← Джавами‘

Джавами‘ · id 1541

مجلة البيان

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 988 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

ملفات التنصير.. هل أصاب الهدف؟ (٣ - ٣) ٣٧ نصيحة للمنصرين في الجزائر الترجمة: مركز التنوير الإسلامي القاهرة الإعداد والتحرير: أبو إسلام أحمد عبد الله رئيس المركز في تقرير أصدرته لجنة التنصير بكنيسة كليفلاند البروتستانتية في أمريكا، مكون من ٩٤ صفحة، حول تجربة التنصير في عدد من قرى دولة الجزائر ومدنها، على مدى خمس سنوات متتالية، ختمت اللجنة تقريرها بتلخيص لما تضمنته الدراسة في ٣٧ نصيحة، تحت عنوان: (اقتراحات نهائية) ، تدور كلها حول أسلوب التنصير بين عوام المسلمين الجزائريين الذين أسمتهم الدراسة: (المسلمين الشعبيين) . اعترف التقرير في صفحاته الأولى بصعوبة التنصير بين المسلمين، إلا إذا كانوا طائفة من ثلاث على وجه التحديد: أن يكونوا من جماعات صوفية، أو أن يكونوا تابعين لمذهب شيعي، أو تابعين لطائفة القاديانية؛ إذ إن هذه الطوائف الثلاث تشترك مع عقيدة النصارى في قبول ما يعرف بالحلول الإلهي في الإنسان، وهو ما يمهد الطريق أمام المنصر لقبول عيسى المسيح ابناً لله. فماذا عن عوام المسلمين في الجزائر؟ وإلى أي مدى استطاعت الإرسالية التنصيرية تحقيق أهدافها؟ يؤكد التقرير بأن ثوابت المسلم الجزائري، حتى المسلم الشعبي - حسب تعبيره - ليس من السهل تحريكها، أو قبول المساومة حولها، أو التنازل عنها. ولذلك لم تكن هذه النتيجة المفجعة للإرسالية - مع رجل الشارع الجزائري - هي نهاية المطاف، ولم تكن هي الصخرة الوحيدة التي تحطمت عليها طموحات الإرسالية؛ إذ استطرد التقرير قائلاً: «أما المسلم الجزائري العلماني الذي تأثر بالأفكار الأوروبية وموجة الإلحاد التي تجتاح الشارع المغربي اليوم، فإنه لم يتخلص بعدُ من تأثيرات الجانب الإيماني في الإسلام، إلى الحد الذي يمكن وصفه أحياناً بالخصم الروحاني.. لقد سلَّموا أنفسهم جميعاً للغيب، لعدالة الله التي وعدتهم آيات القرآن، فجعلت الواحد منهم مطمئناً وراضياً بما هو فيه ومؤمناً تمام الإيمان بما أُخبر به» . إن الذي يحير البعثات التنصيرية تلك الثوابت الراسخة في حياة المسلمين، خواصهم وعوامهم، فكانت الإشارات واضحة للجنة التنصير إلى ضرورة «الحذر من مواجهة المسلم الجزائري أي مسلم جزائري بدءاً من الأطفال وانتهاء بالشيوخ والعجزة - بأن يسوع ابن الله أو أنه الله المنقذ المخلص؛ لأن المسلمين في الجزائر مثل الوهابيين السعوديين والأصوليين المصريين، يعتقدون بيسوع آخر غير الذي عندنا (عند النصارى) والذي يعني (المنقذ) . هؤلاء الأصوليون لا يعرفون غير عيسى المسيح بأنه نبي واحد. واختصاراً لصفحات طويلة، نصل إلى خلاصة تجربة لجنة التنصير الإنجيلية - التي مارست عملها في قرى الجزائر ومدنها لمدة خمس سنوات متتالية - في سبع وثلاثين نصيحة، جاءت على الترتيب الآتي، وقد زدنا عليها العناوين الجانبية لمزيد من التوضيح والبيان: غيِّروا ملابسكم واحتشموا: ١- غالباً ما تكون الملابس الغربية التي يرتديها المنصرون موضع انتقاد ونفور من المسلمين، ولذا فمن الأفضل للمنصر أن يرتدي زي المنطقة التي يعمل بها، وكذلك زوجته أو العاملات اللائي يساعدنه في الإرسالية، كما يجب على المبشر ألا يرتدي شورتاً في زيارته للمسلمين، ومن الخطأ جداً على البنات أو النساء المشاركات في البعثة، أن يرتدين ألبسة قصيرة، تسبب لهن الحرج عند جلوسهن على حصائر مع النساء المسلمات [١] . لا يجلس خلفكم أحد: ٢- عند جلوسك بين المستمعين لدعوتك، يجب أن تختار مقعدك وموقعك بعناية شديدة، فيكون الجميع أمامك، تراهم وتنظرهم بعينيك، فلا تسمح لأحد أن يحدثك من مستوى أعلى أو من نافذة علوية أو طابق علوي، كما عليك أن تحذر من أن يجلس واحد خلفك لئلا يسمح له موقعه بعمل إشارات تطعن فيما تقول [٢] . حادثوا فرادى المسلمين: ٣- ليس من الحكمة أن تتحدث مع مسلم عن إيمانه أو إيمانك الشخصي في حضور مسلم آخر؛ فذلك يجعله على الفور مدافعاً بحرارة ومرتقياً بدينه، خاصة إذا كان في القرية سكان غير مسلمين يشاركونهم في الأرض وفي السيادة [٣] . زوروهم وأنتم فرادى: ٤- من الحكمة أن يكون معك في دعوتك رجل آخر واحد أو امرأة واحدة فقط منعاً للاستثارة. اخلعوا أمامهم أحذيتكم: ٥- في سلوك المسلمين عامة وفي الجزائر خصوصاً، كثير من الاحترام والتبجيل وكرم الضيافة لضيوفهم، حتى لو كان الضيوف من غير دينهم؛ فربما يحضرون لك كرسياً عند زيارتك لهم ويرغبونك في الجلوس عليه وهم جلوس على الأرض، فلا بد أن تتجنب ذلك مهما كان قدر الضغط عليك. دعهم يرونك مجرد إنسان، تكون كما يكونون، ولا تنس أنهم يستعملون الحصير الذي يجلسون عليه في صلاتهم، ولهذا فهم يخلعون أحذيتهم قبل الجلوس عليها، ولا بد أن تفعل مثلهم. قف أو اجلس مثلهم: ٦- لا بد أن تراعي قانون المكان في مجلسك، فتكون جالساً أثناء الوعظ إذا كان الكل جلوساً، وتكون واقفاً إن كنت في مكان عمل أو سوق أو في مكان مسموح فيه بالاجتماع. خزعبلات ولكن إياك أن تعاديها: ٧- اللغة العربية عند المسلمين تسمى (لغة الملائكة) وهم يبدون الوقار والاحترام للنص العربي ويعتبرونه صكاً مقدساً، في مواجهة النص الفرنسي الذي يذكِّرهم بالاحتلال، وتستطيع أن تستفيد من هذه الخزعبلات، مبيناً لهم أننا أيضاً نحب الحروف العربية ونجد المتعة في قراءتها، واحذر أن تقرأ نصاً بلغتك غير العربية، حتى لو أن تلجأ لكتابته على لافتة دون أن تقرأه [٤] . صلِّ من أجلهم: ٨- صلِّ قبل لقاء المسلمين، وصلِّ وأنت بينهم، وبعد أن تتركهم، أن يسكن سيدنا قلوبهم. الاستعداد للنقاش: ٩- قبل اللقاء اكتب أهم النقاط التي سيدور حولها النقاش، واستخدم كثيراً كتابك المقدس، وضع خطوطاً تحت المواضع التي تناسبك، لتجدها سهلة ومريحة. احذر من السقوط: ١٠- اعتمد على الروح القدس لتهديك إلى هدفك، فربما تُقتاد نحو هدف آخر. التمهيد للرسالة: ١١- ابدأ وعظك لعشر دقائق حول التقاء الأديان والبشر في المولد والموت، وفي لقاء الله بعد الموت. الموضوع الواحد: ١٢- تعامل مع موضوع واحد طوال الوقت؛ فإن حقيقة واحدة تكون كافية للقاء واحد. المسلم يحترم شجاعتك: ١٣- يعجب المسلمون بالرجل الذي يتحدث بشجاعة عن معتقداته، فلا تخش أن تتكلم بالحقيقة كاملة، ولا تحذر إلا أن تجرح دينهم ومعتقداتهم أو تسيء لقرآنهم ونبيهم وعبادتهم. الاعتذار وسيلة للهروب: ١٤- لو سئلت سؤالاً لا تعرف إجابته أو استشعرت في الإجابة ما يعوق أهدافك، فإن من الأفضل أن تعتذر بعدم علمك وترجئ الإجابة لوقت آخر؛ وتشغل سامعيك بسرعة بموضوعك أنت الذي تعظ فيه. الأرضية المشتركة: ١٥- قاعدة أساسية للوعظ أن تذكر بين الحين والآخر ما هو متفق عليه بينك وبين المسلمين. احذر من السقوط: ١٦- استعن دائماً بأحد الكتب التي تهتم بالرد على اعتراضات المسلمين، واحتفظ بصفحة واحدة لكل اعتراض، واحذر أن تُستدرج لمناقشة اعتراض لم تُعِدَّ نفسك لمناقشته. لا تناقش الثالوث: ١٧- من الحكمة [٥] تجنب مناقشة عقيدة الثالوث ولو للحظة واحدة، ولو كان ذلك بإيضاحات مثل: إن الثالوث كالرجل الذي له ثلاث وظائف، أو كالشمس متعددة الأشعة والوظائف، فإن تلك الإيضاحات تناسب العقل الغربي) لكنها لا تقنع العقل المسلم [٦] . أقنع المسلم أنه مخطئ: ١٨- تذكر أن المسلم لن ينحني أبداً ليسوع، سيداً منفرداً عن الروح القدس، فلا تحاول إقناعه بذلك، واحرص أن تقنعه به في لقاء آخر. لا تستخدم العفاريت: ١٩- لا تحاول أن تستخدم مواهب الروح القدس [٧] ، مثل التكلم بألسنة غريبة أو عمل معجزة أمامه [٨] ؛ لأنه سوف ينسب ذلك إلى الأرواح الشريرة، ولن يقبل المسلم إلا ما تتحدث به إلى عقله، وبلغته التي ينجذب إليها. بِع له الإنجيل ولا تهده: ٢٠- تذكر أهمية الكتاب المقدس ولا تحاول أن تهديه إلى مسلم إلا بثمن، واعلم أنه سوف يرفض شراءه منك؛ لأنه لا يحمل الاصطلاح الإسلامي:» بسم الله الرحمن الرحيم « [٩] ، فذكِّره بأنه حينما يشتري خبزاً فلن يجد عليه هذا الاصطلاح، إنما هو يقول:» بسم الله الرحمن الرحيم «ويأكل، فلِمَ لا يفعل الشيء نفسه مع كلمة الرب [١٠] ، التي هي خبز الحياة؟ احترم إنجيلك كاحترامهم للقرآن: ٢١- المسلمون في الجزائر مثلهم مثل كل المسلمين يتعاملون مع القرآن بكثير من الاحترام والتقديس والرهبة، فحاول أن تتعامل مع الكتاب المقدس بنفس القدر أمامهم، فلا تحط من قيمته. استفد من جوع المسلمين: ٢٢- كثير من المسلمين الشعبيين تائهون عن الحقيقة، يبحثون عن المنقذ الذي يواجهون به حالات الطرد والتشريد والجوع والاضطهاد التي أصابتهم حتى الموت خلال السنوات الأخيرة، ومن الواضح أن الرب يهيئهم حتى تعمل برسالته بينهم [١١] . ربكم يبارك دعوتكم للمسلمين: ٢٣- إن السيد ينادي الشباب أن يخدموه بين المسلمين بكثير من الصبر الذي يأتي بالعظمة للرب يوم نقف أمام العرش ويصيح رجل بصوت عال:» الخلاص لربنا الجالس على العرش ومعه الخروف « (! !) . شاركوا المسلمين دهشتهم لتعدد كتبنا: ٢٤- المسلمون يدهشون عندما يجدون أن الكتاب المقدس هو كتابان، أولهما العهد القديم المعروف بتوراة موسى والذي يضم تسعة وثلاثين كتاباً، وثانيهما العهد الجديد المعروف بإنجيل عيسى، لكنهم سيدهشون أكثر إذا عرفوا أن العهد الجديد يضم أربعة أناجيل، والأناجيل الأربعة سبعة وعشرون كتاباً، ولذا فإنه من الأهمية بمكان أن نقترب من المسلمين بمشاركتهم الدهشة، وإنكار أن لدينا عدة كتب؛ لأنها جميعاً عبارة عن بشارات سارة وليست هي الكتاب الذي نزل على المسيح من السماء. حذارِ أن تنسب الإنجيل لله: ٢٥- لسوء الحظ [١٢] أن أناجيلنا تنتسب إلى مَتَّى ولوقا ومرقص ويوحنا، وهي إساءة لا يمكن حذفها؛ فاحذر أن تنسبها إلى الله؛ لأن كلام الله عند المسلمين هو شريعة وقانون. لا تذكروا اسم بولس: ٢٦- حاول كثيراً أن تتجنب في مناقشتك اسم بولس الرسول، فإما أنهم لم يسمعوا عنه من قبل وهذا يثير حفيظتهم لذكر رسول لم يسمعوا عنه، أو أنهم قد سمعوا عنه؛ حيث يعتبرونه أسوأ رجل في تاريخ النصرانية؛ لأنه اخترع [١٣] مفاهيم لم يجئ بها المسيح، وهذا في الحقيقة ما قرأه أئمة المسلمين قديماً في كتب كبار النقاد الغربيين لتاريخ عقيدة النصرانية. لا تقل إن المسيح ابن الرب: ٢٧- حاذر أن تقول إن المسيح ابن الرب؛ فأنت بذلك تفعل شيئاً مزعجاً يعتبرك به المسلمون» مشركاً بالله «، وهذا يعني - في اللغة العربية - أسوأ الخطايا التي يمكن أن يرتكبها بشر تجاه الله. المسلمون وثنيون ضالون فلا تصفهم بحقيقتهم: ٢٨- تبعاً لبولس الرسول فإن المسلمين جميعاً يمارسون الوثنية التي هي مكروهة عندهم لتصديقهم القرآن واتباعهم محمداً [ ﷺ ] باعتباره رمزاً لخطيئة البشر التي ترفض كفارة ربنا يسوع وفداءه، فاحذر أن تصفهم حسب وصف بولس (الضالين) ولا تعوِّل على قناعتهم بدخول الجنة إذا نفَّذوا شريعة قرآنهم وإنكارهم لفداء المخلِّص. نؤمن بقانون الله وإيماننا بيسوع أعظم: ٢٩- المسلمون يصدقون أن الله لديه سلطة كافية لكي يسامح أي إنسان على أخطائه، وأنهم سوف يكونون على الصواب إذا ما نفذوا قانونه وشريعته، بينما نحن نعتقد بأننا نكون على الصواب إذا ما كنا نؤمن إيماناً كاملاً بيسوع المسيح ربنا وسيدنا، وليس بفعل ما يأمر به القانون، فهل يعني هذا أننا نرفض القانون أو نبتعد عنه؟ إننا نهتم مثل المسلمين بالقانون وبالشريعة، ولكن إيماننا بالمسيح الرب المنقذ المخلِّص الفادي يكفينا لأن نحقق كل الصواب الذي يريده الرب، وكل خطايانا قد بذل روحه فداءاً لها؛ لأن ربنا [١٤] يجعل المذنب الذي يؤمن به، بريئاً من كل ذنوبه. أبو الأنبياء كان خطَّاءاً فلا تذكروا هذا للمسلمين: ٣٠- إن إبراهيم [﵊] لم يحيَ حياة مستقيمة [١٥] ، وقد فعل أخطاءً كثيرةً، لكنه عند المسلمين» أبو المؤمنين «ويعتبر مثالاً لهم، وهذا ما يجب أن نوضحه للمسلمين بشجاعة، دون أن ننقد القرآن الذي جعل إبراهيم أباً للأنبياء. المسلمون لا يضمنون الجنة ونحن بيسوع نضمنها: ٣١- يتباهى المسلمون بقدسية قرآنهم التي لا ترقى إليها أناجيل النصارى، فلا تحاول أن تقلل من أهمية هذه القداسة، ولكن يكفي أن تطرح عليهم سؤالاً: - هل يوجد مسلم واحد على وجه الأرض يؤكد له القرآن أن زيارته لمكة لأداء فريضة الحج مقبولة عند الله أم لا؟ بالطبع سوف تكون الإجابة بالنفي؛ لأن القرآن ينص على أن الجزاء عند الله يحدده بعد الموت، أما عندنا، فيكفي الإيمان بيسوع [١٦] ، لنضمن أن كل أعمالنا مقبولة، فأي الطريقين نختار؟ إشكالية حروف الجر: ٣٢- لا يستطيع مسلم أن يقول: أنا أعرف الله، إنما دائماً يقول:» أعرف عن الله «،» أعلم عن الله «،» أتحرك بعون الله «فهناك حرف جر يفصل بين المسلم وربه؛ لأنه يظل يبحث طوال حياته» عن «معية الله، لكننا [النصارى] بإيماننا بالرب نعرفه بدون حرف جر [١٧] . سماوية الإسلام والنصرانية: ٣٣- من الصواب أن تقدم وعظك بما هو مشترك بين الإسلام والنصرانية؛ فكلا الديانتين سماويتان، ونحن مثل المسلمين نحترم قوانين السماء [يقصد الله] باعتبارها بياناً لإرادته، ونعتقد في سيادته على المخلوقات، وأنه قادر على كل شيء. ثقافة المسلمين أقوى: ٣٤- إن كثيراً مما يرفضه المسلمون من عقيدتنا هو رفض آلي [١٨] من العقلية الإسلامية، فعليك أن تتسلح بالصبر، خاصة أن ثقافتنا لا تساعدنا على منازلتهم، ووجودنا في بلاد المسلمين لا يحقق لنا نتائج سريعة، ولا تصدمك كثيراً الكلمات الدينية [١٩] التي سوف تصل إلى أذنيك في كل مكان تذهب إليه؛ لأنها لا تعني شيئاً كثيراً عندهم وهم يرددونها [٢٠] . لا تخجل من يهوذا: ٣٥- سؤال يسأله المسلمون دائماً: لماذا كان اختيار يسوع ليهوذا الخائن أن يكون أحد تلامذته الحواريين؟ المسلم يقول: إن المسيح كان رسولاً وعلى ذلك فهو يؤمن بضرورة أن يكون لديه موهبة معرفة الغيب، ولذلك فالمسلم يصر على هذا السؤال، والحقيقة أن السؤال أكبر من ذلك بكثير؛ فهو ليس فقط: لماذا يهوذا؟ ولكن لماذا خلق الرب العالم لو أنه يعلم أن الإنسان سوف يخطئ؟ إن الإجابة جزء من مشكلة أكبر تقع تحت عنوان:» مشكلة الشر «، ويجب ألا نكون خجولين أبداً عندما نقول: إن هناك أشياء معينة ليس لدينا الإجابة عنها الآن، ولسنا وكلاء للدفاع عن ربنا [٢١] . مسيحنا أعظم من محمدهم [٢٢] ! ٣٦- سؤال مهم يمكن أن تبادر به المسلمين من حولك، ولكن ليس في اللقاءات الأولى، وربما يكون ذلك قبل الخطوة الأخيرة التي قد يؤمن فيها المسلم بيسوع المسيح، وهو: إذا كان المسلمون يؤمنون بأن المسيح لم يمت ورفعه الرب إليه، في الوقت نفسه الذي يؤمنون فيه بأن محمداً ﷺ قد مات ويزورون قبره في المدينة، ألا يجعل ذلك من المسيح رسولاً أعظم من محمد؟ الخروج من مأزق الصليب: ٣٧- إذا وجه المسلمون إليك سؤالاً حول صلب المسيح واعتبار النصارى أن ذلك كان فداءً منه؛ فلماذا يذهب هو للصليب بدايةً ويعفي نفسه من الإهانة واللطم والأذى وحمل الصليب والركل بالأقدام والسب؟ ولماذا كان يحاول الهرب أصلاً من القبض عليه وتقديمه إلى الصليب؟ في البداية يجب أن نقول: إن المسيح كان بشراً وكان إلهاً، ويجب ألاَّ نقلل من طبيعته البشرية حينذاك، وبطرس الرسول نفسه قد وجد صعوبة في تقبل عملية الصليب، وأنكر ألوهية ربنا المسيح، مع أنه كان أكبر حوارييه وأقربهم إليه، ولذا يجب أن نكون متعاطفين مع المسلمين في هذا السؤال، ولا بد أن نصبر عليهم حتى يتفهموا قول المسيح عندما اقترب موته:» ليس ما أريد ولكن ما تريد «قالها ثلاث مرات ليظهر أنه بقبول الصلب قَبِلَ رسالة الرب الذي هو الأب، لكي يصبح ممثلنا وفادينا. * * * تلك هي النصائح الـ ٣٧ التي أوصى بها مركز التنصير الإنجيلي أعضاءه المنصرين العاملين في دولة الجزائر المسلمة، بعد جهد ولأْيٍ لمدة خمس سنوات كاملة بين قرى أرض الجزائر وأزقتها وحاراتها، وسط الخراب والدمار الذي تمارسه ميليشيات فرنسا الصليبية وأعوانها داخل البلاد باسم الإسلام والمسلمين الذين لا يملكون حق الدفاع عن أنفسهم، في ظل هيمنة النظام الدولي الجديد، وهزيمة نفسية باغتت الصحوة الإسلامية التي أخطأت المسار حيناً، وزلت في أوحال العنف أحياناً أخرى. وبرغم ذلك، والأجواء مهيأة تمام التهيؤ أمام الإرسالية الإنجيلية، لم يكن الحصاد حسبما رغبوا فيه، ولم تكن الثمرة هي ذاتها التي ذهبوا إلى الجزائر من أجلها؛ فبرغم محاولات الاحتلال الفرنسي في صبغ حياة الجزائريين بآداب وأدبيات وطبائع ولغة وعادات وتقاليد فرنسا، فإن ما تصوروه من غبار علا وجوه المسلمين، كان هذا الغبار جلاءً للبصائر والقلوب، ولم تجد الإرسالية الكنسية ما تقنع مرسليها به غير تقديم هذه النصائح التي تضمنها هذا التقرير، معبرة عن خيبة الرجاء، وقلة الحيلة، وسوء العاقبة، وفساد الفهم، وضخامة الأنا، وخلل العقيدة، إلى أن تستعيد الجزائر الجريحة عافيتها، وتضمد بزاد الشريعة جراحها.

стр. 3642

وقفات خذ الكتاب بقوة أحمد بن عبد الرحمن الصويان هجرة المسلمين واستقرارهم في البلاد الغربية حقيقة واقعة منذ سنين طويلة، إلا أنها ازدادت زيادةً مطردةً في العقد الأخير خاصة، وإن كان لهذه الهجرة ما يسوِّغها شرعاً عند بعض الناس، إلا أن الغالبية من هؤلاء المهاجرين لم يستوطنوا في بلاد الغرب لحجج شرعية، وإنما لأهواء وظروف شخصية واجتماعية. ودراسة الأحوال الفكرية والاجتماعية والأخلاقية والنفسية لهؤلاء المهاجرين ينبغي أن تكون من أولى أولويات عمل المراكز الإسلامية في بلاد الغرب، لتكون هذه الدراسات - بإذن الله - الأساس الذي تنطلق منه البرامج الدعوية والتربوية. ولعل من أبرز الظواهر الاجتماعية السائدة في كثير من أبناء الجالية الإسلامية ضعف التميُّز الإسلامي أو انعدامه فكراً وسلوكاً؛ فأثر البيئة الغربية يظهر بجلاء عليهم، وخاصةً الأجيال الجديدة التي وُلدت ونشأت وتعلمت في الوسط الغربي. وهذه الظاهرة نتيجة حتمية لا تحتاج إلى استقصاء، أو بحث وإثبات [١] . ولكن الأمر الذي يستحق التأمل والنظر هو حال الإسلاميين خصوصاً؛ فكثير منهم لم يَسْلم من أثر البيئة السلبي، ولعلِّي أكتفي هنا بمثل واحد، وهو ضعف التمسك بكثير من الأحكام الشرعية، والتفريط بأحكام الهدي الإسلامي الظاهر، وخاصة في شؤون المرأة. ولست أعني هنا الإشارة إلى الخلاف المشهور بين الفقهاء في كون الوجه والكفين عورة أو ليسا بعورة، بل الأمر أبعد غوراً من هذا؛ حيث أصبح الحجاب عند بعضهم - مع الأسف الشديد - معنى لا حقيقة وراءه؛ فهو لون من ألوان التجديد والتمدن، ولم يبق منه إلا منديل رقيق يغطي بعض شعر الرأس، مع لبس البنطال الضيق، والظهور بألوان الزينة والعطور. أما قضايا الاختلاط ومصافحة الأجانب، بل والمشاركة الرياضية، فحدث عنها ولا حرج. وإن تحدث في ذلك متحدث اتُّهم سريعاً بالتنطع والتكلف والتشديد، ورُمي بالجهل بالواقع الغربي والظروف الاجتماعية التي يعيشها الناس، وأنه ينظر إلى أمريكا وأوروبا بمنظار الأعرابي الساذَِج الذي لا يعقل ولا يبصر..! ! وقد سمعت أحد المفكرين المستنيرين يهزُّ يديه أمام جمع من الإسلاميين، ويأمرهم بالرقي الفكري والتجاوب الفاعل مع المعطيات الحضارية المعاصرة، ويحذرهم من الجمود والوقوع في رواسب التخلف والظلامية.. قال كل ذلك لمَّا سمع أحدهم يتلو حديث النبي ﷺ : «إني لا أصافح النساء» [٢] ! والعجيب أنك تجد من بعض المنتسبين إلى الفتوى من المفكرين والدعاة من يسوّغ هذا التمييع ببعض الأدلة المتكلَّفة. وأذكر أن أحد الأشياخ المحاضرين في أحد المؤتمرات الإسلامية في أمريكا بدأ محاضرته بهجوم صارخ على إدارة المؤتمر التي فصلت الرجال عن النساء، وينعي هذا التخلف الفكري والعقلية البدائية التي لا زالت تسيطر علينا حتى ونحن في أمريكا (! !) ، وفي نهاية المحاضرة قام مدير المؤتمر معلقاً، وكنا نظنه سوف يدافع عن موقفه، وإذا به يعترف بالخطأ ويعتذر للإخوة والأخوات، ويذكر أن سبب الفصل سبب فني وليس سبباً فكرياً، ووعد بإصلاح الوضع في اليوم التالي، ثم وفَّى بما وعد..! ! إن اندماج المسلمين في البيئة الغربية أدى إلى ذوبان مذهل في الشخصية الإسلامية، وميوعة شديدة في تلقي الأحكام الشرعية، وميل ظاهر إلى البحث عن الرخص بدون فقه ولا بصيرة، ويصدق في وصف كثير منهم قول الله - تعالى -: [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ] (الحج: ١١) . والطريف في الأمر أن المسلمين حديثاً من الغربيين الأصليين ربما يكون بعضهم أكثر جرأةً وصدقاً في الالتزام بالأحكام الشرعية والاعتزاز بها وعدم التحرج من إظهارها أمام الملأ..! وأذكر أنني زرت في الولايات المتحدة الأمريكية منطقةً تنتشر فيها طائفة من طوائف النصارى البروتستانت تسمى بـ (الآمش) يرون أن من أسباب البلاء الذي تعيشه الإنسانية تلك الحضارة المادية التي سيطرت على الإنسان الغربي، وجرته إلى مستنقع الرذيلة والانحطاط، ولهذا انعزلوا عن المجتمع وتركوا كل ألوان الحضارة، وامتنعوا عن استخدام كافة المخترعات التقنية الحديثة، وأسسوا مجتمعهم الخاص بهم بما في ذلك مدارسهم التي ترعاها الكنيسة، وراحوا يشتغلون بالزراعة وتربية المواشي بوسائلهم البدائية المتاحة وامتنعوا عن شرب الخمور والزنا..! والعجيب أن نساءهم لا زلن يلبسن اللباس الطويل الساتر، ويضعن منديلاً على الرأس، ولا يختلطن بالرجال، وعلى الرغم من ازدراء بعض إخوانهم الأمريكان لهم إلا أنهم فخورون بمبادئهم، ومعتزون بمسلكهم..! ! ولست ها هنا في صدد تحليل ظاهرة (الآمش) هذه، ولكنني أشير هنا إلى أن هؤلاء القوم على الرغم من أنهم رأوا أن بلادهم وصلت إلى قمة التقدم المادي المعاصر إلا أنهم انعزلوا عنهم، وراحوا يمارسون معتقداتهم الفكرية والسلوكية بكل اعتزاز. أفلا نقوى - نحن المسلمين الذين نعتقد يقيناً بحمد الله تعالى أننا نملك الدين الحق - أن نعتز بديننا، ونتمسك بشرائعنا، ونعض عليها بالنواجذ، ونشمخ برؤوسنا أَنَفَةً وافتخاراً بعقيدتنا وآدابنا السامية..؟ ! إن التكليف بالأحكام الشرعية باب من أبواب الابتلاء الذي يمتحن فيه دين الإنسان، قال الله - تعالى -: [الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] (الملك: ٢) . وهذا الدين جدّ ليس بالهزل، وإن من أسوأ ما نجنيه على أنفسنا أن نتخذ شرائع الإسلام ألعوبةً نلهو بها، ونأخذ منها بمقتضى أهوائنا، أو أن نجعل الواقع الفكري أو الاجتماعي المنحرف يضغط علينا، ويملي علينا ما يشاء، وها هي ذي دلالات القرآن العظيم واضحة بيِّنة لا تردد فيها ولا خفاء، قال الله - تعالى -: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] (الأحزاب: ٣٦) . والهزيمة في الهدي الظاهر آية عظيمة على الهزيمة القلبية؛ ولهذا شدّد النبي ﷺ في التحذير من ذلك، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم» [٣] .

стр. 3643

قضية للمناقشة العمل الإسلامي بين ضرورة المراجعة وخطورة التراجع عبد العزيز كامل بينما تستقبل الدعوة الإسلامية عقدها الثالث من القرن الخامس عشر للهجرة النبوية الشريفة؛ تتزامن بشكل لافت في بلدان مختلفة موجة مشتركة من الدعوات إلى إجراء مراجعات شاملة لمناهج العمل الإسلامي وإداراته وممارسته بأطيافه المتنوعة. والدعوة الإسلامية إذ تعبُر إلى هذا العقد مثخنة بجراح كثيرة؛ لا يخلو صدرها - مع ذلك - من العديد من أوسمة النور التي حازتها عبر بضعة عقود ماضية، منذ بدأ الانبعاث المبارك لصحوتها التي انتعشت في بدايات القرن الهجري الحالي، تصديقاً للسنة الإلهية التي أخبر عنها رسول الله ﷺ في قوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» [١] ويجيء هذا الإقبال على (المراجعات) في ظروف تكاد تتشابه فيما يتعلق بالعمل الإسلامي في العالميْن العربي والإسلامي؛ إذ إن العقديْن الماضيين - على وجه التحديد - شهدا ممارسات وتجارب كاملةً أو شبه كاملة لتيارات إسلامية انتقلت خلالها من التنظير الفكري إلى الممارسة الواقعية. فمنها من صدمتها التجارب، ومنها من عركتها مرارة المحن، ومنها من أنضجتها حرارة الاحتكاك بالواقع، ومنها كذلك مَنْ أقعدتها الإحباطات والإخفاقات، وذلك على المستويين: الفردي، والجماعي، وكانت الثمرات المقتطفة من ذلك كله تجمعها سلةً واحدةً أمام الناظرين، لا يكاد بادي الرأي يفرق بين اليانعة منها والمعطوبة، ولا نشك في أن مجموع تلك الثمرات إنما جاء نتاجاً لتفاعلات التجديد المختلفة في اتجاهاتها ومجالاتها، والمتنوعة في سلبياتها وإيجابياتها، فمن شأن التجديد دائماً أن يستخرج الزُّبْد ويلقي بالزَبَد. وبرغم أن المرحلة الحالية تكاد (المراجعات) تكون عنوانها الرئيس، إلا أن لتلك المرحلة سمات أخرى تفصيلية من أهمها: أنها مرحلة توقف متردد عند مفترق طرق محيِّر، يعود بالدعوة لدى بعض الفصائل إلى الوراء نحو خمسة عقود عندما كان شعار المرحلة وقتها: (من أين نبدأ؟) والمرحلة أيضاً يميزها حماس فاتر بعد نشاط متوقد استمر طوال العقد الثاني من القرن الرابع عشر، ويتخلل تلك المرحلة هبوط ملحوظ في أسهم كثير من الرموز الدعوية التي كان لها رنين وطنين، بعد سلسلة متصلة من معارك هدم الرموز، ومباريات تصفية الآخرين معنوياً، كما أن كثيراً من الشعارات البراقة والمفرطة في الطموح، قد خبا ضوؤها إلى حدٍ ملموس. ولكن هذا كله لا ينفي أن هناك قفزات نوعية للدعوة الإسلامية قد أُنجزت بالفعل، وهناك منها ما ينتظر الإنجاز. ومع ذلك، فالشعور الثابت لدى غالبية المهتمين؛ أن إمكانات المسلمين في نصرة الدين لم يُستغل منها إلا القليل، ولهذا يصح القول بأن إنجازات الصحوة تبدو كبيرة عملاقة باعتبار، وتبدو صغيرة متواضعة باعتبار آخر، فهي عملاقة باعتبار التحديات التي تواجهها والعقبات التي توضع في سبيلها والظروف الاستثنائية التي تعمل فيها، وهي متواضعة باعتبار إمكانات المسلمين الجبارة التي حباهم الله إياها مادياً ومعنوياً، فلم يوظفوا منها لخدمة الدين إلا القليل. إن هناك اضطراباً تتسم به المرحلة، وإذا رحنا نبحث عن الأسباب التي أدت إلى وصول الدعوة لتلك المرحلة المتشابهة المعالم في أكثر بقاع العالم الإسلامي، فإننا نعثر على أبرزها بين ثنايا خارطة دعوية شديدة التداخل والتعقيد، فمن تلك الأسباب: ١ - استطالة بعض فصائل العمل الإسلامي لمرحلة الاستعداد لإقامة الكيان الإسلامي الممكَّن له في الأرض؛ حيث تواصلت عقود قامت خلالها دول وكتل عالمية وسقط بعضها، دون أن يقوم للإسلام في المقابل كيان أو كتلة قوية تمهد لإعادة الخلافة الضائعة. ٢ - تكرار الإحباطات في أمكنة كثيرة على صعيد محاولات الوصول إلى إقامة كيانات إسلامية خالصة عبر وسائل متنوعة سلمية - كما في التجارب البرلمانية - أو غير سلمية - كما في التجارب الجهادية - مع تطوير الأنظمة العلمانية الدائم لطرق مواجهتها لأي نهضة إسلامية متوقعة. ٣ - تضاعف حدة الصراع بين الحركات والدعوات الإسلامية ومناوئيها بعد أن انضمت إلى هذا الصراع بشكل سافرٍ قوىً دوليةً كانت تتخفى بالأمس وراء الأنظمة العلمانية، ثم هي اليوم تنبذ إلى المسلمين على سواء، وتسعى إلى (عولمة الصراع) مع الإسلام في كل البقاع. ٤ - انضمام شريحة من الإسلاميين إلى خندق المواجهة المعادي، بقصد أو بغير قصد، وتحت تأويلات أو تَعِلاَّت تصب في النهاية في قناة تمد المعسكر المناوئ بأسباب القوة والبقاء، وتخلط الأوراق الدعوية والتربوية في قضايا الولاء والبراء، والحكم والتحاكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها. ٥ - اتساع الخرق على الراقع بشأن الخلافات العلنية والسرية بين زعامات فكرية وأخرى حركية، مما أوقع كثيراً من الأتباع في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً إلا بالخروج من دائرة الهم الإسلامي العام. ٦ - استمرار غياب الدور القيادي للعلماء العاملين في أكثر بقاع العالم الإسلامي، وانسحابهم من الميدان لصالح زعامات من علماء غير عاملين أو عاملين غير علماء، مما أوقع العمل الإسلامي في دوامات (التجربة والخطأ) المتكررة التي تستهدف اكتشاف الأخطاء بشكل عملي بدلاً من تجنبها ابتداءً بتأصيل علمي. ٧ - استشعار بعض القيادات أنها بذلت ما في وسعها، بل أكثر مما في وسعها دون الوصول إلى نتائج مرضية، ولسان حال أحدهم يقول: (آن للمقاتل أن يستريح) وهو شعور مخدِّر، أوصل إلى حالة من الاسترخاء ظهرت آثاره في انصراف قطاع عريض من شباب الأمس المتحمس إلى التشاغل بالأمور المعيشية التي قد لا تمتُّ لأعمال الدعوة بصلة، وهذه الظاهرة تؤدي بصورة متكررة إلى تصدع في بنيان العلاقات والصلات التي لا بد منها لاستمرار أي عمل ناجح متواصل. ٨ - التهام نار المواجهة في بعض البلدان للعناصر المتميزة أولاً بأول، بالقتل أو السجن أو التوقيف أو التجميد أو الاحتواء، مع قلة توافر الظروف التي يمكن في ظلها تعويض العنصر الفاقد أو ملء المكان الشاغر. ٩ - اكتشاف كثير من العاملين للإسلام أنهم كانوا يقعون بشكل منتظم ضحية العمل الارتجالي الذي لا يدري إلى أين وصل، كما لم يكن يعلم من قبل من أين بدأ، وافتقاد بعض آخر لتوازنهم الفكري نتيجة صدمات واقعية أفاقوا منها بعدما اكتشفوا أنهم كانوا يكمّلون النقص الخطير في معالم لوحة الصراع من مخيلاتهم ويملؤون فراغاتها بظنونهم. ١٠ - وصول الكثيرين إلى قناعة ببُعد البَوْن بين الآمال والأعمال، أو بين الواقع والخيال، أو بين الإمكانات والطموحات، أو بين الحقائق والمثاليات، وبدلاً من إعادة النظر في محاولة تقريب هذا البون، كان اللجوء إلى الهروب هو الحل الأسهل والأمثل لدى بعض من تعتمد الجماهير على توجيهاتهم وتنتظر تنظيراتهم. ومع أهمية الاعتراف بوجود تلك الأسباب التي مرَّ ذكرها وغيرها؛ فإن المراجعات ووقفات التأمل من الأمور البالغة في أهميتها حد الضرورة؛ فهي واجبة على فصائل العمل الإسلامي قبل أن تكون حقاً لها في ظل المتغيرات المتلاحقة التي تتتابع على ساحة الدعوة الإسلامية، ولا أظن أن أحداً من المهتمين بأمر المسلمين يشك في أهمية المراجعة في هذه المرحلة، ولو من باب تقويم ما مضى من مراحل النشاط الإسلامي في أشكاله كافةً، وإذا كان ذلك كذلك، فإن التشارك في التشاور من أجل هذا تحتمه الفريضة الإسلامية المحكمة في النصح لله ورسوله وللمؤمنين خاصتهم وعامتهم؛ فالمراجعة أو المحاسبة أصل إسلامي أصيل؛ وخاصةً إذا سارت الرياح بما لا تشتهي السفن. وهذا الأصل مستمد من قوله - تعالى - لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن دهمتهم نازلة أُحد: [أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (آل عمران: ١٦٥) ، وقوله تعالى: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] (الشورى: ٣٠) . وفي سياق التنقل بين محطات المحاسبات والمراجعات، هذه وقفات تأملية نأمل منها أن تفتح آفاقاً لحوار أوسع وأعمق: أولاً: بين المراجعة والتراجع خيط رفيع، ومع ذلك فهو لا يُرى إلا عن بُعد، وهو أشبه بالمعْلَم المطموس عند مفترق الطرق، من لم ينتبه إليه التبست عليه السُبل، وربما رجع القهقرى، وهو ينشد الشد في المسير. ثانياً: مثلما تتحول المراجعات - في بعض الأحيان - إلى تراجعات، فإن التراجعات قد تتطور إلى انتكاسات، والانتكاسات المنهجية منها أخطر من الانتكاسات الحركية؛ فالحركات تضعف وتقوى، وتقع وتقوم، أما المناهج فقلما تنهض بعد سقوطها على مستوى الفرد والمجموع. ثالثاً: محطات الإقبال على المراجعة قد تكون في لحظات ضعف منسحب - وهذا على الغالب - أو لحظات اندفاع غير محسوب، وفي كلا الحالتين فإن المراجعة وقتذاك قد تقع تحت وطأة ظروف نفسية غير مستقرة، أو نظرات شخصية عجْلى، تختصر التأمل وتبتسر النتائج. واستصحاب هذا الملحظ مفيد عند أي مراجعة حتى لا تخضع لمؤثرات خارجية ضاغطة. رابعاً: لا يحدث الإقبال على التراجع - في الغالب - إلا تحت مسمى المراجعة، ثم تنتحل تلك التراجعات أسماء براقة، وشعارات خدّاعة، تتسريل بالحكمة طوراً وتتلفع بالواقعية تارةً، وترتدي أثواب زور من العلم والتعقل والأناة مرات أخرى. خامساً: كثيراً ما يحدث التورط في مستنقعات التراجع، بدفع من أوهام تضخم (التجربة) ومبالغات تفرد (الرمزية) التي تخلع ألقاباً وأوصافاً على أشخاص قد يكونون بالفعل رموزاً أو أصحاب تجارب، ولكن التفويض المطلق لبعض (الرموز) وأصحاب التجارب في المراجعات هو الذي يفتح الأبواب وسيعةً أمام التراجعات التي تتسلل سَلِسةً على ألْسنةِ مَنْ لا يفكر أحد في مناقشتهم أو مراجعتهم. سادساً: التواصل بين الأجيال عامل مهم في إكساب عمليات المراجعة شيئاً من العصمة النسبية، وكما أن رصيد سابقة الابتلاء أو التجربة لا يكفي لإفراز مراجعات ناجحة في كل الأحوال، كذلك فإن الأجيال الجديدة بدمائها الجديدة لا يصلح لها أن تستغني بجدتها وفتوتها عن خلاصات (تجربة العمر) لمن سبقوهم على الطريق فعرفوا منحنياته الخطرة، وخبروا معالمه ومراحله. سابعاً: من أخطر مزالق المراجعة، الانشغال باجترار مرارات الماضي، أو التلمظ بحلاواته، وأخطر من ذلك الاحتراب في ميدانٍ مَّا قد كان، حيث ينشغل بعضٌ بتقاذف التهم في تلاوم ضار غير نافع. وعندها يكون حرص قوم على نفي الآخرين وتصفيتهم معنوياً هو بوابة الولوج والخروج في أي حوار يستهدف المراجعة، ولهذا لا يرجعون من ذلك بشيء. ثامناً: عندما تحل المناطحة محل المناصحة، والجدال بالتي هي أخشن بدلاً من التي هي أحسن، فإن نزغات الشيطان وتحريشاته تتسوَّد الموقف، وتتصيد الفرص للإيقاع في انتكاسات التراجع التي لا يفرح الشيطان بشيء فرحه بها في صفوف المؤمنين، وإذا كانت الحزبية صفةً قبيحةً مقيتةً، فالعنصرية أقبح وأشد مقتاً، ولهذا لا ينبغي أن يكون لهما موضع شبر على بساط النقاش والتقويم. تاسعاً: جل المراجعات تنصب على أمور عملية تطبيقية مع أن الأصل هو الأمور المنهجية التي لو سلمت لسلمت الأعمال والتطبيقات، والتركيز على اتهام التطبيق العملي لا ينبغي أن يدفع التهمة عن التنظير المنهجي، بل الأصل أن يُبدأ بمقدمات الشيء لا بنتائجه. عاشراً: هناك من المناهج ما تم وضعه في عجلة قبل استكمال شروطه من النضج العلمي والفهم الواقعي، ومن الجناية على الدين أن تعاد مراجعته بالنَفَس المتعجل نفسه. حادي عشر: هناك أشكال من التأصيل المنهجي أشبه بالتفكير بصوتٍ عالٍ، ومع هذا تلتقط هذه السوانح الفكرية العابرة، وتقتطف فجة غير ناضجة، ويحاول بعض الناس أن يصنع منها (بخةً) سائغةً، لمجرد أنها فكرة فلان أو سانحة علان، وبعضها يطلق كأنه شعارات، مع أن التأصيلات لم تكن يوماً بالشعارات. ثاني عشر: قد تكون المراجعات (محطةً) يتوقف عندها القطار توقفاً نهائياً على مستوى أفراد أو مجموعات، قد يكون بعضهم مهيأً نفسياً ليحط رحاله في أقرب المنازل تعللاً بالنوازل، وفي هذه الحالة لا تكون تلك المحطة إلا خطة، أعد لها الشيطان بمكر وحيلة تورَّطوا فيها في لحظات ضعف وغفلة. ثالث عشر: ومن المناهج ما أملتها ظروف نشأتها الزمانية أو المكانية؛ فلا ينبغي تجاهل ذلك عند التقويم، بحيث تقوَّم سلع الماضي في سوق الحاضر أو المستقبل، وكذلك لا يصلح تقويم كل تجارب العالم بالمقاييس المحلية لبلدٍ مَّا، فالمعايير المحلية لا تصلح للتعميم في التطبيق فضلاً عن التقويم. رابع عشر: هذه الظروف الزمانية والمكانية المختلفة لا يصح معها استعارة المناهج (في غير الثوابت) لتطبيقها في غير زمانها أو في غير مكانها، فتلك مزلة أقدام قد لا ينتبه إليها كثير من الناس، وقد لا يكون العيب في جزئية معينة في المنهج، بقدر ما يكون في ملاءمة الزمان أو المكان له. خامس عشر: من المعلوم أن الأمور القدرية لا تحكم على الأمور الشرعية؛ فعدم التحقق قدراً لا يستلزم عدم الصحة شرعاً؛ فلا يصلح أن يقال: كل التجارب البرلمانية لم تنجح فهي غير شرعية، أو كل الحركات العسكرية قد أخفقت فهي لذلك غير شرعية. ومن الأخطاء المنهجية في تقويم المناهج ومراجعتها: التعميم والإطلاق، كأن يتخِذ من رأوا الإخفاق في أعمال جهادية معينة - مثلاً - موقفاً رافضاً لأي عمل جهادي، حتى يتحول ذلك إلى شعار، خاصةً عندما يطلق على الجهاد لفظ (العنف) لتسهيل نبذه على النفس الضعيفة أو المترددة، وبشكل يُراد له أن يُعمم على كل الساحات التي قد تكون ظروف بعضها مختلفة ومستوجبة لمثل هذا الجهاد. والعكس أيضاً قد يحدث، عندما تنجح تجربة جهادية ما، فيطلب من المسلمين في كل ساحات العمل الإسلامي أن ينقلوها بحذافيرها إلى مواقعهم، وقس على ذلك في قضايا سرية العمل أو علانيته، وسلمية المواجهة أو عسكرتها، والموقف من الحكومات والأنظمة، وطريقة التعامل مع الشعوب، وأساليب التعاطي مع القوى الكبرى ونحو ذلك. سادس عشر: للتأصيل العلمي أهميته وخطورته في وضع المناهج الدعوية أو تقويمها أو مراجعتها، وكذلك الفهم الواقعي للقضايا الكبرى. وهناك جفاء قد طال من بعض فصائل العمل الإسلامي لأحد الأمرين أو كلاهما، وذلك ناتج عن موقف غير متوازن من العلماء، فبينما تُقطع الأواصر والوشائج مع العلماء في بعض الأماكن بما يحرم الدعوة من خير ما عندهم، فإن هناك أماكن أخرى تبالغ في ربط الدعوة الإسلامية كلها بفرد أو ببضعة أفراد من العلماء، بحيث تُرهن قضايا الأمة كلها بكلمات منهم، قد لا تأخذ حقها من النظر والتدقيق، أو قد تكون خارج نطاق تخصصهم أصلاً. سابع عشر: عندما تقتصر عمليات المراجعة على رموز التجربة نفسها، فإن ذلك يعرض المناهج والتطبيقات لتكرار الأخطاء؛ لأن عين الإلف والعادة ربما تعشي عن المعايب والخروق، وهذا يمكن تلافيه بإخضاع المراجعات لمتفحصين جدد، وذلك أحرى بتخليص الدعوات من حظوظ النفس ونزوعها الدائم نحو الدفاع وتحسين الصورة تشبثاً بنظرية: «ليس في الإمكان أحسن مما كان» . ثامن عشر: الظروف النفسية المتقلبة عامل خطير في اتخاذ المواقف العملية، وربما العلمية؛ فكم من طروحات ومواقف اكتست أرديةً دعويةً، وهي في حقيقتها ردود فعل نفسية ربما نشأت عن مواقف شخصية، لمحبة مفرطة أو بغض غير متوازن، وهذا أمر ليس من السهولة منعه، ولكن ليس من الصعوبة رصده والحذر منه. تاسع عشر: التراجع ليس قريناً للمراجعة في كل الحالات، فقد تكون المراجعة - أو هكذا يجب أن تكون - نقطة انطلاق نحو تجديد جديد، ينفي الخَبَث وينقِّي المعادن، وللنية الصالحة في ذلك دور كبير [إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ] (الأنفال: ٧٠) . وأخيراً نقول: المناهج أبنية، تتفاوت في سلامة قواعدها، وصلابة أعمدتها ورحابة مرافقها، وهي تحتاج بشكل دائم إلى صيانة وتجديد، وإلى إشراف وتقويم. وتقويم الأبنية الدعوية، وترميمها، وإصلاحها أوْلى من التوالي في هدمها بعد بنائها، فتلك طريقة مَرَضيَّة غير مَرْضية، يولع بها بعض المعجبين بعادة (خرقاء مكة) [٢] التي أنزل الله - تعالى - في أمثالها قوله - تعالى -: [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً] (النحل: ٩٢) . فهذا الإنكاث هو أخطر مظاهر الانتكاس والارتكاس. وحتى لا يكون الكلام ملقىً على عواهنه، أذكر بعضاً من مظاهر الانتكاس الدعوي الذي تتعرض له بعض القضايا والمفاهيم والثوابت بشكل متدرج، تحت مسمى: المراجعات، وسأكتفي الآن بالإشارة إليها اختصاراً، حتى تتيسر الفرصة - بإذن الله - للتعرض لها أو لبعضها تفصيلاً، فمن ذلك: - الاضطراب الجديد في المواقف من النظم العلمانية ورموزها وأحزابها وطروحاتها الفكرية وأساليبها العملية. - التغير المتردد في المواقف من الفرق المبتدعة ومفاصلتها ورفضها وطرق التعامل معها. - التحول المتسلل إلى مفهوم الجهاد، ومحاولات تفريغه من مضمونه الشرعي إلى مضامين أخرى قد تصلح لغيره ولا تصلح له. - التخلي المتزايد عن التعاطف العملي مع قضايا المستضعفين والأقليات بدعوى السآمة من إضاعة الجهود فيها. - التميع الطارئ في التعامل مع كثير من المسائل الكبرى التي كانت تمثل أهدافاً استراتيجيةً لدى الكثيرين حتى وقت قريب، مثل: السعي إلى الوحدة الإسلامية، أو توحيد فصائل أهل السنة، أو السعي لإقامة كيان حقيقي لهم تمهيداً لإقامة أو إعادة دولة الخلافة. - التراجع المستمر أمام هجمة الإعلام الشرسة ضد الإسلاميين، إلى حد تحرج بعضٍ من الانتساب لمنظومة العمل الإسلامي، أو الخجل من استعمال المصطلحات الشرعية التي تزعج أعداء الدين مثل: الموالاة والمعاداة، والإيمان والكفر، والمعروف والمنكر، والتحاكم لله، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. - وأخيراً: تعريض قضايا حساسة جداً في العمل الإسلامي لفوضى التصريحات والشعارات والطروحات غير الناضجة، وإعادتها إلى نقطة البدء، بعد أن كانت قد استقرت إلى وضع مقبول بين غالبية الفصائل العاملة للإسلام، مثل قضايا الحكم والتحاكم، والموقف من العلمانية، ومسألة العمل الجماعي ومشروعيته، ووسائل الدعوة وأساليبها، ومسائل الهدي الظاهر وضوابطها، والموقف من وسائل الإعلام المعادية للدين، والموقف من علماء السلطة ورموز ما يسمى بـ (التنوير) ونحو ذلك من المسائل والقضايا. ولعل الله - تعالى - ييسر على صفحات (البيان) الغراء، تجاذب الحديث حول هذه القضايا، قضايا المراجعات، في مطارحة لا تخلو من المصارحة.... والله من وراء القصد.

