قراءة في كتاب
تفكيك أمريكا
المؤلف: رضا هلال
عرض: وائل عبد الغني
الطبعة الأولى فبراير ١٩٩٨م
الإعلامية للنشر
٢٢٩ صفحة - كبير
نقلت السيولة اللغوية التي يحياها العالم اليوم «التفكيك» من عالم الماديات
إلى مجال الاجتماع والسياسة، في دراسة التجربة الإنسانية الفردية والجماعية من
خلال الفكر والممارسة ومعرفة وسائل ممارسة السلطة وأساليبها من الفرد والمجتمع.
وفي النموذج الأمريكي يرتبط التفكيك بالتفكك كما سنرى برابط كالرابط بين
الدليل والدلالة، أو البرهان والقضية.
فالولايات المتحدة الأمريكية التي يراها المؤلف فكرة أكثر من كونها دولة آخذة
في انفراط عقدها داخلياً، وهي في ذلك أشبه ما تكون بثوب مبهرج تبدو بهرجته
بادي الرأي للبسطاء والسذج شديدة الجاذبية، لكن عند التدقيق ترى رقعاً شوهاء
تفتقر إلى التناسق في غالب أحيانها إلى جانب هشاشة الرابط أو التنافر بين الرقع؛
تلك هي أمريكا تحت المجهر.
والمؤلف الذي قسم كتابه إلى: مقدمة، وخاتمة، وملحق، ضمَّنه نصاً
لإعلان الاستقلال، والدستور الأمريكي وتعديلاته، بالإضافة إلى لبِّ الكتاب
بفصوله الخمسة؛ استفاد في تأليفه من اطلاعاته ودراساته وطبيعة عمله مراسلاً
صحفياً في حشد الأرقام والشواهد والمتابعات الخاصة؛ مما يسهل من محاولة فهم
الواقع الأمريكي الذي يبدو لأول وهلة مستعصياً على التفكيك.
الفصل الأول: شخصية أمريكا:
يتناول في هذا الفصل السمات العامة للشخصية الأمريكية على المستوى
الفردي والاجتماعي والآليات التي استخدمت في تشكيل هذه الشخصية.
* فالشخصية النموذج: هي شخصية «الفرونتيير» أو «الرائد المكتشف»
الذي تحرك نحو أرض الأحلام، والتي تطورت وفق الظروف إلى «الغازي
المتقدم» (الكاوبوي) الذي اجتاح القارة طمعاً في الثروة وحباً للسيطرة، وحين
سيطر على القارة؛ دفعته أطماعه نحو الخارج في مشروعه الإمبريالي.
هذه الشخصية تمثل الشخصية الأمريكية النموذجية التي تتسم بعدة سمات
نفسية وفكرية أهمها:
- الطموح: الذي يحفز على العمل ويدفع نحو المجهول؛ لاعتقاد أن ما هو
كائن وراء الأفق لا يمكن إلا أن يكون الأفضل.
- ومنها: الاعتماد على الذات في مواجهة ظروف العيش القاسية التي
واجهها المكتشف مرة مع الأرض الجديدة، ثم واجهها «الكاوبوي» مرة أخرى مع
السكان الأصليين «الهنود الحمر» ، والصفتان السابقتان جعلتا المجتمع في حالة
سيولة دائمة؛ فهناك ٤٠ مليون أمريكي يغيرون مساكنهم سنوياً كما يغيرون وظائفهم
وأزواجهم، والأمريكي يغير مسكنه خلال عمره بمتوسط ١٤ مرة.
- وسمة ثالثة: هي «الفردية المقدسة» التي طغت بجوانبها المختلفة على
الوجدان الأمريكي، بدءاً بـ «المذهب البروتستانتي» الذي يرفض وصاية
الكنيسة ويرى فردية التجربة الدينية، ومروراً بـ «الرأسمالية» التي تقدس الملكية
الفردية، وانتهاءاً بالديمقراطية التي تقدم الحرية الفردية على المصلحة الجماعية،
وربما كان لتقديس الفردية أسبابها التاريخية والأيديولوجية خلال النشأة والتكوين
لضمان البقاء والتوحد والاستقلال، ولكنها كانت بداية أزمة كما كانت طرف حل؛
لأنها أوجدت أنواعاً من الصراع بين الفرد والفرد، والفرد والمجتمع، والفرد
والدولة؛ وذلك للنسبية السائدة في تفسير القيم وتأويل المصطلحات.
- مثل هذا الجو أفرز الفلسفة الأمريكية الوحيدة «البراجماتية» التي تعلي
من مصلحة الفرد بوصفها قيمة فوق كل القيم، وتؤمن بالنتائج العملية دون اعتبار
للثقافة. وقد أشار المؤلف إلى سمات أخرى مثل: الاعتداد بالذات، والتعالي على
الآخر، والعدوانية الشديدة في مواضع أخرى من الكتاب.
بوتقة الانصهار:
أما الآلية التي تم بها ختم الشخصيات المهاجرة إلى أمريكا بالختم الأمريكي
(أي: لتتأمرك) بعد أن خلَّف المسدس رصيداً أسود من التجربة فكانت فكرة أخرى
مارسها الرجل الأبيض للحفاظ على السمة الأمريكية وهي فكرة «بوتقة الانصهار»
أي أن الجميع ينصهرون بماضيهم داخل هذه البوتقة لتتأمرك شخصيتهم، ولكن
هذه الفكرة لم تكن سوى لون من الهيمنة المستترة للثقافة الأنجلو ساكسونية على
باقي الثقافات ليصبح «الأمريكي» هو «الإنجليزي المعدل» ، هذه الهيمنة
تصطدم صراحة مع قيم حرية التحييد والمساواة، لكنها جعلت اللغة والقوانين
والمؤسسات والأفكار السياسية والعادات والآداب والصلوات كلها أمريكية؛ ولكن
المجتمع الأمريكي لم يكن «بوتقة انصهار» وإنما كان «صحن سَلَطة» اختلطت
فيه الأصناف دون أن تمتزج.
لكن هذه الفلسفة ما لبثت أن تراجعت أمام الفلسفة الإثنية والجيتو العرقي ضد
هيمنة الرجل الأبيض؛ إذ يتزايد الآسيويون بنسبة ١٠٨% (زيادة معدل المواليد
والهجرة) ، والهيسبانيون بنسبة ٥٣%، والسود بنسبة ١٣% بينما لم تتعد نسبة
البيض ٦%؛ ووفقاً لهذه المعدلات فإن القارة البيضاء يمكن أن تتحول إلى اللون
البني أو الرمادي في غضون ٢٠ أو ٣٠ سنة.
رسالة أمريكا «المصير المبين» :
القوم كما يقدسون الفردية يقدسون كل ما هو أمريكي؛ لأن أمريكا كما يقولون
منحة الله للأرض، وأنه أوكل إليها حراسة معاقل الحرية في العالم، وأن السلام
يسود على يديها؛ ولهذا فهي تقوم بدور رسالي وعليها أن تسيطر على العالم؛ لأن
مصير العالم المبين أو نهاية التاريخ سيكون أمريكياً، هذه النظرية شكلت الخلفية
العقدية والفكرية لدى صانع القرار والرأي العام في التدخلات الأمريكية في العالم؛
لأن التدخلات تعني مباركة الرب لأمريكا، ومن ثم كانت التدخلات بدءاً بالحرب
الأوروبية (العالمية) الثانية وانتهاءاً بالتدخلات الأخيرة ومروراً بإيران ودول
أمريكا الجنوبية وفيتنام والخليج؛ ففي كل مرة لم تعدم الولايات المتحدة مسوغاً؛
فقد كان أولاً: مواجهة الشيوعية، ثم مكافحة الإرهاب، ثم حماية الديمقراطية
وحقوق الإنسان والحماية من الاضطهاد الديني؛ أما الهدف المستتر فهو تمكين
المصالح الاقتصادية الأمريكية من التوسع على مستوى الأرض؛ لأن من حق
أمريكا مقاسمة الآخرين أقواتهم ومقدراتهم!
وبعد بيان الملامح وطريقة التشكيل يرسم المؤلف لأمريكا صورة بالأرقام: -
فالسكان (٢٦٧ مليون) منهم ١٩٤ مليون بيضاً، ٣٣. ٨ مليوناً سوداً،
٢٩. ٥ مليوناً إسبانيين، ١٠. ٥ ملايين آسيويين، ٢. ٢ مليونان ومائتا ألف
هنوداً حمراً.
- وكان ٣٦. ٥ مليون أمريكي تحت خط الفقر (عام ١٩٩٦م) .
- ٥٥% هي نسبة المتزوجين في الرجال، ٥٢% في النساء (فوق ١٥
سنة) .
- ١٠٣٣٧ عدد المحطات الإذاعية الخاصة.
- ١٧٠. ٢١٢ مليار دولار هو رقم العجز التجاري (عام ١٩٩٦م) .
- (٣٤% زنوج، ٦٣% بيض، ٥١% هسبانيون) يرون أن الشخصية
الأمريكية تغيرت للأسوأ خلال عشرين سنة ماضية.
- و (٤١% زنوج، ٢٦% بيض، ٣٨% من الهسبانيين) يرون أن
أمريكا لن تبقى أمة واحدة بعد قرن.
- معدل الجريمة ٥٠٧٨٩ في المليون.
الفصل الثاني: أمريكا الحلم والسياسة:
في هذا الفصل يقابل بين قيم الحلم الأمريكي حول الحرية والمساواة والسعادة،
وبين الواقع المليء بالازدواجية والبراجماتية والمعضلات التي يتسرب الحلم
تحت ضغطها؛ فبينما يحصل الـ ٢٥% من العائلات الأكثر غنى على ٥١. ٣%
من الدخل عام ١٩٩٣م فإن نصيب الـ ٢٥% الأفقر كان ٦. ٢٥%؛ ولكن
الفارق يزداد مع الوقت. أما نسبة الفقراء فقد بلغت ١٨% عام ١٩٩٥م إضافة إلى
٣٥ مليوناً يعيشون دون تأمين صحي. أما العائلات التي تمثل نسبتها ١% الأكثر
غنى فتمتلك ٥. ٦ تريليون (ألف مليار) دولار.
ومع اتساع الهوة يتحول الحلم الأمريكي في المساواة وتكافؤ الفرص إلى
كابوس بفعل النخبة الطفيلية التي تحاول زيادة نصيبها من الثروة على حساب
الفقراء؛ حتى إن بعضهم لا يعد نفسه أمريكياً وعلى استعداد للإقلاع بطائرته إذا ما
وقعت أي هزات داخلية.
* المعضلة الثانية: لما كانت المعضلة الأولى هي تجاور الأغنياء والفقراء
في مجتمع واحد فإن المعضلة الثانية تتمثل في تجاور أمتين من السود والبيض،
وصعود ما يعرف بـ «القبلية الجديدة» فالجيتو الزنجي تتزايد خصوصياته
الثقافية والأيديولوجية المنبثقة من اللون يوماً بعد يوم في أحياء وأعمال ووضع
اجتماعي ومعيشي يحكي جزءاً من الحرب العنصرية التي جعلت الحديث عن
المساواة أشبه بطرفة ثقيلة، بعد تجربة ثلاثة قرون مليئة بالمرارة والازدواجية
الأخلاقية والسياسية خلفت العنف والعنف المضاد. وقد بلغت جرائم العنف
العنصري عام ١٩٩٣م وحده: ٦٢٧٧٥٩ جريمة.
* أما المعضلة الثالثة: فتتمثل في رأسمالية البورصة بوصفها نموذجاً
متضخماً لحجم الاقتصاد الحقيقي؛ حيث تبلغ التعاملات في الدقيقة الواحدة ٢٠
مليون دولار تدور كلها في إطار الرأسمالية المالية مرحلة ما بعد الرأسمالية التجارية
والصناعية التي تقامر في الأوراق المالية، وتكمن خطورة الوضع في أن كل لحظة
تحمل في ثناياها فرص الانهيار التام أو الصعود.
* والمعضلة الرابعة: تتمثل في الصدام بين الرأسمالية والديمقراطية.
وقد عرف هذا الصدام منذ وقت مبكر، وكثر حوله الجدل بين طرفين:
طرف يرى أن الأحق بالحكم هم الأقلية المالكة الرأسمالية، والآخر يرى أحقية
الأغلبية وإن كانوا فقراء، وانحاز مجلس الشيوخ إلى مصالح الأغنياء، بينما عبر
مجلس النواب عن مصالح الفقراء، ولضمان حقوقهم أكثر أنشؤوا الحزب
الديمقراطي، فأنشأ الرأسماليون الحزب الجمهوري الذي استطاع بتحالفه مع المال
أن يقلب الطاولة على ما قيل إنه ديمقراطية. ونتيجة لذلك دخل النظام السياسي في
أزمة مستفحلة ضد الأغلبية نتيجة الضغوط التي تمارسها مجموعات المصالح ولجان
العمل السياسي؛ حيث أصبح المرشحون عرضة للشراء في سوق مالية بمال وطني
وأجنبي.
* وأما المعضلة الخامسة: فتتمثل في سيطرة اللوبي الصهيوني والتراث
اليهودي المسيحي؛ فسيطرة التراث اليهودي المسيحي على العقلية الأمريكية مثَّل
مركز دعم ونقطة ارتكاز للوبي الصهيوني الذي رتب أجندته مبكراً وجمع أوراقاً
كثيرة في يده منها:
- وسائل الإعلام التي يمتلكها اليهود أو يسيطرون عليها، ورموزهم
الإعلامية المؤثرة وذات الشعبية الكبيرة؛ هذه الورقة تستخدم وسيلة للضغط
ولتشكيل الرأي العام في آن واحد.
- ومنها جماعات الضغط التي تطوِّق مؤسسة الرئاسة والكونجرس [١] من
خلال الدعم المالي وغيره؛ فهناك ٧٦ عضواً في مجلس الشيوخ من مجموع ١٠٠
عضو قد تلقوا الدعم المالي المباشر من لجان الإيباك بالإضافة إلى ٣٣٤ من
مجموع أعضاء مجلس النواب البالغ ٤٣٧ عضو.
- ومنها التسلل غير العادي لليهود إلى مراكز صنع القرار منذ عهد بوش.
- ومنها ما أشرنا إليه من تسلل المفاهيم التوراتية إلى العقيدة الإنجيلية التي
تجعل من دعم اليهود وإسرائيل ليس مجرد موقف سياسي بل التزاماً عقدياً أيضاً؛
فهناك ٢٥٠٠ منظمة إنجيلية داخل أمريكا تمارس هذا الدعم بصوره المختلفة.
* أما المعضلة السادسة: فتتمثل في تناقض القوة العسكرية والتراجع
الاقتصادي: يرى نعوم تشومسكي أن النظام العالمي أحادي القطبية عسكرياً، لكنه
ثلاثي اقتصادياً: «اليابان، وألمانيا، والولايات المتحدة» ، ولكن القوة
العسكرية دون قاعدة تدعمها كارثة، ولكم أثقلت هذه القوة كاهل دافعي الضرائب،
وإذا كانت الولايات المتحدة نجحت على المستوى العسكري إلا أنها لم تثبت جدارة
في مجالات أخرى مثل: البيئة والمخدرات والمنافسة الاقتصادية؛ فمع أن إنفاقها
على الدفاع يقدر بـ ٣٠٠ مليار دولار وتخصص له ٦٥% من جهود البحث فإن
الصناعة لا تستحوذ إلا على ٢% في أواخر الثمانينيات. وكان لذلك أثره على
تدهور الصناعة وتراجع معدل نمو الإنتاجية، وزيادة الديون الخارجية، وعجز
الميزانية والميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتراجع الاقتصاد الصناعي
لصالح اقتصاد الخدمات، ولهذا فإن استطلاعات الرأي بين الأمريكيين تشير إلى أن
الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، ولا أمل في الإصلاح إلا من خلال كارثة قومية؛
لأن طبيعة السلطة تحول دون تمرير تشريعات للإصلاح، كما أن النظام الحزبي
في حالة من السيولة، والطريق مفتوح أمام جماعات المصالح، والتغير
الديموغرافي في غير صالح الرجل الأبيض وله ظلاله على المستقبل السياسي
والاقتصادي، والشركات المتعددة الجنسيات تلعب دوراً خطيراً لإبقاء الأمور على
ما هي عليه، والمأزق يزداد تعقيداً؛ فقد بلغت الديون الخارجية ٣,٤ تريليون
دولار في عام ١٩٩٥م في مقابل ١٤ مليار في عام ١٩٩١م.
الفصل الثالث: الدين الأمريكي:
مع أن الولايات المتحدة علمانية؛ بمعنى أنها لا تتبنى مذهباً معيناً، إلا أن
الدين فيها له مكانة قوية، حتى إن أول تغيير للدستور كان سببه الدين، وقبل هذا
ارتبط المؤسسون الأولون للدستور (البيوريتان) بالدين ارتباطاً واضحاً في ارتباط
تحركاتهم وأسمائهم وأحلامهم بالكتاب المقدس، ومع كثرة الطوائف والخوف من
الاضطهاد أو نشوء حرب دينية أسس جيفرسون فكرة إيجاد حائط فاصل بين
الكنيسة والدولة يحمي من الاضطهاد الديني، أو بمعنى آخر إبعاد السلطة عن
المجال الديني، وكان ذلك الحائط يرتفع حيناً، وينخفض حين تعلو موجة من
التدين الفكري العام، ومع مجيء كارتر أخذ هذا الحائط بانخفاض مستمر حتى إن
المحكمة العليا انقلبت على أحكامها السابقة بزواية ١٨٠ درجة.
ولكي نتفهم طبيعة الدين الأمريكي لا بد من معرفة الخريطة الدينية التي
تتشكل من: ٨٨% من النصارى (٦٠% بروتستانت، ١٧% كاثوليك، ١%
أرثوذكس) ٢% يهود - ١% مسلمون [٢]- ٢% ملحدون - ٣% لا دينيين - ٤
% أديان أخرى.
ومن خلال هذه الخريطة يظهر جلياً أن المسيحية هي الضلع الثالث لمثلث
ضلعاه الآخران الديمقراطية وفلسفة «دعه يعمل دعه يمر» ، وكانت المسيحية
كالْفينية مصطبغة بالأمريكية متسمة بالمادية والفردية تركز على فردوس الدنيا وليس
على فردوس الآخرة.
وقد لعب الدين الأمريكي دوراً مهماً في ترسيخ الانقسام؛ حيث ظلت الكنائس
بمذاهبها المختلفة أسيرة العرق والطبقة نتيجة عدم وجود كنيسة رسمية للدولة. في
هذا الخضم برز نجم الأصولية الإنجيلية واستطاعت أن تكسب أنصاراً وتوحد
صفوفها لتلعب دوراً سياسياً قوياً؛ فقد لعبت دوراً في إنجاح كل من ريجان وبوش.
ومنذ عام ١٩٩٠م دخلت في تحالف مع الحزب الجمهوري، ورفعت شعاراً أكثر
صراحة مثل «حزب الله» .
ومع نجاح كلينتون الديمقراطي تحول اليمين إلى الكونجرس لينال الأغلبية في
المجلسين، وبهذا يعود الدين قوة محركة لعجلة السياسة، ومن مواقف أكثر توراتية
متزعمة الحملة الصهيونية العالمية تحت ستار حماية المسيحيين المضطهدين في
العالم بما يهدد بصدام عالمي محتمل، وقد حقق الإنجيليون هذه المكاسب من خلال
عمل مؤسسي منظم يحمل برنامجاً متكاملاً ويمتلك من وسائل التأثير ما لا تمتلكه
دولة قوية.
وعند تحليل الخطاب الإنجيلي يبدو واضحاً البصمة اليهودية التي اخترقت
البروتستانتية منذ مارتن لوثر ثم تجذرت مع الأيام.
الفصل الرابع: حالة الجنس في أمريكا:
تضخم الجنس في الولايات المتحدة حتى أصبح ظاهرة من حيث المعايير
والسلوك؛ حيث لا يمكن لمن يحلل المجتمع الأمريكي أو الفكرة الأمريكية أن
يتجاوزه؛ لأنه أصبح جزءاً من صلب المكون الثقاقي والاجتماعي الأمريكي.
وأصبح - كمال الثقافة الأمريكية مادة لقلب الحقائق؛ فالشذوذ تحرر جنسي،
والفوضوية في العلاقات ثورة جنسية، وإلغاء قوامة الرجل مساواة، وحماية الشواذ
تسامح جنسي، والخوض في أدق خصوصيات العلاقة ثقافة جنسية من حق الجميع!
والمؤلف في هذا الفصل تجاوز حدود ما يمكن أن يكون نقلاً علمياً إلى ما
يمكن أن يكون تزويقاً أو تسويقاً؛ لأن مجاراة القوم في خوضهم لا يخضع للنسبية،
والنزول على اصطلاحاتهم بُعد عن الفطرة وعدوان عليها.
ومن يطالع الفصل يرى كيف تآكلت مسألة الأعراض وفقدت حساسيتها لدى
الأمريكيين؛ نتيجة لقيام الرأسمالية بتفكيك المجتمع وروابطه والتي من أهمها رابطة
الزوجية والمصاهرة وهو الأمر الذي أوجد حالة من الفوضى الاجتماعية والأخلاقية؛
حيث أصبحت المرأة سلعة تباع وتشترى وتُسوَّق وسيلةً للجذب والإعلان وعقد
الصفقات دون أدنى مشقة! وأصبح البغاء صناعة ذات أعراف وتقاليد وسوقاً يبلغ
حجم أمواله ٥,١تريليون دولار تقوم عليه مافيا تحميه من مؤسسات الدولة. كما
حولت أفلام هوليود بإصداراتها المتتابعة في هذا المجال الولايات المتحدة إلى
ماخور كبير، وإلى جانب هوليود تأتي الدوريات والقنوات التلفزيونية، وانتشار
وسائل منع الحمل، وتوفر أدوات خاصة بالممارسة، وظهور النظريات التي تشجع
على الحيوانية والشذوذ ك «نظريتي دارون، وفرويد» ، وكان لتمرد المرأة على
استغلال الرجل أثر بالغ في انتشار حزمة من الأفكار التي تدعو إلى زواج المرأة
بالمرأة والانقلاب على القوامة والأسرة وبعد أن فقد المجتمع المناعة الأخلاقية
والدينية إلا من بقية من الكاثوليك أفاق الجميع على صدمة الإيدز، وتبنت الدولة
على استحياء برنامجاً لنشر ثقافة تحمي من الأمراض، وعاد الحديث عن الأسرة
بوصفها مؤسسة مهمة؛ ففي دراسة أجريت على عينة ممثلة لفئات المجتمع وافق
٩٠% على أن العائلة هي المؤسسة الأكثر أهمية في المجتمع الأمريكي، ولكن
الكثيرين من هؤلاء فقدوا طريق العودة؛ إذ لم تتجاوز نسبة من لديه استعداد لإقامة
أسرة سوى ٢٠% من الرجال، و١٣% من النساء!
وبهذا يبدو أن المجتمع فقد طريق الرجعة إلا أن يشاء ربي شيئاً سبحانه.
الفصل الخامس: الثقافة الشعبية الأمريكية:
هل يعني إفراد المؤلف هذا الفصل للحديث عن الثقافة الشعبية لا عن ثقافة
النخبة أن الثقافة الأمريكية ثقافة تافهة ولا تعرف ثقافة النخبة على عكس الحال في
فرنسا مثلاً أم أن البراجماتية الأمريكية لا تعبأ بثقافة النخبة، وأن الثقافة الشعبية
هي الأبلغ أثراً على اعتبار أن النقد الرديء يطرد النقد الجيد؟
وأياً كانت الإجابة فإنها سبة للثقافة هناك. أما عن الخلطة السحرية للثقافة
الأمريكية فتتبنى الوسيلة أكثر من تبنيها للغاية، وتعتمد الاستهلاك لا البناء،
وتعكس إلى حد بعيد الصورة النفسية للأمريكي المشبع بالغرور وحب الذات وجنون
القوة ونزعة الأنا العنصرية.
والتوليفة التي يرى المؤلف أنها تعبر عن مضمون الثقافة الأمريكي هي:
أفلام هوليود ومادتها الرئيسة حول العنف والجنس، والنجوم الأمريكيون المعبرون
عن الذوق الأمريكي في تجاوز الموضة والجنس، وأفلام رامبو التي تصنع رأياً
عاماً لتأييد مواقف مستقبلية، وأغاني الراب في تعبيرها عن التصدع الثقافي
المتمثل في تمرد الجيتو الزنجي، والنظرة الذاتية للآخر «نظرة الاستعلاء
والتنقص» .
* وفي الخاتمة: يلخص المؤلف نتائج التفكيك في أن الولايات المتحدة تحيا
أزمة حقيقية ومتكاملة، ويخلص إلى أن العنصر الأهم في الأزمة يكمن في العقيدة
الأمريكية وتناقضات المفاهيم حول الحرية والمساواة والديمقراطية والرأسمالية،
وتتعارض هذه القيم بعضها مع بعض في كثير من الأحيان؛ فالولايات المتحدة
ليست بالدولة العضوية كألمانيا التي قامت على تلاقي عرق ولغة وثقافة أو الدولة
القومية كفرنسا، وإنما هي متعددة الأعراق والثقافات جمع بين أطرافها العقيدة
الأمريكية لهيمنة الثقافة الأنجلو ساكسونية لقرون، ولكن استمرار الولاءات الفرعية
والفصل العنصري واتجاه مؤشر النمو السكاني والهجرة تؤكد أن أمريكا القرن
العشرين مهددة بألا تعود ساكسونية بروتستانتية.
ويختم بقول هانتنجتون بأن تفكك الاتحاد السوفييتي يقدم مثالاً معقولاً
للأمريكيين؛ لأن الدولتين ليستا قوميتين بالمعنى التقليدي، وأن العقيدة هي التي
صبغت الدولتين؛ فإذا تفككت العقيدة الأمريكية، وسادت الانفصالية الثقافية،
وتفكك الإجماع على الحرية والديمقراطية فتنضم أمريكا إلى الاتحاد السوفييتي على
كل نفايات التاريخ.
إن الولايات المتحدة تمتلك من عوامل القوة الكثير لكنها لم تعد في يد واحدة
ولا في طريق واحد. وهي مع هذا تنوء بأحمال وأثقال تمثل عامل نحر وإضعاف
لأمريكا ما بعد الحداثة. فأمريكا الإنسان مهزومة نفسياً محبطة في مهاوي الاستدراج
بعدما فقدت مفاتيح الاستدراك، وأمريكا الدولة تعجز عن تطوير آلياتها القديمة
لتواكب ما تبشر به من أمركة، وأمريكا ولدت ميتة تعتمد على ضخ الدماء المهاجرة
إليها.
وإلى جانب الحسابات المادية التي حفل بها الكتاب يبقى للمؤمن نظرته السُّننية
التي تزيد القضية في حسه عمقاً وانتظاماً.
بقي أن نقول لوكلاء توزيع النموذج الأمريكي في عالمنا الإسلامي: إن
النموذج الأمريكي بات منتهي الصلاحية! فضلاً على أنه غير صالح للاستخدام
الآدمي!
стр. 3677
التقرير السنوي للمنتدى الإسلامي
١٤١٢هـ
السلام عليكم
الحمد لله وحده، والصرة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه..
وبعد:
فها هو ذا المنتدى الإسلامي يلتقي بكم مجددًا وهو مقدم على أعتاب عامه
السادس عشر بخطى متئده ومنهج منضبط وفق الكتاب والسنة؛ مستمدًا عونه من
الله - سبحانه، فله الحمد والفضل -، ومستنيرًا بآراء أهل العلم والفضل.
وعبر مسيرته الماضية كانت تحفه دعوات ومشاعر وعطاء محبي الخير والإحسان؛
فلهم من الله الكريم أعظم الأجر ووافر الهبات ومنا أبلغ الشكر وأوفاه.
ونقلِّب فيما يأتي صفحات من العطاء أشرقت في بقاع كثيرة من العالم هادية ومرشدة
إلى دين الله بالكلمة الطيبة والحكمة الرشيدة.
وقد حرصنا على تنويع أساليب إيصالها؛ فحينًا بالدروس العلمية
والمحاضرات التوجيهية، وأحيانًا أخرى بعقد الدورات الشرعية والتدريبية، وأولينا
الجانب التعليمية وحلقات تحفيظ القرآن الكريم عناية كبيرة سعيًا لتربية النشء على
تعاليم الإسلام ومبادئه.
وانطلقت قوافل الدعاة إلى المناطق النائية والقرى الريفية مبشرة بالدين
الحنيف.
ولم ننس الجانب الإغاثي لما يجسده من تراحم المسلمين وتوادهم، ولدوره
الهام في تأليف القلوب وتهيئتها لقبول الحق.
وكان للجانب الإعلامي دوره الفعال في نشر الوعي عبد الكتاب الهادف
والشريط المتميز.
وأُنشئت المساجد والمراكز الإسلامية لتجميع كلمة المسلمين، ولتكون منطلقًا
لهذه الأنشطة وغيرها.
وأخيرًا.. فهذه خطوة سبقتها خطوات، سار خلالها المنتدى وفق خطة
مرسومة وأهداف مدروسة؛ آخذًا على عاتقه مواصلة المسيرة والعطاء بمشيئة الله
وعونه ثم بعونكم ودعائكم وتوجيهاتكم.
المنتدى الإسلامي
النشاط الدعوي
* مشروع كفالة الدعاة:
الدعاة المحليون هم الأداة الأجدى لنشر الإسلام بين بني جلدتهم، ولهذا فقد
حرص المنتدى الإسلامي على إعداد نخبة من الدعاة وبنائهم بناءًا علميًا ودعويًا
ليدعوا إلى الله على علم وبصيرة، وما يميز المنتدى في هذا المشروع أمران هما:
- أن الداعية يخضع لإشراف مباشر ومتابعة دقيقة بشكل مستمر من قبل
مشرفين مؤهلين.
- أن المنتدى يحرص على تقديم برامج وأنشطة تهدف إلى رفع مستوى
الداعية المكفول، ومن هذه الأنشطة: اشتراكه في دورات علمية وإدارية - عقد
لقاء شهري علمي وتربوي لدعاة كل دولة - تكليف الداعية بإعداد بحوث شرعية
متنوعة خلال السنة.
ويبلغ عدد الدعاة المكفولين من قبل المنتدى الإسلامي (٤٨٥) داعية منتشرة
في (١٣) دولة من دول العالم.
من ثمرات دعاة المنتدى
٤٦٤٧ درسًا علميًا أسبوعيًا
٨٥١ محاضرة أسبوعية
هذا وقد تم الانتهاء بحمد الله من شرح كتاب (القول المفيد في شرح كتاب
التوحيد) في مركز المنتدى بلندن هذا العام.
البرامج الدعوية:
١- الدورات الشرعية: أعد القسم العلمي في المنتدى الإسلامي منهجًا متكاملاً
للدورات الشرعية يشمل أربع مستويات بحسب مستوى المشاركين، ويحرص
المنتدى على استضافة نخبة من طلبة العلم والمربين المتميزين للمشاركة في برامج
هذه الدورات.
٢- اللقاءات التربوية للدعاة: وهي برامج تربوية فكرية ينظمها المنتدى
لدعاته بشكل شهري أو شبه شهري، ويهدف هذا البرنامج إلى توحيد الأهداف
المرحلية، ومراجعة عمل الدعاة، وقد أعد المنتدى لهذا البرنامج منهجًا خاصًا،
ويُعد هذا البرنامج من أكثر البرامج تأثيرًا في تصحيح مسار الدعاة إلى الله عز
وجل.
٣- الدورات الإدارية: التفت المنتدى إلى أهمية تطوير طاقاته ورجاله إداريًا
وتنظيميًا ورفع مستوى قدراتهم وإمكاناتهم؛ لأن بناء الرجل هو الكفيل - بإذن الله -
باستمرار العمل وتطوره؛ ولذا فقد واصل المنتدى عقد الدورات الإدارية
المتنوعة، وقد بلغت في هذا العام (١٣) دورة إدارية، استفاد منها قرابة
(٦١٥) داعية.
النشاط التعليمي
كلية لندن المفتوحة:
أنشئت الكلية في لندن عام (١٤٢٠هـ) لتدري العلوم الشرعية باستخدام
وسائل اتصال حديثة كالإنترنت والفاكس والهاتف بهدف نقل العلم الشرعي وتيسيره
للدارسين حيثما كانوا، ويشرف على هذه الكلية نخبة مؤهلة من المدرسين، وتمنح
الكلية: درجة الدبلوم، والبكالوريوس باللغة العربية والإنجليزية، وقد بلغ عدد
الدارسين فيها في العام المنصرم (١١٥) دارسًا.
المعاهد الشرعية:
حرصًا من المنتدى الإسلامي على نشر العلم الشرعي القائمة على الكتاب
والسنة وهدي سلف الأمة فقد تولى المنتدى - بحمد الله ومنته - تشغيل معهدين
شرعيين أنشأهما البنك الإسلامي للتنمية في الصومال، أحدهما للمرحلتين المتوسطة
والثانوية ويبلغ عدد طلابه (١٧٥) طالبًا. والآخر معهد متخصص لإعداد
المعلمين ويبلغ عدد طلابه (١٢٠) طالبًا.
المدارس الشرعية:
يتم في هذه النوع من المدارس تعليم العلوم الشرعية بشكل مكثف، وقد أنشأ
المنتدى الإسلامي حتى الآن (٤) مدارس شرعية متخصصة وهي على النحو
الآتي:
* متوسطة البيان الشرعية في نيجيريا، ويبلغ عدد طلابها (٤٥) طالبًا.
* ثانوية البيان الشرعية في نيجيريا، ويبلغ عدد طلابها (٤٥) طالبًا.
* ثانوية الإمام مالك في مالي، ويبلغ عدد طلابها (٨٠) طالبًا.
ويحرص المنتدى في هذه المدارس على رفع المستوى العلمي والتربوي
للطلاب من خلال برامج متنوعة تستثمر قدرات الطلاب ومهاراتهم.
* المدارس النظامية:
يدرس الطالب في هذه المدارس نوعين من المواد:
- العلوم المقررة في بلده.
- العلوم الشرعية المعدة من قبل المنتدى.
ويهدف المنتدى من هذا النوع من المدارس إلى تأهيل أبناء المسلمين تأهيلاً
شرعيًا وعصريًا يُمكِّنهم من مواصلة الدراسة في الجامعات الحكومية في مختلف
التخصصات. وقد بلغ عدد المدارس النظامية التابعة للمنتدى (٢٧) مدرسة يدرس
فيها (٦٦٥٢) طالبًا.
ومن هذه المدارس:
اسم المدرسة - الموقع - عدد الطلاب
مدرسة المنتدى الابتدائية - لندن - ١٩٠
مجمع الصديق التعليمي
(ابتدائي - متوسط - ثانوي) غانا ٧٨٠
مجمع الفاروق التعليمي
(ابتدائي - متوسط) غانا ٥٠٠
مدرسة عمر بن الخطاب
(ابتدائي) مالي ١٥٠
مدرس أبخ الإسلامية
(ابتدائي) جيبوتي ٣٧٠
مدرسة دار الحنان
(ابتدائي) الصومال ٢٣٢
مدرسة الطيبة
(ابتدائي) بنجلاديش ١٥٠
التعليم الإسلامي ... صناعة رجال وحماية أجيال
النشاط التربوي
يحرص المنتدى على توفير المناخ التربوي المناسب لشباب الأمة الإسلامية؛
وذلك لكي يتحول العلم فيها إلى عمل وممارسة، ومن هذه المناخات:
* المحاضن التربوية:
واصل المنتدى الإسلامي مسيرته في تكوني محاضن تربوية تضم نخبة من
شباب الجامعات يجمعهم سكن واحد، ويشرف عليهم شخص مؤهل تربويًا وعلميًا.
وتقام في هذه المحاضن أشكال عدة من البرامج العلمية والدعوية والتربوية تم
تصميمها من قبل المنتدى الإسلامي.
ومن هذه المحاضن: (دعاة المستقبل في نيجيريا) الذي يضم عشرين طالبًا
جامعيًا يدرسون في مختلف التخصصات الجامعية، ويهدف هذا المحضن إلى بناء
هؤلاء الطلاب الجامعيين ليكونوا دعاة عاملين في مختلف التخصصات.
المراكز الصيفية، والمخيمات الطلابية:
وهي برامج تربوية تقام بشكل دوري في مختلف الدول التي للمنتدى فيها
مكاتب، وتخدم هذه البرامج فئة الشباب بهدف بنائهم وتنشئتهم تنشئة دعوية جادة،
من خلال احتكاكهم بأقرانهم ومن هم أكثر منهم علمًا خلال فترات زمنية مناسبة.
وقد أقام المنتدى الإسلامي العام الماضي (١٢) مخيمًا ومركزًا صيفيًا، استفاد منها
(٦٩٠) طالبًا في كل من الدول الآتية: مالي، نيجيريا، غانا، توجو، بنين،
تشاد، بنغلاديش.
* برامج الاعتكاف:
تربية الشباب على العبادة وحثهم على المنافسة في الخيرات هو أحد أنشطة
المنتدى التي يقيمها في العشر الأواخر من رمضان المبارك في كل عام , وقد
أشرف المنتدى على اعتكاف ما لا يقل عن (٥٣٠) شابًا خلال رمضان ١٤٢٠هـ
في (٥) دول هي: بريطانيا، غانا، التوجو، نيجيريا، بنين.
الجدير بالذكر أن يوم الشاب المعتكف مليء بالبرامج الفردية والجماعية.
برامج الاعتناء بالقرآن الكريم
يهتم المنتدى الإسلامي اهتمامًا خاصًا بكتاب الله حفظًا وتجويدًا
ودراسة، ويسعى لتربية النشء المسلم على آدابه وتوجيهاته؛ وذلك من خلال عدد
من البرامج والأنشطة:
* حلقات تحفيظ القرآن الكريم:
وهي حلقات تعليمية يتم فيها تعلم القرآن الكريم وحفظه، ويحرص المنتدى
على توفير سبل استمرار الطلاب في الحلقات، كما يحرص على اختيار المعلم
الكفء، وقد أصدر المنتدى كتابًا خاصًا بالحلقات يسلط الضوء على النواحي
التربوية والإدارية في الحلقات؛ ويعتبر هذا الإصدار مرشدًا لمعلم الحلقة والمشرف
عليها.
* عدد حلقات التحفيظ في المنتدى: (٢٨٢) حلقة.
* عدد الطلاب والطالبات: (١٠. ٤٦٩) طالبًا وطالبة.
* عدد الحافظين لكتاب الله في العام الماضي فقط: (١٩٥) طالبًا وطالبة.
إقامة مسابقات حفظ القرآن الكريم:
ينظم المنتدى في كثير من مكاتبه مسابقات مختلفة المستويات لتشجيع الناس
ولا سيما الشباب على حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد أقام المنتدى بتوفيق
من الله (٢٥) مسابقة في كل من مالي، غانا، بنين، جيبوتي، الصومال، تشاد،
شارك فيها ما لا يقل عن (١٧١٢) شخصًا.
تأهيل معلمي الحلقات:
نظرًا لما لمعلمي الحلقات من دور أساسي في سير العملية التعليمية والتربوية
داخل الحلقة فقط حرص المنتدى على رفع قدرات المشرفين على الحلقات
والمدرسين فيها؛ وذلك بعقد دورات علمية لهم. وقد أقام المنتدى خلال هذا العام
(٩) دورات في دول عدة.
قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) .
منابر المنتدى الإعلامية
مجلة البيان:
مازالت مجلة البيان - بتوفيق من الله تشق طريقها بخطوات
راسخة ومنهج واضح، وقد بلغ عدد النسخ التي يطبعها المنتدى من البيان شهريًا
(٤٢.٠٠٠) نسخة، توزيع في أكثر من (١٠٠) دولة، وإخوانكم في البيان
جادون على إيصال كلمة الحق ونشرها بين الدعاة وطلاب العلم في أنحاء العالم.
الجدير بالذكر أن المنتدى يوزع شهريًا (٥.٠٠٠) اشتراك مجاني للمراكز
الإسلامية والدعاة وطلاب العلم الذين يشق عليهم شراؤها.
مجلة الجمعة:
وهي مجلة فتية تصدر باللغة الإنجليزية عن المنتدى الإسلامي في أمريكا،
وتستهدف الأسرة المسلمة الناطقة بالإنجليزية، ومع أن المجلة تمر بظروف مالية
صعبة إلا أن ذلك لم يُعق انتشارها لا سيما في أمريكا وأوربا؛ فقد بلغ عدد
الاشتراكات فيها (١٠.٣٠٠) اشتراك.
ومجلة الجمعة مادة مفيدة للتواصل مع المسلم الجديد وتعليمه أصول الإسلام،
ووسيلة مناسبة للمساهمة في ثباته على الهداية.
كتاب المنتدى:
هي سلسلة من الكتب الدعوية والفكرية والتربوية يحرص على المنتدى على
حسن اختيارها وإعدادها ومراجعتها من قبل بعض العلماء وطلاب العلم. وقد
أصدر المنتدى الإسلامي حتى الآن (٢٤) كتابًا ثم توزيع وبيع ما يقارب
(٠٠٠,٩٣١) نسخة منها. ومن الإصدارات الجديدة في هذا العام:
١- اعترافات علماء الاجتماع.
٢- مَعْلَم في تربية النفس.
كتاب الجمعة:
سلسلة تصدر باللغة الإنجليزية عن المنتدى الإسلامي، وقد بدأت هذه السلسلة
بطباعة خمسة كتب تم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، ومنها: كتاب: (منهج
التلقي والاستدلال) للشيخ أحمد الصويات، وكتاب: (يا بين.. لقد أصبحت رجلاً)
للشيخ محمد الدويش، وكتابا: (عالمية الإسلام) و (الخطيئة الأصلية)
وكلاهما للدكتور عبد الله القحطاني.
مطويات المنتدى:
وهي مطويات صغيرة تصدر بشكل دوري عن بعض مكاتب المنتدى
الإسلامي باللغات المحلية، وتهدف هذه المطويات إلى نشر العلم الشرعي لغير
الناطقين بالعربية.
ومن أبرز هذه المطويات:
* مطوية (رسالة الإسلام) وتصدر عن مكتب المنتدى في بنغلاديش باللغتين
العربية والنبغالية.
* مطيوة (أسبوعية المنتدى) تصدر باللغة الفرنسية وتوزع في دولتي توجو
وبنين.
* مطوية (المنار) تصدر عن مكتب المنتدى في لندن ببريطانيا باللغة
الإنجليزية.
* برامج الإذاعة والتلفاز:
يحرص المنتدى من خلال دعاته على إيصال كلمة الحق من خلال الوسائل
الإعلامية المتاحة، ولذلك واصل دعاة المنتدى استثمار الفرص المتاحة للمشاركة
في البرامج الإذاعية والتلفازية إضافة إلى المشاركات في الصحف المحلية، وقد
كانت المشاركات في هذه الوسائل على النحو الآتي:
المشاركة - العدد
برامج تلفاز: ١٥
برامج إذاعية: ٧٤١
صحف: ٤٢
المشاريع الإنشائية
بناء المساجد:
لما للمسجد من دور هام في بناء المجتمع المسلم؛ ومن أجل تحقيق هذا الدور
فقد حرص المنتدى على دقة اختيار الموقع المناسب لإنشاء المسجد وتسجيل
الأوراق الرسمية له باسم المنتدى، كما أن المنتدى يحرص على أن يشرف بشكل
مباشر على إنشاء المسجد وتشغيله، وقد بنى المنتدى حتى الآن (٤١٧) مسجدًا
بتكلفة لا تقل عن (٣٣. ٣٦٠. ٠٠٠) دولار في مختلف بلدان العالم.
المراكز الإسلامية:
يهدف المنتدى من إنشاء المراكز الإسلامية إلى توفير مكان متعدد المرافق
والمنافع من أجل تسهيل تنفيذ البرامج الدعوية التعليمية. وقد بلغ عدد المراكز التي
بناها المنتدى الإسلامي حتى الآن (٢١) مركزًا في كل من بريطانيا: بنغلاديش،
نيجيريا، مالي، غانا، توجو، بنين، جيبوتي، كينيا، السودان، إندونيسيا،
اليمن.
* وكان من آخر هذه المراكز (المركز الإسلامي في باماكو) بدولة مالي،
الذي تم بناؤه حاليًا وهو يضم إضافة إلى المسجد الجامع معهدًا شرعيًا، ومبنى
إداريًا، ومكتبة عامة، وقاعة محاضرات.
نشر الكتاب الإسلامي
للكتاب والشريط الإسلاميين دور كبير في نشر العلم والعقيدة الإسلامية
الصحيحة؛ وبسبب ندرتهما في بعض الدول فقد تبنى المنتدى عددًا من الأنشطة
لسد الحاجة إليهما، ومنها:
توزيع المصاحف:
يتشوق المسلمون في الدول الفقيرة إلى اقتناء نسخة من كتاب الله ؛
ولذا فقد سعى المنتدى لتوفير نسخ من القرآن الكريم لمن يظن أنهم حريصون على
قراءته وتدبر آياته، وقد بلغ عدد المصاحف التي وزعها المنتدى العام الماضي
(٧٧٥٠) مصحفًا.
طباعة وتوزيع الكتب الإسلامية:
يحرص المنتدى على طباعة الكتب الإسلامية باللغات المختلفة وتوزيعها على
دول العالم، وقد وزع من هذه الكتب خلال العام الماضي (٢١٢. ٧٢٠) كتابًا
بعدة لغات. ومن ضمن الكتب التي قام المنتدى بطباعتها وتوزيعها:
الوسيط بين الحق والخلق، لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مترجم
بلغة الهوسا.
الدروس المهمة لعامة الأمة، لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ (مترجم
بالغة السواحلية) .
كيفية صلاة النبي ﷺ ؛ لسماحة الشيخ ابن باز ﵀
(مترجم باللغة الفرنسية) .
العقيدة الإسلامية الصحيحة، للشيخ محمد جميل زينو (مترجم باللغة
الإنجليزية) .
إنشاء المكتبات العامة:
توفير المراجع وأمهات الكتب العلمية في الدول الفقيرة أمر ضروري للعلماء
وطلاب العلم والدعاة في تلك الدول؛ ولذا فقد قام المنتدى باختيار قائمة من أهم
الكتب في مختلف التخصصات الشرعية وعلم على توفيرها في مختلف الدول الفقرة
وقد بلغ عدد المكتبات التي أنشأها المنتدى وأثثها قرابة (٥٢) مكتبة في أكثر من
(٩) دول.
توزيع المناهج الدراسية:
تفتقر كثير من المدارس الإسلامية في كثير من الدول الفقرة إلى المناهج
الدراسية، وهذا بدوره قد يؤدي إلى ضعف المستوى العلمي للطلاب؛ ولهذا سعى
المنتدى إلى توفير المناهج الدراسية وشحنها إلى بعض المدارس، وقد بلغ عدد
الكتب الموزعة (١٨٢. ٨٤٦) كتابًا تقريبًا.
توزيع الشريط الإسلامي:
مع افتقار كثير من دول العالم إلى علماي موجهين فقد حرص المنتدى على
نشر الشريط الإسلامي بمختلف اللغات بين صفوف الدعاة وعامة الناس. كما حصر
المنتدى على توفير أجهزة نسخ الأشرطة لتسهيل نشر الشريط الإسلامي، وقد بلغ
عدد الأشرطة التي تم توزيعها عبر مكاتب المنتدى قرابة (١٤. ٢٧٠) شريطًا.
الكتاب الإسلامي ... معين لا ينضب وزاد لا ينفد.
نشر الإسلام
إقبال الناس في الشرق والغرب على الإسلام جعل المنتدى الإسلامي يفكر في
استثمار هذا الإقبال؛ ولذلك قد تبنى المنتدى برامج متنوعة لنشر دين رب العالمين
تختلف باختلاف المدعوين. ومن ذلك:
القوافل الدعوية:
استمر المنتدى الإسلامي في تسيير القوافل الدعوية في أدغال إفريقيا،
وبفضل من الله تمكن المنتدى خلال العام من تنفيذ (٢٠٠) قافلة في (٩) دولة.
ويصاحب القافلة عادة طبيب لمعالجة أهالي القرآن، كما يتم توزيع مواد
غذائية لتليين قلوبهم. ومن فضل الله منته أن هدى للإسلام أقوامًا من الناس في
مختلف القرى والمناطق التي زارها الدعاة، وقد بلغ مجموعهم في العام الماضي
(٤٨٢١) مهتديًا.
مراكز المهتدين الجدد:
إن تحويل المسلم الجديد إلى إنسان يجمل همّ الإسلام ويساعد في نشره بين
بني جلدته أحد الأنشطة التي يقوم بها المنتدى الإسلامي من خلال إنشاء مراكز
المهتدين الجدد وتشغيلها. وهي مراكز ينشئها المنتدى في بعض الدول لإعطاء
المسلم الجديد دورات شرعية تمتد إلى أربعة أشهر متواصلة يتعلم فيها العقيدة
الصحيحة وطرق تأدية العبادات وغير ذلك.
وقد أنشأ المنتدى حتى الآن (٤) مراكز للمهتدين الجدد. ويضم المركز
مسجدًا وفصولا دراسيًا وسكنًا للمهتدين ومكتبة وصالة طعام، وغير ذلك من
المرافق.
وقد أقيمت في هذه المراكز خلال العام الماضي (١٦) دورة تعليمية خاصة
بالمهتدين الجدد، واستفاد منها قرابة (٦٠٠) شخص من حديثي الإسلام.
اكتشف الإسلام.
وهو موقع يعمل المنتدى الإسلامي على إنشائه عبر شبكة (الإنترنت) وذلك
لدعوة مستخدمي هذه الشبكة العالمية من غير المسلمين الناطقين بالإنجليزية ومن
أهم محتويات هذا الموقع:
تعريف شامل بالإسلام.
شبهات حول الإسلام.
الرسول ﷺ في التوراة والإنجيل.
ترجمة لمعاني القرآن الكريم بالإنجليزية.
توضيح خطوات الدخول في الإسلام.
المسلم الجديد:
وهو كذلك موقع يشرف عليه المنتدى الإسلامي في الإنترنت، ويهدف هذا
الموقع لخدمة الذين منَّ الله عليهم بالهداية وسيكون الموقع - بإذن الله - مرجعًا
للمهتدين الجدد للتعرف على أمور دينهم من أحكام وتشريعات وآداب وغير ذلك.
وسوف يضم هذا الموقع ركنًا خاصًا بالرجال وآخر بالنساء.
الطاولات الدعوية:
يغتنم دعاة المنتدى الإسلامي في لندن تجمع الناس في بعض الأماكن لا سيما
في عطلة نهاية الأسبوع ويضعون طاولات تضم كتيبات ونشرات وأشرطة تعريفية
بالإسلام، كما يقوم الدعاة بالإجابة على تساؤلات الناس حول الإسلام، ولقد كان
لهذه الطاولات أثر إيجابي في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ودخولهم فيه.
الدورات التدريبية في طرق دعوة غير المسلمين:
تتطلب دعوة الناس إلى الإسلام معرفة أحوالهم ومداخلهم والأسلوب الأنسب
لمحاورتهم؛ ولذا فقد حرص المنتدى على إقامة دورات تدريبية للدعاة والمهتمين
بدعوة غير المسلمين تتناول أساليب الدعوة وطرقها وبعض الموضوعات الشرعية
المتعلقة بهذا الموضوع. وقد أقام المنتدى دورتين في مركزه بلندن.
الأنشطة الإغاثية
يهدف المنتدى من خلال تنفيذه للبرامج الإغاثية إلى استثمار إقبال الناس على
هذه البرامج في الدعوة إلى الله وتصحيح العقائد ونشر السنة النبوية
على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. ومن الأنشطة والإغاثية التي يقيمها المنتدى:
مشروع إفطار الصائمين:
أقام المنتدى الإسلامي في رمضان عام ١٤٢٠هـ مشروع الإفطار في
(٥٦) دولة، وبلغ عدد المستفيدين من هذا المشروع (٨٠٤,٦٦٩,١)
مستفيدًا، بميزانية تقدر بـ (٦٦٧,٠٦٦,١) دولارًا.
وقد رافق المشروع برامج دعوية مصاحبة بلغ عددها قرابة (٢٩٠,٢٤)
برنامجًا.
ومن مبشرات الخير لهذا المشروع إسلام (٨١١) شخصًا تأثرا بهذا
المشروع المبارك؛ إضافة إلى إسلام قرية كاملة في دولة بنين يبلغ عدد سكانها
(٣٠٠,٦) نسمة. فاللهم لك الحمد والمنة.
المخيمات الطبية:
يقيم المنتدى بشكل دوري بالتعاون مع (مؤسسة البصر العالمية) مخيمات
لمكافحة العمى في الدول الفقيرة، وهي تخدم بالدرجة الأولى فقراء المسلمين مع
عدم حجب خير هذه المخيمات عن غير المسلمين لدعوتهم وتأليف قلوبهم.
وقد أقام المنتدى - بتوفيق الله- خمسة مخيمات في كل من: نيجيريا، كينيا،
الصومال، مالي، توجو.
تم الكشف فيها على أكثر من (٤٠٠,٣٠) مريض، وإجراء (٢٩٠,٢)
عملية جراحية، وتوزيع المخيمات وذلك بإعداد وتقديم عدد من المحاضرات،
وتوزيع الكتيبات والكلمات الإرشادية والتعليمية.
ويسعدنا في المنتدى الإسلامي أن نقدم جزيل شكرنا وتقديرنا للجهود الحثيثة
التي تقوم بها مؤسسة البصر العالمية، فهي مؤسسة رائدة في النشاط الإنساني
المتخصص.
مشروع الأضاحي:
وهو مشروع ينظمه المنتدى كل عام، وقد بلغ عدد الأضاحي التي تم ذبحها
وتوزيعها على فقراء المسلمين عام ١٤٢٠هـ (٧٠٠,٣) رأس من الغنم
و (٥٠) من البقر. واستفاد من هذا المشروع قرابة (٥٠٠,٤٣) شخص.
البرامج الإغاثية للمنكوبين:
يسهم المنتدى في رفع المعاناة عن إخوة لنا في الدين ابتلاهم الله
ببعض المصائب والنكبات: فقد سيَّر المنتدى الإسلام قوافل إغاثية لإغاثة المنكوبين
من الجفاف الذي أصاب منطقة أوجادين في شمال الصومال. كما قدم المنتدى
معونات سريعة للاجئين الإرتيريين النازحيين إرتيريا إلى شرق السودان بسبب
الحرب التي دارت بين إرتيريا وإثيوبيا.
ويستعد المنتدى في الوقت الحالي لتقديم المساعدة للمتضررين من المجاعة
التي ظهرت آثارها في شرق دولة كينيا.
قال رسول الله ﷺ :
(أحب الناس إلى الله أنفعهم و، وأحب الأعمال إلى الله سرور
تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا) .
رواه الطبراني وحسنه الألباني.
مشروع عيون الحياة لحفر الآبار
الجفاف شبح يهدد كثير من الدول الفقيرة، ويكدر صفو الحياة فيها ولا سيما
في القارة الإفريقية، ولذا حرص المنتدى على المساهمة في تخفيف هذه المعاناة عن
المسلمين من خلال:
محطات المياه:
وهي محطات كبيرة لاستخراج المياة نضخ قرابة (٧٠٠٠) جالون يوميًا،
ويهدف المنتدى من هذا النوع من المحطات إلى توفير مصدر مائي ثابت يساعد
على استقرار أهل المنطقة. وبحمد الله فقد أنشأ المنتدى حتى الآن (٤) محطات
كبيرة في شرق السودان.
الآبار الأرتوازية:
وهي آبار تحفر بواسطة أجهزة الحفر الحديثة، ومن ثم يركب عليها مضخة
يدوية؛ لأنها الأنسب في مناطق الجفاف التي لا يتوفر فيها الكهرباء. وقد حفر
المنتدى حتى الآن (٢٥٤) بئرًا أرتوازيًا في مختلف الدول التي تعاني من شح
الماء.
الآبار السطحية:
وهي آبار تحفر في المناطق التي يقترب فيها مستوى الماء على سطح
الأرض أو التي يصعب استخدام أجهزة الحفر الحديثة فيها. وقد حفر المنتدى
الإسلامي حتى الآن (٣٢٠) بئرًا سطحيًا.
مشروع سلسبيل لسقيا الماء:
وهو عبارة عن خزانات كبيرة تنشأ في الأحياء الفقيرة للمسلمين الذين يعانون
من قلة الماء، ويتم تغذية هذه الخزانات بشكل يومي من خلال صهريج كبير تابع
للمنتدى، وقد أنشأ المنتدى (٦) خزانات في منطقة كسلا بالسودان.
قال ﷺ : (أيما مؤمن سقى مؤمنا على ظما سقاه الله من
الرحيق المختوم يوم القيامة) .
стр. 3678
المسلمون والعالم
زفرات قلم.. مع القدس في محنتها
عبد العزيز كامل
(١)
* رغم التغريب والتغييب ... ورغم التجهيل والتغفيل والتأجيل.. فرضت
قضية بيت المقدس نفسها على الساحة الدولية في الآونة الأخيرة، ولكن.. لا يدري
أحد إلى أي منتهى ستقود المنطقة والعالم تلك البقعة الصغيرة المبنى والعظيمة
المعنى؟ !
كل الاحتمالات واردة إلا احتمال تحقق الوهم أو الإيهام العربي بعودتها عن
طريق عملية الدجل الكبرى المسماة: (عملية السلام) !
(٢)
* الأحداث الأخيرة التي اجتاحت فلسطين منطلقة من ساحات المسجد الأقصى
أثبتت أن هناك شعباً كاملاً يريد أن يجاهد، ولديه كامل الاستعداد للبذل والفداء،
ولكن هذا الشعب أعزل ... إلا من الحجارة! ! فكيف ذلك؟ ! ومن المسؤول عنه؟
وكيف يظل شعب من المسلمين احتُلت أرضه، واغتُصب حقه مجرداً من السلاح
طيلة أكثر من نصف قرن؟ من المسؤول عن حرمان أهل الأرض المقدسة من
حمل السلاح للدفاع المشروع عنها كما يدافع الشيشان الآن ومِن قَبلِهم الأفغان؟ ! ..
إنها حقاً معضلة تحتاج لمن يحل لغزها ويسعى لفكها! !
(٣)
* زيارة رمز الشر (شارون) لباحة المسجد الأقصى كانت على غرابتها
ووقاحتها تصرفاً طبيعياً لمن أراد أن يدشن حرباً دينية صريحة في المنطقة؛ لأن
رد الفعل المترتب عليها لم يكن متوقعاً فقط، بل كان منتظراً من جيش أعد نفسه
لمثل هذا اليوم منذ حادثة النفق عام ١٩٩٦م. و (شارون) لم يكن ليبادر بمفرده
بخطوة كتلك الخطوة البعيدة الأثر على الحكومة الإسرائيلية بأسرها، لولا أن
(باراك) قد بارك خطوته هذه؛ ليبني الاثنان (حزب الليكود وحزب العمل) عليها
بعد ذلك ما يريان من خطوات في شأن ما يسميه اليهود: (جبل الهيكل) بعيداً عن
أهزولة (عملية السلام) .
(٤)
* من غرائب وعجائب تلك الجدلية الهزلية، الإسرائيلية العربية، المعروفة
بالعملية السلمية؛ أنها استمرت نحواً من عشر سنوات للبحث في كل قضايا
الصراع إلا المساءل المهمة، والخطيرة، والمعقدة: (القدس العَوْدة الحدود الدولة
المياه المستوطنات) فلما جاء موعد مناقشة تلك القضايا الكبيرة من أجل الوصول
إلى (الحل النهائي) .. تبرع الراعي (الكاوبوي) الأمريكي، بعشرة أيام في
كامب ديفيد للفراغ منها، ثم تكرم بأربعة أيام أخرى، ليكون نصيب البقعة المباركة
التي ظلت تحت كنف المسلمين أربعة عشر قرناَ، أربعة عشر يوماً، لكي تنقل
ملكيتها إلى من سرقوها واغتصبوها بصكوك دائمة، عنوانها: (الحل النهائي) أو
المحطة الأخيرة في عملية السلام.. «العادل والشامل والدائم» !
(٥)
* ظهر عملياً في مفاوضات الحل النهائي في كامب ديفيد، أن كل ما أسماه
اليهود: (أرض إسرائيل) هو جميعه في كفة، والقدس وحدها في كفة، وظهر
أيضاً بعد تسريب بعض تفاصيل المفاوضات أن القدس كلها كانت في كفة، وما
أسماه اليهود (جبل الهيكل) في كفة. و (جبل الهيكل) الذي أصبح (فجأة) هو
الاسم الإعلامي الدولي لمسجدي الأقصى والصخرة؛ ظهر أن يهود العالم يرجحون
كفته على كل شيء من أراضي الشرق الأوسط. وأثبت اليهود أن قادتهم من أمثال
بن جوريون وبيجن وغيرهما، كانوا يعنون ما يقولون عندما رددوا مراراً:
(لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل) .
(٦)
* ترجمة هذا الكلام من الناحية الواقعية أن كامب ديفيد الثانية وربما ما يأتي
بعدها من ثالثة ورابعة كانت تمثل في حقيقتها حواراً تفاوضياً صعباً حول موضوع
مركزي أساسي، وهو أرض المسجد الأقصى نفسها التي لم يكن للحديث المكثف
عن (القدس الشرقية) والسيادة عليها أي معنى غير معنى السيطرة التامة عليها؛
وبهذا اختُصرت أزمة الشرق الأوسط وأعيدت إلى نقطة المركز: المسجد الأقصى
والسيادة عليه: هل هي للمسلمين، أم لليهود، أم للنصارى؟
وأصبح الصراع في الشرق الأوسط صراعاً على أرض مسجد كما قال
(شلومو بن عامي) وزير الخارجية الإسرائيلي بالوكالة.
(٧)
* الخطاب الإسرائيلي والأمريكي في الآونة الأخيرة اضطر للإفصاح عن
حقيقته الدينية الصرفة فيما يتعلق بالسيطرة على أرض المسجد الأقصى، واضطر
الخطاب الرسمي السياسي والإعلامي العربي إلى أن يتكلم باللهجة نفسها أو قريباً
منها ليتحدث عن السيادة على (أرض الحرم القدسي) [*] . ولكن ظهر في هذا
الخطاب العربي تصنُّع ظاهر؛ فالخطاب العلماني بدا هزيلاً وهو يتحدث عن
(المقدسات) و (الحرمات) ؛ إذ كيف يتحدث عن القدسية أقوام انتهك أكثرهم كل
شيء مقدس في الدين، بدءاً من الشريعة المقصاة عمداً وقصداً، وانتهاءاً بمحاربة
التدين والمتدينين سراً وعلناً. وقد كان شيئاً مزرياً أن نسمع عن مغادرة الوفد
الإسرائيلي لمكان التفاوض كلما حل يوم السبت احتراماً له، بينما ما زلنا نرى
النظم المعمول بها لا تمانع في أكثر بلاد المسلمين من ممارسة كل الأعمال الحياتية
وقت صلاة الجمعة استهانة بها!
(٨)
* الروح الإسلامية على ما يبدو سوف تُستنفر قريباً وتُستدعى للذود عن
المقدسات، بعد الإعلان عن إفلاس الزعامات اللادينية، وتلك الروح تُخاطب الآن
على استحياء، بعد أن (اكتشف) العلمانيون العرب أن الصراع يسفر يوماً بعد يوم
عن وجهه الديني الحقيقي ... ولكن هذا (الاكتشاف) وللأسف الشديد ظهر لهم بعد
أن كسروا بأنفسهم رماح تلك الروح، وقصوا ريشها في أنحاء العالم العربي
والإسلامي، وبعد أن قام عرفات ذاته بخضد الشوكة الإسلامية داخل الأرض
المقدسة، وليجد الفلسطينيون العاديون أنفسهم بعد خراب مالطة قوة عزلاء شلاَّء
تقف وجهاً لوجه أمام قوىً دينية يهودية ونصرانية متربصة بدين الحق، ومتشبثة
بدين الباطل تحت الرايات التوراتية والغايات التلمودية.
(٩)
* يبدو أيضاً أن العلمانية العربية لا يزال في جعبتها المزيد من عيِّنات
المزايدين على قضية فلسطين، وأنها تُعِد، أو تُعَد لتتخطى مرحلة الثورية القومية
حيث دعاوى القتال والنضال، إلى مرحلة «الجمهوريات الملكية» ، حيث
الانبطاح بعد الانفتاح على (العدو المصيري) للوصول إلى «تسوية» القضية
نهائياً بالأرض. والتوصل إلى «حل» نهائي لتلك العقدة التي أظهرت عوار
الدعاوى العلمانية بكافة أطيافها وأصنافها الدعائية الخائبة.
(١٠)
* مفارقة عجيبة، تلك التي يكشفها تسلسل أحداث القضية الفلسطينية؛ فبعد
أن كانت قضية إسلامية، تحولت إلى قضية عربية قومية، ثم إلى قضية أوكِلَ
أمرها إلى (دول المواجهة) ثم إلى قضية تُهم جبهة (الصمود والتصدي) ، ثم إلى
قضية تعني الشعبين الفلسطيني والأردني، ثم إلى قضية تخص الشعب الفلسطيني
وحده، ثم إلى قضية في يد السلطة الفلسطينية دون سائر الشعب الفلسطيني، ثم
إلى قضية تحت تصرف عرفات وحده! ! وإذا بعرفات يتحول بتدبير مقصود إلى
رجل يتكلم وحده باسم أكثر من مليار [**] مسلم بشأن المقدسات، ويجتهد نيابة عنهم،
ويتفاوض ويتفق، ويُوقِّع سراً وجهراً، ومختاراً ومكرهاً، بالوكالة والأصالة عن
العالم الإسلامي بأسره!
(١١)
* هذا العالم الإسلامي، استُبعد منذ عقود طويلة ليقف موقف المتفرج على ما
أطلق عليه العلمانيون: (الصراع العربي الإسرائيلي) . وطيلة خمسين عاماً من
صراعات الحرب والسلام البائرة ظل العالم الإسلامي متفرجاً بالفعل، بناءاً على
طلب (أصحاب القضية) فلما جَدَّ الجِدُّ، وبرزت جسامة المسؤولية، إذا بهؤلاء
يستنجدون بالعالم الإسلامي، ويعاتبونه على المواقف الباردة التي يتعامل بها مع
التطورات الساخنة لأكثر قضايا المسلمين المعاصرة خطورة، حتى إن عرفات
ورفاقه بعد أن أيسوا من السيادة الفلسطينية على القدس، طلبوا إسناد تلك السيادة
إلى العالم الإسلامي، ولكن ... أنى للمتفرجين المستبعدين طيلة عقود أن يتحولوا
إلى مشاركين أساسيين في (اللعبة) التي لم يُمكَّنوا من فهم قواعدها، أو يشاركوا
في صنع تطوراتها؟ ! ... لقد رُفض الطلب، قبل أن يتكلم عن المطلوب!
(١٢)
* في حمأة التورط الفلسطيني الرسمي، والانكشاف العربي العلني، والحرج
المتزايد للعالم الإسلامي، بدا العالم النصراني في أوج التنسيق والتنظيم مع اليهودية
العالمية، حتى إن حديث باراك وشارون وليفي وابن عامي لم يعد يختلف في
جوهره وغايته كثيراً عن حديث كلينتون وأولبرايت وآل جور وبوش عند
الخوض في مسألة (جبل الهيكل) ، وأصبحت القدس كما لم تكن من قبل أحد
الموضوعات الأساسية للمزايدة السياسية في الانتخابات الأمريكية بين الحزبين
الكبيرين الديمقراطي والجمهوري، حتى أصبح البيت المقدس بوابة للدخول إلى
البيت الأبيض.
(١٣)
* بدا أن كلينتون بعد كامب ديفيد الثانية لم يكن يرغب في ختم عهده الملوَّث
بحيازة جائزة نوبل للسلام، بقدر ما كان حريصاً على إسدال الستار على الفصل
الأخير من عملية الاستسلام التي كانت أمريكا الراعي الأول لها. فتوقيع ياسر
عرفات أو من ينوب عنه أو يأتي بعده على وثيقة التنازل عن القدس ليهود الشرق
(إسرائيل) أو يهود الغرب (أمريكا) تحت مسمى السيادة الدولية لن يكون له معنى
آخر سوى الاعتراف الرسمي للعرب جميعاً؛ بل للمسلمين جميعاً بالهزيمة في
المعركة الراهنة مع اليهود، ولكن لعل الانتفاضة الجديدة تتمكن بعون الله من قلب
السحر على الساحر.
