوم مع تراكم التغيرات بشكل مطرد، ولا نبالغ إذا قلنا: إن أدواءاً تعاني البشرية منها اليوم كثيراً في مجال القيم والأخلاق في كل منحى من مناحي الحياة تعود في أصولها إلى سريان الفكر البراجماتي واستشرائه في أفق التفكير الفلسفي المنعزل عن الحياة ليصبح هو الشريعة والقانون الذي يهدي السلوك البشري ويحكمه، ولعلنا نضيف أن واسطة الانتقال من ذلك المجال إلى هذا كان هو التعليم ومؤسساته. ولعلنا نذكر أن أكبر مؤسسي الفكر البراجماتي (جون ديوي) كان له باع كبير في ميدان التعليم، ووضع أسسه وسياساته في أمريكا ومنها إلى سائر دول العالم بحكم التأثير الأمريكي المعروف والرغبة في تقليد الأقوياء على أمل الوصول إلى قوتهم بالتقليد الأعمى، ولعل في ذلك ما يفسر لنا ما لاحظناه في العقود الأخيرة من استماتة العلمانيين في البلاد الإسلامية في السيطرة على حقل التعليم في سعي للوصول من خلاله إلى السيطرة على العقول بنشر فكرة العلمانية التي من أهم أبوابها مبادئ نسبية القيم والأخلاق والأفكار. ولعلنا كذلك نلاحظ في عبارة: «إن الفكر البراجماتي قد ظهر في بعضه وفي آخر تجلياته في البلاد الإسلامية في الفكرة التي نسمعها كثيراً حول تطوير الشريعة أو في مفهوم الاجتهاد الفقهي لا باعتبار ذلك أداة لبسط سلطان المبادئ الشرعية على نواحي الحياة؛ بل أداة لهدم عمومية مبادئ الشريعة الإسلامية نفسها وفرض النسبية والتغير العشوائي عليها، كما يؤدي في النهاية إلى إلغاء تلك المبادئ ذاتها؛ وذلك كله تحت شعارات: مجاراة العصر، واللحاق بركب التقدم، والتحلي بروح العلم، والتمشي مع الواقع» وكلها من الأفكار التي تنضح بروح البراجماتية، وقبلها بروح العلمانية أو اللادينية. ومن اللافت للنظر أن الفكرة العلمانية التي تريد بسط مفاهيم النسبية على الجميع حتى الدين المقدس والمطلق بطبعه لا تفكر أبداً في أن تكون هي نفسها نسبية أو بنت عصرها؛ لأنها جعلت من المنهج التجريبي - وهو اسم يدل على أنه ليس مطلقاً - إلهاً مقدساً يُعبد!

стр. 3544

بأقلامهن الحياء تاج المرأة فاتن سعد الصويلح للجرأة على اقتراف الذنب والمعصية عواقب ذُكرت في آيات كثيرة وأحاديث وأقوال للعلماء. ومن عواقب الذنوب والمعاصي: «أولاً: ضعف القلب عن حب الخير، وقوة إرادة المعصية. ثانياً: حرمان العلم والمعرفة؛ لأن العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب؛ والمعصية تطفئ ذلك النور. ثالثاً: نقص الأرزاق وذهاب بركتها ف» إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه «. رابعاً: وحشة يجدها العاصي بينه وبين الخلق؛ بحيث ينفر منه مَنْ كان يأنس به من قبل. خامساً: حرمان دعوة الملائكة الذين يدعون بالخير للصالحين. سادساً: أنها تنتج مثلها، وتثمر شبهها. بمعنى أن العبد إذا عمل معصية ولم يبادر بالتوبة منها وقع في معصية أخرى ثم أخرى. سابعاً: أن شؤمها يعم فاعلها وغيره من الخلائق حتى قال مجاهد ﵀: » البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنةُ، وأمسك المطر تقول: هذا من شؤم معاصي ابن آدم «. ثامناً: أنها تذل فاعلها وتهينه؛ لأن العزة والشرف في طاعة الله فمن عظَّم أمر الله عظَّم الله قدره، ورفع شأنه، ومن خالف أمره أذله الله وأهانه. تاسعاً: ظهور الفساد في البر والبحر، وحدوث الزلازل والأمراض المهلكة» [١] . الصبر والطمع في الثواب من الله: لقد خلق الله الإنسان وهو يملك أشياء عديدة وغرائز متنوعة، خلقه وهو يملك الإحساس، والمشاعر، ولكن لم يجعل هذه المشاعر والأحاسيس والعاطفة هكذا دون حد أو ضابط وما من شك في أن لدى المرأة ميلاً فطرياً للرجل والعكس كذلك، لكن هل يعني ذلك أن نترك هذا الميل على عواهنه مما يؤدي إلى انتشار الفساد؟ طريق آمن عرفه الصالحون: دروب الحياة متفرقة، وساعات الراحة فيها معدودة، والسائر فيها يتلمس خطواته حتى لا يقع في منحدر أو منزلق من المزالق «وطريق العفة والحياء والستر طريق آمن عرفه الصالحون فلا تستوحشي الطريق يا أختاه؛ فأنت لستِ الوحيدة التي سارت هذا الطريق وسلكته؛ فمن قبلك أناس كثيرون رجالاً ونساءاً قد ساروا عليه؛ فلم تضرهم غربتهم ولم تزعجهم صيحات المثبطين، بل كانوا مصابيح تنير ظلام الدنيا. عرفوا لذة الطاعة فلم يقارنوها بلذة ساعة كانت في معصية الله. طهر وعفاف، ملؤوا قلوبهم بالإيمان، وعوَّدوا أنفسهم على طاعة الرحمن، وشاركوا إخوانهم في كل ميدان. لقد ذكر القرآن الكريم عفة يوسف ﵇ ذلك الفتى الذي توفرت فيه كل الشروط من شباب وحيوية وقوة، وفي مقابل ذلك امرأة العزيز: جمال، ومنصب، وإغراء؛ فما الذي منع يوسف ﵇ من تلبية الرغبة والجري وراء هوى النفس وشهواتها؟ لقد كانت عفة يوسف ﵇ عفة مستوفية كل شروطها وأركانها، كانت من أعظم أمثلة العفة في تاريخ الإنسان. ففي يوسف الحيوية والشباب والدافع القوي، وفي امرأة العزيز الإثارة بكل أبعادها، مع خلوة تامة، وتهديد إن لم يستجب؛ ومع استيفاء كل هذه العوامل القوية تبرز فضيلة العفة في يوسف ﵇ فيضبط نفسه بصبر منقطع النظير، ويقاوم الدوافع والمغريات بإصرار وعزيمة قوية ترفعاً عن السقوط، وطلباً لمرضاة الله، فينتصر خلقه العظيم في معركة الدوافع والمغريات والتهديدات. وقد عرض القرآن قصة يوسف أروع عرض يبرز قوة الإيمان عنده، وقوة الضبط الخلقي الذي جعله ﵇ يكف عما لا يحل له، ويعطي أروع أمثله العفة» [٢] . هذا نموذج ومثل من أعظم أمثلة العفة في تاريخ الإنسان. وها هي عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ تقول: «نِعْمَ النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» [٣] امتدحت فيهن حياءهن وحرصهن على طلب العلم والتفقه فيه؛ كيف لا وعائشة أم المؤمنين ﵂ واحدة ممن شاركن في شتى العلوم والآداب؛ فهي «حاملة لواء العلم والعرفان في عصرها، والنبراس المنير الذي يضيء على أهل العلم وطلابه؛ وكان يأتيها أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن عويص العلم ومشكله فتجيبهم جواباً مشبعاً بروح التروي والتحقيق مما لا يتسنى إلا لمن بلغ في العلم مقاماً علياً» [٤] ، فهل منعها هذا يا أُخية من الحياء والستر؟ لا والله! فقد كانت ﵂ «شديدة الحياء حتى كانت تدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر وهي واضعة ثوبها وتقول: إنما زوجي وأبي. فلما دفن عمر بن الخطاب فكانت لا تدخله إلا مشدودة عليها ثيابها حياءاً من عمر» [٥] ، فليكن يا أُخية طريق السائرين على الهدى طريقك ونور الإيمان ينير دربك، واقتفي أثر من قبلك ولا تستوحشي الطريق؛ فلَكِ في نساء السلف الصالح أسوة وقدوة. صلاح الأمة بصلاح أهلها: «المرأة مدرسة وهي مربية الأجيال، فإن انهارت أخلاقها، وشذّ سلوكها انهارت من ورائها الأمة وانحطت الأخلاق، وفسد المجتمع، وضاعت الفضائل، وانحلت الأسرة، وعمَّت الفوضى، وانتشرت الفتن» [٦] وما من شك في أن مصدر انهيار الأخلاق وانهيار الأمة ناتج عن ضعف متولد من أفراد المجتمع؛ والمرأة جزء من ذلك المجتمع. لقد حول أعداء الإسلام المجتمع إلى ملهاة كبرى، فإلى جانب جنون «الموضة» جنون الأزياء، وجنون الزينة (التبرج) أوجدوا جنون وسائل الإعلام أرضيَّةً وفضائية وما فيها من اللهو العابث الذي لا يليق بالبشر الأسوياء، ولا ينغمس فيها «إنسان» يعي حقيقة إنسانيته، ويدرك غاية الوجود البشري في الأرض « [٧] وماذا كانت النتيجة؟ تحطمت الأسرة إلا مَنْ رحم الله، وبدأت الفتاة تنفر من حجابها وسترها، وأصبح سماع الشكوى من الحجاب وأنه تخلف وتقييد شيئاً معلناً من بعضهن، وبدأت كذلك في البحث والتطلع واختيار الصديق بحجة التعرف على العالم من حولها والتسلية مؤكدة أنها لا تتفوه أو لن تتفوه بكلمة تزيل الحياء وتخدشه:» سُهى فتاة جامعية لا يفارق الجوال يدها، تقول: لا أرى أي مانع أو حرج في التعرف على الثقافات من خلال أشخاص لا أراهم ولا يرونني ولا يوجد أي احتمال لرؤيتهم، ولا أتحدث إلا في موضوعات عامة، وقد يكون الطرف الآخر فتاة مثلي، وليس بالضرورة شاباً وإن كانت هناك بعض المحاذير من الأهل خوفاً من فاتورة الهاتف؛ لكن كل شيء الآن أصبح مفتوحاً من حولنا من فضائيات وإنترنت ووسائل اتصال. أليست هذه هي العولمة للقرية الكونية؟ ! « [٨] هكذا وبكل بساطة أصبحت بعض الفتيات المسلمات لا يتحرجن من الحديث في بعض الأمور؛ و» إذا لم تستح فاصنع ما شئت « [٩] . وإلى جانب هذه الثغرة ثغرة أخرى تقويها وتدعمها: إنه ذلك الرجل الذي لا يملك من معاني الرجولة إلا الشكل والمظهر، ذاك الذي حُرِمَ الغيرة على أهله؛ فهو لا يستقبح الذنب، ولا يبغضه، ويقر المنكر في أهله. لقد أصبحنا نراه بأشكال متعددة إما مع امرأة سافرة متبرجة أو عليها مسمى الحجاب بكامل زينتها يمازحها أمام الرجال بل يتعمد إضحاكها، وآخر يطلب منها أن تنزع حجابها؛ لأنها في وسطٍ ينكر ما ترتديه، وآخر يشاركها في أماكن اللهو والعبث كالمراقص والسينما؛ بل هناك من لا يتحرج في جلوس أهله إلى جانبه لمشاهدة منظر فاحش؛ فأين هذا من غيرة سعد بن عبادة؛ فعن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفِح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:» تعجبون من غيرة سعد؛ والله! لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة « [١٠] . هكذا يا حبيبتي في الله أحدثنا في أمتنا ثغرة تلو ثغرة توهنها وتضعفها وترد النصر عنها. ومتى يكون النصر لأمتنا؟ ! إنه لن يكون إلا بالرجوع إلى الله وامتثال أمره واجتناب نهيه. إن العفة والحياء والستر متى وجدا في أمة كان لها العزة والنصر. أليس الإسلام يدعو إلى ذلك؟ أليس صلاح الأمة بصلاح أهلها؟ إن صلاح المرأة واستقامتها سبب في صلاح الأمة التي يتحقق لها النصر والتمكين من الله ﷻ . فلا تغترِّي بما لديك من علم، ولا تري نفسك بعيدة عن السقوط؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء، والغرور عامل من عوامل الانتكاس والفتنة» لقد قال ابن مسعود ﵁ كلمة تحمل معاني عظيمة لمن تدبرها وفقه معناها: «اقتدوا بمن مات؛ فإن الأحياء لا تؤمَنُ عليهم الفتنة» فانظر إلى أي مدى كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يضمن أحدهم الاستمرار على هذا الطريق، وكيف أن الواحد منهم لا يرى الاقتداء بالأحياء؛ لأنهم ليسوا بمنأى عن الفتن « [١١] عليكِ بالصبر والمجاهدة وترويض النفس على الطاعة ومخالفة هواها» واعلمي أن رياضة النفس أصعب من رياضة الأُسْد؛ لأن الأُسْد إذا سُجنت في البيوت التي تتخذها الملوك أُمن شرها، والنفس وإن سجنت لم يؤمَن شرها « [١٢] ؛ لأن النفس إن لم تَعْتَدِ الحياءَ والستر والعفة كانت قنبلة تجلب الدمار، وتخرب الديار، وتحول كل شيء جميل إلى شيء بشع يمثل الخسة والدناءة وكل ما ينافي أطيب الأخلاق وأجملها. احرصي على تعميق العاطفة الدينية والإيمان بالله لما لها من دور في ردع النفس ومحاسبتها؛ فإن الشباب مجموعة من الغرائز المتحفزة والعواطف المشبوبة والمشاعر الملتهبة، وإن هذه المجموعة أشبه بقوة أسدية إن لم نحسن توجيهها وتهذيبها انقلبت بغياً وعدواناً، ولا يمكن تهذيب هذه الغرائز الملتهبة للوثوب والجموح إلا بتركيز العاطفة الدينية، وتوطيد الوازع الخلقي؛ فعلماء النفس وزعماء الإصلاح والاجتماع يقررون أن العاطفة الدينية إذا انغرست في نفس الشباب كانت خير موجه لغرائزه وأفضل ملطف لحدة عواطفه [١٣] ، ومن الأمثلة على الإيمان وأهميته في النفس وأنه يدفع الإنسان إلى عدم الوقوع في الحرام قصة مرثد مع عناق ف» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلاً يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية وأنه وعد رجلاً من أسارى مكة بحمله وقال: فجاءت (عناق) ، فأبصرت سواد رجل تحت حائط؛ فلما انتهت إليَّ عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحباً وأهلاً، هَلُمَّ بِتْ عندنا الليلة. قال: قلت: يا عناق، حرم الله الزنا « [١٤] فها هو إيمان مرثد لم يجرَّه إلى ارتكاب الحرام رغم وجود الفرصة، ورغم أنه كان يحبها حباً شديداً؛ ولكن كان للإيمان دور في صدره وعدم وقوعه فيما حرم الله. فلا تغفلي عن الدعاء؛ ولقد كان النبي ﷺ يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء:» اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى « [١٥] وكثيراً ما يقول:» اللهم ثبِّت قلبي على دينك « [١٦] . لا تهملي جانب التربية الإيمانية التي لها دور في حياة المرأة المسلمة وحفظها من الفتن المتعددة الأشكال، وتشمل: ذكر الله وقراءة الكتب، والحرص على طلب العلم والاستزادة منه وإيصاله للآخرين، وتعويد النفس على الصبر والصيام وقيام الليل، ومحاسبة النفس على التقصير، والاهتمام بشخصيتك وبشغل أوقات فراغك بما يلائمك من أنشطة متعددة كالقراءة وتعلُّم الحاسب الآلي والمشاركة بكتابة مقال أو أبيات شعرية مفيدة، وما إلى ذلك من الأعمال النافعة المفيدة. لا تسمعي لتلك الدعاوى الكاذبة التي تقول إن الحياء جبن، والستر تشدد وإخفاء للعيوب، والعفة كمن يشرب الماء المالح فلا يرتوي منه» لقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة شاع أن كل هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون. شاع هذا على أثر بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان، والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين! وبخاصة نظرية فرُويْد. رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتاً من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية ما يكذبها وينقضها من الأساس. نعم! شاهدت في البلدان التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله أن هذا لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها! إنما انتهى إلى سُعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع « [١٧] . محاولة تطبيق العفة الحياء الستر وفرضه على الواقع بغضِّ البصر؛ لأن غض البصر يوجِدُ في القلب حلاوة ولذة، وبستر العورات والبعد عن مثيرات الفتنة ودواعيها من غناء وكشف للعورات وخضوع في القول مع الرجال، وبتعويد الصغار على الحشمة والتستر وغض البصر عما حرمه الله، ولا نكذب على أنفسنا مدعين بحجج واهية كالقول: إن طفلتي لا زالت صغيرة ولا داعي أن اتعبها وهي في هذا السن. على الداعيات إلى الله أن يكثرن من الحديث في مثل هذه الموضوعات وفروعها، وكيف عالج القرآن والسنة هذا الباب. عن أبي أمامة» قال: إن فتى شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مَهْ، فقال: ادنُهْ فدنا قريباً، فجلس. قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أتحبه لابنتك؟ قال: لا؛ والله! يا رسول الله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا؛ والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أتحبه لخالتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فرفع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء « [١٨] . ولا تنسي أختي الداعية أن الإنسان لا بد أن يمر في ساعات غفلة يحتاج إلى من يذكِّره، وهنا يأتي دورك في التذكير وإيجاد الحلول، وذكر القصص المؤثرة ودور الصحبة في ذلك، وتعويد المدعوات على أطيب الأخلاق ومشاركتهن حتى تكون الداعية قريبة إلى النفوس.

стр. 3545

المنتدى هم العدو عبد الله التميمي سألتُ أحد العامة في معرض حديثنا عن فتن هذا الزمان: هل يوجد منافقون في هذا العصر؟ فأجاب بأنه لا يوجد، بل كانوا في عهد النبي ﷺ ، ثم ذهبوا بذهابه! فقلت: وما يدريك؟ فقال: إنا لا نسمع الآن عنهم شيئاً. إن هذا النموذج الذي يمثل جزءاً من عامة الناس يترك أمراً مهماً غاية الأهمية، ويغفل عن قضية من أخطر القضايا. فهو ينام في أحضان عدوه ويظنه أمه، ويطعنه العدو من خلفه ويظنه أخاه يمازحه، ويعتقد أنه لا يوجد منافقون. ولا غرابة! فإنه قلَّما يسمع عن المنافقين في مجتمعاتنا وعن أساليبهم هذا إن سُمُّوا منافقين فهو إن سمع يسمع أخباراً عن العلمانيين أو الحداثيين أو غيرهم دون أن يدرك أن هؤلاء هم المنافقون. لقد حذر الله في كتابه العزيز أفضل خلقه وأتقاهم وأعلمهم حذَّره من المنافقين وأخبره بأنهم هم الأعداء الحقيقيون، فقد قال تعالى: [هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ] (المنافقون: ٤) يقول الشيخ السعدي ﵀: «فهؤلاء هم العدو على الحقيقة؛ لأن العدو البارز المتميز أهون من العدو الذي لا يُشعَر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه وليُّ وهو العدو المبين» [تفسير السعدي، ص ٨٠١] فالمنافقون هم الخطر الأكبر على الأمة؛ إذ إنهم يكونون في وسط الصف يدسُّون فيه السم، وينفثون فيه نار الفتنة دون أن يشعر بهم أحد؛ ولأن طبيعتهم الخوف والذعر فإنهم لا يستطيعون مواجهة المجتمع بشكل مباشر وبارز، بل يعتمدون على المكر والخديعة وإشعال نار الفتنة بين الثلة المؤمنة حتى يزعزعوا قوتهم وهيمنتهم فيعتلُوا بعد ذلك ويتولوا المناصب، وهم لا يستطيعون أن يواجهوا الإسلام بشكل عام والصحوة بشكل خاص مواجهة رجل لرجل، بل دائماً يحاولون أن يتخفوا حتى إذا وجدوا أهل الصحوة قد غفلوا عنهم خرجوا وأفسدوا ما يستطيعون ثم يرجعون عندما يسمعون صيحة المنذر: [يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ] (المنافقون: ٤) . فهم كالفئران تماماً، تجدهم في جحورهم ما دام الناس موجودين وأهل الصحوة منتبهين؛ فإذا ذهبوا وغفلوا أخرجت الفئران أنوفها المنتنة ورؤوسها الخاوية لتتحسس: هل هناك من أحد؟ هل هناك من دعاة يقفون لهم بالمرصاد؟ فإذا شعرت بأمان المكان وخلو الساحة خرجت فأفسدت ما تستطيع، وبثت سمومها في كل مكان تسير عليه، ثم سرعان ما تعود إلى جحورها خاسئة عندما يرجع الناس ويفيق الدعاة لهم ولمكرهم. والمجتمع يكره المنافقين ويعاديهم؛ لأن الله كرههم وذكر نصوصاً كثيرة في سبِّهم وفضحهم وتبيين أخلاقهم السيئة وأعمالهم المفسدة، لذلك تجد المجتمع يحذِّر منهم غاية الحذر ويقابلهم بالشدة كما حدث مع عمر ﵁ في أكثر من حادثة (دعني أضرب عنق هذا المنافق) وغيره من الصحابة كخالد وسعد وغيرهم. فما أن يسمع المجتمع كلمة منافق حتى تجده يكره ويعادي ويحذر من نُعِتَ بهذه الصفة أعاذنا الله وإياكم من النفاق وأهله أما إذا سمع عن العلمانيين أو غيرهم فتجده لا يكرههم ولا يعاديهم مثل كرهه وعداوته للمنافقين لا لشيء إلا لأنه لم يطلق عليهم لقب المنافقين، وتجد أن عامة الناس لا يدركون أن هؤلاء العلمانيين وغيرهم هم المنافقون وهم المفسدون أحفاد عبد الله بن أبيِّ بن سلول وغيره ممن سار على نهجه. لذلك فإني أتوجه إلى العلماء والدعاة وطلبة العلم أن يحذِّروا الناس من النفاق وأهله، ويبينوا للناس أساليبهم كما كان نهج القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يسموا العلمانيين والحداثيين وغيرهم ممن سار على شاكلتهم بالمنافقين مع الأخذ بالاعتبار عدم إطلاقها على المعيَّن حتى يتلقاهم المجتمع بحزم وحذر أكثر، ويكرههم غاية الكراهية، وعندما يقرأ المسلم مواقفهم في سورة آل عمران أو النساء أو الأنفال أو التوبة أو الحشر أو المنافقون أو غيرها يُنزِل هذه الآيات على الواقع ويدرك خطورة الأمر وبذلك يكسب أهلُ الصحوةِ المجتمعَ تلك القوةَ الضاربة في مواجهة أولئك الفئران (المنافقين) دون تعب أو عقد محاضرات وكتابة مقالات؛ إذ المجتمع جاهز لمعاداة هؤلاء ومحاربتهم ما داموا منافقين. أسأل الله أن يكفي المسلمين شر المنافقين، وأن يفضحهم بين العالمين، وأن يرد كيدهم في نحورهم ويريح المسلمين منهم.

стр. 3546

المنتدى دعي الناس ! خالد بن محمد المنصور دعي الناسَ تستلهمُ الأنكدا ... من التيه، واستقبلي المسجدا دعيهم على سكرات الهيام ... إلى من أزاحوا الدنا هجَّدا سرى الناسُ بالناس في كل صوب ... ولم يحسموا في السرى مقصدا ولستِ وإن جرّعوك الأماني ... وإن حبسوا الزاد والموردا تحابين غيرَ البشيرِ المفدّى ... إمامِ الهدى للورى أحمدا ولا تجزعي يا نصير المآسي ... فما آفة السيف أن يغمدا وفارسه اليوم أضحى وحيداً ... يبارز أعداءه أوحدا فلا المغرياتُ تكف أذاها ... ولا العاصماتُ تمدُ يدا ينادي: النجادَ النجادَ، ولكن ... تلاشى ولم يستجيبوا الندا ينامون والعار ملءُ المآقي ... وقد أفسد البغي ما أفسدا عبيداً تواروا عن الفاجعات ... وذا يستطيب الردى سيدا هو الباتر المستزيد سعاراً ... بإغماده النار لن تخمدا هو الفارس المستعيد حنيناً ... لتلك الفتوحات لو جددا به أمل أن يرى الصبح يأتي ... قريباً غدا يرقب الموعدا وأن تبعث الأرض فرسان ثأرٍ ... وأسيافه الحمرَ كي تعضدا فلا غائر منك إلا تسامى ... ولا شارد عنك إلا اهتدى

стр. 3547

المنتدى على أطلال المجد صلاح بن عبد الله بن هندي على المذلة غنّى اليوم حادينا ... «لم يبق شيءٌ من الدنيا بأيدينا» [١] بالأمس كُنَّا ملوك الأرض قاطبةً ... لم نعرف الذُّلَّ حتى ذلّ شانينا نسعى إلى المجد لا نرضى به بدلاً ... فلا الخطوبُ عن الأمجاد تُثنينا نسابق الريح بالأجياد نركبها ... إذا تقهقر علجٌ من أعادينا ونُرخِصُ الروح يوم الروع في جذل ... نيلُ الشهادةِ من أسمى أمانينا الله أكبر في أسماعنا نغمٌ ... نهفو إليه على شوقٍ مُلبِّينا إذا تلألأ نجمُ الليل تبصرنا ... نرتل الذكر أو نخلو مصلينا نعم عشقنا ولكن عشق حنظلة الـ ... غسيل لا عشق قيس وابن زيدونا إن هام قومٌ بأنغام موقَّعة ... نهيمُ نحن بـ (طه) أو بـ (ياسينا) لقد بكينا على أطلال عزتنا ... ما نَذْكُرُ المجدَ إلا في مراثينا فليت شعري! هل جَفَّتْ منابعنا ... أم أننا اليوم لا نهفو لماضينا؟

стр. 3548

المنتدى أعراض قساوة القلوب واسودادها عمر الرماش إن مرض قساوة القلوب له أعراض ومظاهر كثيرة، ولعل أهمها شعور الإنسان بقسوة قلبه وخشونته حتى ليحس أن قلبه قد انقلب حجراً صلداً لا يتأثر بشيء ولا يرق لشيء، وليس في قولنا هذا مبالغة ولا تهويل؛ فقد أثبت القرآن الكريم أن القلب يقسو حتى يصبح كالحجارة أو أشد. يقول الله تعالى: [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً] (البقرة: ٧٤) . وفيما يلي بعض أهم أعراض الصدأ ومظاهره أو الضعف اللذين يصيبان القلوب: - انحباس الطبع وضيق الصدر والتضجر من لا شيء، والشعور بالقلق والضيق بالناس، وعدم المبالاة بما يصيبهم من نكبات ومصائب، بل والشعور بكرههم. - عدم التأثر بآيات القرآن الكريم، ولا بوعيده وتخويفه، ولا في طلبه ونهيه، ولا في وصفه ليوم القيامة وأهواله الكثيرة والمخيفة. - عدم التأثر بحوادث الحياة ومصائبها ولا اعتبار الدروس والعبر واستخلاصها كالمرض والموت والآيات الكونية والزلازل والفيضانات. - الشغف بملذات الدنيا وشهواتها وحظوظها: كالمال والجاه والمنصب والسكن واللباس، والإحساس بالألم والحسد والكراهية عند رؤية الآخرين ينعمون بشهوات الدنيا المتعددة والمتنوعة. - الشعور بظلمة الروح التي تنعكس على الوجه والتي لا يحس بها إلا أصحاب الفراسة الإيمانية. - إتيان المعاصي والذنوب صغيرها وكبيرها، وعدم الإسراع بالتوبة والندم والإقلاع عن الذنب والقيام بالأعمال الصالحة والنافعة. - التكاسل عن القيام بأعمال الخير والإحسان وبالواجبات الدينية كالصلاة وأدائها في أوقاتها مع الجماعة بالمسجد مصداقاً لقول الله تعالى: [وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى] (النساء: ١٤٢) . - عدم تعظيم الله والخوف منه، وعدم ذكره باللسان والجوارح، وهجر القرآن الكريم والسنة النبوية.

стр. 3549

المنتدى المعلم ناجي صالح علوي صغها من النور البهي حروفا ... واختر أعاجيب الزهور قطوفا أمعلمَ الأجيال جوهر عيشهم ... ما زلتُ فيك محيَّراً مشغوفا فلأنت أكرم من يُجَلُّ مقامه ... ولأنت سر المعجزات صنوفا أنت الحضارة والسعادة والوفا ... أنت الحياة بجمعها موصوفا أنت الطبيب وأنت جندي الحمى ... أنت المرابط في الحدود وقوفا فانهض بجيلك للعلا نحو السما ... كن مخلصاً وأباً نراه رؤوفا إن المعلم فكر أمته فإن ... أعماه أعمى بالمئات ألوفا ولئن مضى سبل السلام لشعبه ... يبني الوفاء ويصنع المعروفا يا أيها المتجاهلون لفضله ... مهلاً فقد أخطأتم التصنيفا هو شمس ليلكم المضيئة في الدجى ... جعل الطريق بنوره مكشوفا فالعلم كم أرسى بناءاً شاهقاً ... قد كان يوماً ساقطاً منسوفا والفضل للرحمن ثم معلم ... أجلى الظلام وبصَّر المكفوفا ذاك الذي بات الليالي ساهراً ... يعطيك زهر حياته مقطوفا

стр. 3550

المنتدى أصلي وفصلي أحمد بن مسفر بن معجب كثيرٌ من الأمم والقبائل والشعوب تفتخرُ بأنسابها وأحسابها وتتباهى بأجذامها، ويعدُّون ذلك شرفاً لرفعتهم وفخراً سمَا بهم. ولا ضير في أن يتعلم المسلمُ نَسَبَهُ ليكون عوناً له على صلة رحمه، وقد ثبت أنَّ رسول الله ﷺ قال: «تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإنَّ صِلة الرحم محبةٌ في الأهل، مثراةٌ في المال، منسأةٌ في الأثر» [١] . فالأصل واحد، والنفوس متشابهة: النَّاس من جهة التمثيل أكفاءُ ... أبوهمُ آدمُ والأمُّ حَواءُ نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مُشاكَلةٌ ... وأعظُمٌ خُلقت فيهم وأعضاءُ فإن يكن لهم من أصلهم حسبٌ ... يُفاخرون به فالطين والماءُ والمسلم الحصيف يستطيع أن يجعل من الأنساب مدرسةً يتعلم منها النافع: - يتعلم من نسبه ما يصلُ به رحمه كما في الحديث المتقدِّم. - يجعل من نسبه مجالاً للتعارف والتعاون امتثالاً لقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] (الحجرات: ١٣) . - يعلم عِلم اليقين أنَّ نسب العبد يوم القيامة عند الله لا يُساوي شيئاً: [وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ] (سبأ: ٣٧) فبلال وسلمان وصُهيب ﵃ أكرم عند الله من أبي جهل وأمية بن خلف وشيبة وربيعة! [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ] (المؤمنون: ١٠١) . «كل نَسبٍ وصِهرٍ ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» [٢] . روت عبدة بنت خالد بن مَعْدان الحمصي [٣] رحمه الله تعالى: «قلَّما كان خالد يأوي إلى فراش مقيله إلا وهو يذكر شَوقهُ إلى رسول الله ﷺ ، وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم يُسَمِّيهم ويقول: هم أصلي وفصلي، وإليهم يحنُّ قلبي، طال شوقي إليهم، فعجِّل رب قبضي إليك، حتى يغلبه النوم وهو في بعضِ ذلك» [٤] . هل يعي معلمو أبنائنا هذه المعاني فيغرسوا في نفوس النشء حب رسول الله ﷺ ، وحب صحابته ﵃ ويعملوا بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين؟ ورحم الله «ابن الوردي» القائل: لا تقُلْ أصلي وفصلي أبداً ... إنَّما أهلُ الفتى ما قد حَصَلْ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

стр. 3551

المنتدى أطروحة شريد علي بن حسن بن علي الرديني ناء عن الأنظار أقلقه السهر وبريق طلعته تضاءل في السحر ولمحت في عينيه أعماق الأسى وبراءة النظرات بالغة الأثر فتحركت فيه الحياة متمتماً ومردداً نفساً طويلاً واكفهر ويقول حزني في الوجود على السوا غاب السرور عن المحيا أو حضر أنا أشتكي جرحاً بليغاً في الحشا وجراح قلبي بات رسماً في النظر سالت جراحي والسهام تغلغلت نحو الفؤاد تريد أسرار المقر فطُعنتُ في لُبِّ الفؤاد بطعنة ما زال يتلوها الزمان على البشر أنا بالجراح أمد كل قريحة قامت تنادي أن خطباً قد حضر أنا بالجراح أصيح في قومي فلا صوت يرد ولا مجيب ينتظر أنا بالجراح أدور في قومي فلا صوت يرد سوى جريح يحتضر أنا بالجراح أدين ذئباً قد عدا أنا بالجراح أدق ناقوس الخطر أنا قد مللت الصمت يطبق مرعباً فلفرط وجدي صرت أَهْذِي: ما الخبر؟ ألأنني ناءٍ وبيتي قد هوى وديار أهلي قد تقاسمها الضرر؟ يا قومنا عذراً فإن سلب العدا مني الكلام فنبض قلبي ما استقر أنا بالحياة ونبض قلبي قد أرى أملاً بفجر لاح في خلدي ومر إن البلاء وإن تقادم في دمي ودهى بلادي لن يطول به المقر

стр. 3552

المنتدى ردود *الأخ: حمود أحمد الحمود: أرسل ملاحظة حول نشر مقال: الرد على الرفاعي، للشيخ صالح الفوزان. والمأخذ الذي يذكره أن المقال نشر في مطبوعة أخرى تحت عنوان آخر، ويقول: إن هذا مخالف لما هو متعارف عليه في قواعد النشر، ونشكر الأخ على هذه الملاحظة، ونفيده بأن المقال جاءنا من قِبَل الشيخ صالح الفوزان، ولم نعلم بنشره في مكان آخر، وجزاكم الله خيراً. *الأخ: عبد الباري أحمد العطار: مقالتك: «حول مفحص التاريخ» أجيزت للنشر؛ أما المقالة الأخرى فغير مجازة. *الإخوة والأخوات: محمد جلال، محمد مهاوش الظفيري، علي جبريل أمين، سلطان عبد الله الشهري، أسيد عبد الرحمن الأثيري، سالم الرزيق، أمل القصيمي: نشكر لكم تواصلكم الكريم مع المجلة، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر. * الإخوة والأخوات: جابر بن راشد الفهيد، عبد الحميد بن مسفر الغامدي، فهد علي العبودي، علي بن محمد الزنيدي، سعود الصاعدي، عبد الوهاب حسين الأمير، محمد العشري، خالد بن أحمد الشاجري، سهيلة بنت محمد: وصلتنا مشاركاتكم، وسوف تعدُّ للنشر في المنتدى بمشيئة الله تعالى. *الإخوة والأخوات: د. عبد المنعم علي السيد، عبد الله بن عواض الألمعي، جمعية دار الأرقم، عبد الله بن راضي المعيدي، عبد الله الحميدي، أبو عبد الله الرحابي، العنود بنت عبد الله، محمد الباشا، عبد الكريم عايد الشمري، حسن سالم عبد الله، عبد العزيز الصالح، منصور الزعيبي، طلال الراجح المالكي، عمر الرماش: سعدنا بتواصلكم الكريم ونتمنى دوام التواصل، مع تمنياتنا بالتوفيق في مرات قادمة.

стр. 3553

الورقة الأخيرة المطلوب: إسكات المرتزقة د. محمد البشر [*] الأمة تشقى أو تسعد بكُتَّابها.. والأقلام الناصحة التي تهتم بالقضايا لا الأشخاص لا تكتب لتقتات من مداد القلم.. بل إن الفكرة لتعتلج في صدر صاحبها حتى تخرج من بين أضلعه صادقة، ناصحة، ناضجة، سوية، تحمل رسالة وترمي إلى غاية، وعندئذ يكون صاحبها أبعد من أن يوصف بالمرتزق، أو المتسلق، أو السمسار الذي يمتطي صهوة القلم ليثير به نقع التبعية في مزاد الفكر والمساومة على القيم والمبادئ. وإن مما يشي ببوادر إفلاس النخب العربية وبخاصة في كتاباتها الصحفية اهتمامها بالكتابة عن «الذوات» وتهميشها لـ «القضايا» حباً في الحضور والتقرب والارتزاق، وطَفَتْ على صفحات الرأي وأعمدة الصحف «الكلمة المنافقة بكل تفسخها.. المداهنة المداجية.. المادحة الغاشة بكل عفنها، وأرغمت أقلامها على الولوغ في المداد القذر.. وجرت ألسنتها إلى الوقوع في» شرنقة المناسبات والتزلف والمدح المستدعي لحشو التراب «. فمن هؤلاء الكتبة من هو مرتزق بالأصالة، ومنهم المرتزق بالاحتراف، وأعلاهم مرتبة في هذا السياق الذميم من جمع بين السوأتين، أما الأول فسوأته جِبِلَّةٌ فُطِر عليها، وهم قلة ميئوس منهم، وأما الآخر فسواده الأكثر، وأثره الأخطر؛ ذلك أنهم يخادعون الأمة بهيئاتهم، أو بألقابهم، أو بمناصبهم، أو بغير ذلك أو بجميعه. ومكمن الداء عندما يرتفع صرير الأقلام وينتثر مدادها للكتابة عن» الذوات « في المجتمع أن تَغِيب أو تُغَيَّب الأولويات.. وتُهمَّش القضايا الجادة؛ إذ الصحافة ليست منبراً للسِّيَر الشخصية التي تأتي في غير سياقها الصحيح، أو بما ينعكس على قضية تهمُّ فئة أو شريحة في المجتمع. ومن شأن ذلك أيضاً أن يفقد الرأي العام ثقته ومصداقيته في مجهودٍ كان ينبغي أن يستثمر لبناء فكر، أو تشييد حضارة، أو تقويم واقع. ليس ذلك تعميماً يصدر على إطلاقه؛ فهناك الكثير من الأقلام الجادة والرصينة التي تشرق بالأمل وتبعث الطمأنينة، ولكننا لا نريد أن يتسلل إلى مجموعها من يخرم القاعدة أو ينحرف عن المسير. وإنما يقال ذلك ومثله معه ابتغاء الارتقاء بالمهنة، والمحافظة على التصور السليم للأشياء. إنها دعوة للقيِّمين على الصحف العربية وهي مرآة الأمة ألاَّ تدع أبوابها مُشْرَعة لتسوُّل النخب، وتوظيف أقلامها لبناء الذوات، أو المتاجرة بالفكر على حساب القضايا، فللصحافة رسالتها، وللتسول أبوابه.

стр. 3554

جمادى الأولى - ١٤٢١هـ أغسطس - ٢٠٠٠م (السنة: ١٥)

стр. 3555

كلمة صغيرة مفتي في الرئاسة ! تستحق واقعة تعيين مفتي الشيشان السابق أحمد قادروف في رئاسة الجمهورية الشيشانية أكثر من وقفة تأمل لاستخلاص العبر والدروس. فالرجل عيَّنه بوتين والكرملين بعد المذابح والخراب الذي أحدثوه بمسلمي الشيشان، فماذا ينتظر من ذلك الرئيس الجديد: هل سيسير سيرة أبي بكر وعمر ﵄ أم أنه سينفذ ما يفتي به بوتين ويشرعه الكرملين؟ ! ولماذا أُتي به رغم علمانية الدولة ونصرانية حكامها؟ لا شك أن أسياد الكرملين ما أتوا به إلا لأنه أصلح من يساعدهم على تنفيذ مخططاتهم في هذه البلاد، وهنا تظهر انتهازية العلمانيين بكل وضوح؛ فهم رغم فصلهم الحاد بين الدين والسياسة لا يمانعون في استغلال (رجال الدين) مطية لصالح هذه السياسة، وهو ما يحدث في بلاد أخرى كثيرة، فيكون الهدف هو أن يصبح الدين خادماً للسياسة مع رفضهم القاطع لعكس ذلك! وهم في هذه الخطوة يرومون إعطاء شرعية شعبية لما يقومون به بوضع واجهة دينية لسلطتهم في الشيشان، وأيضاً إحداث انقسام بين قطاعات الشعب الشيشاني الذي يرى أحد أصحاب العمائم متعاوناً مع الشيوعيين السابقين، وربما يصل الانقسام إلى فصائل المجاهدين أنفسهم، هكذا يأمل حكام موسكو. وإذا كان سماحة المفتي! لم ينتبه إلى الحكم الشرعي للدخول في ولاية الكفار والمساعدة على تثبيت حكمهم في بلاد المسلمين فإنه لم ينتبه أيضاً إلى أنهم سوف يلقون به ويأتون بآخر في أقرب فرصة بعدما يستنفد أغراضه ويرون أن المطية قد بليت وآن أوان التخلص منها، وحينها سيلقونه في مزبلة التاريخ. نسأل الله العافية!

стр. 3556

الافتتاحية حقيقة الولائم المنتنة وحرية الفكر المزعومة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإنه من الملاحظ في السنوات الأخيرة ظهور أعمال أدبية وبخاصة في فن الرواية والقصص قام مؤلفوها بتضمينها فكرهم المادي وتوجهاتهم الشعوبية في قوالب لا تخلو من المشاهد الإباحية، ويزيد الطين بلة أن يأتي هذا النسق الرديء في كثير من الأحيان محتوياً التهجم على الإسلام وقيمه وأخلاقياته ورموزه؛ فمن «آيات شيطانية» لسلمان رشدي إلى «مسافة في عقل رجل» لوحيد حامد، وأخيراً إلى «وليمة لأعشاب البحر» للمدعو حيدر حيدر، وقد أثارت هذه الروايات الساقطة ردود أفعال شديدة من الرأي العام المسلم تمثَّلَ في نقدها والدعوة لمصادرتها ... إلى غير ذلك مما جعل كُتَّابها محل سخط الشعوب المسلمة ومقتها. ولم يتخذ أي إجراء صارم حيال تلك التجاوزات بدعوى أنها أعمال إبداعية فنية؛ ولذلك توالت أمثال تلك الأعمال المسفة، بل تجرأ بعضهم على إعادة نشر روايات مصادرة رسمياً كما فعلت مجلة (القاهرة) من نشر فصول من رواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، وما قام به المشرف الثقافي لصحيفة الجمهورية اليمنية في تعز من نشر رواية (صنعاء مدينة مفتوحة) للروائي الشيوعي اليمني الهالك «محمد عبد الولي» والتي سماها أحدهم: «وليمة يمنية صغيرة» لمجيئها بعد تداعيات ومتابعات رواية حيدر حيدر [انظر: جريدة الحياة، الصادرة في ١٤/ ٣/١٤٢١هـ] . والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يدفع بعض الكتاب والقصاصين إلى مهاجمة الإسلام والسخرية من تعاليمه في أعمالهم الأدبية في دول إسلامية تدين بالإسلام، وتحتوي دساتيرها على معاقبة كل من يتهجم على دين الأمة؟ لا شك في أن دافعهم في استمرائهم هذا العبث هو عدم معاقبة من يقوم بمثله بما يستحقه، وكذلك ما استقرَّ في أذهانهم من أن الحرية للأديب مكفولة ليقول ما يقول؛ وهذه مقولة خاطئة وتصور منحرف للحرية؛ فالحرية ينبغي أن تمارس لكن ليس على حساب المبادئ والقيم؛ ولذا يلزم مصادرة حرية الأديب متى انحرف وضل ليبقى للمجتمع توازنه واستقامته؛ فانضباط الفرد ضمان لحريته وصون لكرامته، وهذا ليس مصادرة للحرية بقدر ما هو تهذيب للحرية وتسديد لطريقها [١] . لكننا نفاجأ أن هذه الدساتير والقائمين عليها يقفون بغير مبالاة أمام هذه الأعمال ويصمتون صمت القبور حيال تلك المخالفات بالدعوى ذاتها أن الحرية في هذه الدساتير مكفولة للجميع؛ بينما لو تجرأ كاتب أو قاصٌّ سواء في مقالة أو قصة أو رواية بالإساءة للنظام القائم والحط منه أو حتى الإساءة لحكومة صديقة للنظام حينها يستيقظون من نومهم ويعلنون الطوارئ، وتصدر الأحكام بالإيقاف والسجن والمساءلة والمصادرة لتجاوز نظام المطبوعات! ! فهل أصبح الإسلام وتعاليمه وقيمه وحريته في مرتبة دنيا حينما يُمَسُّ، ويصبح للنظام الموضوع وواضعيه مكانة يجب ألا تمس؟ فأين الثرى من الثريا؟! بل أين الغيرة لله ولدينه ولرسوله وللمؤمنين؟ وأين الغضب لله الذي هو عنوان الإيمان حينما يساء للإسلام وقيمه ورموزه في مثل تلك الأعمال المشبوهة؟ إن الإعلام العربي في جل الدول العربية علماني الاتجاه يسوسه نفر من متطرفي العلمانية الذين يذهبون مذهب الآداب الأجنبية شرقية أو غربية، ويسير على إثرهم المستغربون من العلمانيين والشعوبيين الذين يتبنون الدعوة لتحرير الأدب من الطابع الأخلاقي ودفعه إلى تصوير الغرائز والأهواء باسم حرية الأدب المعروفة بـ (الفن للفن) ، والتي أنشأت صراعاً مريراً بين الدين والفن؛ ومردُّ ذلك اعتبارهم الفنَّ نوعاً من التعبير مقطوع الصلة بكاتبه؛ فلا عبرة لديهم بالموضوع في حد ذاته وإنما العبرة بتقنيات التعبير؛ فالأدب عندهم لا حَجْرَ عليه من تصوير ما يشاؤون من المشاعر والأحاسيس ولو خرج في ذلك على الدين والقيم والأخلاق. ومن هنا فلا عجب أن يتجرأ هؤلاء الكتاب والقصاصون ويتمادوا في انحرافاتهم وزيفهم، والنقاد العلمانيون يحوطونهم من ورائهم، يمجدون أعمالهم ويثنون عليها بدعوى أنها قمة الإبداع الفني والفكري، وأن من يرفضها إنما هم متخلفون وظلاميون. ومن أشهر النقاد في هذا الباب المدعو (جابر عصفور) وهو أحد متطرفي العلمانية العربية وأحد منظِّريها الذين يشنون الحملات الكاذبة والظالمة على التيارات الإسلامية مدَّعين أن ما يكتبه العلمانيون ما هو إلا تنوير وإبداع لا يصح بحال محاكمته أو تحريمه أو مصادرته. والأعجب أن يكون هناك تلاميذ لـ (جابر عصفور) ومدرسته في الاحتفاء بتلك الأعمال المشبوهة مثل: «وليمة أعشاب البحر» فهذا كاتب يقول عن هذه الرواية بأنها: «عمل باسق، وكاتبها قلعة شامخة ومترسخة في فضاءات السرد العربية» . [انظر: جريدة البلاد، الصادرة في ٢٣/٢/١٤٢١هـ] . ويقول الآخر عمن هاجم تلك الرواية ناقداً لهم بأنهم: «يستندون في نقدهم لما هو منشور عنها في الصحف والمجلات والفضائيات بما في ذلك بيان الأزهر، وأن هذا مع أهميته لا يكفي للحكم على عمل أدبي» . [انظر: الرياض، الصادرة في ٩/٣/١٤٢١هـ] فإلى متى يدافَع عن هذا الإجرام بحق الإسلام بدعاوى تافهة ورديئة؟ ورواية حيدر حيدر كما يبدو تصوير لحال كاتبها؛ حيث سجل فيها جزءاً من إخفاقه السياسي بالعراق؛ ففي نهاية الخمسينيات نكب الشيوعيون بالعراق، وكان معهم؛ إذ كان مقيماً آنئذٍ في العراق؛ حيث تفرقوا شذر مذر في كثير من البلدان العربية، وكان نصيبه أن ذهب للجزائر، وكان يظن أنه سيكون شيئاً مذكوراً، لكنه أخفق، وهذا الإحباط جعله يصور نفسيته تلك والتي كان يسب ويشتم فيها المبادئ والقيم الإلهية بأسلوب إلحادي لا يستغرَب من منحرف عقدياً وفكرياً، والرواية بمضمونها أنموذج للأدب المنحرف والفكر الضال، والدفاع عنها أسلوب لتمجيد التيارات المعادية للإسلام يلزم فضحه وتعريته. لكن ما لم يقله النقد المهاجم لهذه الرواية أن كاتبها (حيدر حيدر) هو كاتب باطني والشيء من معدنه لا يستغرب. والغريب أن فيها لمزاً وسخرية من الأنظمة السياسية؛ فكيف يفوت ذلك على الرقيب الذي يبدو أن همه شيء آخر معروف للجميع، والأعجب في المسألة أن تغار الدول الكافرة على دينها وقيمها وأخلاقها وتصادر أي عمل أدبي يتضمن المس بشيء من تلك القيم كما حصل مؤخراً من مصادرة الصين الوثنية لرواية جنسية اعتبرتها المؤسسة الحاكمة تهديداً للأخلاقيات [انظر: القدس العربي، الصادر في ٩/٢/١٤٢١هـ] . وفي فرنسا صودرت رواية (بادية فرنسا) بسبب ما قيل فيها من عبارات مهينة لليهود ولمعاداتها للسامية [انظر: المدينة، العدد الصادر في ٤/٣/١٤٢١هـ، في مقالة (د. محمد خضر عريف) ] . فهل يكون الوثنيون والنصارى أكثر غيرة منا نحن المسلمين على القيم والأخلاق والمبادئ؟ ولماذا يترك للعلمانيين الغلاة والفرق الضالة الإساءة لديننا ونحن نتجاهل ذلك بدعاوى ساذجة ومزاعم متهالكة؟ ! إننا باسم الإسلام ندعو إلى إيقاف ذلك المد الإلحادي المتوالي المسيء لديننا وقيمنا والذي بلغ إلى حد ادعاء النبوة من بعض المهووسين أمثال (صلاح بريقع) ومهاجمة الإسلام بشكل جلي من بعض الشاذين فكرياً مثل المدعو (محسن صالح) بمصر، وندعو في الوقت نفسه إلى تطبيق شرع الله في أولئك المفترين؛ فقد حكم القرآن الكريم في أحد المنافقين المستهزئ بالصحابة حينما قال: «ما أرى قرَّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسِنة، وأجبننا عند اللقاء» ولما رُفِعَ ذلك للرسول ﷺ وكان قد ارتحل وركب ناقته، فقال هذا المنافق للرسول ﷺ كما جاء في القرآن الكريم: [إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ] (التوبة: ٦٥) فقال ﷺ : [قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ] (التوبة: ٦٥-٦٦) [انظر: تفسير ابن كثير للآيات] . ولذا أجمع علماء الإسلام قديماً وحديثاً أن من يفتري على الله ورسوله فهو مرتد قبل توبته كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) . هذا هو حكم الإسلام الذي إن أُعْمِلَ فلن يجرؤ بعده أي منحرف أو ملحد على المساس بآيات الله وشعائر الإسلام، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ! والله المستعان.