стр. 3644

قضية للمناقشة رؤية في مسيرة العمل الإسلامي خالد أبو الفتوح abulfutoh@hotmail.com بعد أكثر من سبعين عاماً من عمر الحركة الإسلامية المعاصرة حققت فيها الحركة إنجازات وإخفاقات لا يستهان بها.. لا تزال التساؤلات مطروحةً والرؤى متعددةً حول مسيرة العمل الإسلامي، منها: منهجية التغيير التي ينبغي سلوكها، ويدخل تحت ذلك: جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة، وإطار العمل الأكثر حيوية وإفادة، وكذا: دور الفرد العادي والوعي الشامل في هذه المسيرة. فالناظر في واقع الأمة الإسلامية وكذلك في واقع الصحوة يرى معالم واقعية تعطي النقاط السابق ذكرها أهميةً متناميةً. فالمتربصون بالأمة وبالصحوة كثيرون، والصراع بين الأطراف معقد، والمصالح متشابكة إن لم تكن متعارضة.. كما أن عدم الوعي الذي قد يؤدي إلى الانحراف بمسار كثير من التوجهات التي قامت عليها الدعوات الإصلاحية ودعا إليها روادها الأوائل، أو استخدام بعض هذه الحركات من غير وعي منها في ضرب الدعوة عامة لخدمة أهداف الأعداء في المدى البعيد ثم الانقضاض على هذه الحركات المستخدَمة بعد ذلك، أو الإصرار على المضي في مسار خاطئ رغم ظهور خطئه بسبب صعوبة القبول بمظهر المتراجع على القائد أو ضغط الأتباع للمضي في هذا المسار، أو شيوع السلبية انتظاراً للمنقذ المخلِّص الذي سيقلب المعادلات الاجتماعية والسياسية، أو سرقة جهود الإسلاميين وقطف غيرهم ثمار جهودهم ... إلى غير ذلك من مظاهر ملموسة في تاريخ الأمة والصحوة وواقعهما.. كل ذلك شائع متكرر، ولك أن تنظر في بدايات ومآلات نماذج، كثورة الجزائر، والمقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني، وكذلك الجهاد الأفغاني، وتطور الأحداث في الجزائر قبل الانتخابات الشهيرة وبعدها، وحركة التحرير الفلبينية [١] ... لتتأكد أن القائمة طويلة ومفتوحة لتكرار هذه الحالات المؤسفة. فلماذا ينجح الأعداء في تملك زمام المبادرة وتحويل المسار حيث مصالحهم، بينما يخفق أصحاب التوجه الصحيح في الحفاظ على مكاسبهم والتنبه لانحراف المسار أو لسرقة الآخرين لجهودهم؟ إذا اعتبرنا النماذج المذكورة سابقاً خلفيةً لهذا التساؤل فإن الإجابة عليه تدعونا إلى مناقشة شأن مهم في تاريخ الأمة ومسيرة الصحوة، أعني بذلك: جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة، ومكانة تأثير كل منهما في الآخر، وأهمية ذلك التأثير، وأيضاً: أهمية تنمية وعي الأمة وتفعيل إرادتها [٢] . جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة: أما الأمر الأول، وهو: جدلية العلاقة بين القيادة والقاعدة، فكثير من فصائل الحركة الإسلامية شخّص الأزمة التي تمر بها الأمة على أنها أزمة في القيادة، سواء في توجهاتها أو في قدراتها أو في شرعيتها، ومن ثم: توجهت جهود الإصلاح - حسب هذه الفصائل - إلى التأثير في هذه القيادة، سواء في إرشادها، أو في إنمائها، أو في قلبها واستبدالها، كما توجهت بعض هذه الجهود نحو إيجاد كيان جماعي بديل يخرج من تحت ظل القادة والمقودين، في الوقت الذي ركزت أدبيات بعض فصائل الحركة الإسلامية على الدور المحوري لـ (القائد) وضرورة العمل من خلال إطار تنظيمي عضوي، في مقابل تهميش دور الفرد في التغيير والإصلاح ... وعليه: فقد قامت تصورات متباينة عن آلية حركة التغيير، ثم تشتت جهود السعي إلى التغيير مناحيَ شتى حسب تصور كل حركة عن مكمن الداء. مجال النقاش: وبدايةً فإن أحداً لا يستطيع إنكار أهمية وجود القيادة والعمل الجماعي، ولكن ما درجة هذه الأهمية؟ وهل يتوقف العمل المثمر على ذلك العامل؟ وهل مجرد وجود هذه القيادة الواعية المخلصة والعمل التنظيمي العضوي يذلل الصعاب، ويحل المشكلات تلقائياً؟ وما القيادة والعمل الجماعي المقصودان؟ وما مدى الأضرار التي قد تسببها قيادة غير واعية أو غير مخلصة؟ وإذا غابت القيادة الموجِّهة والإطار الجماعي التنظيمي، أو لم يتفق عليها، ألا من سبيل للتغيير؟ مرة أخرى نحرر محل النقاش، وهو أننا لا نناقش أهمية القيادة والعمل الجماعي؛ فهذا أمر مفروغ منه، جاء الإسلام بالحث عليه نصّاً وإشارةً، ولكن الذي نناقشه هو: إذا كان من هذه الإشارات الترغيب في أداء الصلاة جماعةً، فهل أوقف الإسلام أداءها على هذه الصورة بحيث لو لم تتحقق لسقط العمل بها؟ وهل ندب إلى الجماعة في أركان الإسلام الأخرى إذا لم تحدث اتفاقاً، أم تركها لتمارس بوصفها عملاً فردياً؟ نطرح هذه التساؤلات بشكل آخر: هل تعيش مجتمعاتنا أزمة قائد أم محنة أمة؟ قائد عظيم، ولا إقلاع: - نجيب على هذا التساؤل: أولاً، بإيراد نماذج لقادة لا يُختلَف على عظمتهم، ولكن متبوعيهم لم يكونوا على المستوى المطلوب من التجرد والوعي والإرادة، فلم يستطع هؤلاء القادة الإقلاع بهم نحو الهدف المنشود: - فموسى ﵇ كان رسولاً نبياً، بل من أولي العزم من الرسل، وكان كليم الله، وقد شد الله أزره بأخيه هارون ﵇ واستطاعا بتوفيق الله أن يواجها الطاغية فرعون وينقذا بني إسرائيل من القهر والذل الذي كانوا يعيشونه، ولكن الخروج بهم من مصر لم يتبعه خروج إلى حمل الرسالة المنوطة بهم من تقديس الله وبسط سلطانه في الأرض المباركة [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ] (إبراهيم: ٥) ، فلننظر إلى مواقفهم بعد خروجهم من مصر ومعاينتهم للآيات البينات: -[وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا] (البقرة: ٦١) .. ارتباط بالأرض والشهوات. -[وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً] (البقرة: ٥٥) .. تطاول وجرأة على الله ورسله، واشتغال بما لم يكلفوا به. -[وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداًّ لَّهُ خُوَارٌ] (الأعراف: ١٤٨) .. انبهار بالمظاهر، وعبادة غير الله. -[فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ] (الأعراف: ١٣٨) .. دونية وتبعية نفسية للآخرين، واستهانة بأقدس مقوماتهم وهو توحيد الله . - وعندما أمروا بالتحرك للتمكين لهذا الدين، وقال لهم موسى - عليه السلام-: [يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] (المائدة: ٢١) ، كان رد فعلهم أن: [قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] (المائدة: ٢٤) .. جبن، وسوء خلق مع الله ورسله. ولكن بني إسرائيل دخلوا الأرض المقدسة بعد نحو أربعين عاماً تحت قيادة نبي آخر هو يوشع بن نون، فما الذي تغير؟ لم تكن القيادة الجديدة أفضل من موسى وهارون ﵉ ولكن الذي تغير هو خروج جيل جديد أثناء سنوات التيه (أربعين سنةً في دروب الصحراء) في بيئة مختلفة عن بيئة القهر والذل والارتباط بالدنيا وعبادة الأوثان التي عايشتها الأجيال الأولى تحت سلطان فرعون [٣] ؛ فالذين خرجوا من مصر كانوا في الحقيقة أمةً معوِّقةً وحملاً مثقلاً لقائد عظيم، بينما انطلق من أرض التيه فئة متيقنة بلقاء الله تعرف سنن الله في تدافع الناس، وتطلب منه وحده الصبر والثبات والنصر.. انتصرت هذه الفئة رغم قلتها ومع قائد على درجة أقل من سابقه. أي: كانت المعوقات التي في بني إسرائيل أكبر أثراً في التغيير من عظم إمكانات قيادة موسى وهارون ﵉ بينما نهض وعي الفئة الجديدة، وإخلاصها لله، وإرادتها الجازمة، بإمكانات يوشع بن نون الأقل في العظمة مقارنةً بموسى وهارون ﵉. - ومن ذلك: حالة النجاشي بعد إسلامه؛ فقد كان محققاً لما يطمح إليه كثير من فصائل الحركة الإسلامية المعاصرة، كان ملكاً يسيِّر دولةً وفي يده مقاليد الحكم، ولكنه لم يستطع القيام بدور يتناسب مع حجم سلطاته؛ وذلك لأن قومه لم يكونوا مؤهلين لقبول هذا التغيير.. وقد يقول قائل: إن قومه كانوا نصارى لا يؤمنون بهذا الدين، ولكن هذا ليس محل تأثير في موضوعنا؛ فقوانين النهوض، والإرادة في حمل رسالة، والدفع بالسنن التي يتم بها التغيير.. لا تتبدل بمجرد تغير دين الأفراد، ونحن نبحث في العامل المؤثر في التغيير من خلال جدلية العلاقة بين القائد والأمة، ولكي يتضح هذا العامل أكثر نذكر نموذجاً لا يتطرق إليه احتمال هذا الاعتراض المذكور. - هذا النموذج هو ما سجله التاريخ الإسلامي في الفتنة التي وقعت بين المسلمين بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁، وأعني بذلك: المواجهة التي حصلت بين أهل العراق بقيادة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان ﵁ فعلي لم يكن أقل إخلاصاً ولا كفاءةً ولا شجاعةً من معاوية، بل كان أفضل منه وأسبق، ولكن الفارق كان في الأتباع؛ فقد شاع في غالب معسكر علي ﵁ روح التفتيت والخروج من الصف والتطاول وعدم الطاعة، فكانت حياته معهم محنةً شاقةً رغم ظهور رغبتهم في الاستقامة وطلبهم للإصلاح بدعوى الحرص على الدين، ولكن ذلك شكَّل صورةً ونموذجاً للوعي الزائف، بينما امتاز معسكر معاوية بالانتظام والسمع والطاعة، فصبت روافد جهودهم في نهر واحد جرى في نهاية الأمر لصالحهم، وهذا ما أشار إليه علي بن أبي طالب ﵁ بقوله مخاطباً أتباعه: «وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وخيانتكم وأمانتهم، وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم ... » [٤] ، وهكذا لم يغن القائد العظيم عن أتباعه غير المؤهلين شيئاً في إحداث التغيير والتمكين [٥] . قيادة، ومثالب: ونجيب على التساؤل: ثانياً، بإيراد بعض نتائج غياب الوعي في الأمة، وتعلق آمال التغيير على مجرد وجود قائد مخلص فذ، ثم الالتفاف حوله وانتظار توجيهاته، فمن هذه النتائج: - سلبية الأفراد ووقوفهم حائرين مكتوفي الأيدي نتيجة استصغارهم لدورهم والإمكانات التي في طاقتهم؛ وذلك لأنهم ينتظرون توجيهات القائد المنتظر، بينما لا يعملون حتى على الارتقاء بأنفسهم ليكونوا مؤهلين للقيام مع هذا القائد بالدور المطلوب منهم في التغيير. - وجود أرضية خصبة للمتاجرة بالشعارات التي تحلم (الجماهير) بتحقيقها، ثم إفراغ هذه الشعارات من مضمونها بعد إجهاض الدعوات الأصيلة التي ترفع الشعارات نفسها، وبعدها يمكن السيطرة على الجماهير غير الواعية وتحويلها نحو المضامين المنحرفة المستهدفة. - تهيئة نفوس الأفراد لقبول قيادة أي فرد يحمل تطلعات الوصول والزعامة ويستطيع ملء الفراغ الموجود، بإشباع تعطش الأفراد للانقياد، وذلك يتحقق بقفز أفراد يملكون موهبة التصدر والظهور وارتداء ثوب الزعامة مع عدم تحقق مقوماتها فيهم، وأحياناً مع عدم إخلاصهم، فيسهل قياد هؤلاء القادة وتوجيههم - وخلفهم أتباعهم غير الواعين - إلى الوجهة التي يريدها الخصوم، أما في حالة كون الأتباع على ما هو مطلوب من وعي وإرادة فإنهم يكشفون مبكراً زيف هذه القيادات ويرفضونها ويضعونها في حجمها الحقيقي. - إيجاد المناخ الملائم للاستبداد والانفراد بالرأي والتوجيه والقرار، والعمل على مصادرة الآراء الأخرى، وتحجيم أي كفاءات غير إمَّعيَّة تبرز في الساحة، أو قمعها بدعوى المحافظة على وحدة الصف، ومن ثَمَّ: يفقد الجميع إمكانات هذه الكفاءات بدل استيعابها، وذلك فضلاً عن إهمال تكوين صفوف من الكوادر القيادية المؤهلة والبديلة التي تستطيع شغل الفراغ بشكل صحيح عند غياب الصفوف الأولى لأي ظرف من الظروف. تكوين الأمة وانحراف مسارها: ونجيب على هذا التساؤل: ثالثاً، بمدارسة التكوين الطبيعي للأمة صاحبة الرسالة، وعلاقة القائد بذلك التكوين، وذلك من خلال النظر في نشأة الأمة الإسلامية على يد رسول الله ﷺ ، ومن ثم: نستطيع رصد الانحراف الطارئ حالياً على هذا التكوين وهذه العلاقة. فالرسول ﷺ بعد صدعه بالحق في مشركي مكة التف حوله المؤمنون به، فأخذ يحوطهم برعايته وتربيته حتى كونوا نواةً صلبةً (فئةً مؤمنةً) لأمة واعية متماسكة، ولما كان المجتمع المكي حينها مستعصياً على التغيير المنشود اتجهت الأنظار إلى يثرب، حيث استطاع رسولُ رسولِ الله ﷺ مصعب بن عمير ﵁ العمل على تكوين قاعدة قوية تصلح لانطلاق مجتمع (الأمة/ الدولة) من أرضها، وحينها هاجر المسلمون ومعهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هناك، فكانت (الأمة/ الدولة) الناشئة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في الوطن الجديد (المدينة) . وفي ذلك نلاحظ: - أن قيادة الرسول ﷺ لصحابته في مكة لم تكن من منطلق الزعامة السياسية والحق القانوني، بل كانت بتأثير (القرآن) ، عن طريق الدعوة والتربية؛ فعلى الرغم من وجوب طاعته ﷺ المطلقة، وعلى الرغم من توجيهه ﷺ لصحابته بما يدفع بالدعوة والمؤمنين بها في المسار الصحيح، إلا أننا نلاحظ أن الرسول ﷺ لم يضع نفسه في موقع صاحب السلطات في هذه المرحلة، فلم ينقل عنه ﷺ أنه أمر العبيد المسلمين بالتمرد على أسيادهم المشركين أو اغتيالهم، وإنما كان يأمرهم بالصبر، ويعمل على رفع البلاء عنهم بالوسائل المتاحة والمتعارف عليها في المجتمع المكي، كما لم ينقل عنه ﷺ أنه أمر الأزواج المسلمين بالانفصال عن أقرانهم ... ، وكان الخط العام في هذه المرحلة أقرب إلى عدم السعي للانفصال العضوي عن المجتمع، كما أنه ﷺ لم يستخدم نفوذه في تطبيق نظم تتسم بصفة السلطة على المؤمنين به حينها، فلم ينقل عنه ﷺ أنه أمر بالتزامات مالية تؤدى في هذه المرحلة، كما لم ينقل عنه ﷺ أنه سعى في رد عبيد الله بن جحش أو معاقبته عندما ارتد إلى النصرانية أثناء هجرة المسلمين إلى الحبشة، وكذا: لم ينقل عنه معاقبة من ارتد بعد الإسراء والمعراج [٦] ، فلحكمةٍ ما اقتصر الرسول ﷺ على التوجيه من خلال تأثير الإيمان والتربية (القرآن) ولم يستخدم (سلطات) القائد في هذه المرحلة. كما أن سيرة المصطفى ﷺ توضح أنه خاطب الأفراد عندما كان فرداً، وخاطب الطوائف والجماعات عندما كان فئةً، وخاطب الدول والملوك عندما كان للمسلمين دولة، فلم نجد له ﷺ خطاباً إلى ملك من الملوك في المرحلة المكية، رغم أنه بُعث للعالمين بالنص القرآني المكي [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً] (الفرقان: ١) [٧] ، وفي ذلك إشارة إلى أهمية عدم القفز على المراحل وتخطيها قبل نضوجها. - كما يلاحظ أن انتقال رسول الله ﷺ والمسلمين إلى المدينة لإقامة مجتمع (الأمة / الدولة) الإسلامية لم يكن خارقاً لسنن التغيير، بل جاء بشكل طبيعي وفق سنة من سنن الله الكونية في التحول من مرحلة وسيطة إلى أخرى، هي سنة البرزخية؛ حيث توجد بين المرحلة المنتقل منها والمرحلة المنتقل إليها مرحلة وسيطة لا تنتمي إلى هذه ولا إلى تلك، وفي الوقت نفسه: تحمل بعض ملامح المرحلة السابقة وبعض ملامح المرحلة التالية، والبرزخية (الزمانية أو المكانية أو الفيزيائية.. أو الاجتماعية) سنة كونية سارية في شتى نواحي الحياة التي تتعلق بالانتقال، فالوقت بين طلوع الفجر وشروق الشمس برزخ بين الليل والنهار، والوقت بين المغرب والعشاء برزخ بين النهار والليل، والربيع برزخ بين الشتاء والصيف، والخريف برزخ بين الصيف والشتاء، ووادي محسر برزخ بين منى ومزدلفة، وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام، والنعاس برزخ بين اليقظة والمنام، وسكرات الموت برزخ بين الحياة والموت، والقبر برزخ بين الدنيا والآخرة، والشبهات برزخ بين الحلال والحرام، والتمييز برزخ بين الطفولة والبلوغ، وغليان السوائل برزخ بين الحالة السائلة والحالة الغازية.. ويطول الأمر إذا أردنا رصد حالات البرزخية باعتبارها سنةً من سنن الله الكونية في التغيير، ولكن الذي يهمنا هنا أن تحول المجتمعات من حال إلى حال يخضع أيضاً لبرزخية اجتماعية، وهذا ما نراه في تكوين المجتمع الإسلامي في المدينة، فقد تمثلت هذه المرحلة البرزخية في الفترة الممتدة من بيعة العقبة الثانية وحتى الهجرة النبوية المشرفة؛ حيث أثمرت جهود الرواد الأوائل من المسلمين بالمدينة - رضي الله عنهم - في تغلغل الإيمان والتربية الصحيحة في هذا الوطن الجديد للمسلمين، حتى إنه لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، أي: أصبح في المدينة مجتمع يحمل رسالةً في الحياة، يتطلع إلى قائده الطبيعي للانطلاق به نحو تطبيق هدف هذه الرسالة، وهنا انتقل الرسول ﷺ والمهاجرون إلى المدينة لتأسيس المجتمع الجديد على الأسس الجديدة بعد التهيؤ لهذه المرحلة. - الملحوظة الثالثة نستخلصها من الملحوظتين السابقتين: وهي عن رصد آلية تكوين الفئة [٨] ثم تحولها إلى مجتمع أمة / دولة، وعلاقة ذلك التكوين والتحول بموقع القائد من القاعدة. فالأمر يبدأ بدعوة داعية - أو دعاة - إلى مبدأ يؤمن به ويضحي من أجله، ويكون في هذا الداعية من مؤهلات التأثير ومقوماته ما يمكنه من جذب بعض الأفراد للإيمان بما يدعو إليه، وهنا تبدأ مرحلة تكوين الفئة، حيث يربي صاحب الدعوة المؤمنين بها تربيةً مكثفةً، وغالباً ما يكون هؤلاء المؤمنون على درجة عالية من الإخلاص والإرادة، وهذا ما مكنهم من الإيمان بشيء جديد غريب يخالف المألوف ومواجهة الملأ أصحاب المصلحة في استمرار هذا المألوف القديم، ويكون موقع القائد (الداعية) في هذه المرحلة هو موقع القطب صاحب التأثير والجاذبية، فتنجذب حوله عناصر القاعدة (الفئة) وتتلقى منه راغبةً مختارةًَ؛ فالقيادة هنا قيادة طبيعية غير مفتعلة، والسلطان الذي تحمله هو سلطان الإيمان وأثر التربية. في حالة نجاح الدعوة وانتشارها فإن المؤمنين بها يتطلعون إلى تجسيد ما يؤمنون به والانطلاق بالرسالة التي يحملونها، وهنا يبحثون عن فئة أخرى تنصرهم وتؤازرهم، أو عن وطن يستوعب تحولهم الكامل من فئة أخرى إلى أمة، إن لم ينصرهم مجتمعهم ولم يستوعبهم وطنهم الأصلي، كما أنهم يعملون على إقامة نظمهم ومؤسساتهم التي يطبقون عن طريقها المبادئ التي آمنوا بها، فيقيمون في مجتمعهم الجديد دولتهم المأمولة، وعند ذاك تظهر حاجتهم إلى قائد بصلاحيات جديدة (صلاحيات الدولة) يحمل سلطاناً إضافيّاً هو سلطان السلطات [٩] ، فيذعنون لأقدر من يمثل مبادئهم وينطلق بالرسالة التي يؤمنون بها (الذي كان في صدر التاريخ الإسلامي: رسول الله ﷺ [١٠] ، والخلفاء الراشدون الأربعة) . عندها تتحد الدعوة بالدولة (القرآن بالسلطان) ويكون معيار النجاح هو قدر المزج المنضبط بينهما للمحافظة على استمرار المجتمع ك (أمة / دولة) صاحبة رسالة، حيث لن تحمل الأجيال اللاحقة الزخم نفسه من الإيمان والتربية التي تربى عليها الجيل الأول من المؤمنين، كما أن الانتشار السريع والواسع سيضخم كتلة الأمة بإضافة عناصر كثيرة لم تتح لها فرصة التربية الكافية، وربما لم تنهل من الإيمان الصافي بالقدر الكافي، وهذا ما حدث في الفتوحات السريعة الواسعة في العصور الإسلامية الأولى. وفي هذا السياق نستطيع فهم القول المنسوب إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ، فلقد قالها - إن كان قالها! في وقت هو قائد أمة / دولة، وليس في مرحلة تكوين فئة / أمة، فكان لا بد أن يحافظ على هذا التوازن ليسير المجتمع المسيرة الصحيحة. وهنا نفهم أيضاً لماذا لم يستخدم ﵁ سلطات السلطان في فتنة مقتله ومنع الصحابة الذين حوله من التصدي بالقتال لمن يحاصرونه؛ فليس ذلك لمجرد حقن دماء المسلمين فقط؛ فهو أول من يعلم ﵁ أن قتال الفئة الباغية من الدين، ولكن هذا المنع - في نظري - لأن ذلك التقاتل كان سيؤدي إلى سقوط من تبقى من صفوف القيادات المستقبلية للمسلمين، وهو أمر سيقضي على الدولة (السلطان) ، وهذا واضح من إصراره الشديد - رضي الله عنه - على خروج كبار الصحابة من داره وطلبه عدم اشتباكهم مع المتمردين، ومن قوله لمندوب المتمردين: «أمَّا خلعي، فلا أترك أمة محمد بعضها على بعض» [١١] ، كما أن آفة جماهير المتمردين عليه كانت نقص أثر (القرآن) وعياً وتربيةً فيهم، وهذا واضح في سيرتهم، وهو ما مكن اليهودي ابن سبأ من استغفالهم وقيادهم، فآثر عثمان ﵁ أن يضحي بنفسه على أن يضحي بالأمة والدولة. مسيرة الانحراف: ولنرصد الآن الانحراف الذي طرأ على هذا التكوين وهذه العلاقة: - أثقلت الأمة بتضخم كتلتها البشرية فجأةً، ولم تسعفها الإمكانات ولا الوقت لتربية المسلمين الجدد التربية الإيمانية المطلوبة. - نشأ عن ذلك تضاؤل نسبة الوعي بالرسالة وأهدافها وسنن التغيير والإصلاح، كما قلَّت نسبة المتحمسين أصحاب الإرادات والهمة العالية.. (تضاؤل أثر القرآن) . - تعويضاً لأثر ذلك التضاؤل: ارتفعت نسبة السيطرة والتوجيه عن طريق سلطات الدولة وأجهزتها.. (تعاظم شأن السلطان) . - بدأ ظهور ضمور وعي الأمة عند نقض عروة الحكم، وسوف يكتمل بنقض عروة الصلاة (لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن الحكم، وآخرهن الصلاة) [١٢] ، لأن الوعي ينحسر من الدائرة الأشمل إلى الدوائر الفردية الأضيق، بعكس نشأته وتكوينه. - نتيجة تضاؤل الوعي (كمّاً وكيفاً) في الأمة: شاع فيها على نطاق واسع القابلية للاستغفال والاختراق والجمود. - وحسب قاعدة (كما تكونوا كذلك يؤمر عليكم) [١٣] والنبوءة الصادقة (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..) [١٤] كان يتولى القيادة أمراء فيهم من نسبة التمثل بـ (القرآن/ السلطان) بقدر ما في الأتباع من نسبة الإذعان لـ (القرآن/ السلطان) ، وكان هذا الخط يسير باتجاه الخلافة الراشدة، فالملك العاضّ، فالملك الجبري [١٥] . - كان يسير ملتحماً مع هذا الخط خط آخر باتجاه افتراق القرآن عن السلطان، إلى أن تم الاستغفال شبه التام، فحدث الافتراق شبه الكامل بين القرآن والسلطان على يد الدعاة على أبواب جهنم، في الوقت الذي انحدر فيه وعي الأمة وإرادتها نحو المرحلة الغثائية. صور من مسيرة العمل الإسلامي: وبعد أن ظهرت الصحوة، وبدأت الرغبة في الخروج من هذه المرحلة الغثائية ظهر السؤال: كيف السبيل لإصلاح الخلل الذي حدث في هذا التكوين وهذه العلاقة؟ على أرض الواقع رأينا سبلاً عدةً، ولكن الذي يعنينا هنا هو محاولة التغيير عن طريق التأثير في مركز القيادة الحالية؛ بناءً على تصور مؤداه أن انحرافها هو الأكبر أثراً في الانحراف بالأمة، ومن ثَمَّ: فإن التأثير في هذه القيادة - بإرشادها، أو قلبها واستبدالها - سيكون نقطة التحول إلى التغيير الأفضل - حسب هذا التصور -، وترتب على ذلك: أن بعض الفصائل ركزت عملها في التغيير على أحد سبيلين: الأول: محاولة الوصول بالطرق السلمية و (المشروعة قانوناً) أو بالمنازلة السياسية إلى موقع يمكّنهم من التأثير على مركز القيادة الحالية أو المشاركة في السلطات المؤثرة، والآخر: محاولة إزاحة أشخاص القيادات الفعلية أو الأنظمة بأساليب العنف والمنازلة العسكرية (الجهاد المسلح) . وإذا تجاوزنا البحث في مدى واقعية هذين السبيلين وسجل التجارب غير الناجحة فيهما فإننا لا نستطيع تجاوز الاعتبارات الآتية: أولاً: أن البحث في سبل التغيير لا يقتصر على مجرد البحث في حِلِّ عمل معين أو حرمته (كالمشاركة في حكومات علمانية أو دخول برلمانات أو القيام باغتيالات أو الاستيلاء على أموال..) فهو يشمل مع ذلك البحث: موازنة المصالح والمفاسد، واستقراء السنن الربانية في التغيير، واستجلاء المنهج النبوي في إقامة المجتمع المسلم، إضافةً إلى دراسة خصوصية الواقع المعاصر دراسةً موضوعيةً. ثانياً: أن المسلم يتعبد لله باتباع منهج نبيه صلى الله عليه وسلم في التغيير، وكما أنه يعمل على عودة الخلافة على منهاج النبوة في تطبيق القيم والأحكام؛ فإنه ينبغي عليه أن يحرص على أن تكون عودة هذه الخلافة من خلال منهاج النبوة في النشأة والتكوين والتغيير أيضاً [١٦] ، كما أن المسلم مطالب عندما ينفصل القرآن عن السلطان بأن يقترن بالقرآن (.. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب ... ) [١٧] . ثالثاً: أن الاستمرار في هذه المحاولات للقفز إلى السلطة مع عدم التقدير الصحيح لإمكانات أطراف الصراع ومواقعها يستهلك جهود العاملين في الحقل الإسلامي مع استمرار قناعتهم بأنهم يبذلون تضحيات وجهوداً مشكورةً في سبيل هذا الدين، بينما الحقيقة أنهم كمن يجري على سير جهاز للتخسيس، يحرق سعراته الحرارية ولا يغادر مكانه، وقد يغذي الأعداء هذه المحاولات بتخطيط ومكر بهدف إلجاء الحركة الإسلامية إلى الدخول في نفق (الإجهاد المفضي إلى الإجهاض) ، وقد يحرصون على جر الدعاة وأتباعهم إلى محاور جانبيه وإثارة قضايا جزئية، تكون بمثابة الراية الحمراء التي يستثير بها مصارع الثيران الثور المتصارع معه؛ ليستهلك بها جهده ويوجهه الوجهة التي تمكنه من طعنه والقضاء عليه بعد هذه الاستثارة وهذا التوجيه. رابعاً: أن في هذا المسعى محاولةً لخرق سنن الله - تعالى - في التحول، وتجاوز لسنة (البرزخية الاجتماعية) كما أوضحنا سابقاً، وهذا غير مستطاع ولا ينبغي أن يطمح إليه ويعمل له؛ لعدم إمكانه وعدم واقعيته، فالواقع يشهد أن المجتمع الإسلامي في تحوله إلى حالته الراهنة مرّ بمرحلة برزخية اجتماعية طويلة، ولن يعود إلا من خلال برزخية اجتماعية معاكسة (قد تقصر وقد تطول) ، هي التي نعيشها الآن، والتي قد تسمى عند بعض الكتاب (مخاضاً) وآخرون يطلقون عليها (إرهاصات) وغيرهم يسميها (يقظةً) أو (صحوةً) ... خامساً: أننا لو افترضنا جدلاً نجاح فصيل أو آخر في القفز إلى الحكم رأساً وتملك قيادة شعب ما، فإنه سيكون قائداً غريباً غير طبيعي، كما أنه لو أقام دولةً فهناك شك كبير أن يحِّول هذا الشعب إلى (أمة / دولة) لها رسالة تحملها وتضحي من أجلها؛ لأنه (أي: الشعب) سيعتبر أن هذه الرسالة تملى عليه، ومن ثَمَّ: سيسهل على المغرضين والمنافقين تضليل الجماهير واستعمالهم ضد هذه القيادة المفروضة عليهم؛ مستغلين أن هذه الجماهير لن تحمل الانتماء إلى قيادة لم تخرج منها، كما أن وعي هذا الشعب لن يكون في مستوى كشف الأساليب الملتوية للمنافقين. ومن يقول: إن قيادة هذه الجماهير سهل لأنهم أتباع كل ناعق ينسى أنه قد يأتي من هو أكثر نعقاً منه فيسقطه وتتبعه الجماهير أيضاً. بين النشوء الطبيعي والمصطنع: وهذه النقطة تعود بنا إلى السؤال المحوري في هذا المقال: هل نعيش أزمة قيادة أم محنة أمة؟ وأيهما ينصلح أولاً: الأمة أم القيادة؟ وكيف يكون اتجاه التغيير: من أعلى إلى أسفل أم العكس؟ نبلور التطور الطبيعي لتكوين الأمة / الدولة في الآتي: داعية ينشر دعوةً تفرز طليعةً (فئةً) تكوِّن أمةً تحمل رسالةً وتقيم دولةً تختار قائداً. ونبلور تصور الشكل الآخر المخالف للتطور الطبيعي - والذي رأيناه في واقع تطلعات بعض الفصائل الإسلامية - في الآتي: قائد يؤثِّر في نخبة تتحول إلى تنظيم يتميز عن الجماهير ويقفز على دولة تتبنى دعوةً تملى على أمة. - في الحالة الأولى: تظل جسور التواصل ممتدةً بين الطليعة (الفئة) والجماهير، حيث تحرص هذه الطليعة على عدم التميز بغير ما تحمله من مبادئ وقيم [١٨] ، لذا: فمجال الحركة أكثر انفتاحاً أمامها، كما أن أساليبها أكثر تنوعاً، وذلك رغم وضع العراقيل والعوائق أمامها، أما في الحالة الأخرى: فإن تميز التنظيم العضوي عن الجماهير - الذي يغذيه غالباً التعالي المصاحب للنفسية النخبوية - ينحرف بهذا التنظيم نحو الانفصال عن الجماهير، إما بانحراف مسار حركة هذا التنظيم، وإما بكيد الأعداء وتدبيرهم ومكرهم [١٩] ، ومن ثَمَّ: تسهل - بعد التميز والانفصال - المحاصرة ثم الاستئصال، من غير أن تحس الجماهير بفقدان شيء منها، سواء أكان هذا الشيء هو عناصر النخبة والتنظيم أو المبادئ والقيم. - في الحالة الأولى: تظل الطليعة متماسكةً حتى وإن تعددت الرؤى داخلها؛ لأن روح التحزب والتشيع يصعب سريانها فيها، ولأن أكبر ما يهمها هو نشر الدعوة بين الناس لتعبيدهم لرب العالمين، أما في الحالة الأخرى: فلأن التنظيم عضوي قائم على الضم والطرد حسب معيار (الالتزام الحزبي) فإن الفرصة مهيأة لبروز تنظيمات أخرى تختلف مع بعضها نتيجة اختلاف الرؤى أو وجود الأهواء، ومن ثم: تكون الفرصة مهيأةً أيضاً لانشغال هذه التنظيمات ببعضها، أو على الأقل: عرقلة عمل كل واحد منها لعمل الآخر من غير قصد، بل قد يستعمل الأعداء بعضها ضد بعضها الآخر. ونود التنبيه هنا إلى أن مجرد وجود روح الحزبية المقيتة تؤدي إلى هذه النتائج السلبية نفسها، حتى مع عدم وجود هيكل تنظيم عضوي، ولكن الفرصة في ظل التنظيم العضوي تكون مهيئةً أكثر لبروز هذه الروح. علينا التذكر: أن من عوامل سقوط الأندلس: كثرة الإمارات والدويلات والتناحر بينها، وذلك ما أدى إلى ضعفهم جميعاً واستغلال الأعداء لذلك، فكان سهلاً استئصالهم دويلةً إثر أخرى. - قد يظهر أن الهدف (نشر الدعوة وتعبيد الناس لله سبحانه) بعيد والطريق طويل في الحالة الأولى، وهذا صحيح لأول وهلة، ولكن عند التأمل فيه نجد أنه طريق مستقيم، لذا: فهو أقصر طريق بين الهدف ونقطة الانطلاق، أما في الحالة الأخرى: فقد يبدو - بهذا الأسلوب - أن الهدف قريب والطريق قصير؛ وهذا صحيح أيضاً للوهلة الأولى، ولكن الحقيقة أن الهدف يخالطه السراب، والطريق إليه متعرج تكثر به المنعطفات والانتكاسات، لذا: فهو طريق أطول من الأول، كما أن نتيجته (القفز إلى السلطة) ليست هي المستهدفة في المقام الأول. في الحالة الأولى: يكون القائد إفرازاً طبيعياً ملائماً لأمة واعية متيقظة أثمرت فيها جهود الدعوة، فكان هذا القائد خارجاً من أسفل إلى أعلى، ومن ثَمَّ: تلتف الأمة حول اختيارها رغم الصعاب لتنطلق وتحقق الرسالة التي تحملها، ويصعب استغفالها أو سرقة خيارها أو التلاعب على مطالبها، بينما في الحالة الأخرى: يكون القائد مصطنعاً مفروضاً من القمة على القاعدة، ولذا: فهو يبسط سلطانه من خلال سلطاته فقط، ومهما كان هذا القائد فذّاً فإنه لن يستطيع الانطلاق بأمة غير واعية أو ليس لها همة لتحقيق أهداف سامية، كما أن هذه الأمة يسهل استغفالها وسرقة خيارها؛ لأن فيها القابلية للاستغفال نتيجة اضمحلال الوعي. لتوضيح ذلك نضرب مثالاً متخيلاً: فلو توهمنا أن (الحزب الشيوعي البريطاني!) استطاع أن يتسلل إلى الحكم بطريقة أو بأخرى، وأزاح الأسرة البريطانية المالكة ووضع الحكومة المنتخبة في السجون، ثم فرض تصوراته الماركسية وقمع الحريات في المجتمع البريطاني القائم على تقديس الحرية وشيوع روح الإيجابية والفاعلية المؤثرة والمشاركة في الحياة العامة ... ، كم من الأيام - بل من الساعات - نتصور أن يبقى في الحكم؟ ولماذا؟ .. بعد التفكير في النتيجة والسبب قارن ذلك بما يحدث في بلدان أخرى من العالم! فإذا كان الأمر كذلك فما هو البديل - أو الرديف - لأخطاء الواقع الحركي الذي نعيشه؟ دور لكل مسلم: وهذا ينقلنا إلى الشق الآخر من الموضوع، وهو الحديث عن أهمية تنمية وعي الأمة وتفعيل إرادتها، فيمكن القول: إنه ينبغي ترسيخ مفهوم أن عمل أفراد الأمة المؤثر في التغيير غير مشروط بانتظار قائد أو الانضواء في إطار عمل تنظيمي عضوي، وذلك يتم إذا أمكن الارتقاء بوعي المسلم إلى المستوى الطبيعي المفترض، وهو أن للمسلم رسالةً في الحياة تجاه نفسه وأسرته والآخرين لا يمكنه التخلي عنها، وأن له شخصياً دوراً - كبر أم صغر - في حركة التاريخ البشري، وأن حمل هذه الرسالة والقيام بهذا الدور ليس نافلةً يمكنه التخلي عنها، بل هما من صميم الأمانة المكلف بها بصفته مسلماً؛ فالمسلم - بخلاف النصراني أو البوذي ... مثلاً - لا يصح له لكي يستقيم على الجادة أن يكتفي بالاعتكاف أو الانزواء في معبد ويترك الحياة تسير كما يريدها شياطين الإنس والجن، كما لا ينبغي له حتى الاكتفاء بـ (التبشير) بالإسلام كعقيدة على مستوى الأشخاص من غير أن يكون لهذه العقيدة أثر في الواقع المعاش؛ لأنه في الحقيقة مأمور باتباع الدين كله، وفي الوقت نفسه: لأن هذا الدين يشمل الحياة كلها، كما أن عليه العمل على إظهار هذا الدين على الدين كله، وهذا لا يتأتى إلا بالحرص على التأثير في مجرى الأحداث. وهذا ما رأيناه يحدث في سيرة الصحابة والصالحين جميعهم، ولكننا ننتقي بعض الأمثلة الواقعية التي تدلل على ما نحن بصدده، وهو العمل على رفعة هذا الدين والتغيير من أجله بما تسنح به الفرص وبالإمكانات المتاحة؛ لتصب في اتجاه رفعة هذا الدين حتى ولو غابت القيادة، فمن هذه الأمثلة: ما قام به أبو بصير ﵁ عندما انفلت من مكة إلى المدينة فأرسلت قريش في إثره رجلين لرده من رسول الله ﷺ حسب بنود اتفاق صلح الحديبية، وهذا ما تم بالفعل، ولكن أبا بصير لم يستسلم ويستكن، بل تحايل - رغم صعوبة موقفه - واستولى على سلاح أحد الرجلين، ثم ضربه به بينما فر الآخر، وجاء أبو بصير إلى رسول الله ﷺ وقال له: «يا نبي الله! قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم» ، قال رسول الله ﷺ : «ويل أمه، مسعر حرب لو كان له أحد!» فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف (ساحل) البحر، فكوّن مركزاً لإيواء وتجميع المستضعفين الهاربين من مكة من غير إحراج سياسي لدولة المسلمين في المدينة، ثم أخذ هذا التجمع الصغير يكبر ويغير على قوافل قريش التجارية، إلى أن أرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تناشده الله والرحم ضم هذا التجمع إليه، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فقدموا عليه في المدينة [٢٠] . فأبو بصير ﵁ ما استكان ولا رضي بواقعه، ولا استقل إمكاناته، ولا انتظر انضمامه الفعلي إلى جماعة المسلمين، ولكنه تحرك - وحده - بفاعلية وإرادة نحو هدفه. - المثال الثاني وقع بعد إعلان سقوط إعلان الخلافة العثمانية على يد أتاتورك وزمرته من أعضاء حزب الاتحاد والترقي؛ حيث اندلعت في تركيا احتجاجات واسعة واجهتها الحكومة الجديدة بالقمع والتنكيل، ثم منعت تدريس الدين في المدارس، فحث الشيخ سليمان حلمي طوناخان الناس على مخاطبة الحكومة باستعدادهم لتحمل تكاليف تدريس الدين لأبنائهم، ولكن الحكومة رفضت وهددت وتوعدت، فانزوى المدرسون عن ذلك مقتنعين أن تعليم الدين غير ممكن في ذلك الوقت وأنهم ليس عليهم حرج في الاعتذار عن ذلك، إلا الشيخ سليمان الذي استعظم المسؤولية أمام الله فكان يبحث عن أحد يعلمه فلا يجد لخوف الناس من الحكومة، فبدأ بتعليم ابنتيه في البيت على أن تقوما بتعليم زوجيهما وأولادهما، ثم استحدث دفع أجر لطلبته نظير تعليمهم، وكان يرعى تلامذته بنفسه حتى إنه كان يذهب بالمريض منهم إلى الطبيب، مما جعله يعيش على الكفاف، ولكي يخفي طلبته عن عيون الرقابة الأتاتوركية عمد دائماً إلى تبديل أماكن تدريسهم، فكان يدرسهم يوماً في غرفة مؤذن المسجد، وآخر في بيت أحد أتباعه، وثالثاً في قبو مبنى، أو يستأجر مزرعةً ويخبئ طلابه فيها في زي العمال، يزرعون الأرض صباحاً ويدرسون الدين مساءً، أو يذهب بهم إلى قمة جبل، ورغم انكشاف أمره وتعرضه للاعتقال والتعذيب والملاحقة إلا أنه واصل مهمته التي انتدب نفسه لها بإصرار وإرادة وتضحية مستحضراً أن: «ليس التعب يضنينا، ولا الإزعاج يثنينا، سنسارع إلى نداء التعلم والتعليم والخدمة حتى وإن أدى بنا إلى الموت» [٢١] . - المثال الأخير في هذا الصدد مثال لحالة معاصرة عايشتها، وهي دليل على أن أي شخص - مهما تضاءلت إمكاناته وقدراته ومهما كان موقعه - يستطيع أن يساهم بعملٍ ما لنصرة هذا الدين وأهله؛ فقد ذكر لي أحد الأصدقاء (من غير ذوي الوجاهة عند الناس) أنه وزوجته يحرصان على عدم شراء ملابس مصنوعة في بلاد الكفر، وقد يطوفان هما وأولادهما على محلات عديدة ولا يشترون شيئاً رغم توفر المطلوب من هذه البلاد بأسعار مناسبة وجودة لا بأس بها، وذلك حتى لا يدعما بمالهما القليل أعداء المسلمين. قد يكون أثر تصرف هذين الزوجين غير ملموس، وقد يشق عليهما الالتزام بذلك.. ولكنهما في النهاية فعلا ما يمليه عليهما ولاؤهما للمسلمين، وقاما بما في إمكانهما.. وقد يكون هذا هو الدور المطلوب من مثلهما. فهذه النماذج - وغيرها كثير - توضح أن الشعور التلقائي بعد الإيمان بهذا الدين هو العمل على نصرته وظهوره، وأن الفرد - مهما كان علمه وقدره وموقعه - يملك من الإمكانات والطاقات ما يمكنه من لعب دور في حركة التاريخ، ولكن المهم هنا هو الكشف عن تلك الطاقات والإمكانات - من نفسه أو من الآخرين - وتجليتها وتفعيلها. صحيح أن الإطار التنظيمي أو الجماعي أقدر على الاستفادة من هذه القدرات وتوجيهها في مصب واحد لخدمة هدف محدد، ولكن الإلحاح في التعويل على هذا الإطار يحمل أكثر من مخاطرة، منها - إضافةً إلى ما ذكر سابقاً - محدودية القدرة على استيعاب جميع الأفراد، ومنها: الاقتصار على أفق القائمين عليه وتصوراتهم وأهدافهم، ومنها: الجمود عن العمل والحركة إذا فُقِدَ هذا الإطار أو شُلَّ أو عُطِّل. فإذا كان الأمر كذلك فكيف تتحول رغبة الأفراد في النصرة إلى عمل مؤثر في حركة الأحداث تتجمع مفرداته لتصب في النهاية في الاتجاه الصحيح من دون انتظار لدور (الآخرين) أياً كانوا: قائداً أو تنظيماً أو جماعةً أو أغلبيةً أو دولةً؟ في اعتقادي أن ذلك يتم من خلال عاملين: الأول: استيعاب فهم سنن التغيير في الأنفس والمجتمعات، ونشرها في الأمة ولو في صورة أولية غير معقدة. الثاني: توفر الإرادة الجازمة والتصميم التام على العمل لهذا الدين من أي موقع وبأي إمكانات، واستحضار ذلك في مواقف المسلم الحياتية مما ينشط فاعليته. فهذان العاملان يكوِّنان سياجاً يحمي الأمة - من خلال أفرادها الواعين - من الوقوع في السلبية أو في الإيجابية العكسية، وبذلك تستطيع أن توظف طاقاتها للعمل على بصيرة خلف قائدها إن وجد، بحيث لا تكون عبئاً عليه، وفي الوقت نفسه: تمارس الرقابة بوعي صحيح على هذا القائد حتى لا ينحرف عن المسار المستهدف، كما تمارس الشهادة على الأمم الأخرى بأدائها الأمانة المنوطة بها، أما إذا لم يوجد هذا القائد الذي يستحق أن تجتمع عليه الأمة فإنها لا تقف مكتوفة الأيدي في انتظاره، بل يعمل كل فرد من موقعه بدافع ذاتي يغذه للتقدم إلى الأمام في طريق الخير والإصلاح. أخيراً: فإن نجاحنا في الإقلاع بالأمة مرهون بمدى أدائنا للبلاغ المبين، أي : البلاغ الواضح الناصع، القوي الواسع الانتشار، وذلك أداءً لأمانة الدعوة، كما أنه مرهون أيضاً بمدى قدرتنا على تفجير الشارع الإسلامي بالوعي بالإسلام على الحقيقة وبالواقع دون تزييف، مع شحذ إرادته ودفعه نحو تفعيل دور أفراده في الاتجاه الإيجابي الصحيح.. كل ذلك مرتبط بأن يكون التيار فوق التنظيم، ليحل التواكب محل التشرذم والتنسيق محل الفوضى.

стр. 3645

قضية للمناقشة التراجعات ... والمراجعات مازال السؤال قائماً ! ! د. ماجد الإبياري بدأ يظهر في الفترة الأخيرة الحديث عن (التراجع والمراجعة) في العمل الإسلامي، وأخذ المتحدثون يعرضون تصوراتهم، وتحليلاتهم حول القضية المثارة. وهذه المناقشة للقضية الجديدة التي بدأت تأخذ أنماطاً مختلفةً وصوراً متعددةً، أثارت عدداً من النقاط الهامة التي ينبغي الوقوف عندها وتأملها و (مراجعتها) . النقطة الأولى: كثر الحديث عن تراجع الحركة الإسلامية من الكتاب الغربيين، ومن العلمانيين العرب؛ وهؤلاء وأولئك ليسوا محل حديثنا؛ إذ شدة عداوتهم لدين الله وكل عمل لنصرته لا تخفى على أحد، لكن مجال حديثنا عن فئة من الإسلامين لا نقول إنها تابعت الغربيين والعلمانيين في تحليلهم للظاهرة، ولكنها تولت الحديث عن ذلك في الوسط الإسلامي. إن الفئة التي تولت إظهار هذه المسألة - ولا زالت - فئة لها مكانتها ولها دورها الرائد في العمل الإسلامي، إنها فئة من أهل الفكر والثقافة. فلم تُثَرِ المسألة من عالم مشتغل بنشر العلم والتعليم، ولم تُثَرْ كذلك من داعية أو مربٍّ يشغله واقع العمل الدعوي (التطبيقي) ، ولم نسمعها كذلك من خطيب أو واعظ مهتم بتوجيه الناس ونصحهم. لم تُثَر القضية من أولئك جميعاً بالرغم من كونهم شركاء أهل الفكر والثقافة في العمل الدعوي، وإن أثيرت فليس بتلك الصورة. ومع التقدير الشديد لأهل الفكر إلا أننا نخشى أن يكون ذلك طريقاً جديداً يراد توجيه الدعوة إلى سلوكه، خاصةً أن هناك شبه تواصٍ به فيما بينهم، وكم سلكت الدعوة طرقاً وجَّهها إليها أفراد منها، لهم مكانتهم ومنزلتهم في الدعوة، ولم يُشرك في ذلك بقية أهل التوجيه والعلم والخبرة، وكانت النتيجة مرارةً شديدةً تجرعتها الدعوة. أحد أولئك المفكرين، وفي وقت فورة العمل المسلح لعدد من الجماعات الإسلامية في عدد من البلدان، لم يكن يرى من سبيل لإخراج الأمة من أزمتها إلا ما تقوم به هذه الجماعات؛ فلا يفل الحديد إلا الحديد! ! ثم ما لبثت الأيام تمضي وهدأت - الفورة أو قضي على الثورة - حتى خرج علينا يسير في اتجاه معاكس يحاول إلزام الدعوة على السير معه، وذلك حين دعا إلى أن تلتزم الحركة الإسلامية خياراً استراتيجياً جديداً يقضي بإلغاء فريضة الجهاد! وآخر راح - بعد تراجعه - يسفِّه كثيراً من الحركات الإسلامية ويتهمها بنقص الفهم وسذاجة العقل، مع أنه كان أحد الرموز الهامة في ذلك الفريق الناقص الفهم، الساذج العقل. فهل يتوقع هذا أو ذاك أن تنخدع الدعوة بهم مرتين، أو أكثر من ذلك؟ وهل ما زالوا يتوقعون أن آراءهم الفردية وطروحاتهم الشخصية سوف تلاقي تجاوباً سريعاً كما كانت من قبل؟ ولهذا فلا عجب أن يكون أول المتأثرين بنتائج (موضة التراجع) السلبية الذين تولوا كبر تضخيمها. ونعيد: مع تقديرنا الكبير لأهل الفكر والثقافة، ودورهم الاستشرافي لمتطلبات الدعوة بقراءة الماضي، ودراسة الحاضر، إلا أن التجارب التي مرت بها الدعوة الإسلامية تنبئنا أن مثل هذه القضايا الكبيرة تحتاج - لكي نسلِّم بها، وكونها قضية كبيرة توجه لها الجهود والطاقات - إلى أهل العلم والدعوة، مع أهل الفكر والثقافة، تحتاج لكي نخرج لها بحل يصلح الأمة وتبرؤ به الذمة، إلى اتفاق المنظرين مع التطبيقيين. النقطة الثانية: ما هو التوصيف الواضح لمصطلح (التراجع) هل يعنون به تراجع مستوى الأداء في العمل الإسلامي، علمياً كان أم عملياً: في الأفكار والتصورات، أم الأهداف والسياسات، في حجم العمل أم نوع العمل؟ أم يقصدون ذلك كله ومثله معه! ؟ وإن كانوا يقصدون ذلك كله فإن التراجع لا يكون إلا عن مستوى أعلى ومتقدم، وإن كان ذلك كذلك فلماذا يُغرِق أولئك في تفاصيل إخفاق العمل الإسلامي في كل مجالاته، ومنذ نشأته الحديثة، ولم نرَ في كتاباتهم الأخيرة حول هذه الظاهرة إلا النقد الشديد للحركة وإنجازاتها؛ فهي عندهم لم تعرف التخطيط وطرائقه، ولا المنهجية الحركية وسبلها، ولم تحقق شيئاً من أهدافها - إن كان لها أهداف - وحركة بهذا الوصف، هل يكون لها إنجازات تتراجع عنها؟ فعن أي تراجع يتحدث القوم؟ ! النقطة الثالثة: لم تخرج كتابات الخائضين في مسألة التراجع عن كونها توصيفاً لواقع مأزوم؛ فجُلُّ الكتابات تركز على بيان أهداف الدعوة الإسلامية الكبرى، وتعرض نماذج من صور الإسلام المشرقة في القرون المفضلة، وكيف واجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الجاهلية الأولى، ثم تُعرِّج بعد ذلك على أسباب انتكاسة الأمة وتنكبها الطريق القويم، وسطوة أعدائها وتكالب الأمم على القصعة، ثم يأتي الحديث عن نشأة الحركة الإسلامية الحديثة، وكيف كانت البدايات ساذجةً، ولم تكن مدركةً للواقع العالمي، ولا حتى المحلي فضلاً عن الإقليمي، ثم تسهب الكتابات في أسباب الخلل الداخلي بشتى صوره ... إلخ، وهذا كله صحيح في مجمله. ثم إذا عنونت عناوين أمثال: (كيف نخرج من الأزمة؟) أو (الخروج من التيه) أو غير ذلك من العناوين التي تُفرح كل مغتم ومتألم لحال الأمة، تجد بعد الشرح المستفيض الذي استغرق مئات الصفحات، يُقتضب الكلام، ويجمل الحديث إجمالاً: إنه (بالعودة الصادقة للمنهج الرباني) ! ! و (اتباع سبيل سلف الأمة الصالح في التربية والدعوة والجهاد) ! ! و (إدراك الحركة لمخاطر الكيد اليهودي والنصراني وقوى الشر المتكالبة على الأمة) ! ! و (ضرورة التكاتف والتآزر بين فصائل العمل الإسلامي، والاعتصام بالأخوة الحقة) ! ! ، بل منهم من قال بعد عشرات الصفحات في بيان تقصير الأمة وتواكلها وتخاذلها عن العمل: (إن نصرة هذا الدين بيد الله ، ولا تحتاج إلى جهود بشرية؛ فإنه إن قال للشيء (كن فيكون) ! ! فعلامَ الحديث السالف إذن عن أثر الفكر الإرجائي والصوفي والتواكلي وخطورته على الأمة؟ إن كل ما قيل حق، ولا غبار عليه، وهو كلام جميل ورائع؛ ولكن يا أحبتنا! يا من سوَّدتم تلك الصفحات في عرض حال أمة يعلمه الجميع، ويدركه الصغير والكبير! نشكر لكم هذه الحلول (العامة) التي نتفق وإياكم على صحتها، ولكن أخبرونا مأجورين عن تفاصيل ذلك! أفيدونا مشكورين عن برنامج علمي قابل للتطبيق العملي في وسط هذه الظروف الحوالك التي أظلمتم بها الدنيا في وجوهنا، كيف الطريق التنفيذي للعودة إلى المنهج الصافي؟ إن توحيد الصفوف وتراصَّها مطلب ملحٌّ للغاية، ولكن أخبرونا بالسبيل الذي يوحد به عشرات الألوف من الشباب الذين تربوا على تزكية النفس، وعلى التربية الروحية والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، تربوا على ذلك عشرات السنين، كيف يوحد هؤلاء مع ألوف أخرى لم ترَ من طريق لنصرة دين الله إلا مقارعة الباطل بكل ما تيسر لها، من تسفيه إعلامي، وتحقير سياسي، وحرق وقتل وتدمير، ويرون ذلك كله جهاداً وإعلاءً ونصرةً لدين الله؟ كيف السبيل إلى رص الصفوف بين هؤلاء وأولئك بعدما كبر الصغير هنا، وشاب الكبير هناك على ما أُشربوه من مفاهيم؟ هذا مع فرض أن القادة والموجهين قد تآلفوا وتعاونوا؛ فكيف وقلوب رؤوس الناس لم تصفُ بعد؟ ! إن طرق الحلول بهذه الوسيلة ليذكرنا بمن يعظ الناس في أهمية الخشوع في الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ولأنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، ولأن الله ربط الفلاح بذلك حين قال: [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ] (المؤمنون: ١-٢) ، والعبد إن صلحت صلاته صلح سائر عمله ... إلخ؛ وهذا كله مسلَّم به، ولكن كيف نخشع في الصلاة؟ هذا جانب لا يتطرق إليه الناصح، وينقطع حديثه، أين هذا ممن يصنف في ذكر عشرات الطرق لكيفية الخشوع في الصلاة؟ إن التوصيف أمر هين، يحسنه أصحاب الأقلام، ومن لم يمسكوا الأقلام، والمريض بسهولة شديدة يصف أعراض مرضه للطبيب، ولكن الطبيب لا يزيده وصفاً آخر، قد يذكر له أسباب المرض حتى يتوقاها بعد ذلك؛ ولكن دوره لا يقف عند ذكر الأسباب، بل يصف له علاجاً لهذا المرض بعد معرفته بوصفه وسببه، ويحدد له موعداً لتعاطي الدواء وحجم الجرعات ومدة التناول، ويطلب منه مراجعته للتأكد من صحة سير العلاج وتحسُّن المريض، فإن لم يكن أهل العلم والفكر والدعوة أطباء الأمة، فأي دور يريدونه لأنفسهم؟ ! ولا شك أن القضية المطروحة للنقاش جدُّ هامةٍ، فهي واقع معاش، ولكن لا بد من وضع القضية في إطارها الصحيح، وحجمها الصحيح، وتقدير زمانها بشكل صحيح. إن تراجع العمل الإسلامي الحالي عما قدمه قبل ذلك حاصل بلا شك، والعودة لمراجعة ذلك التراجع خطوة صحيحة على الطريق، ولكن قضية التضخيم، والمبالغات، والتوريم السطحي لقضايا كبيرة تمس حياة الأمة، هو أمر ينبغي التنبيه عليه. وإنها لمهمة عظيمة وخطيرة في الوقت ذاته، تحتاج إلى أصحاب الأفهام والعلم الأصيل، وتحتاج إلى رجال يتحرقون لآلام أمتهم يبيعون أنفسهم لله. ولكون محدثكم ليس من هؤلاء ولا أولئك فلا يستطيع تقديم صورةً علميةً قابلةً للتطبيق العملي في هذا الواقع المأزوم، ولكن في الإمكان أن تكون هذه دعوة لرموز الأمة من علمائها الأبرار ودعاتها الأطهار، ومفكريها الأخيار الذين يستطيعون أن يجتمعوا ويأتلفوا، ويضعوا مسألة التوصيف جانباً؛ فقد وصفنا بما فيه الكفاية، ونحتاج إلى برامج عملية لحل إشكالات الأمة الكبيرة، وإلا بقي السؤال قائماً: كيف نخرج من الأزمة؟

стр. 3646

المسلمون والعالم حل القضية الكشميرية بأيدينا.. ولكن ! د. محمد طاهر حكيم كشمير جرح قديم من الجراحات الساخنة التي أصابت جسد الأمة الإسلامية الضعيف في هذا العصر الكئيب الذي يشهد تعرّض المسلمين لنكبات ومآسٍ وتداعي الأمم، وتكالب الأعداء عليهم من كل حدب وصوب. كشمير المسلمة التي احتلتها الهند ظلماً وعدواناً في عام ١٩٤٧م ثم قامت بممارسة العنف والاضطهاد لمنع الشعب المسلم من المطالبة بتقرير مصيره وفقاً لقرار الأمم المتحدة الصادر في ٥ يناير ١٩٤٩م، ذلك القرار الذي كان وراءه الحكومة الهندية نفسها. وقد بلغت الوحشية الهندوسية ذروتها منذ عام ١٩٩٠م حين أصدر البرلمان الهندوسي - (برلمان أكبر دولة ديموقراطية كما يزعمون) قراراً يسمح لقوات الاحتلال في الولاية والتي يزيد عدد أفرادها عن سبعمائة ألف جندي - وهو ما يمثل أعلى نسبة وجود عسكري في أي منطقة في العالم؛ إذ يبلغ عدد جنود الاحتلال الهندوسي في الولاية ١: ٧ بالنسبة إلى السكان - بعملية استئصال المسلمين وقتلهم عشوائياً، والزج بهم في غياهب السجون ومراكز التفتيش والتعذيب، وذبح أطفالهم، وحرق شبابهم أحياءً، وهتك أعراضهم، ونهب أموالهم، وإحراق بيوتهم ومنازلهم ومزارعهم حتى أصبح الشعب هناك يعيش تحت الإرهاب والحكم العسكري ونظام المعسكرات الذي يذكرنا بأساليب النازية والفاشية بحجة أنهم إرهابيون ولا ذنب لهم إلا أنهم يطالبون بتقرير مصيرهم الذي وُعدوا به من المنظمة الدولية. وقد قدّم الشعب الكشميري خلال هذه المدة التضحيات الضخمة لتحقيق هدفه السامي؛ حيث بلغ عدد الشهداء أكثر من سبعين ألف شهيد وعدد الجرحى أكثر من ثمانين ألف جريح، ووصل عدد المعتقلين إلى أكثر من سبعين ألف معتقل إلى جانب عشرات الآلاف من المنازل والمتاجر والمساجد والمدارس التي دُمرت وأحرقت، والآلاف من النساء المسلمات اللاتي تعرضن للاغتصاب على أيدي الجنود الهندوس. وبلغ عدد العوائل التي نكبتْ في فَقْد عائليها نحو نصف مليون عائلة [١] . ويزداد الوضع سوءاً يوماً بعد يوم في الوادي الجميل، وتحمل لنا الأخبار يومياً أنباء الاعتقالات والاغتيالات والمداهمات، ويتساقط الشهداء الواحد تلو الآخر، والعالم الإسلامي صامت لا يفعل شيئاً، ولم ينطق بكلمة فاعلة تجاه هذا الجرح النازف. وأما العالم الحر فإنه يبدو وكأن صرخات النساء والأطفال والشيوخ لم تصل إلى سمعه ولن تصل أبداً؛ لأنه صنع من الهند النووية التي تحرس له شرق آسيا من المد الإسلامي عملاقاً عسكرياً وبطلاً بوليسياً مهمته تأديب الدول الإسلامية في المنطقة. وقد دفع هذا الإرهاب الهندوسي المسلمين في كشمير إلى مواجهة الاحتلال والقيام بعمليات فدائية بطولية ضده؛ وذلك بعد وصولهم إلى حد اليأس في معاناتهم وعدم وجود بصيص من الضوء في نهاية النفق. وقد وقعت في الفترة الأخيرة جملة أحداث ومتغيرات جعلت قضية كشمير في بؤرة الاهتمام الدولي، ومن هذه الأحداث: ١- إعلان كل من الهند وباكستان امتلاك الأسلحة النووية والصاروخية في مايو عام ١٩٩٨م. ولا شك في أن امتلاك الدولتين هذا النوع من السلاح المدمر له أثر كبير على الأحداث الجارية والمشحونة بالتوتر الشديد في كشمير، وإذا علمنا أن حربين من الحروب الثلاثة وقعت بين البلدين كان سببهما كشمير ظهر لنا خطورة الموقف في المنطقة بعد امتلاك البلدين الأسلحة النووية. ٢- ثم تأتي المواجهة الأخيرة التي قادها المجاهدون الكشميريون في «كارجل» العام الماضي والصمود لأكثر من شهر أمام القوات الهندوسية حتى عرضتْ عليهم الهند أن توفر لهم ممراً آمناً لينسحبوا إلى كشمير الحرة. وهذا يُعتبر تحولاً مهماً في قوة المقاومة الكشميرية وقدرتها على المناورة. وقد خسرت الهند في هذه المواجهة من الجنود أكثر مما خسرتْه في حرب عام ١٩٧١م، وكاد البلدان النوويان أن يدخلا في حرب حقيقية، وقد أثبتت هذه المواجهة خطورة الموقف في كشمير وضرورة حله في أقرب فرصة ممكنة. ولكن كيف السبيل إلى حل هذه القضية القديمة؟ هل بقرارات مجلس الأمن، أو بطلب المساعدة من الدول الكبرى؟ إن الرهان على كل هذا لحل القضية الكشميرية رهان خاسر؛ وذلك لأن قرارات مجلس الأمن لا تطبق إذا كانت في صالح المسلمين، لكن لو كانت هذه القرارات ضدهم فإنها تفرض عليهم كما تفرض على دولهم العقوبات الاقتصادية والتجارية والعسكرية والمقاطعة الدولية إذا لم تخضع لرغبة الدول الكبرى، بل وتدرج أسماؤها في قائمة الدول المساندة للإرهاب والمنتهكة لحقوق الإنسان.. إلخ. أما الدول الأخرى المحتلة لأراضي المسلمين والغاصبة لحقوقهم فلا تلزم بتطبيق أي قرار صادر من مجلس الأمن، ولا تفرض عليها أية عقوبات إلا صورياً ذرّاً للرماد في عيون المسلمين. بل هي في كثير من الأحيان تعربد يمنةً ويسرةً وتهزأ بقرارات المجلس «الموقرة» دون أن يثير ذلك حفيظة المجلس، أو أن يكون فيه التحدي للمجتمع الدولي. وهذا يؤكد أن المجلس لن يقف مع أية قضية للمسلمين مهما كانت إذا كان الطرف الآخر فيها من غير المسلمين، وهذا واضح من القرارات التي أصدرها المجلس في قضية فلسطين وكشمير والبوسنة وغيرها من القضايا الإسلامية. الحقيقة أننا - نحن المسلمين - نبالغ في حسن الظن بمجلس الأمن عندما نلجأ إليه ونتوقع منه أن ينظر إلى قضايانا بعين العطف أو على الأقل بعين العدل والإنصاف، ويغيب عن أذهاننا حقيقة مهمة وهي أن أعضاء المجلس الدائمين يُهمهم أول ما يهمهم مصالح بلدانهم الخاصة؛ فقد كتبت مجلة «أخبار الولايات المتحدة والعالم» الأمريكية في ٢٣/٥/١٩٩٤م: إن انتهاكات الهند لحقوق الإنسان- وهي مروعة وبشعة - تثير سخطاً أقل لدى الرأي العام الأمريكي وأعضاء الكونجرس؛ وذلك بسبب واضح من وجهة نظرنا نحن وهو أن الضحايا في الهند هم من المسلمين في جميع الأحوال؛ فإن المصالح الأمريكية مع الهند هي أيضاً من الضخامة بحيث لا يمكن التضحية بها من أجل الأخلاقيات والمثل «! ! . وهكذا قد تم إبلاغ رئيس وزراء الهند السابق خلال زيارته لواشنطن في الأسبوع الأخير من مايو ١٩٩٤م بأن إدارة كلينتون ستتوقف عن أي نقد علني مباشر لخرق الهند لحقوق الإنسان، وأن أي ملاحظات بهذا الصدد سيتم تداولها بين البلدين بالطرق الدبلوماسية. وفي زيارته الأخيرة للمنطقة صرح كلينتون في الهند - وبالحرف الواحد أنه:» لم يأت للمنطقة للوساطة في قضية كشمير، وأن على البلدين أن يحلا هذه القضية فيما بينهما، ولم يُشر - من قريب ولا بعيد - إلى أن هذه القضية قد صدرت فيها قرارات من مجلس الأمن وعلى الهند أن تطبق هذه القرارات؛ كما أغفل تماماً موضوع انتهاك الهندوس لحقوق الإنسان، رغم أن إدارته قد وصفت الهند - في التقرير السنوي لحقوق الإنسان عام ١٩٩٨م «بأنها رائدة وبامتياز في مجال انتهاك حقوق الإنسان في العالم؛ حيث تتفوق على الكثير من الدول بانتهاكاتها الواسعة والمتعددة الوجوه والأشكال لحقوق الإنسان» . ولكن لأن الضحايا هم من المسلمين فإن أمريكا لا تضحي بمصالحها من أجل حقوق طائفة من المسلمين. ولنا أن نتساءل: لو كان الكشميريون يهوداً أو نصارى أهكذا كان كلينتون يتعامل مع هذه القضية؟ وهذا يؤكد مرةً أخرى أن الدول الكبرى لن تقف مع أية قضية للمسلمين إذا كان الطرف الآخر فيها من غيرهم. إن تزييف من يسيّر مجلس الأمن ليس له حد ولا مثيل؛ فهم يتغنون بالديمقراطية، ويدعون إلى حق تقرير المصير وتحرير الشعوب المضطهدة فإذا تعلق الأمر بالمسلمين رأيت عجباً؛ ف «قرارات الأمم المتحدة في شأن كشمير صارت قديمةً باليةً مضى عليها خمسون عاماً» و «نحن نتفهم أسباب ضرب روسيا للشيشان ونقدرها» و «إننا لن نسمح مطلقاً بوجود دولة على عتبات أوروبا يحكمها المسلمون» أما إذا تعلق الأمر بغير المسلمين فيظهر الوجه البريء للمنظمة الدولية، فتقلق وتحزن على انتهاك حقوق الإنسان. فتيمور الشرقية كانت جزءاً من إندونيسيا، ومعظم سكانها من النصارى الذين طالبوا بالاستقلال، فتدخلت المنظمة الدولية وأرسلت القوات وفرضت استقلالها وانفصالها بدعوى تحقيق رغبة (الشعب التيموري) بالانفصال، وأعطت المنظمة الدولية إنذاراً للقوات الإندونيسية بالانسحاب من الإقليم خلال ٤٨ ساعة وهكذا حصل. والسؤال: هل هناك شك في رغبة المسلمين في كشمير في الانفصال عن الهند، أو رغبة الشيشانيين عن روسيا، أو رغبة الكوسوفيين عن صربيا؟ فلماذا لم يدعُ مجلس الأمن للاستفتاء على استقلال كشمير أو الشيشان أو كوسوفا؟ ولو تم ذلك وكانت النتيجة بالإيجاب فهل يفرض مجلس الأمن بالقوة ذلك الاستقلال؟ الجواب طبعاً: لا؛ والسبب واضح؛ فانسحاب القوات الإندونيسية من تيمور الشرقية يؤدي إلى قيام دولة نصرانية وتقطيع جزء من الدولة المسلمة وهو مطلب الغرب ومبتغاه، وأما انسحاب القوات الروسية من الشيشان أو الصربية من كوسوفا أو الهندوسية من كشمير فسوف يؤدي إلى قيام دولة مسلمة على أعتاب روسيا في الشيشان، وإلى قيام دولة مسلمة في قلب أوروبا بالنسبة لكوسوفا وإلى تقوية دولة باكستان الإسلامية بسبب كشمير وهذا كله مرفوض عندهم. إذاً فحلُّ قضايانا لا يكون بقرارات مجلس الأمن، ولا بالشكوى إلى الدول الكبرى وإنما بالقيام بواجبنا في نصرة إخواننا في كشمير وغيرها. إن الوضع في كشمير جد خطير، والهندوس بعد زيارة كلينتون وتأييده الواضح لهم أصبحوا أكثر تعسفاً واستعلاءً وعربدةً، ويلوّحون بشن حرب ضد باكستان بعد أن صرّح الناطق باسم كلينتون قائلاً: «تخطئ باكستان إذا كانت تظن أن أمريكا تؤيدها إذا وقعت حرب بين الهند وباكستان» وفي هذا الكلام تهديد مبطن بالحرب، وتأييد واضح للهندوس، بل تحريض لهم على شن حرب ضد باكستان. خطوات حل الأزمة: لذا أرى أن حل القضية الكشميرية يكون باتباع الخطوات الآتية: أولاً: التضرع بالدعاء والتوجه إلى الله - تعالى - لينصر هؤلاء المظلومين؛ فإن الدعاء يعمل ما تعجز عنه القذائف والصواريخ: يُروى أن قتيبة بن مسلم استعصى عليه فتح كابول، فقال: عليَّ بمحمد ابن واسع - وكان عابداً زاهداً - فأُخبر بأنه متكئ وهو يشير بأصبعه إلى السماء، ويقول: يا حيُّ يا قيوم انصرنا عليهم! فقال: لأُصبع محمد بن واسع أحبُّ إليَّ من ألف سيف شهير في سبيل الله. ثانياً: الاستمرار في جمع المساعدات المالية وتقديمها لهم بقصد تغطية احتياجات المجاهدين ورعاية المهاجرين والمجروحين ومن لا عائل لهم منهم حتى تتغير الظروف لصالحهم. وهذا واجب شرعاً. قال تعالى: [وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ] (الأنفال: ٧٢) وقال سبحانه: [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (التوبة: ٧١) ، وفي الصحيحين قال ﷺ : «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه» وأخرج الإمام أحمد من حديث سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أُذِلَّ عنده مؤمن فلم ينصره - وهو يقدر على أن ينصره - أذله الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة» ، وهو ضعيف لكن يشهد له حديث أنس أن النبي ﷺ وسلم قال: «من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة» رواه البيهقي. إن الواجب على كل مسلم أن ينصر إخوانه في كشمير وفي غيرها بكل ما يستطيع؛ فمن استطاع أن ينصرهم بماله فليفعل، ومن استطاع أن ينصرهم بالكلمة قولاً أو كتابةً عبر وسائل الإعلام المختلفه فليفعل، ومن استطاع أن يدافع عنهم بنشر قضيتهم بين الأمم والشعوب وتعريف العالم بما يقع عليهم من ظلم واضطهاد وقهر وتقتيل وتشريد وتهجير ونهب ممتلكات وتدمير منازل ومزارع من قبل الجنود الهندوس وعصاباتهم المتطرفة فليفعل. ولا أقل من أن يشترك جميع المسلمين في الدعاء لهم. ثالثاً: أن تقوم الشعوب الإسلامية بالضغط على حكوماتها لتقطع كل العلاقات مع الهند - إذا لم توقف حملتها ضد الشعب الكشميري وتحدد موعد إجراء الاستفتاء الموعود - مع التنديد الشديد والتشهير بما تقوم به قوات الاحتلال في الولاية من الممارسات الإجرامية، وتعلن تأييده وتبني قضيته صراحةً وتعرضها في المحافل الدولية بما يتفق مع الواقع والحقيقة لا كما تردده أبواق الدعايتين الهندوسية والصهيونية. رابعاً وهو الأهم: أن تقوم جميع الحكومات الإسلامية بإخطار الهند رسمياً أن مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية مهدّدة في جميع المناطق في العالم الإسلامي إذا لم توافق على إجراء الاستفتاء في الولاية وتحدد موعده. فإن لم تفعل الهند ذلك نفّذت الحكومات الإسلامية المقاطعة الاقتصادية؛ فهذه هي ورقة الضغط الإسلامية التي لو استخدمتها الدول الإسلامية - فإن الهند سوف تجثو على ركبتيها طالبةً هي الحل؛ لأن أكثر من ٧٠% من اقتصاديات الهند تقوم على العائد من الدول الإسلامية؛ فهناك مئات الألوف - بل الملايين - من العمالة الهندوسية ومئات الشركات الهندوسية تعمل في هذه الدول، كما أن هذه الدول تعتبر من أكبر الأسواق للمنتوجات والمصنوعات الهندية، والأموال التي تكسبها الهند من هذه الدول تصرف لقتل المسلمين وسفك دمائهم في كشمير وفي داخل الهند؛ فقد أوردت مجلة «الوسط» (٣١/١/١٩٩٤م) في تحقيق مفصل لها مخاطر العمالة الهندوسية والجرأة البالغة الخطيرة للتنظيمات السياسية الهندوسية؛ فضلاً عن بلايين الدولارات التي يحولها هؤلاء إلى أحزابهم المتطرفة التي تفتك بالمسلمين في الهند وتعمل على إبادتهم. وتقول المجلة: إن الصحافة القطرية قد شنت حملات شعواء على العمال الهندوس مستندة إلى منشور تم توزيعه بينهم وأسمته مجلة الشرق القطرية: «المنشور القذر» وهو موجه من القائد المحلي لجماعة RSS/VIP إلى جميع المتطوعين الهندوس وجاء فيه: «اذهبوا يومياً إلى المعبد صباح مساء أينما كنتم، شيدوا معبداً في منازلكم ومواقع أعمالكم ومتاجركم التي تعملون فيها.. حافظوا على معبودكم من خلال تمثال» راما «أقيموا اجتماعات أسبوعية، وقدموا تقاريركم إلى القائد المحلي، واعملوا قدر طاقتكم على إغراق أصدقائكم وزملائكم في إدمان الكحول والمخدرات والنساء، كونوا على صلة حميمة جداً بالمسلمين لتتمكنوا من تفريق وحدتهم، واجعلوا الغش شعاركم في التعامل معهم» . وجاء في المجلة أيضاً: «وحذرت الصحف القطرية من أن العاملين الهندوس في الخليج يموّلون المنظمات الهندوسية المتطرفة مثل جماعة (فيشوار هدو بيرشاد) التي قامت بدور بارز في عملية هدم مسجد بابري، وكذلك منظمتي (ما هات شترا) و (شيتوسنيا) اللتين تثيران المشاعر ضد المسلمين الهنود. بل إن هناك أمراً أخطر من سابقه يدعو إلى مقاطعة الهندوس الوثنيين وهو: بُعد التوغل الصهيوني إلى منطقة الخليج عبر البوابة الهندية؛ فقد حذّر الكاتب إبراهيم إسماعيل في مجلة الإصلاح العدد ٢٦٤ تاريخ ٢٥/١١/١٩٩٣م) مما سماه الخطر المنعكس على الخليج من العلاقات الهندوسية الصهيونية المتنامية، وقد أثار الكاتب عدة أسئلة مهمة في هذا الصدد عن حجم الاختراقات الإسرائيلية الهندية لأجهزة دول المنطقة وتغلغلها إلى مواطن التأثير، وعن حجم الاستثمار اليهودي عن طريق البوابة الهندية، وعن حجم العمالة اليهودية الهندية - المليونيرية - التي يُخشى أن تكون هي التي تسيطر على ٨٠% من أسواق المنطقة سواء أسواق الذهب أو الإلكترونيات أو الأقمشة، مشيراً إلى مخاطر ذلك كله على الحالة الأمنية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك على العمل الإسلامي في المنطقة مذكِّراً في هذا الصدد بالعداء الهندوسي الصهيوني المتأصل لكل عمل إسلامي في ضوء تصريحات المسؤولين في البلدين، وأشار إلى بيان وزير الخارجية الصهيوني في زيارته الأخيرة للهند حيث صرح قائلاً:» إن الكيان الصهيوني والهند معنيتان بمواجهة الخطر الأصولي الإسلامي المشترك سواء عبر منظمة حماس أو حركة المقاومة الكشميرية، وإن هناك تنسيقاً كاملاً ومشتركاً بين دلهي وتل أبيب لتبادل المعلومات والخبرات في هذا الجانب «. لأجل هذا كله فإن مقاطعة الهندوس ليس واجباً إنسانياً وقومياً فحسب بل هو واجب ديني شرعي أيضاً، فقد دعا سماحة الشيخ ابن باز ﵀ إلى مقاطعة الهند اقتصادياً وسياسياً [٢] كما أفتى فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين بوجوب مقاطعة الهندوس لما سئل عن حكم استقدامهم والتعامل معهم؛ حيث قال:» ولا يجوز إكرامهم ولا استخدامهم بما فيه إعزاز لهم مع وجود المسلمين الذين يقومون مقامهم.. على المسلمين في كل البلاد أن يقاطعوا هذه الفئة من الهندوس والسيخ ونحوهم من الكفرة ويقطعوا الصلة بهم.. ويردوا إليهم العمالة التي تعمل في بلاد المسلمين حتى لا يعينوا الكفر على الإسلام، وذلك من الجهاد في إظهار الإسلام وإذلال الكفر « [٣] . إن الدول الإسلامية مسؤولة أمام الله - تعالى - عن تفريطهم في مساندة إخوانهم في كشمير وفي الهند وهي قادرة على نصرتهم ضد ممارسات الهندوس الإجرامية بالمقاطعة الاقتصادية. إننا على يقين بأنه لو قامت الدول الإسلامية بمقاطعة المصنوعات والمنتوجات الهندية وكذلك الشركات الهندية المختلفة، وطردت العمال الهندوس وقذفت بهم إلى شوارع كلكتا ودلهي وبومبي (وأحلّتْ محلهم العمال المسلمين من الهند وغيرها) فإن الهند تجثو على ركبتيها ذليلةً خاضعةً تطلب هي بنفسها إجراء الاستفتاء في كشمير، ونكون بهذا قد نصرنا إخواننا في الله، وجنبنا المنطقة حرباً خطيرةً - لا قدر الله - فالمقاطعة الاقتصادية وحدها تستطيع إجبار الهندوس على الاستجابة لمطالب المسلمين، ومن كان عنده شك في ذلك فليجرب؛ والتجربة خير برهان. إن الحقيقة التي لا تحتاج إلى إثبات هي: أن قضايانا لن يحلها أحد سوانا، وأن شرور الهندوس والصهاينة والصليبيين والشيوعيين واعتداءاتهم على المسلمين لن يقهرها» شرعية دولية «ولا قرارات شجب واستنكار وإدانة وإنما تهزمها وحدة المسلمين واتفاقهم ضد أعدائهم اقتصادياً ودفاعياً وتفوقهم التقني والعلمي والعسكري. إننا ندعو إلى تعزيز دور منظمة المؤتمر الإسلامي وتفعيله، وإلى وجوب الاتحاد والتعاون بين المسلمين في كل المجالات ولا سيما الاقتصادية والعلمية والدفاعية. والله من وراء القصد،،،