(١٤)
* قيل الكثير عن «إخفاق» كامب ديفيد الثانية، وقد يأتي يوم يُكشف فيه
عن أن تلك القمة لم تتعثر سوى في موعد التوقيع المعلن عن اتفاقات سبق التوصل
إليها، ولهذا تردد على لسان أكثر من مسؤول عربي وغربي أن كامب ديفيد الثانية
تخطت أكثر من ٨٠% من المسائل المعلقة! وقد تعلمنا من الممارسات السياسية
العربية في السنوات الأخيرة أن أخطر الاتفاقات والمعاهدات لم يتم التوصل إليها إلا
سراً، وعبر مفاوضات متكتم عليها، ثم ترفع المداولة بشأنها لكي تعلن النتائج في
وقت أكثر مناسبة. وبالمناسبة؛ فإن المرء يجد نفسه أمام السؤال: لماذا كان هذا
الحرص القاتل على إحاطة مفاوضات الكامب الثانية بتلك السرية الفولاذية التي لم
تحظ ببعضها مفاوضات الكامب الأولى؟ !
(١٥)
* بعد انفضاض كامب ديفيد هدد عرفات بالإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية
في موعدها، ورد كلينتون بالتهديد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس قبل موعدها،
ولكن عرفات سحب تهديده وأجَّل إعلان الدولة للمرة الثالثة، وبقي تهديد كلينتون
قائماً؛ لأنه ليس مجرد تهديد من رئيس راحل، بل هو قرار ملزم من مجلس نيابي
يمثل الشعب الأمريكي؛ فقرار نقل السفارة صدر عن الكونجرس الأمريكي منذ عام
١٩٩٥م وتم التأكيد عليه عام ١٩٩٧م، ولكن الرئيس الأمريكي لا يملك إلا التأجيل
فقط وليس من حقه الإلغاء، وعندما يحين وقت تنفيذ القرار سيتوالى الاعتراف
الدولي بالقدس عاصمة لدولة (إسرائيل) ، وعندها.. سيكون مسموحاً لعرفات
بالإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة (العلمانية) كما وعد وعاصمتها
القدس.. عفواً: أبو ديس!
(١٦)
* الذاكرة العربية المصابة بداء النسيان المزمن نسيت أو تناست أن مدينة
(أبو ديس) قد حصل ما يشبه الاتفاق على اعتبارها عاصمة للدولة الفلسطينية حال
قيامها، وذلك بعد إطلاق اسم (القدس) عليها، وقد كُشف عن ذلك أكثر من مرة
عن طريق تسريب بعض التفاصيل عما يسمى بوثيقة (مازن بيلين) نسبة إلى
محمود عباس (أبو مازن) أمين سر السلطة الفلسطينية و (يوسي بيلين) وزير
العدل الإسرائيلي.
وقد كَشَفتْ سر (أمين السِّر) في السلطة الفلسطينية، وعن (عدل) وزير
العدل الإسرائيلي صحيفةُ نيوزويك الأمريكية في منتصف سبتمبر ٢٠٠٠م، ولم
تشأ السلطة أن تنفي كما فعلت طيلة سبع سنوات سابقة مصداقية هذه الوثيقة! !
ومع ذلك لم يكشف لنا (أمين السر) في المنظمة عن السر في اختيار (أبو ديس)
مقراً للبرلمان الفلسطيني الذي تم بناؤه بالفعل فيها! والْتُقطت له الصور ونشرت
بالصحف.
(١٧)
* أدمن الخطاب العلماني العربي على امتداد عهود وعقود خلت تصوير
الانكسارات بصورة الانتصارات، والهزائم المنكرة على شكل اختراقات مبتكرة،
ولقد كان عجيباً في حس العقلاء أن يصور الموقف المأساوي السلطوي للمنظمة
الفلسطينية؛ رغم تكرار التخاذل والتنازل بمواقف البطولة والرجولة! فعرفات
ورفاقه ما ذهبوا للتفاوض بشأن الحل النهائي في كامب ديفيد إلا بعد أن فرغوا
بشكل نهائي من حرق جميع الأوراق التي كان يمكن الضغط بها والمساومة بشأنها،
وعلى رأسها المقاومة الداخلية الإسلامية، هذا في الوقت الذي ذهب فيه اليهود
للتفاوض (النهائي) بعد أن فرغوا بشكل عملي شبه نهائي من تهويد القدس خلال
ما يزيد على ثلاثة عقود، وخاصة في عقد التسعينيات الذي تكفل عرفات فيه
بتأمين الإسرائيليين (المسالمين) من خطر (الإرهابيين) الإسلاميين حتى قال
(بيريز) عن ذلك العقد: إنه أزهى العصور الأمنية في عمر الدولة الإسرائيلية!
(١٨)
* ألح عرفات كثيراً على التمسك بـ (الشرعية الدولية) ومقرراتها عند
إبرام أي اتفاق بشأن القضية الفلسطينية، وقد رددت الزعامات العربية العبارات
بهذا المعنى، فهل كان هذا تمهيداً نفسياً ووجدانياً للشعوب العربية والإسلامية لأن
تقبل بأي حل ما دام لا يتعارض مع (الشرعية الدولية) ؛ وإن كان يتعارض مع
الشرعية الإسلامية؟ !
إن الحديث عن حل في ظل الشرعية الدولية شرعية اليهود والنصارى يعيد
القضية إلى نقطة الصفر حيث كانت قبل أكثر من خمسين عاماً، عندما قدمت الدول
الكبرى مشروعاً لوضع أرض المسجد الأقصى تحت الوصاية الدولية، بمقتضى
القرار (١٨١) الصادر عام ١٩٤٧م، وإذا تم إقرار هذا الحل وهذا احتمال قائم
فإن العرب يكونون بذلك قد أحبطوا بأنفسهم نصف قرن بجهده وجهاده، حرباً وسلماً،
(وكأنك يا أبو زيد ما غزيت) !
(١٩)
* الشرعية الدولية اليوم تقوم عليها الأمم المتحدة، والأمم المتحدة خاضعة من
الناحية الواقعية للسيطرة الأمريكية؛ وأمريكا واقعياً تحت سيطرة اليهود، فهل
سيبخل يهود أمريكا يوماً على يهود (إسرائيل) بقرار يعيد أرض المسجد الأقصى
للدولة الإسرائيلية؟ ! وهل ستحول دولة من الدول المائة والثمانين من أعضاء
المنظمة الدولية ضد استخدام الفيتو الأمريكي الذي يَنقُض ولا يُنقَض؟ ! ويلغي ولا
يُلغى، حقاً إنه عصر العلو الكبير.
(٢٠)
* وهنا مفارقة أخرى كبرى تكمن بين تقزيم قضية القدس على مستوى
العالمين العربي والإسلامي، حتى تصبح قضية سلطة بلدية، في ظل قيادة فردية
وتضخيم تلك القضية على المستوى الآخر، حتى تتحول من قضية عصابات
يهودية محلية إلى قضية حكومة لها علاقات دولية، إلى قضية عالمية تتبناها
الشرعية الدولية بمنظمتها العالمية، من وجهة نظر يهودية ونصرانية بحيث تمهد
لمفهوم أهل الكتاب من جعل القدس عاصمة للعالم، ريثما يحل زمان السيطرة
اليهودية على العالم.
ونعود إلى ما بدأناه؛ فالقضية تفرض نفسها على الدنيا، وكل العالم يتحدث
بشأنها: الأمريكان، والبريطان، والروس، والطليان، والفرنسيون، والألمان،
وكل عبدة الصلبان والأوثان كلهم يسترضون اليهود، ويتكلمون بلسان اليهود، وقد
لمس عرفات ذلك في جولته التي طاف خلالها بعشرين دولة، حتى أحس بأن دولته
لن يؤيدها أحد ما لم يأذن بها اليهود، يهود أمريكا ويهود إسرائيل، نقول: أما وقد
تكلم أصحاب كل الأديان؛ فقد حُق لنا أن نتساءل: أين أهل الإيمان؟ ! أين القدس
عند أهل الإسلام؟ !
أين بيت المقدس في قلوبنا؟ ! هل قدسناه كما قدسه ربنا؟ ! هل عظمنا
مسجده كما عظمه كتابنا؟ هل شددنا إليه الرحال ولو بقلوبنا كما ندب إلى ذلك
رسولنا ... ؟
اللهم غَفراً ... اللهم ستراً ... اللهم رحمة وعفواً.
стр. 3679
المسلمون والعالم
العالم الإسلامي ماذا فعل من أجل القدس ؟
عبد العزيز الحامد
اقترحت السُّلطة الفلسطينية على الإسرائيليين والأمريكيين بعد أن (فوجئت)
بتصلب الموقف الأمريكي والإسرائيلي في رفض السيادة العربية والفلسطينية على
القدس اقترحت أن تُسند السيادة عليها إلى العالم الإسلامي ممثلاً في منظمة المؤتمر
الإسلامي، وبالرغم من أن هذا الاقتراح الفلسطيني كان بمثابة أول تنازل من
السُّلطة الفلسطينية عن شعار: (لا تفريط في السيادة الفلسطينية على القدس
عاصمة لدولة فلسطين) ، بالرغم من ذلك فقد رفض الإسرائيليون هذا الطلب،
وقال (شلومو بن عامي) وزير الخارجية الإسرائيلي بالوكالة مؤكداً رفض
(إسرائيل) للسيادة الإسلامية على القدس: «بالنسبة إلينا.. إن السيادة الفلسطينية
والسيادة الإسلامية العالمية يعنيان عملياً الشيء ذاته، وأؤكد رفض رئيس الوزراء
لهذه الفكرة» . [الحياة/٢٠/٩/٢٠٠٠م] .
وصدر بعد ذلك بيان عن مكتب (إيهود باراك) في اليوم التالي جاء فيه:
«إن إسرائيل لا تعارض فقط نقل السيادة على» جبل الهيكل «إلى الفلسطينيين،
بل ترفض تماماً نقل السيادة إلى أي هيمنة إسلامية» [الشرق الأوسط ٢١/٩/
٢٠٠٠] ومن يسمع هذا الطلب الفلسطيني وذاك الرفض الإسرائيلي يظن أنه كان
بالإمكان فعلاً أن تسند السيادة على القدس إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، مع العلم
بأن تلك المنظمة في واقع الأمر لا تملك الآلية القادرة على تحمل هذه التبعة العظيمة؛
ولا أدل على ذلك من أن الدور الذي مُكنت هذه المنظمة من القيام به منذ أقيمت
لأجل القدس، هو دور متواضع جداً مقارنة بتلك القضية الضخمة العظيمة، هذا
مع أن السبب في إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي في الأساس إنما جاء رد فعل على
حريق المسجد الأقصى الذي حدث في ٢١ أغسطس عام ١٩٦٩م؛ وللتدليل على
تواضع هذا الدور مقارنة بما كان يُتوقع من منظمة المؤتمر الإسلامي فإننا نسُوق
استعراضاً للملامح الرئيسة لطريقة تلك المنظمة في التعامل مع قضية المسلمين
الأولى.
فكما سبق تشكلت منظمة المؤتمر الإسلامي رداً على إقدام الصهاينة [١] على
إحراق المسجد الأقصى، فقد تنادى زعماء العالم الإسلامي لعقد مؤتمر قمة لبحث
الموقف الواجب اتخاذه تجاه تلك الجريمة الشنعاء، وبدا وقتها أن قضية القدس
والأقصى يمكن أن تكون عامل توحيد للأمة الإسلامية، ولكن هذا ما لم يحدث طيلة
العقد التالي، عقد السبعينيات؛ إذ شُغل العالم الإسلامي بهموم كثيرة صرفته عن
الاهتمام بقضيته المركزية، وأصبحت منظمة المؤتمر الإسلامي رمزاً مجسِّداً لما
يمكن أن يقدمه العالم الإسلامي على مستوى الدول لصالح قضية فلسطين؛ ذلك
الدور الذي لم تُتح له سوى أن يكون رمزياً فقط في غالب الأحوال؛ لقد أثمر
المؤتمر الأول لزعماء العالم الإسلامي نتيجة مهمة، كان يمكن أن يستفاد منها
لأقصى الغايات لو فعِّلت ورتب لها ترتيباً إيجابياً؛ ذلك أنه قد صدر في نص ميثاق
منظمة المؤتمر الإسلامي أن من أهم أهدافها: «الحفاظ على سلامة الأراضي
المقدسة وتحريرها، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه
وتحرير أراضيه» . ونص الميثاق أيضاً على خصوصية القدس على المستوى
التنظيمي، حيث جاء النص على أن: «يكون مقر المنظمة في مدينة جدة مؤقتاً،
إلى أن يتم تحرير القدس، لتصبح مقراً دائماً لها» ؛ ولكن نشاط منظمة المؤتمر
الإسلامي المخصص في الأساس لخدمة قضية بيت المقدس تقلص واختُصر من
(مؤتمر إسلامي عالمي) إلى «لجنة» لجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر عام
١٩٧٥م، وتحول دور هذه اللجنة، من الناحية الواقعية إلى «صندوق»
يستجدي من العالم الإسلامي بفقرائه وأغنيائه من الأموال ما يمكن أن تصرَّف به
شؤون محدودة داخل الأرض المقدسة، ليس منها ما يساعد في قليل ولا كثير
على تحرير تلك الأرض المقدسة؛ وذلك في الوقت الذي تنهال على تلك الأرض
منذ ما يقرب من قرن من الزمان مليارات الدولارات من اليهود والنصارى، بهدف
إعادة صهرها ثم تشكيلها في هيئة يهودية صرفة؛ وبمقارنة بسيطة بين الواقع
العربي الإسلامي، والواقع اليهودي في مدينة القدس بعد أربعة وثلاثين عاماً من
احتلالها وهو واقع معروف ندرك بُعد الشقة بين ما قدمه العالم الإسلامي للقدس
وما قدمه ولا يزال يقدمه العالم اليهودي والعالم النصراني أيضاً؛ والسؤال المرير
هنا هو: من الذي يقدس القدس.. نحن أم هم؟ ! وللتذكير ببعض ما تعهدت به
المنظمة، نذكر شيئاً من قراراتها ووعودها فيما يتعلق بالمسؤولية التي تحملتها نحو
القدس والأقصى، ونحن نذكرها لنقارن فقط بين الأقوال والأفعال.
* في مؤتمرها الأول المنعقد في سبتمبر ١٩٦٩م، أكدت القمة الإسلامية
«أن حكومات الدول الإسلامية وشعوبها يرفضون أي حل للقضية الفلسطينية لا
يكفل لمدينة القدس وضعها السابق قبل الاحتلال في يونيو ١٩٦٧م» ومعنى هذا
أن الدول الإسلامية كلها ترفض أي سيادة على مدينة القدس لغير أهلها من
الفلسطينيين المسلمين.
* وفي القمة الإسلامية الثانية التي عقدت في لاهور في شهر فبراير ١٩٧٤م
جاء في قرارات منظمة المؤتمر الإسلامي النص الآتي: «القدس رمز فريد من
نوعه لالتقاء الإسلام بالأديان السماوية (المقدسة) ، ولقد تولى المسلمون لأكثر من
١٣٠٠ سنة شؤون القدس كأمانة لكل من يعتزون بها، وبهذا كان انسحاب إسرائيل
من القدس شرطاً لا يقبل التغيير؛ لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط» .
* وعندما أصدرت الحكومة الإسرائيلية قرارها بضم القدس الشرقية المحتلة
انعقد مؤتمر للمنظمة على مستوى وزراء الخارجية في مدينة فاس بالمغرب في
٢٠ /٩/١٩٨٠م؛ وقد التزمت الدول الإسلامية في هذا المؤتمر باستخدام
(جميع) قدراتها السياسية والمالية والنفطية والعسكرية (! !) لمجابهة القرار
الإسرائيلي، والتعهد بفرض مقاطعة [٢] سياسية واقتصادية على البلدان التي
تساند القرار الإسرائيلي.
* وفي المؤتمر الثالث للمنظمة والمنعقد في يناير ١٩٨١م، أعلنت المنظمة
الإسلامية العالمية (الجهاد المقدس) لتحرير القدس (! !) وفقاً لمواد القانون
الدولي التي تَكْفُل الدفاع المشروع عن النفس في المادة (٥١) من ميثاق الأمم
المتحدة، وجددت القمة الدعوة إلى مقاطعة (إسرائيل) وقررت: أن إبقاء أي دولة
إسلامية على أي شكل من أشكال العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية معها يُعد
تشجيعاً لها على مواصلة احتلال الأراضي العربية المحتلة وعلى رأسها القدس
الشريف.
* وعندما أقبل العرب بسعي جماعي على (نسخ) تلك القرارات والتوصيات،
والتعهدات السابقة، بالدخول في التفاوض السلمي مع اليهود في مؤتمر مدريد في
أكتوبر عام ١٩٩١م أعلنت منظمة المؤتمر الإسلامي: «أن القدس هي جوهر
قضية فلسطين، ولذلك لا يمكن تغييبها عن مفاوضات السلام» ؛ ولكن القدس
غُيِّبت بالفعل، واستمرت مفاوضات السلام ما يقرب من عشر سنوات دون أن
يكون هناك همس عن القدس، ومع ذلك سكتت المنظمة، وسُلمت القضية إلى
(أصحابها) الأصليين وهم: منظمة التحرير! ! وكأن القدس كانت أو أصبحت ملكاً
لتلك المنظمة لتتحدث عنها وتنفرد بها عن مئات الملايين من المسلمين. وعندما
أُعلن عن انعقاد كامب ديفيد الثانية التي تحطمت نتائجها على صخرة القدس بدأ
الكلام عن أنواع متعددة من أشكال السيادة على القدس من طرف اليهود والنصارى؛
ولكنها تستثني العالم الإسلامي ممثلاً في المنظمة الإسلامية العالمية، وعندها
أصدرت منظمة المؤتمر الإسلامي في دورتها السابعة والعشرين في ٣٠ يونيو
٢٠٠٠م، ما أطلق عليه: «نداء القدس» وجاء فيه: «إن القدس هي العاصمة
السياسية والتاريخية للشعب الفلسطيني وللدولة الفلسطينية، وهي ملتقى الأديان
والرسالات السماوية، ومركز تعايش الحضارات والثقافات، وهي جزء لا يتجزأ
من الأراضي الفلسطينية» [٣] فإن الظاهر من هذا النداء أنه كان يهدف إلى مساندة
الموقف الفلسطيني المعلن بعدم التفريط في (ذرة تراب) من القدس الشرقية؛ ولكن
هذا الموقف المعلن بدأ ينافسه الموقف غير المعلن وهو القبول بجزء من خارج
القدس، وهو (حي أبو ديس) ليكون عاصمة للدولة الفلسطينية إذا قامت وعندها
أصدر وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الإسلامي إعلاناً في (١٩/٩/٢٠٠٠م)
جاء فيه: «نعبر عن تقديرنا للجهود الرامية إلى اتفاق على المسار الإسرائيلي
الفلسطيني من عملية السلام» .... والسلام! !
стр. 3680
المسلمون والعالم
كامب ديفيد.. هل أخفقت ؟
عماد الغزي
ببساطة حاول عرفات وباراك إقناع العالم بأن محادثاتهما المغلقة والتي
استمرت ١٤ يوماً برعاية كلينتون نفسِه لم تكن ناجحة، ليس على القضايا الفرعية
وحسب، وإنما على القضايا الأساسية؛ فهل حقاً كانت كذلك؟ أم أن الإخفاق
الظاهري للمحادثات هو من مقتضيات التوقيع على الاتفاق النهائي، وأن هناك
ترتيبات مكملة خارج إطار الأطراف الحاضرة يجري إعدادها الآن؟ هذا ما
سنسعى للإجابة عليه.
عرفات بحاجة لهذا الإخفاق:
بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو دخل عرفات غزة دخول الفاتحين، واستُقبل
استقبال الأبطال من البعض؛ وما كان له ذلك لولا استغلاله لمجموعة من العوامل
استطاع توظيفها لتمنحه شرعية تمثيل الفلسطينيين في هذا الاتفاق ثم قيادتهم.
ومن هذه العوامل:
أ - الرصيد النضالي القديم لحركة فتح والمنظمة التي يتزعمها عرفات، هذا
الرصيد قام على أشلاءِ رجالٍ كثيرين قاتلوا وجاهدوا لتحرير فلسطين في الستينيات
والسبعينيات ولم يكونوا يقبلون أي سلام مع اليهود.
ب - داعب عرفات مشاعر الفلسطينيين حين صور لهم الاتفاق مع
«إسرائيل» بأنه المخرج الوحيد من حياة البؤس والشقاء في مخيمات الذل،
حتى صوَّر لهم غزة سنغافورة الشرق الموعودة بعد أن تنهال عليهم المساعدات
الدولية من كل جانب.
ج - الفلسطينيون في البداية كانوا يجهلون حقيقة اتفاقية أوسلو وبنودها
السرية. أحلام الدولة المستقلة ... آمال زوال الاحتلال، كانت أكبر من أن تسعى
هذه الشعوب للتفكير قليلاً في تبعات الاتفاق. إنها فترة التقت فيها العاطفة والاندفاع
الفطري للإنسان نحو الخلاص على مسافة بعيدة من تغليب العقل والتأمل، إنه
ملتقى التائهين من الشعوب المغلوبة التي قُيِّد علماؤها في السجون، وغيّب
الناصحون المخلصون عن القرار.
اليوم تغير الأمر:
الرصيد النضالي الذي منح عرفات الشرعية تغير إلى صورة قاتمة لدى
الفلسطينيين وتمخض عن استبداد أجهزة السلطة وقطاعاتها الأمنية الثلاثة عشر
وعن الفساد المالي والإداري.
* أما سنغافورة الشرق فواقع الفلسطينيين بعد الاتفاق أصبح مدعاة للإحباط
عند بعضهم؛ فمن زيادة معدلات البطالة مروراً بالغلاء الفاحش إلى انخفاض
مستوى المعيشة المتدني أصلاً حتى أصبح جزء كبير من سكان ما سمي بمناطق
الحكم الذاتي يعيش تحت مستوى الفقر.
* أما حقيقة الاتفاق وبنوده وما يترتب عليه فقد أخذت تتضح يوماً بعد يوم،
وإذا بالمهمة الأولى للدولة الموعودة هي حماية أمن «إسرائيل» وحدودها، وتنفيذ
أوامر الموساد والـ C I A، وكل عملية جهادية يقوم بها فلسطيني ضد
«إسرائيل» أصبحت خرقاً للميثاق وتراجعاً عن العهود.
رئيس الدولة الرمز لا يستطيع دخول دولته أو التنقل فيها إلا بإذن من
السلطات الإسرائيلية!
مظاهر كثيرة ومعاناة أكثر أدرك الفلسطينيون من خلالها مدى ضعف هذا
الكيان وحجم المأساة التي وصلوا إليها بعد صبرهم الطويل.
* ومن ثم فعرفات الآن بحاجة لعملية تلميع جديدة وقد تكون الأخيرة وقد يريد
هو ويُراد لعملية التلميع هذه أن تمنحه الشرعية مجدداً ومن ثم الجرأة على توقيع
الاتفاق التاريخي القادم الذي جَبُنَ أن يوقع عليه في اللحظات الأخيرة في كامب
ديفيد الهالكة.
عاد عرفات من كامب ديفيد بصورة حاولت السلطة من خلالها أن تصنع منه
البطل صلاح الدين الذي رفض التنازل عن القدس.
الإعلام الفلسطيني والعربي ساهم في الجريمة، حتى الذين اتهموه بالخيانة
والتنازل عادوا لمدح صموده في صحفهم ومجلاتهم وكأنهم جميعاً في نسق واحد
يقودهم ويوجههم هم وعرفات قائدٌ واحد! !
القدس:
لم تكتفِ «إسرائيل» أو تقبل بما وقَّع عليه قادة المنظمة وعرفات في أوسلو
وما أعلنوه من قبولهم بحق «إسرائيل» في الوجود؛ بل اشترطت وسعت لأجل
إقرار علني من المجلس الوطني الفلسطيني وأمام كلينتون نفسه بإلغاء البنود التي
تدعو لإزالة دولة «إسرائيل» من الوجود. إسرائيل تدرك أن عرفات وقادة
المنظمة هم في نهاية الأمر لا يمثلون شعوبهم، وهي بهذه الخطوة حصلت على
إقرار تاريخي وشعبي بحقها في فلسطين.
واليوم ونحن على أبواب التسوية المرتقبة حول قضية هي من أخطر قضايا
العالم الإسلامي ومدار حروب تاريخية بين المسلمين والنصارى.. ألا وهي القدس،
فإن «إسرائيل» لا تريد توقيع عرفات فقط أو المجلس الوطني الفلسطيني فقط
إنما تريد إضافة لذلك كله إقراراً عربياً ضمنياً أو علنياً بما سيوقع عليه ويقبله
عرفات حول القدس.
ومن هنا يأتي الحديث بعد كامب ديفيد المحبَطة وقبل القمة القادمة عن لمّ
الشمل العربي الذي ظاهره طي صفحة الماضي للخلافات العربية، وحقيقته
الاستجابة للضغوط الأمريكية لإضفاء الشرعية العربية على ما سيقوم به عرفات
حول القدس.
الاستحقاقات المالية للاتفاق تحتاج إلى ترتيب:
لاتفاقية التسوية النهائية تبعات مالية ضخمة من الناحية النظرية على
الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي مع اختلاف جذري في التطبيق لكلتا الحالتين.
فعلى الصعيد الفلسطيني تتراوح هذه الاستحقاقات بين عصا يهدد بها الراعي
الأمريكي أغنياء العرب بوجوب تمويل الاتفاق وصندوق التعويضات للاجئين
الفلسطينيين، وجزرة يُلوِّحون بها للفقراء فيتنازلون عن حق العودة أملاً بالاستقرار
ولقمة العيش طالما أن الوطن ميئوس من رجوعه.
أما في الجانب الآخر فتختلف المعادلة؛ حيث تطالب «إسرائيل» بعدة آلاف
من ملايين الدولارات لتقوم بتفكيك بيوت جاهزة تتكون منها المستوطنات الصغيرة
التي ستسلم أراضيها للفلسطينيين بموجب اتفاقية التسوية النهائية.
الراعي الأمريكي يملك من الرأفة والنزاهة ما يجعله يمول جزءاً كبيراً مما
تطلبه «إسرائيل» هذا عدا المساعدات العسكرية لتقوية أمن «إسرائيل» التي
سيصبح بعض أراضيها في الضفة مكشوفاً للعدو بسبب التسوية النهائية.
الثوابت الإسرائيلية والثوابت الفلسطينية:
نستطيع أن نقول بكل ثقة ووضوح أن هناك ثابتاً فلسطينياً واحداً طوال العقود
الماضية لدى المنظمة وقادتها، وهو أنهم على استعداد دائم للتراجع عن مطالبهم
وبشكل مرحلي، وهم أيضاً على استعداد دائم بمرور الزمن للقبول اليوم بما رفضوه
بالأمس، أمام هذا الثابت الذي يقود أية أمة أو جماعة للكارثة، أمام هذا تقف
الثوابت الإسرائيلية على الجهة المقابلة، بعنادها وصلابتها واتفاق قادة «إسرائيل»
قديماً وحديثاً على قواعدها الأساسية مع اختلاف واجتهاد لكل واحد منهم على
شكليات التطبيق.
إذا أردنا الآن أن نتصور الاتفاق النهائي وبنوده وما يترتب عليه فقد يكفينا
فقط دراسة الثوابت الإسرائيلية وفهمها.
إن الاتفاق القادم سيمنح «إسرائيل» ما تريد، أما القادة الفلسطينيون فيمكن
إخراجهم من المأزق بأن تُصاغ بنود الاتفاق بطريقة مبهمة الألفاظ في بعض فقراتها،
يستطيع من خلالها هؤلاء القادة تفسير هذه البنود بالطريقة التي ترضي شعوبهم
وتخرجهم من الحرج وتهمة الخيانة، إلا أنها في نهاية المطاف تصطدم مع الواقع
المشاهد المحسوس الذي يناقض تفسيرهم ويطابق تفسير «إسرائيل» ومطالبها.
وفي هذه العجالة سنتناول ثوابت اليهود وأهدافهم من خلال محاور اللاجئين
والسلام والأمن:
اللاجئون:
ترتكز العقيدة الإسرائيلية في قضية اللاجئين على ثلاث ركائز أساسية، وهي
حسب الأهمية:
أولاً: إلغاء هوية: «لاجئ فلسطيني» :
إن وجود أي شخص فلسطيني يحمل هوية «لاجئ» في أي مكان من العالم
يعني أن له قضية تحتاج لحل، وأن له وطناً قد شرد منه يطالب بعودته، وأن الذي
أخرجه من وطنه عدو لا بد من محاربته.
ومن هنا كانت «إسرائيل» ومنذ تأسيسها تطالب بتوطين اللاجئين
الفلسطينيين، وتتعرض الدول العربية التي تقطنها جاليات فلسطينية منذ فترة طويلة
لضغوط أمريكية قوية لأجل التوطين.
وقد يتم توطين بعض منهم في أماكن إقامتهم الحالية، وتهجير بعضهم مرة
أخرى ليستقروا في بلد جديد كالعراق مثلاً مقابل رفع الحصار عنه، وكل ذلك
ضمن اتفاقات مصالح دولية بعضها معلن والآخر غير معلن تذهب ضحيتها في
النهاية الشعوب.
ثانياً: إبعاد الفلسطينيين عن الحدود مع «إسرائيل» :
لا تريد «إسرائيل» للفلسطيني أن يعيش ولو بعد التوطين على مقربة من
حدودها، إنها ترى في قربه إثارة للذكريات والحنين للوطن المسلوب على الجانب
الآخر من السياج، وقد يتحمس بعضهم فيقرر القيام بعملية جهادية ضد عدوه الذي
لا يبعد كثيراً عنه، وقد ترددت أنباء أثناء الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة
للجنوب اللبناني رداً على استفزازات حزب الله عن وجود اتفاق شيعي يهودي
لتهجير الفلسطينيين من جنوب لبنان إلى شماله، ويعجب القارئ حين يعلم أن
سفارتي أمريكا وكندا في لبنان تقومان بجزء من هذه المهمة حيث تركزان في
قبولهما لطلبات الهجرة للشباب الفلسطينيين المقيمين في لبنان على الذين يسكنون
المخيمات الجنوبية المحاذية لـ «إسرائيل» .
ثالثاً: تفكيك بنية المخيمات الفسلطينية:
(مخيمات الحقد والكراهية) هكذا يصف نتنياهو المخيمات الفلسطينية في
لبنان والأردن وسوريا، وهو يعبر عن وجهة النظر اليهودية التي ترى في
المخيمات وتجمع الفلسطينيين في مكان بائس واحد أرضاً خصبة للجماعات
الأصولية والمد الإسلامي، واجترار ذكريات الماضي وإثارة الكراهية ضد
«إسرائيل» ومن ثم فهي تهدف إلى تفكيك هذه المخيمات وتشتيت الفلسطينيين
الذين يعيشون فيها داخل الدولة، وقد خرجت في الآونة الأخيرة دعوات داخل
الدول العربية التي تحوي هذه المخيمات ظاهرها الرحمة والشفقة مطالبة بإعادة
تأهيل المخيمات وتحسين حالة الفسلطينيين، وحقيقتها الاستجابة لمطالب اليهود
بتفكيك بنية هذه المخيمات وإزالتها نهائياً؛ وللمنتفعين دور في هذه القضية؛
فهناك من يطمح ببيع أراضيه لصندوق التعويضات لبناء مساكن للفلسطينيين
عليها كوليد جنبلاط مثلاً.
السلام:
السلام هدف استراتيجي لـ «إسرائيل» يسعى إليه اليهود بشتى السبل،
وهم على استعداد للتنازل عن بعض مكتسباتهم ومطالبهم لأجله، والسلام يحقق
لـ «إسرائيل» الكثير من المكاسب منها:
أولاً: الشرعية:
تمثل الشرعية العامل الأهم في وجود أي نظام سياسي واستمراره، ولا يخفى
أنه كلما توسعت عملية السلام ترسخت شرعية «إسرائيل» .
أن تتحول «إسرائيل» عند العرب من دولة معتدية إلى صاحبة حق في
الوجود، وأن يتحول العداء العربي إلى صداقة وسلام وتعاون إنجاز لا يعادله إنجاز
لدولة «إسرائيل» ، وحين تترسخ هذه الشرعية سيتحول المصرُّون على عداء
«إسرائيل» إلى خارجين على القانون والإجماع العربي وناقضين للعهود والمواثيق
مع اليهود، وبعد أن كان أولئك المناضلون يكتسبون شرعيتهم من عداء «إسرائيل»
إذ تتحول المعادلة إلى شرعية قيام «إسرائيل» وحلفائها بمحاربتهم وقتلهم! !
ثانياً: تخفيف الضغط العسكري والأمني:
تتيح عملية السلام لـ «إسرائيل» تخفيف الضغط الأمني الداخلي، وتقليل
توقعات الهجوم الخارجي والخوف منه؛ مما سيجعلها تتفرغ أكثر لأمورها الداخلية
كاستيعاب المهاجرين وتدريبهم عسكرياً وتأهيلهم، وترسيخ بناء الدولة، وتحويل
جزء من تكاليف الاستعداد العسكري الدائم إلى الأبحاث والصناعات العسكرية
والتقنية.
ثالثاً: الاستقرار السياسي:
استقرار «إسرائيل» سيجلب لها المزيد من الاستثمارات الأجنبية الأمريكية
والأوروبية؛ مما سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الإسرائيلي.
رابعاً: سهولة الاختراق الأمني:
الانفتاح على الدول العربية والتبادل الدبلوماسي والتجاري سيتيح
لـ «إسرائيل» القرب أكثر من المنطقة وجمع المعلومات الاستخباراتية بشكل أدق،
ومن ثم تتبع أي حركات جهادية أو معارضة للسلام مع «إسرائيل» داخل هذه
الدول.
خامساً: الانفتاح الاقتصادي:
زيادة التبادل التجاري مع الدول العربية وتصدير التقنية الإسرائيلية والخبرات
الأمنية سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الإسرائيلي، ويربط الاقتصادات العربية
تدريجياً باقتصاد «إسرائيل» ، وقد تردد الخبر كثيراً عن تملك اليهود أسهماً في
الكثير من الجامعات الأردنية؛ مما سيجعلهم مؤثرين حتى في مناهجها.
الأمن:
اليهود شعب جبان بطبعه يحتل الهاجس الأمني العامل الأكبر في صنع قراره
السياسي والعسكري، حتى قادة «إسرائيل» السياسيون هم في الأصل قادة
عسكريون، ولا يمكن أن يُنظر إلى التطبيع أو أية اتفاقات سلام إلا بالقدر الذي
يحقق لـ «إسرائيل» أهدافها الأمنية، ولـ «إسرائيل» مطالب أمنية على
الصعيد الخارجي التهديدات الخارجية والصعيد الداخلي، وقد تحقق بعض هذه
المطالب علناً أو سراً، وهي تسعى بشكل دائم لتحقيق أقصى درجات مطالبها
الأمنية.
المطالب الخارجية:
الحفاظ على تفوق «إسرائيل» العسكري العددي والنوعي والتقني بحصولها
على أحدث الأسلحة خاصة الطيران ومضادات الصواريخ، ومنذ تأسيس
«إسرائيل» كان السلاح والدعم العسكري الثمن الذي كان على الولايات المتحدة
أن تدفعه دائماً استرضاءاً لـ «إسرائيل» كلما برزت الحاجة لقبولها بمقترحات
جديدة لعملية السلام وتقديم تنازلات للعرب، وفي الجهة المقابلة إضعاف القوة
العسكرية للدول العربية وتحييدها وخاصة المجاورة لها وذلك من خلال:
١ - منع زيادة هذه الجيوش أو تقليل أعدادها.
٢ - الحيلولة دون امتلاك سلاح طيران قوي ومتطور وصواريخ بعيدة المدى.
٣ - إضعاف نفوذ رجال العسكر السياسي.
٤ - تقليل الميزانية العسكرية مما سيؤدي إلى تقليل برامج التدريب وعدم
تحديث الأسلحة القديمة.
٥ - منع قيام أي صناعة عسكرية تقنية متطورة وأهمها السلاح النووي،
والاعتماد على استيراد السلاح خاصة الأمريكي.
* وقد استجاب العرب عملياً لبعض هذه المطالب؛ فقد استُحدثت أنظمة في
بعض الدول العربية المجاورة لـ «إسرائيل» تسمح للمزيد من الشباب بالإعفاء
من الخدمة العسكرية الإلزامية، وتم تسريح بعض الاحتياطي، حتى الطائرات بدلاً
من تجديدها بِيعَ بعضُها لسداد الديون.
* حُيِّدت الجيوش العربية تدريجياً، بل الجيش المصري الذي كان أحد أقوى
الجيوش العربية تُرِكَ ليتآكل على مدى عشرين سنة.
المطالب الأمنية الداخلية:
وما نعنيه هنا داخل حدود «إسرائيل» والأراضي الفلسطينية:
١ - محاصرة مد الإسلاميين ونفوذهم.
٢ - تفكيك بنية الجماعات الإسلامية الجهادية.
٣ - محاربة أعداء السلام سواء كانوا أشخاصاً أو جماعات أو مؤسسات.
٤ - التخلص من عبء ضبط الفلسطينيين أمنياً.
٥ - لجم العمليات الجهادية ضد اليهود.
٦ - الحفاظ على أمن «إسرائيل» ورجالها.
بعد سنوات من نشوء كيان السلطة الفلسطينية ظهر حجم الالتزامات الملقاة
على عاتقها بموجب بنود الاتفاقيات العلنية والسرية للحفاظ على أمن «إسرائيل»
ومنع قيام أي فلسطيني بعمل جهادي ضد اليهود.
وأخيراً: عرفات.. هل هو المتهم الوحيد؟
لأن عرفات ضعيف، وزعيم شعب مشرد، وشخصية مكروهة لدى العديد من
حكومات العرب؛ فقد سُمح بنقده واتهامه بالخيانة في وسائل الإعلام المختلفة،
ونحن إذ نتحدث عنه فإننا نؤكد الآتي:
أ - لم يكن عرفات ليجرؤ على السلام مع اليهود لولا تخاذل العلماء في أكثر
أقطار العالم الإسلامي، وقبولهم بأن يكونوا خارج الميدان.
ب - صمت الشعوب العربية نتيجة عملية تغريب وتخريب أخلاقي مركزة
تعرضت لها منذ حرب الخليج الثانية عبر كم هائل من القنوات الفضائية التي
حوَّلت هموم الشباب نحو الفن وسعارالجنس.
ج - العصبية والقومية التي زُرعت في الشعوب العربية خلال العقود الأخيرة
جعلتهم ينظرون إلى القضية الفلسطينية وكأنها قضية خارجية لا تعنيهم.
د - يؤكد الكثير من زعماء الدول الغربية وكذلك مذكرات الخارجية
البريطانية ومراسلاتها بأنهم لم يشعروا أبداً من خلال تعاملهم الرسمي مع الدول
العربية بالاهتمام بالقضية الفلسطينية، ويؤكدون كذلك أنه لم يحدث أبداً أن أحداً من
الزعماء العرب طلب خلال مقابلاتهم السرية تحرير فلسطين أو إزالة دولة
«إسرائيل» ، وأن جل اهتمامهم أن تسير الأمور بطريقة لا تثير حفيظة شعوبهم
أو توقعهم في الحرج.
стр. 3681
المسلمون والعالم
الإجراءات (الإسرائيلية) لتهويد المدينة المقدسة
المشاريع المطروحة حول المدينة
مركز العودة الفلسطيني - بريطانيا
نعتقد أنه ما من مسلم إلا ويعلم تمام العلم منزلة المسجد الأقصى في عقيدته،
من حيث هو أُولى القبلتين ومسرى الرسول محمد ﷺ ، وأنه ثاني
مسجد يبنى بعد البيت الحرام بأربعين سنة كما ورد ذلك في الحديث الشريف.
ولسنا هنا بصدد الحديث عن مزايا المسجد الأقصى ومنزلته في عقيدة المسلم ودينه،
ولكننا سنسلط الضوء على الإجراءات (الإسرائيلية) لتهويد القدس، وما يتهدد
المسجد الأقصى من خطر، وكذلك المشاريع المطروحة لإنهاء هذه القضية.
جهودهم لتهويد المدينة المقدسة:
ما فتئ الصهاينة منذ اليوم الأول لاحتلال القدس يعلنون أن القدس عاصمة
موحدة وأبدية لدولتهم، وقد عمدوا إلى كل الوسائل والأساليب لتهويد المدينة المقدسة
وتهجير أهلها الفسلطينيين منها. وتمثلت هذه الأساليب بأشكال عدة نورد منها ما
يلي:
١ - سن التشريعات والقوانين التعجيزية الخاصة بأهالي القدس: فمنذ اليوم
الأول لاحتلال المدينة أُعلن عن توسيع حدود بلدية القدس لتمتد حتى رام الله شمالاً
وبيت لحم جنوباً؛ وذلك لضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض بأقل عدد من السكان
العرب، وكذلك لتشمل المستوطنات والمناطق اليهودية المأهولة. فأصبح
الفلسطينيون للمرة الأولى في تاريخ المدينة أقلية تبلغ نسبتهم ٣٠% من مجموع
السكان!
- ثم توالت الإجراءات التعسفية بحل مجلس أمانة القدس العربية، ونقل
جميع أملاكها، ووضع جميع موظفيها تحت تصرف بلدية القدس اليهودية.
- وفي شهر يوليو ١٩٦٧م صدر قرار بضم القدس العربية إلى القدس الغربية
المحتلة منذ عام ١٩٤٨م، وبعد هذا القرار سارعت السلطات الصهيونية إلى تطبيق
قانون «أملاك الغائبين» ، والغائب: هو كل مقدسي لم يشمله الإحصاء الرسمي
(الإسرائيلي) الذي جرى في يوليو ١٩٦٧م، وبهذا القانون وضعت الحكومة
(الإسرائيلية) يدها على عقارات المقدسيين «الغائبين» وطبقت الحجز على
أموالهم المنقولة وأسهم الشركات التي تخصهم.
- ثم عمدوا بعد ذلك إلى إلغاء القوانين الأردنية السارية واستبدالها بتشريعات
(إسرائيلية) مما أدى إلى إغلاق البنوك والدوائر الحكومية الأردنية، وأسفر ذلك
عن تشريد الموظفين وعائلاتهم ومن ثَمَّ التأثير على التركيبة السكانية.
- تم إخضاع التعليم العربي (للمناهج الإسرائيلية) ولإشراف وزارة التعليم
الإسرائيلية. ثم بعد المعارك الشرسة التي خاضها المقدسيون ضد سلطات الاحتلال
اضطرت إلى التراجع عن تدريس المناهج الإسرائيلية في المدارس العربية.
- إزالة أجزاء كبيرة من الأحياء العربية القائمة تدريجياً، وإجلاء المزيد من
أهلها كما حدث في حي المغاربة، وحارة الشرف، وحي المصرارة، ومنطقة باب
الخليل.
- تطبيق قوانين الدفاع البريطانية لعام ١٩٤٥م ضد سكان القدس العرب؛
وتشمل: العقوبات الجماعية، وهدم المنازل، ومنع التجول، والاعتقال بدون
محاكمة.
٢ - مصادرة الأراضي والعقارات واستملاكها: فقد صادرت سلطات
الاحتلال الصهيوني أكثر من ٣٠ ألف دونم [١] من أراضي القدس العربية من عام
١٩٦٧م إلى يومنا هذا. وكانت أول عملية هدم واستملاك لأراضي فلسطينية في
القدس قد جرت بعد ثلاثة أيام من احتلال المدينة عام ١٩٦٧م عندما أرسلت سلطات
الاحتلال جرافاتها إلى حارة المغاربة في البلدة القديمة الملاصقة لحائط البراق؛
حيث أعطت السكان إنذاراً مدته نصف ساعة قبل أن تهدم ١٣٥ منزلاً وبعض
المساجد والمدارس والمتاجر؛ مما أدى إلى تشريد ٤٣٥ عائلة مقدسية. ثم توالت
عمليات الهدم والمصادرة تمهيداً لبناء المستوطنات داخل المدينة وخارجها حتى
وصل عددها إلى ٢٩ مستوطنة سرطانية في القدس وما حولها. كما تم الاستيلاء
على الكثير من البيوت العربية داخل البلدة القديمة وإسكان اليهود المتطرفين فيها
واعتبارها بؤراً استيطانية؛ وذلك بحجج شتى منها تطبيق قانون الغائب أو عن
طريق التزوير والادعاء بملكية الأرض والبيت المقام عليها، وما إلى ذلك.
٣ - سياسة مصادرة هويات الإقامة: خلال حكم نتنياهو فقط تم سحب
٢٠٨٣ بطاقة إقامة من فلسطينيين مقيمين في القدس وهو ما يعني طرد أكثر من ٨
آلاف مقدسي آخذين بعين الاعتبار أفراد عائلاتهم الملحقين بهم. وهناك أكثر من
٧٠ - ١٠٠ ألف مقدسي مهددون بفقدان هويتهم وحق الإقامة في مدينتهم لأوهن
الأسباب.
ثم عمدت هذه السلطات الصهيونية إلى تطبيق قانون رقم ١١ لسنة ١٩٧٤م
والذي ينص على إلغاء الإقامة في حالات عدة منها:
- إذا قيَّد وزير الداخلية الإسرائيلي حق الإقامة بأي شرط، وكان هذا الشرط
لا ينطبق على طالب الإقامة المقدسي.
- إذا وقع تغيير على وثيقة السفر التي منح بموجبها حق الإقامة في القدس.
- في حالة التخلي عن الإقامة في (إسرائيل) والعيش في دولة أخرى سواء
حصل على جنسية من هذا البلد أم لا، بل يكفي تقديم طلب جنسية من بلد آخر
حتى يسقط حقه في الإقامة في القدس. وينطبق هذا الشرط على جميع أهل القدس
الذين يقيمون لسبب أو لآخر خارج حدود القدس البلدية بما فيها ضواحي القدس!
وقد وضعت سلطات الاحتلال شروطاً إضافية حتى لا يتمكن المقدسيون من
الاحتفاظ بهوياتهم تشمل: تقديم إثباتات معينة مثل فواتير الأرنونا (ضرائب
الممتلكات) والماء والكهرباء، وشهادات تطعيم الأولاد، وأخرى تثبت دراستهم في
القدس. ومن لم يستطع تقديم أي من هذه الشهادات تسحب هويته، وليس من حقه
أن يسكن في المدينة، وإذا سكن فيها بعد ذلك ولو يوماً فإنه يعتقل فوراً!
أما بالنسبة لتصاريح البناء فإنها تشبه المستحيل لكثرة التعقيدات والإجراءات
التي يتطلبها ذلك، إضافة إلى الرسوم العالية جداً التي تدفع مقابل الحصول على
حق إضافة غرفة لبيته؛ حيث تبلغ قيمة هذه الرسوم ٢٥ ألف دولار أمريكي! مما
أدى إلى وضع المقدسيين في وضع حرج للغاية؛ فكل من أراد الزواج إما أن يسكن
مع أهله في بيتهم الصغير أو يغامر وينتقل للسكن في إحدى الضواحي، مما
يعرضه لخطر سحب هويته وإقامته المقدسية.
٤ - فرض الضرائب الباهظة: فرضت السلطات الصهيونية سلسلة من
القوانين والأنظمة الضرائبية على سكان مدينة القدس بغرض ضرب البنية التحتية
للقطاع التجاري في المدينة؛ حيث ثبت بدراسات ميدانية أن أكبر نسبة ضرائب في
العالم هي المفروضة على سكان مدينة القدس؛ رغم أن هذه الضرائب غير قانونية
دولياً بموجب معاهدة جنيف ولاهاي التي تُحرِّم فرض ضرائب على المحتل.
ومن هذه الضرائب: ضريبة الدخل، وتجبى بنسبة ٣٥% من أرباح الأفراد
وما نسبته ٥٥% على الشركات، وضريبة القيمة المضافة، وتجبى بنسبة ١٧%
من قيمة المبيعات. وهناك ضريبة الأملاك، وهي ضريبة على الأراضي بنسبة ٥,٣% من قيمة الأرض حسب تخمين موظفي الضريبة (اليهود) . وضريبة
البلدية (الأرنونا) وتجبى على أساس مساحة الشقق والمحلات التجارية، بقيمة
تتراوح بين ٦٠ - ٧٠ دولاراً على المتر الواحد من المحلات التجارية سنوياً، ومن
٢٠ - ٤٠ دولاراً على المنازل. وهناك رسوم التأمين الوطني، وتجبى من السكان
العرب ومن أصحاب العمل بنسبة ١٠% من الدخل. ورسوم إعلام، وهي رسوم
تجبى على كل جهاز تلفزيون موجود في المنزل. وضريبة أمن الجليل وهي
ضريبة فرضت على السكان العرب إثر تعرض منطقة الجليل الأعلى للهجمات
الفدائية؛ وبناءاً على ذلك فإن سكان القدس العربية مجبرون على دفع ضريبة
عن هذه الهجمات لتعويض اليهود عن خسائرهم.
علماً بأن جميع هذه الضرائب مرتبطة بجدول غلاء المعيشة، ويتم تحصيلها
في حالة الامتناع عن الدفع بحجز الأملاك والمصادرة والسجن، ولزيادة الإمعان في
خنق الاقتصاد العربي وشل الحركة التجارية في المدينة فرضت سلطات الاحتلال
الإسرائيلي طوقاً وحصاراً أمنياً على مداخل القدس العربية منذ ١/٤/١٩٩٣م مما
أثر سلباً على المدينة وشل الحركة التجارية والاقتصادية فيها بعد أن فصلت القدس
عن الضفة الغربية والقطاع ومنعت البضائع الوطنية من دخولها، مما أدى إلى
خسائر كبيرة في القطاع التجاري. هذا إلى جانب البطالة؛ حيث أثر الطوق الأمني
على زيادة نسبة البطالة، مما أدى إلى ارتفاعها إلى ما نسبته ٥٥% في مدينة
القدس.
٥ - والخطر الأعظم الذي يشكله اليهود: هو الخطر الذي يتهدد المسجد
الأقصى بالسعي لهدمه وإقامة الهيكل المزعوم الذي يعدونه قبلتهم المفقودة منذ ألفي
عام. وهذا ما عبر عنه أول رئيس وزراء في إسرائيل وهو بن غوريون عندما قال:
«لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل» ويقول: «إن
شعبي الذي يقف اليوم على أعتاب الهيكل الثالث لا يستطيع أن يتحلى بالصبر على
النحو الذي كان يتحلى أجداده به» . كما عبر عن ذلك الممثل الحكومي لوزارة
نتنياهو، موشى بيلد في كلمة أمام مؤتمر في ١٧/٩/١٩٩٨م وحضره نحو سبعة
آلاف من المتشددين اليهود؛ حيث قال: «إننا جيل الهيكل الذي هو قلب الشعب
اليهودي وروحه» . والهيكل ليس له مكان آخر في اعتقاد اليهود غير الأرض التي
يقوم عليها المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، ولا يتم بناء الهيكل إلا بهدم هذين
المسجدين.
وهناك الآن نحو ١٢٠ جماعة دينية متعصبة من ضمنها ما لا يقل عن
٢٥ جماعة وتنظيماً يتخصص أعضاؤها في أمر واحد: هو التخطيط والترتيب لهدم
المقدسات الإسلامية مع التخطيط والترتيب لبناء المعبد اليهودي مكانها. وقد شكلت
في الآونة الأخيرة تحالفات فيما بينها للعمل المنظم بهذا الصدد، ومن أبرز هذه
التحالفات ما يسمى بـ «رابطة القدس» وهي تضم أكبر عشر منظمات.
وقد قامت هذه المنظمات بأكثر من خمسة وأربعين عملاً عدائياً ضد مسجدي
الأقصى والصخرة؛ بدءاً بمحاولة إحراق الأقصى وإشعال النار فيه إلى إطلاق النار
على المصلين إلى محاولة تفجيره وفتح الأنفاق والطرق السفلية لتهديد أساساته
وتفريغ التربة من تحته ليكون عرضة للانهيار عند أي عارض طبيعي أو صناعي
من الاهتزازات العنيفة، وذلك ما قاله خبير الآثار الإسرائيلي جوزيف سيرج في
١٨/٨/١٩٩٠م: «سنقوم بإعادة بناء الهيكل الثالث على أرض المسجد الأقصى
الذي تستطيع إسرائيل تصديعه باستخدام الوسائل الحديثة» ! وقبل بضعة أيام
شكلت الحاخامية الكبرى في إسرائيل لجنة من الحاخامات لاتخاذ قرار ببناء الهيكل،
وجابت مسيرة ضخمة البلدة القديمة وحاولوا دخول الأقصى مطالبين باتخاذ القرار
ببناء الهيكل وهدم المسجد الأقصى.
مشاريع الحلول المطروحة حول المدينة:
المشاريع التي طرحت لحل قضة القدس خلال سني الاحتلال كثيرة جداً، إلا
أن أياً منها لا يحقق العدالة واسترجاع الأقصى إلى حوزة المسلمين؛ فكلها تراوحت
بين الحكم الذاتي لبعض الأحياء العربية، أو سيادة محدودة عليها مع السماح برفع
العلم الفلسطيني فوق المسجد الأقصى؛ كما عرض ذلك إيهود باراك رئيس الوزراء
الإسرائيلي على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات خلال قمة كامب ديفيد
الأخيرة؛ فقد عرضت إسرائيل على الفلسطينيين تطبيق مبدأ السيادة الوظيفية على
بعض الأحياء العربية؛ بحيث تكون بعض هذه الأحياء تحت السيادة الفلسطينية
ذات الطابع الخدماتي، مثل المسؤولية عن خدمات الكهرباء والمواصلات والتعليم
والصحة والضرائب وجمع القمامة وما إلى ذلك. أما بالنسبة إلى المسجد الأقصى
فقد سمح للفلسطينيين برفع العلم الفلسطيني فوق الأقصى دون أن تكون لهم سيادة
فعلية عليه، مع تأمين ممر آمن للفلسطينيين يصلهم بالمسجد الأقصى بحيث لا يرى
الزائر العربي أي جندي إسرائيلي في هذا الممر، (كما قال باراك لعرفات) .
وهناك بعض الاقتراحات لتكوين مجلس بلدي واحد لإدارة القدس الشرقية يتم
انتخابه لإدارة الشؤون المدنية لها. كما أن هناك اقتراحاً بسيادة مطلقة لبعض
الأحياء والقرى العربية المحيطة بالقدس بعد ضمها إلى «القدس الكبرى» وبذلك
يحقق الفلسطينيون عاصمتهم بإقامتها في هذه القرى التي تعد جزءاً من القدس
الشرقية، ويرفع الحرج عن القيادة الفلسطينية؛ حيث إنها أعلنت دولة عاصمتها
القدس الشرقية!
وأخيراً نقول: إن الوضع جد خطير؛ فالمفاوضات ما زالت جارية،
والمؤشرات تشير إلى احتمال عقد قمة كامب ديفيد ثالثة تكون للتوقيع فقط وليس
للتفاوض. ومع الأخذ بعين الاعتبار الفارق الرهيب في ميزان القوى بين
«الفلسطينيين» و «إسرائيل» المدعومة أمريكياً بكل أسباب القوة، وكذلك
التراخي العربي والإسلامي في نصرة قضية القدس؛ فإن مستقبل القدس الشريف
في خطر شديد، وقد يتم التنازل عنها بحجج الواقعية، والضعف المستشري في أوصال الأمة، ونقص الدعم العربي والإسلامي أو بأي حجة أخرى.
نقول: إن واجب المسلمين عظيم هذه الأيام في الحفاظ على أغلى مقدساتهم
ومسرى نبيهم محمد ﷺ ، وهي أمانة عظيمة سوف يُسأل عنها
المسلمون أمام الله، ولا ندري ماذا ينتظر المسلمون حتى يتحركوا لنصرة أقصاهم
المبارك؟ هل ينتظرون أن يُحوَّل إلى معبد يهودي؟ أم يُحوَّل إلى إسطبلات للخيل
كما حصل في زمن الصليبيين؟ !
стр. 3682
المسلمون والعالم
الانتخابات الأمريكية الحدث والتفاعلات
خالد حسن
تشكل الانتخابات الأمريكية حدثاً هاماً في حياة الشعب الأمريكي يتكرر على
مستوى الرئاسة كل أربع سنوات، بينما تنظم انتخابات الكونجرس كل سنتين تقريباً،
حيث ينتخب جميع أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. وتسبق
عملية الاقتراع العام تعبئة عامة وحملة انتخابية يمكن وصفها بالشرسة لا سيما في
مرحلة الانتخابات الأولية التي تتضمن تصفية مرشحي الأحزاب وإفراز مجموعة
تحظى بالتأييد الشعبي والحزبي، والتي لا تلبث أن تتناقص حتى تصل إلى مرشح
واحد للحزب. من ناحية أخرى تأخذ العملية الانتخابية نوعاً من الهدوء الذي يتغير
مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمرات الأحزاب القومية في شهر أغسطس، على أن
حدتها تستمر بالتصاعد التدريجي حتى تصل ذروتها عشية يوم الاقتراع العام في
الثامن من نوفمبر المقبل.
الأحزاب السياسية الأمريكية ومعمعة الانتخابات:
النظام السياسي الأمريكي مبني على أساس تعددي مؤداه تنافس الأحزاب
السياسية ومؤسسات المجتمع المدني لإفراز قيادات تحظى بالدعم الشعبي؛ وذلك
بهدف إدارة شؤون الحكم وفق ما تمليه مصالح جماعات الضغط ومؤسسات صناعة
القرار؛ فالأحزاب السياسية تشكل الركيزة الأساسية لما يسمى بـ «الديمقراطية
الأمريكية» ، على أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري يهيمنان على إدارة شؤون
الحكم لفترة تزيد على القرنين من الزمن، وطوال هذه الفترة طرأ تعديل مشهود في
وجهات نظر الأحزاب إزاء قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وقضايا
تركيبة المجتمع الأمريكي وتعميم الحريات.
وإلى جانب الحزبين الكبيرين هناك العديد من الأحزاب الصغيرة والناشئة
التي تسعى لإيجاد حزب سياسي ثالث قادر على تجاوز مشكلات الحزبيْن المهيمنين
ورؤاهما في معالجة الملفات الأكثر حساسية وإثارة للجدل، ومن أبرز تلك الأحزاب:
حزب الإصلاح الأمريكي THE REFORM PARTY الذي أنشأه رجل
الأعمال روس بيرو المليونير من ولاية تكساس، وهناك حزب الخُضْر، وحزب
دافعي الضرائب، والحزب الاشتراكي الأمريكي.
وتتجلى أهمية الأحزاب في حياة المجتمع الأمريكي في كونها هيئات سياسية
تتنافس على تعبئة الجماهير، وتوجيه مقدراتها المالية والقيمية نحو الهيمنة على
إدارة تملك برنامجاً للحكم يتم طرحه على عامة الشعب الذي يصوت بدوره على من
يمثله بالقبول أو بالرفض؛ لذلك فإن التأثير الفعال في العملية الانتخابية ينبع من
خلال الانتماء لأحد الأحزاب القومية وتقديم برامج تحظى بموافقة قطاعات الحزب،
ومن ثم تطرح على المستوى القومي ليتم مداولتها والتصويت عليها.
وإن أهم الأحداث السياسية التي تجري على أرض الواقع على الصعيد
التنظيمي تتجسد في مؤتمر الحزب الذي ينعقد في شهر أغسطس، وذلك بحضور
ممثلي الولايات، وأثناء ذلك يعلن عن الترشيح الرسمي لمرشح الحزب الذي تمكَّن
من تحقيق القبول على مستوى الانتخابات الأولية. وقد انعقد مؤتمر الحزب
الجمهوري في مدينة فيلادلفيا، بينما انعقد مؤتمر الحزب الديمقراطي في مدينة لوس
أنجلوس في أغسطس ٢٠٠٠م.
ويلاحظ على المؤتمر الجمهوري لهذا العام والذي حظي فيه بوش تشيني
بتأييد ودعم من قِبَل مبعوثي الحزب من كافة الولايات وأعضاء الإدارات الجمهورية
السابقة وزعماء الكونجرس الأمريكي يلاحَظ عليه نوع من التغيير في رؤية الحزب
للأقليات ودورها في حياة المجتمع الأمريكي؛ فقد سعى المؤتمر لإشراك أكبر عدد
ممكن من أقليات السود واللاتين وجماعات المزاد وغيرهم، وإعطائهم دوراً بارزاً
في الحياة السياسية، لكن لا يعدو الأمر هالة دعائية وطابعاً استهلاكياً وتمويهياً أملاه
واقع التهافت على أصوات الناخبين وتلميع صورة الحزب وواجهاته عبر الادعاء
بأنه يمثل كافة طوائف المجتمع الأمريكي من النواحي الدينية والعرقية، ويولي
اهتماماً خاصاً لشؤون الأقلية مقابل تأييدها لبوش الابن في الانتخابات القادمة. وقد
برز شخص «كولن باول» في المؤتمر الأخير بوصفه مدافعاً عن الأقلية السوداء
والذي أكد على أولوية الاهتمام الفعال بمشكلات السود، وطالب كوادر الحزب
بالعدول عن معارضتها للبرامج الإنمائية والتعليمية الهادفة إلى تحسين أوضاعهم
ومعاناتهم في المجتمع الأمريكي.
في حين لقي الثنائي غور ليبرمان دعماًَ وقبولاً من المشاركين في مؤتمر
الحزب الديمقراطي الذي ارتكز علي الرخاء الاقتصادي الذي تحقق في العهد
الرئاسي الديمقراطي السابق للترويج والدعاية للمحافظة على الإرث السابق
ومكتسبات مرحلة «الانتعاش» .
محاور استقطاب في الانتخابات الأمريكية:
المعركة الانتخابية الحالية تدور بشكل رئيس بين الحزبين الديمقراطي
والجمهوري؛ إذ يتطلع من خلالها كلا الحزبين للسيطرة على مؤسسات الحكم لا
سيما الجهازين التنفيذي والتشريعي ومن ثم القضائي؛ فالحزب الديمقراطي يلهث
لإحكام قبضته على الرئاسة إلى جانب تحقيق أغلبية في مجلسي النواب والشيوخ،
أما الحزب الجمهوري فيسعى للإطاحة بالديمقراطيين واصفاً إدارة الرئيس كلينتون
بأنها تفتقر للضوابط الأخلاقية اللازمة لإدارة شؤون المجتمع، كما أنها تفتقر إلى
الحكمة والكفاءة الإدارية في تسيير شؤون الحكم في السياسة الخارجية والداخلية.
ومن ناحية أخرى يعتبر الجمهوريون آل جور امتداداً لهذا النهج غير
المنضبط الذي أدى إلى زعزعة ثقة الشعب الأمريكي بمؤسسة الرئاسة، ومن ثم لا
بد من وضع حد لمثل هذا التسيب، وذلك بانتخاب إدارة جديدة تحظى بمؤهلات
أخلاقية رفيعة أو هكذا يزعمون وقد فرض التوجه نحو السطو على إدارة البيت
الأبيض توسع الجمهوريين على حساب الحزب الديمقراطي باتجاه الأقليات والتي لم
تكن تحظى باهتمام يذكر في مراحل خلت من الحزب الجمهوري.
انتدابات نواب الرئيس وأثرها على العملية الانتخابية:
مما لا شك فيه أن مسألة انتداب نائب الرئيس واختياره لخوض العملية
الانتخابية من الخطوات المحورية في السباق نحو مؤسسة الرئاسة، وقد سعى كل
من بوش وجور لاختيار شخص ليس فقط ليخلفه رئيساً للولايات المتحدة في حالة
عجز الرئيس أو انعدام مقدرته على الوفاء بأداء واجباته الرئاسية، بل نائباً يساهم
بفعالية في العملية الانتخابية من خلال ما يجلبه للقائمة الانتخابية من رصيد شعبي
وتأييد حزبي ومالي وعرقي، إلى جانب قدراته وخبراته في السياستين الداخلية
والخارجية، وحسب رأي عدد من المراقبين فإن بوش كان موفقاً إلى حد ما
باختياره وزير الدفاع السابق تشيني نائباً له؛ وذلك لتدارك القصور الذي يعاني منه
في مجالات السياسة الخارجية والدفاعية، فقد كان تشيني أداة تدبير وعقل مخطط
في إدارة الرئيس بوش الأب، ويحظى بتأييد الكونجرس الأمريكي وزعمائه،
ويضاف إلى هذا ما يتمتع به من شبكة قوية في العلاقات الدولية والصداقات
الحميمة التي تربطه مع الدول الأوروبية، وحلف الناتو، ودول الخليج، والعديد
من الدول العربية والآسيوية، مما يعزز من دور السياسة الأمريكية على المستوى
الدولي ويعيد إلى الأذهان أطروحات النظام الدولي الجديد والرامي إلى جعل القرن
الحادي والعشرين قرناً أمريكياً كما كان القرن العشرون أو هكذا يتصورون.
أما اختيار آل جور للسناتور ليبرمان فإنه استهدف الظفر بتأييد الجالية
اليهودية بثقلها المالي والتنظيمي والإعلامي، واعتبر بعض المحللين الأمريكان مثل
هذا الاختيار مؤشراً على «قدرة» المرشح الديمقراطي على اتخاذ قرارات غير
مسبوقة وأنه مرشح «شمولي» يهدف إلى أن تشمل إدارته المجتمع الأمريكي
بتنوعه الديني والعرقي.
الدين والسياسة في الانتخابات الأمريكية:
يثار جدل واسع حول دور الدين في الانتخابات الأمريكية؛ وذلك للاعتبارات
الآتية:
- مفهوم العلمانية الأمريكية مختلف تماماً عما هو سائد في العالم العربي
والإسلامي؛ فالعلمانية الأمريكية تعني فصل الدين والمؤسسات الدينية عن سلطة
الحكومة وتدخلها وتعسفها، وعليه فإن الجماعات والمؤسسات الدينية تترك وشأنها
لتنمو وتتوسع بمنأى عن تدخل الحكومة؛ ولذلك فإن الطوائف والجماعات الدينية
النصرانية واليهودية وإلى حد ما الإسلامية تحظى بحرية تامة لإدارة شؤونها، وكما
لا يخفى على القارئ فإن العلمانية بصورتها هذه تختلف عما هو عليه الحال في
أوطاننا؛ حيث يحاصر الدين ليس فقط في دور العبادة بل وحتى أهل التدين
يتعرضون لمضايقات وتحرشات لتجفيف منابع التدين.
ولا يفهم من سياقنا هذا إقرار التجربة العلمانية الأمريكية، وإنما للتبيين
والوقوف على مظاهر الغلو والتطرف في عملية محاكاة التجارب ونقل النماذج التي
برع في نسجها ونبغ في هضمها واجترارها بعض المهووسين بالأمركة أو المولعين
بالاستنساخ، ولو أنهم أمعنوا النظر وراجعوا حساباتهم لوجدوا أنهم أوصلوا الأمة
إلى مرحلة من الغلو والتطرف في تطبيق العروض المستوردة، وليتهم التزموا
بحرفية التلقي والتنفيذ، وأوغلوا في المحاكاة برفق!
- عامل آخر ساهم في تفاقم دور الدين في حركية الانتخابات الحالية وهو
الفضائح الأخيرة التي عصفت ولا تزال تعصف بالبيت الأبيض والكونجرس
الأمريكي؛ فقد أدت فضيحة مونيكا لوينسكي إلى مساءلة الرئيس، كما أدت فضائح
جنسية مماثلة للإطاحة بزعيم مجلس النواب السابق جنجرش، واعتبر هذا الوحل
الأخلاقي بمثابة الناقوس الذي «نبَّه» المجتمع الأمريكي بشكل عام إلى ضرورة
التزام السياسة بضوابط الأخلاق، ودور الدين بوصفه محورياً في تنمية الوازع
الديني في إدارة شؤون المجتمع.
- أمر آخر يتجلى في الدعم المشهود الذي يتلقاه جورج بوش الابن من
«التجمع المسيحي» وهو مؤسسة كنسية ضخمة يتزعمها بات روبرستون،
والذي خاض الانتخابات الأولية لعام ١٩٨٨م، هذا التجمع يحظى برصيد شعبي
وإعلامي ومالي معتبر يؤهله إلى التأثير الفعال على عملية الانتخابات.
- «التجمع المسيحي» يدير أيضاً إمبراطورية إعلامية محلية ودولية وهي
في توسع مستمر تمكنت من توصيل الرسالة النصرانية إلى العديد من الدول
والمجتمعات المختلفة بلغاتها المحلية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فضلاً
عن دورها داخل المجتمع الأمريكي.
- ويضاف إلى هذه العوامل انتداب اليهودي الأرثوذكسي نائب آل جور عن
الحزب الديمقراطي السيناتور ليبرمان، وهو معروف بالتزامه الديني وتمسكه
بشعائر التلمود، وبذلك سعى الديمقراطيون إلى تقديم لائحة انتخابية تتجاوز القصور
الأخلاقي الذي تعاني منه الإدارة الحالية.