стр. 3557

دراسات في الشريعة والعقيدة الإجماع عند المفسرين العناية به ودواعيه وأسباب مخالفته لدى بعض المفسرين محمد بن عبد العزيز الخضيري الإجماع أصل من أصول الشريعة، وهو في الوقت ذاته ظاهرة واضحة في كتب التفسير اختلفت مشارب المفسرين حيالها اختلافاً بيِّناً تبعاً للاختلاف العقدي في كثير من الأحيان، أو تبعاً لمنهجية المفسر ودقته في تحرير المسائل وذكر الدلائل، وفي هذه المقالة ذكر لبعض جوانب هذا الأصل في كتب التفسير بعيداً عن الساحة المعتادة لدراسة الإجماع، وهي كتب الأصول أو الفقه، كما أن فيها تجلية لأهم دوافع الفِرَق الضالة في خرق إجماعات السلف، واستحداث إجماعات مخالفة لما كانت عليه القرون المفضلة في أبواب الاعتقاد والعمل. عناية المفسرين بالإجماع: عُني المفسرون بذكر المسائل المجمَع عليها في كل موطن استدعى ذكر الإجماع، أو أُثِرَ فيه إجماع، في شتى العلوم الإسلامية: عقيدةً، وفقهاً، وأصولاً، وتفسيراً، ولغةً، وتاريخاً. ويكاد ألاَّ يوجد هذا المقدار الكبير بهذا التنوع في كتب أيٍّ من الفنون الإسلامية، مما يؤهِّل كُتُبَ التفسير لأن تكون من أهم مصادر المسائل المجمع عليها في الشريعة، وما ذاك إلا لكون القرآن الكريم هو مدار جميع علوم الإسلام. ولشدة عناية المفسرين بالإجماع فإنهم قلَّ أن يطَّلعوا على إجماع في مصدر من المصادر التي يعتمدونها في تفاسيرهم إلا ويقوم المفسِّر بنقل ذلك الإجماع للاستدلال به؛ لعلمه بعظم هذا الأصل، وقوة حجيته. ومن أظهر الشواهد على ذلك: الإجماعات التي يحكيها ابن عطية ﵀ مما تجد معظمها قد نقلها القرطبي وأبو حيان رحمهما الله في تفسيريهما؛ لكونهما اعتمدا تفسير ابن عطية، وضمنا كتابيهما معظم ما فيه؛ لجلالته، وقوة نظر مؤلفه، وتحريره للأقوال. وابن عطية يعتمد غالباً فيما يحكيه من الإجماع والخلاف على تفسير الطبري، وقلَّ أن يخالفه في شيء من ذلك. وكذلك الشوكاني في تفسيره ينقل كثيراً من الإجماعات من تفسير القرطبي؛ لأنه اعتمد تفسير القرطبي، ولخصه في كتابه، وما يقال عن الشوكاني يقال عن صدِّيق حسن خان في تفسيره «فتح البيان» ؛ فإنه قد ضمنه خلاصة «فتح القدير» . وجملة من إجماعات الإمام الطبري قد اعتنى ابن كثير بنقلها في تفسيره. ولم تكن عنايةُ المفسرين مقصورةً على حكايته ونقله، بل عنوا أيضاً بمناقشته والاعتراض عليه من جهة، أو تأييده بالأدلة من جهة أخرى. فأما مناقشة الإجماع والاعتراض عليه فقد تكون إبطالاً بالكُلية، وقد تكون استدراكاً وتقويماً. فمن أمثلة الأول: وهو إبطالُه بالكلية: ١ - ما ذكره القرطبي: من أنه لا خلاف بين العلماء على أن المراد بالخليفة: آدم، في قوله تعالى: [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] (البقرة: ٣٠) ، وقد تعقبه ابن كثير بذكر الاختلاف في المراد، ورجح القول الآخر في المسألة. ٢ - ما ذكره ابن عطية من أن السلوى: طير بالإجماع. وقد تعقبه القرطبي والآلوسي وغيرهما بذكر القول الآخر في تفسير السلوى، وهو العسل. ومن أمثلة الثاني: وهو الاستدراك على الإجماع وتقويمه: ما حكاه الطبري من الاختلاف في المراد بحاضري المسجد الحرام، فقال محرراً موضوع النزاع: «اختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: [ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ] (البقرة: ١٩٦) ، بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم» فقد استدرك عليه ابن عطية ذلك، فقال: «واختلف الناس في [حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ] (البقرة: ١٩٦) بعد الإجماع على أهل مكة وما اتصل بها. وقال الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم، وليس كما قال..» ثم بيَّن الدلالة على ذلك. وقد تكون المناقشة في الإجماع على نحو مُغَاير لما تقدم؛ حيث يكون الاعتراض على مخالف الإجماع، وبيان سقوط قوله، ومجافاته للصواب. ومن أمثلة ذلك: ما حكاه المفسرون من الإجماع على أن القَسَم في قوله تعالى: [لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ] (الحجر: ٧٢) ، إنما هو بحياة محمد ﷺ ، وخالف الزمخشري ذلك مدعياً بأن القسم إنما هو بحياة لوط ﵊ فانبرى له ابن القيم والآلوسي بالرد والنقض. دواعي ذكر الإجماع عند المفسرين: لقد كان النصيبُ الأوفر من مسائل الإجماع الكثيرة المبثوثة في كتب التفسير لآيات الأحكام. أما الإجماع المتصل بتفسير القرآن الكريم فإن المفسرين لم ينصوا عليه في جميع موارده التي وقع فيها إجماع في القرآن الكريم، وسبب ذلك عائد في نظري إلى كثرتها إلى الحد الذي يصعب معه حصرها، ويضاف إلى ذلك: أن المرويات في التفسير كثيرة قد يعزُّ على المصنف في التفسير الإحاطة بها فضلاً عما دخل تلك المرويات من ضعف وقلة تمحيص، ولذلك فإنهم يكادون ألاَّ يذكروا الإجماع في تفسير لفظ، أو تحديد معنى معين إلا لسبب يدعوهم لذكره. ومن أهم تلك الدواعي والأسباب ما يلي: السبب الأول: وجودُ الاشتراك في المعنى: بحيث يرد في الآية لفظ مشترك بين معنيين فأكثر، وقد يتسع السياق لحمل المشترك على أيٍّ من معانيه، لكن يقوم دليل على قصر المشترك على أحد تلك المعاني، ويُجْمِع العلماء عليه. ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: [وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ] (البقرة: ٢٣١) ، فإن «البلوغ» لفظ مشترك يطلق في اللغة على المقاربة وعلى الانتهاء. وقد أجمع العلماء على حمل البلوغ هنا على المقاربة؛ لأنه إذا انتهى أجل المطلقة وانقضت عِدَّتُها فلا يَدَ لزوجها عليها؛ وقد دل لذلك أدلة كثيرة ليس هذا موضعَ بيانها. وهذا بخلاف معنى «البلوغ» في الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: [وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ] (البقرة: ٢٣٢) ، فإن معنى «البلوغ» هنا: هو الانتهاء، وذلك لكون المعنى يضطر إليه، والسياق يدل عليه، هذا فضلاً عن أدلة أخرى، من أهمها: سبب نزول الآية. السبب الثاني: تحريرُ محل النزاع في الآية: وهذا كثير عند المفسرين، وذلك أنهم حينما يذكرون الخلاف في تفسير لفظ أو في معنى يبدؤون أولاً بذكر ما أجمع المفسرون عليه تحريراً لمحل النزاع، وقد يكون ما ذكروه من الإجماع أمراً واضحاً لا إشكال فيه، لكن دعا إلى ذكره بيانُ المحلِّ المتنازع فيه. ومن أكثر المفسرين ذكراً للإجماع لهذا السبب الإمامان: الطبري، وابن عطية رحمهما الله. ومن أمثلة ذلك: ١ - قوله تعالى: [وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] (البقرة: ٥٣) ، فقد أجمع المفسرون على أن المراد بـ «الكتاب» : هو التوراة، وهذا إجماع لا يُشك فيه، بل ولا يُحتاجُ لذكره لبداهته لولا أن الذي دعاهم لذكره هو الاختلاف الواقع في المراد بالفرقان، حيث اختلف المفسرون فيها على خمسة أقوال. السبب الثالث: الرد على المخالفين: فقد كثرت دعاوى الفرق المنحرفة في الاحتجاج على بدعهم وضلالاتهم بالقرآن الكريم، فانبرى العلماء لرد احتجاجهم بسقوط تلك الدعاوى، وبيان أن تفسيرهم للآيات على الوجه الذي ذكروه مخالف لإجماع السلف الذين هم أدرى بالتنزيل، وأعرف بلغة العرب، وأبعد عن الأهواء، وأسلم من الزيغ، وإجماعهم سابق على وجود من بعدهم، سواء قيل: إنهم أجمعوا على قول معين، أو قيل: إنهم اختلفوا على قولين أو أكثر، وخلافهم عليها إجماع منهم على عدم الزيادة عليها، كما تقدم تقريره. ومن أمثلة ذلك: ١ - قوله تعالى: [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ] (الحجر: ٩٩) حيث حكى العلماءُ الإجماعَ على أن المراد باليقين: الموت. رداً على غلاة الصوفية الذين زعموا أن اليقين منزلةٌ من بلغها سقطت عنه العبادة. وهذا أحد الأسباب التي تستدعي حكاية الإجماع في كل زمن بحسبه؛ بحيث يقوم العلماء برد مقالة كل ضال متقوِّل في القرآن برأيه أو هواه، مُفسِّر له على غير تنزيله وتأويله الذي أطبق عليه السلف، مبينين مجافاة ذلك القول لإجماع السلف. السبب الرابع: ذكر الإجماع على تفسير آية للاحتجاج به في ترجيح قول على قول في تفسير آية أخرى. وذلك عندما يذكر المفسرون الخلاف في تفسير آية، فإنهم يستعينون في الترجيح بين الأقوال على جملة من المرجحات، ومن أهمها: ورود إجماع في آية لها علاقة بالآية المختلف فيها، وأكثر المفسرين استعمالاً لهذا الإمام الطبري ﵀. ومن أمثلة ذلك: ١ - لما ذكر ﵀ الخلافَ بين المفسرين في اليوم الذي عنى الله تعالى بقوله: [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] (آل عمران: ١٢١) ، فقيل: المراد به غزوة أحد، وقيل: بل عنى يومَ الأحزاب، وقيل: بل عنى يومَ بدر. ثم رجح الطبريُّ أن المعنيَّ بها يوم أحد، وقال معللاً ترجيحه لهذا القول بأن «الله يقول في الآية التي بعدها: [إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا] (آل عمران: ١٢٢) ، ولا خلاف بين أهل التأويل: أنه عُني بالطائفتين بنو سَلِمة وبنو الحارثة، ولا خلاف بين أهل السِّيَر والمعرفة بمغازي رسول الله ﷺ أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أُحُدٍ دون يوم الأحزاب» علماً بأنه لم يذكر الإجماع على ذلك عندما فسر قوله: [إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا] (آل عمران: ١٢٢) . ولأجل هذا السبب غالباً ما تجد الإجماع في تفسير الآية في غير مظنته، مما يعني ضرورةَ جمعِ ما حكى المفسرون الإجماع عليه في تفاسيرهم، ليوضع في مَظِنته، تسهيلاً لمراجعته. السبب الخامس: دفع توهم معنى فاسد: اعتنى المفسرون ﵏ في تفسيرهم للقرآن بدفع ما يتوهم من المعاني الباطلة التي قد تقع في أذهان بعض الناس لسبب من الأسباب، وقد يحكون الإجماع في تفسير الآية؛ لأجل دفع ذلك الوهم الفاسد. ومن أمثلة ذلك: ١ - ما ذكره المفسرون عند قوله تعالى: [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ] (البقرة: ٣٤) ؛ حيث ذكروا أن السجود لآدم لا يراد به سجودُ التعبد إجماعاً، قال الرازي: «أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجودَ عبادة» . ٢ - ما ذكره ابن عطية من إجماع المفسرين على أن السجود الواردَ في قوله تعالى: [وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً] (يوسف: ١٠٠) ، كان سجودَ تحيةٍ لا عبادة. السبب السادس: مخالفة تأويل الآية للظاهر أو الغالب في الاستعمال: ومن أمثلة ذلك: ١ - ما ذكره المفسرون من الإجماع على أن المراد بقوله تعالى: [فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ] (البقرة: ٥٤) ، هو الأمر بأن يقتلَ بعضهم بعضاً؛ وذلك لأن ظاهر الأمر في الآية دالٌّ على أن كل واحد يقتل نفسه بيده؛ بيد أن المراد هو أن يقتل بعضهم بعضاً، لكنه نُزِّل منزلة النفس، لبيان شدة الاتصال وكمال القرب. ونظير هذه الآية قوله تعالى: [وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] (النساء: ٢٩) ، وقوله جل ذكره: [وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ] (الحجرات: ١١) . السبب السابع: ألا يرد في ألفاظ الآية ما يدل على المراد بها صراحة، مما لا يتم معناها إلا به، فيحتاج المفسر إلى التصريح بالإجماع على ذلك المراد لقطع احتمال غيره. ومن أمثلته: ما حكاه المفسرون من الإجماع على أن القيام المذكور في قوله تعالى: [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ] (البقرة: ٢٧٥) ، إنما هو في يوم القيامة. وقريب منه: أن يذكر الإجماع على إلحاق ما لم يذكر في الآية لقوة الصلة، وانعدام الفرق بين المذكور والمحذوف. ومن أمثلته: ١ - ما حكاه المفسرون من الإجماع على أن شَحْمَ الخِنزير داخل في عموم تحريم لحمه المذكور في قوله تعالى: [إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ] (البقرة: ١٧٣) . اختلاف التنوع والإجماع: أكثر الخلاف الوارد في التفسير بين مفسري السلف هو من باب اختلاف التنوع. وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أحسن تقرير فقال: «الخلافُ بين السلف في التفسير قليلٌ، وخلافهم في الأحكام أكثرُ من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف: يرجع إلى اختلاف تنوع، لا إلى اختلاف تضاد» [١] . وقال الشاطبي ﵀: «من الخلاف ما لا يعتد به في الخلاف، وهو ضربان: أحدهما: ما كان من الأقوال خطأً مخالفاً لمقطوع به في الشريعة، وقد تقدم التنبيه عليه. والثاني: ما كان ظاهره الخلاف، وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالاً مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة [٢] كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصحُّ نقلُ الخلافِ فيها عنه، وهكذا يتفق في شرح السنة، وكذلك في فتاوى الأئمة وكلامهم في مسائل العلم، وهذا الموضع مما يجب تحقيقه؛ فإنَّ نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ، كما أن نقل الوِفاق في موضع الخلافِ لا يصح» [٣] . إذا تقرر هذا فإن الحديث عن أثر اختلاف التنوع على الإجماع يدعو إلى معرفة أقسام اختلاف التنوع بين المفسرين [٤] ، وهي على النحو الآتي: الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، وهذا لا تأثير له في تفسير الآية. ومن أمثلته: ما ذكره المفسرون من الاختلاف في تفسير كلمة «قضى» من قوله تعالى: [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ] (الإسراء: ٢٣) ، فقال ابن عباس: [وَقَضَى] (الإسراء: ٢٣) : أمر. وقال مجاهد: [وَقَضَى] (الإسراء: ٢٣) : وصَّى. وفسَّرها الربيع بن أنس بـ «أوجب» . وهذه التفسيرات معناها واحد أو متقارب، فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية. الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما، فتُحْمَل الآية عليهما وتفسر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذُكِرَ على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع، وهذا يشمل نوعين: أوّلهما: ما عبَّر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «أن يعبر كلُّ واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمَّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى» [٥] كتفسيرهم: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] (الفاتحة: ٦) ، بالقرآن، وبالإسلام، وبالسنة والجماعة. ثانيهما: أن يذكر كل واحد منهم من الاسم بعض أنواعه على سبيل المثال؛ كتفسيرهم: [ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ] (فاطر: ٣٢) [٦] . بالذي يؤخِّر العصرَ إلى الاصفرار، أو بآكل الربا، أو مانع الزكاة، و [مُّقْتَصِدٌ] (فاطر: ٣٢) : بالذي يُصلِّي في أثناء الوقت، أو الذي يؤتي الزكاة المفروضة، ولا يأكل الربا، و [سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ] (فاطر: ٣٢) : بالذي يصلي في أول الوقت، أو بالمُحسن بأداء الواجبات مع المستحبات، وبالمتصدق مع إخراجه الزكاة [٧] . وبناءاً على هذا التقسيم يمكن الإجابة عن أثر اختلاف التنوع في الإجماع بأن يقال: أما القسم الأول: فإنه لا أثر للاختلاف فيه على حكاية الإجماع؛ لأن اختلاف الألفاظ في التعبير عن المعنى المراد أمرٌ معهود، بل لا يكاد يُسْلَم منه، وإذا كان المقصود من التفسير هو الوصول إلى المعنى فإن اختلاف اللفظ في التعبير عنه لا يضرُّ قطعاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن الأقوال الموجودة عنهم (أي السلف) ويجعلها بعض الناس اختلافاً أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة؛ فإن الترادف في اللغة قليل. وأما في ألفاظ القرآن فإما نادرٌ وإما معدومٌ، وقَلَّ أن يعبروا عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن» [٨] . ومن أمثلة ذلك: ما ذكره ابن عطية في قوله تعالى: [وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً] (المائدة: ١٢) ؛ حيث حكى الإجماع على أن النقيب «هو كبيرُ القوم القائم بأمورهم التي ينقِّب عنها وعن مصالحهم فيها» . وقد فسره الحسن بأنه: الضمين، وفسره قتاده بأنه: الشاهد، وفسره الربيع بن أنس بأنه: الأمين، قال ابن عطية بعد ذكر هذه الأقوال: «وهذا كله قريب بعضه من بعض» ، وقال ابن الجوزي: «وهذه الأقوال تتقارب» . أما القسم الثاني بنوعيه: فإن الخلاف أيضاً لا يؤثر على حكاية الإجماع؛ لأن الأقوال متفقة على المعنى، فإذا حُكيَ الإجماع على نحو تجتمع فيه الأقوال، وليس فيه إلغاءٌ لأحدها، فإن الإجماع صحيح، ولا يُنتَقض أو يُعترض عليه بمثل هذا الاختلاف. قال ابن جُزي ﵀ مبيناً أقسام اختلاف التنوع: الأول: اختلاف في العبارة مع اتفاق في المعنى، فهذا عَدَّهُ كثير من المؤلفين خلافاً، وليس في الحقيقة بخلاف لاتفاق معناه، وجعلناه نحن قولاً واحداً، وعبرنا عنه بأحد عبارات المتقدمين، أو بما يقرب منها، أو بما يجمع معانيها. الثاني: اختلاف في التمثيل، لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحد، وليس مثال منها على خصوصه هو المراد، وإنما المراد المعنى العام الذي تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه؛ فهذا عدَّه كثير من المؤلفين خلافاً، وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأن كل قول منها مثال، وليس بكل المراد، ولم نعده نحن خلافاً؛ بل عبرنا عنه بعبارة عامة تدخل تلك تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود « [٩] . ومن الشواهد على ذلك الخلاف: ما ذكره المفسرون في تفسير (المحروم) في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ] (المعارج: ٢٤-٢٥) ، قال ابن عطية:» واختلف الناس في (المحروم) اختلافاً هو عندي تخليط من المتأخرين؛ إذ المعنى واحد، وإنما عبر علماء السلف في تلك العبارات على جهة المَثُلات، فجعلها المتأخرون أقوالاً «وذكر جملة من أقوالهم ثم قال: » والمعنى الجامع لهذه الأقوال: أنه الذي لا مال له، لحرمان أصحابه « [١٠] . هذا إذا حُكي الإجماع على قول يجمع بين الأقوال، أما إذا حُكِي الإجماع على أحد تلك الأقوال، فإن حكايته على هذا النحو قد تكون إلغاءاً للأقوال الأخرى؛ لذا فإنه يُستفصلُ عند حكاية الإجماع: هل المراد به أن يكون القول الذي حُكِيَ الإجماعُ عليه هو أحدُ ما يراد بالآية وتفسر به، أو هو المراد وحده مع نَفْي ما عداه؟ فإن كان الثاني فإن حكاية الإجماع لا تصح؛ لوجود الخلاف، وإن كان الأول فلا يقال بأنه صحيح بإطلاقٍ لوجود الاحتمال، وإن كان الغالب الصحة. ومن أمثلته: ما ذكره الماوردي في تفسير (الحق) من قوله تعالى: [بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ] (ق: ٥) ؛ حيث ذكر أن المراد به:» القرآن في قول الجميع «، وقد وَرَدَ عن المفسرين في الآية ستة أقوال أخرى، فقيل: الإسلام، وقيل: محمد ﷺ ، وقيل: البعث، وقيل: هو ضد الباطل، وقيل غير ذلك. وعليه فقولُ الماوردي:» إنه القرآن في قول الجميع «، إن كان مرادُه أن الجميع لا يقولون إلا بهذا، فهذا لا يُسَلَّمُ له، وإن كان مراده أن التكذيب بأيِّ واحد من هذه الأمور المذكورة فسيؤول إلى التكذيب بالقرآن، أو كان مراده أن التكذيب بالقرآن يعني التكذيب بها؛ لأنه جامع لجميع هذه الأمور، فهذا صحيح لا شك فيه. الأسباب التي توقع المفسر في مخالفة الإجماع: أكثرُ من رأيتُهُ ينقل خلافَ المأثور عن سلف الأمة هم متأخرو المفسرين، وخصوصاً أهلَ البدع في العقائد منهم كالمعتزلة وسائِر فرق المبتدعة؛ ولذلك أسباب عدة أكتفي بالإشارة إلى أهمها: الأول: ضعفُ عنايتهم بآثار السلف وإجماعِهم وخلافِهم، وعدمُ التمييز بين صحيح الروايات الواردة عنهم وضعيفها، فإذا نقلوا فإنهم يروون الغرائب والضعاف والمناكير التي لا توجد في الكتب المعتمدة من كتب التفسير بالمأثور، والتي تُعْنَى بنقل أقوال السلف، وتحرير ألفاظهم وعباراتهم. قال ابن الحاجب: » وكانوا يعني المعتزلة من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين « [١١] ؛ ولذلك تراهم ينقلون الخلاف فيما أجمع عليه السلف، وينقلون الإجماع فيما اختلفوا فيه، وقد يكون للسلف في تفسير الآية قولان، وهذا كما تقدم إجماع منهم على عدم جواز الزيادة، فيأتي هؤلاء بأقوال أخرى، فيخرقون الإجماع. ولشيخ الإسلام تحريرٌ بالغُ الأهمية لهذه القضية؛ حيث قرر أن معرفة أقوال السلف وأعمالِهم، خيرٌ وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم، فقال: » ومعرفةُ إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين، خيرٌ وأنفعُ من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلبُ الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قولٍ من أقوالهم حتى يعرفَ دلالة الكتاب والسنة على خلافه « [١٢] . » وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتَهم وسلوكَ سبيلهم، ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم، بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك، من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف، فهؤلاء تجد عُمدتَهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع، وهم لا يعرفون في ذلك أقوالَ السلف البتة، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها؛ فتارة يحلُّون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين ... وتارة عرفوا بعض أقوال السلف يحكون إجماعاً ونزاعاً ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك البتة، بل قد يكون قول السلف خارجاً عن أقوالهم، وهم إذا ذكروا إجماعَ المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الإجماع؛ فإنه لو أمكن العلم بإجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به؛ لعدم علمهم بأقوال السلف؛ فكيف إذا كان المسلمون يتعذر القطع بإجماعهم في مسائل النزاع، بخلاف السلف؛ فإنه يمكن العلم بإجماعهم كثيراً « [١٣] . الثاني: كونُهم يعتقدون أشياءَ باطلة ثم يحملون القرآن عليها، ولو كان مخالفاً لما أجمع عليه السلف، فيقعون في المخالفة اتباعاً لبدعتهم، وتحكيماً لهواهم. يقول الشاطبي:» وكثيراً ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحمِّلونهما مذاهبهم، ويُغَبِّرون بمشتبهاتهما على العامة، ويظنون أنهم على شيء؛ فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به؛ فهو أحرى بالصواب، وأَقْوَمُ في العلم ... والعمل « [١٤] . الثالث: تفسير القرآن بمجرد اللغة، من غير نظر إلى المتكلِّم بالقرآن، والمُنَزَّلِ عليه، والمخاطَب به. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذين السببين أعنى الثاني والثالث هما أكثرُ ما يُوقع من يفسر بالرأي والنظر في الخطأ في تفسير كتاب الله؛ لأن الأوَّلِين راعَوُا المعنى الذي رأوه، من غير نظرٍ إلى ما تستحق ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرين راعَوا مجرد اللفظ، وما يجوز أن يُراد به في لسان العرب، دون أن ينظروا إلى ما يصلح للمتكلم به، ولسياق الكلام [١٥] . ثم بين ﵀ أن الأوَّلين تارة يسلبون لفظَ القرآن ما دلَّ عليه وأُريد به، وتارةً يَحْمِلونه على ما لم يدلَّ عليه ولم يُرَد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيَه أو إثباته من المعنى باطلاً؛ فيكون خطؤُهم في الدليل والمدلول؛ وذلك مثلُ كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء وغيرهم، ممن يفسرون القرآن بمعان صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها [١٦] . قال ﵀:» فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهباً يخالف الحقَّ الذي عليه الأمةُ الوسَط الذين لا يجتمعون على ضلالةٍ كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم، ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يُخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلمَ عن مواضعه. ومن هؤلاء فرقُ الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمُرجئة، وغيرهم. وهذا كالمعتزلة مثلاً فإنهم من أعظم الناس كلاماً وجدالاً، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم « [١٧] . ثم قال:» والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظَ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، لا في رأيهم ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: - تارة من العلم بفساد قولهم. - وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن، إما دليلاً على قولهم، أو جواباً على المعارض لهم. ومن هؤلاء من يكون حَسَن العبارة فصيحاً، ويدسُّ البِدَعَ في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يَرُوج على خَلْق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله. وقد رأيت من العلماء المفسرين من يذكر في كتابه من تفسيرهم ما يوافق أصولَهم التي يَعْلَم أو يعتقد فسادها، ولا يهتدي لذلك، ثم إنه لسبب تطرُّف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغُ من ذلك، وتفاقَمَ الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة؛ فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالِمُ منها عجَبَه « [١٨] . والحاصل: أن من أعظم أسباب وقوع الاختلاف: البدع المضلة» التي دَعَتْ أهلها إلى أن حرَّفوا الكَلِمَ عن مواضعه، وفسَّروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أُريد به، وتأوَّلُوه على غير تأويله؛ فمن أصول العلم بذلك: أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه، وأنه الحق، وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم، وأن يعرفَ أن تفسيرهم محدَثٌ مبتدَع، ثم أن يعرف بالطرق المُفصَّلة فسادَ تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق « [١٩] . وإذا كان منشأُ الخلافِ هو البدعَ المضلَّة، واتباع الأهواء فإنه لا اعتداد بمخالفة من خالف لهذه العلة، قال الخبَّازي:» ولا يعتبرُ (أي في الإجماع) مخالفة أهل الأهواء فيما نسبوا به إلى الهوى « [٢٠] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:» فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قولٌ، وجاء قوم فسَّرُوا الآية بقولٍ آخرَ لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهبُ ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. وفي الجملة: من عدلَ عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئاً في ذلك، بل مبتدعاً، وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه « [٢١] ، بل قال أيضاً:» من فسَّر القرآن أو الحديث أو تأوَّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مُفترٍ على الله، مُلْحدٌ في آيات الله، محرفٌ للكلم عن مواضعه، وهذا فتحٌ لبابِ الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام « [٢٢] . وقد أحسن الشاطبي ﵀ حين بيَّن سبب عدم الاعتداد بأقوال أهل الأهواء، فقال:» إذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حِرصاً على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف، وأدَّى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق. وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم يُنْتج إلا ما فيه اتباع الهوى، وذلك مخالفة الشرع، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء؛ فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلالٌ في الشرع؛ ولذلك سميت البدعُ ضلالات، وجاء أن «كل بدعة ضلالة» [٢٣] ؛ لأن صاحبها مخطئٌ من حيث توهم أنه مصيبٌ. ودخولُ الأهواء في الأعمال خفي؛ فأقوالُ أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع، فلا خلاف حينئذٍ في مسائل الشرع من هذه الجهة « [٢٤] . فإن قيل: إن العلماء قد اعتدُّوا بخلافهم ونقلوا أقوالهم؛ فكيف يقال: إنه لا اعتداد بخلافهم؟ وقد أجابَ عن هذا السؤال الإمام الشاطبي من جهتين: أولاً: أنَّا لا نسلِّم أنهم اعتدُّوا بها، بل أتوا بها ليردوها، ويبينوا فسادها، كما أتوا بأقوال اليهود والنصارى وغيرهم ليوضحوا ما فيها. ثانياً: إذا سُلِّم اعتدادُهم بها فمن جهة أنهم غير متبعين للهوى بإطلاق، وإنما المتبعُ للهوى بإطلاق من لم يصدِّق بالشريعة رأساً، أما من صدَّق بالشرع فإنه متبع للشرع في الجملة، لكن إذا زاحم هواه الشرعَ قدم الهوى، فأصبح بذلك مشاركاً لأهل الهوى في دخول الهوى نحلته، وشارك أهلَ الحق في أنه لا يقبل إلا ما عليه دليل على الجملة؛ ولذلك حُكِيت أقوالهم، واعْتُدَّ بتسطيرها، والنظر فيها» [٢٥] . ثم قال: «وفي الحقيقة، فمن جهة ما اتفقوا فيه مع أهل الحق حَصَل التآلف، ومن جهة ما اختلفوا حصلت الفرقة، وإذا كان كذلك فجهة الائتلاف لا خلاف فيها في الحقيقة؛ لصحتها واتحاد حكمها، وجهةُ الاختلاف فهم مخطئون فيها قطعاً، فصارت أقوالُهم زلاتٍ، لا اعتبار بها في الخلاف» [٢٦] . ويضاف إلى هذه الأسباب جملة أخرى من الأسباب التي يقع بعض المفسرين لأجلها في خرق الإجماع أذكرها متمماً لما سبق على سبيل الإيجاز. الرابع: الاعتداد بالقول الشاذ: أو بما يُسَمَّى: «زلة العالم» ، حيث يذكر بعض المفسرين الخلاف في مسألة قد وقع فيها إجماع سابق، بناءاً على اعتبار قول لا يعتد به لشذوذه. وقد قرر الإمام الشاطبي: «أن زلة العالم لا يصحُّ اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليداً له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع؛ ولذلك عُدَّت زَلّة، وإلا فلو كانت معتداً بها لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزللُ فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبُها إلى التقصير، ولا يشنَّعَ عليه بها، ولا يُنتقَص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً؛ فإن هذا خلاف ما تقتضي رتبته في الدين» [٢٧] . ثم بيَّن ﵀: «أنه لا يصح اعتمادُها خلافاً في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلاً، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يُعدُّ في الخلاف الأقوالُ الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته [٢٨] فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتدَّ بها في الخلاف، كما لم يعتدَّ السلفُ الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة ... ، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها» [٢٩] . ونصَّ ﵀ على أن من الخلاف الذي لا يعتد به في الخلاف «ما كان من الأقوال خطأً مخالفاً لمقطوع به في الشريعة» [٣٠] . وقد تساءل ﵀ عن كيفية معرفة ما هو من الأقوال كذلك مما ليس كذلك؟ وأجاب: بأن هذا من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف؛ لأن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب، فمن الأقوال ما يكون خلافاً لدليل قطعي، من نص متواتر أو إجماع قطعي في حكم كلي، ومنها ما يكون خلافاً لدليل ظني، والأدلة الظنية متفاوتة. أما غير المجتهدين من المتفقهين فإن لمعرفة ما كان من الأقوال كذلك ضابطاً تقريبياً، وهو أن ما كان معدوداً من الأقوال غلطاً وزللاً قليلٌ جداً في الشريعة، وغالبُ الأمر أن أصحابها منفردون بها، وقلَّما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحبُ قولٍ عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين لا من المقلدين [٣١] . ومن أمثلة الأقوال الشاذة: ١ - قولُ نوفٍ البكالي في أن موسى الذي جرت له القصة مع الخضر والمذكورة في سورة الكهف ليس موسى بن عمران كليم الرحمن، بل هو موسى آخر، وقد رد ذلك عليه ابن عباس ﵄ وأغلظ في الرد عليه، فقال: «كذب عدو الله» ، ثم ساق الخبر عن رسول الله ﷺ بما يدل قطعاً على أن المراد به موسى بن عمران عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. قال ابن الجوزي عن قول نوفٍ هذا: «وليس بشيء» . وقال الشوكاني: «وهذا باطلٌ قد ردَّه السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم» . ٢ - ما روي عن الحسن وعطاء الخراساني أنهما قالا في تفسير قوله تعالى [اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ] (القمر: ١) : «إنه سينشق يوم القيامة» والمفسرون قاطبة مجمعون على أن المراد بالآية: انشقاقه معجزةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما طلب منه المشركون ذلك. قال ابن الجوزي عن المروي عن الحسن وعطاء: «هذا القولُ الشاذُّ لا يقاوم الإجماع» . الخامس: الاعتدادُ بقولٍ قد انعقد الإجماع قبل حدوثه: وهو قريب من الذي قبله ومن أمثلة ذلك: إجماعُ العلماء على حرمة الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وقد حكى بعضُ العلماء مخالفةَ بعض الظاهرية وبعض الرافضة. وهي مخالفة جاءت بعد انعقاد الإجماع، فلا عبرة بها. قال الرازي: «إن مخالف هذا الإجماع من أهل البدعة فلا عبرة بمخالفته» وقال الآلوسي: «وأقوى الأمرين المعتمد عليهما في الحَصْر: الإجماعُ، فإنه قد وقع، وانقضى عصر المجمعين قبل ظهور المخالف» . السادس: الاعتمادُ في نقل الخلاف على روايات ضعيفة لا تثبت عمن نسبت إليه. ومن أمثلة ذلك: ما روي عن ابن عباس من أنه كان يرى: أن الأم لا يحجبها من الثلث إلى السدس إلا ثلاثةٌ من الإخوة فأكثر؛ لأن الآية وردت بذكر «الإخوة» ، والاثنان ليسا بإخوة. وهذا ضعيف عن ابن عباس، وقد حكى جمع من العلماء: الإجماع على أن الاثنين من الإخوة يحجبان الأم من الثلث إلى السدس. ولا تصح المخالفة عن ابن عباس، والله أعلم. السابع: عدم فهم الخلاف الوارد عن السلف: إذ كثير من خلافهم كما تقدم شرحه من باب اختلاف التنوع، فيأتي من المتأخرين من يحمله على اختلاف التضاد فينقض الإجماع بذلك. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 3558

دراسات في الشريعة والعقيدة شبهات حول حجية السنة النبوية ومكانتها التشريعية والرد عليها د. عماد الشربيني إننا لو فتشنا عن المحاربين لسنة النبي ﷺ لوجدنا أنهم يتظاهرون بإجلال القرآن واحترامه، وأنه الحجة التي ليس وراءها حجة. فيقولون: علينا الاكتفاء بالقرآن الكريم فقط؛ فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو المصدر الأول للإسلام، وهو الذي سلم من التغيير والتبديل إلى آخر ما يقولونه تظاهراً بحبهم للإسلام، ودفاعاً عنه، وغيرة على ما في كتاب الله من شريعة وأحكام، غير أنهم لا يريدون مع ذلك أن يضبطوا أنفسهم وعقولهم بهذا الذي أمر القرآن الكريم بضبط أنفسنا وعقولنا به من اتباع سنة المصطفى ﷺ ، مصطنعين لأنفسهم ما يشاؤون من آيات القرآن الكريم يستدلون بها على الاكتفاء بالقرآن وحده، وعدم حجية السنة والحاجة إليها. وما استدلوا به من آيات قرآنية بنوا عليها شبهتين جعلوهما قاعدتين ينطلقون منهما تشكيكاً في حجية السنة المطهرة. الشبهة الأولى: شبهة الاكتفاء بالقرآن وعدم الحاجة إلى السنة النبوية. الشبهة الثانية: شبهة أن السنة لو كانت حجة لتكفَّل الله بحفظها. أما الشبهة الأولى: فاستدلوا لها من آيات القرآن الكريم بآيات عدة منها قوله تعالى: [مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ] (الأنعام: ٣٨) ، وقوله تعالى: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ] (النحل: ٨٩) ، وقوله تعالى: [أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً] (الأنعام: ١١٤) . واستدل بهذه الآيات وما في معناها عدد من أعداء السنة المطهرة المنكرين لحجيتها قديماً وحديثاً، الزاعمين أن القرآن في غنى عن السنة؛ لأن فيه بيان كل شيء وتفصيله. فقديماً على سبيل المثال لا الحصر كانت الطائفة التي ناظر الإمام الشافعي واحداً من أتباعها [١] . وحديثاً: أمثال الدكتور توفيق صدقي [٢] ، ومحمود أبو رية [٣] ، ومحمد نجيب [٤] ، ومصطفى كمال المهدوي [٥] ، وأحمد صبحي منصور [٦] ، وقاسم أحمد [٧] ، وجمال البنا [٨] ، ورشاد خليفة [٩] ، وإسماعيل منصور [١٠] ، وغيرهم. وللجواب عن هذه الشبهة نقول: رغم أن بعض هذه الآيات المراد فيها بالكتاب: اللوح المحفوظ الذي حوى كل شيء، واشتمل على جميع أحوال المخلوقات كبيرها وصغيرها، جليلها ودقيقها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، على التفصيل التام كما جاء في الحديث الصحيح من قوله ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» [١١] . ومن هذه الآيات قوله تعالى: [مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ] (الأنعام: ٣٨) والتي وردت عقب قوله تعالى: [وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم] (الأنعام: ٣٨) والمثلية في الآية ترشح أن المراد بالكتاب (اللوح المحفوظ) لأن القرآن الكريم لم ينظم للطير حياة كما نظمها للبشر، وإنما الذي حوى كل شيء للطير والبشر، هو اللوح المحفو [١٢] . وبعض هذه الآيات المراد من الكتاب (القرآن) ، وهَبُوا أن المراد بالكتاب في جميع هذه الآيات (القرآن الكريم) ولكننا نقول لكم: إن هذا العموم غير تام، بل هو مخصص بقول الله تعالى: [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (النحل: ٦٤) . ونقول لكم: نعم لم يفرط ربنا في كتابه في شيء من أمور الدين على سبيل الإجمال، ومن بين ما لم يفرط في بيانه وتفصيله إجمالاً بيان حجية السنة، ووجوب اتباعها والرجوع والتحاكم إليها؛ فالقرآن جامع دون تفريط كل القواعد الكبرى للشريعة التي تنظم للناس شؤون دينهم ودنياهم، والسنة النبوية هي المبينة لجزئياتها وتفاصيلها، وهي المنيرة للناس طريق الحياة، وتنسجم هذه الآية مع الآيات الأخرى التي تؤكد بالنص أهمية السنة تجاه ما في الكتاب من القواعد التي تحتاج إلى تخصيص أو تقييد أو توضيح أو تبيين.. . إلخ. ومن هنا فالقول بأن القرآن الكريم بيان لكل شيء قول صحيح في ذاته بالمعنى الإجمالي السابق، ولكن الفساد فيما بنوه عليه من الاستغناء عن السنة والاكتفاء بالقرآن ليؤوِّلوه حسب أهوائهم. وإلا فربُّ العزة هو القائل في سورة النحل نفسها، وقبل الآية التي استدلوا بها على عدم الحجية: [وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ] (النحل: ٣٨- ٣٩) . وقال تعالى: [بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] (النحل: ٤٤) . وقال تعالى: [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (النحل: ٦٤) . فتلك ثلاث آيات كريمات في سورة النحل نفسها هي سابقة لآية: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ] (النحل: ٨٩) . والثلاث آيات تسند صراحة مهمة البيان والتفصيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب السنة المطهرة؛ فهل يُعقَل بعد ذلك أن يسلب الله هذه المهمة البيان التي هي من مهام الرسل جميعاً كما قال : [وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] (إبراهيم: ٤) ويُوقِع التناقض بآية: [الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ] (النحل: ٨٩) . إن كل الرافضين لحجية السنة لا بد أن يلتزموا بهذه النتيجة التي تعود بالنقض على الإيمان بالكتاب، وبمن أنزل الكتاب ﷻ سواء أقروا بلسانهم بهذا النقض أم لا، وتنبهوا إلى ذلك أم لا! ! ومما هو جدير بالذكر أن بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم يتمسحون بإيمانهم بالسنة البيانية، ثم يصفون قيمة تلك السنة بقولهم: «إنها للاستئناس لا للاستدلال، وللبيان لا للإثبات مما يجعل الآخذين بها والرافضين لها أمام الشرع على حد سواء؛ فلا إلزام لأي طرف منهما على قبول رأي الآخر؛ فالآخذ بها فعله مقبول، والرافض لها فعله مقبول كذلك» [١٣] . أما الشبهة الثانية: «أن السنة لو كانت حجة لتكفل الله بحفظها» فاحتجوا لذلك بقوله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) وقالوا: لو كانت السنة حجة ووحياً مثل القرآن لتكفل الله بحفظها، كما تكفل بحفظ القرآن الكريم. وممن قال بتلك الشبهة الدكتور توفيق صدقي [١٤] ، وإسماعيل منصور [١٥] ، وأيدهما جمال البنا [١٦] وفرقة أهل القرآن بالهند وباكستان [١٧] ، والدكتور ... مصطفى محمود قائلاً: «القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تولى رب العالمين حفظه بنفسه من أي تحريف، وقال في محكم كتابه: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) ولم يقل لنا رب العالمين إنه حفظ لنا كتاب البخاري» [١٨] . ونقول رداً على ذلك: إن رب العزة قد تكفل بحفظ ما صح من حديث رسوله ﷺ ، ويدل على ذلك القرآن الكريم؛ فقد قال تعالى: [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ] (النحل: ٤٤) ، وقال تعالى: [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] (القيامة: ١٧-١٩) ، ففي الآيتين دليل على أن الله قد تكفل أيضاً بحفظ السنة؛ لأن حفظ المُبيَّن يستلزم حفظ البيان للترابط بينهما. والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنة يبين بها القرآن، لقوله تعالى: [ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] (القيامة: ١٩) أي بيان القرآن. والبيان كما يكون للنبي ﷺ يكون لأمته من بعده، وهو يكون للنبي ﷺ بالإيحاء به ليبلغه للناس، وهو المراد في الآية السابقة [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ] (النحل: ٤٤) فالسنة النبوية على هذا منزلة من عند الله (بوحي غير متلو) . وفي هذا رد على ما زعمه الدكتور إسماعيل منصور بأن البيان للذِّكر لم ينزل مع الذكر (القرآن) وإلا لكان النص على نحو: «وأنزلنا إليك الذكر وبيانه» [١٩] . ولو شغَّب مشاغب بأن هذا الخطاب: «علينا بيانه» متوجه إلى الله عز وجل فقط دون الأمة وإلا قال : «عليكم بيانه» لما أمكنه هذا الشغب في قوله تعالى: [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ] (القيامة: ١٧) . فمن الذي جمع القرآن الكريم؟ الله بذاته المقدسة، كما زعم الدكتور مصطفى محمود في مقالاته السابقة، أم قيض رب العزة لذلك رجالاً من خلقه، وعلى رأسهم من أنزل عليه ﷺ وصحابته الكرام فمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؟ ! وفي ذلك رد على ما زعمه الدكتور إسماعيل منصور بأن حفظ الرجال للسنة يجعلهم يتساوون مع الله في القدرة بحفظه كتابه فتستوي بذلك قدرة الله وقدرة المخلوقين « [٢٠] . إن في القرآن مجملاً كثيراً في العبادات من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، ومعاملات، وأخلاق.. إلخ وتولت السنة المطهرة بيان ذلك، فإذا كان بيانه عليه الصلاة والسلام لذلك المجمل غير محفوظ، ولا مضمون سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر شرائعه المفترضة علينا فيه، ولم ندرِ صحيح مراد الله تعالى منها، وما أخطأ فيه المخطئ، أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا. فعلم من ذلك أن حفظ السنة المطهرة من أسباب حفظ القرآن، وصيانتها صيانة له، ولقد حفظها الله تعالى كما حفظ القرآن فلم يذهب منها ولله الحمد شيء على الأمة، وإن لم يستوعبها كل فرد على حدة. ثالثاً: شبهة عرض السنة النبوية على القرآن الكريم: احتج خصوم السنة النبوية على عدم حجيتها بأحاديث من وضع الزنادقة، تدور في نظرهم على وجوب عرض كل ما يروى من أحاديث على كتاب الله ومقارنتها به، فإن كانت توافق الكتاب فهي حجة يجب التمسك بها، والعمل بمقتضاها، وإن كانت تخالف الكتاب ولو مخالفة ظاهرية يمكن الجمع بينهما فهي باطلة مردودة لم يقلها النبي ﷺ ، وليست من سنته، ومن هذه الأحاديث التي يستشهدون بها:» إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني «. وبهذه الشبه قال الزنادقة قديماً كما حكاه الحافظ السيوطي [٢١] . وقال به بعض من سبق ذكرهم كالدكتور توفيق صدقي، وجمال البنا، ومحمد نجيب، وإسماعيل منصور، ومحمود أبو رية، وقاسم أحمد، وأحمد صبحي منصور، في كتبهم السابق ذكرها. يقول جمال البنا:» هناك أحاديث جاءت بما لم يأت به القرآن، نحن نحكم عليها في ضوء القرآن، فما لا يخالف القرآن يقبل، وما يخالفه يستبعد؛ فتحريم الجمع بين المرأة مع عمتها أو خالتها، وتحريم لحم الحمر الأهلية، أمور لا نرى مانعاً فيها، ونجد فيها قياساً سليماً « [٢٢] . الجواب: أولاً: الحديث الذي استشهدوا به على شبهتهم لا وزن له عند نقاد الحديث وصيارفته، وتكلم فيه العلماء كلاماً يستلزم أن يكون من أشد الموضوعات أو الضعيف المردود، ونختار من أقوالهم ما بيَّنه الإمام ابن عبد البر بقوله:» وقد أمر الله بطاعته واتباعه أمراً مطلقاً مجملاً لم يقيد بشيء، كما أمرنا باتباع كتاب الله، ولم يقل ما وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ، قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة وضعوا ذلك الحديث، وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم بصحيح النقل من سقيمه، وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم، وقالوا: نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء، ونعتمد على ذلك، قالوا: فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفاً لكتاب الله؛ لأننا لم نجد في كتاب الله ألاَّ يقبل حديث رسول الله ﷺ إلا ما وافق كتاب الله، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به، والأمر بطاعته، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال « [٢٣] . ومع أن أحاديث عرض السنة على القرآن الكريم لا وزن لها عند أهل العلم، إلا أن معناها صحيح، وعمل بها المحدِّثون في نقدهم للأحاديث متناً، فجعلوا من علامات وضع الحديث مخالفته لصريح القرآن الكريم، والسنة النبوية والعقل، إلا أنهم وضعوا لذلك قيداً وهو: استحالة إمكان الجمع. فإن أمكن الجمع بين ما ظاهره التعارض مع الكتاب أو السنة أو العقل جمعاً لا تعسف فيه يصار إلى الجمع والقول بهما معاً ولا تعارض حينئذ، وإن كان وجه الجمع ضعيفاً باتفاق النظار؛ فالجمع عندهم أوْلى» [٢٤] . وإعمال الأدلة أوْلى من إهمال بعضها، وإلا فلنتعرف على الناسخ والمنسوخ فنصير إلى الناسخ ونعمل به، ونترك المنسوخ ولا نعمل به، وإلا نرجح بأحد وجوه الترجيحات المفصلة في كتب الأصول، وعلوم الحديث، والعمل بالأرجح حينئذ واجب، وهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأساً، إما جهلاً به أو عناداً منهم كما قال الإمام الشاطبي [٢٥] . ولا أعلم نقلاً عن أحد من العلماء برفض الحديث بمجرد المخالفة الظاهرية مع القرآن الكريم مع إمكان الجمع، أو التأويل، أو الترجيح، حتى من نقل عنهم الأصوليون إنكار الترجيح وردوا عليهم إنكارهم، قالوا عند التعارض: يلزم التخيير أو الوقف، ومعلوم بأن التوقف أوْلى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحد الدليلين على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، وفوق كل ذي علم عليم «. مثال على ما سبق: حديث:» لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات: ثنتين في - ذات الله - الحديث « [٢٦] . قالوا هذا الحديث لا يصح؛ لأنه يتعارض مع ... قوله تعالى: [وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِياًّ] (مريم: ٤١) . وتناسوا بقية الحديث وما جاء فيه مؤكداً لكتاب الله وأنه لا تعارض ففي الحديث:» ثنتين «في الله: قوله: [فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ] (الصافات: ٨٩) وقوله تعالى: [بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا] (الأنبياء: ٦٣) وواحدة في شأن سارة وقوله:» أختي «. وجمع العلماء ووفقوا فقالوا: ليس المراد بالكذب هنا حقيقته، وإنما هو من باب المعاريض، وكان ذلك من إبراهيم ﵇ على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ. وعلى كل الأحوال فالحديث هنا لم يعارض القرآن بل جاء مؤكداً لما جاء في القرآن، وإلا فليبينوا لنا هم حقيقة هذا التعارض؟ ! ! رابعاً: شبهة أن الوضع وكثرة الوضاعين للحديث أضعفت الثقة بالسنة الشريفة: واستدل بتلك الشبهة من استدل بالشبهة السابقة، ونزيد عليهم هنا السيد صالح أبو بكر [٢٧] ، وحسين أحمد أمين [٢٨] ، وأحمد أمين [٢٩] وعبد الله النعيم [٣٠] ، وسعيد العشماوي [٣١] ، وصالح الورداني [٣٢] ، والمستشار عبد الجواد ياسين [٣٣] ، ونصر أبو زيد [٣٤] ، وزكريا عباس داود [٣٥] ، وحولة نهر [٣٦] ، وموريس بوكاي [٣٧] ، ومرتضى العسكري [٣٨] ، والدكتور مصطفى محمود في مقالاته عن الشفاعة المشار إليها سابقاً. والجواب: نقول: صحيح أنه كان هناك وضاعون وكذابون لفَّقوا أقوالاً، ونسبوها إلى رسول الله ﷺ ، ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة التي تخيلها أصحاب هذه الشبهة، وأثاروا بها الوساوس في النفوس، وقد جهلوا أو تجاهلوا الحقائق التي سادت الحياة الإسلامية فيما يتعلق بالسنة النبوية، فقد كان إلى جانب ذلك عدد وفير من الرواة الثقات المتقنين العدول، وعدد وفير من العلماء الذين أحاطوا حديث رسول الله ﷺ بسياج قوي يعسر على الأفاكين اختراقه، واستطاع هؤلاء المحدِّثون بسعة اطلاعهم، ونفاذ بصيرتهم أن يعرفوا الوضاعين، وأن يقفوا على نواياهم ودوافعهم، وأن يضعوا أيديهم على كل ما نسب إلى رسول الله ﷺ على سبيل الوضع والكذب فهؤلاء الوضاعون لم يترك لهم الحبل على الغارب يعبثون في الحديث النبوي كما يشاؤون، ولم يترك لهم المجال لأن يندسوا بين رواة الأحاديث النبوية الثقات العدول دون أن يعرفوا. وإلا فمَنْ إذن الذي كشف كذب الكفرة والزنادقة وغلاة المبتدعين؟ ومَنِ الذي عرَّف بالموضوع، وبأسبابه، وبأصنافه، وبعلاماته، وصنف فيه المصنفات المتعددة؟ إنهم حراس الدين خلفاء الله وجنوده في أرضه، إنهم الجهابذة الذين قال فيهم هارون الرشيد لما أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لِمَ تضرب عنقي؟ قال: لأريح العباد منك، فقال: يا أمير المؤمنين! أين أنت من ألف حديث وفي رواية أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم، أحرِّم فيها الحلال، وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي منها حرفاً؟ فقال له هارون الرشيد: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً [٣٩] . يقول الأستاذ محمد أسد:» فوجود الأحاديث الموضوعة إذن لا يمكن أن يكون دليلاً على ضعف نظام الحديث في مجموعه؛ لأن تلك الأحاديث الموضوعة لم تَخْفَ قط على المحدثين كما يزعم بعض النقاد الأوروبيين عن سذاجة، وتابعهم على ذلك بعض أدعياء من أبناء أمتنا الإسلامية « [٤٠] . ونختم هذه الشبهة بما ذكره الإمام ابن قيم الجوزية: قال الإمام أبو المظفر السمعاني:» فإن قالوا: قد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلطت عليهم، قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهمَ، والدنانيرَ، فيميزون زيوفها ويأخذون خيارها، ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث، ورواته العلماء حتى إنهم عدُّوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون، بل تراهم يعدون على كل واحد منهم كم في حديث غلط، وفي كل حرف حرَّف، وماذا صحَّف، فإن لم تَرُجْ عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة، وتوليهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيت على أهلها؟ وهو قول بعض الملاحدة، وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب يريد أن يهجِّن بهذه الدعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبي ﷺ ، وآثاره الصادقة، فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى، وما احتج مبتدع في رد آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة أوهن ولا أشد استحالة من هذه الحجة؛ فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يُسَفَّ في فِيهِ، ويُنفى من بلد الإسلام « [٤١] .