стр. 3647

المسلمون والعالم كشمير وإرهاصات الحل النهائي د. يوسف بن صالح الصغير يمثل عام ١٩٤٧م بداية الصراع الدموي في كل من فلسطين وكشمير؛ مع تماثل في الدور الإنجليزي الذي يتلخص في تسليم بلاد المسلمين إلى أعدائهم من اليهود والهندوس. وقد صدر قرار الأمم المتحدة الذي ينص على حق الشعب الكشميري في تقرير المصير وذلك عام ١٩٤٩م، وما يزال هذا القرار حبراً على ورق، بل ويتجاهله اللاعبون الكبار؛ لأن الهدف منه ليس إعادة الحقوق إلى الشعب المسلم في كشمير بل امتصاص غضب الناس وإعطاءهم أملاً كاذباً بالحصول على الحقوق. وقد قامت الهند بعد احتلالها ثلث كشمير بمحاولة تخدير الشعب الكشميري وكسر حدة مقاومته عن طريق إعطاء إقليم كشمير الحكم الذاتي، وأطلقت عليه اسم: (جامو وكشمير) ، ويطلق على رئيس حكومة الإقليم لقب رئيس الوزراء أسوةً برئيس الحكومة الهندية، وكان لها عَلَمُها الخاص وبرلمانها الخاص، واستمر هذا الوضع من ١٩٤٩م إلى ١٩٥٣م؛ حيث بدأت الحكومات الهندية المتعاقبة في تقليص ميزات الحكم الذاتي حتى تم إلغاء لقب رئيس الوزراء، وأصبح يطلق على رئيس حكومة الإقليم لقب كبير الوزراء أسوةً بالولايات الهندية الأخرى. وبقدر ما كانت هزائم باكستان المتوالية في الحروب مع الهند عاملاً أساسياً في تثبيت الهند أقدامها في كشمير، وفي تسرب اليأس إلى نفوس الشعب الكشميري، فإن الحرب في أفغانستان وخروج الروس منها قد بعث الأمل في إخراج الهنود من كشمير. وكان اشتراك عدد كبير من المجاهدين الكشميريين في حرب أفغانستان وتوجههم إلى كشمير بعد توقف الجهاد في أفغانستان بداية مرحلة جديدة في كشمير من العمل المسلح مع بروز العامل الإسلامي وتكوُّن حركات جهادية كثيرة. ومنذ قيام ثورة ١٩٨٩م التي ما زالت مستمرة حتى الآن فقد تحولت كشمير إلى جرح مؤلم للهند يبتلع ٢٠% من الميزانية العسكرية وبلغ عدد القوات الهندية حوالي ٠٠٠، ٦٠٠ جندي، أي حوالي عسكري هندي لكل سبعة كشميريين، وبلغت الخسائر البشرية ما بين ٢٥ إلى ٧٠ ألف قتيل، وكان هذا الصراع مؤلماً؛ حتى إن وزير الدفاع الهندي سارع فور التفجيرات النووية الهندية إلى الكشف عن نية الهند اجتياح بقية كشمير وتحدي باكستان أن تختار مكان المعركة وزمانها، وبدا للهند أنها قاب قوسين أو أدنى من إنهاء القضية بابتلاعها كلها وتحطيم باكستان الداعم الرئيس - أو لنَقُلْ الوحيد - للمقاومة في كشمير؛ ولكن التفجيرات النووية الباكستانية أعادت التوازن للمنطقة، واستمر النزيف مع إصرار الهند على عدم بحث قضية كشمير في أي لقاء دولي أو حتى اشتراك دولة ثالثة في المفاوضات، وكان التجاهل التام هو نصيب مطالب الكشميريين بالحرية والاستقلال أو الانضمام لباكستان حتى قامت عملية كارجيل التي يبدو أنها أُعِدت بدقة على أعلى مستوى من قِبَل الجيش الباكستاني والمجاهدين. عملية كارجيل وبداية التدخل الأمريكي: بينما كان العالم الغربي النصراني مستنفراً قواه في سبيل فصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا بدعوى تحقيق مطالب الشعب التيموري، وكالمعتاد كان علم الأمم المتحدة يرفرف فوق القوات الأسترالية التي نابت عن العالم الغربي في تنفيذ مهمة نصرة الشعب النصراني المظلوم وفي تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بإعطاء شعب تيمور الشرقية حق تقرير المصير بدأت عملية كارجيل لتذكير العالم أن هناك قراراً للأمم المتحدة عمره خمسون عاماً بإعطاء شعب كشمير حق تقرير المصير، ومع ذلك فلم يلتفت أحد لهذا القرار، بل قامت الهند بحشد قواتها وسط تأييد غربي لعملية إبادة قوات المتطرفين التي وقعت في الفخ وتصفيتها، وتم حصار المنطقة الجبلية المنيعة؛ ولكن القوات الهندية أخفقت في إعادة احتلال المواقع التي استولى عليها المجاهدون، وتكبدت آلاف القتلى من قوات النخبة، وهنا تدخلت أمريكا وقدمت عربون التحالف الاستراتيجي مع الهند، وتم استدعاء رئيس وزراء باكستان آنذاك نواز شريف إلى واشنطن، وأُجبر ليس فقط على الاعتراف بالدور الباكستاني في العملية بل وتعداه إلى إصدار أمر بانسحاب المجاهدين في حرج شديد؛ ولكن المقاومة الشرسة التي أبداها المجاهدون اضطرت الهند إلى فتح ممر آمن لهم والسماح بانسحابهم إلى كشمير الحرة. إن زيارة الرئيس الأمريكي كلينتون للهند، ومن ثم مروره على باكستان تدل على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في المنطقة؛ فقد أحيطت الزيارة للهند بكثير من الاهتمام وكانت عبارة: (أكبر ديمقراطيتين في العالم) تتكرر كثيراً أثناء الزيارة مما يدل على الاحترام المتبادل، بل وتكرمت أمريكا بالاعتراف أن الهند دولة قوية لها مصالحها الخاصة التي لها الحق في حمايتها؛ وذلك خلاف الدول الصغرى التي تتعامل معها أمريكا وفق مصالحها الخاصة فقط. لقد ألقى الرئيس كلينتون خطاباً مهماً في مجلس النواب الهندي صرح فيه أن سياسات الحكومة الهندية ستكون لها عواقب تتجاوز حدود الهند، ولكنه عاد واعترف بأن الهند عليها أن تتصرف حسب مصالحها؛ ومن ناحية أخرى حث الهند على إجراء حوار لحل الأزمة في كشمير التي اعتبرها عامل عدم استقرار في المنطقة. إن الفارق بين الزيارتين أن زيارة الهند فيها كثير من الغزل الدبلوماسي، وتشمل المباحثات التصدي للصين ومجالات التعاون التقني والاقتصادي وسبل دعمها. أما الزيارة لباكستان فتتركز على شكل الحكومة وتخفيف الدعم للأحزاب الكشميرية، بل إن طلب التحقيق مع الشيخ مسعود أظهر الذي أطلقته الهند بعد عملية خطف الطائرة الهندية، وأخيراً المساعدة في القبض على بن لادن والمشاركة في مطاردة الأفغان العرب والضغط على طالبان و ... وفي المقابل، فإن المصلحة الباكستانية المتوخاة هي فقط عدم تصعيد عملية خنق باكستان ومقاطعتها. إن إشارة الرئيس كلينتون إلى وجوب الحوار لحل الأزمة في كشمير مع اقتناع الهند بصعوبة الحل العسكري أو استحالته قد أدى إلى تداعيات كثيرة حولها كثير من علامات الاستفهام. يوجد في كشمير عدد كبير من الأحزاب والجبهات ومنها حزب المؤتمر القومي الذي يسيطر على حكومة الإقليم برئاسة فاروق عبد الله، وهو حزب موالٍ للهند نوعاً ما، وهناك تحالف جميع الأحزاب الكشميرية للتحرير ويضم ٢٠ حزباً وجماعة وكان يرأسه الشيخ سيد علي شاه ورئيسه الحالي البروفيسور عبد الغني بت، وأخيراً مجلس الجهاد الموحد بقيادة سيد صلاح الدين رئيس حزب المجاهدين وهذا المجلس يضم أكثر التجمعات الجهادية وأكثرها عداءً للوجود الهندي. الهند وسياسة فرق تسد: إن كثرة الأحزاب الكشميرية وتفاوت طروحاتها وأهدافها له دور مؤثر في إضعاف الجانب الكشميري وفي إيجاد مجال للمناورة في الجانب الهندي الذي يبدو أن تحركاتهم محسوبة بدقة؛ فقد بدأت عملية جس النبض والحوار مع الوسط؛ وذلك من أجل جذب الأطراف؛ فقد قامت السلطات الهندية بإطلاق عدد من قادة تحالف جميع الأحزاب الكشميرية للتحرير، وفتحت الحكومة الهندية قنوات اتصال مع قيادة التحالف بقيادة الشيخ سيد علي الجيلاني. وتصر الهند على إجراء المحادثات في إطار الدستور الهندي أي بقاء كشمير جزءاً من الهند، وهذا ما يرفضه حالياً جميع قادة التحالف والذين يصرون من جانبهم على وجوب مشاركة باكستان في المباحثات؛ لأنها حليف أساس للمقاومة الكشميرية من جهة، ومن جهة أخرى فإن استقلال كشمير الذي يطالب به بعض الأحزاب يقتضي موافقة كل من الهند وباكستان عليه. إن رد فعل الحكومة المحلية في كشمير على المباحثات هو طرح قانون الحكم الذاتي، وصوَّت البرلمان في جامو وكشمير لصالح العودة إلى وضع ما قبل ١٩٥٣ م. وبعد حوالي شهر رفضت الحكومة الهندية بإجماع وزرائها هذا القرار. وهذا الرفض يعني عدم مناقشة القضية في البرلمان الهندي، وهذا الرفض يوحي بأن الحكومة الهندية تريد إرسال إشارة إلى الأحزاب الكشميرية أن الحكم الذاتي هو أقصى ما يمكن قبوله، وأن دور حزب المؤتمر القومي في إدارة كشمير قد شارف على الانتهاء. وأخيراً كانت ردة الفعل الثانية أو الخطوة الثالثة ألا وهي إعلان حزب المجاهدين - وهو أكبر الأحزاب في كشمير - على لسان قائده الميداني في سرينجر وتبعه إعلان القيادة في باكستان هدنة مؤقتة لمدة ثلاثة أشهر، وكان هذا الأمر مفاجأة للأحزاب الأخرى خاصةً أعضاء مجلس الجهاد الموحد الذين أعلنوا رفضهم هذه الهدنة، وأصدروا بياناً فيما يلي نصه: «يعلن مجلس الجهاد الموحد بعد البيان الذي أعلنه حزب المجاهدين بكشمير المحتلة (عبد المجيد دار) وباكستان (سعيد صلاح الدين) أن إعلان الهدنة ووقف القتال ضد قوات الاحتلال الهندية أو إجراء مفاوضات معها في هذا الوقت هي قرارات مرفوضة وغير مقبولة، وأن الجهاد سيتواصل حتى تحرير كشمير؛ لأن الهند أكدت في كل مناسبة رفضها وقف مظالمها واعتداءاتها على السكان المحليين، كما أن الهند لا تسعى سوى إلى بث الفرقة بين القادة العسكريين والسياسيين داخل كشمير، ولا يهمها سوى مصالحها. ولقد حاولت عبر فاروق عبد الله أن تقنع الكشميريين بحيلة الحكم الذاتي وستحاول حيلاً مماثلةً مع أشخاص آخرين» . إن الانفراد بالهدنة والتفاوض سقطة وقع فيها حزب المجاهدين، وكما هو متوقع فقد أيدت أمريكا وفرنسا الهدنة، وأرسلت الهند مفاوضين إلى سرينجر، وبينما تبرأت باكستان من الإعلان وأنها لا تعترف سوى بتجمع أحزاب الحرية ممثلاً وحيداً للشعب الكشميري فإن إعلان الحزب للهدنة قبل مفاوضات مسبقة مع الهند وقبل استشارة باكستان أمر مستبعد. إن أخشى ما نخشاه هو خضوع باكستان للضغوط الأمريكية وقيامها بالضغط على حزب المجاهدين لإعلان الهدنة وإيقاف العمل الجهادي. لقد كان رد الأحزاب الأخرى عنيفاً؛ حيث كانت تجري مفاوضات الحزب مع الهنود تحت ضغط عمليات عنيفة متوالية مع هجوم إعلامي كثيف ضد الهدنة مما دفع الحزب وخوفاً من فقدان قواعده إلى إعلان إيقاف الهدنة واستئناف العمليات بدعوى رفض الهند مشاركة باكستان في المفاوضات ومن أجل تسويغ الهدنة وأن الحل لا يمكن إلا بتدخل باكستاني مباشر وهو ما يصعب تصوره عملياً؛ فقد صرح رئيس الحزب سيد صلاح الدين لهيئة الإذاعة البريطانية أن الوقت قد حان لِتُقْدِمَ باكستان على المخاطرة. وأكد صلاح أن جماعته تحث القيادة العسكرية على الإقدام على تدخل عسكري مباشر لتقديم الدعم لها حتى تتم تسوية النزاع بشكل نهائي. إن تنازل الهند وإقدامها على التفاوض يجب أن يستثمر بموقف موحد من قِبَل الأحزاب الكشميرية، وألا يكون وسيلةً رخيصةً للتفريق بينهم، ومن ثم التخلص منهم جميعاً! إن مسارعة المجموعات المختلفة إلى قبول الحوار بدون تنسيق يدل على قصر نظر سياسي أو على أقل تقدير يوحي بضغوط غير مرئية تمارس على الأحزاب المختلفة. إن قدرة المجاهدين على دخول المدن والقيام بعمليات كثيرة ومهاجمة مقرات القيادة الهندية يدل على قدرات عسكرية متميزة يجب استثمارها في خنق القوات الهندية وقطع خطوط تموينها وجعل حركتها مكلفةً جداً، وعدم الدخول في مواجهات مكلفة. إن الجهاد في كشمير وعمليات نصب الكمائن وتدمير القوافل المتحركة سيجعل بقاء القوات الهندية وتمويل ٠٠٠، ٦٠٠ جندي أمراً غير محتمل. لماذا نوقف الجهاد عندما بدأ يؤتي ثماره التي يجب أن تتجاوز مصالح حزب معين أو قيادة معينة؟ إن ثمن وقف الجهاد يجب أن تدفعه الهند بالخروج من كشمير لا أن يدفعه المجاهدون خلافاً فوق خلاف وفرقة فوق الفرقة. إن كثرة أسماء الأحزاب وتشابهها ليس ظاهرةً صحيةً، وإن بداية الحل تكمن في دمج الأحزاب المستقيمة على المنهج في اسم واحد ليس تحته أسماء. وليكن شعارنا قوله - تعالى -: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا] (آل عمران: ١٠٣) .

стр. 3648

المسلمون والعالم النزاع الإثيوبي الإرتيري الأسباب والتداعيات والتطورات المحتملة سعيد إسماعيل صابر أولاً: الأسباب والآراء المتباينة حوله: النزاع الذي انفجر بين النظامين في مايو ١٩٩٨م ظل لغزاً محيراً حتى الآن، وسيظل كذلك حتى يفصح أحد النظامين أو كلاهما عن الأسباب الحقيقية وراء النزاع الذي تطور إلى حرب ضارية؛ وذلك نظراً لتاريخ العلاقة الحميمة بين النظامين والتحالف الاستراتيجي الذي كان قائماً بينهما خلال فترة النضال المسلح الذي امتد لأكثر من خمسة عشر عاماً، وهو ما يصعب معه تصديق حدوث النزاع المسلح بينهما بصورة مفاجئة ولأسباب يمكن اعتبارها غير ذات أهمية! إنَّ مسؤولي النظامين - كلاًّ على حدة - تناول موضوع الحرب الدائرة بينهما في مؤتمراتهم الصحفية والتلفزيونية، واتهم كل منهما الآخر ببدء الحرب وتناول أسبابها من الزاوية التي تخدم مصلحة نظامه وتسوِّغ موقفه لخوض غمارها. وقد اتهم النظام الإثيوبي نظام أفورقي ببدء الحرب وتحويل النزاع من نزاع اقتصادي إلى نزاع حدودي، وقال: إنَّ النزاع بدأ في الحقيقة مع ممارسات النظام الإرتيري للتهريب والغش التجاري الذي يتعارض مع ضوابط الاتفاقية الاقتصادية التي كانت بيننا، ثم تطور الأمر بعد ذلك مع إصدار العملة الإرتيرية [نقفة] حيث طلب منا النظام الإرتيري اعتبار، الـ (نقفة) عملة موازية لعملتنا (البِرّ) ونحن رفضنا هذا الطلب بحكم تعارضه مع مصلحة بلادنا، وقررنا أن يكون التعامل التجاري بيننا على أساس خطاب الاعتماد وبالعملة الصعبة ابتداءً من ١٩/١١/ ١٩٩٧م، إلا أن نظام أفورقي رفض القرار، وواصل أساليب التلاعب وتهريب السلع الإثيوبية وخصوصاً البن إلى إرتيريا وإعادة تصديره إلى دول إفريقية على أنه سلعةٌ إرتيرية، كما واصلت شبكاته الخاصة ترويج دولارات مزيفة داخل إثيوبيا، مما اضطرنا إلى إلغاء التسهيلات التجارية التي كانت تمنح لهم، وأوقفنا صادراتنا من بن وشطة وبهارات وحتى حبوب الطاف إلى إرتيريا. ومن جهة أخرى فإن النظام الإرتيري يقول: إن النزاع نشأ بسبب رغبة النظام الإثيوبي في ضم إرتيريا إلى كيانه السياسي من جديد، واتهم إثيوبيا بمحاولة احتلال بادِمِّي واقتطاعها من الوطن بدايةً لاحتلالها وإعادة السيطرة الاستعمارية عليها. هناك بعض الدراسات التي تناولت النزاع المذكور أكدت اتهامات إثيوبيا لنظام أفورقي ببدء الحرب وتحويل النزاع إلى نزاع حدودي وممارسات التهريب وترويج الدولارات المزيفة، كما أن بعض الصحف العربية والأوروبية أشارت أيضاً إلى حدوث ذلك. ومن الدراسات التي ذكرت ذلك دراسة بعنوان: (النزاع الإثيوبي الإرتيري) صدرت العام الماضي ١٩٩٩م من «مركز الدراسات الاستراتيجية» بالخرطوم؛ حيث تناول فيها عدد من المفكرين وخبراء بأوضاع المنطقة موضوع النزاع والأسباب التي أدت إلى وقوعه استناداً إلى المعلومات التي لديهم بهذا الشأن. هل هناك دوافع أجنبية وراء النزاع؟ وإذا تركنا جانباً ادعاءات النظامين حول أسباب النزاع هناك فإن بعضاً من المراقبين أو المهتمين بشؤون المنطقة يتحدثون عن النزاع وأسبابه بصورة مغايرة؛ وبعض منهم يدعي أنه نزاع دبره النظام الإثيوبي بتشجيع من أمريكا من خلال وضع خطة لتضييق الخناق على نظام أفورقي اقتصادياً حتى يُدفَع دفعاً لتفجير النزاع؛ وذلك لتحقيق هذه الأهداف في نهاية الأمر: - تحجيم غلو النظام الإرتيري أو الحد من غرور رئيسه. - أو استبداله بقيادة أخرى من داخل نظامه تكون أكثر واقعيةً وانفتاحاً على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأكثر ارتباطاً وتفاهماً مع إثيوبيا. ويضيف هؤلاء: إلا أن أمريكا مع عدم ارتياحها لنظام أفورقي لا تقبل فكرة إسقاط النظام برمته رغم قبول نظام زيناوي بها؛ وذلك خوفاً من البديل المحتمل؛ حيث تقول: إن البديل سيكون أسوأ؛ وذلك لأن قوى المعارضة الإرتيرية التي من المحتمل أن تحل محل النظام في حالة سقوطه ستكون من الذين يتبنون أفكار القومية العربية أو الإسلامية في حين أن التجمعات السياسية التي تراهن عليها إثيوبيا لتحل محل نظام أفورقي ليست من القوة والنفوذ السياسي لتقيم السلطة البديلة وحدها. وهناك مقولة يرددها الحادبون أو المشفقون على أحوال المسلمين في إرتيريا مفادها أن الحرب بين الطرفين حرب متفق عليها بين النظامين بهدف إبادة المسلمين الإرتيريين وتشريدهم إلى خارج الوطن لتبقى إرتيريا وطناً خاصاً للمسيحيين من البلدين، ولتأكيد ذلك يقولون: لقد لجأ عدد كبير من المسلمين الإرتيريين إلى السودان من جراء هذه الحرب، كما أن عدد ضحاياهم في جبهات القتال يفوق بكثير عدد ضحايا النصارى الإرتيريين؛ إلا أن هذا هو مجرد تخمين لا يستند إلى أي بيانات إحصائية رسمية كانت أو غير رسمية. الأسباب الحقيقية وراء النزاع: أمَّا أنا فأميل إلى القول بأنَّ أحد الطرفين تعمد افتعال الحرب بدون تحريض خارجي؛ نظراً لاعتقاده بأنَّ تنفيذ مثل هذا السيناريو سوف يحسم له مشاكله وخلافاته مع الطرف الآخر، أو يحقق له أهدافاً أخرى. وفيما يلي أسوق الأسباب التي تدعوني لتصور بدء النزاع على هذا النحو: ١ - التشابه في طبيعة النظامين من حيث تأثرهما بموروثات الفكر الشيوعي فيما يتعلق بالسلطة وأهمية المحافظة عليها والتشبث بها. ٢ - التشابه في التحديات وفي طبيعة واتجاهات المعارضة التي واجهت النظامين قبل حدوث النزاع بينهم في مايو ١٩٩٨م. إنَّ النظامين الإرتيري والإثيوبي هما من الأنظمة الاستبدادية ذات الخلفية الماركسية، وإن كان هناك اختلاف بينهما حيث يعتبر (نظام زيناوي) إلى حدٍّ مَّا نظاماً ديمقراطياً بسبب موقفه من قضايا القوميات ولإتاحته بعض الحقوق الديمقراطية في بلاده بالمقارنة مع (نظام أفورقي) الطائفي الذي يضرب به المثل في ممارسة الطغيان ومعاداته للإسلام وهضمه حقوق المسلمين؛ فضلاً عن أنهما يعتبران السلطة إنجازاً استراتيجياً هاماً ينبغي فعل أي شيء للمحافظة عليه والتشبث به. إن التحديات واتجاهات المعارضة وحجمها التي واجهت كلاً منهما قبل وبعد تسلمهما الحكم فيها الكثير من التشابه أيضاً. على الصعيد الإثيوبي: كانت هناك معارضة شديدة من الأحزاب التي تنتمي إلى قومية الأمهرا والأرومو مثل (الحزب الثوري لتحرير الشعوب الإثيوبية وحزب الميسون) لفكرة منح الشعب الإرتيري حق تقرير المصير، وبعد تسلم زيناوي السلطة في إثيوبيا فإن أحزاب المعارضة سالفة الذكر بالإضافة إلى تيارات أخرى كانت متحالفة مع منغستو أعلنت رفضها القاطع للتحالف الاستراتيجي الذي كان قائماً بين جبهة زيناوي وجبهة أفورقي والذي تطور عبر ٢٠ عاماً من النضال المشترك خوفاً من أن يصل كلاهما إلى السلطة، ومن ثم إحكام سيطرة قومية تقراي على إثيوبيا؛ ومع هذا فقد توقفت معارضة هؤلاء لنظام زيناوي بعد انفجار النزاع بين النظامين في شهر مايو ١٩٩٨م لأسباب قد تكون تكتيكية. على الصعيد الإرتيري: كانت المعارضة للتحالف المذكور في نهاية الثمانينيات كبيرة وفعالة من حيث الحجم والتأثير نظراً لما كان يمثله التحالف من خطورة على مصالح المسلمين وحقوقهم، وعلى مصالح القوى الوطنية الأخرى خصوصاً بعد التدخل السافر لجبهة زيناوي في الصراعات الداخلية للثورة لصالح جبهة أفورقي ضد (جبهة التحرير الإرتيرية) خلال الفترة الواقعة بين ١٩٨٠ - ١٩٨١م وبسبب المخاوف التي كانت تحوم حول ذلك التحالف من أن تتمخض عنه دولة كونفدرالية تضم حكومة الجبهتين تكون نواة لدولة أكسوم الصليبية الكبرى وذلك نظراً لانتماء العناصر الرئيسة المتنفذة في قيادة الجبهتين إلى قومية واحدة هي قومية التقراي. وإذا أضفنا إلى ما سبق ذكره الانعكاسات السلبية الخطيرة للنزاع الذي بدأ بين النظامين في عام ١٩٩٧م والذي أخذ في مراحله الأولى شكل الإجراءات والإجراءات المضادة في المجالات الاقتصادية والأمنية، ومنع إثيوبيا من استخدام ميناء عصب؛ حيث أدى إلى عرقلة انسياب التجارة الإثيوبية عبر ذلك الميناء، ومن ثم إلى تطور النزاع بصورة دراماتيكية إلى نزاع حدودي في مثل (بادِمِّي) ، يتأكد لنا بأن الطرف الذي افتعل الحرب أو الذي بدأ بها هو نظام أفورقي؛ لأنه تصور - نتيجة للطبيعة التآمرية في تفكيره - أن اللجوء إلى مثل هذا الأسلوب سيساعده قطعاً على الخروج من المأزق السياسي والاقتصادي الذي وقع فيه نظامه، ومن ثَمَّ لسحب البساط من قوى المعارضة التي تتربص به فضلاً عن حسم المشاكل الأمنية والاقتصادية التي بينه وبين إثيوبيا لصالحه. إن نظام أفورقي نظراً لنزعته المفرطة في المغامرة ولسوابقه المشهودة في هذا المضمار فإن إقدامه على تلك الخطوة ليس غريباً؛ إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن نظام زيناوي الذي تعاطى مع تلك الخطوة وعمل على تأجيجها ثم توظيفها لأقصى درجة من أجل تحقيق أهدافه أو لدرء المخاطر التي كانت تهدد نظامه ليس في حاجة إلى افتعال الحرب، أو لم تكن في نيته اللجوء إلى مثل ذلك الأسلوب وإن لم يكن على درجة نظام أفورقي نفسها من الاستعداد للمغامرة؛ وذلك لأنه هو الآخر كان في حاجة لتلك الوسيلة للتخلص من الضغوطات التي كان يتعرض لها قبل انفجار النزاع، وإن اختيار ١٢ مايو ١٩٩٨م لتفجير النزاع المسلح في منطقة (بادِمِّي) من جانب نظام أفورقي قبل الاحتفال بالذكرى الخامسة للاستقلال بأيام قليلة فقط واختيار ١٢ مايو ٢٠٠٠م لتفجير الجولة الثالثة من الحرب من جانب نظام زيناوي قبل يومين فقط من إجراء الانتخابات البرلمانية الإثيوبية ليس عبثاً؛ كما أنه لم يكن مجرد مصادفة بل هو دليل إن لم يكن قطعياً فهو ظني لما ذهبت إليه من تبادل افتعال أحد الطرفين للنزاع، واختيار توقيت تفجير المعارك في كل جولة من جولات تلك الحرب. تداعيات الحرب المحتملة: لقد أفرزت الجولة الأخيرة من الحرب تداعيات خطيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي أُوجِزها في الآتي: على الصعيد الداخلي: ١ - انهيار جزئي في جيش النظام الإرتيري، واستسلام الآلاف منهم لجيش النظام الإثيوبي، ولجوء آلاف آخرين إلى السودان. ٢ - نزوح عشرات الآلاف من المواطنين الإرتيريين إلى داخل السودان خصوصاً من المناطق الغربية لإرتيريا. والجدير بالذكر أن أعداداً كبيرة من هؤلاء هم من أبناء النصارى الإرتيريين الذين نزحوا خلال الأعوام السابقة إلى مناطق المسلمين ذات الأراضي الزراعية الخصبة في القاش وبركة وفي غيرها من مناطق الساحل للاستثمار والإقامة فيها؛ وذلك في إطار خطة استيطانية واسعة تمولها جمعيات ومؤسسات مشبوهة؛ وتشرف على تنفيذها حكومة أفورقي في غفلة من أصحابها الحقيقيين الذين حُرِمُوا من ملكيتها بموجب قانون إعادة ملكية الأراضي للدولة. ٣- إخفاق قوى المعارضة الإرتيرية الممثلة في (التجمع الوطني الإرتيري) في استثمار نتائج النزاع وانهيار جيش أفورقي في عدد من المناطق، وفي التعامل مع تطورات الأحداث في الجولة الأخيرة من المواجهة العسكرية بين النظامين برؤية موحدة وبالتنسيق المطلوب. على الصعيد الخارجي: ١ - تأكيد عُزلة نظام أفورقي الطائفي محلياً وإقليمياً ودولياً وتفضيل القوى الصليبية العالمية بقيادة أمريكا والدول المتنفذة في الاتحاد الأوروبي إثيوبيا؛ بدليل الضغوطات الأمريكية المكثفة التي كانت وراء قبول نظام أفورقي لاتفاق السلام الأخير في الجزائر بما في ذلك الموافقة على منح إثيوبيا منفذاً على البحر وممراً حراً إلى هذا المنفذ. جاء هذا في تصريح لمسؤول إرتيري خصَّ به جريدة البيان الإماراتية الصادرة في ٤/٧/٢٠٠٠م. ٢ - عدم إظهار الحكومات العربية الاهتمام الكافي بتطورات هذا النزاع وتداعياته المحتملة على المنطقة العربية وخصوصاً على دول حوض البحر الأحمر ودول واقعة في منطقة القرن الأفريقي. ٣ - بروز اهتمام أمريكي أوروبي متزايد لتطورات الوضع في منطقة القرن الإفريقي والنزاع بين البلدين ودورهما الحاسم في وقف إطلاق النار، وتوقيع اتفاقية السلام. ٤- وضوح الدور الروسي في مجال المجهود الحربي الأثيوبي سواء في مجال التسليح أو في مجال التخطيط العسكري وإدارة العمليات. ٥- تحطم جزء مهم من حلقة الحصار حول السودان باقتتال الحلفاء المفترضين بالإضافة إلى فقدان المعارضة السودانية لقواعدها مؤقتاً في إرتيريا نتيجةً لظروف الحرب وانقطاع التموين. ثالثاً: التطورات المحتملة: لقد تَوقعْتُ في دراسة صدرت لي من (مركز الدراسات والبحوث الإرتيرية) في شهر مايو المنصرم أن يتضمن سيناريو الحل السلمي المتوقع من مفاوضات الجزائر إقرار نظام أفورقي بملكية إثيوبيا للمناطق المتنازع عليها ضمن شروط وقف إطلاق النار، وقد حققت إثيوبيا ما أرادت من خلال انتصارها العسكري. واتفاقية الجزائر لوقف إطلاق النار لم تطالب إثيوبيا صراحةً للخروج من تلك المناطق بل على العكس من ذلك فإن الاتفاقية ركزت على إحلال قوات حفظ السلام محل القوات الإثيوبية في مناطق غير متنازع عليها داخل الأراضي الإرتيرية بعمق ٢٥ كيلو متراً كما توقَعْتُ مطالبة إثيوبيا بقوة للمنفذ البحري في المفاوضات، وقد حدث ذلك بالفعل وتضمنت الاتفاقية منح إثيوبيا منفذاً على البحر حسب ما أشرت إليه في الفقرة السابقة. وفي هذه المرحلة فإن هشاشة وقف إطلاق النار في مناطق الاحتكاك بين قوات الطرفين، وما تضمنته اتفاقية الحل السلمي الموقعة في الجزائر من فقرات وبنود غامضة تفتقر إلى التحديد في الكثير من موضوعات النزاع مثل: المناطق المتنازع عليها، والمناطق العازلة داخل الأراضي الإرتيرية بعمق ٢٥ كيلو متراً التي تحتلها الآن القوات الإثيوبية، وأخيراً موضوع منح المنفذ البحري لإثيوبيا، والموافقة المزعومة لنظام أفورقي على كل ذلك كل هذه التطورات تمثل ألغاماً مزروعةً قد تنفجر في أي لحظة خصوصاً مع استمرار وجود حشود قوات الجانبين في مناطق الاحتكاك، واستمرار حالة التوتر والاحتقان وانعدام الثقة بين الطرفين؛ وذلك رغم ما يقال عن بدء اللجان والخبراء الدوليين عملهم للوقوف على حقيقة الأوضاع في المناطق المتنازع عليها. ولو تطور النزاع، وبدأت الحرب بين الطرفين من جديد على خلفية المعلومات المذكورة أعلاه فإن من المحتمل أن يسعى النظام الإثيوبي جدياً هذه المرة لإسقاط النظام الإرتيري. وإذا أضفنا إلى التطورات الأمنية الراهنة في مناطق الاحتكاك دعوة النظام الإثيوبي مجدداً لقوى المعارضة الإرتيرية لزيارة العاصمة أديس أبابا في هذا الوقت بالذات لتأكد ذلك الاحتمال؛ خصوصاً إذا كانت الدعوة بغرض التباحث حول احتمالات التطورات المقبلة؛ وذلك لأن النظام الإثيوبي حتى الآن حقق مكاسب أكثر مما كان يطالب به ويتوقعه، والمشكلة الباقية بالنسبة له الآن هي صعوبة التعايش مع نظام أفورقي المعروف بنزعات الغدر والمغامرة بعد حرب استمرت لأكثر من ثلاثة أعوام، ومن ثم المحافظة على ما استرده من حقوق مزعومة له، أو ما حققه من مكاسب سياسية وأمنية بصرف النظر عن صحة دعاويه أو عدم صحتها في هذا الصدد. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

стр. 3649

المسلمون والعالم دعوة الوثنيين في مالي المنتدى الإسلامي مكتب مالي لمحة تاريخية: الدولة التي تعرف اليوم بـ (جمهورية مالي) تقع ضمن أراضي دولة مالي الإسلامية التي قامت وتأسست من قِبَل قبائل المانديجو بين المحيط الأطلسي غرباً ونهر النيجر شرقاً وجنوباً وذلك في القرن الثالث عشر الميلادي. دولة مالي اليوم: استقلت هذه الدولة عن فرنسا يوم الخميس ٢٢/٩/١٩٦٠م وهي دولة كبيرة مترامية الأطراف مختلفة في التضاريس؛ حيث تبلغ مساحتها ١,٢٤٠,٠٠٠ كم٢، وعدد سكانها حوالي ٩,٤٠٠,٠٠٠ نسمة، ولها موقع جغرافي استراتيجي؛ حيث كانت حلقة الوصل بين غرب إفريقيا وشمالها عبر الصحراء في التجارة. ونسبة المسلمين فيها حوالي ٨٠% بينما يبلغ عدد النصارى ١٥% والوثنيين ٥%. والدولة يوجد بها أراضٍ واسعة صالحة للزراعة والرعي وتربية المواشي، وهي تحتل المركز الثاني في إنتاج القطن على مستوى القارة بعد جمهورية مصر العربية. ولكن هذه الطاقة الطبيعية لم تستغل إلا قليلاً؛ فالدولة تعاني من المشاكل الاقتصادية وتصاعد الديون الخارجية عليها، وتحتل المرتبة ما قبل الأخيرة من حيث سلم التعليم على مستوى العالم، ويعيش أغلبية الناس في فقر مدقع. وتنقسم الدولة إدارياً إلى ثمانية أقاليم هي: كاي، كولوكورو، سيكاسو، سيقو، موبتي، تمبكتو، غاو، كيدال، بالإضافة إلى دائرة العاصمة باماكو. ويتألف المجتمع المالي من أجناس وقبائل منها: البمبارا، السونكي، الفولانية، السينفو، مينقا، الدجون، بوبو، البوزو، السونغي، الطوارق، وغيرهم. مواطن الوثنيين في مالي: الوثنية تنتشر في مجموعة من الأجناس البشرية في مالي كالبمبارا في منطقة كولوكاني، بيلدوقو، وهي المنطقة الواقعة بين كيتا وباماكو جنوباً ونيورون وناران شمالاً. والقرى التي أسلمت على يد دعاة المنتدى الإسلامي قريباً جزء من هذه المنطقة. وكذلك في منطقة سيقو يوجد بعض قبائل البمبارا الذين ما زالوا يدينون بالوثنية وخاصة في بعض القرى الواقعة بين ماركالا، وكولو كانكوانتومو وهي المعروفة بـ (سنة) كقرية جونغون وكوابوغو. أما القبائل البوبو والسينفو ومينقا فيقطنون في المناطق الشرقية لـ (سيقو) وخاصة بين مدينة بلا وكوتييلا وسان وحدود مالي المتاخمة لدولة بوركينا فاسو. ثم نتوجه في شرق البلاد فنجد مجتمع الدجون على مرتفعات الدجون في منطقة بنجاغارا وخاصة سنقو وكماديقلي والقرى التابعة لهما، كما أن للوثنيين وجوداً في منطقة واسولون وبوغوني والحدود المتاخمة لدولة ساحل العاج. أهمية دعوة الوثنيين: الوثنية أحد الأديان الثلاثة المنتشرة في مالي (الإسلام، والنصرانية، والوثنية) . والوثنية في الحقيقة نوعان: ١ - الوثنية في لباسها القديم: هم عبدة الأصنام والأوثان، وقد وجهت دعوات إسلامية وغيرها إلى هؤلاء الوثنيين في عقر بيوتهم منذ فترة طويلة، ولا يزال بعضهم على وثنيته إلى الآن، وأسلم بعضهم إسلاماً يشوبه شيء من العادات الوثنية كالحفلات السنوية للأصنام والتمائم. وأهم وجه للديانة عند الوثنيين هو الاعتقاد بوجود قوة خفية غامضة تسيِّر حياة البشر، وهذه القوة قد تحل في الكائنات البشرية أو الحيوانات أو الأشياء. ومن عادة الوثنيين أيضاً تقديم القرابين إلى الآلهة والأرواح في المناسبات المختلفة، وتتمثل هذه القرابين عادةً في مقادير معينة من الحبوب أو الثمار، أو في كميات محدودة من الطعام أو في رأس أو أكثر من الماعز أو الغنم أو الماشية. ومنهم مَنْ لا يكتفي بهذه الأنواع من القرابين بل تقاليده تسمح بتقديم قرابين بشرية. ومن الأمثلة على المجتمعات التي تجري تقاليدها بتقديم قرابين بشرية البمبارا فعندما تمر بالقرية أحداث خطيرة يُختار أحد الأشخاص وفي الغالب يكون شخصاً أشقر اللون لتقديمه قرباناً. وكانت طريقة التضحية تختلف تبعاً للظروف؛ فإذا تعلق الأمر بقضية مصيرية للقرية كان الشخص يشطر إلى شطرين ويُلقى شطره الأسفل إلى المعبود، أما الجزء العلوي فيدفن. والحمد لله؛ فقد بدأت هذه الظاهرة تنقرض كثيراً بسبب انتشار الإسلام والوعي. ومن ملامح الوثنية المنتشرة بكثرة حتى الآن - مع انتشار الإسلام وحتى في بعض القرى التي أسلم بعض سكانها أو معظمهم - ما يسمى: «حامية القرية» . فيعتقد الوثنيون أن أرواح الأسلاف وخاصةً مؤسسي القرى تسكن في أشياء معينة وخاصةً الحيوانات كالتماسيح والأفاعي أو بعض الحيوانات الأليفة. ويعتقدون أن رخاء القرية متوقف على بقاء هذه الأشياء، وأن حمايتها واجبة وفرض عين على كل أهالي القرية، والويل كل الويل لمن تسول له نفسه المساس بأمن هذا الشيء. ويهتم المنصرون بهذه الفئة من الوثنيين وتقف معهم جنباً إلى جنب لحل مشاكلهم الاجتماعية التي لا تخرج عن دائرة الفقر والجهل والمرض فيبنون لهم الكنائس والمستوصفات، ويحفرون لهم الآبار، ويعطونهم الغذاء والكساء والدواء، ويعلمونهم مبادئ النصرانية، ويشجعونهم على شرب الخمور وتربية الخنازير على أن يشتروها منهم؛ وقد يضحي بعضهم بحياته للبقاء معهم فترة من الزمن - ليست قليلة - للدعوة إلى النصرانية بكل ما يملكه من الوسائل المادية والمعنوية. يقول البروفيسور كري دمبلي في محاضرة له عن «الفلسفة» الإنسانية في الشيوعية والإسلام والنصرانية في باماكو: «إن إله المسلمين لا يعرف إلا تعذيب الناس بالنار، أما إله النصارى فإنه يبشر بالحب والرحمة» . وقد حقق المنصرون بسبب خططهم، ثم بالعوامل المساعدة من فقر وجهل حققوا أهدافاً عجيبةً، فارتفعت نسبة النصارى من ٣% إلى ١٥% في غضون أعوام قصيرة من عمر الزمن؛ فقد ركز المنصِّرون في دعوتهم للوثنيين على أمور: ١ - تحديد الهدف. ٢ - الداعية. ٣ - المدعو. وهذا ما صرحوا به خلال مؤتمر سيقو في مالي عام ١٩٨٧م في محاضرة للباستير محمد إنجاي بعنوان: ما هي الطرق الناجحة للدعوة إلى النصرانية؟ ولهم وسائل أخرى مؤثرة كإذاعات حرة دينية. أما المسلمون فمع ما يبذلونه من جهود مباركة إلا أنها قليلة في مقابل الجهود التنصيرية لأسباب كثيرة منها صعوبة الوصول إلى أماكن تواجد هؤلاء الوثنيين، وقلة الدعاة في أوساطهم، وقلة المساعدات الإنسانية في مقابل مثيلاتها التنصيرية. ٢ - الوثنية المعاصرة: وهؤلاء هم الذين يصرفون أنواع العبادة لأمواتهم، ويتقربون بها إليهم لكي تشفع لهم عند الله، والطامة الكبرى أن هؤلاء يمثلون السواد الأعظم ممن ينتمون إلى الإسلام؛ وهذا يتمثل في بناء القباب والمساجد على أضرحة أموات أوليائهم؛ وسبب تعلقهم بهذا النوع من العبادات شدة الفقر مع غلبة الجهل وضعف الإيمان، وهذه الفئة متعصبة لمبادئها ومشائخها. وبعد: فهل الوثنيون السالفون والحاضرون بحاجة إلى دعوة إسلامية صحيحة في مالي؟ وضع الوثنيين والصعوبات التي تواجه الدعاة في مناطقهم: منذ بداية السبعينيات والبلاد تمر بمرحلة قاسية عصيبة، وهي كغيرها من البلاد الواقعة جنوب الصحراء الكبرى؛ فبسبب تتابع الجفاف ومواسم القحط التي سادت أجزاءً كبيرةً من البلاد وخاصة مناطق الزراعة والمزارعين وهي أكثر المناطق تأثراً بالوثنية تردت الأوضاع الاقتصادية، وفقدت كميةً كبيرةً من المحصولات والغلات الزراعية والتربة الصالحة وهي التي تعتمد عليها سكان القرى اعتماداً كلياً في تسيير الحياة اليومية، وبالإضافة أيضاً إلى بداوة المناطق وبساطة سكانها كل هذا جعل مناطق الوثنيين أراضي خصبةً لتلقي الدعوة الإسلامية والإقبال على الدعاة، وخاصةً إذا كانت هذه الدعوة تصاحبها المعونات الإنسانية التي تسد حاجات الوثنيين. وبالتجربة أعطت هذه المعونات ثماراً يانعةً من إسلام وثنيين جدد، واستمرار من أسلم على إسلامه على يد دعاة المنتدى الإسلامي في منطقة كلوكاني «بيلدوقو» . أما الصعوبات التي تواجه الدعاة في مناطق الوثنيين فتتمثل في عدم توفر سبل المواصلات إلى بعض الوثنيين كمرتفعات الدجون لوعورة الطريق واتخاذ بعض الوثنيين سفوح الجبال وداخل الكهوف مساكن لهم مما يكون عائقاً للوصول إليهم. ومن العوائق أيضاً: صعوبة التفاهم بين الدعاة والوثنيين في بعض المناطق؛ حيث يجد الداعية حواجز نفسية كتمسك بعض الوثنيين بمعتقداتهم القديمة واعتقادهم بأن التخلي عن هذه المعتقدات قضية مصيرية وقضية حياة أو موت. ومن الصعوبات والعوائق أيضاً: تنافس المنصرين مع الدعاة في استغلال هذا الميدان الخصيب؛ فكثيراً ما يجد الداعية وثنياً يسلم على يديه وبعد فترة ولعدم المتابعة يتنصر هذا المسلم لظروف الحياة ومغريات المنظمات التنصيرية، فيذهب عمل الداعية أدراج الرياح، كما أن اللغة قد تشكل حلقة من سلسلة هذه الصعوبات. فالوسائل التي يجب أن تُتَّبَعَ لكي تثمر دعوة هؤلاء الوثنيين: متابعة من أسلم منهم متابعةً جادةً مدروسةً ومنظمةً ومرتبةً؛ وذلك بتنفيذ القوافل الدعوية المستمرة لصعوبة توفير داعية لكل منطقة؛ فالدولة مترامية الأطراف، وهذه القوافل تكون مزودة بالدعاة والمواد التموينية (الغذائية) والمنشورات باللغات المحلية لما لمسنا بالتجربة من أثر طيب وناجح لهذه القوافل. ومن الوسائل أيضاً: إقامة دورات، وإنشاء مراكز محو الأمية، وتنظيم الجولات الدعوية في مختلف المناطق، وكذلك بناء المساجد في مناطق المسلمين الجدد لإحياء رسالة المسجد وتنشيطها دعوياً بإلقاء المواعظ، والقيام على حلقات تحفيظ القرآن من قِبَل الدعاة وفتح المدارس لتعليم أبناء المسلمين مبادئ دينهم. ومن أهم الوسائل أيضاً: تبني المشاريع الإنسانية الخيرية في مناطق المسلمين الجدد؛ لأنه السلاح المستخدم من قِبَل المنصرين كبناء المستشفيات وحفر الآبار وبناء السدود وإنشاء المراكز الإغاثية في المناطق المنكوبة على أن يصاحب كل هذا برامج دعوية مدروسة جادة هادفة. طرق دعوة الوثنيين ووسائلها في مالي: إن دعوة الوثنيين المعاصرين أدت إلى صراعات عنيفة بين السنيين والصوفيين - ولا زالت وإن كانت قليلةً - وهذا ما يفرض علينا وعلى كل عاقل ترك الاستفزاز والعصبية مع ضرورة النظر الاعتباري إلى الواقع لمصلحة الدعوة الإسلامية الصحيحة في مالي، فيا ترى ما هي الطرق والوسائل الكفيلة لذلك؟ أما الطرق الدعوية: فإنها لا تخرج عما يأتي: أ - أن يكون الوثني قابلاً للحق معترفاً به، لكن عنده نوع من غفلة وتأخر، وله أهواء وشهوات تصده عن اتباع الحق، وهو الوثني عابد الأصنام والأوثان، فهذا يُدعَى بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، ويوجد الآن جهود ومواقف وشواهد للمنتدى الإسلامي وهيئة الإغاثة - حسب علمنا - في مناطق (سان، وكولوكاني الوثنية) . ب - أن يكون الوثني معانداً جاحداً، وهو القبوري الذي يعتقد تأثيراً لأوليائه من أصحاب القبور. فهذا يجادَل بالتي هي أحسن. ويوجد حالياً - حسب علمنا - للدعاة مواقف وشواهد وجهود دعوية مباركة مع هؤلاء القبوريين. قال - تعالى -: [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] (النحل: ١٢٥) . أما الوسائل الدعوية: فكثيرة جداً، ولكن كلتا الطائفتين الوثنيتين تحتاجان إلى دعاة من ذوي القدوة الحسنة في العلم والعمل، فاهمين لطبيعة أحوال الوثنيين وعاداتهم وتقاليدهم، وذلك ليتسنى لهم معرفة المدعوين أولاً، ثم التدرج والأخذ بأيديهم إلى نور الهداية والإيمان الصحيح ثانياً، وذلك باللين والرفق والتواضع والتسامح وحسن المعاملة بالزيارات التفقدية، وتكريمهم بالهدايا في المناسبات وغيرها، ثم غرس الإيمان الصحيح في قلوبهم من خلال البرامج الدعوية المخططة تخطيطاً حكيماً، كالتعليم ودروس الوعظ ونحوهما، ويمكن الاستعانة بوسائل الإعلام كلها، وخاصةً التلفزة، والاهتمام بحاجتهم الاجتماعية كبناء المستشفيات ودور الرعاية الاجتماعية ككفالة الأيتام والعجزة، وبناء المساجد والمدارس، وحفر الآبار وغير ذلك، والاهتمام بتربيتهم الصحيحة؛ وذلك من خلال تنظيم اللقاءات العامة والخاصة، من دروس ومؤتمرات ومناقشات ومحاضرات، وتوزيع الكتيبات والمنشورات المترجمة بالفرنسية، وغيرها، يقوم بها دعاة من ذوي الحكمة البالغة والسيرة الحسنة في مجال الدعوة، ويكون همهم وجهودهم قاصرة على السعي إلى هداية الوثنيين وغيرهم ولا يستعجلون النتائج، بل تكون أنشطتهم الدعوية مبنيةً على خطط مدروسة ومحكمة، ووسائل حية مع الجدية والإتقان في العمل. والله نسأل التوفيق والسداد على درب الحق.

стр. 3650

مرصد الأحداث يرصدها: حسن قطامش qatamish١٠٠@hotmail.com النية على بيعها! ! على العكس من وجهات نظر الناقدين الذين لم يذهبوا إلى هناك لم تكن قمة كامب ديفيد غير ناجحة، بل كانت هذه القمة خطوة مهمة وتاريخية للجهود التي بذلت طيلة ٥٢ عاماً لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وبصفتي أحد المشاركين في المفاوضات منذ انطلاق مؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩٢م بإمكاني القول بصراحة ووضوح إن الفلسطينيين والإسرائيليين الآن أقرب من أي وقت مضى من التوصل إلى اتفاق سلام شامل. وبالحق فإن نهاية الصراع بيننا على مشارف الرؤية، وأقول هذا من دون التهوين من الفجوات التي لا تزال ماثلةً بين الطرفين بشأن كل المسائل، ويتوجب علينا الإقرار والتقدير بحقيقة أن الطرفين قدما تنازلات مهمةً، وتحولا عن مواقفهما الصلبة، أما الاتهامات الموجهة للطرف الفلسطيني من رفضه تقديم تنازلات فهي تتجاهل الحقيقة والتاريخ. فأخْذُ الفلسطينيين بالحلول الوسط أمر ليس بالجديد؛ فقد قبلنا من خلال اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣م بالسيادة الإسرائيلية على ٧٨%من فلسطين التاريخية، وعلى تأسيس الدولة الفلسطينية فوق ٢٢ في المائة منها فقط. ولا نزال نعتقد أن القدس ستكون يوماً ما عاصمة للدولتين، خاصةً أن مسألة القدس نوقشت بجدية وبشكل مفتوح وخلاق لأول مرة في قمة كامب ديفيد. صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٩٢٥) لكم الله موقفنا واضح.. نحن نجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وهذا لا يتم إلا بالاستقلال التام، وأعتقد أنه لا يصح الجهاد إذا كان الهدف منه هو الحكم الذاتي فقط؛ لأن إعلاء كلمة الله الذي هو الهدف الأساس للجهاد في سبيل الله لا يتم من خلال الحكم الذاتي، ولم تتغير قناعاتنا، بل ازدادت ولله الحمد، وازدادت ثقتنا بالله بأن النصر آت لا محالة؛ لأنه وعد من الله الذي لا يخلف الوعد، وأن المستقبل للإسلام والعاقبة للمتقين. وقد غيَّر الإخوة المجاهدون الاستراتيجية القتالية واتخذوا المواقع الجديدة فوق الجبال المطلة على جزء من المعسكر الذي وصل إليه العدو، ويقومون بضربات سريعة قاتلة على جنوده، ويكبدونهم خسائر كبيرةً. إن في الهزيمة العسكرية المؤقتة دروساً وعظة قد لا نجدها في النصر؛ وفعلاً لمسنا كثيراً من الإيجابيات بعد الحوادث، ومنها أن المسلمين ازدادوا تحمساً وتأييداً للجبهة الإسلامية، وكثير من المسلمين الذين لم ينزلوا لميدان المعركة من قبل نزلوا الآن، وحتى النساء يردن أن ينزلن إلى الميدان. وتفخر الحكومة الفلبينية بالعمليات الوحشية؛ فالإذاعات المرئية ومحطات التلفزة الفلبينية تعرض يومياً عمليات النهب والسرقة والحرق والتدمير وعمليات تمزيق القرآن الكريم، وصب الخمور على أوراقها، وكذلك تدمير المساجد والمدارس أو تدنيسها بالنجاسات كالخمور والخنازير، يعرضونها على التلفاز لترى الجماهير أن الجيش الفلبيني تمكن من أداء مهمته. أما المسلمون المشردون فعددهم حسب إحصاء العدو الجزئي أكثر من ثلاثمائة ألف مشرد؛ والصحيح أنهم مليون على الأقل. [سلامات هاشم، رئيس جبهة مورو الإسلامية، مجلة المجتمع، العدد: (١٤١٢) ] . أي تغير؟ ! تعليقاً على لجوئه إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، عقب مصادقة محكمة التمييز على قرار السجن الصادر بحقه، قال نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه المحظور في مؤتمر صحفي: «هناك جهات تسعى في الفترة الأخيرة لإظهاري شخصاً ينتظر العون والمدد من الغرب، لقد كنا ننتقد الغرب قبل ثلاثين عاماً بسبب كون الدول الأوروبية كانت تتحرك كاتحاد مسيحي آنذاك، وترفض قبول تركيا بين صفوفها بدعوى أنها مسلمة، غير أن الغرب تغير أيضاً وبدأ يدافع عن حقوق الإنسان، ولذا شرعنا بدورنا بمساندة الغرب وحملة الدفاع عن حقوق الإنسان التي تقودها محافل المثقفين» . [مجلة المجتمع، العدد: (١٤١٢) ] وهذه حقوق الإنسان! أجريت دراسة استقصائية لاستطلاع الرأي العالمي حول سؤال: ما أهم شيء في الحياة؟ وهل يتمتع الإنسان بحقوقه ويمارس الديمقراطية؟ الدراسة نفذها معهد جالوب الدولي وشملت ٧٥ ألفاً من البالغين في ٦٠ دولة، بتوصية من هيئة الأمم المتحدة للوقوف على أوضاع سكان العالم، حتى تستطيع الأمم المتحدة تحديث دورها وتحديد أهدافها في الألفية الثالثة لخدمة البشرية. جاء في الاستقصاء أن الصحة الجيدة والحياة الأسرية السعيدة والحصول على فرص عمل أهم شيء في الحياة، وبخصوص حقوق الإنسان فقد أظهر المشاركون في الدراسة عدم ارتياحهم لمستوى احترام حقوق الإنسان في معظم دول العالم، بينما أعرب أقل من ١٠% من المشاركين عن اعتقادهم بأن حقوق الإنسان تحترم، وأن حماية حقوق الإنسان هي أهم عمل لا بد أن تضطلع به الأمم المتحدة. [مجلة الأهرام العربي، العدد: (١٧٦) ] وهذه حقوق الحيوان! ! ثمة مشروع قانون قدم إلى الكونجرس الأمريكي يدعو إلى فرض عقوبات على الدول التي تنتهك فيها حقوق القطط والكلاب. فتقتلها مثلاً وتستغل جلودها لتحقيق الأرباح والمكاسب المادية. ويتبنى المشروع ويقود المعركة لإقراره السناتور وليم روت رئيس اللجنة المالية في مجلس الشيوخ والنائب جيرالد كليركا في مجلس النواب. والذي أوصل الموضوع إلى الكونجرس نتائج تحقيقات سرية قامت بها أبرز منظمات الرفق بالحيوان في الولايات المتحدة؛ إذ بعد تحقيقات طويلة تبين لها بالأدلة القاطعة أن الصين وتايلاند والفلبين تمارس تجارةً تحقق منها مئات الملايين من الدولارات سنوياً. تقوم على تربية الكلاب والقطط وذبحها واستخدام جلودها في صناعة القفازات والحقائب والأحزمة والمعاطف ومقاعد الركاب في السيارات ولعب الأطفال. وأثبتت التحقيقات أيضاً أن هذه المنتجات بل والجلود نفسها تصدر إلى الولايات المتحدة تحت أسماء جلود حيوان كالثعلب والذئاب والمينك وغيرها. وتبين للجنة أن البلدان الثلاثة تقتل سنوياً ما لا يقل عن مليوني كلب وقطة للتجارة بجلودها وفرائها. وقال النائب كليركا: إنه إذا كانت تلك الدول لا تأبه بحياة الكلاب والقطط فإنه يجب ألا تجد لبضائعها سوقاً في الولايات المتحدة. ويجب فرض عقوبات تجارية عليها. [مجلة المجلة، العدد: (١٠٧١) ] كرامات المظلومين! ! صفقة أسلحة خفيفة تستخدم لمقاومة المتظاهرين تسلمتها دولة عربية أخيراً تبين أنها غير صالحة للاستخدام؛ حيث ظهر أن قاذفات القنابل المسيلة للدموع لا تقذف، مما يعني أن القنابل ستنفجر في المكان نفسه الذي يقف فيه مطلقوها. [مجلة الوسط، العدد: (٤٤٦) ] وقذف في قلوبهم الرعب «إنها الحرب الأبدية التي كتب علينا أن نواجهها هنا في نضالنا على البقاء وسط هذه البقعة الفظيعة من العالم، من أراد أن يرى دليلاً على الصعوبة التي تواجهها دولة إسرائيل في مسعاها للبقاء فلينظر إلى ما تقوم به حماس ضدنا» ، هكذا علق عامي إيلون رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي السابق على قيام الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة بالكشف عن معمل المتفجرات في مدينة نابلس، ويواصل إيلون تعليقه قائلاً: «يجب ألا يضلل أحد فينا نفسه؛ فنحن نواجه العدو الأشرس في العالم بأسره، نحن نواجه حركة ترى في حربها ضدنا واجباً مقدساً من الدرجة الأولى، بإمكاننا نحن والسلطة الفلسطينية أن ندعي أننا قد حققنا الانتصار عليها بعض الوقت لكن ما هو أكيد أن كل من يعتقد أن الصراع بيننا وبين قوى السلام في المنطقة ينتهي بحل أمني هو ببساطة مخطئ ومضلل، عليكم أن تتذكروا المرات العديدة التي أعلنا فيها موت حماس واندثارها من الوجود تماماً، لكن دوماً كنا نفاجأ بأننا كنا نبالغ في تمنياتنا، هم ببساطة يريدون الخلاص منا للأبد» . [جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٤٦) ] فضح أهل الفضائح إن الذين يقومون بالترويج للجنس والاجتراء على مختلف القيم الأخلاقية يحتجون بمقولتين أساسيتين: الأولى: ترفع شعار المصارحة والمكاشفة، وتنادي بالحرية المطلقة وإحياء شعار: (لا محظور في الصحافة) . المقولة الثانية: تستشهد بأن الكلام في الجنس (والبوح) بتفاصيله ليس أمراً جديداً على الثقافة الإسلامية التي حفلت على مدار تاريخها بألوان مماثلة من المعالجات، خاضت في كل شيء ولم تخف أي شيء. لي تعليق على هاتين المقولتين ألخصه فيما يلي: صحيح أن المصارحة والمكاشفة مطلوبة في كل شيء، لكن السؤال هو: كيف؟ وفي أي سياق؟ ومن على أي منبر؟ وبأي هدف؟ ومن أي طرف؟ ذلك أن البوح بهدف البوح وعلى صفحات الصحف السيارة قد يمثل دروساً في الانحراف وسبيلاً إلى إشاعة الفاحشة بين الناس، ثم إنه ليس صحيحاً أنه لا يوجد محظور لا في الصحافة ولا في أي مجال آخر، حيث تظل هناك خطوط حمراء يتعين احترامها، وتتمثل في ثوابت المجتمع وقيمه الأساسية، ومن أسف أن الذين يرفعون ذلك الشعار في عالمنا العربي يسوِّغون به الجرأة على القيم الأخلاقية والدينية، لكنهم يلتزمون منتهى الحذر حين يخوضون في المسائل السياسية. ثم إن الثقافة الإسلامية حفلت بكتابات خاضت في الجنس وغيره من الأمور الحساسة أخلاقياً واجتماعياً؛ لكننا ينبغي ألا ننسى أن كتابات تلك الأزمنة لم تكن في متناول العامة، حيث كان الوراقون ينسخون الكتب ويوزعونها على دوائر محدودة، بينما تكفلت الطباعة في زماننا بالترويج واسع النطاق لأي كلام مكتوب، والقدر المتيقن أن الذين كانوا يتصدون لمثل تلك الأمور لم يكونوا يقصدون الإثارة أو الترويج لبضاعتهم، وإنما كانوا يخوضون فيها لأسباب تتعلق بتعميق المدارك والدعوة للاعتبار، وتلك ملابسات تختلف تماماً عن تلك التي نواجهها في زماننا. لذا لزم التحذير والتنويه والله أعلم! [فهمي هويدي، مجلة المجلة، العدد: (١٠٨) ] وإذا أصبحتم أغلبية! غربان مجلس الأمة الحالي لديهم نظام ديمقراطي قائم على أن الناس أحرار في اختياراتهم، وأن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وأن الناس يخضعون بشكل عام لنظام الدستور والإيمان بكل ما فيه، ومع هذا فقد قيدوا الحرية بحجة حماية الثوابت، واستلبوا حقوق الآخرين بحجة تثبيت العادات والتقاليد، واضطهدوا الغير بدعوى أنه شذ عن الإجماع أو خالف رأي الأغلبية. كل مجتمعات العالم تم حكمها بالأغلبية، وكل أحكام الأغلبية هي أحكام استبدادية تعسفية لأنها لا تأخذ بالاعتبار حقوق الآخرين ومصالح الأقليات. النظام الديمقراطي هو النظام الوحيد الذي تحكم بموجبه الأمة مجتمعة «الأمة مصدر السلطات» وتراعي فيه حقوق الأفراد قبل الجماعات، وتقيد فيه قرارات الأغلبية بمبادئ ديمقراطية راسخة ومواد دستورية واضحة. الأغلبية لا تحكم في النظام الديمقراطي؛ لأنها مقيدة بحقوق الأقلية، والأكثرية «ليس بيدها شيء» لأنها محكومة بمبادئ وقواعد دستورية. والنظام هنا في هذه الدولة - ورغماً عن خبراء التخلف ومدعي الفقه الدستوري، وفقاً للمادة السادسة - «ديمقراطي» السيادة فيه للأمة وليس لمن ملك الأغلبية وليس للشريعة الإسلامية كما ادعى بعض المتفيقهين الدستوريين. والدستوريون هنا نسبة إلى الحركة الدستورية يعني الإخوان وليس إلى الفقه الدستوري، فهل يعي هذه الحقيقة الابتدائية من ينتصر بقصد أو بدونه لمعاول هدم النظام الديمقراطي في الكويت؟ [الكاتب اليساري الكويتي، عبد اللطيف الدعيج، جريدة القبس، العدد: (٩٧١٦) هناك فرق.. بل فروق! ! ١- يشهد معدل الخصوبة في دول المغرب العربي منذ ثلاثين عاماً تراجعاً متواصلاً يهدد تجدد الأجيال، وفق تقرير أعده المعهد الوطني الفرنسي للسكان. وقال المعهد في دراسة له، إن تونس حققت المعدل الأدنى الضروري لضمان سلامة التوزيع الديموغرافي للسكان مع ٢، ٢ طفل لكل امرأة في ١٩٩٨م وربما بلغ المعدل ١، ٢ في عام ١٩٩٩م. أما في الجزائر فانخفضت معدلات الخصوبة إلى ١، ٣ لكل امرأة في ١٩٩٦ م و١٩٩٧م. وقال المعهد إنه إذا استمرت الحال على ما هي عليه فإن معدل الخصوبة في العام ألفين لن يتجاوز ٥، ٢ طفل لكل امرأة في المغرب و٣، ٢ في الجزائر و٢ في تونس. وبدأ معدل الخصوبة بالتراجع في هذه الدول في مطلع السبعينيات؛ إذ كان معدل الخصوبة في الجزائر في مطلع السبعينيات ١، ٨ طفل وفي المغرب ٧ أطفال لكل امرأة في ١٩٧٢م. وعلى سبيل المقارنة احتاجت فرنسا قرابة ٢٠٠ سنة لينخفض معدل الخصوبة فيها من ٦ أطفال للمرأة في منتصف القرن ١٨ إلى حوالي طفلين لكل امرأة في الثلاثينيات من القرن العشرين. أما الدول المشمولة بالدراسة فلم تحتج سوى ٢٥ عاماً لذلك! ارتفعت نسبة النساء اللواتي يستخدمن وسيلة لمنع الحمل من ٥% في نهاية الستينيات إلى ٣١% في ١٩٧٨ و٦٠% في ١٩٩٤ - ١٩٩٥م. وكانت ٥% من المغربيات يستخدمن حبوب منع الحمل في الستينيات مقابل ٥٩% حالياً. أما الجزائر فاتجهت إلى خفض سن الزواج غداة الاستقلال مما أدى إلى ارتفاع معدل الخصوبة إلى أقصى مستوى في السبعينيات. إلا أن استخدام حبوب منع الحمل انتقل من ٨% في ١٩٧٠ إلى٥٧% في ١٩٩٥م. ] جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٩١٩) [ ٢- أعلنت سلطات سنغافورة أنها ستقدم مكافآت ماليةً للآباء الذين ينجبون أكثر من طفل، وجاء هذا القرار في محاولة لتقليص تراجع الخصوبة في هذه الجزيرة الواقعة جنوب شرقي آسيا. ومن المقرر أن تفتح الحكومة في إطار الخطة الجديدة حساباً مصرفياً خاصاً للأزواج الذين ينجبون طفلهم الثاني أو الثالث، حيث تقدم لهم مبالغ مالية سنوية إلى أن يصل الطفل عامه السادس وستدفع في هذا الصدد مبلغ مئتين وواحد وتسعين دولاراً أمريكياً في السنة، إضافةً إلى خمسمائة واثنين وثمانين دولاراً لدعم مصاريف الأبوين، وستضاعف هذه المكافآت بالنسبة لمن ينجبون طفلهم الثالث، كما سيسمح للأمهات اللواتي ينجبن طفلهن الثالث بالحصول على إجازات ولادة، خلاف ما هو معمول به حالياً، حيث تقتصر هذه الإجازة على الطفلين الأولين، وقال رئيس وزراء سنغافورة إن حكومته ستدفع مبالغ مالية تصل إلى أحد عشر ألفاً وسبعمائة وخمسة وستين دولاراً أمريكياً لتعويض الدخول التي تفقدها الأمهات خلال العطلة التي تستمر ثمانية أسابيع. موقع هيئة الإذاعة البريطانية www.bbcaraic.com (إلف) والمألوف! ! اعترف مسؤول فرنسي أمام المحكمة أن شركة (إلف اكين) النفطية الفرنسية كانت تقوم عبر شركة فرعية خفية في جنيف اسمها (إلف تريد) بتمويل سري لمسؤولين ورؤساء حكومات وجمهوريات إفريقية، بغية إفسادهم وشراء ولائهم. وتخلى أندريه نارالو المسؤول السابق عن إفريقيا في الشركة عن إدمانه إخفاء المعلومات وقال: إن عمولاته بلغت ٦٠٠ مليون فرنك في حسابه الشخصي الأصلي؛ فيما أشارت مصادر أخرى إلى أن هذه العمولة وصلت إلى ٨٠٠ مليون فرنك. ويتم تحويل جزء من هذه المبالغ عن طريق البنك الفرنسي الإفريقي (فيبا) قبل أن تصب في حسابات رؤساء وزراء وجمهوريات البلدان الأجنبية أي غير الفرنسية. ويتم استخدام هذه الأموال في استخدام الحرس (المقربين) ومن ضمنهم فرنسيون من أنصار الزعيم اليميني شارل باسكوا أو في صرفها في البذخ حيث وصلت مصروفات زوجة رئيس الجابون، ايديث بونجو، إلى ٥، ١ مليون فرنك في اليوم اليوم الواحد. وهكذا يتم الضغط على ميزانيات الدول من أجل.... وتؤكد مصادر موثوقة بأن الجابون كانت هي التي تستعمر فرنسا وليس العكس في عام ١٩٨٢م، وكان عمر بونجو، الذي يعتبر صديقاً شخصياً لجاك شيراك يقوم بتمويل المرشحين من أنصار صديقه الفرنسي. ] جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٣٧٦) [ هل لديهم شرف؟ ! في خطوة وصفت بـ «الاستفزازية» وغير المسوَّغة أقدم مجلس الشيوخ الأمريكي «الكونغرس» على سن مشروع قانون لمكافحة ما سمي بـ «جرائم الشرف» وصولاً لإقراره ومن ثم البدء في تطبيقه ضمن برامج ضغوطات السياسة الأمريكية الخارجية على بلدان العالم الثالث وبالذات منها الدول العربية والإسلامية. واعتبر مراقبون أن سَن الكونغرس الأمريكي لمشروع هذا القانون سابقة لم تحدث في السياسة الدولية فضلاً عن اعتباره تدخلاً سافراً في خصوصيات الدول العربية والإسلامية. محللون أفادوا أن مصادقة مجلس الشيوخ الأمريكي على مشروع القرار ورفعه ليصادق عليه من قبل مجلس النواب يعد سابقة خطيرة لم يسجل مثيل لها في أي من المحافل الدولية، وأضافوا أن الكونغرس الأمريكي سيطلب بعد إقرار هذا القانون التدخل المباشر في شؤون الدول المعنية تحت مظلة حماية أرواح الأبرياء من النساء مؤكدين أن الأردن سيكون على رأس هذه الدول حسب ما جاء في أحد التقارير المتعلقة بهذا الصدد. ] صحيفة السبيل الأردنية، العدد: (٣٤٤) [ وهذه أسرتهم! ؟ ١- أظهر مسح جديد أجري مؤخراً في شيكاغو الأمريكية أن أكثر من نصف أطفال الولايات المتحدة يعيشون الآن مع أحد الوالدين، وليس مع الوالدين معاً نتيجة لتراجع معدلات الطلاق. ] مجلة الكوثر، العدد: (١٠) [ ٢- ديك تشيني المرشح نائباً لجورج بوش الابن: سُئل عن موقفه من سياسة الإدارة الأمريكية الحالية إزاء تجنيد الشواذ جنسياً في الجيش والمعروفة باسم سياسة (عدم الجهر) التي تغض الطرف عنهم وتتبنى إزاءهم سياسة متسامحة فقال: (أعتقد أنني سأساند هذه السياسة، وأعتقد أن هذا أفضل الممكن في هذه الظروف) . وسئل تشيني عن ابنتيه وإحداهما معروفة بشذوذها الجنسي فقال إنه يفخر بابنتيه وأن الحفاظ على خصوصية حياتهما الشخصية حق يجب عدم المساس به. ] جريدة البيان الإماراتية، العدد: (٧٣٤٩) [ العمل على أشده فتحت العاصمة الأسترالية كانبيرا الباب نحو تأسيس إذاعة «نصرانية أصولية» للبث باتجاه دول شرق وجنوب شرق آسيا، الذي من المعتقد أن يثير غضب وحساسيات عدد من الدول الآسيوية المسلمة وحتى البوذية والشيوعية التي ستغطيها دائرة الإذاعة التي تقود حملة التنصير؛ فقد دفعت منظمة «كريستيان فيزن» البريطانية مبلغاً مالياً لم يعلن مقابل إيجار أقوى محطات البث في منطقة جنوب المحيط الهادي التي كانت تستخدم سابقاً من قِبَل إذاعة أستراليا بالقرب من داروين. وستبث الإذاعة الجديدة برامج دينية وأغاني مسيحية وبرامج صحية وثقافية وأخرى لم تحدد، وتؤكد الجماعة النصرانية الإنجيلية أن إذاعتها التي ستكون باسم: «إذاعة الصوت المسيحي» لن تكون سياسية التوجه والمضمون، لكن المنتقدين لها من الأستراليين يعتقدون أن مضمونها الديني سيزعج الدول الآسيوية التي سيستمع سكانها لبرامجها عبر أجهزة محطة «كوكس بينونسيلا» . وتغطي المحطة معظم مناطق الصين وإندونيسيا وماليزيا وتايلاند والدول الأخرى المجاورة من أقصى الصين وكوريا شرقاً إلى الهند غرباً. لكن الصين وإندونيسيا هما هدف المحطة الأول: وكلاهما يتعرض لحملتي تغريب وتنصير شديدتين منذ عقود، وكانت الصين تحاول دائماً الضغط على كانبيرا من أجل عدم بث إذاعة دينية موجهة لسكانها من أراضيها في السنوات الماضية. وتقول المنظمة النصرانية المؤسسة ضمن أهداف بث الإذاعة: إنها تهدف إلى «تعريف الناس بالمسيح، ونشجع من يؤمن به ويقبله ابناً للرب ليصبحوا مؤمنين حقيقيين بربهم. وقد تأسست هذه المنظمة المتخصصة بأنشطة التنصير عبر وسائل الإعلام عام ١٩٨٨ وتصف نفسها بالقول: نحن شركة خيرية أمرها الرب بإيصال رسالة المسيح عيسى لمليار إنسان عبر استخدام وسائل الإعلام الحديثة. ] مجلة الإصلاح، العدد: (٤٣٠) [ لمن كان له قلب عكست دراسة في بريطانيا الاعتقاد السائد في الغرب بأن التعايش بين رجل وامرأة بدون زواج يقيهما من منغصات الزواج. وأظهرت الدراسة التي أجرتها الباحثة الاجتماعية باتريسيا مورغان ونشرتها في كتاب أن الأطفال الذين يولدون لأبوين غير متزوجين يعانون من مشكلات نفسية وتربوية، ولو كان الأبوان يعيشان تحت سقف واحد. واتهم الكتاب وعنوانه: (زواج النخبة) المسؤولين والمنظمات الاجتماعية بالخضوع لمجموعة من البوهيميين والعبثيين الذين » يروجون لنظرية كاذبة مفادها: أن الزوج لا يعدو كونه ورقة رسمية «. وضم الكتاب نتائج إحصاءات في مختلف أنحاء العالم دلت على اللذين يعيشان في ظل» التعايش «يعانيان قدراً أكبر من التوتر والاكتئاب، إضافةً إلى كونهما أكثر ميلاً إلى الخيانة من اللذيْن يقترنان رسمياً. وانتقد الكتاب وجهة النظر الرسمية القائلة إن بعض أشكال التعايش أكثر ثباتاً من الزيجات؛ لأنها تنتهي بالإنجاب، مشيراً إلى أن ثمانية في المئة فقط من أتباع الفئة الأولى ظلوا تحت سقف واحد بعد إنجابهم طفلهم الأول. ولاحظ الكتاب اتجاهاً حالياً لدى الشباب إلى تفضيل الزواج على التعايش، مشيراً إلى أنه في السنتين الأخيرتين فضَّل ٢٢ في المئة من الرجال و ١٧ في المائة من النساء التعايش في مقابل ٤٥ في المئة من الرجال و٥١ في المئة من النساء الذين اختاروا الاقتران رسمياً. ] جريدة الحياة، العدد: (١٣٦٧١) [ وفعلتها يا وحيد! ! قال الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن وحيد الذي يرأس أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان:» إنه يجب أن تكون لإسرائيل سيطرة إدارية على القدس « ولكنه أبلغ الصحافيين أن السيادة السياسية على المدينة المقدسة يجب أن توكل إلى هيئة دولية تضم ست دول مجاورة والأمم المتحدة» وتحدث وحيد بعد اجتماع سري مع شمعون بيريس وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي وقبيل وصول ياسر عرفات إلى البلاد، وقال وحيد: «إخفاق قمة كامب ديفيد في يوليو الماضي يرجع إلى حقيقة أنه لم يتم بحث سوى شكل واحد من أشكال السيادة، ولكن إذا قسمنا السيادة فسيختلف الأمر» وقال وحيد: «من الأفضل أن نفرق بين السيادة الإدارية التي ستكون في أيدي الإسرائيليين وبين السيادة السياسية التي ستتولاها لجنة تضم سبعة أعضاء هم: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وإسرائيل، والأمم المتحدة» . وقال وحيد: إن «إندونيسيا تفخر بأن تساعد في مسيرة السلام في الشرق الأوسط» . وكانت زيارة بيريس لإندونيسيا أول لقاء على هذا المستوى الرفيع بين البلدين منذ سبع سنوات. ] جريدة الأنباء، العدد: (٨٧١١) [ شكراً! ! أعلن عبد الستار خان وزير خارجية باكستان عن اعتزام حكومته اتخاذ إجراءات صارمة لطرد جماعات الأفغان العرب المقيمين على الأراضي الباكستانية منذ احتلال الاتحاد السوفييتي السابق لأفغانستان. وقال: إن الحكومة الباكستانية لن تسمح باستخدام أراضيها في أنشطة لتهديد سلامة أراضي الدول العربية الشقيقة أو زعزعة الاستقرار والسلام فيها. وقال: إن إسلام آباد تتعرض لضغوط شديدة من حلفائها العرب في منطقة الشرق الأوسط لتضييق الخناق على الأفغان العرب الذين يشتبه في تدبيرهم اعتداءات إرهابية ضد بلادهم الأصلية. واعترف الوزير بأن ٢٥ ألف متشدد من الأفغان العرب الذين خاضوا الحرب لتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي (١٩٧٩- ١٩٨٩م) لم يعودوا إلى بلادهم ويعيش غالبيتهم في باكستان الآن. ] جريدة الأهرام، العدد: (٤١٥٢٤) [.