أبعاد السياسة الخارجية لإدارة بوش وآل جور:
إن فوز بوش وتشيني سيعيد إلى أرض الواقع الأطروحات السياسية المتعلقة
بمفهوم «النظام الدولي الجديد» والذي نظَّر له بوش الأب وأعضاء إدارته لا سيما
تشيني، ومؤدى هذا النظام أن تكرس الولايات المتحدة زعامتها للشؤون الدولية
سياسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً، وعليه فإن هذا الطرح ينادي بقرن أمريكي جديد
ثان هو القرن الحادي والعشرون، خاصة في ظل الوهن الذي أصاب الأمة
الإسلامية، وإخفاق روسيا الفيدرالية في إعادة ترتيب أوضاعها وتبوُّؤ مكانة دولية،
وتراجع دور الاتحاد الأوروبي في السياسة الدولية بالرغم من «استماتة» فرنسا
لإدارة الحلف سياسياً؛ فقد أحبطت جهود الاتحاد في حل مشكلات القارة بمنأى عن
القيادة الأمريكية؛ وما البلقان عن المراقبين ببعيدة؛ حيث راح ضحيتها الآلاف من
المسلمين على يد الصرب المجرمين.
ومن شأن الإدارة الجديدة في حالة انتخاب بوش تشيني أن ترفع من ميزانية
الدفاع وتعزز الوجود الأمريكي على مستوى القواعد العسكرية، وكذا تطوير شبكة
الدفاع الجوي الأمريكي القادرة على اعتراض أية صواريخ عابرة للقارة تستهدف
الإخلال بالأمن الأمريكي، هذا بالإضافة إلى ما ورَّثه بوش الأب لابنه من
علاقات «حميمة» مع دول الخليج العربي والدول العربية والإسلامية.
من ناحية أخرى فإن انتخاب آل جور رئيساً للولايات المتحدة، وليبرمان نائباً
له سيعزز من نهج الإدارة الحالي المتمثل في هيمنة اليهود على السياسة الأمريكية
ومن ثم هيمنة المصالح «الإسرائيلية» على حساب قضايا العرب والمسلمين،
وليس هذا فحسب بل هيمنة مصالح «إسرائيل» على حساب المصالح «الأمريكية»
نفسها؛ ففوز آل جور يعني أن مناصب نائب الرئيس ووزير الخارجية والمالية
والدفاع والاحتياط الفيدرالي والعديد من السفارات، إلى جانب الهيمنة التقليدية
لليهود داخل الكونجرس الأمريكي وحتى سلك القضاء ستكون جميعها غالباً تحت
قبضة اليهود حيث تستخدم لصالح الكيان الصهيوني وأهدافه التوسعية.
الديمقراطية الأمريكية رؤية من الداخل:
لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل القوى الصهيونية الأمريكية في التأثير على
العملية الانتخابية وعلى مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة خاصة ما يخدم
قضايا «إسرائيل» ومصالحها، وتحتمي هذه القوى في سعيها لإحكام قبضتها على
هذا الحدث السياسي بالانطباع القائم حالياً والمتوارث منذ فترة أن هناك توافقاً في
المصالح الأمريكية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وكذا شرعية تشكيل لوبي أو
جماعة ضغط في أمريكا؛ لأن اللوبيات إحدى القضايا المحورية في المؤسسة
السياسية الأمريكية، وحتى في المجتمع الأمريكي؛ إذ إن الفرد الأمريكي كما ينص
عليه القانون له الحق في إسماع صوته للمشرعين الأمريكيين، والتأثير عليهم، إما
لدفع ظلم، أو لرفع قضايا معينة، ومن هنا تبرز أهمية اللوبي في استراتيجية
الأقلية اليهودية.
وبالمفهوم التقليدي كان اللوبي يشير إلى تجمعات طلاب الحاجات في الأروقة
بالقرب من المجالس والمؤسسات السياسية للوصول إلى صاحب القرار أو المشرع،
لكن مع التغييرات التي طرأت في المجتمع الأمريكي، وفي وسائل الاتصال
والتواصل، ظهرت طرق أخرى للوصول إلى أعضاء الكونجرس من بينها ربط
صلات وعلاقات مع الشخصيات السياسية ذات النفوذ القوي، وإسماعها مختلف
الآراء، وإذا أخذنا مؤسسة الكونجرس عينةً لذلك، فإنها غير مركزية، وأعضاؤها
يخضعون لضغوط متضاربة من أطراف ذات مصالح خارجية عبر
المناطق والولايات التي ينتمون إليها، ومن ثم يتم التأثير في اتجاهين:
- الناخبين الأمريكيين، ومصادر صنع القرار.
- وعملية الضغط التي تبدأ من القاعدة، وعبر التبرع بالأموال خلال
الحملات الانتخابية.
ومع نمو المؤسسة السياسية الأمريكية واتساعها تفاقمت ظاهرة الاستعانة
بخبراء من خارج المؤسسة، وهذا ما أدى إلى تزايد عدد أعضاء اللوبي اليهودي
ونشاطاته، ومن هنا تكمن «قوة» اللوبي الموالي لـ «إسرائيل» فهو منظم
ونشط وفعال، ويمتلك قدرات مشهودة في جمع وإيصال المعلومات ووجهات النظر
التي يراد فرضها.
وقد نما هذا اللوبي منذ إنشاء مؤسسة صغيرة سنة ١٩٥٤م تعرف بمنظمة
«الإيباك» AIPAC وقد بدأت بعدد محدود جداً، وبإمكانيات مالية لا تكاد تذكر،
إلى أن وصلت الآن إلى ملايين الدولارات (حيث تقدر ميزانيتها السنوية حالياً أكثر
من ١٥ مليون دولار) ، وتمثل «إيباك» في الوقت الحاضر البنية التنظيمية التي
تعمل على مضاعفة النفوذ السياسي لليهود الأمريكيين، وهي تشكل مركز التنظيم
المعقد للهيئات اليهودية في أمريكا.
وتُعِدُّ هذه المؤسسة مؤتمرها السنوي في واشنطن للأعضاء العاملين وقادة
الطائفة اليهودية وممثلين عن المجموعات المستهدفة أو المشاركين المخلصين
وعشرات السياسيين والوجهاء الصهاينة، ويعتبر المؤتمر السنوي المنبر الذي
تعرض من فوقه «إيباك» مواقفها السياسية وأولوياتها الضاغطة، كما تستخدم
المؤتمر للتأثير على الساسة الأمريكيين للتعهد العلني بدعم الكيان الصهيوني،
ويكفي للدلالة على تأثير ونفوذ هذه المؤسسة الإشارة إلى عدد الوفود التي شاركت
في هذا المؤتمر ونوعيتها؛ ليس فقط على مستوى الإدارة الأمريكية ولكن وهو
الأهم على مستوى الهيئات التشريعية بالكونجرس؛ فقد شارك في حضور هذا
المؤتمر على الأقل ٤٧ عضواً من مجلس الشيوخ، و٦٧ عضواً من مجلس النواب
وحوالي٤٠ سفيراً من دول مختلفة.
ويذكر الكتاب اليهودي السنوي لعام ١٩٩٧م أن «إيباك» منظمة مسجلة
للقيام بالعمل السياسي (اللوبي) لإيجاد التشريعات المتعلقة بالمصالح الإسرائيلية
الأمريكية، وبدعم السياسيين الذين يؤمنون بأن دعم أمن «إسرائيل» من مصالح
الولايات المتحدة الحيوية، وتظهر فعاليةً من خلال لجان العمل السياسي المختلفة
والتي تقوم بالتبرع لمن تختاره «إيباك» من المرشحين بمبالغ تفوق المبالغ التي
تتبرع بها أي لجنة عمل سياسي أخرى خلال الحملات الانتخابية، إلا أن هذه
المبالغ تنفق في السر وبعيداً عن مرأى أجهزة الإعلام الأمريكية، وقد أصبح
بمقدور هذه المؤسسة انتخاب المرشح الذي تريده وتؤيده، كما أنها تعمل على إسقاط
الأعضاء الذين لا يتعاونون معها كما حدث لعدد من أعضاء مجلس النواب والشيوخ.
وتجدر الإشارة إلى أن اليهود في أمريكا هم الأكثر تبرعاً ليس فقط
لـ «إسرائيل» أو للقضايا المرتبطة بها، بل أيضاً للمشاريع الاجتماعية
والثقافية، ومعدل تبرعاتهم يفوق المعدل الأمريكي، وهم معروفون لدى الرأي العام
بهذا الأمر، كما أنهم حين يسخطون على مرشح ويدعمون مرشحاً آخر، لا يعلنون
وهذا في الغالب أن سخطهم متعلق بموقف ما من الكيان الصهيوني، ويتظاهرون أن
دعمهم موجه لخدمة قضايا المجتمع الأمريكي، ومن المعروف أن المهم بالنسبة
للناخب الأمريكي أن يتخذ المرشح مواقف إيجابية في قضايا اجتماعية واقتصادية
محلية، ولا يأبه هذا الناخب بطبيعة المواقف التي يتخذها المرشح تجاه قضايا
العرب والمسلمين.
ولنأخذ حملة الرئيس كلينتون في عام ١٩٩٢م مثالاً على هذا الثقل والنفوذ؛ فقد
كان كلينتون مدركاً لأهمية الثقل اليهودي في الانتخابات وحجم التبرعات
التي يخصصونها للحملات الانتخابية؛ ولذا عين موظفين ومستشارين من
المحيط اليهودي في حملته، ونشط اليهود خلال حملته فنظموا له حملات تبرع،
وعملوا على تحويل ما بين ١٠% إلى ٢٠% من الأصوات لصالح المرشح
كلينتون عبر المدن الرئيسة. وأشارت التقارير إلى أن اليهود قد ساهموا بنحو ٦٠%
من مجموع التبرع الذي حصده لحملته الانتخابية، وأن نحو ٨٠% من أصوات
اليهود ذهبت إلى كلينتون.
فأي «ديمقراطية» هذه التي يتحكم فيها الأقلية؟
وأي «ديمقراطية» هذه التي تشترى فيها المواقف والأصوات؟
وأي «ديمقراطية» هذه التي يعرض فيها المرشح نفسه في المزاد العلني؟
فهل وعى المستلَبون والمهووسون بتمثال الحرية الأمريكي حقيقة
«الديمقراطية» الأمريكية وراجعوا حساباتهم وأمعنوا النظر في التجربة
الانتخابية الأمريكية؟
معظم الناخبين المسلمين الأمريكيين مترددون حسب استطلاع المجلس
المسلم الأمريكي:
في ردهم على استطلاع قومي أُجري بين ٨٤٤ مسلم أمريكي تبين أن ثلثي
هؤلاء ليسوا منتسبين إلى أي حزب سياسي على الرغم من أن أربعة من كل خمسة
منهم أفادوا بأنهم مسجَّلون للانتخاب، وقد كانت هذه النتائج حصيلة استبيانات
للناخبين تسلمها المجلس المسلم الأمريكي ما بين شهري أغسطس ونوفمبر.
وقد كان المسلمون المنتسبون إلى حزب سياسي وتبلغ نسبتهم ٣٢% من
مجموع المنتسبين موزعين مناصفة ما بين الديمقراطيين والجمهوريين؛ حيث اعتبر
٥٣% أنفسهم ديمقراطيين في مقابل ٤٧% اعتبروا أنفسهم جمهوريين.
وأفاد ٢٢% من المسلمين الأمريكيين أنه لو أجريت الانتخابات الآن لانتخبوا
مرشحاً ديمقراطياً، في حين أفاد ٢٥% منهم أنهم ينتخبون مرشحاً جمهورياً،
وبقيت نسبة ٣٧% مترددة في اختيارها.
ولقد استكملت ثلاثة أرباع هذه الاستبيانات في مؤتمرات ومواقع تسجيل
الناخبين والمساجد، في حين استكمل الربع الباقي على موقع المجلس المسلم عبر
الشبكة البينية (الإنترنت) أو بالبريد الحاسوبي.
وقد صرح المدير التنفيذي للمجلس المسلم الأمريكي قائلاً: «إن كون معظم
المسلمين الأمريكيين في هذا الاستطلاع غير منتسبين حزبياً يؤكد حَدْسَنا بأن
المسلمين الأمريكيين ينتخبون لصالح القضايا والمرشحين وليس لصالح الأحزاب»
كما أشار إلى أن ازدياد نسبة الناخبين المسجلين من المجتمع المسلم الأمريكي يجب
أن يدفع المرشحين إلى التواصل مع هذه الشريحة النامية التي تقدر حالياً بنحو ستة
ملايين إلى ثمانية ملايين مسلم.
وقد قام المجلس المسلم الأمريكي في شهر سبتمبر بجهد رائد تمثل في إقامة
مواقع تسجيل الناخبين في المساجد والمراكز الاجتماعية في أرجاء الولايات
المتحدة، وتم تسجيل ناخبين جدد في مدن تراوحت بين شارلوت، و پيترزبرج،
وتولسا، وبشكل خاص في فترة ما بعد الصلاة أيام الجمعة.
ويعزم المجلس الإسلامي الأمريكي على المضي في جهود تسجيل الناخبين
خلال العام ٢٠٠٠م إضافة إلى الالتقاء مع حملات الانتخابات الرئاسية وإصدار
دليل الناخب الذي يبين موقف المرشحين من القضايا الرئيسة التي تهم المسلمين لا
سيما الأمريكيين.
نتائج استطلاع المجلس المسلم الأمريكي:
١- المسلمون الأمريكيون المسجلون للانتخاب:
الجواب ... العدد ... النسبة
نعم ... ... ... ٦٩٣ ... ٨٢.١١ ?
لا ... ... ... ١٢٠ ... ١٤.٢٢ ?
غير مؤهل / لا جواب ٣١ ... ٣.٦٧ ?
المجموع [١] ... ... ٨٤٤ ... ١٠٠ ?
٢- الانتساب الحزبي:
الجواب ... ... العدد ... النسبة
غير منتسب ... ... ٥٧٤ ... ... ٦٨ ?
ديمقراطي ... ... ١٤١ ... ... ١٧.٧١ ?
جمهوري ... ... ١٢٥ ... ... ١٤.٨١ ?
لا جواب ... ... ٤ ... ... ... ٠.٤٨ ?
المجموع ... ... ٨٤٤ ... ... ١٠٠ ?
٣- إذا قام المسلمون الأمريكيون بالانتخاب اليوم (فمن ينتخبون؟)
المنتخب ... ... العدد ... ... النسبة
غير محدد ... ... ٣١٤ ... ... ٣٧.٣٠ ?
بوش ... ... ... ١٤٢ ... ... ١٦.٨٢ ?
لا جواب / لا ينتخب ١٣٠ ... ... ١٥.٤٠ ?
جور ... ... ... ١١٦ ... ... ١٣.٧٤?
جمهوريون آخرون ٧٢ ... ... ٨.٢٩ ?
برادلي ... ... ... ٧٠ ... ... ٨.٢٩ ?
المجموع ... ... ٨٤٤ ... ... ١٠٠ ?
٤- السلوك الانتخابي والانتساب الحزبي:
الجواب ... ... ... ... ... العدد ... ... النسبة
غير محدد ... ... ... ... ... ٣١٤ ... ... ٢٧.٢٠ ?
المسلمون الذين ينتخبون مرشحًا جمهوريًا ٢١٤ ... ... ٢٥.٣٦ ?
المسلمون الذين ينتخبون مرشحًا ديمقراطيًا ١٨٦ ... ... ٢٢.٠٤ ?
لا جواب / لا ينتخب ... ... ... ... ١٣٠ ... ... ١٥.٤٠ ?
المجموع ... ... ... ... ... ٨٤٤ ... ... ١٠٠ ?
هذه النتائج مبنية على ٨٤٤ إجابة لاستبيانات المجلس المسلم الأمريكي التي
تم استرجاعها في الفترة ما بين أغسطس ونوفمبر ١٩٩٩م بوصفها سَبْراً أولياً
للمجتمع المسلم الأمريكي.
أهم عشر قضايا يحددها المسلمون الأمريكيون:
بيان الأولويات عبر استبيان جديد لألف مسلم أمريكي.
اعتبر المسلمون الأمريكيون موضوع كفالات المدارس، والقدس،
والعقوبات على العراق، إضافة إلى الحقوق المدنية للمسلمين في الولايات المتحدة
أهم القضايا التي تشغلهم حالياً. وذلك في دراسة جديدة للأولويات السياسية عند
المسلمين الأمريكيين. وقد جاءت هذه النتائج عبر استبيان لألف أمريكي أجرته
هيئة الاستثمارات والتسويق الاجتماعي العالمي «ICMI» في يناير ٢٠٠٠م
للمجلس الإسلامي الأمريكي.
وأظهرت النتائج شريحة مسلمة أمريكية مهتمة بقضايا تواجه كل العائلات
الأمريكية بما في ذلك اتجاهات التغيير في المدارس (كالكفالات والمدارس المدعومة
رسمياً) والحقوق المدنية، والرعاية الصحية، وفي نفس الوقت كان الاهتمام بأمور
السياسة الخارجية كالقدس وتأثير العقوبات على العراق على رأس الأولويات، وتم
التعرف على هذه الأولويات من خلال استبيان هاتفي في شهر يناير ٢٠٠٠م شمل
خمسمائة من أعضاء المجلس الإسلامي الأمريكي ومجموع خمسمائة مسلم آخرين،
وقد طلب من هؤلاء أن يقوِّموا عشرين قضية، فكانت القضايا العشر الأهم كما يلي:
* كفالات المدارس (المدارس المدعومة رسمياً) .
* وضع القدس.
* العقوبات على العراق.
* الحقوق المدنية للمسلمين.
* الإجهاض.
* إدراج المسلمين الأمريكيين في المؤسسات الإسلامية.
* الرعاية الصحية.
* منع الجريمة.
* ضبط الأسلحة.
* سياسات الهجرة وقانون الأدلة السرية.
هذا ويوجد نحو سبعة ملايين مسلم في الولايات المتحدة، وسوف تمثل هذه
الأولويات العشر بحول الله تعالى محوراً للدليل الانتخابي الذي يصدره المجلس
الإسلامي الأمريكي.
стр. 3683
المسلمون والعالم
شباب العالم في الفاتيكان
إبراهيم بن محمد الحقيل
«عزيزي الشاب: ليكن عندك طموح لتصبح قديساً كما أن عيسى قديس.
ياشباب العالم في كل قارة: لا تخشَوْا أن تصبحوا قديسي هذه الألفية؛ لعل المسيح
يصبح لكم رصيداً ثميناً، ولعل مريم العذراء القديسة تعطيكم القوة والحكمة
لتستطيعوا التحدث مع الإله وللإله» .
كان هذا نداء بابا الفاتيكان «يوحنا بولس الثاني» وقد وضع هذا النداء في
إطار ومُيّز بخط واضح ضمن نشرة تعريفية بالتجمع العالمي للشباب الذي دعا إليه
البابا، وقد طبعت هذه النشرة التعريفية بست لغات في كتيب صغير وهي:
الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والأسبانية والبرتغالية، ووزعت منه
ملايين النسخ في روما والفاتيكان خاصة على كل الزوار والسيًّاح.
واللافت للنظر صورة في آخر كل صفحة من اللغات الست المذكورة وفيها
رجل ذو لحية وعليه لباس عربي جبة وعمامة وقد فتح يديه مستقبلاً شخصاً قادماً
من بعيد يتوكأ على عصا كأن زيه زي راهب والشمس قد أشرقت من جهته. ولعل
هذه الصورة تومي إلى حاجة الشرق الإسلامي إلى التنصير أو ترحيبه بالرسالة
التي يحملها الرهبان، ولم يذكر عليها أيُّ تعليق، وأغلب الظن أنها رسالة إلى
هؤلاء الشباب للانخراط في أعمال الكنائس وممارسة التنصير لا سيما أن نداء البابا
آنف الذكر واضح في دعوة هؤلاء الشباب المغرر بهم لأن يكونوا منصرين.
والتنصير هدف رئيس يسعى إليه الفاتيكان وباباه بكل قوة، ويسخِّرون في سبيل
نجاحه كل وسيلة، وما فتئ البابا يهتبل كل فرصة للدعوة إليه والتأكيد عليه،
منطلقاً في ذلك من نص ورد في إنجيل متى (٢٨/١٩) يقول: «فاذهبوا وتلمذوا
جميع الأمم، وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس» .
اسم التجمع ووقته ومدته:
سمي هذا التجمع الشبابي بـ «اليوم العالمي للشباب» وصادف
الـ (Givbileo) أي: العيد الخمسيني أو (اليوبيل) وهو يعني الفرحة
الكبرى بالغفران أو الصفح أو العفو البابوي الذي يمنحه البابا كل نصف قرن؛ مما
جعلهم يطلقون عليه أيضاً «يوبيل الألفية الثالثة للميلاد» .
وأما مدته الرسمية فخمسة أيام (١٥ - ٢٠ أغسطس ٢٠٠٠م) ، واهتمت
الكنيسة به، وسخرت كل إمكاناتها لنجاحه والدعاية له؛ لأنه صادف بداية الألفية
الثالثة؛ التي جعل النصارى الاحتفال بها ممتداً من أول السنة إلى آخرها، وقسّمَ
البابا أعيادها وأيام الاحتفال بها على مختلف الفئات النصرانية؛ فمنها أيام للعمال،
وأيام للمعاقين، وأيام للسجناء، وأيام للأطفال، وأيام للشباب ... وهكذا، ومنها
يوبيل الشباب هذا.
وتم هذا التجمع الضخم في موعده المحدد؛ إذ حضرته جموع غفيرة من
شباب النصارى الذكور والإناث زادوا على مليوني شاب وشابة قدموا من ستين
ومائة بلدٍ من مختلف القارات السبع حسبما أذيع رسمياً في أجهزة الإعلام الإيطالية
والصحف؛ حتى ازدحمت روما في هذه الأيام الخمسة بالشباب والشابات، وخلت
من أهلها الذين كانوا يقضون إجازة نصف الصيف في أطراف إيطاليا وخارجها.
واستعدت له الفاتيكان والأجهزة الحكومية وبلدية روما بما يناسب حجمه،
ووفرت ما يحتاجه الزوار؛ فبيوت قضاءِ الحاجة المتنقلة قد صُفت على الأرصفة،
ومراكز الإسعاف المؤقتة أقيمت في جنبات ساحة الفاتيكان وكافة الكنائس،
وسيارات الإسعاف تقوم بدورياتها لنقل المصابين من الزحام أو حرارة الشمس التي
بلغت ٣٧ درجة مئوية.
وقد أعد الفاتيكان وبلدية روما المدارس والكنائس ليسكن فيها الشباب بالمجان،
ورحبت بعض الأسر بإقامة بعض الشباب عندهم، ووفر الفاتيكان للحضور
وجبات الطعام والمياه دون مقابل، وتطوع سبعون ألفاً من الشباب والشابات بالقيام
على التنظيم وحركة السير وتوزيع المنشورات وتقديم الإرشادات للزوار إضافة إلى
ما تقوم به أجهزة الأمن في روما.
الصبغة العالمية لهذا التجمع:
أراد بابا الفاتيكان لهذا اليوبيل الشبابي النصراني أن يكون عالمياً؛ ولذلك
نص في ندائه على: «شباب العالم في كل القارات» وحثهم على التنصير كما مرّ
ذكره وكأنه لا يوجد في العالم إلا شباب النصارى.
وزاد ذلك وضوحاً أن أعلام جميع الدول قد رُفعت في ساحة الفاتيكان أثناء
هذا اليوبيل مع أن دولاً عدة ليس من مواطنيها نصارى البتة، وهذا التعميم له
دلالات لعل منها:
١ - إضفاء الصبغة العالمية على الفاتيكان ونشاطاته، واعتبارها مهمة لكل
الدول ولكل سكان الأرض، وسيأتي مزيد إيضاح ذلك في ذكر أهداف مثل هذه
التجمعات.
٢ - الإيماء إلى أن كل بلد في العالم لا بد أن يكون فيه مواطنون نصارى،
وإذا لم يكن فيه نصارى في حقيقة الأمر فلا بد أن يوجدوا، وهذا ما تدل عليه
إحصائياتهم التابعة للمنظمات الدولية أو المؤسسات الغربية التي تتعمد إنقاص نسبة
المسلمين عن النسبة الحقيقية في الدول التي فيها مسلمون وغير مسلمين، كما تتعمد
رفض وجود دولة ليس فيها إلا مسلمون وغير مسلمين، كما تتعمد رفض وجود
دولة ليس فيها إلا مسلمون أي نسبة المسلمين فيها ١٠٠%؛ فهم في إحصاءاتهم لا
بد أن يقللوا هذه النسبة ٢% أو أكثر كأقلية غير مسلمة مخترعة في واقع الأمر
وذلك لأمور أهمها:
أ - تنشيط التنصير في البلاد التي ليس فيها نصارى البتة على أمل أن
يتنصر بعض أبنائها ومن ثم المطالبة بحقوقهم.
ب - إيجاد ذريعة لبناء المدارس والكنائس لهذه الأقلية التي يتم اختراعها عن
طريق التنصير، أو زرعها بالتجنيس.
ج - استخدام الأقلية غير المسلمة بعد زرعها ورقة ضغط على تلك الدولة
الإسلامية بتأليبهم على السلطات، ثم التدخل لحمايتهم تحت ذريعة حرية التعبد
وحقوق الأقليات ونحو ذلك؛ خاصة إذا فكر المسؤولون في ذلك البلد بالاستقلال
السياسي أو الاقتصادي، أو رفض وصاية الدول العظمى على بلادهم.
واستخدام ورقة الأقباط في الضغط على مصر بين حين وآخر واضح للعيان
سواء فيما يتعلق بالخنوع لإرادة اليهود الظالمة فيما يسمى بعملية السلام، أو غير
ذلك.
د - التهيئة لتجزئة الدولة الواحدة وذلك بزرع تلك الأقلية، ومن ثم دعمها في
ثورتها الانفصالية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً حتى يتم فصلها عن دولتها الأم
والاعتراف بها، ومن ثم جعلها بؤرة للتنصير وإثارة القلاقل والفتن في الدولة الأم
تحت حماية الدول الكبرى والمنظمات الدولية، وحال إندونيسيا شاهد على ذلك
خاصة بعد انفصال تيمور الشرقية، وفي الطريق مناطق أخرى يريدون فصلها
عنها.
٣ - قوة النصارى في هذا العصر وضعف المسلمين؛ فهم رفعوا أعلام الدول
الإسلامية في هذا التجمع دون مشورة منهم وتلك مصيبة؛ فإن كانوا شاوروهم
فالمصيبة أعظم، لا سيما أنهم رفعوا أعلام دول ليس بين مواطنيها نصارى البتة.
أهداف هذه التجمعات العالمية:
ما كان الفاتيكان لينفق هذه النفقات الباهظة إعاشة وإعالة مليوني شاب وشابة
مدة خمسة أيام إلا لتحقيق أهداف توازي حجم الخسائر التي تحملها؛ ولعل من أبرز
أهدافه هدفين مهمين يحتاجان إلى شيء من البسط والبيان:
الهدف الأول: إعادة قوة الكاثوليك، وإثبات شعبية البابا يوحنا بولس الثاني
وكنيسته على سائر الكنائس الأخرى ورهبانها وبطاركتها، وإظهار أنه الممثل
الوحيد للنصارى كلهم بل ولسائر الأديان؛ إذ هو يرى أنه أعلى زعيم ديني في
العالم.
وهذا الهدف ظاهر في نشاط البابا وقد بلغ من الكبر عتياً، ورحلاته المكوكية
إلى كثير من دول العالم كانت لتفقُّد الأقليات النصرانية ولو كانت من غير الكاثوليك،
فضلاً عن خطاباته الدينية الممزوجة بالسياسة التي تدعو إلى السلام وتحض عليه؛
على اعتبار أن الدعوة إلى السلام هي البضاعة الرائجة هذه الأيام في سوق
السياسة الذي سيطر فيه إخوان القردة على رعاة البقر وألزموهم بتبنيه وفرضه على
العالم تيمناً بخروج ملك السلام الذي ينتظره اليهود المسيح الدجال.
وتذكر الموسوعات أن البابا الحالي أكثر البابوات نشاطاً في تاريخ الكنيسة؛
فقد سافر كثيراً ورآه الناس أكثر من أي بابا سابق، وقد ساعدت الرغبة في معالجة
القضايا الاجتماعية والسياسية المهمة في تاريخ الغرب النصراني في زيادة مقام
البابوية (الفاتيكان) [١] .
ولنشاط البابا السياسي والاجتماعي وتدخله في شؤون الآخرين استحق أن
يحمل ألقاباً عدة تومئ إلى أنه أعلى سلطة دينية على وجه الأرض منها: «أُسقُف
روما خليفة القديس بطرس نائب يسوع المسيح أمير الرسل الحَبْر الأعظم للكنيسة
العالمية بَطْرِيَرْك الغرب كبير أساقفة إيطاليا رئيس أساقفة المقاطعة الرومية عاهل
دولة الفاتيكان» وذلك وفقاً لما ورد في كتب الكاثوليك وموسوعاتهم [٢] .
فالبابا يحاول بكل وسيلة أن يكون الممثل الوحيد لكافة النصارى في الأرض
على اختلاف مذاهبهم، بل يرمي إلى ما هو أبعد من ذلك وهو توحيد الناس على
دين واحد يكون هو الزعيم الأعلى له؛ كما حدث في الصلاة الجماعية التي أقامها
ودعا إليها في مدينة (ESIS) الإيطالية وحضرها ممثلون عن شتى الملل حتى
عن المسلمين مع الأسف، ووصفته أجهزة الإعلام عقبها بأنه: بابا الأديان
كلها! ! [٣] .
وهذا ما جعل بني دينه وجلدته يتهمونه بالسلطوية والتوسع كما قال أحدهم:
«إن التوسع الكاثوليكي يعد بمثابة سياسة إمبريالية دينية عالمية قامت البابوية بقيادتها
بصورة متزايدة، كما أنه يمثل موقف الكنيسة من الدول إلى جانب طموحاتها
ومصالحها والقوى التي تمتلكها البابوية في كافة البلدان، أي أن هذا التوسع يعبر
عن وجودها العالمي، ويسهم في أن يجعل منها قوة يتعين على أية سياسة أن تأخذ
ذلك في اعتبارها» [٤] .
وفي الوقت الذي تقمع فيه الأجهزة العلمانية ومن ورائها الدولية أي توجهات
سياسية إسلامية ولو كانت بطرقهم الانتخابية الديمقراطية كما يزعمون فإن بابا
الفاتيكان لم يفتر عن تسييس الكنيسة، وجعل الفاتيكان ذات الأساس الديني دولة
سياسية بمنظمات عالمية: في عالم الصحافة والإعلام، وفي التنظيمات الشبابية
شباب بلا حدود والتنظيمات النقابية العمالية الحركة العمالية للعمال المسيحيين ثم
دخوله في الاتفاقات السياسية والحركات التحررية.
ولم نسمع الغربان العلمانية الناعقة بمكافحة الإرهاب والمنادية بفصل الدين
عن الدولة تتهمه بتسييس الدين وأدلجته، واتخاذه ستاراً لأنشطة سياسية؛ فتلك
التهم خاصة بمن يدين بالإسلام فقط! !
الهدف الثاني: محاولة إرجاع الناس خاصة الشباب إلى الكنائس بعد عزوفهم
عنها بسبب العلمانية.
أرادت الكنيسة بهذا التجمع وأمثاله أن تثبت وجودها، وتشد الانتباه إليها.
أرادت أن تقول لبني دينها العلمانيين: إنني موجودة، والحل عندي.
وذلك بعد الضياع الذي وصلت إليه الأمم الغربية اللادينية، وكان للكنيسة
دور في ذلك بما مارسته من ضغوط جعلت الشعوب الغربية تثور عليها وترفض
مرجعيتها وتلغي تعاليمها، وتتخذ بديلاً عنها الإلحاد والحرية البهيمية المطلقة.
ولهذا كان البابا وهو يخاطب الشباب يدعوهم إلى الكنيسة ويعتذر بصراحة
عن أخطائها السابقة، ويطلب السماح والعفو.
إن الغرب المتقدم في كافة المجالات المادية والترفيهية يبحث عن شيء فقده
كلياً، ولا يدري ما هو هذا الشيء المفقود، ولا كيفية الوصول إليه والحصول عليه!
ذلكم هو الأساس العقائدي، والميزان الأخلاقي.
إنهم نصارى وفي الوقت ذاته لا يدينون بالنصرانية، تسأل أكثرهم: هل
تؤمن؟ ! فيجيبك: نعم أؤمن بالله؛ ولكني لا أؤمن بالكنيسة.
يقول: أؤمن بالقوة العظمى التي كانت وراء خلق هذا الكون وتدبيره ولكني لا
أؤمن بالأديان. لقد فقد الثقة بالكنيسة ورهبانها بما مارسوه عبر تاريخها الطويل من
عنف وإرهاب، وبما يمارسونه في هذه الأزمان من دجل وأكاذيب لا يمكن لعقل
سوي أو نصف سوي أن يقبلها.
إنه صراع يجده الغربي المسكين بين نداء الفطرة التي يولد عليها كل إنسان،
وبين ما يتوارثه ويتربى عليه ويواجهه من إلحاد صارخ ومادية بغيضة وحرية
مطلقة.
ترى الفرد الغربي يتطور في نظرته للكون والإنسان إثبات وجود الخالق
سبحانه ولما يجب أن يكون عليه العالم من الإيمان بالله تعالى ومحبته؛ ولكن هذه
النظرة مبتورة عن أصل الإنسان وسرِّ سعادته الكامن في تشرفه بالعبودية لله تعالى
خالق الكون ومدبره وسلوك الطريق التي توصل إليه باتباع رسله عليهم الصلاة
والسلام وتلك حقيقة ظاهرة في أولئك الشباب الذين قدموا من كل مكان علَّهم يجدون
ما يملأ هذا الفراغ الذي تعاني منه قلوبهم، ولم تغن عنه الحياة المادية والرفاهية
التي يعيشونها، والكنيسة تراهن على ملء هذا الفراغ القلبي لدى الشباب متى ما
ترددوا عليها وأخذوا تعاليم الرهبان ووصاياهم.
لقد كان البابا في خطابه للشباب يحاول إقناعهم بالعودة إلى الله تعالى وأنه
قريب منهم، ومهتم بأمرهم وهذا ظاهر في قوله لهم: «أيها الشباب: إلهنا هو الله
الذي يدعونا ويتحدث إلينا، وأنت حقيقة موجود عندما تكتشف أنه يتحدث إليك،
ولديك القدرة أن تتجاوب معه ... ماذا تقول عندئذ عن حياة شاب مسيحي لا يتحدث
إليه الإله إطلاقاً، إنها حياة لا يعني فيها الإله شيئاً ... الإله يكشف نفسه بالتحدث
إليك ويقول لك:» إن الإنسان مهم له. وهو يجعل حياتنا معه قائلاً: أنا سوف
أكون معكم حتى نهاية الزمان «.
وكثيراً ما أكد في حديثه إليهم ذلك، وذكَّرهم بيسوع ورحمته بهم وشفقته
عليهم، وحبه لهم.
إن الكنيسة مستميتة في محاولة إقناع الشعوب النصرانية بالعودة إليها خاصة
فئات الشباب التي يُنذر ضياعها العقيدي، وفسادها الأخلاقي بعواقب وخيمة على
الغرب وحضارته المادية. ولا أدل على تلك الاستماتة والحرص من الشعار
المختار لهذا اليوبيل الشبابي العالمي الذي كان شعاره:» الإيمان صعب ولكنه
ممكن «.
وواضح في الشعار تلمسه للجرح النازف وتحسسه للأزمة التي يعاني منها كل
مادي ملحد، وقد روعي فيه نفسية الشباب المتسمة بالتحدي ومحبة المغامرات
والإقدام بقصد دفعها إلى الإيمان والعودة إلى الكنيسة وترك الملذات التي أسرت
الشباب الغربي واستعبدته وحولته من إنسان عاقل إلى حيوان شهواني.
إن الشباب ما حضروا إلى ذلك التجمع إلا للبحث عما يقنعهم بدينهم، ويسعد
قلوبهم التي تعيش شقاءاً سببه البعد عن الله تعالى وعن دينه الذي ارتضاه لعباده
الإسلام والمقابلات التي أجريت مع بعضهم دالة على ذلك، فقد سئل أحد الشباب:
لماذا تحضرون، وماذا تريدون؟ فقال: نريد الجنة. فهو يفكر فيما بعد الموت
رغم أنه يعيش عيشة مادية في بيئة مادية لا تعترف إلا بالدنيا؛ لكنه يعود إلى
فطرته أحياناً فيظل يبحث عن سبل نجاته وأسباب سعادته الأبدية؛ فربما وجدها
فأسلم، وربما أضلته الكنيسة فمات على كفره.
وعرض التلفزيون الإيطالي لقاءاً مع شاب فسأله المذيع: لماذا حضرت إلى
هذا اليوبيل؟ فقال الشاب: لأن البابا دعانا.
قال المذيع: ومن هو البابا، أو ماذا تعرف عنه؟
قال الشاب: هو خليفة عيسى وأرى فيه عيسى.
والبابا يصرح دائماً أنه خليفة الإله.
وواضح من هذا الحوار أن قصد حضور الشاب كان دينياً، ويريد اتباع
الأنبياء وأخذ تعاليمهم، ويظن أن البابا يدله على هذا الطريق.
ويؤكد تلك الحقيقة أن الشباب كانوا متحمسين للقاء البابا وسعداء بحديثه إليهم؛
فهم يصغون إلى كلماته ومواعظه، ومنهم من كان يدونها بقلمه، وكأنه يحس
بحاجته إلى ذلك لعله يجد في مواعظه ما يملأ فراغ قلبه، ويروي ظمأه.
لقد كان الشباب يصفقون للبابا بحرارة شديدة، ويهتفون بحياته، فهم يرونه
الوحيد القادر على الأخذ بأيديهم إلى بر الأمان وموطن السعادة في غابة الغرب
المادية الموحشة، ويظنون أنه الدليل الذي سيربطهم بخالقهم ورازقهم.
والسؤال الذي ينبغي طرحه: هل سينجح البابا في توفير ما يطلبون،
وتعويضهم عما يفقدون؟
كلا؛ لأن ما يدعوهم إليه محرف، ويزداد تحريفاً يوماً بعد يوم. وما لم
يحرف منه فمنسوخ بشريعة محمد ﷺ .
والخطأ - كالمادية مثلاً - لا يصحح بالخطأ المتمثل بالدين المحرف،
والجرح لا يعالج بفتقه دون رتقه، وكم من كافر تنقل بين ملل شتى منها المحرف
ومنها المخترع فما وجد ضالته إلا في الإسلام الذي من ذاق حلاوته فلن يبتغي عنه
بديلاً.
فيا ليت شعري! من يدل هؤلاء الشباب الضالين على الطريق الصحيحة،
ومن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويأخذ بأيديهم من الشقاء إلى السعادة؟ ثم إن
الكنيسة لم تعد تبيّن الحرام من الحلال ولو في دينهم المحرف وإنما اكتفى رهبانها
بالدعاية إلى كنائسهم عن الدعوة إلى دينهم [٥] ، وبالمواعظ البسيطة التي تحث على
الاتصاف بمكارم الأخلاق ولا تلزم بذلك ولو من جهة بيان الثواب والعقاب. وكان
من ثمرة ذلك أن شبابهم بل كبارهم ليس عندهم معايير للحرام والحلال ولو على
وفق دينهم المحرف، ولا أدل على ذلك من مقابلة أجراها التلفزيون الإيطالي مع
مجموعة منهم قدمت لهذا اليوبيل فطرح المذيع عليهم هذا السؤال:
ما هو الحرام حسب رأيكم؟
فلم يعط أي واحد منهم جواباً ينطلق من أساس ديني سواء أكان صحيحاً
الإسلام أم محرفاً كالنصرانية مثلاً ولا ذكر واحد منهم أن المحرم ما حرمه الله تعالى،
أو ما أخبر عيسى ﵇ أنه حرام أو ما قال البابا أو الراهب: إنه حرام.
بل كانت إجاباتهم لا تعدو عن كونها وجهات نظر حسب الأهواء والأمزجة، وتلك
هي عبادة الهوى الذي سماه الله إلهاً في قوله تعالى: [أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ]
(الجاثية: ٢٣) .
ولذا فإن أحد الصحفيين المشاهير لما سئل على شاشة التلفزيون عن رأيه في
يوبيل الشباب هذا قال: إن الشباب يريد أن يعود إلى الكنيسة؛ ولكنه في سلوكياته
لا يتبع تعاليمها، فهو يمارس الجنس بشكل طبيعي وعادي، والمعيار عنده هو
الحاجة اليومية التي تتطلبها منه الحياة المدنية الحديثة وليس ما يصدر من الكنيسة.
ودين ليس فيه حرام ولا له حدود ليس بدين، ولا يمكن أن يحقق السعادة التي
يطلبها من دانوا به؛ لأن الإنسان مفطور على العبودية ولا بد له من آمر وناهٍ؛
فخيرٌ له أن يكون عبداً لمن يستحق العبودية ويتلقى منه الأوامر والنواهي وهو الله
تعالى وإلا كان عبداً لمن لا يستحق العبودية كالشيطان والهوى والبابا وغيره من
البشر.
تنازلات الكنيسة:
رغم الجهود الجبارة التي يقوم بها البابا وكنيسته الكاثوليكية وسائر الكنائس
الأرثوذكسية والبروتستانتية؛ فإن الكنيسة عجزت عن إقناع النصارى بالرجوع
إليها، وضبط شهواتهم على وفق تعليماتها؛ فما كان منها إلا أن تنزلت إلى
متطلبات الناس، ووافقتهم فيما يريدون لإرضائهم وكسب اعترافهم بها ولجوئهم
إليها.
وهكذا كل دين محرف لا يمكن أن يصمد أمام المتغيرات؛ فلا بد من تحديثه
وتجديده وتحريفه كلما استجد زمن، أو تغير مكان، أو طرأت طوارئ، وهكذا كان
حال الرهبان مع دين النصرانية المحرف يزيدونه تحريفاً كلما دارت عجلة الزمن،
وليس المقام مقام تتبع وتأريخ واستقراء. وفي التاريخ القريب وذلك عام ١٩٦٢م
افتُتح مجمع الفاتيكان الثاني ليبحث في تجديد العقيدة والحياة الدينية الكاثوليكية
وتحديثها؛ لجذب الناس إلى الكنيسة [٦] .
ولم يكن متعصبة الكاثوليك راضين عن التمييع والتنازلات التي يقدمها
باباوات الفاتيكان وخاصة الأخير منهم» يوحنا بولس الثاني «الذي أثارت تنازلاته
مع العلمانيين أسقف الكنائس السويسرية (لوفبر) فخطب في سبعة آلاف من أتباع
كنيسته متهماً بابا الفاتيكان بالعداوة للمسيح ﵇ وعنّفه حتى قال:» إن
رئيس الكنيسة الكاثوليكية ولم يسمه البابا يقف الآن في صف أعداء المسيح وهذا
عار شنيع ... ولهذا نرى لزاماً علينا تحمل المسؤولية لإيقاف هذا الانهيار باسم
الحداثة أو تحديث الكنيسة الكاثوليكية التي وصلت إلى حد الإفراغ والتآكل تحت
شعار الإصلاح الدستوري « [٧] .
ومن مظاهر التمييع والتنازلات الكنيسية في هذا اليوبيل الشبابي ما يلي:
١ - لم يذكر البابا في خطاباته للشباب حرمة الممارسات الجنسية المحرمة في
دين النصارى التي غرق في مستنقعاتها الآسنة أكثر شباب الغرب وشاباته كالزنا
واللواط والسحاق وسائر أنواع الشذوذ، مع مسيس الحاجة إلى ذلك؛ لكونها ظاهرة
آثمة بين الشباب سببت الأمراض والطواعين والأوجاع والتفكك الأسري،
والمفترض أنه داعية إصلاح، والمقام مقام توجيه وإرشاد؛ لكنه لم يرد إثارة
حفيظتهم والحدّ من حرياتهم الآثمة ومخالفة أهوائهم لكيلا يعزفوا عنه وعن تجمعاته
وكنيسته.
٢ - الكنائس أماكن عبادة النصارى، والمفترض في أماكن العبادة أن تكون
محترمة معظمة عند أهلها مصونة من التبذل؛ ولذا كان الرهبان إلى وقت قريب
يمنعون المرأة المتهتكة في لباسها من دخول الكنيسة، وبعض الكنائس توفر جلابيب
تعلق بقرب الكنيسة تلبسها من أرادت الدخول ولباسها غير لائق، وكانت اللافتات
التي تنبه على منع المتهتكة من دخول الكنيسة تعلق على أبوابها، ثم مع مرور
الزمن بدأت تختفي الجلابيب وتزال اللافتات ليسمح للمرأة بدخول الكنيسة للتعبد أو
للفرجة على أي شكل.
وفي يوبيل الشباب هذا كانت الفتيات يملأن ساحة الفاتيكان وكنيسة القديس
بطرس [٨] وهن نصف عاريات. ولم يعد للكنيسة قدسيتها عند النصارى؛ إذ إن
مقدمات الزنا من التقبيل والضم تمارس أمام الرهبان داخل كنيسة بطرس في قلب
الفاتيكان، وتحت التصاوير والتماثيل المقدسة التي وضعوها لمريم وعيسى عليهما
السلام ولمشاهير القديسين.
٣ - سمح البابا والرهبان بنصب منصات قرب الكنائس الكبرى ليرقص
عليها الشباب من الجنسين في هذا اليوبيل على أنغام الموسيقى الغربية الصاخبة،
وبعضها يتم بحضور أرباب الكنائس وإشرافهم؛ وذلك كل ليلة.
٤ - كان من المناظر المخجلة والمزرية بالرهبان في هذا اليوبيل الشبابي أن
ترى الراهب وقد لبس الرداء الكهنوتي، وأثقل رقبته بالصلبان المقدسة عنده جالساً
بجانب فتاة نصف عارية في حديقة الكنيسة لتعترف له بذنوبها، ولا يدري من
يراهما: هل الحاجة لها أن تنفس عن نفسها بالاعتراف بخطاياها، أم أن الحاجة
للراهب يشبع غريزة فطرية حرمتها عليه الكنيسة وقد أباحها الله له بالزواج؟
وكان من آخر تقليعات الكنيسة الكاثوليكية تكليف الرهبان بالخروج إلى
المراقص يرقصون مع المخمورين والعاريات بقصد جذبهم إلى الكنيسة، ولإثبات
أن الكنيسة تتفهم متطلبات رعاياها، ولا تعارض حاجاتهم ولو كانت هدماً لدينهم؛
فأي دين هذا يا ترى؟ !
بين الإسلام والنصرانية:
بان بما سبق عرضه أن الكنيسة تنازلت مضطرة عن مبادئها المحرفة حتى
وصلت إلى هذا الحد المخجل الذي قد يستحي منه بعض العلمانيين، واتضح بذلك
أن الدين المحرف لا يمكن أن يصمد أمام المتغيرات، ولا بد من تحريفه وتجديده
كلما اقتضت الأحوال ذلك.
أما الإسلام فمختلف تماماً عن ذلك من حيث شموليته وصلاحيته لكل الأزمان
والأماكن والأحوال؛ بل لا يوجد ما يصلح للناس ويُصلحهم وتستقيم الحياة به إلا
في دين الإسلام، وما عداه فباطل وإثم وسبب لشقاء الإنسان في الدنيا قبل الآخرة.
وبهذا ندرك الخطأ الفاحش الذي وقع فيه من تشبهوا بقساوسة النصارى ورهبانهم
في تمييع الإسلام وتحريف نصوصه، وتبديل شريعته، وتغيير أحكامه ليوافق
أهواء الناس وشهواتهم، وحتى يتناسب مع هذا العصر كما يفعله كثير من متفقهة
المسلمين ومتعلمتهم أو متعالميهم الذين يتصدر بعضهم للفتيا في القنوات الفضائية.
وهذا منهج خطير يرمي إلى علمنة المسلمين كما عُلمنت النصرانية المحرفة،
وإضفاء الشرعية على هذه العلمنة باعتبارها صادرة من شيوخ معممين؛ وربما
كانوا ذوي تخصصات شرعية ويحملون أعلى الشهادات الشرعية من جامعات
إسلامية عريقة!
والإسلام لن يتضرر بذلك؛ لأنه دين محفوظ بحفظ الله تعالى له؛ لكنَّ مَنْ
يتضرر من جرائه المفتي الذي تجرأ على الله تعالى وأضل الناس عن الحق،
والمستفتي الذي وقع في الإثم بسبب اتباعه لمن يفتيه بهواه، والعامة الذين يستمعون
إلى تلك الفتاوى.
ومن مظاهر الإضلال في الفتيا: مخالفة النصوص الصحيحة الصريحة أو
الإجماع، وإحياء الأقوال الضعيفة والشاذة التي أخطأ فيها أصحابها. بل إنهم في
بعض الأحيان يأتون بفتاوى ليس لهم فيها سلف، وربما دعا بعضهم إلى المحرم
باسم الدعوة والمصلحة المرسلة وتحت شعارات صحيحة؛ لكن يراد بها باطل
كتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال، ويتوسعون في ذلك توسعاً عظيماً بلا
ضوابط ولا ورع ولا تقوى.
بين العلمانيين والرهبان:
دأب العلمانيون العرب عند إرادتهم القدحَ في الإسلام أو تعاليمه أو ردَّ فتوى
شرعية على استرجاع التاريخ واستدعاء ما حصل من أرباب الكنائس فيما يسمى
في التاريخ الأوروبي بالقرون الوسطى التي كانت الهيمنة فيها للكنيسة ورهبانها،
ويساوون بين الإسلام والنصرانية، وبين علماء المسلمين ورهبان النصارى إمعاناً
في الإضلال وطمساً للحقائق وتلبيساً على المتلقي عنهم.
وقد لوحظ في الآونة الأخيرة تغيّر هذا الاتجاه عند كثير من العلمانيين الذين
أخذوا يطالبون علماء المسلمين بالتسامح وتفهم متطلبات العصر وتغير الزمن،
ويؤكدون على ضرورة احتذاء علماء المسلمين بالرهبان والقسيسين الذين خضعوا
لشهوات الناس، وفصَّلوا لهم النصرانية على وفق ما يتناسب مع العصر المادي
العلماني، ثم لما اقتنع بعض المنتسبين للعلم بهذه الفكرة وخضعوا لرغباتهم وضعهم
العلمانيون في صف الرهبان بجامع العقلانية والبعد عن التشدد والتطرف والإرهاب
الديني ومخاطبة الناس بأسلوب حضاري كما يقولون. وكفاهم شرفاً أن يُشبهوا
بأصحاب الكنائس لا بأقلام الأثريين الرجعيين عندهم وإنما بأقلام المتنورين
العلمانيين! !
وفي الوقت ذاته يتمالأ من ميعوا الإسلام مع العلمانيين على حرب المتمسكين
بالإسلام كما أنزل الذين يرفضون التلاعب بشريعته لموافقة أهواء الناس ويصمونهم
بكل نقيصة، ويلصقون بهم كل تهمة؛ فتأمل إلى ما أدى إليه التنازل عن بعض
الشريعة باسم المصلحة الفضفاضة، وانظر إلى الهوة السحيقة التي تردى فيها
أصحاب هذه الاتجاهات الخاطئة!
هُبَل لا يزال يُعْبَد! !
يسمى هذا العصر عصر العلم والتقدم، وحين تذكر البلاد الغربية يتبادر إلى
ذهن كثير من الناس أن تلك البلاد التي أفرزت الحضارة الحديثة لا يمكن أن
تغزوها الخرافة أو يصدق أفرادها بها، أو يلغوا عقولهم ويتعلقوا بأوثان لا تنفع ولا
تضر كما كان أهل الجاهلية يعبدون هُبَلاً واللات والعزى؛ لأن بلاد الغرب
عمرت حضارتهم وقامت على احترام العقل وتقديسه؛ ولكن الحقيقة مجانبة لذلك؛
فمظاهر الخرافة منتشرة، وسوق السحرة والكهان والعرافين رائجة في بلادهم.
وفي يوبيل الشباب هذا كان الرهبان ركعاً وسجداً وجاثين على الركب يتلون
الأناجيل، ويرددون الترانيم، ويؤدون الصلوات تحت التماثيل والتصاوير التي
امتلأت بها كنيسة القديس بطرس، ومنهم من تعلق بأقدام الوثن يقبلها باكياً؛
والشباب يمرون بهم ليتعلموا الوثنية من أئمتهم ورهبانهم في عصر الذرة والنفاثة
والاستنساخ والدخول في الألفية الثالثة كما يقولون. وشرك العبادة ليس أمراً جديداً
عند النصارى فقد قال الله عنهم: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ]
(المائدة: ٧٢) ، وقال تعالى: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ]
(المائدة: ٧٣) . والنصوص في إثبات ذلك كثيرة.
وشركهم ليس شرك أفراد من عامتهم؛ بل هو شرك أحبارهم ورهبانهم أقروه
في مجامعهم الكنسية الكبرى التي ألَّهوا فيها عيسى ﵇ وجعلوه مساوياً لله
تعالى وجعلوا لأمه مريم صفة الأمومة الإلهية وأنها والدة من تم تأليهه، واعتبار
الاعتراض على ذلك هرطقة [٩] توجب التكفير والقتل. تعالى الله عن شركهم علواً
كبيراً.
ولن تجد وصفاً وأنت تراهم يترددون على تلك الأوثان في كنائسهم أبلغ وأدق
من وصف الله تعالى لهم بالضُلاّل كما قال تعالى: [غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ
الضَّالِّينَ] (الفاتحة: ٧) . قال ابن أبي حاتم: لا أعلم خلافاً بين المفسرين في
تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى [١٠] .
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال:» اليهود مغضوب عليهم،
والنصارى ضُلاّل « [١١] .
لماذا الصدُّ عن الإسلام؟
اتضح بما سبق عرضه أن دين النصارى المحرف ليس مقنعاً لأُناس يوصفون
باحترام العقل وإعماله، ومهما عمل البابا والفاتيكان والنصارى أجمعون من وسائل
لإقناع أنفسهم بصحة دينهم فلن يقتنعوا به فضلاً عن إقناع غيرهم به.
وفرح الشباب بهذا التجمع العظيم؛ إلا أن استئناسهم به لن يدوم طويلاً، كما لم تدم
سعادة الشعوب الغربية بالتطور والرفاهية العظيمة؛ وهكذا كل سعادة بغير الله تعالى
والعبودية له واتباع رسله مهما كانت كبيرة وأسبابها عظيمة فلن تلبث إلا يسيراً
حتى تنقلب شقاءاً على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة. وقد قرر هذه الحقيقة العالم
الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله:» فإن حقيقة العبد قلبه
وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا
إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا
بلقائه، ولو حصل للعبد لذَّات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك؛ بل ينتقل من نوع
إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال،
وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ به غير منعم ولا ملتذ به؛ بل قد يؤذيه
اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك « [١٢] .
وما دام الأمر كذلك فإن سدنة الباطل والقائمين عليه لم يألوا جهداً ولن يألوا
في إخفاء الحق ومحاولة طمسه وتشويهه وحجبه عن الناس وصدهم عنه بكل وسيلة
يملكونها. وهكذا كان حال الإسلام مع خصومه قديماً وحديثاً. ففي القديم كان
المشركون في عهد الرسالة يمنعون الناس من سماع القرآن خشية اتباعهم لمن أُنزل
عليه، وتواصوا بالتشويش عليه كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] (فصلت: ٢٦) ، وقد ذكر
المفسرون أن المشركين كانوا يطردون الناس عن النبي ﷺ
وأصحابه ﵃، ويقابلون القرآن بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد
الأشعار والأراجيز [١٣] .
قال ابن عاشور:» وهذا من شأن دعاة الضلال والباطل أن يكمموا أفواه
الناطقين بالحق والحجة بما يستطيعون من تخويف وتسويل وترهيب وترغيب، ولا
يدعون الناس يتجادلون بالحجة ويتراجعون بالأدلة؛ لأنهم يوقنون أن حجة
خصومهم أنهض؛ فهم يسترونها ويدافعونها لا بمثلها ولكن بأساليب من البهتان
والتضليل، فإذا أعيتهم الحيل ورأوا بوارق الحق تخفق خشوا أن يعم نورها الناس
الذين فيهم بقية من خير ورشد عدلوا إلى لغو الكلام، ونفخوا في أبواق اللغو
والجعجعة لعلهم يغلبون بذلك على حجج الحق، ويغمرون الكلام الصالح باللغو،
وكذلك شأن هؤلاء « [١٤] .
وثبت في الصحيح أن المشركين شرطوا على ابن الدغنة لما أجار أبا بكر
﵁ أن لا يُظهر عبادته خشية أن يتبعه أقوامهم وقالوا: مُرْ أبا بكر فليعبد
ربه في داره فلْيُصلِّ فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلن به؛ فإنا
نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا» [١٥] .
وكذلك يفعلون في العصر الحاضر؛ إذ إن أعداء الإسلام من يهود ونصارى
ووثنيين ومنافقين قد حملوا على عواتقهم حرب الإسلام، وصدَّ الناس عنه بكل
وسيلة تارة بالترغيب تحسين الشهوات وبثها ونشرها وتارة بالترهيب إيذاء
المسلمين ومحاصرتهم وتجويعهم وإعلان الحرب عليهم وتارة بالتنفير وصف
المسلمين بالتطرف والإرهاب وتشويه الإسلام عند غير المسلمين ومع ذلك فإن
أعداد من يدخلون في الإسلام بحمد الله تعالى في ازدياد لا يشهد له مثيلاً أي دين
آخر، وجُلُّ من يدخل في الإسلام يدخله عن قناعة بعد بحث وتقصٍّ، وفيهم من
علية القوم من المثقفين والمنظِّرين والمنصرين كثر؛ لأنه لا يحق إلا الحق، ولا
يبقى إلا الصحيح، ومهما اجتهد أهل الباطل في طمس الحق وإخفائه فإنهم لا
يستطيعون.
بعد هذا العرض المختصر لهذا اليوبيل الشبابي النصراني العالمي أود التنبيه
على أمور أربعة:
١ - وجوب شكر الله تعالى على نعمة الإسلام التي هدانا لها، ولو شاء لجعلنا
من أولئك الضالين الحيارى الذين تعلقوا بالمخلوقين ونسوا الخالق
فنحمد الله تعالى أن هدانا، ونسأله الثبات على الإسلام إلى الممات إنه سميع مجيب.
٢ - فريضة الدعوة إلى هذا الحق الذي عرفناه وهو الإسلام ودلالة الضالين
عنه عليه، والمسؤولية عظيمة، والأمانة ثقيلة؛ أبت حملها السموات والأرض
والجبال وأشفقن منها وحملناها ففرض علينا أداؤها، وإلا تعلق أولئك الضلال
برقابنا يوم القيامة يشكون إلى الله تعالى تقصيرنا وتفريطنا في دعوتهم. نسأل الله
تعالى العافية.
٣ - إن ضلال أولئك الشباب المجتمعين يزيد يقيننا بديننا، ويقوي إيماننا،
ويحثنا على التمسك به والعض عليه بالنواجذ؛ لأنه حق هدانا الله إليه؛ فمن الغبن
والحمق التفريط فيه أو تضييعه، ومن مظاهر التفريط فيه عدم التزام أحكامه.
٤ - إن تأجيل بيان بعض شرائع الإسلام لمن أسلم حديثاً منهج صحيح كما
كانت شرائع الإسلام تتنزل على رسول الله ﷺ شيئاً فشيئاً، ولكن
التنازل عن شيء منها بحجة الدعوة أو المصلحة المرسلة أو دواعي العصر أو نحو
ذلك فباطل وإثم وافتيات على الإسلام واستدراك على الشارع .
وفرق كبير بين التنازل الذي يسلكه المزورون لشريعة الإسلام وبين التأجيل
لمصلحة راجحة، ومن سلك مسلك التنازل والتحريف لأحكام الإسلام من متعلمة
المسلمين فقد تشبه بالرهبان الذين حرفوا وما زالوا يحرفون النصرانية إلى اليوم،
«ومن تشبه بقوم فهو منهم» [١٦] كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
стр. 3684
مرصد الأحداث
يرصدها: حسن قطامش
qatamish١٠٠@hotmail.com
المكافحة مستمرة! !
دعا رؤساء جمهوريات آسيا الوسطى إلى مشاركة روسيا في معاهدة خماسية
لـ «مكافحة الإرهاب والتطرف السياسي والديني والإجرام المنظم» .
وحضر رؤساء كازاخستان وأوزبكستان وطاجكستان وقرغيزستان اجتماعاً
في العاصمة القرغيزية «بيشكيك» أعلن على أثره رئيس الدولة المضيفة عسكر
أكايف أن روسيا: «دولة عظمى ويمكن أن تغدو القوة الرئيسية» في منظومة
لتحقيق الأمن والاستقرار في آسيا الوسطى التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي.
وعقد الاجتماع بعد اتساع نطاق العمليات التي تخوضها أوزبكستان
وقرغيزستان ضد تنظيمات إسلامية تحمل السلاح في المثلث الواقع بين هاتين
الدولتين وطاجكستان. وأكد الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف أن «المراكز
الإسلامية المتطرفة» التي قال إنها تعمل من أفغانستان؛ تهدف إلى: «حرف دول
آسيا الوسطى عن الطريق العلماني الديموقراطي» .
وأضاف: «لا يمكننا ضمان الأمن في آسيا الوسطى ما دامت الحرب قائمة
في أفغانستان، لأن المجموعات المتمردة التي تعتبر أساس المشكلة موجودة في
أفغانستان. ودعا رؤساء الجمهوريات الأربع المنظمات الدولية» كمنظمة الأمم
المتحدة «إلى اتخاذ الاجراءات اللازمة لوضع حد للحرب الأهلية في أفغانستان
» واستئصال هذا الخطر «.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٦٧٧) ]
العولمة المفترسة
إن ظاهرة اندماج المؤسسات الاقتصادية والشركات متعددة الجنسيات برؤوس
أموال تصل إلى مئات المليارات من الدولارات أفضت إلى تمركز الثروة في يد قلة
قليلة من الدول أولاً ثم قلة قليلة من أفراد تلك الدول ثانياً إلى الدرجة التي أصبحت
معها ثروة ثلاثة أغنياء أمريكيين تعادل أو تزيد على ثروات ٤٨ دولة من دول
العالم الفقيرة. وثروة ٤٨ أمريكياً تزيد على ثروة ١. ٣ مليار صيني يبلغ الناتج
القومي لهم حوالي ٧٠٠ مليار دولار سنوياً، وأن ٢٢٥ ثرياً من أثرياء الدول
المتقدمة يملكون ألف مليار دولار أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لـ ٤٧% من
سكان العالم، في حين أن ٤٠ مليار دولار أي ما يوازي ٤% فقط من ثروات الـ
٢٢٥ شخص كافية لكي تؤمن لكل سكان المعمورة الخدمات الاجتماعية الأساسية
التي يحتاجون إليها أي الغذاء والصحة والمياه والتعليم. وأوضحت الدراسة أنه في
ظل العولمة المتوحشة أصبح نصف سكان العالم أي ثلاثة مليارات نسمة من الفقراء
يعيش منهم ١. ٣ مليار نسمة تحت خط الفقر، ويقبع أغلبهم في الدول النامية في
حين أن ١٠% فقط من القابعين على قمة العالم في الاتحاد الأوروبي وأمريكا
يستحوذون على ٥٠% من تجارة العالم. وأن ١٣% فقط من سكان العالم ينفقون
٦٨% من الإنتاج العالمي الأمر الذي يعكس عدم مساواة صارخة واستغلال تتعرض
له شعوب العالم الثالث. كما أشارت الدراسة إلى أن خمس دول فقط هي: الولايات
المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان وبريطانيا تتوزع بها ١٧٢ شركة من أصل
٢٠٠ شركة الأكبر والأشرس عالمياً والمسيطرة على الاقتصاد العالمي. وتعرضت
الدراسة للزيادة المستمرة في عدد الشركات متعددة الجنسيات موضحة أن عددها
ارتفع أخيراً من ١١٠٠٠ شركة تتحكم في ٨٢٠٠٠ شركة فرعية تزيد مساحتها
على ٢٥% من حجم التجارة العالمية عام ١٩٧٥م إلى ٣٧٥٠٠ شركة تتحكم في
٢٠٧٠٠٠ شركة فرعية تتعامل بأكثر من حجم التجارة العالمية عام ١٩٩٠م.
[مجلة الأهرام العربي، العدد: (١٨٠) ]
انتكاسة ليبرالية
معضلة الاتجاه الليبرالي تكمن في قدرته على تكوين هالة إعلامية ودعائية لا
تتلاءم مع حجمه الطبيعي، لقد انشغل المؤسسون باستثارة الرأي العام، دون اهتمام
بالقاعدة الشعبية وتنميتها.
من يستمع للطروحات الليبرالية، وزخم الأقلام الصحفية المساندة و» المطبلة «للنهج الليبرالي يظن أن المجتمع الكويتي يسير نحو العلمانية وهو منها قاب
قوسين أو أدنى، ولكن من ينظر إلى حقيقة المجتمع الكويتي من الداخل يجد أنه
أقرب للمجتمع الإسلامي المحافظ المتشبع بالقيم والمبادئ الإسلامية. لقد نجح
الليبراليون مع بداية الستينيات بفضل موجة المد القومي، ومناهضة الإمبريالية في
كسب ود الكويتي وعطفه، فصفقت لهم الجماهير، ثم ما لبثت الفئة الواعية من هذه
الجماهير أن تخلت عنهم عندما أدركت زيف الخطب والشعارات والهتافات البراقة
والبعيدة عن الواقع.
[الكاتب الكويتي: عادل القصار، جريدة القبس، العدد: (٩٧٨١) ]
استهزاء بالدين ودعوة للمنكر
إن البنت اليمنية لا تترهل البتة. إنها تتزوج وتنجب دزينة من الأطفال
وتظل برشاقة عود القات محتفظة برشاقتها إلى أن تشيخ، وحتى عندما يجف
عودها وتموت فإنها لا تتعفن في قبرها كغيرها من نساء العالم ولا تقربها الديدان! !
كل هذا ببركات هذا العشب السحري الذي قيل: إن أبانا آدم تناوله وطرد من
الجنة بعد أن أغرته أمنا حواء! ! ولِمَ لا! وها هي بعض دول العالم تُحرِّم القات
وتطرد من جنانها المصطنعة كل يمني يتناوله وتنزل به أشد العقوبات، لكن القات
سيغدو عشباً عالمياً في عصر العولمة، وسيكتشف العالم المتخم عما قريب ميزة هذا
العشب الموضوع في القائمة السوداء.
ومع احترامي وتقديري لجمعية مكافحة القات التي تصدر نشرة دورية بعنوان
يمن بلا قات إلا إنني على يقين بأن المستقبل في اليمن للقات. بل إنني أخشى على
هؤلاء الذين يحلمون بيمن بلا قات أن يتحقق حلمهم بالمعكوس؛ فكل الدلائل
والمؤشرات تؤكد أنه في المستقبل سيكون هناك قات فقط. قات بلا يمن.
[الكاتب اليمني: عبد الكريم الرازحي، مجلة المجلة، العدد: (١٠٧٥) ]
بئس ما صنعوا! !
يعرض موقع على شبكة الإنترنت في الأرجنتين خدمة غير تقليدية؛ وهي
مساعدة من يمارسون الخيانة الزوجية على اجتناب افتضاح أمرهم.
فنظير سداد مبلغ ١٢٠ دولار أمريكي يحصل المشترك في الموقع على خطة
متكاملة لتمويه تحركاته وتسويغ غيابه عن العمل والمنزل. وتتضمن الخطط التي
يضعها العاملون في الموقع إرسال بطاقات دعوة لحضور مؤتمرات وهمية وتذاكر
طيران مزيفة، وشهادات تثبت حضور تلك المؤتمرات.
ويقول المسؤولون عن الموقع: إن الخدمة التي يقدمونها لعملائهم متقنة لدرجة
تمكنهم من خداع زملائهم ورؤسائهم في العمل وليس فقط الزوجات والأزواج. وقد
لاقى الموقع إقبالاً شديداً فور بدء عمله لدرجة أن مسؤوليه قرروا عدم قبول أكثر
من ألف عميل في وقت واحد، واللافت للنظر أن عملاء الموقع ليسوا جميعاً من
الرجال، فنصفهم تقريباً من النساء. وذكر القائمون على الموقع أن النجاح الضخم
الذي حققه مشروعهم في الأرجنتين جعلهم يفكرون في إقامة خدمات مماثلة في دول
أخرى بأمريكا اللاتينية. ولم ينس القائمون على الموقع تجهيز مؤثرات صوتية
تحاكي صوت قاعة اجتماعات، وتسمع تلك المؤثرات عبر الهاتف أثناء حديث
السكرتيرة المزيفة.
