ملفات
التنصير.. هل أصاب الهدف؟
(٢ - ٢)
من الظلمات إلى النور
قصة إسلام قس نصراني
أعدها للنشر:
د. عبد الرحمن الجمهور [*]
(إيفور إليويس) شاب يافع ممتلئ حيوية ونشاطاً. تلقَّى الدراسات الدينية
النصرانية على أيدي قساوسة، فنشَّأه أبوه على حب الكنيسة والعمل لها. انخرط
في الجامعة وهو يحمل الفكر النصراني، وبدأ دراسة التجارة والاقتصاد. أخذ على
عاتقه التنصير وهو على مدرجات الجامعة، وتخصص في تنصير المسلمين، أو
إخراجهم من دينهم إلى الفراغ الروحي.
ولكن مع هذه الحيوية والنشاط في تنصير الناس لم يشعر بالراحة النفسية،
مع أنه بلغ منصباً عالياً؛ حيث أصبح كبير أساقفة الكنيسة التي يعمل فيها، ومع
ذلك لم تستقم نفسه على هذا الدين، وأحس بأنه لا يشبع الروح، فجرب الهندوسية
ولم تزده إلا نفوراً، فالأسرار والطقوس الهلامية التي تؤديها الطائفة الهندوسية لا
تستقيم مع صفاء النفس وتعلقها بالله. بل إن الأفراد الذين يشركون مع الله آلهة
أخرى لا تستقيم حالهم بل يزيد هذا الشرك من حيرة الإنسان، ويملأ قلبه حيرة
ووحشة. فأيقن (إيفور) أن الهندوسية لا تصلح أيديولوجية روحية؛ فهي لا تخدم
مصالح الإنسان وحاجاته؛ لأنها تمجد إنساناً وتصنع منه آلهة مع الله؛ فجرب
الشيوعية وقراءة كتبهم ومبادئهم ولكن لم تشفِ هذه المبادئ حاجته الروحية، فشعر
بشيء من الألم يعتصر قلبه. يقول (إيفور) : إن العقيدة النصرانية لا تصلح أن
تكون ديناً عالمياً؛ فهي لا تلبي حاجة النفس ولا توازن بين الفرد والمجتمع، بل لا
توازن بين الدنيا والآخرة؛ فغالبية النصارى في العالم يشعرون بخواء روحي
ونقص في الجانب العبادي، لا لشيء، ولكن لأنهم لا يوحدون الله بالعبادة. ففي
دينهم أسرار لا يسمح للفرد العادي أن يعرفها، وهناك طبقية؛ فالسدنة غير
القساوسة، والقساوسة غير الإنسان العادي، وأنت في خضم هذا المشروع الطبقي
تنسى ربك وتتعلق بالقسيس؛ لأنه هو الذي يصفح، وهو الذي يغفر، وهو الذي
يمتلك ناصيتك من دون الله.
إن الإنسان العاقل المنصف يشعر بالخيبة وهو يقرأ التناقضات في نسخ
الإنجيل، ويشعر بالرغبة في التقيؤ وهو يقرأ القصص التي لا تصح من عامة
الناس؛ فكيف من خير البشر: «الأنبياء وأبنائهم وبناتهم وزوجاتهم» .
ومما زاد في عجبه أن المسلمين في سيريلانكا حيث ولد وترعرع يختلفون
عن المسلمين في بلاد الحرمين من حيث التطبيق والعمل للإسلام. وما رآه من
تهاون في العبادات وعدم التفريق بين ما هو حلال وما هو حرام في بلده جعله يوقن
أن الإسلام هنا له معنى خاص، وهو الإسلام الذي يخوِّف سدنة الكنيسة ويقلق
مضجعهم. ويضيف إيفور قائلاً: «إن من الأمور التي زادت في حيرته وعدم
فهمه للإسلام دور الهلال في حياة المسلم، يقول:» كنت أسمع أن الهلال الذي يعد
رمزاً للمسلمين مهمٌّ في حياتهم، وكثير ممن يشرح دور الهلال في حياة المسلم
يشبهه بالصليب عند النصارى؛ فالمسلم يصوم إذا رأى الهلال، ويفطر إذا رآه مرة
أخرى، ويصوم إذا اكتمل البدر، ويحدد مواقيت الحج بالهلال، ويوضع على
المنابر في المساجد، مما جعلني أعتقد جهلاً أن الهلال هو المعبود وليس الله
تعالى «! !
كنت أثرت موضوعاً في الكنيسة سبب لي جدلاً كبيراً، وصممت على تنفيذ
ذلك الأمر مهما كانت العواقب ومهما بلغ الثمن. طرحت فكرة الدعوة إلى
النصرانية في بلاد المسلمين وبالتحديد في بلاد الحرمين، إلا أن القساوسة ومَنْ
حولي عارضوا الأمر بشدة، وحاولوا تخويفي؛ فعقوبة مرتكب هذا الأمر الموت؛
حيث يقطع رأسه أمام الناس. أردت أن أكتشف هذا العالم المجهول، وأرى علاقة
الهلال بالمسلمين، وأرى مدى تقبلهم لعقيدة التثليث. فكرت في الأمر ملياً ورأيت
أن أقتحم هذه التجربة.
ذهبت إلى مكاتب التوظيف ووجدت وظيفة مأمور مستودع في شركة عربية
في بلاد الحرمين، لم أتردد بالقبول، وفي فترة وجيزة أنهيت وثائق السفر،
وركبت الطيارة أوائل عام ١٩٨٣م وكلي أمل في أن أمارس نشاط التنصير لأُرضي
الكنيسة، وأُثبت لهم صحة فرضيتي، ولأشعر بالرضى والزهو والفخر بقدراتي
على الإقناع. كنت أتصور أن المسلمين في هذا البلد مثل المسلمين في بلادي، لكن
الفرق شاسع والمهمة لم تكن سهلة.
لقد تغيرت نظرتي لديني ودين قومي عندما رأيت مظاهر الالتزام بهذا الدين،
فلم أعد أجد في نفسي الرغبة الجامحة للتنصير، بل أصبحت أنظر للمسلمين نظرة
إعجاب وتقدير يشوبها شيء من الاحتقار لذاتي ومعتقدي، لقد تحركت في داخلي
موجة كره لديني، وبدأ الشك يساورني مرة أخرى، وأحسست أنني لست على
الطريق المستقيم.
ومما لفت نظري تعظيم المسلمين للقرآن الكريم؛ فهم لا يلمسونه إلا إذا كانوا
متطهرين، ولا يسمحون لغير المسلم بلمسه فضلاً عن قراءته، ويطبقون بعض
الأحكام عند قراءته ويتغير صوتهم (الترتيل) عندما يقرؤونه، ويشعرون أنهم
يعظمون الله تعالى ويتعبدونه بتلاوته. مع أننا عندما نتعامل مع الإنجيل لا نقيم لهذه
الأحكام وزناً، بل لا يهمنا من يقرأ الإنجيل، وعلى أي حالة كان، بل إننا لا نقيم
له قداسة ولا تعظيماً؛ فنأخذه إلى بيت الخلاء، ونهجره، ولا نؤمن بكثير مما فيه.
فأحدث هذا الأمر شيئاً في نفسي وهزني أمر تعظيم القرآن وأوجد في نفسي رغبة
شديدة لقراءته والبحث فيه لعلِّي أجد بعضاً من المتناقضات كما هو الحال في كتابنا
المقدس. ولكن لم أعثر على نسخة مترجمة، بل لم أجد من يعيرني نسخته؛ فأنا
في نظرهم كافر لا يجوز أن ألمس القرآن. ومضت الأيام وهذه الرغبة تراودني
وفضولي يقودني للسؤال عن النسخة المترجمة معانيها من القرآن كلما سنحت
الفرصة، إلا أن الجهد ذهب سدى والأمر لم يتيسر لي بسهولة.
وذات ليلة دعاني مهندس باكستاني لتناول طعام العشاء في منزله؛ فهذه آخر
ليلة له في مدينة المجمعة؛ حيث نعمل؛ فهو سيسافر من الغد إلى أهله سفراً نهائياً
وأثناء تناول العشاء لمحت نسخة مترجمة لمعاني القرآن إلى الإنجليزية فطلبت
من المهندس الباكستاني أن يعيرني إياها، ففعل، فطرت فرحاً ولم تسعني الدنيا من
الغبطة والسرور، بل لم تعد لي شهية في الأكل أو الشرب، فقط أريد أن أتصفح
القرآن، وأعرف ماذا فيه. وبدأت فكرة البحث عن المتناقضات تتسلل إلى رأسي،
وبدأ الشيطان يسوِّل لي ويعدني ويمنيني.
خرجت من منزل المهندس وذهبت إلى بيتي، وبدأت أقرأ في النسخة
المترجمة، وأول ما قرأت: (بسم الله الرحمن الرحيم) شعرت بقشعريرة في
جسمي، لقد قرأت كل الكتب المقدسة من الإنجيل إلى التوراة إلى كتب الأديان
الأخرى ولكني لم أجد أي كتاب يبدأ باسم الله. إن للبسملة معنى استقر في قلبي؛
فأول مرة في حياتي أقرأ البسملة، اسم الله تعالى، بعده صفة يغفل عنها الكثير
(الرحمن) لقد تركت هذه الجملة في نفسي أثراً عجيباً، ودفعتني لأقرأ بتمعن وبقلب
مفتوح.
ثم دلفت إلى سورة الفاتحة، إنها ترسم ما قاله عيسى ﵇ لأصحابه
عندما أرادوا أن يعرفوا كيف يحيُّون الإله، فقال لهم أن يحمدوه ويمجدوه ويدعوه؛
وهذا ما وجدته في سورة الفاتحة التي فتحت قلبي على مصراعيه، وانهال النور
المضيء إلى قلبي، فأضاء أركان جسمي وجوانبه ... لكم أشعر بطعم السعادة،
والإيمان يملأ قلبي وأنا أقرأ كلام الله تعالى.
بعد ذلك قرأت سورة البقرة، هذه السورة العظيمة والقرآن كله عظيم: [الم
* ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ] (البقرة: ١-٢) يا للعجب هذه الآية أو
معناها أجده في الكتب المقدسة التي قرأتها، ولكن في ختام الكتاب بعد أن تنتهي
المقاطع والتعاليم الدينية والقصص والمواعظ تأتي هذه الآية أو معناها لكن في هذا
الكتاب أتت هذه الآية في أوله شامخة تعلن أن هذا الكتاب كامل وشامل لا ينقصه
شيء. يا للعجب! ! من يملك مثل هذه القدرة؟ إنه الله الواحد الأحد، أكملت
القراءة إلى أن وصلت إلى الآية الرابعة: [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ
مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ] (البقرة: ٤) ، لقد زلزلت هذه الآية ما بقي في
قلبي من ريب، وأزالت ما فيه من تساؤلات لا معنى لها. لقد جعلت قلبي ينفتح
على مصراعيه، وأعلنت بين جوانب نفسي أن هذا الدين حق، وأن الذي أنزل
القرآن هو المعبود المستحق للعبادة وحده ... لم أعد قادراً على التحمل؛ فأنا أريد
أن أمارس العبادة الصحيحة ... لقد تذكرت قول المسيح ﵇ إنه سيأتي
بعدي من يقودكم إلى الحق والهدى، فهذا هو الحق والهدى الذي بشر به عيسى
﵇.
إنني الآن مسلم، ولكن لا أحد يعرف أنني مسلم، وعليَّ أن أصلي وأمارس
الإسلام، وقبل الصلاة يجب أن أتطهر، ولكن كيف يتطهر المسلمون؟ لا أعلم.
ودخل وقت الصلاة وسمعت المؤذن ينادي للصلاة، قمت وخلعت ملابسي كلها
وغسلت جسمي، ثم دلفت نحو المسجد لأول مرة، ووقفت في الصف أقلد مَنْ على
يميني وشمالي إلى أن فرغت من الصلاة وعدت إلى بيتي وأنا أشعر بنور في قلبي،
ولأول مرة أشعر بالراحة، أول مرة أشعر بقيمة العبادة، أول مرة أشعر بطعم
الإيمان، وأخذت أكتب ما أسمع من الإمام وأحاول أن أقول مثل ما يقول، وبقيت
على هذه الحالة لمدة يومين وأنا أغتسل غسلاً كاملاً خمس مرات في اليوم الواحد،
وفي اليوم الثالث إذا بالإمام يمسكني من يدي ويبدأ يعاتبني بصوت مرتفع، فهمت
منه أنه عاتب عليَّ؛ لأنني لا أصلي في المسجد وأنا جار المسجد؛ فقد كان
مظهري وأنا ملتحٍ يوحي بأني مسلم. فأخبرته أنني مسلم جديد وأنني اعتنقت
الإسلام حديثاً ففرح بي وفرح بي الآخرون.
وبقيت على حالي أياماً عدة وأنا أغتسل قبل كل صلاة إلى أن قدم إلى مكان
عملي اثنان من خارج المدينة وكان الوقت وقت صلاة فطلبا مني أن آذن لهما
بالدخول إلى المرحاض للوضوء استعداداً للصلاة، فقلت لهما:» لا «وأرشدتهما
إلى مكان مفتوح يصلح للوضوء. وغضبا عليَّ غضباً شديداً، وإنما أردت أن تتاح
لي الفرصة لتعلُّم الوضوء بالمشاهدة، وبعد أن أتما وضوءهما، قمت وتوضأت
مثلهما، وهما في دهشة وحيرة من أمر هذا النصراني الذي يتوضأ مثلهما تماماً!
بدأت تعلُّم الواجبات وأركان الدين والعبادات، وكلما قرأت زادت محبتي لهذا
الدين، وتعلمت الكثير، ولعل أهم ما لفت نظري وجذبني لهذا الدين أنه دين شامل
وكامل يعالج جوانب كثيرة في حياة الفرد والمجتمع، ويوازن بين الدنيا والآخرة،
ويقدم للبشرية مشاريع إصلاح اقتصادية واجتماعية ونفسية.
وفي يوم من الأيام أخذني الإمام إلى مدير المعهد العلمي في مدينة المجمعة
الذي أهداني عدداً كبيراً من الكتب المترجمة باللغة الإنجليزية، وأخبرني أن لديه
مستودعاً للكتب باللغات الأجنبية، كالألمانية والفرنسية، وغيرها فأخذت هذه الكتب
وبدأت مشروع الدعوة إلى الإسلام من خلالها؛ وعلى أثر ذلك شرعت في إعداد
فريق للعمل في الدعوة إلى الله، ونجحنا ولله الحمد والمنة والفضل في هداية كثير
من الناس في منطقتنا والمناطق المجاورة، وصار شغلنا الشاغل هو الدعوة إلى الله
تعالى وسط غير المسلمين.
ومن خلال تجربتي في الدعوة للنصرانية عرفت أن المسلم المتمكن من
عقيدته العارف بالواجبات يتعذر علينا إقناعه أو خلخلة عقيدته، ذلك أن الحجج التي
نحاجُّ بها تعد من البديهيات عنده، بل أحياناً يحرجنا بإثارة نقاط مثل التثليث
وألوهية عيسى، والغفران، وأصل الخطيئة، وغيرها كثير، ولا يدخل في معتقد
النصارى إلا القليل، وهم من أولئك الذين ليس لهم حظ من العلم بالدين.
إن الدعاة إلى النصرانية في الآونة الأخيرة سلكوا مسلكاً خطيراً يتمثل في
قبولهم المسلم ليعيش بينهم، بل ويقدمون له المغريات مثل المرتب العالي والمسكن
المؤثث، بل ويسمحون للمسلمين ببناء المساجد وإقامة الشعائر الدينية، ولا
يمنعونهم من مزاولة ما يريدون تحت شعار الحرية الدينية، وهم في الحقيقة
يخططون لتنصير الجيل القادم.
فعندما يدخل المسلم في عالمهم محافظاً على دينه حريصاً على أداء ما افترضه
الله عليه فإنهم يعمدون إلى تثقيف أبنائه وبناته بالثقافة الغربية، ولا تخلو من بعض
المعتقدات النصرانية، فينشأ بين أحضانهم يراهم في الليل والنهار، ويسمع منهم،
ويقتدي بهم حتى إذا أدرك وبلغ سن الرشد سهل عليهم قيادته إلى معتقدهم، وهذا ما
تحاول الكنيسة العالمية بثه بين المنصرين وأتباعهم، وهذا ما ينطوي عليه مبدأ
النظام العالمي الجديد.
فهل نعي خطر ما يخططونه لهدم الإسلام؟ والله نسأل أن يثبتنا بالقول الثابت
في الحياة الدنيا والآخرة.
стр. 3607
الإسلام لعصرنا
هيئة الأمم
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
بما أن المسلمين أمة عظيمة من الأمم التي تسكن كرتنا الأرضية، فإنه يهمها
أن تعيش في سلام مع غيرها من الأمم، وأن تشاركها وتتعاون معها في الرقي
بالمجتمع الإنساني، وفي البحث عن حلول للمشكلات التي تواجهنا جميعاً، طبيعيةً
كانت أم سياسية أم اجتماعية. وهيئة الأمم المتحدة منبر من أحسن المنابر لتحقيق
ذلك. لكننا نرى أن استمرار هذه المنظمة في أدائها لهذه المهمة العظيمة رهين
بإقرارها لثقافات الشعوب المكونة لها، وقيمها وخصوصياتها، وأن تكون وسيلتها
للتغيير في المسائل التي تختلف فيها الثقافات والحضارات هي الحوار والتفاهم بالتي
هي أحسن، وألاَّ تتحول إلى أداة تستغلها بعض الدول أو الجماعات لفرض
معتقداتها وقيمها، وقمع المخالفين لها.
وعليه فإننا نود أن نؤكد باعتبارنا أمة إسلامية أننا لا نأخذ معتقداتنا وقيمنا من
مصادر غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن هذين المصدرين
الإسلاميين يمثلان قانوننا الأعلى الذي نحكم به على غيرهما، فنرفض ما يتناقض
معه، ونفسر في نطاقه ما نراه موافقاً له. وكما أن هذا الموقف مقتضى ديننا فهو
أيضاً مقتضى حرية الدين التي وردت في الإعلان العالمي للحقوق الإنسانية؛ إذ إن
هذه الحرية لن يكون لها معنى بالنسبة لنا إذا كان غيرنا هو الذي يفرض علينا كيف
نفهم ديننا، وماذا نأخذ منه وماذا ندع، ثم يعاقبنا إذا نحن لم نلتزم بما أَمَرَنا به!
في ضوء ما سبق نقرر رفضنا القاطع لبعض ما ورد في مقررات مؤتمر
بكين متعلقاً بالعلاقة الجنسية، ونرى فيه دعوة إلى الإباحية التي لن ينتج عنها إلا
مزيد من التفسخ الخلقي، والتفكك الأسري، وانتشار الأمراض التناسلية، وتعزيز
النزعة الفردية، وما يتبع ذلك كله من زيادة في الجريمة، وتهديد لأمن المواطنين
وسلامتهم.
لكننا نقر مع ذلك أن المرأة تعاني عالمياً من ظلم يجب أن يرفع عنها، ومن
فقر يجب أن يزال، وأن هذا إنما يكون بالتعاون بين الجنسين باعتبارهما مخلوقين
بشريين تحركهما الحجج العلمية والدوافع الخلقية. ولن يتحقق أبداً بإثارة جنس على
جنس، بل يُخشى أن تؤدي مثل هذه الإثارة إلى صراع تكون المرأة في نهايته هي
الخاسرة.
ويسرنا أن نشارك غيرنا من شعوب العالم في حل هذه المشكلات مهتدين
بديننا وتجاربنا وتاريخنا، ومستفيدين كذلك من فكر غيرنا وتجربته وتاريخه.
وعليه فإننا في مجال إزالة الفقر ندعو دول العالم وأفراده إلى أن يطبقوا
فريضة الزكاة الإسلامية، ولو فعلوا لما بقي على وجه الأرض فقير ذكراً كان أم
أنثى. كيف لا، وهي ضريبة سنوية مقدارها ٥,٢% من رأس المال، تؤخذ من
الأغنياء وتوزع على الفقراء، وأن يطبقوا المبدأ الإسلامي الذي يجعل من حق
كل إنسان أن يعيش حياة كريمة ما دام المجتمع قادراً على ذلك. ونضم صوتنا
إلى المنادين بإزالة الآثار السلبية للعولمة وما ينتج عنها من زيادة فقر الفقراء،
واستغلال عمل النساء. ونرى مع غيرنا أن مما يساعد على تخفيف الفقر عن البلاد
النامية أن ترفع عنها الفوائد الربوية على الديون التي تقترضها من الدول الغنية؛
فإن هذه الفوائد قد صارت عائقاً لهذه الأمم عن كل نمو اقتصادي.
وفي مجال التعليم نرى أن يشمل التربية الخلقية التي تغرس في المرأة
الاعتزاز بما ميزها الله به، وترضى به، ولا تحاول أن تلهث وراء تقليد الرجال
ومنافستهم فيما ميزهم الله به [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ] (النساء: ٣٢) وأن
يفهم ما يمتاز به كل من الجنسين بأنه وسيلة للتعاون بينهما، وتكميل للواحد منهما
بالآخر، وعون على بناء الأسرة واستقرارها، وتحقيق لمصلحة الأولاد.
وفي مجال الموازنة بين عمل المرأة خارج بيتها وبين واجباتها الأسرية نرى
أن يطبق المبدأ الإسلامي الذي يلزم الرجل بالنفقة على زوجه وأسرته، ويجعل ذلك
حقاً لهم، وأن تعين الدولة كل امرأة تفضل البقاء في بيتها لتربية أولادها وإعانة
زوجها. إن عمل المرأة خارج بيتها ينبغي أن يُنظَر إليه على أنه ضرورة اقتصادية
لا أمر يقتضيه تكريم المرأة واحترامها.
стр. 3608
قراءة في كتاب
التحليل السياسي محاولة للاقتراب
المؤلف: روبرت أ. دال
ترجمة: د. علا أبو زيد
تلخيص: وائل عبد الغني
أصبحت السياسة في السنوات الأخيرة أهم العناصر الفاعلة والقوية التي
تحرك الواقع البشري وتتحكم في مصيره وفق مشيئة الله بصورةٍ تجعل الإنسان لا
يسعه أن ينأى بواقعه عن دائرة تأثيرها.
والداعية باعتباره عنصراً مؤثراً لم يَعُدْ يسعه ترك الإلمام ولو إجمالاً بواقعه
المعاش.. كيف يسير؟ وماذا يُراد له؟ بنظرةٍ مبنية على قواعد وأسس موضوعية.
ويسعفنا في ذلك التحليل السياسي؛ إذ أصبح كمّاً معرفياً متميزاً في ظل
قفزات التطور الهائلة في المعرفة الإنسانية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. هذا العلم
يُكسِب المحلل والممارس مهارات ومدارك وخبرات واسعة.
وقبل أن نشرع في الاقتراب من عملية التحليل السياسي نشير إلى نقاطٍ عدة
ينبغي ألا نغفلها ونحن نطالع مثل هذه المعرفة:
١ - إن التطور الهائل في العلوم قد واكبه قدرٌ لا بأس به من التعريب، لكن
لم نشهد بعدُ جهوداً قوية في مجال الأسلمة.
٢ - قلة المحاولات التي قصدت بناء منهج إسلامي للتحليل السياسي اعتماداً
على الجهود الضخمة التي خلفها لنا علماؤنا أمثال الرازي والماوردي والجويني
وابن تيمية وابن أبي الربيع وابن خلدون، والتي كانت مادة إثراءٍ قوية انتشلت
الفكر السياسي الغربي من أسر الكهنوتية إلى سعة المنهج التجريبي والتحليلي،
والذي كان له أثره في التطور الفكري الأوروبي.
٣ - ولكن الفكر الأوروبي عموماً انفلت من أسر الكهنوتية إلى الفوضى
الفكرية والتي تشبه إلى حدٍ كبير ما يعانيه عالمنا اليوم مما ولَّد مدارس مادية تعتمد
على الوضعية والحتمية والهرطقات اليونانية الغابرة.
٤ - هذا العلم له أثره العظيم في إحياء الوعي، ورغم أنه أكاديمي إلا أنه
شهد جهوداً لتبسيطه ونقله إلى الجماهيرية في الغرب، ولكن هذا لم يحدث حتى
الآن على المستوى الإسلامي والعربي بوصفه ظاهرة علمية وثقافية؛ ولهذا كانت
هذه القراءة محاولة للاقتراب من الظاهرة السياسية على مستوى النظام السياسي
الذي تُبنى فكرته على اعتبار أن الإنسان ينزع إلى العيش في تجمعات بشرية
تضطره إلى الخضوع لأحد أشكال السلطة وإقامة علاقات مع من حوله.
والسياسة بتعبيرنا اليوم ما هي إلا نمط مستمر من العلاقات الإنسانية يتضمن
التحكم والنفوذ والقوة والسلطة، وهو ما يتتبعه المحلل السياسي؛ لأنها بمثابة البؤرة
التي تتمحور حولها العلاقات، والعمل السياسي غير متصور دون ممارسة القوة.
ويتتبع التحليل كذلك أشكال الأنظمة وكيفية بنائها وسمات التشابه والتباين،
ويحلل كذلك السلوك من حيث الدوافع والأسباب والظروف والنتائج التي تكتنف
النماذج البشرية الممارسة للسياسة مستنداً على أسسٍ ثابتة.
أسس التحليل:
تختلف الأسس التي يستند إليها التحليل طبقاً لفكر من يمارسه، والظروف
التي نشأ فيها وتأثر بها. فلو كان أمامنا خمسة تحليلات عن الوضع الأفغاني الراهن
مقدمة من خمسة محللين من باكستان وروسيا وطاجيكستان وإيران والولايات
المتحدة لظهر جلياً إلى أي حدٍّ أثَّرت النشأة والعقيدة على طريقة التحليل ونتيجته.
ويتأثر التحليل كذلك بالنظريات السياسية التي يتبناها المحلل؛ فبعض
النظريات مثلاً تقصر إطلاق مصطلح «النظام السياسي» على الأنظمة الحاكمة
التي تمتلك سلطة فعلية (الدولة الحكومة) بينما تتوسع أخرى في شمول نفس
المصطلح لأي نظام يُمارس فيه نوع من القوة: كالقبيلة، والمؤسسة، والشركة،
والمنظمة، والحزب.
حول النظام:
بالنظر إلى النظم السياسية نجد أن كل نظام يتفرع إلى أنظمة فرعية بينما هو
مندرج في نظامٍ أشمل منه، كما نجد أن الفرد قد يشكل جزءاً من أكثر من نظام؛
فأستاذ الجامعة يمثل جزءاً من النظام في جامعته، إلى جانب كونه عضواً بارزاً في
أحد الأحزاب أو يشغل منصباً حكومياً. كما نجد أنه كلما ازداد النظام تعقيداً
واستقراراً كلما أدى ذلك إلى نمو الأدوار السياسية فيه.
حوْل الحكومة:
أول ما يعني المحلل من النظام هو الحكومة؛ لا لأنها تملك القوة وحدها، بل
لأنها تدعي لنفسها الحق المطلق في تنظيم استخدام القوة. ولكن هذا الادعاء مرهون
بمدى تقبل الناس له؛ فإذا ما شك الناس في هذا الادعاء أو رفضوه فمعنى ذلك أن
الدولة تواجه خطر التحلل، وأما إذا ما قبلوه فهنا تحقق الدولة صفة الشرعية التي
تختلف عن صفةٍ أخرى هي المشروعية؛ وهي الصفة التي تكتسبها الدولة من قوتها
أو من نص الدستور.
أما شكل الحكومة فيختلف باختلاف شكل النظام وطرق اقتسام القوة فيه.
ولكن ماذا نعني بالقوة هنا؟
اصطلاحات القوة والنفوذ:
تستند العلاقات البشرية إلى عدة أسس مثل الحب، والاحترام، والولاء،
والمعتقدات المشتركة، لكن كل ذلك لا يُعنى به المحلل السياسي بالدرجة الأولى،
إنما يعنى بالقوة وأشكالها كأساس للعلاقات، وبهذا يفيدنا تحليل القوة في معرفة
عناصر التأثير وتوجهاتها.
ونعني بالقوة: (فرض مشاركة المواطن في الحياة السياسية) ، كالتحكم في
الحكومة أو التأثير فيها، وفرض تحكمه في القرارات المتعلقة بسلوكه وحياته
الشخصية.
والمواطنون متفاوتون في قوتهم بالطبع، ويعني نشاط السياسي في مجالٍ
معين أنه يمارس نوعاً من القوة الظاهرة التي يتتبعها المحللون، في حين يغفلون
نوعاً آخر يتمثل في قوته الكامنة والتي ينبني على تحليلها الاقتراب من المصداقية
بالنسبة للتوقعات المستقبلية بالذات.
وعلينا أن نفرق بين قوة الفرد بوصفه فرداً وبين قوته باعتباره جزءاً من
جماعة. وعند قياس القوة ينبغي تحديد محيطها: (أي المسألة التي تمارس فيها:
السياسة الخارجية، البرلمان) ، ومجالها: (عدد الأفراد الذين تمارس في نطاقهم)
. ولا بد كذلك من معرفة كيفية تمركز القوة أو تشتتها، وأسباب ذلك ودلالاته،
ومدى ارتباطه بالظروف الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
تحليل النفوذ:
ونعني بالنفوذ: العلاقات التي تتسبب في نتائج إيجابية ومفضلة بالنسبة
للفاعل؛ أي الذي يمارس النفوذ.
ولهذا فأي وصف شامل لنظامٍ مَّا لا بد أن يتضمن إجابة عن السؤال الآتي:
من هم الفاعلون الذين يمارسون نفوذاً في المجالات الحيوية (السياسية،
والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية) ، والتي من خلالها يؤثرون بطريقة غير
مباشرة على اختيارات غيرهم وقراراتهم؟
هؤلاء الفاعلون قد يكونون جماعات أو كيانات كلية أو أحزاب أو شركات أو
شخصيات عامة.
ومع تراكم التحليلات سنجد أن النفوذ أشبه بشبكة معقدة من العلاقات المتبادلة
بين الفاعلين والتي يكون بعضها إيجابياً (يتمثل في تأييد المصالح) وبعضها سلبياً
(بعدم التأييد) ، وهذا الأخير وإن كان إدراك حجمه صعباً إلا أنه يحتاج إلى مزيد
من العناية.
ولكن كيف يمكننا قياس النفوذ؟
في الحقيقة لا يوجد معيار كمي يمكن أن نقيس من خلاله النفوذ، ولكن مع
تراكم المعلومات وبإجراء المقارنات يمكن الاعتماد على أساسٍ ترتيبي (مساوٍ،
أكبر من، أصغر من) ، كما ينبغي حساب الوزن النسبي للنفوذ باختلاف المجال
والمحيط.
ولتحديد شكل النفوذ ودرجته لا بد أن ندرك أسباب اختلافه، والتي يمكن
إرجاعها إلى ثلاثة عوامل رئيسة [١] وهي:
١ - الاختلاف في توزيع الموارد السياسية التي يستخدمها الساعي للنفوذ
ليؤثر على سلوك الآخرين، وتشمل: (المال المعلومات الطعام التهديد باستخدام
العنف الوظائف الصداقات المستوى الاجتماعي حق إصدار الضرائب أصوات
الناخبين) .
٢ - التباين في المهارات والكفاءات في استخدام هذه الموارد.
٣ - التباين في مدى استخدام الأفراد مواردهم لأغراض سياسية.
ويُضاف إلى هذه الأسباب عوامل أخرى غير مباشرة أهمها:
- قيم الأفراد وتوجهاتهم وتوقعاتهم ومعلوماتهم الحالية.
- قيمهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم وأيديولوجياتهم وبناء شخصياتهم ونوازعهم
السابقة الأكثر تأصلاً.
- قيم الآخرين وتوجهاتهم وتوقعاتهم ومعلوماتهم ومعتقداتهم وأيديولوجياتهم
وشخصياتهم ممن ترتبط تصرفاتهم بطريقةٍ مَّا بالقرار.
- عملية الاختيار أو التجنيد أو الدخول التي وصل بها صانعو القرار إلى
مناصبهم.
- قواعد صنع القرار التي يتبعونها، والبنى السياسية والنظام الدستوري.
- مؤسسات المجتمع الأخرى (البنى الاقتصادية والاجتماعية والدينية
والثقافية والتعليمية التي تقوم بتخصيص الموارد الرئيسة) .
- الأحداث التاريخية التي تركت آثارها على الثقافة والمؤسسات والبنى.
وبنظرة كلاسيكية يمكن أن يُتصور أن يستخدم الحاصلون على النفوذ نفوذهم في
الحصول على موارد أكثر تفتح أمامهم المجال للحصول على نفوذٍ أكبر، وهكذا
دواليك.
ولكن هذا الأمر لا يحدث في الواقع؛ لأن الموارد موصوفة بالندرة.
وأصحاب النفوذ لا ينفقون مواردهم إلا إذا كان العائد من ورائها أعظم قيمة، وهو
ما ينعكس عند حدودٍ معينة؛ إذ يسعى الخاضعون للسيطرة إلى تعظيم تكاليف تلك
السيطرة. ولا ننسى كذلك الصراع الشديد على النفوذ [٢] .
طرق الحصول على النفوذ:
يمكن الحصول على النفوذ بأشكالٍ مختلفة، بعضها حسن وبعضها قبيح؛
فمنها: الإقناع الحقيقي (العقلاني) ، والتحفيز، والخداع (الإقناع الخداعي) [٣] ،
والإجبار المادي، والسيطرة.
تصنيف النظم (أوجه التباين) :
يتم التصنيف وفق المدخل الذي يستخدمه المحلل والنشاط الذي يخدمه
(جغرافي طبغرافي اقتصادي سياسي ... ) . ولهذا يصح وضع أسس متعددة كل منها
يصلح أساساً لتصنيف النظم.
التحليل السياسي للنظم:
أ - أوجه الاتفاق:
يتحدد شكل النظام وفقاً للصيغة السياسية، والتي يتحدد وفقاً لها شكل السلطة
وأسلوب السيطرة، هذه الصيغة ليست كمّاً موحداً متجانساً، ولكنها تبدأ بالمعتقدات
التي يدين بها الجميع، وتتطور في شكل أيديولوجيات سرعان ما تتأثر بالمستجدات.
ولهذا لا نجد أيديولوجية فكرية يمكن وصفها بأنها متكاملة، أو يصح أن نقول
عنها إنها صالحة للحكم إلى ما لا نهاية، لذلك فهي خاضعة للتعديلات شأنها شأن
المناهج الأرضية، هذه النقطة تتفق فيها كافة الأنظمة بالإضافة إلى اتفاقها في:
- كونها مطاطة إلى الحد الذي يمكن معه إعادة تشكيلها حسب الرغبات
المختلفة.
- أن كل النظم السياسية تسيطر عليها سلطة حاكمة تحتكر القوة.
- أن هذا الاحتكار قد يستند إلى عقيدة، أو نظرية فكرية، أو انتخاب، أو
إلى القوة المتمثلة في الجيش والشرطة.
- أن كل الحكومات تسعى لاكتساب الشرعية؛ فإذا اتشح النفوذ بالشرعية
فهذا ما يُشار إليه عادة بالسلطة.
- أن النظم لا يمكنها أن تعيش بمعزل عن العالم الخارجي.
- أن التصرفات المتاحة أمام النظام في أي دولة تتأثر بالتصرفات الماضية
والمحتملة للنظم الأخرى.
- حتمية التغيير: فأي نظام لا بد أن يشهد تغيرات هامة لكن يصعب التنبؤ
بها؛ ولهذا نجد أن عدم اليقين سمة بارزة للحياة السياسية.
ب - أوجه التباين:
وهي لا حصر لها. ولكن ما يمكن أن يُقال عنه إنه يترتب عليه نتائج هامة
يمكن إجماله في النقاط الآتية:
١ - مسار النظام إلى الوضع الراهن.
٢ - درجة التحديث (المستوى الاجتماعي والاقتصادي) .
٣ - توزيع الموارد والمهارات السياسية.
٤ - جذور التصدع والتلاحم الداخلي.
٥ - حدة الصراعات وحجمها.
٦ - مؤسسات اقتسام السلطة وممارستها.
وهذه الأخيرة هي أبرز ما يركز عليه التحليل الحديث.
الأنماط السياسية داخل المجتمع:
وفقاً للمشاركة السياسية يمكن تقسيم الناس إلى كثرة غير مهتمة بالسياسة، إلى
جانب قلة مهتمة بها؛ هذه القلة تحوي قلة ثانية تمتلك من الدوافع ما يحفزها للسعي
وراء القوة، ولكن المهارات الشخصية والموارد السياسية تحول دون وصول كثير
من هؤلاء، لنجد أن الأقوياء هم قلة ممن يسعون نحو القوة، وإن كان التحليل
يحتاج لفحص كل شريحة من هذه الشرائح الأربع إلا أن الأخيرة هي التي يمكن أن
نسلط عليها بعض الضوء قليلاً بسؤالٍ هو:
لماذا تتعدد الأنماط السياسية للأقوياء؟
هناك عدة أسباب تؤثر في ذلك:
الشخصية والخلق، التوجهات السياسية الأولية، المعتقدات ومواقف اللحظات
الحاسمة، الثقافة العامة، الثقافة السياسية التي يشترك فيها مع قطاع من قطاعات
المجتمع.
تحليل الأداء:
التحليل السياسي لا يمكن إخضاعه للمقاييس الكمية والوصفية التي تخضع لها
الكيمياء، ولكن يمكن أن يخضع للتعليل السببي للوصول إلى نتائج مرغوبة مثل
حرية أعظم أمن أكثر ... لذلك فالتحليل تكتنفه صعوبات كثيرة؛ ليس أسهلها تطوير
مقاييس الظواهر السياسية.
تحليل القرار:
كيف ترتب الأولويات في ذهن المحلل أو السياسي؟ يختلف الترتيب من
محللٍ لآخر كما سبق أن ذكرنا، ولكن إذا أراد المحلل أن يزيد من قوة التحليل فعليه
أن ينوع في توقع الأولويات كي يمكنه تفسير أكبر عدد من الخيارات، ومع هذا
فسيظل عدم اليقين يطاردنا ويحف بخياراتنا السياسية. وللتغلب على قدر من هذه
المشكلة فإن القرار السياسي وتقويمه يجب أن يخضع لاستراتيجيات تقوم على
ترتيب القيم وتوضيح الأهداف وتوقع المشكلات وتوصيف الحلول عن طريق وضع
السياسات الممكنة، ثم تبحث كافة النتائج المهمة التي سوف تترتب على تقديم بديل
على آخر.
وسعياً وراء الرشد فقد طُرحت بعض الاستراتيجيات:
استراتيجية المثالية الكاملة:
وتقوم على أساس فلسفي تخيلي للأهداف والوسائل، ولكنها أثبتت قصورها
الشديد لكثرة مخالفة الواقع للتوقعات الكاملة.
وفي ظل عدم اليقين يصبح أمام متخذ القرار إما أن يغامر ويتخذ القرار في
ظروف من عدم التأكد، أو ينتظر ليدرس الحالة جيداً ويتخذ القرار بالحل المثالي،
ولكن الانتظار في عالم السياسة غير ممكن.
استراتيجية المثالية المحدودة:
ومن خلالها نقنع بتحقيق الحلول المرضية بدلاً من الحلول المثالية، ويمكننا
أن نواجه مشكلة عدم اليقين بأحد الحلول:
١ - السعي نحو الحلول المرضية بدلاً من المثالية.
٢ - اتخاذ قرارات أولية لمعرفة ما يترتب عليها تمهيداً لاتخاذ القرار الأخير.
٣ - الاستفادة من التغذية الاسترجاعية ومن المعلومات التي ولدها القرار
الأولي ذاته، ومن خلاله يمكن تقسيم الأدوار.
٤ - وضع إجراءات للوصول إلى الأهداف المرجوة. وإذا افترضنا أن
القرارات التي تتخذ عبارة عن سلسلة من الإجراءات؛ فإنه يمكن للسياسي تصحيح
أخطائه في كل إجراء يتخذه وهو يسعى نحو الهدف، ولو افترضنا أننا نزيد في
شيء نسبة ٥% سنوياً فإنه سوف يتضاعف في ١٤ عاماً [*] .
ولكن هذه الاستراتيجية لم تنجح في حل كل المشاكل.
استراتيجية التجريب المدروس:
وهي تصلح في بعض النطاقات دون بعض لتجريب كافة الحلول ومن ثم
اختيار أفضلها.
وقطعاً فإنه لا يمكن تفضيل إحدى هذه الاستراتيجيات على الأخرى تفضيلاً
مطلقاً، ولكن على السياسي أن ينتخب من بينها ما يناسب طبيعة مشكلته، وعليه
أيضاً إطلاق خياله البحثي الذي لا يستند إلى المعرفة وحدها بل يتخطاها إلى التنبؤ
بما يمكن أن يكون عليه شكل المستقبل.
تلك أهم قضايا التحليل السياسي، والتي تعتمد على الأسئلة المنطقية: ما هو
لماذا كيف أين متى ... والتي يترتب على الإجابة عليها الإجابة على كثير من
علامات الاستفهام القلقة داخل دنيا البشر، وهي بحاجة إلى أقلام مسؤولة وعقول
متخصصة تُبْحِر بنا في تفاصيلها.
стр. 3609
المسلمون والعالم
كامب ديفيد
وتكريس الهيمنة اليهودية البروتستانتية
على العالم الإسلامي
حسن الرشيدي
«إن هذه المفاوضات تمس جوهر هوية كل من الطرفين» .
هذه العبارة كانت جزءاً من رسالة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في دعوته
لرئيس وزراء إسرائيل باراك ورئيس السلطة الفلسطينية عرفات لحضور قمة كامب
ديفيد الثانية، وما لم يذكره كلينتون عن تأثير المفاوضات ليس على هوية طرفيها
العربي واليهودي فقط ولكن لها تأثيرها أيضا على هوية الطرف الأمريكي.
فكثيرون ينظرون إلى جوهر هذه القضية باعتبارها أرضاً محتلة وشعباً مشرداً
ومستوطنات ومعتقلين، ولكن النظرة العقيدية لهذه القضية هي أخطر من ذلك بكثير
؛ فهي معركة من سلسلة معارك متواصلة منذ أن خلق الله هذه الأرض، معركة بين
الباطل والحق، بين الكفر والإيمان، بين فئة نعرف جيداً أوصافها وخصائصها
وتفاصيل علوها في الأرض وطبيعته، ونعرف أيضاً طبيعة المعركة بيننا وبينهم
وإلى ماذا تنتهي؛ بيَّنها لنا مالك الملك في كتابه وفسَّرها نبينا ﷺ
في سنته.
ولمحاولة فهم ما يدور في أروقة كامب ديفيد من مخططات ومشاريع يجب
علينا استنباط المشروع الرئيس الذي ينبثق منه ما بعده. ونقصد بالمشروع:
المخطط البروتستانتي اليهودي للهيمنة، والذي بدأت خلفياته تظهر على مسرح
الأحداث منذ ما يقرب من مائة عام. وإن كانت بداياته قبل ذلك بكثير.
ففي القرن السادس عشر ظهر المذهب البروتستانتي على يد مارتن لوثر الذي
دعا إلى وجوب إقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون الخضوع لفهم
رجال الدين له، وفي ظل هذا المذهب ازداد الاهتمام بالعهد القديم (التوراة) تحت
شعار العودة إلى الكتاب المقدس باعتباره مصدر العقيدة النقية؛ وبذلك أصبح
البروتستانت مهيئين للاعتقاد بما ورد في العهد القديم وخاصة ما يتعلق منها بوجود
اليهود في فلسطين باعتبارها وطنهم الذي أخرجوا منه والذي يجب أن يعودوا إليه
طبقاً للنبوءات الواردة في العهد القديم. وهكذا مع انبعاث التاريخ القديم بكل
تفاصيله وحكاياته التوراتية تحولت فلسطين في الضمير البروتستانتي من الأرض
المقدسة للمسيحيين إلى أرض الشعب المختار مما أيقظ قضية انبعاث اليهود
وعودتهم الجماعية إلى فلسطين؛ حيث يظهر المسيح للمرة الثانية، ويحكم لألف
عام. وقد آمن بعض البروتستانت بضرورة اعتناق اليهود للمسيحية تمهيداً لقدوم
المسيح، وآمن بعض آخر بإمكان تحولهم هذا بعد قدومه.
جرت أول المحاولات البروتستانتية لإرجاع اليهود إلى فلسطين عام ١٦٢٨م؛
حيث أسس عالم اللاهوت توماس بريتمان حركة العودة بين البروتستانت تنطلق
من إيمان النصارى بعودة اليهود إلى فلسطين، وبعد ذلك توالت المحاولات
البروتستانتية لتأسيس حركات شعبية تنطلق من الفكرة ذاتها حتى كان القرن التاسع
عشر حين تم الربط لأول مرة بين الأفكار العقدية مع السياسة البريطانية، ومنذ ذلك
الحين بدأ ما وصفه دافيد بولك بـ «الاتحاد العجيب بين السياسة الإمبراطورية
ونوع من الصهيونية المسيحية» ؛ ففي عام ١٨٣٩م تلقى بالمستون وزير خارجية
بريطانيا مذكرة من هنري آسن سكرتير البحرية البريطانية موجهة إلى كل دول
شمال أوروبا وأمريكا البروتستانتية تطالب حكام هذه الدول بأن يقتدوا بقورش،
وينفذوا إرادة الله عن طريق السماح لليهود بالعودة إلى فلسطين، وقد قام بالمستون
برفع المذكرة إلى الملكة فكتوريا، وبذلك بدا أن البروتستانت لا يتوانون عن عقد
اللقاءات وطرح المشاريع على رجال الدولة والقيام برحلات استكشافية لدراسة
فلسطين وتهيئتها لعودة اليهود إليها؛ في حين أن اليهود أنفسهم في ذلك الوقت كانوا
آخر من يفكر في هذا الأمر؛ حيث كانوا يعتقدون أن المسيح سوف يجيء
ويحررهم ويذهب بهم إلى الأرض المقدسة بمعجزة إلهية، ولكن مع ستينيات القرن
التاسع عشر بدأت تتغير نظرة اليهود إلى وجوب عودتهم لأرض الميعاد لضمان
نزول المسيح في معتقدهم.
هذه أهم ملامح المشروع اليهودي البروتستانتي التي تكونت وتبلورت عبر
حوالي ثلاثة قرون؛ وكان البروتستانت كما بينا هم السباقين إلى طرحه، ويبقى
السؤال الأهم وهو: كيف تحقق هذا المشروع على أرض الواقع، ووصل إلى ما
وصل إليه الآن؟ أو ما هي آليات تنفيذه؟
لا شك أن تنفيذ هذا الحلم تم عبر مراحل طويلة:
المرحلة الأولى: التحضير والدور البريطاني:
وقوامه: طرح موضوع الدولة اليهودية على الصعيد العالمي، وتشجيع
الهجرة؛ وبناء الجيش العبراني، وتهيئة جميع الظروف لإعلان دولة إسرائيل.
تبدأ هذه المرحلة مع مطلع سنة ١٨٩٧م وعقد المؤتمر اليهودي الأول بزعامة
هرتزل في بازل بسويسرا بعد أن وجدت الحركة اليهودية كافة الأمور قد تم تمهيدها
من قِبَل البروتستانت الإنجليز، ولم يكن مطلوباً منها سوى تبني هذه الدعوة نيابة
عن اليهود في كل مكان، والعمل على استغلال كافة العوامل العقائدية والسياسية
والاقتصادية؛ بالإضافة إلى المتغيرات الدولية لصالحها، وقد برز عامل مهم
بالإضافة إلى العوامل السابقة ألا وهو: قلق حكومات الغرب من هجرة يهود أوروبا
الشرقية فراراً من الاضطهاد. حينئذ اقترح هرتزل توجيه اليهود للهجرة إلى وطن
يتم الاعتراف به قانونياً وطناً يهودياً؛ وبما أن فلسطين في هذه الفترة كانت خاضعة
للسيطرة التركية فلم يكن في مقدور الحكومة البريطانية إعطاء أي التزام للحركة
اليهودية تجاه فلسطين؛ ولكن حين سمحت الفرصة خلال الحرب العالمية الأولى
باستيلائها على فلسطين عام ١٩١٧م أصدر اللورد بلفور وزير الخارجية البريطاني
حينئذ وعده الذي ينص على إعطاء اليهود وطناً قومياً في فلسطين. ويصف السير
رونالد ستوز في كتابه: (استشراقات) الصدى الذي لقيه صدور الوعد بقوله:
«لقي الوعد صدى رائعاً واستحساناً في الصحافة؛ يضاف إلى ذلك ما حظي به
من التأييد العام والكبير لدى آلاف الكهنة الإنجليكانيين والقساوسة البروتستانت
وغيرهم من الرجال المتدينين في سائر أنحاء الكرة الغربية» ؛ وقد علق هربرت
صموئيل المندوب السامي البريطاني على ذلك الوعد قائلاً: «هناك عطف واسع
الانتشار وعميق الجذور في العالم البروتستانتي على فكرة إرجاع الشعب
العبراني إلى الأرض التي أعطيت ميراثاً له، وهناك اهتمام شديد بتحقيق النبوءات
التي توقعت ذلك مسبقاً» .
بعد صدور وعد بلفور سعت بريطانيا جاهدة للحصول على موافقة الحلفاء
لإخضاع فلسطين للانتداب البريطاني، وقد تم ذلك؛ ففي إبريل ١٩٢٠م وافق
المجلس الأعلى للدول المتحالفة في سان ريمو على أن يوكل للحكومة البريطانية
مهمة الانتداب على فلسطين، وتم لها قانونياً عام ١٩٢٣م عندما وقعت تركيا
أتاتورك معاهدة لوزان.
وهكذا حصلت بريطانيا على ما تريد لتحقيق الحلم اليهودي عن طريق وضع
فلسطين تحت الانتداب الذي تم في ظله فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية،
ومكنت سلطات الانتداب اليهود من شراء الأراضي وتأسيس نواة الجيش الإسرائيلي
وحتى في بعض الحالات التي وجدت فيها الحكومة البريطانية أن بعض المسؤولين
يقفون حائلاً أمام سرعة تنفيذ المشروع كما تريد قامت بإبعادهم كما فعلت مع
الجنرال بولز الحاكم العسكري لفلسطين في بداية الانتداب؛ فقد قدم بولز لحكومته
توصيات طالبها فيها بانتهاج سياسة عادلة تجاه السكان العرب، فسارعت السلطات
البريطانية بإقالته وتعيين هربرت صمويل البروتستانتي المتعصب الذي ملأ الدوائر
الحكومية بالموظفين اليهود، واعتمد اللغة العبرية لغةً رسمية في فلسطين، وأمر
بإطلاق سراح الزعيم اليهودي جابوتنسكي الذي كأنت السلطات التي قبله قد حكمت
عليه بالسجن ١٥ عاماً، وأطلق صمويل يد الضباط البريطانيين لتقديم المساعدات
للمنظمات العسكرية اليهودية في الوقت الذي منع فيه السلاح عن العرب، وكان
أشهر هؤلاء الضباط الكابتن وينجيت؛ حيث كان ينظر إلى المساعدة التي يقدمها
لليهود أنها واجب ديني مفروض عليه أن يؤديه. ويقول عنه موشي ديان: «كان
وينجت يؤمن إيماناً لا يتزعزع بالتوراة. قبل أن ينطلق في مهمته كان يقرأ في
التوراة المقطع الذي يتحدث عن المنطقة التي سيسلكها فيجد فيه ضماناً لانتصارنا؛
انتصار إله يهوذا» .
لقد قدمت بريطانيا الأساس الذي أكمله من بعدُ الآخرون. تقول دائرة
المعارف البريطانية: «إن الاهتمام بعودة اليهود إلى فلسطين قد بقي حياً في
الأذهان بفعل النصارى المتدينين وعلى الأخص في بريطانيا التي كان اهتمامها أكثر
من اهتمام اليهود أنفسهم» .
ويقول حاييم وايزمان أول رئيس لدولة إسرائيل: «للمرء أن يسأل: ما هي
أسباب حماسة الإنجليز لمساعدة اليهود وشدة عطفهم على أماني اليهود في فلسطين؟
والجواب على ذلك: أن الإنجليز هم أشد الناس تأثراً بالتوراة، وتديُّن الإنجليز هو
الذي يساعدنا في تحقيق آمالنا؛ لأن الإنجليزي المتدين يؤمن بما جاء في التوراة
من وجوب عودة اليهود إلى فلسطين، وقد قدمت الكنيسة الإنجليزية في هذه الناحية
أكبر المساعدات» .
المرحلة الثانية: إقامة القلعة ومركز السيطرة:
«إننا في حلف دائم وراسخ وغير قابل للفصم مع دولة إسرائيل» هذه
العبارة رددها شولتز وزير الخارجية الأمريكي عام ١٩٨٥م؛ فأمريكا مثلها مثل
بريطانيا ذات أغلبية بروتستانتية تغلغلت في تفكير مواطنيها الأفكار والنبوءات
التوراتية الخاصة بعودة اليهود إلى فلسطين باعتبارها مقدمة لعودة المسيح؛ ولكن
هناك عامل إضافي زاد من التعاطف الأمريكي مع اليهود ألا وهو الربط بين
تجاربهم السابقة في الفرار من الاضطهاد في أوروبا وإنجلترا والصعاب التي
واجهوها في الأرض الجديدة والأعمال الوحشية التي فعلوها ضد السكان الأصليين
وبين اليهود؛ حيث خاضوا مثلهم تجربة الاضطهاد وقام اليهود مثلهم بأعمال
وانتهاكات ضد العرب تحت دافع العامل العقدي، وهذا يفسر ما كتبه هيرمان ملفيل
متحدثاً عن الشعب الأمريكي: نحن الأمريكيين شعب خاص، شعب مختار،
وإسرائيل العصر الحاضر.
وتوالى على أمريكا الرؤساء وكلهم متفقون على الدعم اليهودي مدفوعون
بخلفياتهم البروتستانتية؛ فالرئيس توماس جيفرسون واضع وثيقة استقلال أمريكا
يقترح بأن يمثل رمز الولايات المتحدة على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار
غيمة وفي الليل عمود من النار كما ورد في التوراة.
وفي عام ١٨١٨م بعث الرئيس الأمريكي جون آدمز برسالة إلى الصحفي
اليهودي مردخاي مانوي عبر فيها عن أمنيته في أن يعود إلى جوديا يهودا لتصبح
أمة مستقلة؛ ولقد لعب الرئيس ويلسون دوراً رئيساً في صدور وعد بلفور؛ حيث
شارك في الاتصالات التي سبقت صدور الوعد وكان يقول: «إن ربيب بيت
المقدس (يقصد نفسه) ينبغي أن يكون قادراً على المساعدة في إعادة الأرض
المقدسة إلى أهلها» .
وفي عام ١٩٢٢م اتخذ الكونجرس الأمريكي قراراً وقَّع عليه الرئيس هاردنج
جاء فيه: إن الاعتراف بوطن قومي لليهود أعطى بني إسرائيل الفرصة التي
حرموا منها منذ أمد بعيد لإعادة إقامة حياة وثقافة يهوديتين مثمرتين في الأراضي
اليهودية القديمة طوال الفترة السابقة. ولم يكن الدور الأمريكي الرسمي يزيد عن
التعاطف والتأييد المالي والمعنوي تاركاً المهمة لبريطانيا التي كانت في تلك الفترة
القوة المهيمنة على المعسكر الغربي، ولكن منذ أربعينيات هذا القرن بدأ مركز الثقل
في المعسكر الغربي ينتقل إلى الولايات المتحدة؛ وبذلك انتقلت قيادة المشروع
البروتستانتي اليهودي إليها.
وعندما تولى ترومان رئاسة الولايات المتحدة أصدر بياناً بادر فيه إلى المطالبة
بإدخال مائة ألف يهودي إلى فلسطين فوراً كما أوصى بتطبيق خطة التقسيم التي
اقترحتها عليه الوكالة اليهودية، ولعب ترومان دوراً حاسماً أثناء حرب ١٩٤٨م؛
حيث عمل على استصدار قرار من مجلس الأمن بإعلان الهدنة بين القوات
المتحاربة حين كانت الجيوش العربية لها الغلبة، وعمل على إعادة تسليح
العصابات اليهودية فنجحت في إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية.
وفي عام ١٩٦٧م كانت المحطة الثانية للمشروع اليهودي البروتستانتي في
تلك المرحلة؛ حيث تولى جونسون الرئاسة الأمريكية وفي عهده حصلت إسرائيل
على صفقات كبيرة من الأسلحة الهجومية والمعدات اللازمة للحرب الإلكترونية التي
تمكنت إسرائيل بفضلها من هزيمة الجيوش العربية والاستيلاء على أراض شاسعة
تفوق مساحة إسرائيل عدة مرات. ويقول جونسون في تصريح أدلى به أمام جمعية
أبناء العهد: إن بعضكم إن لم يكن كلكم لديكم روابط عميقة بأرض إسرائيل مثلي
تماماً؛ لأن إيماني المسيحي ينبع منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي تماماً
مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث من أجل الخلاص من القهر
والاضطهاد.
لقد كان انتصار إسرائيل في حرب عام ١٩٦٧م علامة فارقة في المشروع
البروتستانتي اليهودي؛ إذ إنه كان بمثابة نهاية التمدد على الأرض لهذا المشروع
بالنسبة للشق اليهودي. أما الشق الآخر البروتستانتي فقد جاء بجيوشه ليهيمن
عسكرياً على المنطقة في حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م.
وفي النصف الثاني من السبعينيات وصل إلى الرئاسة الأمريكية جيمي كارتر
الذي قام بجهد غير عادي لدعم إسرائيل تم تتويجه بتوقيع أول معاهدة سلام مع دولة
عربية وهي مصر وقد علل كارتر أسباب تأييده المطلق لإسرائيل؛ حيث قال: إن
علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة. لقد كانت وما زالت علاقة فريدة لا
يمكن تقويضها؛ لأنها متأصلة في وجدان الشعب الأمريكي نفسه وأخلاقه وديانته
ومعتقداته.
وفي مرة أخرى أوضح الأمر أكثر قائلاً: إنه بوصفه مسيحياً مؤمناً بالله يؤمن
أيضاً بأن هناك أمراً إلهياً بإنشاء دولة إسرائيل.
ولقد بدا المفهوم العقدي واضحاً أكثر في شخصية الرئيس رونالد ريجان الذي
صرح مرة: بأنه كان يشعر عند الانتخابات الأمريكية بأن المسيح يأخذ بيده، وأنه
سوف ينجح ليقود معركة الهرماجيدون التي اعتقد أنها ستقع خلال الجيل الحالي في
منطقة الشرق الأوسط، ويبدو أن ريجان كان مؤمناً بحدوث تلك المعركة في
القريب العاجل؛ حيث قال مخاطباً المدير التنفيذي للمنظمة الصهيونية (إيباك) :
حينما أتطلع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم وإلى العلامات المنبئة بمعركة
هرماجيدون أجد نفسي متسائلاً عما إذا كنا الجيل الذي سيرى ذلك لاحقاً؟ ولا أدري
إذا كنت قد لاحظت مؤخراً أياً من هذه النبوءات، ولكن صدقني أنها تنطبق على
زماننا الذي نعيش فيه.
وجاء بيل كلينتون إلى الرئاسة الأمريكية وكان قد زار إسرائيل عام ١٩٨١م؛
حيث وصف بنفسه هذه الزيارة بأنه تأثر بها كثيراً، وكانت زيارة دينية أكثر منها
سياسية، كما أنه تأثر كثيراً بقصة موت أحد رجال الدين المسيحيين كان قد مات
مؤخراً، وتحدث إليه طويلاً قبل ذلك؛ حيث قال له ذلك القس: إنه يأمل في أن
يصبح رئيساً للولايات المتحدة، وأنه يجب عليه أيضاً أن يحافظ على إسرائيل.
المرحلة الثالثة:
مرحلة التسوية السياسية والانتقال من مفهوم الهيمنة القائمة على السيطرة على
الأراضي والحدود في البلدان العربية إلى مفهوم السيطرة الكيفية والاستراتيجية.
فالبروفيسور شيمون شامير الذي عمل سفيراً لإسرائيل في مصر قال في
محاضرة له: «ينظر الإسرائيليون للسلام على أنه التحقيق النهائي للرؤية
الصهيونية» .
فمع اقتراب السبعينيات من نهايتها فإن ثمة بدايات مرحلة جديدة قد أخذت في
التشكل؛ ومما يؤكد هذا الاتجاه ما كشفته وثيقة أمريكية كانت قد صدرت عام
١٩٧٩م كُشف عنها النقاب مؤخراً وهي من وضع عدة وزارات وجامعات ومعاهد
بحثية عليا. تتحدث الوثيقة عن تصور للشرق الأوسط يهدف إلى إقامة تعاون بين
دول المنطقة يقف في وجه أي مشروع قومي أو ديني، ويتولى الدعوة لهذا
المشروع المثقفون العرب وفي الجانب التنفيذي تطرح الوثيقة صيغة تفرض
إسرائيل شريكاً في كل موارد الشرق الأوسط مع دوله وشعوبه.
ولم تأخذ هذه المرحلة الشكل النهائي إلا بانتهاء حرب الخليج الثانية وسقوط
الاتحاد السوفييتي وتزعُّم أمريكا نظاماً عالمياً جديداً تحتل فيه مكان الصدارة
والهيمنة؛ ولذلك نجد أن أول ما قام به بوش بعد أن استتب له الوضع في الخليج
أن سعى إلى تفعيل ما يسمى بالعملية السلمية في المنطقة.
إن هدف هذه المرحلة هو إحداث تغيير على الجانب العربي؛ هذا التغيير يبدأ
بضرورة تقبل إسرائيل ليس باعتبارها دولة فقط؛ بل يتعين قبولها بأساسها الديني
ويمتد إلى تغيير معتقدات العرب السياسية، ويمر عبر إعادة صياغة شبكة العلاقات
العربية مع القوة المهيمنة وهي التحالف اليهودي البروتستانتي، وأي اعتراف
بإسرائيل بوصفها دولة فقط بدون التسليم بأساسها الديني لهو تكتيك، وليس خياراً
استراتيجياً. ويرى كاتب مثل ألوف هارايفن أن هناك عدة عوامل تساعد على
تحقيق السلام في المنطقة: قوة إسرائيل الاستراتيجية، وعزل العناصر غير
المستقرة (يقصد بها العناصر الإسلامية التي تعيق هذا المشروع) وتدخل وتأثير
الولايات المتحدة.
ويقول جولد مان رئيس المؤتمر اليهودي: إن إسرائيل التي تمثل الآن ما
يقرب من ١% من مساحة العالم العربي عن طريق الحرب وسلاح المواجهة
الساخنة يمكنها أن تحتل مساحة العالم العربي بأسره عن طريق السلام والتعاون
الاقتصادي.
وفي السياق ذاته يمكن فهم مبادرة الملياردير الصهيوني روتشيلد بإنشاء معهد
قرب جنيف بعد حرب ١٩٦٧م أطلق عليه اسم: «معهد من أجل السلام في الشرق
الأوسط» بهدف دراسة احتمالات التطور الاقتصادي بالشرق الأوسط بعد تسوية
الموقف وإنهاء حالة الحرب والبحث عن وسائل إقامة علاقات تجارية بين دول
المنطقة أي بين إسرائيل وجاراتها العربيات.
والانسحاب الإسرائيلي الأخير من لبنان ما هو إلا تكريس لهذه السياسة أي
الانسحاب من الأرض وترك إدارتها للعملاء مع ضمان الهيمنة والنفوذ.
وهكذا فإن هدف المشروع البروتستانتي اليهودي كان وسيظل دائماً وأبداً
الهيمنة بالسلام؛ فالقتال أو السلام بشروطهم مجرد أداتين فقط أيهما تفد المشروع
الصهيوني في إنجاز هدفه الاستراتيجي يكن لها الأولوية.
وقبل حرب ١٩٦٧م وفي أعقابها كانت إسرائيل تتناول أحاديث السلام كثيراً
ولكن وفق مفهوم خاص ينبني على أساس إنشاء شبكة متعددة من التفاعلات
الاجتماعية، والاقتصادية، والاستراتيجية قبل الوصول إلى اتفاق بالتسوية السلمية؛
ففي مؤتمر جنيف ١٩٧٤م على سبيل المثال أعلن أبا إيبان وزير الخارجية
الإسرائيلي حينذاك أن السلام لا يعني وقف إطلاق النار، وأن الضمان الحقيقي
للسلام هو إقامة مصالح مشتركة بين العرب وإسرائيل تتسم بالتنوع والكثافة.
وعقب مبادرة السادات وزيارته للقدس، وبالرغم من إعلان إسرائيل المسبق
عن استعدادها للانسحاب من كل سيناء مقابل إحراز اتفاق سلام مع مصر وقد أثبتت
وثائق كُشِفَ النقاب عنها مؤخراً أن هذا العرض قائم في أعقاب حرب ١٩٦٧م إلا
أنه عندما بدأت مباحثات السلام مع مصر أخذ الإسرائيليون يدَّعون أهمية سيناء
الحيوية بالنسبة لهم، وكان هذا يخدم هدف الحصول على أكبر كَمٍّ ممكن من
الامتيازات في سيناء خاصة تلك التي تتعلق بالبترول، وكان للإسرائيليين ما
أرادو! ؛ فعندما جاء الوقت لينسحبوا من سيناء كانوا قد ضمنوا التمتع بأهم
مواردها: البترول، وحرية الملاحة. ومن ناحية أخرى عمدت إسرائيل إلى
التقليل من الأهمية الاستراتيجية لسيناء كثمن لتحقيق السلام مع مصر واتخاذ
ذلك خطوة لفرض الهيمنة الاقتصادية والسياسية على العالم العربي، وقد كشف
إسرائيل شاحاك رئيس رابطة حقوق الإنسان الإسرائيلية عن هدف المخطط
الصهيوني بقوله: «إن السيطرة على الشرق الأوسط هدف كل السياسات
الإسرائيلية، وإن هذا الهدف مشترك بين كل الحمائم والصقور على السواء،
وإن كان الاختلاف بينهم على الوسيلة: بالاحتلال أم بالسيطرة الاقتصادية؟» .
وهو المعنى نفسه الذي ذهب إليه شيمون بيريز عندما قال: إن إسرائيل
تواجه خياراً حاداً: فإما أن تكون إسرائيل الكبرى اعتماداً على عدد الفلسطينيين
الذين تحكمهم، أو أن تكون إسرائيل الكبرى اعتماداً على حجم السوق التى تحت
تصرفها.
وقدم إيجال آلون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي مشروعاً من تسع نقاط
نصت النقطة الخامسة منه على إقامة إطار حكم ذاتي في المناطق التي لن تكون
تحت السيادة الإسرائيلية، ويمكن أن يكون في إطار الحكم الذاتي مرتبطاً بإسرائيل،
ويمكن أن يتمثل هذا الارتباط بوجود إطار اقتصادي مشترك، ومعاهدة دفاع
مشترك، وتعاون تقني وعلمي، واتفاقات ثقافية، وإيجاد حل مشترك لتوطين
لاجئي قطاع غزة في الضفة الغربية. ومن الواضح أنه سيترتب على الحكومة
يقصد حكومة إسرائيل أن تبادر إلى إعداد خطة عامة وشاملة وبعيدة المدى لحل
مشكلة اللاجئين التي هي مشكلة مؤلمة وغير قابلة لحل كامل إلا على أساس تعاون
إقليمي يتمتع بمساعدات دولية.
ويمكن القول دون مبالغة إن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي في اتفاق غزة
أريحا تضمنت العديد من أفكار آلون، ويجب ألا ينظر إلى الأمر على أنه توارد
أفكار، ولكنها الاستراتيجية التي تربط كل التحركات التكتيكية المتتابعة وصولاً إلى
الأهداف الأساسية للمشروع البروتستانتي اليهودي.
وعند استعراض مبادرات التسوية السياسية السابقة منذ كامب ديفيد الأولى
وحتى كامب ديفيد الثانية نجد أنها تؤكد على الحقائق الآتية:
- الحلول الجزئية هي الأصل في قيام هذه التسويات وليست الحلول الشاملة
لمختلف جوانب الصراع وقضاياه.
- أن المطلوب من الحكومات العربية في هذه القضايا ليس الاعتراف فقط
بإسرائيل؛ ولكن الرضوخ لأي مخططات في المنطقة لخدمة أهداف المشروع
البروتستانتي اليهودي، وسحق أي محاولات من جانب الشعوب العربية في الوقوف
في وجه هذه المخططات.
- أنه وفقاً للمشروع الذي تحدثنا عن أبعاده في السابق لا نستطيع أن نقول إن
هناك ثلاثة أطراف في هذه المفاوضات؛ بل هناك طرفان: الطرف العربي،
والطرف اليهودي البروتستانتي.
- أن هناك دائماً وجهين للتعامل مع ما تم الاتفاق بشأنه: وجه زائف أمام
وسائل الإعلام يتم فيه استخدام الألفاظ والتعبيرات التي تساعد على تخدير الشعوب،
ووجه سري وهو الوجه الحقيقي الذي لا يعلن عنه وهو الذي يتم تنفيذه وغالباً ما
يتم الاتفاق بشأنه عبر القنوات السرية. والمؤتمرات العلنية ما هي إلا التكريس لما
تم الاتفاق عليه، حتى إن كاتباً سياسياً علمانيا كبيراً مثل محمد حسنين هيكل يشكو
من ظاهرة تعمد إخفاء المعلومات وبما يدور في كواليس السياسة العالمية ودهاليز
الحكام العرب والمتعلق منها بالشرق الأوسط والأمة العربية، وهو من هو من خبرة
طويلة في السياسة سواء على مستوى الممارسة أو على مستوى جمع المعلومات
والتحليل الثاقب البعيد النظر، أو على مستوى الصلات الشخصية بكثير من
الشخصيات السياسية المؤثرة: العربية منها أو الأجنبية.
- أن توازن القوى بين الأطراف يكاد يكون منعدماً: بين طرف يملك أرقى
التجهيزات العسكرية وأرقى التكنولوجيا التي أسقطت من قبلُ الإمبراطورية
السوفييتية من غير أن يطلق طلقة واحدة وتسعى بمختلف السبل ألاَّ يملك الطرف
الآخر إلا الفتات من المعدات والأسلحة.
- أنه في ظل الهيمنة لأصحاب المشروع ونعني بالهيمنة العسكرية منها
والاقتصادية والثقافية والتعليمية والإعلامية ... فلا معنى لأي مكاسب على الأرض
يحرزها الطرف الآخر ويصبح الحديث عن نفوذ فلسطيني على القدس أو جزء منها
أو على أي شبر من الأراضي المحتلة أو حتى الدولة الفلسطينية لا قيمة له.
- أن الحكومات العربية وبالأخص السلطة الفلسطينية لا يمكن اعتبارها
أطرافاً تعبر عن الشعوب العربية لأسباب عديدة منها أن ولاءها الفكري للغرب؛
حيث إنها ربيبته وصنيعته، كما أن أغلب أفرادها والمعبرين عنها اشتهر عنهم
العمالة المباشرة لأطراف المشروع حتى إنه أثناء مؤتمر كامب ديفيد الأخير استدعى
باراك رئيس مخابراته ومع وجود رئيس وكالة المخابرات الأمريكية؛ فإن مشاركة
هؤلاء لتذكير المسؤولين العرب بماضيهم في العمالة فلا معنى لتشددهم إذن.
وفي الإطار نفسه ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في٢٥/٧/٢٠٠٠م أن
الأمريكيين قاموا بإرسال مبارك إلى بعض العرب من أجل أن ينضموا إليه في
السماح لعرفات بالتنازل عن القدس.