стр. 3651

متابعات التأمين.. وجهة نظر أخرى د. رفيق يونس المصري [*] في العدد ١٤٨الصادر في ذي الحجة ١٤٢٠هـ، نشرت مجلتكم الموقرة مقالاً للدكتور سليمان بن إبراهيم بن ثنيان، بعنوان: «حقيقة شركات التأمين» ، أخذ فيه برأي الفقهاء المانعين للتأمين، بكل أنواعه، ورأى أنهم هم العلماء الذين يعتد برأيهم في بلاد المسلمين، كما رأى أن الباحثين الذين قالوا بأن للتأمين إيجابيات هم - بنظره - ليسوا من أهل العلم. وأورد عدداً من سلبيات التأمين، منها أن شروطه شروط إذعان تعسفية واستغلالية، وأن شركاته ليس من همها إلا الربح، وأنها اشترت بالمال ذمم كثير من المستشارين، والمحامين، والأطباء، والخبراء، وغيرهم من أفراد طاقم التأمين، وأن هذه الشركات تعقد كثيراً من العقود، ولا تفي إلا بالقليل منها، وأن الكثرة الكاثرة في التأمين هي الجماعة الخاسرة، وأن القلة القليلة هي الحفنة الرابحة من قادة التأمين في العالم، وأن بلدان العالم فئتان: فئة مصدرة للتأمين، وفئة مستوردة له، وأن تكلفة التأمين تكلفة عالية، وأنه السبب في الكثير من الجرائم، كالقتل، والكذب، وأن التأمين فيه ربا، وغرر، وقمار، وأن شرَّه يغلب خيره، وأنه ليس فيه أي مصلحة اقتصادية، ويغني عنه التأمين الذاتي، أي إنشاء حساب استثماري لاحتياطي الحوادث ... إلخ. المعلوم أن الفقهاء المعاصرين على ثلاثة آراء في التأمين: الأول يكتفي بالتأمين الخيري القائم على الزكوات، والصدقات، الوصايا، والديات، والنذور، والكفارات، ومن القائلين بهذا الرأي: الدكتور شوكت عليان من الفقهاء، والدكتور عيسى عبده من الاقتصاديين المسلمين. والرأي الثاني يجيز التأمين التعاوني دون التجاري، ومن القائلين بهذا الرأي: الدكتور الصديق الضرير، والأستاذ محمد أبو زهرة، والدكتور حسين حامد حسان، والدكتور محمد بلتاجي حسن، من الفقهاء. والرأي الثالث يجيز التأمين التجاري أيضاً، ومن القائلين بهذا الرأي: الأستاذ مصطفى الزرقا، والأستاذ علي الخفيف من الفقهاء، والدكتور محمد نجاة الله صديقي من الاقتصاديين المسلمين. ومما يؤخذ على رأي المانعين للتأمين التعاوني عدم اهتدائهم إلى بعض النصوص الشرعية، ومن ذلك حديث الأشعريين، وهو أنهم كانوا إذا أرملوا (فني زادهم وافتقروا) في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في إناء واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسوية (صحيح البخاري، كتاب الشركات، وصحيح مسلم، باب فضائل الصحابة) . إن التأمين الخيري لا يعوض المصاب إلا إذا أصابه فقر، أما التأمين التعاوني أو التجاري فإنه يعوض المصاب، ولو لم يصبه فقر؛ لأن الغرض منه هو ردُّه إلى مستواه السابق من الغنى والكفاءة الإنتاجية. والناس متفاوتون؛ فبعضهم قد لا يرى حرجاً من اللجوء إلى التأمين الخيري، عند الحاجة، وبعضهم يفضل الاعتماد على نفسه، والتقليل من الاعتماد على الآخرين، وتخفيف الأعباء عن الإيرادات الخيرية وحصائل الزكاة. وكذلك الناس متفاوتون حيال المخاطر؛ فبعضهم قد يكون أكثر رغبة وقدرة على تحمل المخاطر، وبعضهم قد يجد ميلاً لديه لركوب المخاطر في الأنشطة الاقتصادية المختلفة، لا سيما إذا كانت هناك وسيلة كالتأمين تخفف عنه آثار بعض المخاطر، لكي تشجعه على ركوب مخاطر أخرى يحتاج إليها النشاط الاقتصادي في المجتمع. والتأمين إذا ما طبق في اقتصاد بلدٍ مَّا، فإن الاقتصادات الأخرى تتخلف وراءه، إذا لم تطبقه. ومما يؤخذ على رأي المجيزين للتأمين التعاوني، والمانعين للتأمين التجاري، أنهم رأوا أن التعاونيات كالتبرعات يغتفر فيها من الغرر ما لا يغتفر في المعاوضات. وهذا فيه نظر؛ لأن حقيقةَ: «أتبرع لك على أن تتبرع لي» ليس من التبرعات، بل هو من المعاوضات. ومما يؤخذ عليهم أيضاً أنهم ميزوا بين معاوضات تهدف إلى الربح، ومعاوضات لا تهدف إليه، فمنعوا التأمين التجاري وأجازوا التأمين التعاوني. وهذا التمييز غير مسلَّم؛ لأن الإسلام يجيز التجارة، كما يجيز الربح. وغاية الفرق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري أن الأول تديره جمعية تعاونية، والآخر تديره شركة تجارية. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن جميع الفقهاء الذين أجازوا التأمين التعاوني، أو أجازوا التأمين التجاري، إنما أجازوا التأمين، بغض النظر عن كونه تعاونياً أو تجارياً، وهذا اعتراف منهم بالمصلحة الاقتصادية والاجتماعية للتأمين. كما أن جميع الفقهاء، حتى الذين منعوا التأمين التعاوني والتجاري، قد أجازوا التأمين الحكومي: التأمينات الاجتماعية، والتقاعد، والمعاشات. والتأمين الحكومي يمكن أن يدار بشكل تعاوني بلا أرباح، ويمكن أن يدار بشكل تجاري استرباحي. فلا يمكن القول بأن العلماء الذين يعتد برأيهم قد حرموا التأمين بجميع أنواعه، سواء كان تعاونياً أو تجارياً، حكومياً أو خاصاً. أما ما ذكر من أن التأمين فيه ربا فالرأي في هذا أن الربا ليس من لوازم التأمين؛ إذ يمكن استثمار أقساط التأمين استثماراً غير ربوي، بصيغة المشاركة في الأرباح مثلاً. كما أن قسط التأمين لا ينظر إليه على أنه قرض، حتى يقال بأن مبلغ التأمين يكون فيه ربا إذا زاد على قسط التأمين. والربا في القرض مضمون، أما التأمين فالزيادة فيه غير مضمونة، فقد تقع، وقد لا تقع. أما ما ذكر من أن التأمين فيه قمار فالرأي في هذا أن القمار يكون في اللعب، والتأمين ليس لعباً، والمقامر في القمار يخلق المخاطر، أما المستأمن فإنه يتحصن من المخاطر. وهذا التمييز الدقيق بين ما يدخل في القمار وما يلتبس به وليس منه تمييز لم يعرفه الفقهاء المعاصرون فحسب، بل عرفه أيضاً الفقهاء القدامى، منهم أبو عبيد في الأموال؛ حيث ميز تمييزاً دقيقاً بين القمار من جهة، والقرعة والخرص من جهة أخرى، خلافاً للفقهاء الذين حرموهما، ظناً منهم أنهما من القمار المحرم. أما ما ذكر من أن التأمين فيه غرر فالرأي فيه أن الغرر فيه على مستويين: مستوى العلاقة بين شركة التأمين ومجموع المستأمنين، ومستوى العلاقة بين شركة التأمين وكل مستأمن على حدة. فالمستوى الأول فيه الغرر إلى حد كبير، بالنظر إلى قانون الأعداد الكبيرة Law of Large Numbers المعروف في علم الإحصاء. والمستوى الثاني وإن كان فيه غرر أكبر، إلا أن للمستوى الأول تأثيراً عليه، بحيث إن الغرر فيه يصير أقل نسبياً. أما القاعدة القائلة بأن الغرر يغتفر منه في التبرعات ما لا يغتفر في المعاوضات فهي صحيحة بشكل عام، بمعنى أن الغرر أكثر اغتفاراً في التبرعات وأسهل، غير أن هذا لا يعني أن المعاوضات لا غرر فيها. فالجعالة فيها غرر في الحصول، وفي المقدار، وفي الأجل، كالتأمين، ومع ذلك فإنها جائزة عند جمهور الفقهاء. فإذا قلت: من عثر على سيارتي المسروقة فله ١٠٠٠ ريال، فإن الباحث عنها قد يجدها وقد لا يجدها، وقد يعمل قليلاً أو كثيراً، لمدة قصيرة أو طويلة، ومن ثم فقد يحصل على الجُعل أو لا يحصل عليه. أما ما ذكر من أن أرباح التأمين أرباح عالية فالحل فيه هو المنافسة الكفيلة برد الأرباح إلى حدود الاعتدال، أو الإشراف الحكومي على تحديد الأقساط، لا سيما في حال الاحتكار. وأما ما يقال من أن عقد التأمين هو عقد إذعان، فهو إذن حرام؛ فهذا ربما أتى من سوء الترجمة. فعقد الإذعان ترجمة عربية للعبارة الفرنسية Contrat d adhésion، والصواب في الترجمة هو: عقد الانضمام، وأما عقد الإذعان فهو حالة متطرفة من عقود الانضمام، عندما تكون شروطها تعسفية فعلاً، في غياب المنافسة، والإشراف الحكومي. أما أن التأمين الذاتي Self-Insurance يغني عن التأمين التعاوني أو التجاري، فهذا قد يصلح بالنسبة للمنشآت الكبيرة التي يتسع نشاطها إلى الدرجة التي ينطبق عليها قانون الأعداد الكبيرة. أما المنشآت المتوسطة والصغيرة فلا يصلح لها التأمين الذاتي، لا سيما في السنوات الأولى من تطبيقه. أما ما ذكر من الآفات الأخرى، كالقتل، والكذب، وشراء الذمم فهذه آفات عارضة؛ فالوارث قد يقتل مورِّثه، لأجل استعجال ميراثه، فهل نمنع الميراث لأجل احتمال مثل هذا القتل؟ إن الفقهاء قد منعوا الميراث، في هذه الحالة، عن القاتل فقط، ولم يمنعوه عن سائر الناس. والكذب، وشراء الذمم، فاشيان في كثير من الأسر، والمنشآت، والأنشطة. فإذا استغلت المستشفيات مرضاها، وأجرت لهم تحاليل، أو عمليات لا يحتاجون إليها، فهل نمنع النشاط الطبي والمخبري من أصله، أم نعاقب فقط من يرتكب هذه المخالفات؟ وكذلك قد تدخل سيارتك إلى ورشة إصلاح، فتستبدل الورشة قطعاً لا حاجة لاستبدالها، وقد تستخدم عمالاً حمقى، فتضيع أموال الناس وجهودهم وأوقاتهم، فهل نعزف عن استخدام السيارة، وهل نمنع قيام ورشات لإصلاح السيارات؟ أنا لا أشك في أن بعض المجيزين للتأمين التجاري قد استدلوا له بأدلة ضعيفة، وأن بعضهم كان يريد إباحته بأدلة متكلفة، وبأي ثمن، وبناءً على أحكام مسبقة. ولكن خصومهم، إذ شعروا بأنهم قد استطاعوا ردَّ مثل هذه الأدلة ظنوا أنهم قد ردوا التأمين، والحال أن التأمين يمكن أن يستدل له بأدلة أخرى قوية يصعب ردها.

стр. 3652

قضايا ثقافية الإبداعية الجماعية [*] (١ -٢) بقلم: جان كلود أبريك ترجمة: محمد بلحسن راجع ترجمته وقدّم له وعلّق عليه: د. محمد أمحزون تمهيد: لقد قطع الغربيون في دراسة ما يسمى بـ «علم النفس الاجتماعي» شوطاً بعيداً. ويعدّ هذا العلم من المجالات الحيوية - الاستراتيجية التي ينبغي للدعوة الإسلامية الاهتمام بها فيما يتصل بحقل الوسائل والأدوات. فهو يُعنى بدراسة الظواهر الفكرية: نظام الإدراكات والتصورات الاجتماعية، وظواهر التواصل الاجتماعي على مستويات مختلفة من العلاقات المجتمعية، ودراسة العلاقات بين الأفراد، ودراسة العلاقات بين الأفراد والجماعات: (مؤسسات، جمعيات، أحزاب، نوادٍ) ، ودراسة الجماعات من حيث تركيبها ووظائفها، وعلاقات التأثير فيما بينها، وبسط آليات تفجير الطاقات لدى الجماعات والأفراد، وأساليب العمل بروح الفريق، واتخاذ القرارات داخل الجماعة، وإلقاء الضوء على الوسائل التي تتبناها النخب في توجيه المجتمع؛ إلى غير ذلك من المناهج والأدوات والوسائل التي ينبغي للدعاة استيعابها للدخول في معترك مواجهة النخب العلمانية المفسدة، والتأثير على القطاعات الواسعة من الجماهير. ولكل ظاهرة من هذه الظواهر يتوفر: «علم النفس الاجتماعي» على نظام معرفي متطور: نظريات وأبحاث ودراسات واختبارات تؤهله لفهم النشاطات الذهنية العليا، وبعض الأبعاد النفسية للحياة الاجتماعية للجماعات. ومن أجل توسيع مجال الرؤيا فإن «علم النفس الاجتماعي» يقوم بدراسة: ١- الأسباب التي تدفع الناس للتماثل (أي التشبّه بغيرهم) أو الخضوع، وذلك بالبحث عن خصائص الفرد الذي يَمْتَثِل ويخضع، والفرد الآخر الذي يقاوم التأثيرات الاجتماعية (العادات، التقاليد..) . ٢- ما هي خصائص المؤسسات والجماعات التي تحاول أن تنمّط سلوك الأفراد؟ ما هي منطلقاتها العقائدية الأيديولوجية وآلياتها في التأثير؟ (المؤسسات التربوية، النوادي، الجمعيات، وسائل الإعلام، الجامعات، المعاهد..) . ٣- كيف يفكر الأفراد في واقعهم اليومي؟ كيف يقبلون السلوك المنحرف على أنه سلوك عادي غير شاذ؟ كيف يفسرون ما يحدث لهم؟ ويشمل ذلك البحث عن القوانين التي تحكم وتتحكم في التفكير الاجتماعي. ٤- البحث عن الخصائص الأساسية التي يجب أن تتوفر في الجماعات التي تؤيد التغيير، حتى تكسب خاصيات الفاعلية والتأثير؛ كيف تستطيع هذه الجماعات أن تؤثر على الأغلبية؟ كيف تعمل لتحويل وتصحيح بنيتها التصورية العامة تجاه القضايا الرئيسة على الرغم من نقص هذه الجماعات العددي، ونوعية مفاهيمها التي تخالف سلوك الأغلبية، ومع وجود احتمالات التهميش المتوقعة نظرياً تجاه هذه الجماعات؟ ما هي طبيعة التفاعلات التي يحدثها أفراد الأقلية الفاعلة والعملية داخل واقع الأغلبية التي تخالفهم في الاعتقاد والرأي والقيم والمقاييس الحياتية؟ كيف تؤطِّر هذه الأقليات (الجماعات) علاقاتها الداخلية من أجل التفعيل المستمر نحو الإبداع والإنتاج؟ ما هي مستويات اتخاذ القرارات داخلها. ٥- إلقاء الضوء على مجمل التأثيرات التي تمارسها وسائل الإعلام على الفرد من خلال دراسة مختلف المواضيع الإعلامية المساقة للفرد: المقاييس التي تنتج الخطاب الإعلامي، كيفية تغيير هذا الخطاب ليستطيع أن يصبح قاعدةً سلوكيةً وفكريةً عامةً ومعتادةً لدى أفراد مجتمع ما [١] . ومن الموضوعات التي يوليها «علم النفس الاجتماعي» اهتماماً متزايداً، ويخضعها للبحث والرصد والاختبار الميداني: موضوع التفكير الإبداعي. على أن هذا التفكير يؤدي عبر مجموعة من الأساليب والأدوات والإجراءات إلى مساعدة الإمكانات الذهنية على الارتقاء، وتحسين كفاءة الأداء، والقدرة على حلّ المشكلات، وطرح البدائل واكتشاف الخيارات [٢] . ولما كان الإبداع يعني التأليف بين الأفكار والصور وتركيبها تركيباً فذاً ينتج عنه الإتيان بقاعدة جديدة، أو اكتشاف لقانون جديد، أو استخراج لشكل غير مألوف [٣] ؛ فإن تنمية هذا النوع من التفكير يستحق اهتماماً خاصاً منّا نحن المسلمين؛ حيث يشتدّ الطلب اليوم على الإنسان الفذ المبدع بشكل دقيق وجيّد لخدمة دينه وأمته في سبيل الدفع نحو الارتقاء الحضاري. ولمعرفة المناهج وآليات الرصد والتجارب والحلول المبتكرة التي يستخدمها «علم النفس الاجتماعي» لتطوير هذا الفنّ وتعميمه في حقول المعرفة وفي مجالات الحياة المختلفة، فإنّ هذا البحث الذي ترجم من اللغة الفرنسية لأحد أقطاب علم النفس الاجتماعي الفرنسيين، سيبيّن وسائل التحليل المنهجي للإبداعية، وكيفية توظيف تقنيات الإبداع لتحفيز الذهن على الابتكار والتجديد، وإجراء التجارب لتنمية ملكة الإبداع لدى الأفراد، وتقييم إبداعية الجماعات وتنافسها، والعوامل التي تخضع لها عملية الإبداع ... إلى غير ذلك من العوامل التي يبرز من خلالها أهمية التفكير الإبداعي في تغيير الواقع وتجديده وإغنائه. مقدمة المؤلف: اهتمام علم النفس بالإبداع هو جد حديث؛ فإلى غاية سنة ١٩٥٠م، كان حجم عناوين المنشورات في علم النفس المخصّصة للإبداعية بنسبة واحد في الألف. وإلى غاية هذا التاريخ أيضاً توجه الاهتمام بالخصوص إلى تحليل سيرورة الإبداعية المعتبرة ظاهرةً قليلة وحاضرة - حصراً - داخل نخبة الباحثين والمبدعين الكبار، ومنذ هذه الفترة كانت المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع ناتجة بالأساس عن تحليل تراجم العظماء، أو شهادات تركها بعضهم مثل بوانكاري poincare، والمتعلقة بمناهج تفكيرهم. ولم تظهر الإبداعية باعتبارها ضرورة اجتماعية واقتصادية إلا مع نهاية الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها؛ حيث أصبحت موضوعاً للدراسة. وإزاء التطور السريع للمجتمعات الصناعية فإن ازدياد المنافسة وسرعة التحولات في المناهج والتقنيات والأسواق فرض البعد النوعي أساساً للتكيف والنمو الاقتصادي، وتحوّل الاهتمام أيضاً من المبدعين إلى الأفراد الإبداعيين من دراسة الإبداع إلى دراسة الإبداعية؛ أو بمعنى آخر: من دراسة خصائص نخبة ضيقة إلى شريحة أكثر اتساعاً. وهكذا احتل مفهوم الإبداعية وضعاً مستقلاً بالنسبة للإبداع. ويمكن تسمية الإبداعية: (التطور التدريجي المتتابع والملكة التي بواسطتها يقوم فرد أو جماعة تحتل وضعاً معيناً بإعداد نتاج جديد أو أصيل موافق لمتطلبات الظرفية ومقاصدها أو الحالة الراهنة) . إذن: نعتبر فرداً أو جماعة مبدعة حسب قدراتها لتحريك هذه العملية. ويعود الفضل لجيلغورد (١٩٧٣,١٩٥٠: Guilgord) من خلال رسالته المشهورة المقدمة لجمعية علم النفس الأمريكية، والتي صاغ فيها الأفكار الجديدة الغنية بالنتائج النظرية والتطبيقية المتعلقة بالإبداعية: * القابلية للإبداعية توجد بمستويات مختلفة ولكن عند جميع الأفراد العاديين [٤] . * السياق الإبداعي يمكن أن ينتج طواعية، ويمكن أيضاً تدريسه وتطويره لدى عدد كبير من الأفراد. وبالإضافة إلى هاتين الفكرتين المركزيتين تضاف بعض أعمال أوسبورن (١٩٦٣, ١٩٥٣: Osborn) الفكرة التي تنص على أن وضعية الجماعة تساعد على الإبداعية [٥] . ولهذا بدأنا نرى في الولايات المتحدة ثم في أوروبا وفرنسا، وخاصةً ابتداءً من سنة ١٩٦٠م تطور مجموعة من الأبحاث في علم النفس، مستعملة بالخصوص المناهج التفاضلية والساعية مثلاً إلى اكتشاف أو إبراز العلاقات بين الإبداعية والذكاء، وتعريف خصائص «الشخصيات الإبداعية» وتقييمها إلخ.. ويمكن للقارئ المهتم أن يعود في هذا الصدد إلى مجلة لوبوتي (Leboutet) حول هذه المسألة ١٩٧٠م. آثار الجماعات النوعية: عوضاً عن الدخول في هذا مقارنة بين تقدير خصائص الجماعات والأفراد، والتي كشف عنها موسكوفيسي وبيشلي (١٩٧٢: Paicheler/moscqvici) على أنها غير ذات جدوى، سنحاول إبراز بعض الأبحاث التجريبية ونتائجها القادرة على توضيح نوعية وضع الجماعة وبالخصوص فهم: لماذا يمكن للجماعة أن تشكّل حافزاً للإبداعية؟ أ- الجماعة تفضل التغيير: في تجربة شهيرة قارن لوين (١٩٦٥,١٩٤٧: K. Lauin) الآثار الخاصة لمحاضرة مقابل نقاش جماعة حول تحوُّل العادات الغذائية المنزلية الأمريكية تحولاً يتمثل في استهلاك السُلابة [٦] عوضاً عن اللحم. وفي مقام أول استمعت جماعة من النساء إلى محاضرة هامة ألقيت من طرف مختص يؤكد فيها الامتيازات الغذائية والاقتصادية للسُلابة، عن طريق عرض وجبات مناسبة ... إلخ. وفي الحالة الثانية، وبعد عرض تمهيدي وجيز، دفعنا بربات البيوت إلى مناقشة المشكلة فيما بينهن. وفي كلتا الحالتين دامت التجربة ٤٥ دقيقة. وأُجري تحقيق في المنزل بعد أسبوع من التجربة أظهر أن ٣% فقط من ربات البيوت اللائي استمعن إلى المحاضرة استعملن السلابة مقابل ٣٢% من اللائي ناقشن هذه المسألة داخل الجماعة. على أن جميع التجارب المنجزة من طرف لوين، والتي تستعمل الوسائل نفسها اتخذت هذه النتيجة، سواء تعلق الأمر باستهلاك الحليب السائل أو الحليب المسحوق أو إعطاء زيت كبد سمك المورة للطفل. ولو أننا عوضنا العرض بنصيحة شخصية استغرقت نفس الوقت؛ فإن أثر الجماعة يظل مهيمناً بالنسبة للتغيير؛ فالوجود داخل الجماعة والتفاعل الاجتماعي والإدراكي يمكن أن يؤدي إلى انخفاض مقاومة التغيير عند الأفراد، ويساعد على ظهور سلوكيات جديدة يؤطرها الحس الجماعي [٧] . ب- الجماعة تفضل المخاطرة: أظهرت مجموعة من الأبحاث، بعد أعمال ولاش وكوجان (١٩٦٦: Wallach/Kogan) بأن الجماعة المكونة من أفراد ذوي آراء مختلفة والمناقشين لحالة معينة يختارون حلولاً أكثر مخاطرة من الأفراد المنسجمين في الجماعة نفسها. وازدياد المجازفة داخل الجماعة في بعض الحالات يشكل عاملاً ملائماً للإبداعية؛ فهي تسمح للجماعة باختيار حلول مثمرة على الأقل أو أصيلة؛ لأن فيها مجازفة [٨] . ج- عدم تجانس الجماعة وأثره في الإبداعية: إن التباين في الجماعة على صعيد المواقف والكفاءات يعد رصيداً جوهرياً؛ لأنه يسمح باحتكاك الآراء المختلفة [٩] والاستفادة من كفاءات الآخرين، ويعني عوامل تشجع الإبداعية. ولكن يمكن أن يكون أيضاً مصدراً للتوقف والصعوبات: كبح أو إعاقة أمام أفراد جماعة أكثر كفاءة، وتجميد التواصل بسبب صراعات المواقف ... إلخ. فالاختلاف [١٠] يشكل مصدراً كامناً للصراعات الاجتماعية الإدراكية. وأظهرت أبحاث هال وواتسون (١٩٧٠: Watson/ Holl) بأن التنافر داخل الجماعة يساعد على الإبداعية إذا أُخذت هذه الصراعات الاجتماعية - الإدراكية بعين الاعتبار وضُبطت حالتها. وقد جعل هذان الباحثان جماعة في وضع لحلّ المشكلة الآتية: أنتم ضمن طاقم من الفلكيين تعرّض لحادثة في القمر، ويجب عليكم الالتحاق بسفينة فضائية توجد على بعد ٣٠٠ كيلو متراً على القمر؛ فالسفر طويل وصعب، ويجب عليكم اختيار المواد التي ستحملونها معكم، والتي سوف تسهل عليكم بلوغ الهدف. وكل فرد رتّب ١٥ مادة لحملها. وهذا العمل أُنجز داخل الجماعة، وينبغي أن ينتهي إلى نظام واحد. ومن ها هنا تم تحديد شرطين تجريبيين: فالتعليمات تدعو الأفراد إلى توضيح آرائهم المختلفة ومناقشتها، أو عدم تحديد أي شيء؛ وتُظهر النتائج بوضوح بأن أخذ الجماعة للاختلاف بعين الاعتبار يؤدي من جهة إلى نتائج مرضية عامة، ومن جهة أخرى يؤدي إلى اكتشاف أفكار جديدة وأصيلة تتعلق باستعمال المواد [١١] . وهذه النتائج تؤكد النتائج القديمة (لتريانيز) المتعلقة بالإبداعية الثنائية التكاملية: تباين المواقف والكفاءات لعنصرين في تفاعل لا تساعد على الوصول إلى نتائج مرضية [١٢] . وعلى العكس من ذلك، ففي حالات تجريبية تلقى فيها عناصر ثنائية متكاملة مسبقاً: «تدريباً للاتصال مع الآخرين» ؛ فالأزواج المتباينين [١٣] هم الأكثر إبداعية. ويمكن القول (عند تريانديز: Triandis) ، إنه حينما يتقلص الضغط المرتبط بتباين الجماعة - مثلاً - بفضل التعلّم أو الاتصال والاحتكاك؛ فالآثار الإيجابية لهذا التباين يمكن أن تتطور وتؤدّي إلى إبداعية عالية. وهذا التحليل يكشف أهمية بعض أنواع الزعامة (Leodership) وضرورتها، أو الحيوية في الجماعات الإبداعية المركزة على ضبط وتدشين مناخ ترابطي إيجابي. (وسنعود إلى هذه النقطة) . وأكمل كولاروس وأندرسون (١٩٦٩: Andernon, Collaros) هذه النتائج بإظهار أن التباين الحقيقي والتباين الشكلي ليس هما الأساس. وبدراستهما لجماعات «تحفيز الإبداع» [١٤] : وضعا ثلاث حالات تجريبية: - في الأولى يجب على الفرد أن يفكر في أن الأعضاء الثلاثة الآخرين في الجماعة خبراء في «تحفيز الإبداع» . - في الثانية: واحد فقط من الأعضاء خبير. - في الثالثة: لا يوجد أي خبير [١٥] . لكن في الحقيقة فإن الجماعة متطابقة في الحالات الثلاث؛ بمعنى أنها مكوّنة من أفراد سُذَّج بدون تجربة. وحينئذ، فإن تبيان عدم تجانس الجماعة هو الذي تم التلاعب فيه. على أن إبراز الجماعة بهذا الشكل يؤدي إلى اختلافات جوهرية: فالجماعات المتجانسة [١٦] تطوّر إبداعية عالية أكثر من غيرها، وتكوِّن عن نفسها- من خلال مناخ اجتماعي مؤثر - صورة إيجابية، بينما يؤدي الخوف الوهمي في الحالات السابقة من حكم واحد أو مجموعة من الخبراء على أفراد الجماعة إلى تراجع أو كبح في إنتاج الأفكار وخاصة الأفكار الجديدة والأصيلة. وهذا النوع من الأبحاث يؤكد على أن الصورة التي تكوّنها الجماعة عن نفسها هي بُعْدٌ رئيسٌ في حركيتها وحيويتها. ولهذا فالأبعاد الرمزية لوضع الجماعة تشكل- في رأينا - أحد الموضوعات الجديدة والمركزية للأبحاث حول إبداعية الجماعات. أسلوب الزعامة والإبداعية: أشرنا في الفقرة السابقة إلى أخذ الصعوبات الاجتماعية الشعورية المرتبطة بعدم تجانس الجماعة بعين الاعتبار؛ فدور الزعيم يجب أن يكون حاسماً في نشاطها وإبداعيتها. وفي هذا الصدد خصص لوين ومساعدوه أبحاثاً عديدة لهذا الموضوع الذي سوف نحاول بطريقة موجزة تلخيصه. فهؤلاء الباحثون أنجزوا دراستهم خلال الفترة (١٩٣٩ - ١٩٤٠م) حول جماعات من الأطفال الأمريكيين تصل أعمارهم إلى ١٢ سنة يرتادون نوادي للترفيه. والملاحظات تعم فترات طويلة (عدداً من الأسابيع) وهدفها دراسة العلاقات بين أنواع القيادات وظاهرة الجماعة. وتمّ تعريف ثلاثة أنواع من الزعامات ستناسب تصرفات الشخص المسؤول عن الجماعة: أ- الزعيم المستبدّ: فالقرارات المتعلقة بالعمل وتنظيم الجماعة تصدر عن المسؤول وحده، بطريقة موازية لتطور الأنشطة.. والقرارات ليست مسوَّغة، ولا واضحة بالنسبة للإصلاح. ومعايير تقييم الزعيم ليست معروفة، وأخيراً يبقى بعيداً عن الاندماج في محيط الجماعة، ولا يتدخل إلا لإصدار الأوامر أو للتنظير في حالة الصعوبة [١٧] . ب- الزعيم الشوري: فالقرارات ناتجة عن المناقشات التي يطرحها الزعيم، وهي تأخذ بعين الاعتبار رأي الجماعة. كما أنها مترابطة بالنسبة للإصلاح. وكل مرحلة تُحدَّد بوضوح ودقة، والزعيم يوضح الأحكام الخاصة به ويسوِّغها. وعندما يطرح مشكلة، يقترح مجموعة من الحلول تختارالجماعة أحدها. ودون المساهمة الكبيرة في توجيه الأنشطة، فإنه يضطر للاندماج في حياة الجماعة [١٨] . ج- الزعيم الاسمي: بعد تحديد الوسائل والأدوات التي تتوفر عليها الجماعة؛ فالزعيم يتصرف تصرفاً سلبياً، والجماعة تتمتع بحرية تامة مع العلم أنها يمكنها اللجوء إلى المسؤول. وهذا الأخير لا يحكم ولا يقيّم؛ فوجوده يعتبر ودّياً ولا يتدخل إلا بعد الطلب، ويتخذ قليلاً من المبادرات. وتُظهر النتائج المتوصّل إليها: أن نوع زعيم الجماعة يحدّد مجموع سلوكها الانفصالي والاجتماعي والإدراكي. وهكذا ففي الجماعات ذات القيادة السلطوية (المستبدة) يهيمن الخمول أو العنف؛ فالمناخ الاجتماعي الشعوري هو مناخ سيئ، والالتحام ضعيف بين أفراد الجماعة، والتوترات الداخلية تساعد على ظهور مجموعات صغرى. وبما أن العنف لا يمكن أن يوجه ضد المسؤول فيوجّه ضد بعض أعضاء الجماعة أو نحو الخارج، مع ظهور ضحايا. وفيما يتعلّق بالعمل يلاحظ أنه بوجود الزعيم تكون نتيجته جيدة، وهي عالية بالمقارنة مع الجماعات الشورية، ولكنها مطبوعة بالتماثل أو التشابه القوي والاختلافات بين الأفراد جد ضعيفة. ولكن بغياب الزعيم ينهار الإنتاج، وتتخلى الجماعة عن أي مسؤولية أو مبادرة. وفي الجماعات ذات القيادة الشورية فالنتيجة مرتفعة ومستقرة، وحتى بعد مغادرة الزعيم للجماعة. وهذا الوضع يساعد على التعبير عن الاختلافات الفردية. وهكذا فالمنتوج من نوعية ممتازة، ولكنه أقلّ انتظاماً من الوضعية المستبدة. ورضا عناصر الجماعة يكون مرتفعاً، والمناخ الاجتماعي - الشعوري إيجابي، كما أن الالتحام قوي. فهذه الجماعات تستطيع أن تصمد أكثر من غيرها لمحاولات التقسيم الخارجية، كما أن العنف تجاه المسؤول يمكن التعبير عنه بطريقة مباشرة، ولا يؤدي إلى توترات داخلية بين أفراد الجماعة، كما هو الحال في المثال السابق. وفي الجماعات ذات القيادة «ذره يفعل» [١٩] ، فالنتيجة جدّ سيئة، دون أن يكون لحضور الزعيم أو غيابه دور خاص [٢٠] ؛ فهذه الجماعات يمكن وصفها بأنها نشيطة وغير منتجة؛ فالمناخ الاجتماعي الانفعالي للجماعة جدّ سيئ، وكذلك الالتحام ومستوى الرضا. وكما هو الحال في الجماعات السلطوية يظهر العنف تجاه الآخرين، وفي اتجاه الخارج، ويوجد ضحايا. وعرفت أبحاث (لوين: Lewin) وفريقه نجاحاً كبيراً في علم النفس الاجتماعي، وفي علم النفس الصناعي للأهمية الفعلية للإشكالية المدروسة؛ فلم توضح بأن نوع كذا من القيادة هو أفضل من نوع كذا، ولكن بيّنت بأن كل نوع من القيادة ينتج مناخاً اجتماعياً خاصاً ونتيجة معيّنة. ويظهر بوضوح أنه إذا كان هدف الجماعة هو الإبداعية فالقيادة الشورية هي الأكثر إنتاجاً وعطاءً؛ فهي بدون عرقلة الإنتاجية تسمح باستعمال وجهات النظر المختلفة عن طريق التعبير أولاً، ثم اتخاذ خطوة موحدة تفترض مناخاً إيجابياً. والأشكال الواقعية لهذا النوع من القيادات تمليها ضغوط المحيط الاجتماعي. على أن تطوير الإبداعية لدى جماعة تفترض على أية حال تعويض مفهوم السلطة والزعيم بالمنشط والمنظم. أقلية نشيطة وإبداعية الجماعات: رأينا بواسطة لوين خاصة: أن الجماعة يمكن أن تكون الركيزة أو المعبر للتحول، ولكنها أيضاً - كما أظهرتها الأبحاث فيما يتصل بالتأثير الاجتماعي - وسيلة خطيرة للامتثالية [٢١] والخضوع وإفقار الأفكار، والحدّ من الإبداعية لصالح قوانين وسلوكيات غالبة [٢٢] والأفراد غير الممتثلين ليس لهم إلا الاختيار بين الخضوع أو الخروج عن المألوف [٢٣] . وبفضل أعمال موسكوفيسي (Moscovici) يتبيّن أن الأقلية لها أهمية كبيرة؛ وأظهرت الدراسات الحديثة في علم النفس الاجتماعي أن وجود أقلية داخل جماعة يعتبر عنصراً مساعداً على التجديد والابتكار؛ لأنه يساعد على تجاوز قوانين الجماعة وعاداته [٢٤] . وإذا أحدثت الأغلبية تغييراً بتبني وجهة نظرها الخاصة [٢٥] ، فالأقلية بدورها تطلق سيرورة للتأثير أقل وضوحاً، ولكن تؤدي إلى ظهور أفكار جديدة ومتنوعة تساعد على الإبداعية. ويحمل بحث حديث لنميت وواشتلر جواباً لهذه الإشكالة. والفرضية العامة للكاتبين يمكن صياغتها على النحو الآتي: أفراد جماعة يكونون أكثر إبداعية إذا كانت فيهم أقلية ذات تكوين قوي ومتماسك. فديناميكية الأقلية وحركيتها وقوتها تدفع الأفراد إلى التساؤل عن مواقعهم، وتساعدهم على تناول جوانب أخرى من الواقع، وإيجاد حلول جديدة ومختلفة. والنتائج المتحصّل عليها بعد الاختيارات تُظهر: * أن الأفراد يتبعون رأي الأغلبية أكثر من اتباعهم رأي الأقلية [٢٦] . * أن الأفراد الذين يشكلون أغلبية في مواجهة أقلية يعطون عدداً مرتفعاً من الأجوبة الجديدة الصحيحة أكثر من الذين هم أقلية في مواجهة أغلبية [٢٧] . كما أظهرت النتائج أن تأثير الأغلبية وتأثير الأقلية يرتكز على سيرورتين مختلفتين: ١- أن الأغلبية جدّ فعّالة لجرّ الأفراد نحو الحلول التي تقترحها، بمعنى نحو امتثالية قارة [٢٨] . وعلى العكس، إذا كانت الأقلية تدفع أقل نحو هذا النوع من السلوك فإنها تساعد الأفراد على اللامركزية، وعلى تحليل يأخذ بعين الاعتبار العناصر المقترحة التي تعين على إنتاج حلول جديدة ومبتكرة غالباً ما تكون صحيحة. ٢- أن وجود جماعة ذات أقلية نشيطة وقوية يمكن اعتبارها عاملاً مساعداً على الإبداعية. وهذه النتيجة تعين على توضيح النتائج المتحصَّل عليها من طرف (موسكوفيسي، ولاج) التي تبين أن تأثير الأقلية هو جدّ قوي في محيط تكون قاعدته هو البحث عن الأصالة واكتشاف الجديد.

стр. 3653

المنتدى هل أوضح الدعاة وأدركت أمتنا ؟ د. مهدي قاضي يجب أن تدرك الأمة أن دعم المسلمين الذين يتعرضون للمذابح والتشريد بالمساعدات المالية والدعاء على الرغم من أهميته ووجوبه والحاجة إليه وضرورة المبادرة إليه إلا أنه في الحقيقة حل وقتي وجزئي لا يوقف المآسي ولا يحلها تماماً؛ وإن انتهت مأساة فستظهر أخرى؛ لأن الداء الحقيقي مستمر وهو ضعف الأمة وذلها وهوانها وعجزها عن حماية أبنائها. والذي يحدث نتيجة بُعد الأمة عن الالتزام التام بأوامر ربها. قال ﷺ في الحديث الصحيح عن ابن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني. وقال أيضاً في الحديث الحسن عن ثوبان: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: قلنا: يا رسول الله! أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل» الحديث ... أخرجه أحمد وأبو داود. ومذابح أمتنا ومآسيها في العصر الحديث مستمرة منذ عشرات السنين منها ما عرفناه ومنها ما لم نعرفه، ويجب أن يشعر المسلمون أنهم مسؤولون عن استمرار مآسي الأمة من هذا الجانب؛ لأنهم بتقصيرهم واستمرارهم في الذنوب وتركهم الجد في الدعوة إلى الله والإصلاح يكونون سبباً في ضعف الأمة، ومن ثم يكونون سبباً في عجز الأمة عن حماية أبنائها؛ ووضع حل جذري لهذه المآسي وبذلك يكونون - بتقصيرهم - من أسباب استمرار مذابح المسلمين. وما يحز في النفس أكثر هو أن الكثير من الخطباء والمحاضرين والكتاب والشعراء والدعاة عموماً لا يقومون في خطبهم ودعائهم وتوجيهاتهم عند الحديث عن مآسي المسلمين بتذكير الناس بهذا الجانب الهام بالشكل الواضح والكافي والمؤثر الذي يشعر كل فرد مسلم بمسؤوليته هو في نفسه في تحقيق هذا الواجب؛ مع أن هذا - كما ذكر سابقاً - هو الحل الحقيقي الجذري للمآسي. وبغض النظر عن أنه الحل الأهم فإنها فرصة للدعاة لتذكير الناس بالعودة إلى الله من هذا الجانب؛ وهذا من قبيل المفهوم التربوي (التربية بالأحداث) . ومن الخسارة ألا تستغل هذه الفرصة لتذكير الناس بالهدف الحقيقي الذي تطمح إليه الأمة وهو عودة المسلمين إلى الالتزام التام بدينهم والذي به - بإذن الله - يتحقق للأمة نصرها وتمكينها في الأرض. وبعبارة أخرى نقول للدعاة بأنه يجب علينا ألا نعالج الأعراض فقط وننسى المرض الحقيقي للأمة حتى ولو كانت الأعراض شديدة وحادة في بعض الأحيان. يا أمة الحق إن الجرح متسع ... فهل تُرى من نزيف الجرح نعتبر؟ ماذا سوى عودة لله صادقة ... عسى تغير هذي الحال والصور! إن الحل لمآسي أمتنا يمكن تلخيصه في كلمتين: (عودة، ودعوة) . أي عودة كل فرد في الأمة إلى تطبيق الدين والالتزام التام بأوامره، ودعوته غيره إلى ذلك. ويا ليت أن تصبح هاتان الكلمتان شعاراً لطريق الحل لإنقاذ أمتنا، وأن تكون رمزاً تتذاكر الأمة به لكي لا تنسى ذلك، ولكي تسرع للطريق الحقيقي الموصل للنجاة والعزة والكرامة.

стр. 3654

المنتدى الجمال جمال النفس بدون رتوش هدى بنت فهد المعجل إلى متى تركضين إلى الوراء..؟ سؤال جذاب.. إلاَّ أن إحداهن تقول: لن يجذبني هذا السؤال إلا إذا مارس الرجل عملية الرجوع إلى الأمام. تحدٍّ فاضح.. تفضح به مثيلاتها..! ! إحداهن تُرى عيناها حيناً عسليتين، وحيناً سوداوين، وأحياناً زرقاوين.. فهل لديها عمى ألوان..؟ عندما نرى بعض الوجوه النسائية نتساءل: لو أن المرأة بيدها اختيار شكلها وهيئتها.. فأي شكل وأي هيئة تختار؟ وتقف أمام المرآة مؤكدة المقولة المأثورة: (ثروات الأرض تكفي جميع البشر لكنها لا ترضي أطماعهم) . أحياناً تضطرك الظروف أن تقومي بزيارة لا ترغبينها.. إذا كنت ممن لا يركضن إلى الوراء.. فمن أرغمك على زيارتهم، فمجتمعهم وأفكارهم بعيدة كلية عن مجتمعك وأفكارك.. لكن والدتها تقول: لا بد أن تذهبي معنا.. وإرضاءً لرغبة الوالدة.. وحتى لا تُنعتي بالانطواء والتكبر تذهبين. وما أن يدور رحى الحديث حتى تشعري بمدى ضآلتك الثقافية الفنية قياساً بأفكارهن.. ف (الروميل) هذا لا يناسب عينَيْ فلانة؛ لأن عينيها واسعتان، وزاد (الروميل) من سعتهما.. هكذا يقولون.. وأنت تتساءلين في نفسك: وما هو (الروميل) ؟ إحداهن تقول: أشعر بـ (حكة) في بشرة وجهي.. فقالت إحدى الجالسات: أنت تستعملين الطبقة السابعة وربما لا تناسبك.. جربي الطبقة الثالثة. تحدقين في وجه تلك القابعة بجانبك تريدين (عد) كم طبقة على وجهها.. فترمقك بنظرة وتسألك: أي الطبقات تناسب بشرتك..؟ ! * مأزق.. هاوية.. كيف لك انتشال نفسك منها..؟ * أي قصّات الشعر تعتقدين أنها تناسب وجهي..؟ ! بهذا التساؤل انتشلتك إحداهن مما أنت فيه..! ! الجميع يتحدثن وأنت صامتة.. حسناً الآن هن سكوت.. فتحت فمك لتتحدثي. * قلتِ: من قرأ منكن ما طرح في الصحافة من آراء حول قضية..؟ وقبل أن تكملي قطعت تلك الجالسة أمامك حديثك متسائلة: * لا أدري هل أتت صاحبة المشغل.. فأنا مدعوة إلى حفلة صديقة أختي بعد شهرين، وفستاني الذي خيط قبل أربعة أشهر شاهدوه، وأريد تفصيل فستان سهرة آخر. بعد أن قطعت تلك حديثك أدركت أنه لا مجال لك بينهن، وليقلن عنك ما يقلن. هذه جلسة واحدة من جلسات عدة، وبعضهن لا يجدن لهن مكاناً وسطها. تمارسين الركض إلى الوراء هل لأجل الرجل فقط.. لإرضائه..؟ ربما.. ولكن في الغالب لا.. بل تمشياً مع الحضارة التي خدعت بها.. فهذا (كريم) لإزالة التجاعيد تقرئين عنه فتسارعين إلى أفخم محلات التجميل وخوفاً من أن تنفد الكمية تقتنين علبتين، ولا أهمية للسعر؛ وما أن تضعي لمسة منه على وجهك وبعد دقائق (يلتهب) وجهك.. فتتجهين رأساً إلى الثلاجة وتأخذين قارورة ماء بارد جداً تسكبينه على وجهك ليطفئ اللهيب.. فيأتيك السؤال: هل جهلت أن ما يناسب بشرة فلانة قد لا يناسب بشرتك؟ ثم ما هو دور الطبيب..؟ ! تركضين وتركض من خلفك زميلاتك.. فمن يسبق أولاً..؟ ! بل لماذا الركض المحموم..؟ ! هل لتتشبثي بالرجل أكبر فترة ممكنة..؟ ! من قال إن ركضك هذا يمكِّنك من التشبث بقلب الرجل.. بل إن الرجل الذي يطلب زوجة تكون حقل تجارب لجميع أنواع المساحيق.. ليس أهلاً للزوجية ولا لتكوين أسرة.. نعم! الله جميل يحب الجمال.. ولكنه حذّر من المغالاة والمبالغة في كل شيء ومن ضمن ذلك التجمّل.. وجِّهي عينيك إلى الأمام لتري أن قدميك قد استدارتا جهة الخلف ومارستا الركض المحموم إلى الوراء.. بل بينهما وبين حافة الهاوية أشبار قليلة.

стр. 3655

المنتدى تعقيب على تعقيب مشبب القحطاني اطلعت على التعقيب المقدم من الأخ الكريم (عبد الله بن علي الحمدان) في العدد (١٥٣) ص (١٤٠) حول ملاحظته على ما ورد في الشطر الأول من البيت العاشر من قصيدة (من البلقان إلى الشيشان) في العدد (١٥١) حول جملة (يا رحمة الله! هل في الأمر من فرج؟ ... ) وأود هنا إيضاح اللبس الذي وقع فيه الأخ الكريم: أولاّ: أشكر للأخ غيرته على حماية جانب التوحيد وحرصه على بيان الحق كما كان يطمح إليه، وأوصيه بعدم الاعتماد على النقل دون التتبع عن موافقة المقول للمنقول حتى لا يسيء الظنّ بإخوانه، وتختلط عليه الأمور كما حصل. ثانياً: يتبيّن من سياق البيت الشعري أن الأمر لا يقتضي الدّعاء مطلقاً ولا ما يترتب عليه من كفر كما أورد مما استند عليه (عياذاً بالله) فلم أقل: (يا رحمة الله أنقذينا. أو ما شابه ذلك من لوازم الدعاء وأساليبه التي لا تخفى) وسياق الكلام كما ورد في المطبوعة بيّن أن النداء بالصفة إضافة إلى الموصوف متبوع بأداتي استفهام وعلامته في الشطرين، وليس الشطر الأول فقط كما ذكر. وليس في هذا الأسلوب حرج شرعي ولا لفظي ولو سأل الأخ قبل التهمة والنقل لكان أوْلى وهو من باب حسن الظنّ بأخيه المسلم.

стр. 3656

المنتدى عجائب الزمان (مستجدات العصر الفكرية) حسين عبد الرحمن عقيل عجائب الدهر لا تفنى وإن ظهرت ... لنا عجائبُ قلنا ما الذي بعدُ حتى نفيء لأمرِ الله في عرضٍ ... ويُفرَقُ الجمعُ ذا بؤسٌ وذا سعدُ إن من مستجدات عصرنا الفكرية، وما ظهر في أعمارنا الزمنية ما يسمى بالحداثةِ والعلمانية - وما ظهر مؤخراً بما يسمى بالنظام العالمي الجديد (وهو ما يدعى بالعولمة) . عجَّت بنا من ديار الغرب عولمةٌ ... طريقة الغاب، لا شرع ولا ذِممُ الناس أسرى لديها في مَخِيلَتِها ... تَغطُّ ناساً وتُرْقِي مَنْ ترى القِمَمُ إنها مسميات لامعةٌ وبراقة ولكنها من معدنٍ سرعان ما تصدأ ذراته فتترك خبثها في واحة فكرنا النقي، فيتكون لدينا مركبات فكرية ذات روابط عقدية معقدة التركيب؛ وذلك لطمس معالم مادة شرعنا ونهجنا القويم وتصبح مادةً تتفاعل مع كل جديد من مستجدات العصر. لذا فإن على الأمة الإسلامية مجابهة هذه التغيرات بكل ما تملكه من وسائل التصدي لها، وليكن لكل مثقف وكاتب وواعظ وأديب دوره الفعَّال نحو هذه التغيرات الفكرية بالكلمة الناصحة الناجعة لتبين مخاطرها، وتظهر مهالكها فيجبُ على الكاتب ألاَّ يجفَّ قلمه أمامها، والشاعرِ ألاَّ تمحل واحة شعره، والواعظِ ألاَّ يَقِلَّ عطاؤهُ. كلٌ بما منحه الله من هبةٍ يجودُ بها على دينه وأمته لكي نحيا حياةً آمنةً مطمئنة، ونعبدَ الله على بينةٍ من أمرنا.

стр. 3657

المنتدى التثبت أولاً ثم الانطلاق عادل الدوسري لما وصل عقبة بن نافع إلى البحر المتوسط ثم انطلق حتى وصل إلى المحيط الأطلسي دخل في البحر وقال قولته العظيمة: «والله لو أني أعلم أن وراءك قوماً لا يؤمنون بالله لخضتك إليهم» . لكن عقبة حينما وصل إلى المحيط الأطلسي ما كان هناك أحد يحمي ظهره، ولما أراد العودة إلى القيروان وأراد التراجع، هاجمه البربر وثاروا عليه وقتلوه في الطريق، فقال موسى بن نصير لما سمع القصة: ﵀، كيف ينطلق ولم يحمِ ظهره؟ أما كان معه رجل رشيد؟ إذاً لا بد من الانطلاق من قاعدة قوية؛ ولذلك تدخل هذه الاستراتيجية في أغلب الأمور؛ فهاهم حفاظ كتاب الله ينصحون أن تكون البداية بالسهل، ثم الصعود مع التثبت والمراجعة، بل أول ما نزل القرآن لم ينزل جملة واحدة؛ بل بالتدرج. قال الله - تعالى -: [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً] (الفرقان: ٣٢) وقد ذكر العلماء من حكمة نزول القرآن منجماً: تثبيت فؤاد النبي ﷺ ، وأيضاً: تيسير حفظه وفهمه. يقول الدكتور مناع القطان ﵀: «فما كان للأمة الأمية أن تحفظ القرآن كله بيسر لو نزل جملة واحدة، وأن تفهم معانيه وتتدبر آياته؛ فكان نزوله مفرقاً خير عون لها على حفظه في صدورها وفهم آياته [١] . إن من الضروري عدم الاندفاع بقوة لغالب الأعمال لكي لا يضيع جهد الإنسان. يقول صاحب كتاب الهمة العالية:» فتجد من الناس من يقبل على عمل من الأعمال باندفاع زائد، ونشاط خارج عن طوره، فيكلف نفسه من المهام ما ينوء بحمله وما لا تطيقه نفسه، وما هي إلا مدة وتني همته وتنثني عزمته « [٢] . الكثير يتمنى الوصول إلى ما يريد بأسرع ما يمكن، وهنا موقع الزلل والخطر؛ فإن الهمة حين لا تكون متدرجة تنعكس على صاحبها. إن الصبر من مقومات التثبيت وأركانه؛ فمن ضيع الصبر ضاع ما أراده. يقول الشافعي ﵀: اصبر على الجفا من معلم ... فإن رسوب العلم في نفراته ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته» [٣] إن هذه القاعدة العظيمة لتدخل في أغلب أمورنا في الحياة؛ فلا فتوى بلا علم، ولا قول دون تجربة، ولا نجاح دون صبر؛ وكل هذه وغيرها لا تكون إلا من خلال الضبط والحفظ في الصدور.

стр. 3658

المنتدى ردود * الأخ: محمد أحمد سلامة: وصلتنا ملاحظاتك على مقال: «ماذا يحدث في السودان؟» ، وقد أرسلت الملاحظات لكاتب المقال للإفادة. وفقنا الله وإياك لكل خير. * الأخ: عبد الرحمن عيد العتيبي: أرسل يستفسر عن القضية التي أثيرت في البيان حول الخلاف بين الأستاذ جمال سلطان، ورفعت السعيد، وقد تم الصلح ودياً بين الطرفين.. وجزاكم الله خيراً. * الأخ: أبو معاذ الخالدي: نشكر لك كلامك الطيب، كما نشكر لك ملاحظتك على ملف التنصير حول كلمة «التبشير» جعلنا الله وإياك من المتواصين على البر والتقوى. * الشيخ: خميس بن عاشور: نرجو التكرم بإفادتنا بعنوان بريدي آخر يمكننا التواصل معكم من خلاله؛ حيث إن العنوان المرسل من قبلكم على جامعة الأمير عبد القادر أرسلنا لكم عليه رسالةً، وأعيدت لنا مرة أخرى. بارك الله فيكم. * الأخ: أحمد مرحوم: وصلتنا مقالتكم: «إعجاز (ق) » ونعتذر عن نشر المقال لغلوها في المسلك العلمي التجريبي، وهو منحى خطير في التفسير ونوصيكم بقراءة كتاب اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر لفهد الرومي. * الأخت: سارة بنت عبد الله: سبق أن كتبنا في هذه الصفحة طلباً للأخت علياء بنت عبد الله لإفادتنا بعنوانها كي نوافيك به، ولكن حتى الآن لم يصلنا أي رد. * الأخ: ناصر بن محمد المكاوي، والأخت: أمل القصيبي: نشكر لكما تواصلكما الكريم، ونفيدكما بأن مشاركاتكما ستنشر إن شاء الله. * الإخوة: سالم فرج سعد، طلال بن علي الجابري، عبد الله العزام: سعدنا بتواصلكم الكريم مع المجلة، ومشاركاتكم سوف تنشر في المنتدى إن شاء الله. * الإخوة: حمزة الفرائضي، خالد الربيعة، عبد الخالق القحطاني، علي سليمان البذيخي، عشابي هشام، محمد علي شماخ، أنور عيسى أحمد، فهد أحمد الأسطا، محمد جلال، حسين سالم القحطاني، الحسن محمد ماديك، علي بحري اليامي، فارس الحسون: نشكر لكم حرصكم الطيب على التواصل مع مجلتكم، ونتمنى دوام التواصل، مع تمنياتنا بالتوفيق في مشاركات قادمة.

