← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

المسلمون والعالم في ظل تجفيف المنابع جامعة الزيتونة تستغيث؛ فهل من منقذ ؟ محمود خليل جامع الزيتونة الذي لعب الدور الأكبر في حفظ الإسلام واللغة العربية في المغرب العربي، وهو إحدى أقدم الجامعات الإسلامية الثلاث في العالم. بناه الوالي الأموي «عبد الله بن الحجاب» بتونس سنة (١١٤ هـ = ٧٣٢م) ثم أعيد بناؤه في عهد محمد بن الأغلب؛ حيث اهتم الأغالبة بتعميره وتجديده وجعله دارة للعلم ومنارة للإسلام، ليس في تونس وحدها، بل في الشمال الإفريقي والمغرب العربي بأسره. وهذا الجامع الجامعة الذي حفظ الله به تراث الإسلام وحضارته في هذه البقاع يمر الآن بأزمة خطيرة أقرب إلى لحظات الاحتضار؛ ذلك لأن موجة الحنث العظيم التي تجتاح المنطقة فيما يسمى بـ «تجفيف المنابع» قد ضربت هذا الصرح العظيم بالسهام المسمومة. جامع الزيتونة الذي خرجت منه الحركات الجهادية ابتداءاً من التي قامت بها البلاد الإفريقية على حكم «العبيديين» في أيام المعز بن باديس الصنهاجي، والمستنصر الفاطمي في القرن الخامس الهجري، وانتهاءاً بالثورات المتعاقبة على الاحتلال الفرنسي الأثيم. هذا الجامع العتيد الذي كان قبلة الدارسين بالشمال الإفريقي لأكثر من ألف وثلاثمائة عام، وتخرج فيه أكابر العلماء وأئمة المجاهدين، صدر مرسوم عام ١٩٣٣م اعتُبِر فيه جامع الزيتونة جامعة، وسمي شيخه «مديراً» وأصبحت الدراسة فيه على ثلاث مراحل: ١ - الإعدادية: وتنتهي بشهاة «الأهلية» . ٢ - المتوسطة: وتنتهي بشهادة «التأهيل» . ٣ - العالية: وتنتهي بشهادة «العالمية» مع التخصص في القراءات وعلوم الشريعة والآداب، ... وبعد استقلال تونس أُلحق بالتعليم الثانوي وأضيف إلى مناهجه اللغات الأجنبية وبعض المواد العلمية العصرية. وأخيراً.. صدر قرار وزير التعليم العالي المؤرخ في ٣٠ /١٢/١٩٩٥م والمتعلق بضبط برامج «الأستاذية» في العلوم الشرعية والتفكير الإسلامي، وذلك بتنظيم الدراسة وبرامج التعليم بجامعة الزيتونة لتصبح على النحو الآتي: ١ - المعهد الأعلى للشريعة، وقد خرج من جامعة الزيتونة تماماً وألحق بالشؤون الدينية بداية من ١٩٩٧م. ٢ - المعهد الأعلى للحضارة: وقد خصص للأجانب (من مسلمي إفريقيا وشرق آسيا) . ٣ - المعهد الأعلى لأصول الدين: للتونسيين وتوجه له وزارة التعليم العالي في بداية كل سنة ٥٠ طالباً وطالبة فقط، جلهم من الأناث اللواتي تقارب نسبتهن ٨٥%. وليست هذه هي قضيتنا إنما القضية أن «الزيتونة» قد أطبق عليها الخناق العلماني مما جعل زيتها يكاد لا يضيء، وهذه بعض فصول المؤامرة: تهميش السُّنَّة: من النظرة الأولى لمناهج الدراسة في المرحلة الأولى «السنة الأولى السنة الثانية» نجد أن مجموع ساعات الدراسة بهما (١٠٧٩) ساعة منها (٥٢٠) للسنة الأولى، (٥٥٩) للسنة الثانية، ونصيب السُّنَّة النبوية منها (٣٩ ساعة) أي بنسبة ٦١ , ٣ % من ساعات الدراسة. أما البرنامج الدراسي للسُّنَّة فهو: «إشكالية التدوين والتشريع» فهل ضاقت رحاب السنة في وجه علمانيِّي الزيتونة فلم يجدوا من السُّنة إلا إشكالية التدوين؟ وهل لديهم شك في أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي؟ وهل لديهم شبهة في حجية السنة؟ وهل يجوز أصلاً علمياً حصر السنة في هذه الإشكالية؟ ! وهل هذا هو نصيب السنة في أصول الدين؟ عدوان على الرسول ﷺ والسيرة: أما نصيب السيرة من ساعات الدراسة فهو (٣٩ ساعة) أي بنسبة (٦١ , ٣ %) والبرنامج هو: «كتابة السيرة النبوية» والهدف منها كما وضحه التخطيط الدراسي للمعهد الأعلى لأصول الدين هو الوقوف على: أ - التاريخي والأسطوري في رواية السيرة. ب - الأغراض التمجيدية والتعبدية فيها. ج - تصور الرُّواة لشخصية الرسول ﷺ . فهل يجوز أن يقال عن السيرة أسطورة؟ وأن لها أغراضاً تمجيدية؟ وأنها مجرد تصورات وتخيلات من الرواة لشخصية الرسول ﷺ ؟ ولكن يبدو أن هذه البرامج لم توضع لتجلية حقائق الإسلام وإنما لنشر الشُّبه حول السيرة، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وهناك ملحوظة جديرة بالإشارة إليها هي أن نسبة ساعات تدريس اللغات (٩٦,٢٤%) . ومن الجميل أن يجيد طالب العلوم الشرعية لغة أجنبية وأن يصبح داعية للإسلام بها في أرض الله الواسعة! ! ولكن ما فائدة هذه اللغة له وهو يجهل القرآن والسنة والعلوم الشرعية عامة؛ إذ يدرس منها ما يشككه فيها ويزعزع عقيدته من أساسها؟ علوم الإسلام.. تشكيك في تشكيك: وجاء في بيان الهدف من دراسة المدخل إلى تاريخ الأديان الكتابية عبارة: «يُهتم ببيان عقائد اليهودية والمسيحية.. مع التعبير عن احترام مقولات أصحابها» . والسؤال هنا: ما العمل في ما هو باطل من هذه الاعتقادات؟ وما هو مكذوب ومختلق وغير أخلاقي مما أنكره القرآن عليهم وخطَّأهم فيه؟ وهل الاحترام لهذه الملل والنحل فقط، والعدوان والتشكيك في الإسلام وحده؟ ثم جاء في الهدف من تدريس اتجاهات التفسير في العصر الحديث: «يرمي الدرس إلى تعليل انشغال علماء المسلمين على الوجه الذي تأولوا به نص القرآن» . والسؤال هو: هل هذا التفسير هو تطويع النصوص لاهتمامات العلماء ورغباتهم وحاجات المجتمع، أم أن التفسير والتأويل له قواعده وضوابطه التي يحتكم إليها حتى لا يكون التأويل غرضاً للذين امتلأت قلوبهم بالزيع ابتغاء الفتنة، والاعتساف المرذول؟ ! ثم أبان «المجففون» الأهداف من دراسة «نشأة علم أصول الفقه» بقولهم «يُعنى بأصول الفقه من حيث هو علم منظم للعلاقة بين العقيدة وسيرة المجتمع» فما معنى هذا الكلام؟ ! نحن نعلم أن علم أصول الفقه «هو العلم الذي يُتَعَرَّف منه استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الإجمالية» فما صلة هذا بتنظيمه للعلاقة بين العقيدة وسيرة المجتمع؟ اللهم إلا إذا أريد بهذا «الخطل» تنزيل الأحكام الشرعية على واقع الناس وليس مجال هذه الدراسة «أصول الفقه» إنما مجالها دراسة الشريعة الإسلامية! وهل أُغلق باب الاجتهاد؟ ثم جاء في بيان أهداف تدريس وحدة «تاريخ الإسلام» : «يهتم بدراسة مشاغل مفكري الإسلام في أربع فترات هي كذا وكذا ... فترة نهاية الاجتهاد» ! والمعلوم أن جمهور علماء الأمة يذهبون إلى أن باب الاجتهاد لم يغلق، ولا يجوز إغلاقه ولا وضع نهاية له؛ لِمَا يَجِدُّ للناس من أقضية وأحداث تستوجب أن يكون باب الاجتهاد مفتوحاً أمامها لكن بشروطه فلماذا نفرض على الأمة شيئاً لم يقل به علماؤها؟ والأنكى من ذلك أن منهج علم «الاجتماع الديني» قد جاء في بيان أهدافه: «يهتم بتجديد علماء الاجتماع للظاهرة الدينية! وتأثر المقالات الدينية في الألوهية والنبوة والوحي والمعاد وكمال الخلق بشؤون المجتمع ومقتضيات الاجتماع» . وهل الدين الإسلامي هو نتاج بشري ناشئ عن حاجات المجتمع، أم هو: «وحي يوحى» من عند الله تعالى؟ وهل تتأثر الألوهية والنبوة والوحي في ديننا بشؤون المجتمع ومقتضيات الاجتماع، أم أن المجتمع والاجتماع هو الذي يتأثر بهما؟ والواضح جداً من هذا البرنامج أن واضعيه قد اتخذوا من كل عدو للإسلام ومشكك فيه إماماً لهم، ليضلوهم بغير علم، وقد اتخذوا على سبيل المثال من «دوركايم» اليهودي الذي جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية «العقل الجمعي» المصدر الوحيد لدراسة وحدة علم الاجتماع الديني! من دوركايم إلى علي عبد الرازق: أما منهج «المؤسسات ونظم الحكم في الفكر الإسلامي» فلم يجد هؤلاء العلمانيون أمامهم لتدريس هذا المنهج سوى كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، رغم أنه كتاب غير علمي بالمرة وأنه مليء بالمغالطات، وهناك شك كبير في أن مؤلفه هو الشيخ علي عبد الرازق [١] ؛ فطه حسين شريك في تأليف هذا الكتاب «بالوثائق» ! كما أن صاحبه قد تنصل منه في مقال كتبه بخط يده ونشرته مجلة «رسالة الإسلام» الصادرة بالقاهرة في مايو سنة ١٩٥١م قال فيه بالحرف الواحد: «إن فكرة روحانية الإسلام لم تكن رأياً لي يوم نشرت البحث المشار إليه [كتاب الإسلام وأصول الحكم] ولقد رفضت يومئذ رفضاً باتاً أن يكون ذلك رأيي. إنني لم أقل ذلك مطلقاً لا في هذا الكتاب، ولا في غيره، ولا قلت شيئاً يشبه ذلك الرأي أو يدانيه» . ثم قال عن كلمة «روحانية الإسلام» : «لعله الشيطان ألقى في حديثي تلك الكلمة، وللشيطان أحياناً كلمات يلقيها على ألسنة بعض الناس» ثم اعترف للعالم الأزهري الشيخ أحمد حسن مسلم واعظ الأزهر حينئذ بصعيد مصر فقال: «وهل أنا الذي ألفت هذا الكتاب؟ ! إنما ألفه طه حسين» [٢] . وقال طه حسين بالحرف الواحد: «على أني قرأت أصول كتاب الشيخ علي » الإسلام وأصول الحكم «قبل طبعه ثلاث مرات، وعدّلت فيه كثيراً» . فإذا كان هؤلاء يريدون تكريس فكرة علمانية الدولة لدى طلاب أصول الدين بحيث يصبح الإسلام ديناً لا دولة، ودولة لا دين لها فقد خانهم التوفيق في منهج علمي مكذوب ومزيف، ويحمل في طياته كل شُبَهِ التاريخ المعاصر في خيانة هذه الأمة دينياً وحضارياً وثقافياً! وختامها.. رجس! ! أما الأساتذة في ظل هذا المشروع العلماني فإن معظمهم لا صلة لهم بالاختصاصات الشرعية، بل إنهم يُختارون ممن يجهلون الإسلام، وكثير منهم معبأ بالشُّبه والانحرافات الفكرية حتى إن إحدى الأستاذات التي انتدبت لتدريس القرآن أعلنت بكل وقاحة لطلابها قائلة: «إن القرآن نزل مقدساً وكتب مدنساً» ! أما النشاطات الثقافية فتتمثل في النوادي الموسيقية والغنائية، والحفلات الماجنة، كما أن بالمعهد إذاعة داخلية تذيع الغناء في رحابه، إضافة إلى أن النوادي الرياضية تشتمل على السباحة «للفتيات» إلى جانب ألعاب الشطرنج والدامة والموسيقى، ومسابقات العَدْوِ «للبنات» أمام الذكور! ! بل واستضافة المطربين والمطربات لإحياء الحفلات الغنائية حتى في شهر رمضان المبارك، وتتم الدعوة لهذه الحفلات من مدير المعهد شخصياً. والعطلة الأحد: وهل يتصور أحد أن تنتقل العطلة الأسبوعية «للزيتونة» من يوم «الجمعة» إلى يوم «الأحد» ، ويصبح يوم الجمعة يوم عمل وتدريس؟ ! وهل يتصور أحد أن «الزيتونة» كان لها مسجد تم إغلاقه بأمر الرجل الأول في التعليم العالي لتجفيف المنابع؟ ! وهل يتصور أحد أن الرجل الأول في التعليم العالي الوزير هو كاتب شيوعي سجنه «بورقيبة» لمجاهرته بالإلحاد؟ وهو يرى أن قوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) يراها آية تعلِّم التطرف والإرهاب والغلو؟ ! حوار مبتور مع المدير المذعور: ذكّرني هذا الإرهاب العلماني الأخرق بأغرب حوار صحفي أجريته في حياتي عام ١٩٩٢م مع الأستاذ «حمودة السحطي» مدير المعهد الأعلى للشريعة بجامعة الزيتونة، وكان ذلك بمدينة الزقازيق بمصر أثناء انعقاد مؤتمر «الإسلام وتحديات الحاضر والمستقبل» الذي أقامته رابطة الجامعات الإسلامية، وأصر الرجل على أن تكون الأسئلة مكتوبة والإجابة يكتبها هو بخط يده ولا زالت عندي وكانت على هذا النحو: س: ما رأيكم بالواجهة العلمانية التي تبدو على تونس الشقيق في الآونة الأخيرة؟ ج: الحزب الحاكم وريث حركة إصلاحية لجمع كافة القيم الروحية والوطنية. س: أين يقع العمل الإسلامي على الخارطة الديمقراطية التونسية؟ ج: كل عمل فيه إصلاح هو عمل إسلامي. س: نريد أن نتعرف على مدى مساهمة المرأة التونسية في العمل الإسلامي المعاصر؟ ج: فيما يتمثل في العمل الإسلامي المعاصر هي تساهم في عملية التنمية. س: ما هي روافد التعاون الإسلامي «بالاتحاد المغربي» وكان قائماً حينئذ، وما هي الثمار الإسلامية التي تحققت من هذا الاتحاد؟ ج: التحابب والتعاون. س: جامعة الزيتونة ما أحدث أخبارها، وما مدى صحة ما نسمعه من «علمنة المناهج الدراسية بها تماماً» ؟ ج: لا إجابة. س: ما رأيكم في الإعلام التونسي والدور الذي يلعبه في «تمييع» قضية الإسلام؟ واستهلاك وتفريغ طاقات المجتمع التونسي المسلم؟ ج: أحكام مسبقة. س: كيف يؤدي المسجد التونسي دوره الآن؟ ج: هو يتبع قيم الإسلام السمحة والقيم الحضارية. (انتهى الحوار) . ومن كان يصدق أن «الزيتونة» التي كان عدد طلابها في عهد الاحتلال الفرنسي أكثر من ثلاثين ألفاً يصبح الآن نحو ستمائة وخمسين، منهم ٨٥% من الإناث اللائي يُفرض عليهن السفور والنزول إلى حمامات السباحة «بالمايوه» داخل جامعة الزيتونة؟ ! وأخيراً: الزيتونة «الجامعة الإسلامية العريقة» قلعة العلماء والمجاهدين.. تستغيث فهل من منقذ أيها المسلمون؟ !

стр. 3572

المسلمون والعالم سورية بين الحقيقة والخيال عماد حيدر الصالحي من المؤشرات المريبة اليوم على الساحة العربية بل العالمية ما جرى في سورية بعد انتقال الرئيس حافظ الأسد من الفانية إلى الباقية؛ فقد أفاق العالم شرقاً وغرباً على ولادة أول جمهورية وراثية على وجه الأرض بعد توريث كيم إيل سونغ الحكم لابنه في كوريا الشمالية. إلا أنه لا بد لنا أن ننوه بماهية التركيبة الطائفية لحكمٍ كل ما فيه ينطق بالطائفية المذهبية؛ فطبيعة الحكم في سورية وعلى مدى نيِّف وثلاثين عاماً كان حكماً طائفياً صرفاً على الرغم من تقمُّص شعارات حزب البعث وتنظيماته واتحاذها ستاراً يتوارى خلفها. وقد راق للمعلق السوري الدكتور عماد فوزي شعيبي أن يدفع عن الحكم الأسدي صفة الطائفية فكتب في صحيفة الحياة يوم ٢٤/٦/ ٢٠٠٠م مقالاً لا نقول إنه يحاول به رفع تهمة بل يريد به طمس حقيقة ماثلة للعيان لا تحتمل الخوض فيها ولا ينتطح فيها عنزان؛ إلا أن الدكتور الشعيبي نفسه يعلم بطلان دعواه؛ فإن كان علويا نصيرياً فإني أقسم أنه يعلم أن الحكم نصيري طائفي، وإن كان مسلماً سنياً فإني أقسم أيضاً أنه يذوق طعم الطائفية يومياً، وإن كان نصرانياً فليس في نصارى سوريا على مختلف طوائفهم وكنائسهم من يجهل حقيقة الحكم السوري. وحتى العرب خارج سورية يعلمون ذلك ولا يجهلونه، والمسلمون في شتى أقطار الأرض قد عرفوا النصيرية ولم تعد مجهولة حتى عند عامتهم، والعالم الغربي من خلال دوائره المعنية أكثر معرفة بدقائق ذلك الحكم الطائفي وتفصيلاته. لقد أراد (الشعيبي) أن يقدم أمثلة تخيَّلها مما يساعد على إهدار الحقيقة، فقاس قياساً فاسداً حين نفى طائفية الحاكم للخلاف الذي حصل بينه وبين كل من اللواء محمد عمران، واللواء صلاح جديد وكلاهما نصيري. أما محمد عمران فقد تم تصفيته جسدياً في مزرعته الخاصة قرب طرابلس اللبنانية، وأما صلاح جديد فلم يرَ النور بعد دخوله السجن الذي قضى فيه نحبه عليلاً مريضاً. والقاصي والداني يعرف أن فعلة الحاكم هذه بفرد أو أفراد من بني ملته لا تعني أنه غير طائفي، كما أن الخلاف بين باراك ونتنياهو لا تجعل الآخر منهما نصرانياً أو مسلماً؛ كما أن قتل رابين لم يجعله يهودياً ولا جعل قاتله غير يهودي؛ وحتى القتال بين المسلمين لا يُخْرِج طائفةً من المقتتلتين من الإسلام؛ فكل منهما مسلمة ولو انتصبت لأختها بالسيف، ولولا ذلك ما دعا الله المؤمنين لرأب الصدع بين إخوانهم بقوله - تعالى -: [وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] (الحجرات: ٩) . لقد كان الخلاف الدائر بين رؤوس النصيرية في الجيش السوري ينطلق من أن بعضهم يعتقد أنه أقدر على تحقيق أحلام الطائفة في إعادة بناء الدولة النصيرية التي أقامتها لهم فرنسا في محافظة اللاذقية وأعطتهم مسمى (العلويين) بدلاً من (النصيرين) وهو الاسم الذي يحرص النصيريون على التخلص منه لما يحمله من معاني يعرفونها منذ قام النصيريون أيام صلاح الدين الأيوبي ﵀ باغتيال عدد من علماء المسلمين؛ حتى إن صلاح الدين نفسه لم يسلم من محاولات عديدة للاغتيال على أيديهم، ولكن الله سلمه منهم فكان شوكة في حلوقهم وسيفاً بتاراً لمن خلفهم من الصليبيين. إن الصورة التي أعقبت موت الأسد أكثر تجلية للأهداف التي حملها طيلة ثلث قرن؛ فكل حركة ونأمة وإجراء تشرح بما لا يقبل شكاً أو جدلاً أنه كان طائفياً حتى نخاعه، ولم يكن إعلانه في خطاب عامٍّ أمام التلفزيون في أعقاب الإضراب العام في سورية أوائل عام ١٩٨٠م أنه يصلي منذ ثلاثين عاماً إلاَّ زيادة في النكاية وضرباً من التقية والخداع. وما دام الأسد الأكبر قد هلك، وأفضى إلى ما قدم من عمل فإن ظُلامات كالجبال ما تزال ماثلة فوق كل حبة من تراب سورية، ولن تتاح للرجل إعادة هذه الظلامات إلى أهلها؛ فهو رهين ما قدم ولن تنفعه هتافات الهاتفين ولا الإسراف في الألقاب ولا الغوص في بحار المديح التي تكال له كيلاً وتُغرف غرفاً مما زعموا له من صفات ونعوت كان بعيداً منها وكانت بريئة منه؛ فقد قيل إنه صاحب القلب الكبير وقد ضاق عطنه عن سماع همس الهامسين، ولقد سمَّاه الغوغاء الأبَ القائدَ في الوقت الذي حرمَ فيه عشرات الآلاف من الأطفال من آبائهم الذين قتل منهم من قتل، وسجن منهم من سجن، وشرد الآلاف منهم حتى لم تعد منطقة في الأرض تخلو من سوريين يقرأ العالم في عيونهم مرارة التشريد على حين تُفتَح سورية على مصراعيها لليهود العائدين إلى دمشق للمساهمة في بناء سورية الأسد! ولم يكن لهؤلاء المواطنين من ذنب سوى أنهم لا يؤيدون طغيانه وجبروته، وما زال حتى الآن الآلاف من أهل السنة قيد سجونه، ولا يُدرى عن كثير منهم أأحياء هم أم أموات؟ وجل السجناء الذين ادعى أنهم من (الإخوان المسلمين) هم ممن لم يحمل سلاحاً ولم يهتف بسقوط الأسد بل كان صابراً صبر شعبه منتظراً فرج الله، ومع ذلك لم يسلم من الظلم لسبب لا يقع تحته عقوبة ولا تأنيب؛ لأن الذين قاوموا الأسد بالسلاح وهم فئة قليلة قتل منهم من قتل في الاشتباكات التي وقعت بينهم وبين رجال الأمن، والباقون منهم وهم قلة توجهوا إلى خارج البلاد. أما بطل الصمود والتصدي في حرب الأيام الستة حرب حزيران التي جرت بين العرب واليهود يوم ٥/٦/١٩٦٧م فقد كان يومها وزيراً للدفاع في الحكومة السورية، وكان هو صاحب البلاغ العسكري بسقوط القنيطرة في أيدي اليهود ولم تكن قد سقطت حتى ساعة إصدار ذلك البيان المشؤوم أو اقترب منها جندي إسرائيلي واحد، وكيف يتقدم اليهود منها والجنود السوريون متشبثون بها تشبث الأبطال الميامين المدافعين عن كرامة أمتهم وشعبهم؛ ولكن البلاغ العسكري المباغت الذي أصدره حافظ الأسد بوصفه وزيراً للدفاع أصاب الجنود المتقدمين في الجبهة في مقابلة العدو الصهيوني بالذهول؛ فالقنيطرة خلفهم وهذا يعني في العرف العسكري أن اليهود قد قاموا بحركة التفافية عليهم ولم يبق أمامهم إلا الاستسلام للعدو أو الفرار من المعركة غير المتكافئة، وزاد الوضع العسكري للجنود السوريين إرباكاً حين أُتبع بلاغ سقوط القنيطرة بأمر عسكري آخر من حافظ الأسد يقضي بالانسحاب الكيفي للجيش؛ وما أدراك ما الانسحاب الكيفي لأفراد الجيش الذي يزيد النفوس هلعاً ويصبح حال الجميع: نفسي نفسي.. (انجُ سعدُ فقد هلك سعيد) . فما الذي دعاه لإعلان غير صحيح عن سقوط مدينة القنيطرة ومعها الجولان كله؟ وإذا كان حافظ الأسد يومئذ قد وقع ضحية لمعلومة كاذبة أبلغته بسقوط القنيطرة ولم تكن قد سقطت فلِمَ لم يفصح عن ذلك؟ إن إخفاءه للحقيقة التي تقف خلف ذلك البلاغ المشين جعل أبناء الجيل المعاصر لتلك الفعلة الشنعاء يدعونه باسم: (بائع الجولان) ! إن كل السوريين والعرب الذين تبلغ أعمارهم ثلاثاً وثلاثين عاماً لم يشهدوا تلك الواقعة ولم تسمع آذانهم ذلك البلاغ، وكل الذين يبلغون الأربعين لم يعوا تلك الأيام السود، وقد فات الأسدَ شرفُ تسجيل الكتب المدرسية ضياع الجولان على يديه، وإن لن يحظَ أبناؤنا بدراسة ذلك فلا شك في أن أحفادنا سوف يكون لديهم الأدلة المقنعة بأن الخيانة عار لا يغفره التاريخ. وإذا تركنا ذكر تلك الأيام السوداء من عمر سورية وتوجهنا للتعرف إلى ملامح السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية فلسوف نرى العجب العجاب. أما السلطة التشريعية في عهد الأسد الأول فقد كانت معطلة وإن كان لها مجلس ولوائح وأعضاء يقبضون مرتباتهم الشهرية وعلاوات التصفيق للرفيق القائد؛ فليس على المجلس الموقر إلا صياغة الرغبة الرئاسية التي كانت تضمِّخ كل تشريع أو قرار بعبارة: «بناءاً على كذا.. وبناءاً على كذا.. وبناءاً على توجيهات السيد رئيس الجمهورية الرفيق المناضل نقرر ما يلي..» . وليس لتلك البناءات من شأن إلا للبناء الأخير وهو توجيهات الرئيس؛ فأي حاجة لهذا المجلس سوى التصفيق والموافقة؟ وأما السلطة التنفيذية فقد كانت طيلة عهد الأسد مطلقة الأيدي والألسن والفروج، لا يردعها رادع، ولا تخضع لقانون أو نظام؛ فالكل (إيدو إلو) ولا يقف في وجهها واقف إلا الحاكم نفسه على الرغم من الفترات المتباعدة التي يعلن فيها عن محاربة الفساد وتطهير الأرض من المفسدين والتي لم تكن في حقيقتها إلا صراعاً بين المفسدين وعملاء النظام على مكامن استثمار الفساد واستنباته، وقد أثبتت الأحداث التي سبقت موت الأسد والتي تلته أن العينات المدروسة المستهدَفة لو طبق عليها الأسلوب العشوائي لما أخطأت من أصابت؛ لأنك أينما ألقيت حصاة وقعت على رأس فاسد أو مرتش أو ظالم؛ فقد زُرِعَت الأرض منهم على مدى ثلث قرن فساداً وإفساداً نَعِم بكافة الشروط التي جعلته يستشري ويستفحل ويصبح له مليارديرات؛ وتتكون له عصابات وعشائر. وفي مقال لكاتب يساري هو الدكتور (طيب تيزيني) يصور من خلاله بعض ملامح ثلث القرن الأسدي؛ وذلك على مدى ثلاث حلقات في صحيفة تشرين السورية الناطقة باسم السلطة بعنوان: (ثلاثية الفساد في أسبابه وآلياته ونتائجه) كان ثالثها يوم ٢٤/٥/ ٢٠٠٠م - أي قبل موت الأسد بأيام - تكلم فيه عن «فاسد تحت الطلب» وكان مما قاله في المقالة الثالثة: «في مقالتنا الأولى حاولنا وضع يدنا على واحد من المفاصل الكبرى التي جعلت من تكريس الفساد وتعميمه وتأييده مهمتها الحاسمة وسمَّينا هذا المفصل باسمه وهو» الدولة الأمنية العربية «بشعارها الاستراتيجي التدميري: يجب أن يُفسَدَ مَنْ لم يُفسَد بعدُ؛ بحيث يصبح الجميع مُداناً تحت الطلب!» . وهذا أمر يعرفه السوريون جميعاً القائم منهم على حدود الله أو الواقع فيها؛ فللرفاق الحزبيين جميعاً ملفات خاصة؛ فمنها الوثائق المؤرخة، ومنها المقترنة بالشهادة المسبقة من شهود صادقين أو كاذبين، ومنها حقائق يشهد عليها الجمُّ الغفير، ومنها ما هو بالصوت والصورة التي تظل مُسْلَطة عليه تمنعه من مبارحة طريق الفساد، ويظل مهدداً بها كل حين ولا فكاك له منها، ولا سبيل إلى النجاء منها والإفلات من أشراكها إلا بالإمعان في الطاعة والاستمرار في إضافة وثائق جديدة إلى ملفه الأسود، وفي حادثة انتحار رئيس السلطة التنفيذية محمود الزعبي مؤشرات ذات دلالات تعبِّر عن طبيعة النظام الكلية في الفساد والإفساد وتربية ضحاياه وإعدادهم ليوم يغسل بدمائهم ما علق بصورته من معالم الجريمة ولو كانت الضحية ممن عاش ربع قرن خادماً أميناً وطائعاً لا يتسرب إليه الملل في خدمة النظام الذي أباح له كل شيء، ولم يعصمه من أن يصبح في أية لحظة كبشاً يفتدي به نظامه الجبروتي الذي ليس في قاموسه السلوكي معنى للود أو الرحمة أو الحياء؛ فهو في مركب قرصان لا يتورع عن إلقائه في عباب البحر تخفُّفاً من الثقل الذي يهدد مركبه الآثم بالغرق. وقد يعجب المرء: كيف أتيح لـ «تيزيني» أن يقول هذا؛ والرؤوس من حوله تتطاير؟ فنقول له: إن مقتضيات اللعبة قد تسمح بأكثر من هذا وحتى نفاد البضاعة المعروضة على الجمهور؛ فلْيتكلم ما شاء مما يشاء النظام السماح به لفترة معقولة جداً تفي بالغرض المقصود وبعدها يا ويل من يتنفس. وأما السلطة القضائية فقد طُورِدَ فيها القضاة الأكفياء، ومن بقي منهم فلسان حاله يقول: اللهم سلِّم سلِّم، اللهم اختم أعمالنا بالصالحات. وصال في المحاكم على مختلف درجاتها قضاة أكثرهم لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. أما حزب البعث فحسبك معرفة بحقيقته أنه لم يُدْعَ لاجتماع طيلة خمسة عشر عاماً وهو كما يقال حزب حاكم وليس حزباً ممنوعاً مطارداً لا يتاح له التجمع تحت سقف آمن! أما الشعب السوري الذي قيل عنه يوم كان تعداده خمسة ملايين نسمة بأنهم خمسة ملايين رئيس جمهورية فقد تحول خلال ثلث قرن من الطغيان المتعمد المنظم إلى ألاَّ تجد فيه فرداً واحداً بلغ الأربعين ربيعاً من عمره في الأول من كانون الثاني (يناير) من عام ٢٠٠٠ م يصلح أن يكون رئيساً للجمهورية؛ فبُحِث في أبناء الـ ٣٩ صيفاً فلم يُعثَر فيهم على من يصلح للمنصب، فتداعى العدد نزولاً حتى استقر المؤشر عند أبناء الاربعة والثلاثين خريفاً، فدُووِل بينهم وكانت المفاجأة التي أعادت الثقة إلى النفوس أن واحداً من هذا الجيل - واحداً فقط - تبين أنه يتوفر على الصفات المؤهلة له ليحمل أمانة إنقاذ الأمة من الانقراض ويجنبها وصاية الأمين العام للأمم المتحدة؛ لينادى باسمه «وبس» ! لن نتحدث عن متاعب المبعدين عن الوطن المشردين بين أقطار الدنيا الأربع ولن نتحدث عن مآسيهم ولو من خلال جوازات السفر المحجوبة عنهم وعن أولادهم الذين ولدوا في الشتات، ولن نتحدث عن الذين طلبوا العودة إلى سورية بلدهم وأرضهم فرُفضت طلباتهم في أبشع إجراء ودون أي تعليل للرفض سوى عبارة: (مع عدم الموافقة!) فلا تلوموا (إسرائيل) إذا رفضت عودة الفلسطينيين إلى ديارهم؛ فحكومة قلعة الصمود والتصدي الطائفية تقف الموقف نفسه من المشردين السوريين في أقطار الدنيا! وقد لا تعتلي وجهَ أحد من رجال السلطة ممن قد يقرأ هذه الحقيقة حُمرةُ الخجل؛ فقد بيَّن النبي ﷺ حقيقة الذين جف ماء الحياء فيهم حين قال: «إنما أدرك الناس من النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» [١] . ولن نتحدث عن تجويع الشعب السوري وحرمانه من الغذاء والدواء وإفقاره وإذلاله، ولن نتحدث عن الراشين والمرتشين والرائشين بينهم، ولن نتحدث عن مجازر مدينة حماة التي بلغ عدد الضحايا من سكانها على أقل التقديرات ٢٠ ألف مواطن من العزل الذين لم يساهموا في أي نشاط ضد الحكومة الطائفية، ولن نتحدث عن الدور المعدّ الذي توجهت فيه قوات النظام إلى لبنان للقضاء على الحركة الوطنية اللبنانية التي كان يقودها أحمد الخطيب، وللغاية الأهم وهي إخراج آخر فدائي فلسطيني يعكر مزاج الصهاينة من أرض لبنان! ولن نتحدث عن دك مخيم تل الزعتر على رؤوس سكانه من الفلسطينيين نساءاً وأطفالاً وشيوخاً ... كل ذلك وغيره كثير كثير لن يغفره أحد لنهج (الرئيس) الذي فاجأه الموت ولم تُتح له الفرصة للنطق بالتوبة أمام الأيتام والثكالى والمقعدين. أما مسألة الموقف الصلب والصمود في وجه العدو الذي كان يمثله فأعتقد أنه كلام لا يساوي قيمة مداد حروفه وهو من نوع تسميته بـ «محرر القنيطرة» . وقبل أن نختم كلامنا نضع أمام بصر القارئ وبصيرته صورة إدارة المفوَّض السامي الفرنسي للبلاد السورية في فترة الاستعمار الفرنسي لسورية ليقارن بين حكم يعلن صراحة أنه استعماري، وحكم يتوارى خلف مسمى حكم وطني [٢] ؛ فقد أورد الدكتور شمس الدين الرفاعي وصفاً لما آلت إليه سورية بعد أن تم لفرنسا احتلال البلاد في ٢٤ تموز (يوليو) عام ١٩٢٠م فقال: «أنشأ الجنرال غورو أربع حكومات، ونظم إدارتها كلاً على حدة بعد تقسيم البلاد إلى أربع دول هي: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، وحُكْم جبل الدروز. وكان حكام الدول الثلاث الأولى فرنسيين. أما المفوَّض السامي فقد كان بمثابة (الحاكم) بما كان يحيط به نفسه من مظاهر الأبهة والسلطان، وأصبح مصدر السلطات ورئيسها جميعاً، يسير في نظام دكتاتوري لا يبالي بما يصنع، ولا يرى أنه مسؤول أمام أحد، ويمنح نفسه ما يشاء من صلاحيات تشريعية وإجرائية وقضائية، ويصدر ما يشاء من قوانين ولوائح، ويلغي بجرة قلم ما لا يروقه من أنظمة وقوانين. وأسس شبكات الجاسوسية والاستخبارات في مختلف المدن السورية لتأليب أنصار الفرنسيين ومواليهم على الحركات الوطنية والأهداف الوطنية والعهود الوطنية ورجالاتها وكذلك إلى استغلال الصفة الطائفية في الدروز والنصيرية..» . ألا ترى قارئي الكريم أن الفروق بين المفوَّض السامي الفرنسي والمفوَّض السامي العلوي تضيق جداً حتى تكاد تكون مفقودة؟ ! ومهما تقمص الطائفيون من أشكال، ومهما لبسوا من أقنعة، وبأي لغة تحدثوا فهم عراة إلا من حقيقتهم ولولا سيطرتهم على مقدرات البلد وخاصة طيرانها ومدفعيتها وبنادقها وأسطولها لما تجرؤوا على النيل من شعب ودَّع الفرنسيين بالبيض والبندورة. ومهما امتد بهم من زمن فإنهم لن يخرقوا الأرض ولن يبلغوا الجبال طولاً [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] (الشعراء: ٢٢٧) . سلام عليك يا سورية يا صانعة الأمجاد ويا من مات على ثراك سيف الإسلام خالد بن الوليد ﵁. سلام عليك يا سورية التي أنجبت الغر الميامين من أمثال ابن تيمية قاهر التتار، ومحمد الأشمر وإخوانه من هازمي فرنسا ومخرجيها من بلادنا. سلام عليك يا شام الإسلام والعروبة يا أرض المحشر ويا روضة المؤمنين ويا دار الصالحين؛ فعلى أرضك عقدت ألوية النصر التي جعلت لسان العرب لسان الحق، ودين العرب دين الدنيا، ولم يحملها ذلك على شيء إلا أن تثبت على إيمانِ أنه «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى» . سلام عليك يا شآم العز وأنت اليوم تُتَّهمين بالعقم؛ ولطالما كنت النجيبة المنجبة على مر الدهور والعصور، وإذا كان الباطل قد رماك عن قوس واحدة فاعلمي يا بارَّةُ أن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسراً، ولا يهولنْك هذا الباطل السفيف؛ فإن كيده ضعيف كما قال رب العزة: [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] (الطارق: ١٥-١٧) و [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً] (النساء: ٧٦) . ولسوف تنتصرين بقوة الله ثم بإرادة أبنائك المخلصين وسواعدهم القوية، وستهزمين الأعداء كما هزمت من قبل جحافل الصليبيين والتتار، ولسوف تعلو فيك من جديد كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله بكل معانيها الشرعية واللغوية، ومهما استنسر فيك البغاث فلسوف يسلِّطك الله عليه وستغلبينه وسيردد المسلمون معك في أقطار الأرض ما قاله الفاروق من قبل: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» . وفي الختام نتمنى لسورية في عهدها الجديد أن تستقر أمورها، وتشيع فيها روح العدل، وأن ينعكس ذلك إيجابياً على شعبها الصابر بما يضمن له التقدم والازدهار بإذن الله.

стр. 3573

المسلمون والعالم الاعتداءات الإثيوبية المستمرة على الصومال أهداف وأطماع محمد حاج يوسف أحمد [*] اجتاحت القوات الإثيوبية مدينة لوق الصومالية للمرة الثالثة خلال ثلاثة أعوام وكان آخرها في ٢١/٢/١٤٢٠هـ الموافق ٥/٦/١٩٩٩م، كما اجتاحت تلك القوات مدينة بيدوه في اليوم التالي لغزو لوق، واحتلت القوات الغازية كلتا المدينتين وكل المناطق الشاسعة التي تقع بينهما. فلوق تبعد عن بيدوه حوالي ١٨٠ كيلو متراً نحو مقديشو العاصمة، ومعنى ذلك أن محافظات جدو وباي وبكول الصومالية قد وقعت تحت الاحتلال الحبشي في الوقت الحاضر، ولا يغير من هذه الحقيقة شيئاً ادعاء جبهة الرحنوين بأنها هي التي استولت على مدينة بيدوه وطردت من المدينة مليشيات حسين عيديد، كما أنه لا يغير من هذه الحقيقة شيئاً ادعاء أحمد شيخ علي برالي بأن جبهته هي التي استولت على مدينة لوق وطردت منها أيضاً أنصار حسين عيديد وأورومو، كل هذه مزاعم لا أساس لها من الصحة، وأصحاب هذه المزاعم ما هم إلا أداة طيعة في أيدي الأحباش وتحت إشارتهم يتكلمون بأمرهم، ويسكتون حين يشاء الأحباش ذلك. ولعل الجميع يتذكر ادعاء عمر حاج مسلى بأن جبهته هي التي استولت على «منطقة جدو» بالصومال في يونيو عام ١٩٩٧م، وليست إثيوبيا هي التي استولت على تلك المنطقة آنذاك، ثم لما ساءت علاقته بإثيوبيا وانشقت جبهته إلى فريق متحالف مع حسين عيديد يقوده هو، وفريق آخر عميل للحبشة يقوده أحمد برالي بدأ عمر حاج مسلى يرسل الصيحات تلو الصيحات مطالباً بإخراج القوات الحبشية من منطقة جدو بأنها قوات احتلال غير مرغوب فيها، ويعلم كثير من المتتبعين للشؤون الصومالية أن عمر حاج مسلى كان كاذباً في مزاعمه عام ١٩٩٧م أيام أن كان عميلاً لإثيوبيا، وأنه صادق في مطالبه الأخيرة لكونه قد ابتعد عن عمالته لإثيوبيا، ويتكلم الآن بإرادته الحرة وهو بعيد عن تهديدهم، وليس ببعيد أن يأتي عما قريب دور هؤلاء العملاء الجدد لتكذيب أنفسهم بأنفسهم عندما يتخلى عنهم الأحباش. ويبدو أن كثيراً من الصوماليين قد أصيبوا بفقدان الذاكرة ونسيان الماضي القريب؛ فقد روى التاريخ الصومالي الحديث: أن إحدى الجبهات الصومالية كانت متحالفة مع الأحباش ضد حكم محمد سياد بري أوائل الثمانينيات من هذا القرن الميلادي، فاحتل الحلفاء مدينة غلدغب الصومالية، فرفع أحد أفراد الجبهة علمها على المدينة إيذاناً بوقوعها في يد الجبهة، ولكن الأحباش قتلوا ذلك الرجل وأنزلوا علم الجبهة، ورفعوا بدله علم الحبشة إيذاناً بوقوع المدينة في أيدي الأحباش؛ ومعنى ذلك أن الصوماليين المتحالفين مع الأحباش ما هم إلا قنطرة تعبر عليها إثيوبيا لاحتلال وطنهم وإذلال شعبهم. لسنا نؤيد جبهة ضد جبهة أخرى، ولم يكن ذلك من دأبنا منذ اندلاع الحرب الأهلية في الصومال، بل كنا نعادي عيديد عندما كان يحتل محافظتي باي وبكول أواخر عام ١٩٩٥م، ولكننا ضد الغزاة الأحباش وضد من يدور في فلكهم من العملاء والخونة الذين باعوا دينهم ووطنهم وأمتهم للشيطان وللأعداء أياً كان انتماؤهم وولاؤهم، كما أننا ضد الحروب الأهلية القذرة في الصومال، وضد التدخلات الأجنبية المشبوهة في الشؤون الداخلية للصومال، ومهما يكن من أمر فإن ذلك العدوان الحبشي الغاشم على تلك المحافظات قد سبب خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات؛ حيث قام الغزاة بأعمال وحشية من القتل والنهب وانتهاك الأعراض وغير ذلك من المفاسد والمظالم. تصعيد خطير للتدخل الإثيوبي في الصومال: إن هذا الغزو الإثيوبي الأخير للصومال هو تصعيد خطير للتدخل الإثيوبي في الشؤون الصومالية مما يدل على أن هذا التدخل قد وصل إلى مرحلة متقدمة لتحقيق أغراض إثيوبيا من ذلك التدخل، فلم يكن هذا الغزو الأول من نوعه؛ لأن العدوان الحبشي المسلح على الصومال كان مستمراً منذ وقت بعيد؛ فكثير من الناس على علم تام بالغزو الحبشي على منطقة جدو بالصومال في تاريخ ١٥/٣/١٤١٧هـ الموافق ٩/٨/١٩٩٦م ثم الاجتياح الحبشي لتلك المنطقة مرة أخرى في ٦/٢/١٤١٨ هـ الموافق ١٢/٦/١٩٩٧م واحتلال إثيوبيا مدن لوق ودولو وحواء من المنطقة نفسها، وقد كتبت صحف عديدة عن ذلك الغزو في حينه وخاصة «الحياة» و «المستقلة» و «المسلمون» وكلها تصدر في لندن، ونشرته أيضاً صحف عديدة تصدر في البلاد العربية وبخاصة في اليمن وبعض دول الخليج، كما أذاعته إذاعات كثيرة وخاصة إذاعة لندن باللغتين العربية والصومالية، وما زالت الحبشة تحتل أجزاءاً من منطقة جدو الصومالية حتى يومنا هذا؛ حيث تذيق أهالي تلك المنطقة مرارة الذل والإهانة والاستعباد والتهجير وضرب بعضهم ببعض. كل ذلك كان ولا يزال يحدث على مرأى ومسمع من العالم الذي يدعي التحضر ورعاية حقوق الإنسان، ولم يحرك أحد ساكناً لصد العدوان الحبشي على الصومال؛ حيث لم يصدر مجرد الإدانة والشجب لا من الأمم المتحدة، ولا من المنظمات الإقليمية إلا أصوات باهتة متناثرة لا تغيِّر من واقع الأمر شيئاً، وكذلك لم يصدر شيء من الإدانة والشجب من الذين يتشدقون بأنهم حُمَاةُ حقوق الإنسان في كل مكان؛ فهنا في الصومال حقوق شعب تنتهك بأيدي الأحباش لما يقرب من ثلاث سنوات دون أن يلتفت إليها أحد، بينما نسمع صيحات الاستنكار والإدانة من أجل شخص واحد أو أشخاص معدودين بزعم انتهاك حقوقهم، كمجموعة اليهود الذين اعتقلتهم حكومة إيران بتهمة التجسس لحساب (إسرائيل) فقامت الدنيا من أجلهم ولم تقعد بعد، وذلك دليل قاطع على أن ما يحدث في الصومال من قِبَل الأحباش هو تآمر عالمي تشارك فيه بطريقة أو بأخرى أيادٍ خفية دولية يحسب لها حسابها تضمن لإثيوبيا التمويل وإسكات أصوات الشجب والإدانة، وتضمن لها عدم التدخل لإيقاف إثيوبيا عن اعتداءاتها المتكررة على الصومال منذ وقت بعيد. وعلى أي حال فإن الغزو الإثيوبي الأخير على محافظات جدو وباي وبكول لدليل صارخ على خطورة الوضع، وأن الخطة الإثيوبية التي وضعتها لاحتلال الصومال قد وصلت إلى مراحلها النهائية؛ فمدينة بيدوه تبعد عن الحدود الصومالية الإثيوبية حوالي ٢٥٠ كيلو متراً نحو عمق الصومال، بينما تبعد بيدوه عن مقديشو العاصمة المطلة على المحيط الهندي حوالي ٢٤٧ كيلو متراً؛ فتجرُّؤ إثيوبيا على الوصول إلى هذا العمق في داخل الأراضي الصومالية شيء في منتهى الخطورة، ونظراً للتدهور الذي تردت إليه الحالة الصومالية، فإن الوضع يحتاج إلى تدارك وتدخل سريع ممن يهمهم أمر الصومال قبل فوات الأوان، وإن المقاومة المحلية التي لا تلقى دعماً من أي جهة لا تجدي في منع الأحباش من احتلال الصومال، والدليل على ذلك أن أهالي منطقة جدو الصومالية كانوا يقاومون القوات الحبشية منذ ٩/٨/١٩٩٦م حتى يومنا هذا، وأوقعوا خسائر فادحة في صفوف القوات الغازية في مواقع كثيرة جرت فيها معارك رهيبة، واستشهد أعداد كبيرة من المدافعين عن وطنهم، وجرح منهم أعداد كثيرة ومع كل ذلك لم يستطع أهالي تلك المنطقة إخراج المعتدين من بلدهم؛ لأنهم لم يجدوا من يقدم لهم الدعم اللازم لدحر المعتدين؛ حتى الجرحى لم يجدوا من يقدم لهم الرعاية الطبية اللازمة، وهناك كثير منهم ينتظرون إجراء عمليات جراحية متطورة لهم بعدما عجز الطب المحلي عن القيام بمثل هذه العمليات؛ ومعنى ذلك أن ما يجري في الصومال مأساة حقيقية بكل المقاييس. أهداف التدخل الإثيوبي السافر في الشؤون الصومالية: قد يتساءل المرء: لماذا تبذل إثيوبيا كل هذه الجهود من الغزو المسلح الذي يكلفها الكثير من المال والمعدات والرجال مع العلم بأنها في حروب مستمرة منذ سنوات ضد جبهات أوغادين وأورومو وعفر وغيرها من جبهات التحرير بالإضافة إلى القلاقل الداخلية والاقتصاد المنهار والحرب الضروس بينها وبين إريتريا؟ والجواب هو أنَّ كثيراً من خبراء منطقة القرن الإفريقي على علم تام بالعداوة المستحكمة بين الشعبين الصومالي والإثيوبي، تلك العداوة التي سببت حروباً طاحنة كثيرة استمرت بين الجانبين أكثر من ستة قرون، وأدت في بعض مراحلها إلى احتلال إثيوبيا أجزاءاً كبيرة من الوطن الصومالي مما ترك جرحاً لا يندمل في جسد الوطن الصومالي، وأجبر ذلك الحكومات الصومالية المتعاقبة منذ الاستقلال أن تحاول استرداد تلك الأجزاء بكل وسيلة ممكنة ولو كان الاسترداد عن طريق الحرب وقوة السلاح. وليس عنا ببعيد اندلاع الحرب التي اشتهرت بحرب أوغادين بين الصومال وإثيوبيا عام ١٩٧٧م؛ حيث كادت الصومال أن تسترد فيها كل أراضيها لولا تدخل قوات حلف وارسو في الحرب لصالح إثيوبيا وطرد الصومال من الأراضي التي استولت عليها. ومنذ ذلك التاريخ استخدمت حكومتا البلدين ضد الأخرى كل الوسائل المتاحة لديها لتدمير البلد الآخر، ولسوء الحظ لم يجد الصومال من يهتم بها ويقف بجانبها لإيقاف الحرب والنزيف قبل استفحاله، فتم تدميرها بسبب الحروب الأهلية التي تفاقمت بعد سقوط (محمد سياد بري) ووجدت إثيوبيا من اهتم بشأنها، ووقف بجانبها وأوقف النزيف، وحال دون تطور الأوضاع إلى حرب أهلية شاملة، وتم إخراج (منجستو هيلا مريم) بطريقة سلمية مع توحيد الجبهات المعارضة المتنافسة لاستلامها السلطة بعد تمهيد دقيق وجيد من قِبَل القوى الكبرى في العالم وخاصة القوى الغربية وبذلك سلمت إثيوبيا من التدمير. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن للصومال ساحلاً بحرياً يبلغ طوله حوالي ٣٣٣٠ كيلو متراً ابتداءاً من باب المندب ومروراً بخليج عدن حتى حدود كينيا على المحيط الهندي، وقد يكون هذا الساحل الأطول في شرق إفريقيا إن لم يكن أطول ساحل لدولة إفريقية على مستوى القارة، بينما لا يوجد شبر واحد من المنفذ البحري لدولة إثيوبيا التي ترشحها القوى الكبرى لتكون القوة الإقليمية المهيمنة في منطقة القرن الإفريقي، هذه العوامل الثلاثة أعني. العداوة المستحكمة بين الشعبين الجارين، واستعمار إثيوبيا لأراضي صومالية شاسعة، والموقع الاستراتيجي للصومال الذي يتمتع بتلك السواحل الطويلة؛ هذه العوامل جعلت إثيوبيا تفكر وتخطط لتدمير الصومال وتمزيقه لتحقيق أحد الهدفين الآتيين: ١ - احتلال جميع الأراضي الصومالية، ووضعها تحت الحكم الإثيوبي المباشر: لتكون السواحل الصومالية عوضاً عن فقدها لميناءَيْ عصب ومصوَّع الإرتيريين اللذين فقدتهما إثيوبيا بعد استقلال إريتريا من استعمارها، وقد قُدِّمت بالتأكيد إلى إثيوبيا دراسة من هذا القبيل من قِبَل بعض الخبراء الأوروبيين ضمن مشروع لرسم خريطة إفريقيا من جديد، وجعلها أربع دول كبيرة فقط وتوزيع الباقي بين هذه الدول الأربع؛ والدولة المرشحة عند تطبيق هذا المشروع لا قدر الله لقيادة شرق إفريقيا هي إثيوبيا بينما الصومال قد رشحت طبق هذا المخطط لتكون من نصيب إثيوبيا، وتزول بذلك من خريطة العالم؛ لا قدر الله ذلك وتحقيق هذا الهدف هو الأمثل والمفضل لدى الحبشة التي اشتهرت بالأطماع التوسعية وابتلاع الشعوب الأخرى، كما توسعت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على حساب شعوب أورومو وعفر وبني شنغول والصومال وغيرها من الشعوب المنضوية تحت اسم ما يسمى إثيوبيا حالياً، وقد بذل هيلاسلاسي إمبراطور إثيوبيا السابق جهوداً كبيرة لضم الصومال قبل استقلالها إلى إثيوبيا كما فعل سلفه منيلك بالشعوب الأخرى المذكورة آنفاً، ولتحقيق ذلك الهدف أسس هيلاسلاسي في الصومال حزباً عميلاً أواخر الخمسينيات من هذا القرن الميلادي يسانده في تحقيق أطماعه التوسعية وينادي بضم الصومال إلى إثيوبيا. وبفضل الله تعالى ثم بيقظة الشعب الصومالي آنذاك أُحبط ذلك المشروع الخبيث. ٢ - الهدف الآخر لإثيوبيا عند تعذر تحقيق الهدف الأول هو تجزئة الصومال إلى خمس دويلات ضعيفة تتشكل على أساس قبلي تعيش تحت هيمنة إثيوبيا، وتأتمر بأوامرها، وتتخلى عن محاولة استرداد الأراضي الصومالية لتستريح بذلك إثيوبيا نهائياً من الإزعاج الصومالي، وهذا الاقتراح مقدم أيضاً من خبراء إنجليز لديهم خبرة واسعة بطبيعة الأرض الصومالية وتركيبتها السكانية وتوازنها القبلي؛ حيث كانت إنجلترا تحكم معظم الأراضي الصومالية بعد الحرب العالمية الثانية، وقد بُدئ فعلاً بتنفيذ هذا الاقتراح؛ حيث أنشئت في بعض المناطق الصومالية حكومات إقليمية بعضها أعلن الانفصال عن بقية الصومال كلية، وبعضها الآخر ما زال يعلن أنه جزء من الصومال، وقد وضعت إثيوبيا كل ثقلها وراء هذه الحكومات الإقليمية بالدعم والتسليح، وتستخدم موانئها بعد أن تعذر عليها استخدام الموانئ الإرتيرية، وقد تقتنع إثيوبيا وتفضل مرحلياً تحقيق هذا الهدف لسهولة إقناع كثير من الصوماليين به، ولقلة تكلفته بالنسبة لإثيوبيا مثل ما فعلت بإرتيريا حين اقتنعت أول الأمر بالحكم الفيدرالي فيما بين البلدين ثم ابتلعتها كلية؛ فالقضية مسألة وقت وتهيئة ظروف، ولكن الهدف النهائي لإثيوبيا فيما يتعلق بالصومال هو الابتلاع والسيطرة الكاملة عليها. الخطوات العملية لتحقيق أهدافها: ١ - إيجاد جبهات صومالية عميلة لإثيوبيا: ما من جبهة صومالية قامت ضد آخر حكومة في الصومال إلا وقد أنشئت في داخل إثيوبيا بإشراف وتوجيه وتمويل وتسليح ودعم كامل من الحكومة الإثيوبية التي كانت قائمة آنذاك، فاختارت الحكومة الإثيوبية الحالية من بين تلك الجبهات الصومالية مجموعة قد اشتهرت بمجموعة (سودرا) ، وقد سميت المجموعة باسم المدينة الإثيوبية التي أنشئ فيها هذا التجمع العميل للأحباش العدو اللدود للشعب الصومالي منذ عصور سحيقة، ومما يبرهن على عمالة هذه المجموعة وأنها لا تخدم المصالح الصومالية أن إثيوبيا قد غزت منطقة جدو بالصومال عام ١٩٩٦م عندما كانت المجموعة تعقد اجتماعاتها في مدينة سودرا، ولم يصدر منها ما يدل على أنها ضد هذا العدوان الغاشم، ولم تنسحب المجموعة من إثيوبيا احتجاجاً على هذا العدوان، ولم تصدر بيانات الشجب والاستنكار نحو هذا الغزو، بل تبارك كل الخطوات التي تنفذها إثيوبيا لتدمير الصومال وتعرقل كل الخطوات الاصلاحية التي لا تخدم مصالح إثيوبيا. فبذلك كسبت هذه المجموعة ثقة إثيوبيا، فتدفقت الأسلحة الإثيوبية بغزارة إلى هذه المجموعة عن طريق المحافظات الحدودية الصومالية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. فالمعابر البرية الرئيسة لدخول هذه الأسلحة إلى الصومال هي: محافظة جدو، ومحافظة بكول، ومحافظة هيران، ومحافظة مدق، ومحافظة الشمال الغربي؛ فمعظم الأسلحة المستخدمة في الصومال حالياً جاءت من الحكومة الإثيوبية التي جعلت مدينة جدى المحتلة مركزاً رئيساً لتصدير الأسلحة إلى الصومال، ويوجد في تلك المدينة مكاتب تموين لتلك الجبهات الصومالية العميلة لإثيوبيا، وتنقل الأسلحة الإثيوبية عن طريق الجو إلى المناطق الصومالية النائية التي تتبع تلك الجبهات؛ مثل مدينة كسمايو في أقصى جنوب الصومال؛ فقد وصلت إليها الأسلحة الإثيوبية بغزارة عن طريق الجو. وزيادةً على ذلك تدرب القوات الإثيوبية أعداداً كبيرة من ميليشيات تلك الجبهات العميلة، وأهم المراكز لتدريب هذه المليشيات هي هيزان ودولو وباري التي تقع في داخل المناطق الصومالية المحتلة لإثيوبيا. من هنا نعلم أن القلق الذي أبداه مجلس الأمن الدولي حول تدفق الأسلحة على الصومال ما هو إلا ذرٌّ للرماد على العيون؛ فالأسلحة الإثيوبية المتدفقة على الصومال منذ خروج (يونصوم) منها معروفة للجميع، والاعتداءات الإثيوبية المستمرة على الصومال تقع في وضح النهار على مرأى ومسمع من الأمم المتحدة ومجلس أمنها ومن جميع دول العالم، والتعتيم الإعلامي المفروض على تلك الاعتداءات مقصود ومخطط. ٢ - محاولة تحطيم جدار الكراهية والبغضاء بين الشعبين الصومالي والإثيوبي: فتحت إثيوبيا أبوابها للصوماليين النازحين من نيران الحرب الأهلية في الصومال، وسهلت لهم الحصول على الوثائق الإثيوبية بما فيها جوازات السفر بإشعارهم أنهم جزء من الشعب الإثيوبي، وأن حكومة إثيوبيا هي الحكومة المسؤولة عن كلا الشعبين وعن رعايتهم والاعتناء بشؤونهم، واغتر بهذا الخداع بعض الجهلة ضعاف النفوس والمنحرفون أخلاقياً الذين ليس لهم همٌّ إلا ملء بطونهم وقضاء شهواتهم؛ فظن هؤلاء المخدوعون أن العداء المستحكم بين الشعبين شيء مصطنع لا وجود له، فبذلك كسبت إثيوبيا لصالحها مجموعة لا يستهان بها من الصوماليين من تلك الأصناف المذكورة تستخدمهم لأغراضها الدنيئة من الجاسوسية والدعاية والدفاع عن مصالحها، وقد جندت مرتزقة من هذه الأصناف للقتال في صفوف قواتها ضد إرتيريا، والأخطر من ذلك أن كثيراً منهم يحاربون في صفوف قواتها المستخدمة لتدمير بلدهم واحتلاله من قِبَل إثيوبيا. ٣ - السيطرة على ملف القضية الصومالية: بذلت إثيوبيا كل ما وسعها من حيل خبيثة وأساليب ملتوية للسيطرة على ملف القضية الصومالية لا للوصول إلى حل مُرْضٍ لهذه القضية، وإنما لتعقيد القضية والحيلولة دون قيام كيان صومالي متماسك، وللتخريب وتدمير البقية الباقية من مقومات المجتمع الصومالي، والسؤال هو: هل هذه العملية تمت مصادفة أو بحسن نية؟ أم أنها حلقة من حلقات التآمر لبعض القوى المتنفذة في عالم اليوم على الشعب الصومالي المنكوب؟ وهل يمكن لإثيوبيا أو يُتَصوَّر منها وهي العدو اللدود للصومال أن تكون حَكَماً مخلصاً ناصحاً للقضية الصومالية قضية عدوها الأول؟ إن هذا لمنطق في منتهى العجب والغرابة إن لم يكن منطقاً معكوساً والقصدُ منه التخريب! وعلى أي حال فإن إثيوبيا قد بدأت تعقد في أراضيها ما يسمى بمؤتمرات المصالحة الصومالية التي كان يشارك فيها كثير من رؤساء الجبهات المتحاربة في الصومال منذ مارس عام ١٩٩٣م، وحتى شهر مايو الماضي ١٩٩٩م، ومع طول هذه الفترة التي تزيد عن ست سنوات فإن القضية الصومالية كانت تزداد سوءاً وتتعقد يوماً بعد يوم؛ لأن إثيوبيا كانت تجمع الصوماليين للتفريق والتشتيت وضرب بعضهم بالبعض الآخر، وليس ذلك مستغرباً صدوره من إثيوبيا بل العكس هو المستغرب، وكما قيل قديماً: «حاميها حراميها» ولأن الحَكَم هو الخصم، والأخطر من ذلك أن إثيوبيا قد أحبطت كل المحاولات الجادة التي بذلت لحل المشكلة الصومالية مستعينة بعملائها الصوماليين، وآخر تلك المحاولات مؤتمر المصالحة الصومالية الذي عقد في القاهرة أواخر عام ١٩٩٧م، واجتمع فيه ممثلو الفئات الصومالية كلها لأول مرة منذ عام ١٩٩٣م، ولم ينجح المؤتمر؛ لأن إثيوبيا تعتبر نفسها الوصي والقيم على القضية الصومالية ولا يجوز للآخرين أن يلتفتوا إليها أو يقتربوا منها كما يفهم من تصريحات مسؤوليها الذين كانوا يوجهون النقد والإدانة إلى مصر لجرأتها على عقد مؤتمر المصالحة في القاهرة دون الاستئذان من إثيوبيا. وعلى أي حال فإن سيطرة إثيوبيا على ملف القضية الصومالية أعطاها فرصة ذهبية لم تحلم بها يوماً من الأيام كي تجمع المعلومات الدقيقة المتعلقة بالشؤون الصومالية في جميع المجالات، ولكي تتصرف بعد ذلك بمصير الشعب الصومالي حسب رغباتها الدنيئة. ٤ - إرسال الجواسيس إلى المناطق الصومالية: فقد جندت إثيوبيا الآلاف من الجواسيس لدراسة الأوضاع الصومالية من جميع جوانبها وخاصة تصنيف طوائف الشعب الصومالي من حيث التأييد لإثيوبيا ومن حيث معارضتها، وكذلك جمع المعلومات عن الفئات المعادية للتدخلات الإثيوبية والمتوقعة مستقبلاً، وكذلك تحديد الأماكن الاستراتيجية في الصومال لاستخدامها من قِبَل الجيش الإثيوبي في المراحل اللاحقة عند الاحتياج إليها، ومن المهام التي كانت منوطة بهؤلاء الجواسيس تنفيذ عمليات الاغتيال والاختطاف ضد الأشخاص الذين ترى إثيوبيا أنهم خطر على مصالحها في داخل الصومال، وقد نفذوا فعلاً عمليات من هذا القبيل في مقديشو وبورما وغيرهما، وجرت محاولات عديدة لتنفيذ مثل هذه العمليات في مناطق عديدة في الصومال ولكنها أُحبِطت قبل وقوعها. وقد جندت إثيوبيا هؤلاء العملاء من القوميات العديدة التي تعيش تحت كنفها من التجراي والأورومو والصومال وغيرهم، كما أنها جندت كثيراً من الرجال والنساء، واخترعت أساليب عديدة: من تجارة، ودخول في الإسلام، وادعاء للفرار من الاضطهاد الإثيوبي، وغير ذلك من الأساليب لتغطية أعمالهم الإجرامية، وما زال هؤلاء الجواسيس منتشرين في طول البلاد الصومالية وعرضها لجمع معلومات في غاية الأهمية ولتقديمها إلى الحكومة الإثيوبية لاتخاذ القرارات الإجرامية لتفتيت الشعب الصومالي وتدميره، وللسيطرة على مقدراته على ضوء تلك المعلومات المخابراتية. ٥ - الغزو الإثيوبي المسلح على الصومال: كانت هذه الخطوة آخر الخطوات التي وضعتها إثيوبيا لتدمير الصومال أولاً، ثم للتحكم في مصيرها حسب مصلحتها ثانياً من حيث التنفيذ والتطبيق للخطوات الأخرى المذكورة؛ فكانت بداية هذه الخطوة في ١٥/٣/١٤١٧هـ الموافق ٩/٨/١٩٩٦م حينما اكتسحت القوات الإثيوبية منطقة جدو بالصومال واحتلت مدن لوق ودولو وحواء في تلك المنطقة؛ فمنذ ذلك التاريخ كانت إثيوبيا تغير مرة بعد أخرى على أجزاء مختلفة من الوطن الصومالي تعيث في الأرض فساداً وتخريباً، وكانت تغطي أهداف هجومها بحجج واهية لا تقنع أحداً؛ فمرة تدعي أنها تحارب الأصولية الإسلامية في منطقة اعتداءاتها مما يدل دلالة قاطعة على أن الغزو الإثيوبي على الصومال ما هو إلا حرب صليبية مكشوفة، وأنه جزء من تصفية الحسابات القديمة بينها وبين الصومال منذ القرن الخامس عشر الميلادي. والسؤال هو: من هي الجهة التي خوَّلت إثيوبيا للتدخل في الشؤون الصومالية ولتصنيف المسلمين فيها إلى أصوليين ومعتدلين؟ إنه لشيء محزن وخطير يشير إلى الحالة المخجلة التي وصلت إليها الأمة الإسلامية في هذا العصر، ومرة أخرى تنكر إثيوبيا غزوها للصومال مع أنه يقع في وضح النهار ومعلوم للمتتبعين للشؤون الصومالية، ومرة ثالثة تسنده إلى الجبهات القبلية الصومالية العميلة لها مع أنه غزو إثيوبي قد استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة من الطائرات والدبابات والمدافع الفتاكة، وليس لدى الجبهات الصومالية في الوقت الحاضر مثل هذه الأسلحة المتطورة، ومرة رابعة تذكر إثيوبيا بأنها غزت الصومال لتصفية قواعد الأورومو والاتحاد الإسلامي في منطقة الصومال الغربي التي تحتلها إثيوبيا تلك القواعد الموجودة في داخل الصومال حسب مزاعم إثيوبيا؛ فقد نقلت جريدة الخليج الإماراتية في عددها ٧٣٣٢ بتاريخ ٢/٣/١٤٢٠هـ الموافق ١٦/٦/١٩٩٩م عن صحيفة الريبورتر الإثيوبية ما يلي: «إن معسكر جبهة تحرير أورومو والاتحاد الإسلامي في بيدوه الواقعة جنوب الصومال تم تدميره تماماً، وإن جميع قوات المعارضة التابعين للجبهتين المذكورتين البالغ عددهم ٧٥٠ فرداً لقوا حتفهم في العملية التي تمت بصورة خاطفة؛ حيث إن الاتحاد الإسلامي وجبهة تحرير أورومو أكملا استعداداتهما بمساعدة الحكومة الإرتيرية لضرب العمق الإثيوبي وإثارة الفوضى والاضطراب فيه، وإن قوات الإرهاب المدعومة من الحكومة الإرتيرية تم استئصالهم والقضاء عليهم نهائياً» هذا ما أوردته الصحيفة الإثيوبية ولم تذكر الجهة التي دمرت تلك القواعد المزعومة؛ إلا أن الصحيفة الإثيوبية وإن تجاهلت ذكر الجهة التي قامت بالهجوم الخاطف على بيدَوَه تتحدث بشكل لا لبس فيه عن الغزو الإثيوبي الأخير الذي وقع على مدينة بيدَوَه في ٦/٦/١٩٩٩م تلك المدينة التي تقع في عمق الصومال، وتبعد عن الحدود الصومالية الإثيوبية حوالي ٢٥٠ كيلو متراً، وذلك دليل قاطع على صدق ما قلناه من أن إثيوبيا تغزو الصومال لأهداف أعمق بكثير مما تدعيه، وتغطي أهدافها بحجج لا أساس لها من الصحة مما يجعلنا نتساءل: هل كان في بيدوه قواعد حقيقية لهاتين الجبهتين؟ والجواب لا، لم تكن في المدينة قواعد لجبهات معارضة لإثيوبيا ولكن الحقيقة هي: أن بيدوه كانت ميداناً لمعارك جرت بين ميليشيات حسين عيديد التي احتلت المدينة أواخر عام ١٩٩٥م وبين جبهة الرحنوين التي كانت تريد استرداد المدينة من جبهة عيديد والتي تتلقى الدعم والتسليح والتمويل من إثيوبيا منذ ذلك التاريخ لا حباً في هذه الجبهة ولا خدمة لها وإنما كانت إثيوبيا تريد من دعمها لهذه الجبهة أن تحقق أهدافها من خلالها، وأهم تلك الأهداف هي تدمير قوات حسين عيديد الذي تعتبره إثيوبيا أكبر عقبة تقف أمامها في تحقيق أهدافها في الصومال، فلما شعرت إثيوبيا أن هذه الجبهة أضعف من أن تحقق أهدافها تلك خاضت الحرب ضد قوات حسين عيديد كما سبق ذكره عن الصحيفة الإثيوبية. ومن المعلوم أن جبهة تحرير أورومو كانت تخوض معارك دامية ضد قوات إثيوبيا التي يسيطر عليها العنصر الحبشي منذ الستينيات من هذا القرن، ولها قواعد على طول الأراضي الإثيوبية وعرضها، كما أن لها وجوداً فعالاً في العاصمة الإثيوبية «أديس أبابا» . وتذكر الأنباء أن التوترات تحدث بين الفينة والأخرى بين إثيوبيا وكينيا بسبب هذه الجبهة التي تنتقل أثناء هجومها على القوات الإثيوبية عبر الحدود بين البلدين. أما الاتحاد الإسلامي في منطقة الصومال الغربي فكان ولا يزال يخوض حرباً شرسة في المناطق الصومالية المحتلة ضد إثيوبيا منذ ما يقرب من سبع سنوات، وله قواعد عديدة داخل تلك المنطقة، وإثيوبيا نفسها اعترفت مرات عديدة بأن هذا الاتحاد قد قام بتنفيذ عمليات عسكرية ناجحة في عمق إثيوبيا بما فيه العاصمة: أديس أبابا، فليست هاتان الجبهتان إذاً في حاجة إلى قواعد في الصومال الممزقة. وبالإضافة إلى ما ذكرنا فإن إثيوبيا تحشد قواتها باستمرار وبكثافة أمام المدن الصومالية القريبة من الحدود بين البلدين مهددة بالغزو والدمار إن لم تخضع لرغباتها المشبوهة، وقد حدث ذلمك أمام مدن بلدويني وبلامبل وغلدغب ولاسعانود ويرووي وبورما. وقد أغلقت المدارس العربية والإسلامية في بعض تلك المدن خوفاً من الغزو الإثيوبي عليها؛ ومعنى ذلك أنه ما من منطقة صومالية إلا وهي مهددة بالغزو الحبشي بشكل أو بآخر. يتبين لنا من عرض هذه الخطوات العملية الإثيوبية لاحتلال الصومال أن خيوط المؤامرة الإثيوبية ومن يقف وراءها على الصومال قد كادت تستكمل حلقاتها، واستفحلت خطورتها ووصلت إلى مرحلة متقدمة، ويبدو والله أعلم أنه لم يبق لها إلا التنفيذ النهائي لاستئصال الصومال وقطف ثمار الجريمة من قِبَل إثيوبيا بعد التخلص نهائياً مما كان يسمى الصومال حسب التخطيط الإثيوبي إن لم تتدارك الصومال عناية الله ورحمته وحفظه، ثم إن لم تقف الأمة العربية مع الصومال وقفة جادة ترقى إلى مستوى الأحداث، وإن لم يستيقظ الصوماليون من غفلتهم ومن تكالبهم على الاقتتال فيما بينهم وانشغالهم بسفاسف الأمور وتصفية بعضهم بالبعض الآخر، وليس ذلك على الله بعزيز. الحل لإنقاذ الوطن الصومالي: وقبل أن نورد ما نرى أنه الحل الأنسب والأسرع للقضية الصومالية نعرض أمام الجميع الحقائق الآتية: ١ - إن الأماني الطيبة التي يبديها بعضهم لحسم هذه المشكلة لم تكلل بالنجاح حتى الآن، ولا يمكن أن تأتي بنتائج مرضية، وقد فات أوانها. ٢ - إن تقديم النصائح والكلمات المعسولة إلى العدو الإثيوبي ليتخلى عن تدخلاته في الشؤون الصومالية وليكف عن الاعتداءات المستمرة على الوطن الصومالي لا يجدي شيئاً، وإنما يحتاج الأمر إلى اتخاذ خطوات فعالة لصد هذا العدوان بشكل سريع وحاسم. ٣ - إن عقد ما يسمى بمؤتمرات المصالحة الصومالية وملف القضية في يد العدو الإثيوبي قد عفى عليه الزمن، وأثبت عدم جدواه فلا بد من أسلوب آخر أكثر جدية من هذا الأسلوب العقيم الذي استمر ما يقرب من تسع سنوات، فرؤساء الجبهات القبلية الذين أوصلت زعامتهم البلد إلى هذا الحد من التدهور قد أخفقت ممارساتهم وجاوزت أنانياتهم كل الحدود وبذلك انتهى دورهم بالاندحار الذريع. ٤ - إن إبقاء القضية الصومالية في أيدي جهات عديدة لها مصالح وأهداف متضاربة في الصومال قد أضر بالقضية أكثر مما نفعها وزادها تعقيداً وسوءاً، وأوصلها إلى حافة الهاوية التي تنحدر إليها حالياً. ٥ - إن الأساليب التي اتبعت لحل القضية الصومالية من التدخل العسكري والمؤتمرات ومقترحات الخبراء كلها أساليب مستوردة من الخارج ولا تمت بصلة إلى الواقع الصومالي، وقد أثبتت أنها كانت عقيمة لا جدوى منها. ٦ - إن الحروب القبلية في الصومال بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة قد انتهت منذ زمن بعيد، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنها انتهت منذ عام ١٩٩٣م، والحروب التي كانت تندلع من وقت لآخر سببها من التدخلات الأجنبية، أو من تشجيع من أعداء الحل السلمي وتمويلهم، أو من تحالفات سياسية بين بعض الجبهات وبين بعضها الآخر؛ فمثلاً عندما كان عيديد يحتل محافظتي باي وبكول أواخر عام ١٩٩٥م كان يستخدم ميليشيات من قبائل صومالية شتى من بينها بعض أفخاد الرحنوين، ومعنى ذلك أن الصوماليين العاديين باستطاعتهم أن يتنقلوا عبر الوطن الصومالي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب بدون الخوف من القتل لانتمائهم إلى القبيلة الفلانية أو تلك، والتجارة مزدهرة بين الأقاليم الصومالية المختلفة بدون عوائق إلا في مناطق التدخلات الحبشية. ٧ - أثبتت التجارب الماضية أن الوطن الصومالي مع ما فيه من قلاقل وعدم وجود حكومة مركزية لما يقرب من تسع سنوات لم يكن أكثر سوءاً من كثير من البلاد الإفريقية، والسبب في ذلك يرجع بعد فضل الله تعالى إلى طبيعة الشعب الصومالي المبنية على التكافل والتراحم، وأنه كان هناك في داخل الوطن وخارجه صوماليون كثيرون حريصون على إنقاذ وطنهم وشعبهم، وكانوا جنوداً مجهولين لخدمة بلدهم في ميادين التعليم والصحة وإصلاح ذات البين وتهذيب الأخلاق ومحاولة إصلاح ما أفسده الآخرون، ولكن مشكلتهم كانت تكمن في فقدان الدعم اللازم لتأدية واجبهم، بل لم تؤخذ آراؤهم لحل مشكلة وطنهم بينما كان المفسدون يتمتعون بدعم بلا حدود بشكل مباشر أو غير مباشر. ٨ - كانت هناك في السنوات الماضية تجارب قد أثبتت نجاحها في تهدئة الأوضاع في أكثر المناطق الصومالية قلاقلَ واضطراباً، وأهم تلك التجارب الحالة التي كانت عليها منطقة جدو الصومالية قبل الغزو الحبشي لها عام ١٩٩٦م التي كان يُضرَب بها المثل من ناحية الأمن والاستقرار والتعايش السلمي بين القبائل المختلفة، واعترف بذلك الصديق والعدو، والتجربة الثانية هي (تجربة المحاكم الشرعية) التي أنشئت في شمال مقديشو وجلبت للمنطقة أمناً واستقراراً لم تحلم به قبل إنشاء تلك المحاكم، وقد أظهرت إحصاءات أجريت في شمال مقديشو أن جرائم القتل التي حدثت في تلك المنطقة خلال سنتين من أيام عمل المحاكم لم تتجاوز خمسة أشخاص في طول هذه الفترة، بينما كانت جرائم القتل بواقع خمس أشخاص يومياً خلال عام ١٩٩٨م في تلك المنطقة، وقد أحبط هاتين التجربتين أعداء حل القضية الصومالية، أما التجربة الثالثة فهي المحاكم الشرعية العاملة حالياً في جنوب مقديشو والتي جلبت للمنطقة هدوءاً واستقراراً لم تنعم بمثلهما منذ بداية عام ١٩٩١م، ولم يفلح الأعداء حتى الآن بإلغائها [**] ، ومعنى ذلك أن حل القضية الصومالية ليس ميئوساً منه، بل هو ممكن عند الدخول من الأبواب المناسبة للحل الصحيح، ونبذ الحلول المغرضة التي تفرض على الشعب الصومالي بدون استشارة منه. وأخيراً: بعد عرض هذه الحقائق نرى أن حل مشكلة الصومال سهل وميسر بإذن الله، وأن الجو العام في الصومال مهيأ حالياً لحل سلمي بشكل جذري، ولكن مثل هذا الحل لا يمكن تحقيقه إلا إذا وُجِدَتْ جهة محايدة ليس لها أهداف ولا أطماع خاصة في الصومال غير التوصل إلى حل مُرْضٍ لمعظم الصوماليين، جهة تتمتع بإمكانيات كبيرة؛ وذلك من خلال الآتي: ١ - على الأمة العربية حكومات وشعوباً، أن تضع خطة شاملة لإنقاذ الصومال تشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والدفاعية والاجتماعية، وأن تنفذ هذه الخطة بمرحلة زمنية كافية بعد توفير كل الامكانيات التي تتطلبها الخطة؛ وذلك بإجراء انتخابات نزيهة بإشرافها في الصومال لتشكيل حكومة صومالية بعد تمهيد جيد من استتباب الأمن وبناء المرافق العامة للوطن، وتأهيل أفراد الميليشيات المسلحة للحياة المستقرة بعد تجريدها من الأسلحة، وإنشاء بوليس قوي للأمن الداخلي من الشباب ذوي الأخلاق الفاضلة، وأهم من ذلك تأمين الحدود الصومالية البرية منها والبحرية من الانتهاكات والاعتداءات الحبشية وغيرها؛ وذلك بنشر قوات عربية على تلك الحدود تطبيقاً للدفاع العربي المشترك مع الصومال؛ وبذلك بتم إغلاق الملف الصومالي نهائياً من المحافل الدولية ومن دول الجوار التي لها أطماع خطيرة في الصومال، وينحصر الحل في أيدي الدول العربية فقط. ووضع مثل هذه الخطة وتنفيذها سهل وميسر للأمة العربية بمشيئة الله لما تتمتع به من ثقة الشعب الصومالي، وبما لديها من إمكانيات كبيرة ومن خبرات واسعة في جميع المجالات تفوق كثيراً ما كان لدى دول غرب إفريقيا التي بذلت مجهوداً كبيراً لتهدئة الأوضاع في ليبيريا ونجحت في مهمتها إلى حد كبير، ولكن لا بد للأمة العربية من عزيمة صادقة وهمة عالية وتصميم أكيد لحل القضايا العربية التي من أخطرها قضية الصومال في الوقت الحاضر، والقضية تتطلب التحرر من السلبية والتفرج على الأحداث بدون الاقتراب من حل جذورها. ٢ - إذا كانت هناك ظروف دولية لا تسمح بالحل العربي المباشر ونرجو ألا توجد مثل هذه الظروف فمن الممكن أن ينفذ الصوماليون المخلصون هذه الخطة التي تضعها الأمة العربية لإنقاذ الصومال، وقد يكون مثل هذا التنفيذ سهلاً من قِبَل الصوماليين إذا توقف تدخل الدول ذات الأطماع في الشؤون الصومالية ووقفت الأمة العربية وقفة جادة بجانب الصومال، ووفرت لها الإمكانيات المطلوبة لحل القضية، والمخلصون فيما أحسب على استعداد لتحمل هذه المسؤولية وتأديتها على الوجه المطلوب مع القيام بعملية تنسيق بين الصوماليين الذين يقومون بتنفيذ الخطة وبين بقية الجانب العربي الذي يقدم الدعم والمشورة لعملية الحل الجذري لهذه القضية العويصة. وأخيراً: نناشد المسؤولين في العالم العربي ملوكاً وأمراء ورؤساء في أن يؤدوا مسؤوليتهم التاريخية نحو الصومال، وأن يتداركوا القضية قبل فوات الأوان، كما نناشد الصوماليين بأن ينتبهوا لخطورة أوضاعهم، وأن يهبوا لإنقاذ وطنهم من التمزق والاحتلال؛ فقد دقت ساعة الخطر؛ وطفَّ الكيل، وبلغ السيل الزُّبَى. نسأل الله تعالى أن يعيد لهذه الأمة عزها ومجدها وريادتها للعالم، إنه قريب مجيب.