стр. 3559

تأملات دعوية فيهِ خلافٌ بين الفقهاء ! محمد بن عبد الله الدويش كثيراً ما تتردد هذه العبارة: «هذه مسألة خلافية، هذه مسألة اختلف فيها الفقهاء» .. . إلخ. ولا نزاع في أن هناك من المسائل ما هي مسائل خلاف واجتهاد بين أهل العلم، وكلام أهل العلم حول مسائل الخلاف والاجتهاد معروف قديماً وحديثاً؛ لكنها تثار اليوم بصورة تخرجها من إطار البحث في مسائل الاجتهاد والخلاف: * فهي في الأغلب تثار حول قضايا لها بُعْدٌ اجتماعي أو فكري، وليس المقصود الخلاف الفقهي البحت؛ فكثير من المستغربين على سبيل المثال يثيرون مسائل تتعلق بالمرأة مما نقل فيها خلاف بين أهل العلم، والدافع لذلك أبعد من مجرد الخلاف الفقهي، بل هو تكأة للتغريب سرعان ما يتجاوزون المسألة محل الخلاف إلى ما لا خلاف في تحريمه ومنعه. * أنها تثار من قِبَل فئام من الناس ليسوا من أهل العلم والفقه، ولا ممن يفقهون البحث في المسائل الشرعية، إنما يتصيدون من أقوال الفقهاء ما يتسق مع أهوائهم. * أنها في الأغلب لا تقتصر على مناطها؛ فالخلاف الفقهي يتخذ ذريعة لتنزيله على دائرة أوسع. ومما ينبغي تقريره في هذه العجالة: - أن هناك فرقاً بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد؛ فليست كل مسألة نُقِلَ فيها خلاف بين أهل العلم تُعَدُّ من المسائل التي لا إنكار فيها؛ بل ذلك في مسائل الاجتهاد. قال ابن القيم ﵀: «وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل. أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً؛ وإنما دخل هذا اللَّبْس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم؛ والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه. والمسائلُ التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنَّا صحة أحد القولين فيها كثيرةٌ» [١] . - أن المرجع في ذلك كله إلى نصوص الكتاب والسنة؛ فمتى صح الدليل وجب الرجوع إليه والأخذ به، ولم يَسُغ اتباع القول الآخر بحجة الخلاف في المسألة. وحين ترد السنة الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ لأجل أن هناك من خالف في هذه المسألة فهذا يلزم منه أن أقوال النبي ﷺ وأوامره لا تكتسب شرعيتها إلا حين يتفق عليها الناس؛ فمخالفة أحد لها أياً كان سبب ذلك ينزع عنها هذه الشرعية ويجعل الأمر واسعاً؛ وهذا مسلك خطير يحتاج صاحبه إلى أن يراجع إيمانه. - لا بد من الاعتناء بتربية الناس على التسليم لله ﵎ وتعظيم نصوص الشرع، وأخذ الدين بقوة، والبعد عن تتبع الرخص وزلات العلماء. - الحذر من الدخول في جدل فقهي مع أمثال هؤلاء حول هذه المسائل محل النقاش؛ فهذا الذي يسعون إليه ويريدونه. فمن الممكن والمقبول أن يبحث المرء المسألة ويناقشها مع طلبة للعلم يدركون اللغة العلمية الفقهية، ويريدون الحق ويسعون إليه، أما أولئك الذين يثيرون هذه المسائل فليسوا يجيدون فهم اللغة العلمية، ولا يعون مقاصد الشريعة، إنما هم رعاع متطفِّلون، قادهم الهوى إلى الخوض في دين الله .

стр. 3560

قضايا دعوية موانع الانتفاع بالعمل يوم القيامة عبد العزيز الجليل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن من علامة توفيق الله للعبد أن يوقظه من غفلته ويوفقه لتدارك عمره القصير فيما ينفعه غداً في الدار الآخرة، ومن علامة الخذلان أن ينسى العبد نفسه، ويفرِّط في ساعاته وأيامه ولياليه؛ فينصرم العمر القصير دون أن يقدم لنفسه ما ينفعها عند الله فضلاً عما يضره ويهلكه. وعندما ينظر الواحد منا إلى حاله وحال كثير من الناس يجد التفريط وتضييع الأوقات بما لا ينفع أو بما يضر عياذاً بالله تعالى ولو حاسب كل واحد منا نفسه وحاول الرجوع إلى ما مضى من عمره الذي مر كلمح البصر، وما عمله في ذلك العمر من القربات، أو ما ضيعه من الأوقات لوجد النتيجة جِدَّ محزنةٍ إلا من رحمه الله تعالى لأن ما ضاع من الأوقات بما لا ينفع أو بما يضر أكثر من تلك التي عمل فيها بالطاعات؛ فإذا أضيف إلى ذلك أن العبد لا يضمن أيضاً انتفاعه من طاعاته وقرباته التي أداها؛ وذلك لتعرضها لبعض المفسدات والآفات كالرياء والسمعة والعجب، أو عدم موافقتها لما جاء به الرسول ﷺ ، فماذا سيبقى من الطاعات القليلة إذا مرت على مصفاة الإخلاص والمتابعة؟ إنه لا يبقى إلا أقل القليل. إذن فالأمر جِدُّ خطيرٍ ولا يجوز للعبد أن يهمل نفسه ويتركها بلا محاسبة وتدقيق وتفتيش حتى لا يأتي يوم القيامة فيبدو له من الله ما لم يحتسب. وفي هذه المقالة القصيرة محاولة للتعرف على موانع الانتفاع بالعمل يوم القيامة لعلنا نتجنبها فننتفع بأعمالنا الصالحة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والأصل في معرفة هذه الموانع قوله تعالى: [وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً] (الإسراء: ١٩) . وهذه الآية وإن كانت قد انطوت على ذكر الشروط للانتفاع بالعمل الصالح فإن مفهوم المخالفة فيها يشير إلى موانع الانتفاع؛ حيث ذكر الله في هذه الآية الكريمة أن من شروط قبول العمل عند الله وكونه مشكوراً عنده سبحانه ما يلي: ١ - إرادة الدار الآخرة بقوله وعمله. ٢ - تصديق هذه الإرادة والسعي إلى الآخرة بعمل موافق لما جاء به الرسول ﷺ . ٣ - أن يكون صاحب العمل موحِّداً مؤمناً بالله غير مشرك به. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: وقوله: [وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ] (الإسراء: ١٩) أي: أراد الدار الآخرة، وما فيها من النعيم والسرور، [وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا] (الإسراء: ١٩) ، أي طلب ذلك من طريقه، وهو متابعة الرسول ﷺ ، [وَهُوَ مُؤْمِنٌ] (الإسراء: ١٩) ، أي: وقلبه مؤمن، أي مصدق بالثواب والجزاء [فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً] (الإسراء: ١٩) [١] . ومن خلال هذه الآية الكريمة تُستنبَط الموانع التي تحُول بين العبد وبين أن ينتفع بعمله يوم القيامة وهي كما يلي: ١ - أن لا يكون صاحب العمل مؤمناً بالله ولا بوعده ووعيده، أو كان مشركاً به أو مرتداً عن دينه؛ فلو تقرب العبد إلى الله بقربات كثيرة من صلاة وصيام وغيرها وهو مشرك بالله الشرك الأكبر وذلك بصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله فإنه بذلك لا ينتفع بأي عمل صالح عند الله لأن توحيد الله والبراءة من الشرك وأهله يُعَدُّ الشرطَ الأعظم في الانتفاع من بقية الأعمال والأقوال، وبدون ذلك تحبط جميع الأعمال كما في قوله تعالى: [وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ] (الزمر: ٦٥) ، وقوله تعالى: [وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الأنعام: ٨٨) ، وقوله تعالى: [فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ] (الأنبياء: ٩٤) إلى غيرها من الآيات. وخطورة هذا المانع أنه يحبط جميع الأعمال؛ بينما الموانع التالية تحبط العمل الذي وُجِدَتْ فيه فقط، ولا ينبغي للعبد أن يستهين بهذا المانع ولا أن يأمنه؛ بل عليه أن يخافه وأن يفتش في عقيدته وأعماله كلها خشية الوقوع في هذه الآفة العظيمة التي تحبط الأعمال ولا يغفرها الله إلا بتوبة. ومن يأمن الشرك بعد إمام الحنفاء إبراهيم ﵇ حيث دعا ربه بقوله: [وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ] (إبراهيم: ٣٥) ؟ ! . ٢ - إرادة العبد بعمله الدنيا وليس الآخرة، وهذا مانع كبير يحول بين العبد وبين أن ينتفع بعمله يوم القيامة؛ وهذا يكثر في عمل المرائين والمريدين بأعمالهم شهرة أو منصباً أو مالاً أو أي عرض من أعراض الدنيا الفانية؛ فهؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة من تلك الأعمال الملوَّثة. قال الله ﵎: [مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ] (هود: ١٥) . وقد أدخل العلماء في ذلك من أدى العمل بإخلاص لله تعالى لكنه أراد من عمله وتوبته وتركه للمعاصي آثارها الدنيوية فحسب؛ وذلك بأن يبارك الله له في المال والولد، ويجنبه المصائب والجوائح في الدنيا فقط، فمن كان دافعه إلى العمل إرادة ثواب عمله في الدنيا فقط فإن هذه الأعمال معلولة غير مقبولة وغير مشكورة عند الله يوم القيامة، أما من أراد بعمله الآخرة وأراد مع ذلك بركتها في الدنيا فهذا مرغَّب فيه وسعيه مشكور عند الله إذا كمل الشروط الأخرى لقبول العمل. ٣ - أن يكون سعيه وعمله مخالفاً لما جاء به الرسول ﷺ ؛ لأن من شروط الانتفاع بالسعي والعمل أن يكون موافقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مبتدع ولا مبدل، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لآية الإسراء؛ حيث قال: [وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا] (الإسراء: ١٩) ، أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن أوضح الأدلة في أن تخلف المتابعة عن العمل يمنع من الانتفاع به عند الله قول الرسول ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» [٢] ، ومن هنا وجب الحذر من الابتداع والتعبد لله بما لم يأذن به سبحانه أو يشرعه رسوله ﷺ ؛ فإن التفريط في ذلك يضيع على العبد سعيه وعمله ولو كان صاحبه مخلصاً لله فيه مريداً منه الدار الآخرة؛ لأن قبول العمل عند الله مقيد بالشروط السالفة الذكر مجتمعة كلها في العمل؛ فلو تخلف واحد منها بطل العمل وحِيلَ بين صاحبه وبين الانتفاع منه. وبذلك يتبين لنا خطورة إهمال النفس ومحاسبتها والحرص الشديد على إحسان العمل وإتقانه وتجنيبه كل ما يفسده ويمنع من الانتفاع منه في يوم عصيب رهيب الحسنة فيه لا تعدلها الدنيا بزينتها وزخرفها ثمناً. ولنا أن نتصور كم يصفو لنا من العمل النظيف النافع عند الله بعد أن يمر على هذه المصفيات السالفة الذكر؟ إن الناظر فيها اليوم إلى نفسه وما أسلف من الأعمال الصالحة ليذهل عندما يرى قلَّتها وضياع العمر بما لا ينفع إلا من رحم الله تعالى. ثم ليت أن هذه الأعمال على قلتها تكون مقبولة عند الله إذن لهان الخطب؛ لكنها إذا عرضت على المصفيات السالفة الذكر فإن المحصلة في النهاية ستكون أقل القليل؛ فمصفاة الإخلاص تمنع كل عمل لم يُرَدْ به وجه الله ، ومصفاة المتابعة تمنع كل عمل لم يؤدَّ على وجه الموافقة لما جاء به الرسول ﷺ . ثم إن هذه المحصلة النظيفة من الأعمال والتي هي أقل القليل معرضة هي الأخرى لمانع خطير يحول بين العبد وبين الانتفاع من أعماله التي تعب عليها وأتقنها على قلتها حتى أصبحت مقبولة عند الله وهذا لمانع خطير هو: ٤ - حقوق العباد ومظالمهم: يقول الله : [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ] (الزمر: ٣٠-٣١) والخصومة تكون فيما بين العباد من مظالم؛ فعن الزبير بن العوام ﵁ قال: لما أنزلت هذه الآية قال: أيْ رسولَ الله ﷺ ! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: «نعم ليكررن عليكم حتى يؤدَّى إلى كل ذي حق حقه» [٣] قال الزبير: والله إن الأمر شديد. ومن الأحاديث المشهورة في ذلك حديث المفلس الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وكان قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فينقص هذا من حسناته، وهذا من حسناته. قال: فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» [٤] . وهذا المانع الخطير من موانع الانتفاع بالعمل الصالح يوم القيامة من أشد الموانع خطراً وأصعبها تحرزاً؛ فلا يسلم من تبعات العباد إلا من رحم الله عز وجل، وقليل ما هم. والغرماء يوم القيامة لا يقبلون من عمل خصومهم إلا النظيف الذي تجاوز مصفاة الإيمان والإخلاص والمتابعة. أما العمل الملوَّث فلا يقبلونه لعدم نفعه؛ فإذا كان العمل النظيف أقل القليل كما سبق بيانه لأنه ثمرة تصفيات كثيرة، وكل مصفاة تُسقِط منه جزءاً إذا كان الأمر كذلك فإن المغبون الخاسر مَنْ ضيَّع هذا القليل ووزعه يوم القيامة بين خصومه وغرمائه، وحال بين نفسه وبين الانتفاع بأعماله المقبولة عند الله وذلك بتفريطه في الدنيا في حقوق العباد، أو الاعتداء عليهم في دين أو عقل أو نفس أو مال أو عرض. ومما ينبغي التنبيه عليه أن أكثر الخصوم يوم القيامة هم من أقرب الناس للنفس كالأب والولد والزوجة والزوج؛ وذلك لما بينهم من الحقوق والواجبات، ووجود الاحتكاك الدائم بهم والاجتماع معهم في كثير من الأوقات. فالحذرَ الحذرَ من ظلم الأبناء في دينهم وإهمال تربيتهم والنفقه عليهم.. إلخ والحذرَ الحذرَ من بخس الوالدين حقوقهم وعدم الإحسان إليهم، وكذلك الحال في بقية الأقارب والأباعد [٥] . نسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه موافقة لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم صادرة عن إيمان وتوحيد خالصين. كما نسأله أن يجنبنا ظلم العباد والاعتداء على حقوقهم، وأن يخرجنا من الدنيا كافِّين اللسانَ عن أعراضهم، خُمْصَ البطون من أموالهم، خفيفي الظهور من دمائهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 3561

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (١ - ٢) فاتحة الملف قضية محسومة بيّن الله لنا نظرة أهل الكتاب من يهود ونصارى للمسلمين، وأصبحت قضية محسومة مقررة في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. يقول : [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، وقال عز من قائل: [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا] (البقرة: ٢١٧) ، وقال تعالى: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ] (البقرة: ١٠٩) ، هذا الحسم القرآني لم يعد اليوم محسوماً أو مقطوعاً به لدى فئات من المسلمين؛ فقد تحول لدى هؤلاء إلى تمييع شديد في الفهم النظري والتطبيق السلوكي، وجاءت عولمة البشر لتضفي على الطين طيناً، وتزيد في عمى القلوب والأبصار. ولقد كان الهدف الأساس لأهل الكتاب كما حدده القرآن هو إخراج المسلمين من دينهم، ولن يكون هناك رضى وقبول إلا بهذا التحول، ولذلك كان هدفاً أسمى وغاية عظمى سعوا إليه بطرق شتى. وكان أبرز هذا السعي الخاسر ما سمي بـ «التنصير» وهكذا بصراحة شديدة ودون مواربة، سعياً إلى التحويل إلى النصرانية. ومن خلال هذا الملف سنرى كيف كانت طبيعة العلاقة بين الإسلام والنصرانية منذ أن أشرق نور الرسالة الإسلامية، وسنرى الجهود الضخمة والأموال الهائلة، والسعي الذي لا يتوقف ولا يمل من أجل تحقيق ذلك الهدف.. . ثم نقارن كل ذلك بالجهود الإسلامية، إنْ في مكافحة هذا الغزو الدائم والمنظم لديار المسلمين وعقولهم وقلوبهم، وإنْ في التحرك المضاد بتقديم هذا الدين لأهل الكتاب!!

стр. 3562

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (١ - ٢) قصة العلاقة بين الإسلام والنصرانية: التنصير لم يكن غائباً (١ - ٢) إبراهيم محمد الحقيل أرسل الله تعالى نبيه محمداً ﷺ إلى المكلفين كافة: الجن والإنس، العرب والعجم، القريب والبعيد؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (سبأ: ٢٨) ، وقال تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً] (الأعراف: ١٥٨) ، وقال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) . فوجب عليه البلاغ، ووجب على المسلمين من بعده تبليغ رسالته. فإذا بُلِّغت الدعوة للناس فإن لهم منها موقفين: الموقف الأول: قبولها والدخول في الإسلام، ومن اختار ذلك صار أخاً للمسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم تحقيقاً لقوله تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] (الحجرات: ١٠) . ولقول النبي ﷺ : «من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا، وعليه ما علينا» [١] . الموقف الثاني: رفض الإسلام، ومن رفض الإسلام خُيّر بين القتال وبين الخضوع لسلطان الإسلام، وخضوعه لسلطان الإسلام يكون بدفع الجزية عن يد وهو صاغر كما قال تعالى: [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] (التوبة: ٢٩) . إن خضوع الناس للإسلام وأحكامه واجب على المسلمين تحقيقه عملاً بقول الله تعالى: [وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] (البقرة: ١٩٣) ، قال جمع من السلف منهم ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وزيد بن أسلم، وغيرهم: أي: حتى لا يكون شرك بالله تعالى [وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] (البقرة: ١٩٣) أي: يخلص التوحيد لله [٢] . وقال قتادة: [وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] (البقرة: ١٩٣) حتى يقال: لا إله إلا الله، عليها قاتل رسول الله ﷺ ، وإليها دعا، وذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: «إن الله أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله [فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ] (البقرة: ١٩٣) قال: وإنَّ الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله، يُقاتَل حتى يقول: لا إله إلا الله» [٣] . لماذا يجب إخضاع الناس لحكم الإسلام؟ الجواب عن هذا السؤال هو في قوله تعالى: [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ] (آل عمران: ١٩) فهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده وأمرهم أن يحكموا بشريعته، وعند التخاصم يرجعون ويتحاكمون إليها: [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ] (المائدة: ٤٨) ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «أي: فاحكم يا محمد بين الناس: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيِّهم بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك» [٤] . وأمر الله تعالى أهل الكتاب بأن يقيموا كتبهم، وأن يعملوا بما فيها كما قال تعالى: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ] (المائدة: ٦٨) ، وإقامتهم لكتبهم وعملهم بما جاء فيها يقتضي إيمانهم بمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، والتزام شرائع الإسلام؛ لأن كتبهم بشرت به، ودعتهم إلى اتباعه. ولقد قضت الحقيقة بأن أهل الكفر ما نعموا بالعدل والأمن إلا تحت حكم المسلمين؛ بينما النصارى ظلموا المسلمين الذين وقعوا تحت حكمهم ولا زالوا بل ظلموا نصارى مثلهم ممن لا يدينون بمذهبهم، وحاولوا اجتثاثهم من الأرض، ومحوهم من الوجود. وشواهد التاريخ كثيرة جداً على هذه الحقيقة القاضية بأن أهل الكفر ما نعموا بالعدل والأمن إلا تحت حكم المسلمين بينما النصارى ظلموا المسلمين الذين وقعوا تحت حكمهم ولا زالوا بل ظلموا نصارى مثلهم ممن لا يدينون بمذهبهم. وحاولوا اجتثاثهم من الأرض، ومحوهم من الوجود. وسأدعم ذلك ببعض الأمثلة من التاريخ؛ وبأقوال بعض الغربيين من باب: (وشهد شاهد من أهلها) ومن شواهد ذلك: أن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ لما انسحب من حمص بعد أن فرض عليها الجزية إلى اليرموك بكى النصارى في حمص وقالوا: يا معشر المسلمين! أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا ولكنهم أي الروم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا [٥] . وكتب الإمام الأوزاعي إلى صالح بن علي بن عبد الله بن العباس لما قتل مقاتِلة لبنان، وأجلى بعضهم لما خرجوا على الخليفة: «وقد كان من إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن ممالئاً لمن خرج على خروجه ممن قتلت بعضهم ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت، فكيف تؤخَذ عامةٌ بذنوب خاصةٍ حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم وحكم الله تعالى ألاَّ تزر وازرة وزر أخرى، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به، وأحق الوصايا أن تُحفَظ وترعى وصية رسول الله ﷺ فإنه قال:» من ظلم معاهداً وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه « [٦] . وسيمر بك في هذا البحث المختصر بعض ممارسات النصارى الكثيرة ضد المسلمين سواء في الأندلس لما انتزعوها من المسلمين وفرضوا عليهم الدين النصراني وعذبوهم في سبيل محو الإسلام عذاباً أليماً، أو أيام الحروب الصليبية التي يعترف الأوروبيون بوحشية أجدادهم فيها ضد المسلمين. أو أيام الاستعمار الذي أعقب الحروب الصليبية؛ لتثبت هذه الحوادث التاريخية مع ما سبق ذكره أنه لا عدل للبشرية إلا في ظل الإسلام فقط، وأن الفساد والظلم يعم أرجاء الأرض إذا حكمت بغيره. ومن شواهد ذلك مما كتبه نصارى غربيون: قول المؤرخ الغربي (أرنولد) عن فتح مصر:» يرجع النجاح السريع الذي أحرزه غزاة العرب قبل كل شيء إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي لما عرف به من الإرادة الظالمة، ولما أضمروه من حقد مرير على علماء اللاهوت « [٧] . ويقول أيضاً:» إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح « [٨] . ويقول الفرنسي ليوتي:» وإذا كان فريق من ذوي الأغراض الملتوية يزعم أن الإسلام يبعث على التدمير والفوضى والتعصب فإني بصفتي رجلاً قضيت بين المسلمين مدة من الزمان في الشرق والغرب ولم أكتفِ بما قرأته عن الإسلام في الكتب أقول: إن جميع تلك المزاعم لا نصيب لها من الصحة « [٩] . إن المسلمين في فتوحهم ما كانوا يجبرون الأمم الأخرى على اعتناق الإسلام بل يتركون لهم حرية التعبد ما داموا خاضعين لحكم الإسلام باعتراف الغربيين: يقول جوستاف لبون:» إن العرب كانوا أكثر حكمة من كثير من رجال السياسة الحديثة، عرفوا حق المعرفة أن أوضاع شعب لا تتناسب مع أوضاع شعب آخر؛ فكان من قواعدهم أن يطلقوا للأمم المغلوبة حريتها، ويتركوا لها الاحتفاظ بقوانينها وعاداتها ومعتقداتها « [١٠] . ونقول: ليس ذلك حكمة فحسب بل دين يدينون لله به امتثالاً لقوله تعالى: [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] (البقرة: ٢٥٦) . ويقول أيضاً:» وما كانت انتصارات العرب لتعمي أبصارهم لأول أمرهم وتحملهم على الإفراط المألوف عند الفاتحين في العادة، ولا اشتدوا في إرهاق المغلوبين على أمرهم، ولا فرضوا عليهم بالقوة دينهم الجديد الذي كانوا يريدون بثه في أقطار العالم، ولو عملوا ذلك لأهاجوا عليهم جميع الشعوب التي لم تخضع لهم، فاتقوا حق التقاة هذه التهلكة التي لم ينج منها الصليبيون الذين دخلوا الشام في القرون اللاحقة، بل رأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر وأسبانيا يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم، غير ضاربين عليهم في مقابل السلام الذي ضمنوه هم إلا جزية ضئيلة كانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان عليهم أداؤها من قبل. وما عرفت الشعوب فاتحاً بلغ هذا القدر من المسامحة ولا ديناً حوى في مطاويه هذه الرقة واللطف « [١١] . بينما كان النصارى يُكرِهون الناس على التنصر كما فعل الأسبان بعد أن خضع مسلمو الأندلس لسلطانهم؛ فإنهم لم يرضوا إلا تنصيرهم أو إجلاءهم عن بلادهم، مع أن المسلمين أخذوا منهم عهداً قبل تسليم غرناطة أن لهم أن يدينوا بدينهم ولهم البقاء في أملاكهم، فنكثوا عهدهم، وأوقعوا بالمسلمين أشد العذاب وقد انتقدهم مؤرخوهم ومفكروهم قبل انتقاد المسلمين لهم؛ وفي هذا يقول فولتير: لما فتح العرب أسبانيا لم يرغموا قطُّ النصارى الوطنيين على انتحال الإسلام، ولما استولى الأسبان على غرناطة أراد الكردينال خمنيس أن ينصِّر كل العرب مدفوعاً إلى ذلك بغيرة دينية أو طموح إلى إنشاء شعب جديد يخضع لصولته، وأرغم خمسين ألف عربي على أن يحملوا رمز دين لا يؤمنون به. وذكر فاريتي وهو من كبار مؤرخي أسبانيا أنه تم نفي ثلاثة ملايين من العرب والعرب المتنصرين، وبلغ من هلك أثناء عملية النفي أو استرق زهاء مائة ألف [١٢] . موقف النصارى من الإسلام: انقسم النصارى تجاه دعوة النبي ﷺ إلى قسمين: القسم الأول: آمنوا به، وصدقوه، وعرفوا أن ما جاءهم به هو الحق من عند الله تعالى، قد بشرت به كتبهم كما قال الله تعالى على لسان عيسى ﵇ إنه قال لقومه: [وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] (الصف: ٦) ، وعلى رأس هذا القسم النجاشي رحمه الله تعالى الذي آوى المسلمين المهاجرين ونصرهم ومنعهم من ظلم قريش وبطشها وقهرها. وفيه ومن معه وأمثاله ممن آمنوا بنبيهم ثم آمنوا بمحمد ﷺ نزلت آيات كثيرة في مدحهم، والثناء عليهم وبيان عظيم ثوابهم قال الله تعالى: [وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ] (آل عمران: ١٩٩) . وصح عن النبي ﷺ أنه قال:» ثلاثة يؤتَوْن أجرهم مرتين.. «وذكر منهم:» ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمناً، ثم آمن بالنبي ﷺ فله أجران « [١٣] . القسم الثاني: لم يؤمنوا به وهم فريقان: ١ - فريق خضعوا لسلطان الإسلام قبل القتال، وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم ودفعوا الجزية، فكانوا من أهل الذمة؛ ومن هذا الفريق: نصارى نجران، ونصارى دومة الجندل. ٢ - الفريق الثاني: لم يخضعوا لسلطان الإسلام، وقاتلوا المسلمين، وهؤلاء خرج النبي ﷺ لقتالهم، وأرسل السرايا إليهم؛ ومن هؤلاء: نصارى مؤتة، ونصارى تبوك. الحرب بين المسلمين والنصارى: إن أول مواجهة قتالية بين المسلمين والنصارى كانت في مؤتة، ثم عزم النبي ﷺ على مواجهتهم في تبوك لكن الله تعالى لم يقدِّر قتالاً، ثم بعد وفاة النبي ﷺ سارت الجيوش الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ثم في العهديْن الأموي والعباسي، فكانت المعارك الكبرى في الشام وغيرها: أجنادين، واليرموك التي أزالت النفوذ البيزنطي النصراني عن كامل بلاد الشام، وودَّع هرقل سوريا وداعاً لا لقاء بعده [١٤] ، ودخل المسلمون بيت المقدس عام ١٥ هـ، وتسلَّم مفاتيحها عمر ﵁ وكتب كتاباً فرض عليهم فيه الجزية، وحفظ لهم حقوقهم، وأوفى شروطهم؛ لأنها فتحت صلحاً على الصحيح [١٥] . واستمرت الفتوح حتى توغل المسلمون في أوروبا ففتحوا الأندلس وأزالوا حكم القوط النصارى عنها، ووصلت جيوشهم إلى وسط فرنسا، واستولى المسلمون على معظم جزر البحر المتوسط من رودس إلى صقلية وجنوب شبه جزيرة إيطاليا، وحاصروا رومية (روما) مركز البابوية الكاثوليكية، والقسطنطينية قاعدة الأرثوذكسية، ولم يكن للمسلمين غاية سوى أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، ولذا لم يقف أمامهم جيش ولم تستعص عليهم مدينة، وكأنهم يريدون تحقيق البشارة النبوية بفتح روما والقسطنطينية. وكاد المسلمون أن يفتحوا أوروبا كلها بما فيها روما لولا أن الله تعالى قدَّر هزيمتهم في معركة بلاط الشهداء التي تسمى في كتب الغربيين (تور بواتييه) نسبة إلى موقعها وكانت عام ١١٤هـ الموافق ٧٣٢م؛ حيث قاد المسلمين فيها عبد الرحمن الغافقي رحمه الله تعالى وقاد النصارى شارل مارتل الذي يعتبره النصارى أعظم قائد أنقذ أوروبا من سقوطها في أيدي المسلمين، وكان سبب هزيمة المسلمين فيها الانشغال بالغنائم فيما ذكره المؤرخون [١٦] . تنصير الأندلس: يذكر المؤرخون أن ابتداء أمر النصارى مع المسلمين كان من الأندلس، ثم سيَّروا حملات للشرق الإسلامي؛ لتكون الهجمات على المسلمين في الأندلس وفي الشرق. قال ابن الأثير: كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد المسلمين واستيلائهم على بعضها سنة ٤٧٨هـ، فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس، ثم قصدوا سنة ٤٨٤هـ جزيرة صقلية وملكوها؛ فلما كانت سنة ٤٩٠ هـ خرجوا إلى بلاد الشام [١٧] . فانطلاقة النصارى كانت من بلاد الأندلس لما رأوا انتصاراتهم فيها، وبقي فيها منهم جيوش تقاتل مَنْ بقي من المسلمين، وجيوش أخرى انطلقت من أوروبا إلى الشرق الإسلامي. وقد سجل المؤرخون ما عمله النصارى من عظائم في حق مسلمي الأندلس؛ فقد أرادوا سحق الإسلام فيها، ونكثوا العهود التي عاهدوا المسلمين عليها حتى قال مؤرخ أسباني في ذلك العصر:» إنه منذ استولى فرناندو على غرناطة كان الأحبار يطلبون إليه بإلحاح أن يعمل على سحق طائفة محمد من أسبانيا، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء إما التنصير، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب، وأنه ليس في ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم بل فيه إنقاذ لأرواحهم، وحفظ لسلام المملكة؛ لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون في صفاء وسلام مع النصارى، أو يحافظوا على ولائهم للملوك ما بقوا على الإسلام، وهو يحثهم على مقت النصارى أعداء دينهم « [١٨] . ومع تزايد الضغوط التي يقوم بها رجال الدين النصراني على الساسة بلزوم الضغط على المسلمين وعدم الوفاء لهم فإن الساسة خضعوا لتلك الضغوط، وربما وافقت هوى في نفوسهم فعمدوا إلى سياسة المراوغة في الوفاء وتحوير العهود والنصوص التي تضمنتها معاهدة تسليم غرناطة بما يوافق هوى النصارى، وتفسيرها بطريق التعسف والتحكم ثم خرقها نصاً نصاً [١٩] ، واستلاب الحقوق والضمانات الممنوحة تباعاً، فأغلقت المساجد، وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم، وانتهكت عقائدهم وشريعتهم [٢٠] . وفي عام ٩٠٥ هـ عزم النصارى في الأندلس على تنصير المسلمين، فجمعوا فقهاء غرناطة ودعوهم إلى التنصُّر، وأغدقوا عليهم التحف والهدايا، فتنصَّر بعضهم والعياذ بالله وتبعهم جماعة من مقلديهم من عامة المسلمين، وقبلهم تنصَّر جماعة من الأمراء والوزراء والأعيان خوفاً على أملاكهم، فباعوا دينهم بدنياهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وقد تمركزت حركة التنصير في غرناطة وبالأخص في حي البيّازين؛ إذ حُوِّل مسجده في الحال إلى كنيسة سميت باسم (سان سلبادور) لينتشر التنصير بعد ذلك في سائر بلاد الفردوس المفقود [٢١] . لم يكتف النصارى بذلك بل أرادوا محو أثر الإسلام من الأندلس، فأقدم الكردينال خمنيس على جمع ما يستطاع جمعه من الكتب العربية من أهالي غرناطة وأرباضها، ونظمت أكداساً هائلة في ميدان الرملة وأضرمت فيها النيران، ولم يستثن منها سوى ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم. ثم أمر خمنيس بإبادة كتب العرب من بلاد أسبانيا عامة، فتم ذلك بغيرة عمياء مدة نصف قرن حتى قال المؤرخ لبون: ظن الكردينال لما أحرق في غرناطة كل ما طالته يده من مخطوطات العرب وكانت ثمانين ألفاً، عدا ما أحرق في المدن الأخرى أنه يحذف إلى الأبد من كتاب التاريخ ذكرى أعداء دينه، ولكن الأعمال التي قامت على أيديهم في تلك الأرض تكفي لتخليد ذكرهم على الدهر وإن نفدت آثارهم المكتوبة» [٢٢] . وقد علق المؤرخ الأمريكي وليم برسكوت على هذا الإجراء من النصارى فقال: «إن هذا العمل المحزن لم يقم به همجي جاهل، وإنما حبر مثقف، وقد وقع لا في ظلام العصور الوسطى، ولكن في فجر القرن السادس عشر، وفي قلب أمة مستنيرة تدين إلى أعظم حد بتقدمها إلى خزائن الحكمة العربية ذاتها» [٢٣] . ولم يكن حرق الكتب العربية مجرد تعصب أعمى أدى إلى هذه الهمجية كما قال، ولكنه خطة مدروسة تحت مشروع تنصير المسلمين في الأندلس؛ لأن بقاء الكتب العربية يؤخر عملية التنصير من جهة، ومن جهة أخرى لا يأمن النصارى مع وجود هذا التراث أن يرجع المتنصرون إلى دينهم مرة أخرى تأثراً بقراءته؛ فكان لا بد من اجتثاثه؛ وهذا الهدف صرح به المستشرق سيمونيت في معرض دفاعه عن هذا الإجراء فكان من قوله في ذلك: إن ما قام به الكردينال من حرق الكتب أمر لا غبار عليه؛ إذ هو إعدام للشيء الضار، وهو بالعكس أمر محمود كما تعدم عناصر العدوى وقت الوباء، وإن الملكيْن الكاثوليكييْن قد أمرا عقب تنصير المسلمين أن تؤخذ منهم كتب الشريعة والدين لكي تحرق في سائر مملكة غرناطة، وألا يبقى لديهم سوى الكتب التي لا علاقة لها بالدين الذي نبذوه [٢٤] . ويمكن تلخيص الأساليب التي قام بها النصارى في الأندلس لمحو الإسلام منها وتنصيرها في الآتي: ١ - كانت بداية التنصير في الأندلس في عام (٩٠٥هـ) على شكل مواعظ نصرانية تلقى على المسلمين يلقيها الأساقفة والقادة يدعونهم فيها إلى انتحال النصرانية محاولين إقناعهم أن آباءهم كانوا نصارى [٢٥] . وقد أثَّرت هذه المواعظ في بعض وزراء المسلمين وأمرائهم سواء كان هذا التأثر عن قناعة أم كان عن غير قناعة لحفظ الأموال والضياع والمزارع، وتبعهم جمع من عامة الناس تأثراً بهم وبمراكزهم القيادية. ٢ - الترغيب في النصرانية بالمتاع الدنيوي: فبعد عام تقريباً أي في عام ٩٠٦ هـ صدر مرسوم كاثوليكي إلى المسلمين القاطنين في مدينة بسطة، بإقالة الذين تنصروا منهم أو يتنصرون من جميع الفروض والمغارم التي فرضت على الموريسكيين [*] ، وتحريرهم منها سواء بالنسبة لأنفسهم أو منازلهم وأموالهم الثابتة والمنقولة من يوم التنصير، وألا يدخل أحد منازلهم ضد إرادتهم، ومن فعل عوقب بغرامة فادحة، وأن يُعفَوْا من سائر الذنوب التي ارتكبت ضد خدمة العرش، وأن تحترم جميع العقود والمحررات التي كتبت بالعربية، وصادق عليها فقهاؤهم وقضاتهم، وأن يعامل المتنصرون منهم كسائر النصارى الآخرين في بسطة، ولهم أن ينتقلوا وأن يعيشوا في أي مكان آخر من أراضي قشتالة دون قيد أو عائق، إلى غير ذلك من المنح والامتيازات [٢٦] . ٣ - اعتبار أن أطفال المسلمين نصارى وإجراء أحكام النصرانية عليهم ولو لم يتنصر والدوهم، فأخذوا يعمّدون أبناء المسلمين بالقوة مدعين أن العرب في الأصل كانوا نصارى [٢٧] . ٤ - تخيير المسلمين بين الدخول في النصرانية أو الخروج من الأندلس؛ ففي عام ٩٠٧هـ أصدر فرناندو وزوجته إيسابيلا أمراً ملكياً يتلخص في أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة فإنه يحظر وجود المسلمين فيها؛ فإذا كان بها بعضهم فإنه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم خوفاً من أن يتأخر تنصيرهم، كما يحظر اتصالهم بمن تنصروا لئلا يفسدوا دينهم، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال. وأرسل المسلمون رسالة إلى سلطان مصر آنذاك يصفون إكراههم على النصرانية، لكن ملك النصارى أرسل وفداً إليه يطمئنه بحسن أحوال المسلمين في الأندلس مما كان من أسباب عدم نجدة المسلمين. وقد واجه بعض المسلمين هذا الظلم والقهر بالتجمع في الجبال والإغارة على النصارى، فأصدر النصارى قانوناً يحرم على المسلمين إحراز السلاح علناً أو سراً، وينص القانون على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة، ثم بالموت بعد ذلك. وقد تكرر صدور هذا القانون عدة مرات وفي أرجاء مختلفة من بلاد الأندلس، وكان يطبق بصرامة وحزم. ولم يسلم من تنصر من المسلمين؛ فحظر عليهم حيازة السلاح أيضاً كما حرِّم عليهم أن يبيعوا أملاكهم إلا بترخيص من السلطات النصرانية، ومن تجاوز هذه القوانين عوقب بالموت ومصادرة أملاكه؛ لأنه ثبت لدى النصارى كما في نص المرسوم أن كثيراً من المتنصرين يبيعون أملاكهم ويحصلون على أثمانها ثم يعبرون إلى المغرب وهنالك يعودون إلى الإسلام [٢٨] . وكان المسلمون سراً المتنصرون علانية يرفعون الصلبان فوق منازلهم وأكواخهم إيهاماً بأنهم نصارى وأملاً في أن لا يكشف أمرهم، لكن الحكومة النصرانية كان عندها جداول بأسمائهم فلم تنفعهم هذه الحيل كلها، وكانت صفة إجلائهم مؤلمة جداً فمنهم من دفعه اليأس إلى تخريب منزله أو إضرام النار فيه وفي كل ما يملك، ومنهم من كان يصل به القنوط إلى قتل أولاده ثم الانتحار والعياذ بالله. وكثير منهم ماتوا من الجوع والأمراض والجزع [٢٩] . ٥ - تنصير المسلمين بالقوة: كانت فترة التخيير بين الدخول في النصرانية أو الخروج من الأندلس فترة عصيبة جداً على المسلمين، وتنصر كثير منهم، وخرج من الأندلس كثيرون لكن القانون لم يطبق بحزم، وفي عام ٩٣٠هـ صدر مرسوم جديد يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من أسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس. لم يرتضِ المسلمون هذا الظلم فرفعوا مظلمتهم إلى إمبراطور النصارى؛ فشكَّل محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق للنظر فيما ادعاه المسلمون من أنهم يُنصَّرون بالقوة والإكراه. وقررت هذه المحكمة أن إكراههم على النصرانية صحيح، وأنه ملزم لهم بدخول النصرانية على اعتبار أنهم يفرون بالدخول في النصرانية من خطر الموت أو الطرد أو الرق ومصادرة الأملاك. وقد علق على هذا الحكم الجائر غربي نصراني بقوله: «وهكذا اعتبر التنصير الذي فرضه القوي على الضعيف، والظافر على المغلوب والسيد على العبد، منشأ لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها. وإثر هذا الحكم صدر أمر ملكي بأن يرغم سائر المسلمين الذين نُصِّروا كرهاً على البقاء في أسبانيا باعتبارهم نصارى، وأن ينصَّر أولادهم؛ فإن ارتدوا عن النصرانية قضي عليهم بالموت والمصادرة. كما قضي بأن تحول جميع المساجد الباقية في الحال إلى كنائس» [٣٠] . وقام ديوان التحقيق محاكم التفتيش بمهمة ملاحقة المتنصرين ومراقبة سلوكهم بقصد حماية عقيدة الكاثوليك من ارتداد الناس عنها، وكذلك إجبار غير الكاثوليك على التدين بها وهو ما يسمى في كتب الغربيين بالكثلكة. وقد حاول المتنصرون من اليهود والمسلمين الهرب من بطش رجال ديوان التحقيق وذلك بالتخفي في الجبال وفي ضياع الأشراف، فصدرت الأوامر الملكية بتسليم الهاربين إلى ديوان التحقيق، وهُدد الأشراف بفقد وظائفهم والنفي من الكنيسة إذا لم ينفذوا الأوامر مما كان سبباً في بث الرعب والذعر في صفوف المتنصرين، فحاولوا الهرب من الأندلس كلها عبر شواطئ البحار والأنهار، فأصدرت الحكومة النصرانية قراراً يحرِّم على ربان أية سفينة وأي تاجر أن ينقل معه نصرانياً محدَثاً دون ترخيص خاص [٣١] . ٦ - محو شعارات المسلمين وعاداتهم بعد محو شعائر الإسلام: قام مندوبو ديوان التحقيق بمراقبة المتنصرين في شعائرهم لضمان انتمائهم للدين الكاثوليكي، ثم أُصدر قانونٌ يحرم استعمال الشعارات الإسلامية مثل اللغة العربية، وارتداء الثياب العربية على هؤلاء المتنصرين، ومنع نسائهم من الحجاب وإلزامهن بلبس المعطف والقبعات كما يفعل نساء النصارى، وأن تكون احتفالاتهم مطابقة لعرف الكنيسة، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال وأيام الجمعة والأعياد الإسلامية ليستطيع القسيس ورجال السلطة أن يروا ما يقع بداخلها من المظاهر والرسوم، كما حرموا على النساء الخضاب بالحناء، وحرَّموا استعمال الأسماء والألقاب العربية. ويعتبرون المتنصِّر قد عاد إلى الإسلام إذا امتدح دين محمد أو قال: إن يسوع المسيح ليس إلهاً وليس إلا رسولاً، ويجب على كل نصراني أن يبلِّغ عما يرى ويسمع من ذلك، كما يجب عليه أن يبلِّغ إذا رأى أحد المتنصرين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم يوم الجمعة، أو يحتفل بارتداء ثياب أنظف من العادة، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يتوضأ ويصلي نحو الشرق ويركع ويسجد، أو يملِّس بيديه على رؤوس أولاده، أو يغسل الموتى ويكفنهم أو يدفنهم في أرض بِكْر [٣٢] . كان هذا الاجتثاث والمحو لشعائر الإسلام أولاً، ثم للشعارات والعادات التي تربط بين المسلمين كفيلاً بإنهاء مظاهر الإسلام في الأندلس إلى أن صدر الأمر الأخير بطرد العرب عام ١٦٠٤م أي عام ١٠١٠هـ تقريباً، فرحل في سنتين عن أسبانيا نحو نصف مليون مسلم، وطويت صحيفة الإسلام في شبه جزيرة الأندلس؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم [٣٣] . وقد تزامن مع تعذيب الأندلسيين على أيدي النصارى إرسال حملات صليبية إلى الشرق الإسلامي للقضاء عليه، وقد استمرت هذه الحملات مائتي سنة تقريباً من ٤٨٩هـ إلى٦٩٠هـ. حروب الفرنجة أو الحملات الصليبية: أطلق الغربيون على هذه الحروب في تواريخهم أسماءاً عدة منها: «الحج إلى الديار المقدسة» ، «الحرب في خدمة المسيح» ، «أعمال المسيحيين وراء البحار» ، «الحرب من أجل تحرير القبر المقدس» [٣٤] . وأما المؤرخون المسلمون كابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير وغيرهم فكانوا يسمونها: «حروب الفرنجة» أو الإفرنج [*] . وقد ذكر المحللون لها أسباباً عدة وأهدافاً متنوعة كالانتقام من المسلمين والاستيلاء على ثرواتهم وإنعاش اقتصاد النصارى وغير ذلك؛ ولكن المحرك الحقيقي والدافع الأكبر هو الهدف الديني، وكانت الدوافع الأخرى سواء منها الاقتصادي أو الانتقام من المسلمين فهي محرك لفئات من النصارى كان لا يهمهم مقدساتهم في الشرق الإسلامي، فاستخدمها مدبرو هذه الحملات ومسيروها لدفعهم إلى قتال المسلمين وحشد أكبر عدد ممكن لهذه الحملات. والعبرة في معرفة أسباب الحروب هو نظرة قادتها ومحركيها ومسعِّريها؛ لأن الجيوش إنما تسير وتتوقف بهم، أما عامة الناس فليس لهم من الأمر شيء. وقد استمرت الحملات الصليبية الكبرى قرنين من الزمان من حملة بطرس الناسك عام (٤٨٩هـ) إلى سقوط عكا وما بعدها في أيدي المسلمين عام (٦٩٠ هـ) ؛ وبسقوطها انتهت دولة النصارى اللاتينية في الشرق الإسلامي، وبقي منهم باقية عاشوا تحت حكم المسلمين. بعد سقوط عكا وانتهاء الحكم الصليبي في الشرق الإسلامي حاول البابا (نيقولا الرابع) تهييج النصارى في أوروبا بإلقاء المواعظ والخطب التي ذكرهم فيها بسقوط ممالك الصليب في الشرق الإسلامي، وعقد المجامع الكنسية منادياً بإعادة مملكة عكا وبيت المقدس؛ لكن الأوروبيين تعبوا من تسيير حملاتهم إلى الشرق الإسلامي، وأحسوا بحجم الخسائر التي لحقتهم من جراء ذلك على مدى قرنين من الزمن [٣٥] . ثم حاول النصارى الأرمن ومن بقي معهم من النصارى تحت الحكم الإسلامي في مصر والشام التحالف مع المغول وحصل ذلك لكنهم كُسروا غير مرة. وتواصلت نداءات الباباوات في أوروبا لتسيير حملات أخرى إلى الشرق الإسلامي خاصة بعد أن تولى بنو عثمان الخلافة الإسلامية وقويت دولتهم وهددوا اليونان ومن خلفهم من الأوروبيين، لكن هذه النداءات لم تجد سامعاً. وشن القبارصة والأرمن وغيرهم من النصارى عدة غارات على المسلمين لكنها أخفقت، وكانت آخر محاولاتهم عام ٨٣٠هـ؛ وانتصر عليهم المسلمون بقيادة الملك أبي النصر برسباي التركماني؛ إذ كسر القبارصة وأسر ملكهم (جانوس) وخضعت قبرص للسلطنة المصرية الإسلامية ووضعت فيها حامية مصرية. آثار الحروب الصليبية على المسلمين: تركت الحروب الصليبية كثيراً من الآثار السيئة على الأمة الإسلامية في الشرق كان منها: ١ - المذابح العظيمة التي لحقت بالمسلمين من جراء تلك الحملات، وفي الحملة الأولى أباد النصارى أهل أنطاكية، وذبحوا في القدس أكثر من سبعين ألفاً [٣٦] ، وكم أعطى النصارى الأمان لأهل البلاد التي يحاصرونها ثم يغدرون بهم بعد التسليم ويبيدونهم كما فعل ريتشارد (قلب الأسد) غير مرة. ٢ - تخريب كثير من بلاد الشرق الإسلامي وتهجير أهلها منها، فقد خُربت حمص وبعلبك وحماة وعسقلان وقنسرين وطبرية وغيرها، واضطر المسلمون أن يخربوا مدنهم بأيديهم أثناء الحصار حتى لا يستفيد منها الصليبيون، ولعلهم بعد التخريب لا يستوطنونها [٣٧] . ٣ - تشريد كثير من المسلمين من بيوتهم، لأن هدف الصليبيين كان هدفاً استيطانياً، فهم يفرغون المدن التي يستولون عليها من أهلها، ومن ثمَّ لا مأوى لأهلها المشردين. ٤ - مهدت الحروب الصليبية لحركات الاستعمار الذي لا زال المسلمون يعانون من آثاره ويرزحون تحت نيره؛ ذلك أن الصليبيين وخلال مائتي عام من تسيير الحملات الكثيرة التي كان أكبرها ثماني حملات اقتنعوا أن الشرق الإسلامي لا يمكن كسره عسكرياً؛ إذ إن روح الجهاد التي تُبعث مع كل اعتداء عليه كفيلة بدحر أي قوة، وهزيمة أقوى جيش مما جعل النصارى يلجؤون إلى أساليب أخرى من الغزو تمثلت في الغزو الفكري، والهيمنة الاقتصادية، وتفريق المسلمين والتحريش فيما بينهم. يقول (Kigk) : إن الحروب الصليبية فتحت أذهان الغربيين إلى مستوى الحضارة في الشرق الأوسط، ذلك المستوى الذي كان يفوق بكثير حضارة الغرب، ومع تفتيح أذهان الغربيين اتجه هؤلاء إلى غزو الشرق فكرياً بعد أن عجزوا عن غزوه عسكرياً. يقول (Oman) : إن هذه الحروب يعني الصليبية وضعت نواة الاستشراق إذ اتجه الرهبان لدراسة اللغة العربية والفكر الإسلامي لمعرفة اتجاهات المسلمين في مختلف الشؤون، وقد أُسست كلية للرهبان عام ١٢٧٦م في (ميراما) لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية، كما أنشئت الكراسي للُّغات الشرقية في باريس ولوفان « [٣٨] . ولجأ النصارى إلى التنصير بين المسلمين عن طريق الإرساليات التنصيرية بعد أن ثبت إخفاقهم في المعارك الحربية، ومن مؤسساتهم لنجاح التنصير مدارس » الفرنسيسكان «المنسوبة إلى القديس فرنسيس، و» الدومنيكان «المنسوبة إلى القديس دومنيك في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي في سوريا، وكان المنصِّر يُعَدُّ لهذه المهمة قبل أن يرسَل لمباشرتها. ومن أهم وسائل إعداده تعلُّمه اللغة العربية، وشيئاً من الدراسات الإسلامية؛ وذلك هو الدستور الذي لا يزال سائداً حتى الآن [٣٩] .