стр. 3659

المنتدى صرخة فهد بن علي العبودي مَرْآكِ هَدَّ قوَائمي وجَنَاني ... وقضى بصمتِ فَمي وعَقْدِ لساني مَرْآكِ يا شيشان أَسبَلَ أَدْمُعي ... من مُقْلَتيَّ فَأَلْهَبَتْ أجفاني مَرْآكِ يا شيشان زَادَ مواجعي ... لمَّا اسْتَقَرَّ بخافقي أدْمَاني ماذا أقول؟ وكيف أروي ما أرى ... شِعراَ؟ وقد قَصُرَتْ حروفٌ بياني أنا لا أبثُّ مشاعري بقصِيدتي ... لكن أبثُ مشاعر الأكوان أبصرتُ أهْلَكِ - والمآسي جمّةٌ - ... ما بين مقتولٍ وبين مُهانِ ما بين أَرْمَلةِ تَنوحُ وطفلةٍ ... تبكي وشيخٍ من أساهْ يُعاني بالله ما للقوم لم يستيقظوا؟ ... فكأنهم خُلِقوا بلا آذان أَوَ مَا دَرَوا عمّا أصابك؟ ويحهم ... أم أنهم قد أطرقوا بهوانِ قولي لِمنْ تَرَكوكِ في أيدي العِدا: ... يا قومُ! أين أُخُوَّةُ الإيمانِ؟ يا أُمّةَ الإسلام لستِ ضعيفةً ... لكن أُصِبْتِ بغفلةٍ وَتوَانِي شيشان يا أرضَ البطولةِ والفدا ... لا تقنطي من رحمةِ الرحمنِ سَيُعِزُّكِ الرحمنُ رَغْمَ جيوشهم ... وَعتادهم؛ فالعزُ للتوحيد والشيشانِ

стр. 3660

الورقة الأخيرة الدعاة والقناعة الخفية محمد يحيى مفرح الداعية إلى الله هو الوسيلة الأولى التي تزيد بها أعداد المتوجهين إلى الله - تعالى - في كل زمان ومكان، ومع تزايد الوسائل الدعوية (أشرطة، وكتب، وتجمعات تربوية، وهيئات خيرية) أرى أنه قد بدأت تترسخ قناعة لا يصرح بها الكثير من أصحابها، ولا إخالهم يريدونها على حقيقتها، ومفاد هذه القناعة الداخلية: أن هذه الوسائل تسد خللاً، وتجبر كسراً يغني في أحيان كثيرة عن أشخاص الدعاة واستمرار عملهم مع ذات المدعو، وتنعكس هذه القناعة المترسخة في نفوس بعضهم لتبرز آثارها عليهم في بعض المظاهر الآتية: ١ - الاكتفاء بإيصال الوسيلة السهلة إلى المدعو مع الحرص قدر الإمكان على جعله يستفيد منها (كاستماع شريط يدعو إلى الالتزام، أو يثير الجوانب الإيمانية في نفس المدعو) ، واعتقاد أن الحجة قد قامت على هذا المدعو، والجهد قد بلغ حده معه مما يستلزم الاهتمام بغيره من المدعوين، ويكون معيار النجاح هنا هو القدرة على إيصال الوسيلة إلى هذا المدعو. وهذا ولا شك فيه قصور واضح يبدو جلياً حينما يقدم الداعية هذه الوسائل السهلة على اتصاله المباشر بشخص المدعو الذي قد يكون بأمسِّ الحاجة إلى من يتفهم نفسيته ويقدم له ما يخص حالته بالذات. ٢ - تصور أن مجرد احتواء المدعو في جماعةٍ مَّا هو غاية الوسائل التي يمكن أن يسعى إليها الداعية والتي تؤدي إلى النقلة المطلوبة في نفس المدعو وسلوكه (مثل ضمه إلى النشاط الذي يشرف عليه بعض الأخيار ضمن دائرة المدرسة أو الحي) ، ثم ينصرف الداعية بعد ذلك لتكثير العدد بضم أناس آخرين، وهذا الداعية - إن لم يكن في الوسط من يتابع المدعوين غيره - يقع في القصور من النواحي الآتية: أولاً: عدم متابعة المدعو فردياً ليمكن تربيته بالشكل الصحيح، والاعتماد على قدرته في الانسجام مع الجماعة، أو قدرة الوسط على احتوائه ويكون هذا هو معيار النجاح. ثانياً: ربط التزام هذا الشخص بجماعة معينة وليس بمنهج أصيل ومبدأ راسخ، وهذا تتمثل خطورته في أن المدعو قد يفقد جوهر الالتزام بالدين عند مفارقته لهذه الجماعة لأي سبب كان، كما أنه سوف يحاكم الناس كلهم من خلال قيم هذه الجماعة وأفكارها ومنهجها، وربما كان هذا سبب كثير من الفرقة والخلاف. ثالثاً: تغليب جوانب التربية الجماعية والاعتماد عليها أكثر من الجوانب المهمة في التربية الذاتية مما قد ينتج عنه التزام بلا جدية وهو مشاهد ملموس. ٣ - الظن بأن مجرد انخراط المدعو في عمل خيريٍّ مَّا كفيل بقلب موازين مفاهيمه وإصلاح حاله (مثل من يثير أهمية العمل للدين في نفس المدعو لينقله مباشرة للقيام بأعباء الدعوة من منطلق البلاغ فقط، أو من يجعله ينطلق في مجال جمع التبرعات والاهتمام بالفقراء والأيتام ونحو ذلك) ويكتفي بذلك، ثم ينطلق إلى غيره ليحثه على الانخراط في عمل خيري وهكذا، ويكون معيار النجاح عنده قدرته على استثارة كل فرد وتوجيهه للعمل الخيري الذي يناسبه. وهذا ولا شك قصوره واضح في عدم تأسيس هؤلاء على القواعد الراسية العلمية والإيمانية أولاً قبل الزج بهم في أعباء هذه الأعمال وزخمها ومشاكلها، ولذلك فإنه سريعاً ما يشاهد أحد هؤلاء المدعوين وقد خبت نار العاطفة التي أججها الداعية في نفسه، وانقطع عن العمل، وربما عاد بعد ذلك إلى أسوأ من حاله السابقة، دون أن يبالي الداعية بهذه النتائج في ظل فهمه لقول الله - تعالى -: [إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ] (الشورى: ٤٨) . وأعود لأقول إنه مع تزايد الوسائل الدعوية تبقى متابعة الداعية وتربيته واتصاله المباشر الدائم بالمدعو - في حدود الضوابط الشرعية للتربية بكل جوانبها - هي الوسيلة الأولى لنقله إلى الحياة الطيبة، كيف لا، والداعية هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تتفاعل مع شخص المدعو حرصاً ولطفاً وليناً وحكمة بل وغلظة أحياناً، وخاصة في فترات الصراع التي يواجهها أكثر المدعوين حين يفكرون ويشرعون في اتخاذ قرار النقلة؟ وأخيراً فإنني أرجو ألا يفهم من المقال أنه انتقاد للوسائل الدعوية أو دعوة لطرحها جانباً وعدم الاستفادة منها؛ فإن أثرها في الدعوة ملموس - بفضل الله - وأكبر من أن يُحصَر، والداعية المسدد هو من عرف كيف يستفيد منها بالشكل الأمثل. أسأل الله أن يوفق الجميع للقيام بواجب الدعوة على النحو الذي يرضيه - تعالى - ويقيم به الحجة، ويعين على انتشال الناس من حبائل الشيطان، والله تعالى أعلم.

стр. 3661

شعبان - ١٤٢١هـ نوفمبر - ٢٠٠٠م (السنة: ١٥)

стр. 3662

كلمة صغيرة استقبالهم لرمضان قال مدير البرامج بإحدى القنوات الفضائية في مقابلة صحفية: (نطمح أن تكون برامج رمضان لهذا العام مليئة بالجاذبية والإثارة والتنوع، نريد أن نستغل هذا الشهر الذي يرتفع فيه معدل المشاهدين بمقدار كبير لتقديم رسالتنا الإعلامية برؤية عصرية تناسب مرحلة العولمة الإعلامية والثقافية التي نشهدها) . لقد سخَّرت الفضائيات العربية شتى ألوان الفساد والانحلال، وراحت تنتج العهر والفجور، باسم التقدم والتحضر، سلعتها الرئيسة (المرأة الكاسية العارية، المائلة المميلة) ! ! ويزداد فجورهم في ليالي رمضان المباركة، وكأنهم أخذوا عهداً على أنفسهم أن يحطموا أثر الصيام في نفوس الضعفاء من الناس، ويهجموا بكل صلف وإسفاف على الكرامة والعفة، وتجد فيهم قوة وجلداً على نشر باطلهم والدعوة إليه. إن هذا التردي الإعلامي يجب أن يكون قوة دافعة لنا نحن معاشر الدعاة؛ لنواجه الباطل بكل أنفة واعتزاز، ونعدّ العدّة الشرعية الواجبة لدعوة الناس وتربيتهم على الآداب الفاضلة، فكيف تطيب نفوسنا ونحن نرى دعاة الرذيلة يسلبون أخلاقنا ويمسخون عقولنا؟ ! وشهر رمضان موسم فضيل تقبل فيه القلوب على الطاعات، ولكن الارتجال في إعداد الخطط الدعوية لن يُحقق النتائج التي نطمح إليها. لقد اعتاد كثير من الدعاة على توجيه الخطاب الدعوي لرواد المساجد خاصة وهذا حسن بلا شك، ولهم علينا حق كبير، ولكن شريحة كبيرة من فتيان الأمَّة وفتياتها ربما لم يسمعوا كثيراً من برامجنا وأنشطتنا، فهل فكرنا في طرائق الوصول إليهم؟ ! وهل قدمنا البرامج الجادة التي تشبع احتياجاتهم..؟ ! إن الوسائل المعتادة في الدعوة مهمة جداً لا يجوز أن نزدريها، أو نقلل من شأنها، ولكن هل فكرنا في وسائل أخرى تعطينا مزيداً من الانتشار والوصول إلى كافة شرائح الأمة؟ ! نحسب أن هذا تحدٍّ كبير يكشف بعض ملامح جديتنا ونضجنا في حمل هذه الرسالة الخالدة.

стр. 3663

الافتتاحية يخربون بيوتهم بأيديهم فوجئ الصحافيون الذين يتابعون اللقاء الذي عقد في السفارة الأمريكية في باريس بين باراك وعرفات وأولبرايت بخروج عرفات غاضباً، وركب سيارته وهو يردد: هذه إهانة لا يمكن السكوت عليها. وفوجئوا ثانية بأولبرايت تخرج راكضة من المبنى وتأمر الحرس بإغلاق البوابات لمنع سيارة عرفات من الخروج، وأعيد عرفات إلى مبنى السفارة بعد أن مسحت أولبرايت الإهانة بقُبَلٍ طبعتها على خده! والسؤال الملحُّ أنه إذا كان الاجتماع سيتم في السفارة الأمريكية فما الفرق بين واشنطن وباريس والقاهرة و.... .؟ وهل هدف تغيير الأماكن يتعدى استخدام زعماء هذه الدول في الضغط على الجانب الضعيف وإضعاف مقاومته؟ وأن ما يعجز عنه كلينتون في مخيم داود قد ينجح فيه شيراك في باريس أو حتى مبارك في القاهرة؟ لقد حرص اليهود منذ بداية ما يسمى بمفاوضات السلام على الإمساك بخيوط اللعبة جميعاً؛ وكان تخطيطهم محكماً بحق؛ فقد ركزوا على اختراق الخارجية الأمريكية، وتمكنوا من السيطرة على مراكز القرار فيها، وأصبح بأيديهم رسم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وإذا كانت أولبرايت اكتشفت ماضيها اليهودي متأخرة وعلمت به من الصحف؛ فإنها لم تستطع أن تخفي أن جُلَّ المحيطين بها هم من اليهود الطارئين على الخارجية؛ ومارتن إنديك ليس إلا واحداً منهم. لقد أصبح المفاوض الفلسطيني حين يقابل وزيرة الخارجية الأمريكية يجد نفسه بين يدي يهودية، وإذا زاره المنسق الأمريكي لعملية السلام فإذا به يهودي، وإذا ذهب إلى السفير الأمريكي لدى اليهود فإذا به أيضاً يهودي، ولا ندري هل ضباط المخابرات الأمريكية (A I C) الذين يتولون إدارة التنسيق الأمني يهود أم لا؟ لقد كان يعتقد اليهود أن محادثات كامب ديفيد ستكون نهاية المطاف؛ ولذلك كشفوا تصورهم للحل النهائي؛ فمشكلة اللاجئين سيتم حلها على حساب غيرهم؛ فكل دولة توطن الفلسطينيين المقيمين فيها، ومن يعود إلى فلسطين فسيعود إلى المناطق التي تديرها السلطة وليس إلى بيوتهم؛ أي أنهم سيبقون لاجئين، وأما المشكلة الأخرى وهي وضع القدس؛ فإن حلها في نظر اليهود سهل وبسيط؛ فقد قاموا بإطلاق اسم «القدس» على مناطق فلسطينية في ضواحي القدس، وشيدوا مبنى البرلمان الفلسطيني المنتظر، ولم ينسوا جَعْلَ مكتب عرفات يطل من بعيد على المسجد الأقصى، أما ما كان يسمى: (القدس) فقد أطلقوا عليه: (أورشليم) وبدأ التركيز الإعلامي يُشيع أن الحل المثالي هو قيام عاصمة لدولة «إسرائيل» اسمها: (أورشليم) وعاصمة لفلسطين تسمى: (القدس) ، ولتمرير هذا المخطط فقد أثيرت قضية السيادة على الحرم ومحاولة حصر النقاش حولها حتى ينسى الناس القدس بعد أن نسوا فلسطين وسلموا بحق اليهود في احتلالها. وكانت المماحكات المقصودة لا تنتهي؛ فقد اعترف اليهود بحق السيادة الفلسطينية على أرض الحرم مقابل حقهم في السيادة على ما تحت الحرم؛ لأنهم يدَّعون أن الهيكل يقع تحت الحرم. وأثيرت قضية مهمة جداً تمس السيادة الفلسطينية! ! ! ألا وهي أن الحرم محاط بمنطقة سيطرة يهودية؛ فكيف يدخل الفلسطيني إلى الحرم دون المرور على الأمن اليهودي؟ وكان أحد الاقتراحات الأمريكية أن يكون هناك ممر مغطى بالزجاج العاكس بحيث يمارس اليهود حقهم في مراقبة المصلين الذين يفدون إلى الحرم دون أن يروا الجنود اليهود خلف الزجاج! إن هذه الطروحات والمناقشات تهدف إلى صرف الأنظار عن أساس القضية، وإبراز الجزء بحيث يغطي على الكل. إن اللحظات الأخيرة الحاسمة كانت توحي بقرب التوقيع على صك الاستسلام النهائي على الرغم من تردد عرفات الذي كان يخشى على سلطته من ردة الفعل المتوقعة ولا يستبعد خوفه من التاريخ، وكانت الورقة الوحيدة التي كان يلوح بها هي إعلان الدولة الفلسطينية، والتي سرعان ما تراجع عن تحديد موعده، ولم يبق له شيء يساوم به؛ فقد أنجز بنجاح إحراق أوراقه والبركة في أجهزته الأمنية وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان، واختلطت الأوراق من جديد، وهدم اليهود في أيام معدودة ما بنوه في سنوات، وبقي على المسلمين استثمار كبوات العدو وعدم التفريط في هذه الفرص التي قد لا تتكرر، وتتميز الأحداث الأخيرة بحالة الارتباك التي يعاني منها اليهود سواء في دولة الإقامة أم دولة الحماية (أمريكا) . وإليك أخي القارئ أبرز ملامح ما يجري، وكيفية توظيف الحدث في مصلحة الأمة: أولاً: لقد قام شارون زعيم كتلة اللكيود بدخول ساحة المسجد الأقصى لإثبات سيادة اليهود على الحرم، وأنه الوحيد الذي لا يفرط في المطالب اليهودية، وكان برفقته قوات كبيرة من الأمن قدمتها له الحكومة. ثانياً: استعداد حكومة باراك لردة الفعل المحتملة عسكرياً وأمنياً، وكانت تهدف إلى كسر شوكة الفلسطينيين وكسب نقاط مهمة في المفاوضات. أما في حالة تفاقم الوضع فإن الثمن سيدفعه شارون ومن ورائه تكتل الليكود المعارض. ثالثاً: إن قيام الفلسطينيين بمواجهة اليهود بصدور عارية ومواجهة القوات اليهودية المدججة بالسلاح والمستعدة مسبقاً يدل على أن الأمة ما زالت حية، وأن الخير باق فيها إلى يوم القيامة، وأن من حق الفلسطينيين الحفاظ على تضحياتهم، واستثمار حالة التعاطف التي تعم العالم الإسلامي في القيام بأعمال إيجابية تخدم القضية، وفي مواجهة السيطرة اليهودية على مستوى العالم عامة وفي أمريكا خاصة. رابعاً: إن الإعلام سلاح أساسي في هذه المرحلة وله أكبر الأثر في تحريك الرأي العام ومن ثَمَّ التأثير على مواقف الحكومات، ويجب على المسلمين بناء آلتهم الإعلامية القادرة على التأثير وتوجيه الأحداث. إن صورة طفل صغير يُقتَل على يد اليهود بصورة بشعة قد ساهم في إحراج العدو وأذنابه، والسؤال هو: كم من المشاهد لم نستثمرها؟ وكم من التصريحات والممارسات التي لم نستغلها في إبراز صورة اليهود الحقيقية للعالم؟ ! خامساً: إن الشعوب الغربية قد تكون معادية لنا؛ ولكن يجب علينا استغلال الأحداث في إثارة عواطفهم ضد اليهود، والتركيز على سيطرة اليهود عليهم، وأن مصالحهم في العالم الإسلامي عرضة للتهديد في حال استمرار تبني وجهة النظر اليهودية. سادساً: استثمار التخبط في المواقف الأمريكية والتي تفضح سيطرة اليهود على مواقع اتخاذ القرار والاستهانة بعواطف المسلمين؛ فبينما يصدر الناطق باسم الخارجية الأمريكية بياناً ينتقد العبث بمحتويات مدرسة يهودية في روسيا فإن أمريكا تقف بكل قوة ضد أي إدانة لإسرائيل في مجلس الأمن بل منعت ذكر شارون بالاسم. إن تهمة اللاسامية يجب أن تستبدل باللاإسلامية التي يجب أن تطرح بقوة ويواجه بها كل مسؤول أو إعلامي في الغرب. سابعاً: إن قرار إغلاق السفارات الأمريكية في بعض العواصم الإسلامية يهدف من ورائه إلى تصوير العالم الإسلامي أنه عدو، ولكن يجب إبراز أن اللوبي اليهودي في أمريكا هو سبب تزايد مشاعر العداء ضد أمريكا في العالم الإسلامي. ثامناً: إن بروز الرأي العام في العالم الإسلامي ومحاولته التعبير عن مشاعره ومواقفه يجب أن يُدعَم من قِبَل الحكومات؛ فإن محاولة كبته سيضعف الدول الإسلامية أمام محاولات السيطرة الأجنبية. إن الأحداث الأخيرة تدل على أن الأمة بخير، وأن لديها القدرة على النهوض. [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) .

стр. 3664

دراسات في الشريعة والعقيدة سنابل الخير (١ - ٢) فيصل بن علي البعداني albadani@hotmail.com المال مال الله ، وقد استخلف تعالى عباده فيه ليرى كيف يعملون، ثم هو سائلهم عنه إذا قدموا بين يديه: من أين جمعوه؟ وفيمَ أنفقوه؟ فمن جمعه من حله وأحسن الاستخلاف فيه فصرفه في طاعة الله ومرضاته أثيب على حسن تصرفه، وكان ذلك من أسباب سعادته، ومن جمعه من حرام أو أساء الاستخلاف فيه فصرفه فيما لا يحل عوقب، وكان ذلك من أسباب شقاوته إلا أن يتغمده الله برحمته. ومن هنا كان لزاماً على العبد إن هو أراد فلاحاً أن يراعي محبوب الله في ماله؛ بحيث يوطن نفسه على ألاَّ يرى من وجه رغَّب الإسلام في الإنفاق فيه إلا بادر بقدر استطاعته، وألاَّ يرى من طريق حرم الإسلام النفقة فيه إلا توقف وامتنع. وإن من أعظم ما شرع الله النفقة فيه وحث عباده على تطلُّب أجره: الصدقةَ [١] التي شرعت لغرضين جليلين: أحدهما: سد خَلَّة المسلمين وحاجتهم، والثاني: معونة الإسلام وتأييده [٢] . وقد جاءت نصوص كثيرة وآثار عديدة تبين فضائل هذه العبادة الجليلة وآثارها، وتُوجِد الدوافع لدى المسلم للمبادرة بفعلها. وهذه الفضائل والآثار كثيرة جداً تحتمل أن يفرد لها كتاب فضلاً عن أن ترسل في مقال؛ ولذا سأقتصر على أبرزها، وذلك فيما يلي: ١- علو شأنها ورفعة منزلة صاحبها: الصدقة من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ؛ ودليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً: «وإن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن، تكشف عنه كرباً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً» [٣] ، وحديث: «من أفضل العمل: إدخال السرور على المؤمن: يقضي عنه ديناً، يقضي له حاجة، ينفس له كربة» [٤] . بل إن الصدقة لتباهي غيرها من الأعمال وتفخر عليها؛ وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب ﵁: «إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم» [٥] . وهذه الرفعة للصدقة تشمل صاحبها؛ فهو بأفضل المنازل كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعمل فيه حقاً فهذا بأفضل المنازل ... » [٦] ، وهو صاحب اليد العليا كما أخبر بذلك النبي ﷺ بقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة، واليد السفلى هي السائلة» [٧] ، وهو من خير الناس لنفعه إياهم وقد جاء في الحديث المرفوع: «خير الناس من نفع الناس [٨] » ، وهو من أهل المعروف في الآخرة، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» [٩] . ولا تقتصر رفعة المتصدق على الآخرة بل هي شاملة للدنيا؛ فمن جاد ساد، ومن بخل رذل، بل قال محمد بن حبان: «كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد، وانقاد له قومه، ورحل إليه القاصي والداني، لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام وإكرام الضيف» [١٠] ، والمتصدق ذو يد على آخذ الصدقة، بل إنه كما قيل: يرتهن الشكر ويسترق بصدقته الحر [١١] . ولذا كان ابن السماك يقول: «يا عجبي لمن يشتري المماليك بالثمن، ولا يشتري الأحرار بالمعروف» [١٢] . ٢- وقايتها للمتصدق من البلايا والكروب: صاحب الصدقة والمعروف لا يقع، فإذا وقع أصاب متكأً [١٣] ؛ إذ البلاء لا يتخطى الصدقة؛ فهي تدفع المصائب والكروب والشدائد المخوِّفة، وترفع البلايا والآفات والأمراض الحالَّة، دلت على ذلك النصوص، وثبت ذلك بالحس والتجربة. فمن الأحاديث الدالة على ذلك قوله ﷺ : «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات» [١٤] ، وقوله ﷺ في حديث أبي سعيد ﵁: «وفعل المعروف يقي مصارع السوء» [١٥] ، ومنها: حديث رافع بن خديج ﵁ مرفوعاً: «الصدقة تسد سبعين باباً من السوء» [١٦] . ومنها أيضاً: قوله ﷺ حين هلع الناس لكسوف الشمس: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا» [١٧] قال ابن دقيق العيد في شرحه له: «وفي الحديث دليل على استحباب الصدقة عند المخاوف لاستدفاع البلاء المحذور» [١٨] . كما أن الصدقة تحفظ البدن وتدفع عن صاحبها البلايا والأمراض، يدل لذلك حديث: «داووا مرضاكم بالصدقة» [١٩] ، قال ابن الحاج: «والمقصود من الصدقة أن المريض يشتري نفسه من ربه بقدر ما تساوي نفسه عنده، والصدقة لا بد لها من تأثير على القطع؛ لأن المخبر ﷺ صادق، والمخبَر عنه كريم منان» [٢٠] ، وقد سأل رجل ابن المبارك عن قرحة في ركبته لها سبع سنين، وقد أعيت الأطباء فأمره بحفر بئر يحتاج الناس إليه إلى الماء فيه، وقال: أرجو أن ينبع فيه عين فيمسك الدم عنك [٢١] ، وقد تقرح وجه أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك قريباً من سنة فسأل أهل الخير الدعاء له فأكثروا من ذلك، ثم تصدق على المسلمين بوضع سقاية بنيت على باب داره وصب فيها الماء فشرب منها الناس، فما مر عليه أسبوع إلا وظهر الشفاء وزالت تلك القروح وعاد وجهه إلى أحسن ما كان [٢٢] . والأمر كما قال المناوي: «وقد جُرِّب ذلك أي التداوي بالصدقة فوجدوا الأدوية الروحانية تفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية، ولا ينكر ذلك إلا من كثف حجابه» [٢٣] . وليس هذا فحسب؛ بل إن بعض السلف كانوا يرون أن الصدقة تدفع عن صاحبها الآفات والشدائد ولو كان ظالماً، قال إبراهيم النخعي: «كانوا يرون أن الصدقة تَدْفَع عن الرجل الظلوم» [٢٤] . وفي المقابل فإن عدم الصدقة يجر على العبد المصائب والمحن؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً وفيه أن جبريل قال ليعقوب ﵉ عن الله : «أتدري لِمَ أذهبت بصرك وقوست ظهرك، وصنع إخوة يوسف ما صنعوا: إنكم ذبحتم شاة، فأتاكم مسكين يتيم وهو صائم فلم تطعموه منه شيئاً» [٢٥] . ٣- عظم أجرها ومضاعفة ثوابها: يربي الله الصدقات، ويضاعف لأصحابها المثوبات، ويعلي الدرجات.. بهذا تواترت النصوص وعليه تضافرت؛ فمن الآيات الكريمات الدالة على أن الصدقة أضعاف مضاعفة وعند الله مزيد قوله تعالى: [إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ] (الحديد: ١٨) والتي أوضحت بأن «المتصدقين والمتصدقات لا يتفضلون على آخذي الصدقات، ولا يتعاملون في هذا مع الناس، إنما هم يقرضون الله ويتعاملون مباشرة معه، فأي حافز للصدقة أوقع وأعمق من شعور المعطي بأنه يقرض الغني الحميد، وأنه يتعامل مع مالك الوجود؟ وأن ما ينفقه مُخْلَف عليه مضاعف، وأن له بعد ذلك كله أجراً كريماً» [٢٦] . ومنها: قوله تعالى: [مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً] (البقرة: ٢٤٥) قال الجصاص مبيناً علة تسمية الله للصدقة قرضاً: «سماه الله قرضاً تأكيداً لاستحقاق الثواب به؛ إذ لا يكون قرضاً إلا والعوض مستحق به» [٢٧] ، وعلل ذلك ابن القيم بأن «الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد؛ طوعت له نفسه، وسهل عليه إخراجه، فإن علم أن المستقرض مليء وفيّ محسن، كان أبلغ في طيب فعله وسماحة نفسه، فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه، وينميه له ويثمره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده بعطائه أجراً آخر من غير جنس القرض ... فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل أو الشح أو عدم الثقة بالضمان» [٢٨] . ومنها: قوله : [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] (البقرة: ٢٦١) والتي لها أثر عظيم في دفع العبد إلى الصدقة؛ إذ يضاعف الله له بلا عدة ولا حساب، من رحمته سبحانه ورزقه الذي لا حدود له ولا مدى [٢٩] . ومن الأحاديث الدالة على عظم أجر الصدقة: قوله ﷺ : «ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كان تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل؛ كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله» [٣٠] [٣١] ، قال ابن حجر: «الصدقة نتاج العمل، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم لا سيما الصدقة فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل ... والظاهر أن المراد بعظمها: أن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك معبراً به عن ثوابها» [٣٢] ، ومنها: قوله ﷺ : «من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبع مئة ضعف» [٣٣] قال المباركفوري: «وهذا أقل الموعود، والله يضاعف لمن يشاء» [٣٤] ، وحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: «أن رجلاً جاء بناقة مخطومة [٣٥] فقال:» هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة كلها مخطومة» [٣٦] واستطعم مسكين عائشة ﵂ وبين يديها عنب، فقالت لإنسان: «خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويعجب، فقالت عائشة: أتعجب؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة؟ !» [٣٧] ، قال يحيى بن معاذ: «ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة» [٣٨] . ٤- إطفاؤها الخطايا وتكفيرها الذنوب: جعل الله الصدقة سبباً لغفران المعاصي وإذهاب السيئات والتجاوز عن الهفوات، دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ومنها: قوله تعالى: [إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ] (هود: ١١٤) ، والذي هو نص عام يشمل كل حسنة وفعل خير، والصدقة من أعظم الحسنات والخيرات فهي داخلة فيه بالأولوية [٣٩] ، وقوله سبحانه: [إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً] (الأحزاب: ٣٥) ، وقوله : [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) والتي أفادت أن من أول وأجلِّ ما تنال به مغفرة الله للخطايا وتجاوزه عن الذنوب: الإنفاق في مراضيه سبحانه. ومن النصوص الدالة على ذلك أيضاً: قوله ﷺ : «تصدقوا ولو بتمرة؛ فإنها تسد من الجائع، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» [٤٠] ، وقوله ﷺ : «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا» [٤١] ، وما أخرجه البخاري في صحيحه في باب: الصدقة تكفر الخطيئة من حديث حذيفة ﵁ وفيه: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف» [٤٢] ، وقوله ﷺ : «يامعشر التجار: إن الشيطان والإثم يحضران البيع؛ فشوبوا بيعكم بالصدقة» [٤٣] ، ومعناه أن التاجر: «قد يبالغ في وصف سلعته حتى يتكلم بما هو لغو، وقد يجازف في الحلف لترويج سلعته؛ فيندب إلى الصدقة ليمحو أثر ذلك» [٤٤] ، وقال محمد بن المنكدر: «من موجبات المغفرة: إطعام المسلم السغبان» . قال بعض أهل العلم عقب إيراده له: «وإذا كان الله سبحانه قد غفر لمن سقى كلباً على شدة ظمئه فكيف بمن سقى العطاش، وأشبع الجياع، وكسا العراة من المسلمين؟» [٤٥] . ولاستفاضة النصوص في كون الصدقة مكفرة للذنوب وماحية للخطايا استحب بعض أهل العلم الصدقة عقب كل معصية [٤٦] ، ولعل مستندهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» [٤٧] ، والصدقة من كبار الحسنات ورؤوس الطاعات؛ فهي داخلة في عموم النص قطعاً. ٥- مباركتها المال وزيادتها الرزق: تحفظ الصدقة المال من الآفات والهلكات والمفاسد، وتحل فيه البركة، وتكون سبباً في إخلاف الله على صاحبها بما هو أنفع له وأكثر وأطيب [٤٨] ، دلت على ذلك النصوص الثابتة والتجربة المحسوسة؛ فمن النصوص الدالة على أن الصدقة جالبة للرزق قول الذي ينابيع خزائنه لا تنضب وسحائب أرزاقه لا تنقطع واعداً من أنفق في طاعته بالخلف عليه: [وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] (سبأ: ٣٩) ، قال ابن عاشور في تفسيره: «وأكد ذلك الوعد بصيغة الشرط، وبجعل جملة الجواب اسمية، وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله: [فَهُوَ يُخْلِفُهُ] (سبأ: ٣٩) ، ففي هذا الوعد ثلاث مؤكدات دالة على مزيد العناية بتحقيقه ... وجملة: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (المؤمنون: ٧٢) تذييل للترغيب والوعد بزيادة أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق» [٤٩] ، وقال العلاَّمة السعدي: «قوله: [وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ] (سبأ: ٣٩) نفقة واجبة أو مستحبة، على قريب أو جار أو مسكين أو يتيم أو غير ذلك [فَهُوَ] (سبأ: ٣٩) تعالى [يُخْلِفُهُ] (سبأ: ٣٩) فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق الذي يبسط الرزق ويقدر» [٥٠] ، وما أجمل مقولة بعضهم: «أنفق ما في الجيب يأتك ما في الغيب» [٥١] . ومن النصوص الدالة أيضاً على أن الصدقة بوابة للرزق ومن أسباب سعته واستمراره وتهيؤ أسبابه، وأنها لا تزيد العبد إلا كثرة قوله تعالى: [لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] (إبراهيم: ٧) إذ الصدقة غاية في الشكر، وقوله في الحديث القدسي: «يا ابن آدم أَنفقْ أُنفقْ عليك» [٥٢] ، وقوله ﷺ : «ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة إلا زاده الله بها كثرة» [٥٣] ، وقوله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً» [٥٤] . كما يدل على ذلك قوله ﷺ : «بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة [٥٥] ؛ فإذا شرجة [٥٦] قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته [٥٧] ، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله لِمَ تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك فماذا تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلتَ هذا؛ فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه» وفي رواية: «وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل» [٥٨] . وفي المقابل جاءت نصوص عديدة ترد على فئام من الخلق ممن رق دينهم أو ثخنت أفهامهم ظنوا أن الصدقة منقصة للمال، جالبة للفقر، مسببة للضيعة، فأبانت أن الصدقة لا تنقص مال العبد، وأن شحه به هو سبب حرمان البركة وتضييق الرزق وإهلاك المال وعدم نمائه، ومن هذه النصوص قوله ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال» [٥٩] ، وقوله ﷺ : «ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من صدقة ... » [٦٠] ، وقوله ﷺ لأسماء بنت أبي بكر - ﵄ «حين قالت له: ما لي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير فقال لها: أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك» [٦١] . والتجربة المحسوسة تثبت أن «المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤونة» [٦٢] ، وأن رزق العبد يأتيه بقدر عطيته ونفقته؛ فمن أَكثر أُكثر له، ومن أقل أُقِل له، ومن أمسك أُمسِك عليه [٦٣] ، وقد نص غير واحد من العارفين أن ذلك مجرب محسوس [٦٤] ، ومن شواهد ذلك قصة عائشة ﵂ أن مسكيناً سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاتها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه! قالت: ففعلت، قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا شاة وكفَّنها [٦٥] ، فدعتني فقالت: كلي من هذا، هذا خير من قرصك « [٦٦] . والقضية مرتبطة بالإيمان ومتعلقة باليقين، والأمر كما قال الحسن البصري: » من أيقن بالخلف جاد بالعطية « [٦٧] . ٦- أنها وقاية من العذاب وسبيل لدخول الجنة: الصدقة والإنفاق في سبل الخير فدية للعبد من العذاب، وتخليص له وفكاك من العقاب، ومثلها كما في الحديث:» كمثل رجل أسره عدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير؛ ففدى نفسه منهم « [٦٨] ، وقد كثرت النصوص المبينة بأن الصدقة ستر للعبد وحجاب بينه وبين العذاب، ومن هذه النصوص: حديث أبي هريرة ﵁ في إثبات نعيم القبر وعذابه والذي تضمن إخباره ﷺ بأن الصدقة وأعمال البر تدفع عن صاحبها عذاب القبر؛ إذ قال ﷺ :» إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولُّون عنه؛ فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قِبَلِ رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قِبَلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فيقول الزكاة: ما قِبَلي مدخل، ثم يؤتى من قِبَل رجليه فتقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخل ... « [٦٩] . ومنها: الأحاديث التي تضمنت التهديد والوعيد لأصحاب الثراء كقوله صلى الله عليه وسلم:» هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرات: حثا بكفيه عن يمينه وعن يساره وبين يديه، وقليل ما هم « [٧٠] ، وفي رواية: » ويل للمكثرين ... « [٧١] ، ومنها: قوله ﷺ :» من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضواً بعضو « [٧٢] ، وحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ وفيه قوله ﷺ :» يا معشر النساء تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير « [٧٣] ، قال ابن حجر في شرحه:» وفيه أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفِّر الذنوب بين المخلوقين « [٧٤] وقال الشوكاني في ثنايا تعداده لفوائد الحديث:» ومنها: أن الصدقة من دوافع العذاب؛ لأنه علل بأنهن أكثر أهل النار لما يقع منهن من كفران النعم وغير ذلك « [٧٥] . وقد كثر حض النبي ﷺ أمته على اتخاذ أحدهم الصدقة مهما قلَّت حجاباً بينه وبين النار فقال ﷺ في حديث عدي بن حاتم ﵁:» ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة « [٧٦] ، وفي رواية:» من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل « [٧٧] ، وقال ﷺ :» اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً ولو بشق تمرة « [٧٨] ، وقال ﷺ :» يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة؛ فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان « [٧٩] . ولا يقتصر أثر الصدقة والإنفاق على دفع حر القبور والخلاص من لهيب جهنم بل إنها من أسباب دفع الخوف والحزن عن العبد وتحصيله للأمن، ومن السبل العظيمة لدخوله الجنة، ومن النصوص الدالة على ذلك قوله تعالى: [الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِراًّ وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] (البقرة: ٢٧٤) والذي يعم جميع النفقات في طاعة الله وطرق مرضاته سواء أكانت للفقراء والمعوزين أم في سبيل رفعة الدين ونصرته ويشمل جميع الأوقات والحالات [٨٠] . وقوله : [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ... ] (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) والذي جلَّى الله فيه صفة أهل الجنة، وأبان بأن من أجلِّ سماتهم التي تؤهلهم لدخول الجنة الإنفاق في مراضيه سبحانه والإحسان إلى خلقه بأنواع البر [٨١] . ومن النصوص النبوية الدالة على أن الصدقة من أسباب دخول الجنة قوله ﷺ :» أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز [٨٢] ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة « [٨٣] . ولا يتوقف أثر الصدقة على هذا فحسب بل الأمر أعظم جداً من ذلك؛ إذ يبادر خزنة كل باب من أبواب الجنة: لدعوة المتصدق كل يريده أن يدخل من قِبَله، وللجنة باب يقال له: باب الصدقة، يدخل منه المتصدقون؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:» من أنفق زوجين [٨٤] في سبيل الله [٨٥] نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير إلى أن قال ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة.. « [٨٦] وقد أبان العيني أن المراد بالصدقة هنا: النافلة؛ لأن الزكاة الواجبة لا بد منها لجميع من وجبت عليه من المسلمين، ومن ترك شيئاً منها فيخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنم [٨٧] . ٧- أنها دليل صدق الإيمان وقوة اليقين وحسن الظن برب العالمين: المال ميال بالقلوب عن الله؛ لأن النفوس جبلت على حبه والشح به، فإذا سمحت النفس بالتصدق به وإنفاقه في مرضاة الله كان ذلك برهاناً على صحة إيمان العبد وتصديقه بموعود الله ووعيده، وعظيم محبته له؛ إذ قدم رضاه سبحانه على المال الذي فطر على حبه [٨٨] ، ويدل على هذا الأمر قوله صلى الله عليه وسلم:» والصدقة برهان « [٨٩] ، ومعناه: أنها دليل على إيمان فاعلها؛ فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه [٩٠] ، قال المناوي:» (والصدقة برهان) حجة جلية على إيمان صاحبها أو أنه على الهدى أو الفلاح، أو لكون الصدقة تنجيه عند الحساب كما تنجي الحجة عند المحاكمة، وقال القزويني: الصدقة برهان على جزم المتصدق بوجود الآخرة وما تتضمنه من المجازاة؛ لأن المال محبوب للنفوس المتصفة بالخواص الطبيعية؛ فلا يقدر على بذل المال ما لم يصدق بانتفاعها فيما بعد بثمرات ما يبذله، وفوزها بالعوض وحصول السلامة من ضرر متوقع بسبب فعل قُرِنت به عقوبة « [٩١] . والصدقة بطيب نفس تورث القلب حلاوة الإيمان، وتذيق العبد طعمه، وتعمق يقينه بالله ، وتخلص توكله عليه، وتوجب ثقته بالله وحسن الظن به [٩٢] ؛ لأن من استنار صدره، وعلم غنى ربه وكرمه عظم رجاؤه وهانت الدنيا في عينه فأنفق ولم يخَفِ الإقلال، ويشهد لصحة ذلك قول أعظم الموقنين وإمام المتوكلين وأجلّ من أحسن الظن برب العالمين لبلال - رضي الله عنه - حين ادخر شيئاً ولم ينفقه:» أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً « [٩٣] ، قال القرطبي بعد أن أبان بأن عدم الإنفاق وترك الصدقة خوف الإقلال من سوء الظن بالله:» فإن كان العبد حسن الظن بالله لم يخفِ الإقلال؛ لأنه يخلف عليه كما قال تعالى: [وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] (سبأ: ٣٩) « [٩٤] . ٨- تخليتها النفس من الرذائل وتحليتها لها بالفضائل: تطهر الصدقة النفس من الرذائل وتنقيها من الآفات، وتقيها من كثير من دواعي الشيطان ورجسه، ومن ذلك: أنها تبعد العبد عن صفة البخل وتخلصه من داء الشح الذي أخبر سبحانه بأن الوقاية منه سبب للفلاح وذلك في قوله : [وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (الحشر: ٩) ، ويُذهِب الله بها داء العجب بالنفس والكبر والخيلاء على الآخرين والفخر عليهم بغير حق، كما أنها من مسببات عدم حب الذات حباً مذموماً، ومن دواعي نبذ الأثرة والأنانية، وعدم الوقوع في شيء من عبودية المال وتقديسه وهو ما دعا على فاعله النبي صلى الله عليه وسلم بالتعاسة والانتكاسة فقال:» تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ... تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش « [٩٥] . وفي المقابل فالصدقة تهذب الأخلاق وتزكي النفس وتربي الروح على معالي الأخلاق وفضائلها؛ إذ فيها تدريب على الجود والكرم، وتعويد على البذل والتضحية وإيثار الآخرين، وفيها سمو بالعبد وانتصار له على نفسه الأمارة بالسوء، وإلجام لشيطانه، وإعلاء لهمته؛ إذ تُعلق العبد بربه وتربطه بالدار الآخرة، وتزهده بالدنيا؛ وتضعف تَعلُّق قلبه بها. ويدل لذلك قوله تعالى: [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا] (التوبة: ١٠٣) [٩٦] ؛ إذ في قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى مقام التخلية من الرذائل والذنوب والأخلاق السيئة، وفي قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِم﴾ إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات والأعمال الصالحة [٩٧] . كما يدل لذلك أيضاً قوله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ] (المجادلة: ١٢) والذي أبان الله فيه بأن الصدقة سبب لنيل الخيرية وطهرة للنفس من الأدناس وتخلية لها من الرذائل [٩٨] . ولو لم يكن في الصدقة إلا أنها تعلق النفس بالقربات، وتشغلها بالطاعات، كما قال بعض السلف:» إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها « [٩٩] والصدقة من أعظم الحسنات وأجلِّها لكفى بذلك فضلا. ٩- أنها بوابة لسائر أعمال البر: جعل الله الصدقة والإنفاق في مرضاته مفتاحاً للبر [١٠٠] وداعية للعبد إلى سائر أنواعه؛ وذلك لأن المال من أعظم محبوبات النفس؛ فمن قدم محبوب الله على ما يحب فأعطى ماله المحتاجين ونصر به الدين وفقه الله لأعمال صالحة وأخلاق فاضلة لا تحصل له بدون ذلك، وآتاه أسباب التيسير بحيث يتهيأ له القيام ببقية أعمال البر فلا يستعصي شيء منها عليه، يدل لذلك قوله تعالى: [فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] (الليل: ٥-٧) قال السعدي في تفسيره:» [فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] (الليل: ٧) : أي: نيسر له أمره، ونجعله مسهلاً عليه كل خير، ميسراً له ترك كل شر؛ لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر الله له لذلك « [١٠١] . وقد أوضح الله هذا الأمر وجلاَّه في قوله : [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] (آل عمران: ٩٢) أي: لن تنالوا حقيقة البر الذي يتنافس فيه المتنافسون، ولن تدركوا شأوه، ولن تلحقوا بزمرة الأبرار حتى تنفقوا مما تَهْوَوْن من أموالكم ومن أعجبها إلى أنفسكم [١٠٢] . وقد فقه الصحابة ﵃ هذا التوجيه الرباني فحرصوا على نيل البر وكمال الخير بالنزول عما يحبون وببذل الطيب من المال نصرة للدين وسداً لحاجة المساكين، سخية به نفوسهم طمعاً في ثواب الله وإحسانه [١٠٣] ، فكان الواحد منهم إذا ازداد حبه لشيء بذله لله رجاء نيل البر؛ فهذا أبو طلحة ﵁ كان أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه حديقة يقال لها: بيرحاء، فلما نزلت هذه الآية: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] (آل عمران: ٩٢) قام إلى رسول الله ﷺ فقال:» إن الله يقول في كتابه: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] (آل عمران: ٩٢) وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت ... « [١٠٤] ، وقال زيد بن حارثة لما نزلت هذه الآية:» اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه «، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : قد قبلها الله منك» [١٠٥] ، «وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب فأعجبته فقال: إن الله يقول: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] (آل عمران: ٩٢) فأعتقها» [١٠٦] . وقال عبد الله بن عمر ﵄: «تلوت هذه الآية: [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] (آل عمران: ٩٢) فذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئاً أحب إليَّ من جاريتي رضية فقلت: هي حرة لوجه الله» [١٠٧] ، ومرة كان راكباً على راحلة عظيمة فأعجبته فأناخها وجعلها لله تعالى [١٠٨] . وعلى هذا الدرب سار كثير من سلف الأمة وصالحيها؛ فهذا الربيع بن خثيم كان إذا جاءه السائل يقول لأم ولده: يا فلانة! أعطي السائل سُكَّراً؛ فإن الربيع يحب السُّكَّر. قال سفيان: يتأول قوله : [لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ] (آل عمران: ٩٢) [١٠٩] ، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سُّكَّر ويتصدق بها، فقيل له: هلاَّ تصدقت بقيمتها؟ فقال: لأن السُّكَّر أحب إليَّ؛ فأردت أن أنفق مما أحب [١١٠] . وكان لزوجة عمر بن عبد العزيز جارية بارعة الجمال، وكان عمر راغباً فيها، وكان قد طلبها منها مراراً فلم تعطه إياها، ثم لما ولي الخلافة زينتها وأرسلتها إليه، فقالت: قد وهبتكها يا أمير المؤمنين فلتخدمك، قال: من أين دملكتِها، قالت: جئت بها من بيت أبي عبد الملك، ففتش عن كيفية تملكه إياها، فقيل: إنه كان على فلان العامل ديون فلما توفي أُخذت من تركته، ففتش عن حال العامل وأحضر ورثته وأرضاهم جميعاً بإعطاء المال، ثم توجه إلى الجارية وكان يهواها هوى شديداً فقال: أنت حرة لوجه الله تعالى [١١١] . فهذا هدي السلف؛ فهل من متأس بهم وسائر على نهجهم؟ ! ١٠- إدراك المتصدق أجر العامل: ما أسعد المتصدقين! إذ دلت النصوص الثابتة على أن صاحب المال يدرك بتصدقه وإنفاقه من ثواب عمل العامل بمقدار ما أعانه عليه حتى يكون له مثل أجره متى استقل بمؤونة العمل من غير أن ينقص ذلك من أجر العامل شيئاً، ومن هذه النصوص الدالة على ذلك قوله ﷺ : «من فطَّر صائماً كتب له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء» [١١٢] ، وقوله ﷺ : «من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير فقد غزا» [١١٣] ، ومعناه: أنه مثله في الأجر ما دام قد أتم تجهيزه أو قام بكفاية من يخلفه بعده [١١٤] ، وجاء الحديث عند البيهقي بلفظ: «من جهز حاجاً أو جهز غازياً أو خلفه في أهله أو فطَّر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئاً» [١١٥] . والأمر غير مقصور على هذه العبادات بل شامل لجميع الطاعات؛ فمن أعان عليها كان له مثل أجر فاعلها [١١٦] . فيا من يستطيع أن يجاهد وهو قاعد، ويصوم وهو آكل شارب، ويعلِّم القرآن، وينشر الخير، ويدعو إلى الله في كل مكان وهو في بيته لم يباشر من ذلك شيئاً لا تَحْرم نفسك الأجر ولا تمنعها الثواب، واعمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لك حين قال: «اغتنم خمساً قبل خمس وذكر منها: وغناك قبل فقرك» [١١٧] ، واعلم بأن المال زائل والعمل باق؛ إذ لم يخلد أحد مع ماله، ولم يدخل مالٌ القبر مع صاحبه، بل هو وديعة لديك، ولا بد من أخذها منك، فما بالك تغفل عن ذلك؟ !

стр. 3665

دراسات في الشريعة والعقيدة مسائل في المزاح محمد بن عبد الله السحيم لمَّا كان المزاح سُنَّة مشروعة، وخُلُقاً يحبه كثيرٌ من الناس، وأداةً يستميل بها الداعية قلوب المدعوين، ومتنفساً ينفس الشخص بها عن نفسه؛ صار لزاماً على صاحبه أن يتبصر بآدابه ويلتزم بضوابطه؛ حتى يأتي به على وجهه ويتحقق به مقصوده، ولا يكون ذلك سبباً لبغضه أو استهجانه أو النفور عنه. ومن هذا المنطلق كانت هذه المقالة محاولة لتحديد بعض معالم هذا الخلق أعني المزاح وبيان شيء من آدابه. وقد جعلتها على شكل مسائل؛ لتكون أجود في الترتيب، وأكمل في الفائدة، وأيسر في التصور. أسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها عملاً صالحاً متقبلاً. المسألة الأولى: سبب تسميته بهذا الاسم: سمي المزاح مزاحاً؛ لأنه زاح عن الحق. هكذا قال ابن حبان [١] ، وذكر ذلك البغوي [٢] . المسألة الثانية: حكم المزاح: المزاح مشروع دل على ذلك سنة رسول الله ﷺ ؛ فمن ذلك ما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «قالوا: يا رسول الله! إنك لتداعبنا! قال:» إني لا أقول إلا حقاً «وفي رواية:» إني لأداعبكم « [٣] . ٢ - وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أم سلمة ويقول: يازوينب! يا زوينب! مراراً» [٤] . ٣ - وقال أنس بن مالك ﵁: «إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟» [٥] . ٤ - وكان النبي ﷺ يدلع لسانه للحسن بن علي، فيرى الصبي حمرة لسانه فيبهش إليه. أي: يسرع إليه بعد أن أعجب به [٦] . ٥ - وعن أنس أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام وكان يهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : «إن زاهراً باديتنا، ونحن حاضروه» قال: «وكان النبي ﷺ يحبه، وكان دميماً، فأتاه النبي ﷺ يوماً، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره فقال: أرسلني! من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه وجعل النبي ﷺ يقول:» من يشتري العبد؟ «، فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً، فقال الرسول ﷺ :» لكن عند الله لست بكاسد «أو قال:» لكن عند الله أنت غال « [٧] . والخلاصة: أن المزح سنة. قيل لسفيان بن عيينة:» المزاح هجنة؟ قال: بل سنة، ولكن الشأن فيمن يُحْسِنه ويضعه مواضعه « [٨] . وعلى هذا جرى عمل كثير من السلف. قال ابن مسعود:» خالط الناسَ، ودينَك لا تَكْلِمَنَّه « [٩] . وكان عمر يقول:» إنه ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي؛ فإذا بُغِيَ منه وُجِدَ رجلاً « [١٠] . وقال ثابت بن عبيد:» كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته، فإذا خرج كان رجلاً من الرجال « [١١] . وروي عن ابن عباس أنه قال لقوم قعود لديه:» أحمضوا [*] ، أي: لما خاف عليهم الإملال أحب أن يُجِمَّهم فأمرهم بالأخذ في مُلَحِ الحكايات « [١٢] . وقال علي بن أبي طالب:» أجِمُّوا هذه القلوب؛ فإنها تمل كما تمل الأبدان « [١٣] . وعن أبي الدرداء قال:» إني أستجِمُّ ببعض الباطل [**] ليكون أنشط لي في الحق « [١٤] . وقال ربيعة الرأي:» المروءة ست خصال: ثلاثة في الحضر، وثلاثة في السفر؛ ففي الحضر: تلاوة القرآن، وعمارة مساجد الله، واتخاذ القِرى في الله. والتي في السفر: بذل الزاد، وحسن الخلق، وكثرة المزاح في غير معصية « [١٥] . وكان ابن سيرين يمزح ويضحك حتى يسيل لعابه، وإذا أردته على شيء من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك [١٦] . وقال ابن عباس:» المزاح بما يحسن مباح، وقد مزح رسول الله ﷺ فلم يقل إلا حقاً « [١٧] . وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي:» الناس في سجن ما لم يمزحوا « [١٨] . وقال ابن حبان:» الواجب على العاقل أن يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح وترك التعبيس « [١٩] . وهنا مسألة: نقل عن بعض السلف كراهة المزاح ومنعه، بل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:» لا تمارِ أخاك ولا تمازحه « [٢٠] . ونقل عن بعضهم قوله:» لكل شيء بدء، وبدء العداوة المزاح «. وكان يقال:» لو كان المزاح فحلاً ما ألقح إلا الشر «. وقال جعفر بن محمد:» إياكم والمزاح؛ فإنه يذهب بماء الوجه «. وقال إبراهيم النَخْعي:» لا يكون المزاح إلا في سخف أو بطر « [٢١] . وقال الإمام ابن عبد البر ﵀:» وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة ومن التوصل إلى الأعراض واستجلاب الضغائن وإفساد الإخاء « [٢٢] . فكيف نجمع بين هذا وبين ما سبق تقريره في حكم المزاح؟ والجمع بين ذلك كما قال الحافظ في الفتح:» والجمع بينها: أن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين، ويؤول كثيراً إلى قسوة القلب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار. والذي يسلم من ذلك هو المباح. فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب « [٢٣] . المسألة الثالثة: أنواع المزاح: المزاح نوعان: ١- محمود: وضابطه كما قال ابن حبان:» هو الذي لا يشوبه ما كره الله ، ولا يكون بإثم ولا قطيعة رحم « [٢٤] . ٢- مذموم: وضابطه كما قال ابن حبان أيضاً:» الذي يثير العداوة، ويُذهب البهاء، ويقطع الصداقة، ويجرئ الدنيء عليه، ويحقد الشريف به « [٢٥] . ولكي يكون أكثر وضوحاً؛ فإننا نسرد بعض فوائد المزاح وبعض مخاطره، فنقول: قال بعضهم:» من فوائد المزاح أنه [٢٦] : يسلي الهم، ويرقع الخَلَّة، ويحيي النفوس، ويميل قلوب الناس إليه «. كتب أحدهم إلى صاحب له:» ولنا بعدُ مذهب في الدعابة جميل لا يشوبه أذى ولا قذى، يُخرج إلى الأنس من العبوس، وإلى الاسترسال من القطوب، ويلحقنا بأحرار الناس وأشرافهم الذين ارتفعوا عن لبسة الرياء والتصنع « [٢٧] . وكما أن للمزح فوائد فإن له مخاطر، منها [٢٨] : إفساده المودة، وإيغار الصدور، وإثارة العداوة، وذهاب البهاء، وتجرئة الدنيء، وحقد الشريف، وإحياء الضغينة. وهذا ما حدا مِسعَر بن كِدَام إلى أن ينصح ابنه كداماً قائلاً [٢٩] : إني نحلْتُك يا كِدَامُُ نصيحتي ... فاسمع مقال أب عليك شفيقِ أما المزاحة والمراء فدعهما ... خُلقان لا أرضاهما لصديقِ إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاورٍ جاراً ولا لشقيقِ وقال آخر [٣٠] : وإياك من حلو المزاح ومره ... ومن أن يراك الناس فيه ممارايا وإن مراء المرء يُخلِق وجهه ... وإن مزاح المرء يبدي التشانيا دعاه مزاح أو مراء إلى التي ... بها صار مقليَّ الإخاء وقاليا المسألة الرابعة: ضوابط المزح المحمود [٣١] : ١ - ألاَّ يكون إلا حقاً. كما سبق من قول النبي ﷺ :» إني لا أقول إلا حقاً « [٣٢] . ٢ - ألاَّ يداوم المرء عليه، بحيث يكون صفة لازمة؛ لأن الجِد من سمات العاملين. يقول محمد أحمد الراشد:» وقضايا الإسلام أوفر جداً وأثقل هموماً من أن تدع عصبة من الدعاة تطيل الضحك، وتستجيز المزاح، وتتخذ لها من صاحب خير فيها محور تندُّر تروي قصصه وغرائبه. والابتسامة علامة المؤمن ولسنا ننكرها، والنكتة في ساعتها سائغة، والأريحية أصل في سلوكنا، والألفة والبشاشة ليس العبوس. والقهقهة الأولى لك والثانية نهبها لك أيضاً فإنَّا كرماء، ولكن الثالثة عليك وتشفع حسناتك لها عندنا، وأما الرابعة فيلزمها حد لا شفاعة فيه. وشعار الضحك للضحك باطل، والهزل الهزيل مرفوض في أوساط العمل الإسلامي، وإنما الداعية مفوض بالجد والتجديد « [٣٣] . ٣ - ألاَّ يشتمل المزاح على مساوئ الأخلاق ومعايب الكلام مما ينكره الشرع أو يمجه الطبع. ٤ - اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب. وقد ذكر الدكتور عادل الشويخ ﵀ أوقاتاً يجمل فيها المزاح. فقال: أجمل ما قد يكون المزاح بعد صلاة الفجر؛ ودليله ما رواه سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة:» أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم! كثيراً ما كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس فيضحكون ويبتسم « [٣٤] ، وقال:» ومن الأوقات أيضاً بعد صلاة العشاء. أي: السمر فيه « [٣٥] ، وقال أيضاً» ويقال: إذا كانت المؤانسة تصح من الأهل [٣٦] فهي تصح من الإخوان والخلان، ويزداد استحبابها إذا كانت لمصلحة الدعوة في بذل النصح، وتقريب القلوب، وزيادة المودة، وإزالة الكدر، وإيجاد أجواء الحب والتعارف « [٣٧] . قلت: إن الوقت يخضع لنظر المازح حسب اختلاف الأحوال. وخلاصة الضوابط في رأيي أن ينظر لها من زاويتين: ١ - ذات المزح. ٢ - آثاره. فمتى كان أحدهما أو كلاهما حراماً فهو حرام وإلا فلا. وهذه فائدة ساقها لنا الإمام النووي في المزاح فقال:» المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه؛ فإنه يورث الضحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله ﷺ يفعله فإنه كان يفعله؛ في نادر من الأحوال لمصلحة، لتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا مانع منه مطلقاً، بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة، فاعتمِدْ ما نقلناه عن العلماء وحققناه؛ فإنه مما يعظُم الاحتياج إليه. والله الموفق « [٣٨] . تنبيه: مما تجدر الإشارة إليه أنه يوجد ما يغني عن كثير من المزاح إذا أحسن المرء استخدامه، ألا وهو التباسط. وهذا مفيد لمن لم يعطه الله طابع المزح والمرح. ولكن لا تنس أن للتباسط آداباً. المسألة الخامسة: نقاط متفرقة: اجعل لك هدفاً في مزاحك حتى يؤتي ثماره. المزاح كالملح في الطعام فاجعله قدراً، ولكن لا تنس أن بعض الناس لا يأكلون الطعام إذا كان فيه ملح. قال الشاعر: أفد طبعك المكدود بالجِدِّ راحة ... يُجمُّ وعلِّله بشيء من المَزح ولكن إذا أعطيته المَزْح فليكن ... بمقدار ما تُعطي الطعام من المِلْحِ فبعض الناس لا يناسبه المزاح كما نقل الذهبي في سِيَره عن خلف بن سالم:» كنا في مجلس يزيد ابن هارون فمزح مع مستمليه، فتنحنح أحمد بن حنبل، فقال يزيد: من المتنحنح؟ فقيل له: أحمد بن حنبل. فضرب على جبينه وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا حتى لا أمزح « [٣٩] . وبعض الناس قد يجره مزحك معه إلى إيذائك كما قيل:» لا تمازح الغلمان فتهون عليهم أو يجترئوا عليك « [٤٠] . وقيل:» لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الوضيع فيجترئ عليك « [٤١] . قال ابن حبان:» من مازح رجلاً من غير جنسه هان عليه واجترأ عليه، وإن كان المزاح حقاً؛ لأن كل شيء يجب ألا يسلك به غير مسلكه ولا يظهر إلا عند أهله. على أني أكره استعمال المزاح بحضرة العامة، كما أكره تركه عند حضور الأشكال « [٤٢] . قال ابن المقفع:» وعلى العاقل أن يجعل الناس طبقتين متباينتين، ويلبس لهم لباسين مختلفين: فطبقة من العامة يلبس لها لباس انقباض وانحجاز وتحفظ في كل كلمة وخطوة، وطبقة من الخاصة يخلع عندهم لباس التشدد، ويلبس لباس الأنسة واللطفة والبذلة والمفاوضة، كلهم ذو فضل في الرأي وثقة في المودة وأمانة في السر ووفاء بالإخاء « [٤٣] . قال الدكتور عادل الشويخ:» ألاَّ يكون المزح إلا مع الأقران؛ لأن المزاح مع الأعلى يؤذيه، ومع الأقل يؤدي إلى الجرأة على المازح، وكذلك ينبغي البعد عن ممازحة الأعداء لما يقود إلى مفسدة تؤذي الداعية في دينه ودنياه « [٤٤] . فحاول أن تدرس شخصية من أمامك: هل هو مناسب أم لا؟ ولعل هذا هو هدي النبي ﷺ ، فلم يكن يمازح كل أصحابه. * لعل من المناسب ألاَّ تمزح مع شخص أول مرة حتى تعرفه. * إياك والتجريح في المزاح. * لا تتكلف المزح. * احذر الأريحية الزائدة مع البعض. * أشعِرْ من تمازحه أنك تحترمه. وهذا كان هدي النبي ﷺ مع من يمازحه، مثل قوله:» لكن عند الله أنت غال «. * احذر أوقات انفتاح النفس. * أحسِنِ التصرف مع من يخطئ معك في مزحه حسب ما يناسب المقام: من رد مفحم، أو تجاهل، أو تحديق النظر فيه أو غير ذلك من الأساليب الناجعة. المسألة السادسة: أسئلة ينبغي مراعاتها عند المزاح: ١ - هل هذا الوقت مناسب؟ ٢ - هل هذا الشخص مناسب؟ ٣ - هل هذا الكلام أو الفعل» ذات المزح «مناسب؟ ٤ - هل هذا المكان مناسب؟ المسألة السابعة: صور من مزح السلف [٤٥] : ١ - قال غالب القطَّان: أتيت محمد ابن سيرين وكان مزَّاحاً فسألته عن هشام بن حسان، فقال: تُوفي البارحة أما شعرت؟ فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فضحك وقال: [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] (الزمر: ٤٢) . ٢ - قيل لابن سيرين: إن قوماً يقولون من الشعر ما يوجب الوضوء، فعجب من جهلهم وكان في المسجد فتمثل: نُبِّئتُ أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول فقام واستقبل القبلة وكبر مفتتحاً صلاته. ٣ - ودخل رجل على الشَّعبي ومعه في البيت امرأة، فقال: أيكم الشعبي؟ فقال الشعبي: هذه. ٤ - وسُئل الشعبي عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. قال: فما تقول في الذبان؟ قال: إن اشتهيتَه فكله. ٥ - سأل رجل الشعبي: هل يجوز للمُحْرِم أن يحك بدنه؟ قال: نعم، قال: مقدار كم؟ قال: حتى يبدو العظم. ٦ - وسُئل: عن الرجل يغتسل في البحر إلى أين يتوجه؟ قال: يتوجه إلى ثيابه حتى لا تسرق. ٧ - ودخل يوماً الحَمَّام فوجد صديقاً له متجرداً فأغمض عينيه، فقال له صديقه: منذ متى عميت؟ فقال له الشعبي: منذ أن هتك الله سترك.

стр. 3666

تأملات دعوية حتى نستفيد من التخصصات الإنسانية محمد بن عبد الله الدويش كان الحديث في المقال السابق حول أهمية الاستفادة من التخصصات الإنسانية والاعتناء بها، ونواصل الحديث في هذه المقالة عن هذا الموضوع بالإشارة إلى بعض مجالات الاهتمام بالدراسات الإنسانية والإفادة منها. فمن هذه المجالات: أولاً: توثيق الصلة مع المتخصصين في هذه التخصصات ممن يحملون الغيرة الإسلامية، والسعي لتنظيم أعمال وبرامج علمية جماعية مشتركة مع أمثال هؤلاء، وهذا النوع من التواصل والتعاون لا يمكن أن يحقق ثمرته ما لم ينطلق أصحابه فيه من فضاء يتجاوز الحدود الحزبية، والخطوات التصنيفية. ثانياً: الاستفادة من النتاج المتاح في هذا الميدان، والمتمثل في الرسائل الجامعية، والدراسات المنشورة في الدوريات العلمية، وبحوث المؤتمرات واللقاءات العلمية وأعمالها، ويمكن أن يتسع مدى الاستفادة من هذا النتاج باعتناء طائفة من المهتمين بفهرسة هذه المواد المهمة وتصنيفها ثالثاً: كثير من المتخصصين في الدراسات الإنسانية حصلوا على شهاداتهم العلمية من جامعات غربية، وتناولت رسائلهم العلمية دراسات ميدانية اهتمت بمجتمعات المسلمين، وكثير منها يحوي نتائج في غاية الأهمية، ولا أقل من أن يقوم كل منهم بترجمة نتاجه وطباعته ليكون قريب التناول من المهتمين، وإن كان المنتظر منهم أكثر من ذلك. رابعاً: تنظيم برامج تأهيلية ودورات فيما يحتاجه الدعاة من هذه التخصصات، فلا يسوغ بحال أن نكون في عصر يحترم المنهج العلمي، ويعتني بالتخصص، فيكوِّن طائفة من المربين والمصلحين نظرتهم للإنسان والمجتمعات والمتغيرات التي تؤثر فيها من خلال آراء واقتناعات شخصية، وأن يتحدثوا في هذا الباب فيما لا يحسنون ولا يجيدون؟ إن الدعاة اليوم على اختلاف ميادين أعمالهم بحاجة إلى قدر من الثقافة العلمية في الظاهرة الإنسانية، ومن ثَمَّ فتنظيم هذه البرامج والدورات، وإسهام المختصين في ذلك أمر لا يقل أهمية عن الدورات الإدارية والقيادية التي بدأ الشعور بأهميتها والتفاعل معها يتنامى، وبدأت تشهد إقبالاً واهتماماً واضحاً. خامساً: وهو أهم هذه المجالات: توجيه طائفة ممن يملك القدرات العقلية والعلمية، ويحمل الحس والغيرة الدعوية إلى التخصص في هذه الميادين والأنواع ودراستها؛ فهي أوْلى بكثير من التخصصات التي غاية ما فيها أن تشغل أوقات أصحابها، ثم تهيئهم لفرص عمل ووجاهة اجتماعية ليتجهوا بعد ذلك للاعتناء بغير تخصصاتهم. إننا نحتاج اليوم إلى أن يتولى العمل الإعلامي مختصون في الإعلام بدلاً من الأطباء، وبحاجة إلى أن يتولى الجانب الإداري ويهتم به مختصون في الإدارة بدلاً من الحاسب الآلي، وإلى أن يتحدث في الجوانب التربوية المختصون فيها بدلاً من الصيادلة والمهندسين. ونحتاج إلى أن يكون حضورنا الأكاديمي في التخصصات الإنسانية أكثر منه في التخصصات التطبيقية. ويمكن الاتجاه لهذه التخصصات في الدراسات العليا وبعد الدراسة الجامعية، وهذا يهيئ اتجاه طائفة ممن ملكوا قدراً من النضج والاستقرار، وقدراً من العلم الشرعي حين يكونون خريجي كليات شرعية، مما يعطيهم قدرة أكثر على التأصيل الشرعي لهذه العلوم والتخصصات والإفادة منها.