- سحق أي مقاومة محتملة للمشروع وخاصة من جانب الإسلام؛ لأنه هو
القوة الوحيدة التي تعرف أصل المعركة والطبيعة الحقيقية للقضية وأنه صراع
عقيدة.
لقد شهدت الفترة الماضية قمعاً شديداً وتنسيقاً هائلاً بين أجهزة الاستخبارات
في الدول العربية وأمريكا، وحتى العالمية لمحاصرة أي صوت وأي تجمُّع يُعرف
عنه انتماؤه للصحوة الإسلامية وخنقه.
ولنا أن نتخيل أو نتصور تسويات سلمية أو كما يسمونه سلاماً يقام على هذه
الأسس.
فهذه هي مقدمات مؤتمر كامب ديفيد؛ ومن المعلوم أن المقدمات تسبق النتائج،
فكان لا بد من ذكر الحقائق أو المقدمات السابقة إذا أردنا أن نتعرف على نتائج أو
ما تسفر عنه هذه القمة.
المراجع:
١- الشرق الأوسط الجديد: سيناريو الهيمنة الإسرائيلية، علاء عبد الوهاب،
سينا للنشر.
٢ -الشرق الأوسط: مخطط أمريكي صهيوني أعمال ندوة مقاومة التطبيع
تحرير حلمي شعراوي، مكتبة مدبولي.
٣ - الصليبيون الجدد (الحملة الثامنة) يوسف العاصي الطويل مكتبة
المدبولي.
٤ - الاستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية محسن
عوض مركز دراسات الوحدة العربية.
стр. 3610
المسلمون والعالم
التعليم الإسلامي في إرتيريا
الواقع والتحديات
نايب صالح
«اقرأ» كانت أول كلمة تلقاها رسول الله ﷺ من عند ربه؛
فكانت هذه الكلمة دعوة صريحة لهذه الأمة أن تبني كيانها وهويتها على العلم
والمعرفة: العلم بالله قبل كل شيء، ثم تأتي بقية العلوم تباعاً حسب أهميتها وحاجة
الناس إليها. وقد أبان الله أفضلية العلماء على غيرهم من الناس
بقوله: [هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٩) ، ورغَّب
الرسول ﷺ في تلقي العلم فقال: «وإن الملائكة لتضع أجنحها
لطالب العلم رضاً بما يصنع» [١] وخص بالخيرية من تفقه في الدين خاصة فقال
ﷺ : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» [٢] .
ولا خلاف بين الناس في ضرورة العلم عامة وأهميته في نهضة الأمم، وبناء
الحضارات، وتنمية المجتمعات وتطويرها نحو مستقبل مشرق. وللتعليم الإسلامي
على وجه الخصوص مهمة عظيمة في نشر الدعوة الإسلامية وتوسيع رقعتها بشرياً
وجغرافياً، والارتقاء بها نحو الأفضل، وتعد دُور العلم «المنطلق الأول لبشائر
الطلائع الإسلامية التي تتحرك نحو مستقبل باسم وغدٍ مجيد تبني للإسلام صرحاً
عريضاً شامخاً يحقق الآمال المرجوة منه والأماني المعقودة عليه» [٣] .
التعليم الإسلامي في إرتيريا قبل الاستقلال:
تمثل فترة ما قبل خروج الاحتلال الإثيوبي من إرتيريا وتولي الحكم من قِبَل
الجبهة الشعبية في إرتيريا وإعلانه الاستقلال قبل عشر سنوات تقريباً فترة زمنية
لها طابعها الخاص والمميز على وضع التعليم الإسلامي في إرتيريا.
ولما كان التعليم الإسلامي يشمل الدروس التي تلقى في المساجد، وما يتعلمه
الصبيان في الكتّاب من القرآن الكريم وبعض مبادئ الدين الإسلامي فلا بد من
القول إن هذا النوع من التعليم رافق بداية دخول الإسلام في إرتيريا، إلا أن أول
مدرسة نظامية أقيمت في إرتيريا على الإطلاق يعود تاريخها إلى عام ١٢٨٣ هـ
الموافق ١٨٧٠م عندما قامت الخديوية المصرية التابعة للسلطنة العثمانية بإنشاء
مدرسة طوالوت الابتدائية في مدينة مصوَّع، ويمكن اعتبار هذه المدرسة أيضاً أول
مدرسة إسلامية أقيمت على ثرى إرتيريا؛ لأنها كانت تابعة لدولة إسلامية أخرى.
وبعد ذلك تعرضت إرتيريا لمجموعة من الاحتلالات الأجنبية بدءاً بالاحتلال
الإيطالي، ومروراً بالانتداب البريطاني، وانتهاءاً بالاحتلال الإثيوبي. وقد كان
جميع هؤلاء المحتلين لا يولي التعليم الإسلامي أي رعاية أو اهتمام، بل بالعكس
من ذلك كانوا يقفون عائقاً دون استمراره ويحاولون إجهاض الجهود الرامية إلى
تطويره والنهوض به، وأسباب ذلك واضحة ولا تحتاج إلى تحليل لكون المحتل
غير مسلم.
لذلك كانت الجهود التي بذلت لبناء التعليم الإسلامي في إرتيريا جهوداً أهلية،
فردية كانت أو جماعية، ويمكن الحديث عن ثلاثة أنواع من مجالات التعليم
الإسلامي في إرتيريا:
أ - الكتاتيب:
تعرف الكتاتيب في إرتيريا باسم الخلاوي في المنخفضات، أو القرآن في
المرتفعات، وهي عبارة عن أماكن لتعليم الصبيان القرآن الكريم وبعض مبادئ
الدين الإسلامي، وقد تكون في المساجد أو في غيرها من الأماكن حسب ما هو
متوفر، وفي الحقيقة فإن الكتاتيب مظهر من مظاهر الحضارة الإسلامية لم تكن
معروفة في العصر الجاهلي، فانتشرت بصفات متشابهة [٤] في كل بقعة وضع
الإسلام فيها أقدامه، وحرص المسلمون عامة وفي إرتيريا خاصة على إرسال
أبنائهم إلى هذه الكتاتيب.
وتنتشر الكتاتيب في إرتيريا في المدن والقرى، وتقوم بتعليم الفتيان والفتيات
على حد سواء، ولا يوجد تعداد رسمي يبين عددها بالضبط إلا أنها منتشرة بشكل
جيد في جميع مناطق إرتيريا، وتعتمد على الجهد الذاتي للمعلم الذي يكون في العادة
معلماً واحداً يتعاون معه الأهالي من الناحية المادية، على شكل رسوم يدفعها
المتعلمون لمعلمهم.
وبالرغم من أن ميزة الكتاتيب تكمن في بساطتها؛ حيث يمكن إقامتها في أي
موضع دون العناء في البحث عن أماكن خاصة لإقامتها حتى إن بعض المعلمين
كانوا يعلِّمون الأطفال في فناء منازلهم بوضع مظلة بسيطة تقي الصبية من حرارة
الشمس. إلا أنه أيضاً يجب التنبيه إلى أن الكتاتيب في إرتيريا لم تسجل أي تطور
يذكر سواء من ناحية كفاية المعلمين وتنظيم تمويلها والعمل على تقوية عطائها سواء
في تحفيظ القرآن أم في إعطاء جرعات مناسبة من مبادئ الدين، إلا ما كان من
مدرسة عمر بن الخطاب لتحفيظ القرآن الكريم في مدينة أسمرا التي تأسست في عام
١٤٠٥هـ = ١٩٨٤م؛ حيث ركزت على حفظ القرآن وتجويده وتعليم العلوم
العربية والشرعية، والعمل على تفاعل المجتمع المحلي من خلال الدروس
والمحاضرات العامة التي تلقى فيها للكبار والصغار، وقد ظهر تأثيرها الإيجابي
على سلوك طلابها وسلوك المجتمع المحلي، وقد تعرضت بسبب العقيدة السلفية
التي تبنتها للحرب من قِبَل بعض المبتدعة بحجة أنها تدرس دين الوهابية! ! إلا
أنها استطاعت أن تتجاوز هذه المحنة وواصلت مسيرتها حتى تم إغلاقها من قِبَل
نظام الجبهة الشعبية الحاكم في إرتيريا في عام ١٤١٨هـ = ١٩٩٨م.
وبالرغم من اعتماد الكتاتيب في إرتيريا على الطرق البدائية وافتقادها التطوير
والتحسين إلا أنه يمكن القول إنها تمكنت مما يلي:
١ - غرس أساس العلم والإيمان القابل للنماء في أنفس النشء.
٢ - تعليم الصبية قراءة الحروف العربية وكتابتها، وتحفيظهم ولو شيئاً
يسيراً من القرآن يتمكنون من خلاله أداء صلواتهم على الوجه المطلوب.
٣ - إشعار أطفال المسلمين الذين يترددون على هذه الكتاتيب بتميزهم عن
غيرهم من أهل الأديان الأخرى.
٤ - تمكين النشء في أهم مرحلة من عمره من العيش في بيئة مسلمة يتربى
فيها على الخلق الإسلامي.
ب - المعاهد الدينية:
شعر المسلمون في إرتيريا أن الخلاوي القرآنية وحدها غير كافية في حفظ
هويتهم الإسلامية التي كانت وما زالت تتعرض للمسخ والطمس، وأحسوا بضرورة
توسيع تعليم الشرع الإسلامي على نحو منظم ومفيد، ففكروا بإنشاء المعاهد الدينية،
وبدأت الفكرة الأولى بالمعهد الديني الإسلامي بمصوع في عام ١٣٦٠هـ
١٩٤٠م؛ حيث بدأ يؤدي دوره بشكل كامل بعد خمس سنوات من ذلك التاريخ،
ووفقاً لما جاء في قانون المعاهد الدينية رقم [٥] الذي أصدرته دار الإفتاء الإرتيرية
في عام ١٣٨٥هـ = ١٩٦٥م فإن المعاهد الدينية في إرتيريا بدأت تنظم أعمالها في
مبانٍ خاصة وفق النظم العصرية في التعليم في عام ١٣٦٣ هـ = ١٩٤٤م، وذلك
لتحقيق الأهداف الآتية:
١ - حفظ الشريعة الإسلامية.
٢ - فهم علوم الشريعة ونشرها بين الناشئة الجديدة.
٣ - إيجاد الوعي الديني والثقافي في نفوس الناشئة.
٤ - صيانة الناشئة من وباء الجهل والعلمنة والانحراف عن المبادئ
الإسلامية.
٥ - إخراج فئة يسند إليها أمر الثقافة الإسلامية والعربية وتعليمها للأجيال.
وكان هذا القانون الذي وضعته دار الإفتاء الإرتيرية أول محاولة لتنظيم المعاهد
الدينية وتوحيدها في إرتيريا؛ إلا أن الظروف الأمنية والسياسية لم تساعد في
تطورها للأفضل، واستمرت الجهود الأهلية في إنشاء المعاهد بلا تنسيق، مع عدد
محدود من المعاهد التي تشرف عليها لجان الأوقاف في المدن الرئيسة، وقد بلغ
عدد المعاهد الدينية في إرتيريا كلها في فترة من الزمن ما يزيد على عشرين معهداً
يتراوح عدد الدراسين فيها بين ستمائة إلى مائتي طالب وطالبة في كل معهد،
وانتشرت هذه المعاهد في أغلب مدن إرتيريا، منها: أسمرا، ومصوع، وجندع،
وحقات، وصنعفي، ومنصورة، وأغردات، وأفعبت، وعدي قيح،
ودقمحري، وإرافلي، وطرونا، وشِعب، وزولا، ومندفرا، وعدي خوالا،
ومِكَعْليلي، وأفتي، وتعد مدينة كرن الأكثر حظاً؛ حيث كان فيها حوالي سبعة
معاهد.
وبعد سقوط نظام الإمبراطور هلاسي لاسي الصليبي الذي كان يتعامل مع هذه
المعاهد بالإهمال والتضييق عليها وجدت المعاهد الدينية في عهد الحكم الشيوعي
الإثيوبي بعض الانفراج؛ حيث عمل هذا النظام على إدخال العلوم التطبيقية التي
تدرس في المدارس الحكومية في هذه المعاهد، وتحمل نفقات المدرسين الذين
يدرسون هذه المواد، وأذن لطلاب المعاهد بالدخول في امتحانات الشهادة الابتدائية
العامة التي تعقد على مستوى الوطن، مما شجع الكثير من الأهالي على تعليم
أبنائهم في هذه المعاهد لاشتمالها على العلوم الشرعية والعلوم العصرية التي يمكن
أن يتلقوها في المدارس الحكومية.
وقد عانت هذه المعاهد الكثير من المصاعب التي تمثلت في قلة الموارد،
وضيق المباني، وضعف المدرسين، وانحصارها على المرحلة الابتدائية غالباً،
واضطراب المناهج التي تدرس فيها؛ حيث تجد أن المعهد الواحد ينتقل من المنهج
الأزهري إلى السوداني، وإلى السعودي.
ج - المدارس العربية والإسلامية:
كانت هناك مجموعة من المدارس العربية والإسلامية في إرتيريا تختلف عن
المعاهد الدينية لجمعها بين العلوم العربية والشرعية والعلوم التطبيقية، وكان مما
دعا إلى تأسيسها أن المدارس الحكومية التي كانت تدرس باللغة العربية في فترة
الانتداب البريطاني لم تكن العلوم الدينية مدرجة في مناهجها، فاضطر العرب
المقيمون في إرتيريا إلى تأسيس مدرسة خاصة باسم مدرسة الجالية العربية التي
تبنت المنهج المصري، كما أسس المسلمون الإرتيريون عدداً من المدارس
الإسلامية الأهلية في كل من أسمرا ومصوع وكرن، وأغلب هذه المدارس لم
تستطع الاستمرار في أداء مهمتها، فتم تأميم بعضها من قِبَل الحكومة الإثيوبية
وأصبحت مدارس عادية، ولم يبق من هذه المدارس العربية الإسلامية سوى مدرسة
الجالية العربية التي تم تأميمها بعد الاستقلال من قِبَل نظام الجبهة الشعبية الحاكم في
إرتيريا وتبديل اسمها إلى مدرسة الأمل، وألغيت منها المواد الشرعية! ! بينما ما
زالت مدرسة الضياء في أسمرا تؤدي دورها حتى هذا اليوم.
وبالرغم من العقبات الذاتية والخارجية التي واجهت التعليم الإسلامي في
إرتيريا إلا أنه يمكن إجمال أبرز الثمار التي أثمرها في النقاط الآتية:
١ - إيجاد نخبة من المعلمين الذين يواصلون مسيرة التعليم الإسلامي في
إرتيريا.
٢ - إعداد بعض القضاة الشرعيين (في الأحوال الشخصية) .
٣ - تكوين مجموعة من أئمة المساجد والخطباء والدعاة.
٤ - إبراز مجموعة من الغيورين الذين يتحملون عبء الشؤون الإسلامية
العامة كلجان الأوقاف وغيرها.
٥ - تهيئة أعداد جيدة من الطلاب يمكنها الالتحاق بالجامعات العربية
والإسلامية.
٦ - الإسهام في حفظ الهوية الإسلامية للشعب الإرتيري المسلم.
واقع التعليم الإسلامي بعد الاستقلال:
لم يمر بالتعليم الإسلامي في إرتيريا وضع أسوأ مما يمر به الآن بعد
الاستقلال تحت حكم نظام الجبهة الشعبية الجائر؛ فقد أسفر هذا النظام عن وجهه
الصليبي من خلال تعامله مع المؤسسات الإسلامية وفي مقدمتها مؤسسات التعليم
الإسلامي، وقام بإجراءات لم يسبق أن تجرأ أي محتل على القيام بها، مما أدى
إلى تقلص عدد المعاهد والدارسين فيها إلى أدنى من الربع مما كان عليه قبل
الاستقلال، ومن أهم الخطوات التي قام بها هذا النظام لاختزال دور المعاهد الدينية
والمدارس الإسلامية ما يلي:
١ - الزج بالدعاة ومعلمي المعاهد الدينية في غياهب السجون.
٢ - إغلاق بعض المعاهد بحجة عدم أهمية ما تقدمه في التنمية البشرية،
وغيرها من الحجج الواهية من أجل تجفيف منابع الصحوة الإسلامية، وإبعاد
المسلمين عن التمسك بالدين الإسلامي، وعزلهم عن الثقافة الإسلامية والعربية.
٣ - سن قانون يمنع المؤسسات الإرتيرية أياً كانت من تلقي المعونات
الخارجية، إلا عبر الحكومة القائمة، وكانت المؤسسات الإغاثية والتعليمية
الإسلامية هي المستهدفة من إصدار هذا القانون.
٤ - عدم الاعتراف بالشهادة التي تصدرها هذه المعاهد، أو التعاون معها بأي
شكل من الأشكال، ومعاملة الطلاب الذين يدرسون فيها معاملة العاطلين عن العمل
والدراسة، فيكونون عرضة للتجنيد الإجباري أكثر من غيرهم.
فالمعاهد القليلة المتبقية الآن تعد معاهد صورية؛ وذلك لأنه تم إفراغها من
المعلمين الأكفياء، وقلَّ عدد الطلاب الذين يدرسون فيها مقارنة بما كان عليه الحال
قبل سيطرة الجبهة الشعبية على حكم البلاد والعباد، ولعل الكتاتيب هي الوحيدة
التي لم يستهدفها النظام الحاكم مباشرة، ولكنها هي أيضاً تحت المراقبة والمتابعة
الشديدة، وقد يكون السبب في عدم تعرضها للإغلاق استهانة النظام بدورها؛ لأنها
في الغالب لا تعلِّم غير القرآن، ولا يدرك الصبي معاني كلمات القرآن التي يقرؤها،
ويبدو أن النظام يسير وفق تخطيط مرحلي وأسلوب خبيث ماكر؛ بحيث تكون
البداية المعاهد، وما هي إلا فترة زمنية محدودة ويأتي الدور على الكتاتيب أيضاً،
وهذا ما تشير إليه الدلائل في بعض مناطق إرتيريا؛ حيث عمد النظام إلى اختطاف
معلمي بعض الكتاتيب وسجنهم بحجج مختلفة حتى تبقى الخلوة بدون معلم، فتنتهي
تلقائياً دون أن يأمر النظام بغلقها مباشرة.
التعليم الإسلامي في معسكرات المهاجرين الإرتيريين بالسودان:
كان المهاجرون الإرتيريون الذين فروا بدينهم وأبدانهم من نير الاحتلال
الإثيوبي الصليبي في بداية الهجرة يلحقون أبناءهم بالكتاتيب والمدارس والمعاهد
السودانية، إلا أن أعدادهم أصبحت تزداد يوماً بعد يوم فكان لزاماً عليهم أن
يؤسسوا مؤسسات تعليمية تعنى بالعلوم الإسلامية في المناطق التي خصصت لهم،
فأسسوا كتاتيبهم ومعاهدهم ومدارسهم بجهودهم الذاتية، وكان أول معهد ديني يقام
في وسط المهاجرين في منطقة ود الحليو في عام ١٣٩٦هـ = ١٩٧٦م، وقد
توالت بعد ذلك في مناطق أخرى بسبب الهجرة المتزايدة يوماً بعد يوم.
وهناك نوعان من الكتاتيب في مناطق المهاجرين: أحدهما: كتاتيب عادية
تقام في وسط الأحياء يحضر إليها الصبي من منزله في الفترة الصباحية والمسائية،
وثانيهما: عبارة عن مراكز لتحفيظ القرآن تقام في وسط المعسكرات أو في مناطق
نائية، ويلتزم فيها الدارسون بالإقامة الداخلية في هذه المراكز غالباً، ويتفرغون
ليلاً ونهاراً لحفظ القرآن وتلقي بعض العلوم الشرعية، وتعتمد هذه المراكز على
تبرعات المحسنين من الداخل والخارج.
أما المعاهد الدينية فهي لا تختلف عن المعاهد التي في داخل إرتيريا القائمة
على الجهود الخاصة.
وقد أسهمت بعض المؤسسات في توسيع قاعدة التعليم الإسلامي في مناطق
المهاجرين، وذلك مثل جهاز التعليم الإرتيري الذي كان تابعاً لجبهة التحرير
الإرتيرية قوات التحرير الشعبية، حيث كان يشرف على أربعة معاهد دينية،
ويتحمل رواتب معلمي بعض الخلاوي القرآنية، بالإضافة إلى إقراره لمادة الدين
في مدارسه التي كانت تبلغ ستاً وعشرين مدرسة، وذلك قبل استسلامه للنظام
الحاكم في إرتيريا.
كما أسهمت بعض الجماعات والهيئات الخيرية في التعليم الإسلامي في تلك
المناطق كجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان التي أسست مجموعة من المراكز
والمعاهد في كل من مدينة كسلا وبعض معسكرات اللاجئين، وقد تخرج فيها عدد
كبير من الإرتيريين تمكنوا من مواصلة دراساتهم الجامعية عبر منح دراسية في
مختلف الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي، وهناك أيضاً مؤسسة الحرمين
الخيرية في الآونة الأخيرة، وهيئة الأعمال الخيرية الإماراتية وهيئة الإغاثة
الإسلامية العالمية وغيرها من الجمعيات الأخرى، إلا أن أهم جمعية تقوم بالجهد
الكبير في هذا الصدد في الفترة الحالية هي جمعية الإحسان الخيرية.
جمعية الإحسان الخيرية:
وهي جمعية خيرية إسلامية تعمل في مجال الدعوة والتعليم والإغاثة في
أوساط المهاجرين الإرتيريين بشرق السودان وداخل إرتيريا، تأسست عام ١٤١٤
هـ ومن أهم أهدافها نشر الإسلام، وتربية النشء على تعاليم الدين عبر إنشاء
المؤسسات التعليمية المختلفة، ومن أجل تحقيق أهدافها هذه قسمت أعمالها إلى
مجموعة من الشُّعَب أهمها شعبة التعليم التي تحوي قسمين:
- قسم التعليم المنظم: ويشرف على مدرسة ثانوية، وثلاث مدارس ابتدائية
ومتوسطة أخرى، ومعهد لإعداد حفظة القرآن، وستة معاهد للبنات.
- قسم المراكز والخلاوي: ويشرف على ثلاثة وعشرين مركزاً لتحفيظ
القرآن وتعليم بعض العلوم الشرعية، وقد خرَّجت هذه المراكز حوالي سبعمائة
حافظ متقن، ولها أيضاً تسعة عشر مركزاً نسوياً بلغ عدد الحافظات اللواتي تخرجن
فيها سبعين حافظة، كما يشرف هذا القسم على عدد من الخلاوي تربو على التسعين
خلوة، ويبلغ مجموع الطلاب الذين تشرف عليهم الجمعية الآن حوالي ١٠٢٨٠
منهم ٤٨٦٠ طالبة، يقوم على تعليمهم وتربيتهم مجموعة خيرة من المعلمين والدعاة
والمقرئين من خريجي الجامعات الإسلامية وغيرهم، وتكفل منهم الجمعية وحدها
حوالي ٣٣٢ معلم وداعية ومقرئ.
وقد أثمرت هذه الجهود بفضل الله تعالى ثمرات عظيمة يلمسها كل من عايش
وضع المهاجرين الإرتيريين في السودان منذ بداية هجرتهم حتى هذا اليوم؛ حيث
ترسخت العقيدة الصحيحة في نفوس النشء، والشباب، وأصبحت الآثار واضحة
في سلوك أفراد المجتمع الإرتيري المسلم المهاجر في السودان ومواقفهم.
ولم تتوقف جهود الجمعية على الجانب التعليمي فقط، بل تقوم بجهود دعوية،
واجتماعية، ومشروعات خيرية متنوعة.
إلا أن هذه الجهود ما زالت معرضة للمخاطر نظراً لاعتمادها على الزكوات
والهبات والمعونات غير الثابتة التي يتبرع بها المحسنون، والمؤسسات الخيرية
التي لا تؤمّن لنفسها مصادر دخل ثابتة؛ فإنها معرضة في أي لحظة لانحصار
نشاطها أو الانهيار تماماً لا قدر الله وهذا ما يدعو المرء لدعوة الغيورين من أبناء
الأمة الإسلامية وبخاصة القادرين منهم على أن يسهموا بإسهمات كبيرة تجعل هذه
المؤسسات تعتمد على مصادر ثابتة من خلال مشاريع استثمارية أو أوقاف ثابتة
يستفاد من دخلها على المدى البعيد بشكل مستمر.
стр. 3611
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish١٠٠@hotmail.com
صور شيشانية
١ - قال أحد أبرز الجنرالات الروس الذين قادوا الحرب الشيشانية إن زوجة
المقاتل الشيشاني وأطفاله يجب أن يقتلوا لأنهم قُطَّاع طرق أيضاً؛ وفي حديث إلى
صحيفة نوفايا غازيتا ذكر فلاديمير شامانوف الذي قاد المحور الغربي في المرحلة
الأولى، ويقود الآن قيادة الجيش ٥٨، أن قواته دمرت في مدينة الخان يورت
منازل كان فيها ١٢ مقاتلاً و ٨ متعاونين معهم، ومن ضمنهم زوجات مقاتلين. إن
على زوجة قاطع الطريق أن تهجره أو أن تعامل مثله وكذلك أولادها.
وبمنطق جنرالي قال شامانوف: إن قطاع الطرق المقاتلين الشيشانيين إما أن
يفهموا أخلاقياتنا أو يبادوا.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٦١٤) ]
٢ - حدد الزعماء الشيشانيون تسعيرة بالدولار عن كل ضابط روسي أو
جندي يتمكن المقاتلون من اصطياده ببنادقهم. وأكد مسؤولون روس أن مقاتلي
الشيشان يتلقون مقابلاً مادياً يصل إلى ثمانية آلاف دولار أمريكي مقابل كل فرد من
أفراد الجيش الروسي يلقى حتفه في الشيشان؛ ويبلغ المقابل المادي عن الضابط
٣٠٠ دولار أما عن الجنود الذين لا يحملون رتباً فيصل إلى ١٠٠ دولار، فيما
يتراوح مقابل ضابط الأركان بالمقر الروسي في خانكالا من ٥ إلى ثمانية آلاف
دولار. وأشار هؤلاء المسؤولون إلى أنه تم أيضاً تحديد المقابل النقدي عن حاملة
الأفراد المدرعة التي تتعرض للقصف ألف دولار وعن سيارة الجيب ٥٠٠ دولار.
[جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٣٣٧) ]
٣ - دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأوروبين إلى مؤازرة موسكو في
مواجهتها «أممية الأصوليين الإسلاميين» التي قال إنها تشكل «قوساً من
الاضطرابات، يمتد من الفلبين إلى كوسوفا» ؛ وأكد أنه لن يتراجع عن هدف
تصفية بؤر الإرهاب، وقال إن النزاع المسلح في القوقاز تقف وراءه «أممية
أصوليين إسلاميين» ، وأشار إلى أنه يشكل خطراً بالغاً على أوروبا؛ حيث يوجد
عدد كبير من المسلمين. ولام الأوروبيين؛ لأنهم تركوا روسيا وحدها في حين كان
عليهم أن يشكرونا وينحنوا إجلالاً لكفاحنا ضد الإرهاب.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٦٣١) ]
٤ - أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
وجه رسالة شخصية إلى الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي تتعلق بالعلاقات بين
بلديهما.
وقال البيان: إن موسكو وطرابلس بحثتا في مشاكل مكافحة الإرهاب الدولي،
وأن ليبيا أكدت دعمها للعمليات التي تنفذها روسيا لـ «وضع حد للتطرف
والانفصال المسلحين» في الشيشان.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٦٣٠) ]
إنجاز عربي! !
أخيراً حقق العرب الاكتفاء الذاتي وأعلنوا الحرب على المستورد، بل
يستعدون الآن لاقتحام الأسواق الخارجية، ويحتاطون من سرقة الخواجات لأفكارهم
الألمعية!
ولكن قبل أن نقيم الأفراح والليالي الملاح، علينا أن نتذكر أن هذه القفزة
التنموية الهائلة لم تحدث في صناعات الفضاء أو البرمجيات والعياذ بالله أو حتى يا
أخي في مجال البونبون واللبان! نعم! فالإنجاز العربي يحدث هذه المرة على شبكة
الإنترنت متمثلاً في تقديم أول موقع إباحي للجنس باللغة العربية للبالغين فقط!
[مجلة الأهرام العربي، العدد: (١٧٢) ]
لا دين في السياسة أيها العرب..!
انتقدت السلطة الفلسطينية فتوى مفتي الديار الفلسطينية الشيخ عكرمة صبري
التي يحظر بموجبها على الفلسطينيين التنازل عن الحق بالعودة للاجئين أو القبول
بالتعويض لمن لا يرغب في العودة. واعتبرتها تدخلاً في شؤون سياسية لا يحق له
التدخل فيها.
وقال الطيب عبد الرحيم الأمين العام للرئاسة الفلسطينية: إن المفتي لا يحق
له التدخل في هذه الأمور. وفي تصريحات صحافية أدلى بها قال عبد الرحيم: إن
المفتي ليس زعيم فصيل سياسي أو حركة، لذا لا يحق له إصدار فتوى في قضايا
سياسية. وطلب عبد الرحيم من المفتي عدم التدخل في تلك القضايا؛ وكان الشيخ
عكرمة قد أصدر فتوى اعتبر فيها قبول التعويض عن الأرض الفلسطينية مثل بيعها
وأن ذلك لا يجوز شرعاً. وشدد المفتي في فتواه على أن كل من يأخذ التعويض
عن ممتلكاته إنما يرتكب أمراً حراماً. ونوه المفتي إلى أن الديار الفلسطينية ليست
سلعة للبيع والشراء فهي وقفية مباركة مقدسة. واعتبرت الفتوى (حق العودة
والتعويض) أمراً جائزاً شرعاً. وتؤكد الفتوى أنه من حق اللاجئ العودة لأرضه
والمطالبة بالتعويض عن الأضرار والمعاناة والخسائر التي لحقت به وبأولاده
وأحفاده، في حين اعتبرت الفتوى العبارة التي تقول: (حق العودة أو التعويض)
لا تجوز شرعاً لأن التعويض عن الأرض محرم شرعاً. وخلصت الفتوى إلى
القول إن الذي لا يرغب في العودة ليس له الحق بأخذ التعويض مهما كانت الأسباب
ومهما كانت المسوِّغات. من ناحية ثانية أصدرت هيئة العلماء والدعاة ومقرها
القدس بياناً قالت فيه: «إن كل من يقبل التعويض عن أرضه يعتبر مرتداً وخارجاً
عن جماعة المسلمين؛ فأرض الإسراء ليست موضع تنازل أو مساومة وليست
سلعة للبيع والشراء» ؛ من ناحية ثانية حذرت إسرائيل من خطورة تدخل
المرجعيات الإسلامية في الجدل حول القدس. وقال إسحق ليفي الوزير المستقيل
من حكومة إيهود باراك: إن مثل هذا التدخل يمهد الطريق أمام إضفاء مزيد من
التطرف على مواقف الطرف الفلسطيني حول موضوع القدس؛ يذكر أن العديد من
المرجعيات الدينية الرسمية والحزبية في إسرائيل قد أصدرت فتاوى تحظر بموجبها
على المستوى السياسي إبداء أي تنازل في السيطرة الإسرائيلية على الأماكن
المقدسة أو حتى على صعيد إخلاء مستوطنات يهودية في الضفة الغربية وقطاع
غزة.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٩١١) ]
المفضوحون! !
طلبت امرأة تدير شبكة كبرى لفتيات الهوى في تل أبيب من رئيس الكنيست
الإسرائيلي «أبراهام بورغ» أن يتدخل لتسوية ديون مالية كبيرة واستحقاقات
مترتبة عليها لمصلحة الضرائب في «إسرائيل» مهددة في الوقت ذاته بكشف
أسماء سياسية بارزة ولامعة من بينها أسماء لأعضاء في الكنيست كانت قد قدمت
لهم خدمات جنسية عن طريق الشبكة التي تديرها، وذلك في حالة عدم مساعدتها
في التهرب من الضرائب الباهظة المترتبة عليها لحكومة الكيان الصهيوني؛ وتقول
المرأة التي تحاول حالياً ابتزاز شخصيات سياسية وأعضاء في الكنيست من بينهم
رئيسه أنها تملك وثائق تثبت تورط أعضاء في الكنيست وشخصيات أخرى بفضائح
جنسية عبر شبكة الإنترنت، كما تؤكد المرأة أن بحوزتها أشرطة فيديو وصوراً
ووثائق تثبت صحة ادعائها، وتقول المرأة إنها قدمت في السابق خدمات جنسية
لأعضاء في الكنيست.
[جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٤٠) ]
التهم المكررة
نفذت الصين حكم الإعدام على ستة من أفراد جماعة عرقية تقاتل للحصول
على الاستقلال في شمال غرب البلاد، وأعدم الرجال الستة، وجميعهم من أقلية
الإيغور المسلمة بعد محاكمة علنية أقيمت في عاصمة إقليم شينجيانج الصيني الذي
تقطنه أغلبية مسلمة. وقالت الصحيفة شينجيانج الرسمية اليومية إن الرجال الستة
أعضاء فيما سمته بمنظمة إسلامية «رجعية» قالت إنها تستهدف إقامة دولة مستقلة
في الإقليم؛ وأضاف تقرير الصحيفة أن المحكمة وجهت إليهم اتهامات بالقتل
وإحداث البلبلة في البلاد. وكان أحد الرجال الستة قد اعتقل وبحوزته أربعة أطنان
من المواد الكيماوية التي يمكن استخدامها في صناعة متفجرات.
موقع هيئة الإذاعة البريطانية على الإنترنت
http://bccarabic.com
سلطة تحتاج
إلى دعم! !
إثر ضغوط مكثفة مارسها مانحون من جهات عديدة على مدى بضع سنوات،
كشف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أسراراً مالية مهمة تراوحت بين مدخرات
بعشرات الملايين من الدولارات أودعت بصندوق للصرف على الرشاوى والدفع
بسخاء لاسترضاء الموظفين، إلى فرض احتكار على صناعة الإسمنت وانتهاءاً
بأسهم قيمتها ٦٠ مليون دولار في كازينو يدرُّ من الأرباح ما يفوق الوصف؛
وكانت الجهات المانحة بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد طالبت في
مرات عديدة السلطة الفلسطينية بالكشف عن معاملاتها المالية بما في ذلك الموارد
الضريبة المقدرة بعشرات الملايين والتي يتم تحويلها إلى حسابات سرية في البنوك
الإسرائيلية ولا يسمح لأحد بالاطلاع على التفاصيل الخاصة بها إلا الرئيس عرفات
والمقربين منه في أوساط المستشارين، ويستفاد من التقرير المالي للسلطة
الفلسطينية الذي عرض في المقام الأول على مؤتمر للمانحين انعقد في العاصمة
البرتغالية لشبونة أن نحو ٥٣٠ مليون دولار لم تدرج بالخزانة الفلسطينية في العام
المالي ١٩٩٩م؛ وأعلن وزير التخطيط الفلسطيني نبيل شعث الذي ساهم بإعداد
التقرير الأخير أن الرئيس عرفات امتنع لسنوات عديدة عن السماح بنشر أو تداول
البيانات والمعلومات الخاصة بالحسابات السرية بحجة أنه يرغب في استثمارها؛
وقال المستشار الاقتصادي بمكتب الممثلية النرويجية في الضفة الغربية تريجر
لارس «ما فعلته السلطة شيء إيجابي بكل المقاييس» .
[جريدة الاتحاد الإماراتية، العدد: (٩١٣١) ]
«طوبى»
لأبو قريع
أبو قريع هو رئيس البرلمان الفلسطيني والرجل الذي فاوض الصهاينة سراً
في أوسلو، أبو قريع يمتلك مصنعاً للباطون وإنتاج مصنعه يذهب بالكامل إلى
المستعمرات اليهودية، كشفت عن هذه الفضيحة الصحف الإسرائيلية؛ فقد ذكرت
صحيفة إسرائيلية أن رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني أحمد قريع يقوم ببيع
الباطون الجاهز إلى المقاولين الإسرائيليين العاملين في بناء المستوطنة الجديدة في
جبل أبو غنيم في القدس المحتلة. وقالت أسبوعية يروشلايم التي أوردت ذلك في
عددها الصادر الجمعة ٧/٧/٢٠٠٠م إن رئيس المجلس التشريعي أبو العلاء شريك
في ملكية مصنع لإنتاج الباطون الجاهز ومواد البناء في أبو ديس يزود إنتاجه
المقاولين اليهود في مستوطنة هارحوما التي تقوم إسرائيل بتشييدها على أراضي
فلسطينية مصادرة في جبل أبو غنيم في الضواحي الجنوبية لمدينة القدس العربية
المحتلة؛ وأشارت إلى أن أبو العلاء كان قد انضم قبل ثلاث سنوات كشريك في
ملكية مصنع الباطون ومواد البناء العامل في بلدة أبو ديس مسقط رأس رئيس
المجلس التشريعي الفلسطيني ومكان إقامته وعائلته الحالي؛ وتستطرد الصحيفة أنها
علمت أن مسؤولين كباراً في السلطة الفلسطينية عبروا عن غضبهم إزاء صلة
الأعمال القائمة بين المصنع الفلسطيني وشركات البناء الإسرائيلية في مستوطنة أبو
غنيم لكن مقربين من أبو العلاء يقولون حسب ما تنسب إليهم الصحيفة ذاتها أن
الأمر لا يتعدى كونه مشروعاً وعملاً تجارياً بحتاً؛ ويضيف هؤلاء المقربون في
تعقيب لهم أن المستوطنات اليهودية الواقعة خارج الخط الأخضر أي ضمن أراضي
الضفة الغربية ستنقل بطبيعة الحال عاجلاً أم آجلاً إلى السيطرة الفلسطينية، ولذلك
فإن بيع مواد البناء للمقاولين اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يعد مساعدة
لـ «إسرائيل» أو مساعدة في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، ومن
المعروف حسب ما تضيف الصحيفة أن المصنع ذاته في أبو ديس يورد إنتاجه
أيضاً لمقاولين إسرائيليين يتولون تنفيذ مشاريع بناء في مستوطنة معاليه أدوميم
المقامة في جزء منها على أراضي أبو ديس والعيزرية وفي مستوطنات يهودية
أخرى في الضفة الغربية. وتقول الصحيفة إنها لم تتلق لغاية موعد إقفال عددها
تعقيباً مباشراً من السيد أحمد قريع على ما تضمنه خبرها.
موقع جريدة (عرب تايمز) على الإنترنت
http://www.arabtimes.com
ولو مات الفقراء! !
أقر مجلس الشيوخ الأمريكي بسهولة مشروع ميزانية للإنفاق العسكري بقيمة
٢٨٨ مليار دولار تتضمن زيادة في الرواتب وتحسين الخدمات الصحية ودعم جهود
تجنيد والاحتفاظ بقوات. ويزيد حجم الميزانية بنحو ٣. ١ مليار دولار عما كان
يسعى إليه الرئيس بيل كلينتون كما يزيد الإنفاق المالي لعام ٢٠٠١م بنحو ٢٠ مليار
دولار عن العام الماضي.
[جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٣٠٢) ]
نموت.. وتحيا العلمانية! !
في أثناء المرحلة الثانوية كنا في أثناء حصص الرياضة نرتدي الشورت ولم
تكن هناك أي مشكلة.. ولكن بدأت تظهر المشاكل حينما بدأت التيارات الرجعية
تتوسع شيئاً فشيئاً فارضةً نفسها وتريد أن تفرض طابعها الديني وهذا ما لا نقبله؛
إننا دولة علمانية، وأنا فخور بكون تركيا الدولة العلمانية الوحيدة في العالم
الإسلامي ولولا العلمانية لما كانت دولة كبيرة. نحن دولة حقوق والجميع بها متساوٍ
ولا يمكن أن تحتكر القلة الدين لتطبقه بالطريقة التي تريدها، وأنا مع عدم ارتداء
الحجاب في أماكن العمل والجامعات لأنه هنا له مدلول سياسي! ! فالدول الأوروبية
واذكر هنا ألمانيا وفرنسا تمنع وجود الطالبات في مدارسها بالحجاب لأنه ببساطة
ضد تقاليدها العلمانية هذه هي الحال في أوروبا فكيف تكون في تركيا؟ !
ومن وجهة نظري المشكلة في تركيا أو الدول الإسلامية ليست في الدين وإنما
في المؤسسة الدينية؛ فرجالها غير متعلمين، وأذهانهم مقفولة أمام كل شيء، إنني
على يقين من أن الإسلام هو الأفضل لحياتنا. ومهمتنا هي الدفاع عنه ضد هؤلاء
الذين يريدون الحجر علينا وعلى عقولنا باسم الدين وكأنهم أوصياء علينا نفعل كذا
ولا نفعل كذا. إنهم يريدون أن نغلق عقولنا وألا نفكر. إنني أقول وبكل صراحة:
لا قدسية لكلام رجال الدين.
[جول سراي، نائبة في البرلمان التركي ومرشحة رئاسة التي تنازلت للرئيس
نجدت سيزر، مجلة الأهرام العربي، العدد: (١٧٢) ]
وليمة يمنية! !
إذا كان المكفرون في مصر قد كفروا أعشاب البحر فإن المكفرين في اليمن
يكفرون براً وبحراً وجواً؛ إذا كان أولئك يكفرون الأحياء فإن هؤلاء يكفرون
الموتى. ويطلقون كاتيوشا التكفير على السمك في الماء وعلى النوارس في السماء،
وعلى الوعول والغزلان في البر.. يكفرون كل الأعشاب بالأخضر منها واليابس
باستثناء عشب القات؛ لقد راح المكفرون في اليمن يجارون المكفرين المصريين
ويبحثون لهم عن وليمة على غرار «وليمة لأعشاب البحر» وكان أن وجدوا
ضالتهم في رواية الأديب محمد عبد الولي «صنعاء مدينة مفتوحة» التي فتحت
شهية التكفير لديهم؛ وحقيقة فإن «وليمة لأعشاب البحر» وليمة حية ودسمة
فالكاتب «حيدر حيدر» حي يعيش واللحم طازج وطري ومشبع بالدسم.. أما
وليمة (صنعاء مدينة مفتوحة) . فهي وليمة صغيرة وبائسة. لا لحم فيها ولا دم
ولا دسم. فصاحب الرواية مات قبل أكثر من ربع قرن بحادث طائرة.. لكن
المكفرين هنا قد تحلقوا حول وليمتهم وراحوا يرقصون ويدقون الطبول مثلهم مثل
أكلة لحوم الموتى. هكذا ليس المصريون وحدهم يمتلكون سلاح التكفير. نحن
أيضاً في اليمن نمتلك مثل هذا السلاح مع الفرق هو أن المكفرين في مصر يشهرون
سلاح التكفير ضد التفكير، أما عندنا فيوجد تكفير من غير تفكير.. يوجد مكفرون
من دون مفكرين.. لهذا السبب ولأن اليمن يعاني من ندرة المفكرين لجأ المكفرون
إلى تكفير الموتى.. وصار شعارهم: أنا أكفِّر إذن أنا موجود؛ إنهم يكفرون ليثبتوا
وجودهم، وليؤكدوا بأنهم قوة لها ثقلها في الشارع. وهم إن لم يجدوا شخصاً
يستحق التكفير كفر بعضهم بعضاً. وكفروا كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله، وهم يعتقدون أن كل كاتب أديب وشاعر كافر حتى يثبت براءته
ويعلن توبته! !
[الكاتب اليمني، عبد الكريم الرازحي، مجلة المجلة، العدد: (١٠٦٧) ]
في النهاية.. كلب! !
بيعت الفيلا الفاخرة التي تملكها المغنية مادونا في ميامي بـ ٧. ٥ ملايين
دولار إلى غونتر الرابع أغنى كلب في العالم؛ وذكرت الصحف المحلية أن الشركة
التي تتولى إدارة ثروة الكلب المذكور أنجزت الصفقة وبات في إمكانه الاسترخاء
في الفيلا البالغة مساحتها ٧٨٠ متراً مربعاً؛ وقد ورث غونتر الرابع ثروته من
والده غونتر الثالث الذي كان عزيزاً جداً على قلب صاحبته الكونتيسة الألمانية
الراحلة كارلوتا ليبنشتاين التي تخلت له عن كل ثروتها البالغة ٦٥ مليون دولار قبل
وفاتها في ١٩٩٢م، وتبلغ ثروة غونتر اليوم ٢٠٠ مليون دولار.
[جريدة الأنباء، العدد: (٨٦٧٩) ]
تعليق على الأحداث
غانديهم وقرآننا! !
نشبت مشكلة قضائية في الهند بسبب عرض للأزياء ظهرت خلاله إحدى
العارضات وهي تقدم رداءاً يحمل صورة للمهاتما غاندي، وقد انتقدت محكمة هندية
الشركة المنظمة للعرض وقالت: إن هذا الزي الذي حمل على خلفيته صورة
المهاتما غاندي كان بمثابة إهانة لسيرة الزعيم الهندي، كما طالبت منظميه ورئيس
الشرطة المحلية بالاعتذار رسمياً للأمة. ويعد المهاتما غاندي الأب الروحي للهند
كما تتمتع صوره بمكانة خاصة في جميع أنحاء الهند؛ حيث يهب كثيرون للذود
عنها في حال تعرضها لأي انتهاك؛ وكان عرض الأزياء الذي تسبب في الجدل قد
نظم في مدينة جايبور بشمال الهند وأدى ظهور العارضة خلاله وعلى ظهرها
صورة المهاتما لإثارة غضب كثيرين من أتباع عقيدة غاندي الذين اعتبروا الأمر
حطاً من كرامته، وطالبوا بتحرك قضائي ضد منظميه، وقد طالب قاضي المحكمة
كلاً من الشركة المنظمة وقائد الشرطة في المدينة الذي كان ضمن حضور العرض
بالاعتذار للأمة قبل نظر القضية رسمياً.
عندما قرأت هذا الخبر، ورأيت حجم الضجة التي حدثت بسببه في الهند،
تذكرت كذلك خبراً آخر نشر صغيراً جداً وجانبياً جداً في بعض صحفنا العربية،
يذكر الخبر أن شاباً عربياً وخطيبته دخلا عرضاً للأزياء في إسرائيل، وأنه وجد
أثناء العرض أن الخلفية الموسيقية للعرض هي آيات قرآنية تتلى وكان ذلك تحديداً
عندما خرجت عارضة أزياء بملابس داخلية فاحشة، وهكذا مر الخبر سريعاً دون
اتهام أو دون إثارة، ويبدو أن الأمة تبلدت أحاسيسها حتى مع قرآن ربها، أما
الهندوس، فمع زعيمهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها، فيا لخيبة أمة يهان كلام ربها
ولا تتحرك!
ما زالت المأساة مستمرة
في واحدة من أهم مآسي المسلمين في العصر الحاضر، لا زالت مشكلة
مسلمي بورما في تزايد مستمر، وفي تجاهل مستمر، ولم نعد نسمع من المنظمات
الإغاثية شيئاً عن نجدتهم ولا طلب مساعدتهم برغم استمرار المأساة وشدتها على
المسلمين هناك، فقد تواصلت الانتهاكات الخطيرة في حق السكان المسلمين من
البورميين على يد القوات الحكومية البوذية؛ حيث لا زالوا يحرمون من أبسط
حقوقهم من مثل الحرية في الاعتقاد والسفر. فالسفر ممنوع من قرية إلى قرية إلا
برخصة من قوات الجيش؛ والتجنيد إجباري للجنسين مما يعني تعرض أعراض
المسلمات للانتهاكات والتجاوزات والاعتقال التعسفي والهمجي في حق المسلمين
متواصل؛ إذ يُغار على بيوتهم ليلاً ونهاراً ويُؤخذون إلى المعتقلات من دون توجيه
التهم إليهم؛ ويحظر عليهم بناء المساجد والمدارس الدينية إلا برخص يصعب
الحصول عليها، وصودرت منهم مزارعهم وأراضيهم وهجروا إلى مناطق وعرة
وغير صالحة للزراعة؛ وتتزامن هذه الانتهاكات والتجاوزات مع قيام القوات
البنغالية في بنجلاديش بطرد وإعادة الآلاف من المهاجرين البورميين إلى بيوتهم
بدعوة أن عقود الإقامة لديهم انتهت، وأن الأمم المتحدة لم تعد تتحمل مسؤولياتها
تجاههم، وهذا التهجير الإجباري يعرض هؤلاء المهجرين إلى مخاطر جمة منها
تلفيق التهم لهم بأنهم يتعاونون مع المقاتلين البورميين ومدهم بالعون والمدد مما
يعرض حياتهم للخطر الحقيقي؛ ومع الأسف فإن المحنة التي يتعرض لها الشعب
المسلم في بورما لم تلق إلى اليوم الاهتمام المطلوب من كشف الجرائم البوذية ضد
المسلمين في هذه البقعة من العالم وتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة لهم.
بين اليهود والهندوس
تتطور العلاقات الهندية الإسرائيلية بشكل لافت في الفترة الأخيرة، ويتركز
تمحور هذه العلاقة على اتفاق أكيد على محاربة «الإرهاب الإسلامي» فقد قام
وزير الداخلية الهندي «لال كيرشنا ادفاني» ووزير الخارجية «جاسوال سينج»
بزيارات متتابعة لـ «إسرائيل» نتج عنها تشكيل لجان وزارية مشتركة لإقامة
سلسلة من النشاطات التعاونية والتدابير التي تتعلق بمواجهة الإرهاب، كما اتفقت
الحكومة الهندية مع إحدى المؤسسات الإسرائيلية لشراء آلات حساسة ونصبها حول
معسكراتها لحمايتها من الحملات المفاجئة للمجاهدين الكشميريين. والتعاون بين
الدولتين البوذية واليهودية قديم ومتجدد ومتطور، إلا أن الذي ينبغي متابعته
والانتباه إليه هو تطور هذا الاتفاق وأثره على المسلمين والحركة الجهادية، وكان
أبرز هذه التطورات السلبية هو نقل ٥٠٠ يهودي هندي من قبيلة شينلانج التي تقيم
قرب الحدود مع بنجلاديش، وقد تم نقلهم بالفعل إلى الكيان الصهيوني وينتظر
الآلاف دورهم للحاق بإخوانهم.
النزيف الدامي
ما زالت المآسي تتكرر بصورة مستنسخة، الأولى كالثانية والأخيرة كالتي
سبقتها، وما زال المسلمون هم الوقود الأرخص لمحارق الحقد اليهودي أو
النصراني أو البوذي، وإن كانت بلاد المسلمين تملك أغلى أسعار الوقود السائل،
الخام منه والمكرر، إلا أن ذلك لم يمكنهم من الحفاظ على إخوانهم من أن يكونوا
وقوداً حياً لمحارق هنا وهناك.
وفي الجمهورية التي تنهار شيئاً فشيئاً، تظهر إندونيسيا أندلس جديدة،
والعجب أن المرء يظن أن أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان من المفترض
أن يكون مسلموها وهم الأغلبية في أمان مثل جميع الأغلبيات، إلا أن الوضع كان
مختلفاً تماماً؛ فها هم مسلمو إحدى المناطق الإندونيسية «جزر ملوكو» أو جزر
الملوك، أو جزر البهار يلاقون الأهوال على أيدي النصارى هناك، ووصل عدد
القتلى عشرات الآلاف في مجازر بشعة.
فبمناسبة الاحتفال بالسنة الجديدة وبميلاد المسيح ﵇ اجتمع بعاصمة
جزر الملوك نحو ٣٠ ألف مسيحي وهم يرفعون الأعلام الخاصة بمنطقتهم
والشعارات الداعية إلى الانفصال والمعادية للإسلام والمسلمين وكان منها: «نعم
لعيسى [﵇] ولا لمحمد [ ﷺ ] » .
ومن حينها نظموا تظاهرات تطالب بالاستقلال وتطهير جزيرتهم من الغزاة
الأجانب ويقصدون بهم المسلمين والبوذيين؛ وقام المتظاهرون المسلحون بالقنابل
والبنادق والسيوف والخناجر بالهجوم على بيوت المسلمين ومحلاتهم ومطاردتهم في
الشوارع والمرافق العامة، ثم القيام بإطلاق النار عليهم أو بذبحهم بالسيوف
والخناجر، ونظموا مجموعات من القناصة فوق الأسطح والبيوت، وتنافسوا فيما
بينهم أيهم يصيب الهدف. وكان ضحاياهم على قيد الحياة وكانوا يجهزون عليهم من
دون رحمة ولا شفقة؛ وكانت هذه الجماعات المتعصبة تحت قيادة مجموعة من
الرهبان والقساوسة التي كانت تلهب المشاعر وتحرضهم على تطهير الأرض من
نجس المسلمين.
وتتحدث المصادر الواردة من المنطقة أنه ألقي القبض على أحد أئمة المساجد
داخل مسجده وأطلقوا عليه النار فقتلوه، ولما علموا أنه دفن على أيدي المسلمين
أخرجوا جثته من القبر وأضرموا فيه النيران.
وقاموا كذلك بتلطيخ المساجد بلحوم الخنازير ودمائها، وكتبوا على جدرانها
بدم الخنازير شعارات تطالب بطرد المسلمين وإبادتهم؛ ويصف أحد الناجين من
المذابح صورة من المشاهد المروعة فيقول: «تم القبض على جيرانه القرويين
وسيقوا نحو المسجد. وكيف انتزع المهاجمون عدداً من الأطفال الرضع وأخذوا
يلقون بهم في الهواء، ويستقبلون أجسادهم الغضة على أطراف سيوفهم، ثم انتقوا
عشوائياً مجموعة من الأطفال وقيدوهم وشنقوهم واستخدموا أجسادهم المعلقة
كأهداف يتدربون عبرها على الرماية بالسهام، أم البالغون، فكانوا يمثلون بهم
أحياءاً قبل أن يقتلوهم، وكانوا يقولون للواحد منهم بلهجة ساخرة:» عفواً سامحني،
أريد أذنيك، أو أنفك، إلخ، ثم يقطعون أعضاءه ببساطة هكذا «!
وإن كان حكم سوهارتو قد نجح في رفع درجة الفقر في أوساط مسلمي
إندونيسيا، فيبدو أن ذلك لم يكن كافياً في السيطرة على المسلمين، فكانت السياسة
الجديدة هي القضاء عليهم وفي عهد إمام العلماء المسلمين» وحيد «.
يمكن مراجعة صور من مآسي المسلمين في جزر الملوك بزيارة الموقع الآتي
www.gemakhadijah.cjb.net
стр. 3612
في دائرة الضوء
نظرات في العقيدة القتالية في الإسلام
محمود سلطان
في كتابه «إشكاليات الفكر العربي المعاصر» يشير الباحث المغربي محمد
عابد الجابري، إلى أن «النهضة العربية الأولى التي انطلقت بظهور الإسلام،
لتفتح البلدان المجاورة، ولتشيد حضارة عربية إسلامية متميزة، إنما قامت بعد أن
استنزفت الحرب الطويلة كلاً من دولة الفرس، ودولة الروم» ! ! أو لسبب آخر
هو ما أسماه الجابري بوجود «ما يشبه الفراغ السياسي في المنطقة» [١] .
والجابري إذ يؤكد على ذلك فإنه يرفض أن تكون لمنظومة القيم الإيمانية التي أصَّلها
الإسلام في وجدان المقاتلين دوراً في الفتوح الإسلامية.
والجابري ليس استثناءاً؛ إذ إن نفراً من الباحثين العرب العلمانيين يذهبون
إلى ما يذهب إليه [٢] . ولعلنا نسأل: هل هذه هي الحقيقة الوحيدة في نهضة
الماضي كما يزعم المبطلون؟ ! إنه لمن الثابت أن العقيدة القتالية في الفكر
العسكري الإسلامي ترتكز إلى تضافر ما يسمى بـ «الشروط الموضوعية» أي
فهم واستيعاب أبعاد الواقع «الجيو سياسي» الذي ستدار المعركة في كنفه مع
«الشروط العقائدية» ، أي المخزون الإيماني المتجذر في الوجدان الجمعي للأمة
والذي يجعله الإسلام العامل الأكثر حسماً في توجيه مسارالحرب إما نحو النصر،
وإما نحو الهزيمة.
ولئن كان الخطاب القرآني يعلي من شأن الشرط الموضوعي: [وَأَعِدُّوا لَهُم
مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ] (الأنفال: ٦٠) . وكذلك كان النبي صلى
الله عليه وسلم القائد مؤصلاً لهذا المفهوم على الصعيدين السياسي والعسكري حين
أبرم عقود البيعة «بيعة العقبة» وعقود الصلح «صلح الحديبة» ، وفاوض قادة
«غطفان» و «نجد» في غزوة الأحزاب، واختار موقع نزول الجيش يوم
«بدر» بعد إعمال أساليب استثمار الخصائص البيئية والجغرافية للموقع عسكرياً
امتثالاً لقوله ﷺ : «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» [٣] ، بل
إن كتب السيرة تذكر أن النبي ﷺ قام بعمليات جمع وتحليل
المعلومات عن العدو؛ إذ استجوب ﷺ غلامين من «سقاة قريش»
أسرهما نفر من أصحابه كانوا يلتمسون الخبر له عند ماء بدر، ويسجل ابن
هشام الاستجواب على النحو الآتي: «قال لهما النبي ﷺ :» كم
القوم؟ «قالا: كثير، قال:» ما عدتهم «؟ قالا: لا ندري، قال:» كم ينحرون
كل ليلة؟ «، قالا: يوماً تسعاً، ويوماً عشراً» ، قال النبي ﷺ :
«القوم فيما بين التسع مئة والألف» [٤] ، ونحو ذلك من الوقائع التي تعكس إعلاء
الخطاب السياسي الإسلامي في عهد النبوة من قيمة «الاعتبارات الموضوعية»
المؤثرة في حاضر ومستقبل الجماعة المسلمة، ولئن كان الأمر كذلك، فإنه في
الوقت نفسه، يرفض الاعتقاد بأنها «المعيار» المطلق، أو «القيمة» المثلى
التي يستند إليها في استشراف ما ستؤول إليه الأوضاع بعد أن تضع الحرب
أوزارها.
والتراث العسكري الإسلامي يحتفظ لنا بتجربتين تعكسان فساد الرؤية
المرتكزة على «الأرقام» والحسابات «العقلية» وحسب في تأطير مقومات
النصر من جهة، وأسباب الهزيمة من جهة أخرى: الأولى «يوم بدر» ؛ إذ كان
المسلمون كما وصفهم القرآن آنذاك «أذلة» في إشارة إلى ضعف العدد والعدة
والحصار الحديدي الذي فرضته قريش سياسياً وعسكرياً واقتصادياً على المسلمين
والمدعوم بحقد وكراهية القبائل الأخرى المنتشرة بطول الجزيرة العربية وعرضها،
ومع ذلك كان النصر حليف هذه الفئة المستضعفة: [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ
أَذِلَّةٌ] (آل عمران: ١٢٣) ، والثانية «يوم حنين» إذ كان التفوق العسكري
لصالح المسلمين «اثني عشر ألف مقاتل» والمدعوم بصعود معنوي هائل بلغ
الذروة إثر فتح مكة وإخضاع «قريش» القوة العسكرية الرئيسة في الجزيرة
لسلطة الدولة الإسلامية الوليدة، ورغم ذلك لحقت بهم الهزيمة في بادئ الأمر:
[وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ
ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ] (التوبة: ٢٥) .
ومن هنا فإن العقل العسكري الإسلامي شديد الخصوصية والتميز عن نظيره
المصاغ وفق معايير ونظم مادية إلحادية محضة؛ إذ إن الأول ينزع إلى رفض
الانصياع الكامل لسلطة التفوق العسكري بوصفه شرطاً ينفرد وحده في توجيه مسار
الحرب؛ إذ إنه يؤمن بأن إلحاق الهزيمة بالعدو ليس مناطاً بالفلسفة الكمية وحدها،
ولكنه مناط بربط الأخيرة بهذا الثابت القرآني الخالد: [ِإن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] (محمد: ٧) . فهو يجمع بين ما هو موضوعي «التوظيف
الاستراتيجي للواقع» وما هو إيماني في عقيدته القتالية، وهو ما يفسر انتصاراته
الساحقة والمتلاحقة حتى وإن كان يتبوأ موقع «الاستضعاف» وعدوه يتبوأ موقع
«التمكين» [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ
النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ] (الأنفال: ٢٦) ، والتأييد من قِبَل الله مرهون
باستيفاء ما أشار إليه القرآن والسنة المطهرة من شروط، والتي يمكن إجمالها في
أن تستقي الحرب مشروعيتها من إعلاء كلمة الله، وإخلاص النية في ذلك، وفق
الضوابط الأخلاقية التي أصَّلها الإسلام فيما يمكن تسميته بـ «فقه الحرب» .
والتأييد يأتي في شكل قانون من نمط آخر يتعالى على ما هو مألوف في حياة
البشر من قوانين يفكك الثابت من النقائض، ويعكس ما تشير إليه من دلالات وهي
على حالها، معلناً أكذوبة عبادة «القوة» أو عبادة «الآلة» العسكرية أو أنها
تكفل وحدها إحراز النصر: [وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي
أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ] (الأنفال: ٤٤) .
ولذلك كان المفكر الفرنسي «روجيه جارودي» وقبل أن يشهر إسلامه شديد
الوعي بهذه التجربة العسكرية الإيمانية الفريدة؛ إذ نجده يقول: «إن انتشار
الإسلام لا يشابهه أي انتشار سبقه أو أتى بعده، من غزوات كانت يقوم بها بدو
آسيا، وكذلك من احتلال قام به الأوروبيون لغزو البلاد الضعيفة بالمدفع والبندقية
والرشاش، فلم تكن الجزيرة العربية آهلة بالسكان، ولم يمتلك العرب مثل ما كان
في بلاد فارس أو ييزنطة من الأسلحة والتقنيات العسكرية؛ فالإمبراطورية
الإسلامية إذاً لم تقم على مبدأ القوة الذي يمنحها تفوقاً عسكرياً ساحقاً، ولا يمكن
فضلاً على ذلك تطبيق أي من النظريات ذات المنحى الماركسي الضيق والموجز
التي تحاول أن تبحث عن سبب التاريخ وثوراته وتحولاته قياساً على التقنيات
والعلاقات الاقتصادية وصراعات الطبقات التي تنشأ عنها» [٥] .
ثم يقر جارودي بما سبق أن أشرنا إليه حين يقول: «إن هذا التوسع
الإسلامي السريع، والذي أدى غداة وفاة النبي ﷺ خلال اثني
عشر عاماً من عام ٦٣٣ ميلادية حتى عام ٦٤٥ ميلادية إلى تثبيت تفوق المسلمين
في فلسطين وسوريا وما بين النهرين ومصر، وهو انتشار لم يستطع إيقافه إلا
العوائق الطبيعية فقط كسلاسل الجبال في آسيا الوسطى وفي إيران الشرقية
وصحارى سيرتيابيك والنوبة. إن سبب هذا الانتشار السريع يرجع إلى أسباب
داخلية مرتبطة بجوهر الإسلام نفسه ولا يمكن تفسيره بأسباب خارجية أو حتى
بضعف أو تفكك الإمبراطوريات المهزومة مثل الرومانية في الشرق، والفارسية
وقبائل القوط الجنوبية في آسيا الوسطى ولا حتى لأسباب عسكرية فقط» [٦] .
ومن ثم فإن محاولات «مركسة» التاريخ الإسلامي (التفسير الطبقي للفتوح)
أو علمنته «تهميش الدور الطليعي للدين في نهضة الماضي» إنما ينطلق عن
وعي يفتقر إلى الحس التاريخي الناضج القادر على سبر غور الحقائق التاريخية
أنها رؤى تتخذ من «الظاهر» فقط مادتها التحليلية. وصدق الله تعالى حيث يقول:
[يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ] (الروم: ٧) .
стр. 3613
قضايا ثقافية
بين طب الأدلة وفقه الأدلة
د. أيمن بن أسعد عبده
في السنوات العشر الماضية، حدث تطور كبير وهام في طريقة التفكير
الطبي وحل المشكلات الطبية. ويتمثل هذا التطور في التحول التدريجي من الطب
المبني على الخبرة والتجربة إلى الطب المبني على الأدلة والنتائج المستخلصة من
البحث العلمي.
وقد بدأ هذا المنهج الجديد في الانتشار نتيجة لإدراك بعض العلماء والأطباء
أن كثيراً مما كان يعتقد أنه ثوابت طبية وحقائق علمية لا تقبل الجدل هي في
الحقيقة افتراضات متوارثة لم تثبت بالدليل العلمي القوي، ولم تخضع للأبحاث
العلمية المقننة. وبناءاً على ذلك تم إخضاع كثير من المسلَّمات في الموروث الطبي
إلى هذه المقاييس، فثبت بعضها، وتبين خطأ بعضها الآخر. وبعد ذلك لم يعد
يقبل من أحد أي ادعاء دون أن يكون مدعماً بالدراسات القوية المؤيدة لصحته؛
فتكون قوة الادعاء وضعفه مرتبطة بقوة الأدلة المصاحبة وضعفها.
وصار هذا المنهج هو حديث الوسط الطبي الأكاديمي، وصارت المهارات
اللازمة لممارسة هذا النوع من التفكير الطبي جزءاً أساسياً في التعليم الطبي لطلاب
كليات الطب الغربية والأطباء المتدربين.
وأحسب أن لانتشار هذا النوع من التفكير أسباباً عديدة لعل من أهمها انسجامه
مع المنهج التجريبي الاستقرائي الذي سيطر على الفكر الغربي بشكل عام، والذي
يُخضِع كل شيء للبرهان المنطقي أو العلمي.
وكلما تأملت هذا النوع من الطب ودرسته ومارسته وجدته امتداداً للتفكير
العلمي الإسلامي الذي وُضِعت أصوله، ومورس في شتى مجالات العلوم الشرعية
منذ أكثر من عشرة قرون. يبدو ذلك جلياً في مناهج الأصوليين والفقهاء وعلماء
المصطلح وغير ذلك من العلوم الشرعية. وفي هذه المقالة أسجل على عجل بعض
النقاط الهامة التي تبين التشابه بين الفكر الطبي المبني على الأدلة وبين الفقه
الإسلامي؛ وذلك عن طريق استعراض بعض القواعد الأساسية في طب الأدلة التي
تستخدم الآن في التفكير الطبي الحديث، ومن ثم مقارنتها على عجل ببعض ما
تقرر عند العلماء المسلمين الأوائل من القواعد الشرعية وأصول الاستدلال.
أولاً: كل قول يردُّ على صاحبه ما لم يكن مدعماً بالدليل العلمي:
هذا هو الأساس الذي بني عليه طب الأدلة؛ حيث إن أي رأي أو دعوى
علمية لا تمثل سوى رأي شخصي فحسب ما لم تكن مدعومة ومؤيدة بالدليل العلمي
ومن الطريف أنه في السابق كانت عوامل أخرى مثل طول الخبرة والسن
والجنسية تمثل العوامل المحددة لقبول الأقوال والآراء، فكان الاستشاري الأكبر سناً
أو الأقدم خبرة يفتي في كل مرض، فيقنن ويصنف ويصحح ويخطِّئ، ولا يستطيع
أحد مناقشته أو الرد عليه، ويعد قوله في نفسه دليلاً. أما الآن فإن أصغر الجالسين
سناً وأقلهم خبرة بوسعه أن يطلب بأدب أو بغير أدب من هذا الطبيب دليلاً علمياً
يؤيد قوله ويناقشه في دليله بشكل علمي موضوعي، فإن لم يكن للقول دليل يستند
إليه رد على صاحبه كائناً من كان. كما أن بوسع طالب الطب الصغير أن يرد كلام
الأكبر منه خبرة وسناً إذا توصل إلى دراسة أو بحث علمي قوي يؤيد قوله.
وفي العلم الشرعي وبخاصة في علم الفقه فإن التشريع لا يكون إلا بالدليل
الشرعي من الكتاب أو السنة أو الإجماع. قال الله تعالى: [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ] (الإسراء: ٣٦) . فكل قول في دين الله تعالى ينظر في دليله، فمتى ما
وجد الدليل وصح أخذ بالقول وإلا اعتبر رأياً لا يمثل الشرع بالضرورة، وأما إذا
خالف القول الدليل رد على صاحبه ولم يقبل. إن هذه القاعدة من أهم القواعد
المعرفية في الدين الإسلامي.
ثانياً: عند التعارض بين الأقوال تقدر قوة القول
على حسب قوة دليله:
فإذا تقرر أن كل قول يستمد شرعيته من دليله، فإنه يستمد قوته وضعفه من
دليله. وقوة الدليل تتعلق بعناصر أساسية منها:
١ - نوع الدليل:
قسَّم علماء طب الأدلة الأدلة الطبية إلى مراتب ومستويات بحسب قوتها
الدلالية، فاعتبروا أقوى الأدلة هي الدراسات المبنية على العينات العشوائية المعماة،
تليها غير المعماة، ثم الدراسات الاستقرائية المستقبلية، ثم الرجعية، ثم
الدراسات الوصفية. فعند تعارض الأقوال وتناقضها ينظر في أدلة كل قول،
ويكون التفاضل بين الأقوال بحسب نوع الدليل المصاحب لها. ولقد تقرر في الفقه
الإسلامي أن أقوى الأدلة هي الأدلة من القرآن الكريم الذي يقدم المحكَم فيه على
المتشابه، وأدلة السنة الصحيحة، وفيها يقدم القول على الفعل، والقول على
الإقرار، ثم الإجماع وتعتمد قوته على عصره ومن حكاه، ثم بالقياس، وعند
التعارض تتفاضل الأدلة بهذه المقاييس الدقيقة.
٢ - صحة الدليل:
لا بد حتى يمكن الاستشهاد بالدليل من التأكد من مصداقيته وصحته. فلا بد
من استيفاء الدراسة الطبية للشروط الأساسية للبحث العلمي، فوضعوا لكل نوع من
الدراسات السابقة عناصر أساسية وعناصر ثانوية لا بد من استيفائها لقبول الدراسة
ويكون هذا عاملاً مهماً في قوة الدليل وضعفه. وبالمثل فإن صحة الدليل في الفقه
الإسلامي شرط أساس لقبول الدليل. ولما كان القرآن محفوظاً بحفظ الله
وضع علماء المصطلح القواعد والضوابط التي تقاس بها صحة الأحاديث
والمرويات عن الصحابة. وتمثل هذه النقطة سبباً مهماً لاختلاف الأقوال بين
العلماء سواء في الطب أو الفقه؛ فعلى الرغم من الضوابط العلمية التي تحكم صحة
الدراسات الطبية فإنها لا تزال تخضع لمدارس علمية مختلفة، وتعتمد على تمرس
الناقد وخبرته في التعامل مع الدراسات الطبية. وكذلك الحال بالنسبة للفتاوى
الشرعية؛ حيث يعتبر الاختلاف في ثبوت الدليل وصحته أحد أهم أسباب
الاختلافات الفقهية.
٣ - مصدر الدليل:
هذه النقطة متعلقة بما سبق؛ فالدراسات المنشورة في مجلات علمية معروفة
يكون لها أفضلية على الأبحاث المنشورة في مجلات مغمورة. وكذلك إذا كان
مصدر الدراسة مجموعة من الباحثين المعروفين في المجال ولهم باع طويل فيه،
كان ذلك أدعى إلى قبول الدراسة بعد استيفاء شروط الصحة.
والقول في الفقه مرتبط أيضاً بمصدره؛ فالحديث في صحيح البخاري مثلاً
يقدم على حديث معارض له عند الديلمي مثلاً، والفتوى الصادرة من أحد الأئمة
الأربعة مثلاً ليست كالصادرة عمن دونهم وهكذا.