стр. 3563

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (١ - ٢) التنصير يغزو العالم الإسلامي أحمد عبد الله سيف الرفاعي عندما نقارن بين المخاطر التي تشكلها الحروب التي يشنها الأعداء ضد المسلمين، وبين المخاطر التي يشكلها الغزو الفكري الثقافي عليهم، فإننا نذهب إلى أن النوع الثاني أشد تدميراً وأكثر ضراوة وأعمق تأثيراً من النوع الأول، أي أنه يُخشى على المسلمين من التدمير الفكري الثقافي أكثر من أن يُسحقوا مادياً تحت وطأة الجيوش والأسلحة، هذا فضلاً عن أن المسلمين يخرجون من حروبهم مع أعدائهم أشد عزماً وأقرب رجوعاً لدينهم وتمسكاً به. وفيما يلي نتعرض لأحد معاول الهدم الخبيثة التي تحاول دائماً النيل من الإسلام ومن المسلمين، ألا وهو التنصير: أولاً: لماذا هدفهم الإسلام؟ ! يستهدف المنصرون الإسلام قبل أي دين آخر لأنهم يعرفون من تاريخهم كله أنه لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة، وأنهم غالَبوا أهله طالما لم يُحكِّمه أهله في حياتهم. ولقد عَدَلَ النصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام، أو الاصطدام بالمسلمين لأن الغلبة في النهاية تكون من نصيب المسلمين؛ فالأمة الإسلامية قد تمرض ولكنها لا تموت، وتغفو ولكنها لا تنام، والمسلمون قد يهزمون ولكنهم لا يبادون أو يسحقون، ومهما كانت الحروب معهم أعني المسلمين سجالاً فالغلبة لهم في النهاية متى جعلوا نصرة الله نصب أعينهم وهدفهم المنشود، وما أن يُخلِص المسلمون في عودتهم إلى دينهم حتى يصبحوا قوة لا تقهر، ولقد عرف النصارى الصليبيون هذه الحقيقة، وأكدها لهم لويس التاسع ملك فرنسا بعد أن هزمه المسلمون شر هزيمة، وأسروه في موقعة المنصورة بمصر، ثم خرج صاغراً من أسره، وكتب وصيته الشهيرة والتي عُرفت بوصية القديس لويس ليؤكد فيها أن المسلمين لا تهزمهم الجيوش مهما كانت، وعلى الغرب الصليبي أن يتخلى عن استخدام أسلوب الحروب المادية، وأن يستبدلها بالحروب الثقافية الفكرية، وكانت وصيته تلك بمثابة إعلان عن أن الصراع بين المسلمين والنصارى بدأ يأخذ شكلاً جديداً، فاستُبدلت الحروب المادية بأخرى فكرية ثقافية، وإن لم يخلُ الأمر من صِدام مادي وقتال دموي على طول محطات التاريخ. ثانياً: أهداف التنصير: يسعى المخطط التنصيري إلى تحقيق مجموعة من الأهداف في البلاد الإسلامية؛ فالمنصِّرون يعتبرون الإسلام هو الدين الوحيد الخطر عليهم؛ فهم لا يخشون البوذية ولا الهندوكية ولا اليهودية؛ إذ إنها جميعاً ديانات قومية لا تريد الامتداد خارج أقوامها وأهلها، وهي في الوقت نفسه أقل من النصرانية رقيّاً. أما الإسلام فهو كما يسمونه دين متحرك زاحف يمتد بنفسه وبلا أية قوة تساعده، وهذا هو الخطر فيه كما يقولون ومن هنا نجد أن للتنصير أهدافاً متنوعة، منها ما هو تقليدي، ومنها ما هو غير تقليدي، ومن هذه الأهداف ما هو ظاهر جليّ، ومنها ما هو باطني خفيّ، بل إن للتنصير أهدافاً بالغة الخطورة على الإسلام وعلى المسلمين، ورغم ذلك يكاد أن لا يشعر بها أحدٌ من المسلمين. ويمكن تركيز أهداف التنصير في ثلاثة أهداف متدرجة كما يلي: ١ - إخراج المسلمين من الإسلام، والتشكيك فيه، وفي سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتزييف مفاهيمه، وهدم عقيدته: يقول زويمر أحد أقطاب التنصير: «إن مهمة التنصير ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية (النصرانية) ؛ فإن هذه هداية لهم وتكريم، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله» وصدق الله إذ يقول: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ] (البقرة: ١٠٩) . ٢ - الحيلولة دون انتشار الإسلام: فالمنصرون يشنون هجومهم على الإسلام خوفاً على قومهم من معرفته أكثر من رغبتهم في تنصير المسلمين؛ فهم يخافون الإسلام ويرددون دائماً أنه الدين الوحيد الخطر عليهم، ويفضل الغرب أن يظل يُنعت بالنصرانية على الرغم من علمانيته وإلحاده، وعلى الرغم من تهميشه للكنيسة هناك. ويأتي تبشير الغرب بالنصرانية أو ما نسميه نحن بالتنصير مسوغاً اصطنعه ليواجه التوسع الإسلامي، وليضفي الشرعية على هذه المواجهة، ويتقاسم مع التوسع الإسلامي أسس الهداية والإيمان. وكثيراً ما يتَّهم الغربُ الإسلام كذباً وزوراً بأنه انتشر بالسيف ليجعل من ذلك مسوغاً لاستخدام السيف هو الآخر، فهو في الحقيقة لا يصف التوسع الإسلامي بقدر ما يبحث عن شرعية ضرب الشعوب بالسيف تحت ستار التبشير أو التنصير، والواقع كما يرى الغرب أن حالات دخول الإسلام أكثر عدداً من حالات التنصر من غير مراكز تنصيرية ومن غير ضرب الشعوب بالسيف. ويجدر بنا أن ننبه على أن هدف التنصير يختلف من منطقة إلى أخرى؛ ففي البلاد العربية يكتفي بزعزعة عقيدة المسلم وإخراجه من الإسلام، وليس مهماً أن يدخل النصرانية، أما خارج البلاد العربية فيتم تنصير المسلمين فعلاً، وليس معنى هذا أن البلاد العربية ذات حصانة ضد التنصير؛ فقد وقع فيها أعمال للتنصير آتت أكلها الخبيثة في أحيان كثيرة، وتنصَّر بعضٌ من الناس بالفعل في تلك البلدان، ولكن كان التنصير أكثر وقعاً في البلدان الإسلامية الأخرى. ٣ - التمهيد لإخضاع العالم الإسلامي سياسياً واقتصادياً وثقافياً لسيطرة النفوذ الغربي: وتهيئة الأجواء لقبول ما يسمى بـ «العولمة» أو «الكوكبة» وما يتبع هذا النظام من توحيد الأيديولوجية السياسية العالمية، وإقامة هيكل اقتصادي جديد، وبث قيم اجتماعية عصرية، وإزالة الحواجز الثقافية، وتذويب الفروق بين المجتمعات الإنسانية المختلفة انتهاءاً برعاية الحوارات الدينية والثقافية، بل والدعوة إلى ما يشبه الدين العالمي ... إلى غير ذلك من شعارات وأهداف براقة ينخدع بها الكثيرون؛ فإن ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه الخسران؛ إذ هي في حقيقتها تسعى لحصار المسلمين وفرض التبعية الغربية عليهم، وإقامة آليات السيطرة حولهم، واختراق الحضارة والهوية الإسلامية خاصة بعد أن غَيّر الغرب من أساليب السيطرة العسكرية التقليدية واستبدالها بأساليب حديثة تعطي النتائج نفسها [١] . أترون أن التنصير والقائمين عليه سيقفون مكتوفي الأيدي أمام هذه المتغيرات الدولية؟ لا؛ فإنهم سيكدُّون لتحقيق أهدافهم تحت مظلة تلك المتغيرات التي يعتبرونها فرصة ثمينة وسانحة لبلوغ مآربهم. إن الزمان قد دار دورته، وما اليوم من الأمس ببعيد؛ فهاهم أولاء المنصرون يجدون تحت مظلة العولمة فرصة لدعم التنصير ونشر النصرانية كما فعلوا قديماً تحت رعاية الاستعمار العسكري الأوروبي، ومن قبله الحروب الصليبية، ثم يخرج علينا من يقول: إن الحروب الصليبية قد انتهت. لا، وألف لا، ما انتهت. راقبوا أعمال التنصير الدؤوبة في ديار الإسلام فسترونها جهاراً نهاراً بدون بندقية ولا مدفع إلا نادراً. ثالثاً: وسائل التنصير.. بين القديم والجديد: لقد أخذت أعمال التنصير في السنوات الأخيرة أشكالاً جديدة، واخترع المنصرون وسائل حديثة لتنصير المسلمين أكثر خفاءاً وأعمق تأثيراً وأشد مكراً وخداعاً من الوسائل «التقليدية» المعهودة، وبذلوا لذلك جهودهم لاستحداث وسائل جديدة للتنصير، مما لا يجعل من المبالغة أن أقول: إن المنصرين استفتحوا على المسلمين كل باب، وأتوهم من طرق شتى تكاد لا تخطر على المسلمين ببال سواء كانت طرقاً ذات طابع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي ... أو غير ذلك. وأصبح التنصير اليوم يتكئ على هذه الوسائل الحديثة فضلاً عن القديمة. وفيما يلي نسلط الأضواء على وسائل التنصير بنوعيها مع ذكر بعض النماذج والأمثلة: ١ - استغلال الكوارث الطبيعية والحروب الأهلية: وما ينتج عنها من دمار وخراب وأوضاع مأساوية في أغراض التنصير، فضلاً عن أوضاع المسلمين المأساوية من أيتام وأرامل، وما يحتاجون إليه من طعام وكسوة ومسكن بالإضافة إلى التعليم والعلاج مما يجعلهم فريسة سائغة لاستغلال المنصرين الذين يتظاهرون بمواساتهم مادياً ومعنوياً، ويدّعون الاهتمام بهم صحياً وتعليمياً، وصولاً إلى اكتساب قلوب هؤلاء المسلمين البسطاء، ومن ثم السيطرة على عقولهم وإقناعهم بأن في النصرانية خلاصهم من عذاب الآخرة وفقر الدنيا، ويشترط هؤلاء المنصرون على أولئك المسلمين الذهاب إلى الكنيسة لأداء قداس الأحد مثلاً، أو يشترطون عليهم عدم المشاركة في الأنشطة الإسلامية نظير خدماتهم تلك. لقد بلغت تقديرات نسبة اللاجئين المسلمين ٨٠% من مجموع اللاجئين في العالم كله لجؤوا إلى بلدان أخرى لأسباب عديدة منها: الحروب، والكوارث، وبطش الحكومات والأنظمة المعادية للإسلام، أو خوفاً من الاضطهاد الديني والسياسي العرقي، ويعاني هؤلاء اللاجئون من تشتت الأسر وفقدان مقومات الحياة الأساسية؛ ولذلك فإنهم يمثلون مجالاً واسعاً وتربة خصبة لعمل الجمعيات والمنظمات التنصيرية. وفيما يلي بعض هذه الأمثلة: * بعد الحرب الأهلية في سيراليون عام ١٩٩٦م والتي قُتل فيها أكثر من عشرة آلاف شخص، وتسببت في نزوح مليون ونصف مليون شخص من منازلهم، قال «كرسبين كول» أحد قادة منظمة الإغاثة World Releif Corporation: «إن الأبواب مفتوحة أمامنا لتنصير هؤلاء المسلمين» . * منظمة «الرؤيا العالمية» التي لها نشاط في أكثر من ٨٠ دولة وتشرف على ٨٦ ألف لاجئ مسلم صومالي توفر لهم الدواء والكساء والتعليم، وتدعوهم إلى النصرانية؛ علماً بأن نسبة المسلمين في الصومال ١٠٠%، وفي الصومال أيضاً كان الهدف الحقيقي للمشروع الألماني الوطني لمحاربة أمراض العمى هو نشر النصرانية والدعوة لها، وهذا ما اعترف به مسؤول المشروع د. جي ميشيل بعد إسلامه. * كما أن هناك حركة تنصيرية قوية يشارك فيها البروتستانت والكاثوليك وسط قبائل الطوارق في شمالي نيجيريا ومالي في وقت قتل الجفاف ماشيتهم، وضربت المجاعة مناطقهم، ومات منهم المئات بسبب الفقر والجوع والمرض. * في البوسنة وزعت الإرساليات التنصيرية ٧٠٠ ألف كتاب تنصيري، كما وزعت عدة آلاف من قصص الإنجيل على أطفال العراق مع مجموعة من الأشرطة السمعية مستغلة الحصار الدولي عليه. ٢ - استخدام التكنولوجيا الحديثة في التنصير والدعاية له: كاستخدام البريد الإلكتروني وشبكة الإنترنت، وبلغ عدد أجهزة الكمبيوتر المستخدمة لخدمة التنصير (٢٠٦٩٦١٠٠٠) جهاز عام ١٩٩٦م. ولقد قامت شركة مايكروسوفت لبرامج الكمبيوتر العالمية بتزويد المؤسسات التنصيرية ببرامج مجانية بقيمة خمسة ملايين دولار خلال عام ١٩٩٣م. وقام القس الأمريكي المشهور «بيلي جراهام» صاحب معهد خاص بتنصير المسلمين بحملة صليبية تهدف للوصول إلى ٤٠٠ مليون شخص في ٥٠٠ مدينة، عن طريق الأقمار الصناعية عبر ١٦ قرصاً للأقمار الصناعية إلى ١٧٠ دولة. وهذه هي أكبر عملية لنشر النصرانية تستخدم فيها التكنولوجيا الحديثة بهذا الزخم. دعت الكنيسة في إنجلترا أتباعها إلى أداء الصلاة على الإنترنت، وفتحت الكنيسة موقعاً على الشبكة تبين من خلاله كيفية أداء الصلاة بشكل بسيط، وربطت الكنيسة في الموقع نفسه بين الالتزام بالصلاة وبين التمسك بالريجيم الغذائي أو المواظبة على العناية بحديقة المنزل. ٣ - بناء الكنائس والمراكز التنصيرية بشراهة زائدة مفرطة: * كانت هناك كنيسة وحيدة في العاصمة «باماكو» بمالي؛ حيث لا يوجد إلا ٢% من السكان من النصارى؛ إلا أنه الآن وبسبب النمو الكبير في حركة التنصير تم بناء ٣٢ كنيسة في العاصمة وحدها. * وفي غانا شُيدت ٦٠٠ كنيسة جديدة خلال عام واحد ١٩٩٣م (صدق أو لا تصدق) . ٤ - التنصير بالبريد: انتشرت هذه الظاهرة في بعض البلدان العربية ك (مصر) فكثيراً ما يصل إلى أحد المسلمين رسالة من مصدر مجهول داخل مصر أو خارجها تتضمن رسالة تنصيرية وقحة، ويمكن الربط بين هذه الظاهرة المريبة وبين نعي الوفاة الذي ينشر في الجرائد مشفوعاً بالعنوان البريدي لإرسال برقيات العزاء. وعلى أي حال يبقى سؤال لا بد من طرحه وهو: إذا كان بعض الناس يتحدث الآن عن مراقبة البريد لمعرفة «الإرهابيين» المزعومين، فلماذا لا يراقبون بريد هؤلاء التنصيريين ... ؟ ! ٥ - التخصصية الفائقة الدقة في التنصير: تُشَكَّل الجمعيات التنصيرية لتتخصص في تنصير قبيلة في أدغال إفريقية، أو أخرى في أواسط آسيا، أو لتنصير عرقية محددة في أقصى سيبيريا، ولذلك تراهم يترجمون الإنجيل خصيصاً بلغة تلك القبيلة أو العرقية، ويطبعون الكتب التنصيرية لنشرها بينها، وتقام دورات للمنصِّرين لتعلُّم لغات تلك القبائل وعاداتها وأيديولوجياتها وفيما يلي بعض الأمثلة: * ترجمت إرسالية طائفة المينونايت ومقرها الولايات المتحدة الإنجيل خصيصاً لتنصير أبناء قبيلة «الولوف» السنغالية المسلمة. * تبث الإذاعات التنصيرية أو حتى برامج في إذاعات أخرى بلغة قبائل معينة، وهذا ما فعلته محطة إذاعة «حول العالم» التنصيرية التي تبث برامج خاصة بلغتي قبائل «لوموا» و «ماكوا» الإفريقيتين. * أرسلت منظمة Great Cammossion Center (إحدى المنظمات التنصيرية بالولايات المتحدة) عشرين منصراً إلى مسلمي إقليم «تونغ غان» في غرغيزستان في الصين؛ حيث يبلغ تعداد المسلمين هناك نحو (٣٠٠) ألف مسلم؛ فكم جمعية عند المسلمين تخصصت لنشر الإسلام الصحيح بين المسلمين في الصين؟ ! * تم ترجمة الإنجيل باللغة الألبانية لأول مرة بجهود الإرسالية المسيحية الأوروبية (E. C. M) وتم إهداء النسخة الأولى منها للرئيس الألباني. * تمت ترجمة الإنجيل كاملاً إلى لغة «المانيكا» وهي قبيلة مسلمة ١٠٠% في غامبيا. * تأسست جمعية متخصصة للمهتمين بتنصير العرب سنة ١٩٩٥م شارك في تأسيسها منصرون من (إسرائيل) والضفة الغربية ومصر والأردن وعدة دول عربية أخرى، كما شاركت فيها إرسالية (تنصير العالم العربي) وجمعية «بيلي جراهام» للتنصير، ولجنة مؤتمر لوزان بسويسرا وغيرها. * كما توجد «إرسالية أوروبا الكبرى» في إيلينوي بالولايات المتحدة Greater Europe متخصصة لتنصير المهاجرين المسلمين في دول الغرب. ٦ - استغلال المناصب السياسية والإعلامية لخدمة التنصير: فرغم أن الكنيسة ما تزال ترفع شعار الابتعاد تماماً عن السياسة إلا أنها تدفع بالرهبان والقسس لتقلد المناصب السياسية ليتسنى لهم من خلالها خدمة التنصير؛ ففي خمس دول إفريقية هي: توغو، بنين، الكونغو، الغابون، زائير يترأس المجالس النيابية في هذه البلاد قسس ورهبان. * حَكَم (جاليوس نيريري) وهو قس سابق متعصب تنزانيا (٧٥% مسلمين) لمدة ٢٦ سنة حشد خلالها كل أجهزة الدولة ضد الإسلام، وحرم المسلمين من حق التعليم والمناصب الإدارية وممارسة شعائر دينهم، بل من حق المواطنة، في حين قدم التسهيلات والتشجيعات للكنيسة ورجالها، ولم تخلُ خطاباته خلال حكمه من التذكير بأنه نصراني يفتخر بذلك (حتى في خطابه في جامعة القاهرة في إبريل ١٩٧٦م) ، ومثله الرئيس النصراني المتشدد (دانيل آراب مويْ) رئيس كينيا السابق. * ولا يفوتنا هنا أن نذكر الدور البارز الذي قام به مجلس الكنائس العالمي في إدارة حرب الجنوب في السودان علماً بأن عدد النصارى هناك لا يتجاوز ٧% من تعداد السكان في الجنوب كما أن العميل جون جارانج قائد التمرد هناك كان يتخذ الكنائس مقراً وقاعدة للانطلاق. ٧ - منح الجوائز التشجعية العالمية أو شبه العالمية لمن كان لهم دور بارز في خدمة قضايا التنصير أو حتى في قضايا ضد الإسلام. فلقد منحت لجنة جائزة «أوناسيس» (الجائزة الكبرى) وقدرها ٢٥٠ ألف دولار أمريكي للأرثوذكسي بطرس غالي سكرتير عام الأمم المتحدة سابقاً نتيجة جهوده في التفاهم الدولي والتمييز الجماعي، ويقصدون دوره الكبير في مشكلة البوسنة والهرسك، وقد أعلن عن تلك الجائزة مباشرة بعد سقوط الجيب الآمن الذي أعلنته الأمم المتحدة في سربنيتشا في البوسنة وقد قتل عدة آلاف من المسلمين العزل هناك. * اختارت جمعية كنائس (ماترا) في فلندا الأسقف «باريد نابان» أسقف مدينة (توريت) في جنوب السودان لجائزة (السلام) التي تمنحها عادة لأولئك الذين يبذلون جهوداً كبيرة في هذا الميدان. ٨ - الزيارات المتكررة والمكثفة التي يقوم بها كبار دعاة النصرانية وكبار المنصرين على المستوى الدولي لكثير من الدول خاصة المستهدفة بالتنصير. * لقد قام البابا يوحنا بولس الثاني في الفترة من ٥/٢/١٩٨٠م وحتى ٢٠/٩/ ١٩٩٥م بست وأربعين زيارة لأربعين دولة إفريقية، وبالمقارنة لا نجد أحداً من الباباوات زاروا إفريقيا بهذا القدر الهائل من الزيارات كما فعل البابا يوحنا هذا، وتعكس هذه الزيارات ذات الطابع الرسمي مجالات أوسع للتنصير وتفتح كذلك مجالات أرحب للمنصرين لترويج دعاياتهم المضللة والمزيفة، كما ستضفي على العملية التنصيرية الصفة الرسمية بسبب ما يصاحبها من مشاركة حكومية، وهذا يكسبها بعض المواقع الهامة والجولات التنافسية، ولكن يبقى لنا أن نسأل: لماذا يهتم البابا بإفريقيا بالذات كل هذا الاهتمام؟ ! إنه الإفلاس العقائدي للنصرانية في أوروبا، وروح الصليبية التي لم تمت في نفوسهم، وكراهية الإسلام فضلاً عن مراقبة أعمال المنصرين ودعمها في إفريقيا كما قدمنا كل هذا كان السبب في هذا الاهتمام. ولا يخفى علينا زيارة البابا يوحنا بولس للبنان سنة ١٩٩٧م وما كان لها من أثر ومغزى عميقين، وما تلاها من زيارات أخرى للمنطقة. أضف إلى ذلك زيارات سفراء الدول العظمى المتكررة لمواقع عمل ومكاتب المؤسسات (الخيرية) التنصيرية. افتتحت الأم تريزا أربع مدارس تنصيرية أثناء زيارتها لمصر فضلاً عن رعايتها لكثير من الاجتماعات والاحتفالات «المقدسة» . ٩ - ادعاء حدوث كثير من المعجزات والخوارق على أيدي كثير من المنصرين وإيهام البلهاء بأنها حقيقة: ومثال ذلك: * في فبراير ١٩٩٢م زار أحد المنصرين الأمريكيين عدة دول إفريقية، ودعمته الكنائس هناك، وكان يزعم أنه يحيي معجزات المسيح، ولبث مدة شهر كامل أسفرت عن تنصير قرابة ٢٠٠ مسلم، ولقد شاء الله أن يفتضح أمره؛ إذ كان يستأجر بعض الأشخاص نظير مبلغ من المال لتمثيل دور المريض المقعد أو الكفيف الذي يُشفى بعد إيمانه المزعوم بالمسيح. ١٠ - التنصير والسينما: بدأ عرض الأفلام التنصيرية في القرى الإفريقية في كينيا، ووصل عدد المسلمين الذين حضروا بعض هذه العروض ٢٠٠٠ مسلم، أبدى ٦٥ مسلماً منهم استعدادهم للتحول إلى النصرانية، وما أسرع ما كانت متابعة المنصرين لهم وتقديم العون والمساعدات لهم. * وفي إحدى السنوات بمعرض القاهرة الدولي للكتاب بيعت أفلام تنصيرية كثيرة كفيلم يسوع Jesus الذي صور حياة المسيح ومعجزاته، وغيره من أفلام على شاكلته بيعت بأرخص الأثمان. * وافق بابا الفاتيكان على الظهور لأول مرة في فيلم غنائي أطلق عليه: «الرجل الذي جاء من بعيد» . * أنتجت الكنيسة البروتستانتية في أمريكا فيلماً عن حياة المسيح من وجهة نظر الكنيسة بتكلفة عدة ملايين من الدولارات، ولقد شاهد الفيلم ٥٠٣ مليون شخص منهم ٣٣ مليون قرروا الالتزام بالمبادئ العامة للنصرانية، وتم عرض الفيلم في ١٩٧ دولة واستفادت منه ٣٨٠ منظمة تنصيرية عرضته ضمن برامج دعوتها، والفيلم موجود بـ ٢٤١ لغة مختلفة، ويتم ترجمته حالياً إلى أكثر من ١٠٠ لغة أخرى، ويقوم بالإشراف على عرضه ٣٢٠ فريق عرض. ١١ - توطين النصارى في مناطق الأقلية المسلمة، وتشجيعهم على ذلك لتغيير الصبغة الإسلامية لتلك المناطق، والأمثلة في ذلك كثيرة: * تم توطين النصارى القادمين من روسيا في تراقيا الغربية ذات الأغلبية المسلمة في اليونان. * أُجبِر المسلمون البوسنيون على الهجرة من أراضيهم ليحل محلهم الصرب الأرثوذكس أو الكروات الكاثوليك، وبلغ عدد هؤلاء المسلمين المهجّرين مليوناً و٧٣٠ ألف مسلم حتى منتصف عام ١٩٩٥م، وتكرر الأمر مرة أخرى مع مسلمي كوسوفا. * ويحدث مثل ذلك أيضاً في أقاليم غرب الصين؛ حيث الأغلبية المسلمة؛ إذ بلغ عدد المسلمين في الصين ٩٣ مليون مسلم يمثلون ١٠% من مجموع السكان، ويُعتبرون أكبر أقلية مسلمة في العالم، وقامت الحكومة الصينية بتهجير المسلمين من إقليم «نيتفشيا» ذي الأغلبية المسلمة وتوطين قرابة مليون شخص من غير المسلمين هناك، كما قامت بنقل ١. ٣ مليون شخص من غير المسلمين إلى تركستان الشرقية؛ وهذا كله سيخل بالتركيبة السكانية، وسيجعل الأقلية المسلمة تذوب وتندثر في أوساط غير المسلمين. * نقل رئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية الصربية مقر إقامته من بلجراد إلى كوسوفا إبان حملات الناتو ليقنع الصرب بالبقاء والمقاومة. ١٢ - طباعة الشيكات وإعلانات الدعاية وأوراق المعاملات الرسمية وغيرها من قِبَل كثير من الشركات والمؤسسات المالية، وعليها صور نصرانية في خلفيتها، كما أنها قد تحتوي في جوانبها على كلمات من الإنجيل، وانتشرت ظاهرة: «الشركات المتدينة» ، و «شيكات يحترمها الرب» في بعض دول العالم بل وفي بعض الدول الإسلامية بهدف جذب أموال المستثمرين المتعصبين للنصرانية، إلى جانب دعاوى إحلال البركة على الأموال على حد زعمهم فضلاً عن نشر النصرانية بين الموظفين والعملاء الذين تمر عليهم تلك الأوراق. والجدير بالذكر أن هذه الأعمال وتلك الشركات تؤيدها الكنائس وتُشجَّع من قبل الاتجاهات السياسية اليمينية. ١٣ - الابتعاد عن استخدام العبارات المثيرة ضد المسلمين: وذلك بإلغاء الكلمات التي ارتبطت بأذهانهم بالاستعمار أو نحوه، فمن تلك العبارات الشهيرة التي عادة ما كان يستخدمها المنصرون: «مليار مسلم سيذهبون إلى الجحيم ما لم يتم تنصيرهم» ومن الكلمات الملغاة كلمة «المنصرون» ، وليس الأمر عند هذا الحد، بل إن القائمين على التنصير كثيراً ما يستخدمون أسماء وعبارات تروق للمسلمين خداعاً وتضليلاً؛ فأحد البرامج بإحدى الإذاعات التنصيرية اسمه «نور على نور» والقائم عليه اسمه «الشيخ عبد الله» وإحدى المستشفيات في نيروبي تسمى بـ «اسم الله» وتسمية الكناس «بيوت الله» وأنها تقام ليذكر فيها «اسم الله» . ١٤ - إحداث لبس لدى فكر المسلمين وعقائدهم وإثارة الشبهات لديهم: في سبيل ذلك يقدم المنصرون بعض التنازلات إن صح التعبير ويتظاهرون بالتودد والتشبه والتزلف للإسلام والمسلمين، فلقد وجد المنصرون أنه من الصعب على إنسان ظل يعتنق ديناً يعتقد أن فيه خلاصه وصلاحه في الدنيا والآخرة أن يتركه إلى دين آخر يختلف عن دينه الأول، ويكون الأمر أكثر صعوبة لو كان هذا الإنسان هو المسلم ويراد له أن ينتقل عن إسلامه إلى النصرانية، والفرق بين الإسلام والنصرانية شاسع البعد؛ ولذا فإنهم يأخذون بأيدي المسلمين بهدوء خطوة خطوة إلى النصرانية، فيخلخلون ثبات المسلم وتمسكه بدينه شيئاً شيئاً حتى ينتهى به المآل إلى الشك واللبس في الإسلام، أو الإعجاب والحب بالنصرانية إن لم يعتنقها المسلم ولو لم يكن لهذه السياسة الماكرة الخبيثة من خطر إلا إثارة الشبهات لدى المسلمين لكفى، وهذه السياسة لا تنطلي إلا على السُذَّج والبسطاء من المسلمين، بل إن إثارة الشكوك لدى المسلم وإبعاده عن دينه يعتبر في حد ذاته هدفاً يسعى إليه المنصرون، ويقفون عنده، ويكتفون به دون أن يسعوا إلى تنصير المسلم أو حتى ترغيبه في النصرانية؛ فهم يرون في أحيان كثيرة أن اعتناق المسلم للنصرانية شرف عظيم لا يستحقه المسلم. ولعل الأمثلة الآتية توضح بعض ما قلناه آنفاً: * نشرت بعض المنظمات التنصيرية الإنجيل باللغة العربية في عدد من الدول الإفريقية وقد كتب بطريقة «تشبه» القرآن الكريم، وفيه بعض الزخارف، ويبدأ كل فصل منه بكلمة «بسم الله الرحمن الرحيم» وتشكل الكلمات بحركات التشكيل، كما حرصوا على اختيار كلمات قرآنية كثيرة في داخل الترجمة مثل (قل ياعبادي الذين هم لربهم ينتظرون. اعملوا في سبيله واحذروه كما يحذر الخدم ساعة يرجع مولاهم فما هم بنائمين. قال الحواريين أيريدنا مولانا بهذا أم يريد الناس أجمعين؟ فضرب لهم عيسى مثلاً ... ) «لاحظ الأخطاء النحوية فيما سبق» . إن قيام المنصرين بكتابة الإنجيل بطريقة تحاكي القرآن كما يزعمون لَهُوَ اعتراف منهم بالإخفاق الذريع، وبأن الإنجيل بعد تحريفه وتبديله لم يعد قادراً على هداية أتباعه فضلاً عن أعدائه. * وكذلك قراءة الإنجيل بطريقة «تشبه» تلاوة القرآن الكريم. * إقامة القداس الأسبوعي يوم الجمعة بدلاً من يوم الأحد، وهذا فعلوه في الكويت، بل إقامته بطريقة «تشبه» صلاة المسلمين في حركاتها. * تزيي المنصرين بأزياء الدعاة والمشايخ كما حدث في بلدان إفريقية كثيرة. * بناء الكنائس الجديدة بتصاميم تشبه المساجد فتقام لها قبة وما يشبه المئذنة. * الموافقة على بعض المبادئ والشعائر الإسلامية التي من العسير جداً أن يتركها من يدعونهم إلى النصرانية، مثل مبدأ تعدد الزوجات، فقد وجدوا أن بعض القبائل الإفريقية قد يجمع الرجل فيها بين أكثر من زوجة وزوجتين، ويصعب على مثل هذا الرجل أن يتخلى عنهن ويقتصر على واحدة إن هو تنصر، ويفضل المنصرون أن يدخل هذا الرجل في النصرانية ويظل متزوجاً بأكثر من واحدة من أن يبقى على إسلامه، وربما في مرحلة لاحقة يقنعونه بالتنازل عنهن ويختار من بينهن واحدة، ومثل ذلك أيضاً موافقتهم على الختان. * هذا وقد مرّ بنا من قبل أن المنصرين يقلعون عن العبارات المثيرة لسخط المسلمين ويستبدلونها بغيرها مما تروق للمسلمين وتنال استحسانهم. ١٥ - وعلى خطٍّ موازٍ لإثارة الشبهات لدى المسلمين وتحبيب النصرانية إليهم فإننا نرى المنصرين دأبوا على تشويه صورة الإسلام ورموزه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؛ فكثيراً ما يلصقون بالإسلام تهماً كالهمجية والرجعية والإرهاب. وهاكم الأمثلة: * ذكرت الكنيسة الهولندية في تقرير مشهور لها تم توزيعه على نطاق واسع «أن الإسلام دين كاذب False Religion وأنه خطر على العالم» . * نشرت إحدى المنظمات التنصيرية صوراً لمسجد يصلي فيه المسلمون كتب تحتها: «من أوكار الإرهاب» . * قيام الحملات الإعلامية والدعايات التلفزيونية لحرب المراكز الإسلامية العاملة في تلك الدول واتهامها بالعمالة لدول معادية، أو بالتخطيط للقيام بحرب دينية أو نحو ذلك، وهذا ما حدث ضد مركز الدعوة الإسلامي العالمي الذي كان يترأسه فضيلة الشيخ أحمد ديدات ﵀. ١٦ - استغلال الأدب في التنصير وهذا ما يسمى بالأدب التنصيري: استغل التنصير ودعاته مجال الثقافة والأدب وسيلة لنشر أفكارهم الضالة وبث سمومهم بين المسلمين، فلم ينته الأمر بهذا المخطط الآثم إلى الاعتماد على التعليم والخدمات الاجتماعية والطبية والوسائل التقليدية لتنصير المسلمين وزعزعة العقيدة في نفوسهم؛ بل سعى لاستغلال الأدب والثقافة حتى تتسع دائرة نشاطه ويصل إلى أكبر عدد ممكن من المسلمين؛ فقد قام المنصِّرون بتأليف الكتب والقصص والروايات التي تدعم نشاطهم حتى اشتهر في عالم الأدب ما عرف بـ (الأدب التنصيري) وهو يتمثل في ألوان الأدب المختلفة من قصة ومسرحية وقصيدة ومقالة وخاطرة ونصوص سينمائية، وكلها تحمل في طياتها الدعوة إلى اعتناق النصرانية والتنفير من الإسلام. ولم يكن الأدب التنصيري يسير وحده؛ فقد نسق مع جهات أخرى كثيرة تشارك معه في المصلحة والهدف وركز على منهج التربية والتعليم في البلدان التي وقعت مستسلمة تحت سيطرة الغزاة سياسياً وعسكرياً وفكرياً. ولم يقع الأدب التنصيري في السذاجة والسطحية، بل استخدم الإمكانات الفنية المتاحة له والمجربة في بلاده بدهاء وحنكة بالغين، فمزج السم بالدسم، ولجأ إلى التلميح بدلاً من التصريح، واستخدم الرمز وألوان الإثارة والتشويق، ونأى بجانبه عن السرد الأجوف والتعبير المباشر الممل، ووظف الإيحاءات توظيفاً ماكراً، ورسم حركة الحياة والأفراد وأنماط السلوك رسماً يتفق ومعتقداته ويبعد بها عن النماذج الإسلامية. والواقع أن القصة كانت المجال الخصب للدعوات التنصيرية في كل مكان، وهذه الروايات التنصيرية في عمومها تتخذ منهجاً خاصاً، يمكن إيجازه فيما يلي: ١ - تصوير القساوسة والرهبان بصورة ملائكية فريدة، يخوضون الأخطار دون خوف، ويتَّسِمون بجمال الملامح وجلال المظهر وتألق الثياب وحُسن السَّمْت. ٢ - يتصف (رجل الله) كما يسمونه بالصبر والحلم وتقديم التضحيات دون مقابل. ٣ - يعمد الكُتَّاب التنصيريون أساساً إلى البساطة في الأسلوب مهما كان المعنى عميقاً وتجنب التعقيد والغموض. ٤ - تشويه صورة الإسلام بطريقة غير مباشرة وإظهاره بمظهر الانحراف. ٥ - الحرص على الحفاظ على القيم الجمالية للشكل الفني؛ لأنه بدون ذلك لا يمكن أن يتحقق الهدف وينجح المخطط الموضوع. والحركة التنصيرية حركة معادية للإسلام تضع الأدب وفنونه في المكان الصحيح تخطط له وترصد له الإمكانات المادية الكافية، وتهتم بترجمته إلى عديد من اللغات حتى يؤتي أكله في كثير من مناطق العالم الإسلامي، وتتكفل بحملات إعلان عنه، وتوعز إلى النقاد بتناوله بالتقييم والتقديم، وترصد له الجوائز العالمية الكبيرة، وتجعل منه مصدراً لأعمال سينمائية وتلفزيونية ومسرحية، وتستنهض همم كبار الكتاب للمشاركة فيه وتنعم عليهم بأرفع الأوسمة وتعرض أعمالهم بأسعار رمزية وبشتى الوسائل. والأدب التنصيري الغربي ليس في الحقيقة مجرد تبيان لمحاسن أخلاق المنصرين والقساوسة والرهبان فحسب، ولكن هناك ما هو أخظر من هذا التصور؛ إذ يهدف هذا الأدب إلى أمرين خطيرين هما: ١ - تشويه صورة الإسلام والنيل منه، وتوهين عرى الالتقاء بين المسلم وتراثه العقدي والسلوكي. ٢ - التمهيد لمفاهيم غربية أشد التصاقاً بالاتجاه الديني النصراني، ولعل هذا يفسر السلوك الغربي المنافي لعقيدتنا في السهرات والاختلاط، وتجاهل القيام بالفرائض، والتخلي عن السنن والآداب الإسلامية. وقديماً كتب كل من (إسكندر دوين) و (بريدو) و (روسّو) و (فولتير) قصصاً تنصيرية أوسعوا الإسلام وأشبعوه فيها سباً وقذفاً، ولنسمع ما قاله توفيق الحكيم عن مسرحية (محمد) [*] التي كتبها (فولتير) حيث قال: «قرأت قصة فولتير التمثيلية (محمد) [*] فخجلت أن يكون كاتبها معدوداً من أصحاب الفكر الحرّ؛ فقد سَبّ فيها النبي ﷺ سباً قبيحاً عجبت له، وما أدركت له علة؛ لكن عجبي لم يطل؛ فقد رأيته يهديها إلى البابا (بنوا الرابع عشر) » . ويضيف توفيق الحكيم: «لقد قرأت فيما بعد رَدّ البابا على فولتير فألفيته ردّاً رقيقاً كيِّساً لا يشير بكلمة واحدة إلى الدين، وكله حديث في الأدب» . نشرت المجلة الدولية للبحوث الآثارية الأمريكية Internatianal Bullettin of Missionary Research بعض الأرقام عن النشاط التنصيري لعام ١٩٩٠م: - عدد المنظمات العاملة: ٢١٠٠٠ منظمة. - عدد المعاهد التي تبعث بمنصرين: ٣٩٧٠ منظمة. - عدد المعاهد التنصيرية: ٩٩٢٠٠ معهد. - عدد المنصرين العاملين داخل أوطانهم: ٣٩٢٣٠٠٠ منصر. - عدد المنصرين العاملين خارج أوطانهم: ٢٨٥٢٥٠ منصر. - عدد المجلات والدوريات التنصيرية: ٢٣٨٠٠ مجلة دورية. - عدد نسخ الإنجيل والعهد الجديد: ١٢٩ مليون نسخة. - التبرع للكنيسة: ١٥٧ بليون دولار. - أنواع الكتيبات الجديدة: ٦٥٦٠٠ كتيب. - عدد محطات الإذاعة والتلفزيون: ٢١٦٠ محطة. - عدد المستمعين والمشاهدين شهرياً: ١٣٦٩٦٢٠٦٠٠ شخص. ونشرت المجلة نفسها إحصائية أخرى لأعمال التنصير لعام ١٩٩٦م جاء فيها: - عدد المنظمات العاملة: ٤٥٠٠ منظمة. - عدد المنظمات التي تبعث بمنصرين: ٢٣٢٠٠ منظمة. - عدد المنصرين العاملين داخل أوطانهم: ٤٦٣٥٥٠٠ منصر. - عدد المنصرين العاملين خارج أوطانهم: ٣٩٨٠٠٠ منصر. - التبرع للكنيسة: ١٩٣ بليون دولار. - عدد أجهزة الكمبيوتر في خدمة التنصير: ٢٠٦٩٦١٠٠٠ جهاز. - أنواع المجلات والدوريات التنصيرية: ٣٠١٠٠ مجلة دورية. - عدد نسخ الأناجيل والعهد الجديد: ١٧٨٣١٧٠٠٠ نسخة. - عدد محطات الإذاعة والتلفزيون: ٣٢٠٠ محطة. المراجع: ١- التبشير والاستعمار في البلاد العربية، الدكتور: وليد الخالدي، والدكتور: عمر فرُّوخ؟ . ٢ - القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى، د. سفر الحوالي. ٣ - الإسلام على مفترق الطرق، محمد أسد. ٤ - إصدارات لجنة مسلمي إفريقيا (تصدر في الكويت الأمين العام د. عبد الرحمن السميط) . - مجلة «الكوثر» الأعداد، ٢، ٣، ٤، ٦. - مجلة «أخبار اللجنة» الأعداد: ١، ١٨، ١٩، ٢٠. - مجلة «الدراسات» العدد الأول. ٥ - مجلة الوعي الإسلامي (الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت) الأعداد: ٣٥٠، ٣٤١، ٣٧٨. ٦ - مجلة الرابطة: (الصادرة عن رابطة العالم الإسلامي بجدة) العدد: ٣٦٨. ٧ - مجلة التوحيد: (الصادرة عن جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر) العدد: ٤ السنة ٢٧. ٨ - مجلة المختار الإسلامي: الأعداد: ١٣٠، ١٣٣، ١٧١. ٩ - جريدة المسلمون: ٥٧٤، ٦٥٩. ١٠ - جريدة أخبار اليوم بتاريخ ٢٣/٨/١٩٩٧م. ١١ - جريدة الأهرام بتاريخ: ١، ١١، ٢٨/٥/١٩٩٧م، ١١، ١٤/٩/١٩٩٧م، ١٣/١٢/١٩٩٧م، ١٣/٢/١٩٩٨م، ٣/٣/١٩٩٨م، ١٣/١٢/١٩٩٨م، ٣٠/٣/ ١٩٩٩م، ١٠، ٩/٥/١٩٩٩م. ١٢ - جريدة وطني (لسان حال الأقباط بمصر) ، الأعداد: ١٨٣٧ - ١٨٦٠. ١٣ - يوميات ألماني مسلم، د. مراد فريد هوفمان: (ترجمة عباس رشدي العماري) .