стр. 3667

قضايا دعوية كيف نتعامل مع المبتدعة ؟ سليمان الخضير كان مما تزامن مع إقبال المسلمين على السُّنَّة وعنايتهم بها علماً وعملاً الأخذ بمبدأ كراهة البدعة وأهلها وإنكارها عليهم؛ وفقاً للسنة الإلهية وتبعاً للحكم الشرعي. غير أنه مما صاحب ذلك عند فئام من الناس قدر من الحماسة يصاحبها قدر من قلة العلم ومعرفة القواعد والمقاصد الشرعية التي تضبط تصرفات المكلفين؛ مما أضعف تقدير المصالح والمفاسد. وتبعاً لذلك كانت هناك رؤى متضاربة وتصرفات متباينة إزاء المبتدعة أجمل وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بوصفه لاختلاف الناس في أخذهم بعقوبة (هجر المبتدع) فقال: «إن أقواماً جعلوا ذلك عاماً، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به [مما] لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ... ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجاباً أو استحباباً ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه» [١] . وقد ظن أناس أن (هجر المبتدع) حكم شرعي لازم كملازمة المسببات لأسبابها، وهو بمنزلة الحد أو هو كالبراء. والواقع أن هجر المبتدع كغيره من عقوبات المبتدعة وأهل المنكرات من المصالح المرسَلة التي تقدر بقدرها، ويعمل بها حسب الحال. من هنا رغبت في جمع نظائر في موضوع التعامل مع المبتدعة وترتيبها على شكل فقرات لتكون معالم للمنهج الشرعي في التعامل مع عامة ذوي المخالفات الشرعية، وخاصة المبتدعة [٢] . أولاً: لا يجوز أن نتدين باتخاذ موقف سلبي من مسلم بسبب أمور وقع فيها إلا بعد أن يغلب على ظننا أنها بدعة أو معصية، من خلال معرفة كون ذلك العمل أو الأعمال بدعة فعلاً أو معصية؛ فإن جملة من الخلافات التي تقع بين الناس في المسائل الشرعية يكون سببها قصر النظر في فهم الخلاف المذهبي الفقهي، وفي الوقت ذاته توسيع دائرته ليصبح خلافاً عقدياً أو مخالفات شرعية [٣] ، أو ربما كانت في أمور دنيوية ليست من الشرع أصلاً. فينبغي للمسلم أن يتعرف إلى مفهوم البدعة وماذا يشمل؛ فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولتقريب مفهوم البدعة يمكن أن تعرَّف بأنها: كل ما لم يشرعه الله ورسوله ﷺ ، مثل: * ما تخلف فيه واحد من شروط الاتباع، وهي أن يوافق السنة في زمانها ومكانها وسببها وقدرها وصفتها وعددها، كتخصيص يوم للاجتماع فيه على عبادة، كما خص الشارع أيام الأعياد. * أو ما هو مخالف للقرآن أو السنة عند أهل العلم، كبدعة الخوارج والرافضة. * أو المداومة على خلاف ما داوم عليه النبي ﷺ من العبادات كمداومة الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل أو قراءة قرآن أو ذكر. *ومن الابتداع جعل الامتناع عن المباحات ديناً. ومن المهم استحضاره - أيضاً -: أن البدع ليست بدرجة واحدة، بل تتفاوت بقدر ما ارتبط بها من مفسدة، كما قال الشاطبي: «كل بدعة عظيمة، بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع، إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها: فيكون منها صغار وكبار؛ إما باعتبار أن بعضها أشد عقاباً من بعض؛ فالأشد عقاباً أكبر مما دونه، وإما باعتبار فوات المطلوب في المفسدة» [٤] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الطوائف المنتسبة إلى مبتدعين في أصول الدين على درجات: فمنهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون قد خالف السنة في أمور دقيقة» [٥] . ثانياً: معالم في التعامل مع أهل البدع: المَعْلَم الأول: يراعى في التعامل مع أهل البدع أن يكون قائماً على أصلين: الإخلاص، والمتابعة. وذلك أن الحكم ببدعة ما واتخاذ موقف من أهلها مسائل شرعية نحن متعبدون بها، فيشترط لها ما يشترط لسائر العبادات، ومعنى الأخذ بالإخلاص: أنه ينبغي ألا يكون الموقف (عقاباً أو تألفاً) إزاء أحد من المبتدعة تشهياً ولا تشفياً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمور به كان خارجاً عن هذا [٦] ، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله!» [٧] . وقال ﵀ عن الرجل «إذا كان مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة أو يسلك طريقاً يخالف الكتاب والسنة ... بُيِّن أمره للناس؛ ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع الإنسان؛ مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية أو تحاسد أو تباغض أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساوئه مظهراً للنصح وقصده في الباطن الغض من الشخص واستيفاؤه منه؛ فهذا من عمل الشيطان» [٨] . أما متابعة هدي رسول الله ﷺ في التعامل معهم فهو ما سنستوضح معالمه في هذه المقام. المَعْلَم الثاني: أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق: والمبتدع من أولئك الخلق الذين يرحمهم أهل السنة مع يقينهم بكونهم على بدعة يستحقون بها العقوبة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون فيه موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون مع من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، ولا يقصدون لهم الشر ابتداءاً، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق» [٩] . وقال: «وإذا نظرت إلى المبتدعة بعين القَدَر والحَيْرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم: رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاءاً وما أوتوا زكاءاً، وأعطوا فهوماً وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة [فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ] (الأحقاف: ٢٦) [١٠] . يمثل هذا الخلق العالي أبو أمامة الباهلي ﵁ لما رأى سبعين رأساً من رؤوس الخوارج وقد جُزَّت ونُصِبَتْ على درج دمشق قال:» سبحان الله! ما يصنع الشيطان ببني آدم؟ كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء، ثم بكى وقال: إنما بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام « [١١] . المعلم الثالث: أهل البدع مستوجبون للعقوبة [١٢] : وذلك لمخالفتهم أمر الله تعالى ونهيه وأمر رسوله ﷺ ونهيه، سواء كانت تلك المخالفة في القلب عن اعتقاد أو كانت من أعمال الجوارح، وهم من جنس مواقعي المنكر ينكر عليهم بالقلب واللسان واليد. فأما العقوبات المشروعة في حق المبتدع فمنها: ١ - هجرهم [١٣] . قال ابن عبد البر في فوائد حديث كعب بن مالك في الذين خلفوا:» وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام عنه « [١٤] . وقال البَغْوي:» وفيه أي حديث كعب بن مالك دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد ... وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم « [١٥] . ومن الهجر: عدم أخذ العلم عنه، ولا مناكحته، ولا الصلاة خلفه مع وجود إمام غيره؛ فإن كان هو الوالي فإنه يصلي خلفه الصلوات التي لا يمكنه فعلها إلا خلفه كالجمع والأعياد، ولا يعيد [١٦] . ٢ - عدم الاستماع لكلامهم ومجالستهم: وهو لون من ألوان الهجر، وقد جاء عن أبي زُرعة عن أبيه قال:» لقد رأيت صَبيغ بن عِسْل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحِلَق فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه، فإن جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزيمةَ أمير المؤمنين « [١٧] . وقال رجل من أهل الأهواء لأيوب السختياني: أسألك عن كلمة، فولَّى أيوب وهو يقول:» لا، ولا نصف كلمة مرتين يشير بأصبعيه « [١٨] . قال شيخ الإسلام:» لا يجوز الاستماع إلى أهل البدع، ولا النظر في كتبهم لمن يضره ذلك « [١٩] . ٣ - الإنكار والرد عليهم: فيجب كشف بدعة المبتدع ولو أدى إلى غِيبته؛ إذ ليس لمعلن البدعة غِيبة [٢٠] ، إلا إن كانت البدعة خفية فتدحض بحسب درجة خفائها، ولا يعلن بإنكارها لئلا يكون سبباً في فشو أمرها، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:» يجب الإنكار على أهل البدع ولو كانت بدعتهم بقصد حسن « [٢١] . وفي موضع آخر:» ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين ... ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فيفسدون القلوب ابتداءً « [٢٢] . ٤ - حرمانه من بعض الأمور: كحرمانه من إعطاء الزكاة إن كان فقيراً إلى أن يتوب [٢٣] ، كما أنه لا تقبل شهادته، ويحرم من الإمامة في الصلاة كل ذلك لمن يملك منعه وحرمانه. ٥ - العقوبات البدنية: وقد تصل للقتل لمن يملك ذلك، وأوضح مَنْ يصدق عليه ذلك: الداعيةُ لبدعة المصِرُّ عليها، كما جرى للجَعْد وغِيلان والجَهْم، وقد تكون العقوبة بما دون القتل [٢٤] . المعْلَم الرابع: المقاصد الشرعية في تعامل أهل السنة مع المبتدعة: هذه المقاصد منها ما يعود إلى الهاجرين القائمين بهذه الوظيفة الشرعية، ومنها ما يعود إلى المهجور، ومنها ما يعود إلى عامة المسلمين، كما أن منها ما روعي فيه جناب الشريعة وحماية السنن من البدع والأهواء. وعند الحديث عن التعامل مع المبتدعة فالمقصود وجها التعامل: بالعقوبة بأي من صورها، أو بالتأليف المشروع عند الحاجة إليه؛ فإن المغلب في التعامل معهم هو جانب إيقاع العقوبة (بحسبها) ، لكن تلك المقاصد تشمل ما لو كان ذلك التعامل تألفاً وتودداً. المقصد الأول: إصلاحهم وهدايتهم. فليس المبتدع في الجملة شراً من الكفار الذين شرع لنا دعوتهم ودلالتهم على الحق، بل ربما كان فيهم من القرب للحق ما يدعو للاهتمام بهم، وبخاصة إذا كانت البدعة عن جهل وبُعد عن مصادر العلم. وقد ناظر ابن عباس ﵁ الخوارج فرجع منهم من أراد الله به الخير والهداية [٢٥] . قال الخطابي:» إن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مر الأوقات والأزمان ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق « [٢٦] . وتقدم قريباً قول شيخ الإسلام:» يريدون لهم الخير والهدى والعلم، ولا يقصدون لهم الشر ابتداءاً، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق «. المقصد الثاني: حماية الشريعة. فإن الزجر بالعقوبة منهج شرعي من جنس الجهاد في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وأداءاً لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تقرباً إلى الله تعالى بواجب الحب والبغض فيه سبحانه كما أن إيقاع العقوبة بالهجر أو غيره سبب لبعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في هذه البدعة وتحذيرهم، ومن حماية الشريعة حصر انتشار البدعة الذي يحصل بقمع المبتدع وزجره فيضعف عن نشر بدعته [٢٧] . قال الشاطبي:» إن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام: إحداهما: الْتفات العامة والجهال إلى ذلك التوقير. الثانية: يكون كالحادي المحرِّض له على انتشار الابتداع في كل شيء « [٢٨] . ولذلك كان موقف عمر ﵁ من البدع صارماً؛ فكان حازماً في سد أبواب الابتداع مع توسع البلاد الإسلامية كما تقدم قريباً عن أبي زرعة عن أبيه قال: » لقد رأيت صَبيغ بن عِسْل [٢٩] بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحِلَق فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه، فإن جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى: عزيمة أمير المؤمنين « [٣٠] . و» الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يُحدِث له بدعاً حتى يخرج الإيمان من قلبه « [٣١] . المعْلَم الخامس من معالم التعامل مع المبتدعة: العدل معهم: في الوقت الذي ندين لله تعالى ببغض المبتدع واستيقان استحقاقه للعقوبة: نلزم أنفسنا بما ألزمنا الله به من العدل والإنصاف؛ فالعدل منهج شرعي في كل شيء، على أن» العدل المحض في كل شيء كما يقول شيخ الإسلام: متعذر علماً وعملاً، ولكن الأمثل فالأمثل « [٣٢] ، وأصل هذا المعلم قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] (المائدة: ٨) . فمن العدل: ذكر ما لهم من صواب: وذلك بحسب المقام والحال، واعتبار المصالح والمفاسد؛ والجمع بين ذكر محاسن المبتدع والتحذير منه غير سائغ في كل مقام، وإفراد المحاسن بالذكر مظنة الاغترار، والاقتصار في جميع الأحوال على التحذير وذكر المثالب بخس وإجحاف، ولكن حسب ما يقتضيه المقام. ويمثل هذا المَعْلَم الإمام الذهبي ﵀ في تراجمه، كما في قوله عن الفخر الرازي:» المفسر المتكلم ... كان فريد عصره، ومتكلم زمانه، وكان ذا باع طويل في الوعظ، ويبكي كثيراً في وعظه « [٣٣] . ويتمثله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حديثه عن الباقلاني الأشعري مثلاً فيقول:» مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة والمحاسن الكثيرة والرد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، حتى إنه لم يكن من المنتسبين إلى ابن كُلاَّب والأشعري أجلَّ منه ولا أحسن كتباً وتصنيفاً « [٣٤] . ومن العدل: تفاوت الولاء والبراء في حقهم: الأصل في المسلم الموالاة والمحبة، كما أن الأصل في الكافر المعاداة، غير أن المبتدع والفاسق ينقص من موالاتهما بحسب جريرتهما، ولذلك قد يجتمع في المسلم حب وبغض: فيُحَبُّ لما معه من إيمان، ويُبْغَضُ لما اقترفه من بدعة وعصيان. قال شيخ الإسلام:» وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة « [٣٥] . ومن العدل: قبول الحق إذا جاء به أحد منهم: فليس من العدل رد الحق لكون صاحبه على خطأ أو باطل؛ فهما أمران غير متلازمين، وعندما يكون القول حقاً ويراد به باطل يرد ذلك القول (الحق) بسبب غايته لا بسبب قائله، وإنما كان قائله بما هو عليه من الباطل قرينة يستفهم منها الغاية التي من أجلها قبل ذلك (الحق) . قال معاذ ﵁:» اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافراً أو قال: فاجراً «، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال:» على الحق نور «. وقال شيخ الإسلام:» فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلاً عن الرافضي قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق « [٣٦] . ضوابط في إيقاع العقوبات بأهل البدع: تلك العقوبات المذكورة في المعلم الثالث الهجر فما فوقه لها ضوابط تختلف من حالة لأخرى؛ تبعاً لما يأتي: أ - اختلاف البدع. ب - أحوال المبتدعة. ج - أحوال أهل السنة أيضاً. وذلك» أن الشرع الشريف يزن الواقعات والأحوال الداخلة تحت قاعدته العامة (الولاء والبراء) بميزان قسط، وقسطاس مستقيم يكون وسطاً عدلاً بين جانبي الإفراط والتفريط، فلا تزيد عن حدها ولا تنقص عنه، فتلتقي العقوبة للمبتدع بالهجر مع مقدار بدعته باعتبارات مختلفة، وما يحف بذلك من أحوال تنزل على قاعدة (رعاية المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها) . فـ «هجر المبتدع ليس عاماً في كل حال، ومن كل إنسان، وكل مبتدع. وترك الهجر والإعراض عنه بالكلية تفريط على أي حال ... وميزانها للمسلم الذي به تنضبط المشروعية هو: مدى تحقق المقاصد الشرعية من الهجر: من الزجر والتأديب ورجوع العامة وتحجيم المبتدع وبدعته، وضمان السنة من شائبة البدعة» [٣٧] . قال شيخ الإسلام في المسلك الحق في الهجر: «فإن أقواماً جعلوا ذلك عامّاً، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به، [مما] لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات. وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ... ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجاباً أو استحباباً، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه» [٣٨] . وهناك حالات لا بد من مراعاتها والنظر فيها عند إيقاع العقوبات العملية، فأما إنكار القلب واعتقاد بغض المبتدع فغير داخل في هذه الحالات نحو: حال المهجور: ففرق بين القوي في الدين وبين الضعيف فيه؛ فإن القوي يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ به الضعيف في الدين، كما في قصة كعب بن مالك وصاحبيه، ﵃ [٣٩] . حال المكان: وفرق كذلك بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر بالبصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، رعاية للمصالح الشرعية [٤٠] . حال الهاجرين: إن مما تنبغي مراعاته كذلك حال الهاجرين أنفسهم؛ في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإذا كانت الغلبة والظهور لأهل السنة كانت مشروعية إيقاع العقوبات قائمة على أصولها، وإن كانت القوة والكثرة للمبتدعة ولا حول ولا قوة إلا بالله فلا المبتدع ولا غيره يرتدع بالهجر، ولا يحصل به المقصود الشرعي: لم يشرع الهجر، وكان مسلك التأليف أوْلى خشية زيادة الشر، وهذا كالحال المشروع مع العدو: القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح [٤١] . حال البدعة [٤٢] : فهي من حيث الكفر بها إما مُكفِّرة أو غير مكفِّرة. ومن حيث الاستقلال: حقيقية أو إضافية [٤٣] ، فليس الموقف من صاحب بدعة غير مكفِّرة كالموقف من ذي البدعة المكفِّرة. حال المبتدع نفسه: فهو متردد بين أن يكون داعية، أو جاهلاً، أو متأولاً، أو صاحب هوى، أو مستتراً، أو مصراً عليها. فالداعي للبدعة كما قال الشاطبي: «إذا دعا إليها فمظنة الاقتداء أقوى وأظهر، ولا سيما المبتدع اللسن الفصيح الآخذ بمجامع القلوب إذا أخذ بالترغيب والترهيب وأدل بشبهته التي تدخل القلوب بزخرفها» [٤٤] . والجاهل والمقلد يقول فيهما شيخ الإسلام: «وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه فهؤلاء تجد فيهم إسلاماً وإيماناً ومتابعة للكتاب والسنة» [٤٥] . وفي موضع آخر: «وهؤلاء الأجناس وإن كانوا كثروا في هذا الزمان فلقلة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغه ذلك» [٤٦] . والمتأوِّل له شروط: ألا يخالف معلوماً من الدين بالضرورة، وأن يكون تأويله سائغاً له وجه مقبول في اللغة، وأن يُعلم بقرائن الأحوال اجتهاده وأنه لا يقصد معارضة الشريعة. فأما صاحب الهوى: فيقول الشيخ حافظ الحكمي في حقه: «ولكن هؤلاء منهم من عُلم أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله فيه؛ فهذا مقطوع بكفره، وآخرون مغررون ملبَّس عليهم؛ فهؤلاء إنما يُحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم وإلزامهم بها» [٤٧] . وأما المستتر: فكما قال شيخ الإسلام: «لا سبيل لنا عليه؛ لأنه ليس أكثر شراً من المنافقين الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ » [٤٨] . وأما المصر عليها: فيجعل من قبيل الداعي إليها، فيكون داعية معلناً لها، وأما عدم الإصرار فهو من قبيل كونها فلتة، وزلة عالم إذا كانت منه ثم لم يعاودها [٤٩] . وهنا أمر في غاية الأهمية: وهو صورة من صور التعامل مع المبتدعة تختلف عما تقدم؛ فليست عقاباً ولا تألفاً، وإنما أدت الحاجة إليها وهي: ما إذا كانت الواجبات لدى أهل السنة مثل: الجهاد والتعليم والطب والهندسة ونحوها متعذراً إقامتها إلا بواسطتهم، فإنه يعمل على تحصيل مصلحة الجهاد، ومصلحة التعليم، مع الحذر من البدعة، واتقاء الفتنة به وبها ما أمكن. قال شيخ الإسلام: «فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس» [٥٠] . والله الموفق للصواب، والهادي للرشاد.

стр. 3668

فتاوى أعلام الموقعين فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية حول كتابَيْ: التحذير من فتنة التكفير.. صيحة نذير الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. أما بعد: فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء اطلعت على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من بعض الناصحين من استفتاءات مقيدة بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٢٩٢٨) وتاريخ ١٣/٥/١٤٢١هـ. ورقم (٢٩٢٩) وتاريخ ١٣/٥/١٤٢١هـ. بشأن كتابَيِ: «التحذير من فتنة التكفير» و «صيحة نذير» لجامعهما: علي حسن الحلبي، وأنهما يدعوان إلى مذهب الإرجاء من أن العمل ليس شرط صحة في الإيمان، وينسب ذلك إلى أهل السنة والجماعة، ويبني هذين الكتابين على نقول محرفة عن شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن كثير وغيرهما، رحم الله الجميع؛ ورغبة الناصحين بيان ما في هذين الكتابين ليعرف القراء الحق من الباطل ... إلخ. وبعد دراسة اللجنة للكتابين المذكورين والاطلاع عليهما تبين للَّجنة أن كتاب «التحذير من فتنة التكفير» جَمْع علي حسن الحلبي فيما أضافه إلى كلام العلماء في مقدمته وحواشيه يحتوي على ما يأتي: ١ - بناه مؤلفه على مذهب المرجئة البدعي الباطل الذين يحصرون الكفر بكفر الجحود والتكذيب والاستحلال القلبي كما في ص/ ٦ حاشية / ٢ وص/٢٢ وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الكفر يكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالشك. ٢ - تحريفه في النقل عن ابن كثير رحمه الله تعالى في: «البداية والنهاية: ١٣/١١٨» حيث ذكر في حاشية ص/١٥ نقلاً عن ابن كثير: «أن جنكيز خان ادعى في الياسق أنه من عند الله، وأن هذا هو سبب كفرهم» وعند الرجوع إلى الموضع المذكور لم يوجد فيه ما نسبه إلى ابن كثير رحمه الله تعالى. ٣ - تقوُّله على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ص/ ١٧ ١٨ إذ نسب إليه جامع الكتاب المذكور أن الحكم المبدل لا يكون عند شيخ الإسلام كفراً إلا إذا كان عن معرفة واعتقاد واستحلال. وهذا محض تقوُّل على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فهو ناشر مذهب السلف أهل السنة والجماعة، ومذهبهم كما تقدم، وهذا إنما هو مذهب المرجئة. ٤ - تحريفه لمراد سماحة العلاَّمة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى في رسالته/ تحكيم القوانين الوضعية؛ إذ زعم جامع الكتاب المذكور أن الشيخ يشترط الاستحلال القلبي مع أن كلام الشيخ واضح وضوح الشمس في رسالته المذكورة على جادة أهل السنة والجماعة. ٥ - تعليقه على كلام من ذكر من أهل العلم بتحميل كلامهم ما لا يحتمله كما في الصفحات ١٠٨ حاشية/ ١، ١٠٩ حاشية/ ٢١، ١١٠ حاشية /٢. ٦ - كما أن في الكتاب التهوين من الحكم بغير ما أنزل الله وبخاصة في ص / ٥/ ح/ ١. بدعوى أن العناية بتحقيق التوحيد في هذه المسألة فيه مشابهة للشيعة الرافضة وهذا غلط شنيع. ٧ - وبالاطلاع على الرسالة الثانية: (صيحة نذير) ، وُجد أنها كمساند لما في الكتاب المذكور وحاله كما ذُكر. لهذا فإن اللجنة الدائمة ترى أن هذين الكتابين لا يجوز طبعهما ولا نشرهما ولا تداولهما لما فيهما من الباطل والتحريف، وننصح كاتبهما أن يتقي الله في نفسه وفي المسلمين وبخاصة شبابهم، وأن يجتهد في تحصيل العلم الشرعي على أيدي العلماء الموثوق بعلمهم وحسن معتقدهم، وأن العلم أمانة لا يجوز نشره إلا على وفق الكتاب والسنة، وأن يقلع عن مثل هذه الآراء والمسلك المزري في تحريف كلام أهل العلم، ومعلوم أن الرجوع إلى الحق فضيلة وشرف للمسلم. والله الموفق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... ... ... ... ... ... ... الرئيس ... عبد الله بن عبد الرحمن الغديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ عضو ... ... ... ... ... ... ... عضو بكر بن عبد الله أبو زيد ... ... ... ... صالح بن فوزان الفوزان ... ... ... الرقم: ٢١٥١٧ التاريخ: ١٤/٦/١٤٢١هـ

стр. 3669

قضية للمناقشة قراءة في الذهنية السلفية نواف الجديمي ثمة شيء ينبغي أن يقال وهو: إن عمليات المراجعة والنقد لكل الأفكار والمواقف والتحركات السابقة، وتكرر عملية التصحيح وتقييم الماضي: هي الضمان الوحيد للبقاء والحيوية والتجدد لكل الحركات والجماعات والتيارات والأحزاب، بل إن النظريات المجردة لا بد أن تخضع لنفس المقياس إن أرادت الدوام والاستمرار. الإشكالية المتجددة دائماً، والتي ترافق عمليات النقد والمراجعة: هي الشعور الذي قد يعم الشريحة السائدة، وربما النخبة أحياناً، بأن هذا النقد لا ينبع من صدق وإخلاص للحركة أو المبدأ، وإنما يهدف إلى التقليل من قيمتها والحط من قدرها، فضلاً عن أن تسيطر نظرة تآمرية ضد القائمين بالنقد واتهامهم بمحاولة التخريب والهدم من الداخل، مما قد يستتبع تصدي البعض للدفاع والذود عن تلك القضايا، والثبات على كل مواقفها وتحركاتها ربما دون قناعة حقيقية بها، وإن كانت تحمل العديد من الأخطاء والإشكاليات، معتقدين أنهم بذلك أكثر إخلاصاً وانتماءً. إن استقراءاً مبسطاً لوقائع التاريخ ونشوء الأفكار والحركات يعطينا دلالة كبيرة على أن عملية التصحيح المتجددة هي التي تبعث القدرة على الاستمرار، ولا أدل على ذلك من الديمقراطية بوصفها نظاماً للحكم التي بدأت واقعاً ملموساً بعد الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م، وكانت آنذاك مقصورة على النبلاء والخاصة، ثم ما لبثت تتطور حتى وصلت إلى صيغتها الحالية، وهي ما زالت تمارس نوعاً من النقد الذاتي واستعداداً للتطور نحو الأفضل. أما الشيوعية فكانت على النقيض؛ إذ إن الجمود والتصلب كانا السمة الغالبة للدولة الشيوعية رغم ملامح التطور الطفيفة التي أجراها خروتشوف ومن بعده بريجينيف بعد زوال الحقبة الستالينية وذلك مما عجل في زوالها. حتى مبدأ الحرية المطلقة والذي كان نتاجاً للثورة الفرنسية بدأ يراجَع في الغرب؛ إذ بدأ وهجه يتضاءل، وطفت هشاشته على السطح؛ ولذلك تسود الغرب اليوم ومنذ الخمسينيات من هذا القرن نظرية المسؤولية الاجتماعية بوصفها نظرية بديلة عن نظرية الحرية المطلقة. وكذا الرأسمالية كنظام اقتصادي حر والذي ساد الغرب سنين طويلة، بدأت الاشتراكية تزاحمها على السلطة، وبدأت الولايات المتحدة تتجه إلى تطوير جديد للنظرية أسمته الطريق الثالث. إذاً فالغرب ما فتئ يتطور ويراجع نظرياته ومواقفه؛ لذلك هو قادر على التفوق المادي والتقني، بل وفي العلوم الإنسانية كالإدارة والفلسفة والاجتماع، رغم الخواء الروحي الذي تعيشه فئات المجتمع والضياع والانحلال والتمزق الأسري، والذي كان مفترضاً أن يلقي بظلاله على الجوانب المادية الأخرى. ونحن المسلمين إذ نملك منهجاً ربانياً صالحاً لكل زمان ومكان فإن مجال النقد والتقييم لا يأخذ حيزاً واسعاً من قناعاتنا وإن كنا في الوقت ذاته لا نستطيع نفيه وإقصاءه إذ إن كثيراً من مواقفنا وقناعاتنا خاصة فيما يتعلق بأساليب التربية والتنشئة، والتعامل مع الآخر، والقدرة على التحليل والاستنتاج لمجريات الحياة اليومية ومستحدثاتها على الجانب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ومن ثم اتخاذ المواقف الصحيحة ليست خاضعة لثوابت الشريعة بقدر ما هي اجتهادات بشرية محضة تخضع للحوار والمراجعة. والسلفية إذ تملك منهجاً ربانياً واضحاً، وعقيدة صحيحة وتأسياً بسلف هذه الأمة، لهي الأوْلى بمراجعة الماضي وتقييمه، وهي الأوْلى بالرجوع إلى الحق إن تبين لها ذلك. ولكن الحقيقة التي لا يمكن أن نغفل عنها أننا أصحاب حساسية مفرطة لأي محاولة للنقد والتقييم، وننظر إليها بتشكك وريبة، فضلاً عن سوء الظن الذي يصبغ نظرتنا لدوافع هذا الكاتب أو ذاك من عملية النقد. قد أكون مخطئاً عندما أرى أن جميع محاولات النقد والتقييم سواء كانت من داخل البناء أو من خارجه، تصب في النهاية لصالح تلك الجهة التي تعرضت للنقد؛ وذلك إن استطاعت الاستفادة منه في تصحيح مسيرتها. ونحن إذ ندعو لقراءة الذهنية السلفية لَنطالب بممارسة هذا النقد لمواقفنا وعلاقاتنا بكل تجرد وموضوعية، حتى نستطيع مراجعة الماضي ومن ثم التخطيط السليم للمستقبل، وتبني أساليب ومواقف صحيحة ومتعلقة بعملية البناء الذاتي للأفراد، أو الجماعي للمجتمع والأمة، أو في علاقتنا مع الآخر. ونقول ذلك مع إدراكنا أن السلفية ليست نمطاً واحداً بل هي ألوان طيف متعددة، وفيها أصوات هادئة وأخرى متشنجة لا نستطيع تجاهلها، وندعو إلى التعامل معها وتصحيح مواقفها، ومع ذلك فهي تحوي جمهوراً غالباً له مشتركات كثيرة، ويسوده تقارب كبير في الأفكار وطريقة التنشئة، وهذه الشريحة هي التي نقصدها ونتوجه إليها. لذلك فأنا أدعو إلى إعادة التقييم والمراجعة والنقد. وأبدأ ذلك حفزاً للهمم، مع إدراكي بقصوري لاستقرائي وبحثي المحدود، تضاف إليه تجربة محدودة. وأزعم أن هذه الإشكاليات التي سأذكرها تكاد تسود غالب الاتجاهات السلفية المعاصرة، وأدعو الإخوة إلى تسديد الأخطاء، وأن يتسع صدرهم لهذا النقد والتقييم؛ فلأن نقوم بذلك ونخطئ خير من أن نكتفي بتلميع الذات وذكر الأمجاد. صراع الأفكار والمعلومات: إن أردنا الدخول في صراع الأفكار والمعلومات فلا بد أن نكون حذرين؛ لأننا ندخل حقلاً من الألغام؛ ذلك أن الموضوع في طبيعته يتعرض لمفهوم كان وما زال سائداً في أذهان الكثيرين، ولذلك فإن مجرد طرحه قد يثير السواكن، ويلقي حجراً في الماء الراكد. ما أريد قوله ببساطة هو: إن التيار السلفي دائماً ما يركز على دائرة المعلومات ويهمل دائرة الأفكار. السؤال الذي يتبادر الآن هو: كيف؟ ! والجواب: أن غالبية التيار السلفي المعاصر مع بعض امتداداته في التاريخ، لا يسلط الضوء بل لا يعطي قيمة إلا للمعلومة المجردة بوصفها وحدة معرفية مستقلة عن دائرة الأفكار. فالمعلومة هي مجال التفوق والتميز، وبقدر ما يحفظ الشخص من الأرقام والأحداث والآثار والأحاديث والكتب والأسماء والتواريخ ينال هذا الشخص مكانة مرموقة، ويوضع في خانة التفوق والإبداع، أما دائرة الأفكار وما تحويه من القدرة على التحليل والاستنتاج والسبر، وربط الأحداث، وتفكيك الظواهر المعقدة، وتوليد الأفكار، والقدرة على الفرز والنقد، فهذه الدائرة لا قيمة لها؛ لأنها لا تحوي كمّاً ملموساً نستطيع حسابه ومعرفة قدره. إن تسليط الأضواء على المعلومات دون الأفكار بات أمراً سائداً في أوساط الشباب المتدين اليوم، فأصبح الحفظ وتدوين المسائل ومعرفتها هو أقصر الطرق للبروز بين الأقران، بل إن الأمر يتجاوز أوساط الشباب إلى شرائح أكبر سناً وأكثر نضجاً وتجربة، ولذلك نجد هذا التلميع للدائرة الأولى على حساب الدائرة الثانية امتد حتى داخل تخصصات العلوم الشرعية، فنجد مثلاً أن من يحفظ كتب السنة الستة قد لا تقارن شهرته وتعلق الشباب به بالمتضلع في أصول الفقه. مع أن هذا الأخير أكثر قدرة على العطاء للأمة اليوم مع هذه الثورة التقنية والفكرية الهائلة التي يشهدها العالم، والتي غيرت كثيراً من طبيعة الحياة وتفاصيلها. وهذا واقع يدركه كل من عاش بين أوساط الشباب. ذلك فضلاً عن الإهمال الكبير وربما الازدراء لكتب الفكر حتى الإسلامي منها، مما انعكس بدوره على تسطيح كبير للعقول، حتى صار مصطلح الفكر قرين السفسطة الفارغة التي لا تكاد تعني شيئاً غير القدرة على الكلام المنمق والمتكلف. إن الأفكار هي التي تصنع الحضارات، وتدعمها بوقود لا ينفد للاستمرار والبقاء. والتاريخ كله يشهد على أن تغيرات العالم هي تغيرات أفكار ومعتقدات؛ فالثورة الفرنسية لم تقم رفضاً للتسلط الكنسي فقط، بل هي في أساسها كانت إرهاصاً لعديد من الأفكار التي سبقت الثورة بما يزيد عن القرنين، ولذلك كان شعارها عند قيامها «الحرية، والإخاء، والمساواة» . والشيوعية قامت على فكرة صراع الطبقات وعلى أساس المادية الجدلية والمادية التاريخية، والنازية قامت على فكرة تفوق العرق الألماني على بقية الأعراق والإثنيات. وتاريخنا الإسلامي مليء بالحركات والتغيرات التي قامت على الأفكار الصحيحة والمنحرفة، ولا أدل على ذلك من أن مبعث رسالة محمد عليه الصلاة والسلام كانت لتغيير معتقدات الناس وأفكارهم، وإعادتهم إلى الحنيفية المسلمة، وثورة الخوارج قامت على فكرة عدم جواز تحكيم الرجال في كتاب الله. والشيعة أول ما قامت كانت لفكرة أحقية عليّ ﵁ بالخلافة لأنه من آل البيت، وفي تاريخنا القريب لم تقم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا على تصحيح معتقدات الناس مما علق بها من شرك وتصوفات، ولم تقم جماعة الإخوان المسلمين إلا على فكرة دعوة الناس إلى التمسك بالإسلام وتوحيد الصفوف. واليوم نعيش زمن فورة الأفكار والتصورات والمعتقدات التي تملأ عالمنا بشكل مذهل، وإذا اجتزأنا القرن العشرين وسلطنا الضوء على منطقتنا العربية نجد أن هناك عدداً من الأفكار والأيديولوجيات سيطرت في مراحل متعددة على قطاع كبير من الناس في العالم العربي؛ وأبرزها القومية العربية، والماركسية الشيوعية، والبعث العربي، والنظرية الليبرالية الغربية. والسؤال الحيوي هنا: ما مدى معرفة السلفيين بتلك الأيديولوجيات التي سيطرت زمناً على منطقتنا؟ وهل تمت دراستها دراسة مفصلة متعمقة للرد عليها وتبيين عوارها من داخلها، كما كان منهج ابن تيمية في الرد على خصومه؟ الحقيقة أن ذلك لم يحصل إطلاقاً.. وإن وجد من الإسلاميين من تصدى لهذه الأفكار دراسة ومعرفة ومن ثم رداً وتفنيداً؛ فهم دون شك من خارج التيار السلفي، وهم في الغالب غير مرضي عنهم، ويحملون العديد من المخالفات في الفكر والاعتقاد كما يصفهم أفراد التيار السلفي، بل إن المتخصصين في العقيدة من السلفيين وهم أقرب الناس إلى دراسة هذه المعتقدات الجديدة ما زالت قائمة المذاهب والمعتقدات المنحرفة التي تدرس عندهم تدور حول القدرية والكلاَّبية وإخوان الصفا والجهمية؛ مع أن انتشارها تناقص كثيراً إلى درجة الانتهاء أحياناً؛ في الوقت الذي يهملون فيه المعتقدات المتوجهة في العالم اليوم والتي قد تلاقي قبولاً في المجتمعات المسلمة؛ فمثلاً هل دُرست الديمقراطية كآلية للاختيار ونظام للحكم من أصحاب التيار السلفي بدلاً من فتاوى التحريم الجاهزة ربما دون استيعاب جيد للفكرة؟ وهل لاقت الأنظمة البنكية الدراسة التفكيكية الشرعية الجيدة من أجل إيجاد بدائل إسلامية للمعاملات البنكية الربوية؟ وهل وجد علم النفس الدراسة التحليلية العميقة لآخر نظرياته وأطروحاته ومن ثم الدراسة الشرعية لها؛ ومعرفة مدى موافقتها للتصور الإسلامي ثم محاولة استخراج ملامح للنظرية الإسلامية في علم النفس؟ هل قام رموز التيار السلفي بدراسة هذه القضايا الملحة في الساحة اليوم، أم أنها إلى الآن ليست من باب المفكَّر فيه؟ أما إن أردنا الحديث عن آخر النظريات الفلسفية والفكرية في العقود القليلة الماضية، وآخر الدراسات والتحليلات للمجتمعات المعاصرة، والتطورات الحضارية، والاستقراءات المستقبلية، كصراع الحضارات، ونهاية التاريخ، وحوار الإسلام والغرب، وصراع الأيديولوجيا، والاختراق الثقافي ومسائل الهوية، وكلها قضايا معقدة ومتشابكة وتحتاج إلى فهم متأنٍ واستيعاب عميق فإننا سنجد دون شك أن غالب النُخب السلفية من علماء وطلبة علم وتربويين ومحاضرين وغيرهم لم يسمعوا بتلك المصطلحات من قبل؛ فضلاً عن أن يكونوا درسوها واستوعبوها. وإن كان قد سمعوا بها فقد لا يزيد الأمر في كثير من الأحيان عن نظرة الازدراء والدونية لتلك السفسطات الفارغة التي لا تنفع المسلم في دنيا ولا دين. كما قد يقال. وفي الوقت الذي يتعاظم فيه دور المفكر على مستوى العالم يتضاءل دور الحافظ والمتقن للمعلومات والكتب والأرقام، بسبب تطور تكنولوجيا الصناعة وإنتاج أجهزة حفظ المعلومات ووسائل استرجاعها وطباعتها، والذي جعل أجهزة حاسب صغيرة وبواسطة أقراص ممغنطة تستطيع حفظ عدد هائل من المعلومات قد تفوق في كميتها المكتبات الضخمة، وقد خدمت هذه الأجهزة الجانب الشرعي كثيراً؛ إذ توجد اليوم أقراص ممغنطة تحوي أكثر من مائة وعشرين كتاباً في الحديث، وأقراص أخرى جمعت الكثير من المسائل الشرعية وأقوال الفقهاء؛ مما جعل الحصول على الحديث أو رأي الفقهاء في إحدى المسائل أمراً متيسراً بالقدر الذي لا يتجاوز مجرد الضغط على عدد من الأزرار. والسنون حُبلى بتطورات كثيرة في هذا المجال، وإن كنا نؤكد أن هذا لا يقلل بالضرورة من قيمة العالم ولا ينقص من قدره. ولكن إذا أردنا أن نكون منصفين فإنه من دون شك يقلل كثيراً من قيمة التوجه الحفظي للعلماء وطلبة العلم، ويزيد من قيمة القدرة على الاستنباط واستخراج الأحكام وغيرها من العمليات التي تعتمد على العقل لا الذاكرة. ولا أنسى الإشارة إلى أن هناك دون شك تداخلاً بين دائرة الأفكار ودائرة المعلومات، وأن هناك مشتركات كثيرة في الوسط بين المسارين، ولكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أن هناك تبايناً كبيراً بين أطراف الدائرتين، لذلك نجد أصحاب التيار السلفي قد يحيطون بهذه المشتركات، وقد يدخلون قليلاً إلى دائرة الأفكار، ولكنهم بالطبع لا يوغلون في الدخول، ولا يصلون الأعماق. النشء الذي لا يكبر: ربما تكون من إشكاليات الذهنية السلفية والتي تتقاطع مع النقطة السابقة في بعض الجوانب وتتفاوت في جوانب أخرى: النظر بتخوف وتوجس للتدفق الهائل في المعلومات والأفكار في عالم اليوم، والخشية من تأثر النشء بها، هذا النشء الذي قد يمتد عمره إلى قرابة الثلاثين وربما أكثر وهو غير قادر على الفرز والقراءة النقدية، ويخشى عليه دائماً من التأثر حتى بأبسط الأفكار وأكثرها سطحية وضحالة. أما الرموز وطلبة العلم والمربون فهم وحدهم القادرون على الفهم الواعي للأفكار التي تطرح، والكشف عن مدى مخالفتها للشرع، وربما أحياناً الكشف عن خبثها ومكرها والسموم التي تدسها من أجل التأثير على جيل النشء؛ ثم قد يُطرح عدد من التساؤلات مثل: ما قيمة هذه الأفكار؟ وما وزنها؟ وما مقدار فائدتها للشباب الناشئ؟ ! وإذا أشكل على الشباب شيء في معرفة سيرة مؤلف أو كنه كتاب؛ فما عليه إلا أن يسأل أحد المهتمين من نفس التيار ليعطيه فتوى جاهزة مقبولة في شأن ذلك الكتاب أو ذاك المؤلف؛ مما ينتج عنه أحياناً اختزال كبير للأفكار في حدود مقولات مبتسرة لا تكشف فكراً ولا تروي ظمأً، فنجد أن عقولاً ضخمة في الساحة الفكرية والثقافية أنتجت مشاريع ودراسات فكرية تحليلية رائدة، يُختزل فكرها في أن فلاناً يرى في الجنة والنار كذا، وأن فلاناً يؤوِّل الصفات ولا يثبتها، وغير ذلك من اختزال للأفكار الهادرة في قطرات قليلة وجمل مجتزأة، وأبسط ما تحلل به كتابات هؤلاء أن يقال: إن فلاناً تأثر بالفكر القومي، وفلاناً ماركسي سابق، وفلاناً يعاني من الاستلاب للغرب، وتكفي هذه المقولات لإسقاط هذا المؤلف أو ذاك من قائمة الذين يستفاد منهم، فينشأ الشاب على أن فلاناً هو من يرى كذا، وفلاناً هو من يرى كذا، ربما دون أن يرى غلاف كتاب لأحد هؤلاء الذين تكلم عنهم فضلاً عن أن يكون قد قرأه. وربما نكون في حاجة إلى التأكيد على أن التذكير بمخالفات أي كاتب ومفكر خاصة في مجال الاعتقاد أمر مطلوب؛ ولكن ينبغي قبل ذلك إعطاء صورة واضحة ومنصفة عن تلك الأطروحات أو الدراسات الرئيسة التي أنتجها هذا المؤلف. كما أنه من المعلوم أن الشاب والقارئ السلفي في الجملة لا يأخذ عقيدته من ذلك النوع من الكتب، مما يقلل من مقدار تخوفنا من الاستلاب والتأثر. هذا السلوك في التعامل مع الأطروحات الفكرية والثقافية ربما ينتج في المستقبل ردود أفعال تتفاوت في شدتها، مثل أن تقرأ بعض هذه الكتب في الخفاء ودون علم المحيطين، مما قد يصيب بعضاً بردة فعل عنيفة، خاصة عندما يستوعب تلك الأفكار والكتب، ويكتشف أنه كان يعيش فترة تغييب لعقله وازدراءً لقدراته. وربما اتهم من كان معهم بالسطحية والضحالة وهشاشة الفكر، وممارسة الوصاية على من دونهم، ومصادرتهم للرأي الآخر وتهميشه أياً كانت قوته وعمقه. أذكر أن أحد الإخوة وهو يعمل مديراً لإحدى المدارس الثانوية الأهلية التقى عدداً من أساتذة العلوم الشرعية المتقدمين للتوظيف، ودار بينهم حوار حول عدد من القضايا الثقافية، فكان يقول: إنه فوجئ بالمستوى الثقافي المتدني جداً، وبالبساطة والسطحية عند هؤلاء الأساتذة، مما جعلني أقول له: إن هؤلاء من النشء الذي لا يكبر. نعم النشء الذي يظل نشئاً لا يملك القدرة على الفرز والتقييم والفهم لأي طرح ثقافي وفكري إذا لم يضع قدميه على طريق التطور نحو الأفضل والفهم والإدراك للأطروحات الحديثة بشكل متزن ومتدرج، وإلا فسيكون أحد ضحايا النظرة السائدة التي ترى أن أصحاب المرحلة الثانوية هم صغار من الصعب أن يستوعبوا تلك القضايا «المعقدة» ! ! .. ومن هم في المرحلة الجامعية لا يملكون القدرة على التمييز والفرز، وربما تشوش أفكارهم ويدخلون في إشكالات ومعتركات قبل الأوان، والموظف وهو متزوج في الغالب لديه من هموم الحياة وطلب الرزق والعمل الدعوي ما يصرفه عن الاهتمام والمتابعة، حتى إذا امتد العمر بذلك النشء، كان في حقيقته لا يزال نشئاً لا يستطيع الدخول في عالم الفكر والثقافة دون تأثر؛ لأنه لا يملك آليات النقد والتقييم. وإن أراد الدخول فإن استعداده للتطور والاستفادة يكون قد تقلص كثيراً؛ لأنه صار يملك عقلاً قد شكلته البيئة والتوجهات السائدة فيها حتى صار أشبه بقطار يسير على سكة حديد لا يحيد عنها لا يميناً ولا شمالاً، ثم في النهاية لا يزيد على أن يكون رقماً مفرداً قد ينفع فقط في تكثير السواد. قد يقال: يكفي أن تنفر طائفة من المؤمنين بهذا الأمر دون الآخرين. وهذه حقيقة دون شك؛ إذ من البداهة أن ذلك ليس مطلوباً من الجميع ولا حتى الغالب إذا كنا نتحدث عن التخصص في هذا المجال والتعمق فيه، ولكن إذا كان الحديث عن قضية الوعي والنضج في التعامل مع الآخر أياً كان، فلا أقل من أن تكون سمة غالبة، ولا أعتقد أننا بذلك نطلب مستحيلاً. ثم في موضوع التخصص: أين هي تلك الطائفة التي تكفي الآخرين هذا الأمر؟ ! هل هي موجودة فعلاً؟ أم لا نزال في طور الإعداد والتنشئة؟ لأنه عند استقراء سريع للساحة الثقافية اليوم قد لا تخرج بأكثر من أسماء تعد على أصابع اليدين إن تواضعنا كثيراً في شروط التقييم. إن كنا نريد أن نقوم بواجبنا على هذا الصعيد، وأن نعد إجابات للأسئلة النهضوية الملحة من واقع شريعتنا وبصفاء منهج السلف، فلا بد من إعادة النظر بأساليبنا في التنشئة والتكوين، قبل أن تفد علينا إجابات من الخارج، ينشغل مثقفونا في تفنيدها والرد عليها، دون أن نصنع من ثقافتنا شيئاً يلائم هذا الواقع بمستحدثاته التي لا تتوقف. المؤامرة.. المؤامرة: قد لا تكون النظرة التآمرية صفة إسلامية بقدر ما هي عقدة عربية تجمع غالب التوجهات والتيارات والأحزاب في عالمنا العربي، وتشكل نقطة محورية في علاقاتها مع الغرب وطريقة التعامل معه، وهي نزعة تشكلت في صورتها الحدية المعاصرة بعد سيطرة الاستعمار على العالم العربي، وما صاحبه من ظلم وطغيان وتكميم للأفواه. وبدءاً يجب أن نؤكد على قضية هي من المسلَّمات والثوابت في عقيدة المسلم، ولكن التأكيد عليها قد يحد من الفهم الخاطئ لمضمون هذا الكلام ومقاصده وهي: أن عداء الغرب للإسلام والتآمر عليه ومحاولة إضعافه هي مسألة عقيدة قبل أن تكون مسألة فكر وتحدٍّ حضاري: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) . ولكن من هو الذي يكره الإسلام في الغرب؟ هل هم كل أفراد المجتمع؟ ! أم المؤسسات الحاكمة؟ وهل ما يحرك الغرب في علاقاته مع العالم الإسلامي والعربي هو نزعته العدائية فقط؟ أم أن هناك مجموعة معقدة وخطوطاً متداخلة في خريطة العلاقات السياسية. وهناك مصالح وموازين قوى، ربما تجعل الغرب في ظروف معينة يدعم الحركات الإسلامية ولو معنوياً كما حصل في أفغانستان، وهذا ما لا يتصوره بعضهم، والتي تجعل المسلمين الذين يعيشون في الغرب أكثر حرية في إقامة شعائرهم وعباداتهم وبناء مساجدهم ومراكزهم، بل وفي دعوتهم للإسلام لأفراد تلك المجتمعات، واستخدام بعض الوسائل الإعلامية الرسمية، فضلاً عن الحرية في تنفيذ وإصدار أي وسيلة إعلامية خاصة، وهذا ما لا يحصل قطعاً في معظم الدول الإسلامية إن لم يكن في جميعها. لذلك فمع إيماننا بهذا العداء، إلا أن المسألة لا تحسم بوصفات وفتاوى جاهزة ومبسطة، بل تحتاج إلى تصور واقعي وسياسي ومصلحي، يضاف إلى تصورنا العقدي المستقر في النفوس، حتى نصل إلى صورة أقرب للحقيقة لهذه اللحظة التاريخية المعقدة من عمر العالم. إننا نجد أن الأجيال الإسلامية الشابة في معظمها تربى اليوم على نزعة تآمرية حادة تفسر بها كل الظواهر المعادية للإسلاميين والمتدينين، وتضع كل المعادين في سلة واحدة، وتحشدهم في جبهة موحدة هدفها ضربهم والقضاء عليهم، حتى إننا نساهم في رسم صورة ذهنية سطحية لدى الناشئة مفادها: أن كل هؤلاء العلمانيين بكل ما يحمله هذا المصطلح من تعميم يشمل: الليبراليين والشيوعيين والبعثيين والقوميين والمنحلين خلقياً أن كل هؤلاء هم ببساطة عملاء للغرب سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ويُدعمون منه مادياً ومعنوياً، وأن هدفهم الوحيد هو القضاء على المتدينين، ومن ثم القضاء على الإسلام؛ مما قد يرسم صورة كاريكاتيرية في أذهان بعض الناشئة تجعلهم يتخيلون أشكال هؤلاء المتآمرين وهم يجتمعون في سراديب مظلمة، حيث تنبت لهم قرون التآمر، وتتسع العيون وتزداد حدتها، وهذه الصورة وإن بدت مضحكة إلا أنها نتاج طبيعي للخطاب التعبوي واللغة العاطفية التحريضية، وتوجيه الرأي العام الإسلامي الذي تمارسه بعض رموز الصحوة في كل طرح جماهيري، ضد كل من يحمل توجهات مخالفة للتيار الإسلامي، وربما يتكرر الاستشهاد ببروتوكولات حكماء صهيون، حتى ترسم في ذهنياتنا الصياغة المثلى لتوصيات المتآمرين في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم. إن طرحاً بهذا التوجيه له دون شك انعكاسات خطيرة على ذهنية الشباب المتدين؛ حيث يساهم في تشكيل عقليات مسطحة وحدية، تتعامل مع ظواهر الحياة وتفاصيلها ببساطة مفرطة، وتبني خوفاً من هذا الجيش العارم والمنظم تنظيماً دقيقاً من العملاء والمنافقين والحاقدين في الداخل، وأسيادهم الذين يدعمونهم في الخارج، وتبني عداءاً ليس فقط لكل من له انتماءات أيديولوجية أخرى، بل ربما لكل من يشك في ولائه للتيار المتدين بكل مواقفه وأطروحاته، حتى يغدو من الصعب تصور أن العدو رقم واحد للماركسيين في العقود الماضية كانت الليبرالية الأرستقراطية، لا التيار الإسلامي وإن وقف في الخانة الثانية، وأن ألد أعداء القوميين والبعثيين هو الغرب المستعمر وعملاؤه في الداخل، لا التيار الإسلامي وإن وقف أيضاً في خانة العداء. هذا التفسير التآمري للظواهر والأحداث الحياتية ربما أخذ منحىً آخر، هو محاولة التصدي والاستعداء لكل المستحدثات العلمية الحديثة ذات الطابع الإعلامي والجماهيري، والتي هي نتاج تطور تقني محض، وجعلها وكأنها لم تصنع ولم توجد إلا لمحاربة الإسلام ولصرف الشباب المسلم عن دينه؛ حيث ما زلنا نسمع من يطالب بتقليص انتشار الإنترنت وإغلاق المقاهي المخصصة له؛ لأنها قد تستخدم في العبث المحرم، دون مجرد التفكير في إيجاد بدائل وحلول، ولأن التاريخ يعيد نفسه، فقد كان الطرح الإسلامي قبل عدد من العقود هو محاربة المجلات والإذاعات والتلفاز بعموم، أما اليوم وبعد أن صارت تلك المستحدثات واقعاً مفروضاً، ووجدت بدائل إسلامية، صار الطرح مختلفاً؛ فليس كل المجلات تحارَب لأن هناك مجلات إسلامية نافعة، وليس كل الإذاعات سيئة؛ لأن هناك إذاعات مفيدة وتخدم الدين، وليس التلفاز بعمومه حراماً؛ لأنه قد يحوي برامج إسلامية جيدة ومفيدة، ومع أن هذا يمثل اليوم وعياً، إلا أنه وعي متأخر ينطبق عليه المثل الذي يقول: «حكيم بعد الحادث» . لعل من أسباب هذا التفسير التآمري غياب التصور الصحيح للخريطة الأيديولوجية في العالم العربي أثناء القرن الأخير وفي العقود القليلة الماضية، وطبيعة المتغيرات التي حصلت، وطريقة نشوء الأفكار وانتشارها، وتأثر الضعيف بالقوي، واستلاب المغلوب للغالب كما وصفه ابن خلدون في المقدمة الذي ساهم في تشكيل جيل يحمل مبادئ الغالب شرقياً كان أم غربياً، لا بطريقة تآمرية نفاقية بل بقناعة حقيقية تنتج أحياناً عن إخلاص وصدق وحب للمجتمع والأمة، وإن كان ظل بهذا السبيل، بل ربما كانت هذه المبادئ والأيديولوجيات نتاج البيئة العربية المحضة في إحدى مراحل الضعف، كما هو الحال بالنسبة للقومية العربية والبعث العربي، اللذين يقومان في أساسهما على بث الروح العربية الوحدوية في أرجاء العالم العربي. إننا نضيع وقتاً في الانشغال المستمر في محاولة تقصي المؤامرات والتصدي لها وفضحها، مما قد يسبب ضياع كثير من الجهود على حساب بنائنا الداخلي وتكوينه الثقافي الذي يجب أن يعد لمواجهة متغير لا يكاد يتوقف، وزرع الوعي المبكر في عقول الأجيال، ومد الجسور بوعي وبصيرة لأقرب التوجهات والأيديولوجيات المعاصرة، وبناء تحالفات تكتيكية لخدمة الأهداف المشتركة. وفي آخر هذه السطور التي لا تعدو أن تكون إشارات مقتضبة لقضايا تحتاج الكثير من الحوار والنقاش، أرجو أن تكون معالم هذه الأفكار قد اتضحت وتجلت وإن كان بشكل مختصر ومتعجل؛ لأنني أعوِّل كثيراً على قدرتنا في مراجعة مواقفنا وتصوراتنا، وعلى النقد الذاتي المتبصر لمسيرتنا وواقعنا، وإن كان هذا النقد لا يصفو في بداياته من أخطاء. بقي أن أشير إلى أن هناك تطوراً واضحاً في صفوف التيار السلفي إذا ما قورن بالعقود الماضية، ووعياً متزايداً يبشر بارتفاع مستمر لمؤشر القياس، مما يدعونا إلى مزيد من الوقفات والمراجعات تجنبنا الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعنا فيها سابقاً، ومن أجل ألا يكون تاريخنا الذي يعيد نفسه إلا ذلك الذي يحمل النجاح والتقدم والإبداع.

стр. 3670

قضية للمناقشة تنزيل الشريعة الإسلامية في الواقع الإسلامي الراهنبين بين الرفض والقبول محمد إكيج يعيش العالم الإسلامي بشكل عام، والعربي منه على وجه الخصوص صحوة إسلامية هائلة تؤكد أوبة الجماهير المسلمة إلى هويتها الأصيلة، ورغبتها وطموحها في تحقيق النهوض الحضاري الذي طال انتظاره تحت ضغط التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء، ولئن شملت مسحتها نفسية الشعوب وغشيت غاشيتها سلوكياتها ومعاملاتها، وبدأنا نلحظ يوماً بعد يوم اندحار المظاهر التغريبية الهجينة في سلوكيات بعض الأفراد والجماعات في المجتمع الإسلامي؛ فإنها أفرزت إفرازات إيجابية محمودة تاخمت عتبات الأنظمة والمؤسسات الحاكمة في البلاد الإسلامية الراهنة؛ رغم صنوف التضييق والحصار تارة والتهميش واللامبالاة تارة أخرى. ولعل من حسنات هذه الصحوة المباركة أنها أعادت الاعتبار والمصداقية والمشروعية ولو على المستوى النظري لقانون الأمة الأصيل الذي ساد في المجتمعات الإسلامية زمن الوهج الحضاري للأمة الإسلامية؛ رغم فترات النكوص والتذبذب التي انتابت مساره التاريخي قبل أن «يتوارى» عن التطبيق على إثر الهجمة الشرسة للقوانين الوضعية الغربية والمتغربة، والتي حاصرته حتى في المواقع الضيقة التي تهم شخصية المسلم وأحواله العائلية. لقد غدت الشريعة الإسلامية وإشكالية تطبيقها في الواقع الإسلامي الراهن من المواضيع الأساسية التي تشغل بال المفكرين سواء أكانوا إسلاميين أم علمانيين، كل من وجهة نظره الخاصة، ولم تعد الدعوة إلى تطبيقها مقتصرة على برامج الحركات الإسلامية وبعض الدعاة المخلصين، وإنما بدأت تشق طريقها نحو العديد من الهياكل التنظيمية والبُنى الدستورية والقانونية لبعض الدول العربية والإسلامية، بل وترجم ذلك عملياً بإدخال نصوص جديدة أو تعديل نصوص قديمة في دساتيرها وقوانينها التي تتعلق بمصادر التشريع التي تمتاح منها إلا أن هذا الموضوع وكما هو الشأن لكثير من المواضيع الإسلامية الحساسة كان عرضة لكثير من سوء الفهم والتعسف في التأويل والنقد والتغليط، مما جعل الآراء والتصورات يتوزعها تياران رئيسان: أ - تيار مؤيد وراغب في التطبيق ويمثله عموم الإسلاميين. ب - تيار رافض أو متحفظ إزاء هذا التطبيق، ويمثله عموم العلمانيين بمختلف توجهاتهم. وإذا حاولنا تتبع آراء هاتين الجبهتين؛ ألفينا أن كلتيهما تستند في قولها ودعوتها إلى مسوِّغات تعزز به موقعها سلباً أو إيجاباً إزاء هذه القضية، وسنحاول أن نقف على مرتكزات كل طرف ومسوغاته على حدة، لنخلص في نهاية المطاف إلى تبيان الأبعاد الحقيقية والخلفيات الكامنة المستكنة وراء كل موقف وتجليتها. مسوغات الرفض العلماني لتطبيق الشريعة الإسلامية: يتأسس هذا الرفض على جملة من الحجج نوردها كالآتي: أ - ترى التوجهات العلمانية أن الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحاضر تفتقد إلى الرؤية المنهجية العامة التي ستيسر هذا التطبيق، وذلك لكونها تنبني على نصوص بالغة العمومية: فآيات الأحكام لا تتجاوز في مجموعها خمسمائة آية، ولا يمكن أن تعد قانوناً بالمعنى الصحيح للكلمة؛ هذا فضلاً عن الاختلافات الواسعة بين المذاهب الفقهية القديمة والحديثة حول كيفية تنزيلها على الوقائع المستجدة. ٢ - إن هذه الدعوة تفتقد إلى المصداقية التاريخية، لأن الشريعة الإسلامية لم تطبق في أجلى صورها إلا في فترة جد محدودة تنيف عن الأربعين حولاً، وفي بيئة لم تعرف من التعقيدات والمستجدات مثل ما نعيشه في عصرنا الراهن، مما يجعل إعادة إنتاج تلك التجربة تكريساً لماضوية القوانين العربية والإسلامية، وخروجاً عن منطق التاريخ الذي يقتضي التطور والتحديث، ومواكبة الابتكار الإنساني في النظم والأحوال والقوانين. ٣ - إن تطبيق الشريعة الإسلامية سيؤدي إلى تفتيت وحدة المجتمع العربي والإسلامي؛ بحكم وجود العديد من الأقليات غير المسلمة والتي تتعايش جنباً إلى جنب مع الشعوب الإسلامية في ظل القوانين الحالية دون أدنى حساسية أو «مركب نقص» لأن الجميع يستظل بمظلة الوطنية العاصمة من كل انقسام أو تشتت. ويستدلون هنا بموقف الرفض «النصراني العربي» لهذه الصيغة لما تنطوي عليه من أخطار العودة إلى نظام «أهل الذمة» و «نظام الملل» أي إيجاد نظام تراتبي في المواطنة. ٤ - إن تطبيق الشريعة الإسلامية سيكون ذريعة للحاكم المسلم للاستبداد، وانتهاك حقوق الإنسان، وسفك الدماء بدعوى تطبيق شرع الله ومحاربة المفسدين، ولعل في التجارب التاريخية التي عرفها تاريخ الإسلام السياسي خير شاهد على ذلك، ودليلاً ساطعاً على توظيف الدين لأغراض شخصية دنيئة، كما أن بعض التجارب المعاصرة تؤكد هذا وتشهد عليه. ٥ - إن تطبيق الشريعة الإسلامية سيخوِّل المؤسسة الدينية صلاحيات واسعة في إطار الدولة؛ مما سيتيح إمكانية الهيمنة وإقصاء المؤسسات الأخرى، وسيمثل هذا سابقة في تاريخ الدولة العربية الإسلامية؛ إذ المعلوم من استقراء التاريخ الإسلامي أن هذه المؤسسة نشأت بمعزل عن الدولة بل وفي تعارض معها. ٦ - إن الغاية المبتغاة من المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية وإثارة النقاش حولها، هي بلوغ أهداف سياسية مرحلية كتحسين الموقع السياسي، والضغط باسم الشريعة على الخصم قصد انتزاع ما يمكن انتزاعه من مكاسب في اللعبة السياسية الداخلية، وقد تبين ذلك بشكل جلي في مشاركة العديد من الحركات الإسلامية في إطار هذه اللعبة وفق شروط لم تشارك أصلاً في وضعها. ومعلوم أيضاً أن هذه القضية تفتقد إلى إجماع إسلامي حول المبدأ أصلاً، كما تعاني من انشطار في الموقف الإسلامي العام يتراوح بين موقف رافض لها داع إلى التعامل الإيجابي مع الأنظمة السياسية القائمة، إلى موقف داع لها رافض لكل الأجهزة الحالية، وإلى موقف اجتهادي يحاول التوفيق بين القواعد العامة للشريعة والاندماج المباشر أو غير المباشر في اللعبة السياسية على علاتها وقواعدها الهجينة. ملاحظات بشأن الدعاوى العلمانية: قبل استعراض حجج المؤيدين لهذه القضية لا بد من إبراز جملة من الملاحظات بشأن الحجج العلمانية الآنفة الذكر: ١- إن الأطراف العلمانية بإصرارها على رفض تطبيق الشريعة الإسلامية أو حتى المطالبة بذلك تبغي تكريس القطيعة بين الجماهير المسلمة وبين هويتها الأصيلة المتجسدة في الإسلام عقيدة وسلوكاً وشريعة ونظاماً، وفي المقابل تعمل على إدامة القوانين الوضعية الدخيلة، ومن ثم تعميم الإلحاقية للغرب، ومصادرة المرجعية التاريخية للأمة الإسلامية الكامنة في نفوس شعوبها رغم مظاهر الانحراف والتسيب واللامبالاة الطافية في المجتمعات الإسلامية الراهنة؛ لأن هذه الحالات لا تعدو أن تكون مظاهر نفسية متوترة تشعر بالقلق وتبحث عن «الذات» في خضم واقعها المضطرب والمفروض باستبداد الأنظمة المتغربة التي تحتكر السلطان السياسي بمعاول «الأنا» وعقلية «الآخر» وتخطيطه! ! ٢ - إن العلمانيين يطبقون مقولة «قياس الشاهد على الغائب» في محاكمتهم للشريعة الإسلامية، وذلك لارتكازهم في بناء تحفظاتهم (وهي تعني رفضهم) إزاء الشريعة على روايات من تاريخ الدول الإسلامية تحكي عن سفك دم أو حمق أو تهور حاكم في تطبيق بعض الأحكام الإسلامية، فيتخذون هذا العمل المُشين حجة على الإسلام وليس على فاعله، ولو لجأنا إلى هذا المنطق في تقويم مسار القوانين الغربية والمتغربة المعمول بها في مختلف أرجاء العالم الإسلامي والعربي لما بقيت حصاة في جدرانها بَلْهَ أن يكون حجراً، والتاريخ الأوروبي والغربي تاريخ المظالم خير شاهد على ذلك؛ ولو قورنت جرائم الحكام المسلمين الأوائل التي يُتَذرَّع بها لرفض شريعة الإسلام، لما بلغت في هولها وفظاعتها عشر ما بلغته جرائم حكام أهل الغرب وساساتهم، ونحن هنا لا نسوِّغ الظلم والطغيان باسم الإسلام، وإنما نوازن بين المفاسد؛ وللعاقل حرية الترجيح! ! ٣ - إن النخب المتغربة في العالم العربي والإسلامي يغيظها أن تكتسب الحركات الإسلامية ومقاصدها مصداقيتها لدى الشعوب من خلال بنائها لمشروعها السياسي على أسس الشريعة الإسلامية ومقاصدها، مما يدفعها إلى «الإرهاب الفكري والمصطلحي» وذلك من قبيل الاتهامات الفجة والانطباعات القيمية المستفزة التي تسجلها في شأن هذه الحركات، بل بلغت الوقاحة ببعضها إلى مستوى «العمالة الفكرية» لبعض الأنظمة المتغربة ثمناً لبقائها، وإفناءاً لخصمها، وما اليسار المتغرب في تونس عنا ببعيد. ٤ - وأخيراً، إن عتاة العلمانيين، وبعد أن بارت بضاعتهم في السوق الفكرية والسياسية العربية والإسلامية، وعجزوا عن اختراق البنية الفكرية والنفسية للإنسان المسلم لجؤوا إلى التكسب والارتزاق من الإساءة بأقلامهم إلى ما يمت بصلة إلى الإسلام، بتأويلاتهم الفجة لنصوصه المقدسة، أو للإسلاميين بالنبز والتشهير وسوء الأدب، وأمثال هؤلاء في العالم العربي والإسلامي كثر. مسوغات الاتجاه الداعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية: تتمثل حجج مؤيدي هذا الاتجاه في الآتي: ١ - إن الشريعة الإسلامية، وإن توارت عن مواقع التوجيه المباشرة في حياة المسلمين، وتركت لتوجيه التيارات المنحرفة والأنظمة الوضعية، تملك رصيداً تاريخياً هاماً يزكي مصداقيتها ومشروعيتها في التطبيق من جديد، وذلك بعد استصحاب مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، وخاصة ذات الصبغة الاجتماعية نظراً لما استجد من النوازل التي تستلزم تنزيل أحكام الشريعة عليها. ٢ - إن تطبيق الشريعة الإسلامية سوف ينهي «الانشطارية الولائية» القابعة في نفسية الإنسان، بل والمجتمع المسلم بشكل عام؛ ذلك أن المسلم يتوزع في الوقت الراهن بين ولائين: أحدهما للأنظمة السياسية القائمة بقوانينها وتشريعاتها المتغربة في عمومها، وثانيهما للإسلام الذي يمثل جوهر هويته وشريعته الواجبة الاتباع، وقد كانت هذه الثنائية في الولاء ولا تزال سبباً في كثير من مظاهر الإعياء والنكوص والرياء والنفاق الفردي والجماعي، فانعكس ذلك سلباً على أداء أمتنا الحضاري. ٣ - إن تطبيق الشريعة الإسلامية سوف ينمي لدى الفرد المسلم وكذا المجتمع عقلية «الواجب الشرعي» المحفزة للعمل، بدل عقلية «الحقوق» الدافعة للمطلبية المستمرة والاستياء والنفور والتقاعس عن تنفيذ الخطط والتوجيهات الصادرة حاضراً عن أهل السلطان السياسي، نظراً للقطيعة القائمة بين الأسس المعرفية لهذه القوانين والتركيبة النفسية للفرد المسلم. ٤ - إن تطبيق الشريعة الإسلامية لن يلغي سلطة المؤسسات بل سيعمل على ترسيخها وتزكية مشروعية العمل بها؛ لأن موقف الإسلام من المؤسسات أصيل، والتجربة التاريخية للدولة الإسلامية ثرية جداً في هذا المضمار، وتكفي الإشارة إلى بعض الهيئات التي عرفتها الدولة الإسلامية النواة ك «هيئة النقباء الإثني عشر» و «هيئة المهاجرين الأولين» اللتين كانتا بمثابة «مؤسسات دستورية» ذات اختصاصات محدودة كالتمهيد لعقد البيعة مثلاً. يضاف إلى هذا العديد من المؤسسات التي أفرزها تطور بُنية الدولة الإسلامية عبر مختلف المراحل والعصور ومن ثم فلا ضير من استصحاب ما يمكن استصحابه من مؤسسات الدولة العصرية لكن بعد تنقيتها من كل الأوضار الأيديولوجية العالقة بها ظاهراً وباطناً. ٥ - إن تطبيق الشريعة الإسلامية لن تكون أداة تسلطية بيد الحاكم، بل على النقيض من ذلك تماماً ستكون معياراً لضبط تصرفاته ومحاسبته على ضوئها؛ لأن الحكومة في الإسلام ليست «ثيوقراطية» تمثل ظل الله في أرضه، ولا هي تقوم على منطق التسلط الفئوي، وإنما هي شورية تقوم على أساس رقابة الأمة لما يُسن من نظم وقوانين تلائم المصلحة العامة والمقاصد الإلهية العليا. ٦ - إن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية في زماننا هذا وإن كان يبدو أنه ذو طبيعة سياسية، إلا أنه ليس مطلباً فئوياً أي يخص الإسلاميين وحدهم بل هو مطلب شعبي جماهيري، لأنه يهدف إلى إعادة المصداقية والمشروعية المستلبة لقانون الأمة الحقيقي، ولا مجال للتعبير عن ذلك في الظرف الراهن في رأيي إلا من خلال المؤسسات التي تقرها الأنظمة المتغربة في كثير من بلادنا الإسلامية، أي تكوين الأحزاب والمشاركة السياسية المشروعة. وقبل الختام؛ يجدر بنا أن نشير إلى أن الموقف من تنزيل مضمون الشريعة الإسلامية في الواقع الإسلامي الراهن لا يزال يتوزع داخل الصف الإسلامي بين ثلاث اتجاهات: - اتجاه أول يدعو إلى التطبيق الفوري، وخاصة مسألة الحدود. - اتجاه ثان يدعو إلى تأجيل الشعار وانتهاج أسلوب إصلاحي قصد تعديل أو تطوير الشرائع السائدة في الاتجاه الذي لا يتعارض ومقاصد الشريعة الإسلامية العامة. - اتجاه ثالث يدعو إلى فتح الحوار وتعميق النقاش حول «القاع النظري» لهذا الموضوع على حد تعبير الكاتب التونسي صلاح الدين الجورشي من أجل إيجاد مقترحات عملية وتفصيلية للتطبيق. ولعل هذا التوزع يعكس مدى الشتات النظري القائم حالياً بين الاتجاهات الإسلامية، مما يعني أن الأمر يحتاج إلى رؤية منهجية واضحة تلم بمختلف جوانب الموضوع، ولن يتأتى ذلك إلا بإدارة الحوار الواسع بين مختلف الاتجاهات قصد إيجاد الإجابات لمجمل الأسئلة التي تتداولها النخب الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي، كما أن المفكرين الإسلاميين مطالبون بدراسة المجتمعات الإسلامية ابتداءاً من المجتمع القدوة (مجتمع الرسول ﷺ حتى مجتمعاتنا المعاصرة مع تبيان مختلف الأنماط التطبيقية للأحكام الإسلامية التي سادت في كل مجتمع على حدة، وتجلية الخروقات والتجاوزات التي شهدتها؛ وذلك لتبرئة ذمة الدين الإسلامي الحنيف من كل جور أو عسف ارتكب باسمه في زمن من الأزمان، مما يتخذ في يومنا هذا تَعِلّة لأي رفض أو تحفظ. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن دراسات الفقه الدستوري والجنائي الإسلامية لا تزال ضعيفة إلى يومنا هذا، فإذا استثنينا بعض المجهودات التي خلفها لنا الشهيد عبد القادر عودة من خلال مؤلفيه القيمين: «الإسلام وأوضاعنا القانونية» ، و «التشريع الجنائي في الإسلام» وكذا ما ألفه الدكتور محمد فتحي الدريني حول «نظرية التعسف في استعمال الحق في الشريعة الإسلامية» فلا نكاد نجد إلا اجتراراً لاجتهادات فقهية قديمة كانت في واقع أمرها صدى لواقعها بالدرجة الأولى مما يتطلب اجتهادات جديدة في هذا المضمار تجيب بدقة عن الإشكالات المطروحة في العصر الحاضر. وختاماً: نقول إن هذا الموضوع يحتاج إلى مجهودات فكرية ونظرية متضافرة تخدم الصالح العام للأمة الإسلامية لإخراجها من واقع التردي الحضاري الذي تعيشه في الوقت الراهن، ولن يتأتى ذلك إلا بالحوار الهادف والبناء بدل الاتهامات والاتهامات المضادة الفجة.