ثالثاً: تعتمد النتائج المستخلصة من الدليل على فهمه:
بعد أن تأكدنا من وجود الدراسة المؤيدة للقول، وكذلك من سلامة بناء الدراسة
وقوة نوعها، صارت هذه الدراسة صالحة للاستدلال. وننتقل للخطوة التالية وهي
فهم الدراسة لاستنباط النتيجة. ولهذه النقطة عناصر كثيرة أهمها:
١ - دقة الدليل في الدلالة على موقع الاستشهاد:
لا بد من التأكد من أن الدراسة المستخدمة دليل تدور حول نفس النقطة التي
يستشهد لها بالدراسة. فلا بد أن تكون في نفس المرض، وتكون قد أجريت على
مرضى مشابهين جداً للمريض المراد علاجه. وهذه النقطة هامة كذلك في
الاستدلال الفقهي؛ إذ لا بد من التأكد من أن دلالة الدليل هي في نفس النقطة مناط
البحث، وكلما كان الدليل أقرب وأكثر صراحة في الدلالة على المراد كلما كان
الاستشهاد به أقوى.
٢ - قوة دلالة الدليل:
أهم العوامل المؤثرة في فهم الدليل وتطبيقه هو قوة دلالة الدليل؛ فالنتائج
الرقمية للدراسة، وقوة نتائجها، تكسبها قوة أكبر، فلو ثبت أن علاجاً مَّا فعل
بنسبة ٩٠% فإنه يقدم على العلاج الذي فعاليته ٥٠% وهكذا. كما أن الدقة
الإحصائية لهذا الأثر عامل آخر مهم في التأكد من مصداقية النتائج. وفي الفقه يهتم
بالدلالات اللفظية للدليل لاستخلاص الأحكام الشرعية، وبحسب قوة الدلالات تكون
قوة الأحكام المستخلصة. فالأصل في الأمر مثلاً أنه يقتضي الوجوب عند انتفاء
الموانع، والمعاصي التي اقترن النهي عنها بالوعيد الشديد أو اللعن عدها العلماء
من الكبائر، وكثير من الأحكام تتفاضل في فضلها بحسب تفاوت ثوابها وهكذا.
٣ - انتفاء موانع التعميم:
في هذه النقطة ينظر في عينة الدراسة، من حيث السن واللون والجنس
والنشأة وغير ذلك للتأكد من أن هذه العينة المدروسة تمثل مجتمع المرضى المراد
تطبيق نتائج الدراسة عليهم. فلا يمكن لنتائج دراسة أجريت على الأطفال أن تطبق
على الكبار إلا أن يكون المرض لا يختلف بحسب العمر. وفي الفقه لا بد من التأكد
من أن النص المستخدم تدخل ضمنه الحالة المراد استخلاص الحكم فيها، فلا تكون
هناك قرينة توجب التخصيص، أو علة متعلقة بالحكم ينتفي بانتفائها.
٤ - استخلاص النتائج وتطبيقها:
بعد أن ثبتت لنا صحة الدليل وقوته، وبعد أن فهمناه فهماً صحيحاً، لا بد من
أن نستخلص من هذا الدليل نتيجة نهائية على الحالة التي أمامنا أو المشكلة العلمية
المراد حلها. ولهذه الخطوة الهامة مراحل أهمها:
أ - مقارنة الدليل بالأدلة الأخرى: عادة ما يكون في المشكلة الواحدة أكثر من
دراسة واحدة، تتفاوت في صحتها وقوتها ومصدرها ونتائجها، ولذلك فقبل التسرع
في استخدام نتائج أي دراسة لا بد من مقارنتها مع الدراسات الأخرى ومعرفة
موقعها الدقيق بينها، وهذا مقرر بشكل واضح في الفقه الإسلامي؛ حيث قرر
العلماء وجوب محاولة الجمع بين الأدلة وعدم ضرب بعضها ببعض وذلك وفق
ضوابط أصولية معروفة عند العلماء.
ب - معرفة الواقع المراد تطبيق الحالة عليه: ذكرنا في نقطة فهم الدليل
ضرورة التأكد من مطابقة الدليل للواقعة المراد الاستشهاد بها، فينبني على هذا
ضرورة فهم الحالة أو المشكلة المراد علاجها. ولذلك لا بد من التأكد من أن
مواصفات المريض المراد علاجه وحالته داخلة ضمن العينة التي تمت دراستها في
البحث، فإذا كانت الحالة مختلفة قليلاً فإنَّا ننظر إن كان الاختلاف بين الحالة وعينة
البحث اختلافاً هاماً يؤثر على النتائج فلا نأخذ بالدراسة، أم أنه اختلاف في أمر
فرعي لا يؤثر على النتائج فنأخذ بالدراسة. وفي الفقه تعتبر هذه النقطة عنصراً
هاماً في معرفة الأحكام وإنزالها على الواقع أو ما يعبر عنه بعض الأصوليين
بتحقيق المناط.
ج - معرفة النتائج العلمية الإيجابية والسلبية من التطبيق: قبل أن نصف
الدواء لا بد من معرفة ملاءمة الدواء لهذا المريض بالذات والتأكد من خلوه من
الموانع التي قد تجعله لا يستفيد من العلاج أو ربما يتضرر منه مثل أن تكون لديه
أمراض أخرى أو أن يكون يستخدم أدوية أخرى وهكذا، ولهذا فقد يعالج المرض
نفسه بأدوية مختلفة في مرضى مختلفين، بل قد يعالج المريض نفسه بأدوية مختلفة
في مراحل متعددة من مرضه، وقد يعدل عن الدواء الأكثر فعالية إلى دواء أقل
فعالية لوجود عوامل معينة مثل عدم تحمله للأعراض الجانبية. وفي الفقه تقدر في
كل أمر المصالح والمفاسد، وتدرس الموانع الشرعية التي قد تؤثر على تطبيق
الحكم مثل الضرورة والحاجة. بل قد يُفتى في المسألة الواحدة بفتاوى مختلفة
لاختلاف حال السائل، فيُفتى أحدهم بالرخصة والآخر بالعزيمة مثلاً. كما قرر
الأصوليون أن الفتيا تتغير بتغير المكان والزمان في المسائل الاجتهادية.
د - الاستئناس بالخبراء والمختصين في فهم الدليل وتطبيقه: وهذا من
العناصر المهمة؛ فإن الأفهام قد تختلف حتى على الواضحات؛ ذلك أن أهل
التخصص لهم خبرة طويلة في التعامل مع الأدلة في هذا الفرع، فيعرفون مظانها
وطرق الاستنباط منها، ثم إنهم قد قاموا بعلاج آلاف الحالات المشابهة وصار لهم
إلمام كبير بالواقع الحقيقي للمرض. ولذلك فإنهم يجتمعون بشكل دوري ليتدارسوا
كل الأبحاث والدراسات في مشكلة معينة، ويخرجوا بتوصيات تعتبر أداة هامة
يستخدمها الأطباء الأقل خبرة. وفي الفقه يكون دور علماء الفقه عظيماً في الجمع
بين الأقوال والترجيح بين المذاهب وبيان الأقوال التي وافقت الدليل والأقوال التي
أخطأته. كما تمثل المجامع الفقهية الحديثة والمؤتمرات الإسلامية المتخصصة
وسيلة هامة جداً في التوصل إلى الأرجح والأوْلى بالاتباع.
هذه هي أبرز الخطوات التي ينص عليها علماء طب الأدلة في طريقة
استخدام الدراسات العلمية وتطبيقها على الحالات الطبية مع أبرز أوجه الشبه بينها
وبين الخطوات الأساسية في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها في الواقع عند الفقهاء
المسلمين. وقد تبدو بعض هذه النقاط بديهية في حس بعض لتمرسهم عليها، ولكن
الذي يعايش الهالة العلمية والإعلامية المصاحبة لهذه الطريقة في التفكير الطبي يظن
أن الأمر كشف جديد وعلم توضع أسسه الآن فقط.
ولا شك أن هناك اختلافات هامة كذلك بين المدرستين لا مجال هنا للتفصيل
فيها، ومن أهمها أن النصوص الشرعية هي وحي منزل من عند الله العليم بعباده،
ولذا فهي الحق الذي لا يأتيه الباطل بخلاف الدراسات التجريبية التي لا تعدو أن
تكون تجارب علمية قابلة للصواب والخطأ. ومن ثم فينبغي مراعاة الفوارق بين
المدرستين كما ينبغي الاستفادة من تلك القواسم المشتركة.
وفي ختام هذه المقارنة العاجلة يمكننا الخروج ببعض الفوائد الدعوية التي
تفرض نفسها:
١ - إذا كان أصحاب كل علم وفن يحاولون جادين ربط تخصصهم بالقواعد
العلمية الثابتة فإن الدعاة إلى الله تعالى من باب أوْلى من واجبهم ربط دعوتهم
بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. وفي هذا العصر تكون حاجتنا أعظم لأن نربط
الناس بالأدلة الشرعية ونقدم لهم الأحكام بأدلتها. كما ينبغي تعويد الناس على طلب
الدليل وإزالة حواجز الرهبة والجهل بينهم وبينه ضمن الأطر الشرعية. ومن
جانب آخر لا بد من الاستفادة من الأبحاث العلمية والدراسات الإحصائية في الجانب
العملي للدعوة إلى الله حتى نتمكن من قياس النتائج بشكل رقمي يساعد كثيراً في
التخطيط للبرامج الدعوية واختيار الأساليب الأكثر فاعلية بناءاً على دراسات
إحصائية دقيقة بدلاً عن الآراء المجردة التي تفتقد في الغالب إلى النظرة الشاملة
والتجرد المطلوب.
٢ - بعد ربط الناس بالدليل لا بد من الاستمرار في تأصيل طرق الاستنباط،
وتيسير علم أصول الفقه للناس، وتقديمه إليهم بطريقة أكثر عصرية وجاذبية،
ومحاولة إزالة حواجز الغموض والتعقيد بينهم وبين هذا العلم الهام. وكم في الساحة
الدعوية من الطوامِّ التي نتجت عن سوء فهم للنصوص أو الاعتماد على نص واحد
دون نظرة شمولية لمجموع الأدلة.
٣ - تتفاوت مراتب الناس من حيث التعامل مع الأدلة والنصوص الشرعية
بحسب مستوياتهم العلمية والعقلية، فكما وضع علماء طب الأدلة خططاً مرحلية
يتدرج من خلالها المتدرب في التعامل مع الأدلة فإن الأمر مشابه جداً في التدرج في
الأدلة الشرعية. فطالب الطب مثلاً مطالب فقط بمعرفة الحقائق الطبية العامة
ومعرفة ما كان مؤيداً بالدليل مما كان مجرد فرضيات لم تثبت بعد مع تعويده على
طلب الدليل والعناية به. فإذا تخرج وانخرط في برامج الزمالة التدريبية فإنه
مطالب بمعرفة الدراسات المؤيدة للحقائق العلمية، ثم إذا تخصص فإنه مطالب إذ
ذاك بمعرفة كل الدراسات العلمية في مجال تخصصه والمقارنة بينها ومعرفة نقاط
القوة والضعف في كل منها ومجالات تطبيقها. وبالمثل فإن على العلماء والدعاة
تعليم الناس الحقائق الشرعية المؤيدة بالدليل القوي وتعليمهم الدليل بقدر الإمكان،
مع التركيز على أهمية الدليل والعناية بدراسته، ثم يترك التفصيل في الأدلة
والأقوال للدعاة وطلاب الكليات الشرعية، وأما العلماء فإن عليهم في تخصصاتهم
التبحر في الأدلة والمقارنة بينها.
٤ - أهل كل علم أعلم بمصادر الأدلة المعتمدة عندهم في فنهم؛ فلا بد أن
يترك ذلك لهم ويحترم رأيهم في ذلك. فكما أن الأخبار الصحفية الخفيفة لا تعتبر
مرجعاً علمياً للأطباء، ولا يقبل منك الطبيب رفض دوائه المؤيد ببحث رصين من
أجل قصاصة من جريدة أو من أجل كلام الجيران فإن العالم الشرعي كذلك مؤتمن
على الأدلة التي يقدمها ولا يجوز معارضة أدلته القوية بكلام فلان من الجاهلين أو
المتعالمين.
٥ - لا بد من احترام التخصص؛ فكما أن الأمور الطبية التفصيلية لا بد أن
تترك للأطباء فإن العلوم الشرعية والفتيا لا بد من أن تُحال إلى العلماء وطلبة العلم
والعجب أن أكثر الناس تجرؤاً على القول بالرأي في الأمور الطبية هم العوام
الذين قل عقلهم وعلمهم، وأما العقلاء من الناس فإنهم عادة ما يرجعون الأمر إلى
أهله من الأطباء، وأما العلوم الشرعية فكأنها مشاع يضرب فيها كل أحد بما يشاء
سواء من العوام والمتعالمين، مع أنها أعظم العلوم قدراً عند الله، وأكثر العلوم
تأثيراً في حياة الناس، ولكن حمزة لا بواكي له!
٦ - لا بد كذلك من احترام التخصص الدقيق؛ فإن المعرفة الطبية قد اتسعت
اتساعاً عظيماً ولم يعد بوسع أحد أن يحيط بكل دقائق العلم. فإذا آلمك ضرسك فإن
المتصور أنك تذهب إلى طبيب الأسنان وليس إلى طبيب الأطفال! وكذلك في
العلوم الشرعية؛ فإن التخصص الدقيق مطلوب بل هو واقع فرض نفسه. فلا
ينبغي لمن أعجب بخطبة خطيب جمعة أن يستفتي الخطيب في دقائق المعاملات
الاقتصادية إلا أن يعلم أنه مؤهل وهكذا؛ لأن العالم أو الداعية قد يكون إماماً مجتهداً
في فرع من العلم مقلداً في الآخر، ولا يضيره ذلك، بل ينبغي أن يزيد من ثقة
الناس به. وكذلك يستحسن طلب الفتيا من العالم الموجود في المجتمع ذاته الذي تقع
فيه المسألة لاطلاعه على الأحوال ومعرفته مواقع الحال.
٧ - لو نظرنا إلى الاختلاف الكبير بين علماء الطب، ومناقشاتهم الحامية
التي لا تهدأ والناتجة عن الكم الهائل من الأبحاث العلمية التي تزج بها المطبعات
على الرفوف لرأينا أن هذا الاختلاف في معظمه مبني على ما بينا بعضه فيما
مضى من المعرفة بالبحث وصحته وقوته وكيفية فهمه وطريقة تطبيقه. وإن هذه
الأسباب في الغالب هي نفس الأسباب التي تؤدي إلى الخلاف الفقهي بين العلماء
الشرعيين، فلماذا يعتبر الخلاف الطبي أمراً مقبولاً ونقاشاً علمياً بينما يعتبر
الخلاف الفقهي المنضبط تفريقاً للأمة وضيقاً في الأفق؟ ولماذا تتعالى الأصوات
المتشنجة منادية بضرورة توحيد آراء الفقهاء على قول واحد وأَطْرِ الناس عليه
أطْراً بينما تتخافت هذه الأصوات عن الدعوة إلى التوحيد لآراء الأطباء على
تشخيص واحد وعلاج واحد؟
وبالمقابل، فكما أن الخلاف المذموم بين الأطباء وإعطاء بعضهم آراء
مناقضة تماماً لآراء الأطباء الأخرين، كما أن ذلك يقلل من ثقة الناس بالأطباء
عموماً ويصرف الناس عنهم؛ فإن الخلاف بين الفقهاء إذا خرج عن أطره العلمية
وضوابطه الشرعية فإنه يقلل من ثقة الناس بالعلماء ويصرفهم عنهم.
٨ - كلما ازداد عالم الطب تبحراً في الأبحاث الطبية والأدلة العلمية كلما كان
في العادة أكثر تواضعاً وأقل تشنجاً لرأيه بل قد يطلب من المريض أخذ رأي طبيب
آخر؛ فإن الأمر مماثل بالنسبة للعلماء الربانيين المتبحرين في العلوم الشرعية؛
فإنهم أوسع الناس بالخلاف صدراً وأقلهم تعصباً.
إن أمتنا الإسلامية تمتلك كنزاً معرفياً ثميناً لا تملكه أمة أخرى، وتحتضن
تراثاً علمياً ضخماً، وإذا كان الغربيون اليوم يتشدقون بالمنهج التجريبي وبأصول
البحث العلمي واستنباط الحقائق فإن أصول ذلك كله موجودة في إرثنا الثقافي، وإن
كانوا قد تعاموا عن الدلائل الواضحة على التأثير الكبير الذي تركه الفكر الإسلامي
على الفكر الغربي الحديث؛ فإن من واجبنا أن ننفض نحن الغبار عن الحقائق،
ونرفع الرأس عالياً، ونستل الهمم من أغماد الذل والتبعية، فنقدم للبشرية هذه
الأسس بصياغة إسلامية متوضئة متطلعة إلى السماء، موضوعية في بنائها، جذابة
في عرضها. وإن ذلك لمهمة ما زالت كسيفة تنتظر فارس الأحلام!
стр. 3614
متابعات
تاريخ نيجيريا
رؤية أخرى
تعقيب على مقال أحداث نيجيريا
إبراهيم محمد نتعالى
فقد قرأت في مجلتكم في عددها المائة والخمسين (١٥٠) ، ص ١٢٢ مقالة
بعنوان: (الأحداث الأخيرة في نيجيريا الخلفيات والحقائق) بقلم بلال عبد الله،
وهي مقالة رائعة في عمومها وجديرة بالنشر في مضمونها؛ حيث احتوت على
كثير من المعلومات الصادقة عن نيجيريا بدءاً بتاريخ خروج المستعمرين منها
وانتهاءاً بما قام به النصارى الحاقدون قبيل حج هذا العام من شغب عنيف في مدينة
كدونا حرسها الله.
بيد أن مقدمة المقالة تحتوي على أخطاء تاريخية فادحة وخصوصاً فيما يتعلق
بحديث الكاتب عن كبريات قبائل نيجيريا، ولهذا أردت التنبيه إلى هذه الأخطاء
وتصحيحها؛ لكي تكتمل فائدة المقالة، فأقول وبالله التوفيق:
قوله: «والنيجيريون عدة قبائل هي ... » ثم ذكر خمس قبائل فقط وهذا
خطأ؛ لأن قبائل نيجيريا تربو على ثلاثمائة قبيلة لكل منها لغة مستقلة، علماً بأن
بعض هذه القبائل صغير جداً؛ حيث لا يتجاوز أفرادها خمسين ألفاً أو يزيد بقليل.
بيد أن القبائل الرئيسة تتمثل في خمس قبائل وهي:
هوسا، ويوربا، وإيبو، وفُولْبِي (فلاتة) ، وكانوري. وتتمركز قبيلة
هوسا في شمال البلاد، ويوربا في الجنوب الغربي من البلاد، وإيبو في الجنوب
الشرقي، وفولبي في شمال البلاد ويوجد لها أفراد من الرُّحَّل أصحاب المواشي في
جميع مناطق البلاد. وأما قبيلة كانوري فتتمركز في شمال البلاد وخصوصاً في
الشمال الشرقي.
قوله: «الإيبو في الشرق وهم بالنسبة لليوربا متخلفون» أقول: إطلاقه
(الإيبو في الشرق) خطأ وإنما هم في الجنوب الشرقي. وقوله: (وهم بالنسبة
لليوربا متخلفون) وهذا خطأ أيضاً؛ لأن إيبو لا يوصفون بالتخلف مقارنة مع يوربا
من النواحي الحياتية: الاجتماعية والاقتصادية والمهارات المهنية والسياسية، بل
وحتى من الناحية التعليمية والثقافة الغربية، رغم كل ما ذاقوه من مرارة الهزيمة
في الحرب الأهلية، بل لو قال قائل عكس المذكور لكان أقرب إلى الصواب.
قوله: (وأسلم لله الإيبو، لكن لم يجدوا من يعلمهم الدين الصحيح سوى
الصوفية من القادرية والتيجانية) أقول والحق يقال: إن قبيلة إيبو إلى الآن
وللأسف الشديد لم يعتنق الإسلام منها سوى نزر يسير، وليس من الصواب أن يقال:
إن هذا النزر إنما دخل الإسلام على أيدي المتصوفة، بل يمكن القول: إن معظم
من اعتنق الإسلام منها إنما اعتنقه على أيدي غيرهم من السلفيين وجمهور المسلمين.
وقوله: (والهوسا وأكثرهم في الشمال وهم ليسوا جنساً قائماً بذاته إنما هو
اصطلاح لغوي يطلق على الشعوب التي تتكلم لغة الهوسا، وكانوا وثنيين قبل أن
يتحولوا إلى الإسلام على يد الفولانيين، وهم عدة إمارات يحكمها ملك أو أمير
يعاونه بعض الوزراء، وهم يعملون بالتجارة لكنهم متأخرون، وتنتشر بينهم
الصوفية التي ترى إبقاء التصوف سائداً بينهم لتضمن انقيادهم لها) .
قوله: (وهم ليسوا جنساً قائماً بذاته إنما هو اصطلاح لغوي يطلق على
الشعوب التي تتكلم لغة الهوسا) أقول: هذا كلام يجانبه الصواب؛ فإن قبيلة هوسا
قبيلة معروفة قائمة بذاتها متماسكة الأطراف ذات لهجات متقاربة جداً بخلاف غيرها
من القبائل المذكورة كقبيلة يوربا، وفولبي (فلاتة) فإن بعض لهجات هاتين
القبيلتين غير مفهومة عند بعض أفرادهما لشدة تباينها. وأظن أن الذي يحمل بعض
من لم يعرف عن قبيلة هوسا سوى اليسير على هذه الدعاوى هو كون لغة هوسا
هي اللغة المهيمنة في شمال نييجيريا، بل وفي معظم مناطق نيجيريا رغم ما يشاهد
من بعض المقاومة من هنا وهناك في بعض الولايات، وكذلك هيمنتها في جمهورية
النيجر وفي مناطق شاسعة في كثير من دول غرب إفريقيا ووسطها؛ ذلك لأنها لغة
سهلة جداً تشبه في سهولتها اللغة السواحلية المنتشرة في شرق إفريقيا وبخاصة في
جمهورية تنزانيا، وكينيا، ويوغندا.
وقوله: (كانوا وثنيين قبل أن يتحولوا إلى الإسلام على يد الفلانيين) لا
أدري ما مراد الكاتب بذلك؟ وهل أراد أنهم كانوا وثنيين قبل مئات السنين ثم
اعتنقوا الإسلام فيما بعد، أو أنهم لم يعتنقوا الإسلام إلا في وقت متأخر كغيرهم من
بعض الشعوب المجاورة؟ فإن أراد الأول فذلك صحيح، وإن أراد الثاني فقد جانب
الحق؛ لأن قبيلة هوسا كانت قد قبلت الإسلام منذ مئات السنين ولها إمارات عديدة
مشهورة يقودها أمراء مسلمون هوساويون، وقد كان بين هؤلاء الأمراء وخصوصاً
أمير (كانو) وأمير (كستنا) وبين بعض العلماء الأجلاء في العالم الإسلامي
كالشيخ العلامة جلال الدين السيوطي والشيخ العلامة المغيلي مراسلات، ومن
المعروف أن العلاَّمة السيوطي توفي سنة ٩١١هـ.
وقوله: (قبل أن يتحولوا إلى الإسلام على يد الفلانيين) أقول: إن هذا
الإطلاق ليس بجيد، صحيح أن قبيلة هوسا استفادوا من بعض علماء فولبي (فلاتة)
لكن لا يقال إنهم أسلموا على يد فلاتة، والصحيح أن يقال إن الإسلام دخل بلاد
هوسا من جهتين رئيستين: الجهة الشرقية على يد كانوري قادة دولة بورنو،
والجهة الشمالية على يد الونغريين (بمبرا) وفولبي (فلاتة) والذين جاؤوهم من
بلاد مالي وما جاورها. وأظن أن سبب هذه المغالطات من بعض من ليس له إلمام
كاف بتاريخ المنطقة هو ظنهم أن قبيلة هوسا إنما أسلمت على يد الشيخ العلاَّمة
المجدد عثمان بن فودي إبان جهاده ضد الخرافات والخزعبلات والبدع المنتشرة في
بلاد هوسا، ولم يعرفوا أن جهاد الشيخ عثمان بن فودي متأخر جداً عن دخول
الإسلام في بلاد هوسا.
وقوله في قبيلة هوسا: (وتنتشر بينهم الصوفية) أقول إن هذا القول ليس
بشيء؛ لأن انتشار الصوفية للأسف الشديد ليس حكراً ولا قصراً على أوساط قبيلة
هوسا وبلادهم، وإنما هو ظاهرة عمت بها البلوى في معظم الدول الإسلامية، ولك
أن تنظر إلى بلاد مصر ودول المغرب العربي.
قوله: (الكانوري: في الشمال وهي قبائل متمسكة بدينها ولها طلاب
يدرسون في الأزهر وهم خليط من العرب والحاميين والزنوج، ومن أشهر قادتهم
الداعية الإسلامي المعروف: عثمان بن فودي) . قوله: (ولها طلاب يدرسون في
الأزهر) أقول هذا الوصف لا تتميز به قبيلة كانوري عن غيرها من معظم القبائل
المذكورة وعليه فلا فائدة في ذكره.
قوله: (ومن أشهر قادتهم الداعية الإسلامي المعروف: عثمان بن فودي)
أقول: لست أدري كيف حصل هذا الغلط الفاحش من الكاتب؟ فإن الداعية المصلح
عثمان بن فودي من قبيلة فولبي (فلاتة) وليس من قبيلة كانوري، بل إن جهاده
ضد الخزعبلات قد هدد دولة كانوري بالزوال حيث انتزع منها أطرافاً شاسعة.
وقوله: (والفلاني وهم أصلاً من صعيد مصر وفدوا لتلك المناطق وحكموا
مملكة تكرور) قوله: (وهم أصلاً من صعيد مصر) أقول قد سئمنا من مثل هذه
الدعاوى: أن فلاتة من صعيد مصر أو فارس (إيران وما جاورها) وأن يوربا
وكانوري من اليمن، وأن هوسا من القرن الإفريقي (إثيوبيا وما جاورها) وكأن
البشر لا يقام لهم وزن إلا إذا اتصلت أصولهم بهذه المناطق المذكورة!
стр. 3615
متابعات
تعقيب على فتوى التوسل بالأنبياء والصالحين
بدر بن علي بن طامي العتيبي
اطَّلعت على فتوى لجماعة ممن ينتسب إلى العلم حول مسألة التوسل بالأنبياء
والصالحين [*] ، فلما قرأتها رأيت فيها المخالفة الصريحة لمذهب أهل السنة
والتوحيد المستند إلى القرآن والسنة وكلام الصحابة وأئمة الدين، وقد علقت عليها
على عجالة ببعض الوقفات التي توضح لطلاب الحق بطلان هذه الفتوى، فأقول
مستعيناً بالله:
الوقفة الأولى: اعلم أرشدك الله إلى الحق أن مسألة التوسل بذوات المخلوقين
من المسائل التي حصل فيها الخلاف مؤخراً بين أهل العلم، على أن مذهب السلف
المتقدمين في القرون المفضلة هو عدم فعل ذلك، ولم ينقل عن واحدٍ منهم أنه توسل
بذات نبي ولا رجل صالح من سائر الناس، بل المنقول عنهم هو خلاف ذلك كما
قال الإمام أبو حنيفة فيما نقل القدوري عنه أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا
به، وأكره أن يقول: «بمعاقد العز من عرشك» أو يقول: «بحق خلقك» .
وما وجد عن بعض السلف من لفظ التوسل فالمراد به عند التحقيق هو التوسل
بدعائهم كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله.
الوقفة الثانية: التنبيه على أن كثيراً من أهل الجهل والهوى يخلط بين معنى
التوسل والاستغاثة، ويسمي طلب جلب الخير ودفع الشر من الأولياء والصالحين
توسلاً، ويغالطون أنفسهم ويقولون: نحن لا ندعوهم وإنما نتوسل إلى الله بهم،
وصريح دعائهم أنهم ينادونهم ويستغيثون بهم ويقولون: يا فلان! أغثني، يا بدوي!
المدد، أنا في حسب الله وحسبك، يا فلان! ردّ غائبي.
وهذا كله نداء واستغاثة ولا ينطبق عليه مسمّى التوسل لا لغة ولا عرفاً
مستقيماً، وتمويههم بأن ما فعلوه توسل هو من جنس تمويه مشركي قريش الذين
يدعون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؛ فهم يقولون كما حكى الله عنهم:
[مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى] (الزمر: ٣) وهم في الحقيقة قد أشركوهم
مع الله في جلب الخير ودفع الشر بل في الخلق والرزق وشؤون الربوبية! ! ولهذا
نبّه المحققون من العلماء على التفريق بين معنى التوسل ومعنى الاستغاثة؛ فالوسيلة
هي أداة للوصول إلى المقصود، أمّا الاستغاثة فهي طلب الحاجة مباشرة من
المنشود، ولهذا فإن الاستغاثة بالمخلوق عند أهل التحقيق من الشرك الأكبر المخرج
من الملّة، وهو دين أبي جهل وأبي لهب، أمّا التوسل بذوات المخلوقين فهو من
البدع المنكرة.
الوقفة الثالثة: قولهم في الفتوى المشار إليها آنفاً: «نعم يجوز التوسل إلى
الله تعالى بالأنبياء والصالحين، وهو مشروع» .
وفي هذا الإطلاق من المفتين نظر، وكان من تمام الأمانة الإشارة إلى وقوع
الخلاف ولو بشيءٍ يسير؛ وخاصة أن في كلام السائل ما يستدعي ذكر هذا الخلاف،
وهو قوله: «ولا غبار عليه» ، فكان من المتحتم عليهم تصحيح هذا الرأي
عنده بأن المسألة مقام خلاف لا اتفاق، على أن الصواب عندنا أن الخلاف فيها
محدَثٌ منهم، والأصل عدم شرعية هذا النوع من الدعاء كما سيأتي إيضاحه أكثر.
الوقفة الرابعة: قولهم: «وهو مشروع لقوله تعالى في سورة الإسراء:
[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ] (الإسراء: ٥٧)
الوسيلة: القربة. وقيل: الدرجة، وقوله: [أَيُّهُمْ أَقْرَبُ] (الإسراء: ٥٧)
معناه: ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به» انتهى! ! !
فأقول: تفسير الوسيلة بالقربة والدرجة والزلفى هو ما عليه أهل التفسير كما
في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ] (المائدة:
٣٥) الآية، ولكن ليس المراد به ما ذكروه هنا من أن المراد به التوسل بذات
المخلوقين أو حتى جاههم، وإنّما معنى الآية عند أهل التفسير قاطبة: أن الله
تعالى لمَّا عاب على المشركين في الآية التي قبلها آلهتهم عندما قال: [قُلِ ادْعُوا
الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً] (الإسراء:
٥٦) وبين فيهم القصور عن درجة الألوهية أبان لهم نقصاً آخر في آلهتهم لا
يستحقون به أن يُعبدوا من دون الله، وهو أنهم أي الذين تعبدونهم من دون الله
فقراء إلى الله يسعون إليه بالقرب والدرجات والأعمال الصالحة أيهم ينال القرب
منه بالعمل الصالح. وهم يرجون رحمة الله ويخافون عذابه؛ فمن كان مفتقراً إلى
غيره راجياً رحمته خائفاً من عذابه لا يستحق أن يُعبد من دون الله.
هذا الذي عليه أهل التفسير قاطبة في معنى هذه الآية كما ذكره الطبري في
تفسيره (٨/٩٥) والقرطبي كذلك (١٠/١٨١) ، وابن كثير (٥/٨٦) ،
والسيوطي (٥/٣٠٦) ، والشوكاني (٣/٢٣٧) ، وغيرهم، ولم ينقل عنهم خلاف
في هذه الآية إلا في سبب نزولها، وأصح ما روي في ذلك ما رواه البخاري
ومسلم عن ابن مسعود أنها نزلت في أناس كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم
أولئك النفر، وبقي الإنس على عبادتهم من دون الله، وقيل في سبب نزولها أقوال
أخرى، والمقصود أن الآية ليس فيها دليل على طلب الوسيلة من المخلوق. أمّا
قولهم في معنى قوله سبحانه: [أَيُّهُمْ أَقْرَبُ] (الإسراء: ٥٧) أي: ينظرون
أيهم أقرب إلى الله منزلة فيتوسلون به؛ فهذا من أعجب العجب بل ومن أبطل
الباطل، ولو كان المراد بذلك ما قالوه لكان معنى الآية: [يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ
الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ] (الإسراء: ٥٧) بزيادة (من) ، وأهل التأويل على
خلاف ذلك، قال القرطبي (١٠/١٨١) : (يبتغون يطلبون من الله الزلفة والقربة،
يتضرعون إلى الله تعالى في طلب الجنة، وهي الوسيلة، أعلمهم الله تعالى أن
المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم) . المقصود أن الآية صريحة لمن حمى الله قلبه
من علائق الجهل والهوى، وأن المراد ما سبق بيانه من أن آلهتهم التي يعبدونها من
دون الله تطلب الوسيلة بالأعمال الصالحة إلى الله للقرب منه.
الوقفة الخامسة: استدلالهم بحديث الأعمى عن عثمان بن حنيف رضي الله
عنه والحديث صححه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا
الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي وصححه الطبراني والحاكم ووافقه
الذهبي.
ولي في هذا الكلام نظرتان: في الدليل، وفي الاستدلال:
النظرة الأولى في الدليل: أن هذا الحديث عند النظر والتحقيق يتبيّن للخبير
بالعلل أنه معلول لا يثبت، وإن صححه من صححه؛ وذلك للاضطراب في إسناده
على وجوه عدّة ليس هذا مقام ذكرها الآن، وقد أشار إلى بعض ذلك الحافظ الإمام
النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٢٠٤، ٢٠٥) ، ويضاف إلى ذلك الاضطراب
في بعض ألفاظ متنه؛ فتارة يذكر قوله: (يا محمد) وتارة لا يذكرها، وتارة يقول
فيه: «اللهم فشفعه فيَّ وشفعني فيه» وتارة: «وشفعني في نفسي» وتارة يزاد
فيه قوله: «وإن كانت لك حاجة فافعل مثل ذلك» وتارة لا تذكر. وزيادة على
ذلك انفراد راويه به وهو أبو جعفر وليس هو الخطمي عمير بن يزيد بل هو رجل
آخر كما قال الترمذي، ويتبيّن ذلك لمن جمع طرق الحديث كما أوضحت ذلك في
غير هذا المقام.
أما النظرة الثانية وهي في الاستدلال: فعلى فرض صحة هذا الحديث فليس
فيه دليل على أنه توسل إلى الله بذات النبي ﷺ ولا بقربه وجاهه
عند ربه، والكلام عن معناه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا توسل بدعاء النبي ﷺ للأعمى،
لقول الأعمى في أول الحديث: (يا رسول الله! ادعُ الله أن يشافيني) ، فعلّمه
النبي ﷺ هذا الدعاء، ودعا له بدليل قوله في آخر الحديث:
(فشفعه فيَّ) أي اقبل شفاعته فيَّ، والتوسل بدعاء النبي ﷺ جائز
، بل وبدعاء كل رجل صالح كما هو حال الصحابة في الاستسقاء ومن أحس
بمرض يأتي إلى الرسول ﷺ فيقول: (يا رسول الله! ادع الله أن
يسقينا أو أن يشافيني) ، وهذا خاص بحياته كما سيأتي قريباً في الكلام على
استسقاء عمر ﵁ بالعباس عمّ رسول الله ﷺ .
والجواب الثاني: أن هذه قضية عين لا عموم لها، خاصة بالأعمى؛ ولو
كان شفاؤه بمجرد هذا الدعاء لتعلّمه عميان الصحابة والتابعين وما أغفلوه، ولما كان
من بينهم عميان، فعلم بذلك خصوصية هذا الأعمى بذلك الدعاء؛ إذ إنه جاء إلى
النبي ﷺ فأظهر الله على يده تلك المعجزة، ولهذا ذكروا هذا
الحديث في أحاديث دلائل النبوة.
الوقفة السادسة: قولهم: (ولا فرق في ذلك بين حياتهم ومماتهم؛ ذلك لأن
التوسل في الحقيقة ليس بذواتهم المجردة وإنما هو بما لهم من منزلة ومكانة وجاه
عند الله وهو باقٍ في الحياة وبعد الممات) .
أقول: قولُهم بعدم الفرق بين الحياة والممات في ذلك؛ لأن التوسل إنما هو
بمنزلتهم لا بمجرد ذواتهم قولٌ لا يستند إلى دليل بيّن؛ بل الواقع خلافه؛ فمَنْ من
الصحابة أو من التابعين توسّل إلى الله بجاه النبي ﷺ أو أحد من
الصالحين؟ ثم ما السبيل لإثبات أن فلاناً من غير الأنبياء له جاه عند الله، حتى لو
كان ظاهره السلامة والاستقامة؟ ولو أطلقنا له ذلك لحكمنا له بالجنة؛ وهذا لا يقول
به سنيٌّ، بل حتى النبي ﷺ على رفعة قدره عند ربه وعلو جاهه
لا يعتبر ذلك كافياً في تحقيق توسل الداعي به؛ فقد أخبر ﵊ في
حديث الشفاعة الطويل أن الناس يستشفعون به عند الله وهو المقام المحمود، ومع
ذلك لم يتم لهم الأمر بمجرد ذلك حتى يذهب ﷺ إلى العرش
ويسجد تحته ويدعو الله لهم.
إذن فمجرد التوسل بالذات أو بالجاه لا يعتبر كافياً في تحقيق المطلوب، والله
أعلم.
الوقفة السابعة: قولهم: (أيضاً لعموم الآية السابقة وغيرها كقوله: [وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً
رَّحِيماً] (النساء: ٦٤) وكلٌّ من المجيء والاستغفار واقع في سياق الشرط يدل
على العموم كما هي القاعدة الأصولية لا نعلم في ذلك خلافاً) .
أقول: هذه الآية عند أهل العلم خاصة بالمنافقين في عهد النبي صلى الله عليه
وسلم؛ إذ إن الله أخبر أن أولئك المنافقين لو أنهم جاؤوا إلى الرسول
ﷺ وأعلنوا توبتهم لوجدوا الله تواباً رحيماً، وهذا خاص بحياته
ﷺ .
أما ذكرهم للقاعدة الأصولية تلك وهي: (أن الفعل في سياق الشرط يفيد
العموم) ، فتفخيم وتضخيم وتلبيس على المستفتي؛ فليس في الكلام شرط ولا
للشرط له فيه رائحة، والآية صريحة في المعنى لمن أعطاها أقل تدبر، بل لم
يشترط الله عليهم المجي إلى النبي ﷺ لكي يستغفر لهم.
الوقفة الثامنة: قولهم: (ومما يؤيد ذلك الحديث المتقدم يعنون حديث عثمان
بن حنيف فإن النبي ﷺ علّم الضرير الدعاء ولم يقيّده بزمن أو
يخصصه بأحد؛ وهذا ما صرحت به رواية ابن أبي خيثمة الصحيحة أن النبي
ﷺ لما علّم الضرير المذكور قال له: «وإن كانت لك حاجة فافعل
مثل ذلك» فهذا تصريح من المعصوم ﷺ بالتوسل في سائر
الأحوال «.
أقول: ولي في هذا الكلام نظرات:
النظرة الأولى: كون النبي ﷺ فَهَّم أن حديث الأعمى عامٌّ له
ولغيره، وأنه لم يخصص بوقت ولا بشخص، وهذا باطل شرعاً وقدراً كما قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فلا هم موافقون لشرع الله، ولا ما يقولونه
مطابق لخلق الله. قال شيخ الإسلام في رسالته المصرية في التوسل، وقد ذكرها
في كتابه (التوسل والوسيلة، ص ٢٥٩) : والفرق ثابت شرعاً وقدراً بين من دعا
له النبي ﷺ وبين من لم يدع له، ولا يجوز أن يجعل أحدهما
كالآخر، وهذا الأعمى شفع له النبي ﷺ ، فلهذا قال في دعائه:
» اللهم فشفعه فيّ «ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلاً عنه؛ فلو
كان التوسل به حياً وميتاً سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول صلى الله عليه
وسلم، كمن لم يدع له الرسول لم يعدلوا عن التوسل به، وهو أفضل الخلق
وأكرمهم على ربه، وأقربهم إليه وسيلة، إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله،
وكذلك لو كل أعمى توسل به ولم يدع له الرسول ﷺ بمنزلة ذلك
الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى فعدولهم عن
هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛
فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله، وبما يشرع من الدعاء وينفع،
وما لم يشرع ولا ينفع» .
والنظرة الثانية: قولهم: «وهذا ما صرحت به رواية ابن أبي خيثمة ... إلخ»
ويجاب عن كلامهم بجوابين:
الأول: أن هذه الزيادة مما تفرد بها مسلم بن إبراهيم عن حماد بن سلمة، وقد
رواها جماعة من الحفاظ بغير هذه الزيادة، ولعلها وَهْمٌ من حماد بن سلمة يرحمه
الله فإنه على جلالته وشرفه في العلم، إلا أن له بعض الوهم في بعض الحديث،
ولهذا لم يخرِّج له البخاري في صحيحه، ولم يحتجَّ به مسلم وإنما يذكره متابعةً،
وقد تقدم أن الحديث غير ثابت عند التحقيق، ولو قلنا بثبوته لصارت هذه الزيادة
شاذة، والله أعلم.
والجواب الثاني: أنه على فرض صحة هذه الزيادة؛ فالكلام خاص بهذا
الأعمى في حياة النبي ﷺ ؛ إذ قال له: «فإن كانت لك حاجة
فافعل مثل ذلك» ، ولم يقل: «ومن كانت له حاجة فليفعل مثل ذلك» ، والمراد
بقوله: «فافعل مثل ذلك» أي: صلِّ ركعتين وتوسل إلى الله بهذا الدعاء لقبول
شفاعتي فيك.
النظرة الثالثة: قولهم: «فهذا تصريح من المعصوم ﷺ
بالتوسل في سائر الأحوال» أقول: يقول النبي ﷺ : «من كذب
عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» ، ومن الكذب على رسول الله صلى الله عليه
وسلم حمل كلامه على غير محمله ومراده، وكان يسع الإنسان السكوت: [آللَّهُ
أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ] (يونس: ٥٩) ، فأين التصريح من الرسول عليه
الصلاة والسلام بالتوسل به أو بغيره من الصالحين؟ وانظر كيف أطلقوا التوسل
وقالوا: «فهذا تصريح.. بالتوسل في سائر الأحوال» ، ولم يقيدوه بالنبي صلى
الله عليه وسلم، لكي لا ينتقض عليهم مذهبهم في التوسل ببقية الأولياء والصالحين
الأحياء والميتين؛ فأين الصحابة عن هذا الدعاء لو صحّ ثبوته أو معناه الذي
يقولون: هل غفلوه في أمراضهم وحروبهم وخلافاتهم ونوائب الدنيا ومصائبها؟ !
الوقفة التاسعة: قولهم: «وهذا ما فهمه الحفاظ والمحدثون؛ فإنهم فيما اطلعنا
عليه من مصنفاتهم الحديثية والفقهية يوردون هذه القصة تحت باب الدعوات
والأذكار غالباً» .
أقول: وصنيعهم ذلك لا يكون حجة لوجهين:
الأول: أن من ذكره ممن صنّف لم يشترط ذكر الصحيح في كتابه، ولهذا لم
يخرجه أحد ممن ألف في الصحاح كالبخاري ومسلم وابن حبان وابن خزيمة حتى
النسائي على تشدده لم يخرجه في السنن، وإنما أخرجه في عمل اليوم والليلة ولم
يشترط فيه الصحة، وإخراج الحاكم له لا يعتبر حجة في صحته؛ إذ إن الحاكم
مفرط في التساهل ولا يعتبر أهل العلم بتصحيحه؛ ففي كتابه الضعيف والموضوع
مع اشتراطه الصحة؛ والمقصود أن نقل الحفاظ للحديث في مصنفاتهم لا يدلّ على
العمل به، وإنما هو من باب الرواية وجمع الحديث على الرواة والأبواب.
الثاني: أنهم عندما أخرجوه لم يقل واحد منهم إنه عامٌّ في كل وقت، ولو قيل
ذلك لم يقل أحد إنه دليل على التوسل بكل أحد؛ وبينهم وبين إثبات ذلك خرط
القتاد! !
الوقفة العاشرة: قولهم: (وأمّا الأدلة من الآثار فهي كثيرة أيضاً منها: توسل
عمر بن الخطاب بالعباس ﵄ كما في صحيح البخاري، وقد قال ابن
حجر في الفتح بعد هذه القصة ما نصّه: «يستفاد من قصة العباس استحباب
الاستنفاع بأهل الصلاح والخير وبيت النبوة» ) .
أقول: استدلالهم بأثر عمر بن الخطاب هذا حجة عليهم لا لهم؛ فعمر لم
يتوسل بالنبي ﷺ بعد مماته كما يقولون، ولو كان متقرراً عند
الصحابة جوازه لما عدل عمر عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل
بالعباس ﵁، وعمر صنع هذا بمحضر من الصحابة من المهاجرين
والأنصار ولو جاز التوسل بالنبي ﷺ لنبهوا عمر إلى ذلك. ومراد
عمر بالتوسل بالعباس أي بدعائه فيقوم العباس ويدعو لهم لفضله، كما كان
الصحابة يتوسلون بالنبي ﷺ في نزول المطر، حين يقدم عليه
أحدهم ويقول: يا رسول الله! ادع الله أن يسقينا، فيدعو لهم فيمطَرون، كما ثبت
ذلك في الصحيح.
وقد حصل لمعاوية بن أبي سفيان ﵁ عندما استسقى بيزيد بن
الأسود الجرشي فقال: «اللهم إنا نستشفع أو نتوسل بخيارنا، يا يزيد! ارفع يديك،
فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا» روى هذه القصة غير واحد، وانظر
تاريخ أبي زرعة وطبقات ابن سعد وتاريخ الفسوي.
وعلى هذا ينزل عبارة العلماء في كتبهم من قولهم: «يستحب أن يستسقى
بأهل الصلاح والفضل» ؛ لأن الناس مفتقرون إلى الإجابة في ذلك الموقف،
فيقدمون أصلحهم فيدعو لهم رجاء الإجابة.
الوقفة الحادية عشرة: نقلهم من تاريخ الخطيب (١/١٢٠) قصة أبي علي
الخلاَّل وما قاله: «ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر الكاظم فتوسلت به
إلا سهّل الله لي ما أحب» ، وهكذا ما ذكر من قول إبراهيم الحربي: قبر معروفٍ
الترياقُ المجرّب «.
أقول: كل ما نقلوه حيلة للضعيف، وكلها قصص خرافية باطلة صحت عن
أصحابها أم لم تصح، مخالفة للكتاب والسنة وسيرة الموحدين الأبرار؛ ففي قصة
الخلاَّل الأولى غلو في أصحاب القبور، وما هلكت الأمم من قبلنا إلا بالغلو في
الصالحين وقبورهم، كما ثبت في الحديث، وقوم نوح عندما عبدوا ودّاً وسواعاً
ويغوث ويعوق ونسراً، كانوا يغلون في قبورهم حتى صارت أوثاناً تُعبد من دون
الله كما ثبت عن ابن عباس في الصحيح، واللات التي عبدها مشركو قريش كان
رجلاً يلتّ السويق للحجاج، فمات فعكفوا على قبره فعبدوه كما روى ذلك ابن جرير
بسنده في تفسيره، وقد نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛
ومن اتخاذها مساجد تحرّي الدعاء عندها والصلاة، كما نهى عن شد الرحال إلى
القبور كما جاء من النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، وإنكار أبي
هريرة على الرجل شدّه للرحل إلى الطور على شرف ذلك الموقع واستدلاله عليه
بهذا الحديث.
المقصود أن ما حصل من هؤلاء مخالف للكتاب والسنة من أكثر من وجه،
ومن قلدهم في ذلك وضرب بسنة النبي ﷺ عرض الحائط،
فليرتقب ما في قوله تعالى: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] (النور: ٦٣) ، وقال: [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا
تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ
مَصِيراً] (النساء: ١١٥) .
الوقفة الثانية عشرة: نقلهم بعض كلام أهل العلم في ذلك، كالنووي وابن
حجر ممن يذهبون إلى ما ذهبوا إليه، وإن كان نقلهم ذلك احتجاجاً منهم علينا؛
فعندنا من الرجال من قد منع ذلك كما تقدم نقله عن أبي حنيفة، وكما قال العز بن
عبد السلام وهو من أئمة الشافعية: (لا يجوز أن يتوسل إلى الله بأحد من خلقه،
إلا برسول الله ﷺ إن صحّ الحديث) ، وهكذا ابن تيمية وابن
القيم وجماعة من السلف صرّحوا بذلك، ولكن ليس هذا مسلكنا عند الخلاف أن
نحتج بأقوال الرجال؛ لأن كلامهم عندنا يستأنس به ولا يؤخذ حجة، والرد عند
حصول النزاع لا يكون إلا إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، كما قال
تعالى: [فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ] (النساء: ٥٩) ، قال
أهل العلم كمجاهد وغيره: الرد إلى الله: أي إلى كتابه، والرد إلى رسوله: أي
إليه حياً وإلى سنته ميتاً.
وعلى هذا كان من مسلك المسلم الناصح لنفسه عند وقوع الخلاف النظر إلى
أدلة الشرع، ثم الاستئناس بعدها بقول كل أحد، أمّا أن يخالف في مسألةٍ مَّا محتجاً
علينا بقول فلان وفلان فهذا من أبطل الباطل، بل هو من جنس دين اليهود
والنصارى الذين: [اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ] (التوبة:
٣١) يحلّون لهم ما حرم الله، ويحرمون لهم ما أحل الله، وهم يقلدونهم ويتبعونهم
وبعض العلماء حكيت عنهم مسائل خالفوا فيها السنة الصحيحة الصريحة، بل
ربما صريح القرآن؛ ومع ذلك لا يعتمد على قولهم مع بقاء قدرهم؛ لأنهم بين
الأجر والأجرين، ولو كانوا من الصحابة كما قال ابن عباس في مسألة خولف فيها
وقالوا أبو بكر وعمر، فقال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم:
قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ وقال الإمام
مالك: كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا صاحب هذا القبر وأشار إلى قبر النبي صلى الله
عليه وسلم.
أصلح الله شأن الجميع، وهداهم إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة والتمسك بما
فيهما، والعناية بالتوحيد علماً وتطبيقاً، والحذر من الشرك قولاً وعملاً واعتقاداً،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3616
بأقلامهن
إضاءات عاجلة نحو النهوض بمستوى المرأة
فاطمة بنت محمد السليمان
إن القلب يذوب حسرة، ويتفطر ألماً على واقع المرأة المسلمة وكيف أنها
تسير وفق مخططات الأعداء، تُلدَغُ من الجحر نفسه مرة بعد مرة، لا تروعها
التجارب، ولا تعتبر بغيرها، تراها تسير بنفس خطوات أختها التي ذاقت مرارة
الحرية المزعومة حينما عصت الله ورسوله، وتخلت عن عبودية ربها.
تسير في طريقها، وهي تسمع صيحات الغيورين، وتحذيرات العلماء متبعة
هوى نفسها كأنما على بصرها غشاوة. وقد أدرك الأعداء أهمية دور المرأة،
وكيف أن كأساً وغانية تفعل في أمة محمد ما لا يفعله سيف ومدفع، كما جاء في
بروتوكولات حكماء صهيون؛ ولذلك فقد جلبوا للمرأة قضية تحتاج إلى دفاع،
ونصبوا أنفسهم مدافعين عنها مع أن قضية المرأة لا يكابر في الحق فيها إلا ذو
هوى كما يذكر الدكتور مصطفى السباعي ﵀ فهذا إما مراهق لا يفكر إلا في
أهوائه الجنسية، أو كاتب يرى في إرضاء غرور المرأة ودغدغة عواطف
المراهقين والمراهقات طريقاً إلى رواج كتاباته، وطاغية يتقرب للغرب بأنه متجدد
غير متعصب.
وما زادنا هذا التذبذب عزة ... ولكن حصدنا دونه الشوك والعنا
أقول إن الناظر في هذا الواقع المرّ لا يملك إلا أن يطلق زفرة وهو يقول:
تكتلت قوة الدنيا بأجمعها ... في طعنة مزقت صدري وما فيه
لكن البكاء والعويل لا يجدي، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحزن:
«بأنه إن أفضى إلى ضعف القلب، واشتغاله به عمَّا أمر الله ورسوله به كان
مذموماً عليه من تلك الجهة» .
بل إن الواجب هو العمل حسب الوسع والطاقة وفق خطط منظمة مدروسة
يحاسب المسلم فيها نفسه: ماذا قدم، وماذا تحقق من الأهداف؟ ليكون ذلك دافعاً له
إلى تقديم المزيد، أو إعادة النظر في خططه ووسائله، ونحو ذلك. وقد حاولت أن
أطرح بعض الأفكار للعمل للنهوض بمستوى المرأة المسلمة ومن ثَمَّ بمستوى الأمة:
أولاً: احتواء الشباب الصالح، والفتيات الصالحات ممن نجد عند كثير منهم
استعداداً للعمل والعطاء لكنه يريد من يوجهه، ويأخذ بيده، وذلك عن طريق
الدورات العلمية، واللقاءات الدورية، وهذه نقطة مهمة إذا أُعمِلت سدت كثيراً من
الثغور إذا ما أعطى كلٌّ في مجال تخصصه، وإذا أُهملت أهدَرت كثيراً من
الطاقات الفاعلة.
ثانياً: نشر العلم الشرعي الصحيح بين الفتيات والشباب خاصة؛ فإن أهل
الضلالة في هذه الأوقات الحرجة يدعون إلى باطلهم مصبوغاً بصبغة الشرع؛ فكم
قرأنا في الصحف لمن ينادي بتغيير هيئة الحجاب الشرعي الذي تلبسه المرأة في
بلادنا؛ لأنه لم ينزل من السماء بهيئته تلك، وماذا يحصل للحجاب لو أن العباءة
وضعت على الكتف؟ ! لأنهم يعلمون أنهم لو قالوا للمرأة المسلمة: انزعي حجابك
لقالت لهم: تباً لكم ولا كرامة. ولكن بهذه الخطوات الشيطانية تسايرهم المرأة،
وهي مرتاحة الضمير.
وكم قرأنا في الصحف والمجلات عمن ينادي بضبط تعدد الزوجات بضوابط
معينة كالراتب المالي، وغيره مما لم يُنزل الله به من سلطان [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا
فَوَاحِدَةً] (النساء: ٣) ، ويذكرون في دعوتهم تلك روح الشريعة، وضوابط
الشريعة جهلاً منهم، أو مخادعة وهو الغالب؛ لأنهم لو راموا حكم الشريعة لسألوا
علماء الشرع. وكم قرأنا في الصحف عن الدعوة إلى تحديد النسل، وسلطة الرجل،
وتسلطه، ووجوب نزع الولاية من يده، وأن المرأة الآن أصبحت ذات مال
خاص يحق لها التصرف والخروج بدون إذن الرجل أو الرجوع إليه وتصوير
المرأة مظلومة مضطهدة في مجتمعنا ... إلخ.
وهم في طرحهم هذا يحاولون دغدغة مشاعر المرأة، والضرب على الوتر
الحساس.
أقول: إن المرأة المسلمة إذا قرأت مثل ذلك مما هو موافق لهوى نفسها
مصبوغاً بصبغة الشرع أخذته على علاته، وهي وإن لم تفعله إلا أن نفسها تتشربه
من حيث شعرت أو لا تشعر، وانعكس ذلك على تربية النشء في الأمد البعيد، كما
هو ظاهر الآن.
لذلك يجب إثارة المسائل نفسها التي تثيرها الصحف وذلك بالرد عليها بردود
علمية مؤصلة بالأدلة في الصحف نفسها التي وجدت فيها هذه المقالات إن أمكن،
أو في غيرها من وسائل الإعلام الممكنة.
ثالثاً: نشر الوعي بين الفتيات والشباب بمخططات الأعداء، والاعتبار بحال
المرأة المسلمة في كثير من البلاد الإسلامية، وما جنت على نفسها وعلى مجتمعها
من ويلات، وبدأت ترجع إلى حجابها، وتجدد عهدها بربها.
ويكون نشر الوعي عن طريق توضيح وسائل الأعداء، وضرب الصور
والأمثلة من الواقع.
وكما قيل: (عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الشر يوشك أن
يقع فيه) .
كما أنه لا بد من الوعي بأن الأعداء أذكى من أن يدعوا إلى ما يريدون
بأنفسهم، بل إنهم ينصبون لذلك نساءاً ورجالاً من ذوي الفكر، بل ومن ذوي الدين
من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا؛ ليكون لكلامهم وقع في النفوس على كثير من
فتيات المسلمين وشبابهم الذين هم في الغالب سليمو الصدر ناقصو الوعي،
وتوعيتهم بعداء اليهود والنصارى لنا بصور من عصرنا الحاضر الذي ينادون فيه
بالسلام وتوحيد الأديان، ويكون نشر ذلك الوعي بالذهاب إلى أماكن تواجد الشباب
والفتيات سواء أكان عن طريق الدروس والمحاضرات أو عن طريق الكتابة في
الصحف والمجلات والنشرات والإنترنت، أو عن طريق الحديث عن ذلك في
المجالس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
رابعاً: مشاركة الناصحين والناصحات في شغل أوقات الشباب والفتيات بما
يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة خاصة أنه قد كثرت منافذ الشر التي تشغل
أوقاتهم ما شاؤوا من ساعات الليل والنهار من القنوات الفضائية والإنترنت والتي
تثير غرائزهم وتشعل شهواتهم، والقلب إذا امتلأ بالشهوة عمي العقل، وانتهكت
الحرمات لسد هذه الشهوات التي لا تجد لها في الغالب منفذاً مباحاً، وسد هذه
المنافذ غير ممكن في الغالب؛ لذلك لا بد من احتواء هؤلاء الشباب والفتيات
وترشيدهم، وإيجاد البدائل الممكنة بمشاركة كل ناصح وناصحة بأفكاره، وتفعيل
المناسب منها.
وينبغي أن يكون بذل هؤلاء الناصحين والناصحات خالصاً لوجه الله تعالى
لتظهر بركته، فيُقدم فيها كلُّ واحد منهم في فكره وعمله المصلحة على حظ نفسه،
مذكراً نفسه بين حين وآخر بهدفه الذي يسعى لتحصيله.
خامساً: توعية الآباء والأمهات بضرورة تربية النشء على العقيدة الصحيحة
والفقه في الدين، وتذكيرهم بعظم المسؤولية «كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته» [١] .
هذا بعض ما جاد به خاطري للنهوض بمستوى المرأة المسلمة، وهو وإن
كان بطيئاً كما يقولون إلا أنه أكيد المفعول؛ لأن تربية الفتيات والشباب
بالمحاضرات فقط التي تُلقى عليهم في الشهر أو نحوه مرة، مع أنهم يكونون قد
أمضوا أمام الشاشات أكثر ساعات اليوم كما تدل على ذلك الإحصائيات المذهلة
والتي ليس هذا مقام سردها أقول: إن التربية بالمحاضرات وحدها لمثل أولئك لا
تكفي، وخاصة أن التربية عن طريق هذه الشاشات يكون بأسلوب محبب للنفس
تتشربه من حيث لا تشعر.
وأخيراً وإن كان واقع الأمة الإسلامية الذي نعيشه اليوم من أسوأ عصورها،
وإن تكاثرت على هذه الأمة السهام، وتواترت مصائبها إلا أن الله متم نوره ولو
كره الكافرون، ولو كره المشركون.
ونحن أُمرنا بالعمل ولا ننتظر النتيجة، وإن كنا نحبها ونرجوها [وَمَا كَانَ
رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] (هود: ١١٧) .
والله أسأل أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا وأن يصلحنا ويصلح بنا، وأن
يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم؛ إن ربي قريب مجيب.
стр. 3617
المنتدى
من الفائزين
رياض بن ناصر الفريجي
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين، فقال:
«قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى» .
[رواه أبو داود والنسائي]
وإن هاتين الشعيرتين العظيمتين تأتيان بعد موسمين زاخرين بأنواع من
العبادات والطاعات مما يجعل المسلم يفرح ويسرّ لإتمامه شيئاً مما فرضه عليه
خالقه ومولاه: [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ]
(يونس: ٥٨) .
وإن مما اعتاده الناس تبادل التهاني والدعوات في الأعياد والمناسبات.
ومن هذه الدعوات: من العايدين، من الفائزين.
ولما كان موسم العيد قريباً كان من الحسن أن نعرف أعمالاً تجعل هذا الدعاء
سديداً، وتيسر لنا الفوز حتى يكون سعينا رشيداً.
وإن قرآننا العظيم وهو دستورنا القويم قد أوضح في محكم آياته وسائل للفوز،
وبيّن حقيقته. فإلى هذا المعين الصافي ووقفات مع الآيات التي حوت كلمة
«الفائزين» جعلنا الله منهم برحمته وفضله.
قال تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ] (التوبة: ٢٠) .
فبعد أن صحّ فهم الإيمان، وهجروا الأهل وتركوا الأوطان، وجاهدوا بالمال
والأبدان جازاهم الله بالرحمة والخلود في الجنان؛ كما في الآيتين التاليتين للآية
السابقة (٢١، ٢٢) .
قال السعدي: أي لا يفوز بالمطلوب، ولا ينجو من المرهوب، إلا من
اتصف بصفاتهم وتخلّق بأخلاقهم.
قال تعالى: [إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُونَ]
(المؤمنون: ١١١) .
يأتي هذا الخطاب في معرض الجواب على الكفار لما سألوه الخروج من النار
فيخبرهم الجبار بأن سبب هذا البوار هو سخريتهم بالعباد الأبرار لما دعوا الملك
الغفار: [رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا] (المؤمنون: ١٠٩) فجازاهم الله
بصبرهم على الأذى وتحملهم للابتلاء أعظم الجزاء بالفوز في دار البقاء.
قال السعدي: جزيتهم بما صبروا على طاعتي وعلى أذاكم حتى وصلوا إليّ
بالنعيم المقيم والنجاة من الجحيم.
قال تعالى: [وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ]
(النور: ٥٢) . أطاعوا الله بفعل الواجبات وترك المحرمات، واتبعوا رسوله فيما
أمر، واجتنبوا ما عنه نهى وزجر، ومع ذلك يخافون الله فيما سلف من أيامهم وما
زلّت به أقدامهم ويتقونه فيما بقي من أعمارهم هؤلاء هم السعداء الذين فازوا بكل
خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة.
قال السعدي: أولئك الذين جمعوا بين طاعة الله وطاعة رسوله وخشية الله
وتقواه، هم الفائزون بنجاتهم من العذاب لتركهم أسبابه، ووصولهم إلى الثواب
لفعلهم أسبابه؛ فالفوز محصور فيهم؛ وأما من لم يتصف بوصفهم فإنه يفوته من
الفوز بحسب ما قصر عنه من هذه الأوصاف الحميدة.
ثم تأتي آخر آية حوت هذه اللفظة لتبين حقيقة الفوز وتقرّر مفهومه فيقول
تعالى: [لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ]
(الحشر: ٢٠) .
فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده فاستحق جنات النعيم
والعيش السليم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،
ومن غفل عن ذكره ونسي حقوقه فشقي في الدنيا واستحق العذاب في الآخرة؟
فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون.
وأخيراً: تقبل الله منا ومنك «وهي التهنئة التي كان يقولها الصحابة لبعضهم»
كما جاء في فتح الباري. اللهم اسلك بنا سبيل طاعتك، وجنبنا سبيل معصيتك،
واجعلنا ممن فازوا بجنتك برحمتك.
стр. 3618
المنتدى
الماء في القرآن
علي سالم بازرعة
تحدث القرآن عن الماء في ٦٣ موضعاً منها قوله تعالى: [وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ
كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ] (الأنبياء: ٣٠) ، وقوله تعالى: [وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ
دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ] (النور: ٤٥) .
إن الحقيقة القرآنية المعجزة التي يعرضها القرآن عن الماء هي أن الله جعل
حياة جميع الكائنات الحية على سطح الأرض مرتبطة بوجود الماء. قال الله تعالى:
[وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ] (الأنبياء: ٣٠) ، فإذا تأملنا في الإنسان
الذي كرمه الله نجد أن متوسط نسبة وجود الماء في جسم الإنسان نحو ٦٥% من
وزنه، وفي عالم النبات تتفاوت هذه النسب فتصل من ٧٠% إلى ٩٠% من وزنه
ماءاً، والماء أحد مكونات البوتوبلازم (المادة الحية في الخلية) ، وعليه فالماء
يحدد بقاء النبات نفسه ووجوده.
فالماء الذي أنزله الله من السماء هو أغلى وأثمن مادة على وجه الأرض، له
من الصفات العجيبة والخواص الفريدة ما جعله يتبوأ مكانة رفيعة، ومن هذه
الخصائص ارتفاع درجة غليانه التي هي ١٠٠ درجة مئوية؛ فلو كانت درجة
غليانه أقل من الصفر مثلاً لجفت البحار والأنهار واختفت الحياة، ومن خواصه
زيادة حجمه عند تجمده عكس معظم المواد، ولذا نجد أن قطعة الثلج تطفو فوق
السطح فتكون كغطاء عازل للطبقات السفلى فلا تتجمد، وتحتفظ المياه أدناه بدرجة
حرارة كافية لحياة الكائنات البحرية وهي أغلب كائنات الحياة، فلا عجب إذا قلنا:
«إن الحياة ظاهرة مائية» ومن خواصه أيضاً التي ينفرد بها عن غيره قدرته
كسائل مذيب لكثير من المواد؛ فهو المذيب الأعظم.
يرجع العلماء سر هذه الخواص المدهشة للماء للرابطة القوية بين ذرة
الأوكسجين وذرتي الهيدروجين في جزئي الماء (H٢O) .
إن الماء هو من المواد التي توجد بالطبيعة بصورها الثلاث: الصلبة والسائلة
والغازية ينتقل بينها في دورة ثابتة تعرف بالدورة الهيدرولوجية، وللرياح دور
أساس في هذه الدورة كما قال تعالى: [وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ
الثَّمَرَاتِ] (الأعراف: ٥٧) .
إن الإشارات العلمية الكثيرة في المواضع التي صرّح القرآن فيها عن الماء
ومطابقتها للواقع العلمي المعاصر تدل على الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وأن
الحقائق المذكورة في القرآن هي حقائق نهائية مطلقة وليست نسبية كما هو علم
البشر.
إن الماء جعله الله وسيلة للثواب والعقاب في الدنيا والآخرة؛ ففي
الجنة يقول تعالى: [مَثَلُ الجَنَّةِ الَتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ
آسِنٍ ... ] (محمد: ١٥) ، وفي المقابل في النار [ ... كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ
وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ] (محمد: ١٥) .
وفي الدنيا عن الثواب يقول تعالى: [وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ
لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً] (الجن: ١٦) ، أما العقاب فعن قوم نوح قال تعالى:
[فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ
قُدِرَ] (القمر: ١١-١٢) .
إن المسطحات المائية على كوكب الأرض من محيطات وبحيرات وغيرها
والتي تغطي أكثر من ثلثي مساحة الأرض هي التي ميزت كوكب الأرض عن باقي
كواكب المجموعة الشمسية بلونه الأزرق المميز وبوجود الحياة عليه.
لقد أصبحت قضية الماء في عالم اليوم قضية للصراع من جانب الحكومات؛
لأنها سلعة اقتصادية يزيد الطلب عليها، بل يخشى أن تصبح المياه سبب حروب
المستقبل. إن التدبر في الآيات القرآنية التي ذكر فيها لفظ الماء وما جاء ذكره عنها
في السنة النبوية مثل قول المصطفى ﵊: «لا يبولن أحدكم في
الماء الراكد، ثم يتوضأ منه» وهو يشير إلى قضية التلوث التي أصبحت مصدر
رعب في عالمنا المعاصر. إن التدبر والتأمل فيما ذكر أعلاه يزيد المؤمن إيماناً
وعلماً. نسأل الله أن يبارك لنا في القرآن والسنة، وأن ينفعنا بما فيهما من الآيات
والحكمة.
стр. 3619
المنتدى
الإجازة الصيفية
ماجد بن جعبل
ليس من المجازفة ولا من واقع الخيال إذا قلنا بأن ثلاثة أرباع المجتمع في
ظرف يوم أو يومين على الأكثر يصبحون في عالم من الفوضى بسبب الفراغ الذي
يغطي معظم الأوقات بالنسبة لهم؛ وهذا إن دل على شيء فالدلالة واضحة وهي
عدم الانضواء تحت برنامج منظم يحفظ الوقت ويحمي من سوء ما يجلبه الفراغ من
مساوئ. إن بعض الناس وهم الأغلبية يرى في البرنامج المنظم مصطلحاً واحداً
وهو كبت الحرية وأخذ الراحة المزاجية من العطلة الصيفية. ونرجو أن تكون هذه
الأسطر إيضاحاً لأحبائنا ودليلاً لهم إلى ما فيه صلاح الدنيا ومن ضمنها الإجازة
الصيفية وصلاح الآخرة.
الوقت أغلى ما عني الإنسان بحفظه، وإذا كان هذا الوقت هو ريحان العمر
وريعان الشباب فيا ترى كيف ستكون هذه الخسارة؟
وإن مما ينفع الإنسان في آخرته شغله فراغه في الدنيا بما يرضي الله؛ وعلى
ذلك فللإجازة أمور تشغل بها منها:
حلقات تحفيظ القرآن الكريم: والتي يخرج منها الدارس برضى الله وبالتقوى
وحسن الأخلاق وتعلم شرع الله والبعد عن أماكن الفساد والمعاصي، وهذا لا يقتصر
على شخص دون آخر، بل حتى الأطفال في العاشرة فما فوقها على الآباء توجيههم
إلى تلك الحلقات؛ فلعل الله أن يجعلهم بذرة صالحة ونواة طيبة لبناء مجتمع طاهر
محافظ.
المراكز الصيفية: لقد أدت المراكز الصيفية عبر الأعوام السابقة دوراً كبيراً
في الإجازات، وذلك لما تقوم به من نشاطات مختلفة تنمي الشباب على الخير
والإصلاح؛ فمن الأنشطة الثقافية إلى الأنشطة الرياضية إلى بقية الأنشطة التي
تتلاءم مع النشء.
طلب العلم الشرعي: ليست الإجازة حكراً على سن معين، ومن هذا المنطلق
فإن بين أولئك شباب الصحوة الذين هم عماد الأمة بعد علمائها الأفذاذ، ولذلك فإن
الإجازة ساحة للتنافس في طلب العلم الشرعي وتحصيله وتحصين النفس به من
الشبهات المتتابعة عملاً بقوله ﷺ : «تركت فيكم ما إن تمسكتم به
لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي» .
الخروج إلى القرى والهجر: للدعوة إلى الله ونشر دينه؛ وهذه النقطة ليست
«لكل من هب ودب» ولكن لمن آتاهم الله علماً واسعاً وأخذوا على عواتقهم الوفية
لله الدعوة إلى سبيله، وما أجمل لو نظم هذا العمل ونسق له كي يؤتي ثماره بإذن
الله.
الالتحاق بدور التحفيظ النسائية: وهي والله عصمة للفتاة من السوء وأهله،
ودليلٌ لها إلى مرضاة الله . إن فتيات المسلمين اليوم هن غداً أمهات
رجالهم الأفذاذ؛ فهل من شيء أحق بالحفظ منهن؟
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض بالمال
تنظيم برنامج أسري: ويكون فيه كل متطلبات النفسيات الأسرية فيكون مثلاً
متضمناً لدروس السيرة المتناسبة مع الأطفال، ودروس السيرة المتناسبة مع الكبار
إلى جانب الرحلات البرية والتنزه.