стр. 3564

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (١ - ٢) التنصير في إفريقيا الأهداف والوسائل وسبل المواجهة د. مانع بن حماد الجهني [*] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد: فإن الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر أمر لا بد منه، بل هو من سنن الله الكونية حتى يعلم الله تعالى الذين جاهدوا في سبيله وصدقوا في الدفاع عن دينه. وقد تعدد أعداء الإسلام واجتمعوا على حربه وإن اختلفوا فيما بينهم، ومن أبرز هؤلاء الأعداء النصارى الذين تنوعت خططهم وأساليبهم القذرة في محاربة دين الله وأوليائه، ولم يتورعوا في استخدام أبشع ما يمكن من الأساليب، ولم يسجل التاريخ في جميع أدواره أحلك من الصفحات التي تضمنت سرداً لأحداث الحروب الصليبية القذرة، ولم تصب الإنسانية في صميمها بمثل ما أصيبت به في تلك الحروب. ويكفي أن نعلم أن الحروب الصليبية أسقطت في بغداد وحدها (٠٠٠, ٨٠٠ , ١) قتيل من المسلمين، وفي سوريا نصف هذا العدد. ومع كل هذا فقد خابت الحروب الصليبية فيما كانت تسعى إليه من تدمير الإسلام، وكانت عاملاً محركاً للمسلمين؛ إذ أيقظتهم من مرقدهم وغفوتهم، وأعادت لهم عزم المؤمنين على الدفاع عن دين الله. وبعد إخفاق دول أوروبا في الحروب الصليبية التي استخدمت فيها الحديد والنار أثارت حرباً صليبية عن طريق التنصير الذي نرى آثاره في العالم اليوم. ولذلك بات من الضروري كشف مخططات المنصرين وأساليبهم والعمل على نشر الإسلام في ربوع الدنيا كلها. ولما كانت قارة إفريقيا لها نصيب الأسد من جهود المنصرين جاء هذا البحث للمشاركة في التصدي لرد كيد القوم الضالين في نحورهم والسعي في إعلاء كلمة الله تعالى. قارة إفريقيا والتنصير: اهتم المنصرون اهتماماً بالغاً بالقارة الإفريقية، وبذلوا جهوداً مضنية في سبيل تنصيرها؛ بل إنهم رفعوا شعار: (إفريقيا نصرانية عام ٢٠٠٠م) كما زعموا، ومن أجل ذلك فقد عقدوا المؤتمرات وقدموا الأموال الطائلة، ووظفوا المنصرين وهيؤوا السبل وأجلبوا بخيلهم ورجلهم لتحقيق مآربهم، ولكن مثلهم كما قال تعالى: [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ] (الأنفال: ٣٠) . فإن دين الله باقٍ، والنصر والتمكين والاستخلاف في الأرض لأوليائه الصادقين مهما تطاول الباطل ومهما نما زرعه [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] (النور: ٥٥) . ولما كان الحكم على الشيء فرعاً من تصوره فإننا نبدأ بالتعرف على: ١ - أسباب اهتمام المنصرين بإفريقيا: يرجع اهتمام المنصرين بقارة إفريقيا إلى عدة أسباب هي: أ - الفقر: ٣٩% من سكان إفريقيا يعانون من سوء التغذية [١] ، وهي أكبر نسبة في العالم. وقد أدرك أعداء الله من المنصرين هذا الأمر، وأدركوا الحاجة الماسة التي يعانيها كثير من أهالي قارة إفريقيا، فعملوا على تنصير الناس من خلال تقديم المعونات لهم، وقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها والقبول منه. ب - الجهل: التعليم أمره خطير، وبسببه قد ترتفع الأمم إلى القمم، وهو من أعظم وسائل التقدم. يقول محمد إقبال: «إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي ثم يكوِّنها كما يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيراً من أي مادة كيماوية، وهو الذي يستطيع أن يحول جيلاً شامخاً إلى كومة تراب» [٢] . وقد أدرك المنصرون خطورة التعليم خاصة في القارة التي ينتشر فيها الجهل فعملوا على إيجاد المدارس والجامعات التنصيرية، كما سيأتي في وسائلهم. ونكتفي هنا بالإشارة إلى قول المسيو شاتلين: «ينبغي لفرنسا أن يكون عملها في الشرق مبنياً قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية» [٣] ، كما يقول: «يوم لا يبقى اللسان العربي هو لغة التجارة في إفريقيا، لا يبقى خطر من جهة الإسلام؛ لأن مدارسه تصير قفرة» [٤] . ج - المرض: إن الثالوث الخطير الذي يوجد في إفريقيا: الفقر، والجهل، والمرض يجعل منها مرتعاً خصباً للمنصرين، فقد استغلوا علاج الأمراض المنتشرة في العالم الإسلامي وبالأخص إفريقيا لتحقيق أطماعهم، وحولوا المهنة الإنسانية إلى وسيلة قذرة لاستغلال مآسي الناس. ولذلك تجدهم يقولون: «حيث تجد بشراً تجد آلاماً، وحيث تكون الآلام تكون الحاجة إلى الطبيب، وحيث تكون الحاجة إلى الطبيب؛ فهناك فرصة مناسبة للتنصير» [٥] . وإذا أردت أن تعرف مبلغ اهتمام المنصرين بالطب لأجل التنصير فاعلم أن المعالجة في الحبشة كانت لا تبدأ قبل أن يركع المرضى ويسألوا المسيح أن يشفيهم [٦] . د - الوجود الإسلامي: قال المستر «بلس» : «إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في إفريقيا، والمسلم فقط هو العدو اللدود لنا؛ لأن انتشار الإنجيل لا يجد معارضاً لا من جهل السكان، ولا من وثنيتهم، ولا من مناضلة الأمم المسيحية وغير المسيحية» [٧] . ويقول فيليب فونداسي: «الإسلام يؤلف حاجزاً أمام مدنيتنا المبنية كلها على مؤثرات مسيحية ومن مادية ديكارتية؛ فإن الإسلام يهدد ثقافتنا الفرنسية في إفريقيا السوداء بالقضاء عليها [٨] . هـ - نصرة العقيدة النصرانية وإنقاذ غير النصارى من الضالين: لا عجب إذا كان صاحب المبدأ الحق يدافع عن مبدئه، ويدعو إليه، ويبذل كل ما بوسعه من أجله، ولكن العجب في ثبات صاحب المبدأ الضال على مبدئه والدعوة إليه والتضحية من أجله واعتباره خلاصاً للبشرية جمعاء، واعتبار المبادئ المخالفة له وإن كانت هي الحق ضلالاً يجب إنقاذ أهلها وإرجاعهم إلى النصرانية، وهذا ما يراه المنصرون ويسعون إليه من خلال تدليسهم وتلبيسهم وتغييرهم للحقائق. ومن ذلك ما رواه لنا مصري ذهب في بعثة علمية إلى إحدى المدن الأمريكية ونزل ضيفاً بالأجر على امرأة مسيحية (ورعة) تملك منزلاً صغيراً وتديره، عندما سألت المرأة نزيلها عن بلده أجابها: مصر، وسألته عن دينه فأجاب: مسلم، فما كان من المرأة إلا أن أظهرت مشاعر الرثاء والشفقة وهي تقول له: يا لكم من مساكين! ألم يأت إلى بلادكم أحد المنصِّرين؟ [٩] . و خدمة الأهداف السياسية والاقتصادية: لا يخفى على أحد اهتمام رجال السياسة من اليهود والنصارى بتسخير كل ما يستطيعون لأجل خدمة أغراضهم وأهدافهم الخبيثة حتى وإن كان ذلك عن طريق الدين. لذلك فقد جعل هؤلاء الساسة من التنصير أداة لخدمة أغراضهم، ولذا تراهم يتولون الإشراف على مؤتمرات التنصير أمثال لورد بلفور الذي أعلن أهمية مؤسسات التنصير في خدمة أهداف السياسة [١٠] . ٢ - لمحة تاريخية عن دخول النصرانية إلى إفريقيا وبداية العمل التنصيري وارتباطه بالاستعمار: من الوقائع المسلَّم بها أن عمليات التنصير مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاستعمار ومواكبة له، بل إنها قد استمدت منه كل عون وتأييد، وسعت لتثبيت نفوذها وانتشارها من خلاله. وقد دخل المبشرون الكاثوليك ربوع إفريقيا منذ القرن الخامس عشر، أي في أثناء الاكتشافات البرتغالية [١١] . وفي أواخر القرن السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر أخذت الجمعيات البروتستانتية تظهر للوجود [١٢] . وبعد وفاة الرحالة لنتجستون عام ١٨٧٣م، الذي قام برحلته التي رفعت الستار عن إفريقيا الوسطى، بعد وفاته كانت منافذ إفريقيا الرئيسة مفتوحة على مصاريعها أمام البعثات التنصيرية الأوروبية [١٣] . ٣ - أرقام وحقائق عن حجم النشاط التنصيري وقوته: في حين أننا نرى ونشاهد نشاط المنصرين وقوة إمكانياتهم ودعم الفاتيكان ودول الكفر لهم، نرى في المقابل ضعف إمكانيات الدعاة إلى الله وتخاذل كثير من الدول الإسلامية عن نصرتهم، وحينما نعرض لبعض الحقائق عن المنصرين وقوة نشاطهم فإننا نرمي من وراء ذلك إلى كشف مخططاتهم وبيان حجم المشكلة، وندعو المسلمين إلى الدفاع عن دينهم ونصرته بكل ما يستطيعون ونبشرهم أن الله عز وجل يبارك في جهودهم ويرد كيد أعدائهم، قال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . وإليك بعض الأرقام والحقائق عن النشاط التنصيري: - تشير إحصائية عام ١٩٧٦م إلى أن الكنيسة الكاثوليكية تملك في إفريقيا الجنوبية وحدها حوالي مليون ونصف مليون كنيسة. ومجموع الإرساليات الموجودة في (٣٨) بلداً إفريقياً يبلغ (١١١٠٠٠) إرسالية، وبعضها يملك طائرات تنقل الأطباء والأدوية والممرضات لعلاج المرضى في الأحراش. - وفي عام ١٤١٦هـ كان المنصرون في إفريقيا يملكون أكثر من ٥٢ إذاعة وللمسلمين إذاعة واحدة فقط. - وقد بلغ عدد المنصرين في إفريقيا عام ١٩٨٥م / ١٤٠٦هـ أكثر من ١١٣ ألف منصر يشرفون على تعليم أكثر من خمسة ملايين طالب. كما بلغت المستشفيات والمستوصفات التي أقامتها الإرساليات ١٦٠٠ مستوصف ومستشفى كنسي. وارتفعت قيمة الدعم المالي للمنصرين فبلغت ٣. ٥ ألف مليون دولار سنوياً ووصل عدد المدارس اللاهوتية لتخريج المنصرين والقسس في إفريقيا إلى ٥٠٠ مدرسة لاهوتية بالإضافة إلى عشرين ألف معهد كنسي في أنحاء القارة. وكلها تعد المنصرين إعداداً خاصاً. - وفي عام ١٩٨٥م زار البابا إفريقيا وتحدث فيها إلى ٨٠ ألف شاب مسلم بملعب الدار البيضاء بالمغرب، ودشن كتدرائية القديس بولس بأبيدجان التي تتسع لثمانية آلاف شخص وهي أوسع معبد نصراني في إفريقيا ولا يتجاوزها في العالم إلا الفاتيكان. - وفي عام ١٩٨٠م كانت (١٤) دولة في إفريقيا تمنع دخول المنصرين إليها، ولكنها في عام ١٩٩٩م لم يبق منها إلا (٣) دول فقط تمنع دخول المنصرين إليها. - وفي عام ١٩٠٠م كانت نسبة النصارى في إفريقيا ١٠%، أما في عام ١٩٩٠م فقد ارتفعت نسبة النصارى إلى ٥٧%. - كما كان عدد النصارى في إفريقيا عام ١٩٧٠م» ٠٠٠ , ٢٥٧ , ١٢٠ « وفي عام ١٩٩٩م فقد بلغ عدد النصارى» ٠٠٠ , ٣٦٨, ٣٣٣) [١٤] . أهداف التنصير في إفريقيا: إن للتنصير أهدافاً عامة في إفريقيا كغيرها من القارات، إلا أن إفريقيا تتميز بهدف خاص عن بقية القارات إلى جانب أهداف عامة: ١ - الهدف الخاص: وهو أن يتم تحويل إفريقيا إلى قارة نصرانية عام ٢٠٠٠م نظراً لما يتمتعون به من سيطرة على الحياة السياسية والتعليمية والاقتصادية، وهذا ما صرح به البابا بولس الثاني في كلمته التي ألقاها بمناسبة ذكرى ميلاد المسيح في روما عام ١٩٩٣م لدى استقباله وفد أساقفة إفريقيا؛ حيث قال: «ستكون لكم كنيسة إفريقية منكم وإليكم، وآن لإفريقيا أن تنهض وتقوم بمهمتها الربانية، وعليكم أيها الأساقفة تقع مسؤولية عظيمة، ألا وهي تنصير إفريقيا كلها في عام ٢٠٠٠» [١٥] . وقد جند النصارى كل طاقاتهم التنصيرية والمادية والعلمية بالتنسيق الكامل بين الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي وغيرها من الهيئات التنصيرية من أجل تحقيق مطامعهم في تنصير القارة مع نهاية هذا القرن [١٦] ، وقام البابا بثلاث زيارات خلال خمس سنوات طاف فيها إفريقيا شرقاً وغرباً [١٧] . ٢ - الأهداف العامة [١٨] : يظن بعض الناس أن المنصرين يأتون لنشر الدين على أنه هدفهم الأسمى. والحق أن نشر الدين أمر ثانوي جداً في جميع الحركات التنصيرية، بل إن الكثرة المطلقة من الذين يمولون حركات التنصير ومن الذين يأتون فيها لا صلة بين أهدافهم الحقيقية وبين الذين يزعمون أنهم قد جاؤوا لنشره. بل إن المنصرين هم في الحقيقة سماسرة وجواسيس من ذوي الأطماع الشخصية والمصالح الخاصة وهم لا يتحلون بالأخلاق الحميدة. ويمكن تلخيص أهدافهم العامة في: أ - الحيلولة دون دخول النصارى في الإسلام، والحيلولة دون دخول الأمم الأخرى غير النصرانية في الإسلام والوقوف أمام انتشاره. ب - القضاء على الإسلام في نفوس المسلمين، وتحويلهم إلى مسخ آدمية لا تحمل من الإسلام إلا اسمه، ولذلك كانت المهمة الأولى التي قامت من أجلها حركة التنصير هي القضاء على مصدر القوة الأساسية التي يعتمد عليها المسلمون ألا وهي العقيدة الإسلامية. وهذا ما صرح به المنصر الأمريكي زويمر؛ حيث قال: «أنا لا أهتم بالمسلم كإنسان. إنه لا يستحق شرف الانتساب إلى المسيح.. فلنغرقه بالشهوات، ولنطلق لغرائزه العنان حتى يصبح مسخاً لا يصلح لأي شيء» . ج - القضاء على وحدة العالم الإسلامي: إن وحدة المسلمين في جميع دول العالم الإسلامي كانت وراء انتصارهم على الغرب، ولذلك فقد قال القس سيمون: «إن التنصير عامل مهم في كسر شوكة الوحدة الإسلامية، ويجب أن نحول بالتنصير مجاري التفكير في هذه الوحدة حتى تستطيع النصرانية أن تتغلغل بين المسلمين. وعلى سبيل المثال فقد قام المنصر زويمر بالاندساس بين أبناء الأزهر في زي طلبة العلم، ثم راح يوزع منشورات توقع الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط. د - معاونة الاستعمار الغربي والتجسس على العالم الإسلامي: ولا أدل على ذلك من قول نابليون:» إن في نيتي إنشاء مؤسسة الإرساليات الأجنبية؛ فهؤلاء الرجال المتدينون سيكونون عوناً كبيراً في آسيا وإفريقيا، وسأرسلهم لجمع المعلومات عن الأقطار. إن ملابسهم تحميهم وتخفي أية نوايا اقتصادية أو سياسية «. هـ - الربح المادي والكسب التجاري: فقد اكتشف في إفريقيا أن الكنيسة ما هي إلا مشروع تجاري، وأن الأطفال الإفريقيين يؤخذون إلى مدارس التنصير لا من أجل التعليم بل للعمل في مزارع الإرساليات. وسائل التنصير في إفريقيا: ١ - وسائل مباشرة: كان المجال الأول الذي بدأ به المبشرون هو مجال التحدي المباشر للإسلام عن طريق المناظرة لعلماء المسلمين [١٩] . ثم عدل المبشرون عن مثل هذه المواجهة الصريحة، وانطلقوا في المجالات الأخرى غير المباشرة [٢٠] . كما لا يخفى أن من وسائلهم المباشرة بناء الكنائس الشاهقة، وتوزيع الإنجيل بأكبر كمية. ٢ - وسائل غير مباشرة: إن وسائل المنصرين غير المباشرة كثيرة، والحديث عنها يطول، ولكننا نأخذ على عجالة أهمها مع الإلماح إلى شيء يسير من الحقائق عنها: أ - التطبيب: (استغلال آلام البشر) : إن المريض المتألم يضحي بأشياء كثيرة في ملكه حتى يتخلص من آلامه، وإذا رأى أحد قريباً له أو ابناً على الأصح مريضاً زاد رضاه بالتضحية، وقلَّت قيمة كل شيء في عينيه في سبيل شفاء ابنه أو أمه أو أبيه أو زوجه، ولقد أدرك المنصرون هذا الميل في البشر، فخرجوا عن كل نبل في الطبيعة الإنسانية، وسخروا الطب في سبيل غايات حسبك دليلاً على نوعها قولهم هم:» حيث تجد بشراً تجد آلاماً، وحيث تكون الآلام تكون الحاجة إلى الطبيب، وحيث تكون الحاجة إلى الطبيب فهنالك فرصة مناسبة للتنصير « [٢١] . وقد أنشأ المنصرون الأطباء مستوصفاً في بلدة الناصرة في السودان، وكانوا لا يعالجون المريض أبداً إلا بعد أن يحملوه على الاعتراف بأن الذي يشفيه هو المسيح [٢٢] ، ومن الحيل التي استعملها المبشرون في وادي النيل أنهم استخدموا ثلاثة مراكب وجعلوها مستوصفات نقالة على النيل وكانوا يعلنون عن مجيء الطبيب قبل أن يصل بوقت طويل، فيأتي الناس من كل صوب يحملون مرضاهم وينتظر الجميع قدوم الطبيب؛ وفي هذه الأثناء يقوم فيهم من ينصِّر فرحاً بالجموع من غير أن يتحرك ضميره لهذه الآلام التي يتحملها المرضى في وضح الشمس ومضض الانتظار عمداً وخداعاً [٢٣] . وفي غينيا تقوم سفينة (أناستالدي) بزيارة الجمهورية، وهي سفينة ضخمة تحمل على متنها أجهزة طبية متطورة وأطباء متخصصين في جميع الأمراض، وإذا دخل الشخص المريض فإنهم يجرون عليه فحوصات عدة ويقدمون له جميع الأدوية مجاناً. وطريقتهم أن يجمعوا المرضى في مكان واحد، ويأمروهم بالوقوف في صف واحد؛ وقبل البدء في تقديم الدواء يأتي رجل من داخل السفينة يحمل آلة موسيقية ويبدأ العزف، ثم تأتي مجموعة من الشباب يغنون أغاني دينية ويرقصون، وبعد دقائق تُعرض بعض أفلام الفيديو التي تخدم أغراضهم الخبيثة [٢٤] . ب - التعليم: لقد أدرك المنصرون أهمية العلم ودوره في توجيه حياة الناس، فأساؤوا إليه أيما إساءة، واتخذوه وسيلة لخدمة أغراضهم وأطماعهم، ووظفوا لذلك المعلمين من المنصرين الذين نفرت من قلوبهم الأمانة والاستقامة والصدق. وفي هذا يقول اللورد كرومر:» إن المصري الذي خضع للتأثير الغربي، فإنه وإن كان يحمل الاسم الإسلامي لكنه في الحقيقة ملحد ارتيابي « [٢٥] . ومن أجل ذلك فقد اهتموا بإنشاء المدارس والجامعات في إفريقيا، وكما ذكرنا أنه في إحصائية عام ١٩٨٥م كانوا يشرفون في إفريقيا على تعليم أكثر من خمسة ملايين طالب. وغير خافٍ أن المنصرين أنشؤوا الجامعة الأمريكية في مصر لتزاحم الأزهر. كما اهتموا بتعليم الصغار أيما اهتمام. يقول المنصر المشهور جون موط: » يجب أن نؤكد في جميع ميادين (التنصير) جانب العمل بين الصغار وللصغار.. ترانا مقتنعين بأن نجعله عمدة عملنا في البلاد الإسلامية، إن الأثر المفسد في الإسلام يبدأ باكراً جداً، من أجل ذلك يجب أن يُحمَل الأطفال الصغار إلى المسيح قبل بلوغهم الرشد وقبل أن تأخذ طبائعهم أشكالها الإسلامية. إن اختبار الإرساليات في الجزائر فيما يتعلق بهذا الأمر وكما ظهر من بحوث مؤتمر شمالي إفريقيا اختبار جديد ومقنع « [٢٦] . ونذكر على سبيل المثال بعض الكليات والمدارس التنصيرية الخطيرة المنتشرة في مصر: - كلية التجارة بالعطارين بالإسكندرية. - مدارس الأمريكان بالقاهرة. - مدارس الأسقفية الإنجليزية بسراي القبة. - الجامعة الأمريكية. - كلية البنات الأمريكية بشارع رمسيس. - مدرسة الأزبكية للبنات بالقاهرة. - كلية أسيوط الأمريكية بأسيوط. - كلية البنات الأمريكية بأسيوط. - كلية البنات الأمريكية بالأقصر. ج - الخدمات الاجتماعية وأعمال الخير: كتب المر دوغلاس مقالاً عنوانه:» كيف نضم إلينا أطفال المسلمين في الجزائر؟ «ذكر فيه أن ملاجئ قد أنشئت في عدد من أقطار الجزائر في شمال إفريقيا لإطعام الأطفال الفقراء وكسائهم وإيوائهم أحياناً، ثم قال: إن هذه السبل لا تجعل الأطفال نصارى لكنها لا تبقيهم مسلمين كآبائهم. ومثل هذه الجهود يبذلها المنصرون في شمالي إفريقيا ومصر [٢٧] . وكانت البعثات التنصيرية في السنغال توقع عقوداً مع الأسر الفقيرة تقدم البعثات بموجبها إلى هذه الأسر مساعدات عينية ضئيلة من أرز وخبز في كل شهر على أن يكون لها حق اختيار أحد أطفال الأسرة دون الخامسة من عمره، ثم يربى تربية مسيحية، ويرسل إلى فرنسا لاستكمال التعليم العالي، ثم يستخدَم بعد ذلك هو الآخر في أعمال التنصير، أو يستخدَم في تحقيق مصالح الغرب النصراني، وللأسف الشديد أن (سنجور) رئيس جمهورية السنغال السابق كان أحد هؤلاء الأطفال الذين وقعوا فريسة للتنصير مع أن أبويه وإخوانه مسلمون [٢٨] . د - السيطرة على الوسائل الإعلامية: حيث إنهم يقومون بالتنصير عن طريق الأقمار الصناعية، وهم يمتلكون في إفريقيا أكثر من ٥٢ إذاعة، وفي هذا يقول الأسقف شالي عميد كلية الدين في ياوندي:» أخيراً سبقنا المسلمين بهذه الوسيلة. كان من الممكن الوصول إلى الأماكن التي نحن نصل إليها وأبلغنا فيها البشارة بعد سنتين أو ثلاث بوسائلهم المتواضعة؛ ولكن الآن لا مجال للوصول إلى حيث وصل صوت البشارة، وصلوا شكراً للرب المسيح ابن الله المحبوب والمحب « [٢٩] . كما يستخدمون عدداً من الصحف اليومية والأسبوعية بالإضافة إلى النشرات والدوريات والكتب، ويعلن المنصرون أنهم استغلوا الصحافة المصرية على الأخص للتعبير عن الآراء المسيحية أكثر مما استطاعوا في أي بلد إسلامي آخر [٣٠] . هـ - استغلال الأزمات والكوارث الفردية والاجتماعية: ويتجلى ذلك بتصيد اللقطاء والمشردين والمشردات وأصحاب الأزمات المختلفة من أبناء المسلمين وبناتهم، وكذلك الذين فقدوا أهليهم في الحروب والفتن والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الأخرى وإيوائهم لتنصيرهم. ومن أمثلة ذلك الحملات المكثفة التنصيرية لتنصير أطفال المسلمين اللاجئين في الصومال التي نشرت الصحف عنها في عام ١٤٠٢هـ[٣١] . و إبعاد المسلمين الحقيقيين عن القيادة السياسية: حتى يخلو لهم الجو ليفعلوا ما يشاؤون. ومثال ذلك في سيراليون؛ إذ إن ٨٠% من السكان مسلمون، ويشكل النصارى ٥% ومع ذلك يسيطرون على ١٧ مقعداً، من أصل ٢٢ مقعداً وزارياً، ومن مقاعد النصارى منصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزراء الخارجية والمالية والإعلام، ويتكرر المثال في السنغال؛ حيث يبلغ المسلمون ٩٠%، وفي إفريقيا الوسطى ٧٠% قبل إسلام بوكاسا، وغامبيا ٩٠% قبل إسلام جاورارا. وتنزانيا ٤٥%، والحبشة ٦٠%، وتشاد وفولتا العليا وليبيريا، كلها أغلبيات إسلامية تحكمها أقلية نصرانية [٣٢] . ز - تأسيس منظمات سرية تعمل في الخفاء: ومن أمثلة هذه المنظمات السرية ما أعلنته الصحف السودانية في أواخر السبعينيات من أن سلطات الأمن السودانية اكتشفت خلية سرية تعمل في الخفاء لبث الدسائس والأفكار المعادية للإسلام والداعية إلى النصرانية، وزعيم الخلية طبيب سويسري يعمل في الخرطوم، وهي تابعة لمنطمة دولية مركزها» بازل « بسويسرا، وقد عثر في مركز الخلية على (٢٠٠) ألف كتاب من الكتب المعادية للدين الإسلامي والمحرفة له والمشوهة لحقيقته والداعية إلى الردة عنه، كما وجدت فيه كميات كبيرة من الأشرطة التي سجلت فيها موضوعات معادية للإسلام ومنها تلاوات شبيهة بالقرآن وهي ليست قرآناً بغية تضليل عوام المنتمين إلى الإسلام في إفريقيا وغيرها [٣٣] . ح - عقد المؤتمرات: التي تجمع من أنحاء العالم لتبادل الآراء المناسبة والطرق المثلى لحرب الإسلام والمسلمين ونشر عقائدهم ومذاهبهم الهدامة، ومن هذه المؤتمرات على سبيل المثال المؤتمر التنصيري الذي انعقد في القاهرة سنة ١٩٠٦م، وكذلك مؤتمر كولورادو الذي عقد عام ١٩٧٨م. هذه هي أهم وسائل القوم في الدعوة إلى دينهم الباطل وعقائدهم الفاسدة؛ وإن كانت هناك وسائل كثيرة غيرها يضيق المجال عن ذكرها مثل النوادي، ومثل استخدام المرأة عن طريق الصداقات المحرمة مع الشباب، ومثل الفنادق العالمية الكبرى والأسواق وإغراق المجتمع بالشهوات، وأسلوب المراسلات، والعمل في مجالات التنمية وغيرها. فينبغي علينا معشر المسلمين الحذر من كيد الأعداء؛ وذلك من خلال فضح خططهم ومخططاتهم، والعمل على محاربتها وبيان بطلانها؛ فقد تعبدنا باستبانة سبل المجرمين، بل جاءت آيات الكتاب العزيز مفصلة لنتبين خطط أعداء الله. قال جل شأنه: [وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ] (الأنعام: ٥٥) . خاتمة: وفي ختام هذا البحث نتوجه إلى كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بهذه الكلمة: إن التنصير يجتاح قارة إفريقيا المسلمة، ويعمل ما يحلو له؛ وها أنتم ترون خططه ومخططاته واضحة وجلية للعيان، وهاهم جنده يواصلون الليل بالنهار ويعملون بكل جد من أجل القضاء على الدين الإسلامي وإخراج المسلمين من دينهم. فيا أمة الإسلام! اللهَ اللهَ بالدفاع عن عقيدتكم ودينكم الحق، ولْنَسْعَ جميعاً لرد كيد أعداء الله، ولْنُرِ الله من تضحياتنا وصدقنا ما يكون سبباً في نصرة الله لنا، ولنحثَّ الخطا في طريق استعادة هويتنا الإسلامية، ولنتوجه إلى الله قبل ذلك وبعده أن يبرم لأمتنا المباركة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية والكفر، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 3565

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (١ - ٢) النشاط التنصيري في كردستان العراق د. فرست مرعي الدهوكي يوجد في كردستان إلى جانب الكرد المسلمين طوائف نصرانية مختلفة مثل الكلدان والنسطوريين (الآثوريين) والسريان والأرمن، وكانوا يعيشون بسلام ووئام بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء التي تؤكد على احترام أهل الكتاب عملاً بوصية الرسول العظيم محمد ﷺ : «من آذى ذمياً فأنا خصمه» [١] . وكان الجميع يعيشون في ظل الخلافة الإسلامية بدءاً من الخلافة الراشدة ومروراً بالحقبة الأموية فالعباسية وانتهاءاً بالدولة العثمانية. ولكن الضعف الذي انتاب الدولة العثمانية في أواخر أيامها ومخططات الدول الأوروبية النصرانية لتقسيمها بعد تسميتها من قِبَل القيصر الروسي (نيقولا) بالرجل المريض هذه الآمال انتعشت بوجود أقليات نصرانية داخل جسم الدولة العثمانية مما حدا بالقناصل والرحالة والمبشرين الأوروبيين إلى الاتصال بهذه الطوائف إضافة إلى هذه الامتيازات التي منحها السلطان سليمان القانوني للإمبراطور الفرنسي فرنسوا الأول وما تبعها من منحها للإنكليز والروس، كل هذا أدى إلى تدخل الدول الأوروبية في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية. فكانت بريطانيا تحرص على رعاياها البروتستانت والدروز، وفرنسا تحرص على حماية الكاثوليك من كلدان ومارون؛ بينما حرصت روسيا على حماية الطوائف الأرثوذكسية. وفعلاً بدأت هذه المخططات تأتي أُكُلَها بتعاون رؤساء هذه الطوائف مع واضعي هذه المخططات من إنكليز وروس. ففي أثناء الحرب العثمانية الروسية عام ١٨٧٨م انحاز الآثوريون إلى جانب الروس ضد دولتهم التي تحميهم. كما انحازوا سابقاً إبان حرب القرم (١٨٥٣ ١٨٥٦م) حيث صرح البطريرك الآشوري مار شمعون «عن رغبته بالوقوف إلى جانب روسيا؛ فقد اقترح البدء بمحادثات موجهة بشكل رئيس نحو مسألة اتحاد الآشوريين (الآثوريين) بالأرثوذكسية الروسية، ولذا حارب الآشوريون المقيمون في روسيا في هذه الحرب بشجاعة في صفوف الجيش الروسي» [٢] . لمحة تاريخية عن ظهور النسطورية: في هذه الآونة بدأت الإرساليات التبشيرية بالدخول شيئاً فشيئاً إلى مناطق تمركز الآثوريين والأرمن بقصد إدخالهم في حظيرة الكنيسة الكاثوليكية؛ حيث اتهموا بالهرطقة والخروج عن دين المسيح ﵇ إثر مجمع إيفيسس [٣] ٤٣١ م؛ حيث أعلن نسطوريوس بطريرك القسطنطينية الذي نصبه الإمبراطور الروماني ثيئو دوسيوس الثاني (٤٠٨ ٤٥٠م) بطريركاً سنة ٤٢٨ م أن للسيد المسيح شخصيتين منفصلتين (أقنومين) : أقنوم الإنسان يسوع، وأقنوم الله، ولا يجوز أن تسمى مريم العذراء أم الله بل هي بشر ولدت المسيح بالشخصية البشرية، وأن المسيح مات على الصليب كإنسان، وكانت النتيجة أن أُدين نسطوريوس واعتُبر خارجاً على تعاليم الكنيسة، وبعد أن قضى خمس سنوات معتكفاً في ديره القديم قرب أنطاكية نفاه الإمبراطور ثيئو دوسيورس الثاني سنة ٤٣٦م إلى أعالي مصر؛ حيث توفي سنة ٤٥١م [٤] . وما أن علم الإمبراطور الفارسي بما يحدث لنسطوريوس حتى قام باحتواء معارضي الدولة الرومانية بقيادة بارصوما زعيم الحركة النسطورية؛ حيث توجهوا إلى الدولة الفارسية الساسانية، ولاقوا ترحيباً من الملك فيروز الأول (٤٥٩ ٤٨٤م) الذي رأى فيهم خير أداة لمحاربة الدولة الرومية البيزنطية. وحسب طلب برصوما فقد اعتبر الملك فيروز النسطورية ديناً لجميع مسيحيي الإمبراطورية الفارسية [٥] . وفي عام ٤٩٦م اجتمع في العاصمة الفارسية سلوقية (سلمان باك الحالية) جنوب شرق بغداد المجمع الديني النسطوري، وأعلنت النسطورية ديناً رسمياً للمسيحيين، وانتخب أول بطريرك نسطوري وهو (باري) . ومنذ ذلك الحين سميت الكنيسة النسطورية بكنيسة الشرق، وسُمي بطريركها بطريركاً للكنيسة الشرقية [٦] . ولقد تعرضت الكنيسة النسطورية بمرور الزمن إلى أحداث لغير صالحها أدت إلى توقف نموها وازدهارها؛ بل تقلصها واضمحلالها بعد أن بلغت أوسع انتشار لها في منطقة الشرق؛ حيث كانت الفرقة النصرانية الوحيدة التي تبشر بأفكارها وسيادتها في منطقة الشرق الأدنى. وكانت أول صدمة شهدتها هي اكتساح المغول لها والفتك بها. ثم كان الانقسام في كنيستها بفعل الإرساليات التبشيرية الكاثوليكية التي أرسلها باباوات روما في القرن السادس عشر صدمة كبيرة لها، فانضم أكثر النساطرة القاطنين في الموصل وفي القرى الواقعة في السهول المجاورة المحيطة بها كتكليف - كارامليس - باقوفة - قرقوش - القوش إلى الكنيسة الكاثوليكية مندفعين بمغريات مشجعة من أسقفية أخوية الكرمليين الفرنسية فيما بين النهرين برئاسة جان ردفال الذي أسس دعائم لنفسه منذ عام ١٦٢٢م، وهكذا تكونت طائفة جديدة باسم الكلدان المتحدين لهم كنيستهم الخاصة بهم، فنصَّب البابا أنوسنت الحادي عشر عليها بطريركاً سنة ١٦٨١م هو المار يوسف الأسقف النسطوري لديار بكر الذي كان قد اختلف مع بطريرك النساطرة. وبعد حوالي مئة عام انشق المار إيليا الأسقف النسطوري في منطقة الموصل على الكنيسة النسطورية، وصبأ إلى المذهب الكاثوليكي، وانضم إلى طائفة الكلدان المتحدين. أما النساطرة في منطقة جبال هكارى في كردستان تركيا فبقوا صامدين متمسكين بالكنيسة النسطورية وبطقوسها؛ وهم الذين حافظوا عليها وكانت لغتهم السريانية، فانفصلوا عن الموصل التي صبأت إلى الكثلكة، وأسسوا كرسياً بطريركياً مستقلاً وراثياً بزعامة البطريرك المار شمعون الثالث عشر (١٦٦٠ ١٧٠٠م) ، فاتخذ هذا البطريرك قرية قوجانس في سنجق هكارى مركزاً لبطريركيته بزعامته الدينية والدنيوية بعد أن كان مقرهم الأصلي في قصبة القوش القريبة من مدينة الموصل. وصار هذا اللقب (المار شمعون) يطلق على كل من يتولى البطريركية على النساطرة [٧] ، ولم يقتصر التحوُّل عن النسطورية على نساطرة منطقة الموصل والقرى المجاورة من السهول، بل شمل أيضاً النساطرة في شمال إيران (أجزاء من كردستان إيران) . ففي سنة ١٨٩٨م انضم عدد من النساطرة في شمال إيران إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية على يد المطران (مار يونان) من سوبورغان وأورمية. وتأسس مركز روسي للتبشير بين النساطرة في أورمية. قيام الحرب العالمية الأولى وخيانة النسطوريين للدولة العثمانية: قامت الحرب العالمية الأولى إثر قيام أحد الطلبة الصربيين بقتل ولي عهد إمبراطورية النمسا والمجر في مدينة سراييفو، وعقب ذلك أعلنت ألمانيا والنمسا والمجر الحرب على صربيا وتبعتها إنكلترا وفرنسا وروسيا في الحرب على دول المحور. وبعد ثلاثة أيام من هجوم الأسطول التركي الألماني على الموانئ الروسية أي في ٢ تشرين الثاني ١٩١٤م شنت القوات البرية العثمانية هجوماً على مدينة قارص العثمانية المحتلة، بتاريخ ١٠ تشرين الثاني ١٩١٤ م أرسل القنصل الروسي في مدينة «وان» ثلاثة رجال استطلاع محملين برسالة إلى بنيامين مار شمعون في مقره بقرية قوجانس. وقد عاد هؤلاء الثلاثة محملين برسالة من البطريرك يؤكد فيها جاهزيته لإعلان التمرد ضد الدولة العثمانية. ولكن بشرط تعرض روسي على منطقة باشقلعة وديز لكي يلتحم الآثوريون مع القوات الروسية الغازية. وفي اليوم نفسه توجهت تشكيلات آثورية من إيران إلى منطقة «ميركا وار» لتعزيز الدفاعات الروسية بوجه الهجمات العثمانية [٨] وهكذا خان الآثوريون العهد هذه المرة مثل المرات السابقة في حروب الدولة العثمانية المتتالية مع عدوها اللدود روسيا. وقد شارك المرتزقة الأرمن والآثوريون بقيادة بطرس آغا مع القوات الروسية في حرق مئات القرى الكردية وتدميرها في منطقة هكارى وأورمية، وأدت هذه الأعمال الوحشية إلى قتل وتشريد لحوالي مليون كردي. وحين انسحبت القوات الروسية من كردستان تحت ضغط القوات العثمانية وظهور ثورة أكتوبر الاشتراكية عام ١٩١٧م سلمت أسلحتها للمرتزقة الآثوريين، كما قامت القنصلية الفرنسية في إستانبول بدعم القوات الآثورية وتمويلها، ووصلت قوة القوات الآثورية بقيادة المار شمعون إلى حد مكنهم من السيطرة على مدينة أورمية وما حولها في كردستان إيران، واغتصب المسلحون الآثوريون المئات من النساء الكرديات داخل أورمية. وحين تكاملت استعدادات القوات الآثورية بدأت الأوساط الآثورية في لندن وباريس تدعو إلى إنشاء كيان قومي لهم في كردستان [٩] . إسكان النسطوريين في كردستان العراق ومحاولات إنشاء كيان خاص بهم: وفي أعقاب مؤتمر القاهرة الاستعماري الذي عقد في آذار ١٩٢١م برئاسة ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني شكلت من كتائب الآثوريين قوة خاصة سميت: «الليفي» مهمتها مساندة القوات البريطانية في إخماد انتفاضة الشعب العراقي بعربه وكرده إثر انتفاضة الكرد في سنة ١٩١٩م وثورة العشرين العراقية عام ١٩٢٠م. كما قام الإنكليز في الوقت نفسه بإسكان الآثوريين في المناطق الكردية في منطقة العمادية وعقرة ودهوك وديانا، وقاموا بترحيل الكرد إلى مناطق أخرى. كما كان الآثوريون يتحينون الفرص للانتقام من المسلمين في العراق حيث قاموا بارتكاب مذبحة بشرية في مدينة كركوك بتاريخ ٤ أيار ١٩٢٤م. وقد سبق هذه المذبحة قيام الآثوريين بارتكاب مذبحة أخرى في مدينة الموصل بتاريخ ١٥ آب ١٩٢٣م، كل هذه الأمور أدت إلى خلق حالة نفور بين الشعب العراقي وبين هؤلاء الدخلاء الذين كانوا يتحينون الفرص لإقامة وطن قومي لهم على أرض كردستان حيث قاموا بتمردهم الشهير في شهر آب ١٩٣٣م في منطقة سميل، ولكن القوات العراقية بقيادة اللواء بكر صدقي ومساندتها من العشائر العربية والكردية في المنطقة أدت إلى إخفاق مخططاتهم. وهم الآن يعيدون إحياء هذه المناسبة سنوياً في ٨ آب حيث يعتبرونها «يوم الشهيد الآثوري» [١٠] . وقد ظل حلم إنشاء دولة مسيحية في كردستان (شمال العراق) يراود الأجيال الجديدة. ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير هي مجيء حزب البعث عام ١٩٦٨م إلى السلطة في بغداد تحت زعامة ميشيل عفلق الذي اتبع سياسة شوفينية تجاه الشعب الكردي المسلم وأعطى النصارى مجالاً واسعاً للقيام ببناء مراكزهم الثقافية والاجتماعية ثم السياسية؛ حيث ولد في خضم هذه الظروف الحرجة حزب بيت النهرين عام ١٩٧٦م أعقبه ظهور الحركة الديمقراطية الآشورية وقاموا بتوزيع الأدوار، حيث يتشدد حزب بيت النهرين، فيما يناور ويعتدل حزب الحركة الديمقراطية الآشورية في طرح مطالب النصارى، وبهذا التكتيك تمكنوا من خلق ظروف مناسبة لهم في منطقة كردستان حيث دخلت الحركة الديمقراطية الآشورية في الجبهة الكردستانية، ولدينا وثيقة ناطقة باسمهم تثبت أنهم لا زالوا يتمسكون بحملهم القديم، فيقول المدعو ق. ب. ماتفييف (بارمتي) في كتابه: (الآشوريون والمسألة الآشورية) في الصفحة ١٧٧ ما نصه: «بالرغم من أنه لا يوجد بهذا الصدد لدى قادة المؤتمرات وجهة نظر محددة واحدة فيطلب المكسيماليون المغالون (المتطرفون) تأسيس دولة آشور المستقلة على الأراضي الواقعة في شمال العراق، بينما يريد المعتدلون دولة آشورية ذات حكم ذاتي (على مثال الحكم الذاتي الكردي) ضمن إطار الحكومة العراقية. ويعتبر كلاهما مهمة تأسيس الدولة الآشورية أمراً واقعياً، ويأمل الطرفان تحقيق ذلك في غضون القرن الجاري [١١] . ومما يجدر ذكره أن الطائفة النسطورية حاولت الحصول على الحكم الذاتي من الحكومة العراقية وتخصيص مدينة دهوك عاصمة إقليمية لهم أسوة باتفاق الحكم الذاتي الذي عقد بين الحكومة العراقية وقيادة الحركة الكردية بزعامة البارزاني عام ١٩٧٠م، والوثيقة المتعلقة بهذا الأمر بقيت طي الكتمان من الجانبين الحكومي والنسطوري خوفاً من إثارة الرأي العام الكردي. نشاط الإرساليات الأوروبية التنصيرية بُعيد حرب الخليج الثانية ١٩٩١م: وهكذا جرت الأمور إلى أن حدثت انتفاضة آذار عام ١٩٩١م وما أعقبها من الهجرة المليونية للشعب الكردي وعودته إلى أرضه؛ حيث بدأ الإعلام العالمي (الغربي) يركز على القضية الكردية، وبدأت المنظمات (الإنسانية) بالدخول شيئاً فشيئاً إلى منطقة كردستان الآمنة، وهكذا دخلت عشرات المنظمات إلى كردستان أمثال: منظمة شلترناو انترناشنال وهي منظمة أمريكية، ومنظمة كاريتاس الكاثوليكية، ومنظمة الكنائس العالمية، ومنظمة مساعدة الشعوب المضطهدة، ومنظمة العالم بحاجة، ومنظمة رعاية الكرد، ومنظمة الفريق الطبي الأمريكي، ومنظمة الهجرة الدولية، ومنظمة الصليب الأحمر السويدي، ومنظمة الكنيسة الأسقفية الإنجيلية، ومنظمة كير الأسترالية، ومنظمة الشركاء العالميين وغيرها [١٢] . وأخذت هذه المنظمات توزع الطحين والأرز والزيوت على الكرد مع كتب تنصيرية كالأناجيل وكتب تخص حياة السيد المسيح ﵇ من وجهة نظر الكنيسة، وبعض الكتب التي تلقي ظلالاً من الشك والريبة حول صحة القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. كما بدأت هذه المنظمات تتوغل شيئاً فشيئاً داخل النسيج الاجتماعي للمجتمع الكردي المسلم، وأخذت تحث الشباب المراهق على الهجرة وترك كردستان فارغة تعبث بها المنظمات كيفما تشاء، وهكذا تسابق مئات الشباب نحو الالتحاق بمنطقة سلوبي التركية تمهيداً لنقلهم إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ودول أوروبية أخرى. كما قامت المنظمات الأجنبية بتهريب السجاير الأجنبية والسموم البيضاء إلى داخل كردستان قادمة من تركيا وقبرص، وأخذ الخبراء والفنيون والباحثون المرتبطون بمراكز الدراسات والجامعات بالدخول إلى كردستان حيث أصبحت حقلاً لتجاربهم. ومما زاد الطين بلة أن بعض هذه المنظمات تقوم بمنح مئتي دولار شهرياً لكل سيدة تقوم بفتح صالون حلاقة. أضف إلى هذا أن عدد البارات والحانات قد زاد زيادة ملحوظة عما كانت عليه قبل الانتفاضة. كما قام نصارى دهوك بفتح مكتبة ينبوع الحياة قرب دير مريم العذراء وتم تزويدها بكتب تنصيرية قادمة من دول أوروبا كألمانيا وسويسرا ولوكسمبورغ وتركيا بقصد إدخال الشبهات والشك في عقليات الشباب الكردي، كما تم تزويد هذه المكتبة بأشرطة الكاسيت والفيديو، كالكاسيت الخاص بالسيد المسيح وآباء الكنيسة. ويقوم هناك تنسيق تام بين منظمة WIN (العالم بحاجة) والمكتبة بواسطة المدعو يوسف متى وهو مسيحي من أهالي الموصل يشرف على مكتبة ينبوع الحياة ويقوم بتزويدها بالتوجيهات اللازمة بخصوص العمل التنصيري. فعند ارتياد بعض الشباب لهذه المكتبة يقوم طاقم المكتبة المؤلف من أربعة أشخاص وهم: المدعو ألبرت عوديشو المسؤول عن المكتبة يساعده ثلاثة أشخاص آخرون: هم كل من المدعو غالب وهو مسيحي كلداني من أهالي دهوك، وكريم وأنويا وهما مسيحيان آثوريان بمنحه بعض الكتب الصغيرة مع بعض الهدايا التي تصور السيد المسيح إلهاً أو ابن إله، وهذه الهدايا عبارة عن بوست كارت ملون ومزركش بحيث يؤثر في القارئ ومكتوب عليه بلغة عربية جميلة مع ترجمة باللغة الإنكليزية إضافة إلى إهدائه نسخة من كتاب العهد الجديد أو إحدى الأناجيل مثل لوقا المطبوع باللغات العربية والكردية باللهجتين الكرمانجية الشمالية والجنوبية وبالحرفين العربي واللاتيني. وإذا رأى طاقم المكتبة من هؤلاء الشباب ميلاً إلى دراسة المطبوعات النصرانية فإنهم يقومون بإسداء عبارات الترحيب والمجاملة الزائدة تمهيداً لإدخاله في مشيئة الرب حسب مصطلحهم. بعد هذه الفترة يقومون بزرع بذور الشك في عقله وتقريب بعض المفاهيم النصرانية إلى ذهنه كالقربان وهو عبارة عن صلب السيد المسيح لغفران ذنوب البشر؛ وهذا ما يعاكس المصطلح الإسلامي وينافيه بصورة تامة. بعد هذا يزود ببعض المطبوعات الأخرى مثل كتاب (عصمة التوراة والإنجيل) حيث يؤكدون على صحة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. ويشيرون من طرف خفي إلى تناقض بعض آيات القرآن الكريم من الناحية الإعرابية أو اللغوية، ومدى صحة جمعه في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ ويستأنسون في هذا المجال ببعض الدراسات الشاذة حول القراءات القرآنية، أو ما كتبه بعض المنحرفين عن الإسلام كأمثال محيي الدين بن عربي في كتابه:» فصوص الحكم «بخصوص الروح والسيد المسيح، وبعض مؤلفات الشيعة الخاصة بتحريف القرآن. بعدها يسلم هذا الشاب إلى المدعو يوسف متى لكي يزوده ببعض الكتب الأخرى الأشد خطراً وبعض أشرطة التسجيل والفيديو كاسيت، وهذا الشخص يتلقى الدعم من الكنيسة الأسقفية الإنجيلية التي مقرها في نيويورك، ومن منظمة WIN (العالم بحاجة) المكونة من أربعة أشخاص هم المدعو أندريه وهو فرنسي تعلم اللغة العربية أثناء وجوده في أقطار المغرب العربي، والثاني ناجي وهو مصري قبطي يجيد الإنكليزية بطلاقة وكان قد عاش في السعودية لفترة طويلة وهو ملمٌّ ببعض ما في الكتب الإسلامية كالتفاسير وما كتب في علوم القرآن كالإتقان للسيوطي، والثالث هو المدعو توفيق وهو مسيحي لبناني، والرابع سيدة كبيرة السن وهي معلمة، وهؤلاء الأربعة يترددون على المدعو يوسف متى وعلى مكتبة ينبوع الحياة يومياً. إن أغلب مطبوعات هذه المكتبة تأتي من سويسرا وألمانيا ولوكسمبرغ ومن مكتبة إستانبول في تركيا، ولهذه المكتبة تنسيق مع المركز الثقافي الآشوري ومع نادي نوهدرا إضافة إلى الحركة الديمقراطية الآشورية وحزب بيت النهرين [١٣] . مشروع تنصير كردستان: وندرج أدناه بعض المعلومات بخصوص تنصير الكرد من قِبَل وحدة التبشير العالمي (Gbba I Mission Unit) والكنيسة البروتستانتية، وهي عبارة عن مذكرة لفهم شهادات أقليات الشعوب المسلمة. تبدأ هذه الدراسة بمقدمة حول تغلغل الإرساليات التبشيرية في منطقة كردستان، حيث يحددها التقرير سنة ١٨٥١م عندما أبحر صاموئيل أودلي ري (Samuel Audley Rhra) إلى كردستان. ويذكر بأن هدف هذه الكنيسة في النهاية: هو الوصول إلى جميع البشر، ونحن نضع أنفسنا جنوداً لهذا الهدف. ثم يذكر التقرير الأهداف الأولية للتبشير بعنوان: (خواطر لفهم أعمال المبشرين بين الأقليات القومية الإسلامية) . ويتطرق إلى الأهداف الأولية: حول تشكيل فريق عمل من المبشرين للوصول إلى أهداف التنصير بحلول سنة ٢٠٠٠م. وتدعم أعمال هؤلاء من قِبَل الكنائس والمؤسسات التبشيرية العالمية. ويسرد التقرير أسماء أعضاء الفريق وهم كل من: ١ - بوب بلين كوي Bob Blinco. ٢ - بيل كوبس Bill Koops. ٣ - تيري بوس Teri Busse. ٤ - تيريزا ستلينكر Teresa Sullenger. ٥ - روث تيسدال Ruth Teasdale. ومن ثم أضيف إليهم أشخاص آخرون للوصول إلى هدف مؤسسة (دعم متطوعي التبشير للكنيسة البروتسانتية) Presby Terian Frontier Mission Fand. أما المدخل الاستراتيجي لفريق العمل فيتضمن الواجبات الآتية: ١ - تعلم اللغة (من قِبَل أعضاء الفريق) ويقصد بها اللغتين العربية والكردية. ٢ - بيع المواد لهم وإقامة أعمال تجارية معهم. ٣ - تدريس اللغة الإنجليزية لغة ثانية. ٤ - إيجاد أعمال صغيرة في منطقة الشرق الأوسط. ومن الكتب التي وضعت للتدريس هي: Kenneth Cragg (نداء المئذنة) ، The Call of the Minaret. Montgomery Watt (محمد: النبي ورجل الدولة) Muhannad: Prophet and Statment. Phil Parshall (الجسور إلى الإسلام) ، Bridges to Islam. C. Marsten Speight (الإسلام من الداخل) Islam from Within. Phil Parshall (طرق جديدة لتنصير المسلمين) ، New Pathin Muslim Evangclism. Parvinder (عيسى والقرآن) Jesus and the Quran. وهذه المطبوعات يمكن الحصول عليها عن طريق الاتصال بمعهد زويمر الواقع في ولاية Aladend في الولايات المتحدة الأمريكية [١٤] . الميزانية المخصصة اسم المنظمة بالمليون دولار أمريكي للإرساليات مؤتمر المعمدانية الجنوبيين ١٦٩.٣ الخارجية الرؤيا العالمية ١٣١.٧ اجتماعات الإله Assemblies of God ٨٤.٣ السبتيون ٧٠.٢ جمعية ويكلف لترجمة الإنجيل الدولية ٥٩.١ كنيسة الإله ٥٢ مجلس الكنائس الوطني ٤٧.٣ منظمة ماب الدولية ٣٦.٣ (*) نقلاً عن: كتاب لمحات عن التنصير في إفريقيا الدكتور عبد الرحمن السميط - البيان -