стр. 3671

نص شعري لقد طال ليلك أرضَ السلام ! مرْوَان كُجُك لَقَدْ طَالَ لَيْلُكِ أَرْضَ السَّلامْ ... وَآدَكِ [١] ظُلْمٌ شَدِيدُ الظَّلامْ وَبِتِّ كَأَنَّكِ بَيْنَ الْبَرَايَا ... تُسَاقِينَ سَوْقَ ذَلِيلِ السَّوَامْ يَقُودُكِ عِلْجٌ إلَى مُبْتَغَاهُ ... شَحِيحُ الْفِعَالِ سَخِيُّ الْكَلامْ يُزَوِّرُ كُلَّ صَبَاحٍ مَقَالاً ... بِأَنَّ الْبِلادَ عَلَى مَا يُرَام فَلا ذُلَّ فِيهَا وَلا فَقْرَ فِيهَا ... وَلا هَمَّ فِيهَا سِوَى أَنْ تَنَامْ لَقَدْ طَالَ لَيْلُكِ، وَالْمُجْرِمُونَ ... أَحَلُّوكِ سِجْناً وَخِيمَ الرَّغَامْ وَقَالُوا: هُنَا الْعَيْشُ حتَّى تَمُوتِي ... قَضَى الْقَاضِيَانِ: الْهَوَى وَالْخِصَامْ بُعِثْنَا لِنَهْدِمَ كُلَّ المَعَالِي ... وَعِثْنَا فَسَاداً بِكُلِّ نِظَامْ فَنَحْنُ الْعَدُوُّ وَنَحْنُ الصَّدِيقُ ... وَنَحْنُ الْعِرَاكُ وَنَحْنُ الْوِئَامْ سَطَوْنَا عَلَى الدَّارِ وَالنَّاسُ فِيهَا ... فُرَادَى سُكَارَى الْفُؤَادِ نِيَامْ فَلَمْ نَلْقَ حَرْباً وَلَمْ نَلْقَ إلاَّ ... رُؤُوساً تُجِيدُ فُنُونَ الْكَلامْ لَهَا صَوْلَجَانُ الْحُرُوفِ الْمُقَفَّى ... وَنَثْرُ تَخَارِيفِ أَهْلِ الْمَنَامْ تَبِيتُ وَفِي مُقْلَتَيْهَا بَرِيقٌ ... وَتُصْبِحُ غَارِقَةً فِي الظَّلامْ تَعِيشُ عَلَى ذِكْرَيَاتِ الْجُدُودِ ... وَتَهْدِمُ مَجْداً رَفِيعَ الْمَقَامْ وَتَحْيَا عَلَى قَوْلِ: نَحْنُ الأُبَاةُ ... وَتَأْبَى مَسِيرَةَ قَوْمٍ كِرَامْ وَتَجْتَرُّ فِي النَّاسِ: كُنَّا وَكُنَّا، ... وَتُسْلِمُ مُهْجَتَهَا وَالْخِطَامْ وَتُعْطِي الزِّمَامَ لِفَسْلٍ ذَمِيمٍ ... سَلِيلِ بُغَاةٍ حَفِيدِ لِئَامْ بِهِ الْغِلُّ يَأْوِي سَعِيداً وَلُوداً ... قَوِيَّ الْمِرَاسِ شَدِيدَ الضِّرَامْ يَذُرُّ الرَّمَادَ بِعَيْنِ الْحَسُودِ ... وَيَسْحَرُ لُبَّ الْفَتَى الْمُسْتَهَامْ وَيَكْتُبُ بِالسَّيْفِ عَدْلاً عَمِيماً ... وَيَمْلأُ أَعْيُنَنَا بِالسِّهَامْ لَنَا مِنْهُ كُلَّ صَبَاحٍ وُعُودٌ ... تُقِيتُ الظُّنُونَ، تُحَاكِي الْغَمَامْ: سَنَجْعَلُ أَرْضَ السَّلامِ مُرُوجاً ... حَدَائِقَ غُلْباً، وَجَيْشاً عُرَامْ يَكِيدُ الْعَدُوَّ وَيَحْمِي الْبِلادَ ... مِنَ الذُّلِ وَالْقَهْرِ وَالإنْقِسَامْ [٢] وَيَبْنِي صُرُوحَ الْحَيَاةِ بُرُوجاً ... وَيَعْدِلُ فِي الْخَلْقِ حَاماً وَسَامْ لَكِ الله يَا شَامَةً فِي الدِّيَارِ ... وَإنْ طَالَ لَيْلٌ وَسَادَ طَغَامْ وَلَوْ كَبَّلُوك بِكُلِّ الصُّكُوكِ ... وَظَنُّوا الأُمُورَ انْتَهَتْ لِلْخِتَامْ فَعُودِي لِرَبِّكِ وَاسْتَرْشِدِيهِ ... وَظَلِّي عَلَى الْعَهْدِ حَتَّى التَّمَامْ فَمَهْمَا يَجُرْ فِيكِ مِنْ مُسْتَبِدٍّ ... وَيَجْعَلْ حُصُونَ الْهُدَى كَالْحُطَامْ فَلَيْسَ لِحُكْمِ الدَّعِيِّ بَقَاءٌ ... وَلَيْسَ لِعَهْدِ الشَّقَاءِ دَوَامْ وَسَوْفَ نُمَزِّقُ سِتْرَ اللَّيَالِي ... وَنَبْعَثُ فِي الأَرْضِ رُوحَ السَّلامْ

стр. 3672

نص شعري في السحر عبد الرحمن السنوسي رَبَّاه هَذِي جَبْهَتي ... تَعْنُو لِوَجْهِكَ فِي حُضُورْ وَتَسُلُّ مِن أَيَّامِهَا ... هَذِي الدَّقَائِقَ في السَّحُورْ فَلَعَلَّهَا تَحْظَى بِمَا ... أَكْنَنْتَ مِن سِرٍّ ونُورْ وَتَذُوقُ مَعْنًى قَدْ طَوَتـ ... ـه.. سِجَافُ هَاتيكَ السُّتُورْ وَتَصُوغُ مِنْ هَالاتِهِ ... سَوْطاً لأَهْوَاءٍ تَثُورْ فَلَقَدْ أَمَضَّ فُؤَادَهَا ... فَوضَى بِأَحنَاءِ الصُّدُورْ وَتَشَعَّبَتْ مِنْ حَوْلِهَا ... فِكَرٌ كَأَسْرَابِ الطُّيُورْ وَيَسُوقُهَا أَمَلٌ إلى ... نَجوَاكَ في كَنَفِ السَّحُورْ فَلكَمْ حَدَاهَا بُؤْسُهَا.. ... فَتَصِيح لَيْلاً: ... يَا غَفُورْ وَلَكَم أَثَارَ شُجُونَهَا ... أَلَمٌ مُمِضٌّ لا يَغُورْ لا الصَّبْرُ ثَاوٍ في الفُؤَادِ ... وَلا المُقِيمُ بِهِ صَبُورْ أبداً حياتي في عَنَاء ... ليس يُحْيِيهَا السُّرُورْ قَدْ بَرَّحَ الأَلَمُ الممضُّ ... بِهَا وَأَضْنَاهَا الفُتُورْ فَإِلَيْكَ أَشْكُو شِقْوَتِي ... في هَدْأَةِ اللَّيْلِ الوَقُورْ وإلَيْكَ أَرْفَعُ هَامَتِي ... ويَدَيَّ إبَّانَ الحُضُورْ لتشُدَّ أزري يا كَرِيم ... وتمحُ أَخْطَاءَ الشُّعُورْ!

стр. 3673

نص شعري كنت أدعو للصواب محمد عبد السلام الباشا عندما أَسْفَرَ شَيبي باكياً عهد الشبابِ عندما أيقنتُ أَنّي مِنْ تُرابٍ عائداً نحوَ التراب عندها جالستُ نفسي للحسابِ قد سألتُ النفسَ من غيرِ تغابي علَّها تَدري سَوادَ الأَمر مِنْ قَبْلِ الجوابِ علَّها تبني مَلاذاً في جِنانِ اللهِ،، تسعى للثوابِ هل أقومُ الليلَ في جوفِ الظلامِ؟ هل أبُاري الطيرَ.. في تسبيحةٍ تعني التزامي؟ هل أصونُ الصومَ في شهرِ الصيام؟ هل رَعَيْنا حقَّ جيرانٍ لنا قبلَ الملامِ؟ هل نُريدُ الحقَّ.. في أقوالِنا عندَ الكلامِ؟ هل نصونُ العهدَ.. حتّى في الخِصامِ؟ هل تَوَاصَيْنَا بِصَبْرٍ.. في النوازلْ؟ هل أجبْنَا دعوةً للخيرِ.. أو جُدْنا لِسَائِلْ؟ هل تَمَسَّكْنَا بأنواعِ الفضائلْ؟ هل سَلَكْنا للعُلا كلَّ الوَسائلْ؟ إنْ فَعَلْنَا.. نحنُ في الإبحارِ أقوى بلْ إلى الخيراتِ نَسعى.. قُلْ وَنَهْوى عندها يزداد شوقي للمآبِ عندها تُشْرِقُ شَمْسي.. بعد طولٍ للغيابِ قد دنتْ مني الأماني في جنانِ اللهِ مِنْ غيرِ عذاب عندها تَدْري بأنّي كنُتُ أدعو للصواب كانَ قَولي: إنَّما الدُّنيا سرابٌ في سراب حاذِرُوها.. إنَّها تجري سريعاً كالشهابِ

стр. 3674

الإسلام لعصرنا الأمم المتحدة.. ما حدود صلاحياتها ؟ ! أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة أظهرت الجلسة الأخيرة الخاصة للأمم المتحدة قضية يجدر بالدول الأعضاء - ولا سيما الإسلامية منها - أن توليها قدراً كبيراً من العناية، لما يترتب عليها من آثار خطيرة بعيدة المدى. سميت الجلسة بالخاصة؛ لأنها إنما عقدت لإجازة «القرارات» التي كان مؤتمر بالصين قد أجازها قبل خمس سنوات. ولذلك سميت الجلسة «بيجن/٥» [*] وقد أعطيت المنظمات غير الحكومية فرصة لحضور هذه المناسبة لمناقشة القرارات والتأثير على الممثلين الرسميين، وإن لم يؤذن إلا للقليل جداً منهم بحضور جلسات الجمعية نفسها. لقد كانت مقررات «بيجن» كلها متعلقة بالمرأة، وكان فيها كثير من الاقتراحات الجيدة والمفيدة، كتلك المتعلقة برفع المعاناة عن الشعوب ولا سيما النساء فيها، وكتلك التي تتحدث عن الجوانب السلبية للعلمنة الاقتصادية. لكن المقررات تضمنت أيضاً دعوة إلى الإباحية الجنسية من شذوذ بين الرجال وشذوذ بين النساء، وأن البنت لها الحرية في أن تتصل بمن تشاء وأن تتزوج من تشاء من غير اعتبار لدين، ولا لرأي أسرة. كنت فيمن شهد هذه الجلسة فرأيت فيها عجباً أثار في نفسي كثيراً من الآراء والمقترحات للجماعات الإسلامية، أرجو أن أتعرض له في مناسبات أخرى. أما الآن فيكفي أن أقول: إن معظم المنظمات غير الرسمية التي شهدت هذه الجلسة كانت من النوع المتحمس للإباحية الجنسية والداعي لها بقوة، حتى إنك تكاد ألاَّ تسمع صوتاً غير أصواتها، وقد بذلتْ جهداً كبيراً ومنظماً في التأثير على الممثلين الرسميين أصحاب القرار. ولولا لطف الله تعالى ثم اعتراض بعض المنظمات الإسلامية وكان من أهمها رابطة العالم الإسلامي والدول الإسلامية لأجيزت هذه التوصيات الإباحية. لكن عرض هذا الموضوع على هيئة الأمم أثار في ذهني سؤالاً مهماً انتهزت فرصة وجودي في هيئة الأمم للتعبير عنه بين الجماعات الإسلامية، وللكتابة عنه في نشرات رابطة العالم الإسلامي. والموضوع هو: ما حدود صلاحيات الأمم المتحدة؟ قلت: إنه ليس من حق منظمة الأمم المتحدة أن تصدر قرارات في مسائل تتعلق بالمعتقدات والقيم التي يختلف فيها الناس اختلافاً كبيراً. وذلك للأسباب الآتية: أولاً: إنه بما أن الدول المكونة للأمم المتحدة يختلف كثير منها ذلك الاختلاف الكبير في المعتقدات والقيم؛ فإنه لا يمكن لهؤلاء الأعضاء أن يستمروا متعاونين لمواجهة المشكلات التي تهمهم جميعاً إلا إذا كانوا مستعدين لأن يتعايشوا ويتحمل بعضهم بعضاً رغم هذه الخلافات. إن التغيير في هذه المسائل الجوهرية الأصولية لا يأتي إن أتى وسواء كان إتيانه إلى خير أو إلى شر إلا بالتدرج وبالطرق السلمية. لكن الذي نراه الآن هو أن بعض الجماعات الغربية تريد أن تستغل المنظمات العالمية لكي تفرض معتقداتها وقيمها على المجتمعات الأخرى. وقلت: إنني موقن بأن بعض الدول ومنها الدول الإسلامية لن تنفذ هذه القرارات. وأن هذا سيؤدي إلى عدم احترام قرارات الأمم المتحدة، وربما أدى في النهاية إلى إضعاف المنظمة وعدم فعاليتها. إننا نحن المسلمين مثلاً لا نأخذ معتقداتنا وقيمنا من الأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات، ولا نعدها مصدراً مشروعاً لها، وإنما نأخذها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والغريب الذي لا يعلمه كثير من الناس أن موقف أمريكا شبيه بموقفنا الإسلامي هذا؛ فالدستور الأمريكي والقوانين الأمريكية هي عند الأمريكان فوق كل ما سواها من قرارات واتفاقات، فلا شيء من هذا يصير ملزماً قانوناً إلا إذا أجازته الهيئة التشريعية، وهي لا تملك أن تجيز أمراً مخالفاً للدستور. ولذلك فإن وزيرة الخارجية الأمريكية اعتذرت في خطابها بهيئة الأمم بهذه المناسبة بأن بلدها لم يستطع إجازة مقررات «بيجن» بسبب معارضة بعض الشيوخ! ونحن نضع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ فوق كل قانون وكل قرار وكل اتفاق، بل ونفسر ما نوافق عليه منها في حدود هذا القانون الأعلى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (الحجرات: ١) ، [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] (الحشر: ٧) . ثانياً: إن إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة يعطي الناس حق الحرية الدينية؛ فماذا يبقى للناس من هذه الحرية إذا أعطت الأمم المتحدة نفسها الحق في أن تفرض عليهم كيف يفهمون دينهم، وماذا يأخذون منه وماذا يدعون، وإلا كانوا معرضين للعقوبات؟ إن المسلم لا يظل مسلماً إذا هو أباح ما حرم الله تعالى، وإن من أشد المحرمات في دين الله جرائم الزنا وعمل قوم لوط. فكأن الأمم المتحدة تطلب من المسلمين إذن أن يتخلوا عن دينهم! ! كيف يستقيم هذا مع اعتبار الحرية الدينية حقاً من الحقوق الإنسانية التي تدافع عنها الأمم المتحدة؟ إن الدين في المفهوم الإسلامي هو منهاج الحياة الذي يختاره الناس لأنفسهم، سواء كان هذا المنهاج قائماً على أسس من دين أنزله الله تعالى، أو كان شيئاً اختاره الناس وتصالحوا عليه. فما يسمى بالعلمانية هو بهذا الاعتبار دين، وقرارات «بيجن» هي أيضاً دين. فإذا فرضتها الأمم المتحدة على الشعوب تكون قد أكرهتهم على الالتزام بدين لا يؤمنون به؛ فأين حرية الدين إذن؟ ثالثاً: ماذا يبقى للدول من سيادة قومية إذا كانت قرارات الأمم المتحدة ستكون فوق ما تقرره الشعوب في أوطانها، حتى لو كانت قراراتها صادرة عن هيئات تشريعية كتلك التي توجد في البلاد الغربية؟ لكن الواقع أن هذا التطاول على السيادة القومية لن يمارس إلا على الشعوب الفقيرة والضعيفة. أما الشعوب الغنية والقوية فلن يجرؤ على مساءلتها أو محاسبتها ومعاقبتها أحد. وهذا يعني أن ما تقرره أو ترضى عنه الشعوب في الدول القوية هو الذي يفرض عن طريق الهيئات العالمية على الشعوب الفقيرة. هذا على افتراض أن الشعوب هي فعلاً التي تقرر. أما في الواقع الذي نراه فإن شعوب تلك البلاد هي نفسها مستغلة ومسخرة لأهواء جماعات أقلية غنية نشطة. إذا كانت الحكومات القطرية تحدد صلاحيات الحكومة الفدرالية أو المركزية وصلاحيات حكومات الولايات أو الإمارات؛ بحيث لا يجور بعضها على بعض، أفلا يكون من العدل أن تحدد صلاحيات منظمة الأمم المتحدة، وصلاحيات الحكومات القطرية المكونة لها؟

стр. 3675

وقفات الرؤية أم الحساب؟ ! الخلاف شر أحمد بن عبد الرحمن الصويان من المسائل المتفق عليها قديماً وحديثاً: إعذار المجتهد المخالف؛ فما زال العلماء يخالف بعضهم بعضاً في مسائل الاجتهاد، ولا يمنعهم ذلك من التواد والتحاب؛ وأقوال الأئمة في ذلك كثيرة جداً، منها: قال يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من أجلاَّء التابعين: «ما برح المستفتون يُستفتَوْن، فيُحل هذا، ويُحرِّم هذا، فلا يرى المحرِّم أنَّ المحلِّل هلك لتحليله، ولا يرى المحلِّل أن المحرِّم هلك لتحريمه» [١] . وقال سفيان الثوري: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختُلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه» [٢] . وقال ابن قدامة المقدسي: «لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه؛ فإنه لا إنكار على المجتهدات» [٣] . وقال ابن تيمية: «التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف حتى يصير بعضهم يبغض بعضاً ويعاديه، ويحب بعضاً ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض، وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله، والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي أوجبها الله ورسوله» [٤] . وهذه المسألة على الرغم من وضوحها وجلائها واتفاق الناس عليها إلا أن في تطبيقها عند بعض الناس خللاً ظاهراً؛ فخلافٌ يسير في مسألة فقهية اجتهادية يسوغ فيها الخلاف يؤدي إلى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. نسأل الله السلامة. ومن المسائل الفقهية التي يتجدد حولها الجدل في البلاد الغربية خاصة في مثل هذه الأيام، مسألة: (إثبات دخول شهر رمضان وخروجه) ؛ فمنهم من يرى وجوب الاعتماد على الرؤية، ومنهم من يرى الاعتماد على الحساب. والقائلون بالقول الأول يختلفون فيما بينهم على أقوال: فمنهم من يرى اعتماد رؤية مكة، ومنهم من يرى اعتماد رؤية أقرب بلد إسلامي، ومنهم من يرى اعتماد رؤية أي بلد إسلامي ... ومثل هذا الخلاف أدى في العام المنصرم في بعض المدن الأوروبية مثلاً إلى جدل عريض، ثم تطور إلى قيل وقال، ثم وصل الحال إلى تراشق بالتهم عند بعضهم، وراح بعض أتباع كل فريق يستدعي خلافات أخرى، ويستثير كوامن من الاختلافات القديمة..! ! ووقع بعضهم فيما أشار إليه العلاَّمة القاسمي بقوله: «غريبٌ أمر المتعسفين، والغلاة الجافين، تراهم سراعاً إلى التكفير والتضليل، والتفسيق والتبديع، وإن كان عند التحقيق لا أثر لشيء من ذلك إلا ما دعا إليه الحسد، أو حمل عليه الجمود وضعف العلم» [٥] . فالقائلون بالقول الأول: يرون إخوانهم قد ردوا النص الشرعي، وساروا على منهاج أهل الأهواء من العقلانيين الذين لا يعظمون النصوص ولا يرعون حرمتها، وربما عظم بعضهم هذا الخلاف، وزعم أنه ليس خلافاً فقهياً، بل هو خلاف منهجي، وما الخلاف في هذه المسألة إلا أثر من آثاره! ! والقائلون بالقول الثاني: يرون إخوانهم قد جمدوا في فهم دلالة النص، فمقصود الشارع أن يتثبت الناس من دخول الشهر، فإذا استطاعوا معرفة دخوله بأي طريقة علمية صحيحة فثمَّ مقصود الشارع. والحساب الذي ردَّه المتقدمون من أهل العلم كابن تيمية وغيره هو الحساب الظني الذي يكثر فيه خطأ الحسابيين واختلافهم فيما بينهم، أما الحساب في هذا العصر فقد تغيرت آلياته وتطورت أدواته، وأصبحت نسبة الخطأ فيه قليلة جداً، والشرع لا يأتي بما يخالف العقل. وأحسب أن حسم الخلاف بين الفريقين متعسر جداً إن لم يكن متعذراً؛ فمن جاء بفتوى من أحد العلماء رُدَّ عليه بفتوى أخرى مخالفة لها من عالم آخر، وكل عالم لدى صاحبه أوْلى بالاتباع من الآخر. إذن ما الحل في ظل غياب الولاية الإسلامية التي تجمع الناس على رأي واحد؟ ! أرى أن أمامنا خيارين: * الخيار الأول: أن يأخذ كل مركز بما يرى أنه الأرجح، وعلى الأئمة ومديري المراكز الإسلامية والمساجد أن يتقوا الله تعالى في الترجيح، ويبذلوا الجهد في الوصول إلى الحق الذي تبرأ به الذمَّة، ويستشعروا عظم الأمانة المناطة في أعناقهم. ثم ينبغي لكل مركز ومسجد أن يقدر رأي الآخرين الذين خالفوه، ويلتمس لهم العذر، ويذبَّ عنهم، ولا يسمح بالجدل والمراء. وهذا الرأي وإن كانت نتيجته تفريق الناس في المدينة الواحدة، إلا أن فيه قطعاً لمادة الخلاف والتنازع، وسداً لأبواب الغيبة والنميمة، قال ابن تيمية: «.. وإن رجح بعض الناس بعضها [يعني: بعض الاجتهادات] ولو كان أحدهما أفضل؛ لم يجز أن يظلم من يختار المفضول ولا يذم ولا يعاب بإجماع المسلمين، بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين، ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة» [٦] . * الخيار الثاني وهو الأوْلى والأرجح: أن يجتمع أهل الرأي من الأئمة ومديري المساجد والمراكز ويتدارسوا المسألة، ثم يخرجوا باتفاق موحَّد؛ ويتطلب هذا حرصاً من الجميع على ضرورة التآلف والاتفاق، والالتزام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تطاوعا ولا تختلفا» [٧] . فليس المقصود أن ينتصر المرء لرأيه، بل المقصود هو تحقيق المصلحة الشرعية؛ فمفسدة التدابر والتنابذ والتقاطع أعظم أثراً وأشد خطراً من الأخذ بأحد القولين؛ لأن غاية ما في أحدهما أنه اجتهاد مرجوح يثاب عليه صاحبه بأجر واحد، وأما الاختلاف فكما أنه يزيد من الشرخ المستشري في جسد العمل الإسلامي، ومدعاة لسخرية غير المسلمين من المسلمين؛ فهو مخالف لمقصود الشارع الذي أمر بالتعاون على البر والتقوى، قال الله تعالى: [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ] (آل عمران: ١٠٥) . أنا لا أدعو إلى المثالية في إنهاء الخلاف برمته؛ فهذا أمر غير واقعي على الإطلاق، ولو سلم منه أحد لسلم منه أصحاب النبي ﷺ ، ولكن الذي نهى عنه علماء السلف والخلف: هو أن يتحول الخلاف إلى صراع وتصادم وشقاق. قال الإمام الشاطبي نقلاً عن بعض المفسرين: «فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله ﷺ بتفسير الآية، وهي قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً] (الأنعام: ١٥٩) .... فيجب على كل ذي دين وعقل أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله تعالى: [وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً] (آل عمران: ١٠٣) ، فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدثٍ أحدثوه من اتباع الهوى. هذا ما قالوه، وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف؛ فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين» [٨] . وها هنا مسألة جديرة بالاهتمام: فإذا آمنا بأن مسألة (إثبات دخول الشهر وخروجه) مسألة خلافية يسع فيها الاجتهاد، فهل يصح للإنسان أن يترك الرأي الراجح الذي يراه، ويأخذ بالرأي المرجوح، من أجل توحيد الكلمة وتأليف القلوب وتجميع الصفوف ودرء النزاع والتدابر؟ ! أم أن ذلك من التفريط والتمييع والتساهل والاجتماع على أرض هشة؟ ! والحق الذي لاريب فيه أنَّ مصلحة الاجتماع والائتلاف أوْلى، وترك الرأي الراجح تحقيقاً لهذه المصلحة ممَّا دلَّ عليه الشرع المطهر، وإذا تعارضت المصالح، فتحصيل المصلحة الأعلى مقدم على المصلحة الأدنى، كما هو مقرر في علم الأصول، قال ابن تيمية: «.. ولا يجوز أن تجعل المستحبات بمنزلة الواجبات يمتنع الرجل من تركها ويرى أنه قد خرج من دينه أو عصى الله ورسوله، بل قد يكون ترك المستحبات لمعارض راجح أفضل من فعلها، بل الواجبات كذلك. ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسناً، وذلك أفضل إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب، وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما: عن عائشة أنَّ النبي ﷺ قال لها:» لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها باباً يدخل الناس منه وباباً يخرجون منه « [٩] . وقد احتج بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد يترك بعض الأمور المختارة لأجل تأليف القلوب ودفعاً لنفرتها، ولهذا نص الإمام أحمد على أنه يُجهَر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا كان بالمدينة. قال القاضي:» لأن أهلها إذ ذاك كانوا يجهرون، فيجهر بها للتأليف وليعلمهم أنه يقرأ بها، وأن قراءتها سنة، كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة « [١٠] . إذن فالمسألة تحتاج إلى فقه رشيد يتسع فيه الصدر، ويسمو فيه المرء عن أهوائه؛ فليس الفقيه هو الذي يتعصب لرأيه، أو يشدّد على الناس، وقديماً قال الثوري:» إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد « [١١] . وكأني بقائل قد يقول: إننا معاشر أهل الحق إذا تنازلنا عن رأينا في مسألة فقهية اجتهادية من أجل اجتماع الصف؛ قادنا ذلك إلى التنازل في مسائل منهجية وعقيدية أخرى فيكثر الخلط، وتتميع الصفوف..! وهذا تحفُّظ مردود؛ لأنَّ التنازل في مسائل منهجية وعقيدية انحراف غير سائغ، وهو مخالف للسبيل الشرعي الذي سلكه سلفنا الصالح، ولكن الذي ندعو إليه هو التحاور والتطاوع في مسائل اجتهادية يسع فيها الخلاف تحقيقاً لمصلحة أعظم نفعاً بإذن الله، ومراعاة لقاعدة تعد من أعظم قواعد الإسلام وأصوله، وهي: الاعتصام بحبل الله تعالى، وترك التفرق والاختلاف المذموم، وها هو ذا عبد الله ابن مسعود ﵁ يترك رأيه بقصر الصلاة في الحج ويأخذ بفعل عثمان بن عفان ﵁ لمَّا رأى الإتمام؛ فلمَّا سئل عن ذلك قال:» الخلاف شر « [١٢] ، وفي رواية:» إني أكره الخلاف « [١٣] . فهذا خلاف في مسألة متعلقة بركن مقدَّم على الصوم، وقعت في ذاته لا في زمانه، ومع ذلك فقد تطاوع الصحابة ﵃ ولم يختلفوا؛ فلله دَرُّهُمْ! وما أحوجنا للاهتداء بهديهم. اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وأعذهم من نزغات الأهواء.

стр. 3676

قراءة في كتاب تفكيك أمريكا المؤلف: رضا هلال عرض: وائل عبد الغني الطبعة الأولى فبراير ١٩٩٨م الإعلامية للنشر ٢٢٩ صفحة - كبير نقلت السيولة اللغوية التي يحياها العالم اليوم «التفكيك» من عالم الماديات إلى مجال الاجتماع والسياسة، في دراسة التجربة الإنسانية الفردية والجماعية من خلال الفكر والممارسة ومعرفة وسائل ممارسة السلطة وأساليبها من الفرد والمجتمع. وفي النموذج الأمريكي يرتبط التفكيك بالتفكك كما سنرى برابط كالرابط بين الدليل والدلالة، أو البرهان والقضية. فالولايات المتحدة الأمريكية التي يراها المؤلف فكرة أكثر من كونها دولة آخذة في انفراط عقدها داخلياً، وهي في ذلك أشبه ما تكون بثوب مبهرج تبدو بهرجته بادي الرأي للبسطاء والسذج شديدة الجاذبية، لكن عند التدقيق ترى رقعاً شوهاء تفتقر إلى التناسق في غالب أحيانها إلى جانب هشاشة الرابط أو التنافر بين الرقع؛ تلك هي أمريكا تحت المجهر. والمؤلف الذي قسم كتابه إلى: مقدمة، وخاتمة، وملحق، ضمَّنه نصاً لإعلان الاستقلال، والدستور الأمريكي وتعديلاته، بالإضافة إلى لبِّ الكتاب بفصوله الخمسة؛ استفاد في تأليفه من اطلاعاته ودراساته وطبيعة عمله مراسلاً صحفياً في حشد الأرقام والشواهد والمتابعات الخاصة؛ مما يسهل من محاولة فهم الواقع الأمريكي الذي يبدو لأول وهلة مستعصياً على التفكيك. الفصل الأول: شخصية أمريكا: يتناول في هذا الفصل السمات العامة للشخصية الأمريكية على المستوى الفردي والاجتماعي والآليات التي استخدمت في تشكيل هذه الشخصية. * فالشخصية النموذج: هي شخصية «الفرونتيير» أو «الرائد المكتشف» الذي تحرك نحو أرض الأحلام، والتي تطورت وفق الظروف إلى «الغازي المتقدم» (الكاوبوي) الذي اجتاح القارة طمعاً في الثروة وحباً للسيطرة، وحين سيطر على القارة؛ دفعته أطماعه نحو الخارج في مشروعه الإمبريالي. هذه الشخصية تمثل الشخصية الأمريكية النموذجية التي تتسم بعدة سمات نفسية وفكرية أهمها: - الطموح: الذي يحفز على العمل ويدفع نحو المجهول؛ لاعتقاد أن ما هو كائن وراء الأفق لا يمكن إلا أن يكون الأفضل. - ومنها: الاعتماد على الذات في مواجهة ظروف العيش القاسية التي واجهها المكتشف مرة مع الأرض الجديدة، ثم واجهها «الكاوبوي» مرة أخرى مع السكان الأصليين «الهنود الحمر» ، والصفتان السابقتان جعلتا المجتمع في حالة سيولة دائمة؛ فهناك ٤٠ مليون أمريكي يغيرون مساكنهم سنوياً كما يغيرون وظائفهم وأزواجهم، والأمريكي يغير مسكنه خلال عمره بمتوسط ١٤ مرة. - وسمة ثالثة: هي «الفردية المقدسة» التي طغت بجوانبها المختلفة على الوجدان الأمريكي، بدءاً بـ «المذهب البروتستانتي» الذي يرفض وصاية الكنيسة ويرى فردية التجربة الدينية، ومروراً بـ «الرأسمالية» التي تقدس الملكية الفردية، وانتهاءاً بالديمقراطية التي تقدم الحرية الفردية على المصلحة الجماعية، وربما كان لتقديس الفردية أسبابها التاريخية والأيديولوجية خلال النشأة والتكوين لضمان البقاء والتوحد والاستقلال، ولكنها كانت بداية أزمة كما كانت طرف حل؛ لأنها أوجدت أنواعاً من الصراع بين الفرد والفرد، والفرد والمجتمع، والفرد والدولة؛ وذلك للنسبية السائدة في تفسير القيم وتأويل المصطلحات. - مثل هذا الجو أفرز الفلسفة الأمريكية الوحيدة «البراجماتية» التي تعلي من مصلحة الفرد بوصفها قيمة فوق كل القيم، وتؤمن بالنتائج العملية دون اعتبار للثقافة. وقد أشار المؤلف إلى سمات أخرى مثل: الاعتداد بالذات، والتعالي على الآخر، والعدوانية الشديدة في مواضع أخرى من الكتاب. بوتقة الانصهار: أما الآلية التي تم بها ختم الشخصيات المهاجرة إلى أمريكا بالختم الأمريكي (أي: لتتأمرك) بعد أن خلَّف المسدس رصيداً أسود من التجربة فكانت فكرة أخرى مارسها الرجل الأبيض للحفاظ على السمة الأمريكية وهي فكرة «بوتقة الانصهار» أي أن الجميع ينصهرون بماضيهم داخل هذه البوتقة لتتأمرك شخصيتهم، ولكن هذه الفكرة لم تكن سوى لون من الهيمنة المستترة للثقافة الأنجلو ساكسونية على باقي الثقافات ليصبح «الأمريكي» هو «الإنجليزي المعدل» ، هذه الهيمنة تصطدم صراحة مع قيم حرية التحييد والمساواة، لكنها جعلت اللغة والقوانين والمؤسسات والأفكار السياسية والعادات والآداب والصلوات كلها أمريكية؛ ولكن المجتمع الأمريكي لم يكن «بوتقة انصهار» وإنما كان «صحن سَلَطة» اختلطت فيه الأصناف دون أن تمتزج. لكن هذه الفلسفة ما لبثت أن تراجعت أمام الفلسفة الإثنية والجيتو العرقي ضد هيمنة الرجل الأبيض؛ إذ يتزايد الآسيويون بنسبة ١٠٨% (زيادة معدل المواليد والهجرة) ، والهيسبانيون بنسبة ٥٣%، والسود بنسبة ١٣% بينما لم تتعد نسبة البيض ٦%؛ ووفقاً لهذه المعدلات فإن القارة البيضاء يمكن أن تتحول إلى اللون البني أو الرمادي في غضون ٢٠ أو ٣٠ سنة. رسالة أمريكا «المصير المبين» : القوم كما يقدسون الفردية يقدسون كل ما هو أمريكي؛ لأن أمريكا كما يقولون منحة الله للأرض، وأنه أوكل إليها حراسة معاقل الحرية في العالم، وأن السلام يسود على يديها؛ ولهذا فهي تقوم بدور رسالي وعليها أن تسيطر على العالم؛ لأن مصير العالم المبين أو نهاية التاريخ سيكون أمريكياً، هذه النظرية شكلت الخلفية العقدية والفكرية لدى صانع القرار والرأي العام في التدخلات الأمريكية في العالم؛ لأن التدخلات تعني مباركة الرب لأمريكا، ومن ثم كانت التدخلات بدءاً بالحرب الأوروبية (العالمية) الثانية وانتهاءاً بالتدخلات الأخيرة ومروراً بإيران ودول أمريكا الجنوبية وفيتنام والخليج؛ ففي كل مرة لم تعدم الولايات المتحدة مسوغاً؛ فقد كان أولاً: مواجهة الشيوعية، ثم مكافحة الإرهاب، ثم حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان والحماية من الاضطهاد الديني؛ أما الهدف المستتر فهو تمكين المصالح الاقتصادية الأمريكية من التوسع على مستوى الأرض؛ لأن من حق أمريكا مقاسمة الآخرين أقواتهم ومقدراتهم! وبعد بيان الملامح وطريقة التشكيل يرسم المؤلف لأمريكا صورة بالأرقام: - فالسكان (٢٦٧ مليون) منهم ١٩٤ مليون بيضاً، ٣٣. ٨ مليوناً سوداً، ٢٩. ٥ مليوناً إسبانيين، ١٠. ٥ ملايين آسيويين، ٢. ٢ مليونان ومائتا ألف هنوداً حمراً. - وكان ٣٦. ٥ مليون أمريكي تحت خط الفقر (عام ١٩٩٦م) . - ٥٥% هي نسبة المتزوجين في الرجال، ٥٢% في النساء (فوق ١٥ سنة) . - ١٠٣٣٧ عدد المحطات الإذاعية الخاصة. - ١٧٠. ٢١٢ مليار دولار هو رقم العجز التجاري (عام ١٩٩٦م) . - (٣٤% زنوج، ٦٣% بيض، ٥١% هسبانيون) يرون أن الشخصية الأمريكية تغيرت للأسوأ خلال عشرين سنة ماضية. - و (٤١% زنوج، ٢٦% بيض، ٣٨% من الهسبانيين) يرون أن أمريكا لن تبقى أمة واحدة بعد قرن. - معدل الجريمة ٥٠٧٨٩ في المليون. الفصل الثاني: أمريكا الحلم والسياسة: في هذا الفصل يقابل بين قيم الحلم الأمريكي حول الحرية والمساواة والسعادة، وبين الواقع المليء بالازدواجية والبراجماتية والمعضلات التي يتسرب الحلم تحت ضغطها؛ فبينما يحصل الـ ٢٥% من العائلات الأكثر غنى على ٥١. ٣% من الدخل عام ١٩٩٣م فإن نصيب الـ ٢٥% الأفقر كان ٦. ٢٥%؛ ولكن الفارق يزداد مع الوقت. أما نسبة الفقراء فقد بلغت ١٨% عام ١٩٩٥م إضافة إلى ٣٥ مليوناً يعيشون دون تأمين صحي. أما العائلات التي تمثل نسبتها ١% الأكثر غنى فتمتلك ٥. ٦ تريليون (ألف مليار) دولار. ومع اتساع الهوة يتحول الحلم الأمريكي في المساواة وتكافؤ الفرص إلى كابوس بفعل النخبة الطفيلية التي تحاول زيادة نصيبها من الثروة على حساب الفقراء؛ حتى إن بعضهم لا يعد نفسه أمريكياً وعلى استعداد للإقلاع بطائرته إذا ما وقعت أي هزات داخلية. * المعضلة الثانية: لما كانت المعضلة الأولى هي تجاور الأغنياء والفقراء في مجتمع واحد فإن المعضلة الثانية تتمثل في تجاور أمتين من السود والبيض، وصعود ما يعرف بـ «القبلية الجديدة» فالجيتو الزنجي تتزايد خصوصياته الثقافية والأيديولوجية المنبثقة من اللون يوماً بعد يوم في أحياء وأعمال ووضع اجتماعي ومعيشي يحكي جزءاً من الحرب العنصرية التي جعلت الحديث عن المساواة أشبه بطرفة ثقيلة، بعد تجربة ثلاثة قرون مليئة بالمرارة والازدواجية الأخلاقية والسياسية خلفت العنف والعنف المضاد. وقد بلغت جرائم العنف العنصري عام ١٩٩٣م وحده: ٦٢٧٧٥٩ جريمة. * أما المعضلة الثالثة: فتتمثل في رأسمالية البورصة بوصفها نموذجاً متضخماً لحجم الاقتصاد الحقيقي؛ حيث تبلغ التعاملات في الدقيقة الواحدة ٢٠ مليون دولار تدور كلها في إطار الرأسمالية المالية مرحلة ما بعد الرأسمالية التجارية والصناعية التي تقامر في الأوراق المالية، وتكمن خطورة الوضع في أن كل لحظة تحمل في ثناياها فرص الانهيار التام أو الصعود. * والمعضلة الرابعة: تتمثل في الصدام بين الرأسمالية والديمقراطية. وقد عرف هذا الصدام منذ وقت مبكر، وكثر حوله الجدل بين طرفين: طرف يرى أن الأحق بالحكم هم الأقلية المالكة الرأسمالية، والآخر يرى أحقية الأغلبية وإن كانوا فقراء، وانحاز مجلس الشيوخ إلى مصالح الأغنياء، بينما عبر مجلس النواب عن مصالح الفقراء، ولضمان حقوقهم أكثر أنشؤوا الحزب الديمقراطي، فأنشأ الرأسماليون الحزب الجمهوري الذي استطاع بتحالفه مع المال أن يقلب الطاولة على ما قيل إنه ديمقراطية. ونتيجة لذلك دخل النظام السياسي في أزمة مستفحلة ضد الأغلبية نتيجة الضغوط التي تمارسها مجموعات المصالح ولجان العمل السياسي؛ حيث أصبح المرشحون عرضة للشراء في سوق مالية بمال وطني وأجنبي. * وأما المعضلة الخامسة: فتتمثل في سيطرة اللوبي الصهيوني والتراث اليهودي المسيحي؛ فسيطرة التراث اليهودي المسيحي على العقلية الأمريكية مثَّل مركز دعم ونقطة ارتكاز للوبي الصهيوني الذي رتب أجندته مبكراً وجمع أوراقاً كثيرة في يده منها: - وسائل الإعلام التي يمتلكها اليهود أو يسيطرون عليها، ورموزهم الإعلامية المؤثرة وذات الشعبية الكبيرة؛ هذه الورقة تستخدم وسيلة للضغط ولتشكيل الرأي العام في آن واحد. - ومنها جماعات الضغط التي تطوِّق مؤسسة الرئاسة والكونجرس [١] من خلال الدعم المالي وغيره؛ فهناك ٧٦ عضواً في مجلس الشيوخ من مجموع ١٠٠ عضو قد تلقوا الدعم المالي المباشر من لجان الإيباك بالإضافة إلى ٣٣٤ من مجموع أعضاء مجلس النواب البالغ ٤٣٧ عضو. - ومنها التسلل غير العادي لليهود إلى مراكز صنع القرار منذ عهد بوش. - ومنها ما أشرنا إليه من تسلل المفاهيم التوراتية إلى العقيدة الإنجيلية التي تجعل من دعم اليهود وإسرائيل ليس مجرد موقف سياسي بل التزاماً عقدياً أيضاً؛ فهناك ٢٥٠٠ منظمة إنجيلية داخل أمريكا تمارس هذا الدعم بصوره المختلفة. * أما المعضلة السادسة: فتتمثل في تناقض القوة العسكرية والتراجع الاقتصادي: يرى نعوم تشومسكي أن النظام العالمي أحادي القطبية عسكرياً، لكنه ثلاثي اقتصادياً: «اليابان، وألمانيا، والولايات المتحدة» ، ولكن القوة العسكرية دون قاعدة تدعمها كارثة، ولكم أثقلت هذه القوة كاهل دافعي الضرائب، وإذا كانت الولايات المتحدة نجحت على المستوى العسكري إلا أنها لم تثبت جدارة في مجالات أخرى مثل: البيئة والمخدرات والمنافسة الاقتصادية؛ فمع أن إنفاقها على الدفاع يقدر بـ ٣٠٠ مليار دولار وتخصص له ٦٥% من جهود البحث فإن الصناعة لا تستحوذ إلا على ٢% في أواخر الثمانينيات. وكان لذلك أثره على تدهور الصناعة وتراجع معدل نمو الإنتاجية، وزيادة الديون الخارجية، وعجز الميزانية والميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتراجع الاقتصاد الصناعي لصالح اقتصاد الخدمات، ولهذا فإن استطلاعات الرأي بين الأمريكيين تشير إلى أن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، ولا أمل في الإصلاح إلا من خلال كارثة قومية؛ لأن طبيعة السلطة تحول دون تمرير تشريعات للإصلاح، كما أن النظام الحزبي في حالة من السيولة، والطريق مفتوح أمام جماعات المصالح، والتغير الديموغرافي في غير صالح الرجل الأبيض وله ظلاله على المستقبل السياسي والاقتصادي، والشركات المتعددة الجنسيات تلعب دوراً خطيراً لإبقاء الأمور على ما هي عليه، والمأزق يزداد تعقيداً؛ فقد بلغت الديون الخارجية ٣,٤ تريليون دولار في عام ١٩٩٥م في مقابل ١٤ مليار في عام ١٩٩١م. الفصل الثالث: الدين الأمريكي: مع أن الولايات المتحدة علمانية؛ بمعنى أنها لا تتبنى مذهباً معيناً، إلا أن الدين فيها له مكانة قوية، حتى إن أول تغيير للدستور كان سببه الدين، وقبل هذا ارتبط المؤسسون الأولون للدستور (البيوريتان) بالدين ارتباطاً واضحاً في ارتباط تحركاتهم وأسمائهم وأحلامهم بالكتاب المقدس، ومع كثرة الطوائف والخوف من الاضطهاد أو نشوء حرب دينية أسس جيفرسون فكرة إيجاد حائط فاصل بين الكنيسة والدولة يحمي من الاضطهاد الديني، أو بمعنى آخر إبعاد السلطة عن المجال الديني، وكان ذلك الحائط يرتفع حيناً، وينخفض حين تعلو موجة من التدين الفكري العام، ومع مجيء كارتر أخذ هذا الحائط بانخفاض مستمر حتى إن المحكمة العليا انقلبت على أحكامها السابقة بزواية ١٨٠ درجة. ولكي نتفهم طبيعة الدين الأمريكي لا بد من معرفة الخريطة الدينية التي تتشكل من: ٨٨% من النصارى (٦٠% بروتستانت، ١٧% كاثوليك، ١% أرثوذكس) ٢% يهود - ١% مسلمون [٢]- ٢% ملحدون - ٣% لا دينيين - ٤ % أديان أخرى. ومن خلال هذه الخريطة يظهر جلياً أن المسيحية هي الضلع الثالث لمثلث ضلعاه الآخران الديمقراطية وفلسفة «دعه يعمل دعه يمر» ، وكانت المسيحية كالْفينية مصطبغة بالأمريكية متسمة بالمادية والفردية تركز على فردوس الدنيا وليس على فردوس الآخرة. وقد لعب الدين الأمريكي دوراً مهماً في ترسيخ الانقسام؛ حيث ظلت الكنائس بمذاهبها المختلفة أسيرة العرق والطبقة نتيجة عدم وجود كنيسة رسمية للدولة. في هذا الخضم برز نجم الأصولية الإنجيلية واستطاعت أن تكسب أنصاراً وتوحد صفوفها لتلعب دوراً سياسياً قوياً؛ فقد لعبت دوراً في إنجاح كل من ريجان وبوش. ومنذ عام ١٩٩٠م دخلت في تحالف مع الحزب الجمهوري، ورفعت شعاراً أكثر صراحة مثل «حزب الله» . ومع نجاح كلينتون الديمقراطي تحول اليمين إلى الكونجرس لينال الأغلبية في المجلسين، وبهذا يعود الدين قوة محركة لعجلة السياسة، ومن مواقف أكثر توراتية متزعمة الحملة الصهيونية العالمية تحت ستار حماية المسيحيين المضطهدين في العالم بما يهدد بصدام عالمي محتمل، وقد حقق الإنجيليون هذه المكاسب من خلال عمل مؤسسي منظم يحمل برنامجاً متكاملاً ويمتلك من وسائل التأثير ما لا تمتلكه دولة قوية. وعند تحليل الخطاب الإنجيلي يبدو واضحاً البصمة اليهودية التي اخترقت البروتستانتية منذ مارتن لوثر ثم تجذرت مع الأيام. الفصل الرابع: حالة الجنس في أمريكا: تضخم الجنس في الولايات المتحدة حتى أصبح ظاهرة من حيث المعايير والسلوك؛ حيث لا يمكن لمن يحلل المجتمع الأمريكي أو الفكرة الأمريكية أن يتجاوزه؛ لأنه أصبح جزءاً من صلب المكون الثقاقي والاجتماعي الأمريكي. وأصبح - كمال الثقافة الأمريكية مادة لقلب الحقائق؛ فالشذوذ تحرر جنسي، والفوضوية في العلاقات ثورة جنسية، وإلغاء قوامة الرجل مساواة، وحماية الشواذ تسامح جنسي، والخوض في أدق خصوصيات العلاقة ثقافة جنسية من حق الجميع! والمؤلف في هذا الفصل تجاوز حدود ما يمكن أن يكون نقلاً علمياً إلى ما يمكن أن يكون تزويقاً أو تسويقاً؛ لأن مجاراة القوم في خوضهم لا يخضع للنسبية، والنزول على اصطلاحاتهم بُعد عن الفطرة وعدوان عليها. ومن يطالع الفصل يرى كيف تآكلت مسألة الأعراض وفقدت حساسيتها لدى الأمريكيين؛ نتيجة لقيام الرأسمالية بتفكيك المجتمع وروابطه والتي من أهمها رابطة الزوجية والمصاهرة وهو الأمر الذي أوجد حالة من الفوضى الاجتماعية والأخلاقية؛ حيث أصبحت المرأة سلعة تباع وتشترى وتُسوَّق وسيلةً للجذب والإعلان وعقد الصفقات دون أدنى مشقة! وأصبح البغاء صناعة ذات أعراف وتقاليد وسوقاً يبلغ حجم أمواله ٥,١تريليون دولار تقوم عليه مافيا تحميه من مؤسسات الدولة. كما حولت أفلام هوليود بإصداراتها المتتابعة في هذا المجال الولايات المتحدة إلى ماخور كبير، وإلى جانب هوليود تأتي الدوريات والقنوات التلفزيونية، وانتشار وسائل منع الحمل، وتوفر أدوات خاصة بالممارسة، وظهور النظريات التي تشجع على الحيوانية والشذوذ ك «نظريتي دارون، وفرويد» ، وكان لتمرد المرأة على استغلال الرجل أثر بالغ في انتشار حزمة من الأفكار التي تدعو إلى زواج المرأة بالمرأة والانقلاب على القوامة والأسرة وبعد أن فقد المجتمع المناعة الأخلاقية والدينية إلا من بقية من الكاثوليك أفاق الجميع على صدمة الإيدز، وتبنت الدولة على استحياء برنامجاً لنشر ثقافة تحمي من الأمراض، وعاد الحديث عن الأسرة بوصفها مؤسسة مهمة؛ ففي دراسة أجريت على عينة ممثلة لفئات المجتمع وافق ٩٠% على أن العائلة هي المؤسسة الأكثر أهمية في المجتمع الأمريكي، ولكن الكثيرين من هؤلاء فقدوا طريق العودة؛ إذ لم تتجاوز نسبة من لديه استعداد لإقامة أسرة سوى ٢٠% من الرجال، و١٣% من النساء! وبهذا يبدو أن المجتمع فقد طريق الرجعة إلا أن يشاء ربي شيئاً سبحانه. الفصل الخامس: الثقافة الشعبية الأمريكية: هل يعني إفراد المؤلف هذا الفصل للحديث عن الثقافة الشعبية لا عن ثقافة النخبة أن الثقافة الأمريكية ثقافة تافهة ولا تعرف ثقافة النخبة على عكس الحال في فرنسا مثلاً أم أن البراجماتية الأمريكية لا تعبأ بثقافة النخبة، وأن الثقافة الشعبية هي الأبلغ أثراً على اعتبار أن النقد الرديء يطرد النقد الجيد؟ وأياً كانت الإجابة فإنها سبة للثقافة هناك. أما عن الخلطة السحرية للثقافة الأمريكية فتتبنى الوسيلة أكثر من تبنيها للغاية، وتعتمد الاستهلاك لا البناء، وتعكس إلى حد بعيد الصورة النفسية للأمريكي المشبع بالغرور وحب الذات وجنون القوة ونزعة الأنا العنصرية. والتوليفة التي يرى المؤلف أنها تعبر عن مضمون الثقافة الأمريكي هي: أفلام هوليود ومادتها الرئيسة حول العنف والجنس، والنجوم الأمريكيون المعبرون عن الذوق الأمريكي في تجاوز الموضة والجنس، وأفلام رامبو التي تصنع رأياً عاماً لتأييد مواقف مستقبلية، وأغاني الراب في تعبيرها عن التصدع الثقافي المتمثل في تمرد الجيتو الزنجي، والنظرة الذاتية للآخر «نظرة الاستعلاء والتنقص» . * وفي الخاتمة: يلخص المؤلف نتائج التفكيك في أن الولايات المتحدة تحيا أزمة حقيقية ومتكاملة، ويخلص إلى أن العنصر الأهم في الأزمة يكمن في العقيدة الأمريكية وتناقضات المفاهيم حول الحرية والمساواة والديمقراطية والرأسمالية، وتتعارض هذه القيم بعضها مع بعض في كثير من الأحيان؛ فالولايات المتحدة ليست بالدولة العضوية كألمانيا التي قامت على تلاقي عرق ولغة وثقافة أو الدولة القومية كفرنسا، وإنما هي متعددة الأعراق والثقافات جمع بين أطرافها العقيدة الأمريكية لهيمنة الثقافة الأنجلو ساكسونية لقرون، ولكن استمرار الولاءات الفرعية والفصل العنصري واتجاه مؤشر النمو السكاني والهجرة تؤكد أن أمريكا القرن العشرين مهددة بألا تعود ساكسونية بروتستانتية. ويختم بقول هانتنجتون بأن تفكك الاتحاد السوفييتي يقدم مثالاً معقولاً للأمريكيين؛ لأن الدولتين ليستا قوميتين بالمعنى التقليدي، وأن العقيدة هي التي صبغت الدولتين؛ فإذا تفككت العقيدة الأمريكية، وسادت الانفصالية الثقافية، وتفكك الإجماع على الحرية والديمقراطية فتنضم أمريكا إلى الاتحاد السوفييتي على كل نفايات التاريخ. إن الولايات المتحدة تمتلك من عوامل القوة الكثير لكنها لم تعد في يد واحدة ولا في طريق واحد. وهي مع هذا تنوء بأحمال وأثقال تمثل عامل نحر وإضعاف لأمريكا ما بعد الحداثة. فأمريكا الإنسان مهزومة نفسياً محبطة في مهاوي الاستدراج بعدما فقدت مفاتيح الاستدراك، وأمريكا الدولة تعجز عن تطوير آلياتها القديمة لتواكب ما تبشر به من أمركة، وأمريكا ولدت ميتة تعتمد على ضخ الدماء المهاجرة إليها. وإلى جانب الحسابات المادية التي حفل بها الكتاب يبقى للمؤمن نظرته السُّننية التي تزيد القضية في حسه عمقاً وانتظاماً. بقي أن نقول لوكلاء توزيع النموذج الأمريكي في عالمنا الإسلامي: إن النموذج الأمريكي بات منتهي الصلاحية! فضلاً على أنه غير صالح للاستخدام الآدمي!