ويقول مسؤولو الموقع: إن احتمال انكشاف المؤامرة شبه معدوم؛ لأنهم
يدرسون حالة كل عميل على حدة، ويضعون له الخطة المناسبة له.
موقع هيئة الإذاعة البريطانية
www.bbcarabic.com
تحسبهم جميعاً
دلت نتائج استطلاع رأي جديد في» إسرائيل «أن الشباب من طلاب
المدارس الثانوية يكرهون المستوطنين اليهود في الضفة الغربية بالدرجة الأولى ثم
يكرهون العرب بمقدار مشابه تقريباً. وجاءت هذه النتيجة مفاجئة للغاية.
وأجرت الاستطلاع صحيفة» يديعوت أحرونوت «بواسطة معهدين جامعيين
إسرائيلي (الجامعة العبرية في القدس) وفلسطيني (جامعة بيرزيت) بمشاركة
٦٢٠٠ تلميذ من ثانويات يهودية وعربية في» إسرائيل « (العرب هم فلسطينيو
١٩٤٨م) ونشرت نتائجه في الصحيفة، وفيما يلي أبرز ما جاء فيها:
- في المجموعة الكاملة للتلاميذ، بغض النظر عن الانتماء تبين أن ٥١%
منهم يكرهون المستوطنين في الضفة الغربية أكثر من أية فئة سياسية أخرى، وأن
٥٠% يكرهون العرب بالدرجة الأولى، و٤٧% يكرهون اليهود المتدينين
المتزمتين (حريديم) بالدرجة الأولى.
- في هذه المجموعة أيضاً، قال ٤٧%: إنهم يكرهون رئيس الحكومة
اليميني السابق بنيامين نتنياهو، و٢٧% قالوا: إنهم يكرهون إيهود باراك،
و٢٤ % قالوا: إنهم يكرهون شمعون بيريز.
- بلغت نسبة الذين يكرهون حركة» سلام الآن «٣٤%، لكن نسبة
الكراهية لليكود أكثر ٣٥% والكراهية لحزب العمل ٢٤%.
- عند الدخول في التفاصيل يتضح أن الفوارق في الكراهية للمستوطنين
والعرب تعود إلى الانتماءات الطائفية. إذ أنه في صفوف التلاميذ اليهود الأشكناز،
يكرهون اليهود المستوطنين ٥٦%، واليهود المتدينين المتزمتين ٥٠% أكثر من
كراهيتهم للعرب ٣٨%. أما اليهود الشرقيون فإنهم يكرهون العرب أولاً ٦٣% ثم
حركة» سلام الآن «. وأما التلاميذ العرب فإنهم يكرهون أولاً اليهود المتدينين
المتزمتين ٨٥% ثم المستوطنين ٧٣%.
ورأت الدكتورة داليا مور، المشرفة على هذا البحث، أن الوضع بين الشباب
مثله بين الكبار في» إسرائيل «: يشكل هوة اجتماعية كبيرة بدأت تأخذ طابع
الكراهية، وهناك خطر في تدهوره إلى العنف. وقالت: إنها تجد في موقف اليهود
من المستوطنين كراهية للعنف ولمحاربة مسيرة السلام، وكذلك إحساساً لديهم بأن
المستوطنين يبتزون الدولة، ومواقفهم ليست مبنية على أية مبادئ.
[جريدة الشرق الأوسط، العدد: (٧٩٥٩) ]
مع القرامطة والماركسية
ماذا لفت نظرك في تجربة» ثورة ظفار «، لكي تكتبها من جديد؟
لفت نظري في هذه التجربة جرأتها في محاولة وضع الشعارات الثورية موضع
التنفيذ والتطبيق، في مجتمع تقليدي كان شديد التخلف، خصوصاً أنها تمت في
إطار من المرجعيات المختلفة المتأثرة بشعارات القوميين العرب، وصعود عبد
الناصر ومواجهته للرجعية وللنفوذ الاستعماري في المنطقة. إضافة إلى استفادتها
من الماركسية. وهذه التأثيرات كانت مهمة عصر كامل، وهي تجربة حاولت الرد
على أسئلة كانت مطروحة ولا تزال، في اتجاه البحث عن طريق للتنمية والتحديث
والاستغلال الوطني. وبمعنى آخر فإن ثورة» ظفار «ليست إلا محاولة للتغيير،
اصطدمت بأوضاع معقدة. ولأن قوانين التغيير جزء أساسي من قوانين الحياة، فلا
بد من تأملها للاستفادة منها في المستقبل، وهي تجربة أجهضت تحت ضغط عوامل
وتناقضات عدة، بين التقليدية والتحديث، وبين الأنانية الفردية والجماعية، وبين
صورة الاستقلال الوطني عندما تتناقض مصالحه مع النفوذ الأجنبي ومؤامراته
ومصالحه. لدي تجربة قديمة في هذا الموضوع، حدثت عام ١٩٧٩م حيث عملت
على سيناريو عن ثورة القرامطة بالتعاون مع السينمائيين السوريين عمر أميرلاي
ومحمد ملص، وللأسف لم يخرج هذا العمل إلى النور في شكل فيلم، وأفكر جدياً في
الاشتغال عليه من جديد في شكل روائي، لكن ما عطلني هو أنني وجدت أن
» ثورة ظفار «وأحداثها أكثر قرباً من لحظتنا الراهنة.
[الكاتب المصري: إبراهيم أصلان، مجلة الوسط، العدد: (٤٥١) ]
أخلاق أمريكية في مهمة إنسانية
أظهر تقرير عن تحقيق عسكري نشره البنتاجون رسمياً أن جنوداً أمريكيين
من قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في كوسوفا أساؤوا معاملة مدنيين (من
خلال انتهاك المبادئ الأساسية لكرامة البشر) .
وأفاد التحقيق الذي قام به الكولونيل جون مورجان أن عناصر من الوحدة
الأمريكية خالفوا التعليمات العسكرية وعمدوا إلى (مضايقة واستجواب وإهانة
وضرب ألبان) . واعترف التقرير بوجود عدد من الحوادث التي تعرضت لها نساء
من كوسوفا؛ حيث قام بعض الجنود بملامسة عوراتهن إضافة إلى شكاوى من
إجراء عمليات تفتيش غير ملائمة. كما قام أحد أعضاء القوة الأمريكية باغتصاب
وقتل فتاة ألبانية عمرها ١١ عاماً! !
[جريدة البيان، العدد: (٧٣٩٩) ]
بذور الشر
الصورة التي يطالعها المرء في موقع» بذور السلام «على الإنترنت تبدو
بريئة وجذابة إلى حد كبير، يقولون: الحكومات تصوغ المعاهدات، لكن الناس هم
الذين يصنعون السلام. وحركة بذور السلام تفعل ما لا تستطيع أي حكومة أن تقوم
به، إنها تغرس بذور ذلك الحلم الجميل في أعماق الأطفال الذين شبوا وسط أهوال
الحرب، فتعلمهم كيف يتعايشون مع بعضهم بعضاً، وكيف يتبادلون الثقة فيما بينهم
على نحو يمتص أسباب الصدام والصراع، ويُمكِّن الذين أعمتهم الكراهية من أن
يبصروا الوجه الآخر، الإنساني لأعدائهم. في موضع آخر يقولون: نحن منظمة
أهلية غير رسمية، ومحايدة، ولا شأن لنا بالسياسة، وكل مرادنا أن نساعد صبيان
وصبايا مناطق الصراع على أن يتعلموا» مهارات صنع السلام «، وقد جعلنا
المعسكر الذي أقمناه في غابات ولاية» مين « (في الشمال الشرقي للولايات
المتحدة) مختبراً لمساعدة تلك الفئات على التفاهم والتفاعل المتبادل بعدما وفرنا جواً
مواتياً لهذا الغرض؛ إذ من خلال تعليم الجميع فضائل الاتصالات واحترام الرأي
الآخر، وعبر استمرار التواصل ومع استخدام تقنيات وفنون حل الصراعات؛ فإننا
نتيح لأولئك الفتيان أن يتفهم ويتقمص كل منهما الآخر، إننا نسلح الجيل القادم
بالأفكار والقدرات القيادية اللازمة لإنهاء دورة العنف وإقامة السلام على الأرض.
وهدفها هو الجمع بين الأجيال الجديدة من العرب والإسرائيليين، وتنقية
وجدانهم من بذور» الخوف والتوجس والكراهية «في بداية عملها نجحت في جمع
٥٠ فتى وفتاة من ثلاثة أقطار شرق أوسطية، بينها» إسرائيل «، وبمضي الوقت
نجحت في جذب أبناء ثماني دول بالمنطقة هي: إسرائيل، الأردن، فلسطين،
مصر، المغرب، تونس، قطر، اليمن، ووصل عدد المشاركين في المعسكر
الصيفي الذي أقيم في العام الماضي إلى ٤٠٠ شخص قدموا من تلك الدول، وهؤلاء
تم انتقاؤهم من بين ألفي فتى وفتاة تقدموا للالتحاق بالمعسكر.
[مجلة المجلة، العدد: (١٠٧٣) ]
احتمال وارد
وجدت حكومة جنوب إفريقيا نفسها مرة أخرى في صلب جدل حول مرض
الإيدز بعدما وزعت نسخة عن فصل في كتاب أكد أن مؤامرات دولية ساهمت في
نقل هذا الفيروس إلى القارة الإفريقية. وأكدت باتريسيا لامبرت الناطقة باسم وزيرة
الصحة أن الأخيرة نقلت نسخة لهذا الفصل الوارد في كتاب يتضمن فرضيات
مشكوكاً فيها إلى وزراء الصحة في مختلف أقاليم البلاد.
وفي كتابه:» هاك حصان شاحب «أكد وليام كوبر أن طائفة» إيلوميناتي «
الداعية إلى تشكيل حكومة عالمية نقلت الفيروس إلى إفريقيا في ١٩٧٨م بواسطة
لقاح ضد مرض الجدري للقضاء على سكان القارة.
[جريدة الحياة، العدد: (١٣٦٩٢) ]
في عهد الشيخ وحيد
قام وفد إندونيسي اقتصادي رسمي يضم رؤساء شركات الصناعة والاستثمار
بزيارة (إسرائيل) لأول مرة من أجل عقد لقاءات اقتصادية وتجارية، وقام الوفد
بزيارة الأردن ومناطق السلطة الفلسطينية حسب تعليمات حكومة إندونيسيا؛ وذلك
بهدف تفادي أي نقد من جانب العناصر الإسلامية بسبب إرسال الوفد إلى (إسرائيل)
وذلك في أعقاب زيارة وفد إسرائيلي لإندونيسيا لدراسة العلاقات الاقتصادية بين
الدولتين، وقد استضافت الغرفة التجارية في (إسرائيل) الوفد الإندونيسي، وكذلك
وزارتي التجارة والصناعة والخارجية واتحاد الصناعيين ومعهد الصادرات.
[صحيفة معاريف اليهودية (مترجم) ]
لا يتحملون الأخلاق! !
لم يستطع حزب العمال البريطاني تحمل أعباء انتهاج المبدأ الأخلاقي في
سياسته الخارجية لمدة طويلة؛ فقد صرحت مصادر بالحزب بأن زعامات الحزب
قررت إسقاط هذا المبدأ في حملتها الانتخابية المقبلة. وقالت المصادر: إن شعار
ربط السياسة الخارجية بالأخلاق أصبح عبئاً ثقيلاً على كاهل وزير الخارجية
البريطاني روبن كوك، الذي كان قد أعلنه بعد أيام من وصول حزب العمال إلى
الحكم في مايو ١٩٩٧م. وأضافت المصادر أن هذا الشعار امتلأ بالثقوب بعد رفض
وزراء حزب العمال منع مبيعات الأسلحة لأنظمة حُكْم سجلُّها سيئ في مجال حقوق
الإنسان.
[جريدة الأهرام، العدد: (٤١٥٤٦) ]
فليبكوا على حائط آخر! !
كشف عالم الأثار اليهودي (إبراهام برانيس) الذي قضى معظم حياته في
إجراء حفريات حول القدس وعلاقتها باليهود إلى استنتاجات غاية في الخطورة
تقول: إنه لا يوجد أي دليل على وجود ما يسمى بـ» حائط المبكى «. وقال
عالم الآثار في تصريحات أدلى بها مؤخراً:» إنه في المكان الذي يدَّعي اليهود
الآن أنه حائط المبكى والملاصق لسور المسجد الأقصى لا يوجد شيء اسمه حائط
المبكى «.
[جريدة السبيل الأردنية، العدد: (٣٥١) ]
تعليق على الأحداث
لا تتركوها وحيدة! !
لم تكن المجزرة التي قام بها الصهاينة في حق المسلمين في المسجد الأقصى
المبارك بعد زيارة» أريل شارون «لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة في
صراعنا مع يهود، مواقف اليهود لا تستغرب؛ لكن الذي نستغربه الآن هي تلك
الحال التي وصل إليها المسلمون في تفاعلهم مع مذابح الأقصى، مع تهويد القدس،
مع ضياع فلسطين. كانت الأحداث تجري في الأرض المقدسة، تجري معها أعين
المسلمين تتابعها، كان الدم يقطر من جريح واحد، تفور له دماء المسلمين، غضبة
وحزناً، كان الخطيب يخطب والكاتب يكتب والمتظاهر يُظهر غيرته على بلاد
الإسلام وحرماتها المنتهكة، يندد العلماء، تشجب الحكومات، تعترض النقابات،
كان الكل يتفاعل مع الحدث هناك، ومع هذه المذبحة لم تكن هذه الصورة كما هي!
بالرغم من أن فلسطين كما هي، واليهود كما هم، والقتلى والجرحى كما هم كذلك.
ما الذي حدث للمسلمين؟ ! كنا نظن أن تفاعلهم مع الأحداث مرتبط بمدى التأثير
الإعلامي وحجم الصور المنقولة، كما حدث مع البوسنة والصومال والشيشان،
ولكن الأمر قد ازداد سوءاً، فالصور المعروضة عليهم أيضاً كما هي من عشرات
السنين. إن دلالات كثيرة تحملها إلينا الأحداث، ونخشى أن يكون أشدها: موت
الإحساس بداخلنا تجاه إخواننا ومقدساتنا. ونخشى نسيان القضية بآلامها المريرة بعد
هدوء العاصفة، ولا نفيق ولا نمد لها يد العون إلا مع مجزرة أخرى وقتلى آخرين،
فنتكرم عليهم ببعض دموعنا وبعض من حسراتنا المؤقتة وبعض من أحاديثنا،
ونحسب أننا قدمنا شيئاً بهذه المشاركات الكبيرة! ! وإن كان الشعار السياسي
المخزي الذي ترفعه كثير من الدول العربية» التسوية «لم تغيره تلك الأحداث
بجسامتها! ! إلا أن هذه المواقف لا تعبر عن أحاسيس الأمة، لكن الذي نخشاه
ونحزن له أن يتحول واقع كثير من المسلمين اليوم شعاراً جديداً بعنوان:
» لفلسطين رئيس يحميها «! !
العولمة الدينية.. دعوة خطيرة
في سابقة خطيرة وقبل القمة الألفية التي جمعت زعماء العالم، عُقد في الأمم
المتحدة ما سمي بمؤتمر الأديان، ولم ينل هذا المؤتمر حظه من التغطية الإعلامية،
فيبدو أنه كان مقصوداً أن تكون هناك» تغطية «كاملة على أعمال المؤتمر فلا
يظهر منه شيء. انطوى المؤتمر على دعوة كفرية انتهت بتوقيع زعماء العالم
الدينيين على أن كل الأديان سواء!
ولم يحدد المنظمون معنى الدين بشكل من الأشكال، وكان الاتفاق الضمني أن
الدين هو ما تعتقد أنه دين، وحدد المنظمون شرطين فقط لمنع ازدحام المؤتمر بعد
هذا التعريف المائع فاشترطوا للمشاركة في هذا المؤتمر ألا يقل عمر هذا الدين عن
١٠٠ سنة، وألا يكون مؤسس هذا الدين على قيد الحياة! !
ولا يخفى على مسلم أن دين الإسلام خاتم الأديان وأفضلها، وأنه الدين الحق
الذي لا يقبل الله غيره، وأن مساواته مع غيره من الأديان حتى السماوية منها التي
سبقته كفر؛ إذ هو ناسخ لها، فكيف بأديان أتت بعده.
وإن كان هذا عجيباً، فالأعجب من هذه الدعوة: مشاركة بعض المنتسبين إلى
العلم في بعض بلاد الإسلام في هذا المؤتمر الكفري العالمي، وتوقيعهم على ما اتفق
عليه من هذه المساواة الشائنة.
والأكثر من ذلك: شعور أحد المفتين في بلاد الإسلام بخيبة الأمل الكبيرة لعدم
مشاركة» الدلاي لاما «البوذي في هذا المؤتمر لأسباب سياسية وحزنه لذلك
كثيراً!! فإذا كان الدين على حد قوله لا يتدخل في السياسة؛ فلا ينبغي للسياسة
أن تتدخل في الدين.
إن تبني الأمم المتحدة لهذا المؤتمر خطوة خطيرة لعولمة الأديان تسعى لتذويب
ما تبقى للمسلمين من دينهم في ديانة عالمية جديدة، فانتبهوا معاشر المسلمين! فلم
يبق لنا إلا ديننا، فإنه وإن تمت عولمة المسلمين وهم مجبرون في كافة شؤونهم؛
فإن للدين شأناً آخر.
أم َّالكاثوليكية.. كم أنت بغيضة! !
ما زالت فرنسا على عهدها مع دينها وعدائها الشديد للإسلام والمسلمين، وفي
الفترة الأخيرة وخلال أسبوع واحد فقط كان لفرنسا مع المسلمين في بلادهم وفي
بلادها ثلاثة مواقف لافتة للنظر:
- الموقف الأول: عند دخول طالبة مصرية مدرستها الفرنسية المتوسطة في
مدينة الإسكندرية وهي مرتدية الحجاب إيشارب! ! ، اعترض مدير المدرسة؛ لأن
هذا الحجاب محظور في المدارس الفرنسية حتى لو كانت خارج فرنسا، فهي
خاضعة لنظام التعليم الفرنسي في المدارس الفرنسية، فهو لا يريد تمييزاً بين
الطالبات بحجابها المرفوض؛ وقد تم فصل الطالبة من المدرسة وأشقائها الذكور
الثلاثة! ! .
- الموقف الثاني: في مدرسة بنات ثانوية فرنسية أيضاً في أبو ظبي، تم
توزيع كتاب مقرر على الطالبات تحت عنوان» زهرات الشر «غلاف الكتاب
يحمل صورة لفتاتين مخمورتين وعاريتين تماماً وتمارسان الشذوذ، هذا الغلاف! ! !
أما المضمون: فهو دعوة تفصيلية لممارسة هذا السلوك الذي تترفع عنه
الحيوانات، وسوَّغ المستشار الثقافي للسفارة الفرنسية في أبو ظبي ذلك بأنه منهج
جديد لهذا العام، ولم يكن لديه علم به! !
- الموقف الثالث: في قلب فرنسا بلد الحرية والثقافة، وبالتحديد في مدينة
نيس» جنوب فرنسا «رفض جاك بيرا، رئيس البلدية السماح للمسلمين هناك
ببناء مسجد، وقال: إن المساجد التي هي أماكن للعبادة يصعب تصورها في
جمهورية علمانية، لدينا حصة كافية من قبائل المسلمين في فرنسا، ولا أرغب في
المزيد.
سبق تلك المواقف أكبر منها وأكثر وستتلوها مثلها وأكثر منها كذلك، هذا
يقين؛ فتاريخ أمِّ الكاثوليكية مع إسلامنا مرير، بيد أننا نهيب بالمسلمين الذين
يضعون بناتهم في أحضان هذه الأم أن يفيقوا لأنفسهم.
стр. 3685
في دائرة الضوء
الموقف من العولمة ! !
د. زيد بن محمد الرماني
استحوذت العولمة على أوسع اهتمام في أدبيات العالم العربي الاقتصادية
والثقافية والسياسية والتربوية والإعلامية والتقنية، وسيتضاعف هذا الاهتمام في
القرن الحادي والعشرين الذي ستصبح العولمة من أبرز مظاهره، والأكثر تأثيراً
على صياغة ملامحه وقسماته وتضاريسه.
إن العولمة التي أصبحت لغة دارجة في الأدبيات المعاصرة ما زالت تعاني
من بعض الغموض؛ فهناك غموض فيما يتعلق بمعنى العولمة وبحقيقتها: فهل هي
ظاهرة حياتية جديدة، أم مجرد موضة فكرية طارئة مصيرها للزوال؟ وهل هي
حركة تاريخية ستستمر في النمو، أم هي فقاعة من الفقاعات التي ولدت لتموت؟!
وهناك غموض فيما يتعلق بنتائج العولمة ومترتباتها بالنسبة للواقع العربي؛
فهل العولمة حالة صحية، أم مرضية؟ وهل هي حركة استعمارية، أم تحريرية؟
هل ستصب في سياق الاستقلال والذاتية، أم التبعية والاستتباع؟ !
ثم هل المطلوب منا الانغماس فيها، أم الانكماش عنها؟ هل ستحتوينا، أم
سنحتويها؟ هل ستزيدنا تقدماً أم ستضاعف تأخرنا؟ ! !
إن مؤلفات: مثل كتاب: «نهاية التاريخ» لفوكاياما، وكتاب: «صراع
الحضارات» لهنتنجتون وكتاب: «صعود وهبوط الإمبراطوريات» لبول كيندي،
وكتاب: «الموجة التالية» لتوفلر، وكتب أخرى من تلك التي برزت خلال
السنوات الأخيرة، تأتي ضمن سياق المشروع الفكري في الدول المتقدمة لفهم
العولمة والكوكبية الاقتصادية، باستكشاف آفاقها وفرصها وتحدياتها ومساراتها
المستقبلية.
يقول د. محيي محمد مسعد في كتابه: «ظاهرة العولمة: الأوهام
والحقائق» [١] : إن الكتابات السابقة تشكل درجات عالية من الوعي بالعولمة
(اللحظة الحضارية القائمة) .
لقد كان ملفتاً للمتأمل ما تعرضت له العولمة من نقد صارم وعنيف برهن على
تخوفات حقيقية؛ فالأمم والحضارات ليست على استعداد للاستتباع الحضاري لتيار
العولمة الجارف، وما أطلقته من أحلام وردية ووعود سحرية تخفي وراءها
أضراراً خطيرة، كالتي حاول أن يصورها كتاب «العولمة والجنوب» [٢]
لكرولين طوماس وبيتر ولكين، الذي اعتبر العولمة آلية لتكريس الفوارق بين
الشمال المتخم بالغنى والجنوب الذي يعاني من الفقر المدقع.
أو التي صورها كتاب «العولمة: النظرية والممارسة» [٣] لمؤلفيه: إلينور
كوفمن وجيليان ينغز؛ حيث اعتبر أن ظاهرة العولمة قد دشَّنت عهداً فظاً من
العدوان على البيئة، كان من مظاهرها انتشار التلوث وتآكل طبقة الأوزون،
وانكماش التنوع الأحيائي، والهدر في مصادر الطاقة.
أو الذي تحدثت عنه فيفيان فورستر في كتابها: «الرعب الاقتصادي» [٤]
حيث عرضت السؤال الآتي: ما الذي يحصل عندما نعلم أنه ليس ثمة أزمات، بل
مجرد تبدل وتحول يقودان مجتمعاً بأكمله، بل وحتى حضارة بأجمعها إلى
المجهول؟ !
وقد انتقد هذه الأصوات الغاضبة آلان ميك في كتابه: «العولمة
السعيدة» [٥] الذي حاول أن يقدم العولمة على أنها ليست شراً أو خيراً في ذاتها،
ولا داعي للإفراط في وصفها بالوحشية أو الفتك والرعب ونشر الأجواء المفزعة
حولها.
ومن ثم فإن البشرية بحاجة إلى تكوين وعي عالمي له خاصية الاتصال
والتواصل على الأصعدة والمستويات المختلفة، لمواجهة المخاطر والتحديات التي
يتأثر فيها العالم كله، مثل: ظاهرة العولمة ومشكلات البيئة والتلوث، والاحتباس
الحراري، وقضايا الصحة والسكان والفقر والمجاعة ونقص الغذاء والمياه.
يقول زكي الميلاد في كتابه: «المسألة الحضارية: كيف نبتكر مستقبلنا في
عالم متغير؟» [٦] : إن المشكلة الحقيقية ليست في العولمة، وإنما جذر المشكلة
في تباين مستويات التطور الحضاري في العالم، الذي يجعل من الغرب الطرف
المستفيد من هذه العولمة، باعتباره أنجز مشروعه في التقدم.
والمشكلة مع الغرب أنه حوَّل مشروعه في التقدم إلى تكريس التبعية وضبط
آليات السيطرة على العالم.
فالمواجهة الحقيقية للعولمة هي عن طريق الإنماء والبناء وإنجاز مشروعات
التقدم والعمران.
يذهب صادق جلال العظم في مقالة له بعنوان: «ما هي العولمة؟» [٧] إلى
أن العولمة هي عقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول
المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير
المتكافئ.
ويشير محمد عابد الجابري في مقالة له بعنوان: «العولمة والهوية
الثقافية» [٨] إلى أن العولمة هي ما بعد الاستعمار، وأنها مجرد آلية من آليات
التطور الرأسمالي يعكس إرادة الهيمنة على العالم.
وفي مقالته: «أصل العولمة وفصلها» [٩] يقول جورج طرابيشي: إن
مفهوم العولمة لم يعرف الاستقرار بعد، وتبقى العولمة هي الظاهرة التاريخية لنهاية
القرن العشرين أو لبداية القرن الحادي والعشرين.
هذه العولمة، إذن، إنما تخدم مصالح وأفكار الطرف القوي في العالم،
وتطمس الأطراف الأخرى، وهي ليست العولمة التي يحتاجها العالم في هذه
المرحلة، أو التي يتطلع إليها مع القرن الحادي والعشرين.
فهذه العولمة التي عبر عنها الغرب ترتكز على الانتفاع المادي والجشع
الاقتصادي واحتكار الثروات ورفع القيود عن الأسواق والبضائع وامتصاص
الأموال، وهذه الأمور هي من أكثر العوامل سبباً وتحريضاً على النزاع والصدام
والصراع.
إن عولمة الغرب اقتصادية في الأساس تتوخى الربح والنفع المادي؛ والأبعاد
والحقول الأخرى التي ارتبطت بها كالثقافة والاجتماع والتربية والإعلام وغيرها
إنما وظفت لذات الغاية الاقتصادية النفعية.
إن الخوف الحقيقي على هويات العالم وثقافاته من اكتساح العولمة الغربية
وفرض الاتجاه الواحد جاء نتيجة وجود الضعف والضمور في بنية بعض تلك
الهويات والثقافات وتكويناتها، مما يستدعي ضرورة التجديد الداخلي لمزيد من
الحماية والمناعة والتحصين [١٠] .
ومن ثم، فإن العولمة التي يحتاج إليها العالم هي العولمة التي يشترك الجميع
في صنعها وصياغتها لا أن ينفرد طرف واحد بها ويسخِّرها لصالح امتيازاته،
ووفق فلسفته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.
وإذا كانت العولمة قد قوبلت في العالم باعتراضات شديدة وانتقادات قاسية،
فلأنها تخدم طرفاً واحداً، وتعبِّر عن رؤية هذا الطرف وهو الغرب.
إن العولمة تضع أمام المفكرين المسلمين سؤال المستقبل عن المشروع
الحضاري الإسلامي المعاصر الذي تجد فيه الأمم والحضارات خياراً واتجاهاً مقنعاً
وفعالاً ومختلفاً عن الخيار والاتجاه الذي يفرضه الغرب على العالم.
والمستقبل ليس مفتوحاً على الغرب فحسب، بل هو مفتوح على كل الثقافات
والأمم والحضارات وبحاجة إلى اكتشاف جديد في زمن زحف العولمة.
إن الأدبيات الإسلامية والعربية في هذا الوقت مطالبة وبإلحاح لتكثيف الحوار
والمناقشة والتباحث حول المشروع الحضاري الإسلامي، والآلية الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية والإعلامية والفكرية التي تتناسب مع إمكانات وقدرات كل
دولة.
وأخيراً، فإن العولمة تستدعي من الأمم والحضارات أن تجدد نظرتها إلى
العالم وتعيد تقويمها حضارياً فهل ستكون العولمة آخر مطافات الغرب؟ أم أنها
ستكون قاعدة انبعاث الحضارات الأخرى؟
هذا يعني أن للعولمة أسئلتها الصامتة والمتجددة، وأنها ستفتح أكثر من
احتمال على العالم والمستقبل.
ورغم ما سبق، فإنه سوف يستمر الجدل الذي يختلط فيه المعقول باللامعقول،
والحقائق بالأوهام، والوقائع بالافتراضات، والموافق والمخالف، في قضية
العولمة! !
стр. 3686
في دائرة الضوء
ظاهرة القلق.. الأعراض والعلاج
لطف الله خوجه
نسمع أن في الغرب أعداداً هائلة من المصابين بالقلق والاكتئاب يضطرون
لزيارة عيادات الصحة النفسية بصفة دورية، وليس غريباً أن يكونوا كذلك، لكن
الغريب أن نسمع عن مثل ذلك بين المسلمين؛ فأعداد المترددين على العيادات
النفسية في ازدياد، وقد سمعنا منذ فترة أن شاباً مات منتحراً، فَلِم يحدث مثل هذا
عند المسلمين، وهذا القرآن والنور النبوي بين أيديهم، والعلماء الصادقون لا
يبخلون عليهم بنصيحة؟ أظن أن السبب هو الإغراق في الماديات.
فالغربيون مبدؤهم وحياتهم وأهدافهم كلها مادية، وليس لهم عناية بالجانب
الروحي، وهذا هو السبب في شقائهم، والمسلم الذي يبالغ في العناية بجسده مع
إهمال روحه يعتريه ما يعتري الكافر من ضيق واكتئاب وحاجة ملحة إلى زيارة
العيادات النفسية بصفة دائمة. إن الإنسان مخلوق من مادة جامدة أرضية محصورة
في نطاق معين، ومادة لطيفة روحية تسيح في العالم بلا حدود، وكل من هاتين
المادتين تحتاج إلى عناية خاصة؛ فالعناية بإحداهما دون الأخرى تنقص إنسانيته،
وذلك ينعكس سلباً على راحته.
وأكثر الناس اليوم يغلِّبون جانب المادة الجامدة (الجسد) فيسري هذا الجمود
إلى المادة اللطيفة (الروح) فتصبح كذلك جامدة محصورة في حدود الجسد،
فيفقدون إنسانيتهم ويصبحون قوالب حجرية لا تقبل التمدد؛ وترفض التوسع
والانشراح.
وأساس الراحة والطمأنينة الانشراح والسعة، وتلك القوالب الحجرية الجامدة
تمنع من ذلك فيحدث الضيق والقلق والاضطراب، فهذه نتيجة العناية بالمادة الجامدة
مع إهمال المادة اللطيفة.
لكن العناية بالروح والجسد كل بقدره يفسح المجال أمام هذه المادة اللطيفة أن
تعانق العالم العلوي، وأن تسري في مجال الكون الرحب الواسع، تنظر فيه وتتأمل
حقائقه، وترجع بالعبر المفيدة، والفوائد العجيبة، دون مانع أو قيد يكون من الجسد،
بل ربما سرت لطيفة الروح إلى الجسد فيزول عنه الجمود، وذلك مما يشرح
الصدر وينفس الكربات، ويزيل عن البدن أمراضه وعلله، وهذا حال من أعطى
كل شيء حقه، فلم يهمل حاجات الروح مقابل حاجات الجسد، قال الله تعالى:
[فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً
حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ] (الأنعام: ١٢٥) .
إن الإنسان نصفه روح ونصفه جسد، فمن صار غايته في جسده لم يعد إنساناً،
أرأيتم في يومٍ ما نصف إنسان، ليس له إلا عين واحدة وأذن واحدة، وشق فم،
وشق أنف، وشق وجه وشعر، ويد ورجل واحدة؟ هل رأيتم صورة بشعة كهذه؟
فهذا مثل من جمد ولم يلطف. من نظر إلى جسده ولم يلتفت إلى روحه هو نصف
إنسان في كل شيء، لم يعرف من إنسانيته إلا الجمود والتحجر والقسوة والغلظة،
فأنَّى لمثل هذا أن ينعم أو يطمئن؟ إنه يخالف إنسانيته وطبيعته وخلقته التي خلقه
الله عليها، ومن رام مخالفة الإنسانية أو كسر الطبيعة أو تغيير الخلقة الربانية
انكسر وتشتت وضاع، وأحاط به القلق والاكتئاب، فيبحث عن المخرج فلا يجده
إلا في الانتحار، بعد يأسه من عيادات الطب النفسي أن يجد فيها الطمأنينة
والانشراح.
إن الله جل شأنه عندما خلقنا في هذه الدنيا لم يخلقنا هملاً، بل خلقنا لغاية،
وهذه الغاية باختصار أن نعبد الله وأن ندعو الناس إلى عبادته، ومن لازِم ذلك
عمارة الأرض بالقدر الذي يحقق تلك الغاية، وهذه العبادة منسجمة غاية الانسجام
مع إنسانيتنا؛ فالعبادة تلبي حاجة الروح. قال تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ
اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى] (الأعلى: ١٤-١٥) ، والعبادة لا تحصل إلا بعمارة الأرض
بالسعي في الرزق وإعداد القوة لإرهاب العدو، وتلك تلبي حاجة الجسد. قال تعالى:
[هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ] (الملك: ١٥) ، وقال: [وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ
الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] (الأنفال: ٦٠) ، وبذلك تكون الإنسانية
متكاملة متوازنة فتستقر الحياة، وتحلو اللحظات، ويزول عنها أسباب القلق، فأنَّى
للقلق أن يغزو الإنسان إذا صار مدركاً لأهمية التوازن في الحياة بين حاجات الروح
والجسد؟ ولا يحقق هذا التوازن إلا المؤمن، ولذا فإنه يعيش حياة طيبة مطمئنة،
[الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] (الرعد:
٢٨) بعكس الذي يقدم حاجات الجسد فإنه يختل ميزانه، وتختفي حدود إنسانيته
فيدركه الشقاء، كالبقال الذي لا يملك ميزاناً يبيع به، وصاحب الأرض الذي لا
يعرف حدود أرضه، قال تعالى: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً]
(طه: ١٢٤) .
تقولون: قد عرفنا وسمعنا مراراً ما تقول؛ فاذكر لنا المخرج من هذا المأزق
الذي نقع فيه دائماً، مع معرفتنا أهمية العناية بالروح وأنه سبب السعادة إلا أننا
ننساق وراء الجسد فنشعر بخيبة الأمل والضيق يحاصرنا في كل مكان؛ فلا نحن
الذين علمنا فسعدنا، ولا نحن الذين جهلنا فاعتذرنا بجهلنا!
فالجواب أن نقول: لا تُنال الثمرة بالأماني والأحلام، إنما تُنال بالعمل والجد
والصدق؛ فنحن نعلم ونسمع دائماً مثل هذا الكلام، لكن من الذي يعمل له؟ إننا
نريد أن يدخل الاطمئنان في قلوبنا والعيش الهنيء بمجرد أن نسمع ونعلم دون أن
نعمل، وهذا خطأ، فلم يكن الإنسان ليبلغ الرزق بلا سعي، ولم يكن له أن يرزق
الولد بلا زوجة، ولم يكن له ليُشفى من المرض بلا دواء، وكذا لم يكن له ليطمئن
وينشرح صدره بلا عمل صالح وذكر دائم؛ فحاجات الروح كحاجات الجسد، وهل
يستغني المرء عن الطعام يوماً؟ هل يستغني عن اللباس وقتاً؟ هل يستغني عن
المسكن لحظة؟ كذلك لا يستغني عن الذكر والعمل الصالح؛ فهو محتاج إليه أعظم
من حاجته إلى الطعام والماء واللباس والمسكن بل والهواء؛ فإن حاجات الجسد إذا
امتنع منها فإن غاية ما في الأمر هلاك نفسه وبدنه، لكنه إذا امتنع من حاجات
روحه خسر الدنيا والآخرة، وكان في جهنم معذباً لا يموت فيها ولا يحيا.
هذا العالم المادي بدأ يجمع ما تناثر منه في الحقبة الماضية ويعود إلى رشده
بعد إلحاده ويقر بأن عبادة الله هي المنجاة من كل الأمراض الجسدية والروحية،
وعلماء العالم الماديون يعقدون كل سنة اجتماعات مكثفة لدراسة تأثيرات العبادة
والذكر على البدن، ويخرجون بتوصيات تتفق مع ما جاء به الإسلام من أهمية
العناية بالعبادة وخطورة الإغراق في الماديات؛ فهؤلاء أصحاب المادة والعلم المجرد
والإلحاد يقولون هذا، رجعوا عن إلحادهم بعد أن ذاقوا ويلات مخالفة الطبيعة
الكونية ومحاولة كسر الخلقة الربانية، وعرفوا أن الطريق الصحيح هو انسجام
الجسد مع الروح لا طغيانه عليه؛ فهل نحن بحاجة إلى اعترافاتهم ليؤمن بعضنا بما
جاء عن ربنا؟ نعم! فإن بعض المسلمين وهذا ما يؤسف له لا يؤمن ولا يطمئن
إلى الحقائق الكونية والشرعية إلا إذا جاءت عن العالم الغربي المادي، وهذا نوع
من الانهزامية والتبعية المقيتة التي تشكك في إيمان المسلم وتجعله عرضة للتقلبات،
لكن الله تعالى يقول: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ
يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً] (النساء: ٦٥) ، فنحن
نؤمن بما جاء عن الله تعالى على لسان رسول الله ﷺ ولو لم يأتنا
دليل غيره، فما جاءنا عن الشرع كافٍ في حملنا على الاتباع؛ فثقتنا بربنا سبحانه
وبرسول ربنا ﷺ أعظم من كل شيء.
ثم إننا ننبه إلى أمر هو غاية في الأهمية؛ فعندما نقول: إن العبادة تبعث
على السعادة والطمأنينة لا نزعم أن الدنيا تصبح جنة كجنة الآخرة، ينتفي منها كل
مظاهر الألم والحزن، لا، بل الذي ينتفي هو دوامه ولزومه.
أما الألم فهو موجود في الدنيا ولا بد؛ لأن الله تعالى خلق دارين: دار الدنيا
وهي مزيج من الخير والشر، ودار الآخرة وهي إما خير محض وذلك في الجنة،
وإما شر محض وذلك في النار، فما دمنا في الدنيا فلا بد إذن من الألم. قال تعالى:
[وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ] (البقرة: ١٥٥) ، لكن الفرق بين المؤمن والكافر أن المؤمن
موعود بالثواب على الصبر، وعنده من العلم الإلهي ما يملأ نفسه صبراً ورضىً؛
فما من ألم يصيبه إلا ويكون كفارة له أو رفعاً لدرجته، ومهما صبر على المصائب
فإنها تنقلب في حقه هي بذاتها نعمة لما كان محتسباً، يقول ﷺ :
«ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا أذى ولا همٍّ ولا غمٍّ حتى الشوكة
يشاكها إلا كفَّر الله بها خطاياه» [١] وقال: «إن عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء،
وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله
السخط ... » [٢] .
أعراض القلق:
لا يسلم الإنسان من الهموم؛ لأن الله خلقه على هذه الصفة، قال صلى الله
عليه وسلم: «أصدقها يعني الأسماء حارث وهمَّام» [٣] فهذان الوصفان ينطبقان
على الإنسان، فهو حارث يسعى في رزقه، وهو همَّام يهتم لما يريده. والهموم
على نوعين: هموم دنيوية، وهموم أخروية، فأشرفها الأخروية، ولا يمكن
علاجها، وأما الدنيوية فيمكن علاجها، وهي إما أن تتعلق بالماضي أو الحاضر أو
المستقبل، أما الهم المتعلق بالماضي فإن سببه الإخفاق في عمل ما، أو الألم من
إساءة الآخرين، أو طلب الانتقام من المعتدين، أو الشعور بنكران الجميل من
القريبين، وأما الهم المتعلق بالحاضر فإن سببه الشعور بالنقص في الذات، وعدم
الثقة بالنفس.. وأما الهم المتعلق بالمستقبل فإن سببه الخوف من الإخفاق في عملٍ
مَّا، والخوف على النفس من الأذى، وعلى الرزق من الضياع.. هذه أهم أسباب
القلق، ومعرفة السبب أول العلاج.
فأما الهموم المتعلقة بالماضي: فعلاجها النسيان؛ فالرجل الذكي هو من يعيش
دقائق ساعاته دون أن ينبش ما في الماضي؛ فإن حوادث الإساءة والتعدي ونكران
الجميل والإخفاق أمور شائعة في كل مجتمع لا نتخيل العالم بدونها؛ فإن الناس
جائرون في أحكامهم إلا القليل، ومن النادر أن نجد من يعطي كل ذي حق حقه،
ولذا فمن الخطأ أن نتوقع الإحسان من الإنسان في كل شيء؛ فالظلم والجهل غالبان،
قال تعالى عن الإنسان: [إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً] (الأحزاب: ٧٢) والكامل
من غلبت حسناته سيئاته. إذا فهمنا هذه الحقيقة البشرية استرحنا من التألم من
إساءة فلان أو ظلم فلان أو جحوده، ولو كانوا أقرباء أو أبناءاً، وليس من الحكمة
أن نشغل أوقاتنا وقلوبنا بطلب الانتقام ممن ظلمونا، فأوقاتنا أثمن من أن نضيعها
في هذه الصغائر، ألا يكفي أننا أضعنا دقائقنا ونحن نستمع إلى إساءتهم؟ إن قلوبنا
الغضة تتألم وتمرض وقد تموت إذا نحن سمحنا لأنفسنا بإعادة التفكير في المآسي
الماضية، ولا يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغه الجاهل من نفسه، فالجاهل يهلك
نفسه بما مضى، وعدوه في راحة مما هو فيه.. والإحسان إلى الناس عمل نبيل،
ومن كان نبيلاً ينبغي له ألا ينتظر ممن أحسن إليهم شكراً أو ثواباً، بل ينتظر
الثواب من الله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا
نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً] (الإِنسان: ٨-٩) ، فالمنتظر
ثوابه من الناس يرجع آسفاً متألماً، لكثرة الجاحدين، وقد لا يكونون جاحدين بل
ناسين غافلين.
إن الرجل المثالي يفرح أن يحسن للآخرين، ويخجل من إحسان الناس إليه؛
لأن تقديم الإحسان علامة التفوُّق، أما تلقيه فهو دليل الفشل. والإخفاق من طبع
البشر، فلماذا نتألم من حصوله؟ إن مخترع الكهرباء أجرى مئات التجارب ولم
يفلح في واحدة منها قبل أن يصل إلى التجربة الناجحة، ولو أنه توقف عند أول
تجربة منها لما اخترع المصباح؛ فليس الإخفاق عيباً بل العيب في اليأس، وليس
صحيحاً أن نتوقع النجاح في كل عمل.
وأما الهموم الحاضرة: وهي المستمرة في الإنسان، المتعلقة به على الدوام،
وهي في العادة تكون متعلقة بشخصيته، فعلاجها الثقة بالنفس. إن بعض الناس
يشعرون بالنقص، وسبب هذا الشعور أشياء متعددة، كأن يكون المرء فيه عاهة،
أو غريباً عن المجتمع في لونه أو جنسه، فيدفعه ذلك إلى التقيد أو الانزواء، وهذا
خطأ يولد القلق، لماذا يستحي الإنسان من شيء لم تعمله يداه؟ إن الله تعالى لحكمةٍ
مايز بين خلقه، وكل إنسان له عقل يستطيع أن يقدم الشيء الكثير لنفسه ولأمته،
ولو كان فيه نقص في بدنه. كان عطاء بن أبي رباح عالماً لا يفتي في مكة غيرُه،
وقد ذكروا أنه كان عبداً أسود دميم الخلقة جداً، لكن ذلك لم يمنعه من التطلع إلى
المستقبل حتى بلغ أعلى مرتبة، حتى إن الخليفة جاء وجلس بين يديه كالتلميذ يتعلم
منه، وقام وهو يوصي أولاده بالعلم، واليوم نسمع برجل مؤمن عظيم يقود شعباً
بأكمله وهو مشلول، وليس فيه شيء يتحرك إلا لسانه، يقودهم؛ لأنه لم يلتفت
يوماً إلى عاهته ونقص بدنه؛ فالإنسان في مقدوره أن يكون شيئاً عظيماً في كل
الأحوال ما دام يملك هذا العقل. إن ٩٠% من شؤون حياتنا صحيحة، و١٠% فقط
هي التي تحتاج إلى تصحيح، أليس من الخطأ أن نتجاهل هذه التسعين وننتبه
للعشرة؟
وأما الهموم المتعلقة بالمستقبل: فهي التي دافعها الخوف، الخوف من الإخفاق
في العمل، والخوف على النفس من الأذى، والخوف على الرزق من الضياع،
وعلاجها غرس الأمل والشجاعة في النفس، والتعلق بالرب جل شأنه. فلماذا نتوقع
الإخفاق؟ إذا أقبلنا على عملٍ ما فلنتفاءل؛ فالفأل من الرحمن، وهو حسن ظن
برب العالمين، والتشاؤم من الشيطان، وهو سوء ظن برب العالمين، فإذا أخفقنا
في أمر فلنجابه هذا الإخفاق بهدوء وضبط نفس، ولندخل العمل ونحن متفائلون
نرجو أحسن النتائج؛ فإذا أخفقنا فلا بأس أن نسأل أنفسنا: ما هي أسوأ النتائج
المترتبة على هذا الإخفاق؟ وما هي الحلول الممكنة؟ وكيف يمكن البدء بأفضلها؟
إن الإخفاق شيء متوقع في كل مهمة؛ ولذا يجب علينا أن نوطِّن النفس على تحمل
النتائج السيئة فيما لو أخفقنا.
إن التفاؤل لا بد أن يكون رفيقنا، لكن يجب كذلك أن نتوقع الإخفاق ونهيئ
أنفسنا لتقبل نتائجه، ونفكر بهدوء في أمثل الطرق التي تخفف من آثاره. إن أنجح
الناس من يملك القدرة على أن يجعل المر حلواً، والإخفاق نجاحاً، وهو الذي
يحتال على الأزمات فيخرج منها غانماً أو سالماً.. أما الخوف على النفس من أذى
الناس فيكفي أن نعلم أن الأمور بيد الخالق، قال تعالى: [وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ
فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] (الأنعام: ١٧) ،
وأن الناس لا يبلغون أن يضروا أو ينفعوا ولو اجتمعوا على ذلك.. وأما الخوف
على الرزق فهو خوف لا معنى له إذا علمنا أن كل إنسان لن يأخذ إلا ما قُدِّر له؛
وبدل أن يقلق الإنسان على رزقه كان ينبغي له أن يعد النعم التي يعيشها، فمهما
سُلِبَ الإنسان من نعمة فقد أبقى الله له نعماً مقابلها كثيرة، فقط لننظر في أنفسنا
جيداً، فإذا كان لدينا الماء الصافي والطعام الكافي واللباس الساتر والمسكن الذي
يُكِنُّ فإن علينا أن ألاَّ نتذمر أبداً.
علاج القلق:
إن وسائل القضاء على القلق كثيرة ومن أهمها: العمل؛ فالفراغ يولد الملل
والقلق، والانشغال بأي عمل مفيد يقي الإنسان شر القلق، وإن خير عمل يُذْهِبُ
القلق هو محاولة إسعاد الآخرين؛ فالذي يرسم البسمة على شفاه الآخرين يجد
البسمة في قلبه. ولا ريب أن إيمان المسلم بالقضاء والقدر أكبر معين على تخطي
حواجز الاكتئاب؛ فاسمعوا إلى قوله تعالى: [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ
وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا
عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ] (الحديد: ٢٢-٢٣) ، فكل شيء مكتوب
مقضي مقدر، فلماذا الجزع والهلع؟ يقول رسول الله ﷺ : «قدر
الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» [٤] . هذه
العقيدة إذا رسخت في النفس فإن الأثر هو ما بيَّنه القرآن الكريم: عدم الأسى على
ما مضى، وعدم الفرح بما يحصل، وإذا انضمت إلى هذه العقيدة عقيدة الإيمان
باليوم الآخر فإنه لا يبقى للقلق مكان في النفس؛ فإن الإيمان باليوم الآخر يورث
الإنسان الرضا بما يصيبه ابتغاء ثواب الآخرة، فإن لم يكن الرضا فالصبر،
والصبر مانع من القلق والملل.. ومن أعظم مُذهِبات القلق: توحيد الله وعدم
الشرك به؛ فالمشرك هو أعظم الناس قلقاً؛ ولذا فإن الانتحار في المشركين كثير،
وكلما عظم التوحيد تصاغر القلق، وكلما قلَّ التوحيد زاد القلق، ومن هنا نفهم لماذا
كانت: لا إله إلا الله، هي دعوات المكروب؟ لأن القلق من الشيطان، وكلمة
التوحيد تطرد الشيطان، وفي ذلك زوال القلق. يقول ﷺ :
«دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين،
وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» [٥] . وعن أسماء بنت عميس قالت:
قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب
أو في الكرب الله الله ربي لا أشرك به شيئاً» [٦] ، وقال ﷺ :
«دعوة أخي ذي النون؛ إذ دعا وهو في بطن الحوت: [لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ
سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ] (الأنبياء: ٨٧) ، لم يَدْعُ بها رجل مسلم في
شيء قط إلا استجاب له» [٧] ، وكان إذا أكربه أمر قال: «يا حي يا قيوم،
برحمتك أستغيث» [٨] .
وما سبب كثرة القلق بين المسلمين اليوم إلا ضعف توحيدهم، وسبب ضعف
توحيدهم كثرة معاصيهم وجهلهم بأمور التوحيد، لكنهم لا يقرون بهذا الجهل؛
فالكثير يزعم أنه يعرف أمور التوحيد التي تقيه من الشرك، لا لأنه تعلَّمها، لا،
بل لأنه نشأ بين أبوين مسلمين، في بلاد المسلمين، وكأن النشوء في بلاد المسلمين
يهب الإنسان علماً! وما هذا إلا تلبيس الشيطان، ولو أجرينا اختباراً بسيطاً في
أمور التوحيد وأمور الشرك لهؤلاء المتعالمين لوجدناهم أجهل الناس بما زعموا أنهم
به عالمون؛ إذ التوحيد لا ينال إلا بالتعلم والعمل؛ فمن علم وعمل واجتنب
المعاصي استراح من القلق.
إن أعظم وسيلة للشفاء من القلق هو الإيمان بالله، والمؤمن الحقيقي لا يصاب
بالقلق، وآلاف من البشر المعذبين بين أيديهم الشفاء لو أنهم تطلعوا إلى رحمة الله
بدلاً من أن يخوضوا معارك الحياة بمفردهم.
أما الهموم الأخروية فهي التي تتعلق بما يتعرض له الإنسان بعد الموت من
عذاب القبر وأهوال القيامة وأحوال الجنة والنار؛ فهذه الأمور لا ريب أنها مقلقة
ولا مخرج منها؛ فكيف للإنسان أن يسلم من الموت أو من أحوال القبر أو أهوال
القيامة؟ إما إلى جنة أو إلى نار؟ يقول تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ
زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ
ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ]
(الحج: ١-٢) ، وقد كان ﷺ يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من
عذاب النار وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال في كل
صلاة.
إن هموم الدنيا بمقدورنا أن نتغلب عليها، أما هموم الآخرة فمن المحال أن
نتغلب عليها؛ لأنها آتية واقعة لا محالة: [فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ
مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] (الذاريات: ٢٣) ، والتهرب منها نقص في العقل؛ فإن من
تعامى عن هموم الآخرة يسيء إلى نفسه مرتين: المرة الأولى بتغافله عن الحقيقة،
والثانية أنه يبعد عن نفسه سبباً هاماً من أسباب علاج القلق، وبيان ذلك: أن همَّ
الآخرة يدفع الإنسان إلى العمل الصالح والتوقف عن العمل السيِّئ الذي هو سبب
الشقاء. إذاً هموم الآخرة هي بذاتها تزيل الهموم، وهذا من أعجب الأمور.. هموم
تزيل هموماً؟ نعم! إذا صار الإنسان لا يهتم إلا لآخرته، ويخاف من الخسران
ومن النيران، فإنه سيقصر عن المعاصي التي هي من أهم أسباب الاكتئاب، وهو
بذلك يستريح من السبب الأعظم المسبب للقلق، وفوق ذلك، فإن من جعل الآخرة
همه كفاه الله هم الدنيا والآخرة، قال ﷺ : «من كانت همَّه
الآخرة، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت
همه الدنيا، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما
كتب الله له» [٩] .
وقد كان السلف ﵏ كثيراً ما يهتمون لأمر آخرتهم، ولا يهتمون لشيء
من أمر الدنيا، حتى كان منهم من يبول الدم خوفاً من الله، ومنهم من يصفرُّ لونه
إذا قام يتوضأ، بين جباههم كأمثال رُكَب المِعزَى من طول السجود، يعلوهم حزن
عميق، وعيونهم تنهمر على الدوام؛ فهذا أبو بكر ﵁ كان كثير البكاء،
وعمر ﵁ في وجهه خطان أسودان كشِراك النعل من أثر البكاء، وكان
منهم من إذا ذكر الموت انتفض كما ينتفض الطير، وبعضهم إذا أوى إلى فراشه
تقلب وتأوه، لا يأتيه النوم من ذكره للنار، وقد عُرِضَ بول الإمام أحمد حين
مرضه على طبيب فقال الطبيب: «هذا رجل قد فتت الغم والحزن جوفه» [١٠] .
القلق كما ورد في القرآن:
والقرآن الكريم يصور حال هؤلاء القلقين في معرض المدح لهم، قال تعالى:
[أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ
يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ] (الزمر: ٩) ، وقال تعالى: [وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم
مُّشْفِقُونَ] (المعارج: ٢٧) ، إذاً فقد كانوا يقلقون ويهتمون، لكن شتان بين من
يهتم لآخرته، وبين من يهتم لدنياه؛ فالأول عبد لله حقاً، والآخر عبد لنفسه، عبد
للدرهم والدينار، عبد للخميصة والخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط سخط:
[هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] (هود: ٢٤) . كذلك من أنواع الهموم
الأخروية همُّ الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فكل من سلك
سبيل الدعوة فلا بد أن يقلق ويغتم؛ لأنه يدعو الناس إلى أمرٍ أكثرهم معرضون
عنه، فهو يحزن لأجل إعراضهم، وهو يتألم لأذاهم، وهو يخاف على مستقبل
الدعوة، وقد كان الأنبياء يعانون من هذا النوع من القلق أكثر من غيرهم؛ لأن
حياتهم كلها كانت في سبيل الله، وكل همهم كان في إصلاح الناس، ولنتصور
مقدار معاناة بعضهم حين يبذل وقته ونفسه وماله وأهله من أجل دعوة قومه ثم لا
يؤمن له إلا القليل، بل بعضهم لا يجد من يؤمن له، قال ﷺ :
«عُرِضَتْ عليَّ الأمم، فرأيت النبيَّ ومعه الرهط، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان،
والنبي وليس معه أحد» [١١] ، ونوح ﵊ يمكث في قومه ألف
سنة إلا خمسين عاماً، ثم إذا ركب السفينة لم يركب معه إلا القليل: [قُلْنَا احْمِلْ
فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ
قَلِيلٌ] (هود: ٤٠) . إن قلق الأنبياء كان شديداً للغاية، وقد صوَّر القرآن لنا
كثيراً من أوجه هذه المعاناة التي كانت تطوف بنبينا الكريم صلوات الله وسلامه
عليه قال تعالى: [قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ
الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا
وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ المُرْسَلِينَ * وَإِن
كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ
فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ
الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ] (الأنعام: ٣٣-٣٦) ، وقال
تعالى: [فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً]
(الكهف: ٦) ، أي مهلك نفسك حزناً عليهم، فمن شدة ما يصيبه من ألم وقلق
بسبب إعراض قومه كاد يهم ويترك بعض ما يدعوهم إليه خشية أن يكذبوه، قال
تعالى: [فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ
عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ]
(هود: ١٢) ، لكن القرآن كان يخفف عنه، ويدعوه إلى التقليل من الحزن
والأسف. يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : [فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ
حَسَرَاتٍ] (فاطر: ٨) ، ويقول سبحانه: [وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي
ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ] (النحل: ١٢٧) ، وكم من آية في القرآن تبين للرسول
الكريم أن مهمته البلاغ لا الهداية: [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن
يَشَاءُ] (القصص: ٥٦) ، [إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ] (الشورى: ٤٨) ، وكم من
قصة قصها الله في القرآن من أخبار الأولين من أنبياء ومرسلين تسلية له على ما
كان يصيبه من حزن وقلق جراء تكذيب قومه له، والله يذكِّره أنه ليس بدعة في
هذا الأمر، ويعده بالغنيمة والفتح القريب، ويذكر له أنواع النصر الذي
أنزله على المؤمنين: [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ
نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] (يوسف: ١١٠-١١١) .
علماؤنا والموقف من القلق:
إن موضوع القلق كان محل عناية العلماء؛ فقد اعتنى بعضهم بجمع الآثار
التي تسلي الإنسان وتذهب همومه، نجد ذلك في كتب الأذكار كالأذكار للنووي،
وبعضهم أفرده بكتاب خاص، كتاب: «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين»
و «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» لابن القيم، وبعضهم أفرد
بعض أسباب القلق بمؤلف خاص مثل كتاب: «برد الأكباد عند فقد الأولاد»
لمحمد بن ناصر الدين الدمشقي، ومن الكتب التي اعتنت بعلاج القلق كتاب:
«دع القلق وابدأ الحياة» للمؤلف الأمريكي دايل كارنيجي [*] ، وهو كتاب جيد
في الجملة، اعتنى بالطرق العلمية والعملية لعلاج القلق، وهي طرق استفادها
من تجاربه الخاصة وتجارب غيره في الحياة، لكنَّ في الكتاب عيباً لا يخفى على
مسلم، هو أن مؤلفه كافر، وقد قلنا إن أساس الانشراح هو التوحيد، وأساس القلق
هو الشرك والكفر؛ فكيف لكافر أن يخط للناس طريق السعادة؟ ! هذا مستحيل،
فهذا الكاتب حشد في كتابه عشرات القصص والتجارب الحقيقية المفيدة لعلاج القلق،
إلا أن كل تلك العلاجات كانت أشبه ما يكون بالمخدر الموضعي الذي يطغى على
الألم بقوته لكنه لا يعالج المرض، فإذا زال أثر التخدير عاد الألم، وهكذا كان
يفعل هذا المؤلف، فكل آرائه ونصائحه في علاج القلق كانت سطحية خالية من
العلاج الناجع القاطع لأسباب القلق. ولعلكم لا تستغربون بعد هذا أن تعلموا أن هذا
المؤلف الذي كتب كتابه هذا الذي يدعو فيه إلى التفاؤل والأمل قد مات منتحراً، قال
تعالى: [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الخَاسِرِينَ] (آل عمران: ٨٥) ، فأي طريق لعلاج القلق مهما كان جميلاً
وتجربة صحيحة فإنه يبقى علاجاً مؤقتاً ما لم يخالطه الإيمان بالله والتحلي بدين
الإسلام. والمسلم هو أوْلى من يتصدى لهداية البشر إلى السعادة ونبذ القلق؛
فأين هو عن هذه المهمة النبيلة التي هي من أهم الواجبات المنوطة به؟ تلك هي
أهم أسباب القلق وأنواعه وعلاجه، أرجو أن أكون وُفِّقت فيما قدمت وبينت،
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3687
قضايا ثقافية
الإبداعية الجماعية
(٢ -٢)
بقلم: جان كلود أبريك ترجمة: محمد بلحسن
راجع ترجمته وقدَّم له وعلَّق عليه: د. محمد أمحزون
في الحلقة الماضية مهد الكاتب لمراجعته بالإشارة إلى تقدم الغربيين في «علم
النفس الاجتماعي» وما هي الجوانب التي يهتم بها هذا العلم. ثم تطرق إلى مقدمة
المؤلف التي تحدثت عن اهتمام علم النفس بالإبداع، وبين ماهية الجماعة التي
تفضل التغيير، ثم الجماعة التي تفضل المخاطرة، وألمح إلى عدم تجانس الجماعة
وأثره في الإبداعية، وانتقل إلى الكلام عن الزعامة والإبداعية، فتحدث عن الزعيم
المستبد، وعن الزعيم الشوري، والزعيم الاسمي، ثم بين أنه إذا كان هدف
الجماعة هو الإبداعية فالقيادة الشورية هي الأكثر إنتاجاً وعطاءاً، وفي هذه الحلقة
يتابع الكاتب مراجعته القيمة. البيان
مهمة وإبداعية الجماعات:
الأبحاث التي سوف نعرضها الآن تدرس جميع العلاقات التي تجمع بين
«طبيعة المهمة» المنجزة من طرف الجماعة و «السلوك الاجتماعي
والشعوري والإداري» لهذه الأخيرة، ويتبيّن من خلال الأبحاث أن ظاهرة
الجماعات محدّدة مباشرة بأربعة أنظمة معادلة، سوف ندرسها على التوالي:
(أ) تلاؤم «نموذج المهمة» مع «شبكة الاتصال» فلامون
(Flament) ١٩٦٥م:
تعني «شبكة الاتصال» مجموع الإمكانيات الحقيقية للاتصال بين أفراد
جماعة ما، ويمكن تقديمها على الشكل الآتي:
إن عدداً كبيراً من الأبحاث المنجزة في الولايات المتحدة في سنوات
الخمسينيات أظهرت كيف أن قدرة جماعة على التنافس، ونوع الزعيم،
والاتصالات: هي محدّدة بواسطة شبكة الاتصالات المفروضة على الجماعة.
وتبدو النتائج متناقضة: لأن الشبكة المركزية تظهر أحياناً عنصراً مسهلاً، وأحياناً
مشوشاً على كفاءة الجماعة.
ويرجع الفضل لفلامون في إزالة كل هذه المتناقضات بإدخال مفهوم جديد
لدراسة الجماعات: وهو: «نموذج المهمة» .
فنموذج المهمة أُنجز بواسطة تحليل منطقي رياضي لتطوير الاتصالات
الضرورية لإنجازات اجتماعية أفضل: فهو مجموع الاتصالات الصغيرة
الضرورية، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المهمة. وأظهر فلامون أن كفاءة
الجماعة وقدرتها على التنافس تكون أفضل عندما يكون هناك تماثل أو تطابق بين
شبكة الاتصالات ونموذج المهمة. وبمعنى آخر: فشبكة الاتصالات ليست لها
مميزات خاصة، وينبغي أن ترتبط دائماً بنوع المهمة المنجزة [٤] ؛ فهذا هو نظام
الملاءمة الأول الذي يدير ظاهرة الجماعات: تلاؤم أو تطابق «نموذج المهمة»
مع «شبكة الاتصال» .
(ب) تلاؤم طبيعة المهمة مع بنية الجماعة:
سوف يتحول اهتمام موسكوفيسي وفوشو (Foucheax / Moocovici)
عن دراسة شبكات التواصل لينصبَّ على تحليل العلاقات الرابطة «لبنية
الجماعة» [٥] وطبيعة التواصل الفعلي المتبادل داخل الجماعة.
والجماعات التي تمّ انتقاؤها للاختبار تضم كل واحدة منها أربعة أفراد، تواجه
على التوالي مهمتين نوعيتين:
* أشكال أولر (Euler) : نعرض للأفراد ألواحاً بها أشكال رسمت من
خلال تقاطع خطوط وأعمدة، وهي عبارة عن مربعات منسقة. نجد في كل خانة
حرفاً (أ، ب، ج) ورقماً (١، ٢، ٣، ٤) ، علماً بأنه لا يسمح بتكرار نفس
الحرف ونفس الرقم على الخط الواحد والعمود الواحد، وأن التوفيقات (أ ١، ب
٢، د ٣، ج ٤) غير جائزة. يطالب الأفراد باكتشاف التوفيقات: س (x) من
أجل ملء الخانات. وهذه المهمة تفرض استعمال حساب رياضي من أجل بلوغ حلّ
يقدّم جواباً صحيحاً واحداً.
* أشجار ريجي (Riguet) : المطلوب من الأفراد تركيب سبعة عيدان
بطريقة تمكّن من الحصول على أشكال مختلفة، يختلف كل شكل عن آخر إذا تمّ
تركيبه بطريقة لا تفضي بعد دورانه إلى شكل تمّ اقتراحه. وباستثناء البنيات
المغلقة نستطيع تركيب ٢٣ شكلاً مختلفاً فقط. وهذه المهمة بالغة التعقيد عن سابقتها،
إلى حدّ أنه لم تكشف الطريقة السليمة لاستخراج جميع الأشكال، ولذلك فهي
توجب استحضار سلسلة من الاستنتاجات والابتكارات.
تتطلب المهمتان من أفراد الجماعة سلوكيات معينة وخاصة؛ إذ يفترض لتأدية
مهمة «حلّ المسألة» إيجاد تنظيم وتنسيق بين أفراد الجماعة؛ وذلك لما تفرضه
هذه المهمة من وضع استراتيجية مشتركة بين العاملين، في حين أن المحاولات
الفردية المبذولة لتأدية مهمة الإبداعية، والتي لا تخضع لتنسيق سابق بين أعضاء
الجماعة لا تعيق سير العمل من بلوغ الأهداف المرسومة، بل على العكس، فإن
هذا النهج هو المطلوب في هذه الحالة شريطة أن يتم تصويب هذه الاجتهادات
الفردية وضبطها فيما بعد من طرف الجماعة ككل.
تختلف إذن كل من الضغوط والضرورات الإدراكية [٦] للمهمة اختلافاً جذرياً،
ولهذا يفترض الباحثون أن الضغوط التي تمارسها المهمة هي المحددة الفعلية
لدينامية (حركية) الجماعة. «على أنه توجد علاقات متكافئة بين كل من
» طبيعة المهمة «و» بنية التواصل «داخل الجماعة، ومدى قدرة الأخيرة على
» حل المسألة «. وتؤكد النتائج هذه الفرضيات (انظر الجدول رقم ٢ أدناه) .
نستنتج فعلاً أن مهمة» حلّ المسألة «تشجع على ظهور بنية مركزية للجماعة،
بالمقابل فإن» مهمة الإبداعية «تقود نحو إفراز جماعات ذات بنيات متجانسة؛
بمعنى أن كلّ الأفراد متكافئون، ولا توجد أية تراتبية هرمية تجدد عطاءاتهم
وإنتاجاتهم.
فضلاً عن ذلك، فإن عطاء الجماعة يكون أحسن إذا ما تبنّت هذه الأخيرة
علاقات تواصلية ذات بنية تلائم نوعية المهمة:» بنية مركزية « [٧] عندما يخصّ
الأمر مهمة» حل مسألة «. و» بنية غير مركزية « [٨] في حالة مهمة
» الإبداعية «.
وعلاوة على ذلك، فإن كل نوع من المهمات ينتج نوعاً خاصاً من التواصل
داخل الجماعة:» تواصل خطابي «موجه لمجموع أفراد الجماعة، ويحتوي أساساً
على معلومات في حالة مهمة تستوجب إيجاد حلول لمسألة معينة.» تواصل متبادل «
يشمل مجموع أفراد الجماعة ويتبنى توجهاً نقدياً في حالة الإبداعية.
أخيراً نستنتج أن الجماعات من أجل تحسين مستوى عطاءاتها، تغير بنيتها
(تركيبتها) التواصلية بمجرد إنجازها للمهمة الأولى، وذلك لتتلاءم مع طبيعة
الضغوط التي تفرزها المهمة اللاحقة.
على أن مجموع هذه النتائج يبيّن: أن طبيعة المهمة هي المحدد الفعلي
والحقيقي لبنيان الجماعات، وكذا طبيعة التواصل المطلوب بين الأعضاء ونوعيته،
وأن إنتاج الجماعة وعطاءها يصبح فعلياً وأكثر حضوراً على مستوى الواقع إذا
ما استطاعت الجماعة اتخاذ بنية (تركيبة) تماثل (تكافئ) بنية المهمة [٩] .
وهكذا فإن مستوى إنتاج الجماعة يتحدد فعلاً من خلال نظام كامل للتلاؤم:
تلاؤم» طبيعة المهمة «و» بنية التواصل «داخل الجماعة.