ختاماً: إن بالإمكان أن يُشغل الفارغ بأي شيء؛ ولكن ما دام أن هناك سؤالاً
وجزاءاً عن هذا الفراغ وعمَّا شغل به فإنه لا بد من التفكير في الذي سوف يحل
محل الفراغ ما هو: نعيم، أم جحيم؟
стр. 3620
المنتدى
سارع في السفر
صالح بن عبد الكريم العبودي
يا قلب فِر، لله فرّ ... لا تكفرنَّ، فلست حر
دع عنك زيداً أو عمرْ ... لا ينفعونك وزن ذر
بالله سارع في السفرْ ... لا تنتظر لا تنتظر
يكفي الأسى يكفي الضجرْ ... يكفي السُّرى يكفي السهر
يكفي التأمل والنظرْ ... قد حان وردك للنهر
بالله أقلع لا تُصِرّ ... لا تبقينَّ مدى العُمر
خذ عبرة ممن غبر ... احذر فقد ينجي الحذر
لم ينتبه لمَّا زُجِر ... لم ينتبه حتى احتُضر
стр. 3621
المنتدى
الشُكْرُ وأحلام التحقيق !
عبد الكريم علي الشهري
الشُكْرُ ... نعم معناه في اللغة: الثناء على الإنسان بمعروف يُولِيكَهُ [١] .
وأيضاً هو: عرفان الإحسان ونشره [٢] .
إلا أن محدودية الحروف لا تفي معنى «الشكر» حقه؛ إذ للشكر في
الوجدان فضاء شاسع، وتُحَمِّل قائلها عاطفة جياشة، ومشاعر فيّاضة، وتمنَّت
النفس التخلص من هَمِّ القيام بالشكر، جزاءاً للمعروف المُسدى إليها.
فالشاكر الحقيقي دائماً صادق المشاعر، كبير الهَمِّ تجاه مَنْ سيشكره كيف
يجازيه؟ وهل ستكون الكلمات والمشاعر في رد المعروف كافية؟ نعم! يحق لمن
أراد أن يشكر أحداً أن يكون مهموماً؛ لأن حقيقة الشكر نابعةٌ من حقيقة المعروف؛
فجميل روح تقديم المعروف على النفس يستوجب حكماً مشابهاً له من الشكر وإلا
يُعدَّ ناكراً للمعروف هذا هو ميزان الفطرة التي ترى التقدير والشكر معيار العطاء.
والله المستعان. لكن ونحن نعزِّز هذه الفطرة لا نعزِّزها لذواتنا وعلى حساب نياتنا،
بل لأنه «لا يشكر الله مَنْ لا يشكر الناس» [٣] وحتى نتربى على هذا الخُلُق
العظيم ... وإلا لو أردنا القيام بحق الشكر مع الله أولاً لما استطاع أحدٌ ذلك ولو يُجَرُّ
على وجهه من ميلاده حتى مماته ليفي بنعمة واحدة ومعروف واحد لما وفَّى:
[وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] (النحل: ١٨) ، ولكن رحمته شاملة وسابقة.
فكيف لنا أن نقوم بالشكر مع البشر ذوي النفوس الطامعة الذين قد يمنون
عليك معروفهم ولو كنت قد شكرتهم! ولو وسعهم شكرك لما منّوا عليك.
ولكن هناك النفوس الطيبة والضمائر المؤدَّبة بالخُلُق الرفيع، تزن خُلُق الشكر
مكاييل كثيرة، فتجد حرارة مشاعرها وصدق عواطفها، تجاه كل من أسدى معروفاً
إليها؛ ففي أقل الأحوال الكلمة الصادقة المقرونة بالمشاعر الفيّاضة. أما الصمت
وكأن معروفاً لم يكن فهذا لا تطيقه النفس البشرية، وإن استطاعته قدراً من الزمن؛
فالنفس تتوق أن ترى ثمار معروفها لتستمر أو تزيد في العطاء، هذا ما يشهد به
الواقع وليس يقدح في الإخلاص لله من هذا شيء.
فمَنْ لم يُحسن إلى مَنْ أساء فهذا عدل، ومَنْ أحسن إلى مَنْ أساء فهذا فضل:
[ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ] (الجمعة: ٤) .
فالمربّون والمعلّمون والدعاة والناصحون لهم فضل علينا كبير، ولهم فضل
من الله؛ إذ تحمّلوا عناء التربية والتعليم والدعوة والنصح لنا، رغم أننا لم نستطع
تحقيق الشكر لهم ولن نستطيع! إذ كيف يُشكر من كان سبباً في هدايتك؟ أم كيف
يُشكر من سعى في تربيتك؟ أم كيف يُشكر من أفرغ وقته لك؟ أم كيف يُشكر من
أدام النصح لك؟ أم كيف وربي يُشكر مثل هؤلاء وخاصةً وهم يتمثّلون قول الله
تعالى: [لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً] (الإِنسان: ٩) فهل يمكن أن نحقق
لهم الشكر؟ حسبنا أن نسأل الله أن يقيهم شر ذلك اليوم، ويلقيهم نضرةً وسروراً،
وأن يجزيهم بما صبروا جنةً وحريراً.
стр. 3622
المنتدى
ظلام اليأس
فهد يحيى مطهري
أيُّ وردٍ يزهو في الصحرْ ... أيُّ قلبٍ صاح يشكو من ضَرَرْ
أيُّ طفلٍ ناح يحكي حُزْنَهُ ... أيُّ زرع هالك يرجو المطر
من ظلامِ اليأسِ يا قدسُ انتظرْ ... عودةَ الحقِ وطَرْدَ المُحْتَقِرْ
ليته يبكي فأُصغي نَحْوَهُ ... يطلب العَفْوَ وأرجو المُسْتقرْ
أنت يا حيفاء هزّي شجونا ... وابعثي لَحْناً رقيقاً من وَتَرْ
وابعثي نحوي أَرِيْجاً علّهُ ... في الدُنى يَشْفِي أَنِينَ المُحْتَضِرْ
стр. 3623
المنتدى
ردود
- الإخوة الأفاضل: عبد الرحمن عبد الكريم، عيسى عبد العزيز، أحمد
يوسف محمد، محمد عبد الله السحيم، محمد عبد الله الرويلي، حمد أحمد، صالح
بن حسن القدسي: لقد أسعدنا كثيراً تواصلكم الكريم مع مجلتكم بالمقترحات، وهذا
مما يثلج صدورنا ويشعرنا كذلك بالمسؤولية، سائلين الله تعالى أن نكون عند حُسْنِ
ظن إخواننا، وأن يوفقنا وإياهم لخدمة دينه ونصرته.
- الأخوين: الحبيب كرون، أبو خلود الساري: نعتذر كثيراً عن تلبية
طلباتكم؛ وذلك لعدم أهلية المجلة لذلك، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
- الأخ: صالح سعيد الزهراني: نرجو التكرم بإعادة إرسال المشاركة؛ لأنها
لم تصل كاملة عبر الفاكس.
- الأخ: أمير أبو بكر أحمد: نشكر لك تواصلك مع المجلة، وما أرسلته عن
تطبيق الشريعة في نيجيريا مقتضب ويحتاج إلى توسع، ومرحباً بك وبمشاركاتك.
- الإخوة: رضا أحمد الصمدي، عمر الرماش، محمد عودة الذبياني، أحمد
عبد الدايم أبو نصرة: جزاكم الله خيراً على تواصلكم مع مجلتكم، ونفيدكم بأن
مشاركاتكم مجازة للنشر.
- الإخوة: أسعد سيد تهامي، إمام الطيب، عبد الله بن سليمان الصالح:
بارك الله فيكم، ومشاركاتكم مجازة للنشر في المنتدى.
- الإخوة: حامد سفر العبدلي، د. عادل عبد العزيز حامد، أبو عزام المكي،
عبد الرحمن القصيمي، محمد نجيب لطفي، عبد العزيز الويلي، عبد الله سيد
شعبان، أبو عبد الله الرحابي، عبد العزيز العبيسي، د. جمال نصار حسين،
حمد بن عبد الرحمن السالم: جزاكم الله خيراً على تواصلكم الكريم مع المجلة،
ونتمنى لكم التوفيق في مشاركات قادمة.
стр. 3624
المنتدى
لافتة على طريق الانتكاس
محمد عبد الله الرويلي
على أي نحوٍ تودّ الحكاية ... وماذا تكون وكيف النهاية؟
على أي شيء تموت المعاني ... سبيل أراه لفقد الهداية؟
نقضت العهود وعفت السجود ... وأطلقت نفساً تريد الغواية
ننادي وفاءاً وتغضي جفاءاً ... ونبدي صفاءاً وتخفي وشاية
رميتَ بسهم الفراق فؤادي ... وصيّرتَ صفو الوداد نكاية
رميتَ بهجرك حباً تليداً ... فهل يا صديقي أصبتَ الرماية؟
فقل لي بربك: أي اعتذار ... سيجدي إذا ما لقيت النهاية؟
فهلاَّ غنمتَ الحياة وإلا ... ستبكي كثيراً على كل آية
فعد للإله، ودع ما سواه ... وخذ مِنْ هُداه، ولُذْ بالعناية
إلى الله أمضي وكلّي خضوع ... ثباتاً يفيض بصدق الولاية
سأمضي ودرب الرشاد طريقي ... وأُعلي من العلم والحق راية
شبابَ المعالي! خذوها شعاراً: ... لزومُ الكرام طريقُ الحماية
стр. 3625
الورقة الأخيرة
الحرية والعبودية
د. عثمان علي حسن
الحرية غاية يسعى إليها كل إنسان ويتمناها كل متمنٍّ، وليسوا كلهم ينالها
ويحققها، إلا من أدرك معناها وعرف سبيلها وطلبها من مظانها، ولا حرية حقيقية
للإنسان إلا إذا ملك أمر نفسه، وسيطر عليها وعلى مطالبها، وسعى في تغذيتها بما
تحتاجه ويصلحها، ولا يكون ذلك إلا في التذلل والتعبد لله تعالى خالق الإنسان
وفطرته؛ فمن أراد الحرية الصادقة التي لا يشوبها خداع، ولا يحجبها غش فعليه
بالدخول في العبودية لله؛ فمن دخلها وترقى في درجاتها نال من الحرية بقدر ما
حقق من العبودية.
فالله تعالى يريد لعباده أن يكونوا أحراراً حقيقة، ولهذا أمرهم بعبادته التي
خلقهم لأجلها، وشرع لهم من صنوف العبادات ما يساعدهم على الوصول إلى هذه
الغاية المطلوبة، والأمنية المرجوة؛ ولنضرب لذلك أمثلة:
ففي الصلاة التي هي عمود الإسلام وركنه الركين يتحرر المؤمن من سلطان
النوم فيصبح هو الذي يتحكم فيه لا العكس، مع أن النوم حاجة فطرية لا يصمد
إنسان أمام هجومه وإلحاحه إلا لوقت معلوم، لكن المؤمن المقيم للصلاة والمحافظ
عليها ينفلت من نومه وينخلع من فراشه وراحته مستجيباً لنداء ربه، فيؤدي ما
أوجبه الله عليه من الفريضة في رغبة ومحبة وانشراح صدر وطيب نفس، بل لا
راحة له في غيرها، ولا قرار له في سواها، كما جاء عن الصادق المصدوق
ﷺ : «أرحنا بها يا بلال» [١] ، وقوله: «وجعلت قرة عيني
في الصلاة» [٢] .
وفي الزكاة يتحرر المؤمن من رق المال، الدرهم والدينار ونحوهما؛ فهو
يقتطع من ماله وكسب يده جزءاً معلوماً يصل به المحرومين وأصحاب الحاجات،
طيبة بذلك نفسه، وطالباً تطهير ماله وصونه عن الآفات، وساعياً لتنميته وزيادته
بالبركة، وبانفتاح أبواب من الرزق لم يكن يحتسبها، وفي الحديث: «ما نقص
مال عبد من صدقة» [٣] . وفي الحديث الآخر: «تعس عبد الدينار، تعس عبد
الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شِيك فلا
انتقش» [٤] .
وفي الصيام يتحرر المؤمن من قيود الطعام والشراب وشهوة الجماع مع أنها
حاجات فطرية ليس في وسعه أن يستغني عنها مختاراً، فضلاً عن كونها أشياء
مباحة وطيبة ونافعة، لكن المؤمن يترك ذلك كله من بزوغ الفجر إلى مغيب الشمس
طيلة شهر بأكمله طاعة لله تعالى وإيماناً به واحتساباً للأجر والمثوبة. وفي هذا
تربية عظيمة، ودربة رائعة، وذريعة لطيفة لترك الحرام الخبيث الضار من
الأطعمة والأشربة والشهوات، وهي التقوى التي شرع الصيام وغيره من العبادات
لتحقيقها: [لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] (البقرة: ١٨٣) ، وفي الحديث: «من لم يدع قول
الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [٥] . فالصوم عن
المحرمات والخبائث والمفاسد أوْلى من الصوم عن المباحات والطيبات والمنافع،
وهكذا يتحرر المؤمن من وطأة العادات الضارة.
وفي الحج يتحرر الإنسان من رق العادة؛ حيث يترك ما اعتاده من أساليب
في الحياة من طعام وشراب ولباس ونوم، وأعمال وأشغال، وبقاء لدى الأهل
والأولاد والأصدقاء ونحوهم من زملاء العمل أو الدراسة وغير ذلك مما يشق عادة
تغييره أو مفارقته إلا بنوع كلفة، لكنه في الحج يترك ذلك كله طاعة لله، فيخرج
الناس تاركين دورهم وما اعتادوه، إلى بيت الله الحرام، راجلين وعلى كل ضامر
يأتين من كل فج عميق، ولهذا سمَّى النبي ﷺ الحج جهاداً، لكن
لا قتال فيه.
ثم تأتي أعظم عبادة وأسماها ألا وهي الجهاد في سبيل الله بالنفس؛ فالنفس
أغلى ما يملك الإنسان؛ فهو يحرص عليها كل الحرص، ويجتهد في صونها عن
الآفات والتلف، لكن المؤمن يعتبر تقديمها في سبيل الله ذوداً عن حياض الإيمان
والأوطان إحياءاً لها، وتخليداً لذكراها، ورفعة لدرجتها [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] (آل عمران: ١٦٩) .
وفي نوافل هذه العبادات مجال للاستزادة والترقي في مدارج الحرية ومقاماتها،
حتى يصل إلى ذروتها ويعتلي سنامها، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي:
«ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي
يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه» [٦] .
وهكذا سائر العبادات في الإسلام تدرب المؤمن على التحرر الحقيقي، وتسعى
به لنيل الحرية الصادقة، فلا أحد يتحكم في حركته ومسار حياته إلا إيمانه بربه
وخالقه، لا سلطان نوم، ولا سلطان طعام وشراب، ولا سلطان شهوة ومال، ولا
سلطان عادة؛ فهو عبد لله وكفى، وسيِّد متصرف في احتياجاته كلها [ضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٢٩) .
стр. 3626
رجب - ١٤٢١هـ
أكتوبر - ٢٠٠٠م
(السنة: ١٥)
стр. 3627
كلمة صغيرة
مراجعات.. في المراجعات
تبدأ مجلة البيان في هذا العدد، وما بعده طرح موضوع دعوي هام، يتعلق
بمسائل (المراجعات) للعمل الإسلامي في مسيرته الممتدة على مدى العقود الثلاثة
الماضية، باعتبارها ممثلةً لمرحلة انتقال بين قرنين هجريين، و (المراجعة) -
فيما يبدو - هي شعار المرحلة على كافة الأصعدة، وهي تأتي تقويماً للأداء فيما
مضى، لترشيده فيما سيأتي بإذن الله.
والمراجعات قد تعتورها تراجعات، ومن ثم جاء طرح هذا الموضوع لكي
يوضع على بساط البحث المتبصر، والحوار الجاد، والنقاش الهادئ؛ تقليصاً
للضرر وتفادياً للخطر، والمجلة إذ تفتح صدرها لهذا الحوار المثمر في زاوية
(قضية للمناقشة) تذكِّر قراءها، وكتابها، والمتواصلين معها - والذكرى تنفع
المؤمنين - بأن أدب الحوار صناعة إسلامية، لُحمتها النصيحة، وسَداها الإخلاص؛
فنسيجها يستمد متانته من قوة الوشيجة الإيمانية، والأخوة الإسلامية التي تعد
المحافظة عليها من فرائض الدين، وإذا كان النقد لا يخص أحداً دون أحد؛ لأنه نقد
للذات الإسلامية بوجه عام، فإنه لا يقصر أيضاً دون أحد؛ لأننا جميعاً - أهل
الدعوة - شركاء في المغنم والمغرم، ومسؤولون عن حال الأمة الدينية، رفعةً أو
ضَعَةً.
غير أننا نؤكد أن هناك فرقاً بين نقد الذات وجلد الذات، ولهذا.. فلا مجال
في الحوار الجاد بين إخوة العقيدة لجرح الأشخاص، أو الهيئات، أو الجماعات،
ولا لطعن في طوايا الضمائر والنيات.. لا نقص ولا هدم، ولا ظلم ولا هضم؛
فالنصيحة دين، والدين النصيحة..
وفق الله الجميع للقول السديد والفعل الرشيد.
стр. 3628
الافتتاحية
من أروقة المفاوضات
على الرغم من الإعلان الرسمي عن إخفاق مباحثات (كامب ديفيد الثانية) ،
إلا أن استمرار المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني، واليهودي برعاية أمريكية،
ثم الإعلان عن رغبة المفاوض اليهودي - خصوصاً - بجعل المفاوضات سريةً
إلى أن يتم الاتفاق على حل يرضي الطرفين، يثير تساؤلات عديدة، وينبئ عن أنَّ
وراء الأكمة ما وراءها..! !
وكما أنَّ المفاوض الفلسطيني في أمريكا عام (١٩٩٣م) فوجئ أثناء
المفاوضات بالإعلان عن اتفاقية (أوسلو) التي تضمنت سلسلةً من التنازلات
المخزية، وتجاوزات لكثير من الثوابت التي ظلت السلطة الفلسطينية تتشدق بها
ردحاً من الزمن؛ فلا يستغرب على الإطلاق أن يفاجأ العالم باتفاق جديد بين
الفلسطينيين واليهود، يكشف عن حلقات جديدة من التزييف والتلاعب بالعقول..!
ولعلنا نشير هنا إلى بعض الحقائق المهمة من أروقة المفاوضات التي تؤكد
المؤامرة الكبرى على فلسطين، والسعي المحموم لترسيخ الهيمنة الصهيونية عليها:
أولاً: الرعاية الأمريكية لإسرائيل:
بعد إعلان وعد بلفور في عام (١٩١٧م) سارع الرئيس الأمريكي (وودرو
ولسون) بمباركة ذلك الوعد، وبعث برسالة إلى زعيم الصهيونية الأمريكية
(ستيفن وايز) يصادق فيها بشكل رسمي على وعد بلفور، على الرغم من تحفظات
وزير خارجيته (روبرت لانسنج) لاعتبارات سياسية آنذاك، وفي عام (١٩٢٢)
وافق مجلسا الشيوخ والكونجرس رسمياً على وعد بلفور.
وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل في ١٤/٥/١٩٤٨م أعلن الرئيس الأمريكي
(هاري ترومان) اعترافه بهذه الدولة الوليدة حتى قبل أن تطلب منه إسرائيل ذلك
رسمياً، ثم بادرت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم منحة مالية لإسرائيل، قدرها
مئة مليون دولار (وهي تعادل موازنة مصر , والعراق , وبلاد الشام في ذلك
الوقت) ، ثم أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تمارس ضغوطاً كبيرةً على الدول
المختلفة؛ لتعلن اعترافها، ودعمها لدولة إسرائيل.
وقد تتابع دعم الإدارات الأمريكية لتثبيت الوجود اليهودي في فلسطين، حتى
إن الرئيس (ريتشارد نيكسون) قال في كتابه الشهير (١٩٩٩ نصر بلا حرب) :
(إن التزامنا ببقاء إسرائيل التزام عميق؛ فنحن لسنا حلفاء رسميين، وإنما يربطنا
معاً شيء أقوى من أي قصاصة ورق، إنه التزام معنوي، إنه التزام لم يخلَّ به أي
رئيس في الماضي أبداً، وسيفي به كل رئيس في المستقبل بإخلاص، إن أمريكا
لن تسمح أبداً لأعداء إسرائيل الذين أقسموا على النَّيْل منها بتحقيق هدفهم في
تدميرها) .
ويلخص الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) موقف الرؤساء الأمريكيين بقوله
أمام الكنيست الإسرائيلي في عام (١٩٧٩م) : (لقد جسد من سبقني من الرؤساء
الأمريكيين الإيمان حين جعلوا من العلاقات بين الولايات المتحدة، وإسرائيل أكثر
العلاقات خصوصيةً، إنها علاقات فريدة؛ لأنها متأصلة في ضمير الشعب
الأمريكي، وفي أخلاقه، وفي دينه، وفي معتقداته..!) .
وها هو ذا الرئيس الأمريكي الحالي (بيل كلينتون) يعلن مراراً أنه: (لن
يخذل إسرائيل أبداً!) ، فتراه يبذل كافة إمكاناته السياسية لدعم اليهود، وترسيخ
أقدامهم، والضغط على مناوئيهم.
بل إن المرشحين للرئاسة الأمريكية القادمة يتنافسان في إعلان الولاء
لإسرائيل؛ فالمرشح الجمهوري (جورج بوش الابن) وعد بنقل السفارة الأمريكية
من تل أبيب إلى القدس عقب انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، وقال في
كلمة أمام اجتماع لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية (إيباك) : (سيحدث
شيءٌ مَّا عندما أُصبِح رئيساً، فبمجرد أن أتولى المنصب سأبدأ عملية نقل السفير
الأمريكي إلى المدينة التي اختارتها إسرائيل عاصمةً لها..!) .
أما المرشح الديمقراطي (آل جور) فقد فاجأ الجميع بترشيحه للسناتور
(جوزف ليبرمان) لمقعد نائب الرئيس، وقال في لقاء مع عدد من قادة اليهود
الأمريكيين: (إن رغباتكم وتطلعاتكم هي رغباتي وتطلعاتي!) .
كل هذه الدلائل تؤكد الانحياز الأعمى، والدعم غير المحدود من الولايات
المتحدة الأمريكية لإسرائيل، ومن ثَمَّ فإن الراعي الأمريكي لمفاوضات السلام لا
يظهر بمظهر الراعي المتجرد الباحث عن حل عادل، وهو لا يخفي ولاءه
لإسرائيل، ولا يتردد في المدافعة عن مطالبها، وتعجب أشد العجب من غفلة، أو
تغافل أولئك المتهافتين على السلام من أدعياء العروبة تهافت الجراد على النار
المحرقة، وهم يرون هذه الحقائق ماثلةً بين أيديهم عياناً بياناً لا تشوبها شائبة..!
وصدق المولى الحق - جلَّ وعلا - إذ يقول: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ
قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ
الَتِي فِي الصُّدُورِ] (الحج: ٤٦) .
ثانياً: الدولة اليهودية دولة دينية:
من الحقائق الثابتة التي لا جدال فيها أن الدولة اليهودية بنيت بناءاً دينياً
محكماً، وكان للحاخامات دور بارز في صناعة الحياة السياسية اليهودية وإدارتها،
وإذا كان يحلو لبعض العلمانيين العرب التأكيد على أن الحزبين الرئيسين في
إسرائيل (العمل، والليكود) حزبان علمانيان، وأن الأحزاب الدينية المتطرفة في
إسرائيل لا تمثل إلا أقليةً محدودةً في الشارع اليهودي؛ فإن حزبَيِ (العمل،
والليكود) يؤكدان انتماءهما الديني، وحرصهما على تحقيق التعاليم التلمودية، ولا
يترددان في إعلان هذه الهوية، والاعتزاز بها.
وقد أدار المفاوض اليهودي مؤتمرات السلام مع العرب عامةً، والفلسطينيين
خاصةً منطلقاً من هذه القاعدة التلمودية، ولهذا لم يكن غريباً على الإطلاق أن يكون
أحد أعضاء الفريق اليهودي المفاوض المرافق لباراك من الحاخامات..! !
وفي أثناء انعقاد مؤتمر كامب ديفيد الثاني أصدر عدد من كبار حاخامات
إسرائيل فتوى تحظر على الحكومة الإسرائيلية تسليم بلدات فلسطينية قريبة من
محيط مدينة القدس، وذكرت صحيفة (معاريف) : أن حاخامات (أدمورات) ،
ورؤساء مدارس دينية (يشيبوت) من أعضاء مجلس كبار علماء التوراة - وهو
المرجع الأعلى للفتاوى والتشريعات الدينية اليهودية في إسرائيل - وزعوا بياناً
موقعاً بأسمائهم تضمن رأياً دينياً مستمداً من كتاب التوراة اليهودية يؤكد عدم جواز
تسليم بلدات أبو ديس، والعيزرية، والسواحرة الشرقية إلى الفلسطينيين،
ووضعها تحت سيادتهم.
ثالثاً: القدس جزء من العقيدة اليهودية:
أعلن رئيس الوزراء اليهودي السابق (ديفيد بن جوريون) أنه: (لا معنى
لإسرائيل من غير القدس، ولا معنى للقدس من غير الهيكل!) ، وصرح وزير
الأديان اليهودي عقب احتلال القدس عام (١٩٦٧م) بأن: (أرض الحرم ملك
يهودي بحق الاحتلال، وبحق شراء أجدادهم لها منذ ألفي سنة) ، ودرجت
الحكومات اليهودية المتعاقبة على ترسيخ الصبغة اليهودية في المدينة المقدسة،
وبناء المستوطنات اليهودية في جميع أجزائها، وأعلن الرئيس الحالي (إيهود
باراك) شعاره الانتخابي المعروف: (نريد أن نصبغ القدس الشرقية بالطابع
اليهودي الخالص) .
ولقد حمل (إيهود باراك) هذه العقيدة معه إلى كامب ديفيد، وأعلن بوضوح
قبل بدء المفاوضات أن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية، وفي الوقت الذي كان
فيه باراك يفاوض الفلسطينيين في كامب ديفيد كان (حاييم رامنون) الوزير
المكلف بشؤون القدس، و (إبراهاما شوحاط) وزير المالية الإسرائيلي، و (سالي
مريدور) رئيس الوكالة اليهودية، و (إيهود أولمرت) رئيس بلدية القدس يجرون
مباحثات مكثفةً - تنفيذاً لتعليمات باراك - لتعزيز الوجود اليهودي في القدس
الشرقية.
ولهذا راح المفاوض اليهودي - ومن ورائه الراعي الأمريكي - يطرح حلولاً
ترقيعيةً لعلاج مشكلة القدس، ويساوم المفاوض الفلسطيني؛ ليحظى بمزيد من
التراجعات والتنازلات..! !
ولكن: هل ظل المفاوض الفلسطيني مصرّاً على تشبثه بالحقوق الإسلامية،
ولم يذعن للتوبيخ، والتهديد، والضغط الأمريكي..؟ !
والذي نحسبه أنَّ المفاوض الفلسطيني باع أشياء كثيرةً بثمن بخس، وتخلَّى
عن مسلَّمات عديدة، بل غيَّر الدستور والميثاق [١] ، وتجاوز ثوابت لا تخطر على
بال، والقدس عنده أرض، كبقية الأراضي يمكن استبدالها بأي أرض أخرى!
ولكنه يعلم يقيناً أنَّ التفريط بها هو قاصمة الظهر، ومسمار النعش، خاصة أن
الشعوب العربية لم تتهيأ بعدُ لمثل هذاالتحول الخطير؛ ولهذا يمكن أن تُسرَّب بعض
الحلول الأمريكية واليهودية لجس نبض الشارع الفلسطيني والعربي، وقياس
إمكانية القيام بتغييب الوعي العربي، وغسيل الدماغ الفلسطيني، كما حدث في
مسائل أخرى معقدة!
فكما أنَّ السلام مع إسرائيل كان خيانةً عظمى، وخروجاً عن الصف العربي
قبل عشرين عاماً، أصبح اليوم بعد سلسلة طويلة من التخدير والتجهيل رمزاً من
رموز الواقعية، واسترداد الحقوق العربية، ومعارضوه هم المتطرفون الإرهابيون,
وكذلك القدس يمكن أن يكون التخلي عنها في الوقت الراهن جريمةً لا تغتفر، أما
بعد سنوات في ظل السلطة الفلسطينية فيمكن أن تكون واقعاً لا فكاك منه إذا أُحسن
ترويض الناس وتغييبهم، والزمن كفيل بتغيير العقول وصناعة الآراء والقناعات
التقدمية المنفتحة! ! وانظر مثلاً كيف كان العرب يطالبون قديماً بفلسطين المحتلة
فأصبحوا الآن لا يتحدثون إلا عن الأراضي المحتلة في عام ١٩٦٧م، وانظر إليهم
قديماً يطالبون بالقدس، فأصبحوا الآن لا يتحدثون إلا عن القدس الشرقية فقط.
رابعاً: الحرب دينية من طرف واحد فقط:
لقد نجح اليهود منذ بداية تأسيس دولتهم في عزل الإسلام عن ساحة المعركة،
وهم يدركون تماماً أنه لا يمكن أن يقف في طريقهم إلا الراية الإسلامية، وقديماً قال
ديفيد بن جوريون: (نحن لا نخشى خطراً في المنطقة سوى الإسلام!) ، بل إن
شمعون بيريز قال: (إنَّه لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام
شاهراً سيفه، ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يغمد الإسلام سيفه إلى الأبد!) .
نعم.. لقد جرب اليهود الشعارات العربية الثورية، وخبروها خبرة تامة،
وأدركوا أنها هراء محض، يُراد بها تحقيق مكاسب نفعية حزبية وشخصية،
ويسهل ترويضها وتدجينها، وكما قال الشاعر:
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد
ولهذا جنَّ جنون اليهود لمَّا قامت الانتفاضة الفلسطينية المباركة مرددةً آيات
القرآن العظيم، يحدوها الحنين لإحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله تعالى، واستعادة
أمجاد صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله تعالى -:
خرجوا على الأعداء يلقون الحجر ... ويكبرون وفي حناجرهم عمر
فإذا الحجارة في الصباح قنابل ... الطفل ليث في المعارك والخطر
فكانت دعوات السلام من أجل إيقاف هذا المدِّ الإسلامي ووأده في مهده،
وليس غريباً على الإطلاق أن تتولى السلطة الفلسطينية هذا الدور بتفان كبير،
حتى إن وزير العدل في السلطة الفلسطينية أكد أنهم لن يسمحوا بوقوع أية عمليات
عسكرية ضد الدولة اليهودية، بل إن الرئيس ياسر عرفات أعلن خلال استقباله
وفداً من أعضاء المؤتمر اليهودي العالمي في عام (١٩٩٦م) أنَّ عدد المعتقلين من
الإسلاميين من أعضاء حركتي حماس والجهاد بلغ في سجون غزة (٩٠٠) معتقل،
ممَّا جعل شمعون بيريز يعلن ارتياحه ورضاه عن الجهود التي بذلتها السلطة
الفلسطينية للقضاء على الإسلاميين..!
وتأكيداً على طبيعة الهوية الفلسطينية القادمة نرى ياسر عرفات يؤكد بمناسبة
وبغير مناسبة أنَّ الدولة الفلسطينية الموعودة دولة علمانية (! !) ، وكأنه يريد أن
يقدم مزيداً من الطمأنات للدولة اليهودية وحلفائها في الغرب والشرق؛ حتى إنَّ
الشيخ عكرمة صبري إمام المسجد الأقصى لمَّا أفتى بعدم جواز التنازل عن الحق
بالعودة للاجئين، والقبول بالتعويض لمن لا يرغب في العودة؛ استنكرت السلطة
الفلسطينية الفتوى بشدة، وقال الطيب عبد الرحيم الأمين العام للرئاسة الفلسطينية:
(إن المفتي ليس زعيم فصيل سياسي أو حركة؛ ولذا لا يحق له إصدار فتوى في
قضايا سياسية، وطلب من المفتي عدم التدخل في تلك القضايا..! !) ، وكأن
السلطة الفلسطينية تعلن للملأ أنه لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة.
حرام على بلابله الدوح ... حلال للطير من كل جنس!
إنَّ أمام الإسلاميين عامةً، والفلسطينيين خاصةً بمختلف فصائلهم وأحزابهم
أمانة عظيمة، ومسؤولية جسيمة؛ فالمنطقة تمر بمفرق طريق، ومنعطف خطير،
وقد آن الأوان لرص الصفوف وتنسيق الجهود، والنظر إلى المستقبل بعين بصيرة
مدركة؛ فالأمر قد تجاوز الرؤى المرتجلة، والجهود الفردية المبعثرة، والبرامج
الهزيلة المشتتة. إنَّ الأمر جد وليس بالهزل.. فهل نعي ذلك..؟ !
стр. 3629
دراسات في الشريعة والعقيدة
بل هذا حكم الإسلام في الغناء !
راشد بن عبد الله العدوان
«إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب» ، هي كلمة حكيمة،
وحكمة نادرة، قالها الحافظ ابن حجر العسقلاني، في (فتح الباري شرح صحيح
البخاري) (٣/٤) .
والحافظ ابن حجر هو إمام أهل العلم بالحديث، وخاتمة الحفاظ، بل هو
المحدث الحقيقي الأبرز منذ القرن الثامن الهجري إلى الآن.
وقد قال هذه الحكمة الصادقة في شأن رجلٍ عالمٍ كبير من طبقة شيوخه وهو
(محمد ابن يوسف الكرماني) شارح البخاري إذ تعرض في شرحه لمسألة من دقائق
فن الحديث لم يكن من أهلها، على علمه وفضله، فتعرض لما لم يتقن معرفته،
والكرماني هو الكرماني، وابن حجر هو ابن حجر.
لقد وردت هذه الحكمة البليغة على خاطري، حين قرأت مقالاً نشرته مجلة
(العربي) في عددها (٤٩٥) الصادر في شهر شوال لعام ١٤٢٠هـ، ووجدتها
تنطبق على هذا المقال تمام الانطباق، وكأنها وضعت له، أو قيلت بادئ بدء في
شأنه.
لقد تعصب كاتب المقال لرأيه الشاذ مقلداً ومتبعاً ومغتراً بما ذهب إليه الإمام
ابن حزم ﵀ من إباحة الغناء وآلات الطرب على اختلاف أنواعها في
رسالته الموسومة بـ «رسالة في الغناء الملهي، أمباح هو أم محظور؟» من
مجموعة رسائل ابن حزم الأندلسي، بتحقيق الدكتور «إحسان رشيد عباس»
مستمسكاً بشبهات واهية، وبحجج هشة، ضعَّف فيها الأحاديث الصحيحة الثابتة في
تحريم المعازف والغناء الملهي، وتصور يا أخي مبلغ الأثر السيئ الذي سيكون
لهذا المقال في قلوب القراء من الخاصة وطلاب العلم، فضلاً عن العامة، وذلك
لأمرين:
١- شهرة ابن حزم العلمية في العالم الإسلامي، وإن كان ظاهري المذهب لا
يأخذ بالقياس، خلافاً للأئمة الأربعة، وغيرهم.
٢- غلبة الهوى على أكثر الناس؛ فإذا رأوا مثل هذا الإمام يذهب إلى إباحة
ما يتفق مع أهوائهم لم يصدهم شيء بعد ذلك من اتباع أهوائهم، بل قد يجدون فيما
يسمعون من بعض المشايخ ما يسوغ لهم تقليدهم إياه، كقولهم: «من قلد عالماً لقي
الله سالماً» ، وإن كان ابن حزم ﵀ ينهى عن التقليد، ويحرمه أشد
التحريم.
يضاف إلى ذلك قلة العلماء الناصحين الذين يذكِّرون الناس بالحكم الصحيح
في هذه المسألة، والأحاديث الصحيحة الواردة فيها، وكثرة ما يكتب ويذاع مخالفاً
لها، فيتوهمون أن ما قاله ابن حزم صحيح، لا سيما وهم يقرؤون لبعض العلماء
المعاصرين بعض فتاوى تؤيد مذهبه، وتميل إلى إباحة الآلات الموسيقية، وإنكار
تحريمها، وتضعيف الأحاديث الواردة فيها، ضاربين عرض الحائط بالحُفَّاظ
المصححين لها ومذهب الأئمة القائلين بمدلولاتها، ومن هذا المنطلق، ونصحاً لله
ولرسوله ولكتابه وللمسلمين، سأقف مع الكاتب الدكتور بعض الوقفات في رد شبهه
وتمويهاته مستعيناً بالله تعالى.
* الوقفة الأولى: قال الدكتور في معرض حديثه عن حكم الغناء عند الفقهاء:
«بينما العنبري عبيد الله بن الحسن العنبري - القاضي والفقيه والمحدث - لا يرى
به بأساً، (أي: الغناء) ... إلى أن قال: ... في حين كان قاضي المدينة ومحدثها
إبراهيم بن سعد لا يرى به بأساً» اهـ.
قلت: وهذا الكلام مردود من وجوه:
الوجه الأول: أما إبراهيم بن سعد فقد ثبت عنه قوله بتحليل السماع، وقد
غلط من نسبه مذهباً لأهل المدينة بسبب قوله؛ فقد صح عن مالك أنه سئل عن
السماع، فقال: إنما يفعله عندنا الفساق، أما عبيد الله بن الحسن العنبري فقد كفانا
ابن القيم ﵀ مؤونة الرد على الدكتور حيث قال: «عبيد الله بن الحسن
العنبري قاضي البصرة مطعون فيه» [١] يعني في دينه، وقد ذكر ابن حجر في
ترجمته من التهذيب ما يدل على توبته، فهذه من زلات بعض العلماء التي أُنكرت
عليهم، غفر الله لهم [٢] .
قال ابن الجوزي ﵀: «قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار
على كراهية الغناء والمنع منه، وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله
العنبري، وقد قال ﷺ : من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية» ،
ثم قال بعد ذلك بقليل: «فهذا قول علماء الشافعية، وأهل التدين منهم،
(أي: في تحريم الغناء) ، وإنما رخص في ذلك من متأخريهم من قل علمه،
وغلبه هواه» اهـ[٣] .
قال ابن رجب ﵀: «وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي اتفاق
العلماء على النهي من الغناء إلا إبراهيم بن سعد المدني وعبيد الله بن الحسن
العنبري قاضي البصرة، وهذا في الغناء دون سماع آلات الملاهي، فإنه لا يعرف
عن أحد ممن سلف الرخصة فيه» اهـ[٤] .
وقال: «وهذا الخلاف في سماع الغناء المجرد، فأما سماع آلات اللهو فلم
يُحْكَ في تحريمه خلاف» [٥] .
الوجه الثاني: أن قولهم ليس بحجة، بل الواجب رده؛ لأنه من المحدثات،
لقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»
متفق عليه من حديث عائشة ﵂، وفي رواية لمسلم والبخاري
تعليقاً مجزوماً به: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» .
وقد ثبت تحريم الغناء والمعازف عن الرسول ﷺ من وجوه
كثيرة، ولا قول لأحد مع الرسول ﷺ .
قال مجاهد: «ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا يؤخذ من قوله
ويترك إلا النبي ﷺ » .
الوقفة الثانية: قال الكاتب: «ورُوي عن الإمام أحمد بن حنبل في الغناء
ثلاث روايات: الحل، والكراهة، والحرمة..» .
وللجواب عن هذا أقول:
أما مذهب الإمام أحمد ﵀ في سماع الغناء فقد بينه ابنه عبد الله،
قال: سألت أبي عن الغناء، فقال: ينبت النفاق في القلب [٦] لا يعجبني، ثم ذكر
قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق.
وقال الحافظ: أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: «أما مذهب الإمام
أحمد ﵀ فإنه كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد، إلا أنهم لما
كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه: فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال:» الغناء
ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني «، وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي: أنه
سئل عن استماع القصائد، فقال: أكرهه، هو بدعة، ولا يجالسون ... ، وروى
عنه أبو الحارث أنه قال: التغبير بدعة، فقيل له: يرقق القلب فقال: هو بدعة» .
«فهذه الروايات كلها دليل على كراهية الغناء ... » إلى أن قال: «فبان
من هذه الجملة أن الروايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها تتعلق بالزهديات الملحنة،
فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده، كيف لو علم ما أحدث الناس من
الزيادات؟» انتهى كلام ابن الجوزي [٧] .
وقد أجمع الأئمة الأربعة وأهل العلم على المنع من الغناء وآلات اللهو، وقد
حكى شيخ الإسلام ابن تيمية اتفاقهم على ذلك، فقال: «وآلات اللهو لا يجوز
اتخاذها، ولا الاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة..
وقال: وأما الغناء المجرد فمحرم عند أبي حنيفة ومالك، وهو أحد القولين في
مذهب الشافعي، وأحمد، وعنهما أنه مكروه» .
* الوقفة الثالثة: قال كاتب المقال: «أما المرويات والمأثورات التي تحرم
الغناء والمعازف فلقد ثبت بمقاييس الرواية ومعايير الجرح والتعديل للرواة أن
جميعها مطعون فيه، وليس فيها حديث واحد صحيح (! !) ، ومع ذلك روَّجها
وأشاعها واستخدمها الذين لا دراية لهم بصناعة الحديث ومقاييس صحته..» ، ثم
ذكر كلاماً لابن طاهر وابن حزم في الطعن في الأحاديث الناهية عن الغناء.
وكلامه مردود من عدة وجوه:
الوجه الأول: تأمل قوله: (وليس فيها حديث واحد صحيح) ، وما فيه من
التلاعب بعقول القراء، والتمويه على الجهلة الأغبياء، كما لا يخفى على من نوَّر
الله قلبه بنور العلم والإيمان.
الوجه الثاني: أن في كلام الدكتور تجاوزاً ظاهراً؛ حيث زعم أنه لم يرد فيها
نص ثابت في تحريم الغناء وآلاته، وأين هو من الأحاديث الثابتة الصحيحة، ومن
ذلك:
١ - ما أخرجه البخاري في صحيحه (٥٥٩٠) من حديث أبي مالك
الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليكونن من
أمتي أقوام يستحلون الحِرَ [٨] ، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى
جنب عَلَمٍ، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولون:
ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم
القيامة» .
٢- ما أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» بإسناد
حسن أن النبي ﷺ قال: «إن في أمتي خسفاً ومسخاً وقذفاً، قالوا:
يا رسول الله! وهم يشهدون أن لا إله إلا الله؟ فقال: نعم، إذا ظهرت المعازف،
والخمور، ولبس الحرير» .
٣- ما رواه عمرو بن الوليد بن عبدة عنه به مرفوعاً بلفظ:
«إن الله حرم الخمر، والميسر، والكوبة [٩] ، والغبيراء،
وكل مسكر حرام» أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦٥٩١) ، والبيهقي بإسناد
صحيح، إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة الصحيحة المروية عن جمع من
الصحابة - رضوان الله عليهم -.
الوجه الثالث: أن الأدلة ليست مقصورةً على الكتاب والسنة، بل يستدل بهما
وبالإجماع وبقول الصحابي إذا لم يعرف له مخالف منهم على القول الصحيح،
وبالقياس الصحيح عن جمهور العلماء، وبغير ذلك مما هو مقرر في كتب الأصول،
ولم يخالف في حجية الإجماع إلا أهل البدع والأهواء، ولا عبرة بخلافهم؛ حيث
إن الإجماع لا يكون إلا عن دليل سالم من الطعن والمعارض.
الوجه الرابع: عوَّلَ الكاتب على إعلال ابن طاهر وابن حزم للأحاديث
الصحيحة، مموهاً على القراء، وابن حزم الظاهري من العلماء الحفاظ، قال
الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٨/١٨٤) : «وكان ينهض بعلوم جمة،
ويجيد النقل، ويحسن النظم والنثر، وفيه دين وخير، ومقاصده جميلة،
ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرئاسة، ولزم منزله مكباً على العلم، فلا نغلو فيه،
ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار» ، وقال أيضا: «ولي أنا ميل إلى
أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير
مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع
بخطئه في غير ما مسألة» اهـ.
ولابن حزم ﵀ كلام - في الجرح والتعديل، والنقد والتعليل منثور
في مؤلفاته ومصنفاته.
فما هو موقف العلماء منه؟
قال الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» (٤/١٩٨ - ٢٠٢) في ترجمة
ابن حزم: «كان واسع الحفظ جداً، إلا أنه لثقته بحافظته كان يهجم على القول في
التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة» .
وقال العلاَّمة المحدث الألباني ﵀: «وابن حزم - مع علمه
وفضله وعقله - فهو ليس طويل الباع في الاطلاع على الأحاديث وطرقها
ورواتها» ، وقال بعد ذلك: «فينبغي ألاَّ يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد
التثبت من صحته وعدم شذوذه» [١٠] .
أما ابن طاهر ﵀ فقد قال ابن حجر الهيتمي عنه: «وأما حكاية
ابن طاهر عن صاحب التنبيه أنه كان يبيح سماع العود ويسمعه، وأنه مشهور عنه،
وأن أحداً من علماء عصره لم ينكره عليه، وأن حلَّه هو ما أجمع عليه أهل
المدينة، فقد ردوا على ابن طاهر بأنه مجازف إباحي كذاب رجس العقيدة
بخسها..» (إلى أن قال) : «فإن ابن طاهر متكلَّم فيه عند أهل الحديث
بسبب الإباحة وغيرها» اهـ[١١] .
الوقفة الرابعة: ذكر الكاتب الأحاديث التي أوردها ابن حزم ﵀
في رسالته قادحاً في رواتها، ومضعفاً لأسانيدها؛ ولذلك تعقبه العلماء - أهل
الحديث - في توهينه للأحاديث الصحيحة أو ذات الإسناد الحسن، وفيما يلي بعض
الأحاديث التي أوردها صاحب المقال، وسأعقبها بأقوال أهل العلم، فأقول وبالله
التوفيق:
١- حديث معاوية: «أن رسول الله ﷺ نهى عن تسع ...
منهن الغناء» قال ابن حزم في رسالته في معرض نقده لهذا الحديث ص٤٣٤:
«وأما حديث معاوية فإن فيه كيسان، ولا يدرى من هو، ومحمد بن مهاجر،
وهو ضعيف» اهـ.
قلت: قد خالف ابن حزم الأئمة الحفاظ في هذا؛ حيث نقل أهل هذا الفن بأن
محمد بن مهاجر هذا ثقة، وثقه أحمد وابن معين ودحيم وأبو زرعة الدمشقي
وأبو داود ويعقوب بن سفيان وابن حبان والعجلي، ولم يجرحه أحد، فقول ابن
حزم: «ضعيف» غلط، لكن الحديث ضعيف لجهالة كيسان [١٢] .
٢- نقل الكاتب من كلام ابن حزم قوله: «حديث سلام بن مسكين، عن
شيخ شهر بن مسعود يقول:» الغناء ينبت النفاق في القلب «في رواة هذا الحديث
شيخ لم يُسَمَّ، ولا يعرفه أحد» اهـ.
لكن هذا الأثر عن ابن مسعود صححه بعض أهل العلم، قال العلاَّمة
الألباني- ﵀: «قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات [١٣] . وقد أشار
إليه ابن القيم في» إغاثة اللهفان « (١/٢٤٨) ، وقال:» وهو صحيح عن ابن
مسعود من قوله «.
قال الألباني معقباً على قول ابن القيم:» ولكنه في حكم المرفوع؛ إذ مثله لا
يقال من قِبَل الرأي، كما قال الآلوسي في «روح المعاني» (١١/٦٨) «اهـ.
أما قول ابن حزم:» في رواة هذا الحديث شيخ لم يسمَّ، ولا يعرفه أحد «
فهذا» من سوء تصرف ابن حزم في الأحاديث، فإن عدم معرفته بأحوال الرواة لا
يستلزم سقوط الخبر، فقد يعرف غيره ما جهله « [١٤] ،» ومن المقرر عند العلماء
أن من عرف حجةٌ على من لم يعرف « [١٥] .
٣- ثم ذكر كاتب المقال نقلاً عن ابن حزم ﵀ تضعيف حديث
أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول:» ليكونن من أمتي
قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف «.
ثم أورد إعلال ابن حزم لهذا الحديث بقوله:» لم يورده البخاري مسنداً،
وإنما قال فيه: قال هشام بن عمار، ثم هو إلى أبي عامر، أو إلى أبي مالك، ولا
يُدرى أبو عامر هذا «اهـ من رسالته.
فأعلَّه ابن حزم بعلتين، الأولى: الانقطاع بين البخاري وهشام، والأخرى:
جهالة الصحابي الأشعري.
والجواب عن قدح ابن حزم لهذا الحديث من وجوه عدة:
الوجه الأول: رد الإمام ابن القيم ﵀ إعلال ابن حزم على هذا
الحديث في بعض كتبه؛ حيث قال في» تهذيب سنن أبي داود « (٥/٧٠م) :
» وقد طعن ابن حزم وغيره في هذا الحديث، وقالوا لا يصح؛ لأنه منقطع،
لم يذكر البخاري من حدَّث به، وإنما قال: (وقال هشام بن عمار) ! وهذا القدح
باطل من وجوه:
أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا روى عنه
معنعناً، حمل على الاتصال اتفاقاً [١٦] ، لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال:
(قال هشام) لم يكن فرق بينه وبين قوله: (عن هشام) أصلاً.
والثاني: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولاً:
قال الإسماعيلي في (صحيحه) : أخبرني الحسن: حدثنا هشام بن عمار ...
بإسناده ومتنه سواء، والحسن: هو ابن سفيان.
الثالث: أنه قد صح من غير حديث هشام:
قال الإسماعيلي في (الصحيح) : حدثنا الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن
إبراهيم، حدثنا بشر، حدثنا ابن جابر عن عطية بن قيس قال: قام ربيعة الجرشي
في الناس.. فذكر حديثاً فيه طول، قال: فإذا عبد الرحمن بن غَنْمٍ، فقال: يميناً
حلفت عليها، حدثني أبو عامر - أو أبو مالك الأشعري -: والله - يميناً أخرى -
حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن في أمتي قوم
يستحلون الخمر , وفي حديث هشام: الخمر والحرير، وفي حديث دُحَيمْ: الخَزَّ
والحرير والخمر والمعازف..» فذكر الحديث.
ورواه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الخباب قال: أخبرني معاوية بن
صالح: حدثني حاتم بن حُريث عن مالك بن أبي مريم قال: تذاكرنا الطلاق،
فدخل علينا عبد الرحمن بن غَنْم، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول
الله ﷺ ، فذكر الحديث بلفظه.
الرابع: أن البخاري لو لم يلق هشاماً، ولم يسمع منه، فإدخاله هذا الحديث
في «صحيحه» وجزمُهُ به، يدل على أنه ثابت عنده عن هشام فلم يذكر الواسطة
بينه وبينه: إما لشهرتهم، وإما لكثرتهم، فهو معروف مشهور عن هشام، تغني
شهرته به عن ذكر الواسطة.
الخامس: أن البخاري له عادة صحيحة في تعليقه، وهي حرصه على
إضافته الحديث إلى من علقه عنه إذا كان صحيحاً عنده، فيقول: (وقال فلان)
(وقال رسول الله ﷺ وإن كان فيه علة، قال: (ويذكر عن
فلان) أو (ويذكر عن رسول الله ﷺ .
ومن استقرأ كتابه علم ذلك، وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام، فهو
صحيح عنده.
السادس: أنه قد ذكره محتجاً به، مدخلاً له في كتابه (الصحيح) أصلاً لا
استشهاداً؛ فالحديث صحيح بلا ريب «انتهى.
وقال أيضاً في» إغاثة اللهفان « (١/٢٥٨) بعد إيراده الحديث:» هذا
حديث صحيح، أخرجه البخاري في (صحيحه) محتجاً به، وعلقه تعليقاً مجزوماً
به.. «.
ثم قال:» ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئاً، كابن حزم،
نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع؛ لأن البخاري لم يصل
سنده به، وجواب هذا الوهم من وجوه ... «فذكر الوجوه آنفة الذكر، ثم قال:
» لو ضربنا عن هذا كله صفحاً، فالحديث متصل عند غيره ... «، ثم ذكر
من وصله.
وقال في» روضة المحبين «ص ١٣٠:
» ... وأما أبو محمد [ابن حزم] فإنه على قدر يُبْسه وقسوته في التمسك
بالظاهر، وإلغائه للمعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية، إنْمَاعَ في باب
العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة، فوسَّع هذا الباب جداً، وضيَّق باب
المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جداً، وهو من انحرافه في الطرفين حين رَدَّ
الحديث الذي رواه البخاري في (صحيحه) في تحريم آلات اللهو بأنه معلق غير
مسند، وخفي عليه أن.... . «، ثم رد عليه بنحو ما سبق، وقال:
» ... فأبطل سنة صحيحةً ثابتةً عن رسول الله ﷺ لا مطعن
فيها بوجهٍ «.
وقال العلاَّمة الزبيدي في» إتحاف السادة المتقين « [٦/٤٧٥] :
» والبخاري إذا علق شيئاً بصيغة الجزم يحتج به، ثم إن البخاري علقه عن
هشام بن عمار وقد لقيه، فيحمل على السماع، فالحكم حينئذ للوصل، كما هو
معروف في موضعه «اهـ.
وقال ابن حجر الهيتمي في» الزواجر «ص٤٦٠:
» ومن عجيب تساهل ابن حزم واتباعه لهواه أنه بلغ من التعصب إلى أن
حكم على هذا الحديث وكل ما ورد في الباب بالوضع وهو كذب صراح منه، فلا
يحل لأحد التعويل عليه في شيء من ذلك «.
وقال قبل ذلك:» وصح، (أي: هذا الحديث) من طرق خلافاً لما وهم فيه
ابن حزم فقد علقه البخاري، ووصله الإسماعيلي، وأحمد، وابن ماجه، وأبو
نعيم، وأبو داود بأسانيد صحيحه لا مطعن فيها، وصححه جماعة آخرون من
الأئمة، كما قاله بعض الحفاظ «اهـ.
» وخلاصة الكلام في هذا الحديث أن مداره على عبد الرحمن بن غنم، وهو
ثقة اتفاقاً، رواه عنه قيس بن عطية الثقة، وإسناده إليه صحيح، وعلى مالك بن
أبي مريم، وإبراهيم بن عبد الحميد، وهو ثقة، وثلاثتهم ذكروا (المعازف) في
جملة المحرمات المقطوع بتحريمها؛ فمن أصر بعد هذا على تضعيف الحديث فهو
متكبر معاند، ينصبُّ عليه قول النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة، من
كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) الحديث، وفيه: (الكبر: بطر الحق وغمط
الناس) رواه مسلم « [١٧] .
وبهذا ينتهي الجواب عن العلة الأولى وهي الانقطاع التي زعمها ابن حزم
ومقلدوه، وتبين جلياً أنها (سراب) وبقي الجواب عن العلة الأخرى، وهي الشك
في اسم الصحابي، فأقول:
الجواب عن العلة الثانية: أن إعلال ابن حزم لهذا الحديث بسبب الشك في
اسم الصحابي، شبهة أشد ضعفاً عند العلماء، وفي ذلك قال الحافظ ابن حجر في
» الفتح « (١٠/٢٤) :
» الشك في اسم الصحابي لا يضر، وقد أعله بذلك ابن حزم وهو مردود «.
فالصحابة - رضوان الله - عليهم كلهم عدول، فالشك غير قادح» وذلك؛
لأن الراوي عند تصريحه بالسماع من النبي ﷺ ثقة من كبار
التابعين، بل قيل بصحبته؛ فهو من العارفين بصحبة محدثه عن النبي صلى الله
عليه وسلم، ولا سيما، وقد أكد ذلك بقوله: (والله ما كذبني) فلا يضرنا بعد ذلك
شكه وتردده ما دام أنه أخبرنا بصحبته « [١٨] .
» وقول ابن حزم: (ولا يدرى أبو عامر هذا) مردود عليه؛ إذ أبو عامر
صحابي، والصحابي ثقة، سواء عرف اسمه أم لم يعرف، أو عرفت كنيته أم لم
تعرف، كما هو مذهب جماهير أهل العلم « [١٩] .
والخلاصة: أن الشك في هذه الرواية ليس من وجوه الاضطراب في شيء
ولا يمكن القدح بسببه في هذه الرواية، فأبو عامر، أو أبو مالك كلاهما ثابت
الصحبة.
لذا قال العلامة العيني في» عمدة القاري « (٢١/١٧٥) رداً على من شكك
في صحة الحديث بسبب التردد في اسم الصحابي:
» هذا ليس بشيء؛ إذ التردد في الصحابي لا يضر؛ إذ كلهم عدول «.
قال الشيخ إسماعيل الأنصاري، بعد أن رد هذه الدعوى:» فبهذا تبين
اتصال الحديث وبطلان كلام ابن حزم فيه، ولذلك حذر العلماء من الاعتماد على
كلام ابن حزم فيه، كابن الصلاح في (مقدمة علوم الحديث) وابن كثير في
(الباعث) وابن عبد الهادي في (المحرر) ، والعراقي في (ألفية المصطلح)
وابن القيم في (تهذيب السنن) وفي (إغاثة اللهفان) ، وفي (روضة المحبين)
والحافظ ابن حجر في (فتح الباري) والعيني في (عمدة القاري) وغيرهم « [٢٠] .
٤- قال الدكتور معلقاً على حديث البخاري السابق:» وأنا أضيف إلى القدح
في إسناد هذا الحديث أنه يتكلم عن قوم يستحلون الزنا والخمر، ويقرنون مجالس
الزنا والخمر هذه بالمعازف التي أصبحت عوناً على الكبائر والفواحش، فليست
المعازف هنا مفردةً، ولا مرادةً لذاتها «اهـ.
أقول:» اجعل (أضيف) عند ذاك الكوكب « [٢١] ، فإن هذا التعليل فاسد
من وجوه:
أحدها: ليس في الحديث ما يدل على أن التحريم المذكور إنما هو على شرط
استحلال الخمر والزنا فقط، بل ظاهر الحديث يدل على أن التحريم المذكور مرتب
على مجموع ما ذكر فيه من استحلال الخمر والزنا والحرير والمعازف.
ثانياً: من عجيب أمر صاحب المقال عدوله عما يدل عليه ظاهر الحديث،
واتباعه للظن في ترتيب الوعيد على استحلال الخمر والزنا فقط، مع أنه من
المقرر أن الدين لا يؤخذ بالظن.
ثالثاً: أن التأويل الذي ذهب إليه الدكتور لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا
إجماع ولا قياس ولا قول صحابي، وما لم يكن عليه دليل فليس عليه تعويل.
٥- حديث أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ
يقول:» يشرب ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، تضرب
على رؤوسهم المعازف والقينات، يخسف بهم الأرض «ضعفه ابن حزم،
وتبعه الكاتب مقلداً، وقد صححه ابن القيم في موضعين من» الإغاثة «
(١/٣٤٧ و ٣٦١) .
وقال:» وهذا إسناد صحيح «وتبعه السيوطي في» الجامع الصغير «
والمناوي في» فيض القدير «، وانظر مجموع الفتاوى (١١/٥٧) ، وصيانة
مسلم لابن الصلاح (٨٢، ٨٣) .
كما أن الألباني صححه كما في» تحريم آلات الطرب «ص٤٥، وفي
» سلسلة الأحاديث الصحيحة « (رقم ١٨٨٧) .
٦- حديث عقبة بن عامر الجهني:» قال رسول الله ﷺ :
كل شيء يلهو به الرجل فباطل إلا رمي الرجل بقوس، أو تأديبه فرسه، أو
ملاعبته امرأته، فإنهن من الحق «، وقال ابن حزم:» وفي رواة هذا الحديث
عبد الله بن زيد بن الأزرق وهو مجهول.. وللحديث طريق آخر، في رواته:
خالد بن زيد وهو مجهول «.
والجواب عن هذا أن يقال:
» هذا الحديث جيد الإسناد، رواته كلهم ثقات، وقد رواه الدارمي والترمذي
وابن ماجة في سننهم من طريق هشام الدستوائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن
«وعبد الله بن زيد بن الأزرق معروف عند أهل العلم، وقد وثقه ابن حبان وحسن
حديثه الترمذي، وقال الحافظ ابن حجر في (التقريب) : إنه مقبول.
أما خالد بن زيد فقد قال عنه الحافظ في (تهذيب التهذيب) : خالد بن زيد بن
خالد الجهني ذكره ابن حبان في (الثقات) » [٢٢] .
وصححه العلاَّمة الألباني ﵀ في «الصحيحة» (١/٦٢٧) .
٧- حديث: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أن يكون أربعة:
ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين،
وتعليم الرجل السباحة» ثم ذكر إعلال ابن حزم له ... إلى أن قال ابن حزم: «ثم
إن هذا الحديث ليس فيه تحريم ... فاللعب - كما في هذه الرواية و (السهو واللغو)
كما في روايته الأخرى - غير التحريم» .
والجواب أن يقال: قد صحح هذا الحديث الحافظان: عبد العظيم المنذري،
وابن حجر العسقلاني، وهما أعلم بالرجال وجيد الأسانيد وضعيفها من ابن حزم،
قال ابن حجر في الإصابة: «رواه النسائي بإسناد صحيح، وقال الحافظ المنذري
في (الترغيب والترهيب) : رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد» .
أما قول ابن حزم: «ثم ليس فيه إلا أنه سهو ولغو وليس فيه تحريم» .
فجوابه: أن يقال: إن المراد باللغو - كما في حديث: «كل شيء ليس من
ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال ... » الحديث: هو
الباطل، وكما تقدم ذلك صريحاً في رواية عبد الله بن الأزرق [٢٣] . وصححه
الألباني كما في «صحيح الجامع» (٤٥٣٤) .
٨- حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «يمسخ قوم
من أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير، قالوا: يا رسول الله! يشهدون أن لا إله
إلا الله، وأنك رسول الله؟ قال: نعم! ويصلون ويصومون ويحجون، قالوا: فما
بالهم يا رسول الله؟ قال: اتخذوا المعازف والقينات والدفوف ويشربون هذه
الأشربة، فباتوا على لهوهم وشرابهم فأصبحوا قردة وخنازير» .
ثم أعله ابن حزم بقوله: «هذا الحديث مروي عن رجل لم يُسَمَّ ولم يُدْرَ من
هو» .
أقول: حُكْمُ ابن حزم على هذا الحديث بالسقوط، لكونه لم يعرف بعض من
فيه من الرواة، دعوى لا زمام لها ولا خطام، ولو أن كل من جهل أحداً من
المحدثين حكم بسقوط حديثه، لسقط كثير من الأحاديث الصحيحة؛ لأنه ليس أحد
من العلماء يحيط علماً بجميع الرجال، وشاهد ذلك كتب الجرح والتعديل وأسماء
الرواة؛ فإنه يوجد في بعضها ما لا يوجد في بعضها الآخر، ويخفى على بعض
العلماء ما لا يخفى على غيره.
وأقول أيضاً: إنه ثبت أن هذا الحديث إسناده حسن كما بين ذلك الشيخ عبد
الله الجديع - حفظه الله - في كتابه القيم: «أحاديث ذم الغناء والمعازف في
الميزان» ص ٣٦ وما بعدها؛ فليراجعه من شاء.
٩- حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول صلى الله عليه
وسلم: «من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه» ، قال ابن حزم:
«هاشم وعمر مجهولان، ومكحول لم يلق عائشة» .
الجواب أن يقال: «هذا حديث ضعيف كما قاله ابن حزم، وليس هو مما
يحتج به القائلون بتحريم الغناء كما زعم ذلك ابن حزم، وإنما يذكرونه وأمثاله
للاستئناس والاستشهاد، وفي الأحاديث الصحيحة غنية عنه وعن أمثاله من
الأحاديث الضعيفة» [٢٤] .
١٠- قال الدكتور نقلاً عن ابن حزم: «حديث ابن شعبان عن ابن عباس -
﵄ في قول الله : [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ
لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ] (لقمان: ٦) ، قال: الغناء، وأحاديث ابن شعبان هالكة» .
أقول: إن تفسير [لَهْوَ الحَدِيثِ] (لقمان: ٦) بالغناء قد ثبت عن عدد من
الصحابة منهم:
ابن عباس ﵁، كما روى ذلك البيهقي في سننه
(١٠/ ٢٢٣) ، والبخاري في الأدب المفرد، وابن الجوزي في «تلبيس إبليس»
(ص ٢٣١) وغيرهم، وروى البخاري في تاريخه الكبير (٤/٢١٧) عن عكرمة
(لهو الحديث: الغناء) وعكرمة وارث علم ابن عباس.
وقد ورد أيضا من قول ابن مسعود ﵁ كما أخرج ذلك
البيهقي في السنن (١٠/٢٢٣) ، وفي شعب الإيمان، وابن الجوزي في
«التلبيس» ص ٢٣١؛ حيث سئل عن هذه الآية، فقال: هو الغناء؛ والذي لا
إله إلا هو يرددها ثلاث مرات، وإسناده حسن [٢٥] .
وكذلك ورد عن عدد من التابعين منهم: قتادة، وعكرمة، وإبراهيم النخعي،
ومجاهد، وغيرهم.
١١- ثم قال الكاتب تحت عنوان: «الحرمة للتوظيف لا للذات» .
قال: «ثم إنه مع التسليم بأن المراد باللهو هنا الغناء، فهو ليس مطلق الغناء،
ولا كل الغناء، وإنما هو الغناء الذي يتخذه المشركون ليضلوا عن سبيل الله،
وليتخذوا سبيل الله هزواً.. فحرمته ليست لذاته وإنما لتوظيفه في الإضلال عن
سبيل الله، وكل ما يضل عن سبيل الله حرام حتى ولو كان واجباً، أو مندوباً في
ذاته» .
فأقول جواباً على ذلك: إن الدكتور نسي أو تناسى - وكلاهما مر - أن اللام
في قوله تعالى: [لِيُضِلَّ] (لقمان: ٦) إنما هي لام العاقبة كما في تفسير
«الواحدي» ، أي: ليصير أمره إلى الضلال، كما قال ابن الجوزي في
«زاد المسير» (/٣١٧) ، فليس هو للتعليل.
ومن خلال ما تقدم، تبين المدى الذي وصل إليه الكاتب متابعاً ابن حزم من
توهين الأحاديث الصحيحة، وتبين أنها مجرد جعجعة بدون طحن، ولولا خشية
الإطالة لتتبعت الكاتب في سائر ما ذكر، لكن في هذا القدر كفاية لمن ألقى السمع
وهو شهيد، والله المستعان.
стр. 3630
دراسات في الشريعة والعقيدة
عالمية القرآن
د. محمد خليل جيجك
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده وعلى آله
وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن العصر الذي نحن فيه أتى معه إلى جنب ذلك التقدم الهائل في ساحات
العلم والمعرفة وغيرها بمشاكل فكرية عقدية كثيرة. ولا جرم أن من أهم ما أصيب
في هذا العصر بالقسط الأوفر من المشاكل والأزمات هو الدين بحقه وباطله، أما
تلك الأديان الباطلة فاستُخِفَّت أمام أعاصير شبهات المعاصرين استخفاف الريشة أمام
الرياح العاصفة فلم تقاومها لا في نقير ولا قطمير.
أما دوامها على الساحة فلمجرد كونها تشكل عنصراً ثقافياً أو ثقافة فلكلورية
للقوم الذين ينتسبون إليها، وأما الدين الإسلامي الحنيف الذي هو الدين الحق
فاستطاع بما يحتوي عليه من تلك البراهين الواضحة والأدلة القاطعة أن يقاوم ذاك
الباطل الوافد إليه من الخارج الذي استقدمه بعض الأغرار فاشتدت صولة
المعاصرين الوضعيين وأذنابهم من الذين يريدون أن يستأصلوا شأفة الدين بأجمعه
عن المجتمع فاشتدت صولتهم على الإسلام، وأتوا في كل يوم بباطل جديد وهجوم
شديد، وازدادت مع الأيام مخططاتهم ضد الحق وأهله؛ لأنهم رأوا في الإسلام
مقاومةً متينةً ما كانوا يحسبون حسابها، فهجموا على الإسلام هجمةً شرسةً،
وحاولوا النيل من عقائده وزلزلة كيانه في القلوب والصدور باختلاق الأكاذيب
الشنيعة عليه مما هو منه براء، ومن جملة تلك الأباطيل التي حاكوها وصار ينعق
بها أجراؤهم ما اختلقوه ضد كتاب الإسلام في الآونة الأخيرة، وهو زعمهم أنه
كتاب تاريخاني خاطب عصراً محدداً فقط ثم عفى عليه الزمن، ولم يبق له في هذه
الدنيا المعاصرة مفعول إجرائي.
فوجب على علماء المسلمين أن يتصدوا لرد هذا الافتراء الشنيع الذي رده
القرآن بالكثير من آياته وغزير مضامينه وجزيل مفاهيمه، وأن يردوه رداً علمياً
يقتنع به أرباب الخبرة والحكمة وينتفع به أصحاب الروية والبصيرة كما سنذكر ذلك
فيما يلي:
تمهيد:
إن قيمة عالمية القرآن من أهم القضايا التي يتحتم على علماء المسلمين
المعاصرين أن يبينوها ويذكروا وجه الصواب فيها بالبراهين العقلية والحجج النقلية
والأدلة الناصعة؛ لأنه قد خرج في الأوساط المسلمة في مختلف بلاد العالم
الإسلامي، في هذا القرن من ينكرون عالمية القرآن بزعم تاريخانيته - كما أسلفنا
ذلك - مع أننا - نحن معاشر المسلمين سلفاً وخلفاً، منذ أن بعث الله هذا الكتاب
إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - نعتقد اعتقاداً جازماً انطلاقاً
من نصوص كثيرة باهرة أن القرآن هو كتاب الله الذي خاطب البشرية به جميعاً
إلى يوم القيامة بلا تقيد بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، أو جنس دون
جنس، أو طبقة دون طبقة خاطبهم جميعاً بما يسعدهم في دنياهم وأخراهم من
العقائد التي تليق بعظمة الخالق العظيم، والعبادات المعظمة لجلال الفاطر الحكيم
التي تليق بقدسيته وكبريائه، والأحكام الرفيعة والأخلاق الفاضلة التي يسمو بها بنو
البشر إذا طبقوها وعملوا بها روحاً ونفساً، ومادة ومعنى، وفرداً ومجتمعاً،
ويتطور المجتمع بما تحتوي عليه تلك المبادئ من الطاقات المحركة علماً وتفكيراً؛
فهو وحده القادر على تقديم بديل حضاري متضمن لأفضل الأسس لأكرم حضارة
عالمية إنسانية تجاه ما ابتليت به الإنسانية من الحضارة الغربية التي لم تستطع أن
تسعد الإنسان فرداً وجماعةً سوى في جوانب طفيفة مادية.
عالمية القرآن إذاً من أوسع القضايا القرآنية مساحةً وتغطيةً، ولكن لا يسعنا-
وقد التزمنا الإيجاز في حدود هذه المقالة القصيرة لقلة بضاعتنا - إلا الإيماء
بإشارات خفيفة لطيفة إلى هذا الموضوع الهام لعل الله يقيض له في مستقبل الأيام
من رجالات العلم من يعطيه حقه.
ولكون القضية من البدهيات عند المسلمين بحيث لم يناقش فيه أحد عبر
التاريخ الإسلامي كله رأينا أن علماء الإسلام ما كتبوا في الموضوع شيئاً يعتد به
سوى بعض تلك المعلومات التفسيرية التي كتبوها بمناسبة تفسير تلك الآيات التي
تدل على عالمية القرآن وهي آية: يوسف ١٢/١٠٤، الأنبياء ٢١/١٠٧، الفرقان
٢٥/١، سبأ ٣٤/٢٨، ص ٣٨/٨٧، القلم ٦٨/٥٢، التكوير ٨١/٢٧، وقد بحثنا
في بعض المكتبات فلم نجد في الموضوع سوى بعض المقالات القصيرة لبعض
العلماء.