стр. 3677

التقرير السنوي للمنتدى الإسلامي ١٤١٢هـ السلام عليكم الحمد لله وحده، والصرة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه.. وبعد: فها هو ذا المنتدى الإسلامي يلتقي بكم مجددًا وهو مقدم على أعتاب عامه السادس عشر بخطى متئده ومنهج منضبط وفق الكتاب والسنة؛ مستمدًا عونه من الله - سبحانه، فله الحمد والفضل -، ومستنيرًا بآراء أهل العلم والفضل. وعبر مسيرته الماضية كانت تحفه دعوات ومشاعر وعطاء محبي الخير والإحسان؛ فلهم من الله الكريم أعظم الأجر ووافر الهبات ومنا أبلغ الشكر وأوفاه. ونقلِّب فيما يأتي صفحات من العطاء أشرقت في بقاع كثيرة من العالم هادية ومرشدة إلى دين الله بالكلمة الطيبة والحكمة الرشيدة. وقد حرصنا على تنويع أساليب إيصالها؛ فحينًا بالدروس العلمية والمحاضرات التوجيهية، وأحيانًا أخرى بعقد الدورات الشرعية والتدريبية، وأولينا الجانب التعليمية وحلقات تحفيظ القرآن الكريم عناية كبيرة سعيًا لتربية النشء على تعاليم الإسلام ومبادئه. وانطلقت قوافل الدعاة إلى المناطق النائية والقرى الريفية مبشرة بالدين الحنيف. ولم ننس الجانب الإغاثي لما يجسده من تراحم المسلمين وتوادهم، ولدوره الهام في تأليف القلوب وتهيئتها لقبول الحق. وكان للجانب الإعلامي دوره الفعال في نشر الوعي عبد الكتاب الهادف والشريط المتميز. وأُنشئت المساجد والمراكز الإسلامية لتجميع كلمة المسلمين، ولتكون منطلقًا لهذه الأنشطة وغيرها. وأخيرًا.. فهذه خطوة سبقتها خطوات، سار خلالها المنتدى وفق خطة مرسومة وأهداف مدروسة؛ آخذًا على عاتقه مواصلة المسيرة والعطاء بمشيئة الله وعونه ثم بعونكم ودعائكم وتوجيهاتكم. المنتدى الإسلامي النشاط الدعوي * مشروع كفالة الدعاة: الدعاة المحليون هم الأداة الأجدى لنشر الإسلام بين بني جلدتهم، ولهذا فقد حرص المنتدى الإسلامي على إعداد نخبة من الدعاة وبنائهم بناءًا علميًا ودعويًا ليدعوا إلى الله على علم وبصيرة، وما يميز المنتدى في هذا المشروع أمران هما: - أن الداعية يخضع لإشراف مباشر ومتابعة دقيقة بشكل مستمر من قبل مشرفين مؤهلين. - أن المنتدى يحرص على تقديم برامج وأنشطة تهدف إلى رفع مستوى الداعية المكفول، ومن هذه الأنشطة: اشتراكه في دورات علمية وإدارية - عقد لقاء شهري علمي وتربوي لدعاة كل دولة - تكليف الداعية بإعداد بحوث شرعية متنوعة خلال السنة. ويبلغ عدد الدعاة المكفولين من قبل المنتدى الإسلامي (٤٨٥) داعية منتشرة في (١٣) دولة من دول العالم. من ثمرات دعاة المنتدى ٤٦٤٧ درسًا علميًا أسبوعيًا ٨٥١ محاضرة أسبوعية هذا وقد تم الانتهاء بحمد الله من شرح كتاب (القول المفيد في شرح كتاب التوحيد) في مركز المنتدى بلندن هذا العام. البرامج الدعوية: ١- الدورات الشرعية: أعد القسم العلمي في المنتدى الإسلامي منهجًا متكاملاً للدورات الشرعية يشمل أربع مستويات بحسب مستوى المشاركين، ويحرص المنتدى على استضافة نخبة من طلبة العلم والمربين المتميزين للمشاركة في برامج هذه الدورات. ٢- اللقاءات التربوية للدعاة: وهي برامج تربوية فكرية ينظمها المنتدى لدعاته بشكل شهري أو شبه شهري، ويهدف هذا البرنامج إلى توحيد الأهداف المرحلية، ومراجعة عمل الدعاة، وقد أعد المنتدى لهذا البرنامج منهجًا خاصًا، ويُعد هذا البرنامج من أكثر البرامج تأثيرًا في تصحيح مسار الدعاة إلى الله عز وجل. ٣- الدورات الإدارية: التفت المنتدى إلى أهمية تطوير طاقاته ورجاله إداريًا وتنظيميًا ورفع مستوى قدراتهم وإمكاناتهم؛ لأن بناء الرجل هو الكفيل - بإذن الله - باستمرار العمل وتطوره؛ ولذا فقد واصل المنتدى عقد الدورات الإدارية المتنوعة، وقد بلغت في هذا العام (١٣) دورة إدارية، استفاد منها قرابة (٦١٥) داعية. النشاط التعليمي كلية لندن المفتوحة: أنشئت الكلية في لندن عام (١٤٢٠هـ) لتدري العلوم الشرعية باستخدام وسائل اتصال حديثة كالإنترنت والفاكس والهاتف بهدف نقل العلم الشرعي وتيسيره للدارسين حيثما كانوا، ويشرف على هذه الكلية نخبة مؤهلة من المدرسين، وتمنح الكلية: درجة الدبلوم، والبكالوريوس باللغة العربية والإنجليزية، وقد بلغ عدد الدارسين فيها في العام المنصرم (١١٥) دارسًا. المعاهد الشرعية: حرصًا من المنتدى الإسلامي على نشر العلم الشرعي القائمة على الكتاب والسنة وهدي سلف الأمة فقد تولى المنتدى - بحمد الله ومنته - تشغيل معهدين شرعيين أنشأهما البنك الإسلامي للتنمية في الصومال، أحدهما للمرحلتين المتوسطة والثانوية ويبلغ عدد طلابه (١٧٥) طالبًا. والآخر معهد متخصص لإعداد المعلمين ويبلغ عدد طلابه (١٢٠) طالبًا. المدارس الشرعية: يتم في هذه النوع من المدارس تعليم العلوم الشرعية بشكل مكثف، وقد أنشأ المنتدى الإسلامي حتى الآن (٤) مدارس شرعية متخصصة وهي على النحو الآتي: * متوسطة البيان الشرعية في نيجيريا، ويبلغ عدد طلابها (٤٥) طالبًا. * ثانوية البيان الشرعية في نيجيريا، ويبلغ عدد طلابها (٤٥) طالبًا. * ثانوية الإمام مالك في مالي، ويبلغ عدد طلابها (٨٠) طالبًا. ويحرص المنتدى في هذه المدارس على رفع المستوى العلمي والتربوي للطلاب من خلال برامج متنوعة تستثمر قدرات الطلاب ومهاراتهم. * المدارس النظامية: يدرس الطالب في هذه المدارس نوعين من المواد: - العلوم المقررة في بلده. - العلوم الشرعية المعدة من قبل المنتدى. ويهدف المنتدى من هذا النوع من المدارس إلى تأهيل أبناء المسلمين تأهيلاً شرعيًا وعصريًا يُمكِّنهم من مواصلة الدراسة في الجامعات الحكومية في مختلف التخصصات. وقد بلغ عدد المدارس النظامية التابعة للمنتدى (٢٧) مدرسة يدرس فيها (٦٦٥٢) طالبًا. ومن هذه المدارس: اسم المدرسة - الموقع - عدد الطلاب مدرسة المنتدى الابتدائية - لندن - ١٩٠ مجمع الصديق التعليمي (ابتدائي - متوسط - ثانوي) غانا ٧٨٠ مجمع الفاروق التعليمي (ابتدائي - متوسط) غانا ٥٠٠ مدرسة عمر بن الخطاب (ابتدائي) مالي ١٥٠ مدرس أبخ الإسلامية (ابتدائي) جيبوتي ٣٧٠ مدرسة دار الحنان (ابتدائي) الصومال ٢٣٢ مدرسة الطيبة (ابتدائي) بنجلاديش ١٥٠ التعليم الإسلامي ... صناعة رجال وحماية أجيال النشاط التربوي يحرص المنتدى على توفير المناخ التربوي المناسب لشباب الأمة الإسلامية؛ وذلك لكي يتحول العلم فيها إلى عمل وممارسة، ومن هذه المناخات: * المحاضن التربوية: واصل المنتدى الإسلامي مسيرته في تكوني محاضن تربوية تضم نخبة من شباب الجامعات يجمعهم سكن واحد، ويشرف عليهم شخص مؤهل تربويًا وعلميًا. وتقام في هذه المحاضن أشكال عدة من البرامج العلمية والدعوية والتربوية تم تصميمها من قبل المنتدى الإسلامي. ومن هذه المحاضن: (دعاة المستقبل في نيجيريا) الذي يضم عشرين طالبًا جامعيًا يدرسون في مختلف التخصصات الجامعية، ويهدف هذا المحضن إلى بناء هؤلاء الطلاب الجامعيين ليكونوا دعاة عاملين في مختلف التخصصات. المراكز الصيفية، والمخيمات الطلابية: وهي برامج تربوية تقام بشكل دوري في مختلف الدول التي للمنتدى فيها مكاتب، وتخدم هذه البرامج فئة الشباب بهدف بنائهم وتنشئتهم تنشئة دعوية جادة، من خلال احتكاكهم بأقرانهم ومن هم أكثر منهم علمًا خلال فترات زمنية مناسبة. وقد أقام المنتدى الإسلامي العام الماضي (١٢) مخيمًا ومركزًا صيفيًا، استفاد منها (٦٩٠) طالبًا في كل من الدول الآتية: مالي، نيجيريا، غانا، توجو، بنين، تشاد، بنغلاديش. * برامج الاعتكاف: تربية الشباب على العبادة وحثهم على المنافسة في الخيرات هو أحد أنشطة المنتدى التي يقيمها في العشر الأواخر من رمضان المبارك في كل عام , وقد أشرف المنتدى على اعتكاف ما لا يقل عن (٥٣٠) شابًا خلال رمضان ١٤٢٠هـ في (٥) دول هي: بريطانيا، غانا، التوجو، نيجيريا، بنين. الجدير بالذكر أن يوم الشاب المعتكف مليء بالبرامج الفردية والجماعية. برامج الاعتناء بالقرآن الكريم يهتم المنتدى الإسلامي اهتمامًا خاصًا بكتاب الله حفظًا وتجويدًا ودراسة، ويسعى لتربية النشء المسلم على آدابه وتوجيهاته؛ وذلك من خلال عدد من البرامج والأنشطة: * حلقات تحفيظ القرآن الكريم: وهي حلقات تعليمية يتم فيها تعلم القرآن الكريم وحفظه، ويحرص المنتدى على توفير سبل استمرار الطلاب في الحلقات، كما يحرص على اختيار المعلم الكفء، وقد أصدر المنتدى كتابًا خاصًا بالحلقات يسلط الضوء على النواحي التربوية والإدارية في الحلقات؛ ويعتبر هذا الإصدار مرشدًا لمعلم الحلقة والمشرف عليها. * عدد حلقات التحفيظ في المنتدى: (٢٨٢) حلقة. * عدد الطلاب والطالبات: (١٠. ٤٦٩) طالبًا وطالبة. * عدد الحافظين لكتاب الله في العام الماضي فقط: (١٩٥) طالبًا وطالبة. إقامة مسابقات حفظ القرآن الكريم: ينظم المنتدى في كثير من مكاتبه مسابقات مختلفة المستويات لتشجيع الناس ولا سيما الشباب على حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أقام المنتدى بتوفيق من الله (٢٥) مسابقة في كل من مالي، غانا، بنين، جيبوتي، الصومال، تشاد، شارك فيها ما لا يقل عن (١٧١٢) شخصًا. تأهيل معلمي الحلقات: نظرًا لما لمعلمي الحلقات من دور أساسي في سير العملية التعليمية والتربوية داخل الحلقة فقط حرص المنتدى على رفع قدرات المشرفين على الحلقات والمدرسين فيها؛ وذلك بعقد دورات علمية لهم. وقد أقام المنتدى خلال هذا العام (٩) دورات في دول عدة. قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) . منابر المنتدى الإعلامية مجلة البيان: مازالت مجلة البيان - بتوفيق من الله تشق طريقها بخطوات راسخة ومنهج واضح، وقد بلغ عدد النسخ التي يطبعها المنتدى من البيان شهريًا (٤٢.٠٠٠) نسخة، توزيع في أكثر من (١٠٠) دولة، وإخوانكم في البيان جادون على إيصال كلمة الحق ونشرها بين الدعاة وطلاب العلم في أنحاء العالم. الجدير بالذكر أن المنتدى يوزع شهريًا (٥.٠٠٠) اشتراك مجاني للمراكز الإسلامية والدعاة وطلاب العلم الذين يشق عليهم شراؤها. مجلة الجمعة: وهي مجلة فتية تصدر باللغة الإنجليزية عن المنتدى الإسلامي في أمريكا، وتستهدف الأسرة المسلمة الناطقة بالإنجليزية، ومع أن المجلة تمر بظروف مالية صعبة إلا أن ذلك لم يُعق انتشارها لا سيما في أمريكا وأوربا؛ فقد بلغ عدد الاشتراكات فيها (١٠.٣٠٠) اشتراك. ومجلة الجمعة مادة مفيدة للتواصل مع المسلم الجديد وتعليمه أصول الإسلام، ووسيلة مناسبة للمساهمة في ثباته على الهداية. كتاب المنتدى: هي سلسلة من الكتب الدعوية والفكرية والتربوية يحرص على المنتدى على حسن اختيارها وإعدادها ومراجعتها من قبل بعض العلماء وطلاب العلم. وقد أصدر المنتدى الإسلامي حتى الآن (٢٤) كتابًا ثم توزيع وبيع ما يقارب (٠٠٠,٩٣١) نسخة منها. ومن الإصدارات الجديدة في هذا العام: ١- اعترافات علماء الاجتماع. ٢- مَعْلَم في تربية النفس. كتاب الجمعة: سلسلة تصدر باللغة الإنجليزية عن المنتدى الإسلامي، وقد بدأت هذه السلسلة بطباعة خمسة كتب تم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، ومنها: كتاب: (منهج التلقي والاستدلال) للشيخ أحمد الصويات، وكتاب: (يا بين.. لقد أصبحت رجلاً) للشيخ محمد الدويش، وكتابا: (عالمية الإسلام) و (الخطيئة الأصلية) وكلاهما للدكتور عبد الله القحطاني. مطويات المنتدى: وهي مطويات صغيرة تصدر بشكل دوري عن بعض مكاتب المنتدى الإسلامي باللغات المحلية، وتهدف هذه المطويات إلى نشر العلم الشرعي لغير الناطقين بالعربية. ومن أبرز هذه المطويات: * مطوية (رسالة الإسلام) وتصدر عن مكتب المنتدى في بنغلاديش باللغتين العربية والنبغالية. * مطيوة (أسبوعية المنتدى) تصدر باللغة الفرنسية وتوزع في دولتي توجو وبنين. * مطوية (المنار) تصدر عن مكتب المنتدى في لندن ببريطانيا باللغة الإنجليزية. * برامج الإذاعة والتلفاز: يحرص المنتدى من خلال دعاته على إيصال كلمة الحق من خلال الوسائل الإعلامية المتاحة، ولذلك واصل دعاة المنتدى استثمار الفرص المتاحة للمشاركة في البرامج الإذاعية والتلفازية إضافة إلى المشاركات في الصحف المحلية، وقد كانت المشاركات في هذه الوسائل على النحو الآتي: المشاركة - العدد برامج تلفاز: ١٥ برامج إذاعية: ٧٤١ صحف: ٤٢ المشاريع الإنشائية بناء المساجد: لما للمسجد من دور هام في بناء المجتمع المسلم؛ ومن أجل تحقيق هذا الدور فقد حرص المنتدى على دقة اختيار الموقع المناسب لإنشاء المسجد وتسجيل الأوراق الرسمية له باسم المنتدى، كما أن المنتدى يحرص على أن يشرف بشكل مباشر على إنشاء المسجد وتشغيله، وقد بنى المنتدى حتى الآن (٤١٧) مسجدًا بتكلفة لا تقل عن (٣٣. ٣٦٠. ٠٠٠) دولار في مختلف بلدان العالم. المراكز الإسلامية: يهدف المنتدى من إنشاء المراكز الإسلامية إلى توفير مكان متعدد المرافق والمنافع من أجل تسهيل تنفيذ البرامج الدعوية التعليمية. وقد بلغ عدد المراكز التي بناها المنتدى الإسلامي حتى الآن (٢١) مركزًا في كل من بريطانيا: بنغلاديش، نيجيريا، مالي، غانا، توجو، بنين، جيبوتي، كينيا، السودان، إندونيسيا، اليمن. * وكان من آخر هذه المراكز (المركز الإسلامي في باماكو) بدولة مالي، الذي تم بناؤه حاليًا وهو يضم إضافة إلى المسجد الجامع معهدًا شرعيًا، ومبنى إداريًا، ومكتبة عامة، وقاعة محاضرات. نشر الكتاب الإسلامي للكتاب والشريط الإسلاميين دور كبير في نشر العلم والعقيدة الإسلامية الصحيحة؛ وبسبب ندرتهما في بعض الدول فقد تبنى المنتدى عددًا من الأنشطة لسد الحاجة إليهما، ومنها: توزيع المصاحف: يتشوق المسلمون في الدول الفقيرة إلى اقتناء نسخة من كتاب الله ؛ ولذا فقد سعى المنتدى لتوفير نسخ من القرآن الكريم لمن يظن أنهم حريصون على قراءته وتدبر آياته، وقد بلغ عدد المصاحف التي وزعها المنتدى العام الماضي (٧٧٥٠) مصحفًا. طباعة وتوزيع الكتب الإسلامية: يحرص المنتدى على طباعة الكتب الإسلامية باللغات المختلفة وتوزيعها على دول العالم، وقد وزع من هذه الكتب خلال العام الماضي (٢١٢. ٧٢٠) كتابًا بعدة لغات. ومن ضمن الكتب التي قام المنتدى بطباعتها وتوزيعها: الوسيط بين الحق والخلق، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مترجم بلغة الهوسا. الدروس المهمة لعامة الأمة، لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ (مترجم بالغة السواحلية) . كيفية صلاة النبي ﷺ ؛ لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ (مترجم باللغة الفرنسية) . العقيدة الإسلامية الصحيحة، للشيخ محمد جميل زينو (مترجم باللغة الإنجليزية) . إنشاء المكتبات العامة: توفير المراجع وأمهات الكتب العلمية في الدول الفقيرة أمر ضروري للعلماء وطلاب العلم والدعاة في تلك الدول؛ ولذا فقد قام المنتدى باختيار قائمة من أهم الكتب في مختلف التخصصات الشرعية وعلم على توفيرها في مختلف الدول الفقرة وقد بلغ عدد المكتبات التي أنشأها المنتدى وأثثها قرابة (٥٢) مكتبة في أكثر من (٩) دول. توزيع المناهج الدراسية: تفتقر كثير من المدارس الإسلامية في كثير من الدول الفقرة إلى المناهج الدراسية، وهذا بدوره قد يؤدي إلى ضعف المستوى العلمي للطلاب؛ ولهذا سعى المنتدى إلى توفير المناهج الدراسية وشحنها إلى بعض المدارس، وقد بلغ عدد الكتب الموزعة (١٨٢. ٨٤٦) كتابًا تقريبًا. توزيع الشريط الإسلامي: مع افتقار كثير من دول العالم إلى علماي موجهين فقد حرص المنتدى على نشر الشريط الإسلامي بمختلف اللغات بين صفوف الدعاة وعامة الناس. كما حصر المنتدى على توفير أجهزة نسخ الأشرطة لتسهيل نشر الشريط الإسلامي، وقد بلغ عدد الأشرطة التي تم توزيعها عبر مكاتب المنتدى قرابة (١٤. ٢٧٠) شريطًا. الكتاب الإسلامي ... معين لا ينضب وزاد لا ينفد. نشر الإسلام إقبال الناس في الشرق والغرب على الإسلام جعل المنتدى الإسلامي يفكر في استثمار هذا الإقبال؛ ولذلك قد تبنى المنتدى برامج متنوعة لنشر دين رب العالمين تختلف باختلاف المدعوين. ومن ذلك: القوافل الدعوية: استمر المنتدى الإسلامي في تسيير القوافل الدعوية في أدغال إفريقيا، وبفضل من الله تمكن المنتدى خلال العام من تنفيذ (٢٠٠) قافلة في (٩) دولة. ويصاحب القافلة عادة طبيب لمعالجة أهالي القرآن، كما يتم توزيع مواد غذائية لتليين قلوبهم. ومن فضل الله منته أن هدى للإسلام أقوامًا من الناس في مختلف القرى والمناطق التي زارها الدعاة، وقد بلغ مجموعهم في العام الماضي (٤٨٢١) مهتديًا. مراكز المهتدين الجدد: إن تحويل المسلم الجديد إلى إنسان يجمل همّ الإسلام ويساعد في نشره بين بني جلدته أحد الأنشطة التي يقوم بها المنتدى الإسلامي من خلال إنشاء مراكز المهتدين الجدد وتشغيلها. وهي مراكز ينشئها المنتدى في بعض الدول لإعطاء المسلم الجديد دورات شرعية تمتد إلى أربعة أشهر متواصلة يتعلم فيها العقيدة الصحيحة وطرق تأدية العبادات وغير ذلك. وقد أنشأ المنتدى حتى الآن (٤) مراكز للمهتدين الجدد. ويضم المركز مسجدًا وفصولا دراسيًا وسكنًا للمهتدين ومكتبة وصالة طعام، وغير ذلك من المرافق. وقد أقيمت في هذه المراكز خلال العام الماضي (١٦) دورة تعليمية خاصة بالمهتدين الجدد، واستفاد منها قرابة (٦٠٠) شخص من حديثي الإسلام. اكتشف الإسلام. وهو موقع يعمل المنتدى الإسلامي على إنشائه عبر شبكة (الإنترنت) وذلك لدعوة مستخدمي هذه الشبكة العالمية من غير المسلمين الناطقين بالإنجليزية ومن أهم محتويات هذا الموقع: تعريف شامل بالإسلام. شبهات حول الإسلام. الرسول ﷺ في التوراة والإنجيل. ترجمة لمعاني القرآن الكريم بالإنجليزية. توضيح خطوات الدخول في الإسلام. المسلم الجديد: وهو كذلك موقع يشرف عليه المنتدى الإسلامي في الإنترنت، ويهدف هذا الموقع لخدمة الذين منَّ الله عليهم بالهداية وسيكون الموقع - بإذن الله - مرجعًا للمهتدين الجدد للتعرف على أمور دينهم من أحكام وتشريعات وآداب وغير ذلك. وسوف يضم هذا الموقع ركنًا خاصًا بالرجال وآخر بالنساء. الطاولات الدعوية: يغتنم دعاة المنتدى الإسلامي في لندن تجمع الناس في بعض الأماكن لا سيما في عطلة نهاية الأسبوع ويضعون طاولات تضم كتيبات ونشرات وأشرطة تعريفية بالإسلام، كما يقوم الدعاة بالإجابة على تساؤلات الناس حول الإسلام، ولقد كان لهذه الطاولات أثر إيجابي في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ودخولهم فيه. الدورات التدريبية في طرق دعوة غير المسلمين: تتطلب دعوة الناس إلى الإسلام معرفة أحوالهم ومداخلهم والأسلوب الأنسب لمحاورتهم؛ ولذا فقد حرص المنتدى على إقامة دورات تدريبية للدعاة والمهتمين بدعوة غير المسلمين تتناول أساليب الدعوة وطرقها وبعض الموضوعات الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع. وقد أقام المنتدى دورتين في مركزه بلندن. الأنشطة الإغاثية يهدف المنتدى من خلال تنفيذه للبرامج الإغاثية إلى استثمار إقبال الناس على هذه البرامج في الدعوة إلى الله وتصحيح العقائد ونشر السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. ومن الأنشطة والإغاثية التي يقيمها المنتدى: مشروع إفطار الصائمين: أقام المنتدى الإسلامي في رمضان عام ١٤٢٠هـ مشروع الإفطار في (٥٦) دولة، وبلغ عدد المستفيدين من هذا المشروع (٨٠٤,٦٦٩,١) مستفيدًا، بميزانية تقدر بـ (٦٦٧,٠٦٦,١) دولارًا. وقد رافق المشروع برامج دعوية مصاحبة بلغ عددها قرابة (٢٩٠,٢٤) برنامجًا. ومن مبشرات الخير لهذا المشروع إسلام (٨١١) شخصًا تأثرا بهذا المشروع المبارك؛ إضافة إلى إسلام قرية كاملة في دولة بنين يبلغ عدد سكانها (٣٠٠,٦) نسمة. فاللهم لك الحمد والمنة. المخيمات الطبية: يقيم المنتدى بشكل دوري بالتعاون مع (مؤسسة البصر العالمية) مخيمات لمكافحة العمى في الدول الفقيرة، وهي تخدم بالدرجة الأولى فقراء المسلمين مع عدم حجب خير هذه المخيمات عن غير المسلمين لدعوتهم وتأليف قلوبهم. وقد أقام المنتدى - بتوفيق الله- خمسة مخيمات في كل من: نيجيريا، كينيا، الصومال، مالي، توجو. تم الكشف فيها على أكثر من (٤٠٠,٣٠) مريض، وإجراء (٢٩٠,٢) عملية جراحية، وتوزيع المخيمات وذلك بإعداد وتقديم عدد من المحاضرات، وتوزيع الكتيبات والكلمات الإرشادية والتعليمية. ويسعدنا في المنتدى الإسلامي أن نقدم جزيل شكرنا وتقديرنا للجهود الحثيثة التي تقوم بها مؤسسة البصر العالمية، فهي مؤسسة رائدة في النشاط الإنساني المتخصص. مشروع الأضاحي: وهو مشروع ينظمه المنتدى كل عام، وقد بلغ عدد الأضاحي التي تم ذبحها وتوزيعها على فقراء المسلمين عام ١٤٢٠هـ (٧٠٠,٣) رأس من الغنم و (٥٠) من البقر. واستفاد من هذا المشروع قرابة (٥٠٠,٤٣) شخص. البرامج الإغاثية للمنكوبين: يسهم المنتدى في رفع المعاناة عن إخوة لنا في الدين ابتلاهم الله ببعض المصائب والنكبات: فقد سيَّر المنتدى الإسلام قوافل إغاثية لإغاثة المنكوبين من الجفاف الذي أصاب منطقة أوجادين في شمال الصومال. كما قدم المنتدى معونات سريعة للاجئين الإرتيريين النازحيين إرتيريا إلى شرق السودان بسبب الحرب التي دارت بين إرتيريا وإثيوبيا. ويستعد المنتدى في الوقت الحالي لتقديم المساعدة للمتضررين من المجاعة التي ظهرت آثارها في شرق دولة كينيا. قال رسول الله ﷺ : (أحب الناس إلى الله أنفعهم و، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا) . رواه الطبراني وحسنه الألباني. مشروع عيون الحياة لحفر الآبار الجفاف شبح يهدد كثير من الدول الفقيرة، ويكدر صفو الحياة فيها ولا سيما في القارة الإفريقية، ولذا حرص المنتدى على المساهمة في تخفيف هذه المعاناة عن المسلمين من خلال: محطات المياه: وهي محطات كبيرة لاستخراج المياة نضخ قرابة (٧٠٠٠) جالون يوميًا، ويهدف المنتدى من هذا النوع من المحطات إلى توفير مصدر مائي ثابت يساعد على استقرار أهل المنطقة. وبحمد الله فقد أنشأ المنتدى حتى الآن (٤) محطات كبيرة في شرق السودان. الآبار الأرتوازية: وهي آبار تحفر بواسطة أجهزة الحفر الحديثة، ومن ثم يركب عليها مضخة يدوية؛ لأنها الأنسب في مناطق الجفاف التي لا يتوفر فيها الكهرباء. وقد حفر المنتدى حتى الآن (٢٥٤) بئرًا أرتوازيًا في مختلف الدول التي تعاني من شح الماء. الآبار السطحية: وهي آبار تحفر في المناطق التي يقترب فيها مستوى الماء على سطح الأرض أو التي يصعب استخدام أجهزة الحفر الحديثة فيها. وقد حفر المنتدى الإسلامي حتى الآن (٣٢٠) بئرًا سطحيًا. مشروع سلسبيل لسقيا الماء: وهو عبارة عن خزانات كبيرة تنشأ في الأحياء الفقيرة للمسلمين الذين يعانون من قلة الماء، ويتم تغذية هذه الخزانات بشكل يومي من خلال صهريج كبير تابع للمنتدى، وقد أنشأ المنتدى (٦) خزانات في منطقة كسلا بالسودان. قال ﷺ : (أيما مؤمن سقى مؤمنا على ظما سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة) .

стр. 3678

المسلمون والعالم زفرات قلم.. مع القدس في محنتها عبد العزيز كامل (١) * رغم التغريب والتغييب ... ورغم التجهيل والتغفيل والتأجيل.. فرضت قضية بيت المقدس نفسها على الساحة الدولية في الآونة الأخيرة، ولكن.. لا يدري أحد إلى أي منتهى ستقود المنطقة والعالم تلك البقعة الصغيرة المبنى والعظيمة المعنى؟ ! كل الاحتمالات واردة إلا احتمال تحقق الوهم أو الإيهام العربي بعودتها عن طريق عملية الدجل الكبرى المسماة: (عملية السلام) ! (٢) * الأحداث الأخيرة التي اجتاحت فلسطين منطلقة من ساحات المسجد الأقصى أثبتت أن هناك شعباً كاملاً يريد أن يجاهد، ولديه كامل الاستعداد للبذل والفداء، ولكن هذا الشعب أعزل ... إلا من الحجارة! ! فكيف ذلك؟ ! ومن المسؤول عنه؟ وكيف يظل شعب من المسلمين احتُلت أرضه، واغتُصب حقه مجرداً من السلاح طيلة أكثر من نصف قرن؟ من المسؤول عن حرمان أهل الأرض المقدسة من حمل السلاح للدفاع المشروع عنها كما يدافع الشيشان الآن ومِن قَبلِهم الأفغان؟ ! .. إنها حقاً معضلة تحتاج لمن يحل لغزها ويسعى لفكها! ! (٣) * زيارة رمز الشر (شارون) لباحة المسجد الأقصى كانت على غرابتها ووقاحتها تصرفاً طبيعياً لمن أراد أن يدشن حرباً دينية صريحة في المنطقة؛ لأن رد الفعل المترتب عليها لم يكن متوقعاً فقط، بل كان منتظراً من جيش أعد نفسه لمثل هذا اليوم منذ حادثة النفق عام ١٩٩٦م. و (شارون) لم يكن ليبادر بمفرده بخطوة كتلك الخطوة البعيدة الأثر على الحكومة الإسرائيلية بأسرها، لولا أن (باراك) قد بارك خطوته هذه؛ ليبني الاثنان (حزب الليكود وحزب العمل) عليها بعد ذلك ما يريان من خطوات في شأن ما يسميه اليهود: (جبل الهيكل) بعيداً عن أهزولة (عملية السلام) . (٤) * من غرائب وعجائب تلك الجدلية الهزلية، الإسرائيلية العربية، المعروفة بالعملية السلمية؛ أنها استمرت نحواً من عشر سنوات للبحث في كل قضايا الصراع إلا المساءل المهمة، والخطيرة، والمعقدة: (القدس العَوْدة الحدود الدولة المياه المستوطنات) فلما جاء موعد مناقشة تلك القضايا الكبيرة من أجل الوصول إلى (الحل النهائي) .. تبرع الراعي (الكاوبوي) الأمريكي، بعشرة أيام في كامب ديفيد للفراغ منها، ثم تكرم بأربعة أيام أخرى، ليكون نصيب البقعة المباركة التي ظلت تحت كنف المسلمين أربعة عشر قرناَ، أربعة عشر يوماً، لكي تنقل ملكيتها إلى من سرقوها واغتصبوها بصكوك دائمة، عنوانها: (الحل النهائي) أو المحطة الأخيرة في عملية السلام.. «العادل والشامل والدائم» ! (٥) * ظهر عملياً في مفاوضات الحل النهائي في كامب ديفيد، أن كل ما أسماه اليهود: (أرض إسرائيل) هو جميعه في كفة، والقدس وحدها في كفة، وظهر أيضاً بعد تسريب بعض تفاصيل المفاوضات أن القدس كلها كانت في كفة، وما أسماه اليهود (جبل الهيكل) في كفة. و (جبل الهيكل) الذي أصبح (فجأة) هو الاسم الإعلامي الدولي لمسجدي الأقصى والصخرة؛ ظهر أن يهود العالم يرجحون كفته على كل شيء من أراضي الشرق الأوسط. وأثبت اليهود أن قادتهم من أمثال بن جوريون وبيجن وغيرهما، كانوا يعنون ما يقولون عندما رددوا مراراً: (لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل) . (٦) * ترجمة هذا الكلام من الناحية الواقعية أن كامب ديفيد الثانية وربما ما يأتي بعدها من ثالثة ورابعة كانت تمثل في حقيقتها حواراً تفاوضياً صعباً حول موضوع مركزي أساسي، وهو أرض المسجد الأقصى نفسها التي لم يكن للحديث المكثف عن (القدس الشرقية) والسيادة عليها أي معنى غير معنى السيطرة التامة عليها؛ وبهذا اختُصرت أزمة الشرق الأوسط وأعيدت إلى نقطة المركز: المسجد الأقصى والسيادة عليه: هل هي للمسلمين، أم لليهود، أم للنصارى؟ وأصبح الصراع في الشرق الأوسط صراعاً على أرض مسجد كما قال (شلومو بن عامي) وزير الخارجية الإسرائيلي بالوكالة. (٧) * الخطاب الإسرائيلي والأمريكي في الآونة الأخيرة اضطر للإفصاح عن حقيقته الدينية الصرفة فيما يتعلق بالسيطرة على أرض المسجد الأقصى، واضطر الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي العربي إلى أن يتكلم باللهجة نفسها أو قريباً منها ليتحدث عن السيادة على (أرض الحرم القدسي) [*] . ولكن ظهر في هذا الخطاب العربي تصنُّع ظاهر؛ فالخطاب العلماني بدا هزيلاً وهو يتحدث عن (المقدسات) و (الحرمات) ؛ إذ كيف يتحدث عن القدسية أقوام انتهك أكثرهم كل شيء مقدس في الدين، بدءاً من الشريعة المقصاة عمداً وقصداً، وانتهاءاً بمحاربة التدين والمتدينين سراً وعلناً. وقد كان شيئاً مزرياً أن نسمع عن مغادرة الوفد الإسرائيلي لمكان التفاوض كلما حل يوم السبت احتراماً له، بينما ما زلنا نرى النظم المعمول بها لا تمانع في أكثر بلاد المسلمين من ممارسة كل الأعمال الحياتية وقت صلاة الجمعة استهانة بها! (٨) * الروح الإسلامية على ما يبدو سوف تُستنفر قريباً وتُستدعى للذود عن المقدسات، بعد الإعلان عن إفلاس الزعامات اللادينية، وتلك الروح تُخاطب الآن على استحياء، بعد أن (اكتشف) العلمانيون العرب أن الصراع يسفر يوماً بعد يوم عن وجهه الديني الحقيقي ... ولكن هذا (الاكتشاف) وللأسف الشديد ظهر لهم بعد أن كسروا بأنفسهم رماح تلك الروح، وقصوا ريشها في أنحاء العالم العربي والإسلامي، وبعد أن قام عرفات ذاته بخضد الشوكة الإسلامية داخل الأرض المقدسة، وليجد الفلسطينيون العاديون أنفسهم بعد خراب مالطة قوة عزلاء شلاَّء تقف وجهاً لوجه أمام قوىً دينية يهودية ونصرانية متربصة بدين الحق، ومتشبثة بدين الباطل تحت الرايات التوراتية والغايات التلمودية. (٩) * يبدو أيضاً أن العلمانية العربية لا يزال في جعبتها المزيد من عيِّنات المزايدين على قضية فلسطين، وأنها تُعِد، أو تُعَد لتتخطى مرحلة الثورية القومية حيث دعاوى القتال والنضال، إلى مرحلة «الجمهوريات الملكية» ، حيث الانبطاح بعد الانفتاح على (العدو المصيري) للوصول إلى «تسوية» القضية نهائياً بالأرض. والتوصل إلى «حل» نهائي لتلك العقدة التي أظهرت عوار الدعاوى العلمانية بكافة أطيافها وأصنافها الدعائية الخائبة. (١٠) * مفارقة عجيبة، تلك التي يكشفها تسلسل أحداث القضية الفلسطينية؛ فبعد أن كانت قضية إسلامية، تحولت إلى قضية عربية قومية، ثم إلى قضية أوكِلَ أمرها إلى (دول المواجهة) ثم إلى قضية تُهم جبهة (الصمود والتصدي) ، ثم إلى قضية تعني الشعبين الفلسطيني والأردني، ثم إلى قضية تخص الشعب الفلسطيني وحده، ثم إلى قضية في يد السلطة الفلسطينية دون سائر الشعب الفلسطيني، ثم إلى قضية تحت تصرف عرفات وحده! ! وإذا بعرفات يتحول بتدبير مقصود إلى رجل يتكلم وحده باسم أكثر من مليار [**] مسلم بشأن المقدسات، ويجتهد نيابة عنهم، ويتفاوض ويتفق، ويُوقِّع سراً وجهراً، ومختاراً ومكرهاً، بالوكالة والأصالة عن العالم الإسلامي بأسره! (١١) * هذا العالم الإسلامي، استُبعد منذ عقود طويلة ليقف موقف المتفرج على ما أطلق عليه العلمانيون: (الصراع العربي الإسرائيلي) . وطيلة خمسين عاماً من صراعات الحرب والسلام البائرة ظل العالم الإسلامي متفرجاً بالفعل، بناءاً على طلب (أصحاب القضية) فلما جَدَّ الجِدُّ، وبرزت جسامة المسؤولية، إذا بهؤلاء يستنجدون بالعالم الإسلامي، ويعاتبونه على المواقف الباردة التي يتعامل بها مع التطورات الساخنة لأكثر قضايا المسلمين المعاصرة خطورة، حتى إن عرفات ورفاقه بعد أن أيسوا من السيادة الفلسطينية على القدس، طلبوا إسناد تلك السيادة إلى العالم الإسلامي، ولكن ... أنى للمتفرجين المستبعدين طيلة عقود أن يتحولوا إلى مشاركين أساسيين في (اللعبة) التي لم يُمكَّنوا من فهم قواعدها، أو يشاركوا في صنع تطوراتها؟ ! ... لقد رُفض الطلب، قبل أن يتكلم عن المطلوب! (١٢) * في حمأة التورط الفلسطيني الرسمي، والانكشاف العربي العلني، والحرج المتزايد للعالم الإسلامي، بدا العالم النصراني في أوج التنسيق والتنظيم مع اليهودية العالمية، حتى إن حديث باراك وشارون وليفي وابن عامي لم يعد يختلف في جوهره وغايته كثيراً عن حديث كلينتون وأولبرايت وآل جور وبوش عند الخوض في مسألة (جبل الهيكل) ، وأصبحت القدس كما لم تكن من قبل أحد الموضوعات الأساسية للمزايدة السياسية في الانتخابات الأمريكية بين الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري، حتى أصبح البيت المقدس بوابة للدخول إلى البيت الأبيض. (١٣) * بدا أن كلينتون بعد كامب ديفيد الثانية لم يكن يرغب في ختم عهده الملوَّث بحيازة جائزة نوبل للسلام، بقدر ما كان حريصاً على إسدال الستار على الفصل الأخير من عملية الاستسلام التي كانت أمريكا الراعي الأول لها. فتوقيع ياسر عرفات أو من ينوب عنه أو يأتي بعده على وثيقة التنازل عن القدس ليهود الشرق (إسرائيل) أو يهود الغرب (أمريكا) تحت مسمى السيادة الدولية لن يكون له معنى آخر سوى الاعتراف الرسمي للعرب جميعاً؛ بل للمسلمين جميعاً بالهزيمة في المعركة الراهنة مع اليهود، ولكن لعل الانتفاضة الجديدة تتمكن بعون الله من قلب السحر على الساحر. (١٤) * قيل الكثير عن «إخفاق» كامب ديفيد الثانية، وقد يأتي يوم يُكشف فيه عن أن تلك القمة لم تتعثر سوى في موعد التوقيع المعلن عن اتفاقات سبق التوصل إليها، ولهذا تردد على لسان أكثر من مسؤول عربي وغربي أن كامب ديفيد الثانية تخطت أكثر من ٨٠% من المسائل المعلقة! وقد تعلمنا من الممارسات السياسية العربية في السنوات الأخيرة أن أخطر الاتفاقات والمعاهدات لم يتم التوصل إليها إلا سراً، وعبر مفاوضات متكتم عليها، ثم ترفع المداولة بشأنها لكي تعلن النتائج في وقت أكثر مناسبة. وبالمناسبة؛ فإن المرء يجد نفسه أمام السؤال: لماذا كان هذا الحرص القاتل على إحاطة مفاوضات الكامب الثانية بتلك السرية الفولاذية التي لم تحظ ببعضها مفاوضات الكامب الأولى؟ ! (١٥) * بعد انفضاض كامب ديفيد هدد عرفات بالإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية في موعدها، ورد كلينتون بالتهديد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس قبل موعدها، ولكن عرفات سحب تهديده وأجَّل إعلان الدولة للمرة الثالثة، وبقي تهديد كلينتون قائماً؛ لأنه ليس مجرد تهديد من رئيس راحل، بل هو قرار ملزم من مجلس نيابي يمثل الشعب الأمريكي؛ فقرار نقل السفارة صدر عن الكونجرس الأمريكي منذ عام ١٩٩٥م وتم التأكيد عليه عام ١٩٩٧م، ولكن الرئيس الأمريكي لا يملك إلا التأجيل فقط وليس من حقه الإلغاء، وعندما يحين وقت تنفيذ القرار سيتوالى الاعتراف الدولي بالقدس عاصمة لدولة (إسرائيل) ، وعندها.. سيكون مسموحاً لعرفات بالإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة (العلمانية) كما وعد وعاصمتها القدس.. عفواً: أبو ديس! (١٦) * الذاكرة العربية المصابة بداء النسيان المزمن نسيت أو تناست أن مدينة (أبو ديس) قد حصل ما يشبه الاتفاق على اعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية حال قيامها، وذلك بعد إطلاق اسم (القدس) عليها، وقد كُشف عن ذلك أكثر من مرة عن طريق تسريب بعض التفاصيل عما يسمى بوثيقة (مازن بيلين) نسبة إلى محمود عباس (أبو مازن) أمين سر السلطة الفلسطينية و (يوسي بيلين) وزير العدل الإسرائيلي. وقد كَشَفتْ سر (أمين السِّر) في السلطة الفلسطينية، وعن (عدل) وزير العدل الإسرائيلي صحيفةُ نيوزويك الأمريكية في منتصف سبتمبر ٢٠٠٠م، ولم تشأ السلطة أن تنفي كما فعلت طيلة سبع سنوات سابقة مصداقية هذه الوثيقة! ! ومع ذلك لم يكشف لنا (أمين السر) في المنظمة عن السر في اختيار (أبو ديس) مقراً للبرلمان الفلسطيني الذي تم بناؤه بالفعل فيها! والْتُقطت له الصور ونشرت بالصحف. (١٧) * أدمن الخطاب العلماني العربي على امتداد عهود وعقود خلت تصوير الانكسارات بصورة الانتصارات، والهزائم المنكرة على شكل اختراقات مبتكرة، ولقد كان عجيباً في حس العقلاء أن يصور الموقف المأساوي السلطوي للمنظمة الفلسطينية؛ رغم تكرار التخاذل والتنازل بمواقف البطولة والرجولة! فعرفات ورفاقه ما ذهبوا للتفاوض بشأن الحل النهائي في كامب ديفيد إلا بعد أن فرغوا بشكل نهائي من حرق جميع الأوراق التي كان يمكن الضغط بها والمساومة بشأنها، وعلى رأسها المقاومة الداخلية الإسلامية، هذا في الوقت الذي ذهب فيه اليهود للتفاوض (النهائي) بعد أن فرغوا بشكل عملي شبه نهائي من تهويد القدس خلال ما يزيد على ثلاثة عقود، وخاصة في عقد التسعينيات الذي تكفل عرفات فيه بتأمين الإسرائيليين (المسالمين) من خطر (الإرهابيين) الإسلاميين حتى قال (بيريز) عن ذلك العقد: إنه أزهى العصور الأمنية في عمر الدولة الإسرائيلية! (١٨) * ألح عرفات كثيراً على التمسك بـ (الشرعية الدولية) ومقرراتها عند إبرام أي اتفاق بشأن القضية الفلسطينية، وقد رددت الزعامات العربية العبارات بهذا المعنى، فهل كان هذا تمهيداً نفسياً ووجدانياً للشعوب العربية والإسلامية لأن تقبل بأي حل ما دام لا يتعارض مع (الشرعية الدولية) ؛ وإن كان يتعارض مع الشرعية الإسلامية؟ ! إن الحديث عن حل في ظل الشرعية الدولية شرعية اليهود والنصارى يعيد القضية إلى نقطة الصفر حيث كانت قبل أكثر من خمسين عاماً، عندما قدمت الدول الكبرى مشروعاً لوضع أرض المسجد الأقصى تحت الوصاية الدولية، بمقتضى القرار (١٨١) الصادر عام ١٩٤٧م، وإذا تم إقرار هذا الحل وهذا احتمال قائم فإن العرب يكونون بذلك قد أحبطوا بأنفسهم نصف قرن بجهده وجهاده، حرباً وسلماً، (وكأنك يا أبو زيد ما غزيت) ! (١٩) * الشرعية الدولية اليوم تقوم عليها الأمم المتحدة، والأمم المتحدة خاضعة من الناحية الواقعية للسيطرة الأمريكية؛ وأمريكا واقعياً تحت سيطرة اليهود، فهل سيبخل يهود أمريكا يوماً على يهود (إسرائيل) بقرار يعيد أرض المسجد الأقصى للدولة الإسرائيلية؟ ! وهل ستحول دولة من الدول المائة والثمانين من أعضاء المنظمة الدولية ضد استخدام الفيتو الأمريكي الذي يَنقُض ولا يُنقَض؟ ! ويلغي ولا يُلغى، حقاً إنه عصر العلو الكبير. (٢٠) * وهنا مفارقة أخرى كبرى تكمن بين تقزيم قضية القدس على مستوى العالمين العربي والإسلامي، حتى تصبح قضية سلطة بلدية، في ظل قيادة فردية وتضخيم تلك القضية على المستوى الآخر، حتى تتحول من قضية عصابات يهودية محلية إلى قضية حكومة لها علاقات دولية، إلى قضية عالمية تتبناها الشرعية الدولية بمنظمتها العالمية، من وجهة نظر يهودية ونصرانية بحيث تمهد لمفهوم أهل الكتاب من جعل القدس عاصمة للعالم، ريثما يحل زمان السيطرة اليهودية على العالم. ونعود إلى ما بدأناه؛ فالقضية تفرض نفسها على الدنيا، وكل العالم يتحدث بشأنها: الأمريكان، والبريطان، والروس، والطليان، والفرنسيون، والألمان، وكل عبدة الصلبان والأوثان كلهم يسترضون اليهود، ويتكلمون بلسان اليهود، وقد لمس عرفات ذلك في جولته التي طاف خلالها بعشرين دولة، حتى أحس بأن دولته لن يؤيدها أحد ما لم يأذن بها اليهود، يهود أمريكا ويهود إسرائيل، نقول: أما وقد تكلم أصحاب كل الأديان؛ فقد حُق لنا أن نتساءل: أين أهل الإيمان؟ ! أين القدس عند أهل الإسلام؟ ! أين بيت المقدس في قلوبنا؟ ! هل قدسناه كما قدسه ربنا؟ ! هل عظمنا مسجده كما عظمه كتابنا؟ هل شددنا إليه الرحال ولو بقلوبنا كما ندب إلى ذلك رسولنا ... ؟ اللهم غَفراً ... اللهم ستراً ... اللهم رحمة وعفواً.

стр. 3679

المسلمون والعالم العالم الإسلامي ماذا فعل من أجل القدس ؟ عبد العزيز الحامد اقترحت السُّلطة الفلسطينية على الإسرائيليين والأمريكيين بعد أن (فوجئت) بتصلب الموقف الأمريكي والإسرائيلي في رفض السيادة العربية والفلسطينية على القدس اقترحت أن تُسند السيادة عليها إلى العالم الإسلامي ممثلاً في منظمة المؤتمر الإسلامي، وبالرغم من أن هذا الاقتراح الفلسطيني كان بمثابة أول تنازل من السُّلطة الفلسطينية عن شعار: (لا تفريط في السيادة الفلسطينية على القدس عاصمة لدولة فلسطين) ، بالرغم من ذلك فقد رفض الإسرائيليون هذا الطلب، وقال (شلومو بن عامي) وزير الخارجية الإسرائيلي بالوكالة مؤكداً رفض (إسرائيل) للسيادة الإسلامية على القدس: «بالنسبة إلينا.. إن السيادة الفلسطينية والسيادة الإسلامية العالمية يعنيان عملياً الشيء ذاته، وأؤكد رفض رئيس الوزراء لهذه الفكرة» . [الحياة/٢٠/٩/٢٠٠٠م] . وصدر بعد ذلك بيان عن مكتب (إيهود باراك) في اليوم التالي جاء فيه: «إن إسرائيل لا تعارض فقط نقل السيادة على» جبل الهيكل «إلى الفلسطينيين، بل ترفض تماماً نقل السيادة إلى أي هيمنة إسلامية» [الشرق الأوسط ٢١/٩/ ٢٠٠٠] ومن يسمع هذا الطلب الفلسطيني وذاك الرفض الإسرائيلي يظن أنه كان بالإمكان فعلاً أن تسند السيادة على القدس إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، مع العلم بأن تلك المنظمة في واقع الأمر لا تملك الآلية القادرة على تحمل هذه التبعة العظيمة؛ ولا أدل على ذلك من أن الدور الذي مُكنت هذه المنظمة من القيام به منذ أقيمت لأجل القدس، هو دور متواضع جداً مقارنة بتلك القضية الضخمة العظيمة، هذا مع أن السبب في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي في الأساس إنما جاء رد فعل على حريق المسجد الأقصى الذي حدث في ٢١ أغسطس عام ١٩٦٩م؛ وللتدليل على تواضع هذا الدور مقارنة بما كان يُتوقع من منظمة المؤتمر الإسلامي فإننا نسُوق استعراضاً للملامح الرئيسة لطريقة تلك المنظمة في التعامل مع قضية المسلمين الأولى. فكما سبق تشكلت منظمة المؤتمر الإسلامي رداً على إقدام الصهاينة [١] على إحراق المسجد الأقصى، فقد تنادى زعماء العالم الإسلامي لعقد مؤتمر قمة لبحث الموقف الواجب اتخاذه تجاه تلك الجريمة الشنعاء، وبدا وقتها أن قضية القدس والأقصى يمكن أن تكون عامل توحيد للأمة الإسلامية، ولكن هذا ما لم يحدث طيلة العقد التالي، عقد السبعينيات؛ إذ شُغل العالم الإسلامي بهموم كثيرة صرفته عن الاهتمام بقضيته المركزية، وأصبحت منظمة المؤتمر الإسلامي رمزاً مجسِّداً لما يمكن أن يقدمه العالم الإسلامي على مستوى الدول لصالح قضية فلسطين؛ ذلك الدور الذي لم تُتح له سوى أن يكون رمزياً فقط في غالب الأحوال؛ لقد أثمر المؤتمر الأول لزعماء العالم الإسلامي نتيجة مهمة، كان يمكن أن يستفاد منها لأقصى الغايات لو فعِّلت ورتب لها ترتيباً إيجابياً؛ ذلك أنه قد صدر في نص ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي أن من أهم أهدافها: «الحفاظ على سلامة الأراضي المقدسة وتحريرها، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير أراضيه» . ونص الميثاق أيضاً على خصوصية القدس على المستوى التنظيمي، حيث جاء النص على أن: «يكون مقر المنظمة في مدينة جدة مؤقتاً، إلى أن يتم تحرير القدس، لتصبح مقراً دائماً لها» ؛ ولكن نشاط منظمة المؤتمر الإسلامي المخصص في الأساس لخدمة قضية بيت المقدس تقلص واختُصر من (مؤتمر إسلامي عالمي) إلى «لجنة» لجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر عام ١٩٧٥م، وتحول دور هذه اللجنة، من الناحية الواقعية إلى «صندوق» يستجدي من العالم الإسلامي بفقرائه وأغنيائه من الأموال ما يمكن أن تصرَّف به شؤون محدودة داخل الأرض المقدسة، ليس منها ما يساعد في قليل ولا كثير على تحرير تلك الأرض المقدسة؛ وذلك في الوقت الذي تنهال على تلك الأرض منذ ما يقرب من قرن من الزمان مليارات الدولارات من اليهود والنصارى، بهدف إعادة صهرها ثم تشكيلها في هيئة يهودية صرفة؛ وبمقارنة بسيطة بين الواقع العربي الإسلامي، والواقع اليهودي في مدينة القدس بعد أربعة وثلاثين عاماً من احتلالها وهو واقع معروف ندرك بُعد الشقة بين ما قدمه العالم الإسلامي للقدس وما قدمه ولا يزال يقدمه العالم اليهودي والعالم النصراني أيضاً؛ والسؤال المرير هنا هو: من الذي يقدس القدس.. نحن أم هم؟ ! وللتذكير ببعض ما تعهدت به المنظمة، نذكر شيئاً من قراراتها ووعودها فيما يتعلق بالمسؤولية التي تحملتها نحو القدس والأقصى، ونحن نذكرها لنقارن فقط بين الأقوال والأفعال. * في مؤتمرها الأول المنعقد في سبتمبر ١٩٦٩م، أكدت القمة الإسلامية «أن حكومات الدول الإسلامية وشعوبها يرفضون أي حل للقضية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق قبل الاحتلال في يونيو ١٩٦٧م» ومعنى هذا أن الدول الإسلامية كلها ترفض أي سيادة على مدينة القدس لغير أهلها من الفلسطينيين المسلمين. * وفي القمة الإسلامية الثانية التي عقدت في لاهور في شهر فبراير ١٩٧٤م جاء في قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي النص الآتي: «القدس رمز فريد من نوعه لالتقاء الإسلام بالأديان السماوية (المقدسة) ، ولقد تولى المسلمون لأكثر من ١٣٠٠ سنة شؤون القدس كأمانة لكل من يعتزون بها، وبهذا كان انسحاب إسرائيل من القدس شرطاً لا يقبل التغيير؛ لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط» . * وعندما أصدرت الحكومة الإسرائيلية قرارها بضم القدس الشرقية المحتلة انعقد مؤتمر للمنظمة على مستوى وزراء الخارجية في مدينة فاس بالمغرب في ٢٠ /٩/١٩٨٠م؛ وقد التزمت الدول الإسلامية في هذا المؤتمر باستخدام (جميع) قدراتها السياسية والمالية والنفطية والعسكرية (! !) لمجابهة القرار الإسرائيلي، والتعهد بفرض مقاطعة [٢] سياسية واقتصادية على البلدان التي تساند القرار الإسرائيلي. * وفي المؤتمر الثالث للمنظمة والمنعقد في يناير ١٩٨١م، أعلنت المنظمة الإسلامية العالمية (الجهاد المقدس) لتحرير القدس (! !) وفقاً لمواد القانون الدولي التي تَكْفُل الدفاع المشروع عن النفس في المادة (٥١) من ميثاق الأمم المتحدة، وجددت القمة الدعوة إلى مقاطعة (إسرائيل) وقررت: أن إبقاء أي دولة إسلامية على أي شكل من أشكال العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية معها يُعد تشجيعاً لها على مواصلة احتلال الأراضي العربية المحتلة وعلى رأسها القدس الشريف. * وعندما أقبل العرب بسعي جماعي على (نسخ) تلك القرارات والتوصيات، والتعهدات السابقة، بالدخول في التفاوض السلمي مع اليهود في مؤتمر مدريد في أكتوبر عام ١٩٩١م أعلنت منظمة المؤتمر الإسلامي: «أن القدس هي جوهر قضية فلسطين، ولذلك لا يمكن تغييبها عن مفاوضات السلام» ؛ ولكن القدس غُيِّبت بالفعل، واستمرت مفاوضات السلام ما يقرب من عشر سنوات دون أن يكون هناك همس عن القدس، ومع ذلك سكتت المنظمة، وسُلمت القضية إلى (أصحابها) الأصليين وهم: منظمة التحرير! ! وكأن القدس كانت أو أصبحت ملكاً لتلك المنظمة لتتحدث عنها وتنفرد بها عن مئات الملايين من المسلمين. وعندما أُعلن عن انعقاد كامب ديفيد الثانية التي تحطمت نتائجها على صخرة القدس بدأ الكلام عن أنواع متعددة من أشكال السيادة على القدس من طرف اليهود والنصارى؛ ولكنها تستثني العالم الإسلامي ممثلاً في المنظمة الإسلامية العالمية، وعندها أصدرت منظمة المؤتمر الإسلامي في دورتها السابعة والعشرين في ٣٠ يونيو ٢٠٠٠م، ما أطلق عليه: «نداء القدس» وجاء فيه: «إن القدس هي العاصمة السياسية والتاريخية للشعب الفلسطيني وللدولة الفلسطينية، وهي ملتقى الأديان والرسالات السماوية، ومركز تعايش الحضارات والثقافات، وهي جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية» [٣] فإن الظاهر من هذا النداء أنه كان يهدف إلى مساندة الموقف الفلسطيني المعلن بعدم التفريط في (ذرة تراب) من القدس الشرقية؛ ولكن هذا الموقف المعلن بدأ ينافسه الموقف غير المعلن وهو القبول بجزء من خارج القدس، وهو (حي أبو ديس) ليكون عاصمة للدولة الفلسطينية إذا قامت وعندها أصدر وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي إعلاناً في (١٩/٩/٢٠٠٠م) جاء فيه: «نعبر عن تقديرنا للجهود الرامية إلى اتفاق على المسار الإسرائيلي الفلسطيني من عملية السلام» .... والسلام! !

стр. 3680

المسلمون والعالم كامب ديفيد.. هل أخفقت ؟ عماد الغزي ببساطة حاول عرفات وباراك إقناع العالم بأن محادثاتهما المغلقة والتي استمرت ١٤ يوماً برعاية كلينتون نفسِه لم تكن ناجحة، ليس على القضايا الفرعية وحسب، وإنما على القضايا الأساسية؛ فهل حقاً كانت كذلك؟ أم أن الإخفاق الظاهري للمحادثات هو من مقتضيات التوقيع على الاتفاق النهائي، وأن هناك ترتيبات مكملة خارج إطار الأطراف الحاضرة يجري إعدادها الآن؟ هذا ما سنسعى للإجابة عليه. عرفات بحاجة لهذا الإخفاق: بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو دخل عرفات غزة دخول الفاتحين، واستُقبل استقبال الأبطال من البعض؛ وما كان له ذلك لولا استغلاله لمجموعة من العوامل استطاع توظيفها لتمنحه شرعية تمثيل الفلسطينيين في هذا الاتفاق ثم قيادتهم. ومن هذه العوامل: أ - الرصيد النضالي القديم لحركة فتح والمنظمة التي يتزعمها عرفات، هذا الرصيد قام على أشلاءِ رجالٍ كثيرين قاتلوا وجاهدوا لتحرير فلسطين في الستينيات والسبعينيات ولم يكونوا يقبلون أي سلام مع اليهود. ب - داعب عرفات مشاعر الفلسطينيين حين صور لهم الاتفاق مع «إسرائيل» بأنه المخرج الوحيد من حياة البؤس والشقاء في مخيمات الذل، حتى صوَّر لهم غزة سنغافورة الشرق الموعودة بعد أن تنهال عليهم المساعدات الدولية من كل جانب. ج - الفلسطينيون في البداية كانوا يجهلون حقيقة اتفاقية أوسلو وبنودها السرية. أحلام الدولة المستقلة ... آمال زوال الاحتلال، كانت أكبر من أن تسعى هذه الشعوب للتفكير قليلاً في تبعات الاتفاق. إنها فترة التقت فيها العاطفة والاندفاع الفطري للإنسان نحو الخلاص على مسافة بعيدة من تغليب العقل والتأمل، إنه ملتقى التائهين من الشعوب المغلوبة التي قُيِّد علماؤها في السجون، وغيّب الناصحون المخلصون عن القرار. اليوم تغير الأمر: الرصيد النضالي الذي منح عرفات الشرعية تغير إلى صورة قاتمة لدى الفلسطينيين وتمخض عن استبداد أجهزة السلطة وقطاعاتها الأمنية الثلاثة عشر وعن الفساد المالي والإداري. * أما سنغافورة الشرق فواقع الفلسطينيين بعد الاتفاق أصبح مدعاة للإحباط عند بعضهم؛ فمن زيادة معدلات البطالة مروراً بالغلاء الفاحش إلى انخفاض مستوى المعيشة المتدني أصلاً حتى أصبح جزء كبير من سكان ما سمي بمناطق الحكم الذاتي يعيش تحت مستوى الفقر. * أما حقيقة الاتفاق وبنوده وما يترتب عليه فقد أخذت تتضح يوماً بعد يوم، وإذا بالمهمة الأولى للدولة الموعودة هي حماية أمن «إسرائيل» وحدودها، وتنفيذ أوامر الموساد والـ C I A، وكل عملية جهادية يقوم بها فلسطيني ضد «إسرائيل» أصبحت خرقاً للميثاق وتراجعاً عن العهود. رئيس الدولة الرمز لا يستطيع دخول دولته أو التنقل فيها إلا بإذن من السلطات الإسرائيلية! مظاهر كثيرة ومعاناة أكثر أدرك الفلسطينيون من خلالها مدى ضعف هذا الكيان وحجم المأساة التي وصلوا إليها بعد صبرهم الطويل. * ومن ثم فعرفات الآن بحاجة لعملية تلميع جديدة وقد تكون الأخيرة وقد يريد هو ويُراد لعملية التلميع هذه أن تمنحه الشرعية مجدداً ومن ثم الجرأة على توقيع الاتفاق التاريخي القادم الذي جَبُنَ أن يوقع عليه في اللحظات الأخيرة في كامب ديفيد الهالكة. عاد عرفات من كامب ديفيد بصورة حاولت السلطة من خلالها أن تصنع منه البطل صلاح الدين الذي رفض التنازل عن القدس. الإعلام الفلسطيني والعربي ساهم في الجريمة، حتى الذين اتهموه بالخيانة والتنازل عادوا لمدح صموده في صحفهم ومجلاتهم وكأنهم جميعاً في نسق واحد يقودهم ويوجههم هم وعرفات قائدٌ واحد! ! القدس: لم تكتفِ «إسرائيل» أو تقبل بما وقَّع عليه قادة المنظمة وعرفات في أوسلو وما أعلنوه من قبولهم بحق «إسرائيل» في الوجود؛ بل اشترطت وسعت لأجل إقرار علني من المجلس الوطني الفلسطيني وأمام كلينتون نفسه بإلغاء البنود التي تدعو لإزالة دولة «إسرائيل» من الوجود. إسرائيل تدرك أن عرفات وقادة المنظمة هم في نهاية الأمر لا يمثلون شعوبهم، وهي بهذه الخطوة حصلت على إقرار تاريخي وشعبي بحقها في فلسطين. واليوم ونحن على أبواب التسوية المرتقبة حول قضية هي من أخطر قضايا العالم الإسلامي ومدار حروب تاريخية بين المسلمين والنصارى.. ألا وهي القدس، فإن «إسرائيل» لا تريد توقيع عرفات فقط أو المجلس الوطني الفلسطيني فقط إنما تريد إضافة لذلك كله إقراراً عربياً ضمنياً أو علنياً بما سيوقع عليه ويقبله عرفات حول القدس. ومن هنا يأتي الحديث بعد كامب ديفيد المحبَطة وقبل القمة القادمة عن لمّ الشمل العربي الذي ظاهره طي صفحة الماضي للخلافات العربية، وحقيقته الاستجابة للضغوط الأمريكية لإضفاء الشرعية العربية على ما سيقوم به عرفات حول القدس. الاستحقاقات المالية للاتفاق تحتاج إلى ترتيب: لاتفاقية التسوية النهائية تبعات مالية ضخمة من الناحية النظرية على الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي مع اختلاف جذري في التطبيق لكلتا الحالتين. فعلى الصعيد الفلسطيني تتراوح هذه الاستحقاقات بين عصا يهدد بها الراعي الأمريكي أغنياء العرب بوجوب تمويل الاتفاق وصندوق التعويضات للاجئين الفلسطينيين، وجزرة يُلوِّحون بها للفقراء فيتنازلون عن حق العودة أملاً بالاستقرار ولقمة العيش طالما أن الوطن ميئوس من رجوعه. أما في الجانب الآخر فتختلف المعادلة؛ حيث تطالب «إسرائيل» بعدة آلاف من ملايين الدولارات لتقوم بتفكيك بيوت جاهزة تتكون منها المستوطنات الصغيرة التي ستسلم أراضيها للفلسطينيين بموجب اتفاقية التسوية النهائية. الراعي الأمريكي يملك من الرأفة والنزاهة ما يجعله يمول جزءاً كبيراً مما تطلبه «إسرائيل» هذا عدا المساعدات العسكرية لتقوية أمن «إسرائيل» التي سيصبح بعض أراضيها في الضفة مكشوفاً للعدو بسبب التسوية النهائية. الثوابت الإسرائيلية والثوابت الفلسطينية: نستطيع أن نقول بكل ثقة ووضوح أن هناك ثابتاً فلسطينياً واحداً طوال العقود الماضية لدى المنظمة وقادتها، وهو أنهم على استعداد دائم للتراجع عن مطالبهم وبشكل مرحلي، وهم أيضاً على استعداد دائم بمرور الزمن للقبول اليوم بما رفضوه بالأمس، أمام هذا الثابت الذي يقود أية أمة أو جماعة للكارثة، أمام هذا تقف الثوابت الإسرائيلية على الجهة المقابلة، بعنادها وصلابتها واتفاق قادة «إسرائيل» قديماً وحديثاً على قواعدها الأساسية مع اختلاف واجتهاد لكل واحد منهم على شكليات التطبيق. إذا أردنا الآن أن نتصور الاتفاق النهائي وبنوده وما يترتب عليه فقد يكفينا فقط دراسة الثوابت الإسرائيلية وفهمها. إن الاتفاق القادم سيمنح «إسرائيل» ما تريد، أما القادة الفلسطينيون فيمكن إخراجهم من المأزق بأن تُصاغ بنود الاتفاق بطريقة مبهمة الألفاظ في بعض فقراتها، يستطيع من خلالها هؤلاء القادة تفسير هذه البنود بالطريقة التي ترضي شعوبهم وتخرجهم من الحرج وتهمة الخيانة، إلا أنها في نهاية المطاف تصطدم مع الواقع المشاهد المحسوس الذي يناقض تفسيرهم ويطابق تفسير «إسرائيل» ومطالبها. وفي هذه العجالة سنتناول ثوابت اليهود وأهدافهم من خلال محاور اللاجئين والسلام والأمن: اللاجئون: ترتكز العقيدة الإسرائيلية في قضية اللاجئين على ثلاث ركائز أساسية، وهي حسب الأهمية: أولاً: إلغاء هوية: «لاجئ فلسطيني» : إن وجود أي شخص فلسطيني يحمل هوية «لاجئ» في أي مكان من العالم يعني أن له قضية تحتاج لحل، وأن له وطناً قد شرد منه يطالب بعودته، وأن الذي أخرجه من وطنه عدو لا بد من محاربته. ومن هنا كانت «إسرائيل» ومنذ تأسيسها تطالب بتوطين اللاجئين الفلسطينيين، وتتعرض الدول العربية التي تقطنها جاليات فلسطينية منذ فترة طويلة لضغوط أمريكية قوية لأجل التوطين. وقد يتم توطين بعض منهم في أماكن إقامتهم الحالية، وتهجير بعضهم مرة أخرى ليستقروا في بلد جديد كالعراق مثلاً مقابل رفع الحصار عنه، وكل ذلك ضمن اتفاقات مصالح دولية بعضها معلن والآخر غير معلن تذهب ضحيتها في النهاية الشعوب. ثانياً: إبعاد الفلسطينيين عن الحدود مع «إسرائيل» : لا تريد «إسرائيل» للفلسطيني أن يعيش ولو بعد التوطين على مقربة من حدودها، إنها ترى في قربه إثارة للذكريات والحنين للوطن المسلوب على الجانب الآخر من السياج، وقد يتحمس بعضهم فيقرر القيام بعملية جهادية ضد عدوه الذي لا يبعد كثيراً عنه، وقد ترددت أنباء أثناء الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة للجنوب اللبناني رداً على استفزازات حزب الله عن وجود اتفاق شيعي يهودي لتهجير الفلسطينيين من جنوب لبنان إلى شماله، ويعجب القارئ حين يعلم أن سفارتي أمريكا وكندا في لبنان تقومان بجزء من هذه المهمة حيث تركزان في قبولهما لطلبات الهجرة للشباب الفلسطينيين المقيمين في لبنان على الذين يسكنون المخيمات الجنوبية المحاذية لـ «إسرائيل» . ثالثاً: تفكيك بنية المخيمات الفسلطينية: (مخيمات الحقد والكراهية) هكذا يصف نتنياهو المخيمات الفلسطينية في لبنان والأردن وسوريا، وهو يعبر عن وجهة النظر اليهودية التي ترى في المخيمات وتجمع الفلسطينيين في مكان بائس واحد أرضاً خصبة للجماعات الأصولية والمد الإسلامي، واجترار ذكريات الماضي وإثارة الكراهية ضد «إسرائيل» ومن ثم فهي تهدف إلى تفكيك هذه المخيمات وتشتيت الفلسطينيين الذين يعيشون فيها داخل الدولة، وقد خرجت في الآونة الأخيرة دعوات داخل الدول العربية التي تحوي هذه المخيمات ظاهرها الرحمة والشفقة مطالبة بإعادة تأهيل المخيمات وتحسين حالة الفسلطينيين، وحقيقتها الاستجابة لمطالب اليهود بتفكيك بنية هذه المخيمات وإزالتها نهائياً؛ وللمنتفعين دور في هذه القضية؛ فهناك من يطمح ببيع أراضيه لصندوق التعويضات لبناء مساكن للفلسطينيين عليها كوليد جنبلاط مثلاً. السلام: السلام هدف استراتيجي لـ «إسرائيل» يسعى إليه اليهود بشتى السبل، وهم على استعداد للتنازل عن بعض مكتسباتهم ومطالبهم لأجله، والسلام يحقق لـ «إسرائيل» الكثير من المكاسب منها: أولاً: الشرعية: تمثل الشرعية العامل الأهم في وجود أي نظام سياسي واستمراره، ولا يخفى أنه كلما توسعت عملية السلام ترسخت شرعية «إسرائيل» . أن تتحول «إسرائيل» عند العرب من دولة معتدية إلى صاحبة حق في الوجود، وأن يتحول العداء العربي إلى صداقة وسلام وتعاون إنجاز لا يعادله إنجاز لدولة «إسرائيل» ، وحين تترسخ هذه الشرعية سيتحول المصرُّون على عداء «إسرائيل» إلى خارجين على القانون والإجماع العربي وناقضين للعهود والمواثيق مع اليهود، وبعد أن كان أولئك المناضلون يكتسبون شرعيتهم من عداء «إسرائيل» إذ تتحول المعادلة إلى شرعية قيام «إسرائيل» وحلفائها بمحاربتهم وقتلهم! ! ثانياً: تخفيف الضغط العسكري والأمني: تتيح عملية السلام لـ «إسرائيل» تخفيف الضغط الأمني الداخلي، وتقليل توقعات الهجوم الخارجي والخوف منه؛ مما سيجعلها تتفرغ أكثر لأمورها الداخلية كاستيعاب المهاجرين وتدريبهم عسكرياً وتأهيلهم، وترسيخ بناء الدولة، وتحويل جزء من تكاليف الاستعداد العسكري الدائم إلى الأبحاث والصناعات العسكرية والتقنية. ثالثاً: الاستقرار السياسي: استقرار «إسرائيل» سيجلب لها المزيد من الاستثمارات الأجنبية الأمريكية والأوروبية؛ مما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الإسرائيلي. رابعاً: سهولة الاختراق الأمني: الانفتاح على الدول العربية والتبادل الدبلوماسي والتجاري سيتيح لـ «إسرائيل» القرب أكثر من المنطقة وجمع المعلومات الاستخباراتية بشكل أدق، ومن ثم تتبع أي حركات جهادية أو معارضة للسلام مع «إسرائيل» داخل هذه الدول. خامساً: الانفتاح الاقتصادي: زيادة التبادل التجاري مع الدول العربية وتصدير التقنية الإسرائيلية والخبرات الأمنية سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الإسرائيلي، ويربط الاقتصادات العربية تدريجياً باقتصاد «إسرائيل» ، وقد تردد الخبر كثيراً عن تملك اليهود أسهماً في الكثير من الجامعات الأردنية؛ مما سيجعلهم مؤثرين حتى في مناهجها. الأمن: اليهود شعب جبان بطبعه يحتل الهاجس الأمني العامل الأكبر في صنع قراره السياسي والعسكري، حتى قادة «إسرائيل» السياسيون هم في الأصل قادة عسكريون، ولا يمكن أن يُنظر إلى التطبيع أو أية اتفاقات سلام إلا بالقدر الذي يحقق لـ «إسرائيل» أهدافها الأمنية، ولـ «إسرائيل» مطالب أمنية على الصعيد الخارجي التهديدات الخارجية والصعيد الداخلي، وقد تحقق بعض هذه المطالب علناً أو سراً، وهي تسعى بشكل دائم لتحقيق أقصى درجات مطالبها الأمنية. المطالب الخارجية: الحفاظ على تفوق «إسرائيل» العسكري العددي والنوعي والتقني بحصولها على أحدث الأسلحة خاصة الطيران ومضادات الصواريخ، ومنذ تأسيس «إسرائيل» كان السلاح والدعم العسكري الثمن الذي كان على الولايات المتحدة أن تدفعه دائماً استرضاءاً لـ «إسرائيل» كلما برزت الحاجة لقبولها بمقترحات جديدة لعملية السلام وتقديم تنازلات للعرب، وفي الجهة المقابلة إضعاف القوة العسكرية للدول العربية وتحييدها وخاصة المجاورة لها وذلك من خلال: ١ - منع زيادة هذه الجيوش أو تقليل أعدادها. ٢ - الحيلولة دون امتلاك سلاح طيران قوي ومتطور وصواريخ بعيدة المدى. ٣ - إضعاف نفوذ رجال العسكر السياسي. ٤ - تقليل الميزانية العسكرية مما سيؤدي إلى تقليل برامج التدريب وعدم تحديث الأسلحة القديمة. ٥ - منع قيام أي صناعة عسكرية تقنية متطورة وأهمها السلاح النووي، والاعتماد على استيراد السلاح خاصة الأمريكي. * وقد استجاب العرب عملياً لبعض هذه المطالب؛ فقد استُحدثت أنظمة في بعض الدول العربية المجاورة لـ «إسرائيل» تسمح للمزيد من الشباب بالإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية، وتم تسريح بعض الاحتياطي، حتى الطائرات بدلاً من تجديدها بِيعَ بعضُها لسداد الديون. * حُيِّدت الجيوش العربية تدريجياً، بل الجيش المصري الذي كان أحد أقوى الجيوش العربية تُرِكَ ليتآكل على مدى عشرين سنة. المطالب الأمنية الداخلية: وما نعنيه هنا داخل حدود «إسرائيل» والأراضي الفلسطينية: ١ - محاصرة مد الإسلاميين ونفوذهم. ٢ - تفكيك بنية الجماعات الإسلامية الجهادية. ٣ - محاربة أعداء السلام سواء كانوا أشخاصاً أو جماعات أو مؤسسات. ٤ - التخلص من عبء ضبط الفلسطينيين أمنياً. ٥ - لجم العمليات الجهادية ضد اليهود. ٦ - الحفاظ على أمن «إسرائيل» ورجالها. بعد سنوات من نشوء كيان السلطة الفلسطينية ظهر حجم الالتزامات الملقاة على عاتقها بموجب بنود الاتفاقيات العلنية والسرية للحفاظ على أمن «إسرائيل» ومنع قيام أي فلسطيني بعمل جهادي ضد اليهود. وأخيراً: عرفات.. هل هو المتهم الوحيد؟ لأن عرفات ضعيف، وزعيم شعب مشرد، وشخصية مكروهة لدى العديد من حكومات العرب؛ فقد سُمح بنقده واتهامه بالخيانة في وسائل الإعلام المختلفة، ونحن إذ نتحدث عنه فإننا نؤكد الآتي: أ - لم يكن عرفات ليجرؤ على السلام مع اليهود لولا تخاذل العلماء في أكثر أقطار العالم الإسلامي، وقبولهم بأن يكونوا خارج الميدان. ب - صمت الشعوب العربية نتيجة عملية تغريب وتخريب أخلاقي مركزة تعرضت لها منذ حرب الخليج الثانية عبر كم هائل من القنوات الفضائية التي حوَّلت هموم الشباب نحو الفن وسعارالجنس. ج - العصبية والقومية التي زُرعت في الشعوب العربية خلال العقود الأخيرة جعلتهم ينظرون إلى القضية الفلسطينية وكأنها قضية خارجية لا تعنيهم. د - يؤكد الكثير من زعماء الدول الغربية وكذلك مذكرات الخارجية البريطانية ومراسلاتها بأنهم لم يشعروا أبداً من خلال تعاملهم الرسمي مع الدول العربية بالاهتمام بالقضية الفلسطينية، ويؤكدون كذلك أنه لم يحدث أبداً أن أحداً من الزعماء العرب طلب خلال مقابلاتهم السرية تحرير فلسطين أو إزالة دولة «إسرائيل» ، وأن جل اهتمامهم أن تسير الأمور بطريقة لا تثير حفيظة شعوبهم أو توقعهم في الحرج.
следующие страницы →