стр. 3574

المسلمون والعالم الأقليات المسلمة.. بين آليات الإغاثة وفقه العمل الخيري مسلمو أوكرانيا أنموذجاً ناصر سنادة يعيش اليوم كثير من المسلمين في أقليات حول العالم مسحوقين يعانون الفاقة والفقر، ويذوقون الاضطهاد المر من أبناء جلدتهم، يعذبون ويشردون داخل مجتمعاتهم التي لا ترحم والتي تنكر رابطة الرحم والدم إذا ما فكر أحدهم مجرد تفكير في اعتناق الإسلام. تلك حال معظم مجتمعات الغرب، مجتمعات العقوق والانحلال والتفكك الأسري، هذه نظرة عامة، ولكن يبقى لكل مجتمع مميزاته وسماته، وحتى ظروفه الخاصة، وأوكرانيا دولة لها ظروفها الخاصة والقاسية؛ إذ حكمها نظام شيوعي بالحديد والنار لفترة تربو على سبعين عاماً، وعانى فيها المسلمون ويلات ومظالم عجيبة، ولعل من أكبر المظالم التي عاشها المسلمون في أوكرانيا بشكل عام ومسلمو شبه جزيرة القرم على البحر الأسود بشكل خاص في عهد الشيوعية الحاقدة وأزمنتها البالية هو ذلك التشريد والتهجير الذي مورس عليهم قسراً، خاصة تلك الحقبة التي حكم فيها (ستالين) على المسلمين بالفناء والتشريد، حيث ما تزال آثار حملته الإبادية الجائرة ممتدة الأثر وواضحة المعالم في الشعب التتري وعموم سكان شبه جزيرة القرم المسلمين حتى يومنا هذا؛ إذ لا يوجد في الحياة شيء أشد مضاضة وألماً من ترك الإنسان لموطنه، تلك حقيقة يدركها كثير من الناس؛ فعندما ترتد بنا الذاكرة إلى الوراء نستعيد تفاصيل صورة مفعمة بالحزن والأسى تزيدها الأيام شفافية وشوقاً: رسولنا الحبيب ﷺ يقلب ناظريه أسفاً ويخرج مودعاً مهد طفولته الطاهرة ومرتع صباه وخير بقاع الأرض قائلاً: «واللهِ! إنكِ لأحبُّ أرض الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» [١] وأي شيء أشد قسوة من ظلم الإنسان وترك الأوطان؛ إذ عمد ستالين وزبانيته الشيوعيون إلى افتعال المجاعات في شبه جزيرة القرم لإجبار الناس على الهجرة بحثاً عن لقمة العيش في مكان آخر، وقد أخليت المنطقة بدهاء وخبث من سكانها المسلمين أولاً، وليس ذلك فحسب، بل عمد ستالين إلى كسر شوكتهم وتذويبهم وطمس هويتهم في بحر (أعراق وقوميات ومذاهب) دول الاتحاد السوفييتي (السابق) فقتل علماء الدين، ومثَّل بهم شر تمثيل، وهدم مساجدهم، واعتقل شيوخهم، واستباح كل حرام يخطر بالبال، وليت الأمر انتهى عند هذا الحد فحسب، بل أثار حولهم الضغائن والضغوط والفتن ليقطع صلتهم بالدين الإسلامي بالكلية. تلك صورة سريعة نستشف فيها أحداث المجازر والمآسي التي عاشها مسلمو شبه جزيرة القرم وما آل إليه حالهم؛ إذ ليس من الحكمة الآن غض الطرف عن الآثار والأضرار الجسيمة التي أصابتهم؛ فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) هرع كثير من أبناء القرم أولئك الذين هُجِّروا متسابقين للعودة لموطنهم الأصلي؛ وهذه سُنَّةُ الله في أرضه، والله متم نوره ولو كره المشركون، فكثير منهم عادوا ولا يزال بعضهم يكابد للحاق بالركب حتى الآن، فما زالوا يأتون زرافات ووحداناً بعد أن باع معظمهم منازلهم بأبخس الأثمان، وتركوا وظائفهم وجنسياتهم وارتباطاتهم في تلك الدول التي عاشوا فيها ردحاً من الزمن ونشأ بعضهم فيها، كل ذلك من أجل الجذور والوطن، وأي وطن؟ ! وطن كان ذات يوم ثغر من ثغور الإسلام! ولعل أكثر ما يعانيه المسلمون في شبه جزيرة القرم اليوم هو تهدم البنية التحتية والتردي الواضح في الخدمات، وإهمال الحكومة الأوكرانية للمنطقة بدعوى قلة الإمكانيات، إضافة إلى حاجتهم لأبسط مقومات العيش الكريم، فلا مأوى ولا سكن ولا ماء ولا حتى تدفئة ومؤنة في الشتاء، وما أدراكم ما الشتاء في أوكرانيا؟ ! فحينما يطأ شتاء القطب الشمالي ببرده الثقيل السهوب والقرى المتناثرة في البقاع، فيجعلها تئن وتعاني تحت وطأة ثلجه الكثيف وزمهريره القاسي حتى يأتي موسم الربيع، وعندها فقط ندرك بأن الذي مضى كان اسمه الشتاء، تلك حال مسلمي شبه جزيرة القرم بعد حقبة الشيوعية البغيضة؛ فمن يزور القرم اليوم يجد آثار مساجدها المهدمة التي تغرق بصمت في واقع كثيب، ركام يشبع الأيام أبهة وجلالاً، أما الناظر إلى البيوت فسيدرك أنها لن تقوى على تحمل عوامل التعرية ونكبات الزمن، بيوت بنيت بطرق عشوائية تقشفية، وكيفما اتفق، ويظن من يراها أن سكانها نُسَّاك زُهَّاد ولكن الأمر ليس كذلك؛ إذ إنه ضيق ذات اليد، فمسلمو أوكرانيا عموماً ومسلمو شبه جزيرة القرم خاصة يحتاجون إلى دعم كبير ينتشلهم من بحار الفقر؛ إذ إنهم أوْلى الأقليات التي تحتاج إلى الدعم الخيري بالمقارنة مع دول القارة الأوروبية؛ وهذا الأمر يرجع إلى عدة أوجه وأسباب: ١- لأن أوكرانيا خرجت من وطأة العهد الشيوعي، وعانى المسلمون فيها التنكيل والاضطهاد والتشريد، خاصة أيام حكم ستالين؛ إذ هاجر معظم المسلمين خوفاً من حملات الاعتقالات والتنكيل؛ وفي هجرتهم القهرية خلفوا وراءهم ممتلكات وحقوقاً ضيعت فيما بعد، بينما كانت الجمعيات والمنظمات في أوروبا تنعم بالدعم الخيري أو بالأحرى اعتمدت على نفسها طول الوقت في تأسيس أرضية ثابتة لانطلاق الدعوة فيها. ٢ - لأن تعداد المسلمين في أوكرانيا يبلغ حوالي ٢ مليون نسمة، وهم أساساً مسلمون لكنهم يحتاجون إلى التثبيت والتفقه في أمور دينهم، ولا ينبغي إهمالهم حتى لا يقعوا فريسة للجمعيات النصرانية واليهودية المنتشرة والنشطة داخل أوكرانيا؛ فإن مثل هؤلاء لا يحتاجون إلى جهد دعوي كشخص كافر لا يعرف شيئاً عن ربه ودينه؛ فهؤلاء في حظيرة الإسلام وبقي أمر تفقههم في الدين ومعرفتهم لأحكامه. ٣- لأن الجانب الاقتصادي يلعب دوراً رئيساً ومميزاً في الحياة العامة؛ إذ إن قلة الإمكانيات أولاً وفقر مسلمي أوكرانيا وانشغالهم الكلي بهموم المعيشة كثيراً ما يعيق هذا العمل الدعوي. وأخيراً فإن النظام الاقتصادي الأوكراني المتضخم والفقير لا يشجع على إقامة مصادر دخل ذاتي مقارنة بجمعيات ومنظمات تعمل في أوروبا وأمريكا وتنفق على نفسها من خلال مواردها الذاتية. ٤- لأن المسلمين الأوكرانيين وخاصة أولئك الذين يعيشون في شبه جزيرة القرم يعانون من اهتراء البنية التحتية؛ فمعظم القرى التي يعيشون بها لا بنية تحتية فيها ولا خدمات، ومن الصعب بمكان وصف كيف يمكن أن يقضي هؤلاء الشتاء أو تخيل ذلك دون مؤنة ولا تدفئة؛ فمعظم هؤلاء دفعهم ارتباطهم بجذورهم في القرم مخلفين وراءهم منازل ومتاعاً واستحقاقات، بل إن أكثرهم كانوا قد تنازلوا عن جنسياتهم وجوازات سفرهم عند خروجهم من الدول التي عاشوا فيها. ٥- لأن موضوع الأقليات (دينية أو عرقية أو مذهبية) أصبح هاجس الدول الغربية وسبباً لتدخلها في شؤون دول أخرى (راجع موضوع الأقلية الألبانية المسلمة في يوغسلافيا قضية كوسوفا) ، وعليه فحري بنا نحن المسلمين أن نهتم بموضوع الأقلية المسلمة أكثر من غيرنا، كيف لا وهم إخوتنا في العقيدة والدين؟ ومن هنا ينبغي اعتماد موضوع هذه الأقلية المسلمة وإدراجه في أعلى جدول العمل الإسلامي. - لأن كثيراً من مسلمي أوكرانيا ضيعوا معاني الإسلام وغاياته، والآن وبعد رجوعهم إلى موطنهم الأصلي واستقرارهم فإن الأمر يتطلب جهداً إضافياً؛ إذ لم يستطع ستالين أن يمحو حبهم العظيم للإسلام وشرف الانتساب إليه. ٦- لأن النظام الدكتاتوري الشيوعي كان يجرِّم العمل الإسلامي ويحظر مشاريعه، وبالمقارنة مع دول غربية نجد اليوم مساحات لا بأس بها من القوانين والحريات التي استفاد منها العمل الإسلامي لإقامة مشاريعه مثل (فرنسا وإنجلترا) ، والحمد لله على أن القانون الأوكراني اليوم يكفل حرية العمل الإسلامي، ولا ينبغي التفريط بذلك في الساحة العالمية؛ فمساعدة إخواننا المسلمين الذين يعيشون في أقليات حول العالم هو هدف بحد ذاته يسعى إليه، وأستطيع تخيل تكلفة بناء مسجد في أمريكا أو أوروبا بملايين الدولارات، وكييف عاصمة أوكرانيا يقطنها ١٠٠ ألف مسلم، وليس بها مسجد واحد! ! الشق الثاني من المسألة ولب الموضوع: يبدأ من اتساع أفق فقه دعم العمل الخيري والإغاثي ليشمل الأجر والثواب للداعمين والعاملين في هذا الحقل وإمكانية ربط الأقليات المسلمة بالمجتمع الإسلامي بوثاق قوي رحيم، وهنالك ثلاثة أحاديث لرسولنا الحبيب ﷺ تكاد تكون هي الأطر التي يمكن الاستنباط منها؛ والأجر يتحقق فقط عند الإنفاق أو التبرع لهؤلاء المذكورين وحسب، وهذا ما يفهمه ويعتقده كثير من عامة الناس، وهذه الأحاديث هي: ١ - «من فطر صائماً كان له مثل أجره» [٢] . ٢ - «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» [٣] . ٣ - «من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة مثله» [٤] . ونضرب مثلاً لتقريب المعنى: شخص يريد أن يتبرع ويدعم بناء كلية أو جامعة إسلامية أو مركز إسلامي أو دعم صحيفة إسلامية وحيدة في ظل وجود مئات البرامج والصحف والكتب التي تملأ شاشات التلفاز والمكتبات لأصحاب ديانات أخرى، في دول مثل أوكرانيا، أو بناء مشروع تنموي ودعمه مما فيه فائدة لعدد كبير من فقراء المسلمين وفيه منفعة للأقلية الإسلامية كلها؛ فهل لهذا من الأجر مثل ما يوازي أجر أحد هؤلاء الثلاثة المذكورين أعلاه في الحديث؟ ! وما هو العمل الأوْلى الذي يقدم على غيره؟ هذه المسألة تؤرق كثيراً الرجال القائمين بأمر الدعوة والعمل الخيري في الخارج؛ إذ إن كثيراً جداً من المتبرعين يتبرع ويشترط ويحدد أن ينفق ماله في أحد هذه الأعمال الثلاثة الجليلة وحسب، كما أن كثيراً من هذه الأموال والدعم يأتي بواسطة منظمات أو أفراد، وقد لا يتسنى للجهة المتبرع لها تقديم فكرة أو مشروع له أحقية في التنفيذ قبل غيره من حيث الفائدة المرجوة (وقد لا يكون هنالك اتصال ولقاء مباشر مع المتبرع) حيث إن كثيراً من هذه المشاريع يقترحها أبناء الأقليات المسلمة، أو تعد نتيجة لقراءة الواقع والمجتمع وفهماً لاحتياجات المسلمين فيه؛ فأهل مكة أدرى بشعابها؛ ولعل هذا الأمر بحد ذاته يشكل أكبر هذه الهواجس التي تشغل فكر العاملين في تلك المنظمات الخيرية والإغاثية؛ حيث تضيع جهود كثيرة في (إعداد مشروع وتأجل مشروع آخر) بينما تحدده وتشترطه الجهة الداعمة أو الشخص المتبرع، والكل مأجور بإذن الله تعالى. إذن فنحن نحتاج لاستنباطات واجتهادات خاصة تلائم واقع الأقليات المسلمة وإمكانية تعاطي العمل الخيري دون إخلال بالعمل وتضييع للأمانة؛ إذ أصبح عمل كثير من المنظمات الإغاثية عبارة عن عمل ترقيعي (إن جاز التعبير) ، وليس عملاً وقائياً؛ فعندما تحل كارثة مَّا، فإننا نجد منظمات الإغاثة تنشط حينئذ لتهرع مع الهارعين إلى مكان الكارثة، وحري بنا أن نقف لنسأل سؤالاً: لماذا لا يتسع الأفق بنا لنقف مع إخواننا المسلمين ولو للحظات لنفكر في همومهم وألمهم، وبالطريقة التي يفكرون بها هم أنفسهم، عندها نستطيع أن نجنب إخواننا المسلمين في كل مكان، وخاصة الأقليات فيهم والمستضعفين منهم الفاقة والفقر، والفتن وويلات الحروب، والكوارث الطبيعية. نعم إن مثل هذا العمل يحتاج إلى جهود جبارة وجيوش من المنظمات والعاملين والأموال وأهل الخير، وحسبنا أنه بالإمكان الاستفادة في ظل الإمكانيات والظروف المتاحة الآن لنشر الثقافة الإسلامية وبناء مؤسسات تنموية، ومدارس إسلامية.. إلخ، دون أن يكون هناك أي تعارض أو تفضيل اللهم إلا بحسب ما تقتضيه الحاجة، والأمر برمته يحتاج أيضاً وقبل كل شيء لمحاولة جادة وعميقة لفهم واقع الأقليات المسلمة ومسلمي أوكرانيا بشكل خاص وربط ذلك بآليات فقه الدعم والإغاثة والعمل الخيري، ومدى إمكانية اتساع أفق الدعوة والرؤى المستقبلية للأقليات المسلمة حول العالم. والله من وراء القصد،

стр. 3575

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش صورة من الغرب ١ - أقر وزير الزراعة الإيطالي ألفونسو بيكورارو سكانيو علناً بأنه يقيم علاقات مع الجنسين في سابقة أولى من نوعها في إيطاليا. وبات سكانيو الذي أصر على «حريته الجنسية المطلقة» أول وزير يدلي بتصريح من هذا النوع، وقال لعدد من الصحف الإيطالية: «لست أعترف بذنبٍ مَّا، ولا أشعر بأدنى خجل، وأنا أطالب بأن يتمتع الجميع بحرية أن يحبوا من يريدون بغض النظر عن جنسهم. وهذه الحرية، أنا أمارسها» . وفي الإطار نفسه، دعا نائب حزب «إعادة التأسيس» الشيوعي نيشي فيندولا الوحيد الذي صرح عن مثليته الجنسية في البرلمان زملاءه إلى التصريح بذلك، قائلاً: «لتكن لديكم شجاعة كشف هوياتكم وتوقفوا عن العيش في القلق والخوف. في بلادنا أخلاقيات مزدوجة تسمح بالقيام بأمرٍ مَّا، ولكن من دون إعلانه. لكننا في العام ٢٠٠٠وآن الأوان لنواجه الحقيقة» . ٢ - أثارت إذاعة «كيس إف إم» الفنلندية جدلاً واسعاً بعدما سمحت في برنامج لها لشاب وفتاتين بممارسة الجنس على الهواء مباشرة مدة ربع ساعة، وأوضح منتج البرنامج هنكا هيبونن أن «مجموعة كبيرة من المستمعين اتصلوا في الفترة الأخيرة وطلبوا بثاً حياً لممارسة جنسية على الهواء مباشرة، مما دفع الإذاعة إلى الإعلان عن قبولها طلبات المتبرعين الذين يريدون المشاركة عبر إرسال تسجيلات صوتية لهم وهم يمارسون الجنس، أو الحضور إلى الأستديو لبث أصواتهم مباشرة. واتصل بالإذاعة خطيبان أبديا استعدادهما للمشاركة في البرنامج، ولكنهما غيرا رأيهما فور دخولهما إلى غرفة مهندس الصوت؛ حيث طلبا أن تكون معهما فتاة ثانية تشاركهما، فما كان على المذيع إلا المطالبة على الهواء بمتطوعات على استعداد لتلبية رغبة الخطيبين؛ ووافقت إحدى المستمعات على هذا الطلب، واستقلت سيارة أجرة مباشرة إلى الأستديو؛ حيث شاركت الخطيبين في حفلتهما الجنسية التي لاقت إعجاباً واسعاً من مستمعي الإذاعة، وأصبحت حديث الساعة في العاصمة الفنلندية هلسنكي. ٣ - شارك عشرات الآلاف من أنصار مثليي الجنس في باريس في تظاهرة » غاري برايد ٢٠٠٠ «التي باتت حدثاً سنوياً تقليدياً. وتوقع المنظمون وهم حوالي ٥٥ جمعية، مشاركة ١٥٠ ألف إلى ٢٠٠ ألف شخص في هذه التظاهرة التي تدور هذه السنة حول موضوع مكافحة الخوف من مثليي الجنس. وتصدَّر الصفوف الأمامية بعض الشخصيات السياسية من بينها وزير الثقافة جاك لانغ الذي حضر شخصياً لتحية المتظاهرين؛ وخلف السياسيين سار أعضاء جمعيات اللواطيين والسحاقيات ومنظمات مدافعة عن حقوق الإنسان (رابطة حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية) ، إضافة إلى ٦٠ عربة تشارك في هذه المسيرة التي لم تعد شركات السيارات الكبرى تتردد في رعايتها. [جريدة الحياة، الأعداد: (١٣٥٩٨، ١٣٦٠٤، ١٣٦١٩) ] لو كانوا أولادكم؟ ! كشف السيد بدر الدين بينو، السفير الشيشاني المتجول، خفايا جريمة إنسانية بشعة ارتكبها المسؤولون الروس» وما زالوا «ضد أطفال المسلمين الشيشان على مرأى ومسمع العالم الأوروبي والأمريكي المتمدن والمتترس خلف مزاعم الدفاع عن حقوق الإنسان؛ وقال السفير بينو في حديث خص به» السبيل «: إن الآلاف من أطفال المسلمين الشيشان هم اليوم يباعون رقيقاً في أسواق أوروبا وأمريكا، وسط صمت دولي مؤسف على هذه الجريمة البشعة؛ وأوضح السفير بينو أن هذه الجريمة بدأت عندما قام الروس بملء حافلة» باص «من أطفال» أنغوشيا « وأدخلوهم إلى موسكو بأوراق رسمية، ثم اختفت آثارهم بعد ذلك؛ حيث تبعت هذه الحافلة شحنات أخرى عديدة تم جمعها تحت مسميات شتى، ونجحت جهود الحكومة الشيشانية مؤخراً في تتبع آثار ٢٤٠ طفلاً من هؤلاء الأطفال؛ وإن الأطفال يتم جلبهم تحت غطاء برنامج يدعى برنامج التبادل الثقافي لطلبة البوسنة والشيشان، مركزه في العاصمة الأمريكية واشنطن، والمسؤول عن هذا البرنامج يدعى الدكتور واصف دور كيوفتيش، ولهذا المركز أو المشروع فرع في جنوب إفريقيا، تديره سيدة تدعى» ميسيز سو «. وبالاتصال مع هذا المركز أكد المسؤولون فيه أنهم مؤسسة رسمية تعمل وفق القانون، وأنهم يحضرون الأطفال عن طريق برنامج التبادل الثقافي، وأن عمليات التبني» البيع «تتم بموافقة ومعرفة السفارة الروسية ذاتها والتي تقدّم الوثائق المزورة لهؤلاء الأطفال أنهم من الأطفال الروس اليتامى! ! ونتيجة لهذه التحركات، ونجاح السيد بينو في العثور على بعض هؤلاء الأطفال وعمل زيارات لهم، قامت حملة مضادة محمومة لإخفاء الأطفال وإرهابهم وإرغامهم على طلب إبعاد السفير الشيشاني عنهم، وقامت مسؤولة البرنامج برفع قضية قادها ثلاثة محامين من أمريكا ضد ممثل الحكومة الشيشانية زعموا فيها أن الأطفال يرفضون إعادتهم إلى أهلهم وذويهم في الشيشان. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٨) ] رسائل من الشيشان ١ - كأن إيقاف قتل المدنيين العزل وتدمير بيوتهم في الشيشان قد بات مرتبطاً بتقرير وفد منظمة حقوق الإنسان؛ فبعد المرة الأولى والتصريح الأول خرجت قوات العدو الروسي الملحد بريئة من أي تعدّ ما عدا بعض التدمير؛ فقد كان الزائر الأول لا يرى شيئاً إلا ما أعده الروس له من مناظر خلابة وجميلة، فكان التقرير الأول جميلاً مثل الزيارة المنظمة والمخطط لها، ثم جاءت الزيارة الثانية التي كانت مثار الجدل بسبب الصراحة والوضوح ولكن ما هي نتائجها في واقع الشيشان وفي الواقع العالمي؟ لا شيء! ! فلم يتغير شيء ولم يتوقف سيل الدماء من أجساد المدنيين الأبرياء، بل لم يتوقف القصف والتدمير العلني! ! أتدرون لماذا؟ لأنه لم يتم إصدار أي أمر لإيقاف هذا العدوان ولم تكن الدماء ذات أهمية في نظرهم، إذ إنها دماء المسلمين! نعم دماء المسلمين التي ليس لها أي حركة أو مكانة في نفوسهم! وها نحن ننتظر هذه الأيام نتائج الزيارة الثالثة عن أي شيء تتمخض. ٢ - بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان وتعرض النساء المسلمات للاغتصاب من جنود القوات الروسية وتأخر المسلمين حكاماً وشعوباً عن حماية أعراض المسلمات في الشيشان فقد وجه المجاهدون قيادةً وجنداً تحذيراً وإنذاراً للحكومة الروسية وشعبها وجنودها في الشيشان من أن الانتقام سيكون شديداً، وأن الثأر للمسلمين وأعراضهم في الشيشان سيكون تدميراً للقوات الروسية وجنودها في داخل الشيشان وفي روسيا، وأن العمليات الهجومية لن تقف عند حدود الشيشان بل سوف يكون لها في روسيا صولات وجولات، فإلى الحكومة الروسية وإلى الكرملين نوجه هذا الإنذار والتحذير. موقع صوت القوقاز http://www.qoqaz.com ألا يوجد نواقض للإيمان؟ التكفير ليس من حق أحد، ليس من حقك أو من حقي أن أكفر إنساناً، وأذكر أنه في قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد أن الرجل قال على الملأ ونشر أنه مؤمن وموحد لله، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إنه يقول: أنا مسلم وموحد ومؤمن بالله، ماذا بعد ذلك لنشهد له بالإيمان؟ إذن ليس من حق أحد أن يقول له: أنت كاذب، هذا ظلم للرجل وافتئات على الدين، عملية التكفير ليست هينة، إنها خطيرة وليس من حق أحد أن يطلق حكماً على آخر ويقول له: أنت كافر. ليس من حقك أن تدخل قلب الإنسان، لست مسؤولاً أن تحفر في نيات هذا الإنسان، أنت لست مكلفاً بذلك، ولست مسؤولاً عما بداخل الناس، وليس منوطاً بك أن تتبين الإيمان داخل النفس البشرية. الإسلام سماحته في العبارة التي تقول: » لو كان الرأي يحتمل الكفر في مئة وجه ويحتمل الإيمان في وجه واحد، حمل على الإيمان وليس على الكفر «تلك هي السماحة، أي أن من واجب المسلم تغليب الإيمان ولا بد أن تسود هذه الروح في عالمنا الإسلامي. لا رقابة قبلية ولا بعدية، روايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، وقصص يوسف إدريس تعيش بيننا، ناس محترمون لا تجد منهم طعناً في الدين أو في أي من ثوابته. [وزير الأوقاف المصري، د. محمد حمدي زقزوق، مجلة الوسط، العدد: (٤٣٦) ] لن يعدموا مثلك! ! قاوم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ضغوط نظيره الأمريكي بيل كلينتون خلال آخر لقاء بينهما في واشنطن بالتهديد بالاستقالة من منصبه والعودة للإقامة في تونس أو القاهرة. إن هذا التهديد جاء عندما كان الحديث بين عرفات وكلينتون يدور حول إيجاد مخرج للأزمة الحادة التي وصلت إليها المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وطلب الرئيس الأمريكي من عرفات تفهم ظروف رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والتنازل عن استعادة السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية وحق العودة للاجئين الفلسطينيين. وأوضحت المصادر نفسها أن عرفات قاوم هذه الضغوط وقال لكلينتون إنه سيقدم له المخرج، ولما سأله عن هذا المخرج أجابه بأنه سيغادر الأراضي الفلسطينية إلى القاهرة أو تونس بصفة نهائية، وعلى باراك أن يتدبر أمره مع الشعب الفلسطيني. وكان عرفات هدد في نابلس بالضفة الغربية أمام الآلاف من أنصار حركة فتح بإشعال الانتفاضة والكفاح المسلح من جديد داخل الأراضي الفلسطينية وذلك في إطار رده على التهديدات الإسرائيلية باستخدام الدبابات والطائرات ضد المناطق الفلسطينية في حال تجدد المواجهات بين المواطنين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية. [جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٣١٢) ] . أحلامكم أوامر! ! أكدت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في تقريرها السنوي للعام ٢٠٠٠م أن السلطة الفلسطينية لا تزال تعتقل أكثر من ٢٣٠ شخص منذ سنوات ومن دون تهمة أو محاكمة للاشتباه بأنهم ينتمون إلى جماعات إسلامية معارضة. وأكد تقرير منظمة العفو الدولية أن الأنباء الواردة من سجون السلطة تؤكد استمرار سياسة التعذيب وسوء المعاملة، وأن الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي في الفترة التي تلي عملية الاعتقال مباشرة تؤدي إلى تسهيل وقوع التعذيب، ورغم ذلك لم تقم السلطات بالتحقيق في شكاوى التعذيب أو بتقديم المسؤولين عن ممارسته إلى العدالة. وإن اعتقال أنصار حماس المشتبه فيهم مرتبط بصورة مباشرة بالضغط الذي مارسته (إسرائيل) والولايات المتحدة على السلطة الفلسطينية للقبض على الأشخاص المشتبه في ارتكابهم أعمالاً» إرهابية «. [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٣٩) ] شاهد من أهلها من النادر أن تلتقي مثقفاً عربياً يعرف أصول الثقافة الغربية معرفة جيدة؛ فعندما تلتقي أحد هؤلاء يشرع في الحديث عن الأوضاع السياسية في بلاده ولا يخرج عن ذلك أبداً. وهذا يدل على أنه غير قادر على ابتكار الأفكار، لذا فهو يلجأ إلى الثرثرة حتى يغطي جهله، كما أضيف أن المثقفين العرب لا يهتمون بالمعرفة بمعناها الحقيقي والعميق. فهم لا يعرفون لا السينما ولا الموسيقى ولا المسرح ولا أي شيء آخر، إنهم خامدون متبلدو الذهن، يعيشون حياة خاوية بعيدة كل البعد عن الخلق والابتكار والإبداع، حتى تاريخهم يجهلونه. ما ينتج يدعو إلى الفكر، لكن أصحابه لا يفكرون، وهذه هي معضلة الفكر العربي في الفترة الراهنة. وأضيف بأن العرب يعطون قيمة كبيرة لأركون وأمثاله، لأن هؤلاء يعيشون في الغرب لا أكثر ولا أقل، ولو قرؤوهم جيداً، لما وجدوا في كتاباتهم ما يمكن أن يغني العقل والمعرفة. [المثقف التونسي! ! هشام جعيط، مجلة الوسط، العدد: (٤٣٩) ] كلام» كافي « إن الأزمة القائمة سياسية أساساً، وهي مطروحة مع طرف معين هو ما يعرف في لغة الحكم بـ» الحزب المحظور «وكان رأيي وما يزال أن البحث عن حل لهذه المشكلة السياسية يكون بالدرجة الأولى مع قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فهذا هو أقصر طريق لإخراج البلاد من الوضعية الراهنة. ولا ينبغي ذلك طبعاً مشاركة القوى السياسية الأخرى بطريقة أو بأخرى في الحل السياسي الشامل. ثم ما هو البديل لهذا الطرح الذي يقال تجاوزته الأحداث؟ هل هي» سياسة الرحمة «التي طبقت في عهد زروال؟ أم» سياسة الوئام المدني «المطبقة حالياً؟ إن هذه البدائل ليست سوى ضرب من ذر رماد في العيون، ونوع من سياسة الهروب إلى الإمام التي لا يمكن أن تقفز فوق حقيقة الأزمة المآسي اليومية المتولدة عنها. [الرئيس الجزائري السابق، علي كافي، مجلة الوسط، العدد: (٤٣٩) ] خلافهم نعمة.. للحقيقة قللت وزارة الداخلية البريطانية من شأن الادعاءات التي روجها برنامج تلفزيوني أمريكي مفادها: أن بريطانيا فيها من العنف والجريمة ما هو أسوأ مما في الولايات المتحدة نفسها، ووصفت الوزارة هذه الادعاءات بأنها تنم عن تبسيط كبير للواقع، وكان التقرير التلفزيوني المذكور الذي تتبع أخبار حادث اغتصاب تعرضت له مدرِّسة أمريكية في لندن قد وصف شوارع وأسواق لندن بأنها كساحات الحرب ومرتع للمجرمين. ووصفت شبكة سي بي إس الأمريكية التي بثت التقرير المجتمع البريطاني بأنه واحد من أعنف المجتمعات الحضرية في العالم الغربي، وقالت إن احتمالات التعرض للاعتداء والسرقة في لندن أكبر مما هي في الولايات المتحدة. لكن وزارة الداخلية ردت بغضب على ما جاء في البرنامج الأمريكي، وادعت بأن احتمال التعرض لجريمة القتل في الولايات المتحدة أكبر سبع مرات منها في بريطانيا، كما أن احتمالات التعرض لإطلاق النار أكبر بستين مرة. لكن تقريراً أصدرته وزارة العدل الأمريكية يشير إلى أن معدلات جرائم الاعتداء والسرقة وسرقة السيارات أعلى في بريطانيا مما هي في الولايات المتحدة. ولم ترحب السلطات السياحية البريطانية بالتقرير التلفزيوني الأمريكي، وتصر على أن بريطانيا لا تزال بلداً آمناً وممتعاً للزائرين. موقع هيئة الإذاعة البريطانية http://www.bbcarbic.com ذباب وذباب عانى المغرب هذه السنة أزمة احتباس المطر وانتشار الجفاف في كثير من مناطقه كما عانى في الوقت نفسه جائحة الطماطم وخَمَجَها (فسادها) أما المصيبة الأولى فأسبابها الطبيعية يختلف حولها علماء الأجواء والمراصد ولكلٍّ تفسيراته وتعليلاته المقبولة وغير المقبولة، ولكن المؤمن يعلم أن المصيبة تلك هي نتيجة شيوع الفواحش والمنكرات والظلم والجهر بالمعاصي والسكوت عن ذلك والرضى به، بل ربما جرى تقنين بعض تلك المنكرات والمعاصي كالخمور والزنا والربا المقنن وإشاعة أخبار الفاحشة خلال المجتمع بحجة حرية الرأي وحقوق الإنسان. أما الطامة الاقتصادية الثانية فهي فساد الطماطم وخمجها وما أصابها من جائحة لم يشهد المغرب لها مثيلاً في تاريخه القديم والحديث، وقد اتفقت جميع الصحف ومصادر الإعلام على أن السبب في ذلك» البذور «المستجلبة من الدول الصديقة» إسرائيل «وكان من بركة هذه (البذور) ظهور الذبابة البيضاء التي أفسدت محصول الطماطم، وهذا أيضاً عقاب من الله لمن يتولى هؤلاء القوم الذين لا يقصرون في المساعي الحثيثة لتخريب اقتصاد المغرب وغيره وكذلك أخلاقه ودينه. ولكن الأخطر من هذه الذبابة البيضاء هي الذبابات المتلونة: الحمراء والسوداء والصفراء التي تجتاح المغرب في نواحي كثيرة من حياته: فتفسد في الإعلام، وفي التربية، وفي التعليم، وفي الثقافة والفكر، وفي الاقتصاد والتجارة، وفي المدرسة، وفي الشارع، وفي الأسرة. وقد امتلأت أجواء المغرب بأسراب من هذا النوع من الذباب المسموم الذي [صنع] خصيصاً لإفساد الحياة الإسلامية الطاهرة النظيفة ببلاد المسلمين. [د. عبد السلام الهراس جريدة الحجة المغربية، العدد: (١٣٠) ] كشفها العقرب! ! قال لاري جونسون المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية عن مكافحة الإرهاب إن» عدد الأمريكيين الذين ماتوا من لدغات العقارب أكبر بكثير من الذين قتلوا في هجمات إرهابية أجنبية في السنوات الخمس الماضية. إلا أن ذلك لم يمنع الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب من المبالغة في وصف التهديدات الإرهابية «. وأضاف لاري وهو محلل سابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية ويعمل حالياً مديراً عاماً في شركة استشارية متخصصة في قضايا غسيل الأموال: » نحن في حاجة إلى مفهوم أكثر اتزاناً في هذا المجال. هل هناك احتمالات لسقوط أعداد ضخمة من الضحايا؟ الإجابة: نعم! ولكن لسنا في حاجة لإعادة اختراع سياسات مكافحة الإرهاب «. [جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٨٨١) ] تعليق على الأحداث وكم من» سوهارتو «في ديار المسلمين؟ في لفتة كريمة وتفضل كبير ألمحت عائلة الرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو إلى إمكانية تقديمها» تبرعاً «بنصف ما تملكه للشعب الإندونيسي، ويأتي هذا الكرم» السوهارتاوي «بعد الملاحقات القضائية للعائلة الكريمة التي استولت خلال حكمها في إندونيسيا والذي استمر ٣٢ عاماً على ثروة تقدر بـ ٤٥ مليار دولار حسب المصادر الرسمية، وفي تصريح لسوهارتو نفسه صرح أنه على استعداد للتنازل عن ٢٥ مليار دولار في مقابل التوقف عن ملاحقته قضائياً، وقد علق الرئيس الحالي عبد الرحمن واحد أن هذا المبلغ» التبرع «كفيل بسداد ديون إندونيسيا كلها. وإن كان هذا المبلغ البسيط الذي طابت نفس العائلة بالتبرع به أو افتداء نفسها به هو بهذا الحجم، فكم تخفي الأرقام من حقيقة غير ظاهرة، ونسأل: كم من سوهارتو في ديار المسلمين؟ وكم سيسعد الناس إذا عادت إليهم أموالهم؟ الاختلاط.. نظرة مقلوبة مُني التيار الليبرالي في الكويت بصدمة كبيرة لإقرار مجلس الأمة الكويتي منع الاختلاط في الجامعات الخاصة، وراحت الأقلام ترمي بسهامها المسمومة وألفاظها الجارحة هنا وهناك في إشارة واضحة إلى الحسرة والشعور بمرارة الهزيمة التي أحس بها» بنو علمان «ونأخذ من» القبس «قبساً من كلامهم فيقول أحدهم وهو د. أحمد الربعي:» أخطر ما يواجه الدين هو أن يصعد على منابره متاجرون يلعبون بالمبادئ، ويتلونون حيثما تحلو لهم سفن التلون بهدف الوصول إلى كرسي في برلمان أو زعامة في قبيلة، أو موقع متقدم في وظيفة، يصلون إليه من خلال منصب حزبي! ! هناك تحالفات سياسية جديدة في الساحة أظهرتها «معركة» الجامعات الخاصة، وهي تحالفات بين أطراف لا جامع بينها، ولا يربطها رابط، وهي تحالفات سياسية ترفع شعار الدين والأخلاق بهدف الوصول إلى مصالح لا علاقة لها في النهاية بالشريعة ولا بالأخلاق «. ويضيف آخر، وهو سعود السمكة:» لا أدري لماذا يربط رافعو شعار منع الاختلاط في الجامعات الأهلية من الذين يتسترون بستار الدين بين الاختلاط والرذيلة؟ ! إنها نظرة دونية وتوصيف تحقيري للمجتمع عامة، نساءاً ورجالاً، باعتبار أننا كمجتمع ليس لدينا ما نفكر به سوى الجنس! ! «. ونختم بكلام حسن العيسى حيث يقول:» لا يفترض أن نخجل مما يحدث لدينا من معارك فكرية كان من المتصور أن تحدث قبل خمسمائة عام في عصور المرأة الجارية وحكايات شهرزاد عن العفاريت والبساط الطائر، لا في زمن المساواة في الحريات وثورة الاتصالات والمكوك «كولومبيا» ؟ نخجل لأنهم هناك غارقون في معرفة واستنباط الجزء الأعلى من الإنسان في عقله وخلايا فكره، ونحن غارقون في هموم الجزء الأسفل من الإنسان، وكيف تلجمه عصا الوعاظ؟ ألا يستحي فقهاء السلفية العلمية في حملتهم الكبرى مع قانون منع الاختلاط أن ينعتوا حركتهم بـ «العلمية» وكأنهم على قدم المساواة مع علماء مختبر «هيوارد هيوز» ومعامل «كوليتر» ومن سيكون له الفضل في إطالة عمر الإنسان وتوفير سبل السعادة له، بينما رفاق «السلفية العلمية» لا همَّ لهم غير التنكيد على الإنسان وإشغاله بمعارك طواحين الهواء وطواحين الاختلاط؟ أنا أشعر بالخجل الحضاري من علماء «الجينوم» عندهم عندما أطالع أدبيات علماء الجن لدينا «. ونحن لا ندافع أو نهاجم توجهاً بعينه ولذاته، وإنما لما يحمله ويقدمه هذا أو ذاك من خير أو شر، وكم نخشى أن يأتي الوقت على بني علمان ليقولوها صراحة: [أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] (الأعراف: ٨٢) . جس نبض إعلامي للتطبيع في مسرحية ساذجة أثيرت ضجة كبيرة حول زيارة وفد إعلامي جزائري إلى » إسرائيل «وفي تصريح ناري أعلن الرئيس الجزائري أنهم» ليسوا منا ولا نحن منهم «في الوقت نفسه الذي كان الرئيس في زيارة لفرنسا وكان في استقباله هناك السفير الإسرائيلي» إلياهو بن إليسار «كما قام الرئيس أثناء الزيارة بالتعريج على رؤساء الجالية اليهودية في فرنسا. وسبق هذه الزيارة المقابلة التي تمت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في مراسم وداع العاهل المغربي الحسن، وقبل ذلك وبعده وأثناءه الأنباء التي تأتي عن التعاون في المجال الزراعي والدوائي وغير ذلك بين البلدين، لقد بلغت هذه المسرحية حداً كبيراً من الاستخفاف بعقول الناس، حيث إنهم يريدون زيادة أواصر الثقة مع اليهود في ذلك الثوب الجديد من أثواب التضليل الإعلامي، وقد كشف رئيس الوفد الإعلامي الجزائري عن مهتهم بعدما أحس» بزيادة العيار «عن حده الطبيعي وعن الدور المتفق عليه فقال: لسنا خونة وزيارتنا تقدم خدمة وطنية لأمتنا! !

стр. 3576

في دائرة الضوء الجميع تحت المجهر أبحاث لها طعم الدم واللحم الهيثم زعفان انتشرت في الآونة الأخيرة في بعض الدول العربية مراكز وشركات تعمل في حقل الأبحاث التسويقية لبعض المنتجات الاستهلاكية، واتضح فيما بعد أنها جزء من برنامج بحوث الشرق الأوسط الممول بواسطة مؤسسة فورد الأمريكية التي تقول عنها الكاتبة السورية (حميدة نعنع) : «مجرد ذكر اسم (فورد فونديشن) يجرنا إلى نقاش مستفيض حول تاريخ هذه المؤسسة والأدوار التي لعبتها في بعض دول أمريكا اللاتينية والهند وزيمبابوي، وهي أدوار كان ظاهرها المساعدة الإنسانية بينما استخدمت هذه المساعدة لإجراء بحوث ودراسات انتهت كلها إلى مكاتب المخابرات الأمريكية» [١] . وما سوف نتحدث عنه في هذه المقالة يُعدُّ عرضاً مختصراً للدور الفعلي الذي تقوم به إحدى هذه الشركات في عاصمة دولة عربية كبرى؛ حيث يُخيَّل لغير المطَّلع أن المسألة في ظاهرها إجراء بحوث ذات طابع تسويقي تجاري؛ إلاَّ أن حقيقتها هي جمع معلومات تعطي تفصيلات دقيقة عن المرأة داخل محيط المنزل مع دراسة الحياة الخاصة لفئة محددة من فئات المجتمع عملاً بقاعدة: الوصول إلى الخصوصية من خلال العمومية. فريق عمل الشركة يتكون من إداريين وطنيين: والباحثون (ذكوراً وإناثاً) الذين يقومون بجمع البيانات هم إما جامعيون أو من خريجي المعاهد المتوسطة أو ممن لا يزالون طلاباً، ومعظمهم لم يسبق له إجراء مثل هذه البحوث، وهم يتقاضون أجوراً تبدو بالنسبة لهم عالية، كما أنهم يحصلون على مكافآت ترتبط بدرجة إتقانهم في جمع البيانات، أما المشرفون فهم ينتقون من الباحثين والذين اكتسبوا خبرات بحثية متعددة داخل الشركة. وبعد أن تنتهي عملية ملء استمارات البحث يتوقف دور الجهاز الوطني السابق، ثم تدخل العملية مرحلة جديدة يقوم فيها جهاز آخر من العاملين الذين يحملون جنسيات شرق آسيا بمهمة تفريغ البيانات المطلوبة والتي ليست لها علاقة بالمنتج الذي يقومون بتسويقه، ثم تفرغ البيانات وتنقل مباشرة عبر أجهزة الكمبيوتر إلى الخارج. ويرأس الجهاز بكامله مدير أمريكي الجنسية يقيم في الطابق الثاني عشر إقامة كاملة؛ في حين أن كل أعضاء الجهاز يعملون في الطابق الثاني في مبنى ضخم في أرقى أحياء تلك العاصمة العربية وفي موقع حيوي داخله. الاستمارة التي تجمع من خلالها البيانات يتراوح عدد صفحاتها بين ١٠ صفحات و١٥ صفحة من الورق ذي الحجم الكبير، وهي مكتوبة بالعربية والإنجليزية، والجزء العربي مكتوب بالعامية الدارجة، وفي ذلك ضمان عدم اختلاط المعاني عند المبحوث (المجيب) وبذلك لا يحدث خلل في الإجابات. ٩٥% من الأبحاث التي تقوم بها الشركة تحمل نموذجاً داخل الاستمارة يطلق عليه: (LSM) وهذا النموذج يمثل ٨٠% من استمارة البحث وهو عبارة عن مجموعة من الأسئلة الشخصية التي ليست لها علاقة بالمنتج المراد تسويقه. الـ ٥ % الباقية عبارة عن أبحاث تسويقية لا تضم النموذج السابق، وفي الغالب لا تتعدى ثلاث صفحات. بعد نزول الباحثين إلى ميدان جمع البيانات يقوم المشرف بتقسيم المنطقة تقسيماً دقيقاً تبعاً لتخطيط جغرافي تضعه الشركة. بعد ذلك يقوم الباحث بطرق أبواب البيوت التي تم تحديدها، ثم يقوم بتقديم نفسه بالصورة الآتية: (صباح / مساء الخير. أنا اسمي.... .... من شركة أبحاث تسويق اسمها.... .... واحنا بنعمل «نحن نعمل» بحث عن عادات الناس والحاجات اللي بيحبوها «التي يحبونها» واللي مش بيحبوها «والتي لا يحبونها» واحنا «ونحن» حالياً بنعمل بحث في «هذه» المنطقة دي، ونحب أن حضرتك تشتركي معانا «معنا» في البحث ده. ممكن تديني «تعطيني» دقائق من وقتك للإجابة على شوية «بعض» الأسئلة؟ شكراً) [٢] . وبملاحظة استمارة البحث نجد أنها غير مدون عليها اسم الشركة، ولكن على الباحث أن يذكر الاسم شفهياً؛ وبذلك تخرج الشركة من خلال ثغرة قانونية تعفيها من مسؤولية الاستمارة. بعد أن يقدم الباحث نفسه يطلب التحدث إلى أنثى تبلغ من العمر ١٨ - ٤٥ سنة ثم يقوم بجمع البيانات الأولية الخاصة بها وذلك على النحو الآتي: «اسم عائلة المجيبة الاسم الأول للمجيبة العنوان» المنزل، المنطقة، مفتاح المنطقة، الشارع، علامة مميزة، رقم تليفون المنزل، رقم تليفون العمل «. وتنهى المقابلة إذا كانت المبحوثة أو أي أحد من أفراد أسرتها أو أصدقائها المقربين يعمل في أحد المجالات الآتية: (أبحاث تسويق صحافة - دعاية - إعلانات - علاقات عامة - شركات توزيع وبيع سلع استهلاكية بعض الشركات (مسماة) وهي عبارة عن توكيلات لشركات عالمية تعمل في المجالات نفسها التي تدَّعي الشركة أنها تسعى لتسويق منتجاتها) . إنهاء المقابلة على هذا النحو يحقق الإيحاء لدى نساء المنطقة عند مناقشة هذا الحدث بأن هذه الشركة تتمتع بأخلاق حميدة وبذلك تبدد أي شكوك في أمر هذا البحث، ولكن الأهم من ذلك أن السيطرة غير المباشرة من قِبَل بعض الجهات الأجنبية على معظم المجالات السالفة الذكر يجعل من اليسير الحصول على معلومات محددة عن فئة معينة من خلال الأقارب والأصدقاء العاملين في تلك المجالات بحسن نية وهنا يتضح تعبير الكاتبة» سناء المصري «: (الجميع تحت المجهر ولا أحد خارجه) [٣] . وفي ذلك توضيح لأهمية عدم التحدث داخل العمل أو خارجه عن خصوصيات أي قريب أو صديق مقرب يشغل منصباً رفيعاً، أو يعمل في مجال حيوي. ومن الأساليب التي يحاولون من خلالها إقناع الأشخاص أن الهدف تسويقي هو ذلك النموذج الذي يضم الأسئلة الشخصية؛ فهناك سؤال يقول:» هل تم مقابلتك في أي بحث تسويقي عن أي منتج من (هذه) المنتجات دي خلال الـ ١٨ شهر اللي فاتوا؟ (الماضية) «مسحوق غسيل - معجون أسنان - شامبو شعر زيت شعر - كريم بشرة - صابون غسيل - سائل لغسيل الأطباق - صابون حمّام - مبيّض - منظف متعدد الأغراض - ولا واحد من دول) ؟ إذا كانت هناك مقابلة سابقة فإن المقابلة الحالية تلغى، وهذا قد يشير إلى أن جميع شركات التسويق تصبُّ في منبع واحد مما يسهل استرجاع البيانات المطلوبة. في حالة عدم إنهاء المقابلة فإن الباحث يطلب من المجيبة اختيار العبارة التي تصف وظيفة المجيبة ووظيفة عائل الأسرة الرئيس وكل عبارة تضم تحديد الوظيفة بالضبط. وهذا مثال لبعض الوظائف التي وردت بالعبارات: (ضباط جيش درجة ثانية - مديرون - موظفون إداريون رئيسيون - أصحاب شركات كبرى - موظفون حكوميون على مستوى عالٍ - ضباط جيش) . يستأنف الباحث أسئلته مطالباً وصف الحالة التعليمية الحقيقية للمجيبة ولعائل الأسرة. ثم يسأل عن وجود عضوية في أي نادٍ رياضيٍّ، ودرجة هذا النادي، وهل المجيبة أو أحد من أفراد الأسرة سافر إلى الخارج، وماذا كان غرض السفر: (عمرة - حج - عمل - تعليم - سياحة) ؟ يأتي بعد ذلك دور الأسئلة المتعلقة بالحالة الاقتصادية فيسأل الباحث المجيبة عن (الدخل الإجمالي للأسرة - الأجهزة الكهربائية الموجودة بالمنزل بالتحديد - السيارة (العدد الموجود) . ثم يقوم الباحث دون توجيه أسئلة بملاحظة درجة رقي المنطقة السكنية ونوع السكن وتدوين ذلك. ثم يطلب الباحث من المجيبة الإجابة عن السؤال الآتي: (دلوقتي أنا عايز حضرتك» الآن ممكن تذكرين «تقولي لي كل» كم أفراد «أسرتك من الإناث اللي عمرهم يتراوح بين ١٨ - ٤٥ سنة، ممكن أعرف أعمارهم؟) . ومما يجعل السيدة لا تبالي وهي تعطي للباحث كل هذه المعلومات الخاصة هو خوفها إن أغلقت الباب ورفضت الإجابة أن يقال عنها إنها متخلفة ومتزمتة، علاوة على عدم إدراكها لقيمة المعلومة التي تعطيها نظراً لحجمها الصغير؛ وذلك لأنها لا تنظر إلا لنفسها فقط، ولا تعلم أن» ورشة العمل «يتم فيها تجميع المعلومات الصغيرة لتكون نسيجاً كبيراً يعطي مؤشرات أوضح لأهداف خفية. ولعل الخبر الذي أوردته بعض الصحف عن فستان للأميرة ديانا يوضح كيف أن الشيء الدقيق إذا تم تجميع متشابهاته يكون شيئاً ثميناً يعبر عن معانٍ كثيرة. هذا الخبر مفاده:» مايكل لام رجل الأعمال الأمريكي يعتزم قص ثوب سهرة للأميرة ديانا إلى نحو أربعة ملايين قطعة وعرضها للبيع كتذكارات لجمع ١٠٠ مليون دولار تخصص لمساعدة أطفال العالم الثالث، ومن المقرر أن تبلغ مساحة القطعة الواحدة ٢ ملليمتر مربع وتباع بـ ٢٥ دولاراً « [٤] . فالمعلومة التي تعطيها المجيبة يمثل حجمها في بعض الأحيان حجم قطعة واحدة من فستان الأميرة الراحلة. ننتقل الآن إلى الأسئلة التسويقية الخاصة بالمنتج؛ فهناك سؤال يتكرر مع اختلاف المنتج وفي الموقع نفسه من الاستمارة.. يقول السؤال: (أي ماركة صابون الحمام اللي حضرتك بتستعمليها الأيام دي للاستحمام» الذي تستعملينه عند الاستحمام «) إذا كانت المجيبة تستخدم المنتج الذي يتم تسويقه تنهى المقابلة! ! الذي يعني مالك أي مؤسسة هو إحراز المكسب وتجنب الخسارة، وعلم التسويق يقدم له من الأساليب ما يحقق ذلك الهدف دون التطرق إلى خصوصيات المستهلك؛ فلماذا لا ينطبق ذلك على مثل هذه الشركات؟ هذه الشركة تنتهج أسلوب التدرج والاستدراج؛ ويتضح ذلك عند الانتقال من مشروع بحثي إلى آخر؛ فهناك بعض الأسئلة التي توضح هذا الأسلوب والتي جاءت جميعها في استمارة واحدة، وهذه الأسئلة تحتاج إلى نظرة موضوعية حتى يمكن الكشف عن مكنونها: س: يا ترى! كم مرة في اليوم بتستحمي بصابون حمام؟ [مرة في اليوم - مرتين في اليوم - ٣ مرات في اليوم - مرة كل يومين - أقل من كده] تنهى المقابلة إذا كانت الإجابة» أقل من كده «. س: وامتى» متى «بتستحمي بصابون الحمام؟ [الصبح لما باصحى» عند القيام «من النوم - الصبح بعد الإفطار - بعد الغذاء بعد الظهر (العصر) - بعد العشاء - بالليل قبل ما أنام - أخرى حدد] . س: وما درجة حرارة الماء اللي بتستخدميها للاستحمام الأيام دي بصابونة حمّام؟ [بارد جداً - بارد - دافي يكاد يكون بارد - دافي يكاد يكون ساخن - ساخن - ساخن جدا ً] . س: حضرتك عادة بتستعملي صابوم الحمام لأي أغراض؟ [غسل الأيدين - غسل الوجه فقط - غسل الوجه والجسم - غسل الرأس (الشعر) غسل الجسم فقط» بدون الوجه «- غسل الملابس] . كلمة» الاستحمام «هنا في» البيان «تحمل معاني كثيرة. لكن بالتدقيق في إجابات هذه الأسئلة نجد أنها تشير إلى بعض الأشياء الهامة؛ فمن خلال درجة حرارة الماء وعدد مرات الاستحمام يتم معرفة درجة الاستقرار النفسي والفسيولوجي للمرأة، ومن ثم تتضح طبيعة العلاقة الزوجية. هناك نوع آخر من الأبحاث التي يطلق عليها (تسويقية) والتي تقوم بها هذه الشركة هدفها مساعدة وسائل الإعلام على معرفة عادات المستهلكين لما يقدمه التلفاز والمواعيد والبرامج التي تناسبهم؛ وهذه أبحاث خاصة في الغالب الأعم بالأسر التي لديها أطباق استقبال القنوات الفضائية (الدش) والبحث فيها طويل المدى، وتقوم فيه الأسر بتدوين البرامج والقنوات التي يحرصون على مشاهدتها بصورة منتظمة وتدوين ذلك في أجندات خاصة تسلم للباحث كل فترة من الزمن. وبهذه الصورة يسهل تقسيم المجتمع إلى شرائح، وبث الجرعات المركزة بما يناسب كل شريحة؛ ولعل ذلك يتفق مع ما قاله (وليام كار) الذي كان رئيساً لاتحاد الجمهور المسيحي Federation of christ. Layman حيث يقول:» يقوم عملاء المؤامرة بالتسلل إلى كل طبقات الشعب ومستويات المجتمع والحكومة بهدف خداع عقول الشباب وإفسادها عن طريق تلقينهم النظريات الخاطئة « [٥] وذلك عند تناوله للمخطط الذي وضعه ماير روتشيلد عام ١٧٧٣م في فرانكفورت وهو مخطط يبين طبيعة المؤامرة التي رسمها هؤلاء للسيطرة على الثروات والموارد الطبيعية واليد العاملة في العالم. استقبال المرأة لشخص أجنبي في منزلها قد ينجم عنه عواقب وخيمة؛ وعلاوة على ذلك فإن البحوث الميدانية لها أخلاقيات متعارف عليها دولياً، ولكنها لم توضع في الاعتبار عند إجراء الشركة لبحوثها ومنها: ١ - عدم التطرق لخصوصيات المبحوث، كما أن البيانات تدوَّن كما يراها المبحوث لا كما يراها الباحث. ٢ - الجهات البحثية (الرسمية) عندما تعتزم إجراء بحث معين فإنها تعلن عن ذلك في الوسائل الإعلامية مع تحديد أغراض البحث. ٣ - وجود خطاب موجه من الجهة البحثية إلى المبحوث يتضمن تعهداً قانونياً بسرية البيانات، مع الالتزام بعدم كتابة أية علامات تميز هوية المبحوث. معرفة المعلومات الخاصة بالمرأة خاصة إذا كانت زوجة شخص ذي وضع معين بالطرق التقليدية للجاسوسية يتكلف مبالغ طائلة قد تتعدى المليار دولار، وربما لا تأتي بالنتائج الإيجابية، ولعل ما يوضح هذه النقطة الفضيحة التي ذكرها وليام كارو والتي مفادها:» بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى ١٩١٤م بفترة وجيزة أُسِّسَ في بريطانيا نادٍ سرِّيٌّ تكلف مبالغ طائلة، وقد قام هذا النادي بتوفير كل وسائل الترفيه والتسلية وتسهيلات المتعة وسُمِّي هذا النادي بـ «النادي الزجاجي» «وقد أُسس ناد يماثل هذا النادي تماماً في ضواحي مدينة مونتريال بكندا خلال الحرب العالمية الثانية» . ولقد استُخدم نظام الجاسوسية في النادي؛ فكل عضو رجلاً كان أم امرأة كان جاسوساً على الآخرين ينقل أخبارهم إلى رؤسائه، فتتكون من الإخباريات معلومات كانت تطبع وتسجل فيما يسمَّى «الكتاب الأسود» فيُذكر في هذا الكتاب عيوب الأفراد ورذائلهم ونواقصهم الخاصة ونقاط ضعفهم، كما تُذكر أوضاعهم المالية وأحوالهم العائلية ومدى تعلقهم بأقربائهم وأصدقائهم، كما تدون صلاتهم وتأثيراتهم على كل من رجال السياسة المرموقين ورجال الصناعة ورجال الدين. والمحاولة الوحيدة قبل الفضيحة لكشف حقيقة هذا النادي آلت إلى الكتمان في حين أن ذكر «الكتاب الأسود» كان قد تم وصوله إلى البرلمان وإلى الصحافة، فكانت سياسة الحكومة تميل إلى الاعتقاد بأن فضيحة بهذا الحجم قد تسبب كارثة وطنية في وقت يواجه فيه الجيش ضربات بحرية وبرية وجوية قاسية، عندئذ بدأت الصحافة (التحررية) تهاجم رئيس الوزراء مما أدى إلى استقالة الحكومة برئاسة السيد إسكويت ١٩١٦م « [٦] . هذه الفضيحة مثال للجاسوسية التقليدية وما تتكبده من ضرائب عالية الثمن، ومن ثمَّ فإن طريق الأبحاث التسويقية يكون أيسر وأفيد ولا يتكلف إلا عدة ملايين من الدولارات. وبصورة شبه رسمية (الجاسوسية المقننة) تقول سناء المصري عنها:» وبدلاً من التقارير المقتضبة المأخوذة من أجهزة الدولة والأعوان غير الخبيرين بشؤون البلاد تأتيها التقارير الآن من أبعد النقاط المغلقة في صورة أبحاث لها طعم الدم واللحم « [٧] .

стр. 3577

اقتصاديات البعد الاقتصادي للشراء د. زيد بن محمد الرماني «ذات يوم أوقف الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ ابنه عبد الله (وقيل جابر بن عبد الله) ﵃ وسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال عبد الله: للسوق. فقال له الفاروق: لماذا؟ ! فأجاب: لأشتري لحماً، وسوَّغ ذلك الشراء بأنه اشتهى لحماً فخرج للسوق ليشتري بعضاً منه، فقال له الفاروق: أكلما اشتهيتَ شيئاً اشتريتَه؟» [١] . إنها حكمة اقتصادية خالدة، وقاعدة استهلاكية رشيدة، خاصة ونحن نشهد في أيامنا هذه سباقاً محموماً يترافق معه أساليب تسويقية جديدة، وأساليب إعلانية مثيرة، ووسائل إعلامية جذابة، ودعايات كثيفة من أجل الشراء والمزيد منه. وقد تبيّن من خلال تحقيقات عديدة أن شريحة واسعة من الناس تشتري ما لا تحتاج، وتستهلك من المنتجات والسلع أكثر من اللازم. يقول وليام بنّ: «إن ما ننفقه على أغراض الزينة الزائفة يكفي لكساء جميع العراة في العالم» [٢] . وهكذا أصبحت حياتنا المترفة تملأ البطون بما لذّ وطاب، وتغذي الأرواح بأشياء فارغة وفاسدة؛ فكم هو سخف الإنسان الذي يتظاهر دوماً بالذكاء والمعرفة! يقول سمايل: «إن الحياة السهلة المترفة لا تدرّب الرجال على بذل الجهد أو مواجهة الصعاب، ولا توقظ فيهم تلك المقدرة اللازمة للجهد الفعال في الحياة» [٣] . بعض الرجال يعتبر اهتمام النساء الزائد بالموضات وبضرورة التجاوب معها انعكاساً لعدم تحلّيهن بقدر كاف من المعقولية في التفكير. يقول علي غلوم: «الشائع بيننا أن المرأة أكثر إسرافاً من الرجل، سواء في ملبسها أو إنفاقها، ولكن هناك من الرجال مَنْ هم أكثر إسرافاً في أموالهم وسلوكهم ومقتنياتهم؛ فالأمر نسبي ويرتبط بحجم ما يتوفر لدى الفرد من مغريات نحو الإسراف» [٤] . وتقول صباح المالكي في معرض حديثها عن الإسراف: «من أسباب الإسراف حاجة المرأة لتملك بعض الأشياء التي ترى أنها في حاجة إليها لتجميل منزلها، أو لإضفاء البهجة على الأسرة والأبناء بوجه خاص من ألعاب وملابس واحتياجات» [٥] . وتؤدي الأنانية والنفعية الشخصية في كثير من الأسر والمجتمعات إلى الإسراف في استغلال مصادر الدخل. ومن ثم ظهر على الساحة هوس تسوقي غريب وإدمان شرائي كبير، وحمى استهلاكية عجيبة، يؤجّج ذلك كله إعلانات مثيرة ودعايات جذابة ومسابقات مغرية وحوافز مشجّعة. وأكثر الإعلانات أثراً هي تلك التي يمكن إعادتها بصيغات متعددة، وفي أماكن يمكن رؤيتها من قِبَل أعداد كبيرة من الناس كبرامج التلفزيون المحبّبة للمشاهدين والصحف والأسواق المركزية. تقول فوزية خليل في معرض مشاركتها في تحقيق حول «هوس التسويق عن المرأة» : إن هوس التسوق عادة ما يكون انفعالياً، ويمثِّل عند المرأة طريقة تعويض عن معاناة عاطفية، أو نتيجة حرمان أو قلق أو تعاسة زوجية أو قلة حنان، وقد يكون هذا الهوس التسوقي عند النساء أكثر شيوعاً [٦] . وفي التحقيق نفسه تقول بدرية هطيري: هناك من النساء من يشترين أغراضاً ليست ضرورية ولا في حدود إمكانياتهن، ويدفعن بالرجال إلى دفع الكثير من أجل إرضاء رغباتهن الجنونية. ومن أهم نتائج تحقيق أجري حول «الإعلانات التجارية والإسراف» : الإعلانات تدفع المرأة للشراء والمزيد منه، كما أن المرأة تشتري السلعة عادة على سبيل التجريب نتيجة الإعلان عنها [٧] . والمسابقات العديدة تغري الأطفال بالشراء بكثافة، ووصل التحقق إلى نتيجة مهمة: الإعلانات التجارية مسؤولة إلى حد كبير عن دفع الناس إلى الإسراف وخاصة المرأة، جرياً وراء التفاخر والمباهاة أو حباً للاستطلاع أو رغبة في التقليد. إن عادة التقليد بين الناس لا تقتصر على قطر من الأقطار أو جنس من الأجناس، بل إنها عادة عالمية يصعب تغييرها. إن النفس البشرية نفس لا تشبع، وفي الوقت نفسه لا تقنع؛ فهي طُلَعة لكل نوع، متشوِّفة لكل شكل، فضولية لكل لون. نعوذ بالله من عين لا تدمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تقنع، ومن بطن لا يشبع، ومن دعاء لا يستجاب له. التخمة، والسمانة، والسرف، والتبذير، والترف، والتبديد، والاستنزاف، وتلال النفايات والقمامة، والترهل، واللامبالاة، وكفر النعمة ... ما هذه إلا بعض آثار لا شك أنها تتولد من السلوك الشرائي غير المنضبط، ومن الإدمان الاستهلاكي غير المتزن، ومن الإنفاق البذخي غير الرشيد. إن صناديق القمامة تشهد أكياساً من الزبالة وألواناً من النفايات المنزلية أشبه بالتلال نتيجة الاستهلاك المنزلي الشره، وصدق من قال: إن الاستهلاك هو طوفان التلوث القادم [٨] . فإذا أضفنا إلى ما سبق شيوع أخلاقيات الأنا والحسد والجشع والمباهاة والتقليد وكسر قلوب الفقراء والمساكين والمحتاجين واختلال الميزانيات الأسرية والاستدانة، فإن هذا كله يستلزم أن نقف في وجه الوحش الاستهلاكي والغول الشرائي والإدمان الإنفاقي والهوس التسويقي من أجل أن يغلق وبشكل نهائي الملف الأسود للاستهلاك في كل بيت، وعند كل أسرة وداخل كل مجتمع وفي أي دولة. إننا لو جمعنا كل ما ينفق على الأمور التافهة في صندوق موحد، ثم أُنفق هذا على إزالة أسباب المأساة من حياة الكثيرين لصلحت الأرض وطاب العيش فيها. وإذا تمثلت أعمالنا بالتدبير وحسن التصرف فإننا نستطيع التخلص من النقيضين وهما: الإفراط في الإنفاق والاستهلاك، وحالات العوز والفقر؛ إذ يمكن للأول سدّ حاجات الثاني بحيث يقترب النقيضان إلى معدل معقول. إننا نرحب بالمعلومات الجيدة التي يجري تفسيرها بتعقل، ولكننا لا نريد من أطبائنا الاقتصاديين إخفاء الحقائق عن المريض. أيها المستهلك! اسعَ لأن تكون سعيداً لا ثرياً؛ ففي السعادة قناعة لا يوفرها الثراء، وإن أردت السعادة فوجّه اهتمامك إلى قضاء حاجاتك الأساسية، ولا تكترث بما هو زائد عنها، ولتكن حاجاتك قليلة، واقضها بنفسك. وفي الختام أقول: هل ما زلنا مصرِّين على أن نشتري كل ما نشتهي؟ إذا كانت الإجابة بـ (نعم) فإن علينا أن نواجه مستقبلاً مخيفاً وغولاً خطيراً، ونهاية سيئة، وإن كانت الإجابة بـ (لا) فعلينا أن نصحح أوضاعنا، ونقوّم استهلاكنا، ونرشِّد إنفاقنا لنكون أفراداً صالحين، ولنبني مجتمعاً متماسكاً، ولنحافظ على هوية أمتنا الإسلامية [٩] .