стр. 3566

البيان الأدبي الأديب الإسلامي الدكتور حلمي محمد القاعود في حوار مع البيان حاوره: محمد شلال الحناحنة تعريف بضيف اللقاء: * من مواليد البحيرة في مصر سنة ١٣٦٦هـ، وهو أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة طنطا، وعضو اتحاد الكتاب في مصر، وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية. * عمل في عدة جامعات، وشارك في عدة مؤتمرات أدبية داخل مصر وخارجها. * يشارك باستمرار في الكتابة لعدد من الصحف والدوريات العربية والإسلامية، وله أكثر من ثلاثين مؤلفاً في الإسلاميات والأدبيات والإعلام، وحصل على عدة جوائز، كجائزة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، عام ١٣٨٨هـ، وجائزة المجلس الأعلى للثقافة بمصر عام ١٣٩٤هـ. أنْ نحملَ شجونَ الأدب الإسلاميّ، لنمضيَ إلى ذاكرة غزيرة تطمح لاستشراف أدب وفكر إسلامي يلامس شفافية الروح ليس أمراً هيناً لا سيما ونحنُ نحاورُ الأديب الإسلامي الدكتور حلمي محمد القاعود؛ فهو كتابٌ مُزْهرٌ مفتوح. وقد رأت البيان أنَّ هذه الطاقة المبدعة من الفكر والإبداع مَكْسَبٌ كبيرٌ لقرّائها ومتابعيها، فجاء هذا الحوار وارفاً بكثيرٍ من القطوف الدانية، فإلى الحوار. * مهمة الناقد الإسلامي مهمة عظيمة، ولكن الأغلبية من نقادنا أسرفوا في التنظير بعيداً عن ملامسة الإبداع لدى أدبائنا؛ فما رأيك في هذا القول؟ ! - لا ريب أن النقد الأدبي الإسلامي أسرف في عملية التنظير على حساب التطبيق، ولعل ذلك يرجع إلى ما قوبلتْ به فكرة الأدب الإسلامي من علامات استفهام أو تساؤلات عديدة جعلت النقاد الإسلاميين يسعون لشرح الفكرة وتفسيرها والردّ على الرافضين لها. ولعلّي كنتُ من أوائل مَنْ تنبَّه إلى ذلك، فطالبتُ في أكثر من مناسبة بضرورة الاهتمام بالجانب التطبيقي في الأدب الإسلامي، فيتعرّف الناس على نماذجه الجيدة، ويثبت للمعارضين أن الأدب الإسلامي أدبٌ جادٌّ وجيّد. * قال أحد النقاد: (إن الشعر الإسلامي رغم غزارته ما زال يكرر نفسه منذ أكثر من عقدين من الزمان) فما ردُّك على ذلك؟ ! - هذا حكمٌ عام، والأحكام العامة في الآداب والفنون والإنسانيات ضدّ الموضوعية. قد يكون هناك تكرارٌ بالفعل في الشعر العربي عامة، والإسلامي خاصة، طوال العقود الماضية، ولكن الشعر العربي الإسلامي ما زال يقدم أصواتاً متميزة، ونماذج رفيعة تحقق الملاءمة بين المضمون الجيّد والمعالجة الراقية، والمتابع الدؤوب يدرك هذه الأصوات وتلك النماذج، وأرْجو أنْ تعفيني من ذكر الأسماء حتى لا أنسى بعضها. * أنت عضو برابطة الأدب الإسلامي العالمية؛ فما الذي قدمته الرابطة في سبيل النهوض بأدبنا؟ ! - رابطة الأدب الإسلامي حلمٌ جميلٌ، تحقق بعد طول انتظار على يد رجل مخلصٍ في الهند هو سماحة الشيخ «أبو الحسن الندوي» ﵀ وعندما صارت حقيقة واقعة انضمَّ إليها كثيرون، وخطت خطوات عديدة في إقامة الندوات والمؤتمرات والمسابقات والنشر، وإن كان محبو الرابطة يطمحون إلى المزيد من الخطوات، وتحقيق ما يمكن أن نسميه بالشفافية والمكاشفة لمعالجة الأخطاء والسلبيات. * ما العوائق الحقيقية التي تمنع تدريس الأدب الإسلامي في جامعاتنا؟ - التعليم في معظم بلادنا العربية الإسلامية كما تعلم يا أخي يناقض الهوية الإسلامية، ومن دُعي بالنخب فئة متغربة بينها وبين لفظ: «الإسلام» خصومة غير مفهومة، أو قلْ هي مفهومة إذا تأملنا تكوينها الفكري والثقافي، وهذه الفئة للأسف تتحكم في مقدرات العديد من الجامعات، ثم هناك العداء السافر والمستتر من جانب حكومات عربية إسلامية عديدة لكل ما هو إسلامي، مما يجعل المسؤولين في الجامعات يتحسسون رؤوسهم وجيوبهم! ! وهنا عوائق أخرى ثانوية، ولكنها لا تمثل مشكلة حقيقية أمام تدريس الأدب الإسلامي في الجامعات، ومع ذلك فإن بعض الجامعات والكليات قد اعتمدت مقرّر الأدب الإسلامي منذ سنوات، وأتاحت الفرصة لبحوث (ماجستير ودكتوراه) حول بعض القضايا والموضوعات في الأدب الإسلامي. * ما أوجه الخلاف بين الواقعية الأوروبية في دراسة الأدب والواقعية الإسلامية؟ ! - الخلاف بين الواقعية الأوروبية والواقعية الإسلامية، أوضحتُه في مقدمة كتابي حول روايات نجيب الكيلاني ﵀ وهو خلاف في المضمون واللغة. وباختصار شديد: فالواقعية الأوروبية على تنوعها ما بين واقعية نقدية وأخرى طبيعية وثالثة اشتراكية ... إلخ تنطلق من الواقع الذي تعيش فيه وتنحاز إلى طبقات بعينها، وتحارب طبقاتٍ غيرها، وتعتمد في كل الأحوال تصوراً مادياً لا دينياً، وتنزل أحياناً إلى لغة العامة أو اللهجات العاميّة. أما الواقعية الإسلامية فتنطلق من الواقع، ولكن من خلال تصور إسلامي يرى النفس البشرية عموماً تحمل الخير إلى جانب الشرّ، وتؤمن بأنها أُلْهِمَتْ فجورها وتقواها، فأفلح من زكاها، ومن ثَمَّ فلا مجال للصراع الطبقي، ولا لتجريم طبقة وتبرئة أخرى بالمعايير المادية، ولكن المسؤولية في الإسلام كما تعلم مسؤولية فردية في الأصل: [وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ] (الإسراء: ١٣) وغالباً ما تكون الشخصية أو النموذج في النص الأدبي الإسلامي متحولاً، أي ينتقل بعد التجربة إلى المجال الخير.. وفي الواقعية الإسلامية تكون الفصحى أداة التعبير الأساسية، والمعجم الإسلامي يظهر بوضوح عبر النص ظهوراً عفوياً تلقائياً بعيداً عن الافتعال، الواقعية الإسلامية إذاً تعبير عن التصور الإسلامي والهوية الإسلامية. * لكن ما موقفك من الحداثة في بلادنا التي أضحتْ تتقنع بأسماء كثيرة؟ ! - لقد أعلنتُ رأيي في الحداثة عندنا من خلال العديد من المقالات، ونشرتُ كتاباً حولها، ولكي أكون دقيقاً فإن الحداثة التي أعنيها هي الحداثة الأوروبية التي يتبناها بعض الأدباء والكتاب في عالمنا العربي؛ لأن بعضهم يستخدمها بالمفهوم اللفظي القريب وهو التجديد، أمّا الحداثة الأولى فهي الانقطاع بالمفهوم الأوروبي، ومعناها أن تنقطع عن تاريخك ولغتك وتراثك وعقيدتك وعاداتك وتقاليدك، بل ووطنك وأمتك أيضاً! إذاً فهي رؤية فكرية وليست مذهباً أدبياً كما يزعم بعضهم، والمفارقة أن من اخترعوها ونقلناها عنهم تخلوا عنها، وانتقلوا منذ ثلاثين عاماً أو يزيد إلى ما يعرف عندهم بما بعد الحداثة، ولكنّ قومنا ما زالوا يصرّون على العيش هناك! ! وللأسف فقد هاتفني بعض الأصدقاء قبل أيام بأن مسألة الحداثة كانت خدعة كبيرة انطلت على بعض مثقفينا المتيَّمين بالعالم الصليبي في أوروبا وأمريكا، وظهر ذلك مؤخراً في كتاب جديد بعنوان: من يدفع التكاليف؟ (who pays the pipers) ومؤلفته فرانسيس ستونر سوندر، وأعتقد أن مضمون الكتاب سيكشف الكثير! * أثار كتابك: (لويس عوض الأسطورة والحقيقة) ردود فعل واسعة، ولقي تعتيماً واضحاً في الأوساط العلمانية! فلِمَ أثار تلك الردود؟ - لَمْ أكنْ أقصد «لويس عوض» وحده، ولكن كنتُ أقصد ما يمثله «لويس عوض» من تيارات غَرِقَت في مستنقع الولاء للغرب الاستعماري، وتشبَّعتْ بتصوراته: المفيد منها والضار، الملائم وغير الملائم، وراحتْ بفعل ظروف معيّنة تفرض نفسها ومنهجها على الأمة؛ فكانت امتداداً للاستعمار وتجلياته الشرّيرة، ومن ثمَّ كان عليّ أنْ أواجه هذا التيار من خلال لويس عوض الذي تحوّل في بعض الفترات إلى صنم يعبده كثيرون، ولا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه، وبفضل الله استطعتُ أن أواجه مزاعمه الأدبية والفكرية بالمنطق والحجّة، والبرهان، والدليل الذي كنتُ أستقيه غالباً مأخوذ من كتاباته ونصوصه في بعض مؤلفاته. إنَّ بعض الصحف رفضت نشر خبر صغير حول كتابي، مجرّد خبر، وبعضها حجب ما وصل إليها من مقالات أو عروض تتناوله، وصنعتْ حوله ستاراً كثيفاً من التعتيم، ولكنَّ القرّاء كانوا يسعون للحصول عليه بمجرّد سماعهم عنه. * دعنا نتحدث عن الرواية: يقال: إن كثيراً من الروايات الإسلامية تتكئ على أمجاد التاريخ! فما مدى صحة ذلك؟ وما أثره في النواحي الفنية؟ - اللجوء إلى التاريخ في كتابة الرواية يكون له أسبابه التي تتعلق بالظروف التي يعيش فيها الكاتب، والرواية التاريخية الإسلامية من وجهة نظري تبدو أصعب فنياً من الرواية الواقعية الإسلامية؛ لأن الكاتب في الأولى يجد نفسه موزعاً بين الالتزام بحقائق التاريخ من ناحية، ومتطلبات الفن من ناحية أخرى. وقد عَرفَت الرواية التاريخية الإسلامية مجموعة من الكتاب الذين حققوا المعادلة، وكانتْ لرواياتهم قيمة فنية كبيرة، أشرتُ إلى بعضهم في كتابي: «الرواية التاريخية» . * قلت في نقدك لبعض روايات نجيب الكيلاني: «إن البيئة في روايات الكيلاني تحقق مجالاً خصباً للواقعية الإسلامية» ، هل توضح لنا هذه المسألة؟ - البيئة تؤثر في الإنسان سلباً وإيجاباً، ويقال: (الإنسان ابن بيئته) وفي الرواية كما في الحياة تؤثر البيئة في أفرادها تأثيراً يختلف من فردٍ إلى آخر وفقاً لثقافته وتصوّراته، وروايات نجيب الكيلاني الواقعية أظهرت هذا التأثير أو التفاعل؛ فإنسان القرية مثلاً يختلف عن إنسان المدينة، وابن البيت المتديّن يختلف عن خرِّيج المنزل غير المتدين.. وهكذا.. فالبيئة لها دور، والكاتب الموهوب هو الذي يبرز تأثيرها والتفاعل معها، ولو راجعت الفصل الخاص بالبيئة في كتابي عن رواية نجيب الكيلاني فسترى تفصيلاً تطبيقياً لهذه المسألة. * كان لك اهتمام واضحٌ بالانتفاضة الإسلامية في فلسطين المحتلة؛ فما التحدي الذي طرحته الانتفاضة على الفكر والإنسان في عالمنا الإسلامي؟ ! - الانتفاضة كانت تعبيراً جميلاً ودامياً عن قدرة الإنسان الفلسطيني المسلم على مواجهة العدو اليهودي وداعمه الصليبي. كانت الانتفاضة إرهاصاً بالمستقبل، وما يمكن أن يحدث فيه لمن سرقوا الأرض ولمنْ سُرقتْ منهم الأرض وكان الطفل الفلسطيني بطلاً على غير توقّع، وللأسف فقد سرقوا الانتفاضة أنتَ تعرفهم! وذهبوا إلى مفاوضات ووقَّعوا اتقاقيات انتهت باستسلام ذليل ومهين، واعتراف باغتصاب الأرض والعرض تظهر تجلياته على الساحة يومياً، وعبر نشرات الأخبار، وتصريحات الساسة! وكما فاجأت الانتفاضة العالم فإن من المتوقع أن تعود الانتفاضة أو يعود معادلٌ لها ويفاجئ الدنيا مرة أخرى، ولا يسمح لأحد أن يسرقه أو يبيعه مجاناً لأعداء الله، وأعداء الإسلام والمسلمين. * (الصلح الأسود والطريق إلى فلسطين) كتاب صدر لك قبل سنوات، كيف ترى الآن هذا الصلح في ظلّ المعطيات الجديدة التي حدّثتنا عنها قبل قليل؟ ! - لا شك أن الصراع بيننا وبين يهود هو صراع عقيدة ووجود لا صراع حدود، ولا بد أنْ ينتصر أحد الطرفين، أي الطرف الذي على الحق، وطالما يحمل الفلسطينيون مفاتيح دُورهم التي أُخرِجوا منها، ويحتفظ اليهود بعناوين ذويهم في أوروبا وأمريكا وجنوب إفريقيا فإنّ النصر سيأتي من عند الله، وسيظهر صلاح الدين من جديد ليفرض صلحاً على الطريقة الإسلاميّة الظافرة! ! محطات في الحوار: بعد قراءتنا حوار اليوم نجد أنفسنا أمام محطات ينبغي الوقوف عندها وفهمها: ١ - الشعر العربي الإسلامي ما زال يقدم أصواتاً متميزة ونماذج رفيعة راقية. ٢ - رابطة الأدب الإسلامي حلمٌ جميلٌ تحقق على يد رجل مخلص هو سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي ﵀. ٣ - التعليم في معظم بلادنا العربية الإسلامية يناقض الهوية الإسلامية. ٤ - الحداثة هي رؤية فكرية أوروبية ومعناها أن تنقطع عن تاريخك ولغتك وتراثك وعقيدتك، بل ووطنك وأمّتك! ٥ - «لويس عوض» يمثل تياراً علمانياً غرق في مُستنقع الولاء للغرب الاستعماري! ! ٦ - الانتفاضة كانت تعبيراً جميلاً ودامياً عن قدرة الإنسان الفلسطيني المسلم على مواجهة العدو اليهودي وداعمه الصليبي! ٧ - الصراع بيننا وبين يهود صراع عقيدة ووجود لا صراع حدود! !

стр. 3567

البيان الأدبي هزيع العمر ممدوح القديري أمام شاشة التلفاز تكوَّر على نفسه وهو يشاهد أحد البرامج في ليلة من ليالي الشتاء الباردة ... يسحب بطانية قريبة منه ويغطي جسده المنعطف على نفسه بعد أن شعر بالبرودة تدخل إلى عظامه الواهنة وهو يقترب من الستين عاماً، رغم أن مظهره لا يدل على ذلك؛ فوجهه قليل التجاعيد، ويتمتع ببعض النشاط في عمله، اضطرته ظروفه أن يعيش بعيداً عن أسرته بعد أن حصل على عقد عمل ملاحظ عمال لإحدى شركات المعمار في دولة من الدول الغنية تراوده أحلامه الشائخة إلى تحسين وضعه المادي لكي يحقق لابنته سُكينة رغبتها في دخول الجامعة كما أسرَّت إليه في عصر أحد الأيام وهي ترقد بجانبه عاقصة شعرها، وهي ترفل في ربيعها السادس عشر مسترسلة في حديثها معه بأنها تحلم أن تصبح مدرسة علوم وتساعده في حياته وتعوضه عن حرمانه حين اضطر أن يكتفي بشهادة الثانوية العامة. وكان يحدثها بدوره عن همومه وآماله، عن ضعفه وقوته، عن الحياة وتقلباتها؛ فهي ترفع الوضيع وتُسقط الرفيع. وكان يفلسف موقفه من الحياة بشيء من الأمل الذي يساعده على الاستمرار في كفاحه من أجل الأفضل رغم شعوره أحياناً بالهزيمة، ولكن ليس إلى حد اليأس. لم تكن زوجته راضية عن سفره وهو في هذه السن المتقدمة، ولم تُخفِ حزنها عليه وهو يودعهم في يوم سفره. أما سكينة فقد خالجتها مشاعر مختلطة من الحزن والفرح ... الحزن على فراق أبيها والفرح بما سيأتي به من هناك كما كانت تسمع من زميلاتها اللائي كن يتباهين أمامها بما يجلبه أقاربهن الذين يعملون في تلك الدول، ولم تكن تعي أن راتب والدها ليس بمستوى طموحاتها. يتابع الشاشة الصغيرة والمشاهد تتراقص عليها مع تغير التيار الكهربائي يخرج بعض النقود من جيبه حين يتحسسها وتدخل إلى نفسه فرحة بسيطة حين يتذكر أنه سيرسلها إلى أهله بعد أن استطاع توفيرها من راتبه الضئيل رغم تكاليف الحياة الباهظة. يضع المبلغ في جيبه مرة أخرى ويربِّت عليه ... يتابع مشاهدة التلفاز تسليته الوحيدة في غربته ... يشده تقرير إخباري عن وطنه فيعتدل في جلسته ... يتناول برتقالة من طبق بجانبه فيه بعض التمر وبرتقالتان يبدأ بتقشيرها وعينه على الشاشة ... تظهر صورة لبعض جنود الاحتلال يطاردون جمهوراً من الأهالي معظمهم من الشباب الذين يرشقونهم بالحجارة ... تتعثر فتاة وتقع على الأرض. يلحق بها الجنود يمسكونها ... تحاول المقاومة يلكزها أحدهم ببندقيته ... يطل وجهها الجميل من بينهم وهي تحاول أن تتخلص من أيديهم ... تتضح الصورة أكثر والفتاة تصرخ وهم يضربونها بقسوة ... يمسح نظارته ويتابع بقلق ... تنتزعه الصورة من مجلسه وتكسر هدوءه ... يدقق النظر ... ويردد بصوت مرتجف: إنها هي سكينة ابنتي يقترب من جهاز التلفاز يجثو على ركبتيه ويتابع ويداه ترتجفان ودماء قلبه تغلي بالهمِّ النفسي الذي اعتراه يزداد صراخ ابنته: «يا با، يا با. تلتفت حولها والذعر في عينها بعد أن نزعوا خمارها وألقوه بعيداً ... سحبوها على الأرض وحملوها بعنف إلى سيارتهم العسكرية الضخمة وهي ما تزال تستصرخ:» وينك يا با، الحقني «ينتهي التقرير الإخباري وهو ما زال يحملق في الشاشة ويده تعصر بقايا البرتقالة في اللحظة التي عصرت عيناه دموعها.. تملَّكه إحساس بالحيرة والفزع ... عذبته صورة ابنته ... خطر بباله أن يوقظ العمال في العنبر المجاور؛ لكنه لم يفعل، وبدأ يدور داخل غرفته يهرش جبهته عدة مرات وصورة ابنته لم تفارق عينيه. شعر بالحسرة والألم ... دموعه بدأت تسترسل على وجنتيه وتتخلل لحيته الرمادية يفتح باب الغرفة ... البرد قارس خارجها ... يتجه إلى أكوام الخشب أمامه ويتناول قطعة كبيرة يضرب بها أكوام الإسمنت والتراب بشدة، ثم يلقيها وينظر إلى السماء ... عيناه محمرتان ... يتضرع إلى الله أن يلهمه الصبر ويهديه إلى الصواب وهو يفكر فيما سيفعل حتى يصل عمره المعذب إلى نهايته ... تراكمت أمامه ستائر من سُحب الأوهام العسيرة فزادت من اضطراب أحاسيسه، وتاه في بحر من المخاوف على أسرته وبالذات سُكينة ... ابتلع آلامه وترامت حوله الوساوس وهو يتذوق ملوحة عبراته التي لم تتوقف على ابنته ووجهها الجميل المعفر بتراب الأرض ... أحس أنها تراه وهي معصوبة العينيين داخل السيارة العسكرية، رغم المسافة البعيدة بينهما؛ وصوتها يحفر أذنيه وهي تستصرخه حين اشتد بها الألم ودخلت مأساتها. هواتف قلبه تعمل بلا نظام، ترسل أمنياته الحسيرة من أعماقه عبر أنفاسه المتلاحقة ... نظراته حزينة ترنو إلى الفراغ داخل الليل، وتتلاشى الحدود الفاصلة بين واقعه وأحلامه ... نار الغيظ تتقد بين ضلوعه إشفاقاً على ابنته في سواد ليلها الطويل ... يتخيلها داخل زنزانة رطبة كريهة الرائحة يذبحها قلقها وفي مهجتها فزع البعاد عن الأهل ودفء حضن الأم الذي افتقدته في زمهرير عذابها الممتد إلى غدها الرهيب. كان يعرف زنازين العدو؛ لقد خبرها في أيام عمره السابقة، وها هي الآن تخنق أعز ما يملك سكينة بأحلامها وورود آمالها بجمالها البريء ... تنهشه مخالب وحوش البشر وهم يمتصون دماء حياتها بعد أن جرحوها. أمضى ليلته محملقاً في شاشة التلفاز الصماء ... تنثال عليه مآسيه في لحظة واحدة تختزنها سكينة وهي ترقد معصوبة العينين، مكتوفة اليدين على أرضية السيارة ... تمنى لو يصبح طيراً من طيور الأبابيل ليخلصها من عذابها. يتقلب على جمر فراشه البارد يضع يده تحت رأسه والقلق يشويه، وقلة حيلته تدمي ما تبقى له من قلب خفيق ... تأخذه سِنَة من النوم يحلم خلالها بسُكينة تهديه بندقية. يفتح عينيه ويقرر أن يستقيل من عمله ليكون قرب أسرته في هذه الظروف الصعبة. انتظر أول خيوط الفجر ... انتزع نفسه من مرقده؛ صلى ثم استعد للذهاب إلى مقر الشركة ليقابل رئيسها. يقف رشيد أمام مكتب الشركة ... الشارع خالٍ، والوقت مبكر، وعقارب الساعة تدور ببطء ... ينظر إليها من حين لآخر يستعجلها تلوذ بالصمت ... يخلعها من يده ويضعها في جيبه يمر الوقت، وتبدأ الحياة تدب في الشارع وسط المدينة الكبيرة ... يأتي مدير الشركة، وبعد أن يجلس إلى مكتبه يتقدم منه ويخبره بمصيبته. يتفهم المدير موقفه، ويطلب من معقب الشركة أن يقوم بعمل الإجراءات والحجز له. في اليوم التالي يصل رشيد إلى منزله البسيط بعد ساعات سفر مضنية ... يقابله الحزن في كل مكان من البيت وعلى وجوه أسرته؛ بدت زوجته أكبر من عمرها ... أبناؤه حوله يقبلهم وعينه على مكان سُكينة الذي اعتادت أن تجلس فيه ... يمنع دمعة حاولت التعبير عن ألمه وحزنه ... لم يتحمل جو البيت الكئيب وسراجه غائب عنه.. يخرج منه وسط دهشة أسرته يغذُّ الخُطا ... يلتفت حوله ليتأكد من أن أحداً لا يتابعه، يصل منزل صديقه جابر يطرق الباب بحذر ... لحظات تمر ويفتح الباب ... يدلف إلى المنزل بسرعة ويغلق جابر الباب، ثم يرحب برشيد ويواسيه لما حدث لسُكينة ... يجلس رشيد لاحقاً ويسأل جابر عن» الجماعة «وعملياتهم ... يهمس في أذنه ... تتسع عيناه ... يومئ برأسه عدة مرات ... يذهب بعدها دون أن يتناول فنجان قهوته الذي أحضرته ابنة جابر الصغيرة. تمضي بضعة أيام ... يأتي أحدهم إلى منزل رشيد مع بداية الليل، ويذهب معه بعد أن مسحت عيناه أهل بيته. يتقدم الليل وتبدو النجوم خلف ستار الظلام ... السكون يلف المكان قرب بناية كبيرة يقترب رشيد من سورها وأنفاسه تتلاحق بصمت ويطمئن أن الحزام حول وسطه ينظر حوله بترقب وحذر ... يتسلق السور بعد أن تأكد أن حراس البناية غير موجودين؛ لكنه يسمع أصواتهم من بعيد وهم يترنمون بأغنياتهم وكأنهم يدرؤون الخوف عنهم ... ينسحب قرب الجدار وعند ركن البناية يتوقف ويسترق النظر يكتشف أن الجنود يدخنون ويتسامرون بعيداً عن مدخل المبنى الكبير ... ينبطح، ويبدأ زحفه قرب المدخل ويده على الصاعق ... يدلف إلى الداخل وينزعه ينفجر الحزام ... تتوزع أشلاء رشيد تزين المكان ودوي انفجارات متتابعة تتوالى داخل البناية التي تحولت إلى ركام ... أصوات استغاثة وأنين تختلط بأصوات سيارات الإطفاء والإسعاف التي هرعت إلى المكان ... راديو العدو يبث بياناته.. يعدد قتلاه وإصاباته ... ويعلن أن البحث جار لمعرفة حقيقة ما جرى ... في هذه الأثناء فتحت زوجة رشيد نافذتها وهي تحوقل وتستعيذ بالله ... هواء الليل يحمل إليها رائحة البارود وغبار الموت أطلت من النافذة، لم تر شيئاً.. لكنها بقيت واقفة تنتظر عودة رشيد.

стр. 3568

نص شعري أنا الفقير عبد الله بن عطية بن عبد الله الزهراني أتيتُ أحملُ في الأعماقِ أحزاني أشكو إلى الرّبْعِ أم أشكو لخِلاَّني كمْ كُربةٍ قَدْ أصابتْني فَفَرَّجها مُفَرّجُ الكرْبِ في سِرٍّ وإعلانِ لجأتُ لله فانْجَابتْ غياهِبُهَا فاللهُ عن خَلْقِهِ بالجودِ أغنَاني آمنتُ بالله ربي لا شريك له لهُ خُضُوعي، وما الكفرانُ مِنْ شاني رَفَعْتُ كّفِّيَ أَبْغي منه مكرُمةً فأجزل الفضلَ سَحّاً دونَ نقصانِ حَصَّنْتُ نَفْسِيَ بالأذكارِ أقْذِفُهَا في وجه باغٍ وَمَأْفونٍ وشيطانِ في سورة (الناس) في (الإخلاص) نبصرها مَشَاعلَ النورِ تهدي كلَّ حيرانِ في سيرةِ المصطفى حَقَّقْتُ أُمْنِيتي وفي رحابِ كتابِ اللهِ عنواني وقِبْلتي نحو بيتِ الله وِجْهَتُهَا لِنُصْرَةِ الدِّينِ قد سَطَّرْتُ ديواني أنا الفقيرُ إلى ربي أُردِّدُها لأنَّهُ مِنْ همومِ العيشِ نجَّاني أنا الفقيرُ إلى مولاي أُعْلِنُهَا ما لي سوى اللهِ من واقٍ ومِعْوَانِ يا ربِّ بين ضُلُوعي خافِقٌ أَسِفٌ قد سَاءَهُ حَالُ إخوانٍ وجيرانِ جرحانِ في الصَّدرِ: جرحٌ غَارَ في قِدَمٍ وجرحي اليوم في الشيشان أبكاني العيدُ ما عادَ يشْفينَا بطَلْعَتِهِ والأنسُ قد غابَ عنَّا منذُ أزمانِ يا عيدُ عذراً فهذا حالُ أمتنا يعثو بها الذُّلُّ من آنٍ إلى آنِ الملحدون على إخواننا اتَّحدوا ونحنُ نشكو لخنزيرٍ ونصراني يا ويحنا قد أُصِبْنَا في بصائرنا فَلَمْ نَعُدْ نَنْصُرُ القاصي ولا الداني في كُلِّ عامٍ قضايانا لها مَدَدٌ نُبْلى بظلْمٍ كما نُبْلى بعدوانِ يا ربِّ قيِّضْ لنا نَصْراً تُشَيّدُه سواعدُ القومِ في عزٍّ وسلطانِ

стр. 3569

نص شعري نعيم المعالي عبد الله بن شبيب الدوسري نعيم المعالي في جحيم المعارك ... وذل المخازي في أثير الأرائكِ وعمر الفتى لا زائدٌ فيه رعبه ... ولا ناقصٌ منه اقتحام المهالكِ فما فاز إلا عالمٌ أو مجاهدٌ ... جَسورٌ وإلا كل داعٍ وناسكِ وكل سراةٍ لا تبوِّئ أمتي ... ذرى المجد إخلاد لعطن المباركِ فدىً للأسود الصامدين الألى انتهت ... إليهم زعامات الجهاد المباركِ رجال على الشيشان غاية همِّهم ... شراء الجنانِ بالدماء السوافكِ فلم تلههم عنها من العيش زهرة ... ولم يلههم عنها بريق السبائكِ ثلاثة آلاف يذلّون دولةً ... تُعِزُّ مراميها الصعابُ المداركِ وقالوا لها: يا جارة السوء أقصري، ... وأومأ أقصاهم لها: أنْ مكانكِ يسمونها العظمى، أجلْ بات عظمها ... كسيراً فما يرجى لها من تداركِ وباءت بخذلانٍ وهونٍ تخبطت ... قيادتها في مظلمات الحوالكِ وباءت جموع المسلمين رصينةً ... كبنيان صدقٍ ثابت متماسكِ أشاحوا بوجه الفخر عنها استهانةً ... فيا خيبة الأعداء هذا أوانكِ فليسوا على الأعقاب تدمى كلومهم ... ولكن على البيض الحداد الفواتكِ تضيق على أعدائهم كل رحبةٍ ... وتحنو عليهم ضيقات المسالكِ

стр. 3570

وقفات بداية النهاية أحمد بن عبد الرحمن الصويان الإحباط داء من الأدواء المهلكة التي قد تعرض لبعض السالكين في طريقهم؛ فهو يرى انتفاش الباطل، وعلوَّ سلطانه، وامتداد تأثيره. يلتفت يمنة ويسرة فيجد أعداء الله تعالى يمكرون الليل والنهار بإمكانات مادية وتقنية بشرية هائلة، ثم يشعر جازماً بأنَّ الأحداث والوقائع إنما تجري بتخطيط محكم، ودراسة متقنة، وأنَّ الناس ما هم إلا دمى يعبث بها صنَّاع القرار من أهل الباطل، أو مجرد أحجار على رقعة الشطرنج يتداول تحريكها وإسقاطها المتنافسون على القصعة المستضعفة المهينة..! ! يرى ذلك كله، ثم يرى في الجهة الأخرى أنَّ الحق مهيض الجناح، ضعيف السلطان، لا شوكة له ولا ظهور، كما يرى أن السنوات الطويلة التي قضاها في الدعوة أو التعليم أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الجهاد في سبيل الله لم تُؤتِ ثمارها كما يجب، بل قد تتوالى عليه الفتن، وتضيق عليه الدائرة، وربما رأى من أمراض الصحوة الإسلامية ما يزيد من الفتِّ في عضده، والتقليل من همته وعزيمته..! والنتيجة الحتمية لهذه الحالة المتقدمة من الإحباط هي اليأس والاستسلام، ثم القعود والركون إلى الدنيا، أو في أحسن الأحوال الانكفاء على الذات والاعتزال. والإحباط هو بداية السقوط والنهاية، وهو آية من آيات ضعف الإيمان، وضعف الثقة بالله تعالى والاعتماد عليه. وأمَّا أهل الإيمان الراسخ فإن ثقتهم بالله تعالى عظيمة، وتوكلهم عليه كبير، لا يزالون معتصمين بحبل الله المتين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله. إنَّ الإيمان بمعية الله تعالى للمؤمنين من أعظم عناصر القوة، والمؤمن الحق لا يعرف اليأس، ولا يستسلم لأحابيل الشيطان وتخذيله. وقوة الباطل وانتفاشه قوة دافعة لأهل الإيمان تدفعهم لمواجهته، والصبر في مدافعته. قال الله تعالى: [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ] (آل عمران: ١٧٣) . وقال الله تعالى: [وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] (آل عمران: ١٤٦) . وانظر إلى سِيَر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تراهم أعظم الناس ثقة بالله تعالى على الرغم من الإعراض الذي يواجَهون به، بل والأذى والاستهزاء والحرب؛ فها هو ذا نوح ﵊ يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين بكل ثبات وصبر، ولم يفُتَّ في عضده أنَّ من آمن به قلة قليلة جداً من الناس، ولم يحبطه أن يكون أعز الناس إليه ممَّن كفروا بالله تعالى. قال الله تعالى: [قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً] (نوح: ٥-١٠) . ومن عجائب الثقة بالله تعالى ما نراه في سيرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم؛ ففي المدينة لمَّا تألب عليه الأحزاب في غزوة الخندق، ورمته العرب عن قوس واحدة، وأصاب الناس بأس وشدة، وزلزلوا زلزالاً شديداً كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الثقة بالله، والاطمئنان بالنصر العاجل والآجل، والتصديق بموعود الله الذي وعدهم؛ فعندما عرضت صخرة للصحابة وهم يحفرون الخندق أخذ رسول الله ﷺ المعول وقال: «باسم الله» ، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: «الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأُبصر قصورها الحمر من مكاني هذا» . ثم قال: «باسم الله» ، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: «الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأُبصر المدائن، وأُبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا» . ثم قال: «باسم الله» ، وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: «الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأُبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا» [١] . والعجيب أنَّ الناس انقسموا إزاء هذا الوعد فريقين: فقد حكى الله عن المنافقين قولهم: [وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً] (الأحزاب: ١٢) . وأما المؤمنون فقد جاء وصف حالهم بقوله تعالى: [وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً] (الأحزاب: ٢٢) . موقفان متقابلان: موقف المريض الهزيل، وموقف المطمئن الراسخ في تصديقه، الثابت على دينه، الذي لا تهزُّه الأعاصير، ولا تضعفه المحن.. وشتان ما بين الموقفين. نعم.. تربى الصحابة ﵃ على الشموخ والأنفة! ففي غزوة أُحُد لمَّا انكسر المسلمون، وقُتِلَ من أَجِلَّة الصحابة من قُتل تنزَّل القرآن الكريم ليؤكد حقيقة في غاية الأهمية وهي أن الإنسان المؤمن يشعر بالعزة والرفعة والعلو دائماً، ولا يتطرق الوهن أو اليأس إلى قلبه، حتى في حال الانكسار. قال الله تعالى: [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) . إنَّ الإحباط لا يعرف طريقه إلى القلوب المطمئنة بذكر الله تعالى بل هي شامخة بإيمانها، معتزة بدينها، قادرة على مواجهة الأمم كلها مهما بلغ سلطانها وبلغت قوتها. أمَّا أصحاب النفوس الضعيفة التي عبث بها اليأس، وعمرها القنوط فإنها تخاف من ظلها، ويحوطها الفشل والإحباط من كل جانب.. نسأل الله السلامة. [رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ] (الأعراف: ١٢٦) .

стр. 3571

المسلمون والعالم في ظل تجفيف المنابع جامعة الزيتونة تستغيث؛ فهل من منقذ ؟ محمود خليل جامع الزيتونة الذي لعب الدور الأكبر في حفظ الإسلام واللغة العربية في المغرب العربي، وهو إحدى أقدم الجامعات الإسلامية الثلاث في العالم. بناه الوالي الأموي «عبد الله بن الحجاب» بتونس سنة (١١٤ هـ = ٧٣٢م) ثم أعيد بناؤه في عهد محمد بن الأغلب؛ حيث اهتم الأغالبة بتعميره وتجديده وجعله دارة للعلم ومنارة للإسلام، ليس في تونس وحدها، بل في الشمال الإفريقي والمغرب العربي بأسره. وهذا الجامع الجامعة الذي حفظ الله به تراث الإسلام وحضارته في هذه البقاع يمر الآن بأزمة خطيرة أقرب إلى لحظات الاحتضار؛ ذلك لأن موجة الحنث العظيم التي تجتاح المنطقة فيما يسمى بـ «تجفيف المنابع» قد ضربت هذا الصرح العظيم بالسهام المسمومة. جامع الزيتونة الذي خرجت منه الحركات الجهادية ابتداءاً من التي قامت بها البلاد الإفريقية على حكم «العبيديين» في أيام المعز بن باديس الصنهاجي، والمستنصر الفاطمي في القرن الخامس الهجري، وانتهاءاً بالثورات المتعاقبة على الاحتلال الفرنسي الأثيم. هذا الجامع العتيد الذي كان قبلة الدارسين بالشمال الإفريقي لأكثر من ألف وثلاثمائة عام، وتخرج فيه أكابر العلماء وأئمة المجاهدين، صدر مرسوم عام ١٩٣٣م اعتُبِر فيه جامع الزيتونة جامعة، وسمي شيخه «مديراً» وأصبحت الدراسة فيه على ثلاث مراحل: ١ - الإعدادية: وتنتهي بشهاة «الأهلية» . ٢ - المتوسطة: وتنتهي بشهادة «التأهيل» . ٣ - العالية: وتنتهي بشهادة «العالمية» مع التخصص في القراءات وعلوم الشريعة والآداب، ... وبعد استقلال تونس أُلحق بالتعليم الثانوي وأضيف إلى مناهجه اللغات الأجنبية وبعض المواد العلمية العصرية. وأخيراً.. صدر قرار وزير التعليم العالي المؤرخ في ٣٠ /١٢/١٩٩٥م والمتعلق بضبط برامج «الأستاذية» في العلوم الشرعية والتفكير الإسلامي، وذلك بتنظيم الدراسة وبرامج التعليم بجامعة الزيتونة لتصبح على النحو الآتي: ١ - المعهد الأعلى للشريعة، وقد خرج من جامعة الزيتونة تماماً وألحق بالشؤون الدينية بداية من ١٩٩٧م. ٢ - المعهد الأعلى للحضارة: وقد خصص للأجانب (من مسلمي إفريقيا وشرق آسيا) . ٣ - المعهد الأعلى لأصول الدين: للتونسيين وتوجه له وزارة التعليم العالي في بداية كل سنة ٥٠ طالباً وطالبة فقط، جلهم من الأناث اللواتي تقارب نسبتهن ٨٥%. وليست هذه هي قضيتنا إنما القضية أن «الزيتونة» قد أطبق عليها الخناق العلماني مما جعل زيتها يكاد لا يضيء، وهذه بعض فصول المؤامرة: تهميش السُّنَّة: من النظرة الأولى لمناهج الدراسة في المرحلة الأولى «السنة الأولى السنة الثانية» نجد أن مجموع ساعات الدراسة بهما (١٠٧٩) ساعة منها (٥٢٠) للسنة الأولى، (٥٥٩) للسنة الثانية، ونصيب السُّنَّة النبوية منها (٣٩ ساعة) أي بنسبة ٦١ , ٣ % من ساعات الدراسة. أما البرنامج الدراسي للسُّنَّة فهو: «إشكالية التدوين والتشريع» فهل ضاقت رحاب السنة في وجه علمانيِّي الزيتونة فلم يجدوا من السُّنة إلا إشكالية التدوين؟ وهل لديهم شك في أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي؟ وهل لديهم شبهة في حجية السنة؟ وهل يجوز أصلاً علمياً حصر السنة في هذه الإشكالية؟ ! وهل هذا هو نصيب السنة في أصول الدين؟ عدوان على الرسول ﷺ والسيرة: أما نصيب السيرة من ساعات الدراسة فهو (٣٩ ساعة) أي بنسبة (٦١ , ٣ %) والبرنامج هو: «كتابة السيرة النبوية» والهدف منها كما وضحه التخطيط الدراسي للمعهد الأعلى لأصول الدين هو الوقوف على: أ - التاريخي والأسطوري في رواية السيرة. ب - الأغراض التمجيدية والتعبدية فيها. ج - تصور الرُّواة لشخصية الرسول ﷺ . فهل يجوز أن يقال عن السيرة أسطورة؟ وأن لها أغراضاً تمجيدية؟ وأنها مجرد تصورات وتخيلات من الرواة لشخصية الرسول ﷺ ؟ ولكن يبدو أن هذه البرامج لم توضع لتجلية حقائق الإسلام وإنما لنشر الشُّبه حول السيرة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وهناك ملحوظة جديرة بالإشارة إليها هي أن نسبة ساعات تدريس اللغات (٩٦,٢٤%) . ومن الجميل أن يجيد طالب العلوم الشرعية لغة أجنبية وأن يصبح داعية للإسلام بها في أرض الله الواسعة! ! ولكن ما فائدة هذه اللغة له وهو يجهل القرآن والسنة والعلوم الشرعية عامة؛ إذ يدرس منها ما يشككه فيها ويزعزع عقيدته من أساسها؟ علوم الإسلام.. تشكيك في تشكيك: وجاء في بيان الهدف من دراسة المدخل إلى تاريخ الأديان الكتابية عبارة: «يُهتم ببيان عقائد اليهودية والمسيحية.. مع التعبير عن احترام مقولات أصحابها» . والسؤال هنا: ما العمل في ما هو باطل من هذه الاعتقادات؟ وما هو مكذوب ومختلق وغير أخلاقي مما أنكره القرآن عليهم وخطَّأهم فيه؟ وهل الاحترام لهذه الملل والنحل فقط، والعدوان والتشكيك في الإسلام وحده؟ ثم جاء في الهدف من تدريس اتجاهات التفسير في العصر الحديث: «يرمي الدرس إلى تعليل انشغال علماء المسلمين على الوجه الذي تأولوا به نص القرآن» . والسؤال هو: هل هذا التفسير هو تطويع النصوص لاهتمامات العلماء ورغباتهم وحاجات المجتمع، أم أن التفسير والتأويل له قواعده وضوابطه التي يحتكم إليها حتى لا يكون التأويل غرضاً للذين امتلأت قلوبهم بالزيع ابتغاء الفتنة، والاعتساف المرذول؟ ! ثم أبان «المجففون» الأهداف من دراسة «نشأة علم أصول الفقه» بقولهم «يُعنى بأصول الفقه من حيث هو علم منظم للعلاقة بين العقيدة وسيرة المجتمع» فما معنى هذا الكلام؟ ! نحن نعلم أن علم أصول الفقه «هو العلم الذي يُتَعَرَّف منه استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية» فما صلة هذا بتنظيمه للعلاقة بين العقيدة وسيرة المجتمع؟ اللهم إلا إذا أريد بهذا «الخطل» تنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس وليس مجال هذه الدراسة «أصول الفقه» إنما مجالها دراسة الشريعة الإسلامية! وهل أُغلق باب الاجتهاد؟ ثم جاء في بيان أهداف تدريس وحدة «تاريخ الإسلام» : «يهتم بدراسة مشاغل مفكري الإسلام في أربع فترات هي كذا وكذا ... فترة نهاية الاجتهاد» ! والمعلوم أن جمهور علماء الأمة يذهبون إلى أن باب الاجتهاد لم يغلق، ولا يجوز إغلاقه ولا وضع نهاية له؛ لِمَا يَجِدُّ للناس من أقضية وأحداث تستوجب أن يكون باب الاجتهاد مفتوحاً أمامها لكن بشروطه فلماذا نفرض على الأمة شيئاً لم يقل به علماؤها؟ والأنكى من ذلك أن منهج علم «الاجتماع الديني» قد جاء في بيان أهدافه: «يهتم بتجديد علماء الاجتماع للظاهرة الدينية! وتأثر المقالات الدينية في الألوهية والنبوة والوحي والمعاد وكمال الخلق بشؤون المجتمع ومقتضيات الاجتماع» . وهل الدين الإسلامي هو نتاج بشري ناشئ عن حاجات المجتمع، أم هو: «وحي يوحى» من عند الله تعالى؟ وهل تتأثر الألوهية والنبوة والوحي في ديننا بشؤون المجتمع ومقتضيات الاجتماع، أم أن المجتمع والاجتماع هو الذي يتأثر بهما؟ والواضح جداً من هذا البرنامج أن واضعيه قد اتخذوا من كل عدو للإسلام ومشكك فيه إماماً لهم، ليضلوهم بغير علم، وقد اتخذوا على سبيل المثال من «دوركايم» اليهودي الذي جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية «العقل الجمعي» المصدر الوحيد لدراسة وحدة علم الاجتماع الديني! من دوركايم إلى علي عبد الرازق: أما منهج «المؤسسات ونظم الحكم في الفكر الإسلامي» فلم يجد هؤلاء العلمانيون أمامهم لتدريس هذا المنهج سوى كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، رغم أنه كتاب غير علمي بالمرة وأنه مليء بالمغالطات، وهناك شك كبير في أن مؤلفه هو الشيخ علي عبد الرازق [١] ؛ فطه حسين شريك في تأليف هذا الكتاب «بالوثائق» ! كما أن صاحبه قد تنصل منه في مقال كتبه بخط يده ونشرته مجلة «رسالة الإسلام» الصادرة بالقاهرة في مايو سنة ١٩٥١م قال فيه بالحرف الواحد: «إن فكرة روحانية الإسلام لم تكن رأياً لي يوم نشرت البحث المشار إليه [كتاب الإسلام وأصول الحكم] ولقد رفضت يومئذ رفضاً باتاً أن يكون ذلك رأيي. إنني لم أقل ذلك مطلقاً لا في هذا الكتاب، ولا في غيره، ولا قلت شيئاً يشبه ذلك الرأي أو يدانيه» . ثم قال عن كلمة «روحانية الإسلام» : «لعله الشيطان ألقى في حديثي تلك الكلمة، وللشيطان أحياناً كلمات يلقيها على ألسنة بعض الناس» ثم اعترف للعالم الأزهري الشيخ أحمد حسن مسلم واعظ الأزهر حينئذ بصعيد مصر فقال: «وهل أنا الذي ألفت هذا الكتاب؟ ! إنما ألفه طه حسين» [٢] . وقال طه حسين بالحرف الواحد: «على أني قرأت أصول كتاب الشيخ علي » الإسلام وأصول الحكم «قبل طبعه ثلاث مرات، وعدّلت فيه كثيراً» . فإذا كان هؤلاء يريدون تكريس فكرة علمانية الدولة لدى طلاب أصول الدين بحيث يصبح الإسلام ديناً لا دولة، ودولة لا دين لها فقد خانهم التوفيق في منهج علمي مكذوب ومزيف، ويحمل في طياته كل شُبَهِ التاريخ المعاصر في خيانة هذه الأمة دينياً وحضارياً وثقافياً! وختامها.. رجس! ! أما الأساتذة في ظل هذا المشروع العلماني فإن معظمهم لا صلة لهم بالاختصاصات الشرعية، بل إنهم يُختارون ممن يجهلون الإسلام، وكثير منهم معبأ بالشُّبه والانحرافات الفكرية حتى إن إحدى الأستاذات التي انتدبت لتدريس القرآن أعلنت بكل وقاحة لطلابها قائلة: «إن القرآن نزل مقدساً وكتب مدنساً» ! أما النشاطات الثقافية فتتمثل في النوادي الموسيقية والغنائية، والحفلات الماجنة، كما أن بالمعهد إذاعة داخلية تذيع الغناء في رحابه، إضافة إلى أن النوادي الرياضية تشتمل على السباحة «للفتيات» إلى جانب ألعاب الشطرنج والدامة والموسيقى، ومسابقات العَدْوِ «للبنات» أمام الذكور! ! بل واستضافة المطربين والمطربات لإحياء الحفلات الغنائية حتى في شهر رمضان المبارك، وتتم الدعوة لهذه الحفلات من مدير المعهد شخصياً. والعطلة الأحد: وهل يتصور أحد أن تنتقل العطلة الأسبوعية «للزيتونة» من يوم «الجمعة» إلى يوم «الأحد» ، ويصبح يوم الجمعة يوم عمل وتدريس؟ ! وهل يتصور أحد أن «الزيتونة» كان لها مسجد تم إغلاقه بأمر الرجل الأول في التعليم العالي لتجفيف المنابع؟ ! وهل يتصور أحد أن الرجل الأول في التعليم العالي الوزير هو كاتب شيوعي سجنه «بورقيبة» لمجاهرته بالإلحاد؟ وهو يرى أن قوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) يراها آية تعلِّم التطرف والإرهاب والغلو؟ ! حوار مبتور مع المدير المذعور: ذكّرني هذا الإرهاب العلماني الأخرق بأغرب حوار صحفي أجريته في حياتي عام ١٩٩٢م مع الأستاذ «حمودة السحطي» مدير المعهد الأعلى للشريعة بجامعة الزيتونة، وكان ذلك بمدينة الزقازيق بمصر أثناء انعقاد مؤتمر «الإسلام وتحديات الحاضر والمستقبل» الذي أقامته رابطة الجامعات الإسلامية، وأصر الرجل على أن تكون الأسئلة مكتوبة والإجابة يكتبها هو بخط يده ولا زالت عندي وكانت على هذا النحو: س: ما رأيكم بالواجهة العلمانية التي تبدو على تونس الشقيق في الآونة الأخيرة؟ ج: الحزب الحاكم وريث حركة إصلاحية لجمع كافة القيم الروحية والوطنية. س: أين يقع العمل الإسلامي على الخارطة الديمقراطية التونسية؟ ج: كل عمل فيه إصلاح هو عمل إسلامي. س: نريد أن نتعرف على مدى مساهمة المرأة التونسية في العمل الإسلامي المعاصر؟ ج: فيما يتمثل في العمل الإسلامي المعاصر هي تساهم في عملية التنمية. س: ما هي روافد التعاون الإسلامي «بالاتحاد المغربي» وكان قائماً حينئذ، وما هي الثمار الإسلامية التي تحققت من هذا الاتحاد؟ ج: التحابب والتعاون. س: جامعة الزيتونة ما أحدث أخبارها، وما مدى صحة ما نسمعه من «علمنة المناهج الدراسية بها تماماً» ؟ ج: لا إجابة. س: ما رأيكم في الإعلام التونسي والدور الذي يلعبه في «تمييع» قضية الإسلام؟ واستهلاك وتفريغ طاقات المجتمع التونسي المسلم؟ ج: أحكام مسبقة. س: كيف يؤدي المسجد التونسي دوره الآن؟ ج: هو يتبع قيم الإسلام السمحة والقيم الحضارية. (انتهى الحوار) . ومن كان يصدق أن «الزيتونة» التي كان عدد طلابها في عهد الاحتلال الفرنسي أكثر من ثلاثين ألفاً يصبح الآن نحو ستمائة وخمسين، منهم ٨٥% من الإناث اللائي يُفرض عليهن السفور والنزول إلى حمامات السباحة «بالمايوه» داخل جامعة الزيتونة؟ ! وأخيراً: الزيتونة «الجامعة الإسلامية العريقة» قلعة العلماء والمجاهدين.. تستغيث فهل من منقذ أيها المسلمون؟ !