وقبل عرض موضوع عالمية القرآن باعتبار مضمونه ومحتواه نرى أن نقدم
بكلمة مختصرة عن التاريخانية التي ساقتنا إلى تناول هذا الموضوع.
إن مسألة تاريخانية [١] القرآن مسألة طلعت في زي الحداثة المزخرف المنمق من
تحت قرن شيطان الاستشراق فلاكها بألسنتهم مقلدوهم من بعض مثقفي المسلمين
عامداً بعضهم إلى ما تأتي به من العاقبة السيئة، وغير شاعر بعضهم الآخر بمغبتها
المشؤومة التي أقلها زحزحة عقيدة بعض المسلمين وإضعاف ثقتهم بالقرآن، وهو
الهدف الفريد الذي يسعى إليه بكدح بالغ المستشرقون وأذنابهم؛ لأنها لا تتواءم مع
العقيدة الإسلامية الحقة، لا في قليل ولا كثير؛ فهي تتنافى مع علم الله المطلق التام،
وتتنافى مع حقيقة خلود رسالة القرآن وأحكامه مدى العصور إلى أن يرث الله
الأرض ومن عليها.
وأهم أهداف التاريخانية التي خطها لها شيطان الاستشراق ضمن خطة مزورة
متدثرة بالعلمية والموضوعية (!) هو الإبانة عن أن القرآن أضحى قديماً مع
الزمن وأبلاه كر الليالي وأخلقه مر العصور؛ حيث كان كتاباً تاريخانياً خاطب كتلةً
محدودةً من البشر في قطاع خاص من التاريخ والزمن، وكان في مستطاعه في تلك
الأزمنة المحدودة تقديم حلول نافعة لتلك الكتلة الخاصة في ذلك القطاع الخاص.
وأما بعد الذي حدث من ثورات عظيمة في معظم جوانب حياة الإنسان الفردية
والاجتماعية والإدارية والسياسية والاقتصادية وغيرها فلم يبق القرآن بدوره
التاريخاني قادراً على الإيفاء بتقديم حلول فاضلة صالحة للمجتمعات البشرية في
جميع جوانب حياتها! هذا هو ما يستهدفه أولئك الظالمون! فإذاً الهدف اللئيم الأثيم
لهذه الخطة غير الرشيدة هو إقصاء القرآن بدوره الفاعل عن جميع نواحي الحياة،
ولا يخفى أن هدفهم أن يجعلوا رسالة الإسلام والقرآن عبارة عن أمور أخلاقية
وجدانية، في دائرة ضيقة لا صلة لها بتوجيه الحياة بمعناها الشمولي، وهذه
الصورة الشوهاء المختلقة عن رسالة القرآن التي يمليها الاستعمار الغربي والتنصير
العالمي على عملائه هي نفس كيان النصرانية التي باءت بالإخفاق والبوار لا في
الإصلاح الجماعي فقط بل حتى في الحفاظ على وجودها الذاتي أيضاً في صميم
بلادها، وكفاها ذلاً وهواناً لها ولأبنائها!
وخلال تناولنا لموضوع عالمية القرآن نقدم الاتجاه الاستدلالي على العرض
المضموني؛ فإن الناحية الاستدلالية أوْلى وأهم من ناحية علاقتها الوثيقة بصلب
الموضوع.
عالمية القرآن من الناحية الاستدلالية:
إن الحديث عن عالمية القرآن من أهم القضايا اللاصقة بالقرآن، لا سيما في
عصرنا هذا؛ فطرح القضية على عواهنها من غير استدلال صحيح لا يأتي بشيء
سوى أن يكون من باب الأمنيات؛ فالاهتمام بالأمر يوجب الاستدلال له من ناحيتي
العقل والنقل؛ فلنذكر القضية مستدلين عليها من كلتا الناحيتين:
(أ) من الناحية العقلية:
إن الذي ينكر عالمية القرآن إما أن يكون منكراً للقرآن أو مؤمناً به، أما
المنكر: فللكلام معه مجال آخر.
وأما المؤمن به: فنقول له:
أولاً: كن صريحاً جريئاً لا تخادع ولا توارب؛ فإن كنت تؤمن بالقرآن عن
صدق قلب وإخلاص نية ففتش في نفسك هل ترى أنك تكون من المؤمنين بالقرآن
مع إنكارك لنصوص كثيرة منه تدل على عالمية القرآن بلا لبس ولا غموض؟ ولا
مسوغ لإنكارك إياها أو تأويلها تأويلاً باطلاً لا يرضاه الله ولا رسوله سوى أنك
تحاول أن ترضي بذاك بعضاً من سادتك في التفكير، أو ترضي نفسك بقبول فكرها
الذي ترى أنها الأقوم الأصوب لموافقتها مع آراء العصريين.
وثانياً: إنك إذا أنكرت عالمية أحكام القرآن بليِّ أعناق جميع تلك النصوص
فهل تعلم أنك تكون واحداً من اثنين؟ إما أن تقول: إن القرآن لا يتدخل في الأحكام
أبداً؟ وهو إنما بيَّن العقائد وشرح شيئاً من الأخلاقيات فقط فهذا أيضاً فرية بلا
مرية، وهو من بداهة البطلان بمكان لكثرة النصوص التي تبين الأحكام في القرآن،
حيث إن آيات الأحكام في القرآن تقارب عشرين بالمائة، وإما أن تقبل أن في
القرآن أحكاماً متجهةً إلى توجيه الحياة؟ ولكن تقول: غالب تلك الأحكام مضت
فترتها التي كانت تعمل بها وعفى عليها الزمن وأبلاها الدهر، وحينئذ أيضاً تكون
واحداً من اثنين، إما أن تقول: إن الله لم يعلم ما سيقع في المستقبل فلم يضع لها
أحكاماً، إنما وضع أحكاماً لعصر النزول الذي كان يعلمه فقط، فنقول له: هذا
جهل عظيم أسندته إلى الله - تعالى - يتنافى مع ألوهيته على الإطلاق - تعالى الله
عما تقول علواً كبيراً - وإما أن تسند البخل إليه سبحانه؛ حيث إن عدم إنزاله لما
هو مفيد ونافع مع علمه به يستلزم البخل لا غير مما يتنافى مع رحمته ورأفته
بعباده المؤمنين , تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
إذا لاحظنا موقع القرآن بكونه آخر رسالات الله إلى الناس إلى يوم القيامة
وخاتم الكتب الإلهية علمنا لتونا أن هذا القرآن نزل من يوم أن نزل يخاطب جميع
البشر على جميع المستويات في جميع الأزمنة المتتالية إلى يوم القيامة، وفي جميع
الأمكنة على وجه البسيطة؛ بل الكل على حدٍّ سواء في كونه مخاطباً بخطابات
القرآن المنزلة ومسؤولاً أمام تكاليفه النيرة المهيمنة على الزمان والمكان
والمتغيرات, ولقد جاء هذا القرآن حينما بلغت البشرية سن الرشد العقلي، فجاء
كتاباً مفتوحاً لجميع العقول لا في عصر النزول فقط، بل ليكون مستمراً في جميع
الأزمان شاملاً لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل بتغير الأزمان والمجتمعات
مستعداً لتلبية الحاجات المتجددة أيضاً التي يعلمها خالق البشر، وهو أعلم بمن خلق
وهو اللطيف الخبير [٢] .
(ب) من الناحية النقلية:
١- الكتاب: إن عالمية القرآن تآزرت عليها جميع الأدلة المقبولة عند
المسلمين من الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فهناك العديد من الآيات التي تعلن أن هذا القرآن ذِكْرٌ لجميع العالمين:
[إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ] (يوسف: ١٠٤) ، [إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ]
(ص: ٨٧) ، [وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ] (القلم: ٥٢) ، [إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ
لِّلْعَالَمِينَ] (التكوير: ٢٧) فإذا ما حاولنا أن نستنبط من خلال التعابير القرآنية
وألفاظها مقصودنا من عالمية القرآن وجدنا ذلك سهل المساغ، فإن تلك الآي
الأربع التي تصرح بأن القرآن ذكر للعالم أجمع إنما أتت:
أولاً: في صورة الحصر [٣] ، والجملة بهذه الصورة الحصرية تنفي في هذا
الصدد عن القرآن كل صفة تنافي عالميته وتجعل عالميته منصوصاً عليها بلا
امتراء ولا ارتياب.
ثانياً: إن تذكيره - ومن ثم عالميته - إنما هي باعتبار الرسالة التي تؤديها
إلى الإنس والجن، فتصلح من خللهم وتزيل من دغلهم؛ كما تنبئ عن ذلك مادة
الذكر أيضاً؛ فإن اللفظة تعني أن القرآن ذكر يُذكِّر الناس والجانَّ بما يحتاجون إليه
فرداً وأسرةً ومجتمعاً ودولةً، يقول أبو حيان وابن عطية: إن كلمة «للعالمين»
عام للإنس والجن ممن عاصروه وممن جاؤوا بعده؛ وهذا معلوم؛ من الحديث
المتواتر وظواهر الآيات [٤] .
ثالثاً: إن صيغة العالمين وهي جَمْعٌ وتعريفها بـ (ال) التعريف تدل في
العربية على معنى الاستغراق، كما ذكروا أن من صيغ العموم الجمع المعرف بـ
(ال) مع أن مما لا ريب فيه عند كل من لديه أدنى إلمام بالعربية أن للفظة
«عالَم» - مفرد العالمين - أيضاً دلالة صريحة واضحة بلا تكلف، أو تعسف على
العموم؛ فإن معناه كل: ما يُعلَمُ به وجود الصانع من كل ما في الكون، فإذا جمع
بالواو والنون - كما هنا - يكون خاصاً بالعقلاء من الإنس والجن أجمعين، فإذاً
تدل هذه اللفظة «للعالمين» أيضاً على أن القرآن ذكر لجميع العقلاء من الإنس
والجن جميعاً بلا تقييد بزمان أو مكان أو طبقة أو جنس حتى إنك ترى الرازي
(ت ٦٠٦) انطلاقاً من عموم دلالة العالمين يقول: «لفظ (العالمين) يتناول
جميع المخلوقات، فدلت الآية على أنه رسول للخلق عامةً إلى يوم القيامة» [٥] ومن
البداهة بمكان أن عموم رسالة النبي ﷺ إنما يتحقق بعالمية كتابه
الذي أرسل به إلى الناس كافةً وهو يشكل رسالته التي يبلغها للناس عامةً، وكذا
يقول محمد صديق حسن: أي ما هذا القرآن أو الوحي أو ما أدعوكم إليه إلا ذكر
من الله للجن والإنس العقلاء [٦] .
فالقرآن ذكر لهم (أي: جميع الناس) : يذكِّرهم بوجه الصواب في دينهم
ودنياهم، يذكِّرهم بما يصلح حالهم فرادى وجماعات.
ذكر لهم جميعاً: بلا تفريق ولا تمييز بين غني أو فقير: بين شريف أو
وضيع.
ذكر للكل: في كل زمان ومكان وعلى كل حال، وفي كل مستوى وتجاه كل
حكمة وهداية وبر، يقول المراغي في تفسير الآية المذكورة: «أي ما هذا القرآن
إلا عظة للثقلين كافةً وكل ذي عقل سليم وطبع مستقيم يشهد بصحته وبعده عن
البطلان والفساد» [٧] .
وأيضا: فهناك آيات أخرى تصرح بعالمية القرآن، كقوله تعالى:
[تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] (الفرقان: ١)
كقوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧)
[إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ
خَصِيماً] (النساء: ١٠٥) ، [وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ
فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً] (الإسراء: ٨٩) ، [وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ
لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً] (الكهف: ٥٤) ، [وَلَقَدْ
ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ] (الروم: ٥٨) ، [وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ
مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] (الزمر: ٢٧) [إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاسِ
بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ]
(الزمر: ٤١) .
كل هذه الآيات تجعل عالم العقلاء المكلفين على عمومهم بدءاً من زمن البعثة
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سواء جنهم وإنسهم من غير تقييد بزمان دون
زمان أو مكان دون مكان تجعلهم جميعاً محلاً ومناطاً لنزول القرآن والإنذار به،
قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) يقول ابن
عاشور ﵀:
«صيغت بأبلغ نظم؛ إذ اشتملت هذه الآية - على وجازة ألفاظها - على
مدح الرسول ﷺ ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته بأن كانت
مظهر رحمة الله - تعالى - للناس كافة وبأنها رحمة الله - تعالى - بخلقه.
فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفاً بدون حرف العطف الذي عطفت به
ذُكِرَ فيها الرسول ومرسله - تعالى - والمرسل إليهم وخصوصية الحصر وتنكير
(رحمة) للتعظيم؛ إذ لا مقتضي لإيثار التذكير في هذا المقام غير إرادة التعظيم وإلا
لقيل: إلا لنرحم العالمين، أو إلا إنك الرحمة للعالمين، وليس التنكير للإفراد قطعاً،
لظهور أن المراد جنس الرحمة، وتنكير الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة
التعظيم. فهذه اثنا عشر معنى خصوصياً، فقد فاقت أجمع كلمة لبلغاء العرب وهي:
قفا نَبْكِ من ذكرى حبيب ومنزل ...
إذ تلك الكلمة قصاراها - كما قالوا -: إنه وقف واستوقف، وبكى واستبكى،
وذكر الحبيب والمنزل دون خصوصية أزيد من ذلك فجمع ستة معان لا
غير [٨] .
ويقول ابن القيم في هذا المقام:» أصح القولين في هذه الآية أنها على
عمومها، وفيها على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته؛ أما أتباعه فنالوا بها
كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم؛
لأن حياتهم زيادة في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة وهم قد كتب عليهم
الشقاء؛ فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر.
وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شراً
بذلك العهد من المحاربين له.
وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم
واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره.
وأما الأمم النائية عنه فإن الله - سبحانه - رفع برسالته العذاب العام عن أهل
الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
والوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا
بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم لكن لم
يقبلوها؛ كما يقال: هذا دواء لهذا المرض؛ فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون
دواءا لذلك المرض [٩] .
ثم إن هناك كلمات وتراكيب في القرآن تخاطب الناس عامةً بلا تقييد بزمن أو
صنف أو طبقة أو جنس أو مستوى [١٠] مما يدل على عالميته ومضي أحكامه إلى
الأبد دون تقيد بأي شيء ما، كما يسترعي أنظارنا من هذه الناحية خصيصاً أن
القرآن يتوخى جمل خطاب العموم دون الخصوص، والإطلاق دون التقييد،
والإجمال دون التبيين ما وسع لذلك المقام والمرام.
فانطلاقاً من هذا المغزى الهام قلما ترى في القرآن المخصصات والمحددات
والمقيدات تذكر؛ كالأمكنة المحددة أو الأزمنة الخاصة أو الأشخاص المعينة أو
الأعراف والتقاليد المختصة أو الأحوال الخصوصية أو العوارض المشخصة التي لا
يكون فيها درس أو عبرة أو حكمة للجميع، وإذا ما وقعت حاجة أثناء البيان
القرآني للتخصيص بصفة أو نحوها فإنما ينتقي القرآن منها أيضاً تلك الصفات
العامة التي خصوصيتها أقل كالمؤمنين والمتقين والصالحين والكافرين والمنافقين
والغافلين والضالين وأمثالها مما لا يختص بجنس أو طبقة دون أن يقيد ذلك
بالحجازيين أو المكيين أو المدنيين مثلاً مما يضيق دائرة دلالة اللفظ، ودون أن
يخصص اللفظ؛ فالحكم بأبي بكر أو علي ﵄ مثلاً مما يجعل
الأمر مقتصراً على واحد لا يتعداه رغماً من أن الصحابة عامةً، وأهل الحرمين
خاصةً كانوا هم الملاصقين للرسول ﷺ ومن هنا ترى أن ألفاظ
وتراكيب الآي النازلة لسبب خاص وحول قضية خاصة وفي شأن شخص خاص
جردت من عناصر التخصيص والتقييد ما أمكن ذلك وما لم يلتبس الأمر التباساً؛
فمثلاً انظر إلى آيات الإفك فرغم أنها نزلت في أم المؤمنين عائشة - رضي الله
تعالى عنها - بإجماع مفسري أهل السنة فإنك لا ترى في تلك الآي تحديداً بالاسم
والنسب والقرابة للمفترى عليها.
وانطلاقاً من الاتجاه القرآني إلى التعميم في غالب أحواله ودلالاته اتخذ علماء
الفقه وأصوله في الآيات المنزلة لسبب خاص قاعدة هامة لهم وهي: أن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وكذا ترى أن الفرقان الحكيم يتعدى الحدود ويتجاوز الفوارق التمييزية حين
ينادي المكلفين الذين اتخذهم القرآن له مخاطَبين فيناديهم بتلك التراكيب والتعبيرات
العالمية الواسعة الدلالات والمفاهيم رغماً من ضيق الدائرة البشرية التي نزل القرآن
فيها: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] (البقرة: ٢١) [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] (البقرة: ١٠٤)
[يَا بَنِي آدَمَ] (الأعراف: ٢٦) [يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ] (الكافرون: ١) «يا
أيها المنافقون» مما يعم كل فرد من غير فرق، مع أن من المستطاع أن
يخص من في تلك الدائرة الضيقة بالنداء، وهو المتبادر المألوف للخطابات
البشرية التي تقع في قطاع خاص أو بين جماعة خاصة، وكذا يفصح عن عالمية
القرآن ما تراه يُذكر في معرض بيان فوائد القصص والأمثال أنه - سبحانه -
ضرب للناس أو صرف للناس من كل مثل يذكر الناس بصيغة الجمع المعرَّف
باللام المفيد للاستغراق كما هو معروف عند أهل العربية، فلو لم يقصد الاستغراق
لما أوتي بصيغة الاستغراق: وخصيصاً ترى مغزى عالمية القرآن كالمنصوص
عليه بالتنصيص على الناس (المفيد للعموم) حينما يذكر أن من المهام التي كلف بها
ﷺ بسبب نزول الكتاب هو الحكم بين الناس.
إن عالمية الرسالة تستلزم عالمية القرآن، كما أن عالمية القرآن تستلزم
عالمية الرسالة [إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ
تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً] (النساء: ١٠٥) .
قال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه
الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب
النار» [١١] ويقول أيضاً: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي.. وكان النبي
يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» [١٢] .
(ج) عالمية القرآن من الناحية المضمونية:
خاطبنا بمجموع تلك المفاهيم الجديدة في الآفاق البشرية ويمكن أن نستخلص
بعض تلك المعاني السامية والمفاهيم الرامية إلى الكمالات والفضائل التي لا غنى
لأي من أبناء البشر عنها والتي أنزلها القرآن إلى أرض البشرية في هذه العناوين
الآتية.
١- الحفاظ على الكرامة الإنسانية ما لم تنقلب إلى مظاهر سيئة مذمومة
العواقب للفرد والمجتمع؛ فقد أذاق القرآن بتلك التعاليم السمحة الإنسان المستهان
المستضعف طعم الكرامة النفسية ولذيذ العزة البشرية [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلاً] (الإسراء: ٧٠) .
ونرى هذه الحقيقة تتبلور - منعكسة إلى واقعيات الحياة - على لسان
الفاروق ﵁ حينما امتنع ابن عمرو بن العاص - رضي الله
عنه - وهو والي مصر وفاتحها وفي قمة مجده وعزة سلطانه عن توفية
القصاص من نفسه لأجل صفعة صفعها أحد الأقباط؛ حيث قال الفاروق - رضي
الله عنه -: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟
٢- تحقيق العبودية لله وحده والإنقاذ من عبودية البشر؛ فقد هدى القرآن ذلك
الإنسان الذي ضل عن سبيل الهدى إلى أفضل وسائل النجاة والخلاص عن عبودية
البشر وهو عقيدة التوحيد التي لا تعرف للبشر رباً غير الله، ولا تعطي أية فرصة
لأن يتخذ بعض الناس بعضهم أرباباً من دون الله: [قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً
أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] (آل عمران: ٦٤) ،
[مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي
مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ
يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ]
(آل عمران: ٧٩-٨٠) .
وقد رأينا هذه الحقيقة العظيمة الناصعة التي يهديها الإسلام للبشرية جمعاء
تتجسد في الحياة الواقعية على لسان ربعي بن عامر رسول سعد بن أبي وقاص -
﵄ قائد الجيش الإسلامي إلى الفرس حينما التقى مع القائد الفارسي
رستم وهو بين حشمه وجشمه وفي ذروة زهوه وكبريائه قال له: جئنا لنخرج
الناس من عبادة الناس إلى عبادة الله.
٣- إغاثة المظلوم ونصرة المستضعف وحمايتهما والنصفة لهما من الظالم
والقوي: فقد أتاح القرآن ملجأً شرعياً هاماً لجميع المستضعفين والمظلومين في
أنحاء المعمورة، وجعل الدفاع عن المظلوم والمستضعف من وظائف المسلمين فرداً
وجماعة، وانطلاقاً من هذا أخذ الدفاع عن المظلوم - لا عن دمه فقط بل عن دمه
وعرضه وكرامته - محلاً رئيساً له في الفقه الإسلامي تحت عنوان: «باب
الصيال» ويرى الفقه الإسلامي انطلاقاً من النصوص في إغاثة المظلوم الثابتة في
الكتاب والسنة التي سنذكر بعضها منها أن المسلم إذا لم يدافع عن المظلوم يأثم
ويستحق العذاب.
فمن تلك النصوص:
[وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ
وَلِياًّ وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً] (النساء: ٧٥) ، [وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا
يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ] (إبراهيم: ٤٢) ،
[وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] (هود: ١٠٢) ،
[وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ
تُنصَرُونَ] (هود: ١١٣) .
كما نجد تلك الحقيقة الناصعة والسمة الحضارية القرآنية التي هي من أكثر
الأمور تحريكاً للعجلة الحضارية تتجلى كواقعة حياتية لا مثالية تبقى بين الخيالات
المرغوبة والأحلام الحلوة على لسان الصدِّيق ﵁ في أول خطبته التي
ألقاها حينما انتخب خليفة للمسلمين وهي أول خطوة إجرائية في خلافته؛ حيث قال:
«أما بعد: فإني وليت عليكم ولست بخيركم، واعلموا أن القوي فيكم ضعيف
عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق» .
٤- المعاني النبيلة والفضائل السامية المملوءة حيوية ونشاطاً ونبلاً إنسانياً لا
تختص بأمة دون أمة والتي هي في أية حضارة كانت؛ فهي كالروح للجسد فلم
تخلُ أية حضارة منها إلا وأذن بالرحيل ركبها وانهار بعد غِيَرٍ كثيرة بنيانها، وحان
في زمن غير طويل حينها ودمارها، إن القرآن أتى في باب الفضائل والمكارم
وترسيخهما في المجتمع الإنساني وتشييد ذلك البنيان الإنساني وتحكيمه بروابط
وأواصر خلقية اجتماعية لا مثيل لها ولا عديل ولا نظير لها ولا بديل؛ فلقد أتى في
هذا الباب بما لم يسبقه ولا يلحقه لاحق: حيث بث روح الإخاء والتعاون والتساند
والتكافل بين جميع أبناء الأمة: [وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى
الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] (المائدة: ٢) كما أمر بالإحسان ونشر الفضيلة والعدل بين
جميع طبقات الناس، ونهى عن جميع المنكرات والفحشاء: [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ] (النحل: ٩٠) ، وكفى بهذين النصين في هذا الباب شاهداً عدلاً.
٥- من المعاني الدالة على عالمية القرآن الكريم: ما ورد فيه من الأدلة على
ختم النبوة بمحمد ﷺ كالتصريح بختم النبوة بنبينا محمد صلى الله
عليه وسلم قال تعالى: [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً] (الأحزاب: ٤٠) .
قال الشربيني: «أي آخرهم الذي ختم؛ لأن رسالته عامة ومعها إعجاز
القرآن، فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال» (السراج المنير٣/٢٣٧) .
ومن هذه الأدلة: عموم الرسالة المحمدية؛ حيث قال تعالى: [قُلْ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً] (الأعراف: ١٥٨) .
فالرسالة المحمدية عامة، وهذا القرآن حجة على كل من بلغه، لما قال-
سبحانه -: [وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ] (الأنعام: ١٩) .
فالقرآن حجة على كل من بلغه من جميع الإنس والجن وإلى قيام الساعة.
ترى معي أن جميع هذه المعاني المذكورة بوصفها دلائل على عالمية القرآن
إنما هي مما لها علاقة وثيقة بالكيان الإنساني المطلق من غير تقييد بجنس أو تحديد
ببقعة أو تخصيص بطبقة أو تعيين بلون، ولها صلة محكمة بالهوية الإنسانية العامة
المطلقة بلا تفريق ولا تمييز وبذلك يتجلى معنى هذه الكلمة الإلهية الحكيمة المدوية
عبر العصور والقرون التي تطن في أذن التاريخ دوماً: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً
لِّلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: ١٠٧) .
فإذاً لا ضير علينا من مزاعم أولئك المغرضين على الإسلام وأهله، ولا
ضير أيضاً على أذنابهم المتملقين لهم بتاريخانية القرآن؛ فإن الحقيقة أظهر من أن
تخفى، والشمس أبهر من أن تختفي عن العيون بإغماض الخفاش عينها منها، أو
بإنكار الأعمش لها كما قال الشاعر قديماً:
قد تُنكر العينُ ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
стр. 3631
تأملات دعوية
الإسلاميون والتخصصات المطلوبة
محمد بن عبد الله الدويش
من يتأمل اليوم في تخصصات الإسلاميين يجد أنه باستثناء التخصصات
الشرعية ينتشر معظم هؤلاء في تخصصات الطب والمحاماة والهندسة وما يماثلها.
وهذا الأمر له دلالات عدة، منها:
* خطأ المقولة الشائعة بأن الصحوة الإسلامية إفراز للأوضاع الاجتماعية
والاقتصادية المتردية؛ فمعظم قادة الحركات الإسلامية اليوم هم بين أصحاب هذه
التخصصات الذين هم في الأغلب من طبقات اقتصادية واجتماعية عالية.
* الجدية عند الشباب الإسلاميين؛ إذ معظم هذه التخصصات لا ينجح فيها إلا
الجادون.
* أن الدعوة الإسلامية قد نجحت في استقطاب عدد من المتميزين؛ فهذه
التخصصات يقبل فيها في الأغلب حملة المعدلات الدراسية العالية، ويتيح لها كثرة
المتقدمين اختيار العناصر المتميزة.
ومن الطبيعي أن تنتشر الدعوة الإسلامية في كافة المجالات، وأن تستوعب
كافة الفئات والتخصصات وسائر شرائح المجتمع، ولا اعتراض على اتجاه طائفة
من الشباب إلى هذه التخصصات وإقبالهم عليها.
ومع ما في هذه التخصصات من إيجابيات إلا أنها تحصر صاحبها في ميدان
عمله، وقلَّ أن يستثمرها صاحبها في دعوته، بل ربما استغرقت جزءاً كبيراً من
وقت صاحبها أثناء دراسته وأثناء عمله، فلا يبقى لدعوته إلا اليسير.
ويبقى مجالان مهمان ينبغي أن تكون لهما الأولوية في توجه الإسلاميين
ودراساتهم وهما - على الترتيب -:
المجال الأول: التخصصات الشرعية، فالعلم الشرعي لا غنى للدعوة عنه،
وحين تفتقده تتسع دائرة الآراء الشخصية، فتزيد الشطحات والانحرافات،
والشعور بأهمية العلم الشرعي موجود بحمد الله عند فئة عريضة من الإسلاميين -
على المستوى النظري على الأقل - لكنه يحتاج إلى مزيد اهتمام ورعاية.
المجال الثاني: الدراسات الإنسانية التي لها أثرها في النظرة للإنسان
والمجتمعات، والدراسات الإعلامية التي لها أثرها في توجيه الرأي العام وصياغته،
ومما يبرز الحاجة لهذه التخصصات ما يلي:
* حاجة الدعوة الإسلامية إلى برامج تربوية لرعاية أبنائها وتربيتهم، ومع
أهمية الجهد التربوي الذي تقوم به الصحوة وتقدمه لأبنائها وضخامته، فلا تزال في
كثير من الأحيان تعتمد على التجارب الشخصية والمحاولة والخطأ، وتفتقر إلى
الاستفادة المثلى من أهل الاختصاص في هذا الميدان.
* أهمية المواقع والأدوار الاجتماعية التي يتولاها أهل هذه التخصصات،
وخطورة هذه المواقع؛ فالمؤسسات التعليمية والتربوية والإعلامية والتخطيطية في
المجتمع تعتمد على مثل هذه التخصصات.
* يحتاج الدعاة إلى الله كثيراً إلى هذه التخصصات؛ في دعوتهم: فهي
تعينهم على الفهم الصحيح للمجتمعات وآليات التغير الاجتماعي، وإلى فهم اتجاهات
التغريب والإفساد في المجتمعات فهماً أشمل وأدق، ويحتاجون إليها حتى يملكوا
الأدوات الصحيحة لدراسة الظواهر التربوية والاجتماعية.
* يحتاج الدعاة إلى الله إلى هذه التخصصات؛ لأنها منطلق لكثير من الأعمال
الدعوية، كالأعمال الإعلامية، والخدمات الاجتماعية، والمؤسسات التربوية
والدعوية.
هذه الاعتبارات وغيرها تؤكد على الدعاة إلى الله - تعالى - الاعتناء بهذه
التخصصات، وفي العدد القادم بإذن الله مزيد حديث حول هذا الموضوع.
стр. 3632
إصدارات
أحمد العامر
تتوالى الإصدارات الحديثة حاملةً بين طياتها الجديد في عالم الدراسات
الإسلامية، والفكرية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها، ورغبةً منَّا في إطلاع
قراء - البيان - على ما يتيسر لنا من هذه المطبوعات الجديدة التي نرى فيها الفائدة
لقارئها ... سيكون لنا - بإذن الله - وقفات مع بعض تلك الإصدارات بين عدد
وآخر، والله الموفق.
١- التحبير شرح التحرير في أصول الفقه:
المؤلف: علاء الدين أبو الحسن علي المرداوي، دراسة وتحقيق: د. عبد
الرحمن الجبرين، ود. عوض القرني، ود. أحمد السراح، الناشر: مكتبة الرشد،
الرياض. الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ.
يعد هذا الكتاب من أبرز كتب أصول الفقه وخاصةً في مذهب الحنابلة، طبع
في ثمانية مجلدات، وأصله ثلاث رسائل علمية تقدم بها المحققون لنيل درجة
الدكتوراه في قسم أصول الفقه في كلية الشريعة بالرياض.
اعتنى المحققون بمراجعة أصوله، وضبط ألفاظه، وتحرير مسائله، وشرح
مشكله، حتى خرج الكتاب بأبهى حلة.
٢- تقييد المهمل وتمييز المشكل:
المؤلف: الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجيَّاني، حققه: علي بن محمد
العمران، ومحمد عزيز شمس الناشر: دار عالم الفوائد، مكة المكرمة. الطبعة
الأولى، ١٤٢١هـ. كتاب جليل القدر اعتنى بخدمة الصحيحين: ضبطاً لما
يشتبه ويُشْكل من أسماء من قبل الرواة، وتنبيهاً لما أهمل من شيوخ البخاري،
وكشفاً لألقاب جماعة من رواتهما.
٣- فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد
والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن:
المؤلف: العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، اعتنى به: د. عبد
الرزاق بن عبد المحسن البدر، الناشر: دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى،
١٤٢١هـ.
مؤلَّف نفيس يطبع لأول مرة، جمع فيه مؤلفه أهم علوم القرآن وأجلها، وهي:
علم التوحيد، وعلم الأخلاق، وعلم الأحكام والعبادات والمعاملات، تميز الكتاب
بالقوة العلمية، وغزارة الفوائد، مع سهولة العبارة وجزالة الألفاظ، بعيداً عن
الحشو والتعقيد.
٤- الدعوة بين المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية
د. خالد عبد الرحمن القرشي، بدون تاريخ أو ناشر.
وهي دراسة تقويمية للعمل الدعوي بالمراكز الإسلامية في أمريكا قام بها
المؤلف وهو عضو هيئة تدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتتناول
الدراسة إيضاح الموضوع وأهدافه، وأسباب اختياره، وتحديد مشكلة الدراسة،
وتساؤلات حول المنهج في الدراسة.
ومما تناولته الدراسة: البحث في دخول الإسلام إلى أمريكا وانتشاره،
وتعريف بالمنظمات والجامعات الإسلامية هناك، ووسائل العمل الدعوي في هذه
المراكز والجمعيات، وتقويم العمل الدعوي، وبيان العوائق والمشكلات الدعوية
وكيفية علاجها، إضافة إلى خاتمة: جمع فيها أطراف الموضوع ونتائج البحث
والتوجيهات التي رآها مما يؤدي إلى انتشار الدعوة بشكل صحيح بعيد عن الإفراط
والتفريط.
٥- وقفات هادئة مع فتوى إباحة القروض الربوية لتمويل شراء
المساكن في المجتمعات الغربية:
المؤلف: د. صلاح الصاوي، الناشر: التجمع الإسلامي في أمريكا الشمالية.
الطبعة الأولى: ١٤٢١هـ.
دراسة علمية متزنة، بعيدة عن التعصب والتشنج، للرد على فتوى كل من
المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ومؤتمر رابطة علماء الشريعة بأمريكا الشمالية،
التي تبيح للمسلمين المقيمين بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية الاقتراض بالربا
لشراء مساكن.
يتميز الكتاب بالأصالة العلمية، والأدب الرفيع، وهو جدير بالنشر والدراسة
خاصة في البلاد الغربية.
٦- حقيقة الخلاف بين السلفية الشرعية وأدعيائها في مسائل الإيمان:
د. محمد أبو رحيِّم ١٤٢١هـ/٢٠٠٠م دار الجوهري عمان - الأردن.
الإيمان عند سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان يقوم على
ركنين هما: القول، والعمل أو على أربعة عند التفصيل: (قول القلب وقول
اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح) ولم ينقل عن سلفنا قيام الإيمان على ركنين:
القول، والاعتقاد وشروط الكمال.
ونقل الإجماع ابن عبد البر، وأثبته شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: أجمع
السلف على أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان؛ وفي الكتاب
رد على فئة من الدعاة في موضوع الإيمان تبين منه روائح إرجائية ردَّ عليها
علماؤنا الأفاضل، ومن آخر ما صدر في هذا الباب الفتوى رقم ٢٠٢١٢ في ٧/٢/
١٤١٩ في الموقف من كتاب (أحكام التقرير) والتي تضمنت التحذير من التطرق
لهذا الموضوع ممن لم ترسخ قدمه في العلم الشرعي حتى لا تزل القدم، والأمل أن
يكون الحوار في هذه المسائل علمياً دافعه الحرص والنصح والإشفاق بعيداً عن النقد
الجارح لا سيما بين أصحاب المنهج الواحد، والله المستعان،
٧- على أعتاب الألفية الثالثة:
المؤلف: حمدان حمدان، الناشر: بيسان للنشر والتوزيع والإعلام - بيروت،
الطبعة الأولى، ١٤٢١هـ.
دراسة سياسية للجذور المذهبية لحضانة الغرب وأمريكا لإسرائيل، احتوت
الدراسة على خمسة فصول وخاتمة: الأول: إرهاصات أوروبية، والثاني:
البيورتيانية الإنجليزية والخروج على الكنيسة، والثالث: بين سياسة الدين ودين
السياسة، والرابع: المسيحية المتهودة في أمريكا الشمالية، والخامس: مسيحية
ويهودية في التاريخ، أما الخاتمة فكانت بعنوان: ثقل الجانب التوراتي في
المسيحية، احتوى الكتاب على مادة غزيرة، ومعلومات وفيرة تستحق التقدير.
٨- معالم في طريق الإصلاح:
تأليف: عبد العزيز محمد السدحان، نشر دار العاصمة، ط ١٤٢١هـ /
٢٠٠٠م.
الإصلاح رسالة كبرى قام بها الأنبياء والرسل والعلماء والدعاة، والداعون
إليه يلزم أن ينطلقوا من أصول واضحة وبصيرة راشدة حتى تؤتي دعوتهم أكلها،
وقد وضَّح المؤلف بعض المعالم التي يستضيء بها مريدو الإصلاح على ضوء
الكتاب والسنة وكلام أهل العلم ومنها:
١- الإخلاص في العمل.
٢- العلم بالعمل.
٣-عدم ذكر المثاليِّ ودفع أبواب اليأس والقنوط.
٤- عدم الإفراط والتفريط.
٥- ربط العواطف بالعلم الشرعي.
٦- الحرص على التخصصات العلمية.
٧- الحذر من العجب.
٨- الدعاء.
٩- القدوة.
١٠- الصبر والصلاة.
١١- الاهتمام بالكيف لا بالكم , ويعتبر الموضوع رؤوس أقلام تحتاج إلى
المزيد من العرض والتفصيل، ولعل لذلك بحثاً آخر يقوم به المؤلف إن شاء الله.
стр. 3633
حوار
تأثرت بأصالة القرآن وصحته
حوار مع الشيخ جمال الدين زرابوزو
نبذة عن الضيف:
فضيلة الشيخ جمال زرابوزو عَلَم من أعلام الدعوة الإسلامية في أمريكا
الشمالية، عرف بتميزه العلمي، وحرصه على التأصيل الشرعي، له عناية خاصة
بعلم الحديث. ترجم عدداً من الكتب إلى اللغة الإنجليزية من أبرزها: كتاب فقه
السنة، وهو مطبوع، وشرح العقيدة الطحاوية، نسأل الله - تعالى - أن ييسر
طباعته. ومن أبرز مؤلفاته: شرح الأربعين النووية، وهو شرح مفصل طبع في
ثلاثة مجلدات. كما أسس فضيلته مجلة (البشير) ، وهي مجلة متخصصة تعنى
بنشر الدراسات والأبحاث الشرعية، ولكنها توقفت عن الصدور.
ويسعدنا في هذا اللقاء أن نستضيف فضيلة الشيخ لنتحاور معه في عدد من القضايا
في الساحة الأمريكية.
البيان: لعلنا نبدأ حوارنا مع فضيلتكم بالتعرف على سبب إسلامك، ثم
اهتمامك بدراسة العلوم الشرعية؟
- إنني في الأصل من إسبانيا، وقد نشأت في عائلة إسبانية كاثوليكية
«تقليدية» . وأقول «تقليدية» بمعنى أننا لم نكن متدينين جداً. ولقد بدأت
رغبتي بالدين عندما دعاني أحد أصدقائي إلى كنيسة من كنائس جماعة «شهود
يهوه» ، ولما أتى الوقت لأنتسب إلى تلك الكنيسة بشكل رسمي قررت أنه لا بد لي
قبل ذلك من دراسة أديان أخرى قبل الانضمام إلى تلك الكنيسة كي أتأكد أن تلك
الكنيسة هي الكنيسة الحقة. وهذا في الحقيقة هو الذي دعاني لدراسة الإسلام
واليهودية والبوذية والهندوسية وغيرها. ولدى دراستي الإسلام تأثرت بأمرين
أولهما: أصالة القرآن وصحته، و «نقاوة» الإيمان بالله، بعيداً عن
الخرافات، والترَّهات، والآلهة البشرية وغير ذلك. وبعد عدة أشهر فقط من بداية
دراستي لهذا الدين العظيم قررت أن أُسلم؛ علماً بأني لم أقابل مسلماً قطُّ في ذلك
الوقت، وكذلك كنت شبه مقتنع بأنه لم يكن هناك مسلمون على الإطلاق في تلك
القرية الصغيرة التي كنت أقيم فيها.
وبفضل الله ونعمته فقد وجدت عدداً من الطلبة المسلمين في تلك البلدة. وكان
في البلدة عدد من الإيرانيين الشيعة يقيمون في تلك البلدة في ذلك الوقت، إلا أنني،
والحمد لله، لم أشعر بأي انجذاب أو تجاوب لتعاليمهم وما يدرسونه. وكان أكبر
الأثر عليَّ لإخوةٍ من المسلمين من الكويت والمملكة العربية السعودية. وقد كانوا
بحق مجموعة من الإخوان الطيبين الذين أثَّروا فيَّ بشكل كبير. وبعد حمد الله
وشكره، فإنني أتوجه بالشكر الخالص إلى أولئك الإخوة على دعوتهم وإخائهم
الطيب.
ونظراً لخلفيتي ودراستي للأديان المختلفة فقد شعرت بأهمية العودة إلى
المراجع الأصلية للعلم والمعرفة؛ وذلك لأميز بين ما أصبح «ممارسة» عادية
للملتزمين باسمٍ مَّا، وبين التعاليم الحقيقية للدين. ولذا، فقد قررت مبكراً، بأنني
إذا قررت الالتزام بدينٍ جديد فيجب أن ألتزم به بشكل جدي، وأنه يجب عليَّ بذل
قصارى جهدي لدراسة هذا الدين من مصادره الموثوقة المعتمدة الصحيحة والأصيلة.
والحمد لله؛ فمنذ أصبحت مسلماً أقمت في بيئة يوجد فيها عدد من الإخوة العارفين
بهذا الدين، والذين يحبون مساعدة الآخرين من مختلف أرجاء العالم. ولقد كانوا
خير مثالٍ وقدوة لي، وشجعوني دائماً على الدراسة والتعلم. فعلى سبيل المثال:
بعد أن بدأت أقرأ العربية وأكتبها، بدأ عدد من الإخوة - جزاهم الله خير الجزاء -
بمساعدتي للحصول على المراجع الأساسية من مختلف بلدان ما وراء البحار؛ إذ لم
يكن هناك سوى أمكنة قليلة يمكن شراء الكتب العربية منها في أمريكا. وبتوفيق
الله ثم بمساعدة هؤلاء الإخوة الكرام تمكنت من متابعة
دراساتي وتحصيلي العلمي في مادة القرآن الكريم، والحديث، والفقه وغيرها
من العلوم الشرعية.
البيان: ذكرتم تأثركم بالقرآن ولكن؛ هناك عدد كبير من الترجمات
الإنجليزية لمعاني القرآن الكريم؛ فما تقويمكم لها، وما أحسن الترجمات فيما ترون؟
- نعم! لا شك أن هناك عدداً كبيراً من الترجمات لمعاني القرآن الكريم
بالإنجليزية متوفرة حالياً، وكي أكون صريحاً معكم فإن هذه الترجمات تتفاوت ما
بين «سيئة جداً» إلى «قريبة من الممتازة» . فإذا تكلمنا عن ترجمة معاني
الآيات الكريمة فقط، فأفضل الترجمات، في رأيي، ترجمة خان والهلالي،
وترجمة «صحيح انترناشيونال» ، وترجمة محمد بكتال، وترجمة عبد الله يوسف
علي. وعلى جودة هذه الترجمات - كلٌّ على حدة - فإن هناك ما ينقصها ويعيبها.
فعلى سبيل المثال: ترجمة خان والهلالي، على ما أخبرني عبد الملك مجاهد
شخصياً [ناشر الترجمة] ؛ فقد تقرر أن توضع «ملاحظات الشرح» والهوامش
ضمن أقواس داخل نص الترجمة ذاته، وليس في الحواشي المستقلة. وإن هذا
يجعل النص صعب القراءة، وغالباً لا يستطيع القارئ تمييز نص الآية ذاتها
والملاحظات الشارحة لها. وأما ترجمة عبد الله يوسف علي فهي بلغة قديمة
مهجورة تقريباً، وهو يؤول معاني من معاني الآيات الكريمة، كما أن حواشيه
وتعليقاته غاصةٌ بمظاهر التوبيخ والشجب. وإنني لا أوصي بترجمة يوسف علي
بما تحتويه من الكم الهائل من التعليقات والحواشي عليها، علماً بأن هناك إصدارين
جديدين من هذه الترجمة متوفرين في الأسواق، وقد قدما كثيراً من التحسينات على
الترجمة الأصلية.
وإنني أعتقد أن ما ينقص المكتبة القرآنية باللغة الإنجليزية هو وجود حواشٍ
وتعليقات على معاني القرآن الكريم يتم تقديمها على ضوء السنة المطهرة والحديث
النبوي الشريف، وأقوال الصحابة الكرام ﵃، وقدامى المفسرين،
كما يجب تناول القضايا والموضوعات التي لا بد من مناقشتها وتناولها لقراء اللغة
الإنجليزية. ولعل أفضل وأكمل شرح أو تعليق على معاني القرآن الكريم نجده
اليوم هو كتاب العلامة أبي الأعلى المودودي مترجماً بالإنجليزية هو «تفهيم
القرآن» . ومع ذلك، فإن هذا الكتاب أيضاً عليه ما عليه من المآخذ، كما هو
معروف لكثير من قرائكم. وقد نشرت مكتبة دار السلام مؤخراً طبعةً موجزةً
مختصرةً جديدةً من المجلد الأول من تفسير ابن كثير، وأرجو أن يكون هذا
العمل الجليل إسهاماً هاماً للمكتبة الإسلامية بالإنجليزية، إلا أن هذا العمل لم
يُكْتَب للقارئ الإنجليزي، لذا فإنه لن يسدَّ كافة الفجوات التي يجب سدُّها في
هذا المجال.
وإن مشكلة فراغ المكتبة الإسلامية باللغة الإنجليزية من شرحٍ فعَّالٍ ومؤثر
لمعاني القرآن الكريم هي إحدى المشكلات التي ما فتئ الدكتور جعفر شيخ إدريس
يعالجها، وكذلك أنا شخصياً، خلال السنوات الماضية. وأرجو الله - سبحانه
وتعالى - أن يجعل اليوم الذي تتوفر فيه تفاسير أفضل وأعمق باللغة الإنجليزية
لقرائها كما هو متاح لقراء العربية.
البيان: نرجو من فضيلتكم أن تحدثونا عن المسلمين الأمريكيين من حيث
تأريخهم ونسبتهم وتأثيرهم السياسي والاجتماعي.
- في الحقيقة إن للإسلام تاريخاً طويلاً وممتعاً في أمريكا. وإنني لست
متخصصاً في هذا المجال من جهة، وليس هذا المجال مجال خوض في التفاصيل
عن هذا الموضوع بالذات، ومع ذلك فيمكنني أن أسرد بعض الملاحظات العامة.
فالإسلام قد دخل إلى أمريكا على عدة موجات مختلفة، بما في ذلك مرحلة موجة
المكتشفين الجغرافيين قبل كولومبوس وذلك من شمال إفريقية، والعبيد الذين
أكرهوا على المجيء أثناء فترة «تجارة العبيد» من مختلف أرجاء العالم الإسلامي
خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. إلا أن معظم هذه الموجات المبكرة من أفواج
المسلمين لم يكن لهم كبير أثرٍ مباشرٍ على الوجود الإسلامي المعاصر في أمريكا.
ولا يزال عدد المسلمين اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية صغيراً نسبياً. وإن
التقديرات الأولية العامة لعدد المسلمين حالياً في أمريكا يتراوح ما بين (٣ - ٩)
ثلاثة إلى تسعة ملايين مسلم. إلا أننا يجب أن ندرك أن هذه التقديرات العامة لا
يمكن الاعتماد عليها تماماً. والأهم من هذا كله يجب أن ندرك أن هذه التقديرات لا
تفرق بين المسلمين الملتزمين، ومن لهم أسماء مسلمة فقط، أو أنهم ينتسبون
للإسلام فقط؛ لأنهم انحدروا من أصول مسلمة، أو أتوا من بلدان إسلامية، وليس
لأنهم يمارسون الإسلام في حياتهم العملية. ويمكن القول بشكل عام: إن التأثير
السياسي والاجتماعي للمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية لا يزال ضئيلاً جداً،
وخاصةً خارج الشواطئ الشرقية لأمريكا. ولا زلت أقابل - حتى هذا الوقت -
أشخاصاً أمريكيين يعربون عن دهشتهم إذا سمعوا أن هناك مسلمين في أمريكا، أو
أن تكون أعداد هؤلاء المسلمين بالملايين.
البيان: تنتشر الاتجاهات الصوفية عند بعض إخواننا المسلمين من ذوي
الأصول الأوروبية، فما حجم هذا الانتشار وما أسبابه؟
أولاً: من الصعب جداً أن نحاول تقدير حجم هذه الظاهرة. ومع ذلك، فمما
لا شك فيه أن نسبة كبيرة من الأمريكيين الأوروبيين ينجذبون لمختلف أشكال
الطرق الصوفية. ومن الصعب عليَّ أن أحاول أن أبدي رأياً في هذا الأمر بناءً
على عدد النقاشات التي أجريتها مع أمثال هؤلاء. كما أن من الصعب أيضاً شرح
الأسباب الداعية إلى ذلك. ولقد قابلت عدداً كبيراً من هؤلاء الأشخاص ويمكنني أن
أقدم أفكاري فقط حول هذا الموضوع بناءً على عدد من المناقشات مع هؤلاء
الأشخاص. وينحدر كثير من هؤلاء الأشخاص من عوائل متوسطة أو عالية
المستوى ومن خلفيات متحررة نسبياً. ولا يتطلع كثيرٌ منهم نحو طريقة جديدة في
الحياة، أو إجراء تغيير في حياتهم؛ فهم سعداء بنوعيات حياتهم، كما أنهم سعداء
بما هم عليه. وكل ما يبحثون عنه هو الرضى الروحي أو القناعة والسعادة
الروحية المفقودة. أو - بمعنى آخر - إنهم يبحثون عن شخص يخبرهم أن كل ما
يعملونه هو «صواب» ، طالما أن قلوبهم سليمة. وإن هذا بالضبط هو ما يجدونه
في الحركة الصوفية. وسترى أنهم سيستمرون في حياتهم العادية تماماً قبل أن
يعتنقوا الإسلام، أو على الأكثر؛ فإن التغييرات التي يجب عليهم إجراؤها في
حياتهم هي قليلة جداً. وفي الوقت ذاته، فإن كثيراً من الأشخاص قد انجذبوا للفكر
الصوفي لأسباب مختلفة تماماً. إن أمثال هؤلاء الأشخاص يحاولون أن يرتقوا
بأرواحهم، إلا أنهم يشعرون بركود كبير أثناء القراءة والاستماع للمحاضرات
المتوفرة عن الإسلام. وإنني لم أستطع، حتى هذا اليوم، معرفة السبب الذي يؤكد
فيه إخواننا على نشر مواد أولية فقط لأمثال هؤلاء، دون أن يكون فيها أي عمق
في المحتوى. وكذلك الحال تماماً بالنسبة للمؤتمرات والمحاضرات التي تعقد بشكل
عام. وتصبح هذه المواد، وبسرعة كبيرة جافةً جداً، ومكرورةً، ومملةً. فإذا أراد
الأمريكيون الذين لا يحسنون قراءة العربية الانتقال من ذلك النوع من القراءة، فإن
أمامهم ثلاثة خيارات هي: الأدب الصوفي، والأدب الحديث، أو أدب المستشرقين.
ومن نافلة القول أن نقول: ليس أي من هذه الخيارات المتاحة مشجعاً، إلا أنه لا
بد مما ليس منه بدُّ؛ فليس هناك أية خيارات أخرى، وترى أن كثيراً من القراء
يغوصون في هذه الأنواع الثلاثة من أنواع الأدب الإسلامي. ولسوء الحظ، فإن
كثيراً ممن يقرؤون مثل هذه الكتب تضطرب أفكارهم، أو تستغرقهم مثل هذه
الأعمال، ولذا فإنهم يتجهون إلى مسارات غير سنة المصطفى ﷺ ،
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
البيان: المسلمون من أصول إفريقية يمثلون نسبةً كبيرةً في أمريكا مقارنةً
بغيرهم، ولكن ظهرت في أوساطهم منذ عهد قديم دعوات منحرفة مثل دعوة
البلاليين، وأخيراً برز من قياداتهم لويس فرخان، فهل يمكن أن تحدثونا عن ذلك
من الناحية التاريخية والعقدية المنهجية؟
- يحتاج الجواب على هذا السؤال، في الحقيقة، مجالاً أوسع من مجال هذه
المقابلة. وإذا لم يسبق لمجلتكم الغراء أن كتبت سابقاً عن هذا الموضوع فيستحسن
أن تفردوا له مجالاً خاصاً فيها، إذ إنه يمثل، في اعتقادي، إحدى القضايا الهامة
التي تُشْكِل على كثير من إخواننا المقيمين في العالم العربي وغيره. وباختصار،
فإن كثيراً من التاريخ الإسلامي، فيما يتعلق بالأفارقة الأمريكيين، يتركز حول ما
يسمى حركة: «نيشن أوف إسلام» (أمة الإسلام) . ويعتقد أتباع هذه الحركة أن
الحق - سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً - أتى بشكل «رجل» يسمَّى
«فرد محمد» ، والتقى مع من يدعى «أليجا محمد» واختاره ليكون «رسولاً»
له.
وكان من تعاليم أليجا محمد: أن العرق البشري الأبيض هم شياطين.
وكما يتضح من التعاليم الأساسية لهذه الجماعة، فإن تعاليمهم - وإن استخدموا
لفظة «الإسلام» ، وأشاروا إلى القرآن الكريم، فإن تعاليمهم كانت كفراً بواحاً -
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم - وكانت بعيدةً بعداً كبيراً عن تعاليم الإسلام الحق.
وبعد موت أليجا محمد عام ١٩٧٦، أجرى ابنه والاس محمد، أو وارث الدين
محمد، بعض التغييرات على مفاهيم الجماعة وأفكارها، وقرَّبها نسبياً من الإسلام.
فبدأ أفراد هذه الجماعة يصلَّون، ويسمعون عن حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم. ولسوء الحظ، فإن أحداً لم يدرس كيف يمكن النظر وتقييم «الكفر»
الذي كانت عليه التعاليم السابقة لتلك الجماعة بشكل مباشرٍ وصريح. ومن ناحية
أخرى، فإن لويس فرخان رفض التغييرات التي حدثت في الجماعة، واستمر في
تدريس عقيدة الكفر التي كان يدرسها ويدعو إليها أليجا محمد. وقد ادعى لويس
فرخان، في مناسبات، وخاصةً في الآونة الأخيرة، أنه يعتقد بنبوة محمد صلى الله
عليه وسلم وأنه ينطق بالشهادتين، واستطاع بهذا أن يخدع كثيراً من المسلمين،
بل واستطاع أن يخدع بعض المنظمات والمؤسسات الإسلامية أيضاً. وفي الوقت
ذاته، لم يواجه فرخان أية مشكلة في أن يشرح لأتباعه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم هو خاتم رسل الله رب العالمين، إلا أن أليجا محمد أيضاً هو خاتم
«الرسل» ، نعوذ بالله مما يقول ويفتري. كما أنه استهزأ بالمسلمين والعرب من
أهل السنة في بعض الأحيان، كما سخر من اعتقاداتهم ووممارساتهم الإسلامية.
ولسوء الحظ، فإن لفرخان أثراً كبيراً حتى هذا الحين بين المسلمين الأمريكيين -
الأفارقة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومما يزيد الأمر سوءاً أثر الإعلام على
الناس من الأمريكيين الأفارقة وغيرهم، بل الأدهى والأمرُّ أنهم يعتقدون أن
الإسلام، أو عندما يُسألون عن الإسلام، أن لويس فرخان هو خير من يمثل هذا
الدين بحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
البيان: ماذا عن الدعوة السلفية في أمريكا عامةً، سواء عند المسلمين البيض
أو عند المسلمين السود ذوي الأصول الإفريقية؟ وهل ترون أن العلم الشرعي
الأصيل ينتشر بين المسلمين الأمريكيين؟
- أود أن أجيب على هذا السؤال بالحديث عنه من خلال وجهة نظري
التاريخية. لقد اعتنقت الإسلام، ولله الحمد، في عام ١٩٧٦م، وقد كانت الدعوة
السلفية غير معروفة في أمريكا لا بالاسم ولا بالفكرة. ولحسن الحظ، فقد كانت
أكثر المواد المنتشرة بين المسلمين في تلك الآونة إما من كتابة الإخوان المسلمين،
أو من كتابات الجماعة الإسلامية في الباكستان، وقد احتوت هذه المواد على كثير
من المعلومات الجيدة عن الإسلام، إلا أنه في الوقت ذاته، لم تركز تلك الكتب
على اتباع السنة المؤكدة لرسول الله ﷺ ، وعلى هديه الكامل في
الحياة، وهدي خلفائه الراشدين ﵃، وهذا أقل ما يُقال في تلك
الكتب. وكان التركيز ضعيفاً جداً على اجتناب البدع، وكذلك محاولة فهم الإسلام
على أنه الطريقة الحقة الوحيدة للحياة. ولقد كان هذا الأمر، إلى جانب توفر كَمٍّ
كبير من الأدب الصوفي، إلى جانب الأدب الحديث أو الحداثي، اللذين سهَّلا جداً
على الأشخاص أمر الانحراف عن الطريق السوي لهذا الدين المستقيم. والحمد لله؛
فقد تغيرت الأمور تغيراً ملحوظاً منذ ذلك الوقت، وقد أصبح الآن للدعوة السلفية
مؤسسات ومؤتمرات تمثلها وتدعو لها. ولقد تمَّ نشر عدد كبير من الكتب على هذا
المنهاج، وبخاصة تلك الكتب التي تردنا من إنجلترا، والكتب التي يؤلفها وينشرها
أحد رواد هذا المنهج السلفي في بلادنا الدكتور بلال فيليبس. ونحمد الله كذلك على
أن الذين يرغبون باعتناق الإسلام حالياً لن يواجهوا ما واجهه كثير من معتنقي
الإسلام في الماضي. بل، ولله الحمد كذلك، فإن المسلم الجديد الذي يعتنق هذا
الدين العظيم سيجد بسهولة وسرعة ما يوجِّهه إلى منهج السلف الصالح والطريق
القويم لهذا الدين العظيم.
البيان: هناك جالية مسلمة كبيرة وافدة إلى أمريكا من العرب والهنود وغيرهم،
فما أثر هؤلاء على نشر الإسلام في القارة الأمريكية؟
- أشرت في إجابتي عن بعض الأسئلة السابقة إلى أنه لم يكن للمهاجرين
الأوائل سوى أثر ضئيل جداً. إلا أن المهاجرين الذين قدموا إلى الولايات المتحدة
الأمريكية في الستينيات وبعدها كانوا مختلفين تماماً عن المهاجرين الأوائل؛ فكانوا،
بشكل عام، أكثر ثقافةً وأفضل حظاً في الوظائف والأعمال التي يتقنونها. فكان
لهؤلاء، إلى جانب الكثير من الطلاب الوافدين، أثرٌ وجهدٌ كبير في تأسيس الكثير
من المساجد وبعض المؤسسات الإسلامية النشيطة. وكان لهؤلاء أيضاً الفضل في
التفكير بإنشاء نواةٍ للمدارس الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا، فإن
أثر هذه الموجة الجديدة للهجرة كان إيجابياً وفعالاً إلى حد كبير. إلا أن كثيراً من
هؤلاء اتبعوا ما يمكن أن نسميه «الإسلام التقليدي» ؛ وذلك أنهم اتبعوا ما كان
معروفاً وسائداً في البلدان التي أتوا منها، حتى ولو كان هذا غير صحيحٍ وغير
موافق لما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة. وقد لوحظ أن كثيراً من أولاد
هذه الموجة المهاجرة الوافدة إلى أمريكا أنفسهم، ممن لم يكن لهم ارتباطٌ وطيدٌ
بالتراث الحضاري لآبائهم دعوا للعودة إلى الإسلام الصحيح واتباع القرآن الكريم
والسنة المطهرة. ولقد أدى هذا، لسوء الحظ، إلى شيء من التوتر والشدة
والخلاف، إلا أننا نأمل أن يؤدي إلى نتيجة طيبة بعون الله وتوفيقه.
البيان: مجلة البشير بالإنجليزية من المجلات العلمية الرائدة في بابها، فهل
يمكن أن تحدثونا عن تجربتكم في هذه المجلة؟
- أولاً: أود أن أشكركم على كلامكم الطيب عن مجلة البشير في سؤالكم هذا،
ولله الحمد. فقد كانت مجلة البشير مجلةً تصدر مرةً كل شهرين، واستمرت على
هذا النحو مدة ثماني سنوات ما بين عامي ١٩٨٧- ١٩٩٥ وكان هدفها الأساس
توفير مقالات متعمقة ومتخصصة تُكتَب من قبل متخصصين في مجالاتهم في
موضوعات أساسية عن الدين الإسلامي العظيم، إما في مجال التفسير، أو الحديث،
أو الفقه أو غيرها من المجالات الإسلامية. فقد كان هناك تركيز كبير على المواد
الأساسية التي تعرِّفُ بهذا الدين العظيم، مما جعل من الصعوبة بمكان العثور على
مواد متعمقة ومتخصصة في موضوعاته المختلفة. وكانت مجلة البشير استجابةً
لهذا الطلب الهام. وقد واجهت البشير في البداية مشكلة «ندرة» الكُتَّاب، مما
جعل العبء الأكبر لهذه المجلة على محرِّر المجلة، وهو أنا. وقد تمَّ تشجيع كثير
من الكُتَّاب على الكتابة للمجلة، ووعد كثيرون بالكتابة، إلا أنه وللأسف الشديد لم
يكتب منهم إلا عددٌ ضئيل. وإنني أعتقد أنه يجب ألا تكون هناك مجلة تعتمد على
كاتبٍ واحدٍ فقط. ولذلك، فقد اتجَّه القرار إلى إيقاف المجلة أولاً. ومن جهة أخرى،
فإن المجلة كانت معقولة الثمن جداً، إلا أن كثيراً من القراء آثروا أن يحصلوا
عليها مجاناً بدل أن يقدموا الدعم المادي لها. وفي اعتقادي أن هذه قضية هامة جداً
بالنسبة لكثير من الأنشطة الدعوية الإسلامية. ويشيع بين كثيرٍ من الناس أن كل ما
يتعلق بالأمور الدينية الإسلامية يجب أن يكون مجاناً. والحق أقول، فمن وجهة
نظر عملية، لا يمكن أن يكون هذا عملياً؛ فالذي حدث لمجلة البشير، مثلاً، أنه
كانت بعض المساجد تشتري نسخةً واحدةً من المجلة، ثم يقومون بتصويرها
وتوزيعها مجاناً بعد صلاة الجمعة. وقد أصبحت التبعات المالية كبيرةً وثقيلةً جداً،
وخاصةً بما أنه تمَّ اتخاذ قرار بعدم وضع إعلانات في المجلة، وذلك لعدد من
الأسباب، وبذا، فقد اضطرتْ هذه المجلة لإغلاق بابها. وقد تمَّ بحمد الله وتوفيقه،
نشر عدد من المقالات التي نشرت في العددين الأول والثاني من هذه المجلة في
كتاب مستقل بعنوان: «نحو فهم لديننا» ، وأدعو الله أن يجعل هذا العمل نافعاً
ومفيداً لعامة المسلمين.
البيان: نستأذن فضيلتكم بالانتقال إلى موضوع آخر؛ حيث نعيش هذه الأيام
حمى الانتخابات الأمريكية؛ فهل للمسلمين الأمريكيين أثر في انتخابات الرئاسة
الأمريكية، أو انتخابات مجلس الشيوخ، أو الكونجرس؟ وهناك من ينادي في
أمريكا بتكوين فريق من المسلمين للضغط على الساسة الأمريكان ويرون أن
المسلمين يمثلون قوةً فاعلةً في أمريكا، فهل تتفقون مع هذا الرأي؟ وهل هو مجدٍ
من الناحية العملية؟
- سأحاول الرد باختصار جداً على هذين السؤالين. ولذا، ستكون إجابتي
غير مكتملة. وإني أعتقد أن إعطاء ردٍّ كامل على هذين السؤالين لا يمكن استيعابه
في مجال مقابلة في هذه المجلة.
فأولاً: لا يزال أثر المسلمين، حتى هذا التاريخ، ضئيلاً جداً على الانتخابات
في أمريكا، علماً بأن هذا الأثر ينمو ببطء؛ حيث إن المسلمين ينخرطون
في المجال السياسي أكثر وأكثر حالياً. إلا أنه في الوقت ذاته، يجب أن
ندرك أنه إذا أردنا بحقٍّ أن يكون للمسلمين أثر قوي على الانتخابات الأمريكية، فلا
بد أن يقوم الأفراد ببعض الأعمال غير المناسبة أخلاقياً أو قانونياً من وجهة النظر
الإسلامية. وإنني أعتقد أنه يجب على المسلمين أن يكونوا حذرين جداً عندما
يتناولون أموراً مثل هذه.
ثانياً: إني أعتقد أيضاً أن المسلمين في أمريكا ليسوا جاهزين بعدُ لتمثيل أية
قوة سياسية أو حزب سياسي؛ لأن جماهير المسلمين بشكل عام لم يطوِّروا بعدُ
الوعي والإدراك العام ليعرفوا أين ولمن يعطون ولاءهم وإخلاصهم. ولسوء الحظ
فإنني قد قابلت عدداً من المسلمين ممن يعتقدون بولائهم الوطني على أنهم مواطنون
أمريكيون، بنفس القدر الذي يعلنون ولاءهم فيه للإسلام، إن لم يكن ولاؤهم
لوطنيتهم الأمريكية أكثر من ولائهم للإسلام، ويصدق هذا أيضاً حتى عندما يكون
هناك خلاف واضح بين الولاءين. وكما قلت، فإنني لا أريد الخوض في التفاصيل؛
فقد يكون من الخير ألا يكون للمسلمين قوة سياسية كبيرة أو أثر سياسي كبير في
الوقت الحالي؛ فقد لا يكون من النافع لهم والحالة هذه أن يمتلكوا هذه القوة وهم لا
يعرفون كيف يستخدمونها بشكل مناسب. ومن الواضح أن استنتاجي هذا (وقد لا
يكون مقبولاً لدى الكثيرين) ، إنما هو مبني ببساطة على ملاحظاتي الشخصية
خلال السنوات الطويلة للمسلمين في هذه البلاد، والله وحده أعلى وأعلم.
البيان: تعمد وسائل الإعلام الأمريكية إلى تشويه الإسلام والهجوم على
المسلمين؛ فهل ترون أن هذا سوء فهم للإسلام؟ أم أن لها خطة مدروسة معلومة
أبعادها؟ وهل هناك خطة من بعض المسلمين أو الجمعيات الإسلامية لمواجهة ذلك؟
- مما لا شك فيه أن هناك عدداً كبيراً من الناس يستخدمون وسائل الإعلام
لمهاجمة الإسلام مثل: دانيال بايبس، ستيف إيمرسون، وغيرهما. وعلاوةً على
ذلك، فإن أكثر مصادر الإعلام لديهم ما يسمونه «خبراء» فيما يتعلق بأمور
الإسلام. وأكثر هؤلاء الخبراء، بوجه عام، هم من المستشرقين الذين تعلموا كيف
يمكرون بدهاء وبطرق خفية لمهاجمة الإسلام وهم يبدون للعامة بأنهم أكاديميون
وباحثون فقط. ويبدو أن هؤلاء الأشخاص الذين يتربعون على القمة في هذا المجال
يحاولون، دون أدنى ريب، أن يستخدموا تأثيرهم ونفوذهم وأدواتهم المختلفة
ليسيئوا إلى الإسلام ويصرفوا الناس عنه. بينما نلاحظ أن الأشخاص الذين هم
أدنى من هؤلاء في مجال الإعلام - وقد قابلت كثيراً منهم خلال السنوات
الماضية - لا يعرفون إلا القليل عن الإسلام، وهم يعتمدون على ما تمدهم به
مصادرهم التي تُدْعى - كما أشرنا آنفاً - «خبراء» . ويصعب تحديد عدد الذين
يودون فعلاً مهاجمة الإسلام، كما يصعب أيضاً تحديد عدد الجاهلين منهم. ويجب
أن نأخذ في الحسبان أن كثيراً من الأمريكيين - بوجه عام- جهلة إلى حد كبير فيما
يتعلق بأمور الإسلام وشؤونه. كما أن العاملين في المجالات الدنيا من الإعلام ليسوا
أحسن حظاً من الجماهير الأمريكية بشكل عام، ولذا، فينبغي ألا نستغرب مدى
جهلهم أيضاً، والحمد لله، فإن هناك بعض المؤسسات والجمعيات الإسلامية حالياً
تراقب بنشاط كبير ما يصدر في الإعلام الأمريكي وترصده، فإذا وجدت أي
مادة منافية أو مضادة مهاجمة، فيبدؤون حملةً إعلاميةً نشطةً للاتصال بتلك
المصادر الإعلامية، ويُعلِمون المسلمين في كافة أرجاء الولايات المتحدة
الأمريكية بما يجري على الساحة الإعلامية. وقد أسست هذه المؤسسات
القاعدة الأساسية والرفض الجماهيري، أو الطلبات القوية التي توجه إلى تلك
المصادر الإعلامية التي تحاول التشويه أو المهاجمة ضد الإسلام والمسلمين لسحب
ما يقولونه ضد الإسلام، أو تصحيحه. وقد كانت جهود هذه المؤسسات موفقةً
جداً، بحمد الله، في بعض الحالات. وقد ساعدت جهودهم الطيبة هذه على
تحسين فهم الإسلام من قِبَلِ هؤلاء العاملين في مجال الإعلام.
البيان: ختاماً، نرجو من فضيلتكم أن تعرفنا بمؤلفاتك والكتب التي ترجمتها،
ثم تخبرونا بمشاريعكم العلمية المستقبلية.
لقد تمكنت - بنعمة ربي ورحمته - من نشر بعض المؤلفات والترجمات.
ولعل من أهم كتاباتي في هذا المجال: «تعليق على الأربعين النووية» . ويقع
هذا الكتاب في ثلاثة مجلدات ضخمة وهو شرح لهذه الأحاديث الهامة. وقد تكرم
الدكتور جعفر شيخ إدريس بكتابة مقدمة لهذا العمل الضخم. وكذلك، فقد كتبت:
«نحو فهم أفضل للقرآن الكريم» و «مكانة السنة وأهميتها» . وأما
أعمالي المترجمة فتشتمل على: «عالم الجن والشياطين للدكتور عمر الأشقر» ،
وعدد من الكتب التي كتبها الدكتور صالح السدلان، ومنها: «النشوز وفقه الزواج
في ضوء القرآن والسنة» . وأما فيما يتعلق بمشاريعي المستقبلية، فقد تعلمت
منذ زمن طويل أن من الأفضل ألا يناقش المرء مشاريع المستقبل؛ فقد يظن المرء
أنه سيفعل شيئاً ما في المستقبل، إلا أن الله يصرفه عنه
ويوجهه إلى شيء آخر قد يكون مختلفاً تماماً عمَّا أراد. لذا، سأنتظر وإياكم لنرى
المشروع التالي الذي سأنجزه بنعمة الله ورحمته وفضله.
وختاماً، فإني أرجو الله أن يبارك جهودكم الطيبة في
هذه المجلة - البيان - ولله الحمد، فإنها لا تزال ذات نفع عظيم لكثير من
المسلمين. وأرجو الله أن يزيدكم قوة إلى قوتكم، وقدرة إلى قدرتكم لتستمروا
في العطاء والنشر للعديد من السنوات القادمة، بحول الله وتوفيقه.
فجزاكم الله خيراً.