стр. 3578

قضايا ثقافية الحضارة والتحضر السقوط في التبعية الاصطلاحية محمود سلطان عندما انتقد (جاكوبز وستيرن) مصطلح (حضارة) ووصفه بأنه (مصطلح فضفاض مشكوك في قيمته) [١] كان يعني أن ثمة طعنًا على صدقية الاجتهادات التي تصدت لتعريف المصطلح، ولأنها أي تلك الاجتهادات - يشوبها شكوك في حيدتها العلمية، على الأقل، وربما يكون اتساع شقة الخلافات بين علماء السوسيولوجيا (علماء الاجتماع) حول المضمون المعرفي للمصطلح - والذي لا يزال قائمًا حتى الآن - هو الذي حمل (جاكوبز) على انتقاد النزعة نحو الإسراف في الاحتكام إلى مصطلح (حضارة) ومشتقاته في قياس مستويات تحضر المجتمعات. بيد أن ثمة ملاحظات أخرى أكثر أهمية، هي - في اعتقادتنا - في طليعة الأسباب التي تدعونا إلى عدم الارتياح (للوظيفة المعيارية) للمصطلح، ولعل أبرزها: أن الصياغات المختلفة التي تناولته يُشْتَمُّ منها رائحة التحيزات الأيديولوجية والسياسية والعرقية (السلالية) بشكل واضح، وإذا علمنا أن جل هذه الصياغات قد خرجت من تحت عباءة علم الاجتماع الرأسمالي (أو الاشتراكي) الغربي، فإن استخدام المصطلح، لم يكن بريئًا (للأغراض العلمية) ، وإنما دخل حلبة (التنظير الأيدلوجي) للحضارة الغربية، على النحو الذي يحفظ (للأخيرة) استعلاءها (وازدارءها) لثقافة الآخرين وحضارتهم. فعندما استخدم kant كلمة حضارة بمعنى (السلوك) قوبل بنقد شديد، خاصة من علماء الاجتماع الغربيين في الوقت الحديث من الذين عاصروا صعود الرأسمالية الغربية في الفترة من القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين، وكانوا - في غالبيتهم - شديدي الحرص على استبعاد الاتجاهات التي ثبت في يقينها أن الحضارة تعبر عن الإنجاز (الروحي والأخلاقي) للأمة! إذ إن التسليم بهذا التعبير الأخير يعني تراجع الحضارة الغربية من مركزيتها الاستعلائية لتتبوأ منزلة أدنى، وهي المكانة التي يأبى الغربيون أن يروا حضارتهم فيها، ومن ثم درجوا على استخدام (فائض المادي) معيارًا للحضارة؛ إذ إن هذا الاستخدام - وبحكم تقدمهم التكنولوجي - يُدخِل لهم إحساسًا زائفًا بالتفوق الحضاري. نذكر هنا - على سبيل المثال لا الحصر - أن ألمانيا في عهد النازية الهتلرية والولايات المتحدة الأمريكية حتى عشية الحرب العالمية الثانية كانتا تفتقران إلى أي مشروع أخلاقي (أو إنساني) يمكن أن يحملاه إلى العالم؛ فالأولى ارتكزت إلى (التفوق العرقي) الذي أباح للألمان اجتياح العالم وتدميره بوحشية، أما الثانية فكان يطاردها شؤم الإبادة الجماعية للهنود الحمر، بالإضافة إلى افتقارها إلى التراكم الحضاري الممتد عبر التاريخ، أي أنهما كانا يعانيان - بوعي أو بغير وعي - من عقدة العجز عن القيام بدورهما الرسالي، ولم يجدا عوضًا عن هذا العجز إلا أن يشهرا في وجه العالم (تقدمهما المادي) لإيهامه بأنهم الأكثر (تحضرًا) ولقد شارك واحد من أبرز علماء الاجتماع الألمان، وهو (ألفريد فيبر) - والذي عاصر صعود الهتلرية - في تزييف الوعي بمفهوم (الحضارة) للتستر على السقوط الأخلاقي للنازية؛ حيث حمل على كل من رأي في الحضارة تعبيرًا عن الإنجازات الروحية للشعوب، واعبرها دلالة على (العلم والتكنولوجيا فحسب) وبالمثل نحا علماء الاجتماع الأمريكيون المنحى نفسه، حتى إن (ميرتون) استبدل في مؤلفاته - عشية إلقاء القنبلة الذرية على مدينتي (هيروشيما) و (ناكازاكي) اليابانيتين - كلمة (حضارة) بمصطلح (المستوى التكنولوجي) ، تمهيدًا لتسويق النموذج الأمريكي في التكنولوجيا والاقتصاد والأنساق السياسية، والذي كان يقفز قفزات واسعة نحو (العولمة) في ذلك الوقت. وكان أبرز تجليات (خروج المصطلح) وانفلات صياغاته عن (الحياة العلمية) ودخوله ساحة (التحيزات الأيديولوجية) هو ظهور مصطلح (حضارة الأطلسي) الذي زعم أن الأوربيين استوطنوا أمريكا وأن حضارة الأخيرة كانت بالنتيجة وثيقة الصلة بأوربا بالمعنى الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي. ولا شك في أن الدعاية لهذا المصطلح كان يهدف إلى إثبات أن أمريكا دولة قديمة وأنها ليست (مقطوعة) حضاريًا، وأنها سليلة الحضارة الأوربية من جهة، والتأكيد على وجود (جذور) تاريخية بين الحلف العسكري - السياسي الراهن بين المنظمة المعروفة باسم (حلف شمال الأطلسي - الناتو) من جهة أخرى [٢] . وتجدر الإشارة هنا إلى أن التعريف الذي وضعه (تاليور) E. B. Tylor لمفهوم الحضارة في كتابه (الثقافة البدائية) لا يزال يحظى برضى قطاع ليس بالقليل من علماء الاجتماع والأنثروبولجيا الأكثر رشدًا واستنارة في العالم وقبولهم له، ويصفه (جي روشية) بأنه أكثر التعريفات جدة [٣] . وقد استخدم (تايلور) مفهومي: (ثقافة، وحضارة) بمعنى واحد، ويمكن لأحدهما أن يحل محل الآخر؛ إذ يقول في مطلع كتابه: (إن الثقافة أو الحضارة، بالمعنى الأثنوغرافي الواسع للكلمة هو هذا المجموع المتشعب الذي يضم المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وجميع الإمكانات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوًا في مجتمع معين) [٤] . لقد اقترب هذا التعريف من المضمون الأكثر قبولاً لمفهوم الحضارة، وأعاد للبعد الروحي والأخلاقي مكانته المركزية في تقييم درجات (التحضر) والتخلف لدى الشعوب، وفي هذا الإطار يقول د. حسين مؤنس: (فقد يكون الأمي البسيط أقرب إلى مفهوم الحضارة من المتعلم، بل المتبحر إذا كان الأول محتفظًا مستواه المعنوي وكرامته الإنسانية متمسكًا بالفضائل خاليًا - ما أمكن - من الأحقاد والمطامع، وإذا كان الثاني قد انتقل من يده ميزان القيم واضطرب مقياسه الخلقي والمعنوي) [٥] ، أي أنه ليس من الضرورة أن يفرز مجتمع متقدم ماديًا (حضارة) تفي بحاجات بنية، فربما تمنحهم الإحساس (باللذة الحسية) ولكنها تفتقر إلى منظمة القيم التي تشعرهم بالأمان؛ فالمجتمع العربي المسلم ربما يعتبر (متخلفًا) إذا ما تم النظر إليه بمعايير (التقدم المادي) ، ولكن التزام أبنائه بالزكاة مثلاً أو بالهدي النبوي الشريف: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [٦] ، يعد أكثر تحضرًا من نظيره الغربي المتقدم عنه ماديًا والذي يستقي قيمه وتقاليده من (تمجيد الفردية) التي جعلت الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان كما وضح ذلك (هوبز) . ولقد أدت سيادة التعريفات الغربية المتحيزة لمفهوم الحضارة (الذي بيناه في مستهل هذه الدراسة) في أوساط النخبة العربية المتأوربة إلى الانزلاق في مأزق (التبعية الفكرية والثقافية) للدول الصناعية الكبرى، ويظهر ذلك بجلاء عندما تستشار - هذه النخبة - حول الإشكالية التي لم ينفضَّ الجدل بشأنها، منذ بدايات القرن الحالي وإلى الآن وهي: ماذا يؤخذ من الغرب المتقدم، وما يُرَدُّ؟ إذ يكاد هؤلاء يُجمِعون على أن يؤخذ كل ما تنتجه أوربا ولا يراد منه شيء، أي نقل (الآلة) بجانب (الحضارة) أو الثقافة أو مجموعة القيم السائدة التي تطورت الآلة في كنفها، وقسر الواقع العربي أو جلده إلى أن ينصاع لها أملاً في إحداث ثورة صناعية توازي تلك التي ينعم الأوربيون بها. ولعنا نتذكر دعوة (طه حسين) الشهيرة، في بداية هذا القرن في كتابه المثير للجدل (مستقبل الثقافة في مصر) [٧] حين دعا صراحة إلى أن نحذو حذو أوربا في حلوها ومرها، خيرها وشرها ... ! بل إن الأمر تطور إلى ما هو أخطر من ذلك؛ إذ حلت (قيم) الغرب محل المعيار الرباني الخالد (القرآن والسنة) في قياس القيم السائدة في المجتمع، وما ينفع المسلم وما يضره، حيث قاس (قاسم أمين) قيمًا حضارية إسلامية كـ (الحجاب) مثلاً بمعايير (حضارة الغرب) ؛ لأنه الطرف (الأكثر تفوقًا ماديًا) إذ يقول (هل يظن المصريون أن أولئك القوم (بقصد الأوروبيين) بعد أن بلغوا من كمال العقل والشعور مبلغًا مكنهم من اكتشاف قوة البخار، والكهرباء، يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم لو رأوا فيه خيرًا؟ كلاً!) [٨] . وقاسم أمين ليس استثناءًا، إذ إن رواد ما يسمى بـ (حركة النهضة العربية الحديثة) اعتقدوا جميعًا أن (الحضارة) هي وليدة عبادة (العلم) ، أو أن يحل (العقل) محل (الله) ! ! ولعلنا نذكر دعوة (شبلي شميِّل) إلى الاستعاضة عن الدين بالعلم وبالأخص العلم الطبيعي (الإلحادي) [٩] ، وإلى هذا النحو ذهب أقرانه من دعاة (الظلامية) والمتخذين من (التنوير) واجهة للتخريب الفكري والعقلي الذي مارسوه باسم الاستنارة والتحديث. وصفوة القول هنا: أن الحضارة هي مرادف آخر لتشكيلة من القيم الأخلاقية المنبثقة من أسس دينية (إما من نبوة أو من دعوة حق) كما يقول ابن خلدون [١٠] ، وتأسيسًا على ذلك التحضر يعني (التدين) لأن المتدين يضبط علاقاته بالمجتمع والكون والعالم (مبدأ) أخلاقي معين، بينما من يتحرر من سلطة القيم والمثل والأخلاق يعطي نفسه الحق في الحصول على ما يبغي، ولو كان على حساب الآخرين. ولنا أن نتوقع ما يمكن أن يحدث لو أن المجتمع يشكِّله مثل هذا الأنموذج الوحشي من البشر؛ إن النتيجة التي لا يمكن تحاشيها هي (حرب الجميع ضد الجميع) . فالحضارة أو التحضر - إذن - هي منهج هداية بضبط علاقة الإنسان بمحيطة الاجتماعي (والمادي أيضًا) ، وإن غياب هذا المنهج يعني: الاستباحة والتحلل الأخلاقي، والتفسخ الاجتماعي، يعني: (التخلف) بمعناه الشامل.

стр. 3579

المنتدى الغيبة بدر السحيل يتورع الكثير من المسلمين عن اللحوم المستوردة لا سيما المعلبة منها ويتوقَّوْن في ذلك أشد التوقِّي مخافة أن تكون من اللحوم المحرمة، أو أن تكون قد ذبحت على خلاف الطريقة الشرعية. وهذا سعي مشكور. ولكنْ هناك لحوم لطُفت حتى خفيت على المتورعين، ولم تدركها رقابة المتوقِّين؛ والسر في هذا أن اللحوم التي رغب عنها المتورعون لحومٌ حسيَّة مشاهَدة، فلا تخفى على الرقابة؛ لأن الذي يتناولها يعالج أكلها. بينما الأخرى لا يحتاج إلى ذلك آكلها. وكلاهما يُسمى أكلاً، قال تعالى: [أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً] (الحجرات: ١٢) . إنها «لحوم البشر.. الغيبة» نعم قد سماها الله سبحانه بذلك [أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ] (الحجرات: ١٢) وتكاثرت الأدلة على تحريمها وبيان خطرها وقبح التلبس بها. فعن ابن مسعود قال: «كنا عند النبي ﷺ ، فقام رجل فوقع فيه رجل من بعده، فقال له النبي ﷺ : تخلَّلْ. قال: مِمَّ أتخلل؟ ما أكلتُ لحماً! قال: إنك أكلت لحم أخيك» [صححه الألباني] . تنبيه: لقد انغمر الناس في هذه المعصية؛ ولا أدل على ذلك من واقع الناس، فترى أن الغيور على محارم الله أن تُنتهك عندما ينكر عليهم هذه الموبقة يُقابَل بإجابةٍ تواترت عليها الألسنة وألفتها: «ألا تريدنا أن نتكلم» فسبحان الله كأنّ الكلام كلّه منحصر فيما حرّم الله على عباده. فمن تأمل هذه المقولة تبين له مدى تمزيق الجسد الواحد نفسه بدلاً من أن يشدّ بعضه بعضاً. وكأننا لم نسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» [رواه البخاري، ح/٦١٣٥] . هذا هو جواب تلك المقولة؛ إذ ليس من الخير أن تقارف تلك الكبيرة؛ فالزم الصمت إن لم تقل خيراً فإن «من صمت نجا» . تساؤل: لعلك تتساءل معي كيف يقع الصالحون على وجه أخص في هذه الموبقة على الرغم من أنهم أوْلى الناس بالبعد عنها؟ أقول: هناك أسباب أوقعتهم في ذلك يشترك معهم بقية الناس فيها. ومنها: ١ - موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء؛ حيث يرى أنه لو أنكر عليهم استثقلوه فيما بينهم في ذلك. ٢ - التشفي، فكلما غضب من أحدٍ شفى قلبه بغيبته. ٣ - إرادة رفع نفسه بتنقيص غيره والحط من قدره. ٤ - اللعب والهزل؛ فربما أراد أن يُضحك الناس بمحاكاة فلان وفلان في قوله وفعله. ٥ - الحسد؛ فإذا تكلم الناس بمدح لرجل قال: إن فيه وفيه، وأنا أخبر به منكم. فلا سبيل لديه للنيل من المحسود إلا القدح فيه. ٦ - كثرة الفراغ والشعور بالملل؛ فلا يجد شغلاً إلا بذكر عيوب الناس؛ وذلك لأنه لم يستغل وقته بطاعة الله؛ فالواجبات أكثر من الأوقات، والسلف كانوا يقولون: «النفس إن لم تشغلها شغلتك» . ٧ - طلب موافقة الرئيس والمدير ومجاراته في تنقُّص من لا يحب من مرؤوسيه لنيل الحظوة لديه. تأمل: إنك تعاشر أقواماً لا يُحْصَوْن كثرةً: منهم القريب، ومنهم الصديق الحبيب، ومنهم الأستاذ، ومنهم الجار؛ فاحذر غداً أن تراهم ماثلين أمامك بين يدي الله، ترى أحبابك وخلاَّنك يطلبون رد مظلمة أعراضهم منك!

стр. 3580

المنتدى تطاوعا ولا تختلفا أكرم عصبان الحضرمي إن المتأمل لشجرة الدعوة المباركة ذات الأصول الراسخة والفروع الشامخة يرى امتداد ظلالها الوارفة يوماً بعد يوم، وإتيان ثمارها اليانعة كل حين، إلا أن العواصف تتتابع لاجتثاثها، والأمراض تهدد نموها وانتشارها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ومن هذه الأمراض والعواصف عاصفة الاختلاف العاتية بين أبنائها. ذلك الاختلاف الهائل الذي أدى إلى أمرين خطيرين: ١ - الشماتة بالدعاة ودعوتهم، فيكون التنافر والتنابز مجلبة لازدرائهم؛ حيث يجد المتربصون بالدعوة فرصة عظيمة للنيل من أصحابها والشماتة بهم، كما قال هارون لموسى ﵇ حين أخذ برأسه: [فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ] (الأعراف: ١٥٠) . ٢ - انجفال المدعوين عن الدعوة، والنفرة من أصحابها لعدم اتفاقهم في الدعوة أو عدم مراعاة آداب الخلاف؛ ولذلك قال الرسول ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄ لما بعثهما إلى اليمن داعيين: «تطاوعا ولا تختلفا» [١] ، وقد قيل لابن مسعود: عبتَ على عثمان ثم صليتَ أربعاً! قال: الخلاف شر [٢] . وللاختلاف والفرقة بين الدعاة أسباب عديدة، من أهمها: أ - الدعوة إلى النفس أو الجماعة: إن الدعوة يجب أن تتمخض خالصة للكتاب والسنة، فيكون استتباع الناس بعلم: [يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ] (مريم: ٤٣) ، وهدفه الهداية إلى الحق: [فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِياًّ] (مريم: ٤٣) ، [اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ] (غافر: ٣٨) ، وليحذر الداعي أن يقع في المحذور فيدعو إلى شخصه أو نهجه أو جماعته، وإلى هذا الأمر أشار القاسمي ﵀ بقوله: «ولم تجد سبيلاً الطوائف المختلفة لاستتباع الناس لها إلا بالغلو بنفسها، وذلك بالحط من غيرها والإيقاع بسواها حسب ما تسنح لها الفرص وتساعدها الأقدار وإن كان بالسنان واللسان» [٣] . ب - الغبن والبغي: الغبن في حق الدعوات المخالفة من أعظم أسباب الاختلاف والفرقة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك: «لأنَّ إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدر الاختلاف البغي» [٤] . فعلى الداعية أن ينظر إلى سبق إخوانه في الخير والفضل، ويجعل من ذلك شفيعاً لهم في التأدب معهم في زلاتهم وَهَنَاتهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في موسى ﵇ حين ألقى الألواح، وجر بلحية أخيه، وفقأ عين ملك الموت: «لم يعتب عليه ربه؛ إنه وقف تلك المقامات العظيمة، وقاوم أكبر أعداء الله، وعالج بني إسرائيل. وذو النون لما لم يكن في هذا المقام سجنه في بطن الحوت من غضبة، وقد جعل الله لكل شيء قدراً» [٥] . ج - الانتساب المفرق: لا يكمن خطر الخلاف في تنوع العمل وتعدد الجماعات غالباً ولكنه في التعصب لهذا العمل أو ذاك، بحيث يصير معقد ولاء وبراء، ومحبة وبغض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا تفقه الرجل بطريقة قوم من المؤمنين مثل أتباع الأئمة والمشايخ فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العِيار، فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم» [٦] ، وقال أيضاً: «ولا يحتاج الإنسان في ذلك أن ينتسب إلى شيخ معين، كل من أفاده إفادة دينية هو شيخه فيها، وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك؛ بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم» [٧] . د - الحسد: إن داء الحسد جر كثيراً من هذه المشاحنات بين الجماعات أو الدعاة، وهذه قصة تبين ذلك. قال الإمام الذهبي: كثر أصحاب الإمام البربهاري فاجتاز الجانب الغربي، فعطس فشمّته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة فأُخْبِر بالحال، فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة توحش قلبه حتى نودي في بغداد: لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى [٨] .

стр. 3581

المنتدى البداية صعبة ولكن ! سكينة الفرحان جاء النبي ﷺ برسالته الخاتمة الإسلام إلى البشرية وبها تمام الحياة السعيدة للفرد والمجتمع وركَّزتْ الشريعة على فهم أصول الدين وحثت على السير الجاد والأخذ بها لعبور هذه الحياة إلى جنة ورضوان ونعيم مقيم. وجعلت العقل مناط التكليف في الواجبات الدينية والأخلاقية. فالعقل مهتدياً بالوحي يرقى بالإنسان في حياته فكرياً واجتماعياً ومنهجياً. يمكن للمرء أن يكتسب في حياته علوماً وخبرات تجعله منافساً لغيره في مختلف الميادين والصُّعُد.. شأنه في ذلك شأن من تعلم الرماية فما يزال يمارسها حتى فاق معلمه، أو ذلك الذي تعلم نظم الشعر؛ فما زال يعالجه حتى هجا معلمه وفي هذا المعنى يقول الشاعر: أعلِّمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني وآخذه على نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني قد تكون الممارسة في بدايتها صعبة وطرقها وعرة لكنها بعد حين من التصبر والتمرُّس تسهل معاناتها وتستطاب ثمراتها. وإذا نظرناه من وجهه السلبي الآخر وجدنا أن بعض الناس يُستدرَجون إلى سلوك طرق الشهوات وامتطاء صهوات الملذات إما قصداً من أنفسهم أو خضوعاً لإغواءات آخرين من شياطين الإنس والجن!

стр. 3582

المنتدى تعقيب عبد الله بن علي الحمدان أود التنبيه إلى ما ورد في قصيدة: مشبب القحطاني «من البلقان إلى الشيشان» في العدد: (١٥١) ، حيث قال في البيت العاشر في الشطر الأول: «يا رحمة الله» «وهذا من باب دعاء الصفة، والدعاء إنما يصرف لمن اتصف بها سبحانه لهذا فلا يجوز هذا الدعاء، وقد غلَّظ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى النهي عن الدعاء بالصفة، وقال: إنه كفر. ولا يسوغ الدعاءَ بالصفة جوازُ الحلف بها؛ فإن الحلف بها من باب التعظيم، أما الدعاء فهو عبادة، والعبادة لا تصرف إلا لله تعالى، فكيف تعبد صفته سبحانه فتدعى؟ فدعاء الصفة لا يجوز، وأما التوسل إلى الله بصفاته فمشروع كما وردت به السنة وأدعية السلف، وكذلك الحلف بها جائز، لأنه من باب التعظيم» نقلاً من معجم المناهج اللفظية للعلامة بكر أبو زيد حفظه الله ونفعنا بعلومه ص ٥٧٩ باختصار.

стр. 3583

المنتدى يا دعاة الإسلام بشروا وأبشروا عبد العزيز بن عبد الله الصالح الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحابته أفضل الصلاة وأتم التسليم ... وبعد: فإن الناظر بعين البصيرة إلى واقع الأمة الإسلامية وما تمر به من فتن ومضلات يعلم مدى حاجة الأمة إلى الدعاة المخلصين والأئمة المهديين؛ ومن يرى أو يسمع عن الهزائم المتتالية والمصائب المتتابعة التي تمر بها الأمة يعلم علماً يقينياً أن هناك خللاً وتقصيراً، وثمة ثقب ينفذ منه الأعداء، ويلج منه أهل الفساد؛ ذلك أن المصائب والفتن المتتابعة تولد لدى بعض الدعاة خمولاً وهزيمة نفسية، كما أن تناقُلَ مثل هذه الأخبار والحديث عنها يورث يأساً وقنوطاً عند بعضهم؛ وها هنا مكمن الخلل وعين التقصير والنقص؛ ولست أدعو إلى التغافل عن هذه الفتن أو تركها، بل الواجب معرفتها ومعرفة كيفية محاربتها وصدها، ويجب مع هذا كله بث روح الأمل بنصرة الدين وإحياء هذا المفهوم وشحن النفس به [١] ، خصوصاً أنه قد سرى في بعض النفوس يأس قاتل من نصرة الإسلام، فتقاعسوا عن العمل وأصابهم قنوط من هذا كله حتى أصبح أحدهم يعد الحديث عن نصرة الدين ضرباً من المستحيل أو حديثاً عن الخيال البعيد، وربما علل ذلك وبرهن له بمنطق من غاب عن وعيهم روح الإيمان، فصاروا يحاكمون الأمور إلى الأصول المادية البحتة؛ وإن المتأمل في سيرة المصطفى ﷺ يرى حرصه الشديد على غرس هذا المفهوم في نفوس الصحابة؛ ويتأكد ذلك عندما تشتد الفتن عليهم، ويتكالب عليهم أعداء الله من كل مكان؛ روى البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه؛ ولكنكم تستعجلون» [٢] ؛ ويتكرر مثل هذا الموقف؛ ففي غزوة الأحزاب وعندما تكالب الأعداء على المسلمين من كل جانب يُحْيي صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم ويغرسه في نفوس أصحابه، وذلك عندما اعترضت صخرة للصحابة وهم يحفرون الخندق فضربها ﷺ ثلاث ضربات فتفتتت، فقال إثر الضربة الأولى: «الله أكبر أُعطِيت مفاتيح الشام واللهِ إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ثم ضربها الثانية فقال: الله أكبر أُعطِيت مفاتيح فارس؛ واللهِ إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن؛ والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة» [٣] . وكان موقف المؤمنين من هذه البشارة ما حكاه القرآن الكريم: [هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً] (الأحزاب: ٢٢) [٤] . إن نفوس الصحابة كانت مشحونة بكثير من الآلام والمخاوف، ويأتي مثل هذا الكلام ليكون برداً وسلاماً عليها. قال ابن القيم معلقاً على قصة كعب بن مالك: «وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سَلْعٍ ليبشِّر كعباً دليلٌ على حرص القوم على الخير، واستباقهم إليه، وتنافسهم في مسرة بعضهم بعضاً» [٥] . وأي مسرة أعظم من المسرة بنصرة الدين! ؟ إنك لتعجب أشد العجب عندما ترى بعض الدعاة يغفل عن مثل هذا المفهوم، فتسري في قلبه روح الهزيمة؛ فتجده واضعاً كفه على جبينه عندما يسمع خبر حدوث فتنة هنا أو هناك معلناً انهزاميته وتراجعه الكامل، وقد غفل عن سنة الله في كونه: [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] (الصافات: ١٧١-١٧٣) والله غالب على أمره.

стр. 3584

المنتدى ردود * الإخوة: الذين أرسلوا يستفسرون عن شروط النشر في المجلة فنفيدهم بالآتي: ١ - أن يخدم الموضوع قضايا الأمة الإسلامية بتنوعها من خلال تصور أهل السنة والجماعة. ٢ - ألا يكون قد سبق نشره في مطبوعة أخرى. ٣ - أن تكون النصوص موثقة ومعزوة إلى مصادرها بذكر رقم الجزء والصفحة. ٤ - أن تخرَّج الآيات والأحاديث الواردة ضمن المشاركة. ٥ - أن تكون مكتوبة بخط مقروء وعلى وجه واحد من الورقة. ٦ - أن يرفق مع المشاركة وسيلة تواصل مع صاحبها «عنوان بريدي - بريد إلكتروني - فاكس - هاتف» . وفقنا الله وإياكم لكل خير ومرحباً بمشاركتكم. * الإخوة: طارق بن راشد الغفيلي، عبد الله سالم الغامدي، نبيل بن أحمد الزير: نعتذر عن نشر المشاركات التي وردت من قبلكما وذلك لتوجيهها إلى مطبوعات أخرى. * الإخوة والأخوات: محمد عبد الرحمن «سلطنة عمان» ، سارة بنت عبد الله: نرجو التكرم بإفادتنا بعنوان بريدي لمراسلتكم والرد على رسائلكم. * الأخ: الذي أرسل ملاحظته حول الإعلان المنشور في المجلة عن المهرجان الإنشادي، نشكر لك هذه النصيحة؛ فالمؤمن مرآة أخيه، آملين أن يدوم التواصل والتناصح. * الأخ: عبد الواحد العبد اللطيف: أرسل ملاحظات على مقال: «الأبعاد التربوية للحج» العدد ١٤٨، نشكر للأخ تواصله وملاحظاته وجزاه الله خيراً. * الأخ: أحمد عبد الغني طه: نشكر لك تواصلك الكريم مع مجلتك، ونشكر لك ملاحظاتك. وفيما يتعلق بقضية الصحوة الإسلامية فنحسب أن افتتاحية العدد ١٥٢ قد تناولت ما أشرت إليه، وفقنا الله وإياك للخير والحق. * الأخ: سعود الصاعدي: أرسل يقول: لقد أرسلت مقالات عدة، ثم أعود بالخيبة والخسران، فأجد أن مقالي ضرب به عرض الحائط ولم ينشر، والأمر الذي اتضح لي بالنسبة لاختياركم الموضوعات ليس هو بحسب جودتها ورصانتها وفائدتها، وإنما هو بحسب صاحب المقال، فإذا كان اسم صاحب المقال براقاً نشرتم مقاله، وأما إن كان غير ذلك ضربتم بمقاله عرض الحائط والله المستعان! ! ونقول للأخ الفاضل إن هذا المفهوم غير صحيح؛ حيث إنه ترفض مقالات لكتاب من هيئة تحرير المجلة نفسها لعدم مناسبتها للنشر، والأصل أن المقال يقوَّم حسب مادته وما يقدمه من خدمة لدين الله، وكما لا يخفى عليك أن هناك من الناس من يرى عمله دائماً جديراً بالصدارة ولا يقبل وجهة نظر الآخرين في الحكم على عمله، وقد أرسلتَ إلى المجلة عشر مشاركات في الفترة من ٢٢/٦/١٤١٩هـ ٤/٣/ ١٤٢١هـ، أجيز منها سبعة مشاركات في المنتدى وأُخبرتم بذلك في هذا المكان واعتُذر عن ثلاثة منها، وقد نشر أحدها. والمنتدى مليء بمئات المشاركات، ولا بد أن نفسح مجالاً لإخوانك. وفقنا الله وإياك لكل خير. * الأخ: عمر الرماش: أرسل عاتباً كذلك على عدم نشر مشاركاته، ونفيد الأخ الكريم بأنه قد أرسل في فترة قصيرة من «٢٢/٢/١٤٢٠هـ ٣/٣/١٤٢١هـ» ٢٧ مشاركة، والمجاز منها للنشر سيعدُّ لذلك بإذن الله في موعده. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه. * الإخوة: سالم أحمد البطاطي، رأفت الحامد، حسن عبد العزيز الشقرماني إبراهيم بن سليمان السدرة، إبراهيم داود، بدر ناصر العواد، صالح علي العمري: نشكر لكم تواصلكم الكريم ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر. * الإخوة والأخوات: محمد أبو الكلام آزاد، محمد سعد البرديسي، خالد عبد الرحمن الموسى، عمار البذيخي، محمد العشري، محمد عبد العاطي، أكرم عصبان الحضرمي، إبراهيم سعد الدنيني، سامي بن خالد الحمود، أحمد العجلان، وليد صالح الغرير، محمد الباشا، محمد بن أحمد الشنقيطي، سليمان بن عبد العزيز الرديني، مد الله عبد الكريم المديد، رفعت المرصفي، محمد عمر بكر، بدرية محمد «قد لا نصل» ، أم الحارث السهلي: جزاكم الله خيراً على تواصلكم الطيب مع المجلة، ونفيدكم بأن مشاركاتكم مجازة للنشر في المنتدى. * الإخوة والأخوات: مهنا الصاعدي، صالح بن سليمان العامر، ضيف الله العتيبي، ياسر علي الشمري، محمد علي أحراش، فيصل سعد الغامدي، عبد العزيز المغربي، فارس الشريف، محمد الروبي عبد الوهاب، سفر ناجي العلوي، جعفر عارف العطار، عبد الرحيم عبد الواحد، عبد الله سيد شعبان، صالح عبد الله الضرمان، علي بن سليمان الدبيخي، وليد سمكري، محمد سعد دياب، محمد سليمان حسن، محمود خليل، سالم فرج سعد، حامد مسفر العبدلي، نايف عقاب المطيري، أسعد التهامي، بدرية محمد، سوسن إبراهيم خليل، زينب عبد الله السعود: سعدنا بتواصلكم الكريم مع مجلتكم ونتمنى لكم التوفيق في مشاركات أخرى، وأبواب المجلة مفتوحة لمشاركات الجميع.

стр. 3585

الورقة الأخيرة واقعنا بين الـ (كم) والـ (كيف) د. شاكر السروي نخطئ كثيراً عندما ننساق في زحمة الهموم وفي خضم السعي لتكثير سواد المسلمين وراء الكم والحرص على تحصيله دون التأكد من الكيف والعمل على تحقيقه. كما أن الصواب لا يحالفنا عندما نعتمد وسيلة تأليف القلوب بالماديات فقط مع المدعوين مهما امتد مكثهم بيننا. بل إن الخطأ يكون أشنع عندما نعتمد هذه الطريقة أداة رئيسة في استبقائهم معنا، وربما وفي أحيان كثيرة تكون هي الأداة الوحيدة. إن الأمر قد لا يكون بهذا الوضوح في واقع الدعوة، كما هو من الناحية النظرية؛ فقد يكون من المدعوين من يستمر في الطريق؛ لأنه يحصل على ميزات هي في مضمونها للدعوة، ولكنها تكون وسيلة لاجتذابه، لكونه المباشر لها، والقائم عليها، وتكون في ذلك قد وافقت منه حباً للظهور أو التصدر والرياسة، ويصحب ذلك من المربي بقصد أو بدون قصد عدم الحرص على تزكيته وربطه بالدار الآخرة؛ فيكون والحالة هذه في نظر من ضعفت فراسته شعلة من النشاط، وطاقة لا تنضب، وفارس ميدانه ووحيد عصره، إلى غير ذلك من الألقاب والنعوت، ثم يُمكَّن له أكثر فأكثر، ويتصدر ثم يتصدر، حتى إذا صلب عوده، واشتد ساعده لم يمكن بعد ذلك كبح جماحه فضلاً عن تزكيته. ومثل هؤلاء قد لا يظهر عُوارهم في المألوف من الأحوال والأزمان، وإنما عندما تأتي سنن الابتلاء بالخير أو الشر، وعندها تكون ضرباتهم في مقاتل. إن غرس مبدأ التطلُّع للآخرة والسعي لطلب مرضاة رب العالمين هو الأساس الذي قامت عليه الجماعة الأولى، والركيزة التي انطلق منها الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم لبناء القاعدة الصلبة التي ثبتت وضحَّت وآثرت الآخرة على الأولى، فكانت ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه. جاء الأنصار في بيعة العقبة يُشارطون الرسول ﷺ ، فلما عرفوا شرطَهُ، تساءلوا: ما لنا؟ فكان الجواب: «لكم الجنة» . فتربى على هذا الأمر الجميع والتزموه منهجاً، فلم تُغْرِهِمُ المغريات، ولم تفتنهم المفاتن، بل ضحُّوا في سبيل ذلك بكل غالٍ ونفيس، وضربوا في سبيل الثبات على المبدأ أروع الأمثلة في البذل والعطاء والتضحية. فهذا مصعب بن عمير ﵁ أنعم فتى في مكة يهجر كل لذة دنيوية، ويبذل كل البذل حتى يتوِّج ذلك بالشهادة في سبيل الله، ثم لا يُوجد له ما يُكفَّنُ به، فيُغَطَّى أسفله بورق الإذخر. وهذا صهيب ﵁ يترك كل تجارته في سبيل اللحاق بركب المصطفى ﷺ مهاجراً، وهؤلاء الصحابة يحفرون الخندق وقد ربطوا على بطونهم الحجارة، وإذا ما شبع أحدهم يوماً وقف مع نفسه وقفة المحاسبة والعتب والخوف أن تكون حسناته قد عُجِّلتْ له! ! بل العجب لا ينقضي وأنت تقرأ حديث جابر ﵁ الذي عند مسلم قال: «سرنا مع رسول الله ﷺ وكان قوت كل رجل منا في كل يوم تمرة، فكان يمصها ثم يصرُّها في ثوبه، وكنا نختبط بقِسِيِّنا ونأكل، حتى قرحت أشداقُنا، فأُقسم أُخْطِئَها رجلٌ منا يوماً فانطلقنا به ننعشه، فشهدنا أنه لم يُعطَها فأُعطيها فقام فأخذها» [١] . فعجباً لأولئك القوم يجاهد أحدهم بنفسه، ويسعى ليبذل روحه رخيصة في سبيل الله، حتى إذا أخطأته تمرة هي كل قوته في يوم كامل لم يكن له أن يأخذ عوضاً عنها وقد حُمِلَ حملاً من شدة الجوع حتى يقيم البينة على ذلك! ! فما أحوجنا في زمن المغرِيات، والملهِيات، ومع تكاثر من يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا قليل، أن نكون أكثر حرصاً وأدق تمحيصاً للصف، وأن نعين إخواننا على تصحيح النوايا وتصويب المقاصد، ولا ننسى مع ذلك أن الأمر يقضى في السماء؛ فلنجتهد في الدعاء، ولنتزود بالتقوى. قال تعالى: [وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] (آل عمران: ١٢٠) .

стр. 3586

جمادى الآخرة - ١٤٢١هـ سبتمبر - ٢٠٠٠م (السنة: ١٥)

стр. 3587

كلمة صغيرة مهزلة تصدير الأتاتوركية ! من مهازل هذا الزمان أن يدعو من يسمى وزير (الشؤون الدينية) التركي إلى إعادة النظر في التجربة الأتاتوركية والاستفادة منها باعتبارها هي الإسلام الصحيح؛ مع دعوته في الوقت نفسه إلى إعادة النظر في تفسيرات القرآن والسنة بما يتفق ومعطيات العصر الحضارية، ومناشداً علماء الإسلام والمفكرين المسلمين إلى التداعي لطرح الإسلام من خلال تفسير واقعي ومنطقي؛ لأن جميع الدول الإسلامية تطبق الإسلام بشكل خاطئ! ! وإن في ذلك ما سيعيد الاحترام والتقدير للإسلام الذي شوهه المتطرفون! وبادئ ذي بدء فإنه من المتحقق أن فاقد الشيء لا يعطيه، ثم ما حقيقة الإسلام القائم في دولة تركيا سوى (أطلال باقية) على يد العلمانيين المتطرفين الذين تدخلوا في شؤون الأفراد وحرياتهم الخاصة حتى قننوا منع الإسلام واعتباره اتجاهاً مرفوضاً، وقننوا منع الحجاب للمرأة المسلمة، وعملوا على إضعاف المدارس القرآنية، ورفضوا رغبة الشعب التركي يوم اختار (الاتجاه الإسلامي) الذي حكم لفترة، فضايقوه حتى نُحِّي وزُجَّ برموزه في محاكم همجية تذكِّر بمحاكم التفتيش. فماذا سيرغِّب الناس في الأتاتوركية؟ إن الهراء الذي يطرحه الوزير المذكور (شنشنة معروفة) يطرحها المنحرفون حينما تبور سلعهم؛ وهيهات أن يغتر بها إلا الضالون. ثم ماذا استفادت تركيا من (التجربة الأتاتوركية) سوى أن أصبحت ذيلاً بين الدول واضطرت بـ (ذلة) إلى طلب ود الغرب والانضمام إليه مع ما قدمته من تنازلات ثم تُرفَض مع كل ذلك. وتحكَّم (الدونمة) في أزمَّة الأمور بتركيا حتى أصبحت بُعداً استراتيجياً للعدو الصهيوني؛ أما ديمقراطيتهم فهي صورة لا حقيقة لها والواقع خير شاهد. وحينما يصل الإسلاميون للحكم فإنهم يُنَحَّوْن بخطط معدة سلفاً أو بانقلابات عسكرية يؤيدها الغرب، ونذكِّر الوزير أن دعوته النشاز تلك ما هي إلا محاولة لإعادة الروح للجثة الأتاتوركية، وهيهات أن تحيا بعد إخفاقها وموتها. وعزة تركيا بل عزة المسلمين جميعاً في التمسك بالإسلام الحق؛ وأوله: تنحية القوانين الأتاتوركية ذاتها التي تبعد الإسلام عن الواقع وتفصله عن الحياة؛ فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام وهو طريقنا القويم للحياة الكريمة: [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ] (الأنعام: ١٥٣) .

стр. 3588

الافتتاحية علم النفس والسياسة وفن الخداع الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فمن العلامات المميزة في التخطيط عند الغربيين: دخول دراسات علم النفس في جميع المجالات العملية التي تمس حياة الكائن البشري؛ فهناك علم النفس العام بجانب علم النفس التربوي، وعلم نفس النمو، وعلم النفس الصناعي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الديني ... إلخ، وكلها دراسات تنصبُّ على معرفة الميول والانفعالات والاتجاهات والحاجات ... لدى الأفراد والجماعات، مما يمهد الطريق لمعالجة (الانحرافات) الموجودة، أو توليد توجهات جديدة، أو التأثير على المشاعر للوصول للهدف المنشود؛ أياً كان هذا الهدف. ولا شك أن هذه الدراسات يمكن الاستفادة منها إسلامياً في الدعوة والتغيير، ولكن أيضاً يجب التنبه إليها وإلى آثارها عند تطبيقها علينا بصورة غير معلنة ولا ظاهرة؛ بحيث تبدو الأحداث وكأنها بريئة أو (ساذجة) ليتم بلع الطعم المراد بصورة عفوية.. والحقيقة أن الأمور تجري تحت الدراسة والسيطرة! ولأن التأثير على المجتمعات لا يتم بالتعامل مع كل فرد على حدة؛ فإن الإعلام بأجهزته المختلفة يلعب دوراً كبيراً في توجيه هذه المجتمعات (بالجملة) من خلال إلقاء معلومات معينة، أو إبراز بعضها وإخفاء آخر، أو بطريقة عرض المعلومة ... ليتقمص هذا الإعلام بمن يملكونه ويحركونه دور الطبيب والمعالج النفسي. ونستطيع ضرب أكثر من مثل لإيضاح هذا الدور في التأثير (الخفي) على المستهدفين. فبعد انتشار صور المذابح الوحشية التي ارتكبها الصرب بحق المسلمين في البوسنة والهرسك مما أثار مشاعر المسلمين في أنحاء العالم وأنذر بإيقاظ روح الأخوة الإسلامية وإلهاب مشاعر الغيرة والحماس خَفَتَ الحديث عن هذه المذابح وصَغُر حجم النشر عن هذه الحرب؛ مما يومئ بتراجع أهميتها في الأحداث، ومن ثَمَّ في حس القارئ أو المشاهد (المسلم طبعاً) ، وصاحَبَ ذلك نَشْرُ بعض الصور التي يظهر فيها بعض (البوسنويين) وهم يشترون حاجياتهم أو يعبرون الطرقات بمرافقة أحد جنود القوات الدولية، مما يومئ بأن هؤلاء البوسنويين (تكيفوا) مع هذه الأوضاع ولا تنس أن منهم من كان يمارس الرقص واللهو في أقبية المخابئ مما يعني أن لا داعي للقلق عليهم، ويومئ أيضاً بأن قوات الأمم المتحدة تقوم بواجبها في حماية هؤلاء الضعفاء المساكين؛ فليطمئن المسلمون أصحاب العاطفة الدينية الجياشة في العالم ولينسوا هذه القضية التي تشعل هذه العاطفة، بينما كانت الحقيقة أن المذابح متواصلة، وأن مسلمي البوسنة ينهشهم الصرب والكروات الذين تسلحوا في الحرب بأكثر مما تسلحوا قبلها من كل جانب، والحقيقة أيضاً أن قوات الأمم المتحدة (والناتو) ما تدخلت تدخلاً جدياً (بصورة مظهرية) إلا عندما كان المسلمون على وشك إحراز انتصار حاسم في كل مرة. مثال آخر: ما شاهدناه ونشاهده منذ فترة من فصول مسرحية مملة عنوانها: (عملية السلام في الشرق الأوسط) ، ويمكننا أن نشير إلى بعض الإلماحات التي توضح المقصود، ويستطيع القارئ إكمال الصورة من خلال تفحصه هو لما يبث كل يوم وكل ساعة. فمن ذلك: الإلحاح على إظهار أن المفاوضات (ومن ثم: الصراع!) قائم على مسائل ومطامع جزئية (وثانوية) ، فالمفاوضات الشاقة تدور حول قضية لاجئين، أو اقتسام المياه، أو السماح بممر آمن، أو افتتاح مطار، أو إقامة مجموعة مبانٍ، أو السيادة على شارع، أو إغلاق نفق، أو حرية الوصول إلى مسجد (ولو كان المسجد الأقصى أو مسجد الخليل) ،.. ومع الوقت يصدِّق رجل الشارع (العربي) أن هذه النزاعات هي بالفعل جوهر الصراع؛ لأنها دائماً مسائل المفاوضات، وينسى كما هي عادته التي يعرفها الغربيون أن أساس الصراع هو بين فكرتين وحضارتين إسلامية وغربية صهيوينة، وينسى أن هناك وطناً كاملاً اغتصب من أمة قطعت أوصالها. ومن ذلك: إظهار علاقات المفاوضين من الطرفين (لاحظ أنه تم تمرير أن المفاوضين عن العرب ممثلون حقيقيون لأمتهم وباسم شعوبهم) تارة بمظهر الود والوئام والصداقة والاحترام (وهي بالفعل كذلك) حتى إنهم ليبيتون سوياً ويأكلون سوياً ويتنزهون سويا ويلعبون سوياً! .. ويحترمون عطلة السبت سوياً، وفي ذلك إعطاء القدوة لرجل الشارع (العربي) بكسر حاجز البغض والعداوة بهدف ترسيخ أن اليهود ليسوا أعداءاً بل بشر كغيرهم، فيهم اللطيف الظريف كبيريز وباراك، كما فيهم الفج العنيف كشارون ونتنياهو، فلِمَ لا نقبلهم ولا نثق بهم؟ ! وبالطبع تبلع الشعوب (العاطفية) المتقلبة الطعم. وتارة أخرى يظهر المفاوض العربي بمظهر المفاوض الصعب والمتعنت حتى إنه لينسحب من المفاوضات، أو على الأقل يحزم حقائبه ويهدد، وهي رسالة واضحة (بالطبع لرجل الشارع العربي) بأن اطمئن؛ فالقضية في أيد أمينة، لا تتنازل ولا تتهاون، وإنما هي واقعية! ترضى بما هو متاح ومستطاع ممن بيدهم ٩٩% من أوراق (اللعبة) ! . ويتعلق بذلك: إظهار تعنُّت المفاوض (الإسرائيلي) وتعاطف الراعي الأمريكي معه، وإظهار صعوبة المفاوضات حتى إنها لتؤجل وتلغى وتتحول من مكان لآخر، ومن راعٍ إلى آخر، وتخفق أكثر من مرة مما يستلزم رحلات مكوكية واستدعاء أطراف أخرى للضغط على المفاوضين، وطرح مبادرات جديدة، ولأن رجل الشارع (العربي) اعتاد أن (لا يوجد حلاوة من غير نار) فإنه طبقاً لنظرية الاشتراط الجزائي يتوقع أن كل نار يتبعها حلاوة! وعلى ذلك فإنه يتهيأ نفسياً لقبول أي (اتفاق) يخرج؛ لأن أي (مكتسبات) تعطى فإنما هي إنجازات انتزعت بشق الأنفس من بين مخالب الأسد! ويصبح أصحاب هذا الاتفاق أبطالاً يستحقون الشكر والثناء ثم الإشادة والإطراء. إننا قد لا نستطيع حصر هذه النماذج في مثل هذا المقام؛ فهي تحتاج لدراسة أعمق وأشمل، ولكننا نؤكد على أننا مستهدَفون منذ زمن، ولذلك وُضِعنا تحت مجهر الدراسات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، تقوم بذلك مؤسسات عريقة ومراكز أبحاث ذات إمكانات عالية، لم يكن ذلك بالأمس القريب، بل منذ أن أخفق الغرب في حروبه الصليبية، فأرسل جنوده من الرحَّالة والرهبان والتجار والسفراء والمستشرقين.. يسجلون ويحصون ويكتبون ويرسمون، حتى باتت أعراقنا وخصائصنا وثقافتنا وتاريخنا وتقاليدنا ومجتمعاتنا وإمكاناتنا جميعها تحت المجهر، فأخذوا يدرسون ويخططون، ثم ينفذون ويُجهزون! [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً] (الطارق: ١٥-١٧) .

стр. 3589

دراسات في الشريعة والعقيدة تخريج الأحاديث النبوية فريضة شرعية وأمانة علمية جلال راغون مما لا شك فيه أن السنة النبوية تعد المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن؛ والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ] (النساء: ٥٩) وعدّ القرآن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله : [مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] (النساء: ٨٠) ، وحذرنا من مخالفة أمره: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النور: ٦٣) ، وأقسم الله على نفي الإيمان عمن أعرض عن سنة رسول الله ﷺ ولم يقبل حكمها راضياً مسلِّماً [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء: ٦٥) . فالسنة النبوية في مرتبة القرآن الكريم من حيث وجوب الاحتجاج؛ فهما معاً المصدران الأساسيان للإسلام، ولكن السنة ليست كالقرآن من حيث الثبوت؛ فالقرآن قطعي الثبوت بخلاف السنة فبعضها ظني الثبوت. ١ - تقسيم السنة من حيث الثبوت: من المسلَّمات العلمية عند المحدِّثين أن السنة النبوية تنقسم من حيث الثبوت إلى قسمين: - سنة مقبولة، وسنة مردودة. أ - السنة المقبولة: هي التي تتوفر على الشروط الآتية [١] : ١ - اتصال السند. ٢ - عدالة الرواة. ٣ - ضبطهم وإن خف. ٤ - عدم الشذوذ. ٥ - عدم العلة القادحة. ٦ - التقوية والاعتضاد عند الحاجة. والحديث المقبول يتنوع إلى أربعة أنواع [٢] : ١ - الصحيح لذاته. ٢ - الصحيح لغيره. ٣ - الحسن لذاته. ٤ - الحسن لغيره. ب - السنة المردودة: وهي التي فقدت شرطاً من شروط القبول المتقدمة. وتعرف السنة المردودة عند المحدثين بالحديث الضعيف. والحديث الضعيف أنواع كثيرة يمكن تصنيفها إلى صنفين: ١ - ما ضعفه خفيف. ٢ - ما ضعفه شديد. وشر أنواع الضعيف الحديث الموضوع. وقد أحببت أن أذكِّر ولو على وجه الإجمال بهذه المعطيات العلمية المقررة في مصطلح الحديث لأبين أنه: ليس كل ما ينسب إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت مقبول، بل هناك أحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة. وهذا الأمر يحتم على من يريد الاستدلال بالحديث النبوي تخريجه ليعرف مرتبته من حيث القبول أو الرد. ٢ - حكم تخريج الأحاديث: في ضوء ما تقدم يمكن أن نستنتج أن أول واجب على المستدل بالحديث النبوي الشريف تخريجه ليعرف مرتبته. وبعدم تخريج الحديث؛ فقد يساهم في نشر الكذب على النبي ﷺ إذا كان الحديث موضوعاً. ومن الأدلة الشرعية التي نستفيد منها وجوبَ التخريجِ السنةُ النبوية؛ فهناك حديثان صحيحان يدلان على ذلك: الحديث الأول قوله ﷺ : «من حدَّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» [٣] . والحديث الثاني قوله ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع» [٤] . والحديثان أخرجهما أيضاً ابن حبان في صحيحه وترجم لهما بقوله: «فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى ﷺ وهو غير عالم بصحته» [٥] . فمن نسب الحديث إلى رسول الله ﷺ وهو لا يعلم مرتبته فإنه يستحق دخول النار. ومعلوم أن من يستحق دخول النار هو تارك الواجب أو مرتكب الحرام. وهذا الذي استفاده الإمام ابن حبان من الحديثين يدل على بعد نظره وحسن فقهه. وقد قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في هذا المجال: «ومما زاد في إغراء العلماء بالنظر في صحيح ابن حبان والأخذ عنه ما حفل به هذا الصحيح من استنباطات فقهية دقيقة عنون بها المؤلف كل حديث أورده؛ فكتابه من هذه الناحية يعد كتاباً في الفقه ذا أهمية خاصة؛ لأن استنباطاته مبنية على أدلتها مستندة إلى نصوصها» [٦] . ويمكن أن نستدل على وجوب التخريج بالقرآن نفسه وذلك في قوله تعالى: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] (الإسراء: ٣٦) ، فمن نسب الحديث إلى رسول الله ﷺ دون تخريج ومعرفة بمرتبته فقد قفا ما ليس له به علم، ومن ثَمَّ وقع في المحذور. ويمكن أيضاً أن نستدل على الوجوب بالقاعدة الشرعية المشهورة: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» فعدم الكذب على رسول الله ﷺ واجب ولا يتم ذلك إلا بتخريج الحديث لمعرفة مرتبته؛ وعليه فتخريج الحديث واجب. فاتضح لنا أن تخريج الأحاديث فريضة شرعية. ومعلوم أن ممتثل الفرض يثاب، وتاركه يستحق العقاب. وتخريج الأحاديث يعدّ أمانة علمية أيضاً؛ إذ إنه كما هو مقرر في المنهجية العلمية يتعين على الباحث نسبة الأقوال إلى أصحابها وذكر المصادر والمراجع المعتمدة في نقل تلك الأقوال. إذا كان هذا في حق أقوال عامة الناس فما بالك بالنسبة لمن أقواله تعتبر من التشريع؟ فمن الأمانة العلمية أن نخرج الحديث ونبين مرتبته ونذكر المصادر والمراجع المعتمدة في ذلك. وإذا كان في عصور الرواية لا ينسب الحديث إلى رسول الله ﷺ إلا بذكر إسناده، واشتهرت في تلك العصور المقولة الآتية: «الإسناد من الدين؛ ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء» ففي عصرنا يعتبر تخريج الحديث هو إسنادنا، ولذا فما أحوجنا في هذا العصر إلى المقولة الآتية: «تخريج الحديث من الدين، ولولا التخريج لقال من شاء ما شاء» ! ولكن مما يؤسف له في عصرنا قلة العناية بهذه الفريضة الشرعية، والإخلال بالأمانة العلمية، فتجد المستدل على أمر هام في الدين يستدل بالأحاديث دون تخريج وقد تكون ضعيفة وموضوعة، بَلْهَ الخطيب في خطبته والواعظ في موعظته والمدرس في درسه والكاتب في مقاله. ٣ - نموذج لقلة العناية بهذا الواجب: النموذج الذي سأذكره ينتمي إلى مجال يعتبر في عصرنا من أهم وسائل الدعوة ونشر التعاليم الإسلامية. ذلك المجال هو الصحافة الإسلامية؛ فمما لا شك فيه أنها تقوم بدور متميز في توعية المسلمين بأمور الحياة المختلفة انطلاقاً من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وهي تستحق على ذلك كل تقدير واحترام. ولكن الملاحظ قلة عنايتها بواجب التخريج إلا من بعضها. فالمفروض أن تساهم الصحافة الإسلامية في نشر الإسلام الصحيح من منبعه الصافي القرآن وما ثبت عن رسول الله ﷺ . وسأقتصر على مقال واحد تضمن ثمانية أحاديث بدون تخريج، عنوانه (اختيار الزوج) نشر بصحيفة إسلامية مغربية؛ وبعد تخريج تلك الأحاديث وجدت معظمها شديد الضعف، ومنها ما هو موضوع كما سيتضح مما يلي: ١ - تنكح المرأة لأربع: «لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» أخرجه البخاري [٧] ، ومسلم [٨] عن أبي هريرة. ٢ - أتى رسول الله ﷺ رجل يستأمره في النكاح فقال: «نعم انكح، وعليك بذات الدين تربت يداك» . لم أقف على من أخرجه، وفي الحديث السابق غنى عنه؛ لأنه يتضمن معناه. ٣ - «لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين» . أخرجه ابن ماجه [٩] عن أبي هريرة، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف في حفظه [١٠] . ٤ - «لا يختار حسن وجه المرأة على حسن دينها» . ذكر المتقي الهندي في كنز العمال [١١] أن الديلمي رواه عن عبادة بن الصامت، وفي إسناده الوازع بن نافع [١٢] . قلت: قال في حقه الإمام البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك [١٣] . ٥ - «إياكم وخضراء الدِّمَن، قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء» رواه القضاعي في مسند الشهاب عن أبي سعيد الخدري، ومداره على الواقدي وهو متروك [١٤] . ومن ثَمَّ فهذا حديث ضعيف جداً. ٦ - «تخيروا لنطفكم، وانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم» . أخرجه ابن ماجة وغيره عن عائشة، وقد صححه الشيخ الألباني بمجموع طرقه [١٥] . ٧ - «تزوجوا في الحِجْر الصالح؛ فإن العرق دساس» . أخرجه ابن عدي في الكامل عن أنس بن مالك، وهو موضوع [١٦] . ٨ - «لا تتزوجوا الحمقاء؛ فإن صحبتها بلاء، وفي ولدها ضياع» . في إسناده كذاب كما ذكر الإمام الشوكاني [١٧] ومن ثَمَّ فهو موضوع. ٤ - توجيهات للقيام بهذا الواجب: أختم هذه الدراسة المتواضعة بتوجيهات تنير السبيل للقيام بواجب التخريج. وقبل ذلك يحسن بي أن أعرِّف التخريج ولو على وجه الإجمال [١٨] : المقصود بتخريح الحديث عزوه إلى مصدره أي الكتاب الذي يذكر صاحبه الأحاديث بأسانيده كصحيح البخاري مثلاً. أما الكتب التي لا تُذكر فيها الأحاديث بالأسانيد فهي مراجع للسنة كرياض الصالحين للنووي، والترغيب والترهيب للمنذري على سبيل المثال. والأصل في التخريج عزو الحديث إلى مصدره، وإذا تعذر ذلك فلا أقل من عزوه إلى المرجع الذي يلتزم صاحبه بعزو الأحاديث إلى مصادرها. والغاية من التخريج معرفة مرتبة الحديث ليحتج بالمقبول ويترك المردود. ومصادر السنة كثيرة ومتنوعة يمكن تصنيفها إلى صنفين: الصنف الأول: التزم أصحابه الصحة. ومن أشهر المصادر المندرجة في هذا الصنف الصحيحان: صحيح البخاري، وصحيح مسلم اللذان يعتبران أصح مصادر السنة النبوية، وهما جامعان، والجامع في الاصطلاح هو المصدر المرتب على الأبواب والذي يوجد فيه جميع موضوعات الدين وأبوابه [١٩] ؛ وعليه فمن يريد الاستدلال بالحديث في أي مجال فسيجد مبتغاه في الصحيحين. وهما مطبوعان والرجوع إليهما ميسر، ولله الحمد. الصنف الثاني: لم يلتزم أصحابه الصحة، ولذلك تجد فيه الأحاديث المقبولة والمردودة. ومن أشهر المصادر المندرجة في هذا الصنف السنن الأربعة: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه [٢٠] ، وهذه المصادر الأربعة لها مكانة خاصة عند المحدثين؛ فهي مع الصحيحين تتمم الأصول الستة المشهورة عند العلماء بالكتب الستة. وبما أن السنن الأربعة توجد فيها أحاديث مردودة فعلى المستدل بحديث من أحاديثها أن يبحث في أقوال المحدِّثين ليعرف مرتبته. وقد قام الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ بعمل جليل نحو السنن الأربعة؛ حيث ميز صحيحها من ضعيفها في سلسلة خاصة طبعت، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ فالاستدلال بأحاديث الكتب الستة ميسر ولله الحمد. ومن مصادر السنة المندرجة في هذا الصنف أيضاً المسانيد والمعاجم ومن أشهرها مسند الإمام أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، وقد قام إمام من أئمة الحديث بتيسير الاستفادة من هذه المصادر وذلك بإفراد زوائدها على الكتب الستة مع بيان مرتبتها، ذلك الإمام الهمام هو الحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) في كتابه الحافل: (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) [٢١] وقد طبع؛ وعلى ذلك فإن في استطاعة من يريد الاستدلال بحديث من الأحاديث الواردة في المصادر السابقة أن يرجع إلى هذا المرجع الهام. ومن أهم المراجع المعاصرة التي تضم آلاف الأحاديث المقبولة مع عزوها إلى مصادرها كتاب (صحيح الجامع الصغير وزياداته) للشيخ ناصر الدين الألباني ﵀. وبهذا يتضح لنا أن علماء الأمة قديماً وحديثاً قدموا خدمات جليلة للسنة النبوية، ويسروا للباحثين السبل لتخريج الأحاديث ومعرفة مرتبتها. وفقنا الله جميعاً للقيام بواجب التخريج؛ ففي ذلك خير عظيم والحمد لله رب العالمين.