стр. 3572

المسلمون والعالم سورية بين الحقيقة والخيال عماد حيدر الصالحي من المؤشرات المريبة اليوم على الساحة العربية بل العالمية ما جرى في سورية بعد انتقال الرئيس حافظ الأسد من الفانية إلى الباقية؛ فقد أفاق العالم شرقاً وغرباً على ولادة أول جمهورية وراثية على وجه الأرض بعد توريث كيم إيل سونغ الحكم لابنه في كوريا الشمالية. إلا أنه لا بد لنا أن ننوه بماهية التركيبة الطائفية لحكمٍ كل ما فيه ينطق بالطائفية المذهبية؛ فطبيعة الحكم في سورية وعلى مدى نيِّف وثلاثين عاماً كان حكماً طائفياً صرفاً على الرغم من تقمُّص شعارات حزب البعث وتنظيماته واتحاذها ستاراً يتوارى خلفها. وقد راق للمعلق السوري الدكتور عماد فوزي شعيبي أن يدفع عن الحكم الأسدي صفة الطائفية فكتب في صحيفة الحياة يوم ٢٤/٦/ ٢٠٠٠م مقالاً لا نقول إنه يحاول به رفع تهمة بل يريد به طمس حقيقة ماثلة للعيان لا تحتمل الخوض فيها ولا ينتطح فيها عنزان؛ إلا أن الدكتور الشعيبي نفسه يعلم بطلان دعواه؛ فإن كان علويا نصيرياً فإني أقسم أنه يعلم أن الحكم نصيري طائفي، وإن كان مسلماً سنياً فإني أقسم أيضاً أنه يذوق طعم الطائفية يومياً، وإن كان نصرانياً فليس في نصارى سوريا على مختلف طوائفهم وكنائسهم من يجهل حقيقة الحكم السوري. وحتى العرب خارج سورية يعلمون ذلك ولا يجهلونه، والمسلمون في شتى أقطار الأرض قد عرفوا النصيرية ولم تعد مجهولة حتى عند عامتهم، والعالم الغربي من خلال دوائره المعنية أكثر معرفة بدقائق ذلك الحكم الطائفي وتفصيلاته. لقد أراد (الشعيبي) أن يقدم أمثلة تخيَّلها مما يساعد على إهدار الحقيقة، فقاس قياساً فاسداً حين نفى طائفية الحاكم للخلاف الذي حصل بينه وبين كل من اللواء محمد عمران، واللواء صلاح جديد وكلاهما نصيري. أما محمد عمران فقد تم تصفيته جسدياً في مزرعته الخاصة قرب طرابلس اللبنانية، وأما صلاح جديد فلم يرَ النور بعد دخوله السجن الذي قضى فيه نحبه عليلاً مريضاً. والقاصي والداني يعرف أن فعلة الحاكم هذه بفرد أو أفراد من بني ملته لا تعني أنه غير طائفي، كما أن الخلاف بين باراك ونتنياهو لا تجعل الآخر منهما نصرانياً أو مسلماً؛ كما أن قتل رابين لم يجعله يهودياً ولا جعل قاتله غير يهودي؛ وحتى القتال بين المسلمين لا يُخْرِج طائفةً من المقتتلتين من الإسلام؛ فكل منهما مسلمة ولو انتصبت لأختها بالسيف، ولولا ذلك ما دعا الله المؤمنين لرأب الصدع بين إخوانهم بقوله - تعالى -: [وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] (الحجرات: ٩) . لقد كان الخلاف الدائر بين رؤوس النصيرية في الجيش السوري ينطلق من أن بعضهم يعتقد أنه أقدر على تحقيق أحلام الطائفة في إعادة بناء الدولة النصيرية التي أقامتها لهم فرنسا في محافظة اللاذقية وأعطتهم مسمى (العلويين) بدلاً من (النصيرين) وهو الاسم الذي يحرص النصيريون على التخلص منه لما يحمله من معاني يعرفونها منذ قام النصيريون أيام صلاح الدين الأيوبي ﵀ باغتيال عدد من علماء المسلمين؛ حتى إن صلاح الدين نفسه لم يسلم من محاولات عديدة للاغتيال على أيديهم، ولكن الله سلمه منهم فكان شوكة في حلوقهم وسيفاً بتاراً لمن خلفهم من الصليبيين. إن الصورة التي أعقبت موت الأسد أكثر تجلية للأهداف التي حملها طيلة ثلث قرن؛ فكل حركة ونأمة وإجراء تشرح بما لا يقبل شكاً أو جدلاً أنه كان طائفياً حتى نخاعه، ولم يكن إعلانه في خطاب عامٍّ أمام التلفزيون في أعقاب الإضراب العام في سورية أوائل عام ١٩٨٠م أنه يصلي منذ ثلاثين عاماً إلاَّ زيادة في النكاية وضرباً من التقية والخداع. وما دام الأسد الأكبر قد هلك، وأفضى إلى ما قدم من عمل فإن ظُلامات كالجبال ما تزال ماثلة فوق كل حبة من تراب سورية، ولن تتاح للرجل إعادة هذه الظلامات إلى أهلها؛ فهو رهين ما قدم ولن تنفعه هتافات الهاتفين ولا الإسراف في الألقاب ولا الغوص في بحار المديح التي تكال له كيلاً وتُغرف غرفاً مما زعموا له من صفات ونعوت كان بعيداً منها وكانت بريئة منه؛ فقد قيل إنه صاحب القلب الكبير وقد ضاق عطنه عن سماع همس الهامسين، ولقد سمَّاه الغوغاء الأبَ القائدَ في الوقت الذي حرمَ فيه عشرات الآلاف من الأطفال من آبائهم الذين قتل منهم من قتل، وسجن منهم من سجن، وشرد الآلاف منهم حتى لم تعد منطقة في الأرض تخلو من سوريين يقرأ العالم في عيونهم مرارة التشريد على حين تُفتَح سورية على مصراعيها لليهود العائدين إلى دمشق للمساهمة في بناء سورية الأسد! ولم يكن لهؤلاء المواطنين من ذنب سوى أنهم لا يؤيدون طغيانه وجبروته، وما زال حتى الآن الآلاف من أهل السنة قيد سجونه، ولا يُدرى عن كثير منهم أأحياء هم أم أموات؟ وجل السجناء الذين ادعى أنهم من (الإخوان المسلمين) هم ممن لم يحمل سلاحاً ولم يهتف بسقوط الأسد بل كان صابراً صبر شعبه منتظراً فرج الله، ومع ذلك لم يسلم من الظلم لسبب لا يقع تحته عقوبة ولا تأنيب؛ لأن الذين قاوموا الأسد بالسلاح وهم فئة قليلة قتل منهم من قتل في الاشتباكات التي وقعت بينهم وبين رجال الأمن، والباقون منهم وهم قلة توجهوا إلى خارج البلاد. أما بطل الصمود والتصدي في حرب الأيام الستة حرب حزيران التي جرت بين العرب واليهود يوم ٥/٦/١٩٦٧م فقد كان يومها وزيراً للدفاع في الحكومة السورية، وكان هو صاحب البلاغ العسكري بسقوط القنيطرة في أيدي اليهود ولم تكن قد سقطت حتى ساعة إصدار ذلك البيان المشؤوم أو اقترب منها جندي إسرائيلي واحد، وكيف يتقدم اليهود منها والجنود السوريون متشبثون بها تشبث الأبطال الميامين المدافعين عن كرامة أمتهم وشعبهم؛ ولكن البلاغ العسكري المباغت الذي أصدره حافظ الأسد بوصفه وزيراً للدفاع أصاب الجنود المتقدمين في الجبهة في مقابلة العدو الصهيوني بالذهول؛ فالقنيطرة خلفهم وهذا يعني في العرف العسكري أن اليهود قد قاموا بحركة التفافية عليهم ولم يبق أمامهم إلا الاستسلام للعدو أو الفرار من المعركة غير المتكافئة، وزاد الوضع العسكري للجنود السوريين إرباكاً حين أُتبع بلاغ سقوط القنيطرة بأمر عسكري آخر من حافظ الأسد يقضي بالانسحاب الكيفي للجيش؛ وما أدراك ما الانسحاب الكيفي لأفراد الجيش الذي يزيد النفوس هلعاً ويصبح حال الجميع: نفسي نفسي.. (انجُ سعدُ فقد هلك سعيد) . فما الذي دعاه لإعلان غير صحيح عن سقوط مدينة القنيطرة ومعها الجولان كله؟ وإذا كان حافظ الأسد يومئذ قد وقع ضحية لمعلومة كاذبة أبلغته بسقوط القنيطرة ولم تكن قد سقطت فلِمَ لم يفصح عن ذلك؟ إن إخفاءه للحقيقة التي تقف خلف ذلك البلاغ المشين جعل أبناء الجيل المعاصر لتلك الفعلة الشنعاء يدعونه باسم: (بائع الجولان) ! إن كل السوريين والعرب الذين تبلغ أعمارهم ثلاثاً وثلاثين عاماً لم يشهدوا تلك الواقعة ولم تسمع آذانهم ذلك البلاغ، وكل الذين يبلغون الأربعين لم يعوا تلك الأيام السود، وقد فات الأسدَ شرفُ تسجيل الكتب المدرسية ضياع الجولان على يديه، وإن لن يحظَ أبناؤنا بدراسة ذلك فلا شك في أن أحفادنا سوف يكون لديهم الأدلة المقنعة بأن الخيانة عار لا يغفره التاريخ. وإذا تركنا ذكر تلك الأيام السوداء من عمر سورية وتوجهنا للتعرف إلى ملامح السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية فلسوف نرى العجب العجاب. أما السلطة التشريعية في عهد الأسد الأول فقد كانت معطلة وإن كان لها مجلس ولوائح وأعضاء يقبضون مرتباتهم الشهرية وعلاوات التصفيق للرفيق القائد؛ فليس على المجلس الموقر إلا صياغة الرغبة الرئاسية التي كانت تضمِّخ كل تشريع أو قرار بعبارة: «بناءاً على كذا.. وبناءاً على كذا.. وبناءاً على توجيهات السيد رئيس الجمهورية الرفيق المناضل نقرر ما يلي..» . وليس لتلك البناءات من شأن إلا للبناء الأخير وهو توجيهات الرئيس؛ فأي حاجة لهذا المجلس سوى التصفيق والموافقة؟ وأما السلطة التنفيذية فقد كانت طيلة عهد الأسد مطلقة الأيدي والألسن والفروج، لا يردعها رادع، ولا تخضع لقانون أو نظام؛ فالكل (إيدو إلو) ولا يقف في وجهها واقف إلا الحاكم نفسه على الرغم من الفترات المتباعدة التي يعلن فيها عن محاربة الفساد وتطهير الأرض من المفسدين والتي لم تكن في حقيقتها إلا صراعاً بين المفسدين وعملاء النظام على مكامن استثمار الفساد واستنباته، وقد أثبتت الأحداث التي سبقت موت الأسد والتي تلته أن العينات المدروسة المستهدَفة لو طبق عليها الأسلوب العشوائي لما أخطأت من أصابت؛ لأنك أينما ألقيت حصاة وقعت على رأس فاسد أو مرتش أو ظالم؛ فقد زُرِعَت الأرض منهم على مدى ثلث قرن فساداً وإفساداً نَعِم بكافة الشروط التي جعلته يستشري ويستفحل ويصبح له مليارديرات؛ وتتكون له عصابات وعشائر. وفي مقال لكاتب يساري هو الدكتور (طيب تيزيني) يصور من خلاله بعض ملامح ثلث القرن الأسدي؛ وذلك على مدى ثلاث حلقات في صحيفة تشرين السورية الناطقة باسم السلطة بعنوان: (ثلاثية الفساد في أسبابه وآلياته ونتائجه) كان ثالثها يوم ٢٤/٥/ ٢٠٠٠م - أي قبل موت الأسد بأيام - تكلم فيه عن «فاسد تحت الطلب» وكان مما قاله في المقالة الثالثة: «في مقالتنا الأولى حاولنا وضع يدنا على واحد من المفاصل الكبرى التي جعلت من تكريس الفساد وتعميمه وتأييده مهمتها الحاسمة وسمَّينا هذا المفصل باسمه وهو» الدولة الأمنية العربية «بشعارها الاستراتيجي التدميري: يجب أن يُفسَدَ مَنْ لم يُفسَد بعدُ؛ بحيث يصبح الجميع مُداناً تحت الطلب!» . وهذا أمر يعرفه السوريون جميعاً القائم منهم على حدود الله أو الواقع فيها؛ فللرفاق الحزبيين جميعاً ملفات خاصة؛ فمنها الوثائق المؤرخة، ومنها المقترنة بالشهادة المسبقة من شهود صادقين أو كاذبين، ومنها حقائق يشهد عليها الجمُّ الغفير، ومنها ما هو بالصوت والصورة التي تظل مُسْلَطة عليه تمنعه من مبارحة طريق الفساد، ويظل مهدداً بها كل حين ولا فكاك له منها، ولا سبيل إلى النجاء منها والإفلات من أشراكها إلا بالإمعان في الطاعة والاستمرار في إضافة وثائق جديدة إلى ملفه الأسود، وفي حادثة انتحار رئيس السلطة التنفيذية محمود الزعبي مؤشرات ذات دلالات تعبِّر عن طبيعة النظام الكلية في الفساد والإفساد وتربية ضحاياه وإعدادهم ليوم يغسل بدمائهم ما علق بصورته من معالم الجريمة ولو كانت الضحية ممن عاش ربع قرن خادماً أميناً وطائعاً لا يتسرب إليه الملل في خدمة النظام الذي أباح له كل شيء، ولم يعصمه من أن يصبح في أية لحظة كبشاً يفتدي به نظامه الجبروتي الذي ليس في قاموسه السلوكي معنى للود أو الرحمة أو الحياء؛ فهو في مركب قرصان لا يتورع عن إلقائه في عباب البحر تخفُّفاً من الثقل الذي يهدد مركبه الآثم بالغرق. وقد يعجب المرء: كيف أتيح لـ «تيزيني» أن يقول هذا؛ والرؤوس من حوله تتطاير؟ فنقول له: إن مقتضيات اللعبة قد تسمح بأكثر من هذا وحتى نفاد البضاعة المعروضة على الجمهور؛ فلْيتكلم ما شاء مما يشاء النظام السماح به لفترة معقولة جداً تفي بالغرض المقصود وبعدها يا ويل من يتنفس. وأما السلطة القضائية فقد طُورِدَ فيها القضاة الأكفياء، ومن بقي منهم فلسان حاله يقول: اللهم سلِّم سلِّم، اللهم اختم أعمالنا بالصالحات. وصال في المحاكم على مختلف درجاتها قضاة أكثرهم لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. أما حزب البعث فحسبك معرفة بحقيقته أنه لم يُدْعَ لاجتماع طيلة خمسة عشر عاماً وهو كما يقال حزب حاكم وليس حزباً ممنوعاً مطارداً لا يتاح له التجمع تحت سقف آمن! أما الشعب السوري الذي قيل عنه يوم كان تعداده خمسة ملايين نسمة بأنهم خمسة ملايين رئيس جمهورية فقد تحول خلال ثلث قرن من الطغيان المتعمد المنظم إلى ألاَّ تجد فيه فرداً واحداً بلغ الأربعين ربيعاً من عمره في الأول من كانون الثاني (يناير) من عام ٢٠٠٠ م يصلح أن يكون رئيساً للجمهورية؛ فبُحِث في أبناء الـ ٣٩ صيفاً فلم يُعثَر فيهم على من يصلح للمنصب، فتداعى العدد نزولاً حتى استقر المؤشر عند أبناء الاربعة والثلاثين خريفاً، فدُووِل بينهم وكانت المفاجأة التي أعادت الثقة إلى النفوس أن واحداً من هذا الجيل - واحداً فقط - تبين أنه يتوفر على الصفات المؤهلة له ليحمل أمانة إنقاذ الأمة من الانقراض ويجنبها وصاية الأمين العام للأمم المتحدة؛ لينادى باسمه «وبس» ! لن نتحدث عن متاعب المبعدين عن الوطن المشردين بين أقطار الدنيا الأربع ولن نتحدث عن مآسيهم ولو من خلال جوازات السفر المحجوبة عنهم وعن أولادهم الذين ولدوا في الشتات، ولن نتحدث عن الذين طلبوا العودة إلى سورية بلدهم وأرضهم فرُفضت طلباتهم في أبشع إجراء ودون أي تعليل للرفض سوى عبارة: (مع عدم الموافقة!) فلا تلوموا (إسرائيل) إذا رفضت عودة الفلسطينيين إلى ديارهم؛ فحكومة قلعة الصمود والتصدي الطائفية تقف الموقف نفسه من المشردين السوريين في أقطار الدنيا! وقد لا تعتلي وجهَ أحد من رجال السلطة ممن قد يقرأ هذه الحقيقة حُمرةُ الخجل؛ فقد بيَّن النبي ﷺ حقيقة الذين جف ماء الحياء فيهم حين قال: «إنما أدرك الناس من النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» [١] . ولن نتحدث عن تجويع الشعب السوري وحرمانه من الغذاء والدواء وإفقاره وإذلاله، ولن نتحدث عن الراشين والمرتشين والرائشين بينهم، ولن نتحدث عن مجازر مدينة حماة التي بلغ عدد الضحايا من سكانها على أقل التقديرات ٢٠ ألف مواطن من العزل الذين لم يساهموا في أي نشاط ضد الحكومة الطائفية، ولن نتحدث عن الدور المعدّ الذي توجهت فيه قوات النظام إلى لبنان للقضاء على الحركة الوطنية اللبنانية التي كان يقودها أحمد الخطيب، وللغاية الأهم وهي إخراج آخر فدائي فلسطيني يعكر مزاج الصهاينة من أرض لبنان! ولن نتحدث عن دك مخيم تل الزعتر على رؤوس سكانه من الفلسطينيين نساءاً وأطفالاً وشيوخاً ... كل ذلك وغيره كثير كثير لن يغفره أحد لنهج (الرئيس) الذي فاجأه الموت ولم تُتح له الفرصة للنطق بالتوبة أمام الأيتام والثكالى والمقعدين. أما مسألة الموقف الصلب والصمود في وجه العدو الذي كان يمثله فأعتقد أنه كلام لا يساوي قيمة مداد حروفه وهو من نوع تسميته بـ «محرر القنيطرة» . وقبل أن نختم كلامنا نضع أمام بصر القارئ وبصيرته صورة إدارة المفوَّض السامي الفرنسي للبلاد السورية في فترة الاستعمار الفرنسي لسورية ليقارن بين حكم يعلن صراحة أنه استعماري، وحكم يتوارى خلف مسمى حكم وطني [٢] ؛ فقد أورد الدكتور شمس الدين الرفاعي وصفاً لما آلت إليه سورية بعد أن تم لفرنسا احتلال البلاد في ٢٤ تموز (يوليو) عام ١٩٢٠م فقال: «أنشأ الجنرال غورو أربع حكومات، ونظم إدارتها كلاً على حدة بعد تقسيم البلاد إلى أربع دول هي: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، وحُكْم جبل الدروز. وكان حكام الدول الثلاث الأولى فرنسيين. أما المفوَّض السامي فقد كان بمثابة (الحاكم) بما كان يحيط به نفسه من مظاهر الأبهة والسلطان، وأصبح مصدر السلطات ورئيسها جميعاً، يسير في نظام دكتاتوري لا يبالي بما يصنع، ولا يرى أنه مسؤول أمام أحد، ويمنح نفسه ما يشاء من صلاحيات تشريعية وإجرائية وقضائية، ويصدر ما يشاء من قوانين ولوائح، ويلغي بجرة قلم ما لا يروقه من أنظمة وقوانين. وأسس شبكات الجاسوسية والاستخبارات في مختلف المدن السورية لتأليب أنصار الفرنسيين ومواليهم على الحركات الوطنية والأهداف الوطنية والعهود الوطنية ورجالاتها وكذلك إلى استغلال الصفة الطائفية في الدروز والنصيرية..» . ألا ترى قارئي الكريم أن الفروق بين المفوَّض السامي الفرنسي والمفوَّض السامي العلوي تضيق جداً حتى تكاد تكون مفقودة؟ ! ومهما تقمص الطائفيون من أشكال، ومهما لبسوا من أقنعة، وبأي لغة تحدثوا فهم عراة إلا من حقيقتهم ولولا سيطرتهم على مقدرات البلد وخاصة طيرانها ومدفعيتها وبنادقها وأسطولها لما تجرؤوا على النيل من شعب ودَّع الفرنسيين بالبيض والبندورة. ومهما امتد بهم من زمن فإنهم لن يخرقوا الأرض ولن يبلغوا الجبال طولاً [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] (الشعراء: ٢٢٧) . سلام عليك يا سورية يا صانعة الأمجاد ويا من مات على ثراك سيف الإسلام خالد بن الوليد ﵁. سلام عليك يا سورية التي أنجبت الغر الميامين من أمثال ابن تيمية قاهر التتار، ومحمد الأشمر وإخوانه من هازمي فرنسا ومخرجيها من بلادنا. سلام عليك يا شام الإسلام والعروبة يا أرض المحشر ويا روضة المؤمنين ويا دار الصالحين؛ فعلى أرضك عقدت ألوية النصر التي جعلت لسان العرب لسان الحق، ودين العرب دين الدنيا، ولم يحملها ذلك على شيء إلا أن تثبت على إيمانِ أنه «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى» . سلام عليك يا شآم العز وأنت اليوم تُتَّهمين بالعقم؛ ولطالما كنت النجيبة المنجبة على مر الدهور والعصور، وإذا كان الباطل قد رماك عن قوس واحدة فاعلمي يا بارَّةُ أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسراً، ولا يهولنْك هذا الباطل السفيف؛ فإن كيده ضعيف كما قال رب العزة: [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] (الطارق: ١٥-١٧) و [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] (النساء: ٧٦) . ولسوف تنتصرين بقوة الله ثم بإرادة أبنائك المخلصين وسواعدهم القوية، وستهزمين الأعداء كما هزمت من قبل جحافل الصليبيين والتتار، ولسوف تعلو فيك من جديد كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله بكل معانيها الشرعية واللغوية، ومهما استنسر فيك البغاث فلسوف يسلِّطك الله عليه وستغلبينه وسيردد المسلمون معك في أقطار الأرض ما قاله الفاروق من قبل: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» . وفي الختام نتمنى لسورية في عهدها الجديد أن تستقر أمورها، وتشيع فيها روح العدل، وأن ينعكس ذلك إيجابياً على شعبها الصابر بما يضمن له التقدم والازدهار بإذن الله.

стр. 3573

المسلمون والعالم الاعتداءات الإثيوبية المستمرة على الصومال أهداف وأطماع محمد حاج يوسف أحمد [*] اجتاحت القوات الإثيوبية مدينة لوق الصومالية للمرة الثالثة خلال ثلاثة أعوام وكان آخرها في ٢١/٢/١٤٢٠هـ الموافق ٥/٦/١٩٩٩م، كما اجتاحت تلك القوات مدينة بيدوه في اليوم التالي لغزو لوق، واحتلت القوات الغازية كلتا المدينتين وكل المناطق الشاسعة التي تقع بينهما. فلوق تبعد عن بيدوه حوالي ١٨٠ كيلو متراً نحو مقديشو العاصمة، ومعنى ذلك أن محافظات جدو وباي وبكول الصومالية قد وقعت تحت الاحتلال الحبشي في الوقت الحاضر، ولا يغير من هذه الحقيقة شيئاً ادعاء جبهة الرحنوين بأنها هي التي استولت على مدينة بيدوه وطردت من المدينة مليشيات حسين عيديد، كما أنه لا يغير من هذه الحقيقة شيئاً ادعاء أحمد شيخ علي برالي بأن جبهته هي التي استولت على مدينة لوق وطردت منها أيضاً أنصار حسين عيديد وأورومو، كل هذه مزاعم لا أساس لها من الصحة، وأصحاب هذه المزاعم ما هم إلا أداة طيعة في أيدي الأحباش وتحت إشارتهم يتكلمون بأمرهم، ويسكتون حين يشاء الأحباش ذلك. ولعل الجميع يتذكر ادعاء عمر حاج مسلى بأن جبهته هي التي استولت على «منطقة جدو» بالصومال في يونيو عام ١٩٩٧م، وليست إثيوبيا هي التي استولت على تلك المنطقة آنذاك، ثم لما ساءت علاقته بإثيوبيا وانشقت جبهته إلى فريق متحالف مع حسين عيديد يقوده هو، وفريق آخر عميل للحبشة يقوده أحمد برالي بدأ عمر حاج مسلى يرسل الصيحات تلو الصيحات مطالباً بإخراج القوات الحبشية من منطقة جدو بأنها قوات احتلال غير مرغوب فيها، ويعلم كثير من المتتبعين للشؤون الصومالية أن عمر حاج مسلى كان كاذباً في مزاعمه عام ١٩٩٧م أيام أن كان عميلاً لإثيوبيا، وأنه صادق في مطالبه الأخيرة لكونه قد ابتعد عن عمالته لإثيوبيا، ويتكلم الآن بإرادته الحرة وهو بعيد عن تهديدهم، وليس ببعيد أن يأتي عما قريب دور هؤلاء العملاء الجدد لتكذيب أنفسهم بأنفسهم عندما يتخلى عنهم الأحباش. ويبدو أن كثيراً من الصوماليين قد أصيبوا بفقدان الذاكرة ونسيان الماضي القريب؛ فقد روى التاريخ الصومالي الحديث: أن إحدى الجبهات الصومالية كانت متحالفة مع الأحباش ضد حكم محمد سياد بري أوائل الثمانينيات من هذا القرن الميلادي، فاحتل الحلفاء مدينة غلدغب الصومالية، فرفع أحد أفراد الجبهة علمها على المدينة إيذاناً بوقوعها في يد الجبهة، ولكن الأحباش قتلوا ذلك الرجل وأنزلوا علم الجبهة، ورفعوا بدله علم الحبشة إيذاناً بوقوع المدينة في أيدي الأحباش؛ ومعنى ذلك أن الصوماليين المتحالفين مع الأحباش ما هم إلا قنطرة تعبر عليها إثيوبيا لاحتلال وطنهم وإذلال شعبهم. لسنا نؤيد جبهة ضد جبهة أخرى، ولم يكن ذلك من دأبنا منذ اندلاع الحرب الأهلية في الصومال، بل كنا نعادي عيديد عندما كان يحتل محافظتي باي وبكول أواخر عام ١٩٩٥م، ولكننا ضد الغزاة الأحباش وضد من يدور في فلكهم من العملاء والخونة الذين باعوا دينهم ووطنهم وأمتهم للشيطان وللأعداء أياً كان انتماؤهم وولاؤهم، كما أننا ضد الحروب الأهلية القذرة في الصومال، وضد التدخلات الأجنبية المشبوهة في الشؤون الداخلية للصومال، ومهما يكن من أمر فإن ذلك العدوان الحبشي الغاشم على تلك المحافظات قد سبب خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات؛ حيث قام الغزاة بأعمال وحشية من القتل والنهب وانتهاك الأعراض وغير ذلك من المفاسد والمظالم. تصعيد خطير للتدخل الإثيوبي في الصومال: إن هذا الغزو الإثيوبي الأخير للصومال هو تصعيد خطير للتدخل الإثيوبي في الشؤون الصومالية مما يدل على أن هذا التدخل قد وصل إلى مرحلة متقدمة لتحقيق أغراض إثيوبيا من ذلك التدخل، فلم يكن هذا الغزو الأول من نوعه؛ لأن العدوان الحبشي المسلح على الصومال كان مستمراً منذ وقت بعيد؛ فكثير من الناس على علم تام بالغزو الحبشي على منطقة جدو بالصومال في تاريخ ١٥/٣/١٤١٧هـ الموافق ٩/٨/١٩٩٦م ثم الاجتياح الحبشي لتلك المنطقة مرة أخرى في ٦/٢/١٤١٨ هـ الموافق ١٢/٦/١٩٩٧م واحتلال إثيوبيا مدن لوق ودولو وحواء من المنطقة نفسها، وقد كتبت صحف عديدة عن ذلك الغزو في حينه وخاصة «الحياة» و «المستقلة» و «المسلمون» وكلها تصدر في لندن، ونشرته أيضاً صحف عديدة تصدر في البلاد العربية وبخاصة في اليمن وبعض دول الخليج، كما أذاعته إذاعات كثيرة وخاصة إذاعة لندن باللغتين العربية والصومالية، وما زالت الحبشة تحتل أجزاءاً من منطقة جدو الصومالية حتى يومنا هذا؛ حيث تذيق أهالي تلك المنطقة مرارة الذل والإهانة والاستعباد والتهجير وضرب بعضهم ببعض. كل ذلك كان ولا يزال يحدث على مرأى ومسمع من العالم الذي يدعي التحضر ورعاية حقوق الإنسان، ولم يحرك أحد ساكناً لصد العدوان الحبشي على الصومال؛ حيث لم يصدر مجرد الإدانة والشجب لا من الأمم المتحدة، ولا من المنظمات الإقليمية إلا أصوات باهتة متناثرة لا تغيِّر من واقع الأمر شيئاً، وكذلك لم يصدر شيء من الإدانة والشجب من الذين يتشدقون بأنهم حُمَاةُ حقوق الإنسان في كل مكان؛ فهنا في الصومال حقوق شعب تنتهك بأيدي الأحباش لما يقرب من ثلاث سنوات دون أن يلتفت إليها أحد، بينما نسمع صيحات الاستنكار والإدانة من أجل شخص واحد أو أشخاص معدودين بزعم انتهاك حقوقهم، كمجموعة اليهود الذين اعتقلتهم حكومة إيران بتهمة التجسس لحساب (إسرائيل) فقامت الدنيا من أجلهم ولم تقعد بعد، وذلك دليل قاطع على أن ما يحدث في الصومال من قِبَل الأحباش هو تآمر عالمي تشارك فيه بطريقة أو بأخرى أيادٍ خفية دولية يحسب لها حسابها تضمن لإثيوبيا التمويل وإسكات أصوات الشجب والإدانة، وتضمن لها عدم التدخل لإيقاف إثيوبيا عن اعتداءاتها المتكررة على الصومال منذ وقت بعيد. وعلى أي حال فإن الغزو الإثيوبي الأخير على محافظات جدو وباي وبكول لدليل صارخ على خطورة الوضع، وأن الخطة الإثيوبية التي وضعتها لاحتلال الصومال قد وصلت إلى مراحلها النهائية؛ فمدينة بيدوه تبعد عن الحدود الصومالية الإثيوبية حوالي ٢٥٠ كيلو متراً نحو عمق الصومال، بينما تبعد بيدوه عن مقديشو العاصمة المطلة على المحيط الهندي حوالي ٢٤٧ كيلو متراً؛ فتجرُّؤ إثيوبيا على الوصول إلى هذا العمق في داخل الأراضي الصومالية شيء في منتهى الخطورة، ونظراً للتدهور الذي تردت إليه الحالة الصومالية، فإن الوضع يحتاج إلى تدارك وتدخل سريع ممن يهمهم أمر الصومال قبل فوات الأوان، وإن المقاومة المحلية التي لا تلقى دعماً من أي جهة لا تجدي في منع الأحباش من احتلال الصومال، والدليل على ذلك أن أهالي منطقة جدو الصومالية كانوا يقاومون القوات الحبشية منذ ٩/٨/١٩٩٦م حتى يومنا هذا، وأوقعوا خسائر فادحة في صفوف القوات الغازية في مواقع كثيرة جرت فيها معارك رهيبة، واستشهد أعداد كبيرة من المدافعين عن وطنهم، وجرح منهم أعداد كثيرة ومع كل ذلك لم يستطع أهالي تلك المنطقة إخراج المعتدين من بلدهم؛ لأنهم لم يجدوا من يقدم لهم الدعم اللازم لدحر المعتدين؛ حتى الجرحى لم يجدوا من يقدم لهم الرعاية الطبية اللازمة، وهناك كثير منهم ينتظرون إجراء عمليات جراحية متطورة لهم بعدما عجز الطب المحلي عن القيام بمثل هذه العمليات؛ ومعنى ذلك أن ما يجري في الصومال مأساة حقيقية بكل المقاييس. أهداف التدخل الإثيوبي السافر في الشؤون الصومالية: قد يتساءل المرء: لماذا تبذل إثيوبيا كل هذه الجهود من الغزو المسلح الذي يكلفها الكثير من المال والمعدات والرجال مع العلم بأنها في حروب مستمرة منذ سنوات ضد جبهات أوغادين وأورومو وعفر وغيرها من جبهات التحرير بالإضافة إلى القلاقل الداخلية والاقتصاد المنهار والحرب الضروس بينها وبين إريتريا؟ والجواب هو أنَّ كثيراً من خبراء منطقة القرن الإفريقي على علم تام بالعداوة المستحكمة بين الشعبين الصومالي والإثيوبي، تلك العداوة التي سببت حروباً طاحنة كثيرة استمرت بين الجانبين أكثر من ستة قرون، وأدت في بعض مراحلها إلى احتلال إثيوبيا أجزاءاً كبيرة من الوطن الصومالي مما ترك جرحاً لا يندمل في جسد الوطن الصومالي، وأجبر ذلك الحكومات الصومالية المتعاقبة منذ الاستقلال أن تحاول استرداد تلك الأجزاء بكل وسيلة ممكنة ولو كان الاسترداد عن طريق الحرب وقوة السلاح. وليس عنا ببعيد اندلاع الحرب التي اشتهرت بحرب أوغادين بين الصومال وإثيوبيا عام ١٩٧٧م؛ حيث كادت الصومال أن تسترد فيها كل أراضيها لولا تدخل قوات حلف وارسو في الحرب لصالح إثيوبيا وطرد الصومال من الأراضي التي استولت عليها. ومنذ ذلك التاريخ استخدمت حكومتا البلدين ضد الأخرى كل الوسائل المتاحة لديها لتدمير البلد الآخر، ولسوء الحظ لم يجد الصومال من يهتم بها ويقف بجانبها لإيقاف الحرب والنزيف قبل استفحاله، فتم تدميرها بسبب الحروب الأهلية التي تفاقمت بعد سقوط (محمد سياد بري) ووجدت إثيوبيا من اهتم بشأنها، ووقف بجانبها وأوقف النزيف، وحال دون تطور الأوضاع إلى حرب أهلية شاملة، وتم إخراج (منجستو هيلا مريم) بطريقة سلمية مع توحيد الجبهات المعارضة المتنافسة لاستلامها السلطة بعد تمهيد دقيق وجيد من قِبَل القوى الكبرى في العالم وخاصة القوى الغربية وبذلك سلمت إثيوبيا من التدمير. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن للصومال ساحلاً بحرياً يبلغ طوله حوالي ٣٣٣٠ كيلو متراً ابتداءاً من باب المندب ومروراً بخليج عدن حتى حدود كينيا على المحيط الهندي، وقد يكون هذا الساحل الأطول في شرق إفريقيا إن لم يكن أطول ساحل لدولة إفريقية على مستوى القارة، بينما لا يوجد شبر واحد من المنفذ البحري لدولة إثيوبيا التي ترشحها القوى الكبرى لتكون القوة الإقليمية المهيمنة في منطقة القرن الإفريقي، هذه العوامل الثلاثة أعني. العداوة المستحكمة بين الشعبين الجارين، واستعمار إثيوبيا لأراضي صومالية شاسعة، والموقع الاستراتيجي للصومال الذي يتمتع بتلك السواحل الطويلة؛ هذه العوامل جعلت إثيوبيا تفكر وتخطط لتدمير الصومال وتمزيقه لتحقيق أحد الهدفين الآتيين: ١ - احتلال جميع الأراضي الصومالية، ووضعها تحت الحكم الإثيوبي المباشر: لتكون السواحل الصومالية عوضاً عن فقدها لميناءَيْ عصب ومصوَّع الإرتيريين اللذين فقدتهما إثيوبيا بعد استقلال إريتريا من استعمارها، وقد قُدِّمت بالتأكيد إلى إثيوبيا دراسة من هذا القبيل من قِبَل بعض الخبراء الأوروبيين ضمن مشروع لرسم خريطة إفريقيا من جديد، وجعلها أربع دول كبيرة فقط وتوزيع الباقي بين هذه الدول الأربع؛ والدولة المرشحة عند تطبيق هذا المشروع لا قدر الله لقيادة شرق إفريقيا هي إثيوبيا بينما الصومال قد رشحت طبق هذا المخطط لتكون من نصيب إثيوبيا، وتزول بذلك من خريطة العالم؛ لا قدر الله ذلك وتحقيق هذا الهدف هو الأمثل والمفضل لدى الحبشة التي اشتهرت بالأطماع التوسعية وابتلاع الشعوب الأخرى، كما توسعت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على حساب شعوب أورومو وعفر وبني شنغول والصومال وغيرها من الشعوب المنضوية تحت اسم ما يسمى إثيوبيا حالياً، وقد بذل هيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا السابق جهوداً كبيرة لضم الصومال قبل استقلالها إلى إثيوبيا كما فعل سلفه منيلك بالشعوب الأخرى المذكورة آنفاً، ولتحقيق ذلك الهدف أسس هيلاسلاسي في الصومال حزباً عميلاً أواخر الخمسينيات من هذا القرن الميلادي يسانده في تحقيق أطماعه التوسعية وينادي بضم الصومال إلى إثيوبيا. وبفضل الله تعالى ثم بيقظة الشعب الصومالي آنذاك أُحبط ذلك المشروع الخبيث. ٢ - الهدف الآخر لإثيوبيا عند تعذر تحقيق الهدف الأول هو تجزئة الصومال إلى خمس دويلات ضعيفة تتشكل على أساس قبلي تعيش تحت هيمنة إثيوبيا، وتأتمر بأوامرها، وتتخلى عن محاولة استرداد الأراضي الصومالية لتستريح بذلك إثيوبيا نهائياً من الإزعاج الصومالي، وهذا الاقتراح مقدم أيضاً من خبراء إنجليز لديهم خبرة واسعة بطبيعة الأرض الصومالية وتركيبتها السكانية وتوازنها القبلي؛ حيث كانت إنجلترا تحكم معظم الأراضي الصومالية بعد الحرب العالمية الثانية، وقد بُدئ فعلاً بتنفيذ هذا الاقتراح؛ حيث أنشئت في بعض المناطق الصومالية حكومات إقليمية بعضها أعلن الانفصال عن بقية الصومال كلية، وبعضها الآخر ما زال يعلن أنه جزء من الصومال، وقد وضعت إثيوبيا كل ثقلها وراء هذه الحكومات الإقليمية بالدعم والتسليح، وتستخدم موانئها بعد أن تعذر عليها استخدام الموانئ الإرتيرية، وقد تقتنع إثيوبيا وتفضل مرحلياً تحقيق هذا الهدف لسهولة إقناع كثير من الصوماليين به، ولقلة تكلفته بالنسبة لإثيوبيا مثل ما فعلت بإرتيريا حين اقتنعت أول الأمر بالحكم الفيدرالي فيما بين البلدين ثم ابتلعتها كلية؛ فالقضية مسألة وقت وتهيئة ظروف، ولكن الهدف النهائي لإثيوبيا فيما يتعلق بالصومال هو الابتلاع والسيطرة الكاملة عليها. الخطوات العملية لتحقيق أهدافها: ١ - إيجاد جبهات صومالية عميلة لإثيوبيا: ما من جبهة صومالية قامت ضد آخر حكومة في الصومال إلا وقد أنشئت في داخل إثيوبيا بإشراف وتوجيه وتمويل وتسليح ودعم كامل من الحكومة الإثيوبية التي كانت قائمة آنذاك، فاختارت الحكومة الإثيوبية الحالية من بين تلك الجبهات الصومالية مجموعة قد اشتهرت بمجموعة (سودرا) ، وقد سميت المجموعة باسم المدينة الإثيوبية التي أنشئ فيها هذا التجمع العميل للأحباش العدو اللدود للشعب الصومالي منذ عصور سحيقة، ومما يبرهن على عمالة هذه المجموعة وأنها لا تخدم المصالح الصومالية أن إثيوبيا قد غزت منطقة جدو بالصومال عام ١٩٩٦م عندما كانت المجموعة تعقد اجتماعاتها في مدينة سودرا، ولم يصدر منها ما يدل على أنها ضد هذا العدوان الغاشم، ولم تنسحب المجموعة من إثيوبيا احتجاجاً على هذا العدوان، ولم تصدر بيانات الشجب والاستنكار نحو هذا الغزو، بل تبارك كل الخطوات التي تنفذها إثيوبيا لتدمير الصومال وتعرقل كل الخطوات الاصلاحية التي لا تخدم مصالح إثيوبيا. فبذلك كسبت هذه المجموعة ثقة إثيوبيا، فتدفقت الأسلحة الإثيوبية بغزارة إلى هذه المجموعة عن طريق المحافظات الحدودية الصومالية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. فالمعابر البرية الرئيسة لدخول هذه الأسلحة إلى الصومال هي: محافظة جدو، ومحافظة بكول، ومحافظة هيران، ومحافظة مدق، ومحافظة الشمال الغربي؛ فمعظم الأسلحة المستخدمة في الصومال حالياً جاءت من الحكومة الإثيوبية التي جعلت مدينة جدى المحتلة مركزاً رئيساً لتصدير الأسلحة إلى الصومال، ويوجد في تلك المدينة مكاتب تموين لتلك الجبهات الصومالية العميلة لإثيوبيا، وتنقل الأسلحة الإثيوبية عن طريق الجو إلى المناطق الصومالية النائية التي تتبع تلك الجبهات؛ مثل مدينة كسمايو في أقصى جنوب الصومال؛ فقد وصلت إليها الأسلحة الإثيوبية بغزارة عن طريق الجو. وزيادةً على ذلك تدرب القوات الإثيوبية أعداداً كبيرة من ميليشيات تلك الجبهات العميلة، وأهم المراكز لتدريب هذه المليشيات هي هيزان ودولو وباري التي تقع في داخل المناطق الصومالية المحتلة لإثيوبيا. من هنا نعلم أن القلق الذي أبداه مجلس الأمن الدولي حول تدفق الأسلحة على الصومال ما هو إلا ذرٌّ للرماد على العيون؛ فالأسلحة الإثيوبية المتدفقة على الصومال منذ خروج (يونصوم) منها معروفة للجميع، والاعتداءات الإثيوبية المستمرة على الصومال تقع في وضح النهار على مرأى ومسمع من الأمم المتحدة ومجلس أمنها ومن جميع دول العالم، والتعتيم الإعلامي المفروض على تلك الاعتداءات مقصود ومخطط. ٢ - محاولة تحطيم جدار الكراهية والبغضاء بين الشعبين الصومالي والإثيوبي: فتحت إثيوبيا أبوابها للصوماليين النازحين من نيران الحرب الأهلية في الصومال، وسهلت لهم الحصول على الوثائق الإثيوبية بما فيها جوازات السفر بإشعارهم أنهم جزء من الشعب الإثيوبي، وأن حكومة إثيوبيا هي الحكومة المسؤولة عن كلا الشعبين وعن رعايتهم والاعتناء بشؤونهم، واغتر بهذا الخداع بعض الجهلة ضعاف النفوس والمنحرفون أخلاقياً الذين ليس لهم همٌّ إلا ملء بطونهم وقضاء شهواتهم؛ فظن هؤلاء المخدوعون أن العداء المستحكم بين الشعبين شيء مصطنع لا وجود له، فبذلك كسبت إثيوبيا لصالحها مجموعة لا يستهان بها من الصوماليين من تلك الأصناف المذكورة تستخدمهم لأغراضها الدنيئة من الجاسوسية والدعاية والدفاع عن مصالحها، وقد جندت مرتزقة من هذه الأصناف للقتال في صفوف قواتها ضد إرتيريا، والأخطر من ذلك أن كثيراً منهم يحاربون في صفوف قواتها المستخدمة لتدمير بلدهم واحتلاله من قِبَل إثيوبيا. ٣ - السيطرة على ملف القضية الصومالية: بذلت إثيوبيا كل ما وسعها من حيل خبيثة وأساليب ملتوية للسيطرة على ملف القضية الصومالية لا للوصول إلى حل مُرْضٍ لهذه القضية، وإنما لتعقيد القضية والحيلولة دون قيام كيان صومالي متماسك، وللتخريب وتدمير البقية الباقية من مقومات المجتمع الصومالي، والسؤال هو: هل هذه العملية تمت مصادفة أو بحسن نية؟ أم أنها حلقة من حلقات التآمر لبعض القوى المتنفذة في عالم اليوم على الشعب الصومالي المنكوب؟ وهل يمكن لإثيوبيا أو يُتَصوَّر منها وهي العدو اللدود للصومال أن تكون حَكَماً مخلصاً ناصحاً للقضية الصومالية قضية عدوها الأول؟ إن هذا لمنطق في منتهى العجب والغرابة إن لم يكن منطقاً معكوساً والقصدُ منه التخريب! وعلى أي حال فإن إثيوبيا قد بدأت تعقد في أراضيها ما يسمى بمؤتمرات المصالحة الصومالية التي كان يشارك فيها كثير من رؤساء الجبهات المتحاربة في الصومال منذ مارس عام ١٩٩٣م، وحتى شهر مايو الماضي ١٩٩٩م، ومع طول هذه الفترة التي تزيد عن ست سنوات فإن القضية الصومالية كانت تزداد سوءاً وتتعقد يوماً بعد يوم؛ لأن إثيوبيا كانت تجمع الصوماليين للتفريق والتشتيت وضرب بعضهم بالبعض الآخر، وليس ذلك مستغرباً صدوره من إثيوبيا بل العكس هو المستغرب، وكما قيل قديماً: «حاميها حراميها» ولأن الحَكَم هو الخصم، والأخطر من ذلك أن إثيوبيا قد أحبطت كل المحاولات الجادة التي بذلت لحل المشكلة الصومالية مستعينة بعملائها الصوماليين، وآخر تلك المحاولات مؤتمر المصالحة الصومالية الذي عقد في القاهرة أواخر عام ١٩٩٧م، واجتمع فيه ممثلو الفئات الصومالية كلها لأول مرة منذ عام ١٩٩٣م، ولم ينجح المؤتمر؛ لأن إثيوبيا تعتبر نفسها الوصي والقيم على القضية الصومالية ولا يجوز للآخرين أن يلتفتوا إليها أو يقتربوا منها كما يفهم من تصريحات مسؤوليها الذين كانوا يوجهون النقد والإدانة إلى مصر لجرأتها على عقد مؤتمر المصالحة في القاهرة دون الاستئذان من إثيوبيا. وعلى أي حال فإن سيطرة إثيوبيا على ملف القضية الصومالية أعطاها فرصة ذهبية لم تحلم بها يوماً من الأيام كي تجمع المعلومات الدقيقة المتعلقة بالشؤون الصومالية في جميع المجالات، ولكي تتصرف بعد ذلك بمصير الشعب الصومالي حسب رغباتها الدنيئة. ٤ - إرسال الجواسيس إلى المناطق الصومالية: فقد جندت إثيوبيا الآلاف من الجواسيس لدراسة الأوضاع الصومالية من جميع جوانبها وخاصة تصنيف طوائف الشعب الصومالي من حيث التأييد لإثيوبيا ومن حيث معارضتها، وكذلك جمع المعلومات عن الفئات المعادية للتدخلات الإثيوبية والمتوقعة مستقبلاً، وكذلك تحديد الأماكن الاستراتيجية في الصومال لاستخدامها من قِبَل الجيش الإثيوبي في المراحل اللاحقة عند الاحتياج إليها، ومن المهام التي كانت منوطة بهؤلاء الجواسيس تنفيذ عمليات الاغتيال والاختطاف ضد الأشخاص الذين ترى إثيوبيا أنهم خطر على مصالحها في داخل الصومال، وقد نفذوا فعلاً عمليات من هذا القبيل في مقديشو وبورما وغيرهما، وجرت محاولات عديدة لتنفيذ مثل هذه العمليات في مناطق عديدة في الصومال ولكنها أُحبِطت قبل وقوعها. وقد جندت إثيوبيا هؤلاء العملاء من القوميات العديدة التي تعيش تحت كنفها من التجراي والأورومو والصومال وغيرهم، كما أنها جندت كثيراً من الرجال والنساء، واخترعت أساليب عديدة: من تجارة، ودخول في الإسلام، وادعاء للفرار من الاضطهاد الإثيوبي، وغير ذلك من الأساليب لتغطية أعمالهم الإجرامية، وما زال هؤلاء الجواسيس منتشرين في طول البلاد الصومالية وعرضها لجمع معلومات في غاية الأهمية ولتقديمها إلى الحكومة الإثيوبية لاتخاذ القرارات الإجرامية لتفتيت الشعب الصومالي وتدميره، وللسيطرة على مقدراته على ضوء تلك المعلومات المخابراتية. ٥ - الغزو الإثيوبي المسلح على الصومال: كانت هذه الخطوة آخر الخطوات التي وضعتها إثيوبيا لتدمير الصومال أولاً، ثم للتحكم في مصيرها حسب مصلحتها ثانياً من حيث التنفيذ والتطبيق للخطوات الأخرى المذكورة؛ فكانت بداية هذه الخطوة في ١٥/٣/١٤١٧هـ الموافق ٩/٨/١٩٩٦م حينما اكتسحت القوات الإثيوبية منطقة جدو بالصومال واحتلت مدن لوق ودولو وحواء في تلك المنطقة؛ فمنذ ذلك التاريخ كانت إثيوبيا تغير مرة بعد أخرى على أجزاء مختلفة من الوطن الصومالي تعيث في الأرض فساداً وتخريباً، وكانت تغطي أهداف هجومها بحجج واهية لا تقنع أحداً؛ فمرة تدعي أنها تحارب الأصولية الإسلامية في منطقة اعتداءاتها مما يدل دلالة قاطعة على أن الغزو الإثيوبي على الصومال ما هو إلا حرب صليبية مكشوفة، وأنه جزء من تصفية الحسابات القديمة بينها وبين الصومال منذ القرن الخامس عشر الميلادي. والسؤال هو: من هي الجهة التي خوَّلت إثيوبيا للتدخل في الشؤون الصومالية ولتصنيف المسلمين فيها إلى أصوليين ومعتدلين؟ إنه لشيء محزن وخطير يشير إلى الحالة المخجلة التي وصلت إليها الأمة الإسلامية في هذا العصر، ومرة أخرى تنكر إثيوبيا غزوها للصومال مع أنه يقع في وضح النهار ومعلوم للمتتبعين للشؤون الصومالية، ومرة ثالثة تسنده إلى الجبهات القبلية الصومالية العميلة لها مع أنه غزو إثيوبي قد استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة من الطائرات والدبابات والمدافع الفتاكة، وليس لدى الجبهات الصومالية في الوقت الحاضر مثل هذه الأسلحة المتطورة، ومرة رابعة تذكر إثيوبيا بأنها غزت الصومال لتصفية قواعد الأورومو والاتحاد الإسلامي في منطقة الصومال الغربي التي تحتلها إثيوبيا تلك القواعد الموجودة في داخل الصومال حسب مزاعم إثيوبيا؛ فقد نقلت جريدة الخليج الإماراتية في عددها ٧٣٣٢ بتاريخ ٢/٣/١٤٢٠هـ الموافق ١٦/٦/١٩٩٩م عن صحيفة الريبورتر الإثيوبية ما يلي: «إن معسكر جبهة تحرير أورومو والاتحاد الإسلامي في بيدوه الواقعة جنوب الصومال تم تدميره تماماً، وإن جميع قوات المعارضة التابعين للجبهتين المذكورتين البالغ عددهم ٧٥٠ فرداً لقوا حتفهم في العملية التي تمت بصورة خاطفة؛ حيث إن الاتحاد الإسلامي وجبهة تحرير أورومو أكملا استعداداتهما بمساعدة الحكومة الإرتيرية لضرب العمق الإثيوبي وإثارة الفوضى والاضطراب فيه، وإن قوات الإرهاب المدعومة من الحكومة الإرتيرية تم استئصالهم والقضاء عليهم نهائياً» هذا ما أوردته الصحيفة الإثيوبية ولم تذكر الجهة التي دمرت تلك القواعد المزعومة؛ إلا أن الصحيفة الإثيوبية وإن تجاهلت ذكر الجهة التي قامت بالهجوم الخاطف على بيدَوَه تتحدث بشكل لا لبس فيه عن الغزو الإثيوبي الأخير الذي وقع على مدينة بيدَوَه في ٦/٦/١٩٩٩م تلك المدينة التي تقع في عمق الصومال، وتبعد عن الحدود الصومالية الإثيوبية حوالي ٢٥٠ كيلو متراً، وذلك دليل قاطع على صدق ما قلناه من أن إثيوبيا تغزو الصومال لأهداف أعمق بكثير مما تدعيه، وتغطي أهدافها بحجج لا أساس لها من الصحة مما يجعلنا نتساءل: هل كان في بيدوه قواعد حقيقية لهاتين الجبهتين؟ والجواب لا، لم تكن في المدينة قواعد لجبهات معارضة لإثيوبيا ولكن الحقيقة هي: أن بيدوه كانت ميداناً لمعارك جرت بين ميليشيات حسين عيديد التي احتلت المدينة أواخر عام ١٩٩٥م وبين جبهة الرحنوين التي كانت تريد استرداد المدينة من جبهة عيديد والتي تتلقى الدعم والتسليح والتمويل من إثيوبيا منذ ذلك التاريخ لا حباً في هذه الجبهة ولا خدمة لها وإنما كانت إثيوبيا تريد من دعمها لهذه الجبهة أن تحقق أهدافها من خلالها، وأهم تلك الأهداف هي تدمير قوات حسين عيديد الذي تعتبره إثيوبيا أكبر عقبة تقف أمامها في تحقيق أهدافها في الصومال، فلما شعرت إثيوبيا أن هذه الجبهة أضعف من أن تحقق أهدافها تلك خاضت الحرب ضد قوات حسين عيديد كما سبق ذكره عن الصحيفة الإثيوبية. ومن المعلوم أن جبهة تحرير أورومو كانت تخوض معارك دامية ضد قوات إثيوبيا التي يسيطر عليها العنصر الحبشي منذ الستينيات من هذا القرن، ولها قواعد على طول الأراضي الإثيوبية وعرضها، كما أن لها وجوداً فعالاً في العاصمة الإثيوبية «أديس أبابا» . وتذكر الأنباء أن التوترات تحدث بين الفينة والأخرى بين إثيوبيا وكينيا بسبب هذه الجبهة التي تنتقل أثناء هجومها على القوات الإثيوبية عبر الحدود بين البلدين. أما الاتحاد الإسلامي في منطقة الصومال الغربي فكان ولا يزال يخوض حرباً شرسة في المناطق الصومالية المحتلة ضد إثيوبيا منذ ما يقرب من سبع سنوات، وله قواعد عديدة داخل تلك المنطقة، وإثيوبيا نفسها اعترفت مرات عديدة بأن هذا الاتحاد قد قام بتنفيذ عمليات عسكرية ناجحة في عمق إثيوبيا بما فيه العاصمة: أديس أبابا، فليست هاتان الجبهتان إذاً في حاجة إلى قواعد في الصومال الممزقة. وبالإضافة إلى ما ذكرنا فإن إثيوبيا تحشد قواتها باستمرار وبكثافة أمام المدن الصومالية القريبة من الحدود بين البلدين مهددة بالغزو والدمار إن لم تخضع لرغباتها المشبوهة، وقد حدث ذلمك أمام مدن بلدويني وبلامبل وغلدغب ولاسعانود ويرووي وبورما. وقد أغلقت المدارس العربية والإسلامية في بعض تلك المدن خوفاً من الغزو الإثيوبي عليها؛ ومعنى ذلك أنه ما من منطقة صومالية إلا وهي مهددة بالغزو الحبشي بشكل أو بآخر. يتبين لنا من عرض هذه الخطوات العملية الإثيوبية لاحتلال الصومال أن خيوط المؤامرة الإثيوبية ومن يقف وراءها على الصومال قد كادت تستكمل حلقاتها، واستفحلت خطورتها ووصلت إلى مرحلة متقدمة، ويبدو والله أعلم أنه لم يبق لها إلا التنفيذ النهائي لاستئصال الصومال وقطف ثمار الجريمة من قِبَل إثيوبيا بعد التخلص نهائياً مما كان يسمى الصومال حسب التخطيط الإثيوبي إن لم تتدارك الصومال عناية الله ورحمته وحفظه، ثم إن لم تقف الأمة العربية مع الصومال وقفة جادة ترقى إلى مستوى الأحداث، وإن لم يستيقظ الصوماليون من غفلتهم ومن تكالبهم على الاقتتال فيما بينهم وانشغالهم بسفاسف الأمور وتصفية بعضهم بالبعض الآخر، وليس ذلك على الله بعزيز. الحل لإنقاذ الوطن الصومالي: وقبل أن نورد ما نرى أنه الحل الأنسب والأسرع للقضية الصومالية نعرض أمام الجميع الحقائق الآتية: ١ - إن الأماني الطيبة التي يبديها بعضهم لحسم هذه المشكلة لم تكلل بالنجاح حتى الآن، ولا يمكن أن تأتي بنتائج مرضية، وقد فات أوانها. ٢ - إن تقديم النصائح والكلمات المعسولة إلى العدو الإثيوبي ليتخلى عن تدخلاته في الشؤون الصومالية وليكف عن الاعتداءات المستمرة على الوطن الصومالي لا يجدي شيئاً، وإنما يحتاج الأمر إلى اتخاذ خطوات فعالة لصد هذا العدوان بشكل سريع وحاسم. ٣ - إن عقد ما يسمى بمؤتمرات المصالحة الصومالية وملف القضية في يد العدو الإثيوبي قد عفى عليه الزمن، وأثبت عدم جدواه فلا بد من أسلوب آخر أكثر جدية من هذا الأسلوب العقيم الذي استمر ما يقرب من تسع سنوات، فرؤساء الجبهات القبلية الذين أوصلت زعامتهم البلد إلى هذا الحد من التدهور قد أخفقت ممارساتهم وجاوزت أنانياتهم كل الحدود وبذلك انتهى دورهم بالاندحار الذريع. ٤ - إن إبقاء القضية الصومالية في أيدي جهات عديدة لها مصالح وأهداف متضاربة في الصومال قد أضر بالقضية أكثر مما نفعها وزادها تعقيداً وسوءاً، وأوصلها إلى حافة الهاوية التي تنحدر إليها حالياً. ٥ - إن الأساليب التي اتبعت لحل القضية الصومالية من التدخل العسكري والمؤتمرات ومقترحات الخبراء كلها أساليب مستوردة من الخارج ولا تمت بصلة إلى الواقع الصومالي، وقد أثبتت أنها كانت عقيمة لا جدوى منها. ٦ - إن الحروب القبلية في الصومال بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة قد انتهت منذ زمن بعيد، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنها انتهت منذ عام ١٩٩٣م، والحروب التي كانت تندلع من وقت لآخر سببها من التدخلات الأجنبية، أو من تشجيع من أعداء الحل السلمي وتمويلهم، أو من تحالفات سياسية بين بعض الجبهات وبين بعضها الآخر؛ فمثلاً عندما كان عيديد يحتل محافظتي باي وبكول أواخر عام ١٩٩٥م كان يستخدم ميليشيات من قبائل صومالية شتى من بينها بعض أفخاد الرحنوين، ومعنى ذلك أن الصوماليين العاديين باستطاعتهم أن يتنقلوا عبر الوطن الصومالي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب بدون الخوف من القتل لانتمائهم إلى القبيلة الفلانية أو تلك، والتجارة مزدهرة بين الأقاليم الصومالية المختلفة بدون عوائق إلا في مناطق التدخلات الحبشية. ٧ - أثبتت التجارب الماضية أن الوطن الصومالي مع ما فيه من قلاقل وعدم وجود حكومة مركزية لما يقرب من تسع سنوات لم يكن أكثر سوءاً من كثير من البلاد الإفريقية، والسبب في ذلك يرجع بعد فضل الله تعالى إلى طبيعة الشعب الصومالي المبنية على التكافل والتراحم، وأنه كان هناك في داخل الوطن وخارجه صوماليون كثيرون حريصون على إنقاذ وطنهم وشعبهم، وكانوا جنوداً مجهولين لخدمة بلدهم في ميادين التعليم والصحة وإصلاح ذات البين وتهذيب الأخلاق ومحاولة إصلاح ما أفسده الآخرون، ولكن مشكلتهم كانت تكمن في فقدان الدعم اللازم لتأدية واجبهم، بل لم تؤخذ آراؤهم لحل مشكلة وطنهم بينما كان المفسدون يتمتعون بدعم بلا حدود بشكل مباشر أو غير مباشر. ٨ - كانت هناك في السنوات الماضية تجارب قد أثبتت نجاحها في تهدئة الأوضاع في أكثر المناطق الصومالية قلاقلَ واضطراباً، وأهم تلك التجارب الحالة التي كانت عليها منطقة جدو الصومالية قبل الغزو الحبشي لها عام ١٩٩٦م التي كان يُضرَب بها المثل من ناحية الأمن والاستقرار والتعايش السلمي بين القبائل المختلفة، واعترف بذلك الصديق والعدو، والتجربة الثانية هي (تجربة المحاكم الشرعية) التي أنشئت في شمال مقديشو وجلبت للمنطقة أمناً واستقراراً لم تحلم به قبل إنشاء تلك المحاكم، وقد أظهرت إحصاءات أجريت في شمال مقديشو أن جرائم القتل التي حدثت في تلك المنطقة خلال سنتين من أيام عمل المحاكم لم تتجاوز خمسة أشخاص في طول هذه الفترة، بينما كانت جرائم القتل بواقع خمس أشخاص يومياً خلال عام ١٩٩٨م في تلك المنطقة، وقد أحبط هاتين التجربتين أعداء حل القضية الصومالية، أما التجربة الثالثة فهي المحاكم الشرعية العاملة حالياً في جنوب مقديشو والتي جلبت للمنطقة هدوءاً واستقراراً لم تنعم بمثلهما منذ بداية عام ١٩٩١م، ولم يفلح الأعداء حتى الآن بإلغائها [**] ، ومعنى ذلك أن حل القضية الصومالية ليس ميئوساً منه، بل هو ممكن عند الدخول من الأبواب المناسبة للحل الصحيح، ونبذ الحلول المغرضة التي تفرض على الشعب الصومالي بدون استشارة منه. وأخيراً: بعد عرض هذه الحقائق نرى أن حل مشكلة الصومال سهل وميسر بإذن الله، وأن الجو العام في الصومال مهيأ حالياً لحل سلمي بشكل جذري، ولكن مثل هذا الحل لا يمكن تحقيقه إلا إذا وُجِدَتْ جهة محايدة ليس لها أهداف ولا أطماع خاصة في الصومال غير التوصل إلى حل مُرْضٍ لمعظم الصوماليين، جهة تتمتع بإمكانيات كبيرة؛ وذلك من خلال الآتي: ١ - على الأمة العربية حكومات وشعوباً، أن تضع خطة شاملة لإنقاذ الصومال تشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والدفاعية والاجتماعية، وأن تنفذ هذه الخطة بمرحلة زمنية كافية بعد توفير كل الامكانيات التي تتطلبها الخطة؛ وذلك بإجراء انتخابات نزيهة بإشرافها في الصومال لتشكيل حكومة صومالية بعد تمهيد جيد من استتباب الأمن وبناء المرافق العامة للوطن، وتأهيل أفراد الميليشيات المسلحة للحياة المستقرة بعد تجريدها من الأسلحة، وإنشاء بوليس قوي للأمن الداخلي من الشباب ذوي الأخلاق الفاضلة، وأهم من ذلك تأمين الحدود الصومالية البرية منها والبحرية من الانتهاكات والاعتداءات الحبشية وغيرها؛ وذلك بنشر قوات عربية على تلك الحدود تطبيقاً للدفاع العربي المشترك مع الصومال؛ وبذلك بتم إغلاق الملف الصومالي نهائياً من المحافل الدولية ومن دول الجوار التي لها أطماع خطيرة في الصومال، وينحصر الحل في أيدي الدول العربية فقط. ووضع مثل هذه الخطة وتنفيذها سهل وميسر للأمة العربية بمشيئة الله لما تتمتع به من ثقة الشعب الصومالي، وبما لديها من إمكانيات كبيرة ومن خبرات واسعة في جميع المجالات تفوق كثيراً ما كان لدى دول غرب إفريقيا التي بذلت مجهوداً كبيراً لتهدئة الأوضاع في ليبيريا ونجحت في مهمتها إلى حد كبير، ولكن لا بد للأمة العربية من عزيمة صادقة وهمة عالية وتصميم أكيد لحل القضايا العربية التي من أخطرها قضية الصومال في الوقت الحاضر، والقضية تتطلب التحرر من السلبية والتفرج على الأحداث بدون الاقتراب من حل جذورها. ٢ - إذا كانت هناك ظروف دولية لا تسمح بالحل العربي المباشر ونرجو ألا توجد مثل هذه الظروف فمن الممكن أن ينفذ الصوماليون المخلصون هذه الخطة التي تضعها الأمة العربية لإنقاذ الصومال، وقد يكون مثل هذا التنفيذ سهلاً من قِبَل الصوماليين إذا توقف تدخل الدول ذات الأطماع في الشؤون الصومالية ووقفت الأمة العربية وقفة جادة بجانب الصومال، ووفرت لها الإمكانيات المطلوبة لحل القضية، والمخلصون فيما أحسب على استعداد لتحمل هذه المسؤولية وتأديتها على الوجه المطلوب مع القيام بعملية تنسيق بين الصوماليين الذين يقومون بتنفيذ الخطة وبين بقية الجانب العربي الذي يقدم الدعم والمشورة لعملية الحل الجذري لهذه القضية العويصة. وأخيراً: نناشد المسؤولين في العالم العربي ملوكاً وأمراء ورؤساء في أن يؤدوا مسؤوليتهم التاريخية نحو الصومال، وأن يتداركوا القضية قبل فوات الأوان، كما نناشد الصوماليين بأن ينتبهوا لخطورة أوضاعهم، وأن يهبوا لإنقاذ وطنهم من التمزق والاحتلال؛ فقد دقت ساعة الخطر؛ وطفَّ الكيل، وبلغ السيل الزُّبَى. نسأل الله تعالى أن يعيد لهذه الأمة عزها ومجدها وريادتها للعالم، إنه قريب مجيب.