стр. 3634
فتاوى أعلام الموقعين
الإيمان قول وعمل
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
السعودية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة
المفتي العام من عدد من المستفتين المقيدة استفتاءاتهم بالأمانة العامة لهيئة
كبارالعلماء برقم (٥٤١١) وتاريخ ٧/١١/١٤٢٠هـ، ورقم (١٠٢٦) ، وتاريخ
١٧/٢/١٤٢١هـ، ورقم (١٠١٦) ، وتاريخ ٧/٢/١٤٢١هـ، ورقم (١٣٩٥) ،
وتاريخ ٨/٣/١٤٢١هـ، ورقم (١٦٥٠) ، وتاريخ ١٧/٣/١٤٢١هـ، ورقم
(١٨٩٣) ، وتاريخ ٢٥/٣/١٤٢١هـ، ورقم (٢١٠٦) ، وتاريخ ٧/٤/١٤٢١
هـ، وقد سأل المستفتون أسئلةً كثيرةً مضمونها: «ظهرت في الآونة الأخيرة
فكرة الإرجاء بشكل مخيف، وانبرى لترويجها عدد كثير من الكتاب يعتمدون على
نقولات مبتورة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، مما سبب ارتباكاً عند كثير من
الناس في مسمى الإيمان؛ حيث يحاول هؤلاء الذين ينشرون هذه الفكرة أن يخرجوا
العمل عن مسمَّى الإيمان، ويرون نجاة من ترك جميع الأعمال وذلك مما يسهل
على الناس الوقوع في المنكرات وأمور الشرك وأمور الردة إذا علموا أن الإيمان
متحقق لهم ولو لم يؤدوا الواجبات ويتجنبوا المحرمات ولو لم يعملوا بشرائع الدين
بناء على هذا المذهب. ولا شك أن هذا المذهب له خطورته على المجتمعات
الإسلامية وأمور العقيدة والعبادة؛ فالرجاء من سماحتكم بيان حقيقة هذا المذهب
وآثاره السيئة وبيان الحق المبني على الكتاب والسنة، وتحقيق النقل عن شيخ
الإسلام حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه، وفقكم الله وسدد خطاكم. والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
هذه المقالة المذكورة هي مقالة المرجئة الذين يُخرِجون الأعمال عن مسمَّى
الإيمان، ويقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والنطق
باللسان فقط، وأما الأعمال فإنها عندهم شرط كمال فيه فقط وليست منه؛ فمن
صدق بقلبه ونطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم، ولو فعل ما فعل من ترك
الواجبات وفعل المحرمات، ويستحق دخول الجنة ولو لم يعمل خيراً قط؛ ولزم
على ذلك الضلال لوازم باطلة منها حصر الكفر بكفر التكذيب والاستحلال القلبي،
ولا شك أن هذا قول باطل وضلال مبين مخالف للكتاب والسنة وما عليه أهل السنة
والجماعة سلفاً وخلفاً، وأن هذا يفتح باباً لأهل الشر والفساد للانحلال من الدين
وعدم التقيد بالأوامر والنواهي والخوف والخشية من الله سبحانه، ويعطل جانب
الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسوِّي بين الصالح
والطالح، والمطيع والعاصي، والمستقيم على دين الله والفاسق المتحلل من أوامر
الدين ونواهيه، ما دام أن أعمالهم هذه لا تُخِلُّ بالإيمان كما يقولون، ولذلك اهتم
أئمة الإسلام قديماً وحديثاً ببيان بطلان هذا المذهب والرد على أصحابه، وجعلوا
لهذه المسألة باباً خاصاً في كتب العقائد، بل ألَّفوا فيها مؤلفات مستقلةً كما فعل شيخ
الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره. قال شيخ الإسلام ﵀ في
العقيدة الواسطية:» ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول
وعمل. قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد
بالطاعة وينقص بالمعصية «. وقال في كتاب الإيمان:» ومن هذا الباب أقوال
السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارةً يقولون: هو قول وعمل، وتارةً
يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارةً يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة،
وتارةً يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح «.
وقال ﵀:» والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل
من الإيمان، ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ؛ بل لا
يتساوى الناس في التصديق ولا في الحب ولا في الخشية ولا في العلم، بل
يتفاضلون من وجوه كثيرة «وقال ﵀:» وقد عدلت المرجئة في هذا
الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا
على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة وهذه طريقة أهل البدع «انتهى.
ومن الأدلة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان وعلى زيادته ونقصانه
بها، قوله تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] (الأنفال: ٢) . وقوله تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ
المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ *
وَالَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ]
(المؤمنون: ١-٩) . وقول الرسول ﷺ :» الإيمان بضع
وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
والحياء شعبة من الإيمان «. قال شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الإيمان
أيضاً:» وأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله. وهو إقرار بالتصديق
والحب والانقياد. وما كان في القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح.
وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه. ولهذا كانت الأعمال
الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه
وشاهد له. وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعضٌ له. وقال أيضاً: بل كل من
تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف
للرسول. ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان. وأنه لم يكن
يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً. ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه
وسلم: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين؛ إلا
أنَّا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي، ولا نصوم، ولا
نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم،
ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم
بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم؛ بل
نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك. هل كان يتوهم عاقل أن النبي ﷺ
يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم أهل شفاعتي يوم القيامة ويرجى لكم
أن لا يدخل أحد منكم النار؟ بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر
الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك «انتهى.
وقال أيضاً:» فلفظ الإيمان إذا أُطلق في القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ
البر وبلفظ التقوى وبلفظ الدين كما تقدم. فإن النبي ﷺ بيَّن أن
الإيمان بضع وسبعون شعبةً أفضلها قول: لا إلله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق. فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان. وكذلك لفظ البر يدخل فيه
جميع ذلك إذا أطلق وكذلك لفظ التقوى. وكذلك الدين أو دين الإسلام. وكذلك رُوي
أنهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية: [لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ]
(البقرة: ١٧٧) . إلى أن قال: والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه
العمل. لا على إيمان خال عن عمل «. فهذا كلام شيخ الإسلام في الإيمان. ومن
نقل عنه غير ذلك فهو كاذب عليه.
وأما ما جاء في الحديث أن قوماً يدخلون الجنة لم يعملوا خيراً قط فليس هو
عامّاً لكل من ترك العمل وهو يقدر عليه. وإنما هو خاص بأولئك لعذر منعهم من
العمل أو لغير ذلك من المعاني التي تلائم النصوص المحكمة وما أجمع عليه السلف
الصالح في هذا الباب.
هذا واللجنة الدائمة إذ تبين ذلك فإنها تنهى وتحذر من الجدال في أصول
العقيدة لما يترتب على ذلك من المحاذير العظيمة وتوصي بالرجوع في ذلك إلى
كتب السلف الصالح وأئمة الدين المبنية على الكتاب والسنة وأقوال السلف، وتحذر
من الرجوع إلى الكتب المخالفة لذلك، وإلى الكتب الحديثة الصادرة عن أناس
متعالمين لم يأخذوا العلم عن أهله ومصادره الأصيلة. وقد اقتحموا القول في هذا
الأصل العظيم من أصول الاعتقاد، وتبنوا مذهب المرجئة، ونسبوه ظلماً إلى أهل
السنة والجماعة، ولبَّسوا بذلك على الناس، وعززوه عدواناً بالنقل عن شيخ
الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وغيره من أئمة السلف بالنقول المبتورة،
وبمتشابه القول وعدم رده إلى المحكم من كلامهم. وإنَّا ننصحهم أن يتقوا الله في
أنفسهم، وأن يثوبوا إلى رشدهم، ولا يُصَدِّعوا الصف بهذا المذهب الضالِّ.
واللجنة أيضاً تحذر المسلمين من الاغترار والوقوع في شراك المخالفين لما عليه
جماعة المسلمين أهل السنة والجماعة.
وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... ... ... ... ... ... الرئيس
عبد الله بن عبد الرحمن الغديان عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
عضو ... ... ... ... ... ... عضو
بكر بن عبد الله أبو زيد ... ... ... صالح بن فوزان الفوزان ... ... ... ... ... ... ... ...
الرقم: ٢١٤٣٦
التاريخ: ٨/٤/١٤٢١هـ
стр. 3635
نص شعري
قف يا نسيم
شعر: ياسر جياكتا
وقف النسيم يسائل الأخيارا ... والكون يرقب دونه الأخبارا
متسائلاً عن أمة لَمَّا تزل ... في الذل راتعة وتلعق عارا
كانت تسود الكون ملكاً عامراً ... فالأرضَ تملك روضَها وقفارا
فالله أكبر في المآذن قد سرى ... للحق، أرشد للعقول، أنار
وجيوش أحمد قد شققن طريقها ... نحو المدائن تفتح الأمصارا
فإذا بهم كالبحر يلطم بعضه ... والخيل تعدو والسيوف تبارى
والجند تصنع من غليل دمائها ... سيفاً، تفرق حولها الكفارا
والسيف يزأر في العدو وقد لوى ... معه المنية تسحق الأعمارا
والجيش يسحب ثوبه مترسلاً ... والخيل ترفل كالعروس فخارا
بل خالد سيف الإله كأنما ... جعل البطولة شَمْلَةً وإزارا
كالفجر يطرق في العدوّ بعزمه ... ويقود جيشاً جامحاً جرّارا
يا قوم قد ذهب الأباة فما أرى ... فيكم نجوماً تخلف الأقمارا؟
يا قوم ما الحدث الذي بنزوله ... عدل الأريب عن الصواب وحارا
عجباً أخالد! ما لقومي أذعنوا؟ ... وقد انتصرتَ على العدو مرارا!
أو ما رأيتم مصعباً بلوائه ... أو طلحة، أو جعفر الطيارا
نذروا الجهاد بأن يكون حليفهم ... فالله تمم بيعهم وأجارا
قف يا نسيم على عبير دمائهم ... وانشره طيباً طيّباً معطارا
فلعل ريح دم الشهيد يطيب لي ... يوحي إلى جيل الغد الأخبارا
يوحي بأن المجد ليس بآيب ... حتى نكشِّف دونه الأستارا
وبأن من رام المعالي ربما ... صفعته أيدي التضحيات مرارا
قف يا نسيم وسائل الأرض التي ... بعراء بدر واسكب الأشعارا
قف يا نسيم على الصبير [١] وسائلن ... أُحُداً وسائل سفحه الجبارا
قف يا نسيم وسائل الأرض التي ... بحُنَيْن واسأل دونها الأحجارا
ستجبْك حتماً أن جنداً قد مضوا ... يعلون ركناً للجهاد جهارا
стр. 3636
نص شعري
جاء الحق
علي بن جبريل
(الله أكبر جاء الحق وانبلجا) ... وطأطأ البغي رأس الذل وانزعجا
وأشرقت في الدُّنا الأنوار طافحة ... يا سعدنا ... وخفى الإظلام واندرجا
تسابق البِشْر في الأنحاء، وانطلقت ... بشائر النصر كيما تبهج المهجا
الله أكبر يا تاريخ.. مقبلة ... أيامنا، مانحات للدُّنا الفرجا
شباب صحوتنا الميمون قادمة ... جموعهم! تكسر الأقفال والرتجا
سيقبلون.. خيول النصر تحملهم ... وينفضون تراب الذل والرهجا
أتوك من كل فج مظلم.. لُججاّ ... تسير.. تتبع في أدراجها لججا!
من كل ناحيةٍ يأتون، رايتُهم ... خفاقة، لا ترى في صفهم عوجا
سفينة الحق يا تاريخ قادمة ... لا ترهب الموج والطوفان والثبجا!
تسير رغم هياج الموج في ثقة ... كأنها الصبح.. والموج العنيف دجى! !
تقول: يا صحبنا لا تيأسوا أبداً ... إن عربد البغي والليل البهيم سجا
فالفلك قادمة يحدو مسيرتها ... جميع من لطريق العزة انتهجا
والليل مهما عتا واسودَّ جانبه ... فلن يقر أمام الصبح إن ولجا!
الله أكبر لم تعقُم حرائرنا ... ما دام في سوحهن الشهم قد درجا
دماؤه من دم الفاروق منبعها ... والروح وثابة لا تشتكي حرجا
من خالد صاغ نصراً خالداً وأتى ... يخوض ملحمة الأهوال مبتهجا!
أبناؤه كل شهم من شبيبتنا ... لا يرهب البغي مهما ماد واعتلجا
شبيبةُ الحق لا يخشون نائبةً ... ولا يهابون جيش الكفر إن خرجا
هم يمتطون سروجَ الخيل صاهلة ... ويحملون لهذي الدلجة السرجا
يفرُّ إبليس منهم حين مقدمهم! ... فالنصر في دمهم - يا سعدهم - مزجا
تخرُّ قاعدة الإشراك إن طلعوا ... وإن سروا دُكَّ صرحُ الكفر وانفلجا!
هم يرحلون إذا ما العزةُ ارتحلتْ ... ويدلجون وراء الحق إن دلجا
ويهجرون ديار الذُلّ قاطبة ... والنور إن عرجوا - أيان هم - عرجا! !
سودٌ معاركهم.. بيضٌ مخايلهم ... نور مطالعهم.. كالبدر إن وهجا!
في صفهم كلُّ ذي علمٍ وذي أدبٍ ... هم ثلة لا ترى في صفهم همجا
في وحدة مثل بنيانٍ مرصَّصةٍ ... أحجاره، لا ترى من بينهم فرجا
الله أكبر يا تاريخ.. دوحتُنا ... تزينت، والجنى في ساحها نضجا
ترقرق النورُ في أنهارِها طرِباً ... والطير من أجمل الألحان قد نسجا
الله أكبر هذا الدربُ - أمتنا - ... من ضل عنه غوى، أو سار فيه نجا!
الله أكبر.. هذا ركبُنا قدموا ... فعانق الدرب ظل الركب واندمجا!
الخيرُ في دمهم والنصر ديدنهم ... والقلب - يا أمتي - في حبك اختلجا
أتوكِ من كل فجٍّ ينشدون لنا: ... (الله أكبر جاء الحق وانبلجا)
стр. 3637
البيان الأدبي
معاناة
عماد الغزي
محمد وأولاده الخمسة لم يذوقوا الطعام منذ أيام، لا يجدون إلا كسرة
الخبز يسدون بها جوعهم، ويقيمون بها أَوَدَهم.
أما علي فهو بحاجة لمحسن متصدق لدفع تكاليف علاج ولده الوحيد الذي
يحتاج لعملية عاجلة، وليس له إلا طرق أبواب الصحف والمجلات لعل ناشراً
ينشر حالته، فتصادف قلباً رحيماً أو باحثاً عن الشهرة لعلاجه.
خالد يحمل شهادة جامعية، وقد مرت سنة، وهو يبحث عن عمل، وأخيراً
وجد وظيفة (عامل نظافة) في أحد الفنادق.
طفل لا يتجاوز العاشرة عامل بناء! أرملة باعت كرامتها لإطعام أطفالها.
لم تكن تلك مقتطفات من قصة حزينة أو مشاهد من فيلم لمخرج متشائم، إنها
المعاناة اليومية لرجل الشارع المعتاد في بلاد المسلمين، تلاحقه الهموم والأحزان،
فمن هَمِّ المأكل والمشرب، إلى العلاج والدواء والبحث عن الوظيفة، إلى تعليم
الأولاد ورعايتهم. ومع ضعف الإيمان، والتوكل أصبح دائم التفكير، مشغول
البال، عابس الوجه لا ينفك من مشكلة وحاجة حتى يبدأ في غيرها.
الحاجة وذل الحاجة أحالت جبال العزة والكرامة إلى قيعان من الذل الهوان،
لم يعد مكاناً للهمة العالية والنفس الكبيرة، ورجل الإصلاح ورجل العقيدة أصبح كل
منهما إنسان لقمة العيش، ذليلاً لها ولمن يقدمها له.
مصطلحات (الضمان الاجتماعي، التعليم للجميع، الرعاية الصحية) لا
وجود لها في المعجم العربي، إنها حكر على مواطنهم الغربي يرفل بها وينعم.
أما شعوبنا فلها توصيات صندوق النقد الدولي، ولها أن تسعد بارتفاع الناتج
المحلي من الوعود الهائلة والحملات الإعلامية التي تجعل من سائر نكبات الأمة
أنموذجاً فريداً في الإنجازات تستهلك فيه جميع مفردات المديح من معجمات اللغة
العربية.
شعوب هذه حالها كيف يمكن لها أن تعمل، وتنتج، فضلاً عن أن تبدع
وتبتكر؟ يتفكر المرء أحياناً: لماذا هذه الحاجة والفاقة في بلاد المسلمين؟ لماذا
نحن هكذا وبلادنا أرض الخيرات ومنبع الخامات؟
هل ما نحن فيه يراد لنا؟ هذا الذل والحاجة أهو أمر مخطط مقصود؟
هل يراد لنا أن نصبح ونمسي على هَمِّ لقمة العيش، فننصرف عن معالي
الأمور إلى سفاسفها، وننشغل عن درء الظلم عنا بدرء الظلم عن الآخرين؟
ومع المعاناة تنظر الجماهير إلى من يعبر عن معاناتها وينافح عن حقوقها؛
ولكن كيف تعبر بعض المجلات العربية عن هموم رجل الشارع المعتاد؟ وحسبنا
منها عناوين أغلفتها الخارجية التي تعبر عن أهم موضوعاتها:
(رجال في عيادات أمراض النساء/ بزنس النساء هل هو إغراء؟ / لن
أستغل جمالي في التمثيل/ أسرار ما قبل الزواج هل أبوح بها؟) . إلى آخر هذه
العناوين.
فهل تعبر هذه المجلات عن حال الأمة؟ وهل تنطق بلسانها: أين تعيش؟
ولماذا تعيش؟ وعلى من تعيش؟
стр. 3638
ملفات
التنصير.. هل أصاب الهدف؟
(٣ - ٣)
ماذا وراء الإرساليات الإنسانية ؟ !
قبل أكثر من مائة عام قام الدكتور (لانسنج) وثلاثة من مساعديه، وهم:
(جيمس كانتين، وصموئيل زويمر، وفيليب فيلبس) بتشكيل مجموعة تنصيرية
في ولاية نيوجرسي الأمريكية، هدفها: نشر الدين النصراني في بعض البلدان
العربية، وكانت البداية في منطقة الخليج والجزيرة العربية، ويذكر صموئيل
زويمر السبب في هذا الاختيار بقوله: (إن من الدوافع إلى العمل في المنطقة:
الأسباب التاريخية؛ فللمسيح الحق في استرجاع الجزيرة العربية التي أكدت الدلائل
التي تجمعت لدينا في الخمسين سنةً الأخيرة، أن المسيحية كانت منتشرةً فيها في
بداية عهدها) [١] .
وبعد عدة سنوات من الاجتماعات وحملات التبرع بدأت الإرسالية الأمريكية
أولى رحلاتها إلى البصرة في العراق في عام (١٨٨٩م) ، ثم تتابعت الرحلات
إلى الكويت والبحرين وعمان والإمارات واليمن.. ونحوها. وقد نشرت
مقالات ومذكرات عدد من المنصرين في هذه المنطقة في عدة كتب من أهمها:
كتاب (صدمة الاحتكاك) من إعداد وترجمة خالد البسام.
إنَّ قراءة بعض المقالات المترجمة في هذا الكتاب تُوقِفنا على أخبار وحكايات
مذهلة ومثيرة للانتباه قامت بها البعوث الأولى للتنصير في منطقة الخليج، وتجعلنا
ندرك بيقين أن ما يسمى بالمساعدات الإنسانية والطبية ما هي إلا أداة رئيسة من
أدوات التنصير وإخراج الناس عن دين الله تعالى. وهذا ما سيتأكد لنا عند قراءة
الجزء الثالث من ملف (التنصير.. هل أصاب الهدف؟ !) الذي خصصناه
لعرض بعض جهود المنصرين في بعض الدول العربية. ونجزم بأن ما ذكر ما هو
إلا شيء يسير من الواقع، لكن دلالاته عميقة..! !
لقد كنا نتوقع أن يكون هذا الملف في جزأين اثنين، إلا أن حجم المادة الكبير
الذي بين أيدينا جعلنا نضيف هذا الجزء، مع أننا تركنا عدداً من المقالات الأخرى
خشية الإطالة والإملال. ونرجو أن يجد القارئ الكريم في المادة المنشورة ما يفي
بالغرض ويرضي الطموح بإذن الله تعالى.
стр. 3639
ملفات
التنصير.. هل أصاب الهدف؟
(٣ - ٣)
الوجود النصراني في السودان
دراسة ميدانية [*]
إعداد: محمود صالح
مقدمة الدراسة: تمنى النصارى أن يحولوا القارة الإفريقية كاملةً إلى حظيرة
لدينهم المبدل، ولم يكتفوا بالأماني فقط، بل سعوا إلى ذلك بكل ما أوتوا من أسباب
توصلهم إلى ذلك، وقد نجحوا نجاحاً ضئيلاً جداً في عدد محدود من دول القارة،
وهذا النجاح القليل يساوي إخفاقاً كبيراً، وهذا الإخفاق غذَّى لدى النصارى حقداً
زائداً ومضاعفاً على الإسلام في تلك القارة؛ حيث هو دين الحق الذي يواجه الدين
المحرف، وحيث العداوة التاريخية الطويلة للنصارى مع المسلمين في كل مكان؛
فكان لا بد من بث هذا الحقد بشكلٍ أكثر عمليةً، وفي القارة نفسها، وفي دولة
مسلمة كذلك. كانت تلك الدولة التي تنفس فيها النصارى بصدور ملؤها الحقد..
هي السودان، وجد النصارى في هذا البلد أسباباً عديدةً تدعوهم لمحاولة الفتك به،
وتحويله حسب أمانيهم إلى دولة نصرانية، أو - على الأقل - تحويل جزء منه.
وقد كانت عناصر: المساحة الكبيرة، والتنوع القبلي، والعرقي، واللغوي،
عوامل مساعدةً للحملة الصليبية على السودان.
فالسودان بلد مساحته كبيرة؛ إذ تتجاوز ٥، ٢ مليون كيلو متر مربع، ويضم
أكثر من ستمائة قبيلة، كذلك هناك التنوع العرقي «النيلية، الحامية، الزنجية»
إضافةً إلى التنوع اللغوي «العربية، الإنجليزية، واللهجات القبلية» ؛ حيث يوجد
أكثر من ١١٠ نوع بين لغة ولهجة محلية، وفي الجنوب وحده ٥٣ لغةً ولهجةً.
أما التنوع الديني فيتركز المسلمون في الشمال، وهم يمثلون ٧٠% من
إجمالي سكان السودان، أما الجنوب فإن ١٨% من سكانه مسلمون، و١٧%
نصارى، والنسبة الباقية ٦٥% وثنيون ولا دينيون، كما أن للسودان حدوداً دوليةً
متشعبةً مع تسع دول هي: مصر، ليبيا، تشاد، إفريقيا الوسطى، زائير، أوغندا،
كينيا، أثيوبيا، إرتيريا؛ مما يسهل المناوشات على أكثر من جبهة في وقت
واحد لتشتيت الجهود الداخلية، هذا التنوع الكبير تم الطَّرْقُ عليه بشكل لافت
لاستغلاله في توسيع الشقة بين سكان هذا البلد، وإذا ضُمَّ إلى ذلك غياب الوعي
وكثرة الجهل، والأهداف الخبيثة التي تسعى الحملة الصليبية لتحقيقها، أمكن في
وسط هذا الواقع المضطرب تنفيذ شيء من المخطط الصليبي. لقد كان عدم
الاستقرار داخل السودان مطلباً نصرانياً لانتزاع جنوبه ليكون دولةً صليبيةً جديدةً.
كان هذا هو الهدف الأساس للحملات النصرانية الدولية المتتابعة على السودان، ولم
يكن لهذه الحملات ارتباط بمكافحة الإرهاب، ولا بتطبيق الشريعة أو الداعين إليها.
فعندما قام جون قرنق بقيادة الفرقة ١١٥ معلناً تمرده، كان ذلك في إبريل العام
١٩٨٣م، أي قبل أن يعلن النميري تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان بسبعة
أشهر. وكما كانت دعوة النميري شعارات جوفاء، فقد تلتها شعارات جبهة الإنقاذ
التي لم تكن هي الأخرى سبباً في هذه الحملة.
* البابا يفتتح الحملة الصليبية: في مطلع العام ١٩٩٣م هددت الولايات
المتحدة بإدراج اسم السودان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب، وذلك بعد تقرير
مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية «هيرمان كوهين» ، فكانت
تلك مقدمةً لفتح باب من الشر للهجمات الصليبية. وقام بابا الفاتيكان بزيارة رسمية
للسودان في فبراير من العام نفسه، واستُقبل في السودان استقبالاً حاراً، وكانت
عبارات الاستقبال مليئةً بالحفاوة والمديح الزائد.
هذا الترحيب الحار بالملهَم قابله صلف نصراني شديد، ووضوح في تحديد
مهام الزيارة وأهدافها، فلم يوارب ولم يُوَرِّ، بل أعلنها بكل صراحة حين قال:
«إن رياح التغيير تهب على إفريقيا وتتطلب احترام حقوق الإنسان، لقد كانت
لي رغبة ملحة للمجيء إلى السودان، وبصفتي خليفة القديس بطرس الذي جعله
السيد المسيح رأساً على كنيسته، فمن اللازم عليَّ أن أشجع وأثبِّت الإيمان في
إخوتي وأخواتي أينما كانوا، ولا سيما عندما يقتضي الإيمان شجاعةً كبيرةً وقوةً
للصمود، وعندما يكون الشعب ضعيفاً وفقيراً ولا حامي له، يجب أن أرفع
صوتي لأتكلم باسمه» .
وفي تلك الزيارة استمع البابا إلى تحريض كبير من رئيس الأساقفة «غبريال
زبير واكو» ليدلي بدلوه في تأجيج أوار الحملة الجديدة: «إننا لا نريد أن نتعمق
في المتاعب والمشاق التي مررنا بها خلال السنوات الأخيرة؛ فهؤلاء الرجال
والنساء، وخاصةً الكهنة والرهبان والراهبات والمبشرين، قد تحملوا حقيقة حرارة
اليوم، ويقفون هنا في احتياج للتشجيع، لقد مرت فترة شعرنا فيها بانعدام الأمل،
وفقدان القدرة، إن هذا البلد لا يعرف المسيح جيداً. هؤلاء الكهنة والرهبان
والراهبات قد حملوا صليبهم مع المسيح بشجاعة لا متناهية وثبات عجيب، وإن
المبشرين يستحقون تقديراً خاصاً منا؛ إنهم الصفوف الأمامية من الرجال والنساء
للإنجيل، إنهم الناس الذين يجهزون الأرض للزرع» .
كانت زيارة البابا الباب الذي دخل السودان من خلاله في دوامة العقوبات
المتتالية، فبعد هذه الزيارة بأشهر قليلة وفي يوليو ١٩٩٣م اجتمع البابا مع البعثات
التنصيرية العاملة في السودان لمناقشة الأوضاع هناك، وما ينبغي عمله لتحقيق
الهدف. وبعد ذلك زار البابا واشنطن وقابل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون،
وأطلعه على أحداث زيارته للسودان، وما اتفق عليه في الاجتماع الذي تلاها. لم
تطل المدة التي تتخذ فيها الإدارة الأمريكية مرئياتها حول الوضع في السودان؛ ففي
١٩/٨/١٩٩٣م أدرجت الولايات المتحدة السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وخطورة هذا القرار تكمن في قطع الولايات المتحدة للمساعدات العسكرية عن
السودان وحثها المؤسسات الدولية والمالية على عدم تمويل السودان، في الوقت
الذي تتدفق فيه المساعدات على جون قرنق في الجنوب ليقيم دولتهم النصرانية.
وفي ذلك العام أدانت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأم المتحدة النظام الحاكم في
السودان بممارسة عمليات الإعدام والتعذيب، وبارتكاب مجازر وقتل عشوائي
واختطاف الأطفال لاستخدامهم عبيداً أو جنوداً، وأدى ذلك إلى صدور قرار جديد
بإدانة السودان في ١٤/١٢/١٩٩٣م، ولم تشأ منظمة العفو أن يفوتها شرف
الاشتراك في الحملة الصليبية، فوجهت بدورها اتهامات إلى السودان بقتل ٣٠٠
ألف من المدنيين العزل في مدينة جوبا. كما سارت منظمة العفو الدولية في الاتجاه
ذاته حينما أصدرت تقريراً في السنة نفسها اتهمت فيه الحكومة السودانية باستعباد
الأشخاص وبيعهم. ثم جاء دور صندوق النقد الدولي؛ حيث رفض منح السودان
أية قروض، وذلك تنفيذاً للتهديدات الأمريكية، كما قام الصندوق بتجريد السودان
من حق التصويت في اجتماعاته.
وهكذا نرى الحلقات بدأت في التجمع لإنشاء سياج حديدي كبير على السودان
لإضعافه داخلياً، في الوقت الذي ينشغل فيه بصد هذه المؤامرة الدولية الصليبية،
وهو ما سمح لحركة التمرد بالانتفاش، والحركة التنصيرية بالانتشار، ثم جاء دور
الدولة المحتلة القديمة للسودان - بريطانيا - في نفث سمومها لتأجيج نار الحرب،
فقامت باستقبال المعارضة السودانية في البرلمان البريطاني فيما عُد سابقةً دوليةً
خطيرةً، كما أقدمت الدول الغربية على حملة نصرانية تدعو إلى التدخل الدولي في
السودان وإقامة مناطق آمنة فيه على غرار ما حدث في العراق، وقد قادت هذه
الحملة في بدايتها الكنائس الكاثوليكية الأوروبية والكنائس الكاثوليكية الإفريقية، ثم
تولت الدول بعد ذلك هذه الحملة بنفسها، فأصدرت المجموعة الأوروبية
والكونجرس الأمريكي ومجلس اللوردات البريطاني بياناً يدعو إلى التدخل الدولي
في جنوب السودان، لوقف ما أسمته بعمليات التطهير العرقي ضد المسيحيين في
جنوب السودان، ثم أعلنت الولايات المتحدة أنها تبحث إقامة مناطق آمنة لحماية
الهاربين من الحرب الأهلية والمجاعة، وتوسعت الدعوة لإقامة مناطق آمنة حول
العاصمة نفسها، ومناطق في الشمال.
وفي اتجاه آخر - ولزيادة جرعة الإلهاء والاستغراق في الدوامة المجهدة - تم
جر السودان إلى مشاكل حدودية وسياسية مع الجيران، فأثيرت الخلافات مع مصر،
ومع أوغندا، ومع إريتريا، وهكذا فتح باب آخر من الشر على ذلك البلد، ثم تلا
ذلك الضربة العسكرية الأمريكية المشهورة لمصنع الشفاء للأدوية.
وإن كان الشعب السوداني قد صمد بفضل من الله أمام هذه الحملة الصليبية،
إلا أن الحكومة قد قدمت تنازلات كبيرةً في الواقع تخدم - من حيث تدري أو لا
تدري - الهدف النصراني؛ حيث أعلنت أنها لن تطبق الشريعة الإسلامية في
مناطق الجنوب، وأن الدستور السوداني لن يذكر أن الإسلام هو الدين الرسمي
للدولة، وهذا بلا شك تنازل خطير له دلالاته في الواقع. وهكذا نرى كيف هي
الحملة على هذا البلد المسلم الذي غدا كوحيدة الغنم وسط قطيع من الذئاب.
وتجيء هذه الدراسة الميدانية لتبين حجم الوجود النصراني في السودان، من
كنائس ومدارس ومنظمات ومراكز اجتماعية وصحية وثقافية، كلها تعمل لتفتيت
السودان من داخله متواصلين مع الساعين لهدمه من خارجه..
فلك الله يا شعب السودان!
- البيان -
* ولاية الخرطوم.. أولاً: محافظة الخرطوم:
(أ) الكنائس:
* شارع الجمهورية.. الخرطوم:
١- الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية: وتقوم برعاية شؤون الجالية اليونانية في
الخرطوم.
٢- كنيسة سيدة البشارة: وتقوم برعاية شؤون الروم الكاثوليك بالسودان.
* شارع النيل ووسط الخرطوم:
١- مطرانية الأقباط الأرثوذكس: وتقوم برعاية كافة مصالح الأقباط
بالسودان.
٢- كاتدرائية القديس متَّى الكاثولوكية: وتمثل الإدارة العليا للنصارى
الكاثوليك في السودان.
٣- الكنيسة الإنجيلية: وتمثل إدارة من إدارات الكنيسة الإنجيلية في
الخرطوم.
٤- الكنيسة الإرسالية الأمريكية: وتتبع الكنيسة الإنجيلية.
٥- كنيسة جنوب نادي المكتبة القبطية.
* الخرطوم ٢:
١- الكنيسة السبتية: بها مدرسة لتدريس الكتاب المقدس، وتختلف عن
الكنائس الأخرى في التعبد يوم السبت.
٢- الكنيسة الأثيوبية الأرثوذكسية: وتمثل رئاسة النصارى الأثيوبيين
الوافدين إلى السودان.
٣- الكنيسة الأرمنية: وترعى شؤون النصارى الأرمن في السودان.
٤- كنيسة السودان الداخلية: وتتبع الكنيسة الإنجيلية.
٥- كاتدرائية جميع القديسين: وتتبع الكنيسة الأسقفية بالسودان.
* الخرطوم ٣:
١- الكنيسة اللوثرية: وتتبع الكنسية الإنجيلية.
٢- مركز شهود يهوه.
* العمارات:
١- كنيسة الرسولين بطرس وبولس: وهي كنيسة كاثوليكية.
٢- كنيسة تابعة للأقباط.
* الطائف: يوجد في هذا الحيِّ كنيسة واحدة وهي: الكنيسة الأرتيرية
الأرثوذكسية: وهي ترعى الجالية الأرتيرية النصرانية بالسودان.
(ب) المؤسسات التعليمية النصرانية:
١- كميوني الكاثوليك (أساس + ثانوي) لكل مرحلة عدة أنهر.
٢- مدرسة بيتربول توجد في مقر الكنيسة الإنجيلية وهي مسيحية بحتة.
٣- الكلية القبطية الثانوية للبنين توجد قرب إدارة شرطة المرور وهي الآن
مجمدة النشاط.
٤- المركز الكاثولويكي الأوسط: يقع شمال مستشفى الخرطوم، يقوم هذا
المركز بتعليم الطلاب كبار السن غير المؤهلين لدخول المدارس.
٥- مدرسة وروضة قبطية بمقر الكنيسة القبطية بشارع ١٥.
٦- مدرسة كاثوليكية للأساس جوار مكتب التكامل العربي الليبي.
٧- مدرسة سستر اسكول Sisterschool تشرف عليها الوكالة البطريركية
للروم الكاثوليك.
٨- مدرسة ماري يوسف للأساس بالديوم الشرقية.
٩- مدرسة سنقست الثانوية بالديوم الشرقية.
١٠- مدرسة الإيمان اللاهوتية بكنيسة السودان الداخلية.
١١- مدرسة الكنيسة السبتية.
١٢- مدرسة السجاتة في الأصل هي مدرسة حكومية (مدرسة السجاتة
التجارية) استأجر النصارى مبانيها في الفترة المسائية.
١٣- كميوني الكاثوليك (مدرسة أساس للطالبات بالسجاتة جنوب السوق) .
١٤- مدرسة قلة جلدة «مدرسة الراهبات» بشارع الحرية الخرطوم.
١٥- مدرسة ماري يوسف الصناعية بالمنطقة الصناعية الخرطوم.
١٦- مدرسة القديس (أساس + ثانوي) جنوب القيادة العامة للجيش.
١٧- مجمع الكنيسة الإغريقية اليونانية (تمهيدي + أساس + ثانوي)
ش الجمهورية.
١٨- مدارس الاتحاد شمال غرب مستشفى الخرطوم (روضة + أساس +
ثانوي) .
١٩- مدرسة كاثوليكية ضخمة بكوبر.
(ج) المراكز الثقافية والاجتماعية: محافظة الخرطوم:
١- مركز الثقافة الإنجيلي - لعله أكبر مركز ثقافي وسط الخرطوم يستقطب
عدداً كبيراً من المثقفين. وهو يتبع الكنيسة الإنجيلية ويلعب دور المكتبات العالمية.
٢- مكتبة جمعية الكتاب المقدس - تقع شمال فندق أراك.
٣- نادي المكتبة القبطية - الخرطوم غرب السوق الغربي.
٤- بيت الشباب وهو تابع للأقباط ويقع جنوب كلية الآداب جامعة النيلين.
٥- المكتبة الأرثوذكسية - توجد بمطرانية الأقباط.
٦- الملعب الرياضي الكاثوليكي - شرق المركز الكاثوليكي الأوسط.
٧- مركز اجتماعي بالعمارات ش (٣٣) .
٨- النادي الكاثوليكي - شارع المطار - والآن يتبع المؤتمر الوطني.
قامت منظمات عديدة رئاساتها بالخرطوم تعمل في مجال التنصير تحت ستار
العمل الإنساني والطوعي؛ فهي معفاة من الضرائب والجمارك وبإمكانها إدخال
أكبر قدر من الأدوية والسلع الاستهلاكية والملبوسات والآليات داخل البلاد، ولها
مطلق الحرية في التنقل حتى إن عرباتها لا تخضع للتفتيش. وأبرز هذه المنظمات:
١- منظمة أطباء بلا حدود الفرنسية.
٢- منظمة أطباء بلا حدود الهولندية.
٣- منظمة قول الإيرلندية.
٤- منظمة إنقاذ الطفولة الأمريكية.
٥- المنظمة الإفريقية للتنمية الإنسانية.
٦- منظمة زملاء الإغاثة الإفريقية.
٧- منظمة سدرا: أنشأت هذه المنظمة بالخرطوم مركزين للعناية المكثفة
«أمراض الشريان التاجي والقلب» .
٨- مجلس الكنائس العالمي.
٩- مجلس الكنائس السوداني.
١٠- منظمة رعاية الطفولة البريطانية.
١١- جمعية الكتاب المقدس.
١٢- جمعية الشباب المسيحية بالسودان (المجلس الوطني للشباب المسيحي) .
١٣- Action Faim منظمة أكشن فايم.
١٤- منظمة القديس منصور.
١٥- منظمة وُتاب الألمانية.
١٦- المنظمة السودانية الخيرية.
* المنظمات العالمية:
١- الأمم المتحدة.
٢- منظمة الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية - صندوق الأمم المتحدة للسكان.
٣- الجمعية العالمية لتنظيم الأسرة.
٤- لجنة الإنقاذ الدولية.
٥- برنامج الغذاء العالمي.
٦- منظمة اليونيسيف.
٧- منظمة أدرا.
كل هذه المنظمات - وغيرها كثير مما هو غير ظاهر تعمل عملاً تكاملياً في
مجالات الإغاثة والصحة والتعليم وبناء الكنائس، وعموماً يمكن القول بأنها تهيئ
المناخ الخصب لنفاذ كل أنشطة الكنائس داخل المجتمع السوداني. والله المستعان.
ثانياً: محافظة جبل أولياء:
منطقة مايو محلية النصر السلام - جنوب الخرطوم:
(أ) الكنائس: يوجد في هذه المنطقة خمس عشرة كنيسة:
١- الكاثوليكية، ولها ست كنائس.
٢- الإنجيلية، ولها أربع كنائس.
٣- الأسقفية، ولها ثلاث كنائس.
٤- البروتستانت، لهم كنيسة واحدة.
٥- شهود يهوه، مركز واحد للقاءات.
(ب) المدارس:
١- الكاثوليك لهم مدرستان.
٢- الأسقفية مدرستان.
٣- الإنجيلية مدرسة واحدة.
(ج) المراكز الصحية والمنظمات العاملة:
١- مركز صحي كاثوليكي في مقر كنيسة الأم.
٢- مركز صحي يتبع كنيسة الأسقفية في مقر كنيسة الأم.
٣- مركز صحي يتبع صندوق الأمم المتحدة للسكان بالدورة، هذه المراكز -
بجانب العمل الصحي - تقوم بتوزيع الإغاثات وتوزيع موانع الحمل بدون ضابط
«بحجة تنظيم الأسرة» .
ومنها التي تقوم بتسليف النساء التاجرات في أسواق المنطقة مبلغاً من المال
على أن يرد بعد حين. والحد الأدنى في حدود (١٥٠) ألف جنيه سوداني،
وكذلك دعم بعض الأفراد بأبقار وطواحين بالضمان ويكون السداد بالتقسيط.
* المنظمات العاملة في المنطقة:
١- منظمة أطباء بلاد حدود ... أيام علاجية.
٢- منظمة رعاية الطفولة البريطانية.. مركز صحي.
٣- منظمة إدرا الأمريكية.. عمل صهاريج ومضخات المياه وتنظيم دورات
فنية للشباب.
٤- مجلس الكنائس السوداني.. ويشرف على أنشطة الكنائس.
٥- المنظمة العالمية لرعاية الأيتام.
٦- المنظمة العالمية لرعاية الفقراء.
٧- منظمة قول الإيرلندية الآن موقوفة، أنشأت مركزين صحيين والآن آلا
إلى وزارة الصحة، وأُوقِفت لأنه اكتُشف أن لها علاقة بحركة التمرد بجنوب
السودان.
٨- صندوق الأمم المتحدة للسكان: انشأ مركزاً صحياً واجتماعياً.
منطقة أنقولا: أغلبية سكانها نصارى ووثنيون وهي منطقة عشوائية.
(أ) الكنائس:
١- كنيسة السودان الداخلية.
٢- كنيسة إنجيلية.
٣- كنيسة كاثوليكية.
٤- كنيسة لم أتحصل على جهتها.
(ب) المدارس:
١- لكنيسة السودان الداخلية:
١- روضة.
٢- ابتدائي.
٣- محو أمية.
٢- الكنيسة الكاثوليكية: تقيم الدروس الدينية والدورات بمقر الكنيسة.
(ج) المنظمات: عمل المنظمات في هذه المنطقة يتم من خلال الكنائس
الموجودة فيها.
منطقة مانديلا: تقع جنوب منطقة أنقولا، وهي منطقة عشوائية كذلك وتعتبر
تجمعاً للنازحين؛ فمعظم سكانها غير مسلمين، وقدر تعدادهم بحوالي (٩٠٠،
٢٥) نسمة، والخمور فيها علنية كأنقولا، ويشيع فيها أكل الميتة ونسبة البطالة
فيها عالية.
(أ) الكنائس: يوجد بها ١٢ كنيسة:
١- الأسقفية ست كنائس.
٢- الكاثوليك أربع كنائس.
٣- الإنجيلية كنيستان.
(ب) المدارس:
١- مدرسة الرحمة.. منظمة بريطانية.
٢- مدرسة سانتوفيلب.. أسقفية (أساس + حضانة) .
٣- مدرسة الكازتيو.. مجلس الكنائس السوداني.
٤- مدرسة الاتحاد.. كاثوليكية وهي أكبر مدرسة بالمنطقة.
٥- مدرسة المسيحية.. إنجيلية.
(ج) المنظمات:
١- منظمة أطباء بلا حدود الفرنسية: لها أكبر مستشفى بالمنطقة (العلاج
مجاني) .
٢- منظمة إدرا الأمريكية: - مركز تغذية أطفال ... حفر عدد من
المضخات وعمل صهريج واحد.
٣- منظمة فار:
أ- برنامج إصحاح البيئة.
ب- حفر عدد من دورات المياه للمواطنين.
٤- منظمة (RCA) :
(أ) رعاية الأمومة والطفولة.
(ب) توزيع إغاثات.
٥- مجلس الكنائس السوداني: يشرف على الأنشطة التبشيرية بالمنطقة.
منطقة الجبل - دار السلام:
(أ) الكنائس: توجد ثمانية كنائس و٢١ مركزاً صغيراً للنشاط الديني بدار
السلام.
(ب) المدارس:
١- مدرسة دار النعيم للأساس.
٢- كميوني الحارة (٦) شرق.
٣- كميوني الحارة (٦) غرب.
٤- مدرسة المجلس الوطني للشباب المسيحي بالسودان.
٥- مدرسة مزرعة غبريال (زعيم الكاثوليك بالسودان) .
(ج) المراكز الاجتماعية:
١- مركز كاثوليكي بالحارة الخامسة: اجتماعات، عروض فيديو،
مساعدات.
٢- مركز الحارة السادسة: عرض فيديو.
٣- مركز الحارة الرابعة مربع ١: مركز لتدريب وترقية المرأة، وهو يتبع
منظمة «وُتاب الألمانية» ويقوم هذا المركز بالآتي:
١- إسعافات أولية.
٢- عمل أيام علاجية بالتعاون مع منظمة أطباء بلا حدود.
٣- محو أمية.
٤- إعطاء سلفيات والسداد بفائدة بنسبة ٢٠% «تعامل ربوي» .
٥- مركز تنقو لعرض الفيديو.
٦- مركز اجتماعي «مأوى كاثوليكي داخل مزرعة غبريال في مدخل دار
السلام» .
(د) المنظمات:
١- مجلس الكنائس السوداني.
٢- منظمة وتاب الألمانية.
٣- المجلس الوطني للشباب المسيحي بالسودان.
٤- منظمة أطباء بلا حدود.
٥- منطقة سوبا والجريف:
(أ) الكنائس:
١- سوبا الحلة: كنيسة واحدة.
٢- سوبا السكة حديد: توجد بها كنيسة واحدة.
٣- سوبا الأراضي: بها (١٧) كنيسة بالإضافة إلى مركزين لشهود يهوه.
٤- السلمة: بها (٧) كنائس.
٥- الجريف غرب: وبها كنيسة واحدة.
(ب) المدارس:
١- سوبا السكة حديد: كميوني أساس واحد.
٢- سوبا الأراضي: ٣ مدارس كميوني أساس + ٤ مدارس رياض أطفال.
ثالثاً: محافظة أُمبدة.. محلية الأمير:
(أ) عدد الكنائس: توجد أربعة كنائس للكاثوليك وواحدة للبرتستانت، هذه
الكنائس موزعة في الحارة العاشرة والحارة ١٢، والحارة ١٩. كنيسة الحارة ١٩
أطلقت شباباً وشاباتٍ لهم الجرأة في طرق أبواب المنازل لممارسة الدعوة الفردية لا
سيما وسط شباب قبيلة النوبة.
(ب) المدارس:
أ- روضة + مدرسة أساس (نصرانية بحتة) برعاية القديس مرقس بالحارة
١٢، ويدرس فيها بعض أبناء المسلمين.
ب- كميوني كاثوليكي للأساس بالحارة ١٦/ ب حي البستان.
ج- كميوني كاثوليكي بالحارة ١٩.
(ج) المراكز الصحية والاجتماعية:
(أ) مركز صحي بالحارة ١١ تابع للبروتستانت.
(ب) مشغل نسوي بالحارة ١١ تابع للبروتستانت.
(ج) مركز إغاثي بالحارة ١١ تابع للبروتستانت.
(د) عدد (٣) مراكز للعروض السينمائية في الحارة ١٩.
منطقة ود البشير: منطقة عشوائية، غالبية سكانها غير مسلمين.
(أ) الكنائس: توجد نحو ثماني كنائس.
(ب) المدارس: توجد أربع مدارس للأساس للنصارى بجانب الدراسة
بمقررات الكنائس.
(ج) المراكز الصحية:
١- مركز صحي كاثوليكي.
٢- مركز تحصين الأطفال - الصليب الأحمر.
٣- عيادة زملاء الإغاثة الإفريقية - العلاج مجاني.
٤- عيادة منظمة أدرا - عيادة متكاملة والعلاج مجاني.
(د) المنظمات:
١- منظمة رعاية الطفولة البريطانية: تعتبر ود البشير مركزاً للإدارة
والنشاط للمنظمة، أنشأت مدرسة أساس ولها مستودع أدوية.
٢- منظمة زملاء الإغاثة الإفريقية: لها عيادة وتقوم بتوزيع الإغاثات.
٣- الصليب الأحمر: له مركز لتحصين الأطفال.
٤- منظمة أدرا الأمريكية: قامت بعمل عدة صهاريج ولها عيادة.
محلية دار السلام:
المربعات: غالبية السكان مسلمون وتعتبر منطقة حديثة.
(أ) الكنائس: توجد عدد ٢٢ كنيسة.
(ب) المدارس: توجد ١٩ مدرسة وكميوني للأساس.
(ج) المراكز الصحية:
١- مركز صحي بالحارة ٨.
٢- مركز صحي بالحارة ٤.
٣- المنظمات: تعمل في غموض وغير ظاهرة النشاط بالمربعات.
رابعاً: محافظة أم درمان ... محلية أم درمان:
(أ) الكنائس: انحصرت الكنائس في المناطق الواقعة حول سوق أم درمان
فبلغ عددها سبع كنائس كبيرة:
١- رئاسة الكنيسة الأسقفية: توجد جنوب مستشفى التجاني الماحي وهي
الجهة المسؤولة عن كافة أنشطة الكنيسة الأسقفية بالسودان.
٢- الكنيسة الأسقفية - شرق مستشفى الخرطوم التعليمي.
٣- الكنيسة الأسقفية الثالثة - جوار استاد المريخ.
٤- الكنيسة الإنجيلية - شرق مستشفى أم درمان التعليمي.
٥- للأقباط أكبر ثلاث كنائس بالمنطقة في حي المسالمة شمال سوق أم
درمان وجوار مدرسة محمد حسين الثانوية، وكل كنيسة من هذه الكنائس تقع على
مساحة كبيرة وداخلها ملحقات: إما روضة أو مركز اجتماعي وثقافي.
(ب) المدارس:
١- كلية اللاهوت: تابعة لكنيسة السودان الداخلية. وهي تتبع المنهج
الإنجيلي وتخرج قسيسين.
٢- المدارس الأسقفية (روضة + أساس + ثانوي) .
٣- المدارس الإنجيلية (تمهيدي + ثانوي أكاديمي + ثانوي تجاري) كلها
في شرق مستشفى أم درمان التعليمي.
٤- مدارس الراهبات بحي المسالمة (روضة + أساس + ثانوي) .
٥- الدار القبطية - شرق مدرسة محمد حسين الثانوية تلعب دور المدرسة
وبها مكتبة.
منطقة كرري: غالبية السكان مسلمون.
(أ) الكنائس: توجد تسع كنائس بكرري وتوزيعها كالآتي: في الحارة ٤٨
أو خُدير:
١- كنيسة السودان الداخلية.
٢- كنيستان أسقفيتان.
٣- كنيسة كاثوليكية. في الحارة ٥٤:
١- كنيسة أسقفية في الميدان الرئيس جوار مسجد الحارة.
٢- كنيستان أخريان في أطراف الحارة الجنوبية والجنوبية الغربية. في
الحارة ٤٢.
التعويضات: توجد كنيسة واحدة. في الحارة ٣٤: كنيسة كاثوليكية واحدة
تصدت اللجنة الشعبية بالحارة لهذه الكنيسة منذ تصديقها وبنائها فحتى الآن نشاطها
مجمد.
(ب) المدارس:
١- كميوني كاثوليكي بالحارة ٥٦ (روضة + أساس) .
٢- ثلاث مدارس أساس (أسقفية، كاثوليكية، إنجيلية) بالحارة ٤٨.
٣- مدرسة أساس كاثوليكية بالحارة ٥٤.
٤- مدرسة أساس كاثوليكية بالحارة ٤٧، هذه المدرسة أنشئت جوار المدرسة
الحكومية وسحب إليها طلاب وطالبات النصارى بالمدرسة الحكومية.
٥- كميوني - مرحلة الأساس بالحارة ٤٢ «التعويضات» .
٦- كميوني بالحارة ٣٤ مُوقَف النشاط لممانعة اللجنة الشعبية بالحارة.
(ج) المراكز الصحية والاجتماعية:
١- عيادة متنقلة وأسبوعية لطلاب كميوني الحارة ٥٦.
٢- مركز رعاية صحية وتغذية - يتبع منظمة أشاد بالحارة ٤٨.
٣- نادي كاثوليكي بالحارة ٥٤.
(د) المنظمات:
١- منظمة إدرا الأمريكية. أنشأت صهريجين وبئرين ودورات مياه
بالمدرسة الحكومية بالحارة ٤٨.
٢- المنظمة الإفريقية للتنمية الإنسانية (آشاد) أنشأت مركزاً للرعاية
الصحية وتغذية الأطفال بالحارة ٤٨.
٣- هنالك منظمة عاملة بالمنطقة من خلال الكنائس بالمنطقة.
خامساً: محافظة شرق النيل:
منطقة الحاج يوسف: أغلب السكان مسلمون، ولكن غالبيتهم من أبناء
الولايات الجنوبية.
(أ) الكنائس: توجد ٢٣ كنيسة:
١- كنيسة قبطية شمال حي التكامل داخل المزرعة القبطية. وتضم كذلك
فواكه ودواجن ومزرعة ألبان ومقاير القسيسين.
٢- ثلاث كنائس في مربع ١ حي التكامل.
٣- ثلاث كنائس أخرى بمربع ٢ حي التكامل.
٤- أربع كنائس بمربع ٣ حي التكامل.
٥- كنيسة كاثوليكية واحدة بالوحدة مربع ٩ (رعية القديس استنفانوس) .
٦- كنيستان بالشقلة جنوب.
٧- عشر كنائس بكرتون كسلا «حي بركة» أغلب السكان فيه غير مسلمين
وتوزع الكنائس كالآتي:
١- مركز شهود يهوه في مربع ١.
٢- كنيسة زكريا الكاثوليكية مربع ٢.
٣- كنيسة أسقفة مربع ٢.
٤- كنيسة الرسولية الجديدة مربع ٤.
٥- ثلاث كنائس كاثولكية مربع ٤.
٦- ثلاث كنائس بميدان مربع ٥.
(ب) المدارس: توجد نحو ١٦ مدرسة أساس متفرقة كالآتي:
١- سبعة مدارس بحي التكامل.
٢- مدرسة واحدة بالوحدة مربع ٩.
٣- مدرستان بالشقلة جنوب.
٤- ست مدارس بكرتون كسلا «حي بركة» .
(ج) المراكز الصحية والاجتماعية:
١- مركز صحي المنظمة السودانية الخيرية «الوحدة مربع ٩» .
٢- عيادة منظمة اكشين فايم - حي التكامل.
٣- مستودع أدوية بحي التكامل مربع ٢.
٤- عيادة ومركز تغذية.. تابع لمجلس الكنائس السوداني. تقع في كرتون
كسلا مربع ٢.
٥- مركز تغذية.. الصليب الأحمر.. كرتون كسلا مربع ٢.
٦- مركز تنمية المرأة.. الجمعية العالمية لتنظيم الأسرة (وله أنشطة متعددة
منها تعليم كبار وروضة أطفال وتعليم المهارات النسوية.. إلخ) .
٧- استراحة للقسيسين بمربع ٤ كرتون كسلا.
٨- مركز القديسة ميري لتنمية المرأة تابع للكنيسة الكاثولوكية في مربع ٩
حي الوحدة.
٩- توجد نحو سبعة مراكز لإيواء المشردين بحي التكامل.
١٠- مركز كاثوليكي لتوزيع الإغاثة بالشقلة جنوب.
١١- نحو خمسة مراكز لعروض الفيديو بكرتون كسلا.
(د) المنظمات:
١- مجلس الكنائس السوداني.
٢- منظمة رعاية الطفولة البريطانية.
٣- منظمة Actian Faim.
٤- الجمعية العالمية لتنظيم الأسرة.
٥- المنظمة السودانية الخيرية.
٦- الصليب الأحمر.
مدينة بحري:
(أ) الكنائس: توجد خمس كنائس:
١- الكنيسة الإنجيلية بالمحطة الوسطى بحري.
٢- ثلاث كنائس للأقباط بحلة حمد.
٣- كنيسة كاثوليكية على النيل بحلة حمد.
(ب) المدارس:
١- كلية النيل اللاهوتية - تقع شمال مسجد بحري الكبير وتخصصت في
تخريج القساوسة وأساتذة الكتاب المقدس.
٢- المدرسة الإنجيلية للبنات وتضم (حضانة + تمهيدي + أساس + ثانوي)
تقع شرق مدرسة اللاهوت.
٣- مدرسة الأقباط - حلة حمد بمركز الأقباط.
٤- كميوني كاثوليك بحلة حمد - طالبات مرحلة أساس.
٥- مدرسة الراهبات بحلة حمد - طالبات مرحلة أساس
(ج) مركز الراعي الصالح الثقافي الإنجيلي: يوجد بمقر الكنيسة الإنجيلية
بالمحطة الوسطى ببحري؛ وتعتبر أكبر المراكز الثقافية الإنجيلية وبه (كتب،
فيديو، أشرطة كاسيت) للاطلاع والبيع والاستعارة.
مدن وعواصم الولايات الأخرى:
محافظة الحصاحيصا: مدينة الحصاحيصا:
تقع هذه المدينة بالولاية الوسطى جنوب الخرطوم أكثر من ٩٩% من سكانها
مسلمون والنشاط النصراني فيها ضئيل جداً والحمد لله؛ غير أنها كغيرها شهدت
هرجاً ومرجاً من قِبَل النصارى في أيام احتفالاتهم بعيد الكرسمس، حيث وزعوا
شحنة عربة بوكس من الأناجيل والكتب النصرانية.
(أ) الكنائس:
١- كنيسة كاثوليكية بحي المزاد.
٢- كنيسة بمقر السكن العشوائي بحي ود الكامل كُسِرت هذه المنطقة بفضل
التخطيط العمراني. وتركن هذه الكنيسة وحدها، والآن يمارس فيها النشاط.
٣- مقر السلخانة القديم بحي اركوتب قد اتخذوه كنيسة لهم.
(ب) المدارس: لديهم حضانة وروضة بحي الزهور، ويقيمون دورات
للغة الإنجليزية بمقر الكنيسة بالمزاد.
مدينة رفاعة: تقع شرق الحصاحيصا في الضفة الشرقية للنيل، ومعظم
سكانها مسلمون، وفيها نحو ١٦ مسجداً.
(أ) الكنائس:
١- كنيسة كاثوليكية عبارة عن منزل عادي ملك.
٢- كنيسة إنجيلية - عبارة عن منزل مؤجر.
٣- كنيسة السودان الداخلية: منزل مؤجر.
٤- كنيسة أسقفية: عبارة عن منزل مؤجر كذلك.
(ب) المدارس:
١- يمارس النصارى نشاطهم التعليمي من خلال كنائسهم ومن ثم الالتحاق
بالمدارس الحكومية.
٢- مدرسة الشيخ لطفي: عبارة عن مدرسة ثانوية في البدء أستأجرها
النصارى لتكون مدرسة قومية لجميع طلابهم بالمنطقة قامت منظمة أمريكية بإنشاء
داخلية لهم لتمثل أكبر مركز اجتماعي، والآن هذه المدرسة مسؤولة عنها الحكومة.
منطقة مصنع سكر الجنيد:
١- يقع هذا المصنع شمال مدينة رفاعة، وسكان المنطقة الأصليون مسلمون
، والنصارى فقط هم جزء من النوبة الذين جاؤوا إلى المصنع عمالاً.
٢- توجد ثلاث كنائس بالمنطقة: واحدة بالحي الشعبي، والثانية بحي
التضامن ومعها مدرسة كميوني، والثالثة بقرية ود السيد.
مدينة واد مدني: عاصمة ولاية الجزيرة تعتبر عاصمة الولاية الوسطى وتقع
على بعد حوالي ١٨٦ كم من الخرطوم، غاالبية سكانها مسلمون، وتركزت
مؤسسات النصارى في أعرق حيّين بالمدينة وخارج المدينة في منطقة تقع شرق
الإنقاذ.
(أ) الكنائس:
١- كنيسة كاثوليكية.
٢- كنيسة إنجيلية.
٣- كنيسة أسقفية.
٤- كنيسة قبطية.
٥- كنيسة إنجيلية.. الأخيرة مقرها في شارع النيل شمال الفرقة التجانية.
(ب) المدارس:
١- روضة + مدرسة أساس.. الكنيسة الأسقفية.
٢- تمهيدي + رياض أطفال + مدرسة أساس الكنيسة الإنجيلية.
٣- مدرسة الكنيسة الكاثوليكية.
(ج) المراكز الاجتماعية والصحية:
١- مركز شباب الكنيسة الإنجيلية.. اجتماعي، ثقافي.
٢- عيادة الكنيسة القبطية.
٣-مركز اجتماعي كاثوليكي، كان منزلاً مجاوراً للكنيسة بالقسم الأول فقاموا
بشرائه بملغ ٦٥ مليوناً، وأفاد أهل المدينة أن سعره حينئذ لا ينبغي أن يجاوز الـ
٢٠ مليون جنيه، ودفعوا للجار الآخر ١٦٥ مليوناً ولم يبع!
مدينتا سبخة والسوكي: تعتبران ضمن ولاية سنار بالنسبة لسنجة:
١-المركز الكاثوليكي للصلاة يقع جنوب غرب المدينة.
٢-كنيستان عشوائيتان في حي ١٤.
أما بالنسبة لمدينة السوكي: فقد انحصر فيها نشاط النصارى في منطقة
واحدة - حي يدعى الكميوني - وهذا الكميوني الذي سميت به المنطقة عبارة عن
مركز تنصيري كبير في ساحة تقدر بست قطع سكنية، ويضم الكنيسة، ومركزاً
صحياً تحت إشراف الصليب الأحمر، ومركزاً تعليمياً واجتماعياً، ولكن نشاط هذا
المجمع شبه مجمد الآن.
يوجد انتشار لبعض القبائل المسيحية مثل الذندية في الأحياء الشرقية من
المدينة.
مدينة الأُبيض: تقع جنوب كوستي وتمثل عاصمة شمال كردفان، وتبعد نحو
٧٢٠ كم من الخرطوم العاصمة غالبية السكان مسلمون، ولكن توجد مقابر
للنصارى بصورة مستفزة في مدخل المدينة أمام القيادة العسكرية وكأنها تعطي
انطباعاً بأن غالبية سكان المنطقة نصارى. وكذلك الشكل الهندسي الذي بنيت به
الكنيسة الكاثوليكية من حيث الموقع والارتفاع؛ إذ يمكن مشاهدتها من أي موقع
بالمدينة!
(أ) الكنائس:
١- الكنيسة الكاثوليكية الأم - توجد بالحي البريطاني وتقع في أكبر مجمع
للكاثوليك بالسودان بعد رئاستهم بالعاصمة القومية الخرطوم.
٢- كنيسة كاثوليكية - جنوب إدارة مرحلة الأساس.
٣- الكنيسة القبطية - توجد بحي القبة غرب، قامت رئاسة الأقباط بإعفاء
قسيسها السابق من منصبه بسبب إسلام ثلاثة من فتيان الكنيسة واستبدلته بآخر،
فقام الأخير بجمع شمل النصارى وتحويل نشاط النادي القبطي إلى داخل الكنيسة
التي جعل منها مركزاً دينياً واجتماعياً وثقافياً.
٤- أربعة كنائس في منطقة طبية - في شرق المدينة وهي «كاثوليكية،
إنجيلية، أسقفية، شهود يهوه» .
٥- كنيسة واحدة بحي البوبايا كريمة جنوب «.
٦- كنيسة واحدة بح الرقيبة كريمة شمال» .
٧- كنيسة واحدة بمنطقة حزام بقر «أغلبية سكانها نصارى وتعلو الصلبان
أكثر المنازل» .
٨- كنيسة واحدة بحي الزندية شمال شرق الوحدة.
٩- كنيستان بدار السلام.
١٠- الروكب «الكرُنقو» يوجد به ثلاث كنائس غالبية السكان غير مسلمين ولا
يوجد مسجد.
(ب) المدارس:
١- كميوني الكاثوليك - جنوب غرب البيطري ويعتبر أكبر مجمع تعليمي
للنصارى بالمنطقة، ويضم المراحل (تمهيدي + أساس + ثانوي بكل مرحلة أكثر
من نهر واحد من الفصول الدراسية) .
٢- روضة وحضانة بمقر الكنيسة القبطية.
٣- روضتان للأطفال ومدرسة أساس بمنطقة طبية.
٤- روضة بمنطقة حزم البقر.
٥- روضة بمنطقة الزندية.
٦- روضة + مدرسة أساس بدار السلام.
٧- روضة بالروكب «الكرنقو» .
المنظمات: لا توجد منظمات ظاهرة؛ فإن نشاطها يتم من خلال المدارس
والكنائس.
جنوب كردفان: مدينة الدبخ: تقع في جنوب كردفان وعلى بعد ١٦٠ كم
جنوب مدينة الأبيض، أغلب السكان فيها مسلمون. وهي منطقة قريبة من مواقع
الحرب والتمرد بجبال النوبة. يسيطر الكاثوليك على النشاط التنصيري بالمنطقة.
(أ) الكنائس:
١- الكنيسة الكاثوليكية الأم بحي الموظفين شرق.
٢- كنيستان للكاثوليك بحي الطرق.
٣- كنيسة للكاثوليك بحي التومات.
٤- كنيسة للكاثوليك بحي المرافيت. ...
٥- الكنيسة الأسقفية بحي الموظفين (تعتبر مركز نشاطهم الوحيد بالمدينة) .
(ب) المدارس:
١- روضة وكميوني أساس كاثوليك بحي الموظفين بمقر الكنيسة، ولها الأثر
الكبير بسبب تدهور التعليم الحكومي حيث إن الدراسة فيها مجمدة لمدة عامين
باستثناء المدارس الثانوية.
٢- روضة بحي التومات. ...
٣- الكنيسة الأسقفية تمارس نشاطها التعليمي من خلال مقرها بحي
الموظفين.
(ج) المنظمات:
١- منظمة أطباء بلا حدود الفرنسية التي كانت من أنشط المنظمات بالمنطقة
ولكنها الآن لها مشاكل مع الحكومة، ولذا فنشاطها مجمد.
٢- منظمة إنقاذ الطفولة الأمريكية: تعمل في مجال تحصين الأطفال وتوزيع
إغاثات وأدوية بالقرى المجاورة للمدينة.
٣- منظمة اليونسيف: قامت بعمل مضخات مياه في معظم مدينة الدلنج.
(د) المراكز الصحية: قامت الكنيسة الكاثوليكية بتأسيس أكبر مستشفى
توليد بالمنطقة، ولما جعلته الدولة تابعاً لوزارة الصحة قاموا بسحب كل المعدات
الحديثة التي جاؤوا بها - ولكن لا يزال المستشفى تحت إدارتهم، وبه عيادة عامة
في الفترة الصباحية يوجد بحي الموظفين.
مدينة كادوقلي: تعتبر عاصمة جنوب كردفان وتبعد ٢٩٠كم جنوب مدينة
الأبيض، أغلب سكانها مسلمون. وتعتبر منطقة حرب والأمن فيها غير مستتب،
الكاثوليك هم الطائفة المسيطرة على نشاطها النصراني بالمنطقة.
(أ) الكنائس: لا توجد كنائس كثيرة بالمنطقة ومع ذلك فالنشاط أكبر من أن
يتصور:
١- الكنيسة الكاثوليكية بحي المصانع.
٢- الكنيسة القبطية بحي السوق.
٣- اشترى الكاثوليك منزلاً بحي السوق وأرادوا جعله كنيسة ولكن المواطنين
تصدوا لهم ومنعوهم.
٤- في منطقة خردود الواقعة شرق مدينة كادوقلي استطاع الكاثوليك تصديق
١٢ ألف متر مربع من السلطات العليا بالبلاد بتجاوز المحلية! ويعتقد أن هذه
المنطقة سوف تكون أكبر مركز تبشيري بشرق إفريقيا - تقع غرب مدرسة تلو
الثانوية العريقة، ومعظم المساحة يسكنها مسلمون من قبل التصديق، والآن هم
معرضون للإزالة والترحيل! والمدهش أن النصارى بالمنطقة لا يتجاوز عددهم
أربع أسر، وقد أنشأ الكاثوليك ابتداءاً كنيسة صغيرة من القش في جزء من المساحة
لكن المسلمين قاموا بإحراقها؛ والآن لم ير النصارى بداً من تجميد مشروعهم هذا،
وربما لحين!
(ب) المدارس:
١- روضة للكاثوليك بحي المصانع.
٢- روضة بحي السوق.
٣- روضة بقردود فيها نحو ٣٠ طالباً وطالبة من الأطفال ومعظمهم من أبناء
المسلمين.
٤- كميوني ضخم مقترح بالجنينة الكاثوليكية في المدخل الشرقي للمدينة.
(ج) المراكز الصحية والاجتماعية:
١- عيادة كاثوليكية متكاملة تقع جنوب غرب السوق الداخلي.
٢- قاموا بشراء معظم المرابيع الواقعة شرق السوق الخارجي.
٣- لهم مركز في شمال السوق يقوم عليه شباب نصراني مهمته إفساد الشباب
المسلم بتوفير جو الرقص بالأشرطة الغربية والشيشة والخمور والنساء.
٤- تقوم الكنيسة الكاثوليكية باستقطاب واستقبال النازحين بسبب الحرب
فتكسوهم وتعطيهم الإغاثات وهم وثنيون؛ ثم توفر لهم جو التعليم؛ ومن ثم تدعوهم
للتنصر والتمرد على العرب والحكومة.
(د) المنظمات:
١- منظمة إنقاذ الطفولة الأمريكية: توجد بحي المصانع، وقد وظفت
سودانيين مسلمين وتعمل تحت مظلة العمل الإغاثي وتطعيم الأطفال، وتطالب
الموظفين بإحصائيات سكانية وتصنيف الأسر، ويبدو أن هذا تمهيد لعمل
استراتيجي غير معروف!
٢- منظمة كبر: حفرت عدة مضخات مياه وتدعم النازحين بأغنام للأسر.
٣- منظمة اليونسيف: حفرت عدة مضخات مياه وتدعم المدارس وتعمل
دورات مياه.
٤- منظمة UNDP: تعمل في مجال التنمية الزراعية، وتركز على
الأرياف فتقوم بحرث الأرض؛ وتملِّك المواطنين أغناماً للاستفادة منها.
مدينة الدمازين: تمثل الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق، وتركز نشاط
النصارى فيها في أربعة أحياء على النحو الآتي:
١- حي الثورة: يقع في شمال غرب المدينة، ويشكل المسلمون فيه الأغلبية
ومعظمهم من قبيلة الهوسا والزغاوة ويوجد في الحي كنيستان لقبيلة البرون إحداهما
مشيدة بمواد محلية من القش والأخرى بمواد ثابتة - تجدر الإشارة إلى أن قبيلة
البرون هي المستهدفة من قبل النصارى (لأنهم نازحو الكرمك وقيسان ويتصفون
بالجهل والبساطة) .
ولاية شرق السودان ... مدينة القضارف:
تبعد حوالي ٤١١ كم من العاصمة الخرطوم، وأغلبية السكان فيها مسلمون،
ولكن للنصارى مراكز ضخمة في وسط المدينة في أرقى الأحياء: (ديم حمد،
والسوق الرئيس) .
* ديم حمد:
(أ) الكنائس:
١- مركز الكنيسة الكاثولكية: يقوم بالإشراف على كافة نشاط الكاثوليك
بالولاية.
٢- مركز الكنيسة الأسقفية. هذا المركز مسؤول عن كافة نشاط الكنيسة
الأسقفية بالولاية.
* السوق: الكنيسة الإنجيلية + مركز ثقافي تعليمي تابع للكنيسة وتوجد
كنائس عشوائية في كل من: (كسارة + سلامة البيئة + جبل كارقو) .
أبرز المنظمات:
١- المنظمة الإفريقية لرعاية الأمومة والطفولة:
٢- منظمة الأغذية العالمية.
* كل نشاط المنظمات الأخرى يدار عبر الكنائس.
مدينة كسلا: تقع في أقصى شرق البلاد في الحدود السودانية الإرتيرية،
وتبعد حوالي ٥٦٠ كم من العاصمة الخرطوم، وأغلب سكانها مسلمون، ويتركز
نشاط النصارى في منطقة (واونور) التي معظم سكانها من النصارى، بينما
ينتشر الأحباش النصارى في مناطق متفرقة من المدينة.