стр. 3590

دراسات في الشريعة والعقيدة إشكالية التعامل مع المصادر الأصلية والثانوية للفرق الإسلامية ضوابط منهجية د. أحمد جمال بادي مدخل إلى الموضوع: تعج المكتبة الإسلامية بكم هائل من الدراسات والمصنفات القديمة والمعاصرة فيما يتعلق بالفرق الإسلامية عموماً، وفيما يتعلق بمسائل الإيمان والتوحيد، أو ما اصطلح عليه بعض المتأخرين بـ «علم الكلام» على الخصوص. لكن الباحث يلاحظ ويواجه إشكاليات عديدة في تعامله مع تلك الدراسات والكتب والمصنفات قد تقوده إلى نتائج سلبية وخيمة، ومنها أن التصورات الخاطئة عن فرقةٍ مَّا من الفرق قد تؤدي إلى التجني في الحكم عليها والإجحاف في حقها؛ لا سيما إذا ما انضاف إلى ذلك العامل النفسي وما جُبِلَ عليه الناس من بغض المخالف مما يؤدي بدوره إلى التحامل والتحيز ضد تلك الفرقة. يقول الله تعالى: [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) ، [وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ] (الأعراف: ٨٥) . ومن النتائج المباشرة لوجود تلك الإشكاليات ما نلمسه عن قرب ونجده من تضارب في الأقوال ووجهات النظر بين تلك الدراسات والمصادر سواء في نسبة الأقوال إلى قائليها من كل فرقة، أو في حقيقة أقوال فرقة مَّا في المسألة الواحدة من مسائل الاعتقاد، أو في الحكم على تلك الفرقة ومدى قربها أو بعدها من الحق. ومن تلك النتائج وهو إشكالية قديمة متجددة موضوع تفريعات وتقسيمات الفرق إلى فرق صغيرة والذي يبدو عليه في بعض الأحيان التمحل الواضح، وكأن الهم الوحيد للمؤلف أو صاحب الدراسة هو إيصال عدد الفرق إلى اثنتين وسبعين فرقة ليطابق العدد المذكور في حديث «الافتراق» المشهور [١] . ويدخل في النتائج المترتبة على الإشكالية السابقة إهمال عامل التطور الفكري والعقدي لفرقةٍ مَّا أو لأحد رجالاتها مما أوقع الكثيرين في التناقض أو الحيرة والتخبط. هذه الإشكاليات وما ترتب عليها من نتائج يُبرِز مدى الحاجة إلى الضوابط المنهجية التي تعين كل باحث وطالب علم في موضوع الفرق الإسلامية على التعامل الصحيح مع ذلكم الكم الهائل من المصادر والمراجع العامة والخاصة، القديمة والمعاصرة. ويحسن بي قبل البدء بالكلام على هذه الضوابط والقواعد أن أتلمس بعض الأسباب والعوامل التي أدت إلى وجود هذه الظاهرة. الأسباب العامة للإشكالية: إن المتتبع للدراسات العامة والخاصة عن الفرق الإسلامية من المتخصصين في هذا الفن ينتبه إلى جملة عوامل تشكل في مجموعها أهم الأسباب الكامنة وراء الإشكالية المتحدث عنها: أولها: صعوبة الوصول إلى المصادر الأصلية «الأولية» لبعض الفرق الإسلامية إما لضياعها أو لعدم انتشارها؛ أو لقلة التأليف عند أصحابها، وبذلك أصبحت المصادر العامة التي ألفت عن تلك الفرقة هي المعتمد لدى كثير من الباحثين وطلبة العلم. ثانيها: ظاهرة النقل الحرفي المتكرر لبعض المؤلفات العامة في الفرق لاحقاً عن سابق دون تمحيص أو تحليل أو نقد أو تفكير وروية؛ فقد يخيل لبعض الدارسين إجماع أصحاب تلك المؤلفات والمصنفات على المسائل المنقولة والمدروسة، وما هي عند التدقيق والتحقيق إلا منقولات مكررة وعبارات مقتبسة غير محررة. يقول ابن تيمية: «ما ينقله الشهرستاني وأمثاله [٢] من المصنفين في الملل والنحل عامته ما ينقله بعضهم عن بعض، كثير من ذلك لم يحرر أقوال المنقول عنهم، ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله، بل هو ينقل من كتب من صنف قبله» [٣] . بل كثيراً ما ينقل الشهرستاني الأقوال دون عزو إلى مصادرها، وقد يترجم بعض الكلام فينقله من الأعجمية إلى العربية [٤] . كما يذكر الرازي [٥] بأن الشهرستاني ينقل عن كتاب: «الفَرْق بين الفِرَق» للبغدادي، وأن الثاني لا يكاد ينقل مذهب المخالفين على وجهه، ولذلك وقع الخلل في نقل المذاهب؛ وهي مسألة لها تعلق بقضية التعصب والتحيز المذهبي [٦] . ثالثها: أن معظم المؤلفات العامة في الفرق أُلِّفت من قِبَل أصحاب توجه أو مذهب عقدي معين مما أدى إلى التحامل في النظرة إلى الخصوم والمخالفين عند الحديث عنهم، وسوء تفسير كلامهم وتأويل مقصودهم. رابعها: ومن الأسباب الجلية أيضاً وراء الموضوع اعتماد كثير من المؤلفين والدارسين على المصادر التاريخية العامة فيما يتعلق بالأحداث التاريخية الخاصة بالفرق، وما يتعلق بتلك الأحداث من أقوال ذكرت عنها أو نسبت إلى تلك الفرق. من بين تلك المصادر التاريخية العامة: تاريخ الطبري (ت ٢٢٤هـ) و «مروج الذهب» للمسعودي (ت ٣٤٦هـ) و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) ، و «المنتظم» لابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ) ، و «البداية والنهاية» لابن كثير (ت ٧٧٠هـ؟) ، و «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (ت ٧٨٠ هـ) . والحق أن تلك الأحداث والوقائع والأقوال في حاجة إلى أمرين اثنين: الأول: التأكد من مدى ثبوتها عن أصحابها. الثاني: معرفة حال رواتها؛ لأنهم في غالب الأحيان قد يكونون من أتباع مذهب عقدي معين يروون الخبر ضد خصومهم ومخالفيهم. ويكفي في التدليل على ذلك أن نعلم مثلاً أن أبا مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧هـ) قد روى له الإمام الطبري في تاريخه ما يقارب ستمائة رواية [٧] . علماً بأن أبا مخنف هذا معروف بتشيعه أولاً، وأجمع علماء الحديث على تركه وتوهينه لتشيعه وكذبه ثانياً. خامسها: ومن الأسباب التي يمكن اعتبارها في الموضوع فيما يتعلق بالدراسات المعاصرة الخاصة بالفرق أن بعضها كتب بأيدي المستشرقين؛ حيث طبقوا عليها مناهجهم في البحث والاستدلال، ووظفوا فيها سيل المعلومات غير الموثقة توظيفاً خاطئاً، ورتبوها ترتيباً انتقائياً ليصلوا إلى النتائج المعدة سلفاً أو ما يوافق أهواءهم وتغرصاتهم. ثم تابعهم على آرائهم ونتائجهم بعض الكتاب والباحثين من المسلمين؛ وهو ما أوقع أصحاب تلك الدراسات في التناقض العجيب [٨] . سادسها: ومن أسباب الإشكالية أيضاً اختلاف وجهات النظر حول تصحيح حديث الافتراق والأخذ به. فرغم ورود الحديث في معظم كتب السنة [٩] ، ورواية عدد كبير من الصحابة [١٠] ﵃ له، ورغم تصحيح أقطاب الفن والتخصص له [١١] ، إلا أن عدداً من العلماء المتقدمين والمفكرين المتأخرين ضعفوه، وطعنوا في ثبوته وصحته. والحقيقة الدامغة التي غابت عن هؤلاء أو ذهلوا عنها أن الواقع التاريخي والواقع المعاش اليوم خير دليل عملي مشاهد وأقوى حجة وبرهان على صحة هذا الحديث. فهل ينكر منكر ويكابر مكابر في وجود الاختلاف والتفرق والتشرذم على مر التاريخ وإلى يومنا هذا؟ فهذه المكتبة التي تعج بالكتب والمؤلفات والردود، والردود على الردود في مختلف مسائل الاعتقاد شاهد نظري على ذلك الأمر. وهذه الفرق بمسمياتها المختلفة والموجودة في كل أقطار العالم الإسلامي، وكثير منها لها حضور سياسي ملموس، شاهد عملي على ذلك. بل إن أكثر الذين شككوا في حديث الافتراق وصحته إنما بثوا كلامهم هذا أثناء حديثهم عن الفرق التي يخالفونها ويردون عليها، فهل بعد هذا من عجب؟ سابع الأسباب: ومن أسباب الإشكالية أيضاً اختلاف وجهات نظر العلماء والباحثين والدارسين حول أسباب الاختلاف والتفرق هل هي: أسباب داخلية ذاتية؟ أم أنها أسباب خارجية ومن كيد أعداء الإسلام كاليهود والنصارى والمجوس؟ أم أنها عوامل مشتركة؟ وإذا كانت مشتركة فهل هي منفصلة عن بعضها ولا ارتباط بينها؟ أم أنها أسباب داخلية ثم استثمرت واستغلت من قبل الآخرين (الأعداء) لتصل إلى ما وصلت إليه؟ لكل رأي من هذه الآراء قائل ومدافع، وعلى كل واحد منها أدلة تاريخية أو جدلية برهانية. أما التاريخ فيقول أهل الاختصاص فيه: أعطني أي فكرة أو رأي فأثبته لك، وأثبت لك عكسه من التاريخ. وأما الجدل وقضاياه فله قواعده التي يمكن بها اختبار مدى صدقه من كذبه. ولا زال الأمر في حاجة إلى تمحيص ودراسة. أهمية تحرير الضوابط المنهجية: ولعلنا مما ذكر آنفا نعلم مدى الحاجة بل والضرورة إلى تحرير الضوابط المنهجية التي تعين طلبة العلم بل وعموم المطلعين والباحثين الذين يبحثون في موضوع الفرق الإسلامية وأقوالها وأفكارها وآثارها والحكم عليها، فتيسر لهم سبل الإفادة من مختلف المصادر والمراجع على الوجه العلمي الصحيح المبني على قواعد التحقيق والتدقيق لتحصل بذلك الفائدة ويتم المقصود. ونحن في حاجة اليوم لمثل هذا الأمر أكثر من أي وقت مضى للأسباب الآتية: ١ - توفر الكتب والمصادر بغثها وسمينها بتيسر الطباعة وانتشار دور النشر في كل بقاع الدنيا. ٢ - ازدياد عدد الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي الذي تبعه ازدياد عدد طلبة العلم والباحثين حول الموضوع. ٣ - وجود عامل الاستقطاب المذهبي والإحياء الطائفي. ٤ - نشأة بعض الجماعات الإسلامية في الساحة الدعوية والتي بنت فكرها وأصولها ومنهجها بتتبع خطا من سبقها من الفرق والمذاهب العقدية. ٥ - ما ترتب من سلبيات على الأمر السابق، انعكست آثاره على المجتمعات الإسلامية فعانت من تلك الآثار ولا زالت تعاني حتى الآن. ٦ - ما ترتب على الأمرين السابقين من دخول حلبة ميدان الكتابة في الموضوع من ليسوا من أهل الاختصاص كبعض الصحفيين الذين سالت أقلامهم بمشاعرهم وما نشأ عن مشاعرهم من تصورات قد يكون فيها المبالغة والحيدة عن جادة الصواب. ٧ - ازدياد عدد المثقفين في العالم وهو أمر محمود الذين يكوِّن الكثير منهم تصوراته ومفاهيمه الإسلامية عبر ما يتلقفه وتقع عليه يداه من كتب ومقالات وأشرطة دون منهجية علمية سليمة. ويمثل هؤلاء في عمومهم ومجملهم الأرض الخصبة للاستقطاب المذهبي والطائفي المذكور. بيان الضوابط وكيفية التعامل معها: كل هذه العوامل والأسباب تجعل من آكد فروض الكفاية اليوم بيان الضوابط المنهجية للتعامل مع المصادر الأولية والثانوية للفرق الإسلامية. وفيما يلي محاولة متواضعة في الموضوع [١٢] ، وقد قسمت الضوابط إلى قسمين بحسب تقسيم المصادر إلى أولية وثانوية. أولاً: الضوابط المنهجية للتعامل مع المصادر الأولية: الأول: ينبغي لطالب العلم المبتدئ والباحث المستجد الذين لم تتأصل لديهم العلوم الشرعية، وليس لديهم المنهجيات الكافية الحذر من البدء بكتب الفرق، أو بالكتب التي ألفت عنها؛ لأنها مفازة لا يستطيع اجتيازها إلا الخبير الذي أخذ للأمر أهبته واستعداده، وإلا وقع في المهالك واحتوشته شبهات المنحرفين إلا أن يشاء الله تعالى. ومن أسباب هذا التحذير أن معظم الكتب العامة التي ألفت عن الفرق زرعت الشبهات ولم تردَّ عليها، وبذرت الشكوك ولم تكترث لعواقبها. فالنصيحة للمبتدئ في الموضوع أن يبدأ بالكتب الآتية: ١ - الكتب التي تحذر من البدعة والابتداع، نحو: «البدع والنهي عنها» لابن وضاح، وكتاب الإمام الطرطوشي، وكتاب أبي شامة. ٢ - الكتب التي أصَّلت الأصول والقواعد والضوابط في موضوع الفرق والفرقة والاختلاف، ويأتي في مقدمتها كتاب: «الاعتصام» للإمام الشاطبي. ٣ - البدء بالكتب التي كتبت عن الفرق ولم تكتف بإيراد الشبهات، بل ردت عليها وفندتها ودحضتها. ويأتي في مقدمة هذه الكتب المفيدة: كتاب: «التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع» لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي (ت ٣٧٧ هـ) فبالإضافة إلى ما يورده من آراء أهل البدع والرد عليها، قدم له مؤلفه بمقدمات منهجية في الموضوع. الثاني: ضرورة معرفة مصطلحات كل فرقة والإلمام بها قبل الشروع في التعامل مع مصادرها أو غيرها من المصادر التي كتبت عنها، وذلك لمعرفة حقيقة أقوالها، وتبين مقصدهم بكلامهم. فالتوحيد مثلاً مصطلح أو مفهوم له دلالاته الخاصة عند كل فرقة من الفرق؛ فهو عند السلف غيره عند المعتزلة، وكذا الحال بالنسبة للأشاعرة والمتصوفة وغيرهم. وقُلِ الأمرَ نفسه بالنسبة لما يتعلق بهذا المفهوم من مفاهيم أخرى لها ارتباط به. وقلّما يوجد مفهوم واحد في الفكر الإسلامي عموماً وفي الدراسات العقدية على وجه الخصوص إلا ويوجد حوله اختلاف في معناه ودلالته بين الفرق الإسلامية المختلفة [١٣] . فلا بد من الوقوف على المصطلحات الداخلية الخاصة بكل فرقة، والحذر من اعتماد الباحث وطالب العلم على فهمه الذاتي وتحليله الشخصي للمصطلح أو المفهوم. وإذا وجد بيان لمثل تلك المفاهيم والمصطلحات في كتب الفرقة نفسها فهو الأوْلى والمعوَّل عليه. ويكفي في بناء عنصر الحذر والانتباه في هذا الباب علمنا أن مصطلحات مثل: «الفرق الناجية» ، «أهل الحقيقة» ، «أهل الشريعة» ، بل حتى «أهل الجنة» لها دلالتها الخاصة وظلالها الخفية عند كل فرقة من الفرق الإسلامية. الثالث: أهمية التفريق بين المصادر الأولية والثانوية في موضوع الدراسة أو البحث، والتفريق بين المصادر والمراجع؛ وأن يكون الاعتماد على المصادر الأساسية الأولية لكل فرقة، فهي مصدر معرفة رأي الفرقة، ومنها يستنبط ويستشهد ويستدل. أما المراجع والمصادر الثانوية فوظيفتها ثانوية كتقديم رأي للنقاش أو إغناء الحوار أو المساعدة في تحليل نص. ولا يتم اللجوء إلى أي منها كمصدر بديل إلا عند تعذر الوصول إلى المصادر الأولية تعذراً حقيقياً مطلقاً لا تعذراً نسبياً أو مؤقتاً، وهذا الأمر خاص ببعض الفرق التي لا تعلم أقوالها إلا من خلال المصادر الثانوية لقدم الفرقة وقلة أو انعدام مؤلفات رجالاتها. وحتى في هذه الحالة الاضطرارية لا بد من مراعاة الضوابط العلمية والمنهحية في التعامل مع تلك المصادر والتي سأذكر ما تيسر لي منها لاحقاً. وأضرب بعض الأمثلة للضابط السابق: ١ - فمن المصادر الأولية للمعتزلة «المغني» للقاضي عبد الجبار. ٢ - ومن المصادر الأولية للأشاعرة «المواقف» للإيجي، وشروحه. ٣ - ومن المصادر الأولية للماتريدية «النسفية» للتفتازاني، وشروحها. ٤ - ومن المصادر الأولية للشيعة الاثني عشرية «الكافي» للكليني. ومع ما مر ذكره لا بد من مراعاة الضوابط الأخرى التالية. الرابع: الوقوف على المنظومة العقدية للفرقة، والأقوال المتفق عليها لديهم ومعرفة رجالاتها، فلكل فرقة أقوال اتفقت عليها كلمتهم، وأمور وتفصيلات اختلفت فيها؛ حيث كانت سبباً في تفريقها إلى فرق أخرى صغيرة. وقد حاول عبد القاهر البغدادي وغيره جاهداً تتبع المتفق عليه والمختلف فيه بين رجالات كل فرقة في كتابه «الفِرَق» [١٤] ، ولعل هذا يفسر لنا منهج البغدادي في تسمية الفرق الفرعية لكل فرقة رئيسية حيث ينسبها إلى صاحب المقولة بغض النظر عن وجود أتباع له أم لا. ومن الأمثلة التطبيقية لهذا الضابط: أن النظّام مثلاً رفض اعتزاله كثير من المعتزلة. فلا يصح بذلك نسبة ما قاله وتفرد به عنهم إلى كامل الطائفة. الخامس: التحري من نسبة القول إلى قائله والتأكد من مدى صحة تلك النسبة؛ فقد ينسب قول لفرقةٍ مَّا ثم لا يتوافر دليل واحد على صحة هذه النسبة، ولعل الأمر يكون تخميناً أو ظناً أو رجماً بالغيب من قِبَل المخالفين. فلا يفوت الباحث الناقد البصير عدم الجزم أو القطع بأمر يصعب إثباته على وجه اليقين؛ حيث إن قضية اليقين في مسائل كهذه أمر نسبي. وكمثال يوضح لنا أهمية هذا الضابط ما ذكره ابن تيمية في شأن ما ينقله بعض المصنفين في بعض المسائل الاعتقادية عن طوائف «المرجئة» بقوله: «وبعض الناس يحكي هذا عنهم وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض ولم يرد منهم أن يعملوها ولا يضرهم تركها، وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معيَّناً أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب ولا يعيِّنون قائله» [١٥] . السادس: أهمية الرجوع إلى المصادر المعترف بها من قِبَل الفرقة نفسها، والتي تعتمد عليها في نشر آرائها ومعتقداتها. فلا يعتمد الباحث على مصادر مشكوك فيها أو غير معترف بها من أصحاب الفرقة. فمحاولة إلزام «الشيعة الاثني عشرية» بكتابات «موسى الموسوي» ، مثلاً، وهو في نظر بعض أهل السنة شيعي معتدل، ولكنه بالمقابل يعتبره الشيعة شيعياً معارضاً، فأي استدلال بكتاباته لن تلزمهم وإن كانت قد تقنع الآخرين. السابع: يجب أن يكون الباحث عالماً بالمسار التاريخي للفرقة منذ النشأة وانتهاءاً بالعصر الحديث إن كانت الفرقة لا تزال موجودة، وأن يكون عالماً بأهم المحطات والأحداث التاريخية التي عاشتها، وبمواقف علمائها وأعلامها، وبطبقاتهم ومصادر التأثير فيهم وعليهم. وأن يحاول الباحث ما أمكنه جهده وطاقته أن يربط بين أفكار وأطروحات الفرقة والظروف الزمانية والمكانية التي تقلبت وعاشت فيها، وكذا الواقع التاريخي والفكري والسياسي الذي عاصرته؛ فإن ذلك يعين على فهم كثير من القضايا والإشكاليات وتفسيرها. وهذا الأمر ينطبق على الفرقة باعتبارها فرقة وعلى رجالاتها بوصفهم أفراداً؛ فبعض مفكري الفرق من يكون قد مر بمراحل فكرية معينة وانعكس ذلك على كتاباته ومؤلفاته وأفكاره ومواقفه. ومن أمثلة ذلك: أبو الحسن الأشعري، وأبو حامد الغزالي [١٦] ؛ لأن فهم هذا الأمر وإدراكه مما يعين بإذن الله على استيعاب الاختلاف الذي قد يقع بين مصنفاتهم. ومن هذا الباب أهمية معرفة طبيعة الكتاب التي أُلِّف من أجلها والظرف الذي أحوج إليه. فمن المؤلفات ما كان السبب المحوج إليه المناظرات والخصومات بين الفرقة وغيرها. يقول الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ في هذا الشأن: «شغل المعتزلة بمجادلة الزنادقة والروافض والثنوية وغيرهم، وكل مجادلة نوع من النزال، والمحارب مأخوذ بطريقة محاربه في القتال مقيد بأسلحته، متعرف لخططه، دارس لمراميه. وكل ذلك من شأنه أن يجعل الخصم متأثراً بخصمه، آخذاً عنه بعض مناهجه؛ فالمعتزلة قد سرى إليهم بعض من تفكير مخالفيهم» ثم ذكر قولاً مشابهاً للمستشرق (نيبرج) وقد يكون استنبط من قوله قاعدته السابقة في مقدمة إخراجه لكتاب «الانتصار» للخياط المعتزلي: «مَنْ نازل عدواً عظيماً في معركة فهو مربوط به مقيد بشروط القتال وتقلب أحواله، ويلزمه أن يلاحق عدوه في حركاته وسكناته وقيامه وقعوده، وربما تؤثر فيه روح العدو وحيله، كذلك في معركة الأفكار، وفي الجملة فللعدو تأثير في تكوين الأفكار ليس بأقل من تأثير الحليف فيه» [١٧] . الثامن: وقد يكون من أهم الضوابط التي ينبغي اعتمادها في دراسة الفرق ومناقشة آرائها: الأمانة والنزاهة العلمية التي تنأى بالباحث عن الخروج عن حد الموضوعية أو التحيز والتعصب لرأي معين دون أي دليل أو برهان. فلا بد للباحث من الحياد الموضوعي في التعامل مع اضطراب المصادر، وأن يتحرى الدقة والأمانة العلمية في النقل عن تلك المصادر، فلا يتلاعب بالأقوال أو يؤولها ويحملها ما لا تحتمل. وفي التعامل مع تلك المصادر لا بد من الاقتباس الكامل للنصوص وعدم قطع تلك النصوص أو بترها لتتناسب مع فكرة الباحث ورأيه المسبق. كما أنه لا بد من الرجوع إلى أكبر عدد ممكن من المصادر عن كل فرقة، ثم المقارنة بين تلك المصادر للتعرف على آراء الفرقة وخلفياتها الفكرية بموضوعية، وعدم تجزئة أقوال الفرقة أو أقوال أئمتها، فلا يكون البحث علمياً إذا جمعت الأقوال الشاذة لفرقة مَّا لتعتبر هذه الأقوال هي آراء الفرقة. وإنما المعتبر هو ما عليه جمهور الفرقة وزعماؤها أو ما اتفقت عليه كلمتهم كما مر سابقاً. وأما تفرد فرد من الفرقة بقول لم يوافقه عليه غيره فلا يمكن أن ينسب للفرقة أو أن تتحمل الفرقة تبعة هذا القول أو ذاك. ومن ذلك عدم تقويل شخصٍ مَّا شيئاً لم يقله، أو إلزامه بلازم القول أو المذهب، وهو أمر يقع أحياناً من بعض الباحثين والدارسين في تحليل أقوال الأشخاص والإشارة إلى أنه يقصد بالقول كذا وكذا. ومن ذلك عدم قبول أقوال الفرق المتخاصمة في طعن بعضها بعضاً؛ لأن كل فرقة تشنع على مخالفيها وتحاول تصيد أخطائهم إلى حد المبالغة بل والتزوير أحياناً والزيادة على الأقوال. ومنها أن يكون الغرض من البحث أو الدراسة هو معرفة الحق في المسألة، وليس لأغراض أخرى حتى يتجنب الباحث مشكلة التعصب لفرقة أو ظلم أخرى. ومنها البعد عن التعميم في إصدار الأحكام المتعلقة بالفرق؛ فلا بد من التحديد الذي يخرج بالباحث عن دائرة التكهنات والافتراضات. ومنها الإنصاف مع المخالف والاعتدال في النظرة إليه. ومنها عرض أي رأي يختاره الباحث أو ينتقده على الكتاب والسنة؛ فهما المعيار الصحيح والوحيد لضبط الأقوال وقبولها أو ردها؛ فما وافقهما قُبِلَ، وما خالفهما رُدَّ. التاسع: فهم طبيعة الاختلاف بين الفرق، ومعرفة كيفية التعامل معه. ويمكن فهم طبيعة الاختلاف بين الفرق في ضوء ما ذكره العلامة ابن القيم عند حديثه عن تقسيم الاختلاف إلى محمود ومذموم وبيان حال كل منهما بقوله: «الاختلاف ينقسم أهله إلى محمود ومذموم؛ فمن أصاب الحق فهو محمود، ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه وهو محمود في اجتهاده معفو عن خطئه، وإن أخطأ مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم» [١٨] . ثم يبين ﵀ طبيعة الاختلاف المذموم ليكون مدخلاً لكيفية التعامل معه فيقول: «والاختلاف المذموم كثيراً ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق؛ فلا يقر له خصمه به بل يجحده إياه بغياً ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه؛ وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به، فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم» ثم أوضح المنهج الحق في التعامل مع الاختلاف الذي بين الفرق فقال: «فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق؛ حيث كان ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان، ولو كان مع من يحبه ويواليه؛ فهو ممن هدي لما اختُلف فيه من الحق» [١٩] . وقفة مهمة: ويجب التنبيه إلى أمر مهم هنا وهو ضرورة فهم كلام الإمام ابن القيم في سياقه الصحيح. فالواحد منا لا يكوِّن عقيدته وتصوراته ومفاهيمه بالتقاطها من هنا وهناك من كتب الفرق ليصلَ إلى الحق. بل الأصل والأمر المتوجب هو بناء العقيدة الصحيحة من مصادرها الأصلية أولاً، وبناء المنهجية العلمية الرصينة من القواعد والضوابط والأصول، وقواعد الترجيح من مظانها قبل التعامل مع أقوال الفرق وآرائها، وذلك حرصاً على سلامة المعتقد وبعداً عن لوثات المبطلين وشبهاتهم التي توقع صاحبها في الحيرة والشك والتخبط الذي قد لا يفارق صاحبه إلا بالموت، نعوذ بالله من ذلك. العاشر: ويتفرع عن الضوابط السابقة معرفة المنهج الصحيح في الحكم على الفرق المخالفة؛ وقد قعّد الإمام الشاطبي لهذه المسألة في كتابه: «الاعتصام» ، ويمكن تلخيص أهم القواعد التي استخلصها من كلام العلماء وأئمة السنة في المسألة وذكرها في كتابه كما يلي: ١ - أن الفرقة لا تصير فرقة إلا بمخالفة الحق في أصل كلي، أو في جزئيات كثيرة لها حكم الأصل الكلي. ٢ - أن الثنتين والسبعين فرقة المخالفة الوارد ذكرها في الحديث هي جزء من أمة الإجابة، وأنهم مسلمون لا يحكم عليهم بكفر بدليل نص الحديث نفسه: «وستفترق أمتي» . ٣ - أن هذه الفرق وإن حادت عن الجادة والصواب في قليل أو كثير ووقعت في البدعة، إلا أن هذه البدع ليست مكفرة. والبدع وإن كانت أشد حالاً من المعاصي إلا أن حكمها حكم المعاصي في الآخرة؛ حيث يكون صاحبها تحت المشيئة، فإن شاء الله عذبه على قدر بدعته ثم مآله إلى الجنة والنعيم، وإن شاء غفر له ابتداءاً وأدخله الجنة. وهذه المغفرة قد تكون بسبب: كزيادة الحسنات على السيئات أو بشفاعة أو غير ذلك من الأسباب الموجبة لدفع العذاب [٢٠] ، وقد تكون بمحض عفو الله ورحمته. ٤ - قد يكون من تلبس برأي فرقة من الفرق معذوراً بسبب من أسباب العذر الشرعي، والذي من شأنه أن يرفع عنه الوزر والإثم. ثانياً: الضوابط المنهجية للتعامل مع المصادر الثانوية (المراجع) في الفِرَق: تشمل هذه المصادر الثانوية ما يلي: ١ - المصادر العامة التي سبقت الإشارة إليها في أول المقال. ٢ - المصادر الخاصة التي كتبت عن «الفرق» ولكن من غير أصحابها. ٣ - الدراسات المعاصرة والمراجع المتأخرة سواء أكانت رسائل علمية لنيل درجة علميةٍ مَّا، أو كانت كتباً علمية ألفها أهل الاختصاص في الفن من المتأخرين، أو ألفها كاتب من عموم المثقفين والمفكرين المعاصرين. ٤ - الدراسات التي ألفها المستشرقون عن الفرق الإسلامية وآرائها، ويدخل في ذلك كتب الفرق التي قاموا بتحقيقها والتقديم لها. وفيما يلي أهم هذه الضوابط حيال تلك المصادر: الأول: ضرورة فهم الآراء والأقوال في المصادر الثانوية بعد فهمها في مصادرها الأولية. الثاني: التثبت من صحة الأقوال ونسبتها، والمقارنة بين ما ورد في المصدر الثانوي والمصادر الأولية لتوثيق الأقوال وتمحيصها ومعرفة أوجه الاتفاق والاختلاف. الثالث: عند النظر في المعلومات المأخوذة عن المصادر الثانوية لا بد من التفريق بين: ما يمكن اعتباره حقائق مسلَّمة وأموراً ثابتة لا تقبل الجدل، وبين ما يمكن اعتباره افتراضات وتخميناً تحتاج إلى برهنة ودراسة واختبار للتأكد من صحتها أو خطئها؛ وبين ما هو رأي أو وجهة نظر قد تكون راجحة أو مرجوحة. الرابع: عدم الاكتفاء بمصدر ثانوي واحد في أخذ المعلومة حتى لا تتكرر الأخطاء، بل يتوجب على الباحث وطالب العلم والمثقف الرجوع إلى أكبر عدد ممكن من المصادر الثانوية لا سيما في حالة قلة المراجع الأولية أو عدمها؛ ثم المقارنة بين المصادر الثانوية فيما بينها ليظهر الحق في المسألة. الخامس: على الباحث وطالب العلم أن يكون على علم بموقف صاحب المصدر من الفرقة التي هي موضوع الدراسة، فلا يعتمد على مناصر ولا معارض. وهذا الأمر يستوجب بذلك الجهد ومضاعفته في تخير المصادر الموضوعية. أما الدراسات التي تنطلق من منطلق عدائي أو تقديسي فلا تعتمد باعتبارها أساساً ولكن قد يتم الرجوع إليها بوصفها دراسات استثنائية تعين الباحث على معرفة عمق توجهات الفرقة إذا كان الكاتب مناصراً لها، كما تعينه على معرفة جوانبها المتعددة. وأما إذا كانت الدراسة عدائية فهي تعينه أي الباحث على تفهم موقف الآخرين «المخالفين» من هذه الفرقة وأهم النقاط التي انتقدت لأجلها. والأصل أن تكون الأولوية للكاتب الذي عاصر تلك الفرقة ولا تربطه بها أي علاقة انتماء أو عداوة. كما ينبغي أن يكون الباحث مدركاً ومستبصراً بما يطلق عليه «مرحلة الاستقطاب المذهبي» [٢١] كما يجب الانتباه إلى معرفة حقيقة الظروف والملابسات التي أحاطت بكتابة تلك المصادر. السادس: لا بد من أن يضع الباحث في اعتباره عند التعامل مع هذه المراجع أنها نتاج جهد بشري يعتريه ما يعتري كل الأعمال البشرية من الخطأ والنسيان والقصور. وبناءاً على ذلك الأمر لا بد أن تخضع تلك الدراسات لميزان الحقيقة والنقد والتمحيص. السابع: الحذر من تقليد بعض الدراسات المعاصرة التي وقعت في شراك المستشرقين وحبائلهم، وتأثرت بآرائهم وأقوالهم واستنتاجاتهم؛ حيث نقلتها واعتمدتها وأخذت بها مأخذ التسليم. وكذا الحذر من الإسقاطات المعاصرة لدى بعض الدراسات؛ حيث حاولت تفسير الأحداث التاريخية السابقة في ضوء ما هو واقع اليوم [٢٢] . الثامن: هناك بعض الأسئلة التي ينبغي للباحث أن يطرحها على نفسه عند قراءة المصادر الثانوية ومراجعتها لعلها تنير له الطريق وتحدد له مدى جدوى الدراسة التي يتعامل معها ومصداقيتها. فمن هذه الأسئلة: - ما هو الدافع والمحرض على كتابة المقال أو الكتاب؟ وأضرب مثالاً على ذلك بكاتبين من بلدين مختلفين ألف كل منهما كتاباً يناصر فيه فكر المعتزلة ومنهجهم، وكان سبب مناصرتهما لهذه الفرقة وفكرها واضحاً من خلال عباراتهما ومقدماتهما وتعليقاتهما أنها ردة فعل، مع اختلاف في نوعية ردة الفعل تلك. وقد نسي هذان المسكينان أن منهج المعتزلة يعتمد القوة وفرض الرأي على الآخرين، كما يعتمد مصادرة أفكار الآخرين مهما كان حالها وصحتها، والحكم على المخالف بالكفر. لقد فر هذان الكاتبان من شيء ليقعا في أسوأ منه. ومن الأسئلة أيضاً: - هل كان الكاتب عضواً من أعضاء الفرقة، أو هو ينظر إلى الفرقة من خارجها؟ - إلى أي حد حلل النصوص المنقولة عن الفرقة من زاوية نظر تخصصه؟ - ما هي المنهجية التي استعملها لتحديد الفرقة وتصنيفها؟ - هل صنفها حسب أفكارها وآرائها، أم حسب مفكريها وأعلامها؟ - ما هي الضوابط والمعايير التي استعملها في تصنيف الفرق الصغيرة الفرعية داخل تلك الفرقة؟ - ما هي المصادر والمراجع التي رجع إليها في دراسته لتلك الفرقة: هل هي مصادر أصلية أم ثانوية؟ هل هي مصادر الفرقة نفسها أم مصادر كتبها عنها مخالفوها؟ - وفي حالة كونها مصادر ثانوية: هل تحدث الكُتَّاب بوصفهم أشخاصاً معاصرين للفرقة وشاهدي عيان، أم هم مجرد نقلة؟ وكم بينهم وبين الحدث من سنوات ونَقَلَةٍ؟ - هل هؤلاء النقلة ثقات وموثقون؟ - هل حاول هؤلاء الذين كتبوا عن الفرقة كمصدر ثانوي التأكد من الحقائق والمعلومات التي يذكرونها؟ - هل أصحاب الفرقة المتحدث عنها يوافقونه فيما توصل إليه، أم أن مصادرهم تقول خلاف ذلك؟ وإذا كان لديهم خلاف ذلك فهل حرره وبينه؟ - إلى أي حد كان الكاتب موضوعياً أو متجنياً منحازاً ضد الفرقة؟ - إذا كان النقل عن مصادر أولية كتبها أصحاب الفرقة أنفسهم: هل ما نقل عن الفرقة هو كلام كل من ينتسب إليها؟ أم أنه كلام فرقة من فرقها؟ أم اجتهاد علم من أعلامها قد لا يوافقه عليه غيره منهم؟ أم أنه على الأقل كلام جمهورهم ومعظمهم؟ - في أي فترة تاريخية كتب الكتاب: في مرحلة تكون الفرقة وبداياتها، أم أنه في الفترة الوسطى (التطور) ، أم في فترة لاحقة ومتأخرة؟ إن إثارة مثل هذه الأسئلة وغيرها له دور جيد في التعامل مع المصادر الثانوية، لتحصل الفائدة المرجوة للباحث، ويخرج من بحثه بنتائج علمية مثمرة. ولا يفوتني تذكير القارئ الكريم بالحرص على الدعاء النبوي الجامع في هذا الباب رغم بذل جهده في تحقق الأسباب بالأخذ بالضوابط المذكورة وغيرها والذي خرَّجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، فيما روته عائشة ﵂ وعن أبيها في شأن دعاء استفتاحه ﷺ ، الصلاة عند قيامه لصلاة الليل، ونصه: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» [٢٣] . كما أرجو الله أن يكون هذا المقال بداية ومفتاحاً لمجهود علمي أكبر في هذا المجال المهم، وأن يتحول إلى دراسة علمية أوسع وأشمل وأكثر فائدة لطلبة العلم؛ سواء حصل ذلك الأمر مني أو من غيري. كما أسأله سبحانه أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال، وأن يثبتنا على الحق والصراط المستقيم، وأن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3591

قضايا دعوية ما كل ما يعلم يقال.. وفي الدعوة أيضاً سليمان الخضير يصادف القارئ أثناء اطلاعه على بعض الكتابات التي تصف واقع المسلمين أو تقومه مقاطع وفقرات قد صيغت بأسلوب يجمع بينها أنها تحمل في صريح عباراتها آهات وزفرات أفرزتها غَيْرةٌ وحرقة فيما نظن لكنها تحكي من وراء مجموعها نفسية قاتمة وتصوراً كالحاً للحال الذي يعيشه المسلمون، وربما تزيد الظلامية النفسية في بعضها فيعطي المتحدث أو الواعظ أو الكاتب وصفاً باستحالة التغيير، وأنه ضرب من إضاعة الوقت، وخير له أن يُقْبِلَ على خاصة نفسه. والحديث لا يدور في صحة فحوى تلك العبارات، ولا على الباعث عليها، ولا هل كان أصحابها ذوي نفسيات تشاؤمية؟ وإنما الكلام من خلال قاعدة مشهورة هي أن (ما كل ما يعلم يقال) ؛ فلقد جربنا تحذير الناس عن طريق التألم على الواقع، وتعداد حالات الانحراف المرير، وسردنا لهم أمثلة على تفاهة اهتمامات الشباب، وإسفنجية المرأة.. وأخطاء الصحوة. ولكن هل الناس مع اختلاف نفسياتهم وتباين طباعهم يؤثر فيهم هذا الأسلوب المفرد؟ وهل مجموع الناس على الصفة المذكورة؟ فهل يسعنا أن نجرب بالإضافة إلى طريقة التحذير أسلوب إبراز الجانب المشرق في واقع الناس من خلال إعلان النماذج الرائعة في التسابق للخيرات من غير المتدينين والتصريح بإكبار الشباب لعلماء الشريعة وإجلالهم في نفوسهم، وذكر الأفكار التربوية التي تفتقت عنها تجارب ربات البيوت، ومدى إقبال الفتيات والأمهات على مدارس تحفيظ القرآن الكريم النسائية، ونتائج الدراسات الميدانية الإيجابية لواقع الناشئة والفتيان؟ قد يكون الوصف المشين لواقعٍ مَّا صحيحاً، ولكن التصريح به دائماً وربما تعميمه يلقي في النفوس شعوراً بالإحباط، ولعل هذا مما يشمله مفهوم حديث رسول الله ﷺ عند مسلم: «إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم» على رواية فتح الكاف، أي تسبب في هلاكهم بإشعارهم بالهلاك من خلال وصفهم به [١] ، على نحو قوله ﷺ لمعاوية ﵁: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم» [٢] . قال في فتح الودود: أي إذا بحثت عن معايبهم وجاهرتهم بذلك فإنه يؤدي إلى قلة حيائهم منك، فيجترئون على ارتكاب أمثالها مجاهرة [٣] ، ربما كان سبباً في إعطاء بعض من لديه ميل للشر جرأة على المنكر؛ ولذا حرم الله سبحانه الحديث في من وقع في الزنا، إلا من قامت عنده البينة (أربعة شهود بشروط) ؛ لما في الخوض في ذلك من إشاعة الفاحشة [٤] قال الله تعالى: [إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النور: ١٥-١٩) ، وهذا عند ذكر الحالات الفردية؛ فكيف إذا كان وصفاً عاماً؟ إنه حينئذ يتيح فرصة لمن كان يقلقه فعله المعصية أن يهدِّئ روعه؛ فهو كما يتصور من التعميم يرى المجتمع على مثل حاله! ! وقد قال عثمان ﵁: ودَّت الفاجرة (أي الزانية) لو أن أهل المدينة كلهم زنوا. وفي المقابل فإن بعض النفوس لا تتحمل الوقوف أمام الخطر وحدها؛ وتشعر في الوقت نفسه أنها المكلفة بإزالته أو تغييره ولا يمكنها ذلك، فتصادق اليأس وتلوذ بالسلبية. لقد كان أحد أسباب وقوع الناس في المعصية وغلبة الغفلة عليهم عدم الإحساس بالمسؤولية، وضعف الشعور بالانتماء للإسلام من خلال الفهم المخطئ للانتماء للإسلام: أنه لا يكون إلا بالاتباع المحض، والتدين الصادق، فصاروا ينظرون لأنفسهم نظرة تقويم سلبية تدفعهم لـ (اللامبالاة) بالأحكام الشرعية؛ باعتبار وقوعهم في المعصية وخروجهم عن الإسلام الصحيح مع احتفاظهم بالاسم وحين تذكر لبعضهم الجوانب المشرقة في نفسه، والمواقف الإسلامية التي تُحفَظ له، ومشاعره الصادقة تجاه الدين وأهله: حينذاك تشرق نفسه وينفتح لها أفق جديد قد لا يتغير في ظاهره شيء ولكن حسبنا أن وثَّقنا الإسلام في قلبه؛ فهو خير لنا من أن ننخذع بظاهرٍ باطنه خواء، أو نخسر مسلماً فهم الانتماء للإسلام خطأ! إنه مع وجود مظاهر الخلل والانحراف الواقعة في مجتمعات المسلمين اليوم فإن جوهر الإسلام ولله الحمد باق ما يزال نابضاً في الحياة الاجتماعية الإسلامية إلى حد كبير؛ فجذوة العقيدة حية في النفوس علاها الرماد بتأثير المعاصي والمنكرات والبدع والخلط في بعض المفاهيم ك (العبادة، والإسلام) ، والانصراف عن القوة في أخذ الدين والجدية في التربية، ولكنها حية تنتظر من ينفخ عنها الرماد لتشتعل من جديد، وبخاصة عندما تهدد الإسلام قوى خارجية أو داخلية، وبتعبير أدق: عندما ينجح الدعاة في إشعار جماهير المسلمين بوجود الخطر على الإسلام [٥] ، وأن كل فرد منهم عليه أن يساهم في رد هذا الخطر؛ فجوهر الإسلام باق ما يزال نابضاً في نفوسهم وكثير من أنماط حياتهم. ولعلي لا أعد عدم التفات من لم يلتفت من الدعاة إلى هذا الملحظ (إبراز الجانب المشرق) أو عدم توفيته ما يناسبه من اهتمام لا أعده مشكلة حينما تكون القناعة به راسخة في الأذهان؛ فهو على غرار جملة من المبادئ والمسائل والاهتمامات في طريقها للتنفيذ، تختفي لبعض الوقت لتخلف القدرة عليها تارة، وتقدير عدم ملاءمة الزمان والمكان تارة أخرى! إنما غاية الإشكال والحرج في عدم قناعة بعض الدعاة بوجود جانب مشرق فضلاً عن جوانب في المجتمع، وإنما الواقع في نظره أكوام من المنكرات تتكدس شيئاً فشيئاً؛ فتستحيل براكين يترقب ثوراتها في أي لحظة، ومثل صاحب هذا الرأي بحاجة إلى أن يقف على نتائج دراسات صادقة، وبشائر لا تخلو منها المجتمعات الإسلامية بحمد الله وتقديم الدلائل على أن بعض الأمور قد تكون في ظاهرها شراً أو يغلب عليها الشر لكن فيها مصلحة خفية لا تلبث أن تربو وتنمو، فتزهر خيراً كثيراً، وتثمر فجراً جديداً. وحينما يؤكد على ضرورة إظهار الجانب المشرق للمجتمع ينبغي لنا مراعاة أمور منها: ١ - أن ما تقدم لا يفهم منه المناداة بترك جانب التحذير بالكلية، وإغفال إيضاح أبعاد الشر، وتقدير تبعاته لو استمر الحال؛ فهذا الفهم انتقال من طرف إلى طرف، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. ٢ - إن إظهار الجانب الإيجابي ينبغي ألاَّ يكون مديحاً صرفاً يكال بالمكيال، وإنما يوظف لنفض ما قد علق ببعض النفوس من اليأس والانهزامية، وأن يكون منضبطاً متزن الطرح؛ فإنه قد يترتب على التوسع فيه ركون الناس إلى هذا المديح والإخلاد إليه، فيعمل فيهم عمل المسكر: نشوة ولا عمل! ٣ - أن حاجة الناس إلى البرامج العملية التي تصحح واقعهم في أنفسهم ومجتمعهم لا تقل عن حاجتهم لتقويم الواقع وتصحيحه، وإبراز مواطن الشر فيه، وتحديد نقاط الضعف التي تتخلله، ومداخل العدو إليه، كما لا تقل عن حاجتهم إلى زرع الثقة فيهم، وإقناعهم بطاقاتهم ومواهبهم وتوظيفها توظيفاً شرعياً. وهم بحاجة كذلك إلى قيادات تقدم لهم تلك البرامج العملية، وتتقدمهم فيها، وتشاركهم تنفيذها. ٤ - تتعرض المفاهيم لأكثر من سبب إلى عوامل تعرية (أو تغطية) مما يستوجب مداومة مراجعتها مع الناس، وعقد المقارنات مع معان أخر مظنة وقوع الخلط بينها، وتأصيلها تأصيلاً شرعياً، وتنبيه الناس إلى دقائق من شأنها لفت انتباههم إلى ما هو أبعد منها وأعمق؛ فإن من الخطر لبس الحق بالباطل، وتصور الأشياء على غير وجهها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة» [٦] . ٥ - وحين لا نرغب في ذكر جوانب كلية مشرقة في حياة عامة الناس أو نجهلها فهل نملك أن نقدم لهم نماذج مفردة من واقعهم في التغيير؟ ! نحو: - أخبار التائبين من المسلمين والكفار، على أن تكون تلك الأخبار والقصص جامعة بين تنوعها في طبقات الناس وتخصصاتهم ومستوياتهم الاجتماعية، وبين بعدها عن المثالية في السرد والصياغة! - أخبار من تفوَّق بعد إخفاق، أو شارك في الإصلاح بعد انطواء وعزلة، أو كان ثمرة تربية عالم أو مربٍّ، أو نشأ في بيئة غير ملائمة واستدرك زمانه واغتنم ما بقي من عمره؛ فقد أعاقتنا جُمَل مثل: «كان نابغاً في صغره» «ظهرت علامات النجابة فيه منذ نعومة أظفاره» «حفظ القرآن ولم يناهز الحلم» «مات ولم يخلف بعده مثله» «نشأ في بيت علم وصلاح» . - أخبار المشاركين في مسيرة الإصلاح ولو بالقليل فكان له أثر ملموس. والله ولي التوفيق.

стр. 3592

تأملات دعوية الاعتدال في الحماس للفكرة محمد بن عبد الله الدويش من جوانب القصور لدى البشر الغلوُّ والإفراط، وفقدان التوازن في التعامل مع الأفكار. ومن مظاهر فقدان التوازن: الغلو في الحماس للفكرة. فقد يتكوَّن لدى المرء اقتناع بفكرةٍ مَّا، أو حماسة لمشروع دعوي أو علمي، أو رؤية في تفسير ظاهرة من الظواهر؛ فيغلو في الحماس لهذه الفكرة. ومن مظاهر هذا الغلو: - تضخيم الفكرة وإعطاؤها أهمية أكبر من حجمها، سواء في الحكم على مدى انتشار ظاهرة من الظواهر في المجتمع، أو في التفاؤل بنجاح مشروع من المشروعات، أو في أهمية الإقدام عليه وخطورة إهماله، أو في صلة هذه الفكرة بتفسير ظاهرة من الظواهر. - توسيع دائرة الفكرة، والتكلف في ربط أمور كثيرة ربطاً متكلَّفاً بها، مع أنه لا علاقة لذلك كله بهذه الفكرة من قريب ولا من بعيد. - الاستهانة بغيرها، ويصل الأمر في أحيان كثيرة إلى احتقار ما يقوم به الآخرون وينشغلون به عن هذه الفكرة الرائدة! ولو كانوا قد قاموا بوظائف شرعية، أو سدوا ثغوراً مهمة مما تحتاجه الأمة؛ فهناك من يحتقر جهد من يدعون غير المسلمين رغم دخول كثير من الناس في الدين على أيديهم بحجة سوء واقع المسلمين وأنه أوْلى بالدعوة والاهتمام، وهناك من يحتقر من يعتني بالعلم الشرعي ونشره وتعليمه بحجة أن غيره من الميادين الدعوية أوْلى منه، وهناك من يعكس الصورة، وهناك من يحقر جهود البناء بحجة أن الأولوية في الاحتساب على المنكرات ... وهكذا. - الغفلة عن سلبيات هذه الفكرة ومشكلاتها؛ فكثير من الأفكار والمشروعات قد لا تخلو من جوانب سلبية ومن مشكلات وعقبات، إلا أن الغلو في الحماس لها يؤدي بصاحبها إلى أن يغفل عن سلبياتها ومشكلاتها، وكما قيل: حبُّك الشيءَ يعمي ويصم. - إشغال طائفة ممن لا يعنيهم الأمر بهذه الفكرة؛ فالناس طاقات ومواهب، وقدرات وإمكانات، وما يعني الخاصة قد لا يعني العامة، وما يفقهه الدعاة وطلبة العلم قد لا يفقهه غيرهم، فليس من المقبول أن نسعى إلى حشد طاقات الناس على اختلاف مشاربهم وقدراتهم للحماس لفكرة معينة والتفاعل معها. إن الغلوَّ صفة مرذولة مذمومة، تأباها الطباع المستقيمة، وتمجها العقول السليمة؛ فكيف والشرع قد ذمَّ الغلو وعاب أهله بغضِّ النظر عن موضوع الغلو ومجاله؛ فالغلو في تعظيم من يستحق التعظيم والتوقير قد يوصل إلى الشرك، بل كثير من صور الشرك هي نتيجة للغلو في هذا الباب. والغلو في التعبد ولو كان فيما هو مشروع بأصله يقود إلى رهبانية تخالف منهج النبي ﷺ وسنته، فكيف بالأفكار والآراء التي تحتمل الخطأ والصواب؟ وكما أن غلو الشخص في العبادة يشغله عن الواجبات الشرعية الأخرى كما قال ﷺ : «يا عثمان! أرغبت عن سنتي؟ ! فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء؛ فاتق الله يا عثمان! فإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً؛ فصم وأفطر، وصلِّ ونم» [١] . فكما أن هذا الغلو يشغل صاحبه عن حقوق أخرى، فغلو المرء في الحماس لفكرة يشغله عن غيرها. وفي المقابل فحين لا تروق لنا فكرة فينبغي أن نعتدل في ردها ورفضها؛ فالغلو يولد الغلو.

стр. 3593

مراجعات في السيرة والتاريخ قراءة سياسية لنصوص بيعة العقبة عبد الحكيم الصادق لا ريب أنه بعد رجوعه ﷺ من الجولة السياسية لمدينة الطائف، ورحلته الربانية إلى بيت المقدس وسدرة المنتهى، ولقائه مع ممثلي الأمم من النبيين والمرسلين ﵈ قام ﷺ بعد ذلك بتعديل منهج التغيير؛ حيث اعتمد العمل من خلال مؤسسات المجتمع الجاهلي وأعمدته المتمثلة في القبيلة وأركانها؛ فقد قام ﷺ باتصالات مكثفة بتلك المؤسسات، كقبيلة عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبني نصر، وبني البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة [١] . كل ذلك محاولة منه ﷺ أن يقبلوا الإسلام، أو يؤووه ويمنعوه حتى يُبلِّغ دعوة الإسلام، ويُقيم دولة القرآن على أنقاض دول الكفر والعصيان، وفي تلك التحركات السياسية قَدِم بعض قيادات الأوس والخزرج إلى مكة سعياً لعقد تحالفات سياسية مع قريش رجاء أن تؤمن عليهم حياتهم الداخلية التي كانت تهددها النزاعات الشديدة بين الأوس والخزرج، وتدفع عنهم المخاطر الخارجية المتمثلة في تهديدات قبائل يهود، وذلك ما كان من زيارة سويد بن الصامت الذي ارتاد مكة يبحث عن تحالف، وكذلك أبو الحيسر أنس بن رافع، وإياس بن معاذ كانا في وفد لذلك الغرض، وأسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس الزرقي ذهبا إلى مكة للغرض نفسه كذلك! وقد تم بالفعل اللقاء بشخص الرسول القائد ﷺ ، وكانت هذه اللقاءات الاستراتيجية تدور في فلك إمكانيات قيام دولة الإسلام، والتمكين لها على أرض يثرب حسب ما هو متاح من الحيز المكاني، والقطاع البشري المؤمن، وحجم العناصر التأمينية الأساسية، كعنصر القوة العسكرية، والاقتصادية، والأمنية. الأبعاد السياسية لنصوص بيعة العقبة: لا يخفى أن الإنسان مدني بالطبع؛ فهو مفطور على الاجتماع ببني جلدته، تَحْدُوه بذلك دوافع الحصول على الكساء والغذاء والدفاع عن نفسه ضد الحيوان [٢] والإنسان خاضع لضرورة ثانية هي إقامة الجماعة السياسية لضبط جدلية النظام والحركة؛ فالسلطة السياسية ظاهرة اجتماعية في المقام الأول، ولا يمكن تصور وجودها خارج الجماعة، كما أنه لا قيام للجماعة دون نظام سياسي. ذلك أن هنالك قطبين يتقاسمان الوجود الإنساني، هما: قطب التعاون [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى] (المائدة: ٢) ، ثم قطب الصراع [وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ] (البقرة: ٢٥١) ، ومن ثم فإذا ما تصورنا هذا الوجود كائناً حياً، كان لا بد له من ناظم يضبط ويكبح الغرائز الفردية الجامحة، وينمي بالمقابل الإحساس بالتضامن الاجتماعي! وهذا ما عبر عنه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ بقوله: «لا بد للناس من إمارة بارَّة كانت أم فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين! هذه البارَّة قد عرفناها؛ فما بال الفاجرة؟ فقال: تقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء» [٣] . فالرسول الكريم ﷺ الرائد كان يرى ضرورة السلطة والتنظيم كضرورة الماء للكائن الحي، بل كان يرى ذلك حتى في أبسط شكل من أشكال الاجتماع السياسي، كخروج ثلاثة نفر في سفر، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم ذلك، وذلك حين قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» [٤] وفي رواية أحمد قال ﷺ : «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم» [٥] . يقول ابن تيمية ﵀ في فهم هذه الأحاديث أنه ﷺ قد: «أوجب تأمير الواحد في الاجتماع العارض في السفر منبهاً في ذلك على سائر أنواع الاجتماع» [٦] . ويقول في موضع آخر: «وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع، والتعاون، والتناصر، فالتعاون على جذب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال: الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمر وناه ... » [٧] . لقد كان الرسول ﷺ مدركاً تمام الإدراك للدور الذي تلعبه السلطة في عملية النهوض التاريخي، والتغيير الحضاري الضخم، ولكنه لم يدرك ذلك مقولة ذهنية فحسب، بل مارس تلك الحقيقة ممارسة الواعي بخطه الاستراتيجي، المدرك لتقلبات النظم السياسية، الراصد للتحولات العرفية والإنسانية، العارف بالضرورة الإنسانية والحاجة الفطرية لذلك؛ حيث إنه كان حريصاً على إقامة السلطة السياسية، وبناء الدولة الإسلامية قبل هجرته للمدينة، وذلك أثناء بيعات العقبة الثلاث التي ركزت على تأسيس مقومات الدولة، وقيام أركان الاجتماع السياسي بصورة لم يسبق لها مثيل ولا نظير في تاريخ التحول البشري، والاجتماع السياسي. أولاً: البعد الديني في بيعة العقبة: يتضح مما مضى أن الدولة الإسلامية قائمة على عقيدة، وفكر، وتصور، وأنه بقدر وضوح هذه القضايا في أذهان أفراد المجندين لصفوف الدولة، وانتشارهم أفقياً ورأسياً مشكلين بذلك قاعدة عريضة تحمل هذه العقيدة والفكر والتصور الصحيح، أقول: بقدر هذا الوضوح والانتشار يكون التمكين للدولة، وبسط التأمين الشامل لأفكارها، وقياداتها، وبرامجها الآتية والبعيدة، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] (النور: ٥٥) . ولأهمية هذا البعد الديني جاء ذكره في صدارة بنود مشروع قيام الدولة الإسلامية؛ حيث قال الرسول القائد ﷺ : «أما الذي أسألكم لربي: أن تؤمنوا به، ولا تشركوا به شيئا» [٨] . وذلك ضرورة لتحقيق الإيمان بالله ومقتضيات ذلك الإيمان، واجتناب نواقضه الاعتقادية، والقولية، والعلمية، لكون ذلك شرط صحة في المشروع الإسلامي على مستوى الفرد والجماعة في مرحلتي الدعوة والتأسيس، والدولة والتمكين ... يعبدونني لا يشركون بي شيئا. ثانياً: البعد السياسي: لا يخفى أن البيعة الأولى كانت تدور في فلك ضرورة الإيمان بهذه الدعوة الجديدة وحمايتها ونشرها بين أوساط قبائل الأوس والخزرج تمحيصاً لتحقيق أبعاد المشروع السياسي، وذلك بإقامة دولة الإسلام بأركانها الاعتبارية (دار وأنصار وسلطان) . وهذا البعد السياسي فيما يبدو كان واضحاً في أذهان الرهط الخزرجي، وبرهان ذلك حين أشار الرهط الخزرجي على الرسول الكريم ﷺ أن يتريث في القدوم عليهم إلى أن يتمكنوا من ترتيب الأوضاع في بلادهم من الناحية السياسية والأمنية وغير ذلك مما هو لازم لذلك التحول التاريخي. ثم أرسل الرسول القائد ﷺ بعد هذه البيعة مصعب بن عمير ﵁ لتحقيق هذه المقدمات الضرورية لقيام الدولة الإسلامية، فانطلق مصعب بن عمير ومن أحاط به من رجال الأنصار رضوان الله عليهم يقصدون كسب سادة المدينة إلى الإسلام، فأسلم حينئذ عدد من زعماء المدينة، منهم أسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ. وحين أصبح عدد الزعماء الذين أسلموا من أهل المدينة كافياً لتقديم النصرة إلى الدعوة بمعنى تسليم السلطة السياسية إلى الرسول القائد ﷺ هنالك عقد الأنصار في المدينة مقر الدولة الإسلامية الجديد مؤتمراً فيما بينهم قرروا فيه إعطاء النصرة للرسول ﷺ لكي يتسلم مقاليد الحكم والسلطان في المدينة، وعلى إثر هذا المؤتمر قدم وفد من هؤلاء الأنصار والزعماء يتألف من ثلاثة وسبعين رجلاً، وامرأتين وذلك في موسم الحج وتم عقد بيعة العقبة الثانية التي أعطي فيها زمام الحكم والدعوة لصاحبها رسول الله ﷺ ؛ وذلك في الموعد نفسه الذي ضربه رسول الله للاجتماع بهم. فقد ورد نص هذا المؤتمر الذي انعقد في المدينة على لسان جابر بن عبد الله ﵁ حين قال: «فائتمرنا، واجتمعنا سبعين رجلاً منا، فقلنا: حتى متى رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة، ويخاف؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه، قال: تبايعوني قلنا: نبايعك.. الحديث» [٩] . وهذا يعني: أن هذا الاجتماع مع الرسول القائد ﷺ في هذا الوقت إنما كان فقط من أجل البيعة والتواثق على شيء قد تقررت الموافقة عليه من قبل هذا اللقاء؛ وذلك بإعطاء النصرة للنبي ﷺ بالمفهوم السياسي. يدل على ذلك عدة أمور تفهم من حديث كعب بن مالك ﵁ بشأن هذه البيعة وهي: أن العباس بن عبد المطلب وكان أول من تكلم في الاجتماع بادر الأنصار قائلاً: «إن محمداً قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم» [١٠] . إذن، فالأمر مبتوت فيه، وليس هذا الاجتماع من أجل الدخول في مباحثات حوله من أجل تقريره أو لا، وإنما كان الاجتماع من جهة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم للتثبت من تسلم زمام السلطة وأن يسمعوا له ويطيعوا على كل أحوالهم «أبايعكم على السمع والطاعة في النشاط والكسل» [١١] ! ! «وأما الذي أسألكم لنفسي أن تطيعوني أهدكم سبيل الرشاد» [١٢] . هذا من جانب النبي ﷺ ، أما من جهة الأنصار فقد كان التأكيد على قبولهم للدعوة والدولة الإسلامية، وأنهم على أتم الاستعداد للتضحية من أجل سلامة هذا المشروع، وتحقيقه على أرض الواقع، وتأمين أهدافه في مختلف مراحل التمكين والتأمين، «لن نقيل ولا نستقيل» ! ! ثالثاً: البعد العسكري: لا ريب أنه لا يستقيم أمر عقيدة، وفكر سياسي، وكيان دولة تتجلى على أرض الواقع؛ إلا بقوة عسكرية تحميها في مراحل تأسيسها وتمكينها؛ فكم من حق ديس بالأقدام لعدم وجود قوة تحميه! وكم من باطل قام وانتفخ ليس بأفكاره وعدالة مبادئه، وإنما للقوة المدججة التي تحميه وتنافح عنه! والواقع خير شاهد على ذلك قال تعالى لنبيه: [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً] (النساء: ٨٤) [١٣] . جاء في رواية الزهري فيما قاله أسعد بن زرارة ﵁ أحد رجالات الأنصار في هذا الاجتماع، قال: «يا رسول الله! إن لكل دعوة سبيلاً إنْ لينٌ وإنْ شدةٌ! ! وقد دعوتنا اليوم إلى دعوة متجهمة للناس، متوعرة عليهم! ! دعوتنا إلى ترك ديننا واتباعك إلى دينك، وتلك مرتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك! ودعوتنا إلى قطع ما بيننا وبين الناس من الجوار، والأرحام، والقريب والبعيد، وتلك مرتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك! ودعوتنا ونحن جماعة في عز ومنعة، ولا يطمع فينا أحد أن يرأس علينا رجل من غيرنا، قد أفرده قومه، وأسلمه أعمامه، وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك! وكل تلك الرتب مكروهة عند الناس إلا من عزم الله على رشده، والتمس الخير في عواقبها، وقد أجبناك إلى ذلك بألسنتنا، وصدورنا، نبايعك على ذلك، ونبايع الله ربك، يد الله فوق أيدينا، ودماؤنا دون دمك» [١٤] . ثم قام العباس بن نضلة ﵁ أحد فاعليات الأنصار الذين حضروا البيعة، فألقى كلمة توضيحية قال فيها: «هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم! قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس» [١٥] . ثم قام أبو الهيثم بن التيهان ﵁ أحد فاعليات الأنصار الذين حضروا البيعة، فألقى كلمة أكد فيها على أهمية البعد العسكري لهذه البيعة المباركة، فقال لهم: «يا قوم! هذا رسول الله، أشهد أنه لصادق، وأنه اليوم في حرم الله وأمنه، وبين ظهري قومه وعشيرته، فاعلموا أنه إن تخرجوه رمتكم العرب عن قوس واحدة! فإن طابت أنفسكم بالقتال في سبيل الله، وذهاب الأموال، والأولاد فادعوه إلى أرضكم؛ فإنه رسول الله حقاً، وإن خفتم خذلاناً فمن الآن. فقالوا عند ذلك: قبلنا عن الله، وعن رسوله ما أعطيانا، وقد أعطينا من رسول الله الذي سألتنا يا رسول الله» [١٦] . رابعاً: البعد الأمني: لا بد للحركة التي تريد إحداث انقلاب استراتيجي سواء أكانت في مرحلة الدعوة والتأسيس، أو طور الدولة والتمكين أن تعتني أيما اعتناء بفن الأمن والتأمين لتحقيق التغيير الجاد الذي يهدف إلى استرداد حاكمية الله على العباد والبلاد، ولا يكون ذلك التغيير الجاد إلا في وسط من ردود فعل حادة أو متوسطة من قِبَل الجاهلية الكنود، فإن لم تكن استراتيجية الحركة قد أعدت العدة لتأمين قياداتها وبرامجها في حالات الانتقال، والاصطلام، والاستلام، يكون الأمر جد خطير. يقول ابن حجر ﵀ وهو بصدد حديثه عن بيعة الحرب، بيعة قيام الدولة الإسلامية، مؤكداً فيها على أهمية البنود الواردة بخصوص الأمن والتأمين للدعوة والدولة في مراحل تأسيسها والتمكين لها: إنما كان ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم، فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم، هو وأصحابه» [١٧] . وفي رواية أحمد: «وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا، وأزواجنا، وأبناءنا» [١٨] . وينبغي ألا يعزب عن بالنا أن طلب الرسول ﷺ من الأنصار في هذه البيعة بيعة الدولة الإسلامية التأمين الشامل والكامل بشقيه الوقائي والإيجابي في إطار (الأنفس، والأزواج، والأولاد، والأصحاب) ما هي إلا سنة من سنن قيام الدولة الإسلامية التي تساعد على انطلاق استراتيجية الدولة نحو الأفق الواسع تأسيساً وتجنيداً، استيعاباً وتمكيناً. وفي المقابل فإن عدم الإقرار بهذا المبدأ، وعدم الاهتمام به، من وجهة نظر حركية تغييرية، وسياسية انقلابية يعتبر اختزالاً لسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وغايات اعتذارية يلجأ إليها على الغالب الذين جعلوا القرآن عضين: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (الحجر: ٩٢-٩٣) . خامساً: البعد الاقتصادي: لا ريب أن الجانب الاقتصادي له أهمية كبرى في مراحل التأسيس وأطوار التكوين وذلك على مستوى الأفراد والجماعات والدولة، لذلك رأى الرسول القائد ﷺ تأمين هذا الجانب وضرورة التنويه عليه ضمن ديباجة البيعة التأسيسية، فقال لهم: «وأما الذي أسألكم لي ولأصحابي: أن تواسونا في ذات أيديكم، وأن تبايعوني على النفقة في العسر واليسر فمددنا أيدينا فبايعناه» [١٩] . ويمكن لنا أن نفهم أن بنود البيعة كانت بمثابة لبنات تأسيسية لمؤسسات وزارية في إطار الدولة فيما بعد؛ وذلك لتلبي حاجات الدولة الداخلية والخارجية، وتأمين حياة الفرد في إطار ذلك، وذلك على كافة المستويات، فمثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: «تبايعوني: على السمع والطاعة، في النشاط والكسل» [٢٠] يعتبر ذلك بمثابة جهاز أمن يلبي حاجات الدولة والفرد ضمن منظومة أمنية بعنصريها الوقائي والإيجابي، وقوله ﷺ : «وعلى النفقة في العسر واليسر» بمثابة وزارة الاقتصاد التي تحقق التكافل الاجتماعي، والتضامن والتعاون الاقتصادي في إطار استراتيجية الدولة الداخلية والخارجية، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بمثابة وزارة الحسبة؛ حيث إنها تحقق المحافظة على مبادئ المشروع الرباني من أن تشوبه الشوائب، وقوله ﷺ : «وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم» بمثابة وزارة الدفاع؛ حيث تحقيق الأمن والاستقرار للدولة ولمبادئها وقيادتها من أي اعتداء خارجي، وقوله ﷺ : «وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، وأزواجكم، وأبناءكم» بمثابة وزارة الداخلية؛ حيث تحقيق الأمن الشامل لقيادات المشروع الرباني، ولأهلهم «وعلى أن تقولوا في الله، لا تأخذنكم لومة لائم» بمثابة وزارة الخارجية؛ حيث نشر الدعوة خارج الحدود، وطرح قضاياها المصيرية في التجمعات السياسية والاجتماعية بدون خوف ولا وجل وأن تقولوا في الله، لا تأخذكم لومة لائم «. ومن هنا يمكن لنا القول بأن التكافل الاجتماعي، والتضامن الاقتصادي الذي طبقه رسول الله ﷺ عند دخوله واستقراره في مقر دولته الجديدة (المدينة المنورة) يعتبر تطبيقاً لهذا البعد الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه بين الرسول القائد ﷺ والأنصار رضوان الله عليهم الذين آثروا إخوانهم المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. آثروهم بالأموال والأنفس في صورة لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل، فقد صوَّر لنا المولى ذلك بقوله: [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (الحشر: ٩) . ولا يخفى أن هذا البعد الاقتصادي كان يدور في فلك تحقيق معالم التكافل الاجتماعي، والتضامن الاقتصادي، والاستقرار السياسي، وذلك من خلال الحفاظ على ثوابت المشروع الرباني، وقيمه العليا، والوقاية من مذلة حاجة المأكل والملبس والمسكن بالنسبة لعناصر الدولة وقياداتها، والتمكين للمهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم من تحسين وضعهم الاقتصادي، واعتبارهم السياسي، ومكانتهم الاجتماعية في إطار المجتمع الإسلامي الجديد. دواعي ودوافع ضمن الاجتماع المنعقد في العقبة الثانية: لقد لوحظ في سرد الروايات التي تناولت وقائع البيعة لتأسيس الدولة الإسلامية عدة نقاط تحدد دوافع قبول أهل المدينة توصيات تلك القمة الكبرى، وتوقيعهم على بنودها بكامل السعادة والاطمئنان» لن نقيل، ولن نستقيل «وهذه الدوافع، وتلك الدواعي جديرة بالتأمل، والتحليل، والاعتناء بها في مراحل الدعوة والتأسيس، والدولة والتمكين في حالتي الاستضعاف والاستخلاف، وهي كما يلي: الدافع الأول: ديني: لا يخفى أن أهل يثرب كانوا على وعي ديني متقدم عن بقية القبائل الأخرى، لذلك رأوا أن الإسلام يشبع رغبتهم الدينية، وفطرتهم البشرية، فأسعد بن زرارة، وأبو الهيثم بن التيهان كانا ممن يتكلم بالتوحيد بيثرب، حتى إن ذكوان بن عبد قيس الزرقي عندما استمع إلى الرسول ﷺ في مكة يوم ذهب ومعه أسعد بن زرارة إلى هناك، فقال لأسعد:» دونك! هذا دينك «. الدافع الثاني: سياسي: لا شك أن هناك دافعاً سياسياً كان وراء تلك البيعة، وقد عبر هذا الدافع عن نفسه بأشكال متعددة، بعضها منطلق من حالة القلق التي سادت الأوس والخزرج بعد يوم بعاث وسعيهم إلى عقد تحالفات سياسية تؤمن لهم المستقبل. وبعضها منطلق من الملل من الأوضاع السياسية في يثرب التي اتسمت بحروب قبلية متصلة بين الأوس والخزرج جعلت العلاقات الاجتماعية قلقة مضطربة والخوف من المستقبل حالة قائمة، ومن ثم دفعت أهل يثرب إلى البحث عن حل يوحدهم حتى وإن كان هذا الحل خارجياً؛ فقد عبروا عن ذلك بقولهم لرسول الله ﷺ :» عسى الله أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك «. الدافع الثالث: عسكري: وذلك كان منطلقاً من الخوف من استعادة اليهود سيطرتهم على يثرب لا سيما أنهم كانوا يهددون أهلها من العرب بأن نبياً سيظهر وأن اليهود سيتبعونه ويقتلون به العرب، كما جاء ذلك على لسان الأنصار يوم البيعة؛ حيث قالوا:» يا رسول الله! بيننا وبين الرجال يعني اليهود حبال، وإنَّا قاطعوها؛ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ «. الدافع الرابع: اجتماعي: مما لا شك فيه أن هناك دافعاً اجتماعياً كان ضمن الدوافع التي عجلت بالتوقيع على بنود البيعة؛ إذ يوحي هذا الدافع بوجود خلل اجتماعي يعاني منه أهل يثرب؛ ففي حديث ابن إسحاق عن بيعة العقبة الأولى أن الرسول ﷺ بايعهم بيعة النساء:» على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف «. وفي تقديرنا أن الوعي الديني المتقدم، والقلق السياسي، والخوف من السيطرة اليهودية، والضجر من الحياة الاجتماعية، والمستوى الثقافي المتقدم، كل ذلك عمَّق الاتجاه نحو الإسلام، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإسلام قدم لأهل يثرب الوحدة؛ لأنه قدم لهم العقيدة، وخلق لديهم روح التعاون والتكافل والتضامن التي جعلت الأوسي والخزرجي يتجاوز نفسه، ويتجاوز قبيلته إلى سعة الإيمان وأخوة الدين، فكان طبيعياً إذن أن يلتقيا في وحدة أصبحت أسسها أقوى من تحزيب اليهود الذين تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى: [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (الأنفال: ٢٦) . ولا ريب أن الإسلام قد قدم لهم بعد ذلك السيادة سيادة العقيدة والفكر، وسيادة السلطة، وسيادة الذات؛ حيث وحَّدهم وحررهم من السيطرة اليهودية التي كانوا أسيري خوف منها سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً] (آل عمران: ١٠٣) . ثم بعد ذلك قدم لهم أيضاً حلاً أخلاقياً للعلاقات الاجتماعية، والروابط الأسرية: [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ] (التوبة: ١٢٨) . نتائج وتوصيات بيعة العقبة الكبرى: لقد أسفرت البيعة الأولى عن عدة نتائج وتوصيات استراتيجية في إطار تأسيس الدولة الإسلامية، والانتقال من مرحلة الدعوة والتأسيس إلى مرحلة الدولة والتمكين، وفحوى هذه التوصيات ما يلي: أولاً: ضرورة تشكيل الجماعة الدينية الاجتماعية الأعوان، والأنصار وذلك على هيئة منظومة موحدة لتنفيذ مشروع الدولة الإسلامية:» قد جعل الله لكم إخواناً « [٢١] . ثانياً: ترسيم الأرض وتحديد حدود الدار الإسلامية التي تقوم عليها الرعية وهي آمنة على نفسها، وفي مالها، وعلى عرضها:» قد جعل الله لكم داراً تأمنون بها « [٢٢] . ثالثاً: تعين السلطة الدستورية، والقوامة الشرعية:» ولا يطمع فينا أحد أن يرأس علينا رجل من غيرنا، قد أفرده قومه، وأسلمه أعمامه، وتلك رتبة صعبة فأجبناك إلى ذلك « [٢٣] . رابعاً: تقرير قاعدة السمع والطاعة لهذه السلطة الدستورية، والقوامة الشرعية، والقوانين الربانية في المنشط والمكره، في العسر واليسر:» تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر « [٢٤] . خامساً: تحديد الشوكة الشرعية: وتقرير أهدافها الاستراتيجية وفق دستورية الدولة الإسلامية الجديدة:» أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم! والذي بعثك بالحق! لنمنعنَّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعْنا يا رسول الله؛ فنحن والله، أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر نبايعك على ذلك « [٢٥] . وبهذه التوصيات، وتلك الأهداف تم تكوين الرعية المؤمنة، وترسيم الأرضية، وتحديد معالم الدار سياسياً، وتعيين السلطة الدستورية والقوامة الشرعية، وتقرير قاعدة السمع والطاعة لهذه السلطة الدستورية، وتحديد الشوكة الشرعية. وبتلك التوصيات الانتقالية تكون الدولة الإسلامية قد خرجت من طور الدعوة والتأسيس إلى مرحلة الدولة والتمكين، ومن مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة الاستخلاف. وفي مقال تالٍ بإذن الله سوف نتناول تفاصيل تلك المرحلة الاستراتيجية الهامة في الفكر السياسي الإسلامي، مرحلة وضع الدستور، وكيفية التعامل مع الأقلية والأكثرية من خلال بنود الصحيفة الدستورية.

стр. 3594

نص شعري ذريني عبد السلام كامل عبد السلام ذريني يا بنات الشعر هجرا ... ولا تُبقي لودّي اليوم ذخرا ذريني؛ فالليالي صرن يأساً ... ولم نلمح مدى الآفاق فجرا ولا شهماً نناديه فيأتي ... ولا قلباً فتيّ النبض حُرّا إلامَ الأمر يبقى دون بثٍ ... ولا من بارق ينهلّ قطرا أما ذي الصرب جاست في ثرانا ... وصبَّت حقدها الموّار موْرا أما هذي نساءٌ مسلمات ... مؤرّقة وما لاقين يُسرا أما سيقت شيوخ للمنايا ... وما رُحمت دموع القهر تترى أما الأطفال قد سلبوا كراها ... وقد فقدوا ابتسام العمر قسرا أما الصرخات تجتاز القواصي ... ولكن إنّ في الآذان وقرا أما الآهات شقت كل فجّ ... ولكن عاد رجع الصوت صفرا أما جرّوا إلى التقتيل قوماً ... جريرتهم نداء الله جهْرا متى يا قوم نستلّ المنايا ... متى نعطي دم الشهداء مَهرا متى كالسيل يعلو كل هامٍ ... ظلوم لا يرى في الدين خيرا أكوسوفاه! أين خيول ربي ... تجدّد فيك كوسوفاهُ بدرا وأين شبابنا المقدام يمضي ... ليُجري من دم الأعداء نهْرا وأين صوارمٌ لله غضبى ... تذيق الصربَ في الغَمَرات بكرا وأين بنو صلاح الدين ذابوا ... وهم قبلاً أحالوا القفر قطرا بني ديني! تركنا العزّ لمّا ... تركنا من جهاد الكفر سِفرا وقلنا: ذاك إرهاب ذميم ... وأصبحنا لقول الغرب أسرى أعدّوا قد نسيناها كأنا ... نسخنا من كتاب الله سطرا وقلنا إننا للسلم ندعو ... فيا عجباً لفأرٍ وَدّ هِرّا بني الإسلام! مهما يدج ليل ... سينشر بعده الإصباح تِبرا

стр. 3595

البيان الأدبي الموائد ! تركي المالكي (١) صاحبٌ. . كان لي في زمان الصخبْ! حينها والجميعُ شجاعٌ ورأس الغواية في المحتطبْ! كان يركض خلف العواصفِ يقذفها باللهبْ! محتمٍ بالدروع الأسامي! ومن تحتها لمعانُ الذهبْ! (أتراه ذهبْ) ؟ ! (٢) كان روحاً لروحي! كان ينهشُ قيدَ الطغاة الذي نهشتْ نابُهُ معصمي! كان إيقاعُ نبضي على نبضه نغماً طاهرا للصديِّ الظمي! حبرُه من دمي! والدواةُ جروحي! يهدِرُ البغيُ من فوقنا. . برعود الغضبْ! مطراً أسود ويُسوِّرُ من حولنا هضبات الرمادِ. . . وينبحُنا بكلاب الخطبْ! وترى دمَنا الجمرَ ما بينها يلتهبْ! برقُهُ. . ركضُ مهرٍ جموحِ! (٣) صاحبٌ. . آه! كانَ. . وفي غفلة من جروحي بهتت نجمةٌ في السويداء وانسحبتْ. . نحوهمْ رَمَّدتْ جمرَها تحت أقدامهم! ثم باعت لهم نفسَها. . ودمي! والهوى. . وضريحي! وتعرّتْ على بابهم. . فتكسّرَ ما كان من نغم طاهرٍ رقصتْ فوقهُ. . كالغزالة للفهدِ. . فابتسمي. . يا جروحي! (٤) أسد كان لكنْ. . هوى لاثماً. . رِجْلَ كلبٍ قبيحِ! نابُهُ نهشتْ قبلُ شِقَّ (الأمينِ) فكان الشهيدَ وكان الأمينُ السجين الأمينَ! فماذا أسمِّي الذي. . خلتُه أسدي. . وفمي. . ونصيحي! ثم ها هو بين يدي قاتلي لاعقاً قدمَ البغيِ. . داس على وهجه و (المعالم) منتفشا بعقود المديحِ! واللعابُ يسيلُ على عظمةٍ نالها فوقها من دمائي السليبةِ. . لحمي. . وقومي. . وروحي! (٥) كان رؤيا تفوح بأطيابها. . ثم ها هو كابوسُ حلم قبيحٍ. . قبيحِ! فادفني جثةً سمّمتها حياضُ الذُّبابِ ادفنيها واغسلي ما بقي من رؤاها ثُمّتَ التئمي يا جروحي!

стр. 3596

نص شعري يا من غادر السفينة ! صالح علي العمري كان بالأمس على الشط ينتشل الغرقى فكيف أصبح اليوم بينهم يصارع الأمواج؟! رضيتَ بالدونِ؟! أم أسلمتَ للنكدِ؟! أمْ السراب ابتلى عينيك بالرَّمدِ؟! أم هل بلغتَ المُنى.. والشمسُ ما وقفت والعمرُ متصلٌ والدرب في مددِ؟! أم هزّك البغيُ، والأيامُ دائرةٌ والحق يعلو على الأعداد والعُددِ؟ ! لا تحسبنَّ الهوى ينجيك من كبدٍ فإنما خلق الإنسان في كبدِ! ! وجنة الخلد تُنسي كلَّ مسغبةٍ أنعم بذاك النعيم الناضر الأبدي هل بات يُلْهيك ما يُلْهيك من مُتعٍ؟! فاذكر بربك ما تلقاه بعد غد أم هل تغشاك قطاع الطريق ضحىً وحبلهم يا أخي في الله من مسد أم هل غُررتَ بكُثْر الساقطين هنا فالحق لا يُبتغى من كَثْرة العدد دنيا تربَّتْ على التنغيص فالتصقت بطبها.. كالتصاق الروح بالجسد محبوبة قُوتُها وجدان عاشقها أعوذ بالله من نفَّاثة العقد تزينتْ لاصطياد القوم وابتسمتْ والسمُّ في ثغرها فوق اللهاة ندي يا أنت: أين المنى اللاتي شمختَ بها فأعظم الغبن إزهاق المنى بيدي غشاوة الدرب في عينيك شاهدةٌ أن السقام اجتوى جنبيك من أمد والنفس كالموج تستهوي الرياح به والذئب يغريه قاصي البهم بالرصد والفقر بعد الغنى ذلٌ ومسكنةٌ والغيُّ بعد الهُدى عارٌ إلى الأبد وكلُّ نفسٍ أُهينت بعد عزَّتِها فليتها قبلُ لم تُعْزَزْ ولم تَسُدِ قد كان لي فيك آياتٌ وموعظةٌ تزفُّ وبل الرضا بَرْداً على كبدي قد كنت عند حدود الله ذا وجلٍ فما لك اليوم لا تلوي على أحد؟! أين التلاوةُ والعبْرات مسبلةٌ؟! أين الأحاديث ذات المتن والسند؟! أين العلومُ التي أسدتك رونقها؟! وذقت ما ذقتهُ من عيشها الرَّغِدِ؟! ما لي أراك حسير الطرف منهزماً وكنت بالأمس ترياقاً لكل صدي!! ماذا أسّطِّرُ والآياتُ بيِّنةٌ وأنت تعلمُ ما يلتاع في خلدي لكن تناجيك أشجاني، ومعذرتي أني محبٌ رماه الحُزْن بالفَنَدِ إن لم يكن في الفؤاد الحرّ من قبسٍ فليس يجديك ما أعددتُ من عُدد.. فخشية الله أطواق النجاة، وما يُغْني النفوسَ بهاءُ المال والولد لمَّا سقطت أمامي.. وانجلى بصري عزّيت نفسي وثار الخوف في أودي واحلولكت كلمات البشر في شفتي وأظلم الكون في عيني على عَمَدِ ومهجتي وترت.. فالنفس بائسةٌ كأنها قبل لم تَبْسم ولم تزِدِ.. أأنت من يشتري الدنيا بباقيةٍ ويصطفي الزيف والبهتان بالرشد قد كنتَ بالأمس في درب التقى علماً فلا تك اليوم تمثالاً لكل ردي.. عُرى العقيدة جلّت عن مساومةٍ ما قيمتي في الملا من غير معتقدي؟! قد كنت أبقيك للخطب الجليل فمن لغيهب الغمِّ والبأساء والكمد؟! إبليس يغرينِ والأهواء عارمةٌ إني أعوذ بوجه الواحد الصمد يا مالك الملك! يا من عزّ عابده كما رفعت زواياها بلا عمد.. ثبت فؤادي وكفّر كل معصيةٍ ما لي سوى ملجئي بالواحد الأحد يا صفو نفسٍ: دروب الشك شائكةٌ بلا رَكوبٍ ولا زادٍ ولا مددِ إن اللآلئ تبقى وهي غاليةٌ وإنما تعصف الأمواج بالزبد!!