(ج) تلاؤم طبيعة المهمة مع البنية الاجتماعية للجماعة تتميماً للتحليلات
السابقة:
عملت أبحاث بواتو وفلامون: على دراسة التفاعل الحاصل بين البنية
الاجتماعية للجماعة التي تم تحديدها من خلال الاختبارات المعيارية [١٠] للعلاقات
الاجتماعية، وكذا الاختلافات الوظيفية لأعضاء الجماعة وطبيعة نموذج المهمة.
ولن نعرض هنا تفاصيل الترتيبات التجريبية، وكذا تفاصيل المهمة: كونها بالغة
التعقيد، وسنكتفي فقط بالإشارة إلى أن الجماعات: تضم كل واحدة منها ثلاثة أفراد
تربطهم علاقة تراتبية (هرمية) .
وتختلف كل جماعة عن الأخرى، من حيث طبيعة بنيتها الاجتماعية.
تقوم الفرضية العامة التي قدّمها الباحثون والتي تم التحقق منها على مستوى التجربة
من افتراض أن الجماعات تكون أكثر عطاءاً بشكل ملحوظ عندما تتلاءم بنيتها
الاجتماعية مع طبيعة نموذج المهمة، مما يدفعنا إلى استنتاج وجود ما يسمى:
» مبدأ التلاؤم الوظيفي الرابط لبنية المهمة مع البنية الاجتماعية للجماعة «.
ولهذا فإن كل جماعة ترغب أن تكون منتجة ومعطاءة، يجب عليها أن تتوفر
على بنية اجتماعية معينة ملائمة لطبيعة المهمات المنوطة بها. وبالإضافة إلى ذلك
فإنّ التلاؤم الحاصل بين الجماعة وطبيعة المهمة يعمل على تقوية العلاقات بين
أفراد الجماعة كلهم.
وبهذا يمكن البرهنة على النظام الثالث للتلاؤم، والذي يربط طبيعة المهمة
بالبنية الاجتماعية للجماعة.
خلاصة: إن معرفة العوامل الموضوعية الخاصة بالجماعة: شبكة العلاقات،
والبنية الاجتماعية للجماعة، وكذا طبيعة المهمة المراد إنجازها تسمح بالإحاطة
معرفياً بالديناميكية [١١] الاجتماعية والتصورية للجماعة والتنبؤ بمسيرتها ونموها.
(د) تلاؤم تصور المهمة مع طبيعة المهمة:
يمكن تعريف تصور المهمة (البعد الرمزي) على أساس أنه» نظرية أو
نسق من الافتراضات ينتجه أفراد الجماعة حول طبيعة المهمة، غايتها، الوسائل
الكفيلة لإنجازها، وكذا مجموع السلوكيات الضرورية من أجل بلوغ حدٍ مُرضٍ من
الفعالية والحضور على مستوى الواقع «.
تتكون الجماعة الممتحنة من أربعة أفراد، يطلب منها القيام بإحدى مهمتي
فوشو وموسكوفيسي (Faucheux - Mascovice) : الأولى: مهمة» حل
المسألة « (أشكال أولر Euler) والثانية: مهمة الإبداعية (أشجار ريجي
Riguet) .
يعمل المُخْتبر أثناء كل مهمة من المهمتين على تمرير تصورين مختلفين،
وذلك عبر استمارات مستقرِئة ومسهلة لتداعي الأفكار:
تصور المهمة: يقال لعناصر الجماعة من أجل حثهم على تصور المهام
موضوع الاختبار: إن هذه الأخيرة ترتكز على الاستنباط: المنهج والتفكير الدقيق.
تصور الإبداعية: حيث يبدو لأفراد الجماعة أن المهمة تعتمد على الإبداع:
الجِدَّة والابتكار.
وتُظهر الفرضيات الأساسية للبحث، والتي تم التحقق منها على مستوى
التجربة استنتاجين:
يحدّد تصور المهمة درجة فعالية (عطاء) الجماعة؛ إذ إن تصورين مختلفين
لنفس المهمة يؤديان إلى بروز درجتين من الفعالية.
تصل فعالية الجماعة حدودها القصوى في حالات تلاؤم» تصور المهمة «مع
» طبيعة المهمة «، (انظر الجدول رقم (٣) أدناه) .
إن» تصور المهمة «يحدد السياق الحركي للجماعة؛ إذ يشجع على ظهور
نشاط المراقبة بين المستويات المكونة لهرمية الجماعة:» طبيعة المهمة «التي
تستوجب ضرورة تكوين بنيات تواصلية هرمية، في حين تشجع» مهمة الإبداعية «
عناصر الجماعة على الإنتاج المتنوع والأكثر حدة.
فالتصور يحدد إذن نوع النشاط الذي سوف يسيطر على الجماعة، والذي
يدفع هذه الأخيرة إلى تحقيق إنجازات معينة.
وإجمالاً، تعمل مجموع هذه النتائج على إبراز نظام رابع للتلاؤم يسهم في
تسيير ظاهرة الجماعة؛ فتصل الجماعة حدوداً قصوى من العطاء والفاعلية عندما
يتحقق التلاؤم بين تصور المهمة وطبيعة المهمة.
تقييم تنافس وإبداعية الجماعات:
إذا كان التوجه السائد في علم النفس الاجتماعي هو أن تقييم الجماعات يوقف
إبداعيتها، فإنه من الثابت أن القليل من نتائج التجارب يساند هذا الرأي. وفيما
يتعلق بنتائج المسابقات المنظمة بين عناصر الجماعة الواحدة أو فيما بين الجماعات،
فلا يبدو أنه بإمكاننا أن نستنبط من هذه النتائج المتعارضة المحصل عليها إلى
الآن توجهاً ما أو خلاصات متماسكة.
ومن وراء لفظة» إبداعية «يبرز مشكل إضافي ناتج عن إمكانية دراسة
ظواهر ذات طبيعة مختلفة أو أبعاد مختلفة لنفس الظاهرة. غير أنه يبدو جلياً أن
هذه المتغيرات سياق التقييم، سياق التنافس بإمكانها أن تؤثر بكيفية مميزة على
مختلف مكونات النهج الإبداعي. ويبدو لنا أن التجربة الحديثة نسبياً التي قام بها
جلوفر (Glover) سنة ١٩٧٩م توضح وتبرهن بما فيه الكفاية على صحة هذا
الرأي.
وتدرس هذه التجربة النتائج الخاصة بثلاث حالات للجماعة:
حالة تأخذ بعين الاعتبار قدرات الجماعة على التنافس من خلال سياق التقييم
والتنافس بين الجماعات.
حالة تأخذ بعين الاعتبار قدرات الفرد على التنافس من خلال سياق التقييم
والتنافس بين عناصر الجماعة الواحدة.
حالة تغيّب أهمية قدرات الفرد أو الجماعة على التنافس، وكذا كل تقييم أو
تنافس بين عناصر الجماعة الواحدة أو فيما بين الجماعات.
تقسم الموضوعات على جماعات من ستة أفراد؛ وعليها أن تحقق مهمة متبعة
من خلال اختبارات الإبداعية: أي إيجاد كل الاستعمالات الممكنة لمعطيات معلومة.
في مرحلة أولى: تشتغل جميع الجماعات في نفس السياق غير الخاضع
لعمليتي التقييم والتنافسية. وفي مرحلة ثانية: يقوم المشرف على التجربة بإدراج
التعليمات المصوغة للشروط التجريبية الثلاثة.
وتكمن أهمية عمل جلوفر في كون اهتمامه لن يرتكز على النتائج الخاصة
المحصّل عليها من لدن الجماعات، بل على النتائج المحصل عليها من خلال أربعة
أبعاد مختلفة لهذا الناتج.
في حالة السلاسة: يكون عدد الأجوبة مختلفاً.
في حالة المرونة: يكون عدد الأجوبة النموذجية مختلفاً.
غنى الإعداد: أي مدى القدرة على إغناء الجواب.
الأصالة: وتحدّد من خلال عدد الأجوبة النوعية أو المتفرّدة.
هذا وتبيّن النتائج أن كل سياق له تأثير خاص على مختلف الأبعاد الإدراكية للمهمة
(انظر الجدول رقم (٤) أدناه) .
يساعد السياق غير الخاضع للتقييم والتنافس على الإثراء والابتكار المتعلقين
بإنتاج الجماعة غير أنه يقلّص من سلاسته ومرونته.
يساعد السياق» التقييمي التنافسي «على سلاسة الجماعة ومرونتها، إلا أنه
يحول دون إثراء إعدادها وأصالتها.
يؤدي التركيز على الجماعة في الوضعيتين: التنافسية والتقييمية إلى حصول
السلاسة والمرونة الإدراكية أكثر مما يتم الحصول عليه عند التركيز على أفراد
الجماعة؛ في حين لا يؤثر ذلك على تطور الإعداد والأصالة لديها.
وتبدو لنا هذه النتائج ذات أهمية بالغة إذا ما أكدتها أبحاث أخرى؛ ذلك أنها
ستسمح باستنباط تحليل جديد لإبداعية الجماعات، حيث سيلعب تحليل النظم
الإدراكية الذي تمّ استعماله في الإبداعية دوراً حاسماً، كما سيسمح عند الاقتضاء
بتفسير التناقضات الملموسة بين بعض النتائج.
مناهج وتقنيات الإبداعية في إطار الجماعات:
لنترك الأبحاث التجريبية جانباً، ونتطرق للإبداعية في مظهرها الآخر:
إبداعية مجموعة من المناهج المعدّة لتحديد قدرات كل فرد، لابتكار حلول جديدة ...
وبمغادرتنا المختبر وعالمه القاتم، سنلج عالم التعبير العفوي والتحرري؛ حيث
تبدو البشاشة والضحك والفكاهة ورفض الآراء شروطاً لازمة وضرورية لتطوير
الإبداعية.
ومهما كانت تقنيات الإبداعية، فإنها تسعى فعلاً إلى تحقيق هدف واحد هو
رفع الضغوط العاطفية والاجتماعية أو الإدراكية التي تعمل على تقييد الخيال
الإبداعي.
ونجد من بين أهم عوائق الإبداعية:
التقاليد والعادات الفردية والجماعية [١٢] : يجب إذاً الحد من كل مقاومة تعرقل
التغيير.
السلطة وثقل الأنظمة والبيانات: يجب العمل على إزاحة الخضوع للسلطة؛
سواء كانت سلطة رئيس أو سلطة خبير [١٣] .
عالم الضوابط الاجتماعية والإدراكية: يجب التغلب على الامتثالية [١٤]
والتماثل [١٥] .
العقل: أطره وحدوده وقواعد عمله: يجب الانسلاخ عن السلوك العقلاني أو
تعليقه أثناء مراحل الإبداع [١٦] .
ومن أجل رفع هذه العراقيل تم إعداد حالات مختلفة تسعى جميعها إلى تحقيق
الهدف نفسه: ألا وهو تحرير العفوية التي تُعتبر أساس الفكر الإبداعي. ومن ثم
تبدو أهمية هذا المناخ الودي، واستعمال كل وسائل الإثارة الفكرية والعاطفية التي
تهدف إلى استرجاع أو خلق وضع ونظرة جديدة إلى الأشياء والأفكار المقبولة على
العموم، وليس بإمكاننا طبعاً تقديم كل هذه التقنيات في إطار هذا البحث، غير أن
معظمها لا يشكل سوى متغيرات للمناهج الأربعة التي آثرنا تقديمها لاحقاً.
١ - تحفيز الإبداع (Lebrainstarming) والتقنيات المشتقة
عنه:
» تحفيز الإبداع «تقنية نشيطة، عرف وما زال يعرف نجاحاً هائلاً،
ضبطه منذ ١٩٣٨م أوسبورن (Osbarn ١٩٦٢ / ١٩٢١) عندما كان يشغل
منصب مدير وكالة إشهارية بالولايات المتحدة. ولا يزال» تحفيز الإبداع «مع
التقنيات المشتقة منه أحد أكبر الوسائل المعتمدة في دراسة الأسواق من لدن معظم
المصالح العمومية الأمريكية، وعدد كبير من المقاولات والمنظمات.
أ - المنهج:
يرتكز تحفيز الإبداع على مبدأين أو فرضيتين أساسيتين:
ضرورة فصل دالَّة الإنتاج والبحث عن أفكار دالَّة التقييم والحكم (إيجابي أو
سلبي) .
يفضل تحقيق تحرير الإبداعية عن طريق الجماعة شريطة أن تكون
الاجتماعات منظمة ومنشطة بإتقان.
وتستلزم التقنية في حد ذاتها ثلاث مراحل:
* المرحلة الأولى: الإعداد، ويتعلق الأمر بتحديد محور الدراسة فضلاً عن
تكوين جماعة من عشرة إلى اثني عشر فرداً غير متجانسة ما أمكن.
* المرحلة الثانية: تتكون من جلسة تحفيز الإبداع ذاتها التي تتراوح مدتها
بين نصف ساعة وساعة واحدة ويسيّرها منشطان اثنان. والهدف المحدد للجماعة
هو تقديم أفكار مع التقيّد بالقواعد الأربعة الآتية:
يمنع خلال الجلسة إصدار أي حكم نقدي (إيجابي أو سلبي) .
تشجيع الخيال الحرّ: يجب صياغة كل الأفكار مهما كانت غريبة ووهمية.
المطلوب في هذه المرحلة هو كمية الأفكار وليس كيفيتها.
أخيراً المبتغى هو قرصنة أفكار الآخرين، أي من الممكن في هذا الصدد جمع
وخلط وتتميم الأفكار المعبّر عنها من طرف باقي أفراد الجماعة.
* المرحلة الثالثة: وتتم فيها عملية فرز وانتقاء وتمحيص حصيلة هذه الأفكار،
ويتم إنجاز ذلك في أعقاب الجلسة من طرف مجموعة صغيرة مختلفة عند
الاقتضاء. وبالإمكان اعتبار معدل ١٠% من الأفكار المعبّر عنها خلال جلسة
» تحفيز الإبداع «هو الصالح للاستعمال.
ب - التقنيات المشتقة:
* الفكرة الرئيسة: يرى أوسبورن (Osborn) أن تجميع الأفكار يلعب
دوراً أساسياً في الإبداعية؛ حيث تنبثق أحسن الأفكار عن الخلط والتجميع
المرتكزين على المحاكاة والمفارقات والتقارب. ويمكن لهذا البحث أن ينجز بحرية،
كما يمكن بواسطة طرف الاستفهام (الأسئلة) إما لذاتها أو مندمجة مع حصة من
حصص» تحفيز الإبداع «.
* منهج البيانات الاستقرائية: يرتكز على تكوين أفكار انطلاقاً من الشبكة
التالية: وضع قاعدة تفكير، واكتشاف استعمالات جديدة لشيء ما مثل: عبّر، كبّر،
كيّف، قلّل، استبدل، أعاد الترتيب، قلب، خلط.
* منهج حذف أو تغيير عناصر موجودة: يرتكز على تكوين أفكار انطلاقاً من
حالات خيالية مرتبطة بالمحور أو الشيء المدروس، مثلاً ماذا كان سيجري:» لو
اختفت الكهرباء فجأة من الكون؟ «أو لو نما إبهام ثان في اليد اليمنى؟» أو «لو
تضاعف ثمن الخبز والدقيق مائة مرة؟» .
ومن جهة أخرى يمكن استعمال هذا المنهج إما لإطلاق عملية البحث عن
أفكار حول محور ما، أو كمنهج تربوي تكويني للإبداعية: إنه يسمح فعلاً بالتمرن
على عدم التمركز الإدراكي وعلى المرونة والأصالة.
ج - أبحاث مختبرية فحصية:
يعتبر «تحفيز الإبداع» (Braingtorming) أحد المناهج القليلة المحثة
على الإبداعية والتي أثارت العديد من الأبحاث المختبرية، للتأكد من صحة المبدأين
الأساسيين المقترحين من لدن أسبورن (Osborn) . ونؤكد أن نتائج هذه
الأبحاث المختبرية (انظر روكيت ١٩٧٦: Rouquette) جاءت مخيبة لآمال
مؤيديها (أي لم تأت تماماً كما كان يأمل مؤيدوها) ؛ فإذا كان المبدأ الأول الذي
يقول بوجوب فصل عمليتي إنتاج الأفكار وإصدار الأحكام حولها قد تحققت فعاليته
بامتياز على مستوى التجربة، فإن المبدأ الثاني الذي يحث على ضرورة إحداث
عمل جماعي من أجل رفع مستوى الإبداعية لم يتمّ استيفاؤه مختبرياً.
ومن دون الدخول في جدل المقارنة بين حالتي الجماعة والفرد، فقد اتضح
من خلال استقراء نتائج المهمات المدروسة داخل المختبر أن «تحفيز الإبداع»
(Braingtorming) في حالة الجماعة يؤدي إلى مستوى إبداعي مشابه (مقارب)
للذي نحصل عليه في الحالات الفردية.
٢ - السينكتيك La synectique:
يستند منهج «السينكتيك» أساساً على الاستعمال الواعي والمنظم للاستعارة
(أو المجاز) ، ويهدف إلى تكوين الفكر الإبداعي المناسب للجماعة، ثم استعماله في
تحليل المشاكل الملموسة.
ويدور منهج جوردون (١٩٦٥: Gordon) وفكرته المركزية حول اعتبار
الاستعمال الاستكشافي للاستعارة أساس الإبداعية، ومن ثم سنتعلّم وسندفع الجماعة
إلى جمع وخلط وتقريب العناصر التي تبدو في الظاهر دون علاقة فيما بينها.
يتعلق الأمر إذاً بجماعة تهدف إلى تحويل الغريب إلى مألوف والمألوف إلى
غريب. والمحاولة التي تمّ تحقيقها جماعياً وتستعمل دينامية (حركية) الجماعة؛
محاولة تستلزم خلق جو من الاطمئنان واللهو والمتعة حتى يسترجع المشاركون
نظرة الطفل وسلوكه تجاه الواقع؛ فاللعب باعتباره سلوكاً ذهنياً وملكة إبداع هو
الجواب الصحيح عند الكبير عن سلوكيات الطفل وملكاته، ولا يعدو الأمر بالنسبة
للكبير أكثر من اكتشاف حالة الطفولة في حين نعتبر على العموم الكبير الذي يجد
متعة في اللعب طفولياً. وعلى العكس من ذلك تعتبر «السينكتيك» أن هذه الحالة
يجب الاعتناء بها واستغلالها بتأنّ بهدف تشجيع الحركة الإبداعية [١٧] .
على أنه سيتحقق انقلاب في وجهات النظر والنظرة الجديدة المتوخاة بواسطة
تقنية تقتضي الاستعمال المنهجي لثلاثة أنواع من التماثل:
التماثل الشخصي: ويقتضي مطالبة المشاركين في الاختبار بالتماثل مع
عنصر من عناصر المسألة المدروسة ثم تصور ردود الأفعال والسلوكيات
والأوضاع التي سيصبحون عليها حينئذ [١٨] .
التماثل المباشر: ويقتضي استعمال معارف مادةٍ ما في ميدان مادةٍ مختلفة؛
فيمكن مثلاً الرجوع إلى البيولوجيا الحيوانية لدراسة مشاكل إطلاق القذائف البحرية،
أي أننا ننقل معلومات ميدان معلوم لإيجاد حلول مسألة في ميدان مغاير.
التماثل الرمزي أو الخيالي: يقتضي استبدال مادة الإشكالية (محلّ الدرس) :
إما بصورة رمزية (الكويرة من الكريستال بالنسبة لاختبار بسيكولوجي نفسي
مثلاً) أو رسوم كلمية [١٩] تستند إلى عنصر التعجب والخيال واللا معقول إلخ.
ويتعلق الأمر هنا بترك المجال حرّاً للأوهام والتعبير الشعري والحُلم، بكيفية تجعل
إنتاج أفكار جديدة أو أسلوب جديد يتصدى للمسألة.
ويمنح منهج «السينكتيك» امتيازاً للجماعات الأكثر تبايناً بكيفية تجعل
فوارق الرأي تزداد حدة، وفضلاً عن ذلك، يكون أعضاء هذه الجماعات قد
تعرّضوا لعملية انتقاء بناءً على اختبارات ومحادثات ترتكز على «سلوكهم
الاستعاري» ، وقد رتبهم على عدم التمحور الذاتي والإدراكي، ويتوزع التكوين
على عدّة أشهر ويضم ثلاثة أطوار:
ففي طور أوّلي تتفاعل الجماعة بكل عفوية مع المسألة المطروحة التي تحاول
تحديد كل مظاهرها، بما في ذلك الأكثر غرابة، ويؤول هذا الطور إلى كشف
الأبعاد الواجب تحليلها. ويعتبر الطور الثاني مرحلة إنتاج ترتكز على الاستعمال
المنهجي للمعادلة القياسية. وفي الأخير تتم العودة إلى الواقع ضمن مرحلة ثالثة،
وذلك لدراسة مختلف الحلول المرتقبة وتكييف الحلول القياسية مع المسألة الملموسة.
وقد عرف المنهج السينكتيكي نجاحاً كبيراً، مثله في ذلك مثل «تحفيز
الإبداع» ، ولا يزال حالياً يُستعمل كثيراً إما في شكله الكلاسيكي (التقليدي) أو في
أشكال متفرعة عنها مثل منهج (Interlog) (انظر: جوي ١٩٧٥:
Jaoui) أو منهج (Bionique) (انظر: جيراردان ١٩٧٢: Jerardin) .
٣ - التحليل التشكُّلي [٢٠] :
يرتكز التحليل التشكُّلي على الاستعمال المنهجي للتنظيمات، باعتبار النشاط
الإبداعي استكشافاً تنظيمياً لمجموعة من العناصر الموجودة والمرتبطة بمسألة
معلومة. ما نبحث عنه إذن هو: كيف يمكن أن تنتظم هذه العناصر وتتجمع؟ وما
هو نوع الحلول التي تنتج عن هذه التنظيمات؟ وبذلك نكون قد شكّلنا «قوالب
حقيقية للاختراع» تسمح لنا باستكشاف منهجي لعالم ما هو ممكن (انظر: كوفمان
١٩٧٠: Kaecfmon) .
في مرحلة أولى بالطبع يمكن استعمال هذه الخطة في حالة فردية يكون هدف
الجماعة هو دراسة المسألة لمحاولة طرحها بعبارات أوسع وأعمّ؛ ثم استقراء
العناصر (أو كل الأبعاد) المكونة للمسألة العامة، وفي الختام تحليل كل عنصر
بالنسبة لأبعاده المختلفة [٢١] .
وبعد وضع قالب أو عدة قوالب، أي إعداد جدول ذي مدخلين يضم قائمة كل
العناصر؛ إذ تقتضي المرحلة الثانية دراسة كل الحلول الممكنة المطابقة للتقاطع
الثنائي لكل متغيّر. وفي هذه المرحلة يمكن لإبداعية الجماعة أن تتطور بفضل ما
تمنحه لها شبكة الاستكشاف المنهجي الذي يحدده القالب من تشجيع وإثارة وتوجيه.
وفي المرحلة الثالثة يتم تدارس واختيار الحلول الملائمة للمسائل أخذاً
بالحسبان العراقيل التقنية والقانونية والمالية.
يتضح إذن أن هذا المنهج بطيء حتى ولو كانت مرحلة التنظيم تتم بمساعدة
الحاسوب، غير أنه يبدو حالياً في توسع كبير. وإن حصلنا على القليل من النتائج
المضبوطة، فإنه يحسب الأمر لتطبيقه في مجالات حساسة جديرة بالكتمان:
الملاحة الجوية، علم الفلك، الفيزياء ... إلخ.
٤ - المناهج التطبيقية [٢٢] :
نجمع تحت هذا العنوان نوعاً أخيراً من المناهج السائدة بكثرة، والتي تلامس
مجال التحليل الطبي للجماعة، وإن كانت أهدافها مختلفة تماماً، وتتطلب منشطاً أو
منشطين ذوي كفاءة خاصة ويخضعان للمراقبة.
أ - مناهج ترتكز على القيام بدور:
يقوم كل عنصر من الجماعة مقام الشخصية المعنية أو مقام مادة من مواد
المسألة المعروضة، ويمثل السلوك الذي يمكن أن تنتجه بتفاعله المحتمل مع باقي
عناصر الجماعة الذين يقومون مقام مواد أخرى. وإذا تعذّر القيام بهذا الدور فيمكن
مطالبة المشاركة بالتعبير الشفهي لمدة عشر دقائق فقط باسم المادة التي يمثلها. وفي
كلتا الحالتين يتابع جزء من الجماعة ما يحدث ويكرره في نفسه، ويحاول توجيهه
إلى المسألة الملموسة قيد الدرس.
ب - الحُلم اليقظ الموجَّه [٢٣] :
يتم تحقيق هذاالمنهج بواسطة جماعة قليلة العدد (عشرة أفراد على الأكثر) ،
وتستلزم جعل المشاركين في حالة بين النوم واليقظة؛ حيث يكون المشاركون
ممدودين في ظلمة خفيفة، مستعملين تمارين استرخائية مناسبة. تدوم الحصة من
ساعة إلى ساعتين، ويقوم المنشط باستعراض رسوم ومواضيع حيادية في البداية،
ثم يجعلها تقترب شيئاً فشيئاً من المسألة المدروسة، ويكون رد فعل عناصر الجماعة
بواسطة أحلام يقظة مقرونة بالمواضيع المقترحة. بعد ذلك يتم معالجة هذه القرائن
والأحلام وتحليلها من لدن الجماعة والمنشط والملاحظين.
ومن الواضح أن هذه المناهج تهدف جميعها إلى التقليل من سلبية الأفراد
وتحفُّظهم بكيفية تسمح لهم بإزالة العقبات والعوائق أمام قدرتهم الإبداعية،
والوصول إلى صور وأحاسيس أكثر تعمقاً [٢٤] . ويظهر أنها تعرف نجاحاً كبيراً
في مجال دراسة الأسواق والإشهار؛ حيث يظل الهدف المهيمن هو البحث عن
ردود الفعل والحوافز الكامنة، كما يظهر من جهة أخرى أن تطوير هذه المناهج
واستعمالها دون مراقبة يطرح عدة مشاكل أدبية جديّة.
خلاصات:
كما سبق أن رأينا من خلال هذا العرض الموجز، فإن تقنيات الإبداع وافرة،
كما أن جهود الذين يعملون على تطبيقها مثمرة بصفة خاصة، بما في ذلك الذين
يزعمون أنهم يكونون بأنفسهم علم الإبداعية. وكما هو معلوم فإن مسألة التجديد
تصير شيئاً فشيئاً مشكلة اجتماعية اقتصادية أساساً، وتمر عن طريق العمل
الجماعي؛ لأن هذا الأخير تم تعميمه في المقاولات، وكذلك في ميدان البحث
العلمي والتربية، وفي كل ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية. لكن رغم كل هذا
فإن البحث في إبداعية الجماعات سواء كان نظرياً أو تجريبياً لا يزال في بدايته.
وكما أشار ماكجرات وكرافيتز (١٩٦٢: Kravitg/ Mcgrath) في مجلة
نشرت أخيراً تهتم بالأبحاث حول الجماعات؛ فقد بقي علينا أن نقوم بكل شيء في
هذا الميدان أو تقريباً كل شيء؛ ذلك أنه باستثناء فترة قصيرة تم خلالها نشر
«تحفيز الإبداع» (Brainatorming) وما حققه من نجاح، فإن هذا المبحث من
علم النفس الاجتماعي ظل مبحثاً مشؤوماً لأسباب تتعلق بصعوبة إجراء التجارب
والتحليل المنهجي الإبداعي، كما تتعلق بتعقّد التطور التدريجي المتتابع نفسه الذي
تجري عليه المتغيرات الإدراكية والعاطفية والاجتماعية في نفس الوقت [٢٥] .
ومع ذلك يبدو أن علم النفس الاجتماعي لا يمكنه أن يهمل هذه المسألة طويلاً،
وبإمكانه تغذيتها بأجوبة رئيسة بفضل الخطة التجريبية التي تبدو ملائمة لهذا
النوع من الأسئلة في شأن التطور الاجتماعي والاقتصادي.
يبدو لنا إذن أن دراسة إبداعية الجماعات يجب أن تتحول في السنوات القادمة
إلى أحد موضوعات البحث المهيمنة على نظامنا.
стр. 3688
متابعات
وداعاً أخي وشيخي
أحمد الشوادفي
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا معقب لحكمه ولا رادَّ لقضائه، اللهم إنا
نؤمن بقضائك ونحتسب عندك أجر الصبر على بلائك [وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ
الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ] (البقرة: ١٥٥) .
أحسن الله عزاءنا في أخي وشقيقي الشيخ صفوت الشوادفي، أحسن الله
عزاءنا في ناصر السنة وقامع البدعة، الذي أعمل ذكاءه وأبلغ جهده في خدمة
الإسلام والمنافحة عن التوحيد. لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل
مسمى، طبت حياً وميتاً يا أبا أنس. لقد هز قلبي وأعضائي خبر وفاته، وتشتت
تفكيري وكياني، لكني سرعان ما دعوت ربي أن يرزقني الصبر ويلهمني صوابي.
كان ﵀ واسع الأفق، ثاقب النظر، حاضر الذهن، سريع البديهة،
كان داعية بليغاً رقيقاً حليماً متواضعاً قوالاً بالحق عاملاً به، لا يخاف في الله لومة
لائم، كان رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، كان معلماً ومرشداً وناصحاً، وكان
ذا همة عالية، يحمل هموم الأمة.
وإنه مما أثلج صدري مشاركة تلك الجموع [١] في تشييع الجنازة لا سيما وقد
كان فيهم أفاضل القوم وشيوخ الأزهر وعلماء كافة الجمعيات الإسلامية، وكذلك ما
أخبرني به بعض الإخوة أنه صلى المغرب قبل الوفاة [قبل الحادث] بعشرين دقيقة
إماماً وكان آخر آية قرأها: [وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ
كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً] (الإسراء: ١٩) . كان ﵀ في هذا اليوم الأخير من
صباحه إلى مسائه في زيارة لوالدته حيث قضى عندها كل اليوم هو وأسرته، ولعل
من حُسن خاتمته أنه كان حديث عهد بالبيت الحرام؛ فقد كان عائداً من عمرة قبل
وفاته بأسبوعين تقريباً.
ولد ﵀ في ١/٩/١٩٥٥م في بلدته الشفانية بمدينة بلبيس محافظة
الشرقية بمصر، ومات في حادث سيارة يوم ١٨ من جمادى الآخرة ١٤٢١هـ،
عن عمر ٤٥ سنة. حصل على شهادة جامعية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
بالقاهرة، وأثناء دراسته بالكلية حصَّل كثيراً من العلم؛ حتى إنني أذكر أنه في
السنة الثالثة من دراسته الجامعية ناقش عالماً من علماء الأزهر [واعظ المدينة] فقال
له ذلك العالم: إني أتعجب كيف جمعت بين تحصيلك للعلوم الشرعية ودراستك! !
وكان له ﵀ عدة مناقشات ومناظرات أذكر منها ما كان مع فضيلة شيخ
الأزهر الشيخ محمد سيد طنطاوي، ورئيس جامعة الأزهر الدكتور أحمد عمر هاشم؛
وقال له حينها شيخ الأزهر [وكان مفتياً لمصر في ذلك الوقت] : يا أستاذ صفوت،
أنت رجل فقيه وأنا أحترم فقهك ... وقد نُشرت هذه اللقاءات على صفحات جريدة
اللواء الإسلامي في ثلاثة أعداد على ما أذكر.
كان ﵀ في دعوته صابراً حكيماً مخلصاً يترك لله ويعطي لله؛ فقد ذكر
لي أحد الشيوخ بالرياض أنه ﵀ عندما كان يعمل بالمملكة العربية السعودية
وأراد أن يعود إلى مصر من أجل الدعوة؛ عرض عليه عدد من أهل الخير رواتب
مغرية جداً، ولكنه رفض كل العروض والإغراءات من أجل الدعوة إلى الله عز
وجل وقد رأيت بعيني وسمعت بأذني اثنين من الشيوخ بالرياض وكانا في زيارته
بمصر يعرضان عليه المجيء إلى السعودية للدعوة وهو الذي يحدد الراتب،
ويعددان له المزايا الأخرى، فرفض في أدب وحكمة وقال لهما: الدعوة هنا بحاجة
لي.
وكان ﵀ ورفع درجته يخاطب الناس على قدر عقولهم وإدراكهم؛ فقد
كنت معه ذات يوم في دار التقوى للنشر والتوزيع الخاصة به في مدينة بلبيس
بمصر ودخل رجل رث الثياب وقال وهو يدخل من الباب: يا بدوي [٢] ثم اقترب
من الشيخ ﵀ وقال: أعطني شيئاً يا عم الشيخ. فقال له الشيخ: لن أعطيك
شيئاً. فقال الرجل ليه [لماذا] ؟ فقال له الشيخ: خلِّ البدوي يعطيك! فسكت الرجل،
فقال له الشيخ: الذي يعطي كل المخلوقات هو الله سبحانه ثم أدخل يده في جيبه
وأعطاه بعض المال.
ومن أمثلة إخلاصه وحكمته في دعوته أن أنصار السُّنة في بلبيس أحيوا إقامة
سنة صلاة العيد في الخلاء، فكانوا يفرشون مكاناً يسمى الساحة وهو نادٍ رياضي
كبير ربما استوعب خمسين ألف مصل، وكانوا يقدمون هدايا للأطفال بعد الصلاة،
والحقيقة أن المنظر والاجتماع لصلاة العيد كان لهما أثر كبير في مشاعر المجتمعين،
وكانت الخطبة تحرك المشاعر والقلوب، ثم قامت وزارة الأوقاف بهذا العمل بدلاً
من أنصار السُّنة؛ فغضب بعض طلبة العلم وبعض الشباب وأتوا إلى الشيخ رحمه
الله وقالوا: كيف نحيي نحن هذه السُّنة في هذا المكان لعدة سنوات ثم تأتي الأوقاف
وتأخذ منا المكان؟ فقال لهم: لماذا تغضبون؟ ! هم أقاموا السنة ونحن نصلي
خلفهم، المهم إحياء السُّنة، فانظروا إلى سُّنة أخرى لتحيوها.
ويرجع الفضل في صفاته الحميدة وإيثاره وكرمه وتقواه بعد الله إلى
تربية الوالدين أسأل الله سبحانه أن يجزيهما عنا خير الجزاء.
وبعدُ: فقد تُوفي الشيخ ﵀ مربياً وقائداً من قادة أنصار السُّنة المحمدية
في مصر، ومن أهم أعماله ﵀ طباعة مجموع فتاوى ابن تيمية، طباعة
مختارات من فتاوى دار الإفتاء المصرية عن مئة عام، جمع وطبع فتاوى لجنة
الإفتاء بالمركز العام لأنصار السنة، جمع وطبع مجموعة من فتاوى اللجنة الدائمة
بالسعودية، ألف عدة كتب ورسائل أشهرها: اليهود نشأة وتاريخاً، أشرف على
طبع موسوعة الشيعة للدكتور علي السالوس، إلى غير ذلك. فاللهم أكرم نزله،
ووسع مدخله، واجزه عن الإسلام والسنة خير الجزاء، واجمعنا به مع المتقين في
جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
والحمد لله على كل حال، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3689
المنتدى
دعوة للمصالحة والوحدة
محمد فضل محمد فضل
الصلح شَعِيرة عظيمة حثَّ عليها الإسلام في قوله تعالى: [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]
(النساء: ١٢٨) والدعوة الإسلامية أحوج ما تكون لمثل هذه الشعيرة وهي تشق
طريقها في وجه التحديات والمخاطر التي تحاك ضد الإسلام، ولما ظلت تتعرض
له الدعوة الإسلامية من تصدع وانقسامات أثرت سلباً على مسارها الدعوي وكان له
انعكاس سيئ على أفرادها، فمن كان يصدق أن الدعوة الإسلامية سيصيبها ما
أصاب الأمم الأخرى من الشتات والتحزب إلى جماعات وفرق حتى أصبح كل
فريق يكيل للآخر السباب ويتحين الفرص للانقضاض عليه، وفقد كلا الفريقين
الثقة في الآخر، فانتشر بينهما سوء الظن، وانفرط عقد الأخوة الإسلامية وحل
محلها الكراهية والبغضاء حتى أصبح الأخ ينفر من أخيه المسلم، وإذا رآه في
المجالس العامة لا يصافحه ولا يسلِّم عليه؛ وهكذا ضاعت الأخوة الإسلامية في
وسط هذا الركام من الخلافات والنزاعات التي لا يوجد ما يسوغها خاصة أن الفرقاء
يجتمعون في الأصول؛ وقد يختلفون في مسائل اختلف فيها أهل الفضل قديماً،
وليس عيباً أن يختلفوا اختلافاً سائغاً ولكن العيب أن يقنن البعض لهذا الخلاف
ويسعى لتحزيب الناس عليه.
وقد اختلف السلف الصالح في مسائل كثيرة ولكنهم لم يتحزبوا ولم يدعو إلى
مقاطعة مخالفيهم ولا إشاعة الكراهية بينهم؛ لأنهم كانوا يدركون أن الشخص قد
يجتمع فيه الخير والشر، فيحبون ما عنده من خير، ويبغضون ما عنده من شر،
وظلت جذوة الأخوة الإسلامية متقدة في صدورهم؛ ولهذا دانت لهم الأمم والشعوب
واستطاعوا أن يسودوا العالم، فما أحوج الدعوة الإسلامية اليوم لهذا الفقه (أدب
الخلاف) فالتاريخ يحدثنا أن عائشة ﵂ كانت تقول: «من زعم أن
محمداً ﷺ قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» بينما كان ابن
عباس وجمهور الأمة يقول بالرؤية ولم نسمع أن أحداً قد وصف عائشة رضي الله
عنها بأنها قد جاءت بمنكر من القول، بل اعتبرها المخالفون أنها قد اجتهدت ولها
أجر الاجتهاد، ولم يسعوا إلى تجريمها أو اتهامها بالانحراف والخروج عن منهج
السلف. وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط؛ «ولو كان كلما اختلف
مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر
وعمر ﵄ سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير،
وقد قال النبي ﷺ يوم بني قريظة:» لا يصلين أحدٌ العصر إلا
في بني قريظة « [١] فأدركتهم العصر في الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلا في
بني قريظة ففاتهم العصر، وقال قوم: لم يرد منا تأخير الصلاة فصلوا في الطريق،
فلم يُعب أياً من الطائفتين» أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر؛ وهذا
إن كان في الأحكام فما لم يكن في الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام « [٢] .
стр. 3690
المنتدى
البيان والتجديد
تركي بن عبد الله الشريف
تلمع مجلة البيان في سماء الإعلام الهادف لتعكس صورة هي أوضح ما تكون
عن مدى الوعي الذي وصلت إليه الصحوة المباركة، وتجمع بين دفتيها هموم حَمَلة
الرسالة السامية واهتماماتهم وآمالهم في اتساق رائع وإخراج فريد، فكانت بحق
لساناً صادقاً نزيهاً لهذه الصحوة المباركة، ولعل ما جاء في العدد ١٥٢ يعد دليلاً
ناطقاً لما زعمت؛ غير أني أقف وقفة المتسائل مع افتتاحية ذلك العدد فأقول: فعلاً
نحن بحاجة إلى مثل هذه المراجعات الواقعية التي تضع اليد على الجرح، وتنمي
القدرة على المواجهة والتفكير والاعتراف بالتقصير بدلاً من السير الأعمى
الفوضوي، غير أن الكلمة الصاعقة التي في بداية الحديث: «تشهد الحركة
الإسلامية تراجعاً» تشعر المرء بالإحباط؛ إذ كيف تتراجع وهي لم تحقق أهدافها
المرجوة منها بعد؟ أم كيف تراجعت ونحن نشهد انتصارات لها بين الفينة والأخرى؟
إن الحركة الإسلامية ما زالت في طور التكوين رغم جميع الإنجازات التي
حققتها، ومعظم الأسباب المذكورة في الافتتاحية إن لم يكن كلها هي أسباب وأخطاء
في تكوين الحركة وليست في الأداء فقط. وهذه الأسباب لم يحصل فيها تقدم أصلاً
على حد علمي حتى نقول بالتراجع؛ وإنا لنحمد الله أن هذه الأخطاء لم
تكن عائقاً في تقدم الصحوة، لكن علينا المبادرة إلى إصلاحها.
هذا الحديث يدفعني إلى التأكيد على ضرورة مراجعة الذات في فترات قصيرة
ولا ننتظر السنين لتبدي لنا الأخطاء بل نسعى بهذا الأسلوب الوقائي لإجهاض
الأخطاء قبل وقوعها. أسأل الله أن يجعلنا ممن يحاسبون أنفسهم
ويستغفرون لزلتهم إنه الغفور الرحيم.
стр. 3691
المنتدى
البدعة
محمود جمال البكر
تختص البدعة في الشرع بقيود ثلاثة هي:
١ - الإحداث: والمراد بالإحداث: الإتيان بالأمر الجديد المخترع إذا لم
يسبقه مثيل كعبادة الأصنام أول وجودها.
والدليل على هذا القيد قوله ﷺ : «من أحدث» . وقوله:
«كل محدثة بدعة» وبهذا القيد خرج ما لا إحداث فيه أصلاً مثل فعل الشعائر الدينية
كالصلوات المكتوبات، وصيام شهر رمضان، والأمور الدنيوية المعتادة كالطعام
واللباس ونحو ذلك.
٢ - تعلق هذا الإحداث بالدين: والدليل على هذا القيد قوله صلى الله عليه
وسلم: «في أمرنا هذا» ، والمراد بأمره ها هنا دينه وشرعه، [جامع العلوم
والحكم ١/١٧٧] وبهذا القيد تخرج المخترعات المادية والمحدثات الدنيوية مما لا
صلة له بأمر الدين.
٣ - ألاَّ يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي بطريق خاص ولا عام؛
والدليل على هذا القيد قوله ﷺ : «ما ليس منه» ، وقوله:
«ليس عليه أمرنا» . وبهذا القيد خرج ما له أصل شرعي عام أو خاص.
كما أن البدعة بالإطلاق الشرعي هي البدعة الواردة في حديث «كل بدعة
ضلالة» دون البدعة اللغوية. ولذلك فإن البدعة الشرعية موصوفة بأنها ضلالة
بخلاف البدعة اللغوية لا يلائمها وصف الضلالة والذم.
стр. 3692
المنتدى
لا للعنصرية
محمد بن عبد الله الرويلي
من المؤسف أن الواقع اليوم يعجّ بألوان وأشكال من العنصرية؛ فبالإضافة
إلى العصبية القبلية هناك العنصرية الإقليمية التي تسود بين بعض الأقطار العربية
والإسلامية؛ فبعض الأقطار لا يطيق الأقطار الأخرى، وكذلك هناك العنصرية
العرقية بين بعض السود والبيض، أو بين بعض العرب والعجم، أو غيرها من
الصور البغيضة لهذا الداء العضال.
ولكن المصيبة العظمى تكمن في تأثر بعض الدعاة الذين يحملون لواء
الصحوة بهذه النظرات الجاهلية بقصد أو بغير قصد، ومن ذلك ما يمارسه بعض
الصالحين من تصرفات لا تخلو من العنصرية، كالحزبية في الدعوة، وعدم
السماح للآخرين بالمشاركة في هذا العمل أو ذاك بحججٍ واهية، أو احتقار الدعاة
لبعض إخوانهم في المناطق النائية وعدم الاقتناع بأي عمل يعملونه، أو الحديث عن
مثل هذه الأمور والخوض فيها في المجالس الدعوية باسم المزاح، أو حصر الدعوة
على فئات معينة من المجتمع وإهمال فئات أخرى وفقاً لموازين طبقية أو مادية،
وغير ذلك من الصور والممارسات، وقد رأيت وسمعت الكثير من هذه الأمور بل
شَمِمْتُ رائحة العنصرية وهي تفوح من بعض الدعاة.
إن وجود مثل هذا الأمر بين رجالات الدعوة لا شك في أنه تشويه للصحوة
الإسلامية وتنفير منها وحيادةٌ عن المنهج الصحيح، ومن شأنه أن ينزع الثقة من
قلوب الناس الذين تعلقت قلوبهم بالدعوة الإسلامية.
وليحذر الداعية المخلص، الحريص على نشر الخير والذي له قدم صدق عند
الناس أن يعمل عملاً أو أن يُسمع منه قولٌ يوحي بشيء من التعصب أو التكبر أو
الاحتقار لأحد؛ فإنه إن فعل ذلك يكون قد كتب سقوطه بنفسه، سقوطاً لا قيام بعد!
стр. 3693
المنتدى
لماذا التقاعس ؟ !
صالح بن محمد
في خضم الأحداث وكثرة الجراحات والدماء النازفة في جسد الأمة، ومع
التحديات العلمانية والكفرية الإلحادية لتجفيف المنابع وبخاصة عقيدة الولاء والبراء
في قلب المسلم، وإزاغته عن دينه ومنهجه وعقيدته ولغته؛ نجد في هذه الأجواء
من أبناء الإسلام ومن أهل الدعوة وأصحاب الصحوة: من رفع يده عن العمل
الدعوي واكتفى بنواحه على الإسلام وأهله وندب الحظ بحد زعمه وآخرون منهم
يعملون ولكن بخطى ثقيلة وخطوات بطيئة ليأسه من الإصلاح العام الشامل، وقليل
هم أولئك الدعاة العاملون الصادقون المخلصون الجادون الواثقون بنصر الله وتمكينه
لأهل دينه في الأرض.
فلماذا كل هذا التراجع والتقاعس والضعف والهوان؟ ! ألم يقل الله تعالى:
[وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ] (آل عمران: ١٣٩) ثم إن من سنن الله الثابتة
في هذا الكون: [وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] (الأحزاب: ٦٢) هي التمكين
والنصر والغلبة لعباده المؤمنين: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ
يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ] (الأنبياء: ١٠٥) فالتمكين حاصل لا محالة؛ ولكن ما
دورنا في رفع كلمة الله ونصرتها؟ !
إن من المتحتم على المسلم وسط هذه الأجواء: الصبر والمصابرة، والجد
والعمل، والدعوة الصادقة إلى الله، والدلالة على سبيله بجميع الوسائل والتقنيات
العصرية، والاستقامة على الدين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ واصفاً
حال أولئك: «وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام
جزع وكلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور
بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا
والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى، وأن ما يصيبه فهو بذنبه؛ فليصبر إن
وعد الله حق ويستغفر لذنبه، وليسبح بحمد ربه بالعشي والإبكار» .
[الفتاوى، ١٨/٢٩٣]
وهمسة أخيرة في أذن كل مصلح وداعية وعامل: [فَمَن يَعْمَلْ مِنَ
الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ] (الأنبياء: ٩٤) . فلماذا
التقاعس؟ ! فقد مضى عهد النوم! !
стр. 3694
المنتدى
دموع الغروب
عبد الله بن حماد البلوي
وقف ذلك الشاب.. ينظر غروب الشمس.. ويرمقها وهي تختفي بعيداً..
ويختفي معها نورها الذي كسا الأفق.. فدمعت عيناه.. فقد تذكر أن غروب هذه
الشمس إنما هو غروب عام كامل.. فلقد انتهى العام.. ولم يبق منه سوى بقايا هذه
الأشعة التي بدأت في الرحيل.
فمر به شريط حياته في هذه السنة.. ليشاهد نفسه المعرضة ترخي زمام
الهوى، ولتمضي به بعيداً عن الله وعن طريقه..
شاهد نفسه الغارقة في بحر الشهوات الذي تقاذفته أمواجه في كل مكان..
وهو بلا حراك..
شاهد الصائمين في رمضان يخرجون من المساجد بعيون دامعة وقلوب
منكسرة وهو في لعب ولهو.
تذكر أنه في هذا العام الذي رحل قد عق أمه كثيراً، وخالف أمرها كثيراً،
فدمعت عينه لهذا العقوق..
انهال دمعه أيضاً وهو يرى أهله يصومون أياماً من شوال؛ وهو لم يفكر
بقضاء ما عليه من رمضان..
ويمضي هذا الشريط ليرى الناس وقوفاً في عرفة يدعون الله ويبتهلون إليه
بالمسألة حين كان هو مقبلاً على قنوات الفضاء بكل جوارحه.
في هذه الأثناء توارت الشمس وغابت عن الأنظار، وادلهمَّ الليل، فشعر هذا
الشاب بالخوف، وأحس أن الحياة تمضي وهو في إعراضه غارق.. وفجأة سمع
صوت الأذان وكأنه يسمعه لأول مرة.
وقال في نفسه: كم ناداني المؤذن في هذا العام وأنا في إعراض عن ندائه؟
وتساءل في نفسه: هل سيغفر الله هذا الذنب؟ وهل سيمحو هذه الخطيئة؟ وأنا لا
أذكر متى دخلت المسجد! فما أشد إعراضي وما أكبر ذنبي! ! فأجهش بالبكاء..
وحين أراد القيام سمع صوت الإمام يقرأ بصوت شجي ندي آياتٍ أحيت فيه الأمل
وحركت منه الفؤاد: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] (الزمر: ٥٣) .
стр. 3695
المنتدى
وكذلك ننجي المؤمنين
عبد الله بن هادي بن ناجير
ظلماتُ الهوى ستُمحى كثلج ... ذوّبتهُ البحار، والحق يُنجي
ويحَ قومي! تقاطروا نحو سُفْنَ ... دَفّةُ السّفْنِ لا تُدارُ لِنَهجِ
هل ستُؤوي مراكب الشرق فوجاً ... واحداً أم مراكب الغرب تُنْجي؟ !
خُدِع القومُ بالمراكب لمّا ... زيّنوها بغانياتٍ وهَزْجِ
مركب الشرق بالسماجة يهذي ... وكذا الغرب قد تلاقوا بِسُمْجِ
ينسجون المُنى وهيهات بُعداً ... مثل أعشى يرى سراباً بَفَجِّ
أو مريضٍ على الفراشِ طريحٍ ... كلما أنْ خدَّرُوه ببِنجِ
يُوهمون الورى بأنْ ليس يشكو ... كيف يهنا وقد أُصيب بَشَجِّ؟
لا يزالون في ثيابِ صديق ... لا يُطيق المسيرَ إلا بِعرْجِ
وإذا ما خلا بعضهم ببعضٍ ... أسرعَ الخطو في ملابس عِلْجِ
وإذا الفلكُ في البحارِ تجارت ... كان رُبانهم يُجيز بِخَرْجِ
ركبوا البحرَ والرياحُ عواتٍ ... تطلب القوم في مراكبَ خُدْجِ
تطلب القومَ، والبحارُ تنادي ... يا سماء الدُّنا أَهِلِّي بَثَجِّ
فالتقى الماء، والمراكب تجري ... فوق موجٍ وتارة تحت موجِ
هلك الجمعُ بالمراكب إلا ... فُلْكُ نُوحٍ؛ دعا الإله فنُجّي
стр. 3696
المنتدى
ردود
* الأخ: محمد عبد الله التميمي: أرسل هذه الرسالة: «يسرني أن أشكر لكم
جهودكم الخيرة في هذا المنتدى؛ منتدى الخير والبركة، وجهودكم الجبارة نحو
مجلتنا (مجلة البيان) المحبوبة، فكم تغمرني الفرحة ومشاعر الغبطة نحو مجلتنا
هذه في إهلال كل شهر؛ حيث أجد فيها روضة غناء فيها من مختلف الثمار،
والفواكه الدانية، إبداع في الأسلوب، تجديد في الطرح، تنوع في المواضيع،
معالجة لمشاكل الأمة ونوازلها؛ فكم طرح فيها من قضية، وعولجت من مسألة؛
فهذا جزيل شكري، وصادق دعواتي أهديها لكم، وفقكم الله، وسدد على درب
الخير خطاكم، وجعل الجنة مثوانا، ومثواكم» .
ونحن إذ نشكر الأخ على هذه المشاعر الطيبة نسأل الله تعالى أن نكون عند
حسن الظن، وأن يوفقنا لخدمة دينه.
* الأخ: عبد الله بن حذافة السهمي: وصلتنا رسالتك، ونشكر ونقدر ثقتك
بمجلة البيان، وعن الأسئلة التي أرسلتها حول المسألة الشيشانية، فيمكنك مراجعة
المقابلة التي أجريت مع الشيخ محمد السيف في المجلة، كما يمكنك التواصل مع
الإخوة من خلال موقعهم على الإنترنت، وفقنا الله وإياك لكل خير.
* الأخ: د. عبد الله بن هادي القحطاني: وصلتنا مشاركتكم الكريمة، ولكنها
كانت ناقصة، نرجو التكرم بإعادة إرسالها وجزاكم الله خيراً.
* الأخوين: إبراهيم بن صالح الهزاع، فيصل بن حسين الحلواني: نشكر
لكما تواصلكما الكريم مع المجلة، كما نشكر لكما اقتراحاتكما الطيبة التي هي محل
اهتمامنا، بارك الله فيكما.
* الإخوة والأخوات: د. ماهر عباس جلال، أحمد عبد الله السعد، أسعد
التهامي، د. زيد الرماني، أحمد عبد الدايم، عبد العزيز عبد الله الصالح، نوري
بشير مبارك، خولة درويش: جزاكم الله خيراً على هذا التواصل الطيب، ونفيدكم
بأن مشاركاتكم مجازة للنشر بإذن الله تعالى مع تمنياتنا بدوام التواصل.
* الإخوة: سلمان بن يحيى المالكي، أحمد الخرجي، علي بن سليمان
الدبيخي، ممدوح الشيخ، رضا أمين عطية، طارق العمودي، رضا فهمي، سالم
فرج سعد، خالد الهديب: سعدنا بمشاركاتكم، وحرصكم على التواصل،
ومشاركاتكم ستعد للنشر في المنتدى إن شاء الله تعالى.
* الإخوة والأخوات: عطية فتحي الويشي، سمل وهبي فرح أحمد،
د. محمد خليل جيجك، عبد الله العنزي، سيد سراج الهدى، عبد العزيز الحيدري،
عبد الغني فطاني، عبد اللطيف الوابل، أبو محمد الجزائري، سعود آل عوشن،
عبد الملك محمد التويجري، أبو حذيفة الأعظمي، مندوبية الروابي بجدة،
أبوصالح الحجيلان، محمد بن حسين عطار، نور الفضلي: أسعدنا تواصلكم
مع مجلتكم، بارك الله فيكم وفي جهودكم، مع تمنياتنا لكم بالتوفيق في مشاركات
قادمة.
стр. 3697
الورقة الأخيرة
التدافع بالأكتاف والأكعب.. من المستفيد ؟
د. محمد البشر
الولوغ في الأشخاص والهيئات مسلك ذميم.. ومن ظلم النفس والآخرين أن
تكون هذه الصفة دأباً لصاحبها إما عن غفلة وإما عن قصد، وكلاهما مر.
وهذا المسلك المشين يلحظ على أخلاقيات بعض المحسوبين من الصالحين.
فإذا اغتنى أحد بمال.. استكثره عليه، وتساءل: من أين له؟ وكأن الغنى
حكر على غير الصالحين، وغاب عنه أنه: «لا حسد إلا في اثنتين» [١] ،
و «ذهب أهل الدثور بالأجور» [٢] . وكأنه لا يجتمع داعية وغنى! !
وإذا سبق أحدٌ بالخير تجشَّأت نفسه بالبَشَم الدنيوي؛ فسخر من قَدْره، أو سفه
بعمله، أو هزأ بفضله، وغاب عنه قوله تعالى: [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ]
(الحديد: ٢١) ، وقوله: [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ]
(النساء: ٥٤) .
وإذا عمل معه آذاه ووشَى به، وتجنى عليه بالثلب والسلب، وزاحمه
بالأكتاف والأكعب، وكأن المكان لا يتسع إلا له، وغاب عنه قول ربه: [وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً]
(الأحزاب: ٥٨) .
إن التدافع بالألسنة والأكتاف والأكعب لا يكون إلا في الخير وللخير، أما أن
يدور في فلك المنفعة الشخصية الذاتية؛ فيقترف صاحبه لأجله خطيئة، أو يكسب
إثماً، ويتجاوز ضرره النفس إلى الغير، فهو أمر يستدعي تهذيب النفس وصَقْلها،
وربما عَسْفها وأَطْرها على الحق راغمة وصاغية.
صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم
وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [٣] ، وسلامة القلب علامة خير عظيم
ونبوءة أجر كبير، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلمعن أحد أصحابه أنه من
أهل الجنة، فلما تقصَّى صحابيٌّ دأبه في ليله ونهاره لم يجد كثير عمل غير أنه
يمسي ولا يجد في قلبه على أحد شيئاً.
التُّقى والصلاح لا يُحلان التجني على الآخرين وإيذائهم والنيل منهم، ولن
يكونا شفيعين لصاحبهما أن يَلِغَ بلسانه في سيرهم أو يجد في نفسه شيئاً عليهم، بل
حري بمن هو في عداد الصالحين أن يكون التُّقى والصلاح سياجاً يحميه من الإثم
وأسباب الخصومة والبغضاء التي تضر ولا تنفع، وتفرق ولا تجمع، وأكبر
الضرر أن يتعدى الأشخاص إلى مؤسسات الخير والدعوة.
ومعنى أن يصدر ذلك كله من الدعاة الصالحين هو تجريح للنماذج، وتهافت
للرموز.
стр. 3698
رمضان - ١٤٢١هـ
ديسمبر - ٢٠٠٠م
(السنة: ١٥)
стр. 3699
كلمة صغيرة
نهاية الإحساس
كان لأحداث انتفاضة الأقصى أثر في إثارة مشاعر العداوة والبغضاء لليهود
على كافة المستويات الثقافية، والانتماءات الفكرية، والمراحل العمرية كذلك،
وهذا أمر إيجابي حين تتحرك مشاعر الإنسانية والتعاطف في وقت يتطلب إظهار
هذه المشاعر ولو على سبيل المجاراة والمحاكاة، لكن نفراً يحسبون أنفسهم من
«بني آدم» قد استبدلوا بإنسانيتهم شيئاً آخر لا ينتمي حتى إلى خلق آخر ولو
كان جماداً صلباً! !
وكان نصيب ما يسمى «حركة السلام العربية أو جماعة كوبنهاجن» من ذلك
الشيء الكثير؛ ففي مقابلة مع أحدهم اعتبر أن ما قام به الفلسطينيون من مقاومة في
المسجد الأقصى نوع من أنواع الفاشية الجديدة! ! «إنه قهر للمجتمع المدني
وإحراج لقوى السلام في إسرائيل، حتى المظاهرات التي خرجت في الشوارع
العربية لم تكن إلا تمهيداً لهذه الفاشية وليست في صالح الشعب الفلسطيني» .
ويؤمِّن على هذا الكلام الذي يحتاج إلى تأميم، وتأمين للناس من سفهه كاتب
آخر، فيقول: «نحن نعيش حالة الحرب في عقولنا فقط، ونرفض الاستماع إلى
أصوات السلام داخل إسرائيل، إن التصور الصحيح أن كل الأطراف مسؤولة عما
جرى وعما يحدث الآن، ومن العبث تصور أن إسرائيل وحدها هي المخطئة، لقد
رأيت صورة محمد الدُّرة، ولكن رأيت أيضاً صورة الجنود الإسرائيليين الثلاثة
وهم يذبحون وتُحرق جثثهم، لماذا تتجاهلون ذلك أيضاً؟ ! !» .
لا يدري المرء وهو يسمع ذلك ماذا يقول! ! في الوقت الذي يطالب فيه
بعض اليهود حكومة باراك بالكف عن المجازر التي يفعلونها! ألم يستمع أولئك إلى
رفض المسؤولين في حركة السلام الإسرائيلية تنظيم أية مظاهرات تأييداً لعملية
السلام، وذلك لشعورهم بالإحباط؛ لأن باراك قد قدم تنازلات لم تحدث من قبل
وخاصة في شأن القدس، وأن الفلسطينيين غير مستعدين لذلك.. فرحمة الله على
بني الإنسان.. ولا عزاء للإحساس.
стр. 3700
الافتتاحية
أمة حيّة.. أمة ولاّدة
يرى بعض الباحثين في التاريخ الإسلامي أن انفصال السلطة عن الأمة في
الدول الإسلامية المتعاقبة لم يكن سيئاً من جميع جوانبه؛ إذ إن التقلبات
والاهتزازات التي كانت تصيب أنظمة الدولة نتيجة فقدان السمة المؤسساتية فيها لم
يكن يطول الأمة المسلمة التي كان لها آلياتها الخاصة ومؤسساتها المستقلة والمتنامية،
كنظم القضاء والتعليم والأوقاف والجهاد في سبيل الله والحسبة، ولذلك «فإن
حضارة أمم الإسلام ظلت حية نشطة معظم الوقت تقريباً» [١]
ومنذ دخول الأمة في نفق الغثائية وانقضاض القوى المتربصة بها عليها
يحرص أقطاب هذه القوى على قياس «درجة الحياة» في الأمة المسلمة من حين
إلى آخر، وذلك بالقيام بعمليات «جس نبض» مدروسة ومخطط لها بعناية
لشعوب هذه الأمة، وبناءاً على طبيعة «رد الفعل المعاكس» الصادر من هذه
الشعوب يعرفون الواقع الحقيقي وليس المفترض الذي تعيشه هذه الشعوب، من
جهة وعيها وتصوراتها وأفكارها وعواطفها وإرادتها، ومن ثم: يضعون خطواتهم
القادمة بناءً على تصور واقعي وليس متخيلاً لما وصلت إليه هذه الشعوب، ومن
هنا ندرك الأهمية القصوى للدور الحيوي الذي تلعبه هذه الشعوب أفراداً
ومجموعات في معركة الصراع الذي تعيشه أمتنا مع أعدائها.
ولعل من عمليات جس النبض هذه ما قام به مؤخراً مجرم الحرب الصهيوني
(شارون) ، عندما قام بزيارة اقتحامية منظمة ومعد لها سلفاً للمسجد الأقصى
المبارك، ظانّاً هو ومن وراءه أن الصمت البادي من الشعوب الإسلامية المغلوبة
على أمرها صمت أبدي، وفي أقصى الحالات لن يكون صراخ هذه الشعوب إلا
أنيناً يدل إن خرج على احتضار الفريسة، وهذا ما صرح به شارون نفسه عندما
قال: (إنه كان يتوقع ردود أفعال، ولكنه لم يتصور أن تكون ردود الأفعال بهذه
القوة) !
نعم.. جاءت ردود الأفعال قوية على غير المتوقع من الشانئين، بل من كثير
من المتفائلين والمتعاطفين، جاءت تمزق شهادة الوفاة التي كان يُعِدُّها أعداء هذه
الأمة لها، لتكتب من جديد شهادة بالدم أن هذه الأمة بحمد الله حية لا تموت، وأن
حبل اتصالها التاريخي غير منقطع؛ لأنها ببساطة أمة الشهادة على الناس، ولأن
حضورها مستمر حتى قيام الساعة. [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ
عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً] (البقرة: ١٤٣)
لم تكن قوة رد الفعل وحدها ما يلفت النظر، بل حملت التحركات الشعبية
المتوالية عدة دلالات رمزية لا تُغفَل ولا يستهان بها، من ذلك:
- ارتباط هذه التحركات في مجملها بالرموز الإسلامية، سواء أكانت مساجد،
أو شخصيات إسلامية التوجه ذات مكانة علمية أو دعوية عند الناس، أو في
صورة تبني الشعارات الإسلامية الواضحة، وفي ذلك دلالة على أن روح هذه الأمة
وشخصيتها المستقلة المتميزة مرتبطة بإسلامها.
وهذا يؤكد واجب العلماء والدعاة في ريادة الأمة وتوجيه مسيرتها، فَهُم قلبها
النابض، ودمها المتدفق.
- انتشار هذه التحركات من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه، بل تعديها إلى
الأقليات الإسلامية التي تعيش في الغرب، ولا يقل عنها دلالة انتشارها بين
فلسطينيي (٤٨) ، ليؤكد جميع هؤلاء للعالم أن هويتهم الحقيقية هي الإسلام،
وليؤكدوا أيضاً إخفاق مشروع الدولة القومية المعاصرة في القضاء على شعور
الوحدة والانتماء الإسلامي.
- وإذا كانت هذه التحركات ارتبطت برموز إسلامية، إلا أن المتحركين
الفعليين لم يكونوا جميعاً أصحاب توجه إسلامي عقائدي، بل كانوا في الغالب
أصحاب عاطفة إسلامية متأججة، بل لقد خرجت صيحات (الجهاد) أحياناً من
شخصيات وتجمعات محسوبة عادة على الاتجاه المعاكس للتيار الإسلامي، ولكنها
هنا اقتربت جداً من شعاراته وإن اختلفت معه في منطلقاته، وقد يكون دافعها إلى
هذا الاقتراب: إما العاطفة، وإما التقاء المصالح، وإما الانتهازية وركوب الموجة؛
وفي ذلك كله دلالة على يقظة الحس العام؛ وإن كان يحمل في طياته خطورة
الارتكاز على هذا الحس وحده، ولكن ينبغي النظر في كيفية توظيفه واستثماره.
- تعددت مظاهر هذه التحركات كل حسب موقعه وإمكاناته واستطاعته: من
مواجهات بطولية يومية للشعب المسلم الفلسطيني مع العدو في الداخل، وبذله لدمه
رخيصاً في سبيل المقدسات الإسلامية، إلى مظاهرات مليونية أو آلافية في بعض
البلدان، إلى مقاطعة أو محاصرة للرموز الغربية والأمريكية بما يشبه عمليات تأميم
شعبية، إلى تبرعات بالملايين للشعب المسلم الفلسطيني في الداخل مع التمييز
الواعي للجهة التي ستصلها هذه التبرعات، إلى تحركات فردية ذات دلالة عظيمة،
كالذي قام به الطفل المصري أحمد شعراوي بصورة عفوية عندما ترك أهله وسافر
وحده إلى الحدود المصرية الفلسطينية رغبة منه في مشاركة أطفال فلسطين في
انتفاضتهم.
ولكن هذه المظاهر على اختلافها أعطت دلالات قريبة من أهمها بخلاف
إظهار التعاطف والتآلف والوحدة:
-حق الشعوب الإسلامية في المقاومة وقدرتها على ذلك، وأن هذه الأحداث
الأخيرة رجعت بعقارب الزمن ثلاثين عاماً على الأقل في اتجاه يقظة الأمة،
وتقدمت بتلك العقارب أعواماً عديدة باتجاه وعي الأمة.
إن هذه الأحداث كما أنها تضيء بارقة أمل إلا أنها أيضاً تلقي بمزيد من
المسؤولية على عاتق من يريدون قيادة الأمة نحو فلاحها، ومن هذه المسؤولية:
البحث في كيفية توقع عمليات جس النبض والاستعداد لها والتعامل معها، وكيفية
الاستفادة من المظاهر السابق ذكرها، وأيضاً: كيفية سد النقص ومعالجة الأخطاء
التي قد تعتريها، وصولاً إلى ترشيدها.
فهناك تحديات كبيرة أمام هؤلاء؛ ومنها:
- ربط الشعوب الإسلامية بمنابع العزة والتمكين: كتاب الله تعالى وسنة نبيه
ﷺ ، وتربيتها على الجدية والعطاء، وإحياء روح الغيرة على
الشعائر والمقدسات الإسلامية.
- إدراك تنوع ميادين المعركة ووسائلها، والتي ليس من أقلها: الإعلام،
والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع.
- البحث عن وسيلة تجنبنا تحول حركة الشعوب إلى مظاهر سلبية قد تؤثر
عليها وعلى قضيتها.
- البحث في استنباط أساليب فعالة للمقاومة والضغط الشعبي، ووجود آليات
شعبية متاحة يستطيع كل فرد من خلالها تقديم العون لقضيته.
- كيفية اتساق هذه الأعمال والجهود في منظومة واحدة تخدم القضية.
- كيفية القضاء على الإحباط والفتور وانقطاع النَّفَس مع إعطاء هذه الأعمال
طاقة متجددة منتظمة ومستمرة (النفَس الطويل) .
- كيفية إخراج هذه التحركات بصورة مدروسة ومقصودة، وعدم الاكتفاء
بانتظار أن تكون رد فعل على استفزازات الآخرين، أو مجرد تحركات عفوية أو
فوضوية.
- كيفية نشر الوعي بهذه الأمور بين الأفراد ليستطيعوا توجيه مشاعرهم
وجهودهم وتوحيدها.
إننا في النهاية نذكِّر بأن هذه الأمة أمة حية، كما أنها أمة ولاَّدة، فيها من
الطاقات والإمكانات ما لا يستهان به إن أُحْسِنَ إخراجه وتوظيفه.
[وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] (يوسف: ٢١) .