(أ) الكنائس:
١- الكنيسة الكاثوليكية توجد بالمربعات: مربع ١٦ وتعتبر أكبر مركز
تنصيري بكسلا. أسس هذه الكنيسة حبشي وكل اللجنة التنفيذية من الأحباش بينما
للنصارى الجنوبيين المناصب الهامشية (أفادنا بهذه المعلومة: محمد مرسليو يعقوب «رئيس شباب الجنوب وأمين الدائرة الاقتصادية للمؤتمر الوطني» بكسلا.
٢- كنيسة قبطية بحي الميرغنية.
٣- كنيسة + مدرسة أساس بمعسكر ود شريفي جنوب شرق المدينة.
توجد نحو خمس كنائس في منطقة نهر عطبرة: ثلاث منها في خشم القربة،
واثنان في حلفا (المصنع + حي الثورة) بالإضافة إلى مدرسة كميوني واحدة.
(ب) أبرز المنظمات:
١- منظمة سودان بلان: لها مكاتب في كل من كسلا، خشم القربة، معسكر
ود شريفي؛ حيث تشارك في مشاريع المياه والعلاج وبناء المدارس وكفالة الأيتام.
٢- منظمة أكوور: لها مكتب رئيس بحي الترعة، وأبرز نشاطها يتمثل في
دعم الصناعات الصغيرة، والغالب على تعاملها التعامل الربوي.
٣- منظمة الأغذية العالمية: تقوم بتقديم إغاثات للنازحين.
مدينة بورتسودان: تقع في منطقة البحر الأحمر بشرق السودان، وغالبية
سكانها مسلمون، ولكن مؤسسات النصارى تحتل مواقع استراتيجية في قلب المدينة
ومشيّدة بصورة ضخمة وتتوزع كالآتي:
(أ) الكنائس:
١- الكنيسة الكاثوليكية: يتبعها مدارس كميوني + تمهيدي + أساس + ثانوي.
٢- الكنيسة الإنجيلية: بها مدرسة أساس + روضة.
٣- مطرانية الأقباط: ملحق بها كنيسة السيدة العذراء مدرسة أساس+ روضة
+ ثانوي+ النادي القبطي.
٤- الكنيسة الأسقفية.
٥- كنيسة كبيرة تقع جنوب هيئة توفير المياه الآن مغلقة ولا نشاط لها، وقد
حاول الشيخ محمد الحسين عبد القادر ﵀ رئيس جماعة أنصار السنة
المحمدية بالولاية الشرقية - في عصره شراء هذه الكنيسة وتحويلها إلى مسجد لولا
تراجع النصارى (مصدر هذه المعلومة شاهد عيان الرقاق عبد الرحيم) .
* النشاط النصراني في المنطقة الطرفية:
١- منطقة فليب: فيها ثلاث كنائس ومدرستان ومنظمة.
٢- أم القرى: بها كنيسة واحدة.
٣- منطقة سلالاب الامتداد مربع ٣ الريفي: توجد كنيسة ومدرسة.
* المناطق الأخيرة توجد فيها قبائل الجنوبيين والنوبة بكثرة المنظمات:
١- أوكسفام Your Acation يور أكشن: يقومان بدعم الصناعات الصغيرة
والأسر المنتجة «قروض ربوية» .
٢- Canda Fation: تنظيم دورات مجانية لمحو الأمية خاصة للاجئين،
ودورات لأساتذة مرحلة الأساس بالتعاون مع وزارة التربية.
٣- منظمة الأغذية العالمية: إغاثات ومشاريع خيرية.
ولاية نهر النيل: مدينة شندي:
معظم السكان مسلمون، والنصارى أقلية بهذه المدينة وينحصر نشاطهم في
أركويت ومربع ١ ومحطة السكة حديد الرئيسة في منطقة أركويت حيث تنتشر
قبائل اللاتوقا والسلك والدينكا والنوير والزاندي، وتوزيع النشاط فيها كالآتي: -
في مربع ٣٨ توجد أكبر مدرسة للنصارى وكميوني حديث الإنشاء بميناء سلح
وعلى مساحة كبيرة جداً «لم يكتمل التأسيس بعد»
- في مربع ٣٧ يوجد كميوني للأساس + روضة للأطفال يقومون في هذه
المنطقة بتوزيع إغاثات وكتب نصرانية وعروض فيديو ومعارض دورية.
- مؤخراً في نهاية عام ١٩٩٩م قاموا بتصديق أربع كنائس أخرى لإنشائها
بمنطقة أركويت متجاوزين السلطات المحلية؛ ووراء هذا الأمر القائم بأمر
النصارى بالمنطقة ويدعى (غيري) قاضي مديرية قائم بالمنطقة. هذه الكنائس
الآن قيد التنفيذ مع اعتراض المحافظ الحالي الأستاذ عبد الله التهام والغيورين على
دينهم من أهل المنطقة.
- في مربع ١٢: توجد كنيستان (إنجيلية، وأرثوذكسية) في منازل عادية
(ربما تكون مستأجرة أو مشتراة) .. وبالمربع مسجد واحد.
- الأقباط: ولهم أكبر مركز بالمدينة في محطة السكة الحديد الرئيسة بمدينة
شندي، ويضم المركز:
١- كنيسة.
٢- مكاتب.
٣- مركز اجتماعي وتعليمي.
كما يمتلكون نادياً باسم الشباب المسيحي بمربع ١ غير مشيد. ويتركز الأقباط
في المربع ١؛ إذ يمثلون نحو ٥% أو أكثر من سكان المربع وعدد كبير منهم
رأسمالي، واشتهروا بامتلاك مصانع الفرات وعدد من المحلات التجارية بالسوق.
مدينة عطبرة:
(أ) حي السيالة: أكبر مجمع للأقباط الأرثوذكس ويضم:
١- مطرانية الأقباط الأرثوذكس + التربية المسيحية وكنيسة السيدة العذراء.
٢- مستوصف الأقباط الخيري: أسس عام ١٩٩٠م ومعه صيدلية أسست
عام ١٩٩٦م.
٣- نادي المكتبة القبطية.
٤- المدارس القبطية (أساس + ثانوي) .
٥- الكنيسة الإنجيلية ومدارسها (أساس + ثانوي) ولديهم روضة بالمربعات
جنوب السوق الرئيس، بالسابق كانت مدرسة متوسطة.
(ب) منطقة السوق: يوجد أكبر مجمع للكاثوليك والذي يضم الآتي:
١- كنيسة على مساحة كبيرة جداً.
٢- مكاتب إدارة في مربع منفصل.
٣- روضة + مدرسة أساس.
٤- مدرسة ثانوية.
٥- ورشة حدادة ملحقة بالمدرسة.
(ج) منطقة الوحدة: تقع في شرق المدينة ومعظم سكانها من النوبة أو
القبائل الجنوبية التي كانت تسكن في امتداد نهر عطبرة.
(أ) الكنائس: توجد كنيستان:
١- الإنجيلية: في مربع في وسط الوحدة تقريباً ومعظم روادها من النوبة.
٢- الكاثوليكية: تقع في المنطقة العشوائية وروادها من الجنوبيين والزاندة؛
ولديهم روضة للأطفال في ثلاثة مرابيع.
الولاية الشمالية: مدينة مروي: انحصر مراكز النصارى في منطقتين وهما
دار السلام (الكميو) والمربعات.
(أ) دار السلام: منطقة عشوائية جنوب مروي، وأصبح تخطيطها وشيكاً.
سكانها من النوبة والجنوبيين وقليل من الزاندي الأغلبية مسلمون، ولكن ليس
لديهم غير مصلى واحد وغير مهيأ ولا تقام فيه (جمعة) .
بالمنطقة كنيستان:
١- كاثوليكية + روضة.
٢- إنجيلية غير مكتملة التشييد.
(ب) المربعات: يوجد بها منظمة إدرا الأمريكية (وكالة الأفنتست للتنمية)
تقوم هذه المنظمة بنشاط كبير جداً خاصةً في وسط العرب الرحل - كتقديم
إغاثات - تنظيم دروس - محو الأمية - ودورات الإسعافات الأولية والإرشاد
الصحي وتوفير الخيام.. إلخ «.
كما تقوم بدعم الأسر الفقيرة بأغنام، وتنشئ مخيمات علاجيةً، وتستغل أندية
الأحياء وزوايا الصلاة في عمل برامجها المختلفة.
مدينة كريمة: انحصر وجود مراكز النصارى بالسوق والكميو (دار السلام) .
* السوق: توجد فيه الكنيسة الكاثوليكية وهي مسؤولة عن كافة أنشطة
النصارى بالمنطقة.
* دار السلام: منطقة عشوائية في شمال شرق المدينة بها نحو ١٢٠ أسرة.
توجد بها كنيسة إنجيلية وبها روضة للأطفال. يوجد مسجد واحد من المواد المحلية
توجد أنشطة متفرقة في كل من:
* مربع ٢: نادي الوحدة خاص بالنصارى من النوبة والجنوبيين.
* مربع ٣: منزل (علي سعيد) من النوبة الدلامة - كان مسلماً وتنصر.
стр. 3640
ملفات
التنصير.. هل أصاب الهدف؟
(٣ - ٣)
الخيامون في جنوب الجزيرة
بشير البعداني
توطئة:
الجزيرة العربية آخر أرض هبط عليها الوحي من السماء.
وهي القلب النابض لمليار ومائتي مسلم يمتدون عبر امتداد الكرة الأرضية؛
ولذا فهي تمتاز بخصائص وسمات تميزها عن بلاد الدنيا مجتمعة؛ ففيها بيت الله
الحرام، وإليه يحج الناس كل عام، وإليه يتجهون في صلواتهم. هذا الارتباط بين
الإسلام ديناً والجزيرة العربية مكاناً وبين ساكنيه من جهة أخرى أدركه المنصرون
قديماً في الحروب الصليبية التي استمرت زهاء ثلاثة قرون، وحديثاً قالوا: «لن
تتوقف جهودنا وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة،
ويقام قداس الأحد في المدينة..!» [١] ، من أجل هذا كله ركز منصرو اليوم على
الجزيرة وعلى من يسكنها ومن يحيط بها. وقد وجدوا بغيتهم في جنوبها؛
وبالتحديد في بلاد اليمن البوابة الجنوبية المطلة على المحيط الهندي، حيث التقت
هنا المصالح السياسية - الاقتصادية - الدينية، واجتمع النصارى وتداعوا لغزو
جديد هدفه تحطيم بوابة العمق الاجتماعي للجزيرة بأسرها.
وأستطيع القول إن أهم الأسباب التي هيأت لعملية التنصير في اليمن هي:
١- اندثار بعض شعائر الإسلام وعدم الدعوة إليها، لإحساس الجميع بأنهم
مسلمون وكفى.
٢- الجهل والأمية؛ حيث بلغت نسبة الملمين بالقراءة والكتابة من البالغين
٣٨% وهي من أدنى المعدلات في العالم [٢] . وأشارت آخر الدراسات إلى أن نسبة
الأمية قدرت بحوالي ٥٠%من السكان.
٣- التردي في الجانب الاقتصادي، وضغوط البنك الدولي؛ حيث أشارت
بياناته إلى أن أكثر من ١٩% من سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر، وعلى
سبيل المقارنة فقد بلغت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في مصر ٦%، وفي
إيران ٩% من السكان، ونسبة تقل عن ٣% في كل من الجزائر وتونس
والمغرب [٣] .
٤- النظام الديمقراطي المفتوح والدعم المعنوي التي تتلقاه المنظمات
التنصيرية من بعض الجهات والشخصيات النافذة في البلد.
٥- عدم وجود أهداف ثابتة واستراتيجيات واضحة للدعوة بين كثير من
فصائل العمل الإسلامي.
٦- الأوضاع الصحية التي تعد من أشد الأوضاع تدنياً في العالم؛ فالفقر
والحمل المتقارب، وانخفاض الوعي الصحي، وارتفاع معدلات سوء التغذية
وتزايدها المطرد؛ حيث وصلت إلى ١٥,٩% لعام ١٩٩٦م، وتشير البيانات
الرسمية لوزارة الصحة إلى أن مجموع المواطنين المصابين بوباء الفيروس الكبدي
يزيد عن ٣,٥ مليون مواطن [٤] .
٧- ضعف الجانب العقدي وغياب عقيدة الولاء والبراء لدى فئات كثيرة في
المجتمع.
٨- حسن معاملة النصارى للبسطاء والمتعاملين معهم في الشركات
والمؤسسات.
٩- إعجاب بعض أبناء المسلمين بمدرسيهم النصارى، والشعور بالفخر
والاعتزاز لدى زيارة بعض النصارى لبيوت المسلمين.
١٠- تعدد واجهات العمل النصراني بين: معاهد دراسية - هيئات إغاثية -
مراكز صحية - مراكز دراسات - مراكز ثقافية ...
١١- ضعف دور المؤسسات الإسلامية وانشغال كثير منها بقضايا داخلية أو
جزئية.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: متى بدأ التنصير في اليمن؟ ومن هي
الجهات التي تقوم بذلك؟ وما هي أشكال هذا التنصير وصوره؟ وهل استطاع أن
يحقق شيئاً من أهدافه ... ؟
تشير التقارير إلى أن أول عمل تنصيري منظم بدأ بعد خمسينيات هذا القرن،
وتركز أساساً في مدينة عدن وبلاد العرب الجنوبية، واستمر العمل حتى عام
١٩٧٢م، كما بدأ العمل في شمال اليمن من عام ١٩٦٩م إلى أوائل عام ١٩٨١م.
هذا النشاط يتبع منظمة نصرانية تدعى: (فريق البحر الأحمر الدولي) الذي
أسسه المنصر (ليونل قرني) في عام ١٩٥١م، والذي قضى سبعة عشر عاماً قبل
هذا التاريخ في أعمال التنصير في الشرق الأوسط.
كما يطلق على هذا الفريق مسمى آخر وهو: (الخيَّامون) وهم النصارى
القادمون للعمل في البلاد الإسلامية في مجالات مختلفة كالطب والهندسة والتعليم
والتمريض ... إلخ.
وشعار هذه المنظمة: (الإسلام يجب أن يسمعنا) ، وهدفها نشر إنجيل الرب
عيسى بين المسلمين. والمنظمة تعرِّف بنفسها أنها فريق البحر الأحمر الدولي
RSTI منظمة عون دولية غير حكومية ذات خلفية نصرانية مركزها الرئيس في
إنجلترا.. وتحصل على الدعم من الكنائس والأفراد ومنظمات العون النصراني؛
ويدعم الفريق حالياً مشاريع تنموية في كل من جمهورية مالي، وجيبوتي،
وباكستان، واليمن، وتنزانيا؛ وكل المشاريع خاضعة لموافقة الحكومة المضيفة،
وتمتد الأنشطة على نطاق واسع في مجال التنمية الريفية والتعليم والصحة والدعاية
الصحية الأولية والتعليم الأولي.. [٥] .
واستناداً لما سبق فإن التعريف الخاص بالمنظمة يلقم حجراً لكل من يحاول
التقليل من خطر المنظمات النصرانية أو إنكار أن لها أعمالاً تنصيرية.
تُرى هل نستطيع الآن أن نتعرف على أشكال التنصير وصوره داخل بنية
المجتمع اليمني؟
بالتأكيد الإجابة: نعم! فأماكنه متعددة ومتشعبة وهي كما يلي:
أولاً: الكنائس ودور العبادة:
١ - الكنيسة الكاثولوكية بالتواهي:
تعتبر الكنيسة الكاثولوكية الواقعة في مدينة التواهي وعلى مقربة من القاعدة
العسكرية البحرية اليمنية أهم موقع كنسي نصراني تم افتتاحه في بداية الخمسينيات
إبان الوجود البريطاني في محمية عدن، ويتبع حالياً المجمع الكنسي الكاثولوكي في
مدينة لارنكا بقبرص، ولكنه يدار مؤقتاً من الإدارة الأنجليكانية بمدينه دبي بدولة
الإمارات العربية المتحدة، وربما تكون هذه الكنيسة هي أهم كنيسة على الإطلاق تم
بناؤها في جنوب الجزيرة العربية، ولقد سعدت الإدارة الأمريكية كثيراً بإعادة
افتتاحها في عام ١٩٩٥م، وتم ذلك بمساعدة السفارة الأمريكية بصنعاء ودعمها؛
وذلك من خلال جهود سفيرها السابق السيد ديفييد نيوتن؛ حيث افتتح المركز الطبي
الكنسي الملحق بها والذي يقدم خدمات لكثير من طالبي الخدمات الطبية من أبناء
المنطقة المحيطة بالكنيسة؛ كما أن التقارير ذكرت أن الصلوات تقام بها بشكل
منتظم عصر كل يوم أحد، وقد اهتم الرهبان والراهبات الذين يعملون في العيادة
الصحية كثيراً بالمقبرة النصرانية في منطقة المعلا التي تضم رفات الكثير من
النصارى ممن توفوا في مدينة عدن.
٢ - الكنيسة المعمدانية بكريتر - مدينة عدن:
توجد كنيسة معمدانية في مدينة كريتر بعدن لا تبعد كثيراً عن سوق الخضار،
ولكن تم إلغاؤها وتحول المبنى إلى مبنى حكومي. وكانت الكنيسة تدار من قِبَلِ
الكنيسة الأنجليكانية المعمدانية التي تتخذ من لندن مقراً لها؛ وسبب ذلك إهمال
أعضاء تلك البعثة وتقصيرهم.
٣ - دور العبادة النصرانية بصنعاء:
قامت بعض العناصر الإنجيلية النشطة وبدعم غير مباشر من السفارة
الأمريكية بصنعاء باستئجار مبنى يقع في الحي السياسي؛ وذلك لاستخدامه داراً
للعبادة يوم الأحد، ولأداء بعض القداسات النصرانية كلما دعت الحاجة لذلك، كما
يقام قدَّاس يوم الأحد في المعهد الكندي - في مدينة حدة في إحدى الشقق المستأجرة
لهذا الغرض في المجمع السكني.
٤ - دُور العبادة النصرانية بإب:
تقوم البعثة النصرانية المعمدانية الأمريكية من خلال مستشفى جبلة المعمداني
بمدينة جبلة بمحافظة إب بدور كبير سواء فيما يتعلق بالدعوة للتنصُّر، أو القيام
بأداء صلوات يوم الأحد بالكنيسة المعمدانية الملحقة بالمستشفى. ويقوم القساوسة
والراهبات بدور إنساني - على حد زعمهم - وتنصيري من خلال زيارة النساء
والفقراء ودور الأيتام والسجون. وقد استطاعت البعثة وخلال سنوات عملها
الطويل إدخال بعض الأشخاص إلى الديانة النصرانية؛ إذ بلغ عددهم ما يقرب من
١٢٠ يمني.
ثانياً: النشاط الصحي:
-المركز السويدي بمدينة تعز في شارع الدائري.. له نشاط تنصيري،
ويحمل ترخيصاً من وزارة التربية والتعليم باسم تعليم اللغة الإنجليزية، وله نشاط
خيري يتستر وراءه لأعماله النصرانية، كما يقيم دورات لتعليم النساء التدبير
المنزلي والخياطة.
- جمعية من طفل إلى طفل.. مركزها الرئيس مدينة تعز، ولها نشاط في
صفوف الأطفال المصابين بالعمى والخرس؛ حيث استطاعوا أن يؤثروا عليهم عن
طريق تغيير الإشارات لديهم تهيئةً لدخولهم في النصرانية من دون أن يشعروا بذلك.
- منظمة أدرا في منطقه حيس «تهامة» وهي نشيطة جداً، وقد استطاعت
أن ترسل كثيراً من الشباب إلى دول نصرانية مثل سنغافورة والفلبين وبانكوك
باسم الحصول على شهادات في اللغة الإنجليزية؛ كما يقومون بزيارات منظمة
للمناطق النائية مثل مديريتي العدين والقفر؛ حيث يخيم عليها الجوع والفقر
والمرض والجهل، ولك أن تتوقع النتيجة!
- المركز الصحي بالحديدة في شارع شمسان، ودار العجزة في شارع زايد؛
حيث يقوم المبشرون بدور رهيب في الاختلاط بالبسطاء وتقديم العون والمساعدة
لهم.. كما امتد نشاطهم إلى جامعة الحديدة خاصة في قسم اللغة الإنجليزية؛ حيث
قاموا بوضع المنهج الذي يشوه الإسلام ويخدم التنصير.
- جمعية رسالات المحبة «بعثة الإحسان» : يمتد نشاطها الواضح في
صنعاء وتعز والحديدة وخصوصاً بين المصابين بالجذام والأمراض العقلية، وكان
لها ارتباط مباشر مع المنصِّرة الهندية الأم تريزا، وتقوم الجمعية حالياً بالعناية
بأربعمائة مريض ومسن، وخمسة وثلاثين معوقاً، ولهم مقر ثابت عبارة عن مبنى
ملحق بالمستشفى الجمهوري بصنعاء يضم حوالي عشر راهبات.
- داران لرعاية العجزة بصنعاء وتعز وتشرف عليهما راهبات بعثة الإحسان
التابعة للأم تريزا.
جمعية أطباء بلا حدود وتتستر بالإغاثة ولها نشاط تنصيري.
معسكر اللاجئين الصوماليين بالجحين بمدينة أبين، وتقوم المنظمات
النصرانية بالدور ذاته بين هؤلاء الفقراء المسلمين؛ حيث نسيهم إخوانهم المسلمون.
- منظمة ماري ستوبس وهي نشطة في مجال رعاية الأمومة والطفولة،
وتدعم مشاريع تنظيم النسل.
ثالثاً: المنظمات المانحة:
منظمة أوكسفام: وتدعم العديد من المشروعات المتعلقة بالتنمية والتعليم
والصحة والقات.
منظمة اليونسكو: وتدعم مشاريع البنية التحتية، وهدفها إزالة الخلاف بين
المسلمين والنصارى.
منظمة رادا بارنر: وتدعم المشاريع التي تتعلق بالطفولة.
رابعاً: النشاط السياحي:
نشرت صحيفة الثورة - كمثال - في عددها رقم ١٢٥٤٢ بتاريخ ١٥ / ٣ /
١٩٩٩م عن وصول ٨٠٠ سائح إلى عدن فيما تصل ٢٧ سفينة سياحية تستقبلها
الموانئ اليمنية حتى نهاية شهر ٣ / ١٩٩٩م.
وهؤلاء يقومون بالعديد من الأنشطة في تجوالهم داخل اليمن منها:
١- توزيع الإنجيل في المدن المختلفة ومنها الحديدة؛ حيث وزع الإنجيل في
السوق المركزي، كما أقيمت الصلوات وحضرها السياح.
٢- توزيع مجلة بالعربية تسمى FISHERS وهي تدعو إلى اعتناق
النصرانية.
٣- توزيع القصص المصورة النصرانية.
٤- توزيع بعض الهدايا والتقاويم التي تحمل شعار النصرانية في صور
مختلفة لكنائس عالمية.
٥- النزول إلى أماكن التجمعات في الأسواق ومحاولة كسب قلوب الناس
بالتصوير معهم.
٦- ومن أبرز نشاطهم ما حدث في منطقة الحسينية؛ حيث وزع بعض
السياح شريط فيديو وكاسيت يدعو للنصرانية، وفي ختام الشريط يقوم المحاضر
بتلقين المستمع الصلاة والترانيم النصرانية للحصول على بركة المسيح.
خامساً: النشاط التعليمي الثقافي:
وأتذكر هنا رئيس الجامعة الأمريكية الأسبق هوارد ويلس حين قال:
«التعليم في مدارسنا وجامعاتنا هو الطريق الصحيح لزلزلة عقائد المسلم وانتزاعه
من قبضة الآلام» .
المعهد الكندي بصنعاء:
يتستر هذا المعهد خلف تعليم اللغة الإنجليزية، ويتميز بقلة التكلفة مقارنة
بالمعاهد الأخرى وقوة منهجيته، وإقامة الرحلات والاحتفالات بنهاية كل دوره،
ولا تزيد إعارة المدرس عن عام واحد في اليمن، ويستمر المدرسون المغادرون
بالتواصل مع طلابهم.. ومن مناهجهم: التعامل الخلاق مع طلابهم، وإثارة
الشبهات بشكل فردي لبعض الطلاب، ولا يدخلون في مواضيع خلافيه مع الطلاب
مجتمعين.
كما تزيد نسبة الطالبات عن الطلاب في المستويات الدراسية المتقدمة.
- أما المعهد البريطاني - المعهد الأمريكي - المعهد الفرنسي.. فكلها تقوم
بالمهمة نفسها، ومقرها صنعاء. ناهيك عن مراكز الدراسات التابعة لهم التي تيسر
للمنصرين مهمتهم، وتتيح لهم التجول في اليمن بغرض البحث العلمي.
وتشترك كافة المعاهد في بعض الأعمال، منها:
١- توزيع بعض نسخ من الإنجيل هدايا.
٢- منح دورات مجانية للمتفوقين ورحلات تعليمية إلى أوروبا؛ حيث قدَّمت
الحكومة الهولندية ثلاثين منحة في عام ١٩٩٧م لطلبة من الجامعات اليمنية،
وبعدها قدمت الحكومة البريطانية ثلاثين منحة للكليات المختلفة.
٣- مساعدة الطلاب الذين يقعون في مشاكل مالية أو نفسية.
٤- القيام بالرحلات المختلطة لطلابهم.
٥- إثارة الشبهات عن الإسلام.
من هنا نخلص إلى أن أخطر المهام التي يقوم بها الخيَّامون الجدد هي زعزعة
القيم والمفاهيم لدى أبناء المسلمين؛ وبالتحديد عقيدة الولاء والبراء، وغرس قيم
الحب والألفة والولاء مع المجتمع النصراني، وهذا - في رأيي - أخطر من عملية
التنصير نفسها؛ فالتنصير يمكن اكتشافه والحد من انتشاره أما الأولى فإن نتائجها
ستظهر في الأجيال القادمة من أبناء أمتنا الإسلامية، هذا ما قاله مريض جبلة:
«أشهد بأنهم مسلمون، وأننا مسيحيون» هذا القول أعاد إلى الذاكرة قول مالك بن
نبي ﵀ عندما زار أوروبا: «وجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، وعدت
لأجد مسلمين ولم أجد إسلاماً» .
وقبل كل هذا بل بعد كل هذا.. ألا يحق لنا أن نطرح سؤالاً أخيراً: كيف
كانت ردة فعل الأفراد والمؤسسات والحكومة تجاه ما جرى وما سيجري؟
ولعل ما حدث من مقتل الراهبات الثلاث في مدينة الحديدة عام ١٩٩٨م نذير
بتصرفات فردية لا يعلم مداها إلاَّ الله.
أما دور المؤسسات فهو نشاط خجول يحتاج إلى إذكاء كالجمر تحت الرماد،
ومنه الأنشطة التي قام بها مركز الدراسات الشرعية بمدينة إب؛ حيث أصدر في
العدد الخامس من نشرته معلومات عن وسائل التنصير، وكذَّب ادعاء المنصرين،
وأبرز أنشطتهم ووسائلهم.. كما قام بعض الدعاة في مدينة عدن بإقامة العديد من
المحاضرات وتوزيع المطويات التي تحذر الناس من خطر التنصير.
أما موقف الحكومة اليمنية فيوضحه لنا تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن
خلفية بعض الشؤون المهمة في اليمن للعام ١٩٩٨م الصادر عن مكتب شؤون
الجزيرة العربية والخليج الفارسي بدائرة الشرق الأوسط في ٣٠ مايو ١٩٩٨م
«.. لكن نتيجة الغموض الذي يكتنف الدستور في اليمن فيما يتعلق بالسماح بفتح
دور للعبادة النصرانية بالرغم من وجود النص الدستوري الذي يؤكد على أن
الشريعة الإسلامية هي مصدر كل التشريعات؛ إلا أن السلطات التنفيذية اليمنية
المختصة كثيراً ما تغض الطرف عن كافة الأنشطة الكنسية والنصرانية في عموم
اليمن» .
ختاماً.. لم يقف المسلمون قديماً مكتوفي الأيدي أمام الحملات الصليبية التي
استهدفت تدمير المدن وإراقة الدماء وقتل الأطفال والنساء واغتصاب الشريفات
العفيفات من بنات المسلمين.. والدور المطلوب اليوم من العلماء وطلبة العلم
والمؤسسات التعليمية الإسلامية وهيئات الإغاثة والجمعيات الخيرية جد كبير؛
فيجب أن تتوحد الجهود وتخلص النيات، وأن يعلم الجميع بأن وسائل المواجهه هي
ذاتها أساليب الدعوة؛ فهدفنا نحن المسلمين ليس مجرد المواجهة والصد بل يتعدى
الأمر أكثر من ذلك وهو الدعوة إلى الله بحيث نسعى إلى هداية هؤلاء المنصِّرين أو
بعض منهم - وهذا مشاهد ولله الحمد - في الوقت نفسه الذي نحمي فيه مجتمعنا من
هذه الهجمة.
والله من وراء القصد.
стр. 3641
ملفات
التنصير.. هل أصاب الهدف؟
(٣ - ٣)
٣٧ نصيحة للمنصرين في الجزائر
الترجمة: مركز التنوير الإسلامي القاهرة
الإعداد والتحرير:
أبو إسلام أحمد عبد الله
رئيس المركز
في تقرير أصدرته لجنة التنصير بكنيسة كليفلاند البروتستانتية في أمريكا،
مكون من ٩٤ صفحة، حول تجربة التنصير في عدد من قرى دولة الجزائر ومدنها،
على مدى خمس سنوات متتالية، ختمت اللجنة تقريرها بتلخيص لما تضمنته
الدراسة في ٣٧ نصيحة، تحت عنوان: (اقتراحات نهائية) ، تدور كلها حول
أسلوب التنصير بين عوام المسلمين الجزائريين الذين أسمتهم الدراسة: (المسلمين
الشعبيين) .
اعترف التقرير في صفحاته الأولى بصعوبة التنصير بين المسلمين، إلا إذا
كانوا طائفة من ثلاث على وجه التحديد: أن يكونوا من جماعات صوفية، أو أن
يكونوا تابعين لمذهب شيعي، أو تابعين لطائفة القاديانية؛ إذ إن هذه الطوائف
الثلاث تشترك مع عقيدة النصارى في قبول ما يعرف بالحلول الإلهي في الإنسان،
وهو ما يمهد الطريق أمام المنصر لقبول عيسى المسيح ابناً لله.
فماذا عن عوام المسلمين في الجزائر؟ وإلى أي مدى استطاعت الإرسالية
التنصيرية تحقيق أهدافها؟
يؤكد التقرير بأن ثوابت المسلم الجزائري، حتى المسلم الشعبي - حسب
تعبيره - ليس من السهل تحريكها، أو قبول المساومة حولها، أو التنازل عنها.
ولذلك لم تكن هذه النتيجة المفجعة للإرسالية - مع رجل الشارع الجزائري -
هي نهاية المطاف، ولم تكن هي الصخرة الوحيدة التي تحطمت عليها طموحات
الإرسالية؛ إذ استطرد التقرير قائلاً: «أما المسلم الجزائري العلماني الذي تأثر
بالأفكار الأوروبية وموجة الإلحاد التي تجتاح الشارع المغربي اليوم، فإنه لم
يتخلص بعدُ من تأثيرات الجانب الإيماني في الإسلام، إلى الحد الذي يمكن وصفه
أحياناً بالخصم الروحاني.. لقد سلَّموا أنفسهم جميعاً للغيب، لعدالة الله التي وعدتهم
آيات القرآن، فجعلت الواحد منهم مطمئناً وراضياً بما هو فيه ومؤمناً تمام الإيمان
بما أُخبر به» .
إن الذي يحير البعثات التنصيرية تلك الثوابت الراسخة في حياة المسلمين،
خواصهم وعوامهم، فكانت الإشارات واضحة للجنة التنصير إلى ضرورة «الحذر
من مواجهة المسلم الجزائري أي مسلم جزائري بدءاً من الأطفال وانتهاء بالشيوخ
والعجزة - بأن يسوع ابن الله أو أنه الله المنقذ المخلص؛ لأن المسلمين في الجزائر
مثل الوهابيين السعوديين والأصوليين المصريين، يعتقدون بيسوع آخر غير الذي
عندنا (عند النصارى) والذي يعني (المنقذ) . هؤلاء الأصوليون لا يعرفون غير
عيسى المسيح بأنه نبي واحد.
واختصاراً لصفحات طويلة، نصل إلى خلاصة تجربة لجنة التنصير
الإنجيلية - التي مارست عملها في قرى الجزائر ومدنها لمدة خمس سنوات متتالية
- في سبع وثلاثين نصيحة، جاءت على الترتيب الآتي، وقد زدنا عليها العناوين
الجانبية لمزيد من التوضيح والبيان:
غيِّروا ملابسكم واحتشموا:
١- غالباً ما تكون الملابس الغربية التي يرتديها المنصرون موضع انتقاد
ونفور من المسلمين، ولذا فمن الأفضل للمنصر أن يرتدي زي المنطقة التي يعمل
بها، وكذلك زوجته أو العاملات اللائي يساعدنه في الإرسالية، كما يجب على
المبشر ألا يرتدي شورتاً في زيارته للمسلمين، ومن الخطأ جداً على البنات أو
النساء المشاركات في البعثة، أن يرتدين ألبسة قصيرة، تسبب لهن الحرج عند
جلوسهن على حصائر مع النساء المسلمات [١] .
لا يجلس خلفكم أحد:
٢- عند جلوسك بين المستمعين لدعوتك، يجب أن تختار مقعدك وموقعك
بعناية شديدة، فيكون الجميع أمامك، تراهم وتنظرهم بعينيك، فلا تسمح لأحد أن
يحدثك من مستوى أعلى أو من نافذة علوية أو طابق علوي، كما عليك أن تحذر
من أن يجلس واحد خلفك لئلا يسمح له موقعه بعمل إشارات تطعن فيما تقول [٢] .
حادثوا فرادى المسلمين:
٣- ليس من الحكمة أن تتحدث مع مسلم عن إيمانه أو إيمانك الشخصي في
حضور مسلم آخر؛ فذلك يجعله على الفور مدافعاً بحرارة ومرتقياً بدينه، خاصة
إذا كان في القرية سكان غير مسلمين يشاركونهم في الأرض وفي السيادة [٣] .
زوروهم وأنتم فرادى:
٤- من الحكمة أن يكون معك في دعوتك رجل آخر واحد أو امرأة واحدة فقط
منعاً للاستثارة.
اخلعوا أمامهم أحذيتكم:
٥- في سلوك المسلمين عامة وفي الجزائر خصوصاً، كثير من الاحترام
والتبجيل وكرم الضيافة لضيوفهم، حتى لو كان الضيوف من غير دينهم؛ فربما
يحضرون لك كرسياً عند زيارتك لهم ويرغبونك في الجلوس عليه وهم جلوس على
الأرض، فلا بد أن تتجنب ذلك مهما كان قدر الضغط عليك. دعهم يرونك مجرد
إنسان، تكون كما يكونون، ولا تنس أنهم يستعملون الحصير الذي يجلسون عليه
في صلاتهم، ولهذا فهم يخلعون أحذيتهم قبل الجلوس عليها، ولا بد أن تفعل مثلهم.
قف أو اجلس مثلهم:
٦- لا بد أن تراعي قانون المكان في مجلسك، فتكون جالساً أثناء الوعظ إذا
كان الكل جلوساً، وتكون واقفاً إن كنت في مكان عمل أو سوق أو في مكان مسموح
فيه بالاجتماع.
خزعبلات ولكن إياك أن تعاديها:
٧- اللغة العربية عند المسلمين تسمى (لغة الملائكة) وهم يبدون الوقار
والاحترام للنص العربي ويعتبرونه صكاً مقدساً، في مواجهة النص الفرنسي الذي
يذكِّرهم بالاحتلال، وتستطيع أن تستفيد من هذه الخزعبلات، مبيناً لهم أننا أيضاً
نحب الحروف العربية ونجد المتعة في قراءتها، واحذر أن تقرأ نصاً بلغتك غير
العربية، حتى لو أن تلجأ لكتابته على لافتة دون أن تقرأه [٤] .
صلِّ من أجلهم:
٨- صلِّ قبل لقاء المسلمين، وصلِّ وأنت بينهم، وبعد أن تتركهم، أن
يسكن سيدنا قلوبهم.
الاستعداد للنقاش:
٩- قبل اللقاء اكتب أهم النقاط التي سيدور حولها النقاش، واستخدم كثيراً
كتابك المقدس، وضع خطوطاً تحت المواضع التي تناسبك، لتجدها سهلة ومريحة.
احذر من السقوط:
١٠- اعتمد على الروح القدس لتهديك إلى هدفك، فربما تُقتاد نحو هدف
آخر.
التمهيد للرسالة:
١١- ابدأ وعظك لعشر دقائق حول التقاء الأديان والبشر في المولد والموت،
وفي لقاء الله بعد الموت.
الموضوع الواحد:
١٢- تعامل مع موضوع واحد طوال الوقت؛ فإن حقيقة واحدة تكون كافية
للقاء واحد.
المسلم يحترم شجاعتك:
١٣- يعجب المسلمون بالرجل الذي يتحدث بشجاعة عن معتقداته، فلا تخش
أن تتكلم بالحقيقة كاملة، ولا تحذر إلا أن تجرح دينهم ومعتقداتهم أو تسيء لقرآنهم
ونبيهم وعبادتهم.
الاعتذار وسيلة للهروب:
١٤- لو سئلت سؤالاً لا تعرف إجابته أو استشعرت في الإجابة ما يعوق
أهدافك، فإن من الأفضل أن تعتذر بعدم علمك وترجئ الإجابة لوقت آخر؛ وتشغل
سامعيك بسرعة بموضوعك أنت الذي تعظ فيه.
الأرضية المشتركة:
١٥- قاعدة أساسية للوعظ أن تذكر بين الحين والآخر ما هو متفق عليه بينك
وبين المسلمين.
احذر من السقوط:
١٦- استعن دائماً بأحد الكتب التي تهتم بالرد على اعتراضات المسلمين،
واحتفظ بصفحة واحدة لكل اعتراض، واحذر أن تُستدرج لمناقشة اعتراض لم تُعِدَّ
نفسك لمناقشته.
لا تناقش الثالوث:
١٧- من الحكمة [٥] تجنب مناقشة عقيدة الثالوث ولو للحظة واحدة، ولو كان
ذلك بإيضاحات مثل: إن الثالوث كالرجل الذي له ثلاث وظائف، أو كالشمس
متعددة الأشعة والوظائف، فإن تلك الإيضاحات تناسب العقل الغربي) لكنها لا تقنع
العقل المسلم [٦] .
أقنع المسلم أنه مخطئ:
١٨- تذكر أن المسلم لن ينحني أبداً ليسوع، سيداً منفرداً عن الروح القدس،
فلا تحاول إقناعه بذلك، واحرص أن تقنعه به في لقاء آخر.
لا تستخدم العفاريت:
١٩- لا تحاول أن تستخدم مواهب الروح القدس [٧] ، مثل التكلم بألسنة
غريبة أو عمل معجزة أمامه [٨] ؛ لأنه سوف ينسب ذلك إلى الأرواح الشريرة، ولن
يقبل المسلم إلا ما تتحدث به إلى عقله، وبلغته التي ينجذب إليها.
بِع له الإنجيل ولا تهده:
٢٠- تذكر أهمية الكتاب المقدس ولا تحاول أن تهديه إلى مسلم إلا بثمن،
واعلم أنه سوف يرفض شراءه منك؛ لأنه لا يحمل الاصطلاح الإسلامي:» بسم
الله الرحمن الرحيم « [٩] ، فذكِّره بأنه حينما يشتري خبزاً فلن يجد عليه هذا
الاصطلاح، إنما هو يقول:» بسم الله الرحمن الرحيم «ويأكل، فلِمَ لا يفعل
الشيء نفسه مع كلمة الرب [١٠] ، التي هي خبز الحياة؟
احترم إنجيلك كاحترامهم للقرآن:
٢١- المسلمون في الجزائر مثلهم مثل كل المسلمين يتعاملون مع القرآن
بكثير من الاحترام والتقديس والرهبة، فحاول أن تتعامل مع الكتاب المقدس بنفس
القدر أمامهم، فلا تحط من قيمته.
استفد من جوع المسلمين:
٢٢- كثير من المسلمين الشعبيين تائهون عن الحقيقة، يبحثون عن المنقذ
الذي يواجهون به حالات الطرد والتشريد والجوع والاضطهاد التي أصابتهم حتى
الموت خلال السنوات الأخيرة، ومن الواضح أن الرب يهيئهم حتى تعمل برسالته
بينهم [١١] .
ربكم يبارك دعوتكم للمسلمين:
٢٣- إن السيد ينادي الشباب أن يخدموه بين المسلمين بكثير من الصبر الذي
يأتي بالعظمة للرب يوم نقف أمام العرش ويصيح رجل بصوت عال:» الخلاص
لربنا الجالس على العرش ومعه الخروف « (! !) .
شاركوا المسلمين دهشتهم لتعدد كتبنا:
٢٤- المسلمون يدهشون عندما يجدون أن الكتاب المقدس هو كتابان، أولهما
العهد القديم المعروف بتوراة موسى والذي يضم تسعة وثلاثين كتاباً، وثانيهما العهد
الجديد المعروف بإنجيل عيسى، لكنهم سيدهشون أكثر إذا عرفوا أن العهد الجديد
يضم أربعة أناجيل، والأناجيل الأربعة سبعة وعشرون كتاباً، ولذا فإنه من الأهمية
بمكان أن نقترب من المسلمين بمشاركتهم الدهشة، وإنكار أن لدينا عدة كتب؛ لأنها
جميعاً عبارة عن بشارات سارة وليست هي الكتاب الذي نزل على المسيح من
السماء.
حذارِ أن تنسب الإنجيل لله:
٢٥- لسوء الحظ [١٢] أن أناجيلنا تنتسب إلى مَتَّى ولوقا ومرقص ويوحنا،
وهي إساءة لا يمكن حذفها؛ فاحذر أن تنسبها إلى الله؛ لأن كلام الله عند المسلمين
هو شريعة وقانون.
لا تذكروا اسم بولس:
٢٦- حاول كثيراً أن تتجنب في مناقشتك اسم بولس الرسول، فإما أنهم لم
يسمعوا عنه من قبل وهذا يثير حفيظتهم لذكر رسول لم يسمعوا عنه، أو أنهم قد
سمعوا عنه؛ حيث يعتبرونه أسوأ رجل في تاريخ النصرانية؛ لأنه اخترع [١٣]
مفاهيم لم يجئ بها المسيح، وهذا في الحقيقة ما قرأه أئمة المسلمين قديماً في كتب
كبار النقاد الغربيين لتاريخ عقيدة النصرانية.
لا تقل إن المسيح ابن الرب:
٢٧- حاذر أن تقول إن المسيح ابن الرب؛ فأنت بذلك تفعل شيئاً مزعجاً
يعتبرك به المسلمون» مشركاً بالله «، وهذا يعني - في اللغة العربية - أسوأ
الخطايا التي يمكن أن يرتكبها بشر تجاه الله.
المسلمون وثنيون ضالون فلا تصفهم بحقيقتهم:
٢٨- تبعاً لبولس الرسول فإن المسلمين جميعاً يمارسون الوثنية التي هي
مكروهة عندهم لتصديقهم القرآن واتباعهم محمداً [ ﷺ ] باعتباره
رمزاً لخطيئة البشر التي ترفض كفارة ربنا يسوع وفداءه، فاحذر أن تصفهم حسب
وصف بولس (الضالين) ولا تعوِّل على قناعتهم بدخول الجنة إذا نفَّذوا شريعة
قرآنهم وإنكارهم لفداء المخلِّص.
نؤمن بقانون الله وإيماننا بيسوع أعظم:
٢٩- المسلمون يصدقون أن الله لديه سلطة كافية لكي يسامح أي إنسان على
أخطائه، وأنهم سوف يكونون على الصواب إذا ما نفذوا قانونه وشريعته، بينما
نحن نعتقد بأننا نكون على الصواب إذا ما كنا نؤمن إيماناً كاملاً بيسوع المسيح ربنا
وسيدنا، وليس بفعل ما يأمر به القانون، فهل يعني هذا أننا نرفض القانون أو
نبتعد عنه؟ إننا نهتم مثل المسلمين بالقانون وبالشريعة، ولكن إيماننا بالمسيح الرب
المنقذ المخلِّص الفادي يكفينا لأن نحقق كل الصواب الذي يريده الرب، وكل
خطايانا قد بذل روحه فداءاً لها؛ لأن ربنا [١٤] يجعل المذنب الذي يؤمن به، بريئاً
من كل ذنوبه.
أبو الأنبياء كان خطَّاءاً فلا تذكروا هذا للمسلمين:
٣٠- إن إبراهيم [﵊] لم يحيَ حياة مستقيمة [١٥] ، وقد فعل
أخطاءً كثيرةً، لكنه عند المسلمين» أبو المؤمنين «ويعتبر مثالاً لهم، وهذا ما
يجب أن نوضحه للمسلمين بشجاعة، دون أن ننقد القرآن الذي جعل إبراهيم أباً
للأنبياء.
المسلمون لا يضمنون الجنة ونحن بيسوع نضمنها:
٣١- يتباهى المسلمون بقدسية قرآنهم التي لا ترقى إليها أناجيل النصارى،
فلا تحاول أن تقلل من أهمية هذه القداسة، ولكن يكفي أن تطرح عليهم سؤالاً:
- هل يوجد مسلم واحد على وجه الأرض يؤكد له القرآن أن زيارته لمكة
لأداء فريضة الحج مقبولة عند الله أم لا؟ بالطبع سوف تكون الإجابة بالنفي؛ لأن
القرآن ينص على أن الجزاء عند الله يحدده بعد الموت، أما عندنا، فيكفي الإيمان
بيسوع [١٦] ، لنضمن أن كل أعمالنا مقبولة، فأي الطريقين نختار؟
إشكالية حروف الجر:
٣٢- لا يستطيع مسلم أن يقول: أنا أعرف الله، إنما دائماً يقول:» أعرف
عن الله «،» أعلم عن الله «،» أتحرك بعون الله «فهناك حرف جر يفصل بين
المسلم وربه؛ لأنه يظل يبحث طوال حياته» عن «معية الله، لكننا [النصارى]
بإيماننا بالرب نعرفه بدون حرف جر [١٧] .
سماوية الإسلام والنصرانية:
٣٣- من الصواب أن تقدم وعظك بما هو مشترك بين الإسلام والنصرانية؛
فكلا الديانتين سماويتان، ونحن مثل المسلمين نحترم قوانين السماء [يقصد الله]
باعتبارها بياناً لإرادته، ونعتقد في سيادته على المخلوقات، وأنه قادر على كل
شيء.
ثقافة المسلمين أقوى:
٣٤- إن كثيراً مما يرفضه المسلمون من عقيدتنا هو رفض آلي [١٨] من
العقلية الإسلامية، فعليك أن تتسلح بالصبر، خاصة أن ثقافتنا لا تساعدنا على
منازلتهم، ووجودنا في بلاد المسلمين لا يحقق لنا نتائج سريعة، ولا تصدمك كثيراً
الكلمات الدينية [١٩] التي سوف تصل إلى أذنيك في كل مكان تذهب إليه؛ لأنها لا
تعني شيئاً كثيراً عندهم وهم يرددونها [٢٠] .
لا تخجل من يهوذا:
٣٥- سؤال يسأله المسلمون دائماً: لماذا كان اختيار يسوع ليهوذا الخائن أن
يكون أحد تلامذته الحواريين؟ المسلم يقول: إن المسيح كان رسولاً وعلى ذلك فهو
يؤمن بضرورة أن يكون لديه موهبة معرفة الغيب، ولذلك فالمسلم يصر على هذا
السؤال، والحقيقة أن السؤال أكبر من ذلك بكثير؛ فهو ليس فقط: لماذا يهوذا؟
ولكن لماذا خلق الرب العالم لو أنه يعلم أن الإنسان سوف يخطئ؟ إن الإجابة جزء
من مشكلة أكبر تقع تحت عنوان:» مشكلة الشر «، ويجب ألا نكون خجولين أبداً
عندما نقول: إن هناك أشياء معينة ليس لدينا الإجابة عنها الآن، ولسنا وكلاء
للدفاع عن ربنا [٢١] .
مسيحنا أعظم من محمدهم [٢٢] !
٣٦- سؤال مهم يمكن أن تبادر به المسلمين من حولك، ولكن ليس في
اللقاءات الأولى، وربما يكون ذلك قبل الخطوة الأخيرة التي قد يؤمن فيها المسلم
بيسوع المسيح، وهو: إذا كان المسلمون يؤمنون بأن المسيح لم يمت ورفعه الرب
إليه، في الوقت نفسه الذي يؤمنون فيه بأن محمداً ﷺ قد مات
ويزورون قبره في المدينة، ألا يجعل ذلك من المسيح رسولاً أعظم من محمد؟
الخروج من مأزق الصليب:
٣٧- إذا وجه المسلمون إليك سؤالاً حول صلب المسيح واعتبار النصارى أن
ذلك كان فداءً منه؛ فلماذا يذهب هو للصليب بدايةً ويعفي نفسه من الإهانة واللطم
والأذى وحمل الصليب والركل بالأقدام والسب؟ ولماذا كان يحاول الهرب أصلاً
من القبض عليه وتقديمه إلى الصليب؟
في البداية يجب أن نقول: إن المسيح كان بشراً وكان إلهاً، ويجب ألاَّ نقلل
من طبيعته البشرية حينذاك، وبطرس الرسول نفسه قد وجد صعوبة في تقبل
عملية الصليب، وأنكر ألوهية ربنا المسيح، مع أنه كان أكبر حوارييه وأقربهم إليه،
ولذا يجب أن نكون متعاطفين مع المسلمين في هذا السؤال، ولا بد أن نصبر
عليهم حتى يتفهموا قول المسيح عندما اقترب موته:» ليس ما أريد ولكن ما تريد
«قالها ثلاث مرات ليظهر أنه بقبول الصلب قَبِلَ رسالة الرب الذي هو الأب، لكي
يصبح ممثلنا وفادينا.
* * *
تلك هي النصائح الـ ٣٧ التي أوصى بها مركز التنصير الإنجيلي أعضاءه
المنصرين العاملين في دولة الجزائر المسلمة، بعد جهد ولأْيٍ لمدة خمس سنوات
كاملة بين قرى أرض الجزائر وأزقتها وحاراتها، وسط الخراب والدمار الذي
تمارسه ميليشيات فرنسا الصليبية وأعوانها داخل البلاد باسم الإسلام والمسلمين
الذين لا يملكون حق الدفاع عن أنفسهم، في ظل هيمنة النظام الدولي الجديد،
وهزيمة نفسية باغتت الصحوة الإسلامية التي أخطأت المسار حيناً، وزلت في
أوحال العنف أحياناً أخرى.
وبرغم ذلك، والأجواء مهيأة تمام التهيؤ أمام الإرسالية الإنجيلية، لم يكن
الحصاد حسبما رغبوا فيه، ولم تكن الثمرة هي ذاتها التي ذهبوا إلى الجزائر من
أجلها؛ فبرغم محاولات الاحتلال الفرنسي في صبغ حياة الجزائريين بآداب
وأدبيات وطبائع ولغة وعادات وتقاليد فرنسا، فإن ما تصوروه من غبار علا وجوه
المسلمين، كان هذا الغبار جلاءً للبصائر والقلوب، ولم تجد الإرسالية الكنسية ما
تقنع مرسليها به غير تقديم هذه النصائح التي تضمنها هذا التقرير، معبرة عن خيبة
الرجاء، وقلة الحيلة، وسوء العاقبة، وفساد الفهم، وضخامة الأنا، وخلل العقيدة، إلى أن تستعيد الجزائر الجريحة عافيتها، وتضمد بزاد الشريعة جراحها.
стр. 3642
وقفات
خذ الكتاب بقوة
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
هجرة المسلمين واستقرارهم في البلاد الغربية حقيقة واقعة منذ سنين طويلة،
إلا أنها ازدادت زيادةً مطردةً في العقد الأخير خاصة، وإن كان لهذه الهجرة ما
يسوِّغها شرعاً عند بعض الناس، إلا أن الغالبية من هؤلاء المهاجرين لم يستوطنوا
في بلاد الغرب لحجج شرعية، وإنما لأهواء وظروف شخصية واجتماعية.
ودراسة الأحوال الفكرية والاجتماعية والأخلاقية والنفسية لهؤلاء المهاجرين
ينبغي أن تكون من أولى أولويات عمل المراكز الإسلامية في بلاد الغرب، لتكون
هذه الدراسات - بإذن الله - الأساس الذي تنطلق منه البرامج الدعوية والتربوية.
ولعل من أبرز الظواهر الاجتماعية السائدة في كثير من أبناء الجالية
الإسلامية ضعف التميُّز الإسلامي أو انعدامه فكراً وسلوكاً؛ فأثر البيئة الغربية
يظهر بجلاء عليهم، وخاصةً الأجيال الجديدة التي وُلدت ونشأت وتعلمت في الوسط
الغربي. وهذه الظاهرة نتيجة حتمية لا تحتاج إلى استقصاء، أو بحث وإثبات [١] .
ولكن الأمر الذي يستحق التأمل والنظر هو حال الإسلاميين خصوصاً؛ فكثير منهم
لم يَسْلم من أثر البيئة السلبي، ولعلِّي أكتفي هنا بمثل واحد، وهو ضعف التمسك
بكثير من الأحكام الشرعية، والتفريط بأحكام الهدي الإسلامي الظاهر، وخاصة في
شؤون المرأة. ولست أعني هنا الإشارة إلى الخلاف المشهور بين الفقهاء في كون
الوجه والكفين عورة أو ليسا بعورة، بل الأمر أبعد غوراً من هذا؛ حيث أصبح
الحجاب عند بعضهم - مع الأسف الشديد - معنى لا حقيقة وراءه؛ فهو لون من
ألوان التجديد والتمدن، ولم يبق منه إلا منديل رقيق يغطي بعض شعر الرأس، مع
لبس البنطال الضيق، والظهور بألوان الزينة والعطور. أما قضايا الاختلاط
ومصافحة الأجانب، بل والمشاركة الرياضية، فحدث عنها ولا حرج.
وإن تحدث في ذلك متحدث اتُّهم سريعاً بالتنطع والتكلف والتشديد، ورُمي
بالجهل بالواقع الغربي والظروف الاجتماعية التي يعيشها الناس، وأنه ينظر إلى
أمريكا وأوروبا بمنظار الأعرابي الساذَِج الذي لا يعقل ولا يبصر..! ! وقد
سمعت أحد المفكرين المستنيرين يهزُّ يديه أمام جمع من الإسلاميين، ويأمرهم
بالرقي الفكري والتجاوب الفاعل مع المعطيات الحضارية المعاصرة، ويحذرهم من
الجمود والوقوع في رواسب التخلف والظلامية.. قال كل ذلك لمَّا سمع أحدهم يتلو
حديث النبي ﷺ : «إني لا أصافح النساء» [٢] !
والعجيب أنك تجد من بعض المنتسبين إلى الفتوى من المفكرين والدعاة من
يسوّغ هذا التمييع ببعض الأدلة المتكلَّفة. وأذكر أن أحد الأشياخ المحاضرين في
أحد المؤتمرات الإسلامية في أمريكا بدأ محاضرته بهجوم صارخ على إدارة
المؤتمر التي فصلت الرجال عن النساء، وينعي هذا التخلف الفكري والعقلية
البدائية التي لا زالت تسيطر علينا حتى ونحن في أمريكا (! !) ، وفي نهاية
المحاضرة قام مدير المؤتمر معلقاً، وكنا نظنه سوف يدافع عن موقفه، وإذا به
يعترف بالخطأ ويعتذر للإخوة والأخوات، ويذكر أن سبب الفصل سبب فني وليس
سبباً فكرياً، ووعد بإصلاح الوضع في اليوم التالي، ثم وفَّى بما وعد..! !
إن اندماج المسلمين في البيئة الغربية أدى إلى ذوبان مذهل في الشخصية
الإسلامية، وميوعة شديدة في تلقي الأحكام الشرعية، وميل ظاهر إلى البحث عن
الرخص بدون فقه ولا بصيرة، ويصدق في وصف كثير منهم قول الله - تعالى -:
[وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ] (الحج: ١١) . والطريف في الأمر أن
المسلمين حديثاً من الغربيين الأصليين ربما يكون بعضهم أكثر جرأةً وصدقاً في
الالتزام بالأحكام الشرعية والاعتزاز بها وعدم التحرج من إظهارها أمام الملأ..!
وأذكر أنني زرت في الولايات المتحدة الأمريكية منطقةً تنتشر فيها طائفة من
طوائف النصارى البروتستانت تسمى بـ (الآمش) يرون أن من أسباب البلاء
الذي تعيشه الإنسانية تلك الحضارة المادية التي سيطرت على الإنسان الغربي،
وجرته إلى مستنقع الرذيلة والانحطاط، ولهذا انعزلوا عن المجتمع وتركوا كل
ألوان الحضارة، وامتنعوا عن استخدام كافة المخترعات التقنية الحديثة، وأسسوا
مجتمعهم الخاص بهم بما في ذلك مدارسهم التي ترعاها الكنيسة، وراحوا يشتغلون
بالزراعة وتربية المواشي بوسائلهم البدائية المتاحة وامتنعوا عن شرب الخمور
والزنا..! والعجيب أن نساءهم لا زلن يلبسن اللباس الطويل الساتر، ويضعن
منديلاً على الرأس، ولا يختلطن بالرجال، وعلى الرغم من ازدراء بعض إخوانهم
الأمريكان لهم إلا أنهم فخورون بمبادئهم، ومعتزون بمسلكهم..! !
ولست ها هنا في صدد تحليل ظاهرة (الآمش) هذه، ولكنني أشير هنا إلى
أن هؤلاء القوم على الرغم من أنهم رأوا أن بلادهم وصلت إلى قمة التقدم المادي
المعاصر إلا أنهم انعزلوا عنهم، وراحوا يمارسون معتقداتهم الفكرية والسلوكية بكل
اعتزاز. أفلا نقوى - نحن المسلمين الذين نعتقد يقيناً بحمد الله تعالى أننا نملك
الدين الحق - أن نعتز بديننا، ونتمسك بشرائعنا، ونعض عليها بالنواجذ، ونشمخ
برؤوسنا أَنَفَةً وافتخاراً بعقيدتنا وآدابنا السامية..؟ !
إن التكليف بالأحكام الشرعية باب من أبواب الابتلاء الذي يمتحن فيه دين
الإنسان، قال الله - تعالى -: [الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلاً] (الملك: ٢) . وهذا الدين جدّ ليس بالهزل، وإن من أسوأ ما نجنيه على
أنفسنا أن نتخذ شرائع الإسلام ألعوبةً نلهو بها، ونأخذ منها بمقتضى أهوائنا، أو أن
نجعل الواقع الفكري أو الاجتماعي المنحرف يضغط علينا، ويملي علينا ما
يشاء، وها هي ذي دلالات القرآن العظيم واضحة بيِّنة لا تردد فيها ولا خفاء،
قال الله - تعالى -: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن
يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) . والهزيمة في الهدي الظاهر آية
عظيمة على الهزيمة القلبية؛ ولهذا شدّد النبي ﷺ في التحذير من
ذلك، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم» [٣] .
стр. 3643
قضية للمناقشة
العمل الإسلامي
بين ضرورة المراجعة وخطورة التراجع
عبد العزيز كامل
بينما تستقبل الدعوة الإسلامية عقدها الثالث من القرن الخامس عشر للهجرة
النبوية الشريفة؛ تتزامن بشكل لافت في بلدان مختلفة موجة مشتركة من الدعوات
إلى إجراء مراجعات شاملة لمناهج العمل الإسلامي وإداراته وممارسته بأطيافه
المتنوعة.
والدعوة الإسلامية إذ تعبُر إلى هذا العقد مثخنة بجراح كثيرة؛ لا يخلو
صدرها - مع ذلك - من العديد من أوسمة النور التي حازتها عبر بضعة عقود
ماضية، منذ بدأ الانبعاث المبارك لصحوتها التي انتعشت في بدايات القرن الهجري
الحالي، تصديقاً للسنة الإلهية التي أخبر عنها رسول الله ﷺ في
قوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر
دينها» [١] ويجيء هذا الإقبال على (المراجعات) في ظروف تكاد تتشابه
فيما يتعلق بالعمل الإسلامي في العالميْن العربي والإسلامي؛ إذ إن العقديْن
الماضيين - على وجه التحديد - شهدا ممارسات وتجارب كاملةً أو شبه كاملة
لتيارات إسلامية انتقلت خلالها من التنظير الفكري إلى الممارسة الواقعية. فمنها
من صدمتها التجارب، ومنها من عركتها مرارة المحن، ومنها من أنضجتها
حرارة الاحتكاك بالواقع، ومنها كذلك مَنْ أقعدتها الإحباطات والإخفاقات، وذلك
على المستويين: الفردي، والجماعي، وكانت الثمرات المقتطفة من ذلك كله تجمعها
سلةً واحدةً أمام الناظرين، لا يكاد بادي الرأي يفرق بين اليانعة منها والمعطوبة،
ولا نشك في أن مجموع تلك الثمرات إنما جاء نتاجاً لتفاعلات التجديد المختلفة
في اتجاهاتها ومجالاتها، والمتنوعة في سلبياتها وإيجابياتها، فمن شأن التجديد دائماً
أن يستخرج الزُّبْد ويلقي بالزَبَد.
وبرغم أن المرحلة الحالية تكاد (المراجعات) تكون عنوانها الرئيس، إلا أن
لتلك المرحلة سمات أخرى تفصيلية من أهمها: أنها مرحلة توقف متردد عند مفترق
طرق محيِّر، يعود بالدعوة لدى بعض الفصائل إلى الوراء نحو خمسة عقود عندما
كان شعار المرحلة وقتها: (من أين نبدأ؟) والمرحلة أيضاً يميزها حماس فاتر
بعد نشاط متوقد استمر طوال العقد الثاني من القرن الرابع عشر، ويتخلل تلك
المرحلة هبوط ملحوظ في أسهم كثير من الرموز الدعوية التي كان لها رنين وطنين،
بعد سلسلة متصلة من معارك هدم الرموز، ومباريات تصفية الآخرين معنوياً،
كما أن كثيراً من الشعارات البراقة والمفرطة في الطموح، قد خبا ضوؤها إلى حدٍ
ملموس.
ولكن هذا كله لا ينفي أن هناك قفزات نوعية للدعوة الإسلامية قد أُنجزت
بالفعل، وهناك منها ما ينتظر الإنجاز. ومع ذلك، فالشعور الثابت لدى غالبية
المهتمين؛ أن إمكانات المسلمين في نصرة الدين لم يُستغل منها إلا القليل، ولهذا
يصح القول بأن إنجازات الصحوة تبدو كبيرة عملاقة باعتبار، وتبدو صغيرة
متواضعة باعتبار آخر، فهي عملاقة باعتبار التحديات التي تواجهها والعقبات التي
توضع في سبيلها والظروف الاستثنائية التي تعمل فيها، وهي متواضعة باعتبار
إمكانات المسلمين الجبارة التي حباهم الله إياها مادياً ومعنوياً، فلم يوظفوا منها
لخدمة الدين إلا القليل.
إن هناك اضطراباً تتسم به المرحلة، وإذا رحنا نبحث عن الأسباب التي أدت
إلى وصول الدعوة لتلك المرحلة المتشابهة المعالم في أكثر بقاع العالم الإسلامي،
فإننا نعثر على أبرزها بين ثنايا خارطة دعوية شديدة التداخل والتعقيد، فمن تلك
الأسباب:
١ - استطالة بعض فصائل العمل الإسلامي لمرحلة الاستعداد لإقامة الكيان
الإسلامي الممكَّن له في الأرض؛ حيث تواصلت عقود قامت خلالها دول وكتل
عالمية وسقط بعضها، دون أن يقوم للإسلام في المقابل كيان أو كتلة قوية تمهد
لإعادة الخلافة الضائعة.
٢ - تكرار الإحباطات في أمكنة كثيرة على صعيد محاولات الوصول إلى
إقامة كيانات إسلامية خالصة عبر وسائل متنوعة سلمية - كما في التجارب
البرلمانية - أو غير سلمية - كما في التجارب الجهادية - مع تطوير الأنظمة
العلمانية الدائم لطرق مواجهتها لأي نهضة إسلامية متوقعة.
٣ - تضاعف حدة الصراع بين الحركات والدعوات الإسلامية ومناوئيها بعد
أن انضمت إلى هذا الصراع بشكل سافرٍ قوىً دوليةً كانت تتخفى بالأمس وراء
الأنظمة العلمانية، ثم هي اليوم تنبذ إلى المسلمين على سواء، وتسعى إلى
(عولمة الصراع) مع الإسلام في كل البقاع.
٤ - انضمام شريحة من الإسلاميين إلى خندق المواجهة المعادي، بقصد أو
بغير قصد، وتحت تأويلات أو تَعِلاَّت تصب في النهاية في قناة تمد المعسكر
المناوئ بأسباب القوة والبقاء، وتخلط الأوراق الدعوية والتربوية في قضايا الولاء
والبراء، والحكم والتحاكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
٥ - اتساع الخرق على الراقع بشأن الخلافات العلنية والسرية بين زعامات
فكرية وأخرى حركية، مما أوقع كثيراً من الأتباع في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً
إلا بالخروج من دائرة الهم الإسلامي العام.
٦ - استمرار غياب الدور القيادي للعلماء العاملين في أكثر بقاع العالم
الإسلامي، وانسحابهم من الميدان لصالح زعامات من علماء غير عاملين أو عاملين
غير علماء، مما أوقع العمل الإسلامي في دوامات (التجربة والخطأ) المتكررة
التي تستهدف اكتشاف الأخطاء بشكل عملي بدلاً من تجنبها ابتداءً بتأصيل علمي.
٧ - استشعار بعض القيادات أنها بذلت ما في وسعها، بل أكثر مما في
وسعها دون الوصول إلى نتائج مرضية، ولسان حال أحدهم يقول: (آن للمقاتل
أن يستريح) وهو شعور مخدِّر، أوصل إلى حالة من الاسترخاء ظهرت آثاره في
انصراف قطاع عريض من شباب الأمس المتحمس إلى التشاغل بالأمور المعيشية
التي قد لا تمتُّ لأعمال الدعوة بصلة، وهذه الظاهرة تؤدي بصورة متكررة إلى
تصدع في بنيان العلاقات والصلات التي لا بد منها لاستمرار أي عمل ناجح
متواصل.
٨ - التهام نار المواجهة في بعض البلدان للعناصر المتميزة أولاً بأول،
بالقتل أو السجن أو التوقيف أو التجميد أو الاحتواء، مع قلة توافر الظروف التي
يمكن في ظلها تعويض العنصر الفاقد أو ملء المكان الشاغر.
٩ - اكتشاف كثير من العاملين للإسلام أنهم كانوا يقعون بشكل منتظم ضحية
العمل الارتجالي الذي لا يدري إلى أين وصل، كما لم يكن يعلم من قبل من أين بدأ،
وافتقاد بعض آخر لتوازنهم الفكري نتيجة صدمات واقعية أفاقوا منها بعدما
اكتشفوا أنهم كانوا يكمّلون النقص الخطير في معالم لوحة الصراع من مخيلاتهم
ويملؤون فراغاتها بظنونهم.
١٠ - وصول الكثيرين إلى قناعة ببُعد البَوْن بين الآمال والأعمال، أو بين
الواقع والخيال، أو بين الإمكانات والطموحات، أو بين الحقائق والمثاليات، وبدلاً
من إعادة النظر في محاولة تقريب هذا البون، كان اللجوء إلى الهروب هو الحل
الأسهل والأمثل لدى بعض من تعتمد الجماهير على توجيهاتهم وتنتظر تنظيراتهم.
ومع أهمية الاعتراف بوجود تلك الأسباب التي مرَّ ذكرها وغيرها؛ فإن
المراجعات ووقفات التأمل من الأمور البالغة في أهميتها حد الضرورة؛ فهي واجبة
على فصائل العمل الإسلامي قبل أن تكون حقاً لها في ظل المتغيرات المتلاحقة التي
تتتابع على ساحة الدعوة الإسلامية، ولا أظن أن أحداً من المهتمين بأمر المسلمين
يشك في أهمية المراجعة في هذه المرحلة، ولو من باب تقويم ما مضى من مراحل
النشاط الإسلامي في أشكاله كافةً، وإذا كان ذلك كذلك، فإن التشارك في التشاور
من أجل هذا تحتمه الفريضة الإسلامية المحكمة في النصح لله ورسوله وللمؤمنين
خاصتهم وعامتهم؛ فالمراجعة أو المحاسبة أصل إسلامي أصيل؛ وخاصةً إذا
سارت الرياح بما لا تشتهي السفن.
وهذا الأصل مستمد من قوله - تعالى - لأصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعد أن دهمتهم نازلة أُحد: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى
هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ١٦٥) ،
وقوله تعالى: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ]
(الشورى: ٣٠) .
وفي سياق التنقل بين محطات المحاسبات والمراجعات، هذه وقفات تأملية
نأمل منها أن تفتح آفاقاً لحوار أوسع وأعمق:
أولاً: بين المراجعة والتراجع خيط رفيع، ومع ذلك فهو لا يُرى إلا عن بُعد،
وهو أشبه بالمعْلَم المطموس عند مفترق الطرق، من لم ينتبه إليه التبست عليه
السُبل، وربما رجع القهقرى، وهو ينشد الشد في المسير.
ثانياً: مثلما تتحول المراجعات - في بعض الأحيان - إلى تراجعات، فإن
التراجعات قد تتطور إلى انتكاسات، والانتكاسات المنهجية منها أخطر من
الانتكاسات الحركية؛ فالحركات تضعف وتقوى، وتقع وتقوم، أما المناهج فقلما
تنهض بعد سقوطها على مستوى الفرد والمجموع.
ثالثاً: محطات الإقبال على المراجعة قد تكون في لحظات ضعف منسحب -
وهذا على الغالب - أو لحظات اندفاع غير محسوب، وفي كلا الحالتين فإن
المراجعة وقتذاك قد تقع تحت وطأة ظروف نفسية غير مستقرة، أو نظرات
شخصية عجْلى، تختصر التأمل وتبتسر النتائج. واستصحاب هذا الملحظ مفيد عند
أي مراجعة حتى لا تخضع لمؤثرات خارجية ضاغطة.
رابعاً: لا يحدث الإقبال على التراجع - في الغالب - إلا تحت مسمى
المراجعة، ثم تنتحل تلك التراجعات أسماء براقة، وشعارات خدّاعة، تتسريل
بالحكمة طوراً وتتلفع بالواقعية تارةً، وترتدي أثواب زور من العلم والتعقل والأناة
مرات أخرى.
خامساً: كثيراً ما يحدث التورط في مستنقعات التراجع، بدفع من أوهام
تضخم (التجربة) ومبالغات تفرد (الرمزية) التي تخلع ألقاباً وأوصافاً على
أشخاص قد يكونون بالفعل رموزاً أو أصحاب تجارب، ولكن التفويض المطلق
لبعض (الرموز) وأصحاب التجارب في المراجعات هو الذي يفتح الأبواب وسيعةً
أمام التراجعات التي تتسلل سَلِسةً على ألْسنةِ مَنْ لا يفكر أحد في مناقشتهم أو
مراجعتهم.
سادساً: التواصل بين الأجيال عامل مهم في إكساب عمليات المراجعة شيئاً
من العصمة النسبية، وكما أن رصيد سابقة الابتلاء أو التجربة لا يكفي لإفراز
مراجعات ناجحة في كل الأحوال، كذلك فإن الأجيال الجديدة بدمائها الجديدة لا
يصلح لها أن تستغني بجدتها وفتوتها عن خلاصات (تجربة العمر) لمن سبقوهم
على الطريق فعرفوا منحنياته الخطرة، وخبروا معالمه ومراحله.