стр. 3597

وقفات الطريق إلى القدس أحمد بن عبد الرحمن الصويان قبل عشرين عاماً تقريباً وقف ياسر عرفات خطيباً محمرَّ الوجه، منتفخ الأوداج، يستصرخ بأعلى صوته، ويستنجد بالعرب لإنقاذ فلسطين، وينعى الخيانة العظمى للرئيس المصري أنور السادات في (كامب ديفيد) ، ويعجب أشد العجب من جرأته في الاستهانة بالشعوب، وكيف أنه وضع يده بأيدي المجرمين الذين عاثوا في الأرض فساداً، وتلوثوا بدماء الأبرياء! وما هي إلا سنوات قلائل حتى تمخضت تلك الانتفاخة البطولية! عن الحقيقة الكامنة وراء تلك الشعارات الزائفة؛ فها هو ذا الرئيس الفذُّ يدخل إلى منتجعات كامب ديفيد فاتحاً، ويقف جنباً إلى جنب مع أسياد اليهود، ضارباً بقدمه تاريخاً حافلاً لهذه الأمة من الصراع والعداء مع بني صهيون، وناسفاً ثوابت الأمة ومقدساتها، وملقياً وراء ظهره ما تشبثت به الأمة من الحق والعدل، بل وساخراً بعقول الناس الذين صفقوا في يوم من الأيام لشعاراته الوطنية، وتصريحاته الثورية..! إنَّ المرء حينما يتجرد من وازع الخوف من الله تعالى، والالتجاء إليه، والاعتماد عليه، ويمتلئ قلبه تعظيماً لأعداء الله تعالى وثقة بهم تراه يتخبط في دياجير الهوى، ومستنقعات الخيانة، ويعمى أو يتعامى عن إدراك الوقائع والأحداث، وينظر إليها بعين الذليل الحقير الذي لا يملك صرفاً ولا عدلاً. إن ثمة حقيقة ناصعة الوضوح؛ وهي أن القدس ليست ملكاً لمنظمة من المنظمات، بل ولا لشعب من الشعوب، حتى يحق لهم أن يساوموا أو يفاوضوا عليها؛ بل هي للمسلمين جميعاً من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، منذ أن تعطرت أرضها الطيبة بمسرى النبي ﷺ ، وروَّاها الصحابة ﵃ بدمائهم الطاهرة فاتحين. لا يحق لكائن من كان أن يضع هذه الأرض المباركة أداة لكسب سياسي مزعوم، أو ورقة دعائية يقف بها تحت الأضواء، وأمام عدسات الإعلاميين..! ! إنَّ غدر اليهود وتلاعبهم في الاتفاقات المختلفة حقيقة حدثنا عنها التاريخ الماضي، وها نحن نشهد في تاريخنا المعاصر طرفاً من ألاعيبهم الباردة، وخياناتهم الجلية الواضحة حتى مع من حالفوهم ووضعوا أيديهم معهم، وقد دلنا على ذلك كتاب ربنا في قوله تعالى: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] (البقرة: ١٠٠) . والصراع مع اليهود عقيدة قائمة مهما وُقِّع من عهود ومواثيق، ولن ينتهي هذا الصراع إلا حينما: «يقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله» [١] ، وما هذا الارتماء المهين على أعتاب اليهود إلا علامة من علامات الخزي والخذلان، وها هو ذا طريق النصر واضح بيِّن في كتاب الله تعالى لا يغفل عنه إلا من أعمى الله بصيرته، وطمس على قلبه: [أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (الملك: ٢٠-٢٢) . وما ضاعت القدس إلا حينما ضيعنا الدين، وهجرنا القرآن العظيم، وسقطنا في مستنقعات الفساد، وقد حدّثني أحد أشياخنا الفضلاء عن القدس حديثاً تهتز له النفس ألماً، ويتفطر له القلب أسىً؛ فقد ذهب في صيف عام (١٣٨١هـ) لصلاة الجمعة في المسجد الأقصى، فلما دخل ساحة المسجد وجدها مليئة بالأعشاب الجافة والنباتات الصحراوية مما يدل على غاية الهجر والإهمال، وقد خطَّ فيها الناس جادة ضيقة يسيرون فيها للوصول إلى مكان الصلاة؛ فبينما هو كذلك؛ إذا به يرى في ساحة المسجد فتاتين عربيتين متبرجتين تبرجاً مخجلاً، وتسيران في هذه الجادَّة بتمايل وتكسُّر، فقابلهما شيخ كبير السن، فأشارتا إليه باستهزاء وسخرية، وراحت إحداهما تشير إلى لحيته بتقذر، والأخرى تكاد تسقط من الضحك به والعبث بلحيته، فما كان من الشيخ المغلوب على أمره إلا أن طأطأ رأسه، ولم يقوَ على ردهما، وترك لهما الجادة. قال صاحبي: فلمَّا دخلت المسجد إذا بي أرى ذلك الشيخ يعتلي المنبر لخطبة الجمعة! وما كنت أظن أن ذلك الشيخ هو الإمام، فأصابني ضيق شديد؛ فهل هذا هو قَدْر أهل العلم؟ ! وهل تصل مهانتهم إلى هذا الحد؟ ! وكنت أظن أن إمامنا سيتحدث عن حال تلك الفتاتين، أو عن واقع الأمة المتردي، وعزوف الناس عن الصلاة وطاعة الله تعالى، ولكنه تحدث عن أمر آخر بعيد عن ذلك كله. فخرجت من المسجد وأنا أحوقل وأسترجع وأسأل الله تعالى اللطف بحالنا..! ! فإذا كنا قد ضيعنا القدس بهجرنا لكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، فلن نستردها إلا إذا عدنا إلى مصادر العزة والتمكين؛ فنحن قوم أعزنا الله بالقرآن، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

стр. 3598

قضايا دعوية احذروني.. أنا من الرؤوس الجهال ! خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com عندما تضع شمعة مشتعلة في ضوء ساطع فإنك بمشقة تلحظ أنها مضيئة، ولكنك كلما ابتعدت عن مركز النور واقتربت بها إلى الظل ازداد ضوؤها لمعاناً، فإذا تخطيت إلى منطقة ظلمة ازداد سطوعها، ويتصاعد ضوء الشمعة سطوعاً كلما دخلت بها إلى منطقة أكثر إظلاماً.. ضوء الشمعة هو هو لم يتغير، ولكن تغيرت البيئة المحيطة بها.. أليس كذلك؟ هكذا هُدَى الرسالة، وهكذا المقتبسون من هُدَاها؛ فالرسالة نور ساطع (مبين) : [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً] (النساء: ١٧٤) ، والمؤمنون بها مقتبسون من هذا النور كل بقدره: [وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ] (النور: ٤٠) ، وهكذا (لمعان) النقاط الضوئية الضئيلة الضعيفة (المقتبسون من الرسالة) عندما يخفت ضوء مركز الإشعاع الساطع (الرسالة نفسها) ، فكلما بَعُدَ الإنسان عن مركز النور (علم الرسول ﷺ وهديه) زماناً ومكاناً ازداد ضعف إبصاره لذلك النور، وازداد تبعاً لذلك ظهور الضوء الخافت. فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَدْرُسُ الإسلامُ كما يدرس وَشْيُ الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ولَيُسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية..» [١] ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبِق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا..» [٢] . وما دام الصادق الأمين ﷺ أخبر بهذا الحديث فهو واقع لا محالة، ولكن بعض الطيبين يظنون أن ذلك الاندراس واتخاذ الرؤوس الجهال يكون قبيل قيام الساعة فقط، ولا شك أن هذا الظن صحيح في حالة الاندراس التام والجهل المطبق، أما في غير هذه الحالة فالاندراس يحدث واتخاذ الرؤوس الجهال يتم، ولكن بتدرج ونسبية [٣] ، فاندراس وشي الثوب وهو بِلَى نقش الثوب الذي ضربه الرسول ﷺ مثلاً لاندراس الإسلام لا يتم فجأة وبدون مقدمات وإن تسارع في ظروف معينة كما أن قبض العلماء لا يتم في لحظة واحدة؛ وهذا ما تؤكده رواية أخرى: «ولكن يذهب بالعلماء، كلما ذهب بعالم ذهب بما معه من العلم حتى يبقى من لا يعلم فيَضِلوا ويُضِلوا» [٤] . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ واضح في أن هؤلاء الرؤوس الجهال ليسوا مجرد أدعياء علم، بل إنهم يتصدون لمسائل حيوية ووقائع نازلة في حياة الناس، وإنهم يعملون على تشكيل حركة الناس من منظور الدين، فهم متَّخذون ومسؤولون ومفتون ... ثم هم: ضالون مضلون! وهنا تظهر النسبية؛ فقد يكون هذا (الرأس) عالماً ببعض النصوص الشرعية ولكنه غير محيط بها كلها، وقد يكون حافظاً لها ولكنه غير فقيه في فهم معانيها، وقد يفقه معانيها الجزئية ولكنه غير عالم بمقاصد الشريعة الكلية، وقد يكون عالماً بمقاصدها ولكنه جاهل بأحوال الناس [٥] ، وقد يكون عالماً بأحوال الناس ولكنه لا يملك الأهلية لتنزيل الحكم على مناطه الصحيح، وقد يكون ماهراً في باب من أبواب العلم خاملاً في أبواب أخرى، وقد تُعكس هذه الأحوال، أو يكون فيه بعض هذا أو ذاك ... وهكذا نرى أنه يمكن أن يكون عالماً من ناحية وجاهلاً بل رأساً في الجهل من نواحٍ أخرى، وبعبارة أخرى يمكن القول: إنه قد يوجد نصف رأس جهل أو ربع رأس جهل.. وهكذا. والتدرج والنسبية واضحان أيضاً في تناقص عدد العلماء نسبة إلى عدد المستفتين، ولحاجة الناس إلى من يفتيهم فإنهم يكملون النقص بسؤال من هو أقل علماً، فيصبح هؤلاء رؤوساً، وهؤلاء (الرؤوس) لا بد أنهم مميزون عن عامة الناس بنوع من علم وإلا ما اتخذوهم رؤوساً، ثم تكثر حاجة الناس أكثر ويتناقص عدد العلماء أكثر بالوفاة أو بالانصراف عن التعلم فينزل الناس (بمعيار العالم) في اتجاه الجهل، فتصبح (الرؤوس الجاهلة الأولى) درجة رفيعة في العلم! ... وهكذا حتى يكون العالم عند الناس رأساً في الجهل إذا نسبناه إلى العلم الحقيقي، أو بمعنى آخر: يكون ضوء الشمعة الصغيرة عند الناس بمثابة نور الشمس الساطع. ومن هنا ندرك أنه ينبغي على كل ملقٍ (كاتب أو متحدث) ألا يتيه ويُعجب بما يأتيه من ثناء ومدح على ما كتب أو ألقى؛ بل عليه أن يعرف قدره وقدر إخوانه وقدر ما ينبغي أن تكون عليه إمكانات وقدرات من يتصدى لمثل هذه المهمة؛ فرواج ما كتبه أو ألقاه يعني أن ضوء الشمعة يسطع ليس إلا، وهو قد يعني من جهة أخرى أنه ما سطع إلا لأن حلكة الظلمة شديدة ومساحتها واسعة.. أقول هذا وأنا أول المتهمين لنفسي، لا تواضعاً ولكن ذكراً للحقيقة ليعلمها من يجهلها، ويتذكرها من غفل عنها. فإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك فما الذي أقحمني في هذا المنزلق فأركبني هذا المرتقى؟ أقحمني أني رأيت مَنْ هو أجهل مني يتصدى ويتصدر ويغوص ويلوص في كل مسألة، غير عابئ بأثر الكلمة، وغير مقدر لما ينبغي أن يكون عليه من يتبوأ هذا المقام؛ فقناعتي الشخصية كانت وما زالت أن كثيراً مما يلقى ملفوظاً أو مكتوباً خاصة في صفحات الجرائد والمجلات لا يستحق ثمن المداد الذي طبع به، ولا الوقت الذي بذل في إخراجه ثم في سماعه أو قراءته، وأنه لم يأخذ قوته وقابليته إلا من كونه مادة مسجلة أو حروفاً مطبوعة، بل إني على قناعة بأن بعض المستمعين والقراء يستطيع إلقاء أو كتابة بعض المواد التي لا تقل (حسناً) عما تلقيه أسماء لامعة، إذا صقل هؤلاء المتلقون مواهبهم وامتلكوا الجرأة على التعالم والتفيهق! ووجدوا الفرصة والتشجيع من أولي الأمر الفكري والثقافي! إذن: فما المطلوب من الملقي (أو العالم) والمتلقي (أو المريد) ؟ المطلوب في رأيي من الملقي: أن يتخلى عن غروره وثقته المفرطة بنفسه، ويعرف قدره، وأن يتخلق بأدب القرآن: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] (الإسراء: ٣٦) ، فهكذا عرفنا (العلماء) من سلفنا الصالح، لا يتورعون عن قول: (لا أعلم) ولا يجدون فيها منقصة البتة، أما في أزمان الظلمات فلا توجد هذه العبارة في قاموس المسطِّرين والمتحدثين، وانظر إلى قول ابن عبد البر ﵀: «صح عن أبي الدرداء أن (لا أدري) نصف العلم» ، وسلوك الإمام مالك بن أنس ﵀: «قال الهيثم بن جميل: سمعت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ (لا أدري) » [٦] ، ثم انظر إلى حال واقعنا العلمي والثقافي لتعلم الحقيقة، وهي أنه كلما ازداد علم العالم اتسعت دائرة (لا أعلم) ، وكلما نقص علمه تآكلت دائرة (لا أعلم) ؛ لأن الأول يعلم عمق بحر العلم وامتداده، والآخر يظنها البقعة التي يرى لا غير! ومطلوب من الملقي أيضاً أن يعمل على رفع الوصاية الفكرية وإنهاء الحضانة الثقافية عن قرائه وتلامذته، إن لم يكن حرصاً منه على إيصالهم إلى البلوغ الفكري والعلمي وانتفاع الدعوة بهم، فإبراءاً لذمته وتخفيفاً للمسؤولية الملقاة على عاتقه بتحمل تبعات انسياقهم الأعمى خلفه. أما المتلقي والمتعلم فمطلوب منه عدة أمور: مطلوب منه أن يستخدم ما ميز الله به الإنسان عن غيره، أن يستخدم عقله في التفكير والتمييز والتمحيص والسؤال، والسعي الدؤوب نحو تنمية ملكاته وتنشيطها واستثمارها. ومطلوب منه التوازن بين الإقبال على السلوك المستنبط من قوله تعالى: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] (النحل: ٤٣) ، وقوله تعالى: [وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ] (النساء: ٨٣) من جهة، والفرار من سلوك أهل الضلال المذكور في قوله تعالى: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] (التوبة: ٣١) من جهة أخرى، فمقتضى العبودية لرب العالمين أن تقف محايداً من كلام البشر وأفهام البشر، وألا تقبل منهم أو ترفض إلا ببرهان أو بينة تصلهم بالنور النازل من السماء، أو بحجة العقل ورصيد الخبرة ... هكذا تربى أصحاب رسول الله ﷺ ، بل إنهم كانوا يناقشونه ﷺ (نقاش استفسار لا اعتراض) عندما يرون في كلامه أو أفعاله ما لا يتفق مع الأصول التي تعلموها منه؛ فعن أنس ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ فوق يديه» [٧] ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ووضع يده عليها، وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعَانُ الناس، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم رجل كان النبي ﷺ يدعوه ذا اليدين، فقال: يا نبي الله! أنسيت أم قَصُرَتْ؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر، قالوا: بل نسيت يا رسول الله! قال: صدق ذو اليدين، فقام فصلى ركعتين..» [٨] وقصة تأبير النخل معروفة مشهورة. والحياد تجاه كلام البشر وأفهامهم ليس فقط مقتضى العبودية لله بل مقتضى العقل الراجح؛ فالعاقل لا يعرف الحق بالرجال، بل يعرف الحق فيعرف أهله، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أوْلى بها. وعليه: فمطلوب ثالثاً من المتلقي أن يكون كالنحلة تدور على الأزهار لترتشف من كل زهرة رحيقها، وفي الوقت نفسه: تتجنب شوكها؛ ثم تخرج عسلاً فيه شفاء للناس، فينبغي أن يقف هذا المتلقي غير مسبق النظرة في نقطة الصفر الحيادية: لا يقبل من أحد بالكلية غير المعصوم ﷺ ولا يرفض من أحد بالكلية، إلا ما دل على قبوله أو رفضه برهان أو بيِّنة؛ فليس في عالم البشر خير محض ولا شر محض. أخي القارئ.. تذكر دائمًا: أنك إذا كنت عاقلاً فأنت مكلف، وإذا كنت مكلفاً فأنت مسؤول. الآن انتهيتُ، فهل اقتنعتَ؟ أعد القراءة في ضوء أن كاتب المقال من الرؤوس الجهال! ! .. فكِّر، ميِّز، قارن، ناقش.. لقد أبرأت ذمتي ... الشكوى لله!

стр. 3599

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) رسالة إلى أغنياء المسلمين يقول (ثوم موناهان) البليونير الأمريكي الشهير صاحب إمبراطورية دومينو بيتزا: إنَّه كان يقرأ كتاباً للمؤلف الشهير (لويس) عن معنى الدين وسيئات الكبرياء وحب الذات، وأدرك آنذاك أنَّه مهتم أكثر مما يجب بحاجاته المادية وبقشور الحياة، وأنَّ الكبرياء والسلبية خيَّمتا على حياته، فكان اهتمامه الأول يدور حول ممتلكاته ويخوته وسياراته وشققه وابنتيه.. وفجأة اتصل بمهندس معماري كان قد كلفه ببناء قصر له، وطلب منه التوقف عن العمل فوراً؛ لأنه قرر أن يصبح فقيراً، واختار خدمة الفقراء! ثم أوعز إلى مساعديه ببيع يخوته وطائراته الخاصة وجزيرة يملكها. ووضع البليونير (موناهان) الأموال التي جمعها من بيع ثروته في مشاريع مختلفة تديرها الكنيسة الكاثوليكية، وسمَّى مؤسسته الجديدة: (آفي ماريا فاونديشن) وحتى الآن أسس أربع مدارس في (آن ربور) (ولاية ميتشجان الأمريكية) ، تشرف عليها الراهبات، وإذاعة تبث برامج دينية، وخدمة إنترنت لتسهيل التعارف بين الكاثوليكيين الذكور والإناث، ومهجعاً للفتيات على مقربة من جامعة ميتشجان.. كما أسس جمعيات مهنية لرجال الأعمال الكاثوليك، وقدَّم الدعم المالي لمشروع إنشاء كلية في نيكاراجوا..! ! [١] . هذا البليونير مثال واحد من أمثلة كثيرة تدعم التنصير والإرساليات الكنسية، وصدق المولى جلَّ وعلا إذ قال: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . ولكن! أين أغنياء المسلمين الذين يملؤون السهل والبحر؟ ! أتُراهم يجهلون حاجات الدعوة الإسلامية في المشرق والمغرب، أم أن سيئات التجاهل وحب الذات قد غلبت عليهم؟ ! إننا لا نطالبهم بالتخلي عن أموالهم وإيقافها كلها للدعوة الإسلامية، ولكننا نطالبهم بإخراج الحق الشرعي الواجب في دين الإسلام، ونذكِّرهم بقول الحق ﵎: [المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً] (الكهف: ٤٦) . وها هي ذي الجهود التنصيرية بين أيديكم رأيتم بعضها في العدد الماضي، وترون بقيتها في هذا الملف، ونؤكد على أن الهدف ليس هو تضخيم العدو، ولكنها دعوة صادقة لجميع المسلمين رجالاً ونساءاً، أغنياء وفقراء، نقول لهم: قد ولَّى عهد النوم والكسل، وجاء وقت العمل والتضحية. قال الله تعالى: [انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] (التوبة: ٤١) .

стр. 3600

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) الإسلام والنصرانية نظرة استراتيجية د. محمد يحيى عندما جاء الإسلام فإنه لم يهدم المسيحية ويناقضها وينقض كل ما جاءت به؛ لكنه لم يأت ليكملها أو ليؤكد على أوضاعها العقائدية الموجودة عندئذ، بل أتى ليصحح تلك العقائد تصحيحاً جوهرياً حاسماً، ويلفت النظر إلى تحريف كتابها المقدس في عمل لم يقتنع به أصحابها إلا في العصر الحديث وفي السنوات الأخيرة على يد فصيل من دارسيهم شككوا في تلك العقائد وفي ذلك الكتاب. ومن هنا كانت علاقة الإسلام بالنصرانية علاقة مركبة لا تنكر وجود عيسى ﵇ ولا عذرية والدته ولا معجزاته أو المعجزات التي أجراها الله له، ولا تعاليم ولا قيماً، ولكنها تنكر تأليهه والغلو في تقديسه، وتنكر ما تسرب إلى ذلك الدين من عقائد وثنية مشركة واضحة ومعها مذاهب فلسفية غامضة. فالعلاقة المركبة هذه تحتمل اللقاء والصراع وأحدهما أو كلاهما، وتاريخ العلاقة معروف، وإن كتب في معظمه في العصر الحديث من جانب من يتعاطفون مع النصرانية أو يكرهون الإسلام. كان الصدام أو الالتقاء الأول في الجزيرة العربية نفسها وإن لم يكن صداماً بالمعنى المعروف، ثم تطور إلى الفتوحات الإسلامية في مواجهة الدولة البيزنطية المسيحية في الشرق، وبعدها في مواجهة دويلات غربية نصرانية الطابع في الأندلس وسائر أسبانيا وجنوب فرنسا وإيطاليا. ومن الجانب الآخر أتت الحروب الصليبية التي ما زال بعض الناس وحتى ممن يحملون أسماءاً إسلامية يجتهدون في نفي طابعها الديني الواضح عداءاً للإسلام وكراهية له. وبعد زوال الهجمة التي كادت أن تمس قلب العالم الإسلامي نفسه جاءت الفتوح الإسلامية لشرق أوروبا وجنوبها وحتى وسطها على يد الدولة العثمانية؛ ولكنها سرعان ما أخلت الطريق منذ القرن السابع عشر الميلادي وحتى الآن للهجمة الصليبية الكبرى والثانية التي تسمَّت باسم الحركة الاستعمارية استيطانية وإمبريالية، ثم بالاستعمار الجديد، ثم بهيمنة العصر الأوروبي الأمريكي وسيطرة الغرب والنظام العالمي الجديد (والقديم) وأخيراً العولمة. وفي هذه الهجمة العاتية لم يكن السلاح العسكري وحده هو المستخدم، بل اكتملت بأسلحة الفكر والمذاهب والعقائد والفلسفات المختلفة، وبعضها يعلن أنه علماني لا ديني، وإن وجدت له جذور قوية في الفكر اليهودي النصراني مع جذور في الأفكار والفلسفات الوثنية، وما زال العالم الإسلامي يجاهد ضد تلك الهجمة الكبرى التي تتراوح أجنحتها من حركات التبشير الصارخ والجارف إلى اجتياح شامل من جانب الأفكار العلمانية وبينهما السيطرة السياسية والاقتصادية وغسيل المخ الإعلامي والطوفان اللاأخلاقي الإباحي. وبصرف النظر عن تجربة التاريخ والعِبَر التي يمكن أن تستخلص منها؛ فإن الصورة الراهنة تعكس في النظرة الأولى مزيجاً غريباً من التطورات قد يتصوره بعضٌ تطوراً حاداً وتصعيداً لذلك المحتوى من اللقاء والصراع الذي قد يكون كامناً في العلاقة الجوهرية بين الإسلام والمسيحية؛ فمن ناحية تعلو أصوات معظمها من الجانب الكنسي النصراني وتجد استجابة من الجانب الإسلامي الرسمي الموجه علمانياً تدعو للحوار والتعاون والتقارب في صيغ وأشكال وكيفيات غامضة مبهمة المعالم. ومن الناحية الأخرى تعلو أصوات الصراع وأيضاً في جله من الجانب النصراني كما تُشهَد أحداث متتالية من العنف الموسوم بالطائفي في قطاع جغرافي عريض يمتد في إندونيسيا وحتى مصر، ومن الوسط الآسيوي والشرق الأوروبي حتى الوسط والشرق والغرب الإفريقي ماراً بالشرق الأوسط. بل ومن البلد الغربي الواحد نجد الاتجاهين نفسيهما متوافقين؛ فالسلطة ومعها الكنيسة تحذر من الإرهاب والتطرف الإسلامي المزعوم وتدعو إلى محاربته، والكنيسة ومعها السلطة ترفع لواء الحوار والتقارب والتعاون. لكن هذا المزيج السطحي من الكلام الإعلامي المعسول والاشتباك الطائفي أو الديني الدامي المثقل يخفي وراءه تطورات واتجاهات كبرى في علاقة وأوضاع الإسلام والنصرانية قلما يلتفت إليها الانتباه لا سيما وهي على المستوى الاستراتيجي. إن النصرانية في مجملها من شرقية أرثوذكسية وغربية كاثوليكية بروتستانتية وعلى تنوع المذاهب والكنائس داخل هذين الجناحين الكبيرين تمر الآن بتطورات وتحركات كبرى تغيب غالباً بل تأكيداً عن أذهان من يفتنون بدعوات الحوار البراقة أو من يصبون جل اهتمامهم على الحوادث الطائفية. ومجمل هذه التطورات هو نهضة كبرى أو بالأصح قوة متنامية للكنائس بأنواعها لا تصاحبها نهضة دينية بمعنى تنامي الإيمان والعقيدة والالتزام لدى شعوب تلك البلدان، وهذه مفارقة كبرى أخرى؛ فالكنائس الغربية مثلاً تكسب الاتباع المسجلين في البلاد التي تمارس التنصير فيها لكنها تخسر شعوب بلادها نفسها، وهي تزداد قوة ونفوذاً أو تأثيراً أو حضوراً في تلك البلاد المعرضة للتنصير لكنها تفقد قوتها لدى دوائر الفكر في بلادها نفسها وإن أخذ هذا الاتجاه يضعف تدريجياً مع الضعف العام الذي اعترى الفكر العلماني ولا سيما في روافده الفلسفية ومبادئه العامة، وبالمثل نجد أن الكنائس الأرثوذكسية الكبرى في روسيا وشرق أوروبا تصعد بعد سقوط الشيوعية ودولها إلى مرتبة القوة والسلطة وتحرك الأحداث والسياسات في تلك البلاد باتجاه التعصب الديني القومي (وقد توحد الدين مع القومية في تلك البلاد في هدم واضح وصارخ لأهم مبادئ الفكر العلماني ولكن تلك قصة أخرى) ضد الإسلام والمسلمين من مواطنيهم في وسط آسيا وشرق وجنوب أوروبا، وليست أحداث البوسنة وكوسوفا وبلغاريا واليونان والقوقاز والأبخاز وأذربيجان والشيشان ببعيدة، وهي موصولة بالقمع العلماني الممارس ضد الإسلام بجوارها في تركيا وحتى تركمانستان وغرب الصين مروراً بالطاجيكستان والأوزبكستان، ومعها تنهض الكنائس الأرثوذكسية في مصر وإثيوبيا وإرتيريا، وتناهض الحكومات، وتفتعل الصدامات، وتصل إلى مستوى من القوة والنفوذ لم يعهد من قبل. ولكن تبقى تلك القوة غير مصحوبة بنهضة روحية إيمانية مماثلة على المستوى العقيدي، بل تشعلها روح من التعصب الديني قومي وسياسي الطابع أكثر من كونه وليد الإيمان الديني الروحي. ويبدو هذا التطور الاستراتيجي معكوساً على الجانب الإسلامي؛ حيث الصحوة الإيمانية الإسلامية العارمة في وجه عقود من الكبت والقمع العلماني والتغريبي لا تصل أو لا يسمح لها أن تصل إلى مستوى الفعل الاجتماعي السياسي، ولا نقول النفوذ والتأثير على توجه المجتمعات والدول. والحركات الإسلامية وهي لا ترقى في تنظيمها وقواعدها المادية والبشرية إلى مستوى الكنائس بأي حال تتعرض للضرب والقمع والاضطهاد بينما تلاحق مصادر الصحوة الفكرية وشخصياتها ونشاطاتها في إطار مجموعة السياسات التي أصبحت تعرف باسم استراتيجية تجفيف المنابع. وهذا الانعكاس في التطور العام لدى كل من المسيحية والإسلام يولد وضعاً غريباً؛ فالإسلام القوي الناهض بإيمانه وروحه والتزام جماهيره يبدو ضعيفاً إزاء تحكم نخب وأقليات علمانية سياسية وفكرية في مقاليد الأمور في معظم أو أهم بلاد الإسلام؛ بينما المسيحية بأجنحتها وهي ضعيفة في جانب الالتزام الجماهيري والإيمان الشعبي في بلادها تبدو قوية للغاية، بل وجارفة من ناحية وصولها والتصاقها بالقوى والقوة السياسية والإعلامية بل والاقتصادية داخل بلادها وخارجها وفي إطار هذا الوضع المعكوس أو المتناقض تجري عملية التنصير الكبرى، بل إننا نستطيع أن نفهم عملية التنصير الكبرى التي تقوم بها الكنائس الغربية بالأساس (ويقابلها عند الجانب الأرثوذكسي النصراني الشرقي عملية الحرب المعلنة ضد الإسلام والمسلمين بالسلاح) في ذلك الإطار بالتحديد. فهذه العملية الموجهة بشكل متزايد إلى المسلمين هي تعبير وانعكاس عن القوة المتزايدة للكنائس ومعها تزايد العدوانية والشراسة والرغبات التوسعية وهي كذلك محاولة واسعة للتعويض والتغطية في وجه الضعف والخواء العقيدي الداخلي. وهي بالطبع كذلك طليعة وأداة حركة التوسع والهيمنة الغربية الأوروبية الجامحة في ظل النظام العالمي الجديد والعولمة بعد أن أخذت هذه الحركة أو ذلك النظام طابع الهوية المسيحية اليهودية عنواناً وشعاراً لها في ظل عودة جارفة إلى الأصول والجذور الفكرية ولَّدها إخفاق الفكر العلماني وأفوله في ينابيعه الفلسفية، وإن لم يكن ذلك في مظاهره وتجلياته الثقافية المختلفة. وحركة التنصير الكبرى في هذا التصور أو لنسمِّها حركة التوسع العدواني والهجوم الذي يتخذ شكل التبشير عند بعض منهم، وشكل الصدام والعدوان العسكري عند بعض آخر، وما بينهما من أشكال الغزو والتغلغل والتشكيل الثقافي والإعلامي تعد المظهر الرئيس إن لم يكن الوحيد لتوجه المسيحية نحو الإسلام في هذه الفترة وفي المستقبل المنظور. وهي توجه استراتيجي كما يعلنون بصراحة، وهي كذلك حتى ولو لم يعلنوا؛ لأنها كما قلنا أو تصورنا تعبير وانعكاس بين توجهات وتطورات عامة في قلب النصرانية العامة فوق أنها ترجمة دقيقة لاحتياج مجتمعاتهم إلى هوية وقومية ورؤية جديدة تعوض إخفاق العلمانية بمذاهبها، وفوق أنها صدى أو تعبير عن موقف العداء والرفض ثم الصراع مع الإسلام الذي تبنته النصرانية تاريخياً. وفي إطار هذا التوجه الاستراتيجي أو الهيكلي إن جاز استخدام ذلك المصطلح الشائع من لغة الاقتصاد للنصرانية ينبغي النظر لمسألتي الحوار المزعوم والاشتباكات الحادة وهما الملمحان الأظهر حقيقةً الآن على سطح العلاقة باعتبارهما مندرجين في ذلك التوجه ونابعين منه؛ فالاشتباكات المتكررة هنا وهناك تعبير عن حدة العداء وتحرك دوافع الكراهة واستباق للغزو الفعلي في حالات كما حدث في تيمور الشرقية مثلاً مؤخراً. وهذه الاشتباكات هي مظاهر خارجية ساخنة وقد تكون منفلتة للحركة التوسعية النصرانية التي نرمز لها عادة باسم التنصير. أما دعوات الحوار المتكررة والتي تفرض بالقوة على بعض المؤسسات الإسلامية والشخصيات ذات الطابع الرسمي والواقعة تحت سيطرة النخب العلمانية في بلادها فهي مفهومة على أساس أنها خداع استراتيجي كما يقال في لغة العسكرية، أو استكشاف لأبعاد وأعماق ونوايا وحجم ونوع «العدو» الإسلامي، أو محاولة للفت الأنظار بعيداً عن التطورات الحقيقية والنوايا المضمرة، أو شل لأيدي المسلمين عن التحرك الفعلي باتجاه مواجهة الحركة التنصيرية والهجمة الغربية العامة وشغلهم بأمور تافهة وغامضة المعنى، وبالطبع فإن لعبة شعارات الحوار والتقارب وما أشبهها تروج لها النخب العلمانية صاحبة النفوذ؛ لأنها في نهاية المطاف عميلة للغرب أو متواطئة معه، ويهمها أن تقدم الإسلام على هيئة «قربان» لهذه العلاقة حتى تزداد حظوتها لدى الأسياد الغربيين بقدر خدماتهم بتطويع الإسلام وتدجينه ثم ضربه ليتسع المجال أمام الزحف الغربي. وهكذا فإن الظواهر التي تطفو الآن على سطح العلاقة العامة بين الإسلام والنصرانية والتي يظن أنها عابرة أو شاذة (في حالة الاشتباكات الطائفية الدامية داخل بلاد المسلمين أو على خطوط التماس) أو يظن أنها تعبير عن عصر جديد من السلام الأبدي والتعاون والتقارب الأزلي (كما في حالة دعوات الحوار) هي في جوهرها وحقيقتها مجرد تعبير وترجمة لتوجه استراتيجي عام أصبح مسيطراً في هذه الفترة على المسيحية عموماً بشكل أصيل، ويقابله كما قلنا توجه مضاد أو انعكاس في الإسلام نحو الانكماش والتراجع والمواقع الدفاعية، وعدم نشر الدعوة تحت وطأة الهجمات والدعاوى العلمانية المختلفة، ويتزعمه مسلمون ينتسب بعضهم لمؤسسات إسلامية (للأسف) تدخل في عملية الحوار مع النصرانية الغربية بالذات التي تستخدم الحوار ستاراً تمويهياً لحركة التوسع التنصيري؛ فهل لهذا التعقد المتشابك والتوجهات الاستراتيجية المتضاربة والمختلفة جذرياً من يفهمه ويفكر ويعمل على ضبطه لصالح الإسلام؟ هذا هو السؤال الذي يحكم المرحلة، وهو سؤال أبعد بعض الناس على الجانب الإسلامي نفسه من الإجابة عليه بوقوعهم في دائرة تكتيكات الحوار والتراجع التي فرضها الغرب أو النصرانية على الإسلام.

стр. 3601

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) التنصير لم يكن غائباً (٢ - ٢) قصة العلاقة بين الإسلام والنصرانية إبراهيم بن محمد الحقيل «من لم يعرف الماضي فلن يفهم الحاضر، ومن ثم يعجز عن التخطيط للمستقبل» انطلاقاً من هذا المفهوم سرد لنا الكاتب في الحلقة الماضية طبيعة العلاقة بين الإسلام والنصرانية وما نجم عنها من أحداث منذ بعثة النبي ﷺ ، تنم عن مدى ما يبذلونه من مكر ومال، وما تخفي صدورهم أكبر. وفي هذه الحلقة يتابع الكاتب قصة هذه العلاقة بتسلسلها التاريخي حتى عصرنا (عصر العولمة) لنرى بحق: هل أصاب التنصير الهدف؟ - البيان - الاستعمار: بدأ الاستعمار الأوروبي عام ١٤٥٠م تقريباً، ووصل قمته عام ١٩٠٠م؛ إذ قسمت الأقاليم المستقلة غير الأوروبية بين المستعمرين، وبعد الحرب العالمية الأولى (١٩١٤م ١٩١٨م) بدأت مرحلة المعاكسة، وتقلص الاستعمار بسبب ثورات الشعوب المستعمَرة التي رفضت الاستعمار البغيض. مراحل الاستعمار: يمكن القول: إن الاستعمار مرّ بمرحلتين: المرحلة الأولى: الاستعمار الأوروبي القديم: وهي المرحلة التي تسمى بحركة الكشوف الجغرافية التي تم شطر منها في القرن الخامس عشر الميلادي، وكان لهذه الكشوف الجغرافية هدفان: الأول: تطويق العالم الإسلامي لإضعافه تمهيداً لضربه في الداخل؛ فقد أيقن النصارى أن ضرب العالم الإسلامي بجيوش جرارة غير مُجْدٍ، وأخذوا من الحروب الصليبية التي دامت مائتي سنة دروساً في ذلك. الثاني: البحث عن طريق تجاري مع الهند لا يمر بديار المسلمين. وقد استفاد النصارى من علوم المسلمين الجغرافية والملاحية عن طريق جواسيس الكشوف الجغرافية من اليهود الذين كانوا يتقنون اللغة العربية، وكثير منهم حل بين المسلمين متظاهراً بالإسلام، مما مكن لهم الحصول على خرائط عربية عن المحيط الهندي، ومعلومات عن التيارات البحرية والمواقع الجغرافية والرياح الموسمية فضلاً عن معلومات عن التجارة الشرقية. وكان من أشهر هذه الرحلات الاستكشافية رحلة (فاسكو دي جاما) التي كانت صليبية المقصد تتخفى وراء العلم والاستكشاف؛ فقد قال عقب رحلته التي أعانه فيها من المسلمين الجغرافي أحمد بن ماجد: «الآن طوَّقنا رقبة الإسلام، ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق» [١] . لقد حملت الكشوف الجغرافية الروح الصليبية متمثلة في آراء البابا (نيقولا الخامس) الذي وضع خطة تنفذ مع الكشوف الجغرافية لضرب المسلمين الضربة الأخيرة؛ فقد أرسل عام ٨٥٩ هـ إلى ملك البرتغال مرسوماً بابوياً تضمن ما يعرف باسم: (خطة الهند) التي تقوم على إعداد حملة صليبية نهائية تشنها أوروبا للقضاء على الإسلام بعد أن تحقق كشوف البرتغاليين أهدافها ويتصلوا بالملوك النصارى سواء في إفريقيا أو آسيا ليسهموا في تمويل الحملة الصليبية بالأموال والرجال والعتاد، ويتم تطويق العالم الإسلامي [٢] . وتمثلت هذه الروح الصليبية في (هنري الملاح) أمير البرتغال، وفي القائد البرتغالي (البوكرك) الذي كتب في يومياته: «كان هدفنا الوصول إلى الأراضي المقدسة للمسلمين، واقتحام المسجد النبوي، وأخذ رفاة النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] رهينة لنساوم عليه العرب من أجل استرداد القدس، وكان هدفنا الثاني: احتلال جنوب مصر، من أجل تغيير مجرى نهر النيل كي يصب في البحر الأحمر، بدلاً من مروره على القاهرة في طريقه إلى البحر المتوسط مما يضمن لنا خنق القلب الذي يقود الحرب ضدنا» [٣] . المرحلة الثانية: الاستعمار الأوروبي الحديث (الإمبريالزم) : كانت الثورة الصناعية وما تلاها من نشوء الرأسمالية ورسوخها في المجتمعات الغربية من أهم أسباب هذا الاستعمار؛ إذ احتاج الغربيون إلى المواد الخام لتشغيل مصانعهم، وإلى الأسواق التي يصرفون فيها منتجاتهم، فكان العالم الإسلامي هدفاً من أهداف هذا الاستعمار الذي ليس إلا فصلاً من فصول الحملات الصليبية على العالم الإسلامي كما هو قول القائد الإنجليزي (اللورد اللبني) بعد أن دخلت قواته المستعمرة فلسطين عام ١٣٣٧هـ؛ إذ قال كلمته المشهورة: «الآن انتهت الحروب الصليبية» . وهذا الاستعمار الحديث الذي مهد له المنصِّرون والمستشرقون بدراساتهم وأبحاثهم يقوم على استغلال البلاد التي استعمروها وتطويعها لإرادته أكثر من استيطانها وحكمها. وكان الاحتلال والاستيطان فيه مرحلة أولى لتحقيق التطويع وزرع العملاء، ومن ثم إعطاء الاستقلال والرحيل بعد ضمان ما يلي: ١ - حكمها من الخارج عن طريق عملاء الاستعمار، أو اتفاقيات الحماية والوصاية ونحو ذلك. ٢ - الاستحواذ على ثرواتها ومقدراتها عن طريق تشغيل شركات المستعمر في أراضيها وربط عملتها بعملة الدولة التي استعمرتها، فضلاً عن القروض والمساعدات وإقامة المشاريع وتوقيع المعاهدات التي هي في صالح المستعمرين. ٣ - التبعية السياسية والثقافية للمستعمر. آثار الاستعمار: نتج عن الاستعمار بمرحلتيه آثار عظيمة لا زالت الأمة الإسلامية تعاني منها إلى اليوم، ويمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: آثار دينية من ضعف الدعوة إلى الإسلام ونشره، وانتشار البدع والمنكرات، والجهل بأصول الإسلام، وضعف الالتزام بأحكام الشريعة لدى كثير من المسلمين حتى صار الإسلام اسماً فقط عند كثير من أبناء الشعوب المستعمرة، وقد سلك المستعمرون في سبيل تحقيق ذلك طرقاً عدة منها: ١ - تقطيع العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة عقب إسقاط الخلافة العثمانية، وقد سعى النصارى بكل ما أوتوا من قوة ومكر للقضاء على الدولة العثمانية؛ لأنها مع ما فيها من فساد وضعف كانت الرباط الذي يربط أقصى العالم الإسلامي بأدناه؛ ولذا فإنها لما سقطت سقطت معها هيبة المسلمين، واستبيحت حرماتهم وامتهنت كرامتهم. وكان مكر النصارى ومخططاتهم ضد الدولة العثمانية قديماً؛ ففي عام ٧٩٢ هـ تكوَّن حلف صليبي مقدس من الصرب والبوشناق والمجر وبلغاريا ونصارى ألبانيا لقتال العثمانيين وإزالة دولتهم [٤] ، وتكررت هذه التحالفات التي كانت تُخفِق مرة إثر مرة؛ لكنها أضعفت الدولة العثمانية. ٢ - تجفيف منابع العلم بأحكام الإسلام وشريعته، وإضعاف دور العلماء والدعاة باحتوائهم، وتصفية من تأبَّى على سياسة الاحتواء، حتى صار من حاشية جنود الاستعمار وجلساء قادته أناس ينتسبون لأهل العلم. ٣ - ممارسة التنصير، وتبديل ثقافة الأمة بثقافة أخرى ليست لها، وهذا يتضح من خلال خطاب الوزير الفرنسي (صالغندي) الذي ألقاه عام ١٨٤٦م أمام جمع من الأطباء العسكريين في الجزائر؛ ومن قوله: «مما لا شك فيه أن الحكومة الفرنسية تعترف لكم بجميل إخلاصكم في معاملتكم للجنود؛ غير أن لكم مهمة أخرى أكثر أهمية؛ أنتم مدعوون إلى القيام بها وهي مؤازرتكم بقسط كبير في العمل على إدخال حضارتنا في بيئة القبائل العربية والبربرية. إن تبشيركم سيكون ولا شك القادر على النجاح خلال السنوات المقبلة؛ ومن جهتنا سنقوم بكل مجهوداتنا لنوفر لكم كل الظروف وسط المواطنين للعمل على نشر التعليم الطبي الذي سيصبح نافعاً في الوقت نفسه للإنسانية ولتثبيت قوتنا في هذا البلد» [٥] . وبقراءة هذا الخطاب يظهر أمامنا ثلاثة أمور أساسية: أ - الارتباط الوثيق بين التنصير والاستعمار، وأن للتنصير دوراً ثقافياً إمبريالياً. ب - أشار الوزير إلى دور هؤلاء الأطباء في إدخال الحضارة الغربية في البنية العربية ولكن بإدخال الثقافة الاستعمارية وليس إيجابيات الحضارة الغربية؛ بدليل أن الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي زاد على ثلاثة قرون وثلث القرن لم تجنِ منه الجزائر إلا تخلف أبنائها ونهب خيراتها واستيطان أراضيها وإذلال شعبها. ج - أن السلطات الاستعمارية كانت تدعم كل الجهود التي تساعد في التأثير الثقافي [٦] . وحتى بعد رحيل المستعمرين عن ديار الإسلام ظل التأثير الثقافي مسلطاً على الديار التي استعمروها عن طريق الجامعات الغربية كالجامعات الأمريكية في كثير من الدول العربية، والمدارس الغربية كذلك، وفي مصر وحدها أكثر من تسع مؤسسات تعليمية بين جامعة وكلية ومدرسة أمريكية وإنجليزية تمارس التنصير. وكذلك عن طريق الأبناء العاقين لأمتهم المخلصين للغرب النصراني الذين درسوا في الغرب وتشربوا ثقافته، ثم سُلِّموا وزارات التربية والثقافة في البلاد الإسلامية، وأُعطوا المنابر الإعلامية ليقوموا بتشويه الثقافة الإسلامية، والدعاية لثقافة المستعمرين، والدعوة إلى الأخذ بها بخيرها وشرها، وحلوها ومرها ... كما قال طه حسين، وكما قال تركي الحمد: لا يمكن أن تأخذ السيارة ولا تأخذ ثقافتها أي: ثقافة صانعها. وعن طريق النوادي الماسونية أيضاً والجمعيات الغربية من نسائية وغيرها التي أنشئت في العالم الإسلامي ويصلها كل الدعم المادي والمعنوي من المستعمرين. ٤ - تغيير اللسان العربي الذي في بقائه وحفظه حفظ الإسلام؛ إذ هو شعاره وبيانه [٧] . وقد رأينا فيما مضى كيف أن النصارى في الأندلس إبَّان تنصيرها منعوا التخاطب باللغة العربية، وألزموا المسلمين بهجرها والتخاطب بلغة المستعمر. وهكذا حصل في الاستعمار الحديث؛ فالاستعمار الفرنسي في الجزائر ركَّز على تعليم الفرنسية ومنع الجزائريين من تعلم العربية، وكان على الطفل الجزائري أن يتعلم الفرنسية بوصفها لغة قومية؛ لأن الاستعمار كان يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر العربية المسلمة [٨] . ٥ - نشر الفاحشة في المسلمين وذلك بإخراج المرأة من بيتها، وإلقاء حجابها، وخلطها بالرجال في ميادين الدراسة والعمل، بل وإنشاء دور التمثيل والرقص والأزياء الفاضحة، والمجلات الهابطة، ومراكز إنتاج الأفلام والأغاني الخليعة، والإشادة بالماجنين والفسقة والسوقة من أولاد المسلمين ورفع شأنهم في وسائل الإعلام المختلفة. وفي مقابل ذلك تضييق سبل المحافظة على العفة والطهارة بانتقاد وربما منع الزواج المبكر ومنع تعدد الزوجات، وإباحة الزنا قانونياً كما في تونس وتركيا، أو تضييق سبل الحلال وتوسيع سبل الحرام كما في كثير من الدول الإسلامية. وقد قال قائد من قادة الصليبيين: «لن تهزموا المسلمين بكثرة الجيوش ولا بقوتها ولكن ستهزمهم جيوش النساء، وستهزمهم قوارير الخمر» [٩] . ٦ - إحياء النعرات القومية (العربية، الطورانية، البربرية ... ) بقصد إضعاف الانتماء إلى الإسلام، واستبداله بالانتماء إلى القطر أو الوطن أو القبيلة أو نحو ذلك. يقول أحد المستشرقين: «إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه، ولكن يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات» [١٠] . القسم الثاني: آثار دنيوية: وهي كثيرة ومنها: ١ - تفريق الأمة الواحدة وضرب الحدود الاستعمارية بينها، ومن ثم التحريش بين الجار وجاره خدمة لمصالح المستعمرين، في إرغام الدول المستعمَرة على توقيع اتفاقات الأمن والحماية التي بموجبها تمتص الدول الكبرى دول الاستعمار خيرات هذه الدول الضعيفة التي تخاف جيرانها. ٢ - اغتصاب الأراضي الإسلامية؛ فقد اغتصب الاستعمار الأندلس كاملة، وأجزاءاً كبيرة من البلقان وروسيا البيضاء وأرض الجمهوريات الإسلامية وجبل طارق والجولان وفلسطين وغيرها، وأخيراً تيمور الشرقية. ٣ - التخلف الاقتصادي في البلاد المستعمَرة، والاعتماد على وسائل الإنتاج البدائي كـ (الزراعة) والتدخل في العلاقات الاقتصادية، وإقامة الحواجز الاقتصادية كالاحتكارات والمضاربات ونحوها. ٤ - تكريس تبعية نظم البلدان المستعمرة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للدول الاستعمارية العظمى ونظمها. ٥ - تغريب المواطن عن مشاكل شعبه، وإيجاد نموذج من المثقفين العاجزين عن فهم هذه المشاكل فضلاً عن حلها وتسليمهم زمام القيادة، كما أسهم الاستعمار ولا زال يسهم في حدوث القلاقل والثورات في المجتمعات الآمنة المستقرة خاصة عند رفضها لما تقرره السلطات الاستعمارية، إضافة إلى شغل المثقفين والمفكرين عن هموم أمتهم بالدعوة إلى الذوبان في الأنظمة الاستعمارية. ٦ - تكريس ما دُعي بالنخبوية الطبقية مع الحرص على اختيار نماذج من أبناء الطبقات الشعبية إخفاءاً للدور الحقيقي لمؤسسات الاستعمار الثقافي والإعلامي الموجودة في العالم الإسلامي. ٧ - وجود مجتمعات خاصة (فصائل ثقافية أجنبية) ضمن المجتمع الإسلامي تهدد وحدة المجتمع ووجوده؛ فالإرساليات التنصيرية، والشبكات الماسونية، والمؤسسات والجمعيات الغربية تعمل في كثير من بلاد المسلمين دون رقيب أو حسيب عليها، بل تدعمها الأنظمة العلمانية في الوقت الذي تقمع فيه أي توجه إسلامي. ٨ - إقناع الشعوب الإسلامية بأن الخير في الاستعمار الثقافي؛ وذلك عن طريق الوقوف ضد تطوير التعليم العام والتعليم العالي، وتشجيع التعليم اللاوطني والمؤسسات التعليمية الأجنبية وإثبات كفاءتها وقدرتها بدءاً من ضخامة منشآتها، وتطور وسائلها التعليمية والتربوية، وانتهاءاً بإيجاد الفرص الوظيفية لخريجيها دون الجامعات المحلية، ولا يمكن مقارنة الجامعة الأمريكية في مصر أو بيروت بالجامعات المحلية. ٩ - الشعور بالدونية والإحباط، والاقتناع بتميز الرجل الأبيض عن سائر الشعوب الملونة، وهذا كرَّسه الاستعمار العسكري بما مارسه من إرهاب جسدي وتصفية لأبناء الشعوب المستعمرة، بل وممارسة أبشع صور القهر والإذلال النفسي والجسدي؛ ومثال ذلك ما فعله الاستعمار الهولندي في إندونيسيا حتى إن الجندي الهولندي إذا أراد أن يعلو ظهر جواده أشار إلى الأندونيسي فيركع أمامه فيدوس الهولندي بحذائه على ظهر الأندونيسي ليعلو جواده. وقبل ذلك أُلْزِمَ المتنصِّرون في الأندلس أن يسجدوا في الشوارع والطرقات إذا مر بهم الرهبان والقساوسة احتراماً لهم. النظم العالمية والعولمة: خرج الغربيون النصارى من بلاد المسلمين عقب استعمارهم لها بعد أن زرعوا عملاءهم، ومكنوا لأبنائهم، وضمنوا هيمنتهم في شتى المجالات، ولم يعد الشرق الإسلامي مصدر قلق لهم، وقضوا على خلافته، وفتتوا دولته وجزَّؤوه إلى دويلات صغيرة. كما نتج عن ذلك انتشار البغي والظلم؛ لأن القيادة والسيادة انتقلت من المسلمين الذين يدينون بدين الحق والعدل مع الناس كلهم إلى غيرهم سواء أكان هذا الغير أهل الكتاب اليهود والنصارى أم الملاحدة العلمانيين الماديين الليبراليين والماركسيين وغيرهم من أصحاب النظريات المادية. ومن أجل إضفاء الشرعية على ممارسات الظلم التي قام بها النصارى المتدينون منهم والعلمانيون في عصر سيادتهم وقوتهم فإنهم اخترعوا المجمعات الأممية، وأسسوا المؤسسات الدولية التي يمررون قراراتهم وتوصياتهم الجائرة عبر مجالسها واجتماعاتها. وجاءت فكرة هذه المؤسسات الدولية في نهاية الحرب العالمية الأولى حينما بات من الواضح انتصار الحلفاء على ألمانيا والدولة العثمانية؛ إذ كان النظام الدولي قبل الحرب قائماً على توازن القوى بين الدول الأوروبية الكبرى وكانت بريطانيا هي الطرف الأقوى في هذا النظام لحفظ التوازن، وبعد الحرب تبنى أصحاب الرأي وقادة الفكر في المجتمعات الأوروبية الدعوة إلى بناء نظام دولي جديد على أساس تكريس الهيمنة والسيادة الأوروبية على العالم، وتسخير عصبة الأمم لرعاية هذه السيادة وتنظيمها [١١] . وبعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) على يد قوات التحالف اجتمع قادة الحلفاء (أمريكا والاتحاد السوفييتي وبريطانيا) في قمة يالطا عام ١٩٤٥م لإعادة رسم الخريطة العالمية وتوزيع مناطق النفوذ بين المنتصرين في الحرب، ثم تحول شكل النظام الدولي إلى القطبية الثانية بعد تكوين حلف الأطلسي عام ١٩٤٩م وامتلاك الاتحاد السوفييتي القنبلة الذرية وتكوين حلف وارسو عام ١٩٥٥م [١٢] . وتحيزت دول العالم الثالث إلى أحد المعسكرين الاشتراكي الشرقي، أو الليبرالي الغربي واندفعت إلى صراع محموم وتنافس رهيب على امتلاك الأسلحة الفتاكة والدخول في حروب شعواء لمصلحة أحد المعسكرين مما أدى إلى فساد العمران واستنزاف الأموال، وإفقار الدول التي سموها دول العالم الثالث. وبعد أزمة الخليج وترنح الدب الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي تحولت السيادة ومن دون منافس إلى أمريكا الرأسمالية البروتستانتية المحكومة باللوبيات الصهيونية، وهذه الزعامة القطبية لأمريكا جعلت رئيسها بوش عقب أزمة الخليج يفصح عن الغرور الأمريكي والابتهاج بحكم العالم حينما رسم خطوط النظام العالمي الجديد الذي تديره بلاده أمام الكونجرس فكان من قوله: كانت الولايات المتحدة على مدى قرنين من الزمان هي مثل العالم الأعلى في الحرية والديمقراطية، وقد حملت أجيال متعددة راية النضال للحفاظ على الحرية وتعظيم المكاسب التي حققتها، واليوم وفي عالم يتحول بسرعة شديدة فإن زعامة الولايات المتحدة لا غنى عنها [١٣] . وفي مناسبة أخرى قال في زهو وغرور: لقد أنقذنا أوروبا، وتغلبنا على الشلل، ووصلنا إلى القمر، وأضأنا العالم بثقافتنا، والآن ونحن على مشارف قرن جديد نسأل: لمن ينسب هذا العصر؟ ! إنني أؤكد أنه سيكون عصراً أمريكياً آخر [١٤] . ما الذي يريدونه في عصر النظام العالمي الجديد (العولمة) ؟ ! لقد تكفَّل أهل الكفر بتفتيت العالم الإسلامي وفرض سيادتهم عليه، ونهب ثرواته، وتصدير نظمهم إليه، لكن القصعة المستباحة كانت مقسمة بين الشرق والغرب وبعد سقوط الشيوعية ضمن الغرب الاستئثار بها وحده، ولم يبق ما يزعج الغرب النصراني العلماني إلا تفوق العالم الإسلامي في النواحي الاجتماعية، ومحافظته على نظام الأسرة، مما جعل قوى الشر تتواصى بالاختراق الثقافي وتجتمع على إفساد الأسرة المسلمة عبر مقررات المؤتمرات الدولية: مؤتمرات السكان والإيواء البشري والطفل والمرأة، وفرض المقررات الإلحادية على البلاد الإسلامية وربطها بالسياسة والاقتصاد والحصار لتأخذ صفة الإلزام بعد إخفاق التوصيات والنصائح، ولم تفلح المنظمات المشبوهة التي تسوِّق لهذا الإلحاد والفساد، وفُضح القائمون عليها من عملاء خونة خانوا دينهم وأوطانهم. هل يريدون تنصير العالم الإسلامي أم علمنته؟ ! يبدو أنه لا فرق بين الأمرين؛ لأن الكنيسة تعلمنت، والعلمانية أحست بضرورة وجود الكنيسة؛ فالصراع زال، وحل محله الوفاق ليقوم كل بدوره تجاه أبناء النصرانية العلمانيين وتجاه غيرهم. لقد ثار الغرب ثورة الحرية على الكنيسة وقيودها، وأعلن العلمانية فانتهى بذلك دور الكنيسة، وتحول الغربي إلى مادي حيواني يعب من شهواته ويشبع غرائزه ويعيش يومه ولا يفكر في غده ولا يؤمن بالحساب، ومنذ تلك الثورة ظلت الكنيسة تغازل العلمانية، وتخطب ودها بما يقدمه رجال الدين النصراني من تنازلات لإرضاء الماديين حتى خرقوا أنظمة الكهنوت، وخالفوا تعليمات أناجيلهم المحرفة، وأباحوا للناس ما أجمعت الشرائع والعقول والفطر السليمة على تحريمه من زواج الرجال بالرجال والنساء بالنساء وسائر أنواع الشذوذات، كما قالت مجموعة أبناء الرب [*] : إن الخوف من الزنا لم يعد له مكان، وإن عمليتي اللواط والسحاق مباحتان ما دامتا تتمان في جو من الحب، وقال ديفيد جاكس المتحدث باسم هذه المجموعة: «إن تقديم العون الجنسي واجب على كل فرد، وإن أفراد المجموعة من النساء مطالبات بتقديم كل ما يمكن أن يغري أعضاءاً جدداً» [١٥] ، وأنه لا بد من تغطية نفقات المجموعة من بيع الجنس إذا اقتضى الأمر! ! [١٦] . ولا أدل على علمنة الكنيسة من إعلان عدد من جماعات التنصير في أمريكا وهولندا وإيطاليا والسويد وألمانيا والدانمارك وأسبانيا وإنجلترا رفضهم للوصايا العشر التي جاءت في شريعة موسى، والتي تعد أهم دعائم النصرانية، واعتبر بعضهم أن هذه الوصايا انتهت وانتهى زمانها [١٧] . وفي المقابل ثبت لدى العلمانيين الغربيين حاجة الفرد إلى الكنيسة؛ لأنه مفطور على التعلق بالله ؛ لا سيما بعد فُشُوِّ أمراض القلق والجنون والفصام وغيرها من الأمراض النفسية في الغرب، وقد أدى كثير منها إلى الانتحار، فباركت العلمانية تنازلات الكنيسة، ولم تمانع من وجودها بعد فقد سلطانها لإشباعٍ روحيٍ زائف. عولمة التنصير: مما سبق نفهم تآزر القوى العلمانية مع العصابات الكنسية في عملية التنصير الضخمة التي قد شحن الغرب إمكانياته لإنجاحها. وبات من الواضح تحول الغرب من التنصير الفردي إلى التنصير الجماعي لسببين رئيسين: ١ - أن التنصير الفردي بطيء جداً لا يتناسب وعصر السرعة، ولا يتناسب مع اتساع رقعة العمل الفسيحة أمام المنصرين الذين يمكنهم الدخول إلى أي مكان ما دامت قوى الغرب السياسية تنفرد بالقرارات وتدير المنظمات الدولية. ٢ - أن التنصير الفردي يؤدي إلى اقتلاع الفرد من بيئته ومجتمعه مما يجعله مشلول الإرادة، منبوذاً من قومه مما يكون سبباً في رجوعه، وإن بقي على نصرانيته يصبح عبئاً على الكنيسة التي نصّرته، ولن يستطيع التأثير فيمن حوله. والتنصير الجماعي يعني نقل أمة من الناس قبيلة أو قرية أو مدينة كاملة من الإسلام إلى النصرانية لكيلا يحس أحد منهم بالغربة، والوسيلة لتحقيق ذلك هو استغلال الأزمات والكوارث، وربما افتعالها من قِبَل مَنْ بأيديهم القرار السياسي والعسكري والاقتصادي للتدخل في بلد ما وإيجاد أزمة تخنق شعبه، ومن ثم تقوم الهيئات والمنظمات التنصيرية بإكمال باقي المهمة بتنصير هذا الشعب الذي يعيش الأزمة، وهذا ما نص عليه مؤتمر كولورادو التنصيري؛ إذ جاء في إحدى فقراته: (لا بد من وجود أزمات معينة ومشكلات وعوامل إعداد وتهيئة تدفع الناس أفراداً وجماعات خارج حالة التوازن، وفي غياب مثل هذه الأوضاع المهيئة فلن تكون هناك تحولات كبيرة إلى النصرانية) [١٨] . وليس هذا يعني بالضرورة التنسيق الكامل بين الدوائر العلمانية صاحبة القرار في الغرب وبين المنظمات التنصيرية حتى لا يقال: إن هذا من إفرازات فكر المؤامرة ولكنه تقاطع المصالح؛ فالقوى السياسية والعسكرية والاقتصادية في الغرب تخنق شعوب العالم الثالث لإثبات القوة والغطرسة أو لنهب ثرواتها أو لتأديب من يرفض قوانينها الجائرة، والهيئات التنصيرية تستغل فرص التجويع والإفقار والحصار لتقوم بأنشطتها التنصيرية، ومن سيمنعها من ذلك إذا كانت الدولة المحاصَرة نفسها لم تستطع فك الحصار عن نفسها أو اختراقه فضلاً عن منع المنصرين من مد يد العون والمساعدة لشعبها المجوَّع المحاصر؟ ! ولن يتوقف النصارى عند هذا الحد؛ إذ صرحوا بلزوم التدخل في شؤون الدول التي فيها أقليات نصرانية بزعم حمايتها من اضطهاد المسلمين مع أن هذه الأقليات تحظى في بلاد المسلمين بما لا يحظى به المسلمون من الرعاية والتكريم بل والذلة لهم وتنفيذ مطالبهم وإظهار شعائر شركهم تحت قيادة الحكومات العلمانية، ومع ذلك لم يرتض الغرب المنتصر هذه السيرة ولن ترضيه حتى يجعل الأقليات النصرانية حاكمة على المسلمين أو تنفصل عن الدولة لتشكل دولة نصرانية كما حصل في تيمور الشرقية وكما يريدون حصوله في جنوب السودان. وفي زمن العولمة لن يستطيع أحد منعهم من التدخل في شؤون الدول الداخلية؛ لأن القوة بأيديهم والمنظمات الدولية تأتمر بأمرهم، وتصدر قراراتها على ضوء توجهاتهم، ثم إذا منعتهم وصار قرارهم وتدخلهم فردياً فمن سيعاقبهم ويحاصرهم؟ ! وقد ضربت السودان وأفغانستان بقرار فردي لصرف الأنظار عن فضيحة جنسية؛ فهل عوقب الضارب؟ وهل حوصرت دولته؟ ! حوارات الأديان خطوة تنصيرية: كان غلاة الصوفية الأقدمون دعاة وحدة الوجود والاتحاد والحلول يرون صحة كل طريق يوصل إلى الله تعالى سواء أكان حقاً (الإسلام) أم باطلاً كاليهودية والنصرانية والوثنية وغيرها. وأجاز بعضهم التهود والتنصر ورجحه بعضهم على دين الإسلام وقد كشفهم شيخ الإسلام ابن تيمية ونقض باطلهم [١٩] . وفي النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري بعثت هذه الدعوة وتبنتها الماسونية، وأقنعت بها الأفغاني ومحمد عبده الذي أسهم في تأليف جمعية في بيروت باسم (جمعية التأليف والتقريب) هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة [٢٠] . وفي السنوات الأخيرة تبنى الفرنسي روجيه جارودي إحياء دعوة (لويس ماسينون) [٢١] المتمثلة في ربط الأديان التوحيدية الثلاثة بنفس الشبكة، وذلك من خلال وصلها بالإيمان الإبراهيمي على اعتبار أن إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء، وقد أفصح جارودي عن هذه الحقيقة بقوله: «لقد عرفت الإيمان الإبراهيمي عن طريق Kierkegaard واليوم أقوم بهذه المبادرة الحوار الإبراهيمي بالاشتراك مع أصدقائي اليهود والكاثوليك والبروتستانت؛ فإني أتابع المسير بقصد تجميع الإيمان الإبراهيمي، وما أجده اليوم في القرآن من أن إبراهيم هو أبو الأنبياء قد وجدته منذ عشرين عاماً» [٢٢] وقد عقد جارودي العديد من المؤتمرات وأنشأ معهداً لهذا الغرض في قرطبة الأندلسية وبيَّن أن لهذا المعهد توجهات عالمية لنشر نتاج الثقافات الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلامية وتعاليمها من خلال علاقة الإنسان بالإله والطبيعة والفرد وهو مركز دراسات لوحدة هذه الأديان [٢٣] . وللأسف فإن جارودي خدع بعض السذج من المسلمين وجمع منهم التبرعات لإنشاء هذا المعهد المشبوه، وحصر إدارته في اليهود والنصارى زاعماً السعي لنشر ثقافة الأديان الثلاثة! ! وقبل عدة أشهر نشرت بعض الصحف الغربية أن مؤتمراً للتقريب بين الأديان سوف يعقد تحت مظلة الأمم المتحدة وسيدعى إليه بابا الفاتيكان وممثلو مختلف الكنائس النصرانية وحاخامات اليهود إضافة إلى رؤساء كبار العلماء والمجامع الفقهية والبحوث الإسلامية ورئيس الأزهر وأئمة المساجد الثلاثة المكي والنبوي والأقصى. والقصد معروف من هذه الدعوات التي تريد إذابة الإسلام في مناهج الذين كفروا، وليست حواراً حقيقياً كما يظن المخدوعون يقوم على المناظرة وقرع الحجة بالحجة وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وذلك واضح في تقرير البروفيسور النصراني (ديون كراوفورد) الذي كتب تقريراً مطولاً عن حوارات الأديان التي يتبناها النصارى وكان من ضمن ما كتب: «ينبغي أن تتحول العلاقة بين المسلمين والنصارى من علاقة المواجهة السابقة إلى علاقة حوار، على ألا يؤدي هذا الحوار إلى المساومة على النصوص الإنجيلية من أجل تنمية الحوار، وهذا ما لا يجوز؛ فالحوار لا ينبغي أن يكون بديلاً عن التبشير بالإنجيل، وعلى المسلمين أن يفهموا أن الحوار يستهدف كسبهم إلى صف النصارى، وينبغي على النصارى أن يخالطوا المسلمين ويصادقوهم، وأن يستغلوا ذلك في إزالة سوء الفهم الراسخ في أذهانهم تجاه الإنجيل والمسيح» [٢٤] . تنهبيات مهمة: في ختام هذا العرض المختصر أنبه إلى أمور ثلاثة مهمة هي: ١ - أن الحرب بين المسلمين والنصارى ستستمر إلى نزول عيسى عليه السلام وقتله للدجال والخنزير، وكسر الصليب، والحكم بشريعة أخيه محمد صلى الله عليه وسلم كما تواترت بذلك الأخبار في السُّنَّة النبوية [٢٥] . وهيمنة النصارى العسكرية والسياسية والاقتصادية بل والثقافية لن تكون مطفئة لأحقاد النصارى على المسلمين حتى يردوهم عن دينهم كما هو قول الله تعالى: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) ، وقوله تعالى: [وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ] (البقرة: ١٠٩) وفي الأحاديث الواردة في شأن الدجال قال النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذٍ ... » [٢٦] وذكر فيه انتصار المسلمين وخروج الدجال وهم يقتسمون الغنائم مما يعني أن حوارات الأديان والسلام ونشر ثقافة المحبة، وانتهاء عصر الحروب ... وغير ذلك من الادعاءات مجرد أمانٍ ينخدع بها من لا يحسنون التلقي عن الكتاب والسنة. ٢ - أن واجب المسلمين هو مدافعة الشر ومقاومة أهل البغي والظلم والكفر بكل ما أوتوا من قوة عملاً بقوله تعالى: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ] (الأنفال: ٦٠) فالسلاح وبناء الجيوش قوة، والكلمة الطيبة التي تفضح بها مخططات الأعداء والمنافقين قوة، والإلحاح على الله تعالى بالدعاء على الأعداء قوة، والتمسك بالإسلام والدعوة إليه قوة. والضعف هو في التخلي عن أحكام الإسلام أو تمييعها لإرضاء الأعداء، أو تفصيل شريعة الإسلام على أهواء الناس ومطالبهم. ونحمد الله تعالى على أنه لم يكلفنا بالنتائج وإنما طلب منا العمل فحسب: [فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا] (يونس: ١٠٨) ، وقوله تعالى: [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ] (يونس: ٩٩-١٠٠) ، وقوله تعالى: [إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ] (الشورى: ٤٨) . ٣ - أن الغلبة في النهاية لأهل الحق على أهل الباطل ولو زخرفوا باطلهم وزينوه وكانت وسيلته الفضائيات والإنترنت، ولو كان مدعوماً بالترسانات النووية والذرية والبيلوجية وغيرها؛ فإن جند الله تعالى أقوى؛ ومن جنده سبحانه الزلازل، والأمراض والكوارث والرعب: [وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ] (الحشر: ٢) ، وقوله تعالى: [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] (المدثر: ٣١) . بيد أن الذي يستحق نصر الله تعالى وتأييده هم عباده الذين استجلبوا نصره بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، والدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح النفس والبيت والسعي في نشر الصلاح في الأمة كلها. أسأل الله تعالى أن ينصر دينه وأن يدحر الكفر وأهله؛ إنه سميع مجيب.