стр. 3701
دراسات في الشريعة والعقيدة
دمعة على حب النبي ﷺ
نظرات متأملة للواقع في حب النبي ﷺ
(١ - ٢)
عبد الله الخضيري
قلِّب عينيك في الملكوت ترَ الجمال بديعاً، وافتح قلبك لأسرار هذا الجمال ترَ
الحياة ربيعاً، وخض في معترك الحياة تكن لك الحياة جميعاً، واجمعْ لي قلبك أجمعْ
لك عقلي، وامنحني يدك فإني لأرجو أن أمنح لك حياةً هادئة سعيدة بإذن الله،
وافتح صدرك أملؤه دفئاً ومحبةً وصدقاً. كن معي لأكون لك وكما تحب.
وأعطني دمعةً تحيي بها قلبك، وتسلّي بها نفسك، فدموعنا مداد للفكر،
وعبراتنا ثباتٌ على المبدأ، وبكاؤنا دوامٌ على النهج والمنهج، قلوبنا أهديناها
بالحب إلى غير محب ففقدنا أعزَّ ما نملك، وإذا بنا نتحسس أماكنها وقد تَوَهَّمنا
وجودها، إننا بحاجة إلى أن نحب ولكن لا نغلو، ونهوى ولكن لا نفرط، ونعشق
ولكن بتعفف.
إن القلب هو الكنز الذي لا يقرؤه إلا من يملكه، وإن راحة الضمير أنوارٌ
تتلألأ في الغَلَس، وينابيع متفجرة في الصحارى، وكنوز داخل البيوت المهجورة،
كم من الوقت ضاع لأجل الحب وفي دوّامته؟ وكم من العقول ذهبت لأجل الحب
وفي دائرته؟ ونغرق يومنا في أبجديات الحب! ! فمحب يعيش بين الذكرى
والنسيان، ومحب يتيه بين الوصل والحرمان، حبٌّ يُسعد في الاسم، ويُشقي في
الرسم، جمالٌ في الصورة، وغموضٌ في الحقيقة، الحب تاجٌ لكنه من حديد،
وكنزٌ لكنه من تراب، ومعدنٌ لكنه من سراب، وأي حبٍ يُدَّعى فإنه ناقصٌ إذ
العلاقات بين الآدميين بنيت على المصالح في الغالب وإن تنوعت صور الجمال أو
تجمَّلت الصور. وإن لكل فؤادٍ نزعةَ حبٍّ عذريةً تفيضُ بعذبِ الهوى ونميره، ولو
اطَّلع الناس على قلوب القساة لوجدوا فيها أنهاراً متدفقة من الحب والرحمة، ولكنها
تصب في أرض قيعان.
وإني أحمل راية بيضاء لبيض القلوب أن تتوجه بالحب إلى أصدق الحب
وأبقاه، وأبقى البر وأوفاه إلى....
أشواقنا نحو الحجاز تطلّعت ... كحنين مغترب إلى الأوطانِ
إن الطيور وإن قصصتَ جناحها ... تسمو بهمَّتها إلى الطيرانِ
لن أقول: «كانت الحياة قبل البعثة ظلاماً» ؛ إذ لا يجهل ذلك أحد، ولن أقول:
«كان الظلم، ولم يكن غيره» ؛ إذ لا أحد يشكُّ في ذلك، ولن أقول: «كان
الحق للقوة» ، و «كانت الحياة للرجل لا للمرأة» ؛ إذ الناس أجمعوا على ذلك،
ولكني أقول: مع البعثة وُلدت الحياة، وارتوى الناس بعد الظمأ:
لمّا أطلَّ محمدٌ زكت الرُّبى ... واخضرَّ في البستان كل هشيم
وكان من المبشرات بميلاد الحياة ما صادف المولد النبوي من إهلاك أصحاب
الفيل؛ فإنه بشرى بإهلاك الطاغوت والطغاة، وولادةٌ لفجر العدالة والحياة، كما أن
في إهلاكهم اجتماعاً لكلمة قريش وتوحدها، ولذا أنزل الله تعالى بعد سورة الفيل
سورة قريش، بياناً لسبب من أسباب إهلاك أصحاب الفيل وهو أنه لتأتلف قريش،
ومن بعد ذلك كلِّه ذكَّر قريشاً بنعمتين عظيمتين أُولاهما: أن أطعمهم من جوع،
وتمثَّل ذلك في رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وثانيهما: أن آمنهم من خوف، وهنا
كلمة «خوف» جاءت نكرة دالة على العموم، فيدخل في ذلك كلُّ خوفٍ ألمَّ بهم
فأمنوا منه، كما في قصة أصحاب الفيل وأبرهة الأشرم، أو خوفٍ يحدث لهم بعد
ذلك ظاهراً كبعثة محمد ﷺ ، وإنما هو رحمةٌ وأمنٌ وأمان لهم
ظاهراً وباطناً، حينما يظهره الله تعالى كما أهلك الله أصحاب الفيل لكي تتعلق
القلوب بربِّ البيت الذي أهلك البغاة، وكيف يكون شكرهم له.
وقاية الله أغنت عن مضاعفةٍ ... من الدروع وعن عال من الأُطم
ومما كان ممهِّداً ومقدِّماً لدعوة الإيمان التي حملها محمد - صلى الله عليه
وسلم - ما روى البخاري ﵀ في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت:
«كان يوم بُعاث يوماً قدمه الله لرسوله- ﷺ فَقَدِم رسول الله -
ﷺ وقد افترق مَلَؤُهم، وقُتلت سرواتهم، وجُرِّحوا، فقدَّمه الله
لرسوله ﷺ في دخولهم الإسلام» [١] .
ثم ولي ذلك اجتماع النفوس على نصر المظلوم، وردِّ الفضول على أهلها،
وبه سمي الحلف، وفيه انتصار للعدالة، وإنْ كان ذلك على نطاق ضيق لكن:
«لا شك أن العدل قيمةٌ مطلقةٌ وليست نسبيةً، وأن الرسول- صلى الله عليه
وسلم- يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين؛ فالقيم
الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية» [٢] .
وقد قال النبي ﷺ عن ذلك الحلف: «شهدت حلف
المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه» [٣] ،
وسمَّاه: المطيبين؛ لأن العشائر التي عقدت حلف المطيبين هي التي عقدت حلف
الفضول، وإنما كان حلف المطيبين قبل ميلاد محمد- ﷺ بعد
وفاة جده قصي [٤] .
هذا على العموم وفي الظاهر. أما ما كان ممهداً له ﷺ
في ذاته فإن الخلوة والتعبد من أهم سمات العظماء [٥] ، فإنه بعد ذلك ممتلئٌ بما فرّغ
نفسه له؛ فقد قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يتحنث في غار حراء الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود
لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار
حراء» [٦] .
ومما كان مطمئناً له- ﷺ قبل نزول الوحي الرؤيا الصادقة؛
فكان لا يرى رؤياً إلا جاءت مثل فلق الصبح [٧] .
ومع بشريته- ﷺ وإعلانه بإعلان القرآن لذلك، إلا أنه
ذكر من المعجزات والآيات ما كان آية على علو منزلته، ورفيع قدره؛ فقد حدَّث-
ﷺ : أن حجراً كان يُسلم عليه قبل النبوة [٨] . فلله ما أعظم هذا
القائد، وما أصدقه؛ فما عرفت مكة أميناً كأمانته ﷺ ، فلما
أظهره الله بالحق الذي معه لم يكن عندهم ظاهراً كذلك:
لقبتموه أمين القوم في صغر ... وما الأمين على قولٍ بمتَّهم
ولعلي أقف عند هذا الحد وأدخل فيما أردت من موضوع الحب لرسول -
ﷺ ؛ فإن الحب أسمى العلاقات، ولعله أرقها، وإنما يبعث على
كتابة مثل هذا الموضوع قول الرسول الكريم- ﷺ : «أنت مع
من أحببت» [٩] ، وأي سعادة تقارب تلك السعادة في الحب؟ وأي نجاح في النهاية
يوازي ذلك الحب؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإنما ينفع العبدَ الحبُّ لله لما
يحبه الله من خلقه كالأنبياء والصالحين؛ لكون حبهم يقرب إلى الله ومحبته،
وهؤلاء هم الذين يستحقون محبة الله لهم» [١٠] .
وإذا تعلق قلب العبد بالله أحب كل ما يقرب إلى الله ويزيده، ويبقى أنه أشد
حباً لله، فلا حب يوازي ذلك الحب، وإنما يحب بحب الله وله. قال شيخ الإسلام
ابن تيمية: «فإنك إذا أحببت الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته، فكلما
تصورته في قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته، فازداد حبك لله، كما إذا ذكرت
النبي- ﷺ والأنبياء قبله، والمرسلين وأصحابهم الصالحين،
وتصورتهم في قلبك، فإن ذلك يجذب قلبك إلى محبة الله المنعم عليهم، وبهم إذا
كنت تحبهم لله؛ فالمحبوب لله يجذب إلى محبة الله، والمحب لله إذا أحب شخصاً لله
فإن الله هو محبوبه؛ فهو يحب أن يجذبه إلى الله تعالى، وكل من المحب لله
والمحبوب لله يجذب إلى الله» [١١] .
وإن مما دعاني إلى كتابة هذه الأحرف ما أراه من تخلي القريب الأدنى عن
سيرة المصطفى ﷺ وسنته، وتحليهم بما يؤسف له من رموز
الفكر والأدب في جميع أحاديثهم، وإن هذا نكس ونقص في الفطرة والتعليم، وإلا
فقد قال تعالى: [أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ] (البقرة: ٦١) .
وما أراه من هجوم البعيد على سنة الكريم ﷺ وسيرته،
مما تبثه وسائل الإعلام المختلفة، تصريحاً وتلميحاً، ظاهراً وباطناً، والله
المستعان.
«وإنه لنافع للمسلم أن يقدرمحمداً بالشواهد والبينات التي يراها غير المسلم،
فلا يسعه إلا أن يقدرها ويجري على مجراه فيها؛ لأن مسلماً يقدر محمداً على هذا
النحو يحب محمداً مرتين: مرة بحكم دينه الذي لا يشاركه فيه غيره، ومرة بحكم
الشمائل الإنسانية التي يشترك فيها جميع الناس» [١٢] .
وحسبي إن أنا خضت في هذا الموضوع أن أنال محبة القوم، وحسبي من
القلادة ما أحاط بالعنق، ومن السوار ما أحاط بالمعصم:
أسيرُ خلف ركاب النُجْبِ ذا عرج ... مؤملاً كشف ما لاقيت من عوج
فإن لحقتُ بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لربِّ الورى في ذاك من فرج
وإن بقيت بظهر الأرض منقطعاً ... فما على عرج في ذاك من حرج
واسمح لي أن انتقل وإياك إلى جيل تعيش معهم الأمن والسكينة بعد أن ذقت
من الدنيا خوفاً وهلعاً، ودعني أستل من قلبك خيطاً أبيض نلتمس به الصلة بيننا
وبينهم، وأعرني دمعة تخفف بها الهوة بيننا وبين رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وتوقيره. قال صاحب الشفا بتعريف حقوق المصطفى - صلى الله عليه
وسلم -: «ذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختياني؟ فقال:» ما حدثتكم عن
أحد إلا وأيوب أوثق منه « [١٣] . وقال عنه مالك:» وحجّ حجتين، فكنت أرمقه،
ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذكر النبي ﷺ ، بكى حتى
أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت، وإجلاله للنبي ﷺ كتبت
عنه « [١٤] .
وقال مصعب بن عبد الله:» كان مالك إذا ذكر النبي -- صلى الله عليه
وسلم - يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوماً في ذلك،
فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون «، وذكر مالك عن محمد ابن
المنكدر وكان سيد القراء:» لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكي حتى
نرحمه « [١٥] ، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسم فإذا
ذكر عنده النبي ﷺ اصفرَّ لونه، وما رأيته يحدث عن
رسول الله ﷺ إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زماناً فما
كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن، ولا
يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله. وكان الحسن رحمه
الله إذا ذكر حديث حنين الجذع وبكائه [١٦] يقول:» يا معشر المسلمين! الخشبة
تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إلى لقائه؛ فأنتم أحق أن
تشتاقوا إليه « [١٧] .
وكان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي- ﷺ فينظر إلى
لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله- صلى الله عليه
وسلم -، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي - صلى الله
عليه وسلم - بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عيناً لغيرك دمعها مدرارُ
ولقد رأيت الزهري وكان لَمِنْ أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي صلى
الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته.
ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي
ﷺ بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه) [١٨] .
وقال عمرو بن ميمون:» اختلفت إلى ابن مسعود سنة فما سمعته يقول: قال
رسول الله ﷺ ، إلا أنه حدّث يوماً فجرى على لسانه: قال رسول
الله ﷺ ، ثم علاه كربٌ، حتى رأيت العرق يتحدّر عن جبهته، ثم
قال: هكذا إن شاء الله، أو فوق ذا، أو ما دون ذا، ثم انتفخت أوداجه، وتربَّد
وجهه وتغرغرت عيناه « [١٩] .
وبلغ معاوية أن كابس بن ربيعة يشبه برسول الله ﷺ ، فلما
دخل عليه من باب الدار قام عن سريره وتلقّاه وقبّل بين عينيه، وأقطعه المِرغاب،
لشبهه صورة رسول الله ﷺ [٢٠] .
وإني سائل بعد تلك الصور المتحدثة: أين نحن من سيرتهم؟ وأين حالنا من
حالهم؟ وما أثر الحب عندنا؟ وما أثره عندهم؟ بل وما صدق ما ندَّعي؟ وما
صدق ما لم يدَّعوه؟ وأين حقيقة ما ندَّعي؟ وما دلائل المحبة عندهم؟
لقد قام في قلوبهم ما قصرت هممنا عن أن تقوم بأقله، وأحيوا في شعورهم ما
ماتت مشاعرنا دونه، وتعلقت أبصارهم فيما وراء الطرف، في حين لم تتجاوز
أبصارنا أطرافنا، ألا رجل لم تقعد به همته ولم يتأخر به عمله؟ ! ألا صادق
يترجم المحبة قولاً وعملاً وغيرة؟ ! ألا فارس لا يرجع إلا بإحدى الحسنيين؟ !
أيها المُحبُّون: لقد تباعد بنا الزمن، واستنسرت الفتن، واشتغل الأكثرون
بالحطام من المهن، غاب عنا الحب وإن ادعيناه، ونسينا الواجبات فكانت من
أحاديث الذكريات، نتحدث عن السنة النبوية والهدي النبوي لكن لا ترى جاداً في
الاتباع، ولا صادقاً في الكلام إلا قليلاً:
وكل يدْعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا
ولمزيد من التوضيح فلنعرض أنفسنا على السنة المطهرة، على صاحبها
أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولنعرض بعض المظاهر التي أحسبُ أنها كافية في
إيضاح الجفاء الذي اتصف به بعضنا مع رسول الله ﷺ
وسنته، لعل الله أن يزيد المهتدي هدى، وأن يبدل الجافي إلفاً، والبعيد قرباً،
والغالي قصداً.
ويأتي في أول تلك المظاهر البعد عن السنة باطناً؛ وذلك بتحول العبادات إلى
عادات ونسيان احتساب الأجر من الله، أو ترك متابعة الرسول - صلى الله عليه
وسلم - وتعظيمه، والمحبة القلبية الخالصة له، ونسيان السنن وعدم تعلمها، أو
البحث عنها، وعدم توقير السنة، والاستخفاف بها باطناً.
ومن ذلك أيضاً البعد عن السنة ظاهراً؛ وذلك بترك العمل بالسنن الظاهرة
الواجب منها والمندوب، وعلى سبيل المثال سنن الاعتقاد ومجانبة البدعة وأهلها بل
وهجرهم، أو السنن المؤكدة مثل: سنن الأكل، واللباس، أو الرواتب، أو الوتر،
أو ركعتي الضحى، وسنن المناسك في الحج والعمرة، والسنن المتعلقة بالصوم في
الزمان والمكان. فصارت السنة عند بعض الناس كالفضلة والله المستعان.
ولعمر الله لا يستقيم قلب العبد حقيقة حتى يعظم السنة ويحتاط لها، ويعمل بها.
هذا وقد قال رسول الله ﷺ :» فمن رغب عن سنتي فليس
مني «كما في الصحيحين [٢١] ، وكان كلامه هذا ﷺ في أمر
الزواج وأكل اللحم ونحوهما.
وقد قال أُبَيُّ بن كعب ﵁:» عليكم بالسبيل والسنة؛ فإنه ما من
عبد على السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من مخافة الله، إلا تحاتَّت عنه خطاياه،
كما يتحاتُّ الورق اليابس عن الشجرة، وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله
خالياً ففاضت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبداً، وإنَّ اقتصاداً في سبيلٍ
وسنة خير من اجتهاد فيما [هو] خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا أن تكون أعمالكم
اقتصاداً واجتهاداً على منهاج الأنبياء وسنتهم « [٢٢] .
ومما يلاحظ من الجفاء رد بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة بأدنى حجة من
الحجج، كمخالفة العقل أو عدم تمشيها مع الواقع، أو عدم إمكان العمل بها، أو
المكابرة في قبول الأحاديث، وتأويل النصوص وحرفها لأجل ذلك، أو رد
الأحاديث الصحيحة باعتبار أنها آحاد وأغلب أحكام الشريعة إنما جاءت من طريق
الآحاد أو دعوى العمل بالقرآن وحده، وترك ما سوى ذلك، وقد قال - صلى الله
عليه وسلم -:» لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما
أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه « [٢٣] .
وإن زعموا ما زعموا من وجوب وحدة المسلمين على القرآن وحده، فإن الله
تعالى أوجب في القرآن الأخذ عن الرسول ﷺ كل ما أتى به
جملة وتفصيلاً فقال تعالى: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا]
(الحشر: ٧) . وقد ذكر الله طاعة الرسول ﷺ في القرآن في
ثلاث وثلاثين موضعاً. وقد قال رسول الله ﷺ :» ألا إني
أوتيت القرآن ومثله معه « [٢٤] .
قال الحميدي:» كنا عند الشافعي ﵀ فأتاه رجل، فسأله في مسألة؟
فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال رجل
للشافعي: ما تقول أنت؟ ! فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة! تراني في بيعة!
ترى على وسطي زناراً؟ ! أقول لك: قضى فيها رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وأنت تقول: ما تقول أنت؟ ! [٢٥] . وقال مالك: أكلما جاءنا رجل أجدل
من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ
لجدله؟ ! « [٢٦] .
ويقول ﵀:» سنَّ رسول الله ﷺ ، وولاة الأمر
بعده سنناً الأخذُ بها تصديقٌ لكتاب الله واستكمالٌ لطاعة الله، وقوة على
دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير
سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى « [٢٧] .
قال ابن القيم ﵀:» ومن الأدب معه ألا يُستشكَل قوله، بل تُستشكَل
الآراء لقوله، ولا يُعارَض نصه بقياس، بل تُهدَر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا
يُحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول، وعن
الصواب معزول، ولا يوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد. فكان هذا من قلة
الأدب معه ﷺ ، بل هو عين الجرأة « [٢٨] .
دعوا كل قولٍ عند قول محمدٍ ... فما آمِنٌ في دينه كمخاطر
وفي عصر الإعلام يتجلى الجفاء في العدول عن سيرته - صلى الله عليه
وسلم - وسنته وواقعه وأعماله إلى رموز آخرين من عظماء الشرق والغرب كما
يسمون سواء كانوا في القيادة والسياسة، أو في الفكر والفلسفة، أو في الأدب
والأخلاق؛ والأدهى من ذلك مقارنة أقوال هؤلاء ومقاربتها لأقوال النبي - صلى
الله عليه وسلم - وأحواله، وعرضها للعموم والعامة؛ وتلك مصيبة تهوِّن على
العوام التجني على سيرة المصطفى ﷺ وسنته، وتثير
الشكوك في أقواله وأعماله التشريعية ﷺ والتي هي محض
وحي: [إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] (النجم: ٤) . لكن بعض الأذهان لا تتعلق إلا
بالواقع المشاهد، واللحظة المعاصرة، فينبهرون بأولئك، وينسون العظمة التي
عاشها النبي ﷺ للأحياء وللأموات، للحاضر وللمستقبل، بل
للحياة وللموت.
أتطلبون من المختار معجزة ... يكفيه شعبٌ من الأجداث أحياهُ
وقد سمى الله الكفر قبل الإيمان موتاً، والإيمان حياة، قال تعالى: [أَوَ مَن
كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ] (الأنعام: ١٢٢) .
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له ... وأنت أحييت أجيالاً من العدم
وأعماله ﷺ ما زالت وستظل قائمة بأعيانها متحدثة
بعنوانها عن عظيم وعظمة وحياة، ولا تحتاج إلى دليل وبيان:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ويلحق في ذلك تقديم أقوالهم على أقواله ﷺ ، وأحوالهم
على أحواله، وأعمالهم على أعماله، ويا للأسف! من يقوم بمثل تلك الأعمال؟
إنهم رجال العفن وفئة من أهل الصحافة وبعض ساسة الإعلام والتعليم ممن تسوّدوا
بغير سيادة، وقادوا بغير قيادة! !
وفي مجالسنا ومنتدياتنا يلاحظ المتأمل منا جفاءاً روحانياً يتضح في نزع هيبة
الكلام حين الحديث عن النبي ﷺ وكأنها حديث عابر، أو
سيرة شاعر، أو قصة سائر، فلا أدب في الكلام، ولا توقير للحديث، ولا
استشعار لهيبة الجلال النبوي، ولا ذوق للأدب النوراني القدسي، فلا مبالاة، ولا
اهتمام، ولا توقير، ولا احترام، وقد قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ]
(الحجرات: ٢) .
هذا أيها الناس هو الأدب الرباني؛ فأين الأدب الإنساني قبل الأدب الإسلامي؟
كما نهى الله قوماً كانوا ينادونه باسمه: (يا محمد) كما ذكره كثير من
المفسرين، فيسلب المنادي الشرف الذي تميز به رسول الله ﷺ
وهو النبوة والرسالة، وهذا ليس على إطلاقه لكنه أدب فتأمله.
» كان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث رسول الله ﷺ
أمر الحاضرين بالسكوت، فلا يتحدث أحد، ولا يُبرى قلم، ولا يبتسم أحد، ولا
يقوم أحد قائماً، كأن على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة؛ فإذا رأى أحداً منهم
تبسم أو تحدث لبس نعله وخرج « [٢٩] . ولعله بذلك يتأول الآيات الثلاث في أول
سورة الحجرات؛ كما تأولها حماد بن زيد بهذا المعنى [٣٠] .
» وكان مالك ﵀ أشد تعظيماً لحديث رسول الله ﷺ
فكان إذا جلس للفقه جلس كيف كان، وإذا أراد الجلوس للحديث اغتسل
وتطيب ولبس ثياباً جدداً وتعمّم وقعد على منصته بخشوع وخضوع ووقار، ويبخر
المجلس من أوله إلى فراغه تعظيماً للحديث « [٣١] .
ولذا حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على تعليم الناس
تعظيم النبي ﷺ ميتاً كتعظيمه حياً، وذلك من تمام وفائه
للنبي ﷺ . روى البخاري ﵀ عن السائب بن يزيد قال:
» كنت نائماً في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال:
اذهب فائتني بهذين فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من
أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد
رسول الله ﷺ ! ! « [٣٢] .
ويلحق بالجفاء، جفاء القلوب والأعمال، تجاه من خدموا السنة، ويتمثل ذلك
في هجر أهل السنة والأثر العاملين بها، أو اغتيابهم ولمزهم والاستهزاء بهم
واستنقاص أقدارهم، وانتقادهم وعيبهم على التزامهم بالسنن ظاهراً وباطناً.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وتصور حالة الغربة والغرباء تجد قلتهم في هذا الزمن وغيره، وقد سبقنا إلى
تصويرها ابن القيم حين قال:
وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تَحَكَّم
ولكننا سبي العدو؛ فهل تُرى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
وبه وصف أهل السنة والأثر يقول /:» لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك « [٣٣] .
وعيرني الواشون أني أحبها ... وتلك شكاةٌ ظاهر عنك عارها
وهذا أحد السلف وهو الجنيد بن محمد يقول:» الطرق إلى الله تعالى كلها
مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ واتبع
سنته ولزم طريقته؛ فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه. كما قال تعالى: [لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ
كَثِيراً] (الأحزاب: ٢١) [٣٤] .
أما من لم يدرك السنة والعمل بها فلا همّ له إلا الكلام والملام.
أقلِّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا
وفي الحقيقة أن من تكلم فيهم فلا يضر إلا نفسه:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها ... فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل
ولعل هذا أيضاً مما ينشر السنن بين الناس:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت؛ أتاح لها لسان حسود
стр. 3702
دراسات في الشريعة والعقيدة
سنابل الخير
(٢ - ٢)
فيصل بن علي البعداني
albadani@hotmail.com
في العدد الماضي بيَّن الكاتب أن المال مال الله، وأن الصدقة شُرعت
لغرضين جليلين: أحدهما: سد خَلَّة المسلمين وحاجتهم، والثاني: معونة الإسلام
وتأييده. ثم تحدث بعد ذلك عن بعض فضائل الصدقة وآثارها، من علو شأنها
ورفعة منزلة صاحبها، ووقايتها للمتصدق من البلايا والكروب، وعظم أجرها
ومضاعفة ثوابها، وإطفائها الخطايا وتكفيرها الذنوب، ومباركتها المال وزيادتها
الرزق، وأنها وقاية من العذاب وسبيل لدخول الجنة.... وغير ذلك من الفضائل،
واليوم يتابع ذكر فضائلها وآثارها.
- البيان -
١١- أن الجزاء عليها من جنس العمل:
من أنفق شيئاً لله عوضه الله من جنس نفقته ما هو خير له، فيُحِسن إليه من
نوع ما أحسن، ويُعطيه من مثل ما أعطى، جزاءاً وفاقاً، وقد دلت على ذلك
أحاديث وآثار عديدة، منها: «أن رجلاً جاء بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل
الله، فقال له النبي ﷺ : لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها
مخطومة» [١] ، وقوله ﷺ : «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله له
بكل عضو منها عضواً من النار حتى فَرْجه بفَرْجه» [٢] ، وقوله صلى الله عليه
وسلم: «لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» [٣] والستر هنا
شامل لمعايب العبد وعورته [٤] ، وقول أبي سعيد الخدري ﵁: «أيُّمَا
مسلم كسا مسلماً ثوباً على عُري كساه الله من خضر الجنة، وأيُّمَا مسلم أطعم مسلماً
على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيُّمَا مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من
الرحيق المختوم» [٥] .
ولا يقتصر الأمر على المجازاة على الصدقة بمثلها؛ بل الأمر يتجاوز ذلك
إلى حال المتصدق عليه؛ إذ بمقدار إدخالها للسرور عليه، وإزالتها لشدائده،
وتفريجها لمضايقه، وإصلاحها لحاله، ومعونتها له وسترها عليه؛ ينال المتصدق
أجره من الله من جنس ذلك، يدل على ذلك قوله ﷺ : «من نفَّس
عن مؤمن كُربة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة، ومن يَسَّر
على مُعسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا
والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» [٦] ، وقوله صلى الله
عليه وسلم: «من يلق أخاه المسلم بما يحب لِيَسُرَّه بذلك، سرَّه الله يوم القيامة» [٧] .
وقد أخبر النبي ﷺ بوقوع ذلك فقال ﷺ :
«كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن
يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» [٨] .
وقال ﷺ : «إن رجلاً لم يعمل خيراً قط [٩] ، وكان يداين
الناس فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما تعسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا،
قال: فلما هلك، قال الله: هل عملتَ خيراً قط؟ قال: لا؛ إلا أنه كان لي غلام،
وكنت أداين الناس، فإذا بعثته ليتقاضى قلت له: خذ ما تيسر واترك ما تعسر
وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك» [١٠] .
وعن حذيفة ﵁ قال: «أُتيَ اللهُ بعبدٍ من عباده آتاه الله مالاً فقال
له: ماذا عملتَ في الدنيا؟ قال: [وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً] (النساء: ٤٢) قال:
ما عملتُ من شيء يا ربِّ إلا أنك آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان من خُلُقي
أن أيسر على الموسر وأُنظِر المعسر، قال الله تعالى: أنا أحق بذلك منك،
تجاوزوا عن عبدي» . قال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا
سمعنا من فِي رسول الله ﷺ [١١] .
فيا من يرى ضخامة ذنبه وعظم تقصيره في حق ربه اشترِ نفسك وأكثر
صدقتك فداءاً لنفسك، وتفريجاً لكربتك، وإزالة لشدتك في قبرك وبين يدي ربك؛
فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل «ومن بطَّأ به عملُه لم يسرع به
نَسبُه» [١٢] .
١٢- إظلالها لصاحبها في المحشر:
في المحشر حر شديد يفوق الوصف؛ إذ يمكث العباد فيه مدة طويلة مقدارها
خمسون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، والشمس دانية من رؤوسهم ليس بينهم
وبينها إلا مقدار ميل، فترتوي الأرض من عرقهم ويذهب فيها سبعين ذراعاً، ثم
يرتفع فوقها؛ فيكون الناس في العرق على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يكون العرق
إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقوَيْه ومنهم من
يلجمه العرق إلجاماً [١٣] .
وهناك آخرون من ذوي الأعمال الجليلة والرتب الرفيعة لا يعانون من شيء
من ذلك، ومن هؤلاء المتصدقون الذين أفادت النصوص بأنهم يكونون في المحشر
في ظل صدقاتهم تحميهم من شدة الحر، وتدفع عنهم وهج الشمس [١٤] ، ومنها قوله
ﷺ : «كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس» [١٥] .
ولا يتوقف الأمر على ذلك، بل إن العبد متى فرَّج عن غريمه أو عفا عنه،
ومتى أسرَّ بصدقته وأخفاها كان ذلك مؤهلاً له للاستظلال في ذلك الموقف العظيم
تحت العرش، لقوله ﷺ : «من نفَّس عن غريمه أو محا عنه كان
في ظل العرش يوم القيامة» [١٦] ، وقوله ﷺ : «سبعة يظلهم الله
تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم -: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها
حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» [١٧] .
وقد أدرك السلف هذا الأمر واستوعبوه، فاعتنوا بالصدقة والإنفاق في مرضاة
الله تعالى أيما عناية؛ ومواقفهم في ذلك أكثر من أن تحصر، ومن ذلك أن الفاروق
عمر ﵁ أرسل بأربعمائة دينار مع غلام إلى أبي عبيدة، وقال للغلام:
تَلَهَّ ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها الغلام إليه، فقال: يقول لك
أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: وصله الله ورحمه. ثم قال:
تعالَيْ يا جارية! اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان. حتى
أنفدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، ووجده قد أعد مثلها لمعاذ، فقال: اذهب
بها إلى معاذ بن جبل ثم تَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. فذهب بها إليه،
فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: وصله
ورحمه، تعالَيْ يا جارية! اذهبي إلى فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت
فلان بكذا. فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا. فلم يبق في
الخرقة إلا ديناران فدفع بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فَسُرَّ بذلك، وقال:
إنهم إخوةٌ بعضهم من بعض « [١٨] .
وهذا مرثد المزني الفقيه الثبت كان لا يخطئه يوم لا يتصدق فيه بشيء، ولا
يخرج إلى المسجد إلا وفي كُمِّه صدقة: إما فلوس، وإما خبز، وإما قمح حتى ربما
شوهد ومعه في كُمِّه بصل، فيقال له: إن هذا ينتن ثيابك. فيقول: إني لم أجد في
البيت شيئاً أتصدق به غيره، إنه حدثني رجل من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم: أن رسول الله ﷺ قال:» ظل المؤمن يوم القيامة
صدقته « [١٩] .
وهذا شبيب بن شيبة يقول:» كنا بطريق مكة وبين أيدينا سفرة لنا نتغدى
في يوم قائظ، فوقف علينا أعرابي ومعه جارية له زنجية، فقال: يا قوم! أفيكم
أحد يقرأ كلام الله حتى يكتب لي كتاباً؟ قال: قلنا: أَصِبْ من غدائنا حتى نكتب
لك ما تريد. قال: إني صائم. فعجبنا من صومه في تلك البرية، فلما فرغنا من
غدائنا دعونا به، فقلنا: ما تريد؟ فقال: أيها الرجل! إن الدنيا قد كانت ولم أكن
فيها، وستكون ولا أكون فيها، فإني أردت أن أعتق جاريتي هذه لوجه الله وليوم
العقبة، أتدري ما يوم العقبة، قوله : [فَلاَ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا
العَقَبَةُ] (البلد: ١١-١٢) ، فاكتب ما أقول لك ولا تزيدن حرفاً: هذه فلانة خادم
فلان قد أعتقها لوجه الله وليوم العقبة. قال شبيب: فأتيت بغداد فحدثت بهذا
الحديث المهدي، فقال: مائة نسمة تُعتق على عُهدة الأعرابي « [٢٠] .
١٣- توفيتها نقص الزكاة الواجبة:
أوجب الله الزكاة وجعلها أهم أركان الإسلام العملية بعد الصلاة، فقال سبحانه:
[وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] (البقرة: ٤٣) ، كما عد
عدم إخراجها من خصال المشركين فقال تعالى: [وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لاَ
يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ] (فصلت: ٦-٧) ، ورتب الوعيد الشديد على البخل بها وعدم
إخراجها فقال: : [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ] (التوبة: ٣٤-٣٥) ،
وقال ﷺ :» من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مُثِّل له ماله شجاعاً
أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه يقول: أنا
مالك، أنا كنزك - ثم تلا هذه الآية: [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ]
(آل عمران: ١٨٠) « [٢١] .
ولا يتوقف الأمر على ذلك؛ إذ قال عبد الله بن مسعود ﵁:
» ما مانع الزكاة بمسلم « [٢٢] ، وذهب بعض أهل العلم وإن كان خلاف الراجح إلى
كفر من لا يخرج الزكاة بخلاً بها أخذاً من قوله : [فَإِن تَابُوا
وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ] (التوبة: ١١) وحيث رتب الله
تعالى فيها ثبوت أخوة الدين على هذه الأوصاف مجتمعة؛ فإذا لم تجتمع انتفت
الأخوة الدينية، وهي التي لا تنتفي بحال إلا بانتفاء الإيمان وخروج العبد من
الإسلام [٢٣] .
ونظراً لكون الزكاة بهذه المنزلة والأهمية، والعبد عرضة للتقصير في أدائها
أو السهو في إخراجها أو الخطأ في حسابها فقد شرع الله رحمةً بخلقه وإحساناً إليهم
صدقة التطوع لتكون توفية لنقصها، وجبراناً لخللها، وإكمالاً للعجز الحاصل فيها؛
ويشير إلى ذلك حديث تميم الداري ﵁ مرفوعاً قال:» أول ما يحاسب
به العبد يوم القيامة الصلاة؛ فإن كان أكملها كتبت له كاملة، وإن كان لم يكملها قال
الله ﵎ لملائكته: هل تجدون لعبدي تطوعاً تكملوا به ما ضيع من
فريضته؟ ثم الزكاة مثل ذلك، ثم سائر الأعمال على حسب ذلك « [٢٤] ، والذي
يدل على أنه يُنظر في زكاة العبد فإن كملت كتبت له تامة، وإن ضيع شيئاً منها
نظر هل له من الصدقة ما يتم به نقص الفرض، فإن لم يكن له منها ما يتم به
نقص الفرض كان معرضاً للعقاب الشديد الذي أوضحته النصوص، وذلك إن لم
يتغمده الله بعفو منه وتجاوز [٢٥] .
١٤- أنها كنز لصاحبها يوم القيامة:
توزن الأعمال يوم القيامة فيكون العبد أحوج ما يكون إلى عمل صالح يثقل به
ميزانه ليكون ذلك سبب سعادته وفلاحه كما قال تعالى: [فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] (المؤمنون: ١٠٢) والصدقة من الأعمال الجليلة التي
أخبر ﷺ بأن العبد يدخرها لغده، ويكتنزها لنفسه، ويجدها
عند ربه إذا قدم إليه ووقف بين يديه وافرة محفوظة، يشهد لذلك قوله تعالى:
[وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً
وَأَعْظَمَ أَجْراً] (المزمل: ٢٠) وقوله سبحانه: [مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ]
(النحل: ٩٦) .
والنصوص النبوية الدالة على أن الصدقة ذخر لصاحبها وكنز له كثيرة منها:
قوله ﷺ :» يقول ابن آدم: مالي مالي! ! وهل لك يا ابن آدم
من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ ! « [٢٦] ،
وفي رواية:» إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى
فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس « [٢٧] .
بل إنه ﷺ جعل الصدقة هي مال العبد الحقيقي فقال -
ﷺ :» أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ قالوا: يا رسول الله!
ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: اعلموا ما تقولون، قالوا: ما
نعلم إلا ذاك يا رسول الله! قال: ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله.
قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: إنما مال أحدكم ما قَدّم، ومال وارثه ما
أَخّر « [٢٨] .
وقد حرص النبي ﷺ على غرس هذا الأمر وتقريره في
نفوس صحابته؛ فعن أبي هريرة ﵁:» أن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- أمر أن تذبح شاة فيقسمها بين الجيران، قال: فذبحتها فقسمتها بين
الجيران، ورفعت الذراع إلى النبي ﷺ وكان أحب الشاء إليه
الذراع، فلما جاء النبي ﷺ قالت: ما بقي عندنا منها إلا الذراع.
قال: كلها بقي إلا الذراع « [٢٩] .
وقد استوعب أصحاب رسول الله ﷺ ذلك، فزهدوا
بالدنيا وأكثروا من الصدقة؛ فها هو ﷺ يأمر أصحابه يوماً أن
يتصدقوا: يقول عمر ﵁:» فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم
أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي؛ فقال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما
عنده، فقال له رسول الله ﷺ : ما أبقيتَ لأهلك؟ قال: أبقيتُ
لهم الله ورسوله. قلتُ: لا أسابقك إلى شيء أبداً « [٣٠] .
وها هو عثمان ﵁:» يجهز جيش العسرة ويشتري بئر رومة
وأرضاً بجوار المسجد ليوسع به من صلب ماله « [٣١] ، وها هو طلحة بن عبيد
الله ﵁:» يتصدق يوماً بمائة ألف درهم، وأخرى بأربعمائة ألف،
وباع أرضاً له بسبعمائة ألف، فبات أرِقاً من مخافة المال حتى أصبح
ففرقه « [٣٢] ، ومعاذ ﵁:» كان يعطي حتى ادّان ديناً أغلق
ماله « [٣٣] .
وهاهو عبد الرحمن بن عوف ﵁ يسمع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - يحث على الصدقة، فيقول:» يا رسول الله! عندي أربعة آلاف:
ألفان أقرضهما ربي، وألفان لعيالي « [٣٤] ثم تصدق بعد ذلك بأربعين ألف، ثم
تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم على
ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله» [٣٥] .
وهاهو سعيد بن عامر الجمحي ﵁ «بعث إليه عمر بألف دينار،
وقال: استعن بها على أمرك. فقالت امرأته: الحمد الله الذي أغنانا عن خدمتك.
فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ! ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها.
قالت: نعم. فدعا رجلاً من أهل بيته يثق به فصررها صرراً ثم قال: انطلق
بهذه إلى أرملة آل فلان، وإلى يتيم آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مبتلى
آل فلان. فبقيت منه ذهيبة فقال: أنفقي هذه. ثم عاد إلى عمله، فقالت: ألا
تشتري لنا خادماً؟ ! وما فعل ذلك المال؟ قال: سيأتيك أحوج ما تكونين» [٣٦] .
وأخبارهم ﵃ في الزهد بالدنيا والادخار للآخرة أكثر من أن
تحصى.
فكن كيِّساً يا عبد الله! وآثر آخرتك؛ فإنها أعظم من الأولى، وما عند الله
خير وأبقى لك.
١٥- جريان أجر الباقي منها بعد الموت:
حياة العبد دار امتحانه وموضع سعيه، وبموته ينقطع عمله ويتوقف كسبه؛
فلا ينقص من حسناته ولا يزاد إلا بأعمال محددة جلاها الشارع وأوضحتها
النصوص [٣٧] ، ومن أجلِّ الأعمال التي تزيد الحسنات وأبرزها الصدقة الباقية بعد
موت العبد سواء ما كان منها في سبيل نصرة الدين أو في تخفيف معاناة المعوزين
أو غير ذلك من أبواب البر، والأدلة على ذلك عديدة منها: قوله -صلى الله عليه
وسلم-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: وذكر منها صدقة
جارية» [٣٨] ، وقوله ﷺ : «أربعة تجري عليهم أجورهم بعد
الموت وذكر منهم ورجل تصدق بصدقة فأجرها له ما جرت» [٣٩] .
وقد وردت أحاديث تُعدد أنواعاً من هذه الصدقة الجارية [٤٠] ، ومنها: قوله -
ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته وذكر
من ذلك: ومصحفاً ورَّثَه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه،
أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه بعد موته» [٤١] ، وقوله -
ﷺ : «سبعة يجري للعبد أجرهن بعد موته وهو في قبره وذكر
منها: أو كرى نهراً [٤٢] أو حفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ورَّث
مصحفاً» [٤٣] .
والصدقة الجارية كالوقف ونحوه من آثار العبد وبقايا عمله التي أخبر سبحانه
أنه يكتبها له؛ وذلك في قوله تعالى: [وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ
أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ] (يس: ١٢) ، ومعناه: أن الله يكتب أعمال العباد التي
باشروها في حياتهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فيجزيهم على ذلك إن خيراً
فخير، وإن شراً فشر [٤٤] ، يقول سيد قطب: «كل ما قدمت أيديهم من عمل،
وكل ما خلفته أعمالهم من آثار، كلها تكتب وتحصى، فلا يند منها شيء
ولا ينسى» [٤٥] ، ولأبي السعود كلام أجلى يقول فيه: « [وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا]
(يس: ١٢) » أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، [وَآثَارَهُمْ]
(يس: ١٢) التي أبقوها من الحسنات كعلم علَّموه، أو كتاب ألَّفوه، أو حبيس
وقَفُوه، أو بناء بنوه من المساجد والرباطات والقناطر وغير ذلك من وجوه البر،
ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان، وترتيب مبادئ الشر والفساد فيما
بين العباد، وغير ذلك من فنون الشر التي أحدثوها وسنوها لمن بعدهم من
المفسدين « [٤٦] .
فلو لم يكن في الصدقة من فضل إلا هذا لكان فيه كفاية لمن عقل وأراد النجاة
. فيا من إذا مات انقطع عمله، وفاته أمله، وحق ندمه، وتوالى همه، احرص
على ما ينفعك، وأكثر صدقتك التي يجري أجرها لك بعد موتك؛ فإن ذلك قرض
منك لك مدخر عند ربك [٤٧] .
١٦- مشروعية إهداء ثوابها للميت:
أوجب الله البر بالوالدين، وحث على صلة الأقربين، والإحسان إلى الآخرين.
وإن من أعظم البر بعد البر، والصلة بعد الصلة، وأرفع الإحسان بعد الإحسان
نفع من كان يُبَر في حياته ويوصل ويحسن إليه، إذا أُدخل في قبره، وتوقف كسبه،
وبدأت آخرته، والسعي في إيصال الثواب إليه وهو أحوج ما يكون إلى ذلك بفعل
بعض الطاعات والقُرَب التي أفاد الشارع بوصول ثوابها إلى الميت [٤٨] ، ويأتي في
طليعة تلك الأعمال: الصدقة عليه، والتي أجمع العلماء على نفعها له ولحوق
ثوابها به للنصوص الصحيحة الواردة في ذلك [٤٩] ، ومنها: حديث عائشة رضي
الله عنها:» أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن
أمي افتُلِتَتْ نفسُها [٥٠] ولم توص، وأظنها لو تكلَّمتْ تصدَّقَتْ. أفلها أجر إن
تصدقتُ عنها؟ قال: نعم « [٥١] .
وحديث أبي هريرة ﵁:» أن رجلاً قال للنبي -صلى الله عليه
وسلم-: «إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟
فقال: نعم» [٥٢] .
وحديث ابن عباس ﵄: «أن سعد بن عبادة ﵁
توفيت أمه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله! إن أمي توفيت وأنا غائب عنها؛
أينفعها شيء تصدقتُ به عنها؟ قال: نعم! قال: فإني أُشهدك أن حائطي المِخْرَاف
[٥٣] صدقة عليها» [٥٤] .
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن العاص بن وائل نذر في
الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن
عَمْراً سأل النبي ﷺ عن ذلك. فقال: أما أبوك فلو أقر
بالتوحيد فصُمتَ وتصدَّقتَ عنه نفعه ذلك» [٥٥] ، قال الشوكاني في شرحه له:
«فأخبره أن موت أبيه على الكفر مانع من وصول نفع ذلك إليه، وأنه لو
أقر بالتوحيد لأجزأ ذلك عنه ولحقه ثوابه» [٥٦] .
وليس ذلك مقصوراً على صدقة الولد عن والديه [٥٧] ، بل إنَّ تصدُّق
الصاحب ينفع الميت؛ كما يدل عليه حديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال:
كنا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك فأتاه نفر من بني سليم،
فقالوا: يا رسول الله! إن صاحباً لنا قد أوجب [٥٨] ، فقال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم-: «أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من
النار» [٥٩] .
وحين علم أصحاب رسول الله ﷺ بهذه الميزة العظيمة
للصدقة وهم من هم براً وفضلاً وإحساناً بادروا إلى التصدق عن أمواتهم، ومن ذلك:
أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ تصدق عن والدته بعتق عشر رقاب [٦٠] ،
وأعتقت عائشة ﵂ عن أخ لها مات في منامه تلاداً من تلاده [٦١] .
فيا صاحب الخلق الجميل، ويا من لا تنسى بر من برك، ومعروف من
أحسن إليك! رد برهم ببرٍ أعظم، وفضلهم بفضل أجلَّ، وهم في دار الحسرة أشد
ما يكونون اضطراراً إلى تفضلك ومعروفك؛ فإن الأيام دول وكما تدين تدان، فكما
تبر والديك وتحسن إلى ذويك وأهل الفضل عليك يبرك أولادك ويحسن إليك ذووك
ومن تفضلت عليهم في دنياك.
١٧- سترها عيوب العبد واستجلابها محبة الناس
وحمدهم ودعاءهم له:
الصدقة والبر وصنائع الخير حارسة لعِرض صاحبها، غافرة لزلته، ساترة
لعيوبه، متجاوزة عن هفواته، وفي المقابل فلؤم العبد وشحه من دواعي هتك
عرضه، وتتبع زلاته، وكشف عيوبه، وإظهار هفواته، قال الشاعر:
ويُظهرُ عيبَ المرءِ في الناس بخلُه ... ويَسترُه عنهم جميعاً سخاؤُه
تَغطَّ بأثوابِ السخاءِ فإنني ... أرى كلَّ عيبٍ والسخاءُ غطاؤُه
وهي من أسباب القُرْب من العباد ونيل مودتهم ودعائهم وتعظيمهم،
والحصول على شكرهم وثنائهم؛ فصاحبها محمود الأثر في الدنيا يحبه البعيد
والداني، ويألفه المتسخط والراضي؛ لأن صاحبها بعمله ذلك يرتهن الشكر،
ويسلف المعروف ليربح المحبة والدعاء والحمد.
ولا يقتصر نيل المتصدق للمحبة والشكر والدعاء من المتصدَّق عليهم فقط،
بل إنه ليود المتصدق ويحمده ويدعو له من لا ينال الصدقة ولا تقدم إليه، قال
أبو الفتح البستي:
أَحْسِن إلى الناسِ تَستعبدْ قلوبَهمُ ... فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
مَن جادَ بالمال مالَ الناسُ قاطبةً ... إليه، والمالُ للإنسان فتَّانُ
أَحْسِن إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ ... فلن يدومَ على الإنسانِ إمكانُ
وعلى الضد من ذلك فالبخيل ليس له خليل، وهو بشحه يستجلب السخط،
ويستدعي الذم والبغض؛ فاللائق بالعاقل إذا أمكنه الله تعالى من حطام هذه الدنيا،
وعلم زوالها عنه، وانقلابها إلى غيره، وأنه لا ينفعه في الآخرة إلا ما قدم من
الأعمال الصالحة، أن يكثر من الصدقات، وأعمال البر، وصنائع المعروف،
مبتغياً بذلك الثواب في العقبى، والذكر الجميل في الدنيا؛ إذ السخاء محبة ومحمدة،
وسبب لنيل الدعوة بالخير، والبخل مذمة، ومبغضة، وسبب لنيل الدعوة بالشر،
ولا خير في مال بدون وجود إحسان، كما لا خير في النطق بدون فعال. قال
الشاعر:
الجودُ مكرمةٌ، والبخلُ مبغضةٌ ... لا يستوي البخلُ عندَ اللهِ والجودُ [٦٢]
فيا من تريد المرتبة العالية في الآخرة، والمنزلة الجليلة في الدنيا الزم
الصدقة والجود، وأكثر من الإحسان وأعمال البر، وتجنب الشح؛ فإنك قادم على
ربك وحالك كما وصف الشاعر:
وما تزودَ مما كان يَجمَعه ... إلا حنوطاً غداةَ البين معْ خِرَقِ
وغيرَ نفحةِ أعوادٍ تُشدُّ به ... وقلَّ ذلك مِن زادٍ لمنطلقِ [٦٣]
١٨- أنها طريق للظفر بمحبة الله ورحمته ورضاه:
في الصدقة إحسان ورحمة، وتفضل وشفقة، ولذا كانت من وسائل نيل محبة
رب العالمين، والحصول على رحمته، والظفر برضوانه؛ لأنه سبحانه يحب
المحسنين ويرحم الراحمين، وقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك، فمما دل
منها على أن التصدق والإنفاق في مرضاة الله من دواعي حبه للعبد قوله
تعالى: [وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
المُحْسِنِينَ] (البقرة: ١٩٥) قال السعدي: «وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان
بالمال» [٦٤] .
كما أتت أحاديث عديدة تبين أن الله يحب المتصدقين وذوي البر والإحسان
وصانعي المعروف، منها قوله ﷺ : «أحب العباد إلى الله
أنفعهم لعياله» [٦٥] ، وقوله ﷺ : «أحب الناس إلى الله
أنفعهم» [٦٦] ، ومنها: حديث أبي ذر ﵁ مرفوعاً: «ثلاثة يحبهم الله
وثلاثة يبغضهم الله، أما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم
بقرابة بينهم وبينه، فتخلف رجل أعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله
والذي أعطاه ... » [٦٧] .
كما جاءت أحاديث تبين أن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء بخلقه،
المشفقين على عباده وهي صفة المتصدق ومنها: قوله ﷺ :
«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء» [٦٨] ،
وقوله ﷺ : «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز
وجل» [٦٩] .
ومن النصوص الدالة على أن الصدقة دافعة لغضب الله وسخطه، جالبة
لرضوانه قوله ﷺ : «صدقة السر تطفئ غضب الرب» [٧٠] ،
وحديث أبي هريرة ﵁ الذي تضمن قصة الأبرص والأقرع والأعمى،
وفيه قول الملَك للأعمى لما بذل المال محتسباً الثواب من الله وأمسكه صاحباه شحاً
به وبخلاً: «أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك وسخط على
صاحبيك» [٧١] .
فيا طامعاً في محبة الله ورضوانه، ويا راجياً رحمته وإحسانه.. عليك
بالصدقة؛ فإنها نِعْمَ الوسيلة لتحقيق غايتك والوصول إلى بغيتك.
١٩- أن فيها انتصاراً للعبد على شيطانه:
حذر الله عباده من الشيطان، وأوضح لهم عداوته لهم، وتوعده إياهم
بإغوائهم وتزيين الباطل لهم، وعمله بما يستطيع على إضلالهم وزجِّهم في دوامة
الشهوات والشبهات، لكي يكونوا له طائعين، ولخطواته متبعين، وعن الخير
متخاذلين، وعن رضوان ربهم متباعدين فقال تعالى: [وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ] (البقرة: ١٦٨) ، وقال سبحانه حكاية عن إبليس:
[قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ
أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ]
(الأعراف: ١٦- ١٧) ، وقال فيه: [لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ
نَصِيباً مَّفْرُوضاً * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِيَنَّهُمْ] (النساء: ١١٨-١١٩) ، وقال تعالى:
[قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
المُخْلَصِينَ] (الحجر: ٣٩-٤٠) .
وفي باب الصدقة فإن الشياطين تتكالب على العبد، داعية له إلى البخل،
حاثة له على الشح، ناهية له عن الجود والبذل، كما قال سبحانه: [الشَّيْطَانُ
يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]
(البقرة: ٢٦٨) فإن هو تصدق فقد غلبهم وانتصر عليهم، يدل لذلك قوله -صلى
الله عليه وسلم-: «ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنه لَحْيَيْ [٧٢]
سبعين شيطاناً» [٧٣] ، يقول المناوي معللاً ذلك: «لأن الصدقة على وجهها إنما
يُقصد بها ابتغاء مرضاة الله، والشياطين بصدد منع الإنسان من نيل هذه الدرجة
العظيمة، فلا يزالون يدأبون في صده عن ذلك، والنفس لهم على الإنسان ظهيرة؛
لأن المال شقيق الروح فإذا بذله في سبيل الله فإنما يكون برغمهم جميعاً، ولهذا كان
ذلك أقوى دليلاً على استقامته وصدق نيته ونصوح طويته» [٧٤] .
فهل بعد هذه الرتبة من رتبة، والفضل من فضل؟ فيا من يريد إرضاء ربه،
والانتصار على أعدائه، وجعل شياطينه تعيش حسرة وندامة، عليك بالصدقة
والإنفاق في طاعة ربك ومرضاته!
٢٠- سعة صدر صاحبها وانشراحه:
الصدقة ونفع الخلق والإحسان إليهم من أسباب انشراح الصدر وسعة البال
وتحصيل السعادة؛ ومردُّ ذلك إلى شعور المتصدق بطاعة الله تعالى وامتثال أمره،
والتحرر من عبودية المال وتقديسه، والقيام بمساعدة الآخرين، وإدخال السرور
عليهم، والسير في طريق أهل الجود والإحسان، والتعرض لنفحات الرب ورحمته
وإحسانه.
وعلى الضد من ذلك يكون حال البخيل؛ فإن هو همَّ يوماً بالصدقة ضاق
صدره، وانقبضت يده، خوفاً من نقص المال الذي صَيَّر جمعه غايته، يقول ابن
القيم: «فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً،
والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأعظمهم هماً
وغماً» [٧٥] ، ويقول ابن عثيمين: «فالإنسان إذا بذل الشيء ولا سيما المال يجد
في نفسه انشراحاً، وهذا شيء مجرب، ... لكن لا يستفيد منه إلا الذي يعطي
بسخاء وطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرجه من يده، أما من أخرج
المال من يده، لكنه في قرارة قلبه فلن ينتفع بهذا المال» [٧٦] لأنه قد يخرجه خجلاً
من الناس أو مجاراة لهم بدون استحضار نية.
وقد ضرب النبي ﷺ لانشراح صدر المتصدق وانفساح
قلبه، وضيق صدر البخيل وانحصار قلبه مثلاً [٧٧] ، فقال: «مثل البخيل
والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما،
فكلما همَّ المتصدق بصدقته اتسعت عليه حتى تعفي أثره، وكلما همَّ البخيل بالصدقة
انقبضت كل حلقة إلى صاحبتها وتقلصت عليه وانضمت يداه إلى ترقوته، فيجتهد
أن يوسعها فلا تتسع» [٧٨] ، قال الخطابي في شرحه: «هذا مثل ضربه رسول
الله ﷺ للجواد المنفق، والبخيل الممسك، وشبههما برجلين
أراد كل واحد منهما أن يلبس درعاً يستجنُّ بها على رأسه ليلبسها، والدرع أول ما
يلبس إنما يقع على موضع الصدر والثديين إلى أن يسلك لابسها يديه في كميها،
ويرسل ذيلها على أسفل بدنه فيستمر سافلاً، فجعل ﷺ مثل
المنفق مثل من لبس درعاً سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل
البخيل كرجل كانت يداه مغلولتين إلى عنقه، ناتئتين دون صدره، فإذا أراد لبس
الدرع حالت يداه بينهما وبين أن تمر سفلاً على البدن، واجتمعت في عنقه فلزمت
ترقوته، فكانت ثقلاً ووبالاً عليه من غير وقاية وتحصين لبدنه، وحقيقة المعنى:
أن الجواد إذا همَّ بالنفقة اتسع لذلك صدره، وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاء والبذل،
وأن البخيل يضيق صدره، وتنقبض يده عن الإنفاق في المعروف والصدقة» [٧٩] .
والأمر كما هو متضح مرتبط بالممارسة؛ فيا من تريد شرح الصدر وسعة
البال والولوج من بوابة السعادة جَرِّب تَجِدْ.
٢١- نفعها المتعدي:
لا يقتصر نفع الصدقة على صاحبها بل يتجاوزه إلى غيره من الأفراد،
ويتخطى الأفراد إلى المجتمعات، في كثير من جوانب الحياة، ولعل من أبرز
منافعها المتعدية ما يلي:
* إسهامها في علاج مشكلة الفقر؛ إذ تدفع حاجة المعوزين فتسد جوعهم،
وتستر عوراتهم، وتقضي ديونهم وحاجاتهم، وتفرج كربهم، وتنفس مضايقهم،
وتحسن معايشهم، وتدخل السرور على قلوبهم ... إلى آخر ذلك من الأعمال التي
حث الشارع عليها، ورغبت النصوص والآثار فيها، ومن ذلك قوله -صلى الله
عليه وسلم-: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله
سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه
جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد
شهراً» [٨٠] ، وقوله ﷺ : «يا عائشة! استتري من النار ولو
بشق تمرة؛ فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» [٨١] ، وقول علي رضي الله
عنه: «من آتاه الله منكم مالاً فليصل به القرابة، وليحسن فيه الضيافة، وليفك به
العاني الأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين، وليصبر فيه على
النائبة؛ فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخرة» [٨٢] .
* ما فيها من إشاعة التكافل الاجتماعي، وعميق الأخوة، ونشر المودة،
وبث الرحمة بين أفراد المجتمع المسلم؛ بحيث تجعله كأسرة واحدة متراصة يرحم
فيه القوي الضعيف، ويحسن فيه القادر إلى العاجز، والغني إلى الفقير؛ فتنكسر
بذلك سَوْرة الحسد، وتخف حدة الحقد التي قد توجد لدى بعض المعوزين؛ لأنهم
يرون مساعدة إخوانهم الأغنياء لهم، ويشعرون بوقوفهم إلى جانبهم في أوقات
الأزمات والمحن فيألفونهم ويحبونهم [٨٣] .
* من دوافع الجريمة الرئيسة شدة الفقر؛ لأنه يحمل المرء تحت ضغط
الحاجة على فعل المعايب وارتكاب المحظور، بل قد يؤدي ببعضهم إلى التسخط
والاعتراض على الله تعالى وعدم الرضاء بقضائه، ولذا صح من جهة المعنى
حديث: «كاد الفقر أن يكون كفراً» [٨٤] .
والصدقة وأعمال البر تقلل من أثر هذا الدافع جداً، فتسهم بذلك في إصلاح
المجتمع ووقاية أفراده من التورط في اقتراف الجريمة وبخاصة المالي منها لأن
الفقير حين يأتيه ما يسد حاجته، ويفك كربته يرى أن الغني الذي أعطاه من ماله
محسناً إليه فلا يعتدي على شيء من ممتلكاته، فينتشر بذلك الأمن ويعم الاطمئنان.
وفي المقابل فإن إمساك المال والشح به بوابة المهالك كما جاء في الحديث:
«واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم
واستحلوا محارمهم» [٨٥] ، وفي رواية: «أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور
ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» [٨٦] قال المناوي معللاً ذلك: «وإنما كان
الشح سبب ما ذكر؛ لأن في بذل المال والمواساة تحابباً وتواصلاً، وفي الإمساك
تهاجر وتقاطع، وذلك يجر إلى تشاجر وتغادر من سفك الدماء واستباحة
المحارم» [٨٧] .
ولا يقتصر أثر الصدقة على ذلك؛ إذ إنها تصلح أخلاق الفرد، وتمنعه من
الوقوع فيما لا يحمد؛ لأن العبد متى اشتد فقره، وكثر دَيْنُه: حدث فكذب، ووعد
فأخلف [٨٨] ، وحين تأتيه الصدقة تكون حجاباً بينه وبين الوقوع في ذلك.
* ما فيها من نصر الحق وتقويته؛ إذ لها تأثير ظاهر في نشر الدين وقيام
الكثير من المناشط الدعوية والعلمية، والأعمال التي يقارع بها الشر، ويذاد بها عن
حياض الدين، والواقع خير شاهد؛ إذ يجد المتأمل أن جل العمل الدعوي والخيري
في أرجاء الأرض يقوم على الصدقة وصنائع المعروف؛ بحيث لو توقفت لكان ذلك
سبباً في حرمان الأمة بل والبشرية من كثير من صنوف الخير.
وبهذا تتجلى أهمية الدور الذي يقوم به المتصدقون في الدعوة إلى الله،
وإشاعة الخير ودحض الشر، بل إن لأصحاب الأموال كما يظهر أجر الأعمال
التي تقوم على صدقاتهم من غير أن ينقص ذلك من أجر مباشريها والقائمين
عليها شيئاً.
стр. 3703
قضايا دعوية
بعض ما ينسب إلى السلف يؤدي للإحباط ! !
سليمان بن سعد بن خضير
يزخر ملف السلف [١] بأخبار قولية وعملية في غاية الجمال، وبالغ التأثير،
ولقد ملأ طيب ذكرهم المشارق والمغارب؛ إذ أوتوا مواهب فذة، وفتوحات ربانية
مدهشة، وقد نمت فيهم فضائل وربت، وعاشوا متقلبين في العلم والعبادة والجهاد
وطلب العيش بإقبال على الله بين زهد ومراقبة وجد. كان يجري عليهم ما يجري
على غيرهم: من مرض وضعف وفقر، فلا ينزعون مما هم فيه.. تسابقوا
(في الله) مخلصين دائبين، فرادى وزرافات؛ للمحافظة على صرح الإسلام
سامقَ البناء، وطيدَ الدعامة، مكينَ الأساس، مشرقَ المعالم. كانوا أبرَّ الأمة
قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً [٢] .
وقد نُقل لنا شيء من أخبارهم في كتب التراجم والسير العامة وفي أثناء كتب
الرقائق، والشيء الذي لا ينكر أن لمنقول أقوالهم وأفعالهم أثراً عجيباً في تصحيح
الفهم، وتهذيب السلوك، ورِقَّة القلب، وإشعال العزائم، وإذكاء الهمم، وقدح
المواهب كل ذلك بلا أمر أو نهي.
وقد دأب الدعاة على أن يجعلوا لذكر أخبار السلف من أقوالهم وأفعالهم نصيباً
من دعوتهم وتأصيلهم: في الكتابة والخطابة والحوار وبخاصة في مواسم الطاعات
التي تتطلب عادة قدراً من الإعداد للتذكير والموعظة! ! وربما أفضى بهم ذلك إلى
ذكر نماذج مثالية تبهر المستهدَفين من القراء والمستمعين، وتوقفهم على البون
الشاسع بينهم وبين السلف، وتقنعهم بضرورة الجد في أخذ الدين! وربما دفعتنا
وإياهم الحماسة لذكر أخبار ليست على المنهج الشرعي الصحيح مما مسته يد
التصوف أو غلب عليها عدم الاتزان في أعمال القلوب كالخوف والمحبة والرجاء.
غير أن لهذه الأخبار المثالية والغريبة ولو كان لها حظ من الشرعية آثاراً
سلبية في المدعوين من حيث نظن أنها ستعمل فيهم أبلغ مما هو دونها من الأخبار؛
فعندما نورد قصة من يقوم الليل كله كالحسن بن صالح [٣] ، أو من يختم القرآن في
ليلة كعثمان بن عفان ﵁ [٤] ، أو من تتعرض له امرأة لإغرائه فيقف
ويعظها، وما هي إلا أن سمعت كلامه حتى تحولت إلى عابدة متنسكة، كما يروى
عن الربيع بن خثيم [٥] ﵀، أو من يواصل الصيام من الجمعة إلى الجمعة
كعبد الله بن الزبير ﵄ [٦] ، أو لا يشعر بمن حوله إذا دخل في الصلاة
كمسلم بن يسار رحمهما الله [٧] ، أو من يُغشى عليه لسماع آيٍ من القرآن كحال
علي بن الفضيل رحمهما الله [٨] ، أو يضحك لموت ابنه رضىً بقضاء الله كما فعل
الفضيل بن عياض ﵀ [٩] ، أو يحضر مجالس وعظه وتذكيره الألوف من
الناس كما يذكر في ترجمة ابن الجوزي [١٠] ، ونحوها من الأخبار.
عندما نورد هذه الأخبار وهي بهذه الدرجة من المثالية على قوم يعدُّون
المحافظة على الصلاة ضرباً من الإنجاز؛ فمن السذاجة أن نتصور أنها ستنقلهم
١٨٠ درجة إيجابية أو قريباً منها، بل إن هذه الأخبار وأمثالها مع ما لبعضها من
صحة في الرواية وموافقة للشرع قد تورث الإحباط واليأس في نفوس بعض
المدعوين؛ لأن فيهم من يشعر أننا قدمناها على أنها هي الأنموذج الذي نتطلع إليه،
والغايات التي نصبو إليها؛ والغايات إذا لم تكن قريبة المنال فستكون مستصعبة
التنفيذ؛ و (إذا أردت أن تطاع فائمر بما يستطاع) ، كما أنها بحكم الإيغال في
الغرابة تشغل المخاطبين بالتفكير في صحتها وإمكان وقوعها بدلاً من أن يشتغلوا
بالتفكر فيها هي والتطلع لحال أهلها، وربما جرّهم ذلك إلى الدخول في نقاشات مع
الدعاة في مدى صحة تلك الأخبار تنقلهم عن الموضوع الأساس! ويزداد الأمر
سوءاً إذا كان ناقل تلك الأخبار من مبتدئي الدعاة.
لذا فإنه ينبغي ألاَّ تشاع في العامة ومن قاربهم على أنها أخبار طبيعية متكررة
أو غايات نهدف إليها، وذلك لأمور منها:
١ - ما تقدم من الإشارة إلى الآثار النفسية التي تعود بالسلب على المخاطبين،
والشرع الحنيف يراعي هذه المفسدة: قال عبد الله بن مسعود ﵁:
«ما أنت بمحدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» [١١] ،
وبوَّب البخاري في كتاب العلم: باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألاَّ
يفهموا [١٢] .
قال ابن القيم في نحو ما نحن بصدده: «فلا بد من مخاطبة أهل الزمان
باصطلاحهم؛ إذ لا قوة لهم للتشمير إلى تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم
وهديهم، ولو برز لهم هديهم وحالهم أنكروه، فهؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير
السلف، وعن عمق علومهم، وقلة تكلفهم..» [١٣] .
وكان الحسن البصري يخص بعض طلبته بالحديث في معاني الزهد والنسك
وعلوم الباطن التي قد تلتبس على غيرهم ولا تدركها فهومهم، فكان لا يتكلم فيها إلا
في منزله معهم [١٤] .
٢ - أن هناك فرقاً بين أسلوب ما روي من أحاديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم في الاجتهاد في الطاعة، وبين ما روي عن غيره، فغيره جاءت عنده محددة
متكلفة: (يصلي ١٠٠٠ ركعة) ، (يصلي الفجر بوضوء العشاء) ، أما هو عليه
الصلاة والسلام فهناك أحاديث تتناسب مع فهوم الناس ومنها أنه «كان يصلي من
الليل حتى تتفطر قدماه» [١٥] ؛ فهذا وصف قد ينطبق على كثيرين ولو لم يبلغوا
صلاة النبي ﷺ ؛ فالمبتدئ تتفطر قدماه في عُشر صلاة النبي صلى
الله عليه وسلم، والجَلْدُ يحتمل ما لا يحتمل مَنْ دونه وهكذا. كما أنه صلى الله عليه
وسلم كان يقوم ويرقد [١٦] ، وربما يعجز عن القيام ليلة لعارض من سفر أو مرض
فيستعيض من الضحى [١٧] ، وما أثر عنه أنه ﷺ صلى الفجر
بوضوء العشاء! !