سابعاً: من أخطر مزالق المراجعة، الانشغال باجترار مرارات الماضي، أو
التلمظ بحلاواته، وأخطر من ذلك الاحتراب في ميدانٍ مَّا قد كان، حيث ينشغل
بعضٌ بتقاذف التهم في تلاوم ضار غير نافع. وعندها يكون حرص قوم على نفي
الآخرين وتصفيتهم معنوياً هو بوابة الولوج والخروج في أي حوار يستهدف
المراجعة، ولهذا لا يرجعون من ذلك بشيء.
ثامناً: عندما تحل المناطحة محل المناصحة، والجدال بالتي هي أخشن بدلاً
من التي هي أحسن، فإن نزغات الشيطان وتحريشاته تتسوَّد الموقف، وتتصيد
الفرص للإيقاع في انتكاسات التراجع التي لا يفرح الشيطان بشيء فرحه بها في
صفوف المؤمنين، وإذا كانت الحزبية صفةً قبيحةً مقيتةً، فالعنصرية أقبح وأشد
مقتاً، ولهذا لا ينبغي أن يكون لهما موضع شبر على بساط النقاش والتقويم.
تاسعاً: جل المراجعات تنصب على أمور عملية تطبيقية مع أن الأصل هو
الأمور المنهجية التي لو سلمت لسلمت الأعمال والتطبيقات، والتركيز على اتهام
التطبيق العملي لا ينبغي أن يدفع التهمة عن التنظير المنهجي، بل الأصل أن يُبدأ
بمقدمات الشيء لا بنتائجه.
عاشراً: هناك من المناهج ما تم وضعه في عجلة قبل استكمال شروطه من
النضج العلمي والفهم الواقعي، ومن الجناية على الدين أن تعاد مراجعته بالنَفَس
المتعجل نفسه.
حادي عشر: هناك أشكال من التأصيل المنهجي أشبه بالتفكير بصوتٍ عالٍ،
ومع هذا تلتقط هذه السوانح الفكرية العابرة، وتقتطف فجة غير ناضجة، ويحاول
بعض الناس أن يصنع منها (بخةً) سائغةً، لمجرد أنها فكرة فلان أو سانحة علان،
وبعضها يطلق كأنه شعارات، مع أن التأصيلات لم تكن يوماً بالشعارات.
ثاني عشر: قد تكون المراجعات (محطةً) يتوقف عندها القطار توقفاً نهائياً
على مستوى أفراد أو مجموعات، قد يكون بعضهم مهيأً نفسياً ليحط رحاله في
أقرب المنازل تعللاً بالنوازل، وفي هذه الحالة لا تكون تلك المحطة إلا خطة، أعد
لها الشيطان بمكر وحيلة تورَّطوا فيها في لحظات ضعف وغفلة.
ثالث عشر: ومن المناهج ما أملتها ظروف نشأتها الزمانية أو المكانية؛ فلا
ينبغي تجاهل ذلك عند التقويم، بحيث تقوَّم سلع الماضي في سوق الحاضر أو
المستقبل، وكذلك لا يصلح تقويم كل تجارب العالم بالمقاييس المحلية لبلدٍ مَّا،
فالمعايير المحلية لا تصلح للتعميم في التطبيق فضلاً عن التقويم.
رابع عشر: هذه الظروف الزمانية والمكانية المختلفة لا يصح معها استعارة
المناهج (في غير الثوابت) لتطبيقها في غير زمانها أو في غير مكانها، فتلك
مزلة أقدام قد لا ينتبه إليها كثير من الناس، وقد لا يكون العيب في جزئية معينة
في المنهج، بقدر ما يكون في ملاءمة الزمان أو المكان له.
خامس عشر: من المعلوم أن الأمور القدرية لا تحكم على الأمور الشرعية؛
فعدم التحقق قدراً لا يستلزم عدم الصحة شرعاً؛ فلا يصلح أن يقال: كل التجارب
البرلمانية لم تنجح فهي غير شرعية، أو كل الحركات العسكرية قد أخفقت فهي
لذلك غير شرعية. ومن الأخطاء المنهجية في تقويم المناهج ومراجعتها: التعميم
والإطلاق، كأن يتخِذ من رأوا الإخفاق في أعمال جهادية معينة - مثلاً - موقفاً
رافضاً لأي عمل جهادي، حتى يتحول ذلك إلى شعار، خاصةً عندما يطلق على
الجهاد لفظ (العنف) لتسهيل نبذه على النفس الضعيفة أو المترددة، وبشكل يُراد
له أن يُعمم على كل الساحات التي قد تكون ظروف بعضها مختلفة ومستوجبة لمثل
هذا الجهاد. والعكس أيضاً قد يحدث، عندما تنجح تجربة جهادية ما، فيطلب من
المسلمين في كل ساحات العمل الإسلامي أن ينقلوها بحذافيرها إلى مواقعهم، وقس
على ذلك في قضايا سرية العمل أو علانيته، وسلمية المواجهة أو عسكرتها،
والموقف من الحكومات والأنظمة، وطريقة التعامل مع الشعوب، وأساليب
التعاطي مع القوى الكبرى ونحو ذلك.
سادس عشر: للتأصيل العلمي أهميته وخطورته في وضع المناهج الدعوية
أو تقويمها أو مراجعتها، وكذلك الفهم الواقعي للقضايا الكبرى. وهناك جفاء قد
طال من بعض فصائل العمل الإسلامي لأحد الأمرين أو كلاهما، وذلك ناتج عن
موقف غير متوازن من العلماء، فبينما تُقطع الأواصر والوشائج مع العلماء في
بعض الأماكن بما يحرم الدعوة من خير ما عندهم، فإن هناك أماكن أخرى تبالغ
في ربط الدعوة الإسلامية كلها بفرد أو ببضعة أفراد من العلماء، بحيث تُرهن
قضايا الأمة كلها بكلمات منهم، قد لا تأخذ حقها من النظر والتدقيق، أو قد تكون
خارج نطاق تخصصهم أصلاً.
سابع عشر: عندما تقتصر عمليات المراجعة على رموز التجربة نفسها، فإن
ذلك يعرض المناهج والتطبيقات لتكرار الأخطاء؛ لأن عين الإلف والعادة ربما
تعشي عن المعايب والخروق، وهذا يمكن تلافيه بإخضاع المراجعات لمتفحصين
جدد، وذلك أحرى بتخليص الدعوات من حظوظ النفس ونزوعها الدائم نحو الدفاع
وتحسين الصورة تشبثاً بنظرية: «ليس في الإمكان أحسن مما كان» .
ثامن عشر: الظروف النفسية المتقلبة عامل خطير في اتخاذ المواقف العملية،
وربما العلمية؛ فكم من طروحات ومواقف اكتست أرديةً دعويةً، وهي في
حقيقتها ردود فعل نفسية ربما نشأت عن مواقف شخصية، لمحبة مفرطة أو بغض
غير متوازن، وهذا أمر ليس من السهولة منعه، ولكن ليس من الصعوبة رصده
والحذر منه.
تاسع عشر: التراجع ليس قريناً للمراجعة في كل الحالات، فقد تكون
المراجعة - أو هكذا يجب أن تكون - نقطة انطلاق نحو تجديد جديد، ينفي الخَبَث
وينقِّي المعادن، وللنية الصالحة في ذلك دور كبير [إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً
يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ] (الأنفال: ٧٠) .
وأخيراً نقول: المناهج أبنية، تتفاوت في سلامة قواعدها، وصلابة أعمدتها
ورحابة مرافقها، وهي تحتاج بشكل دائم إلى صيانة وتجديد، وإلى إشراف وتقويم.
وتقويم الأبنية الدعوية، وترميمها، وإصلاحها أوْلى من التوالي في هدمها بعد
بنائها، فتلك طريقة مَرَضيَّة غير مَرْضية، يولع بها بعض المعجبين بعادة (خرقاء
مكة) [٢] التي أنزل الله - تعالى - في أمثالها قوله - تعالى -: [وَلاَ تَكُونُوا
كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً] (النحل: ٩٢) . فهذا الإنكاث هو
أخطر مظاهر الانتكاس والارتكاس.
وحتى لا يكون الكلام ملقىً على عواهنه، أذكر بعضاً من مظاهر الانتكاس
الدعوي الذي تتعرض له بعض القضايا والمفاهيم والثوابت بشكل متدرج، تحت
مسمى: المراجعات، وسأكتفي الآن بالإشارة إليها اختصاراً، حتى تتيسر
الفرصة - بإذن الله - للتعرض لها أو لبعضها تفصيلاً، فمن ذلك:
- الاضطراب الجديد في المواقف من النظم العلمانية ورموزها وأحزابها
وطروحاتها الفكرية وأساليبها العملية.
- التغير المتردد في المواقف من الفرق المبتدعة ومفاصلتها ورفضها وطرق
التعامل معها.
- التحول المتسلل إلى مفهوم الجهاد، ومحاولات تفريغه من مضمونه
الشرعي إلى مضامين أخرى قد تصلح لغيره ولا تصلح له.
- التخلي المتزايد عن التعاطف العملي مع قضايا المستضعفين والأقليات
بدعوى السآمة من إضاعة الجهود فيها.
- التميع الطارئ في التعامل مع كثير من المسائل الكبرى التي كانت تمثل
أهدافاً استراتيجيةً لدى الكثيرين حتى وقت قريب، مثل: السعي إلى الوحدة
الإسلامية، أو توحيد فصائل أهل السنة، أو السعي لإقامة كيان حقيقي لهم تمهيداً
لإقامة أو إعادة دولة الخلافة.
- التراجع المستمر أمام هجمة الإعلام الشرسة ضد الإسلاميين، إلى حد
تحرج بعضٍ من الانتساب لمنظومة العمل الإسلامي، أو الخجل من استعمال
المصطلحات الشرعية التي تزعج أعداء الدين مثل: الموالاة والمعاداة، والإيمان
والكفر، والمعروف والمنكر، والتحاكم لله، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك.
- وأخيراً: تعريض قضايا حساسة جداً في العمل الإسلامي لفوضى
التصريحات والشعارات والطروحات غير الناضجة، وإعادتها إلى نقطة البدء، بعد
أن كانت قد استقرت إلى وضع مقبول بين غالبية الفصائل العاملة للإسلام، مثل
قضايا الحكم والتحاكم، والموقف من العلمانية، ومسألة العمل الجماعي ومشروعيته،
ووسائل الدعوة وأساليبها، ومسائل الهدي الظاهر وضوابطها، والموقف من
وسائل الإعلام المعادية للدين، والموقف من علماء السلطة ورموز ما يسمى بـ
(التنوير) ونحو ذلك من المسائل والقضايا.
ولعل الله - تعالى - ييسر على صفحات (البيان) الغراء، تجاذب الحديث
حول هذه القضايا، قضايا المراجعات، في مطارحة لا تخلو من المصارحة....
والله من وراء القصد.
стр. 3644
قضية للمناقشة
رؤية في مسيرة العمل الإسلامي
خالد أبو الفتوح
abulfutoh@hotmail.com
بعد أكثر من سبعين عاماً من عمر الحركة الإسلامية المعاصرة حققت فيها
الحركة إنجازات وإخفاقات لا يستهان بها.. لا تزال التساؤلات مطروحةً والرؤى
متعددةً حول مسيرة العمل الإسلامي، منها: منهجية التغيير التي ينبغي سلوكها،
ويدخل تحت ذلك: جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة، وإطار العمل الأكثر حيوية
وإفادة، وكذا: دور الفرد العادي والوعي الشامل في هذه المسيرة.
فالناظر في واقع الأمة الإسلامية وكذلك في واقع الصحوة يرى معالم واقعية
تعطي النقاط السابق ذكرها أهميةً متناميةً.
فالمتربصون بالأمة وبالصحوة كثيرون، والصراع بين الأطراف معقد،
والمصالح متشابكة إن لم تكن متعارضة.. كما أن عدم الوعي الذي قد يؤدي إلى
الانحراف بمسار كثير من التوجهات التي قامت عليها الدعوات الإصلاحية ودعا
إليها روادها الأوائل، أو استخدام بعض هذه الحركات من غير وعي منها في
ضرب الدعوة عامة لخدمة أهداف الأعداء في المدى البعيد ثم الانقضاض على هذه
الحركات المستخدَمة بعد ذلك، أو الإصرار على المضي في مسار خاطئ رغم
ظهور خطئه بسبب صعوبة القبول بمظهر المتراجع على القائد أو ضغط الأتباع
للمضي في هذا المسار، أو شيوع السلبية انتظاراً للمنقذ المخلِّص الذي سيقلب
المعادلات الاجتماعية والسياسية، أو سرقة جهود الإسلاميين وقطف غيرهم ثمار
جهودهم ... إلى غير ذلك من مظاهر ملموسة في تاريخ الأمة والصحوة
وواقعهما.. كل ذلك شائع متكرر، ولك أن تنظر في بدايات ومآلات نماذج، كثورة
الجزائر، والمقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني، وكذلك الجهاد الأفغاني،
وتطور الأحداث في الجزائر قبل الانتخابات الشهيرة وبعدها، وحركة التحرير
الفلبينية [١] ... لتتأكد أن القائمة طويلة ومفتوحة لتكرار هذه الحالات
المؤسفة.
فلماذا ينجح الأعداء في تملك زمام المبادرة وتحويل المسار حيث مصالحهم،
بينما يخفق أصحاب التوجه الصحيح في الحفاظ على مكاسبهم والتنبه لانحراف
المسار أو لسرقة الآخرين لجهودهم؟
إذا اعتبرنا النماذج المذكورة سابقاً خلفيةً لهذا التساؤل فإن الإجابة عليه تدعونا
إلى مناقشة شأن مهم في تاريخ الأمة ومسيرة الصحوة، أعني بذلك: جدلية العلاقة
بين القيادة والقاعدة، ومكانة تأثير كل منهما في الآخر، وأهمية ذلك التأثير،
وأيضاً: أهمية تنمية وعي الأمة وتفعيل إرادتها [٢] .
جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة:
أما الأمر الأول، وهو: جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة، فكثير من فصائل
الحركة الإسلامية شخّص الأزمة التي تمر بها الأمة على أنها أزمة في القيادة،
سواء في توجهاتها أو في قدراتها أو في شرعيتها، ومن ثم: توجهت جهود
الإصلاح - حسب هذه الفصائل - إلى التأثير في هذه القيادة، سواء في إرشادها،
أو في إنمائها، أو في قلبها واستبدالها، كما توجهت بعض هذه الجهود نحو إيجاد
كيان جماعي بديل يخرج من تحت ظل القادة والمقودين، في الوقت الذي ركزت
أدبيات بعض فصائل الحركة الإسلامية على الدور المحوري لـ (القائد) وضرورة
العمل من خلال إطار تنظيمي عضوي، في مقابل تهميش دور الفرد في التغيير
والإصلاح ... وعليه: فقد قامت تصورات متباينة عن آلية حركة التغيير، ثم
تشتت جهود السعي إلى التغيير مناحيَ شتى حسب تصور كل حركة عن مكمن الداء.
مجال النقاش:
وبدايةً فإن أحداً لا يستطيع إنكار أهمية وجود القيادة والعمل الجماعي، ولكن
ما درجة هذه الأهمية؟ وهل يتوقف العمل المثمر على ذلك العامل؟ وهل مجرد
وجود هذه القيادة الواعية المخلصة والعمل التنظيمي العضوي يذلل الصعاب،
ويحل المشكلات تلقائياً؟ وما القيادة والعمل الجماعي المقصودان؟ وما مدى
الأضرار التي قد تسببها قيادة غير واعية أو غير مخلصة؟ وإذا غابت القيادة
الموجِّهة والإطار الجماعي التنظيمي، أو لم يتفق عليها، ألا من سبيل للتغيير؟
مرة أخرى نحرر محل النقاش، وهو أننا لا نناقش أهمية القيادة والعمل
الجماعي؛ فهذا أمر مفروغ منه، جاء الإسلام بالحث عليه نصّاً وإشارةً، ولكن
الذي نناقشه هو: إذا كان من هذه الإشارات الترغيب في أداء الصلاة جماعةً، فهل
أوقف الإسلام أداءها على هذه الصورة بحيث لو لم تتحقق لسقط العمل بها؟ وهل
ندب إلى الجماعة في أركان الإسلام الأخرى إذا لم تحدث اتفاقاً، أم تركها لتمارس
بوصفها عملاً فردياً؟
نطرح هذه التساؤلات بشكل آخر: هل تعيش مجتمعاتنا أزمة قائد أم
محنة أمة؟
قائد عظيم، ولا إقلاع:
- نجيب على هذا التساؤل: أولاً، بإيراد نماذج لقادة لا يُختلَف على عظمتهم،
ولكن متبوعيهم لم يكونوا على المستوى المطلوب من التجرد والوعي والإرادة،
فلم يستطع هؤلاء القادة الإقلاع بهم نحو الهدف المنشود:
- فموسى ﵇ كان رسولاً نبياً، بل من أولي العزم من الرسل،
وكان كليم الله، وقد شد الله أزره بأخيه هارون ﵇ واستطاعا بتوفيق الله
أن يواجها الطاغية فرعون وينقذا بني إسرائيل من القهر والذل الذي كانوا يعيشونه،
ولكن الخروج بهم من مصر لم يتبعه خروج إلى حمل الرسالة المنوطة بهم من
تقديس الله وبسط سلطانه في الأرض المباركة [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ] (إبراهيم: ٥) ،
فلننظر إلى مواقفهم بعد خروجهم من مصر ومعاينتهم للآيات البينات:
-[وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا
تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا] (البقرة: ٦١) .. ارتباط
بالأرض والشهوات.
-[وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً] (البقرة: ٥٥)
.. تطاول وجرأة على الله ورسله، واشتغال بما لم يكلفوا به.
-[وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداًّ لَّهُ خُوَارٌ]
(الأعراف: ١٤٨) .. انبهار بالمظاهر، وعبادة غير الله.
-[فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا
لَهُمْ آلِهَةٌ] (الأعراف: ١٣٨) .. دونية وتبعية نفسية للآخرين، واستهانة بأقدس
مقوماتهم وهو توحيد الله .
- وعندما أمروا بالتحرك للتمكين لهذا الدين، وقال لهم موسى - عليه
السلام-: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى
أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] (المائدة: ٢١) ، كان رد فعلهم أن: [قَالُوا يَا
مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ]
(المائدة: ٢٤) .. جبن، وسوء خلق مع الله ورسله.
ولكن بني إسرائيل دخلوا الأرض المقدسة بعد نحو أربعين عاماً تحت قيادة
نبي آخر هو يوشع بن نون، فما الذي تغير؟ لم تكن القيادة الجديدة أفضل من
موسى وهارون ﵉ ولكن الذي تغير هو خروج جيل جديد أثناء
سنوات التيه (أربعين سنةً في دروب الصحراء) في بيئة مختلفة عن بيئة القهر
والذل والارتباط بالدنيا وعبادة الأوثان التي عايشتها الأجيال الأولى تحت سلطان
فرعون [٣] ؛ فالذين خرجوا من مصر كانوا في الحقيقة أمةً معوِّقةً وحملاً مثقلاً لقائد
عظيم، بينما انطلق من أرض التيه فئة متيقنة بلقاء الله تعرف سنن الله في تدافع
الناس، وتطلب منه وحده الصبر والثبات والنصر.. انتصرت هذه الفئة رغم قلتها
ومع قائد على درجة أقل من سابقه.
أي: كانت المعوقات التي في بني إسرائيل أكبر أثراً في التغيير من عظم
إمكانات قيادة موسى وهارون ﵉ بينما نهض وعي الفئة الجديدة،
وإخلاصها لله، وإرادتها الجازمة، بإمكانات يوشع بن نون الأقل في العظمة مقارنةً
بموسى وهارون ﵉.
- ومن ذلك: حالة النجاشي بعد إسلامه؛ فقد كان محققاً لما يطمح إليه كثير
من فصائل الحركة الإسلامية المعاصرة، كان ملكاً يسيِّر دولةً وفي يده مقاليد الحكم،
ولكنه لم يستطع القيام بدور يتناسب مع حجم سلطاته؛ وذلك لأن قومه لم يكونوا
مؤهلين لقبول هذا التغيير.. وقد يقول قائل: إن قومه كانوا نصارى لا يؤمنون
بهذا الدين، ولكن هذا ليس محل تأثير في موضوعنا؛ فقوانين النهوض، والإرادة
في حمل رسالة، والدفع بالسنن التي يتم بها التغيير.. لا تتبدل بمجرد تغير دين
الأفراد، ونحن نبحث في العامل المؤثر في التغيير من خلال جدلية العلاقة بين
القائد والأمة، ولكي يتضح هذا العامل أكثر نذكر نموذجاً لا يتطرق إليه احتمال هذا
الاعتراض المذكور.
- هذا النموذج هو ما سجله التاريخ الإسلامي في الفتنة التي وقعت بين
المسلمين بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁، وأعني بذلك:
المواجهة التي حصلت بين أهل العراق بقيادة علي بن أبي طالب - رضي الله
عنه - وأهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان ﵁ فعلي لم يكن
أقل إخلاصاً ولا كفاءةً ولا شجاعةً من معاوية، بل كان أفضل منه وأسبق،
ولكن الفارق كان في الأتباع؛ فقد شاع في غالب معسكر علي ﵁
روح التفتيت والخروج من الصف والتطاول وعدم الطاعة، فكانت حياته معهم
محنةً شاقةً رغم ظهور رغبتهم في الاستقامة وطلبهم للإصلاح بدعوى الحرص على
الدين، ولكن ذلك شكَّل صورةً ونموذجاً للوعي الزائف، بينما امتاز معسكر
معاوية بالانتظام والسمع والطاعة، فصبت روافد جهودهم في نهر واحد جرى في
نهاية الأمر لصالحهم، وهذا ما أشار إليه علي بن أبي طالب ﵁
بقوله مخاطباً أتباعه: «وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم،
وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وخيانتكم وأمانتهم،
وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم ... » [٤] ، وهكذا لم يغن القائد العظيم عن
أتباعه غير المؤهلين شيئاً في إحداث التغيير والتمكين [٥] .
قيادة، ومثالب:
ونجيب على التساؤل: ثانياً، بإيراد بعض نتائج غياب الوعي في الأمة،
وتعلق آمال التغيير على مجرد وجود قائد مخلص فذ، ثم الالتفاف حوله وانتظار
توجيهاته، فمن هذه النتائج:
- سلبية الأفراد ووقوفهم حائرين مكتوفي الأيدي نتيجة استصغارهم لدورهم
والإمكانات التي في طاقتهم؛ وذلك لأنهم ينتظرون توجيهات القائد المنتظر، بينما
لا يعملون حتى على الارتقاء بأنفسهم ليكونوا مؤهلين للقيام مع هذا القائد بالدور
المطلوب منهم في التغيير.
- وجود أرضية خصبة للمتاجرة بالشعارات التي تحلم (الجماهير) بتحقيقها،
ثم إفراغ هذه الشعارات من مضمونها بعد إجهاض الدعوات الأصيلة التي ترفع
الشعارات نفسها، وبعدها يمكن السيطرة على الجماهير غير الواعية وتحويلها نحو
المضامين المنحرفة المستهدفة.
- تهيئة نفوس الأفراد لقبول قيادة أي فرد يحمل تطلعات الوصول والزعامة
ويستطيع ملء الفراغ الموجود، بإشباع تعطش الأفراد للانقياد، وذلك يتحقق بقفز
أفراد يملكون موهبة التصدر والظهور وارتداء ثوب الزعامة مع عدم تحقق مقوماتها
فيهم، وأحياناً مع عدم إخلاصهم، فيسهل قياد هؤلاء القادة وتوجيههم - وخلفهم
أتباعهم غير الواعين - إلى الوجهة التي يريدها الخصوم، أما في حالة كون الأتباع
على ما هو مطلوب من وعي وإرادة فإنهم يكشفون مبكراً زيف هذه القيادات
ويرفضونها ويضعونها في حجمها الحقيقي.
- إيجاد المناخ الملائم للاستبداد والانفراد بالرأي والتوجيه والقرار، والعمل
على مصادرة الآراء الأخرى، وتحجيم أي كفاءات غير إمَّعيَّة تبرز في الساحة، أو
قمعها بدعوى المحافظة على وحدة الصف، ومن ثَمَّ: يفقد الجميع إمكانات هذه
الكفاءات بدل استيعابها، وذلك فضلاً عن إهمال تكوين صفوف من الكوادر القيادية
المؤهلة والبديلة التي تستطيع شغل الفراغ بشكل صحيح عند غياب الصفوف
الأولى لأي ظرف من الظروف.
تكوين الأمة وانحراف مسارها:
ونجيب على هذا التساؤل: ثالثاً، بمدارسة التكوين الطبيعي للأمة صاحبة
الرسالة، وعلاقة القائد بذلك التكوين، وذلك من خلال النظر في نشأة الأمة
الإسلامية على يد رسول الله ﷺ ، ومن ثم: نستطيع رصد
الانحراف الطارئ حالياً على هذا التكوين وهذه العلاقة.
فالرسول ﷺ بعد صدعه بالحق في مشركي مكة التف حوله
المؤمنون به، فأخذ يحوطهم برعايته وتربيته حتى كونوا نواةً صلبةً (فئةً مؤمنةً)
لأمة واعية متماسكة، ولما كان المجتمع المكي حينها مستعصياً على التغيير المنشود
اتجهت الأنظار إلى يثرب، حيث استطاع رسولُ رسولِ الله ﷺ
مصعب بن عمير ﵁ العمل على تكوين قاعدة قوية تصلح لانطلاق
مجتمع (الأمة/ الدولة) من أرضها، وحينها هاجر المسلمون ومعهم الرسول صلى
الله عليه وسلم إلى هناك، فكانت (الأمة/ الدولة) الناشئة بقيادة الرسول صلى الله
عليه وسلم في الوطن الجديد (المدينة) .
وفي ذلك نلاحظ:
- أن قيادة الرسول ﷺ لصحابته في مكة لم تكن من منطلق
الزعامة السياسية والحق القانوني، بل كانت بتأثير (القرآن) ، عن طريق الدعوة
والتربية؛ فعلى الرغم من وجوب طاعته ﷺ المطلقة، وعلى
الرغم من توجيهه ﷺ لصحابته بما يدفع بالدعوة والمؤمنين بها في
المسار الصحيح، إلا أننا نلاحظ أن الرسول ﷺ لم يضع نفسه في
موقع صاحب السلطات في هذه المرحلة، فلم ينقل عنه ﷺ أنه
أمر العبيد المسلمين بالتمرد على أسيادهم المشركين أو اغتيالهم، وإنما كان يأمرهم
بالصبر، ويعمل على رفع البلاء عنهم بالوسائل المتاحة والمتعارف عليها في
المجتمع المكي، كما لم ينقل عنه ﷺ أنه أمر الأزواج المسلمين
بالانفصال عن أقرانهم ... ، وكان الخط العام في هذه المرحلة أقرب إلى عدم
السعي للانفصال العضوي عن المجتمع، كما أنه ﷺ لم يستخدم
نفوذه في تطبيق نظم تتسم بصفة السلطة على المؤمنين به حينها، فلم ينقل عنه
ﷺ أنه أمر بالتزامات مالية تؤدى في هذه المرحلة، كما لم ينقل
عنه ﷺ أنه سعى في رد عبيد الله بن جحش أو معاقبته عندما ارتد
إلى النصرانية أثناء هجرة المسلمين إلى الحبشة، وكذا: لم ينقل عنه معاقبة من
ارتد بعد الإسراء والمعراج [٦] ، فلحكمةٍ ما اقتصر الرسول ﷺ
على التوجيه من خلال تأثير الإيمان والتربية (القرآن) ولم يستخدم (سلطات)
القائد في هذه المرحلة.
كما أن سيرة المصطفى ﷺ توضح أنه خاطب الأفراد عندما
كان فرداً، وخاطب الطوائف والجماعات عندما كان فئةً، وخاطب الدول والملوك
عندما كان للمسلمين دولة، فلم نجد له ﷺ خطاباً إلى ملك من
الملوك في المرحلة المكية، رغم أنه بُعث للعالمين بالنص القرآني المكي [تَبَارَكَ
الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] (الفرقان: ١) [٧] ، وفي ذلك
إشارة إلى أهمية عدم القفز على المراحل وتخطيها قبل نضوجها.
- كما يلاحظ أن انتقال رسول الله ﷺ والمسلمين إلى المدينة
لإقامة مجتمع (الأمة / الدولة) الإسلامية لم يكن خارقاً لسنن التغيير، بل جاء
بشكل طبيعي وفق سنة من سنن الله الكونية في التحول من مرحلة وسيطة إلى
أخرى، هي سنة البرزخية؛ حيث توجد بين المرحلة المنتقل منها والمرحلة المنتقل
إليها مرحلة وسيطة لا تنتمي إلى هذه ولا إلى تلك، وفي الوقت نفسه: تحمل
بعض ملامح المرحلة السابقة وبعض ملامح المرحلة التالية، والبرزخية (الزمانية
أو المكانية أو الفيزيائية.. أو الاجتماعية) سنة كونية سارية في شتى نواحي الحياة
التي تتعلق بالانتقال، فالوقت بين طلوع الفجر وشروق الشمس برزخ بين الليل
والنهار، والوقت بين المغرب والعشاء برزخ بين النهار والليل، والربيع برزخ
بين الشتاء والصيف، والخريف برزخ بين الصيف والشتاء، ووادي محسر برزخ
بين منى ومزدلفة، وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، والنعاس برزخ
بين اليقظة والمنام، وسكرات الموت برزخ بين الحياة والموت، والقبر برزخ بين
الدنيا والآخرة، والشبهات برزخ بين الحلال والحرام، والتمييز برزخ بين الطفولة
والبلوغ، وغليان السوائل برزخ بين الحالة السائلة والحالة الغازية.. ويطول الأمر
إذا أردنا رصد حالات البرزخية باعتبارها سنةً من سنن الله الكونية في التغيير،
ولكن الذي يهمنا هنا أن تحول المجتمعات من حال إلى حال يخضع أيضاً لبرزخية
اجتماعية، وهذا ما نراه في تكوين المجتمع الإسلامي في المدينة، فقد تمثلت هذه
المرحلة البرزخية في الفترة الممتدة من بيعة العقبة الثانية وحتى الهجرة النبوية
المشرفة؛ حيث أثمرت جهود الرواد الأوائل من المسلمين بالمدينة - رضي الله
عنهم - في تغلغل الإيمان والتربية الصحيحة في هذا الوطن الجديد للمسلمين، حتى
إنه لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، أي: أصبح في
المدينة مجتمع يحمل رسالةً في الحياة، يتطلع إلى قائده الطبيعي للانطلاق به نحو
تطبيق هدف هذه الرسالة، وهنا انتقل الرسول ﷺ والمهاجرون
إلى المدينة لتأسيس المجتمع الجديد على الأسس الجديدة بعد التهيؤ لهذه المرحلة.
- الملحوظة الثالثة نستخلصها من الملحوظتين السابقتين: وهي عن رصد
آلية تكوين الفئة [٨] ثم تحولها إلى مجتمع أمة / دولة، وعلاقة ذلك التكوين والتحول
بموقع القائد من القاعدة.
فالأمر يبدأ بدعوة داعية - أو دعاة - إلى مبدأ يؤمن به ويضحي من أجله،
ويكون في هذا الداعية من مؤهلات التأثير ومقوماته ما يمكنه من جذب بعض
الأفراد للإيمان بما يدعو إليه، وهنا تبدأ مرحلة تكوين الفئة، حيث يربي صاحب
الدعوة المؤمنين بها تربيةً مكثفةً، وغالباً ما يكون هؤلاء المؤمنون على درجة
عالية من الإخلاص والإرادة، وهذا ما مكنهم من الإيمان بشيء جديد غريب يخالف
المألوف ومواجهة الملأ أصحاب المصلحة في استمرار هذا المألوف القديم، ويكون
موقع القائد (الداعية) في هذه المرحلة هو موقع القطب صاحب التأثير والجاذبية،
فتنجذب حوله عناصر القاعدة (الفئة) وتتلقى منه راغبةً مختارةًَ؛ فالقيادة هنا قيادة
طبيعية غير مفتعلة، والسلطان الذي تحمله هو سلطان الإيمان وأثر التربية.
في حالة نجاح الدعوة وانتشارها فإن المؤمنين بها يتطلعون إلى تجسيد ما
يؤمنون به والانطلاق بالرسالة التي يحملونها، وهنا يبحثون عن فئة أخرى
تنصرهم وتؤازرهم، أو عن وطن يستوعب تحولهم الكامل من فئة أخرى إلى أمة،
إن لم ينصرهم مجتمعهم ولم يستوعبهم وطنهم الأصلي، كما أنهم يعملون على إقامة
نظمهم ومؤسساتهم التي يطبقون عن طريقها المبادئ التي آمنوا بها، فيقيمون في
مجتمعهم الجديد دولتهم المأمولة، وعند ذاك تظهر حاجتهم إلى قائد بصلاحيات
جديدة (صلاحيات الدولة) يحمل سلطاناً إضافيّاً هو سلطان السلطات [٩] ، فيذعنون
لأقدر من يمثل مبادئهم وينطلق بالرسالة التي يؤمنون بها (الذي كان في صدر
التاريخ الإسلامي: رسول الله ﷺ [١٠] ، والخلفاء الراشدون الأربعة) .
عندها تتحد الدعوة بالدولة (القرآن بالسلطان) ويكون معيار النجاح هو قدر
المزج المنضبط بينهما للمحافظة على استمرار المجتمع ك (أمة / دولة) صاحبة
رسالة، حيث لن تحمل الأجيال اللاحقة الزخم نفسه من الإيمان والتربية التي تربى
عليها الجيل الأول من المؤمنين، كما أن الانتشار السريع والواسع سيضخم كتلة
الأمة بإضافة عناصر كثيرة لم تتح لها فرصة التربية الكافية، وربما لم تنهل من
الإيمان الصافي بالقدر الكافي، وهذا ما حدث في الفتوحات السريعة الواسعة في
العصور الإسلامية الأولى.
وفي هذا السياق نستطيع فهم القول المنسوب إلى عثمان بن عفان - رضي
الله عنه - «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ، فلقد قالها - إن كان قالها!
في وقت هو قائد أمة / دولة، وليس في مرحلة تكوين فئة / أمة، فكان لا بد
أن يحافظ على هذا التوازن ليسير المجتمع المسيرة الصحيحة.
وهنا نفهم أيضاً لماذا لم يستخدم ﵁ سلطات السلطان في فتنة
مقتله ومنع الصحابة الذين حوله من التصدي بالقتال لمن يحاصرونه؛ فليس ذلك
لمجرد حقن دماء المسلمين فقط؛ فهو أول من يعلم ﵁ أن قتال
الفئة الباغية من الدين، ولكن هذا المنع - في نظري - لأن ذلك التقاتل كان
سيؤدي إلى سقوط من تبقى من صفوف القيادات المستقبلية للمسلمين، وهو أمر
سيقضي على الدولة (السلطان) ، وهذا واضح من إصراره الشديد - رضي الله
عنه - على خروج كبار الصحابة من داره وطلبه عدم اشتباكهم مع المتمردين،
ومن قوله لمندوب المتمردين: «أمَّا خلعي، فلا أترك أمة محمد بعضها على
بعض» [١١] ، كما أن آفة جماهير المتمردين عليه كانت نقص أثر (القرآن) وعياً
وتربيةً فيهم، وهذا واضح في سيرتهم، وهو ما مكن اليهودي ابن سبأ من
استغفالهم وقيادهم، فآثر عثمان ﵁ أن يضحي بنفسه على أن
يضحي بالأمة والدولة.
مسيرة الانحراف:
ولنرصد الآن الانحراف الذي طرأ على هذا التكوين وهذه العلاقة:
- أثقلت الأمة بتضخم كتلتها البشرية فجأةً، ولم تسعفها الإمكانات ولا الوقت
لتربية المسلمين الجدد التربية الإيمانية المطلوبة.
- نشأ عن ذلك تضاؤل نسبة الوعي بالرسالة وأهدافها وسنن التغيير
والإصلاح، كما قلَّت نسبة المتحمسين أصحاب الإرادات والهمة العالية.. (تضاؤل
أثر القرآن) .
- تعويضاً لأثر ذلك التضاؤل: ارتفعت نسبة السيطرة والتوجيه عن طريق
سلطات الدولة وأجهزتها.. (تعاظم شأن السلطان) .
- بدأ ظهور ضمور وعي الأمة عند نقض عروة الحكم، وسوف يكتمل
بنقض عروة الصلاة (لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة،
تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن الحكم، وآخرهن الصلاة) [١٢] ، لأن الوعي
ينحسر من الدائرة الأشمل إلى الدوائر الفردية الأضيق، بعكس نشأته وتكوينه.
- نتيجة تضاؤل الوعي (كمّاً وكيفاً) في الأمة: شاع فيها على نطاق واسع
القابلية للاستغفال والاختراق والجمود.
- وحسب قاعدة (كما تكونوا كذلك يؤمر عليكم) [١٣] والنبوءة الصادقة
(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..) [١٤] كان يتولى القيادة أمراء
فيهم من نسبة التمثل بـ (القرآن/ السلطان) بقدر ما في الأتباع من نسبة الإذعان
لـ (القرآن/ السلطان) ، وكان هذا الخط يسير باتجاه الخلافة الراشدة، فالملك
العاضّ، فالملك الجبري [١٥] .
- كان يسير ملتحماً مع هذا الخط خط آخر باتجاه افتراق القرآن عن السلطان،
إلى أن تم الاستغفال شبه التام، فحدث الافتراق شبه الكامل بين القرآن والسلطان
على يد الدعاة على أبواب جهنم، في الوقت الذي انحدر فيه وعي الأمة وإرادتها
نحو المرحلة الغثائية.
صور من مسيرة العمل الإسلامي:
وبعد أن ظهرت الصحوة، وبدأت الرغبة في الخروج من هذه المرحلة
الغثائية ظهر السؤال: كيف السبيل لإصلاح الخلل الذي حدث في هذا التكوين وهذه
العلاقة؟
على أرض الواقع رأينا سبلاً عدةً، ولكن الذي يعنينا هنا هو محاولة التغيير
عن طريق التأثير في مركز القيادة الحالية؛ بناءً على تصور مؤداه أن انحرافها هو
الأكبر أثراً في الانحراف بالأمة، ومن ثَمَّ: فإن التأثير في هذه القيادة - بإرشادها،
أو قلبها واستبدالها - سيكون نقطة التحول إلى التغيير الأفضل - حسب هذا
التصور -، وترتب على ذلك: أن بعض الفصائل ركزت عملها في التغيير على
أحد سبيلين: الأول: محاولة الوصول بالطرق السلمية و (المشروعة قانوناً) أو
بالمنازلة السياسية إلى موقع يمكّنهم من التأثير على مركز القيادة الحالية أو
المشاركة في السلطات المؤثرة، والآخر: محاولة إزاحة أشخاص القيادات الفعلية
أو الأنظمة بأساليب العنف والمنازلة العسكرية (الجهاد المسلح) .
وإذا تجاوزنا البحث في مدى واقعية هذين السبيلين وسجل التجارب غير
الناجحة فيهما فإننا لا نستطيع تجاوز الاعتبارات الآتية:
أولاً: أن البحث في سبل التغيير لا يقتصر على مجرد البحث في حِلِّ عمل
معين أو حرمته (كالمشاركة في حكومات علمانية أو دخول برلمانات أو القيام
باغتيالات أو الاستيلاء على أموال..) فهو يشمل مع ذلك البحث: موازنة
المصالح والمفاسد، واستقراء السنن الربانية في التغيير، واستجلاء المنهج النبوي
في إقامة المجتمع المسلم، إضافةً إلى دراسة خصوصية الواقع المعاصر دراسةً
موضوعيةً.
ثانياً: أن المسلم يتعبد لله باتباع منهج نبيه صلى الله عليه
وسلم في التغيير، وكما أنه يعمل على عودة الخلافة على منهاج النبوة في تطبيق
القيم والأحكام؛ فإنه ينبغي عليه أن يحرص على أن تكون عودة هذه الخلافة من
خلال منهاج النبوة في النشأة والتكوين والتغيير أيضاً [١٦] ، كما أن المسلم مطالب
عندما ينفصل القرآن عن السلطان بأن يقترن بالقرآن (.. ألا إن الكتاب والسلطان
سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب ... ) [١٧] .
ثالثاً: أن الاستمرار في هذه المحاولات للقفز إلى السلطة مع عدم التقدير
الصحيح لإمكانات أطراف الصراع ومواقعها يستهلك جهود العاملين في الحقل
الإسلامي مع استمرار قناعتهم بأنهم يبذلون تضحيات وجهوداً مشكورةً في سبيل هذا
الدين، بينما الحقيقة أنهم كمن يجري على سير جهاز للتخسيس، يحرق سعراته
الحرارية ولا يغادر مكانه، وقد يغذي الأعداء هذه المحاولات بتخطيط ومكر بهدف
إلجاء الحركة الإسلامية إلى الدخول في نفق (الإجهاد المفضي إلى الإجهاض) ،
وقد يحرصون على جر الدعاة وأتباعهم إلى محاور جانبيه وإثارة قضايا جزئية،
تكون بمثابة الراية الحمراء التي يستثير بها مصارع الثيران الثور المتصارع معه؛
ليستهلك بها جهده ويوجهه الوجهة التي تمكنه من طعنه والقضاء عليه بعد هذه
الاستثارة وهذا التوجيه.
رابعاً: أن في هذا المسعى محاولةً لخرق سنن الله - تعالى - في التحول،
وتجاوز لسنة (البرزخية الاجتماعية) كما أوضحنا سابقاً، وهذا غير مستطاع ولا
ينبغي أن يطمح إليه ويعمل له؛ لعدم إمكانه وعدم واقعيته، فالواقع يشهد أن
المجتمع الإسلامي في تحوله إلى حالته الراهنة مرّ بمرحلة برزخية اجتماعية طويلة،
ولن يعود إلا من خلال برزخية اجتماعية معاكسة (قد تقصر وقد تطول) ، هي
التي نعيشها الآن، والتي قد تسمى عند بعض الكتاب (مخاضاً) وآخرون يطلقون
عليها (إرهاصات) وغيرهم يسميها (يقظةً) أو (صحوةً) ...
خامساً: أننا لو افترضنا جدلاً نجاح فصيل أو آخر في القفز إلى الحكم رأساً
وتملك قيادة شعب ما، فإنه سيكون قائداً غريباً غير طبيعي، كما أنه لو أقام دولةً
فهناك شك كبير أن يحِّول هذا الشعب إلى (أمة / دولة) لها رسالة تحملها وتضحي
من أجلها؛ لأنه (أي: الشعب) سيعتبر أن هذه الرسالة تملى عليه، ومن ثَمَّ:
سيسهل على المغرضين والمنافقين تضليل الجماهير واستعمالهم ضد هذه القيادة
المفروضة عليهم؛ مستغلين أن هذه الجماهير لن تحمل الانتماء إلى قيادة لم تخرج
منها، كما أن وعي هذا الشعب لن يكون في مستوى كشف الأساليب الملتوية
للمنافقين.
ومن يقول: إن قيادة هذه الجماهير سهل لأنهم أتباع كل ناعق ينسى أنه قد
يأتي من هو أكثر نعقاً منه فيسقطه وتتبعه الجماهير أيضاً.
بين النشوء الطبيعي والمصطنع:
وهذه النقطة تعود بنا إلى السؤال المحوري في هذا المقال: هل نعيش أزمة
قيادة أم محنة أمة؟ وأيهما ينصلح أولاً: الأمة أم القيادة؟ وكيف يكون اتجاه التغيير:
من أعلى إلى أسفل أم العكس؟
نبلور التطور الطبيعي لتكوين الأمة / الدولة في الآتي:
داعية ينشر دعوةً تفرز طليعةً (فئةً) تكوِّن أمةً تحمل رسالةً وتقيم دولةً
تختار قائداً.
ونبلور تصور الشكل الآخر المخالف للتطور الطبيعي - والذي رأيناه في
واقع تطلعات بعض الفصائل الإسلامية - في الآتي:
قائد يؤثِّر في نخبة تتحول إلى تنظيم يتميز عن الجماهير ويقفز على دولة
تتبنى دعوةً تملى على أمة.
- في الحالة الأولى: تظل جسور التواصل ممتدةً بين الطليعة (الفئة)
والجماهير، حيث تحرص هذه الطليعة على عدم التميز بغير ما تحمله من مبادئ
وقيم [١٨] ، لذا: فمجال الحركة أكثر انفتاحاً أمامها، كما أن أساليبها أكثر تنوعاً،
وذلك رغم وضع العراقيل والعوائق أمامها، أما في الحالة الأخرى: فإن تميز
التنظيم العضوي عن الجماهير - الذي يغذيه غالباً التعالي المصاحب للنفسية
النخبوية - ينحرف بهذا التنظيم نحو الانفصال عن الجماهير، إما بانحراف مسار
حركة هذا التنظيم، وإما بكيد الأعداء وتدبيرهم ومكرهم [١٩] ، ومن ثَمَّ: تسهل -
بعد التميز والانفصال - المحاصرة ثم الاستئصال، من غير أن تحس الجماهير
بفقدان شيء منها، سواء أكان هذا الشيء هو عناصر النخبة والتنظيم أو المبادئ
والقيم.
- في الحالة الأولى: تظل الطليعة متماسكةً حتى وإن تعددت الرؤى داخلها؛
لأن روح التحزب والتشيع يصعب سريانها فيها، ولأن أكبر ما يهمها هو نشر
الدعوة بين الناس لتعبيدهم لرب العالمين، أما في الحالة الأخرى: فلأن التنظيم
عضوي قائم على الضم والطرد حسب معيار (الالتزام الحزبي) فإن الفرصة مهيأة
لبروز تنظيمات أخرى تختلف مع بعضها نتيجة اختلاف الرؤى أو وجود الأهواء،
ومن ثم: تكون الفرصة مهيأةً أيضاً لانشغال هذه التنظيمات ببعضها، أو على الأقل:
عرقلة عمل كل واحد منها لعمل الآخر من غير قصد، بل قد يستعمل الأعداء
بعضها ضد بعضها الآخر.
ونود التنبيه هنا إلى أن مجرد وجود روح الحزبية المقيتة تؤدي إلى هذه
النتائج السلبية نفسها، حتى مع عدم وجود هيكل تنظيم عضوي، ولكن الفرصة في
ظل التنظيم العضوي تكون مهيئةً أكثر لبروز هذه الروح.
علينا التذكر: أن من عوامل سقوط الأندلس: كثرة الإمارات والدويلات
والتناحر بينها، وذلك ما أدى إلى ضعفهم جميعاً واستغلال الأعداء لذلك، فكان
سهلاً استئصالهم دويلةً إثر أخرى.
- قد يظهر أن الهدف (نشر الدعوة وتعبيد الناس لله سبحانه) بعيد
والطريق طويل في الحالة الأولى، وهذا صحيح لأول وهلة، ولكن عند التأمل فيه
نجد أنه طريق مستقيم، لذا: فهو أقصر طريق بين الهدف ونقطة الانطلاق، أما في
الحالة الأخرى: فقد يبدو - بهذا الأسلوب - أن الهدف قريب والطريق قصير؛
وهذا صحيح أيضاً للوهلة الأولى، ولكن الحقيقة أن الهدف يخالطه السراب،
والطريق إليه متعرج تكثر به المنعطفات والانتكاسات، لذا: فهو طريق أطول من
الأول، كما أن نتيجته (القفز إلى السلطة) ليست هي المستهدفة في المقام
الأول.
في الحالة الأولى: يكون القائد إفرازاً طبيعياً ملائماً لأمة واعية متيقظة
أثمرت فيها جهود الدعوة، فكان هذا القائد خارجاً من أسفل إلى أعلى، ومن ثَمَّ:
تلتف الأمة حول اختيارها رغم الصعاب لتنطلق وتحقق الرسالة التي تحملها،
ويصعب استغفالها أو سرقة خيارها أو التلاعب على مطالبها، بينما في الحالة
الأخرى: يكون القائد مصطنعاً مفروضاً من القمة على القاعدة، ولذا: فهو يبسط
سلطانه من خلال سلطاته فقط، ومهما كان هذا القائد فذّاً فإنه لن يستطيع الانطلاق
بأمة غير واعية أو ليس لها همة لتحقيق أهداف سامية، كما أن هذه الأمة يسهل
استغفالها وسرقة خيارها؛ لأن فيها القابلية للاستغفال نتيجة اضمحلال الوعي.
لتوضيح ذلك نضرب مثالاً متخيلاً: فلو توهمنا أن (الحزب الشيوعي
البريطاني!) استطاع أن يتسلل إلى الحكم بطريقة أو بأخرى، وأزاح الأسرة
البريطانية المالكة ووضع الحكومة المنتخبة في السجون، ثم فرض تصوراته
الماركسية وقمع الحريات في المجتمع البريطاني القائم على تقديس الحرية وشيوع
روح الإيجابية والفاعلية المؤثرة والمشاركة في الحياة العامة ... ، كم من الأيام -
بل من الساعات - نتصور أن يبقى في الحكم؟ ولماذا؟ ..
بعد التفكير في النتيجة والسبب قارن ذلك بما يحدث في بلدان أخرى من العالم!
فإذا كان الأمر كذلك فما هو البديل - أو الرديف - لأخطاء الواقع الحركي
الذي نعيشه؟
دور لكل مسلم:
وهذا ينقلنا إلى الشق الآخر من الموضوع، وهو الحديث عن أهمية تنمية
وعي الأمة وتفعيل إرادتها، فيمكن القول: إنه ينبغي ترسيخ مفهوم أن عمل أفراد
الأمة المؤثر في التغيير غير مشروط بانتظار قائد أو الانضواء في إطار عمل
تنظيمي عضوي، وذلك يتم إذا أمكن الارتقاء بوعي المسلم إلى المستوى الطبيعي
المفترض، وهو أن للمسلم رسالةً في الحياة تجاه نفسه وأسرته والآخرين لا يمكنه
التخلي عنها، وأن له شخصياً دوراً - كبر أم صغر - في حركة التاريخ البشري،
وأن حمل هذه الرسالة والقيام بهذا الدور ليس نافلةً يمكنه التخلي عنها، بل هما من
صميم الأمانة المكلف بها بصفته مسلماً؛ فالمسلم - بخلاف النصراني أو البوذي
... مثلاً - لا يصح له لكي يستقيم على الجادة أن يكتفي بالاعتكاف أو الانزواء في
معبد ويترك الحياة تسير كما يريدها شياطين الإنس والجن، كما لا ينبغي له حتى
الاكتفاء بـ (التبشير) بالإسلام كعقيدة على مستوى الأشخاص من غير أن يكون
لهذه العقيدة أثر في الواقع المعاش؛ لأنه في الحقيقة مأمور باتباع الدين كله، وفي
الوقت نفسه: لأن هذا الدين يشمل الحياة كلها، كما أن عليه العمل على إظهار هذا
الدين على الدين كله، وهذا لا يتأتى إلا بالحرص على التأثير في مجرى الأحداث.
وهذا ما رأيناه يحدث في سيرة الصحابة والصالحين جميعهم، ولكننا ننتقي
بعض الأمثلة الواقعية التي تدلل على ما نحن بصدده، وهو العمل على رفعة هذا
الدين والتغيير من أجله بما تسنح به الفرص وبالإمكانات المتاحة؛ لتصب في اتجاه
رفعة هذا الدين حتى ولو غابت القيادة، فمن هذه الأمثلة:
ما قام به أبو بصير ﵁ عندما انفلت من مكة إلى المدينة
فأرسلت قريش في إثره رجلين لرده من رسول الله ﷺ حسب بنود
اتفاق صلح الحديبية، وهذا ما تم بالفعل، ولكن أبا بصير لم يستسلم ويستكن، بل
تحايل - رغم صعوبة موقفه - واستولى على سلاح أحد الرجلين، ثم ضربه به
بينما فر الآخر، وجاء أبو بصير إلى رسول الله ﷺ وقال له:
«يا نبي الله! قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم» ،
قال رسول الله ﷺ : «ويل أمه، مسعر حرب لو كان له أحد!»
فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف (ساحل) البحر،
فكوّن مركزاً لإيواء وتجميع المستضعفين الهاربين من مكة من غير إحراج سياسي
لدولة المسلمين في المدينة، ثم أخذ هذا التجمع الصغير يكبر ويغير على قوافل
قريش التجارية، إلى أن أرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ
تناشده الله والرحم ضم هذا التجمع إليه، فأرسل النبي ﷺ إليهم،
فقدموا عليه في المدينة [٢٠] .
فأبو بصير ﵁ ما استكان ولا رضي بواقعه، ولا استقل
إمكاناته، ولا انتظر انضمامه الفعلي إلى جماعة المسلمين، ولكنه تحرك - وحده -
بفاعلية وإرادة نحو هدفه.
- المثال الثاني وقع بعد إعلان سقوط إعلان الخلافة العثمانية على يد
أتاتورك وزمرته من أعضاء حزب الاتحاد والترقي؛ حيث اندلعت في تركيا
احتجاجات واسعة واجهتها الحكومة الجديدة بالقمع والتنكيل، ثم منعت تدريس الدين
في المدارس، فحث الشيخ سليمان حلمي طوناخان الناس على مخاطبة الحكومة
باستعدادهم لتحمل تكاليف تدريس الدين لأبنائهم، ولكن الحكومة رفضت وهددت
وتوعدت، فانزوى المدرسون عن ذلك مقتنعين أن تعليم الدين غير ممكن في ذلك
الوقت وأنهم ليس عليهم حرج في الاعتذار عن ذلك، إلا الشيخ سليمان الذي
استعظم المسؤولية أمام الله فكان يبحث عن أحد يعلمه فلا يجد لخوف
الناس من الحكومة، فبدأ بتعليم ابنتيه في البيت على أن تقوما بتعليم زوجيهما
وأولادهما، ثم استحدث دفع أجر لطلبته نظير تعليمهم، وكان يرعى تلامذته بنفسه
حتى إنه كان يذهب بالمريض منهم إلى الطبيب، مما جعله يعيش على الكفاف،
ولكي يخفي طلبته عن عيون الرقابة الأتاتوركية عمد دائماً إلى تبديل أماكن تدريسهم،
فكان يدرسهم يوماً في غرفة مؤذن المسجد، وآخر في بيت أحد أتباعه، وثالثاً في
قبو مبنى، أو يستأجر مزرعةً ويخبئ طلابه فيها في زي العمال، يزرعون
الأرض صباحاً ويدرسون الدين مساءً، أو يذهب بهم إلى قمة جبل، ورغم انكشاف
أمره وتعرضه للاعتقال والتعذيب والملاحقة إلا أنه واصل مهمته التي انتدب نفسه
لها بإصرار وإرادة وتضحية مستحضراً أن: «ليس التعب يضنينا، ولا الإزعاج
يثنينا، سنسارع إلى نداء التعلم والتعليم والخدمة حتى وإن أدى بنا إلى
الموت» [٢١] .
- المثال الأخير في هذا الصدد مثال لحالة معاصرة عايشتها، وهي دليل على
أن أي شخص - مهما تضاءلت إمكاناته وقدراته ومهما كان موقعه - يستطيع أن
يساهم بعملٍ ما لنصرة هذا الدين وأهله؛ فقد ذكر لي أحد الأصدقاء (من غير ذوي
الوجاهة عند الناس) أنه وزوجته يحرصان على عدم شراء ملابس مصنوعة في
بلاد الكفر، وقد يطوفان هما وأولادهما على محلات عديدة ولا يشترون شيئاً رغم
توفر المطلوب من هذه البلاد بأسعار مناسبة وجودة لا بأس بها، وذلك حتى لا
يدعما بمالهما القليل أعداء المسلمين.
قد يكون أثر تصرف هذين الزوجين غير ملموس، وقد يشق عليهما الالتزام
بذلك.. ولكنهما في النهاية فعلا ما يمليه عليهما ولاؤهما للمسلمين، وقاما بما في
إمكانهما.. وقد يكون هذا هو الدور المطلوب من مثلهما.
فهذه النماذج - وغيرها كثير - توضح أن الشعور التلقائي بعد الإيمان بهذا
الدين هو العمل على نصرته وظهوره، وأن الفرد - مهما كان علمه وقدره
وموقعه - يملك من الإمكانات والطاقات ما يمكنه من لعب دور في حركة التاريخ،
ولكن المهم هنا هو الكشف عن تلك الطاقات والإمكانات - من نفسه أو من
الآخرين - وتجليتها وتفعيلها.
صحيح أن الإطار التنظيمي أو الجماعي أقدر على الاستفادة من هذه القدرات
وتوجيهها في مصب واحد لخدمة هدف محدد، ولكن الإلحاح في التعويل على هذا
الإطار يحمل أكثر من مخاطرة، منها - إضافةً إلى ما ذكر سابقاً - محدودية القدرة
على استيعاب جميع الأفراد، ومنها: الاقتصار على أفق القائمين عليه وتصوراتهم
وأهدافهم، ومنها: الجمود عن العمل والحركة إذا فُقِدَ هذا الإطار أو شُلَّ أو عُطِّل.
فإذا كان الأمر كذلك فكيف تتحول رغبة الأفراد في النصرة إلى عمل مؤثر
في حركة الأحداث تتجمع مفرداته لتصب في النهاية في الاتجاه الصحيح من دون
انتظار لدور (الآخرين) أياً كانوا: قائداً أو تنظيماً أو جماعةً أو أغلبيةً أو دولةً؟
في اعتقادي أن ذلك يتم من خلال عاملين:
الأول: استيعاب فهم سنن التغيير في الأنفس والمجتمعات، ونشرها في الأمة
ولو في صورة أولية غير معقدة.
الثاني: توفر الإرادة الجازمة والتصميم التام على العمل لهذا الدين من أي
موقع وبأي إمكانات، واستحضار ذلك في مواقف المسلم الحياتية مما ينشط فاعليته.
فهذان العاملان يكوِّنان سياجاً يحمي الأمة - من خلال أفرادها الواعين - من
الوقوع في السلبية أو في الإيجابية العكسية، وبذلك تستطيع أن توظف طاقاتها
للعمل على بصيرة خلف قائدها إن وجد، بحيث لا تكون عبئاً عليه، وفي الوقت
نفسه: تمارس الرقابة بوعي صحيح على هذا القائد حتى لا ينحرف عن المسار
المستهدف، كما تمارس الشهادة على الأمم الأخرى بأدائها الأمانة المنوطة بها، أما
إذا لم يوجد هذا القائد الذي يستحق أن تجتمع عليه الأمة فإنها لا تقف مكتوفة الأيدي
في انتظاره، بل يعمل كل فرد من موقعه بدافع ذاتي يغذه للتقدم إلى الأمام في
طريق الخير والإصلاح.
أخيراً: فإن نجاحنا في الإقلاع بالأمة مرهون بمدى أدائنا للبلاغ المبين، أي
: البلاغ الواضح الناصع، القوي الواسع الانتشار، وذلك أداءً لأمانة الدعوة، كما
أنه مرهون أيضاً بمدى قدرتنا على تفجير الشارع الإسلامي بالوعي بالإسلام على
الحقيقة وبالواقع دون تزييف، مع شحذ إرادته ودفعه نحو تفعيل دور أفراده في
الاتجاه الإيجابي الصحيح..
كل ذلك مرتبط بأن يكون التيار فوق التنظيم، ليحل التواكب محل التشرذم
والتنسيق محل الفوضى.
стр. 3645
قضية للمناقشة
التراجعات ... والمراجعات مازال السؤال قائماً ! !
د. ماجد الإبياري
بدأ يظهر في الفترة الأخيرة الحديث عن (التراجع والمراجعة) في العمل
الإسلامي، وأخذ المتحدثون يعرضون تصوراتهم، وتحليلاتهم حول القضية
المثارة.
وهذه المناقشة للقضية الجديدة التي بدأت تأخذ أنماطاً مختلفةً وصوراً متعددةً،
أثارت عدداً من النقاط الهامة التي ينبغي الوقوف عندها وتأملها و (مراجعتها) .
النقطة الأولى:
كثر الحديث عن تراجع الحركة الإسلامية من الكتاب الغربيين، ومن
العلمانيين العرب؛ وهؤلاء وأولئك ليسوا محل حديثنا؛ إذ شدة عداوتهم لدين الله
وكل عمل لنصرته لا تخفى على أحد، لكن مجال حديثنا عن فئة من الإسلامين لا
نقول إنها تابعت الغربيين والعلمانيين في تحليلهم للظاهرة، ولكنها تولت الحديث
عن ذلك في الوسط الإسلامي.
إن الفئة التي تولت إظهار هذه المسألة - ولا زالت - فئة لها مكانتها ولها
دورها الرائد في العمل الإسلامي، إنها فئة من أهل الفكر والثقافة. فلم تُثَرِ المسألة
من عالم مشتغل بنشر العلم والتعليم، ولم تُثَرْ كذلك من داعية أو مربٍّ يشغله واقع
العمل الدعوي (التطبيقي) ، ولم نسمعها كذلك من خطيب أو واعظ مهتم بتوجيه
الناس ونصحهم.
لم تُثَر القضية من أولئك جميعاً بالرغم من كونهم شركاء أهل الفكر والثقافة
في العمل الدعوي، وإن أثيرت فليس بتلك الصورة.
ومع التقدير الشديد لأهل الفكر إلا أننا نخشى أن يكون ذلك طريقاً جديداً يراد
توجيه الدعوة إلى سلوكه، خاصةً أن هناك شبه تواصٍ به فيما بينهم، وكم سلكت
الدعوة طرقاً وجَّهها إليها أفراد منها، لهم مكانتهم ومنزلتهم في الدعوة، ولم يُشرك
في ذلك بقية أهل التوجيه والعلم والخبرة، وكانت النتيجة مرارةً شديدةً تجرعتها
الدعوة.
أحد أولئك المفكرين، وفي وقت فورة العمل المسلح لعدد من الجماعات
الإسلامية في عدد من البلدان، لم يكن يرى من سبيل لإخراج الأمة من أزمتها إلا
ما تقوم به هذه الجماعات؛ فلا يفل الحديد إلا الحديد! ! ثم ما لبثت الأيام تمضي
وهدأت - الفورة أو قضي على الثورة - حتى خرج علينا يسير في اتجاه معاكس
يحاول إلزام الدعوة على السير معه، وذلك حين دعا إلى أن تلتزم الحركة
الإسلامية خياراً استراتيجياً جديداً يقضي بإلغاء فريضة الجهاد!
وآخر راح - بعد تراجعه - يسفِّه كثيراً من الحركات الإسلامية ويتهمها
بنقص الفهم وسذاجة العقل، مع أنه كان أحد الرموز الهامة في ذلك الفريق الناقص
الفهم، الساذج العقل.
فهل يتوقع هذا أو ذاك أن تنخدع الدعوة بهم مرتين، أو أكثر من ذلك؟ وهل
ما زالوا يتوقعون أن آراءهم الفردية وطروحاتهم الشخصية سوف تلاقي تجاوباً
سريعاً كما كانت من قبل؟ ولهذا فلا عجب أن يكون أول المتأثرين بنتائج (موضة
التراجع) السلبية الذين تولوا كبر تضخيمها.
ونعيد: مع تقديرنا الكبير لأهل الفكر والثقافة، ودورهم الاستشرافي
لمتطلبات الدعوة بقراءة الماضي، ودراسة الحاضر، إلا أن التجارب التي مرت
بها الدعوة الإسلامية تنبئنا أن مثل هذه القضايا الكبيرة تحتاج - لكي نسلِّم بها،
وكونها قضية كبيرة توجه لها الجهود والطاقات - إلى أهل العلم والدعوة، مع أهل
الفكر والثقافة، تحتاج لكي نخرج لها بحل يصلح الأمة وتبرؤ به الذمة، إلى اتفاق
المنظرين مع التطبيقيين.
النقطة الثانية:
ما هو التوصيف الواضح لمصطلح (التراجع) هل يعنون به تراجع مستوى
الأداء في العمل الإسلامي، علمياً كان أم عملياً: في الأفكار والتصورات، أم
الأهداف والسياسات، في حجم العمل أم نوع العمل؟ أم يقصدون ذلك كله ومثله
معه! ؟ وإن كانوا يقصدون ذلك كله فإن التراجع لا يكون إلا عن مستوى أعلى
ومتقدم، وإن كان ذلك كذلك فلماذا يُغرِق أولئك في تفاصيل إخفاق العمل الإسلامي
في كل مجالاته، ومنذ نشأته الحديثة، ولم نرَ في كتاباتهم الأخيرة حول هذه
الظاهرة إلا النقد الشديد للحركة وإنجازاتها؛ فهي عندهم لم تعرف التخطيط
وطرائقه، ولا المنهجية الحركية وسبلها، ولم تحقق شيئاً من أهدافها - إن كان لها
أهداف - وحركة بهذا الوصف، هل يكون لها إنجازات تتراجع عنها؟ فعن أي
تراجع يتحدث القوم؟ !
النقطة الثالثة:
لم تخرج كتابات الخائضين في مسألة التراجع عن كونها توصيفاً لواقع مأزوم؛
فجُلُّ الكتابات تركز على بيان أهداف الدعوة الإسلامية الكبرى، وتعرض نماذج
من صور الإسلام المشرقة في القرون المفضلة، وكيف واجه الرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم الجاهلية الأولى، ثم تُعرِّج بعد ذلك على أسباب انتكاسة الأمة وتنكبها
الطريق القويم، وسطوة أعدائها وتكالب الأمم على القصعة، ثم يأتي الحديث عن
نشأة الحركة الإسلامية الحديثة، وكيف كانت البدايات ساذجةً، ولم تكن مدركةً
للواقع العالمي، ولا حتى المحلي فضلاً عن الإقليمي، ثم تسهب الكتابات في
أسباب الخلل الداخلي بشتى صوره ... إلخ، وهذا كله صحيح في مجمله. ثم إذا
عنونت عناوين أمثال: (كيف نخرج من الأزمة؟) أو (الخروج من التيه) أو
غير ذلك من العناوين التي تُفرح كل مغتم ومتألم لحال الأمة، تجد بعد الشرح
المستفيض الذي استغرق مئات الصفحات، يُقتضب الكلام، ويجمل الحديث إجمالاً:
إنه (بالعودة الصادقة للمنهج الرباني) ! ! و (اتباع سبيل سلف الأمة الصالح في
التربية والدعوة والجهاد) ! ! و (إدراك الحركة لمخاطر الكيد اليهودي والنصراني
وقوى الشر المتكالبة على الأمة) ! ! و (ضرورة التكاتف والتآزر بين فصائل
العمل الإسلامي، والاعتصام بالأخوة الحقة) ! ! ، بل منهم من قال بعد عشرات
الصفحات في بيان تقصير الأمة وتواكلها وتخاذلها عن العمل: (إن نصرة هذا
الدين بيد الله ، ولا تحتاج إلى جهود بشرية؛ فإنه إن قال
للشيء (كن فيكون) ! ! فعلامَ الحديث السالف إذن عن أثر الفكر الإرجائي
والصوفي والتواكلي وخطورته على الأمة؟
إن كل ما قيل حق، ولا غبار عليه، وهو كلام جميل ورائع؛ ولكن يا أحبتنا!
يا من سوَّدتم تلك الصفحات في عرض حال أمة يعلمه الجميع، ويدركه الصغير
والكبير! نشكر لكم هذه الحلول (العامة) التي نتفق وإياكم على صحتها، ولكن
أخبرونا مأجورين عن تفاصيل ذلك! أفيدونا مشكورين عن برنامج علمي قابل
للتطبيق العملي في وسط هذه الظروف الحوالك التي أظلمتم بها الدنيا في وجوهنا،
كيف الطريق التنفيذي للعودة إلى المنهج الصافي؟
إن توحيد الصفوف وتراصَّها مطلب ملحٌّ للغاية، ولكن أخبرونا بالسبيل الذي
يوحد به عشرات الألوف من الشباب الذين تربوا على تزكية النفس، وعلى التربية
الروحية والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، تربوا على ذلك عشرات
السنين، كيف يوحد هؤلاء مع ألوف أخرى لم ترَ من طريق لنصرة دين الله إلا
مقارعة الباطل بكل ما تيسر لها، من تسفيه إعلامي، وتحقير سياسي، وحرق
وقتل وتدمير، ويرون ذلك كله جهاداً وإعلاءً ونصرةً لدين الله؟ كيف السبيل إلى
رص الصفوف بين هؤلاء وأولئك بعدما كبر الصغير هنا، وشاب الكبير هناك على
ما أُشربوه من مفاهيم؟ هذا مع فرض أن القادة والموجهين قد تآلفوا وتعاونوا؛
فكيف وقلوب رؤوس الناس لم تصفُ بعد؟ !
إن طرق الحلول بهذه الوسيلة ليذكرنا بمن يعظ الناس في أهمية الخشوع في
الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ولأنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، ولأن
الله ربط الفلاح بذلك حين قال: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ
فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ] (المؤمنون: ١-٢) ، والعبد إن صلحت صلاته صلح
سائر عمله ... إلخ؛ وهذا كله مسلَّم به، ولكن كيف نخشع في الصلاة؟ هذا
جانب لا يتطرق إليه الناصح، وينقطع حديثه، أين هذا ممن يصنف في ذكر
عشرات الطرق لكيفية الخشوع في الصلاة؟
إن التوصيف أمر هين، يحسنه أصحاب الأقلام، ومن لم يمسكوا الأقلام،
والمريض بسهولة شديدة يصف أعراض مرضه للطبيب، ولكن الطبيب لا يزيده
وصفاً آخر، قد يذكر له أسباب المرض حتى يتوقاها بعد ذلك؛ ولكن دوره لا يقف
عند ذكر الأسباب، بل يصف له علاجاً لهذا المرض بعد معرفته بوصفه وسببه،
ويحدد له موعداً لتعاطي الدواء وحجم الجرعات ومدة التناول، ويطلب منه
مراجعته للتأكد من صحة سير العلاج وتحسُّن المريض، فإن لم يكن أهل العلم
والفكر والدعوة أطباء الأمة، فأي دور يريدونه لأنفسهم؟ !
ولا شك أن القضية المطروحة للنقاش جدُّ هامةٍ، فهي واقع معاش، ولكن لا
بد من وضع القضية في إطارها الصحيح، وحجمها الصحيح، وتقدير زمانها بشكل
صحيح. إن تراجع العمل الإسلامي الحالي عما قدمه قبل ذلك حاصل بلا شك،
والعودة لمراجعة ذلك التراجع خطوة صحيحة على الطريق، ولكن قضية التضخيم،
والمبالغات، والتوريم السطحي لقضايا كبيرة تمس حياة الأمة، هو أمر ينبغي
التنبيه عليه. وإنها لمهمة عظيمة وخطيرة في الوقت ذاته، تحتاج إلى أصحاب
الأفهام والعلم الأصيل، وتحتاج إلى رجال يتحرقون لآلام أمتهم يبيعون أنفسهم لله.
ولكون محدثكم ليس من هؤلاء ولا أولئك فلا يستطيع تقديم صورةً علميةً قابلةً
للتطبيق العملي في هذا الواقع المأزوم، ولكن في الإمكان أن تكون هذه دعوة
لرموز الأمة من علمائها الأبرار ودعاتها الأطهار، ومفكريها الأخيار الذين
يستطيعون أن يجتمعوا ويأتلفوا، ويضعوا مسألة التوصيف جانباً؛ فقد وصفنا بما
فيه الكفاية، ونحتاج إلى برامج عملية لحل إشكالات الأمة الكبيرة، وإلا بقي
السؤال قائماً: كيف نخرج من الأزمة؟