стр. 3602

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) تاريخ الوجود التنصيري في إفريقيا أبو إسلام أحمد عبد الله [*] لم تتعرف إفريقيا على عقيدة النصارى قبل السنوات الأخيرة التي شهدت نهاية الإمبراطورية الرومانية في شمال إفريقيا على يد المسلمين. ومع أول عهد انتشار الإسلام في هذه المنطقة، لم يكن للنصارى غير مملكة قبطية في بلاد النوبة (شمال أم درمان بالسودان) كانت تسمى مملكة ميروي (Meroe) رفضت دعوة التوحيد، وظلت على شركها في ظل الدولة الإسلامية، حتى عام ١٤٠٥م نصرانية، عندما هاجمتها قبائل الفونج الوثنية فقضت عليها، لتعود إفريقيا مرة أخرى بين وثنية تجذرت بجهالاتها وبين عقيدة إسلامية تنتشر كنسمات الربيع التي يفوح عبقها مع موجات الهواء البارد لترطب من حرارة خط الاستواء في قلوب الأفارقة المهتدين، بدون إرساليات طبية أو بعثات تعليمية أو خطط تنصيرية أو احتلال أرض أو عبودية بشر، أو جيوش لا تعرف غير الظلم وسفك الدماء. كانت إفريقيا بالنسبة للنصارى عندما هجموا عليها كقطعة لحم جافة تسابقت إليها الكلاب لتنهش منها ما يسد نهمها، لم تكن الغاية هي المسيح، ولا رب المسيح، ولا المسيح الرب (عندهم) ، إنما كانت توسيع رقعة النفوذ في مواجهة الصراعات السياسية والعقدية التي سيطرت على كل أنحاء أوروبا، وممارسة حياة البلطجة وقطع الطرق والسرقة التي كانت تجتاح كل بلاد الغرب، إلى أن بدأت سياسة احتلال البلاد في إفريقيا وآسيا، ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها، فيما يعرف بالحملات الاستكشافية أولاً، ثم الحملات الصليبية بعد ذلك. وتحت ظل هذه الحملات تحركت الكنيسة الكاثوليكية من فرنسا ثم من بلجيكا والبرتغال وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا، كما تحركت الكنيسة البروتستانتية الإصلاحية من إنجلترا ثم فرنسا وسويسرا وألمانيا وإسكندناوا وأمريكا، جاعلة لنفسها مقراً دولياً في منطقة جنوب إفريقيا. ومن أشهر طوائف البروتستانتية الذين نشطوا في قارة إفريقيا عموماً هم الإنجيليكان، والميثودست، والبرزبيتاريان ثم اللوثرية وجمعيات الباتست Baptistes والأدفنتست Adventistes وبرج المراقبة Watch Tower المعروفة بجماعة شهود يَهْوَه وهي الجماعة الوحيدة التي حالت الكنائس البلجيكية وحكوماتها دون السماح لها بالدعوة في منطقة الكونغو حتى اليوم. وقد أدت هذه التعددية اللامحدودة في مذاهب وملل واعتقادات النصارى التي هرعت إلى الأرض الجديدة، إلى إثارة الفتن والعصبية وإشعال الحروب الضارية بين القبائل الإفريقية على مستويين: - ففي الداخل بين من ترك الوثنية إلى النصرانية أو اعتنق مذهباً نصرانياً يخالف مذهب الآخر، لا داخل القبيلة فحسب، إنما داخل الأسرة الواحدة وداخل العشيرة الواحدة، بين الأب وأبنائه، وبين الأشقاء، وبين الزوج وأصهاره. - وفي الخارج: بين القبائل بعضها مع بعض لارتداد بعضها عن الوثنية، أو لاختلاف المذاهب والملل التي اعتنقوها مجدداً من النصرانية. وهكذا سالت دماء المئات والألوف من أبناء إفريقيا بأيديهم ثمن هذه الفتنة، إلى أن لجأت كل الإرساليات النصرانية إلى أسلوب جديد، يحافظ على الطقوس والعبادات الوثنية التي تربط بين القبائل بعضها ببعض، والإبقاء عليها إلى جانب طقوس النصرانية وعباداتها، وإن اختلف ذلك عن أصولهم العقدية، وهو ما وصفوه بالنسبة للنصراني الزنجي الجديد بكلمتي «الموت الذاتي» أو «الاحتضار المعنوي» للدلالة على خطورة ذلك الانقلاب في حياة الرجل الإفريقي. ولكن برغم الجهود الجبارة التي بُذِلَت، والأموال الطائلة التي أنفقت، وعشرات الأرواح التي أُزهقت بين المنصرين بسبب الأمراض التي كانت تنتشر في البلاد الإفريقية، فإن حصاد النصرانية كان شيئاً لا يذكر ولا يتناسب مع الجهود والأموال والتضحيات التي خسرتها الكنائس وإرسالياتها، حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. إذ مع الحرب العالمية الأولى على وجه الخصوص، ولأسباب سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة، يمكن القول إن النصرانية بدأت تجني ثمار كل السنوات السابقة، وأن تعيد الحيوية إلى البذور التي تناثرت هنا وهناك وحافظت على بقايا طقوس تنتمي إلى عقيدة النصارى بشكل مباشر أو غير مباشر. مع بداية القرن العشرين تنبهت الكنائس الغربية إلى أخطائها في أساليب الدعوة على سواحل إفريقيا، ففرضت على أعضاء البعثات والإرساليات اتباع خطط مرسومة تقضي بدراسة تلك البيئات دراسة شاملة، وتَفَهُّم نظمها الاجتماعية وعاداتها وتقاليدها ولغاتها. كما فرضت على الأعضاء ضرورة الاختلاط بالسكان وقبول بعض طقوسهم الدينية الوثنية وتقديرها بما يرضي الوثنيين، بل ومحاولة إيجاد مساحة لذلك القبول في العقيدة النصرانية، وعدم العمل على محوها، إنما التغلغل فيها والاستفادة من أي بذور صالحة بها، وقبول بعض العادات الوثنية واعتبارها عادات نصرانية تحتفل بها الكنيسة. كما تنبهت الكنيسة الغربية إلى ضرورة إعداد وتدريب وتعيين قسس من الإفريقيين، وإنشاء مدارس ومعاهد لهذا الهدف بدعم مباشر من بابا روما بيوس الحادي عشر، ثم بيوس الثاني عشر. لكن كلمات هوبير ديشان [١] ما زالت تحفر حروفها في عقل الكنيسة الغربية يوم أن قال: «لكن كسب الإسلام لأقوام جديدة ما زال يندفع كالسيل يكتسح ما أمامه، وامتداده في المناطق العريضة نحو الشمال وإلى الشرق رائع حقاً، أما مطاياه إليها فكانت اللغات الواسعة الانتشار في التفاهم، وهي لغات قبائل أولوف وبيل وماندانج وهوزا والسواحلية. ثم يقرر ديشان قائلاً:» وسوف تظل المواجهة بين الإسلام والنصرانية في إفريقيا، وسوف تظل أيضاً مصائر هذه القارة متوقفة على إجابة السؤال: ترى أيهما ينتصر؟ الإسلام الشرقي أو المسيحية الغربية « [٢] . الإرساليات الأولى على سواحل إفريقيا: في العام ١٤٩١م أعلن أول ملك من ملوك إفريقيا اعتناقه للعقيدة النصرانية وهو ملك الكونغو، الذي مات بعد تنصُّره مباشرة، وخلفه على العرش ابنه، فعمّدته إحدى الإرساليات التنصيرية باسم» ألفونسو «وزَّوجته واحدة من بناتها، فلما أنجب» ألفونسو «ولداً منحه منصب أسقف عام الكونغو، وأصدر قراراً بتغيير اسم العاصمة من بانزا كونغوا Mbanza Congo إلى اسم ساو سلفادور إحدى المناطق الشمالية بأنجولا الآن، وأعد مجموعة من أهالي البلاد للدعوة إلى دين النصرانية ومنحهم رتبة القساوسة. في العام ١٦١٠م أسس البرتغاليون أسقفية نصرانية في مدينة لواندا Loanda على ساحل أنجولا الشمالي، لكنها لم تحرز أدنى نجاح في أداء مهمتها فأغلقت أبوابها على من فيها لعدة سنوات، ثم بيعت بعد ذلك. في العام ١٦٣٠م اعتنق زعيم مومباسا Mombaz (ممبسة) على الساحل الشرقي لكينيا عقيدة النصرانية، لكنه سرعان ما رجع عنها واعتنق دين الإسلام. في العام ١٦٥١م أعلن مونوموتابا Monomotapa ملك موزمبيق تركه للوثنية واعتناقه للنصرانية، استجابة لدعوة إرساليتين إنجيليتين كانتا قد استقرتا في حوض نهر زامبيزي، إحداهما يسوعية والأخرى دومينيكانية، أغدقا عليه الأموال، وسارا معه في استخدام الأرواح التي كان يعتقد بها في وثنيته. وفي العام ١٦٦٥م أتت هجمة تنصيرية بروتستانتية من هولندا إلى سواحل جنوب إفريقيا، فقامت بتدمير جميع المؤسسات والكنائس والإرساليات التي كان قد أسسها البرتغاليون من قبل، ثم وضعوا أيديهم على منطقة رأس الرجاء الصالح؛ حيث نزل على أرضها أول قسيس بروتستانتي، لا ينافسه قسيس آخر من أي ملّة نصرانية أخرى. وهكذا، منذ بداية القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن السابع عشر النصراني وبداية القرن الثامن عشر، بقيت الدعوة السائدة بين وثنيات إفريقيا الجنوبية، هي دعوة الإسلام، لإخراج الناس من ظلمات الجهل والجاهلية وعبادة الأمطار والأنهار والجن والأحجار إلى عبادة الواحد القهار، وبقي الوجود النصراني محصوراً ومحاصراً في بقع محدودة للغاية. ويعلن هوبير ديشان مؤلف كتاب الديانات في إفريقيا السوداء [٣] قائلاً: » لكن تلك الجهود كلها، قضى عليها اضطراب الأحوال السياسية، والثورات، والجيوش التي كان يستعين بها تجار الرقيق، وارتداد الكثيرين إلى عقائدهم الوثنية القديمة، ولم يبق من كل ذلك إلا علامة الصليب التي اندمجت في المراسيم الوثنية «. مائة عام بلا حصاد: مع بداية القرن الثامن عشر دخل الأسبان ميدان التنصير، بعد ما سمي بثورة الإصلاح في فرنسا عام ١٧٦٩م ثم في أوروبا كلها، ورحلت عدة بعثات تنصيرية كقوافل طبية وتجارية إلى عدة مناطق، ولاقت إقبالاً كبيراً من بعض الملوك الوثنيين، وبقايا من النصارى والمتنصرين. فقد وجه الملك ألادا Allada ملك داهومي (بنين) الدعوة إلى إحدى هذه البعثات، لتنشيط حركة التجارة في بلاده؛ فلما استوضح غرض البعثة وهي التنصير طردها من بلاده وأوقف كل نشاط مع الهيئات الأوروبية. فلجأت بعثة تنصيرية فرنسية إلى أسلوب آخر، وهو دعوة الملوك أو أبنائهم لزيارة فرنسا، فدعت أنيابا Aniaba ابن أمير ساحل العاج، لزيارة الكنيسة الفرنسية الكبرى، بمدينة سايل، حيث أعلن الابن نصرانيته وخضع للتعميد الذي قام به القس الشهير بوسيويه Bossuet، فكان لذلك الحدث رد فعل كبير لدى السلطة الكنسية الفرنسية، التي استضافته في قصر الملك لويس الرابع عشر، حيث أعلن الابن اتخاذ الملك أباً روحياً له، فلما عاد أنيابا إلى بلاده ساحل العاج، أعلن ارتداده عن النصرانية والعودة إلى الوثنية دين آبائه. ومثلما فعل نصارى البرتغال وهولندا وفرنسا، حاولت الكنيسة الألمانية أن تحقق شيئاً في مواجهة المد الإسلامي بإفريقيا، فاختارت العمل بين قبائل تعرف بالهوتنتوت ولكنها لم تحقق أي نجاح. ويقول هوبير ديشان:» حتى نهاية القرن الثامن عشر كان تعداد النصارى في كل أرجاء إفريقيا عشرين ألفاً من البيض، وبضع مئات من العبيد، ومع بداية القرن التاسع عشر لم يكن للنصرانية قدم ثابتة في مكان ما في إفريقيا السوداء، إذا استثنينا نقطاً ضئيلة على الساحل « [٤] . ثم يستشهد ديشان على صدق استنتاجه هذا بما كتبه المنصر الإنجليزي وليم شو W. show عام ١٨٢٣م من مكتب إرساليته بمستعمرة رأس الرجاء الصالح قائلاً:» إنه لا يوجد أي بعثة تنصيرية فيما بين المكان الذي أعيش فيه وبين أبعد نقطة في شمال البحر الأحمر « [٥] . التركيز الصليبي على الجنوب الإفريقي: مع بداية القرن التاسع عشر توغلت حركة الكشف الأوروبية في قلب إفريقيا، وكثرت البعوث والإرساليات الدينية التنصيرية، ثم تبعتهما حركات الاحتلال الأجنبي الذي فتح الطرق المسدودة أمام التنصير، فكان هذا القرن حقاً هو العصر الذهبي للتنصير في إفريقيا، ولم يبدأ القرن العشرون إلا وكان للنصرانية تواجدها المحسوس والملموس والمرئي بشتى مذاهبها ومللها وكنائسها. كان النشاط أكثر تركيزاً في إفريقيا الجنوبية؛ إذ بدأ برحلات الهجرة التي قام بها مئات من الهولنديين البروتستانت البيض، فاستوطنوا الأرض وتوغلوا فيها، لكن دون أن تتوفر أي دلائل على أن فكرة تنصير الزنوج مطروحة في عقولهم؛ إذ كان الهدف في هذه الفترة هو الهروب من أوروبا المتصارعة الفقيرة المتخلفة إلى حيث السيطرة على قبائل الزنوج واحتلال أراضيهم وثرواتها. ولم تتوفر أي إشارة في الوثائق المتوفرة لدينا تدل على أن هناك إرسالية تنصيرية بالمفهوم الديني قد مارست الدعوة بين الأفارقة الجنوبيين قبل عام ١٨٤١م، عندما بدأ ذلك في مستعمرة الرأس المنصران الإسكوتلانديان روبرت موفات R. Moffat ودافيد ليفنجستون D. Livingstone وهما طبيبان اهتما برحلات الاستكشاف داخل مجاهل إفريقيا، لخدمة عملهما بالتنصير. أسس الطبيبان مركزاً للتنصير بين قبائل بتشوانا، ومارسا مهنة الطب البدائي بين الناس، فاستخفوا بهذا المركز ولم يعيروا وجوده ودعوته اهتماماً أكثر من اهتمامهم بالذهاب إليه لمعالجة جروحهم وأمراض العيون المنتشرة بين أطفالهم، إلى أن أغارت إحدى القبائل المجاورة على سكان بتشوانا، فشارك موفات وصديقه في صد هذه الغارة وتنظيم صفوف المدافعين وتوجيههم مما كان سبباً في انتصارهم، خاصة أن الطبيبين كانا يؤكدان في كل أمر يصدرانه، بأنه آت باسم» المسيح الرب «الذي حمى قبيلتهم وهزم بقوته الروحية أعداءهم. واستطاع موفات أن يستغل هذا الحدث الضخم في تاريخ القبيلة، من خلال التحامه المباشر بكبارها، حتى أعلنوا اعتناق النصرانية. في بتشوانا، تزوج دافيد من ابنة موفات، واستطاع عن طريق زوجته العروس، أن يغزو قلب سيشيله Sechele أحد ملوك بتشوانا، ويملك هو زمام أمره، فعرض عليه النصرانية، ووعده بتزويجه واحدة مثل زوجته، فطلق سيشيله كل زوجاته وحظاياه، أملاً في الزوجة التي لم تأت؛ إذ طلب منه دافيد أن يتنازل أولاً عن دعوى قدرته الإلهية في إسقاط الأمطار؛ لأن هذا يتعارض مع قدرة » المسيح الرب «فاستجاب الرجل، لكن الله يشاء أن تشهد هذه القبيلة أربع سنوات عجاف لم ينزل خلالها مطر حتى أصابها الجفاف التام، مما اضطر دافيد إلى ترك هذا الموقع والذهاب شمالاً حيث استكشف الحياة في حوض نهر زامبيزي الذي يبدأ من الساحل الشرقي لإفريقيا وموزمبيق ويمتد إلى قلب زامبيا، وبدأ هناك دعوته مرة أخرى، ثم اعتاد التنقل والترحال في أدغال إفريقية الجنوبية على ضفاف حوض النهر، على مدى ثلاثين عاماً متواصلة، ترك خلالها آثاراً واضحة في نفوس المئات من أبناء القبائل الإفريقية، رافضاً أن يعود إلى أوروبا ثانية، حتى جاءه الموت فجر أول مايو سنة ١٨٧٣ قرب منطقة بنجويلو Banguelo على الساحل الغربي لإفريقيا وأنجولا فدخل عليه أتباعه الزنوج الذين نجح في تنصيرهم، وتعبيراً عن حبهم له شقوا بطنه بسكين، ثم نزعوا قلبه من صدره، ودفنوه في أرضهم، ثم نقلوا جثته إلى مكان دفن الموتى. وفي خط متوازٍ تدفقت عدة بعثات أخرى في مناطق الكاب والنالتال والترنسفال حتى مستعمرة روديسيا، فنزلت طائفة النصارى المنهجيين (الميثودست) Methodistes، وأسسوا كلية لوفديل Lovedale لتخريج المنصرين والمعلمين، كما أسس فرانسوا كولار F. Coillard مركزاً للدعوة في روديسيا الشمالية بين قبائل باروتسي. أما الإنجيليكان Angeliccans فقد ركزوا جهودهم في المدن وفي الغابات، واتخذوا أساساً في استراتيجيتهم للدعوة ألا يخالفوا أو ينفوا أي نظام قائم لدى القبائل في سلوكياتهم وعاداتهم وتقاليدهم إلى حد أن أعلن واحد منهم يدعى كولينسو Colenso إباحة تعدد الزوجات في قبيلة كافريه Cafres فعنّفته كنيسته وحرمته من العمل بالتنصير لفترة زمنية. وفي حين اتجهت البعثات الأمريكية إلى قبائل الزولو، اتجه الألمان الإصلاحيون إلى الجنوب الغربي لإفريقيا، وذهبت البعثات البرتغالية لممارسة نشاطها التنصيري في أنجولا وموزمبيق في الشمال الغربي. وفي إحصاء غير موثق نشرته إحدى الإرساليات الأمريكية عن انتشار الكرازة (الدعوة) النصرانية في اتحاد جنوب إفريقيا عام ١٩٥٣م جاء على الوجه الآتي: - الميثودست ٠٠٠,١٠٠,٢ نسمة. - الإنجيليكان ٠٠٠,٨٠٠ نسمة. - الكاثوليك ٠٠٠,٦٥٠ نسمة يتركز أغلبهم في ردويسيا الشمالية. - البروتستانت الهولنديون ٠٠٠,٦٠٠ نسمة تميزوا بالنعرة العنصرية، وجعلوا من الكنائس التي أنشؤوها ما هو خاص بالبيض وما هو خاص بالزنوج والملونين. التنصير في شرق إفريقيا: يضم شرق إفريقيا عدة ممالك شهيرة، استأثر الجهد التنصيري من بينها بمنطقة تنجانيقا (تنزانيا حالياً) وكينيا وأوغندا ورواندا وشطراً من جنوب السودان. وقد استطاع المسلمون أن يحققوا مكاسب ضخمة في هذه الممالك كلها خاصة بعد أن كانت الهجمات البرتغالية الأولى قد طردت المسلمين منها، ثم استردها المسلمون ثانية ونشطت دعوتهم وتثبتت أصولهم في السنوات الأولى من بداية القرن التاسع عشر. واستطاعت إنجلترا أن تحط بقواتها في زنجبار عام ١٨٤٠م بعد أن أخضعت مصر للنفوذ الأوروبي، وكان نفوذ مصر يمتد جنوباً حتى أوغندا، ثم توسع المحتلون في احتلال الأراضي وقهر ملوك القبائل وسرقة أراضيهم وحيواناتهم مما أفسح الطريق أمام بعض البعثات للعبور إلى كينيا، واستطاع أحد المبشرين الألمان يدعى كرابف Krapf بأن يؤسس أول مركز للتنصير في مدينة ممبسة، وقام هذا المركز بترجمة كتابهم المقدس إلى اللغة السواحلية، مما فتح أمامهم آفاقاً رحبة ومستحدثة للدعوة النصرانية، فأسس مركزاً آخر بمدينة بوجامايو Bogamayo على الساحل المواجه لجزيرة زنجبار، بالتعاون مع منصر آخر يدعى ربمان Rebmann. فلما اكتشف أحد القبطان المسلمين ويدعى سليم في العام ١٨٤٢م منطقة البحيرات العظمى، وتمكن لأول مرة من اختراق عقبة السودان النباتية مما جعل النيل منفذاً مفتوحاً إلى سكان البحيرات الاستوائية، هرعت قوات الاحتلال إلى المنطقة وبسطوا سلطانهم عليها، وما لبث أن أرسل جريجوري السادس بابا روما في العام ١٨٤٦م بعثة تنصيرية ضخمة، أنشأت ما أطلق عليه: نيابة إفريقيا الوسطى الرسولية، يبدأ نشاطها من قلب القاهرة ويمتد إلى جنوب أوغندا، ثم أرسلت أول بعثة كاثوليكية معتمدة إلى جنوب السودان لاختراق قلب إفريقيا بقيادة الأب ريلو Rullo. فكان ذلك بمثابة الاختراق الأول لجدار الدعوة الإسلامية في منطقتي شرق إفريقيا، وإفريقيا الاستوائية. وبرغم هذا الجهد النشط في حماية السلطات المحتلة، فإن دعوة النصرانية ظلت محصورة في المناطق الساحلية دون القدرة على اختراق المناطق الداخلية التي كانت تنتشر فيها دعوة الإسلام. بل ويؤكد ز. هيل وتونوالو في كتاب لهما صدر عام ١٩٧٤م، أن طوائف تنصيرية متعددة قد توقف نشاطها تماماً مثل الفرنسيسكان، وأُغلِقَت مراكز تنصيرية مثل مركز تنصير (كاكا) عام ١٨٦٢م [٦] . وفي العام ١٨٨٠م تقريباً استطاعت مجموعة من قوافل التنصير النفاذ إلى داخل القارة مرة أخرى، فتمكن المنصرون الألمان على وجه التحديد من بناء عدة مراكز وكنائس في تنجانيقا (تنزانيا) وتمكن المنصرون الإنجليز من بناء عدة مراكز وكنائس في كينيا. أما في أوغندا فكان النجاح حليفاً للكنيسة البروتستنتية التي نجحت في استمالة متيسا Mtesa ملك البلاد الذي كان متردداً في اعتناق الإسلام، لكنه لما رأى توافد البعثات الكاثوليكية إلى بلاده أيضاً، واقترب من الصراع الحاد الذي تبودل بين الكنيستين لكسبه، واستشعر تخلف دعاة المسلمين عن مساندته في ظل السلطات المحتلة، فآثر ألا يعتنق ديناً، مفضلاً الموت على وثنيته، وخلفه على الملك ابنه موانجا Mouanga الذي وقع تحت تهديد البعثات التنصرية لإعلان نصرانيته، فأعلن تحديه لهذه التهديدات وأمر بقتل كل نصراني في ديوان مملكته، وأصدر قراراته بقتل كل من يعتنق ديناً غير الوثنية التي مات عليها والده، فالتزمت البعثات النصرانية الصمت وأوقفت كل نشاط لها داخل البلاد، في حين أعلن بعض من المسلمين تمردهم على قرارات: القتل أو الوثنية التي أصدرها موانجا، فاضطر إلى الهروب خارج البلاد، لكن أحداً من المسلمين لم يتقدم للإمساك بزمام حكام المملكة، فتآمر النصارى مع موانجا ووقفوا معه في مواجهة المسلمين وأعادوه إلى عرشه الذي لم يسع إليه أحد من المسلمين، وسمح للبعثات النصرانية أن تمارس نشاطها في البلاد بحرية، فانضم شطر منها إلى الكاثوليكية وشطر آخر للبروتستانتية، تولد بينهما صراع مذهبي بين القبائل، خاصة في قبائل باجاندا التي اختارت مذهب البروتستانتية. غرب إفريقيا: تضم منطقة غرب إفريقيا خاصة الساحلية منها والتي أصابتها الدعوة النصرانية: الكونغو، والجابون، والكاميرون، ونيجيريا، ومنطقة المينا التابعة لجمهورية داهومي (بنين حالياً) وساحل العاج وليبيريا، وسيراليون وكل قطاعات غينيا والسنغال. وقد بدأت البعثات التنصيرية دورها الفعال في هذه المناطق مع بداية القرن التاسع عشر، حيث نزلت أول البعثات البروتستانتية إلى منطقة ليبريا وكانت تبشر بالمذهب الميثودستي، وتكونت هذه البعثة من خليط من المنصرين البيض وعدد من القساوسة الزنوج الذين يجيدون الإنجليزية. أما البعثة الثانية فقد نزلت في سيراليون، وكانت تابعة لجمعية التنصير الكنسي، وبلغت من النشاط مستوى كبيراً جعل من سيراليون مركزاً لكل البعثات التنصيرية التي تعمل في غرب إفريقيا. وأتت البعثة الثالثة من مدينة بال السويسرية، ونزلت في ساحل الذهب؛ حيث ركزت دعوتها بين قبائل فانتي Fanti وحققت نجاحاً كبيراً بينها، عوضها الخسائر الكبيرة التي تكبدها أندريا رايس Andreas Riis رئيس البعثة، في محاولاته المخفقة المتكررة بين قبائل أشانتي التابعة لساحل العاج، والتي وصلت في عنادها ورفضها لأي وجود نصراني، إلى حد أن احتجزت قِسَّين رهينة حتى جلاء البعثة عن أراضي الأشانتي وتحقق لها ما أرادت. فلما أتت قوات الاحتلال الفرنسي وسيطرت على أملاك الأشانتي وأراضيهم حوالي عام ١٨١٥م، كانت بعثة الميثودست هي أسبق البعثات التنصيرية إلى هذه البلاد، حيث تم إعداد عدد من القسس الزنوج من أبناء القبيلة لممارسة الدعوة بينهم، كما أسست كنيسة محلية مستقلة خاصة بالمتنصرين الزنوج تابعة لطائفة البريسبيتريان النصرانية. في العام ١٨٤٤م استطاع اثنان من المنصرين، أحدهما أبيض ويدعى تونزند Townsend والآخر زنجي ويدعى كروثر Growlther استطاعا أن ينشئا فرعاً لجمعية التنصير الكنسي في أبيوكوتا Abeo Kouta بنيجيريا بين أفراد قبيلة اليوروبا التي ينتمي إليها المنصر الزنجي. ونجح كروثر كثيراً في نشر الدعوة النصرانية في نيجيريا لمعرفته بلغة القبائل في المنطقة ولهجاتها، حتى منحته المنظمة عام ١٨٥٤م منصب مطران نيجيريا، إلى أن مات عام ١٨٩١م. ومن خلال إعداد منصرين من أبناء القبائل، ومنحهم الأموال والمناصب والوظائف والوجاهة الاجتماعية، حقق النصارى مكاسب ضخمة في شتى أرجاء نيجيريا، مهدت لكل البعثات الأخرى أن تمارس دعوتها في أرض جيدة الحرث وخصبة التربة ومهيأة لكل بذرة يمكن أن تؤتي حصاداً بأقل جهد ومال؛ إذ عملت إلى جانب البعثات البروتستانتية بكل مذاهبها ثلاث هيئات كاثوليكية هي: آباء روح القدس، وليون، والآباء البيض. وكان للهيئة الأولى نشاطها السابق ومراكزها النشطة في السنغال منذ القرن الثاني عشر، وهي ذاتها التي بذلت جهوداً ضخمة في غينيا السفلى. أما جمعية ليون التي أسسها القس الثري بريزيلك Bresillac عام ١٨٥٦م، فكان أول نشاط تنصيري لها في غرب إفريقيا عام ١٨٥٩م بمدينة فريتون على ساحل سيراليون، لكنه لم يبق على أرض هذه المدينة أكثر من ثلاثة أشهر، حيث أصابته الحمى الصفراء ومات ليخلفه القس بلانك Planque الذي حدد هدفه على مدى نصف قرن من الزمان على ساحل غينيا، فأغدق عليها باستدعاء البعثات التنصيرية من كل المذاهب والملل النصرانية، ولم يغادر هذه المنطقة يوماً بإطلاق. فلما تمكنت البعثات والمراكز التنصيرية وتثبتت قواعدها في المنطقة الساحلية، بدأت تنطلق نحو العمق الإفريقي حيث كانت السيطرة كاملة للوجود الإسلامي الذي لم يكن له وجود ملموس في السواحل الإفريقية. تأسست عام ١٨٦٨م جمعية الآباء البيض للسيدة العذراء على يد القس الفرنسي لافيجري Lavigerie الذي ابتعثته الكنيسة الجزائرية؛ حيث كان يشغل منصب أسقف عام الكنيسة الجزائرية، فأرسل عام ١٨٧٥م ثلاثة منصرين إلى تمبكتو في قلب مالي جنوب الجزائر، غير أن قبائل الطوارق تصدوا لهم وقتلوهم. وإلى رواندا بوروندي Rouanda Puroundi وشرقي الكونغو البلجيكية (حينذاك) امتدت جهود البعثات الفرنسية للآباء البيض، أما بقية الكونغو البلجيكية فكانت من نصيب البعثات البروتستانتية الآتية من إنجلترا وأمريكا. وفي المنطقة التي سميت بالكونغو الفرنسية، كان لجماعة آباء الروح القدس النصيب الأكبر فيها، حيث عمل هناك القس أوجوار Augouard الذي اشتهر باسم مطران أكلة لحوم البشر. وفي هذه المنطقة تشير بعض الصفحات القديمة في تاريخ الكنيسة الغربية في إفريقيا أن الحماس الذي كان لدى البعثات والأفراد الآتية من طاحونة الحرب المشتعلة في أوروبا وارتدت ثوب الكنيسة وتعلقت بالصليب، بلغ ذلك الحماس بأحدهم أن لجأ في محاربة الإيمان الذي ينتشر في هذه البلاد بأحقية الرجل في الزواج بأكثر من امرأة، أنه كان يتزوج هو الفتيات زواجاً صورياً، حتى لا يتزوجن من رجال سبق زواجهم، ثم يعيد تزويج هؤلاء الفتيات مرة ثانية إلى أتباعه الكاثوليك الذين يؤمنون مثله بحرمة تعدد الأزواج. ولعل أشهر المنصرين الفرنسيين الإنجيليين في منطقة الجابون كان الدكتور شفايتزر Schweitzer الذي كرمته ملكة إنجلترا ونال جائزة نوبل للسلام عام ١٩٥٤م لقاء جهوده التنصيرية في شرق إفريقيا ووقف المد الإسلامي هناك. أما في الكاميرون فقد تسابقت البعثات الكاثوليكية والبروتستانتية القادمة من ألمانيا، فسيطرت الأولى على جنوب البلاد وتركت للأخرى مناطق صراع مذهبي وقبلي، بينما تمكنت بعض البعثات البروتستانتية الإنجليزية والكاثوليكية الإيطالية أن تصل بنشاطها إلى سكان أعالي النيل في السودان. بعثات التنصير النسوية: أدت البعثات النسوية دوراً كبيراً في خدمة الكنائس والمنظمات والجمعيات التنصيرية في إفريقيا منذ وقت مبكر للغاية، وتذكر الوثائق المتاحة أن من أشهر الإرساليات النسوية التي نشطت في هذه المنطقة كانت إرسالية الراهبات البيضاوات، وكلمة البيض أو البيضاوات تشير مباشرة إلى أن هذه البعثات بروتستانتية عنصرية. ثم إرسالية سيدة الرسل، وإرسالية الراهبات الزرقاوات (كاثوليك في مواجهة البروتستانت البيض) ، وإرسالية راهبات الروح القدس. أما القوة المحركة التي أثارت كل همم الكنائس النصرانية الغربية للعمل النسوي في إفريقيا، فكانت لفتاة فرنسية ريفية تدعى جافوهي Javouhey لم تكمل عامها الثامن والعشرين عندما أسست عام ١٨٠٦م جمعية سان جوزيف الكلوثي للدعوة النصرانية بين أبناء قريتها والقرى المجاورة. وفي العام ١٨١٩م أبحرت بدعم من الكنيسة الأم على رأس أول إرسالية نسائية إلى منطقة السنغال، فأنشأت عدة مشاريع يدوية، ومستوصفات علاجية، وفصولاً تعليمية كنسية، استطاعت من خلالها أن تخترق جدار السلطات الإقليمية الحاكمة التي مهدت لها السبل لممارسة نشاطها، وكانت هي بدورها لا تألو جهداً لتمهيد كل السبل أمام الإرساليات النسائية التي تدفقت إلى إفريقيا، خاصة في منطقة السنغال وغينيا وساحل العاج، حتى أطلق عليها لويس فيليب ملك فرنسا حينذاك، لقب الرجل العظيم. كلمة أخيرة: وبعد هذه الإطلالة السريعة على تاريخ التنصير في إفريقيا نجد أن من موضوعية الطرح أن نستعيد السؤال الذي طرحه منذ نصف قرن من الزمان هوبير ديشان أحد حكام المستعمرات (المستعمرات مصطلح خاطئ وصوابه قوات الاحتلال) وهو: ترى أيهما ينتصر: الإسلام الشرقي، أو المسيحية الغربية؟ فالقضية بحق يشهد عليها الواقع، ويثير هذا الواقع عشرات المسائل والخطط التي يمكن أن يستدعيها خاطر المسلم الغيور على دينه، خاصة إذا ما تأكدنا أن ما كتبه أ. ل. شاتليه، ما زال متجسداً أمام عيوننا، حينما كتب يقول على لسان أحد القسس العاملين في إفريقيا:» إن الدين الإسلامي هو العقبة القائمة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في إفريقيا، لأن انتشار الإنجيل لا يجد معارضاً، لا من جهل السكان، ولا من وثنيتهم، ولا من مناضلة أمة من الأمم، غير أمة العرب، فليس خصمنا غير الشيخ الذي يملك نفوذاً أكثر مما هو للفرسان المحاربين « [٧] . وهذا هو ما كرره بصياغة أكثر يأساً القس جاير ديز أحد كبار قساوسة أوروبا، أمام مؤتمر أدنبره الشهير، حينما قال عن دعاة الإسلام معبراً عن سخطه: » كيف يمكن التعامل مع هذه الأشياء؟ لقد وجدنا في رحلتنا الأخيرة عبر إفريقيا القبائل على نهر شاري، وجداول الكونغو وما بين الدرجات العاشرة والخامسة من خط العرض الشمالي، كلها تدين بالإسلام أما تلك الزوايا التي تنتشر في القرى والسهول والأدغال بشكلها غير الحضاري والمضاد للعصرية تماماً، فإنها رأس النبع للمد الإسلامي في أنحاء إفريقيا، الذي يحتاج من الكنائس أن تتوحد في مواجهتها وتوجيه ضربة قاسية لها [٨] . ثم يستطرد قائلاً: «إن شمال نيجيريا يجب أن يكون النقطة الأكثر أهمية، مع إنشاء مركز كبير لمختلف الكنائس في أقصى الغرب، ومحاولة الدخول إلى مناطق المسلمين، أما أوغندا فإن كانت توجد بها كنائس فهي أشبه بجزر في بحر الإسلام، لا تستفيد من الوجود القوي لحكوماتنا الأوروبية في المنطقة، خاصة في شرق إفريقيا؛ حيث يجب أن نحتل كل قوة وكل مركز استراتيجي للمسلمين لنخضعه للمراقبة، وهذا يتطلب التعاون الوثيق في الساحل الشرقي الذي طالما اشتقنا إليه في بلادنا [٩] . الإذاعات التنصيرية الموجهة إلى إفريقيا [١٠] : - إن حجم الوسائل والتقنيات الحديثة المستخدمة في التنصير أصبح من الضخامة إلى حد ضرورة عمل دراسات متخصصة لمعرفة هذه الوسائل والتقنيات، ونوع الرسالة التي تقدمها، ومضمون هذه الرسالة والمساحة الجغرافية التي تغطيها ومدى تأثيرها، وهنا نشير فقط إلى أحد الوسائل المعاصرة وهو البث الإذاعي، من خلال عشرات المحطات المنتشرة في إفريقيا وخارجها، نذكر منها: - إذاعة حول العالم Transworld Radio - Twr (تأسست عام ١٩٥٤م) تملك محطات للبث واستديوهات لإنتاج وإعداد البرامج الدينية في أكثر من خمسين دولة في العالم، أما إرسالها فيوجه على الموجات المتوسطة والقصيرة بأكثر من خمس وثلاثين لغة من بينها العربية. - إذاعة راديو الفاتيكان Radio Vatcan (تأسست عام ١٩٣١م) تملك أكبر وأقوى أجهزة بث أرضية على مستوى العالم، وتقدم خدماتها بأكثر من سبع وأربعين لغة ولهجة من بينها العربية. - محطة KGEL التنصيرية: توجه بثها من كاليفورنيا بأمريكا، بأكثر من ثلاثين لغة. - راديو صوت الإنجيل Radio Vooice of the Gospel - RVOG: يبث إرساله من أديس أبابا بثلاث عشرة لغة على الموجتين المتوسطة والقصيرة إلى غرب وجنوب إفريقيا. - المحطة الدينية النصرانية: ELWA: تبث برامجها من ليبيريا على مدى ٤٠ ساعة يومياً. - المحطة الكنسية بأنجولا: تبث برامجها بست لهجات محلية. - محطة الكنيسة البرتغالية في موزمبيق: تبث برامج بكل اللهجات المحلية إلى جانب اللغة البرتغالية.

стр. 3603

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) المواجهة الفاصلة بين الإسلام والنصرانية في إندونيسيا د. توفيق محمد علوان كنا قد تناولنا في مقال سابق [*] الأسباب التي دعت إلى ذلك التفوق النسبي ونجاح التنصير في إندونيسيا، وبينَّا أن الأسباب التي أدت إلى هذه النائبة هي أسباب عديدة ومتشابكة، وتشمل كافة جوانب الحياة العملية والاقتصادية السياسية وغيرها من جوانب الحياة، وحددنا الأسباب الجغرافية والأسباب التاريخية والأسباب الثقافية والأسباب السياسية وناقشناها. ونواصل في هذا المقال تناول بقية الأسباب التي من وجهة نظرنا وعبر مشاهداتنا الواقعية تعتبر من أكبر الأسباب التي أدت إلى هذه النازلة الكبرى التي نزلت بالإسلام والمسلمين في إندونيسيا المسلمة وهي: أولاً: الأسباب الاقتصادية. ثانياً: الأسباب الاجتماعية. ثالثاً: الأسباب العقائدية. رابعاً: الأسباب الإعلامية. فهذه الأسباب مجتمعة مع الأسباب السابقة قد تضافرت على الإسلام هنالك، وأدت إلى كل ما أنت راءٍ أمامك من تحلل وتمزق وانهيار بلغ ذروته في سلخ تيمور الشرقية نهائياً من الجسد الإسلامي، ولكن الطامة الكبرى لا تكمن ها هنا، بل إنها تكمن في أنه إذا انفرط هذا العقد فلسوف تتتابع حباته سراعاً إلى الزوايا السحيقة والضياع التام، وكم هنالك من تيمور بعد تيمور لا يدري العالم شيئاً عنها، وهي كثيرة وعديدة في إندونيسيا تتربص بها العيون الصليبية تمدها من ورائها المعاول الباترة جغرافياً وسياسياً وتنصيرياً ودولياً لوضع كلمة الختام على سفر هذه المأساة التي نسيها الجميع في غمار النكبات المتلاحقة على أطراف العالم الإسلامي. أولاً: الأسباب الاقتصادية: إن جميع المؤسسات الاقتصادية المتحكمة في الاقتصاد الإندونيسي تقع بغير استثناء في قبضة النصارى والصينيين الذين يجثمون بنيرهم الثقيل على أعناق المسلمين، ويأكلون أكلهم ويشربون شربهم، ويعتصرون دماءهم. وقد تصاب بصدمة هائلة ومفاجأة كبرى عندما يتبين لك أن هذه البنايات الشاهقة والتي تبشر بنهضة عالية وضعت إندونيسيا في حقبة معينة بين النمور الاقتصادية التسعة التي هددت الاقتصاد الأوروبي والأمريكي، إن هذه النهضة بلحمها وشحمها قد حصد ثمارها وجنى جناها النصارى وحدهم، بينما تحكموا دون رحمة أو هوادة في أرزاق الملايين الكثيرة التي بقيت تتضور جوعاً وتقاسي أشد حالات الحرمان والإذلال اليومي بحثاً عمَّا يقيم حياة الكفاف. هذه الجموع المنهكة التي ثارت في نهاية الأمر ثورة عاتية شعواء حرقت في لهيبها كل ما يمت إلى النصارى بصِلَة: بيوتهم، ومؤسساتهم، وشركاتهم، وبنوكهم، وقبل ذلك أنفسهم وأسرهم. (قبيل سقوط سوهارتو عام ١٩٩٨م) ، الأمر الذي بدا ظاهراً للعيان أنه ناجم عن الشعور الجسيم بالإحباط والهوان من التحكم الذي لا يرحم من النصارى، وخاصة ذوي الأصل الصيني منهم. وكم كانت ملاحظة جديرة بالتأمل والتحليل أنه في أثناء الهياج الكامل للناس وحرق كل ما تقع عليه أيديهم ومن أراد إنقاذ نفسه أو مؤسسته أو أمواله أو بيته من الهجمات العارمة، فليس عليه إلا أن يكتب بخط كبير ظاهر: «أنا مسلم» أو «الله أكبر» ، وغنيٌّ عن البيان الدلالة الحاسمة لذلك، ألا وهي أن المسلم الجائع والذي أخذ ينهب كل ما تقع عليه يده إنما يدرك دون غموض من هم الذين امتصوا دماءه، وأحرقوا فؤاده [١] . إن النصارى يسيطرون على النصيب الأعظم من كل أنواع التجارة بمساعدة الدولة، وعلى سبيل المثال، فإن الحكومة إبان النهضة الاقتصادية العامة في جنوب شرق آسيا في السنوات العشر الأخيرة قد صرحت في أكتوبر عام ١٩٨٨م، بقانون تنظيم البنوك الأجنبية والخاصة (Pakta ١٩٨٨) ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى ديسمبر عام ١٩٩٥م تم تأسيس ١٦٥ بنك خاص، ولهذه البنوك ٣٤٥٨ منفذ بنكي غالبيتها الساحقة بأيدي النصارى (إن لم تكن جميعها) . كما تم التصريح لعدد ٤١ بنكاً أجنبياً بعدد منافذ ومكاتب يبلغ ٨٣ (كلها للنصارى الأجانب) . إن البنوك الخاصة التي تتحكم في اقتصاد البلاد مثل: البنك المركزي لآسيا، بنك بالي، BDNI,BLL، بنك دانامون، بنك دوتا، بنك نيجا، بانين بنك. أو البنوك الأجنبية مثل: بنك أمريكا، بنك هونج كونج، بنك طوكيو، بنك بنكوك، بنك تشيس مانهاتن، وغيرها، كلها تقريباً بأيدي غير مسلمة. إن الشركات المالية الاقتصادية قد بلغت ٢٥٢ شركة في عام ١٩٩٥م باستثناء شركات رأسمالية الدولة. أما شركات التأمين فقد بلغت حتى أغسطس عام ١٩٩٦م عدد ١٧٣ شركة للتأمين وإعادة التأمين، كما أن الشركات المدعمة لها ١١٥ شركة. هذه الأعداد الهائلة والتي تتحكم في مليارات الدولارات تحكماً كاملاً غالبيةُ أتباعها من بنوك وشركات وتأمينات هم من النصارى (بعض التقارير تؤكد أنهم جميعاً من النصارى والصينيين) فهذا كله من الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية من جانب، وأزمة الإسلام في مواجهة التنصير من جانب آخر [٢] . ولا يغربن عن بالك أن النصارى الذين بلغوا هذا القدر من الثراء والغنى لن يضنوا على إخوانهم المنصرين القادمين من أقصى الأرض بالأموال الطائلة عوناً لهم على أداء الدور الذي جاؤوا من أجله. كل هذا والمسلمون يدورون دون رحمة تحت النير النصراني الثقيل، بينما يكدحون مواصلين الليل بالنهار بحثاً عن حفنات الأرز الكفاف. ثانياً: الأسباب الاجتماعية: هناك أسباب اجتماعية تفسر ظاهرة التنصير المستشرية، ألا وهي حرص الأبواق الحكومية، وبصورة ملحة على ضرورة تنظيم النسل، ولا شك أن الكثيرين من المسلمين، نظراً للظروف الاقتصادية القاهرة، مضافاً إليها الإلحاح الإعلامي، سرعان ما تستجيب لهذه الدعايات، مما أدى إلى التناقص المستمر في نسل المسلمين عبر العقود الأخيرة. بينما النصارى في أماكن تجمعاتهم لا يلقون بالاً لهذه الدعايات؛ ذلك أنهم يلتزمون بصورة صارمة بالتعاليم الكنسية البروتستانتية والكاثوليكية التي تحرضهم على الزيادة في النسل بكل وسيلة ممكنة؛ مما دعا بعض المحللين إلى اعتبار هذا الخلل الجسيم في التوازن السكاني (حيث كانت النسبة ١٠٠% للمسلمين منذ نصف قرن فقط) ، إنما يرجع إلى هذه الأسباب، لا إلى النجاح في عمليات التنصير. ثالثاً: الأسباب العقائدية: عقيدة الدولة الإندونيسية علمانية، أي أنها لا تلقي بالاً إلى الديانات عند تخطيط وتوزيع الخدمات أو الامتيازات، ولقد أدى هذا المذهب الأعمى إلى إيقاع أشد الظلم بالمسلمين؛ حيث تم فتح الأبواب والفرص دون تمييز بين الأغلبية الساحقة من المسلمين، وبين الأقلية التي لا تكاد تذكر من النصارى على رغم القاعدة المعتمدة في جميع أنحاء العالم والتي بموجبها تخضع الأقليات لرأي الأغلبية وإن لم تعتنقه، وإلا لزم العكس وهو غير معقول، إلا في حالة الأغلبيات المسلمة والأقليات النصرانية كما هو الحال في إندونيسيا؛ حيث يتوجب على الأغلبية المسلمة أن تعطل كافة أعمالها احتفالاً بالأعياد النصرانية الكثيرة، وعلى الأغلبية المسلمة أن تنصت بإمعان إلى البرامج المتتالية والتي لا تنقطع فيها الدعوة إلى الديانة النصرانية والتنصير المعلن الصريح الذي يذاع دون مداراة في التلفزيون الإندونيسي. وعلى الغالبية المسلمة أن تنصت بإعجاب إلى البطولات الخارقة لدعاة التنصير في التلفزيون الإندونيسي، مثال الأم تيريزا التي واصل التلفزيون الإندونيسي في حالة من الإبهار والاستعراض الكامل عرض تفاصيل حياتها التنصيرية على أعين الجمهور المسلم وأسماعه لساعات طوال، وكنت واحداً من المنكوبين بهذه البرامج؛ حيث رأيت التضخيم الذي لا يعقل في بعض الأحيان لأعمال هزيلة تافهة يمكن دون جهد مشاهدة أضعاف أضعافها من صغار الدعاة من الشباب الإسلامي، كذا تصوير الترف الذي تمارسه المنصرات على أنه شظف وجهاد ونبذ للحياة الدنيا، فضلاً عن الكذب والخداع وتقليب الحقائق والأمور، دع عنك الدعاية طوال هذا جميعه إلى أدلة كون الحق المبين في الديانة النصرانية، هذا الذي على الغالبية المسلمة في إندونيسية المسلمة أن تعيه وأن تسمعه، وخاصة في يوم الأحد؛ حيث إن يوم الجمعة يوم عمل لا يهدأ؛ بينما الأحد هو الإجازة الرسمية في أنحاء البلاد التي يقطنها مائتا مليون من المسلمين الذين ما زالوا بعدُ يحتفظون بشعائرهم يوم الجمعة وعلى رأسها شعيرة صلاة الجمعة. رابعاً: الأسباب الإعلامية: الإعلام الإندونيسي خاصة التلفزيون يركز بصورة أساسية على البرامج النصرانية التنصيرية الصريحة خاصة في أيام الأجازات والعطلات الرسمية، كذلك في أوقات الذروة الهامة من البث التلفزيوني. وإنني ومع أني مسلم مضطر إلى الإنصات لساعات طويلة مشاهداً الكنائس من داخلها، وسماع المواعظ الطويلة وكأني أحد النصارى هذا على الأقل مرة أسبوعياً. وكما ذكرنا فإن يوم الأحد هو يوم الإجازة الرسمية في البلاد، بيد أن مائتي مليون من المسلمين ملزمون بالخضوع لهذه الخطة الشنعاء التي تخضع فيها الأغلبية على صورة مؤلمة لرأي الأقلية التي لا تكاد تذكر، بل الخضوع للأذقان لعقيدتها وديانتها. والأدهى من ذلك أن الكثير من المؤسسات تعتمد يوم السبت مضافاً إلى الأحد يوم عطلة أسبوعية مجاملة لعيون اليهود الذين لا وجود لهم أصلاً إن يوم الجمعة هو اليوم الوحيد الذي لا خلاف على العمل فيه بغاية الجد والإخلاص ودون توقف إلا من أراد أن يصلي الجمعة فإنه يحصل على فترة انقطاع تساوي قدر الصلاة على أن يعود إلى العمل فور الانتهاء منه. بل إنني لاحظت أنه كلما كان الموظف أكثر التزاماً أو حتى أراد أن يبدو هكذا أمام رؤسائه فإنه يحرص غاية الحرص على الانتظام يوم الجمعة. إن العمل يوم الجمعة بالذات هو الدليل الذي لا تشوبه شائبة على ولاء الموظف والتزامه بالنظام العام في الدولة، وهو الجواز الذي عبره يحصل على رضى الرؤساء، ولما كان عملي في جامعة إسلامية تدرس العلوم الشرعية، ولما كان هذا هو النظام المتبع فيها، فلا تسل عن غيرها من المؤسسات الحكومية الأخرى غير المعنية بشؤون الإسلام، بل لا تسل عن المؤسسات الخاصة التي يترأسها عادة الصينيون والنصارى والتي لا ترعى فيه لمشاعر المسلم أدنى اهتمام. إني لأعجب من هذا النظام وممن يقرره: من الذي يعطل الأعمال يوم الأحد؟ ولماذا يطبق بهذه الصرامة؟ ولماذا كان لا بد على المسلمين بأجمعهم أن يعطلوا أعمالهم حتى تذهب القلة النصرانية إلى كنائسها هانئين؟ ألم يكن كافياً أن يسمح لهم مثلاً بالذهاب إلى الكنائس يوم الأحد في الوقت المخصص لعبادتهم، بينما يجازون مع المسلمين يوم الجمعة؟ وهل يعقل أن يعطل تسعمائة مسلم من كل ألف أعمالهم كل أسبوع من أجل ذهاب مائة إلى أداء طقوسهم الدينية؟ إن يوم الجمعة هو اليوم المعلوم على مستوى العالم الإسلامي ومهما كانت العقيدة التي تتبناها الدولة فيه. ودون النظر إلى مدى وجوبه شرعاً أم لا، بيد أن هذه الظاهرة هي الظاهرة اللافتة للنظر، والتي تشير دون لبس أو خفاء إلى حالة التحكم النصراني في شؤون الحياة السياسية والعقائدية في إندونيسيا المسلمة. وكل يوم أحد يجلس المسلمون في البيوت لكي يستمعوا إما إلى برامج فاحشة جداً، أو إلى مواعظ نصرانية منوعة في كل أسبوع من كنيسة جديدة، أو خطبة ووعظ نصراني، أو فيلم عقائدي نصراني، أو سيرة أحد رجال نشر المسيحية المشهورين. إن المسلمين يُحرَمون من أعمالهم يوم الأحد لمشاهدة التنصير على كافة القنوات، وهؤلاء المنصرون والمنصرات في أيديهم الأناجيل يقرؤونها، ولا ندري على من يقرؤونها؟ أعلى رعاياهم من النصارى أم على المغلوبين على أمرهم من المسلمين؟ ولماذا يجب على جميع المسلمين أن ينصتوا طوعاً أو كرهاً وأن يلتزموا؟ وبالطبع فإن وسائل الإعلام تعرض المواعظ الإسلامية أيضاً والبرامج الإسلامية؛ غير أن أوقاتها تكون على الغالب غير مناسبة، وكلها تقريباً بعد صلاة الفجر في التلفزيون، وهو وقت كما هو معلوم مشحون بالاستعداد للمدارس أو الاستعداد للخروج للوظيفة أو العمل، علماً بأن اليوم في إندونيسيا يبدأ فعلياً عند صلاة الفجر أي أن السوق وشراء الحاجيات المنزلية اليومية والسلع الغذائية وغير ذلك يتم عند الفجر أو قبله بقليل؛ بحيث لا يمكن أن يُرى في السوق أحد في العاشرة صباحاً مثلاً. والمقصود أن الأوقات التي يعرض التلفزيون فيها برامجه الإسلامية هي أوقات أضعف بما لا يقارن بالتوقيت الذي يعرض فيه البرامج النصرانية، وأين وقت الفجر من وقت الإجازة الأسبوعية بكاملها. ومما سبق يتبين أن التنصير إنما يتم بأموال المسلمين النازفة في أجهزة الإعلام، ولقد رأيت ساعة كاملة يوم الإجازة الرسمية ومن بعد صلاة العصر الاختيار الدقيق لأفضل الأوقات لبطولات الأم تيريزا مصورة في كل مكان نصَّرت فيه، مع عرض النتائج الباهرة لآثار تنصيرها والجموع التي تسير من ورائها إلى النصرانية، ذلك الشرف الذي لم يحظ به أحد من كبار دعاة الإسلام الذين قضوا أعمارهم فداء للدعوة ومنهم في بلاد المسلمين المختلفة، ومنهم من قضاها في بلاد بعيدة سائحاً في سبيل الله تعالى، بل ومنهم من كان في إندونيسيا نفسها السنوات الطوال يعلِّم ويعظ ويدعو، ولعل في الصورة التي بيناها لك يتبين ما وراءها، وقس على ذلك بالطبع الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام. إن التنصير ها هنا لا يتم في زاوية نائية بعيدة، إنه يبث على وسائل الإعلام ظُهراً وفي رابعة النهار وعلى كل القنوات، وفي جميع الأوقات. هذا بالطبع عدا أعياد النصارى؛ حيث تتفرغ نشرات الأخبار المرئية والمسموعة والمكتوبة لعرض الاحتفالات وتصوير الكنائس والجموع النصرانية في جميع أنحاء العالم في الاحتفالات الهائلة في أوروبا وأمريكا والفاتيكان وغيرها في تقارير تفصيلية ومطولة جداً ومنقولة بتمامها من البلاد التي تمت بها. إن هذه الدعوة القهرية لهي واحدة من أعظم الأسباب، لا أقول في نجاح التنصير، ولكن لدورها المعنوي الهائل الذي لا ينكر في إشعال مس الجنون في عقول النصارى. بركان النار في الجزر الإندونيسية: بدأت وكالات الأنباء العالمية تنشر بصورة شبه يومية أخباراً عن اشتباكات بين المسلمين والمسيحيين في بقاع شتى من أنحاء إندونيسيا، هذه السياسة التي صارت الآن في عداد المسلَّمات المقررة عند بدء أي مخطط دولي لتمزيق أية بقعة إسلامية على وجه الأرض؛ فهي المقدمة للتدخل الدولي في الصومال عن طريق نشر أنباء الحرب والمجاعات، وهي الطريق للتدخل السابق في تيمور لفصلها، وغير ذلك مما هو معلوم من البدايات الإعلامية للاقتحام والتدخل الدولي السافر في الشؤون الداخلية للدول الإسلامية دون غيرهم من طوائف العالم أجمع. والآن تبدأ من جديد المقدمة الممجوجة والمكررة نفسها لبدايات التدخل الدولي المزمع للمرة الثانية في إندونيسيا، الأمر الذي بات المسلمون منه على أشد حالات الفزع والترقب والارتياب من خطط ونوايا الأمم المتحدة. ويضاف إلى تلك الصورة المأساوية الحالة المزرية التي تتعامل بها الحكومة الإندونيسية مع الأحداث الجسام التي تمثل الحياة أو الموت بالنسبة لإندونيسيا ووحدتها وحاضرها ومستقبلها، حيث يشلها الرعب القاتل من الغرب عامة ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والذي تتراخى تحت وطأته أمام خطر داهم محدق بصورة ماثلة لا خفاء فيها، فقد بدأت «إيريان جايا» في عقد مؤتمر تحت إشراف الحكومة، وهي المحافظة التي سلمتها الأمم المتحدة في عام ١٩٦٣م إلى إندونيسيا معتبرة إياها محافظة إندونيسية خالصة بعد معارك طاحنة بين الحكومة الإندونيسية وبين المتمردين من النصارى في عام ١٩٦١م مع اشتراط إجراء استفتاء عام لسكان الجزيرة وهو ما تم تحت إشراف الأمم المتحدة في أغسطس عام ١٩٦٩م، وصارت بناء عليه «إيريان جايا» هي المحافظة السادسة والعشرين من إندونيسيا. ولكن الدول الأوروبية بقيت تقدم الدعم العسكري والمالي للمتمردين، وتولت أستراليا كبر الفتنة غير عابئة بقرارات أو مواثيق. وفي المؤتمر الذي عقد في ٢٩ مايو٢٠٠٠م في «إيريان جايا» قرر المؤتمرون الانفصال عن إندونيسيا أسوة بتيمور، ووجهوا نداءاً إلى الأمم المتحدة بسحب قرارها رقم ٢٥٠٤ (١٩٦٩م) في حالة خداع معلن للرئيس عبد الرحمن وحيد بعد أن تناقلت الأنباء على أنه دعم المؤتمر بناءاً على وعود من قادة الانفصاليين بأن يكون مؤتمراً حقيقياً خالياً من أية تدخلات أجنبية. والواضح أن عبد الرحمن وحيد الذي فوجئ بالذي حدث قد مضى في التنازل على صورة مستفزة؛ بحيث سمح لأول مرة في تاريخ هذه المنطقة للانفصاليين برفع أعلامهم عالية جنباً إلى جنب مع الأعلام الإندونيسية، مما أثار ثائرة مجلس النواب الإندونيسي الذي أعلن رئيسه أكبر تانجونج أن الشعب الإندونيسي لن يتسامح في شبر واحد من الأراضي الإندونيسية، وأن الجميع مستعدون للموت دون ذلك. ثم كانت أحداث بوسو وجزر الملوك في سولاويسي الوسطى؛ حيث قامت المجموعات الصليبية بتحريض من الرهبان في الكنائس بالهجوم على المسلمين مما أدى إلى مقتل مائتين منهم، ولكن الجديد في السيناريو هو الصورة البشعة التي يصر العالم المتحضر على تقرير أنها أسلوب ناجع في إرهاب المسلمين وإثارة الذعر في قلوبهم، ألا وهي التمزيق الوحشي للأجساد والتعذيب البشع للأحياء منهم. ونحن لا ندري كيف اقتنع الغرب بأن هذه المناظر البشعة يمكن أن تحدث آثارها في إندونيسيا التي تقطنها أكبر أغلبية مسلمة على وجه الأرض؟ إن هذه المناظر المقززة الكالحة لم يعد لها من فائدة إلا إثبات السعار المحموم الذي يتلمظ في أتونه الحارق الرهبان الذين فعلوا من الأفاعيل ما لم يجرؤ الكفار الشيوعيون في الستينيات على فعله، وإذا صحت هذه الأنباء عن هذه الوقائع الوحشية من الجثث التي عرضتها وكالات الأنباء فإن تداعياتها سوف تعود على النصارى أنفسهم في إندونيسيا بأوخم العواقب. ومهما تناولت الأمم المتحدة قضيتهم وأعدت المخططات السرية أو المعلنة لها، فإن إندونيسيا ليست البوسنة أو كوسوفا أو الشيشان، وإن النصارى بها ليسوا أغلبية حتى يقطعوا الأجساد ويحرقوا القرى، كما أن الشعوب لا تفهم كثيراً في لهجات ومخططات وألاعيب الأمم المتحدة. إن المسلمين البسطاء الذين يطالعون هذه الصور والأخبار وبغاية البساطة ودون كثير فلسفة أو تحليل سوف يحرقون قرى النصارى الذين يمثلون الأقليات في الغالبية العظمى من الجزر الإندونيسية، وسوف يمزقونهم كذلك بحسب الدروس الإعلامية المرسلة إليهم من العالم المتحضر بالليل والنهار من أجل الثأر لإخوانهم. كما أن الضعف المزري في سلوكيات وتصرفات حكومة عبد الرحمن وحيد لن يؤدي إلى تنصير إندونيسيا أو انفصال «إيريان جايا» ، بل سيؤدي إلى حرب أهلية منفلتة لا تحكمها إلا معايير تقطيع الأشلاء وتمزيق الجثث وحرق البيوت والقرى والاغتصاب، والقيم المجيدة التي ميزت عصر الشرعية الدولية، والدروس البليغة التي علمتها وكالات الأنباء للمسلمين في كيفية التعامل مع الخصوم وتحت دعوى النصرانية والإنجيلية، وسترتكب الأمم المتحدة والعالم الحر الجريمة الكبرى التي لن تؤدي إلى تنصير إندونيسيا كما ظل الرهبان والبابوات يحلمون به لمدة ثلاثة قرون من الزمان، وإنما ستؤدي إلى سحق النصارى عن بكرة أبيهم. والأغرب من كل هذا أن البابا الذي لزم الصمت المطبق المميت عندما اغتصبت النساء المسلمات بعشرات الآلاف على مرمى حجر من بيته في أوروبا، وأعلنت شاهرة جاهرة على جميع القنوات الفضائية، نراه اليوم يرفع عقيرته من أجل إنقاذ النصارى في إندونيسيا توطئة بالطبع للتدخل العسكري الدولي في شؤونها الداخلية، وهي اللعبة التي استمرأتها الهيئات الدولية لَمَّا لم تقف في وجهها أمة مسلمة تدفع عن شرفها وتفضل الموت الكريم على الحياة المستذلة المهينة. والأغرب منه أن بعض المسلمين الذين ما زالوا يوجهون النداءات للبابا المتسامح المسالم بتعليم النصارى التعاليم السمحة للإنجيل، وهو الذي حرضهم باسم الإنجيل على أن يقوموا بالحرق والاغتصاب وتمزيق الأجساد، وهو الذي أزَّهم أزّاً وألهب مشاعرهم وعلمهم أشد التعاليم توحشاً وهمجية. إن على المسلمين اليوم سواء في إندونيسيا أو في غيرها أن يدركوا أن خطر الرهبان الصليبية الوالغة في دمائهم على الإسلام أشد وطأة وأكثر ضراوة من غلاة الملاحدة الشيوعيين إبان أحقاب العربدة الكافرة في ديار المسلمين، وعليهم أن يعلموا أن الخلاص لن يكون عبر إرسال النداءات للأمم المتحدة أو مجلس الأمن الذي ليس من بين وظائفه تحقيق أي أمن لأي مسلم على وجه الأرض. ولا يغرنك القرارات التي صدرت بأن إيريان جايا جزء لا يتجزأ من إندونيسيا، فلسوف تنعقد الأمم المتحدة وتلغيها إن رأت إمكانية تدمير إندونيسيا. ولكن على الجميع أن يذكروا هجمة الغرب القريبة في لبنان عندما ظنوا أن النسبة السكانية المسيحية فيه يمكن أن تؤدي إلى انتزاع السيادة لهم والحكم بالعبودية على المسلمين، وقامت المجزرة الكبرى في لبنان حتى أتت على الأخضر واليابس، ثم لم تثمر إلا الآلام المضنية والجراح الغائرة العميقة، وعادت الأمور سيرتها الأولى. وإن ما يجري الآن في إندونيسيا من ألاعيب لا مسؤولة وعبث مدمر بالنار يفعله الرهبان الذين يحملون أشد الوجوه سماحة ووداعة، وأشد القلوب سواداً وضغناً وحقداً، يتعجلون تنصير إندونيسيا عن طريق الدم والحرق والنار لن يحرقوا إلا أيديهم، وسيلقنون أهالي إندونيسيا شرائع الغرب المتحضر في البوسنة ثم كوسوفا ثم الشيشان على مرأى العالم وسمعه، وستطبق هذه الشرائع كذلك دون الرجوع لأحد على نصارى إندونيسيا ولن يستطيع مجلس الأمن أن يفصل إندونيسيا عن إندونيسيا، ولا إندونيسيا عن جاوة ولا سومطرة ولا غيرها من الجزر الهائلة التي تشمل عشرات الملايين من المسلمين الجاهزين معنوياً ودينياً للدفاع عن إسلامهم حتى الموت. إن إندونيسيا ليست البوسنة، كما أن النصارى فيها ليسوا هم الصرب. وإذا ظن العالم أنه بالسهولة التي تم بها قطع تيمور الشرقية سيتم ذلك في سولاوسي أو وادي الملوك أو إيريان جايا فهو واهم. ولن يفيد ضعف الحكومة الإندونيسية الحالي في التعجيل بالهدف النصراني المعلن، بل سيؤدي إلى أوخم العواقب إذا تداعت الأمور ونفد صبر الشعب الإندونيسي على فصول المهزلة التي تدور شاخصة أمام ناظريه بإسقاطه لهذه الحكومة العاجزة الهزيلة، ومن ثم ينفتح الباب المتضرم على مصراعيه لصنوف من التطرف والاندفاع والتهور الذي لا تُشبع نيرانه الجامحة إلا مفاخر الحروب المتحضرة التي لقنها الغرب للمسلمين، فهي مفخرة جديدة وإنجاز عظيم من سلسلة الإنجازات الكبرى التي أتحفت الشرعية الدولية والأمم المتحدة عالمنا البائس المبتلى بها، وانتظروا فإنا منتظرون..! مناطق سقطت في قبضة التنصير: أولاً: نوساتنجارا الشرقية: - العاصمة: كوبانج. - المساحة: ٤٧٨٧٦ كيلو متر مربع. - تتكون من ١١١ جزيرة أكبرها تيمور. - بها أقل مستوى لسقوط الأمطار في جميع أنحاء إندونيسيا. - بها حيوانات ما قبل التاريخ (زواحف عملاقة) . - عدد السكان: ٢٧٤,٥٧٧,٣ نسمة. - الكثافة السكانية: ٧٥ فرداً لكل كيلو متر مربع. - توزيع أصحاب الديانات: - المسلمون: ١٢,٩%. - بروتستانت: ١٦,٣٣%. - كاثوليك: ٨٩,٥٢%. - هندوس: ١٩,٠%. بوذيون: ٠٤,٠%. ثانياً: إيريان جايا: - المساحة: ٤٢١٩٨١ كيلو متر مربع. - عدد السكان: ٦٢٧,٩٤٢,١. - العاصمة: جايا بورا. - غنية بإنتاج البترول والنحاس. - تشمل نصف جزيرة إيريان (جينية) وهي ثاني أكبر جزر العالم. - تتميز بمنحدرات جبلية تنحدر تدريجياً، ومناطق شاسعة من المسطحات المائية. - الكثافة السكانية: ٥ أشخاص لكل كيلو متر مربع. - توزيع أتباع الديانات: - مسلمون: ١٥%. - بروتستانت: ٦٣%. - كاثوليك: ٢٠%. - هندوس: ١,٠%. بوذيون: ٨,٠%. - تتميز بثقافتها الشعبية التقليدية والتي تميز المجموعات العرقية المختلفة. ثالثاً: تيمور الشرقية: - العاصمة ديلي. - المساحة: ١٤٨٧٤ كيلو متر مربع. - غنية بالأخشاب المميزة: الخشب الأحمر، خشب الحديد، خشب الرقائق وغيرها. - عدد السكان: ٨٣٩٧١٩. - الكثافة السكانية: ٥٦ فرداً لكل كيلو متر مربع. - توزيع أتباع الديانات: - مسلمون: ٧,١%. - بروتستانت: ٦,٢%. - هندوس: ٣,٠%. - بوذيون: ١,٠%. - كاثوليك: ٤,٩١%. - كانت مسرحاً للحرب العالمية الثانية وبها كثير من الآثار الخاصة بالحرب. ثانياً: مناطق في معارك فاصلة وانحسار مستمر للكثافة الإسلامية في صالح الكثافة النصرانية: أولاً: سومطرة الشمالية: - العاصمة: ميدان. - المساحة: ٧٠٧٨٧ كيلو متر مربع. - الأنهار: ١٢٠ نهر. - غنية بالثروات النباتية والحيوانية. - عدد السكان: ٦٦٧,١١٤,١١ حسب آخر إحصاء عام ١٩٩٥م. - الكثافة السكانية: ١٥٧ فرد لكل كيلو متر مربع. - توزيع أتباع الديانات: - مسلمون: ٢٢,٦٣%. - بروتستانت: ٢٧,٩٦%. - كاثوليك: ٦,٤%. - هندوس: ٤١,٠ %. بوذيون: ٦٨,٣ %. ثانياً: سولا ويسي الشمالية: - العاصمة: مانادو. - المساحة: ١٩٠٢٣ كيلو متر مربع. - عدد السكان: ٠٩٣,٦٤٩,٢. - الكثافة السكانية: ١٣٩ فرد لكل كيلو متر مربع. - توزيع أصحاب الديانات: - مسلمون: ١,٤٤%. - بروتستانت: ١,٤٩%. - كاثوليك: ٩,٢%. - هندوس: ٥٨,٠%. بوذيون: ٢,٠%. - من أغنى المناطق بالثروة السمكية للمياه العذبة (مساحة ٢٦٧٨ هتكار) . - تحظى على اهتمام بالغ بها في كتب الإعلان عن إندونيسيا خاصة ارتفاع دخل الفرد والصادرات والواردات بالدولار الأمريكي. - غنية بالذهب والنحاس والحديد والكبريت. وأود من القارئ الكريم أن يعي جيداً ما في الأرقام من دلالات، وخاصة ما يتعلق بالمساحات التي تحتلها كل طائفة من أرض إندونيسيا، وعدد المسلمين مجتمعين إلى عدد الديانات الأخرى مجتمعين، وكثافة السكان في كل كيلو متر مربع، فإنها ناطقة بالمعاني الكبار التي قصدناها من هذا المقال، والتي سنبدأ في تحليلها ومناقشتها لاستجلاء الحقائق المجردة العارية، وكشف النقاب عن الأخطار الداهمة التي تهدد هذا الجزء العزيز من العالم الإسلامي، وذلك في مقال قادم إن شاء الله تعالى. هذه هي شهادة الأرقام التي لا تكذب ولا تزيغ، هذه هي المناطق النائية المجهولة التي لم يسمع لها العالم ذكراً قبل اليوم. ومن يدري؟ ! ربما هبت عاصفة دولية مفاجئة من أجل تحرير (نوستنجارا الحرة) من تجاوزات وممارسات الجيش الإندونيسي، هذه المحافظة الإندونيسية التي لا يدري بها أحد حتى في العالم الإسلامي، ولكن العالم الصليبي يعرفها جيداً ويتلمظ لافتراسها كما فعل بتيمور الشرقية من قبل، هم الذين ما زالوا ينصِّرون هنالك منذ ثلاثة قرون توطئة لليوم الموعود الذي تتدخل فيه الشرعية الدولية ولجان حقوق الإنسان والمقررات العالمية والقوات الدولية من أجل إنقاذها من المسلمين على غرار ما تم في كل القضايا المماثلة سواء في الماضي أو في الحاضر. ثم من يدري؟ ! ربما خرج من بين أطفال المسلمين المطرودين اليوم من يعي ويفهم جيداً حقيقة الإعصار المدمر الذي يكتسح كل شيء أمامه، فيعيد الأمور المختلة المائلة إلى نصابها، ويقيم الحق مكان الباطل وينقذ الأطراف الغالية من الجسد الإسلامي المثخن بالجراح، من يدري؟ ربما يكون الانتصار الآتي أقرب من عيوننا، والفرج أدنى من المسافة بين أقلامنا وصحائفنا، يوم تتبدل أمور ظن الجميع أنها استعصت على السنن فلا تتبدل ولا تتغير، ظنوا أنها سبقت وأعجزت فلا تطالها سنة الله تعالى الصارمة الماضية دون هوادة على مشارف الدهور الغابرة في الأولين والآخرين.