стр. 3574

المسلمون والعالم الأقليات المسلمة.. بين آليات الإغاثة وفقه العمل الخيري مسلمو أوكرانيا أنموذجاً ناصر سنادة يعيش اليوم كثير من المسلمين في أقليات حول العالم مسحوقين يعانون الفاقة والفقر، ويذوقون الاضطهاد المر من أبناء جلدتهم، يعذبون ويشردون داخل مجتمعاتهم التي لا ترحم والتي تنكر رابطة الرحم والدم إذا ما فكر أحدهم مجرد تفكير في اعتناق الإسلام. تلك حال معظم مجتمعات الغرب، مجتمعات العقوق والانحلال والتفكك الأسري، هذه نظرة عامة، ولكن يبقى لكل مجتمع مميزاته وسماته، وحتى ظروفه الخاصة، وأوكرانيا دولة لها ظروفها الخاصة والقاسية؛ إذ حكمها نظام شيوعي بالحديد والنار لفترة تربو على سبعين عاماً، وعانى فيها المسلمون ويلات ومظالم عجيبة، ولعل من أكبر المظالم التي عاشها المسلمون في أوكرانيا بشكل عام ومسلمو شبه جزيرة القرم على البحر الأسود بشكل خاص في عهد الشيوعية الحاقدة وأزمنتها البالية هو ذلك التشريد والتهجير الذي مورس عليهم قسراً، خاصة تلك الحقبة التي حكم فيها (ستالين) على المسلمين بالفناء والتشريد، حيث ما تزال آثار حملته الإبادية الجائرة ممتدة الأثر وواضحة المعالم في الشعب التتري وعموم سكان شبه جزيرة القرم المسلمين حتى يومنا هذا؛ إذ لا يوجد في الحياة شيء أشد مضاضة وألماً من ترك الإنسان لموطنه، تلك حقيقة يدركها كثير من الناس؛ فعندما ترتد بنا الذاكرة إلى الوراء نستعيد تفاصيل صورة مفعمة بالحزن والأسى تزيدها الأيام شفافية وشوقاً: رسولنا الحبيب ﷺ يقلب ناظريه أسفاً ويخرج مودعاً مهد طفولته الطاهرة ومرتع صباه وخير بقاع الأرض قائلاً: «واللهِ! إنكِ لأحبُّ أرض الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» [١] وأي شيء أشد قسوة من ظلم الإنسان وترك الأوطان؛ إذ عمد ستالين وزبانيته الشيوعيون إلى افتعال المجاعات في شبه جزيرة القرم لإجبار الناس على الهجرة بحثاً عن لقمة العيش في مكان آخر، وقد أخليت المنطقة بدهاء وخبث من سكانها المسلمين أولاً، وليس ذلك فحسب، بل عمد ستالين إلى كسر شوكتهم وتذويبهم وطمس هويتهم في بحر (أعراق وقوميات ومذاهب) دول الاتحاد السوفييتي (السابق) فقتل علماء الدين، ومثَّل بهم شر تمثيل، وهدم مساجدهم، واعتقل شيوخهم، واستباح كل حرام يخطر بالبال، وليت الأمر انتهى عند هذا الحد فحسب، بل أثار حولهم الضغائن والضغوط والفتن ليقطع صلتهم بالدين الإسلامي بالكلية. تلك صورة سريعة نستشف فيها أحداث المجازر والمآسي التي عاشها مسلمو شبه جزيرة القرم وما آل إليه حالهم؛ إذ ليس من الحكمة الآن غض الطرف عن الآثار والأضرار الجسيمة التي أصابتهم؛ فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) هرع كثير من أبناء القرم أولئك الذين هُجِّروا متسابقين للعودة لموطنهم الأصلي؛ وهذه سُنَّةُ الله في أرضه، والله متم نوره ولو كره المشركون، فكثير منهم عادوا ولا يزال بعضهم يكابد للحاق بالركب حتى الآن، فما زالوا يأتون زرافات ووحداناً بعد أن باع معظمهم منازلهم بأبخس الأثمان، وتركوا وظائفهم وجنسياتهم وارتباطاتهم في تلك الدول التي عاشوا فيها ردحاً من الزمن ونشأ بعضهم فيها، كل ذلك من أجل الجذور والوطن، وأي وطن؟ ! وطن كان ذات يوم ثغر من ثغور الإسلام! ولعل أكثر ما يعانيه المسلمون في شبه جزيرة القرم اليوم هو تهدم البنية التحتية والتردي الواضح في الخدمات، وإهمال الحكومة الأوكرانية للمنطقة بدعوى قلة الإمكانيات، إضافة إلى حاجتهم لأبسط مقومات العيش الكريم، فلا مأوى ولا سكن ولا ماء ولا حتى تدفئة ومؤنة في الشتاء، وما أدراكم ما الشتاء في أوكرانيا؟ ! فحينما يطأ شتاء القطب الشمالي ببرده الثقيل السهوب والقرى المتناثرة في البقاع، فيجعلها تئن وتعاني تحت وطأة ثلجه الكثيف وزمهريره القاسي حتى يأتي موسم الربيع، وعندها فقط ندرك بأن الذي مضى كان اسمه الشتاء، تلك حال مسلمي شبه جزيرة القرم بعد حقبة الشيوعية البغيضة؛ فمن يزور القرم اليوم يجد آثار مساجدها المهدمة التي تغرق بصمت في واقع كثيب، ركام يشبع الأيام أبهة وجلالاً، أما الناظر إلى البيوت فسيدرك أنها لن تقوى على تحمل عوامل التعرية ونكبات الزمن، بيوت بنيت بطرق عشوائية تقشفية، وكيفما اتفق، ويظن من يراها أن سكانها نُسَّاك زُهَّاد ولكن الأمر ليس كذلك؛ إذ إنه ضيق ذات اليد، فمسلمو أوكرانيا عموماً ومسلمو شبه جزيرة القرم خاصة يحتاجون إلى دعم كبير ينتشلهم من بحار الفقر؛ إذ إنهم أوْلى الأقليات التي تحتاج إلى الدعم الخيري بالمقارنة مع دول القارة الأوروبية؛ وهذا الأمر يرجع إلى عدة أوجه وأسباب: ١- لأن أوكرانيا خرجت من وطأة العهد الشيوعي، وعانى المسلمون فيها التنكيل والاضطهاد والتشريد، خاصة أيام حكم ستالين؛ إذ هاجر معظم المسلمين خوفاً من حملات الاعتقالات والتنكيل؛ وفي هجرتهم القهرية خلفوا وراءهم ممتلكات وحقوقاً ضيعت فيما بعد، بينما كانت الجمعيات والمنظمات في أوروبا تنعم بالدعم الخيري أو بالأحرى اعتمدت على نفسها طول الوقت في تأسيس أرضية ثابتة لانطلاق الدعوة فيها. ٢ - لأن تعداد المسلمين في أوكرانيا يبلغ حوالي ٢ مليون نسمة، وهم أساساً مسلمون لكنهم يحتاجون إلى التثبيت والتفقه في أمور دينهم، ولا ينبغي إهمالهم حتى لا يقعوا فريسة للجمعيات النصرانية واليهودية المنتشرة والنشطة داخل أوكرانيا؛ فإن مثل هؤلاء لا يحتاجون إلى جهد دعوي كشخص كافر لا يعرف شيئاً عن ربه ودينه؛ فهؤلاء في حظيرة الإسلام وبقي أمر تفقههم في الدين ومعرفتهم لأحكامه. ٣- لأن الجانب الاقتصادي يلعب دوراً رئيساً ومميزاً في الحياة العامة؛ إذ إن قلة الإمكانيات أولاً وفقر مسلمي أوكرانيا وانشغالهم الكلي بهموم المعيشة كثيراً ما يعيق هذا العمل الدعوي. وأخيراً فإن النظام الاقتصادي الأوكراني المتضخم والفقير لا يشجع على إقامة مصادر دخل ذاتي مقارنة بجمعيات ومنظمات تعمل في أوروبا وأمريكا وتنفق على نفسها من خلال مواردها الذاتية. ٤- لأن المسلمين الأوكرانيين وخاصة أولئك الذين يعيشون في شبه جزيرة القرم يعانون من اهتراء البنية التحتية؛ فمعظم القرى التي يعيشون بها لا بنية تحتية فيها ولا خدمات، ومن الصعب بمكان وصف كيف يمكن أن يقضي هؤلاء الشتاء أو تخيل ذلك دون مؤنة ولا تدفئة؛ فمعظم هؤلاء دفعهم ارتباطهم بجذورهم في القرم مخلفين وراءهم منازل ومتاعاً واستحقاقات، بل إن أكثرهم كانوا قد تنازلوا عن جنسياتهم وجوازات سفرهم عند خروجهم من الدول التي عاشوا فيها. ٥- لأن موضوع الأقليات (دينية أو عرقية أو مذهبية) أصبح هاجس الدول الغربية وسبباً لتدخلها في شؤون دول أخرى (راجع موضوع الأقلية الألبانية المسلمة في يوغسلافيا قضية كوسوفا) ، وعليه فحري بنا نحن المسلمين أن نهتم بموضوع الأقلية المسلمة أكثر من غيرنا، كيف لا وهم إخوتنا في العقيدة والدين؟ ومن هنا ينبغي اعتماد موضوع هذه الأقلية المسلمة وإدراجه في أعلى جدول العمل الإسلامي. - لأن كثيراً من مسلمي أوكرانيا ضيعوا معاني الإسلام وغاياته، والآن وبعد رجوعهم إلى موطنهم الأصلي واستقرارهم فإن الأمر يتطلب جهداً إضافياً؛ إذ لم يستطع ستالين أن يمحو حبهم العظيم للإسلام وشرف الانتساب إليه. ٦- لأن النظام الدكتاتوري الشيوعي كان يجرِّم العمل الإسلامي ويحظر مشاريعه، وبالمقارنة مع دول غربية نجد اليوم مساحات لا بأس بها من القوانين والحريات التي استفاد منها العمل الإسلامي لإقامة مشاريعه مثل (فرنسا وإنجلترا) ، والحمد لله على أن القانون الأوكراني اليوم يكفل حرية العمل الإسلامي، ولا ينبغي التفريط بذلك في الساحة العالمية؛ فمساعدة إخواننا المسلمين الذين يعيشون في أقليات حول العالم هو هدف بحد ذاته يسعى إليه، وأستطيع تخيل تكلفة بناء مسجد في أمريكا أو أوروبا بملايين الدولارات، وكييف عاصمة أوكرانيا يقطنها ١٠٠ ألف مسلم، وليس بها مسجد واحد! ! الشق الثاني من المسألة ولب الموضوع: يبدأ من اتساع أفق فقه دعم العمل الخيري والإغاثي ليشمل الأجر والثواب للداعمين والعاملين في هذا الحقل وإمكانية ربط الأقليات المسلمة بالمجتمع الإسلامي بوثاق قوي رحيم، وهنالك ثلاثة أحاديث لرسولنا الحبيب ﷺ تكاد تكون هي الأطر التي يمكن الاستنباط منها؛ والأجر يتحقق فقط عند الإنفاق أو التبرع لهؤلاء المذكورين وحسب، وهذا ما يفهمه ويعتقده كثير من عامة الناس، وهذه الأحاديث هي: ١ - «من فطر صائماً كان له مثل أجره» [٢] . ٢ - «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» [٣] . ٣ - «من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة مثله» [٤] . ونضرب مثلاً لتقريب المعنى: شخص يريد أن يتبرع ويدعم بناء كلية أو جامعة إسلامية أو مركز إسلامي أو دعم صحيفة إسلامية وحيدة في ظل وجود مئات البرامج والصحف والكتب التي تملأ شاشات التلفاز والمكتبات لأصحاب ديانات أخرى، في دول مثل أوكرانيا، أو بناء مشروع تنموي ودعمه مما فيه فائدة لعدد كبير من فقراء المسلمين وفيه منفعة للأقلية الإسلامية كلها؛ فهل لهذا من الأجر مثل ما يوازي أجر أحد هؤلاء الثلاثة المذكورين أعلاه في الحديث؟ ! وما هو العمل الأوْلى الذي يقدم على غيره؟ هذه المسألة تؤرق كثيراً الرجال القائمين بأمر الدعوة والعمل الخيري في الخارج؛ إذ إن كثيراً جداً من المتبرعين يتبرع ويشترط ويحدد أن ينفق ماله في أحد هذه الأعمال الثلاثة الجليلة وحسب، كما أن كثيراً من هذه الأموال والدعم يأتي بواسطة منظمات أو أفراد، وقد لا يتسنى للجهة المتبرع لها تقديم فكرة أو مشروع له أحقية في التنفيذ قبل غيره من حيث الفائدة المرجوة (وقد لا يكون هنالك اتصال ولقاء مباشر مع المتبرع) حيث إن كثيراً من هذه المشاريع يقترحها أبناء الأقليات المسلمة، أو تعد نتيجة لقراءة الواقع والمجتمع وفهماً لاحتياجات المسلمين فيه؛ فأهل مكة أدرى بشعابها؛ ولعل هذا الأمر بحد ذاته يشكل أكبر هذه الهواجس التي تشغل فكر العاملين في تلك المنظمات الخيرية والإغاثية؛ حيث تضيع جهود كثيرة في (إعداد مشروع وتأجل مشروع آخر) بينما تحدده وتشترطه الجهة الداعمة أو الشخص المتبرع، والكل مأجور بإذن الله تعالى. إذن فنحن نحتاج لاستنباطات واجتهادات خاصة تلائم واقع الأقليات المسلمة وإمكانية تعاطي العمل الخيري دون إخلال بالعمل وتضييع للأمانة؛ إذ أصبح عمل كثير من المنظمات الإغاثية عبارة عن عمل ترقيعي (إن جاز التعبير) ، وليس عملاً وقائياً؛ فعندما تحل كارثة مَّا، فإننا نجد منظمات الإغاثة تنشط حينئذ لتهرع مع الهارعين إلى مكان الكارثة، وحري بنا أن نقف لنسأل سؤالاً: لماذا لا يتسع الأفق بنا لنقف مع إخواننا المسلمين ولو للحظات لنفكر في همومهم وألمهم، وبالطريقة التي يفكرون بها هم أنفسهم، عندها نستطيع أن نجنب إخواننا المسلمين في كل مكان، وخاصة الأقليات فيهم والمستضعفين منهم الفاقة والفقر، والفتن وويلات الحروب، والكوارث الطبيعية. نعم إن مثل هذا العمل يحتاج إلى جهود جبارة وجيوش من المنظمات والعاملين والأموال وأهل الخير، وحسبنا أنه بالإمكان الاستفادة في ظل الإمكانيات والظروف المتاحة الآن لنشر الثقافة الإسلامية وبناء مؤسسات تنموية، ومدارس إسلامية.. إلخ، دون أن يكون هناك أي تعارض أو تفضيل اللهم إلا بحسب ما تقتضيه الحاجة، والأمر برمته يحتاج أيضاً وقبل كل شيء لمحاولة جادة وعميقة لفهم واقع الأقليات المسلمة ومسلمي أوكرانيا بشكل خاص وربط ذلك بآليات فقه الدعم والإغاثة والعمل الخيري، ومدى إمكانية اتساع أفق الدعوة والرؤى المستقبلية للأقليات المسلمة حول العالم. والله من وراء القصد،

стр. 3575

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش صورة من الغرب ١ - أقر وزير الزراعة الإيطالي ألفونسو بيكورارو سكانيو علناً بأنه يقيم علاقات مع الجنسين في سابقة أولى من نوعها في إيطاليا. وبات سكانيو الذي أصر على «حريته الجنسية المطلقة» أول وزير يدلي بتصريح من هذا النوع، وقال لعدد من الصحف الإيطالية: «لست أعترف بذنبٍ مَّا، ولا أشعر بأدنى خجل، وأنا أطالب بأن يتمتع الجميع بحرية أن يحبوا من يريدون بغض النظر عن جنسهم. وهذه الحرية، أنا أمارسها» . وفي الإطار نفسه، دعا نائب حزب «إعادة التأسيس» الشيوعي نيشي فيندولا الوحيد الذي صرح عن مثليته الجنسية في البرلمان زملاءه إلى التصريح بذلك، قائلاً: «لتكن لديكم شجاعة كشف هوياتكم وتوقفوا عن العيش في القلق والخوف. في بلادنا أخلاقيات مزدوجة تسمح بالقيام بأمرٍ مَّا، ولكن من دون إعلانه. لكننا في العام ٢٠٠٠وآن الأوان لنواجه الحقيقة» . ٢ - أثارت إذاعة «كيس إف إم» الفنلندية جدلاً واسعاً بعدما سمحت في برنامج لها لشاب وفتاتين بممارسة الجنس على الهواء مباشرة مدة ربع ساعة، وأوضح منتج البرنامج هنكا هيبونن أن «مجموعة كبيرة من المستمعين اتصلوا في الفترة الأخيرة وطلبوا بثاً حياً لممارسة جنسية على الهواء مباشرة، مما دفع الإذاعة إلى الإعلان عن قبولها طلبات المتبرعين الذين يريدون المشاركة عبر إرسال تسجيلات صوتية لهم وهم يمارسون الجنس، أو الحضور إلى الأستديو لبث أصواتهم مباشرة. واتصل بالإذاعة خطيبان أبديا استعدادهما للمشاركة في البرنامج، ولكنهما غيرا رأيهما فور دخولهما إلى غرفة مهندس الصوت؛ حيث طلبا أن تكون معهما فتاة ثانية تشاركهما، فما كان على المذيع إلا المطالبة على الهواء بمتطوعات على استعداد لتلبية رغبة الخطيبين؛ ووافقت إحدى المستمعات على هذا الطلب، واستقلت سيارة أجرة مباشرة إلى الأستديو؛ حيث شاركت الخطيبين في حفلتهما الجنسية التي لاقت إعجاباً واسعاً من مستمعي الإذاعة، وأصبحت حديث الساعة في العاصمة الفنلندية هلسنكي. ٣ - شارك عشرات الآلاف من أنصار مثليي الجنس في باريس في تظاهرة » غاري برايد ٢٠٠٠ «التي باتت حدثاً سنوياً تقليدياً. وتوقع المنظمون وهم حوالي ٥٥ جمعية، مشاركة ١٥٠ ألف إلى ٢٠٠ ألف شخص في هذه التظاهرة التي تدور هذه السنة حول موضوع مكافحة الخوف من مثليي الجنس. وتصدَّر الصفوف الأمامية بعض الشخصيات السياسية من بينها وزير الثقافة جاك لانغ الذي حضر شخصياً لتحية المتظاهرين؛ وخلف السياسيين سار أعضاء جمعيات اللواطيين والسحاقيات ومنظمات مدافعة عن حقوق الإنسان (رابطة حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية) ، إضافة إلى ٦٠ عربة تشارك في هذه المسيرة التي لم تعد شركات السيارات الكبرى تتردد في رعايتها. [جريدة الحياة، الأعداد: (١٣٥٩٨، ١٣٦٠٤، ١٣٦١٩) ] لو كانوا أولادكم؟ ! كشف السيد بدر الدين بينو، السفير الشيشاني المتجول، خفايا جريمة إنسانية بشعة ارتكبها المسؤولون الروس» وما زالوا «ضد أطفال المسلمين الشيشان على مرأى ومسمع العالم الأوروبي والأمريكي المتمدن والمتترس خلف مزاعم الدفاع عن حقوق الإنسان؛ وقال السفير بينو في حديث خص به» السبيل «: إن الآلاف من أطفال المسلمين الشيشان هم اليوم يباعون رقيقاً في أسواق أوروبا وأمريكا، وسط صمت دولي مؤسف على هذه الجريمة البشعة؛ وأوضح السفير بينو أن هذه الجريمة بدأت عندما قام الروس بملء حافلة» باص «من أطفال» أنغوشيا « وأدخلوهم إلى موسكو بأوراق رسمية، ثم اختفت آثارهم بعد ذلك؛ حيث تبعت هذه الحافلة شحنات أخرى عديدة تم جمعها تحت مسميات شتى، ونجحت جهود الحكومة الشيشانية مؤخراً في تتبع آثار ٢٤٠ طفلاً من هؤلاء الأطفال؛ وإن الأطفال يتم جلبهم تحت غطاء برنامج يدعى برنامج التبادل الثقافي لطلبة البوسنة والشيشان، مركزه في العاصمة الأمريكية واشنطن، والمسؤول عن هذا البرنامج يدعى الدكتور واصف دور كيوفتيش، ولهذا المركز أو المشروع فرع في جنوب إفريقيا، تديره سيدة تدعى» ميسيز سو «. وبالاتصال مع هذا المركز أكد المسؤولون فيه أنهم مؤسسة رسمية تعمل وفق القانون، وأنهم يحضرون الأطفال عن طريق برنامج التبادل الثقافي، وأن عمليات التبني» البيع «تتم بموافقة ومعرفة السفارة الروسية ذاتها والتي تقدّم الوثائق المزورة لهؤلاء الأطفال أنهم من الأطفال الروس اليتامى! ! ونتيجة لهذه التحركات، ونجاح السيد بينو في العثور على بعض هؤلاء الأطفال وعمل زيارات لهم، قامت حملة مضادة محمومة لإخفاء الأطفال وإرهابهم وإرغامهم على طلب إبعاد السفير الشيشاني عنهم، وقامت مسؤولة البرنامج برفع قضية قادها ثلاثة محامين من أمريكا ضد ممثل الحكومة الشيشانية زعموا فيها أن الأطفال يرفضون إعادتهم إلى أهلهم وذويهم في الشيشان. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٨) ] رسائل من الشيشان ١ - كأن إيقاف قتل المدنيين العزل وتدمير بيوتهم في الشيشان قد بات مرتبطاً بتقرير وفد منظمة حقوق الإنسان؛ فبعد المرة الأولى والتصريح الأول خرجت قوات العدو الروسي الملحد بريئة من أي تعدّ ما عدا بعض التدمير؛ فقد كان الزائر الأول لا يرى شيئاً إلا ما أعده الروس له من مناظر خلابة وجميلة، فكان التقرير الأول جميلاً مثل الزيارة المنظمة والمخطط لها، ثم جاءت الزيارة الثانية التي كانت مثار الجدل بسبب الصراحة والوضوح ولكن ما هي نتائجها في واقع الشيشان وفي الواقع العالمي؟ لا شيء! ! فلم يتغير شيء ولم يتوقف سيل الدماء من أجساد المدنيين الأبرياء، بل لم يتوقف القصف والتدمير العلني! ! أتدرون لماذا؟ لأنه لم يتم إصدار أي أمر لإيقاف هذا العدوان ولم تكن الدماء ذات أهمية في نظرهم، إذ إنها دماء المسلمين! نعم دماء المسلمين التي ليس لها أي حركة أو مكانة في نفوسهم! وها نحن ننتظر هذه الأيام نتائج الزيارة الثالثة عن أي شيء تتمخض. ٢ - بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان وتعرض النساء المسلمات للاغتصاب من جنود القوات الروسية وتأخر المسلمين حكاماً وشعوباً عن حماية أعراض المسلمات في الشيشان فقد وجه المجاهدون قيادةً وجنداً تحذيراً وإنذاراً للحكومة الروسية وشعبها وجنودها في الشيشان من أن الانتقام سيكون شديداً، وأن الثأر للمسلمين وأعراضهم في الشيشان سيكون تدميراً للقوات الروسية وجنودها في داخل الشيشان وفي روسيا، وأن العمليات الهجومية لن تقف عند حدود الشيشان بل سوف يكون لها في روسيا صولات وجولات، فإلى الحكومة الروسية وإلى الكرملين نوجه هذا الإنذار والتحذير. موقع صوت القوقاز http://www.qoqaz.com ألا يوجد نواقض للإيمان؟ التكفير ليس من حق أحد، ليس من حقك أو من حقي أن أكفر إنساناً، وأذكر أنه في قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد أن الرجل قال على الملأ ونشر أنه مؤمن وموحد لله، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إنه يقول: أنا مسلم وموحد ومؤمن بالله، ماذا بعد ذلك لنشهد له بالإيمان؟ إذن ليس من حق أحد أن يقول له: أنت كاذب، هذا ظلم للرجل وافتئات على الدين، عملية التكفير ليست هينة، إنها خطيرة وليس من حق أحد أن يطلق حكماً على آخر ويقول له: أنت كافر. ليس من حقك أن تدخل قلب الإنسان، لست مسؤولاً أن تحفر في نيات هذا الإنسان، أنت لست مكلفاً بذلك، ولست مسؤولاً عما بداخل الناس، وليس منوطاً بك أن تتبين الإيمان داخل النفس البشرية. الإسلام سماحته في العبارة التي تقول: » لو كان الرأي يحتمل الكفر في مئة وجه ويحتمل الإيمان في وجه واحد، حمل على الإيمان وليس على الكفر «تلك هي السماحة، أي أن من واجب المسلم تغليب الإيمان ولا بد أن تسود هذه الروح في عالمنا الإسلامي. لا رقابة قبلية ولا بعدية، روايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، وقصص يوسف إدريس تعيش بيننا، ناس محترمون لا تجد منهم طعناً في الدين أو في أي من ثوابته. [وزير الأوقاف المصري، د. محمد حمدي زقزوق، مجلة الوسط، العدد: (٤٣٦) ] لن يعدموا مثلك! ! قاوم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ضغوط نظيره الأمريكي بيل كلينتون خلال آخر لقاء بينهما في واشنطن بالتهديد بالاستقالة من منصبه والعودة للإقامة في تونس أو القاهرة. إن هذا التهديد جاء عندما كان الحديث بين عرفات وكلينتون يدور حول إيجاد مخرج للأزمة الحادة التي وصلت إليها المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وطلب الرئيس الأمريكي من عرفات تفهم ظروف رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والتنازل عن استعادة السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية وحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وأوضحت المصادر نفسها أن عرفات قاوم هذه الضغوط وقال لكلينتون إنه سيقدم له المخرج، ولما سأله عن هذا المخرج أجابه بأنه سيغادر الأراضي الفلسطينية إلى القاهرة أو تونس بصفة نهائية، وعلى باراك أن يتدبر أمره مع الشعب الفلسطيني. وكان عرفات هدد في نابلس بالضفة الغربية أمام الآلاف من أنصار حركة فتح بإشعال الانتفاضة والكفاح المسلح من جديد داخل الأراضي الفلسطينية وذلك في إطار رده على التهديدات الإسرائيلية باستخدام الدبابات والطائرات ضد المناطق الفلسطينية في حال تجدد المواجهات بين المواطنين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٣١٢) ] . أحلامكم أوامر! ! أكدت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في تقريرها السنوي للعام ٢٠٠٠م أن السلطة الفلسطينية لا تزال تعتقل أكثر من ٢٣٠ شخص منذ سنوات ومن دون تهمة أو محاكمة للاشتباه بأنهم ينتمون إلى جماعات إسلامية معارضة. وأكد تقرير منظمة العفو الدولية أن الأنباء الواردة من سجون السلطة تؤكد استمرار سياسة التعذيب وسوء المعاملة، وأن الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي في الفترة التي تلي عملية الاعتقال مباشرة تؤدي إلى تسهيل وقوع التعذيب، ورغم ذلك لم تقم السلطات بالتحقيق في شكاوى التعذيب أو بتقديم المسؤولين عن ممارسته إلى العدالة. وإن اعتقال أنصار حماس المشتبه فيهم مرتبط بصورة مباشرة بالضغط الذي مارسته (إسرائيل) والولايات المتحدة على السلطة الفلسطينية للقبض على الأشخاص المشتبه في ارتكابهم أعمالاً» إرهابية «. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٩) ] شاهد من أهلها من النادر أن تلتقي مثقفاً عربياً يعرف أصول الثقافة الغربية معرفة جيدة؛ فعندما تلتقي أحد هؤلاء يشرع في الحديث عن الأوضاع السياسية في بلاده ولا يخرج عن ذلك أبداً. وهذا يدل على أنه غير قادر على ابتكار الأفكار، لذا فهو يلجأ إلى الثرثرة حتى يغطي جهله، كما أضيف أن المثقفين العرب لا يهتمون بالمعرفة بمعناها الحقيقي والعميق. فهم لا يعرفون لا السينما ولا الموسيقى ولا المسرح ولا أي شيء آخر، إنهم خامدون متبلدو الذهن، يعيشون حياة خاوية بعيدة كل البعد عن الخلق والابتكار والإبداع، حتى تاريخهم يجهلونه. ما ينتج يدعو إلى الفكر، لكن أصحابه لا يفكرون، وهذه هي معضلة الفكر العربي في الفترة الراهنة. وأضيف بأن العرب يعطون قيمة كبيرة لأركون وأمثاله، لأن هؤلاء يعيشون في الغرب لا أكثر ولا أقل، ولو قرؤوهم جيداً، لما وجدوا في كتاباتهم ما يمكن أن يغني العقل والمعرفة. [المثقف التونسي! ! هشام جعيط، مجلة الوسط، العدد: (٤٣٩) ] كلام» كافي « إن الأزمة القائمة سياسية أساساً، وهي مطروحة مع طرف معين هو ما يعرف في لغة الحكم بـ» الحزب المحظور «وكان رأيي وما يزال أن البحث عن حل لهذه المشكلة السياسية يكون بالدرجة الأولى مع قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فهذا هو أقصر طريق لإخراج البلاد من الوضعية الراهنة. ولا ينبغي ذلك طبعاً مشاركة القوى السياسية الأخرى بطريقة أو بأخرى في الحل السياسي الشامل. ثم ما هو البديل لهذا الطرح الذي يقال تجاوزته الأحداث؟ هل هي» سياسة الرحمة «التي طبقت في عهد زروال؟ أم» سياسة الوئام المدني «المطبقة حالياً؟ إن هذه البدائل ليست سوى ضرب من ذر رماد في العيون، ونوع من سياسة الهروب إلى الإمام التي لا يمكن أن تقفز فوق حقيقة الأزمة المآسي اليومية المتولدة عنها. [الرئيس الجزائري السابق، علي كافي، مجلة الوسط، العدد: (٤٣٩) ] خلافهم نعمة.. للحقيقة قللت وزارة الداخلية البريطانية من شأن الادعاءات التي روجها برنامج تلفزيوني أمريكي مفادها: أن بريطانيا فيها من العنف والجريمة ما هو أسوأ مما في الولايات المتحدة نفسها، ووصفت الوزارة هذه الادعاءات بأنها تنم عن تبسيط كبير للواقع، وكان التقرير التلفزيوني المذكور الذي تتبع أخبار حادث اغتصاب تعرضت له مدرِّسة أمريكية في لندن قد وصف شوارع وأسواق لندن بأنها كساحات الحرب ومرتع للمجرمين. ووصفت شبكة سي بي إس الأمريكية التي بثت التقرير المجتمع البريطاني بأنه واحد من أعنف المجتمعات الحضرية في العالم الغربي، وقالت إن احتمالات التعرض للاعتداء والسرقة في لندن أكبر مما هي في الولايات المتحدة. لكن وزارة الداخلية ردت بغضب على ما جاء في البرنامج الأمريكي، وادعت بأن احتمال التعرض لجريمة القتل في الولايات المتحدة أكبر سبع مرات منها في بريطانيا، كما أن احتمالات التعرض لإطلاق النار أكبر بستين مرة. لكن تقريراً أصدرته وزارة العدل الأمريكية يشير إلى أن معدلات جرائم الاعتداء والسرقة وسرقة السيارات أعلى في بريطانيا مما هي في الولايات المتحدة. ولم ترحب السلطات السياحية البريطانية بالتقرير التلفزيوني الأمريكي، وتصر على أن بريطانيا لا تزال بلداً آمناً وممتعاً للزائرين. موقع هيئة الإذاعة البريطانية http://www.bbcarbic.com ذباب وذباب عانى المغرب هذه السنة أزمة احتباس المطر وانتشار الجفاف في كثير من مناطقه كما عانى في الوقت نفسه جائحة الطماطم وخَمَجَها (فسادها) أما المصيبة الأولى فأسبابها الطبيعية يختلف حولها علماء الأجواء والمراصد ولكلٍّ تفسيراته وتعليلاته المقبولة وغير المقبولة، ولكن المؤمن يعلم أن المصيبة تلك هي نتيجة شيوع الفواحش والمنكرات والظلم والجهر بالمعاصي والسكوت عن ذلك والرضى به، بل ربما جرى تقنين بعض تلك المنكرات والمعاصي كالخمور والزنا والربا المقنن وإشاعة أخبار الفاحشة خلال المجتمع بحجة حرية الرأي وحقوق الإنسان. أما الطامة الاقتصادية الثانية فهي فساد الطماطم وخمجها وما أصابها من جائحة لم يشهد المغرب لها مثيلاً في تاريخه القديم والحديث، وقد اتفقت جميع الصحف ومصادر الإعلام على أن السبب في ذلك» البذور «المستجلبة من الدول الصديقة» إسرائيل «وكان من بركة هذه (البذور) ظهور الذبابة البيضاء التي أفسدت محصول الطماطم، وهذا أيضاً عقاب من الله لمن يتولى هؤلاء القوم الذين لا يقصرون في المساعي الحثيثة لتخريب اقتصاد المغرب وغيره وكذلك أخلاقه ودينه. ولكن الأخطر من هذه الذبابة البيضاء هي الذبابات المتلونة: الحمراء والسوداء والصفراء التي تجتاح المغرب في نواحي كثيرة من حياته: فتفسد في الإعلام، وفي التربية، وفي التعليم، وفي الثقافة والفكر، وفي الاقتصاد والتجارة، وفي المدرسة، وفي الشارع، وفي الأسرة. وقد امتلأت أجواء المغرب بأسراب من هذا النوع من الذباب المسموم الذي [صنع] خصيصاً لإفساد الحياة الإسلامية الطاهرة النظيفة ببلاد المسلمين. [د. عبد السلام الهراس جريدة الحجة المغربية، العدد: (١٣٠) ] كشفها العقرب! ! قال لاري جونسون المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية عن مكافحة الإرهاب إن» عدد الأمريكيين الذين ماتوا من لدغات العقارب أكبر بكثير من الذين قتلوا في هجمات إرهابية أجنبية في السنوات الخمس الماضية. إلا أن ذلك لم يمنع الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب من المبالغة في وصف التهديدات الإرهابية «. وأضاف لاري وهو محلل سابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية ويعمل حالياً مديراً عاماً في شركة استشارية متخصصة في قضايا غسيل الأموال: » نحن في حاجة إلى مفهوم أكثر اتزاناً في هذا المجال. هل هناك احتمالات لسقوط أعداد ضخمة من الضحايا؟ الإجابة: نعم! ولكن لسنا في حاجة لإعادة اختراع سياسات مكافحة الإرهاب «. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٨١) ] تعليق على الأحداث وكم من» سوهارتو «في ديار المسلمين؟ في لفتة كريمة وتفضل كبير ألمحت عائلة الرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو إلى إمكانية تقديمها» تبرعاً «بنصف ما تملكه للشعب الإندونيسي، ويأتي هذا الكرم» السوهارتاوي «بعد الملاحقات القضائية للعائلة الكريمة التي استولت خلال حكمها في إندونيسيا والذي استمر ٣٢ عاماً على ثروة تقدر بـ ٤٥ مليار دولار حسب المصادر الرسمية، وفي تصريح لسوهارتو نفسه صرح أنه على استعداد للتنازل عن ٢٥ مليار دولار في مقابل التوقف عن ملاحقته قضائياً، وقد علق الرئيس الحالي عبد الرحمن واحد أن هذا المبلغ» التبرع «كفيل بسداد ديون إندونيسيا كلها. وإن كان هذا المبلغ البسيط الذي طابت نفس العائلة بالتبرع به أو افتداء نفسها به هو بهذا الحجم، فكم تخفي الأرقام من حقيقة غير ظاهرة، ونسأل: كم من سوهارتو في ديار المسلمين؟ وكم سيسعد الناس إذا عادت إليهم أموالهم؟ الاختلاط.. نظرة مقلوبة مُني التيار الليبرالي في الكويت بصدمة كبيرة لإقرار مجلس الأمة الكويتي منع الاختلاط في الجامعات الخاصة، وراحت الأقلام ترمي بسهامها المسمومة وألفاظها الجارحة هنا وهناك في إشارة واضحة إلى الحسرة والشعور بمرارة الهزيمة التي أحس بها» بنو علمان «ونأخذ من» القبس «قبساً من كلامهم فيقول أحدهم وهو د. أحمد الربعي:» أخطر ما يواجه الدين هو أن يصعد على منابره متاجرون يلعبون بالمبادئ، ويتلونون حيثما تحلو لهم سفن التلون بهدف الوصول إلى كرسي في برلمان أو زعامة في قبيلة، أو موقع متقدم في وظيفة، يصلون إليه من خلال منصب حزبي! ! هناك تحالفات سياسية جديدة في الساحة أظهرتها «معركة» الجامعات الخاصة، وهي تحالفات بين أطراف لا جامع بينها، ولا يربطها رابط، وهي تحالفات سياسية ترفع شعار الدين والأخلاق بهدف الوصول إلى مصالح لا علاقة لها في النهاية بالشريعة ولا بالأخلاق «. ويضيف آخر، وهو سعود السمكة:» لا أدري لماذا يربط رافعو شعار منع الاختلاط في الجامعات الأهلية من الذين يتسترون بستار الدين بين الاختلاط والرذيلة؟ ! إنها نظرة دونية وتوصيف تحقيري للمجتمع عامة، نساءاً ورجالاً، باعتبار أننا كمجتمع ليس لدينا ما نفكر به سوى الجنس! ! «. ونختم بكلام حسن العيسى حيث يقول:» لا يفترض أن نخجل مما يحدث لدينا من معارك فكرية كان من المتصور أن تحدث قبل خمسمائة عام في عصور المرأة الجارية وحكايات شهرزاد عن العفاريت والبساط الطائر، لا في زمن المساواة في الحريات وثورة الاتصالات والمكوك «كولومبيا» ؟ نخجل لأنهم هناك غارقون في معرفة واستنباط الجزء الأعلى من الإنسان في عقله وخلايا فكره، ونحن غارقون في هموم الجزء الأسفل من الإنسان، وكيف تلجمه عصا الوعاظ؟ ألا يستحي فقهاء السلفية العلمية في حملتهم الكبرى مع قانون منع الاختلاط أن ينعتوا حركتهم بـ «العلمية» وكأنهم على قدم المساواة مع علماء مختبر «هيوارد هيوز» ومعامل «كوليتر» ومن سيكون له الفضل في إطالة عمر الإنسان وتوفير سبل السعادة له، بينما رفاق «السلفية العلمية» لا همَّ لهم غير التنكيد على الإنسان وإشغاله بمعارك طواحين الهواء وطواحين الاختلاط؟ أنا أشعر بالخجل الحضاري من علماء «الجينوم» عندهم عندما أطالع أدبيات علماء الجن لدينا «. ونحن لا ندافع أو نهاجم توجهاً بعينه ولذاته، وإنما لما يحمله ويقدمه هذا أو ذاك من خير أو شر، وكم نخشى أن يأتي الوقت على بني علمان ليقولوها صراحة: [أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (الأعراف: ٨٢) . جس نبض إعلامي للتطبيع في مسرحية ساذجة أثيرت ضجة كبيرة حول زيارة وفد إعلامي جزائري إلى » إسرائيل «وفي تصريح ناري أعلن الرئيس الجزائري أنهم» ليسوا منا ولا نحن منهم «في الوقت نفسه الذي كان الرئيس في زيارة لفرنسا وكان في استقباله هناك السفير الإسرائيلي» إلياهو بن إليسار «كما قام الرئيس أثناء الزيارة بالتعريج على رؤساء الجالية اليهودية في فرنسا. وسبق هذه الزيارة المقابلة التي تمت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في مراسم وداع العاهل المغربي الحسن، وقبل ذلك وبعده وأثناءه الأنباء التي تأتي عن التعاون في المجال الزراعي والدوائي وغير ذلك بين البلدين، لقد بلغت هذه المسرحية حداً كبيراً من الاستخفاف بعقول الناس، حيث إنهم يريدون زيادة أواصر الثقة مع اليهود في ذلك الثوب الجديد من أثواب التضليل الإعلامي، وقد كشف رئيس الوفد الإعلامي الجزائري عن مهتهم بعدما أحس» بزيادة العيار «عن حده الطبيعي وعن الدور المتفق عليه فقال: لسنا خونة وزيارتنا تقدم خدمة وطنية لأمتنا! !
следующие страницы →