هذا ونعتقد أن ما ورد عنه ﷺ قد جاءنا متكاملاً لم يطغَ منه
جانب على جانب، ولم يعارض حال حالاً؛ بل جاء في تناسق جميل، وتوازن تام؛
فأين ما روي عن غيره مما روي عنه ﷺ ؟ ! وما روي عنه
ﷺ محدداً بمقدار كثير نحو: «أنه صلى مرة فقرأ في ركعة
بالبقرة والنساء وآل عمران» [١٨] وأمثالها فإنما هي في مواسم عبادية خاصة
كرمضان، وقد قالت أمّنا عائشة ﵂: «ولا أعلم نبي الله صلى الله
عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح» [١٩] .
٣ - أن بعض الأخبار التي تروى عن بعضهم إنما صدرت في حال [٢٠]
عارضة، ولا يمكن والأمر كذلك أن توصف حياتهم كلها بأنها كانت على هذه الحال،
ولا يمكن أن يطالب الناس بأن يكونوا على حال لم يكن المذكور بها على الدوام!
كمن يغلب عليه الخوف فيبدر منه قول أو فعل، كما كان ابن عمر ﵁
إذا شرب ماءً بارداً بكى وذكر أمنية أهل النار [٢١] ؛ فلم يكن ذلك مطرداً في كل مرة
يشرب الماء؛ إذ لو كان كذلك لتلفت نفسه ولتنغص عيشه، ونحوه قول حنظلة
لأبي بكر: نافق حنظلة! .. الحديث وفيه قال النبي ﷺ : «لو
تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي
طرقكم ... » [٢٢] قال الحافظ ابن رجب في أحوال الناس بعد سماع الذكر ما
ملخصه: قسم يرجعون إلى مصالح دنياهم المباحة فيشتغلون بها، فتذهل بذلك
قلوبهم عما كانوا يجدونه في مجلس الذكر: من استحضار عظمة الله وجلاله
وكبريائه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وهذا هو الذي شكاه الصحابة إلى
النبي ﷺ وخشوا لكمال معرفتهم، وشدة خوفهم أن يكون نفاقاً؛
فإن استحضار ذكر الآخرة بالقلب في جميع الأحوال عزيز جداً، ولا يقدر كثير من
الناس أو أكثرهم عليه، فيكتفى منهم بذكر ذلك أحياناً، وإن وقعت الغفلة عنه في
حال التلبس بمصالح الدنيا المباحة، ولكن المؤمن لا يرضى من نفسه بذلك، بل
يلوم نفسه عليه ويحزنه ذلك من نفسه [٢٣] .
٤ - أن من هذه الأخبار المثالية ما دُوِّن لغرابته؛ فإن النفوس تحفل بالغريب
من الأحداث والأحاديث، وبحكم الغرابة برزت في حياة المترجَم له، وإذا كانت
غريبة على أهل ذلك الوقت الذي ذكرت فيه ودونت وهم من هم فكيف بمن بعدهم
بزمن ومراحل؟ !
٥ - كما أن هناك أخباراً لا يُسَلَّم بمشروعيتها، وهي مما حدث بعد الصدر
الأول أفضل القرون، نحو التأثر بالقرآن لدرجة الإغماء والصعق وهي مما قد يعذر
صاحبها فيها؛ لما تقدم من غلبة بعض الأحوال لكن لا يمكن (بحال) أن تقدم على
أنها النموذج الشرعي المرغوب أو الممدوح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن
يحصل لهم آثار من سماع القرآن كالاضطراب والإغماء: «أما جمهور الأئمة
والسلف فلا ينكرون ذلك؛ فإن السبب إذا لم يكن محظوراً كان صاحبه فيما تولد
عنه معذوراً، لكن سبب ذلك قوة الوارد على قلوبهم، وضعف قلوبهم عن حمله،
فلو لم يؤثر السماع لقسوتهم كانوا مذمومين ... ولو أثر فيهم آثاراً محمودة لم يجذبهم
عن حد العقل لكانوا كمن أخرجهم إلى حد الغلبة محمودين أيضاً ومعذورين» [٢٤] .
وقال في موضع آخر: «وقد يشاهد كثير من المؤمنين من جلال الله وعظمته
وجماله أموراً عظيمة تصادف قلوباً رقيقة فتحدث غشياً وإغماءً، ومنها ما يوجب
الموت، ومنها ما يخل العقل، وإن كان الكاملون منهم لا يعتريهم هذا كما لا يعتري
الناقصين عنهم، لكن يعتريهم عند قوة الوارد على قلوبهم، وضعف المحل المورود
عليه؛ فمن اغتر بما يقولونه أو يفعلونه في تلك الحال كان ضالاً مضلاً» [٢٥] .
كما أن بعضاً من تلك الأخبار فيه تبتل ورهبانية ظاهرين. قال الذهبي:
«كل من لم يزمَّ نفسه [*] في تعبده وأوراده بالسنة النبوية يندم ويترهب ويسوء مزاجه،
ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، الحريص على
نفعهم، وما زال ﷺ معلماً للأمة أفضل الأعمال، وآمراً بهجر
التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال،
وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن
ترك اللحم إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك
معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية المتجاوز لها مفضول مغرور» [٢٦] .
وقال: «الطريقة المثلى هي المحمدية، وهو الأخذ من الطيبات وتناول
الشهوات المباحة من غير إسراف ... فلم يشرع لنا الرهبانية، ولا التمزق
والوصال، بل ولا صوم الدهر، ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة» [٢٧] .
٦ - أن بعضاً من تلك الأخبار مبالغات صريحة حمل عليها عواطف بشرية
كالحب وربما الغلو، فلا ينبغي والحالة هذه أن نسير في ركاب محب أصاب أو
أخطأ، ونقدمه للناس على أنه أنموذج واقعي. وكان للذهبي ﵀ تعليقات
لطيفة على بعض ما ينقل من تلك الأخبار القولية أو الفعلية أذكر نماذج منها:
ذكر الذهبي قول من قال: «عندنا بخراسان يظنون أن أحمد لا يشبه البشر،
يظنون أنه من الملائكة!» ، وقول: «نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة!» .
فقال أي الذهبي: «هذا غلو لا ينبغي، لكن الباعث له حب ولي الله في
الله» [٢٨] .
وحين ساق قول محمد بن مصعب العابد: «لَسَوْطٌ ضربه أحمد بن حنبل في
الله؛ أكبر من أيام بشر بن الحارث» ، علق الذهبي عليه بقوله: «بِشر عظيم
القدر كأحمد، ولا ندري وزن الأعمال، إنما الله يعلم ذلك» [٢٩] ، وعد من المبالغة
في الرأي قول يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي ﵀: «لو جمعت أمة
لوسعهم عقله» [٣٠] ! ! ، وأنكر ما روي من أن عدد من يحضر مجالس الوعظ التي
يعقدها ابن الجوزي مئة ألف، فقال: «لا ريب أن هذا ما وقع، ولو وقع لما قدر
أن يُسمعهم ولا المكان يسعهم» [٣١] .
٧ - أن بعضاً منها يحتمل أن يكون خطأ في الرواية، وسَبْقَ قلم، نحو ما
ذكره ابن النجار في تاريخه أن عدد من أقرأهم أبو منصور الخياط من العميان بلغ
سبعين ألفاً! قال الذهبي: «هذا مستحيل؛ والظاهر أنه أراد أن يكتب: نفساً.
فسبقه القلم فخط ألفاً، ومن لقن القرآن لسبعين ضريراً فقد عمل خيراً كثيراً» [٣٢] .
وربما كان الخبر غير صحيح روايةً مع ما له من الشهرة نحو ما جاء في
ترجمة (ربيعة الرأي) شيخ الإمام مالك، وهو أن أمه كانت تقوم على تربيته
وتعليمه وتنفق عليه مما خلفه عندها زوجها فرّوخ، وكان ثلاثين ألفاً ... إلخ
الخبر [٣٣] ، قال الحافظ الذهبي: «حكاية معجبة، ولكنها مكذوبة! !» ثم ساق
أوجه ردها بالنظر في المتن [٣٤] ، وطعن في إسنادها العلامة عبد الرحمن
المعلمي، وانتهى إلى الحكم باختلاقها [٣٥] ، قلت: وهي قصة مشهورة، تحمل
معاني تربوية رائدة، ولكن....! !
فهذه ملاحظات مما يرد على بعض تلك الأخبار (المثالية) ، كما يرد على
غيرها، لكن المصلحة من إشاعتها مضافاً إليها تلك الملاحظات أو بعضها مرجوحة،
وما أردت استقصاء الاحتمالات ولا تتبع القصص، ولكن حسبي أن أنبه إلى
مثال جديد من أمثلة مراعاة المصلحة والمفسدة، وأن درء المفاسد مقدم على جلب
المصالح، وأن العبرة بالسنة المحمدية والحنفية السمحة، وغيرها يقاس بها،
والحمد لله رب العالمين.
стр. 3704
تأملات دعوية
مع أحداث الأرض المباركة
محمد بن عبد الله الدويش
لقد تركت الأحداث التي حصلت في الأقصى أثرها العميق في نفوس
المسلمين، ولا خيار لمسلم أياً كان أن يقف موقف الحياد، أو يتغافل عن مثل هذه
الأحداث؛ كيف لا؛ والأمر يتعلق بالإيمان؟ فقد قال ﷺ : «مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمى» [١] .
ويزداد الأمر أهمية حين يتعلق بموطن مبارك قد وصفه ﵎ بذلك
في آيات كثيرة [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ
الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ] (الإسراء: ١) , [تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَتِي
بَارَكْنَا فِيهَا] (الأنبياء: ٨١) , [وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القُرَى الَتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى
ظَاهِرَةً] (سبأ: ١٨) .
وقد كثر الحديث عن هذا الموضوع والتفاعل معه؛ والمقصود هنا الإشارة
إلى بعض الوقفات الدعوية، ومن ذلك:
- مع أن المسلم يسوؤه ما حصل لإخوانه ويتألم لمصابهم، فإنه يؤمن أن
بعض ما يكرهه الناس قد تكون عاقبته إلى خير؛ فقد قال عن حادث
الإفك الذي قُذفت فيه أطهر النساء بالسوء: [لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ]
(النور: ١١) .
- لعل مثل هذه الأحداث تعيد لدى المهتمين بالقضايا الإسلامية الاهتمام
والاعتناء بشأن قضية الأرض المباركة التي نسيها الناس وغفلوا عنها، ومهما علا
شأن قضايا المسلمين فليست بأوْلى من هذه القضية التي تتعلق بمسرى النبي صلى
الله عليه وسلم والأرض المباركة والمسجد الأقصى وموطن الطائفة المنصورة،
ولن ينتهي الصراع حولها حتى يقتل مسيحُ الهداية مسيحَ الضلالة.
- لا بد من استثمار مثل هذه الأحداث في تقرير القضايا الكبرى في خلفية
الصراع، وربط المسألة بجذورها العقدية، وأن هذه الجرائم صدرت ممن يعتبرون
[أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا] (المائدة: ٨٢) ومن هذه القضايا أيضاً التحالف
بين النصارى واليهود، ووقوفهم في خندق واحد حين يكون العدو المستهدف هو
الإسلام وأهله [بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (المائدة: ٥١) . إن هذه المسلَّمات
الشرعية نسيها الناس في ظل المصطلحات السياسية التي روَّضهم الإعلام عليها
مثل: الصراع العربي الإسرائيلي، إسرائيل تريد السلام.
- اتضح من خلال هذه الأحداث أثر الإعلام في إثارة تفاعل الناس مع
القضية؛ فالصور والتقارير المؤثرة التي تناقلتها وسائل الإعلام فعلت فعلها في
النفوس. ألم يحن الوقت لدى الدعاة إلى الله أن يدركوا تأخرهم في
التعامل مع هذه الوسائل المؤثرة، وأن يتعلموا فن الصنعة الإعلامية الذي يمكن أن
يثير تفاعل الناس مع قضايانا؟ !
- لا بد من السعي لبناء الأولويات لدى الناس - مع استثمار العواطف الخيِّرة -
فقتل طفل آمن جريمة نكراء، لكن قتل المئات والآلاف من خلال سياسة التجويع
والحصار الاقتصادي أشد جريمة، وترويع الآمنين وقتلهم جريمة بشعة، وأشد من
ذلك بشاعة صد الناس عن دينهم وفتنتهم فيه [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ]
(البقرة: ١٩١) .
- لا بد من استثمار مثل هذه الأحداث في دعوة الناس للعودة إلى الدين
والرجوع إليه، وأن ما أصابهم إنما هو حين تركوا دينهم وأعرضوا عنه، وهذه
الأحداث فرصة للدعاة إلى الله في الأرض المباركة في أن يزيد حضورهم لدى
الناس، ويسعوا إلى إعادة الناس إلى دينهم.
- يقبل الناس في مثل هذه الأحداث على الاستماع إلى آراء المحللين
والمعلقين؛ فأين حضور دعاة الإسلام وأهل العلم في ذلك؟ وهل ما يقدمونه للناس
إن وجد على مستوى ما يسمعه الناس من غيرهم؟ أم ما زلنا نعتقد أن الحديث في
مثل هذه القضايا مما يشغل طالب العلم ويصرفه عما هو أهم؟
- إن تفريقَ الناس بين مَنْ يتحدث باسم القضية، وإصرارَهم على التعامل
مع الصادقين منهم، بذرةٌ من الوعي ينبغي أن تُستثمر وتنمى قبل أن تذبل وتموت.
стр. 3705
الإسلام لعصرنا
الحضارة الغربية
ضجة عن الحرية.. وممارسة للهيمنة الثقافية
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
الحضارة الغربية حضارة يبوء كاهلها بالمتناقضات: تناقض في الأفكار،
وتناقض في القيم، وتناقض في المواقف، وتناقض بين الأقوال والأفعال. لكنها
رغم ذلك كله هي الحضارة السائدة التي يعدها أهلها ويعدها بقية العالم إلا من رحم
ربك حضارة العصر، الحضارة التي يجب أن يحذو حذوها كل من يريد أن يتبوأ
مكانة محترمة ومقبولة في هذا العصر، وإلا كان فيه بجسده، وخارجَه بروحه
وفكره.
ولعل من أبرز أنواع التناقض بين أقوال هذه الحضارة وأفعالها تناقضها بين
ضجتها الصوتية العالية عن حرية الأفراد والشعوب، وسلوكها كل سبيل لفرض
قيمها الخُلُقية، وتجربتها السياسية، ونظمها الاقتصادية، بل ومعتقداتها الدينية على
سائر شعوب الأرض، ووصم كل ما يخالفها، بل كل ما يتعارض مع مصالحها،
بكونه انتهاكاً للحقوق الإنسانية، أو إضراراً بالمصالح العالمية، أو ممارسة
للإرهاب، أو سبباً للتخلف، وما شئت من تهم جائرة، بل وأحيانا أقوال آفكة.
المتعصبون من أهل الحضارة الغربية ضد ثقافات الأمم الأخرى وما كلهم كذلك
مصابون بنوع من المرض الثقافي الذي يجعل على بصر صاحبه غشاوة تهول له
قيم ثقافته، بل وأباطيلها، حتى يراها هي القيم الإنسانية التي يجب على كل الأمم
أن تؤمن بها وتطبق مقتضياتها، بل وهي المعيار الذي تقاس به إنسانية الأمم،
ويحدد على أساسه استحقاقها للمصالحة والمساعدة أو المشاقَّة والإعنات. وقد عبر
عن شيء من هذا مندوب أو مندوبة باكستان في جلسة الأمم المتحدة الخاصة بقضية
المرأة. قالت لهم المندوبة كلاماً نقلته بعض الصحف الأمريكية فحواه: أن مشكلة
المرأة في باكستان أن تشرب ماءً نقياً، لا أن تتزوج امرأة مثلها، ولا أن تكون لها
حرية الاتصال بمن شاءت من الرجال.
هذا موضوع كبير نُشرت فيه أوراق وأُلفت فيه كتب منها كتاب مشهور
للأستاذ إدوارد سعيد اسمه: (الاستعمار الثقافي) لكن حديثنا اليوم عن آخر
مظهرين شهدهما الكاتب لهذه الهيمنة. أولهما: الاجتماع الخاص بالنساء الذي عقد
بالأمم المتحدة والذي تحدثت عنه في مقال سابق. وثانيهما: كتاب لرائدة من رواد
الحركة الأنثوية feminism.
من مظاهر الهيمنة الثقافية في اجتماع الأمم المتحدة أن المنظمات غير
الحكومية التي شاركت فيه كان أعلاها صوتاً وربما أكثرها عدداً المنظمات الآتية
من البلاد الغربية. وحتى التي أتت من البلاد غير الغربية كان كثير منها إن لم يكن
معظمها من الجماعات الدائرة في فلك المنظمات الغربية، بل ربما كان بعضها
مجرد صدى لها. كان منها مثلاً منظمة من بلد من أكثر البلاد الإفريقية فقراً وجوعاً،
لكن مستوى أدائه في الدعاية للقيم الغربية كان مضاهياً لأغنى المنظمات الغربية.
ومن مظاهرها: أن اللغة المسيطرة على الاجتماع كله كانت اللغة الإنجليزية؛
فالذي لا يعرفها لا يستطيع أن يشارك مشاركة فعالة.
ومن مظاهرها: أن كُبريات المتحدثات كن من الشخصيات الأمريكية
المرموقة؛ فقد تحدثت في اجتماع المنظمات غير الحكومية سيدة أمريكا الأولى،
وخاطبت الجمعية العمومية وزيرة خارجيتها، وكان معظم المتحدثين والمتحدثات
غير الغربيين من أبواق الغرب، حتى إن عدد المتحدثين والمتحدثات من بلد أفريقي
غير الذي ذكرت آنفاً لم يكن متناسباً قط لا مع أهميته ولا مع حجمه.
والقضايا التي أثيرت ونالت اهتماماً كبيراً كانت هي القضايا التي يهتم بها
الغرب؛ إما لأنها من القضايا التي تشغل بال الناس فيه، أو لأنها مما يعترض عليه
الغرب في ثقافات الآخرين. من ذلك قضية ختان البنات، التي حوَّلها الكُتَّاب
والساسة الغربيون وأتباعهم من المستغربين إلى قضية كبرى تكاد تكون من أهم
معاييرهم للولاء والبراء.
وهذا يقودنا إلى كتاب الرائدة الأنثوية الذي أسمته: المرأة كاملة، أو المرأة
بأكملها The WholeWoman تعرضت المؤلفة فيه لقضية الختان هذه، فذكرت
أنها كانت وما زالت معترضة على ختان النساء، لكنها بعد أن سافرت واتصلت
بالثقافات الأخرى، تبين لها أن اهتمام الغرب به هو تعبير عن احتقاره للثقافات
غير الغربية. واستدلت على ذلك بأدلة لا تخلو من طرافة:
منها: أنه لا فرق بين ختان الرجال وختان النساء؛ لكننا لا نعترض على
الأول ولا نثير حوله زوبعة؛ لأنه يمارس في الغرب.
ومنها: أن النساء في الغرب يجرين عمليات جراحية تجميلية هي أشد غرابة
من الختان. من ذلك العمليات التي تجريها بعض النساء لتصغير أثدائهن. قالت:
إنها عندما ذكرت هذا لبعض النساء السودانيات كان استغرابهن له كاستغرابنا
للختان، وأنها تعلمت منهن أن الختان أنواع، وأن منه ما لا ضرر فيه، وأنه
لا يؤثر على الاستمتاع الجنسي، وأنه ليس أمراً يفرضه الرجال على النساء كما
نظن في الغرب.
ومنها: أن بعض الناس في الغرب يخرقون ألسنتهم ليدخلوا فيها نوعاً من
الحلق كالذي يدخل في الآذان. بل إن منهم من يفعل ذلك لعضو الرجل!
لنفترض أن الحديث كان عن أسوأ أنواع الختان، وهو مضر ما في ذلك شك؛
لكن أهو أضرُّ من هذا الذي ذكرته الكاتبة؟ أهو أضر من شرب الخمر الذي
يموت بسببه المئات بل ربما الآلاف في الغرب في ليلة واحدة هي ليلة عيد الميلاد؟
أهو أضر من حمل السلاح الذي يرخص به القانون الأمريكي، والذي يُقتل بسببه
عدد من الأبرياء وأحيانا الأطفال في كل يوم وليلة؟ أهو أضر من الجمع بين السُّكْر
وحمل هذا السلاح؟ أهو أضر من السفور، وما ينتج عنه من أنواع الاغتصاب؟
أهو أضر من الزنا واللواط الذي تُحله القوانين الغربية والذي كان سبباً في مرض
الإيدز وأمراض أخرى جسدية ونفسية؟ أهو أضر من التدخين الذي صار من
أسباب الموت الأولى في البلاد الغربية، والذي لا مسوِّغ لإباحته إلا استفادة بعض
الشركات منه، كاستفادة أخرى من إباحة حمل السلاح؟
كلا والله! ولكن الأمر كما قال ربنا: [فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ
الَتِي فِي الصُّدُورِ] (الحج: ٤٦) .
إن قوة الغرب المادية صارت فتنة تعمي الناس ومنهم منتسبون إلى الإسلام
عن رؤية عيوبه وشروره. كما أن ضعف المسلمين صار فتنة تصد الناس عن
رؤية ما عندهم من خير وعن قبوله.
[رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ]
(الممتحنة: ٥) .
стр. 3706
دراسات تربوية
التعلق بالأشخاص لا بالمنهج !
سالم أحمد البطاطي
الأصل في العملية التربوية أنَّ الفرد الذي يدعى يجب أن تتركز الجهود
التربوية في تربيته بتوثيق صلته برب العالمين، وأن تكون صلته القوية بالله تعالى
وبمنهجه القويم، وألا يتعلق بالبشر؛ لأنَّ البشر من الممكن أن يتغيروا، ولكن الله
الحي الذي لا يموت يُغيِّر ولا يتغيَّر كما قال سبحانه: [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]
(الرحمن: ٢٩) .
وإنَّ مشكلة التعلق بالأشخاص لها سلبيات منها: أن الفرد يتغير بتغير المتعلق
به، ولذلك جاء القرآن ليقرر هذه الحقيقة الأولية حقيقة التعلق بالمنهج ونبذ التعلق
بالأشخاص ولو كانوا رسلاً. ففي سورة آل عمران وهو يتحدث عن غزوة أحد
يقول سبحانه: [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ
الشَّاكِرِينَ] (آل عمران: ١٤٤) يقول أحد الباحثين: «وكأنما أراد الله سبحانه
بهذه الحادثة وبهذه الآية أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صلى
الله عليه وسلم وهو حيٌّ بينهم، وأن يصلهم مباشرة بالنبع النبع الذي لم يفجِّره محمد
ﷺ ، ولكن جاء فقط ليومئ إليه، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق،
كما أومأ إليه من قبله الرسل، ودعوا القافلة للارتواء منه؛ وكأنما أراد الله
سبحانه أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة،
وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط، حتى يستشعروا تبعتهم
المباشرة التي لا يخليهم عنها أن يموت الرسول أو يقتل فهم؛ إنما بايعوا الله، وهم
أمام الله مسؤولون، وكأنما كان سبحانه يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة
الكبرى حين تقع، وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم، فشاء أن
يدربهم عليها هذا التدريب، وأن يصلهم به هو وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم
الدهش والذهول» .
ويضيف قائلاً: «والمسلم الذي يحب رسول الله ﷺ ؛ وقد
كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيراً،
الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة، وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه
بظهره، والنبل يقع عليه ولا يتحرك، ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه
ويستشهدون واحداً إثر واحد، وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان
يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم وبكل مشاعرهم حتى ليأخذهم الوجد من
مجرد ذكره ﷺ ، هذا المسلم الذي يحب محمداً ذلك الحب مطلوب
منه أن يفرق بين شخص محمد ﷺ والعقيدة التي أبلغها وتركها
للناس من بعده باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت؛ إنَّ الدعوة أقدم من
الداعية» .
وكما كان القرآن يربي الصحابة والأمة من بعدهم على التعلق بالمنهج وذم
التعلق بالأشخاص، كذلك كان ﷺ هذا منهجه، ومنهج كل من دعا
إلى الله على بصيرة، وإليك بعض النماذج:
١ - عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعَظنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم موعظة وَجِلَتْ منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول
الله! كأنها موعظة مودع، فأوصنا! قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة،
وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنَّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات
الأمور؛ فإنَّ كل بدعة ضلالة « [١] .
الشاهد قوله:» كأنها موعظة مودع «،» فعليكم بسنتي «فربما كان قد وقع
منه ﷺ تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، وأنه مغادر الحياة،
فأوصاهم بالتعلق بسنته بعده، وقول الصحابة:» فأوصنا «فيه أنهم لما فهموا أنه
مودع استوصوه وصية ينفعهم التمسك بها بعده.
٢ - في حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
» لتأخذوا عني مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا.. « [٢]
فأوصاهم بأخذ سنته واتباع هديه الذي هو الدين الذي بلغه عن ربه؛ ففيه تعليق
الصحابة بمنهج الله، وتربيتهم على ذلك وهو حيٌّ بين أيديهم.
٣ - جمعه الناسَ بماء بين مكة والمدينة يسمَّى خُمّاً، وخطبهم فقال:
» يا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب « [٣] ثم حض
على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته. الشاهد تعريضه بأنه مغادر الحياة،
وحضه بالتمسك بكتاب الله وبمنهج الله.
٤ - خرج الإمام أحمد أيضاً عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول
الله ﷺ يوماً كالمودع فقال:» أنا محمد النبي الأمي قال ذلك ثلاث
مرات ولا نبي بعدي؛ أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعلمت كم خزنة
النار وحملة العرش، وتُجُوِّز بي، وعوفيت وعوفيت أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما
دمت فيكم؛ فإذا ذُهِبَ بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه « [٤] .
الشاهد قوله:» فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله «. فلم يعلقهم بنفسه الشريفة
ولا بذاته إنما علقهم بكتاب الله وبمنهج الله؛ وفي هذا تربيتهم على التعلق بالمنهج.
يتضح مما سبق من هذه الأحاديث كيف أن النبي ﷺ كان
يوجه الصحابة ويحضهم ويعلقهم بمنهج الله الذي هو الكتاب والسنة ولم يكن يعلقهم
بشخصه وذاته.
وكان يربيهم على هذه الحقيقة الأولية وهو بين ظهرانيهم، ويركز عليها
ويذكرهم بها في أكثر من موقف كما سبق؛ وما ذاك إلا لأهمية هذه الحقيقة التي
ربما يغفل عنها الناس؛ فكان الواجب تذكيرهم والتركيز عليها.
وأيضاً لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يربي بعضهم بعضاً، ولا غرابة
في ذلك؛ فقد رباهم ﷺ على ذلك من قبل، ويذكِّر بعضهم بعضاً
بهذه الحقيقة المهمة حقيقة التعلق بالمنهج ونبذ التعلق بالأشخاص؛ فمتى جنحت
العاطفة نحو الأشخاص ضعفت النفوس وتقهقرت، ويظهر ذلك فيما يلي:
١ - قال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس:» أن أبا بكر خرج
وعمرُ يكلم الناس، وقال: اجلس يا عمر. قال أبو بكر: أما بعد: فمن كان يعبد
محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى:
[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى
أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]
(آل عمران: ١٤٤) . قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية
حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم؛ فما أسمع بشراً من الناس إلا
يتلوها «، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال:» والله! ما هو إلا أن
سمعت أبا بكر تلاها فعرقتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى
الأرض «.
٢ - قال ابن أبي نجيح عن أبيه:» إن رجلاً من المهاجرين مر على رجل
من الأنصار يتشحط في دمه فقال له: يا فلان، هل شعرت أن محمداً صلى الله
عليه وسلم قد قتل؟ وكان ذلك في أحد فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد
بلَّغ. فقاتلوا عن دينكم « [٥] .
٣ - في غزوة أحد لما انهزم الناس لم ينهزم أنس ابن النضر ﵁
وقد انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين
والأنصار قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله
عليه وسلم. فقال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه
رسول الله ﷺ . ثم استقبل المشركين ولقي سعد بن معاذ فقال:
يا سعد، واهاً لريح الجنة إني أجدها من دون أحد، فقاتل حتى قتل، ووُجِد به بضع
وسبعون ضربة، ولم تعرفه إلا أخته ببنانه.
إنه من واجب المربين ومن هم في موضع القدوة أن يربوا أتباعهم على
التعلق بالله وعدم التعلق بالأفراد.
مظاهر التعلق بالأشخاص:
١ - ترك الالتزام بعد موت المربي أو سفره أو سجنه.
٢ - ترك العمل لهذا الدين بابتعاد المربي عنه.
٣ - عدم الصبر على مفارقته.
٤ - مقابلة أقوال المربي غير الصائبة بأقوال من تأخذ الأمة الفتوى عنهم.
٥ - التساهل في الكثير من الأخطاء بحجة أن المربي يعملها.
٦ - تعظيم المربي ومدحه وإطراؤه والثناء عليه إلى درجة الغلو.
٧ - التسويغ الكثير لأخطاء المربي، وعدم قبول أن المربي قد يخطئ بل
يُجعل دائماً هو المصيب بلسان الحال أو المقال.
٨ - عدم مناقشة المربي في بعض القضايا التربوية التي لم يفهمها المتربي
بحجة أن مربيه قد يغضب عليه عندما يناقشه.
٩ - عدم الوضوح في كثير من قضاياه وأموره بحجة أن المربي ربما يتغير
تجاهه.
١٠ - التخفي في عمل بعض الأمور التي لا تنبغي فضلاً عن المعاصي
بحجة أن المربي يغضب عليه وتتغير نظرته له.
١١ - التحرج من أن يعرف المربي أموره الخاصة حتى لا تتغير نظرته له.
١٢ - الطاعة العمياء للمربي في خطئه.
١٣ - نصرة مربيه عند الآخرين حتى في خطئه.
١٤ - تقديم مصالح مربيه الدنيوية على مصالح والديه وأهل بيته.
١٥ - تقليد المربي في بعض الصفات المذمومة (عشوائية تهور عجلة
فوضوية) .
١٦ - الانصدام بواقع المربي إذا حصل منه خطأ مما يسبب له النكوص،
فيجعل زلة المربي سبباً في الابتعاد عن الحق، وكان الإمام سفيان بن عيينة يطلق
على مثل هؤلاء الذين يجعلون زلات القدوات والمربين سبباً للابتعاد عن الحق
صفة: (الحماقة) فقد لاحظ أحدهم منه خشونة وشدة على طلبته فتجرأ وسأله:
» إن قوماً يأتونك من أقطار الأرض، تغضب عليهم، يوشك أن يذهبوا ويتركوك «
فرد عليه:» هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خلقي «. فأراد سفيان
أن يفهم السائل القاعدة التي هي: (التعلق بالحق وترك التعلق بالأفراد) ،
فالمربي والقدوة لا يعني أنه هو الحق وهو الدعوة، وفرق أن يوجد عيب أو زلل في
المربي أو أن يوجد الزلل والخطأ في الحق.
أسباب داء التعلق بالأشخاص:
لبعض الأشخاص صفات شخصية من أهمها:
١ - بروز الصفات الجاذبة عند المربي (الخطابة العلم الذكاء ... ) .
٢ - كثرة الجلسات غير الهادفة والمبنية على تجانس الطبع.
٣ - فقدان القدوة منذ النشأة الأولى.
٤ - عدم ربط المتربي بالقدوة المعصوم ﷺ .
٥ - عدم ربط المتربي بالاتصال بالله والتعلق بدين الله.
٦ - تغليب جانب العاطفة في التعامل مع المتربي وتحكيمها.
٧ - عدم التركيز على بعض المفاهيم الدعوية التربوية مثل: (الفرق بين
حب الله وحب الأفراد، وبين الحب في الله والحب مع الله) .
٨ - عدم تحذير المتربين من خطورة التعلق بالأشخاص.
٩ - التسويف في التحذير من خطورة التعلق بالأشخاص بحجة اجتذابه وعدم
تنفيره، والزعم أنه في أول الطريق.
١٠ - عدم انتباه المربي لهذه المشكلة مما يجعل الأمر مستفحلاً.
١١ - عدم مصارحة الأفراد الذين يقعون في هذه المشكلة.
١٢ - تزيين الشيطان للمربي بأنه مهم وجذاب مما يغبِّش عليه خطورة هذه
المشكلة.
١٣ - الخلل في عملية تقييم الأفراد.
١٤ - إهمال جانب التربية الذاتية وتغليب جانب التربية الجماعية على
الفردية.
آثار داء التعلق بالأشخاص:
١ - ترك الالتزام بالكلية بعد موت المربي أو سجنه أو سفره.
٢ - ترك العمل لهذا الدين ببعد المربي عنه.
٣ - الوقوع في معصية الغلو والتعظيم.
٤ - الوقوع في كثير من الأخطاء.
٥ - الوقوع في معصية الوالدين بتقديم مصالح مربيه الدنيوية على مصالح
والديه.
٦ - فقدان شخصيته المتميز بها.
٧ - إخراج جيل هش تستملكه العواطف.
٨ - جعل العاطفة هي الحكم في كثير من القضايا.
٩ - عدم قبول العمل لهذا الدين في بيئة بعيدة عن بيئة مربيه.
١٠ - الرياء وعدم العمل إلا بمرأى من مربيه.
١١ - عدم نصح المربي إذا أخطأ.
١٢ - الوقوع في التهور والعجلة والفوضوية المرتسمة في مربيه.
علاج داء التعلق بالأشخاص:
١ - التركيز في السنوات الأولى للعملية التربوية على معاني التعلق بالله
وحده، والمعنى الحقيقي للحب في الله.
٢ - التركيز على الأصول الإيمانية ومعاني الشرك وخاصة في المحبة.
٣ - الحث على صبغ الجلسات الخاصة بين الأفراد بالأهداف القيمة.
٤ - مصارحة الأفراد الذين يقعون في هذه المشكلة وعدم الانتظار حتى يتفاقم
الأمر.
٥ - انتباه المربي لهذه المشكلة وتحذيره الدائم للفرد من خطورة التعلق
بالأشخاص.
٦ - تكرار التقويم للأفراد حتى تتسنَّى معالجتهم قبل استفحال الأمر.
٧ - مناقشة مثل هذه القضية في جلسة نقاش مفتوحة يشترك فيه جميع الأفراد.
٨ - تعليق الأفراد بالله وبمنهجه.
٩ - ربط المتربين بقدوتهم محمد ﷺ .
١٠ - التركيز على جانب التربية الذاتية.
١١ - التركيز على جانب الإخلاص وأن العمل لا يكون إلا لله، وما كان لله
فهو الذي يبقى، وما كان لغيره فإنه يفنى.
١٢ - بث روح العمل لهذا الدين في أي مكان وزمان كان.
وأخيراً.. اعلم:
١ - اعلم أن من الأخطاء في العملية التربوية التعلق بالأشخاص وضعف
التعلق بالمنهج.
٢ - اعلم أن القرآن الكريم قد قرر هذه الحقيقة، وهي حقيقة التعلق بالمنهج
ونبذ التعلق بالأشخاص، وكذلك النبي ﷺ كان هذا هو منهجه
ومنهج كل من دعا إلى الله على بصيرة من الصحابة ومن تبعهم.
٣ - اعلم أن البشر إلى فناء والعقيدة إلى بقاء.
٤ - اعلم أن الدعوة أقدم وأبقى من الداعية.
٥ - اعلم أن منهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى
الناس.
٦ - اعلم أن الجهود يجب أن تتركز في توثيق صلة الناس بربهم.
٧ - اعلم أن البشر من الممكن أن يتغيروا ولكن الله الحي الذي لا يموت يغير
ولا يتغير.
بارك الله في الجهود، وسدد الله الخطا، ورزقنا الله الإخلاص في القول
والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3707
وقفات
من وحي الانتفاضة
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
منذ أن بدأ الصراع العربي الإسرائيلي في منتصف الأربعينيات الميلادية
والهوية الحقيقية للصراع مغيَّبة عن الأمة؛ فمن الشعارات القومية التي تعالت
صيحاتها من الخليج إلى المحيط، والتي تمخضت أخيراً عن شعار الحرب العربي:
(ارْمِ سلاحك وانسحب!) .. وإلى شعار: (سلام الشجعان!) . لقد جهد هؤلاء
العلمانيون في تزييف وعي الأمة، وخداعها بالمزايدات الإعلامية، ونصبوا لها
تمثالاً من الوهم، وراحوا يسبحون بحمده ويقدسون..!
حتى في ثنايا النكبات والدماء التي ملأت أرض الإسراء في الانتفاضة
الإسلامية الأخيرة، ما زالت الشعارات المجدبة المقفرة تقفز هنا وهناك، ترقص
على جراح الأمة، وتزايد عليها، وكأني باليهود يخاطبوننا بقول حافظ إبراهيم:
قد ملأنا البر من أشلائهم ... فدعوهم يملؤوا الدنيا كلاما!
انتفاضة الأقصى رسالة إلى بني صهيون تذكِّرهم بأن جيل العزة والشموخ لم
يمت بحمد الله؛ فقد ظهر النور من جديد وعرف الناس حقيقة المعركة، وأن أبناء
جيل (عبد الناصر) و (ميشيل عفلق) و (أنطون سعادة) قد ولَّى، وجاء جيل
جديد تربى على آيات الأنفال والتوبة وآل عمران، وراح يردد بكل ثقة:
ولست بخالع درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليلَ النهارُ!
انتفاضة الأقصى رسالة إلى المهزومين من دعاة التطبيع تخبرهم بأن النفوس
الأبية الصادقة المتعطشة لنور الحرية قد عرفت طريقها، فرُبَّ حجر في كفِّ طفل
مستضعف أنكى في العدو من مؤتمرات تعقد، وقرارات تستنكر وتشجب.. ربّ
حجر يُقذَف باسم الله تعالى تحوطه تكبيرات الصادقين أبلغ في زعزعة كيان العدو
من أسلحة مهترئة تُرفَع باسم العروبة، فلا تلبث أن تسقط وتتهاوى؛ فقد نخرها
الصدأ وعلاها الوهن.
علمتنا انتفاضة الأقصى أن العقيدة الإسلامية إذا رسخت في القلب أثمرت يقيناً
راسخاً لا تهده الجبال، وعزيمة صادقة لا تردها الأعاصير، وإقبالاً سريعاً على
الموت في سبيل الله لا يعوقه الفزع أو الجبن.
أنا من ربوع القدس طفل فارسٌ ... أنا مؤمن بمبادئي أنا مسلمُ
سكت الرصاص فيا حجارة حدثي ... أن العقيدة قوةٌ لا تُهزَمُ [١]
انتفاضة الأقصى أظهرت عوار الاتفاقات والمعاهدات التي يتشدق بها أدعياء
السلام، وذكّرت الأمة بقول الله تعالى: [أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] (البقرة: ١٠٠) .
انتفاضة الأقصى بيَّنت حقيقة زعماء الوطنية الذين تتكشف سوءاتهم يوماً بعد
يوم، [وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ] (المائدة: ١٣) ، عرف
الناس أن هذه الزعامات معاول هدم ترمي إلى وأد الانتفاضة، أو تغيير مسارها،
أو قطف ثمارها، ولهذا ليس غريباً أن يقول المفكر اليهودي (ياحوشفات هاركابي)
في كتابه العقل العربي: «إن العرب هم أفضل أداة وأمضى سلاح لقتل فكرة
المقاومة!» .
إن دهشتنا بلغت الذروة ونحن نسمع بعض من يسمون بالنخب المثقفة ودعاة
التطبيع يصرون على تجديد العهد على هذا المسار، على الرغم من الأشلاء
المتناثرة على عتبات المسجد الأقصى..!
ألا فليثق هؤلاء المهزومون أنهم لن يروا حقاً ينتصر، أو أرضاً تعاد، أو
كرامة ترتفع، ما داموا يتسترون وراء أقنعتهم الرقيعة، وأكاذيبهم الهزيلة..!
وصدق الرافعي إذ يقول: «إذا أسندت الأمة مناصبها الكبيرة إلى صغار النفوس
كبرت بها رذائلهم لا نفوسهم» [٢] .
دربٌ سلكناه والرحمن غايتنا ... ما مسنا قطُّ في لأْوائه ندمُ
نمضي ونمضي وإن طال الطريق بنا ... وسال دمعٌ على أطرافه ودمُ
يحلو العذابُ وعين الله تلحظنا ... ويعذُب الموت والتشريد والألمُ [٣]
стр. 3708
نص شعري
الحقيقة الْمُرَّة في مقتل الدُّرَّة
فيصل محمد الحجي
قصة مقتل الفتى الفلسطيني محمد جمال الدُّرَّة على يد المجرمين الصهاينة،
وهو يحتمي بوالده، أصبحت على كل لسان؛ فقد نقلتها مراراً كل وسائل الإعلام
المرئية والمسموعة والمقروءة.
ولم تكن حادثةُ قتل «الدُّرَّة» فريدةً في نوعها، وإنما كانت نموذجاً لحوادث
قتل كثيرة مثلها، بل أبشع منها، وهي من جملة الأدلة الكثيرة الواضحة على حقد
اليهود ووحشيتهم على مَرِّ التاريخ.
كما نقلتْ بعضُ وسائل الإعلام قصة الفتى المصري أحمد شعراوي (١٢ سنة)
الذي أخبر زملاءه أنه ذاهب ليشارك في الانتفاضة، وَفَرَّ من أهله في القاهرة،
وركب الحافلة إلى العريش حتى وصل إلى الحدود المصرية الفلسطينية، فأمسكت
به دورية الحدود وهو يحاول اختراق السلك الشائك، فطلب من الضابط أن يسمح
له بالعبور حتى يشارك إخوانه في جهاد اليهود، فاحتجزه الضابط وأخبر أهله
فحضروا وأخذوه. كما تحدثت بعض وسائل الإعلام عن قصة مماثلة للفتى الأردني
البراء محمود.
ويبقى السؤال الأخير: أبلغ اليهود ما بلغوه من الغطرسة بقوتهم، أم بفساد
الوضع العربي والإسلامي؟ الجواب شرحه يطول، وإليكم الموجز:
أدِيمي يا جراحاتي أدِيمي ... نزيفاً سال في الزمنِ الوَخيمِ
فلا يَبْقى لكي يصحوْ نيامٌ ... عن الْجُلَّى سوى الْجُرْحِ الأليمِ
قد احتكر السيوفَ به رجالٌ ... بَدَوْا عندَ الشدائد كالحريمِ
لِمَ احتكروا السيوفَ؟ ألِلْمَعَالي ... وَهُمْ رَهْنُ المذلَّةِ كاليتيمِ؟
قد احتكروا السيوفَ لكي يصونوا ... كراسيَهم من الشعب الْمَضِيمِ
قد احتكروا السيوفَ وأَلْجَمُوها ... فصُومي يا سيوفَ الذلِّ صومي
عصاباتُ الْوُصُوليِّينَ سَادَتْ ... مُذِ الْتَفَّتْ على وَغْدٍ زَنِيمِ
سَليلُ خيانةٍ وَرِثَ المخازي ... وكان ربيبَ تاريخٍ دميمِ
وَحَفْنَةِ عسكرٍ مَكَرُوا بِلَيْلٍ ... وقد وثبوا على القصرِ الْحُكُومي
وصاروا سادةَ الأوطانِ قَهْراً ... وأقْصَوْا سادةَ الْعَهْدِ الْقَديمِ
كذا احتكر السياسةَ جاهلوها ... فما عَرَفُوا الصحيحَ مِنَ السقيمِ
وقد حَشَرُوا الأنوفَ بكلِّ شأنٍ ... سوى شأنِ الدفاعِ أو الهجومِ
فما حَفِظُوا البلادَ مِنَ الأعادي ... ولاَ ردُّوا المظالمَ مِنْ ظَلُوم
وأدْنَوْا كلَّ مرتزقٍ جهولٍ ... وأَقْصَوْا كلَّ ذي عقلٍ عليمِ
وَلانُوا لليهودِ وللنصارى ... وَخَصُّوا المسلمين بكلِّ شُومِ
فراعينُ الشعوبِ ألا تراهم ... أرانبَ في مجاراةِ الخصومِ؟
إذا لم يهزموا الأعداءَ يوماً ... فما معنى التباهي بـ (النجومِ) [١] ؟
وما جدوى الْحِذارِ منَ الأعادي ... إذا خانَتْ نواطيرُ الكرومِ؟
بَنَوْا لمكارمِ الأخلاقِ قبراً ... كأنهمُ تربَّوْا في سَدومِ
فلا تعجبْ إذا فَرِحَ الأعادي ... وَبِتْنَا في المصائبِ والهمومِ
محمدُ دُرَّةَ الشهداءِ قُلْ لي: ... مَنِ الأنكى عليكَ مِنَ الخصومِ؟
أَمَنْ طعنوكَ تحتَ الشمسِ جهراً ... كَمَنْ طعنوكَ في الليلِ البهيمِ؟
وَمَنْ خذلوكَ في كلِّ السرايا ... وقد وعدوكَ بالنصر العظيمِ
وَمَنْ بَخِلوا عليكَ بنصلِ سيفٍ ... فهل يبقى سوى الْحَجَرِ الكريمِ؟
وَمَنْ مَنَحُوا الصهاينةَ اعترافاً ... وقد طعنوا القضيَّةَ في الصَّميمِ
وَمَا انحازوا لإسلامٍ وَعُرْبٍ ... كما انحازوا إلى فُرْسٍ وَرُومِ
فما وَرِثُوا الديانةَ عن قريش ... ولا وَرِثوا الشهامةَ عن تميمِ
فَمِنْ حَقِّ الحجَارةِ أن تُناديْ ... وتغضبَ مِن تخاذلِنا العقيمِ:
إلام نضيع الطاقات هدرا ... ونمشي خَلْفَ غِربانٍ وَبُومِ؟
إلام تظل أظهرنا عرايا ... لِطَعْنِ مُدَى الجبانِ المستديمِ؟
إلام نرى الحقائق في خفاء ... وقد راجَتْ أباطيلُ الخصومِ؟
إلام نظل في الأحداث عميا ... ولا نَرْنُو إلى الخطر الجسيمِ؟
أتمحى القدس من قاموس قومي ... لِنَعْقِد قِمَّةً في أُوْرشَليمِ؟
ويغدو المسجد الأقصى خرابا ... لهيكلِ حاقدٍ قَذِرٍ أثيمِ؟
جِراحاتُ الشبابِ لها سُؤالٌ ... يُوَجَّهُ للغَيُورِ وللفهيمِ:
أليس لنا صلاحُ الدينِ ثانٍ ... يسيرُ بنا إلى النصرِ العظيمِ؟
أليسَ له سِوانا مِن حفيدٍ ... يُوَحِّدُنا على الدربِ القويمِ
يسيرُ بنا إلى حِطّينَ فجراً ... وَيُمْسي القدسَ بالزحفِ الكريمِ؟
أَجَلْ.. أحفادُهُ كُثُرٌ.. ولكنْ ... هُمُ في ظُلمةِ السجنِ البهيمِ
رأى (التطبيعُ) دَفْنَهُمُ جميعاً ... مع الأحياءِ في السجنِ العمومي
بلا طِبٍّ.. بلا دفءٍ شتاءً ... بلا نومٍ يُريحُ ... بلا نسيمِ
صباحَ مساءَ خُبْزُهُمُ سِياطٌ ... تُقَطِّعُهمْ بلا قَلْبٍ رحيمِ
سِهامُ الموتِ أنواعٌ.. ومنها: ... غذاؤهمُ الملوَّثُ بالسُّمومِ
يكاد الموتُ يحصدهم.. فَبَارِكْ ... أيا (باراكُ) لِلْخِلِّ الْغَشُومِ
فلو أمسى صلاحُ الدين فينا ... لَبَاتَ بسجنِ شيطانٍ رجيمِ
وتسألُ: هل جَنَوْا؟ فيجيبُ وَغْدٌ: ... أَجَلْ.. قد خالفوا أمْرَ الزعيمِ
فهم قد آمنوا باللهِ حقَّاً ... وَسُنَّةِ أحمدَ الهادي الحكيمِ
وما التزموا برُوحِ العصرِ يوماً ... مُذِ التزموا بقرآنٍ كريمِ
وهذا مَارَسَ (الإرهابَ) لَمّا ... دَعَا لجهادِ (باراكَ) الوسيمِ
وذا (متطَرفٌ) في الدين.. يدعو ... لِحُكْمِ الشرعِ فينا ... كالقديمِ
وثالثهم (أصوليٌّ) .. وهذا ... بلا رأيٍ.. ولا عقلٍ سليمِ
وما حَفِظوا لإسرائيل أمناً ... وقد عَدُّوا السلامَ مِن السُّمومِ
كذا يغدو جمالُ الحقِّ قُبْحاً ... وأصحابُ الحُلوم بلا حُلُومِ
محمدُ درةَ الشهداءِ أَبْشِرْ ... رِفاقُكَ ما استكانوا لِلْخُصومِ
دروسُ التضحياتِ بكلِّ يومٍ ... قد انتقلَتْ إلى الطفلِ الفطيمِ
وعُشَّاقُ الشهادةِ قد أحالوا ... حياةَ بني يهودَ إلى جحيمِ
قلوبُ المسلمين تفور غيظاً ... وتدعو للدفاعِ عن التَّخومِ
إذا نَفِدَتْ حجارتُكم.. فنادوا: ... إلينا يا جنادلَنا.. وَقُومِي
سَتَأتي أَقْدَسُ الأحجارِ غَضْبى ... بكعبتِنا الشريفةِ والحطيمِ
وتلك حجارةُ (الأُمَوِيِّ) لهفى ... إلى حِطِّينَ.. تحيا كالرميمِ
و (أزهرُنا) العريقُ به صُخُورٌ ... تكادُ تطيرُ مِن فوقِ الغيومِ
وكلُّ مساجدِ الدنيا اشرَأبَّتْ ... لِتَرْفِدَكم بأشلاءِ الرَّضيمِ [٢]
وهذا (أحمدُ) المصريُّ لَبَّى ... نداءَ المجدِ في الأقصى العظيمِ
مشى.. ومشى التحدِّي في خُطَاهُ ... مُعِدَّ النفسِ للأمرِ الجسيمِ
لعلَّ الله يجعلُه شهيداً ... يفوز غداً بجناتِ النعيمِ
ولم يذهب لشرمِ الشيخِ حتى ... يُطأطئ للرجالِ وللحريمِ
و (محمودٌ) من الأُرْدُنِّ وافى ... يناجي الانتفاضةَ: لن تنيمي
هَوَاهُ القدسُ.. مشتاقٌ إليها ... إلى فتيانِها الْغُرِّ الْقُرومِ [٣]
بنفسي أيُّها الأقصى المُفَدَّى ... بأرواحِ الأشاوسِ والْجُسومِ
مُصَلَّى الأنبياءِ على إمامٍِ ... له الإسراءُ فالمعراجُ يومي
سنرفعُ رايةَ القرآن.. تعلو ... على التلمودِ والعهدِ القديمِ
فَطُوبى للمجاهدِ في رُباها ... وقبحاً للمخذِّلِ والنَّؤُومِ
لنا القدسُ الشريفُ وما تَلاهُ ... لنا الأقصى على رَغمِ اللئيمِ
لنا المستقبلُ المرموقُ حتماً ... بوعدِ الصادقِ القولِ الكريمِ
رضينا الحُسْنَيَيْنِ: نَنَالُ نَصراً ... أو السكنى بجنَّاتِ النَّعيمِ
أقولُ لأُمَّتي والأمرُ جِدٌّ ... وأوجُهُنا الحزينةُ في وُجُومِ:
إذا الأوطان لم تُعْلِنْ جهاداً ... يَصُونُ فَلَنْ تدومَ ولن تدومي
стр. 3709
البيان الأدبي
الورد والهالوك وقفة مع شعراء الحداثة في مصر
د. حسين علي محمد
ظهر في مصر منذ السبعينيات جيل جديد من الشعراء أقله يجدد في تؤدة،
ولا ينفصل عن تراثه، ويُعانق هموم بلاده وعالمه الإسلامي، ويفيد من إنجازات
القصيدة المعاصرة دون أن يفقد اتصاله بالشعر العربي الذي أنجزته أمته خلال
خمسة عشر قرناً، ومعظمه يقطع أي صلة بالمنجز الشعري العربي، ويهرف بما
لا يعي، ويكتب نثراً «يظنه بل يسميه! ! شعراً» ، ويعادي عقيدة الأمة، ولا
يعبأ بمقدساتها، ويعبث بكل شيء: المقدَّس، والتراث، واللغة، وجسد الأنثى!
عن هذه الظاهرة كتب الدكتور حلمي محمد القاعود في ٢٤٠ صفحة من القطع
المتوسط كتابه «الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر» الذي صدر عن
دار الأرقم بالزقازيق في مصر [١] ، ويهديه: «إلى عبده بدوي: الشاعر
والإنسان» .
وقد درس في القسم الأول «شعراء الورد» : أحمد فضل شبلول، وجميل
محمود عبد الرحمن، وحسين علي محمد، وصابر عبد الدايم، وعبد الله السيد
شرف.
وقال المؤلف عن أسباب اختياره لهؤلاء الشعراء الخمسة: «اخترت الخمسة
الأوائل من شعراء الأصالة للدراسة في السِّفْر الأول من هذا المبحث، وركزت
على أبرز الظواهر في الرؤية والفن عند كل منهم، مستخلصاً في النهاية العناصر
المشتركة التي تجمع بينهم، وتمثل قاسماً مشتركاً يدخل في نسيج أشعارهم،
والخمسة الأوائل من الذين لا يعرفون أضواء العاصمة، ولا يملكون سنتيمتراً مربعاً
في صحافتها أو مجلاتها. ولا يعرفون الطريق إلى منتدياتها ومهرجاناتها، وهم في
الوقت نفسه لم يحاولوا الانتماء إلى قبيلة أدبية أو عشيرة ثقافية تتبنى إنتاجهم وتدعو
إليه» [٢] .
ينطلق هؤلاء الشعراء من خلال «رؤية عامة تهتم بالقضايا الكبرى التي
تشغل الأمة والوطن، وتؤثر في مسيرته سلباً وإيجاباً. وهذه القضايا تسبق ما هو
ذاتي وشخصي لديهم بخطوات كثيرة، مما يعني انصهارهم في بوتقة الواقع
وتواصلهم معه وانتماءهم إليه. وهم في معالجتهم لهذه القضايا يرتكزون على
تصور واضح وصريح ينتمي إلى هوية الأمة الحضارية، ولا يتنكر لها، وقد رأينا
التصور الإسلامي الناضج حاضراً وساطعاً في أشعارهم مما يعني أن هذا الجيل
يملك مفاتيح الرؤية الحقيقية الناضجة التي ترفض الانسلاخ والتبعية والتبشير
بالولاء للغير، كما ترفض الغمغمة واللجلجة والدمامة الفكرية التي تعتمد على
التراث الباطني، ومضمونه التخريبي» [٣] .
ويعبر هؤلاء الشعراء عن ملامح الهوية الإسلامية الكامنة في ذلك السر الذي
يقوم على الجسارة ويزايل الخوف والتردد، والذي كان في البدء وما زال ترويه
الدماء. يقول صابر عبد الدايم في قصيدة: «المسافر في سنبلات الزمن» [٤] :
كنتُ وحدي والتواريخ وأمشاج الليالي
في ظلام الرَّحم الكونيِّ تنمو وتُشكَّلْ
كنتُ وحدي وبعرش اللهِ آفاق تُظلّلْ
واندلاعُ السِّرِّ من جوفيَ كان الصَّرخة الأولى
لطفل العنفوانْ
كان في البدء وما زال تروّيه الدماءْ
طالما أسقيه ذاتي وأنا سرُّ البقاءْ
راحلاً عنهُ لألقاهُ وأحيي في بواديهِ النَّماءْ
وتفتَّحْتُ بعينيْهِ زهوراً،
ونبوءاتٍ،
وأمطاراً،
وجنَّاتِ إباءْ [٥]
ويقول صابر عبد الدايم في قصيدته «أسماء: الثورة، والعطاء،
والتحدي» :
أسماءْ
في لُبِّ الأغصانِ نداءْ
لم يُصغ لسيْفِ الحجّاج الغارق
في بُركان دِماءْ
لمْ تهتزَّ جذورُ الحقل أمام الإعصار الأمويِّ
المصبوغ بأشلاءِ ابن عليّ
عيناها اختزنتْ كلَّ تجارب رحلتها
لليوم الموعودْ:
عبدَ اللهْ!
لا حاكمَ إلا الله
لا تُعط السارقَ بُستانَكْ
لا تتركْ في وجهِ الإعصار الأهوج أغصانَكْ
صغْ من أوتار هداكَ رماحاً
تُفني منْ يخنقُ ألحانَكْ
واجعلْ منْ نبضِ يقينِكَ صاعقةً
تنقضُّ على من يغتال اللحظة إيمانَكْ [٦]
إن صابراً يتكئ على التراث هنا ليعانق هموم الحاضر، وليكون أكثر جرأة
في تناولها.
ومن الملاحظ على شعراء الورد أنهم يمتلكون كما يقول المؤلف: «قدرة
ملحوظة على الأداء الشعري من خلال الشعر العمودي، وإن غلب على معظمهم
النظم من خلال شعر التفعيلة، ويرتفع مستوى بعضهم إلى درجة عالية، مما يؤكد
على أصالة الشعراء أولاً، ويؤكد ثانياً على قدرة الشعر العمودي حين تتوافر
الموهبة والثقافة والوعي على حمل الرؤية الشعرية المعاصرة بأبعادها المختلفة،
وعناصرها المتعددة» [٧] .
ودرس في القسم الثاني «شعراء الهالوك» الذين يمثلون كما يقول المؤلف:
«حالة من الادعاء والاستعلاء والعدوان في الواقع الشعري والاجتماعي المعاصر؛
فهم كالهالوك متسلقون، لا يملكون قدرة على العطاء ولا المنح؛ لأنهم عالة على
عناصر وأدوات وظروف غير شعرية بالمرة جعلت لحركتهم ضجيجاً يصم الآذان،
وما يقولونه عبر الآلة الإعلامية الرسمية لا قيمة له؛ حيث هو ثرثرة عقيم؛ لا
تبشر بأي جديد، ولا تعطي إضافة مفيدة» [٨] ، ومن هؤلاء (الشعراء) : حسن
طلب، وأمجد ريان، ومحمد فريد أبو سعدة، وأحمد زرزور، وجمال
القصاص، ومحمد بدوي.
يقول أحدهم:
الأرض إمكانية واحدة
أنت تمر فوقها
كالغيم
من مصطبة
إلى مصطبة
تجلس في أروقة الشيوخ
تشهد الأطفال يكبرون
لكي تخط في حلوقهم
مشروعك الدائم
أن يحرروا جسومهم
بالموت
والمكوث فوقها
هذا الشاعر المليء
بالصفائح الفارغة
بالمنازل الفارغة
الصبيان
والبنات
والمعلمين
الكتل البيضاء من عظام الجد
والغاليوم
كافة المهدئات [٩]
إنه كلام بلا معنى، لا يقول شيئاً.
ويقول آخر في نموذج سماه: «فهرس» (مع ملاحظة أنه لا توجد أخطاء
مطبعية) :
تقف البدائيات قرب سفائن الشحن المرام
أتى الصدام بالمرتجى يا بنت
دست رأسها جنب الحقائق
وهي تغلب فكرة رفت على شفة المؤرخ
كان رأس الصقر متسقاً مع العنق المُنَزَّل
صار جمر الكاشفات خبيئهن محركاً للموريات
وجلد بنتي مرهفاً بالكهرمان
أنا وأنت مؤيدان بمحنة
من صنع باب النصر [١٠]
ويقول آخر مجسداً الله (بأنه يجلس في الكعبة، ويوزع الخبز، ويمسح دموع
المنكسرين! !) في قصيدة بعنوان: «باب مكة» (محاكياً تصورات امرأة
تكرونية كما يتخيل! !) :
وتهمس في أذنيها الأمواجُ:
هناك بمكة بئر الله
وحجر الله
وأن الله هناك
يجلس وسط ملائكة سوداء
يوزع بين المقهورين الخبز
ويمسح بالجلباب دموع المنكسرين [١١]
وفي قصيدة أخرى يقول عبد المنعم رمضان، وهو كما يقول المؤلف:
«يعبث بالذات الإلهية بطريقة لا تحتمل التأويل أو الدفاع عنها» ، يقول:
سمعت صرخة
عرفت أن الله كان ها هنا
وإنني بإذنه
أنحل كالغمام
إنني بإذنه أسرق بعض الريش
«فهو يتعامل مع الذات الإلهية كما يتعامل مع رفاقه الذين يأتون ويذهبون،
ثم يسخر من الله تعالى الله عما يقول علواً كبيراً حين يجعل من إرادته ومشيئته
وإذنه وسيلة لينحل، أو يسرق» [١٢] .
ويشير الدكتور حامد أبو أحمد إلى نص آخر للمذكور يقول فيه:
وهأنذا واقف كالإله المريض [١٣]
ويعلق عليه قائلاً: «إن هذا الكلام متهافت، ومعنى ملفق، والفرق بين
التعبيرين واضح، والبون بينهما شاسع؛ فعندما يشبه الشاعر نفسه هنا بأنه واقف
كالإله المريض، أو واقف كالإله يكون في مجال التعميم، ولعله يشبه نفسه بآلهة
الأساطير أو آلهة الوثنية، ولكنه عندما يحدد اللفظ بكلمة (الله) ندخل من مجال
التعميم إلى التخصيص، وتصبح المسألة كلها تلفيقاً لا معنى له، وخيالاً مريضاً،
وعنجهية كاذبة، خاصة إذا كانت القصيدة في حد ذاتها متهافتة لا قيمة لها» [١٤] .
«وأشد المتعاطفين معهم، وعرَّابهم أحمد عبد المعطي حجازي يقول في
كلمة عنهم كما ينقل القاعود عنه:» التعمية المجانية وتكلف الإبهام، وإعفاء النفس
من معرفة اللغة واحترام القارئ، وطلب الرضا من خارج الحدود نوع من الرفض
الذي يعدُّ انتحاراً، وليس الرفض الذي يعد نوعاً من النبل « [١٥] .
ويقول نزار قباني عن واقع القصيدة العربية التي صارت إليه على أيدي
أمثال هؤلاء:» إن القصيدة الجديدة تنتقل بتذاكر مرور مؤقتة، بعضها صالح،
وبعضها انتهت مدة خدمته، بعضها إنجليزي، وبعضها فرنسي، وبعضها مزدوج
الشخصية. وما لم تعثر القصيدة على جوازها العربي المناسب، فإن تشردها
سيطول « [١٦] .
ويقول عن فهم أمثالهم المغلوط للتجديد في كتابه» الكتابة عمل انقلابي «:
» إن الحرية الشعرية هي أخطر أنواع الحريات ولا سيما عندما تُعطى لمجموعة
من المجانين لم تكتمل أضراس العقل لديهم بعد، ولا يُفرقون بين الألف وعمود
التليفون، وبين الشاعر عمر بن أبي ربيعة والممثل عمر الشريف، وإنه لمن
المفارقة أن تكون كل الثورات الثقافية في العالم قد قامت على أكتاف المثقفين
والجامعيين، باستثناء الثورة الثقافية العربية التي يُراد لها أن تقوم على أكتاف
الفوضويين، والمشاغبين، وأنصاف الأميين « [١٧] .
بقي أن تعرف أن» الهالوك «نبات متسلق ينبت في شمال الدلتا بمصر،
لكن لا جذور له، فمن السهل اقتلاعه وتنظيف الأرض من شروره.
نحن لا نريد اجتثاث الآخر الهالوكي، بل نريد التبصير بخطره على الشعر
وعلى اللغة. وفي هذا السياق يأتي كتاب الدكتور حلمي محمد القاعود بعد خمسة
أشهر من كتابه:» الحداثة تعود «؛ ليؤكد أن الساحة ليست خلواً لنقاد الحداثة
وشعرائها، وأن النقاد المنتمين لهذه الأمة لديهم البصر والبصيرة ليبشروا بما يمكث
في الأرض، ويشيروا إلى الزبد والغثاء، ويُدلوا بشهاداتهم في هذا الزمان الأنكد
الذي استولى فيه الحداثيون والعلمانيون على مقاليد النشر؛ لكنهم لحسن الحظ لم
يتملكوا مقاليد الإبداع والنقد والتواصل مع روح هذه الأمة.
стр. 3710
نص شعري
أمام صورة المسجد الأقصى
حفيظ بن عجب آل حفيظ
مساء النورِ يا أقصى..
مساء النورِ يا مسرى رسولِ اللهِ..
صلى اللهُ..
يا مهدَ الرسالاتِ
مساء النور يا روحَ
البطولاتِ..
مساء النورِ..
من قلبي، ومن ذاتي..
مساء النور يا بوابةَ التاريخِ..
والمجدِ..
ويا إشراقةَ الإسلامِ..
في أيامنا الرُّبْدِ..
مساء الخيرِ سلَّمناكَ..
لماذا لا يرى الأعداءُ إلاَّ المسجد الأقصى؟ !
وقدَّرنا..
وفكّرنا ...
وقرّرنا ...
وبعد سنينَ أدركنا..
بأنَّك مصدرُ العزّة..
وأنَّا حينَ سلَّمنَاك كُنَا نجهلُ المفهومَ والمنطوق، والقصة..
وسِرْنا نسألُ الأعداء..
نسترضي،
ونستجدي،
ونستهدي،
وحسبَ إرادةِ الأعداءِ..
حذو القذَّةِ القذَة..
إذا قالوا لنا شيئاً ...
سمعناهُمْ..
تبعناهُمْ..
أطعناهُمْ..
وقُلْنَا: القذَّةَ القذَّة..
ولو دخلوا لجحرِ الضبِ ...
كُنَّا خلفهم نجري،
ونستجدي،
ونسترضي،
ونستهدي،
فهذا مَنْطِقُ التفكير،
والتقدير، والحكمة..
مساء النور، والخيراتِ يا أقصى..
مساء الذُّل ...
قد بعناك، واخترنا مزايانا ...
وحين يزمجرُ الأعداءُ ...
ننسى كُلَّ دعوانا ...
لأنَّا في سَلامِ الذل قد بِعْنَا قضايانا..
مساء الخير يا أقصى ...
أجاءكَ آخرُ الأخبارْ ...
أتدري أنَّنا فُزْنَا «بغزة» ...
دونَ باقي الدَّارْ،
وصرنا في أراضينا ...
نُقاسمُ دولةَ الكفارْ ...
أتدري أنَّنا أحرارْ ...
تحت ولايةِ الكفارْ ...
أتدري أنَّه قد صارْ ...
في أرضِ الهُدَى سِمْسَارْ ...
يبيعُ بأبخسِ الأثمانِ للكفارْ ...
حتى يأخذَ الأمتارْ ... !
أتدري أنه قد صارْ ...
بين المسلمينَ مطارْ ...
مساء الخيرِ، والحسراتِ، والعبراتِ يا أقصى
مساء الخيرِ ...
إنا سوف نرقبهم،
ونبغضهم،
ونحسدهم،
وفي وقت الرضا منهم ...
سنشجبهم،
وننكرهم،
فإنْ غضبوا سنسترضي،
ونستجدي،
ونستهدي،
لأنَّا تحتَ قبضتهم..
стр. 3711
نص شعري
رسالة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي
د. محمد بن ظافر الشهري
أيُّهذا المؤتَمَرْ
أيها الحُلْم الجميل
أنا لن أطلب منك «المستحيل»
علّمَتْني كلُّ دوراتك أن أقنع بالشيء القليل
عمقت فيَّ لقاءاتُكَ أخلاقَ القناعة
وانضباطَ النفسِ والبالَ الطويلْ
كلّ ما نَمّيْتَه فيّ فمِن هذا القبيلْ
آهِ.. لو أنكَ حيّدتَ الشعارات وسوّدتَ الدليل
أيها الحلم لك الشكر الجزيلْ
نحن لم ننس قراراتك جيلاً بعد جيلْ
فقراراتك لا تُنسى ولا تخفى
و «هل يخفى القمر؟ !»
أيهذا المؤتمرْ
أنا لا أطمع في صدق أبي بكر
ولا عدل عمرْ
بل ولا في شعر حسان بن ثابتْ
إنما أطلب أن تبقى الثوابت
أتمنى..
أن أرى جهدكَ في دفع السفينة
وأرى قلبك في أم القرى أو في المدينة
وأرى كفك تمتد إلى القدس السجينة
وعلى رأسكَ تاجاً من أحاديث صحاحٍ وسُوَر
أيهذا المؤتمر
لا تحلّنَّ النزاعات
ولا تُنْهِ الخلافاتِ
ولا تطوِ المسافاتِ
ولا تلغِ جوازات السفر
جئتُ يا «عبد المعينْ»
ومرادي..