стр. 3604

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) التنصير في إفريقيا السنغال أنموذجاً سيدي غالي لو نبذة عن السنغال: السنغال إحدى الدول الواقعة في غرب القارة الإفريقية، تحدها شرقاً جمهورية مالي، وغرباً المحيط الأطلسي، وشمالاً الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وجنوباً الغينيتان (غينيا بيساو وغينيا كناكري) . تقدر مساحة السنغال بـ ٢٠٠,١٩٦ كلم٢، وعاصمتها دكار، ويبلغ تعداد سكانها ثمانية ملايين ونصف مليون نسمة [*] ، وأهم القبائل التي يتشكل منها سكان السنغال هي: الفولانية، والولوفية، والسيرير، والجولا، والسونينكي، والماندينغ، وتنقسم البلاد إدارياً إلى عشرة أقاليم، ومن أهمها: دكار، وتياس، وجوربيل، وفاتك، وكولخ، ولوغا، وسين لوي، وتامباكوندا. وكانت السنغال مستعمرة فرنسية لمدة ثلاثة قرون، ثم حصلت على استقلالها من فرنسا سنة ١٩٦٠م، وتحتفل بيومها الوطني في الرابع من إبريل. وبعد حصولها على الاستقلال مباشرة ألَّفت مع جارتها «مالي» ما كان يعرف باسم «اتحاد مالي» غير أن ذلك الاتحاد كان قصير الأمد؛ حيث تفكك في ١٠/٨/١٩٦م. والسنغال من الدول المؤسسة لكل من منظمة الفرنكوفونية ومنظمة الوحدة الإفريقية، كما أنها عضو في هيئة الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي. ونظراً لموقعها الجغرافي المتميز ودورها القيادي البارز في إفريقيا؛ فإن الغرب يطلق عليها اسم «بوابة إفريقيا» . وكانت هذه البوابة ولا تزال مدخلاً رئيساً للتنصير في منطقة غرب إفريقيا «. بداية التنصير في السنغال: التنصير حركة دينية سياسية استعمارية ظهرت إثر انهزامات الصليبيين، وتهدف إلى نشر الديانة النصرانية بين الأمم والشعوب وبخاصة المسلمين لإحكام السيطرة عليهم. وكانت الحملات التنصيرية مركزة في بدايتها على مناطق النفوذ الإسلامي في الشرق، ثم امتدت إلى مختلف أقطار العالم. أما منطقة غرب إفريقيا بوجه عام والسنغال بوجه خاص فقد دخلتها الحملات التنصيرية في القرن الخامس عشر الميلادي إبَّان الاكتشافات البرتغالية، فهو الوقت الذي وصل فيه المنصرون الكاثوليك إلى سواحل إفريقيا الغربية وبدؤوا يحتكون بسكان المنطقة من المسلمين والوثنيين. ففي عام ١٤٩٣م أصدر البابا الإسكندر السادس إذناً عاماً للبرتغاليين لاكتشاف مناطق غرب إفريقيا وممارسة التنصير فيها، واستمرت بعد ذلك جماعات المنصرين تتوارد إلى المنطقة إلى أن أرسلت الكنيسة الرومانية في الثلث الأول من القرن السابع عشر الميلادي جماعة رهبان كامبوجيين من نورمانديا للتنصير في السنغال على التحديد. ثم تطور التنصير في السنغال إلى حد تنصيب» ديوانت DUVANET «رئيساً للأساقفة بالسنغال سنة ١٧٦٣م وكان قد ركز النشاط التنصيري على سين لوي وغوري. وفي سنة ١٨٢٢م نزلت المنصرة» جاوويه JAVOUEH «مدينة سين لوي، ومن جهود هذه المبشرة أنها أعادت تنظيم مدينة سين لوي، وأقامت مدارس كاثوليكية في كل من سين لوي وغوري، كما أسست جمعية:» أخوات سينت جوزيف «وعادت إلى فرنسا بصحبة ثمانية من الشبان السنغاليين ليتلقوا تكوينهم الديني في فرنسا. وكانت البعثات التنصيرية إلى السنغال تابعة للكنيسة الكاثوليكية، أما الكنيسة البروتستانتية فقد وصلت بعثاتها إلى السنغال من بريطانيا وألمانيا بعد الاستقلال، ولا زال أتباعها في السنغال أقلية مقارنة بأتباع الكنيسة الكاثوليكية. وقد ظهر من خلال هذا الاستعراض السريع ارتباط التنصير بالاستعمار الأوروبي؛ ذلك أن الأوروبيين قد خبروا من تجاربهم المريرة أنَّ محاولات السيطرة الاستعمارية لا تنجح إلا بالقضاء على المقومات الروحية والمعنوية للأمم المستهدفة ولا أدل على ذلك من أن أعضاء بعثات التنصير هم خليط من الدول الاستعمارية، كما أن أقدم الكنائس في السنغال قد بنيت في عهد الاستعمار الفرنسي وفي المدن التي ترسخت فيها قدم الاستعمار مثل سين لوي وغوري ودكار وبارنيه. وهذا هو ما يؤكده المنصرون أنفسهم. فيقول المنصر» إيليكيا أمبوكولو «في كتابه:» من المنصرين إلى المكتشفين «:» من الصعب التحدث عن الاكتشاف مع نسيان أخيه التنصير « [١] . ويقول القسيس الدكتور صمويل زويمر في الخطبة التي ألقاها أمام مؤتمر القدس التبشيري سنة ١٩٣٥م:» وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية « [٢] ، وأكد الرئيس السنغالي المسيحي السابق » سينغور «أن» هدفنا ليس تنصير المسلمين بقدر ما هو تلويث عقيدتهم الإسلامية «. المنظمات والمؤسسات التي ترعى التنصير في السنغال: توجد عشرات المنظمات المزعومة بأنها خيرية ترعى التنصير في السنغال، ومن هذه المنظمات: ١ - شبيبة العمال الكاثوليك، وتعمل في السنغال منذ سنة ١٩٣٩م. ٢ - هيئة الإغاثة العالمية الكاثوليكية، وتعمل في السنغال منذ سنة ١٩٤٧م. ٣ - مجلس الكنيسيات لمجالس الإله (عالمية) دخلت السنغال سنة ١٩٧٢م. ٤ - منظمة الإغاثة الكاثوليكية الأمريكية، وقد دخلت السنغال سنة ١٩٧٣م. ٥ - دابليو إف دي (W. F. D) ألمانية دخلت السنغال سنة ١٩٧٥م. ٦ - أرض الرجال» TERR DES HOMMES « (فرنسية سويسرية) دخلت السنغال سنة ١٩٧٩م. ٧ - البعثة الإنجيلية النرويجية (نرويجية) دخلت السنغال سنة ١٩٨٣م. ٨ - وورلد فيزيو إنترناشيونال (عالمية) دخلت السنغال سنة ١٩٨٤م. ٩ - الاتحاد المسيحي للشبان (عالمية) دخلت السنغال سنة ١٩٨٤م. ١٠ - البعثة الإنجيلية (أمريكية) دخلت السنغال سنة ١٩٨٥م. ١١ - الكنيسة الإنجليزية اللوثرية (بريطانية) دخلت السنغال سنة ١٩٨٤م. ١٢ - البعثة المعمدانية (أمريكية) دخلت السنغال سنة ١٩٨٤م. ١٣ - ليون كليب إنترناشيونال LIONS CLUB INTERNATIONAL (عالمية) . ١٤ - مؤسسة إليزبيت جوف (باسم زوجة الرئيس السابق) ، وهي تقوم مقام وزارة الشؤون الاجتماعية في السنغال. إلى غير ذلك من المنظمات العاملة في الساحة السنغالية لخدمة التنصير والمدعومة من الدول الغربية بميزانيات ضخمة وعدد كبير من الموظفين. الوسائل والأساليب: تعتمد حركة التنصير على عدة وسائل وأساليب لتحقيق أهدافها، ومن أهمها: ١ - بناء الكنائس: ويرتبط تاريخ الكنيسة في السنغال بالاحتلال الأجنبي للبلاد؛ حيث كانت الكنيسة ضمن أسلحة المستعمر. وعلى الرغم من عدم توافر إحصاءات دقيقة لدينا عن عدد الكنائس التي بنيت في السنغال حتى الآن فإن الدلائل تدل على كثرتها. ومن الملفت للنظر أن النصارى في السنغال لا يراعون في بناء كنائسهم حاجة المسيحيين إليها، بل يقيمون بعض الكنائس في مناطق لا وجود لهم فيها سعياً منهم لإظهار الوجود المسيحي في بلد تقل نسبتهم الحقيقية فيه عن ٤%. وقد تم بناء أول كنيسة في السنغال في غوري سنة ١٤٨٢م، وفي سنة ١٨٢١م تم تشييد كنيسة في مدينة سين لوي، وفي سنة ١٨٤٦م بدؤوا ببناء صومعة في دكار. ومن أقدم الكنائس في السنغال كنائس غوري وسين لوي ودكار وغازوبيل وفاتك وجنغولور وجروب وكولخ وزيغنشور ومورولاند وتياس وجوال. ٢ - إنشاء مراكز تكوينية: لقد اهتم المنصرون بإنشاء مراكز تكوينية متقدمة لتخريج القساوسة والرهبان في السنغال، ففي سنة ١٨٥٠م فتحوا مركزاً لتكوين القساوسة الأفارقة في » غزوبيل «، وفي سنة ١٨٥٧م تم إنشاء مركز آخر لتكوين القساوسة على مستوى غرب إفريقيا في مدينة سبيقوتان التي تبعد عن مدينة دكار بحوالي ٤٠ كيلو متراً، كما تم فتح مركز» أخوات سنيت جوزيف «في سين لوي لتنصير البنات. ٣ - إقامة مؤسسات تعليمية: لقد أدرك المنصرون خطورة التعليم، فاتخذوا منه أسلوباً لسلخ المسلمين عن عقيدتهم وطبعهم بالطابع النصراني. وقد أنشؤوا في السنغال مؤسسات تعليمية نصرانية من حضانات وروضات للأطفال ومدارس ومعاهد عليا. وتتمثل الخطورة الكامنة وراء هذه المؤسسات في أن الغالبية العظمى من الذين يتلقون بها العلم هم من أبناء المسلمين، يتخرجون منها وقد حملوا أسوأ فكرة عن دينهم ووطنهم، إنك تسأل أي تلميذ تخرج من هذه المؤسسات عن بدهيات الإسلام وأركانه، وعن سيرة رسول الله ﷺ ، وحياة الصحابة ﵃ وعلماء الإسلام وأبطاله؛ فتجده لا يعرف عن ذلك شيئاً، وإذا سألته عن أدق المعلومات عن أوروبا أو أمريكا أجابك على الفور! وهكذا نجحت هذه المؤسسات في تنشئة أجيال وإيجاد شخصيات مسلمة ممسوخة لا يربطها بالإسلام إلا أسماؤها؛ فترى محمداً يحمل فكر» جان أو بول «، وفاطمة لا تميزها عن» مادلين «، وتكون الظروف مواتية لأن تتبوأ هذه الشخصيات مكان الصدارة ومراكز النفوذ والحكم، فتكون بطبيعة الحال أداة طيعة لأعداء الإسلام. وقد وصل عداؤهم للإسلام إلى طرد أية بنت مسلمة ترتدي الحجاب في مدارسهم. ٤ - الخدمات الاجتماعية: لقد استغل المنصرون الثالوث البغيض الجهل والفقر والمرض والكوارث الإنسانية للقيام بالتنصير تحت ستار الخدمة الإنسانية، فأقاموا على طول السنغال وعرضها مستوصفات ومستشفيات، وملاجئ للأيتام ودوراً للُّقطاء ومراكز للرعاية الاجتماعية. كما أنشؤوا عدة جمعيات شبابية ونسوية تُوظف لأغراض تنصيرية. وتقوم المنظمات التنصيرية بتوظيف آلاف من الشباب وتدريبهم في شتى المجالات ودعم مشروعاتهم الاستثمارية. ٥ - وسائل الإعلام: يتمتع المسيحيون بنفوذ كبير في وسائل الإعلام في السنغال، ويشرفون على عدة برامج تنصيرية عبر التلفزيون والإذاعة الوطنية والإذاعات الحرة. كما أن وسائل الإعلام المقروءة من جرائد ومجلات تخدم أهداف التنصير، ويقومون بترجمة حلقات التنصير إلى اللغات المحلية، وبعض هذه الوسائل الإعلامية تقوم بهذه الأعمال دون وعي. ٦ - القنوات الدبلوماسية: تتستر حركة التنصير وراء القنوات الدبلوماسية لتحقيق أهدافها. ومن المعلوم أن للفاتيكان بعثات بابوية بدرجة السفارات في معظم دول العالم، وهذه البعثات لا همَّ لها سوى الإشراف على المؤسسات التنصيرية وتنشيط حركة التنصير في العالم ويوجد مقر بعثة الفاتيكان في قلب العاصمة السنغالية دكار بالقرب من الكاتدرائية الكبرى، أضف إلى ذلك أن معظم سفارات الدول الغربية في العاصمة السنغالية دكار لها ملحقات تسمى بأنها ثقافية تقوم بنشاطات تنصيرية خطيرة، مثل المركز الثقافي الفرنسي، والمركز الثقافي البريطاني، والمركز الاجتماعي الياباني. ومما يندى له الجبين أنه لا يوجد حالياً في سفارات الدول العربية والإسلامية في دكار ملحقات ثقافية أو دينية تهتم بشؤون الإسلام والمسلمين. نتائج التنصير في السنغال (نجاح أو إخفاق) ؟ : تختلف نتائج التنصير وآثاره من منطقة لأخرى وفقاً للخطة المرسومة للحركة التنصيرية في كل منطقة؛ ذلك أن المنصرين يهدفون من وراء عملهم إلى تحقيق النتائج الآتية: ١ - نقل المسلمين من الإسلام وحملهم على اعتناق المسيحية. ٢ - إفساد المسلمين عقائدياً وخلقياً وزعزعة القيم الإسلامية في نفوسهم. ٣ - تحقيق الربح المادي والمكسب السياسي. أما الهدف الأول، وهو نقل المسلمين من الإسلام إلى المسيحية، فقد أخفق المنصرون إخفاقاً ذريعاً في تحقيقه، فنادراً ما يسجل في السنغال أن مسلماً قد تنصر وارتد عن الإسلام، اللهم إلا بعض الحالات التي تحدث من قِبَل أشخاص مستخفين بالدين يفعلون ذلك لتحقيق غايات شخصية. وبالعكس فإن كثيراً من المسيحيين في السنغال يعتنقون الإسلام حتى أولئك الذين كانوا محل آمال الكنيسة، مثل سكرتيرة الكاردينال تياندوم التي كانت مقربة جداً إليه لما منّ الله عليها من مواهب عقلية وفكرية، فأدى بها استعمال هذه المواهب إلى اعتناق الإسلام بفضل الله وتوفيقه. كما أن كفة الإسلام قد رجحت على كفة المسيحية من حيث القدرة على جذب الوثنيين واستقطابهم. ولذا فإن أتباع الكنيسة في السنغال إما مسيحيون وراثة، أو وثنيون اعتنقوا المسيحية فيما بعد، أما أن يكون فيهم مسلمون متنصرون فلا تكاد تجد من بينهم إلا قليلاً. كما أن غالبية النصارى في السنغال من قبائل الجولا والمانكانج والسيرير وهي القبائل الأشد تشبثاً بالوثنية. وإنما نجحت حركة التنصير في السنغال في تحقيق الهدف الثاني المتمثل في إفساد عقيدة المسلمين وزعزعة القيم الإسلامية في نفوسهم، وذلك ما أوصى به القسيس صمويل زويمر في مؤتمر القدس التنصيري عام ١٩٣٥م؛ حيث قال: » المهمة التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليس هي إدخال المسلمين في المسيحية؛ فإن في هذا هداية لهم وتكريماً، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، ومن ثَمَّ لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، إنكم أعددتم شباباً في ديار الإسلام لا يعرفون الصلة بالله ولا يريدون أن يعرفوها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية. وبذلك جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار لا يهتم للعظائم ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء « [٣] . وبالتحالف مع قوى الاستعمار تحقق لهم فعلاً ما أرادوا من طبع المجتمع السنغالي بالطابع العلماني وإبعاد الإسلام عن مجال الحياة كل الحياة: السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية. أما المكاسب المادية والسياسية التي حققها المنصرون في السنغال فحدث عنها ولا حرج؛ فقد أقاموا على طول البلاد وعرضها شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية والاجتماعية والمشروعات الاقتصادية التي تدر لهم ملايين الفرنكات متسترين تحت شعار خدمة المجتمع. ولنضرب مثالاً لذلك بمدينة تياس: ففي هذه المدينة يوجد حي كامل هو أشبه بمدينة مسيحية، ويضم الكنيسة الكبرى في تياس، ودور العلم من الحضانة إلى الثانوية صممت على أحدث طراز، كما فيه مستشفى» سينت جان دي جيه «الذي يفوق المستشفى الإقليمي الحكومي بتياس في بنائه وتجهيزاته، كما يضم عدداً من المراكز الاجتماعية، وعدداً من الأندية الشبابية والنسوية، وأقساماً داخلية للتلامذة الذين يلتحقون بالمدارس الكاثوليكية وغير الكاثوليكية بتياس، كما يوجد فيه المقر الإقليمي لمنظمة» كاريتاس «هيئة الإغاثة العالمية الكاثوليكية التي تقوم بدور بارز في دعم برامج التنصير وتمويل المشروعات الاستثمارية للشباب والنساء. دور الجمعيات المحلية في مواجهة التنصير: على الرغم مما جندته حركة التنصير من طاقات مادية وبشرية وما تمتلكه من وسائل متنوعة لمحاربة الإسلام في القارة الخضراء فإنها لم تجد الطريق أمامها مفروشة بالورود، بل واجهت عمليات جهاد كبيرة ومقاومة عنيفة من مسلمي القارة ، ولا سيما أن أبناء القارة قد أدركوا منذ الوهلة الأولى أن حركة التنصير متحالفة مع حركة الاستعمار التي جاءت لاحتلال أراضيهم وتدمير عقيدتهم وحضارتهم. ومن ثم شهدت معظم مناطق إفريقيا ملاحم بطولية حقق المسلمون فيها انتصارات باهرة على حركة التنصير وجيوش الاستعمار. وقد ظلت السنغال منذ القرن السابع عشر الميلادي بؤرة لصراع عقدي محتدم بين الإسلام من جهة والمسيحية والاستعمار من جهة ثانية. وقد مرت المقاومة الإسلامية ضد التنصير والاستعمار في السنغال حتى الآن بثلاث مراحل: أ - مرحلة المواجهة العسكرية (الجهاد) : وتبدأ من القرن السابع عشر حتى العقد السادس من القرن التاسع عشر الميلادي، ومن أبرز النماذج الإسلامية لهذه المرحلة الداعية المجاهد: الحاج عمر الفوتي تال (١٧٩٥ ١٨٦٤م) الذي انقاد وراءه باسم الجهاد عدد كبير من المسلمين، وامتد نفوذه من حوض نهر السنغال إلى جبال فوتا جالون في غينيا كناكري إلى ضفاف نهر النيجر و» ماسينا «في مالي. والإمام: سليمان بال مؤسس دولة » ألمام «ويعني الأئمة نسبة إلى الأئمة الذين كانوا قوادها، ومنهم الإمام عبد القادر حامد كان المتوفى سنة ١٧٦٩م. ومباجاخوبا الذي كان له نفوذ كبير في حوض غامبيا، ومحمد الأمين درامي الذي كان يتمتع بنفوذ كبير في حوضي» باكو «و» بافولابي «. ب - مرحلة الدعوة بالكلمة (الحرب الباردة) : وتبدأ من القرن التاسع عشر الميلادي حتى منتصف القرن العشرين. وقد تميزت هذه المرحلة بالحفاظ على الإسلام حياة روحية وثقافية وتعزيز وجوده في البلاد، ومن رواد هذه الحقبة الشيخ الحاج مالك سي المتوفى سنة ١٩٢٢م، والشيخ الحاج عبد الله أنياس المتوفى سنة ١٩٢٢م، والشيخ أحمد بامبا المتوفى سنة ١٩٢٧ م [٤] . وإنما عزف المسلمون عن المواجهة العسكرية في هذه الفترة تكيفاً مع الظروف بعد استعراض نتائج الجهاد في المرحلة السابقة، وبعد الاقتناع بأن الاستمرار في المواجهة العسكرية يعرض الوجود الإسلامي للخطر. وقد تمكن شيوخ الإسلام خلال هذه المرحلة من إقامة عدد كبير من خلاوي تحفيظ القرآن الكريم وبناء مساجد وزوايا، كما تمكنوا من جلب كثير من الناس إلى اعتناق الدين الإسلامي. وإزاء هذا الزحف من العمل الإسلامي غير المسلح لجأ المستعمر المتحالف مع التنصير إلى أسلوب خبيث تمثل في اتهام الدعاة المسلمين بتحريض الناس على العصيان وتعبئتهم للجهاد المسلح ضد الاستعمار، ومن ثم تم نفي بعضهم خارج السنغال ووضع بعضهم الآخر تحت الإقامة الجبرية ومضايقة الآخرين. وصدق الله إذ يقول: [إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ] (الممتحنة: ٢) . غير أن سياسة العصا الغليظة هذه لم تنجح في وقف المد الإسلامي وصرف زعماء الإسلام عن الدعوة، بل زادت من حماستهم ومن سرعة انتشار الإسلام مما اضطر أعداء الإسلام إلى استبدال هذه السياسة بالإغراء والمهادنة وعقد الصلح والتفاهم مع زعماء الإسلام إلى جانب إعداد عينات محلية وتسخيرها لتحقق مآربهم. ج - مرحلة الصحوة وقيام المؤسسات: وتبدأ من بداية النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي إلى الوقت الراهن، وقد تميزت هذه المرحلة بـ: ١ - عودة أفواج طلاب العلم من الجامعات الإسلامية والعربية. ٢ - تأسيس جمعيات إسلامية. ٣ - انتشار المدارس الإسلامية والعربية. ٤ - قيام عدة محاولات لإيجاد حركة إسلامية شاملة. ٥ - فتح مكاتب لهيئات إسلامية عالمية. وإنما تميز العمل الإسلامي خلال هذه المرحلة بالمميزات للأسباب الآتية: ١ - تأثر الطلاب العائدين من الدول العربية بالحركات الإسلامية المعاصرة وخاصة في مصر والجزائر. ٢ - رغبة خريجي الجامعات والمعاهد العربية في التفاعل مع المجتمع عن طريق التعليم. ٣ - تنصل الحكومة مؤخراً عن دمج المثقفين بالعربية في الوظائف الحكومية مما دفع كثيراً منهم إلى فتح مدارس حرة. ٤ - حصول الدولة على الاستقلال سنة ١٩٦٠م، وتخفيف القيود الصارمة التي كانت السلطات الاستعمارية قد وضعتها لمحاربة التعليم الإسلامي والعربي والحيلولة دون تأسيس جمعيات إسلامية. وبناء على تلك المعطيات ذخرت السنغال بعد فترة وجيزة من حصولها على الاستقلال بعدد كبير من الجمعيات والمراكز الإسلامية التي عززت وجود الإسلام في السنغال. غير أن تعدد هذه الجمعيات قد أدى مع الأسف الشديد إلى التشرذم والتفرق بدلاً من التعاضد والتنسيق لمواجهة العدو المشترك. وخلاصة القول: أن دور الجمعيات الإسلامية في درء أخطار التنصير في السنغال كان ولا يزال ضعيفاً لعدة أسباب أهمها: ١ - ضعف التنسيق بين هذه الجمعيات في ظل تضافر الجهود بين المؤسسات التنصيرية. ٢ - عدم تركيزها على الأولويات واشتغالها بالمفضول دون الفاضل. ٣ - افتقار العناصر القيادية لكثير من الجمعيات إلى ثقافة إسلامية مؤصلة وكفاءة إدارية. ٤ - كون بعض الجمعيات أسماء بلا مسميات ولا وجود لها في الساحة، وإنما تُستغل لتحقيق مصالح شخصية بحتة. ٥ - ضعف الإمكانات المادية للجمعيات الإسلامية مقارنة بالإمكانات الكبيرة للمؤسسات التنصيرية. ٦ - تمتُّع المؤسسات التنصيرية بامتيازات كبيرة لاحتمائها وراء الهيئات الدولية والقنوات الدبلوماسية والرسمية بخلاف الجمعيات الإسلامية. ٧ - غياب زعامة إسلامية موحدة للإشراف على شؤون الإسلام والمسلمين في السنغال. موقف الدولة من التنصير: نستطيع أن نؤكد أن حركة التنصير ما كانت لتحقق مختلف الإنجازات التي حققتها في السنغال لولا الدعم اللامحدود والامتيازات الكبيرة التي تتمتع بها كافة مؤسساتها من قِبَل الدولة والقوى العالمية، كما أن السياسة» العلمانية «المطبقة في البلاد إنما تخدم مصالح الأقلية المسيحية على حساب الغالبية المسلمة؛ ذلك أن المستعمر الفرنسي الذي عبّد الطريق لسياسة الدولة قبل منحها الاستقلال كان قد وضع في الحسبان تقوية عقيدة المستعمر المسيحية واحتواء الإسلام، ولا زالت مقولة الحاكم الفرنسي» وليام بونتي «في عام ١٩١٠م:» علينا أن نتجنب كل ما يعزز نشر دين لا يؤمن معتنقوه بمبادئنا «هي المطبقة من قِبَل بني جلدتنا اليوم. وبالإضافة إلى هذا فإن النظام السياسي المتبع في الدولة يخدم الكنيسة في جميع المجالات: - فالتعليم لا صلة له بالإسلام. - والشؤون الاجتماعية تُستغل لدعم المراكز التنصيرية. - والإجازة الأسبوعية يوم الأحد وهو يوم القداس للمسيحيين. - أما التاريخ المعتبر فهو التاريخ الميلادي. - والصليب الأحمر مكان الهلال الأحمر. - جميع الأعياد نصرانية، ما عدا عيد الاستقلال ٤ إبريل، وعيد العمال فاتح مايو، وعيدين إسلاميين، ويومين آخرين يحتفل بهما بعض المسلمين. - جميع المدارس المسيحية معترف بها ومدعومة من طرف الدولة، ولا توجد مدرسة إسلامية واحدة معترف بها إلا إذا التزمت بتطبيق النظام العلماني في التعليم. - الاعتراف بالجمعيات النقابية والحركات الكشفية والشبابية ذات الاتجاه المسيحي دون سواها.

стр. 3605

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) مواجهة التنصير فيصل بن علي البعداني لا تهدف هذه المقالة إلى وضع خطة لمواجهة التنصير؛ فذلك أمر أضخم من أن تحويه مقالة، كما أن وضع خطة يتطلب إدراكاً للمخاطر الحقيقية للتنصير على المسلمين، والبيئات الخصبة دعوياً أمام دعاة الإسلام، ويستدعي إلماماً بسبل التنصير ووسائله المختلفة التي تكاد أن تتناول جوانب الحياة المختلفة، ويقتضي معرفةً جيدة بقدرات الدعاة وإمكاناتهم التي يمكن أن يوجهوها للمواجهة، وهو أمر يفوق إمكانات الفرد بكثير. أضف إلى ذلك أن بين المنصرين اختلافات جذرية لا بد من مراعاتها أثناء وضع خطة للمواجهة، وتلك الاختلافات إما في المعتقدات والمبادئ، وإما في الطاقات والقدرات، وإما في الرغبة في الوصول إلى الحق والأخذ به، وإما في المكر والدهاء ومدى الوضوح في إبانة الأهداف واستخدام وسائل تنصيرية مباشرة. زد على ذلك اختلاف تجذر النصرانية من بلد إلى آخر، واختلاف أحوال النصارى كثرة وقلة، نفوذاً وسلطة، غنىً وفقراً، حباً وبغضاً ... إلى غير ذلك من الأمور التي تجعل من غير المناسب وضع خطة موحدة لمجابهة التنصير في كل البلدان، وأن الأليق هو أن يتجه دعاة كل بلد إلى وضع خطة لمجابهة التنصير تراعي عناصر القوة والضعف التي يملكها كل من المنصرين والدعاة على حد سواء، وحجم الخطر التنصيري الذي يواجه الدعوة ويعوق مسيرتها في ذلك البلد؛ فذلك أقرب إلى الحكمة والواقعية وأبعد عن المثالية والعيش في أبراج عاجية. وانطلاقاً من ذلك فإن هذه المقالة تهدف إلى ذكر وقفات تذكِّر بقاعدة، وتؤكد على ضابط، وتنبه على جانب، وتحذر من عائق، وتبرز قضية، وتدعو إلى الموضوعية والواقعية في الطرح والتناول. وقفات حول المواجهة: ١- العون من الله؛ فلنتأهل لنيله: عون الله للفرد أو المؤسسة الدعوية هو شرط النصر وبوابته في أي مواجهة؛ فمن انتصر فالله الناصر له، ومن وُفِّق فالله الموفق له، كما قال تعالى: [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] (الأنفال: ١٧) ، وفي المقابل فمن لم يسدده الله فلا مسدد له، ومن فقد عون الله كانت عاقبته الهزيمة ومصيره الخذلان. كما قال الشاعر: إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده وقد قال الله تعالى مقرراً لهذا الأمر: [أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ] (الملك: ٢٠) . وقد تيقن ذلك العاملون الصادقون، فتعلقت قلوبهم بمن يدبر الأمر سبحانه وتعالى، وبرئوا من حولهم وقوتهم، واستحقروا أعمالهم وجهودهم مهما كانت في نظر الآخرين عظيمة، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية الذي على ضخامة ما قدم للأمة في مجالات كثيرة كان كثيراً ما يقول: «ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيّ شيء» [١] . واتجهوا إلى السعي إلى نيل عون الله وتوفيقه الذي له أسباب معنوية ومادية، من حصلها حازه، ومن فقدها حرمه، والتي من أبرزها: أ - دعاء الله سبحانه والتضرع بين يديه، كما قال تعالى: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] (غافر: ٦٠) وفي حال النبي ﷺ يوم بدر وإلحاحه على ربه في تضرعه حتى سقط رداؤه عن منكبيه مع أنه موعود بنصر الله تعالى أسوة لمن أراد الاقتداء. ب - التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، كما قال تعالى: [وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ] (الطلاق: ٣) . وحين اجتمع المشركون بعد أحد لحرب المؤمنين، وقال المؤمنون قلباً وقالباً: حسبنا الله ونعم الوكيل، كانوا كما قال الله عنهم: [فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] (آل عمران: ١٧٤) . ج - التوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي، كما قال تعالى: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (النور: ٣١) ، وفي الأثر عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ قال: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة» [٢] . د - الصبر والإكثار من الصلاة كما قال تعالى: [وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً] (آل عمران: ١٢٠) ، وقال سبحانه: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ] (البقرة: ٤٥) . هـ - تقوى الله وطاعته والحذر من معصيته، كما قال : [وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ] (النور: ٥٢) ، وقال سبحانه: [وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ] (الطلاق: ٢) . و بذل الوسع والأخذ بأسباب النصر المادية بقدر الاستطاعة امتثالاً لقوله : [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] (الأنفال: ٦٠) . فمتى أراد الدعاة تحصيل هذا السلاح الذي لا يمكن أن يمتلكه المنصِّرون فعليهم بذل الجهد واستفراغ الوسع في تحصيل هذه الأسباب حتى يكونوا أهلاً لنيل رحمة الله وعونه لهم في مواجهتهم لدعاة الشرك وأرباب الضلالة. ٢ - الانضباط الشرعي شرط النصر: يعد الدخول في مواجهة التنصير أحد المزالق الخطرة التي يخشى فيها من التفلت من الضوابط الشرعية سواء كان ذلك في جانب عرض الإسلام والحديث عن عقيدته وشريعته، أو في التعامل مع المنصرين الذين يستخدمون أساليب ملتوية وغير أخلاقية في عرض عقائدهم والحديث عن جوانب الإسلام المختلفة، منطلقين في ذلك من قول القديس بولس: (أنا أكون بكل الأشكال والمظاهر من أجل كل الناس) [٣] . وذلك مما يمكن أن يحدث ردة فعل لدى بعض دعاة الإسلام فيجعلهم إما يقدمون تنازلات أثناء عرض الإسلام من أجل ترغيب النصارى به، وإما يتورطون بعدم الدقة في الحديث عن جوانب النصرانية المختلفة، وإما يعتمدون أثناء دعوتهم على سبل ووسائل غير مشروعة. وشيء من هذا العمل كما لا يخفى يتنافى مع ثوابت الإسلام ومبادئه؛ إذ الغاية فيه مهما كانت نبيلة لا تسوِّغ الوسيلة المنحرفة، والله سبحانه لا يُتقرَّب إليه بمعصيته، ولا تُنال بركته وتسديده وتوفيقه بمخالفة أمره. والمطلوب في هذا السبيل هو: تأكد الدعاة من هيمنة النص الصحيح على خططهم وبرامجهم، ومن صحة الوسائل التي يستخدمونها في مجابهتهم للتنصير شرعاً، ومن مراعاتهم للمصالح والمفاسد المعتبرة شرعاً في أنشطتهم التي يقيمونها، انطلاقاً من قول الله تعالى: [وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ] (الأنعام: ١٠٨) . على أن الواقع ولله الحمد يثبت بأن من أعظم الأمور الدافعة لكثير من غير المسلمين للدخول في الإسلام ثبات مبادئه وقيمه وعدم تلونها بحسب رغبات المدعوين، والالتزام الأخلاقي لدى دعاته وعدم اعتمادهم لسبل ووسائل غير مشروعة، سواء في الترغيب في الإسلام من جهة، أو في التحذير من عقائد النصرانية المحرفة والأصول الوثنية التي داخلتها من جهة أخرى. ٣ - لا لردات الفعل في المواجهة: المتأمل في جهود كثير من الدعاة الموجهة لمقاومة التنصير يجد أن أغلبها ردود أفعال حدثت نتيجة قيام المنصرين بأعمال استفزت بعض الدعاة أفراداً ومؤسسات فأوجد ذلك لديهم دافعاً لمواجهة تلك الأعمال التي أثارتهم. وخطورة هذا الأمر تكمن في جانبين: الأول: دلالته على أن أكثر الدعاة واقعياً حتى اليوم لم يدركوا أن العملية التنصيرية تحولت من عمل اجتهادي لفرد أو مجموعة إلى عمل مؤسسي ذي كفاءة إدارية عالية: تخطيطاً وتنفيذاً، تنظيماً ورقابة، ويمتلك إمكانات مالية وبشرية ضخمة. ومن دعوة مباشرة إلى الدخول في النصرانية واعتناق مبادئها إلى جهد جاد يتناول كافة جوانب الحياة المختلفة التي يمكن أن تؤثر في الناس بصورة مباشرة أو غير مباشرة: سياسية واقتصادية، اجتماعية وصحية، ثقافية وإعلامية، رياضية وفنية. ومن دعوة تركز على شريحة معينة في المجتمع إلى عمل يستهدف كافة شرائح المجتمع: رجالاً ونساءاً، كباراً وصغاراً، مثقفين وأميين، أغنياء وفقراء، وجهاء وعاديين. ومن دعوة تهدف فقط إلى اعتناق الناس النصرانية إلى دعوة من أهدافها خدمة الاستعباد الغربي، والحيلولة دون انتشار الأديان الأخرى، وجعل أتباعها يخرجون من أديانهم ويعيشون بلا دين منغمسين في مستنقع الشهوات واللهو والرذيلة. الثاني: دلالته على أن بإمكان المنصرين توجيه الدعاة الوجهة التي يريدون عن طريق القيام بأعمال تستفزهم بصورة فجة ليستهلكوا طاقاتهم ويستنفدوا قواهم بالرد عليها، وفي المقابل يقوم المنصرون بأعمال أخرى لا إثارة فيها تحقق مآربهم بعيداً عن أعين الدعاة ومقاومتهم. والحل الأمثل لتجاوز هذه المعضلة يكمن في تحويل جهود الدعاة في مقاومة التنصير إلى جهد مؤسسي منظم يستشعر الخطر ويدرك ضخامته، ويدرس الواقع دراسة جيدة يتعرف من خلالها على عناصر القوة والضعف لدى الفريقين، وعلى ضوء ذلك يتم تحديد رؤية المواجهة ورسالتها، والأدوار التي تقوم بها، وأهداف كل دور، والوسائل المحققة لتلك الأهداف، والمدد الزمنية التي ستتحقق فيها الأهداف في ضوء الإمكانات المتاحة: بشرية، ومادية. كما لا بد من وضع آلية للتقييم والمراجعة يتم من خلالها التأكد من السير في الاتجاه المراد، ومن تحقيق الوسائل المنفذة للأهداف المرجوة، ولا بد من امتلاك مرونة كافية تمكن الدعاة من تعديل الخطة متى حدث في الواقع ما يستدعي تعديلاً لبعض الأهداف أو إعادة لترتيب أولويات المرحلة، ومتى لوحظ بُطْءٌ في السير أو انحراف عن الاتجاه المراد. وباختصار: فإننا بحاجة إلى مواجهة مؤسسية منظمة تتسم بالموضوعية والواقعية؛ لئلا ننساق إلى حيث لا نريد. وهذا أساس كبير من أسس النجاح. وليس المراد هدر أهمية الاستجابة السريعة للطوارئ بما يخدم الأهداف والغاية، بقدر ما هو المطالبة بأن تكون تلك الاستجابة المتمثلة في ردة الفعل هي في حقيقتها التخطيط المدروس المرن الذي يراعي الهدف، ولا يهمل مستجدات الواقع ومتغيراته السريعة. وإذا ما رئي نازلة من النوازل فإن المطلوب هو السيطرة على ردة الفعل وضبطها بما يحقق الهدف، وذلك بفاصل بين المثير والاستجابة، يمنح فرصة للتفكير في أفضل ردة فعل ممكنة تنضبط بالمبادئ والقيم وتحقق الأهداف والنتائج المرجوة. ٤ - الحفاظ على رأس المال أوْلى: لم تفلح الجهود التنصيرية في أوساط المسلمين في تحقيق نتائج ملموسة في موضوع إدخال الناس في النصرانية، ولكنها نجحت أو تحقق لها مرادها في ثلاثة مجالات: الأول: إغراق كثير من أبناء المسلمين وبناتهم في بحر الشهوات والملذات وجعل الواحد منهم: «مخلوقاً لا صلة له بالله، ومن ثَمَّ لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها» [٤] ، وفي إيجاد فريق عريض من أبناء هذا الجيل «لايهتم بعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهرة، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهرة يجود بكل شيء» [٥] . الثاني: إزالة روح الكراهية من نفوس كثير من المسلمين تجاه النصارى، حتى أصبحت طوائف كثيرة من المسلمين تعتقد بأن النصارى ليسوا بأعداء لهم، ومما ساعدهم على ذلك إظهار المنصرين لروح التسامح، وتقديمهم لبعض المساعدات الإغاثية لمناطق المسلمين المنكوبة، ورفعهم لشعارات الحرية والإخاء والمساواة، وممارستهم لكثير من أنشطتهم وبرامجهم تحت رايات غير دينية. الثالث: العمل في أوساط فئتين من المسلمين تأثرتا بهم تأثراً كبيراً، وهما: أ - خريجو الجامعات والمدارس والمعاهد التنصيرية الموجودة في ديار المسلمين. ب - المهاجرون من المسلمين إلى بلاد النصارى لغرض العمل أو الدراسة أو حتى تلك الفئة التي تذهب للسياحة. والتي استطاع النصارى إبهار كثير من أفراد هاتين الفئتين وخلق روح الإعجاب لديهم بقيم المجتمع الغربي وعاداته. وأخطر ما في الأمر بالنسبة للمهاجرين تركيز المنصرين على جيل الأبناء الذي تخلَّق جلهم بأخلاق تلك المجتمعات النصرانية وتطبع بعاداتها من جهة، ومن جهة أخرى جهل دينه وانبتر عن تقاليد مجتمعاته الأصلية وعاداتها. ولا يخفى أن هذا النجاح المتحقق للمنصرين خطوة متقدمة على طريق إضعاف مقاومة التنصير لدى كثير من المسلمين، وتدرج ملموس لأن يلج إلى النصرانية أبناء المهاجرين والدارسين في المؤسسات التعليمية التنصيرية في الديار الإسلامية. وهذا يعني ضرورة المبادرة إلى مراجعة الأمر وتصحيح الوضع القائم، وفي ظني أنه لا سبيل للأمة إلى تحقيق ذلك إلا أن تسارع بكافة فئاتها إلى رفع شعار: (التربية أولاً) ثم تحويل هذا الشعار إلى واقع معاش على كافة المستويات بحيث يتم تعديل المناهج لتتضمن جرعاً تحصينية ضد الغزو التنصيري؛ لأن زمن الانغلاق على الذات ولَّى، والعالم أصبح في عصرنا قرية واحدة. كما لا بد من إيجاد البدائل العملية أمام الجميع والتي تنبثق من قيم الأمة ومبادئها، وترفع همم الأبناء والبنات ليدَعوا حياة الشهوات والملذات، ويطلِّقوا الدعة والكسل، ويعيشوا لغاية هي: حمل الرسالة التي ابتعثهم الله من أجلها تعلُّماً وممارسة ودعوة. كما لا بد من التفاتة جادة إلى أبناء المسلمين في الغرب والذين يكثر عددهم يوماً بعد آخر، ويزداد حماس المنصرين للعمل في أوساطهم وتهيئتهم لنشر ما يتلقونه من أفكار وما يمارسونه من سلوكيات في أوساط المجتمعات المسلمة كلما ازداد عددهم منطلقين من قول زويمر: «تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أغصانها» [٦] ، وعندما نمارس ذلك الشعار ونهتم بجد بتلك الفئة يمكننا القول بأننا قد خطونا الخطوة الصحيحة الأولى في مواجهة التنصير والوقوف حجر عثرة أمام تنفيذه لمخططاته. ٥ - بالحق يزهق الباطل: من السنن المتقررة: محو الجهل بالعلم، وإزالة الظلمة بالنور، واضمحلال الشبهة بالحجة، ودفع الباطل بالحق، ولذا فإن أعظم وسيلة لمجابهة التنصير هي عرض الإسلام وأصول الإيمان صافية نقية كما أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال وضوح في الطرح وقوة في الحجة، ويشهد لهذا الأمر قوله تعالى: [وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً] (الإسراء: ٨١) . ويزيد من فاعلية هذه الوسيلة أن النصرانية ديانة يكتنفها الكثير من الغموض؛ فهي لا تستند إلى جلاء في العرض، ولا تعتمد على حجة مقبولة، وإنما تقوم على إثارة للشبهات حول الديانات الأخرى، وتهييج لعواطف المدعوين حول ما يزعمونه من قبول سيدنا عيسى ﵊ لقتل نفسه وصلب جسده فداءاً للبشرية! والأجدى أن يقترن عرض الإسلام بإيراد حججه العقلية والحسية وفي الكتاب والسنة منها كثير وفي المقابل يتم مطالبة القوم بالحجة والبرهان على دعاويهم الخالية من ذلك. وأن يعمل على دراسة شبهات القوم حول الإسلام، وملاحقة المتجدد منها، وتعريف الدعاة بالرد الصحيح عليها. والملحوظ كثرة خلط المنصرين الحقَّ بالباطل؛ حيث يتغنون ببعض الحق الذي لديهم زاعمين بأن كل ما لديهم حق وأن المسلم يرد الجميع، ولمدافعة هذا الخلط فإن الداعية مطالب في طرحه وحواره بالموضوعية والاعتراف بجوانب الحق التي في دين القوم وحضارتهم، وبجوانب الضعف التي لدى المسلمين، وأن يبين أن مرد ذلك راجع إلى ضعف التمسك بالإسلام لا للإسلام ذاته ذاكراً الدلائل على ذلك. ٦ - لنشغل القوم بأنفسهم: لا يملك المنصرون ما يهاجمون به الإسلام إلا الاتهام غير الموضوعي، وطرح الشبهات المغرضة حول بعض القضايا الجزئية؛ ولذا فإن الداعية مطالب بالحذر من أن يكون في موقف الدفاع باستمرار، وعليه أن يسعى لإشغال القوم بأنفسهم والعمل على نقلهم من مرحلة الهجوم إلى الدفاع، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق أمور كثيرة منها: أ - إبراز العقائد الوثنية والأصول الفلسفية للديانة النصرانية المحرفة، والحديث عن نسخ الأناجيل وتناقضاتها الصارخة، وما تضمنته من نسبة ما لا يليق إلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. ب - الحديث عن سلطة الكنيسة التي وصل الحال بسدنتها إلى بيع صكوك الغفران ودخول الجنة، والقيام بإدانة دورها السيئ في الماضي في محاربة العلم والوقوف حجر عثرة في طريق تقدم العلم وازدهار الحضارة والكشوفات العلمية. والعمل على تعرية رجالها الذين ترهبنوا ظاهراً وتجذر الفساد الأخلاقي والمالي والشذوذ الجنسي بينهم باطناً نتيجة مخالفة الفطرة والبعد عن تعاليم الله تعالى وشرعه. ج - تجلية الاختلافات الضخمة والتناقضات الجذرية في أصول الديانة النصرانية المحرفة وثوابتها بين طوائف النصارى، وإيضاح ما نتج عنها من تكفير وتصفيات جسدية ومعارك رهيبة أُزهقت فيها آلاف الأنفس، وأهدرت فيها نفائس الأموال. د - إيضاح دور البشر في تحريف الديانة النصرانية الحقة، وبخاصة ما قام به اليهود ووثنيو اليونان من أدوار مشبوهة في هذا الجانب منذ رفع سيدنا عيسى ﵇ إلى اليوم. هـ - الاستفادة من جهود الباحثين النصارى ذوي الشخصيات المستقلة والمنصفة قديماً وحديثاً الذين توصلوا بالبحث العلمي المتجرد إلى بطلان عقائد النصرانية المحرفة، وأثبتوا وقوع التحريف المتعمد للكتاب المقدس، ووجود تناقضات صارخة بين نسخه، وفي المقابل جزموا بصدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته لما تضمنته من معجزات وبراهين لا تقبل الجحد والتكذيب، وشهدوا بسلامة القرآن من التحريف وخلوه من التناقض. و السعي إلى الاستفادة القصوى من كبار القساوسة وعلماء النصارى ومثقفيهم الذين أسلموا في مقارعة المد التنصيري باعتبارهم أدرى بخباياه، وأكثر اطلاعاً على أسراره ومعرفة بمخططاته وحال رجاله. ز - الاهتمام بالمغتربين من النصارى في ديار الإسلام، والعمل في أوساطهم، والعناية بتأهيل من أسلم منهم علمياً ودعوياً، ثم تبنيه للعمل داعية في وسط قومه إذا رجع إليهم. وعند النجاح في مثل هذه الأمور يكون الدعاة قد استطاعوا أن ينقلوا المواجهة إلى داخل معسكر المنصرين؛ ويجعلوا جهد القوم الأكبر منصبّاً على معالجة إشكالات الذات، وهذا بلا شك سيخفف من حدة النشاط التنصيري في أوساط المسلمين، وسينقل القوم من مرحلة الهجوم إلى الدفاع، وهذا إنجاز كبير ومرحلة متقدمة في النزال. ٧ - لنوجد دوافع المواجهة لدى الجميع: يسعى المنصرون عبر اعتماد وسائل تنصيرية غير مباشرة ورفع شعارات علمانية والانضواء تحت رايات غير دينية إلى إماتة روح المواجهة لدى المسلمين وإزالة دوافعها من النفوس. والحق أنهم قد نجحوا في ذلك إلى حد كبير؛ بدليل أنك ترى كثيراً من أهل الخير وصادقي الولاء للإسلام من يدافع عن كثير من أعمال القوم في المجالات المختلفة: تعليمية وصحية وزراعية ومهنية ورعاية للأيتام والمسنين معتبرين أن مواجهتها إضرار بالناس ومنع للخير عنهم. ولذا فالتحدي الكبير يكمن في قدرة العلماء والدعاة على توظيف قطاع عريض من شرائح المجتمع في مواجهة المد التنصيري، وفي مدى استطاعتهم إيجاد دوافع المواجهة لديهم حتى لا يكون تفاعلهم مع الدعاة قضية آنية. ولعل من أبرز الأمور المعينة على إيجاد دافع مستمر لدى الناس لمواجهة المد التنصيري هي: أ - إبانة الموقف الشرعي من النصارى، وأنهم كفار مشركون بنص القرآن، وتجلية أن الواجب الشرعي هو بغضهم والبراءة منهم والعمل على دفع ضلالهم. ب - تتبع عثرات المنصرين والسعي إلى كشف أنشطتهم التنصيرية المباشرة التي يحرصون على إخفائها تحت أعمال غير مباشرة، والتي تتضمن طعناً في الإسلام أو مناقضة لأصوله، والعمل على استثمار ذلك في إيجاد الدوافع لدى الناس لمواجهتهم. ج - القيام بتتبع أنشطة المؤسسة التنصيرية في المناطق والدول المختلفة، والتركيز على نشاطها المعادي للإسلام والذي قد تعلنه في موطن دون آخر، والقيام بتوثيقه ثم تعميم العلم به على الدول المختلفة التي للمؤسسة بها نشاط ليكون ذلك دافعاً لمجابهتها من قطاع عريض من الأمة. د - العمل على الربط بين المؤسسات التنصيرية المحلية والمؤسسات الخارجية التي تتبعها أو توفر الدعم لها، والتي لها أو لرموزها جهود واضحة في محاربة الإسلام والطعن في ثوابته. وعندما ينجح الدعاة في تجييش قطاع عريض من شرائح المجتمع لمواجهة النشاط التبشيري فإن ذلك سيحقق فوائد عديدة منها: ١ - كسب آخرين يحملون هَمَّ الإسلام ويعملون له، وهذا يؤدي بدوره إلى وقايتهم من التأثر بمكائد المنصرين ومخططاتهم. ٢ - تمكن العلماء والدعاة من التفرغ لأمور هامة لا يمكن للآخرين القيام بها كالتعليم والتربية. ٣ - إمكانية صرف جهود بعض من لديه خلل منهجي عن نشر باطله إلى الاشتغال بمواجهة باطل المنصرين وضلالهم. ٨ - التخصص طريق إتقان وعامل قوة: قليلٌ أولئك الدعاة ونادرة تلك المؤسسات التي أخذت على عاتقها فقط مجابهة التنصير ومقاومة مخططاته، وقد يكون العذر أن الواجبات أكثر من جهود الدعاة وأوقاتهم، فاضطرهم الحال إلى أن يأخذوا من كل مجال بجانب، لأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، ومع منطقية هذا الطرح إلا أن من سلبياته: عدم إتقان شيء من المجالات المتناولة، وعدم القدرة على الموازنة بينها بالصورة المرضية؛ إذ كثيراً ما نفرط في الاهتمام بمجال على حساب مجال آخر، وكثيراً ما يهمل الآخرون الاهتمام بمجال مع أهميته ظناً منهم بأن جهودنا تغطيه، والواقع خلاف ذلك. وتزداد الخطورة حين يكون الأمر متعلقاً بمجال كالتنصير الذي تنوء مواجهته بعدة مؤسسات مجتمعة؛ فكيف يكون الحال حين تكون مقاومته جزءاً من جهد مؤسسة تعتني به حيناً وتهمله في أحيان أخرى. والحل لمواجهة هذا الضعف في التناول والاتكالية في المواجهة يكمن في التخصص وحده؛ إذ إن زمن الفرد أو المؤسسة الأسطورة التي تعمل في كل شيء وتتقن كل شيء ولَّى إلى غير رجعة، ولم يعد أمام من أراد إتقاناً وإجادة إلا التخصص؛ لأن ذلك سيعني تركيز الجهود، ومنع التشتت الذهني والعملي، وجودة العمل وزيادة الإنتاجية وسهولة التخطيط والتنفيذ والمتابعة. ومع أن المطلوب هو إيجاد مؤسسات متخصصة في مواجهة التنصير في كل قارة وإقليم بل وفي كل بلد إلا أن ذلك قد يحتاج إلى بعض الوقت. وجهود التنصير اليوم تنتشر في أوساط المسلمين انتشار النار في الهشيم، وهذا يعني أن تأخير المواجهة حتى تقوم تلك المؤسسات يحمل في طياته خطراً كبيراً. ولذا فالحل المقترح: أن تقوم كل مؤسسة إسلامية تحمل هَمَّ الدعوة إلى الله بإنشاء مراكز بحث متخصصة لرصد الجهد التنصيري في نطاق عملها الجغرافي أو النوعي دعوياُ كان نشاطها أو تعليمياً أو صحياً أو اجتماعياً أو إغاثياً، واختيار مجموعة من الدعاة التابعين لها في كل بلد للقيام بهذه المهمة؛ بحيث يتم تأهيلهم وتوفير المتطلبات اللازمة لنجاح عملهم، وعندها يمكننا القول بأننا قد أدركنا خطورة المد التنصيري وخطونا خطوة جادة في مواجهته. ٩ - للدعاة مع تجربة المنصرين وقفات: عند التأمل في عوامل نجاح المنصرين مع فساد عقائدهم وتناقضات نسخ أناجيلهم ومصادمة أطروحاتهم للعقل والمنطق يجد المرء أنها تعود إلى أربعة أمور هي: الإدارة الناجحة، والعاطفة الجياشة، والجهد المتميز، والذكاء الوقاد. - فالإدارة الناجحة مكنتهم من تعزيز الإيجابيات ودعمها، وتحجيم السلبيات ونقاط الضعف ومحاولة تلافيها، واستغلال الفرص والإمكانات البشرية والمادية بأفضل صورة، وتجاوز الصعوبات وتحاشي المخاطر المتوقعة بقدر الاستطاعة. - والعاطفة الجياشة مكنتهم من جذب كثير من المتطوعين إلى صفوفهم، وكثير من أصحاب الشركات ورؤوس الأموال إلى دعمهم، والمدعوين إلى التأثر بهم، وساعدهم على ذلك اعتناؤهم بالبرامج الإغاثية والاجتماعية والصحية والمهنية متخذين من ذلك مدخلاً للوصول إلى ما يريدون، والتي بدورها ساعدت على إظهار دينهم بمظهر الرحمة والرفق ومساعدة الضعفاء والإحسان إلى الآخرين ومواساتهم. - والجهد المتميز حوَّل الأفكار إلى أعمال، والأطروحات النظرية إلى ممارسات ميدانية. - والذكاء المتقد دفعهم إلى اعتماد خطط بعيدة المدى، واستخدام وسائل غير مباشرة، ورفع شعارات براقة، والانضواء تحت رايات غير دينية، بل واستخدام العلمانية سلاحاً يهاجمون به الإسلام حين وجدوا أن الأصول النصرانية والشطحات العلمانية لا يمكن أن تقف في مواجهة الثوابت الإسلامية. وهذا الأمر يستلزم من العاملين في حقل الدعوة عموماً، وبخاصة العاملين في مواجهة التنصير ومدافعة مكائد المنصرين وضلالاتهم وقفات عديدة أهمها: أ - أنه لا بد من تحسين الوضع الإداري الهش في كثير من المؤسسات الإسلامية ضماناً لاستثمار أمثل للموارد البشرية والمادية والفرص المتاحة، وتحاشياً للمخاطر، وتلافياً لنقاط الضعف بقدر الإمكان. وما لم يبادر أهل الشأن إلى العناية بذلك فإن الخسائر ستزداد، والعبء سيتضاعف، وإمكانية التصحيح والمعالجة ستصعب إن لم تتضاءل. ب - أهمية العناية بالعاطفة واستخدامها في الطرح والممارسة الدعوية، وعدم الاقتصار على التناول العقلي والعرض المنطقي مع أهميته لأن العاطفة في جانب الهداية والتأثير في النفوس أقوى من العقل؛ إذ العقل بوابة الإقناع وما كل من اقتنع استجاب؛ ولكن العاطفة سبيل كسب القلوب واتخاذ المواقف وهو الغاية هنا، وفي ظني أن قصور كثير من الدعاة في العناية بجانب العواطف واهتمامهم بإقامة الحجة والبرهان فقط أدى إلى خسارة الكثير من الفئات التي كان يمكن استثمارها في مجابهة التنصير أو على الأقل حمايتها من مكائده. ج - مع أهمية التخصص النوعي في أنشطة الدعاة إلا إنه لا بد من تكامل الأنشطة وتعاضدها وتنسيق أصحابها فيما بينهم؛ فالداعية مثلاً ما لم يحمل بيده إغاثة وإحساناً يقدمه للمسكين فإن استجابة الناس لدعوته ستكون محدودة، والمغيث ما لم يحمل بيده مصحفاً، ويستصحب معه داعية فإنه يكون قد قصَّر غاية التقصير، وأهدر فرصة لن تعوض، وهذا يوضح بجلاء حجم الخسارة التي تجنيها الدعوة من جراء تشتت الجهود وعدم تنسيق أصحابها فيما بينهم مع أن الأهداف في الغالب واحدة، والقواسم المنهجية المشتركة فيما بينهم قد تكون كبيرة. د - أهمية حرص قادة المؤسسات الإسلامية على احتواء ذوي العقل الناضج والفكر الوقاد، والقيام بتشجيعهم على الإبداع والتفكير بعمق وحرية، ثم السعي إلى الاستفادة من أفكارهم المتميزة وأطروحاتهم الطموحة سواء كان ذلك في جانب تطوير العمل الدعوي والخيري أو في مواجهة مكايد أعداء الإسلام من منصرين وغيرهم. وما لم يتم الاحتواء لهذه الطائفة من الدعاة من قِبَل المؤسسات الإسلامية دعوية وخيرية فإن نموها سيكون بطيئاً، وقفزاتها التطويرية ستكون محدودة، وقدرتها على منافسة المؤسسات التنصيرية في الميدان لن تكون بالصورة المرضية. ١٠ - العمل بوابة النجاح: لا يعاني الدعاة إلى الله من مشكلة في ندرة الأفكار وقلة الوسائل التي يجابهون بها المنصِّرين بمقدار ما يعانون من كثرة المتكلمين وقلة العاملين؛ إذ غالبية الدعاة لم تستطع بعدُ أن تحوِّل ما تملكه من أفكار وتصورات في هذا السبيل إلى واقع عملي معاش يسهم في نصرة الحق ومحاربة الزيغ والضلال. ولو تأمل المرء في حياة عظماء البشر لرأى أن عظمتهم لا ترجع إلى امتلاكهم قدرات خارقة يمتازون بها عن بقية البشر إذ هناك كثير ممن يشاركونهم في امتلاك تلك القدرات إن لم يتفوقوا عليهم فيها وإنما ترجع إلى سلطتهم على أنفسهم وحملهم لها على تجاوز إدراك الأفكار والحديث عنها إلى تنفيذها وتحويلها إلى واقع عملي معاش. ولست بذلك أقلل من أهمية التصورات الناضجة والأفكار العميقة المبدعة التي يطرحها بعض الدعاة لمجابهة التنصير، ولكن من المؤكد أن تلك الأفكار على جودتها بدون تنفيذ ستبقى مجرد خيال وحلم. وخطورة استمرار هذه الظاهرة غير خافية؛ إذ إنها تقلل الإنتاجية وتفقد الدعوة الكثير من الطاقات وفرص النجاح التي من الممكن أن يخفت بها صوت التنصير في ميادين كثيرة. ومفتاح تجاوز هذه الظاهرة يعتمد على أمور عديدة أهمها أمران: أ - العمل على استمرار تنامي الشعور بالظاهرة والإحساس بخطورتها والعزيمة على تجاوزها. ب - قيام كل فرد منا بتحمل مسؤوليته تجاه نفسه؛ بحيث يلزمها بالتنفيذ الفوري لما يؤمن به من أفكار ناضجة تصلح لمواجهة القوم ورد كيدهم. وما لم يتم ذلك فإننا باقون في دائرة القول، والمنصرون في دائرة العمل، وما سبقَ متكلمٌ عاملاً. ١١ - وأخيراً: فالنصر للإسلام: فالمواجهة مهما طال زمنها، وعظمت مشقتها، وإمكانات الدعاة مهما ضعفت، وخسائرهم مهما كثرت فالعاقبة للإسلام، والنصر آت لا محالة، بعد استكمال شروطه، وتحصيل أسبابه، وامتلاك وسائله. جاءت بذلك النصوص الصريحة الصحيحة، ودل على ذلك الواقع المشاهد؛ فمن النصوص التي تبعث في النفس الأمل وتزيد الفأل الحسن وتزيل اليأس وتدفع القنوط قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] (الأنفال: ٣٦) . والمنصرون مجال حديثنا في هذا المقال ينفقون أموالهم ويبذلون جهودهم وأوقاتهم، ويستنفرون كيدهم في الصد عن سبيل الله، وفي إقامة العقبات في وجه هذا الدين، والله تعالى ينذرهم بأنها ستعود عليهم بالحسرة، وسينفقونها لتضيع ويغلبوا، ولينتصر الحق في النهاية [٧] . ومنها أيضاً: قوله ﷺ في الحديث الثابت عنه: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر» [٨] . وستنتهي المعركة مع القوم بنزول سيدنا المسيح ابن مريم ﵇، وعندها يتجلى التوحيد ويخبو الشرك، ويتبين للقوم ما هم عليه من غرور وضلال. وأكبر ضامن لنصرة الإسلام وهيمنته في الأرض طبيعة منهجه وحاجة البشرية إليه. يقول سيد قطب ﵀: « ... فمن طبيعة المنهج الذي يرسمه هذا الدين، ومن حاجة البشرية إلى هذا المنهج، نستمد نحن يقيننا الذي لا يتزعزع في أن المستقبل لهذا الدين، وأن له دوراً في هذه الأرض هو مدعو لأدائه أراد أعداؤه أم لم يريدوا..» [٩] ، وأن دوره هذا المرتقب لا تملك عقيدة أخرى كما لا يملك منهج آخر أن يؤديه، وأن البشرية بجملتها لا تملك كذلك أن تستغني عنه طويلاً « [١٠] ، ويقول أيضاً:» ... ونحن نعتقد أن المستقبل لهذا الدين، بهذا الاعتبار. باعتباره منهج حياة يشتمل على تلك المقومات كلها مترابطة، غير منفصل بعضها عن بعض. المقومات المنظِّمة لشتى جوانب الحياة البشرية، الملبية لشتى حاجات الإنسان الحقيقية، المهيمنة على شتى أوجه النشاط الإنساني « [١١] . ومن دلالات الواقع على ذلك أنك ترى إنجازات المنصرين ونجاحاتهم لا تتناسب أبداً مع جهودهم المبذولة والفرص المتوفرة والتأييد العالمي الذي يتلقونه والإمكانات المتاحة، وفي المقابل: ترى الإقبال على الإسلام يفوق جداً جهود الدعاة المبذولة وإمكاناتهم الملموسة حتى أصبح المرء يجزم بأن الإسلام ينتصر بقوته الذاتية وما يحمله من حجج دامغة وبراهين ساطعة لا بجهود أبنائه وقوة المنتسبين إليه. وكون الإسلام قادماً والتوحيد منتصراً أمر محسوم وقضية منتهية، ولكن السؤال الأهم بالنسبة لنا: ما دورنا نحن في ذلك؟ هل نكون ممن أسهم في نصرة الإسلام؛ فاعتصم بالله واستمد العون منه، وقام بما يجب عليه تجاه دينه؟ أم نكون ممن ركن إلى الدنيا واشتغل بالأولى عن الأخرى، ونسي ربه فأنساه الله نفسه؟ ! نسأل الله رحمته ومعافاته، وأن يستعملنا في طاعته ويجنبنا غضبه. والله غالب على أمره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 3606

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٢ - ٢) من الظلمات إلى النور قصة إسلام قس نصراني أعدها للنشر: د. عبد الرحمن الجمهور [*] (إيفور إليويس) شاب يافع ممتلئ حيوية ونشاطاً. تلقَّى الدراسات الدينية النصرانية على أيدي قساوسة، فنشَّأه أبوه على حب الكنيسة والعمل لها. انخرط في الجامعة وهو يحمل الفكر النصراني، وبدأ دراسة التجارة والاقتصاد. أخذ على عاتقه التنصير وهو على مدرجات الجامعة، وتخصص في تنصير المسلمين، أو إخراجهم من دينهم إلى الفراغ الروحي. ولكن مع هذه الحيوية والنشاط في تنصير الناس لم يشعر بالراحة النفسية، مع أنه بلغ منصباً عالياً؛ حيث أصبح كبير أساقفة الكنيسة التي يعمل فيها، ومع ذلك لم تستقم نفسه على هذا الدين، وأحس بأنه لا يشبع الروح، فجرب الهندوسية ولم تزده إلا نفوراً، فالأسرار والطقوس الهلامية التي تؤديها الطائفة الهندوسية لا تستقيم مع صفاء النفس وتعلقها بالله. بل إن الأفراد الذين يشركون مع الله آلهة أخرى لا تستقيم حالهم بل يزيد هذا الشرك من حيرة الإنسان، ويملأ قلبه حيرة ووحشة. فأيقن (إيفور) أن الهندوسية لا تصلح أيديولوجية روحية؛ فهي لا تخدم مصالح الإنسان وحاجاته؛ لأنها تمجد إنساناً وتصنع منه آلهة مع الله؛ فجرب الشيوعية وقراءة كتبهم ومبادئهم ولكن لم تشفِ هذه المبادئ حاجته الروحية، فشعر بشيء من الألم يعتصر قلبه. يقول (إيفور) : إن العقيدة النصرانية لا تصلح أن تكون ديناً عالمياً؛ فهي لا تلبي حاجة النفس ولا توازن بين الفرد والمجتمع، بل لا توازن بين الدنيا والآخرة؛ فغالبية النصارى في العالم يشعرون بخواء روحي ونقص في الجانب العبادي، لا لشيء، ولكن لأنهم لا يوحدون الله بالعبادة. ففي دينهم أسرار لا يسمح للفرد العادي أن يعرفها، وهناك طبقية؛ فالسدنة غير القساوسة، والقساوسة غير الإنسان العادي، وأنت في خضم هذا المشروع الطبقي تنسى ربك وتتعلق بالقسيس؛ لأنه هو الذي يصفح، وهو الذي يغفر، وهو الذي يمتلك ناصيتك من دون الله. إن الإنسان العاقل المنصف يشعر بالخيبة وهو يقرأ التناقضات في نسخ الإنجيل، ويشعر بالرغبة في التقيؤ وهو يقرأ القصص التي لا تصح من عامة الناس؛ فكيف من خير البشر: «الأنبياء وأبنائهم وبناتهم وزوجاتهم» . ومما زاد في عجبه أن المسلمين في سيريلانكا حيث ولد وترعرع يختلفون عن المسلمين في بلاد الحرمين من حيث التطبيق والعمل للإسلام. وما رآه من تهاون في العبادات وعدم التفريق بين ما هو حلال وما هو حرام في بلده جعله يوقن أن الإسلام هنا له معنى خاص، وهو الإسلام الذي يخوِّف سدنة الكنيسة ويقلق مضجعهم. ويضيف إيفور قائلاً: «إن من الأمور التي زادت في حيرته وعدم فهمه للإسلام دور الهلال في حياة المسلم، يقول:» كنت أسمع أن الهلال الذي يعد رمزاً للمسلمين مهمٌّ في حياتهم، وكثير ممن يشرح دور الهلال في حياة المسلم يشبهه بالصليب عند النصارى؛ فالمسلم يصوم إذا رأى الهلال، ويفطر إذا رآه مرة أخرى، ويصوم إذا اكتمل البدر، ويحدد مواقيت الحج بالهلال، ويوضع على المنابر في المساجد، مما جعلني أعتقد جهلاً أن الهلال هو المعبود وليس الله تعالى «! ! كنت أثرت موضوعاً في الكنيسة سبب لي جدلاً كبيراً، وصممت على تنفيذ ذلك الأمر مهما كانت العواقب ومهما بلغ الثمن. طرحت فكرة الدعوة إلى النصرانية في بلاد المسلمين وبالتحديد في بلاد الحرمين، إلا أن القساوسة ومَنْ حولي عارضوا الأمر بشدة، وحاولوا تخويفي؛ فعقوبة مرتكب هذا الأمر الموت؛ حيث يقطع رأسه أمام الناس. أردت أن أكتشف هذا العالم المجهول، وأرى علاقة الهلال بالمسلمين، وأرى مدى تقبلهم لعقيدة التثليث. فكرت في الأمر ملياً ورأيت أن أقتحم هذه التجربة. ذهبت إلى مكاتب التوظيف ووجدت وظيفة مأمور مستودع في شركة عربية في بلاد الحرمين، لم أتردد بالقبول، وفي فترة وجيزة أنهيت وثائق السفر، وركبت الطيارة أوائل عام ١٩٨٣م وكلي أمل في أن أمارس نشاط التنصير لأُرضي الكنيسة، وأُثبت لهم صحة فرضيتي، ولأشعر بالرضى والزهو والفخر بقدراتي على الإقناع. كنت أتصور أن المسلمين في هذا البلد مثل المسلمين في بلادي، لكن الفرق شاسع والمهمة لم تكن سهلة. لقد تغيرت نظرتي لديني ودين قومي عندما رأيت مظاهر الالتزام بهذا الدين، فلم أعد أجد في نفسي الرغبة الجامحة للتنصير، بل أصبحت أنظر للمسلمين نظرة إعجاب وتقدير يشوبها شيء من الاحتقار لذاتي ومعتقدي، لقد تحركت في داخلي موجة كره لديني، وبدأ الشك يساورني مرة أخرى، وأحسست أنني لست على الطريق المستقيم. ومما لفت نظري تعظيم المسلمين للقرآن الكريم؛ فهم لا يلمسونه إلا إذا كانوا متطهرين، ولا يسمحون لغير المسلم بلمسه فضلاً عن قراءته، ويطبقون بعض الأحكام عند قراءته ويتغير صوتهم (الترتيل) عندما يقرؤونه، ويشعرون أنهم يعظمون الله تعالى ويتعبدونه بتلاوته. مع أننا عندما نتعامل مع الإنجيل لا نقيم لهذه الأحكام وزناً، بل لا يهمنا من يقرأ الإنجيل، وعلى أي حالة كان، بل إننا لا نقيم له قداسة ولا تعظيماً؛ فنأخذه إلى بيت الخلاء، ونهجره، ولا نؤمن بكثير مما فيه. فأحدث هذا الأمر شيئاً في نفسي وهزني أمر تعظيم القرآن وأوجد في نفسي رغبة شديدة لقراءته والبحث فيه لعلِّي أجد بعضاً من المتناقضات كما هو الحال في كتابنا المقدس. ولكن لم أعثر على نسخة مترجمة، بل لم أجد من يعيرني نسخته؛ فأنا في نظرهم كافر لا يجوز أن ألمس القرآن. ومضت الأيام وهذه الرغبة تراودني وفضولي يقودني للسؤال عن النسخة المترجمة معانيها من القرآن كلما سنحت الفرصة، إلا أن الجهد ذهب سدى والأمر لم يتيسر لي بسهولة. وذات ليلة دعاني مهندس باكستاني لتناول طعام العشاء في منزله؛ فهذه آخر ليلة له في مدينة المجمعة؛ حيث نعمل؛ فهو سيسافر من الغد إلى أهله سفراً نهائياً وأثناء تناول العشاء لمحت نسخة مترجمة لمعاني القرآن إلى الإنجليزية فطلبت من المهندس الباكستاني أن يعيرني إياها، ففعل، فطرت فرحاً ولم تسعني الدنيا من الغبطة والسرور، بل لم تعد لي شهية في الأكل أو الشرب، فقط أريد أن أتصفح القرآن، وأعرف ماذا فيه. وبدأت فكرة البحث عن المتناقضات تتسلل إلى رأسي، وبدأ الشيطان يسوِّل لي ويعدني ويمنيني. خرجت من منزل المهندس وذهبت إلى بيتي، وبدأت أقرأ في النسخة المترجمة، وأول ما قرأت: (بسم الله الرحمن الرحيم) شعرت بقشعريرة في جسمي، لقد قرأت كل الكتب المقدسة من الإنجيل إلى التوراة إلى كتب الأديان الأخرى ولكني لم أجد أي كتاب يبدأ باسم الله. إن للبسملة معنى استقر في قلبي؛ فأول مرة في حياتي أقرأ البسملة، اسم الله تعالى، بعده صفة يغفل عنها الكثير (الرحمن) لقد تركت هذه الجملة في نفسي أثراً عجيباً، ودفعتني لأقرأ بتمعن وبقلب مفتوح. ثم دلفت إلى سورة الفاتحة، إنها ترسم ما قاله عيسى ﵇ لأصحابه عندما أرادوا أن يعرفوا كيف يحيُّون الإله، فقال لهم أن يحمدوه ويمجدوه ويدعوه؛ وهذا ما وجدته في سورة الفاتحة التي فتحت قلبي على مصراعيه، وانهال النور المضيء إلى قلبي، فأضاء أركان جسمي وجوانبه ... لكم أشعر بطعم السعادة، والإيمان يملأ قلبي وأنا أقرأ كلام الله تعالى. بعد ذلك قرأت سورة البقرة، هذه السورة العظيمة والقرآن كله عظيم: [الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] (البقرة: ١-٢) يا للعجب هذه الآية أو معناها أجده في الكتب المقدسة التي قرأتها، ولكن في ختام الكتاب بعد أن تنتهي المقاطع والتعاليم الدينية والقصص والمواعظ تأتي هذه الآية أو معناها لكن في هذا الكتاب أتت هذه الآية في أوله شامخة تعلن أن هذا الكتاب كامل وشامل لا ينقصه شيء. يا للعجب! ! من يملك مثل هذه القدرة؟ إنه الله الواحد الأحد، أكملت القراءة إلى أن وصلت إلى الآية الرابعة: [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ] (البقرة: ٤) ، لقد زلزلت هذه الآية ما بقي في قلبي من ريب، وأزالت ما فيه من تساؤلات لا معنى لها. لقد جعلت قلبي ينفتح على مصراعيه، وأعلنت بين جوانب نفسي أن هذا الدين حق، وأن الذي أنزل القرآن هو المعبود المستحق للعبادة وحده ... لم أعد قادراً على التحمل؛ فأنا أريد أن أمارس العبادة الصحيحة ... لقد تذكرت قول المسيح ﵇ إنه سيأتي بعدي من يقودكم إلى الحق والهدى، فهذا هو الحق والهدى الذي بشر به عيسى ﵇. إنني الآن مسلم، ولكن لا أحد يعرف أنني مسلم، وعليَّ أن أصلي وأمارس الإسلام، وقبل الصلاة يجب أن أتطهر، ولكن كيف يتطهر المسلمون؟ لا أعلم. ودخل وقت الصلاة وسمعت المؤذن ينادي للصلاة، قمت وخلعت ملابسي كلها وغسلت جسمي، ثم دلفت نحو المسجد لأول مرة، ووقفت في الصف أقلد مَنْ على يميني وشمالي إلى أن فرغت من الصلاة وعدت إلى بيتي وأنا أشعر بنور في قلبي، ولأول مرة أشعر بالراحة، أول مرة أشعر بقيمة العبادة، أول مرة أشعر بطعم الإيمان، وأخذت أكتب ما أسمع من الإمام وأحاول أن أقول مثل ما يقول، وبقيت على هذه الحالة لمدة يومين وأنا أغتسل غسلاً كاملاً خمس مرات في اليوم الواحد، وفي اليوم الثالث إذا بالإمام يمسكني من يدي ويبدأ يعاتبني بصوت مرتفع، فهمت منه أنه عاتب عليَّ؛ لأنني لا أصلي في المسجد وأنا جار المسجد؛ فقد كان مظهري وأنا ملتحٍ يوحي بأني مسلم. فأخبرته أنني مسلم جديد وأنني اعتنقت الإسلام حديثاً ففرح بي وفرح بي الآخرون. وبقيت على حالي أياماً عدة وأنا أغتسل قبل كل صلاة إلى أن قدم إلى مكان عملي اثنان من خارج المدينة وكان الوقت وقت صلاة فطلبا مني أن آذن لهما بالدخول إلى المرحاض للوضوء استعداداً للصلاة، فقلت لهما:» لا «وأرشدتهما إلى مكان مفتوح يصلح للوضوء. وغضبا عليَّ غضباً شديداً، وإنما أردت أن تتاح لي الفرصة لتعلُّم الوضوء بالمشاهدة، وبعد أن أتما وضوءهما، قمت وتوضأت مثلهما، وهما في دهشة وحيرة من أمر هذا النصراني الذي يتوضأ مثلهما تماماً! بدأت تعلُّم الواجبات وأركان الدين والعبادات، وكلما قرأت زادت محبتي لهذا الدين، وتعلمت الكثير، ولعل أهم ما لفت نظري وجذبني لهذا الدين أنه دين شامل وكامل يعالج جوانب كثيرة في حياة الفرد والمجتمع، ويوازن بين الدنيا والآخرة، ويقدم للبشرية مشاريع إصلاح اقتصادية واجتماعية ونفسية. وفي يوم من الأيام أخذني الإمام إلى مدير المعهد العلمي في مدينة المجمعة الذي أهداني عدداً كبيراً من الكتب المترجمة باللغة الإنجليزية، وأخبرني أن لديه مستودعاً للكتب باللغات الأجنبية، كالألمانية والفرنسية، وغيرها فأخذت هذه الكتب وبدأت مشروع الدعوة إلى الإسلام من خلالها؛ وعلى أثر ذلك شرعت في إعداد فريق للعمل في الدعوة إلى الله، ونجحنا ولله الحمد والمنة والفضل في هداية كثير من الناس في منطقتنا والمناطق المجاورة، وصار شغلنا الشاغل هو الدعوة إلى الله تعالى وسط غير المسلمين. ومن خلال تجربتي في الدعوة للنصرانية عرفت أن المسلم المتمكن من عقيدته العارف بالواجبات يتعذر علينا إقناعه أو خلخلة عقيدته، ذلك أن الحجج التي نحاجُّ بها تعد من البديهيات عنده، بل أحياناً يحرجنا بإثارة نقاط مثل التثليث وألوهية عيسى، والغفران، وأصل الخطيئة، وغيرها كثير، ولا يدخل في معتقد النصارى إلا القليل، وهم من أولئك الذين ليس لهم حظ من العلم بالدين. إن الدعاة إلى النصرانية في الآونة الأخيرة سلكوا مسلكاً خطيراً يتمثل في قبولهم المسلم ليعيش بينهم، بل ويقدمون له المغريات مثل المرتب العالي والمسكن المؤثث، بل ويسمحون للمسلمين ببناء المساجد وإقامة الشعائر الدينية، ولا يمنعونهم من مزاولة ما يريدون تحت شعار الحرية الدينية، وهم في الحقيقة يخططون لتنصير الجيل القادم. فعندما يدخل المسلم في عالمهم محافظاً على دينه حريصاً على أداء ما افترضه الله عليه فإنهم يعمدون إلى تثقيف أبنائه وبناته بالثقافة الغربية، ولا تخلو من بعض المعتقدات النصرانية، فينشأ بين أحضانهم يراهم في الليل والنهار، ويسمع منهم، ويقتدي بهم حتى إذا أدرك وبلغ سن الرشد سهل عليهم قيادته إلى معتقدهم، وهذا ما تحاول الكنيسة العالمية بثه بين المنصرين وأتباعهم، وهذا ما ينطوي عليه مبدأ النظام العالمي الجديد. فهل نعي خطر ما يخططونه لهدم الإسلام؟ والله نسأل أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.

стр. 3607

الإسلام لعصرنا هيئة الأمم أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة بما أن المسلمين أمة عظيمة من الأمم التي تسكن كرتنا الأرضية، فإنه يهمها أن تعيش في سلام مع غيرها من الأمم، وأن تشاركها وتتعاون معها في الرقي بالمجتمع الإنساني، وفي البحث عن حلول للمشكلات التي تواجهنا جميعاً، طبيعيةً كانت أم سياسية أم اجتماعية. وهيئة الأمم المتحدة منبر من أحسن المنابر لتحقيق ذلك. لكننا نرى أن استمرار هذه المنظمة في أدائها لهذه المهمة العظيمة رهين بإقرارها لثقافات الشعوب المكونة لها، وقيمها وخصوصياتها، وأن تكون وسيلتها للتغيير في المسائل التي تختلف فيها الثقافات والحضارات هي الحوار والتفاهم بالتي هي أحسن، وألاَّ تتحول إلى أداة تستغلها بعض الدول أو الجماعات لفرض معتقداتها وقيمها، وقمع المخالفين لها. وعليه فإننا نود أن نؤكد باعتبارنا أمة إسلامية أننا لا نأخذ معتقداتنا وقيمنا من مصادر غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن هذين المصدرين الإسلاميين يمثلان قانوننا الأعلى الذي نحكم به على غيرهما، فنرفض ما يتناقض معه، ونفسر في نطاقه ما نراه موافقاً له. وكما أن هذا الموقف مقتضى ديننا فهو أيضاً مقتضى حرية الدين التي وردت في الإعلان العالمي للحقوق الإنسانية؛ إذ إن هذه الحرية لن يكون لها معنى بالنسبة لنا إذا كان غيرنا هو الذي يفرض علينا كيف نفهم ديننا، وماذا نأخذ منه وماذا ندع، ثم يعاقبنا إذا نحن لم نلتزم بما أَمَرَنا به! في ضوء ما سبق نقرر رفضنا القاطع لبعض ما ورد في مقررات مؤتمر بكين متعلقاً بالعلاقة الجنسية، ونرى فيه دعوة إلى الإباحية التي لن ينتج عنها إلا مزيد من التفسخ الخلقي، والتفكك الأسري، وانتشار الأمراض التناسلية، وتعزيز النزعة الفردية، وما يتبع ذلك كله من زيادة في الجريمة، وتهديد لأمن المواطنين وسلامتهم. لكننا نقر مع ذلك أن المرأة تعاني عالمياً من ظلم يجب أن يرفع عنها، ومن فقر يجب أن يزال، وأن هذا إنما يكون بالتعاون بين الجنسين باعتبارهما مخلوقين بشريين تحركهما الحجج العلمية والدوافع الخلقية. ولن يتحقق أبداً بإثارة جنس على جنس، بل يُخشى أن تؤدي مثل هذه الإثارة إلى صراع تكون المرأة في نهايته هي الخاسرة. ويسرنا أن نشارك غيرنا من شعوب العالم في حل هذه المشكلات مهتدين بديننا وتجاربنا وتاريخنا، ومستفيدين كذلك من فكر غيرنا وتجربته وتاريخه. وعليه فإننا في مجال إزالة الفقر ندعو دول العالم وأفراده إلى أن يطبقوا فريضة الزكاة الإسلامية، ولو فعلوا لما بقي على وجه الأرض فقير ذكراً كان أم أنثى. كيف لا، وهي ضريبة سنوية مقدارها ٥,٢% من رأس المال، تؤخذ من الأغنياء وتوزع على الفقراء، وأن يطبقوا المبدأ الإسلامي الذي يجعل من حق كل إنسان أن يعيش حياة كريمة ما دام المجتمع قادراً على ذلك. ونضم صوتنا إلى المنادين بإزالة الآثار السلبية للعولمة وما ينتج عنها من زيادة فقر الفقراء، واستغلال عمل النساء. ونرى مع غيرنا أن مما يساعد على تخفيف الفقر عن البلاد النامية أن ترفع عنها الفوائد الربوية على الديون التي تقترضها من الدول الغنية؛ فإن هذه الفوائد قد صارت عائقاً لهذه الأمم عن كل نمو اقتصادي. وفي مجال التعليم نرى أن يشمل التربية الخلقية التي تغرس في المرأة الاعتزاز بما ميزها الله به، وترضى به، ولا تحاول أن تلهث وراء تقليد الرجال ومنافستهم فيما ميزهم الله به [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ] (النساء: ٣٢) وأن يفهم ما يمتاز به كل من الجنسين بأنه وسيلة للتعاون بينهما، وتكميل للواحد منهما بالآخر، وعون على بناء الأسرة واستقرارها، وتحقيق لمصلحة الأولاد. وفي مجال الموازنة بين عمل المرأة خارج بيتها وبين واجباتها الأسرية نرى أن يطبق المبدأ الإسلامي الذي يلزم الرجل بالنفقة على زوجه وأسرته، ويجعل ذلك حقاً لهم، وأن تعين الدولة كل امرأة تفضل البقاء في بيتها لتربية أولادها وإعانة زوجها. إن عمل المرأة خارج بيتها ينبغي أن يُنظَر إليه على أنه ضرورة اقتصادية لا أمر يقتضيه تكريم المرأة واحترامها.

стр. 3608

قراءة في كتاب التحليل السياسي محاولة للاقتراب المؤلف: روبرت أ. دال ترجمة: د. علا أبو زيد تلخيص: وائل عبد الغني أصبحت السياسة في السنوات الأخيرة أهم العناصر الفاعلة والقوية التي تحرك الواقع البشري وتتحكم في مصيره وفق مشيئة الله بصورةٍ تجعل الإنسان لا يسعه أن ينأى بواقعه عن دائرة تأثيرها. والداعية باعتباره عنصراً مؤثراً لم يَعُدْ يسعه ترك الإلمام ولو إجمالاً بواقعه المعاش.. كيف يسير؟ وماذا يُراد له؟ بنظرةٍ مبنية على قواعد وأسس موضوعية. ويسعفنا في ذلك التحليل السياسي؛ إذ أصبح كمّاً معرفياً متميزاً في ظل قفزات التطور الهائلة في المعرفة الإنسانية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. هذا العلم يُكسِب المحلل والممارس مهارات ومدارك وخبرات واسعة. وقبل أن نشرع في الاقتراب من عملية التحليل السياسي نشير إلى نقاطٍ عدة ينبغي ألا نغفلها ونحن نطالع مثل هذه المعرفة: ١ - إن التطور الهائل في العلوم قد واكبه قدرٌ لا بأس به من التعريب، لكن لم نشهد بعدُ جهوداً قوية في مجال الأسلمة. ٢ - قلة المحاولات التي قصدت بناء منهج إسلامي للتحليل السياسي اعتماداً على الجهود الضخمة التي خلفها لنا علماؤنا أمثال الرازي والماوردي والجويني وابن تيمية وابن أبي الربيع وابن خلدون، والتي كانت مادة إثراءٍ قوية انتشلت الفكر السياسي الغربي من أسر الكهنوتية إلى سعة المنهج التجريبي والتحليلي، والذي كان له أثره في التطور الفكري الأوروبي. ٣ - ولكن الفكر الأوروبي عموماً انفلت من أسر الكهنوتية إلى الفوضى الفكرية والتي تشبه إلى حدٍ كبير ما يعانيه عالمنا اليوم مما ولَّد مدارس مادية تعتمد على الوضعية والحتمية والهرطقات اليونانية الغابرة. ٤ - هذا العلم له أثره العظيم في إحياء الوعي، ورغم أنه أكاديمي إلا أنه شهد جهوداً لتبسيطه ونقله إلى الجماهيرية في الغرب، ولكن هذا لم يحدث حتى الآن على المستوى الإسلامي والعربي بوصفه ظاهرة علمية وثقافية؛ ولهذا كانت هذه القراءة محاولة للاقتراب من الظاهرة السياسية على مستوى النظام السياسي الذي تُبنى فكرته على اعتبار أن الإنسان ينزع إلى العيش في تجمعات بشرية تضطره إلى الخضوع لأحد أشكال السلطة وإقامة علاقات مع من حوله. والسياسة بتعبيرنا اليوم ما هي إلا نمط مستمر من العلاقات الإنسانية يتضمن التحكم والنفوذ والقوة والسلطة، وهو ما يتتبعه المحلل السياسي؛ لأنها بمثابة البؤرة التي تتمحور حولها العلاقات، والعمل السياسي غير متصور دون ممارسة القوة. ويتتبع التحليل كذلك أشكال الأنظمة وكيفية بنائها وسمات التشابه والتباين، ويحلل كذلك السلوك من حيث الدوافع والأسباب والظروف والنتائج التي تكتنف النماذج البشرية الممارسة للسياسة مستنداً على أسسٍ ثابتة. أسس التحليل: تختلف الأسس التي يستند إليها التحليل طبقاً لفكر من يمارسه، والظروف التي نشأ فيها وتأثر بها. فلو كان أمامنا خمسة تحليلات عن الوضع الأفغاني الراهن مقدمة من خمسة محللين من باكستان وروسيا وطاجيكستان وإيران والولايات المتحدة لظهر جلياً إلى أي حدٍّ أثَّرت النشأة والعقيدة على طريقة التحليل ونتيجته. ويتأثر التحليل كذلك بالنظريات السياسية التي يتبناها المحلل؛ فبعض النظريات مثلاً تقصر إطلاق مصطلح «النظام السياسي» على الأنظمة الحاكمة التي تمتلك سلطة فعلية (الدولة الحكومة) بينما تتوسع أخرى في شمول نفس المصطلح لأي نظام يُمارس فيه نوع من القوة: كالقبيلة، والمؤسسة، والشركة، والمنظمة، والحزب. حول النظام: بالنظر إلى النظم السياسية نجد أن كل نظام يتفرع إلى أنظمة فرعية بينما هو مندرج في نظامٍ أشمل منه، كما نجد أن الفرد قد يشكل جزءاً من أكثر من نظام؛ فأستاذ الجامعة يمثل جزءاً من النظام في جامعته، إلى جانب كونه عضواً بارزاً في أحد الأحزاب أو يشغل منصباً حكومياً. كما نجد أنه كلما ازداد النظام تعقيداً واستقراراً كلما أدى ذلك إلى نمو الأدوار السياسية فيه. حوْل الحكومة: أول ما يعني المحلل من النظام هو الحكومة؛ لا لأنها تملك القوة وحدها، بل لأنها تدعي لنفسها الحق المطلق في تنظيم استخدام القوة. ولكن هذا الادعاء مرهون بمدى تقبل الناس له؛ فإذا ما شك الناس في هذا الادعاء أو رفضوه فمعنى ذلك أن الدولة تواجه خطر التحلل، وأما إذا ما قبلوه فهنا تحقق الدولة صفة الشرعية التي تختلف عن صفةٍ أخرى هي المشروعية؛ وهي الصفة التي تكتسبها الدولة من قوتها أو من نص الدستور. أما شكل الحكومة فيختلف باختلاف شكل النظام وطرق اقتسام القوة فيه. ولكن ماذا نعني بالقوة هنا؟ اصطلاحات القوة والنفوذ: تستند العلاقات البشرية إلى عدة أسس مثل الحب، والاحترام، والولاء، والمعتقدات المشتركة، لكن كل ذلك لا يُعنى به المحلل السياسي بالدرجة الأولى، إنما يعنى بالقوة وأشكالها كأساس للعلاقات، وبهذا يفيدنا تحليل القوة في معرفة عناصر التأثير وتوجهاتها. ونعني بالقوة: (فرض مشاركة المواطن في الحياة السياسية) ، كالتحكم في الحكومة أو التأثير فيها، وفرض تحكمه في القرارات المتعلقة بسلوكه وحياته الشخصية. والمواطنون متفاوتون في قوتهم بالطبع، ويعني نشاط السياسي في مجالٍ معين أنه يمارس نوعاً من القوة الظاهرة التي يتتبعها المحللون، في حين يغفلون نوعاً آخر يتمثل في قوته الكامنة والتي ينبني على تحليلها الاقتراب من المصداقية بالنسبة للتوقعات المستقبلية بالذات. وعلينا أن نفرق بين قوة الفرد بوصفه فرداً وبين قوته باعتباره جزءاً من جماعة. وعند قياس القوة ينبغي تحديد محيطها: (أي المسألة التي تمارس فيها: السياسة الخارجية، البرلمان) ، ومجالها: (عدد الأفراد الذين تمارس في نطاقهم) . ولا بد كذلك من معرفة كيفية تمركز القوة أو تشتتها، وأسباب ذلك ودلالاته، ومدى ارتباطه بالظروف الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. تحليل النفوذ: ونعني بالنفوذ: العلاقات التي تتسبب في نتائج إيجابية ومفضلة بالنسبة للفاعل؛ أي الذي يمارس النفوذ. ولهذا فأي وصف شامل لنظامٍ مَّا لا بد أن يتضمن إجابة عن السؤال الآتي: من هم الفاعلون الذين يمارسون نفوذاً في المجالات الحيوية (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية) ، والتي من خلالها يؤثرون بطريقة غير مباشرة على اختيارات غيرهم وقراراتهم؟ هؤلاء الفاعلون قد يكونون جماعات أو كيانات كلية أو أحزاب أو شركات أو شخصيات عامة. ومع تراكم التحليلات سنجد أن النفوذ أشبه بشبكة معقدة من العلاقات المتبادلة بين الفاعلين والتي يكون بعضها إيجابياً (يتمثل في تأييد المصالح) وبعضها سلبياً (بعدم التأييد) ، وهذا الأخير وإن كان إدراك حجمه صعباً إلا أنه يحتاج إلى مزيد من العناية. ولكن كيف يمكننا قياس النفوذ؟ في الحقيقة لا يوجد معيار كمي يمكن أن نقيس من خلاله النفوذ، ولكن مع تراكم المعلومات وبإجراء المقارنات يمكن الاعتماد على أساسٍ ترتيبي (مساوٍ، أكبر من، أصغر من) ، كما ينبغي حساب الوزن النسبي للنفوذ باختلاف المجال والمحيط. ولتحديد شكل النفوذ ودرجته لا بد أن ندرك أسباب اختلافه، والتي يمكن إرجاعها إلى ثلاثة عوامل رئيسة [١] وهي: ١ - الاختلاف في توزيع الموارد السياسية التي يستخدمها الساعي للنفوذ ليؤثر على سلوك الآخرين، وتشمل: (المال المعلومات الطعام التهديد باستخدام العنف الوظائف الصداقات المستوى الاجتماعي حق إصدار الضرائب أصوات الناخبين) . ٢ - التباين في المهارات والكفاءات في استخدام هذه الموارد. ٣ - التباين في مدى استخدام الأفراد مواردهم لأغراض سياسية. ويُضاف إلى هذه الأسباب عوامل أخرى غير مباشرة أهمها: - قيم الأفراد وتوجهاتهم وتوقعاتهم ومعلوماتهم الحالية. - قيمهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم وأيديولوجياتهم وبناء شخصياتهم ونوازعهم السابقة الأكثر تأصلاً. - قيم الآخرين وتوجهاتهم وتوقعاتهم ومعلوماتهم ومعتقداتهم وأيديولوجياتهم وشخصياتهم ممن ترتبط تصرفاتهم بطريقةٍ مَّا بالقرار. - عملية الاختيار أو التجنيد أو الدخول التي وصل بها صانعو القرار إلى مناصبهم. - قواعد صنع القرار التي يتبعونها، والبنى السياسية والنظام الدستوري. - مؤسسات المجتمع الأخرى (البنى الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية والتعليمية التي تقوم بتخصيص الموارد الرئيسة) . - الأحداث التاريخية التي تركت آثارها على الثقافة والمؤسسات والبنى. وبنظرة كلاسيكية يمكن أن يُتصور أن يستخدم الحاصلون على النفوذ نفوذهم في الحصول على موارد أكثر تفتح أمامهم المجال للحصول على نفوذٍ أكبر، وهكذا دواليك. ولكن هذا الأمر لا يحدث في الواقع؛ لأن الموارد موصوفة بالندرة. وأصحاب النفوذ لا ينفقون مواردهم إلا إذا كان العائد من ورائها أعظم قيمة، وهو ما ينعكس عند حدودٍ معينة؛ إذ يسعى الخاضعون للسيطرة إلى تعظيم تكاليف تلك السيطرة. ولا ننسى كذلك الصراع الشديد على النفوذ [٢] . طرق الحصول على النفوذ: يمكن الحصول على النفوذ بأشكالٍ مختلفة، بعضها حسن وبعضها قبيح؛ فمنها: الإقناع الحقيقي (العقلاني) ، والتحفيز، والخداع (الإقناع الخداعي) [٣] ، والإجبار المادي، والسيطرة. تصنيف النظم (أوجه التباين) : يتم التصنيف وفق المدخل الذي يستخدمه المحلل والنشاط الذي يخدمه (جغرافي طبغرافي اقتصادي سياسي ... ) . ولهذا يصح وضع أسس متعددة كل منها يصلح أساساً لتصنيف النظم. التحليل السياسي للنظم: أ - أوجه الاتفاق: يتحدد شكل النظام وفقاً للصيغة السياسية، والتي يتحدد وفقاً لها شكل السلطة وأسلوب السيطرة، هذه الصيغة ليست كمّاً موحداً متجانساً، ولكنها تبدأ بالمعتقدات التي يدين بها الجميع، وتتطور في شكل أيديولوجيات سرعان ما تتأثر بالمستجدات. ولهذا لا نجد أيديولوجية فكرية يمكن وصفها بأنها متكاملة، أو يصح أن نقول عنها إنها صالحة للحكم إلى ما لا نهاية، لذلك فهي خاضعة للتعديلات شأنها شأن المناهج الأرضية، هذه النقطة تتفق فيها كافة الأنظمة بالإضافة إلى اتفاقها في: - كونها مطاطة إلى الحد الذي يمكن معه إعادة تشكيلها حسب الرغبات المختلفة. - أن كل النظم السياسية تسيطر عليها سلطة حاكمة تحتكر القوة. - أن هذا الاحتكار قد يستند إلى عقيدة، أو نظرية فكرية، أو انتخاب، أو إلى القوة المتمثلة في الجيش والشرطة. - أن كل الحكومات تسعى لاكتساب الشرعية؛ فإذا اتشح النفوذ بالشرعية فهذا ما يُشار إليه عادة بالسلطة. - أن النظم لا يمكنها أن تعيش بمعزل عن العالم الخارجي. - أن التصرفات المتاحة أمام النظام في أي دولة تتأثر بالتصرفات الماضية والمحتملة للنظم الأخرى. - حتمية التغيير: فأي نظام لا بد أن يشهد تغيرات هامة لكن يصعب التنبؤ بها؛ ولهذا نجد أن عدم اليقين سمة بارزة للحياة السياسية. ب - أوجه التباين: وهي لا حصر لها. ولكن ما يمكن أن يُقال عنه إنه يترتب عليه نتائج هامة يمكن إجماله في النقاط الآتية: ١ - مسار النظام إلى الوضع الراهن. ٢ - درجة التحديث (المستوى الاجتماعي والاقتصادي) . ٣ - توزيع الموارد والمهارات السياسية. ٤ - جذور التصدع والتلاحم الداخلي. ٥ - حدة الصراعات وحجمها. ٦ - مؤسسات اقتسام السلطة وممارستها. وهذه الأخيرة هي أبرز ما يركز عليه التحليل الحديث. الأنماط السياسية داخل المجتمع: وفقاً للمشاركة السياسية يمكن تقسيم الناس إلى كثرة غير مهتمة بالسياسة، إلى جانب قلة مهتمة بها؛ هذه القلة تحوي قلة ثانية تمتلك من الدوافع ما يحفزها للسعي وراء القوة، ولكن المهارات الشخصية والموارد السياسية تحول دون وصول كثير من هؤلاء، لنجد أن الأقوياء هم قلة ممن يسعون نحو القوة، وإن كان التحليل يحتاج لفحص كل شريحة من هذه الشرائح الأربع إلا أن الأخيرة هي التي يمكن أن نسلط عليها بعض الضوء قليلاً بسؤالٍ هو: لماذا تتعدد الأنماط السياسية للأقوياء؟ هناك عدة أسباب تؤثر في ذلك: الشخصية والخلق، التوجهات السياسية الأولية، المعتقدات ومواقف اللحظات الحاسمة، الثقافة العامة، الثقافة السياسية التي يشترك فيها مع قطاع من قطاعات المجتمع. تحليل الأداء: التحليل السياسي لا يمكن إخضاعه للمقاييس الكمية والوصفية التي تخضع لها الكيمياء، ولكن يمكن أن يخضع للتعليل السببي للوصول إلى نتائج مرغوبة مثل حرية أعظم أمن أكثر ... لذلك فالتحليل تكتنفه صعوبات كثيرة؛ ليس أسهلها تطوير مقاييس الظواهر السياسية. تحليل القرار: كيف ترتب الأولويات في ذهن المحلل أو السياسي؟ يختلف الترتيب من محللٍ لآخر كما سبق أن ذكرنا، ولكن إذا أراد المحلل أن يزيد من قوة التحليل فعليه أن ينوع في توقع الأولويات كي يمكنه تفسير أكبر عدد من الخيارات، ومع هذا فسيظل عدم اليقين يطاردنا ويحف بخياراتنا السياسية. وللتغلب على قدر من هذه المشكلة فإن القرار السياسي وتقويمه يجب أن يخضع لاستراتيجيات تقوم على ترتيب القيم وتوضيح الأهداف وتوقع المشكلات وتوصيف الحلول عن طريق وضع السياسات الممكنة، ثم تبحث كافة النتائج المهمة التي سوف تترتب على تقديم بديل على آخر. وسعياً وراء الرشد فقد طُرحت بعض الاستراتيجيات: استراتيجية المثالية الكاملة: وتقوم على أساس فلسفي تخيلي للأهداف والوسائل، ولكنها أثبتت قصورها الشديد لكثرة مخالفة الواقع للتوقعات الكاملة. وفي ظل عدم اليقين يصبح أمام متخذ القرار إما أن يغامر ويتخذ القرار في ظروف من عدم التأكد، أو ينتظر ليدرس الحالة جيداً ويتخذ القرار بالحل المثالي، ولكن الانتظار في عالم السياسة غير ممكن. استراتيجية المثالية المحدودة: ومن خلالها نقنع بتحقيق الحلول المرضية بدلاً من الحلول المثالية، ويمكننا أن نواجه مشكلة عدم اليقين بأحد الحلول: ١ - السعي نحو الحلول المرضية بدلاً من المثالية. ٢ - اتخاذ قرارات أولية لمعرفة ما يترتب عليها تمهيداً لاتخاذ القرار الأخير. ٣ - الاستفادة من التغذية الاسترجاعية ومن المعلومات التي ولدها القرار الأولي ذاته، ومن خلاله يمكن تقسيم الأدوار. ٤ - وضع إجراءات للوصول إلى الأهداف المرجوة. وإذا افترضنا أن القرارات التي تتخذ عبارة عن سلسلة من الإجراءات؛ فإنه يمكن للسياسي تصحيح أخطائه في كل إجراء يتخذه وهو يسعى نحو الهدف، ولو افترضنا أننا نزيد في شيء نسبة ٥% سنوياً فإنه سوف يتضاعف في ١٤ عاماً [*] . ولكن هذه الاستراتيجية لم تنجح في حل كل المشاكل. استراتيجية التجريب المدروس: وهي تصلح في بعض النطاقات دون بعض لتجريب كافة الحلول ومن ثم اختيار أفضلها. وقطعاً فإنه لا يمكن تفضيل إحدى هذه الاستراتيجيات على الأخرى تفضيلاً مطلقاً، ولكن على السياسي أن ينتخب من بينها ما يناسب طبيعة مشكلته، وعليه أيضاً إطلاق خياله البحثي الذي لا يستند إلى المعرفة وحدها بل يتخطاها إلى التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه شكل المستقبل. تلك أهم قضايا التحليل السياسي، والتي تعتمد على الأسئلة المنطقية: ما هو لماذا كيف أين متى ... والتي يترتب على الإجابة عليها الإجابة على كثير من علامات الاستفهام القلقة داخل دنيا البشر، وهي بحاجة إلى أقلام مسؤولة وعقول متخصصة تُبْحِر بنا في تفاصيلها.

стр. 3609

المسلمون والعالم كامب ديفيد وتكريس الهيمنة اليهودية البروتستانتية على العالم الإسلامي حسن الرشيدي «إن هذه المفاوضات تمس جوهر هوية كل من الطرفين» . هذه العبارة كانت جزءاً من رسالة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في دعوته لرئيس وزراء إسرائيل باراك ورئيس السلطة الفلسطينية عرفات لحضور قمة كامب ديفيد الثانية، وما لم يذكره كلينتون عن تأثير المفاوضات ليس على هوية طرفيها العربي واليهودي فقط ولكن لها تأثيرها أيضا على هوية الطرف الأمريكي. فكثيرون ينظرون إلى جوهر هذه القضية باعتبارها أرضاً محتلة وشعباً مشرداً ومستوطنات ومعتقلين، ولكن النظرة العقيدية لهذه القضية هي أخطر من ذلك بكثير ؛ فهي معركة من سلسلة معارك متواصلة منذ أن خلق الله هذه الأرض، معركة بين الباطل والحق، بين الكفر والإيمان، بين فئة نعرف جيداً أوصافها وخصائصها وتفاصيل علوها في الأرض وطبيعته، ونعرف أيضاً طبيعة المعركة بيننا وبينهم وإلى ماذا تنتهي؛ بيَّنها لنا مالك الملك في كتابه وفسَّرها نبينا ﷺ في سنته. ولمحاولة فهم ما يدور في أروقة كامب ديفيد من مخططات ومشاريع يجب علينا استنباط المشروع الرئيس الذي ينبثق منه ما بعده. ونقصد بالمشروع: المخطط البروتستانتي اليهودي للهيمنة، والذي بدأت خلفياته تظهر على مسرح الأحداث منذ ما يقرب من مائة عام. وإن كانت بداياته قبل ذلك بكثير. ففي القرن السادس عشر ظهر المذهب البروتستانتي على يد مارتن لوثر الذي دعا إلى وجوب إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون الخضوع لفهم رجال الدين له، وفي ظل هذا المذهب ازداد الاهتمام بالعهد القديم (التوراة) تحت شعار العودة إلى الكتاب المقدس باعتباره مصدر العقيدة النقية؛ وبذلك أصبح البروتستانت مهيئين للاعتقاد بما ورد في العهد القديم وخاصة ما يتعلق منها بوجود اليهود في فلسطين باعتبارها وطنهم الذي أخرجوا منه والذي يجب أن يعودوا إليه طبقاً للنبوءات الواردة في العهد القديم. وهكذا مع انبعاث التاريخ القديم بكل تفاصيله وحكاياته التوراتية تحولت فلسطين في الضمير البروتستانتي من الأرض المقدسة للمسيحيين إلى أرض الشعب المختار مما أيقظ قضية انبعاث اليهود وعودتهم الجماعية إلى فلسطين؛ حيث يظهر المسيح للمرة الثانية، ويحكم لألف عام. وقد آمن بعض البروتستانت بضرورة اعتناق اليهود للمسيحية تمهيداً لقدوم المسيح، وآمن بعض آخر بإمكان تحولهم هذا بعد قدومه. جرت أول المحاولات البروتستانتية لإرجاع اليهود إلى فلسطين عام ١٦٢٨م؛ حيث أسس عالم اللاهوت توماس بريتمان حركة العودة بين البروتستانت تنطلق من إيمان النصارى بعودة اليهود إلى فلسطين، وبعد ذلك توالت المحاولات البروتستانتية لتأسيس حركات شعبية تنطلق من الفكرة ذاتها حتى كان القرن التاسع عشر حين تم الربط لأول مرة بين الأفكار العقدية مع السياسة البريطانية، ومنذ ذلك الحين بدأ ما وصفه دافيد بولك بـ «الاتحاد العجيب بين السياسة الإمبراطورية ونوع من الصهيونية المسيحية» ؛ ففي عام ١٨٣٩م تلقى بالمستون وزير خارجية بريطانيا مذكرة من هنري آسن سكرتير البحرية البريطانية موجهة إلى كل دول شمال أوروبا وأمريكا البروتستانتية تطالب حكام هذه الدول بأن يقتدوا بقورش، وينفذوا إرادة الله عن طريق السماح لليهود بالعودة إلى فلسطين، وقد قام بالمستون برفع المذكرة إلى الملكة فكتوريا، وبذلك بدا أن البروتستانت لا يتوانون عن عقد اللقاءات وطرح المشاريع على رجال الدولة والقيام برحلات استكشافية لدراسة فلسطين وتهيئتها لعودة اليهود إليها؛ في حين أن اليهود أنفسهم في ذلك الوقت كانوا آخر من يفكر في هذا الأمر؛ حيث كانوا يعتقدون أن المسيح سوف يجيء ويحررهم ويذهب بهم إلى الأرض المقدسة بمعجزة إلهية، ولكن مع ستينيات القرن التاسع عشر بدأت تتغير نظرة اليهود إلى وجوب عودتهم لأرض الميعاد لضمان نزول المسيح في معتقدهم. هذه أهم ملامح المشروع اليهودي البروتستانتي التي تكونت وتبلورت عبر حوالي ثلاثة قرون؛ وكان البروتستانت كما بينا هم السباقين إلى طرحه، ويبقى السؤال الأهم وهو: كيف تحقق هذا المشروع على أرض الواقع، ووصل إلى ما وصل إليه الآن؟ أو ما هي آليات تنفيذه؟ لا شك أن تنفيذ هذا الحلم تم عبر مراحل طويلة: المرحلة الأولى: التحضير والدور البريطاني: وقوامه: طرح موضوع الدولة اليهودية على الصعيد العالمي، وتشجيع الهجرة؛ وبناء الجيش العبراني، وتهيئة جميع الظروف لإعلان دولة إسرائيل. تبدأ هذه المرحلة مع مطلع سنة ١٨٩٧م وعقد المؤتمر اليهودي الأول بزعامة هرتزل في بازل بسويسرا بعد أن وجدت الحركة اليهودية كافة الأمور قد تم تمهيدها من قِبَل البروتستانت الإنجليز، ولم يكن مطلوباً منها سوى تبني هذه الدعوة نيابة عن اليهود في كل مكان، والعمل على استغلال كافة العوامل العقائدية والسياسية والاقتصادية؛ بالإضافة إلى المتغيرات الدولية لصالحها، وقد برز عامل مهم بالإضافة إلى العوامل السابقة ألا وهو: قلق حكومات الغرب من هجرة يهود أوروبا الشرقية فراراً من الاضطهاد. حينئذ اقترح هرتزل توجيه اليهود للهجرة إلى وطن يتم الاعتراف به قانونياً وطناً يهودياً؛ وبما أن فلسطين في هذه الفترة كانت خاضعة للسيطرة التركية فلم يكن في مقدور الحكومة البريطانية إعطاء أي التزام للحركة اليهودية تجاه فلسطين؛ ولكن حين سمحت الفرصة خلال الحرب العالمية الأولى باستيلائها على فلسطين عام ١٩١٧م أصدر اللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني حينئذ وعده الذي ينص على إعطاء اليهود وطناً قومياً في فلسطين. ويصف السير رونالد ستوز في كتابه: (استشراقات) الصدى الذي لقيه صدور الوعد بقوله: «لقي الوعد صدى رائعاً واستحساناً في الصحافة؛ يضاف إلى ذلك ما حظي به من التأييد العام والكبير لدى آلاف الكهنة الإنجليكانيين والقساوسة البروتستانت وغيرهم من الرجال المتدينين في سائر أنحاء الكرة الغربية» ؛ وقد علق هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني على ذلك الوعد قائلاً: «هناك عطف واسع الانتشار وعميق الجذور في العالم البروتستانتي على فكرة إرجاع الشعب العبراني إلى الأرض التي أعطيت ميراثاً له، وهناك اهتمام شديد بتحقيق النبوءات التي توقعت ذلك مسبقاً» . بعد صدور وعد بلفور سعت بريطانيا جاهدة للحصول على موافقة الحلفاء لإخضاع فلسطين للانتداب البريطاني، وقد تم ذلك؛ ففي إبريل ١٩٢٠م وافق المجلس الأعلى للدول المتحالفة في سان ريمو على أن يوكل للحكومة البريطانية مهمة الانتداب على فلسطين، وتم لها قانونياً عام ١٩٢٣م عندما وقعت تركيا أتاتورك معاهدة لوزان. وهكذا حصلت بريطانيا على ما تريد لتحقيق الحلم اليهودي عن طريق وضع فلسطين تحت الانتداب الذي تم في ظله فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، ومكنت سلطات الانتداب اليهود من شراء الأراضي وتأسيس نواة الجيش الإسرائيلي وحتى في بعض الحالات التي وجدت فيها الحكومة البريطانية أن بعض المسؤولين يقفون حائلاً أمام سرعة تنفيذ المشروع كما تريد قامت بإبعادهم كما فعلت مع الجنرال بولز الحاكم العسكري لفلسطين في بداية الانتداب؛ فقد قدم بولز لحكومته توصيات طالبها فيها بانتهاج سياسة عادلة تجاه السكان العرب، فسارعت السلطات البريطانية بإقالته وتعيين هربرت صمويل البروتستانتي المتعصب الذي ملأ الدوائر الحكومية بالموظفين اليهود، واعتمد اللغة العبرية لغةً رسمية في فلسطين، وأمر بإطلاق سراح الزعيم اليهودي جابوتنسكي الذي كأنت السلطات التي قبله قد حكمت عليه بالسجن ١٥ عاماً، وأطلق صمويل يد الضباط البريطانيين لتقديم المساعدات للمنظمات العسكرية اليهودية في الوقت الذي منع فيه السلاح عن العرب، وكان أشهر هؤلاء الضباط الكابتن وينجيت؛ حيث كان ينظر إلى المساعدة التي يقدمها لليهود أنها واجب ديني مفروض عليه أن يؤديه. ويقول عنه موشي ديان: «كان وينجت يؤمن إيماناً لا يتزعزع بالتوراة. قبل أن ينطلق في مهمته كان يقرأ في التوراة المقطع الذي يتحدث عن المنطقة التي سيسلكها فيجد فيه ضماناً لانتصارنا؛ انتصار إله يهوذا» . لقد قدمت بريطانيا الأساس الذي أكمله من بعدُ الآخرون. تقول دائرة المعارف البريطانية: «إن الاهتمام بعودة اليهود إلى فلسطين قد بقي حياً في الأذهان بفعل النصارى المتدينين وعلى الأخص في بريطانيا التي كان اهتمامها أكثر من اهتمام اليهود أنفسهم» . ويقول حاييم وايزمان أول رئيس لدولة إسرائيل: «للمرء أن يسأل: ما هي أسباب حماسة الإنجليز لمساعدة اليهود وشدة عطفهم على أماني اليهود في فلسطين؟ والجواب على ذلك: أن الإنجليز هم أشد الناس تأثراً بالتوراة، وتديُّن الإنجليز هو الذي يساعدنا في تحقيق آمالنا؛ لأن الإنجليزي المتدين يؤمن بما جاء في التوراة من وجوب عودة اليهود إلى فلسطين، وقد قدمت الكنيسة الإنجليزية في هذه الناحية أكبر المساعدات» . المرحلة الثانية: إقامة القلعة ومركز السيطرة: «إننا في حلف دائم وراسخ وغير قابل للفصم مع دولة إسرائيل» هذه العبارة رددها شولتز وزير الخارجية الأمريكي عام ١٩٨٥م؛ فأمريكا مثلها مثل بريطانيا ذات أغلبية بروتستانتية تغلغلت في تفكير مواطنيها الأفكار والنبوءات التوراتية الخاصة بعودة اليهود إلى فلسطين باعتبارها مقدمة لعودة المسيح؛ ولكن هناك عامل إضافي زاد من التعاطف الأمريكي مع اليهود ألا وهو الربط بين تجاربهم السابقة في الفرار من الاضطهاد في أوروبا وإنجلترا والصعاب التي واجهوها في الأرض الجديدة والأعمال الوحشية التي فعلوها ضد السكان الأصليين وبين اليهود؛ حيث خاضوا مثلهم تجربة الاضطهاد وقام اليهود مثلهم بأعمال وانتهاكات ضد العرب تحت دافع العامل العقدي، وهذا يفسر ما كتبه هيرمان ملفيل متحدثاً عن الشعب الأمريكي: نحن الأمريكيين شعب خاص، شعب مختار، وإسرائيل العصر الحاضر. وتوالى على أمريكا الرؤساء وكلهم متفقون على الدعم اليهودي مدفوعون بخلفياتهم البروتستانتية؛ فالرئيس توماس جيفرسون واضع وثيقة استقلال أمريكا يقترح بأن يمثل رمز الولايات المتحدة على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار غيمة وفي الليل عمود من النار كما ورد في التوراة. وفي عام ١٨١٨م بعث الرئيس الأمريكي جون آدمز برسالة إلى الصحفي اليهودي مردخاي مانوي عبر فيها عن أمنيته في أن يعود إلى جوديا يهودا لتصبح أمة مستقلة؛ ولقد لعب الرئيس ويلسون دوراً رئيساً في صدور وعد بلفور؛ حيث شارك في الاتصالات التي سبقت صدور الوعد وكان يقول: «إن ربيب بيت المقدس (يقصد نفسه) ينبغي أن يكون قادراً على المساعدة في إعادة الأرض المقدسة إلى أهلها» . وفي عام ١٩٢٢م اتخذ الكونجرس الأمريكي قراراً وقَّع عليه الرئيس هاردنج جاء فيه: إن الاعتراف بوطن قومي لليهود أعطى بني إسرائيل الفرصة التي حرموا منها منذ أمد بعيد لإعادة إقامة حياة وثقافة يهوديتين مثمرتين في الأراضي اليهودية القديمة طوال الفترة السابقة. ولم يكن الدور الأمريكي الرسمي يزيد عن التعاطف والتأييد المالي والمعنوي تاركاً المهمة لبريطانيا التي كانت في تلك الفترة القوة المهيمنة على المعسكر الغربي، ولكن منذ أربعينيات هذا القرن بدأ مركز الثقل في المعسكر الغربي ينتقل إلى الولايات المتحدة؛ وبذلك انتقلت قيادة المشروع البروتستانتي اليهودي إليها. وعندما تولى ترومان رئاسة الولايات المتحدة أصدر بياناً بادر فيه إلى المطالبة بإدخال مائة ألف يهودي إلى فلسطين فوراً كما أوصى بتطبيق خطة التقسيم التي اقترحتها عليه الوكالة اليهودية، ولعب ترومان دوراً حاسماً أثناء حرب ١٩٤٨م؛ حيث عمل على استصدار قرار من مجلس الأمن بإعلان الهدنة بين القوات المتحاربة حين كانت الجيوش العربية لها الغلبة، وعمل على إعادة تسليح العصابات اليهودية فنجحت في إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية. وفي عام ١٩٦٧م كانت المحطة الثانية للمشروع اليهودي البروتستانتي في تلك المرحلة؛ حيث تولى جونسون الرئاسة الأمريكية وفي عهده حصلت إسرائيل على صفقات كبيرة من الأسلحة الهجومية والمعدات اللازمة للحرب الإلكترونية التي تمكنت إسرائيل بفضلها من هزيمة الجيوش العربية والاستيلاء على أراض شاسعة تفوق مساحة إسرائيل عدة مرات. ويقول جونسون في تصريح أدلى به أمام جمعية أبناء العهد: إن بعضكم إن لم يكن كلكم لديكم روابط عميقة بأرض إسرائيل مثلي تماماً؛ لأن إيماني المسيحي ينبع منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي تماماً مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث من أجل الخلاص من القهر والاضطهاد. لقد كان انتصار إسرائيل في حرب عام ١٩٦٧م علامة فارقة في المشروع البروتستانتي اليهودي؛ إذ إنه كان بمثابة نهاية التمدد على الأرض لهذا المشروع بالنسبة للشق اليهودي. أما الشق الآخر البروتستانتي فقد جاء بجيوشه ليهيمن عسكرياً على المنطقة في حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م. وفي النصف الثاني من السبعينيات وصل إلى الرئاسة الأمريكية جيمي كارتر الذي قام بجهد غير عادي لدعم إسرائيل تم تتويجه بتوقيع أول معاهدة سلام مع دولة عربية وهي مصر وقد علل كارتر أسباب تأييده المطلق لإسرائيل؛ حيث قال: إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة. لقد كانت وما زالت علاقة فريدة لا يمكن تقويضها؛ لأنها متأصلة في وجدان الشعب الأمريكي نفسه وأخلاقه وديانته ومعتقداته. وفي مرة أخرى أوضح الأمر أكثر قائلاً: إنه بوصفه مسيحياً مؤمناً بالله يؤمن أيضاً بأن هناك أمراً إلهياً بإنشاء دولة إسرائيل. ولقد بدا المفهوم العقدي واضحاً أكثر في شخصية الرئيس رونالد ريجان الذي صرح مرة: بأنه كان يشعر عند الانتخابات الأمريكية بأن المسيح يأخذ بيده، وأنه سوف ينجح ليقود معركة الهرماجيدون التي اعتقد أنها ستقع خلال الجيل الحالي في منطقة الشرق الأوسط، ويبدو أن ريجان كان مؤمناً بحدوث تلك المعركة في القريب العاجل؛ حيث قال مخاطباً المدير التنفيذي للمنظمة الصهيونية (إيباك) : حينما أتطلع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم وإلى العلامات المنبئة بمعركة هرماجيدون أجد نفسي متسائلاً عما إذا كنا الجيل الذي سيرى ذلك لاحقاً؟ ولا أدري إذا كنت قد لاحظت مؤخراً أياً من هذه النبوءات، ولكن صدقني أنها تنطبق على زماننا الذي نعيش فيه. وجاء بيل كلينتون إلى الرئاسة الأمريكية وكان قد زار إسرائيل عام ١٩٨١م؛ حيث وصف بنفسه هذه الزيارة بأنه تأثر بها كثيراً، وكانت زيارة دينية أكثر منها سياسية، كما أنه تأثر كثيراً بقصة موت أحد رجال الدين المسيحيين كان قد مات مؤخراً، وتحدث إليه طويلاً قبل ذلك؛ حيث قال له ذلك القس: إنه يأمل في أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، وأنه يجب عليه أيضاً أن يحافظ على إسرائيل. المرحلة الثالثة: مرحلة التسوية السياسية والانتقال من مفهوم الهيمنة القائمة على السيطرة على الأراضي والحدود في البلدان العربية إلى مفهوم السيطرة الكيفية والاستراتيجية. فالبروفيسور شيمون شامير الذي عمل سفيراً لإسرائيل في مصر قال في محاضرة له: «ينظر الإسرائيليون للسلام على أنه التحقيق النهائي للرؤية الصهيونية» . فمع اقتراب السبعينيات من نهايتها فإن ثمة بدايات مرحلة جديدة قد أخذت في التشكل؛ ومما يؤكد هذا الاتجاه ما كشفته وثيقة أمريكية كانت قد صدرت عام ١٩٧٩م كُشف عنها النقاب مؤخراً وهي من وضع عدة وزارات وجامعات ومعاهد بحثية عليا. تتحدث الوثيقة عن تصور للشرق الأوسط يهدف إلى إقامة تعاون بين دول المنطقة يقف في وجه أي مشروع قومي أو ديني، ويتولى الدعوة لهذا المشروع المثقفون العرب وفي الجانب التنفيذي تطرح الوثيقة صيغة تفرض إسرائيل شريكاً في كل موارد الشرق الأوسط مع دوله وشعوبه. ولم تأخذ هذه المرحلة الشكل النهائي إلا بانتهاء حرب الخليج الثانية وسقوط الاتحاد السوفييتي وتزعُّم أمريكا نظاماً عالمياً جديداً تحتل فيه مكان الصدارة والهيمنة؛ ولذلك نجد أن أول ما قام به بوش بعد أن استتب له الوضع في الخليج أن سعى إلى تفعيل ما يسمى بالعملية السلمية في المنطقة. إن هدف هذه المرحلة هو إحداث تغيير على الجانب العربي؛ هذا التغيير يبدأ بضرورة تقبل إسرائيل ليس باعتبارها دولة فقط؛ بل يتعين قبولها بأساسها الديني ويمتد إلى تغيير معتقدات العرب السياسية، ويمر عبر إعادة صياغة شبكة العلاقات العربية مع القوة المهيمنة وهي التحالف اليهودي البروتستانتي، وأي اعتراف بإسرائيل بوصفها دولة فقط بدون التسليم بأساسها الديني لهو تكتيك، وليس خياراً استراتيجياً. ويرى كاتب مثل ألوف هارايفن أن هناك عدة عوامل تساعد على تحقيق السلام في المنطقة: قوة إسرائيل الاستراتيجية، وعزل العناصر غير المستقرة (يقصد بها العناصر الإسلامية التي تعيق هذا المشروع) وتدخل وتأثير الولايات المتحدة. ويقول جولد مان رئيس المؤتمر اليهودي: إن إسرائيل التي تمثل الآن ما يقرب من ١% من مساحة العالم العربي عن طريق الحرب وسلاح المواجهة الساخنة يمكنها أن تحتل مساحة العالم العربي بأسره عن طريق السلام والتعاون الاقتصادي. وفي السياق ذاته يمكن فهم مبادرة الملياردير الصهيوني روتشيلد بإنشاء معهد قرب جنيف بعد حرب ١٩٦٧م أطلق عليه اسم: «معهد من أجل السلام في الشرق الأوسط» بهدف دراسة احتمالات التطور الاقتصادي بالشرق الأوسط بعد تسوية الموقف وإنهاء حالة الحرب والبحث عن وسائل إقامة علاقات تجارية بين دول المنطقة أي بين إسرائيل وجاراتها العربيات. والانسحاب الإسرائيلي الأخير من لبنان ما هو إلا تكريس لهذه السياسة أي الانسحاب من الأرض وترك إدارتها للعملاء مع ضمان الهيمنة والنفوذ. وهكذا فإن هدف المشروع البروتستانتي اليهودي كان وسيظل دائماً وأبداً الهيمنة بالسلام؛ فالقتال أو السلام بشروطهم مجرد أداتين فقط أيهما تفد المشروع الصهيوني في إنجاز هدفه الاستراتيجي يكن لها الأولوية. وقبل حرب ١٩٦٧م وفي أعقابها كانت إسرائيل تتناول أحاديث السلام كثيراً ولكن وفق مفهوم خاص ينبني على أساس إنشاء شبكة متعددة من التفاعلات الاجتماعية، والاقتصادية، والاستراتيجية قبل الوصول إلى اتفاق بالتسوية السلمية؛ ففي مؤتمر جنيف ١٩٧٤م على سبيل المثال أعلن أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلي حينذاك أن السلام لا يعني وقف إطلاق النار، وأن الضمان الحقيقي للسلام هو إقامة مصالح مشتركة بين العرب وإسرائيل تتسم بالتنوع والكثافة. وعقب مبادرة السادات وزيارته للقدس، وبالرغم من إعلان إسرائيل المسبق عن استعدادها للانسحاب من كل سيناء مقابل إحراز اتفاق سلام مع مصر وقد أثبتت وثائق كُشِفَ النقاب عنها مؤخراً أن هذا العرض قائم في أعقاب حرب ١٩٦٧م إلا أنه عندما بدأت مباحثات السلام مع مصر أخذ الإسرائيليون يدَّعون أهمية سيناء الحيوية بالنسبة لهم، وكان هذا يخدم هدف الحصول على أكبر كَمٍّ ممكن من الامتيازات في سيناء خاصة تلك التي تتعلق بالبترول، وكان للإسرائيليين ما أرادو! ؛ فعندما جاء الوقت لينسحبوا من سيناء كانوا قد ضمنوا التمتع بأهم مواردها: البترول، وحرية الملاحة. ومن ناحية أخرى عمدت إسرائيل إلى التقليل من الأهمية الاستراتيجية لسيناء كثمن لتحقيق السلام مع مصر واتخاذ ذلك خطوة لفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية على العالم العربي، وقد كشف إسرائيل شاحاك رئيس رابطة حقوق الإنسان الإسرائيلية عن هدف المخطط الصهيوني بقوله: «إن السيطرة على الشرق الأوسط هدف كل السياسات الإسرائيلية، وإن هذا الهدف مشترك بين كل الحمائم والصقور على السواء، وإن كان الاختلاف بينهم على الوسيلة: بالاحتلال أم بالسيطرة الاقتصادية؟» . وهو المعنى نفسه الذي ذهب إليه شيمون بيريز عندما قال: إن إسرائيل تواجه خياراً حاداً: فإما أن تكون إسرائيل الكبرى اعتماداً على عدد الفلسطينيين الذين تحكمهم، أو أن تكون إسرائيل الكبرى اعتماداً على حجم السوق التى تحت تصرفها. وقدم إيجال آلون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي مشروعاً من تسع نقاط نصت النقطة الخامسة منه على إقامة إطار حكم ذاتي في المناطق التي لن تكون تحت السيادة الإسرائيلية، ويمكن أن يكون في إطار الحكم الذاتي مرتبطاً بإسرائيل، ويمكن أن يتمثل هذا الارتباط بوجود إطار اقتصادي مشترك، ومعاهدة دفاع مشترك، وتعاون تقني وعلمي، واتفاقات ثقافية، وإيجاد حل مشترك لتوطين لاجئي قطاع غزة في الضفة الغربية. ومن الواضح أنه سيترتب على الحكومة يقصد حكومة إسرائيل أن تبادر إلى إعداد خطة عامة وشاملة وبعيدة المدى لحل مشكلة اللاجئين التي هي مشكلة مؤلمة وغير قابلة لحل كامل إلا على أساس تعاون إقليمي يتمتع بمساعدات دولية. ويمكن القول دون مبالغة إن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي في اتفاق غزة أريحا تضمنت العديد من أفكار آلون، ويجب ألا ينظر إلى الأمر على أنه توارد أفكار، ولكنها الاستراتيجية التي تربط كل التحركات التكتيكية المتتابعة وصولاً إلى الأهداف الأساسية للمشروع البروتستانتي اليهودي. وعند استعراض مبادرات التسوية السياسية السابقة منذ كامب ديفيد الأولى وحتى كامب ديفيد الثانية نجد أنها تؤكد على الحقائق الآتية: - الحلول الجزئية هي الأصل في قيام هذه التسويات وليست الحلول الشاملة لمختلف جوانب الصراع وقضاياه. - أن المطلوب من الحكومات العربية في هذه القضايا ليس الاعتراف فقط بإسرائيل؛ ولكن الرضوخ لأي مخططات في المنطقة لخدمة أهداف المشروع البروتستانتي اليهودي، وسحق أي محاولات من جانب الشعوب العربية في الوقوف في وجه هذه المخططات. - أنه وفقاً للمشروع الذي تحدثنا عن أبعاده في السابق لا نستطيع أن نقول إن هناك ثلاثة أطراف في هذه المفاوضات؛ بل هناك طرفان: الطرف العربي، والطرف اليهودي البروتستانتي. - أن هناك دائماً وجهين للتعامل مع ما تم الاتفاق بشأنه: وجه زائف أمام وسائل الإعلام يتم فيه استخدام الألفاظ والتعبيرات التي تساعد على تخدير الشعوب، ووجه سري وهو الوجه الحقيقي الذي لا يعلن عنه وهو الذي يتم تنفيذه وغالباً ما يتم الاتفاق بشأنه عبر القنوات السرية. والمؤتمرات العلنية ما هي إلا التكريس لما تم الاتفاق عليه، حتى إن كاتباً سياسياً علمانيا كبيراً مثل محمد حسنين هيكل يشكو من ظاهرة تعمد إخفاء المعلومات وبما يدور في كواليس السياسة العالمية ودهاليز الحكام العرب والمتعلق منها بالشرق الأوسط والأمة العربية، وهو من هو من خبرة طويلة في السياسة سواء على مستوى الممارسة أو على مستوى جمع المعلومات والتحليل الثاقب البعيد النظر، أو على مستوى الصلات الشخصية بكثير من الشخصيات السياسية المؤثرة: العربية منها أو الأجنبية. - أن توازن القوى بين الأطراف يكاد يكون منعدماً: بين طرف يملك أرقى التجهيزات العسكرية وأرقى التكنولوجيا التي أسقطت من قبلُ الإمبراطورية السوفييتية من غير أن يطلق طلقة واحدة وتسعى بمختلف السبل ألاَّ يملك الطرف الآخر إلا الفتات من المعدات والأسلحة. - أنه في ظل الهيمنة لأصحاب المشروع ونعني بالهيمنة العسكرية منها والاقتصادية والثقافية والتعليمية والإعلامية ... فلا معنى لأي مكاسب على الأرض يحرزها الطرف الآخر ويصبح الحديث عن نفوذ فلسطيني على القدس أو جزء منها أو على أي شبر من الأراضي المحتلة أو حتى الدولة الفلسطينية لا قيمة له. - أن الحكومات العربية وبالأخص السلطة الفلسطينية لا يمكن اعتبارها أطرافاً تعبر عن الشعوب العربية لأسباب عديدة منها أن ولاءها الفكري للغرب؛ حيث إنها ربيبته وصنيعته، كما أن أغلب أفرادها والمعبرين عنها اشتهر عنهم العمالة المباشرة لأطراف المشروع حتى إنه أثناء مؤتمر كامب ديفيد الأخير استدعى باراك رئيس مخابراته ومع وجود رئيس وكالة المخابرات الأمريكية؛ فإن مشاركة هؤلاء لتذكير المسؤولين العرب بماضيهم في العمالة فلا معنى لتشددهم إذن. وفي الإطار نفسه ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في٢٥/٧/٢٠٠٠م أن الأمريكيين قاموا بإرسال مبارك إلى بعض العرب من أجل أن ينضموا إليه في السماح لعرفات بالتنازل عن القدس. - سحق أي مقاومة محتملة للمشروع وخاصة من جانب الإسلام؛ لأنه هو القوة الوحيدة التي تعرف أصل المعركة والطبيعة الحقيقية للقضية وأنه صراع عقيدة. لقد شهدت الفترة الماضية قمعاً شديداً وتنسيقاً هائلاً بين أجهزة الاستخبارات في الدول العربية وأمريكا، وحتى العالمية لمحاصرة أي صوت وأي تجمُّع يُعرف عنه انتماؤه للصحوة الإسلامية وخنقه. ولنا أن نتخيل أو نتصور تسويات سلمية أو كما يسمونه سلاماً يقام على هذه الأسس. فهذه هي مقدمات مؤتمر كامب ديفيد؛ ومن المعلوم أن المقدمات تسبق النتائج، فكان لا بد من ذكر الحقائق أو المقدمات السابقة إذا أردنا أن نتعرف على نتائج أو ما تسفر عنه هذه القمة. المراجع: ١- الشرق الأوسط الجديد: سيناريو الهيمنة الإسرائيلية، علاء عبد الوهاب، سينا للنشر. ٢ -الشرق الأوسط: مخطط أمريكي صهيوني أعمال ندوة مقاومة التطبيع تحرير حلمي شعراوي، مكتبة مدبولي. ٣ - الصليبيون الجدد (الحملة الثامنة) يوسف العاصي الطويل مكتبة المدبولي. ٤ - الاستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية محسن عوض مركز دراسات الوحدة العربية.

стр. 3610

المسلمون والعالم التعليم الإسلامي في إرتيريا الواقع والتحديات نايب صالح «اقرأ» كانت أول كلمة تلقاها رسول الله ﷺ من عند ربه؛ فكانت هذه الكلمة دعوة صريحة لهذه الأمة أن تبني كيانها وهويتها على العلم والمعرفة: العلم بالله قبل كل شيء، ثم تأتي بقية العلوم تباعاً حسب أهميتها وحاجة الناس إليها. وقد أبان الله أفضلية العلماء على غيرهم من الناس بقوله: [هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٩) ، ورغَّب الرسول ﷺ في تلقي العلم فقال: «وإن الملائكة لتضع أجنحها لطالب العلم رضاً بما يصنع» [١] وخص بالخيرية من تفقه في الدين خاصة فقال ﷺ : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» [٢] . ولا خلاف بين الناس في ضرورة العلم عامة وأهميته في نهضة الأمم، وبناء الحضارات، وتنمية المجتمعات وتطويرها نحو مستقبل مشرق. وللتعليم الإسلامي على وجه الخصوص مهمة عظيمة في نشر الدعوة الإسلامية وتوسيع رقعتها بشرياً وجغرافياً، والارتقاء بها نحو الأفضل، وتعد دُور العلم «المنطلق الأول لبشائر الطلائع الإسلامية التي تتحرك نحو مستقبل باسم وغدٍ مجيد تبني للإسلام صرحاً عريضاً شامخاً يحقق الآمال المرجوة منه والأماني المعقودة عليه» [٣] . التعليم الإسلامي في إرتيريا قبل الاستقلال: تمثل فترة ما قبل خروج الاحتلال الإثيوبي من إرتيريا وتولي الحكم من قِبَل الجبهة الشعبية في إرتيريا وإعلانه الاستقلال قبل عشر سنوات تقريباً فترة زمنية لها طابعها الخاص والمميز على وضع التعليم الإسلامي في إرتيريا. ولما كان التعليم الإسلامي يشمل الدروس التي تلقى في المساجد، وما يتعلمه الصبيان في الكتّاب من القرآن الكريم وبعض مبادئ الدين الإسلامي فلا بد من القول إن هذا النوع من التعليم رافق بداية دخول الإسلام في إرتيريا، إلا أن أول مدرسة نظامية أقيمت في إرتيريا على الإطلاق يعود تاريخها إلى عام ١٢٨٣ هـ الموافق ١٨٧٠م عندما قامت الخديوية المصرية التابعة للسلطنة العثمانية بإنشاء مدرسة طوالوت الابتدائية في مدينة مصوَّع، ويمكن اعتبار هذه المدرسة أيضاً أول مدرسة إسلامية أقيمت على ثرى إرتيريا؛ لأنها كانت تابعة لدولة إسلامية أخرى. وبعد ذلك تعرضت إرتيريا لمجموعة من الاحتلالات الأجنبية بدءاً بالاحتلال الإيطالي، ومروراً بالانتداب البريطاني، وانتهاءاً بالاحتلال الإثيوبي. وقد كان جميع هؤلاء المحتلين لا يولي التعليم الإسلامي أي رعاية أو اهتمام، بل بالعكس من ذلك كانوا يقفون عائقاً دون استمراره ويحاولون إجهاض الجهود الرامية إلى تطويره والنهوض به، وأسباب ذلك واضحة ولا تحتاج إلى تحليل لكون المحتل غير مسلم. لذلك كانت الجهود التي بذلت لبناء التعليم الإسلامي في إرتيريا جهوداً أهلية، فردية كانت أو جماعية، ويمكن الحديث عن ثلاثة أنواع من مجالات التعليم الإسلامي في إرتيريا: أ - الكتاتيب: تعرف الكتاتيب في إرتيريا باسم الخلاوي في المنخفضات، أو القرآن في المرتفعات، وهي عبارة عن أماكن لتعليم الصبيان القرآن الكريم وبعض مبادئ الدين الإسلامي، وقد تكون في المساجد أو في غيرها من الأماكن حسب ما هو متوفر، وفي الحقيقة فإن الكتاتيب مظهر من مظاهر الحضارة الإسلامية لم تكن معروفة في العصر الجاهلي، فانتشرت بصفات متشابهة [٤] في كل بقعة وضع الإسلام فيها أقدامه، وحرص المسلمون عامة وفي إرتيريا خاصة على إرسال أبنائهم إلى هذه الكتاتيب. وتنتشر الكتاتيب في إرتيريا في المدن والقرى، وتقوم بتعليم الفتيان والفتيات على حد سواء، ولا يوجد تعداد رسمي يبين عددها بالضبط إلا أنها منتشرة بشكل جيد في جميع مناطق إرتيريا، وتعتمد على الجهد الذاتي للمعلم الذي يكون في العادة معلماً واحداً يتعاون معه الأهالي من الناحية المادية، على شكل رسوم يدفعها المتعلمون لمعلمهم. وبالرغم من أن ميزة الكتاتيب تكمن في بساطتها؛ حيث يمكن إقامتها في أي موضع دون العناء في البحث عن أماكن خاصة لإقامتها حتى إن بعض المعلمين كانوا يعلِّمون الأطفال في فناء منازلهم بوضع مظلة بسيطة تقي الصبية من حرارة الشمس. إلا أنه أيضاً يجب التنبيه إلى أن الكتاتيب في إرتيريا لم تسجل أي تطور يذكر سواء من ناحية كفاية المعلمين وتنظيم تمويلها والعمل على تقوية عطائها سواء في تحفيظ القرآن أم في إعطاء جرعات مناسبة من مبادئ الدين، إلا ما كان من مدرسة عمر بن الخطاب لتحفيظ القرآن الكريم في مدينة أسمرا التي تأسست في عام ١٤٠٥هـ = ١٩٨٤م؛ حيث ركزت على حفظ القرآن وتجويده وتعليم العلوم العربية والشرعية، والعمل على تفاعل المجتمع المحلي من خلال الدروس والمحاضرات العامة التي تلقى فيها للكبار والصغار، وقد ظهر تأثيرها الإيجابي على سلوك طلابها وسلوك المجتمع المحلي، وقد تعرضت بسبب العقيدة السلفية التي تبنتها للحرب من قِبَل بعض المبتدعة بحجة أنها تدرس دين الوهابية! ! إلا أنها استطاعت أن تتجاوز هذه المحنة وواصلت مسيرتها حتى تم إغلاقها من قِبَل نظام الجبهة الشعبية الحاكم في إرتيريا في عام ١٤١٨هـ = ١٩٩٨م. وبالرغم من اعتماد الكتاتيب في إرتيريا على الطرق البدائية وافتقادها التطوير والتحسين إلا أنه يمكن القول إنها تمكنت مما يلي: ١ - غرس أساس العلم والإيمان القابل للنماء في أنفس النشء. ٢ - تعليم الصبية قراءة الحروف العربية وكتابتها، وتحفيظهم ولو شيئاً يسيراً من القرآن يتمكنون من خلاله أداء صلواتهم على الوجه المطلوب. ٣ - إشعار أطفال المسلمين الذين يترددون على هذه الكتاتيب بتميزهم عن غيرهم من أهل الأديان الأخرى. ٤ - تمكين النشء في أهم مرحلة من عمره من العيش في بيئة مسلمة يتربى فيها على الخلق الإسلامي. ب - المعاهد الدينية: شعر المسلمون في إرتيريا أن الخلاوي القرآنية وحدها غير كافية في حفظ هويتهم الإسلامية التي كانت وما زالت تتعرض للمسخ والطمس، وأحسوا بضرورة توسيع تعليم الشرع الإسلامي على نحو منظم ومفيد، ففكروا بإنشاء المعاهد الدينية، وبدأت الفكرة الأولى بالمعهد الديني الإسلامي بمصوع في عام ١٣٦٠هـ ١٩٤٠م؛ حيث بدأ يؤدي دوره بشكل كامل بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ، ووفقاً لما جاء في قانون المعاهد الدينية رقم [٥] الذي أصدرته دار الإفتاء الإرتيرية في عام ١٣٨٥هـ = ١٩٦٥م فإن المعاهد الدينية في إرتيريا بدأت تنظم أعمالها في مبانٍ خاصة وفق النظم العصرية في التعليم في عام ١٣٦٣ هـ = ١٩٤٤م، وذلك لتحقيق الأهداف الآتية: ١ - حفظ الشريعة الإسلامية. ٢ - فهم علوم الشريعة ونشرها بين الناشئة الجديدة. ٣ - إيجاد الوعي الديني والثقافي في نفوس الناشئة. ٤ - صيانة الناشئة من وباء الجهل والعلمنة والانحراف عن المبادئ الإسلامية. ٥ - إخراج فئة يسند إليها أمر الثقافة الإسلامية والعربية وتعليمها للأجيال. وكان هذا القانون الذي وضعته دار الإفتاء الإرتيرية أول محاولة لتنظيم المعاهد الدينية وتوحيدها في إرتيريا؛ إلا أن الظروف الأمنية والسياسية لم تساعد في تطورها للأفضل، واستمرت الجهود الأهلية في إنشاء المعاهد بلا تنسيق، مع عدد محدود من المعاهد التي تشرف عليها لجان الأوقاف في المدن الرئيسة، وقد بلغ عدد المعاهد الدينية في إرتيريا كلها في فترة من الزمن ما يزيد على عشرين معهداً يتراوح عدد الدراسين فيها بين ستمائة إلى مائتي طالب وطالبة في كل معهد، وانتشرت هذه المعاهد في أغلب مدن إرتيريا، منها: أسمرا، ومصوع، وجندع، وحقات، وصنعفي، ومنصورة، وأغردات، وأفعبت، وعدي قيح، ودقمحري، وإرافلي، وطرونا، وشِعب، وزولا، ومندفرا، وعدي خوالا، ومِكَعْليلي، وأفتي، وتعد مدينة كرن الأكثر حظاً؛ حيث كان فيها حوالي سبعة معاهد. وبعد سقوط نظام الإمبراطور هلاسي لاسي الصليبي الذي كان يتعامل مع هذه المعاهد بالإهمال والتضييق عليها وجدت المعاهد الدينية في عهد الحكم الشيوعي الإثيوبي بعض الانفراج؛ حيث عمل هذا النظام على إدخال العلوم التطبيقية التي تدرس في المدارس الحكومية في هذه المعاهد، وتحمل نفقات المدرسين الذين يدرسون هذه المواد، وأذن لطلاب المعاهد بالدخول في امتحانات الشهادة الابتدائية العامة التي تعقد على مستوى الوطن، مما شجع الكثير من الأهالي على تعليم أبنائهم في هذه المعاهد لاشتمالها على العلوم الشرعية والعلوم العصرية التي يمكن أن يتلقوها في المدارس الحكومية. وقد عانت هذه المعاهد الكثير من المصاعب التي تمثلت في قلة الموارد، وضيق المباني، وضعف المدرسين، وانحصارها على المرحلة الابتدائية غالباً، واضطراب المناهج التي تدرس فيها؛ حيث تجد أن المعهد الواحد ينتقل من المنهج الأزهري إلى السوداني، وإلى السعودي. ج - المدارس العربية والإسلامية: كانت هناك مجموعة من المدارس العربية والإسلامية في إرتيريا تختلف عن المعاهد الدينية لجمعها بين العلوم العربية والشرعية والعلوم التطبيقية، وكان مما دعا إلى تأسيسها أن المدارس الحكومية التي كانت تدرس باللغة العربية في فترة الانتداب البريطاني لم تكن العلوم الدينية مدرجة في مناهجها، فاضطر العرب المقيمون في إرتيريا إلى تأسيس مدرسة خاصة باسم مدرسة الجالية العربية التي تبنت المنهج المصري، كما أسس المسلمون الإرتيريون عدداً من المدارس الإسلامية الأهلية في كل من أسمرا ومصوع وكرن، وأغلب هذه المدارس لم تستطع الاستمرار في أداء مهمتها، فتم تأميم بعضها من قِبَل الحكومة الإثيوبية وأصبحت مدارس عادية، ولم يبق من هذه المدارس العربية الإسلامية سوى مدرسة الجالية العربية التي تم تأميمها بعد الاستقلال من قِبَل نظام الجبهة الشعبية الحاكم في إرتيريا وتبديل اسمها إلى مدرسة الأمل، وألغيت منها المواد الشرعية! ! بينما ما زالت مدرسة الضياء في أسمرا تؤدي دورها حتى هذا اليوم. وبالرغم من العقبات الذاتية والخارجية التي واجهت التعليم الإسلامي في إرتيريا إلا أنه يمكن إجمال أبرز الثمار التي أثمرها في النقاط الآتية: ١ - إيجاد نخبة من المعلمين الذين يواصلون مسيرة التعليم الإسلامي في إرتيريا. ٢ - إعداد بعض القضاة الشرعيين (في الأحوال الشخصية) . ٣ - تكوين مجموعة من أئمة المساجد والخطباء والدعاة. ٤ - إبراز مجموعة من الغيورين الذين يتحملون عبء الشؤون الإسلامية العامة كلجان الأوقاف وغيرها. ٥ - تهيئة أعداد جيدة من الطلاب يمكنها الالتحاق بالجامعات العربية والإسلامية. ٦ - الإسهام في حفظ الهوية الإسلامية للشعب الإرتيري المسلم. واقع التعليم الإسلامي بعد الاستقلال: لم يمر بالتعليم الإسلامي في إرتيريا وضع أسوأ مما يمر به الآن بعد الاستقلال تحت حكم نظام الجبهة الشعبية الجائر؛ فقد أسفر هذا النظام عن وجهه الصليبي من خلال تعامله مع المؤسسات الإسلامية وفي مقدمتها مؤسسات التعليم الإسلامي، وقام بإجراءات لم يسبق أن تجرأ أي محتل على القيام بها، مما أدى إلى تقلص عدد المعاهد والدارسين فيها إلى أدنى من الربع مما كان عليه قبل الاستقلال، ومن أهم الخطوات التي قام بها هذا النظام لاختزال دور المعاهد الدينية والمدارس الإسلامية ما يلي: ١ - الزج بالدعاة ومعلمي المعاهد الدينية في غياهب السجون. ٢ - إغلاق بعض المعاهد بحجة عدم أهمية ما تقدمه في التنمية البشرية، وغيرها من الحجج الواهية من أجل تجفيف منابع الصحوة الإسلامية، وإبعاد المسلمين عن التمسك بالدين الإسلامي، وعزلهم عن الثقافة الإسلامية والعربية. ٣ - سن قانون يمنع المؤسسات الإرتيرية أياً كانت من تلقي المعونات الخارجية، إلا عبر الحكومة القائمة، وكانت المؤسسات الإغاثية والتعليمية الإسلامية هي المستهدفة من إصدار هذا القانون. ٤ - عدم الاعتراف بالشهادة التي تصدرها هذه المعاهد، أو التعاون معها بأي شكل من الأشكال، ومعاملة الطلاب الذين يدرسون فيها معاملة العاطلين عن العمل والدراسة، فيكونون عرضة للتجنيد الإجباري أكثر من غيرهم. فالمعاهد القليلة المتبقية الآن تعد معاهد صورية؛ وذلك لأنه تم إفراغها من المعلمين الأكفياء، وقلَّ عدد الطلاب الذين يدرسون فيها مقارنة بما كان عليه الحال قبل سيطرة الجبهة الشعبية على حكم البلاد والعباد، ولعل الكتاتيب هي الوحيدة التي لم يستهدفها النظام الحاكم مباشرة، ولكنها هي أيضاً تحت المراقبة والمتابعة الشديدة، وقد يكون السبب في عدم تعرضها للإغلاق استهانة النظام بدورها؛ لأنها في الغالب لا تعلِّم غير القرآن، ولا يدرك الصبي معاني كلمات القرآن التي يقرؤها، ويبدو أن النظام يسير وفق تخطيط مرحلي وأسلوب خبيث ماكر؛ بحيث تكون البداية المعاهد، وما هي إلا فترة زمنية محدودة ويأتي الدور على الكتاتيب أيضاً، وهذا ما تشير إليه الدلائل في بعض مناطق إرتيريا؛ حيث عمد النظام إلى اختطاف معلمي بعض الكتاتيب وسجنهم بحجج مختلفة حتى تبقى الخلوة بدون معلم، فتنتهي تلقائياً دون أن يأمر النظام بغلقها مباشرة. التعليم الإسلامي في معسكرات المهاجرين الإرتيريين بالسودان: كان المهاجرون الإرتيريون الذين فروا بدينهم وأبدانهم من نير الاحتلال الإثيوبي الصليبي في بداية الهجرة يلحقون أبناءهم بالكتاتيب والمدارس والمعاهد السودانية، إلا أن أعدادهم أصبحت تزداد يوماً بعد يوم فكان لزاماً عليهم أن يؤسسوا مؤسسات تعليمية تعنى بالعلوم الإسلامية في المناطق التي خصصت لهم، فأسسوا كتاتيبهم ومعاهدهم ومدارسهم بجهودهم الذاتية، وكان أول معهد ديني يقام في وسط المهاجرين في منطقة ود الحليو في عام ١٣٩٦هـ = ١٩٧٦م، وقد توالت بعد ذلك في مناطق أخرى بسبب الهجرة المتزايدة يوماً بعد يوم. وهناك نوعان من الكتاتيب في مناطق المهاجرين: أحدهما: كتاتيب عادية تقام في وسط الأحياء يحضر إليها الصبي من منزله في الفترة الصباحية والمسائية، وثانيهما: عبارة عن مراكز لتحفيظ القرآن تقام في وسط المعسكرات أو في مناطق نائية، ويلتزم فيها الدارسون بالإقامة الداخلية في هذه المراكز غالباً، ويتفرغون ليلاً ونهاراً لحفظ القرآن وتلقي بعض العلوم الشرعية، وتعتمد هذه المراكز على تبرعات المحسنين من الداخل والخارج. أما المعاهد الدينية فهي لا تختلف عن المعاهد التي في داخل إرتيريا القائمة على الجهود الخاصة. وقد أسهمت بعض المؤسسات في توسيع قاعدة التعليم الإسلامي في مناطق المهاجرين، وذلك مثل جهاز التعليم الإرتيري الذي كان تابعاً لجبهة التحرير الإرتيرية قوات التحرير الشعبية، حيث كان يشرف على أربعة معاهد دينية، ويتحمل رواتب معلمي بعض الخلاوي القرآنية، بالإضافة إلى إقراره لمادة الدين في مدارسه التي كانت تبلغ ستاً وعشرين مدرسة، وذلك قبل استسلامه للنظام الحاكم في إرتيريا. كما أسهمت بعض الجماعات والهيئات الخيرية في التعليم الإسلامي في تلك المناطق كجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان التي أسست مجموعة من المراكز والمعاهد في كل من مدينة كسلا وبعض معسكرات اللاجئين، وقد تخرج فيها عدد كبير من الإرتيريين تمكنوا من مواصلة دراساتهم الجامعية عبر منح دراسية في مختلف الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي، وهناك أيضاً مؤسسة الحرمين الخيرية في الآونة الأخيرة، وهيئة الأعمال الخيرية الإماراتية وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية وغيرها من الجمعيات الأخرى، إلا أن أهم جمعية تقوم بالجهد الكبير في هذا الصدد في الفترة الحالية هي جمعية الإحسان الخيرية. جمعية الإحسان الخيرية: وهي جمعية خيرية إسلامية تعمل في مجال الدعوة والتعليم والإغاثة في أوساط المهاجرين الإرتيريين بشرق السودان وداخل إرتيريا، تأسست عام ١٤١٤ هـ ومن أهم أهدافها نشر الإسلام، وتربية النشء على تعاليم الدين عبر إنشاء المؤسسات التعليمية المختلفة، ومن أجل تحقيق أهدافها هذه قسمت أعمالها إلى مجموعة من الشُّعَب أهمها شعبة التعليم التي تحوي قسمين: - قسم التعليم المنظم: ويشرف على مدرسة ثانوية، وثلاث مدارس ابتدائية ومتوسطة أخرى، ومعهد لإعداد حفظة القرآن، وستة معاهد للبنات. - قسم المراكز والخلاوي: ويشرف على ثلاثة وعشرين مركزاً لتحفيظ القرآن وتعليم بعض العلوم الشرعية، وقد خرَّجت هذه المراكز حوالي سبعمائة حافظ متقن، ولها أيضاً تسعة عشر مركزاً نسوياً بلغ عدد الحافظات اللواتي تخرجن فيها سبعين حافظة، كما يشرف هذا القسم على عدد من الخلاوي تربو على التسعين خلوة، ويبلغ مجموع الطلاب الذين تشرف عليهم الجمعية الآن حوالي ١٠٢٨٠ منهم ٤٨٦٠ طالبة، يقوم على تعليمهم وتربيتهم مجموعة خيرة من المعلمين والدعاة والمقرئين من خريجي الجامعات الإسلامية وغيرهم، وتكفل منهم الجمعية وحدها حوالي ٣٣٢ معلم وداعية ومقرئ. وقد أثمرت هذه الجهود بفضل الله تعالى ثمرات عظيمة يلمسها كل من عايش وضع المهاجرين الإرتيريين في السودان منذ بداية هجرتهم حتى هذا اليوم؛ حيث ترسخت العقيدة الصحيحة في نفوس النشء، والشباب، وأصبحت الآثار واضحة في سلوك أفراد المجتمع الإرتيري المسلم المهاجر في السودان ومواقفهم. ولم تتوقف جهود الجمعية على الجانب التعليمي فقط، بل تقوم بجهود دعوية، واجتماعية، ومشروعات خيرية متنوعة. إلا أن هذه الجهود ما زالت معرضة للمخاطر نظراً لاعتمادها على الزكوات والهبات والمعونات غير الثابتة التي يتبرع بها المحسنون، والمؤسسات الخيرية التي لا تؤمّن لنفسها مصادر دخل ثابتة؛ فإنها معرضة في أي لحظة لانحصار نشاطها أو الانهيار تماماً لا قدر الله وهذا ما يدعو المرء لدعوة الغيورين من أبناء الأمة الإسلامية وبخاصة القادرين منهم على أن يسهموا بإسهمات كبيرة تجعل هذه المؤسسات تعتمد على مصادر ثابتة من خلال مشاريع استثمارية أو أوقاف ثابتة يستفاد من دخلها على المدى البعيد بشكل مستمر.
следующие страницы →