أن يسير الشرعُ مرفوع الجبين
في ديار المسلمينْ
ويجوزَ الدهرُ أيامَ التَّتَر
أيهذا المؤتمر!
أنا لا أطمع أن تقنع لي راعي البقر
أن في الغرب تماسيحَ
وفي الشرق بشرْ
لا تعنِّف عَبَدَ الطاغوتِ أو أهل الكتابْ
يوم أن ذقنا على أيديهمُ شتى العذابْ
لا تهزّنكَ صرخاتُ الثكالى
وعويلُ الحرة المفزع بعد الاغتصابْ
أنا لن أمعن في هذا العتابْ
كل ما أطلب أن تشعر يوماً بالخطرْ
أيهذا المؤتمر
خذ من الحكمة ما شئتَ وما شئتَ فَذَرْ
فعلى وجهكَ لا تظهرُ آثارُ الكِبَرْ
أنتَ والله في أعيننا أصغر من «طفل الحَجَرْ»
أيهذا المؤتمر
أيها الحلم الجميلْ
أنا لن أطلب منك «المستحيلْ»
علمتني كل دوراتك أن أقنع بالشيء القليلْ
عمقت فيّ لقاءاتُك أخلاقَ القناعة
وانضباطَ النفسِ.. والبالَ الطويلْ
أيها الحلم لك الشكر الجزيلْ
فأنا أدركُ أن الخيرَ خيرٌ.. وبأن الشرّ شرّ
وبأن الجِدَّ جِدٌّ.. وبأن المؤتمرْ
مؤتمرْ!
стр. 3712
حوار
حوار مع الدكتور محمد الراوي
أجرى الحوار: وائل عبد الغني
ضيفنا في سطور
* يعمل حالياً عضواً في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر بعد عمر
بارك الله فيه جاوز السبعين.
* تخرج في كلية أصول الدين جامعة الأزهر.
* خدم القرآن الكريم أستاذاً وخطيباً وإذاعياً.
* عمل قرابة ربع قرن أستاذاً ثم رئيساً لقسم التفسير بجامعة الإمام محمد بن
سعود بالرياض.
من مؤلفاته:
* الدعوة الإسلامية دعوة عالمية.
* كلمة الحق في القرآن الكريم موردها.. دلالتها.
* حديث القرآن عن القرآن.
* الرضا.
* الإنسان في القرآن.
البيان: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فأهلاً برجل
نحسبه من أهل القرآن ولا نزكيه على الله، ومرحباً بمن عَمُر عُمُرُه بالقرآن على
صفحات مجلتكم.. مجلة البيان.
فضيلةَ الدكتور! بما أنكم من المتخصصين في القرآن وعلم التفسير؛ فهل لنا
أن نسأل عن درس التفسير: لماذا لم يعد له رونقه وحضوره على الساحة الإسلامية
العامة كما كان من قبل؛ حيث حرك الدعوات وسيَّر الحركات، كدروس ابن
الجوزي وابن تيمية قديماً وابن باديس حديثاً؟
* من رحمة الله بالأمة الإسلامية أن حفظ هذا الكتاب، وهو القرآن وتكفل
بحفظه، ولم يدع حفظه لأحد من خلقه كما قال تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا
لَهُ لَحَافِظُونَ] (الحجر: ٩) .
من تدبر القرآن وكأنه نزل الآن فلا يحتاج إلى تكلف في فهمه ولا عسر ولا
مشقة، متى تفتحت له القلوب واستعدت النفوس، وتهيأ الجو المناسب لتوجيه الأمة
إلى العمل بكتاب الله؛ لأن التفسير الحقيقي للقرآن هو نفس القرآن؛ فالقرآن يفسر
بعضه بعضاً، والبيان إنما يكون من رسول الله ﷺ ، بما ثبت عنه
قولاً وعملاً وإقراراً.
إذا نظرنا للمسألة من هذه الناحية بالذات أدركنا أن هذا البريق لا يمكن أبداً أن
يضعف في يوم من الأيام، أما إذا كان التوجه للقرآن لأسباب شتى غير العمل به،
فهنا يمكن أن يردَّ ما قلت، أما عندما يراد العمل به فسيكون في متناول الجميع بلا
عسر ولا حرج ولا مشقة ولا تكلف؛ فالأمر كله مرتبط بالقرآن نفسه، ولا يمكن
أن يتبدل مع الزمان أو يغيب، كما قال تعالى: [قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (المائدة: ١٥-١٦) . وقال: [إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] (ق: ٣٧) فهو نور وهداية
لمن فتح ملكاته واتبع سبيل ربه، والأمر لا يتوقف في هذا على المفسِّر وحده.
البيان: إذن كيف ترون الأمر؟ لأن هناك مشكلة بلا شك في عدم تمحور
الناس حول كتاب الله تعالى كما كانوا من قبل، وأحسب أن درس التفسير ذا القبول
العام يمكن أن يعيد الناس إلى الجادة؛ فلماذا اندرس إذن؟
* صدقني المشكلة ليست في درس التفسير بقدر ما هي مشكلة الناس! الناس
اتخذوا هذا القرآن مهجوراً؛ وهذا القرآن لا يمكن أبداً أن يعطي من اتخذه مهجوراً،
ولا أعني بالهجر مجرد قول المشركين: [لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ] (فصلت: ٢٦) .
وإنما هجره بالبعد عن تحكيمه واتباعه كما يجب أن يكون، واتباع الأهواء؛
فتدبر معي قوله تعالى: [فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ]
(القصص: ٥٠) .
هذا هو شأن القرآن نزل ليُتدبر وليعمل به، ومتى غاب التدبر والعمل يصبح
الكلام عن القرآن كلام تعالم وبحوث تُملأ بها الأدراج وتؤخذ عليها الشهادات،
فيصبح الناس في وادٍ والقرآن في وادٍ آخر.
البيان: ولكن المشكلة كما تقولون فيمن يبلِّغ هذا القرآن؟
القرآن في ذاته بلاغ، ومن فضل الله أنه يتلى على الناس صباح مساء حتى
من إذاعات الأعداء، ولكن المشكلة في الهجر؛ هجر الاتباع وهجر العمل به،
الحفَّاظ يملؤون الآفاق، وكليات القرآن وأقسام التفسير وعلوم القرآن كثيرة، لكن
القرآن نزل ليحكم سلوك الناس وروابطهم وأعمالهم؛ فهل يسمح له بذلك؟
البيان: لكن هناك حلقة أو حلقات مفقودة في ربط الناس بالقرآن، وأحسب
أن درس التفسير بمقوماته الناجحة والتي نسأل عنها يمكن أن يلعب دوراً كبيراً قد
لعبه من قبل في هذا الباب؟
* درس التفسير ليس هو كل شيء بعدما أصبحت الوسائل الآن أمام نظر
الناس متعددة ومتنوعة في جميع الاتجاهات.
والمشكلة التي ينبغي أن تُبحث هي: كيف نجعل هذه الوسائل على اختلافها
خادمة لرسالة القرآن في جعله موجهاً لحياة الناس؟ هذا لا يتوقف على التفسير
وحده في ظل الوسائل العصرية المتعددة والمتشابكة التي تحتاج إلى تفكير
موضوعي في كيفية الإفادة منها؛ وللأسف فإن هذه الوسائل أصبحت تشوش علينا
أكثر من كونها تخدمنا.
بالأمس كان الرجل يجلس على شاطئ الأطلسي غرباً وخليفة المسلمين في
الشرق والرابط بينهما هو القرآن، واليوم لدينا وسائل اتصال على تنوعها من
إذاعات موجهة وقنوات فضائية، لكنها فرغت من مضمونها فكان البون شاسعاً.
القرآن وحده كافٍ لو سمحنا له أن يطرق القلوب وأن يؤدي رسالته فينا، ولا يكون
نصيبه منا هو تشييع الموتى وإقامة الجنائز والإشعار بالتبرك، وإذا صُرِفَ القرآن
عن غايته فماذا يفيد الذي يدرسه؟
البيان: وكيف يمكن للأمة أن تستفيد من القرآن وهي في وضعها وحالها كما
ترون؟
لا يمكن أن تستفيد الأمة بالقرآن إلا إذا راجعت موقفها منه، وبحثت كيف
استفاد أصحاب رسول الله ﷺ منه؟ كيف عملوا به؟ كيف كان
هو وسيلة الاتصال مع ما بعدت به الديار؟
الأمر يحتاج لأمة تتضامن لتعمل وتأخذ بالأسباب، ولا يصلح الأمر إلا
بأسباب الصلاح التي جعلها الله كذلك، والله تعالى جعل لكل شيء سبباً فلا نضع
سبباً مكان آخر.
ومن أولى الأسباب في أداء رسالة القرآن فينا أن نصحح أمر الإنسان، وأن
نعلم أنه هو الأصل في أي نهضة أو حضارة أو تصحيح؛ فالإنسان الصالح تصلح
به الأمور الفاسدة، والإنسان الفاسد تفسد به الأمور الصالحة.
والقرآن لم ينزل إلا من أجل الإنسان والمحافظة عليه في سلوكياته وروابطه
وعمله واعتقاده، وفي علمه ومعرفته بحكمة خلقه وغاية وجوده، إذا نجحنا في أن
نعيد الفرد ليتربى على القرآن وينهل منه كما نهل الصحابة رضوان الله عليهم إذ
كانوا يتعلمون الآيات عشراً عشراً يدرسونها ويحفظونها ويعملون بها، فأخذوا
القرآن فهماً وقولاً وعملاً.
أقول إذا نجحنا في هذا نكون قد نجحنا بتوفيق الله في تقديم المثل الحي الذي
يشار إليه، فيقال هذا نبت القرآن، ونكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح.
البيان: ولكن القرآن يحتاج إلى موقِّف يفسر للناس معانيه؟
* في رأيي الأهم هو المنهجية التي يتعامل بها الناس مع القرآن. نعم! دور
المفسر مهم في بيان الدلالة، ولكن لو نظرت إلى آيات القرآن لوجدت أن أغلبها لا
تحتاج إلى بيان الدلالة لو وُجِدت القلوب المقبلة المتفتحة، وهذه هي معجزة القرآن:
أنه ميسر ليس فيه تعقيد.
اقرأ معي قول الله تعالى: [اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
العَالَمِينَ] (غافر: ٦٤) .
هل ترى كلمة واحدة تحتاج إلى تفسير؟ خاصة وأنت ترى دلالتها في الواقع:
الأرض قرار وأنت تمشي عليها وتأكل منها، وتنبت منها، وتدفن فيها.
البيان: لأهل القرآن المشتغلين العاملين به حلاوة وروح قلَّ أن تجدها في
غيرهم؛ فما السر في ذلك؟
السر هو العقيدة الحية التي يتربى عليها المرء وهو يعايش القرآن، والقرآن
كله كتاب عقيدة من أوله حتى آخره مدنيه ومكيه.
لكن العقيدة حين يعالجها القرآن تجد فيها حياة وحركة تكاد ألاَّ تنفصل عن
حياة الناس، ولو تدبرنا القرآن لوجدناه يوجه مظاهر الكون التي نراها كلها إلى
الاعتقاد. انظر على سبيل المثال كيف ربط الحر وهي ظاهرة كثيراً ما يعاني منها
الإنسان بحقيقة أخرى هي النار؛ وهذا توجيه دائم متكرر في القرآن؛ فحين قال
قائل في غزوة تبوك: [لاَ تَنفِرُوا فِي الحَرِّ] (التوبة: ٨١) .
جاء الربط مباشرة بالعقيدة: [قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَراًّ] (التوبة: ٨١)
لتظل هذه الظاهرة تذكِّر دائماً بالنار التي ينبغي أن يظل اتقاؤها وازعاً في حياة
الناس وإن شغلتهم الشواغل.
وقوله تعالى: [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي المُوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]
(فصلت: ٣٩) كم يتكرر هذا المشهد أمام الإنسان يرى الماء أمامه ينبت به
الزرع، لكن القرآن ينقل هذه الصورة ليحقق اعتقاداً إن غاب عن المجتمع غاب
معه السلام الحقيقي والأمن الحقيقي؛ وهي قضية البعث؛ ولذلك تجد في أكثر من
آية: [كَذَلِكَ النُّشُورُ] (فاطر: ٩) إلى [إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتَى]
(الروم: ٥٠) .
استخدم حركات الكون أمامك ليربطك بالله: [يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ] (النور: ٤٤) .
حقائق وجود الإنسان خذ منها قوله تعالى: [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن
رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى] (العلق: ٦-٨) انظر كيف جعل: [إِنَّ
إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى] (العلق: ٨) كافة لطغيان الإنسان.
انظر حين يأخذك في رحلة في سورة الأنعام أو في الروم أو في غافر تجده
يأخذك في الرحلة ثم يقول: [ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ]
(الأنعام: ١٠٢) ومن قبلها يريك الحبة كيف تنبت ويجعلك تشاهدها:
[إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى] (الأنعام: ٩٥) ثم يريك الليل والنهار:
[فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً] (الأنعام: ٩٦) .
يريك النجوم، يريك نزول الماء وإنبات الزرع وتنوع النابت منه وبعد ذلك
كله يقول: [ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ] (الأنعام: ١٠٢) الذي خلق وقدر وأوجد: [ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ]
(الأنعام: ١٠٢) . ربط بين أن الأمر والخلق له وحده وبين توحيده بالطاعة
والعبادة: [أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ] (الأعراف: ٥٤) .
هذه المعايشة ربما غابت عن غير أهل القرآن في زحمة همومهم، وربما زاد
منها تعلق النفوس بأسباب الحياة الحديثة (التكنولوجيا والمادة) مع أن الله خلق
المادة وأوجد العقل، هذا الحضور نحن محتاجون إليه في كليات حياتنا وجزئياتها،
وهو ما يجده الإنسان في القرآن دون كتب العقيدة؛ فكتب العقيدة مع ما أدته من
دور مشكور في حفظ عقائد الإسلام وتصفيتها من الشوائب إلا أنها قدمت العقيدة
بأسلوب لا يخلو من جفاف؛ فهي قد قدمت العقيدة لكنها لم تقدم روحها العملية
الموجودة في القرآن، وهذه معجزة من معجزاته.
البيان: لكن القرآن عقيدة، وشريعة، وسلوك؛ والقرآن اهتم بها ثلاثتها؟
* العقيدة تمثل روح القرآن كله؛ وما كان للشريعة والسلوك أن ينتظما دون
عقيدة، والقرآن سواء مكيه ومدنيه اهتما بالعقيدة، وما يقال من أن المكي اهتم
بالعقيدة والمدني اهتم بالتشريع هو من باب التقريب لا من باب التحقيق؛ لأني لا
أرى آية في القرآن تخلو من العقيدة.
وأضرب لما قلت بمثل قضية الخطبة، انظر كيف ينتظم أمرها بالعقيدة:
يقول الله تعالى: [وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي
أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِراًّ إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفاً
وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهُ] (البقرة: ٢٣٥) والآية في سورة البقرة وهي مدنية، وما كان أمر
الخطبة يتزن في النفوس لولا اللمسة الأخيرة: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهُ] (البقرة: ٢٣٥) هذه اللمسة جعلت التشريع أمامك يتزن ظاهراً وباطناً.
أعود فأكرر: هذه العقيدة الحية المبثوثة في آيات الله وفي آيات القرآن في
تشريعه في أحكامه وآدابه هي التي تكسو المتبع للقرآن بثوبها والله تعالى قد أمر
نبيه ﷺ أن يصرح بما أمره الله به حيث أمره بأمور ثلاثة هي:
[إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
المُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ] (النمل: ٩١-٩٢) وتلاوة القرآن مع قرينتيها هي
من أعظم أسباب الهداية.
البيان: لكن مثل هذه الحقائق: مَنِ الذي يجليها للناس؟ أليس هو المفسِّر؟
* طلبة العلم موجودون بوفرة ونحسبهم صادقين؛ لكن التوجه الذي أسرت
فيه الأمة بغارة لا نظير لها في تشابكها، في الأرض والهواء والماء وفي الكلمات
وفي المعاني، هذه الهجمة الشرسة دون سابقة دخلت غرف النوم وغزت صميم
الأسرة وتكوين المجتمع. أنا لست متشائماً؛ لأن القرآن باق، وأعني بالقرآن
القرآن والسنة؛ لأن الله تكفل بحفظهما، ولكن الإنسانية التي أعرضت عن القرآن
ستدفع الثمن غالياً جداً لهذا الانحراف الكلي؛ لأن مدنية العصر مع اعترافنا بما فيها
من إيجابيات قد خاطبت في الإنسان شهوته وأهملت فطرته.
البشرى ماثلة أمامي في آيتين من القرآن:
الأولى: قوله تعالى: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ]
(محمد: ٣٨)
والثانية: قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ] (المائدة: ٥٤) .
فتربة القرآن خصبة ولاَّدة للأجيال.
والأمة الإسلامية على الرغم من الحصار فما زالت روح الإيمان تسري فيها؛
نعم! هي مليئة بالمشاكل؛ لكن مشاكل غيرها أكثر، فمشاكلنا ببساطة يمكن توجيه
الشعوب فيها في ساعات حاسمة تأتي فيتوجه الكل إلى الله، لا ننكر أن ثيابنا من
نسجنا، وأن ما نزل بنا من أنفسنا فينبغي ألا نلقي اللوم على غيرنا، والمخرج مما
نحن فيه هو القرآن.. القرآن كما علمه النبي ﷺ وتعلمه أصحابه
﵃.
البيان: هذا يجعلنا نسأل عن الجانب الأكاديمي: كيف نوظفه في خدمة
القرآن؛ فهو بالرغم من توسعه أفقياً فإنه لم يَرْقَ بنفس المستوى رأسياً؟
* المشكلة هنا في فلسفة التعليم عندنا، وارتباط التلقي فيها بالحفظ دون الفهم
وقدح الأذهان، والحفظ هنا ارتبط بعلة أخرى هي أن غايته نيل الدرجات
والشهادات، فأصبح العلم الأكاديمي نظرياً جامداً بعيداً عن مشاكل الأمة.
والقرآن علم وعمل هكذا وعاه السلف؛ ولهذا أرى أن الأسلوب العملي «العلم
للعمل» هو الأسلوب الناجح بإذن الله.
التطبيق العملي لآيات القرآن، والبحث عن الحلول للمشاكل اليومية للأمة
ينبغي أن يكون شغل الأكاديميين الشاغل. كان أصحاب النبي ﷺ
يقرؤون آيات الجهاد مثلاً ثم يرون التطبيق العملي للآيات مباشرة فكأنما عُجِنوا بماء
القرآن.
وإذا كانت الأمة الإسلامية غارقة اليوم في المشاكل والهموم فلماذا لا يوجه
الباحثون كل هذه المشاكل لبحثها من القرآن لنيل الدرجات العلمية؟ وفكرة المشروع
التي يطبقها الغرب ونادى بها البعض هي فكرة جديرة بالتطبيق في هذا المجال.
أما الدراسة التي تتم داخل حجرات مغلقة، والتي تفصل الطالب عن واقعه فهذه لا
تفيد كثيراً.
البيان: هناك قضية مهمة تقابل الناس اليوم في تعاملهم مع القرآن، وهي أن
كثيراً من الألفاظ قد فُرِّغت من مضمونها أو حُرفت عن معناها كما أشرتم، مثل
لفظ: السلام أو العلم أو الجهاد، في ظل واقع متراكم؛ ألا ترون أن هذا يؤثر على
التعامل المباشر مع القرآن؟
* الإقبال على القرآن ذاته يصحح كثيراً من المفاهيم، وإن كان الأمر يحتاج
جهداً دؤوباً من العلماء وطلبة العلم في ربط هذه الألفاظ بمعانيها القرآنية ونشرها
بين الناس. من المؤسف جداً أن كثيراً من كلمات الإسلام طُمست في حياة الناس!
وظلم هذه الكلمات جعلنا لا نحسن التصرف في كثير من الأمور. من هذه الكلمات
على سبيل المثال: الجهاد؛ مفهوم الجهاد وحده يستوجب عشرات اللقاءات من مثل
هذا اللقاء لكشف الخلط الذي حدث فيه؛ فهو أكبر من أن يوصف؛ لأن الجهاد الذي
أمر به الإسلام مصلحة لجميع المخلوقات، والمخلوقات جميعاً مصلحتها في أن
تكون كلمة الله هي العليا؛ لأنه عبارة عن دفع شر وإقامة خير في مجمله، لذلك من
الظلم البين أن يتبع العالم (إسرائيل) حين تلصق لفظ الإرهاب كما هي عادتها في
التحريف والتزييف بالمفهوم الشرعي للجهاد.
لا شك، فإن هذا الخلط يستوجب على الأمة هبَّة تستجلي فيها مفاهيمها بعيداً
عن التلقي من غير القرآن.
البيان: قلتم منذ قليل: إن الله تعالى قد جعل لكل شيء سبباً؛ وقضية السببية
من القضايا المهمة في واقع المسلمين اليوم، ألا ترى أنها قد ظُلمت بين التواكل
الذي ظلم به الإسلام وبين ردة مادية تُنزِل الغيب منزلة المعدوم؟
* لا بد للأسباب أن تكون مرتبطة بأمر راسخ هو العقيدة، وعقيدتنا هي
الأصل في تكويننا، هذه القضية قد جلاَّها القرآن أيما تجلية، وحياتنا مليئة
بالمواقف التي تحتاج لأن توزن بميزان القرآن.
والقرآن يضفي على الأسباب سَمْتَه، ويطلق الإنسان من أسرها حين يعلِّمه
أن الأخذ بالأسباب طاعة والتفريط فيها معصية، ويضبط هذا بجعل الركون إليها
من دون الله مضيعة ومفسدة، وقد ضرب القرآن كثيراً من الأمثلة لذلك مثل قوله
تعالى: [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] (الشعراء: ٨٠) ، فالتداوي سبب مأمور به
لكن الركون إلى الطبيب أو الدواء في طلب الشفاء شرك وظلم قد نهانا الله تعالى
عنه.
ومرتبة أعلى من هذا أن الله تعالى قد جعل أسباباً تفضي إلى طاعته تعالى
وهي لم تكن أسباباً إلا أن الله جعلها كذلك ليدلنا على قدرته، وكون أنه مسبب هذه
الأسباب؛ فأمر الله تعالى لنبيه موسى ﵊ أن يضرب بعصاه
البحر، وهو أمر عجيب في النتيجة التي يوصل إليها؛ لأن العادة تقتضي أن
ضرب الماء بالعصا يطاير الماء في وجه الضارب؛ فهذه سبب لتلك، ولكن حين
يسبب الله السبب ويأمر به يكون الأخذ به طاعة وفلاحاً وإن بدا بادي الرأي غير
ذلك.
وضرب المثل بالعصا لقوم موسى المغرِقين في المادية هو رد لهم ولأمثالهم
عن غلوهم في المادة ليتقرر في النفوس حقيقة أن الله تعالى [لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ]
(الأعراف: ٥٤) وهي حقيقة يجب أن تستقر داخل نفس كل مسلم.
стр. 3713
المسلمون والعالم
وجاؤوا بسحر عظيم! !
الدلالات الإعلامية في انتفاضة القدس
حسن قطامش
دخل أحد الجنود الصرب على أم بوسنية مسلمة في مطبخها، وكانت تعد
طعام الغداء، ففتح إناء الطعام الساخن، وسألها: ألا يوجد في طعامكم هذا لحم؟
فأجابته بالنفي، فبادر الجندي الصربي بوضع قطع من اللحم في ذلك الوعاء وهو
على النار.. كان هذا اللحم هو أشلاء ابن هذه المرأة، الذي قُطِّعت أوصاله أمام
عينيها! !
حادثة بشعة قرأناها في الصحف.. لم نرها، ولم تصورها عدسة مصور، لا
ثابتة ولا متحركة حتى تتحرك معها القلوب عطفاً وشفقة.
صور أخرى عُرضت في أحد المواقع الإسلامية الإندونيسية عن المجازر
البشعة التي ارتكبت في حق مسلمي جزر الملوك، رأيتها، ورآها كثير من الناس،
في هذا الموقع، وفي أماكن أخرى، جرائم تقشعر لها الأبدان، رؤوس مفصولة
عن الأجساد، أطراف ممزقة، بطون مبقورة ومحشوة بالأحجار، عُلِّق الأطفال
على الأشجار وهم أحياء، واستُخدِمُوا أهدافاً للتدريب عليها بالخناجر والبنادق،
وكان يُرفع بعضهم إلى الهواء ويتلقاهم النصارى على أسنة رماحهم التي تخترق
الأجساد الغضة.
هذا واقع حقيقي، ونشر في عدد من المطبوعات العربية، ونشرت بعض
المجلات تحذيراً لأصحاب القلوب الضعيفة من أن في الداخل صوراً مروعة! !
وجاءت انتفاضة الأقصى الأخيرة لتحمل في طياتها مجازر جديدة للمسلمين،
ولتضيف أرقاماً منهم إلى قوائم سبقتهم في ذات الطريق.
وجاء مقتل الطفل محمد الدُّرة ليزيد من آلامنا الكثيرة، كان أول إحساس
انتابني عندما شاهدت صورة الحادثة الأليمة أنني تخيلت نفسي مكان ذلك الأب،
وماذا عساي أن يكون شعوري في هذا الموقف، ولَكَم هو ألمي وعجزي؟ !
لم يكن مشهد قتل محمد الدُّرة بأشد بشاعة مما ذكرت عن تلك الأم البوسنية،
ولا يقارن بما حدث لأطفال جزر الملوك المسلمين بحال.
ولم يكن محمد الطفل الفلسطيني الوحيد أو الأول الذي قتل على يد يهود، بل
سبقه آلاف.. بنفس الرصاص.. من نفس البندقية.. من نفس العدو.. في نفس
البلد.. فلماذا فعل مشهد موته ما فعل، وهو مجرد طفل كغيره من أبناء الأرض
المباركة؟
ما الذي جعل صورته تصل إلى كل بيت، واسمه يردد على كل الألسن؟ وما
الذي جعلني أكتب هذه الأسطر عنه، وسبقني مئات سطروا المقالات والقصائد
حول موته؟ ما الذي صنع من موت طفلنا هذه القصة الكبيرة التي ألهبت الحماس،
وأججت الصدور حقداً وغيظاً؟
إنهم السَّحَرة [١] ! ! السحرة الجدد، سحرة الصورة المتحركة، والبث المباشر،
والإعلام الحي، وأكاد أجزم أن هذه الجريمة البشعة كانت ستلحق بأخواتها في
سجل النسيان المرير، لولا هذا التكرار، والنكء المستمر للجرح الأليم.
لقد كان للإعلام بلا شك دور رئيس في أحداث انتفاضة الأقصى، كما له
الدور ذاته في جوانب أخرى من حياتنا، إيجابية وسلبية، إلا أنه في هذه الأحداث
ظهرت دلائل هامة من خلاله، أظهرها هو، فكان منها ما يحسب له ومنها ما
يحسب عليه، أو ظهرت بتأثيره وبصدى الفاعلية المؤثرة التي صاحبته في تلك
الأحداث، فكان لا بد من قراءة لهذه الدلالات بإيجاز.
ولا أحسب أنني أذهب بعيداً إن قلت إن حجم التغطية الإعلامية لأحداث
الأقصى كان العامل الأكبر في تفاعل الجماهير المسلمة في كل مكان، وهو ما أدى
بدفع القمة العربية إلى الانعقاد في القاهرة، نزولاً على ضغط الشارع وغضبه
ومحاولة لإسكاته بالطبع ولم يكن هذا الغضب إلا صدى لهذه الحملة الإعلامية.
ولذلك من غير المستبعد أبداً أن يلعن بعض من الناس المصور الفلسطيني الذي قام
بتصوير المشهد، كما لُعنت القناة الفرنسية وأخواتها بسبب ما جرَّته تلك المشاهد
مما تلاها.
كانت الدلالات كثيرة ولها مغازٍ هامة، منها:
١ - كانت أهم النقاط الإيجابية التي ظهرت هي مدى وضوح العداوة
والبغضاء في قلوب الجماهير المسلمة لليهود، وإدراك أن الصراع معهم صراع
ديني، وأن تلك الحملات التي ما فتئت تحرض على التعايش السلمي مع اليهود،
وتَقبُّل الدولة الصهيونية كجارة يجب أن تُعطى حقوق الجيران التي حث عليها
الشرع! ! لم تؤثر في الأمة المسلمة بالحجم الذي يوازي ثقل هذه الحملات وثقل
المنافحين عنها والمحركين لها.
٢ - أثبتت الجماهير المسلمة وبالرغم من عدم التوجيه المباشر لها أن الأمة
ما زالت حية، بل تنبض بالحيوية في كافة فئاتها، أرتنا الأحداث نماذج تنحني لها
هامات الرجال وقمم الجبال، لم يحتج الأمر لديهم لإظهار مشاعرهم وصدق إيمانهم
إلى فلسفة أو تنظير أو كثير تفكير أو تعمق واستعراض واستقراء للواقع وتحولاته
أو موازنات أو غير ذلك، سمعنا عن أطفال يغتسلون قبل نزول الميدان المفتوح في
كل فلسطين يرجون الشهادة، سمعنا عن أطفال قطعوا القفار رغبة في نصرة
إخوانهم المسلمين، وقرأت ذلك الحوار الذي أجري مع الطفل أحمد شعراوي
(١٣ عاماً) بعدما أعادته السلطات المصرية من حدود مدينة رفح إلى والده، وقد
سأله المحاور: ألم تفكر في أمك وأبيك، أختك، أهلك، والقلق على غيابك؟
أجاب وانظروا الإجابة من طفل قال: لو فكرت في ذلك فلن أقدر على فعل شيء،
هناك أشياء أكبر لا بد أن نحبها أكثر من أنفسنا وأهلنا، أكثر من أي شيء.
وسأله المحاور: هل أنت سعيد بما فعلت؟ أجاب: كنت سأبقى سعيداً جداً لو
نجحت ودخلت فلسطين واستشهدت هناك! ! وقد سأله والده: كيف ستصنع في
مراجعة المواد التي تأخرت فيها؟ فأجابه: الذي يذهب للجهاد لا يرجع مرة
أخرى! ! وسمعنا بالأمهات اللواتي يباركن خطوات فلذات أكبادهن نحو الموت
والشهادة، وعن الشباب، فحدِّث ولا حرج، رأينا في الأمة كلها الحياة. رأينا
الأيدي البيضاء التي تصدقت من مالها، وجاءت بذهبها وفضتها طيبة نفوسها في
سبيل نصرة إخوانهم في الدين، كانت صورة التبرعات من أجلى صور صدق
الولاء مع المسلمين، ودليل حياة في القلوب.
٣ - القناعة التي ظهرت لدى تلك الجماهير من أن الحل الأمثل لهذه القضية
إن لم يكن الوحيد هو الحل الإسلامي، الجهاد في سبيل الله؛ حيث ترسخت القناعة
بإخفاق كافة الحلول إلا هذا الحل، وقد أخبرني مَنْ شاهد إحدى المحطات الفضائية
أن إحدى المذيعات سألت فتاة متبرجة عن رأيها في القمة العربية الأخيرة، وهل
ستحل الأزمة الحالية؟ فأجابت: لن تقدم القمة أي حلول! ! ومن وجهة نظري أن
تعطوا (حماس) مالاً وسلاحاً وستقوم هي باللازم! !
قناعة وإن كان يشوبها بعض القصور والبراءة إلا أنها تحمل في طياتها
استقراراً لمفاهيم جديرة بالإشادة والتحفيز.
بل أصبحت هذه القناعة أكثر رسوخاً لدى أعداء الإسلاميين، وأنهم أهل
للأخطار الكبيرة، وإلا فما مغزى إطلاق عرفات لبعض أفراد حماس مهدداً بهم
إسرائيل، ثم عاد بعدما أعاد النظر وتعقل واعتقلهم مرة أخرى؟ !
حتى يهود أعادت تلك الأحداث هذه القناعة لديهم وأكدها الجنرال (داني
روتشيلد) مدير قسم الأبحاث السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية حين قال:
«ويل لدولة إسرائيل إذا سمحت للأصوليين أن يكونوا بمثابة الجبهة التي تتطلع
إليها الجماهير العربية» ، أما المستشرق والباحث في شؤون الحركات الإسلامية
في مركز ديان للأبحاث (د. إيلي ريخس) فقال بصراحة: «كل نجاح
للإسلاميين يمثل خسارتين في آن معاً؛ فمرة لأن الخوض في مواجهة ذات طابع
ديني ويقودها متدينون مسلمون صعبة لنا، ومرة أخرى؛ لأن نجاح الحركات
الإسلامية يعني إفلاس الأنظمة العربية في نظر الجمهور العربي؛ وهذا أمر لا
يقل خطورة عن الأول؛ لأننا يجب أن نكون معنيين بأن تكون الأنظمة الحاكمة مقنعة
لجمهورها» ! !
ازدياد تلك القناعة لدى فئات عدة، لا بد أن يزيد قناعة الإسلاميين أنفسهم
بصحة قضاياهم ومنهجهم وطريقهم الذي يسلكونه طلباً لرضى الرب الكريم.
٤ - لم يفلح الاستفراد الإسرائيلي بفلسطين بعد اتفاقية السلام مع عرفات في
عزل الشعوب المسلمة عن قضيتهم الكبرى؛ ففي الوقت الذي استراحت فيه دول
من حمل همِّ القضية، وأن لفلسطين رئيساً يحميها، وتخلت تلك الدول عما كانت
تسميه دعماً سياسياً للقضية بصورة مباشرة، واكتفت بالبروتوكولات الباردة من
شجب وإدانة وتأييد على صفحات الجرائد الرسمية، لم يحمل هذا الشعوب على
التخلي عن قضية فلسطين، وأثبتت الأحداث أنها ما زالت في بؤبؤ العين وعين
القلب.
ومن هنا فقد زاد اتساع الهوة بين الشعوب والحكومات، وإن كانت الشعوب
على حالها الراهن لا تستطيع تغييراً كبيراً في الأحداث لقلة حيلتها وهوانها على
الحكومات، إلا أن الحنق والغضب والازدراء ازداد في النفوس، والقناعة بعدم
أهليتها لتحقيق مطالب الأمة أصبحت يقيناً، وهو أمر إيجابي للغاية؛ فلم تعد
الشعوب تقنع بامتصاص غضبها بمؤتمرات قمة أو غيرها.
ولقد كان الموقف الشعبي من القمة الأخيرة ونتائجها في غاية الوضوح، بل
كان واضحاً قبل انعقادها؛ فمن خلال استبيان أجري في أحد المواقع على شبكة
الإنترنت أفاد ٨٨% من المشاركين أن القمة لن تسفر إلا عن الإدانة والشجب.
ولا يدفعنا هذا الموقف من الجماهير المسلمة إلى الوقوع في الوهم الجماهيري،
وأنها قادرة بمفردها على التغيير بغير توجيه واستفادة قصوى من طاقاتها بحسب
ضوابط واضحة؛ فهي تقاد ولا تقود، ولا يدفعنا ذلك كذلك إلى إغفال دورها وثمين
حياة قلوبها مع قضايا الأمة.
كما شاركت الجماهير فئات من الناس يعدون من سقط متاعهم، كالفنانين
والراقصين، تفاعلوا مع القضية وتظاهروا واعتصموا وغنوا ورقصوا من أجل
القضية! ! يجب ألاَّ ينسينا هذا التفاعل حقيقتهم، وأن يوضعوا في الحجم الحقيقي
لهم، وإن كان الملمح هنا أنه حتى أولئك تأثروا وتفاعلوا.
٥ - أسقطت هذه الأحداث ورقة التوت الأخيرة التي كان يستتر بها دعاة
السلام والداعون له والمنظرون لثقافته؛ فها هي المذابح تقع الآن تحت غصن
الزيتون الذي يرفعونه، وأظهرت أن غصنهم الملعون يسقى بدم الأبرار، وأن
ثماره بنادق وصواريخ تحرق القلوب والأجساد، وتخرب الديار، ورغم ذلك،
ورغم القناعة التي ترسخت لدى قطاع عريض من الناس، عامتهم وخاصتهم
بإخفاق ما يسمى مسيرة السلام إلا أن بعض أولئك لا يزالون يدافعون عن إسرائيل
ويراهنون على طاولة المفاوضات ويقبضون على شفاههم استنكاراً لفكرة الجهاد.
أحد أولئك التطبيعيين حتى النخاع وهو المسمى (علي سالم) يقول في ذروة
الأحداث الأخيرة: «إن إسرائيل تضم الملايين من دعاة السلام، ولكنكم في العالم
العربي ترون أن الحق في جانبكم فقط وأن الآخرين هم الجناة، نحن نعيش حالة
حرب في عقولنا فقط، ونرفض الاستماع إلى أصوات السلام داخل إسرائيل، إن
من العبث تصور أن إسرائيل وحدها المخطئة، لقد رأيت صورة محمد الدُّرة،
ورأيت أيضاً الجنود الإسرائيليين الثلاثة وهم يذبحون وتحرق جثثهم لماذا تتجاهلون
ذلك أيضاً، لقد انتصر اتجاه العنف في النهاية! !» .
ومن نفس جماعة كوبنهاجن يخرج آخر، وهو ناشر وكاتب يدعى (أمين
المهدي) ليزايد على قرينه في السوء ويقول: «نعم، ما يجري (من الفلسطينيين)
عودة لسيطرة الفاشية وإحراج قوى السلام في إسرائيل؛ فحركات السلام كانت
في الحكم! ! وكانت تضغط في اتجاه إقرار السلام، لكن ما جرى عصف بكل
شيء، فحتى المظاهرات التي خرجت في الشوارع العربية لم تكن إلا تمهيداً لهذه
الفاشية، والمقاومة التي تقوم بها حماس هي أيضاً قسم من هذه الفاشية وليست في
صالح الشعب الفلسطيني، أنا أتحدث لمصلحة الشعب الفلسطيني، وهذا الشعب
عليه إدراك أن من يهتف بالقدس عربية أو إسلامية، لا يريدون الخير للشعب
الفلسطيني؛ لأن القدس فلسطينية، لا عربية ولا إسلامية! !» [٢] .
ويبدي أحدهم أسفه الشديد، ويثير التعاطف مع اليهود؛ حيث إن قطاعات
مهمة وواعية بين الإسرائيليين واليهود عالمياً يؤمنون بمنهج اللاعنف، وما زال
الجميع منهم يعملون ضمن جماعة «السلم الآن» وغيرها من المنظمات اليسارية
الإسرائيلية، وكثيراً ما يشعر هؤلاء بالحرج والحيرة عندما يجدون الفلسطينيين
يضربون إخوانهم الإسرائيليين بالحجارة أو الرصاص أو العمليات الانتحارية [٣] .
ونسوق لهذا التعيس خبر رفض المسؤولين في حركة «السلم الآن»
الإسرائيلية تنظيم أية مظاهرات تأييداً لعملية السلام؛ فقد قال إميرام جولد بلوم أحد
قادة الحركة: «إننا نشعر بالإحباط؛ لأن إسرائيل قامت بخطوة كبيرة نحو السلام
والفلسطينيين ولكن لم يحذُ الفلسطينيون حذوها، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي
إيهود باراك قدم للفلسطينيين تنازلات في قمة كامب ديفيد لم تحدث من قبل،
وخاصة في شأن القدس! ! لا يمكننا الدعوة حالياً إلى تنظيم مظاهرات تأييداً للسلام
إذا كان الفلسطينيون غير مستعدين لذلك» .
لا أحسب أن هذا الكلام من هذا اليهودي يختلف في شيء منه عن ذلك
المحسوب على المسلمين، أرأيتم كيف كانت الأحداث في بعض جوانبها إيجابية
برغم دمويتها؟ فما انكشف ستر أولئك مثلما انكشف مع تلك الأحداث.
٦ - كان من أجلى ثمرات هذه التغطية الإعلامية، هو إثبات مدى القدرة
الفائقة لجهاز الإعلام في تشكيل رأي عام حول قضية بعينها، سلباً أو إيجاباً،
وعلى سبيل المثال فقد طلبت دولة موريتانيا من سفير لإحدى الدول لديها وقف
تكرار مشاهد الانتفاضة الفلسطينية في القناة الفضائية الخاصة ببلده، خوفاً من
غضبة الشارع الموريتاني الذي سوف يتفاعل مع هذه المشاهد! !
وبرغم أن هذه الماكينة الإعلامية العملاقة تتحرك من خلال سياسات مرسومة
حسب التوجه لأصحابها أو القائمين عليها إلا أنه بالإمكان استغلالها في خدمة قضايا
الأمة بشكل جيد.
ولم يكن للإعلام العربي فضل في السبق ببث حادثة مقتل الدُّرة، بل كان
تابعاً للإعلام الفرنسي، ولولا الحياء من الاتهام بالتخاذل لغض الطرف عن ذلك،
فتسابقت القنوات في رصد القضية ومتابعتها مجاراة للأحداث، كما تابعت في
الوقت ذاته مباريات كرة القدم وغيرها مما يُتابع، نعم! هذا واقع الإعلام العربي،
لكن بالإمكان استغلاله بصورة أكثر فاعلية كتلك التي حدثت مع انتفاضة القدس،
وإن كانت قضية فلسطين لها خصوصيتها باعتبارين:
- باعتبار العداوة المتأصلة في النفوس المؤمنة تجاه اليهود على مر التاريخ
الإسلامي، والتي تربت عليها أجيال الأمة إلى اليوم.
- وباعتبار أن اليهود السبب الرئيس والمباشر في مأساة فلسطين المعاصرة؛
فكانت القضية واضحة تماماً لدى الجماهير، وبرغم هذا فيمكن الاستفادة من هذه
الماكينة الضخمة التي اخترقت العالم أجمع في خدمة قضايا المسلمين.
وقد كان لعدد من المجلات الإسلامية حضور مشكور متميز، إلا أن هناك
وسائل أكثر تأثيراً ما زالت بحاجة إلى تفعيل واستغلال.
وإن كان وضوح القضية لدى الشعوب ساعد على تفاعلها؛ فإن ذلك لا بد أن
يلفت انتباهنا إلى ضرورة الطرح الصحيح لقضايا الأمة الأخرى وترسيخ القناعة
بصحتها وأهميتها حتى يؤتي زرعنا أُكله. ولقناعة دولة الكيان اليهودية بخطورة
الإعلام وقيمته فقد قامت بحملة إعلامية مضادة عقب تلك الحملات التي أظهرت
مشهد الطفل الدُّرة، فقد كشف السفير الإيطالي (سرجو فنتو) مندوب إيطاليا الدائم
في الأمم المتحدة أن إسرائيل قامت بالتضحية بالجنود الثلاثة الذين قتلوا في رام الله
حتى تستعيد التعاطف العالمي، وأكد السفير الإيطالي أن الحكومة الإسرائيلية
أرسلت جنودها الثلاثة إلى رام الله بدون مسوِّغ وحدهم وسط الانتفاضة الغاضبة
ليلقوا مصيرهم المحتوم، وهي تعلم هذا المصير، وأرسلت شبكات التلفزيون
لتسجيل الحدث الذي من شأنه أن يحقق توازناً دعائياً لإسرائيل أمام الرأي العام
العالمي [٤] .
وأكد السفير أنها تمثيلية درامية قدمت فيها إسرائيل الجنود قرباناً لدعايتها ضد
العرب.
وبالفعل استغلت إسرائيل هذا الحدث إعلامياً من خلال السيطرة اليهودية على
شبكات الإعلام العالمية، وقد أدلى أحد المصورين البريطانيين وقد حضر مقتل
الجنود بدلوه في هذه المسرحية الإعلامية حين قال: لقد صورت الكثير من المشاهد
العنيفة في العالم خصوصاً في الكونغو وكوسوفا، لكن ما شهدته هناك كان أسوأ ما
رأيته في حياتي.
كانت دولة الكيان مقتنعة بأن ما تأتي به صورة تذهب به أخرى، ولهذا فقد
صنعوا صورهم، كما صنعوا مآسينا.
٧ - أكدت الأحداث مدى بغض المسلمين لراعي الغنم، راعي حمامات
السلام؛ حيث كان التأييد لدولة الكيان أعمى من العمى، هذا ما أكدته الأحداث،
ولم يكن جديداً؛ كان الجديد هو ما نحن بصدده، فكما صنع الإعلام لدينا القناعات
السابقة وكانت له دلالات واضحة التأثير، في جلها إيجابية، كانت الصورة مغايرة
على الجانب الأمريكي، كانت الصورة لدى العالم في غاية الوضوح لا تحتاج إلى
تأويل، أو مزيد شرح وتفسير، أقوى جيوش الشرق الأوسط في مواجهة شعب
أعزل من كل سلاح مادي إلا الحجارة، مئات القتلى في مقابل قليل من قليل من
الجرحى، أشد الناس ظلماً وضيماً لا يستطيع أن ينحرف أو يجور أمام هذه المشاهد،
ولكن الإعلام الأمريكي كان أكثر من ظالم وأكثر من جائر، لقد حمل هذا الإعلام
الناس على لوم الضحية، والشفقة على الجاني، ولنأخذ مثالاً واحداً من هذا الجور
الإعلامي، من هذا السحر الذي صُنع في دولة بحجم الولايات المتحدة، صورة
أخرى غير التي لدينا، جريدة نيويورك تايمز، أهم الصحف الأمريكية كتبت في
افتتاحيتها عقب زيارة شارون للمسجد الأقصى، وحملت عنوان: (مواجهة دموية
في الشرق الأوسط) تقول: «بالأمس هاجم بعض الفلسطينيين الغاضبين
والمتطرفين القوات الإسرائيلية والمدنيين في أنحاء القدس، والضفة الغربية
وقطاع غزة والمناطق الإسرائيلية المأهولة بالسكان العرب، بالحجارة والقنابل النارية
والرصاص! ! وقد رد الجيش الإسرائيلي مستخدماً الأسلحة والصواريخ المضادة
للدروع» ! ! وحمَّلت الصحيفة السلطة الفلسطينية المسؤولية؛ لأن معظم هذا
العنف قام به الفلسطينيون، وتفهمت الصحيفة تصرفات باراك الذي يتحتم عليه أن
يدافع وبقوة عن حياة الجنود الإسرائيليين والمدنيين من هجمات الفلسطينيين، وقس
على ذلك ما شئت من الصحف.
وفي الوقت الذي كانت وسائل الإعلام في الشرق تتناقل صور القتلى
والجرحى الفلسطينيين، كانت شبكات الإعلام الأمريكية مثل الـ C. N. N.
تعيد وتزيد من عرض صور بعض اليهود وهم يهربون من جانب حائط البراق
خشية أن تصيبهم الحجارة الفلسطينية، ولا تخلو هذه الصور من تعليقات ذات
مغزى.
ولو تتبعنا ما قام به الإعلام الأمريكي فلن نقف إلا على ظلم وجور وغبن
وخداع، وما شئت أن تضيف إلى قائمة الباطل فأضف.
لقد صنع الإعلام لدينا أحداثاً ورسخ قناعات، وكانت له دلالات هامة تحتاج
إلى تأمل أكثر.. فلنتأمل.
стр. 3714
المسلمون والعالم
نحو تفعيل أفضل لانتفاضة الأقصى
د. يوسف الصغير
لم يحر قلمي مثلما حار عند كتابة هذه الخواطر؛ لأنها تقتضي التخلص من
كثير من الرواسب العالقة في الذهن والمتمكنة من السلوك.
لقد كان دخول شارون إلى ساحة المسجد الأقصى هو الخطوة ما قبل الأخيرة
في خطوات بناء الهيكل، وكان المتابع للأحداث يصاب بالأسى ويحس بالعجز؛
فقد وصلت الأمور إلى أن نقطة الخلاف الأساسية ليست شرعية وجود دولة اليهود
في فلسطين، ولا حق اللاجئين بالعودة، ولا حقيقة شكل دولة فلسطين الموعودة
ومضمونها؛ بل ولا اسم عاصمة كل كيان وحدوده؛ فكل هذه الأمور تم تجاوزها
وحلها أو تجاهلها، ولكن بقيت القشة التي قصمت ظهر البعير ألا وهي أنه إذا
سلَّمت السلطة القدس لليهود وجعلوها عاصمة لهم وسموها أورشليم؛ فماذا سيكون
وضع المسجد الأقصى وقبة الصخرة؟ إن هذه القضية لم يستطع عرفات تجاوزها،
وكان الإعلام يركز على الخلاف حول هذه النقطة مما يعني ضمناً أن اتفاقاً ما قد
تم التوصل إليه حول بقية القضايا، وكانت مناورة السلطة في إظهار التمسك بحق
السيادة على الحرم من أجل جس النبض في مدى تقبُّل التنازل عن بقية القضايا.
والحقيقة أن موقف الناس ومنهم الدعاة لا يتعدى الحوقلة وبعض المقالات
والكتب التي توضح رأي المسلمين فيما يجري؛ ولكن لم تبرز أي مواقف عملية،
ولا أعْدُو الحقيقة عندما أؤكد أن عامة الناس لا يحسون بما يجري؛ بينما ساسة
اليهود وخدمهم في الإدارة الأمريكية ينتظرون على أحرِّ من الجمر إقدام عرفات
على التوقيع على آخر التنازلات.
نعم! لقد كانوا ينتظرون انتحار القضية، وعندما لم تستطع الضحية الانتحار
قام شارون بمحاولة قتل القضية وإثبات السيادة على آخر جزء متنازع عليه مع
السلطة، لقد كان اليهود مستعدين لاحتمال قيام مظاهرات واحتجاجات تستمر لعدة
أيام، ويتم قمعها بعد عدة أيام، ويسدل الستار على القضية أيضاً بعد أيام، ثم تبدأ
المرحلة الأولى من مراحل بناء الهيكل ألا وهي تدمير المسجد.
لقد بدأت الأحداث كما توقعوا: مظاهراتٍ، وقتلاً للعُزل، ومحاولات تنسيق
مع السلطة لإيقاف الاحتجاجات. ولكن حدث ما لم يكن بالحسبان، لقد كان محمد
الدُّرة عائداً مع والده من سوق للسيارات المستعملة عندما وقعا في منطقة يقوم فيها
جنود يهود بالتسلي بقتل رماة الحجارة، وكان اليهود من القرب بحيث يسمعون
صراخ الطفل المرعوب مع صياح الوالد يطلب منهم عدم إطلاق النار عليهم؛ فهما
أعزلان حتى من الحجارة، وبالطبع لم يزد ذلك اليهود إلا غياً وإجراماً فاستمروا
بإطلاق النار حتى خمد الطفل وأصيب أبوه؛ بل تم قتل سائق أول سيارة إسعاف
تأتي لإخلائهما. إن هذا حدث عادي ومتكرر، وكل واحد من المئة والستين الذين
وقعوا ضحية الأحداث له قصة مشابهة، ولكن الفرق أن الله قدَّر أن أحد المصورين
الفلسطينيين قد وقع مثلهما في مصيدة النيران، واختبأ بقربهما وقام بتصوير
مأساتهما وإرسالها إلى وكالة الأنباء الفرنسية التي قامت ببثها؛ وهنا حصل ما لم
يكن بالحسبان: لقد كانت المشاهد مؤثرة بشكل أجبر كثيراً من وسائل الإعلام على
عدم تجاهلها طويلاً.
وفي العالم الإسلامي كانت الصور مؤثرة بحيث أخرجت الناس إلى الشوارع
تعبيراً عن مساندتهم إخوانهم في فلسطين، وللاحتجاج على المجازر التي يرتكبها
اليهود، ودفعت هذه المشاهد القضية إلى الواجهة، وبدأت القنوات في التنافس على
المشاهدين عن طريق طرح قضية فلسطين من جديد.
وإذا كان شعار الانتفاضة هو: (لا إله إلا الله، والدعوة إلى الجهاد وطلب
الشهادة) ، فإن هذا انعكس على نبض الشارع، وبدأتَ تسمع كلمة الجهاد من جديد
وأنها السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق بعد أن نجح العدو في جعل الجهاد مرادفاً
للإرهاب حتى في وسائل الإعلام في العالم الإسلامي.
لقد اتضح لكل ذي لب أن الإعلام كان له أكبر الأثر في إبراز القضية من
جديد، وأن التغطية الإعلامية أساسية في تفاعل الناس مع أحداث الانتفاضة، بل
عامل أساسي في توجيه الرأي العام والحكومات، وتفوقت القنوات العربية لأول
مرة في متابعة الحدث، وبرز مراسلون متميزون لا يقلون مهنياً عن المراسلين
الغربيين، بل يفوقونهم في توضيح الحقائق وتصوير الحدث كما هو.
لقد كان الإعلام غائباً تماماً عن أحداث الفلبين وإندونيسيا وكشمير والجزائر
والبوسنة وكوسوفا، نعم! لقد كانت وجهة النظر الإسلامية غائبة والتغطية من
المسلمين لها غائبة؛ فأين التحقيقات الصحفية الميدانية؟ وأين البرامج الوثائقية
الجيدة عما جرى للمسلمين ويجري في الفلبين؟
وهل قضيتهم تختصر في اختطاف مجموعة من الرهائن الغربيين؟ بل ماذا
يجري في إندونيسيا، وماذا حل بالمسلمين في جزر الملوك من مجازر وإبادة؟
إن الذين يتجاهلون إبادة المسلمين في هذه الجزر هم الذين يسارعون إلى
تصوير جماهير المسلمين المقهورين هناك الذين يحملون السيوف ويدعون للجهاد
في جزر الملوك نصرة لإخوانهم، يصورون ذلك على أنها محاولة لإبادة النصارى،
ويطالبون بفرض الحماية الغربية!
أين الإعلام الصادق عما يجري في الجزائر من مجازر رهيبة؟ هل قام أحد
بإبراز الحقيقة؟ وأنا هنا أجزم أنه لو كان الجاني الحقيقي هم المسلمين لتسابقت
الأجهزة الإعلامية الصليبية لتسليط الضوء عليه ولكن..! !
أما كشمير أفلا يكفي عجز ٦٠٠ ألف جندي هندي عن السيطرة على المنطقة
لإثبات أن وجود الهند مرفوض شعبياً؟
إن الإعلام الغربي يمارس التعتيم الشامل على أحداث الشيشان إلا ما ندر،
ولم يكسر هذا الحصار إلا تنبه المجاهدين لأهمية مواقع الإنترنت واستخدامها
بنجاح.
إن الذي أريد أن أخلص إليه أن غياب التوجه الإسلامي عن الإعلام،
وتقصيرهم في هذا الجانب أمر يجب تداركه بصورة عاجلة، وهو يحتاج إلى
استنفار عام لتدارك النقص في هذا الجانب؛ لأن الصراع يلعب فيه الإعلام دوراً
حيوياً، ولا يخفى أن أدوات اليهود في السيطرة تعتمد على الاقتصاد والإعلام.
إننا بحاجة إلى العمل الجاد في أوساط العلماء وطلبة العلم وأهل الخير من
أجل بيان أهمية هذا الثغر ووجوب سده.
كما أن هناك كثيراً من المشاريع العاجلة التي تحتاج لتضافر الجهود، ومن
أهمها:
- إنشاء عدد من مؤسسات الإنتاج الإعلامي المسموع والمقروء والمشاهد.
إن هذه المشاريع ضرورية جداً لتدريب الإعلاميين، وكذلك من أجل سد النقص
الشديد في المواد الإعلامية.
إن الربحية ممكنة في هذه المشاريع؛ ولكن أرى أن نجاحها في رسالتها
يقتضي أن تكون مؤسسات لا تسعى للربح.
- تشجيع الشباب الملتزم على الدخول في التخصصات الإعلامية والأدبية
بنيِّة الدعوة إلى الله وتبليغ رسالة الإسلام.
- التعاون مع الصحف ووكالات الأنباء العاملة ومحاولة إيصال الحقيقة.
- إن إنشاء وكالة أنباء إسلامية لكسر احتكار الأخبار هو ضرورة ملحة وأمل
ينبغي العمل على تحقيقه.
- الاستفادة من ثورة الاتصالات في الدعوة إلى الله لمواجهة الكيد، والعمل
على وقف الهجمة التغريبية الشرسة.
قد تبدو الاقتراحات خيالية لبعضنا؛ ولكن الأمر ليس كذلك.
إننا إذا أردنا أن نخرج من الأزمة التي نعيشها فيجب أن نكون جادين في
استثمار الهبَّات العاطفية التي تمر فيها الأمة والعمل على تفعيلها في أعمال مستمرة.
إن التعاطف مع الحدث يخبو ما لم يتم استثماره في عمل منتج، وإن الكثير من
الفرص قد ضاعت بسبب الاعتماد على العواطف فقط في التعامل مع الناس.
إن أهم استثمار ممكن للعواطف الحالية هو ثورة إعلامية إسلامية ملتزمة
تكون رائدة في نشر الإسلام والذب عنه، وإذا لم نقم بذلك فإن الله قد تكفَّل بحفظ
هذا الدين، وكما قال الرسول ﷺ : «إن الله ليؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجر» [١] وقال تعالى: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا
أَمْثَالَكُمْ] (محمد: ٣٨) .
فأين نحن من هذا الثغر الذي لم يُسدَّ بعد؟
стр. 3715
المسلمون والعالم
مستقبل الصراع مع اليهود
ومسؤولية الإعلام العربي والإسلامي
عبد القادر فؤاد
إن تعجب، فمن صراخ بعض وسائل الإعلام العربي وضجيجها وحديثها
المتهالك قبل الانتفاضة عن السلام، وحتميته وفوائده وتفرده بين الحلول بأن يكون
خياراً استراتيجياً؛ وكأن الأمر قد اختصرته شريعة هيئة الأمم ومجلس أمنها إلى
صراع بين فئتين مؤمنتين شغب بينهما إبليس بتحريشه، فتنادى العقلاء وأهل
الرأي لوضع حدٍّ لهذا الصراع.
إذن ما هو السبب في جعجعة الإعلام العربي باختلاف أشكاله في حديثه عن
السلام؟ وأين هو من كل حقائق القرآن والسنة النبوية، وما اشتملت عليه من حشد
هائل لأحداث الصراع؟ وأين الإعلام من الصفحات الدامية عبر التاريخ؟ .. هل
نسي الإعلام ما فعله ابن سبأ وما قام به من فتنة في صدر الإسلام، أم تراه نسي ما
فعله اليهود وعملاؤهم من الماسون في القضاء على الدولة العثمانية، أم قد عميت
عيناه عن حروب إسرائيل للمسلمين على أرض فلسطين وخارجها خلال الخمسين
عاماً الماضية؟ ! إن إعلاماً بلا ذاكرة كإعلام بلا عقيدة أو هوية. وإعلام هذا حاله؛
هل يرجى منه استشراف المستقبل، وصياغة استراتيجية محددة المعالم لمخاطبة
العقل العربي والإسلامي في ظل التهريج الإعلامي الدولي؟ !
في خضم أحداث العنف اليهودي وما قام به يهود من قتل للأطفال الأبرياء
فضلاً عن الكبار تفاجئك بعض وسائل الإعلام العربي بالحديث المغرق في التفاؤل
عن جهود القادة المجتمعين في سبيل وحدة الصف العربي. وحُقَّ لكل مسلم أن
يسأل: هل افترقوا بعد اتحاد حتى يتحدوا من جديد؟ وهل اتفقت وجهات نظرهم
المتباعدة جداً (!) على أمر أدهى مما يسمى زوراً وبهتاناً مشروع السلام،
ومحاربة التطرف واجتثاثه وتجفيف منابعه؟ نعم! إنهم متفقون كل الاتفاق وإن
اختلفت الأدوار باختلاف الجغرافيا، وما على القارئ أو المستمع لشيء من جرعات
التخدير تلك سوى الربط بين التصريحات المدوية والتهديدات الصريحة والمبطنة
ضد يهود، وبين الصورة الجماعية بعد المؤتمر وقد علت الوجوه ابتسامات مشرقة
رغم إرهاق الاجتماعات وعنائها (!) ثم لينظر القارئ والسامع، ولينتظر تنفيذ
شيء مما صُرِّح به. لينظر في الواقع: هل تحركت جيوش؟ هل بدأ تنفيذ مخطط
للتواصل مع تلك الجموع المجاهدة داخل فلسطين بدلاً من تركها نهباً للرافضة
الباطنيين؟ لن يتعب القارئ ولا السامع في الوصول إلى قناعة هي أشد ثباتاً من
الجبال الراسيات من أن الأمر تحصيل حاصل لقرارات قرأها أحدهم قبل انعقاد
المؤتمر الذي نجم عنه توحيد الصف ولمّ الشمل (!) .
حقيقة الصراع:
إن الإشكالية التي يعاني منها عقل المسلم وقلبه على السواء ناشئة من هذا
الاختزال العفوي أو المتعمد من بعض وسائل الإعلام لحقيقة الصراع وأبعاده، فلا
يكاد يصحو المسلم على حقيقة الصراع وجذوره إلاّ في ظل كارثة جديدة أو ما
يسمّى إعلامياً: «الانتفاضة» ، «موجة العنف» ... إلخ.
وجُلّ ما يأتي من الطرح الأصيل لحقيقة الصراع، إنما هو من الخطباء
والمنابر الإعلامية الإسلامية الملتزمة، ومن خلال مساهمات بعض الإعلاميين
الصادقين في منابر إعلامية غير إسلامية أو محسوبة على المسلمين، ثم لا يلبث أن
يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل هذه الحادثة أو تلك من تصوير للصراع على أنه
صراع على الأرض: على حدود معاهدة التقسيم عام ١٩٤٨م، أو حدود هدنة عام
١٩٦٧م، أو تنفيذ مبادرات السلام الهزيل.
وأخيراً وليس آخراً تنفيذ قرارات أوسلو ومدريد وما بعدها، وهذا الانكماش
في تصوير نوع الصراع من صراع عقدي إلى صراع على الأرض، يقابله
انكماش آخر في ساحة الصراع؛ حيث الراية عِمِّية مقابل الراية اليهودية؛ حيث
تردد وسائل الإعلام المختلفة المحلي منها والعالمي: «الصراع العربي الإسرائيلي»
رغم ما يحمله المصطلح من تناقض بارز؛ حيث أحد طرفي الصراع «ديني»
والآخر «قومي عرقي» ! !
إن المعركة كما يقول الأستاذ سيد قطب: «معركة عقيدة، إنها ليست معركة
الأرض ولا الغلة ولا المراكز العسكرية ولا هذه الرايات المزيفة كلها. إنهم
يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين؛ ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها،
فإذا نحن خدعنا بخدعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه
ﷺ ولأمته وهو سبحانه أصدق القائلين: [وَلَن تَرْضَى عَنكَ
اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ] (البقرة: ١٢٠) .
كما أنها معركة متعددة الجبهات وليست مقتصرة على ساحة القتال العسكرية؛
حيث يدرك اليهود أنهم جميعاً لن يتمكنوا من قتل (١٨٠) مليون كبش ناهيك عن
(١٨٠) مليون عربي، ناهيك عن (١٠٠٠) مليون مسلم؛ فإن ساحة الصراع
والحرب تمتد إلى عالم الاقتصاد والسياسة والعقيدة والفكر والتراث، وبكل ما
أوتوه من قوة.
إن الفارق بين عقلية الذي يفكر في السلام وقد تخلّى عن العقيدة والسلاح،
وبين عقل من يحارب ليستريح ويستريح ليحارب فارق كبيرٌ جداً، كالفارق بين
رسالة رئيس منظمة التحرير الطويلة إلى رئيس وزراء إسرائيل عام ١٩٩٣م،
ورد رئيس الوزراء الإسرائيلي المقتضب، مع فوارق ظاهرية وجوهرية.
مستقبل الصراع:
مما سبق يتضح لنا أن اليهود وحلفاءهم سيصطدمون بالمسلمين في المنطقة،
وستجري حروب على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية،
وما هذه التيارات السياسية والاقتصادية العالمية المتتالية في القرن الميلادي الأخير
رغم قصر المدة إلا موجات تتناوب مع الخيار العسكري لمواجهة المد الإسلامي
ومحاولة القضاء عليه، وما تخدع كلمات دهاقنة السياسة الغربية المموهة إلا ذوي
العقول المشلولة والأفئدة السقيمة، [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ]
(الأنفال: ٣٠) .
إن حقائق القرآن والسنة وشواهد التاريخ وتداعيات الواقع لتدل بما لا يدع
مجالاً للشك أن الصراع مع اليهود قائم ودائم ومستمر إلى قيام الساعة، ولن
يستطيع دهاقنة السياسة والاقتصاد تعطيل هذه النصوص القاطعة ولا السنن الربانية
الجارية، وبلا مبالغة هم أعرف بذلك من كثير من جهلاء المسلمين؛ حيث صرّحوا
أن الجولات السياسية ما هي إلا محطات استراحة يحققون من خلالها ما لم تحققه
الآلية العسكرية. يقول مناحيم بيجن في كتابه (التمرد) :» لن يكون هناك سلام
مع العرب ما دمنا لم نحرر وطننا بأكمله حتى لو وقَّعنا مع العرب معاهدة الصلح.
إن الأسلحة العبرية هي التي ستقرر حدود الدولة العبرية، ولا يمكن أن نشتري
السلام من أعدائنا بالمفاوضات. فهناك نوع واحد من السلام يمكن أن يشترى هو
سلام القبور «! كما يقول كارتر:» إن دولة إسرائيل أولاً وقبل كل شيء عودة
إلى الأرض التوراتية التي أُخرج منها اليهود منذ مئات السنين. إن إنشاء إسرائيل
هو إنجاز للنبوءة التوراتية وجوهره «.
دور الإعلام والإعلاميين:
إذا علمنا كل ذلك وغيره مما لم يتسع المقام لذكره، رأينا كم هي التبعة الملقاة
على المنابر الإعلامية المختلفة، كما يتجلّى لنا جسامة المسؤولية الملقاة على كل من
تولى أمراً في هذه المنابر الإعلامية أو ساهم فيها.
إن معركة السلاح لا بد أن يسبقها إعادة صياغة لهذا الكيان بكل جزئياته؛
لتستعيد الأمة هويتها صافية من كل شائبة تسربت إليها من خلال وسائل الغزو
الإعلامي العالمي، أو من خلال العملاء أو الجهلاء الذين غرسوا في عقول
المسلمين الهزيمة النفسية وأصّلوها من خلال التبعية الفكرية والأدبية. وهذه
المسؤولية رغم ضخامتها يمكن للإعلامي المسلم أن يمارسها ولو مجزأة، ومن
خلال الوسائل المتاحة لا سيما في عصر الإنترنت وما تتيحه من انتشار لا يحتاج
معه إلى جواز لعبور الحدود والسدود التي بدأت تتهاوى بصورة أو بأخرى.
هذا بالنسبة للإعلامي المسلم.
أمّا الأجهزة الإعلامية فهي مطالبة بما هو أكبر من ذلك، إنها مطالبة ببرنامج
عمل متكامل، لعل من أبرز معالمه:
١ - عدم قطع الحديث عن عداء اليهود للأمة، حتى بعد إخراج آخر يهودي
من الأراضي المقدسة.
٢ - توظيف الأحداث في تربية الأمة، ولنا في القرآن شواهد كثيرة، وكيف
أن الخطاب القرآني كان يستغل الحدث الواحد كتحويل القبلة لإبراز هذا العداء
الظاهر والمستتر.
٣ - استعراض التاريخ القديم للصراع منذ زمن النبي ﷺ ،
وتجلية دور العقيدة السليمة في حسم النزاع لصالح المعسكر الإسلامي.
٤ - توظيف طاقات الأمة المسلمة عربيها وأعجميها؛ لإعادة كتابة فصول
التاريخ المعاصر الذي تعاني كثير من طبقات الأمة من تجهيلها به وتشويه معالمه
على أيدي القوميين والعلمانيين، بسبب محاولاتهم المستميتة لستر عوار نكساتهم
وهزائمهم المتلاحقة.
٥ - استخراج الدروس والعبر من أحداث ١٩٤٨م، ١٩٦٧م، ١٩٧٣م،
١٩٨٢م، وما تلا ذلك من اعتداءات اليهود وحلفائهم وتوظيفها لبث الوعي العقدي
والتاريخي والسياسي في أفراد الأمة المسلمة رجالاً ونساءاً.
٦ - ألاَّ تنسينا كارثة فلسطين ما يجري في أندونيسيا والشيشان ... وغيرها
من البلدان المسلمة، فالأمة الإسلامية أمة واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعى له
سائر الجسد بالحمى والسهر.
ختاماً:
إن أطفالاً وشباباً يصنعون بحجارتهم ما لم تصنعه الجيوش والمدافع في زمن
الذل والانكسار حريّ بهم أن يحققوا انتصارات كاسحة إن شاء الله تعالى؛ إذا
توفرت لعقولهم وقلوبهم التربية العقدية، والإعداد اللازم في ظل إعلام ملتزم.
[وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] (الحج: ٤٠) .